######OpenITI# #META# الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت #META# Shamela_short_metadata_record: #META# الكتاب: نهاية الإقدام في علم الكلام ¶ المؤلف: أبو الفتح محمد بن عبد الكريم بن أبى بكر أحمد الشهرستاني (المتوفى: 548 ه) ¶ تحقيق: أحمد فريد المزيدي ¶ عدد الأجزاء: 1 ¶ الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت ¶ الطبعة: الأولى /1425 ه ¶ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي] ¶ أعده للشاملة: //محمود الجيزي - عفا الله عنه// ¶ ملاحظة: [هذا الكتاب من كتب المستودع بموقع المكتبة الشاملة] #META# comp: 1 #META# auth: الشهرستاني #META# bkid: 33895 #META# authno: 139 #META# bk: نهاية الإقدام في علم الكلام #META# bkord: 8109 #META# idx: 1 #META# higrid: 548 #META# iso: نهايه الاقدام في علم الكلام #META# digitization_comments: [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي] #META# أعده للشاملة: //محمود الجيزي - عفا الله عنه// #META# Lng: أبو الفتح محمد بن عبد الكريم بن أبى بكر أحمد الشهرستاني #META# الطبعة: الأولى /1425 ه #META# max: 284 #META# archive: 4 #META# عدد الأجزاء: 1 #META# ملاحظة: [هذا الكتاب من كتب المستودع بموقع المكتبة الشاملة] #META# authinf: الشهرستاني (479 - 548 ه = 1086 - 1153 م) ¶ محمد بن عبد الكريم بن أحمد، أبو الفتح الشهرستاني: من فلاسفة الإسلام. ¶ كان إماما في علم الكلام وأديان الأمم ومذاهب الفلاسفة. ¶ يلقب بالأفضل. ¶ ولد في شهرستان (بين نيسابور وخوارزم) وانتقل إلى بغداد سنة 510 ه، فأقام ثلاث سنين، وعاد إلى بلده ، وتوفي بها. ¶ قال ياقوت في وصفه: (الفيلسوف المتكلم، صاحب التصانيف، كان وافر الفضل، كامل العقل، ولولا تخبطه في الاعتقاد ومبالغته في نصرة مذاهب الفلاسفة والذب عنهم لكان هو الإمام). ¶ من كتبه (الملل والنحل - ط) ثلاثة أجزاء، و (نهاية الإقدام في علم الكلام - خ) و (الإرشاد إلى عقائد العباد) و (تلخيص الأقسام لمذاهب الأنام) و (مصارعات الفلاسفة - خ) و (تاريخ الحكماء - خ) و (المبدأ والمعاد) و (تفسير سورة يوسف) بأسلوب فلسفي و (مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار - خ) في التفسير، منه نسخة كتبت سنة 667 ه، في خزانة مجلس الشورى الوطني بطهران . ¶ نقلا عن : الأعلام للزركلي #META# ad: 548 #META# المؤلف: أبو الفتح محمد بن عبد الكريم بن أبى بكر أحمد الشهرستاني (المتوفى: 548 ه) #META# cat: العقيدة #META# الكتاب: نهاية الإقدام في علم الكلام #META# تحقيق: أحمد فريد المزيدي #META# DownloadSource: Abū Yaʿqūb's Shamela database #META# DownloadDate: 2017? #META# ConversionDate: 2020-10-01 #META#Header#End# الكتاب: نهاية الإقدام في علم الكلام # المؤلف: أبو الفتح محمد بن عبد الكريم بن أبى بكر أحمد الشهرستاني ~~(المتوفى: 548ه) # تحقيق: أحمد فريد المزيدي # عدد الأجزاء: 1 # الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت # الطبعة: الأولى /1425 ه # [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي] # أعده للشاملة: //محمود الجيزي - عفا الله عنه// PageV01P001 ### | AUTO مقدمة # بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله حمدا كثيرا كما ينبغي لجلال وجهه ~~الكريم، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله الطيبين ~~الطاهرين، وعلى عترته الصالحين، وصحبه السادة البررة المقربين، ومن تبعهم ~~بإحسان إلى يوم الدين. # وبعد ... فإني آثرت تحقيق هذا الكتاب النافع العظيم، لما حواه من فوائد ~~عقدية، وتفريقات مللية، وأصول كلامية، وهو من المصنفات الأصولية في نوعه، ~~ومن أهميته القصوى، قام العلامة شيخ المتكلمين، سيف الدين الآمدي بأخذه ~~أصلا لكتابه «غاية المرام في علم الكلام» فقد اعتمد عليه اعتمادا بالغا في ~~مصنفه هذا، وقد نقل جمع كثير من أهل العلم عن الشهرستاني في كتبهم ~~وحواشيهم. # فلذلك قمت بالتوثيق والعزو والتخريج والتعليق عليه، مع ضبط نصه وإصلاحه، ~~وقد طبع الكتاب من قبل في أوروبا، ثم صور في مصر، وكان ذلك بتحرير وتصحيح ~~المستشرق ألفريد جيوم، وقد نسبه لعبد الكريم الشهرستاني، فأصلحنا ذلك ~~عنوانا ومضمونا. # وإليك نقدم الكتاب في ثوبه الجديد، بتحقيق علمي قدر المستطاع، وموافقا ~~لما عليه الطباعة الحديثة الممتازة، وإتماما للفائدة ألحقنا بنهاية ~~الإقدام، «لباب المحصل في أصول الدين» للرحالة العلامة الحكيم ابن خلدون، ~~والمخطوط كتبه بيده رحمه الله، وهو من محفوظات مكتبة اسكوريال بأسبانيا، ~~وقد طبع قديما، فجزى الله كل من ساهم في إخراج العلم ونشره خير الجزاء. # وأخيرا نسأل توفيقه وقبوله لما يحبه ويرضاه وصلى الله على سيدنا محمد ~~وآله وسلم تسليما كثيرا. # كما نشير إلى أننا ألحقنا بالكتاب أيضا «الإشارة إلى مذهب أهل الحق» لأبي ~~إسحاق الشيرازي؛ وهو من تحقيق الأخ محمد حسن محمد حسن إسماعيل. # كتبه أحمد فريد المزيدي كلية أصول الدين- جامعة الأزهر القاهرة PageV01P003 ### | AUTO ترجمة المصنف # هو الإمام الفقيه الحكيم المتكلم: ms001 أبو الفتح محمد بن أبي القاسم عبد ~~الكريم بن أحمد الشهرستاني، الشافعي، الأشعري، ولد بشهرستان بين نيسابور ~~وخوارزم. # أخذ علم النظر والأصول عن أبي القاسم الأنصاري، وأبي نصر القشيري، وأبي ~~المظفر الخوافي. # ووعظ ببغداد وظهر له القبول التام. # وقال ابن خلكان: كان إماما مبرزا، فقيها متكلما واعظا، وقال ابن قاضي ~~شهبة: صنف كتبا كثيرة منها: نهاية الإقدام في علم الكلام، والملل والنحل ... # وقال ابن الأهدل: سمع الحديث من ابن المديني، وكتب عنه ابن السمعاني، ~~وعظم صيته في الدنيا. # وشهرستان اسم لثلاث مدن، الأولى: بين نيسابور وخوارزم، والثانية: قصية ~~ناحية نيسابور، والثالثة: مدينة على نحو ميلين من أصبهان. # وتوفي بشهرستان في شعبان سنة 548 ه، وقيل: 479 ه. # مصنفاته: # 1 - نهاية الإقدام في علم الكلام. # 2 - الملل والنحل. # 3 - المنهاج والبيان. # 4 - تلخيص الأقسام لمذاهب الأنام. # 5 - تاريخ الحكماء. # وانظر: سير أعلام النبلاء للذهبي (20/ 253)، وأبجد العلوم للقنوجي (3/ ~~112)، وطبقات الشافعية للإسنوي (2/ 323)، وطبقات الشافعية لابن الصلاح (16/ ~~2، 117/ 1)، ومعجم البلدان للحموي (3/ 377)، وتاريخ حكماء الإسلام PageV01P005 ~~للبيهقي (141، 144) ووفيات الأعيان لابن خلكان (2/ 161)، تذكرة الحفاظ ~~للذهبي (4/ 104)، والوافي بالوفيات للصفدي (3/ 278)، ولسان الميزان للحافظ ~~(5/ 263)، المختصر في أخبار البشر لأبي الفداء (3/ 29)، مرآة الجنان ~~لليافعي (3/ 289)، شذرات الذهب لابن العماد (4/ 149)، مفتاح السعادة لطاش ~~كبرى زاده (1/ 264، 265)، روضات الجنان للخوانساري (186، 188)، وطبقات ~~الشافعية الكبرى للسبكي (4/ 67)، والكامل لابن الأثير (1/ 255)، والنجوم ~~الزاهرة لابن تغرى بردى (5/ 305)، والأعلام للزركلي (7/ 83)، ومعجم ~~المؤلفين لكحالة (3/ 422). PageV01P006 ### | AUTO [مقدمة الكتاب] # بسم الله الرحمن الرحيم الله عونك وتيسيرك الحمد لله حمد الشاكرين ~~والصلاة على رسوله المصطفى وآله الطيبين الطاهرين أجمعين أما بعد، فقد أشار ~~إلي من إشارته غنم وطاعته حتم أن أجمع له مشكلات الأصول وأحل له ما انعقد ~~من غوامضها على أرباب العقول لحسن ظنه بي أني وقفت على نهايات النظر وفزت ~~بغايات مطارح الفكر ولعله استسمن ذا ورم ونفخ في غير ضرم لعمري: # لقد طفت في تلك المعاهد كلها ... وسيرت طرفي بين تلك المعالم # فلم أر إلا واضعا كف حائر ... على ذقن أو قارعا سن نادم # فلكل عقل ونظر مسرى ومسرح هو سدرة المنتهى ولكل ms002 قدم مخطى ومجال هو غايته ~~القصوى إذا وصل إليها ووقف دونها فيظن الناظر أولا أن ليس وراء مرتبته مطاف ~~لطيف الخاطر ولا فوق درجته مطرح لشعاع الناظر ويتيقن آخرا أن مطار الأفكار ~~بذات المقدار وجناب العزة لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار [الأنعام: # 103]، ارجع البصر كرتين [الملك: 4]، لعله أشار إلى الحالتين ينقلب إليك ~~البصر خاسئا وهو حسير [الملك: 4]، لعله أشار إلى العجز عن الإدراك وهو ~~اللطيف الخبير [الملك: 14]، فعليكم بدين العجائز فهو من أسنى الجوائز وإذا ~~كان لا طريق إلى المطلوب من المعرفة إلا الاستشهاد بالأفعال ولا شهادة ~~للفعل إلا من حيث احتياج الفطرة واضطرار الخلقة فحيثما كان العجز أشد كان ~~اليقين أوفر وآكد وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه [الإسراء: ~~67] لا جرم أمن يجيب المضطر إذا دعاه [النمل: 62]، والمعارف التي تحصل من ~~تعريفات أحوال الاضطرار أشد رسوخا في القلب من المعارف التي هي نتائج ~~الأفكار في حال الاختيار ومن دعاء الأبرار إلهي فكم من بلاء جاهد صرفت عني ~~وكم من نعمة سابغة أقررت بها عيني وكم من صنيعة كريمة لك عندي أنت الذي ~~أجبت عند الاضطرار دعوتي وأقلت عند العثار زلتي وأخذت لي من الأعداء ~~بظلامتي الكلمات إلى آخرها وكان القلم يعبر عن حالتي بأواخرها رب أوزعني أن أشكر PageV01P007 ~~نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأصلح لي في ذريتي ~~إني تبت إليك وإني من المسلمين [الأحقاف: 15]، هذا وقد أوردت المسائل على ~~تشعث خاطري وتشعب فكري ممتثلا أمره في معرض المباحثات ترتيبا وتمهيدا ~~وسؤالا وجوابا وجعلتها عشرين قاعدة تشتمل على جميع مسائل الكلام وسميت ~~الكتاب «نهاية الإقدام في علم الكلام» والله الموفق والمعين وبه الحول ~~والقوة. PageV01P008 ### | CHECK [القاعدة الأولى في حدث العالم وبيان استحالة حوادث لا أول لها ~~واستحالة وجود أجسام لا تتناهى مكانا] # القاعدة الأولى «1» في حدث العالم وبيان استحالة حوادث لا أول لها ~~واستحالة وجود أجسام لا تتناهى مكانا # مذهب أهل الحق من أهل الملل كلها أن العالم محدث ومخلوق ms003 أحدثه الباري ~~تعالى وأبدعه وكان الله تعالى ولم يكن معه شي ء ووافقتهم على ذلك جماعة من ~~أساطين الحكمة وقدماء الفلاسفة مثل ثاليس وانكساغورس وانكسمانس، ومن تابعهم ~~من أهل ملطية، ومثل فيثاغورث وانبدقلس وسقراط وأفلاطون من أثينية ويونان ~~وجماعة من الشعراء والنساك ولهم تفصيل مذهب في كيفية الإبداع واختلاف رأي ~~في المبادئ الأولى شرحناها في كتابنا الموسوم بالملل والنحل ومذهب ~~أرسطاطاليس ومن شايعه مثل برقلس والإسكندر والأفروديسي وثامسطيوس، ومن نصر ~~مذهبه من المتأخرين مثل أبي نصر الفارابي وأبي علي الحسين بن عبد الله بن ~~سينا وغيرهما من فلاسفة الإسلام أن للعالم صانعا مبدعا وهو واجب الوجود ~~بذاته والعالم ممكن الوجود بذاته واجب الوجود بالواجب بذاته غير محدث حدوثا ~~يسبقه عدم بل معنى حدوثه وجوبه به وصدوره عنه واحتياجه إليه فهو دائم ~~الوجود لم يزل ولا يزال، فالباري تعالى أوجب بذاته عقلا وهو جوهر مجرد قائم ~~بذاته مجرد عن المادة وبتوسط ذلك أوجب عقلا آخر ونفسا وجرما سماويا ~~وبتوسطهما وجدت العناصر والمركبات وليس يجوز أن يصدر عن الواحد إلا واحد ~~ومعنى الصدور عنه وجوبه به ولا يتصور موجب بغير موجب فالعالم سرمدي وحركات ~~الأفلاك سرمدية لا أول لها تنتهي إليه فلا تكون حركة إلا وحركة قبلها فهي ~~لا تتناهى مدة وعدة واتفقوا على استحالة وجود علل ومعلولات لا تتناهى ~~واتفقوا أيضا على استحالة وجود أجسام لا تنتهي بالفعل والضابط لمذهبهم فيما ~~يتناهى وما لا يتناهى أن كل عدد فرضت آحاده موجودة معا وله ترتيب وضعي أو ~~فرضت آحاده متعاقبة في الوجود وله ترتيب طبيعي فإن وجود ما لا نهاية له فيه ~~مستحيل. PageV01P009 # مثال القسم الأول جسم أو بعد لا يتناهى. # ومثال القسم الثاني علل ومعلولات لا تتناهى وما عدا ذلك كله جملة وعدد ~~فرضت آحاده معا أو متعاقبة لا ترتيب لها وضعا ولا طبعا فإن وجود ما لا ~~نهاية له فيه غير مستحيل. # مثال القسم الأول: نفوس إنسانية لا تتناهى وهي معا في الوجود بعد مفارقة ~~الأبدان. # ومثال القسم الثاني: حركات ms004 دورية وهي متعاقبة في الوجود ومدار المسألة ~~على الفرق بين الإيجاد والإيجاب وبين التقدم والتأخر وإن ما حصره الوجود ~~فهو متناه من غير فرق بين الأقسام، وما لا يتناهى قط لا يتصور إلا في الوهم ~~والتخيل دون الحس والعقل ولا بد من بحث على محل النزاع حتى يتخلص فيكون ~~التوارد بالنفي والإثبات على محل واحد من وجه واحد فيصبح انقسام الصدق ~~والكذب والحق والباطل ولا يتبين محل النزاع إلا بالبحث عن أقسام التقدم ~~والتأخر فقال القوم: التقدم والتأخر يطلق ويراد به التقدم بالزمان كتقدم ~~الوالد على الولد ويطلق ويراد به التقدم بالمكان والتأخر به كتقدم الإمام ~~على المأموم وقد يسمى هذا القسم متقدما بالرتبة وقد يطلق ويراد به الفضيلة ~~كتقدم العالم على الجاهل وقد يطلق ويراد به التقدم بالذات والتأخر بها ~~كتقدم العلة على المعلول وهؤلاء قصدوا في إطلاق لفظ الذات فإنهم أرادوا به ~~العلية والذات أعم من العلية فكان من حقهم أن يقولوا التقدم بالعلية ثم ~~العلة الغائية تتقدم على المعلول في الذهن والتصور لا في الوجود فهي متأخرة ~~في الوجود متقدمة في الذهن بخلاف العلة الفاعلية والعلل الصورية فإنها لا ~~تكون مقارنة في الوجود فافهم هذا فإنه ينفعك في نفس المسألة حيث يستشهدون ~~بشعاع الشمس مع الشمس وحركة الكم مع حركة اليد فإنهما وإن تقارنا في الزمان ~~أنهما إذا أخذا على أن أحدهما سبب والثاني مسبب لم يتقارنا في الوجود لأن ~~وجود أحدهما مستفاد من وجود الآخر، فوجود المفيد كيف يقارن وجود المستفيد ~~لكن إذا أخذا على أن وجودهما مستفاد من وجود واهب الصور فحينئذ يتقارنان في ~~الوجود وهناك لا يكون أحدهما سببا والثاني مسببا ومنهم من زاد قسما خامسا: ~~وهو التقدم بالطبع كتقدم الواحد على الاثنين ولو طالبهم مطالب لم حصرتم ~~الأقسام في أربعة أو خمسة لم يجدوا على الحصر دليلا سوى الاستقراء حتى لو ~~قيل لهم ما الذي أنكرتم على من زاد قسما سادسا وهو التقدم والتأخر في ~~الوجود من غير التفات إلى الإيجاب بالذات، ولا ms005 التفات إلى الزمان والمكان ~~والتقدم للواحد على الاثنين شديد الشبه بهذا القبيل، فإن الواحد ليس بعلة PageV01P010 ~~يلزم منه وجود الاثنين ضرورة بل يمكن أن يتصور شيئان: أحدهما وجوده بذاته، ~~والثاني وجوده مستفاد من غيره ثم بعده، ذلك يقع البحث في أنه يستفيد وجوده ~~منه اختيارا أو طبعا أو ذاتا، هذا معقول بالضرورة ثم يجب أن يفرض تقدم وجود ~~المفيد على وجود المستفيد من حيث الوجود فقط من غير أن يخطر بالبال كون ~~المفيد علة لذاته أو موجد له بصفة ثم يقع بعد ذلك التفات إلى أن الوجود ~~المستفيد وجود واجب به لأنه علته أو لا يجب به، وذلك لأن الوجوب بالغير ~~لازم به فإنه يحسن أن يقال هذا قد وجد عنه، فوجب به ولا يجوز أن يقال: وجب ~~به فوجد عنه ولكل معنى من معاني التقدم والتأخر معية في مرتبته لا يجامع ~~التقدم والتأخر في تلك المرتبة، ويجامع في مرتبة أخرى مثاله تقدم السبب على ~~المسبب ذاتا ووجودا أو مقارنته معا وزمانا أو مكانا، ولكن لا يجوز أن تطلق ~~معية ما على الباري تعالى والعالم فإذا ثبت هذا قلنا أما التقدم والتأخر ~~الزماني فيجب نفيهما عن الباري تعالى وكما لا يجوز أن يتقدم على العالم ~~زمانا لم يجز أن يكون مع العالم زمانا فإنا كما نفينا التقدم الزماني نفينا ~~المعية الزمانية ومثار الشبهة ومجال الخيال هاهنا فإن فازت سفينة النظر عن ~~هذه الغمرة فاز أهل الحق بقصب السبق في المسألة، فإن ما لا يقبل الزمان ولم ~~يكن وجوده زمانيا لم يجز عليه التقدم والتأخر والمعية الزمانية كما أن ما ~~لا يقبل المكان ولم يكن وجوده وجودا مكانيا لم يجز عليه التقدم والتأخر ~~والمعية المكانية فقول الخصم إن العالم معه دائم الوجود إيهام بالزمان ~~فيقال: يجوز أن يكون موجودان أحدهما متقدم بالذات والآخر متأخر بالذات ~~ويكونان معا في الزمان فإن التقدم بالذات لا ينافي المعية في الزمان كتقدم ~~السبب على المسبب وحركة اليد على حركة المفتاح في الكم لكن إذا كان ms006 وجودهما ~~زمانين فأما وجود لا يقبل الزمان أصلا كيف يطلق عليه معية بالزمان وذلك ~~كالتقدم بالمكان والمعية به، فإن السبب والمسبب قد يكونان معا في المكان ~~ويسبق أحدهما الآخر بالذات، لكن إذا كان وجودهما مكانين فإما وجود لا يقبل ~~المكان أصلا فكيف يطلق عليه معية بالمكان ونحن لا ننكر أن الوهم يرتمي إلى ~~مدة مقدرة قبل العالم كما يرتمي إلى فضاء مقدر فوق العالم وذلك وهم مجرد ~~وخيال محض فلا قضاء ولا بينونة كما يقدره الكرامي «1» ولا زمان ولا مدة كما ~~يقدره الوهمي «2» ولو قدر تقديرا عالم آخر فوق هذا العالم لم يؤد ذلك إلى ~~تجويز عوالم هي PageV01P011 ~~أجسام لا تتناهى إذ قد تبين بالبرهان استحالة بعد لا يتناهى في الملا ~~والخلاء وكذلك لو قدر تقديرا عالم آخر قبل هذا العالم لم يؤد ذلك إلى تجويز ~~عوالم هي متحركات لا تتناهى إذ تبين بالبرهان استحالة مدة وعدة لا تتناهى، ~~فرجع الخلاف إذا إلى استحالة وجود جسم لا يتناهى بعدا وبيان استحالة وجود ~~أجسام لا تتناهى زمانا فإن الخصم يسلم التقدم والتأخر في المعية فإذا سلم ~~التقدم نقول: لا يلزم من تقدير جسم لا يتناهى بعدا وإن كان مستحيلا أن يكون ~~مع الباري تعالى بالمكان كذلك لم يلزم من تقدير حركات لا تتناهى زمانا أن ~~تكون مع الباري تعالى بالزمان فإنه تعالى غير قابل للزمان والمكان وكان ~~الله ولم يكن معه شي ء إذ لم تكن معية بالذات ولا بالوجود ولا بالرتبة ~~المكانية والزمانية ولم يلزم من إطلاق كونه موجدا أن يكون الموجد معه في ~~الوجود ولا لزم من إطلاق كونه موجبا أن يكون الموجب معه في الوجود، فإن ~~الوجود المستفاد لا يكون مع الوجود المفيد وكان المعية من كل وجه وعلى كل ~~معنى من الأقسام منفيا عنه سواء أطلقناها في قسم واحد أو في قسمين مركبين، ~~ونحن نبدأ بطرق المتكلمين ثم نعود إلى ما ذكرناه من الكلام على محل النزاع. # فنقول للمتكلمين طريقان في المسألة أحدهما إثبات حدث العالم، والثاني ms007 ~~إبطال القول بالقدم. # أما الأول: فقد سلك عامتهم طريق الإثبات الأعراض أولا، وإثبات حدثها ~~ثانيا وبيان استحالة خلو الجواهر عنها، ثالثا وبيان استحالة حوادث لا أول ~~لها، رابعا ويترتب على هذه الأصول أن ما لا يسبقه الحوادث فهو حادث وقد ~~أوردوا هذه الطريقة في كتبهم أحسن إيراد. # وأما الثاني: فقد سلك شيخنا أبو الحسن الأشعري رضي الله عنه طريق الإبطال ~~وقال: لو قدرنا قدم الجواهر لم يخل من أحد أمرين: إما أن تكون مجتمعة أو ~~مفترقة أو لا مجتمعة ولا مفترقة أو مجتمعة ومفترقة معا أو بعضها مجتمع ~~وبعضها مفترق «1»، وبالجملة ليست تخلو عن اجتماع وافتراق أو جواز طريان ~~الاجتماع والافتراق وتبدل أحدهما بالثاني وهي بذواتها لا تجتمع ولا تفترق ~~لأن حكم الذات لا يتبدل وهي قد تبدلت فإذا لا بد من جامع فارق فيترتب على ~~هذه الأصول أن ما لا يسبق الحادث فهو حادث، وقد أخذ الأستاذ أبو إسحاق ~~الأسفراييني هذه الطريقة وكساها عبارة أخرى، وربما سلك أبو الحسن رحمه الله ~~طريقا في إثبات حدوث الإنسان وتكونه من نطفة أمشاج وتقلبه PageV01P012 ~~في أطوار الخلقة وأكوار الفطرة، ولسنا نشك في أنه ما غير ذاته ولا بدل ~~صفاته ولا الأبوان ولا الطبيعة فيتعين احتياجه إلى صانع أول قديم قادر عليم ~~قال وما ثبت من الأحكام لشخص واحد أو لجسم واحد ثبت في الكل في الجسمية ~~وهذه الطريقة تجمع الإثبات والإبطال واعتمد إمام الحرمين رضي الله عنه ~~طريقة أخرى فقال الأرض عند خصومنا محفوفة بالماء والماء بالهواء والهواء ~~بالنار والنار بالأفلاك وهي أجرام متحيزة شاغلة جوا وحيزا وبالاضطرار نعلم ~~أن فرض هذه الأجسام متيامنة عن مقرها أو متياسرة أو أكبر مما وجدت شكلا ~~وعظما أو أصغر من ذلك ليس من المستحيلات وكل مختص بوجه من وجوه الجواز دون ~~سائر الوجوه مع استواء الجائزات وتماثل الممكنات احتاج إلى مخصص بضرورة ~~العقل، وستعلم فيما بعد أن العالم ممكن الوجود باعتبار ذاته سواء قدر كونه ~~متناهيا في ذاته مكانا أو زمانا أو غير متناه فإن ms008 الخصم يقضي عليه بالإمكان ~~على أنه في ذاته غير متناهي الزمان وهو متناهي المكان، فالأولى أن يجعل ~~للتناهي المكاني مسألة ويجعل للتناهي الزماني من حيث الحركات والمتحركات ~~مسألة أخرى، ونأخذ احتياجه إلى المخصص كالمسلم أو كالضروري أو كالقريب من ~~الضروري. # فإن قيل فما الدليل على تطرق وجوه الجائزات إلى العالم بأسره. # قلنا: العقل الصريح يقضي بالإمكان في كل واحد من أجزاء العالم والمجموع ~~إذا كان مركبا من الأجزاء كان الإمكان واجبا له ضرورة. # فإن قيل: فما الدليل على أن الأجسام متناهية من حيث الذات. # قلنا: لو قدرنا جسما لا يتناهى أو بعدا لا يتناهى، فإما أن يكون ذلك ~~الجسم غير متناه من جميع الجهات أو من جهة واحدة وعلى أي وجه قدر فيمكن أن ~~يفرض فيه نقطة متناهية يتصل بها خط لا يتناهى ويمكن أن تفرض نقطة أخرى على ~~خط هو أنقص من الأول بذراع، ونصل بين النقطتين بحيث يطبق الخط الأصغر على ~~الخط الأطول فإن كان كل واحد من الخطين تمادى إلى غير نهاية فيكون الخط ~~الأصغر مساويا للخط الأطول وهو محال، وإن قصر الأقصر عن الأطول بمتناه فقد ~~تناهى الأقصر وتناهى الأطول إذ قصر عنه الأقصر بمتناه، وزاد الأطول عليه ~~بمتناه وما زاد على الشي ء بمتناه كان متناهيا وعلى كل حال فإن كل أحدهما ~~أكبر من الثاني كان فيما لا يتناهى ما هو أصغر وأكبر وأكثر وأقل، وذلك محال ~~فعلم أن جسما لا يتناهى محال وجوده وأن بعدا لا يتناهى في خلاء أو ملأ ~~محال، ويمكن أن ينقل هذا البرهان بعينه إلى أعداد وأشخاص لا تتناهى حتى ~~يتبين أن فرض ذلك محال، فإذا قضينا على الجسم PageV01P013 ~~بالتناهي وجاز أن يكون أكبر منه وأصغر وإذا تخصص أحد الجائزين احتاج إلى ~~المخصص، وكما يمكن فرض الجواز في الصغر والكبر يمكن فرضه في التيامن ~~والتياسر، فإن الجواز العقلي لا يقف في الجائزات ثم المخصص لا يخلو إما أن ~~يكون موجبا بالذات مقتضيا بالطبع وإما أن يكون موجدا بالقدرة والاختيار ~~والأول ms009 باطل فإن الموجب بالذات لا يخصص مثلا عن مثل إذ الأحياز والجهات ~~والأقدار والأشكال، وسائر الصفات بالنسبة إليه واحدة وهي في ذواتها متماثلة ~~إذ لا طريق لنا إلى إثبات الصانع إلا بهذه الأفعال، وقد ظهر فيما آثار ~~الاختيار لتخصيصها ببعض الجائزات دون البعض فعلمنا قطعا ويقينا أن الصانع ~~ليس ذاتا موجبا بل موجدا عالما قادرا «1»، وهذه الطريقة في غاية الحسن ~~والكمال، إلا أنها محتاجة إلى تصحيح مقدمات ليحصل بها العلم بحدث العالم ~~واحتياجه إلى الصانع منها إثبات نهاية الأجرام في ذواتها ومقاديرها ومنها ~~إثبات خلاء وراء العالم حتى يمكن فرض التيامن والتياسر فيه ومنها نفي حوادث ~~لا أول لها، فإن الخصم ربما يقول بموجب الدليل كله ويسلم أن العالم ممكن ~~الوجود في ذاته وأنه محتاج إلى مخصص مرجح لجانب الوجود على العدم ومع ذلك ~~يقول هو دائم الوجود به، ومنها حصر المحدثات في الأجرام والقائم بالأجرام، ~~وقد أثبت الخصم موجودات خارجة عن القسمين هي دائمة الوجود بالغير دواما ~~ذاتيا لا زمانيا ووجودا جوهريا لا مكانيا بحيث لا يمكن فرض التيامن ~~والتياسر والصغر والكبر فيها ولا تتطرق الأشكال والمقادير إليها ومنها ~~إثبات أن الموجب بالذات كالمقتضي بالطبع، فإن الخصم لا يسلم ذلك ويفرق بين ~~القسمين، والأولى أن تفرض المسألة على قضية عقلية، يوصل إلى العلم بها ~~بتقسيم دائر بين النفي والإثبات. # فنقول: القسمة العقلية حصرت المعلومات في ثلاثة أقسام واجب ومستحيل ~~وجائز، فالواجب هو ضروري الوجود بحيث لو قدر عدمه لزم منه محال والمستحيل ~~هو ضروري العدم بحيث لو قدر وجوده لزم منه محال والجائز ما لا ضروري في ~~وجوده ولا عدمه والعالم بما فيه من الجواهر العقلية والأجسام الحسية ~~والأعراض القائمة بما قدرناه متناهيا وغير متناه، وكذلك لو قدرنا أنه شخص ~~واحد أو أشخاص وأنواع كثيرة: إما أن يكون ضروري الوجود أو ضروري العدم، ~~وذلك محال لأن PageV01P014 ~~أجزاءه متغيرة الأحوال عيانا، وضروري الوجود على كل حال لا يتغير بحال. # فوجد تركيب البرهان منه: أن نقول كل متغير أو متكثر فهو ms010 ممكن