######OpenITI# #META# 000.SortField :: JK_009331 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: الشهرستاني #META# 010.AuthorNAME :: أبو الفتح محمد بن عبد الكريم الشهرستاني #META# 011.AuthorBORN :: - #META# 011.AuthorDIED :: 548 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: نهاية الإقدام في علم الكلام #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: كتب العقائد والملل :: مواضيع عقدية #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: نهاية الإقدام في علم الكلام #META# 030.LibURI :: JK_009331 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: NODATA #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: أحمد فريد المزيدي #META# 041.EdNUMBER :: الأولى #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار الكتب العلمية #META# 044.EdPLACE :: بيروت /لبنان #META# 045.EdYEAR :: 1425هـ -2004م #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # # | القاعدة الأولى في حدث العالم وبيان استحالة حوادث لا أول لها واستحالة ~~وجود أجسام لا تتناهى مكان # ا مذهب أهل الحق من أهل الملل كلها أن العالم محدث ومخلوق أحدثه الباري ~~تعالى وأبدعه وكان الله تعالى ولم يكن معه شيء ووافقتهم على ذلك جماعة من ~~أساطين الحكمة وقدماء الفلاسفة مثل تاليس وانكساغورس وانكسمايس ومن تابعهم ~~م أهل ملطية ومثل فيثاغورس وأنبدقلس وسقراط وأفلاطن من أثينية ويونان ~~وجماعة من الشعراء والنساك ولهم تفصيل مذهب في كيفية الإبداع واختلاف رأي ~~في المبادي الأول شرحناها في كتابنا الموسوم بالملل والنحل ومذهب ~~أرسطاطاليس ومن شايعه مثل برقلس والاسكندر الافروديسي وثامسطيوس ومن نصر ~~مذهبه من المتأخرين مثل أبي نصر الفارابي وأبي علي الحسين بن عبد الله بن ~~سينا وغيرهما من فلاسفة الإسلام أن للعالم صانعا مبدعا وهو واجب بذاته ~~والعالم ممكن الوجود بذاته واجب الوجود بالواجب بذاته غير محدث حدوثا يسبقه ~~عدم بل معنى حدوثه وجوبه به وصدوره عنه واحتياجه إليه وهو جوهر مجرد قائم ~~بذاته مجرد عن المادة وبتوسط ذلك أوجب عقلا آخر ونفسا وجرما سماويا ~~وبتوسطهما وجدت العناصر والمركبات وليس يجوز أن يصدر عن الواحد إلا واحد ~~ومعنى الصدور عنه وجوبه به ولا يتصور موجب بغير موجب فالعالم سرمدي وحركات ~~الأفلاك سرمدية لا أول لها تنتهي إليه فلا تكون حركة إلا وحركة قبلها فهي ~~لا تتناهى مدة وعدة واتفقوا على استحالة وجود علل ومعلولات لا تتناهى ~~واتفقوا أيضا على استحالة وجود أجسام لا تنتهي بالفعل والضابط لمذهبهم فيما ~~يتناهى وما لا يتناهى إن كل عدد فرضت آحاده موجودة معا وله ترتيب وضعي أو ~~فرضت آحاده متعاقبة في الوجود وله ترتيب طبيعي فإن وجود ما لا نهاية له فيه ~~مستحيل . PageV01P009 مثال القسم الأول جسم أو بعد لا يتناهى ومثال القسم ~~الثاني علل ومعلولات لا تتناهى وما عدى ذلك كل جملة وعدد فرضت آحاده معا أو ~~متعاقبة لا ترتيب لها وضعا ولا طبعا فإن وجود ما لا نهاية له فيه غير ~~مستحيل مثال القسم الأول ms001 نفوس إنسانية لا تناهى وهي معا في الوجود بعد ~~مفارقة الأبدان . ومثال القسم الثاني : حركات دورية وهي متعاقبة في الوجود ~~ومدار المسئلة على الفرق بين الإيجاد والإيجاب وبين التقدم والتأخر وإن ما ~~حصره الوجود فهو متناه من غير فرق بين الأقسام وما لا يتناهى قط لا يتصور ~~إلا في الوهم والتخيل دون الحسن والعقل ولا بد من بحث على محل النزاع حتى ~~يتخلص فيكون التوارد بالنفي والإثبات على محل واحد من وجه واحد فيصبح ~~انقسام الصدق والكذب والحق والباطل ولا يتبين محل النزاع إلا بالبحث عن ~~أقسام التقدم والتأخر فقال القوم التقدم والتأخر يطلق ويراد به التقدم ~~بالزمان كتقدم الوالد على الولد ويطلق ويراد به التقدم بالمكان والتأخر به ~~كتقدم الإمام على المأموم وقد يسمى هذا القسم متقدما بالرتبة وقد يطلق ~~ويراد به الفضيلة كتقدم العالم على الجاهل وقد يطلق ويراد به التقدم بالذات ~~والتأخر بها كتقدم العلة على المعلول وهؤلاء قصدوا في إطلاق لفظ الذات ~~فإنهم أرادوا به العلية والذات أعم من العلية فكان من حقهم أن يقولوا ~~التقدم بالعلية ثم العلية الغايية تتقدم على المعلول في الذهن والتصور لا ~~في الوجود فهي متأخرة في الوجود متقدمة في الذهن بخلاف العلة الفاعلية ~~والعلل الصورية فإنها لا تكون مقارنة في الوجود فافهم هذا فإنه ينفعك في ~~نفس المسئلة حيث يستشهدون بشعاع الشمس مع الشمس وحركة الكم مع حركة اليد ~~فإنهما وإن تقارنا في الزمان أنهما إذا أخذا على أن أحدهما سبب والثاني ~~مسبب لم يتقارنا في الوجود لأن وجود أحدهما مستفاد من وجود الآخر فوجود ~~المفيد كيف يقارن وجود المستفيد لكن إذا أخذا على أن وجودهما مستفاد من ~~وجود واهب الصور فحينئذ يتقارنان في الوجود وهناك لا يكون أحدهما سببا ~~والثاني مسببا ومنهم من زاد قسما خامسا وهو التقدم بالطبع كتقدم الواحد على ~~الاثنين ولو طالبهم مطالب لم حصرتم الأقسام في أربعة أو خمسة لم يجدوا على ~~الحصر دليلا سوى الاستقراء حتى لو قيل لهم ما الذي أنكرتم على من ms002 زاد قسما ~~سادسا وهو التقدم والتأخر في الوجود من غير التفات إلى الإيجاب بالذات ولا ~~التفات إلى الزمان والمكان والتقدم للواحد على الاثنين شديد الشبه بهذا ~~القبيل فإن الواحد ليس بعلة PageV01P010 يلزم منه وجود الاثنين ضرورة بل ~~يمكن أن يتصور شيآن أحدهما وجوده بذاته والثاني وجوده مستفاد من غيره ثم ~~بعد ذلك يقع البحث في انه يستفيد وجوده منه اختيارا أو طبعا أو ذاتا هذا ~~معقول بالضرورة ثم يجب أن يفرض تقدم وجود المفيد على وجود المستفيد من حيث ~~الوجود فقط من غير أن يخطر بالبال كون المفيد علة لذاته أو موجدا له بصفة ~~ثم يقع بعد ذلك التفات إلى أن الوجود المستفيد وجود واجب به لأنه علته أو ~~لا يحب به وذلك لأن الوجوب بالغير لازم به فإنه يحسن أن يقال هذا قد وجد ~~عنه فوجب به ولا يجوز أن يقال وجب به فوجد عنه ولكل معنى من معاني التقدم ~~والتأخر معية في مرتبته لا يجامع التقدم والتأخر في تلك المرتبة ويجامع في ~~مرتبة أخرى مثاله تقدم السبب على المسبب ذاتا ووجودا أو مقارنته معا وزمانا ~~أو مكانا ولكن لا يجوز أن تطلق معية ما على الباري تعالى والعالم فإذا ثبت ~~هذا قلنا إما التقدم والتأخر الزماني فيجب نفيهما عن الباري تعالى وكما لا ~~يجوز أن يتقدم على العالم زمانا لم يجز أن يكون مع العالم زمانا فإنا كما ~~نفينا التقدم الزماني نفينا المعية الزمانية ومثار الشبهة ومجال الخيال ~~هاهنا فإن فازت سفينة النظر عن هذه الغمرة فاز أهل الحق بقصب السبق في ~~المسئلة فإن ما لا يقبل الزمان ولم يكن وجوده زمانيا لم يجز عليه التقدم ~~والتأخر والمعية الزمانية كما أن ما لا يقبل المكان ولم يكن وجوده وجودا ~~مكانيا لم يجز عليه التقدم والتأخر والمعية المكانية فقول الخصم إن العالم ~~معه دايم الوجود إيهام بالزمان فيقال يجوز أن يكون موجودان أحدهما متقدم ~~بالذات والآخر متأخر بالذات ويكونان معا في الزمان فإن التقدم بالذات لا ~~ينافي المعية في ms003 الزمان كتقدم السبب على المسبب وحركة اليد على حركة ~~المفتاح في الكم لكن إذا كان وجودهما زمانين فإما وجود لا يقبل الزمان أصلا ~~كيف يطلق عليه معية بالزمان وذلك كالتقدم بالمكان والمعية به فإن السبب ~~والمسبب قد يكونان معا في المكان ويسبق أحدهما الآخر بالذات لكن إذا كان ~~وجودهما مكانين فإما وجود لا يقبل المكان أصلا فكيف يطلق عليه معية المكان ~~ونحن لا ننكر أن الوهم يرتمي إلى مدة مقدرة قبل العالم كما يرتمي إلى فضاء ~~مقدر فوق العالم وذلك وهم مجرد وخيال محض فلا فضاء ولا بينونة كما يقدره ~~الكرامي ولا زمان ولا مدة كما يقدره الوهمي ولو قدر تقديرا عالم آخر فوق ~~هذا العالم لم يؤد ذلك إلى تجويز ذلك إلى تجويز عوالم هي PageV01P011 أجسام ~~لا تتناهى إذ قد تبين بالبرهان استحالة بعد لا يتناهى في الملا والخلا ~~وكذلك لو قدر تقديرا عالم آخر قبل هذا العالم لم يؤد ذلك إلى تجويز عوالم ~~هي متحركات لا تتناهى إذ تبين بالبرهان استحالة مدة وعدة لا تتناهى فرجع ~~الخلاف إذا إلى استحالة وجود جسم لا يتناهى بعدا وبيان استحالة وجود أجسام ~~لا تتناهى زمانا فإن الخصم يسلم التقدم والتأخر في المعية فإذا سلم التقدم ~~نقول لا يلزم من تقدير جسم لا يتناهى بعدا وإن كان مستحيلا أن يكون مع ~~الباري تعالى بالمكان كذلك لم يلزم من تقدير حركات لا تتناهى زمانا أن تكون ~~مع الباري تعالى بالزمان فإنه تعالى غير قابل للزمان والمكان وكان الله ولم ~~يكن معه شيء إذ لم تكن معية بالذات ولا بالوجود ولا بالرتبة المكانية ~~والزمانية ولم يلزم من إطلاق كونه موجدا أن يكون الموجد معه في الوجود ولا ~~لزم من إطلاق كونه موجبا أن يكون الموجب معه في الوجود فإن الوجود المستفاد ~~لا يكون مع الوجود المفيد وكان المعية من كل وجه وعلى كل معنى من الأقسام ~~منفيا عنه سواء أطلقناها في قسم واحد أو في قسمين مركبين ونحن نبدأ بطرق ~~المتكلمين ثم نعود إلى ms004 ما ذكرناه من الكلام على محل النزاع . معية المكان ~~ونحن لا ننكر أن الوهم يرتمي إلى مدة مقدرة قبل العالم كما يرتمي إلى فضاء ~~مقدر فوق العالم وذلك وهم مجرد وخيال محض فلا فضاء ولا بينونة كما يقدره ~~الكرامي ولا زمان ولا مدة كما يقدره الوهمي ولو قدر تقديرا عالم آخر فوق ~~هذا العالم لم يؤد ذلك إلى تجويز ذلك إلى تجويز عوالم هي أجسام لا تتناهى ~~إذ قد تبين بالبرهان استحالة بعد لا يتناهى في الملا والخلا وكذلك لو قدر ~~تقديرا عالم آخر قبل هذا العالم لم يؤد ذلك إلى تجويز عوالم هي متحركات لا ~~تتناهى إذ تبين بالبرهان استحالة مدة وعدة لا تتناهى فرجع الخلاف إذا إلى ~~استحالة وجود جسم لا يتناهى بعدا وبيان استحالة وجود أجسام لا تتناهى زمانا ~~فإن الخصم يسلم التقدم والتأخر في المعية فإذا سلم التقدم نقول لا يلزم من ~~تقدير جسم لا يتناهى بعدا وإن كان مستحيلا أن يكون مع الباري تعالى بالمكان ~~كذلك لم يلزم من تقدير حركات لا تتناهى زمانا أن تكون مع الباري تعالى ~~بالزمان فإنه تعالى غير قابل للزمان والمكان وكان الله ولم يكن معه شيء إذ ~~لم تكن معية بالذات ولا بالوجود ولا بالرتبة المكانية والزمانية ولم يلزم ~~من إطلاق كونه موجدا أن يكون الموجد معه في الوجود ولا لزم من إطلاق كونه ~~موجبا أن يكون الموجب معه في الوجود فإن الوجود المستفاد لا يكون مع الوجود ~~المفيد وكان المعية من كل وجه وعلى كل معنى من الأقسام منفيا عنه سواء ~~أطلقناها في قسم واحد أو في قسمين مركبين ونحن نبدأ بطرق المتكلمين ثم نعود ~~إلى ما ذكرناه من الكلام على محل النزاع . فنقول للمتكلمين طريقان في ~~المسئلة أحدهما إثبات حدث العالم والثاني إبطال القول بالقدم . أما الأول ~~فقد سلك عامتهم طريق الإثبات بإثبات الإعراض أولا وإثبات حدثها ثانيا وبيان ~~استحالة خلو الجواهر عنها ثالثا وبيان استحالة حوادث لا أول لها رابعا ~~ويترتب على هذه الأصول أن ما ms005 لا يسبقه الحوادث فهو حادث وقد أوردوا هذه ~~الطريقة في كتبهم أحسن إيراد . وأما الثاني فقد سلك شيخنا أبو الحسن ~~الأشعري رضي الله عنه طريق الإبطال وقال لو قدرنا قدم الجواهر لم يخل من ~~أحد أمرين إما أن تكون مجتمعة أو مفترقة أو لا مجتمعة ولا مفترقة أو مجتمعة ~~ومفترقة معا أو بعضها مجتمع وبعضها مفترق وبالجملة ليست تخلو عن اجتماع ~~وافتراق أو جواز طريان الاجتماع والافتراق وتبدل أحدهما بالثاني وهي ~~بذواتها لا تجتمع ولا تفترق لأن حكم الذات لا يتبدل وهي قد تبدلت فإذا لا ~~بد من جامع فارق فيترتب على هذه الأصول أن ما لا يسبق الحادث فهو حادث وقد ~~أخذ الأستاذ أبو إسحاق الاسفرايني هذه الطريقة وكساها عبارة أخرى وربما سلك ~~أبو الحسن رحمه الله طريقا في إثبات حدوث الإنسان وتكونه من نطفة أمشاج ~~وتقلبه PageV01P012 في أطوار الخلقة وأكوار الفطرة ولسنا نشك في أنه ما غير ~~ذاته ولا بدل صفاته ولا الأبوان ولا الطبيعة فيتعين احتياجه إلى صانع قديم ~~قادر عليم قال وما ثبت من الأحكام لشخص واحد أو لجسم واحد ثبت في الكل في ~~الجسمية وهذه الطريقة تجمع الإثبات والإبطال واعتمد إمام الحرمين رضي الله ~~عنه طريقة أخرى فقال الأرض عند خصومنا محفوفة بالماء والماء بالهواء ~~والهواء بالنار والنار بالأفلاك وهي أجرام متحيزة شاغلة جوا وحيزا ~~وبالاضطرار نعلم أن فرض هذه الأجسام متيامنة عن مقرها أو متياسرة أو أكبر ~~مما وجدت شكلا وعظما أو أصغر من ذلك ليس من المستحيلات وكل مختص بوجه من ~~وجوه الجواز دون ساير الوجوه مع استواء الجايزات وتماثل الممكنات احتاج إلى ~~مخصص بضرورة العقل وستعلم فيما بعد أن العالم ممكن الوجود باعتبار ذاته ~~سواء قدر كونه متناهيا في ذاته مكانا أو زمانا أو غير متناه فإن الخصم يقضي ~~عليه بالإمكان على انه في ذاته غير متناهي الزمان وهو متناهي المكان ~~فالأولى أن يجعل للتناهي المكاني مسئلة ويجعل للتناهي الزماني من حيث ~~الحركات والمتحركات مسئلة أخرى ونأخذ احتياجه إلى المخصص كالمسلم أو ms006 ~~كالضروري أو كالقريب من الضروري . فإن قيل فما الدليل على تطرق وجود ~~الجايزات إلى العالم بأسره قلنا العقل الصريح يقضي بالإمكان في كل واحد من ~~أجزاء العالم والمجموع إذا كان مركبا من الأجزاء كان الإمكان واجبا له ~~ضرورة . فإن قيل فما الدليل على أن الأجسام متناهية من حيث الذات قلنا لو ~~قدرنا جسما لا يتناهى أو بعدا لا يتناهى فإما أن يكون ذلك الجسم غير متناه ~~من جميع الجهات أو من جهة واحدة وعلى أي وجد قدر فيمكن أن يفرض فيه نقطة ~~متناهية يتصل بها خط لا يتناهى ويمكن أن تفرض نقطة أخرى على خط هو أنقص من ~~الأول بذراع ونصل بين النقطتين بحيث يطبق الخط الأصغر على الخط الأطول فإن ~~كان كل واحد من الخطين تمادى إلى غير نهاية فيكون الخط الأصغر مساويا للخط ~~الأطول وهو محال وإن قصر الأقصر عن الأطول بمتناه فقد تناهى الأقصر وتناهى ~~الأطول إذ قصر عنه الأقصر بمتناه وزاد الأطول عليه بمتناه وما زاد على ~~الشيء بمتناه كان متناهيا وعلى كل حال فإن كان أحدهما أكبر من الثاني كان ~~فيما لا يتناهى ما هو أصغر وأكبر وأكثر وأقل وذلك محال فعلم أن جسما لا ~~يتناهى محال وجوده وإن بعدا لا يتناهى في خلا أو ملا محال ويمكن أن ينقل ~~هذا البرهان بعينه إلى أعداد وأشخاص لا تتناهى حتى يتبين أن فرض ذلك محال ~~فإذا قضينا على الجسم PageV01P013 بالتناهي وجاز أن يكون أكبر منه وأصغر ~~وإذا تخصص أحد الجايزين احتاج إلى المخصص وكما يمكن فرض الجواز في الصغر ~~والكبر يمكن فرضه في التيامن والتياسر فإن الجواز العقلي لا يقف في ~~الجايزات ثم المخصص لا يخلو إما أن يكون موجبا بالذات مقتضيا بالطبع وإما ~~أن يكون موجدا بالقدرة والاختيار والأول باطل فإن الموجب بالذات لا يخصص ~~مثلا عن مثل إذ الإحياز والجهات والأقدار والأشكال وساير الصفات بالنسبة ~~إليه واحدة وهي في ذواتها متماثلة إذ لا طريق لنا إلى إثبات الصانع إلا ~~بهذه الأفعال وقد ظهر فيها ms007 آثار الاختيار لتخصيصها ببعض الجايزات دون البعض ~~فعلمنا قطعا ويقينا أن الصانع ليس ذاتا موجبا بل موجدا عالما قادرا وهذه ~~الطريقة في غاية الحسن والكمال إلا أنها محتاجة إلى تصحيح مقدمات ليحصل بها ~~العلم بحدث العالم واحتياجه إلى الصانع منها إثبات نهاية الأجرام في ذواتها ~~ومقاديرها ومنها إثبات خلا وراء العالم حتى يمكن فرض التيامن والتياسر فيه ~~ومنها نفي حوادث لا أول لها فإن الخصم ربما يقول بموجب الدليل كله ويسلم أن ~~العالم ممكن الوجود في ذاته وأنه محتاج إلى مخصص مرجح لجانب الوجود على ~~العدم ومع ذلك يقول هو دايم الوجود به ومنها حصر المحدثات في الإجرام ~~والقايم بالإجرام وقد أثبت الخصم موجودات خارجة عن القسمين هي دائمة الوجود ~~بالغير دواما ذاتيا لا زمانيا ووجودا جوهريا لا مكانيا بحيث لا يمكن فرض ~~التيامن والتياسر والصغر والكبر فيها ولا تتطرق الأشكال والمقادير إليها ~~ومنها إثبات أن الموجب بالذات كالمقتضى بالطبع فإن الخصم لا يسلم ذلك ويفرق ~~بين القسمين والأولى أن تفرض المسئلة على قضية عقلية يوصل إلى العلم بها ~~بتقسيم داير بين النفي والإثبات . فنقول القسمة العقلية حصرت المعلومات في ~~ثلثة أقسام واجب ومستحيل وجايز فالواجب هو ضروري الوجود بحيث لو قدر عدمه ~~لزم منه محال والمستحيل هو ضروري العدم بحيث لو قدر وجوده لزم منه محال ~~والجايز ما لا ضروري في وجوده ولا عدمه والعالم بما فيه من الجواهر العقلية ~~والأجسام الحسية والأعراض القايمة بها قدرناه متناهيا وغير متناه وكذلك لو ~~قدرنا انه شخص واحد أو أشخاص وأنواع كثيرة إما أن يكون ضروري الوجود أو ~~ضروري العدم وذلك محال لأن PageV01P014 أجزاءه متغيرة الأحوال عيانا وضروري ~~الوجود على كل حال لا يتغير بحال . فوجه تركيب البرهان منه أن نقول كل ~~متغير أو متكثر فهو ممكن الوجود باعتبار ذاته وكل ممكن الوجود باعتبار ذاته ~~فوجوده بإيجاد غيره فكل متغير أو متكثر فوجوده بإيجاد غيره وأيضا فإن الكل ~~متركب من الآحاد والآحاد إذا كان كل واحد منها ممكن الوجود فالكل واجب أن ms008 ~~يكون ممكن الوجود وكل ممكن فهو باعتبار ذاته جايز أن يوجد وجايز أن لا يوجد ~~وإذا ترجح جانب الوجود على العدم احتاج إلى مرجح والمرجح يستحيل أن يكون ~~مرجحا باعتبار ذاته ومن حيث وجوده فقط لأمور أحدها أن الوجود من حيث هو ~~وجود أمر يعم الواجب والجايز وهو فيهما بمعنى واحد لا يختلف فلو أوجد من ~~حيث أنه وجود أو من حيث أنه ذات لما كان أحد الموجودين أولى بالإيجاد من ~~الثاني فيتعين أنه يوجد لكونه وجودا على صفة أو ذاتا على صفة ويدل على ذلك ~~الأمر الثاني وهو أن وجوه الجواز قد تطرقت إلى الأفعال وتلك الوجوه متماثلة ~~والموجب لا يخصص مثلا عن مثل فإن نسبة أحد المثلين إليه كنسبته إلى المثل ~~الثاني فإذا خصص أحد المثلين دون الثاني علم أن الإيجاب الذاتي باطل فإن ~~منعوا تلك الوجوه فلا شك أن الجايز بنفسه يتساوى طرفاه ونسبة الذات من حيث ~~هو ذات إلى أحد طرفيه كنسبته إلى الطرف الثاني فإذا تخصص بالوجود دون العدم ~~فلا بد من مخصص وراء كونه ذاتا وبطل الإيجاب بالذات والثالث أن الموجب ~~بالذات ما لم يناسب الموجب بوجه من وجوه المناسبة لم يحصل الموجب وذلك أنا ~~إذا تصورنا ذاتين أو أمرين معلومين لا اتصال لأحدهما بالآخر ولا مناسبة ~~بينهما ولا تعلق ولا أشعار بل اختص كل واحد منهما بحقيقته وخاصته لم يقض ~~العقل بصدور أحدهما عن الثاني وواجب الوجود لذاته ذات قد تعالى وتقدس عن ~~جميع وجوه المناسبات والتعلق والاتصال بل هو منفرد بحقيقته التي هي له وهي ~~وجوب وجوده ولا صفة له ثانية تزيد على ذاته الواجبة فلا يلزم أن يوجد عنه ~~شيء بحكم الذات فإيجاب الذات غير معقول أصلا بعد رفع النسب والعلائق وعن ~~هذا قلتم أن الموجب لما كان واحدا استحال أن يصدر عنه شيئان معا ولما كان ~~عقلا أي مجردا عن المادة أوجب عقلا بالفعل مجردا عن المادة ولما اقتضى ~~الإيجاب مناسبة والمناسبة تقتضي المماثلة حتى ينوب أحد المثلين مناب الثاني ms009 ~~ثبت لواجب الوجود مثل ثبوت مناب واجب الوجود في الإيجاب فعرف أن الإيجاب ~~الذاتي باطل فتعين الإيجاد الاختياري وذلك ما أردنا أن نورد . فإن قيل إما ~~كون العالم جايز الوجود واحتياجه إلى واجب الوجود فمسلم لكن PageV01P015 لم ~~قلتم إن كونه موجودا بغيره يستدعي حدوثه عن عدم فإن وجود الشيء بالشيء لا ~~ينافي كونه دايم الوجود به وإنما يتبين هذا بأن نبحث في الموضع المتفق انه ~~إذا أحدثه عن عدم هل كان سبق العدم شرطا في تحقق الأحداث . قلنا لا يجوز أن ~~يكون شرطا فإن المحدث ما استند إلى المحدث إلا من حيث وجوده فقط والعدم لا ~~تأثير له في صحة الإيجاد فيجوز أن يكون دايم الوجود بغيره . والجواب قلنا ~~الواجب أن نزيل عن الكلام ما يوقعه الوهم حتى يتجرد المعقول الصرف عن العقل ~~فقول القائل وجد عن عدم أو بعد العدم أو سبقه العدم إن كان يعني به أن ~~العدم شيء يتحقق له سبق وتقدم وتأخر واستمرار وانقطاع أو شيء يوجد عنه شيء ~~فذلك كله من إيهام الخيال حيث لم يمكنه تصور الأولية في الشيء الحادث إلا ~~مستندا إلى شيء موهوم كالزمان والمدة كما لم يمكنه تصور النهاية في العالم ~~إلا مستندا إلى شيء موهوم كالخلا والفضا وكما لم يمكن فرض خلاء بين وجود ~~الباري تعالى وبين العالم لا يمكن أيضا فرض زمان وتقدير زمان بين وجود ~~الباري تعالى وبين العالم فإن ذلك من عمل الوهم فقط ولا يلزم منه المعية ~~بالزمان كما لا يلزم المعية من المكان فافهم ذلك فيجب أن تزيل هذا الإيهام ~~عن فكرك فيتصور أن وجود شيء لا من شيء هو المعني بحدوث الشيء عن العدم فإن ~~قولنا له أول المعنى بحدوثه وإن قولنا لم يكن فكان هو المعنى بسبق العدم إذ ~~لا بد من عبارة وتوسع في الكلام ليطلق لفظ السبق والتأخر والاستمرار ~~والانقطاع وإذا ثبتت هذه القاعدة فنقول إذا كان العالم ممكن الوجود باعتبار ~~ذاته والممكن معناه أنه جايز الوجود وجايز العدم فيستوي طرفاه ms010 أعني الوجود ~~والعدم باعتبار ذاته فإذا وجد فإنما يوجد باعتبار موجده ولولا موجده لما ~~استحق إلا العدم فهو إذا مستحق الوجود والعدم بالاعتبارين المذكورين فكان ~~واجب الوجود سابقا عليه بالذات والوجود إذ لولاه لما وجد ولا يجوز أن يكون ~~وجوده مع واجب الوجود بالذات والوجود جميعا لأن قبل ومع بالذات والوجود لا ~~يجتمعان في شيء واحد فهو إذا متأخر الوجود ولا يجوز أن يكون مع واجب الوجود ~~بالزمان لأنه يوجب أن يكون واجب الوجود زمانيا لأن قولنا مع من جملة ~~المتضايفات كالأخوة والأبوة فأحد الشيئين إذا كان مع الثاني بالزمان كان ~~الثاني معه أيضا بالزمان وبكل اعتبار أثبت المعية في أحد الشيئين وجب عليك ~~أن تثبتها في الشيء الثاني ولا يجوز أن يكون وجوده مع واجب الوجود ~~PageV01P016 بالرتبة والفضيلة لأن رتبة الواجب بذاته لا يكون كرتبة الواجب ~~بغيره وظهر أن جايز الوجود وواجب الوجود لا يكونان معا بوجه من الوجوه ~~واعتبار من الاعتبارات وصح القول كان الله ولم يكن معه شيء فما معنى قولكم ~~الجايز دايم الموجود بالواجب أو مع الواجب أو قدرتم دوام وجود الباري تعالى ~~زمانيا ممتدا مع الأزمنة الغير المتناهية كما توهمتم وجود العالم زمانيا ~~ممتدا في أزمنة لا تتناهى وبئس الوهم وهمكم في الدوامين فكأنكم أخذتم لفظ ~~الدوام بالاشتراك المحض أما دوام وجود الباري تعالى فمعناه انه واجب لذاته ~~وبذاته ولا يتطرق إليه جواز ولا عدم بوجه من الوجوه فهو الأول بلا أول كان ~~قبله والآخر بلا آخر كان بعده وأوله آخره وآخره أوله أي ليس وجوده زمانيا ~~وأما العالم فله أول ودوامه دوام زماني يتطرق إليه الجواز والعدم والقلة ~~والكثرة والاستمرار والانقطاع فلو كان دايم الوجود بدوام الباري كان الباري ~~دايم الوجود بدوام العالم فلو كان الدوامان بمعنى واحد فيلزم أن يكون وجود ~~الباري تعالى زمانيا أو وجود العالم ذاتيا وكلا الوجهين باطل فبطل قولكم إن ~~العالم دايم الوجود بالواجب وإنما يتضح هذا البطلان كل الوضوح إذا أثبتنا ~~استحالة حوادث لا أول لها ووجود موجودات ms011 لا تتناهى وأما قولكم إن العالم في ~~المحل المتفق عليه إنما يستند إلى الموجد من حيث وجوده فقط والعدم لا تأثير ~~له في صحة الإيجاد قلنا ولو استند إلى الموجد من حيث وجوده فقط لاستند كل ~~موجود وتسلسل القول إلى ما لا يتناهى ولم يستند إلى واجب وجوده بل إنما ~~استند إليه من حيث جوازه فقط والجواز قضية أخرى وراء الوجود والعدم ثم جواز ~~الوجود سابق على الوجود بالذات فنقول إنما وجد به لأنه كان جايز الوجود ولا ~~نقول إنما كان جايز الوجود لأنه وجد فجواز وجوده ذاتي له والوجود عرضي ~~والذاتي سابق على العرضي سبقا ذاتيا ثم بينا أن الجايز مستحق العدم باعتبار ~~ذاته لولا موجده فكان مسبوقا بوجوده ومسبوقا بعدم ذاته لولا موجده لأن ~~استحقاق وجوده عرضي مأخوذ من الغير واستحقاق عدمه ذاتي مأخوذ من ذاته فهو ~~إذا مسبوق بوجود واجب ومسبوق بعدم جايز فتحقق له أول والجمع بين ما له أول ~~وبين ما لا أول له محال . فإن قيل فما الفرق بين وجوب العالم بإيجاب الباري ~~تعالى وبين وجوده بإيجاد الباري تعالى فإن العالم إذا كان ممكنا في ذاته ~~ووجد بغيره فقد وجب به وهذا حكم كل علة ومعلول وسبب ومسبب فإن المسبب أبدا ~~يجب بالسبب فيكون جايزا باعتبار ذاته واجبا باعتبار سببه ثم السبب يتقدم ~~المسبب بالذات وإن كانا معا في PageV01P017 الوجود كما تقول تحركت يدي ~~فتحرك المفتاح في كمي ولا يمكنك أن تقول تحرك المفتاح في كمي فتحركت يدي ~~وإن كانت الحركتان معا في الوجود . والجواب قلنا وجود الشيء بإيجاد موجده ~~صواب من حيث اللفظ والمعنى بخلاف وجوب الشيء بإيجاب الموجب وذلك أن الممكن ~~معناه انه جايز وجوده وجايز عدمه لا جايز وجوبه وجايز امتناعه وإنما استفاد ~~من المرجح وجوده لا وجوبه نعم لما وجد عرض له الوجوب عند ملاحظة السبب لأن ~~السبب إفادة الوجوب حتى يقال وجب بإيجابه ثم عرض له الوجوب بل أفاده الوجود ~~وفصح أن يقال وجد بإيجاده وعرض له الوجود فانتسب ms012 إليه وجوده إذ كان ممكن ~~الوجود لا ممكن الوجوب وهذه دقيقة لطيفة لا بد من مراعاتها والذي نثبته أن ~~الواجب والممتنع طرفان والممكن واسطة إذ ليس بواجب ولا ممتنع فهو جايز ~~الوجود وجايز العدم والوجود والعدم متقابلان لا واسطة بينهما والذي يستند ~~إلى الموجد من وجهين الوجود والعدم في الممكن وجوده فقط حتى يصح أن يقال ~~أوجده أي أعطاه الوجود ثم لزمه الوجوب لزوم العرضيات فالأمر اللازم العرضي ~~لا يستند إلى الموجد فأنتم إذا قلتم وجب وجوده بإيجابه فقد أخذتم العرضي ~~ونحن إذا قلنا وجد بإيجاده فقد أخذنا عين المستفاد الذاتي فاستقام كلامنا ~~لفظا ومعنى وانحرف كلامكم عن سنن الجادة ولربما نقول أن الممكن إذا وجد في ~~وقت معين أو على شكل مخصوص يجب وجوده على ذلك الوجه لأن الموجد إذا علم ~~حصوله في ذلك الوقت على ذلك الشكل وأراد ذلك فهو واجب الوقوع لأن خلاف ~~المعلوم مستحيل الوقوع والحصول وإذا كان ممكن الجنس جايز الذات لكن لم يكن ~~وجوب ذلك إلا بإيجاب العلم والإرادة فإذا تحقق أن الوجود هو المستفاد في ~~الحوادث لا الوجوب بطل الإيجاب الذاتي الذي يتحجوا به حين بنوا عليه مقارنة ~~وجود العالم بوجود الباري تعالى ولم يبق لهم إلا التمثيل بمثال وذلك من سخف ~~المقال لأن الخصم ربما لا يسلم أن حركة اليد سبب حركة الكم والمفتاح ولا ~~يقول بالتولد يبقى مجرد فاء التعقيب والتسبيب لفظا في قوله تحركت يدي فتحرك ~~المفتاح وهذا كما أن المادة عند الخصم سبب ما لوجود الصورة حتى يصح أن يقال ~~لولا المادة لما وجدت الصورة وهما معا في الوجود وليس وجود الصورة بإيجاد ~~المادة بل بإيجاد واهب الصور ثم إن سلم ذلك فيجوز أن يسبق السبب المسبب ~~ذاتا ويقارنه زمانا فيكون زمان وجودهما PageV01P018 واحدا وأحدهما سبب ~~والثاني مسبب كما يقال في الاستطاعة مع الفعل لكن الممتنع وجود ما له أول ~~مع وجود ما لا أول له وقد بينا أن هذه المعية ممتنعة على الوجود كلها أعني ~~بالذات والوجود والزمان ms013 والرتبة والفضيلة فإن التقدم والتأخر والمع يطلق ~~على الشيئين إذا كانا متناسبين نوعا من المناسبة ولا نسبة بين الباري تعالى ~~وبين العالم إلا بوجه الفعل والفاعلية والفاعل على كل حال متقدم والمفعول ~~متأخر يبقى أن يقال هل كان يجوز أن يخلق العالم قبل ما خلقه بحيث يكون نسبة ~~بدوه إلى وقتنا أكثر زمانا فيجاب عنه أن إثبات الأولية والتناهي للعالم ~~واجب تصوره عقلا إذ البرهان قد دل عليه وما وراء ذلك تقدير وهمي يسمى ~~تجويزا عقليا والتقديرات والتجويزات لا تقف ولا تتناهى وهو كما إذا سئلتم ~~هل كان يجوز أن يحدث العالم أكبر مما خلقه بحيث يكون نسبة نهايته إلى ~~مكاننا أكبر مسافة فيجاب عنه إن إثبات الحد والتناهي للعالم واجب تصوره ~~عقلا إذ البرهان قد دل عليه وما وراء ذلك فتقدير ذهني يسمى تجويزا عقليا ~~والتقديرات والتجويزات لا تتناهى فتقدير مكان وراء العالم مكانا كتقدير ~~زمان وراء العالم زمانا وبالجملة حدث العالم حيث يتصور الحدوث والحادث ما ~~له أول والقديم ما لا أول له والجمع بين ما له أول وبين ما لا أول له محال ~~هذا ما نعقله من الحدوث ضرورة وهو كتناهي العالم من الحجمية والجسمية حذو ~~القدة بالقدة . فإن قيل قد دل البرهان العقلي على أن جسما ما لا تتناهى ~~ذاته بالفعل مستحيل وجوده فبينوا أن حركات متعاقبة وحوادث متتالية لا ~~تتناهى مستحيل وجودها فإن عندنا التناهي واللاتناهي إنما يتطرق إلى أربعة ~~أقسام اثنان منها لا يجوز أن يوجدا غير متناهيين الذات وهو ما له ترتيب ~~وضعي كالجسم أو طبيعي كالعلل فجسم لا تتناهى ذاته مستحيل وجوده وعلل ~~ومعلولات لا تتناهى بالعدد مستحيل وجودها أيضا ولكل واحد من القسمين ترتيب ~~في الوجود أما الجسم فله ترتيب وضعي ولأجزائه اتصال ولكل جزء منه إلى جزء ~~نسبة فلا يجوز وجود جسم غير متناه في زمان واحد وأما العلل فلها ترتيب ~~طبيعي فإن المعلول يتعلق بعلته ولكل معلول إلى علته نسبة فلا يجوز وجود جسم ~~وعلل ومعلولات لا تتناهى وأما ms014 القسمان اللذان يوجدان غير متناهيي الذات فإن ~~أحدهما الحوادث والحركات التي لا تترتب بعضها على بعض لضرورة ذاتها بل ~~تتعاقب وتتوالى شيء بعد شيء في أزمنة غير متناهية فإن ذلك جايز عقلا ~~والثاني النفوس الإنسانية فإنها موجودات لم تتعاقب بل هي مجتمعة في الوجود ~~ولكن لا ترتيب لها وضعا كالجسم ولا طبعا كالعلل فيجوز أن توجد غير متناهية ~~. PageV01P019 والجواب قلنا كلما حصره الوجود وكان قابلا للنهاية فهو متناه ~~ضرورة وما لا يتناهى لا يتصور وجوده سواء كان له ترتيب وضعي أو طبيعي أو لم ~~يكن . والبرهان على ذلك بحيث يعم الأقسام الأربعة أن كل كثرة لا تتناهى فلا ~~تخلو إما أن تكون غير متناهية من وجه أو غير متناهية من جميع الوجوه ~~والجهات وعلى القسمين جميعا فإنا يمكننا أن نفصل منهما جزءا بالوهم أو ~~بالعقل فنأخذ تلك الكثرة مع ذلك الجزء شيئا على حدة ونأخذها بانفرادها شيئا ~~على حدة فلا يخلو إما أن تكون تلك الكثرة مع تلك الزيادة مساوية للكثرة من ~~غير الزيادة عددا أو مساحة فيلزم أن يكون الزائد مثل الناقص ومساويا له ~~وهذا محال وإما أن لا يكون مساويا له فيلزم أن يكون كثرتان غير متناهيتين ~~وإحداهما أكبر والثانية أنقص وهو أيضا محال وهذا البرهان إن فرضته في جسم ~~غير متناه من جميع الجهات أو من جهة واحدة فالعبارة عنه أن نقول لك أن تفرض ~~نقطة من ذلك الجسم ويفصل منه مقدارا فتأخذ ذلك الجسم مع ذلك المقدار شيئا ~~على حدة وبانفراده شيئا على حدة ثم نطبق بين النقطتين المتناهيتين في الوهم ~~فلا يخلو إما أن يكونا بحيث يمتدان معا مطابقين في الامتداد إلى ما لا ~~يتناهى فيكون الزائد والناقص متساويين وإما أن لا يمتدا بل يقصر أحدهما عنه ~~فيكون متناهيا والقدر المفضول كان متناهيا أيضا فيكون المجموع متناهيا أيضا ~~وقد فرضه غير متناه هذا خلف وكذلك إن فرضته في حركات غير متناهية أو أشخاص ~~غير متناهية متعاقبة أو مجتمعة أو تفرض نفوسا غير متناهية معا أو ms015 مجتمعة في ~~الوجود فالعبارة عنه أن نقول لك أن تفرض حركة واحدة أو شخصا واحدا وتفصل من ~~الحركات أو الأشخاص مقدارا بالتوهم وتنسب الحركات الزائدة إلى الحركات ~~الناقصة وتم البرهان من غير تفاوت بين الصورتين . قال أبو علي بن سينا ها ~~هنا فرق وهو أن الجسم له ترتيب وضعي أمكنك أن تعين فيه نقطة ثم ترتب عليها ~~جواز الانطباق والامتداد إلى ما لا يتناهى وليس للحركات المتتالية ترتيب ~~وضعي فإنها ليست معا في زمان واحد فلا يمكنك أن تعين فيها حركة واحدة وترتب ~~عليها جواز الانطباق لأن ما لا يترتب في الوضع أو الطبع فلا يحتمل الانطباق ~~. قيل له جوابك عن هذا الفرق من وجهين أحدهما أنك فرضت النقطة في الجسم ~~والامتداد إلى ما لا يتناهى بالوهم وقدرت التطبيق أيضا بالوهم فقدر وهما أن ~~PageV01P020 الحركات الماضية كأنها موجودة متعاقبة والأزمنة أيضا كأنها ~~موجودة وهما متعاقبة على مثال خط موهوم لا يتناهى تركب من نقط متتالية ~~والحدود في الحركات والأوقات في الأزمنة كالنقط في الخطوط والتعاقب ~~كالتتالي والعلة التي لأجلها امتنع اللاتتناهي ووجب أن تتناهى فهو أنه مود ~~إلى أنه يكون الأقل مثل الأكثر والناقص مثل الزايد وهذا موجود في الموضعين ~~جميعا ولذلك قال المتكلم أنا إذا فرضنا الكلام في اليوم الذي نحن فيه وقلنا ~~ما مضى من الأيام غير متناه عندكم وما بقي أيضا غير متناه والباقي والماضي ~~متساويان متماثلان في عدم التناهي فلو فصلنا من الماضي سنة وأضفناها إلى ~~الباقي صار الماضي ناقصا والباقي زايدا وهما متماثلان في نفي التناهي أدى ~~ذلك إلى أن يكون الزايد مثل الناقص . الوجه الثاني أنه لو لم يتحقق في ~~الحركات والأشخاص ترتيب وضعي فقد تحقق فيها ترتيب طبيعي كالعلل والمعلولات ~~فإنها لا بد أن تكون متناهية بالاتفاق وذلك أن كل معلول فهو ممكن الوجود ~~بذاته وإنما يجب وجوده بعلته فيتوقف وجوده على وجود علته والكلام في علته ~~كذلك حتى يتناهى إلى علة أولى ليست ممكنة لذاتها كذلك نسبة كل والد إلى ~~مولود نسبة ms016 العلة إلى معلولها فيتوقف وجود الولد على وجود الوالد وكذلك ~~القول في الوالد فهلا قلت ينتهي إلى والد أول ومع ذلك فالأشخاص عندكم لا ~~تتناهى ثم يعدد لكل شخص إنساني قد وجد نفس ناطقة وهي باقية مجتمعة في ~~الوجود فالأشخاص إذا كانت لا تتناهى وجاز وجودها لأنها متعاقبة لا مجتمعة ~~معا في الوجود فما قولك في النفوس فإنها مجتمعة وهي لا تتناهى فإن قال ليس ~~لها ترتيب طبيعي ولا وضعي قيل إذا ترتبت الأشخاص والدا ومولودا ترتبت ~~النفوس أيضا ذلك الترتيب لأن من العوارض واللوازم المعينة للنفوس كونها ~~بحيث إن صدرت عن أشخاصها أشخاص فهذه النسبة باقية ببقائها ولذلك النوع ~~ترتيب . برهان آخر في أن ما لا يتناهى من الحوادث والحركات لا يتحقق في ~~الوجود : وذلك أنا نفرض الكلام في الدورة التي نحن فيها ولا شك أن ما مضى ~~قد انتهى بها وما انتهى بشيء فقد تناهى ومعنى قولنا أن ما مضى قد انتهى أنا ~~إذا أردنا قصر النظر على ما نحن فيه وقطعناه عما سيأتي اقتضى ذلك تناهي ~~الحركات الماضية إذ يتناهى الحركات الماضية لم يكن مشروطا فيها لحوق ~~الحركات الآتية فما من حركة توجد وتعدم إلا وقد انقضت حركات قبلها بلا ~~نهاية فيوجد أبدا طرف منها متناهيا ويكون ذلك الطرف آخر الماضي وأولا لما ~~بقي فكل حركة أو كل دورة فقد تحقق لها أول وآخر وإذا تناهى من طرف فقد ~~تناهى من الطرف الثاني فالحركات كلها إذا في PageV01P021 ذواتها متناهية ~~أولا وآخرا وهي معدودة بالزمان والزمان هو العاد للحركات فالمعدود إذا ~~يتناهى أولا وآخرا كذلك يلزم أن يتناهى العاد أولا وآخرا يبقى أن يقال أهي ~~متناهية عددا أم لا قلنا وكل عدد موجود فهو قابل للزيادة والنقصان والأكثر ~~والأقل فهو متناه وكل عدد موجود فهو متناه وهذا الحكم يجري في كل عدد موجود ~~معا كالنفوس الإنسانية أو متعاقبة كالأشخاص الإنسانية وعندهم النفوس غير ~~متناهية عددا وهي قابلة للزيادة والنقصان فإذا طبقت الأشخاص على النفوس ~~تساوت لا محالة وإن ms017 نقصت من الأشخاص عددا وطبقت الباقي على عدد النفوس فإن ~~كان كل واحد منهما لا يتناهى كان الزائد مثل الناقص وإن كان يتناهى فقد حصل ~~المقصود وتطبيق الخط على الخط كتطبيق العدد على العدد وتطبيق النفس على ~~الشخص والحركات والمتحركات إذا تناهت ذاتا وزمانا ومكانا وعددا وهذا قاطع ~~لا جواب عنه ولا سؤال عليه . ومن جملة الإلزامات على الدهرية أن حركات زحل ~~وهو في الفلك السابع مثل حركات القمر وهو في الفلك الأول من حيث أن كل واحد ~~من النوعين غير متناه ومعلوم بالضرورة أن حركات زحل أكثر من حركات القمر ~~فهي إذا مثلها وأكثر منها وذلك من أمحل المحال وأبلغ في التناقض . فإن قيل ~~إن قصرت مسافة فلك القمر عن فلك زحل فقد طال زمان القمر بمقدار قصر المسافة ~~حتى قطع القمر فلكه بمثل ما قطع زحل فلكه فقد تساويا في الحركة . قلنا وما ~~قولكم في حركة فلك زحل فإنها حركات المحيط وحركات فلك القمر حركات القطب ~~فهما متساويان فيما لا يتناهى وحركات فلك زحل أضعاف حركات فلك القمر ولا ~~جواب عنه . فإن قيل ألستم أثبتم تفاوتا في معلولات الله تعالى وفي مقدوراته ~~فإن العلم عندكم متعلق بالواجب والجايز والمستحيل والقدرة لا تتعلق إلا ~~بالجايز فكانت المعلومات أكثر والمقدورات أقل والقلة والكثرة قد تطرقتا إلى ~~النوعين وهما غير متناهيين . والجواب قلنا نحن لم نثبت معلومات أو مقدورات ~~هي أعداد بلا نهاية بل معنى قولنا أنها لا تتناهى أي العلم صفة صالحة يعلم ~~به ما يصح أن يعلم والقدرة صفة صالحة يقدر بها على ما يصح أن يوجد ثم ما ~~يصح أن يعلم وما يصح أن يقدر عليه لا يتناهى وليس ذلك عدد أنقص من عدد حتى ~~يكون ذلك نقضا لما ذكرناه وإنما الممتنع عندنا أعداد يحصرها الوجود وهي غير ~~متناهية فنقول قد بينا أن ما لا يتناهى PageV01P022 إنما يمكن تصوره في ~~الوهم والتقدير لا في الوجود كالعدد يقال له أنه لا ينتهي تضعيفا وليس نعني ~~به أن العدد الغير ms018 متناه موجود محصور بل المعنى أنك إذا قدرت أو توهمت ضعفا ~~فوق ضعف إلى ما لا يتناهى أمكنك ذلك كذلك المعلولات والمقدورات على التقدير ~~الوهمي لا يتناهى ولصلاحية العلم أن يعلم به كل ما يصح أن يعلم ويخبر عنه ~~يقال أن العلم لا يتناهى وكذلك لصلاحية القدرة أن يقدر بها على كل ما يصح ~~أن يقدر عليه يقال إن القدرة لا تتناهى فلا القدرة ولا العلم أمر بسيط ذاهب ~~في الجهات لا يتناهى ولا المعلومات والمقدورات أعداد كثيرة لا تتناهى وهكذا ~~ينبغي أن تفهم من معنى قولنا ذات الباري سبحانه لا تتناهى أي هو واحد لا ~~يقبل الانقسام بوجه من الوجوه فلا يتطرق إليه نهاية بوجه من الوجوه . شبه ~~الدهرية قالوا إذا قلتم أن العالم محدث بعد أن لم يكن فقد تأخر وجوده عن ~~وجود الباري تعالى فلا يخلو إما أن يتأخر بمدة أو لا بمدة فإن تأخر لا بمدة ~~فقد قارن وجوده وجود الباري سبحانه وإن تأخر بمدة فلا يخلو إما إن تأخر ~~بمدة متناهية أو بمدة غير متناهية فإن تأخر بمدة متناهية فقد وجب تناهي ~~وجود الباري تعالى وإن تأخر بمدة غير متناهية فنفرض في تلك المدة موجودات ~~لا تتناهى فإنه إن لم يمتنع مدة لا تتناهى لم يمتنع لم يمتنع عدة لا تتناهى ~~. والجواب قلنا هذا الكلام غير مستقيم وضعا وتقسيما أما الوضع فقولكم لو ~~كان العالم محدثا كان وجوده متأخرا فإن عنيتم به التأخر بالزمان فغير مسلم ~~فإنا قد بينا أن التقدم والتأخر والمعية الزمانية تمتنع في حق الباري ~~سبحانه . وعلى هذا لم يصح بنا التقسيم عليه أنه متأخر بمدة أو لا بمدة فإن ~~ما لا يقبل المدة ذاتا ووجودا لا يقال له تقدم أو تأخر أو قارن بمدة أو لا ~~بمدة فأحلتم علينا تقدما وتأخرا ومعية زمانية للباري تعالى وإذا منعنا ذلك ~~ألزمتم علينا مقارنة في الوجود وذلك تلبيس فإنا إذا منعنا التقدم والتأخر ~~الزماني منعنا المقارنة الزمانية بل وجود الباري تعالى لا يقال متقدم ms019 ~~بالزمان كما لا يقال أيضا فوق بالمكان ولا يقال مقارن بالزمان كما لا يقال ~~مجاور للعالم بالمكان وإن عنيتم بالتأخر في الوجود أي الموجد مفيد الوجود ~~والموجد مستفيد الوجود والموجد لا أول لوجوده والموجد له أول فهو ~~PageV01P023 مسلم ولا يصح أيضا بنا التقسيم عليه أنه تأخر بمدة أو لا بمدة ~~. فإن قيل لا بد من نسبة ما بين الموجد والموجد وإذا تحققت النسبة فبمدة ~~متناهية أو غير متناهية . قلنا ولا بد من نفي النسبة بين الموجد والموجد إذ ~~لو تحققت النسبة بمدة متناهية أو غير متناهية كان وجوده زمانيا قابلا ~~للتغير والحركة أليس لو قال القائل ما نسبة واحد منا حيث حدث وله أول كان ~~السؤال محالا أليس لو قال القايل ما نسبة العالم منه تعالى حيث وجد وله ~~نهاية أفيباينه أو يجاوره فإن باينه أفبخلا أو بينونة تتناهى أم لا تتناهى ~~كان السؤال محالا كذلك نقول في المدة فإن الجزئي كالكلي والزمان كالمكان . ~~وجواب آخر عن التقسيم نقول ما المعنى بالمدة أهي عبارة عن أمر موجود أو عن ~~تقدير موجود أم عن عدم بحت فإن كان أمرا موجودا محققا فهو من العالم فلا ~~يكون قبل العالم وأيضا الموجود إما قايم بنفسه أو قايم بغيره وعلى الوجهين ~~جميعا لا يمكن تقديره قبل العالم وإن كان أمرا مقدرا وجوده والتقديرات ~~الوهمية تجويزات وليس كلما يجوزه العقل أو يقدره الوهم يمكن وجوده جملة ~~حاصلة فإن وجود عالم آخر وكذلك إلى ما لا يتناهى مما يجوز يقدره الوهم ~~وكذلك الأعداد التي لا تتناهى مما يقدره الوهم لا مما يجوزه العقل وبالجملة ~~الجايزات كلها لا يمكن أن توجد جملة حاصلة فيكون ما لا يتناهى مما يحصره ~~الوجود وذاك محال فعلم أن تقدير أزمنة غير متناهية لا يكون كالتحقيق وما ~~يمكن وجوده جملة معا أو متعاقبا لا يمكن أن يكون مشحونا بما لا يتناهى وإن ~~كانت المدة عبارة عن عدم بحت فلا يتناهى ولا لا يتناهى في عدم البحت . ~~وجواب آخر لم قلتم أن المدة ms020 لو كانت متناهية لتناهى وجود الباري تعالى فإن ~~تناهي المدة كتناهي العالم مكانا وهو مصادرة على المطلوب الأول وتعبير عن ~~محل النزاع ثم تناهي العالم مكانا ليس يقتضي تناهي ذات الباري تعالى لأنه ~~لا مناسبة بينه وبين المكانيات والمكان كذلك تناهي العالم زمانا لا يقتضي ~~تناهي وجود الباري تعالى لأنه لا مناسبة بينه وبين الزمانيات والزمان ولم ~~قلتم أن المدة لو لم تكن متناهية في التقدير العقلي أمكن أن يوجد فيها ~~موجودات في التحقيق الحسي . شبهة أخرى قال ابن سينا حكاية عن أرسطاطاليس كل ~~حادث عن عدم فإنه يسبقه إمكان الوجود ضرورة وإمكان الوجود ليس هو عدما محضا ~~بل هو أمر ما له صلاحية الوجود والعدم ولن يتصور ذلك إلا في مادة فكل حادث ~~فإنه يسبقه مادة ثم PageV01P024 تلك المادة المتقدمة لا تتصور إلا في زمان ~~لأن قبل ومع لا يتحقق إلا في زمان والمعدوم قبل هو المعدوم مع وليس الإمكان ~~قبل هو الذي يقارن الوجود فهو إذا متقدم تقدما زمانيا والعالم لو كان حادثا ~~عن عدم لتقدمه إمكان الوجود في مادة تقدما زمانيا فهو إما أن يتسلسل فهو ~~باطل وإما أن يقف على حد لا يسبقه إمكان فلا يسبقه عدم فيكون واجبا بغيره ~~وهو ما ذهبنا إليه وهذه الشبهة هي التي أوقعت المعتزلة في اعتقاد كون ~~المعدوم شيئا وعن هذا قصروا الشيئية في الممكن وجوده لا المستحيل ثبوته . ~~والجواب أنا قد بينا أن معنى الحدوث عن عدم أنه هو الموجود الذي له أول لا ~~الإمكان السابق عليه ليس يرجع إلى ذات وهو شيء حتى يحتاج إلى مادة بل هو ~~أمر راجع إلى التقدير الذهني لأن ما لا يجوز وجوده لا يتحقق له ثبوت وحدوث ~~والقبلية والمعية راجعة أيضا إلى التقدير العقلي وإنما نتصور نحن من حدوث ~~العالم ما يتصورونه من حدوث النفس الإنسانية حادثة لها أول لا عن شيء حتى ~~يمكن أن يقال أنها مسبوقة بالعدم أي لم تكن فكانت وهي ممكنة الوجود في ~~ذاتها وإمكانها لا يستدعي مادة ms021 تسبقها فإن ذلك يودي إلى أن يكون وجودها ~~ماديا فعلم أن الإمكان من حيث هو إمكان ليس يستدعي مادة وسبقه على الموجود ~~الحادث ليس إلا سبقا في الذهن سميتموه سبقا ذاتيا وذلك السبق ليس سبقا ~~زمانيا وكذلك القول في المعلول الأول وساير النفوس فإنها ممكنة الوجود ~~بذواتها وإمكان وجودها سابق على وجودها سبقا ذاتيا وكذلك القول في الجسم ~~الأول الذي هو فلك الأفلاك ونقول أن كل حادث حدوثا زمانيا أو حدوثا ذاتيا ~~على أصلكم فإنه يسبقه إمكان الوجود فإن الموجود المحدث قد تردد بين طرفي ~~الوجود والعدم وهذا التردد والسبق والإمكان كله يرجع إلى تقدير في الذهن ~~وإلا فالشيء في ذاته على صفة واحدة من الوجود لكن الوجود باعتبار ذاته ~~انقسم إلى ما يكون وجوده لوجود هو له لذاته أي هو غير مستفاد له من غيره ~~فيقال الوجود أولى به وأول ما يكون وجوده لوجود هو له من غيره فيقال الوجود ~~ليس أولى به ولا أول وهذا الوجود لم يتحقق إلا أن يكون له أول مسبوق بوجود ~~لا أول له ويكون له في ذاته إمكان الوجود يعبر عنه بأنه مسبوق بإمكان ~~الوجود لا أنه وجود يسبقه إمكان الوجود بل الوجود في ذاته PageV01P025 وجود ~~ممكن فقد وجد ها هنا سبقان أحدهما سبق وجود الموجود والثاني سبق إمكان ~~الوجود ولكننا بعدما بحثنا عن السبق الثاني لم نعثر على معنى إلا أن الوجود ~~المستفاد لن يتحقق إلا بأن يكون ممكنا في ذاته مقدرا فيه تردد بين طرفي ~~الوجود والعدم واحتاج إلى مرجح لولاه لما حصل له وجود فلو كان كل حادث ~~محتاجا إلى سبق إمكان وكل إمكان محتاجا إلى مادة وكل مادة إلى زمان تسلسل ~~القول فيه فيقال وتلك المادة والزمان يحتاجان إلى مادة وزمان ولما حصل وجود ~~حادث أصلا فبطل الأصل الذي وضعوا الكلام عليه بل لا بد من منتهى ينتهي إليه ~~فيكون مبدعا لا من شيء ويكون ممكنا في ذاته ولا يستدعي إمكانه مادة وزمانا ~~فهكذا يجب أن يتصور معنى سبق ms022 الإمكان وسبق العدم وسبق الموجد فإن الموجد ~~يسبق بوجوده من حيث وجوده ويلزم ذلك أن يسبق العدم والإمكان في الموجد سبقا ~~تقديريا وقد تقرر الفرق بين التقدم الذاتي والتقدم الوجودي فتأمل ذلك . ~~شبهة أخرى اعتمد عليها أبو علي بن سينا قال أسلم أن العالم بما فيه من ~~الجواهر والأعراض جايز الوجود لذاته لكن كلامنا في أنه هل هو واجب الوجود ~~بغيره دايم الوجود بدوامه قال والجايز أن لا يوجد وأن يوجد وإذا تخصص ~~بالوجود احتاج إلى مرجح لجانب الوجود والحال لا يخلو إما أن يقال ما يجوز ~~أن يوجد عن المرجح يجب أن يوجد حتى لا يتراخى عنه وإما أن يقال لا يجب أن ~~يوجد حتى يتراخى عنه ثم يوجد بعد أن لم يوجد لكن العقل الصريح الذي لم يكذب ~~يقضي أن الذات الواحدة إذا كانت من جميع جهاتها واحدة وهي كما كانت وكان لا ~~يوجد عنها شيء فيما قبل مع جواز أن يوجد وهي الآن كذلك فالآن لا يوجد عنها ~~شيء وإذا كان قد وجد فقد حدث أمر لا محالة عن قصد وإرادة وطبع وقدرة أو ~~تمكن وغرض أو سبب من الأسباب ثم لا يخلو ذلك السبب إما أن يحدث في ذاته صفة ~~أو يحدث أمرا مباينا عنه والكلام في ذلك الحادث على أي وجه كان كالكلام في ~~العالم فإذا لا يجوز أن يحدث أمر ما وإذا لم يجز فلا فرق بين حال أن يفعل ~~وبين حال أن لا يفعل وقد وجد الفعل فهو خلف وإنما ألزمنا هذا لأنا وضعنا في ~~التقدير العقلي ذاتا معطلة عن الفعل وهو باطل فنقيضه حق . والجواب قلنا ~~أنتم مطالبون بإثبات ثلث مقدمات إحداها إثبات جواز وجود العالم في الأزل ~~والثانية إثبات أن ما يجوز وجوده يجب وجوده والثالثة إثبات سبب حادث لأمر ~~حادث . أما الأولى فنحن قد بينا استحالة وجود أمر جايز في ذاته مع وجود ~~موجود PageV01P026 واجب في ذاته في الأزل من وجهين أحدهما استحالة اقتران ~~وجود ما لا أول له مع ms023 وجود ما له أول فإن الجمع بينهما من المحالات والوجود ~~الواجب لذاته يجب أن يتقدم الوجود الجايز لذاته تقدما ما في وجوده بحيث ~~يكون الواجب موجودا ولا وجود معه لا من حيث الوجود ولا من حيث الذات ولا من ~~حيث الزمان ولا من حيث الرتبة والمكان ولا من حيث الفضيلة وبالجملة فحيث ما ~~تحقق الجواز والإمكان في شيء تحقق نفي الأزلية عنه وإثبات الأولية له ~~واقتران الأزلية والأولية في شيء واحد محال وقولكم العالم جايز الوجود وكل ~~جايز وجوده يجب وجوده أزلا وأبدا جمع بين قضيتين متناقضتين ومن اعترف ~~بالجواز والإمكان فقد سلم المسئلة من كل وجه فإن الشيء إذا تطرق إليه ~~الجواز في الوجود من وجه تطرق إليه الجواز من ساير الوجوه أعني الوقت ~~والمقدار والشكل إذا كان الموجود قابلا لها أو لواحد منها والداير بين وجوه ~~الجواز إذا تخصص بأحد الجايزين دون الثاني احتاج إلى مخصص وانتفى الوجوب ~~والدوام عنه . وأما الوجه الثاني في بيان الاستحالة أن الحوادث التي لا ~~تتناهى قد تبين استحالتها . فإن قيل ما المانع من وجود العالم في الأزل كان ~~الجواب استحالة حوادث لا تتناهى لما بينا من البرهان الدال عليه . وأما ~~الكلام على المقدمة الثانية وهي أن ما يجوز وجوده يجب وجوده . قلنا هذا ~~الكلام أولا متناقض لفظا ومعنى أما اللفظ فإن الجواز والوجوب متناقضان إلا ~~أن يقال أن ما يجوز وجوده في ذاته يجب وجوده بغيره قيل وهذا أيضا باطل فإن ~~الوجوب بالغير إنما يكون بإيجاب الغير والجايز إنما يحتاج إلى الواجب في ~~وجوده لا في وجوبه فيكون وجوده بايجاد الغير ثم يلزمه من حيث النسبة وجوبه ~~وقد تبين هذا المعنى فيما قبل وأما التناقض من حيث المعنى فهو أن الجايز ~~وجوده مما لا يتناهى فلو كان ما جاز وجوده وجب وجوده لوجد ما لا يتناهى ~~دفعة واحدة وإذا شرط الترتيب في الذوات حتى حصل في الوجود أول ثم ثان ثم ~~ثالث ثم ينتهي إلى موجودات محصورة كذلك يشترط الترتيب في الموجود ms024 حتى حصل ~~موجود له أول ثم ثان ثم ثالث فالترتيب في الذوات تقدما وتأخرا كالترتيب في ~~الموجودات أولا وآخرا وهذا بناء على ما ذكرناه من إثبات قسم آخر في أقسام ~~التقدم والتأخر وذلك واجب الرعاية . وأما الكلام في المقدمة الثالثة وهي ~~المغلطة الزباء والداهية الدهيا وكثيرا ما كنا PageV01P027 نراجع أستاذنا ~~وإمامنا ناصر السنة صاحب الغنية وشرح الإرشاد أبا القاسم سليمان بن ناصر ~~الأنصاري فيها ويتكلم عليها فما يزيد فيها على أن إثبات وجه فاعلية الباري ~~سبحانه وتعالى مما يقصر عن دركه عقول العقلا ثم الذي كان يستقر كلامه عليه ~~إن قال ثبت جواز وجود العالم عقلا وثبت حدوثه دليلا ويعرف أن ما حدث بذاته ~~فيجب نسبة حدوثه إلى واجب الوجود بذاته والخصم إنما يطالب بوجه النسبة فإن ~~الموجد إذا كان لا يوجد وأوجد فنسبة الحادث إليه قبل الإيجاد كنسبته إليه ~~حال الإيجاد وبعده ولم يحدث أمر ما ولا سبب فلم وجد ولم أوجد وبالجملة فما ~~معنى الإيجاد والإبداع إن قلت انه علم وجوده في هذا الوقت وأراد وجوده فيه ~~قيل العلم عام التعلق والإرادة عامة التعلق فنسبة وجوده إلى الإرادة العامة ~~في هذا الوقت على هذا الشكل كنسبة وجوده في غير هذا الوقت على غير هذا ~~الشكل وكذلك القول في القدرة فإنها في عموم تعلقها كالإرادة والعلم فلا ~~خصوص في الصفات فكيف يختص الفعل وهذا الموضع منشأ ضلال بعض المتكلمين فإن ~~الكرامية أثبتوا حوادث في ذات الباري تعالى من الإرادة والقول وهي التي ~~تخصص العالم بالوجود دون العدم والمشية القديمة تتعلق عندهم تعلقا عاما ~~والإرادة تعلق تعلقا خاصا وفرقوا بين الأحداث والمحدث والخلق والمخلوق ~~والمعتزلة أثبتوا إرادات حادثة لا في محل هي التي تخصص العالم بالوجود دون ~~العدم ولم يفرقوا بين الأحداث والمحدث والخلق والمخلوق والأولى أن نسلك في ~~حل الإشكال طريق إبطال مذهب الخصم ثم نشير إلى ما يلوح للعقل من معنى ~~الإيجاد . فنقول اتفقنا على أن العالم جايز لذاته محتاج إلى مرجح لجانب ~~الوجود على العدم فالمرجح لا ms025 يخلو إما أن يرجح من حيث هو ذات أو من حيث هو ~~وجود ويلزم عليه أمران أحدهما أن يكون كل ذات وكل وجود مرجحا والثاني أن ~~يحدث ما يجوز وجوده مما لا يتناهى فان نسبة الجميع إلى الذات والوجود نسبة ~~واجدة والوجهان محالان وإما أن يرجح من حيث هو ذات أو وجود على صفة أو على ~~اعتبار ووجه فان يرجح من حيث هو وجود على صفة فقد سلمت المسئلة وبطل ~~الايجاب الذاتي وإن يرجح من حيث هو وجود على وجه كما قال الخصم أنه واجب ~~الوجود لذاته وإنما أوجب من حيث أنه واجب لذاته وهو وجود على وجه فهو أيضا ~~باطل فإن وجوب الوجود لذاته معناه أمر سلبي أي وجوده غير مستفاد من غيره ~~ومن فهم وجودا غير مستفاد لم يلزمه أن يفهم أنه مفيد غيره وكذلك من فهم أنه ~~عالم أو عقل وعاقل كما قال الخصم لم يلزم منه أن يفهم منه أنه موجد مفيد ~~الوجود غيره لأن PageV01P028 معنى كونه عقلا عند الخصم معنى سلبي أيضا أي ~~مجرد عن المادة وبأن يكون مجردا عن المادة لا يلزم أن يكون مفيد الوجود ~~لغيره فبطل الإيجاب الذاتي من كل وجه وتعين أنه إنما أوجد لكونه على صفة ~~ولتلك الصفة من حيث ذاتها صلاحية التخصيص والإيجاد عموما بالنسبة إلى ما ~~حصل على الهيئة التي حصل وبالنسبة إلى غيرها نسبة واحدة ولها أيضا خصوص وجه ~~بالنسبة إلى ما حصل دون ما لم يحصل وذلك الخصوص لها عند إضافتها إياها إلى ~~غيرها . فنقول لما علم الباري وجود العالم في الوقت الذي وجد فيه أراد ~~وجوده في ذلك الوقت فالعلم عام التعلق بمعنى أنه صفة صالحة لأن يعلم به ~~جميع ما يصح أن يعلم والمعلومات لا تتناهى على معنى أنه علم وجود العالم ~~وعلم جواز وجوده قبل وبعد على كل وجه يتطرق إليه الجواز العقلي والإرادة ~~عامة التعلق بمعنى أنها صفة صالحة لتخصيص ما يجوز أن يخصص به والمرادات لا ~~تتناهى على معنى أن وجوه ms026 الجواز في التخصيصات غير متناهية ولها خصوص تعلق ~~من حيث أنها توجد وتوقع ما علم وأراد وجوده فإن خلاف المعلوم محال وقوعه ~~فالصفات كلها عامة التعلق من حيث صلاحية وجودها وذواتها بالنسبة إلى ~~متعلقاتها إلى ما لا يتناهى خاصة التعلق من حيث نسبة بعضها إلى بعض ~~والإرادة لا تخصص بالوجود إلا حقيقة ما علم وجوده والقدرة لا توقع إلا ما ~~أراد وقوعه وتعلقات هذه الصفات إذا توافقت على الوجه الذي ذكرناه حصل ~~الوجود لا محالة من غير تغيير يحصل في الموجد وإنما يتعذر تصور هذا المعنى ~~علينا لأنا لم نحس من أنفسنا إيجادا وإبداعا ولا كانت صفاتنا عامة التعلق ~~فعلمنا إذا لم يتعلق إلا بمعلوم واحد ولم تتعلق إرادتنا إلا بمراد واحد ولا ~~قدرتنا إلا بمقدور واحد لا على سبيل الإيجاد ولن يتصور بقا صفاتنا لكونها ~~إعراضا فيتقاضى عقلنا وحسنا حدوث سبب لحدوث أمر حتى لو قدرنا علما وإرادة ~~وقدرة لها عموم التعلق بمتعلقات لا تتناهى على معنى صلاحية كل صفة لمتعلقها ~~وقدرنا صلاحية قدرتنا للإيجاد وقدرنا بقا الصفات فعلمنا وجود شيء بقدرتنا ~~وإراداتنا في وقت مخصوص ودخل الوقت لا نشك أن الشيء يقع ضرورة من غير أن ~~تتغير ذاتنا أو يحدث أمر أو سبب لم يكن وهذا كما يقدره الخصم في العقل ~~الفعال وفيضه فإنه يقول هو عام الإفاضة واهب للصور على الإشاعة من غير ~~تخصيص ثم يثبت له نوع خصوص بالإضافة إلى القوابل والشرايط التي تتكون فتحصل ~~استعدادا في القوابل PageV01P029 فيختص الفيض بقابل مخصوص على قدر مخصوص ~~فخصوص الفيض بسبب خارج عن ذات المفيض لا يقدح في عموم الفيض باعتبار ذاته ~~على أن الإيجاب الذاتي عند الخصم فيض ذاتي هو وجود عام لا خصوص فيه ولكنه ~~إنما يفيض منه واحد ثم من الواحد يفيض عقل ونفس وفلك ومن كل عقل ونفس عقل ~~ونفس حتى ينتهي بالعقل الأخير ثم يفيض منه الصور على الموجودات السفلية ~~وتنتهي بالنفس الناطقة . فنقول ما الموجب لحصر الموجودات في هذه الذوات ولا ~~خصوص في ms027 الفيض وإن تناهي الموجودات عددا ومكانا كتناهي الموجودات بداية ~~وزمانا . فإن قلتم أن الخصوص عندنا يرجع إلى قبول الحوامل فيقدر الفيض ~~بمقدارها . قيل وكلامنا في أصل الحوامل لم انحصر في عدد معلوم فلم انحصرت ~~السماوات في سبع أو تسع ولم انحصرت العناصر في أربعة ولم انحصرت المركبات ~~في عدد معلوم ولم تناهت هذه الموجودات فهلا ذهبت السموات إلى غير نهاية ~~مكانا كما ذهبت حركاتها إلى غير نهاية زمانا . فإن قلتم منعنا من ذلك برهان ~~عقلي على أن العالم متناه مكانا قلنا ومنعنا عن ذلك أيضا ذلك البرهان بعينه ~~كما بينا وكل ما ذكرتموه في العناية الإلهية التي أوجبت ترتيب الموجودات ~~على نظامها الأكمل نقدره نحن في الإرادة الأزلية التي اقتضت تخصيص ~~الموجودات على النظام الذي علمه أو ليس لم يكف على أصلكم مجرد وجود مطلق ~~حتى خصصتم بالوجوب ولم يكف الوجوب حتى خصصتم بالتعقل ولم يكف التعقل حتى ~~خصصتم بالعناية ثم عدتم فقلتم هذه صفات إضافية أو سلبية لا توجب تكثرا في ~~ذاته وتغيرا فما سميتموه تعقلا نحن نقول هو علم أزلي وما سميتموه عناية نحن ~~نقول هو إرادة أزلية فكما أن العناية عندكم ترتبت على العلم فعندنا الإرادة ~~إنما تتعلق بالمراد على وفق العلم فلا فرق بين الطريقين إلا أنهم ردوا ~~معاني الصفات إلى الذات وعند المتكلمين معاني الصفات لا ترجع إلى الذات ~~فالأولى بالمناظرة في هذه المسئلة أن يدفع الخصم إلى تعيين محل النزاع ~~وتبيين مذهبه فيستفيد بذلك بطلان مذهب الخصم فإن يقول أول ما صدر عن الباري ~~تعالى فهو العقل الأول لأنه لا يصدر عن الواحد إلا واحد ثم العقل أوجب عقلا ~~آخر ونفسا وجسما هو فلك الأفلاك وبتوسط كل عقل عقلا ونفسا وفلكا حتى انتهت ~~الأفلاك بالفلك الأخير الذي يديره العقل الفعال الذي هو واهب الصور في ~~العالم وبتوسط العقول السماوية والحركات الفلكية حدثت العناصر وبتوسطها ~~حدثت المركبات وآخر الموجودات هي النفس الإنسانية لأن الوجود ابتدأ من ~~PageV01P030 الأشرف فالأشرف حتى بلغ إلى الأخس وهو الهيولي ثم ms028 ابتدأ من ~~الأخس فالأخس حتى بلغ الأشرف فالأشرف وهو النفس الناطقة الإنسانية . فيقال ~~لهم هذه الموجودات السفلية على هيئتها وأشكالها من أنواعها وأصنافها التي ~~تراها أوجدت دفعة واحدة أم على ترتيب فإن وجدت دفعة واحدة بطل الترتيب الذي ~~أوجده في وجود الموجودات وإن حصلت على ترتيب شيئا بعد شيء فأنى تحقق سبق ~~ذاتي وتأخر ذاتي بين المعلول الأول والمعلول الأخير . ونقول ما نسبة ~~المعلول الأخير إلى المعلول الأول من حيث الزمان وهما وإن كانا في ذواتهما ~~غير زمانيين إلا أن النفس الإنسانية حدثت حدوثا لم تكن قبل ذلك موجودة ~~فتحقق لها أول فما نسبة أولية النفس إلى العقل الأول فإن كان بينهما نفوس ~~غير متناهية حدثت في أزمنة غير متناهية كان غير المتناهي محصورا بين حاصرين ~~وذلك محال وإن كانت متناهية فبطل قولهم أن الحوادث لا تتناهى إذ لو كانت ~~الحركات السماوية غير متناهية كانت الموجودات السفلية غير متناهية أيضا ~~وحصل من نفس بيان المذهب بطلانه ثم هم منازعون في الترتيب الذي ذكروه فإن ~~أصحابهم قد اختلفوا في المبادي اختلافا ظاهرا فمنهم من قال أول الموجودات ~~هو العنصر ثم العقل ثم النفس ثم الجسم ومنهم من قال العقل ثم النفس ثم ~~الهيولي ثم الأفلاك ثم العناصر ثم المركبات كما سيأتي بيان ذلك . شبهة من ~~شبه برقلس قال الباري سبحانه جواد بذاته وعلة وجود العالم جوده وجوده قديم ~~لم يزل فيلزم أن يكون وجود العالم قديما لم يزل قال ولا يجوز أن يكون مرة ~~جوادا ومرة غير جواد فإنه يوجب التغير في ذاته قال ولا مانع من فيض جوده إذ ~~لو كان مانع لما كان من ذاته إذ المانع الذاتي مانع أبدا وقد تحقق الجود ~~بإيجاد الموجود فهو خلف ولو كان المانع من غيره كان الغير هو الحامل لواجب ~~الوجود وواجب الوجود لا يحمل على شيء ولا يمنع من شيء . شبهة أخرى تقارب ~~هذه الشبهة قال ليس يخلو الصانع من أن يكون لم يزل صانعا بالفعل أو لم يزل ~~صانعا بالقوة ms029 فإن كان الأول فالمصنوع معلول لم يزل وإن كان الثاني فما ~~بالقوة لا يخرج إلى الفعل إلا بمخرج ومخرج الشيء من القوة إلى الفعل غير ~~ذات الشيء فيجب أن تتغير ذات الصانع لمغير وذلك باطل . شبهة أخرى قال كل ~~علة لا يجوز عليها التحرك والاستحالة فإنما تكون علة PageV01P031 من جهة ~~ذاتها لا من جهة الانتقال من غيرها وكل علة من جهة ذاتها فمعلولها من جهة ~~ذاتها وإذا كانت ذاتا لم تزل فمعلولها لم يزل . والجواب قلنا ما المعنى ~~بقولك الباري تعالى جواد بذاته وما معنى الجود فإن عندنا وعندكم الجود ليس ~~صفة ذاتية زايدة على الذات بل هو صفة فعلية والصفات عندكم إما أن تكون ~~سلوبا كالقديم والغنى فإن معنى القديم نفي الأولية ومعنى الغنى نفي الحاجة ~~وأما أن تكون إضافات كالخالق والرازق على اصطلاحنا والمبدئ والعلة الأولى ~~على اصطلاحكم وليس لله صفة وراء هذين المعنيين فالجود من قسم الإضافة لا من ~~قسم السلب فلا فرق إذا بين معنى المبدئ وبين معنى الجود ومعناهما الفاعل ~~الصانع فكأنكم قلتم صانع بذاته وهو محل النزاع ومصادرة على المطلوب الأول ~~فإن الخصم يقول ليس فاعلا لذاته وفعله ليس قديما لم يزل وفيه وقع الخلاف ~~غيرت العبارة من الفعل إلى الجود وجعلته دليل المسئلة وإذا كان معنى الجود ~~راجع إلى الفعل والإيجاد فقوله مرة هو جواد ومرة غير جواد كقوله مرة فاعل ~~ومرة غير فاعل وذلك أيضا محل النزاع فلم يجب أن يقال انه يوجب التغير . ~~وإنما حل الشبهة فيه من وجهين أحدهما أن الفعل إنما امتنع في الأزل لا ~~لمعنى يرجع إلى الفاعل بل لمعنى راجع إلى نفس الفعل حيث لم يتصور وجوده فإن ~~الفعل ما له أول والأزل ما لا أول له واجتماع ما لا أول له مع ما له أول ~~محال فهو تعالى جواد حيث يتصور الجود ولا يستحيل الموجود أليس لو عين الشخص ~~في زماننا فيقال يجب أن يوجد أزلا لأن الباري سبحانه جواد لذاته كان السؤال ~~محالا لأن الموجود ms030 المعين استحال وجوده فيما لم يزل فاستحالة وجود الموجود ~~هو المانع لفيض الوجود لا منعا يكون ذلك حملا أو زجرا بل هو ممتنع في ذاته ~~وهكذا لو أوجد ما أوجده أولا أو أوجد جميع الموجودات معا من غير ترتيب واحد ~~على واحد كل ذلك غير جايز عند الخصم ولم يقدح في كونه جوادا هذا كما يقدره ~~المتكلم أن الباري سبحانه يوصف بالقدرة على ما يجوز وجوده وإما ما يستحيل ~~وجوده فلا يقال الباري تعالى ليس قادرا عليه بل يقال المستحيل في ذاته غير ~~مقدور فلا يتصور وجوده . وهذا هو الجواب أيضا عن قولهم لو لم يكن صانعا ~~فصار صانعا كان صانعا بالقوة فصار صانعا بالفعل وتغيرت ذاته . PageV01P032 ~~فإنا نقول إنما لم يكن صانعا لم يزل لأن الصنع فيما لم يزل مستحيل الوجود ~~وإذا استحال وجود الشيء في نفسه ولذاته لم يكن مقدورا فلا يكون مصنوعا قط ~~وإذا استحال وجود الشيء لمعنى آخر كان جايزا في ذاته فإذا زال ذلك المعنى ~~تحقق الجواز فصار مقدورا فيكون مصنوعا والصنع لم يزل إنما استحال لنفي ~~أولية الأزل وإثبات أولية الصنع فكان الجمع بينهما محالا فإذا نفيت الأزلية ~~تعينت الأولية فتحقق الجواز فصح المقدور فوجد المصنوع . وكذلك الجواب عن ~~الشبهة الثالثة أنه علة لذاته فإن معنى كونه علة أي مبدئ لوجود شيء وإنما ~~الممتنع وجود المعلول مع العلة معية بالذات فإن ذلك يرفع العلية والمعلولية ~~وكذلك نقول يستحيل وجود المعلول مع العلية معية بالزمان فإن ذلك يوجب كون ~~العلة زمانية قابلة للتغير وذلك محال أيضا فيجب أن يتقدم في الوجود لأن ~~وجود الباري سبحانه وجود لذاته غير مستفاد من غيره ووجود العالم مستفاد منه ~~والمفيد أبدا يتقدم في الوجود . أما الوجه الثاني في حل الشبهة أن نطالبهم ~~أولا فنقول بما عرفتم أنه سبحانه يجب أن يكون جوادا لذاته قالوا لأن موجودا ~~ما يفعل أكمل من موجود لا يفعل وإن تصدر عنه موجودات أشرف من أن لا تصدر . ~~قيل له لو عكس الأمر عليكم أن ms031 الموجود الذي لا يفعل أكمل فما جوابكم عنه إذ ~~ليس هذا من القضايا الضرورية خصوصا في موجود يكون كماله بذاته لا بغيره ~~وإنما يصدر عنه فعل لو صدر لا لغرض ولا ليكتسب به حمدا ولا أمرا ما يتعلق ~~بالتناقل لعمري لو كان موجودان أحدهما كماله بذاته والآخر كماله من غيره ~~شهد العقل بالضرورة أن الذي كماله بالذات أشرف من الذي كماله بغيره ~~والموجود الذي لو لم يفعل فعلا كان ناقصا فليس بكامل الذات بل هو ناقص ~~مستكمل من غيره فلم يصح أن يكون واجب الوجود لذاته . وأما حل الشبهة ~~الثانية نقول ما المعنى بقولكم إذا لم يكن صانعا فصار صانعا فقد تجدد أمر ~~فنقول تجدد في ذات الصانع أمر أم تجدد أمر في غير ذاته والأول غير مسلم ~~والثاني مسلم وهو محل النزاع . وقولهم كان صانعا بالقوة أيضا مشترك فإن ~~القوة يراد بها الاستعداد المجرد ويراد بها القدرة والأول غير مسلم والثاني ~~مسلم وهو محل النزاع ولا يحتاج إلى مخرج إلى الفعل . PageV01P033 وأما حل ~~الشبهة الثالثة قال كل علة لا يجوز عليها التحرك والاستحالة فإنما تكون علة ~~من جهة ذاتها غير مسلم بل هو باطل على أصله بالعقل الأول فإنه لا يجوز عليه ~~التحرك والاستحالة وليس علة من جهة ذاته بل هو معلول الواجب الوجود وعلة من ~~جهة كونه واجبا به لا بذاته وكذلك العقول المفارقة لا تقبل الحركة ~~والاستحالة وليست عللا من جهة ذواتها . ومما يعتمد في إثبات حدث العالم أن ~~نفرض الكلام في النفوس الإنسانية ونثبت تناهيها عددا ثم ترتب عليها تناهي ~~الأشخاص الإنسانية وترتب عليها حدوث الأمزجة وتناهيها ثم نرتب عليها تناهي ~~الحركات الدورية الجامعة للعناصر ثم ترتب عليها تناهي المتحركات والمحركات ~~السماوية فثبت حدث العالم بأسره وهي أسهل الطرق وأحسنها . فنقول قد تقرر في ~~أوايل العقول إن كل عدد أو معدود موجود بالفعل إذا كان غير متناه بالفعل ~~فإنه لا يقبل الزيادة والنقصان وإن الزايد لا يكون مثل الناقص قط ولا يمكن ~~أن يكون شيء أكبر ms032 من مقدار غير متناه لموجود وجد وغير المتناهي لا يتضاعف ~~بما لا يتناهى وإن ما يتناهى من طرف يتناهى من سائر الأطراف والنفوس ~~الإنسانية عند القوم موجودات بالفعل مجتمعة في الوجود وهي قابلة للزيادة ~~والنقصان فإن الزمان الذي نحن فيه قد اشتمل على أشخاص إنسانية متناهية ولكل ~~شخص نفس إذا أضفت تلك النفوس إلى ما مضى من الأشخاص التي بقيت نفوسها كانت ~~الأوائل منها أنقص وهي مع الزيادة أزيد وكذلك في كل زمان وساعة تتزايد ~~النفوس أبدا وما قبل الزيادة في كل وقت يستحيل أن يكون غير متناه وذلك لأن ~~نسبة ما مضى إلى الحاصل كنسبة الناقص إلى الزايد وحيث ما تمادى إلى الأول ~~صار أنقص كما إذا تمادى إلى الآخر صار أزيد ومثل هذا مستحيل فيما لا يتناهى ~~موجودا بالفعل محصورا في الوجود نعم ربما يظن في الموجودات المتعاقبة في ~~الوجود أنها لا تتناهى قبل آخر وآخرا بعد أول وأنها إذا جازت غير متناهية ~~آخرا جازت غير متناهية أولا وهذا الظن وإن كان خطأ عند العقل إلا أن الخيال ~~ربما يعين هذا الرأي لكن الفرض إذا كان في موجودات غير متناهية مجتمعة في ~~الوجود لا متعاقبة أعدادا ومعدودات بالفعل لا بالقوة فيلزمها ضرورة ألا ~~تقبل الزيادة والنقصان إذ لو قبلت وهي غير متناهية لكان الزايد مثل الناقص ~~. والذي يوضحه أن كل جملة موجودة الآحاد بالفعل إذا زيد عليها عدد معلوم أو ~~نقص منها عدد محصور صار ما لا يتناهى أكثر مما كان أو أنقص . فنقول إذا دخل ~~ما لا يتناهى في الوجود من النفوس فالباقي من النفوس التي لم PageV01P034 ~~تدخل في الوجود بعد أما إن كانت متناهية أو غير متناهية فإن لم تكن متناهية ~~فقد تضاعف ما لا يتناهى بما لا يتناهى وذلك محال وإذا كانت متناهية فإذا ~~زيدت على غير المتناهي صارت الجملة أكثر من المقدار الأول وقد علم أن غير ~~المتناهي الموجود لا يكون شيء أكثر منه وهذا أكثر منه فهو خلف ثم يلزم أن ~~يكون الباقي ms033 على نسبة عددية إذ هي موجودة بالفعل أما نسبة النصف أو الثلث ~~أو الربع أو غير ذلك من النسب وإذا كانت الجملة غير متناهية بالفعل استحال ~~تقدير النسبة إليها فإن ما لا يتناهى لا نصف له ولا ثلث ولا ربع وإذا تحققت ~~النسبة دل ذلك على أن الجملة محصورة معدودة متناهية وليس يلزم على ما ~~ذكرناه كون العدد غير متناه فإنا لا نسلم ذلك في عدد معلوم موجود ومعنى ~~قولنا أن العدد لا يتناهى انه في التقدير الوهمي لا يتناهى أي الوهم يعجز ~~عن بلوغ حد ونهاية فيه فيحكم العقل انه لا نهاية له وكما أن العدد على ~~الإطلاق معلوم من غير ربط بمعدود وكذلك النصف والثلث والربع على الإطلاق ~~معلوم من غير نسبة إلى ما لا يتناهى إنما المستحيل إثبات أعداد موجودة غير ~~متناهية فإن كل موجود معدود فهو محدود وإذا تحقق بطلان النفوس الغير ~~متناهية وكانت كل نفس متعلقة ببدن تحقق بطلان الأبدان الغير متناهية ثم إذا ~~تناهت الأبدان والنفوس الإنسانية تناهت الامتزاجات العنصرية فتناهت الحركات ~~الدورية السماوية فتناهت المتحركات العلوية فتناهت المحركات الروحانية ~~فتناهى العالم بأسره فكان له أول منه ابتداء فأما تقدير عدم عليه يمكن أن ~~يكون قبله فهو تقدير خيالي كتقدير خلا وراء العالم يمكن أن يكون فيه فالخلا ~~بالنسبة إلى العالم مكانا كالعدم بالنسبة إليه زمانا وتقدير بينونة وراء ~~العالم غير متناهية كتقدير أزمنة قبل العالم غير متناهية . ولو سأل سائل هل ~~يمكن تقدير عالم آخر وراء هذا العالم ووراء ذلك العالم عالم آخر إلى ما لا ~~يتناهى كان السؤال محالا كذلك لو سأل هذا هل يمكن تقدير هذا العالم أو عالم ~~آخر قبله بزمان وقبل ذلك القبل بزمان إلى ما لا يتناهى كان السؤال أيضا ~~محالا فليس قبل العالم إلا موجده ومبدعه قبلية الإيجاد والإبداع لا قبلية ~~الإيجاب بالذات ولا قبلية الزمان كما ليس فوق العالم إلا مبدعه فوقية ~~الإبداع والتصرف لا فوقية الذات ولا فوقية المكان والله المستعان . ~~PageV01P035 # | القاعدة الثانية في حدوث ms034 الكائنات بأسرها بأحداث له سبحانه # وفيها الرد على المعتزلة والثنوية والطبايعيين والفلاسفة وفيها تحقيق ~~الكسب والفرق بينه وبين الإيجاد والخلق مذهب أهل الحق من أهل الملل وأهل ~~الإسلام أن الموجد لجميع الكائنات هو الله سبحانه فلا موجد ولا خالق إلا هو ~~والفلاسفة جوزوا صدور موجود من غير الله تعالى بشرط أن يكون وجود ذلك الغير ~~مستندا إلى وجود آخر ينتهي إلى واجب الوجود بذاته ثم هم مختلفون في انه هل ~~يجوز أن يصدر عنه أكثر من واحد فذهب أكثرهم إلى انه واحد من كل وجه فلا ~~يصدر عنه إلا واحد . ثم اختلفوا في ذلك الواحد فقال بعضهم هو العقل وقال ~~بعضهم هو العنصر ثم العقل واختلفوا في الصادر عن المعلول الأول فقال بعضهم ~~هو النفس وقال بعضهم هو عقل آخر ونفس وفلك هو جسم وكذلك يصدر عن كل عقل عقل ~~حتى انتهى بالعقل الذي هو مدير فلك القمر الفعال الواهب للصور على مركبات ~~العالم ومن قدماء الأوائل من جوز صدور شيء متكثر من واجب الوجود واختلفوا ~~فيه فمنهم من قال هو الماء ومنهم من قال هو النار ومنهم من قال هو الهواء ~~ومنهم من قال هو أجسام لطيفة بسيطة تركبت أو أجزاء صغار اجتمعت فحدث العالم ~~ومنهم من قال هو العدد ومنهم من قال هو المحبة والغلبة على ما قررنا تفصيل ~~مذاهبهم في الإرشاد إلى عقائد العباد . وأما المجوس فلهم تفصيل مذهب في ~~حدوث الكائنات وسبب امتزاج النور والظلمة وسبب الخلاص لكن اتفقوا على نسبة ~~الخير والصلاح إلى النور ونسبة الشر والفساد إلى الظلمة . PageV01P036 وأما ~~المعتزلة القدرية فأثبتوا للقدرة الحادثة تأثيرا في الإيجاد والأحداث من ~~الحركات والسكنات وبعض الاعتقادات والاعتمادات والنظر والاستدلال والعلم ~~الحاصل به وبعض الادراكات وهي التي يجد الإنسان من نفسه أنها تتوقف على ~~البواعث والدواعي وورود التكليف بمباشرتها والكف عنها . ووافقنا الفلاسفة ~~على أن جسما ما أو قوة في جسم لا يصلح أن يكون مبدعا لجسم . ووافقنا المجوس ~~على أن الظلمة لا يجوز أن تحدث بإحداث النور ms035 . ووافقنا المعتزلة على أن ~~القدرة الحادثة لا تصلح لأحداث الأجسام والألوان والطعوم والروائح وبعض ~~الإدراكات والحيوة والموت ولهم اختلاف مذهب في المتولدات وإنما أوردنا هذه ~~المسئلة عقيب حدث العالم لأن الدليل لما قام على أن الممكن بذاته من حيث ~~إمكانه استند إلى الموجد وإن الإيجاد عبارة عن إفادة الوجود فكل موجود ممكن ~~مستند إلى إيجاد الباري سبحانه من حيث وجوده والوسايط معدات لا موجبات وهذا ~~هو مدار المسئلة . ولنا في تقرير هذا المعنى كلام مع الفلاسفة على مقتضى ~~قواعدهم ومع المجوس على موجب أصلهم باعتبار انه موجود ومع المعتزلة على ~~موجب عقائدهم . أما الكلام على الفلاسفة فنقول كل موجود بغيره ممكن باعتبار ~~ذاته لو جاز أن يوجد شيئا فأما أن يوجده باعتبار انه موجود بغيره أو ~~باعتبار انه ممكن بذاته أو باعتبارهما جميعا لكن لا يجوز أن يوجد باعتبار ~~انه موجود بغيره إلا بشركة من ذاته إذ لا تعزب ذاته عن ذاته ولا يخرج وجوده ~~عن حقيقته وهو باعتبار ذاته ممكن الوجود والإمكان طبيعته عدمية فلو أثر في ~~الوجود لأثر بشركة العدم وهو محال . وهذا البرهان إنما نقلناه عن قولهم في ~~الجسم انه لا يؤثر في الجسم إيجادا وإبداعا إذ الجسم مركب من مادة وصورة ~~فلو أثر بشركة من المادة والمادة لها طبيعة عدمية فلا يجوز أن توجد شيئا ~~فالجسم لا يجوز أن يوجد أيضا فإمكان الوجود كالمادة ونفس الوجود كالصورة ~~كما أن الجسم لا يؤثر من حيث صورته إلا بشركة من المادة كذلك الموجود بغيره ~~الممكن باعتبار ذاته لا يؤثر من حيث وجوده إلا بشركة من إمكان الوجود فلا ~~موجد على الحقيقة إلا بوجود واجب بذاته من كل وجه لا يشوبه إمكان ولا ~~PageV01P037 عدم من وجه والوسايط إن أثبتت فإنها معدات لا موجدات . فإن قيل ~~الممكن باعتبار ذاته إنما يوجب غيره أو يوجد باعتبار وجوده بغيره وحين ~~لاحظنا جانب الوجود نقطع نظرنا عن الإمكان والعدم فإن الإمكان قد زال بثبوت ~~الوجود وحصل الوجوب بدل الإمكان فلا التفات إلى الإمكان ms036 أصلا فلم يؤثر ~~بشركة الإمكان والجواب قلنا إذا كان الوجود من حيث هو وجود مؤثرا من غير ~~ملاحظة إلى وجه الإمكان والجواز فليؤثر وجود كل موجود حتى لا يكون العقل ~~بالإيجاب أولى من النفس أو الجسم وحتى يكون الجسم مؤثرا في الجسم باعتبار ~~صورته لا من حيث مادته فإن الوجود من حيث هو وجود لا يختلف وإنما الاختلاف ~~في كل موجود إنما يرجع إلى الفواصل . فإن قيل العقل الأول إنما يوجب شيئا ~~آخر بسبب اعتبارات في ذاته فهو من حيث وجوده بواجب الوجود يوجب عقلا أو ~~نفسا ومن حيث انه ممكن بذاته يوجب جسما هو صورة ومادة وقولكم أن جهة ~~الإمكان غير ملتفت إليها أصلا باطل فإن جهة الوجوب يناسب وجود العقل والنفس ~~وجهة الإمكان يناسب وجود المادة والصورة وإنما حملنا على إثبات هذا الإيجاب ~~لأن الواحد لا يجوز أن يصدر عنه إلا واحد فإنه لو صدر عنه اثنان لكان عن ~~جهتين ولو ثبت أن له جهتين لتكثرت ذاته وقد دل البرهان على أن واجب الوجود ~~لن يتكثر . والجواب قلنا ولو كان العقل إنما أوجب عقلا أو نفسا باعتبار انه ~~واجب بغيره لا وجب الجسم جسما أو نفسا باعتبار انه واجب بغيره فإن قضية ~~الوجوب بالغير لا تختلف إلا أن يكون أحدهما بغير واسطة والثاني واسطة وإلا ~~فمن حيث أن الجسم ذو مادة لا يمتنع عليه الإيجاد من حيث انه واجب بغيره ~~وكما أن العقل من حيث انه ذو إمكان في ذاته لم يمتنع عليه الإيجاب والإيجاد ~~من حيث انه واجب بغيره فقولوا أن الجسم يجوز أن يوجد جسما أو قوة في جسم ~~يجوز أن توجب جسما أو صورة الجسمية يجوز أن توجب جسما وهذا مستحيل بالاتفاق ~~. نعم نقول هاهنا مقتضيات أربعة عقل ونفس وفلك ومادة وهي جواهر مختلفة ~~متمايزة بالحقايق تستدعي مقتضيات أربعة مختلفة بالحقائق أيضا فعليكم أن ~~تثبتوا في المعلول الأول هذه الحقائق بحيث يناسب كل واحد واحد وإلا فيلزم ~~أن يصدر عن شيء واحد أشياء وذلك محال ms037 عندكم وعليكم أيضا أن تثبتوا أن تلك ~~الاعتبارات المقتضية لا ترجع إلى إضافات وسلوب فإن كثرة الإضافات والسلوب ~~وإن لم توجب PageV01P038 كثرة في الذات إلا أنها لا توجب أشياء فإن ذات ~~واجب الوجود واحدة من كل وجه إلا أنها لا تتكثر بالإضافات والسلوب والصفات ~~الإضافية والسلبية لا توجب أشياء متعددة إذ لو أوجبت لأضيف إلى واجب الوجود ~~جميع الموجودات إضافة واحدة من غير وسائط وذلك محال عندكم فهم بين أمرين ~~متناقضين أن أثبتوا في المعلول الأول صفات إيجابية مختلفة الحقائق فقد ~~ناقضوا مذهبهم حيث قالوا الواحد لا يصدر عنه إلا واحد وإن قالوا هذه الصفات ~~التي ثبتت إضافية أو سلبية لزمهم أن يثبتوا مقتضيات متعددة لواجب الوجود ~~وذلك أيضا يناقض مذهبهم . وهذا إلزام إفهام لا محيص عنه ثم نفصل القول بعد ~~الإجمال فنقول إذا كان المقتضى مفصلا معلوما مختلف الأنواع يجب أن يكون ~~المقتضى مفصلا معلوما مختلف الحقائق وما أثبتم إلا أمرين أحدهما كونه واجبا ~~بغيره والثاني كونه جايزا بذاته وكونه واجبا بغيره أوجب عقلا أو نفسا وكونه ~~ممكنا بذاته أوجب صورة ومادة فقد أثبتم صدور موجودين جوهرين قائمين ~~بذاتيهما من وجه واحد وذلك أيضا يناقض مذهبهم . وأراد من تكيس منهم أن ~~يعتذر عن هذين الإلزامين فقال إن الواحد لا يصدر عنه إلا واحد كما ذكرنا ~~إلا أن العقل الأول إنما يكثر باعتبارات ذاته لا بما استفاد من غيره لأن ~~الإمكان له من ذاته لا من غيره والوجود له من غيره لا من ذاته فلم يستفد ~~الكثرة من واجب الوجود لعمري لما حصل العقل حصلت له اعتبارات أربعة أحدها ~~كونه واجبا بغيره والثاني كونه عقلا والثالث كونه واحدا في ذاته والرابع ~~كونه ممكنا في ذاته فأوجب من حيث هو عقل عقلا ومن حيث هو موجود بواجب ~~الوجود نفسا ومن حيث هو واحد صورة ومن حيث هو مكن مادة وهذه الاعتبارات لما ~~كانت مختلفة الحقائق أوجبت جواهر مختلفة الأنواع . انظروا بعين الاعتبار ~~إلى هذا الاعتذار هل هو إلا تحكم محض لم ms038 يقم عليه دليل عقلي ولا شاهد حسي ~~بل هو أقل رتبة من طرد الفقها أرادوا بناء أشرف الموجودات كمالا على ~~اعتبارات كلها ترجع إلى عبارات فنطالبهم أولا بصحة هذه المناسبات ولا يجدون ~~إلى إثباتها سبيلا . ثم نقول كونه واجب الوجود بغيره أمر إضافي لا محالة ~~لأن كون واجب الوجود مبدأ وعلة أو موجبا ومبدعا أمر إضافي لا تتكثر به ~~الذات فإذا كان الإيجاب إضافة فيكون بين الموجب والموجب إضافة لا محالة ~~والأمر الإضافي قد يتكثر ويتعدد ولا تتكثر به الذات فلو صلح أن يكون موجبا ~~في العقل الأول العقل الآخر لصح مثله في واجب الوجود بذاته فهلا كثرت ~~الإضافات في حق واجب الوجود حتى تتحقق له PageV01P039 نسبة إيجاب إلى موجب ~~فتتكثر النسب الإضافية ولا تتكثر بها الذات وهذا كما يقدرونه في العقل ~~الفعال الذي هو واهب الصور على العالم الجسماني فإنه ما من صورة تحدث في ~~العالم إلا وهي من فيضه وسنخه ثم تختلف الصور باختلاف الأنواع والأصناف إلى ~~ما لا يتناهى ولا تختلف الصفات في الفايض بل هو على نعت واحد والصور تختلف ~~وتتكثر بحسب القوابل والحوامل ولو اختلفت النسب فإنما هي إضافات لا صفات ~~حقيقية كذلك يجب أن يقال في واجب الوجود بذاته أنه ينسب إليه الكل نسبة ~~واحدة من حيث وجودها الممكن ثم الاختلاف يحصل في القوابل أو تكون الإضافات ~~والسلوب كثيرة وتتعدد الموجبات بحسب تلك ولا يوجب ذلك كثرة في الذات كما ~~قالوا في المعلول الأول . ونقول كون العقل الأول عقلا أمر سلبي عندكم لأن ~~معنى كونه عقلا أنه مجرد عن المادة والتجريد عن المادة سلب المادة ونفيها ~~والنفي كيف يناسب وجود جوهر عقلي هو عقل كيف والسلوب كثيرة فهلا أوجب بكل ~~سلب جوهرا عقليا فإنه كما يسلب عنه المادة يسلب عنه الصورة أعني الصورة ~~الجسمية ويسلب عنه الكيفية والكمية والوضع والحيز والمكان والزمان ولم يجب ~~أن يقال يلزم عنه بكل سلب جوهر عقلي ومثل هذه السلوب تتحقق في حق واجب ~~الوجود أيضا ولا يوجب كل ms039 سلب جوهرا عقليا وإن سلم ذلك حصل غرضنا من إضافة ~~الكل إليه . ثم نقول لم صار كونه واجب الوجود بغيره أولى بإيجاب نفس من ~~كونه مجردا عن المادة ولو عكس الأمر فجعل ما ذكرتموه بالغير موجبا للعقل ~~وما ذكرتموه من التجرد عن المادة موجبا للنفس أي محال كان يلزم منه وأي خلل ~~كان يحصل وهل هذا إلا تحكم بارد بني على تقليد أو تقليد استند إلى تحكم . ~~ونقول عددتم اعتبارات أربعة وقضيتم بوحدة العقل في ذاته وقلتم أن الوحدة ~~توجب نفسا أو جسما فبينوا ما هو المستفاد من الباري تعالى وما هو له من ~~ذاته فإن الذي له من ذاته ليس إلا إمكان الوجود بقيت اعتبارات ثلاثة وإن ~~كانت مستفادة من الأول استدعت ثلاث مقتضيات وواجب الوجود واحد من كل وجه ~~وإن كانت له لذاته أي من لوازم ذاته فقد بطل قولكم إن الذي له من ذاته هو ~~الإمكان فقط ثم PageV01P040 الإمكان لا يناسب إلا المادة لأن طبيعة المادة ~~طبيعة عدمية لها استعداد قبول الصور والإمكان طبيعة عدمية أيضا لها استعداد ~~قبول الوجود بقيت الصورة لا موجب لها . ومما يقضى منه العجب أن الجسم الذي ~~هو مركب من جوهرين مختلفين مادة وصورة لا يجوز أن يوجب جسما مثله وشيء ما ~~له وجود بغيره وإمكان بذاته يوجب جواهر عقلية حقيقية مختلفة بالنوع لا يجوز ~~أن تشترك في مادة مع أن الإمكان ليس يتحقق له وجود إلا في الذهن والمادة ~~يتحقق لها وجود في الخارج فعرف بهذه الاعتراضات أن الواسطة التي أوجبوا ~~وجودها حتى توجب الموجودات لا يحتاج إليها . ثم نقول من أين أثبتم أربع ~~اعتبارات في الصادر الأول حتى صدرت عنه أربعة جواهر فما قولكم في الصادر ~~الثاني والثالث أفيصدر عن كل واحد على مثال ما صدر من الأول أو يتغير ~~الترتيب فإن كان على مثال الأول فيجب أن يصدر عن كل واحد من الأربعة أربعة ~~جواهر فيتضاعف الأعداد أربعة في أربعة وذلك على خلاف الوجود أو يصدر عن ~~العقل الثاني ms040 أربعة أخرى فما الموجب للوقوف على تسعة من العقول أو تسع من ~~النفوس وتسعة من الأفلاك وأربعة من العناصر فهلا زاد إلى ما لا يتناهى أو ~~هلا زاد بعدد معلوم أو هلا نقص فهل الانتهاء إلى عدد معلوم ثم الوقوف عليه ~~إلا تحكم محض ثم ما الموجب حتى يتغير التأثير من السماوي المتركب تركيبا لا ~~ينحل قط المتحرك تحركا على الاستدارة لا يسكن قط إلى العناصر والمركبات ~~تركيبا لا يدوم قط ولا يثبت على حال قط المتحركة تحركا على الاستقامة ثم ~~الانتهاء إلى النفس الإنسانية والوقوف عليها آخرا وما الموجب لتقدير النجوم ~~والشمس والقمر بأقدارها المعلومة حتى صار منها ما هو أكبر ومنها ما هو أصغر ~~وما الموجب لتعيين القطبين بالموضع المعلوم مع أن كل كرة واحدة وليس بعض ~~الأجزاء بتعين القطب فيه أولى من البعض فإن كنتم شرعتم في طلب العلة لكل ~~شيء وادعيتم أن كمال نفس الإنسان في أن تتجلى لها حقائق الموجودات وتصرفتم ~~بالفكر العقلي في الهيئات وكيفية الإبداع فأفيدونا جواب هذه الأسولة وإذ ~~رأينا انحصاركم وتحيركم ورأينا الوجود على خلاف الترتيب الذي وضعتم ولم ~~تستمر قاعدتكم على ما مهدتم عرف بطلان مذهبكم من كل وجه وعلم بالضرورة ~~استناد الموجودات إلى صانع عالم قادر مختار ابتدع الخلق بقدرته وإرادته ~~ابتداعا واخترعهم على مشيئته اختراعا ثم سلكهم في طرق إرادته وبعثهم على ~~سبيل محبته لا يملكون تأخرا عما قدمهم إليه ولا يستطيعون تقدما إلى ما ~~أخرهم عنه وهذا القدر يكفي في هذه المسئلة من الرد على الفلاسفة المتفقين ~~على رأي أرسطاطاليس وسنرد على PageV01P041 الباقين عند تعقبنا آراء أرباب ~~المقالات إن شاء الله تعالى . وأما المجوس فمذهبهم يدور على قاعدتين ~~أحديهما ذكر سبب امتزاج النور والظلمة والثانية ذكر سبب خلاص النور من ~~الظلمة والأولى هي المبدأ والثانية هي المعاد وذلك انه لما ألزم عليهم أن ~~النور إذا كان ضد الظلمة جوهرا وطبعا وفعلا وحيزا وهما متنافران ذاتا ~~وطبيعة فكيف امتزجا وما الموجب لاجتماعهما حتى حصل الامتزاج وحصل بحصول ~~الامتزاج ms041 صور هذا العالم ثم هل يبقى هذا الامتزاج أبد الدهر ويلزم عليهم ~~كون أجزاء النور معذبة أبد الآبدين أو تتخلص يوما ما فما الموجب للخلاص . ~~فصار مدار المسئلة معهم على تقرير هذين الركنين . قالت طائفة منهم أن النور ~~فكر في نفسه فكرة ردية فحدث منها الظلام متشبثا ببعض أجزاء النور وهذا قول ~~من قال بحدوث الظلام . فيقال لهم إذا كان النور خيرا لا شر فيه بوجه ما فما ~~الموجب لحدوث الفكرة الردية فإن حدثت بنفسها فهلا حدث الظلام بنفسه من غير ~~أن ينسب إليه وإن حدث بالنور فالنور كيف أحدث أصل الشر ومنبع الفساد فإنه ~~إن كان كل فساد في العالم إنما انتسب إلى الظلام والظلام انتسب إلى الفكرة ~~كانت الفكرة مبدأ الشر والفساد . ومن العجب أنهم اعتذروا حتى لم ينسبوا شرا ~~جزئيا إلى النور في الحوادث ولزمهم أن ينسبوا كل الشر وأصل الفساد إليه . ~~ومن قال بقدم الظلام فالرد عليه أن العقل يقضي ضرورة أن شيئين متنافرين ~~غاية التنافر طبعا لا يمتزجان إلا بقاسر فإنهما لو امتزجا بذاتيهما بطل ~~تنافرهما بذاتيهما وما هو متنافر ذاتا لا يجوز أن يجتمع ذاتا فالذات ~~الواحدة لا توجب اجتماعا وافتراقا وذلك يقتضي ألا يحصل وجود ما وقد حصل فهو ~~خلف . ونقول أيضا الظلام لا يخلو إما أن يكون موجودا حقيقة أو لم يكن فإن ~~كان وجوده وجودا حقيقيا فقد ساوى النور في الوجود وبطل الامتياز عنه من كل ~~وجه وكذلك إن ساواه في القدم والوحدة ثم الوجود من حيث هو وجود خير لا ~~محالة فلم يكن الظلام شرا وإن لم يكن موجودا حقيقة فما ليس بموجود حقيقة ~~كيف يكون قديما وكيف ينافي ضده وكيف يحصل منه امتزاج وكيف يحصل من امتزاجه ~~وجود العالم . ونقول أيضا عندكم وجود خير من شر ووجود شر من خير لا يتصور . ~~ومن قال بحدوث الظلام فقد لزمه حدوث شر من خير ثم حدوث العالم من الامتزاج ~~وذلك حدوث خير من شر . PageV01P042 ومن قال بقدمه فقد لزمه حصول العالم ms042 من ~~الامتزاج والامتزاج إن كان خيرا فهو حصول خير من شر وإن كان شرا فهو حصول ~~شر من خير ثم لو كان الامتزاج خيرا أوجب أن يكون الخلاص شرا لأنه ضده ولو ~~كان شرا فالخلاص خير وعلى أي وجه قدر فلا بد من حصول خير من شر وحصول شر من ~~خير . ونقول أيضا العقل بالضرورة يقضي بأن امتزاج جوهرين بسيطين لا يقتضي ~~إلا طبيعة واحدة ونحن نرى مختلفات في العالم اختلافا في النوع والشخص ~~والحقيقة والصورة على طبائع مختلفة وأعراض متضادة وهذه المختلفات تستحيل أن ~~تحصل من امتزاج أمرين بسيطين فقط فإنهما لا يوجبان أمورا على خلاف ذاتيهما ~~ولا يوجدان أكوانا على ضد طبيعتيهما فقد بطل قولهم أن الكون والكائنات حصلت ~~من الامتزاج بل لا بد من إسنادهما إلى فاطر حكيم قادر عليم . وأما الكلام ~~على المعتزلة فنذكر أولا طريق أهل السنة في إسناد الكائنات إلى الله سبحانه ~~خلقا وإبداعا . ولهم طريقان في ذلك أحدهما قولهم الأفعال المحكمة دالة على ~~علم مخترعها إذ الاتقان والإحكام من آثار العلم لا محالة وإذا كان الفعل ~~صادرا من فاعل متقن فيجب أن يكون من آثار علم ذلك الفاعل ومن المعلوم أن ~~علم العبد لا يتعلق قط بما يفعله من كل وجه بل لو علمه علمه من وجه دون وجه ~~علم جملة لا علم تفصيل فوجوه الإحكام في الفعل لم تدل على علمه وليست من ~~آثار علمه فيتعين أن الفاعل غيره وهو الذي أحاط به علما من كل وجه وهذه ~~الطريقة هي التي اعتمد عليها الشيخ أبو الحسن الأشعري رضي الله عنه وأوردها ~~في كتبه وفرضها في الغافل إذا صدر عنه فعل . والحق أن الدليل ليس بمختص ~~بالغافل فإن الغافل كما لم يحط علما بالفعل من كل وجه كذلك العالم لم يحط ~~به علما من كل وجه والفاعل الخالق يجب أن يكون محيطا بالفعل من كل وجه إذ ~~الأحكام إنما يثبت فيه من آثار علمه لا من آثار علم غيره ويدل على علمه لا ms043 ~~على علم غيره فكما يستحيل إيجاد الفعل واختراعه على PageV01P043 جهل وغفلة ~~بالمخلوق المخترع من كل وجه كذلك يستحيل إيجاده على غفلة من وجه قال الله ~~تعالى ' ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير ' فإن قيل هذا الدليل لا يصلح ~~لإثبات استحالة حدوث الفعل بالقدرة الحادثة فإن إحاطة العبد بالفعل من كل ~~وجه غير مستحيل وإن لم يتفق في الصورة المذكورة وقوعا لا وجوبا فلو قدر ~~تعلق العلم الحادث بالفعل من كل وجه وجب أن تجوزوا حصول الفعل بالقدرة ~~الحادثة من كل وجه لأن الأحكام والإتقان فيه دل على علم الفاعل ومع ذلك لم ~~يجز على أصلكم فدل أن الاستدلال بانتفاء العلم من كل وجه باطل وأيضا فإن ~~القدر الذي تعلق العلم به وجب أن يكون مخلوقا للعبد وعندنا العلم بالفعل من ~~كل وجه غير شرط بل العلم بأصل وجوده شرط كونه فاعلا وهو لم يعدم ذلك . ~~والجواب أنا ما أنشانا هذا الدليل لبيان استحالة حدوث الفعل بالقدرة ~~الحادثة بل لنفي كون العبد خالقا لأفعاله التي يثاب ويعاقب عليها إذ لو كان ~~خالقا لدل الأحكام في فعله على علمه لكن لم يدل فلم يكن خالقا لأنه لو كان ~~خالقا لكان عالما بخلقه من كل وجه لكنه ليس بعالم به من كل وجه فليس بخالق ~~. هذا وجه دلالة هذا النظر فلا يلزمنا تقدير الإحاطة به من كل وجه فإن ~~انتفاء العلم إذا دل على انتفاء الخالقية لم يلزم أن يدل وجود العلم على ~~ثبوت الخالقية بل هو عكس الأدلة والدليل لا ينعكس . ولو تصدينا لبيان ~~الاستحالة صغنا الدليل صياغة أخرى فقلنا لو كان الفعل منتسبا إلى العبد ~~إبداعا لوجب أن يكون في حال إبداعه عالما بجميع أحواله ويستحيل من العبد ~~الإحاطة بجميع وجوه الفعل في حالة واحدة لأمرين أحدهما أن العلم الحادث لا ~~يتعلق بمعلومين في حالة واحدة وذلك لجواز طريان الجهل على العالم بأحد ~~الوجهين فيؤدي إلى أن يكون عالما جاهلا بمعلوم واحد في حالة واحدة ويكون ~~علمه علما من وجه ms044 وجهلا من وجه . الثاني أن وجوه المعلومات في الفعل تنقسم ~~إلى ما يعلم ضرورة وإلى ما يعلم نظرا فيحتاج حالة الإيجاد في تحصيل ذلك ~~العلم إلى نظر وهو اكتساب ثان وربما يحتاج إلى معرفة الضروري والنظري من ~~وجوه الاكتساب فيؤدي إلى التسلسل حتى لا يصل إلى إيجاد الفعل المطلوب وعن ~~هذا المعنى صار كثير من عقلاء الفلاسفة إلى أن الإيجاد لن يحصل إلا بالعلم ~~حتى لو تصور من الإنسان العلم بوجوه الفعل كليا وجزيا ومحلا ومكانا وزمانا ~~وعددا وشكلا وعرضا وكمالا لتصور منه الإيجاد والإبداع وعن هذا صاروا إلى ~~PageV01P044 أن علم الباري سبحانه بذاته هو المبدئ لوجود الفعل الأول ~~وفرقوا بين العلم الفعلي والعلم الانفعالي وإنما يحتاج الإنسان إلى القدرة ~~والإرادة والدواعي والآلات والأدوات لأن علمه لن يتصور أن يكون علما فعليا ~~بل علومه كلها انفعالية ولذلك اتفق المتكلمون بأسرهم على أن العلم يتبع ~~المعلوم فيتعلق به على ما هو به ولا يكسبه صفة ولا يكتسب عنه صفة وهذا هو ~~سر هذه الطريقة ونهايتها . أما الطريق الثاني في بيان استحالة كون القدرة ~~الحادثة صالحة للإيجاد . فنقول لو صلحت للإيجاد لصلحت لإيجاد كل موجود من ~~الجواهر والأعراض وذلك لأن الوجود قضية واحدة تشمل الموجودات وهو من حيث ~~أنه وجود لا يختلف فليس يفضل الجوهر العرض في الوجود من حيث أنه وجود بل من ~~وجه آخر وهو القيام بالنفس والحجمية والتحيز والاستغناء عن المحل وعند ~~الخصم هذه كلها صفات تابعة للحدوث وليست من آثار القدرة وأما الشيئية ~~والعينية والجوهرية والعرضية فهي أسماء أجناس عنده ثابتة في العدم ليست ~~أيضا من آثار القدرة فلم يبق من الصفات وجه لتعلق القدرة إلا الوجود وهو لا ~~يختلف في الموجودات وجهة الصلاحية أيضا وفي القدرة جهة واحدة فلو صلحت ~~لإيجاد موجود ما صلحت لإيجاد كل موجود لكنها لا تصلح لإيجاد بعض الموجودات ~~من الجواهر وأكثر الإعراض فلم تصلح لإيجاد موجود ما . ومما يوضحه أن ~~الصلاحية لو اختلفت بالنسبة إلى موجود وموجود لاختلفت بالنسبة إلى قدرة ~~وقدرة ms045 حتى يقال تصلح قدرة زيد لحركة ولا تصلح قدرة عمرو لمثل تلك الحركة بل ~~عند الخصم لما شملت الحقيقة جميع قدر البشر استوت كلها في الصلاحية كذلك ~~شملت حقيقة الوجود جميع الموجودات فيجب أن تستوي في قبول أثر الصلاحية بل ~~يمكن أن يقال أن الصلاحية ليست تابعة لحقيقة القدرة بل هي مختلفة بالنسب ~~وعن هذا صلحت للإيجاد عندهم ولم تصلح للإعادة والإعادة إيجاد ثان وصلحت ~~لتحصيل العلم ولم تصلح للغفلة عن ذلك العلم . ومما يوضحه أن صلاحية القدرة ~~لم تخل من أحد الأمرين إما أن تثبت عموما فيجب أن لا يختلف بالنسبة إلى ~~موجود دون موجود كما بينا وإما أن تثبت خصوصا ولا دليل على التخصيص لبعض ~~الموجودات دون البعض سرى جريان العادة بما ألفناه من الأفعال المنسوبة إلى ~~العباد وسنبين أن ذلك على أي وجه يثبت وبالجملة فليس يصلح ذلك دليلا على ~~حصر صلاحية القدرة فيها دون سائر الموجودات تجويزا وإمكانا . فإن قيل ألستم ~~أوجبتم تعلق القدرة الحادثة ببعض الموجودات دون البعض PageV01P045 وسميتم ~~نفس التعلق كسبا فما ذكرتموه في التعلق والكسب من التخصيص فهو جوابنا في ~~الإيجاد من التخصيص . ومن العجب أنكم تنكرون تأثير القدرة الحادثة وتثبتون ~~التعلق فهلا جوزتم عموم التعلق حتى يتعلق بكل موجود قديم أو حادث جوهر أو ~~عرض فإن خصصتم التعلق مع نفي التأثير فلا تستبعدوا منا تخصيص التعلق مع ~~إثبات التأثير . والجواب قلنا نحن بينا القدرة الحادثة وتعلقها بالمقدور ~~ولم نثبت عموم التعلق ولا لزمنا ذلك إذ لم نعين جهة التأثير بالوجود ~~والحدوث وأنتم عينتم جهة التأثير بالوجود من حيث هو وجود قضية عامة فلزمكم ~~عموم التعلق والتأثير في كل موجود واستحال على أصلكم حصر صلاحية القدرة في ~~بعض الموجودات دون البعض . ولم يثبت شيخنا أبو الحسن رحمه الله للقدرة ~~الحادثة صلاحية أصلا لا لجهة الوجود ولا لصفة من صفات الوجود فلم يلزمه ~~التعميم والتخصيص وأما القاضي أبو بكر فقد أثبت لها أثرا كما سنذكره ولكنه ~~يبرئ جهة الوجود عن التأثير فيه فلم يلزمه ms046 التعميم . قال القاضي الإنسان ~~يحس من نفسه تفرقة ضرورية بين حركتي الضرورية والاختيارية كحركة المرتعش ~~وحركة المختار والتفرقة لم ترجع إلى نفس الحركتين من حيث الحركة لأنهما ~~حركتان متماثلتان بل إلى زايد على كونهما حركة وهو كون أحدهما مقدورة مرادة ~~وكون الثانية غير مقدورة ولا مرادة ثم لم يخل الأمر من أحد حالين إما أن ~~يقال تعلقت القدرة بأحديهما تعلق العلم من غير تأثير أصلا فيؤدي ذلك إلى ~~نفي التفرقة فإن نفي التأثير كنفي التعلق فيما يرجع إلى ذاتي الحركتين ~~والإنسان لا يجد التفرقة فيهما وبينهما إلا في أمر زايد على وجودهما وأحوال ~~وجودهما وإما أن يقال تعلقت القدرة بأحديهما تعلق تأثير لم يخل الحال من ~~أحد أمرين إما أن يرجع التأثير إلى الوجود والحدوث وإما أن يرجع إلى صفة من ~~صفات الوجود والأول باطل بما ذكرناه أنه لو أثر في الوجود لأثر في كل موجود ~~فتعين أنه يرجع التأثير إلى صفة أخرى وهي حال زائدة على الوجود قال وعند ~~الخصم قادرية الباري سبحانه لم تؤثر إلا في حال هو الوجود لأنه أثبت في ~~العدم سائر صفات الأجناس من الشيئية والجوهرية والعرضية والكونية واللونية ~~إلى أخص الصفات من الحركات والسكون والسوادية والبياضية فلم يبق سوى حالة ~~واحدة هي الحدوث فليأخذ مني في قدرة العبد مثله . فألزمه أصحابه أنك أثبت ~~حالا مجهولة لا ندري ما هي إذ لا اسم لها ولا معنى . قال بل هي معلومة ~~بالدليل والتقسيم الذي أرشدنا إليه كما بينا فإن لم تتيسر PageV01P046 لي ~~عبارة عنها باسم خاص لم يضر ذلك ألسنا أثبتنا وجوها واعتبارات عقلية للفعل ~~الواحد وأضفنا كل وجه إلى صفة أثرت فيه مثل الوقوع فإنه من آثار القدرة ~~والتخصيص ببعض الجائزات فإنه من آثار الإرادة والأحكام فإنه من دلائل العلم ~~وعند الخصم كون الفعل واجبا أو ندبا أو حلالا أو حراما أو حسنا أو قبيحا ~~صفات زائدة على وجوده بعضها ذاتية للفعل وبعضها من آثار الإرادة وكذلك ~~الصفات التابعة للحدوث مثل كون الجوهر متحيزا وقابلا ms047 للعرض فإذا جاز عنده ~~إثبات صفات هي أحوال واعتبارات زائدة على الوجود لا تعلق بها القادرية وهي ~~معقولة ومفهومة فكيف يستبعد مني إثبات أثر للقدرة الحادثة معقولا ومفهوما ~~ومن أراد تعيين ذلك الوجه الذي سماه حالا فطريقه أن يجعل حركة مثلا اسم جنس ~~يشمل أنواعا وأصنافا أو اسم نوع يتمايز بالعوارض واللوازم فإن الحركات ~~تنقسم إلى أقسام فمنها ما هو كتابة ومنها ما هو قول ومنها ما هو صناعة ~~باليد وينقسم كل قسم إلى أصناف فكون حركة اليد كتابة وكونها صناعة متمايزان ~~وهذا التمايز راجع إلى حال في إحدى الحركتين تتميز بها عن الثانية مع ~~اشتراكهما في كونهما حركة وكذلك الحركة الضرورية والحركة الاختيارية فتضاف ~~تلك الحالة إلى العبد كسبا وفعلا ويشتق له منها اسم خاص مثل قام وقعد وقائم ~~وقاعد وكتب وقال وكاتب وقائل ثم إذا اتصل به أمر ووقع على وفاق الأمر سمي ~~عبادة وطاعة فإذا اتصل به نهي ووقع على خلاف الأمر سمي جريمة ومعصية ويكون ~~ذلك الوجه هو المكلف به وهو المقابل بالثواب أو العقاب كما قال الخصم إن ~~الفعل يقابل بالثواب أو العقاب لا من حيث أنه موجود بل من حيث أنه حسن أو ~~قبيح والقبح والحسن حالتان زائدتان على كونه فعلا وكونه موجودا وهو أبعد من ~~العدل والقاضي أقرب إلى العدل فإنه أضاف إلى العبد ما لم يقابل بثواب أو ~~عقاب وقابل بالثواب والعقاب ما لم يكن من آثار قدرته والقاضي عين الجهة ~~التي هي عنده لم تقابل بالجزاء فأثبتها فعلا للرب وعين الجهة التي هي فعل ~~العبد وكسبه فقابلها بالجزاء وذلك هو العدل . ومما يوضح طريقة القاضي ويبين ~~أنه ما خالف الأصحاب تلك المخالفة البعيدة PageV01P047 أن الفعل ذو جهات ~~عقلية واعتبارات ذهنبة عامة وخاصة كالوجود والحدوث والعرضية واللونية وكونه ~~حركة أو سكونا وكون الحركة كتابة أو قولا وليس الفعل بذاته شيئا من هذه ~~الوجوه بل هي كلها مستفادة له من الفاعل والذي له بذاته هو الإمكان فقط ~~وأما وجوده فمستفاد من موجده على ms048 الوجه الذي هو به وهو أعم الوجوه وأما ~~كونه كتابة أو قولا فمستفاد من كاتبه أو قائله وهو أخص الوجوه فيتميز ~~الوجهان تميزا عقليا لا حسيا وتغاير المتعلقان تغايرا سمي أحدهما إيجادا ~~وإبداعا وهو نسبة أعم الوجوه إلى صفة لها عموم التعلق وسمي الثاني كسبا ~~وفعلا وهو نسبة أخص الوجوه إلى صفة لها خصوص التعلق فهو من حيث وجوده يحتاج ~~إلى موجد ومن حيث الكتابة والقول يحتاج إلى كاتب وقائل والموجد لا تتغير ~~ذاته أو صفته لوجود الموجد ويشترط كونه عالما بجميع جهات الفعل والمكتسب ~~تتغير ذاته وصفته لحصول الكسب ولا يشترط كونه عالما بجميع جهات الفعل . ~~وبيان آخر نقول جلت القدرة الأزلية عن أن يكون لها صلاحية مخصوصة مقصورة ~~على وجوه من الفعل مخصوصة وقصرت القدرة الحادثة عن أن يكون لها صلاحية عامة ~~شاملة لجميع وجوه الفعل وذلك أن صلاحية القدرة الحادثة لم تشمل جميع ~~الموجودات بالاتفاق فلا تصلح لإيجاد الجوهر وكل عرض بل هي مقصورة على حركات ~~مخصوصة والقدرة الحادثة فيها مختلفة الصلاحية حتى يمكن أن يقدر نوعية ~~مخصوصة في القدرة الحادثة لتنوع الصلاحية فلذلك اقتصرت على بعض الموجودات ~~دون البعض بخلاف قدرة الباري سبحانه فإن صلاحيتها واحدة لا تختلف فيجب أن ~~يكون متعلقها واحدا لا يختلف وذلك هو الوجود فإذا لم يجز أن يضاف أخص ~~الأوصاف إلى الباري سبحانه لأنه يؤدي إلى قصوره في الصلاحية كذلك لا يجوز ~~أن يضاف أعم الأوصاف إلى القدرة الحادثة لأنه يؤدي إلى كمال في الصلاحية ~~فلا ذاك الكمال مسلوب عن القدرة الإلهية ولا هذا الكمال ثابت للقدرة ~~الحادثة فينعم النظر فيه لأن فيه خلاص فلا يجوز أن يضاف إلى الموجد ما يضاف ~~إلى المكتسب حتى يقال هو الكاتب القائل القاعد القائم ولا يجوز أن يضاف إلى ~~المكتسب ما يضاف إلى الموجد حتى يقال هو الموجد المبدع الخالق الرازق . وعن ~~هذا كان الجواب المرتضى عند التمييز بين الخلق والكسب أن الخلق هو الموجود ~~بإيجاد الموجد ويلزمه حكم وشرط . أما الحكم فإن لا ms049 يتغير الموجد بالإيجاد ~~فيكسبه صفة ولا يكتسب عنه صفة . وأما الشرط أن يكون عالما به من كل وجه ~~والكسب هو المقدور بالقدرة PageV01P048 الحادثة ويلزمه حكم وشرط . أما ~~الحكم فأن يتغير المكتسب بالكسب فيكسبه صفة ويكتسب عنه صفة . وأما الشرط ~~فأن يكون عالما ببعض وجوه الفعل أو نقول يلزمه التغيير ولا يشترط العلم به ~~من كل وجه . وهذا تحقيق ما قاله الأستاذ أن كل فعل وقع على التعاون كان ~~كسبا للمستعين وحقيقة الكسب من المكتسب هو وقوع الفعل بقدرته مع تعذر ~~انفراده به وحقيقة الخلق هو وقوع الفعل بقدرته مع صحة انفراده به وهذا أيضا ~~شرح لما قاله الأستاذ أبو بكر أن الكسب هو أن تتعلق القدرة به على وجه ما ~~وإن لم تتعلق به من جميع الوجوه والخلق هو أنشأ العين وإيجاد من العدم فلا ~~فرق بين قوليهما وقول القاضي إلا أن ما سمياه وجها واعتبارا سماه القاضي ~~صفة وحالا . ونجا أبو الحسن رحمه الله حيث لم يثبت للقدرة الحادثة أثرا ~~أصلا غير اعتقاد العبد بتيسير الفعل عند سلامة الآلات وحدوث الاستطاعة ~~والقدرة والكل من الله تعالى . وغلا إمام الحرمين حيث أثبت للقدرة الحادثة ~~أثرا هو الوجود غير أنه لم يثبت للعبد استقلالا بالوجود ما لم يستند إلى ~~سبب آخر ثم تتسلسل الأسباب في سلسلة الترقي إلى الباري سبحانه وهو الخالق ~~المبدع المستقل بإبداعه من غير احتياج إلى سبب وإنما سلك في مسلك الفلاسفة ~~حيث قالوا بتسلسل الأسباب وتأثير الوسائط الأعلى في القوابل الأدنى وإنما ~~حمله على تقرير ذلك الاحتراز عن ركاكة الجبر والجبر على تسلسل الأسباب ألزم ~~إذ كل مادة تستعد لصورة خاصة والصور كلها فائضة على المواد من واهب الصور ~~جبرا حتى الاختيار على المختارين جبر والقدرة على القادرين جبر وحصول ~~الأفعال من العباد عند النظر إلى الأسباب جبر وترتيب الجزا على الأفعال جبر ~~وهو كالمرض يحصل عند سوء المزاج وكالسلامة تحصل عند اعتدال المزاج وكالعلم ~~يحصل عند تجريد العقل عن الغفلة وكالصورة تحصل في المرآة عند التصقيل ms050 ~~فالوسايط معدات لا موجدات وما له طبيعة الإمكان في ذاته استحال أن يكون ~~موجدا على حقيقة كما بينا . أما شبهة المعتزلة فتنحصر في مسلكين أحدهما ~~مدارك العقل والثاني PageV01P049 مدارك السمع . أما الأول فقالوا الإنسان ~~يحس من نفسه وقوع الفعل على حسب الدواعي والصوارف فإذا أراد الحركة تحرك ~~وإذا أراد السكون سكن ومن أنكر ذلك جحد الضرورة فلولا صلاحية القدرة ~~الحادثة لإيجاد ما أراد لما أحس من نفسه ذلك قالوا وأنتم وافقتمونا على ~~إحساس التفرقة بين حركة الضرورة والاختيارية ولم يخل الحال من أحد أمرين ~~إما أن يرجع إلى نفس الحركتين من حيث أن أحديهما واقعة بقدرته والثانية ~~واقعة بقدرة غيره وإما أن يرجع إلى صفة في القادر من حيث أنه قادر على ~~أحديهما غير قادر على الثانية فإن كان قادرا فلا بد له من تأثير في مقدوره ~~ويجب أن يتعين الأثر في الوجود لأن حصول الفعل بالوجود لا بصفة أخرى تقارن ~~الوجود وما سميتموه كسبا غير معقول فإن الكسب إما أن يكون شيئا موجودا أو ~~لم يكن شيئا موجودا فإن كان شيئا موجودا فقد سلمتم التأثير في الوجود وإن ~~لم يكن موجودا فليس بشيء . وأكدوا ما قالوه بقولهم إثبات قدرة لا تأثير لها ~~كنفي القدرة فإن تعلقها بالمقدور كتعلق العلم بالمعلوم ولا يجد الإنسان ~~تفرقة بين حركتين في أن أحديهما معلومة والثانية مجهولة ويجد التفرقة ~~بينهما في أن أحديهما مقدورة والثانية غير مقدورة . قلنا وقوع الفعل على ~~حسب الدواعي ممنوع بل هو نفس المتنازع فيه ودعوى الضرورة فيه غير مستقيم ~~لمخالفتنا إياكم في ذلك ولانتقاضه عليكم طردا وعكسا فإن أفعال النائم ~~والساهي والغافل لم تقع على حسب الدواعي وهي منسوبة إلى العباد نسبة ~~الإيجاد عندكم وكثير من الأعراض وقع على حسب الدواعي وهي غير منسوبة إلى ~~العباد نسبة الإيجاد عندكم بالاتفاق كالألوان التي تحصل بالصبغ والطعوم ~~التي تحصل بالمزج والحرارة والرطوبة والبرودة واليبوسة عند تقريب الأجرام ~~بعضها من بعض والشبع عند الطعام والري عقيب الشرب والفهم عند الإفهام إلى ~~غير ms051 ذلك مما أجرى الله تعالى العادة به فلا دعوى الضرورة صحيحة ولا الدليل ~~مطرد وأنتم مدفوعون إلى إيراد حجة على نفس ما تنازعنا فيه وهو إثبات تأثير ~~القدرة الحادثة في الوجود من حيث هو وجود وما ذكرتموه من التفرقة بين ~~الحركتين أما الوجدان فمسلم لكن لم قلتم أن أحديهما موجودة بالقدرة الحادثة ~~فإنا قد بينا أنها راجعة إلى أحد أمرين إما إلى صفة في المحل وإما إلى حال ~~في الحركة وفصلناهما أحسن تفصيل وبالجملة الإيجاد غير محسوس ولا يدرك ~~بإحساس النفس ضرورة فقد وجدنا للتفرقة بين الحركتين والحالتين مرجعا ومردا ~~غير الوجود أليس من أثبت المعدوم شيئا عندكم ما PageV01P050 رد التفرقة إلى ~~العرضية واللونية والحركية في أنها بالقدرة الحادثة فإنها صفات نفسية ثابتة ~~في العدم ولا إلى الاحتياج إلى المحل فإنها من الصفات التابعة للحدوث فلذلك ~~نحن لا نردها إلى الوجود فإنها من آثار القدرة الأزلية ونردها إلى ما أنتم ~~تقابلونه بالثواب والعقاب حتى ينطبق التكليف على المقدور والمقدور على ~~الجزا والدواعي والصوارف أيضا تتوجه إلى تلك الجهة فإن الإنسان لا يجد في ~~نفسه داعية الإيجاد ويجد دعاية القيام والقعود والحركة والسكون والمدح ~~والذم وهذه هيئات تحصل في الأفعال وراء الوجود تتميز عن الوجود بالخصوص ~~والعموم فإن شئت سميتها وجوها واعتبارات وبالجملة لا تنزل في كونها معقولة ~~عن درجة الاختصاص ببعض الجائزات الذي هو من أثر الإرادة والأحكام والإتقان ~~الذي هو من أثر العلم وكون الصيغة أمرا ونهيا ووعدا ووعيدا بالإرادة . ~~والسر الذي دفعنا إلى ذلك عموم تعلق قدرة الباري سبحانه وتعالى وقادريته ~~واستدعاؤها أعم صفات الفعل وخصوص صلاحية القدرة الحادثة واستدعاؤها أخص ~~صفات الفعل فإن الفعل كان مقدورا للباري سبحانه وتعالى قبل تعلق القدرة ~~الحادثة أي هي على حقيقة الإمكان صلاحية والقدرة على حقيقة الإيجاد صلاحية ~~ونفس تعلق القدرة الحادثة لم تخرج الصلاحيتين عن حقيقتهما فيجب أن تبقى على ~~ما كانت عليه من قبل ثم يضاف إلى كل واحد من المتعلقين ما هو لائق فالوجود ~~من حيث هو وجود ms052 إما خير محض وإما لا خير ولا شر انتسب إلى الباري سبحانه ~~إيجادا وإبداعا وخلقا والكسب المنقسم إلى الخير والشر انتسب إلى العبد فعلا ~~واكتسابا وليس ذلك مخلوقا بين خالقين بل مقدورا بين قادرين من جهتين ~~مختلفتين أو مقدورين متمايزين لا يضاف إلى أحد القادرين ما يضاف إلى الثاني ~~. ثم نقول نحن نعكس عليكم الدليل فنستدل على أن الحركات ليست مخلوقة للعباد ~~بوقوع أكثرها على خلاف الدواعي والقصود فإن الإنسان إذا أراد تحريك يده في ~~جهة مخصوصة على حد مضبوط عنده مثل تحريك إصبعه على خط مستقيم لم يتصور ذلك ~~من غير انحراف عن الجهة المخصوصة وكذلك لو رمى سهما وقصد أن يمضي فأخطأ أو ~~رمى حجرا فأصاب موضعا وأراد أن يصيب في الرمي ثانيا لم يتأت له ذلك ويستمر ~~ذلك في جميع الصناعات المبنية على الأسباب فإن الاستداد والانحراف فيها ~~مرتب على حركات اليد والإنسان قاصر القدرة على تسديدها على حسب الداعية ~~فإذا وجدنا الدواعي ولم نجد التأتي ووجد التأتي ولم توجد الدواعي علمنا أن ~~اختلاف الأحوال والحركات دالة على مصدر آخر سوا دواعي الإنسان وصوارفه . ~~PageV01P051 ومما يوضحه أن القدرة على الشيء قدرة على مثله وعلى ضده عند ~~الخصم فلو كانت الحركة الأولى تحدث بإحداثه لكان قادرا على مثلها أو على ~~ضدها مثل ما قدر على الأولى ولكانت الحركات لا تختلف أصلا عند اجتماع ~~الدواعي . المسلك الثاني لهم في إثبات الفعل للعبد إيجادا قولهم التكليف ~~متوجه على العبد بإفعل ولا تفعل فلم تخل الحال من أحد أمرين إما أن لا ~~يتحقق من العبد فعل أصلا فيكون التكليف سفها من المكلف ومع كونه سفها يكون ~~متناقضا فإن تقديره افعل يا من لا يفعل وأيضا فإن التكليف طلب والطلب ~~يستدعي مطلوبا ممكنا من المطلوب منه وإذا لم يتصور منه فعل بطل الطلب وأيضا ~~فإن الوعد والوعيد مقرون بالتكليف والجزا مقدر على الفعل والترك فلو لم ~~يحصل من العبد فعل ولم يتصور ذلك بطل الوعد والوعيد وبطل الثواب والعقاب ~~فيكون التقدير افعل ms053 وأنت لا تفعل ثم إن فعلت ولن تفعل فيكون الثواب والعقاب ~~على ما لم يفعل وهذا خروج عن قضايا الحس فضلا عن قضايا المعقول حتى لا يبقى ~~فرق بين خطاب الإنسان العاقل وبين الجماد ولا فصل بين أمر التسخير والتعجيز ~~وبين أمر التكليف والطلب . قالوا ودع التكليف الشرعي أليس المتعارف منا ~~والمعهود بيننا مخاطبة بعضنا بعضا بالأمر والنهي وإحالة الخير والشر على ~~المختار وطلب الفعل الحسن والتحذير عن الفعل القبيح ثم ترتيب المجازات على ~~ذلك ومن أنكر ذلك فقد خرج عن حد العقل خروج عناد فلا يناظر إلا بالفعل ~~مناظرة السفسطايية فيشتم ويلطم فإن غضب بالشتم وتألم باللطم وتحرك للدفع ~~والمقابلة فقد اعترف بأنه رأى من المعامل شيئا ما وإلا فما باله غضب وتألم ~~منه وأحال الفعل عليه وإن تصدى للمقابلة فقد اعترف بأنه رأى من المعامل ~~فعلا يوجب الجزا والمكافأة . والجواب عن ذلك من وجهين أحدهما الالزامات على ~~مذهبهم والثاني التحقيق على موجب مذهبنا . الأول أن تقول عينوا لنا ما ~~المكلف به وما المطلوب بالتكليف فإن إجمال القول بأن التكليف متوجه على ~~العبد ليس يغني في تقدير أثر القدرة الحادثة وتعيينه . فإن قلتم المطلوب ~~والمكلف به هو الوجود من حيث هو وجود فذلك محل التنازع وكيف يكون الوجود هو ~~المطلوب والوجود من حيث هو وجود لا يختلف في PageV01P052 كونه قبيحا وحسنا ~~ومنهيا عنه ومأمورا به ومن المعلوم أن المطلوب بالتكليف مختلف الجهة فمنه ~~ما هو واجب فعله ويثاب عليه ويمدح به ومنه ما هو واجب تركه ويعاقب على فعله ~~ويذم عليه . وإن قلتم المكلف به هو جهة يستحق المدح والذم عليه فهو مسلم ~~وذلك الوجه ليس يندرج تحت القدرة وما اندرج لم يكن مكلفا به فسقط الاحتجاج ~~بالتكليف . فإن قيل المقدور هو وجود الفعل إلا أنه يلزمه ذلك الوجه المكلف ~~به لا مقصودا بالخطاب . قيل لا يغنيكم هذا الجواب فإن التكليف لو كان مشعرا ~~بتأثير القدرة في الوجود كان المكلف به هو الوجود من حيث هو وجود لا غير ms054 ~~ولكن تقدير الخطاب أوجد الحركة التي إذا وجدت يتبعها كونها حسنة وعبادة ~~وصلاة وقربة فما هو مقصود بالخطاب غير موجود بإيجاده فيعود الإلزام عكسا ~~عليكم افعل يا من لا يفعل فليت شعري أي فرق بين مكلف به لا يندرج تحت قدرة ~~المكلف ولا يندرج تحت قدرة غيره وبين مكلف به اندرج تحت قدرة المكلف من جهة ~~ما كلف به واندرج تحت قدرة غيره من جهة ما لم يكلف به أليس القضيتان لو ~~عرضتا على محك العقل كانت الأولى أشبه بالجبر فهم قدرية من حيث أضافوا ~~الحدوث والوجود إلى قدرة العبد إحداثا وإيجادا وخلقا وهم جبرية من حيث لم ~~يضيفوا الجهة التي كلف بها العبد إلى قدرته كسبا وفعلا كما قيل أعور بأي ~~عينيه شاء ثم يلزمهم الأعراض التي اتفقوا على أنها حاصلة بإيجاد الباري ~~سبحانه وقد ورد الخطاب بتحصيلها أو بتركها وتوجه الثواب والعقاب عليها وهي ~~أيضا مما يتعارفه الناس ويتداولونه مثل الألوان والطعوم واستعمال الأدوية ~~والسموم والجراحات المزهقة للروح والفهم عقيب الإفهام والشبع عقيب الطعام ~~إلى غير ذلك فإن هذه كلها حاصلة بإيجاد الباري سبحانه وقد يرد الخطاب ~~بتحصيلها عقيب أسباب يباشرها العبد . ووجه الإلزام أن الخطاب يتوجه بتحصيل ~~أعيانها مقصودا ولذلك يعاقب على قدر ويمدح على قدر ومن المعلوم أن من ~~استأجر صباغا ليبيض ثوبه فسوده غرم ومن قتل إنسانا بسم استوجب القود ومن ~~أحرق ثوب إنسان أو أغرق سفينة أو فتح بثقا حتى هلك زرع أو هد به دار عوتب ~~على ذلك وضمن وغرم فمورد التكليف ما اندرج تحت القدرة وما اندرج تحت القدرة ~~غير مورد التكليف . والجواب عن السؤال من حيث التحقيق إنا قد بينا وجه ~~الأثر الحاصل بالقدرة PageV01P053 الحادثة وهو وجه أو حال للفعل مثل ما ~~أثبتموه للقادرية الأزلية فخذوا من العبد ما يشابه فعل الخالق عندكم فلينظر ~~إلى الخطاب بافعل لا تفعل أخوطب أوجد أو لا توجد أو خوطب أعبد الله ولا ~~تشرك به شيئا فجهة العبادة التي هي أخص وصف للفعل صار عبادة ms055 بالأمر وذلك ~~حاصل بتحصيل العبد مضاف إلى قدرته فما يضركم إضافة أخرى نعتقدها وهي مثل ما ~~اعتقدتموه تابعا فالوجود عندنا كالتابع أو كالذاتي الذي كان ثابتا في العدم ~~والفرق بيننا أنا جعلنا الوجود متبوعا وأصلا وقلنا هو عبارة عن الذات ~~والعين وأضفناه إلى الله سبحانه وتعالى وجميع ما يلزمه من الصفات وأضفنا ~~إلى العبد ما لا يجوز إضافته إلى الله تعالى حيث لا يقال أطاع الله تعالى ~~وعصى الله تعالى وصام وصلى وباع واشترى وقام ومشى فلا تتغير صفاته بأفعاله ~~فلا يعزب عن علمه ذرة من خلقه بخلاف ما يضاف إلى العبد فإنه يشتق له وصف ~~واسم من كل فعل يباشره وتتغير ذاته وصفاته بأفعاله ولا يحيط علما بجميع ~~وجوه اكتسابه وأعماله وهذا معنى ما قاله الأستاذ أبو إسحاق أن العبد فاعل ~~بمعين والرب فاعل بغير معين . وأما على طريقة الشيخ أبي الحسن رحمه الله ~~حيث لم يثبت للقدرة أثرا . فالجواب عن هذه الالزامات مشكل عليه غير أنه ~~يثبت تأتيا وتمكنا يحسه الإنسان من نفسه وذلك يرجع إلى سلامة البنية ~~واعتقاد التيسر بحكم جريان العادة أن العبد مهما هم بفعل وأزمع على أمر خلق ~~الله تعالى له قدرة واستطاعة مقرونة بذلك الفعل الذي يحدثه فيه فيتصف به ~~العبد وبخصائصه وذلك هو مورد التكليف وإحساسه بذلك كإحساسه بالصفات التابعة ~~للحدوث عندكم وإن لم تكن هي أثر القدرة الحادثة . ومما يوضح الجواب غاية ~~الإيضاح أن التكليف بافعل ولا تفعل ورد بالاستعانة بالله سبحانه وتعالى في ~~نفس المكلف به كقوله تعالى : ' إهدنا الصراط المستقيم ' وكقوله تعالى ' ~~ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا ' وسواء كانت الهداية نفسها هي المسؤولة ~~بالدعاء أو الثبات عليها هو المسؤول ولا شك أن العبد لو كان مستقلا ~~بإنشائها بقدرته مستبدا بالثبات عليها كان مستغنيا عن هذه الاستعانة ثم ~~الله سبحانه يمن على من يشاء من عباده بأن هداهم للإيمان وعند الخصم هو ~~محمول على خلق القدرة وهي صالحة للضدين جميعا على السواء وذلك يبطل قضية ~~الامتنان بالهداية قال ms056 الله سبحانه وتعالى : ' بل الله يمن عليكم أن هداكم ~~للإيمان ' . وتحقيق ذلك من غير جد عن الإنصاف أن العبد كما يحس من نفسه ~~التمكن PageV01P054 من الفعل وتيسر التأتي يحس من نفسه الافتقار والاحتياج ~~إلى معين في كل ما يتصرف ويجد في استطاعته ويتكلف فقدان الاستقلال ~~والاستبداد بالفعل في كل ما يأتي ويذر ويقدم ويؤخر من تصرفات فكره نظرا ~~واستدلالا ومن حركات لسانه قيلا وقالا ومن ترددات يديه يمينا وشمالا فيحس ~~الاقتدار على النظر ولا يحس الاقتدار على العلم بعد حصول النظر فإنه لو ~~أراد أن لا يحصل لا يتمكن منه ويحس من نفسه تحريك لسانه بالحروف ولو أراد ~~أن يبدل المخارج ويغير الأصوات لم يتمكن من ذلك ويحس تحريك يديه وأنملته ~~ولو أراد تحريك جزء واحد من غير تحريك الرباطات المتصلة لم يتمكن من ذلك ~~وعند الخصم القدرة صالحة للأضداد والأمثال وهي متشابهة في القادرين فالعبد ~~مستقل بالإيجاد والاختراع وليس إلى الباري سبحانه وتعالى من هذه الأفعال ~~إلا خلق القدرة فحسب واشتراط البنية من أضعف ما يتصور والحق في المسئلة ~~تسليم التمكن والتأتي والاستطاعة على الفعل على وجه ينتسب إلى العبد وجه من ~~الفعل يليق بصلاحية قدرته واستطاعته وإثبات الافتقار والاحتياج ونفي ~~الاستقلال والاستبداد فنجد في التكليف موردي الخطاب فعلا واستطاعة ويضاف في ~~الجزاء مقابلة وتفضلا والله أعلم . PageV01P055 # | القاعدة الثالثة في التوحيد # وفيها الرد على الثنوية وتستدعي هذه المسئلة سبق ذكر الوحدانية ومعنى ~~الواحد . قال أصحابنا الواحد هو الشيء الذي لا يصح انقسامه إذ لا تقبل ذاته ~~القسمة بوجه ولا تقبل الشركة بوجه فالباري تعالى واحد في ذاته لا قسم له ~~وواحد في صفاته لا شبيه له واحد في أفعاله لا شريك له وقد أقمنا الدلالة ~~على انفراده بأفعاله فلنقم الدلالة على انفراده بذاته وصفاته . وقالت ~~الفلاسفة واجب الوجود بذاته لا يجوز أن يكون أجزاء كمية ولا أجزاء حد قولا ~~ولا أجزاء ذات فعلا ووجودا وواجب الوجود لن يتصور إلا واحدا من كل وجه فلا ~~يتصور ولا يتحقق موجودان كل ms057 واحد منهما واجب بذاته وعن هذا نفوا الصفات وإن ~~أطلقوها عليه فبمعنى آخر كما سنذكره . ووافقهم المعتزلة على ذلك غير أنهم ~~مختلفون في التفصيل وسنفرد لإثبات الصفات مسئلة ونذكر المذهبين فيها وهذه ~~المسئلة مقصورة على استحالة وجود الإلهين يثبت لكل واحد منهما من خصائص ~~الإلهية ما يثبت للثاني ولست أعرف صاحب مقالة صار إلى هذا المذهب لأن ~~الثنوية وإن صارت إلى إثبات قديمين لم تثبت لأحدهما ما ثبت للثاني من كل ~~وجه والفلاسفة وإن قضوا بكون العقل والنفس أزليين وقضوا بكون الحركات ~~سرمدية لم يثبتوا للمعلول خصائص العلة كيف واحدهما علة والثاني معلول ~~والصابية وإن أثبتوا كون الروحانيين والهياكل أزلية سرمدية مدبرة لهذا ~~العالم وسموها أربابا وآلهة فلم يثبتوا فيها خصائص رب الأرباب ودلالة ~~التمانع في القرآن مسرودة على من يثبت خالقا من دون الله سبحانه وتعالى قال ~~الله تعالى : ' إذا لذهب كل إله بما خلق ' وعن هذا صار أبو الحسن رحمه الله ~~إلى أن أخص وصف الإله هو القدرة على الاختراع فلا يشاركه فيه غيره ومن أثبت ~~فيه شركة فقد أثبت إلهين . PageV01P056 قد بينا على استحالة وجود إلهين أنا ~~فرضنا الكلام في جسم وقدرنا من أحدهما إرادة تحريكه ومن الثاني إرادة ~~تسكينه في وقت واحد لم يخل الحال من أحد ثلاثة أمور إما أن تنفذ إرادتهما ~~فيؤدي إلى اجتماع الحركة والسكون في محل واحد في حالة واحدة وذلك بين ~~الاستحالة وإما أن لا تنفذ إرادتهما فيؤدي إلى عجز وقصور في إلهية كل واحد ~~منهما وخلو المحل عن الضدين وذلك أيضا بين الاستحالة وإما أن تنفرد إرادة ~~أحدهما دون الثاني فيصير الثاني مغلوبا على إرادته ممنوعا من فعله مضطرا في ~~إمساكه وذلك ينافي إلاهية قال الله تعالى : ' ولعلا بعضهم على بعض ' وكذلك ~~لو فرضنا في توارد الإرادة والاقتدار على فعل واحد فإما أن يشتركا في نفس ~~الإيجاد وهو قضية واحدة لا يقبل الاشتراك وإما أن ينفرد أحدهما بالإيجاد ~~فيكون المنفرد هو الإله والثاني يكون مغلوبا مقهورا وكذلك لو فرضنا في ms058 ~~فعلين متباينين حتى يذهب كل إله بما خلق فيكون استغناء كل واحد منهما عن ~~الثاني افتقارا إليه لأن نفس الاستغناء استعلاء وفي الاستعلاء إلزام قهر ~~وغلبة على الثاني . ولنزد هذا بيانا وشرحا فإن التمانع في الفعل إن أوجب ~~استحالة الإلهين والتمانع في الاستغناء بالذات أدل على استحالة الإلهين . ~~فنقول لو قدرنا إلاهين استغنى كل واحد منهما عن صاحبه من كل وجه خرج ~~المستغني عنه عن كمال الاستغناء فإن المستغنى على الإطلاق من يستغنى به ولا ~~يستغنى عنه فيكون كل واحد منهما مستغنى عنه فيكون مفتقرا قاصرا عن درجة ~~الاستغناء المطلق فلن يتصور إذا إلاهان مستغنيان على الإطلاق ' والله الغني ~~وأنتم الفقراء ' إشارة إلى هذا المعنى . ونقول لو قدرنا إلاهين فإما أن ~~يكونا مختلفين في الصفات الذاتية أو متماثلين والمختلفان يستحيل أن يكونا ~~إلهين لأن الصفة الذاتية التي بها تقدس الإله عن غيره إذا كانا مختلفين ~~فيها كان الذي اتصف بها هو الإله والمخالف ليس باله وإما أن يكونا متماثلين ~~في الصفات الذاتية من كل وجه فالمتماثلان ليس يتميز أحدهما عن الثاني ~~بالحقيقة والخاصية فإن حقيقتهما واحد بل بلوازم زائدة على الحقيقة مثل ~~المحل والمكان والزمان وكل ذلك ينافي الإلهية أليس لما كان السوادان ~~متماثلين لم يتميز أحدهما بحقيقته السوادية بل باختلاف المحل أو باختلاف ~~الزمان وكذلك الجوهران فدل ذلك على أن التماثل في الإلهية لن يتصور بوجه ' ~~ليس كمثله شيء : إشارة إلى هذا المعنى . ونقول من المعلوم أن الطريق إلى ~~إثبات الصانع هو الدليل بالأفعال إذ الحس لا PageV01P057 يشهد عليه ~~والأفعال التي شاهدناها دلت عليه من جهة جوازها وإمكانها في ذاتها والجواز ~~قضية واحدة تدل على الصانع من حيث أنها ترددت بين الوجود والعدم فلما ترجح ~~جانب الوجود اضطررنا إلى إثبات مرجح وليس في نفس الجواز وترجحه ما يدل على ~~مرجحين كل واحد منهما يستقل بالترجيح فإنه لو لم يستقل بالترجيح لم يكن ~~إلاها وإنما ترجح جانب الوجود لأنه أراد التخصيص بالوجود وكما أراد علم أنه ~~هو المرجح فلو قدرنا ms059 مرجحا آخر وشاركه في الترجيح بطل الاستقلال ولم يكن ~~علمه وإرادته وقدرته أيضا بأن يكون هو المرجح وإن لم يشاركه في الترجيح ~~وكان متعطلا لم يكن علمه وإرادته وقدرته أيضا بأن يكون هو المرجح بل يكون ~~علمه متعلقا بترجيح غيره وإرادته كذلك وإذا تعلق علمه بأن يكون غيره هو ~~المرجح كان محالا أن يكون هو المرجح فإن خلاف المعلوم محال الوقوع وكذلك ~~إرادته تكون تمنيا وتشهيا من غيره حتى تخصص لا قصدا وترجيحا وتخصيصا من ~~ذاته فقد تطرق النقص إلى كل صفة من صفاته بل كان مفتقرا في جميع ذلك إلى ~~غيره والفقر ينافي الإلهية وهذه الطريقة تعضد بيان طريقة الاستغناء وهي ~~أحسن ما ذكر في هذه المسئلة . سؤال على دليل التمانع في فعلين مختلفين : ~~فإن قيل الاختلاف الذي قدرتموه في إرادة التحريك من أحدهما وإرادة التسكين ~~من الآخر غير متصور فإن الإرادة تتبع العلم والعلم يتبع المعلوم فإذا كان ~~المعلوم هو الحركة فمن ضرورته أن يكون المراد هو الحركة وتقدير الاختلاف في ~~العلم غير متصور فتقدير الاختلاف في الإرادة أيضا غير متصور وبمنى دلالة ~~التمانع على تحقيق الاختلاف أو تقديره وذلك غير جائز فبطل التمسك بها . قال ~~الأصحاب الحركة والسكون من جملة الجائزات جبلة إذ ليس في وجود كل واحد ~~منهما استحالة وإذا كانت القدرة صالحة وتقدير الاختلاف في الإرادة متصور ~~عقلا فنحن نجعل المقدر كالمحقق وإن ما يلزم من التحقيق يلزم من التقدير ~~PageV01P058 كتقدير قيام لون أو عرض آخر بذاته تعالى نازل منزلة التحقيق في ~~الاستحالة والعلم ليس يخرج الجائز عن قضية الجواز فإن خلاف المعلوم جائز ~~الوجود جنسا وأقول إذا علم أحدهما تحريكه بإرادته وقدرته أفيعلم الثاني ~~تحريكه بإرادة نفسه وقدرته أم يعلم تحريكه بإرادة غيره وقدرته فإن علم ذلك ~~موجودا بإرادته وقدرته أم يعلم تحريكه بإرادة غيره وقدرته فإن علم ذلك ~~موجودا بإرادته وقدرته فيكون العلم الثاني جهلا لا علما وإن علمه موجودا ~~بإرادة غيره وقدرته فيكون الغير إلاها عالما مريدا قادرا ويكون الثاني ~~متعطلا ولم ms060 يوجد له إلا علم متعلق بفعل غيره فقط وإما إرادته لفعل غيره ~~وقدرته على فعل غيره فتقديرهما مستحيل الوجود أو ناقص الوجود فإن أخص وصف ~~الإرادة ما يتأتى به التخصيص وأخص وصف القدرة ما يتأتى بها الإيجاد ~~والإبداع وهما إذا تعلقا بفعل الغير خرجا عن أخص حقيقتهما ففي تعطيلهما عن ~~الفعل بعد جواز الفعل إبطال حقيقتهما ولهذا قلنا أن معنى فاعلية الباري ~~سبحانه وتعالى أنه لم علم وجود شيء في وقت مخصوص أو تقدير وقت إراده على ~~مقتضى علمه وأوجده بقدرته على مقتضى إرادته من غير أن تتغير ذاته أو صفة من ~~صفاته وعلمه وإرادته وقدرته فيشبه أن يقال لزم كونه ضرورة ولكنا لا نطلق ~~هذا اللفظ ملاحظة منا جانب الإرادة والقدرة حتى لا يلزمنا الإيجاب بالذات ~~وذلك ينافي الكمال فنحن إنما عرفنا الجواز في الجائزات بقضية عقلية ضرورية ~~وعرفنا استناد وجود الموجودات إلى عالم قادر مريد لضرورة الاحتياج في ~~الجائزات فإن قدرناهما على كمال الاقتدار والاستبداد بالفعل والإبداع ~~والتساوي في صفات الذات وصفات الفعل حتى يكون كل واحد منهما هو الموجد ~~بقدرته وإرادته وعلمه وقع التمانع في الفعل وإن قدرناهما على تسليم أحدهما ~~للثاني في جميع ما اشتغل به كان المسلم عبدا والمسلم إليه إلاها حقا وإن ~~كان كل واحد منهما مستقلا في بعض مسلما في بعض كان كل واحد منهما محتاجا من ~~وجه وغنيا من وجه قاصرا من حيث الفعل كاملا من حيث القوة فلا يكون إلاهين ~~بل محتاجين إلى كامل من كل وجه فإذا لا يتصور في العقل تقدير موجودين على ~~كمال الاستقلال ولا في التجويز العقلي تقدير قادرين على التساوي في كمال ~~الاقتدار ولا مريدين ولا عالمين على التماثل في كمال الإرادة والعلم بل ولا ~~ذاتين متساويين من جميع الوجوه من غير أن يختص إحداهما عن الثانية إما ~~بإشارة إلى هذا أو ذلك أو محل مميز أو مكان محيز وزمان مقدم ومؤخر أو بفعل ~~خاص أو أثر يدل على تغاير المصدر وتباين المظهر ولهذا قلنا أن ms061 الواحد مدلول ~~الفعل ولو قدرنا ثانيا وثالثا لتكافوا من حيث العدد . PageV01P059 ولقد ~~استهزأ بهذه الطريقة من لم يدرك غورها وأمكن تقريرها من وجهين : أحدهما أن ~~الفعل قد دل على وجود صانع للعالم مريد قادر فإن قدر ثان فلا يخلو إما أن ~~يكون له دليل خاص على وجوده أو يجوز عقلا بأن يقال كما لا دليل على وجوده ~~ولا دليل على انتفائه فإن له دليلا بأن يخلق عالما آخر غير العالم المعين ~~فيؤدي إلى قصور في الإلهين جميعا كما بينا وإن جوز ذلك فيجب أن يكون عالما ~~بأن يخلق مريدا لأن يخلق قادرا على أن يخلق وإذا لم يخلق دل على أنه لم يرد ~~وإذا لم يرد علم أن لا يخلق والإله يجب علمه بأن يخلق ويريد بأن يخلق حتى ~~يكون مثلا للأول فإنما ليس بمثل له ليس بإلاه . والوجه الثاني في تقرير ~~التكافي أن الأمر لا يخلو إما أن يقف في عدد معلوم فيستدعي الاقتصار على ~~عدد محصور مقتضيا حاصرا فإن الكمية من حيث العدد كالكمية من حيث المساحة ~~أليس لو كان واحدا ذا حجم وعظم مشكل اقتضى مشكلا لذلك إذا كان ذا مقدار ~~وعدد اقتضى مقدرا وإن لم يقف في عدد معلوم اقتضى أعدادا غير متناهية محصورة ~~في الوجود غير مترتبة وذلك محال وبالجملة ما لا دليل عليه عقلا فتجويز ~~وجوده تقدير عقلي والمجوز عقلا المقدر ذهنا ليس بإلاه . فلا تغفل عن هذه ~~الدقيقة وافرق في المعقولات بين تقدير المحال لفظا أو فرضا وبين تجويزه ~~عقلا أو عقدا واعلم أن التقدير المذكور في الكتاب فرض محال لفظا ليس بطلانه ~~عقلا . سؤال على وجه دلالة الفعل فإن قيل صادفنا في الموجودات خيرا أو شرا ~~أو نظما وفسادا ووجه دلالة الخير يخالف وجه دلالة الشر بل وجود الخير يدل ~~على مريد الخير ووجود الشر يدل على مريد الشر ومريد الخير على الإطلاق لا ~~يكون مريدا للشر على الإطلاق كما أن مريد الخير في فعل مخصوص لا يكون مريد ~~الشر في ذلك ms062 الفعل بعينه فاختلاف وجه دلالة الفعل بالتضاد دل على اختلاف ~~الفاعلين بالتضاد وكما أنكم استدللتم بأنه لو كان معه إلاه لفسدت السموات ~~والأرض فنحن نستدل بفساد فيهما خيرا أو شرا على إلاهين اثنين . PageV01P060 ~~والجواب على قاعدة المتكلمين : قال المحققون منهم وجه دلالة الفعل على ~~الفاعل هو الجواز والإمكان وترجح جانب الوجود على العدم وذلك لم يختلف خيرا ~~كان أو شرا فالوجود من حيث هو وجود خير كله أو يقال لا خير فيه ولا شر ~~والفعل من حيث وجوده ينسب إلى الفاعل لا من حيث هو خير أو شر والفاعل يريد ~~الوجود من حيث هو وجود لا من حيث هو خير أو شر بل الخير والشر إما أمران ~~إضافيان بأن يكون شيء خيرا بالإضافة إلى شيء شرا بالإضافة إلى شيء وإما ~~أمران شرعيان فيرجع الحسن والقبح والخير والشر فيه إلى قول الشارع افعل لا ~~تفعل وهذا هو جوابنا عن قول المعتزلة حيث قالوا في إرادة الكائنات أنه لو ~~كان مريدا للشر لكان شرا فإن الشر لم ينسب إليه إلا من جهة وجوده والوجود ~~من حيث هو وجود لا شر فيه وهو مريد لموجود بمعنى أنه على صفة يتأتى منه ~~التخصيص بالوجود دون العدم وببعض الجائزات دون البعض فلم يكن مريدا للشر في ~~الحقيقة . ونقول للتنويه أنا كما صادفنا في الموجودات خيرا وشرا متمايزين ~~فقد صادفنا في الموجودات خيرا وشرا مختلطين فإن عالم الخير المحض هو عالم ~~الملائكة وعالم الشر المحض هو عالم الشياطين وعالم الاختلاط والامتزاج هو ~~عالم البشر فهلا أثبتم ثالثا ينسب إليه الامتزاج فإن الممتزج من حيث هو ~~ممتزج على طبيعة غير ما كان المنفرد عليها فهلا كانت الطبيعة المذكورة دالة ~~على ثالث لكن قلتم الخير والشر لم يختلفا بالامتزاج بل دلالتهما واحد كمذلك ~~نقول لم يختلفا في الوجود فإن دلالة الوجود واحدة . وقد سلك الفلاسفة ~~الإلهيون طريقة أخرى في الوحدانية فأجابوا عن هذا السؤال على طريقتهم : ~~فأما طريقتهم قالوا قد شهد العقل الصريح بأن الوجود ينقسم إلى ما ms063 يكون ~~واجبا في ذاته وإلى ما يكون ممكنا في ذاته وكل ممكن فإنما يترجح جانب ~~الوجود منه على جانب العدم بمرجح فإما أن تذهب الممكنات إلى غير نهاية أو ~~تقف على واجب بذاته غير ممكن لكنها لو ذهبت إلى غير النهاية لما وجدت إذ ~~كان يتوقف وجود كل ممكن على سبق وجود مرجحه وذلك محال فلا بد أن يقف على ~~واجب بذاته ثم الواجب بذاته لا يجوز أن يكون لذاته مبادي يجتمع منها واجب ~~الوجود لا أجزاء كمية ولا كالمادة والصورة والجنس والفصل فإن المبادي يجب ~~أن تكون سابقة على ذات واجب الوجود ويكون واجبا بها لا بذاته وقد فرضنا ~~الواجب بذاته فهذا خلف PageV01P061 ولو قدرنا اثنين واجبي الوجود اشتركا في ~~كون كل واحد منهما واجب الوجود فلا بد أن ينفصل أحدهما عن الثاني بفصل يخصه ~~فيكون وجوب الوجود مشتركا فيه وهو ذاتي لهما فيكون جنسا وما يخص أحدهما دون ~~الثاني فصلا ويكون ذاته متركبا منهما ويجب أن تكون الأجزاء متقدمة بالذات ~~على ذاته فهو خلف فإذا نوع واجب الوجود سواء أطلق إطلاقا أو خصص تخصيصا لا ~~يجوز أن يكون إلا واحدا فوجوده وجوبه ووجوبه حقيقته وحقيقته وحدته ووحدته ~~تخصصه وتعينه من غير أن يتمايز وجوب عن وجود ووجود عن ماهية وحقيقة وعن هذا ~~نفوا صفات الباري تعالى زائدة على الذات كما سيأتي تفصيل ذلك في مسئلة ~~الصفات إن شاء الله تعالى . ثم جرحوا دلالة الخير والشر بل وقوع الشر في ~~الوجود على مذهبهم . بأن قالوا الشر لا معنى له إلا عدم وجود أو عدم كمال ~~وجود والعدم يدخل في القضاء بالعرض لا بالذات بل القصد الأول في الإبداع ان ~~يكون وجود ثم القسمة العقلية أن يكون وجود هو خير محض أو يكون وجود لا ~~يتحقق حصوله إلا على أن يتبعه شر أما وجود الشر المحض فهو مستحيل بل الوجود ~~الذي أكثره شر كذلك فلا وجود وجود يتبعه شر قليل أكثر شرا من وجوده فالشر ~~داخل في الوجود بالقصد الثاني ms064 ولا دلالة له على مدلول إذ لا حقيقة لوجوده ~~كما بيناه . وقد سلكت المعتزلة طريق التمانع في استحالة الإلهين كما سلكناه ~~ولم يستمر لهم ذلك حيث جوزوا اختلافا في إرادة الباري سبحانه وإرادة العبد ~~واختلافا في الفعل فلا تمانع . وسلك الكعبي طريقا آخر وقال لو قدرنا قائمين ~~بأنفسهما لا يتميز أحدهما عن الأخر بزمان أو بمكان أو حيز ولا يكون لأحدهما ~~حقيقة خاصية يمتاز أحدهما عن الثاني بها فهو مستحيل عقلا والخصم ريما يقول ~~هذا هو نفس النزاع عبرت عنه تعبيرا وصيرته دليلا فإن جماعة من العقلاء ~~صاروا إلى إثبات جواهر عقلية من عقول مجردة ونفوس مجردة قديمات قائمات ~~بأنفسها ويمتاز بعضها عن بعض بخواص وحقائق ولم تمنع العقول ثبوتها ومن أراد ~~أن يسلك هذه الطريقة فلا بد أن يزيد فيها شروطا حتى يتحقق الاستحالة وتتضح ~~للعقل والله أعلم . PageV01P062 # | القاعدة الرابعة في إبطال التشبيه # وفيها الرد على أصحاب الصور وأصحاب الجهة والكرامية في قولهم إن الرب ~~تعالى محل للحوادث . فمذهب أهل الحق أن الله سبحانه لا يشبه شيئا من ~~المخلوقات ولا يشبهه شيء منها بوجه من وجوه المشابهة والمماثلة ' ليس كمثله ~~شيء وهو السميع البصير ' فليس الباري سبحانه بجوهر ولا جسم ولا عرض ولا في ~~مكان ولا في زمان ولا قابل للأعراض ولا محل للحوادث . وسارت الغالبة من ~~الشيعة إلى نوعي تشبيه أحدهما تشبيه الخالق بالخلق فقالت المغيرية ~~والبيانية والهاشمية ومن تابعهم إنه الإله ذو صورة مثل صور الإنسان ونسج ~~على منوالهم جماعة من مشبهة الصفاتية متمسكين بقوله صلى الله عليه وسلم ' ~~خلق الله آدم على صورة الرحمن ' وفي رواية على صورته والنوع الثاني تشبيه ~~المخلوق بالخالق . فقالت هؤلاء من الغالبة وجماعة أخرى أن شخصا من الأشخاص ~~إله أو فيه جزء من الإله والإله سبحانه وتعالى عن قولهم متشخص به نسجا على ~~منوال النصارى والحلولية في كل أمة ومن الكرامية من صار إلى أنه جوهر وجسم ~~. وأطبقوا على أنه بجهة فوق وأنه محل الحوادث قالوا إذا خلق الله سبحانه ~~PageV01P063 جوهرا ms065 أحدث في ذاته إرادة حدوثه وربما احترزوا عن لفظ أحدث ~~فقالوا حدثت له إرادة حدوثه وكاف ونون وإذا كان المحدث مسموعا حدث له تسمع ~~وإذا كان مبصرا حدث له تبصر فتحدث له خمس من الصفات الحادثة بكل محدث أحدثه ~~وربما احترزوا عن إطلاق لفظ الحلول والمحل وإن أطلقوا الاتصاف بالحادث ~~وفرقوا بين المشيئة والإرادة فقالوا مشيئة قديمة وإرادة حادثة ولذلك فرقوا ~~بين التكوين والمكون والأحداث والمحدث والخلق والمخلوق فالخلق حادث في ذاته ~~والمخلوق مباين وكذلك التكوين عبارة عن قوله كن والقول قائم بذاته والمكون ~~مباين وكذلك كلامه تعالى صفات تحدث له وهي عبارات منتظمة من حروف وأصوات ~~عند بعضهم وعند بعضهم من حروف مجردة فهو حادث ليس بقديم ولا محدث وأحالوا ~~فناء ما حدث من الصفات في ذاته ولم يطلقوا لفظ التقدم والتأخر على الحروف ~~والكلمات واجتهد محمد بن الهيصم منهم في كل مسئلة من مسائل التشبيه حتى رد ~~الخلاف فيها إلى ما يسوغ أن يذكر ولا يسفه غير مسئلة الحوادث فإنه تركها ~~على التكال الأول بعلم صاحبه أبي عبد الله الكرام . لنا دليل شامل يعم ~~إبطال مذاهب المشبهة جملة وعلى كل فرقة ممن عددناهم حجة خاصة ونقض على ~~الانفراد فنبتدي بالأعم . ونقول التقدر بالأشكال والصور والتغير بالحوادث ~~والغير دليل الحدوث فلو كان الباري سبحانه متقدرا بقدر متصورا بصورة ~~متناهيا بحد ونهاية مختصا بجهة متغيرا بصفة حادثة في ذاته لكان محدثا إذ ~~العقل بصريحه يقضي أن الأقدار في تجويز العقل متساوية فما من قدر وشكل ~~يقدره العقل إلا ويجوز أن يكون مخصوصا بقدر آخر واختصاصه بقدر معين وتميزه ~~بجهة ومسافة يستدعي مخصصا ومن المعلوم الذي لا مراء فيه أن ذاتا لم تكن ~~موصوفة بصفة ثم صارت موصوفة فقد تغيرت عما كانت عليه والتغير دليل الحدوث ~~فإذا لم يستدل على حدوث الكائنات إلا بالتغير الطارئ عليها وبالجملة ~~فالتغير يستدعي مغيرا خارجا من ذات المغير والمقدر يستدعي مقدرا . فإن قيل ~~بم تنكرون على من يقول إن القدر الذي اختص به نهاية وحد ms066 واجب له لذاته فلا ~~يحتاج إلى مخصص والمقادير التي هي في الخلق إنما احتاجت إلى مقدر لأنها ~~جائزة وذلك لأن الجواز في الجائزات إنما يعرف بتقدير القدرة فلما كانت ~~المقادير الخلقية مقدورة عرف جوازها واحتاج الجواز إلى مرجح فإذا لم يكن ~~فوق الباري سبحانه قادر يقدر عليه لم تكن إضافة الجواز وإثبات الاحتياج له ~~ألسنا اتفقنا على أن الصفات ثمان أفهي واجبة له على هذا العدد أم جائز أن ~~توجد صفة أخرى . PageV01P064 فإن قلتم يجب الانحصار في هذا العدد كذلك نقول ~~الاختصاص بالحد المذكور واجب له إذ لا فرق بين مقدار في الصفات عددا وبين ~~مقدار في الذات حدا . فإن قلتم جائز أن توجد صفة أخرى فما الموجب للانحصار ~~في هذا الحد والعدد فيحتاج إلى مخصص حاصر . والجواب قلنا المقادير من حيث ~~أنها مقادير طولا وعرضا وعمقا لا تختلف شاهدا وغائبا في تطرق الجواز العقلي ~~إليها واستدعاء المخصص فإنا لو قدرنا مثل ذلك المقدار بعينه في الشاهد تطرق ~~الجواز العقلي إليه واختصاصه به دون مقدار آخر يستدعي المخصص وتطرق الجواز ~~إلى الجائزات لا يتوقف على تقدير القدرة عليها بل معرفة ذلك بينة للعقل ~~ضرورية حتى صار كثير من العقلاء إلى أن العقل نفسه عبارة عن علوم ضرورية هي ~~معرفة الجواز في الجائزات والاستحالة في المستحيلات والوجوب في الواجبات ~~وتقدير القدرة عليها إنما يحتاج إليه في ترجيح أحد الجائزين على الثاني لا ~~في تصور نفس الجواز . وهذه نكثة قد أغفلها كثير من أصحاب الكلام وأما ~~الصفات وانحصارها في ثمان فقد اختلف الجواب عنه بوجوه منها أنهم منعوا ~~إطلاق لفظ العدد عليها فضلا عن الثمانية . وقالوا قد دل الفعل بوقوعه على ~~أن الفاعل قادر وباختصاصه ببعض الجائزات على أنه مريد وبأحكامه على أنه ~~عالم وعلم بالضرورة أن القضايا مختلفة وورد في الشرع إطلاق العلم والقدرة ~~والإرادة ولا مدلول سوا ما دل الفعل عليه أو ورد في الشرع إطلاقه ولهذا ~~اقتصرنا على ذلك فلو سئل هل يجوز أن يكون له صفة أخرى اختلف ms067 الجواب عنه ~~فقيل لا يتطرق الجواز إليه فإنا لم نثبت له الصفات بطريق التجويز العقلي بل ~~بدليل الفعل والفعل ما دل إلا على تلك الصفات وقيل يجوز عقلا إلا أن الشرع ~~لم يرد به فيتوقف في ذلك ولا يضرنا الإعتقاد إذا لم يرد به تكليف فينسب إلى ~~المكلف تقصير ومنها أنهم فرقوا في الشاهد بين الصفات الذاتية التي تلتئم ~~منها حقيقة الشيء وبين المقادير العرضية التي لا مدخل لها في تحقيق حقيقة ~~الشيء فإن الصفات الذاتية لا تثبت للشيء مضافة إلى الفاعل بل هي له من غير ~~سبب والمقادير المختلفة تثبت للشيء مضافة إلى الفاعل فإن جعلها له بسبب ~~ومنها أنهم قالوا لو قدرنا صفة زائدة على الصفات الثمانية لم يخل الحال ~~فيها إما أن تكون صفة مدح وكمال أو تكون صفة ذم ونقصان فإن كانت صفة كمال ~~فعدمها في الحال نقص وقد اتصف الباري سبحانه بصفات الكمال من كل وجه وإن ~~كانت صفة نقصان فعدمها عنه واجب وإذا بطل القسمان تعين أنه لا يجوز أن ~~PageV01P065 يتصف بصفة زائدة على الصفات الذاتية ويترتب على ما ذكرناه أنه ~~هل يجوز لباري سبحانه أخص وصف لا ندركه وفرق بين هذا السؤال والسؤال الأول ~~فإن السائل الأول سأل هل يجوز أن تزيد صفة على الصفات الثمانية والسائل ~~الثاني سأل هل له أخص وصف به يتميز عن المخلوقات . واختلف جواب الأصحاب عنه ~~أيضا فقال بعضهم ليس له أخص وصف ولا يجوز أن يكون لأنه بذاته وصفاته يتميز ~~عن ذوات المخلوقات وصفاتها من حيث أن ذاته لا حد لها زمانا ومكانا ولا يقبل ~~الانقسام فعلا ووهما بخلاف ذوات المخلوقات وصفاتها فإنهما غير متناهية في ~~التعلق بالمتعلقات فلو كان الغرض أن يتحقق أخص وصف يه يقع التميز فقد وقع ~~التميز بما ذكرنا فلا أخص سوا ما عرفنا . وقال بعضهم له أخص وصف الإلهية لا ~~ندركه وذلك أن كل شيئين لهما حقيقتان معقولتان فإنهما يتمايزان بأخص ~~وصفيهما وجميع ما ذكرنا من أن لا حد ولا نهاية ولا ms068 انقسام للذات ولا تناهي ~~للصفات كل ذلك سلوب وصفات نفي وبالنفي لا يتميز الشيء عن الشيء بل لا بد من ~~صفة إثبات يقع بها التميز وإلا فترتفع الحقيقة رأسا . ثم إذا أثبت أن له ~~أخص الوصف فهل يجوز أن ندركه ؟ قال إمام الحرمين لا يجوز أن ندركه أصلا ~~وقال بعضهم يجوز أن يدرك وقال ضرار بن عمرو يدرك عند الروية بحاسة سادسة ~~ونفس المسئلة من محارات المتكلمين وتصوير الأخص من محارات العقول . فإن قيل ~~إذا قدر موجودان قائمان بأنفسهما بحيث لا يكون أحدهما بحيث يكون الثاني ~~كالعرض في الجوهر فمن الضرورة إما أن يكونا متجاورين وإما أن يكونا ~~متباينين وعلى الوجهين جميعا يجب أن يكون كل واحد منهما بجهة من الثاني ~~وربما عبروا عن هذا المعنى بأن قالوا الباري سبحانه لا يخلو إما أن يكون ~~داخل العالم أو خارجا عن العالم وكما أن الدخول بالذات يقتضي مجاورة ~~وومماسة والخروج بالذات يستدعي مباينة وجهة وربما شككوا أبلغ تشكيك على ~~سبيل الإلزام . فقالوا اتفقنا على أن له سبحانه ذاتا وصفات ومن المعلوم أن ~~الصفات لا تكون كل واحدة بحيث الثانية ولا منحازة عنها بجهة فإن القائم ~~بالغير لا يقبل التحيز رأسا بل هي كلها قائمة بذاته أي بحيث ذاته فقد تحقق ~~التميز بين الذات والصفات وذلك راجع إلى أن الذات لها حيث حتى تكون الصفات ~~بحيث هو والصفات لا حيث لها فلا تكون الذات بحيث هي وما قيل التحيث بالنسبة ~~إلى الصفات فلو قدر قائم بذات آخر فمن ضرورته أن لا يكون بحيث هو حتى يتحقق ~~PageV01P066 فرق بين الصفات التي هي بحيث هو وبين ذلك القائم بذاته الذي ~~ليس بحيث هو فيثبت له جهة ما ينحاز بها عنه وقد ورد السمع بأن تلك الجهة هي ~~جهة فوق قال الله تعالى : ' وهو القاهر فوق عباده ' فأثبتنا الجهة عقلا ~~وأثبتنا الفوقية سمعا واستنبطنا من النص الوارد فيه معنى وهو كون الفوق ~~أشرف الجهات وأليق بكمال الصمدية ولهذا تعلقت القلوب بالسماء ورفعت الأيدي ~~ودلت عليها ms069 إشارة الخرساء وإليها كان معراج سيد الأنبياء . والجواب قلنا ~~هذه الشبهات كلها نشأت من اشتراك في لفظ القائم بالنفس فإن عندنا يطلق هذا ~~اللفظ في حق الباري سبحانه بمعنى أنه مستغن عن المحل والحيز جميعا ويطلق ~~على الجوهر بمعنى أنه مستغن عن المحل فقط والمستغنى على الإطلاق في مقابلة ~~المحتاج على الإطلاق والمستغنى عن المحل والحيز في مقابلة المحتاج إلى ~~المحل والمحتاج إلى الحيز فلننقل العبارة إلى هذه الجهة حتى يتبين أنكم ~~جعلتم نفس النزاع دليلا متمسكين باشتراك في العبارة دون المعنى ونقول ~~قدرناه مستغنيا عن المحل والحيز ومحتاجا إلى الحيز فيجب أن يكونا إما ~~متجاورين أو متباينين محال تقديره فإن التجاور والتباين من لوازم التحيز في ~~المتحيزات فالمستغني عن التحيز كيف يكون إما متجاورا وإما متباينا هذا كمن ~~يقول القائمان بأنفسهما إما أن يكونا مجتمعين أو مفترقين متحركين أو ساكنين ~~قيل الاجتماع والافتراق من لوازم التحيز والتحدد ولا حيز له سبحانه ولا حد ~~ولا اجتماع ولا افتراق بل إذا فتش على المجاورة والمباينة لم يتحقق منه إلا ~~نفس الاجتماع والافتراق وما جاور أو باين فقد تناهى ذاتا والمتناهي إذا ~~اختص بمقدار استدعي مخصصا . وكذلك الجواب عن الدخول والخروج فإنا نقول ليس ~~بداخل في العالم ولا خارج لأن الدخول والخروج من لوازم المتحيزات ~~والمحدودات ولهذا لا يطلقان على الأعراض وهما كالاجتماع والافتراق والحركة ~~والسكون وسائر الأعراض التي لا تختص بالإجرام التي لا حياة لها ولو قيل هو ~~الله سبحانه داخل في العالم بمعنى العلم والقدرة وخارج عن العالم بمعنى ~~التقدس والتنزيه كان معنى صحيحا كما ورد في التنزيل ' وهو القاهر فوق عباده ~~' وقد ورد ' وهو معكم أينما كنتم ' ' ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ' ~~PageV01P067 وقوله سبحانه ' إني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعاني ' الآية ~~بل الآيات الدالة على القرب أكثر من الآيات الدالة على بعد الفوق وكما ورد ~~' وهو الذي في السماء إله ' وورد مقرونا به ' وفي الأرض إله ' وبالجملة من ~~تصور وجوده وجودا مكانيا طلب له جهة ما وانحيازا ms070 عن العالم ببينونة متناهية ~~أو غير متناهية كما أن من تخيل وجوده زمانيا طلب له مدة وتقدما على العالم ~~بأزمنة متناهية أو غير متناهية وكلا التخييلين باطل فهو الأول والآخر إذ ~~ليس وجوده سبحانه زمانيا والظاهر والباطن إذ ليس وجوده مكانيا . وأما الشك ~~الثاني الذي أوردوه على سبيل الإلزام وهو الاتفاق من الكرامية والصفاتية أن ~~لله سبحانه ذاتا وصفات والصفات قائمة بالذات وليست كل صفة بحيث الثانية بل ~~بحيث الذات . قيل من أثبت الصفات الأزلية قائمة بذات الباري تعالى ليس يعني ~~بالقيام ما عنيتم ولا أطلق أنها بحيث هو كما أطلقتم بل يعني بالقيام وصف ~~الباري سبحانه وتعالى بها والوصف من حيث هو وصف لا يقتضي أن يكون الموصوف ~~بحيز وجهة ثم الحكم للوصف بأنه معنى موجود أو حال فهو بمعنى آخر وإلا فمجرد ~~الوصف والصفة من حيث هو وصف لا يقتضي ذلك ثم إطلاق لفظ الحيث أيضا قد اتسع ~~حتى يقال هذا في العرض من حيث هو موجود له حكم ومن حيث هو عرض له حكم وليس ~~يعني بإطلاق لفظ الحيث إلا الاعتبار العقلي والوجوه العقلية والحاصل في هذا ~~السؤال أن الألفاظ التي أوردوه كلها مشتركة ولفظ القائم بالذات والقائم ~~بالغير ولفظ الدخول والخروج ولفظ الحيث والجهة وبالجملة فليعلم أن جهات ~~الأجسام من أحكام النهايات في الأجسام حتى لو قدر مقدر جسما غير متناه ~~بالفعل لم يكن للجهات معنى فلا يكون فوق وتحت ويمين ويسار وقدام وخلف ولذلك ~~تتحقق إليها الإشارة ولذواتها اختصاص وانفراد من جهة أخرى وإذا كانت ~~الأجسام كرية أي مدورة فيكون تجدد الجهات على سبيل المحيط والمحاط والفوق ~~والسفل فيها على سبيل المركز والمحيط فإن قدر العالم كري الشكل إما تقديرا ~~أوجد عليه حقيقة PageV01P068 وإما تقديرا يجوز أن يوجد عليه تصورا قيل إن ~~الباري سبحانه بجهة من العالم فيكون لا محالة محيطا بكل العالم وإلا فيخلو ~~عن ذاته طرف من جهات الفوق وعندهم هو فوق العالم بأسره فهو خلف فيلزم عليه ~~فوقا بالنسبة إلى من هو ms071 على الأرض على موازاة القطب الشمالي وتحت بالنسبة ~~إلى من هو عليها على موازاة القطب الجنوبي بل يكون بعض منه فوقا وبعض منه ~~تحتا وذلك محال وإما تعلق القلوب بالسماء ورفع الأيدي عليها والنزول إليها ~~بل العرش قبلة الدعاء والأرض مسجد الصلاة والكعبة وجهة الوجه وموضع السجود ~~قبلة العين وأقرب ما يكون العبد من الرب إذا كان في السجود واسجد واقترب . ~~ومما أوجب التشبيه قيام الحوادث بذاته سبحانه وقد ذهبت الكرامية إلى جواز ~~ذلك ومن مذهبهم إنما يحدث من المحدثات فإنما يحدث بإحداث الباري سبحانه ~~والأحداث عبارة عن صفات تحدث في ذاته من إرادة لتخصيص الفعل بالوجود ومن ~~أقوال مرتبة من حروف مثل قوله كن وأما سائر الأقوال كالأخبار عن الأمور ~~الماضية والآتية والكتب المنزلة على الرسل عليهم السلام والقصص والوعد ~~والوعيد والأحكام والأوامر والنواهي والتسمعات للمسموعات والتبصرات ~~للمبصرات فتحدث في ذاته بقدرته الأزلية وليست هي من الأحداث في شيء وعلى ~~طريقة إنما الأحداث في الخلق على مذهب أكثرهم قول وإرادة والقول هما صورتان ~~هما حرفان وعلى طريقة محمد بن الهيصم الأحداث إرادة وإيثار وذلك مشروط ~~بالقول شرعا وجوز بعضهم تعلق أحداث واحد بمحدثين إذا كانا من جنس واحد ~~وأكثرهم على أن لكل محدث أحداث فيحدث في ذاته لكل محدث خمس صفات إرادة وكاف ~~ونون وتسمع وتبصر وقد أثبتوا مشية قديمة تتعلق بالحادث والمحدث والأحداث ~~والخلق ثم قالوا هذه الحوادث لا تصير صفات لله تعالى وإنما هو خالق ~~بخالقيته لا بخلق مريد بإراديته لا بإرادة قائل بقائليته وهي واجبة البقاء ~~ويستحيل عدمها بعد وجودها في ذاتها . وللمتكلمين عليه طريقان في الكلام ~~أحدهما البرهان والثاني المناقضة في الإلزام . أما البرهان فنقول لو قامت ~~الحوادث بذات الباري سبحانه وتعالى لاتصف بها بعد أن لم يتصف ولو اتصف ~~لتغير والتغير دليل الحدوث إذ لا بد من مغير وتحقيق المقدمة الأولى أن معنى ~~قيام الأعراض بمحالها كونها أوصافا لها كالعلم إذا قام بجوهر PageV01P069 ~~وصف الجوهر بأنه عالم وكذلك سائر المعاني والأعراض فليس ذلك كالوصف ms072 بكون ~~الباري تعالى خالقا صانعا على مذهب من لم يفرق بين الخلق والمخلوق فإن ~~المخلوق لا يقوم بذات الخالق والخلق قائم بذاته تعالى عندكم فيجب أن يكون ~~وصفا له وكذلك يقال أراد فهو مريد بإرادة وقال فهو قائل بقول وإذا تحقق ~~كونه وصفا له بعد أن لم يكن موصوفا به فقد تحقق التغير والتغير خروج شيء ~~إلى غير ما كان عليه ولا يشترط فيه بطلان صفة وتجدد صفة فإنه إذا كان خاليا ~~من صفات ثم اعتراه صفات فقد تغير عما كان عليه فليس للخصم اعتراض على هذه ~~الطريقة إلا منع الاتصاف أو منع التغير وقد أثبتناهما ولكنه وضع لنفسه ~~اصطلاحا في أحكام المعاني القائمة بالغير وميز بين حكم العلم والقدرة وهي ~~العالمية والقادرية والمريدية وبين حكم الحركة والسكون القائمين بالجوهر ~~وهو المتحركية والساكنية فإن كان هذا التميز غير مقبول عقلا فإن اتصاف ~~المحال بالأوصاف الحادثة واتصاف الذات بالأوصاف من حيث أنها صفات وموصوفات ~~ليس تختلف ولا تأثير للقدم والحدوث فيها أصلا فإنه إن كان الوصف راجعا إلى ~~القول واللسان فلا يختلف الحال بين وصف ووصف وإن كان الوصف راجعا إلى حقيقة ~~في الموصوف يعبر عنها لسان الواصف فلا يختلف الحال بين حقيقة وحقيقة ~~والمعنى إذا قام بذات أو محل صار وصفا وصفة لها ورجع حكمه إليه بالضرورة . ~~برهان آخر أوضح مما قد سبق وهو أن كل حادث يحتاج إلى محدث من حيث أنه كان ~~في نفسه وباعتبار ذاته جائز الوجود والعدم فلما ترجح جانب الوجود على العدم ~~احتاج إلى مرجح بالضرورة ثم ذلك المرجح إن كان حادثا احتاج إلى مرجح ثم ~~يتسلسل القول فيه إلى ما لانهاية له وجهة الاحتياج لا يختلف الحال فيها بين ~~حادث في ذاته سبحانه وتعالى وبين محدث مباين ذاته فإنه إنما احتاج بجهة ~~تردده بين طرفي جواز الوجود والعدم لا بجهة التباين وغير التباين وهذا قاطع ~~لا اعتراض عليه . ونقول إن تصور وجود حادث لا بإحداث فإما أن يقال يحدث ذلك ~~الحادث بنفسه أو بقدرته ms073 أو بمشيئته قديمة . فإن قيل يحدث بنفسه فقد باهتوا ~~العقل الصريح بضرورة حكمه بأن ما لم يكن فكان احتاج إلى محدث مكون . فإن ~~قيل أحدث بقدرة ومشيئة فقد ناقضوا قضية العقل فإن ذلك الحادث إذا جاز أن ~~يحدث بالقدرة فلم لا يجوز أن يحدث المحدثات كلها بقدرته ومشيئته إذ لا فرق ~~في نظر العقل بين الحادث والمحدث من حيث أنه لم يكن فكان . PageV01P070 ~~والفرق بينهما من حيث اللغة أن أحدهما لازم والثاني متعد لا ينتهض فرق من ~~حيث العقل فإنا إذا قلنا قام وقعد وجاء وذهب كان الحكم لازما والقيام ~~والقعود والمجي والذهاب فعله ومفعوله كما هو فعله والعقل لا يفرق بين فعل ~~الإنسان شيئا في نفسه وبين فعله في غيره على مذهب من قال به ومن قال أن ~~الفعل لا يباين محل القدرة فلم يفرق فيه بين الفعل والمفعول ولا متمسك ~~للخصم في هذه المسئلة إلا بأمر لغوي ولفظ اصطلاحي . وقد ألزم عليه الفلسفي ~~إلزاما لا محيص له عنه فقال كل ذات لم يحدث فيها معنى ثم حدث فيها قبل ~~الحدوث استعداد القبول وصلاحيته وقوته ثم إذا حدث فيها القبول تبدل ~~الاستعداد بالوجود والصلاحية بالحصول والقوة بالفعل ويلزم أن يكون في ذاته ~~معنى ما بالقوة ثم معنى ما بالفعل وذلك بعينه هو الهيولي والصورة وقد ~~أثبتوا لله سبحانه وتعالى قبل خلق العالم خصائص الهيولي وهي طبائع عدمية ~~فإن الاستعداد والصلاحية عدم شيء من إثباته أن يكون شيئا وواجب الوجود ~~لذاته منزه عن طبيعة الإمكان والعدم اللذان هما منبع الشر . وأما طرق ~~الإلزام عليهم فمنها أن قالوا قول الله سبحانه وتعالى وإرادته من جنس قولنا ~~وإرادتنا ثم لقوله وإرادته مفعولات مثل العالم بما فيه من السموات والأرض ~~فيلزم أن يحصل بإرادتنا وقولنا مثل ذلك فإن قوله كن كاف ونون من جنس ~~أقوالنا من غير فرق . فإن قيل إنما حصل قوله بمباشرة قدرته وإرادته ومشيئته ~~القديمة وقولنا لم يحصل بهما وقوله في ذاته قول له لا لغيره وقد قصد به ~~التكوين ms074 لا بغيره . قيل له إن كان هذا فرقا فلم يكن قوله إذا من جنس ~~أقوالنا بل الحق أن القول إذا حدث بعد أن لم يكن فهو كقولنا الحادث بعد أن ~~لم يكن ولم يكن لإضافته إلى القدرة أثر بعد الحدوث فإنه إنما أثر في حال ~~الانفصال عن القدرة لا في حال تعلق القدرة به وإنما أثرت القدرة في حصول ~~ذاته فقط لا في شيء آخر يحدث به وعن هذا لو أحدث قولا لنفسه في شجرة وقصد ~~به التكوين لم يحصل به شيء فبطل قولهم إنما قصد به الأحداث وبطل ما اعتذروا ~~به وحصل أن قوله لا ينبغي أن يوجد كقولنا أو قولنا يوجد كقوله إذ لا فرق ~~بين قول وقول في الحدوث والحروف والأصوات والاحتياج إلى المحل بل قولنا أو ~~كد فإنه إذا قام بمحل اتصف المحل به وتحققت له النسبة إلى المحل وعندكم قول ~~الله سبحانه قائم به من غير أن تتصف به الذات ولم تتحقق له نسبة إلى الذات ~~إلا مجرد الإضافة وقد انقطع حكمه عن القدرة القديمة فإنه إنما يوجد ~~PageV01P071 بعد أن يحدث لا حال أن يحدث . ومن الإلزامات أن قوله كن لا ~~يخلو إما أن يسبق أحد الحرفين على الثاني أو يتلازمان في الوجود إما في حال ~~الوجود أو حال البقا فإن سبق أحدهما وتلاه الثاني فأما أن يبقى الأول أو لم ~~يبق فإن بقي مقولا مسموعا لم يكن كن بل الأول ما لم ينعدم لا يوجد الثاني ~~حتى يكون مترتبا متعاقبا وإلا فالكاف المسموع مع النون دواما لا يتصور أصلا ~~وإن لم يبق فقد انعدم وعندكم ما حل في ذاته تعالى لا يجوز عليه العدم وإن ~~كانا يتلازمان في الوجود فقد أوجد أحدهما مع الثاني فليس الكاف بالتقديم ~~أولى من النون وكذلك كل حرف يجب أن يسبق حرفا في القول والتكلم حتى يكون ~~بترتبه وتعاقبه كلاما مسموعا . ومن الإلزامات إثبات أكوان حادثة مع الكون ~~القديم وإثبات علوم حادثة مع العلم القديم كإثبات إرادة حادثة مع ms075 المشيئة ~~القديمة وقد ذكر المتكلمون ذلك في كتبهم . أما شبهة الكرامية أن قالوا سمع ~~الباري سبحانه ما لم يسمع قبله ورأى ما لم ير قبله فيجب أن يحدث له تسمع ~~وتبصر . فقيل لهم أتقولون لم يكن الباري سبحانه سامعا للأصوات فصار سامعا ~~لها ولا رائيا للمدركات فصار رائيا لها ولم يكن قائلا للأوامر والنواهي ~~فصار قائلا ولم يرد وجود العالم في الوقت الذي سبق وجوده فصار مريدا في ~~الوقت الذي أوجده فيدل كل ذلك على تجدد وصف له وإن لم تقولوا أنه صار سميعا ~~بصيرا مريدا فقد تناقض قولكم أنه سمع ما لم يسمع ورأى ما لم ير وأراد ما لم ~~يرد . ثم الجواب الحقيقي قلنا قد جمعتم بين كلمتي نفي وإثبات في قولكم لم ~~يكن كذا فصار كذا فلا النفي على أصلنا مسلم ولا الإثبات على أصلكم مذهب لكم ~~فأما النفي على أصلنا فغير مسلم أنه لم يكن سميعا بصيرا بل هو بصير سميع ~~أبدا وأزلا كما هو عليم قدير أبدا وأزلا وإنما التجدد يرجع إلى المدرك كما ~~يرجع التجدد إلى المعلوم والمقدور فهو كقولكم لم يكن مستويا على العرش فصار ~~مستويا ولم يكن بجهة فوق فصار بجهة فوق وبالاتفاق لم تحدث له صفة لم تكن بل ~~النفي إنما يرجع إلى المدركات فنقول لم تكن المسموعات والمرئيات موجودة ~~فيسمع ويرى فوجدت فتعلق بها السمع والبصر فكان التعلق مشروطا بالوجود لا ~~بالمتعلق ورب تعلق شرط فيه الوجود والحياة والعقل والبلوغ ثم عدم الشرط لم ~~يقتض عدم المتعلق . PageV01P072 أما الإثبات فعلى أصلكم لم يوصف الباري ~~سبحانه بالحوادث في ذاته فكيف يصح على مذهبكم أنه صار سميعا بصيرا وإن ~~التزمتم الاتصاف فقد سلمتم لنا المسئلة فإن الاتصاف بصفة لم يكن قبل صريح ~~التغيير والتغيير دليل الحدوث وهذه الحوادث باقيات على مذهبكم والمتعلقات ~~فانية وإثبات صفة من الصفات المتعلقة يتأخر تعلقها أو متعلقها غير مستحيل ~~كالعلم والقدرة والمشيئة أما إثبات صفة باقية يتقدم تعلقها أو متعلقها فهو ~~مستحيل فإنه إذا أراد وجود العالم ms076 بإرادة حادثة في ذاته ووجد العالم وبقي ~~وفني فهو مريد أبد الدهر وقائل كن أبد الدهر لشيء قد تكون وفني وسامع لصوت ~~وحرف قد مضى وانقضى وبصير لجسم ولون قد انقرض في غاية الاستحالة . ونقول ~~هذه الحروف التي أثبتموها هي حروف مجردة من غير أصوات أم هي حروف هي تقطيع ~~أصوات فإن أثبتموها حروفا من غير أصوات فهي غير مسموعة ولا هي معقولة فإن ~~حقيقة الحرف تقطيع صوت والصوت بالنسبة إلى الحروف كالجنس بالنسبة إلى النوع ~~والعرض بالنسبة إلى اللون فإن أثبتوا حروفا هي أصوات مقطعة فلا بد لها من ~~اصطكاكات أجرام حتى يتحقق الصوت فإن اصطكاك الأجرام كالنوع بالنسبة إلى ~~الحركة والصوت كالنوع بالنسبة إلى الاصطكاك ولا بد من حركة حتى يتحقق ~~اصطكاك أو تفكيك ولا بد من اصطكاك حتى يتحقق الصوت ولا بد من صوت حتى يتحقق ~~حرف ولا بد من حرف حتى تتحقق كلمة ولا بد من كلمة حتى يتحقق قول تام ولا بد ~~من قول حتى تتحقق قصة وحكاية فيلزم على ذلك أن يكون الباري جسما متحركا ذا ~~اصطكاك في أجزاء جسمية ويتعالى الرب سبحانه عن ذلك علوا كبيرا . وقد تخطى ~~بعض الكرامية إلى إثبات الجسمية فقال أعني بها القيام بالنفس وذلك تلبيس ~~على العقلاء وإلا فمذهب أستاذهم مع اعتقاد كونه محلا للحوادث قائلا ~~بالأصوات مستويا على العرش استقرارا مختصا بجهة فوق مكانا واستعلاء فليس ~~ينجيه من هذه المخازي تزويرات ابن هيصم فليس يريد بالجسمية القائم بالنفس ~~ولا بالجهة الفوقية علاء ولا بالاستواء استيلاء وإنما هو إصلاح مذهب لا ~~يقبل الإصلاح وإبرام معتقد لا يقبل الإبرام والإحكام وكيف استوى الظل ~~والعود اعوج وكيف استوى المذهب وصاحب المقالة أهوج والله الموفق . ~~PageV01P073 # | القاعدة الخامسة في إبطال مذهب التعطيل وبيان وجوه التعطيل # وقد قيل أن التعطيل ينصرف إلى وجوه شتى فمنها تعطيل الصنع عن الصانع ~~ومنها تعطيل الصانع عن الصنع ومنها تعطيل الباري سبحانه عن الصفات الأزلية ~~الذاتية القائمة بذاته ومنها تعطيل الباري سبحانه عن الصفات والأسماء أزلا ~~ومنها ms077 تعطيل ظواهر الكتاب والسنة عن المعاني التي دلت عليها . أما تعطيل ~~العالم عن الصانع العالم القادر الحكيم فلست أراها مقالة لأحد ولا أعرف ~~عليه صاحب مقالة إلا ما نقل عن شرذمة قليلة من الدهرية أنهم قالوا العالم ~~كان في الأزل أجزاء مبثوثة تتحرك على غير استقامة واصطكت اتفاقا فحصل عنها ~~العالم بشكله الذي تراه عليه ودارت الأكوار وكرت الأدوار وحدثت المركبات ~~ولست أرى صاحب هذه المقالة ممن ينكر الصانع بل هو معترف بالصانع لكنه يحيل ~~سبب وجود العالم على البحث والاتفاق احترازا عن التعليل فما عددت هذه ~~المسئلة من النظريات التي يقام عليها برهان فإن الفطرة السليمة الإنسانية ~~شهدت بضرورة فطرتها وبديهة فكرتها على صانع حكيم عالم قدير ' أفي الله شك ~~فاطر السموات والأرض ولئن سألهم من خلقكم ليقولن الله ولئن سألتهم من خلق ~~السموات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم ' وإن هم غفلوا عن هذه الفطرة ~~في حال السراء فلا شك أنهم يلوذون إليه في حال الضراء ' دعوا الله مخلصين ~~له الدين وإذا مسكم الضر في البحر ضل من PageV01P074 تدعون إلا إياه ' ~~ولهذا لم يرد التكليف بمعرفة وجود الصانع وإنما ورد بمعرفة التوحيد ونفي ~~الشريك أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ولهذا جعل محل ~~النزاع بين الرسل وبين الخلق في التوحيد ' ذلك بأنه إذا دعي الله وحده ~~كفرتم وإن يشرك به تؤمنوا ' الآية ' وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين ~~لا يؤمنون بالآخرة وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفورا ' ~~وقد سلك المتكلمون طريقين في إثبات الصانع تعالى وهو الاستدلال بالحوادث ~~على محدث صانع وسلك الأوائل طريقا آخر وهو الاستدلال بإمكان الممكنات على ~~مرجح لأحد طرفي الإمكان ويدعى كل واحد في جهة الاستدلال ضرورة وبديهة . ~~وأنا أقول ما شهد به الحدوث أو دل عليه الإمكان بعد تقديم المقدمات دون ما ~~شهدت به الفطرة الإنسانية من احتياج في ذاته إلى مدبر هو منتهى الحاجات ~~فيرغب إليه ولا يرغب عنه ويستغني به ولا يستغني عنه ms078 ويتوجه إليه ولا يعرض ~~عنه ويفزع إليه في الشدائد والمهمات فإن احتياج نفسه أوضح له من احتياج ~~الممكن الخارج إلى الواجب والحادث إلى المحدث وعن هذا كانت تعريفاته الخلق ~~سبحانه في هذا التنزيل على هذا المنهاج أمن يجيب المضطر إذا دعاه أمن ~~ينجيكم من ظلمات البر أمن يرزقكم من السماء والأرض أمن يبدأ الخلق ثم يعيده ~~وعن هذا قال النبي صلى الله عليه وسلم ' خلق الله تعالى الخلق على معرفته ~~فاحتالهم الشيطان عنها ' فتلك المعرفة هي ضرورة الاحتياج وذلك الاحتيال من ~~الشياطين هو تسويله الاستغناء ونفي الاحتياج PageV01P075 والرسل مبعوثون ~~لتذكير وضع الفطرة وتطهيرها عن تسويل الشيطان فإنهم الباقون على أصل الفطرة ~~' وما كان له عليهم من سلطان ' وقال ' فذكر إن نفعت الذكرى سيذكر من يخشى ' ~~وقوله ' فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى ' ومن رحل إلى الله قربت ~~مسافته حيث رجع إلى نفسه أدنى رجوع فعرف احتياجه إليه في تكوينه وبقائه ~~وتقلبه في أحواله وأنحائه ثم استبصر في آيات الآفاق إلى آيات الأنفس ثم ~~استشهد به على الملكوت لا بالملكوت عليه ' أو لم يكف بربك أنه على كل شيء ~~شهيد ' عرفت الأشياء بربي وما عرفت ربي بالأشياء ومن غرق في بحر المعرفة لم ~~يطمع في شط ومن تعالى إلى ذروة الحقيقة لم يخف من حط فثبت بالدلائل ~~والشواهد أن العالم لا يتعطل عن الصانع الحكيم القادر العليم سبحانه وتقدس ~~. وأما تعطيل الصانع عن الصنع فقد ذهب وهم الدهرية القائلين بقدم العالم ~~إلى أن الحكم بقدم العالم في الأزل تعطيل الصانع عن الصنع وقد سبق الرد ~~عليهم بأن الإيجاد قد تحقق حيث تصور الإيجاد وحيث ما لم يتصور لم يكن ~~تعطيلا وكما أن التعطيل ممتنع كذلك التعليل ممتنع وأنتم عللتم وجود العالم ~~بوجوده وسميتم معبودكم علة ومبدا وموجبا وذلك يودي إلى أمرين محالين أحدهما ~~بثبوت المناسبة بين العلة والمعلول وقد سبق تقريره والثاني أن العلة توجب ~~معلولها لذاتها والقصد الأول وجود العالم من لوازم وجوده بالقصد الأول فإن ~~العالي لا ms079 يريد أمرا لأجل الأسفل فبطل أيضا التعليل وهذا من الإلزامات ~~المفحمة التي لا جواب عنها . أما تعطيل الباري سبحانه عن الصفات الذاتية ~~والمعنوية وعن الأسماء والأحكام فذلك مذهب الإلهيين من الفلاسفة فإنهم ~~قالوا واجب الوجود لذاته واحد من كل وجه فلا يجوز أن يكون لذاته مبادئ ~~تجتمع فيتقدم واجب الوجود لا أجزاء كمية ولا أجزاء حد سواء كانت كالمادة ~~والصورة أو كانت على وجه آخر بأن يكون أجزاء لقول الشارح لمعنى اسمه ويدل ~~كل واحد منهما على شيء هو في الوجود غير الآخر بذاته وذلك لأن ما هذا صفته ~~فذات كل واحد منه ليس ذات الآخر ولا ذات المجتمع وإنما تعينه واجب بالذات ~~فليس يقتضي معنى آخر سوى وجوده وإن وصف بصفة PageV01P076 فليس يقتضي ذلك ~~معنى غير ذاته واعتبارا ووجها غير وجوده بل الصفات كلها إما إضافية كقولنا ~~مبدأ العالم وعلة العقل كما تقولون خالق ورازق وأما سلبية كقولنا واحد أي ~~ليس بمتكثر وعقل أي مجرد عن المادة وقد يكون تركيبه من إضافة وسلب كقولنا ~~حكيم مريد وسيأتي شرح ذلك في كتاب الصفات فألزم عليهم مناقضات . منها أنهم ~~أطلقوا لفظ الوجود على الواجب بذاته وعلى الواجب لغيره شمولا وعموما على ~~سبيل الاشتراك ثم خصصوا أحد الوجودين الوجوب والثاني بالجواز ومن المعلوم ~~أن الوجوب لم يدخل في معنى لوجود حتى يتصور الوجود فهذا إذا معنى آخر وراء ~~الوجود والمعنيان أن اتحدا في الخارج من الذهن فقد تمايزا في العقل مثل ~~العرضية واللونية وليس يغني عن هذا الإلزام قولهم إطلاق لفظ الوجوب على ~~الواجب بذاته والجائز لذاته بالتشكيك أي هو في أحدهما أولى وأول وفي الثاني ~~لا أولى ولا أول إذ الأولى والأول فصل آخر تميز به أحد الوجودين عن الثاني ~~وذلك يؤكد الإلزام ولا يدفعه . ومن الإلزامات كونه مبدأ وعلة وعاقلا ~~ومعقولا فإن اعتبار كونه واجب الوجود لذاته لا يفيد اعتبار كونه مبدأ وعلة ~~واعتبار كونه مبدأ وعلة لا يفيد اعتبار كونه عقلا وعاقلا ومعقولا فإن ساغ ~~لكم الحكم بتكثير الاعتبارات ms080 ساغ للمتكلم إثبات الصفات وتعطيله عن الصفات ~~تعطيل عن الاعتبارات وأما الباري عن الصفات والأسماء والأحكام أزلا وأبدا ~~وما صار إليه صائر إلا شرذمة من قدماء الحكماء قالوا إن المبدع الأول آنية ~~أزلية وهو قبل الإبداع عديم الاسم فلسنا ندرك له اسما في نحو ذاته وإنما ~~أسماؤه من نحو آثاره وأفاعيله وأبدع الذي أبدع ولا صورة له عنده في الذات ~~أي لا علم ولا معلوم وإنما العلم والمعلوم في المعلول الأول الذي هو العنصر ~~فهم المعطلة حقا ونقل عن بعض الحكماء أنهم قالوا هو هو ولا نقول موجود ولا ~~معدوم ولا عالم ولا جاهل ولا قادر ولا عاجز ولا مريد ولا كاره ولا متكلم ~~ولا ساكت وكذلك سائر الأسماء والصفات وينسب هذا المذهب إلى الغالية من ~~الشيعة والباطنية ولا شك أن من أثبت صانعا لم يكن له بد من عبارة عنه وذكر ~~اسم له ثم الاشتراك في الأساسي ليس يوجب اشتراكا في المعاني فهاؤلاء ~~احترزوا عن إطلاق لفظ الوجود عليه وما أشبهه من الأسماء لأحد أمرين أحدهما ~~لاعتقادهم أن الاشتراك في الاسم يوجب اشتراكا في المعنى فيتحقق له مثل ذلك ~~الوجه والثاني لاعتقادهم أن كل اسم من الأسامي التي تطلق عليه يقابله اسم ~~آخر تقابل التضاد مثل الموجود يقابله PageV01P077 المعدوم والعالم يقابله ~~الجاهل والقادر يقابله العاجز فيتحقق له ضد من ذلك الوجه فاحترزوا عن إطلاق ~~لفظ وجودي أو عدمي لكيلا يقعوا في التمثيل والتعطيل ونحن نعلم بأن الأسامي ~~المشتركة هي التي تختلف حقائقها من حيث المعاني فإن اسما الباري تبارك ~~وتعالى إنما تتلقى من السمع وقد ورد السمع أنه سبحانه عليم قدير حي قيوم ~~سميع بصير لطيف خبير وأمرنا أن ندعوه عز وجل بأحسن الأسمين المتقابلين كما ~~قال تعالى : ' ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في ~~أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون ' ولم يحترز هذا الاحتراز البارد ولا تكلف ~~هذا التكلف الشارد . وقالت طائفة من الشيعة لا يجوز التعطيل من الأسماء ~~الحسنى ولا يجوز التشبيه بالصفات التي يشترك فيها ms081 الخلق فيطلق على الباري ~~سبحانه الوجود وندعوه بأحسن الأسماء وهو العليم القدير السميع البصير إلى ~~غير ذلك مما ورد في التنزيل لكن لا بمعنى الوصف والصفة لأن عليا عليه ~~السلام كان يقول في توحيده لا يوصف بوصف ولا يحد بحد ولا يقدر بمقدار الذي ~~كيف الكيف لا يقال له كيف والذي أين الأين لا يقال له أين لكنا نطلق ~~الأسماء بمعنى الإعطاء فهو موجود بمعنى أنه يعطي الوجود وقادر وعالم بمعنى ~~أنه واهب العلم للعالمين والقدرة للقادرين حي بمعنى أنه يحيي الموتى قيوم ~~بمعنى أنه يقيم العالم سميع بصير أي خالق السمع والبصر ولا نقول أنه عالم ~~لذاته أو يعلم بل هو إله العالمين بالذات والعالمين بالعلم وعلى هذا ~~المنهاج يسلكون في إطلاق الأسامي وكذلك الواحد والعليم والقدير وينسب إلى ~~محمد بن علي الباقر أنه قال هل سمي عالما إلا أنه واهب العلم للعالمين وهل ~~سمي قادرا إلا لأنه واهب القدرة للقادرين وليس هذا قولا بالتعطيل فإنه لم ~~يمنع من إطلاق الأسامي والصفات كمن امتنع وقال ليس بمعدوم ولا موجود ولا ~~عالم ولا جاهل ولا قادر ولا عاجز ولكنه استدل بالقدرة في القادرين على أنه ~~قادر وبالعلم في العالمين على أنه عالم وبالحياة في الأحياء على أنه حي ~~قيوم واقتصر على ذلك من غير خوض في الصفات بأنها لذاته أو لمعاني قائمة ~~بذاته كيلا يكون متصرفا في جلاله بفكره العقلي وخياله الوهمي وقد اجتمع ~~السلف بل الأمة على أن ما دار في الوهم أو خطر في الخيال والفهم فالله ~~سبحانه خالقه ومبدعه ولا محمل لقول علي صلوات الله عليه وسلامه لا يوصف ~~بوصف إلا هذا الذي ذكرناه . PageV01P078 # | القاعدة السادسة في الأحوال # اعلم أن المتكلمين قد اختلفوا في الأحوال نفيا وإثباتا بعد أن أحدث أبو ~~هاشم بن الجباي رأيه فيها وما كانت المسئلة مذكورة قبله أصلا فأثبتها أبو ~~هاشم ونفاها أبوه الجباي وأثبتها القاضي أبو بكر الباقلاني رحمه الله