الوجود ~~باعتبار ذاته وكل ممكن الوجود باعتبار ذاته فوجوده بإيجاد غيره فكل متغير ~~أو متكثر فوجوده بإيجاد غيره، وأيضا فإن الكل متركب من الآحاد، والآحاد إذا ~~كان كل واحد منها ممكن الوجود فالكل واجب أن يكون ممكن الوجود وكل ممكن فهو ~~باعتبار ذاته جائز أن يوجد وجائز أن لا يوجد وإذا ترجح جانب الوجود على ~~العدم احتاج إلى مرجح، والمرجح يستحيل أن يكون مرجحا باعتبار ذاته، ومن حيث ~~وجوده فقط لأمور أحدها أن الوجود من حيث هو وجود أمر يعم الواجب، والجائز ~~وهو فيهما بمعنى واحد لا يختلف فلو أوجد من حيث أنه وجود أو من حيث أنه ذات ~~لما كان أحد الموجودين أولى بالإيجاد من الثاني، فيتعين أنه يوجد لكونه ~~وجودا على صفة أو ذاتا على صفة ويدل على ذلك الأمر الثاني، وهو أن وجوه ~~الجواز قد تطرقت إلى الأفعال وتلك الوجوه متماثلة، والموجب لا يخصص مثلا عن ~~مثل فإن نسبة أحد المثلين إليه كنسبته إلى المثل الثاني فإذا خصص أحد ~~المثلين دون الثاني علم أن الإيجاب الذاتي باطل، فإن منعوا تلك الوجوه فلا ~~شك أن الجائز بنفسه يتساوى طرفاه ونسبة الذات من حيث هو ذات إلى أحد طرفيه ~~كنسبته إلى الطرف الثاني، فإذا تخصص بالوجود دون العدم فلا بد من مخصص وراء ~~كونه ذاتا وبطل الإيجاب بالذات، والثالث أن الموجب بالذات ما لم يناسب ~~الموجب بوجه من وجوه المناسبة لم يحصل الموجب، وذلك أنا إذا تصورنا ذاتين ~~أو أمرين معلومين لا اتصال لأحدهما بالآخر ولا مناسبة بينهما ولا تعلق ولا ~~أشعار بل اختص كل واحد منهما بحقيقته وخاصيته لم يقض العقل بصدور أحدهما عن ~~الثاني. # وواجب الوجود لذاته ذات قد تعالى وتقدس عن جميع وجوه المناسبات والتعلق ~~والاتصال، بل هو منفرد بحقيقته التي هي له وهي وجوب وجوده ولا صفة له ثانية ~~تزيد على ذاته الواجبة فلا يلزم أن يوجد عنه شي ء بحكم الذات، فإيجاب الذات ~~غير معقول أصلا بعد رفع النسب والعلائق، وعن هذا قلتم: ms011 إن الموجب لما كان ~~واحدا استحال أن يصدر عنه شيئان معا، ولما كان عقلا أي مجردا عن المادة ~~أوجب عقلا بالفعل مجردا عن المادة، ولما اقتضى الإيجاب مناسبة والمناسبة ~~تقتضي المماثلة حتى ينوب أحد المثلين مناب الثاني، ثبت لواجب الوجود، مثل ~~ثبوت مناب واجب الوجود في الإيجاب فعرف أن الإيجاب الذاتي باطل فتعين ~~الإيجاد الاختياري وذلك ما أردنا أن نورده. # فإن قيل أما كون العالم جائز الوجود واحتياجه إلى واجب الوجود فمسلم لكن PageV01P015 ~~لم قلتم: إن كونه موجودا بغيره يستدعي حدوثه عن عدم فإن وجود الشي ء بالشي ~~ء لا ينافي كونه دائم الوجود به، وإنما يتبين هذا بأن نبحث في الموضع ~~المتفق أنه إذا أحدثه عن عدم هل كان سبق العدم شرطا في تحقق الأحداث؟. # قلنا: لا يجوز أن يكون شرطا فإن المحدث ما استند إلى المحدث إلا من حيث ~~وجوده فقط والعدم لا تأثير له في صحة الإيجاد فيجوز أن يكون دائم الوجود بغيره. # والجواب: قلنا: الواجب أن نزيل عن الكلام ما يوقعه الوهم حتى يتجرد ~~المعقول الصرف عن العقل فقول القائل وجد عن عدم أو بعد العدم أو سبقه العدم ~~إن كان يعني به أن العدم شي ء يتحقق له سبق وتقدم وتأخر واستمرار أو انقطاع ~~أو شي ء يوجد عنه شي ء، فذلك كله من إيهام الخيال حيث لم يمكنه تصور ~~الأولية في الشي ء الحادث إلا مستندا إلى شي ء موهوم كالزمان والمدة كما لم ~~يمكنه تصور النهاية في العالم إلا مستندا إلى شي ء موهوم كالخلاء والفضاء ~~وكما لم يمكن فرض خلاء بين وجود الباري تعالى وبين العالم لا يمكن أيضا فرض ~~زمان وتقدير زمان بين وجود الباري تعالى وبين العالم، فإن ذلك من عمل الوهم ~~فقط ولا يلزم منه المعية بالزمان كما لا يلزم المعية من المكان فافهم ذلك ~~«1»، فيجب أن تزيل هذا الإيهام عن فكرك فيتصور أن وجود شي ء لا من شي ء هو ~~المعني بحدوث الشي ء عن العدم، فإن ms012 قولنا له أول المعنى بحدوثه، وإن قولنا ~~لم يكن فكان هو المعنى بسبق العدم إذ لا بد من عبارة وتوسع في الكلام ليطلق ~~لفظ السبق والتأخر والاستمرار والانقطاع وإذا ثبتت هذه القاعدة، فنقول: إذا ~~كان العالم ممكن الوجود باعتبار ذاته والممكن معناه أنه جائز الوجود وجائز ~~العدم فيستوي طرفاه أعني الوجود والعدم باعتبار ذاته، فإذا وجد فإنما يوجد ~~باعتبار موجده ولو لا موجده لما استحق إلا العدم، فهو إذا مستحق الوجود ~~والعدم بالاعتبارين المذكورين فكان واجب الوجود سابقا عليه بالذات والوجود ~~إذ لولاه لما وجد، ولا يجوز أن يكون وجوده مع واجب الوجود بالذات والوجود ~~جميعا لأن قبل ومع بالذات والوجود لا يجتمعان في شي ء واحد فهو إذا متأخر ~~الوجود ولا يجوز أن يكون مع واجب الوجود بالزمان لأنه يوجب أن يكون واجب ~~الوجود زمانيا لأن قولنا مع من جملة المتضايفات كالأخوة والأبوة فأحد ~~الشيئين إذا كان مع الثاني بالزمان كان الثاني معه أيضا بالزمان وبكل ~~اعتبار أثبت المعية في أحد الشيئين وجب عليك أن تثبتها في الشي ء الثاني ~~ولا يجوز أن يكون وجوده مع واجب الوجود PageV01P016 ~~بالرتبة والفضيلة لأن رتبة الواجب بذاته لا يكون كرتبة الواجب بغيره وظهر ~~أن جائز الوجود وواجب الوجود لا يكونان معا بوجه من الوجوه واعتبار من ~~الاعتبارات وصح القول كان الله ولم يكن معه شي ء، فما معنى قولكم الجائز ~~دائم الوجود بالواجب أو مع الواجب، أو قدرتم دوام وجود الباري تعالى زمانيا ~~ممتدا مع الأزمنة غير المتناهية، كما توهمتم وجود العالم زمانيا ممتدا في ~~أزمنة لا تتناهى وبئس الوهم وهمكم في الدوامين فكأنكم أخذتم لفظ الدوام ~~بالاشتراك المحض أما دوام وجود الباري تعالى، فمعناه أنه واجب لذاته وبذاته ~~ولا يتطرق إليه جواز ولا عدم بوجه من الوجه، فهو الأول بلا أول كان قبله ~~والآخر بلا آخر كان بعده وأوله آخره وآخره أوله أي ليس وجوده زمانيا، وأما ~~العالم فله أول ودوامه دوام زماني يتطرق إليه الجواز والعدم والقلة والكثرة ~~والاستمرار والانقطاع ms013 فلو كان دائم الوجود بدوام الباري كان الباري دائم ~~الوجود بدوام العالم، فلو كان الدوامان بمعنى واحد فيلزم أن يكون وجود ~~الباري تعالى زمانيا أو وجود العالم ذاتيا وكلا الوجهين باطل فبطل قولكم إن ~~العالم دائم الوجود بالواجب، وإنما يتضح هذا البطلان كل الوضوح إذا أثبتنا ~~استحالة حوادث لا أول لها ووجود موجودات لا تتناهى. # وأما قولكم: إن العالم في المحل المتفق عليه إنما يستند إلى الموجد من ~~حيث وجوده فقط والعدم لا تأثير له في صحة الإيجاد، قلنا ولو استند إلى ~~الموجد من حيث وجوده فقط لاستند كل موجود وتسلسل القول إلى ما لا يتناهى ~~ولم يستند إلى واجب وجوده بل إنما استند إليه من حيث جوازه فقط والجواز ~~قضية أخرى وراء الوجود والعدم ثم جواز الوجود سابق على الوجود بالذات فنقول ~~إنما وجد به لأنه كان جائز الوجود ولا نقول: إنما كان جائز الوجود لأنه وجد ~~فجواز وجوده ذاتي له والوجود عرضي والذاتي سابق على العرضي سبقا ذاتيا، ثم ~~بينا أن الجائز مستحق العدم باعتبار ذاته لو لا موجده فكان مسبوقا بوجوده ~~ومسبوقا بعدم ذاته لو لا موجده، لأن استحقاق وجوده عرضي مأخوذ من الغير ~~واستحقاق عدمه ذاتي مأخوذ من ذاته فهو إذا مسبوق بوجود واجب ومسبوق بعدم ~~جائز فتحقق له أول والجمع بين ما له أول وبين ما لا أول له محال. # فإن قيل: فما الفرق بين وجوب العالم بإيجاب الباري تعالى وبين وجوده ~~بإيجاد الباري تعالى، فإن العالم إذا كان ممكنا في ذاته ووجد بغيره فقد وجب ~~به وهذا حكم كل علة ومعلول وسبب ومسبب، فإن المسبب أبدا يجب بالسبب فيكون ~~جائزا باعتبار ذاته واجبا باعتبار سببه ثم السبب يتقدم المسبب بالذات، وإن ~~كانا معا في PageV01P017 ~~الوجود كما تقول تحركت يدي فتحرك المفتاح في كمي ولا يمكنك أن نقول تحرك ~~المفتاح في كمي فتحركت يدي وإن كانت الحركتان معا في الوجود. # والجواب: قلنا: وجود الشي ء بإيجاد موجده صواب من حيث اللفظ والمعنى ~~بخلاف وجوب الشي ms014 ء بإيجاب الموجب وذلك أن الممكن معناه أنه جائز وجوده ~~وجائز عدمه لا جائز وجوبه وجائز امتناعه، وإنما استفاد من المرجح وجوده لا ~~وجوبه نعم لو وجد عرض له الوجوب عند ملاحظة السبب، لأن السبب أفاده الوجوب ~~حتى يقال: وجب بإيجابه ثم عرض له الوجوب بل أفاده الوجود فصح أن يقال: وجد ~~بإيجاده وعرض له الوجوب فانتسب إليه وجوده إذ كان ممكن الوجود لا ممكن ~~الوجوب، وهذه دقيقة لطيفة لا بد من مراعاتها والذي نثبته أن الواجب ~~والممتنع طرفان والممكن واسطة إذ ليس بواجب ولا ممتنع فهو جائز الوجود ~~وجائز العدم والوجود والعدم متقابلان لا واسطة بينهما، والذي يستند إلى ~~الموجد من وجهين الوجود والعدم في الممكن وجوده فقط حتى يصح أن يقال أوجده ~~أي أعطاه الوجود ثم لزمه الوجوب لزوم العرضيات، فالأمر اللازم العرضي لا ~~يستند إلى الموجد، فأنتم إذا قلتم وجب وجوده بإيجابه فقد أخذتم العرضي ونحن ~~إذا قلنا وجد بإيجاده فقد أخذنا عين المستفاد الذاتي فاستقام كلامنا لفظا ~~ومعنى وانحرف كلامكم عن سنن الجادة «1»، ولربما نقول: إن الممكن إذا وجد في ~~وقت معين أو على شكل مخصوص يجب وجوده على ذلك الوجه لأن الموجد إذا علم ~~حصوله في ذلك الوقت على ذلك الشكل وأراد ذلك، فهو واجب الوقوع لأن خلاف ~~المعلوم مستحيل الوقوع والحصول، وإذا كان ممكن الجنس جائز الذات لكن لم يكن ~~وجوب ذلك إلا بإيجاب العلم والإرادة، فإذا تحقق أن الوجود هو المستفاد في ~~الحوادث لا الوجوب بطل الإيجاب الذاتي الذي يحتجون به حين بنوا عليه مقارنة ~~وجود العالم بوجود الباري تعالى ولم يبق لهم إلا التمثيل بمثال، وذلك من ~~سخف المقال لأن الخصم ربما لا يسلم أن حركة اليد سبب حركة الكم والمفتاح، ~~ولا يقول بالتولد يبقى مجرد فاء التعقيب والتسبيب لفظا في قوله تحركت يدي ~~فتحرك المفتاح، وهذا كما أن المادة عند الخصم سبب ما لوجود الصورة حتى يصح ~~أن يقال: لو لا المادة لما وجدت الصورة وهما معا في الوجود، وليس في ms015 وجود ~~الصورة بإيجاد المادة بل بإيجاب واهب الصور ثم إن سلم ذلك فيجوز أن يسبق ~~السبب المسبب ذاتا ويقارنه زمانا، فيكون زمان وجودهما PageV01P018 ~~واحدا، وأحدهما سبب والثاني مسبب كما يقال في الاستطاعة مع الفعل لكن ~~الممتنع وجود ما له أول مع وجود ما لا أول له وقد بينا أن هذه المعية ~~ممتنعة على الوجود كلها أعني بالذات والوجود والزمان والرتبة والفضيلة فإن ~~التقدم والتأخر، والمع يطلق على الشيئين إذا كانا متناسبين نوعا من ~~المناسبة ولا نسبة بين الباري تعالى وبين العالم إلا بوجه الفعل والفاعلية ~~والفاعل على كل حال متقدم والمفعول متأخر يبقى أن يقال: # هل كان يجوز أن يخلق العالم قبل ما خلقه بحيث يكون نسبة بدوه إلى وقتنا ~~أكثر زمانا فيجاب عنه أن إثبات الأولية والتناهي للعالم واجب تصوره عقلا إذ ~~البرهان قد دل عليه وما وراء ذلك تقدير وهمي يسمى تجويزا عقليا والتقديرات ~~والتجويزات لا تقف ولا تتناهى، وهو كما إذا سألتم هل كان يجوز أن يحدث ~~العالم أكبر مما خلقه بحيث يكون نسبة نهايته إلى مكاننا أكبر مسافة فيجاب ~~عنه أن إثبات الحد والتناهي للعالم واجب تصوره عقلا إذ البرهان قد دل عليه ~~ما وراء ذلك فتقدير ذهني يسمى تجويزا عقليا والتقديرات والتجويزات لا ~~تتناهى فتقدير مكان وراء العالم مكانا كتقدير زمان وراء العالم زمانا ~~وبالجملة حدث العالم حيث يتصور الحدوث والحادث ما له أول والقديم ما لا أول ~~له، والجمع بين ما له أول وبين ما لا أول له محال هذا ما نعقله من الحدوث ~~ضرورة وهو كتناهي العالم من الحجمية والجسمية حذو القدة بالقدة. # فإن قيل: قد دل البرهان العقلي على أن جسما ما لا يتناهى ذاته بالفعل ~~مستحيل وجوده فبينوا أن حركات متعاقبة وحوادث متتالية لا تتناهى مستحيل ~~وجودها فإن عندنا التناهي واللاتناهي إنما يتطرق إلى أربعة أقسام اثنان ~~منها لا يجوز أن يوجدا غير متناهيين الذات وهو ما له ترتيب وضعي كالجسم أو ~~طبيعي كالعلل فجسم لا تتناهى ذاته مستحيل وجوده وعلل ms016 ومعلولات لا تتناهى ~~بالعدد مستحيل وجودها أيضا ولكل واحد من القسمين ترتيب في الوجود أما الجسم ~~فله ترتيب وضعي ولأجزائه اتصال، ولكل جزء منه إلى جزء نسبة فلا يجوز وجود ~~جسم غير متناه في زمان واحد، وأما العلل فلها ترتيب طبيعي، فإن المعلول ~~يتعلق بعلته ولكل معلول إلى علته نسبة فلا يجوز وجود جسم وعلل ومعلولات لا ~~تتناهى، وأما القسمان اللذان يوجدان غير متناهي الذات فإن أحدهما الحوادث ~~والحركات التي لا تترتب بعضها على بعض لضرورة ذاتها بل تتعاقب وتتوالى شي ء ~~بعد شي ء في أزمنة غير متناهية فإن ذلك جائز عقلا والثاني النفوس الإنسانية ~~فإنها موجودات لم تتعاقب بل هي مجتمعة في الوجود ولكن لا ترتيب لها وضعا ~~كالجسم ولا طبعا كالعلل فيجوز أن توجد غير متناهية. PageV01P019 # والجواب قلنا: كل ما حصره الوجود وكان قابلا للنهاية فهو متناه ضرورة وما ~~لا يتناهى لا يتصور وجوده سواء كان له ترتيب وضعي أو طبيعي أو لم يكن. # والبرهان على ذلك بحيث يعم الأقسام الأربعة أن كل كثرة لا تتناهى فلا ~~تخلو إما أن تكون غير متناهية من وجه أو غير متناهية من جميع الوجوه ~~والجهات، وعلى القسمين جميعا فإنا يمكننا أن نفصل منهما جزءا بالوهم، أو ~~بالعقل فنأخذ تلك الكثرة مع ذلك الجزء شيئا على حدة ونأخذها بانفرادها شيئا ~~على حدة فلا يخلو إما أن تكون تلك الكثرة مع تلك الزيادة مساوية للكثرة من ~~غير الزيادة عددا أو مساحة فيلزم أن يكون الزائد مثل الناقص ومساويا له ~~وهذا محال وإما أن لا يكون مساويا له فيلزم أن يكون كثرتان غير متناهيتين ~~وإحداهما أكبر والثانية أنقص وهو أيضا محال، وهذا البرهان إن فرضته في جسم ~~غير متناه من جميع الجهات أو من جهة واحدة فالعبارة عنه أن نقول لك أن تفرض ~~نقطة من ذلك الجسم وتفصل منه مقدارا فتأخذ ذلك الجسم مع ذلك المقدار شيئا ~~على حدة وبانفراده شيئا على حدة ثم نطبق بين النقطتين المتناهيتين في ~~الوهم، فلا يخلو إما ms017 أن يكونا بحيث يمتدان معا مطابقين في الامتداد إلى ما ~~لا يتناهى فيكون الزائد والناقص متساويين، وإما أن لا يمتدا بل يقصر أحدهما ~~عنه فيكون متناهيا والقدر المفضول كان متناهيا أيضا، فيكون المجموع متناهيا ~~أيضا وقد فرضه غير متناه هذا خلف، وكذلك إن فرضته في حركات غير متناهية أو ~~أشخاص غير متناهية متعاقبة أو مجتمعة أو تفرض نفوسا غير متناهية معا أو ~~مجتمعة في الوجود فالعبارة عنه أن يقول لك أن تفرض حركة واحدة أو شخصا ~~واحدا وتفصل من الحركات أو الأشخاص مقدارا بالتوهم وتنسب الحركات الزائدة ~~إلى الحركات الناقصة وتم البرهان من غير تفاوت بين الصورتين. # قال أبو علي بن سينا «1»: هاهنا فرق وهو أن الجسم له ترتيب وضعي أمكنك أن ~~تعين فيه نقطة ثم ترتب عليها جواز الانطباق والامتداد إلى ما لا يتناهى ~~وليس للحركات المتتالية ترتيب وضعي فإنها ليست معا في زمان واحد فلا يمكنك ~~أن تعين فيها حركة واحدة وترتب عليها جواز الانطباق لأن ما لا يترتب في ~~الوضع أو الطبع فلا يحتمل الانطباق. # قيل له: جوابك عن هذا الفرق من وجهين أحدهما أنك فرضت النقطة في الجسم ~~والامتداد إلى ما لا يتناهى بالوهم وقدرت التطبيق أيضا بالوهم فقدر وهما أن PageV01P020 ~~الحركات الماضية كأنها موجودة متعاقبة، والأزمنة أيضا كأنها موجودة وهما ~~متعاقبة على مثال خط موهوم لا يتناهى تركب من نقط متتالية، والحدود في ~~الحركات والأوقات في الأزمنة كالنقط في الخطوط والتعاقب كالتتالي والعلة ~~التي لأجلها امتنع ألا تتناهى، ووجب أن تتناهى فهو أنه مؤد إلى أنه يكون ~~الأقل مثل الأكثر، والناقص مثل الزائد وهذا موجود في الموضعين جميعا، ولذلك ~~قال المتكلم: إنا إذا فرضنا الكلام في اليوم الذي نحن فيه، وقلنا ما مضى من ~~الأيام غير متناه عندكم وما بقي أيضا غير متناه والباقي والماضي متساويان ~~متماثلان في عدم التناهي، فلو فصلنا من الماضي سنة وأضفناها إلى الباقي صار ~~الماضي ناقصا والباقي زائدا وهما متماثلان في نفي التناهي أدى ذلك إلى أن ~~يكون الزائد مثل ms018 الناقص. # الوجه الثاني: أنه لو لم يتحقق في الحركات والأشخاص ترتيب وضعي فقد تحقق ~~فيها ترتيب طبيعي كالعلل والمعلولات، فإنها لا بد أن تكون متناهية بالاتفاق ~~وذلك أن كل معلول فهو ممكن الوجود بذاته، وإنما يجب وجوده بعلته فيتوقف ~~وجوده على وجود علته والكلام في علته كذلك حتى يتناهى إلى علة أولى ليست ~~ممكنة لذاتها، كذلك نسبة كل والد إلى مولود نسبة العلة إلى معلولها فيتوقف ~~وجود الولد على وجود الوالد وكذلك القول في الوالد فهلا قلت ينتهي إلى والد ~~أول ومع ذلك فالأشخاص عندكم لا تتناهى ثم يعدد لكل شخص إنساني قد وجد نفس ~~ناطقة وهي باقية مجتمعة في الوجود فالأشخاص إذا كانت لا تتناهى؟ وجاز ~~وجودها لأنها متعاقبة لا مجتمعة معا في الوجود فما قولك في النفوس فإنها ~~مجتمعة وهي لا تتناهى، فإن قال: ليس لها ترتيب طبيعي ولا وضعي قيل: فإذا ~~ترتبت الأشخاص والدا ومولودا ترتبت النفوس أيضا ذلك الترتيب لأن من العوارض ~~واللوازم المعينة للنفوس كونها بحيث إن صدرت عن أشخاصها أشخاص، فهذه النسبة ~~باقية ببقائها، ولذلك النوع ترتيب. # برهان آخر: في أن ما لا يتناهى من الحوادث والحركات لا يتحقق في الوجود: # وذلك أنا نفرض الكلام في الدورة التي نحن فيها ولا شك إن ما مضى قد انتهى ~~بها وما انتهى بشي ء فقد تناهى ومعنى قولنا: إن ما مضى قد انتهى أنا إذا ~~أردنا قصر النظر على ما نحن فيه وقطعناه عما سيأتي اقتضى ذلك تناهي الحركات ~~الماضية إذ بتناهي الحركات الماضية لم يكن مشروطا فيها لحوق الحركات الآتية ~~فما من حركة توجد وتعدم إلا وقد انقضت حركات قبلها بلا نهاية فيوجد أبدا ~~طرف منها متناهيا ويكون ذلك الطرف آخر الماضي وأولا لما بقي فكل حركة أو كل ~~دورة فقد تحقق لها أول وآخر وإذا تناهى من طرف فقد تناهى من الطرف الثاني، ~~فالحركات كلها إذا في PageV01P021 ~~ذواتها متناهية أولا وآخرا وهي معدودة بالزمان والزمان هو العاد للحركات ~~فالمعدود إذا يتناهى أولا وآخرا، كذلك ms019 يلزم أن يتناهى العاد أولا وآخرا ~~يبقى أن يقال: أهي متناهية عددا أم لا؟ قلنا: وكل عدد موجود فهو قابل ~~للزيادة والنقصان والأكثر والأقل فهو متناه وكل عدد موجود فهو متناه، وهذا ~~الحكم يجري في كل عدد موجود معا كالنفوس الإنسانية أو متعاقبة كالأشخاص ~~الإنسانية وعندهم النفوس غير متناهية عددا وهي قابلة للزيادة والنقصان، ~~فإذا طبقت الأشخاص على النفوس تساوت لا محالة وإن نقصت من الأشخاص عددا ~~وطبقت الباقي على عدد النفوس فإن كان كل واحد منهما لا يتناهى كان الزائد ~~مثل الناقص، وإن كان يتناهى فقد حصل المقصود وتطبيق الخط على الخط كتطبيق ~~العدد على العدد وتطبيق النفس على الشخص والحركات والمتحركات إذا تناهت ~~ذاتا وزمانا ومكانا وعددا وهذا قاطع لا جواب عنه ولا سؤال عليه «1». # ومن جملة الإلزامات على الدهرية: أن حركات زحل وهو في الفلك السابع مثل ~~حركات القمر وهو في الفلك الأول من حيث أن كل واحد من النوعين غير متناه ~~ومعلوم بالضرورة أن حركات زحل أكثر من حركات القمر فهي إذا مثلها وأكثر ~~منها، وذلك من أمحل المحال وأبلغ في التناقض. # فإن قيل: إن قصرت مسافة فلك القمر عن فلك زحل فقد طال زمان القمر بمقدار ~~قصر المسافة حتى قطع القمر فلكه بمثل ما قطع زحل فلكه فقد تساويا في ~~الحركة. # قلنا: وما قولكم في حركة فلك زحل فإنها حركات المحيط وحركات فلك القمر ~~وحركات القطب فهما متساويان فيما لا يتناهى وحركات فلك زحل أضعاف حركات فلك ~~القمر ولا جواب عنه. # فإن قيل: ألستم أثبتم تفاوتا في معلولات الله تعالى وفي مقدوراته فإن ~~العلم عندكم متعلق بالواجب والجائز والمستحيل والقدرة لا تتعلق إلا بالجائز ~~فكانت المعلومات أكثر والمقدورات أقل، والقلة والكثرة قد تطرقنا إلى ~~النوعين وهما غير متناهيين. # والجواب: قلنا: نحن لم نثبت معلومات أو مقدورات هي أعداد بلا نهاية بل ~~معنى قولنا إنها لا تتناهى أي العلم صفة صالحة يعلم به ما يصح أن يعلم ~~والقدرة صفة صالحة يقدر بها على ما يصح أن ms020 يوجد ثم ما يصح أن يعلم وما يصح ~~أن يقدر عليه لا يتناهى، وليس ذلك عدد أنقص من عدد حتى يكون ذلك نقضا لما ~~ذكرناه وإنما الممتنع عندنا أعداد يحصرها الوجود وهي غير متناهية فنقول: قد ~~بينا أن ما لا يتناهى PageV01P022 ~~إنما يمكن تصوره في الوهم والتقدير لا في الوجود كالعدد يقال له: إنه لا ~~ينتهي تضعيفا وليس نعني به أن العدد غير المتناهي موجود محصور بل المعنى ~~أنك إذا قدرت أو توهمت ضعفا فوق ضعف إلى ما لا يتناهى أمكنك ذلك كذلك ~~المعلولات والمقدورات على التقدير الوهمي لا يتناهى ولصلاحية العلم أن يعلم ~~به كل ما يصح أن يعلم ويخبر عنه يقال: إن العلم لا يتناهى وذلك لصلاحية ~~القدرة أن يقدر بها على كل ما يصح أن يقدر عليه يقال إن القدرة لا تتناهى ~~فلا القدرة ولا العلم أمر بسيط ذاهب في الجهات لا يتناهى، ولا المعلومات ~~والمقدورات أعداد كثيرة لا تتناهى، وهكذا ينبغي أن تفهم من معنى قولنا ذات ~~الباري سبحانه لا تتناهى أي هو واحد لا يقبل الانقسام بوجه من الوجوه، فلا ~~يتطرق إليه نهاية بوجه من الوجوه. # شبه الدهرية قالوا: إذا قلتم إن العالم محدث بعد أن لم يكن فقد تأخر ~~وجوده عن وجود الباري تعالى فلا يخلو إما أن يتأخر بمدة أو لا بمدة فإن ~~تأخر لا بمدة فقد قارن وجوده وجود الباري تعالى، وإن تأخر بمدة فلا يخلو ~~إما أن تأخر بمدة متناهية أو بمدة غير متناهية فإن تأخر بمدة متناهية فقد ~~وجب تناهي وجود الباري سبحانه وإن تأخر بمدة غير متناهية فنفرض في تلك ~~المدة موجودات لا تتناهى فإنه إن لم يمتنع مدة لا تتناهى لم يمتنع عدة لا ~~تتناهى «1». # والجواب قلنا: هذا الكلام غير مستقيم وضعا وتقسيما أما الوضع فقولكم لو ~~كان العالم محدثا كان وجوده متأخرا فإن عنيتم به التأخر بالزمان فغير مسلم، ~~فإنا قد بينا أن التقدم والتأخر والمعية الزمانية تمتنع في حق الباري ~~سبحانه. # وعلى هذا لم يصح بنا ms021 التقسيم عليه أنه متأخر بمدة أو لا بمدة فإن ما لا ~~يقبل المدة ذاتا ووجودا لا يقال له تقدم أو تأخر أو قارن بمدة أو لا بمدة ~~فأحلتم علينا تقدما وتأخرا ومعية زمانية للباري تعالى وإذا منعنا ذلك ~~ألزمتم علينا مقارنة في الوجود وذلك تلبيس فإنا إذا منعنا التقدم والتأخر ~~الزماني منعنا المقارنة الزمانية، بل وجود الباري تعالى لا يقال متقدم ~~بالزمان كما لا يقال أيضا فوق بالمكان ولا يقال مقارن بالزمان كما لا يقال ~~مجاور للعالم بالمكان وإن عنيتم بالتأخر في الوجود أي الموجد مفيد الوجود ~~والموجد مستفيد الوجود والموجد لا أول لوجوده والموجد له أول فهو PageV01P023 ~~مسلم ولا يصح أيضا بنا التقسيم عليه أنه تأخر بمدة أو لا بمدة. # فإن قيل: لا بد من نسبة ما بين الموجد والموجد وإذا تحققت النسبة فبمدة ~~متناهية أو غير متناهية. # قلنا: ولا بد من نفي النسبة بين الموجد والموجد إذ لو تحققت النسبة بمدة ~~متناهية أو غير متناهية كان وجوده زمانيا قابلا للتغير والحركة أليس لو قال ~~القائل: ما نسبة واحد منا حيث حدث وله أول كان السؤال محالا أليس لو قال ~~القائل ما نسبة العالم منه تعالى حيث وجد وله نهاية أفيباينه أو يجاوره فإن ~~باينه أفبخلا أو بينونة تتناهى أم لا تتناهى كان السؤال محالا، كذلك نقول ~~في المدة فإن الجزئي كالكلي والزمان كالمكان. # وجواب آخر عن التقسيم نقول ما المعني بالمدة أهي عبارة عن أمر موجود أو ~~عن تقدير موجود أم عن عدم بحت، فإن كان أمرا موجودا محققا فهو من العالم ~~فلا يكون قبل العالم وأيضا الموجود إما قائم بنفسه أو قائم بغيره وعلى ~~الوجهين جميعا لا يمكن تقديره قبل العالم، وإن كان أمرا مقدرا وجوده ~~والتقديرات الوهمية تجويزات وليس كلما يجوزه العقل أو يقدره الوهم يمكن ~~وجوده جملة حاصلة فإن وجود عالم آخر وكذلك إلى ما لا يتناهى مما يجوز يقدره ~~الوهم وكذلك الأعداد التي لا تتناهى مما يقدره الوهم لا مما يجوزه العقل ~~وبالجملة الجائزات ms022 كلها لا يمكن أن توجد جملة حاصلة فيكون ما لا يتناهى مما ~~يحصره الوجود وذاك محال فعلم أن تقدير أزمنة غير متناهية لا يكون كالتحقيق ~~وما يمكن وجوده جملة معا أو متعاقبا لا يمكن أن يكون مشحونا بما لا يتناهى ~~وإن كانت المدة عبارة عن عدم بحت، فلا يتناهى ولا يتناهى في عدم البحث. # وجواب آخر: لم قلتم إن المدة لو كانت متناهية لتناهى وجود الباري تعالى ~~فإن تناهي المدة كتناهي العالم مكانا وهو مصادرة على المطلوب الأول وتعبير ~~عن محال النزاع ثم تناهي العالم مكانا ليس يقتضي تناهي ذات الباري تعالى ~~لأنه لا مناسبة بينه وبين المكانيات والمكان كذلك تناهي العالم زمانا لا ~~يقتضي تناهي وجود الباري لأنه لا مناسبة بينه وبين الزمانيات والزمان، ولم ~~قلتم إن المدة لو لم تكن متناهية في التقدير العقلي أمكن أن يوجد فيها ~~موجودات في التحقيق الحسي. # شبهة أخرى: قال ابن سينا حكاية عن أرسطاطاليس: كل حادث عن عدم فإنه يسبقه ~~إمكان الوجود ضرورة وإمكان الوجود ليس هو عدما محضا بل هو أمر ما له صلاحية ~~الوجود والعدم ولن يتصور ذلك إلا في مادة فكل حادث فإنه يسبقه مادة ثم PageV01P024 ~~تلك المادة المتقدمة لا تتصور إلا في زمان لأن قبل ومع لا يتحقق إلا في ~~زمان والمعدوم قيل هو المعدوم مع وليس الإمكان قبل هو الذي يقارن الوجود ~~فهو إذا متقدم تقدما زمانيا والعالم لو كان حادثا عن عدم لتقدمه إمكان ~~الوجود في مادة تقدما زمانيا، فهو إما أن يتسلسل فهو باطل وإما أن يقف على ~~حد لا يسبقه إمكان فلا يسبقه عدم فيكون واجبا بغيره وهو ما ذهبنا إليه، ~~وهذه الشبهة هي التي أوقعت المعتزلة في اعتقاد كون المعدوم شيئا، وعن هذا ~~قصروا الشيئية في الممكن وجوده لا المستحيل ثبوته. # والجواب: أنا قد بينا أن معنى الحدوث عن عدم أنه هو الموجود الذي له أول ~~لا [ .... ] «1» الإمكان السابق عليه ليس يرجع إلى ذات وهو شي ء حتى يحتاج ~~إلى مادة بل هو ms023 أمر راجع إلى التقدير الذهني لأن ما لا يجوز وجوده لا يتحقق ~~له ثبوت وحدوث والقبلية والمعية، راجعة أيضا إلى التقدير العقلي، وإنما ~~نتصور نحن من حدوث العالم ما يتصورونه من حدوث النفس الإنسانية حادثة لها ~~أول لا عن شي ء حتى يمكن أن يقال: إنها مسبوقة بالعدم أي لم تكن فكانت وهي ~~ممكنة الوجود في ذاتها وإمكانها لا يستدعي مادة تسبقها، فإن ذلك يؤدي إلى ~~أن يكون وجودها ماديا، فعلم أن الإمكان من حيث هو، إمكان ليس يستدعي مادة ~~وسبقه على الموجود الحادث ليس إلا سبقا في الذهن سميتموه سبقا ذاتيا وذلك ~~السبق ليس سبقا زمانيا وكذلك القول في المعلول الأول وسائر النفوس فإنها ~~ممكنة الوجود بذواتها، وإمكان وجودها سابق على وجودها سبقا ذاتيا «2»، ~~وكذلك القول في الجسم الأول الذي هو فلك الأفلاك ونقول: إن كل حادث حدوثا ~~زمانيا أو حدوثا ذاتيا على أصلكم، فإنه بسبقه إمكان الوجود فإن الموجود ~~المحدث قد تردد بين طرفي الوجود والعدم وهذا التردد والسبق والإمكان كله ~~يرجع إلى تقدير في الذهن وإلا فالشي ء في ذاته على صفة واحدة من الوجود لكن ~~الوجود باعتبار ذاته انقسم إلى ما يكون وجوده لوجود هو له لذاته أي هو غير ~~مستفاد له من غيره فيقال: الوجود أولى به وأول ما يكون وجوده لوجود هو له ~~من غيره فيقال الوجود ليس أولى به ولا أول وهذا الوجود لم يتحقق إلا أن ~~يكون له أول مسبوق بوجود لا أول له ويكون له في ذاته إمكان الوجود يعبر عنه ~~بأنه مسبوق بإمكان الوجود لا أنه وجود يسبقه إمكان الوجود بل الوجود في ذاته PageV01P025 ~~وجود ممكن فقد وجد هاهنا سبقان أحدهما سبق وجود الموجود والثاني سبق إمكان ~~الوجود ولكننا بعد ما بحثنا عن السبق الثاني لم نعثر على معنى إلا أن ~~الوجود المستفاد لن يتحقق إلا بأن يكون ممكنا في ذاته مقدرا فيه تردد بين ~~طرفي الوجود والعدم واحتاج إلى مرجح لولاه لما حصل له وجود فلو كان كل حادث ms024 ~~محتاجا إلى سبق إمكان وكل إمكان محتاجا إلى مادة وكل مادة إلى زمان تسلسل ~~القول فيه فيقال وتلك المادة والزمان يحتاجان إلى مادة وزمان ولما حصل وجود ~~حادث أصلا فبطل الأصل الذي وضعوا الكلام عليه بل لا بد من منتهى ينتهي إليه ~~فيكون مبدعا لا من شي ء ويكون ممكنا في ذاته ولا يستدعي إمكانه مادة وزمانا ~~فهكذا يجب أن يتصور معنى سبق الإمكان وسبق العدم وسبق الموجد فإن الموجد ~~يسبق بوجوده من حيث وجوده ويلزم ذلك أن يسبق العدم والإمكان في الموجد سبقا ~~تقديريا وقد تقرر الفرق بين التقدم الذاتي والتقدم الوجودي فتأمل ذلك. # شبهة أخرى: اعتمد عليها أبو علي بن سينا قال: أسلم أن العالم بما فيه من ~~الجواهر والأعراض جائز الوجود لذاته لكن كلامنا في أنه هل هو واجب الوجود ~~بغيره دائم الوجود بدوامه، قال: والجائز أن لا يوجد وأن يوجد وإذا تخصص ~~بالوجود احتاج إلى مرجح لجانب الوجود، والحال لا يخلو إما أن يقال ما يجوز ~~أن يوجد عن المرجح يجب أن يوجد حتى لا يتراخى عنه وإما أن يقال لا يجب أن ~~يوجد حتى يتراخى عنه ثم يوجد بعد أن لم يوجد لكن العقل الصريح الذي لم يكذب ~~يقضي أن الذات الواحدة إذا كانت من جميع جهاتها واحدة وهي كما كانت وكان لا ~~يوجد عنها شي ء فيما قبل مع جواز أن يوجد وهي الآن كذلك فالآن لا يوجد عنها ~~شي ء وإذا كان قد وجد فقد حدث أمر لا محالة عن قصد وإرادة وطبع وقدرة أو ~~تمكن وغرض أو سبب من الأسباب ثم لا يخلو ذلك السبب إما أن يحدث في ذاته صفة ~~أو يحدث أمرا مباينا عنه والكلام في ذلك الحادث على أي وجه كان كالكلام في ~~العالم فإذا لا يجوز أن يحدث أمر ما وإذا لم يجز فلا فرق بين حال أن يفعل ~~وبين حال أن لا يفعل وقد وجد الفعل فهو خلف وإنما ألزمنا هذا لأنا وضعنا في ~~التقدير العقلي ذاتا ms025 معطلة عن الفعل وهو باطل فنقيضه حق. # والجواب قلنا: أنتم مطالبون بإثبات ثلاث مقدمات إحداها: إثبات جواز وجود ~~العالم في الأزل، والثانية إثبات أن ما يجوز وجوده يجب وجوده، والثالثة ~~إثبات سبب حادث لأمر حادث. # أما الأولى فنحن قد بينا استحالة وجود أمر جائز في ذاته مع وجود موجود PageV01P026 ~~واجب في ذاته في الأزل من وجهين أحدهما استحالة اقتران وجود ما لا أول له ~~مع وجود ما له أول فإن الجمع بينهما من المحالات والوجود الواجب لذاته يجب ~~أن يتقدم الوجود الجائز لذاته تقدما ما في وجوده بحيث يكون الواجب موجودا ~~ولا وجود معه لا من حيث الوجود ولا من حيث الذات ولا من حيث الزمان ولا من ~~حيث الرتبة والمكان ولا من حيث الفضيلة وبالجملة فحيث ما تحقق الجواز ~~والإمكان في شي ء تحقق نفي الأزلية عنه وإثبات الأولية له واقتران الأزلية ~~والأولية في شي ء واحد محال وقولكم العالم جائز الوجود وكل جائز وجوده يجب ~~وجوده أزلا وأبدا جمع بين قضيتين متناقضتين ومن اعترف بالجواز والإمكان فقد ~~سلم المسألة من كل وجه فإن الشي ء إذا تطرق إليه الجواز في الوجود من وجه ~~تطرق إليه الجواز من سائر الوجوه أعني الوقت والمقدار والشكل إذا كان ~~الموجود قابلا لها أو لواحد منها والدائر بين وجوه الجواز إذا تخصص بأحد ~~الجائزين دون الثاني احتاج إلى مخصص وانتفى الوجوب والدوام عنه. # وأما الوجه الثاني في بيان الاستحالة: أن الحوادث التي لا تتناهى قد تبين ~~استحالتها. # فإن قيل: ما المانع من وجود العالم في الأزل كان الجواب استحالة حوادث لا ~~تتناهى لما بينا من البرهان الدال عليه. # وأما الكلام على المقدمة الثانية: وهي أن ما يجوز وجوده يجب وجوده. # قلنا هذا الكلام أولا متناقض لفظا ومعنى أما اللفظ فإن الجواز والوجوب ~~متناقضان إلا أن يقال إن ما يجوز وجوده في ذاته يجب وجوده بغيره قيل وهذا ~~أيضا باطل فإن الوجوب بالغير إنما يكون بإيجاب الغير، والجائز إنما يحتاج ~~إلى الواجب في وجوده ms026 لا في وجوبه فيكون وجوده بإيجاد الغير ثم يلزمه من حيث ~~النسبة وجوبه وقد تبين هذا المعنى فيما قبل وأما التناقض من حيث المعنى فهو ~~أن الجائز وجوده مما لا يتناهى فلو كان ما جاز وجوده وجب وجوده لوجد ما لا ~~يتناهى دفعة واحدة كما هي إذا شرط شرط الترتيب في الذوات حتى حصل في الوجود ~~أول ثم ثان ثم ثالث ثم ينتهي إلى موجودات محصورة كذلك يشترط الترتيب في ~~الموجود حتى حصل موجود له أول ثم ثان ثم ثالث فالترتيب في الذوات تقدما ~~وتأخرا كالترتيب في الموجودات أولا وآخرا وهذا بناء على ما ذكرناه من إثبات ~~قسم آخر في أقسام التقدم والتأخر وذلك واجب الرعاية. # وأما الكلام في المقدمة الثالثة وهي المغلطة الزباء والداهية الدهيا ~~وكثيرا ما كنا PageV01P027 ~~نراجع أستاذنا وإمامنا ناصر السنة [صاحب الغنية وشرح الإرشاد] أبا القاسم ~~سليمان بن ناصر الأنصاري فيها ويتكلم عليها فما يزيد فيها على إثبات وجه ~~فاعلية الباري سبحانه وتعالى مما يقصر عن دركه عقول العقلاء ثم الذي كان ~~يستقر كلامه عليه قال ثبت جواز وجود العالم عقلا وثبت حدوثه دليلا ويعرف أن ~~ما حدث بذاته فيجب نسبة حدوثه إلى واجب الوجود بذاته والخصم إنما يطالب ~~بوجه النسبة فإن الموجد إذا كان لا يوجد وأوجد فنسبة الحادث إليه قبل ~~الإيجاد كنسبته إليه حال الإيجاد وبعده ولم يحدث أمر ما ولا سبب فلم وجد ~~ولم أوجد وبالجملة فما معنى الإيجاد والإبداع إن قلت إنه علم وجوده في هذا ~~الوقت وأراد وجوده فيه قيل: العلم عام التعلق، والإرادة عامة التعلق فنسبة ~~وجوده إلى الإرادة العامة في هذا الوقت على هذا الشكل كنسبة وجوده في غير ~~هذا الوقت على غير هذا الشكل، وكذلك القول في القدرة فإنها في عموم تعلقها ~~كالإرادة: والعلم فلا خصوص في الصفات، فكيف يختص الفعل وهذا الموضع منشأ ~~ضلال بعض المتكلمين، فإن الكرامية أثبتوا حوادث في ذات الباري تعالى من ~~الإرادة والقول، وهي التي تخصص العالم بالوجود دون العدم والمشيئة القديمة ~~تتعلق ms027 عندهم تعلقا عاما والإرادة تتعلق تعلقا خاصا وفرقوا بين الأحداث ~~والمحدث والخلق والمخلوق والمعتزلة أثبتوا إرادات حادثة لا في محل هي التي ~~تخصص العالم بالوجود دون العدم ولم يفرقوا بين الإحداث والمحدث والخلق ~~والمخلوق والأولى أن نسلك في حل الإشكال طريق إبطال مذهب الخصم ثم نشير إلى ~~ما يلوح للعقل من معنى الإيجاد. # فنقول: اتفقنا على أن العالم جائز لذاته محتاج إلى مرجح لجانب الوجود على ~~العدم فالمرجح لا يخلو إما أن يرجح من حيث هو ذات أو من حيث هو وجود ويلزم ~~عليه أمران أحدهما: أن يكون كل ذات وكل وجود مرجحا، والثاني: أن يحدث ما ~~يجوز وجوده مما لا يتناهى فإنه نسبة الجميع إلى الذات والوجود نسبة واحدة ~~والوجهان محالان، وإما أن يرجح من حيث هو ذات أو وجود على صفة أو على ~~اعتبار ووجه فإن يرجح من حيث هو وجود على صفة فقد سلمت المسألة وبطل ~~الإيجاب الذاتي وأن يرجح من حيث هو وجود على وجه كما قال الخصم إنه واجب ~~الوجود لذاته، وإنما أوجب من حيث أنه واجب لذاته وهو وجود على وجه فهو أيضا ~~باطل فإن وجوب الوجود لذاته معناه أمر سلبي أي وجوده غير مستفاد من غيره ~~ومن فهم وجودا غير مستفاد لم يلزمه أن يفهم أنه مفيد غيره، وكذلك من فهم ~~أنه عالم أو عقل وعاقل كما قال الخصم لم يلزم منه أن يفهم منه أنه موجد ~~مفيد الوجود غيره لأن PageV01P028 ~~معنى كونه عقلا عند الخصم معنى سلبي أيضا أي مجرد عن المادة وبأن يكون ~~مجردا عن المادة لا يلزم أن يكون مفيد الوجود لغيره، فبطل الإيجاب الذاتي ~~من كل وجه وتعين أنه إنما أوجد لكونه على صفة ولتلك الصفة من حيث ذاتها ~~صلاحية التخصيص والإيجاد عموما بالنسبة إلى ما حصل على الهيئة التي حصل ~~وبالنسبة إلى غيرها نسبة واحدة، ولها أيضا خصوص وجه بالنسبة إلى ما حصل دون ~~ما لم يحصل وذلك الخصوص لها عند إضافتها إياها إلى غيرها «1». # فنقول: لما علم ms028 الباري وجود العالم في الوقت الذي وجد فيه أراد وجوده في ~~ذلك الوقت فالعلم عام التعلق بمعنى أنه صفة صالحة لأن يعلم به جميع ما يصح ~~أن يعلم والمعلومات لا تتناهى على معنى أنه علم وجود العالم وعلم جواز ~~وجوده قبل وبعد على كل وجه يتطرق إليه الجواز العقلي والإرادة عامة التعلق ~~بمعنى أنها صفة صالحة لتخصيص ما يجوز أن يخصص به والمرادات لا تتناهى على ~~معنى أن وجوه الجواز في التخصيصات غير متناهية ولها خصوص تعلق من حيث إنها ~~توجد وتوقع ما علم وأراد وجوده، فإن خلاف المعلوم محال وقوعه فالصفات كلها ~~عامة التعلق من حيث صلاحية وجودها وذواتها بالنسبة إلى متعلقاتها إلى ما لا ~~يتناهى خاصة التعلق من حيث نسبة بعضها إلى بعض والإرادة لا تخصص بالوجود ~~إلا حقيقة ما علم وجوده والقدرة لا توقع إلا ما أراد وقوعه وتعلقات هذه ~~الصفات إذا توافقت على الوجه الذي ذكرناه حصل الوجود لا محالة من غير تغيير ~~يحصل في الموجد، وإنما يتعذر تصور هذا المعنى علينا لأنا لم نحس من أنفسنا ~~إيجادا وإبداعا ولا كانت صفاتنا عامة التعلق فعلمنا إذا لم يتعلق إلا ~~بمعلوم واحد ولم تتعلق إرادتنا إلا بمراد واحد ولا قدرتنا إلا بمقدور واحد ~~لا على سبيل الإيجاد ولن يتصور بقاء صفاتنا لكونها أعراضا فيتقاضى عقلنا ~~وحسنا حدوث سبب لحدوث أمر، حتى لو قدرنا علما وإرادة وقدرة لها عموم التعلق ~~بمتعلقات لا تتناهى على معنى صلاحية كل صفة لمتعلقها وقدرنا صلاحية قدرتنا ~~للإيجاد وقدرنا بقاء الصفات فعلمنا وجود شي ء بقدرتنا وإرادتنا في وقت ~~مخصوص ودخل الوقت لا نشك أن الشي ء يقع ضرورة من غير أن تتغير ذاتنا أو ~~يحدث أمر أو سبب لم يكن وهذا كما يقدره الخصم في العقل الفعال وفيضه، فإنه ~~يقول هو عام الإفاضة واهب للصور على الإشاعة من غير تخصيص ثم يثبت له نوع ~~خصوص بالإضافة إلى القوابل والشرائط التي تتكون فتحصل استعدادا في القوابل PageV01P029 ~~فيختص الفيض بقابل مخصوص على قدر مخصوص ms029 فخصوص الفيض بسبب خارج عن ذات ~~المفيض لا يقدح في عموم الفيض باعتبار ذاته على أن الإيجاب الذاتي عند ~~الخصم فيض ذاتي هو وجود عام لا خصوص فيه ولكنه إنما يفيض منه واحد ثم من ~~الواحد يفيض عقل ونفس وفلك ومن كل عقل ونفس عقل ونفس حتى ينتهي بالعقل ~~الأخير ثم يفيض منه الصور على الموجودات السفلية وتنتهي بالنفس الناطقة. # فنقول ما الموجب لحصر الموجودات في هذه الذوات ولا خصوص في الفيض وإن ~~تناهى الموجودات عددا ومكانا كتناهي الموجودات بداية وزمانا. # فإن قلتم: إن الخصوص عندنا يرجع إلى قبول الحوامل فيقدر الفيض بمقدارها. # قيل: وكلامنا في أصل الحوامل لم ينحصر في عدد معلوم فلم انحصرت السماوات ~~في سبع أو تسع ولم انحصرت العناصر في أربعة، ولم انحصرت المركبات في عدد ~~معلوم ولم تناهت هذه الموجودات فهلا ذهبت السماوات إلى غير نهاية مكانا كما ~~ذهبت حركاتها إلى غير نهاية زمانا. # فإن قلتم: منعنا من ذلك برهان عقلي على أن العالم متناه مكانا. # قلنا: ومنعنا عن ذلك أيضا ذلك البرهان بعينه كما بينا وكل ما ذكرتموه في ~~العناية الإلهية التي أوجبت ترتيب الموجودات على نظامها الأكمل نقدره نحن ~~في الإرادة الأزلية التي اقتضت تخصيص الموجودات على النظام الذي علمه أو ~~ليس لم يكف على أصلكم مجرد وجود مطلق حتى خصصتم بالوجوب ولم يكف الوجوب حتى ~~خصصتم بالتعقل ولم يكف التعقل حتى خصصتم بالعناية ثم عدتم فقلتم هذه صفات ~~إضافية أو سلبية لا توجب تكثرا في ذاته وتغيرا فما سميتموه تعقلا نحن نقول ~~هو علم أزلي وما سميتموه عناية نحن نقول هو إرادة أزلية فكما أن العناية ~~عندكم ترتبت على العلم فعندنا الإرادة إنما تتعلق بالمراد على وفق العلم ~~فلا فرق بين الطريقين إلا أنهم ردوا معاني الصفات إلى الذات وعند المتكلمين ~~معاني الصفات لا ترجع إلى الذات فالأولى بالمناظرة في هذه المسألة أن يدفع ~~الخصم إلى تعيين محل النزاع وتبيين مذهبه فيستفيد بذلك بطلان مذهب الخصم ~~فإنه يقول أول ما صدر عن ms030 الباري تعالى فهو العقل الأول لأنه لا يصدر عن ~~الواحد إلا واحد، ثم العقل أوجب عقلا آخر ونفسا وجسما فهو فلك الأفلاك ~~وبتوسط كل عقل عقلا ونفسا وفلكا حتى انتهت الأفلاك بالفلك الأخير الذي ~~يديره العقل الفعال الذي هو واهب الصور في العالم وبتوسط العقول السماوية ~~والحركات الفلكية حدثت العناصر وبتوسطها حدثت المركبات وآخر الموجودات هي ~~النفس الإنسانية لأن الوجود ابتدأ من PageV01P030 ~~الأشرف فالأشرف حتى بلغ إلى الأخس وهو الهيولي ثم ابتدأ من الأخس فالأخس ~~حتى بلغ الأشرف فالأشرف وهو النفس الناطقة الإنسانية «1». # فيقال لهم هذه الموجودات السفلية على هيئتها وأشكالها من أنواعها ~~وأصنافها التي تراها أوجدت دفعة واحدة أم على ترتيب فإن وجدت دفعة واحدة ~~بطل الترتيب الذي أوجده في وجود الموجودات وإن حصلت على ترتيب شيئا بعد شي ~~ء فأنى تحقق سبق ذاتي وتأخر ذاتي بين المعلول الأول والمعلول الأخير. # ونقول: ما نسبة المعلول الأخير إلى المعلول الأول من حيث الزمان وهما وإن ~~كانا في ذواتهما غير زمانين إلا أن النفس الإنسانية حدثت حدوثا لم تكن قبل ~~ذلك موجودة فتحقق لها أول فما نسبة أولية النفس إلى العقل الأول فإن كان ~~بينهما نفوس غير متناهية حدثت في أزمنة غير متناهية كان غير المتناهي ~~محصورا بين حاصرين وذلك محال وإن كانت متناهية فبطل قولهم إن الحوادث لا ~~تتناهى إذ لو كانت الحركات السماوية غير متناهية كانت الموجودات السفلية ~~غير متناهية أيضا، وحصل من نفس بيان المذهب بطلانه ثم هم منازعون في ~~الترتيب الذي ذكروه فإن أصحابهم قد اختلفوا في المبادئ اختلافا ظاهرا فمنهم ~~من قال أول الموجودات هو العنصر ثم العقل ثم النفس ثم الجسم ومنهم من قال ~~العقل ثم النفس ثم الهيولي ثم الأفلاك ثم العناصر ثم المركبات كما سيأتي ~~بيان ذلك. # شبهة من شبه برقلس، قال: الباري سبحانه جواد بذاته وعلة وجود العالم جوده ~~وجوده قديم لم يزل فيلزم أن يكون وجود العالم قديما لم يزل قال ولا يجوز أن ~~يكون مرة جوادا ومرة غير جواد فإنه ms031 يوجب التغير في ذاته قال ولا مانع من ~~فيض وجوده إذ لو كان مانع لما كان من ذاته إذ المانع الذاتي مانع أبدا وقد ~~تحقق الجود بإيجاد الموجود فهو خلف ولو كان المانع من غيره كان الغير هو ~~الحامل لواجب الوجود وواجب الوجود لا يحمل على شي ء ولا يمنع من شي ء. # شبهة أخرى تقارب هذه الشبهة قال ليس يخلو الصانع من أن يكون لم يزل صانعا ~~بالفعل أو لم يزل صانعا بالقوة فإن كان الأول فالمصنوع معلول لم يزل وإن ~~كان الثاني فما بالقوة لا يخرج إلى الفعل إلا بمخرج ومخرج الشي ء من القوة ~~إلى الفعل غير ذات الشي ء فيجب أن تتغير ذات الصانع لمغير وذلك باطل. # شبهة أخرى قال: كل علة لا يجوز عليها التحرك والاستحالة فإنما تكون علة PageV01P031 ~~من جهة ذاتها لا من جهة الانتقال من غيرها وكل علة من جهة ذاتها فمعلولها ~~من جهة ذاتها، وإذا كانت ذاتا لم تزل فمعلولها لم يزل. # والجواب: قلنا ما المعنى بقولك الباري تعالى جواد بذاته وما معنى الجود ~~فإن عندنا وعندكم الجود ليس صفة ذاتية زائدة على الذات بل هو صفة فعلية ~~والصفات عندكم إما أن تكون سلوبا كالقديم والغنى فإن معنى القديم نفي ~~الأولية ومعنى الغنى نفي الحاجة وإما أن تكون إضافات كالخالق والرازق على ~~اصطلاحنا والمبدئ والعلة الأولى على اصطلاحكم وليس لله صفة وراء هذين ~~المعنيين، فالجود من قسم الإضافة لا من قسم السلب فلا فرق إذا بين معنى ~~المبدئ وبين معنى الجود ومعناهما الفاعل الصانع فكأنكم قلتم صانع بذاته وهو ~~محل النزاع ومصادرة على المطلوب الأول فإن الخصم يقول: ليس فاعلا لذاته ~~وفعله ليس قديما لم يزل وفيه وقع الخلاف غيرت العبارة من الفعل إلى الجود ~~وجعلته دليل المسألة، وإذا كان معنى الجود راجعا إلى الفعل والإيجاد فقوله ~~مرة هو جواد ومرة غير جواد كقوله مرة فاعل ومرة غير فاعل، وذلك أيضا محل ~~النزاع فلم يجب أن يقال: إنه يوجب التغير. # وإنما هل ms032 الشبهة فيه من وجهين: أحدهما أن الفعل إنما امتنع في الأزل لا ~~لمعنى يرجع إلى الفاعل بل لمعنى راجع إلى نفس الفعل حيث لم يتصور وجوده فإن ~~الفعل ما له أول والأزل ما لا أول له واجتماع ما لا أول له مع ما له أول ~~محال فهو تعالى جواد حيث يتصور الجود ولا يستحيل الموجود أليس لو عين الشخص ~~في زماننا فيقال: # يجب أن يوجد أزلا لأن الباري سبحانه جواد لذاته كان السؤال محالا لأن ~~الموجود المعين استحال وجوده فيما لم يزل فاستحالة وجود الموجود هو المانع ~~لفيض الوجود لا منعا يكون ذلك حملا أو زجرا بل هو ممتنع في ذاته وهكذا لو ~~أوجد ما أوجده أولا آخرا أو أوجد جميع الموجودات معا من غير ترتيب واحد على ~~واحد كل ذلك غير جائز عند الخصم ولم يقدح في كونه جوادا هذا كما يقدره ~~المتكلم أن الباري سبحانه يوصف بالقدرة على ما يجوز وجوده وأما ما يستحيل ~~وجوده فلا يقال الباري تعالى ليس قادرا عليه بل يقال المستحيل في ذاته غير ~~مقدور فلا يتصور وجوده «1». # وهذا هو الجواب أيضا عن قولهم: لو لم يكن صانعا فصار صانعا كان صانعا ~~بالقوة فصار صانعا بالفعل وتغيرت ذاته. PageV01P032 # فإنا نقول: إنما لم يكن صانعا لم يزل لأن الصنع فيما لم يزل مستحيل الوجود ~~وإذا استحال وجود الشي ء في نفسه ولذاته لم يكن مقدورا فلا يكون مصنوعا قط، ~~وإذا استحال وجود الشي ء لمعنى آخر كان جائزا في ذاته فإذا زال ذلك المعنى ~~تحقق الجواز فصار مقدورا فيكون مصنوعا والصنع لم يزل إنما استحال لنفي ~~أولية الأزل وإثبات أولية الصنع فكان الجمع بينهما محالا فإذا نفيت الأزلية ~~تعينت الأولية فتحقق الجواز فصح المقدور فوجد المصنوع. # وكذلك الجواب عن الشبهة الثالثة أنه علة لذاته فإن معنى كونه علة أي مبدئ ~~لوجود شي ء وإنما الممتنع وجود المعلول مع العلة معية بالذات فإن ذلك يرفع ~~العلية والمعلولية وكذلك نقول: يستحيل وجود المعلول مع العلية معية بالزمان ms033 ~~فإن ذلك يوجب كون العلة زمانية قابلة للتغير وذلك محال أيضا فيجب أن يتقدم ~~في الوجود لأن وجود الباري سبحانه وجود لذاته غير مستفاد من غيره، ووجود ~~العالم مستفاد منه والمفيد أبدا يتقدم في الوجود. # أما الوجه الثاني في حل الشبهة: أن نطالبهم أولا فنقول: بما عرفتم أنه ~~سبحانه يجب أن يكون جوادا لذاته قالوا: لأن موجودا ما يفعل أكمل من موجود ~~لا يفعل وإن تصدر عنه موجودات أشرف من أن لا تصدر. # قيل له: لو عكس الأمر عليكم أن الموجود الذي لا يفعل أكمل فما جوابكم عنه ~~إذ ليس هذا من القضايا الضرورية خصوصا في موجود يكون كماله بذاته ولا بغيره ~~وإنما يصدر عنه فعل لو صدر لا لغرض ولا ليكتسب به حمدا ولا أمرا ما يتعلق ~~بالتناقل، لعمري لو كان موجودان أحدهما كماله بذاته والآخر كماله من غيره ~~شهد العقل بالضرورة أن الذي كماله بالذات أشرف من الذي كماله لغيره ~~والموجود الذي لو لم يفعل فعلا كان ناقصا فليس بكامل الذات بل هو ناقص ~~مستكمل من غيره فلم يصح أن يكون واجب الوجود لذاته. # وأما حل الشبهة الثانية نقول ما المعنى بقولكم إذا لم يكن صانعا فصار ~~صانعا فقد تجدد أمر. # فنقول تجدد في ذات الصانع أمر أم تجدد أمر في غير ذاته والأول غير مسلم ~~والثاني مسلم وهو محل النزاع. # وقولهم: كان صانعا بالقوة أيضا مشترك فإن القوة يراد بها الاستعداد ~~المجرد ويراد بها القدرة والأول غير مسلم والثاني مسلم وهو محل النزاع ولا ~~يحتاج إلى مخرج إلى الفعل. PageV01P033 # وأما حل الشبهة الثالثة قال كل علة لا يجوز عليها التحرك والاستحالة فإنما ~~تكون علة من جهة ذاتها غير مسلم بل هو باطل على أصله بالعقل الأول فإنه لا ~~يجوز عليه التحرك والاستحالة وليس علة من جهة ذاته بل هو معلول الواجب ~~الوجود وعلة من جهة كونه واجبا به لا بذاته وكذلك العقول المفارقة لا تقبل ~~الحركة والاستحالة وليست عللا من جهة ذواتها. # ومما يعتمد في إثبات حدث ms034 العالم أن نفرض الكلام في النفوس الإنسانية ~~ونثبت تناهيا عددا ثم ترتب عليها تناهي الأشخاص الإنسانية وترتب عليها حدوث ~~الأمزجة وتناهيها ثم ترتب عليها تناهي الحركات الدورية الجامعة للعناصر ثم ~~ترتب عليها تناهي المتحركات والمحركات السماوية فثبت حدث العالم بأسره وهي ~~أسهل الطرق وأحسنها. # فنقول قد تقرر في أوائل العقول أن كل عدد أو معدود موجود بالفعل إذا كان ~~غير متناه بالفعل فإنه لا يقبل الزيادة والنقصان وإن الزائد لا يكون مثل ~~الناقص قط ولا يمكن أن يكون شي ء أكبر من مقدار غير متناه لموجود وجود وغير ~~المتناهي لا يتضاعف بما لا يتناهى وإن ما يتناهى من طرف يتناهى من سائر ~~الأطراف، والنفوس الإنسانية عند القوم موجودات بالفعل مجتمعة في الوجود وهي ~~قابلة للزيادة والنقصان فإن الزمان الذي نحن فيه قد اشتمل على أشخاص ~~إنسانية متناهية ولكل شخص نفس إذا أضفت تلك النفوس إلى ما مضى من الأشخاص ~~التي بقيت نفوسها كانت الأوائل منها أنقص وهي مع الزيادة أزيد وكذلك في كل ~~زمان وساعة تتزايد النفوس أبدا وما قبل الزيادة في كل وقت يستحيل أن يكون ~~غير متناه وذلك لأن نسبة ما مضى إلى الحاصل كنسبة الناقص إلى الزائد وحيث ~~ما تمادى إلى الأول صار أنقص كما إذا تمادى إلى الآخر صار أزيد ومثل هذا ~~مستحيل فيما لا يتناهى موجودا بالفعل محصورا في الوجود نعم ربما يظن في ~~الموجودات المتعاقبة في الوجود أنها لا تتناهى أولا قبل آخر وآخر بعد أول ~~وأنها إذا جازت غير متناهية آخرا جازت غير متناهية أولا وهذا الظن وإن كان ~~خطأ عند العقل إلا أن الخيال ربما يعين هذا الرأي لكن الفرض إذا كان في ~~موجودات غير متناهية مجتمعة في الوجود لا متعاقبة أعدادا ومعدودات بالفعل ~~لا بالقوة فيلزمها ضرورة ألا تقبل الزيادة والنقصان إذ لو قبلت وهي غير ~~متناهية لكان الزائد مثل الناقص. # والذي يوضحه أن كل جملة موجودة الآحاد بالفعل إذا زيد عليها عدد معلوم أو ~~نقص منها عدد محصور صار ما ms035 لا يتناهى أكثر مما كان أو أنقص. # فنقول: إذا دخل ما لا يتناهى في الوجود من النفوس فالباقي من النفوس التي لم PageV01P034 ~~تدخل في الوجود بعد أما إن كانت متناهية أو غير متناهية فإن لم تكن متناهية ~~فقد تضاعف ما لا يتناهى بما لا يتناهى وذلك محال وإذا كانت متناهية فإذا ~~زيدت على غير المتناهي صارت الجملة أكثر من المقدار الأول وقد علم أن غير ~~المتناهي الموجود لا يكون شي ء أكثر منه وهذا أكثر منه فهو خلف ثم يلزم أن ~~يكون الباقي على نسبة عددية إذ هي موجودة بالفعل أما نسبة النصف أو الثلث ~~أو الربع أو غير ذلك من النسب وإذا كانت الجملة غير متناهية بالفعل استحال ~~تقدير النسبة إليه فإن ما لا يتناهى لا نصف له ولا ثلث ولا ربع وإذا تحققت ~~النسبة دل ذلك على أن الجملة محصورة معدودة متناهية وليس يلزم على ما ~~ذكرناه كون العدد غير متناه، فإنا لا نسلم ذلك في عدد معلوم موجود، ومعنى ~~قولنا إن العدد لا يتناهى أنه في التقدير الوهمي لا يتناهى أي الوهم يعجز ~~عن بلوغ حد ونهاية فيه فيحكم العقل أنه لا نهاية له وكما أن العدد على ~~الإطلاق معلوم من غير ربط بمعدود، وكذلك النصف والثلث والربع على الإطلاق ~~معلوم من غير نسبة إلى ما لا يتناهى إنما المستحيل إثبات أعداد موجودة غير ~~متناهية فإن كل موجود معدود فهو محدود، وإذا تحقق بطلان النفوس غير ~~المتناهية وكانت كل نفس متعلقة ببدن تحقق بطلان الأبدان غير المتناهية ~~وكانت كل نفس متعلقة ببدن تحقق بطلان الأبدان غير المتناهية ثم إذا تناهت ~~الأبدان والنفوس الإنسانية تناهت الامتزاجات العنصرية، فتناهت الحركات ~~الدورية السماوية فتناهت المتحركات العلوية فتناهت المحركات الروحانية ~~فتناهى العالم بأسره فكان له أول من ابتداء، فأما تقدير عدم عليه يمكن أن ~~يكون قبله فهو تقدير خيالي كتقدير خلاء وراء العالم يمكن أن يكون فيه ~~فالخلاء بالنسبة إلى العالم مكانا كالعدم بالنسبة إليه زمانا وتقدير بينونة ~~وراء العالم غير ms036 متناهية كتقدير أزمنة قبل العالم غير متناهية «1». # ولو سأل سائل هل يمكن تقدير عالم آخر وراء هذا العالم ووراء ذلك العالم ~~عالم آخر إلى ما لا يتناهى كان السؤال محالا كذلك لو سأل هذا هل يمكن تقدير ~~هذا العالم أو عالم آخر قبله بزمان وقبل ذلك القبل بزمان إلى ما لا يتناهى ~~كان السؤال أيضا محالا فليس قبل العالم إلا موجده ومبدعه قبلية الإيجاد ~~والإبداع لا قبلية الإيجاب بالذات ولا قبلية الزمان كما ليس فوق العالم إلا ~~مبدعه فوقية الإبداع والتصرف لا فوقية الذات ولا فوقية المكان والله ~~المستعان. PageV01P035 ### | CHECK [القاعدة الثانية في حدوث الكائنات بأسرها بأحداث له سبحانه] # القاعدة الثانية «1» في حدوث الكائنات بأسرها بأحداث له سبحانه # وفيها الرد على المعتزلة والثنوية والطبائعيين والفلاسفة وفيها تحقيق ~~الكسب والفرق بينه وبين الإيجاد والخلق. # مذهب أهل الحق من أهل الملل وأهل الإسلام: أن الموجد لجميع الكائنات هو ~~الله سبحانه فلا موجد ولا خالق إلا هو، والفلاسفة جوزوا صدور موجود من غير ~~الله تعالى بشرط أن يكون وجود ذلك الغير مستندا إلى وجود آخر ينتهي إلى ~~واجب الوجود بذاته، ثم هم مختلفون في أنه هل يجوز أن يصدر عنه أكثر من واحد ~~فذهب أكثرهم إلى أنه واحد من كل وجه فلا يصدر عنه إلا واحد. # ثم اختلفوا في ذلك الواحد فقال بعضهم: هو العقل وقال بعضهم: هو العنصر ثم العقل. # واختلفوا في الصادر عن المعلول الأول فقال بعضهم: هو النفس وقال بعضهم: # هو عقل آخر ونفس وفلك هو جسم وكذلك يصدر عن كل عقل عقل حتى انتهى بالعقل ~~الذي هو مدبر فلك القمر الفعال الواهب للصور على مركبات العالم. # ومن قدماء الأوائل من جوز صدور شي ء متكثر من واجب الوجود واختلفوا فيه ~~فمنهم من قال: هو الماء، ومنهم من قال: هو النار، ومنهم من قال: هو الهواء، ~~ومنهم من قال: هو أجسام لطيفة بسيطة تركبت أو أجزاء صغار اجتمعت فحدث ~~العالم، ومنهم من قال: هو العدد، ومنهم من قال: هو المحبة ms037 والغلبة على ما ~~قررنا تفصيل مذاهبهم في الإرشاد إلى عقائد العباد. # وأما المجوس: فلهم تفصيل مذهب في حدوث الكائنات وسبب امتزاج النور ~~والظلمة وسبب الخلاص لكن اتفقوا على نسبة الخير والصلاح إلى النور ونسبة ~~الشر والفساد إلى الظلمة. PageV01P036 # وأما المعتزلة والقدرية: فأثبتوا للقدرة الحادثة تأثيرا في الإيجاد ~~والأحداث من الحركات والسكنات وبعض الاعتقادات والاعتمادات والنظر ~~والاستدلال من نفسه أنها تتوقف على البواعث والدواعي وورود التكليف ~~بمباشرتها والكف عنها. # ووافقنا الفلاسفة على أن جسما ما أو قوة في جسم لا يصلح أن يكون مبدعا لجسم. # ووافقنا المجوس على أن الظلمة لا يجوز أن تحدث بإحداث النور. # ووافقنا المعتزلة على أن القدرة الحادثة لا تصلح لإحداث الأجسام والألوان ~~والطعوم والروائح وبعض الإدراكات والحياة والموت ولهم اختلاف مذهب في ~~المتولدات وإنما أوردنا هذه المسألة عقيب حدث العالم لأن الدليل لما قام ~~على أن الممكن بذاته من حيث إمكانه استند إلى الموجد وأن الإيجاد عبارة عن ~~إفادة الوجود فكل موجود ممكن مستند إلى إيجاد الباري سبحانه من حيث وجوده، ~~والوسائط معدات لا موجبات وهذا هو مدار المسألة «1». # ولنا في هذا المعنى كلام مع الفلاسفة على مقتضى قواعدهم ومع المجوس على ~~موجب أصلهم باعتبار أنه موجود، ومع المعتزلة على موجب عقائدهم. # أما الكلام على الفلاسفة فنقول كل موجود بغيره ممكن باعتبار ذاته لو جاز ~~أنه يوجد شيئا فأما أن يوجده باعتبار أنه موجود بغيره أو باعتبار أنه ممكن ~~بذاته أو باعتبارهما جميعا لكن لا يجوز أن يوجد باعتبار أنه موجود بغيره ~~إلا بشركة من ذاته إذ لا تعزب ذاته عن ذاته ولا يخرج وجوده عن حقيقته وهو ~~باعتبار ذاته ممكن الوجود والإمكان طبيعته طبيعة عدمية فلو أثر في الوجود ~~لأثر بشركة العدم وهو محال. # وهذا البرهان إنما نقلناه عن قولهم في الجسم إنه لا يؤثر في الجسم إيجادا ~~وإبداعا؛ إذ الجسم مركب من مادة وصورة فلو أثر لأثر بشركة من المادة ~~والمادة لها طبيعة عدمية، فلا يجوز أن توجد شيئا فالجسم لا يجوز أن يوجد ms038 ~~أيضا فإمكان الوجود كالمادة ونفس الوجود كالصورة، كما أن الجسم لا يؤثر من ~~حيث صورته إلا بشركة من المادة كذلك الموجود بغيره الممكن باعتبار ذاته لا ~~يؤثر من حيث وجوده إلا بشركة من إمكان الوجود فلا موجد على الحقيقة إلا ~~بوجود واجب بذاته من كل وجه لا يشوبه إمكان ولا PageV01P037 ~~عدم من وجه والوسائط إن أثبتت فإنها معدات لا موجدات. # فإن قيل الممكن باعتبار ذاته إنما يوجب غيره أو يوجد باعتبار وجوده بغيره ~~وحين لاحظنا جانب الوجود نقطع نظرنا عن الإمكان والعدم، فإن الإمكان قد زال ~~بثبوت الوجود وحصل الوجوب بدل الإمكان فلا التفات إلى الإمكان أصلا فلم ~~يؤثر بشركة الإمكان. # والجواب قلنا: إذا كان الوجود من حيث هو وجود مؤثرا من غير ملاحظة إلى ~~وجه الإمكان والجواز فليؤثر وجود كل موجود حتى لا يكون العقل بالإيجاب أولى ~~من النفس أو الجسم، وحتى يكون الجسم مؤثرا في الجسم باعتبار صورته، لا من ~~حيث مادته فإن الوجود من حيث هو وجود لا يختلف وإنما الاختلاف في كل موجود ~~إنما يرجع إلى الفواصل. # فإن قيل: العقل الأول إنما يوجب شيئا آخر بسبب اعتبارات في ذاته فهو من ~~حيث وجوده بواجب الوجود يوجب عقلا أو نفسا ومن حيث إنه ممكن بذاته يوجب ~~جسما هو صورة ومادة وقولكم إن جهة الإمكان غير ملتفت إليها أصلا باطل فإن ~~جهة الوجوب يناسب وجود العقل والنفس وجهة الإمكان يناسب وجود المادة ~~والصورة وإنما حملنا على إثبات هذا الإيجاب لأن الواحد لا يجوز أن يصدر عنه ~~إلا واحد فإنه لو صدر عنه اثنان لكل عن جهتين، ولو ثبت أن له جهتين لتكثرت ~~ذاته وقد دل البرهان على أن واجب الوجود لن يتكثر. # والجواب قلنا: ولو كان العقل إنما أوجب عقلا أو نفسا باعتبار أنه واجب ~~بغيره لا وجب الجسم جسما أو نفسا باعتبار أنه واجب بغيره، فإن قضية الوجوب ~~بالغير لا تختلف إلا أن يكون أحدهما بغير واسطة والثاني بواسطة وإلا فمن ~~حيث إن الجسم ذو مادة لا ms039 يمتنع عليه الإيجاد من حيث إنه واجب بغيره، وكما ~~أن العقل من حيث إنه ذو إمكان في ذاته لم يمتنع عليه بالإيجاب والإيجاد من ~~حيث أنه واجب بغيره فقولوا إن الجسم يجوز أن يوجد جسما أو قوة في جسم، يجوز ~~أن توجب جسما أو صورة الجسمية يجوز أن توجب جسما وهذا مستحيل بالاتفاق. # ثم نقول هاهنا مقتضيات أربعة: عقل ونفس وفلك ومادة، وهي جواهر مختلفة ~~متمايزة بالحقائق تستدعي مقتضيات أربعة مختلفة بالحقائق أيضا فعليكم أن ~~تثبتوا في المعلول الأول هذه الحقائق بحيث يناسب كل واحد واحد، وإلا فيلزم ~~أن يصدر عن شي ء واحد أشياء وذلك محال عندكم وعليكم أيضا أن تثبتوا أن تلك ~~الاعتبارات المقتضية لا ترجع إلى إضافات وسلوب فإن كثرة الإضافات والسلوب ~~وإن لم توجب PageV01P038 ~~كثرة في الذات إلا أنها لا توجب أشياء، فإن ذات واجب الوجود واحدة من كل ~~وجه إلا أنها لا تتكثر بالإضافات والسلوب والصفات الإضافية والسلبية لا ~~توجب أشياء متعددة إذ لو أوجبت لأضيف إلى واجب الوجود جميع الموجودات إضافة ~~واحدة من غير وسائط وذلك محال عندكم فهم بين أمرين متناقضين إن أثبتوا في ~~المعلول الأول صفات إيجابية مختلفة الحقائق فقد ناقضوا مذهبهم حيث قالوا ~~الواحد لا يصدر عنه إلا واحد وإن قالوا هذه الصفات التي ثبتت إضافية أو ~~سلبية لزمهم أن يثبتوا مقتضيات متعددة لواجب الوجود وذلك أيضا يناقض ~~مذهبهم. # وهذا إلزام إفحام لا محيص عنه، ثم نفصل القول بعد الإجمال فنقول إذا كان ~~المقتضي مفصلا معلوما مختلف الأنواع يجب أن يكون المقتضى مفصلا معلوما ~~مختلف الحقائق وما أثبتم إلا أمرين أحدهما كونه واجبا بغيره والثاني كونه ~~جائزا بذاته وكونه واجبا بغيره أوجب عقلا أو نفسا وكونه ممكنا بذاته أوجب ~~صورة ومادة فقد أثبتم صدور موجودين جوهرين قائمين بذاتيهما من وجه واحد ~~وذلك أيضا يناقض مذهبهم. # وأراد من تلبس منهم أن يعتذر عن هذين الإلزامين فقال: إن الواحد لا يصدر ~~عنه إلا واحد كما ذكرنا إلا أن العقل الأول إنما يكثر باعتبارات ms040 ذاته لا ~~بما استفاد من غيره لأن الإمكان له من ذاته لا من غيره والوجود له من غيره ~~لا من ذاته فلم يستفد الكثرة من واجب الوجود لعمري لما حصل العقل حصلت له ~~اعتبارات أربعة أحدها: # كونه واجبا بغيره والثاني: كونه عقلا، والثالث: كونه واحدا في ذاته، ~~والرابع: كونه ممكنا في ذاته فأوجب من حيث هو عقل عقلا ومن حيث هو موجود ~~بواجب الوجود نفسا، ومن حيث هو واحد صورة ومن حيث هو ممكن مادة وهذه ~~الاعتبارات لما كانت مختلفة الحقائق أوجبت جواهر مختلفة الأنواع. # انظروا بعين الاعتبار إلى هذا الاعتذار هل هو إلا تحكم محض لم يقم عليه ~~دليل عقلي ولا شاهد حسي بل هو أقل رتبة من طرد الفقهاء أرادوا بناء أشرف ~~الموجودات كمالا على اعتبارات كلها ترجع إلى عبارات فنطالبهم أولا بصحة هذه ~~المناسبات ولا يجدون إلى إثباتها سبيلا. # ثم نقول كونه واجب الوجود بغيره أمر إضافي لا محالة لأن كون واجب الوجود ~~مبدأ وعلة أو موجبا ومبدعا أمر إضافي لا تتكثر به الذات، فإذا كان الإيجاب ~~إضافة فيكون بين الموجب والموجب إضافة لا محالة، والأمر الإضافي قد يتكثر ~~ويتعدد ولا تتكثر به الذات فلو صح أن يكون موجبا في العقل الأول العقل ~~الآخر لصح مثله في واجب الوجود بذاته فهلا كثرت الإضافات في حق واجب الوجود ~~حتى تتحقق له PageV01P039 ~~نسبة إيجاب إلى موجب فتتكثر النسب الإضافية ولا تتكثر بها الذات وهذا كما ~~يقدرونه في العقل الفعال الذي هو واهب الصور على العالم الجسماني فإنه ما ~~من صورة تحدث في العالم إلا وهي من فيضه وسنخه «1»، ثم تختلف الصور باختلاف ~~الأنواع والأصناف إلى ما لا يتناهى ولا تختلف الصفات في الفائض بل هو نعت ~~واحد والصور تختلف وتتكثر بحسب القوابل والحوامل ولو اختلفت النسب فإنما هي ~~إضافات لا صفات حقيقية كذلك يجب أن يقال في واجب الوجود بذاته أنه ينسب ~~إليه الكل نسبة واحدة من حيث وجودها الممكن ثم الاختلاف يحصل في القوابل أو ~~تكون الإضافات والسلوب ms041 كثيرة وتتعدد الموجبات بحسب تلك ولا يوجب ذلك كثرة ~~في الذات كما قالوا في المعلول الأول. # ونقول: كون العقل الأول عقلا أمر سلبي لأن معنى كونه عقلا أنه مجرد عن ~~المادة والتجريد عن المادة سلب المادة ونفيها والنفي كيف يناسب وجود جوهر ~~عقلي وهو عقل كيف والسلوب كثيرة فهلا أوجب بكل سلب جوهرا عقليا فإنه كما ~~يسلب عنه المادة يسلب عنه الصورة، أعني الصورة الجسمية ويسلب عنه الكيفية ~~والكمية والوضع والحيز والمكان والزمان ولم يجب أن يقال يلزمه عنه بكل سلب ~~جوهر عقلي ومثل هذه السلوب تتحقق في حق واجب الوجود أيضا ولا يوجب كل سلب ~~جوهرا عقليا وإن سلم ذلك حصل غرضنا من إضافة الكل إليه «2». # ثم نقول: لم صار كونه واجب الوجود بغيره أولى بإيجاب نفس من كونه مجردا ~~عن المادة ولو عكس الأمر فجعل ما ذكرتموه بالغير موجبا للعقل، وما ذكرتموه ~~من التجرد عن المادة موجبا للنفس أي محال كان يلزم منه وأي خلل كان يحصل، ~~وهل هذا إلا تحكم بارد بني على تقليد أو تقليد استند إلى تحكم. # ونقول: عددتم اعتبارات أربعة وقضيتم بوحدة العقل في ذاته وقلتم إن الوحدة ~~توجب نفسا أو جسما فبينوا ما هو المستفاد من الباري تعالى وما هو له من ~~ذاته فإن الذي له من ذاته ليس إلا إمكان الوجود بقيت اعتبارات ثلاثة وإن ~~كانت مستفادة من الأول استدعت ثلاثة مقتضيات وواجب الوجود واحد من كل وجه ~~وإن كانت له لذاته أي من لوازم ذاته فقد بطل قولكم إن الذي له من ذاته هو ~~الإمكان فقط ثم PageV01P040 ~~الإمكان لا يناسب إلا المادة لأن طبيعة المادة طبيعة عدمية لها استعداد ~~قبول الصور والإمكان طبيعة عدمية أيضا لها استعداد قبول الوجود بقيت الصورة ~~ولا موجب لها. # ومما يفضي منه العجب أن الجسم الذي هو مركب من جوهرين مختلفين مادة وصورة ~~لا يجوز أن يوجب جسما مثله وشي ء ما له وجود بغيره وإمكان بذاته يوجب جواهر ~~عقلية حقيقية مختلفة بالنوع لا يجوز أن ms042 تشترك في مادة مع أن الإمكان ليس ~~يتحقق له وجود إلا في الذهن والمادة يتحقق لها وجود في الخارج فعرف بهذه ~~الاعتراضات أن الواسطة التي أوجبوا وجودها حتى توجب الموجودات لا يحتاج إليها. # ثم نقول من أين أثبتم أربع اعتبارات في الصادر الأول حتى صدرت عنه أربعة ~~جواهر فما قولكم في الصادر الثاني والثالث أفيصدر عن كل واحد على مثال ما ~~صدر من الأول أو يتغير الترتيب فإن كان على مثال الأول فيجب أن يصدر عن كل ~~واحد من الأربعة أربعة جواهر فيتضاعف الأعداد أربعة في أربعة، وذلك على ~~خلاف الوجود، أو يصدر عن العقل الثاني أربعة أخرى، فما الموجب للوقوف على ~~تسعة من العقول أو تسع من النفوس وتسعة من الأفلاك وأربعة من العناصر فهلا ~~زاد إلى ما لا يتناهى، أو هلا زاد بعدد معلوم أو هلا نقص فهل الانتهاء على ~~عدد معلوم، ثم الوقوف عليه إلا تحكم محض ثم ما الموجب حتى يتغير التأثير من ~~السماوي المتركب تركيبا لا ينحل قط المتحرك تحركا على الاستدارة لا يسكن قط ~~إلى العناصر والمركبات تركيبا لا يدوم قط ولا يثبت على حال قط المتحركة ~~تحركا على الاستقامة ثم الانتهاء إلى النفس الإنسانية والوقوف عليها آخرا ~~وما الموجب لتقدير النجوم والشمس والقمر بأقدارها المعلومة حتى صار منها ما ~~هو أكبر ومنها ما هو أصغر. # وما الموجب لتعيين القطبين بالموضع المعلوم مع أن كل كرة واحدة وليس بعض ~~الأجزاء يتعين القطب فيه أولى من البعض فإن كنتم شرعتم في طلب العلة لكل شي ~~ء، وادعيتم أن كمال نفس الإنسان في أن تتجلى له حقائق الموجودات وتصرفتم ~~بالفكر العقلي في الهيئات وكيفية الإبداع فأفيدونا جواب هذه الأسئلة، وإذ ~~رأينا انحصاركم وتحيركم ورأينا الوجود على خلاف الترتيب الذي وضعتم ولم ~~تستمر قاعدتكم على ما مهدتم عرف بطلان مذهبكم من كل وجه وعلم بالضرورة ~~استناد الموجودات إلى صانع عالم قادر مختار ابتدع الخلق بقدرته وإرادته ~~ابتداعا واخترعهم على مشيئته اختراعا، ثم سلكهم في طرق إرادته وبعثهم ms043 على ~~سبيل محبته لا يملكون تأخرا عما قدمهم إليه، ولا يستطيعون تقدما إلى ما ~~أخرهم عنه، وهذا القدر يكفي في هذه المسألة من الرد على الفلاسفة المتفقين ~~على رأي أرسطاطاليس، وسنرد على PageV01P041 ~~الباقين عند تعقبنا آراء أرباب المقالات إن شاء الله تعالى. # وأما المجوس فمذهبهم يدور على قاعدتين إحداهما: ذكر سبب امتزاج النور ~~والظلمة، والثانية: ذكر سبب خلاص النور من الظلمة والأولى هي المبدأ ~~والثانية هي المعاد، وذلك أنه لما ألزم عليهم أن النور إذا كان ضد الظلمة ~~جوهرا وطبعا وفعلا وحيزا وهما متنافران ذاتا وطبيعة فكيف امتزجا وما الموجب ~~لاجتماعهما حتى حصل الامتزاج وحصل بحصول الامتزاج صور هذا العالم ثم هل ~~يبقى هذا الامتزاج أبد الدهر ويلزم عليهم كون أجزاء النور معذبة أبد ~~الآبدين أو تتخلص يوما ما فما الموجب للخلاص. # فصار مدار المسألة معهم على تقدير هذين الركنين. # قالت طائفة منهم: إن النور فكر في نفسه فكرة رديئة فحدث منها الظلام ~~متشبثا ببعض أجزاء النور وهذا قول من قال بحدوث الظلام. # فيقال لهم: إذا كان النور خيرا لا شر فيه بوجه ما فما الموجب لحدوث ~~الفكرة الرديئة فإن حدثت بنفسها فهلا حدث الظلام بنفسه من غير أن ينسب إليه ~~وإن حدث بالنور فالنور كيف أحدث أصل الشر ومنبع الفساد فإنه إن كان كل فساد ~~في العالم إنما انتسب إلى الظلام والظلام انتسب إلى الفكرة كانت الفكرة ~~مبدأ الشر والفساد. # ومن العجب أنهم احترزوا حتى لم ينسبوا شرا جزئيا إلى النور في الحوادث ~~ولزمهم أن ينسبوا كل الشر وأصل الفساد إليه. # ومن قال بقدم الظلام فالرد عليه أن العقل يقضي ضرورة أن شيئين متنافرين ~~غاية التنافر طبعا لا يمتزجان إلا بقاسر فإنهما لو امتزجا بذاتيهما بطل ~~تنافرهما بذاتيهما وما هو متنافر ذاتا لا يجوز أن يجتمع ذاتا فالذات ~~الواحدة لا توجب اجتماعا وافتراقا وذلك يقتضي ألا يحصل وجود ما وقد حصل فهو خلف. # ونقول أيضا الظلام لا يخلو إما أن يكون موجودا حقيقة أو لم يكن فإن كان ~~وجوده ms044 وجودا حقيقيا فقد ساوى النور في الوجود وبطل الامتياز عنه من كل وجه ~~وكذلك إن ساواه في القدم والوحدة ثم الوجود من حيث هو وجود خير لا محالة ~~فلم يكن الظلام شرا وإن لم يكن موجودا حقيقة فما ليس بموجود حقيقة كيف يكون ~~قديما وكيف ينافي ضده وكيف يحصل منه امتزاج وكيف يحصل من امتزاجه وجود ~~العالم. # ونقول أيضا عندكم وجود خير من شر ووجود شر من خير لا يتصور. # ومن قال بحدوث الظلام فقد لزمه حدوث شر من خير ثم حدوث العالم من ~~الامتزاج وذلك حدوث خير من شر. PageV01P042 # ومن قال بقدمه فقد لزمه حصول العالم من الامتزاج والامتزاج إن كان خيرا فهو ~~حصول خير من شر، وإن كان شرا فهو حصول شر من خير، ثم لو كان الامتزاج خيرا ~~أوجب أن يكون الخلاص شرا لأنه ضده ولو كان شرا فالخلاص خير وعلى أي وجه قدر ~~فلا بد من حصول خير من شر وحصول شر من خير. # ونقول أيضا العقل بالضرورة يقضي بأن امتزاج جوهرين بسيطين لا يقتضي إلا ~~طبيعة واحدة ونحن نرى مختلفات في العالم اختلافا في النوع والشخص والحقيقة ~~والصورة على طبائع مختلفة وأعراض متضادة وهذه المختلفات يستحيل أن تحصل من ~~امتزاج أمرين بسيطين فقط فإنهما لا يوجبان أمورا على خلاف ذاتيهما ولا ~~يوجدان أكوانا على ضد طبيعتهما، فقد بطل قولهم إن الكون والكائنات حصلت من ~~الامتزاج بل لا بد من إسنادهما إلى فاطر حكيم قادر عليم. # وأما الكلام على المعتزلة فنذكر أولا طريق أهل السنة في إسناد الكائنات ~~إلى الله سبحانه خلقا وإبداعا «1». # ولهم طريقان في ذلك أحدهما قولهم الأفعال المحكمة دالة على علم مخترعها ~~إذ الإتقان والإحكام من آثار العلم لا محالة وإذا كان الفعل صادرا من فاعل ~~متقن فيجب أن يكون من آثار علم ذلك الفاعل ومن المعلوم أن علم العبد لا ~~يتعلق قط بما يفعله من كل وجه بل لو علمه علمه من وجه دون وجه علم جملة لا ~~علم تفصيل فوجوه الإحكام ms045 في الفعل لم تدل على علمه وليست من آثار علمه ~~فيتعين أن الفاعل غيره وهو الذي أحاط به علما من كل وجه وهذه الطريقة هي ~~التي اعتمد عليها الشيخ أبو الحسن الأشعري رضي الله عنه وأوردها في كتبه ~~وفرضها في الغافل إذا صدر عنه فعل. # والحق أن الدليل ليس بمختص بالغافل فإن الغافل كما لم يحط علما بالفعل من ~~كل وجه كذلك العالم لم يحط به علما من كل وجه والفاعل الخالق يجب أن يكون ~~محيطا بالفعل من كل وجه إذ الإحكام إنما يثبت فيه من آثار علمه لا من آثار ~~علم غيره ويدل على علمه لا على علم غيره فكما يستحيل إيجاد الفعل واختراعه على PageV01P043 ~~جهل وغفلة بالمخلوق المخترع من كل وجه كذلك يستحيل إيجاده على غفلة من وجه ~~قال الله تعالى: ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير [الملك: 14]. # فإن قيل هذا الدليل لا يصلح لإثبات استحالة حدوث الفعل بالقدرة الحادثة ~~فإن إحاطة العبد بالفعل من كل وجه غير مستحيل وإن لم يتفق في الصورة ~~المذكورة وقوعا لا وجوبا فلو قدر تعلق العلم الحادث بالفعل من كل وجه وجب ~~أن تجوزوا حصول الفعل بالقدرة الحادثة من كل وجه لأن الإحكام والإتقان فيه ~~دل على علم الفاعل ومع ذلك لم يجز على أصلكم فدل أن الاستدلال بانتفاء ~~العلم من كل وجه باطل وأيضا فإن القدر الذي تعلق العلم به وجب أن يكون ~~مخلوقا للعبد وعندنا العلم بالفعل من كل وجه غير شرط بل العلم بأصل وجوده ~~شرط كونه فاعلا وهو لم يعدم ذلك. # والجواب: إنا ما أنشأنا هذا الدليل لبيان استحالة حدوث الفعل بالقدرة ~~الحادثة بل لنفي كون العبد خالقا لأفعاله التي يثاب ويعاقب عليها إذ لو كان ~~خالقا لدل الإحكام في فعله على علمه لكن لم يدل فلم يكن خالقا لأنه لو كان ~~خالقا لكان عالما بخلقه من كل وجه لكنه ليس بعالم به من كل وجه فليس بخالق. # هذا وجه دلالة هذا النظر فلا يلزمنا تقدير الإحاطة ms046 به من كل وجه فإن ~~انتفاء العلم إذا دل على انتفاء الخالقية لم يلزم أن يدل وجود العلم على ~~ثبوت الخالقية بل هو عكس الأدلة والدليل لا ينعكس. # ولو تصدينا لبيان الاستحالة صغنا الدليل صياغة أخرى فقلنا لو كان الفعل ~~منتسبا إلى العبد إبداعا لوجب أن يكون في حال إبداعه عالما بجميع أحواله ~~ويستحيل من العبد الإحاطة بجميع وجوه الفعل في حالة واحدة لأمرين أحدهما أن ~~العلم الحادث لا يتعلق بمعلومين في حالة واحدة وذلك لجواز طريان الجهل على ~~العالم بأحد الوجهين فيؤدي إلى أن يكون عالما جاهلا بمعلوم واحد في حالة ~~واحدة ويكون علمه علما من وجه وجهلا من وجه. # الثاني: أن وجوه المعلومات في الفعل تنقسم إلى ما يعلم ضرورة وإلى ما ~~يعلم نظرا فيحتاج حالة الإيجاد في تحصيل ذلك العلم إلى نظر وهو اكتساب ثان ~~وربما يحتاج إلى معرفة الضروري والنظري من وجوه الاكتساب فيؤدي إلى التسلسل ~~حتى لا يصل إلى إيجاد الفعل المطلوب وعن هذا المعنى صار كثير من عقلاء ~~الفلاسفة إلى أن الإيجاد لن يحصل إلا بالعلم حتى لو تصور من الإنسان العلم ~~بوجوه الفعل كليا وجزئيا ومحلا ومكانا وزمانا وعددا وشكلا وعرضا وكمالا ~~لتصور منه الإيجاد والإبداع وعن هذا صاروا إلى PageV01P044 ~~أن علم الباري سبحانه بذاته هو المبدئ لوجود الفعل الأول وفرقوا بين العلم ~~الفعلي والعلم الانفعالي، وإنما يحتاج الإنسان إلى القدرة والإرادة ~~والدواعي والآلات والأدوات لأن علمه لن يتصور أن يكون علما فعليا بل علومه ~~كلها انفعالية ولذلك اتفق المتكلمون بأسرهم على أن العلم يتبع المعلوم ~~فيتعلق به على ما هو به ولا يكسبه صفة ولا يكتسب عنه صفة وهذا هو سر هذه ~~الطريقة ونهايتها. # أما الطريق الثاني في بيان استحالة كون القدرة الحادثة صالحة للإيجاد. # فنقول: لو صلحت للإيجاد لصلحت لإيجاد كل موجود من الجواهر والأعراض وذلك ~~لأن الوجود قضية واحدة تشمل الموجودات وهو من حيث إنه وجود لا يختلف فليس ~~يفضل الجوهر العرض في الوجود من حيث إنه وجود بل من ms047 وجه آخر وهو القيام ~~بالنفس والحجمية والتحيز والاستغناء عن المحل وعند الخصم هذه كلها صفات ~~تابعة للحدوث وليست من آثار القدرة وأما الشيئية والعينية والجوهرية ~~والعرضية فهي أسماء أجناس عنده ثابتة في العدم ليست أيضا من آثار القدرة ~~فلم يبق من الصفات وجه لتعلق القدرة إلا الوجود وهو لا يختلف في الموجودات ~~وجهة الصلاحية أيضا وفي القدرة جهة واحدة فلو صلحت لإيجاد موجود ما صلحت ~~لإيجاد كل موجود لكنها لا تصلح لإيجاد بعض الموجودات من الجواهر وأكثر ~~الأعراض فلم تصلح لإيجاد موجود ما. # ومما يوضحه أن الصلاحية لو اختلفت بالنسبة إلى موجود وموجود لاختلفت ~~بالنسبة إلى قدرة وقدرة حتى يقال تصلح قدرة زيد لحركة ولا تصلح قدرة عمر ~~ولمثل تلك الحركة بل عند الخصم لما شملت الحقيقة جميع قدر البشر استوت كلها ~~في الصلاحية كذلك شملت الحقيقة الوجود جميع الموجودات فيجب أن تستوي في ~~قبول أثر الصلاحية بل يمكن أن يقال إن الصلاحية ليست تابعة لحقيقة القدرة ~~بل هي مختلفة بالنسب وعن هذا صلحت للإيجاد عندهم ولم تصلح للإعادة والإعادة ~~إيجاد ثان وصلحت لتحصيل العلم ولم تصلح للغفلة عن ذلك العلم. # ومما يوضحه أن صلاحية القدرة لم تخل من أحد الأمرين إما أن تثبت عموما ~~فيجب أن لا يختلف بالنسبة إلى موجود دون موجود كما بينا وإما أن تثبت خصوصا ~~ولا دليل على التخصيص لبعض الموجودات دون البعض سوى جريان العادة بما ~~ألفناه من الأفعال المنسوبة إلى العباد وسنبين أن ذلك على أي وجه يثبت ~~وبالجملة فليس يصلح ذلك دليلا على حصر صلاحية القدرة فيها دون سائر ~~الموجودات تجويزا وإمكانا. # فإن قيل: ألستم أوجبتم تعلق القدرة الحادثة ببعض الموجودات دون البعض PageV01P045 ~~وسميتم نفس التعلق كسبا فما ذكرتموه في التعلق والكسب من التخصيص فهو ~~جوابنا في الإيجاد من التخصيص. # ومن العجب أنكم تنكرون تأثير القدرة الحادثة وتثبتون التعلق فهلا جوزتم ~~عموم التعلق حتى يتعلق بكل موجود قديم أو حادث جوهر أو عرض فإن خصصتم ~~التعلق مع نفي التأثير فلا تستبعدوا منا ms048 تخصيص التعلق مع إثبات التأثير. # والجواب قلنا: نحن بينا القدرة الحادثة وتعلقها بالمقدور ولم نثبت عموم ~~التعلق ولا لزمنا ذلك إذ لم نعين جهة التأثير بالوجود والحدوث وأنتم عينتم ~~جهة التأثير بالوجود من حيث هو وجود قضية عامة فلزمكم عموم التعلق والتأثير ~~في كل موجود واستحال على أصلكم حصر صلاحية القدرة في بعض الموجودات دون البعض. # ولم يثبت شيخنا أبو الحسن رحمه الله للقدرة الحادثة صلاحية أصلا لا لجهة ~~الوجود ولا لصفة من صفات الوجود فلم يلزمه التعميم والتخصيص. # وأما القاضي أبو بكر فقد أثبت لها أثرا كما سنذكره ولكنه يبرئ جهة الوجود ~~عن التأثير فيه فلم يلزمه التعميم. # قال القاضي: الإنسان يحس من نفسه تفرقة ضرورية بين حركتي الضرورية ~~والاختيارية كحركة المرتعش وحركة المختار والتفرقة لم ترجع إلى نفس ~~الحركتين من حيث الحركة لأنهما حركتان متماثلتان بل إلى زائد على كونهما ~~حركة وهو كون أحدهما مقدورة مرادة وكون الثانية غير مقدورة ولا مرادة ثم لم ~~يخل الأمر من أحد حالين إما أن يقال تعلقت القدرة بإحداهما تعلق العلم من ~~غير تأثير أصلا فيؤدي ذلك إلى نفي التفرقة فإن نفي التأثير كنفي التعلق ~~فيما يرجع إلى ذاتي الحركتين والإنسان لا يجد التفرقة فيهما وبينهما إلا في ~~أمر زائد على وجودهما وأحوال وجودهما، وإما أن يقال تعلقت القدرة بأحدهما ~~تعلق تأثير لم يخل الحال من أحد أمرين إما أن يرجع التأثير إلى الوجود ~~والحدوث وإما أن يرجع إلى صفة من صفات الوجود والأول باطل بما ذكرناه أنه ~~لو أثر في الوجود لأثر في كل موجود فتعين أنه يرجع التأثير إلى صفة أخرى ~~وهي حال زائدة على الوجود لأنه أثبت في العد سائر صفات الأجناس من الشيئية ~~والجوهرية والعرضية والكونية واللونية إلى أخص الصفات من الحركات والسكون ~~والسوادية والبياضية فلم يبق سوى حالة واحدة هي الحدوث، فليأخذ مني في قدرة ~~العبد مثله. # فألزمه أصحابه أنك أثبت حالا مجهولة لا ندري ما هي إذ لا اسم لها ولا معنى. # قال: بل هي معلومة ms049 بالدليل والتقسيم الذي أرشدنا إليه كما بينا، فإن لم تتيسر PageV01P046 ~~لي عبارة عنها باسم خاص لم يضر ذلك ألسنا أثبتنا وجوها واعتبارات عقلية ~~للفعل الواحد وأضفنا كل وجه إلى صفة أثرت فيه مثل الوقوع فإنه من آثار ~~القدرة والتخصيص ببعض الجائزات فإنه من آثار الإرادة والإحكام، فإنه من ~~دلائل العلم، وعند الخصم كون الفعل واجبا أو ندبا أو حلالا أو حراما أو ~~حسنا أو قبيحا صفات زائدة على وجوده بعضها ذاتية للفعل وبعضها من آثار ~~الإرادة وكذلك الصفات التابعة للحدوث مثل كون الجوهر متحيزا وقابلا للعرض ~~فإذا جاز عنده إثبات صفات هي أحوال واعتبارات زائدة على الوجود لا تتعلق ~~بها القادرية وهي معقولة ومفهومة فكيف يستبعد مني إثبات أثر للقدرة الحادثة ~~معقولا ومفهوما ومن أراد تعيين ذلك الوجه الذي سماه حالا فطريقه أن يجعل ~~حركة مثلا اسم جنس يشمل أنواعا وأصنافا أو اسم نوع يتمايز بالعوارض ~~واللوازم فإن الحركات تنقسم إلى أقسام فمنها ما هو كتابة ومنها ما هو قول ~~ومنها ما هو صناعة باليد وينقسم كل قسم إلى أصناف فكون حركة اليد كتابة ~~وكونها صناعة متمايزان وهذا التمايز راجع إلى حال في إحدى الحركتين تتميز ~~بها عن الثانية مع اشتراكهما في كونهما حركة وكذلك الحركة الضرورية والحركة ~~الاختيارية فتضاف تلك الحالة إلى العبد كسبا وفعلا ويشتق له منها اسم خاص ~~مثل قام وقعد وقائم وقاعد وكتب وقال وكاتب وقائل، ثم إذا اتصل به أمر ووقع ~~على وفاق الأمر سمي عبادة وطاعة فإذا اتصل به، نهي ووقع على خلاف الأمر سمي ~~جريمة ومعصية، ويكون ذلك الوجه هو المكلف به وهو المقابل بالثواب أو ~~العقاب، كما قال الخصم إن الفعل يقابل بالثواب أو العقاب لا من حيث إنه ~~موجود بل من حيث إنه حسن أو قبيح، والقبح والحسن حالتان زائدتان على كونه ~~فعلا وكونه موجودا وهو أبعد من العدل والقاضي أقرب إلى العدل فإنه أضاف إلى ~~العبد ما لم يقابل بثواب أو عقاب وقابل بالثواب والعقاب ما لم يكن من آثار ms050 ~~قدرته، والقاضي عين الجهة التي عنده لم تقابل بالجزاء فأثبتها فعلا للرب ~~وعين الجهة التي هي فعل العبد وكسبه فقابلها بالجزاء وذلك هو العدل «1». # ومما يوضح طريقة القاضي ويبين أنه ما خالف الأصحاب تلك المخالفة البعيدة PageV01P047 ~~أن الفعل ذو جهات عقلية واعتبارات ذهنية عامة وخاصة كالوجود والحدوث ~~والعرضية واللونية وكونه حركة أو سكونا وكون الحركة كتابة أو قولا وليس ~~الفعل بذاته شيئا من هذه الوجوه بل هي كلها مستفادة له من الفاعل والذي له ~~بذاته هو الإمكان فقط وأما وجوده فمستفاد من موجده على الوجه الذي هو به ~~وهو أعم الوجوه، وأما كونه كتابة أو قولا فمستفاد من كاتبه أو قائله وهو ~~أخص الوجوه فيتميز الوجهان تميزا عقليا لا حسيا وتغاير المتعلقان تغايرا ~~سمي أحدهما إيجادا وإبداعا وهو نسبة أعم الوجوه إلى صفة لها عموم التعلق ~~وسمي الثاني كسبا وفعلا وهو نسبة أخص الوجوه إلى صفة لها خصوص التعلق فهو ~~من حيث وجوده يحتاج إلى موجد ومن حيث الكتابة والقول يحتاج إلى كاتب وقائل ~~والموجد لا تتغير ذاته أو صفته لوجود الموجد ويشترط كونه عالما بجميع جهات ~~الفعل والمكتسب تتغير ذاته وصفته لحصول الكسب ولا يشترط كونه عالما بجميع ~~جهات الفعل. # وبيان آخر نقول: جلت القدرة الأزلية عن أن يكون لها صلاحية مخصوصة مقصورة ~~على وجوه من الفعل مخصوصة وقصرت القدرة الحادثة عن أن يكون لها صلاحية عامة ~~شاملة لجميع وجوه الفعل وذلك أن صلاحية القدرة الحادثة لم تشمل جميع ~~الموجودات بالاتفاق فلا تصلح لإيجاد الجوهر وكل عرض بل هي مقصورة على حركات ~~مخصوصة والقدرة الحادثة فيها مختلفة الصلاحية حتى يمكن أن يقدر نوعية ~~مخصوصة والقدرة الحادثة لتنوع الصلاحية فلذلك اقتصرت على بعض الموجودات دون ~~البعض بخلاف قدرة الباري سبحانه فإن صلاحيتها واحدة لا تختلف فيجب أن يكون ~~متعلقها واحدا لا يختلف وذلك هو الوجود فإذا لم يجز أن يضاف أخص الأوصاف ~~إلى الباري سبحانه لأنه يؤدي إلى قصوره في الصلاحية كذلك لا يجوز أن يضاف ~~أعم الأوصاف إلى القدرة ms051 الحادثة لأنه يؤدي إلى كمال في الصلاحية فلا ذاك ~~الكمال مسلوب عن القدرة الإلهية ولا هذا الكمال ثابت للقدرة الحادثة فينعم ~~النظر فيه لأن فيه خلاصا فلا يجوز أن يضاف إلى الموجد ما يضاف إلى المكتسب ~~حتى يقال هو الكاتب القائل القاعد القائم ولا يجوز أن يضاف إلى المكتسب ما ~~يضاف إلى الموجد حتى يقال هو الموجد المبدع الخالق والرازق. # وعن هذا كان الجواب المرتضى عند التمييز بين الخلق والكسب أن الخلق هو ~~الموجود بإيجاد الموجد ويلزمه حكم وشرط. # أما الحكم: فإنه لا يتغير الموجد بالإيجاد فيكسبه صفة ولا يكتسب عنه صفة. # وأما الشرط: أن يكون عالما به من كل وجه والكسب هو المقدور بالقدرة PageV01P048 ~~الحادثة ويلزمه حكم وشرط. # أما الحكم: فإن يتغير المكتسب بالكسب فيكسبه صفة ويكتسب عنه صفة. # وأما الشرط فأن يكون عالما ببعض وجوه الفعل أو نقول يلزمه التغيير ولا ~~يشترط العلم به من كل وجه. # وهذا تحقيق ما قاله الأستاذان كل فعل وقع على التعاون كان كسبا للمستعين ~~وحقيقة الكسب من المكتسب هو وقوع الفعل بقدرته مع تعذر انفراده به وحقيقة ~~الخلق هو وقوع الفعل بقدرته مع صحة انفراده به وهذا أيضا شرح لما قاله ~~الأستاذ أبو بكر إن الكسب هو أن تتعلق القدرة به على وجه ما وإن لم تتعلق ~~به من جميع الوجوه والخلق هو إنشاء العين وإيجاد من العدم فلا فرق بين ~~قوليهما وقول القاضي إلا أن ما سمياه وجها واعتبارا سماه القاضي صفة وحالا «1». # ونجا أبو الحسن رحمه الله «2» حيث لم يثبت للقدرة الحادثة أثرا أصلا غير ~~اعتقاد العبد بتيسير الفعل عند سلامة الآلات وحدوث الاستطاعة والقدرة والكل ~~من الله تعالى. # وغلا إمام الحرمين حيث أثبت للقدرة الحادثة أثرا هو الوجود غير أنه لم ~~يثبت للعبد استقلالا بالوجود ما لم يستند إلى سبب آخر ثم تتسلسل الأسباب في ~~سلسلة الترقي إلى الباري سبحانه وهو الخالق المبدع المستقل بإبداعه من غير ~~احتياج إلى سبب وإنما سلك في مسلك الفلاسفة حيث قالوا بتسلسل الأسباب ms052 ~~وتأثير الوسائط الأعلى في القوابل الأدنى وإنما حمله على تقرير ذلك ~~الاحتراز عن ركاكة الجبر والجبر على تسلسل الأسباب ألزم إذ كل مادة تستعد ~~لصورة خاصة والصور كلها فائضة على المواد من واهب الصور جبرا حتى الاختيار ~~على المختارين جبر والقدرة على القادرين جبر وحصول الأفعال من العباد عند ~~النظر إلى الأسباب جبر وترتيب الجزاء على الأفعال جبر وهو كالمرض يحصل عند ~~سوء المزاج وكالسلامة تحصل عند اعتدال المزاج وكالعلم يحصل عند تجريد العقل ~~عن الغفلة وكالصورة تحصل في المرآة عند التصقيل فالوسائط معدات لا موجودات ~~وما له طبيعة الإمكان في ذاته استحال أن يكون موجدا على حقيقة كما بينا. # وأما شبهة المعتزلة: فتنحصر في مسلكين أحدهما مدارك العقل والثاني PageV01P049 ~~مدارك السمع. # أما الأول فقالوا: الإنسان يحس من نفسه وقوع الفعل على حسب الدواعي ~~والصوارف فإذا أراد الحركة تحرك وإذا أراد السكون سكن ومن أنكر ذلك جحد ~~الضرورة فلو لا صلاحية القدرة الحادثة لإيجاد ما أراد لما أحس من نفسه ذلك ~~قالوا وأنتم وافقتمونا على إحساس التفرقة بين حركة الضرورة والاختيارية ولم ~~يخل الحال من أحد أمرين إما أن يرجع إلى نفس الحركتين من حيث إن إحداهما ~~واقعة بقدرته والثانية واقعة بقدرة غيره وإما أن يرجع إلى صفة في القادر من ~~حيث إنه قادر على أحدهما غير قادر على الثانية فإن كان قادرا فلا بد له من ~~تأثير في مقدوره ويجب أن يتعين الأثر في الوجود لأن حصول الفعل بالوجود لا ~~بصفة أخرى تقارن الوجود وما سميتموه كسبا غير معقول فإن الكسب إما أن يكون ~~شيئا موجودا أو لم يكن شيئا موجودا فإن كان شيئا موجودا فقد سلمتم التأثير ~~في الوجود وإن لم يكن موجودا فليس بشي ء. # وأكدوا ما قالوه بقولهم إثبات قدرة لا تأثير لها كنفي القدرة فإن تعلقها ~~بالمقدور كتعلق العلم بالمعلوم ولا يجد الإنسان تفرقة بين حركتين في أن ~~إحداهما معلومة والثانية مجهولة ويجد التفرقة بينهما في أن إحداهما مقدورة ~~والثانية غير مقدورة. # قلنا: وقوع الفعل ms053 على حسب الدواعي ممنوع بل هو نفس المتنازع فيه ودعوى ~~الضرورة فيه غير مستقيم لمخالفتنا إياكم في ذلك ولانتقاضه عليكم طردا وعكسا ~~فإن أفعال النائم والساهي والغافل لم تقع على حسب الدواعي وهي منسوبة إلى ~~العباد نسبة الإيجاد عندكم وكثير من الأعراض وقع على حسب الدواعي وهي غير ~~منسوبة إلى العباد نسبة الإيجاد عندكم بالاتفاق كالألوان التي تحصل بالصبغ ~~والطعوم التي تحصل بالمزج والحرارة والرطوبة والبرودة واليبوسة عند تقريب ~~الأجرام بعضها من بعض، والشبع عند الطعام والري عقيب الشرب والفهم عند ~~الإفهام إلى غير ذلك مما أجرى الله تعالى العادة به فلا دعوى الضرورة صحيحة ~~ولا الدليل مطرد وأنتم مدفوعون إلى إيراد حجة على نفس ما تنازعنا فيه وهو ~~إثبات تأثير القدرة الحادثة في الوجود من حيث هو وجود وما ذكرتموه من ~~التفرقة بين الحركتين إما الوجدان فمسلم لكن لم قلتم إن إحداهما موجودة ~~بالقدرة الحادثة فإنا قد بينا أنها راجعة إلى أحد أمرين إما إلى صفة في ~~المحل وإما إلى حال في الحركة وفصلناهما أحسن تفصيل وبالجملة الإيجاد غير ~~محسوس ولا يدرك بإحساس النفس ضرورة فقد وجدنا للتفرقة بين الحركتين ~~والحالتين مرجعا ومردا غير الوجود أليس من أثبت المعدوم شيئا عندكم ما PageV01P050 ~~رد التفرقة إلى العرضية واللونية والحركية في أنها بالقدرة الحادثة فإنها ~~صفات نفسية ثابتة في العدم ولا إلى الاحتياج إلى المحل فإنها من الصفات ~~التابعة للحدوث فلذلك نحن لا نردها إلى الوجود فإنها من آثار القدرة ~~الأزلية ونردها إلى ما أنتم تقابلونه بالثواب والعقاب حتى ينطبق التكليف ~~على المقدور والمقدور على الجزاء والدواعي والصوارف أيضا تتوجه إلى تلك ~~الجهة فإن الإنسان لا يجد في نفسه داعية الإيجاد ويجد داعية القيام والقعود ~~والحركة والسكون والمدح والذم وهذه هيئات تحصل في الأفعال وراء الوجود ~~تتميز عن الوجود بالخصوص والعموم فإن شئت سميتها وجوها واعتبارات وبالجملة ~~لا تنزل في كونها معقولة عن درجة الاختصاص ببعض الجائزات الذي هو من أثر ~~الإرادة والإحكام والإتقان الذي هو من أثر العلم وكون الصيغة ms054 أمرا ونهيا ~~ووعدا ووعيدا بالإرادة. # والسر الذي دفعنا إلى ذلك عموم تعلق قدرة الباري سبحانه وتعالى وقادريته ~~واستدعاؤها أعم صفات الفعل وخصوص صلاحية القدرة الحادثة واستدعاؤها أخص ~~صفات الفعل فإن الفعل كان مقدورا للباري سبحانه وتعالى قبل تعلق القدرة ~~الحادثة أي هي على حقيقة الإمكان صلاحية والقدرة على حقيقة الإيجاد صلاحية ~~ونفس تعلق القدرة الحادثة لم تخرج الصلاحيتين عن حقيقتهما فيجب أن تبقى على ~~ما كانت عليه من قبل ثم يضاف إلى كل واحد من المتعلقين ما هو لائق فالوجود ~~من حيث هو وجود إما خير محض وإما لا خير ولا شر انتسب إلى الباري سبحانه ~~إيجادا وإبداعا وخلقا والكسب المنقسم إلى الخير والشر انتسب إلى العبد فعلا ~~واكتسابا وليس ذلك مخلوقا بين خالقين بل مقدورا بين قادرين من جهتين ~~مختلفتين أو مقدورين متمايزين لا يضاف إلى أحد القادرين ما يضاف إلى ~~الثاني. # ثم نقول نحن نعكس عليكم الدليل فنستدل على أن الحركات ليست مخلوقة للعباد ~~بوقوع أكثرها على خلاف الدواعي والقصود فإن الإنسان إذا أراد تحريك يده في ~~جهة مخصوصة على حد مضبوط عنده مثل تحريك إصبعه على خط مستقيم لم يتصور ذلك ~~من غير انحراف عن الجهة المخصوصة، وكذلك لو رمى سهما وقصد أن يمضي فأخطأ أو ~~رمى حجرا فأصاب موضعا وأراد أن يصيب في الرمي، ثانيا لم يتأت له ذلك ويستمر ~~ذلك في جميع الصناعات المبنية على الأسباب فإن الاستداد والانحراف فيها ~~مرتب على حركات اليد والإنسان قاصر القدرة على تسديدها على حسب الداعية ~~فإذا وجدنا الدواعي ولم نجد التأتي ووجد التأتي ولم توجد الدواعي علمنا أن ~~اختلاف الأحوال والحركات دالة على مصدر آخر سوى دواعي الإنسان وصوارفه. PageV01P051 # ومما يوضحه أن القدرة على الشي ء قدرة على مثله وعلى ضده عند الخصم فلو ~~كانت الحركة الأولى تحدث بإحداثه لكان قادرا على مثلها أو على ضدها مثل ما ~~قدر على الأولى ولكانت الحركات لا تختلف أصلا عند اجتماع الدواعي «1». # المسلك الثاني لهم في إثبات الفعل للعبد إيجادا قولهم ms055 التكليف متوجه على ~~العبد بافعل ولا تفعل فلم تخل الحال من أحد أمرين إما أن لا يتحقق من العبد ~~فعل أصلا فيكون التكليف سفها من المكلف ومع كونه سفها يكون متناقضا فإن ~~تقديره افعل يا من لا يفعل وأيضا فإن التكليف طلب والطلب يستدعي مطلوبا ~~ممكنا من المطلوب منه وإذا لم يتصور منه فعل بطل الطلب وأيضا فإن الوعد ~~والوعيد مقرون بالتكليف والجزاء مقدر على الفعل والترك فلو لم يحصل من ~~العبد فعل ولم يتصور ذلك بطل الوعد والوعيد وبطل الثواب والعقاب فيكون ~~التقدير افعل وأنت لا تفعل ثم إن فعلت ولن تفعل فيكون الثواب والعقاب على ~~ما لم يفعل وهذا خروج عن قضايا الحس فضلا عن قضايا المعقول حتى لا يبقى فرق ~~بين خطاب الإنسان العاقل وبين الجماد ولا فصل بين أمر التسخير والتعجيز ~~وبين أمر التكليف والطلب. # قالوا: ودع التكليف الشرعي أليس المتعارف منا والمعهود بيننا مخاطبة ~~بعضنا بعضا بالأمر والنهي وإحالة الخير والشر على المختار وطلب الفعل الحسن ~~والتحذير عن الفعل القبيح ثم ترتيب المجازات على ذلك ومن أنكر ذلك فقد خرج ~~عن حد العقل خروج عناد فلا يناظر إلا بالفعل مناظرة السفسطائية فيشتم ويلطم ~~فإن غضب بالشتم وتألم باللطم وتحرك للدفع والمقابلة فقد اعترف بأنه رأى من ~~المعامل شيئا ما وإلا فما باله غضب وتألم منه وأحال الفعل عليه وإن تصدى ~~للمقابلة فقد اعترف بأنه رأى من المعامل فعلا يوجب الجزاء والمكافأة. # والجواب عن ذلك من وجهين أحدهما: الإلزامات على مذهبهم، والثاني: # التحقيق على موجب مذهبنا. # الأول أن نقول: عينوا لنا ما المكلف به وما المطلوب بالتكليف فإن إجمال ~~القول بأن التكاليف متوجه على العبد ليس يغني في تقدير أثر القدرة الحادثة ~~وتعيينه. # فإن قلتم: المطلوب والمكلف به هو الوجود من حيث هو وجود فذلك محل التنازع ~~وكيف يكون الوجود هو المطلوب والوجود من حيث هو وجود لا يختلف في PageV01P052 ~~كونه قبيحا وحسنا ومنهيا عنه ومأمورا به ومن المعلوم أن المطلوب بالتكليف ~~مختلف الجهة فمنه ما ms056 هو واجب فعله ويثاب عليه ويمدح به ومنه ما هو واجب ~~تركه ويعاقب على فعله ويذم عليه. # وإن قلتم: المكلف به هو جهة يستحق المدح والذم عليه فهو مسلم وذلك الوجه ~~ليس يندرج تحت القدرة وما اندرج لم يكن مكلفا به فسقط الاحتجاج بالتكليف. # فإن قيل المقدور هو وجود الفعل إلا أنه يلزمه ذلك الوجه المكلف به لا ~~مقصودا بالخطاب. # قيل: لا يغنيكم هذا الجواب فإن التكليف لو كان مشعرا بتأثير القدرة في ~~الوجود كان المكلف به هو الوجود من حيث هو وجود لا غير ولكن تقدير الخطاب ~~أوجد الحركة التي إذا وجدت يتبعها كونها حسنة وعبادة وصلاة وقربة فما هو ~~مقصود بالخطاب غير موجود بإيجاده فيعود الإلزام عكسا عليكم افعل يا من لا ~~يفعل فليت شعري أي فرق بين مكلف به لا يندرج تحت قدرة المكلف ولا يندرج تحت ~~قدرة غيره وبين مكلف به اندرج تحت قدرة المكلف من جهة ما كلف به واندرج تحت ~~قدرة غيره من جهة ما لم يكلف به أليس القضيتان لو عرضتا على محك العقل كانت ~~الأولى أشبه بالجبر فهم قدرية من حيث أضافوا الحدوث والوجود إلى قدرة العبد ~~إحداثا وإيجادا وخلقا وهم جبرية من حيث لم يضيفوا الجهة التي كلف بها العبد ~~إلى قدرته كسبا وفعلا كما قيل أعور بأي عينيه شاء ثم يلزمهم الأعراض التي ~~اتفقوا على أنها حاصلة بإيجاد الباري سبحانه وقد ورد الخطاب بتحصيلها أو ~~بتركها وتوجه الثواب والعقاب عليها وهي أيضا مما يتعارفه الناس ويتداولونه ~~مثل الألوان والطعوم واستعمال الأدوية والسموم والجراحات المزهقة للروح ~~والفهم عقيب الإفهام والشبع عقيب الطعام إلى غير ذلك فإن هذه كلها حاصلة ~~بإيجاد الباري سبحانه وقد يرد الخطاب بتحصيلها عقيب أسباب يباشرها العبد. # ووجه الإلزام أن الخطاب يتوجه بتحصيل أعيانها مقصودا ولذلك يعاقب على قدر ~~ويمدح على قدر ومن المعلوم أن من استأجر صباغا ليبيض ثوبه فسوده غرم ومن ~~قتل إنسانا بسم استوجب القود ومن أحرق ثوب إنسان أو أغرق سفينة أو فتح بثقا ms057 ~~حتى هلك زرع أو هدم دار عوقب على ذلك وضمن وغرم، فمورد التكليف ما اندرج ~~تحت القدرة وما اندرج تحت القدرة غير مورد التكليف. # والجواب عن السؤال من حيث التحقيق أنا قد بينا وجه الأثر الحاصل بالقدرة PageV01P053 ~~الحادثة وهو وجه أو حال للفعل مثل ما أثبتموه للقادرية الأزلية فخذوا من ~~العبد ما يشابه فعل الخالق عندكم فلينظر إلى الخطاب بافعل لا تفعل أو خوطب ~~أوجد ولا توجد أو خوطب اعبد الله ولا تشرك به شيئا فجهة العبادة التي هي ~~أخص وصف للفعل صار عبادة بالأمر وذلك حاصل بتحصيل العبد مضاف إلى قدرته فما ~~يضركم إضافة أخرى نعتقدها وهي مثل ما اعتقدتموه تابعا فالوجود عندنا ~~كالتابع أو كالذاتي الذي كان ثابتا في العدم والفرق بيننا أنا جعلنا الوجود ~~متبوعا وأصلا وقلنا هو عبارة عن الذات والعين وأضفناه إلى الله سبحانه ~~وتعالى وجميع ما يلزمه من الصفات وأضفنا إلى العبد ما لا يجوز إضافته إلى ~~الله تعالى حيث لا يقال أطاع الله تعالى وعصى الله تعالى وصام وصلى وباع ~~واشترى وقام ومشى فلا تتغير صفاته بأفعاله فلا يعزب عن علمه ذرة من خلقه ~~بخلاف ما يضاف إلى العبد فإنه يشتق له وصف واسم من كل فعل يباشره وتتغير ~~ذاته وصفاته بأفعاله ولا يحيط علما بجميع وجوه اكتسابه وأعماله وهذا معنى ~~ما قاله الأستاذ أبو إسحاق إن العبد فاعل بمعين والرب فاعل بغير معين. # وأما على طريقة الشيخ أبي الحسن رحمه الله حيث لم يثبت للقدرة أثرا. # فالجواب عن هذه الإلزامات مشكل عليه غير أنه يثبت تأتيا وتمكنا يحسه ~~الإنسان من نفسه وذلك يرجع إلى سلامة البنية واعتقاد التيسر بحكم جريان ~~العادة أن العبد مهما هم بفعل وأزمع على أمر خلق الله تعالى له قدرة ~~واستطاعة مقرونة بذلك الفعل الذي يحدثه فيه فيتصف به العبد وبخصائصه وذلك ~~هو مورد التكليف وإحساسه بذلك كإحساسه بالصفات التابعة للحدوث عندكم وإن لم ~~تكن هي أثر القدرة الحادثة. # ومما يوضح الجواب غاية الإيضاح أن التكليف بافعل ولا ms058 تفعل ورد بالاستعانة ~~بالله سبحانه وتعالى في نفس المكلف به كقوله تعالى: اهدنا الصراط المستقيم ~~وكقوله تعالى: ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وسواء كانت الهداية نفسها ~~هي المسئولة بالدعاء أو الثبات عليها هو المسئول ولا شك أن العبد لو كان ~~مستقلا بإنشائها بقدرته مستبدا بالثبات عليها كان مستغنيا عن هذه الاستعانة ~~ثم الله سبحانه يمن على من يشاء من عباده بأن هداهم للإيمان وعند الخصم هو ~~محمول على خلق القدرة وهي صالحة للضدين جميعا على السواء وذلك يبطل قضية ~~الامتنان بالهداية قال الله سبحانه وتعالى: بل الله يمن عليكم أن هداكم ~~للإيمان. # وتحقيق