بعد ~~ترديد الرأي فيها على قاعدة غير ما ذهب إليه ونفاها صاحب ms082 مذهبه الشيخ أبو ~~الحسن الأشعري وأصحابه رضي الله عنهم وكان إمام الحرمين من المثبتين في ~~الأول والنافين في الآخر والأحرى بنا أن نبين أولا ما الحال التي توارد ~~عليها النفي والإثبات وما مذهب المثبتين فيها وما مذهب النافين ثم نتكلم في ~~أدلة الفريقين ونشير إلى مصدر القولين وصوابهما من وجه وخطأيهما من وجه . ~~أما بيان الحال وما هو أعلم أنه ليس للحال حد حقيقي يذكر حتى نعرفها بحدها ~~وحقيقتها على وجه يشمل جميع الأحوال فإنه يودي إلى إثبات الحال للحال بل ~~لها ضابط وحاصر بالقسمة وهي تنقسم إلى ما يعلل وإلى ما لا يعلل وما يعلل ~~فهي أحكام لمعان قائمة بذوات وما لا يعلل فهو صفات ليس أحكاما للمعاني . ~~أما الأول فكل حكم لعلة قامت بذات يشترط في ثبوتها الحياة عند أبي هاشم ~~ككون الحي حيا عالما قادرا مريدا سميعا بصيرا لأن كونه حيا عالما يعلل ~~بالحياة والعلم في الشاهد فتقوم الحياة بمحل وتوجب كون المحل حيا وكذلك ~~العلم والقدرة والإرادة وكل ما يشترط في ثبوته الحياة وتسمى هذه الأحكام ~~أحوالا وهي صفات زائدة على المعاني التي أوجبتها وعند القاضي رحمه الله كل ~~صفة لموجود لا تتصف بالوجود فهي حال سواء كان المعنى الموجب مما يشترط في ~~ثبوته الحياة أو لم يشترط ككون الحي حيا وعالما وقادرا وكون المتحرك متحركا ~~والساكن ساكنا والأسود والأبيض إلى غير ذلك ولابن الجباي في المتحرك اختلاف ~~رأي وربما يطرد ذلك في الأكوان كلها ولما كانت البنية عنده شرطا في المعاني ~~التي تشترط في ثبوتها الحياة وكانت البنية في أجزائها PageV01P079 في حكم ~~محل واحد فتوصف بالحال وعند القاضي أبي بكر رحمه الله لا يوصف بالحال إلا ~~الجزء الذي قام به المعنى فقط وأما القسم الثاني فهو كل صفة إثبات لذات من ~~غير علة زائدة على الذات كتحيز الجوهر وكونه موجودا وكون العرض عرضا ولونا ~~وسوادا والضابط أن كل موجود له خاصية يتميز بها عن غيره فإنما يتميز بخاصية ~~هي حال وما تتماثل المتماثلات به وتختلف ms083 المختلفات فيه فهو حال وهي التي ~~تسمى صفات الأجناس والأنواع والأحوال عند المثبتين ليست موجودة ولا معدومة ~~ولا هي أشياء ولا توصف بصفة ما وعند ابن الجباي ليست هي معلومة على حيالها ~~وإنما تعلم مع الذات وأما نفاة الأحوال فعندهم الأشياء تختلف وتتماثل ~~لذواتها المعينة وأما أسماء الأجناس والأنواع فيرجع عمومها إلى الألفاظ ~~الدالة عليها فقط وكذلك خصوصها وقد يعلم الشيء من وجه ويجهل من وجه والوجوه ~~اعتبارات لا ترجع إلى صفات هي أحوال تختص بالذوات وهذا تقرير مذهب الفريقين ~~في تعريف الحال . أما أدلة الفريقين فقال المثبتون العقل يقضي ضرورة أن ~~السواد والبياض يشتركان في قضية وهي اللونية والعرضية ويفترقان في قضية وهي ~~السوادية والبياضية فما به الاشتراك غير ما به الافتراق أو غيره فالأول ~~سفسطة والثاني تسليم المسئلة . وقال النفاة السواد والبياض المعنيان قط لا ~~يشتركان في شيء هو كالصفة لهما بل يشتركان في شيء هو اللفظ الدال على ~~الجنسية والنوعية والعموم والاشتراك فيه ليس يرجع إلى صفة هي حال للسواد ~~والبياض فإن حالتي العرضين يشتركان في الحالية ولا يقتضي ذلك الاشتراك ثوب ~~حال للحال فإنه يؤدي إلى التسلسل فالعموم كالعموم والخصوص كالخصوص . قال ~~المثبتون الاشتراك والافتراق قضية عقلية وراء اللفظ وإنما صيغ اللفظ على ~~وفق ذلك ومطابقته ونحن إنما تمسكنا بالقضايا العقلية دون الألفاظ الوضعية ~~ومن اعتقد أن العموم والخصوص يرجعان إلى اللفظ المجرد فقد أنكر الحدود ~~العقلية للأشياء والأدلة القطعية على المدلولات والأشياء لو كانت تتمايز ~~بذواتها ووجودها بطل القول بالقضايا العقلية وحسم باب الاستدلال بشيء أولى ~~على شيء مكتسب متحصل وما لم يدرج في الأدلة العقلية عموما عقليا لم يصل إلى ~~العلم بالمدلول قط وما لم يتحقق في الحد شمولا بجميع المحدودات لم يصل إلى ~~العلم المحدود . PageV01P080 قال النافون الكلام على المذهب ردا وقبولا ~~إنما يصح بعد كون المذهب معقولا ونحن نعلم بالبديهة أن لا واسطة بين النفي ~~والإثبات ولا بين العدم والوجود وأنتم اعتقدتم الحال لا موجودة ولا معدومة ~~وهو متناقض بالبديهة ثم فرقتم ms084 بين الوجود والثبوت فأطلقتم لفظ الثبوت على ~~الحال ومنعتم إطلاق لفظ الوجود فنفس المذهب إذا لم يكن معقولا فكيف يسوغ ~~سماع الكلام والدليل عليه . ومن العجائب أن ابن الجباي قال لا توصف بكونها ~~معلومة أو مجهولة وغاية الاستدلال إثبات العلم بوجود الشيء فإذا لم يتصور ~~له وجود ولا تعلق العلم به بطل الاستدلال عليه وتناقض الكلام فيه . ثم ~~قالوا ما المعنى بقولكم الافتراق والاشتراك قضية عقلية إن عنيتم به أن ~~الشيء الواحد يعلم من وجه ويجهل من وجه فالوجوه العقلية اعتبارات ذهنية ~~وتقديرية ولا يقتضي ذلك صفات ثابتة لذوات وذلك كالنسب والإضافات مثل القرب ~~والبعد في الجوهرين فإن عنيتم بذلك أن الشيء الواحد تتحقق له صفة يشارك ~~فيها غيره وصفة يمايز بها غيره فهو نفس المتنازع فيه فإن الشيء الواحد ~~المعين لا شركة فيه بوجه والشيء المشترك العام لا وجود له البتة . وقولهم ~~إن نفي الحال يؤدي إلى حسم باب الحد والحقيقة والنظر والاستدلال بالعكس ~~أولي فإن إثبات الحال التي لا توصف بالوجود والعدم وتوصف بالثبوت دون ~~الوجود حسم باب الحد والاستدلال فإن غاية الناظر أن يأتي في نظره بتقسيم ~~دائر بين النفي والإثبات فينفي أحدهما حتى يتعين الثاني ومثبت الحال قد أتى ~~بواسطة بين الوجود والعدم فلم يفد التقسيم والإبطال علما ولا يتضمن النظر ~~حصول معرفة أصلا ثم الحد والحقيقة على أصل نفاة الأحوال عبارتان عن معبر ~~واحد فحد الشيء حقيقته وحقيقته ما اختص في ذاته عن سائر الأشياء ولكل شيء ~~خاصية بها يتميز عن غيره وخاصيته تلزم ذاته ولا تفارقه ولا يشترك فيها بوجه ~~وإلا بطل الاختصاص وأما العموم والخصوص في الاستدلال فقد بينا أنه راجع إلى ~~الأقوال الموضوعة لها ليربط شكلا بشكل ونظيرا بنظير والذات لا تشتمل على ~~عموم وخصوص البتة بل وجود الشيء وأخص وصفه واحد . قال المثبتون نحن لم نثبت ~~واسطة بين النفي والإثبات فإن الحال ثابته عندنا ولولا ذلك لما تكلمنا فيها ~~بالنفي والإثبات ولم نقل على الإطلاق أنه شيء ثابت على حياله موجود ms085 فإن ~~الموجود المحدث إما جوهر وإما عرض وهو ليس أحدهما بل هو صفة معقولة لهما ~~فإن الجوهر قد يعلم بجوهريته ولا يعلم بحيزه وكونه قابلا للعرض PageV01P081 ~~والعرض يعلم بعرضيته ولا يخطر بالبال كونه لونا أو كونا ثم يعرف كونه لونا ~~بعد ذلك ولا يعرف كونه سوادا أو بياضا إلا أن يعرف والمعلومان إذا تمايزا ~~في الشيء الواحد رجع التمايز إلى الحال وقد يعلم ضرورة من وجه ويعلم نظرا ~~من وجه كمن يعلم كون المتحرك متحركا ضرورة ثم يعلم بالنظر بعد ذلك كونه ~~متحركا بحركة ولو كان المعنيان واحدا لما علم أحدهما بالضرورة والثاني ~~بالنظر ولما سبق أحدهما إلى العقل وتأخر الآخر ومن أنكر هذا فقد جحد ~~الضرورة ونفاة الأعراض أنكروا أن الحركة عرضا زائدا على المتحرك وما أنكروا ~~كونه متحركا وأنتم معاشر النفاة وافقتمونا على أن الحركة علة لكون الجوهر ~~متحركا وكذلك القدرة والعلم وجميع الأعراض والمعاني والعلة توجب المعلول لا ~~محالة فلا يخلو إما أن توجب ذاتها وإما شيئا آخر وراء ذاتها ويستحيل أن ~~يقال توجب ذاتها فإن الشيء الواحد من وجه واحد يستحيل أن يكون موجبا وموجبا ~~لنفسه وإن أوجب أمرا آخرا فذلك الأمر إما ذات على حيالها أو صفة لذات ~~ويستحيل أن تكون ذاتا على حيالها فإنه يؤدي إلى أن تكون العلة بإيجابها ~~موجدة للذوات وتلك الذوات أيضا علل وهو محال فإنه يؤدي إلى التسلسل فيتعين ~~أنه صفة لذات وذلك هو الحال التي أثبتناها فالقسمة العقلية ألجأتنا إلى ~~إثباتها والضرورة حملتنا على أن لا نسميها موجودة على حيالها ومعلومة على ~~حيالها وقد يعلم الشيء مع غيره ولا يعلم على حياله كالتأليف بين الجوهرين ~~والمماسة والقرب والبعد فإن الجوهر الواحد لا يعلم فيه تأليف ولا مماسة ما ~~لم ينضم إليه جوهر آخر وهذا في الصفات التي هي ذوات وأعراض متصور فكيف في ~~الصفات التي ليست بذوات بل هي أحكام الذوات . وأما قولكم أنه راجع إلى وجوه ~~واعتبارات عقلية فنقول هذه الوجوه والاعتبارات ليست مطلقة مرسلة بل هي ~~مختصة ms086 بذوات فالوجوه العقلية لذات واحدة هي بعينها الأحوال فإن تلك الوجوه ~~ليست ألفاظا مجردة قائمة بالمتكلم بل هي حقائق معلومة معقولة لا أنها ~~موجودة على حيالها ولا معلومة بانفرادها بل هي صفات توصف بها الذوات فما ~~عبرتم عنه بالوجوه عبرنا عنه بالأحوال فإن المعلومين قد تمايزا وإن كانت ~~الذات متحدة وتمايز المعلومين يدل على تعدد الوجهين والحالين وذلك معلومان ~~محققان تعلق بهما علمان متمايزان أحدهما ضروري والثاني مكتسب وليس ذلك ~~كالنسب والإضافات فإنها ترجع إلى ألفاظ مجردة ليس فيها علم محقق متعلق ~~بمعلوم محقق . وقولهم الشيء الواحد لا شركة فيه والمشترك لا وجود له باطل ~~فإن الشيء PageV01P082 المعين من حيث هو معين لا شركة فيه وهذه الصفات التي ~~أثبتناها ليست معينة مخصصة بل هي صفات يقع بها التخصيص والتعيين ويقع فيها ~~الشمول والعموم وهو من القضايا الضرورية كالوجوه عندكم ومن رد التعميم ~~والتخصيص إلى مجرد الألفاظ فقد أبطل الوجوه والاعتبارات العقلية أليست ~~العبارات تتبدل لغة فلغة وحالة فحالة وهذه الوجوه العقلية لا تتبدل بل ~~الذوات ثابتة عليها قبل التعبير عنها بلفظ عام وخاص على السواء ومن ردها ~~إلى الاعتبارات فقد ناقض وردها إلى العبارات فإن الاعتبارات لا تتبدل ولا ~~تتغير بعقل وعقل والعبارات تتبدل بلسان ولسان وزمان وزمان . وقولهم حد ~~الشيء وحقيقته وذاته عبارات عن معبر واحد والأشياء إنما تتميز بخواص ذواتها ~~ولا شركة في الخواص . قال المثبت هب أن الأمر كذلك لكن خاصية كل شيء معين ~~غير وخاصية كل نوع محقق غير وأنتم لا تحدون جوهرا بعينه على الخصوص بل ~~تحدون الجوهر من حيث هو جوهر على الإطلاق فقد أثبتم معنى عاما يعم الجواهر ~~وهو التحيز مثلا وإلا لكان كل جوهر على حالة محتاجا إلى حد على حياله ولا ~~يجوز أن يجري حكم جوهر في جوهر من التحيز وقبول الأعراض والقيام بالنفس ~~فإذا لم نجد بدا من أدراج أمر عام في الحد وذلك يبطل قولكم أن الأشياء إنما ~~تتمايز بذواتها ويصح قولنا أن الحدود لا تستغني عن عمومات ألفاظ ms087 تدل على ~~صفات عموم الذوات وصفات خصوص وتلك أحوال لها ووجوه واعتبارات عقلية أو ما ~~شئت فسمها بعد الاتفاق على المعاني والحقائق . قال النافون غاية تقريركم في ~~إثبات الحال هو التمسك بعمومات وخصوصات ووجوه عقلية واعتبارات أما العموم ~~والخصوص فمنتقض عليكم بنفس الحال فإن لفظ الحال يشمل جنس الأحوال وحال هي ~~صفة لشيء تخص ذلك الشيء لا محالة فلا يخلو إما أن يرجع معناه إلى عبارة تعم ~~وعبارة تخص فخذوا منا في سائر العبارات العامة والخاصة كذلك وإما أن ترجع ~~إلى معنى آخر وراء العبارة فيؤدي إلى إثبات الحال للحال وذلك محال ولا يغني ~~عن هذا الإلزام قولكم الصفة لا توصف فإنكم أول من أثبت للصفة صفة حيث جعلتم ~~الوجود والعرضية واللونية والسوادية أحوالا للسواد فإذا أثبتم للصفات صفات ~~فهلا أثبتم للأحوال أحوالا وأما الوجوه والاعتبارات فقد تتحقق في الأحوال ~~أيضا فإن الحال العام غير والحال الخاص غير وهما اعتباران في الحال وحال ~~يوجب أحوالا غير وحال هي موجبة الحال غير أليس قد أثبت أبو هاشم حالا ~~للباري سبحانه توجب كونه عالما قادرا والعالمية والقادرية حالتان فحال توجب ~~وحال هي غير موجبة مختلفتان في PageV01P083 الاعتبار واختلاف الاعتبارين لا ~~يوجب اختلاف الحالين للحال . هذا من الإلزامات المفحمة ومن جملتها أخرى وهي ~~أن الوجود في القديم والحادث والجوهر والعرض عندهم حال لا يختلف البتة بل ~~وجود الجوهر في حكم وجود العرض على السواء فيلزمهم على ذلك أمران منكران ~~إبهام شيء واحد في شيئين مختلفين أو شيئان مختلفان في شيء واحد وواحد في ~~اثنين واثنان في واحد محال أما أحدهما أن شيئا واحدا كيف يتصور في شيئين ~~فإن حال الوجود من حيث هو وجود واحد ومن بدايه العقول أن الشيء الواحد لا ~~يكون في شيئين مها بل في جميع الموجودات على السواء وفي ما لم يوجد بعد ~~لكنه سيوجد على السواء وهو من أمحل المحال . والمنكر الثاني إذا كان الوجود ~~حالا واحدا واجتمعت فيه أجناس وأنواع وأصناف فيلزم أن تتحد المتكثرات ~~المختلفة فيه ms088 ولزم تبدل الأجناس من غير تبدل وتغير في الوجود أصلا وذلك ~~كتبدل الصورة بعضها ببعض في الهيولي عند الفلاسفة من غير تبدل في الهيولي ~~وذلك التمثيل أيضا غير سديد فإن الهيولي عندهم لا تعري عن الصورة إلا أن من ~~الصور ما هو لازم للهيولي كالأبعاد الثلاثة ومنها ما يتبدل كالأشكال ~~والمقادير المختلفة والأوضاع والكيفيات وبالجملة وجود مجرد مطلق عام غير ~~مختلف كيف يتصور وجوده وما محله فإن كان الجوهر محلا له فقد بطل عمومه ~~العرض فإن عنيتم العرض فقد بطل عمومه الجوهر وإن لم يكن ذا محل وهو من أمحل ~~المحال . وعن هذه المطالبة الحاقة يلوح الحق ولا نبوح به لأنا بعد في مدارج ~~أقوال الفريقين فيقول النافي كيف يتصور وجود على الحقيقة التي لا تتبدل ولا ~~تتغير وإنما تتغير أنواعه بعضها إلى بعض فيصير الجوهر عرضا والعرض جوهرا ~~والوجود لا يختلف وذلك تجويز قلب الأجناس فالأول سريان الوجود الواحد في ~~أجناس وأنواع مختلفة والثاني اتحاد أنواع وأجناس مختلفة في وجود واحد . ~~وقال المثبتون إلزام الحال علينا نقضا غير متوجه فإن العموم والخصوص في ~~الحال كالجنسية والنوعية في الأجناس والأنواع فإن الجنسية في الأجناس ليس ~~جنسا حتى يستدعي كل جنس جنسا ويودي إلى التسلسل وكذلك النوعية في الأنواع ~~ليست نوعا حتى يستدعي كل نوع نوعا فكذلك الحالية للأحوال لا تستدعي حالا ~~فيؤدي إلى التسلسل وليس يلزم على من يقول الوجود عام أن يقول للعام عام ~~وكذلك لو قال العرضية جنس فلا يلزمه أن يقول للجنس جنس وكذلك لو فرق فارق ~~بين حقيقة الجنس والنوع وفصل أحدهما عن الثاني بأخص وصف لم يلزمه أن يثبت ~~اعتبارا عقليا في الجنس هو كالجنس ووجها عقليا هو كالنوع فلا يلزم الحال ~~علينا بوجه لا من حيث العموم والخصوص ولا من حيث الاعتبار والوجه وأنتم ~~معاشر PageV01P084 النفاة لا يمكنكم أن تتكلموا بكلمة واحدة إلا وإن تدرجوا ~~فيها عموما وخصوصا ألستم تنفون الحال ولم تعينوا حالا بعينها هي صفة مخصوصة ~~مشار إليها بل أطلقتم القول وعممتم ms089 النفي وأقمتم الدليل على جنس شمل أنواعا ~~أ ، على نوع عم أشخاصا حتى استمر دليلكم ومن نفى الحال لا يمكنه إثبات ~~التماثل في المتماثلات وإجراء حكم واحد فيها جميعا فلو كانت الأشياء تتمايز ~~بذواتها المعينة بطل التماثل وبطل الاختلاف وذلك خروج عن قضايا العقول . ~~وأما قولكم الوجود لو كان واحدا متشابها في جميع الموجودات لزم حصول شيء في ~~شيئين أو شيئين في شيء . فنقول يلزمكم في الاعتبارات والوجوه العقلية ما ~~لزمنا في الوجود والحال فإن الوجه كالحال والحال كالوجه ولا ينكر منكر أن ~~الوجود يعم الجوهر والعرض لا لفظا مجردا بل معنى معقولا ومن قال كل موجود ~~إنما يمايز موجودا آخر بوجوده لم يمكنه أن يجري حكم موجود في موجود آخر حتى ~~أن من أثبت الحدوث لجوهر معين لم يتيسر له إثبات الحدوث لجوهر آخر بذلك ~~الدليل بعينه بل لزمه أن يفهم على كل جوهر دليلا خاصا وعلى كل عرض دليلا ~~خاصا ولا يمكنه أن يقسم تقسيما في المعقولات أصلا لأن التقسيم إنما يتحقق ~~بعد الاشتراك في شيء والاشتراك إنما يتصور بعد الاختصاص بشيء ومن قال هذا ~~جسم مؤلف فقد حكم على جسم معين بالتأليف لم يلزمه جريان هذا الحكم في كل ~~جسم ما لم يقل كل جسم مؤلف ولو اقتصر على هذا أيضا لم يفض إلى العلم بحدوث ~~كل جسم ما لم يقل وكل مؤلف محدث حتى يحصل العلم بأن كل جسم محدث فأخذ ~~الجسمية عامة والتأليف عاما واستدعا التأليف للحدوث عاما حتى لزمه الحكم ~~بحدوث كل جسم مؤلف عاما فمن قال الأشياء تتمايز بذواتها المعينة كيف يمكنه ~~أن يجري حكما في محكوم خاص فألزمتمونا قلب الأجناس وألزمناكم رفع الأجناس ~~ودعوتمونا إلى المحسوس ودعوناكم إلى المعقول وأفحتمونا بإثبات واحد في ~~اثنين واثنين في واحد وأفحمناكم بنفي الواحد في الاثنين والدليل متعارض ~~والدست قائم فمن الحاكم . قال الحاكم المشرف على نهاية إقدام الفريقين أنتم ~~معاشر النفاة أخطأتم من PageV01P085 وجهين من حيث رددتم العموم والخصوص إلى ~~الألفاظ المجردة وحكمتم بأن الموجودات ms090 المختلفة تختلف بذواتها ووجودها ~~فكلامكم هذا ينقض بعضه بعضا ويدفع آخره أوله وهذا إنكار لأخص أوصاف العقل ~~أليس هذا الرد حكما عاما على كل عام وخاص بأنه راجع إلى اللفظ المجرد أليست ~~الألفاظ لو رفعت من البين لم ترتفع القضايا العقلية حتى البهائم التي لا ~~نطق لها ولا عقل لم تعدم هذه الهداية فإنها تعلم بالفطرة ما ينفعها من ~~العشب فتأكل ثم إذا رأت عشبا آخر يماثل ذلك الأول ما اعتراها ريب في أنه ~~مأكول كالأول فلولا أنها تخيلت من الثاني عين حكم الأول وهو كونه مأكولا ~~وإلا لما أكلت وتعرف جنسها فتألف به وتعرف ضدها فتهرب منه ولقد صدق ~~المثبتون عليكم أنكم حسمتم على أنفسكم باب الحد وشموله للمحدودات وباب ~~النظر وتضمنه للعلم . وأنا أقول لا بل حسمتم على العقول باب الإدراك وعلى ~~الألسن باب الكلام فإن العقل يدرك الإنسانية كلية عامة لجميع نوع الإنسان ~~مميزة عن الشخص المعين المشار إليه وكذلك العرضية كلية عامة لجميع أنواع ~~الأعراض من غير أن يخطر بباله اللونية والسوادية وهذا السواد بعينه وهذا ~~مدرك بضرورة العقل وهو مفهوم العبارة متصور في العقل لا نفس العبارة إذ ~~العبارة تدل على معنى في الذهن محقق هو مدلول العبارة والمعبر عنه لو تبدلت ~~العبارة عربية وعجمية وهندية ورومية لم يتبدل المعنى المدلول ثم ما من كلام ~~تام إلا ويختص معنى عاما فوق الأعيان المشار إليها بهذا وتلك المعاني ~~العامة من أخص أوصاف النفوس الإنسانية فمن أنكرها خرج عن حدود الإنسانية ~~ودخل في حريم البهيمة بل هم أضل سبيلا . وأما الخطأ الثاني وهو رد التمييز ~~بين الأنواع إلى الذوات المعينة وذلك من أشنع المقالات فإن الشيء إنما ~~يتميز عن غيره بأخص وصفه . قيل له أخص وصف نوع الشيء غير وأخص وصف الذات ~~المشار إليها غير فإن الجوهر يتميز عن العرض بالتحيز مطلقا إطلاقا نوعيا لا ~~معينا تعيينا شخصيا والجوهر المعين إنما يمتاز عن جوهر معين بتحيز مخصوص لا ~~بالتحيز المطلق وقط لا يمتاز جوهر معين عن عرض ms091 معين بتحيز مخصوص إذ الجنس ~~لا يميز الوصف عن الموصوف والعرض عن الجوهر والعقل إنما يميز بمطلق التحيز ~~فعرف أن الذوات إنما تتمايز بعضها عن بعض تمايزا جنسيا نوعيا لا بأعم ~~صفاتها كالوجود بل بأخص أوصافها بشرط أن تكون كلية عامة ولو أن الجوهر مايز ~~العرض بوجوده كما مايزه بتحيزه لحكم على العرض بأنه متحيز وعلى الجوهر بأنه ~~محتاج إلى التحيز لأن الوجود PageV01P086 والتحيز واحد فما به يفترقان هو ~~بعينه ما فيه يشتركان وما به يتماثلان وهو بعينه ما فيه يختلفان ويرتفع ~~التماثل والاختلاف والتضاد رأسا ويلزم أن لا يجري حكم مثل في مثل حتى لو ~~قام الدليل على حدوث جوهر بعينه كان هو محدثا ويحتاج إلى دليل آخر في مثل ~~ذلك الجوهر ويلزم أن لا يسلب حكم ضد عن ضد وخلاف عن خلاف حتى لو حكم على ~~الجوهر بأنه قابل للعرض لم يسلب هذا الحكم عن العرض إذ لا تماثل ولا اختلاف ~~ولا تضاد وارتفع العقل والمعقول وتعدد الحس والمحسوس . وأما وجه خطأ ~~المثبتين للحال فهو أنهم أثبتوا لموجود معين مشار إليه صفات مختصة به وصفات ~~يشاركه فيها غيره من الموجودات وهو من أمحل المحال فإن المختص بالشيء ~~المعين والذي يشاركه فيه غيره واحد بالنسبة إلى ذلك المعين فوجود عرض معين ~~وعرضيته ولونيته وسواديته عبارات عن ذلك المعين المشار إليه فإن الوجود إذا ~~تخصص بالعرضية فهو بعينه عرض والعرضية إذا تخصصت باللونية فهي بعينها لون ~~وكذلك اللونية بالسوادية والسوادية بهذا السواد المشار إليه فليس من ~~المعقول أن توجد صفة لشيء واحد معين وهي بعينها توجد لشيء آخر فتكون صفة ~~معينة في شيئين كسواد واحد في محلين وجوهر واحد في مكانين ثم لا يكون ذلك ~~في الحقيقة عموما وخصوصا فإن مثل هذا ليس يقبل التخصيص إذ يكون خاصا في كل ~~محل فلا يكون البتة عاما وإذا لم يكن عاما لم يكن خاصا أيضا فيتناقض المعنى ~~. والخطأ الثاني أنهم قالوا الحال لا يوصف بالوجود ولا بالعدم والوجود ~~عندهم حال فكيف يصح ms092 أن يقال الوجود لا يوصف بالوجود وهل هو إلا تناقض في ~~اللفظ والمعنى وما لا يوصف بالوجود والعدم كيف يجوز أن يعم أصنافا وأعيانا ~~لأن العموم والشمول يستدعي أولا وجودا محققا وثبوتا كاملا حتى يشمل ويعم أو ~~يعين ويخص وأيضا فهم أثبتوا العلة والمعلول ثم قالوا العلة توجب المعلول ~~وما ليس بموجود كيف يصير موجبا وموجبا فالعلمية عندهم حال والعالمية عندهم ~~أيضا حال فالموجب حال والموجب حال والحال لا يوجب الحال لأن ما لا يتصف ~~بالوجود الحقيقي لا يتصف بكونه موجبا . الخطأ الثالث أنا نقول معاشر ~~المثبتين كل ما أثبتموه في الوجود هو حال عندكم فأرونا موجودا في الشاهد ~~والغائب هو ليس بحال لا يوصف بالوجود والعدم فإن الوجود الذي هو الأعم ~~الشامل للقديم والحادث عندكم حال والجوهرية والتحيز PageV01P087 وقبوله ~~العرض كلها أحوال فليس على مقتضى مذهبكم شيء ما في الوجود هو ليس بحال وإن ~~أثبتم شيئا وقلتم هو ليس بحال فذلك الشيء يشتمل على عموم وخصوص والأخص ~~والأعم عندكم حال فإذا لا شيء إلا لا شيء ولا وجود إلا لا وجود وهذا من ~~أمحل ما يتصور . فالحق في المسئلة إذا أن الإنسان يجد من نفسه تصور أشياء ~~كلية عامة مطلقة دون ملاحظة جانب الألفاظ ولا ملاحظة جانب الأعيان ويجد من ~~نفسه اعتبارات عقلية لشيء واحد وهي إما أن ترجع إلى الألفاظ المحددة وقد ~~أبطلناه وإما أن ترجع إلى الأعيان الموجودة المشار إليها وقد زيفناه فلم ~~يبق إلا أن يقال هي معان موجودة محققة في ذهن الإنسان والعقل الإنساني هو ~~المدرك لها ومن حيث هي كلية عامة لا وجود لها في الأعيان فلا موجود مطلقا ~~في الأعيان ولا عرض مطلقا ولا لون مطلقا بل هي الأعيان بحيث يتصور العقل ~~منها معنى كليا عاما فتصاغ له عبارة تطابقه وتنص عليه ويعتبر العقل منها ~~معنى ووجها فتصاغ له عبارة حتى لو طاحت العبارات أو تبدلت لم تبطل المعنى ~~المقدر في الذهن المتصور في العقل فنفاة الأحوال أخطئوا من حيث ردها إلى ~~العبارات ms093 المجردة وأصابوا حيث قالوا ما ثبت وجوده معينا لا عموم فيه ولا ~~اعتبار ومثبتو الأحوال أخطئوا من حيث ردوها إلى صفات في الأعيان وأصابوا من ~~حيث قالوا هي معان معقولة وراء العبارات وكان من حقهم أن يقولوا هي موجودة ~~متصورة في الأذهان بدل قولهم لا موجودة ولا معدومة وهذه المعاني مما لا ~~ينكرها عاقل من نفسه غير أن بعضهم يعبر عنها بالتصور في الأذهان وبعضهم ~~يعبر عنها بالتقدير في العقل وبعضهم يعبر عنها بالحقائق والمعاني التي هي ~~مدلولات العبارات والألفاظ وبعضهم يعبر عنها بصفات الأجناس والأنواع ~~والمعاني إذا لاحت للعقول واتضحت فليعبر المعبر عنها بما يتيسر له فالحقائق ~~والمعاني إذا ذات اعتبارات ثلاث اعتبارها في ذواتها وأنفسها واعتبارها ~~بالنسبة إلى الأعيان واعتبارها بالنسبة إلى الأذهان وهي من حيث هي موجودة ~~في الأعيان يعرض لها أن تتعين وتتخصص وهي من حيث هي متصورة في الأذهان يعرض ~~لها أن تعم وتشمل فهي باعتبار ذواتها في أنفسها حقائق محضة لا عموم فيها ~~ولا خصوص ومن عرف الاعتبارات الثلاث زال إشكاله في مسئلة الحال ويبين له ~~الحق في مسئلة المعدوم هل هو شيء أم لا والله الموفق . PageV01P088 # | القاعدة السابعة في المعدوم هل هو شيء أم لا وفي الهيولي وفي الرد على ~~من أثبت الهيولي بغير صورة الوجود # والشيء أعرف من أن يحد بحد أو يرسم برسم لأنه ما من لفظ يدرجه في تحديد ~~الشيء إلا وهو أخفى من الشيء والشيء أظهر منه وكذلك الوجود ولو أدرجت في ~~التحديد ما أو الذي أو هو فذلك عبارة عن الوجود والشيئية فتعريفه بشيء آخر ~~محال ولأن الشيء المعرف به أخص من الشيئية والوجود وهما أعم من ذلك الشيء ~~فكيف يعرف شيئا بما هو أخص منه وأخفى منه ومن حد الشيء أنه الموجود فقد ~~أخطأ فإن الوجود والشيئية سيان في الخفا والجلا ومن حده ما يصح أن يعلم ~~ويخبر عنه فقد أخطأ فإنه أدرج لفظ ما في الحدود ومعناه أنه الشيء الذي يعلم ~~فقد عرفه بنفسه لعمري قد ms094 يختلف الاصطلاح والمواضعة فالأشعرية لا يفرقون بين ~~الوجود والثبوت والشيئية والذات والعين والشحام من المعتزلة أحدث القول بأن ~~المعدوم شيء وذات وعين وأثبت له خصائص المتعلقات في الوجود مثل قيام العرض ~~بالجوهر وكونه عرضا ولونا وكونه سوادا وبياضا وتابعه على ذلك أكثر المعتزلة ~~غير أنهم لم يثبتوا قيام العرض بالجوهر ولا التحيز للجوهر ولا قبوله للعرض ~~وخالفه جماعة فمنهم من لم يطلق إلا اسم الشيئية ومنهم من امتنع من هذا ~~الإطلاق أيضا مثل أبي الهذيل وأبي الحسين البصري ومنهم من قال الشيء هو ~~القديم وأما الحادث فيسمى شيئا بالمجاز والتوسع وصار جهم بن صفوان إلى أن ~~الشيء هو المحدث والباري سبحانه مشى الأشياء . PageV01P089 قال نفاة ~~الشيئية عن العدم قد تقرر في أوائل العقول أن النفي والإثبات يتقابلان ~~والمنفي والمثبت يتقابلان تقابل التناقض حتى ا نفيت شيئا معينا في حال ~~مخصوص بجهة مخصوصة لم يمكنك إثباته على تلك الحال وتلك الجهة المخصوصة ومن ~~أنكر هذه القضية فقد أنكر هذه الحقائق كلها وإذا كان المنفي ثابتا على أصل ~~من قال أن المعدوم شيء فقد رفع هذه القضية أصلا وكان كمن قال لا معقول ولا ~~معلوم إلا الثبوت فحسب وذلك خروج عن القضايا الأولية وتحديد ذلك أن كل ~~معدوم منفي وكل منفي ليس بثابت فكل معدوم ليس بثابت . قال من أثبت المعدوم ~~شيئا كما تقرر في العقل تقابل النفي والإثبات فقد تقرر أيضا تقابل الوجود ~~والعدم فنحن وفرنا على كل تقسيم عقلي حظه وقلنا أن الوجود والثبوت لا ~~يترادفان على معنى واحد والمعدوم والمنفي كذلك . قالت النفاة الآن صرحتم ~~بالحق حيث ميزتم بين قسم وقسم فالثبوت عندكم أعم من الوجود فإن الثبوت يشمل ~~الموجود والمعدوم فهلا قلتم في المقابل كذلك وإن المنفي أعم من المعدوم حتى ~~يكون صفة عمومة حالا أو وجها للمنفي ثابتا كما كان صفة خصوص المعدوم حالا ~~للمعدوم أو وجها ثابتا فيتحقق أمر ثابت ويرتفع المقابل العقلي وإن لم ~~يثبتوا فرقا بين المنفي والمعدوم ثم قالوا كل معدوم شيء ثابت ms095 لزمهم أن ~~يقولوا كل منفي شيء ثابت فرجع الإلزام عليهم رجوعا ظاهرا وهو رفع التقابل ~~بين النفي والإثبات . قال المثبتون إذا حققتم الكلام في النفي والإثبات ~~والموجود والمعدوم وميزتم بين الخصوص والعموم فيه عاد الإلزام عليكم متوجها ~~من وجهين أحدهما أنكم أثبتم في المعدوم خصوصا وعموما أيضا حتى قلتم منه ما ~~هو واجب كالمستحيل ومنه ما هو جائز كالممكن ومنه ما يستحيل لذاته كالجمع ~~بين المتضادين ومنه ما يستحيل لغيره كخلاف المعلوم فهذه التقسيمات قد وردت ~~على المعدوم فأخذتم المعدومية عامة وخصصتم بهذه الخصائص فلولا أن المعدوم ~~شيء ثابت وإلا لما تحقق فيه العموم والخصوص ولما تحقق التميز بين قسم وقسم ~~. والوجه الثاني أنكم اعترفتم بأن المنفي والمعدوم معلوم وقد أخبرتم عنه ~~وتصرفتم بأفكاركم فيه فما متعلق العلم وما معنى التعلق إذا لم يكن شيئا ~~ثابتا أصلا . قالت النفاة نحن لا نثبت في العدم خصوصا وعموما بل الخصوص ~~والعموم فيه راجع إلى اللفظ المجرد وإلى التقدير في العقل بل العلم لا ~~يتعلق بالمعدوم من حيث هو معدوم إلا على تقدير الوجود فالعدم المطلق يعلم ~~ويعقل على تقدير الوجود المطلق في PageV01P090 مقابلة العدم المخصوص أعني ~~عدم شيء بعينه فأما أن يشار إلى موجود محقق فيقال عدم هذا الشيء وإما أن ~~يقدر في العقل فيقال عدم ذلك المقدر كالقيامة تقدر في العقل ثم تنفى في ~~الحال أو تثبت في المآل فالعدم إذا لا يخص ولا يعم ولا يعلم من غير وجود أو ~~تقدير وجود فكان العلم يتعلق بالموجود ثم من ضرورته أن يصير عدم ذلك الشيء ~~معلوما فيخبر عنه بأنه منفي ويعبر عنه أنه ليس بشيء في الحال وإن كان شيئا ~~في ثاني الحال على أنا نلزمكم الوجود نفسه والصفات التابعة للوجود عندكم ~~مثل التحيز للجوهر وقبوله للعرض وقيامه بالذات ومثل احتياج العرض إلى ~~الجوهر وقيامه به فنقول الوجود منفي من الجواهر أم ثابت فإن كان ثابتا فهو ~~تصريح بقدر العالم وتقرير أن لا إبداع ولا اختراع ولا أثر لقادرية الباري ~~سبحانه ms096 وتعالى أصلا وإن كان منفيا فكل منفي عندكم معدوم وكل معدوم ثابت ~~فعاد الإلزام عليكم جذعا . ونقول قد قام الدليل على أن الباري سبحانه أوجد ~~العالم بجواهره وإعراضه فيقال أوجد عينها وذاتها أم غير ذاتها فإن قلتم ~~أوجد ذاتها وعينها فالعين والذات ثابتة في العدم عندكم وهما صفتان ذاتيتان ~~لا تتعلق بهما القدرة والقادرية ولا هي من آثارهما وإن قلتم أوجد غيرها ~~فالكلام في ذلك الغير كالكلام فيما نحن فيه . قال المثبتون أما قولكم في ~~العلم يتعلق بالوجود أو بتقدير الوجود فإنه ينتقض بعلم الباري سبحانه بعدم ~~العالم في الأزل فإنه لا وجود للعالم في الأزل ولا تقدير الوجود من وجهين ~~أحدهما أن تقدير العالم في الأزل محال والثاني أن التقدير من الباري سبحانه ~~محال فإنه ترديد الفكر بوجود شيء وعدمه فإن قدر في ذاته فهو محال وإن فعل ~~فعلا سماه تقديرا فهو محال في الأزل ولا بد للعلم من متعلق وهو معلوم محقق ~~فوجب أن يكون شيئا ثابتا . وقولكم العلم يتعلق بوجود الشيء في وقت وجوده ثم ~~يلزم من ضرورته العلم بعدمه قبل وجوده يلزمكم حصر العلم في معلومات هي ~~موجودات والموجودات متناهية فيجب تناهي المعلومات وأنتم لا تقولون به ثم ~~تلك اللوازم إن كانت معلومة فهي كالموجودات على السواء في تعلق العلم بها ~~وإن لم تكن معلومة فقد تناهى العلم والمعلومات . وأما قولكم أن الوجود منفي ~~أم ثابت فعلى أصلنا الوجود منفي وليس بثابت وليس كل منفي ومعدوم عندنا ~~ثابتا فإن المحالات منفيات ومعدومات وليست أشياء ثابتة بل سر مذهبنا أن ~~الصفات الذاتية للجواهر والأعراض هي لها لذواتها لا تتعلق بفعل الفاعل ~~وقدرة القادر إذ أمكننا أن نتصور الجوهر جوهرا أو عينا وذاتا PageV01P091 ~~والعرض عرضا وذاتا وعينا ولا يخطر ببالنا أنه أمر موجود مخلوق بقدرة القادر ~~والمخلوق والمحدث إنما يحتاج إلى الفاعل من حيث وجوده إذا كان في نفسه ممكن ~~الوجود والعدم وإذا ترجح جانب الوجود احتاج إلى مرجح فلا أثر للفاعل ~~بقادريته أو قدرته إلا في الوجود ms097 فحسب فقلنا ما هو له لذاته قد سبق الوجود ~~وهو جوهريته وعرضيته فهو شيء وما هو له بقدرة القادر هو وجوده وحصوله وما ~~هو تابع لوجوده فهو تحيزه وقبوله للعرض وهذه قضايا عقلية ضرورية لا ينكرها ~~عاقل . وعلى هذه القاعدة يخرج الجواب عن أثر الإيجاد فإن تأثير القدرة في ~~الوجود فقط والقادر لا يعطيه إلا الوجود والممكن في ذاته لا يحتاج إلى ~~القادر إلا من جهة الوجود ألسنا نقول إن إمكان الممكن من حيث إمكانه أمر ~~لذاته وهو من هذا الوجه غير محتاج إلى الفاعل وليس للفاعل جعله ممكنا لكن ~~من حيث ترجيح أحد طرفي الإمكان كان محتاجا إلى الفاعل فعلم يقينا أن الأمور ~~الذاتية لا تنسب إلى الفاعل بل ما يعرض لها من الوجود والحصول ينسب إلى ~~الفاعل ونقول أن الفاعل إذا أراد إيجاد جوهر فلا بد أن يتميز الجوهر ~~بحقيقته عن العرض حتى يتحقق القصد إليه بالإيجاد وإلا فالجوهر والعرض في ~~العدم إذا كان لا يتميز أحدهما عن الثاني بأمر ما وحقيقة ما وذلك الأمر ~~والحقيقة لم يكن شيئا ثابتا لم يتجرد القصد إلى الجوهر دون العرض وإلى ~~الحركة دون السكون والبياض دون السواد إلى غير ذلك والتخصيص بالوجود إنما ~~يتصور إذا كان المخصص معينا مميزا عند المخصص حتى لا يقع جوهر بدل عرض ولا ~~حركة بدل سكون ولا بياض بدل سواد فعلم بذلك أن حقائق الأجناس والأنواع لا ~~تتعلق بفعل الفاعل وأنها في ذواتها إن لم تكن أشياء منفصلة لم يتصور ~~الإيجاد والاختراع ولكان حصول الكائنات على اختلافها اتفاقا وبختا . قالت ~~النفاة العلم الأزلي يتعلق بالمعلومات كلها كما هي فيتعلق بوجود العالم حتى ~~يتحقق له الوجود ويتعلق باستحالة وجوده أزلا وجواز وجوده قبل وجوده لكن ~~المتعلق الحقيقي هو الوجود وسائر المعلومات من ضرورة ذلك التعلق ولا يستدعي ~~ذلك التعلق في حق الباري سبحانه تقديرا وهميا وترديدا خياليا هذا كمن عرف ~~وحدانية الباري سبحانه وتعالى في الإلهية عرف إنما سواه ليس بإلاه ولا ~~يستدعي تعدد علوم بكل مخلوق ms098 أنه ليس بإلاه ومن عرف أن زيدا في الدار عرف ~~أنه ليس بموضع آخر سواها ولا يستدعي ذلك أن يتعدد علمه بأنه ليس في دار عمر ~~وبكر وخالد بل يقع ذلك معلوما لزوما ضرورة ومثل هذه المعلومات لا تتناهى ~~ويستحيل أن يقال هذه المعلومات أشياء ثابتة حتى يكون عدم زيد في مكان كذا ~~أو عدم كل PageV01P092 جوهر في حيز كذا أو عدم كل عرض في محل كذا إلى ما لا ~~يتناهى أشياء ثابتة في العدم فإن ذلك خروج عن قضايا العقل وتيه في مفازة ~~الجهل وأما إلزام الوجود من حيث هو وجود والتحيز وقبول العرض وجميع الصفات ~~التابعة للحدوث فمتوجه والاعتذار بأنه منفي وليس بثابت ولا شيء نقض صريح ~~لمذهبهم فإن كل معلوم أمكن الإخبار عنه وتعلق العلم به فهو شيء ثابت عندهم ~~ويا ليت شعري إذا لم يمكن الإخبار عن الوجود ولم يمكن تعلق العلم به فعن أي ~~شيء يخبر وعن أي شيء يعلم وليس ذلك كالمحال الذي تمثلوا به على أن المحالات ~~مما يعلم ويخبر عنها فهلا كانت أشياء حتى يلزم أن يكون عدم الإلهية أشياء ~~ما والعالم بما فيه من الجواهر والأعراض أشياء ثابتة في الأزل وكما لا ~~تتناهى المعلومات لا تتناهى الأشياء بأجناسها وأنواعها وأصنافها والعياذ ~~بالله من مذهب هذا مآله وأما كلامكم في الصفات الذاتية أنها لا تحصل بفعل ~~الفاعل وإنما الوجود من حيث هو وجود متعلق القدرة فشيء ما سمعوه ولم يفهموه ~~وما أحسنوا إيراده لأنهم لم يتحققوا إصداره . وأجابت النفاة بأن قالوا وجود ~~الشيء وعينه وذاته وجوهريته وعرضيته عندنا عبارات عن معبر واحد وما أوجده ~~الموجد فهو ذات الشيء والقدرة تعلقت بذاته كما تعلقت بوجوده وأثرت في ~~جوهريته كما أثرت في حصوله وحدوثه والتميز بين الوجود وبين الشيئية مما لا ~~يؤل إلى معنى ومعنى بل إلى لفظ ولفظ وهم على اعتقاد أن الأجناس والأنواع ~~والعموم والخصوص فيها راجع إلى الألفاظ المجردة أو الوجوه العقلية ~~والتقديرات الوهمية وألزموا عليهم الصفات التابعة للحدوث كالتحيز وقبول ms099 ~~العرض وقيام العرض بالمحل فإنها ليست من آثار القدرة ثم لم يثبتوها قبل ~~الحدوث فهلا قالوا الصفات الذاتية كلها تتبع الحدوث أيضا وربما عكسوا عليهم ~~الأمر في التابع والمتبوع وألزموهم القول بأن التحيز يقع بالقدرة والوجود ~~يتبعه . وأجابوا عن سؤال التخصيص والتمييز بالمعارضة وهو أن الجواهر ~~والأعراض لو ثبتت في العدم بغير نهاية لما تحقق القصد إلى بعضها بالتخصيص ~~وليس يندفع الإشكال بهذا الجواب بل يزيده قوة ولزوما . والحق أن هذه ~~المسئلة مبنية على مسئلة الحال وقد دارت رؤوس المعتزلة في هاتين المسئلتين ~~على طرفي نقيض فتارة يعبرون عن الحقائق الذاتية في الأجناس والأنواع ~~بالأحوال وهي صفات وأسماء ثابتة للموجودات لا توصف بالوجود ولا بالعدم ~~وتارة يعبرون عنها بالأشياء وهي أسماء وأحوال ثابتة للمعدومات لا تخص ~~بالأخص ولا تعم بالأعم وذلك أنهم سمعوا كلاما من الفلاسفة وقروا شيئا من ~~كتبهم PageV01P093 وقبل الوصول إلى كنه حقيقته مزجوه بعلم الكلام غير نضيج ~~وذلك أنهم أخذوا من أصحاب الهيولي مذهبهم فيها فكسوه مسئلة المعدوم وأصحاب ~~الهيولي هم على خطأ بين من إثبات الهيولي مجرد عن الصورة كما سنرد عليهم ~~وأخذوا من أصحاب المنطق والإلهيين كلامهم في تحقيق الأجناس والأنواع والفرق ~~بين المتصورات في الأذهان والموجودات في الأعيان وهم على صواب ظاهر دون ~~الخناثى من المعتزلة لا رجال ولا نساء لأنهم أثبتوا أحوالا لا موجودة ولا ~~معدومة والصورة كالمتصور وينهدم بنيانهم بأوهى نفخة كما يتضح الحق لأوليائه ~~بأدنى لمحة . فنقول إذا أشار مشير إلى جوهر بعينه فنسألكم هل كان هذا ~~الجوهر قبل وجوده شيئا ثابتا جوهرا جسميا من حيث هو هذا أم كان جوهرا مطلقا ~~شيئا عاما غير متخصص بهذا . فإن قلتم كان بعينه جوهرا فيجب أن تحقق الإشارة ~~إليه بهذا ويكون ذلك المشار إليه هو هذا لأن هذا لا يشاركه فيه غير هذا وإن ~~كان قبل وجوده جوهرا مطلقا لا هذا فلم يكن ذلك هذا فلم يكن هذا شيئا ~~والمطلق من حيث هو مطلق لا هذا ولم يكن هذا ذاك ولا ذاك هذا ms100 فما هو ثابت في ~~العدم لم يتحقق له وجود وما تحقق له وجود لم يكن ثابتا . وما ذكروه أن ~~الصفات الذاتية لا تنسب إلى الفاعل بل الذي ينسب إلى الفاعل هو الوجود قيل ~~ما ثبت للشيء الغير المعين من الصفات التي هو بها قد تعين غير وما ثبت ~~للشيء المعين من الصفات التي هو بها وقد تفنن وتنوع غير والأول لا يسمى ~~صفات ذاتية إلا بمعنى أنها عبارات عن ذاته المعينة فيكون وجوده وجوهريته ~~وعينه وذاته عبارات عن معبر واحد وكما يحتاج في وجوده إلى الموجد يحتاج في ~~ذاته وعينه وجوهريته وجواز الوجود هو بعينه جواز الثبوت وهو بعينه في أن ~~يكون عينا وبجوهريته في أن يكون جوهرا لا يستغني عن الموجد وإلا فيلزم أن ~~تستغني الأشياء كلها عن الموجد من جميع وجوهها وصفاتها إلا الوجود فحسب علي ~~أنه حال لا يوصف بالوجود وأيضا فإن الوجود ليس يفتقر إلى الموجد وإلا فيلزم ~~وجود القديم بل وجود مخصص هو بصفة الإمكان يفتقر إلى الموجد ثم الموجد ~~الممكن من حيث هو عام لا يتحقق له وجود بل وجود ممكن هو بصفة كذا أو كذا ~~ويتحقق له وجود فيثبت أن المعين المشار إليه هو المفتقر إلى الموجد لكن لا ~~يتحقق له وجود إلا ويريده الموجد PageV01P094 وليس يريده الموجد إلا ويعلمه ~~قبل إيجاده فيتخصص وجوده وجودا عرضا جوهرا في علم الموجد فالمعلوم يتخصص ~~مرادا والمراد يتخصص وجودا هو بعينه جوهر إلا أنه في ذاته يكون شيئا فيخصصه ~~الوجود بعد الشيء حتى تتخصص الشيئية الخارجة جوهرا وتتخصص الجوهرية العامة ~~الخارجة بهذا الجوهر وأيضا فإن الوجود أعم صفات الموجودات وإيجاد الأعم لا ~~يوجب وجود الأخص فلو كان البياض مثلا منتسبا إلى الموجد من حيث وجوده فقط ~~لكان يكون موجودا لا بياضا بل لو عكس الأمر وقلب الحال فقبل أوجده سوادا أو ~~بياضا وانتسبت البياضية إلى الموجد فقط ولكن من ضرورة وجود الأخص وجود ~~الأعم كان أمثل من حيث العقل ولذلك نقول إن البياض يضاد السواد ببياضيته ms101 ~~فإذا انتفى السوادية انتفى الوجود إذ ليس من قضية العقل انتفاء السوادية ~~وبقاء الوجود وعند القوم أن المعدوم عادم لوجوده كما أن الموجود واجد ~~لوجوده فيلزم على ذلك أن لا يوجد بياض ولا يعدم سواد ولا يتحقق جوهر ولا ~~يتخصص عرض . والعجب كل العجب من مثبتي الأحوال أنهم جعلوا الأنواع مثل ~~الجوهرية والجسمية والعرضية واللونية أشياء ثابتة في العدم لأن العلم قد ~~تعلق بها والمعلوم يجب أن يكون شيا حتى يتوكأ عليه العلم ثم هي بأعيانها ~~أعني الجوهرية والعرضية واللونية والسوادية أحوال في الوجود ليست معلومة ~~على حيالها ولا موجودة بانفرادها فيا له من معلوم في العدم يتوكأ عليه ~~العلم وغير معلوم في الوجود ولو أنهم اهتدوا إلى مناهج العقول في تصورها ~~الأشياء بأجناسها وأنواعها لعلموا أن تصورات العقول ماهيات الأشياء ~~بأجناسها وأنواعها لا تستدعي كونها موجودة محققة أو كونها أشياء ثابتة ~~خارجة عن العقول أو ما لها بحسب ذواتها وأجناسها وأنواعها في الذهن من ~~المقومات الذاتية التي تتحقق ذواتها بها لا تتوقف على فعل الفاعل حتى يمكن ~~أن تعرف هي والوجود لا يخطر بالبال فإن أسباب الوجود غير وأسباب الماهية ~~غير ولعلموا أن إدراكات الحواس ذوات الأشياء بأعيانها وأعلامها تستدعي ~~كونها موجودة محققة وأشياء ثابتة خارجة عن الحواس وما لها بحسب ذواتها من ~~كونها أعيانا وأعلاما في الحس من المخصصات العرضية التي تحقق ذواتها ~~المعينة بها هي التي تتوقف على فعل الفاعل حتى لا يمكن أن توجد هي عرية من ~~تلك المخصصات فإن أسباب الماهية غير وأسباب الوجود غير ولما سمعت المعتزلة ~~من الفلاسفة فرقا بين القسمين ظنوا أن المتصورات في الأذهان هي أشياء ثابتة ~~في الأعيان فقضوا بأن PageV01P095 المعدوم شيء وظنوا بأن وجود الأجناس ~~والأنواع في الأذهان هي أحوال ثابتة في الأعيان فقضوا بأن المعدوم شيء وأن ~~الحال ثابت ساء سمعا وساء إجابة ولولا أني التزمت على نفسي في هذا الكتاب ~~أن أبين مصادر المذاهب ومواردها واشتراك منتها إقدام العقول في مسائل ~~الأصول وإلا لما أهمني كشف الأسرار ms102 وهتك الأستار . وأما أصحاب الهيولي ~~فافترقت فيها على طريقين فرقتين أحدهما إثبات هيولي للعالم مجردة عن الصور ~~وعدوها من المبادئ الأول وهي ثالثها أو رابعها فقالوا المبادئ هي العقل ~~والنفس والهيولي وقالوا المبادئ هو الباري سبحانه والعقل والنفس والهيولي ~~وهي كانت مجردة عن الصور كلها فحدثت الصورة الأولى وهي الأبعاد الثلاثة ~~فصارت جسما مركبا ذا طول وعرض وعمق ولم يكن لها قبل الصورة إلا استعداد ~~لمجرد القبول فإذا حدثت الصورة صارت بالفعل موجودة وهي الهيولي الثانية ثم ~~إذا لحقها الكيفيات الأربعة التي هي الحرارة والبرودة الفاعلتان والرطوبة ~~واليبوسة المنفعلتان صارت الأركان التي هي النار والماء والهواء والأرض وهي ~~الهيولي الثالثة ثم تتكون منها المركبات التي تلحقها الأعراض وهي الكون ~~والفساد ويكون بعضها هيولي بعض . الطريق الثاني هو أنهم أثبتوا الهيولي غير ~~مجردة عن الصورة قالوا وهذا الترتيب الذي ذكرناه مقدر في العقل والوهم خاصة ~~دون الوجود وليس في الوجود جوهر مطلق قابل للأبعاد ثم يلحقه الأبعاد ولا ~~جسم عار عن الكيفيات ثم عرضت له الكيفيات وإنما هو عندما نظرنا في ما هو ~~أقدم بالطبع وأبسط في الوهم والعقل . قال أصحاب الهيولي المجردة أما إثبات ~~الهيولي لكل جسم فأمر معقول محقق بالبرهان وذلك أن كل جسم قابل للاتصال ~~والانفصال والتصور والتشكل بالصورة والأشكال ومعلوم أن قابل الاتصال ~~والانفصال أمر وراء الاتصال والانفصال فإن القابل يبقى بطريان أحدهما ~~والاتصال لا يبقى بعد طريان الانفصال وبالعكس فظاهر أن ها هنا جوهر غير ~~الصورة الجسمية يعرض له الاتصال والانفصال معا ثم قالوا ما من انفصال ~~واتصال معين إلا ويمكن زواله وما من شكل وصورة وحيز وجهة إلا وهو عارض لذلك ~~الجوهر فيمكن أن يتعرى عن جميع الصور كما أمكن أن يتعرى عن كل صورة بل يجب ~~أن يكون مبدأ الأجسام المركبة جوهر غير مركب فإن كل مركب لو كان عن مركب ~~لتسلسل إلى غير النهاية فتركب القميص من الغزل والغزل من القطن والقطن من ~~الأركان والأركان من العناصر وهي الهيولي القابلة للصور والكيفيات فإذا ms103 ~~انحلت التركيبات فهي البسائط وإذا انحلت البسائط فهي الهيولي المجردة عن كل ~~صورة القابلة لكل صورة . قال أصحاب الهيولي مع الصورة أما إثبات الهيولي ~~جوهرا معقولا فمسلم للعقل PageV01P096 وأما جواز تعريها عن الصور أو وجوب ~~ذلك فهو المختلف فيه وما أوردتموه من المقدمات تحكمات فلم قلتم أنه إذا ~~أمكن تعريها عن اتصال وانفصال معين أمكن تعريها عن كل اتصال وانفصال لأن ~~الذي يتبدل ويتغير من الاتصال والانفصال عرض من باب الكم والاتصال الذي هو ~~الأبعاد الثلاثة جوهر هو صورة جسمية فما هو عرض يجوز عليه التبدل وما هو ~~جوهر لم يتبدل قط وليس العرض من قبيل الجوهر حتى يحكم عليه بحكم الثاني ~~وكذلك كون الجسم في حيز مخصوص من قبيل الأعراض من باب الأين وكونه متحيزا ~~صورة جسمية هو من قبيل الجواهر فلم يجز أن يقال إذا جاز عليه تبدل المكان ~~المخصوص جاز عليه أن لا يكون له حيز ومكان هذا جواب الحكيم للحكيم . أما ~~جواب المتكلم فيقول لم إذا جاز خلو الجوهر عن عرض جاز خلوه عن كل عرض . قال ~~لأن الجوهر هو القائم بذاته المستغني عن المحل فلو لم يجز خلوه عن الأعراض ~~لبطل قيامه بذاته ولكن في وجوده محتاجا إلى العرض كما كان العرض في وجوده ~~محتاجا إلى الجوهر وحينئذ يلتبس حد الجوهر بحد العرض ويختلط أحدهما بالآخر ~~وذلك خروج عن المعقول . فيقول المتكلم الجوهر في قيامه بذاته يستغني عن محل ~~يحل فيه بحيث يوصف المحل به والعرض في احتياجه من حيث ذاته يحتاج إلى محل ~~يحل فيه بحيث يوصف المحل به لكن لا يجوز أن يخلو الجوهر عن كل الأعراض لا ~~لأنه يحتاج إليها في قيامه بذاته جوهرا لكن في وجوده لا يتصور أن يكون ~~خاليا عن كون في مكان مخصوص . وقال أصحاب الصور لو قدرنا الهيولي جوهرا ~~قائما بذاته عريا عن الصور كلها حتى لا يكون له وضع وحيز وبعد واتصال ~~ومقدار يقبل الانقسام ثم قدرناه حصل فيه المقدار مثلا فإما أن يصادفه ~~المقدار دفعة ms104 أو على تدريج فإن صادفه دفعة حتى حصل ذا مقدار فيكون قد صادفه ~~بحيث حتى انضاف إليه فيكون له حيث وحيز فيدب أن يكون ذا حيز أولا حتى ~~يصادفه حيث هو فيكون ذا صورة وإن صادفه على تدريج أو انبساط فكل ما من شأنه ~~أن ينبسط فله جهات وكل ما له جهة فهو ذو وضع وعلى الوجهين جميعا لا يصادفه ~~الاتصال والمقدار إلا أن يكون له حيث وحيز ووضع وقد فرض غير متحيز وذا وضع ~~فهو خلف . قال أصحاب الهيولي كل حادث في زمان فيجب أن يسبقه إمكان الوجود ~~وذلك الإمكان إما أن يكون في نفس المقدر وإما أن يكون في شيء وبطل أن يكون ~~في PageV01P097 نفس المقدر فإن المقدر لو قدر عدمه لم ينعدم الإمكان فيتعين ~~أنه في شيء ما خارج عن الذهن ولا يخلو إما أن يكون موجودا أو معدوما ومحال ~~أن يكون معدوما فإن المعدوم قبل والمعدوم مع شيء واحد وليس الإمكان قبل هو ~~الإمكان مع وإن كان موجودا فإما أن يكون قائما في موضوع وإما أن يكون قائما ~~لا في موضوع فكل ما هو قائم لا في موضوع فله وجود خاص لا يجب أن يكون به ~~مضافا وإمكان الوجود بما هو إمكان أمر مضاف لما هو إمكان له فهو إذا أمر في ~~موضوع عارض لموضوع ونحن نسميه قوة الوجود والذي فيه قوة وجود الشيء ~~والموضوع والمادة والهيولي قالوا والإمكان قد يعري عن الوجود لأنه لو تحقق ~~وجود كل ممكن لحصلت موجودات بغير نهاية فالعالم قد سبقه إمكان الوجود وقد ~~سبقه الهيولي التي فيها الإمكان والإمكان لم يكن في الأزل فالهيولي لم تكن ~~في الأزل فتصور وجود العالم حيث تحقق الهيولي وتحقق الهيولي حيث تحقق ~~الإمكان والإمكان والوجوب لا يجتمعان . وهذا دليل افلاطن ألا هي في حدوث ~~العالم بصورته وهيولاه قال وكما تصور وجود موجودات كلية في العقل تصور وجود ~~موجودات كلية في الخارج عن العقل وهي حقائق مختلفة تختلف بالخواص كالعقول ~~السماوية . وقال أصحاب الصور هذا ms105 البرهان صحيح في الموجودات الزمانية لكن ~~كما لا يتحقق إمكان إلا في مادة لا تتصور مادة إلا متصورة بصورة فإنها إن ~~كانت عرية عن الصور كلها كان لا يتحقق نحوها قصد الفاعل حتى يفيض عليها ~~الصور إذ لا حيث لها ولا وضع ولا أين وكما أن الإمكان ليس شيئا متقوما إلا ~~بالهيولي والهيولي ليس شيئا متقوما إلا بالصورة فيقوم الهيولي بالصورة ~~وتقوم الصورة بواهب الصورة وليس تنفك إحداهما عن الثانية بحال أصلا . برهان ~~آخر لو قدرنا الهيولي موجودة متقومة فأما أن يقال هي واحدة أو كثيرة فإن ~~كانت واحدة ثم صارت اثنين أفبانضمام آخر إليه أم بتكثير ذلك الواحد في نفسه ~~من غير انضمام من خارج فإن قدر الأول فهما جوهران انضم أحدهما إلى الثاني ~~ويكون الهيولي اثنين وما تحقق فيه الاثنينية قبل القسمة إما بالانفصال إذا ~~كانا متصلين وإما بالعدد إذا كان مقدارين وكل ذلك صورة وإن تكثر الواحد في ~~نفسه من غير انضمام من خارج كان حين كان واحدا لم يقبل القسمة ثم صار قابلا ~~للقسمة فتكون PageV01P098 له صورة الوحدة تارة وصورة التكثر تارة فيكون ذا ~~صورتين ويلزم أن يكون بين الحالتين مادة مشتركة بها يقبل الوحدة تارة ~~والكثرة أخرى فيكون للمادة مادة ويتسلسل وكذلك لو فرضنا اثنين جوهرين ثم ~~خلعنا صورة الاثنينية فصار شيئا واحدا فلا يخلو إما أن يتحدا وكل واحد ~~منهما موجود أو أحدهما موجود والآخر معدوم أو كلاهما معدومان وحصل ثالث ~~بالإيجاد فإن كان فهما إذا اثنان لا واحد وإن اتحدا واحدهما معدوم والآخر ~~موجود فالمعدوم كيف يتحد بالموجود وإن عدما بالإيجاد حصل ثالث فهما غير ~~متحدين بل لا بد من معدومين ويلزم أيضا في خلع صورة الاثنينية مادة مشتركة ~~كما لزم في لباس صورتها مادة مشتركة فيتحقق بهذه البراهين أن الهيولي قط لا ~~تعري عن الصورة بل قوامها بالفعل يكون بالصورة وقوام الصورة من حيث ذاتها ~~لا يكون بها بل بواهب الصورة فكانت الهيولي حافظة لها قبولا وكانت الصورة ~~مقومة لها وجودا فالصورة ms106 لا تحدث إلا في الهيولي والهيولي لا تعري عن ~~الصورة وكل واحد منهما جوهر لأن الجسم مركب منهما والجسم جوهر والبسيطان ~~جوهران والتمييز بينهما بالفعل غير متصور والفصل بينهما فصل بالعقل وفي ~~المسئلة بقايا من المباحثات بين الفريقين وذلك حظ الحكمة الفلسفية لا حظ ~~الحقائق الكلامية وقد عرفت من هذه المباحثة أن مذهب المعتزلة في المعدوم ~~شيء هو بعينه مذهب بعض الفلاسفة في أن الهيولي موجودة قبل وجود الصورة ~~والله الموفق . PageV01P099 # | القاعدة الثامنة في إثبات العلم بأحكام الصفات العلى # قد شرع المتكلمون في إثبات العلم بأحكام الصفات قبل الشروع في إثبات ~~العلم بالصفات لأن الأحكام إلى الإذهان أسبق والمخالفون من المعتزلة في ~~إثبات الصفات يوافقون في أحكام الصفات . وسلكوا طريقين أحدهما النظر ~~والاستدلال والثاني الضرورة والبديهة ثم منهم من يرى الابتدا بإثبات كونه ~~قادرا أولى ومنهم من يثبت كونه عالما أولا ثم يثبت كونه قادرا مريدا ومنهم ~~من يبتدي بالإرادة ثم يثبت كونه قادرا عالما . قال أصحاب النظر في إثبات ~~كونه قادرا أولا أن الدليل قد قام على أن الصنع الجائز ثبوته والجائز عدمه ~~إذا وجد احتاج إلى صانع يرجح جانب الوجود فيجب أن يكون الصانع قادرا لأن من ~~الأحياء من يتعذر عليه الفعل ومنهم من يتيسر فسبرنا جملة صفات الحي روما ~~للعثور على المعنى الذي لأجله ارتفع التعذر وتحقق التأتي والتيسر فلم نجد ~~صفة إلا القدرة أو كونه قادرا فكان الذي صحح الفعل من الحي كونه قادرا هو ~~علة لصحة الفعل والعلة لا تختلف حكمها شاهدا وغائبا وكذلك صادفنا أحكاما ~~وإتقانا في الأفعال وسبرنا ما لأجله يصح الأحكام والإتقان من الفاعل فلم ~~نجد إلا كونه عالما وكذلك رأينا الاختصاص ببعض الجائزات دون البعض مع تساوي ~~الكل في الجواز وسبرنا ما لأجله يصح الاختصاص فلم نجد إلا كونه مريدا ثم لم ~~يتصور وجود هذه الصفات إلا وأن يكون الموصوف بها حيا لأن الجماد لا يتصور ~~منه أن يكون قادرا أو عالما فقلنا القادر حي وأيضا فإنا لو لم نصفه بهذه ms107 ~~الصفات لزمنا وصفه بأضدادها من العجز والجهل والموت وتلك نقائص مانعة من ~~صحة الفعل المحكم ويتعالى الصانع عن كل نقص . ولخصومهم من المعطلة هذه ~~الطريقة أسولة منها ما هو على الأشعرية PageV01P100 سؤالان ومنها على ~~المعتزلة آخران ومنها سؤال على جميع المتكلمين أما السؤال الأول فقالوا ~~أنتم إذا نفيتم الحال وقلتم الأشياء في حقائقها تتمايز بذواتها ووحدها فكيف ~~يستمر لكم الجمع بين الشاهد والغائب الثاني إنكم ما أثبتم في الشاهد فاعلا ~~موجدا على الحقيقة وإن أثبتم فاعلا مكتسبا فكيف يستمر لكم الجمع بين ما لم ~~يتصور منه الإيجاد وبين ما لم يتصور منه الاكتساب أجاب الأصحاب عن السؤال ~~الأول بأنا وإن نفينا الحال صفة ثابتة لعين مشار إليها لم تنف الوجوه ~~والاعتبارات العقلية جمعا بين الشاهد والغائب بالعلة والمعلول والدليل ~~والمدلول وغير ذلك فإن العقل إذا وقف على المعنى الذي لأجله صح الفعل من ~~الفاعل في الشاهد حكم على كل فاعل كذلك . وأما الثاني فإنا وإن لم نثبت ~~إيجادا وإبداعا في الشاهد إلا أنا نحس في أنفسنا تيسرا وتأتيا وتمكنا من ~~الفعل وبذلك الوجه امتازت حركة المرتعش عن حركة المختار وهذا أمر ضروري ثم ~~وجه تأثير القدرة في المقدور أهو إيجاد أم اكتساب نظر ثان ونحن بهذا الوجه ~~جمعنا لا بذلك الوجه الذي فرقتم . أما السؤال على المعتزلة قالوا من أثبت ~~الحال منكم لم يثبت للفعل أثرا من الفاعل إلا حالا لا توصف بالوجود والعدم ~~والقادرية أيضا عندكم حال فكيف أوجدت حالة حالة . والثاني أنكم أثبتم ~~تأثيرا للقدرة الحادثة في الإيجاد وما أثبتم للقدرة في الغائب إلا حالا فما ~~أنكرتم أن المصحح للإيجاد هو كونه قدرة لا كونه قادرا فما حصل في الشاهد لم ~~يوجد في الغائب وما ثبت في الغائب لم يثبت في الشاهد ثم أثبتم تأثيرا في ~~إيجاد حركات دون الألوان والأجسام فإن جمعتم بين الشاهد والغائب بمجرد ~~الحدوث فقولوا فإن القدرة الحادثة تصلح لإيجاد كل موجود وإن تقاصرت القدرة ~~في الشاهد حتى لم يجمع بين محدث ومحدث في ms108 الشاهد فكيف يصح الجمع بين محدث ~~في الشاهد ومحدث في الغائب . وأما السؤال على الفريقين قالوا هذا تمسك ~~باستقراء الحال وهو فاسد من وجوه كثيرة منها أنكم وجدتم في بعض الفاعلين أن ~~البناء يدل على الباني وقلتم سبرنا صفات الباني وعثرنا على كونه قادرا فما ~~أنكرتم أن بانيا يصدر عنه البناء ويكون حكمه على خلاف هذا الباني حتى لا ~~يستدعي كونه قادرا كما أنكم ما رأيتم بانيا إلا بآلة وأدات فلو حكمتم على ~~كل بان بآلة وأداة كان الحكم فاسدا كذلك في كونه قادرا أو ذا قدرة أليست ~~المعتزلة تخالفكم في القدرة والعلم والإرادة وأنتم تقولن البناء يدل ~~PageV01P101 على كون الباني ذا قدرة وعلم وإرادة ثم لم تطردوا هذا الحكم ~~غائبا فإذا يلزمكم دليل مستأنف في حق الغائب ولا يغنيكم دعوى الضرورة في ~~هذا الجمع فأنتم معاشر المعتزلة يلزمكم في استقرائكم الشاهد كون الصانع ذا ~~قدرة وعلم وإرادة وأنتم معاشر الأشاعرة يلزمكم في استقرائكم الشاهد كون ~~الصانع ذا بنية وآلة وأداة وبالجملة الأستقراء ليس يوجب علما وإن ادعيتم ~~الضرورة فما بالكم شرعتم في الدليل . قال القاضي أبو بكر رحمه الله إذا كنا ~~نعود في آخر الاستدلال بعد السبر والتقصير والترديد والتحويم إلى دعوى ~~الضرورة فما بالنا لم ندع البديهة والضرورة في الابتداء . فنقول إذا أحاط ~~المرء علما ببدائع الصنع وعجائب الخلق من سير المتحركات على نظام وترتيب ~~وثبات الساكنات على قوام وتسديد وحصول الكائنات بين المتحركات والساكنات ~~فمن جماد ونبات ومن حيوان ومن إنسان وكل بإحكام وإتقان عرف يقينا أن الصانع ~~عالم حكيم قادر مريد ومن استراب عن ذلك كان عن العقل خارجا وفي تيه الجهل ~~والجا ولسنا نحتاج في ذلك إلى إثبات فعل في الشاهد ثم طرد ذلك في الغائب بل ~~الغائب شاهد والعقل رائد والبصر ناقد ومن حاول الاستدلال في مناهج ~~الضروريات عمي من حيث يبصر وجهل من حيث يستبصر . وأجاب إمام الحرمين عن ~~سؤال الاستقراء بأن قال نحن لم نستقر الحال في الشاهد ولا نحكم على الغائب ms109 ~~بحكم الشاهد لكنا نقول قام الدليل على حدوث العالم واحتياجه من حيث إمكانه ~~إلى مرجح لأحد طرفي الإمكان والمرجح إما أن يرجح بذاته ولذاته أو بذاته على ~~صفة أو بصفة وراء الذات واستحال الترجيح والتخصيص بالوجود بالذات من حيث هو ~~ذات بأن الموجب بالذات لا يخصص مثلا عن مثل فإن نسبة الذات إلى هذا المثل ~~كنسبته إلى المثل الثاني فيجب أن يكون بصفة وراء الذات أو بذات على صفة وقد ~~ورد التنزيل والشرع بتسمية تلك الصفة التي يتأتى بها التخصيص إرادة ثم ~~الإرادة تخصص ولا توقع فالصفة التي يتأتى بها الإيقاع والإيجاد هي القدرة ~~والفعل إذا اشتمل على إتقان وإحكام وجب بالضرورة كون الصانع عالما والإرادة ~~أيضا لا تتعلق بشيء إلا بعد أن يكون المريد عالما وهذه الصفات تستدعي في ~~ثبوتها الحياة فوجب أن يكون الصانع حيا وقد نازعوه في تماثل الأشكال وتشابه ~~الأمثال وذلك عنادا وجدال لكن الخصم يقول نسبة الصنع عندنا إلى الذات ~~كنسبته إلى الإرداة والقدرة عندكم فإن الإرادة عندكم واحدة وهي في ذاتها ~~صفة صالحة يتأتى بها التخصيص مطلقا ونسبتها إلى هذا المثل كنسبتها إلى مثل ~~آخر وكذلك القدرة ولأنهما لا يتعلقان بالمرادات والمقدورات قبل الإيجاد فما ~~الموجب لتخصيص حال PageV01P102 الوجود بالإيقاع ونسبة الإرادة والقدرة إلى ~~هذه الحال كنسبتها إلى حال أخرى فجوابكم عن تعلق الصفات بالمتعلقات إيجادا ~~هو جوابنا عنا نسبة إلى الموجبات إيجابا والسؤال مشكل وقد أشرنا إلى حل ~~الإشكال في حدث العالم وربما يقول الخصم ألستم رددتم معنى كونه حكيما إلى ~~كونه مريدا أو فاعلا على مقتضى العلم ورد الكعبي كونه مريدا إلى كونه قادرا ~~عالما ورد أبو الحسين البصري جملة الصفات إلى كونه قادرا عالما على رأي ~~وإلى كونه قادرا على رأي وإلى كونه عالما على رأي فنحن رددنا جملة الصفات ~~إلى كونه ذاتا واجبة الوجود على جلال وكمال تصدر منه الموجودات على أحسن ~~نظام وأتقن أحكام ثم يشتق له اسم من نحو آثاره لذاته أو اسم لذاته أو اسم ~~من حيث ms110 تقدسه عن سمات مخلوقاته ويسمى الأول أسماء إضافية كالعلة والمبدأ ~~والصانع ويسمى الثاني أسماء سلبية كالواحد والعقل والعاقل والواجب وأشتهي ~~أن تجري في هذه الأسامي مباحثة عقلية للإنصاف والانتصاف . فأقول العلة ~~والمبدأ عندكم يقال على كل ما استمر له وجود في ذاته ثم حصل منه وجود شيء ~~آخر ويقوم به وقد يكون الشيء علة للشيء بالذات وقد يكون بالعرض وقد تكون ~~علة قريبة وقد تكون علة بعيدة وواجب الوجود لذاته تام الوجود في ذاته وحصل ~~منه العقل الأول أهو علة له بالذات أم بالعرض فإن كان علة له بالذات لا ~~بالعرض فهو مبدأ له بالقصد الأول لا بالقصد الثاني ولم يكن واجب الوجود ~~غنيا مطلقا بل فقيرا محتاجا إلى كسب ولم يكن كاملا مطلقا بذاته لولا معلولة ~~بل كاملا بغيره ناقصا باعتبار ذاته كيف وهم يأبون أن يكون المعلول الأول ~~وسائر الموجودات إلا من لوازم تعقله بذاته فلا يكون توجيه واجب الوجود ~~الأزلي إلا إلى ذاته على سبيل الاستغناء المطلق عن الكل ووجوه سائر ~~الموجودات إليه على سبيل احتياج الكل إليه وإن قالوا هو علة بالعرض لا ~~بالذات مبدأ بالقصد الثاني لا بالقصد الأول قلنا فما لم تكن العلة علة لشيء ~~بالذات لا تكون علة لشيء آخر بالعرض وما لم يكن مبدأ الشيء بالقصد الأول لا ~~يكون مبدأ الشيء بالقصد الثاني فيلزم ما لزم في الأول فيبطل إطلاق لفظ ~~العلة والمبدأ عليه . ونقول أيضا كونه مبدأ وعلة لم يدخل في مفهوم كونه ~~واجبا بذاته فإن مفهوم أنه علة أمر إضافي ومفهوم أنه واجب بذاته أمر سلبي ~~وقد تمايز الأمران والمفهومان ويدل كل واحد منهما على غير ما دل عليه ~~الثاني فمن أين يصح لكم رد المعاني إلى أمر واحد وهو الذات فتمايز ~~المفهومات والاعتبارات عندكم وتمايز الأحوال عند أبي هاشم وتمايز الصفات ~~عند أبي الحسن على وتيرة واحدة وكلكم يشير إلى مدلولات مختلفة الخواص ~~والحقائق واعتذاركم أن كثرة اللوازم والسلوب والإضافات لا تقتضي كثرة في ~~صفات PageV01P103 الذات واستشهادكم بالقرب والبعد ms111 لا يغني عن هذا الإلزام ~~فإنا نلزمكم تمايز الوجوه والاعتبارات بين الإضافي والسلبي إذ من المعلوم ~~كونه علة ومبدأ للمعلول الأول أمر أو حال سلبي وليس يوجب المعلول من حيث ~~أنه انتفا عنه الكثرة وليس كونه مسلوب الكثرة عنه موجبا للمعلول ولا يلزم ~~وجوده شيء من حيث يسلب عنه شيء ولا يسلب عنه شيء من حيث يلزم وجوده شيء ~~ويخالف ما نحن فيه حال القرب والبعد بالإضافة إلى شيء دون شيء فإن قرب ~~الجوهر من جوهر قد يكون من باب الإضافة وقد يكون من باب الوضع وقد يكون من ~~باب الأين لكن لفظ القرب والبعد يطلق على كل جوهرين تقاربا أو تباعدا ~~بمقدار ما والمقادير بينهما لا تنحصر في حد فقيل فعند ذلك تختلف بالنسب ~~والإضافات وهي لا تنحصر فلو قلنا أنهما أمران زائدان على وجودهما أدى ذلك ~~إلى إثبات أعراض لا تتناهى لجوهرين متناهيين لكن ما فيه القرب والبعد ~~متناهيين أعني الأين والوضع والإضافة فهي أمور زائدة على ذاتي الجوهرين ~~فعرف أن المثال الذي تمثلوا به لازم عليهم . على أنا نقول ألستم أثبتم ~~الإضافة معنى وعرضا زائدا على الجوهر فأفيدونا فرقا معقولا بين إضافة الأب ~~إلى الابن وبين إضافة العلة إلى المعلول فإن الإضافة هو المعنى الذي وجوده ~~بالقياس إلى شيء آخر وليس له وجود غيره مثل الأبوة بالقياس إلى النبوة لا ~~كالأب فإن له وجودا كالإنسانية وكونه مصدرا ومبدأ هو المعنى الذي وجوده ~~بالقياس إلى المعلول وليس له وجود غيره وكذلك كل علة ومعلول سوى العلة ~~الأولى فتعرض له هذا المعنى وهو هذا المعنى بعينه ثم حكمتم بأن الأبوة معنى ~~هو عرض زائد فهلا حكمتم بأن العلية معنى هو عرض زائد حتى يلزم أن يكون ~~الإيجاب بالذات نوع ولادة . وكثيرا ما دار في خيالي وخاطري أن الذي اعتقدوه ~~النصارى من الأب والابن هو بعينه ما قدره الفلاسفة من الموجب والموجب ~~والعلة والمعلول ' تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا أن ~~دعوا للرحمن ولدا وما ينبغي للرحمن ms112 أن يتخذ ولدا ' فهو تعالى لم يوجب ولم ~~يوجب ولم يلد ولم يولد وإنما نسبة الكل إليه نسبة العبودية إلى الربوبية ' ~~إن كل من في السموات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا ' وهو رب كل شيء ومبدعه ~~وإله كل موجود وفاطره جل جلاله وتقدست أسماؤه ولا إله غيره . PageV01P104 # | القاعدة التاسعة في إثبات العلم بالصفات الأزلية # صارت المعتزلة إلى أن الباري تعالى حي عالم قادر لذاته لا يعلم وقدرة ~~وحياة واختلفوا في كونه سميعا بصيرا مريدا متكلما على طرق مختلفة كما ~~سنوردها مسائل أرفاد إن شاء الله تعالى وأبو الهذيل العلاف انتهج مناهج ~~الفلاسفة فقال الباري تعالى عالم بعلم هو نفسه ولكن لا يقال نفسه علم كما ~~قالت الفلاسفة عاقل وعقل ومعقول . ثم اختلفت المعتزلة في أن أحكام الذات هل ~~هي أحوال الذات أم وجوه واعتبارات فقال أكثرهم هي أسماء وأحكام للذات وليست ~~أحوال وصفات كما في الشاهد من الصفات الذاتية للجوهر والصفات التابعة ~~للحدوث . وقال أبو هاشم هي أحوال ثابتة للذات وأثبت حالة أخرى توجب هذه ~~الأحوال . وقالت الصفاتية من الأشعرية والسلف إن الباري تعالى عالم بعلم ~~قادر بقدرة حي بحياة سميع بسمع بصير ببصر مريد بإرادة متكلم بكلام باق ~~ببقاء وهذه الصفات زائدة على ذاته سبحانه وهي صفات موجودة أزلية ومعان ~~قائمة بذاته . وحقيقة الإلهية هي أن تكون ذات أزلية موصوفة بتلك الصفات ~~وزاد بعض السلف قديم بقدم كريم بكرم جواد بجود إلى أن عد عبد الله بن سعيد ~~الكلابي خمسة عشر صفة على غير فرق بين صفات الذات وصفات الأفعال . قالت ~~الفلاسفة واجب الوجود بذاته لن يتصور إلا واحدا من كل وجه فلا صفة ولا حال ~~ولا اعتبار ولا حيث ولا وجه لذات واجب الوجود بحيث يكون أحد الوجهين ~~والاعتبارين غير الآخر أو يدل لفظ على شيء هو غير الآخر بذاته ولا يجوز أن ~~يكون نوع واجب الوجود لغير ذاته لأن وجود نوعه له لعينه ولا يشاركه شيء ما ~~صفة كانت أو موصوفا في وجوب الوجود والأزلية ولا ينقسم ms113 هو ولا يتكثر لا ~~بالكم ولا بالمبادئ المقومة ولا بأجزاء الحقيقة والحد تعم له صفات سلبية ~~PageV01P105 مثل تقدسه عن الكثرة من كل وجه فيسمى لذلك واحدا حقا أحدا صمدا ~~ومثل تنزهه عن المادة وتجرده عن طبيعة الإمكان والعدم ويسمى لذلك عقلا ~~وواجبا وله صفات إضافية مثل كونه صانعا مبدعا حكيما قديرا جوادا كريما ~~وصفات مركبة من سلب وإضافة مثل كونه مريدا أي هو مع عقليته ووجوبه بذاته ~~مبدأ لنظام الخير كله من غير كراهية لما يصدر عنه وجوادا أي هو بهذه الصفة ~~وزيادة سلب أي لا ينحو إعراضا لذاته وأولا أي هو مسلوب عنه الحدوث مع إضافة ~~وجود الكل إليه وصفاته عندهم إما سلبية محضة وإما إضافية محضة وإما مؤلفة ~~من سلب وإضافة والسلوب والإضافات لا توجب كثرة في الذات . ونحن نسلك منهاجا ~~في إنهاء كلام كل صاحب مذهب نهايته على سبيل المناظرة والمباحثة فتظهر مزلة ~~الإقدام ومضلة الأوهام ويلوح الحق من وراء ستر رقيق على أوضح تحقيق وتدقيق ~~. قالت الصفاتية ونحن نعتبر الغائب بالشاهد بجوامع أربعة وهي العلة والشرط ~~والدليل والحد أما العلة فنقول قد ثبت كون العالم عالما شاهدا معلل بالعلم ~~والعلة العقلية مع معلولها يتلازمان ولا يجوز تقدير واحد منهما دون الآخر ~~فلو جاز تقدير العالم عالما دون العلم لجاز تقدير العلم من غير أن يتصف ~~محله بكونه عالما فاقتضى الوصف الصفة كاقتضاء الصفة الوصف فمن ثبت له هذه ~~الصفات وجب وصفه بها كذلك إذا وجب وصفه بها وجب إثبات الصفة له ثم عضدوا ~~كلامهم بالإرادة والكلام فإنه لما ثبت له الإرادة والكلام كان مريدا متكلما ~~فلما ثبت كونه مريدا متكلما وجب له الإرادة والكلام فإن العلم رسمان لا ~~يختلفان في العلية والمعلولية وإن كانا يختلفان عندهم في القدم والحدوث . ~~قالت المعتزلة تعليل الأحكام بالعلل نوع احتياج إلى العلل وذلك لا يتحقق ~~إلا إذا كان الحكم جائز الوجود وجائز العدم فيعلل الحكم بجوازه في الشاهد ~~وكون الباري تعالى عالما واجب وهو مقدس عن الاحتياج إلى التعليل فلا ms114 يعلل ~~الحكم لوجوبه في الغائب أليس كل حكم واجب في الشاهد غير معلل أصلا مثل تحيز ~~الجوهر وقبوله للعرض ومثل قيام العرض بالجواهر واحتياجه إلى المحل إلى غير ~~ذلك وخرجوا عن هذه القاعدة كونه مريدا فإنه لما لم يكن واجبا كان معللا ~~وهذا كله لأن الواجب يستقل بوجوبه عن الافتقار إلى العلة وإنما الجائز لما ~~لم يستقل بنفسه أعني أحد طرفي جوازه احتاج إلى علة إما اختيار مختار وإما ~~إيجاب علة فوجود العلم في العالم شاهدا PageV01P106 لما كان جائزا احتاج ~~إلى اختيار مختار يوجده وثبوت حكم العلة في الشاهد لما كان جائزا احتاج إلى ~~علة توجبه وهي العلم أليس وجود القديم لما كان واجبا لم يعلل ووجود الحادث ~~لما كان جائزا علل . قالت الصفاتية بم تنكرون على من يعلل الأحكام الجائزة ~~بالعلل الجائزة والأحكام الواجبة بالعلل الواجبة فلا الاحتياج والافتقار ~~غير موجب للتعليل ولا الاستقلال ولا الاستغناء مانع من التعليل لأنا لسنا ~~نعني بالتعليل الإيجاد والإبداع حتى يستدعيه الجواز والاحتياج ويمنعه ~~الوجوب والاستغناء لكنا نعني بالتعليل الاقتضاء العقلي والتلازم الحقيقي ~~بشرط أن يكون أحدهما ملتزما والآخر ملتزما والوجوب والجواز لا أثر لهما في ~~منع الاقتضاء والتلازم فلا يمتنع عقلا تعليل الواجب بالواجب وتعليل الجائز ~~بالجائز وزادوا على ذلك تحقيقا . فقالوا نحن لا نحكم على الأحكام من حيث ~~أنها أحكام بأنها جائزة فإنها على مذهب مثبتي الأحوال صفات لا توصف بالوجود ~~والعدم ولا ذات لها على الانفراد حتى يقال هي جائزة أو واجبة وعلى مذهب ~~النفاة عبارات عن اختصاصات المعاني بالمحال بحيث يعبر عنها بالأسامي وهي ~~على المذهبيين لا يطلق عليها الجواز والوجوب من حيث هي أحكام بل الوجوب ~~إليها أقرب فإنها بالنسبة إلى عللها واجبة سواء قدرت قديمة أو حادثة فكون ~~العالم عالما بعد قيام العلم بالمحل ليس بجائز بل واجب لأنه من حيث هو حكم ~~العلم لا ذات له فلا يتطرق إليه الجواز والإمكان ومن حيث هو ذو العلم يتطرق ~~إلى ذي العلم الجواز إذ يجوز أن يكون ذا ms115 علم ويجوز أن لا يكون والجواز من ~~هذا الوجه لا يعلل البتة بل ينسب إلى الفاعل حتى يخصص بأحد طرفي الجواز فهو ~~إذا من حيث أنه جائز لا يعلل بعلة ولو وجب تعليل كل جائز بعلة وتلك العلة ~~أيضا تعلل بعلة فيؤدي إلى ما لا نهاية له ولست أقول لا ينسب إلى فاعل وأن ~~نسبة الجائز في أن يوجد إلى فاعل ليس كنسبة العالمية في أن توجب إلى علم ~~فليفرق الفارق بين تعليل الأحكام بالعلل وبين تعلق المقدور بالقدرة فإن ~~بينهما بونا عظيما وأمدا بعيدا فلا يجوز أن يقتبس حكم أحدهما من الآخر ولا ~~أن يطرد حكم أحدهما في الثاني إلا أن يمنع مانع أصل التعليل ويرفع العلة ~~والمعلول ولا نقول بهما في الشاهد والغائب وذلك كلام آخر ومن نفا الحال ~~وكونها صفة ثابتة في الأعيان لم يصح إثبات العلة والمعلول على أصله تحقيقا ~~فإنه لم يبق إلا عبارة أعيانا محضة أو وجه اعتبار عقلي فلا معنى لكون ~~العالم عالما على أصله إلا أنه شيء ما له علم وليس العلم يوجب حكما زائدا ~~على نفسه فيقال أي شيء يعني بكونه فاعله أهي مقتضية شيئا أم PageV01P107 ~~غير مقتضية وإن اقتضت أهي تقتضي نفسها أم غيرها فإن اقتضت نفسها فذلك سفسطة ~~وإن اقتضت غيرها أفهو موجود أو حال أو جهة لا توصف بالوجود والعدم والكلام ~~على الأمرين ظاهر فقد تكلمنا على ذلك في مسئلة الحال بما فيه مقنع ونقول ها ~~هنا إن سلم مسلم كون العلم علة العالمية في الشاهد وألزم الطرد والعكس حتى ~~إذا ثبت العلم وجب كون المحل عالما وإذا ثبت كون المحل عالما لزم وجود ~~العلم . أجاب بأن الطرد والعكس شاهدا وغائبا إنما يلزم بعد تماثل الحكمين ~~من كل وجه لا من وجه دون وجه والخصم ليس يسلم تماثل الحكمين أعني عالمية ~~الباري تعالى وعالمية العبد بل لا تماثل بينهما إلا في اسم مجرد وذلك أن ~~العلمين إنما يتماثلان إذا تعلقا بمعلوم واحد والعالميتان كذلك ومن المعلوم ~~الذي لا ms116 مرية فيه أن عالمية الغائب وعالمية الشاهد لا يتماثلان من كل وجه ~~بل هما مختلفان من كل وجه فكيف يلزم الطرد والعكس والإلحاق والجمع أليس لو ~~ألزم طرد حكم للعالمية في الغائب من تعلقها بمعلومات لا تتناهى وحكم ~~القادرية في الغائب من صلاحية الإيجاد والتعلق بالمقدورات التي لا تتناهى ~~إلى غاية حتى يحكم على ما في الشاهد بذلك لم يلزم فلذلك احتياج العالمية في ~~الشاهد إلى علة لا يستدعي طرده في الغائب فإذا لا تعويل على الجمع بين ~~الشاهد والغائب بطريق العلة والمعلول بل إن قام دليل في الغائب على أنه ~~عالم يعلم قادر بقدرة فذلك الدليل مستقل بنفسه غير محتاج إلى ملاحظة جانب ~~الشاهد . ومن الجمع بين الشاهد والغائب الشرط والمشروط قالت الصفاتية ألستم ~~وافقتمونا على أن الشرط وجب طرده شاهدا وغائبا فإن كون العالم عالما لما ~~كان مشروطا بكونه حيا في الشاهد وجب طرده في الغائب حتى إذا ثبت كونه حيا ~~بهذا الطريق كذلك في العلم وأنتم ما فرقتم في الشرط بين الجائز والواجب ~~لذلك يلزمكم في العلم أن لا تفرقوا في العلة بين الجائز والواجب وهذا لازم ~~على المعتزلة غير أن لهم ولغيرهم طريقا آخر في إثبات كونه تعالى حيا بدون ~~الشرط فإن الحياة بمجردها لم تكن شرطا في الشاهد ما لم ينضم إليها شرط آخر ~~فإن البنية على أصلهم شرط في الشاهد ثم لم يجب طرده في الغائب وانتفاء ~~الأضداد شرط حتى يتحقق العلم ويجوز أن يكون المعنى الواحد شرطا لمعان كثيرة ~~ويجوز أن تكون شروط كثيرة لمعنى واحد وبهذا يتحقق التمايز بين الشرط والعلة ~~فلا يلزم الشرط على القوم ولكن يلزم على كل من قال بالعلة والمعلول والشرط ~~والمشروط سؤال التقدم والتأخر بالذات وإن كانا متلازمين في الوجود فإن ~~العلة إنما صارت مقتضية للحكم لاستحقاقها التقدم عليه بذاته والمعلول إنما ~~صار مقتضيا للعلة لاستحقاقه التأخر عنها بذاته وبهذا أمكنك أن PageV01P108 ~~تقول إنما صار العالم عالما لقيام العلم به ولا يمكنك أن تقول إنما قام ~~العلم ms117 به لكونه عالما ولو كان حكمهما في الذات حكما واحدا لم يثبت هذا ~~الفرق وبمثل هذا نفرق بين القدرة الحادثة والمقدور فإن الاستطاعة وإن كانت ~~مع الفعل وجودا إلا أنها قبل الفعل ذاتا واستحقاق وجود ولهذا أمكنك أن تقول ~~حصل الفعل بالاستطاعة ولا يمكنك أن تقول حصلت الاستطاعة بالفعل وهذا قولنا ~~في الشرط والمشروط فإن المحل يجب أن يكون حيا أولا حتى يقوم العلم به ~~والقدرة ولا يمكنك أن تقول العلم والقدرة أولا حتى يكون حيا وإلا فيرتفع ~~التميز بين الشرط والمشروط . ولا تظنن أن هذا الفرق راجع إلى مجرد اللفظ ~~فإن التفرقة المذكورة قضية عقلية وراء اللفظ ولا تظنن أيضا أنه راجع إلى ~~تقديرنا الوهمي حيث يقدر استحقاق وجود لأحدهما دون الثاني وافتقار وجود ~~أحدهما بالثاني فإن كل تقدير وهمي إذا لم يكن معقولا أمكن تبديله بغيره من ~~التقديرات وهذا لا يمكن تبديله بل هذه قضية معقولة فيلزم على ذلك أحد أمرين ~~إما أن يترك القول بالعلة والمعلول والشرط والمشروط رأسا ولا يطلق لفظ ~~الإيجاب والاقتضاء على المعاني بل يقال معنى كون الشيء عالما قيام العلم به ~~ومعنى قيام العلم به اتصاف محله به من غير فرق لكن يشتق له اسم من العلم ~~فيقال عالم كما يشتق له اسم من الفعل فيقال فاعل وهذا أمر راجع إلى اللغة ~~فحسب فلا اقتضاء ولا إيجاب ولا علة ولا معلول وهذا أهون الأمرين وإما أن ~~يقضي بسبق العلم على العالمية وأن يكون الوجود بالعلم أولا وأولى منه ~~بالعالمية ثم يحكم بسبق الذات على الصفات وأن يكون الوجود بالذات أولا أولى ~~منه بالصفات من حيث أن الذات قائمة بذاتها والصفات قائمة بها حتى يكون ~~الموصوف من حيث الذات أسبق على الصفة والصفة من حيث الإيجاب والاقتضاء أسبق ~~على الموصوف وهذا أشنع الأمرين والاستخارة إلى الله سبحانه وتعالى وهو خير ~~مخير . ومن الجوامع بين الشاهد والغائب الحد والحقيقة جرى رسم المتكلمين ~~بذكر الحد والحقيقة في هذا الموضع وقد اختلفوا في أن الحد عين المحدود ms118 أو ~~غيره وأنه والحقيقة شيء واحد أم شيئان . قال نفاة الأحوال حد الشيء وحقيقته ~~وذاته وعينه عبارات عن معبر واحد . PageV01P109 وقال مثبتو الأحوال أن الحد ~~قول الحاد المبين عن الصفة التي تشترك فيها آحاد المحدود فإن المحدود عندهم ~~يتميز عن غيره بخاصية شاملة لجميع آحاد المحدود وتلك الخاصية حال ويعبر عن ~~تلك الحال بلفظ شامل دال عليه جامع مانع يجمع ما له من الخاصية ويمنع ما ~~ليس له من خواص غيره ثم من الأشياء ما يحد ومنها ما لا يحد على أصلهم وأكثر ~~حدود المتكلمين راجع إلى تبديل لفظ بلفظ أعرف منه وربما يكون مثله في الخفا ~~والجلا وإنما أهل المنطق يبالغون في ذكر شروط الحد ويحققون في استيفاء ~~جوانبه لفظا ومعنى غير أنهم إذا شرعوا في تحديد الأشياء وتحقيق ماهياتها ~~يأتون بأبعد ما يأتي به المتكلمون كمن يتقن علم العروض ولا طبع له في الشعر ~~أو كمن يكون له طبع ولا مادة له من النحو والأدب فيعود حسيرا ويصبح أسيرا ~~ولعلهم معذورون لأن الظفر بالذاتيات المشتركة والذاتيات الخاصة عسير جدا . ~~فنقول في تحديد الحد وشرائطه أن الحد ينقسم إلى ثلاثة معان حد لفظي هو شرح ~~الاسم المحض كمن يقول حد الشيء هو الموجود والحركة هي النقلة والعلم هو ~~المعرفة وليس يفيد ذلك إلا تبديل لفظ بما هو أوضح منه عند السائل على شرط ~~أن يكون مطابقا له طردا وعكسا . وحد رسمي وهو تعريف الشيء بعوارضه ولوازمه ~~كمن يقول حد الجوهر القابل للعرض وحد الجسم هو المتناهي في الجهات القابل ~~للحركات وقد يفيد هذا القول نوع وقوف على الحقيقة من جهة اللوازم وقد لا ~~يفيد . وحد حقيقي هو تعريف لحقيقة الشيء وخاصيته التي بها هو ما هو وإنما ~~هو ما هو بذاتيات تعمه وغيره وبذاتيات تخصه والجمع والمنع إن أريد بهما ~~هذان المعنيان فهو صحيح فيما يجمعه من الذاتيات العامة والخاصة وهو الجنس ~~والفصل وما يمنع غيره فيقع من لوازم الجمع والطرد والعكس يقع أيضا من ~~اللوازم . ومن شرائطه أنه ms119 يجب أن يكون أعرف من المحدود ولا يكون مثله ولا ~~دونه في الخفاء والجلاء وأن لا يعرف الشيء بما لا يعرف إلا به إلى غير ذلك ~~فيما ذكر فإذا ثبت ما ذكرناه من تحديد الحد بعد التفصيل . قال من حاول ~~الجمع بين الغائب والشاهد بالحد والحقيقة حد العالم في الشاهد أنه ذو العلم ~~والقادر ذو القدرة والمريد ذو الإرادة فيجب طرد ذلك في الغائب والحقيقة لا ~~تختلف شاهدا أو غائبا قيل له هذا تعريف الشيء بما هو دونه في الخفاء ~~والجلاء فإن الإنسان ربما يعرف كون زيد متحركا ويشك في الحركة حتى يبرهن ~~على ذلك وكذلك في جميع الأوصاف فكيف اقتبست معرفة الإجلاء من الإخفاء وأيضا ~~PageV01P110 فإن ذا الشيء قد يكون على سبيل الوصف والصفة وقد يكون على سبيل ~~الفعل والمفعول وقد يكون على سبيل الملك والمملوك أليس روي في التنزيل ' ~~رفيع الدرجات ذو العرش ' ثم العرش خلقه وملكه وليس صفة قائمة بذاته فما ~~أنكرتم أن يكون معنى كونه ذا العلم والقدرة . قال قد يقتبس إثبات العلم ~~والقدرة من كونه عالما وقادرا وقد يقتبس من كون الشيء معلوما ومقدورا . ~~فبقول المتعلق بالمعلوم علم والمتعلق بالمقدور قدرة فإذا قام الدليل على ~~كونه عالما بالمعلوم فيجب أن يكون عالما بالعلم . ويحققه أن العلم إحاطة ~~بالمعلوم ويستحيل أن تكون الذات محيطا أو متعلقا فيجب أن يكون للذات صفة ~~إحاطة هي المحيطة المتعلقة بالمعلومات . قالت المعتزلة معلوم الله بكونه ~~عالما لا بالعلم ولا بالذات ولا معنى لكون المعلوم معلوما إلا أنه غير مخفي ~~على العالم كما هو عليه فليس ثم تعلق حسي أو وهمي حتى يحال به على العلم أو ~~على الذات وقولكم العلم إحاطة بالمعلوم تغيير عبارة وتبديل لفظ بلفظ وإلا ~~فالعلم والإحاطة والتيقن عبارات عن معبر واحد ومعنى كون الذات عالما أنه ~~محيط وكذلك معنى كونه محيطا أنه عالم وإنما وقعتم في إلزام لفظ الإحاطة ~~لظنكم أن الإحاطة لو تحققت للذات كانت تلك الإحاطة كإحاطة جسم بجسم وذلك ~~الاشتراك في اللفظ وإلا ms120 فمعنى الإحاطة هو العلم ' وهو بكل شيء عليم ' محيط ~~وبكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير . قالت الصفاتية العقل الصريح يفرق بين كون ~~الشيء معلوما وبين كونه مقدورا وكيف لا وكونه معلوما أعم من كونه مقدورا ~~فإن المعلوم قد يكون قديما وقد يكون حادثا وواجبا وجائزا ومستحيلا وكونه ~~مقدورا ينحصر في كونه ممكنا جائزا ثم نسبة المعلوم إلى الذات من حيث هي ذات ~~واحدة كنسبة المقدور من حيث هي ذات . فنقول نسبة الذات إليهما على قضية ~~واحدة عندكم أم تختلف النسبة فإن كان نسبة الذات إليهما على قضية واحدة ~~فيلزم أن لا يكون أحدهما أعم والثاني أخص ويجب أن يكون كل معلوم مقدورا كما ~~كان كل مقدور معلوما وإن اختلف وجه النسبة بالأعم والأخص علم أنه كل كان ~~مضافا إلى الذات بل إلى صفة وراء الذات PageV01P111 وذلك مما يخبر عنه ~~التنزيل بالعلم والقدرة . قالت المعتزلة تختلف وجوه الاعتبارات في شيء واحد ~~ولا يوجب ذلك تعدد الصفة كما يقال الجوهر متحيز وقائم بالنفس وقابل للعرض ~~ويقال للعرض لون وسواد وقائم بالمحل فيوصف الجوهر والعرض بصفات هي صفات ~~الأنفس التي لا يعقل الجوهر والعرض دونهما ثم هذه الأوصاف لا تشعر بتعدد في ~~الذات ولا بتعدد صفات هي ذوات قائمة بالذات ولا بتعدد أحوال ثابتة في الذات ~~كذلك نقول في كون الباري تعالى عالما قادرا . قالت الصفاتية ليس في وصف ~~الجوهر والعرض بهذه الأوصاف أكثر من إثبات حقيقة واحدة لها خاصية تتميز بها ~~عن غيرها وهذه العبارات دالة على تلك الخاصية وهي الحجمية في الجوهر ~~والسوادية في العرض مثلا فأما تحيزه وقبوله للعرض فذلك تعرض لنسبة الجوهر ~~إلى الحيز ونسبته إلى العرض إما تقديرا أو تحقيقا وبمثل ذلك نقول في حق ~~الباري سبحانه أنه موجود قديم قائم بنفسه غني أحد صمد غير متناهي الوجود ~~والذات وكل هذه الأوصاف ترجع إلى حقيقة واحدة وأما وصفه بكونه حيا عالما ~~قادرا إنما هو راجع إلى حقائق مختلفة وخواص متباينة تختص كل صفة بخاصية ~~وحقيقة لا تتعداها ms121 ولكل واحدة فائدة خاصة تخصها ودليل خاص يدل عليها ومتعلق ~~خاص يختص بها والحقائق إذا اختلفت من هذه الوجوه فقد اختلفت في ذواتها ولا ~~يسد أحدهما مسد الآخر والعقل إنما يميز هذه المعاني بهذه الوجوه وإلا ~~فإعراض متعددة إذا قامت بمحل واحد لم يحكم العقل باختلافها وتعددها إلا ~~باختلاف خواصها وآثارها وفوائدها ودلائلها ومتعلقاتها ومن المستحيل في ~~العقل اجتماع خواص مختلفة في حقيقة واحدة فلو جاز إثبات ذات لها حكم العلم ~~والقدرة والإرادة والحياة لجاز إثبات حقيقة واحدة لها حكم العرض والجوهر ~~ولجاز إثبات علم له حكم القدرة ولجاز إثبات لون له حكم الكون ويلزم على ذلك ~~اجتماع المتضادات وذلك من أمحل ما يتصور . ومما يوضح ذلك وهو أقوى ما يتمسك ~~به في إثبات الصفات قولنا الله عالم قادر وقول المعطل مثلا ليس بعالم ولا ~~قادر إثبات ونفى لا محالة فلا يخلو الأمر فيه إما أن يرجع الإثبات والنفي ~~إلى الذات وإما أن يرجع إلى الصفات وإما أن يرجع إلى الأحوال ومستحيل ~~رجوعهما إلى الذات فإنها معقولة دون الاتصاف بالعالمية إذ ليس PageV01P112 ~~من ضرورة العلم كونه ذاتا قائما بالنفس مستغنيا من كل وجه أن يعلم كونه ~~عالما ولذلك كان الدليل على كونه قائما بالنفس غير الدليل على كونه عالما ~~قادرا ولا من ضرورة نفي العالمية نفي الذات فإن جماعة من المعطلة نفوا كونه ~~عالما وقادرا مع إقرارهم وعلمهم بثبوت الذات ويستحيل رجوعهما إلى الحال ~~فإنها لا تنفي على حيالها ولا تثبت وقد أبطلنا القول بالحال فلم يبق إلا ~~القسم الأخير وهو الرجوع إلى الصفات . قالت المعتزلة أنتم أول من أثبت ~~حقائق مختلفة وخواص متباينة لذات واحدة حيث قلتم الرب تعالى عالم بعلم واحد ~~يتعلق بجميع المعلومات ومن المعلوم أن العلم بالسواد مثلا ليس يماثل العلم ~~بالبياض بل يخالفه لأن المثلين عندكم لا يجتمعان وقد يجتمع العلمان ~~المختلفان فعلمه سبحانه في حكم علوم مختلفة وكذلك القدرة الأزلية تتعلق ~~بمقدورات لا تتعلق القدرة الحادثة بها فهي في حكم قدر مختلفة وكذلك الإرادة ms122 ~~والسمع والبصر وأظهر من ذلك كله الكلام فإنه صفة واحدة أزلية وهي في ذاتها ~~أمر ونهي وخبر واستخبار ووعد ووعيد ومعلوم أن هذه حقائق مختلفة قد ثبتت ~~لكلام واحد فإن قلتم هذه الحقائق ترجع إلى الوجوه والاعتبارات فنحن نقول ~~كذلك في ذات الباري سبحانه وإن رددتم ذلك إلى الأحوال فمن مذهب أبي هاشم ~~أنها أحوال وعلى كل وجه قدرتموه يلزمكم مثله في الذات والصفات وقولكم إن ~~المعاني إنما تتعرف بعددها من خواصها ومتعلقها وآثارها وأدلتها صحيح في ~~الشاهد غير مسلم في الغائب بل بإجماع منا في مسائل وانفراد منكم في مسائل ~~خالفنا هذه القاعدة فإن القدم والوجوب بالذات والوحدة والقيام بالذات ~~والبقاء والديمومية وإنه أول وآخر وظاهر وباطن منزه عن المكان مقدس عن ~~الزمان حقائق مختلفة لو اعتبرناها شاهدا لكان لكل واحدة منها دليل خاص يدل ~~عليه ومع ذلك لا يوجب تعددا في الصفات بالاتفاق وعندكم الأمر والنهي في ~~الشاهد يتباينان ويتضادان وما يدل على الأمر غير ما يدل على النهي وكذلك ~~الخبر والاستخبار يتمايزان من حيث الحقيقة والدليل والمتعلق فإن متعلق ~~الأمر غير متعلق الخبر والخبر يتعلق بالقديم والأمر لا يتعلق به واختلافهما ~~من حيث التعلق أوجب اختلافهما في الشاهد ثم لم نستدل باختلافهما في الشاهد ~~على اختلافهما في الغائب بل كلامه أمر ونهي مع أن الأمر يتعلق بالمأمورات ~~دون المنهيات والنهي يتعلق بالمنهيات دون المأمورات والخبر يتعلق بكل ما ~~يتعلق به العلم معدوما وموجودا وواجبا وجائزا ومستحيلا . وأما استدلالكم ~~بطريق النفي والإثبات على أصل نفاة الأحوال غير مستقيم فإن عندهم النفي ~~والإثبات في كل شيء يرجعان إلى أمر مخصوص معين فلا يتصور إثبات ذات ~~PageV01P113 على الإطلاق إلا في مجرد اللفظ أو يرجع إلى وجه واعتبار فقولنا ~~عالم يرجع إلى العلم بذات على وجه واعتبار وعند مثبتي الأحوال قولنا عالم ~~يرجع إلى إثبات ذات على حال كونه عالما هذا كمن يعرف بكونه موجودا ولا يعرف ~~بكونه واحدا وغنيا وقديما أليس النفي والإثبات في ذلك لا يرجع إلى الصفات ~~الزائدة ms123 على الذات وإنما يرجع إلى الاعتبارات والوجوه كذلك نقول في الصفات ~~فبطل استدلالكم بالنفي والإثبات . قالت الصفاتية العلم من حيث هو علم حقيقة ~~واحدة وليس خاصية واحدة وإنما تختلف العلوم باعتبار متعلقاتها وتتماثل ~~باتحاد المتعلق وليس يخرج ذلك الاعتبار نفس العلم عن حقيقة العلمية حتى لو ~~قدرنا تقديرا لمحال جواز بقاء العلم الحادث لتعلق العلم الحادث بمعلومين ~~ومعلومات . والسر فيه أن العلم على كل حال يتبع المعلوم عدما ووجودا فلا ~~يكسب المعلوم صفة ولا يكتسب عنه صفة فالعلوم تختلف في الشاهد لاستحالة ~~البقاء وتقدير اختلاف المتعلقات والعلم القديم في حكم علوم مختلفة لا في ~~حكم خواص متباينة وكذلك نقول في الكلام فإن الأمر والنهي والخبر والاستخبار ~~شملتهما حقيقة الكلام فاجتمعت في حقيقة واحدة واختلفت اعتبارات تلك الحقيقة ~~بالنسبة إلى المتعلقات وهذا غير مستبعد وإنما المستحيل كل الاستحالة إثبات ~~ذات واحدة لها خاصية العلم وخاصية القدرة والإرادة إلى غير ذلك من سائر ~~الصفات حتى يلزم أن يقال يعلم من حيث يقدر ويقدر من حيث يعلم ويقدر بعالمية ~~ويعلم بقادرية وتجتمع صفتان وخاصيتان لذات واحدة وذلك غير معقول وأما صفات ~~الذات التي ليست وراء الذات فإنها راجعة إلى النفي لا إلى الإثبات فمعنى ~~كونه قديما أنه لا أول له ولا آخر ومعنى كونه واحدا أنه لا شريك له ولا ~~قسيم ومعنى كونه غنيا أنه لا حاجة له ولا فقر ومعنى كونه واجبا بذاته أن ~~وجوده غير مستفاد من غيره ومعنى كونه قائما بنفسه أنه غير محتاج إلى مكان ~~وزمان بل هو مستغن على الإطلاق عن الموجد والمكان والمحل بخلاف قولنا أنه ~~عالم قادر فإن العالم ذو العلم حقيقة والقادر ذو القدرة حقيقة والإحكام ~~والإتقان دليل العلم وأثره والوجود والحصول دليل القدرة وأثرها فهما معنيان ~~معقولان بحقيقتهما فلا يتحدان في ذات كما لا يتحدان بذاتهما حتى يكون حقيقة ~~أحدهما حقيقة الثاني وكذلك قلتم معاشر المعتزلة أن العالمية ليس بعينها ~~معنى القادرية لجواز العلم بأحدهما مع الجهل بالثاني . وقال أبو هاشم ~~العالمية حال والقادرية ms124 حال ومفيدهما حال يوجب الأحوال كلها فلا فرق في ~~الحقيقة بين أصحاب الأحوال وبين أصحاب الصفات إلا أن الحال PageV01P114 ~~متناقض للصفات إذ الحال لا يوصف بالوجود ولا بالعدم والصفات موجودة ثابتة ~~قائمة بالذات ويلزمهم مذهب النصارى في قولهم واحد بالجوهرية ثلاثة ~~بالأقنومية ولا يلزم ذلك التناقض مذهب الصفاتية . وأما الاستدلال بالنفي ~~والإثبات فصحيح واعتراضكم فاسد فنقول قد قام الدليل على كون الصانع عالما ~~قادرا فلا يخلو الحال إما أن يكون الاسمان عبارتين عن معبر واحد من غير ~~تفاوت أصلا فيلزمكم أن تفهم العالمية بفهم القادرية ويلزمكم أن تنفى ~~العالمية من نفي القادرية ويلزمكم أن يوجد العالم من حيث كونه عالما فحسب ~~ولا يحتاج إلى إثبات كونه قادرا فيلزم أن يدل على العالمية كما يدل على ~~القادرية ومن المعلوم الذي لا مرية فيه أنه ليس إطلاق لفظ العالم القادر ~~كإطلاق لفظ الموجد الخالق فإنا ندرك ببدائه عقولنا فروقا ضرورية بين كونه ~~علاما قادرا وبين كونه موجدا خالقا فلو كان الاسمان مترادفين ترادف هذين ~~الاسمين لكنا لا ندرك بعقولنا هذه التفرقة ثم ليس يجوز أن يقال أحد الوصفين ~~وصف إثبات والثاني وصف نفي فإنهما في محل تصور الفهم متساويان وليس يجوز أن ~~يقال أحدهما وصف إضافة والثاني وصف حال وصفة إذ الإضافة من لوازمها لذاتها ~~بل هما حقيقتان تعرض لهما الإضافة إلى المتعلقات والإضافة معنى لا تعرض له ~~الإضافة وإذا بطلت هذه الوجوه تعين أنهما صفتان قائمتان بالذات عبر الشرع ~~عن إحداهما بالعلم وعن الثانية بالقدرة . قالت المعتزلة نحن لا ننكر الوجوه ~~والاعتبارات العقلية لذات واحدة ولا نثبت الصفات إلا من حيث تلك الوجوه إما ~~إثبات صفات هي ذوات موجودات أزلية قديمة قائمة بذاته هو المنكر عندنا فإنها ~~إذا كانت موجودات وذوات وراء الذات فإما أن تكون عين الذات وإما أن تكون ~~غير الذات فإن كانت عين الذات فهو مذهبنا وبطل قولكم هي وراء الذات وإن ~~كانت غير الذات فهي حادثة أو قديمة وليس من مذهبكم أنها حادثة وإن كانت ~~قديمة فقد ms125 شاركت الذات في القدم والوجوب بالذات ونفى الأولية فهي آلهة أخرى ~~فإن القدم أخص وصف القديم والاشتراك في الأخص يوجب الاشتراك في الأعم . ومن ~~الإلزامات على قولكم أنها قائمة بذاته أن القائم بالشيء محتاج إلى ذلك ~~الشيء حتى لولاه لما تحقق له وجود به فيلزمكم إثبات خصائص الأعراض في ~~الصفات فإن العرض هو المحتاج إلى محل يقوم به ويلزمكم إثبات التقدم والتأخر ~~الذاتي PageV01P115 العقلي في الذات والصفات وهذا كله محال . وساعدهم جماعة ~~من الفلاسفة المعطلة في إلزام هذه الكلمات وزادوا عليهم بأن قالوا قام ~~الدليل على أن واجب الوجود مستغن على الإطلاق من كل وجه فمن أثبت له صفة ~~لذاته أزلية معنى وحقيقة قائمة بذاته فقد أبطل الاستغناء المطلق من الصفة ~~والموصوف جميعا وأثبت الاحتياج والفقر في الصفة والموصوف جميعا أما الصفة ~~فاحتاجت في وجودها إلى ذات تقوم بها إذ يدب أن تقول قام العلم بالباري ~~واستحال أن تقول قام الذات بالعلم وأما الموصوف فإنما يتم كما له في ~~الإلهية إذا قامت به هذه الصفات حتى لولاها لما كان إلاها مستغنيا على ~~الإطلاق فإذا المستغنى على الإطلاق لا يكون إلا واحدا من كل وجه ولا كثرة ~~فيه من وجه . قالت الصفاتية كما أنكرتم إثبات صفات أزلية أنكرنا عليكم ~~إثبات موصوف بلا صفة إنكارا بإنكار واستبعادا باستبعاد وتقسيمكم أنها عين ~~الذات أم غير الذات إنما يصح إذا كان التقسيم دائرا بين النفي والإثبات فإن ~~من قال هذا عينه وهذا غيره قد يعني به أنهما شيئان فهذا شيء وذاك شيء آخر ~~وقد يعني به أنهما شيئان ويجوز وجود أحدهما مع عدم الثاني أو مع تقدير عدم ~~الثاني ونحن لا نسلم أن الصفات أغيار ولا نقول أنها عين الذات لأن حد ~~الغيرين عندنا هو المعنى الثاني لا المعنى الأول ثم إن جاز لمثبتي الأحوال ~~القول بأن الحال لا موجودة ولا معدومة جاز لمثبتي الصفات القول بأن الصفات ~~لا عين الذات ولا غير الذات على أن كل حقيقة التأمت من أمرين محققين في ~~الشاهد ms126 مثل الإنسانية فإنها التأمت من حيوانية وناطقية عند القوم فإذا قيل ~~الناطقية عين الإنسانية أو غيرها لم يصح بأنها لا عينها ولا غيرها وكذلك ~~جزء كل شيء لا عينه ولا غيره ثم هب أنا نسلم الغيرية بالمعنى الأول فقولكم ~~إن كانت قديمة أوجب أن تكون إلاها دعوى مجردة بل هو محل النزاع وقولكم ~~القدم هو أخص وصف الإله دعوى لا برهان عليها فإن معنى الإلهية هو ذات ~~موصوفة بصفات الكمال فكيف نسلم أن كل صفة أزلية إلاه ثم من قال القدم أخص ~~الأوصاف فيجب أن يبين أعم الأوصاف فإن الأخص إنما يتصور بعد الأعم فما ~~الأعم فإن كان الوجود هو الأعم والقدم هو الأخص فقد التأمت حقيقة الإلهية ~~من أعم وأخص فالأخص عين الأعم أو غيره ويلزم على مساق ذلك ما ألزمتموه على ~~الصفات . وأما قولكم أن الصفات لو قامت بذاته تعالى لاحتاجت إليها وكان ~~حكمها حكم الأعراض وكان وجود الموصوف أسبق وأقدم بالذات على وجود الصفة ~~فهذا مما يستحق أن يجاب عنه . PageV01P116 | فنقول معنى قولنا الصفات قامت ~~به أنه سبحانه يوصف بها فقط من غير شرط آخر والوصف من حيث هو وصف لا يستدعي ~~الاحتياج والاستغناء ولا التقدم ولا التأخر فإن الوصف بكونه قديما واجبا ~~بذاته من حيث هو وصف لا يستدعي كون القدم والوجوب محتاجا إلى الموصوف ولا ~~كون الموصوف سابقا بالقدم والوجوب بل الاحتياج إنما يتصور في الجواهر ~~والأعراض حيث لم تكن فكانت فاحتاجت إلى موجد لجوازها وتطلق على الأعراض ~~خاصة حيث لم تعقل إلا في محال واحتاجت إلى محل وبالجملة الاحتياج إنما ~~يتحقق فيما يتوقع حصوله فيترقب وجوده ولن يتصور الاحتياج في القدم . وأما ~~الجواب عن قول الفلاسفة أنه تعالى مستغن على الإطلاق قيل الاستغناء من حيث ~~الذات أنه لا يحتاج إلى مكان ومحل والاستغناء من حيث الصفات أنه لا يحتاج ~~إلى شريك في القدرة والفعل ومعين في العلم والإرادة ووزير في التصرف ~~والتدبير فهو تعالى مستغن على الإطلاق وإنما يستغني بكمال صفاته وصفات ~~جلاله فكيف ms127 يقال أنه احتاج إلى ما به استغنى أليس القول بأنه استغنى بوجوبه ~~في وجوده عن موجد ولا يقال أنه لما استغنى عند ذلك كان محتاجا إليه كذلك ~~نقول إنه استغنى بذاته وصفاته فلا الموصوف محتاج إلى الصفة ولا الصفة ~~احتاجت إلى الموصوف وإنما يتحقق الاحتياج أن لو كانت الصفة على مثال الآلة ~~والأداة والصفات الأزلية يستحيل أن تكون آلة فبطل الإلزام وزال الإيهام . ~~قالت الفلاسفة القسمة الصحيحة العقلية أن الموجود ينقسم إلى واجب بذاته ~~وإلى ممكن بذاته وواجب بغيره فالواجب بذاته ليس يتصور إلا واحدا من كل وجه ~~لا كثرة فيه بوجه من الوجوه لا كثرة أجزاء عددية ولا كثرة معان عقلية وإلا ~~فيلزم أن يشترك في وجوب الوجود وينفصل كل واحد عن صاحبه بفصل يخصه فحينئذ ~~تتركب ذاته من جنس وفصل ثم تكون الأجزاء مقومات للجملة لا محالة والمقوم ~~أقدم من المقوم وما يقوم بالشيء لا يكون واجبا بذاته بل بالمقوم والواجب ~~بذاته لن يتصور إلا واحدا والمعاني التي أثبتموها إما أن تكون واجبة بذاتها ~~فيلزم أن يكون اثنان واجبا الوجود وذلك محال كما قدمناه وإما أن لا تكون ~~واجبة بذاتها بل يكون قوامها بالذات فيلزم ما ذكرناه آنفا . قيل لهم قسمة ~~الوجود إلى واجب بذاته وإلى واجب بغيره دليل قاطع على نقص إلزامكم فإن ~~الوجود من حيث هو وجود قد عم الواجب والجائز والوجوب من حيث هو وجوب قد خص ~~الواجب فاشتركا في الأعم وافترقا في الأخص وما به عم غير PageV01P117 ما به ~~خص فتركبت الذات من وجود عام ووجوب خاص فهو كتركيب الذات من واجب الذات قد ~~شملت الواجبين ويفصل كل واحدهما بفصل عن الواجب الآخر . قالت الفلاسفة ~~الوجود ليس يعم القسمين بالسوية بل هو في أحدهما بالأولى والأول وفي الثاني ~~بلا أولى ولا أول فلم يكن جزا مقوما فلم يصلح أن يكون جنسيا فلم يلزم ~~التركيب منه والتقوم به . قيل هذا بعينه في الوجوب جوابنا فإن الوجوب ليس ~~يعم القسمين بالسوية فلم يكن الوجوب جزا مقوما ms128 فلم يصلح أن يكون جنسا فلم ~~يلزم التركيب منه والتقوم به . قالت الفلاسفة الوجوب معنى سلبي معناه أن ~~وجوده غير مستفاد من غيره فلم يصلح أن يكون فصلا للوجود . قيل وإذا لم يصلح ~~أن يكون فصلا لكونه معنى سلبيا فلا يصلح أن يكون جنسا لكونه معنى سلبيا ~~وألزمتمونا كونه جنسا إذ قلنا ذاته تعالى واجبة لذاتها وصفاته تعالى واجبة ~~لذاتها أيضا بمعنى أن وجودها غير مستفاد من غيرها فلم لا يجوز أن يكون ~~اثنان كل واحد واجب الوجود لذاته فإن ألزمتمونا بالاشتراك في شيء والافتراق ~~في شيء آخر لزمكم في الوجوب والوجود كذلك . قالت الفلاسفة الوجود يطلق على ~~الموجودات بالتشكيك لا بالتشريك ولا بالتواطؤ إذ معناه أنه وإن عم إلا أن ~~عمومه ليس بالتسوية فإنه في الواجب لذاته وبذاته فهو أولى وأول وفي الجائز ~~لغيره وبغيره فهو لا أولى ولا أول فلم يصلح أن يكون جنسا فلم يلزم منه ~~التركيب من جنس وفصل بخلاف موجودين واجبين كل واحد منهما وجوبه بذاته ~~وينفصل كل واحد منهما عن الآخر بفصل ذاتي كالعلمية فإنها والذات تشتركان في ~~وجوب الوجود وينفصل أحدهما عن الآخر بفصل ذاتي وكذلك العلم والقدرة ~~المشتركان في كونهما معنيين متباينين ثابتين أزليين وينفصل أحدهما عن الآخر ~~بفصل ذاتي فتكون الإلهية حقيقة ما متركبة من ذات قائمة بنفسها وصفات مختلفة ~~قائمة بالذات فلا يوجد فرق بين الإنسانية المركبة من الحيوانية والناطقية ~~وبين الإلهية المركبة من الذات والصفات وحينئذ لا فرق بين التأليف المحسوس ~~والتأليف المعقول . قيل لهم أنتم وضعتم هذه الاصطلاحات حيث ضاق بكم التزام ~~الوجود وشموله . فنقول العموم إذا حصل معنى مفهوم من لفظ متصور في ذهن كان ~~شموله بالسوية لست أقول شموله بالنسبة إلى سائر الموجودات بل أقول شموله ~~بالنسبة إلى قسمية الأخصين به وهو الوجوب والجواز والقول بأنه في الواجب ~~أولى وأول تفسير PageV01P118 لمعنى الواجب أي هو ما يكون الوجود له أولى ~~وأول حتى لو تركنا لفظ الواجب جانبا وقلنا الوجود ينقسم إلى ما يكون الوجود ~~له أولى ms129 وأول وإلى ما يكون الوجود له لا أولى ولا أول كان التقسيم صحيحا ~~مفيدا لفائدة الأولى ثم الوجوب لا يفهم إلا وأن يفهم الوجود أولا حتى لو ~~رفع الوجود في الوهم ارتفع الوجوب بارتفاعه وهو معنى ذاتي فالوجود ذاتي ~~للواجب بهذا المعنى وبمعنى أنه أولى به وأنه لذاته وبذاته وأنه لغيره على ~~خلاف ذلك . ومن العجب أنهم قالوا الوجوب معنى سلبي حتى لزمهم أن يقولوا ~~الجواز الذي في مقابلته معنى إيجابي وليت شعري كيف يستجيز العاقل من عقله ~~أن يرد معنى الوجوب إلى السلب والجواز إلى الإيجاب أليس الوجود أولى ~~بالواجب فكيف صار أولى بالجائز أليس الوجوب تأكيدا للوجود فكيف تأكد الوجوب ~~بالسلب وهل هذا كله إلا تحير العقل ودوار في الرأس وتطرق الوسواس إلى صدور ~~الناس . ثم نقول إن سلم لكم أن الوجود ليس بجنس فلم يخرج عن كونه عاما ~~شاملا للقسمين إذ لولا شموله وإلا لما صح التقسيم فإن التقسيم إنما يرد على ~~المعنى لا على مجرد اللفظة فالمعنى العام للواجب والجائز غير المعنى الخاص ~~بأحد القسمين فإذا لم يكن التركيب تركبا من جنس وفصل كان تركبا من عام وخاص ~~فيفيد أحدهما من التصور ما لا يفيده الآخر فيلزم منه عين ما يلزم من الفصل ~~والجنس . قالت الفلاسفة التميز بينهما تميز في الذهن بالاعتبار العقلي لا ~~في الوجود . قيل لهم التميز بين العرضية واللونية تميز في الذهن بالاعتبار ~~العقلي لا في الوجود وكذلك الإنسانية في كونها مركبة من حياة ونطق فما ~~الفرق بين وجود عام ووجوب خاص وبين عرض عام ولون خاص والتركيب كالتركيب إلا ~~أن أحد العامين والخاصين من جنس وفصل على اصطلاح المنطق فيصلح أن يركب ~~منهما حد الشيء والثاني عام وخاص لا يصلح أن يركب منهما حد الشيء والفرق من ~~هذا الوجه ليس يقدح في غرضنا من الإلزام فإنا لم نلزم كون الباري تعالى ~~محدودا بل ألزمنا كونه موصوفا والموصوف بالصفة أعم من المحدود بالحد ثم ~~القول بأن تركبه بالقياس إلى عقولنا وأذهاننا تسليم المسئلة ms130 وزيادة أمر على ~~الصفاتية ويلزم عليه أن يقال له مادة وجنس وفصل وخاصية وعرض إلى غير ذلك من ~~أنواع التركيب بالقياس إلى عقولنا لا بالقياس إلى ذاته ثم هم معرفة المعلوم ~~على خلاف ما هو له فإنه في ذاته غير مركب وفي التصور العقلي مركب ثم الوجوب ~~إن كان معنى إثباتيا في الذهن غير إثباتي في الخارج فذلك تغيير حقيقة الشيء ~~الواحد بالنسبة إلى شيئين والحقائق لا تختلف PageV01P119 بالنسبة أصلا وإن ~~كان الوجوب معنى سلبيا في الذهن فقد استغنى بكونه نفيا عن إلزام التركيب ~~الذهني وعندهم المعاني السلبية لا توجب التكثير سواء كانت في الذهن أو في ~~الخارج والمعاني الإيجابية الغير إضافية لا تخلو من التكثر سواء كانت في ~~الذهن أو في خارج ومن المعلوم أنا إذا قلنا يعلم ذاته ويعلم غيره فليس علمه ~~بذاته علما بغيره من الوجه الذي كان علما بذاته بل اعتبار علمه بذاته غير ~~اعتبار علمه بغيره واعتبار إضافة العقل الأول إليه عندكم غير اعتبار إضافة ~~العقل الثاني إليه وإذا اختلفت الاعتبارات والوجوه العقلية لزمكم التكثير ~~في الذات فنحن نسمي كل اعتبار صفة وما سميتموه بالمعاني السلبية فعندنا ~~القدم والوحدة بمثابتهما فإن معنى القديم أنه لا أول لوجوده ومعنى الواحد ~~أنه لا انقسام لذاته وما سميتموه من المعاني بالمعاني الإضافية فعندنا كونه ~~خالقا رزاقا بمثابتهما فإن معنى الخالقية يتصور من الخلق والرازقية من ارزق ~~وبقي عندنا أنا أثبتنا معاني من كونه عالما قادرا حيا فإن رده إلى السلبية ~~غير ممكن حتى يقال معنى كونه عالما أنه غير جاهل فإن غير الجاهل قد يتصور ~~ولا يكون عالما فهو أعم وحتى يقال أن معنى كونه قادرا أنه غير عاجز فإن غير ~~العاجز قد يتصور ولا يكون قادرا فنفي الأولية بالضرورة يقتضي القدم ونفي ~~الانقسام لا يقتضي العلم والقدرة فقد يخلو الشيء عن الجهل والعلم كالجماد ~~فإذا معنى العالمية والقادرية ليس معنى سلبيا وليس هو أيضا معنى إضافيا فإن ~~الاسم الإضافي من المضاف يتلقى بمعنى أنه يحصل الفعل أولا ms131 حتى يسمى فاعلا ~~وليس كذلك كونه عالما قادرا فإن وجود المعلوم والمقدور من العلم والقدرة ~~يحصل فهو على خلاف وضع الأسامي الإضافية خصوصا على أصلهم فإنهم قالوا علمه ~~تعالى فعلى لا انفعالي وعند المتكلمين العلم يتبع المعلوم وعندهم المعلوم ~~يتبع العلم والمقدور يتبع القدرة وعن هذا قالوا إنما يصدر عنه العقل الأول ~~لعلمه بذاته فإذا لم يكن العلم معنى سلبيا ولا معنى إضافيا ولا مركبا منهما ~~فتعين أنه صفة للموصوف . قالت الفلاسفة المبدأ الأول يعقل ذاته ويعقل ما ~~يلزم ذاته وعقله لذاته من حيث أنه مجرد عن المادة لذاته وهو علة المبدأ ~~الثاني وهو المعلول الأول فلزم وجوده من حيث أنه يعقل ذاته وسائر الأشياء ~~تكون معلولة على نسق الوجود منه وتجرده لذاته عن المادة أمر سلبي محض فلم ~~تتكثر الذات بسلب شيء منه كما يقال الإنسان ليس بحجر ولا مدر ولا نجم ولا ~~شجر وكذا إلى غير نهاية فهذا السلب وإن بلغ إلى PageV01P120 غير النهاية لا ~~يوجب تكثيرا في ذاته وإنما قلنا أن تعقله لذاته أمر سلبي أن العقل هو ~~المجرد عن المادة وتجريده عن المادة سلب المادة عنه فلزم أن يكون عالما ~~لتجرده عن المادة وعلائقها إذ المادة هي التي كانت حجابا عن التعقلات فلما ~~ارتفع الحجاب صار العقل مدركا عند ارتفاع الحجاب المحسوس أدراك الحس ~~المحسوس وعند ارتفاع الحجاب المعقول إدراك العقل المعقول وليس يختص ذلك ~~بتعقل الباري تعالى بل كل عقل ونفسي إذا تجرد عن المادة عقل وأدرك بمقدار ~~تجرده ثم ذات العقل الأول لا يحتجب عن ذاته أبدا فهو عاقل بنفسه أبدا وكل ~~عقل ونفس مفارق للمادة فحكمه كذلك إلا أن من المواد ما يكون في ألطف ما ~~يكون كالأجسام السماوية فكان حجابها لعقولها ونفوسها أقل تأثيرا إلى أن يصل ~~في الدرجة العليا إلى ما لا يخالط مادة البتة فيكون أكمل الأشياء تعقلا ~~وإدراكا ومن المواد ما يكون في أكثف ما يكون كالأجسام الأرضية فكان حجابها ~~لإدراكاتها أكثر تأثيرا إلى أن ينزل في الدرجة السفلى ms132 إلى ما لا يفارق مادة ~~البتة فيكون أكثر الأشياء خمودا وجمودا والعقل الأول وإن فارق المادة من كل ~~وجه إلا أن ذاته باعتبار ذاته ممكن الوجود فلم يخرج عن الإمكان وطبيعة ~~الإمكان عدمية مادية لم يصل تعقله إلى درجة العلة الأولى إذ هو أجل الأشياء ~~إدراكا لا أجل الأشياء كمالا إذ هو برئ عن طبيعة الإمكان والعدم . قالت ~~الصفاتية الباري تعالى يعلم ذاته ويعلم ما يلزم منه بعلمين أم بعلم واحد ~~فإن قلتم المعلومان يستدعيان علمين فقد ناقضتم مذهبكم وزريتم علينا وإن ~~قلتم بعلم واحد فيعلم الذات من حيث يعلم اللازم ويعلم اللازم من حيث يعلم ~~الذات فيجب أن تكون الذات لازما واللازم ذاتا لأنه إنما يلزم منه ما يلزم ~~لعلمه بذاته وهو من حيث ذاته يعلم اللازم فيوجد منه الذات كما يوجد منه ~~اللازم أو كان لا يوجد منه اللازم كما لا يوجد منه الذات وإن كان يعلم ~~الذات لا من حيث يعلم اللازم فقد تعدد الاعتبارات فتكثر الذات بتكثر الوجوه ~~والاعتبارات على ما سنفرد مسئلة في العلم الأزلي خاصة وتحقيق تعلقه ~~بالمعلومات لكن الذي يختص بمسئلتنا هذه إلزام الوجوه والاعتبارات في الصفات ~~التي أثبتموها وقولكم تجرده عن المادة أمر سلبي أي هو مفارق ليس في مادة ~~أصلا لا لشيء جرده عن المادة بل لذاته وبذاته ولا يوجب تكثرا في الذات . ~~قلنا من المعلوم أن قولنا عالم يشعر بتبين المعلوم وقولنا ليس في مادة يشعر ~~بنفي المادة عنه والمفهومان متغايران لفظا ومعنى فكيف يقال أحدهما هو ~~الثاني بعينه لعمري يصح أن يقال أحدهما سبب لوجود الثاني على معنى أن ~~المادة إذا ارتفعت ارتفع الحجاب فأدرك الشيء وعقله كالمرآة المصدية إذا ~~صقلت وارتفع الصدأ تمثلت PageV01P121 صورة المحسوس فيها كذلك إذا ارتفعت ~~المادة يتبين الشيء المعقول في الذهن والعقل وإذا تبين المعقول ارتفعت ~~الحجب كلها وكلا الوجهين صحيح إما أن يكون أحدهما عين الثاني حتى يكون ~~إطلاق بالترادف فذلك خطأ ظاهر وما ذكرتموه من تفريع مذهبكم على هذه القاعدة ~~نتكلم عليها ms133 بعد هذه المسئلة إن شاء الله تعالى ونقول إذا كان الوجود من ~~حيث هو وجود يعم الواجب والممكن فالذات القائم بالنفس من حيث أنه ذات قائم ~~بالنفس يعم الواجب والممكن فما الذي يخص الواجب من أمر وراء ذاته حتى يتميز ~~عن سائر الذوات فإن لم يكن له ما يخصه فليس له ما يعمه وإن كان التخصيص وقع ~~بالذات فهلا قلتم وقع التخصيص بالوجود دون الوجوب وإن وقع التخصيص بأمر دون ~~أمر فذلك الأمر الذي خصص وعين هو الصفة عندنا إلا أنا بحكم الشرع أطلقنا ~~اسم العلم والقدرة والإرادة على ذلك وأنتم ما خالفتمونا في العلم والقدرة ~~بل قلتم هو تعالى عالم لذاته وذاته علم وإن كان الذات من حيث هو ذات شاملا ~~شمول الوجود والتخصيص إنما يقع بأمر وصفة وبالجملة كل أمر عام وجودي إذا ~~تخصص فإنما يتخصص بأمر خاص وجودي فيلزم هناك أثنينية من المعنى عام وخاص ~~وسواء كان العام جنسا والخاص فصلا وسواء لم يكن الأمر كذلك . فإن قيل قد ~~يتخصص الشيء بالفصول السلبية والسلب لا يوجب الاثنينية . قيل هذا خطأ وقع ~~للمنطقيين منكم حيث ظنوا أن السلب يجوز أن يكون فصلا ذاتيا . والبرهان على ~~استحالة ذلك أن الفصل لا يتحقق ما لم يتحقق في المفصول اشتراك ما في أعم ~~وصف فيكون الفصل أعني ما به تميز عن غيره من المشتركات أخص وصف الشيء ~~والشيء إنما يتميز عن غيره بأخص وصفه وسلب صفة وشيء آخر عنه وبما يطلقه على ~~أخص وصفه لا أن يكون نفسه أخص وصفه . فلما ضاق على بعض الفلاسفة التعبير عن ~~الفصول الذاتية بعبارات ناصة عليها أوردوا فصولا سلبية على أن تطلع الطالب ~~على نفس المطلوب ظن بعضهم أن السلوب تصلح أن تكون فصولا ذاتية وذلك خطأ بين ~~ثم ارتكبوا على مقتضى ذلك أن جعلوا وجوب الوجود أمرا سلبيا وفصلوا به ذات ~~واجب الوجود عن سائر الذوات ولم يفطنوا لإمكان الوجود الذي في مقابلة وجوب ~~الوجود أنه يلزم أن يكون فصلا إيجابيا ويا ليت شعري ms134 كيف يتأكد الوجوب ~~بالسلب وكيف يضعف الوجود بالإيجاب وكيف يكون سلب الغير تأكيدا لذات الوجود ~~الواجب وإيجاب الذات لا يكون تأكيدا وبالجملة كلما يتميز عن غيره فإنما ~~يتميز بأخص وصفه وأخص وصف PageV01P122 الشيء الموجود لا يكون إلا أمرا ~~وجوديا . فإن قيل هذا خبر ما عندنا في الوجود وعمومه وخصوصه وقد لزم عليه ~~ما لزم فما خبر ما عندكم حتى لا يلزم المحال الذي لزم . قلنا وجه الخلاص من ~~هذه الإلزامات المفحمة والتقسيمات الملزمة للتكثر أن نجعل الوجود من ~~الأسماء المشتركة المحضة التي لا عموم لها من حيث معناها وإنما اللفظ ~~المجرد يشملها كلفظ العين فيطلق الوجود على الباري تعالى لا بالمعنى الذي ~~يطلق على سائر الموجودات وذلك كالوحدة والقدم والقيام بالذات وليس ثم خصوص ~~وعموم ولا اشتراك ولا افتراق كذلك في كل صفة من صفاته يقع هذا الاشتراك لكن ~~إذا سلكتم أنتم هذه الطريقة أفسد عليكم باب التقسيم الأول للوجود وبطل قول ~~أستاذكم في أنا لا نشك في أصل الوجود وأنه ينقسم إلى واجب لذاته واجب لغيره ~~فإن المشتركات في اللفظ المجرد لا تقبل التقسيم المعنوي ولذلك لم يجز أن ~~يقال أن عينا وأنها تنقسم إلى الحاسة الباصرة وإلى الشمس وإلى منبع الماء ~~إذ هي مختلفة بالحقائق والمعاني والله المستجار سبحانه ما يكون لنا أن نقول ~~فيه بغير حق وهو حسبنا ونعم الوكيل . PageV01P123 # | القاعدة العاشرة في العلم الأزلي خاصة # وأنه أزلي واحد متعلق بجميع المعلومات على التفصيل كلياتها وجزئياتها ~~وذهب جهم بن صفوان وهشام بن الحكم إلى إثبات علوم حادثة للرب تعالى بعدد ~~المعلومات التي تجددت وكلها لا في محل بعد الاتفاق على أنه عالم لم يزل بما ~~سيكون والعلم بما سيكون غير والعلم بالكائن غير . وذهبت قدماء الفلاسفة إلى ~~أنه عالم بذاته فقط ثم من ضرورة علمه بذاته يلزم منه الموجودات وهي غير ~~معلومة عنده أي لا صورة لها عنده على التفصيل والإجمال . وذهب قوم منهم إلى ~~أنه يعلم الكليات دون الجزئيات وذهب قوم إلى أنه يعلم الكلي والجزئي ms135 جميعا ~~على وجه لا يتطرق إلى علمه تعالى نقص وقصور . أما الرد على الجهمية هو أنا ~~نقول لو أحدث الباري لنفسه علما فإما أن يحدثه في ذاته أو في محل أو لا في ~~ذاته ولا في محل والحدوث في ذاته يوجب التغيير والحدوث في محل يوجب وصف ~~المحل به والحدوث لا في محل يوجب نفي الاختصاص بالباري تعالى وبمثل هذا نرد ~~على المعتزلة في إثبات إرادات لا في محل . وبرهان آخر نقول لو قدر معنى من ~~المعاني لا في محل كان قائما بذاته غير محتاج إلى محل يقوم به ففي احتياج ~~العلم إلى محل إما أن يكون معنى يرجع إلى ذات كونه علما فيجب أن يكون كل ~~علم غير محتاج إلى محل وإما أن يكون لأمر زائد على ذات كونه علما فيجب أن ~~يكون فعلا لفاعل فوجب أن يكون فعل الفاعل يوجب نفي الاحتياج في كل عرض وكل ~~معنى وليس الأمر كذلك ثم فعل الفاعل لا يوجب أن ينتسب إليه المفعول بأخص ~~وصفه الذاتي بل إنما ينتسب إليه من حيث كونه فعلا فقط حتى يسمى فاعلا صانعا ~~إما أن يصاف إليه حكم العلمية حتى يصير عالما فمحال وأيضا فإن فعل الفاعل ~~لا يخرج الشيء عن حقيقته فلا يجوز أن يقلب الجوهر عرضا والعرض جوهرا فإن ~~القدرة إنما تتعلق بما يمكن وجوده وهذا من المستحيل فنفي الاحتياج إلى محل ~~في حق الجوهر لا يجوز أن يثبت بالقدرة كما أن إثبات الاحتياج إلى ~~PageV01P124 المحل في حق العرض لا يجوز أن يثبت بالقدرة وما ليس يمكن لا ~~يكون مقدورا وما ليس بمقدور يستحيل أن يوجد . قال هشام فقد قام الدليل على ~~أن الباري سبحانه وتعالى عالم في الأزل بما سيكون من العالم فإذا وجد ~~العالم هل بقي علمه علما بما سيكون أم لا فإن لم يكن علما بما سيكون فإذا ~~قد تجدد له حكم أو علم فلا يخلو أن يحدث ذلك المتجدد في ذاته كما سبق من ~~استحالة كونه محلا للحوادث ولا يجوز ms136 أن يحدثه في محل لأن المعنى إذا قام ~~بمحل رجع حكمه إليه فبقي أنه يحدثه لا في محل وإن كان علمه بما سيكون باقيا ~~على تعلقه الأول فكان جهلا ولم يكن علما وأيضا فإنه قد تجدد له حكم ~~بالاتفاق وهو كونه عالما بوجود العالم وحصوله في الوقت الذي حصل وتجدد ~~الحكم يستدعي تجدد الصفة كما أن تحقق الحكم يستدعي تحقق الصفة ألستم تلقيتم ~~كونه ذا علم من كونه عالما فلذلك نتلقى تجدد العلم من تجدد كونه عالما حتى ~~لو قيل كان عالما في الأزل بكون العالم كان محالا وكان العلم جهلا بل لو لم ~~يكن العالم معلوم الكون في الأزل فصار معلوم الكون في الوقت الذي حصل فلم ~~يكن الباري عالما بالكون في الأزل ثم صار عالم الكون في الوقت المحصل فدل ~~ذلك على تجدد العلم . قال ولا نشك بأن علمنا بأن سيقدم زيد غدا ليس علما ~~بقدومه بل العلم بأن سيقدم غير والعلم بقدومه غير ويجد الإنسان تفرقة ~~ضرورية بين حالتي علميه وهذه التفرقة راجعة إلى تجدد علم في حال القدوم ولم ~~تكن قبل ذلك . وأما قولكم أن العلم من جملة المعاني وهي لذواتها محتاجة إلى ~~محل وأنها في ذواتها مختصة بمن له أحكامها فصحيح إلا أنا بضرورة التقسيم ~~التزمنا كونه لا في محل إذ لا محل لنفي التفرقة بين الحالتين ولا وجه لتجدد ~~المعنى في الأزلي القديم ولا في الجسم الحادث فبالضرورة قلنا هو معنى لا في ~~محل له ولا ينحا به نحو الجوهر من كل وجه حتى يقال هو قائم بالنفس ومتحيز ~~أو قابل للعرض وإنما يختص حكمه بالفاعل لأن الفاعل هو الذي أوجده علما ~~لنفسه فصار علما به ولأن الباري تعالى لا في محل والعلم لا في محل فاختصاص ~~ما لا محل له بما لا محل له أولى من اختصاص بما له مكان ومحل . وللمتكلمين ~~في جواب شبهة هشام وجهم طرق وللفلاسفة طرق أيضا قال الشيخ أبو الحسن ~~الأشعري رضي الله عنه على طريقته لا يتجدد ms137 لله تعالى حكم ولا يتعاقب عليه ~~حال ولا تتجدد له صفة بل هو تعالى متصف بعلم واحد قديم متعلق بما لم يزل ~~ولا يزال وهو محيط بجميع المعلومات على تفاصيلها من غير تجدد وجه العلم أو ~~تجدد PageV01P125 تعلق أو تجدد حال له لقدمه والقدم لا يتغير ولا يتجدد له ~~حال وإضافة العلم الأزلي إلى الكائنات فيما لا يزال كإضافة الوجود الأزلي ~~إلى الكائنات الحاصلة في الأوقات المختلفة وكما لا تغير ذاته بتغير الأزمنة ~~لا يتغير علمه بتجدد المعلومات فإن العلم من حقيقته أن يتبع المعلوم على ما ~~هو به من غير أن يكتسب منه صفة ولا يكسبه صفة والمعلومات وإن اختلفت وتعددت ~~فقد تشاركت في كونها معلومة ولم يكن اختلافها لتعلق العلم بها بل اختلافها ~~لأنفسها وكونها معلومة ليس إلا تعلق العلم بها وذلك لا يختلف وكذلك تعلقات ~~جميع الصفات الأزلية فلا نقول يتجدد عليها حال بتجدد حال المتعلق فلا نقول ~~الله تعالى يعلم العدم والوجود معا في وقت واحد فإن ذلك محال بل يعلم العدم ~~في وقت العدم ويعلم الوجود في وقت الوجود والعلم بأن سيكون هو بعينه علم ~~بالكون في وقت الكون إلا أن من ضرورة العلم بالوجود في وقت الوجود العلم ~~بالعدم قبل الوجود ويعبر عنه بأنه علم بأن سيكون . والذي يوضح الحق في ذلك ~~هو أنا لو علمنا قدوم زيد غدا بخبر صادق أو غيره وقدرنا بقاء هذا العلم على ~~مذهب من يعتقد جواز البقاء عليه ثم قدم زيد ولم يحدث له علم بقدومه لم ~~يفتقر إلى علم آخر بقدومه إذا سبق له العلم بقدومه في الوقت المعين وقد حصل ~~ما علم وعلم ما حصل إذ لو قدرنا أنه لم يتجدد له علم ولم تتجدد له غفلة ~~وجهل استحال أن يقال لم يعلم قدومه بل يجب أن يقال تنجز ما كان متوقعا ~~وتحقق ما كان مقدرا وحصل ما كان معلوما . وقولهم إن الإنسان يجد تفرقة بين ~~حالتيه قبل قدومه وحال قدومه فتلك التفرقة ترجع إلى تجدد ms138 العلم فليس ذلك ~~على الإطلاق بل يرجع في حق المخلوقين إلى إحساس وإدراك لم يكن فكان وفي حق ~~الخالق لا تفرقة بين المقدر والمحقق والمنجز والمتوقع بل المعلومات بالنسبة ~~إلى علمه تعالى على وتيرة واحدة وقال هذا العلم المتجدد يحصل عندكم قبل ~~الوجود المتجدد بلحظة فإذا تقدمه بلحظة كان أيضا علما بما سيكون لا علما ~~بالكائن فهو والعلم الأزلي بما سيكون سواء وإذا جاز تقدمه جاز قدمه . ثم ~~ألزم عليهم إلزام لا محيص لهم عنه وهو أن هذه العلوم المتجددة هل هي معلومة ~~قبل كونها موجودة أم ليس يتعلق العلم بها فإن كانت معلومة أفبعلم الأزلي ~~وعالميته أم بعلوم أخر سبقتها قبل وجودها فإن كان الأول فجوابنا عن ~~الكائنات في كونها معلومة بعلم الأزل جوابكم عن العلوم المتجددة وإن كان ~~الثاني فكانت محتاجة إلى علوم أخر والكلام في تلك العلوم كالكلام في هذه ~~ويؤدي إلى التسلسل وقد ألزم أصحاب الإرادات الحادثة لا في محل هذا الإلزام ~~واعتذروا بأن قالوا الإرادة لا تراد PageV01P126 وهذا العذر لا يصح على ~~قاعدة هشام وجهم فإن الإرادة وإن كانت لا تراد فهي بخلاف العلم لأن العلم ~~يعلم فيلزم القول بالتسلسل وهذا الإلزام قد أفحم الكرامية في مسئلة محل ~~الحوادث . وقالت المعتزلة على طريقتهم الباري تعالى عالم لذاته أزلا بما ~~سيكون ونسبة ذاته أو وجه عالميته إلى المعلوم الذي سيكون كنسبته إلى ~~المعلوم الكائن الموجود والعالم منا بما سيكون عالم على تقدير الوجود وبما ~~هو كائن عالم على تحقيق الوجود فالمعلومات بعلم واحد جائز تقديرا أو تحقيقا ~~وعندهم يجوز تقدير بقاء العلم ويجوز تعلق العلم الواحد بمعلومين ولا ~~استحالة فيه شاهدا وغائبا ثم إن بعضهم يقول يرجع الاختلاف في الحالتين إلى ~~التعلق لا إلى المتعلق بخلاف ما قال الأشعري أن الاختلاف يرجع إلى المتعلق ~~لا المتعلق والتعلق وقال بعضهم يرجع الاختلاف في الحالتين إلى حالتين . وقد ~~مال أبو الحسين البصري إلى مذهب هشام بعض الميل حتى قضى بتجدد أحوال الباري ~~تعالى عند تجدد الكائنات مع أنه ms139 من نفاة الأحوال غير أنه جعل وجوه التعلقات ~~أحوالا إضافية للذات العالمية وهو في جميع مقالاته ينهج مناهج الفلاسفة ~~ويرد على شيوخه من المعتزلة بتصفح أدلتهم ردا شنيعا . وقالت الفلاسفة على ~~طريقهم واجب الوجود ليس يجوز أن يعقل الأشياء من الأشياء وإلا فذاته إما ~~متقومة بما يعقل أو عارض لها أن يعقل وذلك محال بل كما أنه مبدأ كل موجود ~~فيعقل من ذاته ما هو مبدأ له وهو مبدأ للموجودات التامة بأعيانها ~~والموجودات الكائنة الفاسدة بأنواعها وأشخاصها ولا يجوز أن يكون عاقلا لهذه ~~التغيرات مع تغيرها حتى يكون تارة يعقل منها أنها موجودة غير معدومة وتارة ~~يعلمها معدومة غير موجودة ولكل واحد من الأمرين صورة عقلية على حدة ولا ~~واحد من الصورتين يبقى مع الثانية فيكون واجب الوجود متغير الذات بل هو ~~إنما يعقل كل شيء على نحو كلي فعلي لا انفعالي ومع ذلك لا يعزب عنه شيء ~~شخصي ولا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض وأما كيفية ذلك فلأنه ~~إذا عقل ذاته وعقل أنها مبدأ كل موجود عقل أوائل الموجودات وما يتولد منها ~~ولا شيء من الأشياء يوجد إلا وقد صار معلوما من جهة ما يكون واجبا بسببه ~~فتكون الأسباب بمصادمات تتأدى إلى أن يوجد منها الأمور الجزئية فالأول يعلم ~~الأسباب ومطابقاتها فيعلم ما يتأدى إليه وما بينها من الأزمنة وما لها من ~~العودات فيكون مدركا للأمور الجزئية من حيث هي كلية أعني من حيث لها صفات ~~وأحوال تستعد بها لأن تكون PageV01P127 كلية وإن تخصصت فبالإضافة إلى زمان ~~ومكان وحال متشخصة فيعقل ذاته ونظام الخير والموجود في الكل منه ونفس مدركة ~~الكل سبب لوجود الكل منه ومبدأ له وإبداع وإيجاب وإيجاد فلا يتبع علمه ~~معلوما بل يسبقه ولا يكتسب عنه صفة بل يكسبه ولا يتغير بتغير المعلوم بل ~~يغيره ولا يتعلق بأمر معين من حيث هو معين شخصي حتى لو زال الشخص زال العلم ~~بوجوده وهذا كمن عرف أن القمر إذا اجتمع مع الذنب في برج ms140 كذا وكانت الشمس ~~في برج مقابل وقع ثم الكسوف فعلمه هذا قبل وجود الكسوف وبعده وفي حال ~~الكسوف على وجه ليس يتغير بحدوث الكسوف وكذا كل علم كلي ثم الجزئي مندرج ~~تحت الكلي على سبيل التضمن فيصير الكل معلوما له على هذا الطريق فمن قال ~~منهم أنه لا يعقل إلا ذاته أراد به أنه يعقل كونه مبدأ وعقله ذلك هو الموجب ~~لحصول ما يصدر عنه ومن قال منهم أنه يعقل الكليات دون الجزئيات أراد ما ~~قررناه ومن قال منهم أنه يعقل الكليات والجزئيات أراد ما عقله مقصودا أي ~~مبدأ وما يصدر عنه إلا أن ذلك على وجه فهذا كلام القوم ونحن نتكلم على ذلك ~~بالاعتراض وبتصفح على كل مسئلة منها بالاستعراض . فنقول أولا إطلاق لفظ ~~العقل والعاقل غير مصطلح عليه عندنا فنغير لفظ العقل إلى العلم ونطلق لفظ ~~العالم بدل العاقل إذ ورد السمع بكون الباري تعالى عالما ولم يرد بكونه ~~عاقلا فنطالبكم بالدليل على كون الباري تعالى عالما فبما عرفتم ذلك والدليل ~~ما أرشدكم إليه والبرهان لم يقم عليه فإن المتكلم يستدل بحصول الإحكام ~~والإتقان في الأفعال على كون الصانع عالما وأنتم ما سلكتم هذه الطريقة ولا ~~استقام ذلك على قاعدتكم فإن العلم عندكم لم يتعلق بالجزئيات أو تعلق على ~~وجه كلي فهو إذا متعلق بالكليات والأحكام إنما يثبت في الجزئيات المحسوسة ~~أما الكليات المعقولة فهي مقدرة في الذهن فما فيه الإحكام ليس بمعلوم على ~~الوجه الذي يقتضيه الإحكام وما هو معلوم فلم يشاهد إحكام فيه فبطل ~~الاستدلال من هذا الطريق . قالوا طريقنا في ذلك إنما هو برئ من المادة ~~وعلائقها فغير محتجب عن ذاته لأن الحجاب هو المادة والمقدس عن المادة هو ~~عالم لنفسه بنفسه إذ لا حجاب . قيل هذه مصادرة على المطلوب الأول فإن معنى ~~قولكم غير محتجب عن ذاته أي هو عالم بذاته والكلام فيه كالكلام في الأول ~~وتقريره إنما هو برئ من المادة فهو عالم فلم قلتم إنما هو برئ عن المادة ~~عالم ونفي المادة ms141 كيف يناسب العالمية والعلم هذا كمن نفى التناهي والانقسام ~~والأين والكيف عنه لم يجب من ذلك أن يكون عالما فنفى الجسمية والهيولانية ~~عنه ليس يقتضي أن يكون عالما ولم نجد لعامتكم برهانا PageV01P128 على ثبوت ~~كونه عالما بالمعلومات سواء التجرد عن المادة وعلائقها وليس ذلك حدا أوسط ~~في برهان أن ولا في برهان لم . قال أبو علي بن سينا البرهان على أن كل مجرد ~~عن المادة فهو عقل بذاته هو بدليل أن كل ماهية مجردة عن المادة فلا مانع ~~لها من حيث ذاتها عن مقارنة ماهية أخرى مجردة فيمكن أن تكون معقولة أي ~~مرتسمة في ماهية أخرى مجردة وارتسامها هو مقارنتها ولا معنى للعقل إلا أنه ~~مقارنة ماهية مجردة لماهية مجردة ولذلك إذا ارتسمت في القوة العاقلة منا ~~ماهية مجردة كان نفس الارتسام فيها هو نفس شعورها بها وإدراكها لها وذلك هو ~~العقل والتعقل إذ لو كان يحتاج إلى هيئة وصورة غير الصورة المرتسمة لكان ~~الكلام في تلك الصورة كالكلام في هذه الصورة ويتسلسل وإذا كان نفس تلك ~~المقارنة هو العقل فيلزم منه أن كل ماهية مجردة فلا مانع لها من ذاتها أن ~~تعقل . قلت ما زدت في البيان إلا أنك جعلت المقارنة حدا أوسط ولسنا نشك أنك ~~ما عنيت بهذه المقارنة مقارنة الجسم ولا مقارنة الجوهر العرض ولا مقارنة ~~الصورة المادة بل عنيت به كما فسرت التمثيل والارتسام وعنيت بالتمثيل ~~والارتسام التعقل فقد صادرت على المطلوب الأول أقبح المصادرة فكأنك قلت ~~الدليل على كونه عالما أنه لا يمتنع على آنيته وذاته أن يكون مرتسما بصورة ~~أي عالما فبان أنك أدرجت لفظ المقارنة حتى أخفيت الحال ثم فسرت المقارنة ~~حتى أبديت الحال زالت المصادرة عنك كل الزوال . وأما استشهادك بالقوة ~~العاقلة منا فإنما ينفعك مع من لا ينازعك في أن العقل هل يعقل بذاته ذاته ~~وإن عقل أفبعقل غير ذاته أم بعقل هو ذاته أما من نازعك في إثبات كونه عقلا ~~وعاقلا أي علما وعالما فلا ينفعه هذا الاستشهاد . وأما اقتباس ms142 كونه عاقلا ~~من كونه معقولا فهو من أمحل المطلوبات وهو كمن قال لا يمتنع عليه أن يعلم ~~فلا يمتنع عليه أن يعلم والعرض في ذاته ممتنع أن يعقل ويعلم عند القوم فكيف ~~يصح القياس وهب أنه يعلم فلم ينبغي أن يعلم ثم أخذ ما يحب مما لا يمتنع من ~~أبعد القياسات وأمحل المحالات فإن سلمنا لكم كونه تعالى عالما بذاته وعلمه ~~بذاته نفس علمه بعلمه فلم قلتم أن علمه بذاته الذي هو نفس العلم فعلمه ~~بمعلوماته هو علمه بذاته ما هو مبدأ وهو مبدأ كل موجود أفيتعلق علمه بذاته ~~ثم PageV01P129 يتعلق نفس ذلك العلم بمعلوماته على النسق الذي حصل أم يتعلق ~~علمه بذاته ويتعلق علم آخر بمعلوماته ويلزم على الأول أن يقال لا يعلم إلا ~~ذاته إذ لا صورة عنده غير ذاته ولا ارتسام لعقله إلا تعقله فإن العقل عندكم ~~مقارنة ماهية لماهية والمقارنة هو ارتسام ماهية بماهية فعلى هذا التفسير لم ~~يقترن بوجوده غير وجوده ولا ارتسم في عقليته غير عقليته وسائر اللوازم كما ~~هي مفارقة لذاته يجب أن يكون معقوليتها مفارقة لمعقولية ذاته ويلزم على ~~القسم الثاني التكثر الصريح فإن عقله لذاته وعقله للعقل الأول إن كانا شيئا ~~واحدا من وجه واحد فيلزم أن تكون ذاته هو العقل الأول والعقل الأول ذاته ~~وإن لم يكن ذلك على وجه واحد فقد تعدد وتكثر وجوه الذات . ثم نقول إذا كان ~~عقله وعلمه علما فعليا لا انفعاليا وإنما يلزم منه ما يلزم لعلمه بذاته ~~فيجب أن يكون كل معلوم مفعولا له وهو معلوم لعلمه فانظروا أي شيء يلزم من ~~ذلك . قال ابن سينا أنه تعالى عالم بالأشياء لا من الأشياء بل الأشياء منه ~~ومن علمه . قيل له فإذا بطل تقريرك الثاني أن العقل لا معنى له إلا ~~الارتسام ماهية بماهية فهلا قلت العقل رسم ماهية في ماهية أو هلا قسمت ~~الأمر فقلت من العقول ما يرتسم ومن العقول ما يرسم ومنها ما لا يرسم ولا ~~يرتسم فعقله للعقل الأول رسم وليس ms143 بارتسام وعقله لذاته ليس برسم ولا ارتسام ~~وعقل العقل والنفس له ارتسام وليس برسم فعقولنا مثلا تصورات وعقول ~~المقارنات تصويرات وتصورات وعقل الباري تعالى لذاته ليس بتصور ولا تصوير ~~وعقله للعقل الأول تصوير لا تصور . قال ابن سينا الرب تعالى عالم ~~بالموجودات ولكن علمه بها علم لزومي عن علمه بذاته غير مفصل للصور فإنه ~~يعلم ذاته وإنما يعلم ذاته كما هو عليه وهو أنه مبدأ للموجودات كلها بأسرها ~~فيدخل علمه بالموجودات تحت علمه بذاته من غير أن تترتب للموجودات صورة في ~~ذاته حتى يلزم منه كثرة فإن العلم بلوازم الشيء إذا لم يكن متجها نحو تلك ~~اللوازم قصدا بل حاصلا من العلم بلزومها فلا يكون زائدا على نفس العلم ~~بالملزوم ولا فيه كثرة مترتبة فترتبه حسب ترتيب تلك اللوازم ونحن نجد من ~~أنفسنا مثل هذا العلم بالأشياء الكثيرة من غير أن يتمايز لها صورة في ذاتها ~~وهو أنا إذا سئلنا عن مسئلة نكون قد علمناها وأتقناها لكنا في تلك الحالة ~~معرضون عنها فمع السؤال عنها نجد من أنفسنا التفاتا إلى جوابها ويقينا لنا ~~بحصول ذلك العلم المشتمل على جميع الجواب من غير أن يكون في ذلك العلم ~~تفصيل لصور الأشياء التي تنتقش في نفوسنا حين أخذنا في الجواب ثم يأتي ~~التفصيل مع الأخذ في الجواب مرتبا وليس PageV01P130 ذلك استعدادا بحتا ~~ويقينا بالاستعداد بل يقينا بحصول العلم لا بالاستعداد وإنما يتيقن المعلوم ~~لا المجهول وأما علم العقل الأول بالباري تعالى فلا يكون لازما لعلمه بذاته ~~فإن مبدأه قبل ذاته لا لازما عنه فلا يكون العلم بما هو قبل ذاته لازما من ~~نفس علمه بذاته فيكون علما آخر على حدة والمعلوم ليس نفس العالم ولا لازما ~~منه فيكون زائدا لا محالة على نفس العالم فتحصل فيه كثرة بسبب هذا العلم . ~~قلت فرقت فرقا بين علمه بذاته وبين علمه بالأشياء حتى سميت الأول ذاتيا ~~والثاني علما لزوميا أفتعني بالعلوم اللزومية معلومات له بعلم واحد على ~~طريق اللزوم فذلك صحيح أو تعني بذلك علوما ms144 أخر لزومية لعلمه بذاته فما ~~المتصور بتلك العلوم وما محلها وكيف تتعلق هي بالمعلومات وما معنى أنها غير ~~مفصلة للصور والعلم لا يكون قط إلا مفصلا فإنه معنى يتعلق بالمعلوم على ما ~~هو به فهو مفصل بالنسبة إلى معلومه وقولك أنه يعلم ذاته كما هو عليه وهو ~~مبدأ للموجودات فيا عجبا من إطلاق الذات والعلم بالذات والمبدأ للموجودات ~~فإن كانت هذه الثلاثة الاعتبارات عبارة عن معبر واحد حتى يقال ذاته علمه ~~وعلمه هو مبدإيته وكونه مبدأ أمر إضافي فكونه ذاتا وعلما يجب أن يكون أمرا ~~إضافيا وإن كان ثم اعتبار واعتبار حتى يكون من حيث أنه مبدأ إضافيا ومن حيث ~~أنه علم سلبيا ومن حيث أنه ذات لا سلبيا ولا إضافيا فقد تعددت اعتبارات ~~ثلاثة فذاته ثالث ثلاثة ونقول ما المانع من تعلق العلم الأزلي بالمعلومات ~~على نسق واحد حتى لا يكون منه ما هو بالقصد الأول وهو العلم بالملزوم ولا ~~منه ما هو بالقصد الثاني وهو العلم باللازم إن كان العلم والذات لا يتأثر ~~ولا يتكثر باللوازم والسلوب حتى يقال معنى كونه عالما أنه لا يخفى عليه شيء ~~في الأرض ولا في السماء من غير أن ينسب إليه بعض المعلومات بالذات والبعض ~~بالعرض من غير أن تتغير ذات العالم بالمعلوم كما لم تتكثر ذاته بتكثر ~~اللوازم وأما التمييز في عقولنا إنما هو بحسب إمكان الجهل والغفلة والنسيان ~~وإلا فلو قدرنا علما لم يطر عليه ضده البتة لم يخف عليه شيء البتة ولعلمنا ~~مباد وكمالات فمبادئها النظر والاستدلال والتفكير والتدبير وكماله أنه لا ~~يخفى علينا المنظور فيه وإنما يطلق العلم على الباري تعالى بحسب الكمال لا ~~بحسب المبدأ كما أن مبدأ أفعالنا المعالجة والمزاولة والاكتساب والمجاهدة ~~وكمالها بأن لا يتعذر علينا شيء وتطلق القدرة على الباري تعالى بحسب الكمال ~~لا بحسب المبدأ وكما أن العفو والعطف منا بحسب المبدأ هو انحصار القلب على ~~حال المعطوف عليه وبحسب الكمال هو الإنعام والملاحظة والإكرام PageV01P131 ~~والملاطفة فإذا كان هذا معنى الصفات فلا فرق ms145 في تلك النسبة وهو أن لا يخفى ~~عليه شيء من الكلي والجزئي والذاتي والعرضي وإذا فرقتم بين قسم وقسم فقد ~~حكمتم بتعدد الاعتبار وتكثر الجهات والآثار ومن قال أن علم المعلول الأول ~~بالأول ولا يكون لازما لعلمه بذاته لأن مبدأ المعلول الأول قبل ذاته فلا ~~يكون العلم بما هو قبل ذاته لازما لعلمه بذاته فيكون علما آخر على حدة ~~يتوجه على مساق كلامه إن كل من علم شيئا من حاجته وافتقاره لا يلزمه العلم ~~بالمحتاج إليه لأن المحتاج إليه قبل ذاته وقبل حاجة ذاته بل إنما يعلمه ~~بعلم آخر وليس الأمر كذلك بل العلم ربما يلزم من العلم ولا يستدعي لزوم ~~العلم من العلم أو بالعلم لزوم المعلول من المعلوم وإنما وقع له هذا الغلط ~~من غلط آخر وهو انه اعتقد أن المعلول الأول لزم وجوده من علم العلة الأولى ~~به وعلمه به لزوم من علم العلة الأولى بذاتها فظن أن كل شيء علم وأنه بذاته ~~لزم من علمه بذاته علم بغيره ولزم من علمه بغيره وجوده وهذا محال على أنه ~~أثبت للمعلول الأول علمين علم بذاته وعلم آخر بعلته فيكون قد صدر من العلة ~~الأولى شيء هو جوهر قائم بنفسه قام به معنيان مختلفان محققان ليس يلزم من ~~أحدهما الثاني فقد خالف بذلك أصله الممهد أن الواحد لا يصدر عنه إلا واحد ~~ولا يغنيه عذره وأن أحد الشيئين له لذاته والثاني من علته فإن علم المعلول ~~بذاته غير وعلمه بالعلة غير وليس أحد العلمين له لذاته والثاني من علته ثم ~~هو يعلم ذاته ويعلم معلوله الثاني فقد تكثرت الذات بعلوم زائدة على الذات ~~على أنه عقل فعال وإنما عقليته لأنه صورة واهبة للصور فلم تتكثر ذاته بتكثر ~~معلوماته من الصور ولا تتغير بتغير لوازمه من الموجودات فهلا كان الأمر في ~~واجب الوجود كذلك . وأما من قال منهم أنه يعلم الأمور على وجه كلي لا يتطرق ~~إليه التغير فنقول كل موجود شخصي في هذا العالم يستدعي كليا خاصا بذلك ~~الشخص ms146 فإن كلية الشخص الإنساني وهو كونه إنسانا ليس بكون كلية شخص حيوان ~~آخر بل الكليات تتكثر بحسب تكثر الشخصيات فإذا كان لا يعلم الشخصي إلا من ~~نحو كليته حتى لا يتغير العلم بالكلية ويتغير العلم بالجزية فيلزم أن يتكثر ~~العلم بكليته كما يتكثر بشخصيته وإن اجتمعت الكليات كلها في كل واحد فيلزم ~~أن لا يكون المعلوم إلا ذلك الكلي الواحد ثم ذلك الكلي الواحد لازم له في ~~وجوده فيكون العلم به لازما للعلم بذاته فهو رجوع إلى محض مذهب من قال أنه ~~لا يعلم إلا ذاته فما زاد هذا القائل على مذهبه إلا إطلاق لفظ الكلية وهي ~~معلومة لزوما كما كانت الجزئيات معلومة لزوما فلم يستفد من هذه الزيادة ~~شيئا ومن عرف مبادئ الموجودات عرف ما PageV01P132 يتأدى منها وما يحصل بها ~~نظرا من العلة إلى المعلول ومن عرف أخص أوصاف الموجودات عرف الأعم نظرا من ~~الملزوم إلى اللازم وبين البابين بون عظيم بعيد . وما تمثل به ابن سينا من ~~حديث خسوف القمر فهو دليل عليه فإن من علم مثل ذلك العلم أعني إذا كان كذا ~~يكون كذا فيكون علمه مشروطا وهي قضية شرطية فلا يكون علمه علما محققا حتى ~~يقول إن كان الأمر كذا فهو كذا فصار الأمر جزئا بعد ما كان كليا ويتعالى ~~علم الباري تعالى عن القضايا الشرطية بل عمله أعلى من أن يكون كليا أو ~~جزئيا أو متغيرا بتغير الزمان أو متكثرا بتكثر المعلومات انظروا كيف عاد ~~تنزيه القوم تشبيها وكيف صار تحقيق القوم تمويها . قالت الصفاتية إن ~~الإشكال في هذه المسئلة على جميع المذاهب من جهة أنهم تصوروا تعلق العلم ~~بالمعلوم على وجه يتطرق إليه الزمان الماضي والمستقبل والحال حتى يقال علم ~~ويعلم وهو عالم وسيعلم فظنوا أن العلم زماني يتغير بتغير الحوادث ومن تحقق ~~أن العلم من حيث هو علم لا يستدعي زمانا بل هو في نفسه تبين وانكشاف وذلك ~~إذا كان صفة للحادث وإحاطة وإدراكا إذا كان صفة للقديم فهو مع وحدته محيط ~~بكل ms147 الأشياء ومع إحاطته واحد ومن تحقق كونه واحدا سهل عليه الإشكال . ~~فالبرهان على أن علمه شيء واحد أنه لو كان كثيرا لم يخل إما أن يتعدد بتعدد ~~المعلومات كلها والمعلومات من حيث أن لها صلاحية المعلومية من الواجب ~~والجائز والمستحيل لا تتناهى على التقدير فيلزم أن تكون العلوم المتعلقة ~~بها لا تتناهى على التحقيق وقد قام الدليل على أن أعدادا في الوجود المحقق ~~بالفعل لا تتناهى مستحيل وإنما حصره الوجود فهو متناه بالضرورة وإما أن ~~يتعدد بعدد مخصوص فيستدعي مخصصا خاصا والقديم لا مخصص فإذا علمه تعالى واحد ~~فهو متعلق بجميع المعلومات والمعلومات لا تتناهى فعلمه متعلق بما لا يتناهى ~~ولا يفرض اختصاصه بمعلوم معين كالعلم الحادث فإن الاختصاص والانحصار نقص ~~وقصور من حيث أنه لا يختص إلا بمخصص والدليل على ذلك أن ما من علم يفرض إلا ~~ويصح تعلق علم واحد منا به ثم لا يثبت لنا العلم بالمعلوم إلا ضروريا أو ~~كسبيا وعلى أي الوجهين فرض ثبوته فالله تعالى موجده ومبدعه فإذا وجد كان ~~عالما به وإذا وجب كونه عالما بالعلم فهو عالم بالمعلوم إذ يستحيل أن يعلم ~~العلم ولا يعلم المعلوم فلزم أن يكون العلم القديم متعلقا بكل معلوم وإنما ~~اقتصر العلم الحادث على بعض المعلومات لجواز طريان الضد عليه وإلا فالعلم ~~من حيث هو علم لم يمتنع عليه التعلق بكل معلوم وكذلك كل صفة قديمة فإن ~~متعلقاتها لا تتناهى فقد أطلقت الأشعرية بأن معلومات الله تعالى في كل ~~معلوم لا PageV01P133 تتناهى وأشاروا بذلك إلى التقديرات الجائزة في حق كل ~~معلوم إذ ما من وقت من الأوقات وحين من الأحيان إلا ويجوز وقوع الحادثة فيه ~~على البدل وكذلك ما من عرض إلا ويجوز اختصاصه بكل جوهر على البدل . قال ~~المعترض تلقيتم وحدة العلم الأزلي من استحالة علوم غير متناهية يحصرها ~~الوجود ومن أن الاختصاص بعدد مخصوص ثم ارتكبتم مثله في العلم الواحد حيث ~~قلتم أنه واحد متعلق بمعلومات لا تتناهى فقد أثبتم له تعلقات حقيقية أو ~~تقديرية ms148 لا تتناهى وما حصره الوجود كيف يشتمل على تعلقات غير متناهية فإن ~~قلتم أنها على التقدير المفروض لا تتناهى فالتقدير فكيف يتصور في حق القديم ~~سبحانه وإن قلتم أنها على التحقيق الموجود فالتحقيق للمتعلق كالتحقيق ~~للمتعلق فلم لا يجوز علوم غير متناهية ثم التناهي بعدد مخصوص كالتناهي ~~بالواحد فإن أوجب اختصاص العدد مخصصا كذلك يستدعي اختصاص الوحدة مخصصا وهو ~~كما أن كثرة نوع الإنسان في الوجود استدعى مكثرا ووحدة نوع الشمس في الوجود ~~استدعت موحدا ثم معلومات الله تعالى مجملة أم مفصلة فإن قلتم أنها مجملة ~~على معنى أنه يعلم ما لا يتناهى من حيث أنها لا تتناهى من غير أن ينفصل ~~معلوم عن معلوم فهو علم واحد تعلق بمعلوم واحد وما ينفصل به بقي مجهولا وإن ~~قلتم أنها مفصلة على معنى أنها تتميز في علمه بخصائص صفاتها فالجمع بين ~~التفصيل ونفي النهاية مستحيل فما الجواب عن هذه المشكلات . قالت الصفاتية ~~لسنا نعني بالتعلقات علائق حسية ولا حبائل خيالية ولا ينفي التناهي عن ~~المعلومات أعدادا من المعلومات غير متناهية حاصرة في الوجود بل نعني ~~بالتعلق والمتعلق أن الصفة الأزلية صالحة لدرك ما يعرض عليها على وجه لا ~~يستحيل فيعبر عن تلك الصلاحية نحو الدرك بالتعلق ويعبر عن جهة العرض عليه ~~حتى يدركه بالمتعلق ثم وجوه الجائزات على التقدير غير متناهية فالمتعلقات ~~غير متناهية فالتعلقات غير متناهية فالعلم القديم صفة متهيئة لدرك ما يعرض ~~عليها على وجه الجواز دون الاستحالة والقدرة الأزلية صفة متهيئة لإيجاد ما ~~يعرض عليها على وجه الجواز دون الاستحالة فالمعنى بالعرض جهة الإمكان ~~وتعيين الآحاد على البدل والمعنى بالمعروض عليه جهة الصلاحية إما نحو ~~الإدراك وإما نحو الإيجاد وهذا كما أن الصور المتعاقبة على الهيولي عند ~~القوم لا تتناهى على البدل وإنها فائضة على الهيولي من واهب الصور وذات ~~واهب الصور واحدة إلا أنها على صفة لها صلاحية الفيض حتى ما يتهيأ الهيولى ~~لقبول الصورة فتعرض الإمكان على القدرة كتهي الهيولي لقبول الصور وصلاحية ~~الصفة له نحو ms149 الإدراك والإيجاد كصلاحية الواهب لفيض الصورة ثم الواهب واحد ~~PageV01P134 ومع وحدته على كمال يفيض منه صور لا تتناهى على البدل فذات ~~الواهب واحدة ولكنه في حكم ما لا يتناهى والصورة لا تتناهى ولكنها في حكم ~~الواحد ثم ما حصره الوجود فهو متناه وما قدره المقدر غير متناه فإن التقدير ~~تعبير عن الصلاحتين أو نبا عن الاستعدادين واستعمال لفظ الصلاحية في جانب ~~القديم توسع وفي جانب الحادث حقيقة فإن القديم بالإعطاء أجدر والحادث ~~بالقبول أولى ثم جهات الإمكان لا تتناهى وهي تشترك كلها في جهة الإمكان ~~المحتاج إلى من يخرجه من وجه الإمكان إلى عين الوجود فوجوه الممكنات كلها ~~إلى القديم سبحانه وهو تعالى من حيث العلم يحيط بها ويدركها بوجه واحد وهو ~~صلاحية العلم نحو الإدراك ويوجدها ويخترعها بوجه وهو صلاحية القدرة نحو ~~الإيجاد وتخصصها بمثل دون مثل بوجه وهو صلاحية الإرادة نحو التخصيص ويتصرف ~~فيها بتكليف وتعريف بوجه وهو صلاحية الكلام نحو الأمر والنهي ثم هل تشترك ~~هذه الحقائق والخصائص في صفة واحدة أم في ذات واحدة فتلك الطامة الكبرى على ~~المتكلمين حتى فر القاضي أبو بكر الباقلاني رضي الله عنه منها إلى السمع ~~وقد استعاذ بمعاذ والتجاء إلى ملاذ والله الموفق . PageV01P135 # | القاعدة الحادية عشر في الإرادة # وهي تتشعب إلى ثلاث مسائل أحدها في كون الباري تعالى مريدا على الحقيقة ~~الثانية في أن إرادته قديمة لا حادثة والثالثة أن الإرادة الأزلية متعلقة ~~بجميع الكائنات . أما الأولى فالكلام فيها مع النظام والكعبي والجاحظ ~~والنجار فذهب النظام والكعبي إلى أن الباري تعالى غير موصوف بها على ~~الحقيقة وإن ورد الشرع بذلك فالمراد بكونه تعالى مريدا لأفعاله أنه خالقها ~~ومنشئها وإن وصف بكونه مريدا لأفعال العباد فالمراد بذلك أنه أمر بها وإن ~~وصف بكونه مريدا في الأزل فالمراد بذلك أنه عالم فقط . وذهب النجار إلى أن ~~معنى كونه مريدا أنه غير مغلوب ولا مستكره . وذهب الجاحظ إلى إنكار أصل ~~الإرادة شاهدا وغائبا وقال مهما انتفى السهو عن الفاعل وكان عالما بما ~~يفعله ms150 فهو مريد وإذا مالت نفسه إلى فعل الغير سمي ذلك الميلان إرادة وإلا ~~فليست هي جنسا من الأعراض وهو الأولى بالابتداء وهو الأهم بالرد عليه . ~~فيقال له إثبات المعاني والأعراض ثم التمييز بين حقيقة كل واحد منها إنما ~~يبتني على إحساس الإنسان من نفسه وكما يحس الإنسان من نفسه علمه بالشيء ~~وقدرته عليه يحس من نفسه قصده إليه وعزمه عليه ثم قد يفعله على موجب إرادته ~~وقد لا يفعله على موجب إرادته وربما يريد فعل الغير من غير ميل النفس ~~والتوقان إليه وكذلك يريد فعل نفسه من غير ميل وشهوة كمن يريد شرب الدواء ~~على كراهية من نفسه وبالجملة الإحساس حاصل ورده إلى العلم بالفعل باطل فإن ~~العلم تبين وإحاطة فقط وهو يطابق المعلوم على ما به من غير تأثير في ~~المعلوم ولا تأثير منه وكذلك يتعلق بالقديم والحادث والقصد والإرادة يقتضي ~~ويخصص فيؤثر ويتأثر ولذلك لا PageV01P136 يتعلق إلا بالمتجدد والحادث فبطل ~~مذهب الجاحظ . وأما الرد على الكعبي والنظام بعد اعترافهما بكون الإرادة ~~جنسا من الأعراض في الشاهد أن نقول قام الدليل على أن الاختصاص ببعض ~~الجائزات دون البعض في أفعال العباد دليل على الإرادة والقصد والدليل يطرد ~~شاهدا وغائبا فإن الأحكام والإتقان لما دل على علم الفاعل شاهدا دل عليه ~~غائبا والدليل العقلي لا ينتقض ولا يقتصر . قال الكعبي إنما دل على ~~الاختصاص على الإرادة في الشاهد لأن الفاعل لا يحيط علما بكل الوجوه في ~~الفعل ولا بالمغيب عنه ولا بالوقت والمقدار فاحتاج إلى قصد وعزم إلى تخصيص ~~وقت دون وقت ومقدار دون مقدار والباري تعالى عالم بالغيوب مطلع على سرائرها ~~وأحكامها فكان علمه بها مع القدرة عليها كافيا عن الإرادة والقصد إلى ~~التخصيص وأنه لما علم أنه يختص كل حادث بوقت وشكل وقدرة فلا يكون إلا ما ~~علم فأي حاجة به إلى القصد والإرادة وأيضا فإن الإرادة لو تحققت فإما أن ~~تكون سابقة على الفعل أو حادثة مع الفعل فإن كانت سابقة فهي عزيمة والعزم ~~لا يتصور إلا ms151 في حق من يتردد في شيء ثم أزمع عليه أو انتهى عن شيء ثم أقبل ~~إليه وإن كانت مقارنة فهي إما أن تحدث في ذاته أو في محل أولا في ذاته ولا ~~في محل والأقسام الثلاثة باطلة بما سبق بطلانها فتعين أن الإرادة للقديم ~~سبحانه لا معنى لها إلا كونه عالما قادرا فاعلا . قيل له قد سلمت في ~~الأفعال وجوها من الجواز في تخصيصها ببعض الجائزات دون البعض فينظر بعد ذلك ~~أهو من دلائل العلم أو من دلائل الإرادة . فنقول قد بينا بأن العلم يتبع ~~المعلوم على ما هو به سواء كان العلم محيطا بجميع الوجوه في الفعل وقتا ~~ومقدارا وشكلا أو لم يكن فالعلم من حيث هو علم لا يختلف وإن قدر اختلاف في ~~العلم حتى يكون أحد العلمين مخصصا دون الثاني فلنقدر مثل ذلك فيه حتى يكون ~~أحدهما موجدا والثاني غير موجد ويقع الاجتزاء بالعلم عن القدرة كما وقع به ~~عن الإرادة فيعود الكلام إلى مذهب الفلاسفة أن علمه تعالى علم فعلي فيوجد ~~من حيث يعلم ويختار الأفضل من حيث يعلم وإن وجب أن تعطى كل صفة حظها من ~~الحقيقة فالعلم ما يحصل به الإحكام والإتقان والإرادة ما يحصل بها التخصيص ~~والقدرة ما يحصل بها الإيجاد والقضايا مختلفة فالمقتضيات إذا غير متحدة . ~~وأما قوله إثبات الإرادة في الشاهد لامتناع الإحاطة بالمراد من كل وجه ~~فباطل لأنا لو فرضنا الإحاطة بالفعل من كل وجه بإخبار صادق أو غيره من ~~الطرق كان يجب أن يستغنى عن الإرادة وليس الأمر كذلك وتقسيمه القول بأن ~~الإرادة إما سابقة PageV01P137 وإما مقارنة . قيل له قد عرفت على هذا مذهب ~~الصفاتية أن الإرادة أزلية فهي سابقة على المراد ذاتا ووجودا ومقارنة الحال ~~التجدد تعلقا وتخصيصا والعلم يتبع الواقع ولا يوقع والقدرة توقع المقدور ~~ولا تخصص والإرادة تخصص الواقع على حسب ما علم بما علم والصفة أزلية سابقة ~~والمراد حادث متأخر وليس يلزم على ذلك أن يسمى عزما فإن العزم توطين النفس ~~بعد تردد ولو كان ms152 المريد للشيء متمنيا أو مشتهيا أو مائلا لوجب أن يقال ~~العالم بالشي معتقد ساكن النفس مترو ومتفكر فبطل الاستدلال من هذا الوجه ~~وليس كل من علم شيئا إرادة ولا كل من أراد شيئا قدر عليه بل كل من فعل شيئا ~~فقد قدر عليه ومن قدر على فعل شيء إرادة ومن أراده علمه فالإرادة تتبع ~~العلم حتى يتصور أن يكون عالما ولا يكون مريدا ولا يتصور أن يكون مريدا ولا ~~يكون عالما . أما الرد على النجار حيث قال أنه مريد بمعنى أنه غير مغلوب ~~ولا مستكره فيقال له فسرت حكما ثابتا بنفي كمن يفسر كونه قادرا بأنه غير ~~عاجز وكونه عالما بأنه غير جاهل وذلك مذهب المعطلة الفلاسفة ثم تجرد نفي ~~العجز والكراهية لا يقتضي كون الذات مريدا فإن كثيرا من الأجسام ينفي عنها ~~العجز والكراهية ولا يكون مريدا وكثير من المريدين كاره كمن شرب الدواء على ~~كراهية من طبعه وهو مريد له فالكراهية تضاد الطوع وأما القصد فقد يجامع ~~الكراهية . ثم نقول كونه غير مغلوب ولا مستكره أمر مجمع عليه وإنما الكلام ~~في أنا رأينا في الأفعال ما يدل على كون الصانع مريدا وهو اختصاص الأفعال ~~ببعض الجائزات دون البعض وإهمال هذه القضية غير ممكن فما مدلول هذا الدليل ~~فإن قلتم مدلوله أنه غير مغلوب ولا مستكره . فيقال إنما استفدنا العلم بذلك ~~من كونه قادرا على الكمال والاختصاص لم يدل على القدرة بل الوقوع دل عليها ~~فلم يكن للاختصاص مدلول ونحن إنما أثبتنا العلم بالصفات من الدلائل وإذا ~~ثبتت هذه المسئلة أخذنا في المسئلة الثانية وهو كون الرب تعالى مريدا ~~بإرادة قديمة . فنقول قد قام الدليل على أن معنى المريد هو ذو الإرادة كما ~~قام الدليل على PageV01P138 أن معنى العالم هو ذو العلم فنقول أما أن يكون ~~الرب سبحانه مريدا لنفسه أو بإرادة وإذا تحقق أنه مريد بإرادة فإما أن تكون ~~الإرادة قديمة وإما أن تكون حادثة فإن كانت حادثة فلا يخلو إما أن تكون ~~حادثة في ذاته أو في ms153 محل أو لا في ذاته ولا في محل وقد سبق الرد على من قال ~~بحدوث الإرادة في ذاته ويستحيل كون الإرادة في محل ويكون الرب تعالى مريدا ~~بها فإن المعنى إذا قام بمحل وصف المحل به إذ من المحال وصف الشيئين بمعنى ~~واحد قام بأحدهما دون الثاني ويستحيل كون الإرادة لا في محل فإن الإرادة من ~~جملة المعاني والإعراض واحتياج الأعراض إلى المحل صفة ذاتية لها ومن المحال ~~ثبوتها دون الوصف الذاتي ولو لم تحل في محل لكانت قائمة بذاتها والقائم ~~بالذات قابل للمعنى فحينئذ تكون الإرادة قابلة للمعنى ولا يكون فرق بين ~~حقيقة الجوهر وبين حقيقة العرض حتى لو جوز استغناء العرض عن المحل في وقت ~~من الأوقات جاز في كل وقت ولو جوز لجنس من الأجناس أو لنوع من الأنواع لجاز ~~لكل نوع وجنس ولو جوز ذلك أيضا للزم تجويز قيام جوهر بمحل فإنه كما يستثنى ~~الإرادة والغناء والتعظيم عن جنس من المعاني حتى لا يفتقر إلى محل جاز أن ~~يستثنى جنس من الجوهر حتى يحتاج إلى محل وكل ذلك محال . ثم نقول هب أنا ~~ارتكبنا هذه الاستحالة وتصورنا إرادة لا في محل فمن المريد بها ومن المعلوم ~~أن نسبتها إلى القديم والحادث على وتيرة واحدة . فإن قيل يوصف بها القديم ~~لأن القديم لا في محل والإرادة لا في محل فهي به أولى . قيل ولو قيل يوصف ~~بها الحادث لأن الإرادة حادثة والجوهر حادث والحادث بالحادث أولى ~~والمناسبات بين الحوادث تتحقق ولا مناسبة بين القديم والحادث بوجه ما ثم ~~أخذتم قولكم لا في محل بالاشتراك فإن معنى قولنا القديم لا في محل أي لا في ~~مكان ومعنى قولنا الإرادة لا في محل أي لا في متمكن وفرق بين المكان والمحل ~~فلم توجد المناسبة شاملة للطرفين بمعنى متفق عليه مشترك فيه فلا مناسبة ~~أصلا هذا كمن يقول الجوهر لا في محل والإرادة لا في محل فوصف الجوهر بها ~~أولى ونقول قد قام الدليل على أن كل حادث اختص بالوجود ms154 دون العدم وبوقت ~~وقدر دون وقت وقدر كان المحدث مرادا والإرادة شاركت جميع الحوادث في هذه ~~القضية فإنها اختصت بوقت ومقدار من العدد دون وقت ومقدار فيستدعي إرادة ~~أخرى والكلام فيها كالكلام في هذه فيجب أن يتسلسل والقول بالتسلسل باطل . ~~PageV01P139 قالت المعتزلة نعم إثبات إرادات لا في محل على خلاف وضع ~~الأعراض والمعاني لكن الضرورة ألجأت إلى التزام ذلك . قيل أنه لا وجه ~~لإنكار الإرادة كما قال الكعبي لأنه يوجب أن تكون الأفعال غير اختيارية ~~شبيهة بالأفعال الطبيعية عند أهل الطبائع ولا وجه لإثبات كونه مريدا لذاته ~~لأن الصفات الذاتية وجب تعميمها فهي عامة التعلق وحينئذ وجب تعلق كونه ~~مريدا بالفواحش والقبائح وذلك باطل كما سيأتي ولا وجه لإثبات إرادة قديمة ~~لأنه يؤدي إلى إثبات إلاهين قديمين كما سبق أن الاشتراك في القدم يوجب ~~الاشتراك في الإلهية ولا وجه لإثبات كونها حادثة قائمة بذات الباري ولا ~~لإثبات كونها قائمة بذات أخرى لما سبق من المعنى فتعين أنها لا في محل ~~فالضرورة العقلية ألجأت إلى تعيين هذا القسم من الأقسام ونحن لم نبعد ~~النجعة في ذلك مع إثبات الفلاسفة عقولا مفارقة للأجسام قائمة بذواتها وهي ~~مبادئ الموجودات ومع إثبات جهم وهشام علوما حادثة لا في محل ومع إثبات ~~الأشعرية تكليما لا في محل لأن ذلك الكلام الذي في ذات الباري تعالى لم ~~ينتقل إلى سمع موسى عليه السلام والذي سمعه موسى لم يكن في محل فهم وإن لم ~~يصرحوا بتكليم لا في محل كما صرحنا بتعظيم لا في محل غير أنهم أثبتوا كلاما ~~مسموعا والصفة الأزلية لم تنتقل وسمع موسى قد امتلى بالتكليم حتى يقال أنه ~~سمع كجر السلسلة . وأما قولكم إن حدثت إرادة فبإرادة أخرى تحدث وبتسلسل ~~فغير مقبول لأن الإرادة لا تراد أليست إرادتنا لو كانت مرادة بإرادة أخرى ~~أدت إلى التسلسل فلم تستدع الإرادة جنسها . قالت الأشعرية الضرورة التي ~~ادعيتم ليست الضرورة العقلية التي يضطر العقل إلى التزامها من إبطال قسم ~~وتعيين قسم فإنكم قدرتم من محال حتى ms155 ارتكبتم محالا والأقسام كلها بزعمكم ~~محالات فلم التزمتم هذا المحال دون مذهب الكعبي في رده الإرادة إلى ~~العالمية والقادرية كما رددتم كونه سميعا بصيرا إلى كونه عليما خبيرا على ~~قول وهلا التزمتم مذهب النجار في رد الإرادة إلى صفة النفي كمن قال منكم ~~إنه سميع بصير بمعنى أنه حي لا آفة به وهلا قلتم هو مريد لنفسه كما قال ~~النجار على رأي ولا تلتزموا عموم التعلق إلا فيما يصح أن يكون قادرا على ما ~~يصح أن يكون مقدورا له وهلا التزمتم مذهب الكرامية في إثبات إرادات في ذاته ~~لأن المحذور من ذلك الالتزام هو التغيير بالحوادث والتغيير حاصل في الأحكام ~~حسب حصوله في المعاني إذا لم يكن مريدا فصار مريدا عندكم فإذا لم يدل تغيير ~~الأحكام على الحدوث لم يدل PageV01P140 تغيير المعاني أيضا على الحدوث أو ~~هل قلتم هو مريد بإرادات في محل كما قلتم هو متكلم بكلام يخلقه في محل وما ~~الفرق بين البابين فإن الإرادة إن أوجبت حكما لمن قامت به فليوجب الكلام ~~كذلك وإن كان المتكلم من فعل الكلام على أصلكم فاصطلحوا على أن المريد من ~~فعل الإرادة ثم يرجع الحكم إلى الفاعل كما يرجع في كونه عدلا يخلق العدل ~~فكيف التزمتم أبعد الأقسام قبولا عن كونه معقولا . ثم قولكم الإرادة لا ~~تراد تحكم باطل فإن الإرادة من الحوادث وكل حادث اختص بمثل دون مثل فهو ~~مراد وإن استغنى حادث عن الإرادة استغنى كل حادث ولا يؤدي إلى التسلسل في ~~الإرادة فإن الإرادة الأخيرة تستند إلى خلق الباري فهي ضرورية الوجود مرادة ~~بإرادة الباري تعالى وإرادته قديمة لا تراد أي لا تتخصص بوقت دون وقت . ~~وأما التمثل بالعقول المفارقة على رأي الفلاسفة غير سديد فإنهم أثبتوا ~~جواهر قائمة بذواتها قابلة للمعاني غير أنهم لم يحكموا بتحيزها وأنتم أثبتم ~~إرادات من جنس إرادات الحوادث وهي أعراض لا في محل فقد أخرجتموها عن أخص ~~أوصاف العرضية وما أجريتم فيها حكم الجوهرية . وأما التمثل بمذهب جهم بن ~~صفوان وهشام فمثل ms156 حال والرد عليه كالرد عليكم والتمثل بمذهب الأشعري في ~~تكليم البشر غير مستقيم على أصله فإن عنده كلام الله مسموع بسمع البشر كما ~~أنه مرئي برؤية البشر ولم يجب من ذلك انتقال ولا تغير وزوال فطفتم على ~~أبواب المذاهب وفزتم بأخس المطالب . وأما المسئلة الثالثة من شعب المسئلة ~~الكبرى هو القول في تعلق إرادة الباري بالكائنات كلها والمدار في هذه ~~المسئلة على تعين الجهة التي هي متعلق الإرادة فيرتفع النزاع والتشنيع بذلك ~~فنذكر المذاهب أولا ثم نشرع في الدليل . قالت المعتزلة القائلون بإرادات ~~حادثة أن الباري تعالى مريد لأفعاله الخاصة بمعنى أنه قاصد إلى خلقها على ~~ما علم وتتقدم إرادته على المفعول بلحظة واحدة ومريد لأفعال المكلفين ما ~~كان منها خيرا ليكون وما كان منها شرا لأن لا يكون وما لم يكن خيرا ولا شرا ~~ولا واجبا ولا محظورا وهي المباحات فالرب تعالى لا يريدها ولا يكرهها ويجوز ~~تقديم إرادته وكراهيته على أفعال العباد بأوقات وأزمان ولم يجعلوا ~~PageV01P141 له حدا أو مردا . ثم القدماء منهم قالوا إن الإرادة الحادثة ~~توجب المراد وخصصوا الإيجاب بالقصد إلى إنشاء الفعل لنفسه أما العزم في ~~حقنا وإرادة فعل الغير فإنها لا توجب ولم يريدوا بالإيجاد إيجاب العلة ~~المعلول ولا إيجاب التولد والإرادة عندهم لا تولد فإن القدرة عندهم توجب ~~المقدور بواسطة السبب فلو كانت الإرادة مولدة بواسطة السبب استند المراد ~~إلى سببين ولزم حصول مقدورين قادرين . قالت المعتزلة الصفة القديمة إذا ~~تعلقت بمتعلقاتها وجب عموم تعلقها إذ لا اختصاص للقديم بشيء فلو كانت ~~الإرادة قديمة لتعلقت بكل مراد من أفعال نفسه ومن أفعال العباد أن يريد زيد ~~حركة ويريد عمرو سكونا فوجب أن يكون القديم مريدا لإرادتيهما ومراديهما وما ~~هو مراد يجب وقوعه فيؤدي إلى اجتماع الضدين في حالة واحدة . قالت الأشعرية ~~الصفة القديمة يجب تعلقها بكل متعلق على الإطلاق أم يجب عموم تعلقها بما ~~يصح أن يكون متعلقا بها فإن كان الأول فهو غير مستمر في الصفات فإن العلم ~~يتعلق بالواجب والجائز والمستحيل ms157 والقدرة لا تتعلق إلا بالممكن من الأقسام ~~والإرادة لا تتعلق إلا بالمتجدد من الممكنات والعلم أعم تعلقا والقدرة أخص ~~من العلم والإرادة أخص من القدرة والعموم لا ينقص ولا يزيد وفيما لا يتناهى ~~من المعلومات والمقدورات والمرادات فكل قسم لا يتناهى فيعم تعلق الصفة بما ~~لا يتناهى مما يليق بكل قسم ويختص بكل صفة ولو كان الإيجاب بالقدرة على نعت ~~الإيجاد لوجد كل ما تعلقت به القدرة فيوجد ما لا يتناهى وذلك محال بل ~~الإرادة هي المخصصة بالوجود المتعلقة بحال متجدد . وأما تعلق إرادة القديم ~~بالضدين في حالة واحدة . قالوا لسنا نسلم أولا أن ههنا إرادتين للضدين بل ~~هو ما وقع في معلوم الرب تعالى أن يقع فهو المراد وصاحبه المريد وما علم ~~أنه لا يقع فليس مرادا وصاحبه المتمني ويجوز تعلق الإرادة القديمة بمعنيين ~~أحدهما تمن وشهوة والثاني إرادة . ثم قالوا لم قلتم أن إرادة الإرادتين ~~تقتضي إرادة المرادين حتى يلزم الجمع بين الضدين فإنه تعالى إنما أراد ~~إرادتيهما من حيث وجودهما وتجددهما لا من حيث مراديهما وهو كإرادته للقدرة ~~لا تكون إرادة للمقدور وقدرته على الإرادة لا تكون قدرة على المراد على ~~أصلكم كعلمه بعلم زيد وظن عمرو وشك خالد وجهل بكر لا يكون اعتقادا ~~لمعتقداتهم حتى يوصف بمتعلقات صفاتهم . والسر في ذلك أن الإرادة القديمة لم ~~تتعلق إلا بوجه واحد وهو المتجدد من PageV01P142 حيث هو حادث متجدد متخصص ~~بالوجود دون العدم ووقت دون وقت والإرادتان تشتركان في التجدد فتنتسبان ~~إليها من جهة التجدد والتخصص وهما من هذا الوجه ليسا ضدين فلم تتعلق ~~الإرادة بالضدين ولو قيل تتعلق الإرادة بالإرادتين جميعا من حيث الوقوع ~~والتجدد وبأحد المرادين وهو الواقع منهما في المعلوم وتتعلق بعدم وقوع ~~الآخر فهي إرادة لوقوع أحدهما وكراهة لوقوع الآخر كان ذلك أيضا صوابا قال ~~الله تعالى : ' يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ' أي خلاف العسر ~~كما قال ' أتنبئون الله بما لا يعلم ' أي بما يعلم خلافه حتى لا يكون النفي ~~داخلا في ms158 الإطلاقات . قالت المعتزلة قد تقرر في العقول أن مريد الخير خير ~~ومريد الشر شر ومريد العدل عادل ومريد الظلم ظالم فلو كانت الإرادة الأزلية ~~تتعلق بالكائنات كلها لكان الخير والشر مرادا فيكون المريد موصوفا بالخيرية ~~والشرية والعدل والظلم وذلك قبيح في حق القديم سبحانه قال الله تعالى : ' ~~وما الله يريد ظلما للعباد ' قالت الأشعرية هذه المقدمة التي ذكرتموها من ~~المشهورات في عادات الناس لا من الأوليات في قضايا العقول وإنما يختص ~~إطرادها في بعض الصور دون البعض إذ لا يقال في سياق ذلك أن مريد الجهل جاهل ~~ومريد العلم عالم ومريد الطاعة مطيع ولا يقال مريد الحركة متحرك ومريد ~~الصلاة مصل ثم يقال في الشاهد مريد العبادة عابد ولا يقال في الغائب مريد ~~العبادة عابد . ثم السر في ذلك أن الإرادة الحادثة قد تكون ضرورية وقد تكون ~~كسبية والضرورية منها لا توصف بالخيرية والشرية والتكليفية إذ لا تكليف إلا ~~على المكتسب وقد توصف بالخيرية والشرية الجبرية كما يقال الملك يريد الخير ~~طبعا وجبرا والشيطان يريد الشر طبعا وجبرا وأما الإرادات الكسبية فتتوجه ~~على المريد فيها وبها التكليف فيوصف الظلم والعدل والخير والشر والطاعة ~~والمعصية كما وصف سائر الحركات ثم لم يلزم من ذلك طردها في الغائب فلم يصح ~~الاستدلال . والسر في ذلك أن الإرادة الأزلية لم تتعلق بالمراد من أفعال ~~العباد من حيث هو مكلف به إما طاعة وإما معصية وإما خيرا وإما شرا بل لا ~~يتعلق به من حيث هو فعل العبد وكسبه على الوجه الذي ينسب إليه فإن إرادة ~~فعل الغير من حيث هو فعله تمن PageV01P143 وشهوة وإنما يتعلق به من حيث هو ~~متجدد متخصص بالوجود دون العدم متقدر بقدر دون قدر وهو من هذا الوجه غير ~~موصوف بالخير والشر وإن أطلق لفظ الخير على الوجود من حيث هو وجود فذلك ~~إطلاق بمعنى يخالف ما تنازعنا فيه فالباري تعالى مريد الوجود من حيث هو ~~وجود الوجود من حيث هو وجود خير فهو مريد الخير وبيده الخير وأما الوجه ms159 ~~الذي ينسب إلى العبد هو صفة لفعله بالنسبة إلى قدرته واستطاعته وزمانه ~~ومكانه وتكليفه وهو من هذا الوجه غير مراد للباري تعالى وغير مقدور له ولما ~~تقرر عندنا بالبراهين السابقة أنه تعالى خالق أعمال العباد كما هو خالق ~~الكون كله وإنما هو خالق بالاختيار والإرادة لا بالطبع والذات فكان مريدا ~~مختارا لتجدد الوجود وحدوث الموجود ثم الوجود خير كله من حيث هو وجود فكان ~~مريد الخير وأما الشر فمن حيث هو موجود فقد شارك الخير فهو من ذلك الوجه ~~خير ومراد وعلى هذا لا يتحقق في الوجود شر محض فهو تعالى مريد الوجود ومريد ~~الخير والعبد يريد الخير والشر وعن هذا قال الحكماء الشر داخل في القضاء ~~والإرادة بالعرض لا بالذات وبالقصد الثاني لا بالقصد الأول فإن الشر عندهم ~~إما عدم وجود أو عدم كمال الوجود وإنما الداخل في القضاء والإرادة بالقصد ~~الأول هو الوجود وكمال الوجود ثم قد يكون الوجود على كمال أول ومتوجه إلى ~~كمال ثان وقد يكون على كمال مطلق كالعقول المفارقة التي هي تامة كاملة ~~بأعيانها في الخير المحض الذي لا شر فيه وما هو على كمال أول أي هو بالقوة ~~على كمال إلى أن يصير بالفعل على كمال ثان فيقع من مصادمات أحوال السلوك من ~~المبدأ إلى الكمال أحوال هي شرور ومضار كما تقع أحوال هي سرور ومنافع ~~والإرادة الأزلية والعناية الربانية تتعلق بالأمرين والقسمين جميعا ولكن ~~أحد المتعلقين على سبيل التضمن والاستتباع والعرضية ويسمى ذلك مرادا ~~ومقصودا بالقصد الثاني والمتعلق الثاني على سبيل الوضع والأصالة والذاتية ~~فيسمى ذلك مرادا ومقصودا بالقصد الأول هذا كما يعلم أن المقصود الكلي من ~~إنزال المطر من السماء نظام العالم وانتظام الوجود وذلك هو الخير مطلقا ثم ~~إن خرب بذلك بيت عجوز قد أشرف على الانهدام أو ماتت العجوز وقد بلغت إلى ~~شرف الموت كان ذلك شرا بالإضافة لا بالأصالة وبالقصد الثاني لا بالقصد ~~الأول ووجود خير كلي مع شر جزئي أقرب إلى الحكمة من لا وجود له لا ms160 يقع الشر ~~الجزئي فإن عدمه مما يورث الفساد في نظام الموجودات فهو أكثر شرا وأشد ضرا ~~. قالت المعتزلة كل آمر بالشيء فهو مريد له والرب تعالى آمر عباده بالطاعة ~~فهو مريد لها إذ من المستحيل أن يأمر عبده بالطاعة ثم لا يريدها والجمع بين ~~اقتضاء PageV01P144 الطاعة وطلبها بالأمر بها وبين كراهية وقوعها جمع بين ~~نقيضين وذلك بمثابة الأمر بالشيء والنهي عنه في حالة واحدة إذ لا فرق بين ~~قول القائل آمرك بكذا وأكره منك فعله وبين قوله آمرك بكذا وأنهاك عنه وإذا ~~وقع الاتفاق بأن الله تعالى آمر عباده بالطاعة وجب أن يكون مريدا لها كارها ~~لضدها من المعصية وإذا كان الآمر بالشيء مريدا له كان الناهي عن الشيء ~~كارها له . والذي يخص ذلك أن الآمر بالشيء يقتضي من المأمور حصول المأمور ~~به والإرادة تقتضي تخصيص المأمور به بالوجود ومن المحال اقتضا الحصول لشيء ~~واقتضا ضد ذلك منه فلو قلنا أن الباري تعالى آمرا أبا جهل بالإيمان وأراد ~~منه الكفر أدى ذلك إلى اقتضاء الإيمان منه بحكم الآمر واقتضاء الكفر منه ~~بحكم الإرادة وهو محال ويخرج على هذه القاعدة استرواحكم إلى العلم فإنه ~~يجوز أن يأمر بخلاف المعلوم لأن العلم ليس فيه اقتضاء وطلب وإنما هو يتعلق ~~بالمعلوم على ما هو به بخلاف الإرادة فإنها مقتضية فيرد الأمر على خلاف ~~العلم ولا يرد على خلاف الإرادة . قالت الأشعرية لسنا نسلم أن كل آمر ~~بالشيء مريد حصوله بل كل آمر بالشيء عالم بحصوله مريد له حصولا وكل آمر ~~يعلم حصول ضده لا يكون مريدا لحصوله فإن الإرادة على خلاف العلم تعطيل لحكم ~~الإرادة وتغيير لأخص وصفها وقد بينا أن أخص وصفها التخصيص وحكمها إنما ~~يتعلق بالمتجدد من المقدورات والمتخصص من المقدورات فإذا علم الآمر أن ~~المأمور به لا يحصل قط ولا يتجدد ولا يتخصص قط فيستحيل أن يريده فإنها توجد ~~ولا متعلق لها يتعلق ولا أثر لتعلقها وذلك محال ولو كانت الإرادة خاصيتها ~~أن تتعلق بالممكن فقط كالقدرة لكان جائزا أن ms161 تتعلق بخلاف المعلوم . ومن ~~العجب أن متعلق القدرة أعم من متعلق الإرادة فإن الجائز الممكن من حيث هو ~~ممكن متعلق القدرة والمتجدد من جملة الممكنات هو متعلق الإرادة والمتجدد ~~أخص من الممكن . ثم قال بعض المخالفين أن خلاف المعلوم غير مقدور وهو أعم ~~فخلاف المعلوم كيف يكون مرادا وهو أخص ثم نقول من رأيي الآمر بالشيء لا ~~يكون مريدا لمأمور به من حيث أنه مأمور به قط سواء كان المأمور به طاعة أو ~~غيره وقد علم الآمر حصولها وسواء كان الآمر بخلاف ذلك فإن جهة المأمور به ~~هو كسب المأمور وقد بينا أن ذلك أخص وصف للفعل سمي به المرء عابدا مطيعا ~~مصليا وصائما مزكيا حاجا غازيا مجاهدا والفعل من هذا الوجه لا ينسب إلى ~~الباري تعالى فلا يكون مريدا له من هذا الوجه بل ينسب إليه من حيث التجدد ~~والتخصيص وما لم يكن الفعل فعلا PageV01P145 للمريد لا يكون مرادا له فما ~~كان من جهة العبد من الذي سميناه كسبا ووقع على وفق العلم والأمر كان مرادا ~~ومرضيا أعني مرادا بالتجدد والتخصيص مرضيا بالثناء والثواب والجزاء وما وقع ~~على وفق العلم وخلاف الأمر كان مرادا غير مرضي أعني مرادا بالتجدد غير مرضي ~~بالذم والعقاب وهذا هو سر هذه المسئلة ومن اطلع عليه استهان بتهويلات ~~القدرية وتمويهات الجبرية فعلى هذا لم يكن الباري تعالى مريدا للشرور ~~والمعاصي والقبائح من حيث أنها شرور ومعاصي وقبائح ولا هو مريد للخيرات ~~والطاعات والمحاسن من حيث أنها كذلك بل هو مريد لكل ما تجدد وحدث في العالم ~~من حيث أنها متخصصة بالوجود دون العدم ومتقدرة بأقدار دون أقدار ومتأقتة ~~بأوقات دون أوقات ثم ذلك الموجود قد يقع منتسبا إلى استطاعة العبد كسبا على ~~وفق الأمر فسمي طاعة مرضية أي مقبولة بالثناء ناجزا والثواب آجلا وقد يقع ~~على خلاف الأمر فيسمى معصية غير مرضية أي مردود بالذم ناجزا وبالعقاب آجلا ~~ولولا قدرة العبد في الشيء لكان الفعل فعلا متجددا مختصا بما خصصته الإرادة ~~من غير أن ms162 يقال هو خير أو شر إيمان أو كفر فالأفعال كلها من حيث تجددها ~~واختصاصها مرداة للباري تعالى وهي متوجهة إلى نظام في الوجود وصلاح العالم ~~وذلك هو الخير المحض وكانت وجوهها إلى الخير وظهورها من الخير وكان بيده ~~الخير وكلما ورد في القرآن من إرادة الخير المخصوص بأفعال العباد مثل قوله ~~يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولكن يريد ليظهركم إلى غير ذلك فهو ~~محمول على أحد معنيين إما ثناء ومدح في الحال وإما على ثواب ونعمة في المال ~~وإلا فالإرادة الأزلية لا تتعلق إلا بما هو متجدد من حيث أنه متجدد فلا ~~متجدد إلا وهو فعل للباري تعالى من حيث أنه متجدد وذلك لا ينسب إلى العبد ~~كما بينا في خلق الأعمال فاختصت الإرادة بأفعال الله سبحانه على الحقيقة ~~دون الوجوه التي تنسب إلى العبد واختص الآمر بأفعال العباد حقيقة دون ~~الوجوه التي تنسب إلى الحق تعالى فلم يجب تلازم الآمر والإرادة وقد يرد ~~الآمر بمعنى الإرادة والإرادة بمعنى الآمر فيكون الإطلاق باشتراك في اللفظ ~~فكان المشركون تمسكوا بهذا اللفظ حيث أخبر التنزيل عنهم ' وقال الذين ~~أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء ' أرادوا بذلك ~~المشيئة بمعنى الأمر وعن هذا طالبهم بإخراج العلم بذلك وإظهار الحجة عليهم ~~من كتبهم وقال PageV01P146 ' إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون ' إذ لم ~~يرد بذلك أمر ولا وجدوا في كتبهم بذلك تكليفا فرد عليهم بإثبات المشيئة ~~بمعنى التخصيص بالوجود والتصريف للأمور فقال تعالى ' قل فلله الحجة البالغة ~~فلو شاء لهداكم أجمعين ' وقد تمهل أبو الحسن وأصحابه أمثلة في جواز تعلق ~~الإرادة على خلاف الأمر منها أن نبيا لو علم من أحد الأمة أنه لو أمر بعشر ~~خصال من الخير توانى فيها ولو أمر بعشرين خصلة ثم حط عشرة منها عنه لم يقصر ~~فيأمره بالعشرين على إرادة امتثال العشرة فهو مأمور بخلاف المراد ومراد ~~بخلاف المأمور ومثل هذا قد وقع ليلة المعراج حيث أمر النبي بخمسين ms163 صلاة ثم ~~ردت إلى الخمس ومنها أن رجلا لو اشتكى عند السلطان من عبيده بعصيانهم عليه ~~وقلة مبالاتهم فيستحضرهم الملك فيأمرهم المالك بشيء فهو يريد مخالفتهم إياه ~~تصديقا لمقاله فذلك أمر على خلاف الإرادة ومنها أن الرب تعالى أمر خليله ~~إبراهيم بذبح الولد وهو يريد أن لا يحصل إذ لو أراد لحصل . وللخصوم عن هذه ~~الأمثلة اعتذارات ولنا عنها غنية وبما سبق من التحقيق كفاية ومن غرق في بحر ~~الحقيقة لم يطمع في شط ومن تعالى إلى ذروة الكمال لم يخف من حط . وقد تمسكت ~~المعتزلة بكلمات من ظواهر الكتاب منها قوله تعالى ' ولا يرضى لعباده الكفر ~~' وقوله ' والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات انم تميلوا ~~ميلا عظيما ' وقوله ' يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ' وقوله ' ~~تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة ' وقوله ' وما الله يريد ظلما للعباد ~~' وقوله ' لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم ' وقوله ' سيقول ~~الذين أشركوا ' وقوله ' وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ' وأجابت ~~الأشعرية بتأويلات وتخصيصات . وأحسن الأجوبة أن نقول إرادة الله ومشيئته أو ~~رضاه ومحبته لا تتعلق PageV01P147 بالمعاصي قط من حيث أنها معاص كما لا ~~تتعلق قدرته تعالى بأفعال العباد من حيث هي أكسابهم فيرتفع النزاع ويندفع ~~التشنيع وخرج ما قدرناه من التحقيق وإن شئت حملت كل آية على معنى يشعر به ~~اللفظ ويدل عليه الفحوى . أما قوله تعالى ' ولا يرضى لعباده الكفر ' أي لا ~~يرضى لهم دينا وشرعا فإنه وخيم العاقبة كثير المضرة كمن يشتري عبدا معيبا ~~فيقول له لا أرضى هذا لك عبدا ومما يتقوى به هذا المعنى أن الرضى والسخط ~~يتقابلان تقابل التضاد ثم السخط لم يكن محمولا إلا على ذم في الحال وعقاب ~~في المال كذلك الرضى محمول على الثناء في الحال وثواب في المال . وأما قوله ~~تعالى والله