ذلك من غير حيد عن الإنصاف أن العبد كما يحس من نفسه التمكن PageV01P054 ~~من الفعل وتيسر التأتي يحس من نفسه الافتقار والاحتياج إلى معين في كل ما ~~يتصرف ويجد في استطاعته ويتكلف فقدان الاستقلال والاستبداد بالفعل في كل ما ~~يأتي ويذر ويقدم ويؤخر من تصرفات فكره نظرا واستدلالا ومن حركات لسانه قيلا ~~وقالا ومن ترددات يديه يمينا وشمالا فيحس الاقتدار على النظر ولا يحس ~~الاقتدار على العلم بعد حصول النظر فإنه لو أراد أن لا يحصل لا يتمكن منه ~~ويحس من نفسه تحريك لسانه بالحروف ولو أراد أن يبدل المخارج ويغير الأصوات ~~لم يتمكن من ذلك ويحس تحريك يديه وأنملته ولو أراد تحريك جزء واحد من غير ~~تحريك الرباطات المتصلة لم يتمكن من ذلك وعند الخصم القدرة صالحة للأضداد ~~والأمثال وهي متشابهة في القادرين فالعبد مستقل بالإيجاد والاختراع وليس ~~إلى الباري سبحانه وتعالى من هذه الأفعال إلا خلق القدرة فحسب واشتراط ~~البنية من أضعف ما يتصور والحق في المسألة تسليم التمكن والتأتي والاستطاعة ~~على الفعل على وجه ينتسب إلى العبد وجه من الفعل يليق بصلاحية قدرته ~~واستطاعته وإثبات الافتقار والاحتياج ونفي الاستقلال والاستبداد فنجد في ~~التكليف موردي الخطاب فعلا واستطاعة ويضاف في الجزاء مقابلة وتفضلا والله ~~أعلم «1». PageV01P055 ### | AUTO القاعدة الثالثة في التوحيد «1» # وفيها الرد على الثنوية وتستدعي هذه المسألة سبق ذكر الوحدانية ومعنى ~~الواحد. # قال ms059 أصحابنا: الواحد هو الشي ء الذي لا يصح انقسامه إذ لا تقبل ذاته ~~القسمة بوجه ولا تقبل الشركة بوجه فالباري تعالى واحد في ذاته لا قسم له ~~وواحد في صفاته لا شبيه له وواحد في أفعاله لا شريك له وقد أقمنا الدلالة ~~على انفراده بأفعاله فلنقم الدلالة على انفراده بذاته وصفاته. # وقالت الفلاسفة: واجب الوجود بذاته لا يجوز أن يكون أجزاء كمية ولا أجزاء ~~حد قولا ولا أجزاء ذات فعلا ووجودا وواجب الوجود لن يتصور إلا واحدا من كل ~~وجه، فلا يتصور ولا يتحقق موجودان كل واحد منهما واجب بذاته، وعن هذا نفوا ~~الصفات وإن أطلقوها عليه فبمعنى آخر كما سنذكره. # ووافقهم المعتزلة على ذلك غير أنهم مختلفون في التفصيل وسنفرد لإثبات ~~الصفات مسألة ونذكر المذهبين فيها وهذه المسألة مقصورة على استحالة وجود ~~الإلهين يثبت لكل واحد منهما من خصائص الإلهية ما يثبت للثاني ولست أعرف ~~صاحب مقالة صار إلى هذا المذهب لأن الثنوية وإن صارت إلى إثبات قديمين لم ~~تثبت لأحدهما ما ثبت للثاني من كل وجه والفلاسفة، وإن قضوا بكون العقل ~~والنفس أزليين وقضوا بكون الحركات سرمدية لم يثبتوا للمعلول خصائص العلة ~~كيف وأحدهما علة والثاني معلول والصابئة وإن أثبتوا كون الروحانيين ~~والهياكل أزلية سرمدية مدبرة لهذا العالم وسموها أربابا وآلهة فلم يثبتوا ~~فيها خصائص رب الأرباب ودلالة التمانع في القرآن مسرودة على من يثبت خالقا ~~من دون الله سبحانه وتعالى قال الله تعالى: إذا لذهب كل إله بما خلق ~~[المؤمنون: 91] وعن هذا صار أبو الحسن رحمه الله إلى أن أخص وصف الإله هو ~~القدرة على الاختراع فلا يشاركه فيه غيره ومن أثبت فيه شركة فقد أثبت إلهين. PageV01P056 # قد بينا على استحالة وجود إلهين: أنا فرضنا الكلام في جسم وقدرنا من أحدهما ~~إرادة تحريكه، ومن الثاني إرادة تسكينه في وقت واحد لم يخل الحال من أحد ~~ثلاثة أمور إما أن تنفذ إرادتهما فيؤدي إلى اجتماع الحركة والسكون في محل ~~واحد في حالة واحدة وذلك بين الاستحالة وإما أن ms060 لا تنفذ إرادتهما فيؤدي إلى ~~عجز وقصور في إلهية كل واحد منهما وخلو المحل عن الضدين وذلك أيضا بين ~~الاستحالة وإما أن تنفرد إرادة أحدهما دون الثاني فيصير الثاني مغلوبا على ~~إرادته ممنوعا من فعله مضطرا في إمساكه وذلك ينافي إلاهية قال الله تعالى: ~~ولعلا بعضهم على بعض وكذلك لو فرضنا في توارد الإرادة والاقتدار على فعل ~~واحد فإما أن يشتركا في نفس الإيجاد وهو قضية واحدة لا يقبل الاشتراك وإما ~~أن ينفرد أحدهما بالإيجاد فيكون المنفرد هو الإله والثاني يكون مغلوبا ~~مقهورا وكذلك لو فرضنا في فعلين متباينين حتى يذهب كل إله بما خلق فيكون ~~استغناء كل واحد منهما عن الثاني افتقارا إليه لأن نفس الاستغناء استعلاء ~~وفي الاستعلاء إلزام قهر وغلبة على الثاني. # ولنزد هذا بيانا وشرحا فإن التمانع في الفعل إن أوجب استحالة الإلهين ~~والتمانع في الاستغناء بالذات أدل على استحالة الإلهين. # فنقول لو قدرنا إلهين استغنى كل واحد منهما عن صاحبه من كل وجه خرج ~~المستغني عنه عن كمال الاستغناء فإن المستغني على الإطلاق من يستغني به ولا ~~يستغنى عنه فيكون كل واحد منهما مستغنيا عنه فيكون مفتقرا قاصرا عن درجة ~~الاستغناء المطلق فلن يتصور إذا إلهان مستغنيان على الإطلاق والله الغني ~~وأنتم الفقراء إشارة إلى هذا المعنى. # ونقول: لو قدرنا إلهين فإما أن يكونا مختلفين في الصفات الذاتية أو ~~متماثلين والمختلفان يستحيل أن يكونا إلهين لأن الصفة الذاتية التي بها ~~تقدس الإله عن غيره إذا كانا مختلفين فيها كان الذي اتصف به هو الإله ~~والمخالف ليس بإله وإما أن يكونا متماثلين في الصفات الذاتية من كل وجه ~~فالمتماثلان ليس يتميز أحدهما عن الثاني بالحقيقة والخاصية فإن حقيقتهما ~~واحدة بل بلوازم زائدة على الحقيقة مثل المحل والمكان والزمان وكل ذلك ~~ينافي الإلهية أليس لما كان السوادان متماثلين لم يتميز أحدهما بحقيقة ~~السوادية بل باختلاف المحل أو باختلاف الزمان وكذلك الجوهران فدل ذلك على ~~أن التماثل في الإلهية لن يتصور بوجه ليس كمثله شي ء إشارة إلى ms061 هذا المعنى. # ونقول من المعلوم أن الطريق إلى إثبات الصانع هو الدليل بالأفعال إذ الحس لا PageV01P057 ~~يشهد عليه والأفعال التي شاهدناها دلت عليه من جهة جوازها وإمكانها في ~~ذاتها والجواز قضية واحدة تدل على الصانع من حيث إنها ترددت بين الوجود ~~والعدم فلما ترجح جانب الوجود اضطررنا إلى إثبات مرجح وليس في نفس الجواز ~~وترجحه ما يدل على مرجحين كل واحد منهما يستقل بالترجيح فإنه لو لم يستقل ~~بالترجيح لم يكن إلها وإنما ترجح جانب الوجود لأنه أراد التخصيص بالوجود ~~وكما أراد علم أنه هو المرجح، فلو قدرنا مرجحا آخر وشاركه في الترجيح بطل ~~الاستقلال، ولم يكن علمه وإرادته وقدرته أيضا بأن يكون هو المرجح وإن لم ~~يشاركه في الترجيح وكان متعطلا لم يكن علمه وإرادته وقدرته أيضا بأن يكون ~~هو المرجح بل يكون علمه متعلقا بترجيح غيره وإرادته كذلك، وإذا تعلق علمه ~~بأن يكون غيره هو المرجح كان محالا أن يكون هو المرجح فإن خلاف المعلوم ~~محال الوقوع وكذلك إرادته تكون تمنيا وتشهيا من غيره حتى تخصص لا قصدا ~~وترجيحا وتخصيصا من ذاته فقد تطرق النقص إلى كل صفة من صفاته بل كان مفتقرا ~~في جميع ذلك إلى غيره والفقر ينافي الإلهية وهذه الطريقة تعضد بيان طريقة ~~الاستغناء وهي أحسن ما ذكر في هذه المسألة «1». # سؤال على دليل التمانع في فعلين مختلفين: # فإن قيل الاختلاف الذي قدرتموه في إرادة التحريك من أحدهما وإرادة ~~التسكين من الآخر غير متصور فإن الإرادة تتبع العلم والعلم يتبع المعلوم ~~فإذا كان المعلوم هو الحركة فمن ضرورته أن يكون المراد هو الحركة وتقدير ~~الاختلاف في العلم غير متصور فتقدير الاختلاف في الإرادة أيضا غير متصور، ~~ومبنى دلالة التمانع على تحقيق الاختلاف أو تقديره وذلك غير جائز فبطل ~~التمسك بها «2». # قال الأصحاب: الحركة والسكون من جملة الجائزات جبلة إذ ليس في وجود كل ~~واحد منهما استحالة، وإذا كانت القدرة صالحة وتقدير الاختلاف في الإرادة ~~متصور عقلا فنحن نجعل المقدر كالمحقق وإن ما يلزم من التحقيق ms062 يلزم من ~~التقدير PageV01P058 ~~كتقدير قيام لون أو عرض آخر بذاته تعالى نازل منزلة التحقيق في الاستحالة ~~والعلم ليس يخرج الجائز عن قضية الجواز فإن خلاف المعلوم جائز الوجود جنسا ~~وأقول إذا علم أحدهما تحريكه بإرادته وقدرته أفيعلم الثاني تحريكه بإرادة ~~نفسه وقدرته أم يعلم تحريكه بإرادة غيره وقدرته؟ فإن علم ذلك موجودا ~~بإرادته وقدرته، فيكون العلم الثاني جهلا لا علما وإن علمه موجود بإرادة ~~غيره وقدرته على فعل غيره فتقديرهما مستحيل الوجود أو ناقص الوجود، فإن أخص ~~وصف الإرادة ما يتأتى به التخصيص وأخص وصف القدرة ما يتأتى بها الإيجاد ~~والإبداع وهما إذا تعلقا بفعل الغير خرجا عن أخص حقيقتهما ففي تعطيلهما عن ~~الفعل بعد جواز الفعل إبطال حقيقتهما، ولهذا قلنا إن معنى فاعلية الباري ~~سبحانه وتعالى أنه لما علم وجود شي ء في وقت مخصوص أو تقدير وقت أراده على ~~مقتضى علمه وأوجده بقدرته على مقتضى إرادته من غير أن تتغير ذاته أو صفة من ~~صفاته وعلمه وإرادته وقدرته فيشبه أن يقال لزم كونه ضرورة ولكنا لا نطلق ~~هذا اللفظ ملاحظة منا جانب الإرادة والقدرة حتى لا يلزمنا الإيجاب بالذات، ~~وذلك ينافي الكمال فنحن إنما عرفنا الجواز في الجائزات بقضية عقلية ضرورية ~~وعرفنا استناد وجود الموجودات إلى عالم قادر مريد لضرورة الاحتياج في ~~الجائزات فإن قدرناهما على كمال الاقتدار والاستبداد بالفعل والإبداع ~~والتساوي في صفات الذات وصفات الفعل حتى يكون كل واحد منهما هو الموجد ~~بقدرته وإرادته وعلمه وقع القانع في الفعل وإن قدرناهما على تسليم أحدهما ~~للثاني في جميع ما اشتغل به كان المسلم عبدا والمسلم إليه إلها حقا وإن كان ~~كل واحد منهما مستقلا في بعض مسلما في بعض كان كل واحد منهما محتاجا من وجه ~~وغنيا من وجه قاصرا من حيث الفعل كاملا من حيث القوة فلا يكون إلهين بل ~~محتاجين إلى كامل من كل وجه فإذا لا يتصور في العقل تقدير موجودين على كمال ~~الاستقلال ولا في التجويز العقلي تقدير قادرين على التساوي في كمال ms063 ~~الاقتدار، ولا مريدين ولا عالمين على التماثل في كمال الإرادة والعلم بل ~~ولا ذاتين متساويين من جميع الوجوه من غير أن يختص إحداهما عن الثانية إما ~~بإشارة إلى هذا أو ذلك أو محل مميز أو مكان محيز وزمان مقدم أو مؤخر أو ~~بفعل خاص أو أثر يدل على تغاير المصدر وتباين المظهر ولهذا قلنا: إن الواحد ~~مدلول الفعل ولو قدرنا ثانيا وثالثا لتكافئوا من حيث العدد «1». PageV01P059 # ولقد استهزأ بهذه الطريقة من لم يدرك غورها وأمكن تقريرها من وجهين: # أحدهما: أن الفعل قد دل على وجود صانع للعالم مريد قادر فإن قدر ثان، فلا ~~يخلو إما أن يكون له دليل خاص على وجوده أو يجوز عقلا بأن يقال كما لا دليل ~~على وجوده لا دليل على انتفائه فإن له دليلا بأن يخلق عالما آخر غير العالم ~~المعين فيؤدي إلى قصور في الإلهين جميعا كما بينا وإن جوز ذلك فيجب أن يكون ~~عالما بأن يخلق مريدا لأن يخلق قادرا على أن يخلق وإذا لم يخلق دل على أنه ~~لم يرد وإذا لم يرد علم أن لا يخلق والإله يجب علمه بأن يخلق ويريد بأن ~~يخلق حتى يكون مثلا للأول فإنما ليس بمثل له ليس بإله. # والوجه الثاني في تقرير التكافؤ: أن الأمر لا يخلو إما أن يقف في عدد ~~معلوم فيستدعي الاقتصار على عدد محصور مقتضيا حاصرا فإن الكمية من حيث ~~العدد كالكمية من حيث المساحة أليس لو كان واحدا ذا حجم وعظم مشكل اقتضى ~~مشكلا لذلك إذا كان ذا مقدار وعدد اقتضى مقدرا وإن لم يقف في عدد معلوم ~~اقتضى أعدادا غير متناهية محصورة في الوجود غير مترتبة وذلك محال وبالجملة ~~ما لا دليل عليه عقلا فتجويز وجوده تقدير عقلي والمجوز عقلا المقدر ذهنا ~~ليس بإله. # فلا تعقل عن هذه الدقيقة وأفرق في المعقولات بين تقدير المحال لفظا أو ~~فرضا وبين تجويزه عقلا أو عقدا واعلم أن التقدير المذكور في الكتاب فرض ~~محال لفظا ليس بطلانه عقلا. # سؤال على وجه دلالة ms064 الفعل «1»: # فإن قيل صادفنا في الموجودات خيرا أو شرا أو نظما أو فسادا ووجه دلالة ~~الخير يخالف وجه دلالة الشر بل وجود الخير يدل على مريد الخير ووجود الشر ~~يدل على مريد الشر ومريد الخير على الإطلاق لا يكون مريدا للشر على الإطلاق ~~كما أن مريد الخير في فعل مخصوص لا يكون مريد الشر في ذلك الفعل بعينه ~~فاختلاف وجه دلالة الفعل بالتضاد دل على اختلاف الفاعلين بالتضاد وكما أنكم ~~استدللتم بأنه لو كان معه إله لفسدت السموات والأرض فنحن نستدل بفساد فيهما ~~خيرا وشرا على إلهين اثنين. PageV01P060 # والجواب على قاعدة المتكلمين: # قال المحققون منهم وجه دلالة الفعل على الفاعل هو الجواز والإمكان وترجح ~~جانب الوجود على العدم وذلك لم يختلف خيرا كان أو شرا فالوجود من حيث هو ~~وجود خير كله أو يقال لا خير فيه ولا شر والفعل من حيث وجوده ينسب إلى ~~الفاعل لا من حيث هو خير أو شر والفاعل يريد الوجود من حيث هو وجود لا من ~~حيث هو خير أو شر بل الخير والشر إما أمران إضافيان بأن يكون شي ء خيرا ~~بالإضافة إلى شي ء شرا بالإضافة إلى شي ء وإما أمران شرعيان فيرجع الحسن ~~والقبح والخير والشر فيه إلى قول الشارع افعل ولا تفعل، وهذا هو جوابنا عن ~~قول المعتزلة حيث قالوا في إرادة الكائنات إنه لو كان مريدا للشر لكان شرا ~~فإن الشر لم ينسب إليه إلا من جهة وجوده والوجود من حيث هو وجود لا شر فيه ~~وهو مريد لموجود بمعنى أنه على صفة يتأتى منه التخصيص بالوجود دون العدم ~~وببعض الجائزات دون البعض فلم يكن مريدا للشر في الحقيقة. # ونقول للثنوية إنا كما صادفنا في الموجودات خيرا وشرا متمايزين فقد ~~صادفنا في الموجودات خيرا أو شرا مختلطين فإن عالم الخير المحض هو عالم ~~الملائكة وعالم الشر المحض هو عالم الشياطين وعالم الاختلاف والامتزاج هو ~~عالم البشر فهلا أثبتم ثالثا ينسب إليه الامتزاج فإن الممتزج من حيث هو ~~ممتزج على ms065 طبيعة غير ما كان المنفرد عليها فهلا كانت الطبيعة المذكورة دالة ~~على ثالث لكن قلتم الخير والشر لم يختلفا بالامتزاج بل دلالتهما واحدة كذلك ~~نقول لم يختلفا في الوجود فإن دلالة الوجود واحدة. # وقد سلك الفلاسفة الإلهيون طريقة أخرى في الوحدانية فأجابوا عن هذا ~~السؤال على طريقتهم. # فأما طريقتهم قالوا: قد شهد العقل الصريح بأن الوجود ينقسم إلى ما يكون ~~واجبا في ذاته وإلى ما يكون ممكنا في ذاته وكل ممكن فإنما يترجح جانب ~~الوجود منه على جانب العدم بمرجح فإما أن تذهب الممكنات إلى غير نهاية أو ~~تقف على واجب بذاته غير ممكن لكنها لو ذهبت إلى غير النهاية لما وجدت إذ ~~كان يتوقف وجود كل ممكن على سبق وجود مرجحه وذلك محال فلا بد أن يقف على ~~واجب بذاته ثم الواجب بذاته لا يجوز أن يكون لذاته مبادئ يجتمع منها واجب ~~الوجود لا أجزاء كمية ولا كالمادة والصورة والجنس والفصل فإن المبادئ يجب ~~أن تكون سابقة على ذات واجب الوجود ويكون واجبا بها لا بذاته وقد فرضنا ~~الواجب بذاته فهذا خلف PageV01P061 ~~ولو قدرنا اثنين واجبي الوجود اشتركا في كون كل واحد منهما واجب الوجود فلا ~~بد أن ينفصل أحدهما عن الثاني بفصل يخصه فيكون وجوب الوجود مشتركا فيه وهو ~~ذاتي لهما فيكون جنسا وما يخص أحدهما دون الثاني فصلا ويكون ذاته متركبا ~~منهما ويجب أن تكون الأجزاء متقدمة بالذات على ذاته فيكون متأخرا عنها ~~بالذات فيكون واجبا بها لا بنفسه وذاته فهو خلف فإذا نوع واجب الوجود سواء ~~أطلق إطلاقا أو خصص تخصيصا لا يجوز أن يكون إلا واحدا فوجوده وجوبه ووجوبه ~~حقيقته وحقيقته وحدته ووحدته تخصصه وتعينه من غير أن يتمايز وجوب عن وجود ~~ووجود عن ماهية وحقيقة وعن هذا نفوا صفات الباري تعالى زائدة على الذات كما ~~سيأتي تفصيل ذلك في مسألة الصفات إن شاء الله. # ثم جرحوا دلالة الخير والشر بل وقوع الشر في الوجود على مذهبهم. # بأن قالوا: الشر لا معنى له إلا عدم ms066 وجود أو عدم كمال وجود والعدم يدخل ~~في القضاء بالعرض لا بالذات بل القصد الأول في الإبداع أن يكون وجود ثم ~~القسمة العقلية أن يكون وجود هو خير محض أو يكون وجود لا يتحقق حصوله إلا ~~على أن يتبعه شر أما وجود الشر المحض فهو مستحيل بل الوجود الذي أكثره شر ~~كذلك فلا وجود وجود يتبعه شر قليل أكثر شرا من وجوده فالشر داخل في الوجود ~~بالقصد الثاني ولا دلالة له على مدلول إذ لا حقيقة لوجوده كما بيناه. # وقد سلكت المعتزلة طريق التمانع في استحالة الإلهين كما سلكناه، ولم ~~يستمر لهم ذلك حيث جوزوا اختلافا في إرادة الباري سبحانه وإرادة العبد ~~واختلافا في الفعل فلا تمانع. # وسلك الكعبي طريقا آخر، وقال لو قدرنا قائمين بأنفسهما لا يتميز أحدهما ~~عن الآخر بزمان أو مكان أو حيز لا يكون لأحدهما حقيقة خاصية يمتاز أحدهما ~~عن الثاني بها فهو مستحيل عقلا والخصم ربما يقول: هذا هو نفس النزاع عبرت ~~عنه تعبيرا وصيرته دليلا فإن جماعة من العقلاء صاروا إلى إثبات جواهر عقلية ~~من عقول مجردة ونفوس مجردة قديمات قائمات بأنفسها ويمتاز بعضها عن بعض ~~بخواص وحقائق ولم تمنع العقول ثبوتها ومن أراد أن يسلك هذه الطريقة فلا بد ~~أن يزيد فيها شروطا حتى يتحقق الاستحالة وتتضح للعقل والله أعلم. PageV01P062 ### | AUTO القاعدة الرابعة في إبطال التشبيه «1» # وفيها الرد على أصحاب الصور، وأصحاب الجهة والكرامية في قولهم إن الرب ~~تعالى محل للحوادث. # فمذهب أهل الحق أن الله سبحانه لا يشبه شيئا من المخلوقات ولا يشبهه شي ء ~~منها بوجه من وجوه المشابهة والمماثلة ليس كمثله شي ء وهو السميع البصير ~~فليس الباري سبحانه بجوهر ولا جسم ولا عرض ولا في مكان ولا في زمان ولا ~~قابل للأعراض ولا محل للحوادث «2». # وصارت الغالبية من الشيعة إلى نوعي تشبيه أحدهما تشبيه الخالق بالخلق ~~فقالت المغيرية والبيانية والهاشمية ومن تابعهم إنه الإله ذو صورة مثل صور ~~الإنسان ونسج على منوالهم جماعة من مشبهة الصفاتية متمسكين بقوله صلى ms067 الله ~~عليه وسلم: «خلق الله آدم على صورة الرحمن وفي رواية على صورته» «3» والنوع ~~الثاني تشبيه المخلوق بالخالق. # فقالت هؤلاء من الغالبية وجماعة أخرى: إن شخصا من الأشخاص إله أو فيه جزء ~~من الإله سبحانه وتعالى عن قولهم متشخص به نسجا على منوال النصارى ~~والحلولية في كل أمة، ومن الكرامية من صار إلى أنه جوهر وجسم. # وأطبقوا على أنه بجهة فوق وأنه محل الحوادث قالوا: إذا خلق الله سبحانه PageV01P063 ~~جوهرا أحدث في ذاته إرادة حدوثه وربما احترزوا عن لفظ أحدث فقالوا: حدثت له ~~إرادة حدوثه وكاف ونون وإذا كان المحدث مسموعا حدث له تسمع وإذا كان مبصرا ~~حدث له تبصر فتحدث له خمس من الصفات الحادثة بكل محدث أحدثه، وربما احترزوا ~~عن إطلاق لفظ الحلول والمحل، وإن أطلقوا الاتصاف بالحادث، وفرقوا بين ~~المشيئة والإرادة فقالوا مشيئة قديمة وإرادة حادثة ولذلك فرقوا بين التكوين ~~والمكون والإحداث والمحدث والخلق والمخلوق فالخلق حادث في ذاته والمخلوق ~~مباين وكذلك التكوين عبارة عن قوله كن والقول قائم بذاته والمكون مباين ~~وكذلك كلامه تعالى صفات تحدث له وهي عبارات منتظمة من حروف وأصوات عند ~~بعضهم وعند بعضهم من حروف مجردة فهو حادث ليس بقديم ولا محدث وأحالوا فناء ~~ما حدث من الصفات في ذاته ولم يطلقوا لفظ التقدم والتأخر على الحروف ~~والكلمات واجتهد محمد بن الهيصم منهم في كل مسألة من مسائل التشبيه حتى رد ~~الخلاف فيها إلى ما يسوغ أن يذكر ولا يسفه غير مسألة الحوادث فإنه تركها ~~على النكال الأول بعلم صاحبه أبي عبد الله الكرام. # لنا دليل شامل يعم إبطال مذاهب المشبهة جملة وعلى كل فرقة ممن عددناهم ~~حجة خاصة ونقض على الانفراد فنبتدئ بالأعم. # ونقول التقدر بالأشكال والصور والتغير بالحوادث والغير دليل الحدوث فلو ~~كان الباري سبحانه متقدرا بقدر متصورا بصورة متناهيا بحد ونهاية مختصا بجهة ~~متغيرا بصفة حادثة في ذاته لكان محدثا إذ العقل بصريحه يقضي أن الأقدار في ~~تجويز العقل متساوية فما من قدر وشكل يقدره العقل إلا ويجوز أن ms068 يكون مخصوصا ~~بقدر آخر واختصاصه بقدر معين وتميزه بجهة ومسافة يستدعي مخصصا ومن المعلوم ~~الذي لا مراء فيه أن ذاتا لم تكن موصوفة بصفة ثم صارت موصوفة فقد تغيرت عما ~~كانت عليه والتغير دليل الحدوث فإذا لم يستدل على حدوث الكائنات إلا ~~بالتغير الطارئ عليها وبالجملة فالتغير يستدعي مغيرا خارجا من ذات المغير ~~والمقدر يستدعي مقدرا. # فإن قيل بم تنكرون على من يقول: إن القدر الذي اختص به نهاية وحد واجب له ~~لذاته فلا يحتاج إلى مخصص، والمقادير التي هي في الخلق إنما احتاجت إلى ~~مقدر لأنها جائزة وذلك لأن الجواز في الجائزات إنما يعرف بتقدير القدرة ~~فلما كانت المقادير الخلقية مقدورة عرف جوازها واحتاج الجواز إلى مرجح فإذا ~~لم يكن فوق الباري سبحانه قادر يقدر عليه لم تكن إضافة الجواز وإثبات ~~الاحتجاج له ألسنا اتفقنا على أن الصفات ثمان أفهي واجبة له على هذا العدد ~~أم جائز أن توجد صفة أخرى. PageV01P064 # فإن قلتم: يجب الانحصار في هذا العدد كذلك نقول الاختصاص بالحد المذكور ~~واجب له إذ لا فرق بين مقدار في الصفات عددا وبين مقدار في الذات حدا. # فإن قلتم: جائز أن توجد صفة أخرى فما الموجب للانحصار في هذا الحد والعدد ~~فيحتاج إلى مخصص حاصر. # والجواب قلنا المقادير من حيث إنها مقادير طولا وعرضا وعمقا لا تختلف ~~شاهدا وغائبا في تطرق الجواز العقلي إليها واستدعاء المخصص فإنا لو قدرنا ~~مثل ذلك المقدار بعينه في الشاهد تطرق الجواز العقلي إليه واختصاصه به دون ~~مقدار آخر يستدعي المخصص وتطرق الجواز إلى الجائزات لا يتوقف على تقدير ~~القدرة عليها بل معرفة ذلك بينة للعقل ضرورية حتى صار كثير من العقلاء إلى ~~أن العقل نفسه عبارة عن علوم ضرورية هي معرفة الجواز في الجائزات ~~والاستحالة في المستحيلات والوجوب في الواجبات وتقدير القدرة عليها إنما ~~يحتاج إليها في ترجيح أحد الجائزين على الثاني لا في تصور نفس الجواز. # وهذه نكتة قد أغفلها كثير من أصحاب الكلام وأما الصفات وانحصارها في ثمان ~~فقد اختلف ms069 الجواب عنه بوجوه منها أنهم منعوا إطلاق لفظ العدد عليها فضلا عن ~~الثمانية. # وقالوا قد دل الفعل بوقوعه على أن الفاعل قادر وباختصاصه ببعض الجائزات ~~على أنه مريد وبإحكامه على أنه عالم وعلم بالضرورة أن القضايا مختلفة وورد ~~في الشرع إطلاق العلم والقدرة والإرادة ولا مدلول سواء ما دل الفعل عليه أو ~~ورد في الشرع إطلاقه ولهذا اقتصرنا على ذلك فلو سئل هل يجوز أن يكون له صفة ~~أخرى اختلف الجواب عنه فقيل لا يتطرق الجواز إليه فإنا لم نثبت له الصفات ~~بطريق التجويز العقلي بل بدليل الفعل والفعل ما دل إلا على تلك الصفات وقيل ~~يجوز عقلا إلا أن الشرع لم يرد به فيتوقف في ذلك ولا يضرنا الاعتقاد إذا لم ~~يرد به تكليف فينسب إلى المكلف تقصير ومنها أنهم فرقوا في الشاهد بين ~~الصفات الذاتية التي تلتئم منها حقيقة الشي ء وبين المقادير العرضية التي ~~لا مدخل لها في تحقيق حقيقة الشي ء فإن الصفات الذاتية لا تثبت للشي ء ~~مضافة إلى الفاعل بل هي له من غير سبب والمقادير المختلفة تثبت للشي ء ~~مضافة إلى الفاعل فإن جعلها له بسبب ومنها أنهم قالوا لو قدرنا صفة زائدة ~~على الصفات الثمانية لم يخل الحال فيها إما أن تكون صفة مدح وكمال أو تكون ~~صفة ذم ونقصان فإن كانت صفة كمال فعدمها في الحال نقص وقد اتصف الباري ~~سبحانه بصفات الكمال من كل وجه وإن كان صفة نقصان فعدمها عنه واجب وإذا بطل ~~القسمان تعين أنه لا يجوز أن PageV01P065 ~~يتصف بصفة زائدة على الصفات الذاتية ويترتب على ما ذكرناه أنه هل يجوز ~~للباري سبحانه أخص وصف لا ندركه، وفرق بين هذا السؤال والسؤال الأول، فإن ~~السائل الأول سأل هل يجوز أن تزيد صفة على الصفات الثمانية والسائل الثاني ~~سأل هل له أخص وصف به يتميز عن المخلوقات. # واختلف جواب الأصحاب عنه أيضا فقال بعضهم: ليس له أخص وصف ولا يجوز أن ~~يكون لأنه بذاته وصفاته يتميز عن ذوات المخلوقات ms070 وصفاتها من حيث إنه ذاته ~~لا حد لها زمانا ومكانا ولا يقبل الانقسام فعلا ووهما، بخلاف ذوات ~~المخلوقات وصفاتها فإنها غير متناهية في التعلق بالمتعلقات، فلو كان ~~الغرضان يتحقق أخص وصف به يقع التميز فقد وقع التميز بما ذكرنا فلا أخص سوى ~~ما عرفنا. # وقال بعضهم: له أخص وصف الإلهية لا ندركه وذلك أن كل شيئين لهما حقيقتان ~~معقولتان فإنهما يتمايزان بأخص وصفيهما وجميع ما ذكرنا من أن لا حد ولا ~~نهاية ولا انقسام للذات ولا تناهي للصفات كل ذلك سلوب وصفات نفي وبالنفي لا ~~يتميز الشي ء عن الشي ء بل لا بد من صفة إثبات يقع بها التميز وإلا فترتفع ~~الحقيقة رأسا. # ثم إذا أثبت أن له أخص الوصف فهل يجوز أن تدركه. # قال إمام الحرمين لا يجوز أن ندركه أصلا وقال بعضهم يجوز أن يدرك وقال ~~ضرار بن عمرو يدرك عند الرؤية بحاسة سادسة ونفس المسألة من محارات ~~المتكلمين وتصوير الأخص من محارات العقول. # فإن قيل: إذا قدر موجودان قائمان بأنفسهما بحيث لا يكون أحدهما بحيث يكون ~~الثاني كالعرض في الجوهر فمن الضرورة أما أن يكونا متجاورين وإما أن يكونا ~~متباينين وعلى الوجهين جميعا يجب أن يكون كل واحد منهما بجهة الثاني وربما ~~عبروا عن هذا المعنى بأن قالوا الباري سبحانه لا يخلو إما أن يكون داخل ~~العالم أو خارجا عن العالم وكما أن الدخول بالذات يقتضي مجاورة ومماسة ~~والخروج بالذات يستدعي مباينة وجهة وربما شككوا أبلغ تشكيك على سبيل ~~الإلزام. # فقالوا: اتفقنا على أن له سبحانه ذاتا وصفات ومن المعلوم أن الصفات لا ~~تكون كل واحدة بحيث الثانية ولا منحازة عنها بجهة، فإن القائم بالغير لا ~~يقبل التحيز رأسا بل هي كلها قائمة بذاته أي بحيث ذاته فقد تحقق التميز بين ~~الذات والصفات وذلك راجع إلى أن الذات لها حيث حتى تكون الصفات بحيث هو ~~والصفات لا حيث لها فلا تكون الذات بحيث هي وما قيل التحيث بالنسبة إلى ~~الصفات فلو قدر قائم بذات آخر فمن ms071 ضرورته أن لا يكون بحيث هو حتى يتحقق PageV01P066 ~~فرق بين الصفات التي هي بحيث هو وبين ذلك القائم بذاته الذي ليس بحيث هو ~~فيثبت له جهة ما ينحاز بها عنه وقد ورد السمع بأن تلك الجهة هي جهة فوق قال ~~الله تعالى: وهو القاهر فوق عباده [الأنعام: 18] فأثبتنا الجهة عقلا ~~وأثبتنا الفوقية سمعا واستنبطنا من النص الوارد فيه معنى، وهو كون الفوق ~~أشرف الجهات وأليق بكمال الصمدية ولهذا تعلقت القلوب بالسماء ورفعت الأيدي، ~~ودلت عليها إشارة الخرساء وإليها كان معراج سيد الأنبياء «1». # والجواب قلنا: هذه الشبهات كلها نشأت من اشتراك في لفظ القائم بالنفس، ~~فإن عندنا يطلق هذا اللفظ في حق الباري سبحانه بمعنى أنه مستغن عن المحل ~~والحيز جميعا، ويطلق على الجوهر بمعنى أنه مستغن عن المحل فقط والمستغني ~~على الإطلاق في مقابلة المحتاج إلى المحل، والمحتاج إلى الحيز فلننقل ~~العبارة إلى هذه الجهة حتى يتبين أنكم جعلتم نفس النزاع دليلا متمسكين ~~باشتراك في العبارة دون المعنى، ونقول قدرناه مستغنيا عن المحل والحيز، ~~ومحتاجا إلى الحيز فيجب أن يكونا إما متجاورين أو متباينين محال تقديره، ~~فإن التجاور والتباين من لوازم التحيز في المتحيزات فالمستغني عن التحيز ~~كيف يكون إما متجاورا وإما متباينا هذا كمن يقول القائمان بأنفسهما إما أن ~~يكونا مجتمعين أو مفترقين متحركين أو ساكنين قيل الاجتماع والافتراق من ~~لوازم التحيز والتحدد ولا حيز له سبحانه ولا حد ولا اجتماع ولا افتراق بل ~~إذا فتش على المجاورة والمباينة لم يتحقق منه إلا نفس الاجتماع والافتراق ~~وما جاور أو باين فقد تناهى ذاتا والمتناهي إذا اختص بمقدار استدعي مخصصا «2». # وكذلك الجواب عن الدخول والخروج فإنا نقول: ليس بداخل في العالم ولا خارج ~~لأن الدخول والخروج من لوازم المتحيزات والمحدودات ولهذا لا يطلقان على ~~الأعراض، وهما كالاجتماع والافتراق والحركة والسكون وسائر الأعراض التي لا ~~تختص بالأجرام التي لا حياة لها ولو قيل هو الله سبحانه داخل في العالم ~~بمعنى العلم والقدرة وخارج عن العالم بمعنى التقدس والتنزيه كان معنى صحيحا ms072 ~~كما ورد في التنزيل وهو القاهر فوق عباده [الأنعام: 18]، وقد ورد وهو معكم ~~أين ما كنتم [الحديد: 4]، ونحن أقرب إليه من حبل الوريد [ق: 15]، PageV01P067 ~~وقوله سبحانه: فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان [البقرة: 186]، الآية، ~~بل الآيات الدالة على القرب أكثر من الآيات الدالة على بعد الفوق وكما ورد ~~وهو الذي في السماء إله وورد مقرونا به وفي الأرض إله وبالجملة من تصور ~~وجوده وجودا مكانيا طلب له جهة ما، وانحيازا عن العالم ببينونة متناهية أو ~~غير متناهية كما أن من تخيل وجوده زمانيا طلب له مدة وتقدما على العالم ~~بأزمنة متناهية أو غير متناهية وكلا التخييلين باطل فهو الأول والآخر إذ ~~ليس وجوده سبحانه زمانيا والظاهر والباطن إذ ليس وجوده مكانيا. # وأما الشك الثاني الذي أوردوه على سبيل الإلزام، وهو الاتفاق من الكرامية ~~والصفاتية أن الله سبحانه ذاتا وصفات والصفات قائمة بالذات وليست كل صفة ~~بحيث الثانية بل بحيث الذات. # قيل من أثبت الصفات الأزلية قائمة بذات الباري تعالى ليس يعني بالقيام ما ~~عنيتم ولا أطلق أنها بحيث هو كما أطلقتم بل يعني بالقيام وصف الباري سبحانه ~~وتعالى بها والوصف من حيث هو وصف لا يقتضي أن يكون الموصوف بحيز وجهة، ثم ~~الحكم للوصف بأنه معنى موجود أو حال فهو بمعنى آخر وإلا فمجرد الوصف والصفة ~~من حيث هو وصف لا يقتضي ذلك، ثم إطلاق لفظ الحيث أيضا قد اتسع حتى يقال هذا ~~في العرض من حيث هو موجود له حكم ومن حيث هو عرض له حكم وليس يعني بإطلاق ~~لفظ الحيث إلا الاعتبار العقلي والوجوه العقلية والحاصل في هذا السؤال أن ~~الألفاظ التي أوردوها كلها مشتركة، ولفظ القائم بالذات والقائم بالغير «1»، ~~ولفظ الدخول والخروج ولفظ الحيث والجهة وبالجملة فليعلم أن جهات الأجسام من ~~أحكام النهايات في الأجسام حتى لو قدر مقدر جسما غير متناه بالفعل لم يكن ~~للجهات معنى فلا يكون فوق وتحت ويمين ويسار وقدام وخلف، ولذلك تتحقق إليها ~~الإشارة ولذواتها اختصاص وانفراد من جهة أخرى، وإذا ms073 كانت الأجسام كروية أي ~~مدورة فيكون تجدد الجهات على سبيل المحيط والمحاط والفوق والسفل فيها على ~~سبيل المركز والمحيط، فإن قدر العالم كري الشكل إما تقديرا أوجد عليه حقيقة، PageV01P068 ~~وإما تقديرا يجوز أن يوجد عليه تصورا، قيل: إن الباري سبحانه بجهة من ~~العالم فيكون لا محالة محيطا بكل العالم، وإلا فيخلو عن ذاته طرف من جهات ~~الفوق وعندهم هو فوق العالم بأسره فهو خلف فيلزم عليه فوقا بالنسبة إلى من ~~هو على الأرض على موازاة القطب الشمالي وتحت بالنسبة إلى من هو عليها على ~~موازاة القطب الجنوبي بل يكون بعض منه فوقا وبعض منه تحتا وذلك محال، وإما ~~تعلق القلوب بالسماء ورفع الأيدي إليها والمعراج إليها فمقابل بتعلق الرءوس ~~بالأرض وضع الأيدي عليها والنزول إليها بل العرش قبلة الدعاء والأرض مسجد ~~الصلاة والكعبة وجهة الوجه وموضع السجود قبلة العين وأقرب ما يكون العبد من ~~الرب إذا كان في السجود واسجد واقترب. # ومما أوجب التشبيه: قيام الحوادث بذاته سبحانه وقد ذهبت الكرامية إلى ~~جواز ذلك ومن مذهبهم إنما يحدث من المحدثات فإنما يحدث بإحداث الباري ~~سبحانه، والإحداث عبارة عن صفات تحدث في ذاته من إرادة لتخصيص الفعل ~~بالوجود، ومن أقوال مرتبة من حروف مثل قوله كن وأما سائر الأقوال كالإخبار ~~عن الأمور الماضية والآتية والكتب المنزلة على الرسل عليهم السلام والقصص ~~والوعد والوعيد والأحكام والأوامر والنواهي والتسمعات للمسموعات والتبصرات ~~للمبصرات فتحدث في ذاته بقدرته الأزلية وليست هي من الإحداث في شي ء [وعلى ~~طريقة] إنما الإحداث في الخلق على مذهب أكثرهم قول وإرادة والقول هما ~~صورتان هما حرفان وعلى طريقة محمد بن الهيصم الإحداث إرادة وإيثار وذلك ~~مشروط بالقول شرعا وجوز بعضهم تعلق إحداث واحد بمحدثين إذا كانا من جنس ~~واحد، وأكثرهم على أن لكل محدث إحداثا فيحدث في ذاته لكل محدث خمس صفات ~~إرادة وكاف ونون وتسمع وتبصر وقد أثبتوا مشيئة قديمة تتعلق بالحادث والمحدث ~~والإحداث والخلق ثم قالوا هذه الحوادث لا تصير صفات لله تعالى وإنما هو ~~خالق بخالقيته ms074 لا بخلق مريد بإرادته، لا بإرادة قائل بقائليته وهي واجبة ~~البقاء ويستحيل عدمها بعد وجودها في ذاتها «1». # وللمتكلمين عليه طريقان في الكلام أحدهما البرهان والثاني المناقضة في ~~الإلزام. # أما البرهان فنقول لو قامت الحوادث بذات الباري سبحانه وتعالى لاتصف بها ~~بعد أن لم يتصف، ولو اتصف لتغير والتغير دليل الحدوث إذ لا بد من مغير ~~وتحقيق المقدمة الأولى أن معنى قيام الأعراض بمحالها كونها أوصافا لها ~~كالعلم إذا قام بجوهر PageV01P069 ~~وصف الجوهر بأنه عالم وكذلك سائر المعاني والأعراض فليس ذلك كالوصف يكون ~~الباري تعالى خالقا صانعا على مذهب من لم يفرق بين الخلق والمخلوق فإن ~~المخلوق لا يقوم بذات الخالق والخلق قائم بذاته تعالى عندكم فيجب أن يكون ~~وصفا له وكذلك يقال أراد فهو مريد بإرادة وقال فهو قابل بقول: وإذا تحقق ~~كونه وصفا له بعد أن لم يكن موصوفا به فقد تحقق التغير والتغير خروج الشي ء ~~إلى غير ما كان عليه ولا يشترط فيه بطلان صفة وتجدد صفة فإنه إذا كان خاليا ~~من صفات، ثم اعتراه صفات فقد تغير عما كان عليه فليس للخصم اعتراض على هذه ~~الطريقة إلا منع الاتصاف أو منع التغير وقد أثبتناهما ولكنه وضع لنفسه ~~اصطلاحا في أحكام المعاني القائمة بالغير وميز بين حكم العلم والقدرة وهي ~~العالمية والقادرية والمريدية وبين حكم الحركة والسكون القائمين بالجوهر ~~وهو المتحركية والساكنية فإن كان هذا التميز غير مقبول عقلا فإن اتصاف ~~المحال بالأوصاف الحادثة واتصاف الذات بالأوصاف من حيث إنها صفات وموصوفات ~~ليس تختلف ولا تأثير القدم والحدوث فيها أصلا، فإنه إن كان الوصف راجعا إلى ~~القول واللسان فلا يختلف الحال بين وصف ووصف، وإن كان الوصف راجعا إلى ~~حقيقة في الموصوف يعبر عنها لسان الواصف فلا يختلف الحال بين حقيقة وحقيقة ~~والمعنى إذا قام بذات أو محل صار وصفا وصفة لها ورجع حكمه إليه بالضرورة. # برهان آخر أوضح مما قد سبق وهو أن كل حادث يحتاج إلى محدث من حيث إنه كان ~~في نفسه وباعتبار ذاته ms075 جائز الوجود والعدم فلما ترجح جانب الوجود على العدم ~~احتاج إلى مرجح بالضرورة ثم ذلك المرجح إن كان حادثا احتاج إلى مرجح ثم ~~يتسلسل القول فيه إلى ما لا نهاية له وجهة الاحتياج لا يختلف الحال فيها ~~بين حادث في ذاته سبحانه وتعالى وبين محدث مباين ذاته فإنه إنما احتاج بجهة ~~تردده بين طرفي جواز الوجود والعدم لا بجهة التباين وغير التباين وهذا قاطع ~~لا اعتراض عليه. # ونقول: إن تصور وجود حادث لا بإحداث فإما أن يقال: يحدث ذلك الحادث بنفسه ~~أو بقدرته أو بمشيئة قديمة. # فإن قيل: يحدث بنفسه فقد باهتوا العقل الصريح بضرورة حكمه بأن ما لم يكن ~~فكان احتاج إلى محدث مكون. # فإن قيل: أحدث بقدرة ومشيئة فقد ناقضوا قضية العقل فإن ذلك الحادث إذا ~~جاز أن يحدث بالقدرة فلم لا يجوز أن يحدث المحدثات كلها بقدرته ومشيئته، إذ ~~لا فرق في نظر العقل بين الحادث والمحدث من حيث إنه لم يكن فكان. PageV01P070 # والفرق بينهما من حيث اللغة: أن أحدهما لازم والثاني متعد لا ينتهض، فرق من ~~حيث العقل فإنا إذا قلنا: قام وقعد وجاء وذهب كان الحكم لازما والقيام ~~والقعود والمجي ء والذهاب فعله ومفعوله كما هو فعله والعقل لا يفرق بين فعل ~~الإنسان شيئا في نفسه وبين فعله في غيره على مذهب من قال به، ومن قال إن ~~الفعل لا يباين محل القدرة فلم يفرق فيه بين الفعل والمفعول ولا متمسك في ~~هذه المسألة إلا بأمر لغوي ولفظ اصطلاحي. # وقد ألزم عليه الفلسفي إلزاما لا محيص له عنه فقال: كل ذات لم يحدث فيها ~~معنى ثم حدث فيها قبل الحدوث استعداد القبول وصلاحيته وقوته ثم إذا حدث ~~فيها القبول تبدل الاستعداد بالوجود والصلاحية بالحصول والقوة بالفعل ويلزم ~~أن يكون في ذاته معنى ما بالقوة ثم معنى ما بالفعل وذلك بعينه هو الهيولي ~~والصورة، وقد أثبتوا لله سبحانه وتعالى قبل خلق العالم خصائص الهيولي وهي ~~طبائع عدمية، فإن الاستعداد والصلاحية عدم شي ء من إثباته أن ms076 يكون شيئا ~~وواجب الوجود لذاته منزه عن طبيعة الإمكان والعدم اللذان هما منبع الشر. # وأما طرق الإلزام عليهم: فمنها إن قالوا قول الله سبحانه وتعالى وإرادته ~~من جنس قولنا وإرادتنا ثم لقوله وإرادته مفعولات مثل العالم بما فيه من ~~السموات والأرض فيلزم أن يحصل بإرادتنا وقولنا مثل ذلك فإن قوله كن كاف ~~ونون من جنس أقوالنا من غير فرق. # فإن قيل: إنما حصل قوله بمباشرة قدرته وإرادته ومشيئته القديمة، وقولنا: ~~لم يحصل بهما وقوله في ذاته قول له لا لغيره وقد قصد به التكوين لا بغيره. # قيل له: إن كان هذا فرقا فلم يكن قوله إذا من جنس أقوالنا بل الحق أن ~~القول إذا حدث بعد أن لم يكن فهو كقولنا الحادث بعد أن لم يكن ولم يكن ~~لإضافته إلى القدرة أثر بعد الحدوث فإنه إنما أثر في حال الانفصال عن ~~القدرة لا في حال تعلق القدرة به، وإنما أثرت القدرة في حصول ذاته فقط لا ~~في شي ء آخر يحدث به، وعن هذا لو أحدث قولا لنفسه في شجرة وقصد به التكوين ~~لم يحصل به شي ء، فبطل قولهم إنما قصد به الإحداث وبطل ما اعتذروا به وحصل ~~أن قوله لا ينبغي أن يوجد كقولنا أو قولنا يوجد كقوله إذ لا فرق بين قول ~~وقول في الحدوث والحروف والأصوات والاحتياج إلى المحل بل قولنا أوكد فإنه ~~إذا قام بمحل اتصف المحل به وتحققت له النسبة إلى المحل وعندكم قول الله ~~سبحانه قائم به من غير أن تتصف به الذات ولم تتحقق له نسبة إلى الذات إلا ~~مجرد الإضافة، وقد انقطع حكمه عن القدرة القديمة فإنه إنما يوجد PageV01P071 ~~بعد أن يحدث لا حال أن يحدث. # ومن الإلزامات: أن قوله كن لا يخلو إما أن يسبق أحد الحرفين على الثاني ~~أو يتلازمان في الوجود، أما في حال الوجود أو حال البقاء، فإن سبق أحدهما ~~وتلاه الثاني فإما أن يبقى الأول أو لم يبق، فإن بقي مقولا مسموعا لم يكن ~~كن بل ms077 الأول ما لم ينعدم لا يوجد الثاني حتى يكون مترتبا متعاقبا وإلا، ~~فالكاف المسموع مع النون دواما لا يتصور أصلا وإن لم يبق فقد انعدم وعندكم ~~ما حل في ذاته تعالى لا يجوز عليه العدم، وإن كانا يتلازمان في الوجود فقد ~~أوجد أحدهما مع الثاني فليس الكاف بالتقديم أولى من النون وكذلك كل حرف يجب ~~أن يسبق حرفا في القول والتكلم حتى يكون بترتبه وتعاقبه كلاما مسموعا «1». # ومن الإلزامات: إثبات أكوان حادثة مع الكون القديم وإثبات علوم حادثة مع ~~العلم القديم كإثبات إرادة حادثة مع المشيئة القديمة وقد ذكر المتكلمون ذلك ~~في كتبهم. # أما شبهة الكرامية أن قالوا سمع الباري سبحانه ما لم يسمع قبله ورأى ما ~~لم ير قبله فيجب أن يحدث له تسمع وتبصر. # فقيل لهم أتقولون لم يكن الباري سبحانه سامعا للأصوات فصار سامعا لها ولا ~~رائيا للمدركات فصار رائيا لها ولم يكن قائلا للأوامر والنواهي فصار قائلا ~~ولم يرد وجود العالم في الوقت الذي سبق وجوده فصار مريدا في الوقت الذي ~~أوجده فيدل كل ذلك على تجدد وصف له وإن لم تقولوا إنه صار سميعا بصيرا ~~مريدا فقد تناقض قولكم إنه سمع ما لم يسمع ورأى ما لم ير وأراد ما لم يرد. # ثم الجواب الحقيقي قلنا قد جمعتم بين كلمتي نفي وإثبات في قولكم لم يكن ~~كذا فصار كذا فلا النفي على أصلنا مسلم ولا الإثبات على أصلكم مذهب لكم ~~فأما النفي على أصلنا فغير مسلم أنه لم يكن سميعا بصيرا بل هو بصير سميع ~~أبدا وأزلا كما هو عليم قدير أبدا وأزلا وإنما التجدد يرجع إلى المدرك كما ~~يرجع التجدد إلى المعلوم والمقدور فهو كقولكم لم يكن مستويا على العرش فصار ~~مستويا ولم يكن بجهة فوق فصار بجهة فوق وبالاتفاق لم تحدث له صفة لم تكن بل ~~النفي إنما يرجع إلى المدركات فنقول لم تكن المسموعات والمرئيات موجودة ~~فيسمع ويرى فوجدت فتعلق بها السمع والبصر فكان التعلق مشروطا بالوجود لا ~~بالمتعلق ورب تعلق شرط ms078 فيه الوجود والحياة والعقل والبلوغ ثم عدم الشرط لم ~~يقتض عدم المتعلق. PageV01P072 # أما الإثبات فعلى أصلكم لم يوصف الباري سبحانه بالحوادث في ذاته فكيف يصح ~~على مذهبكم أنه صار سميعا بصيرا وإن التزمتم الاتصاف فقد سلمتم لنا المسألة ~~فإن الاتصاف بصفة لم يكن قبل صريح التغيير والتغيير دليل الحدوث وهذه ~~الحوادث باقيات على مذهبكم والمتعلقات فانية وإثبات صفة من الصفات المتعلقة ~~يتأخر تعلقها أو متعلقها غير مستحيل كالعلم والقدرة والمشيئة أما إثبات صفة ~~باقية يتقدم تعلقها أو متعلقها فهو مستحيل فإنه إذا أراد وجود العالم ~~بإرادة حادثة في ذاته ووجد العالم وبقي وفني فهو مريد أبد الدهر وقائل كن ~~أبد الدهر لشي ء قد تكون وفني وسامع لصوت وحرف قد مضى وانقضى وبصير لجسم ~~ولون قد انقرض في غاية الاستحالة. # ونقول هذه الحروف التي أثبتموها هي حروف مجردة من غير أصوات أم هي حروف ~~هي تقطيع أصوات فإن أثبتموها حروفا من غير أصوات فهي غير مسموعة ولا هي ~~معقولة فإن حقيقة الحرف تقطيع صوت والصوت بالنسبة إلى الحروف كالجنس ~~بالنسبة إلى النوع والعرض بالنسبة إلى اللون فإن أثبتوا حروفا هي أصوات ~~مقطعة فلا بد لها من اصطكاكات أجرام حتى يتحقق الصوت «1»، فإن اصطكاك ~~الأجرام كالنوع بالنسبة إلى الحركة والصوت كالنوع بالنسبة إلى الاصطكاك ولا ~~بد من حركة حتى يتحقق اصطكاك أو تفكيك، ولا بد من اصطكاك حتى يتحقق الصوت، ~~ولا بد من صوت حتى يتحقق حرف، ولا بد من حرف حتى تتحقق كلمة، ولا بد من ~~كلمة حتى يتحقق قول تام، ولا بد من قول حتى تتحقق قصة وحكاية فيلزم على ذلك ~~أن يكون الباري جسما متحركا ذا اصطكاك في أجزاء جسمية، ويتعالى الرب سبحانه ~~عن ذلك علوا كبيرا. # وقد تخطى بعض الكرامية إلى إثبات الجسمية: فقال أعني بها القيام بالنفس ~~وذلك تلبيس على العقلاء وإلا فمذهب أستاذهم مع اعتقاد كونه محلا للحوادث ~~قائلا بالأصوات مستويا على العرش استقرارا مختصا بجهة فوق مكانا واستعلاء ~~فليس ينجيه من هذه المخازي تزويرات ms079 ابن هيصم «2»، فليس يريد بالجسمية ~~القائم بالنفس ولا بالجهة الفوقية علاء ولا بالاستواء استيلاء وإنما هو ~~إصلاح مذهب لا يقبل الإصلاح وإبرام معتقد لا يقبل الإبرام والإحكام وكيف ~~استوى الظل والعود أعوج وكيف استوى المذهب وصاحب المقالة أهوج والله ~~الموفق. PageV01P073 ### | AUTO القاعدة الخامسة في إبطال مذهب التعطيل وبيان وجوه التعطيل # وقد قيل: إن التعطيل ينصرف إلى وجوه شتى فمنها تعطيل الصنع عن الصانع ~~ومنها تعطيل الصانع عن الصنع، ومنها تعطيل الباري سبحانه عن الصفات الأزلية ~~الذاتية القائمة بذاته، ومنها تعطيل الباري سبحانه عن الصفات والأسماء ~~أزلا، ومنها تعطيل ظواهر الكتاب والسنة عن المعاني التي دلت عليها. # أما تعطيل العالم عن الصانع «1» العالم القادر الحكيم فلست أراها مقالة ~~لأحد، ولا أعرف عليه صاحب مقالة إلا ما نقل عن شرذمة قليلة من الدهرية أنهم ~~قالوا: العالم كان في الأزل أجزاء مبثوثة تتحرك على غير استقامة واصطكت ~~اتفاقا فحصل عنها العالم بشكله الذي تراه عليه ودارت الأكوار وكرت الأدوار ~~وحدثت المركبات ولست أرى صاحب هذه المقالة ممن ينكر الصانع، بل هو معترف ~~بالصانع لكنه يحيل سبب وجود العالم على البحث والاتفاق احترازا عن التعليل، ~~فما عددت هذه المسألة من النظريات التي يقام عليها برهان، فإن الفطر ~~السليمة الإنسانية شهدت بضرورة فطرتها وبديهة فكرتها على صانع حكيم عالم ~~قدير أفي الله شك فاطر السماوات والأرض [إبراهيم: 10]، ولئن سألتهم من خلق ~~السماوات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم [الزخرف: 9]، وإن هم غفلوا عن ~~هذه الفطرة في حال السراء فلا شك أنهم يلوذون إليه في حال الضراء دعوا الله ~~مخلصين له الدين [يونس: 22]، وإذا مسكم الضر في البحر ضل من PageV01P074 ~~تدعون إلا إياه [الإسراء: 67]، ولهذا لم يرد التكليف بمعرفة وجود الصانع، ~~وإنما ورد بمعرفة التوحيد ونفي الشريك: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا ~~إله إلا الله» «1» ولهذا جعل محل النزاع بين الرسل وبين الخلق في التوحيد ~~ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم وإن يشرك به تؤمنوا [غافر: 12] الآية، ~~وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين ms080 لا يؤمنون بالآخرة [الزمر: 45]، وإذا ~~ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفورا [الإسراء: 46]. # وقد سلك المتكلمون طريقين في إثبات الصانع تعالى وهو الاستدلال بالحوادث ~~على محدث صانع، وسلك الأوائل طريقا آخر وهو الاستدلال بإمكان الممكنات على ~~مرجح لأحد طرفي الإمكان ويدعي كل واحد في جهة الاستدلال ضرورة وبديهة. # وأنا أقول ما شهد به الحدوث أو دل عليه الإمكان بعد تقديم المقدمات دون ~~ما شهدت به الفطرة الإنسانية من احتياج في ذاته إلى مدبر هو منتهى الحاجات، ~~فيرغب إليه ولا يرغب عنه ويستغنى به ولا يستغنى عنه ويتوجه إليه ولا يعرض ~~عنه ويفزع إليه في الشدائد والمهمات فإن احتياج نفسه أوضح له من احتياج ~~الممكن الخارج إلى الواجب والحادث إلى المحدث وعن هذا كانت تعريفاته الخلق ~~سبحانه في هذا التنزيل على هذا المنهاج أمن يجيب المضطر إذا دعاه [النمل: ~~62]، من ينجيكم من ظلمات البر [الأنعام: 63]، ومن يرزقكم من السماء والأرض ~~[النمل: 64]، أمن يبدؤا الخلق ثم يعيده [النمل: 64]، وعن هذا قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: «خلق الله تعالى الخلق على معرفته فاحتالهم الشيطان عنها» ~~«2» فتلك المعرفة هي ضرورة الاحتياج وذلك الاحتيال من الشياطين هو تسويله ~~الاستغناء ونفي الاحتياج PageV01P075 ~~والرسل مبعوثون لتذكير وضع الفطرة وتطهيرها عن تسويل الشيطان فإنهم الباقون ~~على أصل الفطرة، وما كان له عليهم من سلطان، وقال: فذكر إن نفعت الذكرى 9 ~~سيذكر من يخشى [الأعلى: 8، 9]، فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى [طه: ~~44]، ومن رحل إلى الله قربت مسافته حيث رجع إلى نفسه أدنى رجوع، فعرف ~~احتياجه إليه في تكوينه وبقائه وتقلبه في أحواله وأنحائه، ثم استبصر في ~~آيات الآفاق إلى آيات الأنفس، ثم استشهد به على الملكوت لا بالملكوت عليه ~~أولم يكف بربك أنه على كل شي ء شهيد [فصلت: 53]، عرفت الأشياء بربي وما ~~عرفت ربي بالأشياء، ومن غرق في بحر المعرفة لم يطمع في شط، ومن تعالى إلى ~~ذروة الحقيقة لم يخف من حط، فثبت بالدلائل والشواهد أن العالم لا يتعطل عن ~~الصانع ms081 الحكيم القادر العليم سبحانه وتقدس «1». # وأما تعطيل الصانع عن الصنع فقد ذهب وهم الدهرية القائلين بقدم العالم ~~إلى أن الحكم بقدم العالم في الأزل تعطيل الصانع عن الصنع وقد سبق الرد ~~عليهم بأن الإيجاد قد تحقق حيث تصور الإيجاد وحيث ما لم يتصور لم يكن ~~تعطيلا وكما أن التعطيل ممتنع كذلك التعليل ممتنع وأنتم عللتم وجود العالم ~~بوجوده وسميتم معبودكم علة ومبدئا وموجبا، وذلك يؤدي إلى أمرين محالين ~~أحدهما بثبوت المناسبة بين العلة والمعلول وقد سبق تقريره، والثاني: أن ~~العلة توجب معلولها لذاتها، والقصد الأول وجود العالم من لوازم وجوده ~~بالقصد الأول فإن العالي لا يريد أمرا لأجل الأسفل، فبطل أيضا التعليل، ~~وهذا من الإلزامات المفحمة التي لا جواب عنها. # أما تعطيل الباري سبحانه عن الصفات الذاتية والمعنوية وعن الأسماء ~~والأحكام، فذلك مذهب الإلهيين من الفلاسفة، فإنهم قالوا: واجب الوجود لذاته ~~واحد من كل وجه فلا يجوز أن يكون لذاته مبادئ تجتمع فيتقدم واجب الوجود لا ~~أجزاء كمية ولا أجزاء حد سواء كانت المادة والصورة أو كانت على وجه آخر بأن ~~يكون أجزاء لقول الشارح لمعنى اسمه ويدل كل واحد منهما على شي ء هو في ~~الوجود غير الآخر بذاته وذلك لأن ما هذا صفته فذات كل واحد منه ليس ذات ~~الآخر ولا ذات المجتمع، وإنما تعينه واجب بالذات فليس يقتضي معنى آخر سوى ~~وجوده، وإن وصف بصفة PageV01P076 ~~فليس يقتضي ذلك معنى غير ذاته واعتبارا ووجها غير وجوده بل الصفات كلها إما ~~إضافية كقولنا مبدئ العالم وعلة العقل كما تقولون خالق ورازق وإما سلبية ~~كقولنا واحد أي ليس بمتكثر وعقل أي مجرد عن المادة وقد يكون تركيبه من ~~إضافة وسلب كقولنا حكيم مريد، وسيأتي شرح ذلك في كتاب الصفات فألزم عليهم ~~مناقضات. # منها أنهم أطلقوا لفظ الوجود على الواجب بذاته وعلى الواجب لغيره شمولا ~~وعموما على سبيل الاشتراك ثم خصصوا أحد الوجودين بالوجوب والثاني بالجواز ~~ومن المعلوم أن الوجوب لم يدخل في معنى لوجود حتى يتصور الوجود فهذا إذا ~~معنى ms082 آخر وراء الوجود والمعنيان