يريد أن يتوب عليكم وسائر الآيات في الإرادة محمولة على كلمة ~~ذكرها الصادق جعفر بن محمد رضي الله عنه أن الله تعالى أراد ms164 بنا شيئا وأراد ~~منا شيئا فما أراده بنا أظهره لنا وما أراده منا طواه عنا فما بالنا نشتغل ~~بما أراده منا عما أراده بنا ومعنى ذلك أنه أراد بنا ما أمرنا به وأراد منا ~~ما علمه فكانت الإرادة واحدة يختلف حكمها باختلاف وجه تعلقها بالمراد وهي ~~إذا تعلقت بثواب سميت رضى ومحبة وإذا تعلقت بعقاب سميت سخطا وغضبا وكذلك ~~إذا تعلقت بالمراد على وجه تعلق العلم به قيل أراد منه ما علم وإذا تعلقت ~~بالمراد على وجه تعلق الأمر قيل أراد به ما أمر وإذا تعلقت بالصنع مطلقا ~~بالتخصيص والتعيين من غير التفات إلى كسب العبد حتى يكون أراد منه وأراده ~~به قيل أراد الكائنات بأسرها ولم يقل أراد منها وأراد بها بل أرادها على ما ~~هي عليه من التجدد والتخصيص بالوجود دون العدم فإذا أفعال العباد من حيث ~~أنها أفعالهم إما أن يقال تتعلق الإرادة بها لا على الوجه الذي ينسب إلى ~~العباد بل على الوجه الذي انتسب إلى الخلق إيجادا وتخصيصا وإما أن يقال ~~تعلقت الإرادة بها على الوجهين المذكورين أنه أراد بنا وأراد منا أراد بنا ~~ما أمر دينا وشرعا واعتقادا ومذهبا وأراد منا ما علم سابقة وعاقبة وفاتحة ~~وخاتمة ودل على صحة هذا المعنى قوله ' ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ولكن ~~حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين ' أي لما لم يشأ الهداية ~~لحق القول على مقتضى العلم السابق . وقوله تعالى ' وما خلقت الجن والإنس ~~إلا ليعبدون ' أي لأمرهم بالعبادة وقيل ليخضعوا ويستسلموا كما قال ' وله ~~أسلم من في PageV01P148 السموات والأرض طوعا وكرها ' قالت الفلاسفة النظام ~~في الوجود أو في العالم متوجه إلى الخير لأنه صادر عن أصل الخير والخير ما ~~يتشوق كل شيء إليه ويتميز به وجود كل شيء والأول لما علم نظام الخير على ~~الوجه الأبلغ في الإمكان فاض منه ما عقله نظاما وخيرا على الوجه الأبلغ ~~فيضا تاما على أتم تأدية وذلك هو العناية الأزلية والإرادة السرمدية فكان ~~الخير داخلا ms165 في القضاء الإلهي دخولا بالذات لا بالعرض ثم الشر على وجوه ~~فيقال شر لمثل النقص الذي هو الجهل والعجز والتشويه في الخلقة ويقال شر ~~لمثل الوجع والألم والمرض ويقال شر لمثل الظلم والزنا والسرقة وبالجملة ~~الشر بالذات هو العدم ولا كل عدم بل عدم منقص طباع الشيء من الكمالات ~~الثابتة النوعية والطبيعية والشر المطلق لا وجود له وكذلك الشر بالذات ليس ~~بأمر حاصل إلا أن يخبر عن لفظه ولو كان له حصول لكان شرا مطلقا عاما ذاتيا ~~موجودا وإذا تحقق له وجود فقد حصلت فيه خيرية من جهة وجوده إذ الوجود من ~~حيث هو وجود خير فتحقق أن الشر المطلق لا وجود له إلا في اللفظ والذهن ~~والوجود على كماله الأقصى أن يكون بالفعل وليس فيه أمر ما بالقوة أصلا فلا ~~يلحقه شر وأما الشر بالعرض فله وجود ما وإنما يلحق ما في طباعه أمر ما ~~بالقوة وذلك لأجل المادة فيلحقها الأمر يعرض لها في نفسها وأول وجودها هيئة ~~من الهيئات المانعة لاستعدادها الخاص للكمال الذي توجهت إليه فجعلها أردى ~~مزاجا وأعصى جوهرا لقبول التخطيط والتشكيل والتقويم فتشوهت الخلقة وانتقصت ~~البنية لا لأن الفاعل قد حرم بل لأن المنفعل لم يقبل فربما يؤدي ذلك إلى أن ~~يصدر من تلك البنية أخلاق رديئة وربما تستولي نفس حيوانية على نفس إنسانية ~~فيصدر عن الشخص أفعال قبيحة واعتقادات فاسدة وأما الأمر الطارئ على الشخص ~~من خارج فأحد شيئين أما ما يقع للمكمل وأما ما يصادم حق الكمال ومثال ذلك ~~في النوع الإنساني العادات القبيحة التي يتربى عليه الصبي من أول نشؤه ~~والاعتقادات الفاسدة التي يتعلم الصبي من المعلمين والأبوين وإلا فأصل ~~الفطرة كان على استعداد صالح لولا المانع وعليه دلت الإشارات النبوية كل ~~مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه فالشر إذا داخل في ~~القضاء الإلهي بالعرض لا بالذات إذا وقع فبالحري أن يجازي مجازاة الهلاك ~~والفساد على وجود العلة العارضة فالباري تعالى مريد للخير إرادة بالذات إذ ~~هو مصدر للخيرات ومريد ms166 للشر إرادة بالعرض وليس مصدر الشرور وانقسمت الأمور ~~إذا توهمت موجودة إلى خير مطلق PageV01P149 وإلى شر مطلق وإلى خير ممزوج ~~بشر والأخير إما أن يتساوى فيه الخير والشر أو يغلب أحدهما أما الخير ~~المطلق الذي لا شر فيه فقد وجد في الطباع وفي الخلقة وأما الشر المطلق الذي ~~لا خير فيه والغالب أو المساوي فلا وجود له أصلا فبقي ما الغالب في وجوده ~~الخير وليس يخلو عن شر فالأحرى به أن يوجد فإن لا يكون أعظم شرا من كونه ~~فواجب أن يقتضي وجوده من حيث يقتضي منه الوجود لئلا يفوت الخير الكلي بوجود ~~الشر الجزي وأيضا لو امتنع وجود ذلك القدر من الشر امتنع وجود أسبابه التي ~~تؤدي إليه بالعرض فكان منه أعظم حالا في نظام الخير الكلي كمثل النار فإن ~~الكون إنما يتم بأن تكون فيه نار ولن يتصور وجودها إلا على وجه تحرق وتسخن ~~ولم يكن بد من المصادفات الحادثة أن تصادف النار ثوب فقير ناسك فتحرقه ~~فالأمر الدائم والأكثر حصول الخير من النار أما الدائم فلأن أنواعا كثيرة ~~لا تستحفظ على الدوام إلا بالنار وأما الأكثر فإن أكثر أنواع الأشخاص في ~~كنف السلامة عن الاحتراق فما كان يحسن أن يترك المنافع الأكثرية لأعراض ~~شرية أقلية فإرادات الباري تعالى الخيرات الكائنة على مثال هذه الأشياء ~~إرادة أولية على الوجه الذي يصلح أن يقال أرادها بالذات وبالقصد الأول ~~وأراد الشرور الكائنة غير أولية على الوجه الذي يصلح أن يقال أرادها إرادة ~~بالعرض وبالقصد الثاني فالخير مقتضى بالذات والشر مقتضى بالعرض وكل يقدر ~~ولو لم يقرر الأمر على ما قررناه للزم أن يكون مصدر الخير غير مصدر الشر ~~وذاك مذهب الثنوية . قال المتكلمون لا ننازعكم في اصطلاحكم على أن الخير ~~المحض ما هو أوان الخير المحض ممن هو وإن النظام في العالم متوجه إلى كمال ~~في الوجود وإنما النزاع بيننا في الخيرات التي تتعلق بأفعال العباد ~~وإكسابهم مثل الاعتقادات الفاسدة والجهالات الباطلة والأخلاق الردية ~~والأفعال القبيحة أهي حاصلة بإرادتنا دون ms167 إرادة الباري أم هي مرادة له عز ~~وجل وما سوى ذلك من الصور القبيحة والحيوانات المؤذية والآفات السماوية ~~والعاهات الأرضية وما يتبعها من الهموم والغموم والآلام والأوجاع فلا نزاع ~~فيها أهي خيرات أم شرور ولا نقول هي خيرات ومصالح وتحت كل منها شر ومع كل ~~بلاء ومحنة لطف وفي كل فتنة وآفة صلاح ولكل حيوان يؤذي خاصية ومودع في كل ~~جسم من الأجسام منفعة ومضرة وكل مضرة فبالنسبة إلى شيء آخر منفعة لكنا ~~نلزمكم أمرا كليا فإن عندكم الوجود كله بما فيه من الروحاني والجسماني صادر ~~عن الأول على الترتيب المذكور صدور اللوازم عن الشيء وما كان على سبيل ~~اللوازم فهو بالقصد الثاني أشبه منه بالقصد الأول فما الفرق بين الشرور ~~الواقعة في PageV01P150 الكائنات وكونها مقتضية بالعرض وبين أصل الكون ~~والكائنات وحصولها على سبيل اللزوم فليس إذا في الوجود شيء هو مقتضى بالذات ~~حتى يكون شيء آخر هو مقتضى بالعرض وما ذكرتموه من حد الخير أنه يتشوقه الكل ~~فهو الخير المحض وهو المراد لا المريد وما سواه فليس بخير ولا مراد إذ لا ~~يتشوقه الباري تعالى فلم يرده ويرجع الكلام إلى شبه الطامات وقولكم أنه إذا ~~علم النظام وأبدعه فقد أراده فجعلتم الإرادة مركبة من سلب وإضافة أما السلب ~~فمن جهة أنه عالم أي غير محتجب عن ذاته بذاته وأما الإضافة فمن جهة أنه ~~مبدأ النظام الخير والنظام في الوجود تابع ولازم لكونه عالما والشر في ~~الوجود لازم وتبع للنظام فما الفرق بين لازم ولازم وعندكم الجزئيات معلومة ~~تتبع الكليات والكليات معلومة تبعا لعلمه وهي معلومة على منهاج كونها ~~معلومة فالشر والقبائح يجب أن تكون مرادة على منهاج كونها معلومة وقولكم ~~الشر المحض ليس بموجود أصلا فإن الوجود اشتمل على الخير أو هو خير كله . ~~فنقول أثبتم ترتيبا في الوجود حتى قضيتم بأن الوجود في بعض الموجودات أول ~~وأولى وفي بعضها لا أول ولا أولى فهلا أثبتم فيه تضادا أيضا حتى تحكموا بأن ~~الوجود في بعض الموجودات خير كله وفي ms168 بعضها شر كله وقد سمعتم من أصحاب ~~الشرائع إثبات الملائكة الروحانيين وذلك خير كله وإثبات الشياطين وهذا شر ~~كله وأصحاب الأصلين النور والظلمة يقرون عليكم السلام للإلزام وأصحاب ~~الكلام يلزمونكم إثبات موجودات العالم غير مستندة إلى الموجد كأنها وقعت ~~اتفاقا لا قصدا أو حدثت فلتة لا إرادة واختيارا فإن كانت لا مستند لها فهي ~~مخلوقة لا خالق لها وإن كان مستندها خيرا محضا فكيف يصدر الشر من الخير وإن ~~كان مستندها شرا محضا فالشر المحض لا وجود له عندكم فما الجواب وكيف الخروج ~~عن عهدة الخطاب . ونقول نرى العالم الجسماني مملوءا بالبلايا والمحن ~~والزرايا والفتن ومشحونا بالآفات والعاهات والطوارق والحسرات ومتموجا ~~بالجهالات وفاسد الاعتقادات وأكثر الخلق على الأخلاق الذميمة والخصال ~~اللئيمة واستيلاء القوة الشهوية والغضبية على العقلية حتى لا تكاد تجد في ~~قرن من القرون إلا واحدا يقول بالحكمة الإلهية التي هي التشبه بالإله عندكم ~~أو فرقة يسيرة ترتسم بالمراسيم الشرعية التي هي امتثال الأوامر الإلهية ~~عندنا بل أكثرهم ' صم بكم عمي فهم لا يعقلون ' ' وما وجدنا لأكثرهم من عهد ~~وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين ' PageV01P151 [ الأعراف : 102 ] ' وقليل من ~~عبادي الشكور ' فكيف يستمر لكم معاشر الفلاسفة أن البشر في العالم بمطلقه ~~لا يوجد وبأكثره لا يتحقق وقد صادفتم الوجود على خلاف ما قررتم فاعتبروا ~~النفوس الإنسانية والغالب على أحوالها من العلم والجهل وعلى أخلاقها من ~~الحسن والقبيح وعلى أقوالها من الصدق والكذب وعلى أفعالها من الشر والخير ~~تعلمون أن الشر في العالم الجسماني أغلب وأكثر خصوصا في النفوس الإنسانية ~~وبالجملة فحيث ما وجدنا الفطرة والتقدير الإلهي غالبا على الاختيار ~~والاكتساب البشري كان الغالب هو الخير والصلاح وحيث ما وجدنا الاختيار ~~والاكتساب غالبين كان الغالب هو الشر والفساد فعاد الأمر إلى أن لا شر في ~~الأفعال الإلهية فإن وجد فيها شر فبالإضافة إلى شيء دون شيء وإنما يدخل ~~الشر في الأفعال الإنسانية الاختيارية وهي أيضا من حيث أنها تستند إلى ~~إرادة الباري سبحانه خير ومن حيث أنها تستند إلى اكتساب العبد تكتسب ms169 اسم ~~الشر غير أن الشرائع قد وردت بإثبات الشياطين وإثبات رأسهم إبليس اللعين ~~وليس يمكن إنكار ذلك بعد ثبوت الصدق في أقوالهم وأخبارهم بالبينات الواضحة ~~والمعجزات الباهرة وقد اعترف بوجودها قدماء الحكماء قالوا ما من شيء جزى في ~~العالم إلا ويتحقق له في عالم آخر آمر كلي فبالحرارة الجزية استدل على نار ~~كلية وبالعقل الجزي يستدل على عقل كلي وكذلك سائر الأمور فبالشر الجزي في ~~العالم يستدل على شر كلي وكذلك أثبت المجوس وأصحاب الاثنين للعالم أصلين ~~هما منبع الخير والشر والنفع والضرر وهما النور والظلمة كما سبق ذكر ~~مذاهبهم وقد استوفيناها في كتابنا الموسوم بالملل والنحل وبالجملة الفلاسفة ~~منازعون في ثلاثة أحوال أولها نفي محض موجود هو أصل الشر بالذات لا بالعرض ~~والثاني كون الخير في النوع الإنساني أكثر وأغلب والثالث إثبات موجودات لا ~~مستند لها على طريق الإيجاد بالذات بالقصد الأول وما لم تثبت هذه الأصول لم ~~يتم لهم ما ذكروه والله أعلم وأحكم . القول في الكلام حصرناه في ثلث قواعد ~~أحديها إثبات كون الباري تعالى متكلما بكلام أزلي والثانية في أن كلامه ~~واحد والثالثة في حقيقة الكلام شاهدا وفي أحكامه . PageV01P152 # | القاعدة الثانية عشرة في كون الباري متكلما بكلام أزلي # ولما لم نجد في الملة الإسلامية من يخالفنا في كون الباري تعالى متكلما ~~بكلام قدمنا هذه المسئلة وإن جرت العادة بتقديم المسئلة الأخيرة ولم ~~يخالفنا في ذلك إلا الفلاسفة والصابية ومنكرو النبوات وطرق متكلمي الإسلام ~~تختلف . فطريق الأشعرية أن قالوا دل العقل على كون الباري تعالى حيا والحي ~~يصح منه أن يتكلم ويأمر وينهي كما يصح منه أن يعلم ويقدر ويريد ويسمع ويبصر ~~فلو لم يتصف بالكلام أدى إلى أن يكون متصفا بضده وهو الخرس والعي والحصر ~~وهي نفائس ويتعالى عنها . والذي يحقق هذه الطريقة قولهم قد ثبت بدليل العقل ~~أنه ملك مطاع ومن حكم الملك أن يكون منه أمر ونهي كما دل تردد الخلق في ~~صنوف التغايير والحوادث والجائزات على كون الباري تعالى قادرا عالما دل ~~تردد ms170 الخلق في صنوف الأمر والنهي على أمر الباري ونهيه وكما جرى في ملكه ~~تقديره جرى على عباده تكليفه وكما تصرف في الموجودات الجبرية جبرا وقهرا ~~تصرف في الموجودات الاختيارية تكليفا وتعريفا . وقد سلك الأستاذ أبو إسحاق ~~الاسفرائيني رحمه الله منهاجا آخر فقال دلت الأفعال بإتقانها وإحكامها على ~~أنه تعالى عالم ويستحيل أن يعلم شيئا ولا يخبر عنه فإن الخبر والعلم ~~يتلازمان فلا يتصور وجود أحدهما دون الثاني ومن لا خبر عنده عن معلومه لا ~~يمكنه أن يخبر غيره عنه ومن المعلوم أن الباري يصح منه التكليف والتعريف ~~والإخبار والتنبيه والإرشاد والتعليم فوجب أن يكون له كلام وقول يكلف ويعرف ~~ويخبر وينبه بذلك فإذا ثبتت هذه الدلائل كونه متكلما . فنقول إما أن يقال ~~هو متكلم لنفسه أو متكلم بكلام ثم إن كان متكلما بكلام فإما أن يكون كلامه ~~قديما أو حادثا وإن كان حادثا فإما أن يحدث في ذاته أو في محل PageV01P153 ~~أو لا في محل ولا قائل بكونه متكلما لنفسه من المعتزلة وغيرهم إذ لو كان ~~يعم تعقله أزلا وأبدا ولا قائل بكلام يخلقه لا في محل لأن في نفي المحل نفي ~~الاختصاص وفيه إبطال التفرقة بين ما يقوم بنفسه وبين ما لا يقوم بنفسه ومن ~~قال هو متكلم بكلام يحدثه في ذاته كما صارت إليه الكرامية فقد سبق الرد ~~عليهم ومن قال هو متكلم بكلام يخلقه في محل كما صار إليه المعتزلة فقد خالف ~~قضية العقل فإن الكلام لو قام بمحل لكان المحل متصفا به دون غيره من الفاعل ~~وغيره كما لو تحرك متحرك بحركة يخلقها الله لم يرجع أخص وصفها إلى الفاعل ~~وكذلك سائر الأعراض فبقي أنه متكلم بكلام قديم أزلي يختص به قياما ووصفا ~~وذلك ما أثبتناه . قالت الفلاسفة والصائية قولهم الحي يصح منه الاتصاف ~~بالكلام لأنه لو لم يتصف به لاتصف بضده وكثيرا يطردون هذا الدليل في سائر ~~الصفات وهي دعوى مجردة لا برهان عليها إلا الاسترواح إلى الشاهد ونحن نورد ~~عليكم نقضا لهذه القاعدة حتى ms171 يتبين أن اعتذاركم عن النقض اعتذارنا عن هذه ~~الدعوى وذلك أن الحي يصح منه الاتصاف بالحواس الخمس ثم الثلث منها كالشم ~~والذوق واللمس يصح في الشاهد ويصح وصفه بها والاتصاف بها كما يصح منه ~~الاتصاف بالسمع والبصر والكلام ثم لم يجز طرد ذلك كله في الغائب ولا يقال ~~أنه لو لم يتصف بها كان موصوفا بضدها بل يجب أن يقال يتعالى الحق عنها وعن ~~أضدادها كذلك قولنا في السمع والبصر والكلام واعتذاركم أن اتصال الأجرام ~~بتلك الحواس شرط في الشاهد كذلك اعتذارنا أن البنية واتصال الأجرام ~~واصطكاكها شرط في الشاهد فلا يجوز أن يوصف الحي بها ولا بضدها جميعا وكثيرا ~~ما يكون من الصفات كمالا في الشاهد ونقصانا في الغائب فبقيت الحجة الأولى ~~عرية عن البرهان وأما قولكم أن الرب تعالى ملك مطاع ذو أمر ونهي فمسلم ~~لكنكم معاشر المتكلمين أنتم منازعون في إثبات الكلام له هو أمر ونهي على ~~وجه يتصف به إما قياما بذاته وإما قياما بغيره فإنا نقول هو ملك مطاع وله ~~أمر ونهي لا على طريق قولي بل على طريق فعلي وهو تعريف المأمور خبرا أن ~~الفعل المأمور به واجب الإقدام عليه بأن يخلق له معرفة ضرورية أن الأمر ~~كذلك إما أن يتكلم بكلام يخلقه في محل أو يتكلم أزلا وأبدا بكلام يسمع في ~~حال ولا يسمع في حال فهو من أمحل المحال وهذا لأن تصريفه تعالى جواهر ~~الخلائق بالفعل على وجه ينقاد له طوعا وكرها لما خلقه له وقدره فيه نازلا ~~منزلة القول ألستم تقرون في كتابكم ' ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال ~~لها وللأرض ائتيا طوعا أو PageV01P154 كرها قالتا أتينا طائعين ' ثم ذلك ~~ليس خطابا قوليا بل تصريفا وتسخيرا بحيث لو عبر عن تلك الحالة من التصريف ~~والانقياد كان ذلك أمرا بالإتيان وجوابا بالطاعة لا بالعصيان وعلى ذلك ~~المنهاج سيرة العباد في البلاد وتيسيره السير فيها حالة لو عبر عنها بالقول ~~لكان خطابا لهم ' سيروا فيها ليالي وأياما آمنين ' وكذلك كل موجود أبدعه ms172 ~~الباري تعالى بلا زمان وبلا مادة ولا آلة بحيث لو عبر عن حال الإيجاد ~~والإبداع كان ذلك أمرا بالتكون كما قال ' إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن ~~نقول له كن فيكون ' وإلا فالخطاب القولي مستحيل أن يتوجه إلى العدم وهذا في ~~المبدأ كذلك نقول في حال الكمال أعني كمال حال الإنسان من النبوة والرسالة ~~أو كمال حال الملائكة من الروح والواسطة فهو يصلون إلى حال في النفوس ~~الشريفة والمناسبات اللطيفة بين الأرواح المجسدة المشخصة وبين الروحانيات ~~البسيطة المجردة بحيث لو عبر عن تلك الحالة كان ذلك وحيا وتنزيلا وخطابا ~~وسؤالا وجوابا وتقريبا وإيجابا وقالوا أيضا لو قدر للباري تعالى كلام فلم ~~يخل من أحد الأمرين إما أن كان من جنس كلام البشر أو لم يكن فإن كان لم يخل ~~أيضا من أحد الأمرين إما أن كان من جنس الكلام اللساني أو من جنس النطق ~~النفساني ويستحيل أن يكون كلامه مثل الكلام في اللسان فإن هذا مركب من حروف ~~منظومة والحروف تقطيع أصوات والأصوات اصطكاك أجرام والباري سبحانه تعالى عن ~~أن يكون جرما أو مركبا من جرم وجسم وإن قدر كلامه يخلقه في محل لم يكن ذلك ~~الكلام قولا له بل فعلا ونحن نوافقكم في التعريفات الفعلية على أن هذا ~~التقدير يستحيل أيضا فإن ذلك المحل إما أن يشتمل على مخارج الحروف أو لا ~~يشتمل فإن اشتمل وجب أن يتحقق فيه حياة فيكون ذا بنية وهيئة إنسانية فيكون ~~إنسانا فيكون الباري تعالى متكلما بلسان بشر فيكون قد تصور بصورة البشر ~~فيلزم أن يقال أنه يسمع بسمعه ويبصر ببصره كما نطق بلسانه ويأخذ بيده ويمشي ~~برجله وهذا هو الحلول الذي ذهب إليه أصحابه وإن لم يشتمل على مخارج الحروف ~~كانت أصواتا مجردة لا حروفا منظومة فلا يكون كلامه من جنس كلامنا بل ~~الأصوات الحادثة من حفيف الشجر ودوي الماء وصوت الرعد يكون كلاما له وذلك ~~خلاف الكلام المتعارف فإن قيل أن كلامه من جنس النطق النفساني فهو باطل ~~أيضا فإن النطق النفسي ms173 على وجهين أحدهما ما هو مأخوذ في اللسان عربيا ~~وعجميا وغير ذلك إلى ما PageV01P155 يعلم من المعلمين فيكون ذلك تقديرات ~~حروف في الخيال وتصويرات كلمات في الوهم ويستحيل أن يكون كلامه تعالى من ~~جنس المأخوذات والثاني ما هو مركوز في طبيعة النفس من التمييز والتفكير ~~بحيث يعبر عنه باللسان فيكون هو مأخوذ اللسان وذلك أيضا مستحيل لأن ذلك ~~يقتضي ترديد الخواطر وتقليب الأفكار والابتداء من مبدأ والانتهاء إلى منتهى ~~وذلك كله محال فثبت أنه لا يجوز أن يكون من جنس كلام البشر وما كان خارجا ~~عن كلام البشر لا يجوز أن يثبت بالاستدلال على كلام البشر لأن غير الجنس لا ~~يدل على الجنس فيخرج على هذا قولكم أن كل عالم يجد من نفسه خبرا عن معلومه ~~فإن هذا وإن سلم في الشاهد فكيف يستمر لكم طرده في الغائب مع تسليمكم أن ~~الخبرين لا يتماثلان إلا في اسم الخبرية وكذلك قولكم أن كل ملك مطاع يجب أن ~~يكون صاحب أمر بالتكليف فإنه مسلم في الشاهد على ما ذكرنا غير مطرد في ~~الغائب على المنهج الذي هو معتاد في الشاهد وهذا الإلزام ليس يختص بمسئلة ~~الكلام بل متوجه على من يجميع بين الشاهد والغائب في معنى لا يشتركان فيه ~~جنسا ومماثلة ويكون حكمه حكم من يجمع بين قرص الشمس ومنبع الماء لا في معنى ~~يشتركان كان فيه جنسا وماثلة بل بمجرد اسم العين المطلق عليهما بالاشتراك . ~~ذلك تقديرات حروف في الخيال وتصويرات كلمات في الوهم ويستحيل أن يكون كلامه ~~تعالى من جنس المأخوذات والثاني ما هو مركوز في طبيعة النفس من التمييز ~~والتفكير بحيث يعبر عنه باللسان فيكون هو مأخوذ اللسان وذلك أيضا مستحيل ~~لأن ذلك يقتضي ترديد الخواطر وتقليب الأفكار والابتداء من مبدأ والانتهاء ~~إلى منتهى وذلك كله محال فثبت أنه لا يجوز أن يكون من جنس كلام البشر وما ~~كان خارجا عن كلام البشر لا يجوز أن يثبت بالاستدلال على كلام البشر لأن ~~غير الجنس لا يدل على الجنس فيخرج ms174 على هذا قولكم أن كل عالم يجد من نفسه ~~خبرا عن معلومه فإن هذا وإن سلم في الشاهد فكيف يستمر لكم طرده في الغائب ~~مع تسليمكم أن الخبرين لا يتماثلان إلا في اسم الخبرية وكذلك قولكم أن كل ~~ملك مطاع يجب أن يكون صاحب أمر بالتكليف فإنه مسلم في الشاهد على ما ذكرنا ~~غير مطرد في الغائب على المنهج الذي هو معتاد في الشاهد وهذا الإلزام ليس ~~يختص بمسئلة الكلام بل متوجه على من يجميع بين الشاهد والغائب في معنى لا ~~يشتركان فيه جنسا ومماثلة ويكون حكمه حكم من يجمع بين قرص الشمس ومنبع ~~الماء لا في معنى يشتركان كان فيه جنسا وماثلة بل بمجرد اسم العين المطلق ~~عليهما بالاشتراك . قال المتكلمون الطريقة المختارة عندنا في إثبات الصفات ~~الاستدلال بالدلائل التي نجدها في الشاهد فإنا بالأحكام استدللنا على العلم ~~وبوقوع الأفعال على القدرة والاختصاص ببعض الجائزات على الإرادة كذلك نستدل ~~بالتكاليف على العباد ذوي العقول والاستطاعة على أن الباري تعالى آمر ناه ~~وله الأمر والنهي والوعد على إتيان المأمور به والوعيد على فعل المنهي عنه ~~وهذا لا يتصور من جنس الفعل وإنما يتحقق من جنس القول فيستدل بالوجوه التي ~~في الصنائع والأفعال على انه تعالى خالق وبالوجوه التي في الشرائع والأحكام ~~على أنه تعالى آمر ' ألا له االخلق والأمر تبارك الله رب العالمين ' ووجه ~~الاستدلال من الشرائع والأحكام أن التكليف اقتضاء وطلب المأمور به ~~والاقتضاء قضية معقولة وراء العلم والقدرة والإرادة أما وجه المباينة بينها ~~وبين العلم أن العلم يتعلق بالمعلوم على ما هو به وليس في تعلقه اقتضاء ~~المعلوم بل هو تبيين وانكشاف ومن خاصيته أن يتعلق بالواجب والجائز ~~والمستحيل والاقتضاء والأمر لا يتعلق بالواجب والمستحيل وأما وجه مباينته ~~للقدرة أن القدرة صالحة للإيجاد فقط وإنما تتعلق بالممكن ويستوي في تعلقه ~~كل ممكن في ذاته والاقتضاء والأمر والنهي لا يتعلق بكل ممكن ليحصل وجوده ~~وأما PageV01P156 وجه مباينته الإرادة أن الإرادة صالحة للتخصيص ببعض ~~الجائزات فقط وإنما تتعلق بالمتجدد من ms175 جملة الممكن ويستوي في تعلقه كل ~~متجدد متخصص والاقتضاء والطلب يختلف من جهة تحدده وقد بينا أن من الأشياء ~~ما يراد ولا يؤمر به ومنها ما يؤمر به ولا يراد بل الإرادة من حيث الحقيقة ~~لا تتعلق إلا بفعل المريد والأمر والاقتضاء لا يتعلق من حيث الحقيقة إلا ~~بفعل الغير فكيف تتحدان حقيقة وخاصية فثبت أن مدلول التكاليف من حيث الحدود ~~والأحكام قضية وراء العلم والقدرة والإرادة وذلك ما عبرنا عنه بالقول ~~والكلام وعبر التنزيل عنه بالأمر والخطاب ومن وجه آخر نقول الحركات ~~الاختيارية التي اختصت بتصرفات الإنسان ثلث حركة فكرية وهي من تصرفات عقله ~~وفكره وحركة قولية وهي من تصرفات نفسه ولسانه وحركة فعلية وهي من تصرفات ~~بدنه والقوى البدنية وما من حركة من هذه الحركات إلا والله فيها حكم بالأمر ~~والنهي فإن الفكرية تشتمل على حجة وشبهة وصواب وخطأ وحق وباطل والقولية ~~تشتمل على صدق وكذب وإقرار وإنكار وحكمة وسفه والفعلية تشتمل على خير وشر ~~وطاعة ومعصية وصلاح وفساد وقد قام الدليل على أن الباري تعالى حكم عدل وله ~~حكم وقضية في كل حركة من هذه الحركات وذلك الحكم إما أن يكون فعلا من ~~الأفعال وإما أن يكون قولا من الأقوال واستحال أن يكون فعلا يفعله فإن كل ~~فعل فهو مسبوق بحكمه بل ذلك الفعل دليل على حكمه وحكمه مدلول فعله وكما أن ~~الحركات الضرورية دلت باختصاصها ببعض الجائزات دون البعض على علمه وإرادته ~~وقدرته كذلك الحركات الاختيارية دلت باختصاصها ببعض الأحكام دون البعض على ~~حكمه وأمره وقضيته وقولكم أن التصريف بالفعل نازل منزلة التكليف بالقول ~~مسلم فيما يرجع إلى أفعال غير اختيارية للإنسان لكن الأفعال الاختيارية لما ~~استدعت ممن له الخلق والأمر حكما واقتضاء وطلبا فكل فعل وتصريف من الخالق ~~يدل على حكمه واقتضائه وذلك بعينه هو غرضنا ومرادنا . فنقول ذلك الفعل من ~~وجه إحكامه دل على علم الفاعل ومن وجه وقوعه دل على قدرته ومن وجه اختصاصه ~~دل على إرادته ومن وجه تردده بين الجواز والحظر ms176 والإباحة دل على أن للباري ~~تعالى فيها حكما وقضية ثم ذلك الحكم قد يكون أمرا وقد يكون نهيا وقد يكون ~~إباحة فقد سلمتم المسئلة من حيث منعتموها . فنقول إثبات الكلام والأمر ~~والنهي يبنى على جواز انبعاث الرسل فإن من أحال كونه متكلما يلزمه أن ينكر ~~كونه مرسلا رسولا ومن جوز على الله تعالى أن يبعث رسولا فذلك الرسول يبلغ ~~رسالات الله لا محالة ورسالاته أوامره ونواهيه وحملها على PageV01P157 فعل ~~يفعله في محل بحيث يفهم من ذلك الفعل أنه يريد من المكلف فعلا ويكره فعلا ~~تسليم المسئلة فإن تلك الإرادة التي تتعلق بفعل الغير حتى يفعله إرادة ~~تضمنت اقتضاء وحكما وإلا كانت تمنيا وتشهيا وذلك الذي يسمى أمرا ونهيا ~~وسميتموه إرادة وكراهية فإذا مدلول ذلك الفعل الذي أشاروا إليه هو الذي ~~نسميه الشرع كلاما وأمرا ونهيا وعلى منهاج الحكم الفلسفية إذا انتهى ~~الإبداع والخلق إلى غاية تهيأت الأمزجة المعتدلة لقبول النفس الناطقة التي ~~تفكر بالروية وتتصرف بالاختيار وكان من المختارين بهذه النفس على روية الحق ~~والصواب بالاختيار الأفضل والاجتناب عن الأرذل ومنهم من يتوانى ويكسل حتى ~~يبطل ذلك الاستعداد ويستعمله في جانب الباطل والخطأ واختيار الأرذل ~~والاجتناب عن الأفضل وجب أن يكون من عند الحكيم حكم على هذه النفس الناطقة ~~وهي ملتبسة في هذا البدن الجسماني وحكم عليها وهي مفارقة له فذلك الحكم ~~الأول هو الذي نعني به بأنه أمر ونهي وهذا الحكم الثاني هو الذي نعني به ~~أنه وعد ووعيد ومن نفى هذا الحكم فقد نفى كونه ملكا مالكا لملكه فيكون له ~~خلق ولا يكون له أمر ويكون في جانب المخلوق كله جبرا ولا يكون اختيارا ثم ~~يلزم أن تكون النفوس الناطقة كائنة فاسدة لا معاد لها ولا كمال ولا جزاء ~~على أفعالها ولا ثواب وذلك يبطل قضية الحكمة ونحن نرى من النفوس الحيوانية ~~ما لا يتفاهم بعضها من بعض إلا بإحدى من الحواس الأربع وهي اللمس والذوق ~~والشم والبصر ومنها ما يتفاهم بها وبالسمع أيضا ثم منها ما يكون ms177 له مجرد ~~الصوت من غير لحن ومنها ما يكون له مع صوته لحن ثم من أصحاب الألحان ما ~~يكون من ذوات الحروف المقطعة ومنها ما لا يكون إلى أن يبلغ الأمر والحال ~~إلى ترصيع الكلمات من الحروف وترتيب الحروف في الكلمات فيكون ذلك دلالة على ~~ما في النفوس الناطقة وليس كل مرتبة من هذه المراتب من جنس المرتبة التي ~~قبلها لكنها كمالات النفوس بعد كمالات إلى أن تبلغ إلى النفس الناطقة ~~الإنسانية فيحدس منها أن مرتبتها لما كانت فوق مرتبة سائر النفوس دل ذلك ~~على أن مرتبة النفوس الروحانية والأرواح الملكية فوق مرتبة هذه النفوس في ~~التفاهم وكما لا تكون المرتبة التي للناطقة من جنس المرتبة التي للطير ~~والبهائم كذلك لا تكون المرتبة التي للملائكة الروحانية من جنس المرتبة ~~التي لنا بل تكون أشرف وألطف غير أنا بهذا الجنس استدللنا على ذلك النوع ~~كما استدللنا بنوع من الحدس في الأمور الغائبة على نوع من الحدس في أمور ~~الغيب إلى أن يصل الكمال إلى حد من الخليقة فيقف الترتيب في المراتب فيستدل ~~بذلك على أن أمر من له الخلق والأمر فوق الأوامر النطقية الإنسانية والفكر ~~العقلية وأنه بوحدته فكر في معنى كل PageV01P158 كلام ونطق وخبر واستخبار ~~وأمر ونهي ووعد ووعيد وإن سمعا يسمع كلامه فوق كل سمع هو مفطور للحرف ~~والصوت كما أن سمعا يسمع الحروف والصوت فوق سمع هو مجبول بمجرد الصوت فنحن ~~إذا لم نستدل بجنس على جنس بل بجنس على ما هو فوق الجنس فبطل استرواحهم إلى ~~التقسيم الذي ذكروه . ثم نقول آنفا ألستم تقولون أن واجب الوجود من حيث ~~يعطي العقل في المعقول عاقل ومن حيث يعطي البدء في المبدأ قادر ومن حيث ~~يعطي النظام على أتم وجوه الكمال مريد فهلا قلتم أنه من حيث يعطي النطق ~~الروحاني للمفارقات والنطق النفساني لذوات القوالب آمر متكلم ثم هلا حملتم ~~كلامه وأمره على ما حملتم علمه وقدرته وإرادته فيصير التنازع واحدا بيننا ~~ويرجع الأمر إلى مسئلة الصفات فما الذي ms178 عدا مما بدا وكيف اشتملت مسئلة ~~الكلام على محال لم تشتمل عليه مسئلة العلم والقدرة عندكم . قالت المعتزلة ~~نحن نوافقكم على أن الباري تعالى متكلم لكن حقيقة المتكلم من فعل الكلام ~~فهو فاعل الكلام في محل بحيث يسمع ويعلم أنه كلامه ضرورة لأنه لو كان ~~المتكلم من قام به الكلام كما ذهبتم إليه وجب أن يكون كلامه إما قديما وإما ~~حادثا وإن كان قديما ففيه إثبات القديمين ويرجع القول إلى مسئلة الصفات ~~ومما يختص بهذه المسئلة من الاستحالة أنه لو كان قديما وهو أمر ونهي لزم أن ~~يكون كلاما مع نفسه من غير مأمور ولا منهي ومن المحال الذي لا يتمارى فيه ~~أن القول بأنا أرسلنا نوحا إلى قومه ولا نوح ولا قومه إخبار عما ليس كما هو ~~فهو مع استحالته كذب ومع كذبه محال وقوله اخلع نعليك لموسى ولا موسى ولا ~~طور ولا الوادي المقدس طوى خطاب المعدوم والمعدوم كيف يخاطب وكذلك جميع ما ~~في القرآن من الأوامر والنواهي والأخبار فوجب أن يكون الكلام يحدث عند حدوث ~~المخاطب في الوقت الذي يصل الخطاب إليه فيكون الكلام حادثا ثم إما أن يحدث ~~في ذاته كما صارت إليه الكرامية فيكون محلا للحوادث وذلك باطل وإما أن يحدث ~~لا في محل أو في محل ولا بد من محل فإنه حرف والحرف تقطيع صوت والصوت في ~~الجسم متصور فتعين أنه في جسم . قالت الأشعرية بنيتم مذهبكم على قاعدتين ~~أحديهما تسليمكم كون الباري تعالى متكلما والثانية أن حد المتكلم وحقيقته ~~من فعل الكلام فأما الأولى فلو نازعكم الصابي والفيلسوف في كونه متكلما فما ~~دليلكم في ذلك عليهما وعندكم الكلام فعل PageV01P159 الباري تعالى كسائر ~~الأفعال ولا يرجع إليه حكم الكلام إلا أنه فاعل صانع فما الدليل على أنه ~~متكلم أعني يوصف بمعنى يقوم بمحل آخر فما الفرق بين مذهبكم وبين مذهب من ~~قال أنه يخلق فعلا يفهم عند ذلك أنه تعالى يريد من العبد فعلا أو يكرهه وإن ~~أضيف إليه الكلام كان مجازا كما قال ms179 تعالى خطابا للسماء والأرض ائتيا طوعا ~~أو كرها قالتا أتينا طائعين فلم يجز من حيث الحقيقة كلام هو اقتضاء وأمر ~~وإيجاب من الله تعالى ولا تسلم وائتمار واستيجاب من السماء والأرض من حيث ~~القول . قالوا طريقنا في إثبات كونه متكلما هو المعجزات الدالة على صدق قول ~~الأنبياء عليهم السلام وهم الصادقون المخبرون عن الله تعالى أنه قال كذا ~~وأمر بكذا ونهى عن كذا . قيل لهم قد سددتم على أنفسكم هذه الطريقة بوجوه ~~أحدها أنكم زعمتم أنه لو لم يبعث الله رسولا كان على العاقل البالغ في عقله ~~وجوب معرفة الله تعالى وعلى الباري تعالى وجوب ثوابه فلو لم يبعث الله ~~رسولا فبم كنتم تثبتون كونه متكلما والثاني مصيركم إلى أن الكلام فعل من ~~الأفعال فما دليلكم على أنه فعل ذلك الفعل الخاص إذ ليس كل مقدور فهو واقع ~~بفعل الله تعالى والثالث زعمتم في الإرادة أنها مخلوقة لا في محل وفي ~~الكلام أنه مخلوق في محل وفي الأمرين جميعا يرجع الحكم الأخص إلى الباري ~~تعالى فما الفرق بين البابين . ثم نقول ليس يشك العاقل أن الكلام معنى من ~~المعاني سواء كان ذلك المعنى عبارة منظومة من حروف PageV01P160 منظومة ~~وأصوات مقطعة أو كان صفة نفسية ونطقا عقلية من غير حرف وصوت وكل معنى قائم ~~بمحل وصف المحل به لا محالة وذلك المعنى من حيث هو مخلوق مفعول ينسب إلى ~~الفاعل ومن حيث هو معنى قام بمحل فينسب إلى المحل فمحل المعنى موصوف به لا ~~محالة فالذي وصف الفاعل به هو وجه حدوثه منتسبا إلى ذاته القابلة له ~~الموصوفة به وهذان وجهان معقولان ليس يتمارى فيهما عاقل فجعلهما وجها واحدا ~~حتى يكون معنى كونه فاعلا هو معنى كونه موصوفا به خروج عن المعقول ومكابرة ~~العقل ولا يرتفع المعنى المعقول بالاصطلاح على أن معنى المتكلم هو الفاعل ~~للكلام . ومما يدل على ذلك دلالة واضحة أن الكلام عند الخصم عبارة عن حروف ~~منظومة وأصوات مقطعة ومن المعلوم الذي لا مراء فيه أن الصوت أعم ms180 من الكلام ~~فإن كل كلام عنده صوت وليس كل صوت كلاما ثم الصوت إذا قام به سمي المحل ~~مصوتا ولا يرجع حكم الصوت إلى فاعل الصوت حتى يقال الباري تعالى إذا خلق ~~أصواتا في محل هو مصوت والكلام الذي هو أخص كيف يرجع حكمه إليه حتى يقال هو ~~متكلم بكلام يخلقه في محل بل يرجع حكم الصوت من حيث هو معنى من المعاني إلى ~~المحل ويرجع حكم الفعل من حيث هو فعل من الأفعال إلى الفاعل كذلك الكلام ~~الذي هو أخص منه فيا عجبا بأن صار أخص صار حكمه أعم أو ليست الحركة إذا ~~قامت بمحل سمي بها متحركا سواء كانت الحركة ضرورية أو اختيارية ثم إذا خصصت ~~الحركة بأن كانت أصواتا تسمع أو حروفا تفهم أو كلمات تعقل انقطع حكمها عن ~~المحال وعاد ما يجب اختصاصه بالمحل إلى الفاعل الذي لا ينسب إليه إلا الأعم ~~فعرف من هذه الوجوه أن اختصاص الكلام بالمحل الذي قام به لم يبطل ومن ~~الدليل على ذلك أن من سمع كلاما من الغير علم على القطع والبتات أنه ~~المتكلم به ولا يقف معرفة ذلك على معرفة كونه فاعلا بل ربما لا يخطر بباله ~~كونه فاعلا أصلا وعن هذا انتسب إليه القول فيقال قال ويقول وهو قائل وبخطاب ~~الأمر والنهي يخاطب قل ولا تقل ويفرق الفارق ضرورة فرقا معقولا بين قولهم ~~قل وبين قولهم افعل فإن مساق قولهم قل هو بعينه مساق قولهم تحرك واسكن وقم ~~واقعد وإن كان المعنى في الموضعين مخلوقا متكسبا بالوجهين كما عرفت ثم رجع ~~أخص وصف الحركة إلى المحل الذي قامت به الحركة كذلك القول ينبغي أن يرجع ~~أخص وصفه إلى المحل الذي قام به وهذا قاطع لا جواب عنه ونحرر هذا المعنى . ~~ونقول العرضية أعم من الكونية والكونية أعم من الحركية والحركة أعم من ~~الصوت والصوت أعم من الحروف والحروف أعم من الكلام ثم يجب وصف المحل بكونه ~~موصوفا يعرض وذلك العرض بعينه كون والكون بعينه حركة والحركة بعينها ms181 صوت ~~والصوت حرف والحرف كلام فيجب أن يوصف المحل بكونه ذا كلام ومتكلما كما وجب ~~وصفه بكونه ذا حركة ومتحركا ومن جعل المعنيين معنى واحدا وسمى النسبتين ~~نسبة واحدة كان عن المعقول خارجا . ومما يتمسك به في دفع قولهم المتكلم من ~~فعل الكلام أن الله تعالى لو خلق في المبرسم وبعض الممرورين أن قال بلسانه ~~قمت وقعدت لم يخل الحال من أحد أمرين إما أن يقال يكون المتكلم بهذه الحروف ~~المنظومة والأصوات المقطعة هو خالقها وفاعلها فيلزم أن يكون الباري قائلا ~~قمت وقعدت وإما أن يقال المتكلم بهذه PageV01P161 الكلمات هو صاحب البرسام ~~دون غيره فقد بطل قولهم أن المتكلم ليس من قام به الكلام بل من فعل الكلام ~~دون غيره . ثم إنا نلزمهم عليه عجائب أخر نشرحها ها هنا فإنه قد وقع ~~الاتفاق على أن المعجزات من فعل الله تعالى غير مكتسبة لجنس الحيوان والبشر ~~ثم من المعجزات ما هو نطق وقول يخلقه الله في جماد أو حيوان مثل تكليم ~~الشاة المسمومة لا تأكل مني فإني مسمومة ومثل تسبيح الحصى في يد الرسول ~~عليه السلام وشهادته برسالته ومثل مكالمته الضب ومثل منطق الطير وتأويب ~~الجبال ' يا جبال أوبي معه والطير ' إلى غير ذلك مما قد استفاضت الأخبار ~~الصحيحة بها فكل ذلك فعل الله تعالى فالمتكلم عندهم من فعل الكلام فيجب أن ~~يكون الباري تعالى متكلما بها إذ كان فاعلا لها وهو محال ثم إن النجارية ~~وافقت الأشعرية على أن الباري خالق أعمال العباد فيلزمهم أن يقولوا هو قائل ~~بقولهم متكلم بكلامهم إذ كان فاعلا لها . ومما نلزمهم أن القادر على ~~الحقيقة من يكون قادرا على الضدين والكلام معنى له أضداد فإذا قالوا ~~المتكلم من فعل الكلام يلزمهم أن يقولوا الساكت من فعل السكوت حتى لو خلق ~~سكوتا في محل كان ساكتا ولو خلق أمرا في محل كان آمرا ولو خلق خبرا في محل ~~كان مخبرا ثم من الأوامر ما يكون خيرا ومنه ما يكون شرا ومن الأخبار ما ~~يكون صدقا ms182 ومنه ما يكون كذبا فيلزمهم إضافة الكل إلى الله تعالى وهو محال ~~وأما ما أورده على قدم الكلام واتحاده فنفرد لهذين الإشكالين مسئلتين ~~ونتكلم عليهما بما فيه مقنع إن شاء الله تعالى لكنا نعارضهم ها هنا بما ~~التزموه مذهبا . فنقول من المعلوم الذي لا مرية فيه أن النطق اللساني مركب ~~من حروف والحروف مقطعات من أصوات وما من حرف يتفوه به الإنسان وينطق به ~~اللسان ألا ويفنى عقيب ما وجد وينعدم كما يتجدد ويعقبه حرف آخر إلى أن يصير ~~مجموع الحرفين والثلاث وأكثر كلمة ويصير مجموع الكلمتين والثلاث وأكثر ~~كلاما مفهوما مشتملا على معنى من المعاني معلوم لولا ذلك المعنى لم يسم ~~الحروف والكلمات كلاما فإذا كل الحروف والكلمات محالها اللسان وكل المعاني ~~والمفهومات محالها الجنان وبمجموع الأمرين سمي الإنسان ناطقا ومتكلما حتى ~~لو وجدت الحروف اللسانية منه دون المعاني الجنانية سمي مجنونا لا متكلما ~~إلا بالمجاز ولو وجدت المعاني الجنانية منه دون الألفاظ اللسانية سمي مفكرا ~~لا متكلما إلا بالمجاز وإن كان بين الموضعين فرق وهو كالفرق بين المؤمن ~~بلسانه دون قلبه وبين المؤمن بقلبه دون لسانه غير أنا PageV01P162 نسامحهم ~~ها هنا حتى يتضح الحق من السقيم ثم نعطي كل قسم حقه . فنقول لولا مطابقة ~~الألفاظ اللسانية معانيها النفسانية لم يكن كلاما أصلا بل لولا سبق تلك ~~المعاني في النفس على العبارات في اللسان لم يمكن أن يعبر عنها ولا أن يدل ~~عليها ويوصل إليها وهذا في حقنا ظاهر فما قولكم في حق الباري سبحانه أفيخلق ~~حروفا وكلمات في محل ولا دلالة لها على معان وحقائق أم لها دلالة فإن كان ~~الأول فهو من أمحل المحال وإن كان الثاني حقا فما مدلول تلك العبارات وأين ~~ذلك المدلول ولا جائز أن يقال مدلولها علم الباري تعالى وعالميته فإن العلم ~~لا اقتضاء فيه والمدلول ها هنا يجب أن يكون اقتضاء وطلبا والعلم يتعلق ~~بالمعلوم على ما هو به وخلاف المعلوم لا يقتضيه العلم وقد يكون من القول ما ~~يقتضي خلاف المعلوم ms183 والعلم من حيث هو علم يتعلق بالواجب والجائز والمستحيل ~~والاقتضاء والطلب لا يتعلق بالواجب والمستحيل وكذلك الإرادة لا تصلح أن ~~تكون مدلولة لها فإن الإرادة وإن تخيل فيها اقتضاء وطلب فلا يتخيل فيها خبر ~~واستخبار ووعد ووعيد وقد تحقق في العبارات هذا المعنى وكذلك القدرة لا تصلح ~~أن تكون مدلولة لها فإنها بخاصيتها بعيدة عن الاقتضاء والطلب أعني طلب ~~الفعل من الغير فلا بد إذا من مدلول قطعا ويقينا وإلا خلت العبارات عن ~~المعاني وطاحت في إدراج الأماني كسير السواني وذلك المدلول يجب أن يختص ~~بالقائل اختصاص وصف وصفة حتى تستقيم الدلالة وتتضح الإمارة ثم ذلك المدلول ~~أهو واحد وحدة الموصوف أو كثير كثرة العبارات أو هو قديم قدم الموصوف أو ~~محدث حدوث العبارات فذلك محل الاشتباه في الموضعين ومجال النظر في الطرفين ~~وملتطم الأمواج عند التقاء البحرين . PageV01P163 # | القاعدة الثالثة عشرة | في أن كلام الباري واحد # ذهبت الأشعرية إلى أن كلام الباري تعالى واحد وهو مع وحدته أمر ونهي وخبر ~~واستخبار ووعد ووعيد وذهبت الكرامية إلى أن الكلام بمعنى القدرة على القول ~~معنى واحد وبمعنى القول معان كثيرة قائمة بذات الباري تعالى وهي أقوال ~~مسموعة وكلمات محفوظة تحدث في ذاته عند قوله وتكلمه ولا يجوز عليها الفناء ~~ولا العدم عندهم وذهبت المعتزلة إلى أن الكلام حروف منظومة وأصوات مقطعة ~~شاهدا وغائبا لا حقيقة للكلام سوى ذلك وهي مخلوقة قائمة بمحل حادث إذا ~~أوجدها الباري تعالى سمعت من المحل وكما وجدت فنيت وشرط أبو علي الجبائي ~~البنية المخصوصة التي يتأتى منها مخارج الحروف شاهدا وغائبا ولم يشترط ذلك ~~ابنه أبو هاشم في الغائب . قالت الأشعرية إذا قام الدليل على أن الكلام ~~معنى قائم بذات الباري تعالى وكل معنى أو صفة له فهي واحدة وكل ما دل على ~~أن علمه وقدرته وإرادته واحدة فذلك يدل على أن كلامه واحد وذلك أنه لو كان ~~كثيرا لم يخل إما أن يكون أعدادا لا تتناهى وإما أن يكون أعدادا متناهية ~~فإن كان أعدادا لا تتناهى ms184 فهو محال لأن ما حصره الوجود من العدد فهو متناه ~~وإن اقتصر على عدد دون عدد فاختصاصه بالبعض دون البعض يستدعي مخصصا والقديم ~~لا اختصاص له والصفة الأزلية إذا كانت متعلقة وجب عموم تعلقها بجميع ~~المتعلقات لأن نسبتها إلى الكل وإلى كل واحد نسبة واحدة فلئن تعلقت بواحدة ~~تعلقت بالكل وإن تخلفت عن واحدة تخلفت عن الكل وخصومنا لو وافقونا على أن ~~الكلام في الشاهد معنى في النفس سوى العبارات القائمة باللسان وأن الكلام ~~في الغائب معنى قائم بذات الباري تعالى سوى العبارات التي نقرؤها باللسان ~~ونكتبها في المصاحف لوافقونا على اتحاد المعنى لكن لما كان الكلام لفظا ~~مشتركا في الإطلاق لم يتوارد على محل واحد فإن ما يثبته الخصم كلاما ~~فالأشعرية تثبته وتوافقه على أنه كثير وأنه محدث مخلوق وما يثبته الأشعري ~~كلاما PageV01P164 فالخصم ينكره أصلا فكيف يصح منه كلامه في وحدته وكونه ~~أزليا قديما ولكن ليس يتكلم الخصم في هذه المسئلة إلا على سبيل الإلزام ~~وإيراد الإشكال . قالت المعتزلة لو كان كلامه تعالى واحدا لاستحال أن يكون ~~مع وحدته أمرا ونهيا وخبرا واستخبار ووعدا ووعيدا فإن هذه حقائق مختلفة ~~وخصائص متباينة ومن المحال اشتمال شيء واحد له حقيقة واحدة على خواص مختلفة ~~نعم يجوز أن يكون معنى واحد يشمل معاني مختلفة كالجنس والنوع فإن الحيوانية ~~معنى واحد يشمل معاني مختلفة وكذلك الإنسانية تشمل أشخاصا مختلفة لكن لا ~~يتصور وجود المعنى الجنسي إلا في الذهن ويستحيل أن يتحقق في الوجود شيء ~~واحد هو أشياء مختلفة وحقيقة واحدة هي بعينها حقائق مختلفة حتى تكون حقيقة ~~واحدة علما وقدرة وإرادة وسوادا وحركة فإن ذلك يرفع الحقائق ويؤدي إلى ~~السفسطة فنسبة الأمر والنهي والخبر والاستخبار والوعد والوعيد وهي حقائق ~~مختلفة إلى الكلام كنسبة العلم والقدرة والإرادة والسواد والحركة وهي حقائق ~~مختلفة إلى شيء واحد وذلك محال وإذا كان لكل واحد من أقسام الكلام حقيقة ~~خاصة فليكن لكل واحد منهما صفة خاصة وإن قلتم أن الكلام اسم جنس يشمل ~~أنواعا صحيح غير أن ms185 الجنس لا يتحقق له وجود ما لم يتنوع بفصل يميز نوعا عن ~~نوع والنوع لا يتحقق له وجود ما لم يتشخص بعارض يميز شخصا عن شخص وذلك ~~كالعرض المطلق من حيث هو عرض لا يتحقق له وجود ما لم يتنوع بكونه لونا ~~واللون لا يتحقق له وجود ما لم يتعين بكونه سوادا معينا وإلا فالعرض ليس له ~~ذات على انفراده قائم بجوهر ثم يكون هو بعينه علما وقدرة ولونا وسوادا ~~وطعما وأنتم أثبتم الكلام قائما بذات الباري تعالى على هذا المنهاج أنه ~~حقيقة واحدة هي بعينها أمر ونهي وخبر واستخبار وذلك محال . قالت الأشعرية ~~حكي عن بعض متقدمي أصحابنا أنه أثبت لله خمس كلمات هي خمس صفات الخبر ~~والاستخبار والأمر والنهي والنداء فإن سلكنا هذا المسلك اندفع السؤال ~~وارتفع الإشكال لكن المشهور من مذهب أبي الحسن أن الكلام صفة واحدة لها ~~خاصية واحدة ولخصوص وصفها حد خاص وكونه أمرا ونهيا وخبرا واستخبارا خصائص ~~أو لوازم تلك الصفة كما أن علمه تعالى صفة واحدة تختلف معلوماتها وعي هي ~~مختلفة في أنفسها فيكون علما بالقديم والحادث والوجود والعدم وأجناس ~~المحدثات وكما لا يجب تعدد العلم بعدد المعلومات كذلك لا يجب تعدد الكلام ~~بعدد المتعلقات وكون الكلام أمرا ونهيا أوصاف الكلام لا أقسام الكلام كما ~~PageV01P165 أن كون الجوهر قائما بذاته قابلا للعرض متحيزا ذا مساحة وحجم ~~أوصاف نفسية للجوهر وإن كانت معانيها مختلفة كذلك كون الكلام أمرا ونهيا ~~وخبرا واستخبارا أوصاف نفسية للكلام وأن كانت معانيها مختلفة وليس اشتمال ~~معنى الكلام على هذه المعاني كانقسام العرض إلى أصنافه المختلفة وانقسام ~~الحيوان إلى أنواعه المتمايزة فأقسام الشيء غير وأوصاف الشيء غير وكل ما في ~~الشاهد للكلام من الأقسام فهو في الغائب للكلام أوصاف والذي يحقق ذلك أن ~~المعنى قد يكون واحدا في ذاته ويكون له أوصاف هي اعتبارات عقلية ثم ~~الاعتبارات العقلية قد تكون من جهة النسب والإضافات وقد تكون من جهة ~~الموانع واللواحق أليست الإرادة قد تسمى رضى إذا كان فعل الغير واقعا ms186 على ~~نهج الصواب وقد تسمى هي بعينها سخطا إذا كان الفعل على غير الصواب كذلك ~~يسمى أمرا إذا تعلق بالمأمور به ويسمى نهيا إذا تعلق بالمنهي عنه وهو في ~~ذاته واحد وتختلف أساميه من جهة متعلقاته حتى قيل أن الكلام بحقيقته خبر عن ~~المعلوم وكل عالم يجد من نفسه خبرا عن معلومه ضرورة فإن تعلق بالشيء الذي ~~وجب فعله سمي أمرا وإذا تعلق بالشيء الذي حرم فعله سمي نهيا وإن تعلق بشيء ~~ليس فيه اقتضاء وطلب سمي خبرا واستخبارا فهذه أسامي الكلام من جهة متعلقاته ~~كأسامي الرب تعالى من جهة أفعاله . ثم نقول ليس بيد الخصم في هذه المسئلة ~~إلا مجرد الإلزام على مذهب من قال بوحدة الكلام وإلا فمن أنكر أصل الكلام ~~النفسي كيف يسمع منه القول في الوحدة ولكن العجب من هذا الملزم أنه التزم ~~ما هو أمحل المحال في وحدة الحال التي هي مصححة الأحوال فإنه قال عالمية ~~الباري سبحانه وقادريته حال وله حال توجب كونه عالما قادرا فقد أثبت حالا ~~لها خصوصية العلم والقدرة وهي واحدة في نفسها وراء الذات فكيف يستبعد ممن ~~يثبت كلاما هو أمر ونهي وخبر وهو في نفسه واحد مختلف الاعتبار والفلاسفة ~~الذين هم أشد إنكارا للكلام الأزلي ووحدته أثبتوا عقلا واحدا في ذاته ~~ووجوده وتفيض منه صور لا تتناهى مختلفة ربما تختلف أساميه باختلاف الصور ~~والفيض عندهم كالتعلق عند المتكلم والعقل الأول كالكلام في وحدته واختلاف ~~الكلام بالأمر والنهي كاختلاف الفيض بالصور . وأوضح من ذلك مذهبهم في ~~المبدأ الأول لا يتكثر بتكثر الموجودات اللازمة والصفات والأسماء إما إضافة ~~وإما سلب وإما مركبة من إضافة وسلب فهلا قالوا في الكلام كذلك وهلا أثبتوا ~~كلاما أزليا على منهاج إثباتهم له عناية أزلية حتى يكون هو المبدأ وإليه ~~الرجعى تكليفا على PageV01P166 أفعال عباده فيكون له الخلق في الأول والأمر ~~في الثاني ويرجع الكل إليه ' لله الأمر من قبل ومن بعد وإليه يرجع الأمر ~~كله ' . قالت المعتزلة إثبات صفات نفسية لذات واحدة غير مستحيل لكن ms187 إثبات ~~خواص مختلفة وصفات متضادة لشيء واحد هو المستحيل ومن المعلوم أن الأمر ~~والنهي يتضادان ولهما خاصيتان مختلفتان فإثبات ذلك لكلام واحد محال ونحن لا ~~ننكر اختلاف الأسامي لشيء واحد لاختلاف الوجوه والاعتبارات لكنا ننكر ~~اختلاف الخواص المتباينة لشي واحد ولا نشك أن كون الكلام أمرا ونهيا ليس من ~~جملة النسب والإضافات فإن الصفات الإضافية تتحقق عند الإضافة ولا يتحقق عند ~~رفع الإضافة ويتطرق إليها التبدل والتغير وليس كون الكلام أمرا ونهيا مما ~~يتحقق عند الإضافة بل هما من أخص أوصاف الكلام سواء لاحظنا جانب المتعلق أو ~~لم نلاحظ وكذلك لو رفعنا المتعلق عن الوهم لم يخرج الكلام عن كونه أمرا ~~ونهيا وخبرا واستخبارا والعلم بالقديم والحادث علم بالشيء على ما هو به وهو ~~صفة صالحة لدرك ما يعرض عليه سواء كان قديما أو حادثا وجودا أو عدما والذي ~~يوازيه في تعلقه تعلق الأمر بمأمور معين وتعلقه بمأمور آخر فاختلاف ~~المأمورين كاختلاف المعلومين ثم اختلاف المعلومين لا يستدعي اختلاف العلمين ~~كذلك اختلاف المأمورين لا يستدعي ولا يستدعي اختلاف الأمرين لكن كلاما هو ~~في نفسه أمر وهو في نفسه نهي اختلاف وصفين متضادين لشيء واحد وهو محال ~~ونظيره العرض في شموله أقسام الأعراض المختلفة الخواص إذ يستحيل أن يكون ~~للعرض ذات محققة على حيالها وهي في ذواتها علم وقدرة وحياة ولون وكون ~~وقولكم أن الكلام مختلف الأوصاف لا مختلف الأقسام غير صحيح بل الأمر والنهي ~~والخبر والاستخبار أقسام الكلام والكلام منقسم إلى ذلك إذ كل قسم ممتاز ~~بخاصيته وحقيقته عن القسم الآخر واسم الكلام كالجنس لها لا كالموصوف بها ~~ومن أمحل ما ذكرتموه قولكم ما هو أقسام في الشاهد فهو أوصاف في الغائب ~~والحقائق كيف تتبدل والمعقولات كيف تتفاوت وهل ذلك إلا رفع الحقائق وحسم ~~الطرائق . وأما إلزام الحال فالجواب عنه أن المصحح للمختلفات المتضادات ~~لشيء واحد غير وثبوت المختلفات المتضادات لشيء واحد غير فإن الحياة مصححة ~~للعلم والجهل والقدرة والعجز والإرادة والكراهة إلى غير ذلك من المعاني ~~التي يشترط في ms188 ثبوتها الحياة ولا يلزم ذلك ثبوت المختلفات المتضادات لحي ~~واحد ونحن إذا أثبتنا حالا فهي مصححة أو في حكم المصحح ولم نثبت مختلفات ~~متضادة لشيء واحد فهذا هو الفرق . PageV01P167 وربما يجيب المتفلسف عن ~~إلزام الفيض المختلف عن العقل الواحد فيقول أنا أقول كما أن العقل واحد ~~ففيض العقل أيضا واحد لكن القوابل والحوامل تختلف فيختلف الفيض باختلاف ~~المفيض كالشمس إذا أشرقت على زجاجات مختلفة الألوان أعطت كل زجاجة لونا ~~خاصا لائقا بلونها القابل فتعدد الصور واختلافها إنما حصل من جانب المفيض ~~لا من جانب الفائض وأنتم أثبتم كلاما واحدا وهو في نفسه أمر ونهي وخبر ~~واستخبار فتعدد الخواص واختلافها فيه إنما حصل من جانب المتعلق لا من جانب ~~المتعلق فلم تستقم التسوية بين البابين بالتعلق والفيض . وأما كلامنا في ~~المبدأ ووجوب الصفات له فأبعد في باب التنزيه عن الكثرة وأعلى في منهاج ~~التقديس عن اختلاف الخواص له والصفات كلها راجعة إلى ذات واحدة هي واجبة ~~الوجود بذاتها ووجودها مستند الموجودات كلها من غير أن يثبت له منها كمال ~~أو يحدث له صفة وهو تعالى بكمال جلاله عديم الاسم والصفة من حيث ذاته وإنما ~~يقال له اسم وصفة من حيث آثاره فقط وآثاره فاعليته الصادرة عنه لامعا بل ~~على ترتيب الأول والثاني من غير أن يحدث كمال في ذاته لم يكن أو يستكمل من ~~حادث كمالا كان جل جلاله بذاته وتقدست أسماؤه لصفاته . قالت الأشعرية نحن ~~لا نثبت الحقائق المختلفة والخواص المتباينة لكلام واحد إنما يلزمنا التضاد ~~بين أمرين يتقابلان من كل وجه فيتضادان فأما إذا لم يتقابلا بل اختلفت ~~المتعلقات واختلفت الوجوه فلا يبعد اجتماعهما في حقيقة واحدة ونحن لو قلنا ~~الأمر بالشيء والنهي عن ضده أو الأمر بالشيء والنهي عن شيء آخر أو أمر شخص ~~واحد بشيء ونهي شخص آخر عن ذلك الشيء لا يستحيل وكذلك إذا اختلف الزمان ~~والمكان والوجه والاعتبار لم يحصل التضاد فلم يلزم الاستحالة وهذا إن ألزم ~~علينا التضاد وإن ألزم علينا الاختلاف بين الحقيقتين ms189 دون التضاد فالجواب ~~عنه أن اجتماع مثل ذلك في شيء واحد من وجوه مختلفة غير مستحيل فإن الجوهر ~~يوصف بأنه متحيز وقابل للأعراض وذو حجم ومساحة ونهاية وهي صفات وأحوال ~~ووجوه واعتبارات مختلفة وما استحال اجتماعها في حقيقة الجوهرية وقد قدمنا ~~الفرق بين الأقسام وبين الأوصاف وقولهم أن كون الكلام أمرا ونهيا وخبرا ~~أقسام الكلام إذ يقال الكلام ينقسم إلى كذا أو إلى كذا وكل قسم إنما يتميز ~~عن قسم بأخص وصفه في قول صحيح في الكلام شاهدا فإن الكلام القولي في اللسان ~~أو النطق النفساني في الذهن من جملة الأعراض التي يستحيل بقاؤها ولا تتحد ~~ذاته وتتعدد جهاته بل ذاته متعددة بتعدد جهاته فما هو أمر بشيء غير وما هو ~~نهي عن شيء غير ويضاد الأمر PageV01P168 نهي عن ذلك الشيء بعد اتحاد جهاته ~~| فتعدد الكلام بتعدد المتعلقات فصارت تلك الجهات أقساما وانفصل كل قسم عن ~~قسم بأخص وصف له بعد الاشتراك في حقيقة الكلامية كالعلوم المختلفة إذا ~~تعلقت بمعلومات مختلفة كانت أقساما مختلفة وامتاز كل علم عن قسمه بأخص وصفه ~~بعد الاشتراك في حقيقة العلمية ثم إذا خصص الكلام بعلم قديم أو عالمية ~~أزلية لم يلزم اتحاد الخصائص في ذات واحدة بل العلم الأزلي في معنى علوم ~~مختلفة نائبا مناب الكل من غير أن تتكثر ذاته أو تختلف خواصه وكذلك الكلام ~~الأزلي في حكم الأمر والنهي والخبر والاستخبار نائبا مناب الكل من غير أن ~~تتكثر ذاته أو تختلف خواصه وهذا معنى قولنا الأقسام في الكلام الشاهد ~~كالأوصاف في الكلام الغائب ثم بم تنكرون على من يقول الكلام معنى واحد ~~حقيقته الخبر عن المعلوم ثم التعبير عن ذلك المعنى إذا كان المعلوم محكوما ~~فعله بالأمر أو محكوما تركه بالنهي وإن كان في وقت قد وجد المعلوم وانقضى ~~كان التعبير عنه عما كان وإن كان في وقت لم يوجد المعلوم بعد وسيوجد كان ~~التعبير عنه عما سيكون فالأقسام المذكورة ترجع إلى التعبيرات بحسب الوجوه ~~والاعتبارات وإلا فالكلام الأزلي واحد لا كثرة ms190 فيه فاختلاف الخواص وتضاد ~~المعاني فكان قبل خلق آدم التعبير عن معلوم الخلافة في ثاني الحال ' إني ~~جاعل في الأرض خليفة ' وبعد إرسال نوح وانقراض عصره كان التعبير عن معلوم ~~الرسالة في ماضي الحال ' إنا أرسلنا نوحا إلى قومه ' ولو عبر عن حال موسى ~~قبل وجوده بالواد المقدس كان على صيغة الخبر عما سيكون وإذا عبر عن حاله ~~وهو بالواد المقدس كان على صيغة الأمر ' اخلع نعليك ' فالاختلافات كلها ~~راجعة إلى التعبيرات عن الكلام الذي هو وفق المعلوم حتى لو قدرنا لأنفسنا ~~نطقا عقليا سابقا على وجود المخاطب باقيا على ممر الدهور كان المعبر عنه ~~على حقيقة واحدة لا يتبدل والتعبيرات عنه على أقسام مختلفة لا تتماثل ولو ~~قدرنا لنفوسنا نطقا عقليا مطابقا لإدراك عقلي عاليا على الدهر والزمان بحيث ~~نسبتهما إلى الماضي والحاضر والمستقبل نسبة واحدة لم يشك أن الاختلاف لم ~~يرجع إلى كثرة معان في ذاته بل يرجع إلى ما يختلف بالأزمان ألم تسمع قوله ~~تعالى وتقدس يخبر في كتابه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ~~عن حال عيسى عليه السلام عما سيكون في القيامة بقوله عز من قائل ' وإذ قال ~~الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله ' أو ~~ليس عبر في المستقبل بالماضي وبعد لم PageV01P169 تقم القيامة ولم يحشر ~~الناس ولم يحضر عيسى عليه السلام ولكن لما كان القول الحق متعاليا عن ~~الزمان كان ما سيوجد كأن قد وجد وكان نسبة الخطاب إليه وهو في ذلك الوقت ~~كنسبته إليه وهو في هذا الوقت ومن أمكنه أن يرفع الزمان من صميم قلبه هان ~~عليه إدراك المعاني العقلية وسهل عليه معرفة تعلق العلم الأزلي بالمعلومات ~~والأمر الأزلي بالمأمورات وعلم أن الاختلاف راجع إلى العبارات والتعبيرات ~~انظر كيف نشير إلى لمحات الحقائق على لسان الفريقين وإن كانا بمعزل عن ~~دقائق الطريقين وأنى لهم تصور نزول الروحانيات وتشخصها بالجسمانيات كما ~~أخبر التنزيل عنه ' فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا ms191 ' وكيف يستقيم ~~على مذهب المتكلم تمثل الروح بالشخص البشري أبان تعدم الروح ويوجد الشخص ~~وليس ذلك من التمثل في شيء أو بان يستعمل الروح شخصا موجودا بشريا ولم يكن ~~ذلك تمثلا أيضا بل تناسخا وإذا لم يمكنه تقرير التمثل والتشكل أعني تمثل ~~الروحاني بالجسماني كيف يمكنه تصور الأمر الأزلي يتمثل اللسان العربي تارة ~~واللسان السرياني طورا حتى يجب أن يقال كلام الله كما يجب أن يقال هذا ~~جبريل جاءكم ليعلمكم دينكم ثم لباس جبريل يتبدل ولا تتبدل حقيقته التي هو ~~بها جبريل ولباس الكلام الأزلي يتبدل ولا تتبدل حقيقته التي هو بها كلام ~~وأمر ونهي واحد أزلي وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ~~حق في حق المشرك المستجير ' ويا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي ~~وبكلامي ' صدق في حق الكليم المستنير فبين الكلامين فرق ما بين القدم ~~والفرق وبين السمعين صرف ما بين الولاية والصرف ولو كان الكلام في الموضعين ~~حروفا منظومة أصواتا مقطعة بطل الاصطفاء على الناس وحصل التساوي واستماع ~~الناس والخناس ولكن حكم الكليم في خطابه يا موسى حكم الطريد في طرده يا ~~فرعون ولكان الذي لا يسمع من موسى أسعد حالا من موسى إذ سمع من الشجرة التي ~~هي جماد وفي الموضعين الكلام حروف وأصوات . طريقين وأنى لهم تصور نزول ~~الروحانيات وتشخصها بالجسمانيات كما أخبر التنزيل عنه ' فأرسلنا إليها ~~روحنا فتمثل لها بشرا سويا ' وكيف يستقيم على مذهب المتكلم تمثل الروح ~~بالشخص البشري أبان تعدم الروح ويوجد الشخص وليس ذلك من التمثل في شيء أو ~~بان يستعمل الروح شخصا موجودا بشريا ولم يكن ذلك تمثلا أيضا بل تناسخا وإذا ~~لم يمكنه تقرير التمثل والتشكل أعني تمثل الروحاني بالجسماني كيف يمكنه ~~تصور الأمر الأزلي يتمثل اللسان العربي تارة واللسان السرياني طورا حتى يجب ~~أن يقال كلام الله كما يجب أن يقال هذا جبريل جاءكم ليعلمكم دينكم ثم لباس ~~جبريل يتبدل ولا تتبدل حقيقته التي هو بها جبريل ولباس الكلام الأزلي يتبدل ~~ولا تتبدل حقيقته ms192 التي هو بها كلام وأمر ونهي واحد أزلي وإن أحد من ~~المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله حق في حق المشرك المستجير ' ويا ~~موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي ' صدق في حق الكليم المستنير ~~فبين الكلامين فرق ما بين القدم والفرق وبين السمعين صرف ما بين الولاية ~~والصرف ولو كان الكلام في الموضعين حروفا منظومة أصواتا مقطعة بطل الاصطفاء ~~على الناس وحصل التساوي واستماع الناس والخناس ولكن حكم الكليم في خطابه يا ~~موسى حكم الطريد في طرده يا فرعون ولكان الذي لا يسمع من موسى أسعد حالا من ~~موسى إذ سمع من الشجرة التي هي جماد وفي الموضعين الكلام حروف وأصوات . ~~قالت المعتزلة إذا أثبتم كلاما أزليا فإما أن تحكموا بأن كلام الله أمر ~~ونهي PageV01P170 وخبر واستخبار في الأزل وإما أن لا تحكموا به فإن حكمتم ~~به فقد أحلتم من وجوه أحدها أن من حكم الأمر أن يصادف مأمورا ولم يكن في ~~الأزل مخاطب متعرض لأن يحث على أمر ويزجر عن آخر ويستحيل كون المعدوم ~~مأمورا . والوجه الثاني أن الكلام مع نفسه من غير مخاطب سفه في الشاهد ~~والنداء لشخص لا وجود له من أمحل ما ينسب إلى الحكيم . والثالث أن الخطاب ~~مع موسى عليه السلام غير الخطاب مع النبي صلى الله عليه وسلم ومناهج ~~الكلامين مع الرسولين مختلفة ويستحيل أن يكون معنى واحد هو في نفسه كلام مع ~~شخص على معان ومناهج وكلام مع شخص آخر على معان ومناهج أخر ثم يكون ~~الكلامان شيئا واحدا ومعنى واحدا . والرابع أن الخبرين عن أحوال الأمتين ~~مختلف لاختلاف حال الأمتين وكيف يتصور أن تكون حالتان مختلفتان فيخبر عنهما ~~بخبر واحد وكيف يكون الخبر أمرا ونهيا وكيف يكون أمر ونهي خبرا واستخبارا ~~ووعدا ووعيدا وأنكم إن حكمتم بأن الكلام واحد فقد رفعتم أقسام الكلام ولا ~~يعقل كلام إلا وأن يكون إما أمرا ونهيا وإما خبرا واستخبارا وردكم أقسام ~~الكلام إلى أوصاف واعتبارات تارة وإلى تعبيرات وعبارات أخرى غير سديد أما ~~الاعتبارات ms193 العقلية فباطلة لأن المعقول من أقسام الكلام ذوات مختلفة وحقائق ~~متباينة فإن القصة التي جرت ليوسف وإخوته صلوات الله عليهم أجمعين غير ~~القصة التي جرت لآدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى فالخبر عما جرى في حق شخص ~~كيف يكون عين الخبر الذي جرى في حق شخص آخر والأوامر والنواهي التي توجهت ~~على قوم أخر في دور نبي مخصوص غير الأوامر التي توجهت على قوم أخر في دور ~~آخر فكيف يمكنكم القول باتحاد الأخبار كلها على اختلافها في خبر واحد ~~والقول باتحاد الأوامر على تفاوتها في أمر واحد ثم كيف يمكنكم الجمع بين ~~معنى الخبر وحقيقته أنه خبر عما كان أو سيكون من غير اقتضاء وطلب وبين معنى ~~الأمر وحقيقته أنه اقتضاء وطلب لأمر لم يكن حتى يكون فليس في الخبر حكم ~~واقتضاء وليس في الأمر خبر وإنباء وبين النوعين فرق ظاهر فكيف يمكن القول ~~باتحادهما نعم هما يتحدان في حقيقة الكلامية لكنهما يختلفان بالنوعية ~~كالحيوانية والإنسانية والعرضية واللونية فمن رد الكلام بأنواعه وأقسامه ~~إلى الخبر فقد أبطل الاقتضاء وعطل الحكم والطلب ومن رد الكلام إلى الأمر ~~فقد أبطل معنى الخبر وعطل القصص ومن المعلوم أن النوعين موجودان في جنس ~~الكلام ومذكوران في الكتب الإلهية وأما من رد الاختلاف والكثرة فيهما إلى ~~العبارات فقد أبعد النجعة فإن PageV01P171 العبارات إن طابقت المعاني خبرا ~~لمخبر وأمرا لمأمور ونهيا عن منهي فقد تعددت المعاني تعدد العبارات وإن لم ~~تطابق فليست هي تعبيرات عنها وإنما هي عبارات لا معنى لها وذلك كلام ~~المجانين وإما أستر وأحكم إلى تمثل الروحاني بالجسماني وتشكل الملك بالبشر ~~وظهور المعنى بالعبارات فذلك في أسماعنا شبه كلمات وكلمات فارغة فما التمثل ~~والتشكل وكيف الظهور والتبين حققوا لنا ذلك إن كانت العبارة مشتملة على ~~حقيقة وإلا فالمعلومات لا تحتمل أمثال هذه المجازفات والذي عندنا أن جبريل ~~شخص لطيف يتكاثف فيتراءى للبصر كالهوى اللطيف الذي لا يرا فيتكاثف فيرا ~~سحابا أو نقول بإعدام وإيجاد لا يتمثل ويتشخص وبالجملة جوهر واحد لا يصير ~~جواهر إلا ms194 بانضمام جواهر إليه ونحن لا نعقل من الجواهر إلا المتحيز ~~والمتحيزان لا يتداخلان فلا معنى لما تمسكتم به . قالت الأشعرية ذهب شيخنا ~~الكلابي عبد الله بن سعيد إلى أن كلام الباري في الأزل لا يتصف بكونه أمرا ~~ونهيا وخبرا واستخبارا إلا عند وجود المخاطبين واستجماعهم شرائط التكليف ~~فإذا أبدع الله العباد وأفهمهم كلامه على قضية أمر وموجب زجر أو مقتضى خبر ~~اتصف عند ذلك بهذه الأحكام فهي عنده من صفات الأفعال بمثابة اتصاف الباري ~~تعالى فيما لا يزال بكونه خالقا ورازقا فهو في نفسه كلام لنفسه أمر ونهي ~~وخبر وخطاب وتكليم لا لنفسه بل بالنسبة إلى المخاطب وحال تعلقه وإنما يقول ~~كلامه في الأزل يتصف بكونه خبرا لأنا لو لم نصفه بذلك خرج الكلام عن أقسامه ~~ولأن الخبر لا يستدعي مخاطبا فإن الرب تعالى مخبر لم يزل عن ذاته وصفاته ~~وعما سيكون من أفعاله وعما سيكلف عباده بالأوامر والنواهي . وعند أبي الحسن ~~الأشعري كلام الباري تعالى لم يزل متصفا بكونه أمرا ونهيا وخبرا والمعدوم ~~على أصله مأمور بالأمر الأزلي على تقدير الوجود ثم قال في دفع السؤال إذا ~~لم يبعد أن يكون المأمور به معدوما لم يبعد أن يكون المأمور معدوما وعضد ~~ذلك بأنا في وقتنا مأمورون بأمر الله تعالى الذي توجه على المأمورين في زمن ~~النبي صلى الله عليه وسلم فإذا لم يبعد أن يتأخر وجود المأمور عن الأمر ~~بسنة لم يبعد أن يتأخر عنه بأكثر ولم يزل . والحق أن هذا الإشكال لا يختص ~~بمسئلة الأمر بل هو جار في كل صفة أزلية تتعلق بمتعلقها أزلا أنها كيف ~~تتعلق بالمعدوم أليس الله تعالى عالما قادرا والعالم معدوم وكيف يتعلق ~~العلم والقدرة بنفي محض وعدم صرف لفعلي تقدير الوجود فكيف PageV01P172 ~~يتصور التقدير في حق الباري والتقدير ترديد الفكر وتصريف الخواطر وذلك من ~~عمل الخيال والوهم أم يتعلق بالوجود حقيقة والوجود محصور متناه ونحن نعتقد ~~أن معلوماته ومقدوراته لا تتناهى وإنما يتصور ذلك فيما لم يوجد ويمكن أن ~~يوجد أم تقرر ms195 أن العلم صفة صالحة لدرك كل ما يعرض عليه من غير قصور والقدرة ~~صالحة لإيجاد كل ما يصح وجوده من غير تقاصر ثم ما يصح أن يعلم ويجوز أن ~~يوجد لا يتناهى فعلى هذا المعنى نقول المعلومات والمقدورات لا تتناهى ~~والمتعلق من حيث المتعلق راجع إلى صلاحية الصفة للكل ومن حيث المتعلق راجع ~~إلى صحة المعلوم والمقدور وكذلك قولنا في السمع والبصر وكونه سميعا بصيرا ~~بل الجمع بين المسئلتين ها هنا أظهر فإن السمع لا يتعلق بالمعدوم وكذلك ~~البصر فلا يكون المعدوم مسموعا ومبصرا بل إنما يصير مدركا بهما حيث يصح ~~الإدراك وهو حال الوجود فقط لا قبله تحقيقا كان أو تقديرا كذلك الأمر ~~الأزلي يتعلق بالمأمور به حتى يصح التعلق وهو حال الوجود المتهيأ لقبوله من ~~كونه حيا عاقلا بالغا متمكنا من الفعل كسائر الصفات على السواء فليس يختص ~~السؤال بمسئلة الكلام ووجه الحال ما قد سبق التقرير به . قولهم أن كلاما لا ~~تتحقق له أقسام الكلام غير معقول . قلنا وما أقسام الكلام فإن المتكلمين ~~حصروها في ستة وسائر الناس زادوا أقساما مثل النداء والدعاء وزادوا في كل ~~قسم من الأمر والنهي أقساما مثل أمر الندب وأمر الإيجاب ونهي التنزيه ونهي ~~التحريم وفي كل قسم من الخبر والاستخبار أقساما مثل الخبر عن الماضي ~~والمستقبل والمواجهة والمغايبة وغير ذلك ومن تصدى ليردها إلى ستة فقد قضى ~~بتداخل أقسام منها في أقسام ولغيره أن يتصدى لردها إلى قسمين الخبر والأمر ~~أما الاستخبار فلا يتصور في حقه تعالى على موجب حقيقة الاستفهام بل حيث ورد ~~فمعناه التقرير والإخبار كقوله تعالى : ' ألست بربكم قالوا بلى ' من غير ~~الله إلاه مع الله ومعنى الكل راجع إلى تقرير الخطاب للمخاطب أن الأمر لا ~~يتصور إلا كذلك وأما الوعد والوعيد فظاهر أنهما خبران يتعلق أحدهما بثواب ~~فسمي وعدا وتعلق الثاني بعقاب فسمي وعيدا كما أمكن أن يرد النداء إلى الخبر ~~يا زيد يا عمرو أي ادعو زيدا . وأما القسم الثاني وهو الأمر فهو والنهي لا ~~يجتمعان ms196 لكن كلام الله تعالى إذا تعلق بمتعلق خاص على صيغة الأمر ولم يتصل ~~بتركه زجرا كان ندبا وإن اتصل به زجرا سمي ذلك إيجابا وكذلك النهي إذا لم ~~يرد على فعله وعيد سمي تكريها وإن ورد سمي تحريما ثم هما يشتركان في كونهما ~~أمرا ونهيا وإن رد الأمر والنهي إلى معنى واحد PageV01P173 وهو الأمر كان ~~ذلك أيضا له وجه فإن النهي أمر بأن لا تفعل فرجع أقسام الكلام كلها إلى خبر ~~وأمر ثم كما أمكن رد أقسام الكلام إلى قسمين من غير نقصان في حقيقة الكلام ~~كذلك أمكن رد القسمين إلى قسم واحد حتى يكون كلامه على ما قررناه واحدا وقد ~~ورد التنزيل بتسميته أمرا بحيث يتضمن جميع الأقسام في قوله تعالى ' وما ~~أمرنا إلا واحدة ' وفي قوله ' ألا له الخلق ' فالخلق والأمر يتقابلان ~~كالفعل والقول وعن هذا أمكن الاستدلال بهذه الآية حتى يقال أن أمر الباري ~~غير مخلوق فإنه لو كان مخلوقا لكان تقدير قوله ألا له الخلق وهذا من فاسد ~~الكلام وقد ورد أيضا في القرآن ما يدل على أن الأمر سابق على الخلق وذلك ~~السبق لن يتصور إلا أن يكون أزليا وذلك قوله سبحانه ' إنما قولنا لشيء إذا ~~أردناه أن نقول له كن فيكون ' والمتكون متأخر والأمر متقدم والتقدم على ~~الحادث المطلق لا يكون إلا بالأزلية فتحقق من هذه الجملة أن كلامه تعالى ~~واحد إن سميته أمرا فهو خلاف الخلق ومقابله وإن سميته خبرا فهو وفق العلم ~~سواء وأنه إذا تعلق بالمأمور فيكون تعلقه مشروطا بشرائط كما كان تعلق سائر ~~الصفات مشروطا بشرائط وقد عرفت الفرق بين تعلق الصلاحية والصحة وبين تعلق ~~الفعل والحقيقة واندفع الإلزام بهذا الفرق . وقولهم إن الاختلاف والكثرة في ~~الأخبار والأوامر لا يرجع إلى العبارات فقط إذ العبارات لا بد وأن تطابق ~~المعنى صحيح لكن تلك المعاني المختلفة كالمعلومات المختلفة التي يحيط بها ~~علم واحد وأن تلك المعلومات المختلفة إن فرضت في الشاهد استدعت علوما ~~مختلفة وإن شملها اسم العلمية كذلك الإخبار المختلفة ms197 والأوامر المختلفة وإن ~~استدعت في الشاهد كلمات ومعاني مختلفة فقد أحاط بها معنى واحد هو القول ~~الحق الأزلي واختلاف الزمان بالماضي والمستقبل والحاضر لا يؤثر في نفس ~~القول ما يبدل القول لدي كاختلاف الحال في المعلومات التي وجدت وستوجد لا ~~يؤثر في نفس العلم وهذا المعنى عسير الإدراك جدا لتكرر عهدنا بخلاف ذلك في ~~الشاهد ولو لاحظنا جانب العقل وإدراكه المعقول وجردناه عن المواد الجسمانية ~~والأمثلة الخيالية وصادفنا إدراكا كليا عقليا لا يختلف باختلاف الأزمنة ولا ~~يتغير بتغاير الحوادث وكذا لو استيقظنا من نوم يقظتنا هذه بمنام وطلعت ~~نفوسنا على مشرق المعاني والحقائق رأت عالما من المعقولات وأشخاصا من ~~الروحانيات تحدثه بأخبار وتكلمه بأحاديث لو عبر المعبر عنها بعبارات لسانه ~~لما وسعه يوم واحد لشرحها وبيانها ولو كتبها بقلمه لم تسعه PageV01P174 ~~مجلدة واحدة لنظمها وبيانها وكل ذلك قد يراه في منامه في أقل من لحظة واحدة ~~ويعلم يقينا أنه رآه حين رآه وسمع ما سمع كأنه شيء واحد ومعنى واحد لكن ~~التعبير عنه استدعى أوراقا وصحائف طباقا وكيف لا والمرء يجد من نفسه وجدانا ~~ضروريا أنه إذا سئل عن إشكال في مسئلة اعتراه جوابه وحله جملة في أقل من ~~لحظة ثم يأتي في شرح ذلك بلسانه بعبارات حتى يمتلئ أذان وأسماع كثيرة إن ~~سمعها ووعاها أو يستثبته بقلمه حتى يسود بياضا كثيرا إن سطرها وزبرها ~~والمعنى في الأصل كان واحدا والشرح منبسطا والحب يكون واحدا والسنبلة ~~متكثرة ' كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن ~~يشاء ' ومن وجد بمشام صدقه شمائم الروحانيات ووقع في أطراف رياض المعقولات ~~وإن كان محوما عليها غير واغل في خميلتها علم قطعا أن العقل أحدي الإدراك ~~والنفس وحداني القول وإنما التكثر في عالم الحس يتصور والاختلاف في عالم ~~العبارات يتحقق وإذا كانت عقولنا ونفوسنا على هذا النمط من التوحيد فكيف ~~الظن بقدي الإحاطة الأزلية ووحدانية الكلمة السرمدية . قالت المعتزلة أجمع ~~المسلمون قبل ظهور هذا الخلاف على أن القرآن كلام الله ms198 واتفقوا على أنه سور ~~وآيات وحروف منتظمة وكلمات مجموعة وهي مقروءة مسموعة على التحقيق ولها ~~مفتتح ومختتم وأنه معجزة رسول الله صلى الله عليه وسلم دالة على صدقه ولا ~~تكون المعجزات إلا فعلا خارقا للعادة وكان السلف يقولون يا رب القرآن ~~العظيم يا رب طه يا رب يس وإنما سمي القرآن قرآنا للجمع من قولهم قرأت ~~الناقة لبنها في ضرعها والجمع إنما يتحقق في المفترق والكلام الأزلي لا ~~يوصف بمثل هذه الأوصاف ومما أجمعت عليه الأمة أن كلام الله تعالى بين ~~أظهرنا نقرأه بألسنتنا ونمسه بأيدينا ونبصره بأعيننا ونسمعه بآذاننا وعليه ~~دلت النصوص ' وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله لا ~~يمسه إلا المطهرون ' والصفة الأزلية كيف توصف بما وصفنا . قالت الأشعرية ~~أنتم أول من خالف هذا الإجماع فإن عندكم كلام الله تبارك وتعالى حروف ~~وكلمات أحدثها في محل وكما وجدت فنيت والذي كتبناه بأيدينا فعلنا والذي ~~قرأناه بألسنتنا كسبنا وكذلك نثاب على فعل ذلك ونعاقب على تركه فليس الكلام ~~الذي بين أظهرنا كلام الله وما كان كلاما لله فليس بين أظهرنا ولا كان ~~دليلا ومعجزة ولا قرأناه ولا سمعناه بل الذي نقرأه مثل ذلك أو حكاية عن ذلك ~~كمن يروي شعر امرئ القيس بعد موته وعن هذه الشنعة صار أبو علي الجبائي إلى ~~أنه PageV01P175 يحدث كلاما لنفسه عند قراءة كل قارئ وعند كتابة كل كاتب ~~وقد جحد الضرورة وكابر العقل فإن العاقل لا يشك أن الذي يسمعه من القارئ ~~حروف وكلمات تخرج عن مخارجها على اختياره وليس يقارنه أمثالها حتى يكون كل ~~حرف حرفين وكل كلمة كلمتين وكل آية آيتين وإن كان فما محلها وقد اشتغلت ~~المخارج بحروفها ومن المحال اجتماع حرفين وكلمتين في محل واحد في حالة ~~واحدة والحروف لا وجود لها إلا على التعاقب واجتماع حرفين وكلمتين في محل ~~واحد غير معقول ولا مسموع ولا محسوس من جهة القارئ فهو محال . ثم نقول ~~القول الحق أنا لا ننكر وجود الكلمات التي لها مفتتح ومختتم ms199 وهي آيات ~~وأعشار وسور ويسمى الكل قرآنا وما له مبتدأ ومنتهى لا يكون أزليا وهو من ~~هذا الوجه معجزة الرسول صلى الله عليه وسلم ويسمى ما يقرأ باللسان قرآنا ~~وما يكتب باليد مصحفا لكن كلامنا في مدلول هذه الكلمات ومقرئ هذه القراءة ~~أهي صفة أزلية لا حادثة وواحدة لا كثيرة أم هي هذه فقط ولا مدلول لها ولا ~~مقرؤ ولا مكتوب وبالاتفاق بيننا وبين الخصم كلام الله تعالى غير ما حل في ~~اللسان من تحريك الشفتين واللسان والحلق بل هو معنى آخر وراء ذلك فنحن ~~نعتقد أن ذلك المعنى واحد أزلي وأنتم تعتقدون أنه مثل هذا كثير حادث فانقطع ~~الاستدلال بما يعرفه أهل الإجماع وكما أن كلامه أزلي واحد عندنا وليس ذلك ~~بين أظهرنا كذلك هو كلام آخر في محل آخر وليس ذلك بين أظهرنا عند الخصم ~~فصار الاتفاق بالمقدمات المشهورة المعهودة لا اليقينية المقبولة المشهودة ~~وتبين أن إطلاق لفظ القرآن على القراءة والمقرؤ باشتراك اللفظ وقد يسمى ~~الدليل باسم المدلول ويطلق لفظ العلم على المعلوم كقوله تبارك وتعالى ' ولا ~~يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء ' أي بمعلومه وقال إن قرآن الفجر كان ~~مشهودا عني به الصلاة والقراءة فيها . والجواب الحق أن الآيات التي جاء بها ~~جبريل عليه السلام منزلا على الرسول صلى الله عليه وسلم كلام الله كما أن ~~الشخص الذي تمثل به جبريل وتراي وظهر له سمي جبريل حتى يقول هذا كلام الله ~~وهذا جبريل لأن ما أشير إليه بهاذا وهاذا هو مظهره وأنت تقول كلامك هذا ~~صحيح وغير صحيح ولا تشير إلى مجرد العبارة دون المعنى بل تشير إلى العبارة ~~على أنها مظهر المعنى وإلا فالصحة والفساد إنما يدخلان على المعنى دون ~~اللفظ والصواب والخطأ يرد على اللفظ دون المعنى وقد تكون العبارة سديدة لغة ~~ومحوا ويكون المعنى غير سديد وبالعكس من ذلك ثم يشار إلى العبارة ويراد ~~PageV01P176 بها المعنى كذلك قولنا هذا كلام الله وكلام الله بين أظهرنا ~~ولا يمسه إلا المطهرون وقوله ' يتلونه حق ms200 تلاوته ' ' إن علينا جمعه وقرآنه ~~' راجع إلى العبارة ' ثم إن علينا بيانه ' راجع إلى المعنى ' إنه لقرآن ~~كريم في كتاب مكنون ' ولو كان الكتاب من حيث هو كتاب هو القرآن لما قال في ~~كتاب وفي آية أخرى يتلونه صحفا مطهرة فيها كتب قيمة فتارة كان القرآن في ~~كتاب وتارة كان الكتاب في القرآن ومن أدرك الطرفين على حقيقتهما سهل عليه ~~التمييز بين المعنيين ثم احترام الكتاب لأجل المكتوب كاحترام البيت لأجل ~~صاحب البيت . قالت السلف والحنابلة قد تقرر الاتفاق على أن ما بين الدفتين ~~كلام الله وأن ما نقرأه ونسمعه ونكتبه عين كلام الله فيجب أن يكون الكلمات ~~والحروف هي بعينها كلام الله ولما تقرر الاتفاق على أن كلام الله غير مخلوق ~~فيجب أن تكون الكلمات أزلية غير مخلوقة ولقد كان الأمر في أول الزمان على ~~قولين أحدهما القدم والثاني الحدوث والقولان مقصوران على الكلمات المكتوبة ~~والآيات المقروءة بالألسن فصار الآن إلى قول ثالث وهو حدوث الحروف والكلمات ~~وقدم الكلام والأمر الذي تدل عليه العبارات وقد حسن قول ليس منهما على خلاف ~~القولين فكانت السلف على إثبات القدم والأزلية لهذه الكلمات دون التعرض ~~لصفة أخرى ورأها وكانت المعتزلة على إثبات الحدوث والخلقية لهذه الحروف ~~والأصوات دون التعرض لأمر ورأها فأبدع الأشعري قولا ثابتا وقضى بحدوث ~~الحروف وهو خرق الإجماع وحكم بأن ما نقرأه كلام الله مجازا لا حقيقة وهو ~~عين الابتداع فهلا قال ورد السمع بأن ما نقرأه ونكتبه كلام الله تعالى دون ~~أن يتعرض لكيفيته وحقيقته كما ورد السمع بإثبات كثير من الصفات من الوجه ~~واليدين إلى غير ذلك من الصفات الخبرية . قالت السلف لا يظن الظان أنا نثبت ~~القدم للحروف والأصوات التي قامت PageV01P177 بألسنتنا وصارت صفات لنا فإنا ~~على قطع نعلم افتتاحها واختتامها وتعلقها بأكسابنا وأفعالنا وقد بذلت السلف ~~أرواحهم وصبروا على أنواع البلايا والمحن من معتزلة الزمان دون أن يقولوا ~~القرآن مخلوق ولم يكن ذلك على حروف وأصوات هي أفعالنا وأكسابنا بل هم عرفوا ~~يقينا أن لله ms201 تعالى قولا وكلاما وأمرا وإن أمره غير خلقه بل هو أزلي قديم ~~بقدمه كما ورد ذلك وفي قوله ' ألا له الخلق والأمر ' وقوله ' لله الأمر من ~~قبل ومن بعد ' وفي قوله سبحانه ' إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن ~~فيكون ' فالكائنات كلها إنما تتكون بقوله وأمره وقوله إنما أمره إذا أراد ~~شيئا أن يقول له كن فيكون وقوله وإذ قال ربك وإذ قلنا قال الله هذا كله قول ~~قد ورد في السمع مضافا إلى الله تعالى أخص إضافة من الخلق فإن المخلوق لا ~~ينسب إلى الله تعالى إلا من جهة واحدة وهو الخلق والإبداع والأمر بنسب إليه ~~لا على تلك النسبة وإلا فيرتفع الفرق بين الأمر والخلق والخلقيات والأمريات ~~. قالوا من جهة المعقول العاقل يجد من نفسه فرقا ضروريا بين قال وفعل وبين ~~أمر وخلق ولو كان القول فعلا كسائر الأفعال بطل الفرق الضروري فثبت أن ~~القول غير الفعل وهو قبل الفعل وقبليته قلية أزلية إذ لو كان له أول لكان ~~فعلا سبقه قول آخر ويتسلسل ثم لما أجمعت السلف على أن هذا القرآن هو كلام ~~الله تعالى لم يرد مناهج إجماعهم ولم يبحث أنهم أرادوا القراءة أو المقروء ~~والكتابة أو المكتوب كما أنهم إذا وصلوا إلى تربة الرسول صلى الله عليه ~~وسلم قالوا هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وحيوا وصلوا وسلموا تسليما من ~~غير تصرف في أن المشار إليه شخصه أم روحه . وحققوا زيادة تحقيق فقالوا قد ~~ورد في التنزيل أظهر مما ذكرناه من الأمر وهو التعرض لإثبات كلمات الله ~~تعالى حيث قال عز من قائل ' وتمت كلمات ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته ' ~~ثم قال ' ولولا كلمة سبقت من ربك ' وقال ' قل لو كان البحر مدادا لكلمات ~~ربي ' وقال ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر PageV01P178 يمده من ~~بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله ' وقال ' ولكن حق القول مني لأملأن جهنم ~~وكذلك حقت كلمة العذاب ' فتارة يجي الكلام بلفظ الأمر وتثبت ms202 له الوحدة ~~الخالصية التي لا كثرة فيها ' وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر ' وتارة يجي ~~بلفظ الكلمات وتثبت لها الكثرة البالغة التي لا وحدة فيها ولا نهاية لها ' ~~ما نفدت كلمات الله ' فله إذا أمر واحد وكلمات كثيرة ولا يتصور إلا بحروف ~~فعن هذا قلنا أمره قديم وكلماته كثيرة أزلية والكلمات مظاهر الأمر للأمر ~~والروحانيات مظاهر الكلمات والأجسام مظاهر الروحانيات والإبداع والخلق إنما ~~يبتدئ من الأرواح والأجسام أما الكلمات والحروف فأزلية قديمة فكما أن أمره ~~لا يشبه أمرنا وكلماته وحروفه لا تشبه كلماتنا وهي حروف قدسية وعلوية وكما ~~أن الحروف بسائط الكلمات والكلمات أسباب الروحانيات والروحانيات مدبرات ~~الجسمانيات وكل الكون قائم بكلمة الله محفوظ بأمر الله تعالى ولا يغفل عاقل ~~عن مذهب السلف وظهور القول في حدوث الحروف فإن له شأنا وهم يسلمون الفرق ~~بين القراءة والمقروء والكتابة والمكتوب ويحكمون بأن القراءة التي هي صفتنا ~~وفعلنا غير المقروء والذي ليس هو صفة لنا ولا فعلنا غير أن المقروء ~~بالقراءة قصص وأخبار وأحكام وأوامر وليس المقروء من قصة آدم وإبليس هو ~~بعينه المقروء من قصة موسى وفرعون وليس أحكام الشرائع الماضية هي بعينها ~~أحكام الشرائع الخاتمة فلا بد إذا من كلمات تصدر من كلمة وترد على كلمة ولا ~~بد من حروف تتركب منها الكلمات وتلك الحروف لا تشبه حروفنا وتلك الكلمات لا ~~تشبه كلامنا كما ورد في حق موسى عليه السلام سمع كلام الله كجر السلاسل ~~وكما قال المصطفى صلوات الله عليه في الوحي أحيانا يأتيني كصلصلة الجرس وهو ~~أشد علي ثم يفصم عني وقد وعيت ما قال والله أعلم . PageV01P179 # | القاعدة الرابعة عشرة في حقيقة الكلام الإنساني والنطق النفساني # ذهب النظام إلى أن الكلام جسم لطيف منبعث من المتكلم ويقرع أجزاء الهوى ~~فيتموج الهوى بحركته ويتشكل بشكله ثم يقرع العصب المفروش في الأذن فيتشكل ~~العصب بشكله ثم يصل إلى الخيال فيعرض على الفكر العقلي فيفهم وربما يقول ~~الكلام حركة في جسم لطيف على شكل مخصوص ثم تحير في أن الشكل إذا ms203 حدث في ~~الهوى أهو شكل واحد يسمعه السامعون أم أشكال كثيرة وإنما أخذ مذهبه في هذه ~~المسئلة وغيرها من المسائل من مذهب الفلاسفة غير أنه لم يفهم من كلامهم إلا ~~ضجيجا ولم يورده نضيجا . وأما الفلاسفة فالنطق عندهم يطلق على نطق اللسان ~~وهو حروف منظومة بأصوات مقطعة في مخارج مخصوصة نظما يعبر عن المعنى الذي في ~~النفس بحكم الاصطلاح والمواضعة أو بحكم التوقيف والمصادرة ويطلق النطق على ~~التمييز العقلي والتفكير النفساني والتصوير الخيالي وهو معان في ذهن ~~الإنسان مختلفة الاعتبار فإن اعتبرت بمجرد العقل كان تمييزا صحيحا بين الحق ~~والباطل ويلزمه أن يكون معاني كلية مجردة متحدة متفقة فإن اعتبرت بمجرد ~~النفس كان تفكيرا وترديدا بين الحق والباطل حتى يظفر بالحد الأوسط فيطلع ~~على الدليل المرشد والعلة والسبب ويلزمها أن تكون ذاتية كلية أو جزئية ~~بسيطة أو مركبة ويلزمها أن تكون ذاتية أو عرضية موجبة أو سالبة موجهة أو ~~مطلقة يقينية أو غير يقينية منتجة أو غير منتجة وإن اعتبرت بمجرد الخيال ~~كانت تقديرا أو تصويرا فتارة تصوير المحسوس بالمعقول وتارة تقدير المعقول ~~في المحسوس ويلزمها أن تكون من جانب المحسوس عربيا أو عجميا أو هنديا أو ~~روميا أو سريانيا أو عبرانيا ومن جانب المعقول أن يكون بسيطا في صورة مركبة ~~ومركبا على نعت بسيط وذاتيا مع عرضي ويقينا مع وهم وأول ما يرد على السمع ~~حرف وصوت يحصل في الهوى بسبب تموج يقع بحركة شديدة تحدث من قرع بعنف أو قلع ~~بحدة فإن كان من قرع اصطك الجسمان وانضغط الهوى بشدة PageV01P180 وحدث ~~الصوت وإن كان من قلع انقطع الجسمان وانفلت الهوى بشدة وحدث الصوت ووصل ~~الموج إلى الهوى الراكد الذي في الصماخ وانفعل به وهو مجاور للعصبة ~~المفروشة في أقصى الصماخ الممدودة مد الجلد على الطبل فيحصل فيه طنين فتشعر ~~به القوة المودعة في تلك العصبة فيصل إلى القوة الخيالية فيتصرف الخيال فيه ~~تقديرا فيصل إلى القوة النفسانية فتتصرف النفس فيه تفكيرا فيصل إلى القوة ~~العقلية فيتصرف العقل فيه ms204 تمييزا وللمعنى صعود من المحسوس المسموع إلى ~~المعقول المعلوم صعودا من الكثرة إلى الوحدة ونزول من المعقول المعلوم إلى ~~المحسوس المسموع نزولا من الوحدة إلى الكثرة والعرفان مبتدئ من تفريق ونفض ~~وترك ورفض ممعن في جمع هو جمع صفات الحق للذات المريدة للصدق ثم انتهى إلى ~~الوحدة ثم وقوف وهذا من حيث الصعود والعرفان مبتدئ من توحيد وتفكير وتمييز ~~وتصوير ممعن في معرفة هي معرفة صفات الخلق ثم انتهى إلى الكثرة ثم وقوف ~~وهذا من حيث النزول . وصار أبو الهذيل والشحام وأبو علي الجبائي إلى أن ~~الكلام حروف مفيدة مسموعة من الأصوات غير مسموعة مع الكتابة وصار الباقون ~~من المعتزلة إلى أن الكلام حروف منتظمة ضربا من الانتظام والحروف أصوات ~~مقطعة ضربا من التقطيع وهل يجوز وجود حروف من غير أصوات كما جاز وجود أصوات ~~من غير حروف فيه خلاف بينهم . وصار أبو الحسن الأشعري إلى أن الكلام معنى ~~قائم بالنفس الإنسانية وبذات المتكلم وليس بحروف ولا أصوات وإنما هو القول ~~الذي يجده العاقل من نفسه ويجيله في خلده وفي تسمية الحروف التي في اللسان ~~كلاما حقيقيا تردد أهو على سبيل الحقيقة أم على طريق المجاز وإن كان على ~~طريق الحقيقة فإطلاق اسم الكلام عليه وعلى النطق النفسي بالاشتراك . قالت ~~الأشعرية العاقل إذا راجع نفسه وطالع ذهنه وجد من هيئة وجودها أو سمعها من ~~مبتدأها إلى منتهاها على وفق ثبوتها وتارة حديثا مع نفسه بأمر ونهي ووعد ~~ووعيد لأشخاص على تقدير وجودهم ومشاهدتهم ثم يعبر عن تلك الأحاديث وقت ~~المشاهدة وتارة نطقا عقليا إما يجزم القول أن الحق والصدق كذا وإما بترديد ~~الفكر أنه هل يجوز أن يكون الشيء PageV01P181 كذا أو يستحيل أو يجب إلى غير ~~ذلك من الأفكار حتى أن كل صانع يحدث مع نفسه أولا بالغرض الذي توجهت إليه ~~صنعته ثم تنطق نفسه في حال الفعل محادثة مع الآلات والأدوات والمواد ~~والعناصر ومن أنكر أمثال هذه المعاني فقد جحد الضرورة وباهت العقل وأنكر ~~الأوائل التي في ذهن الإنسان ms205 وسبيله سبيل السوفسطائية كيف وإنكاره ذلك مما ~~لم يدر في قلبه ولا جال في ذهنه ثم لم يعبر عنه بالإنكار ولا أشار إليه ~~بالإقرار فوجد أن المعنى معلوم بالضرورة وإنما الشك في أنه هو العلم بنفسه ~~أو الإرادة والتقدير والتفكير والتصوير والتدبير والتمييز بينه وبين العلم ~~هين إذ العلم تبين محض تابع للمعلوم على ما هو به وليس فيه إخبار ولا ~~اقتضاء وطلب ولا استفهام ولا دعاء ولا نداء وعي أقسام معلومة وقضايا معقولة ~~وراء التبيين والتمييز بينه وبين الإرادة أسهل وأهون فإن الإرادة قصد إلى ~~تخصيص الفعل ببعض الجائزات ولا قصد في هذه القضايا ولا تخصيص وأما التقدير ~~والتفكير والتدبير فكل ذلك عبارات عن حديث النفس وهو الذي يعنى به من النطق ~~النفساني ومن العجب أن الإنسان يجوز أن يخلو ذهنه عن كل معنى ولا يجد نفسه ~~قط خاليا عن حديث النفس حتى في النوم فإنه في الحقيقة يرى في منامه أشياء ~~وتحدث نفسه بالأشياء ولربما يطاوعه لسانه وهو في منامه حتى يتكلم وينطق ~~متابعة لنفسه فيما يحدث وينطق . ومن مذاهب المعتزلة أن المفكر قبل ورود ~~السمع يجد من نفسه خاطرين أحدهما يدعوه إلى معرفة الصانع وشكر المنعم وسلوك ~~سبيل المحاسن والخيرات والثاني يدعوه إلى خلاف ذلك ثم يختار ما فيه النجاة ~~ويجتنب عما فيه الهلاك وذلك الخاطران الداعيان المحدثان المخبران عن كلام ~~النفس وحديثها فكيف يسوغ لهم إنكار ذلك وأيضا فإن الإنسان في مراتب نظره ~~واستدلاله يضع قولا ويرفع قولا ويقسم كليا ويبطل أحد القسمين فيتعين له ~~الثاني فتقسيمه هو بعينه حديث النفس وتعيينه أحد القسمين هو بعينه حكم ~~العقل وربما أخذ القلم وكتب مجلدة من حديث فكره وشحن ديوانا من حديث نفسه ~~ولسانه ساكت لا ينطق . وصدق من قال : إن الكلام لفي الفؤاد وإنما . . . جعل ~~اللسان على الفؤاد دليلا PageV01P182 فالعبارة والإشارة والكتابة دلالة ~~بقرائنها تدل على أن لها مدلولا خاصا متميزا عن العلم والإرادة ولكل عبارة ~~خاصة مدلول خاص متميز عن سائر المدلولات وهذا أوضح ما تقرر ms206 فإن دلالات ~~العبارات على النطق دلالة المواضعة والتوقيف ويختلف بالأمم والأمصار ودلالة ~~الأحكام على العلم دلالة العقل فلا يختلف ذلك بالأمم والأمصار ومدلول ~~العبارات مع اختلافها مدلول واحد فإن المعنى الذي يفهم من قولك الله هو ~~بعينه المعنى الذي يفهم من خذ أي وتنكري وسرنا وند إلى غير ذلك من الألفاظ ~~فعلم من ذلك أن الكلام الذي في نفس الإنسان قول محقق ونطق موجود هو أخص وصف ~~لنفس الإنسان حتى تميز به عن سائر الحيوانات ومن أنكره فقد خرج عن حد ~~الإنسانية ودخل في حريم البهيمة وكفر أخص نعم الله تعالى على نوع الإنسان . ~~قالت المعتزلة نحن لا ننكر الخواطر التي تطرأ على قلب الإنسان وربما نسميها ~~أحاديث النفس إما مجازا وإما حقيقة غير أنها تقديرات للعبارات التي في ~~اللسان ألا ترى أن من لا يعرف كلمة بالعربية لا يخطر بباله كلام العرب ومن ~~لا يعرف العجمية لا يطرأ عليه كلام العجم ومن عرف اللسانين تارة تحدث نفسه ~~بلسان العرب وتارة بلسان العجم فعلم على الحقيقة أنها تقديرات وأحاديث ~~تابعة للعبارات التي تعلمها الإنسان في أول نشوه والعبارات هي أصول لها ~~منها تصدر وعليها ترد حتى لو قدرنا إنسانا خاليا عن العبارات كلها أبكم لا ~~يقدر على نطق لم نشك أن نفسه لا تحدثه بعربية ولا عجمية ولا لسان من الألسن ~~وعقله يعقل كل معقول وإن كان يعرى عن كل مسموع ومنقول فعلم أن الكلام ~~الحقيقي هو الحروف المنظومة التي في اللسان والمتعارف من أهل اللغة ~~والعقلاء أن الذي في اللسان هو الكلام ومن قدر عليه فهو المتكلم ومن لم ~~يقدر عليه فهو الأعجم الأبكم فعلم من ذلك أن الكلام ليس جنسا ونوعا في نفسه ~~ذا حقيقة عقلية كسائر المعاني بل هو مختلف بالمواضعة والاصطلاح والتواطؤ ~~حتى لو تواطأ قوم على نقرات وإشارات ورمزات لحصل التفاهم بها كما حصل ~~التفاهم بالعبارات . ومن الدليل على ذلك أن الله تعالى سمى تغريد الطير ~~وأصوات الحكل ودبيب النمل كلاما وقولا حتى قال سليمان ms207 بن داود عليهما ~~السلام ' علمنا منطق الطير وقالت نملة وقال الهدهد أحطت بما لم تحط به ' ~~ومثل ذلك يجري مجازا في الجمادات أيضا ' قالتا أتينا PageV01P183 طائعين ' ~~' يا جبال أوبي معه والطير ' ' يسبح الرعد بحمده ' ويعبر عن أحوال دلالاتهم ~~على وجود الصانع بالتسبيح والتأويب وعن استعدادهم لقبول فعله وصنعه بالطوع ~~والرغبة قولا وذلك كله يدل على أن الكلام ليس نوعا من الأعراض ذا حقيقة ~~عقلية كسائر الأعراض بل نطلقه على النطق الذي في اللسان بحكم المواضعة ~~والمواطأة والإنسان قد يخلو عنه وعن ضده وتبقى حقيقته إنسانيته فإنه إنما ~~يتميز عن الحيوانات بصورته وشكله لا بنفسه أو عقله ونطقه وقوله وأنتم يا ~~معشر الأشاعرة انتهجتم مناهج الفلاسفة حيث حددتم الكلام بالنطق النفسي كما ~~حدوا الإنسان بقولهم الحيوان الناطق وجعلوا النطق أخص وصف الإنسان تميز به ~~عن سائر الحيوانات وجعلوه الفصل الذاتي ويلزمكم على مساق ذلك أن تكون النفس ~~الناطقة هي الإنسان من حيث الحقيقة والبدن يكون آلة وقالبا لها ثم يلزم منه ~~أن يكون الخطاب والتكليف على النفس والروح دون البدن والجسد وأن يكون ~~المعاد للأرواح والنفوس والثواب والعقاب لها وعليها وذلك طي لمسالك الشريعة ~~وغي في مهالك الطبيعة . قالت الأشعرية الذي يشعر به نفس الإنسان معان ~~مختلفة الحقائق وراء التمييز العقلي والتصوير الخيالي فإن التمييز العقلي ~~حكم جزم بأن الأمر كذا وأن الحق في القضية كذا والتصوير الخيالي تقدير ما ~~سمعه من العبارة من العربية والعجمية كما ذكرتم وليس فيه حكم ونفي الأمر ~~الأوسط وهو التدبير النفساني الذي لا يعدمه كل ذي عقل ونفس من الإنسان سواء ~~عدم النطق اللساني أو لم يعدم . ومن البرهان على ذلك سوى الإحساس الذي لا ~~ينكره إلا معاند جاحد أن كل عاقل مكلف بالنظر والاستدلال حتى يحصل لنفسه ~~المعرفة بوحدانية الصانع ولن يتأتى الفكر والنظر إلا بترديد الخاطرين في ~~جهات الإمكان وتدبير الأوائل التي هي بدائه العقل بالثواني والثوالث في ~~ترتيب المقدمات القياسية والتمييز فيها بين اليقيني والجدلي والخطابي ~~والشعري ثم التدرج من ذلك الترتيب ms208 المخصوص والشكل الموصوف المعين إلى ~~النتيجة التي هي المطلوبة وهذا التردد لن يتأتى إلا بأقوال عقلية ونطق ~~نفساني يكون اللسان معبرا عنها تارة بالعربية وتارة بالعجمية PageV01P184 ~~إن كان منطقيا وبالإشارة والإيماء إن كان أيكم فعلم من ذلك أن الذي حصل في ~~الخيال غير والذي حصل في النفس غير وأن الذي حصل في العقل غير ومن أمكنه ~~التمييز بين هذه الاعتبارات سهل عليه تقدير النطق النفساني والقول بأن ذلك ~~المعنى جنس ونوع من المعاني له حقيقة لا تختلف والذي في الخيال واللسان ليس ~~جنسا ونوعا حقيقيا ثابتا بل يختلف ذلك بحسب الاصطلاح والمواضعة وعلى إمكان ~~التعبير من حال إلى حال ومن شخص إلى شخص ومكان إلى مكان وذلك ليس كلاما ~~حقيقيا ولا نوعا متنوعا ويتبعه الذي في الخيال من الصور والأشكال عن الحروف ~~والكلمات التي في السمع وعن المبصرات والمدركات التي في البصر لكن المعاني ~~التي في النفس حقائق موجودة تتردد فيها النفس بنطقها الذاتي وتمييزها ~~العقلي وهذا لا ينكره إلا من أنكر نفسه وعدم حديثه وحسه . وقولهم يجوز أن ~~يحصل التفاهم بالنقرات والرمزات كما يحصل بالعبارات . قلنا وهذا من الدليل ~~القاطع على أن الذي في اللسان كلام مجازي فإن التفاهم حاصل بغيره والفهم ~~نطق نفساني دون العلم العقلي فإن الإنسان يجوز أن يفهم باطلا وينكره بعقله ~~فالفهم غير ذلك فالفهم غير والعلم غير وذلك الفهم مدلول كلام القائل فقط ~~وهو نطق مجرد نفساني ومحاورة فكرية إذ يديره في خلده فيجيب عنه تسليما له ~~واعتراضا عليه وربما يكون معنى في الذهن يبسط ويشرح في العبارة وربما يكون ~~معاني كثيرة تقبض وتختصر في اللفظ وبالجملة مدلولات العبارات والإشارات نطق ~~نفساني بخلاف مدلولات أصوات البهائم وتغريد الطير فإنها وإن حصل بها ~~التفاهم الخيالي فلم يحصل بها الفهم النفساني حتى تتصرف فيما سمعته بالكلية ~~والجزئية والموجبة والسالبة والذاتية والعرضية فقد عدمت تلك النفوس ما هو ~~من خواص النفس الإنسانية وعدمت أيضا ما هو من خواص العقل الإنساني من ~~الاعتبارات الكلية التي له والأحكام الجزئية ms209 التي إليه وبالجملة فهي عادمة ~~الكليات واجدة الجزئيات فلم تكن أصواتهم وألحانهم قولا ونطقا وما ورد في ~~التنزيل من نسبة الكلام إلى أمثالهم فهو محمول على أحد وجهين أحدهما أنه ~~أعطاهم عقلا وأنطقهم حقيقة بحرف وصوت وجعل ذلك معجزة لذلك النبي الذي هو في ~~زمانه والثاني أنه أجرى على لسانهم وهم لا يعرفون كلاما ففهمه نبي ذلك ~~الزمان من غير أن يشعر به المتكلم من الوحش PageV01P185 والطير كما أجرى ~~على ذراع الشاة لا تأكل مني فإني مسمومة . وأما نسبة صاحب هذه المقالة إلى ~~الفلاسفة والتشنيع عليه بأنه يودي إلى كون النفس جوهرا روحانيا غير جسم وإن ~~الخطاب يتوجه عليه وإن الثواب والعقاب له فهو سؤال لا يستحق الجواب ~~والمعاني العقلية إذا لاحت حسية كالشمس وجب اعتقادها ولزم اعتقالها من غير ~~التفات إلى مذهب دون مذهب وقد قالت الفلاسفة النفس الإنساني عندنا بالمعنى ~~الذي يشترك فيه الإنسان والحيوان والنبات أنه كمال أول لجسم طبيعي متحرك ~~آلي ذي حياة بالقوة وبالمعنى الذي يشترك فيه الإنسان والملك أنه جوهر غير ~~جسم هو كمال أول لجسم طبيعي محرك له بالاختيار عن مبدأ نطقي عقلي بالفعل ~~وبالقوة فالذي بالفعل هو خاصة النفس الملكية والذي بالقوة هو فصل النفس ~~الإنساني فالنطق فصل ذاتي على كل حال سواء كان بالقوة والاستعداد أو كان ~~بالفعل والوجود ومن عدم المعنيين كان فصله الذاتي عجمة إما صاهل أو ناطق أو ~~هادر أو فصل آخر . قالوا ولا بد من إثبات النفس وإثبات جوهريته أولا حتى ~~يصح إثبات النطق العقلي له ثانيا والأشعري إن وافق المعتزلة على أن نفي ~~الروح والنفس جوهرا بلا عرض لا يبقى زمانيين وهو الحياة فقط فهو كالمعتزلي ~~إذا وافق الطبيعي منا على أن النفس ليس جوهرا روحانيا لا يقبل الاستحالة بل ~~هو جسم قابل للكون والفساد وعرض تابع للمزاج ولا فرق بين قولهم مستحيل أي ~~متغير حالا فحالا وبين قولهم لا يبقى زمانين أي موجود حالا فحالا . وأما ~~الفلاسفة الإلهيون فقد دلوا على وجود النفس من جهة ms210 إدراكها ومن جهة أحوالها ~~أما الأفعال فأخص أفعالها بعد خروجها عن حد الاستعداد والانفعال التردد بين ~~القضايا العقلية طلبا للدليل على المدلول وعثورا على العلة المقتضية للوجود ~~أعني وجود المطلوب أو الإعتقاد بالوجود حتى يرد الثواني إلى الأوائل ~~والثوالث إلى الثواني ويستدل بأمر خاص في ذهنه على أمر مستحضر ويتوصل بمعنى ~~حاصل إلى معنى مستحصل وذلك من أخص أفعال النفس الإنسانية ليس لغيرها فيه ~~نصيب وشركة PageV01P186 ومن خواص أفعالها أنها إذا خرجت من القوة إلى الفعل ~~عقلا وعلما أو خلقا وعملا أخرجت غيره من النفوس الإنسانية من القوة إلى ~~الفعل حتى تصير صورتها مشابهة لصورة المخرج كالمعلم للقراءة يخرج نفس الصبي ~~من قوة الاستعداد إلى فعل القراءة حتى يصير قارئا مثله وكالمعلم للحكمة ~~يخرج نفس المتعلم من قوة الصلاحية إلى فعل الحكمة حتى يصير حكيما مثله ~~وكالمعلم للصناعات البشرية الخاصة بنوع الإنسان يخرج نفوس المتعلمين من ~~القوة إلى الفعل حتى يصير صانعا مثله وليست هذه الخاصية أيضا لنوع من ~~الحيوانات لأن ما لها بالطبع والفطرة فهي لمواليدها كذلك فهذا المعنى فضيلة ~~النفس الإنسانية وانفصلت وإليه الإشارة بقوله تعالى ' وعلم آدم الأسماء ~~كلها ' الآية وكان له قوة القبول وقوة الأداء في طرفي العلم والعمل ومن ~~خواص أفعالها أنها حيثما كثرت أفعالها ازدادت قوة وكمالا وغيرها من النفوس ~~والأجسام وقواها الجسمانية حيثما كثرت أفعالها ازدادت ضعفا وكلالا . ومن ~~خواص قواها وأفعالها أن كل قوة جسمانية فهي متناهية الأثر إلى حد معلوم ~~والقوة على ما لا يتناهى لا يتصور في الجسم بخلاف القوة العقلية النفسانية ~~فإنها تقوى على ما لا يتناهى إذ ما يمكن أن تدركه النفس الناطقة من ~~المحسوسات والمعقولات ليست محصورة فيستحيل أن يكون ذاتها ذاتا جسمانيا ~~وقواها قوى جسمانية . وأما خواصها من جهة إدراكها فأخص إدراكاتها أنها تدرك ~~ذاتها بذاتها وأن ذاتها لا تعزب عن ذاتها وتراها تغفل عن كل شيء تقديرا سوى ~~ذاتها حتى النائم والسكران يغفل عن كل شيء سوى ذاته ثم المدرك من ذاته ليس ~~بآلة جسمانية ms211 أو نفسانية لأنا فرضناها غافلة عن كل شيء سوى ذاتها والمدرك ~~ليس جسما أو جزءا من جسم فإنا في الفرض المذكور أغفلناها عن كل شيء سوى ~~ذاتها فهي مدركة ومدركة وعاقلة ومعقولة لا يحجبها عن ذاتها شيء البتة ونفس ~~إدراكها نفسها لا كالحواس فإنها لا تدرك ذاتها بذاتها ولا كالمدرك بالآلات ~~إذا أصابت الآلة آفة بطل إدراكه أو ضعف ولا كالمدرك بآلة إذا أدرك شيئا ~~قويا لم يمكنه إدراك الضعيف بل هي تدرك الضعيف بعد القوي والخفي بعد الجلي ~~ولا كما يضعف بامتداد الزمان ويبليه ممر الدهور والحدثان فإنه ربما يقوى في ~~الكبير ويضعف في الصغير فهذه كلها من خواص النفس الإنسانية نحس من أنفسنا ~~ضرورة أن الأمر كذلك من غير احتياج إلى برهان يقام عليه والمعاني الضرورية ~~إذا احتال المرء فيها لطلب برهان عليها ازدادت خفاء وانتقصت جلاء . ثم ~~البرهان القاطع على أن النفس ليس بجسم ولا قوة في جسم أن العلم المجرد ~~PageV01P187 الكلي لا يجوز أن يحل في جسم وكل ما لا يجوز أن يحل في جسم ~~فإذا حل حل في غير جسم فالعلم المجرد الكلي إذا حل حل في غير جسم . أما ~~المقدمة فنثبتها بناء على أن كل جسم منقسم وما حل في منقسم يجب أن يكون ~~منقسما ونثبتها بناء على أن كل جسم فمركب من مادة وصورة والمعنى الوحداني ~~الكلي بالذات لا يحل في مركب ونثبتها بناء على أن كل جسم فهو ذو وضع وقدر ~~وشكل وحيز وكل ما حل في ذي قدر ووضع فيكون له نسبة وقدر وهيئة ووضع والمعنى ~~المعقول المجرد في نفس الإنسان مجرد عن القدر والوضع فتجرده إما أن يكون ~~باعتبار محله أو باعتبار ما منه حصل وباطل أن يكون تجرده بما منه حصل فإن ~~الإنسان يتلقى حد الإنسان وحقيقته من إنسان شخصي له قدر مخصوص لكن الحس ~~تجرده نوع تجريد عن المادة فإن المادة لا تدخل في الحس بل التماثل الذي ~~يطابقه يرتسم فيه والخيال يجرده تجريدا أشد فإن الحس يناله ms212 وهو حاضر ~~والخيال يناله وهو غائب والفكر يجرده تجريدا أشد فإن الخيال يناله مع ~~غبوبيته شخصيا جزئيا والفكر العقلي يتصوره مجردا فيتصوره العقل كليا واحدا ~~مبرأ من الوضع والقدر مجردا عن المادة والشكل فتجرده بما هو مجرد وتفرده عن ~~العلائق المادية بما هو مفرد فدل إدراكه المعقول على هذا الوجه المذكور على ~~أن ذات النفس الناطقة العاقلة لا تنقسم إلى جزء وجزء ولا تتركب من مادة ~~وصورة ولا توصف بوضع ومقدار وشكل وحيز وذلك ما أردنا بيانه . وأما امتياز ~~النفس الإنسانية عن الأجسام وقواها وسائر النفوس المزاجية من جهة حالاتها ~~فإحدى حالاتها وهي على مراتب فمنها حركاتها من قوة الاستعداد العلمي ~~والعملي إلى الكمال ولما لم تكن هيولى عقلها الهيولاني على مثل هيولى سائر ~~الأجسام لم تكن حركاتها من القوة إلى الفعل على مثل تلك الحركات بل أولى ~~صورة لبستها الهيولى الجسمانية هي الأبعاد الثلاثة من الطول والعرض والعمق ~~وأولى صورة لبستها الهيولى النفسانية هي الأحوال الثلاثة من العقل المستفاد ~~والعقل بالملكة والعقل بالفعل على ترتيب الأول والثاني والثالث وإنما يتصور ~~ذلك الترتيب إذا كان ثم تحرك من مبدأ إلى كمال وإنما تتصور الحركة حيث ~~يتحقق ثم زمان وهاهنا للنفس حالة أخرى غير زمانية وراء الأحوال الثلاثة وهي ~~حالة المنام فإنك لا تشك في نفسك أنك ترى في المنام الصادق أحوالا كثيرة من ~~حضورك في قصورك وترددك بين رباع وديار وتقلبك بين أشجار وجنات وأنهار ~~ومكالمتك كلاما كثيرا من سؤال وجواب وخبر واستخبار وقصة طويلة لو عبرت عنها ~~في اليقظة لوسعتها أوراق PageV01P188 وضاق عن بسطها بيان وبنان وكل ذلك في ~~لحظة واحدة كأنها طرفة عين وكما غفوت رأيت جملة من ذلك ثم يعبر عنها ~~بعبارات كثيرة وربما يظن أن مثاله مثال انطباع صورة في المرآة في لحظة وهذا ~~إن صدق مثالا في الصورة المبصرة فكيف يصدق في الكلام الكثير من السؤال ~~والجواب فإنها لا تنطبع معا في المرآة إذ لا بد من تعاقب حروف ولا بد ~~للتعاقب من أزمنة متتالية ms213 حتى تدركها النفس وقد يرى الرائي في المنام أنه ~~ختم القرآن ويذكر انتقالات ذهنه من سورة إلى سورة ومن آية إلى آية كل ذلك ~~خطرة ولحظة فيعلم من ذلك ضرورة أن المدرك لذلك لو كان جسما أو قوة في جسم ~~لاستدعى محلا لهذه الإدراكات تتعاقب عليه المعاني والصور وتتتالى عليه ~~الآيات والسور ويستدعي ذلك التعاقب زمانا وأوقاتا وتقدما وتأخرا فاطلع من ~~ذلك على أن النفس ليست من جنس الأجسام والأجرام فإن إدراكاتها التي لها ~~بالذات ليست من جنس الإدراكات الحسية بالآلات الجسمانية وأنها فوق المكان ~~والزمان جوهرا وإدراكا وليست هذه الحالة مخصوصة بالمنام بل وفي حالة اليقظة ~~لها ثلاثة أحوال أحدها أن يرتسم فيها صورة المعلومات مفصلة مسئلة مسئلة ~~والثانية أن ترتسم فيها جملة غير مفصلة لكن يحصل لها قوة وهيئة تقوى بها ~~على تلك المسائل والثالثة أن يحصل لها من العقل بالفعل والملكة في الفعل ~~أنه إذا سمع كلاما في المناظرة مشتملا على شبهة وقع في خاطره جواب ذلك في ~~أوحى ما يقدر وأسرع ما ينتظر كأنه معنى واحد ثم يعبر عنه بعبارات كثيرة ~~ويبسطه بسطا واسعا يشمل أوراقا ويملأ أسماعا فتحدس من ذلك أن النفس ~~الإنسانية لو كانت من جملة الأجسام لما كان حالها كما وصفنا ولو كانت من ~~عداد سائر النفوس الحيوانية المزاجية لما كان إدراكها إدراكا غير زماني ~~وحال اليقظة فيما ذكرنا بحال الأنبياء أشبه وحال المنام بحال الأولياء أقرب ~~فقد تبين مما ذكرنا أن النفس الإنسانية ليست من شبح الأجسام التي تتناهى ~~بالحدود وتنقسم بالقسم وإن النطق الذي لها ليس من جملة النطق اللساني الذي ~~يختلف بالأمصار والأمم وأنها هي الأصل في الإنسانية والمخاطبة بالأحكام ~~التكليفية . اعترض عليهم معترض من وجوه ثلاثة أحدها اعتراض على الحدود ~~والرسم الذي ذكروه والثاني اعتراض على خواص أفعالها والثالث اعتراض على ~~إدراكاتها وأحوالها وردها إلى مدرك آخر . أما الأول فقولهم حد النفس ~~بالمعنى الذي يشاركه النفس الحيوانية والنباتية أنه كمال جسم طبيعي آلي ذي ~~حياة بالقوة قيل أولا ما ms214 المعنى بالكمال الذي ذكرتموه أهو جزء من جسم أم ~~عرض في جسم أم أمر آخر وراء الجسم فإنكم ذكرتم أنها PageV01P189 بالمعنى ~~الذي يشترك فيه الإنسان والملك وهو جوهر وراء الجسم والكمال الذي وضعتموه ~~موضع الجنس لفظ مشترك قد أطلق تارة بمعنى جزء وقوة أو عرض وأطلق تارة بمعنى ~~آخر هو وراء الجسم فمن الوجه الذي يشاركه الحيوان والنبات لم يشاركه الملك ~~ومن الوجه الذي يشاركه الملك لم يشاركه الحيوان ولفظ الكمال واحد وقد أطلق ~~إطلاق الجنس لا بالتواطؤ بل بالاشتراك على أن الكمال من وجه آخر لفظ مشترك ~~فإنه يطلق على المعنى الذي يقابله القوة ويعنى به الفعل والوجود ويطلق على ~~المعنى الذي يقابله المبدأ ويعنى به الغاية والتمام ويطلق على المعنى الذي ~~يقابله النقص والعيب ويعنى به السلامة والألفاظ المشتركة لا تصلح ولا ~~تستعمل في الحدود والرسوم ثم قلتم كمال جسم فقد أضفتموه إلى الجسم أما ~~إضافة على سبيل اللام وأما إضافة على سبيل من وكمال الشيء ينبغي أن لا ~~ينفصل عن الشيء فإنه إن انفصل عنه بجوهر لم يكن كمالا له فالنفس إذا مكمل ~~الجسم الطبيعي لا كمال له ثم النفوس بجواهرها تنقسم على رأي إلى خيرة ~~بالذات والجوهر وإلى شريرة بالذات والجوهر فالتي هي خيرة كمالات ومكملات ~~للأجسام الطبيعية الآلية حتى تستعملها في جهات الخير فكيف يسوغ لنا أن نحكم ~~بأن الشريرة كمالات ومكملات للأجسام الطبيعية الآلية حتى تستعملها في جهات ~~الشر فإن الأمر يتناقض فيه وإطلاق لفظ الكمال هاهنا سمج . وأما الاعتراض ~~الثاني على خواص الأفعال التي ذكروها هو أنا نسلم كلما قرروه ولكنا نقول بم ~~تنكرون على من رد ذلك كله إلى كمالية التركيب في المزاج وخاصية التأليف ~~الواقع بين الأمشاج إذ عرف من خواص الجوهر غرائب أفعال وعجائب أحوال لا ~~يرتقي إليها الوهم ولا يرتمي نحوها العقل والفهم من تسكين وتحريك وحل وعقد ~~وتنمية وأذبال وجذب وإرسال وتشخير وتدبير وحب وبغض وتصحيح وإمراض وإحياء ~~وإماتة ما يقضي منه العجب ألا ترى من خواص الأحجار ms215 وخواص النبات والأشجار ~~وهدايات الحيوانات إلى مصالحها ما لا يقصر في الدرجة عن خواص النفس ~~الإنسانية ألا تعتبر من تأليفات الأعداد المجردة عن المادة مثل أعداد الوفق ~~وغيرها كيف يؤثر في الأجسام حتى قيل أن النفس الإنسانية عدد تأليفي كل ذلك ~~من كمالية التأليف والتركيب وكما أن الأجرام البسيطة بما هيأتها ذوات خواص ~~كذلك المركبات بتأليفها ذوات خواص فبتأليف أكمل ترتقي المعادن والنبات على ~~العناصر وبتأليف أفضل يرتقي الحيوان والإنسان على المعادن والنبات فما ~~دليلكم أن هاهنا سوى التأليف الأفضل والتركيب الأكمل نفسا روحانية فإن جميع ~~الخواص التي عددتموها يمكن حملها على كمالية التركيب فقط سوى شيء واحد وهو ~~إدراكه للكليات والأمور التي لها وحدانية بالذات حيث يلزم PageV01P190 ~~انقسامها بانقسام المحل وذلك هو المحال . الاعتراض الثالث فنقول أولا أنتم ~~مطالبون بأن كل عرض حل في محل انقسم بانقسام المحل ضرورة فإن هذه القضية ~~عندنا ليست ضرورية بل لما توهم في الألوان والأشكال أنها تنقسم بانقسام ~~المحل أجري حكم ذلك في الكل فمن الأعراض ما ينعدم بانقسام المحال كالمماسة ~~والتأليف ومنها ما لا ينعدم فيقوم بجزء منه قيامه بالكل وعند المتكلم العلم ~~الواحد لا يقوم إلا بجزء واحد وانعكس الأمر عليكم فنقول إن كان انقسام ~~المحل يوجب انقسام العرض فاتحاد العرض يستدعي اتحاد المحل وأنتم إذا سلمتم ~~معنى وحداني الذات لا ينقسم بوجه فيلزمكم أن تثبتوا محلا له وحداني الذات ~~لا ينقسم أليست النقطة عرض وهو شيء ما لا ينقسم بوجوه فيلزمكم أن تثبتوا ~~محلا له وحداني الذات لا ينقسم من الجسم ومحلها من الجسم وجب أن لا ينقسم ~~على أنا نلزمهم أمرا لا جواب لهم عنه وهو أن هذا المعنى الكلي الواحد الذي ~~يدركه العقل أيبقى مع العقل محفوظا مذكورا بالفعل أبد الدهر أو يجوز أن ~~يغفل عنه العقل ولا حاصل للقسم الأول فإن الإنسان يجد من نفسه غفلته عن ~~المعقولات المحصلة فيبقى متحفظا في خزانة الحفظ وهي قوى جسمانية إن جاز أن ~~يحفظها كلية فلم لا يجوز أن يكون ms216 قوة جسمانية يحصلها كلية فإن حفظ المرتسم ~~في النفس كنفس الارتسام أم تبقى محفوظة في غير خزانة الحفظ وهو العقل ~~المفارق الفياض عليه كما قيل أنه يصير له كالخزانة الحافظة متى طالعه أشرف ~~عليه ثانيا وأفاده الصورة الأولة بعينها فيذكره ما قد نسي ويذكر ثانيا ما ~~قد أغفل فيلزم على مقتضى ذلك إشكالان أحدهما أن الصورة المفصلة كيف ترتسخ ~~في ذات واهب الصور مفصلة حتى تكون لزيد عنده صورة ولعمرو صورة وهو يحفظ ~~الكل مفصلا منقسما متعددا متمايزا بعضها عن بعض بالكم والكيف وهو أحدي ~~الذات واسع الإفاضة عام الإضافة وهذا من أمحل المحال والإشكال الثاني أن ~~الذي تصورتم في جانب الحفظ فيتصور في جانب الإدراك الأول حتى تحكموا بأن ~~المدرك للكليات هو العقل الفعال كما أن الحافظ هو وليس إلى النفس الإنسانية ~~إلا تركيب القضايا وتأليف المقدمات ورفع الحجب ثم يكون العقل مدركا كما كان ~~حافظا والإنسان يكون مدركا بإدراك في ذات العقل الفعال كما كان حافظا بحفظ ~~في ذات العقل الفعال فيكون العقل الانفعالي حاصلا له كما كان العقل الفعلي ~~حاصلا منه وتكون نسبة العقول الجزئية إليه في العرض عليه نسبة الحواس ~~الباطنة إلى العقل الإنساني في العرض عليه وهذا موضع إشكال وشك عظيم وربما ~~يستوفي شرحه في المباحثات التي بيننا وبين الفلاسفة إن شاء الله . ~~PageV01P191 # | القاعدة الخامسة عشر في العلم بكون الباري تعالى سميعا بصيرا # ذهب أبو القاسم الكعبي ومن تابعه من البغداديين إلى أن معنى كونه سميعا ~~بصيرا أنه عالم بالمسموعات والمبصرات لا زائد على كونه عالما بالمعلومات ~~ووافقه جماعة من النجارية ومن قال من المعتزلة أنه سميع بصير لذاته فمذهبه ~~مذهب الكعبي لا غير ومن قال منهم أن المعنى بكونه سميعا بصيرا أنه حي لا ~~آفة به فمذهبه بخلاف مذهب الكعبي وهو الذي صار إليه الجبائي وابنه ومنهم من ~~صار إلى أن معنى كونه سميعا بصيرا أنه مدرك للمسموعات والمبصرات وذلك زائد ~~على كونه عالما . وذهب أبو الحسن الأشعري رحمه الله إلى أنه تعالى سميع ms217 ~~بسمع بصير ببصر وهما صفتان قائمتان بذاته زائدتان على كونه عالما . ودليله ~~في ذلك أن الحي إذا قبل معنى وله ضد ولا واسطة بين الضدين لم يخل عنه أو عن ~~ضده فلو لم يتصف بكونه سميعا بصيرا لاتصف بضدهما وذلك آفة ونقص وهذه ~~المقدمات تحتاج إلى إثبات فلا بد من البرهان على كل واحدة منهما . أما ~~المقدمة الأولى فالدليل عليها أن المصحح لقبول السمع والبصر شاهدا هو كون ~~الإنسان حيا إنا عرفنا ذلك بطريق السبر إذ لو كان المصحح وجوده أو حدوثه أو ~~قيامه بالنفس أو غير ذلك من الأوصاف كان منتقضا على الفور فبقي كونه حيا ~~والباري تعالى حي فلزم القضاء بكونه موصوفا بالسمع والبصر لتعاليه عن قبول ~~الآفات والنقائص وليس منكر صحة قبول السمع والبصر أسعد حالا ممن يزعم أن ~~الباري تعالى لا يتصف بالعلم وضده مصيرا إلى استحالة اتصافه بحكميهما . فإن ~~قيل ما الدليل على أنه إذا لم يتصف بالسمع والبصر يجب أن يتصف بضدهما . قيل ~~كل ما دل على استحالة عرو الجوهر عن المتضادات فهو دليل على ذلك وقد سبق ~~القول فيه . PageV01P192 فإن قيل ما الدليل على أن الاتصاف بضد السمع ~~والبصر من النقائص . قيل لما علم أن السمع والبصر من صفات المدح فذلك دليل ~~على أن الاتصاف بأضداد ذلك نقائص وآفات ويجب تعاليه عنها وقد وصف الرب ~~تعالى نفسه بالسمع والبصر على وجه التمدح كما وصف نفسه عالما قادرا حيا على ~~وجه التمدح فلولا أنهما صفتا مدح لما تمدح بهما فيلزم أن يكون ضدهما صفتا ~~ذم ونقص والنقص دليل الحدوث ولو قدرنا الإدراك صفة زائدة على العلم أو قلنا ~~أنه العلم ففي نفيه نقص وقصور فلن يتحقق نقص إلا ممكنا محتاجا إلى مكمل ~~لتعود الذات إلى الكمال وذات الباري تعالى وصفاته منزهة عن شوائب الإمكان ~~ولا نقص في ذاته وصفاته . قال الكعبي إنما يصح لكم إثبات الإدراك غائبا بعد ~~إثباته شاهدا ونحن لا نساعدكم أن السمع والبصر إدراكان زائدان على العلم . ~~أما الكعبي فقد قال ms218 الذي يجده الإنسان من نفسه إدراكه للمسموع والمبصر ~~بقلبه وعقله ولا يحس بصره بالمبصر بل يحس المبصر ويسمع السامع لا الأذان ~~وذلك هو العلم حقيقة ولكن لما لم يحصل له ذلك العلم إلا بوسائط بصره سمي ~~البصر حاسة وإلا فالمدرك هو العالم وإدراكه ليس زائدا على علمه . والدليل ~~على ذلك أن من علم شيئا بالخبر ثم رآه بالبصر وجد تفرقة بين الحالتين إلا ~~أن تلك التفرقة ليست تفرقة جنس وجنس ونوع ونوع بل تفرقة جملة وتفصيل وعموم ~~وخصوص وإطلاق وتعيين وإلا فشعور النفس بهما في الحالتين واحد . قال ولو كان ~~المدرك مدركا بإدراك للزم أن يحضر عند الحاسة السليمة قينة تلعب وإنعام ~~تسرح وطبول تضرب وصور تنفخ فيه وهو لا يراها ولا يسمعها إذ لم يخلق له ~~إدراك ذلك وكذلك يجوز أن يرى الشخص البعيد ولا يرى القريب لأنه خلق له ~~إدراك البعيد دون القريب وقد علمنا ضرورة أن الأمر على خلاف ذلك . وقال ~~الجبائي أن الحي إذا سلمت نفسه عن الآفة سمي سميعا بصيرا ولا معنى للإدراك ~~شاهدا وغائبا إلا ذلك . والدليل عليه أن الذات إذا سلمت أدركت كل معروض ~~عليها من المتماثلات والمختلفات وإدراكها السواد كإدراكها البياض ولو كان ~~مدركا بإدراك لجاز أن يدرك بعض الأشياء دون بعض مما يقابل المدرك فكان يجوز ~~أن يدرك بياضا ولا يدرك سوادا وهما متقابلان للحاسة في حالة أو حالتين ~~متعاقبتين كما أن العالم منا جاز أن يعلم شيئا دون شيء . قالوا وإن سلمنا ~~ثبوت الإدراك في الشاهد فلم نسلم أن المصحح مجرد كون PageV01P193 الحيوان ~~حيا فقط وهاهنا شرط آخر وهو حصول البنية وشرط للشرط وهو توسط الهوى المضيء ~~بين المبصر والمبصر والهوى الصافي بين السمع والمسموع كما شرطنا في الشم ~~واللمس والذوق اتصال الأجرام ومماستها بالاتفاق وإذا استدعت الثلاث من ~~الحواس شرطا حتى يتحقق الإدراك ولأجل ذلك امتنع إثباته غائبا كذلك الحاستان ~~الباقيتان استدعتا شرائط أخر سوى كونه حيا حتى يتحقق الإدراك فأنتم مدفوعون ~~إلى إقامة الدليل على حصر الشرائط في ms219 كونه حيا فقط وإلا فارفعوا كون الحياة ~~شرطا كما رفعتم كون البنية وتوسط الهوى شرطا واجعلوا وجود الحياة شرطا من ~~حيث العادة لا من حيث الضرورة كما جعلتم البنية شرطا من حيث العادة وهذا ~~الموضع من مشكلات مسائل الإدراكات . قال الأشعري الإدراكات من قبيل العلوم ~~على قول ورأي وهو جنس آخر على قول فمن قال بالقول الأول فيقول هو مماثل ~~للعلوم ولا يفترقان إلا في أن أحد العلمين يستدعي تعيين المدرك والعلم من ~~حيث هو علم لا يستدعي تعيين المدرك فلا جرم بقول العلم يتعلق بالمعدوم ~~والإدراك لا يتعلق به إذ المعدوم لا يتعين ولا تظنن أن هذا الرأي هو مذهب ~~الكعبي فإنه لم يثبت لإدراك معنى أصلا والأشعري أثبت له معنى وقال هو من ~~جنس العلوم فعلى هذا القول الرب تعالى سميع بصير بإدراكين هما علمان ~~مخصوصان وراء كونه عالما هو مدلول الأحكام والإتقان ومن قال بالقول الثاني ~~استدل بأن العلم بالشي إذا أضيف على علم آخر به واتحد المتعلق واستوى ~~العلمان في صفات النفس لم يتصور اختلافهما فلما وجدنا في أنفسنا اختلافا ~~بين العلم والإدراك وأحسسنا تفرقة بين المعلوم خبرا وبين المرئي عيان مع ~~اتحاد المتعلق واستواء الأمر في الحدوث علمنا أن الجنسين مختلفان وأيضا فإن ~~الأكمه لو أحاط علما بما أحاط به البصير حصل له كل علم سوى الإدراك فدل أنه ~~زائد على العلم على أن هذا يشكل بقاعدة من لم يجعل البنية شرطا فإنه جوز أن ~~يخلق الله تبارك وتعالى الروية في القلب والعلم في البصر فحينئذ يلتبس ~~العلم بالإدراك ويلزم أن يسمع السامع بالبصر ويبصر بالسمع ويشم بحاسة الذوق ~~ويذوق بحاسة الشم ويلزم أن تكون حاسة واحدة هي سامعة مبصرة شامة ذائقة ~~لامسة وإنما اختص كل إدراك بحاسة خاصة في خلقه وكذلك يجوز أن تكون أمور ~~حاضرة لا نحسها وأمور غائبة نبصرها ولكن العادة الجارية أمنتنا من ذلك ~~أليست الملائكة كانت تحضر مجلس النبوة والقوم حضور والأعين سليمة وهم لا ~~يبصرون أليست الشياطين والجن يطوفون ms220 في البلاد ويسرحون في الأرض وإن إبليس ~~هو يرانا وقبيله من حيث لا نراه فبطلت تلك التهويلات PageV01P194 ~~والتشنيعات التي ألزمها الخصم . وأما جواب الجبائي عن القاعدة التي صار ~~إليها من حد السميع والبصير أنه الحي الذي لا آفة به قيل أطلقت القول بنفي ~~الآفة وذلك بالاتفاق ليس بشرط فإن السميع والبصير قد يكون ذا آفة وذا آفات ~~كثيرة فلا بد وأن يخص نفي الآفة بمحل الإدراك ثم تلك الآفة يجب أن تكون ~~مانعة من الإدراك فقد أثبت الإدراك من حيث نفاه ثم الذي يحسه الإنسان من ~~نفسه معنى موجود لا نفي محض . وقولهم لا آفة به نفي محض فلا يتصور الإحساس ~~به ويستحيل أن ترجع التفرقة بين حالتي الإدراك وعدم الإدراك إلى عدم محض ~~فحينئذ تنعدم التفرقة فإن التفرقة بالعدم وعدم التفرقة سوي . ثم نقول نحن ~~نجد تفرقة ضرورية بين كون الإنسان سميعا وبين كونه بصيرا وهما متفقان في أن ~~معنى كل واحد منهما أنه حي لا آفة به فهذه التفرقة ترجع إلى ماذا فلا بد من ~~أمرين زائدين على كونه حيا لا آفة به حتى يكون بأحدهما سميعا وبالثاني ~~بصيرا وإلا فتبطل التفرقة الضرورية فالذي انفصل به السمع عن البصر وهو وراء ~~كونه حيا لا آفة به فكذلك الذي انفصل به السمع والبصر عن العلم وسائر ~~الصفات وراء كونه حيا لا آفة به ولئن ألزم الجبائي بأن يقال معنى كونه ~~عالما قادرا أنه حي لا آفة به حتى يرد الصفات كلها إلى كونه حيا لا آفة به ~~لم يجد عن هذا الإلزام مخلصا . وقد قال بعض العقلاء وقرر أن جميع صفات ~~الكمال تجتمع في كونه حيا وتنتفي صفات النقص بقولنا لا آفة به وأما ~~اشتراطهم البنية حسب اشتراط الحياة غير صحيح فإن الإدراك الواحد لا يقوم ~~إلا بجزء واحد من الجملة وإذا قام به أفاد حكما له ولا أثر للجواهر المحيطة ~~فإن كل جوهر مختص بحيزه موصوف بأعراضه وكما لا يؤثر جوهر في جوهر لا يؤثر ~~حكم جوهر في ms221 جوهر آخر ولا يختلف حكم جوهر بعينه في تفرده وانضمامه وإذا جاز ~~قيام الإدراك به مع اتصاله بالجواهر جاز قيامه به مع تفرده فإنه لا يتحول ~~عن صفته تفرد أو انضم إلى غيره خصوصا إذا كان الإدراك في صفة نفسه لا يقتضي ~~جمعا وإضافة ونسبة ولم يكن من الأعراض الإضافية بخلاف الاجتماع والافتراق ~~والمماسة ثم لو كانت البنية شركا كاشتراط كونه حيا لوجب طرده في الغائب حتى ~~يكون الباري تعالى في علمه وقدرته ذا بنية كما كان حيا لأن الشروط يجب ~~طردها شاهدا وغائبا . ومن العجب أنهم كما شرطوا البنية شرطوا في الروية ~~اتصال الأشعة وهي أجسام مضيئة تنبعث عن البصر عند فتح الأجفان وهي أجسام ~~تتشكل وتتحرك PageV01P195 وتتعوج وتستقيم فإذا اتصل الشعاع المنبعث من ~~الناظر بالقاعدة على حد معلوم مع الاستقامة ولم يكن ثم بعد مفرط ولا قرب ~~مفرط أدركه الرائي فلذلك لا يرى الشيء البعيد على غاية البعد ولا يرى باطن ~~الأجفان وإن كانت القاعدة صقيلة ارتدت الأشعة إلى الرائي فرأي عند ذلك نفسه ~~وربما يظن أنه ينفصل عن المتلون صورة ويمتد إلى العين فينطبع وكلا المذهبين ~~باطل . أما القول بالأشعة التي تنبعث من العين فبطلانه بأنا نعلم قطعا أن ~~العين على صغرها لا تتسع لأجسام تنبسط على نصف كرة العالم فإن تلك الأجسام ~~إن كانت موجودة بالفعل محسوسة بالجفن فوجب أن يكون قدرها مثل نصف قدر كرة ~~السماء وهذا محال وإن حدثت في ساعة الملاحظة فما السبب لحدوثها ومن المعلوم ~~أن القدرة الحادثة لا تصلح لحدوث الأجسام والقول بتولد الأجسام أمحل ويلزم ~~من ذلك أيضا أن جماعة من ذوي الأبصار اجتمعوا على روية شيء وجب أن يقوى ~~إدراك الضعيف البصر الذي معهم فإن شعاعه إن قل ما في نفسه فقد تكثر بأشعتهم ~~وإن ضعف عن حالة القوى فقد يقوى باشتراك أشعتهم فينبغي أن يستعين الضعيف ~~كما يستعين بقوة ضوء السراج . ثم الشعاع إن كان عرضا فيستحيل عليه الانتقال ~~وإن كان جوهرا فلا يخلوا إما أن يبقى متصلا ms222 وإما أن لا يبقى فإن بقي فيلزم ~~أن يتفرق ويدرك الشيء متفرقا وينبغي أن يكون مثل خط مستقيم يتحرك بتحريك ~~الريح وينقطع بقطع الماء وإن لم يبق متصلا فلم يدرك العين بما اتصل به بل ~~بما انفصل عنه فما اتصل بالمرئي لم يتصل بالعين وما اتصل بالعين لم يتصل ~~بالمرئي فيلزم أن لا يتحقق له إدراك أصلا . والقول بانتقال صورة من المرئي ~~إلى البصر باطل أيضا فإن الصورة لو انتقلت لاحترقت العين برؤية النار وهي ~~إن كانت عرضا فهي لا تنتقل وإن كانت جوهرا فلينقص المرئي بانفصال شيء منه ~~ولا ينفصل شيء منه إلا بسبب ولا سبب هاهنا فهو باطل فتحقق أن الإدراك معنى ~~في حاسة المدرك ثم يبقى هاهنا مباحثة أخرى وهي أن الإدراك هل هو إدراك ~~لصورة في حاسة المدرك تطابق الصورة الخارجة أم هو إدراك ما في الخارج من ~~غير توسط صورة في الحاسة وشيء آخر وهو أن محل الإدراك هو الحاسة الظاهرة من ~~العين والأنف والفم والأذن أم هي آلات وأدوات للحاسة المشتركة بينهما فيكون ~~الحس الحقيقي فيها حتى تجتمع المختلفات فيها ويكون الإدراك إدراكا واحدا ~~فيظن بعض العقلاء أنه هو العلم إذ هو في الباطن ويظن بعضهم أنه إدراك أخص ~~من العلم إذ مدركه في الظاهر والإدراكات الخمس مختلفة الحقائق حتى ~~PageV01P196 يكون اختلافها بالنوع أم الاختلاف راجع إلى المدركات والإحساس ~~بها بمعنى واحد وهذا الخلاف بين المتكلمين والفلاسفة . قال المتكلمون ~~الحواس الخمس مشتملة على إدراكات خمس تختلف أنواعها وحقائقها والإنسان يجد ~~من نفسه أنه يرى ببصره ويسمع بأذنه كما يجد أنه يعلم بقلبه فالبصر محل ~~الرؤية والأذن محل السمع كالقلب هو محل العلم وكما يجد التفرقة بين العلم ~~والإدراك يجد التفرقة بين محل العلم ومحل الإدراك ولأن الذي يدرك ببصره من ~~المرئي هو الألوان والأشكال فيستدعي ذلك مقابلة ومواجهة فالذي يدرك بسمعه ~~من المسموع هو الأصوات والحروف ولا يستدعي ذلك مقابلة وكذلك المشموم ~~والمذوق والملموس يستدعي اتصال الأجسام ولا يستدعيه السمع والبصر فلذلك ~~يجوز أن ms223 يوصف الباري تعالى بأنه سميع بصير ولا يجوز أن يوصف بأنه شام ذائق ~~لامس وكذلك لا يجوز أن يسمع الشيء من حيث يبصر ويبصر من حيث يسمع فدل ذلك ~~على أن الإدراكات مختلفة الحقائق والمحال جميعا وهذا كله على رأي من يفرق ~~بين الإدراك والعلم فأما من قضى بأن الإدراك علم قضى باتحاد المحل والحقيقة ~~. سوى أبي الحسن الأشعري فإنه يقول كل إدراك علم على قول ولا يقول كل علم ~~إدراك بل الإدراك علم مخصوص فإنه يستدعي تعيين المدرك ويتعلق بالموجود فقط ~~والوجود هو المصحح بخلاف العلم المطلق فإنه لا يستدعي تعيين المدرك ولا ~~يتعلق بالموجود من حيث هو موجود بل يتعلق بالمعدوم والموجود والواجب ~~والجائز والمستحيل لكن من الإدراكات ما هو علم مخصوص كالسمع والبصر وتردد ~~رأيه في سائر الإدراكات أهي علوم مخصوصة أم إدراكات ورأي بعض أصحابه أنها ~~إدراكات أخر وليس الوجود بمجرده مصححا لها فقط بل الاتصال فيها شرط فلا ~~يتصور شم إلا باتصال أجزاء من المتروح أو من الهوى إلى المشام وكذلك الذوق ~~واللمس لا يتصور وجودهما إلا باتصال جرم بجرم . وقالت الفلاسفة يرتسم في ~~الحواس الظاهرة بصور صورة تفيض عليها من واهب الصور عند استعدادات تحصل ~~فيها بمقابلة الحاس والمحسوس ثم قد تكون تلك الصورة نفس الإدراك وقد يكون ~~الإدراك شيء آخر دون تلك الصورة كمقابلة المرئي من الألوان والأشكال في ~~الرطوبة الجليدية من العين التي تشبه البرد والجمد فإنها مثل مرآة فإذا ~~قابلها متلون انطبع مثل صورته فيها كما ينطبع مثل صورة الإنسان في المرآة ~~PageV01P197 بتوسط جسم شفاف بينهما لا بأن ينفصل من المتلون شيء ويمتد إلى ~~العين ولا بأن يتصل شعاع فيمتد إلى المتلون فإذا حصلت الصورة في الجليدية ~~أفضت إلى القوة الباصرة المودعة في ملتقى الأنبوبتين في مقدم الدماغ وهما ~~عصبتان مجوفتان على شكل صليب فتدركه النفس بهما فتكون الصورة في الجليدية ~~من العين والإدراك في الحس المشترك ولما كانت الجليدية كرية ومقابلة الكرة ~~يكون بالمركز وفرضنا سطحا مستديرا مثلا كالترس كان ms224 يقابله على خطوط مستقيمة ~~محيط بالترس متسع الأسفل متضايق الأعلى ينتهي إلى الجليدية على دائرة صغيرة ~~وحيثما ازداد الترس بعدا ضاقت الزاوية فصغر في العين فيرى الكبير من البعد ~~صغيرا فلو كان الإدراك معنى في العين وتعلق بالمدرك على ما هو به كان ~~المرئي مرئيا على مقدار شكله وصورته ولم يتفاوت الأمر بالقرب والبعد وأيضا ~~فإن النقطة من النار إذا أديرت بسرعة أشبهت دائرة يدركها البصر وهي في ~~نفسها نقطة والقطر النازل يرى خطا مستقيما وهو مستدير فتحقق أن الحس ~~الحقيقي ما في الباطن دون الصورة الظاهرة وأما السمع فإن الصوت والكلام ~~المركب من الحروف إذا صادف الهوى الراكد الذي في الصماخ المجاور للعصبة ~~المفروشة في أقصى الصماخ الممدودة مد الجلد على الطبل والوتر على الصنج حصل ~~منه طنين فيها فتشعر به القوة المودعة في تلك العصبة على رأي أو أدركه الحس ~~المشترك على رأي فحصل السماع ثم الفهم ثم التمييز ثم الحكم ثم القبول فتلك ~~العصبة بالنسبة إلى الصوت والكلام نازل منزلة الجليدية في العين غير أن ~~الصورة في المرآة تحصل دفعة تامة والصورة في العصبة تحصل متعاقبة في لحظة ~~ويحصل الإدراك به وينتقش الخيال منه انتقاش اللوح من القلم فيحصل فيه ~~الكلام مكتوبا معاينا فيقرأ كما يقرأ من الصحيفة وهاتان الحاستان ممتازتان ~~عن سائر الحواس بأن إدراكهما غير ما ارتسم في الحاستين وأما الشم فإنه بقوة ~~في زائدتي الدماغ المشبهتين بحلمتي الثدي وإنما يدرك بواسطة جسم ينفعل من ~~الروائح وذلك بانفعال الهوى من ذي الرائحة لا بانتقال أجزاء تنفصل منها أو ~~رائحة تنتقل عنها فيصل إلى الحلمتين فتدركه القوة المركوزة فيها والذوق هو ~~قوة مودعة في العصبة المفروشة على ظاهر اللسان بواسطة الرطوبة العذبة التي ~~لا طعم لها المنبسطة على ظاهر اللسان فإنها تأخذ طعم ذي الطعم وتستحيل إليه ~~وتتصل بتلك العصبة فتدركها العصبة واللمس هو قوة مبثوثة في جميع البشرة ~~واللحم المتصل بها يدرك بها الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة والصلابة ~~واللين والخشونة والملاسة والخفة والثقل والذي يحمل ms225 هذه القوة جسم لطيف ~~يجري في شباك العصب ويستمد من القلب والدماغ وإنما يدرك إذا استحال كيفية ~~البشرة PageV01P198 إلى شبه المدرك بشرط أن يتفاوتا في الكيفية وهذه القوى ~~كلها معدات لقبول الفيض من واهب الصور وإلا فالحاسة لا تحدث إدراكا . ~~والأشعري فصل بين السمع والبصر وبين الثلاثة الباقية حيث شرط هاهنا اتصالا ~~جسمانيا وأثبت إحساسا جسمانيا ولم يثبتها في صفات الباري تعالى ولما علم أن ~~لهما اختصاصا بالباطن ردد قوله في أن الإدراك علم مخصوص أو معنى آخر في ~~الحاسة المشتركة ولا يستبعد من مذهبه قيام الإدراك السمعي بالبصر والبصر ~~بالسمع فإن القوم حكموا باتحادهما عند الحاسة المشتركة حتى يصير المرئي ~~مقروءا والمقروء مرئيا فإنهما في حقيقة الإدراك لا يختلفان ومحلهما محل ~~واحد فيتحدان وكلام المعتزلة في الإدراكات مختلط لا ثبات له والله أعلم . ~~PageV01P199 # | القاعدة السادسة عشر في جواز رؤية الباري تعالى عقلا ووجوبها سمعا # لم يصر صائر من أهل القبلة إلى تجويز اتصال أشعة من البصر بذاته تعالى أو ~~انطباع شبح يتمثل في الحاسة منه وانفصال شيء من الرائي والمرئي واتصاله ~~بهما لكن أهل الأصول اختلفوا في أن الرؤية إدراك وراء العلم أم علم مخصوص ~~ومن زعم أنه إدراك وراء العلم اختلف في اشتراط البنية واتصال الشعاع ونفي ~~القرب المفرط والبعد المفرط وتوسط الهوى المشف فشرطها المعتزلة ونفوا رؤية ~~الباري تعالى بالأبصار نفي الاستحالة والأشعري أثبتها إثبات الجواز على ~~الإطلاق والوجوب بحكم الوعد ثم ردد قوله إنه علم مخصوص أي لا يتعلق إلا ~~بالموجود أم هو إدراك حكمه حكم العلم في التعلق أي لا يتأثر من المرئي ولا ~~يؤثر فيه ونحن نورد كلام الفريقين على الرسم المعهود . قالت الأشعرية ~~الموجودات اشتركت في قضايا واختلفت في قضايا والرؤية قد تعلقت بالمختلفات ~~منها والمتفقات ولا يجوز أن يكون المصحح للرؤية ما يختلف فيه فإنه يوجب أن ~~يكون لحكم واحد علتان مختلفتان وهذا غير جائز في المعقولات أو يلزم أن يكون ~~لحكم عام علة خاصة هي أخص من معلولها وما يتفق فيه ms226 الجوهر والعرض إما ~~الوجود أو الحدوث هو وجود مسبوق بعدم والعدم لا تأثير له في الحكم فبقي ~~الوجود مصححا بالضرورة وهذا تقسيم حاصر فإن الرؤية بالاتفاق تعلقت بالجوهر ~~والعرض وهما قد اختلفا من كل وجه سوى الوجود والحدوث وقد بطل الحدوث فتعين ~~الوجود ولا يلزم على هذه الطريقة انتشار الأقسام كما لزم على طريق الأصحاب ~~غير استبعاد محض للمعتزلة في قولهم لو كان كل موجود مرئيا لكان العلم ~~والقدرة والطعم والرائحة وما سوى اللون والمتلون مرئيا ولكان نفس الرؤية ~~مرئية بالرؤية وهذا محال ويلتزم أبو PageV01P200 الحسن جواز الرؤية في جميع ~~الموجودات على الإطلاق خصوصا إذا قال الرؤية علم مخصوص فالعلم كما يتعلق ~~بهذه الموجودات كذلك الرؤية ولا فرق إلا أن العلم المطلق يتعلق بالواجب ~~والجائز والمستحيل وهذا العلم لا يتعلق إلا بالموجود فقط فإنه يقتضي تعيين ~~المرئي والتعيين لا يتحقق في العدم وإن سلكنا طريقة العلم فهو أسهل فإن ~~العلم من حيث هو علم نوع واحد وحقيقة واحدة وإذا جوز تعلق العلم به فقد جوز ~~تعلق الرؤية به . وقد سلك الأستاذ أبو إسحاق طريقة قريبة من هذه فقال ~~الرؤية معنى لا تؤثر في المرئي ولا تتأثر منه فإن حكمه حكم العلم بخلاف ~~سائر الحواس فإنها تؤثر وتتأثر وإنما يلزم الاستحالة فيه أن لو تأثرت ~~الرؤية من المرئي أو تأثر المرئي من الرؤية وكل ما هذا سبيله فهو جائز ~~التعلق بالقديم والحادث وكل مؤثر ومتأثر فهو مستحيل عندنا كما هو مستحيل ~~عندكم ولا كلفة في هذه الطريقة إلا إثبات معنى في البصر لا يؤثر ولا يتأثر ~~وقد أثبتنا من قبل أن الإدراك البصري لا يستدعي اتصال شعاع بالمرئي ولا ~~انفصال شيء من الرائي وإذا بطل الوجهان انتفى التأثير والتأثر وصار المعنى ~~كالعلم أو هو من جنس العلم وقد تقرر الاتفاق على جواز تعلق العلم به وهذا ~~نهاية ما قيل في إثبات الجواز من جهة العقل . قالت المعتزلة قد طلبتم ~~للرؤية علة مصححة وتعين لكم الوجود فما أنكرتم أن جواز الرؤية من ms227 الأحكام ~~التي لا تعلل فإن من الأحكام ما يعلل كالعالمية والقادرية ومنها ما لا يعلل ~~كالتحيز وقبول العرض وجميع الصفات النفسية أليس تعلق العلم بالمعلومات لا ~~يستدعي مصححا إذ تعلق بالواجب والجائز والمستحيل ولم توجد قضية هي أعم من ~~الأقسام الثلاثة حتى تكون تلك القضية هي المصححة لتعلق العلم بها وكونها ~~معلومة هي نفس تعلق العلم بها فتكون العلة والمعلول واحدا وإذا قررتم أن ~~الرؤية إما علم مخصوص أو معنى في حكم العلم ثم لم تطلبوا مصححا للعلم فلم ~~طلبتم مصححا للرؤية فقولوا تعلقت الرؤية بما تعلق به العلم أو لا علة ولا ~~مصحح . واعتراض ثان أن تقسيم الحال إلى قضية الاشتراك والافتراق إنما يصح ~~على مذهب مثبتي الحال وأنتم معاشر الأشعرية قد نفيتم الحال ورددتم قضايا ~~الخصوص والعموم والافتراق والاشتراك إلى محض العبارات فكيف صرتم إلى إلزام ~~أحكام الحال حتى أبطلتم قضية الافتراق وعينتم قضية الاشتراك ثم حصرتم ذلك ~~في قضية واحدة وهو الوجود على أن الموجودات إنما تختلف بوجودها عندكم ~~والوجود في الجوهر هو نفس الجوهر وكما يتمايز الجوهر والعرض بالجوهرية ~~والعرضية تمايزا في الوجود وكما تمايز القديم والحادث PageV01P201 في القدم ~~والحدوث تمايزا في الوجود فإن الوجود العام الذي شمل الموجودات حتى يصح أن ~~يكون مصححا وحتى يصح الجمع بين الشاهد والغائب بذلك الجامع . واعتراض ثالث ~~قد أجملتم القول إجمالا في أن الرؤية تعلقت بالجوهر والعرض أما الجوهر ~~المجرد والجسم المجرد فغير مسلم تعلق الرؤية به إذ قد استحال تجرده عن ~~اللون فلم تتعلق الرؤية به مجردا وأما العرض فليس كل عرض قد تعلقت الرؤية ~~به وإنما يستقيم دليلكم هذا أن لو تعلقت الرؤية بالجوهر والعرض على الإطلاق ~~والتعمبم حتى يصح منكم ربط الحكم بجامع بينهما وإذا تعلقت ببعض الأعراض دون ~~البعض فلم يكن الحكم معلقا بالعرض من حيث أنه عرض ولا بالجوهر من حيث أنه ~~جوهر ولا يكون معلقا بما يجمع بينهما وهو الوجود أو الحدوث فلا بد إذا من ~~إثبات التعلق وحصره في شيء دون شيء ms228 أو تعميمه بكل شيء وذلك نفس المتنازع ~~فيه . واعتراض رابع لم قلتم أن الحدوث لا يكون مصححا وقد عرفتم أن من ~~الأحكام العقلية ما يتعلق بالحدوث دون الوجود وليس لقائل أن يقول أن كونه ~~مسبوقا بعدم ليس بمؤثر فإن معناه أنه وجود على صفة واعتبار وكما أن المرئي ~~أخص من المعلوم والرؤية تتعلق بالمعلوم على صفة الوجود كذلك نقول تتعلق ~~بالوجود على صفة الحدوث وبالحادث على صفة المقابلة أو التكون أو غير ذلك من ~~الصفات والاعتبارات وهذا السر وهو أن المنقسم ربما يورد أقساما وينفي بعض ~~الأقسام مفردا وربما يكون الحكم معلقا بمركب من القسمين لا بمفرد بينهما ~~فكما يجب نفي الأفراد من حيث هي أفراد فكذلك يجب نفي المركب من حيث هو مركب ~~وهذا مما أغفله المتكلم كثيرا في مجاري تقسيماته وهو واجب الرعاية جدا . ~~واعتراض خامس قد تحقق أن الرؤية من جملة الحواس الخمس أفتقولون أنها كلها ~~تتعلق بالوجود والمصحح لها الوجود أم الرؤية خاصة تتعلق بكل موجود فإن ~~عممتم الحكم فقد افتتحتم أمرا وهو التزام كونه تعالى مسموعا مشموما مطعوما ~~ملموسا وذلك شرك عظيم وإن خصصتم الحكم بالرؤية وجب عليكم إظهار دليل ~~التخصيص فإن قلتم الدليل أنه لا يؤثر في المرئي ولا يتأثر منه فقيل هو نفس ~~المتنازع فيه وإن قلتم هو علم أو في حكم العلم إلا أنه يقتضي تعيين المدرك ~~فيقال لكم التعيين قد يكون تعيين العقل ولا شك أن الحس لا يستدعي ذلك ~~التعيين فإن تعيين العقل كتخصيص العام وتفصيل المجمل وتقييد المطلق وتحديد ~~الشيء ولا تختص أمثال هذه التعيينات بالرؤية والحس وإن قلتم التعيين تعيين ~~الحس فهو يستدعي قبول الإشارة إليه وذلك يقتضي حيزا ومكانا وجهة ومقابلة ~~وهو محال . PageV01P202 قال الأشعرية الجواب عن الاعتراض الأول أن طلب ~~المصحح لم يختص بنا فإنكم جعلتم اللون والمتلون مصححا وذلك أن الرؤية لما ~~تعلقت ببعض الموجودات وذلك نوعان نوع من الأعراض ونوع من الجواهر فصح كون ~~الجوهر والعرض مرئيا فقلنا ما المصحح لهذه الصحة أهو كون ms229 الجوهر جوهرا فلزم ~~أن لا يكون العرض مرئيا أو كون العرض عرضا فلزم أن لا يكون الجوهر مرئيا ~~فلا بد إذا من قضية واحدة جامعة بينهما شاملة لهما حتى تتكون الصحة معللة ~~لها إذ الصحة حكم هو قضية واحدة فلا يكون مصححها علتان مختلفتان فإن اختلاف ~~العلتين يوجب اختلاف الحكمين في العقليات ولما تعلقت الرؤية بمختلفات وجب ~~علينا طلب العلة التي لأجلها صح تعلقها بها ولا بد أن يكون السبب المصحح ~~قضية تجمعهما لا كاللون والمتلون فإنهما قضيتان مختلفتان اختلاف الجنس ~~والجنس والنوع والنوع ومن المحال ربط حكم واحد بعلتين مختلفتين فإن العلة ~~العقلية لا بد أن تستقل بإفادة الحكم فإن استقل أحد المختلفين استغنى الحكم ~~عن الثاني فطلبنا العلة لأن الرؤية تعلقت بمختلفين وجعلنا العلة قضية واحدة ~~تشملها لاتحاد الحكم وهو الصحة فصح الطلب وحصل المطلوب . وأما الجواب عن ~~الاعتراض الثاني وهو إلزام الحال على مذهب أبي الحسن وإبطال الاشتراك ~~والافتراق على نفي الحال . قال القاضي أبو بكر الذي ذكرته دليلي وأنا قائل ~~بالحال فسقط الاعتراض . وقال أبو الحسن القضايا العقلية والوجوه الاعتبارية ~~لا ينكرها منكر ولسنا ممن لا يجمع بين مختلفين ولا يفرق بين مجتمعين ولا ~~يقول بوجه ووجه وحيث وحيث واعتبار واعتبار فإن الحركة إذا قامت بمحل وصف ~~المحل بكونه متحركا فهي من حيث أنها حركة وباعتبار أنها حركة أوجبت كون ~~المحل متحركا وهي باعتبار أنها كون لها حكم آخر وباعتبار أنها عرض لها حكم ~~آخر ولو رفعنا هذه الاعتبارات انحسم باب النظر وانحصر نظر العقل على ~~موجودات معينة وبطلت الاعتبارات بأسرها ولما قطعنا بأن الرؤية تعلقت بجنسي ~~العرض والجوهر عرفنا أن الصحة على قضية واحدة وإنما نعني بالصحة صلاحية كل ~~جنس لتعلق الرؤية فتلك الصلاحية صحتها على نعت واحد وإنما العلة المقتضية ~~لتلك الصلاحية يجب أن تكون على نعت واحد والوجود وإن اختلف بالنسبة إلى ~~المختلفات غير أنه في العقل والتصور معنى واحد يشمل القسمين فصح أن يكون ~~مناطا للحكم وهذا كما قررناه في الجمع بين ms230 الشاهد والغائب بالشرط والمشروط ~~والعلة والمعلول والدليل والمدلول والحقيقة والمحقق . وأما الجواب عن ~~الاعتراض الثالث وهو إجمال القول في تعلق الرؤية بالجوهر PageV01P203 ~~والعرض قلنا الإنسان يدرك من نفسه إدراك الحجمية الجوهر وتحيزه وشكله من ~~تدوير وتثليث وتربيع وتخميس إلى غير ذلك من الإشكال ولهذا يبصر شخصا من بعد ~~فيدري شخصيته ويشك في لونه وصغره وكبره كما ذكرنا أسباب ذلك ثم يدرك بعد ~~شكله ولونه فعرف أن الإشكال والألوان غير والجسم من حيث هو جسم غير في ~~البصر وقد أدركهما البصر جميعا فلا بد من مصحح جامع بينهما وذلك ما عيناه ~~ولذلك قلنا أن اللون والمتلون لن يصلح أن يكون علة لأنه تركيب في العلة ومع ~~كونه تركيبا هو تشكيل فإنهم يقولون المصحح هو اللون أو المتلون فلا العلة ~~المركبة صالحة ولا التشكيل في العلة مستعمل فبطل ما نصبوه علة وصح ما ~~نصبناه . وقولهم لم تتعلق الرؤية بجميع الأعراض . قلنا ولو تعلقت حسا بجميع ~~الأعراض ما كنا نحتاج إلى طلب العلة كما لم نحتج إلى طلب العلة لتعلق العلم ~~بالمعلوم إذ تعلق بكل ما يصح أن يعلم معدوما أو موجودا محالا أو ممكنا لكنا ~~نطلب العلة لأنها تعلقت بالبعض وكما تعلقت ببعض الأعراض تعلقت بجميع ~~الأجرام فطلبنا جامعا ولم نظفر بجامع بين الجواهر وبعض الأعراض كما صاروا ~~إليه من اللون والمتلون فإن الرؤية تعلقت باللون كما تعلقت بالاجتماع ~~والافتراق والمماسة والمحاذاة وهي أعراض وراء اللون فلم يكن بد من تعميم ~~الحكم في كل عرض لعموم الجامع بين الجنسين ولا إشكال في هذه المسئلة سوى ~~هذه المنزلة وهي ورطة العقول فليتحرز فيها تحرز الماشي في الوحول . ~~PageV01P204 وأما الجواب عن الاعتراض الرابع نقول الحدوث ليس يصلح أن يكون ~~مصححا على المذهبين أما على مذهبكم فلأن بعض الأعراض يستحيل رؤيته فلو كان ~~الحدوث مصححا لصح تعلق الرؤية بكل محدث وأما على مذهب أبي الحسن فلأن ~~الحدوث وجود مسبوق بعدم والعدم لا تأثير له فبقي الوجود مصححا . وقولهم ~~معنى قولنا مسبوق بعدم أنه وجود مخصوص ms231 لا وجود عام مطلق والوجود المخصوص ~~باعتبار الحدوث علة مصححة . قيل الخصوص في الوجود يجب أن يكون بصفة وجودية ~~راجعة إلى الوجود حتى يصح مؤثرا في إثبات الحكم وسبق العدم لا يصلح أن يكون ~~مؤثرا في إثبات الصلاحية والصحة للرؤية فبقي الوجود المطلق ونعني بالصفة ~~الوجودية أن يخصص الوجود مثلا بأنه جوهر أو عرض والعرض بأنه كون أو لون ~~فهذه الاعتبارات مما تؤثر فأما العدم السابق فلا تأثير له والوجود باعتبار ~~عدم سابق لا يكتسب اعتبارا ووجها إلا احتياجا إلى موجد وهو باعتبار هذا لا ~~يصلح أن يكون مصححا للرؤية والإدراك . وأما الجواب عن الاعتراض الخامس نقول ~~الرؤية من جملة الحواس الخمس لكن الحواس مختلفة الحقائق والإدراكات ولكل ~~حاسة خاصية لا يشركها فيها غيرها وليس منها حاسة تتعلق بجنسي الجوهر والعرض ~~على وتيرة واحدة بل كلها تتعلق بأعراض ومن شرط تعلقها اتصال جسم بجسم حتى ~~يحصل ذلك الإدراك عن السمع فإنه لا يستدعي اتصال جسم بجسم ضرورة بل هو ~~إدراك محض كالرؤية . ثم اختلف رأي العقلاء في أن المصحح للسمع ما هو فمنهم ~~من قال هو الوجود كالمصحح للرؤية ومنهم من قال المصحح كونه موجودا باعتبار ~~كون المسموع كلاما والكلام قد يكون عبارة لفظية وقد يكون نطقا نفسيا ~~وكلاهما مسموعان ونحن كما أثبتنا كلاما في النفس ليس بحرف ولا صوت كذلك ~~نثبت سماعا في النفس ليس بحرف ولا صوت ثم ذلك السماع قد يكون بواسطة وحجاب ~~وقد يكون بغير واسطة وحجاب ' ما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من ~~وراء حجاب أو يرسل رسولا ' فالوحي ما يكون بغير واسطة وحجاب كما قال تعالى ~~' فأوحى إلى عبده ما أوحى ' وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم نفث في روعي ~~وقد يكون من وراء حجاب كما كان لموسى عليه السلام وكلمه ربه وقد يكون ~~بواسطة رسول وحجاب كما قال تعالى ' أو يرسل رسولا ' وبالجملة نحن نعقل في ~~الشاهد كلاما في النفس ونجده من أنفسنا كما أثبتناه ثم يعبر اللسان عنه ms232 ~~بالعبارة الدالة عليه ثم يسمع السامع فيصل بعد الاستماع إلى النفس فقد وصل ~~الكلام إلى النفس بهذه الوسائط فلو قدرنا ارتفاع هذه الوسائط كلها من البين ~~حتى تدرك النفس كما كانت النفس الناطقة المتكلمة مشتملة عليه فتحقق كلام في ~~جانب المتكلم وسماع في جانب المستمع ولا حرف ولا صوت ولا لسان ولا صماخ ~~فإذا تصور مثل ذلك في الشاهد حمل استماع موسى كلام الله على ذلك وعن هذا ~~قال ' إني اصطفيتك على الناس برسالتي PageV01P205 وبكلامي ' فالرسالات ~~بواسطة الرسل والكلام من غير واسطة لكنه من وراء حجاب وأما في حقنا فكلام ~~الله تعالى مسموع بأسماعنا مقروء بألسنتنا محفوظ في صدورنا وقد تبين الفرق ~~بين القراءة والمقروء في مسئلة الكلام . ومما تمسك به الأشعري في جواز رؤية ~~الباري جل جلاله سؤال موسى عليه السلام ' رب أرني أنظر إليك ' وجواب الرب ~~تعالى ' لن تراني ' ووجه الاستدلال أن موسى عليه السلام هل كان عالما بجواز ~~الرؤية أم كان جاهلا بذلك فإن كان جاهلا فهو غير عارف بالله تعالى حق ~~معرفته وليس يليق ذلك بجناب النبوة وإن كان عالما بالجواز فقد علمه على ما ~~هو به والسؤال بالجائز يكون لا بالمستحيل وجواب الرب تعالى لن تراني يدل ~~على الجواز أيضا فإنه ما قال لست بمرئي لكنه أثبت العجز أو عدم الرؤية من ~~جهة الرائي وعن هذا قال ' ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني ~~' إذ الجبل لما لم يكن مطيقا للتجلي مع شدته وصلابته فيكف يكون البصر مطيقا ~~فربط المنع بأمر جائز ومع جوازه أحال المنع على ضعف الآلة لا على منع ~~الاستحالة أليس لو كان السؤال أرني أنظر إلى وجهك أو إلى شخصك وصورتك لم ~~يكن الجواب بقوله لن تراني بل لست بذي شخص وصورة ووجه ومقابلة فدل أن ~~السؤال كان بأمر جائز فتحقق الجواز وإن قيل لن للتأييد فهو محال من وجهين ~~أحدهما أن لن للتأكيد لا للتأييد أليس قال إنك لن تستطيع معي صبرا وهو جائز ~~غير محال والثاني أنه ms233 وإن كان للتأييد فليس يدل على منع الجواز بل يدل على ~~منع وقوع الجائز وإنما استدللنا بالآية لإثبات الجواز وتأييد لن لا ينافيه ~~. فإن قيل سأل الرؤية لقومه لا لنفسه وإنما سألها إلزاما عليهم بقول الله ~~سبحانه لن تراني حيث قالوا أرنا الله جهرة . PageV01P206 قيل هذا ما يخالف ~~الظاهر من كل وجه ومع مخالفته لا يجوز أن يسأل النبي سؤالا محالا لقومه ~~وقرينة المقال تدل على أن السؤال كان مقصورا عليه من كل وجه إذ قال ولكن ~~انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني إلى آخر الآية ومنع موسى لا ~~ينتهض إلزاما على القوم بل تقرير الحجة القاطعة على أن الله تعالى لا يجوز ~~أن يكون مرئيا يكون إلزاما فكيف نجا موسى من السؤال بلن تراني ولكن انظر ~~إلى الجبل ولم ينج قومه من السؤال في قولهم أرنا الله جهرة إلا بالصاعقة ~~المهلكة والعذاب الأليم ولما قال قومه اجعل لنا إلها كما لهم آلهة لم ~~يلزمهم بالسؤال عن الله تعالى بل أجابهم في الحال إنكم قوم تجهلون إذ كان ~~السؤال محالا فكذلك الرؤية لو كانت مستحيلة لأجابهم في الحال ورفع شبههم ~~بالمقال ومثل هذه الحالة لو قدرت المعتزلة ما استجازوا تأخير البيان عن وقت ~~الحاجة ولعدوا سؤال المسؤول من مسؤول آخر اتهاما آخر على شبهة قد تحققت لهم ~~. ومما تمسك به قوله تعالى ' وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ' والنظر إذا ~~تعرى عن الصلات كان بمعنى الانتظار وإذا وصل بلام كان بمعنى الإنعام وإذا ~~وصل بفي كان بمعنى التفكر والاستدلال وإذا وصل بإلى تعين للرؤية ولا يجوز ~~حمله على الثواب فإن نفس رؤية الثواب لا يكون إنعاما وقد أورد النظر في ~~معرض الإنعام واللفظ نص في رؤية البصر بعد ما نفيت عنه التأويلات الفاسدة . ~~واعلم أن هذه المسئلة سمعية أما وجوب الرؤية فلا شك في كونها سمعية وأما ~~جواز الرؤية فالمسلك العقلي ما ذكرناه وقد وردت عليه تلك الإشكالات ولم ~~تسكن النفس في جوابها كل السكون ولا تحركت الأفكار ms234 العقلية إلى التفصي عنها ~~كل الحركة فالأولى بنا أن نجعل الجواز أيضا مسئلة سمعية وأقوى الأدلة ~~السمعية فيها قصة موسى عليه السلام وذلك مما يعتمد كل الاعتماد عليه . ~~PageV01P207 # | القاعدة السابعة عشر في التحسين والتقبيح وبيان أن لا يجب على الله ~~تعالى شيء من قبيل العقل ولا يجب على العباد شيء قبل ورود الشرع # مذهب أهل الحق أن العقل لا يدل على حسن الشيء وقبحه في حكم التكليف من ~~الله شرعا على معنى أن أفعال العباد ليست على صفات نفسية حسنا وقبحا بحيث ~~لو أقدم عليها مقدم أو أحجم عنها محجم استوجب على الله ثوابا أو عقابا وقد ~~يحسن الشيء شرعا ويقبح مثله المساوي له في جميع الصفات النفسية فمعنى الحسن ~~ما ورد الشرع بالثناء على فاعله ومعنى القبيح ما ورد الشرع بذم فاعله وإذا ~~ورد الشرع بحسن وقبح لم يقتض قوله صفة للفعل وليس الفعل على صفة يخبر الشرع ~~عنه بحسن وقبح ولا إذا حكم به ألبسه صفة فيوصف به حقيقة وكما أن العلم لا ~~يكسب المعلوم صفة ولا يكتسب عنه صفة كذلك القول الشرعي والأمر الحكمي لا ~~يكسبه صفة ولا يكتسب عنه صفة وليس لمتعلق القول من القول صفة كما ليس ~~لمتعلق العلم من العلم صفة . وخالفنا في ذلك الثنوية والتناسخية والبراهمة ~~والخوارج والكرامية والمعتزلة فصاروا إلى أن العقل يستدل به حسن الأفعال ~~وقبحها على معنى أنه يجب على الله الثواب والثناء على الفعل الحسن ويجب ~~عليه الملام والعقاب على الفعل القبيح والأفعال على صفة نفسية من الحسن ~~والقبيح وإذا ورد الشرع بها كان مخبرا عنها لا مثبتا لها ثم من الحسن ~~والقبح ما يدرك عندهم ضرورة كالصدق المفيد والكذب الذي PageV01P208 لا يفيد ~~فائدة ومنها ما يدرك نظرا بأن يعتبر الحسن والقبح في الضروريات ثم يرد ~~إليها ما يشاركها في مقتضياتها ثم يرتبون على ما ذكرناه قولهم في الصلاح ~~والأصلح واللطف والثواب والعقاب . وقد فرق أبو الحسن الأشعري بين حصول ~~معرفة الله تعالى بالعقل وبين وجوبها به فقال المعارف ms235 كلها إنما تحصل ~~بالعقل لكنها تجب بالسمع وإنما دليله في هذه المسئلة لنفي الوجوب التكليفي ~~بالعقل لا لنفي حصول العقلي عن العقل . قال أهل الحق لو قدرنا إنسانا قد ~~خلق تام الفطرة كامل العقل دفعة واحدة من غير أن يتخلق بأخلاق قوم ولا تأدب ~~بآداب الأبوين ولا تزيا بزي الشرع ولا تعلم من معلم ثم عرض عليه أمران ~~أحدهما أن الاثنين أكثر من الواحد والثاني أن الكذب قبيح بمعنى أنه يستحق ~~من الله تعالى لوما عليه لم يشك أنه لا يتوقف في الأول ويتوقف في الثاني ~~ومن حكم بأن الأمرين سيان بالنسبة إلى عقله خرج عن قضايا العقول وعاند عناد ~~الفضول أو لم يتقرر عنده أن الله تعالى لا يتضرر بكذب ولا ينتفع بصدق فإن ~~القولين في حكم التكليف على وتيرة واحدة ولم يمكنه أن يرجح أحدهما على ~~الثاني بمجرد عقله . والذي يوضحه أن الصدق والكذب على حقيقة ذاتية لا تتحقق ~~ذاتهما إلا بأن كان تلك الحقيقة مثلا كما يقال أن الصدق أخبار عن أمر على ~~ما هو به والكذب إخبار عن أمر على خلاف ما هو به ونحن نعلم أن من أدرك هذه ~~الحقيقة عرف التحقق ولم يخطر بباله كونه حسنا أو قبيحا فلم يدخل الحسن ~~والقبيح إذا في صفاتهما الذاتية التي تحققت حقيقتهما ولا لزمتهما في الوهم ~~بالبديهة كما بينا ولا لزمها في الوجود ضرورة فإن من الأخبار الصادقة ملا ~~يلام عليها كالدلالة على نبي هرب من ظالم ومن الأخبار التي هي كاذبة ما ~~يثاب عليها مثل إنكار الدلالة عليه فلم يدخل كون الكذب قبيحا في حد الكذب ~~ولا لزمه في الوهم ولا لزمه في الوجود فلا يجوز أن يعد من الصفات الذاتية ~~التي تلزم النفس وجودا وعدما عندهم ولا يجوز أن يعد من الصفات التابعة ~~للحدوث فلا يعقل بالبديهة ولا بالنظر فإن النظري لا بد وأن يرد إلى الضروري ~~البديهي وإذا لا بديهي فلا مرد له أصلا فلم يبق لهم إلا استرواح إلى عادات ~~الناس من تسمية ms236 ما يضرهم قبحا وما ينفعهم حسنا ونحن لا ننكر أمثال تلك ~~الأسامي على أنها تختلف بعادة قوم دون قوم وزمان وزمان ومكان ومكان وإضافة ~~وإضافة وما يختلف بتلك النسب والإضافات لا حقيقة لها في الذات فربما يستحسن ~~قوم ذبح الحيوان وربما يستقبحه قوم وربما يكون بالنسبة إلى قوم وزمان ~~PageV01P209 ومكان حسنا وربما يكون قبيحا لكنا وضعنا الكلام في حكم التكليف ~~بحيث يجب الحسن فيه وجوبا يثاب عليه قطعا ولا يتطرق إليه لوم أصلا ومثل هذا ~~لا يمتنع إدراكه عقلا هذه هي طريقة أهل الحق على أحسن ما تقرر وأوضح ما ~~تحرر . وقالت الطوائف المخالفات نحن نعارض الأمرين اللذين عرضا على العقل ~~الصريح بأمرين آخرين نعرضهما عليه فنقول العاقل إذا سنحت له حاجة وأمكن ~~قضاؤها بالصدق كما أمكن قضاؤها بالكذب بحيث تساويا في حصول الغرض منهما كل ~~التساوي كان اختياره الصدق أولى من اختياره الكذب فلولا أن الكذب عنده على ~~صفة يجب الاحتراز عنه وإلا لما رجح الصدق عليه . قالوا وهذا الفرض في حق من ~~لم تبلغه الدعوة أو في حق من أنكر الشرائع حتى لا يلزم كون الترجيح ~~بالتكليف وعن هذا صادفنا العقلاء يستحسنون إنقاذ الغرقى وتخليص الهلكى ~~ويستقبحون الظلم والعدوان . وأوضح من هذا كله أنا نفرض الكلام في عاقلين ~~قبل ورود الشرع يتنازعان في مسئلة تنازع النفي والإثبات فلا شك أنهما ~~يقسمان الصدق والكذب ثم ينكر أحدهما على صاحبه قوله إنكار استقباح ويقرر ~~كلامه تقرير استحسان حتى يفضي الأمر بينهما من الإنكار قولا إلى المخاصمة ~~فعلا وينسب كل واحد منهما صاحبه إلى الجهل ويوجب عليه الاحتراز عنه ويدعوه ~~إلى مقالته ويوجب عليه التسليم فلو كان الحسن والقبيح مرفوضا من كل جهة ~~لارتفع التنازع وامتنع الإقرار والإنكار . وقولكم مثل هذا في العادة جائز ~~جاز ولكنه في حكم التكليف ممتنع . قلنا ليس ذلك مجرد العادة بل هو العقل ~~الصريح القاضي على كل مختلفين في مسئلة بالنفي والإثبات وما حسن في العقل ~~حسن في الحكمة الإلهية وما حسن في الحكمة وجب وجوب ms237 الحكمة لا وجوب التكليف ~~فلا يجب على الله تعالى شيء تكليفا ولكن يجب له من حيث الحكمة تقريرا أو ~~تدبيرا . قالوا لو رفعنا الحسن والقبح من الأفعال الإنسانية ورددناهما إلى ~~الأقوال الشرعية بطلت المعاني العقلية التي نستنبطها من الأصول الشرعية حتى ~~لا يمكن أن يقاس فعل على فعل وقول على قول ولا يمكن أن يقال لم ولأنه إذ لا ~~تعليل للذوات ولا صفات للأفعال التي هي عليها حتى يربط بها حكم مختلف فيه ~~ويقاس عليها أمر متنازع فيه وذلك رفع للشرائع بالكلية من حيث إثباتها ورد ~~الأحكام الدينية من حيث قبولها . وزادت الفلاسفة على المعتزلة حجة وتقريرا ~~قالوا قد اشتمل الوجود على خير مطلق وشر مطلق وخير وشر ممتزجين فالخير ~~المطلق مطلوب العقل لذاته والشر PageV01P210 المطلق مرفوض العقل لذاته ~~والممتزج فمن وجه ومن وجه ولا يشك العاقل في أن العلم بجنسه ونوعه خير ~~محمود ومطلوب والجهل لجنسه ونوعه شر مذموم غير مطلوب وكل ما هو مطلوب العقل ~~فهو مستحسن عند العقلاء وكل ما هو مهروب العقل فهو مستقبح عند الجمهور ~~والفطرة السليمة داعية إلى تحصيل المستحسن ورفض المستقبح سوى حمله عليه ~~شارع أو لم يحمله ثم الأخلاق الحميدة والخصال الرشيدة من العفة والجود ~~والشجاعة والنجدة مستحسنات فعلية وأضدادها مستقبحات علمية وكمال حال ~~الإنسان أن تستكمل النفس قوتي العلم الحق والعمل الخير تشبيها بالإله تعالى ~~والروحانيات العلوية بحسب الطاقة والشرائع إنما ترد بتمهيد ما تقرر في ~~العقول لا بتغييرها لكن العقول الجزئية لما كانت قاصرة عن اكتساب المعقولات ~~بأسرها عاجزة عن الاهتداء إلى المصالح الكلية الشاملة لنوع الإنسان وجب من ~~حيث الحكمة أن يكون بين الإنسان شرع يفرضه شارع يحملهم على الإيمان بالغيب ~~جملة ويهديهم إلى مصالح معاشهم ومعادهم تفصيلا فيكون قد جمع لهم بين خصلتي ~~العلم والعمل على مقتضى العقل وحملهم على التوجه إلى الخير المحض والإعراض ~~عن الشر المحض استبقاء لنوعهم واستدامة لنظام العالم ثم ذلك الشارع يجب أن ~~يكون من بينهم مميزا بآيات تدل على أنها من عند ms238 ربه راجحا عليهم بعقله ~~الرزين ورأيه المتين ولفظه المبين وحدسه النافذ ولصره الناقد وخلقه الحسن ~~وسمته الأرصن يلين لهم في القول ويشاورهم في الأمر ويكلمهم على مقادير ~~عقولهم ويكلفهم بحسب طاقتهم ووسعهم كما ورد في الكتاب ' ادع إلى سبيل ربك ~~بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن ' . قالوا وقد أخطأت ~~المعتزلة حيث ردوا القبح والحسن إلى الصفات الذاتية للأفعال وكان من حقهم ~~تقرير ذلك في العلم والجهل إذ الأفعال تختلف بالأشخاص والأزمان وسائر ~~الإضافات وليست هي على صفات نفسية لازمة لها لا تفارقها البتة . وأخطأت ~~الأشعرية حيث رفعتهما عن العلم الذي ليس في نوعه ذميم وعن الجهل الذي ليس ~~في نوعه حميد إذ السعادة والشقاوة الأبدية مخصوصتان بهما مقصورتان عليهما ~~والأفعال معينات أو مانعات بالعرض لا بالذات وتختلف بالنسبة إلى شخص وشخص ~~وزمان وزمان . ثم زادت الصابئة على الفلاسفة بأن قالوا كما كانت الموجودات ~~في العالم السفلي مرتبة على تأثير الكواكب والروحانيات التي هي مدبرات ~~للكواكب وفي PageV01P211 اتصالاتها نظر نحس وسعد وجب أن يكون في أثرها حسن ~~وقبح في الخلق والأخلاق والعقول الإنسانية متساوية في النوع فوجب أن يدركها ~~كل عقل سليم وطبع قويم ولا تتوقف معرفة المعقولات على من هو مثل ذلك العاقل ~~في النوع ' ما هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم ' فنحن لا نحتاج إلى ~~من يعرفنا حسن الأشياء وقبحها وخيرها وشرها ونفعها وضرها وكما كنا نستخرج ~~بالعقول من طبائع الأشياء منافعها ومضارها كذلك نستنبط من أفعال نوع ~~الإنسان حسنها وقبحها فنلابس ما هو حسن منها بحسب الاستطاعة ونجتنب ما قبح ~~منها بحسب الطاقة فلا نحتاج إلى شارع متحكم على عقولنا بما يهتدى ولا يهتدي ~~' أبشر يهدوننا ' ' ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا لخاسرون ' فهذه مقالة ~~القوم ولها شرح ذكرناه في كتابنا الموسوم بالملل والنحل . وزادت التناسخية ~~على الصابئة بأن قالت نوع الإنسان لما كان موصوفا بنوع اختيار في أفعاله ~~مخصوصا بنطق وعقل في علومه وأحواله ارتفع عن الدرجة الحيوانية استسخارا لها ~~فإن كانت أعماله على ms239 مناهج الدرجة الإنسانية ارتفعت إلى الملكية أو إلى ~~النبوة وإن كانت على مناهج الدرجة الحيوانية انخفضت إلى الحيوانية أو إلى ~~أسفل وهو أبدا في أحد أمرين إما فعل الجزاء أو جزاء على فعل كما يقولون كرد ~~وباداشت فما بالنا نقول محتاج في أفعاله وأحواله إلى شخص مثله يقبح ويحسن ~~فلا العقل يحسن ويقبح ولا الشرع لكن حسن أفعاله جزاء على حسن أفعال غيره ~~وقبح أفعاله كذلك وربما يصير حسنها وقبحها صورا حيوانية وربما يصير الحسن ~~والقبح في الحيوانية أفعالا إنسانية وليس بعد هذا العالم عالم جزا يحكم فيه ~~ويحاسب ويثاب ويعاقب . وزادت البراهمة على التناسخية بأن قالوا نحن لا ~~نحتاج إلى شريعة وشارع أصلا فإن ما يأمر به النبي لا يخلو إما أن يكون ~~معقولا أو لا يكون معقولا فإن كان معقولا فقد استغنى بالعقل عن النبي وإن ~~لم يكن معقولا لم يكن مقبولا . أجاب أهل الحق عن مقالة كل فرقة فقالوا ~~للمعتزلة المعارضة غير صحيحة فإن ما ذكرناه من الفرق بين العلم بأن الاثنين ~~أكثر من الواحد والحكم بأن الكذب قبيح ظاهر لا مراء فيه وما ذكرتموه غير ~~مسلم فإنه يستوي عند صاحب الحاجة طرفا PageV01P212 الصدق والكذب وإن اختار ~~الصدق لم يكن اختياره أمرا ضروريا ولا يقارنه العلم بوجوب اختياره ضرورة ~~ولو استروح إليه فلداع أو اعتياد أو غرض يحمله على ذلك ومن استوى عنده ~~الصدق والكذب في الملام في الحال والعقاب في ثاني الحال لم يرجح أحدهما على ~~الثاني لأمر في ذاته . وأما استحسان العقلاء إنقاذ الغرقى واستقباحهم ~~للعدوان فلطلب ثناء يتوقع منهم على ذلك الفعل وذم على الفعل الثاني ومثل ~~هذا قد سلمناه ولكنا فرضنا القول في حكم التكليف هل يستحق على الله ثواب ~~وعقاب بعد أن علم أنه لا يلحقه ضرر ولا نفع من فعله . وأما المتنازعان ~~بالنفي والإثبات في أمر معقول قبل ورود الشرع وإنكار كل واحد منهما على ~~صاحبه فمسلم لكن الكلام وقع في حق الله تعالى هل يجب عليه أن يمدح ويذم ~~ويثيب ms240 ويعاقب على ذلك الفعل وذلك غيب عنا فبم يعرف أنه يرضى عن أحدهما ~~ويثيبه على فعله ويسخط على الثاني ويعاقبه على فعله ولم يخبر عنه مخبر صادق ~~ولا دل على رضاه وسخطه فعل ولا أخبر عن محكومه ومعلومه مخبر ولا أمكن أن ~~تقاس أفعاله على أفعال العباد فإنا نرى كثيرا من الأفعال تقبح منا ولا تقبح ~~منه كإيلام البرئ وإهلاك الحرث والنسل إلى غير ذلك وعليه يخرج إنقاذ الغرقى ~~والهلكى فإن نفس الإغراق والإهلاك يحسن منه تعالى ولا يقبح وذلك منا قبيح ~~والإنقاذ إن كان حسنا فالإغراق يجب أن يكون قبيحا فإن قدر في ضمن إهلاكه سر ~~لم نطلع عليه أو غرض لم نوصله إليه إلا به فليقدر في إهلاكنا كذلك والفعل ~~من حيث الصفات النفسية واحد فلم قبح من فاعل وحسن من فاعل . وأما ما قدروه ~~من تنازع المتنازعين في مسئلة عقلية فذلك لعمري من مستحسنات العقول من حيث ~~أن أحدهما علم والثاني جهل لا من حيث أن أحدهما مكتسب له مستوجب على كسبه ~~ثوابا على الله تعالى لأنهما وإن اقتسما صدقا وكذبا وعلما وجهلا لم يستوجبا ~~بشروعهما في النظر ومخاصمتهما على تجاذب الكلام على الله تعالى ثوابا ~~وعقابا ولم يعرف بمجرد المناظرة أن حكم الله في حقهما إذا كان الشروع جائزا ~~أو محرما بل يتعارض الأمر بين الجواز والتحريم فوجه الجواز فيه أنه اشتغال ~~بالنظر والنظر متضمن للعلم والعلم محمود لنفسه وجنسه والطريق المحمود محمود ~~ووجه التحريم فيه أنه تصرف في ملك الغير بغير إذنه واشتغال بالنظر وهو ~~مخاطرة وربما يخطي وربما يصيب وإن أخطأ فربما يحصل له الجهل والجهل مذموم ~~لجنسه ونفسه فمن هذا الوجه أوجب العقل التوقف ومن ذلك الوجه أوجب الشرع ~~PageV01P213 والأمر فيه متعارض وما يستقبح أحدهما من الثاني ليس استقباحا ~~يتنازع فيه . وقولهم ما يحسن من العقل يحسن من حيث الحكمة فيجب على الله ~~حكمة لا تكليفا . قلنا ما المعنى بقولكم يجب على الله تعالى من حيث الحكمة ~~وما معنى الحكيم والحكمة فإن عندنا ms241 وقوع الفعل على حسب العلم حكمة سواء كان ~~فيه مصلحة وغرض أو لم يكن بل لا حامل للمبدع الأول على ما يفعله فلو كان ~~فالحامل فوقه والداعي أعلى منه بل فعله وصنعه على هيئة يحصل منها نظام ~~الموجودات بأسرها من غير أن يكون له حامل من خارج وغرض وداع من الغير ~~والحكيم من فعل فعلا على مقتضى علمه والحسن والأحكام في الفعل من آثار ~~العلم وأما الغير إذا فعل فعلا مستحسنا عنده من غير إذن المالك فليس من ~~الحكمة وجوب المجازاة على ذلك الفعل خصوصا والمالك لم ينتفع بذلك المستحسن ~~ولا اكتسب زينة وجمالا والحال عنده إن فعل وإن لم يفعل على وتيرة واحدة . ~~وبقي أن يقال إذا لم يرجع إلى المالك نفع ولا ضرر فربما يرجع إلى الفاعل ~~فيعارض بأن يقال ذلك الفعل في الحال مشقة وكلفة مع جواز أن يخطئ فيعاقب في ~~ثاني الحال حساب وكتاب مع جواز أن يثاب على الصواب فأي عقل يخاطر هذه ~~المخاطرة ويقتحم هذا الاقتحام وإن رجعوا إلى عادات الناس في شكر المنعم ~~والثناء على المحسن والتعبد للمالك والعباد للملوك أنها من مستحسنات العقول ~~. والجواب عنه من وجهين أحدهما أن العادة لا تكون دليلا عقليا يلزم الحكم ~~به ضرورة بل العادات متعارضة والشكر والكفر سيان في حق من لا ينتفع بشكر ~~ولا يتضرر بكفر والثاني أن الشكر على النعمة لا يستوجب بسببه نعمة أخرى بل ~~هو قضاء لواجب ثبت عليه إذا أدى ما وجب عليه لم يستوجب بذلك زيادة نعمة فلا ~~يجب على الله تعالى ثواب بسبب شكر النعمة ولهذا نقول من أنفق جميع عمره في ~~شكر سلامة عضو واحد كان يعد مقصرا فإذا قابل قليل شكره بكثير نعم الله ~~تعالى كيف يكون يعد موفرا وكيف يستحق على المنعم زيادة نعمه وكذلك حكم جميع ~~العبادات في مقابلة النعم السابغة قليل في كثير ولا يستوجب بسببها ثواب . ~~ثم نقول الواجب في حق الله تعالى غير معقول على الإطلاق والاستحقاق للرب ~~على العبد غير مستحيل ms242 حمله فإنه ما من وقت من الأوقات إلا ويتقلب العبد في ~~نعم كثيرة من نعم الله تعالى ابتداء بأجزل المواهب وأفضل العطايا من حسن ~~الصورة وكمال الخلقة وقوام البنية وإعداد الآلة وإتمام الأدلة وتعديل ~~القناة نعم وما متعه به من أرواح الحياة وفضله به من حياة الأرواح وما كرمه ~~به من قبول العلم وآدابه وهدايته PageV01P214 إلى معرفته التي هي أسنى ~~جوائزه وحبايه ' وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ' فلا ابتداء الإنعام واجب ~~عليه فعلا ولا إذا قابل نعمة بشكر يسير كان الثواب واجبا عليه لأنه يعد ~~مقصرا في أداء شكر ما أنعم عليه فكيف يستحق نعمة أخرى فمن هذا الوجه لا ~~يثبت قط استحقاق العبد ولا يتحقق قط وجوبه على الرب ثم إن سلم تسليم جدل ~~أنه يستحسن من حيث العادة الشكر على النعم فكذلك يستحسن من حيث العادة أن ~~يتقابل العوضان ويتماثل الأمران قدرا وزمانا ولا يتصور أن يقع التقابل ~~والتماثل بين أكثر كثير النعم وبين أقل قليلها ولا يتحقق التعاوض بين سرمدي ~~الوجود دواما وبين ما لا يثبت له وجود إلا لحظة أو خطرة أو لفظة كما يقتضي ~~العقل إيجاب شيء في مقابلة شيء مكافأة وجزاء كذلك يقتضي اعتبار قدر الشيء ~~في مقابلة قدر وبالاتفاق لم يعتبر القدر فيجب أن لا يعتبر الأصل فإن كنا ~~نستفيد الوجوب من العقل ونعتبر العقل بالعادة فهذا هو قضية العقل والعادة ~~صدقا فكيف يثبت مثله استحقاق العبد وجوبا على الله تعالى . وأما الوجوب على ~~العبد والاستحقاق لله تعالى فليس من قضايا العقل والعادة أيضا فإنه إذا لم ~~يتضرر بمعصية ولا ينتفع بطاعة ولم تتوقف قدرته في الإيجاد على فعل واحد ~~وحال يصدر من الغير فيستعين به بل كما أنعم ابتداء قدر على الإنعام دواما ~~كيف يوجب على العبد عبادة شاقة في الحال لارتقاب ثواب في ثاني الحال أليس ~~لو رمي إليه زمام الاختيار حتى يفعل ما يشاء جريا على نسق طبيعته المائلة ~~إلى لذيذ الشهوات ثم أجزل في العطاء من غير حساب ms243 كان ذلك أروح للعبد وما ~~كان قبيحا عند العقلاء . ثم نقول من راس مواجب العقول في أصل التكليف ~~متعارضة الأصول فإنا نطالب الخصم بإظهار وجه الحسن في أصل التكليف والإيجاب ~~عقلا أو شرعا وقد علم أن لا يرجع إلى المكلف خير وشر ونفع وضر وزين وشين ~~وحمد وذم وجمال ونكال وإن كانت ترجع هذه المعاني إلى المكلف لكن والمكلف ~~قادر على إسباغ النعم عليهم من غير سبق التكليف فتعارض الأمران أحدهما أن ~~يكلفهم فيأمرهم وينهاهم حتى يطاع ويعصى ثم يثيب ويعاقب على فعلهم والثاني ~~أن لا يكلفهم بأمر ونهي إذ لا يتزين منهم بطاعة ولا يتشين منهم بمعصية ولا ~~يثيب ثوابا على فعل ولا يعاقب عقابا على فعل بل ينعم دواما كما أنعم ابتداء ~~أليس العقل الصريح يتحير في هذين المتعارضين ولا يهتدي إلى اختيار أحدهما ~~حقا وقطعا فكيف يعرفنا وجوبا على نفسه بالمعرفة وعلى قالبه بالطاعة أم كيف ~~يعرفنا وجوبا على الفاطر الباري تعالى بالثواب PageV01P215 والعقاب خصوصا ~~على أصل المعتزلة فإن التكليف والأمر والإيجاب من الله تعالى مجاز في العقل ~~إذ لا يرجع إلى ذاته صفة يكون بها آمرا مكلفا بل هو عالم قادر فاعل للأمر ~~كما هو فاعل الخلق والعقل إنما يعرفه على هذه الصفة ويستحيل أن يعرفه أنه ~~يقتضي ويطلب منه شيئا ويأمر وينهي بشيء فغاية العقل أن يعرفه على صفة ~~يستحيل عليه الاتصاف بالأمر والنهي فكيف يعرفه على صفة يريد منه طاعة يستحق ~~عليها ثوابا ولا يريد منه معصية يستحق عليها عقابا ولا طاعة ولا معصية إذ ~~لا أمر ولا نهي إذ لم يبعث بعد نبيا فيخلق لأجله كلاما في شجرة فيسمعه ولو ~~خلق لنفسه كلاما فهو مسموع كل الحد ولا له في ذاته كلام يمكن أن يستدل عليه ~~كسائر صفات ذاته بل أمره ونهيه من صفات فعله بشرط أن لا يدل أمره المفعول ~~المصنوع على صفة في ذاته فهو مدلول أمره ونهيه إذ خلق في شجرة افعل لا تفعل ~~لا يدل ذلك على صفة غير ms244 كونه عالما قادرا فليعرف من ذلك أن من نفى الأمر ~~الأزلي لم يمكنه إثبات التكليف على العبد ولا أمكنه إثبات حكم في أفعال ~~العباد من حسن أو قبح ويؤدي ذلك إلى نفي الأحكام الشرعية المستندة إلى قول ~~من ثبت صدقه بالمعجزة فضلا عن العقلية المتعارضة المستندة إلى عادات الناس ~~المختلفة بالإضافة والنسب وكثيرا ما نقول من نفى قول الله فقد نفى الفعل ~~فصار من أوحش الجبرية أعني أثبت جبرا على الله تعالى وجبرا على العبد من ~~نفى إكساب العباد فقد نفى قول الله صار من أوحش القدرية أعني قدرا على الله ~~وقدرا على العبد والقدرية جبرية من حيث نفي الكلام والقول والأمر والجبرية ~~قدرية من حيث نفي الفعل والكسب والمأمور به فلينتبه لهذه الدقيقة . وأما ما ~~ذكروه من جواز التنازع بين مختلفين في مسئلة عقلية وإنكار أحدهما على صاحبه ~~واستقباح مذهبه مسلم ولكن النزاع في أمر وراءه وهو أنه هل يجب على ~~المتنازعين الشروع في تلك المسئلة وجوبا يستحق به ثوابا وإذا حصل على علم ~~فهل يستحق به ثواب الأبد وإذا حصل على جهل فهل يصير به مستحقا لعقاب الأبد ~~فما دليلكم على نفس المتنازع وقد عرفتم أن الأمر فيه غيب والإذن فيه من ~~المالك غير موجود وفي التصرف خطر ومن المعلوم أن من خاض لجة البحر ليطلب ~~درة وهو غير حاذق الصنعة كان على خطر الهلاك وربما يصير ملوما من جهة مالكه ~~إن كان عبدا أو مغرما من جهة صاحب المال إن كان شريكا ثم الاستقباح ~~والاستحسان والإنكار والإقرار متعارضان عند الخصمين فإن كل واحد منهما ~~يستحسن ما يستقبحه صاحبه يناء على إنكاره وقل ما يتفق ارتفاع النزاع بينهما ~~إلا بقاض يكون حكمه في الأمر وراء حكمهما وعقله أرجح من عقلهما يتحاكمان ~~إليه وذلك هو الذي ينفي الحسن PageV01P216 والقبح من حيث العادة ويثبت ~~الحسن والقبح من حيث التكليف . وأما ما ذكروه من رفع المعاني المعقولة في ~~مجاري الحركات التكليفية والأحكام الشرعية فذلك لعمري مشكل في المسئلة . ~~والجواب عنه من ms245 وجهين أحدهما أن نقول ما من معنى يستنبط من فعل وقول لربط ~~حكم إلا ومن حيث العقل يعارضه معنى آخر يساويه في الدرجة أو يفضل عليه في ~~المرتبة فيتحير العقل في الاختيار إلى أن يرد شرع يختار أحدهما اعتبارا ~~فحينئذ يجب على العاقل اعتباره واختياره . ونضرب له مثلا فنقول إذا قتل ~~إنسان إنسانا مثله فيعرض للعقل الصريح هاهنا آراء مختلفة كلها متعارضة ~~أحدها أن يقتل به قصاصا ردعا للعاتي من كل مجترئ وفيه استبقاء نوع الإنسان ~~وتشف للغيظ من كل قريب وفيه استطابة نفس الإنسان ويعارضه معنى آخر وهو أنه ~~إتلاف في مقابلة إتلاف وعدوان بإزاء عدوان ولا يحيا الأول بقتل الثاني وإن ~~كان في الردع إبقاء بالتوقع والتوهم ففي القصاص إهلاك الشخص بناجز الحال ~~والتحقيق وربما يعارضه معنى ثالث وراءهما فيفكر العقل أيراعي شرائط أخرى ~~سوى مجرد الإنسانية من العقل والبلوغ والعلم والجهل أم من الدين والطاعة أم ~~من النسب والجوهر فيتحير العقل كل التحير فلا بد إذا من شارع يقرر من ~~المعاني ما وجب على العبد وحيا وتنزيلا وإنها ملها رجعت إلى استنباط عقلك ~~ووضع ذهنك من غير إن كان الفعل مشتملا عليها فإنها لو كانت صفات نفسية ~~لاشتملت حركة واحدة على صفات متناقضة وأحوال متنافرة وليس معنى قولنا أن ~~العقل يستنبط منها أنها كانت موجودة في الشيء يستخرجها العقل بل العقل تردد ~~بين إضافات الأحوال بعضها إلى بعض ونسب الأشخاص والحركات نوعا إلى نوع ~~وشخصا إلى شخص فطري مثله من تلك المعاني ما حكيناه وأحصيناه وربما يبلغ إلى ~~ما لا يحصى فعرف بذلك أن المعاني لم ترجع إلى الذوات بل إلى مجرد الخواطر ~~الطارئة على العقل وهي متعارضة . والجواب الثاني أن نقول لو كان الحسن ~~والقبح والحلال والحرام والوجوب والندب والإباحة والحظر والكراهة والطهارة ~~والنجاسة راجعة إلى صفات نفسية للأعيان أو الأفعال لما تصور أن يرد الشرع ~~بتحسين شيء وآخر بتقبيحه ولما تصور نسخ الشرائع حتى يتبدل حظر بإباحة وحرام ~~بحلال وتخير بوجوب ولما كان اختلفت الحركات ms246 بالنسبة إلى الأوقات تحريما ~~وتحليلا أليس الحكم في نكاح الأخت للأب والأم في شرع أبينا آدم عليه السلام ~~بخلاف الحكم في الجمع بين الأختين المتباعدتين PageV01P217 في شرع نبينا ~~محمد صلى الله عليه وسلم كيف حل ذلك على اتحاد اللحمة وحرم هذا على تباعد ~~اللحمة ونحن فربما نتجوز فنضيف الحرام والحلال إلى الأعيان فنقول الخمر ~~حرام والكلب نجس والماء طاهر وهذا يحرم لعينه وهذا يحرم لغيره وهذا نجس ~~العين وهذا نجس بعارض وكل ذلك يجوز في العبارة وإلا فهي كلها أحكام شرعية ~~نزلت منزلة صفات عقلية وأضيفت إلى الأعيان والأفعال إضافة حكمية والحسن ~~والقبح في الصدق والكذب كالحلال والحرام في الزنا والنكاح وكالجواز والحظر ~~في البيع والربا . وقد تمسك الأستاذ أبو إسحاق بطريق لا بأس به فقال صحة ~~كون الضدين مرادا على البدل يوجب التوقف مثاله من خاف التلف من شيئين على ~~البدل ولم يكن له دليل يدل على أحدهما بالتعيين يوجب التوقف في الأمرين . ~~وقال أيضا العقل يقضي بأن من له الإيجاب والإيجاب حقه فصاحب الحق له أن ~~يطلب وله أن لا يطلب سيما إذا كان مستغنيا عن المطالبة به وعن تحصيله له ~~وقيل الرسالة لا سبيل إلى معرفة مطالبته للعبد بحقه فإنه ربما يطالب وربما ~~يتفضل بالإسقاط فيتوقف العقل في ذلك وهذا كله من قبيل تعارض الأدلة في ~~العقل لكن الخصم يعتذر عن هذا ويقول أحد الطريقين أمن على الحقيقة والثاني ~~مخوف والأخذ بالأمن أولى فإنه إن أخذ بأنه ربما يطالبه بحقه فإذا أدا حقه ~~أمن من المعاقبة وإن أخذ بأنه ربما يتفضل خاف لأنه ربما لا يتفضل فإنما ~~يستقيم إن لو كان التعارض متساوي الطرفين من كل وجه فيتوقف العقل ضرورة . ~~وقال الأستاذ الشكر يتعب الشاكر ولا ينتفع المشكور فلا فائدة في فعله ~~لاستواء فعله وتركه . قال الخصم الشكر ينفع الشاكر ولا يضر المشكور فوجب ~~فعله لترجيح نفعه على ضره . قال الأستاذ ربما يضر الشاكر لأنه قابل كثير ~~نعم الله تعالى بقليل شكره ولا شك أن من أنعم ms247 على إنسان بكثير من النعم ~~خطيره وحقيره فأخذ الحقير يشكر عليه عد من السفه ووجب اللوم عليه وضرب له ~~حديث الرغيف المعروف . قال الخصم ليس الشاكر من يقتصر على بعض النعم أو على ~~الحقير منها بل الشاكر من يستوعب بشكره جميع النعم ثم ربما يخص بعضها ~~بالذكر تنبيها على الباقي . قال الأستاذ التعرض لمقابلة النعم بالشكر كفر ~~فإنه رأى المقابلة جزاء وكفاء وقط ولا يكافئ نعم الله التي لا تحصى بالشكر ~~فإنه إن أوقع شكره في مقابلة نعمه على أنه يكافيه ليلا يكون تحت منه فهو ~~كفران محض وإن كان على أنه ينفعه كما انتفع به PageV01P218 فهو كفران صريح ~~فلا النعمة تقبل المقابلة ولا المعاوضة ولا المنعم يقبل النفع والضر وكيف ~~يحسن الشكر والشكر إنما ينتفع الشاكر إن لو حصل على رضى المشكور وإذنه فإذا ~~لم يعرف رضاه وإذنه إلا بالسمع فلا يحسن الشكر إلى بالشرع ولكن لما تربى ~~الإنسان على مناهج الشرع ورأى أهل الدين يستحسنون الشكر وقرأ آيات تحسين ~~الشكر ظن أن مجرد العقل يقتضي بذلك . أما الجواب عن مقالة الفلاسفة قولهم ~~أن الوجود قد اشتمل على خير محض وشر محض وخير وشر ممتزجين فهو كلام من لم ~~يتحقق الخير والشر ما هو فما المعنى بالخير أولا فإن الخير يطلق على كل ~~موجود عندكم وعلى هذا الشر يطلق على كل معدوم وعلى هذا لم يستمر قولكم ~~الوجود يشتمل على خير مطلق فكأنكم قلتم اشتمل الوجود على الوجود وهو تكرار ~~غير مفيد ولم يستتب قولكم وعلى شر مطلق فإن الشر المطلق هو المعدوم والوجود ~~كيف يشتمل على العدم فلم يصح التقسيم رأسا على أنا إنما فرضنا المسئلة في ~~الحركات التي ورد عليها التكليف فإن الخير والشر فيها هو المقصود بالحسن ~~والقبح وقد ساعدتمونا على أن حكمها في الأفعال غير معلوم بالضرورة ولا ~~العقل يهتدي إليه بالنظر لأن ذلك يختلف بالإضافات والأزمان فبقي قولكم ~~العلم من حيث هو علم محمود وكل محمود مطلوب لذاته والجهل بالعكس من ذلك فهو ~~مسلم ms248 ولكن الطالب إذا حصل له المطلوب فهل يستوجب على الله ثوابا أم لا وإن ~~لم يحصل بل حصل ضده هل يستوجب عقابا أم لا لأن التنازع إنما وقع من حيث ~~التكليف لا من حيث ذات الشيء وصورته . قالوا معنى الجزاء عندنا ترتب سعادة ~~وشقاوة أبدية على نفس عالمة أو جاهلة كترتب صحة وسلامة في البدن على شرب ~~دواء وذلك حاصل له بالضرورة وكترتب مرض وألم في البدن على شرب سم وذلك حاصل ~~له بالضرورة أيضا . قيل إذا كان سعادة النفس مترتبة على حصول قوى العلم ~~والعمل وخروجهما من القوة إلى الفعل يحتاج إلى معاناة أمور شديدة ومقاساة ~~أحوال عسيرة من تحصيل المقدمات والوقوف على كيفية تأديها بالطلب أو المطلوب ~~ولم تكن الفطرة الإنسانية بمجردها كافية في التحصيل وتعارض الأمر عند العقل ~~يوقف العاقل لئلا يقع في طريق يفضي به إلى الجهالة الموجبة للشقاوة فإن ~~التوقف أولى من اقتحام الخطر في المهالك PageV01P219 وأيضا فإن عندكم مخرج ~~العقل من القوة إلى الفعل يجب أن يكون عقلا بالفعل فإن العقل بالقوة لا ~~يخرج العقل بالقوة فإنه بعد محتاج إلى مخرج وليس هذا بذاته يخرج ذاته من ~~القوة إلى الفعل وكما أن الممكن بذاته لا يترجح أحد طرفي إمكانه على الثاني ~~إلا بمرجح كذلك ما هو بالقوة فلا يخرج من القوة إلى الفعل إلا بمخرج وكما ~~أن المرجح على الحقيقة ما انتفى عنه وجوه الإمكان كذلك المخرج على الحقيقة ~~ما انتفى عنه وجوه القوة كالمرجح لجانب الوجود على العدم في الممكنات هو ~~واجب الوجود بذاته والمخرج من القوى إلى الفعل هو العقل الفعال فقد اعترفتم ~~بأن لا خالق إلا الله ولا هادي إلى المعارف ولا موجب للتكاليف المستدعية ~~للجزاء إلا هو بتوسط العقل الأول الفعال والعقول الجزئية بحكم مناسبتها ~~العقل الأول ربما تشتمل منها صور المعارف فيعرف الأوائل فطرة وبديهة ثم يرد ~~إليها الثواني والثوالث نظرا وتفكرا حتى يخرج إلى الفعل وهذا على طريق ~~الجواز والإمكان لا على طريق الوجوب والضرورة لكن لا يعرف ms249 إيجابه وتكليفه ~~على العموم إذ ليس لكل واحد من نوع الإنسان استعداد الاستمداد منه من كل ~~وجه بل واحد بعد واحد فذلك هو النبي عندنا فلا تعرف المعارف إلا بالعقل ولا ~~تجب المعارف إلا بالسمع فلزمكم من حكم قاعدتكم هذه ما أثبتنا وهو لازم ~~ضرورة . وأما الجواب عن مقالة الصائبة نقول أنتم منازعون في إثبات تأثيرات ~~الكواكب في الأجسام السفلية كل المنازعة ولنسلم لكم ذلك تسليم المساهلة ~~فالسعد والنحس لم يؤثر إلا في الحسن والقبح من حيث الخلقة وذلك غير متنازع ~~فيه وإنما النزاع بيننا في الحسن والقبح من حيث الأمر ولا شك أن الله تعالى ~~حكم في أفعال العباد بافعل ولا تفعل وعلى ذلك الحكم جزى في الدار الآخرة . ~~فنقول ذلك الحكم غير معلوم ضرورة ولا استدلالا من حيث العقل فوجب التوقف ~~إلى أن يرد به سمع وما قالوه من نفي النبوة في الصورة البشرية فتقرر الحجة ~~عليه في إثبات النبوات وأما المنافع والمضار في الأشياء وكونها معلومة ~~بالعقل فغير مسلم على الإطلاق فإن طريقتها عند القوم وعند الطبيعيين ~~والأطباء هو التجربة والتجربة ما لم تتكرر لم تفد العلم والتكرار فيه غير ~~ممكن لاختلاف طبائع الأشياء بالنسبة إلى مزاج ومزاج وهواء وهواء وتربة ~~وتربة وقط لا تحصل التجربة في شيء واحد باعتبار واحد وأيضا فإن الخواص التي ~~هي وراء كيفيات الأشياء وطبائعها ربما تخالف ما يحصل بالتجربة من الطبائع ~~والخواص عندهم من فيض النفس الكلية على ماهيات الأشياء وربما تحصل آثار ~~كبيرة من مجرد عدد يتركب من أعداد مخصوصة PageV01P220 وربما تحصل آثار ~~مختلفة من مجرد أمزجة تتركب من عناصر مخصوصة والمطلع على الماهيات غير ~~الباحث عن الكيفيات والكميات فلا بد إذا من إثبات شخص له اطلاع على الكواكب ~~وعلى ما وراء الكواكب حتى يكون الكل عنده كصورة واحدة فتقرر لخاصية منافع ~~الأشياء ومضارها من جهة الخواص ويحمل العامة على التسليم ذلك جملة وسيأتي ~~تقرير ذلك . وأما الجواب عن مقالة التناسخية فطريق الرد عليهم أن نبطل ~~مذهبهم في أصل التناسخ ms250 وإنكار البعث في الآخرة فنقول أثبتم جزاء على كل فعل ~~تنتهي الأفعال عندكم إلى جزاء محض وهل تبتدي الأجزية من فعل محض فإن قضيتم ~~بالتسلسل فذلك دور محض فإنه إن لم يكن فعل إلا جزاء ولا جزاء إلا على فعل ~~فلم يكن فعل وجزاء أصلا فإنه يتوقف كون الجزاء جزاء على سبق فعل ويتوقف كون ~~الفعل فعلا على سبق جزاء فيكون كل واحد منهما متوقفا على صاحبه فيكون حكمه ~~حكم توقف المعلول على العلة وتوقف العلة على المعلول وذلك محال فلا بد من ~~ابتداء بفعل أولي ليس بجزاء والانتهاء إلى جزاء آخر ليس بفعل وذلك تسليم ~~المسئلة . ثم نقول ما الدرجة العليا في الخير وما الدرجة السفلى في الشر ~~عندكم قالوا الدرجة العليا في الخير هي الملكية والنوبة والدرجة السفلى هي ~~الشيطانية والجنية . فقيل لهم لو قتل نبي حية فما ثوابه ولا درجة في الثواب ~~فوق النبوة ولو قتل جني نبيا فما عقابه ولا درجة في العقاب تحت الجنية فيجب ~~أن يعرى أشرف الطاعات عن الثواب وأكبر الكبائر عن العقاب . ومما يبطل ~~التناسخ رأسا إن كان مزاج استعد لقبول الصورة يلائمها من واهب الصور فإذا ~~فاضت عليه الصورة قارنتها صورة النفس المستحسنة لزم أن يكون لبدن واحد ~~نفسان وذلك محال . وأما الجواب عن مقالة البراهمة سيأتي على استيفاء في ~~مسئلة إثبات النبوات والرد عليهم فيما يليق بسؤالهم أن الذي يأتي به النبي ~~معقول أو غير معقول . نقول ما يأتي به النبي معقول في نفسه أي جنسه معقول ~~ويمكن أن يدركه العقل وليس كل ما هو معقول الجنس يجب أن يعقله الإنسان فإن ~~العلم بخواص الأشياء وماهيات الموجودات مما هو معقول الجنس وليس كل إنسان ~~يدركه في الحال فبطل التلبيس الذي تعلقوا به . PageV01P221 # | القاعدة الثامنة عشر في إبطال الغرض والعلة في أفعال الله تعالى وإبطال ~~القول بالصلاح والأصلح واللطف ومعنى التوفيق الخذلان والشرح والحتم والطبع ~~ومعنى النعمة والشكر ومعنى الأجل والرزق # . مذهب أهل الحق أن الله تعالى خلق العالم بما فيه ms251 من الجواهر والأعراض ~~وأصناف الخلق والأنواع لا لعلة حاملة له على الفعل سواء قدرت تلك العلة ~~نافعة له أو غير نافعة إذ ليس يقبل النفع والضر أو قدرت تلك العلة نافعة ~~للخلق إذ ليس يبعثه على الفعل باعث فلا غرض له في أفعاله ولا حامل بل علة ~~كل شيء صنعه ولا علة لصنعه . وقالت المعتزلة الحكيم لا يفعل فعلا إلا لحكمة ~~وغرض والفعل من غير غرض سفه وعبث والحكيم من يفعل أحد أمرين إما أن ينتفع ~~أو ينفع غيره ولما تقدس الرب تعالى عن الانتفاع تعين أنه إنما يفعل لينتفع ~~غيره فلا يخلو فعل من أفعاله من صلاح ثم الأصلح هل تجب رعايته قال بعضهم ~~تجب كرعاية الصلاح وقال بعضهم لا تجب إذ الأصلح لا نهاية له فلا أصلح إلا ~~وفوقه ما هو أصلح منه ولهم كلام في اللطف وتردد في وجوب ذلك . وقد قالت ~~الفلاسفة واجب الوجود لا يجوز أن يفعل فعلا لعلة لا ليحمد ويتزين بالحمد ~~والشكر ولا لينتفع أو يدفع الضرر ولا لأمر داع يدعوه ويحمله على الفعل ~~والعالي لا يريد أمرا لأجل السافل بل الأفعال صدرت عن المبادئ الأول وهي ~~استندت إلى العقل الفعال وإنما أبدع العقل بلوازمه وأبدع بتوسطه سائر ~~الأشياء على وجه اللزوم عنه ضرورة إذ ليس يتصور وجود واجب الوجود إلا كذلك ~~. قالوا إفادة الخير والصلاح من المنعم تنقسم إلى ما يكون لفائدة وغرض يرجع ~~إلى المفيد والفائدة تنقسم إلى ما هو مثل المبذول كمقابلة المال بالمال ~~وإلى ما ليس مثلا كمن يبذل المال رجاء للثواب والمحمدة أو اكتساب صفة ~~الفضيلة وطلب الكمال به وهذه أيضا معاوضة وليس بجود كما أن الأول معاملة ~~وليس بإنعام بل الجود والإنعام هو إفادة ما ينبغي من غير عوض وغرض فالأول ~~قد أفاد الجود على الموجودات كلها PageV01P222 كما ينبغي على ما ينبغي من ~~غير ادخار ممكن من ضرورة أو حاجة أو رقبة بحيث لو قدر غيره من الممكنات ~~الوهمية كان نقصا في ذلك الموضوع لا كمالا فكل ms252 ذلك بلا عوض ولا فائدة وغيره ~~يتصور أمرا ثم يعرض له احتياج إلى وجوده فيحتال لوجوده ليتم غرضه به كمن ~~يريد يبني دارا تصورها أولا ثم احتاج إليها للاستكنان والسكنى احتال ~~لوجودها آلاتها ليتم غرضه بها أو من يهب مالا أو يعطي عطاء ابتداء أو عقيب ~~سؤال يتصور في نفسه أولا اكتساب حمد وجزاء وحمله على ذلك ضعف حال الفقير ~~فرق له رقة الجنسية فأنعم عليه كان الحامل له على النوال نفع يلحقه أو ضرر ~~يدفعه وتعالى الخالق الأول عن ذلك ولم يكن تصوره وعلمه من المتصور المعلوم ~~حتى يكون هو الحامل بل التصور من العلم والمقدور من القدرة هذا كلام القوم ~~وهو حسن لولا تشبيههم بأمور لا نرتضيها والتزامهم أمورا لا نستقصيها . فقال ~~أهل الحق الدليل على أن الباري تعالى غني عن الإطلاق إذ لو كان محتاجا من ~~وجه كان من ذلك الوجه مفتقرا إلى من يزيل حاجته فهو منتهى مطلب الحاجات ومن ~~عنده نيل الطلبات ولا يبيع نعمه بالأثمان ولا يكدر عطاياه بالامتنان فلو ~~خلق شيئا ما لعلة تحمله على ذاك أو لداعية تدعوه إليه أو لكمال يكسبه أو ~~حمد وأجر يحصله لم يكن غنيا حميدا مطلقا ولا برا جوادا مطلقا بل كان فقيرا ~~محتاجا إلى كسب . والذي يقرره أن كل صلاح نقدره بالعقل بالنسبة إلى شخص ~~عارضه صلاح فوق ذلك أو فساد مثل ذلك بالنسبة إلى شخص آخر فلئن كان الصلاح ~~يقتضي وجوده بالنسبة إلى ذلك الشخص فالفساد يقتضي عدمه بالنسبة إلى شخص آخر ~~فالسم في أصحاب السموم صلاح وفي غيرهم من الحيوانات فساد فلو كان الصلاح ~~اقتضى وجوده فالفساد اقتضى عدمه وكما يختلف ذلك بالأشخاص يختلف الصلاح ~~والفساد بالجزئي والكلي ونحن لا ننكر أن أفعال الله تعالى اشتملت على خير ~~وتوجهت إلى صلاح وأنه لم يخلق الخلق لأجل الفساد ولكن الكلام إنما وقع في ~~أن الحامل له على الفعل ما كان صلاحا يرتقبه وخيرا يتوقعه بل لا حامل له ~~وفرق بين لزوم الخير والصلاح لأوضاع الأفعال ms253 وبين حمل الخير والصلاح على ~~وضع الأفعال كما يفرق فرقا ضروريا بين الكمال الذي يلزم وجود الشيء وبين ~~الكمال الذي يستدعي وجود الشيء فإن الأول فضيلة هي كالصفة اللازمة والثاني ~~فضيلة كالعلة الحاملة . قالت المعتزلة قد قام الدليل على أن الرب تعالى ~~حكيم والحكيم من تكون أفعاله على إحكام وإتقان فلا يفعل فعلا جزافا فإن وقع ~~خيرا فخير وإن وقع شرا PageV01P223 فشر بل لا بد وأن ينجو غرضا ويقصد صلاحا ~~ويريد خيرا ثم إن النفع ينقسم إلى ما يرجع إلى الفاعل إن كان محتاجا إليه ~~أو إلى غيره وإن كان الفاعل غنيا غير محتاج كإنقاذ الغرقى وتخليص الهلكى ~~مستحسن في العقل وربما لا يكون المنقذ مكتسبا نفعا ومتوقعا حمدا أو أجرا ~~وعن ذلك ورد في بعض الكتب ما خلقت الخلق لا ربح عليهم بل خلقتهم ليربحوا ~~علي . والذي يقرره أن الحكمة في خلق العالم ظاهرة لمن تأملها بالعقل منصوصة ~~لمن طلبها في السمع . أما العقل فقد شهد بأن الحكمة في خلق العالم إظهار ~~آيات ليستدل بها على وحدانيته ويتوصل بها إلى معرفته فيعرف ويعبد ويستوجب ~~به ثواب الأبد . وأما السمع فآيات القرآن كثيرة منها قوله تعالى ' وخلق ~~الله السموات والأرض ولتجزى كل نفس بما كسبت ' ولهذا صار كثير من العقلاء ~~إلى أن أول ما يخلقه الرب تعالى يجب أن يكون عاقلا مفكرا لأن خلق شيء من ~~غير من ينظر فيه باعتبار ويتوسل إلى معرفة الباري تعالى باستبصار عبث وسفه ~~. قالوا وما ذكرناه لا ينافي الغنى بل هو كمال الغنى عن خلقه فإن كمال ~~الغنى لا يعرف إلا باحتياج كل العالم إليه واحتياج العالم إنما يعرفه ~~العالم فيستدل به على انفراده تعالى بغناه ولله تعالى في كل صنع من صنائعه ~~حكمة ظاهرة وآية تدل على وحدانيته باهرة لا تنكرها العقول السليمة ولا ينبو ~~عنها إلا الأوهام السقيمة . قال أهل الحق مسلم أن الحكيم من كانت أفعاله ~~محكمة متقنة وإنما تكون محكمة إذا وقعت على حسب علمه وإذا حصلت على حسب ~~علمه ms254 لم تكن جزافا ولا وقعت بالاتفاق . وقولكم لا بد وأن ينحو غرضا ويريد ~~صلاحا فما المعنى بالغرض وما المعنى بالصلاح ولا يشك أنكم تفسرون الغرض ~~باجتلاب نفع أو دفع ضرر إذ القادر الحق على كل شيء والغني المطلق عن كل شيء ~~متقدس عن الضرر والنفع والألم واللذة ويتعالى عن أن يكون محلا للحوادث ~~قابلا للاستحالة والتغيرات وإن فسرتموه بنفع الغير وصلاحه فما النفع المطلق ~~وما الصلاح المطلق في خلق العالم بأسره إن قلتم يستدل بوجود دلائله على ~~وحدانيته . قيل لكم والحكيم إذا فعل فعلا لغرض معين وجب أن يحصل له ذلك ~~الغرض من كل وجه ولا يتخلف غرضه من وجه وإلا فينسب إلى الجهل والعجز ومن ~~المعلوم PageV01P224 أن الغرض الذي عينتموه لم يحصل إذا قدرتم خلق العالم ~~في الأقل من العقلاء وإن لم يقرر ذلك لم يحصل في الأكثر والغرض إذا كان ~~معلقا على اختيار الغير لم يصف عن شوائب الخلاف فلا يحصل على الإطلاق ثم لو ~~خلقهم ولم يكلفهم لا عقلا ولا سمعا وفوض الأمر إليهم ليفعلوا ما أرادوا ~~يتضرر بذلك أم يلحقه نقص أو يثلم جلاله فعل أو ليست الطيور في الهوى ~~والسوائم في الفلا تغدو وتروح من غير تكليف فما السر في تخصيص بني آدم ~~بالتكليف ولم ينتفع به ولا يتضرر بضده . قالوا ليأتي المكلف بما أمر به ~~فيثيبه عليه ويعوضه عما فات عليه ويكون التذاذ المكلف بالثواب والعوض ~~المرتبين على فعله أكثر من التذاذه بنفس التفضل والكرم . قيل يا لله العجب ~~من حكمة ما أشرفها ومن سر ما أدقه تعبت عقولكم من شدة التعمق في استخراج ~~المعاني فقد عاد حكمة الله تعالى في خلق السموات والأرض بما فيها إلى أن ~~يكون التذاذ المكلف بثواب يناله على عمله أكثر من التذاذه بتفضل يناله من ~~غير عمل إنا إذا فحصنا عن الأغراض كان الغرض من خلق العالم هو الاستدلال ~~وكان الغرض من الاستدلال حصول المعرفة وكان الغرض من حصول المعرفة وجوب ~~الثواب وكان الغرض من الثواب حصول التفرقة ms255 بين لذتي المقابلة والعطية فغرض ~~الأغراض من خلق العالم بما فيه من الجواهر والأعراض ما لا يجوز أن يكون ~~غرضا لعاقل ولا يقدر الخالق على أن يخلق لذة في التفضل أكثر مما يخلقها في ~~الثواب واللذات كلها مخلوقة لله تعالى أولا ينادي المكلف يا رب مغفرتك أوسع ~~من ذنوبي ورحمتك أرجى عندي من عملي يا من لا تنفعه المغفرة ولا تضره ~~المعصية اغفر لي ما لا يضرك وأعطني ما لا ينفعك حتى يكون ابتهاجي برحمتك ~~ومغفرتك ألطف من التذاذي بمعرفتي وطاعتي أو لا يعد من غاية اللؤم وركاكة ~~الهمة أن يهدي فقير هدية حقيرة إلى ملك كبير سجيته البذل والعطايا من غير ~~سؤال وعرض هدية لنيل ثواب ثم يوجب عليه العوض ويقول التذاذي بما يقابل ~~هديتي أكثر من عطاياك التي لا تحصى انظر كيف عادت الحكمة الإلهية في خلق ~~العالم بأسره عند القوم إلى أخس الدرجات في الهمة وأمس الحاجات إلى المرمة ~~بحيث لا يرتضيه عاقل لإرمام بيته الكثيف فكيف يرتضيه الفاطر لأحكام صنعه ~~اللطيف فتعالى وتقدس . وأما الآيات في مثل قوله تعالى ' ولتجزى كل نفس بما ~~كسبت ' فهي لام المآل وصيرورة الأمر وصيرورة العاقبة لا لام التعليل كما ~~قال تعالى ' فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا ' PageV01P225 وقوله ' ~~جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا ولتبتغوا من فضله ' واعلم أنه كما ~~لا تتطرق لم إلى ذات الباري تعالى وصفاته لم تتطرق إلى صنائعه وأفعاله حتى ~~لا يلزم أن يجاب لأنه كذى أو لكونه كذي فلا يقال لم وجد ولم كان العالم ولا ~~يقال لم أوجد العالم ولم خلق العباد ولم كلف العقلاء ولم أمر ونهى ولم قدر ~~وقضى ' لا يسأل عما يفعل وهم يسألون ' . قالت المعتزلة نحن على طريقين في ~~وجوب رعاية الصلاح والأصلح فشيوخنا من بغداذ حكموا بأن الواجب في الحكمة ~~لخلق العالم وخلق من يكون قابلا للتكليف ثم استصلاح حاله بأقصى ما يقدر من ~~إكمال العقل والأقدار على النظر والفعل وإظهار الآيات وإزاحة العلل وكل ما ~~ينال ms256 العبد في الحال والمال من البأساء والضراء والفقر والغنى والمرض ~~والصحة والحياة والموت والثواب والعقاب فهو صلاح له حتى تخليد أهل النار في ~~النار صلاح لهم وأصلح فإنهم لو أخرجوا منها لعادوا لما نهوا عنه وصاروا إلى ~~شر من الأول وشيوخنا من البصرة صاروا إلى أن ابتداء الخلق تفضل وإنعام من ~~الله تعالى من غير إيجاب عليه لكنه إذا خلق العقلاء وكلفهم وجب عليه إزاحة ~~عللهم من كل وجه ورعاية الصلاح والأصلح في حقهم بأتم وجه وأبلغ غاية . ~~قالوا والدليل على المذهبين أن الصانع حكيم والحكيم لا يفعل فعلا يتوجه ~~عليه سؤال ويلزم حجة بل يزيح العلل كلها فلا يكلف نفسا إلا وسعها ولا يتحقق ~~الوسع إلا بإكمال العقل والإقدار على الفعل ولا يتم الغرض من الفعل إلا ~~بإثبات الجزاء ' ولتجزى كل نفس بما كسبت ' فأصل التخليق والتكليف صلاح ~~والجزاء صلاح وأبلغ ما يمكن في كل صلاح هو الأصلح وزيادات الدواعي والصوارف ~~والبواعث والزواجر في الشرع وتقدير ألطاف بعضها خفي وبعضها جلي فأفعال الله ~~تعالى اليوم لا تخلو من صلاح وأصلح ولطف وأفعال الله تعالى غدا على سبيل ~~الجزاء إما ثواب أو عوض أو تفضل فالصلاح ضد الفساد وكل ما عري عن الفساد ~~يسمى صلاحا وهو الفعل المتوجه إلى الخير من قوام العالم وبقاء النوع عاجلا ~~والمؤدي إلى السعادة السرمدية أجلا والأصلح هو إذا صلاحان وخيران فكان ~~أحدهما أقرب إلى الخير المطلق فهو الأصلح واللطف هو وجه التيسير إلى الخير ~~وهو الفعل الذي علم الرب تعالى أن العبد يطيع عنده وليس في مقدور الله ~~تعالى لطف وفعل لو فعله لآمن الكفار ثم الثواب هو الجزاء على الأعمال ~~الحسنة والعوض هو البدل عن الفائت كالسلامة التي هي بدل الألم والنعيم الذي ~~هو في مقابلة البلايا والرزايا والفتن PageV01P226 والتفضل هو اتصال منفعة ~~خاصة إلى الغير من غير استحقاق يستحق بذلك حمدا وثناء ومدحا وتعظيما ووصف ~~بأنه محسن مجمل وإن لم يفعله لم يستوجب بذلك ملاما وذما وليس للمعتزلة فيما ~~ذكروه مستند عقلي ms257 ولا مستروح شرعي إلا مجرد اعتبار العادة في الشاهد ~~وتشنيعا معقولا ثم اعتبار الغائب بالشاهد وهم في الحقيقة مشبهة في الأفعال ~~. فألزمت الأشعرية عليه التزامات منها قولهم إذا أوجبتم على الله تعالى ~~رعاية الصلاح والأصلح في أفعاله فيجب أن توجبوا علينا رعاية الصلاح والأصلح ~~في أفعالنا حتى يصح اعتبار الغائب بالشاهد ولم يجب علينا رعايتهما بالاتفاق ~~إلا بقدر ما والتعرض للنصب والتعب والنصب لو كان فاصلا بين الشاهد والغائب ~~لكان فاصلا في أصل الصلاح . ومنها أن القربات من النوافل صلاح فليجب وجوب ~~الفرائض . ومنها القضاء بأن خلود أهل النار في النار يجب أن يكون صلاحا لهم ~~وقولهم بأنهم لو ردوا لعادوا لما نهوا عنه لا يغني فإن الله تعالى لو ~~أماتهم أو سلب عقولهم وقطع عقابهم كان أصلح لهم ولو غفر لهم ورحمهم وأخرجهم ~~من النار إذ لم يتضرر بكفرهم وعصيانهم كان أصلح لهم . ومنها أن كل ما فعله ~~الرب تعالى من الصلاح لو كان حتما عليه لما استوجب بفعل ما شكرا أو حمدا ~~فإنه في فعله قضى ما وجب عليه وما استوجب عبد بطاعته ثوابا وتفضيلا فإنه في ~~طاعته قضى ما وجب عليه ومن قضى دينه لم يستوجب شيئا آخر . ومنها قولهم نحن ~~فرضنا الكلام في إنظار إبليس وإمهاله أكان صلاحا له وللخلق أم كان فسادا ~~وفي إماتة النبي صلى الله عليه وسلم هل كان صلاحا له وللخلق أم فسادا فإن ~~كان تبقية إبليس صلاحا مع إضلاله الخلق فهلا كان تبقية النبي صلى الله عليه ~~وسلم صلاحا مع هدايته للخلق وكيف صار الأمر بالضد من ذلك . ومنها قولكم ~~أنكم حسبتم التكليف لتعريض المكلف للثواب الدائم وإذا علم الرب أنه لو ~~اخترم العبد قبل البلوغ وكمال العقل لكان ناجيا ولو أمهله وسهل له النظر ~~لعند وكفر وجحد فكيف يستقيم أن يقال أراد به الصلاح والأصلح ومن المعلوم أن ~~المقصود من التكليف عند القوم الصلاح والتعريض لا معنى الدرجات التي لا ~~تنال إلا بالأعمال فيجب أن يكون الرب مسيئا للنظر لمن ms258 خلقه وأكمل عقله ~~وكلفه مع العلم بأنه يهلك ويخسر ولزم من حيث الحكمة أن يكون علمه مانعا له ~~عن إرادته والتعريض لمن هذه حاله بالنفع والثواب وفي العادة كل من عرف من ~~حال ولده أنه لو سافر واتجر في مال يعطيه لهلك وخسر لا يحسن من حيث العقل ~~أن يبعثه لأجل PageV01P227 التجارة ويعطيه المال لأجل الخسارة ولو علم من ~~ولده أنه لو أعطاه سيفا وسلاحا ليقاتل عدوا من أعدائه لقتل نفسه ويبقى ~~السلاح لعدوه لم يكن من الحكمة أن يعطيه السلاح ويبعثه للقاء عدوه البتة بل ~~لو فعل ذلك كان ساعيا في هلاك ولده . ومن مذهبهم أن الرب تعالى لو علم أنه ~~لو أرسل رسولا إلى خلقه وكلفه الأداء عنه مع علمه بأنه لا يؤدي فإن علمه به ~~يصرفه عن إرادته الأداء عنه فكذلك لو علم أنه يكفر ويهلك وجب أن يصرفه عن ~~إرادته الخير والصلاح له وهذا بمثابة من أدلى حبلا إلى غريق ليخلص به نفسه ~~مع العلم بأنه يخنق نفسه فقد أساء النظر له بل قصد به هلاكه . ومن مذهبهم ~~أن الرب إذا علم أن في تكليفه عبدا من العباد فساد الجماعة فإنه يقبح ~~تكليفه لأنه استفساد لمن يعلم أنه يكفر عند تكليفه . ومن الإلزامات أن ~~القوم قضوا بأن الرب تعالى قادر على التفضل بمثل الثواب فأي غرض في تعريض ~~العباد للبلوى والمشاق . قالوا الغرض فيه أن استيفاء المستحق أهنأ وألذ من ~~قبول التفضل وهذا كلام من لم يعرف الله حق معرفته وكيف يستنكف العبد وهو ~~مخلوق مربوب من قبول فضل الله تعالى فلو خلق الخلق وأسكنهم الجنة كان حسنا ~~منه ولو خلقهم في الدنيا ثم أماتهم من غير تكليف كان حسنا ' ألا له الخلق ~~والأمر تبارك الله رب العالمين ' أليس لو خلقهم وكلفهم وقطع عنهم الألطاف ~~كانوا أبلغ في الاجتهاد وأحمل للمشاق فكان الثواب لهم أكثر والالتذاذ بما ~~يستحقونه من العوض أشد فهلا قطع عنهم الألطاف بأسرها لتكون اللذة في الثواب ~~أوفر . ثم نلزمهم فرض الكلام في ms259 طفلين أحدهما اخترمه قبل البلوغ لعلمه بأنه ~~لو بلغ لكفر فصار الصلاح في حقه الاخترام حتى لا يستوجب عقاب النار والآخر ~~أوصله إلى البلوغ والتكليف فكفر فيقول يا رب هلا اخترمتني قبل البلوغ كما ~~اخترمت أخي حتى لا يتوجه على تكليف يوجب عقاب الأبد وطفلين آخرين اخترم ~~أحدهما قبل البلوغ وهو ابن كافر وقد علم أنه لو بلغ لأمن وأصلح والآخر ~~أوصله إلى البلوغ وهو ابن مسلم فكفر وأفسد فيقول هلا اخترمتني حتى لا ~~أستوجب عقاب الأبد وبالجملة من أوجب رعاية الصلاح والأصلح يوجب اخترام ~~الأطفال الذين علم الله تعالى منهم الكفر بعد البلوغ حتى لا يوجد كافر في ~~العالم وإبقاء الأطفال الذين علم الله تعالى منهم الإيمان حتى لا يتحقق إلا ~~الإيمان والمؤمن في العالم والصلاح يدور على المعلوم كيف كان ثم ما من أصلح ~~إلا وفوقه أصلح والاقتصار على مرتبة واحدة كالاقتصار PageV01P228 على ~~الصلاح فلا معنى للأصلح ولا نهاية له ولا يمكن في العقل رعايته . ثم ~~للمعتزلة في الآلام وأحكامها كلام وهو على مذهب الأشعري لا تقع مقدورة لغير ~~الله وإذا وقعت كان حكمها الحسن سواء وقعت ابتداء أو وقعت جزاء من غير ~~تقدير سبق استحقاق عليها ولا تقدير جلب نفع ولا دفع ضرر أعظم منها بل ~~المالك متصرف في ملكه كما شاء سواء كان المملوك بريا أو لم يكن بريا ومن ~~صار من الثنوية إلى أن الآلام والأوجاع والغموم منسوبة إلى الظلمة من دون ~~النور فقد سبق الرد عليهم ومن نسبها إلى أعمال سبقت لغير هذا الشخص فهو ~~مذهب التناسخية فقد سبق الرد عليهم بقي استرواح العقلاء إلى أهل العادة ~~يستقبحون الآلام من غير سبق جناية والآلام مما يأباه العقل وإذا اضطر إليه ~~رام الخلاص منه فدل ذلك على قبحه ونحن لا ننازعهم في أن الآلام ضرر وتأباه ~~النفوس وتنفر منه الطباع ولكن كثيرا من الآلام مما ترضاه النفوس وترغب إليه ~~الطباع إذا كان ترجو فيها صلاحا هو أولى بالرعاية مثل الحجامة والصبر على ~~شرب الدواء رجاء ms260 للشفاء ونرى كثيرا إيلام الصبيان والمجانين وشرط العوض فيه ~~يزيد في قبحه والمالك قادر على التفضل بحسن العوض عالم بأن الصلاح في ~~الإيلام وبالجملة هو المتصرف في ملكه له التصرف مطلقا كما شاء يفعل ما يشاء ~~ويحكم ما يريد . وللفريقين في التوفيق والخذلان والشرح والطبع وأمثالها ~~كلام على طرفي الغلو والتقصير والحق بينهما دون الجائز منهما . قالت ~~المعتزلة التوفيق من الله تعالى إظهار الآيات في خلقه الدالة على وحدانيته ~~وإبداع العقل والسمع والبصر في الإنسان وإرسال الرسل وإنزال الكتب لطفا منه ~~تعالى وتنبيها للعقلاء من غفلتهم وتقريبا للطرق إلى معرفته وبيانا للأحكام ~~تمييزا بين الحلال والحرام وإذ فعل ذلك فقد وفق وهدى وأوضح السبيل وبين ~~المحجة وألزم الحجة وليس يحتاج في كل فعل ومعرفة إلى توفيق مجرد وتسديد ~~منجز بل التوفيق عام وهو سابق على الفعل والخذلان لا يتصور مضافا إلى الله ~~تعالى بمعنى الإضلال والإغواء والصد عن الباب وإرسال الحجاب على الألباب إذ ~~يبطل التكليف به ويكون العقاب ظلما . قالت الأشعرية التوفيق والخذلان ~~ينتسبان إلى الله تعالى نسبة واحدة على جهة واحدة فالتوفيق من الله تعالى ~~خلق القدرة الخاصة على الطاعة والاستطاعة إذا كانت عنده مع الفعل وهي تتجدد ~~ساعة فساعة فلكل فعل قدرة خاصة والقدرة على الطاعة صالحة لها دون ضدها من ~~المعصية فالتوفيق خلق تلك القدرة المتفقة مع الفعل والخذلان خلق قدرة ~~المعصية وأما الآيات في الخلق فنسبتها إلى الموفق كنسبتها إلى المخذول ~~والقدرة الصالحة للضدين أعني الخير والشر إن كانت توفيقا بالإضافة إلى ~~PageV01P229 الخير فهي خذلان بالإضافة إلى الشر . والقصد بين الطريقتين أن ~~يقسم التوفيق قسمة عموم وخصوص على عموم الخلق وخصوصهم فعموم الخلق في توفيق ~~الله تعالى الشامل لجميعهم وذلك نصب الأدلة والأقدار والاستدلال وإرسال ~~الرسل وتسهيل الطرق لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وخصوص الخلق في ~~توفيق الله الخاص لمن علم منه الهداية وإرادته الاستقامة وذلك أصناف لا ~~تحصى وألطاف لا تستقصى تبتدئ من كمال الاعتدال في المزاج أحدهما من جهة ~~الطبيعة ms261 طينا والثاني من جهة الشريعة خلالا وهذا في النطفة الحاصلة من ~~الأبوين وعلتها النقش الأول من السعادة والشقاوة كما قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم السعيد من سعد في بطن أمه والشقي من شقي في بطن أمه ثم ~~التربية من الأبوين أو من الأستاذ أو من المعلم أو من أهل البلد وذي ~~القرابة والخلطة معونة أخرى قوية حتى ربما يغير الاعتدال من النقص إلى ~~الكمال وعن الكمال إلى النقص وعلة النقش الثاني من الفطرة والاحتيال كما ~~قال عليه السلام فطر الله العباد على معرفته فاحتالتهم الشياطين عنها وقال ~~كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه ثم الاستقلال ~~بحالة البلوغ وكمال العقل يحتاج إلى قوي استمداد من التوفيق وذلك مزلة ~~الأقدام ومجرة الأقلام فالتوفيق فيها من الله أن لا يكله إلى نفسه مما هي ~~عليها من الاستقلال والاستبداد والخذلان أن يخذله ويكله إلى نفسه وحوله ~~وقوته وعن هذا كان التبري من الحول والقوة بقولهم لا حول ولا قوة إلا بالله ~~واجبا في كل حال وذلك مطردة الشياطين إذ يدخل احتيال الشيطان تغريره بحوله ~~وقوته والفطرة هي الاحتياج إلى الله تعالى والتسليم لله والتوكل على الله ~~إذ لا حول ولا PageV01P230 قوة إلا بالله وذلك كنز من كنوز الجنة وهذه ~~الحالة أعني حالة البلوغ والاستقلال هي مثار القوى الحيوانية منها الغضبية ~~والشهوية قال الصديق الأول يوسف عليه السلام وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة ~~بالسوء إلا ما رحم ربي وذلك عند مثار القوى الشهوية ووكز الكليم عليه ~~السلام ذلك القبطي فقضى عليه فقال هذا من عمل الشيطان وذلك عند مثار القوة ~~الغضبية وتبرأ الرسول عليه السلام من القوتين جميعا فقال في كل حال اللهم ~~واقية كواقية الوليد رب لا تكلني إلى نفسي طرفة عين وعلى هذه الحالة النفس ~~الثالثة وهي تمتد إلى آخر العمر فلا تزيده مواعظ الشرع ترغيبا وترهيبا ولا ~~تجانبه مواقع التقدير تنبيها وتحذيرا فإن انفتح سمعه لمواعظ الشرع وبصره ~~لمجاري التقدير انشرح صدره للإسلام فهو على نور ms262 من ربه وإن جعل إصبعه في ~~أذنيه فلم يسمع الآيات إلا مرية وأسبل جفنه على عينيه فلم يبصر الآيات ~~الخلقية صار على ظلمة من طبعه وذلك الطبع والختم بل طبع الله عليها بكفرهم ~~ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة وربما يكون الختم ~~والطبع من قساوة في جوهر جبلية اكتسبها من أصل فطرته فالتقدير مصدر ~~والتكليف مظهر والكل مقدر والمقدر ميسر لما خلق له فالحاصل أن الموكول إلى ~~حوله وقوته في خذلان الله تعالى والتوكل على حول الله وقوته في توفيق الله ~~تعالى فعلى رأي القدرية العبد أبدا في الخذلان إذ هو موكول إلى حوله وقوته ~~ولم يستعن بالله ولم يتوكل على الله فعلى رأي الجبرية العبد أبدا في ~~الخذلان إذ هو خاذل نفسه عن امتثال أمر الله تعالى لم يعبد الله ولم يحفظ ~~حدود الله تعالى . والحق الذي لا غبار عليه إياك نعبد محافظة على العبودية ~~وإياك نستعين استعانة بالربوبية والتوفق والخذلان والشرح والطبع والفتح ~~والختم والهداية والضلال ينتسب إلى الله تعالى بشرط أن يكون أحق الاسمين به ~~أحسن الاسمين ' ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها ' PageV01P231 وأولى ~~الفعلين بحكمه وتقديره أولى الفعلين وجودا وأجدرهما حصولا ' بيدك الخير إنك ~~على كل شيء قدير ' اللهم من أحسن فبفضلك يفوز ومن أساء فبخطيته يهلك لا ~~المحسن استغنى عن رفدك ومعونتك ولا المسيء عليك ولا استبد بأمر خرج به عن ~~قدرتك فيا من هكذا لا هكذا غيرك صل على محمد وعلى آله افعل بي ما أنت أهله ~~إنك أهل لكل جميل . والقول في النعمة والرزق قريب مما ذكرناه فمن راعى ~~فيهما عموما قال النعمة كل ما ينعم به الإنسان في الحال والمال والرزق كل ~~ما يتغذى به من الحلال والحرام وقد سماها الله تعالى باسمها فقال ' وإذا ~~أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه ' وما من دابة في الأرض إلا على الله ~~رزقها ومن راعى فيهما خصوصا قال النعمة في الحقيقة ما يكون محمود العاقبة ~~وهو مقصور على الدين قال الله تعالى فيهم ms263 ' أيحسبون أنما نمدهم به من مال ~~وبنين نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون ' والرزق في الحقيقة ما يكون ~~مباحا شرعا قال الله تعالى ' أنفقوا مما رزقناكم ' والحرام لا يجوز الإنفاق ~~منه وكلا القولين صحيح إذا اعتبر فيهما الخصوص والعموم ولا مشاحه في ~~المواضعات والشكر على النعم والأرزاق واجب وهو أن تراها بقلبك من المنعم ~~فضلا فتحمده قولا ولا تستعملها في المعاصي فعلا والأرزاق مقدرة على الآجال ~~والآجال مقدورة عليها ولكل حادث نهاية ليس تختص النهايات بحياة الحيوانات ~~وما علم الله إن شاء ينتهي عند أجل معلوم كان الأمر كما علم وحكم فلا يزيد ~~في الأرزاق زائد ولا ينقص منها ناقص فإذا جاء أجلهم لا يتأخرون ساعة ولا ~~يستقدمون وقد قيل أن المكتوب في اللوح المحفوظ حكمان حكم مطلق بالأجل ~~والرزق وحكم مقيد بشرط إن فعل كذا يزاد في رزقه وأجله وإن فعل كذا نقص ~~منهما كذا وعليه حمل ما ورد في الخبر من صلة الرحم يزيد في العمر وقد قال ~~تعالى ' وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب ' وقوله ' يمحو ~~الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب ' . PageV01P232 # | القاعدة التاسعة عشر في إثبات النبوات وتحقيق المعجزات ووجوب عصمة ~~الأنبياء عليهم السلام # صارت البراهمة والصابئة إلى القول باستحالة النبوات عقلا وصارت المعتزلة ~~وجماعة من الشيعة إلى القول بوجوب وجود النبوات عقلا من جهة اللطف وصارت ~~الأشعرية وجماعة من أهل السنة إلى القول بجواز وجود النبوات عقلا ووقوعها ~~في الوجود عيانا وتنتفي استحالتها بتحقيق وجودها كما ثبت تصورها بنفي ~~استحالتها . فقالوا بم يعرف صدق المدعي وقد شاركناه في النوعية والصورة ~~أبنفس دعواه وقد علم أن الخبر محتمل للصدق والكذب أم بدليل آخر يقترن به ~~وذلك الدليل إن كان مقدورا له فهو أيضا مقدورنا وإن لم يكن مقدورا له ولكنه ~~مقدور بقدرة الله تعالى فلا يخلو إما أن يكون فعلا معتادا ولا يختص ذلك ~~بهذا المدعي فلا يكون دليلا وإن كان فعلا خارقا فمن أي وجه يدل على صدقه ms264 ~~والفعل من حيث هو فعل لا يدل على الاختصاص بشخص معين سوى اقترانه بنفس ~~دعواه وللاقتران أسباب أخر محتملة كما لخرق العادات أحوال مختلفة وإذا ~~احتملت الوجوه عقلا لم تتعين جهة الدلالة فانحسم باب الدليل من كل وجه أما ~~نفس الإقتران فربما لا يتفق في بعض الأحوال إذ الفعل فعل الله تعالى وهو ~~منوط بمشيئته فكيف يوجب المعدي على الله فعلا يفعله في PageV01P233 تلك ~~الحال وليس يدعي النبي على أصلكم هذه الدعوى التي قدرتموها فإنه يحيل خلق ~~الآيات على مشيئة الله تعالى كما أخبر كتابكم ' قل إنما الآيات عند الله ~~وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون ' وكم من نبي سئل إظهار الآية فلم يظهر ~~في الحال على يده فلئن كان ظهور الآية في بعض الأوقات دليلا على صدقه فعدم ~~ظهورها في بعض الأوقات يجب أن يكون أيضا دليلا على كذبه وليس الأمر كذلك ~~على أصلكم فإذا قال واحد من عرض الناس وهو مجهول الحال عند الكل إني رسول ~~الله إليكم فطولب بالآية وجب عليه التضرع إلى الله في استدعاء الآية ~~الخارقة للعادة على مقتضى الدعوى ووجب على الله إجابته في الحال إلى ذلك ~~كان الإيجاب أولى على الله ورسوله من الخلق وهو عكس ما رمتم إثباته ثم ~~مسئلة النظر والاستمهال فيه يفضي إلى إفحام الأنبياء فإنه إذا ادعى الرسالة ~~فقال المدعو العلم بالرسول يترتب على العلم بالمرسل والعلم به ليس يقع ~~بديهة وضرورة فلا بد من نظر واستدلال في أفعاله استدلالا بتغيرها على ~~حدوثها وبحدوثها على ثبوت محدثها ثم النظر في قدمه ثم النظر في وحدانيته ثم ~~النظر في صفاته الواجبة له والجائزة عليه وما يستحيل في صفته وبعد ذلك ينظر ~~في جواز انبعاث الرسل ثم في معجزة هذا المدعي بعينه . فيقول أمهلني حتى ~~أنظر في هذه الأبواب وأقطع هذه المراتب فهل يجب على النبي إمهاله أم لا فإن ~~لم يمهل فقد ظلمه إذ كلفه ما لا يطيق وذلك أن العلم إذا لم يحصل إلا بالنظر ~~والنظر يستدعي مهلة ms265 وزمانا ولم يمهله فقد ظلمه وأمره بمجرد التقليد ~~والتقليد إما كفر وإما قبيح وإذا أمهله فيلزمه أن لا يعود إليه حتى ينتهي ~~النظر نهايته ولا يتقرر ذلك بزمان معين بل يختلف الحال باختلاف الأشخاص ~~وأذهانهم وكياستهم في مدارج النظر وأيضا فمن استمهل ووجب إمهاله يعطل النبي ~~عن الدعوة فإن عاد إليهم قالوا نحن بعد في مهلة النظر فليس لك علينا حكم ~~بعد الإمهال ولم يثبت عندنا صدقك فنتبعك ثم إذا كان النبي مبلغا عن الله ~~تعالى فلا بد وأن يسمع أمره وكلامه أولا ثم يبلغ عنه أو يسمع من سمع منه ~~فبم عرف النبي بأن المتكلم هو الله أو بم عرف أن المتوسط ملك يوحي إليه وبم ~~عرف ذلك الملك أن الرب هو الآمر المتكلم فما الجواب عن هذه المسئلة هذا ~~كلامنا على نفس الدعوى . أما الكلام على بينة الدعوى فنحن أولا ننكر ما ~~حكيتموه عن الأنبياء من قلب العصا حية وإحياء الموتى وفلق البحر وخروج ~~الناقة من الصخرة الصماء وتسبيح الحصا وانشقاق القمر فإن جنس ذلك مستحيل ~~الوجود فنحن أولا نمنع حصولها PageV01P234 فماذا دليلكم على وقوع ذلك ثم بم ~~تنكرون على من يرد الخوارق إلى خواص الأشياء فإنا نجد حصول أمثال ذلك من ~~الجمادات على يد من لا دين له كالأمطار التي تحصل من اصطكاك الأحجار ~~وكالرياح التي تهب من تحريك ما مخصوص ثم التعزيم والتنجيم والتبخير وعلم ~~الطلسمات واستسخار الروحانيات واستخدام الكواكب العلوية علوم معروفة والعمل ~~بها من العجائب المعجزة والغرائب المفحمة فما أنكرتم أن ما أتى به هذا ~~المدعي من جنس ذلك ثم الواجب عليكم أن تثبتوا وجه دلالة المعجزة على الصدق ~~فإنه من حيث هو فعل دل على قدرة الفاعل فقط من هذا الوجه لم يدل على صدق ~~قول المدعي من حيث اقترانه بدعواه لم يدل أيضا لأن اقترانه بدعواه كاقترانه ~~بحدوث حادث آخر من قول أو عمل ثم لم يدل نفس الاقتران على حق أو باطل فكيف ~~دل هاهنا وأيضا فإن عندكم يجوز خرق العادات ms266 على يدي مدعي الإلاهية ولم يدل ~~ذلك على صدق دعواه فكيف يدل على صدق دعوى النبوة . قال أهل الحق قام الدليل ~~على أن الرب تعالى خالق الخلق ومالكهم ومن له الأمر والخلق والملك له أن ~~يتصرف في عباده بالأمر والنهي وله أن يختار منهم واحدا لتعريف أمره ونهيه ~~فيبلغ عنه إليهم فإن من له الخلق والإبداع له الاختيار والاصطفاء ' وربك ~~يخلق ما يشاء ويختار ' فلا استحالة في هذه المراتب ولا استحالة في نفس ~~الدعوى ولا يضاهي استحالته استحالة دعوى الإلاهية بل هو من الجائزات ~~العقلية فله الواجبات الحكمية فبقي كون الخبر والدعوى على احتمال الصدق ~~والكذب وإنما ترجح الصدق على الكذب بدليل . وللمتكلمين طرق في إثبات المرجح ~~أحدها أن اقتران المعجزة بدعوى النبي نازل منزلة التصديق بالقول وذلك أنه ~~متى عرف من سنة الله تعالى أنه لا يظهر أمرا خارقا للعادة على يدي من يدعي ~~الرسالة عند وقت التحدي والاستدعاء إلا لتصديقه فيما يجري به واجتماع هذه ~~الأركان انتهض قرينة قطعية دالة على صدق المدعي فكان المعجزة بالفعل ~~كالتصديق شفاها بالقول ونحن نعلم قطعا في صورة من يدعي الرسالة من ملك حاضر ~~محتجب بستر والجماعة على كثرتها حضور ثم إن رجلا من عرض الناس إذا قام بين ~~يدي ذلك الجمع الكثير من الخلق وقال أيها الناس إني رسول هذا الملك إليكم ~~وآية صدقي في دعواي أنه يحرك هذا الستر إذا استدعيت منه ثم قال أيها الملك ~~إن كنت صادقا في دعواي الرسالة عنك فحرك هذا الستر فحرك في الحال علم قطعا ~~ويقينا بقرينة الحال أنه أراد بذلك الفعل تصديق المدعي ونزل التحريك منه ~~على خلاف العادة منزلة التصديق بالقول ولم يشك واحد من أهل PageV01P235 ~~الجمع أن الأمر على ما يجري به المدعي فكذلك في صورة مسئلتنا هذه فإذا ~~المرجح للصدق هي القرائن الحاصلة من اجتماع أمور كثيرة منها الخارق للعادة ~~ومنها كونه مقرونا بالدعوى ومنها سلامته عن المعارضة فانتهضت هذه القرائن ~~بمجموعها دالة على صدق المدعي نازلة منزلة التصديق بالقول ms267 وذلك مثل العلم ~~الحاصل من سائر القرائن أعني قرائن الحال وقرائن المقال . ووجه آخر الآية ~~الخارقة للعادة كما دلت بوقوعها على قدرة الفاعل وباختصاصها على إرادته ~~وبأحكامها على علمه كذلك دلت بوقوعها مستجابة لدعاء الداعي لا لدعوى المدعي ~~على أن له عند الله حالة صدق ومقالة حق ومن كانت دعوته مستجابة عند الله ~~يستحيل أن يكون في دعواه كاذبا على الله تعالى وهذا هو حقيقة النبوة وذلك ~~أن استجابته في أمور لا يقدر الخلق على ذلك دليل على صدق هذا الداعي ولو ~~قدر الداعي كاذبا في نفسه على الله أقبح كذب وهو الرسالة عنه بما لم يرسل ~~انقلب دليل الصدق دليلا على الكذب وهو متناقض ونحن لا ننكر أن يكون شخص من ~~الأشخاص مستجاب الدعوة ثم ينقلب حاله إلى حالة الأشقياء كما لا ننكر أن ~~يظهر خارق للعادة على يد ساحر لكن الشرط في الأمرين واحد وهو أن يكون ~~المدعي في حال ما يدعي مستجاب الدعوة بالآية حتى تكون الآية دالة على صدق ~~حالته ودرجته عند الله تعالى وإذا قدر كونه كاذبا انقلبت الدلالة على الصدق ~~دلالة على الكذب وهو محال لتناقضه وكما أن الوقوع إذا دل على القدرة لم يدل ~~على العجز والإحكام لما دل على العلم لم يدل على الجهل كذلك دليل الصدق لا ~~يجوز أن يكون دليلا على الكذب وهذه الطريقة أحسن من الأولى . ووجه آخر نقول ~~إن قرينة الصدق ملازمة لتحدي النبي الصادق عن الله تعالى وذلك أن المعجزة ~~تنقسم إلى منع المعتاد وإلى إثبات غير المعتاد أما المنع فكالجنس من ~~الحركات الاختيارية مع سلامة البنية وإحساس التيسير والثاني في مجرى العادة ~~ومثال ذلك تيه بني إسرائيل في قطع الطريق ومنع السحرة من التخييل وحصر ~~زكريا من الكلام المعتاد ويجوز أن يقدر صرف الدواعي عن المعارضة بمثل ما ~~جاء به النبي عليه السلام من جنس المعجزات وإن كان ذلك من قبيل مقدوراتهم ~~ولهذا عد بعضهم إعجاز القرآن من هذا القبيل وهو مذهب مهجور ويجوز أن يقدر ms268 ~~منع الناس عن التحدي بمثل ما تحدى به النبي من جنس المعجزات فلا يقدر أحد ~~على المعارضة بالدعوى فضلا عن معارضته بالخارق للعادة ويكون لهذه المعجزة ~~قرينة متصلة بنفس الدعوى حتى لا تخلو قط دعوى نبي من الأنبياء عن قرينة ~~الصدق ولا تتأخر الدلالة عن نفس التحدي وهذا أبلغ في باب الإعجاز فإن ~~المتصدي للمعارضة يحس PageV01P236 من نفسه عجزا مع استمرار عادته بمثل ذلك ~~التحدي فيقول النبي إني رسول الله إليكم وآية صدقي أن لا يعارضني معارض في ~~نفس دعواي هذه والنفوس متطلعة والألسن سليمة والدواعي باعثة فتتحير العقول ~~وتنحصر الألسن وتتراجع الدواعي وتنمحق الدعاوي لست أقول لا ينكره منكر بل ~~أقول لا يعارضه معارض بمثل التحدي والدعوى فيقول لا بل إني رسول الله إليكم ~~ولهذا لم نجد في قصص الأنبياء من عارضهم بمثل دعواهم في حال التحدي ولا ~~استمرت هذه الدعوى لأحد من بعدهم ولا يلتفت إلى ما يحكى عن مسيلمة الكذاب ~~أنه ادعى الرسالة عن الله تعالى فإن من كتب إلى نبي الله أما بعد فإن الأرض ~~بيني وبينك نصفين لم يكن معارضا له في نفس دعواه بل مسلما له من وجه ~~ومتحكما من وجه ومن ادعى الرحمانية في الحالة الثانية لم يكن ثابت القدم ~~على الدعوى الأولة وكان من حقه لو كان متنازعا له أن يقول إني عبد الله ~~ونبيه لا شريك الله في الرحمانية وشريك رسوله في الأرض فاعرف هذه الدقيقة ~~فإن فيها سرا وغورا . ثم الجواب عن شبهات المنكرين أن نقول قولكم أن اقتران ~~المعجزة بدعوى المدعي لا ينتهض دليلا على صدقه فإن نفس الاقتران بالإضافة ~~إلى دعواه أو إلى غيرها من الأفعال أو الأقوال بمثابة واحدة . فنقول سبيل ~~تعريف الله تعالى عباده صدق الرسل بالآيات الخارقة للعادة كسبيل تعريفه ~~إياهم إلاهيته بالآيات الدالة عليها والتعريف قد يكون بالقول تارة وقد يكون ~~بالفعل أخرى والتعريف بالقول قد يكون إخبارا عن صدقه كقوله تعالى للملائكة ~~' إني جاعل في الأرض خليفة ' وقد يكون تنبيها على صدقه بتعجيز ms269 الخلق عن ~~معارضته كما علم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة وكما علم المصطفى ~~القرآن وقال ' فأتوا بسورة من مثله ' فكما عجزت الملائكة عن معارضة آدم ~~بالأسماء عجزت العرب والعجم عن معارضة المصطفى بآيات القرآن ودلت الأسماء ~~والآيات على صدق النبي الأول والنبي الآخر ولما ثبت صدق الأول كان مبشرا ~~بمن بعده إلى الآخر ولما ثبت صدق الآخر كان هو مصدقا لمن قبله إلى الأول ~~فكانت الأقوال متواصلة والعلوم متواترة والكلمات متفقة والدعوات متحدة ~~والكتب والصحف متصادقة والسيوف على رقاب المنكرين قائمة ومن اصطفاه الله عز ~~وجل لرسالته من عباده واجتباه لدعوته كساه ثوب جمال في ألفاظه وأخلاقه ~~وأحواله ما يعجز الخلائق عن معارضته بشيء من ذلك فيصير جميع حركاته ~~PageV01P237 معجزة للناس كما صارت حركات الناس معجزة لمن دونهم من ~~الحيوانات ويكون مستتبعا جميع نوع الإنسان كما صار الإنسان مستسخرا جميع ~~أنواع الحيوان ' والله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس رسلا مبشرين ~~ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ' ونعيد ما أبديناه آنفا . ~~فنقول أنتم معاشر الصابئة والبراهمة المعولون على مجرد العقول وقضاياها ~~وافقتمونا ولم يحتج بالموافقة بل قام الدليل الواضح على أن لله تعالى تصرفا ~~في عباده بالتكليف والأمر وعلى حركاتهم بالإحكام والحدود ومن القضايا ~~العقلية أن نوع الإنسان يحتاج إلى اجتماع على نظام وصلاح وإن ذلك الاجتماع ~~لن يتحقق إلا بتعاون وتمانع وإن ذلك التعاون والتمانع لن يتصور إلا بحدود ~~وأحكام وإن تلك الحدود والأحكام تجب أن تكون موافقة لحدود الله وأحكامه وإن ~~كل من دب ودرج ليس يتلقى من الله حدوده وأحكامه ولا له أن يضع من عند نفسه ~~حدودا وأحكاما فلزم العقل ضرورة أن يكون بين الناس شرع يفرضه شارع يتلقى من ~~الله وحيا وينزله تنزيلا على عباده وهذه قضايا عقلية بيننا وبينكم وإنما ~~حقيقة القول إيل إلى تعيين الشارع . فنقول لن يتحتم على الله تعالى تعريف ~~صدق من اصطفاه لرسالته وتعيين شخص من اجتباه لشريعته فإنه يؤدي إلى التعجيز ~~وإلى تكليف ما ms270 لا يطاق وهو كما لو كلف عباده بمعرفته ثم يطمس عليهم وجوه ~~أدلته وإذ لا طريق إلى التصديق إلا بالقول والفعل ولا طريق إلى ذلك بالقول ~~تعين الفعل ولربما يعرف الملائكة بالقول ويعرف الناس بالفعل ولربما يعرف ~~النوعين بهما جميعا أعني تعريفهما بفعل نازل منزلة القول أو بقول دال دلالة ~~الفعل وليس ذلك التعريف إيجابا عليه تعالى وتقدس بل وجوبا له حتى لا يؤدي ~~إلى التعجيز في نصب الأدلة وحتى لا يفضي إلى التكذيب في خبر الاستخلاف وحتى ~~لا يكون على الله حجة بعد الرسل بتكليف ما لا يطاق فيقال ' ربنا لولا أرسلت ~~إلينا رسولا ' وإذا أرسلت فهلا بنيت لنا طريقا ودليلا يتوصل به إلى صدقه ~~ويتوصل بتصديقه إلى معرفتك وطاعتك . وقولكم أن الرسول يحيل نزول الآية إلى ~~مشيئة الله تعالى قلنا تلك الحوالة من أدل الأدلة على صدق المقالة إذ لو ~~ادعى الاستقلال بإظهار الآيات ما كان مخبرا عن الله تعالى بأمره ولا داعيا ~~إلى الله بإذنه فهو في كل حال من الأحوال يثبت حق موكله ويظهر العجز من ~~نفسه ويحيل الحول والقوة إلى مرسله وكان الفصل الذاتي لنفس النبي ~~PageV01P238 عليه السلام أن لا يكون موكولا لنفسه طرفة عين فلا ينطق عن ~~الهوى ولا يتحرك إلا على متن الهدى وذلك هو العصمة الإلهية المقيمة لنفسه ~~المقومة لذاته ولئن كان النطق فصلا ذاتيا لنوع الإنسان ' فما ينطق عن الهوى ~~إن هو إلا وحي يوحى ' فصل ذاتي لنفس النبي عليه السلام أعرف الإشارة ولا ~~تؤاخذني بالعبارة ونقول أنتم معاشر الصابئة سلمتم بنبوة عاذيمون وهرمس وهما ~~شيث وإدريس عليهما السلام فبم عرفتم صدقهما أبمجرد الدعوى والخبر أم بدليل ~~ونظر وكل ما قدرتموه دليلا في حق شخص واحد ثبتت به نبوته أو على الجملة ~~صدقه في جميع أقواله فهو دليل المخبر الثاني والثالث وإن أحلتم الرسالة في ~~الصورة البشرية فهما بشر مثلكم وأنتم مخبرون عنهما بشر مثلنا . فإن قلتم ~~أنهما كانا حكيمين عالمين لا نبيين مرسلين قيل وبم وجب عليكم اتباعههما ~~والمحافظة على ms271 حدودهما وإحكامهما وانتهاج مناهجهما في الدعوات والصلوات ~~والصيام والزكوات وقد تساوت أقدامكم في العقول والأنفس وتشابهت صوركم في ~~البشرية والإنسانية . ومن عجب ما يلزم منكري النبوة أن من أنكر النبوة فقد ~~أقر بها من حيث أنكرها فإن النبوة لا معنى لها إلا الخبر عن الله تعالى ~~بأنه أرسل رسولا ومن أنكر فقد ادعى أنه مخبر عن الله أنه لم يرسل رسولا فقد ~~ادعى الرسالة لنفسه فكان إنكاره إقرارا وعاد إنكاره تسليما ومن سلم أن لله ~~على عباده تكليفا وأمرا فقد سلم أنه يرسل رسولا وإنما النزاع وقع في أن ~~الرسالة هل تتصور في الصورة البشرية ' وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم ~~الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا ' وإذا بينا أن البشرية لا تنافي ~~الرسالة فقد أثبتنا جواز انبعاث الرسل والصابئة سلموا الرسالة للروحانيات ~~وأوجبوا التوجه إلى هياكلها من الكواكب السبعة وعملوا الأشخاص على صورة ~~الهياكل فتقربوا إليها وذلك عود إلى الصورة والأصنام والحنفاء سلموا ~~الرسالة للجسمانيات وأوجبوا التوجه إلى أشخاصهم ولم يتخذوا أصناما آلهة ولا ~~اعتقدوا النبيين أربابا لكنهم قالوا لهم طرفان بشرية ورسالة ' قل سبحان ربي ~~هل كنت إلا بشرا رسولا ' فبطرف البشرية يشاكل نوع الإنسان ويشاركه فيأكل ~~ويشرب وينام ويستيقظ ويحيى ويموت وبطرف الرسالة يشاكل نوع الملائكة ويشاركه ~~فيسبح ويقدس ويبيت عند ربه فيطعمه ويسقيه وتنام عيناه ولا ينام قلبه ويموت ~~قالبه ولا يموت روحه والمناظرة بين الفريقين في أول PageV01P239 الزمان ~~كانت قائمة وقد أظهرها الخليل صلى الله عليه وسلم حيث قال ' إني بريء مما ~~تشركون إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين ' ~~وبذلك أمر خاتم النبيين عليه السلام قال علي ملة أبيكم إبراهيم وقال إني ~~أمرت أن أكون أول من أسلم وقال إني وجهت وجهي الآية وغيرها من الآيات وفيه ~~فصول كثيرة ذكرناها في كتاب الملل والنحل . وأما الجواب عن مسئلة إمهال ~~النظر وإفحام الأنبياء فإنما يلزم الإفحام على من قال بالمهلة ويجب على ~~النبي إمهال النظر وذلك مذهب ms272 المعتزلة وأما من قال بأنه لا يمهله ولا يجب ~~عليه أن يمهله بل يجيب بأني جئت لأرفع المهلة وأرشدك إلى معرفة المرسل بأن ~~أخبر عنك بما لا يمكنك إنكاره وهو احتياجك إلى صانع فاطر حكيم إذ كنت تعرف ~~ضرورة أنك لم تكن فكنت وما كنت بنفسك بل بكون غيرك وهذه هي ابتداء الدعوة ~~بيا ' أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون ' ~~فكيف يمهله ويكله إلى نفسه وهو مأمور بدعوة الناس إلى التوحيد والمعرفة ~~حالة فحالة وشخصا فشخصا والاستمهال إنما يتوجه إذا خلت الدعوة عن الحجة ~~الملزمة والدلالة المفحمة فإن من تحققت رسالته عنه في نفسها وتصدى لدعوة ~~الناس إلى وحدانية الله تعالى لا يخلى دعوته عن الدلالة على التوحيد أولا ~~ثم يتحدى بالرسالة عنه ثانيا اعتبر حال جميع الأنبياء عليهم السلام في ~~دعوتهم أما آدم أبو البشر فقد ثبت صدقه بإخبار الله تعالى ملائكته ' إني ~~جاعل في الأرض خليفة ' فلم يكن في أول زمانه من كان مشركا فيدعوه إلى ~~التوحيد وحين أمروا بالطاعة فمن صدق الله تعالى في خبره فسجد له بأمره ومن ~~لم يسجد فكأنه لم يصدق فاستحق اللعنة وهو أول من كفر وأما نوح عليه السلام ~~فأول كلامه مع قومه ' أن اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ' فأثبت التوحيد ~~ثم النبوة فقال ' أو عجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم ' ~~وأما هود بعده فقال ' يا قوم اعبدوا الله PageV01P240 ما لكم من إله غيره ' ~~ثم قال ' ولكني رسول من رب العالمين ' أثبت التوحيد ثم النبوة أما صالح ~~بعده قال ' يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ' ثم قال ' قد جاءتكم ~~بينة من ربكم ' وأما لوط فإنه كان يدعو الناس بدعوة الخليل وما جرى بينه ~~وبين قومه من عبدة الأوثان والكواكب من أظهر ما يتصور ' وقال أتعبدون ما ~~تنحتون والله خلقكم وما تعملون ' وقال لأبيه آزر ' أتتخذ أصناما آلهة يا ~~أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني ms273 عنك شيئا ' ثم أثبت الرسالة فقال ~~' يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطا سويا ' ~~وكانت الدعوة جارية على لسان أولاده إلى زمن موسى عليه السلام وكان من شأنه ~~مع فرعون ما كان إذ قال له فرعون وما رب العالمين فمن ربكما يا موسى حتى ~~حقق عليه التوحيد بتعريف وحدانيته استدلالا من أفعاله عليه في جواب وما رب ~~العالمين قال رب السموات والأرض وما بينهما وفي جواب من ربكما قال ' ربنا ~~الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى ' ثم قال بعد ما قرر التوحيد ' إني رسول من ~~رب العالمين ' فمن كان منكرا للتوحيد وجبت البداية معه بإثباته ومن كان ~~مقرا به وجبت به البداية معه بإثبات النبوة كحال عيسى مع بني إسرائيل إذ ~~قال ' قد جئتكم ببينة من ربكم ' ولما كانت دعوة سيد البشر محمد صلى الله ~~عليه وسلم أكمل ورسالته أرفع وأجل كان يبتدئ تارة مع عبدة الأصنام بإثبات ~~التوحيد ثم بالنبوة ' يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم ' أثبت ~~احتياجهم ضرورة إلى فاطر وشاركهم في PageV01P241 ذلك من قبلهم والذين من ~~قبلكم كما قرر احتياجهم إلى الخالق في وجودهم قرر احتياجهم إلى رازق في ~~بقائهم ' الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء ' الآية ثم قرر بعد ذلك ~~نبوته ' وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله ' الآية ~~بمعناها دالة على التوحيد وبظاهر لفظها البليغ ونظمها الأنيق دالة على صدق ~~دعواه وتحديه ولربما يبتدئ بدعوى الرسالة ثم يضمنها حقائق التوحيد ' يا ~~أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك السموات والأرض لا إله ~~إلا هو يحيي ويميت ' الآية حتى كانت الآية بعذوبة ألفاظها ورطوبة عباراتها ~~الخارجة عن نظم الشعراء ونثر الفصحاء الخارقة لعاداتهم الجارية وعباراتهم ~~الفائقة أوضح دلالة على رسالته وصدق لهجته وكانت معانيها الحقيقية وحقائقها ~~المعنوية دالة على التوحيد واقترنت الدلالتان اقترانا لا يمكن للمستمع ~~الاستمهال وليس ذلك أمرا بالتقليد فإن التقليد قبول قول الغير من غير حجة ms274 ~~وفيها تقرر حجتان مفحمتان وإنما لم يلزم تكليف ما لا يطاق إذا لم يكن ~~المستمع متمكنا من الاستماع والنظر والتدبر في كل ما يستمعه ويعقله حتى لو ~~أنكره ظهر عناده وبطل استرشاده هذا هو طريق الدعوة النبوية والحجة العقلية ~~لا كما زعمت المعتزلة أن المستمع إذا استمهل وجب على النبي إمهاله فيلزمهم ~~أن لا تثبت لنبي ما رسالة ولا يستمر لرسول ما دعوة فإن كل عاقل إذا استمهل ~~وأمهل تعطلت النبوة في الحال وصار منتظرا مدة الإمهال حتى يعود إليه الدعوة ~~وإن يلزم العود إليه وبعد لم تثبت عنده نبوته بل يعود جبريل عليه السلام ~~ويقول قم فأنذر فيقوم إلى المستجيب فيقول أنت أمهلتني وأنا بعد في مهلة ~~النظر والنظر طريق المعرفة فتريد تصدني عن الطريق فأنت قبل معرفتي من أنت ~~مضل ضال قاطع للطريق فيتخاصمان ويقتتلان ويؤول الإلزام إلى النبي قولا ~~وفعلا فيلزم المعتزلة القول بأن أول واجب على العاقل قتال النبي عليه ~~السلام وقتله وهذا مما لا محيص لهم عنه . لعقلية لا كما زعمت المعتزلة أن ~~المستمع إذا استمهل وجب على النبي إمهاله فيلزمهم أن لا تثبت لنبي ما رسالة ~~ولا يستمر لرسول ما دعوة فإن كل عاقل إذا استمهل وأمهل تعطلت النبوة في ~~الحال وصار منتظرا مدة الإمهال حتى يعود إليه الدعوة وإن يلزم العود إليه ~~وبعد لم تثبت عنده نبوته بل يعود جبريل عليه السلام ويقول قم فأنذر فيقوم ~~إلى المستجيب فيقول أنت أمهلتني وأنا بعد في مهلة النظر والنظر طريق ~~المعرفة فتريد تصدني عن الطريق فأنت قبل معرفتي من أنت مضل ضال قاطع للطريق ~~فيتخاصمان ويقتتلان ويؤول الإلزام إلى النبي قولا وفعلا فيلزم المعتزلة ~~القول بأن أول واجب على العاقل قتال النبي عليه السلام وقتله وهذا مما لا ~~محيص لهم عنه . وأما الجواب عن ردهم الخوارق إلى الخواص والتنجيم وعلم ~~السحر والطلسمات قلنا لا ينكر العاقل حصول العجائب من الخواص والعزائم لكن ~~أمثال هذه الغرائب ليست تخلو قط عن حيل كسبية تنضاف إليها من مباشرة ms275 فعل ~~وجمع شيء إلى شيء واختيار وقت وتعزيم قول وإعداد آلة واستعداد مادة ~~وبالجملة من PageV01P242 مزاولة فعل وقول من جهة المدعي بحيث يتبين للناظر ~~أن ذلك ليس فعلا لله تعالى أنشأه في الحال تصديقا لدعوته بخلاف المعجزة فإن ~~كل عاقل يعلم بالضرورة أن عظاما رفاتا رماما تجتمع فتحيا شخصا وتتشخص حيا ~~من غير معالجة من جهة المتحدي ولا مزاولة أمر عنه لا يكون ذلك إلا فعلا ~~وصنعا من الله تعالى يظهر منه قصده إلى تصديق رسوله فإنا قد ذكرنا أن الفعل ~~بتخصيصه ببعض الجائزات يدل على إرادة الفاعل فإذا فعله عقيب دعوته مقترنا ~~بدعواه وهو صادق في نفسه دل على قصده إلى تصديقه وتخصيصه لرسالته ولو قدر ~~ظهور مثل تلك المعجزة على يد كاذب لم يجز أن تقترن بدعواه النبوة بل يصرف ~~عنه داعيه الدعوى ضرورة حتى لا ينقلب الدليل شبهة ولا ينسحم الطريق على ~~قدرة الله تعالى في إظهار التصديق بالآيات وكما إذا اختص الفعل بوقت وقدر ~~وشكل دل على إرادة مخصصة بذلك الوقت والقدر والشكل ولن يقدر وقوعه اتفاقا ~~كذلك إذا اختص الفعل بوقت تحدي المتحدي دل ذلك على أنه إنما أراد تخصيصه ~~بالصدق وكما لم يختلف وجه الدليل على وجه تعلق الإرادة بتخصيص التصديق ~~فافهم هذه الدقيقة هذا كمن علم أن له عند الله دعوة مستجابة فدعا واستجيب ~~له علم ضرورة أن المجيب أراد تخصيصه بتلك الإجابة كرامة له وإنعاما عليه ~~ولم يقدح في علمه ذلك تجويز المجوز أن ذلك ربما يقع اتفاقا أو بسبب آخر ~~فإذا كان مثل ذلك معلوما في الجزيات لكل شخص شخص عرف مواقع نعم الله تعالى ~~على عبده وكان بصيرا بزمانه مقبلا على شأنه فما ظنك بحال من اصطفاه الله ~~تعالى من خليقته واجتباه من بريته وقد تبين أنه يخلق ما يشاء ويختار ما كان ~~لهم الخيرة من أمرهم . قال المنكرون ولنا أسئلة أخرى وجب عليكم الجواب عنها ~~منها أن الخارق للعادة إذا تكرر وتوالى صار معتادا بالاتفاق فما يؤمنكم في ~~الحالة ms276 الأولى أنه من المتكررات المعتادة في ثاني الحال وإن لم يوجد في ~~سابق الأحوال ألستم تشترطون أن يكون الخارق في زمن التكليف فإن في آخر ~~الزمان تنخرق العادات كلها فتتكور الشمس وتتكدر النجوم وتسير الجبال وتنشق ~~السماء وتزلزل الأرض فلو ادعى مدع أن هذه وأمثالها معجزاتي وهي بالاتفاق ~~خوارق لا تندرج تحت قوة البشر ولا يتوصل إليه بالحيل بل تمحضت فعلا لله ~~تعالى فلا يكون ذلك دليلا على دعوى هذا المدعي فالعاقل في زمن التكليف ربما ~~يتوقع أن تتوالى الآيات فلا يحصل له العلم بكونها آية على صدقه ما لم يأمن ~~التوالي والتعاقب بل PageV01P243 يورثه ذلك توقفا وتربصا . ومنها أن ~~العقلاء كما يجوزون وقوع أمثاله في ثاني الحال كذلك يجوزون وقوع أمثاله في ~~سالف الأيام أو في قطر آخر من الأقطار أو ظهور ذلك بفعل فاعل آخر وإن كانوا ~~عاجزين عن معارضته فربما لا يعجز غيرهم فعجزهم لا يدل على صدقه . ومنها أن ~~الشك في صدقه لكل واحد من الناس فيجب أن يكون الرافع للشك لكل واحد واحد ~~وعلى مقتضى ذلك يلزم أن يخصص كل واحد أو كل جمع غيب أو حضور بمعجزة خاصة ~~وليس ذلك شرطا على أصلكم بل عندكم المعجزة الواحدة لجماعة من أهل الخبرة ~~والبصيرة كافية ويلزم التصديق على غيرهم من أهل التقليد ولا يجب استمرار ~~المعجزة في كل زمن بل لو استمرت خرجت عن الإعجاز والتحقت بالمعتاد فماذا ~~يلزمنا تصديق الأنبياء الماضين ولم نجد في زماننا ما يدل على صدقهم وبما ~~يلزم أهل الأقطار في زمانه ولم يشاهدوا ما ظهر على يده من الآيات وهذا مشكل ~~. ومنها أنكم إذا جوزتم الإضلال على الله تعالى فما يشعركم أنه يظهر الآيات ~~على يدي كاذب ولا يظهرها على وفق صادق فلا ذلك يضره في الإلهية ولا هذا ~~ينفعه في الربوبية وكثير من الأنبياء قد خلت دعوتهم من المعجزة فمضوا على ~~أمر الله دعاة للخلق من غير التفات إلى طلب الآيات منهم ومن غير إكباب على ~~طلب الآيات من الله ms277 تعالى فما بالكم ربطتم صدق الرسول بالمعجزات هذا الربط ~~. ومنها قولهم هل للخلق طريق إلى معرفة صدق الرسل سوى المعجزات الخارقة ~~للعادات فإن منعتم ذلك فقد حصرتم القول وحسمتم الطريق على الله تعالى وذلك ~~تعجيز وإن جوزتم ذلك فهلا وجب ذلك وجوب المعجزة فما الذي جعل المعجزة أولى ~~بالدلالة من ذلك الدليل . ومنها قولهم أنكم لا تخلون عن دعوى علم ضروري في ~~وجه دلالة المعجزة فتارة تدعون الضروري من حيث القرينة الحالية وهي اقتران ~~التحدي بالمعجزة وتارة تدعون ذلك من حيث دلالتها على قصد المخصص إلى ~~التخصيص وتارة تدعون ذلك من حيث أنها نازلة منزلة التصديق بالقول وتارة ~~تدعون ذلك من حيث سلامتها عن المعارضة فهلا ادعيتم الضرورة في أصل الدعوى ~~أنه يعلم صدقه ضرورة . ولئن قلتم أن قوله خبر يحتمل الصدق والكذب فيقال لكم ~~والاحتمالات تتوجه إلى هذه الوجوه أيضا فبطل دعواكم الضرورة فيها خصوصا ~~والمنازع فيها على رأس الإنكار ' وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر ' ~~PageV01P244 ' وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين ' ما ~~نسبتهم إلى العناد الصرف نسبوك إلى الجور المحض فما وجه الخلاص ولات حين ~~مناص . قال أهل الحق أما الجواب عن السؤال الأول أن المعتاد إنما لم يكن ~~دليلا لأنه لا اختصاص له بدعوى المدعي وغير المعتاد يختص بدعواه اختصاص ~~دلالة أما من حيث القرينة كحمرة الخجل وصفرة الوجل وأما من حيث أن اختصاص ~~الفعل بدعواه كاختصاصه بوقت معين ثم اختصاصه بوقت معين دليل قصد المخصص ~~بالوقت واختصاصه بدعواه دليل قصد المخصص إلى التصديق والوجهان حاصلان بنفس ~~الاقتران ولو توالى الخارق بعد ذلك لم ترتفع هذه الدلالة فإن اعتياده في ~~ثاني الحال لم يرفع القرينة الأولى ولا أبطل الاختصاص الأول وقال بعضهم ~~المعجزة كما سلمت عن المعارضة تسلم عن الاعتياد في ثاني الحال ولهذا لم ~~يعهد من معجزات الأنبياء ما كان خارقا في الأول ثم صار معتادا في الثاني ~~الحال وإنما هو إلزام تجويزي عقلي فيندفع بما ذكرناه منعا للإلزام . وأما ms278 ~~الجواب عن السؤال الثاني فهو يقارب ما ذكرناه من تحقيق وجه دلالة المعجزة ~~وبالجملة التجويزات الخيالية والوهمية مدفوعة بالدلائل العقلية والقرائن ~~القطعية وقد قررنا أن المعجزة ذات دلالة عقلية وهو اختصاصها بتحدي المدعي ~~واقتضاء الاختصاص قصدا إلى التخصيص وجواز حصول مثل ذلك في قطر من الأقطار ~~أو في وقت من الأوقات لا تخرج الدلالة عن كونها دالة لأنه لم يوجد اقتران ~~يدل على الاختصاص واختصاص يدل على قصد التصديق والمعجزة أيضا ذات دلالة من ~~حيث القرينة وجواز حصول مثله لا يرفع دلالة القرينة كمن عرف قطعا بحكم ~~قرينة اطراد العادة أن ماء الفرات لم ينقلب دما عبيطا وهو جار جريانه في ~~الأول مه أنه يجوز عقلا أو وهما من قضية قدرة الله تعالى أنه قلبه دما ~~جاريا أو يبس النهر عن الجريان وهذا التجويز لا يدفع العلم الضروري وكذلك ~~يجوز عقلا أن تكون الصفرة في الوجه غير دالة على الوجل لكن إذا اقترنت بها ~~حال وسبب للوجل علم ضرورة أنها صفرة الوجل لا صفرة المرض . ونقول نعلم ~~ضرورة أن الصعود إلى السماء والمشي على الماء وإحياء الموتى وقلب العصا حية ~~تسعى وأمثال ذلك نقض لعادة البشر فإذا اقترنت بتحدي الرسالة أو تصديق قول ~~ما كانت آية وحجة على البشر وإن لم تكن نقضا لعادة الملائكة والجن والمعتبر ~~في كون الآية حجة أن يكون ذلك نقضا لعادة من كانت الآية حجة عليه والعادة ~~عادة له وكذلك لو ادعى النبي مدا وجزرا في جيحون كان ذلك حجة PageV01P245 ~~لأنه نقض لعادتها وإن كان معتادا لأهل البصرة وكذلك لو قال آية صدقي أن ~~ينبت الله نخيلا بخراسان كان ذلك آية معجزة له . وأما الجواب عن السؤال ~~الثالث أن نقول كل من عارضه شك في صدق المتحدي وجب إراحته لكن المعجزة إذا ~~ظهرت لأهل الخبرة وحصل لهم العلم بذلك وهو جم غفير فأخرى أن لا يبقى شك ~~لأهل الصناعات الأخر وإن أشد الناس إنكارا من كان عنده خبرة وبصيرة بخواص ~~الأشياء وأحوال أهل المخرقة والتخيل ms279 وإذا ظهرت المعجزة على خلاف ما توهموه ~~فهو أولى الناس بالقبول وأما العامة فالتخيلات والمخاريق إذا أورثت لهم شكا ~~في الحال فأولى أن لا يعتريهم ريب في مقال أصحاب المعجزات فيلزمهم الإقرار ~~بتصديقه ويلزم غيرهم من العامة إذا سمعوا منهم جلية الأمر الاعتراف به من ~~غير توقف ولا ريب ولا يجب على النبي عليه السلام تتبع آحاد الناس وإفراد كل ~~واحد بمعجزة خاصة وإذا تقرر صدقه فنسبة قوله إلى من صح عنده كنسبته إلى ~~غيره إما في زمانه وهو في قطر آخر باستفاضة الخبر إليه والمواترة عليه وإما ~~في غير زمانه بالنقل والاستفاضة والشيوع . وأما الجواب عن السؤال الرابع ~~نقول نحن نجوز الإضلال على الله تعالى ولكن بشرط أن لا يقع خلاف المعلوم ~~وبشرط أن لا يتناقض الدليل والمدلول ولا يلتبس الدليل والشبهة وبشرط أن لا ~~يؤدي الأمر إلى التعجيز وبشرط أن لا يؤدي إلى التكذيب في القول ونذكر لكل ~~واحد وجها ومثالا فنقول إذا علم الرب تعالى أنه يرسل رسولا يهتدي به قوم ~~فهو كما يعلم أنه ينصب دليلا يستدل به قوم فلو أضلهم بعين ذلك الدليل وقع ~~الأمر على خلاف المعلوم وذلك محال وكذلك إذا أخبر أنه يرسل رسولا يهتدي به ~~ثم أضل كل من بعث إليه تناقض الخبر وانقلب الصدق كذبا وذلك محال فإن الكذب ~~لا يجوز على الله تعالى وإنما لا يجوز ذلك عليه لأن الكذب إخبار عن الشيء ~~على خلاف ما هو به وهو يعلمه على ما هو به وكل من علم شيئا كان له خبر عن ~~معلومه والخبر عن المعلوم خبر عن ما هو به فلا يجتمع في العالم خبران ~~متناقضان وإذا علم الرب تعالى صدق النبي وأخبر عن صدقه فقد صدقه ومن صدقه ~~فلا يجوز أن يكذبه ومن وجه تناقض الدليل أن جهة الدلالة في القرينة وفي ~~الفعل لا تختلف فإذا دل الشيء على شيء لا يجوز أن يدل على خلافه فإن ذلك ~~غير مقدور كما أن جهة التخصيص إذا دلت على الإرادة ms280 لم تدل على خلاف ذلك ~~فجهة التخصيص بالتصديق لا تدل على خلاف قصد المخصص بالتصديق فإرسال رسول ~~وإخلاؤه عن دليل الصدق وإظهار معجزة والقصد بها إلى إضلال الخلق وإظهار ~~خارق للعادة على يدي كاذب في معارضة دعوى النبي كل ذلك محال لما ذكرناه أنه ~~يؤدي PageV01P246 إلى محال كإخلاء النظر الصحيح التام عن الإفضاء إلى العلم ~~فإنه إذا تم وجب وجود العلم لا محالة وكنصب دلالة التوحيد لتدل على الشرك ~~والإضلال على الإطلاق يجوز أن يضاف إلى الله تعالى بمعنى أنه يخلق ضلالا في ~~قلب شخص لكنه إذا أدى إلى محال فهو محال فلا يفعله لتناقضه واستحالته ولا ~~لقبحه وبشاعته . وأما الجواب عن السؤال الخامس نقول لا ينحصر طريق التعريف ~~في المعجزات بل يجوز أن يخلق لهم علما ضروريا بصدق النبي فلا يحتاج المذكر ~~إلى طلب المعجزة ليعرف بها صدقه أو ينصب لهم إمارات أخر غير خارقة للعادة ~~لكن يتبين لواحد بحكم قرينة أورثت علما لشخص ولم تورث علما لغيره أو يخبر ~~من استأهله لسماع كلامه فيعلم صدقه كما أخبر الملائكة ' إني جاعل في الأرض ~~خليفة ' وإذا ثبت صدقه عندهم إما بالخبر أو بتعليم الأسماء لزم تصديقه على ~~كل من خلف بعدهم وإذا أخبر من ثبت صدقه بدليل ما عن صادق آخر يخلفه وجب ~~تصديقه وكذلك الخبر عن كل صادق بشارة لمن بعده وإعلاما للخلق بآيات في خلقه ~~وصورته وقوله وفعله وجب على كل من سمع ذلك تصديقه بإخبار الأول ولهذا أخبر ~~التنزيل عن مثل هذه الحالة على لسان عيسى عليه السلام ' ومبشرا برسول يأتي ~~من بعدي اسمه أحمد ' وعلى لسان موسى عليه السلام ' النبي الأمي الذي يجدونه ~~مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل ' الآية وعلى لسان الخليل عليه السلام ' ~~ربنا وابعث فيهم رسولا ' الآية وأماراته في التوراة والإنجيل أكثر من أن ~~تحصى ولقد كان لموسى عليه السلام بيت صور أعني صور الأنبياء والأولياء عليه ~~السلام يدخله فيطالع الصور كل سبت فلو لم يظهر النبي معجزة قط كان ما مضى ~~من الدلائل ms281 كافيا له فلهذا اقتصرت معجزاته على إظهار الأمر للأميين من ~~العرب دون أهل الكتاب من اليهود والنصارى فإنهم كانوا محجوبين بما ثبت ~~عندهم من الأخبار عن الصادقين . وأما الجواب عن السؤال السادس نقول كل علم ~~نظري لا بد وأن يستند إلى علم ضروري ولكن الضروري ربما يكون بعيد المبدأ ~~وإنما يستند إليه النظري بعد نظريات كثيرة وربما يكون قريب المبدأ فيستند ~~إليه في أول المرتبة والعلم بصدق النبوات إن عددناه من جنس العلوم الحاصلة ~~بقرائن الأحوال فهو في أول المرتبة يصل إليه فيقال هذا المتحدي إما أن يكون ~~صادقا وإما أن يكون كاذبا وبطل أن يكون PageV01P247 كاذبا لحصول الخارق ~~للعادة على يده وعلى وفق دعواه من غير أن يعارضه معارض واقتران هذه المعاني ~~مما يستعقب علما ضروريا بصدقه فيدعي الضرورة ها هنا لا في أول الدعوى وإن ~~عددناه من جنس العلوم الحاصلة بوجه دليل التخصيص بالتصديق فالعلم الحاصل به ~~كالعلم الحاصل بكونه مريدا فإن التخصيص يدل على أنه مريد وهذا التخصيص ~~بعينه يدل على انه مريد هذا المراد بعينه وكون المنازع على رأس الإنكار لا ~~يدفع الضرورة الواقعة في العلم فإنه بعد ظهور الآية معاند عنادا ظاهرا ~~واعلم أن النبوة والرسالة إنما يمكن إثباتها بعد إثبات كون الباري تعالى ~~آمرا ناهيا مكلفا واجب الطاعة ومن لم يثبت كونه آمرا ناهيا لم يمكنه إثبات ~~النبوة وأول أمر يتوجه منه تعالى على عباده فإنما يتوجه أولا على رسوله ~~بالدعوة إلى التوحيد بأنه لا إله غيره أي لا خالق ولا آمر غيره على عباده ~~باستماع دعوته والنظر في معجزته والنبي يصح أولا صدقه في جميع أقواله ثم ~~يؤدي رسالته ولا يتصور نبي قط إلا وأن تكون آية الصدق معه لأن حقيقة النبوة ~~هو صدق القول مع ثبوت الآية فلو قدر نبي خاليا عن الآية فكأنه لا نبوة له ~~بعد لكن الآيات قد تكون آيات مخصوصة على كل مسئلة وقول يدعي ذلك وذلك مثل ~~دلالته على التوحيد بأن الإله واحد في خلقه وأمره لا ms282 شريك له وقد تكون ~~الآيات عامة تدل على صدق قوله في جميع أقواله وأحواله وتلك الآيات قد تكون ~~من جنس الأقوال كآيات الإحياء وقلب الجماد حيوانا وبالجملة فدلالة الصدق لا ~~تنفك عن حالة ومقالة طرفة عين وذلك هو المعنى بالعصمة الواجبة للأنبياء ~~عليه السلام لأن العصمة لو ارتفعت بطلت الدلالة وتناقضت الدعوى خصوصا فيما ~~أرسلوا به إليهم وكلف الناس تصديقه في أقواله ومتابعته في أفعاله والأصح ~~أنهم معصومون عن الصغائر عصمتهم عن الكبائر فإن الصغائر إذا توالت صارت ~~بالاتفاق كبائر وما أسكر كثيره فقليله حرام لكن المجوز عليهم عقلا وشرعا ~~مثل ترك الأولى من الأمرين المتقابلين جوازا وجوازا وحظرا وحظرا ولكن ~~التشديد عليهم في ذلك القدر يوازي التشديد على غيرهم في كبائر الأمور ~~وحسنات الأبرار سيئات المقربين وتحت كل زلة يجري عليهم سر عظيم فلا تلتفت ~~إلى ظواهر الأحوال وانظر إلى سرائر المآل . PageV01P248 # | القاعدة العشرون في إثبات نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم # وبيان معجزاته ووجه دلالة الكتاب العزيز على صدقه وجمل من الكلام في ~~السمعيات من الأسماء والأحكام وحقيقة الإيمان والكفر والقول في التكفير ~~والتضليل وبيان سؤال القبر والحشر والبعث والميزان والحساب والحوض والشفاعة ~~والصراط والجنة والنار وإثبات الإمامة وبيان كرامة الأولياء من الأمة وبيان ~~جواز النسخ في الشرائع وأن هذه الشريعة ناسخة للشرائع كلها وأن محمدا ~~المصطفى صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء وبه ختم الكتاب وإذا حققنا القول ~~في النبوات وبيان صدقهم بالمعجزات فالأنبياء عليهم السلام ممن ورد اسمه في ~~الكتاب ومن لم يرد واجبو الطاعة ويجب على كل مكلف الإيمان بالله وملائكته ~~وكتبه ورسله وإنما ثبت صدق من تقدم على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم اسما ~~فاسما وشخصا فشخصا بما ظهر عليه من الآيات وبما أخبر من ثبت صدقه عندنا ~~وإنما يتحقق ختم الأنبياء عندنا بخبر النبي الصادق عليه السلام وبما أخبر ~~القرآن أنه خاتم النبيين ومن أنكر نبوته من أهل الكتاب وغيرهم من المشركين ~~فلا متمسك لهم إلا القول بإحالة النسخ والقدح في ms283 وجه المعجزة . قال أهل ~~الحق الدليل على صدق نبينا عليه السلام الكتاب الذي جاء به هدى للناس ~~وبينات من الهدى والفرقان ووجه دلالته PageV01P249 على صدقه من حيث لفظه ~~البليغ ومعناه المبين فنقول كما تميز نوع الإنسان عن أنواع الحيوانات ~~بالنطق المعبر عن الفكر وصار ذلك شرفا وكرامة له كما قال تعالى ' ولقد ~~كرمنا بني آدم ' كذلك تميز لسان العرب ولغتهم من سائر الألسن واللغات ~~بأسلوب آخر من عذوبة اللسان ورطوبة اللفظ وسهولة المخارج والتعبير عن متن ~~المعنى الدائر في الضمير بأوضح عبارة وأصح تفسير وصار ذلك شرفا وكرامة لهم ~~كما قال تعالى ' بلسان عربي مبين ' وكذلك تميز لسان النبي صلى الله عليه ~~وسلم من لسان العرب بأسلوب آخر من الفصاحة المبينة والبلاغة الفائقة ~~والبراعة المطابقة لما في ضميره من المعاني المبينة والحقائق الرزينة كما ~~لا يخفى على من أنصف واعتبر واختبر كلماته واستبصر وصار ذلك شرفا وكرامة ~~كما قال ' لتبين للناس ما نزل إليهم ' وقال النبي صلى الله عليه وسلم ' أنا ~~أفصح العرب وأنا أفصح من نطق بالضاد ' وكذلك تميز القرآن عن سائر كلماته ~~بأسلوب آخر خارج عن جنس كلام العرب وعن كلماته أيضا وبنوع آخر من الفصاحة ~~والجزالة والنظم والبلاغة ما لم تعهده العرب في نظمهم ونثرهم وسجعهم وشعرهم ~~بحيث لو قوبل أفصح كلماتهم بسورة واحدة من القرآن كان التفاوت بينهما أكثر ~~من التفاوت بين لسان العرب وبين سائر الألسن ولو خاير مخاير بين كلمات ~~النبي نفسه وبين ما نزل عليه من الكتاب المهيمن على الكتب كلها كان الفرق ~~بينهما فرق ما بين القدم والفرق والصرف بينهما صرف ما بين الولاية والصرف ~~فعلم ضرورة وقطعا أن الذي جاء به وحي يوحى إليه وتنزيل ينزل عليه دلالة له ~~على صدقه ومعجزة له على فصحاء العرب وبلغاء أهل اللسان وشعراء ذلك الزمان ~~فتحدى بذلك تحدي التعجيز عن الإتيان بمثله كتابا وقرآنا ' قل فأتوا بكتاب ~~من عند الله هو أهدى منهما ' ثم ثنى ذلك فقال ' فأتوا بحديث مثله ' ولما ~~عجزوا عن الإتيان ms284 بمثله نزل عن ذلك حين قال القوم إنه افتراه فقال ' قل ~~فأتوا بعشر سور مثله مفتريات ' ونزل عن العشر إلى سورة مثله فقال تعالى ' ~~وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم ~~من دون الله إن كنتم صادقين ' ولما ظهر عجزهم PageV01P250 وبان خزيهم ~~أنذرهم صاحب التنزيل وحذرهم المتحدي بالدليل ' فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا ~~فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين ' وكيف لا يكون ~~التعجيز ظاهرا ظهور الشمس والكتاب يقرأ عليهم ' قل لئن اجتمعت الإنس والجن ~~على أن يأتوا بمثل هذا القرآن ' الآية أفلم يكن بليغ من بلغاء العرب وفصيح ~~من فصحائهم يتصدى لمعارضة هذه الدعوى العريضة الواسعة لنوعي الجن والإنس ~~وقد خبروا بين معارضة القرآن والخروج بالسيف والسنان فكيف اختاروا الأشد ~~على الأضعف وآثروا ما فيه بذل المهج والنفوس واستحلال النساء واسترقاق ~~الأولاد واستباحة الأموال على أهون الأمور وأيسر ما في المقدور وهو معارضة ~~سورة واحدة أفلا يكون ذلك عجزا ظاهرا ونكولا واضحا وإن استراب في ذلك ~~مستريب تشكيكا لنفسه في مظان القطع واليقين وتسييعا للغزالة بالطين فالنقد ~~حاضر لم يبدل ولسان القرآن على رأس التحدي كما ورد في الخبر القرآن حي يجري ~~كما يجري الليل والنهار ولسان المعارض عي عن المعارضة من مدة خمس مئة سنة ~~وزيادة وبلغاء العرب قد اجتمعت لهم متانة الشعر في العصر الأول ولطافة ~~الطبع من العصر الأخير أو لم يفدنا عجز الأولين والآخرين دلالة ظاهرة على ~~أن مضمون القرآن حق وأن قول من أتى به صدق كيف ولو اعتبرت سورة بسورة ~~اعتبار متأمل فيها منصف صادف كل سورة على حيالها اشتملت على صنف من الفصاحة ~~وضرب من البلاغة والجزالة ولم تشاركها في ذلك سورة أخرى وربما تكون القصة ~~واحدة والتعبير عنها مختلف اختلافا لا يخل بالمعاني ويكون أسلوب النظم ~~والبلاغة نوعا آخر يباين الأولى واختبر هذا المعنى في قصة مثناة وبالخصوص ~~في قصة موسى عليه السلام في سورة المص وقصته في سورة طه فمن ذا الذي ms285 يقدر ~~على مثل ذلك من البشر وكيف يصل إلى غايته القوة المنطقية الإنسانية ولهذا ~~لما فطنت البلغاء من العرب لبديع النظم والجزالة فيه قالوا إن هذا إلا سحر ~~يؤثر هذا من حيث اللفظ . وأما من حيث المعنى فما اشتمل عليه القرآن من ~~غرائب الحكم وبدائع المعاني التي عجزت الحكماء والأوائل عن الإتيان بمثلها ~~نوع آخر من الإعجاز خصوصا ممن نشأ يتيما بين الأميين من العرب ولم يقرأ ~~كتابا ولم يدرس علما ولا تلقف من أستاذ ولا تعلم من معلم فلولا أنه وحي محض ~~يوحى عليه وتنزيل نزل إليه وإلا فمن أين PageV01P251 لطبع مجرد يجود بمثله ~~وأيضا فما يشتمل عليه القرآن من قصص الأنبياء والمرسلين كيف جرت دعوتهم ومن ~~أين أجاب كلمتهم ومن نكل عنهم إلى أي حال آل أمرهم فمن لم يسمع ذلك من أحد ~~ولا خط كتابا بيمينه ولا طالع كتب الأنبياء والتواريخ والأخبار معجز ظاهر ~~ودليل على أن الحق باهر وهذا في قصة الماضين فما قولك في الأخبار عن الغيوب ~~مما سيكون في ثاني الحال مما رأيناه طابق الحال وصدق المقال إذا أخبر أنه ~~يظهره على الدين كله وقد أظهر وأخبر أنه غلبت الروم وقد تحقق وغير ذلك من ~~الأخبار وكذلك ما اشتمل عليه القرآن من أنواع العبادات والمعاملات من أحكام ~~الحلال والحرام والحدود والقصاص والديات وأحكام السياسات إعجاز ظاهر إذ جمع ~~فيها بين إصلاح المعاش ونجاة المعاد وبناها على قوانين كلية تجمع شمل ~~العامة وتناظر عقل الخاصة ومن قرأ الكتب المنزلة من التوراة والإنجيل ~~والزبور تبين له الفرق الظاهر بينها وبين القرآن إذ كل ما اشتملت عليه من ~~الحقائق العقلية والأحكام الشرعية على بسطها اشتمل عليه القرآن بأوضح عبارة ~~وأوضح إشارة على اختصاصه ومن أراد أن يتخطى عما أقررناه إلى مفردات الحروف ~~وكيفيات تركيبها وما فيها من الحكم والمعاني قضى منها العجب وبالجملة ~~القرآن بصورة ألفاظه وعباراته معجز وبمعنى حقائقه وعجائبه معجب وهو دليل ~~ظاهر على حقيقة ذاته وصدق المتحدي بآياته . قال أهل الزيغ والباطل لنا على ms286 ~~مساق ما ذكرتموه من إعجاز القرآن سؤالان أحدهما أن القرآن بمعنى المقروء ~~والمكتوب صفة قديمة عندكم والقديم لا يكون معجزا وبمعنى القراءة هو فعل ~~القارئ وتلاوته وفعل العبد لا يكون معجزا . فإن قلتم أن الرب تعالى يخلقه ~~في الحال من غير كسب النبي قيل وفي أي محل يخلقه أفي لسانه ومن المعلوم أن ~~الحرف والصوت القائم بلسانه ومخارج حروفه مقدورة له والمعجزة لا تكون ~~مقدورة للعبد أم في محل آخر من شجرة أو لوح أو قلب ملك فالمعجزة ذلك ~~المخلوق لا ما نطق به النبي فما هو معجزة لم نسمعه وما سمعناه ليس بمعجزة ~~فما الجواب عن هذا السؤال . والثاني أنكم قلتم وجه إعجاز القرآن فصاحته ~~وجزالته ونظمه وبلاغته فما حدود هذه المعاني أولا حتى نبين حقائقها فنتكلم ~~عليها أهي بإفرادها معجزة أم بمجموعها وقد رأينا كم اختلفتم في أن القرآن ~~معجزة من جهة صرف الدواعي أم من جهة ما اشتمل عليه من بديع النظم والفصاحة ~~ومن قال بالقسم الثاني اختلف في أن الفصاحة بديعة أم الجزاالة أم النظم ومن ~~المعلوم الذي لا مرية فيه أن المعجز يجب أن يكون ظاهرا لكل من هو في حقه ~~معجز ظهورا لا يستراب فيه البتة ومن قال منكم أنه PageV01P252 معجز من حيث ~~الفصاحة فقط جوز أن يكون في كلام العرب مثله من حيث النظم والجزالة ومن قال ~~بالثاني فقد جوز المماثلة في الأول فلم يظهر ظهور انقلاب الجماد حيوانا ~~والبحر يبسا والحجر الصلد عينا نضاخة إلى غير ذلك من معجزات الأنبياء عليهم ~~السلام إذ ظهرت على قضية لم يبق للتردد فيها مجال . قال أهل الحق أما ~~السؤال الأول فنقول القديم يستحيل أن يكون معجزة والمكتسب للعبد كذلك ~~وللقرآن وجوه من المعجزات ولكل وجه وجوه من التقديرات فيجوز أن يقال أن ~~التلاوة من حيث أنها تلاوة معجزة وتقدير الإعجاز فيها من وجهين أحدهما أن ~~يخلق الله تعالى هذه الحروف المركبة وتلك الكلمات المنظومة في لسان التالي ~~من غير أن يكون قادرا عليها ومحركا لسانه ms287 بقدرته واستطاعته فتمحض فعلا لله ~~تعالى ويظهر إعجازه في نظمه المخصوص ويجوز أن يخلق الله في نفس النبي كلاما ~~منظوما فيترجم عنه بلسانه ويكون تحريك اللسان مقدورا له لكن الكلام المعجز ~~ما اشتمل عليه الضمير ونعت في الصدور كما قال تعالى ' ولا تحرك به لسانك ~~لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه ' أي في صدرك وقلبك فإذا قرأناه أي جمعناه ~~فاتبع قرآنه ويجوز أن يخلق الله ذلك الكلام في قلب الملك أو في لسانه ~~فيلقيه وحيا إلى قلب النبي ويعبر عنه النبي بلسانه كما قال تعالى ' إنه ~~لقول رسول كريم ' أي تنزيلا ووحيا وكما قال ' علمه شديد القوى ' ويجوز أن ~~يكون قد خلق الله هذه العبارات المنظومة بعينها في اللوح المحفوظ ليقرأ ~~جبريل عليه السلام منه ويقرأها على النبي صلى الله عليه وسلم فيسمع النبي ~~منه كما لو يسمع الواحد منا ويكون المعجز هو الكلام المنظوم وجبريل مظهر ~~والنبي مظهر كما أن واحدا منا يقرأه ويكون مظهرا لكن إظهار جبريل إظهارنا ~~ليدل على صدق النبي عليه السلام وهذا كما خلق الله تعالى الناقة في الصخرة ~~ثم أظهرها منها عند دعوة صالح عليه السلام فيكون إظهار المعجزة مقرونا ~~بالدعوى والتحدي لا إظهار المعجز كخلق المعجز في الدلالة على الصدق وينبغي ~~أن ننبه ها هنا على هذه الدقيقة وهي أنا إذا روينا شعر الشاعر فنحس من ~~أنفسنا قدرة على التلفظ بذلك الشعر ولا نحس من أنفسنا قدرة على نظم ذلك بل ~~ربما يكون الراوي عديم الطبع في إنشاء الشعر فضلا عن نظم مخصوص فما المقدور ~~منه وما غير المقدور فنقول إذا قرأنا شعرا من كتاب أو سمعناه من لسان ~~وحفظناه ارتسم الخيال في القلب PageV01P253 والنفس بذلك الشعر وتمكن منه ثم ~~عبر بلسانه عنه فيكون المسموع والمحفوظ من حيث أنه سمعه وحفظه مقدورا له ~~لكن النظم المرتب في المحفوظ والمسموع غير مقدور له وهو كما لو ألقى من لا ~~يعرف الكتابة أصلا لوحا منقورا فيه سور منظومة على تراب ناعم حتى انتقش بها ~~نقشا ms288 مطابقا كان الإلقاء مقدورا له والنقش غير مقدور له إذ ليس يعرف ~~الكتابة أصلا فالارتسام في النفس والخيال كالانتقاش في التراب سواء فيبقى ~~نظم الشعر نقشا بعد نقش زمانا أبد الدهر وكذلك ارتسام قلب النبي من إلقاء ~~القرآن إليه وحيا وتنزيلا كانتقاش التراب الناعم بالنقش المنقور في اللوح ~~فيكون المرتسم قلبه والمعبر عنه لسانه والرسم غير مقدور له بل تمحض ذلك ~~ابتداعا من الله تعالى فهذا هو طريق وجوده معجزا . وعلى طريقة أخرى ظهور ~~كلام الباري تعالى بالعبارات والحروف والأصوات وإن كان في نفسه واحدا أزليا ~~كظهور جبريل بالأشخاص والأجسام والأعراض وإن كان في نفسه ذا حقيقة أخرى ~~متقدما على الشخص فإنه لا يقال انقلبت حقيقته إلى حقيقة الجسمية في شخص ~~معين لأن قلب الأشخاص محال وإن قيل انعدمت حقيقة ووجدت حقيقة أخرى فالثاني ~~ليس بجبريل فلا وجه إلا أن يقال ظهر به ظهور المعنى بالعبارات أو ظهور روح ~~ما بشخص ما فكما صارت العبارات شخص المعنى كذلك صارت صورة الأعرابي شخص ~~الملك وقد عبر القرآن عن مثل هذا المعنى ' ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا ' ~~فكذلك يجب أن تفهم عبارات القرآن . الجواب عن السؤال الثاني فنحقق أولا ~~حقائق الفصاحة والجزالة والنظم والبلاغة ونميز بين كل واحد منها ثم نبين أن ~~الإعجاز في كل واحد أو في المجموع فنقول أولا قولا على سبيل المباحثة ~~والبسط ليتضح الغرض والمعنى به ثم نقول قولا ثانيا على سبيل التحديد والضبط ~~المنحصر الغرض والمعنى فيه اللفظ قد يكون دالا على المعنى دلالة مطلقة إما ~~وضعا وإما مجازا وقد يكون دالا على المعنى بشرط أن يكون مفصحا عن كنه ~~حقيقته معبرا عن غرض المتكلم وإرادته والقسم الأول مقل قولنا تحرك الجسم ~~فإنه يطلق على حركة الجمادات والنبات والحيوان والإنسان والسماء والأرض وكل ~~ما هو قابل للحركة ثم إذا وضع اللفظ لموضوع خاص عبر عن تلك الحركة بعبارة ~~أخص كما ورد في القرآن ' يوم تمور السماء مورا وتسير الجبال سيرا ' فإن ~~المور أخص دلالة من السير وهما ms289 أخص من PageV01P254 الحركة وذلك أن المور ~~حركة لطيفة لجسم لطيف وذلك كالشعاع يذهب شعاعا بخلاف السير فكان المور ~~المضاف إلى السماء والسير المضاف إلى الجبال مفصحا عن متن الغرض مبينا عن ~~المعنى اللائق به وكان أفصح من تحركت السماء وسارت وجاءت وذهبت ثم هو مع ~~فصاحته لفظ جزل لأنه متلاقي التركيب متقارب المخارج سهل التلفظ به مطابق ~~المعنى وذلك هو معنى الجزالة وقد توجد الجزالة والفصاحة في لفظ واحد وقد ~~توجد في ألفاظ كثيرة وجمل من الكلام غير يسيرة ولا بد من نظير تلك الكلمات ~~. فالنظم يطلق على مطلق التركيب والترتيب لكنه ينقسم أقساما فقد يقع ركيكا ~~وقد يقع رفيعا ما دونها درجة ما تتحقق في المحاورة المعتادة وفوقها ما ~~تتحقق في المكاتبة والمراسلة وفوقها درجة ما تذكر في الخطابة والمواعظ ~~وفوقها درجة ما ينتظم به الشعر وليس فوقها درجة للنظم عند العرب فهو على ~~أقسام لا تنضبط ولذلك سمي الشعر نظما وما سواه نثرا قم إذا اجتمعت الفصاحة ~~والجزالة والنظم أطلق عليها اسم البلاغة من بلوغ الكلام درجة الكمال هذا ~~قولنا على سبيل المباحثة والبسط . أما قولنا على سبيل التحديد والضبط فنقول ~~الفصاحة عبارة عن دلالة اللفظ على المعنى بشرط إيضاح وجه المعنى وإيضاح ~~الغرض فيه والجزالة عبارة عن دلالة اللفظ على المعنى بشرط قلة الحروف ~~واختصارها وتناسب مخارجها وربما يجتمع المعنيان فيكون اللفظ فصيحا جزلا معا ~~فتجتمع معان كثيرة في ألفاظ يسيرة كما يقال نفل الحر ونصيب المفضل ومثاله ~~في القرآن ' ولكم في القصاص حياة ' وربما يتباينان . والنظم ترتيب الأقوال ~~بعضها على بعض ثم الحسن فيه يتقدر بقدر تناسب الكلمات في أوزانها وتقاربها ~~في الدلالة على المعنى وذلك أنواع وأصناف . والبلاغة عبارة عن اجتماع ~~المعاني الثلاثة أعني الفصاحة والجزالة والنظم بشرط أن يكون المعنى مبينا ~~صحيحا حسنا ومن المعلوم أن القرآن فاق كلام العرب بمحاورتها ومراسلاتها ~~وخطبها وأشعارها فصاحة وجزالة ونظما بحيث عجزت عن معارضتها عجز من لم يقدر ~~عليها أولا وآخرا لا عجز من قدر في الأول ms290 وعجز في الآخر وإلا لكانوا ~~يعارضونه بما تمهد عندهم من الكلام الأول فالقرآن معجز من حيث البلاغة التي ~~هي عبارة عن مجموع المعاني الثلاثة والعرب قد أحست من أنفسها أن القرآن ~~خارج عن جنس كلامهم جملة وكذلك كل من كان له أدنى معرفة بالعربية يعرف ~~إعجازه إلا أن البلغاء يعرفون وجوه الإعجاز فيه على قدر مراتبهم في البلاغة ~~PageV01P255 ومن كان أفصح وابلغ كانت معرفته أشد وأوضح كما أن من كان أسحر ~~في زمن موسى كان علمه ومعرفته بإعجاز العصا أوفر ومن كان أحذق في الطب في ~~زمن عيسى كانت معرفته بإعجاز إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص أكثر ومن ~~كان أعلم في علم الطبيعة في زمن الخليل كان نفسه بإعجاز السلامة عن النار ~~أشد وأصدق والاختلاف في وجوه الإعجاز لا يوهن وجه الإعجاز ولهذا لو اجتمع ~~عند العالم بوجوه الإعجاز العلم بوجوه الحكم والمعاني الشريفة فيه كانت ~~معرفته أكثر ولو ضم إلى ذلك العلم بوجوه تمهيد السياسات العامة والعبادات ~~الخاصة والأمر بمكارم الأخلاق والنهي عن ذميمات الأفعال والحث على معالي ~~الشيم والهمم كانت معرفته بالإعجاز في غاية الانتظام ونهاية الإبرام ومن ذا ~~الذي يصل بفكره الضعيف وعقله الممير بمحاديات الوهم والخيال إلى الحكم ~~المحققة في تركيب الحروف وترتيب الكلمات التي هي كالمواد والصور ومطابقتهما ~~لعالم الخلق حتى ينطبق عالم الأمر على عالم الخلق وذلك العلم الأخص ~~بالأنبياء عليهم السلام وهنالك تضل الأفهام وتكل الأوهام وتعود العقول ~~البشرية عند الأسرار الإلهية هباء وتستحيل الحواس الإنسانية عند خواص الحكم ~~الربانية عفاء ' ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده ~~سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله ' ولقد قصر من قصد إعجاز القرآن في سورة ~~طويلة وحصره في آيات مخصوصة انظر إلى أول آية نزلت كيف اشتملت على وجوه من ~~البلاغة والحكم ' إقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق ' فمن أراد أن ~~يعبر عن تقدير الخالقية عموما لجميع الخلق في العالم ثم خصوصا للإنسان ~~المطابق خلقته بخلقة العالم بأسره ms291 كيف يعبر عنه بلفظ أفصح منه بيانا وأوجز ~~لفظا وأشرف نظما وأبلغ عبارة ومعنى ثم انظر كيف خصص اسم الربوبية في حال ~~تربيبه وكيف عمم الخلق أولا ثم خصص وكيف ابتدأ خلق الإنسان من العلق حيث ~~كانت مرتبته في حال قبول صورة الوحي مرتبة العلق من قبول صورة الإنسان إلى ~~أن انتهى إلى البلاغ السابع من قبول جميع القرآن الرحمن علم القرآن خلق ~~الإنسان كما ينتهي إلى المرتبة السابعة حتى يقبل علم البيان علمه البيان ~~وكيف قرن إقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم PageV01P256 ~~يعلم ' فالحكمة في إقرأ وإقرأ أولا وثانيا وربك الأكرم أبلغ لفظا ومعنى من ~~إقرأ باسم ربك ثم عمم التعلم ثم خصص الإنسان كما عمم الخلق ثم خصص الإنسان ~~وكيف اجتمعت الفصاحة في ألفاظ بأسفار وجوه المعاني وكيف اقترنت بهذه ~~الجزالة على قلة حروفها وخفة كلماتها من غير إخلال في الدلالة وكيف انتظمت ~~بأشرف تركيب من حيث اللفظ وأوضح ترتيب من حيث المعنى وكيف لاحت فيها ~~البلاغة برطوبة الألفاظ ومتانة المعاني حتى كأنها جمعت علم الأولين ~~والآخرين من تقرير العموم والخصوص وتقدم الأمر على الخلق وإضافة الهداية ~~والخلق إليه ' تبارك الله رب العالمين ' فتبين من هذه القرائن أن القرآن ~~بجملته معجز وذلك في حق من لا يعرف دقائق البلاغة وحقائق المعاني وبعشر سور ~~منه معجز في حق قوم وبسورة واحدة معجز في حق قوم وبآية واحدة معجز في حق ~~قوم وتتقدر مقادير الإعجاز على قدر الدراية والتحقيق . ومن العجب أن ~~المعتزلة قالوا بوجوب النظر قبل ورود الشرع وبنوا ذلك على أن العاقل المفكر ~~لا يخلو عن خاطرين يطرآن على قلبه أحدهما يدعوه إلى النظر حتى يعرف الصانع ~~فيشكر فيثاب على شكره والثاني يمنعه عن ذلك فيختار بعقله أحق الطريقين ~~بالأمن ويرفض أحقهما بالخوف فيقال لهم إذا تحدى النبي بالرسالة وأخبر أنه ~~رسول الله كان خبره محتملا للصدق والكذب فهلا طرأ الخاطران في تصديقه ~~وتكذيبه ثم يحصل الخبر بالصدق أولى فإن فيه الأمن إذ لو ms292 كان صادقا فكذبه ~~خسر ولو كان كاذبا فصدقه لم يخسر فإنه إن يكن كاذبا فعليه كذبه وفي طلب ~~المعجزة منه خطر آخر وهو جعل الخبر أولى بالكذب فكأنه يكذبه في الحال إلى ~~أن تظهر المعجزة فيصدقه في ثاني الحال وعند المعتزلة القرآن من جنس كلام ~~العرب فإنهم يقدرون على مثله قدرتهم على كلامهم فلم يستمر لهم التمسك ~~بإعجاز القرآن . قال أهل الزيغ إذا قال النبي إني رسول الله إليكم وأنه ~~أنزل علي كتابا أقرأه عليكم فما المعني بالرسالة عن الله تعالى وما معنى ~~قوله إني نبي الله أفترجع الرسالة والنبوة إلى صفة قائمة بذاته بها يستحق ~~أن يخاطب الناس بالأوامر والنواهي عن الله تعالى أم ترجع إلى إخبار الله ~~تعالى أنه رسولي فإن كان الأول فما حقيقة تلك الصفة وإن كان الثاني فكيف ~~يتصور أن يكلم الله بشرا فإن الذي يسمعه البشر من الكلام حروف وأصوات ~~وعندكم كلامه ليس بحرف ولا صوت وإن كان وحيا من الله تعالى فما معنى الوحي ~~وكيف يتصور أن ينزل ملك على صورة البشر فإن كان الملك PageV01P257 شخصا ~~جسمانيا فيجب أن يكون على صورة بشر حتى يكلمه بكلام البشر وإن كان جوهرا ~~روحانيا فكيف يتصور أن يتشخص ويظهر بشخص جسماني أليس نفس الدعوى إذا لم تكن ~~معقولة في نفسها لم يجز مطالبته بالبرهان عليها فلا نزول الملك معقول ولا ~~نزول القرآن الذي هو كلامه معقول بل عما مستحيلان عند العقلاء بأسرهم وأيضا ~~فإنه ادعى بعد ذلك صعوده إلى السماء والجسماني الكثيف يستحيل أن يصعد ~~والأجرام العلوية لا تقبل الخرق وإذا اشتمل كلامه على ما يستحيل في العقل ~~حكم ببطلان أصل دعواه إلى غير ذلك مما ادعى أنه شاهد العوالم وأخبر عن حشر ~~الأجسام والأحياء في القبور والميزان والصراط والحوض بعد ذلك فإن هذه غير ~~معقولة بل قبولها على الوجه الذي يدعيه مستحيل . قال أهل الحق النبوة ليست ~~صفة راجعة إلى نفس النبي ولا درجة يبلغ إليها أحد بعلمه وكسبه ولا استعداد ~~نفسه يستحق به اتصالا ms293 بالروحانيات بل رحمة من الله تعالى ونعمة يمن بها على ~~من يشاء من عباده وكما قال نوح عليه السلام ' ولا أقول لكم عندي خزائن الله ~~ولا أعلم الغيب ولا أقول إني ملك ' إلى غيره من الأنبياء وسيد البشر صلى ~~الله عليه وسلم قال كما قال الأول ' قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا قل ~~لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت ~~من الخير وما مسني السوء إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون ' لعمري لا ~~تعدم نفس النبي ومزاجه كمالية في الفطرة وحسنا في الأخلاق وصدقا وأمانة في ~~الأقوال والأفعال قبل بعثه لأنه بها استحق النبوة أو وصل بسببها إلى ~~الاتصال بالملائكة وقبول الوحي كما قال تعالى ' فبما رحمة من الله لنت لهم ~~ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك ' وكما قال القوم ' لولا نزل هذا ~~القرآن على رجل من القريتين عظيم ' قال سبحانه ' أهم يقسمون رحمة ربك ' ~~فشخص النبي صلى الله عليه وسلم شخص الرحمة ورحمة مشخصة ورسالته إلى الخلق ~~رحمة ونعمة كما قال تعالى ' وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين يعرفون ~~PageV01P258 نعمة الله ثم ينكرونها وأكثرهم الكافرون ' والأنبياء خيرة الله ~~في خلقه وحجة الله على عباده والوسائل إليه وأبواب رحمته وأسباب نعمته ' ~~الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس ' ' إن الله اصطفى آدم ونوحا ' ~~الآية فكما يصطفيهم من الخلق قولا بالرسالة والنبوة يصطفيهم من الخلق فعلا ~~بكمال الفطرة ونقاء الجوهر وصفاء العنصر وطيب الأخلاق وكرم الأعراق فيرقيهم ~~مرتبة مرتبة حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة وكملت قوته النفسانية وتهيأت ~~لقبول الأسرار الإلهية بعث إليهم ملكا وأنزل عليهم كتابا ولا تظن أن الملك ~~يتجسد شخصا بمعنى أنه يتكاثف بعد ما كان جسما لطيفا تكاثف الهواء اللطيف ~~غيما كما ظنه قوم ولا أنه تعدم حقيقته ويوجد شخص آخر ولا أنه تنقلب حقيقته ~~إلى حقيقة أخرى فإن كل ذلك محال بل الجواهر النورانية خصت بقوة الظهور بأي ~~شخص أرادوا كما قال ms294 تعالى ' فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا ' ~~وكما قال ' ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا ' ولا نجد له مثالا في هذا العالم ~~إلا تمثل تعلق أرواحنا بأجسادنا غير أن التمثل يستدعي شخصا كاملا في الحال ~~والتعلق يستدعي شخصا يتكون مرتبة فمرتبة سلالة ونطفة وعلقة ومما نذكره ~~مثالا تمثل المعنى الذي في الذهن بالعبارات التي في اللسان وبالكتابة التي ~~في اللوح غير أن اللفظ دليل على المعنى وكل دليل مظهر المعنى من وجه وكل ~~مظهر دال على المعنى من وجه من غير حلول الأعراض في الجواهر ولا نزول ~~الأجسام على الأجسام وإن تخطيت منه إلى ظهور صورة الشخص في المرآة الصقيلة ~~ووقوع الظل على الماء الصافي قارنت المعنى مثالا وإدراكا . ألستم تقولون ~~معاشر الصابئة المحيلين نزول الروحاني على الجسماني أن كل روحاني له هيكل ~~يظهر به ويتصرف فيه ويستوي عليه وكل هيكل في العالم العلوي له شخص في ~~العالم السفلي يظهر به ويتصرف فيه ويستوي عليه غير أنكم اتخذتم بصنعتكم ~~أصناما آلهة وهي مظاهر تلك الهياكل التي هي مظاهر تلك الروحانيات . ونحن ~~معاشر الحنفاء أثبتنا أشخاصا ربانية مفطورة بوضع الخلقة على اصطفاء من ~~الجواهر واجتباء من العنصر مناسبة لتلك الجواهر الروحانية مناسبة النور ~~للنور والظل للظل وللنبي عليه السلام طرفان بشرية ورسالية ' قل سبحان ربي ~~هل كنت PageV01P259 إلا بشرا رسولا ' فبطرف يقبل الوحي وبطرف يؤدي الرسالة ~~والوحي هو إلقاء الشيء إلى الشيء بسرعة فكل صورة علمية يقبلها بطرفه ~~الروحانية عن الملائكة الذين هم رسل ربهم إليه دفعة واحدة كوقوع الصورة في ~~المرآة فهو وحي وأقرب مثال له إلينا المنام الصادق فإن الرائي يرى كأنه نزل ~~بستانا واجتنى ثمارا وخاض في الماء وتحدث أحاديث كثيرة من سؤال وجواب وأمر ~~ونهي بحيث لو أملاها ملأت أوراقا وشحنت صفائح صحائف وكل ذلك في غفوة كأنها ~~لحظة وما ذاك إلا لأن الصور والفعلية القولية إذا كانت من عالم المعاني ~~بواسطة تلك المنام لم يستدع زمانا ولا ترتيبا بحيث يستدعيها حال اليقظة بل ~~وقعت دفعة واحدة ms295 في نفس الرائي حتى انتقشت فيه ثم عبر عنه بعبارات كثيرة ~~وعبر المعبر عن صورها الخيالية إلى معانيها العقلية ولذلك صارت الرؤيا ~~الصادقة جزءا من أجزاء النبوة كما صارت التؤدة والأناة وحسن السمت جزءا من ~~أجزاء النبوة فالنبوة إذا جملة ذات أجزاء وتلك الجملة بمجموعها لا تتحقق ~~إلا لمن اصطفاه الله تعالى لرسالته وبعض أجزائها قد ثبت للصالحين من عباده ~~فيبلغون إلى ذلك الجزء بطاعتهم وعبادتهم كما قال صلى الله عليه وسلم أصدقكم ~~رؤيا أصدقكم حديثا إما مجموعها من حيث المجموع فلا يصل إليه أحد بكسبه ~~واستطاعته . وأما نزول كلام الباري تعالى فمعنى نزول الملك به فليس يستدعي ~~النزول انتقالا فإنك تقول نزلت عن كلامي ونزل الأمير عن حقه وقد ورد إلي ~~الخبر نزول الرب تعالى إلى السماء الدنيا وورد في القرآن مجيئه وإتيانه ~~وذلك لا يستدعي انتقالا كما حقق في التأويلات ثم الكلام الذي هو أمره ~~الأزلي لا يطلق عليه النزول إلا بمعنى نزول الآيات الدالة عليه ثم الإلزام ~~على الخصم إنما يظهر إذا أثبتنا له أمرا ونهيا وإثبات الأمر إنما يظهر إذا ~~توافقنا على أنه تعالى ملكا ومالكا وله أن يتصرف في ملكه بالأمر والنهي ~~والتكليف على من ثبت له اختيار وإذا حصل وفاقنا على هذه المراتب وعلمنا أن ~~كل واحد من آحاد الناس لا يتأهل لقبول أمر الله تعالى وحبا له تعين ~~بالضرورة واحدا اصطفاه من عباده ' وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم ~~الخيرة ' فدعواه نفسها ما الجائزات العقلية وإذا كانت الدعوى مقرونة بدليل ~~الصدق وجب التصديق ووجب أن لا يتراخى دليل الصدق عن نفس الخبر فإن المخاطب ~~مكلف بالتصديق في الحال ولا يتراخى الوجوب عليه إلا أن يعرف الصدق بل ~~التمكن كاف كما بينا ولكن التمكن إنما تحقق من جانب المكلف PageV01P260 ~~بوجود العقل التام والعقل إنما يدرك إذا وجد دليل الصدق فكما لا يتراخى ~~الوجوب عن وقت التكليف لا يتراخى أيضا دليل الصدق عن نفس الدعوى فليبحث ها ~~هنا كل البحث أن الدليل المقرون ms296 بالخبر والدعوى ماذا بحيث لا يلزم إفحام ~~ولا ينفع إحجام وأما سائر الأخبار السمعية فإذا ثبت صدق النبي وجب الإيمان ~~بذلك والسمع والطاعة له فإن عرفنا له وجها بالدليل العقلي فبصيرة وخيرة وإن ~~لم تعرف له وجها فتسليم وتصديق وما يستحيل في العقل وكان بين الاستحالة ~~يعرف وجه استحالته ونعلم أن الصادق الأمين لا يقرر المستحيل فيطلب لكلامه ~~محملا صحيحا فإذا وجدناه فخيرة وإلا أمنا وصدقنا بالظاهر ووكلنا علم الباطن ~~إلى الله تعالى ورسوله . فمن ذلك حشر الأجسام وبعث من في القبور من الأشخاص ~~فاعلم أنه لم يرد في شريعة ما من الدلائل أكثر مما ورد في شرعنا من حشر ~~الأجسام وكأن الزمان لما كان مقرونا بالقيامة كانت الآية أصرح بها والبينات ~~أدل عليها ومفارقة الأرواح للأجساد وبقاء الأرواح قد اعترف بها الحكماء ~~الإلهيون وحشر الأجساد لما كان ممكنا في ذاته وقد ورد به الصادق وجب ~~التصديق بذلك من غير أن يبحث عن كيفية ذلك إذ الرب تعالى قادر على الإعادة ~~وقدرته على الإنشاء والابتداء فيحيي العظام وهي رميم كما أنشأها أول مرة ~~وكما يحيي الأرض بعد موتها كل ربيع كذلك يحيي الموتى ودليل من رام إثباته ~~على طريق الحكمة هو أن النفوس الجزئية إذا فارقت الأبدان ولم تستقر في ~~تصوراتها عن آلات جسمانية احتاجت إلى الأبدان ضرورة وإلا كانت معذبة فإن ~~سعادتها في تصوراتها إنما تكون بآلاتها والآلات إنما تتحقق إذا عادت بسعيها ~~كما كانت فمن قال بحشر الأجسام وفى بقضية الحكمة إذ وفر على كل نفس حظها من ~~كمالها اللائق بها وإعطاءها جزاءها على مقدار سعيها ومن نفى ذلك قضى بالحشر ~~على نفس أو نفسين في كل عصر قد تجردت عن المواد الجسمانية وقضى بالتعذيب ~~على كل نفس في العالم وذلك يناقض الحكمة وأيضا فإن الترتيب بين كل نفس ونفس ~~حاصل في الدنيا وإذا فارقت النفس البدن فإما أن يزول الترتيب حتى يستوي ~~الحال بين من حصل لنفسه علوما كثيرة وبين من اشتمل على جهالات كثيرة وإما ~~أن ms297 يثبت الترتيب وليس في ذلك العالم جنة ولا نار عندهم فيحصل لهم بذلك لذة ~~أو ألم إذ لا نعمة ثم معدة لأهل السعادة ولا عذاب مدخر لأهل الشقاوة وإنما ~~اللذة والألم والنعمة والعذاب تنشأ من كل نفس أو لازم كل نفس بحسب ما ~~استعدت له من العلم والجهل إلى تناقضات كثيرة أوردنا لذكرها رسالة في ~~المعاد . وأما سؤال القبر وعذابه فقد ورد بهما الخبر الصحيح في كم موضع حتى ~~بلغ PageV01P261 الاستفاضة وهو حق وأما وجه ذلك على الطريقة المرضية ليس ~~ذلك للروح المجرد خاصة ولا للبدن على هذه الهيئة المشاهدة حتى يلزم عليه ما ~~يناقض الحس ولو كان الخطاب أعني خطاب الملكين خطابا بالاعتقاد المجرد لكان ~~التزام الإعتقاد على الروح المجرد ولو كان الخطاب بالاعتقاد دون القول ~~والعمل جميعا لكان يشترط فيه حشر الجسد على الصورة المخصوصة لكنه خطاب ~~يقتضي عقدا وجوابا من حيث القول من ربك وما دينك ومن نبيك فلو كان الرجل ~~حيا وتوجه عليه هذا الخطاب استدعي منه فهما للخطاب وجوابا والأجزاء الفاهمة ~~من الإنسان والناطقة أجزاء مخصوصة وتلك الأجزاء مستقلة بالجواب وإن كان ~~الشخص من حيث هو شخص غير مستشعر بذلك كالنائم مثلا أو كالسكران فيجوز أن ~~يحيي الله تعالى تلك الأجزاء ويكون السؤال متوجها عليها من حيث أنها فاهمة ~~وناطقة ثم يكون الحشر بعده للشخص بصورته إذ السؤال متوجه عليه حتى يخرج عن ~~عهدة العقد والقول والعمل . وأما الميزان فقد ورد الكتاب العزيز به في قوله ~~تعالى ' ونضع الموازين القسط ليوم القيامة ' وقد قيل أن الموزون به جسم أما ~~كاغد مكتوب عليه خيرات العباد وشروره ثم يخلق الله فيه ثقلا أو خفة فيترجح ~~به الميزان والأحرى أن يقال أن لكل شيء في العالم ميزان لائق بوجود ذلك ~~الشيء فميزان ما يقبل الثقل والخفة المعيار والميزان المعهود وميزان ~~المكيلات الكيل والمذروعات الذرع والمسافات الفراسخ والأميال والمعدودات ~~العدد وميزان الأعمال والأقوال ما يكون لائقا بها والله أعلم بما أراد . ~~وأما الحوض والشفاعة فالحوض يجري على ظاهره وهو ms298 كالأنهار التي تكون في ~~الجنة من شرب منه شربة في القيامة لم يظمأ بعدها أبدا . وأما الشفاعة فقد ~~قالت المعتزلة أنها للمطيعين من المؤمنين بناء على مذهبهم أن الفاسق إذا ~~خرج من الدنيا من غير توبة خلد في النار لأنه قد استوجب النار بفسقه ومن ~~دخل النار كان مغضوبا عليه ومن كان مغضوبا عليه لا يدخل الجنة وأيضا فإنه ~~في حال الفسق ما استحق اسم الإيمان لأن الإيمان عبارة عن خصال محمودة ~~يستوجب المؤمن بها المدح والثناء والفاسق لا يستوجب المدح وقد أخلى أركان ~~إيمانه بخروجه عن الطاعة واستدلوا على ذلك بآيات من الكتاب منها قوله تعالى ~~' ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها ' وقوله تعالى ' ~~PageV01P262 بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها ~~خالدون ' وقوله تعالى ' ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها ' ~~وأيضا فإن الرب تعالى ذكر حال الأشقياء وحال السعداء وربط الخلود بمكانهما ~~ولم يذكر في القرآن قسما ثالثا فقال ' فأما الذين شقوا وأما الذين سعدوا ' ~~وفي تفصيل الفريقين فريق في الجنة وفريق في السعير . وزادت الخوارج عليهم ~~بأن كفروا صاحب الكبيرة واستدلوا عليه بقصة إبليس إذ كان عارفا بالله مطيعا ~~له غير أنه ارتكب كبيرة وهو الامتناع من السجود لآدم عليه السلام فاستوجب ~~اللعن والتكفير والتخليد في النار . وقصرت المرجئة في مقابلتهم حيث قالوا ~~الإيمان قول وعقد وإن عري عن العمل فلا يضر مع الإيمان معصية كما لا ينفع ~~مع الكفر طاعة . وأشدهم تقصيرا الكرامية الذين ينفر الطبع السليم عن نقل ~~مقالاتهم وذكر مذاهبهم لخبثها وركاكتها قالت الإيمان قول مجرد وهو الإقرار ~~باللسان فحسب وإن كان المقر كاذبا منافقا فهو مؤمن وليتهم قالوا مؤمن عندنا ~~بل قالوا مؤمن حقا عند الله تعالى حتى يثبت في حقه مشاركته المؤمنين في ~~أحكام الإسلام . قالت الأشعرية الإيمان عبارة عن التصديق في وضع اللغة وقد ~~قرره الشرع على معناه . واختلف جواب أبي الحسن رحمه الله في معنى التصديق ~~فقال مرة هو المعرفة ms299 بوجود الصانع وإلاهيته وقدمه وصفاته وقال مرة التصديق ~~قول في النفس يتضمن المعرفة ثم يعبر عن ذلك باللسان فيسمي الإقرار باللسان ~~أيضا تصديقا والعمل على الأركان أيضا من باب التصديق بحكم الدلالة أعني ~~دلالة الحال كما إن الإقرار تصديق بحكم الدلالة أعني دلالة المقال فكان ~~المعنى القائم بالقلب هو الأصل المدلول والإقرار والعمل دليلان . قال بعض ~~أصحابه الإيمان هو العلم بأن الله ورسوله صادقان فيما أخبرا به ويعزى هذا ~~أيضا إلى أبي الحسن ثم القدر الذي يصير به المؤمن مؤمنا وهو التكليف العام ~~على عوام الخلق وخواصهم هو أن يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في ~~ملكه ولا نظير له في جميع صفات إلاهيته ولا قسيم له في أفعاله وأن محمدا ~~رسوله PageV01P263 أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله فإذا أتى ~~بذلك لم ينكر شيئا مما جاء به وأنزل به فهو مؤمن فإن وافاه الموت على ذلك ~~كان مؤمنا عند الله وعند الخلق وإن طرئ عليه ما يضاد إيمانه ذلك والعياذ ~~بالله حكم عليه بالكفر عند ذلك وإن اعتقد مذهبا يلزمه من حكم مذهبه مضادة ~~ركن من هذه الأركان لم يحكم بكفره مطلقا بل ينسب إلى الضلالة والبدعة ويكون ~~حكمه في الآخرة موكولا إلى الله تعالى تخليدا في النار أو تأقيتا . والدليل ~~على ما ذكرناه أنا بالتواتر المفضي إلى اليقين علمنا أن النبي عليه السلام ~~لما أظهر الدعوة دعا الناس إلى كلمتي الشهادة لا إله إلا الله محمد رسول ~~الله ونعلم قطعا أنه لم يرض منهم في هذه الشهادة بمجرد القول مع إضمار ~~خلافه في القلب إذ قرر لهذا المعنى قوما سماهم منافقين وسماهم الكتاب بذلك ~~مع نفي الإيمان عنهم كما قال تعالى ' ومن الناس من يقول آمنا بالله واليوم ~~الآخر وما هم بمؤمنين ' ونسبهم إلى الكذب وسماهم كاذبين في غير آي من ~~الكتاب والله يشهد أن المنافقين لكاذبون والكرامي يشهد أن المنافقين ~~لصادقون فقد علم من ذلك قطعا أن التصديق بالقلب ركن وهو الركن ms300 الأعظم إذ ~~الإقرار باللسان يعبر عنه ونعلم قطعا أن النبي عليه السلام كما لم يرض منهم ~~بمجرد القول ما لم يقترن به عقد لم يكلف جميع الخلق معرفة الله تعالى كما ~~هو لأن ذلك غير مقدور للخلق وأقرب دليل على ذلك أنه تعالى يعلم جميع ~~معلوماته على التفصيل ويعلم أنه يخلق جميع مخلوقاته على التفصيل ويعلم جميع ~~مراداته من الخلق وللخلق وليس يعلم العبد ذلك ولا يقدر أن يعلم ولم يكلف ~~إلا أن يعرف أنه لا إله إلا الله وتكون معرفته مستندة إلى دليل جلي كما ورد ~~به التنزيل وإلا فتكليف ذلك شطط لا يستطاع فثبت القول والعقد مصدرا ومظهرا ~~وقد يكتفى بالمصدر في القلب إذا لم يقتدر على الإتيان بالإقرار باللسان لكن ~~في حكم الله تعالى الإشارة في حق الآخرين تنزل منزلة العبارة في حق الناطق ~~وقصة الخرساء أعتقها فإنها مؤمنة دليل على صحة ما ذكرناه في أصل الإيمان ~~وقدره بقي كون العمل ركنا أو واجبا تابعا . فتقول المرجئة بإرجاء العمل كله ~~عن القول والعقد حتى قالت لم يضر العبد إن لم يأت بطاعة واحدة . وتقول ~~الوعيدية بكونه ركنا من الأركان أن العبد تخلده الكبيرة في النار مع ~~PageV01P264 الكفار حتى قالت يسلب اسم الإيمان عمن ترك طاعة واحدة وكلا ~~المذهبين مردود . أما الأول فيرفع معظم التكاليف من الأوامر والنواهي ويفتح ~~باب الإباحة ويفضي إلى الهرج وإذ ورد في الشرع بذلك كله وربط بكل حركة من ~~حركات الإنسان حكما بحكم أنه إن لم تضره المعاصي لم تنفعه الطاعات وأنه إن ~~لم يكن مؤاخذا بترك ما أمر به لم يكن مثابا بامتثال ما أمر . وأما المذهب ~~الثاني فيرفع معظم الآيات من الكتاب والأخبار والسنة وتغلق باب الرحمة ~~ويفضي إلى اليأس والقنوط وإذ ورد في الكتاب في كم آية ' إن الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات ' ففرق بين لفظ الإيمان والعمل واعلم أن الإيمان له حقيقة ~~والعمل له حقيقة غير الإيمان وخاطب في كم آية الفاسقين بخطاب المؤمنين يا ~~أيها الذين آمنوا لا تفعلوا ms301 كذا علم بذلك قطعا أن الإيمان لو كان هو العمل ~~بعينه أو كان العمل ركنا مقيما بحقيقة الإيمان لما ميز بهذا التمييز وأيضا ~~فيلزم الوعيدية أن لا يوجد مؤمن في العالم إلا نبي معصوم إذ لا عصمة لغير ~~الأنبياء ويلزم أن لا يطلق اسم الإيمان على أحد حتى يستوفي جميع خصال الخير ~~عملا وفعلا فيكون اسم الإيمان موقوفا على العمل في المستأنف فهؤلاء مرجئة ~~الإيمان عن العمل وأولئك مرجئة العمل عن الإيمان فعلم قطعا أن العمل غير ~~داخل في الإيمان ركنا مقوما له حتى يقال بعدمه يكفر ويخرج عن الإيمان في ~~الحال ويعذب ويخلد في النار في ثاني الحال وغير خارج عن الإيمان تكليفا ~~لازما له حتى يقال بعدمه لا يستحق لوما وزجرا في الحال ولا استوجب عقابا ~~وجزاء في المآل والقول بأن المعاصي تحبط الطاعات ليس بأولى من القول بأن ~~الطاعات ترفع المعاصي ومن قال صاحب الكبيرة يخلد في النار بشرط تخفيف ~~العذاب عليه بسبب تصديقه قولا وعقدا وطاعته المحبطة يعارضه قول المرجئ ~~تخليد في الجنة بشرط حطه عن درجة المطيعين بسبب إيمانه وسائر طاعاته ~~والطاعات لو أحبطت كيف أثرت في التخفيف والتخفيف كيف يتصور مع التخليد ~~والتخليد كيف يجوز في العدل على عمل مقدر بوقت بل وتخليد الكافر في النار ~~متى كان عدلا عقليا وهو لم يكفر إلا مائة سنة فهلا تقدر التعذيب بمائة سنة ~~أفمن غصب مائة دينار وأخذ منه مائتي دينار كان عدلا قال هو على اعتقاد أنه ~~لو بقي أبد الدهر بقي على الكفر قيل واعتقاد أنه يعمل غير اعتقاد أن عمل ~~أليس من غصب مائة دينار على اعتقاد أن لو ظفر لم يؤاخذ بالألف كذلك فيما ~~نحن فيه فالعدل المعقول إذا ما ورد الشرع به والحكم المشروع ما دل ~~PageV01P265 العقل عليه وهو أن العبد إذا كان مصدقا بقلبه مخبرا عن تصديقه ~~بلسانه مطيعا لله تعالى في بعض ما أمره به عاصيا له في البعض استحق المدح ~~بقدر ما أطاع واللوم بقدر ما قد عصى ms302 في الحال واستحق الثواب بقدر الإيمان ~~والطاعة والعقاب بقدر العصيان في المآل ثم يبقى أن يتعارض أمران أحدهما أن ~~يثاب أو لا ثم يعاقب مخلدا أو بالعكس وليس في الفضل والعدل القسم الأول فإن ~~رحمة الله أوسع من ذنوب الخلق وفضله أرجى من العمل ولا تنقصه المغفرة ولا ~~تضره الذنوب ولأن الإيمان والمعرفة أحق بالتخليد عدلا وعقلا من معصية مؤقتة ~~ولأنه لم يؤثر أن أحدا يخرج من الجنة إلى النار فيقي القسم الثاني وشفاعة ~~النبي صلى الله عليه وسلم قد وردت سمعا حيث قال شفاعتي لأهل الكبائر من ~~أمتي . وما تمسكوا به من الآيات فمخصوصات عموماتها محمولة على الاستحلال ~~وظواهرها معارضة بآيات دلت على ذلك منها قوله تعالى ' إن الله لا يغفر أن ~~يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ' ومنها قوله تعالى ' قل يا عبادي الذين ~~أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا ' وإن ~~خص هذا العام بالتوبة من غير دلالة التخصيص فخص تلك العمومات بحال ~~الاستحلال في كل آية دليل على التخصيص وأما قوله تعالى ' ومن يعص الله ~~ورسوله ' فمعناه يكفر به ورسوله لأنه قرنه بقوله ' ويتعد حدوده ' وتعدي ~~جميع الحدود لا يتصور إلا من الكافر وأما المؤمن المطيع لله عز وجل سبعين ~~سنة كيف يكون متعديا جميع الحدود بمعصية واحدة وكذلك قوله ' بلى من كسب ~~سيئة ' أي شركا بدليل قوله وأحاطت به خطيئته والإحاطة من كل وجه لا يتصور ~~في حق المؤمن لأنه بإيمانه منع الإحاطة من كل وجه وقوله تعالى ' ومن يقتل ~~مؤمنا متعمدا ' فمعناه مستحلا قتله لأن العمدية المطلقة من كل وجه لا تتصور ~~إلا من الكافر ودليله آخر الآية من التشديد في العقاب والتغليظ بالغضب ~~واللعن وذلك بالاتفاق غير مطلق على القاتل الذي لا يستحل الدم وهو خائف وجل ~~وذكر حال الأشقياء والسعداء مقصور على مآل الحال ' PageV01P266 فأولئك ~~مآلهم إلى النار خالدين فيها وهؤلاء مآلهم إلى الجنة خالدين فيها ' والدليل ~~عليه الاستثناء في آخر الآية . القول في ms303 الإمامة اعلم أن الإمامة ليست من ~~أصول الإعتقاد بحيث يفضي النظر فيها إلى قطع ويقين بالتعين ولكن الخطر على ~~من يخطي فيها يزيد على الخطر على من يجهل أصلها والتعسف الصادر عن الأهواء ~~المضلة مانع من الإنصاف فيها . وقد قال جمهور أصحاب الحديث من الأشعرية ~~والفقهاء وجماعة الشيعة والمعتزلة وأكثر الخوارج بوجوبها فرضا من الله ~~تعالى ثم جماعة أهل السنة قالوا هو فرض واجب على المسلمين إقامته واتباع ~~المنصور فرض واجب عليهم إذ لا بد لكافتهم من إمام ينفذ أحكامهم ويقيم ~~حدودهم ويحفظ بيضتهم ويحرس حوزتهم ويعبي جيوشهم ويقسم غنائمهم وصدقاتهم ~~ويتحاكموا إليه في خصوماتهم ومناكحاتهم ويراعي فيه أمور الجمع والأعياد ~~وينصف المظلوم وينتصف من الظالم وينصب القضاة والولاة في كل ناحية ويبعث ~~القراءة والدعاة إلى كل طرف وأما العلم والمعرفة والهداية فهي حاصلة ~~للعقلاء بنظرهم الثاقب وفكرهم الصائب ومن زاغ عن الحق وضل عن سواء السبيل ~~فعلى الإمام تنبيهه على وجه الخطأ وإرشاده إلى الهدى فإن عاد وإلا فينصب ~~القتال ويطهر الأرض عن البدعة والضلال بالسيف الذي هو بارق سطوة الله تعالى ~~وشهاب نقمته وعقبة عقابه وعذبة عذابه . والدليل الساطع على وجوب الإمامة ~~سمعا اتفاق الأمة بأسرهم من الصدر الأول إلى زماننا أن الأرض لا يجوز أن ~~تخلو عن إمام قائم بالأمر . أما الصدر الأول فقد قال أبو بكر رضي الله عنه ~~في خطبته قبل البيعة أيها الناس من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات ومن ~~كان يعبد الله فإنه حي لا يموت وتلا هذه الآية ' وما محمد إلا رسول قد خلت ~~' ثم قال وإن محمدا قد مضى بسبيله ولا بد لهذا الأمر من قائم يقوم به ~~فانظروا وهاتوا آراءكم رحمكم الله فناداه الناس من كل جانب صدقت يا أبا بكر ~~ولكنا نصبح وننظر في هذا الأمر ونختار من يقوم به ولم يقل أحد أن هذا الأمر ~~يصلح من غير قائم به ثم كان من أمر الأنصار من اختيار سعد بن عبادة وقولهم ~~منا أمير ومنكم أمير قام ms304 أبو بكر وعمر رضي الله عنهما مع جماعة من ~~المهاجرين يقصدون سقيفة بني ساعدة وقال عمر كنت أزور في نفسي كلاما في ~~الطريق حتى وافينا السقيفة هممت أن أتكلم به فقام أبو بكر وقال مه يا عمر ~~وذكر جميع ما كنت أزوره إلا أنه كان ألين وكنت PageV01P267 أخشن فبايعته ~~وبايعه الناس القصة المشهورة ولما قرب وفاة أبي بكر رضي الله عنه فقال ~~تشاوروا في هذا الأمر ثم وصف عمر بصفاته وعهد إليه واستقر الأمر عليه وما ~~دار في قلبه ولا في قلب أحد أن يجوز خلو الأرض عن إمام ولما قربت وفاة عمر ~~رضي الله عنه جعل الأمر شورى بين ستة وكان الاتفاق على عثمان رضي الله عنه ~~وبعد ذلك كان الاتفاق على علي رضي الله عنه فدل ذلك كله على أن الصحابة ~~رضوان الله عليهم وهم الصدر الأول كانوا على بكرة أبيهم متفقين على أنه لا ~~بد من إمام ويدل على ذلك إجماعهم على التوقف في الأحكام عند موت الإمام إلى ~~أن يقوم إمام آخر ومن ذلك الزمان إلى زماننا كانت الإمامة على المنهاج ~~الأول عصرا بعد عصر من إمام إلى إمام إما بإجماع من الأمة أو بعهد ووصية ~~وإما بهما جميعا فذلك الإجماع على هذا الوجه دليل قاطع على وجوب الإمامة ~~العالم كلامنا في وجوب الإمامة على الإطلاق . أما القول في تعيين الإمام هل ~~هو ثابت بالنص أم بالإجماع فالقائلون اختلفوا في أن النص ورد على شخص بعينه ~~أم ورد بذكر صفته فالقائلون بالإجماع اختلفوا في أن إجماع الأمة عن بكرة ~~أبيهم شرط في ثبوت الإمامة أم يكتفى بجماعة من أهل الحل والعقد وقد ذكرت ~~مذاهبهم في الكتب . قال أهل السنة القائلون بالإجماع الدليل على عدم النص ~~على إمام بعينه هو أنه لو ورد نص على إمام بعينه لكانت الأمة بأسرهم مكلفين ~~بطاعته ولا سبيل لهم إلى العلم بعينه بأدلة العقول والخبر لو كان تواترا ~~لكان كل مكلف يجد من نفسه العلم بوجوب الطاعة له وإلا لزمه دينا ms305 كما لزمه ~~الصلوات الخمس دينا ولما جازوا إلى غيره بيعة وإجماع . ومن المحال من حيث ~~العادة أن يسمع الجم الغفير كلاما من رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم لا ~~ينقلونه في مظنة الحاجة وعصيان الأمة بمخالفته والدواعي بالضرورة تتوفر على ~~النقل خصوصا وهم في نأنأة الإسلام وطراوة الدين وصفوة القلوب وخلوص العقائد ~~عن الضغائن والأحقاد والتآلف المذكور في الكتاب العزيز ' وألف بين قلوبهم ~~فأصبحتم بنعمته إخوانا ' وإذا كانت الدواعي على النقل موجودة والصوارف عنه ~~مفقودة ولم ينقل دل على أنه لم يكن في الباب نص أصلا وأيضا لو عين شخصا ~~لكان يجب على ذلك الشخص المعين أن يتحدى بالإمامة ويخاصم عليها ويخوض فيها ~~حتى إذا دفع عن حقه سكت ولزم بيته فيظهر الظالم عليه ولم ينقل أن أحدا تصدى ~~للإمامة وادعاها نصا عليه وتسليما إليه . قالت النجدات من الخوارج وجماعة ~~من القدرية مثل أبي بكر الأصم وهشام PageV01P268 الفوطي أن الإمامة غير ~~واجبة في الشرع وجوبا لو امتنعت الأمة عن ذلك استحقوا اللوم والعقاب بل هي ~~مبنية على معاملات الناس فإن تعادلوا وتعاونوا على البر والتقوى واشتغل كل ~~واحد من المكلفين بواجبه وتكليفه استغنوا عن الإمام ومتابعته فإن كل واحد ~~من المجتهدين مثل صاحبه في الدين والإسلام والعلم والاجتهاد والناس كأسنان ~~المشط والناس كابل ماية لا تجد فيها راحلة فمن أين يلزم وجوب الطاعة لمن هو ~~مثله . وزادوا على ذلك تقريرا بأن قالوا وجوب الطاعة لواحد من الأمة إما أن ~~يثبت بنص من الرسول فقد دللتم على أنه لا نص على أحد وإما أن يكون باختيار ~~من المجتهدين والاختيار من كل واحد من الأمة إجماعا بحيث لا يقدر فيه ~~اختلاف لا يتصور عقلا ولا وقوعا أما العقل فإن الاختيار إذا كان مبنيا على ~~الاجتهاد والاجتهاد ينبني على ما تعين لكل واحد من العقلاء من قضايا تردده ~~في الوجوه العقلية والسمعية وذلك إذا كان مختلفا في الطباع فبالضرورة أن ~~يصير مختلفا في الحكم أليس أحق الأحكام بوجود الاتفاق فيه الخلافة الأولى ms306 ~~وأولى الأزمان في الشرع هو الزمان الأول وأولى الأشخاص بالصدق والإخلاص ~~الصحابة وأحق الصحابة بالأمانة ونفي التهمة والخيانة المهاجرون والأنصار ~~وأقرب الناس إلى رسول الله أبو بكر وعمر فانظر كيف انحاز الأنصار إلى ~~السقيفة وكيف قالوا منا أمير ومنكم أمير وكيف أجمعوا على سعد بن عبادة لولا ~~أن تداركه عمر بأن بايع بنفسه حتى شايعه الناس ثم قال بعد ذلك ألا إن بيعة ~~أبي بكر كانت فلتة فوقى الله شرها فمن عاد إلى مثلها فأيما رجل بايع رجلا ~~من غير مشورة من المسلمين فإنها تغره أن يقتلا يعني أني بايعت أبا بكر وما ~~شاروت الجماعة ووقى الله شرها فلا تعودوا إلى مثلها ولم يكن وقت البيعة ~~اتفاق الجماعة وفي الغد لما بايعوه انحازت بنو أمية وبنو هاشم حتى قال أبو ~~سفيان لعلي رضي الله عنه لم تدع هذا الأمر حتى يكون في شر قبيلة من قريش ~~فأجابه علي فتنتنا وأنت كافر وتريد أن تفتننا وأنت مسلم وقال العباس قولا ~~مثل ذلك وقد سمع النبي صلى الله عليه وسلم أنت أبي وأبو بقية الأمة الخلافة ~~في ولدك وما اختلف الليل والنهار ولم يخرج علي رضي الله عنه إلى البيعة حتى ~~قيل أنه كان له بيعة في السر وبيعة في العلانية وقد خرج أسامة بن زيد وهو ~~على جيشه أمير بتأمير النبي صلى الله عليه وسلم . قالوا فإذا لم يتصور ~~إجماع الأمة في أهم الأمور وأولاها بالاعتبار دل على أن الإجماع لن يتحقق ~~قط وليس ذلك دليلا في الشرع . قالوا ونصب الإمامة بالاختيار متناقض من ~~وجهين أحدهما أن صاحب الاختيار PageV01P269 موجب في النصب على الإمام حتى ~~يصير إماما ويجب عليه طاعته إذا قام بالإمامة فهو إنما صار إماما بإقامته ~~فكيف صار واجب الطاعة بإمامته والثاني أن كل واحد من المجتهدين الناصبين ~~للإمامة لو خالف الإمام في المسائل الاجتهادية باجتهاده جاز له ذلك وما من ~~مسئلة فرضتم وجوب الطاعة له فيها إلا ويجوز المخالفة له فيها باجتهاده فكيف ~~نجعله إماما واجب الطاعة بشرط ms307 أن يخالفه إذا أدى إلى المخالفة اجتهاده . ~~قالوا فدل هذا كله على أن الإمامة غير واجبة في الشرع نعم لو احتاجوا إلى ~~رئيس يحمي بيضة الإسلام ويجمع شمل الأنام وأدى اجتهادهم إلى نصبه مقدما ~~عليهم جاز ذلك بشرط أن يبقى في معاملاته على النصفة والعدل حتى إذا جار في ~~قضية على واحد وجب عليهم خلعه ومنابذته وهذا كما فعلوا بعثمان وعلي رضي ~~الله عنهما فإنه لما أحدث عثمان تلك الأحداث خلعوه فلما لم ينخلع قتلوه ~~ولما رضي علي بالتحكيم وشك في إمامته خلعوه وقاتلوه . قالت الشيعة الإمامة ~~واجبة في الدين عقلا وشرعا كما أن النبوة واجبة في الفطرة عقلا وسمعا . أما ~~وجوب الإمامة عقلا أن احتياج الناس إلى إمام واجب الطاعة يحفظ أحكام الشرع ~~عليهم ويحملهم على مراعاة حدود الدين كاحتياج الناس إلى نبي مرسل يشرع لهم ~~الأحكام ويبين لهم الحلال والحرام واحتياج الخلق إلى استبقاء الشرع ~~كاحتياجهم إلى تمهيد الشرع وإذا كان الأول واجبا إما لطفا من الله تعالى ~~وإما حكمة عقلية واجبة كان الثاني واجبا . وأما السمع فإن الله تعالى أمرنا ~~بمتابعة أولي الأمر وطاعتهم فقال ' أطيعوا الله والرسول وأولي الأمر منكم ' ~~فإذا لم يكن إمام واجب الطاعة كيف يلزمنا ذلك التكليف وقال الله تعالى ' يا ~~أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين ' فلو لم يكن في الأمة ~~صادقون واجبو الطاعة كيف وجب علينا أن نكون معهم ويستحيل أن يكلف إنسان كن ~~مع فلان ولا فلان في العالم وإذا كان العالم لا يخلو عن صادق مطلق فقد ~~تحققت عصمته فإنا لا نعني بالعصمة إلا الصدق في جميع الأقوال ومن كان صادقا ~~في جميع الأقوال كان صالحا في جميع الأحوال . وقرروا ذلك من وجه آخر وقالوا ~~كما يجب حسن الظن بالصحابة إنهم لا PageV01P270 يعدلون عن نص ظاهر إلى ~~الاختيار وهم الصفوة الأولى على طراوة القبول يجب حسن الظن أيضا بالرسول ~~أنه إذا علم احتياج الخلق إلى من يجمع شملهم ويرفع الخلاف بينهم ويحملهم ~~على مناهج الشرع وينصف المظلوم ms308 وينتصف من الظالم وأنهم إلى من ينتهج مناهجه ~~في دعوة المخالفين باللسان والسيف أحوج منهم إلى مسائل الاستنجاء والمسح ~~على الخفين والتيمم بالتراب وغير ذلك فإذا لم يقصر في إيراد حكم في كل باب ~~يستدل به على نظائره من ذلك الباب كيف أمسك عن أهم الأبواب كل الإمساك فلم ~~ينطق به نصا ولا أشار إلى شخص تعيينا ولا ذكره بوصف حتى بقيت الأمة على ~~اختلاف في الأصول والفروع فمن ضال ومن هاد يدعي كل واحد أنه على الحق وخصمه ~~على الباطل ولا حاكم بينهما ومن جاهل ومن عالم يدعي كل واحد منهما أنه ~~العالم وخصمه الجاهل ولا هادي لهما فلئن كان يتوجه للعباد أن يقولوا ' ربنا ~~لولا أرسلت إلينا رسولا ' مع أنه لا يتوجه على الله سؤال أفلا يتوجه للأمة ~~أن يقولوا أنبينا هلا عينت لنا إماما نتبع قوله من قبل أن نذل ونخزى وأن ~~الله تعالى أرسل الرسل كيلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل فهلا بين ~~الرسول الإمامة وعين الإمام كيلا يكون للناس على النبي حجة بعد الأئمة . ~~فلئن قلتم عرف احتياج الخلق ولم يعين فلم تحسنوا الظن به وإن قلتم عين وبين ~~ولم يتبعوا قوله لم تحسنوا الظن بالصحابة فما الأخلص وما الأولى بتوريك ~~الذنب عليه . وأنتم بين أمرين إما أن تقولوا جعل الأمر بين الأمة فوضى وفوض ~~الأمر إلى رأي المجتهدين ليبين فضل المجتهد الناظر وقصور القاصر عن رتبة ~~الاجتهاد وجعل العلماء بجملتهم حملة الشريعة ونقلة الدين . قيل لكم وهلا ~~كان الأمر فوضى بين العقلاء وفوض الأمر إلى نظر الناظرين واجتهاد المجتهدين ~~فلا يرسل إليهم رسلا مبشرين ومنذرين ليتبين فضل المجتهد الناظر وقصور ~~المعطل القاصر وهلا سلك الصحابة هذا المنهاج فيجعلون الأمر فوضى بين الأمة ~~ولا يرتبون أمر الإمامة ولا يشتغلون بتعيين الإمام عن مواراة النبي صلى ~~الله عليه وسلم في صريحه ليظهر فضل الفاضل وقصور القاصر وأما أن تقولوا لم ~~يجعل الأمر فوضى ولا ترك الحال شورى فيلزمكم النص والتعيين ثم لا نص إلا ms309 في ~~حق من يدعي النص ومن لا يدعي النص كيف يتعين بالنص واعلم أنه لا شبه في ~~المسألة إلا ما ذكرناه وما تذكره الإمامية من سوء القول في الصحابة رضي ~~الله عنهم وافتراء الأحاديث على الرسول فكل ذلك ترهات لا يصلح أن تشحن بها ~~الكتب أو يجرب بها القلم وكذلك ما ذكره الزيدية من إمامة المفضول مع قيام ~~PageV01P271 الفاضل واستحقاق الإمامة عندهم بخصال أربع العفة والعلم ~~والشجاعة والخروج بعد أن يكون فاطميا يلزمهم أن يكون في كل صقع إمام واجب ~~الطاعة فيكون في الأرض ألف ألف إمام نافذ الأمر واجب الطاعة إذا استجمع كل ~~واحد هذه الخصال . أجاب أهل السنة عن مقالة النجدات في نفي وجوب الإمامة ~~أصلا عقلا وشرعا أن الواجبات عندنا بالشرع ومدرك هذا الواجب إجماع الأمة ~~والاختلاف الذي ذكرتموه في تعيين الإمام من أذل الدليل على أن أصل الإمامة ~~واجب إذ لو لم يكن واجبا لما شرعوا في التعيين ولما اشتغلوا به كل الاشتغال ~~. بقي أن يقال إجماع الأمة هل هو دليل في الشرع وإن الإجماع هل يتصور وقوعه ~~صادرا عن الاجتهاد بحيث لا يتصور فيه الخلاف وأما تصوره عقلا فمن الجائزات ~~العقلية موافقة شخصين على رأي واحد وإذا تصور في شخصين فما المانع من تصوره ~~في ثلاثة وأربعة إلى أن يستوعب الجميع وأما تقدير وقوعه في الصدر الأول فهو ~~أيسر ما في المقدور فإن الصحابة كانوا محصورين في المهاجرين والأنصار وأهل ~~الرأي والاجتهاد منهم أيكون إلى عدد يمكن ضبطهم وحصرهم في محفل واحد ~~ويتناظرون في أمر ويتفقون على رأي واحد ولا يبدو من أحدهم إنكار . وأما وجه ~~كونه دليلا أنا بالضرورة نعلم أن الصحابة إذا أجمعوا على أمر فلا يحصل منهم ~~ذلك الاتفاق إلا لنص خفي قد تحقق عندهم أما نص في ذلك الأمر بعينه وأما نص ~~على أن الإجماع حجة ثم ذلك النص ربما يكون عندهم تواترا وعندنا من أخبار ~~الآحاد فلا بد من إضمار قطعا حتى يكون حجة لكن الإجماع قرينة دالة عليه ~~قطعا ms310 وهو كالأخبار المتواترة فإنها أورثت العلم بحكم القرينة لا بحكم العدد ~~ومن الدليل على أن الإجماع حجة تبكيت الصحابة لمن خالف الإجماع وإخراجهم ~~إياه عن سنن الهدى وقد جوزوا للمجمعين ترك التعرض لمستند الإجماع فإن ~~المستند ربما كان قرينة قولية أو فعلية أورثتهم العلم ولم يمكنهم التعبير ~~عنها بلفظ وربما كان قولا صريحا فإن صرحوا به كان ذلك دليلا ثابتا في ~~المسئلة وإن لم يصرحوا كفاهم الإجماع . وأما قولهم أن الاتفاق على إمامة ~~أبي بكر رضي الله عنه لم يكن صادرا عن جملتهم ليس كذلك إذ لم يبق أحد من ~~الصحابة إلا كانت له بيعة وعلي كرم الله وجهه كان مشغولا في وقت البيعة ~~بمواراة رسول الله صلى الله عليه وسلم محزونا على مفارقته لم يخرج إليهم ~~حتى لما رأى الناس دخلوا في أمر دخل فيه ولم ينقل عنهم إنكار . وقولهم إن ~~الإجماع في نصب الإمامة إيجاب على الإمام من جهة المجمعين حتى يصير واجب ~~الطاعة لهم وينعكس الأمر بعد ذلك حتى يصيروا واجبي الطاعة له وهو متناقض . ~~PageV01P272 نقول هذا لو كان الوجوب الذي يتلقى من الإجماع مقصورا على من ~~صدر منه الإجماع وليس الأمر كذلك فإن الوجوب مستند إلى النص الخفي والجلي ~~من صاحب الشرع عليه السلام فهو الموجب والإجماع مظهر الوجوب وهو طريق قطعي ~~في معرفته لا أن قول من لم يثبت صدقه ضرورة يكون حجة . وقولهم لو خالف كل ~~واحد من المجتهدين إمامه في مسئلة جاز قلنا نعم لأنه مجتهد كما أن الإمام ~~مجتهد ولا يجوز لمجتهد تقليد المجتهد وهو لا يخالفه في الإجماع على أنه ~~إمام بعد استناده إلى النص وإنما يخالفه في مسئلة أخرى وهو جائز أليس أدى ~~اجتهاد أبي بكر إلى قتال أهل الردة ومانعي الزكاة إليه وسبي ذراريهم ~~واغتنام أموالهم وأدى اجتهاد عمر رضي الله عنه إلى أن يرد إليهم سباياهم ~~فردها وكم من مسئلة خالفه الصحابة في مسائل الفرائض والديات وإيجاب الرجم ~~فرجع إلى قولهم وترك اجتهاده وهذا لأنه لا يجب العصمة ms311 للأئمة فيجوز عليهم ~~الخطأ والكبائر فضلا عن الزلل في الاجتهاد . وقولهم إن الناس لو تناصفوا ~~وعدلوا استغنوا عن إمام قلنا هذا جائز في العقل جواز سداد الناظرين في ~~نظرهم قبل ورود الشرع ولكن العادة الجارية والسنة المطردة أن الناس بأنفسهم ~~لا يستقرون على مناهج العدل والشرع إلا بحامل يحملهم على ذلك بالتخويف ~~والتشديد ولا يتأتى ذلك إلا بسياسة الإمام والتخويف بالسيف والتشديد على ~~الظالم . وأما الجواب عن قول الشيعة إما أن تلقى الواجبات من العقل فقد ~~فرغنا منه وأما مستند الوجوب في نصب الإمامة هو الإجماع الدال على النص ~~الوارد من الشرع . وقولهم إن الله تبارك وتعالى أمرنا بطاعة أولي الأمر ~~ومتابعة الصادقين قلنا هذا مسلم في وجوب طاعة الإمام على الإطلاق لكن ~~الكلام إنما وقع في التعيين أهو متعين بتعيين الشارع نصا أم يتعين بتعيين ~~أهل الإجماع والأول لم يثبت إذ لو ثبت لنقل ولما تصور سكوت القوم أو سكوت ~~واحد من القوم في موضع اختلاف الناس في تعيين الإمام أليس لما كان عند أبي ~~بكر رضي الله عنه نص في تخصيص قريش بالإمامة روي ذلك في حال دعوى الأنصار ~~فسكتوا عن الدعوى وصارت الإمامة مخصوصة بقريش نصا كذلك لو كان عند أحد نص ~~في تخصيص بني هاشم لنقل ذلك حتى يرتفع النزاع فإن منازعة الأنصار قريشا ~~كمنازعة قريش بني هاشم ومنازعة بني هاشم عليا . ومن العجب أن خبر التخصيص ~~بقريش لم يكن متواترا إذ لو تواتر لما ادعت الأنصار شركة في الأمر وهم قد ~~انقادوا لخبر الآحاد فكيف يظن بهم أنهم لا ينقادون للخبر المتواتر . ~~PageV01P273 فإن قيل عمر رضي الله عنه كان يجوز الإمامة لغير قريش بل ~~للموالي حين قال لو كان سالم مولى حذيفة حيا لما تخالجني فيه شك وأيضا ~~فإنكم ادعيتم أن لا نص في الإمامة وقد ثبت نص في تخصيص قريش بأن قال الأئمة ~~من قريش فما جوابكم عمن يقول إذا ثبت نص في تخصيص قريش عن كل المسلمين ~~فيجوز أن يثبت نص في تخصيص ms312 بني هاشم من قريش وأيضا فإنكم ادعيتم في الأول ~~إحالة ثبوت النص وربطتم الحكم بالإجماع ثم قلتم إن الإجماع يتضمن نصا حتى ~~يكون دليلا في الشريعة فقد ربطتم الإمامة بالنص فهلا ادعيتم النص على أبي ~~بكر ولم عقدتم بابا في إبطال النص وإثبات الاختيار . قيل أما الأول فلأن ~~عمر سلم لأبي بكر ذلك الخبر الذي رواه ولم يظهر منه أنه كان يجوز الإمامة ~~لغير قريش وأما سالم فقد قيل أنه كان ينسب إلى قريش فلذلك قال ما تخالجني ~~فيه شك لما شهد النبي صلى الله عليه وسلم بحسن سيرته وأمانته . وأما النص ~~الخفي الذي يتضمنه الإجماع فهو لعمري لازم جدا فإن الإمامة إذا لم تثبت إلا ~~بالإجماع والإجماع لا يثبت إلا بالنص فلم يثبت الإمامة إلا بالنص . والجواب ~~أن النص الضمني في الإجماع ربما يكون نصا في الإمامة وربما يكون نصا في أن ~~الإجماع حجة فتردد الأمرين بين هذين المحتملين فلم يمكنا دعوى النص على أبي ~~بكر وذلك النص ربما لا يكون نصا ظاهرا لكن قرينة الحال عند القوم وهم شهود ~~الحضرة ربما أورثتهم قطعا فتنزل غير الظاهر عندهم كالظاهر وحصل لهم القطع ~~بذلك واعلم أن الإجماع إنما كان حجة لأن المجمعين لمجموعهم معصومون عن ~~الخطأ والكفر والضلالة وإن كان ذلك جائزا في آحادهم فمجموع هذه الأمة في ~~العصمة نازل منزلة شخص واحد في العصمة ويجوز أن يثبت حكم لمجموع من حيث هو ~~جملة مجموعة ولا يثبت لواحد منهم بخبر التواتر فإن العلم يحصل بمجموعه وإن ~~لم يحصل بآحاده والسكر الحاصل من الأقداح والشبع الحاصل من اللقم وغير ذلك ~~وعليه حمل قوله تعالى ' يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين ~~' وقوله تعالى ' ويتبع غير سبيل المؤمنين ' . وأما الجواب عن المعضلة التي ~~أوردوها نقول لا يمكن أن يقال أن النبي صلى الله عليه وسلم ما كان يعرف من ~~يجلس للإمامة بعده وينوب منابه فإن كان يخبر أصحابه بما سيكون بعده إلى يوم ~~القيامة من الفتن والبلايا وخروج الدجال ولقد ms313 قال صلى الله عليه وسلم زويت ~~لي الأرض فأريت مشارقها ومغاربها وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها وكان يخبر ~~أصحابه العشرة بما يفعله كل واحد ويجري عليه من القدر وأخبر عليا رضي الله ~~عنه إنك تقاتل الناكثين والقاسطين PageV01P274 والمارقين وحديث ذي الخويصرة ~~حيث ناظر ونافق وأنه سيخرج من صيصى هذا الرجل وآيتهم ذو الثدية معروف وما ~~قال له في صلح الحديبية إنك ستبتلى بمثل ما بليت به وصح ذلك يوم التحكيم ~~وما أطلعه الله تعالى على أمور أمه من حال أمته كما قال ' ليستخلفنهم في ~~الأرض ' وقوله ' قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد ' ~~وما روي أنه رأى في المنام أن أبا بكر ينزع دلوا أو دلوين بضعف وأن عمر كان ~~ينزع بقوة وشدة فقال عليه السلام فلم أر عبقريا يفري فريه وقال اقتدوا ~~بالذين من بعدي أبي بكر وعمر فيبعد كل البعد أن لا يطلعه الله تعالى على من ~~يجلس بعده لكن لا يبعد أن لا يظهره لأحد ولا ينص على شخص لأنه لم يكن ~~مأمورا بذلك وإن قدر أنه مأمور لزم القطع بالنص والإظهار فإن الله تعالى ~~بعثه هاديا مهديا وسراجا منيرا ' هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ' ~~الآية . فإن قيل قد أظهر ذلك يوم غدير خم حيث أمر الناس بالدوحات وخاطب ~~الناس وأخذ بيد علي وقال من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد ~~من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله وأدر الحق معه حيث دار وهذا حين نزل ~~قوله تعالى ' يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت ~~رسالته ' وقد فهم الجماعة من قوله من كنت مولاه فعلي مولاه الخلافة حيث ~~هنأه عمر فقال بخ بخ يا علي أصبحت مولى كل مؤمن ومؤمنة وقال عليه السلام ~~أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي وقد قال عليه السلام أنا ~~مدينة العلم وعلي بابها إلى غير ذلك من الأخبار . قيل ms314 إن اقتنعتم بمثل هذه ~~الأخبار فخذوا منا في حق أبي بكر كذلك حيث روى مسلم في صحيحه أنه قال عليه ~~السلام أيتوني بدواة وكتف أكتب لأبي بكر كتابا لا يختلف عليه اثنان وقال ~~ليصل بالناس أبو بكر وقال إن وليتموها أبا بكر تجدوه ضعيفا في نفسه قويا في ~~أمر الله تعالى وإن وليتموها عمر تجدوه قويا في نفسه قويا في أمر الله وإن ~~تولوها عثمان يسلك بكم مسلك السداد وإن تولوها عليا تجدوه هاديا مهديا يأخذ ~~بكم الطريق المستقيم وقال لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي منهم اثنان ~~وقال حملة الحديث لما نزلت سورة الفتح جاء العباس إلى علي رضي الله عنهما ~~وقال إني أعرف الموت في وجوه بني عبد المطلب وأنى برسول PageV01P275 الله ~~صلى الله عليه وسلم وقد نعى إليه فانطلق بنا إليه نسأله لمن الأمر بعده فإن ~~كان فيكم فأنتم وذاك وإن كان في غيركم أوصى بكم إلى الوالي فأبى عليه علي ~~ورجع العباس إلى النبي فقال له في ذلك فخطب الخطبة المعروفة إلى قوله إلا ~~من ولي هذا الأمر فليقبل من محسنهم وليتجاوز عن مسيئهم فقيل يا رسول الله ~~أوص بقريش فقال الناس تبع لقريش ثم قال أوصيكم بأهل بيتي وعترتي خيرا فإنهم ~~لحمي احفظوا منهم ما يحفظون فيما بينكم وهذا كله من الأخبار دليل على ~~الاختيار . فإن قيل إنما قلنا طريق العلم بتعيين الإمام النص دون الاختيار ~~لأن الإمام يجب أن يكون على صفات مخصوصة منها العصمة ومنها العلم والعقل ~~ومنها الشجاعة ومنها العدل على الرعية ولا مجال للاجتهاد وغلبات الظنون في ~~معرفتها ومعرفة مقاديرها بل لا يعلم ذلك إلا بالنص من الرسول مستندا إلى ~~وحي من الله فإذا كنتم تختارون الأئمة بظواهرهم وتجوزون أن يكونوا من ~~الزنادقة في الباطن وأن يكذبوا على الله ورسوله وأن يعطلوا الحدود ويبطلوا ~~الحقوق ويتأولوا متشابهات القرآن على غير وجهها وينقلوا الأخبار على غير ~~طريقها افتراء على الله ورسوله أو لم يعهد من بني أمية التعرض لأهل البيت ms315 ~~قتلا وهتكا للحرمة واستحلالا للأموال أو لم ينقل عنهم الظلم والجور على ~~الرعايا وملابسة الفسق والفجور فما يؤمنكم أن متابعتكم أئمة الجور تورثكم ~~النار وبئس المصير . قيل صفات الإمامة يجوز أن يستدل عليها بالإمارات ~~والأقوال تدل على العلم والفضل وحسن الأفعال تدل على العفة والمهارة بالحرب ~~تدل على السياسة والشجاعة فكما يستدل بالأفعال على الشهادة والقضاء كذلك ~~يستدل على الصفات التي تشترط في الأئمة وإن ظهر بعد ذلك جهل أو جور أو ضلال ~~أو كفر انخلع منها أو خلعناه وما ينقل عن الأموية فهو صحيح إلا أنه لا ~~ينافي الإمامة عندهم وعند من يجوز ذلك على الأئمة . فإن قيل فما القدر الذي ~~من صفات المدح يصير بها مستحقا للإمامة وما العدد من أمة يصح به عقد البيعة ~~. قيل القدر من الصفات أن يكون مسلما قرشيا مجتهدا في العلم بصيرا بسياسة ~~الرعية ذا نجدة وكفاية ومن العلماء من نقص من العدد الذي ذكرناه ومنهم من ~~زاد والعدد لعقد البيعة فقيل تتم البيعة برجل عدل وقيل برجلين وقيل بأربعة ~~وقيل بجماعة من أهل الحل والعقد والاجتهاد والبصيرة بالأمور ولو عقد واحد ~~ولم يسمع من الباقين نكير كفى ذلك ويجب الإشهاد به فإنه خطب جسيم ومنصب ~~عظيم والمسائل المرتبة PageV01P276 على ما ذكرناه من عقد البيعة لرجلين في ~~صقعين أو إقليمين فإنه إذا خلع نفسه أو أحدث أحداثا يستحق بها الخلع أينخلع ~~أم يستوجب ذلك كله من مظان الاجتهاد وليراجع الكتب المصنفة في الكلام فإني ~~لم أشترط على نفسي في هذا الكتاب نقل ما ذكر في الكلام وإنما شرطت حل ~~المشكلات من المعقولات وبيان منتهى إقدام أهل الأصول في مراتب العقول دون ~~المنقول . وأما كرامات الأولياء فجائز عقلا ووارد سمعا ومن أعظم كرامات ~~الله تعالى على عباده تيسير أسباب الخبر لهم وتعسير أسباب الشر عليهم ~~وحيثما كان التيسير أشد وإلى الخير أقرب كانت الكرامة أوفر وما ينقل عن ~~بعضهم من خوارق العادات وصح النقل وجب التصديق ولا يجوز الإنكار عليه أليس ~~قد ورد في ms316 القرآن قصة عرش بلقيس وقول ذلك الولي ' أنا آتيك به قبل أن يرتد ~~إليك طرفك فلما رآه مستقرا عنده قال هذا من فضل ربي ' أو لم تكن قصة أم ~~موسى ومريم أم عيسى عليه السلام وما ظهر لهما من الخوارق من إلقاء موسى في ~~اليم كرامة لها ورزق الشتاء في الصيف ورزق الصيف في الشتاء وظهور النخلة في ~~الصحراء من أعظم الكرامات لمريم عليها السلام وما ينقل عن صالحي هذه الأمة ~~أكثر من أن يحصى وهي بآحادها إن لم تفدنا علما بوقوعها فهي بمجموعها ~~أفادتنا علما قطعيا ويقينا صادقا بأن خوارق العادات قد ظهرت على أيدي أصحاب ~~الكرامات . واعلم أن كل كرامة تظهر على يد ولي فهي بعينها معجزة لنبي إذا ~~كان الولي في معاملاته تابعا لذلك النبي وكل ما يظهر في حقه فهو دليل على ~~صدق أستاذه وصاحب شريعته فلا تكون الكرامة قط قادحة في المعجزات بل هي ~~مؤيدة لها دالة عليها راجعة عنها وعائدة إليها وقد قال النبي كائن في أمتي ~~ما كان في الزمان الأول حذو القذة بالقذة والنعل بالنعل حتى لو دخلوا جحر ~~ضب لدخلتموه وقال عليه السلام إن في أمتي من مثله مثل إبراهيم الخليل ومن ~~مثله مثل موسى وفي الآية ' ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون ' ~~إشارة إلى هذا المعنى ولما كانت شريعته أكمل الشرائع ودينة أكمل الأديان ~~كما قال تعالى ' اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم ~~الإسلام دينا ' وجب أن يكون المتحلي بهذا الدين والشريعة أشرف وأكرم ممن ~~تحلى بشريعة أخرى إذ الشرائع والأديان جلابيب النفوس والأرواح وبقدر ~~PageV01P277 التحلي بها والثبات فيها والإقبال عليها ينال الشرف والكرامة ~~قال الله تعالى ' إن تتقول الله يجعل لكم فرقانا ويكفر عنكم سيئاتكم ' وليت ~~شعري أي كرامة تزيد على نيل الفرقان بين الحق والباطل وسبيل النجاة والهلاك ~~وفي الخبر لا يزال العبد يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت له ~~سمعا وبصرا ويدا ومؤيدا وأي كرامة أجل من حصول المحبة ms317 بثمراتها المذكورة ~~وفي الخبر لو عرفتم الله حق معرفته لعلمتم العلم الذي ليس معه جهل ولو ~~عرفتم الله حق معرفته لزالت الجبال بدعائكم وما أوتي أحد من اليقين إلا وما ~~لم يؤت منه أكثر مما أوتي . قيل بلغنا أن عيسى عليه السلام كان يمشي على ~~الماء قال صلى الله عليه وسلم لو ازداد يقينا لمشى على الهواء . ومما يتصل ~~بهذا الموضع الكلام في النسخ وأن هذه الشريعة ناسخة للشرائع كلها وهي أتمها ~~وأكملها وأن محمدا المصطفى صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء وبه نختم ~~الكتاب . قال بعض العلماء النسخ رفع الحكم بعد ثبوته وقال بعضهم النسخ ~~تبيين انتهاء مدة الحكم وكأنه تخصيص بزمان وهو بظاهره كان شاملا لكل زمان ~~وبالنسخ يتبين أنه لم يشمل الأوقات كلها وقالت اليهود النسخ رفع تكليف بعد ~~توجهه على العباد وذلك لا يجوز في حق الباري تعالى فإنه يؤدي ذلك إلى البدا ~~والندم على ما قال ولو أن واحدا منا أمر غلامه على كل حال أن يفعل فعلا ثم ~~منعه من ذلك إما في الحال أو في ثاني الحال دل ذلك على أنه بدا له ذلك أي ~~ظهر له أمر بخلاف ما تصور في الأول أو ندم بالقلب على تكليفه الأول وهاتان ~~القضيتان مستحيلتان في حق من لا تخفى عليه ذرة في الأرض ولا في السماء ومن ~~له الملك والملك والتصرف في عباده بما يشاء . يقال لهم المستحيل على نوعين ~~مستحيل لعينه كاجتماع السواد والبياض في محل واحد في حالة واحدة ولا شك أن ~~رفع التكليف وحكم التكليف بعد ثبوته ليس من ذلك القبيل ومستحيل لما يفضي ~~إلى المحال كخلاف المعلوم ولا محال ها هنا يفضي إليه النسخ إلا البدا ~~والندم والبدا يطلق على معنيين أحدهما الظهور يقال بدا له الشيء إذا ظهر ' ~~وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون ' وهذا لا يجوز على الله تعالى فإن ~~المعلومات كلها ظاهرة لديه مكشوفة عنده والنسخ لا يؤدي إلى ذلك لأنه كان ~~عالما بذلك التكليف عند ms318 توجهه على العبد وكان عالما برفعه عند النسخ فلم ~~يظهر له أمر متجدد لم يعلمه ولا رفع الحكم لأنه ظهر له شيء آخر . ~~PageV01P278 ويطلق البدا على الندم على ما كان والندم هو أن يقول قولا أو ~~يفعل فعلا لغرض ثم يرى أن المصلحة في غير ما صدر عنه قولا وفعلا وهذا أيضا ~~لا يجوز في وصف الباري تعالى فإنه لا يفعل فعلا لغرض وإذا فعل بخلاف ذلك لم ~~يفعله لمصلحة وغرض آخر بل أقواله وأفعاله لا تعلل كما بينا قبل فلم يتصور ~~في حقه الندم ولا أفضى النسخ إلى الندم فتعين القول بأن النسخ غير مستحيل ~~عقلا ثم وقوعه شرعا من أدل الدليل على أنه غير مستحيل عقلا . فنقول لا شك ~~أن موسى عليه السلام تأخر وجودا عن آدم ونوح وهود وصالح وإبراهيم وإسماعيل ~~ويعقوب وجماعة من الأنبياء والأسباط عليهم السلام أهل كان جميع ما ورد به ~~موسى مشروعا لهم أو منها ما كان مشروعا ومنها ما لم يكن مشروعا فإن كان كله ~~مشروعا لهم فلم يرد موسى بشريعة أصلا بل قرر الشرائع الماضية وإن ورد بحكم ~~واحد غير ما ثبت في شرعهم فقد تحقق أن الحكم الأول مرفوع بذلك الحكم أو قد ~~انتهى مدة الحكم الأول وتجدد هذا الحكم فثبت النسخ وإن أنكروا ذلك فنكاح ~~الأخوات في زمن آدم عليه السلام حتى قيل أنه استمر ذلك الحكم إلى زمن نوح ~~مما يجب الاعتراف به ليتحقق النسل والذرية وتوبة عبدة العجل بقتل أنفسهم ~~كان حكما لم يكن قبل ذلك وصار مرفوعا عن غيرهم في التوراة والختان في اليوم ~~السابع من الولادة حكم لم يكن لنوح وغيره بل ترك الختان كان مشروعا لهم ~~وأمر بذلك إبراهيم عليه السلام على الكبر وأطلق له أن لا يختتن إسماعيل في ~~طفوليته حتى يصير مراهقا وحظر على موسى ترك الختان فوق سبعة أيام والتمسك ~~بالسبت ما كان واجبا على الأنبياء قبل موسى عليه السلام ثم صار واجبا على ~~موسى فما المستحيل أن يعود إلى ما ms319 كان مباحا وكذلك الصيد في يوم السبت ~~وجميع الأفعال الدنياوية كان مباحا قبل موسى عليه السلام فصار محظورا على ~~موسى والمواعدة من أدل الدلائل على النسخ إذ واعده الميقات ثلاثين ليلة ثم ~~أتمها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة وكذلك تلك التكاليف الشديدة على بني ~~إسرائيل ما كانت واجبة على من قبلهم . والسر في ذلك كله أن الحظر والوجوب ~~أحكام لا ترجع إلى الأفعال حتى تكون صفات لها ولا الأفعال كانت على صفات من ~~الحسن والقبح ورد الشرع بتقريرها ولا قول الشارع أكسبها صفات لا تقبل الرفع ~~والوضع بل الأحكام راجعة إلى أقوال الشارع وتوصف الأفعال بها قولا لا فعلا ~~شرعا لا عقلا فيجوز أن يرتفع بعضها PageV01P279 ببعض وذلك كالحرمة في ~~الأجنبيات ترتفع بالعقد الصحيح والحل في المنكوحة يرتفع بالطلاق المبين ~~وكأحكام المقيم تخالف أحكام المسافر وأحكام الرجال في بعض الأحوال تخالف ~~أحكام ربات الحجال وإذا كانت الأحكام قابلة للرفع والوضع والتغيير والتبديل ~~فما المستحيل في وضع أحكام على أقوام في زمن ثم رفعها عن أقوام في زمن آخر ~~ثم يقابل التكليف بالأفعال وتقابل التغييرات العقلية من الموت والحياة ~~والصحة والسقم والراحة والشدة والنعمة والبلية وإنبات الزرع وإفساده وإنشاء ~~الحيوان وإهلاكه وخلق الإنسان وإفنائه تارة إلى مدة وتارة في الحال من غير ~~مهلة تصريفه لا بد أنهم حيث يشأ كما يشأ لا يسأل عما يفعل بالتغييرات ~~التكليفية من الإباحة والحظر والإيجاب والإطلاق والمشي تارة إلى موضع ~~والوقوف تارة في موضع والقيام تارة والقعود أخرى تصريفا لعقولهم ونفوسهم ~~كما يشأ حيث يشأ لا يسأل عما يفعل فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ~~ترجعون له الملك والملك والخلق والأمر والفعل والقول والتصريف والتكليف ~~أليس الخلق الأول في مادة الإنسان يتصرف في تربيته من سلالة إلى نطفة إلى ~~علقة إلى مضغة إلى عظام إلى كسوة العظام لحما إلى خلق آخر فتبارك الله أحسن ~~الخالقين أنشأ من طور إلى طور أبدا من كور إلى كور وكل مرتبة ناسخة للصورة ~~الأولى لابسة صورة أخرى ms320 ثم خالفت تلك الصورة إلى أخرى كذلك الأمر الأول في ~~كسوة صورة لنوع الإنسان يتصرف بتربيتها من شريعة إلى شريعة وكل شريعة ناسخة ~~صورة ولابسة أخرى حتى ينتهي إلى كمال الشرائع كلها وتختم بخاتم النبيين ~~كلهم وليس بعد الكمال والاستقامة إلا المعاد والقيامة بعثت أنا والساعة ~~كهاتين فيتم الخلق هنالك ويتم الأمر ها هنا وتختم الخلقة بكمال حال النطفة ~~إنسانا تاما وتختم الشريعة بكمال حال الشرع الأول دينا تاما كاملا ' اليوم ~~أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ' رضينا بالله ~~ربا وبالإسلام دينا وبمحمد المصطفى صلى الله عليه وسلم نبيا وبالقرآن إماما ~~وبالكعبة قبلة وبالمؤمنين إخوانا . وقد نجز غرضنا من عشرين قاعدة في بيان ~~نهايات أقدام أهل الكلام وإن تنفس الأجل وأمهل العمر شرعنا في عشرين أخرى ~~في بيان نهايات أوهام الحكماء الإلهيين وعند ذلك يحق لنا أن نقول وحقا ~~وصدقا نقول متبركين بألفاظ الصالحين وهي PageV01P280 كلمات ملتقطة من دعوات ~~زين العابدين رضوان الله عليه يا من لا يبلغ أدنى ما استأثرت به من جلالك ~~وعزتك أقصى نعت الناعتين يا من قصرت عن رؤيته أبصار الناظرين وعجزت عن نعته ~~أوهام الواصفين يا من لا تراه العيون ولا تخالطه الظنون ولا يصفه الواصفون ~~أنت كما وصفت به نفسك وأنت كما أثنيت على نفسك ضلت فيك الصفات وتقسمت دونك ~~النعوت وحارت في كبرياءك لطائف الأوهام والعقول أنت الأول في أزليتك وعلى ~~ذلك أنت دائم لا تزول وأنت الآخر في أبديتك وكذلك أنت قائم لا تحول وأنت ~~الظاهر فما احتجبت عن شيء وأنت الباطن فما اختفيت في شيء ولا تغيرك الدهور ~~ولا تبليك الأمور ولا يعتورك الزمان ولا يحويك المكان ولا يشغلك شأن عن شأن ~~كذلك أنت الله الذي لا إله إلا أنت لك الأسماء الحسنى والمثل الأعلى ~~والكلمة العليا أنزلت الكتب بالحق وأرسلت الرسل بالصدق وختمتهم بآخرهم عصرا ~~وأولهم مأثرة وذكرا محمد المصطفى صلى الله عليه وسلم اللهم اكتب لي هذه ~~الشهادة عندك واجعلها عهدا توديه لي يوم القيامة ms321 وقد رضيت عني يا أرحم ~~الراحمين ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ ~~هديتنا وهب لنا م لدنك رحمة إنك أنت الوهاب . PageV01P281 # | الذيل مسئلة في إثبات الجوهر الفرد # الجسم ينتهي بالتجزئة إلى حد لا يقبل الوصف بالتجزي ويسميه المتكلمون ~~جوهرا فردا وصارت الفلاسفة إلى أنه لا ينتهي إلى حد لا يقبل الوصف بالتجزي ~~. ومدار المسئلة على أن الجسم عند المتكلم هو المركب من أجزاء متناهية وما ~~تحصره النهايات والأطراف لا يشتمل على ما لا نهاية له وعند الفيلسوف ~~الأجزاء إنما تحدث بالفعل في الجسم إما رضا وكسرا وإما بانتشاره وإما ~~باختلاف عرضين وإما بالوهم والقوة والجسم مركب من هيولى وصورة لا من أجزاء ~~متحيزة . ودليل المتكلم في المسئلة أن المتناهي أطرافه وأضلاعه يستحيل أن ~~يشتمل على منقسمات بلا نهاية فإن المحصور بالنهايات لا يكون حاصرا بما لا ~~نهايات له وأيضا فإن الاتصال المحسوس في الجسم متناه بالحس والانفصال ~~يستدعي سبق اتصال لا محالة فلو كان الجسم مما ينفصل عن النهاية فليكن فيه ~~الاتصال غير النهاية فإن كان الانفصال بالفعل فيسبقه الاتصال بالفعل وإن ~~كان الانفصال بالقوة والوهم فليكن فيه الاتصال بالقوة والوهم ثم اتصاله ~~متناه قوة وفعلا فانفصاله يجب أن يكون كذلك وأيضا فإن المقدار الذي اشتمل ~~عليه الجسم متناه معدود مقدور فلو نصف الجسم نصفين وكان أحد المقدارين يقبل ~~التجزي إلى غير النهاية حتى يصير ذا مقادير بغير نهاية فيلزم أن يكون الأقل ~~وهو النصف مثل الأكثر وهو الجملة ويلزم أن يكون فيما لا يتناهي من المقادير ~~تفاوت الأقل والأكثر وكلاهما محال . فإن قيل ما ذكرتموه صحيح في تقدير ~~أجزاء الجسم بالفعل فإن الجسم المتناهي لا يشتمل على أجزاء بالفعل غير ~~متناهية لكنا نقول هو يشتمل على أجزاء بالقوة غير متناهية فالمحصور في ~~الفعل لا يحصر غير المتناهي بالفعل فلم لا يجوز أن يحصر غير المتناهي ~~بالقوة وفيه النزاع قلنا ما قدرتموه بالقوة أيجوز في العقل أن يخرج إلى ~~الفعل فإن لم يجز ms322 ظهرت الاستحالة وبقي الوهم المجرد الذي دل على خلافه ~~برهان العقل وإن جاز خروجه PageV01P282 إلى الفعل وقدرنا خروجه إلى الفعل ~~لزم المحال الذي ذكرنا هذا كما يقال ما من جسم إلا ويمكن أن يتصل به جسم ~~آخر بحيث لا يقف الوهم إلى حد ونهاية ثم لا يدل ذلك على أن جسما لا يتناهى ~~متصور الوجود بل الاتصال في الجسم يجوز إلى حد لا ينتهي إلى هذا المحال وهو ~~تصور جسم لا يتناهى وإن بقي الوهم في حال التقدير الوهمي وذلك مما يتمثل في ~~الوهم من خلا خارج العالم فإنه يتوهم حدا ونهاية للعالم ثم يقدر فضاء وخلاء ~~ينتهي به وإلا فيثبت خلاء فارغا وذلك خلاف العقل وبرهانه . ويسلك إمام ~~الحرمين في إثبات الجزء الفرد مسلكا آخر فقال نفرض الكلام في كرة حقيقية ~~وبسيط حقيقي ونضرب بالكرة على البسيط أفيلاقيه أم لا فإن لاقاه أفيلاقيه ~~بمنقسم أم لا فإن لاقاه بمنقسم فليست كرة بل هو بسيط وإن لاقاه بغير منقسم ~~فذلك الجوهر الفرد ويمكن أن يطرد هذا البرهان أيضا في البسيط المتناهي بحده ~~فإن الحد خط والخط طول لا عرض له فقد تناهى الجسم فإن كان الحد الذي يتناهى ~~به منقسما لم يكن خطا وإن لم ينقسم عرضا وانقسم طولا فينقسم إلى نقط وهو ~~أمر لا ينقسم وذلك هو الجزء الفرد عند المتكلم وعلى كل حال متناه فإنما ~~يتناهى بأمر لا ينقسم سطحا وخطا ونقطة وإلا لم يكن نهاية . فإن قيل السطح ~~والخط والنقطة أعراض عندنا فالنقطة عرض الخط والخط عرض في السطح والسطح عرض ~~في الجسم وما كان عرضا لا يقبل الوصف بالتجزئة والجوهر الفرد عندكم حجم له ~~جثة ومساحة فلذلك لزمكم ما لا يلزمنا في إبعاده الثلاثة قلنا هب أنه أعراض ~~قائمة بالجسم أليست هي أعراضا تنقسم بانقسام الجسم فإن النقطة على أصلكم ~~شيء ما لا تنقسم والخط ينقسم طولا ولا ينقسم عرضا والسطح ينقسم طولا وعرضا ~~ولا ينقسم عمقا والجسم ينقسم طولا وعرضا وعمقا وكما أن الأعراض تنقسم ms323 ~~بانقسام المحل وتتحد باتحاد المحل ويتحد المحل باتحاده وكما أنكم سميتم هذه ~~الأعراض نهايات الجسم كذلك الجوهر عندنا أطراف ونهايات وليست بذي أطراف كما ~~سنبين . أما شبههم قالوا لو قدرنا جوهرا بين جوهرين أفيلاقي ما على بمينه ~~بعين ما على يساره أم بغيره فإن قلتم بعينه فهو سفسطة فإن قلتم بغيره فقد ~~ثبت التجزي في الجوهر الفرد وكذلك لاقى أحدهما بكله أو ببعضه فإن لاقاه ~~بكله وأسره لم يبق للثاني ملاقاة فإن المشغول بكل وأسر كيف يصير مشغولا ~~بغيره وإن لاقاه ببعضه فقد تجزى وكذلك صوروا جوهرا على متصل جوهرين فإنه ~~لاقي الجوهرين السفلاوين وإنما يلاقي كل واحد منهما بطرف غير الآخر وإن منع ~~هذا التصوير فصوروا خطا مركبا من ستة أجزاء وخطا يحاذيه من ستة أجزاء وعلى ~~رأس أحد الخطين جوهر وعلى PageV01P283 ذنب الخط الآخر جوهر وقدرنا تحرك ~~الجوهرين في حالة واحدة على تساوي الحركتين فلا شك أنه يمتاز أحدهما على ~~الثاني ويتحاذيان ويتقابلان على نقطة وليسا متحاذيين إلا على الثالث ~~والرابع فيكون الجوهر المتحرك على متصل الثالث والرابع محاذيا للجوهر ~~الثاني وكذلك ألزمونا جواهر محفوفة جواهر فلا شك أنه يماس كل واحد من ~~الجواهر بغير ما تماس البواقي فتنقسم بستة أجزاء وكذلك النقطة في الدائرة ~~تلاقي أجزاء الدائرة فلولا أن فيها بالقوة ما في أجزاء الدائرة وإلا لما ~~لاقتها وكذلك لو قدرنا جوهرا متحركا على محيط الدائرة وجوهرا متحركا على ~~مركز الدائرة وبين الجوهرين خط متصل بهما جميعا فإن تحرك الجوهر على المحيط ~~حركة واحدة وقطع حيزا واحدا وتحرك الخط بحركته فيجب أن يتحرك الخط الذي على ~~المركز أقل من تلك المسافة وإنما قلتها أو كثرتها ببعد طول الخط وقصره وذلك ~~هو بعد المسافة بين المحيط والمركز فيؤدي إلى أن ينقطع من المركز أقل من ~~جزء واحد وذلك مثل قول بالتجزي ومثل حركة الشمس مع الظل فإن الشمس تتحرك عن ~~فلكها أقداما كثيرة حتى يظهر في الظل قدم واحد فلو قدرنا حركتها بمقدار جزء ~~واحد فيجب أن يتحرك ms324 الظل بمقدار ألف جزء من جزء فيتجزى الجزء المفروض . ~~الجواب عن هذه الشبهات من وجهين أحدهما الإلزامات والمعارضات والثاني ~~التحقيق . أما الأول فنقول بنيتم هذه الإلزامات على قضية مذهبنا لا على ~~مقتضى مذهبكم لأن على مقتضى مذهبكم لا يتصور جوهر فرد وليس هذا التقدير ~~والفرض على مقتضى مذهبنا صحيحا فإن الذي أثبتناه معقول بالدليل غير محسوس ~~ولا موهوم وذلك أنا أقمنا البرهان على أن جسما محدودا متناهيا محصورا لا ~~يشتمل على ما ليس بمتناه وغير محدود ولا محصور فلا يجوز أن يتجزى أبدا فبقي ~~التجزي مدلول دليلنا العقلي ثم يلزم أن يبقى شيء لا ينقسم ولا يتجزى ونسميه ~~جوهرا فردا هذا كما قررتموه في إثبات الهيولى والصورة جوهرين وحققتم الفصل ~~بين الجوهرين عقلا لا حسا وأحلتم انفصال أحدهما عن الثاني على مقتضى مذهب ~~وجوزتم على مقتضى مذهب فتوجه الإلزام عليكم ونقول الهيولى جوهر قابل للتحيز ~~والتشكل والتحيز والتشكل صورة في الهيولى والجسم مركب منهما وكل واحد منهما ~~على الانفراد لا يقبل الوصف بالتجزي ومجموعهما قابل أفيقبل التجزي من حيث ~~الصورة أم من حيث الهيولى . فإن قيل التجزي من حيث الصورة فهو باطل فإن ~~الصورة اتصال والاتصال كيف يكون قابلا للانفصال بل قابل للانفصال أمر آخر ~~وهو الهيولى . PageV01P284 فنقول أو تقوى تلك الهيولى على قبول انفصالات ~~بلا نهاية وهل فيها قوة هذا القبول فإن لم تقو فذلك المعني بالجوهر الفرد ~~عندنا وإن قويت على ذلك فيفضي هذا التجزي إلى جواز وجود جسم بسيط ذاهب في ~~الجهات بغير نهاية وقد قام البرهان على استحالته وكل ما ذكرناه في الهيولى ~~وقبولها للصورة فهي الأبعاد الثلاثة الطول والعرض والعمق تحقق مثله في ~~الجوهر الفرد وقبوله ذلك اتصال واحد واتصال من ست جهات أو ست اتصالات إلا ~~أن المتكلم يقول ذلك بانضمام أمثالها إليها والفيلسوف يقول ذلك بانضمام ~~صورتها إليها ونقول ما فرضتموه علينا من الجواهر الثلاثة إنما هو إلزام على ~~مذهبنا وليس الفرض صحيحا ولا الجوهر على ما قررتموه وهي الجواهر التي نقول ~~فيها ms325 أنها لا تتجزى فإن مدلول دليلنا أن كل ما حصره جسم متناه يجب أن يكون ~~متناهيا وما لا يتناهى لا يحصره ما يتناهى ثم إنا نسمي ما انتهى جزءا فردا ~~اصطلاحا وذلك معقول الدليل وليس بمحسوس ولأن ما يقدره الوهم ودل عليه ~~البرهان هو ذلك الجزء الذي انتهى به فإنا نقول الجوهر الذي بين الجوهرين ~~يلاقي أحدهما بطرف فنقول أن ذلك الطرف متحيز أو غير متحيز فإن كان متحيزا ~~فهو الجوهر الفرد وليس بطرف وقد فرضتم أنه طرف وإن لم يكن متحيزا فذلك عرض ~~قائم بمتحيز هو الجزء الفرد عندنا لا ما قدرتموه فالطرفان جزءان فردان ~~والوسط أيضا فرد فقد اعترفتم بالإلزام الذي تمسكتم به أنه ذو نهايتين ووسط ~~وذلك هو الأجزاء الثلث عندنا ولا يؤدي إلى التجزي أبدا فإن الطرف لا ينقسم ~~ولو انقسم ما كان طرفا وعلى هذا المساق كل ذي نهاية من جسم وجوهر فإنما ~~ينتهي بحد لا ينقسم والجسم ينتهي ببسيطة وهو السطح وذلك ينقسم طولا وعرضا ~~ولا ينقسم عمقا والسطح ينتهي بخطه وذلك ينقسم طولا ولا ينقسم عرضا والخط ~~ينتهي بنقطته وذلك لا طولا ولا عرضا ولا عمقا وهو المثال الموازن للجوهر ~~الفرد إلا أن النقطة عندكم موهومة وعندنا الجوهر الفرد موجود والنقطة والخط ~~والسطح عرض عندكم وعندنا جوهر ولا يختلف ذلك بكونه جوهرا وعرضا فإن المقصود ~~إثبات التناهي وقد حصل وكل ما لاقى شيئا فإنما يلاقيه بحد ونهاية وكل حد ~~ونهاية فهو غير منقسم وإلا فلا تحصل الملاقاة والمماسة . ونقول أيضا رفعا ~~للتقسيم الذي أوردوه علينا أن الوسطاني يلاقي ما على يمينه بعين ما لاقى ما ~~على يساره ذاتا وجوهرا وبغيره نسبة وإضافة وقد تتكثر نسب الشيء وإضافاته ~~ولا يوجب ذلك تكثر الذات مثل النقطة التي في وسط الدائرة فإنها مع وحدتها ~~تنسب إلى كل جزء من أجزاء الدائرة فإنها مع نسبة غير النسبة التي تليها ~~PageV01P285 وحيثما وسعنا الدائرة تكثرت نسبها ولا يوجب ذلك تكثرا في ذاتها ~~كذلك القول في الجزء الفرد ينسب إلى ms326 جزء على اليمين وجزء على اليسار أو إلى ~~ستة أجزاء محفوفة به ولا يوجب ذلك تكثرا في الذات ونقول قد بينا أن الجسم ~~إنما يقبل التجزي بهيولاه لا بصورته فإن قابل الاتصال والانفصال يجب أن ~~يكون غير الاتصال في الانفصال لأن الاتصال يزول بالانفصال ولا يزول القابل ~~بوجود المقبول فنقول أفتقوى تلك الهيولى على قبول صورة الاتصال إلى ما لا ~~يتناهى فإن قويت حصل جسم لا يتناهى وبعد لا يتناهى واتصال لا يتناهى وذلك ~~محال وإن لم تقو على ذلك بل قوتها إلى حد ما تنتهي إليه هو الجزء الفرد ~~الذي لا يتجزى بقي ها هنا في هذه الصورة وهو الانفصال في جانب الوهم أنه لا ~~يقف حتى يقدر عالما متصلا بعالم آخر إلى ما لا يتناهى فذلك عمل الوهم ~~المخالف لبرهان العقل فلا نقبل ذلك بل نقول ثم إن الوهم إنما يصدق بشرط أن ~~لا يؤدي إلى جسم غير متناه وذلك خلاف العقل ونقول ها هنا أن الوهم إنما ~~يصدق بشرط أن لا يؤدي إلى أجزاء غير متناهية وذلك خلاف العقل وهذا آخر ما ~~ينتهي إليه نظر الناظر في هذه المسئلة فإن الخصم ربما يساعد على أن الأجزاء ~~التي هي غير متناهية بالفعل في الجسم غير متصور وإنما يخالف في القوة ~~والوهم وقد ثبت في القوة أن هيولى الجسم بقوته لا تقوى على قبول انفصالات ~~بلا نهاية كما لا تقوى على قبول اتصالات بلا نهاية وقد بينا في الوهم أن ~~الوهم لا يقف إلى حد لا يتوهم زيادة على الجسم المحدود كزيادة عالم آخر ~~وزيادة فضاء وخلاء وراء العالم كذلك لا يقف إلى حد لا يتوهم نقصانا على ~~الجسم إلى نقصان آخر حتى يقدر ملاقي الجسم لا يتناهى وبعض الفلاسفة يفطن ~~فيما وراء العالم فلم يثبت خلاء وفضاء بتناهي الأجسام وما يفطن فيما هو ~~داخل العالم فأثبت ملا وفيضا بلا تناهي الأجزاء ولا خارج من المحيط ولا ~~داخل في المركز والله أعلم . | PageV01P286 ms327