إن اتحدا في الخارج من الذهن فقد تمايزا في ~~العقل مثل العرضية واللونية وليس يغني عن هذا الإلزام قولهم إطلاق لفظ ~~الوجوب على الواجب بذاته والجائز لذاته بالتشكيك أي هو في أحدهما أولى وأول ~~وفي الثاني لا أولى ولا أول إذ الأولى والأول فصل آخر تميز به أحد الوجودين ~~عن الثاني وذلك يؤكد الإلزام ولا يدفعه. # ومن الإلزامات كونه مبدئا وعلة وعاقلا ومعقولا فإن اعتبار كونه واجب ~~الوجود لذاته لا يفيد اعتبار كونه مبدئا وعلة واعتبار كونه مبدئا وعلة لا ~~يفيد اعتبار كونه عقلا وعاقلا ومعقولا فإن ساغ لكم الحكم بتكثير الاعتبارات ~~ساغ للمتكلم إثبات الصفات وتعطيله عن الصفات تعطيل عن الاعتبارات وأما ~~الباري ..... «1» عن الصفات، والأسماء والأحكام أزلا وأبدا، وما صار إليه ~~صائر إلا شرذمة من قدماء الحكماء قالوا إن المبدع الأول آنية أزلية وهو قبل ~~الإبداع عديم الاسم فلسنا ندرك له اسما في نحو ذاته وإنما أسماؤه من نحو ~~آثاره وأفاعيله وأبدع الذي أبدع ولا صورة له عنده في الذات أي لا علم ولا ~~معلوم وإنما العلم والمعلوم في المعلول الأول الذي هو العنصر فهم المعطلة ~~حقا ونقل عن بعض الحكماء أنهم قالوا هو هو ولا نقول موجود ولا معدوم ولا ~~عالم ولا جاهل ولا قادر ولا عاجز ولا مريد ولا كاره ولا متكلم ولا ساكت ~~وكذلك سائر الأسماء والصفات وينسب هذا المذهب إلى الغالية من الشيعة ~~والباطنية ولا شك أن من أثبت صانعا لم يكن له بد من عبارة عنه وذكر اسم له ~~ثم الاشتراك في الأسامي ليس يوجب اشتراكا في المعاني فهؤلاء احترزوا عن ~~إطلاق لفظ الوجود عليه وما أشبهه من الأسماء لأحد أمرين أحدهما لاعتقادهم ~~أن الاشتراك في الاسم يوجب اشتراكا في المعنى فيتحقق له مثل ذلك الوجه، ~~والثاني لاعتقادهم أن كل اسم من الأسامي التي تطلق عليه يقابله اسم آخر ~~تقابل التضاد مثل الموجود يقابله PageV01P077 ~~المعدوم والعالم يقابله الجاهل والقادر يقابله العاجز فيتحقق له ضد من ذلك ~~الوجه فاحترزوا عن ms083 إطلاق لفظ وجودي أو علمي لكيلا يقعوا في التمثيل ~~والتعطيل ونحن نعلم بأن الأسامي المشتركة هي التي تختلف حقائقها من حيث ~~المعاني فإن أسماء الباري تبارك وتعالى إنما تتلقى من السمع، وقد ورد السمع ~~أنه سبحانه عليم قدير حي قيوم سميع بصير لطيف خبير وأمرنا أن ندعوه عز وجل ~~بأحسن الاسمين المتقابلين كما قال تعالى: ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها ~~وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون [الأعراف: 180]، ولم ~~يحترز هذا الاحتراز البارد ولا تكلف هذا التكلف الشارد. # وقالت طائفة من الشيعة لا يجوز التعطيل من الأسماء الحسنى «1»، ولا يجوز ~~التشبيه بالصفات التي يشترك فيها الخلق فيطلق على الباري سبحانه الوجود ~~وندعوه بأحسن الأسماء وهو العليم القدير السميع البصير إلى غير ذلك مما ورد ~~في التنزيل لكن لا بمعنى الوصف والصفة لأن عليا عليه السلام كان يقول في ~~توحيده لا يوصف بوصف ولا يحد بحد ولا يقدر بمقدار الذي كيف الكيف ولا يقال ~~له كيف والذي أين الأين لا يقال له أين، لكنا نطلق الأسماء بمعنى الإعطاء ~~فهو موجود بمعنى أنه يعطي الوجود وقادر وعالم بمعنى أنه واهب العلم ~~للعالمين والقدرة للقادرين حي بمعنى أنه يحيي الموتى قيوم بمعنى أنه يقيم ~~العالم سميع بصير أي خالق السمع والبصر ولا نقول إنه عالم لذاته أو بعلم بل ~~هو إله العالمين بالذات والعالمين بالعلم وعلى هذا المنهاج يسلكون في إطلاق ~~الأسامي، وكذلك الواحد والعليم والقدير وينسب إلى محمد بن علي الباقر أنه ~~قال هل سمي عالما إلا لأنه واهب العلم للعالمين وهل سمي قادرا إلا لأنه ~~واهب القدرة للقادرين وليس هذا قولا بالتعطيل فإنه لم يمنع من إطلاق ~~الأسامي والصفات كمن امتنع وقال ليس بمعدوم ولا موجود ولا عالم ولا جاهل ~~ولا قادر ولا عاجز ولكنه استدل بالقدرة في القادرين على أنه قادر وبالعلم ~~في العالمين على أنه عالم وبالحياة في الأحياء على أنه حي قيوم واقتصر على ~~ذلك من غير خوض في الصفات بأنها لذاته أو لمعاني قائمة بذاته ms084 كيلا يكون ~~متصرفا في جلاله بفكره العقلي وخياله الوهمي وقد اجتمع السلف بل الأمة على ~~أن ما دار في الوهم أو خطر في الخيال والفهم فالله سبحانه خالقه ومبدعه ولا ~~محمل لقول علي صلوات الله عليه وسلامه لا يوصف بوصف إلا هذا الذي ذكرناه. PageV01P078 ### | AUTO القاعدة السادسة في الأحوال «1» # اعلم أن المتكلمين قد اختلفوا في الأحوال نفيا وإثباتا بعد أن أحدث أبو ~~هاشم بن الجبائي رأيه فيها وما كانت المسألة مذكورة قبله أصلا فأثبتها أبو ~~هاشم ونفاها أبوه الجبائي وأثبتها القاضي أبو بكر الباقلاني رحمه الله بعد ~~ترديد الرأي فيها على قاعدة غير ما ذهب إليه ونفاها صاحب مذهبه الشيخ أبو ~~الحسن الأشعري وأصحابه رضي الله عنهم وكان إمام الحرمين من المثبتين في ~~الأول والنافين في الآخر، والأحرى بنا أن نبين أولا: ما الحال التي توارد ~~عليها النفي والإثبات، وما مذهب المثبتين فيها، وما مذهب النافين، ثم نتكلم ~~في أدلة الفريقين، ونشير إلى مصدر القولين وصوابهما من وجه وخطئهما من وجه. # أما بيان الحال وما هو: اعلم أنه ليس للحال حد حقيقي يذكر حتى نعرفها ~~بحدها وحقيقتها على وجه يشمل جميع الأحوال، فإنه يؤدي إلى إثبات الحال ~~للحال بل لها ضابط وحاصر بالقسمة وهي تنقسم إلى ما يعلل وإلى ما لا يعلل ~~وما يعلل فهي أحكام لمعان قائمة بذوات وما لا يعلل فهو صفات ليس أحكاما ~~للمعاني. # أما الأول: فكل حكم لعلة قامت بذات يشترط في ثبوتها الحياة عند أبي هاشم ~~ككون الحي حيا عالما قادرا مريدا سميعا بصيرا لأن كونه حيا عالما يعلل ~~بالحياة والعلم في الشاهد فتقوم الحياة بمحل وتوجب كون المحل حيا وكذلك ~~العلم والقدرة والإرادة وكل ما يشترط في ثبوته الحياة وتسمى هذه الأحكام ~~أحوالا وهي صفات زائدة على المعاني التي أوجبتها وعند القاضي رحمه الله كل ~~صفة لموجود لا تتصف بالوجود فهي حال سواء كان المعنى الموجب مما يشترط في ~~ثبوته الحياة أو لم يشترط ككون الحي حيا وعالما وقادرا وكون المتحرك متحركا ~~والساكن ساكنا ms085 والأسود والأبيض إلى غير ذلك ولابن الجبائي في المتحرك ~~اختلاف رأي وربما يطرد ذلك في الأكوان كلها ولما كانت البنية عنده شرطا في ~~المعاني التي تشترط في ثبوتها الحياة وكانت البينة في أجزائها PageV01P079 ~~في حكم محل واحد فتوصف بالحال، وعند القاضي أبي بكر رحمه الله لا يوصف ~~بالحال إلا الجزء الذي قام به المعنى فقط وأما القسم الثاني فهو كل صفة ~~إثبات لذات من غير علة زائدة على الذات كتحيز الجوهر وكونه موجودا وكون ~~العرض عرضا ولونا وسوادا والضابط أن كل موجود له خاصية يتميز بها عن غيره ~~فإنما يتميز بخاصية هي حال، وما تتماثل المتماثلات به وتختلف المختلفات فيه ~~فهو حال وهي التي تسمى صفات الأجناس والأنواع والأحوال عند المثبتين ليست ~~موجودة ولا معدومة ولا هي أشياء ولا توصف بصفة ما وعند ابن الجبائي ليست هي ~~معلومة على حيالها وإنما تعلم مع الذات، وأما نفاة الأحوال فعندهم الأشياء ~~تختلف وتتماثل لذواتها المعينة، وأما أسماء الأجناس والأنواع فيرجع عمومها ~~إلى الألفاظ الدالة عليها فقط وكذلك خصوصها وقد يعلم الشي ء من وجه ويجهل ~~من وجه والوجوه اعتبارات لا ترجع إلى صفات هي أحوال تختص بالذوات وهذا ~~تقرير مذهب الفريقين في تعريف الحال. # أما أدلة الفريقين فقال المثبتون: العقل يقضي ضرورة أن السواد والبياض ~~يشتركان في قضية وهي اللونية والعرضية ويفترقان في قضية وهي السوادية ~~والبياضية فما به الاشتراك غير ما به الافتراق أو غيره فالأول سفسطة ~~والثاني تسليم المسألة. # وقال النفاة: السواد والبياض المعنيان قط لا يشتركان في شي ء هو كالصفة ~~لهما بل يشتركان في شي ء هو اللفظ الدال على الجنسية والنوعية والعموم ~~والاشتراك فيه ليس يرجع إلى صفة هي حال للسواد والبياض، فإن حالتي العرضين ~~يشتركان في الحالية، ولا يقتضي ذلك الاشتراك ثبوت حال للحال فإنه يؤدي إلى ~~التسلسل فالعموم كالعموم والخصوص كالخصوص «1». # قال المثبتون: الاشتراك والافتراق قضية عقلية وراء اللفظ، وإنما صيغ ~~اللفظ على وفق ذلك ومطابقته ونحن إنما تمسكنا بالقضايا العقلية دون الألفاظ ~~الوضعية ومن ms086 اعتقد أن العموم والخصوص يرجعان إلى اللفظ المجرد فقد أنكر ~~الحدود العقلية للأشياء والأدلة القطعية على المدلولات والأشياء لو كانت ~~تتمايز بذواتها ووجودها بطل القول بالقضايا العقلية، وحسم باب الاستدلال ~~بشي ء أولى على شي ء مكتسب متحصل وما لم يدرج في الأدلة العقلية عموما ~~عقليا لم يصل إلى العلم بالمدلول قط وما لم يتحقق في الحد شمولا بجميع ~~المحدودات لم يصل إلى العلم بالمحدود. PageV01P080 # قال النافون: الكلام على المذهب ردا وقبولا إنما يصح بعد كون المذهب معقولا ~~ونحن نعلم بالبديهة أن لا واسطة بين النفي والإثبات ولا بين العدم والوجود ~~وأنتم اعتقدتم الحال لا موجودة ولا معدومة وهو متناقض بالبديهة ثم فرقتم ~~بين الوجود والثبوت فأطلقتم لفظ الثبوت على الحال ومنعتم إطلاق لفظ الوجود ~~فنفس المذهب إذا لم يكن معقولا فكيف يسوغ سماع الكلام والدليل عليه. # ومن العجائب أن ابن الجبائي قال لا توصف بكونها معلومة أو مجهولة وغاية ~~الاستدلال إثبات العلم بوجود الشي ء فإذا لم يتصور له وجود ولا تعلق العلم ~~به بطل الاستدلال عليه وتناقض الكلام فيه. # ثم قالوا: ما المعني بقولكم الافتراق والاشتراك قضية عقلية إن عنيتم به ~~أن الشي ء الواحد يعلم من وجه ويجهل من وجه، فالوجوه العقلية اعتبارات ~~ذهنية وتقديرية ولا يقتضي ذلك صفات ثابتة لذوات وذلك كالنسب والإضافات مثل ~~القرب والبعد في الجوهرين فإن عنيتم بذلك أن الشي ء الواحد تتحقق له صفة ~~يشارك فيها غيره وصفة يمايز بها غيره فهو نفس المتنازع فيه، فإن الشي ء ~~الواحد المعين لا شركة فيه بوجه والشي ء المشترك العام لا وجود له البتة. # وقولهم: إن نفي الحال يؤدي إلى حسم باب الحد والحقيقة والنظر والاستدلال ~~بالعكس أولى فإن إثبات الحال التي لا توصف بالوجود والعدم وتوصف بالثبوت ~~دون الوجود حسم باب الحد والاستدلال فإن غاية الناظر أن يأتي في نظره ~~بتقسيم دائر بين النفي والإثبات فينفي أحدهما حتى يتعين الثاني ومثبت الحال ~~قد أتى بواسطة بين الوجود والعدم فلم يفد التقسيم والإبطال علما ms087 ولا يتضمن ~~النظر حصول معرفة أصلا ثم الحد والحقيقة على أصل نفاة الأحوال عبارتان عن ~~معبر واحد فحد الشي ء حقيقته وحقيقته ما اختص في ذاته عن سائر الأشياء ولكل ~~شي ء خاصية بها يتميز عن غيره وخاصيته تلزم ذاته ولا تفارقه ولا يشترك فيها ~~بوجه وإلا بطل الاختصاص وأما العموم والخصوص في الاستدلال فقد بينا أنه ~~راجع إلى الأقوال الموضوعة لها ليربط شكلا بشكل ونظيرا بنظير والذات لا ~~تشتمل على عموم وخصوص البتة بل وجود الشي ء وأخص وصفه واحد. # قال المثبتون نحن لم نثبت واسطة بين النفي والإثبات، فإن الحال ثابتة ~~عندنا ولو لا ذلك لما تكلمنا فيها بالنفي والإثبات ولم نقل على الإطلاق إنه ~~شي ء ثابت على حياله موجود فإن الموجود المحدث إما جوهر وإما عرض وهو ليس ~~أحدهما بل هو صفة معقولة لهما فإن الجوهر قد يعلم بجوهريته ولا يعلم بحيزه ~~وكونه قابلا للعرض PageV01P081 ~~والعرض يعلم بعرضيته ولا يخطر بالبال كونه لونا أو كونا ثم يعرف كونه لونا ~~بعد ذلك ولا يعرف كونه سوادا أو بياضا إلا أن يعرف والمعلومان إذا تمايزا ~~في الشي ء الواحد رجع التمايز إلى الحال، وقد يعلم ضرورة من وجه ويعلم نظرا ~~من وجه كمن يعلم كون المتحرك متحركا ضرورة ثم يعلم بالنظر بعد ذلك كونه ~~متحركا بحركة ولو كان المعنيان واحد لما علم أحدهما بالضرورة والثاني ~~بالنظر ولما سبق أحدهما إلى العقل وتأخر الآخر ومن أنكر هذا فقد جحد ~~الضرورة ونفاة الأعراض أنكروا أن الحركة عرضا زائدا على المتحرك وما أنكروا ~~كونه متحركا وأنتم معاشر النفاة وافقتمونا على أن الحركة علة لكون الجوهر ~~متحركا وكذلك القدرة والعلم وجميع الأعراض والمعاني والعلة توجب المعلول لا ~~محالة، فلا يخلو إما أن توجب ذاتها وإما شيئا آخر وراء ذاتها ويستحيل أن ~~يقال توجب ذاتها فإن الشي ء الواحد من وجه واحد يستحيل أن يكون موجبا ~~وموجبا لنفسه وإن أوجب أمرا آخر فذلك الأمر إما ذات على حيالها أو صفة لذات ~~ويستحيل أن ms088 تكون ذاتا على حيالها فإنه يؤدي إلى أن تكون العلة بإيجابها ~~موجدة للذوات وتلك الذوات أيضا علل وهو محال فإنه يؤدي إلى التسلسل فيتعين ~~أنه صفة لذات وذلك هو الحال التي أثبتناها فالقسمة العقلية ألجأتنا إلى ~~إثباتها والضرورة حملتنا على ألا نسميها موجودة على حيالها ومعلومة على ~~حيالها وقد يعلم الشي ء مع غيره ولا يعلم على حياله كالتأليف بين الجوهرين ~~والمماسة والقرب والبعد فإن الجوهر الواحد لا يعلم فيه تأليف ولا مماسة ما ~~لم ينضم إليه جوهر آخر وهذا في الصفات التي هي ذوات وأعراض متصورة فكيف في ~~الصفات التي ليست بذوات بل هي أحكام الذوات. # وأما قولكم: إنه راجع إلى وجوه واعتبارات عقلية. # فنقول: هذه الوجوه والاعتبارات ليست مطلقة مرسلة بل هي مختصة بذوات ~~فالوجوه العقلية لذات واحدة هي بعينها الأحوال فإن تلك الوجوه ليست ألفاظا ~~مجردة قائمة بالمتكلم بل هي حقائق معلومة معقولة لا أنها موجودة على حيالها ~~ولا معلومة بانفرادها بل هي صفات توصف بها الذوات فما عبرتم عنه بالوجوه ~~عبرنا عنه بالأحوال فإن المعلومين قد تمايزا وإن كانت الذات متحدة وتمايز ~~المعلومين يدل على تعدد الوجهين والحالين وذلك معلومان محققان تعلق بهما ~~علمان متمايزان أحدهما ضروري والثاني مكتسب وليس ذلك كالنسب والإضافات ~~فإنها ترجع إلى ألفاظ مجردة ليس فيها علم محقق متعلق بمعلوم محقق. # وقولهم: الشي ء الواحد لا شركة فيه والمشترك لا وجود له باطل فإن الشي ء PageV01P082 ~~المعين من حيث هو معين لا شركة فيه وهذه الصفات التي أثبتناها ليست معينة ~~مخصصة بل هي صفات يقع بها التخصيص والتعيين ويقع فيها الشمول والعموم وهو ~~من القضايا الضرورية كالوجوه عندكم ومن رد التعميم والتخصيص إلى مجرد ~~الألفاظ فقد أبطل الوجوه والاعتبارات العقلية أليست العبارات تتبدل لغة ~~فلغة وحالة فحالة وهذه الوجوه العقلية لا تتبدل بل الذوات ثابتة عليها قبل ~~التعبير عنها بلفظ عام وخاص على السواء ومن ردها إلى الاعتبارات فقد ناقض ~~وردها إلى العبارات فإن الاعتبارات لا تتبدل ولا تتغير بعقل وعقل والعبارات ms089 ~~تتبدل بلسان ولسان وزمان وزمان. # وقولهم حد الشي ء وحقيقته وذاته عبارات عن معبر واحد والأشياء إنما تتميز ~~بخواص ذواتها ولا شركة في الخواص. # قال المثبت هب أن الأمر كذلك لكن خاصية كل شي ء معين غير وخاصية كل نوع ~~محقق غير وأنتم لا تحدون جوهرا بعينه على الخصوص بل تحدون الجوهر من حيث هو ~~جوهر على الإطلاق فقد أثبتم معنى عاما يعم الجواهر وهو التحيز مثلا وإلا ~~لكان كل جوهر على حياله محتاجا إلى حد على حياله ولا يجوز أن يجري حكم جوهر ~~في جوهر من التحيز وقبول الأعراض والقيام بالنفس فإذا لم نجد بدا من إدراج ~~أمر عام في الحد وذلك يبطل قولكم إن الأشياء إنما تتمايز بذواتها ويصح ~~قولنا إن الحدود لا تستغني عن عمومات ألفاظ تدل على صفات عموم الذوات وصفات ~~خصوص وتلك أحوال لها وجوه واعتبارات عقلية أو ما شئت فسمها بعد الاتفاق على ~~المعاني والحقائق. # قال النافون: غاية تقريركم في إثبات الحال هو التمسك بعمومات وخصوصات ~~ووجوه عقلية واعتبارات، أما العموم والخصوص فمنتقض عليكم بنفس الحال فإن ~~لفظ الحال يشمل جنس الأحوال وحال هي صفة لشي ء تخص ذلك الشي ء لا محالة فلا ~~يخلو إما أن يرجع معناه إلى عبارة تعم وعبارة تخص فخذوا منا في سائر ~~العبارات العامة والخاصة كذلك وإما أن ترجع إلى معنى آخر وراء العبارة ~~فيؤدي إلى إثبات الحال للحال وذلك محال ولا يغني عن هذا الإلزام قولكم ~~الصفة لا توصف فإنكم أول من أثبت للصفة صفة حيث جعلتم الوجود والعرضية ~~واللونية والسوادية أحوالا للسواد، فإذا أثبتم للصفات صفات فهلا أثبتم ~~للأحوال أحوالا أما الوجوه والاعتبارات قد تتحقق في الأحوال أيضا فإن الحال ~~العام غير والحال الخاص غير وهما اعتباران في الحال وحال يوجب أحوالا غير ~~وحال هي موجبة الحال غير أليس قد أثبت أبو هاشم حالا للباري سبحانه توجب ~~كونه عالما قادرا والعالمية والقادرية حالتان فحال توجب وحال هي غير موجبة ~~مختلفان في PageV01P083 ~~الاعتبار، واختلاف الاعتبارين لا يوجب ms090 اختلاف الحالين للحال. # هذا من الإلزامات المفحمة ومن جملتها أخرى وهي أن الوجود في القديم ~~والحادث والجوهر والعرض عندهم حال لا يختلف البتة بل وجود الجوهر في حكم ~~وجود العرض على السواء فيلزمهم على ذلك أمران منكران إبهام شي ء واحد في ~~شيئين مختلفين أو شيئان مختلفان في شي ء واحد وواحد في اثنين واثنان في ~~واحد محال أما أحدهما أن شيئا واحدا كيف يتصور في شيئين فإن حال الوجود من ~~حيث هو وجود واحد ومن بداية العقول أن الشي ء الواحد لا يكون في شيئين معا ~~بل في جميع الموجودات على السواء وفي ما لم يوجد بعد لكنه سيوجد على السواء ~~وهو من أمحل المحال. # والمنكر الثاني: إذا كان الوجود حالا واحدا واجتمعت فيه أجناس وأنواع ~~وأصناف فيلزم أن تتحد المتكثرات المختلفة فيه ولزم تبدل الأجناس من غير ~~تبدل وتغير في الوجود أصلا وذلك كتبدل الصورة بعضها ببعض في الهيولى عند ~~الفلاسفة من غير تبدل في الهيولى وذلك التمثيل أيضا غير سديد، فإن الهيولى ~~عندهم لا تعرى عن الصورة إلا أن من الصور ما هو لازم للهيولى كالأبعاد ~~الثلاثة ومنها ما يتبدل كالأشكال والمقادير المختلفة والأوضاع والكيفيات ~~وبالجملة وجود مجرد مطلق عام غير مختلف كيف يتصور وجوده وما محله فإن كان ~~الجوهر محلا له فقد بطل عمومه العرض فإن عنيتم العرض فقد بطل عمومه الجوهر، ~~وإن لم يكن ذا محل وهو من أمحل المحال. # وعن هذه المطالبة إلحاقة بلوح الحق ولا نبوح به لأنا بعد في مدارج أقوال ~~الفريقين فيقول النافي كيف يتصور وجود على الحقيقة التي لا تتبدل ولا تتغير ~~إنما تتغير أنواعه بعضها إلى بعض فيصير الجوهر عرضا والعرض جوهرا والوجود ~~لا يختلف وذلك تجويز قلب الأجناس فالأول سريان الوجود الواحد في أجناس ~~وأنواع مختلفة والثاني اتحاد أنواع وأجناس مختلفة في وجود واحد. # وقال المثبتون: إلزام الحال علينا نقضا غير متوجه فإن العموم والخصوص في ~~الحال كالجنسية والنوعية في الأجناس والأنواع فإن الجنسية في الأجناس ليس ~~جنسا ms091 حتى يستدعي كل جنس جنسا ويؤدي إلى التسلسل، وكذلك النوعية في الأنواع ~~ليست نوعا حتى يستدعي كل نوع نوعا فكذلك الحالية للأحوال لا تستدعي حالا ~~فيؤدي إلى التسلسل وليس يلزم على من يقول الوجود عام أن يقول للعام عام، ~~وكذلك لو قال العرضية جنس فلا يلزمه أن يقول للجنس جنس، وكذلك لو فرق فارق ~~بين حقيقة الجنس والنوع وفصل أحدهما عن الثاني بأخص وصف لم يلزمه أن يثبت ~~اعتبارا عقليا في الجنس هو كالجنس ووجها عقليا هو كالنوع، فلا يلزم الحال ~~علينا بوجه لا من حيث العموم والخصوص ولا من حيث الاعتبار والوجه وأنتم معاشر PageV01P084 ~~النفاة لا يمكنكم أن تتكلموا بكلمة واحدة إلا وإن تدرجوا فيها عموما وخصوصا ~~ألستم تنفون الحال ولم تعينوا حالا بعينها هي صفة مخصوصة مشار إليها بل ~~أطلقتم القول وعممتم النفي وأقمتم الدليل على جنس شمل أنواعا أو على نوع عم ~~أشخاصا حتى استمر دليلكم ومن نفى الحال لا يمكنه إثبات التماثل في ~~المتماثلات إجراء حكم واحد فيها جميعا فلو كانت الأشياء تتمايز بذواتها ~~المعينة بطل التماثل وبطل الاختلاف وذلك خروج عن قضايا العقول «1». # وأما قولكم: الوجود لو كان واحدا متشابها في جميع الموجودات لزم حصول شي ~~ء في شيئين أو شيئين في شي ء. # فنقول: يلزمكم في الاعتبارات والوجوه العقلية ما لزمنا في الوجود والحال ~~فإن الوجه كالحال والحال كالوجه ولا ينكر منكر أن الوجود يعم الجوهر والعرض ~~لا لفظا مجردا بل معنى معقولا ومن قال كل موجود إنما تمايز موجودا آخر ~~بوجوده لم يمكنه أن يجري حكم موجود في موجود آخر حتى أن من أثبت الحدوث ~~لجوهر معين لم يتيسر له إثبات الحدوث لجوهر آخر بذلك الدليل بعينه بل لزمه ~~أن يفهم على كل جوهر دليلا خاصا وعلى كل عرض دليلا خاصا ولا يمكنه أن يقسم ~~تقسيما في المعقولات أصلا لأن التقسيم إنما يتحقق بعد الاشتراك في شي ء ~~والاشتراك إنما يتصور بعد الاختصاص بشي ء ومن قال هذا جسم مؤلف فقد حكم على ms092 ~~جسم معين بالتأليف لم يلزمه جريان هذا الحكم في كل جسم ما لم يقل كل جسم ~~مؤلف لو اقتصر على هذا أيضا لم يفض إلى العلم بأن كل جسم محدث فأخذ الجسمية ~~عامة والتأليف عاما واستدعاء التأليف للحدوث عاما حتى لزمه الحكم بحدوث كل ~~جسم مؤلف عاما فمن قال الأشياء تتمايز بذواتها المعينة كيف يمكنه أن يجري ~~حكما في محكوم خاص فألزمتمونا قلب الأجناس وألزمناكم رفع الأجناس ودعوتمونا ~~إلى المحسوس ودعوناكم إلى المعقول وأفحمتمونا بإثبات واحد في اثنين واثنين ~~في واحد وأفحمناكم بنفي الواحد في الاثنين والدليل متعارض والدست قائم فمن ~~الحاكم «2». # قال الحاكم المشرف على نهاية أقدام الفريقين أنتم معاشر النفاة أخطأتم من PageV01P085 ~~وجهين من حيث رددتم العموم والخصوص إلى الألفاظ المجردة وحكمتم بأن ~~الموجودات المختلفة تختلف بذواتها ووجودها فكلامكم هذا ينقض بعضه بعضا ~~ويدفع آخره أوله وهذا إنكار لأخص أوصاف العقل أليس هذا الرد حكما عاما على ~~كل عام وخاص بأنه راجع إلى اللفظ المجرد أليست الألفاظ لو رفعت من البين لم ~~ترتفع القضايا العقلية حتى البهائم التي لا نطق لها ولا عقل لم تعدم هذه ~~الهداية فإنها تعلم بالفطرة ما ينفعها من العشب فتأكل ثم إذا رأت عشبا آخر ~~يماثل ذلك الأول ما اعتراها ريب في أنه مأكول كالأول فلو لا أنها تخيلت من ~~الثاني عين الحكم الأول وهو كونه مأكولا وإلا لما أكلت وتعرف جنسها فتألف ~~به وتعرف ضدها فتهرب منه ولقد صدق المثبتون عليكم أنكم حسمتم على أنفسكم ~~باب الحد وشموله للمحدودات وباب النظر وتضمنه للعلم. # وأنا أقول لا بل حسمتم على العقول باب الإدراك وعلى الألسن باب الكلام ~~فإن العقل يدرك الإنسانية كلية عامة لجميع نوع الإنسان مميزة عن الشخص ~~المعين المشار إليه وكذلك العرضية كلية عامة لجميع أنواع الأعراض من غير أن ~~يخطر بباله اللونية والسوادية وهذا السواد بعينه وهذا مدرك بضرورة العقل ~~وهو مفهوم العبارة متصور في العقل لا نفس العبارة إذ العبارة تدل على معنى ~~في الذهن محقق هو مدلول العبارة ms093 والمعبر عنه لو تبدلت العبارة عربية وعجمية ~~وهندية ورومية لم يتبدل المعنى المدلول ثم ما من كلام تام إلا ويختص معنى ~~عاما فوق الأعيان المشار إليها بهذا وتلك المعاني العامة من أخص أوصاف ~~النفوس الإنسانية فمن أنكرها خرج عن حدود الإنسانية ودخل في حريم البهيمية ~~بل هم أضل سبيلا. # وأما الخطأ الثاني وهو رد التمييز بين الأنواع إلى الذوات المعينة وذلك ~~من أشنع المقالات فإن الشي ء إنما يتميز عن غيره بأخص وصفه. # قيل له أخص وصف نوع الشي ء غير وأخص وصف الذات المشار إليها غير فن ~~الجوهر يتميز عن العرض بالتحيز مطلقا إطلاقا نوعيا لا معينا تعيينا شخصيا ~~والجوهر المعين إنما يمتاز عن جوهر معين بتحيز مخصوص لا بالتحيز المطلق وقط ~~لا يمتاز جوهر معين عن عرض معين بتحيز مخصوص إذ الجنس لا يميز الوصف عن ~~الموصوف والعرض عن الجوهر والعقل إنما يميز بمطلق التحيز فعرف أن الذوات ~~إنما تتمايز بعضها عن بعض تمايزا جنسيا نوعيا لا بأعم صفاتها كالوجود بل ~~بأخص أوصافها بشرط أن تكون كلية عامة ولو أن الجوهر مائز العرض بوجوده كما ~~مائزه بتحيزه لحكم على العرض بأنه متحيز وعلى الجوهر بأنه محتاج إلى التحيز ~~لأن الوجود PageV01P086 ~~والتحيز واحد فما به يفترقان هو بعينه ما فيه يشتركان وما به يتماثلان هو ~~بعينه ما فيه يختلفان ويرتفع التماثل والاختلاف والتضاد رأسا ويلزم أن لا ~~يجري حكم مثل في مثل حتى لو قام الدليل على حدوث جوهر بعينه كان هو محدثا ~~ويحتاج إلى دليل آخر في مثل ذلك الجوهر ويلزم أن لا يسلب حكم ضد عن ضد ~~وخلاف عن خلاف حتى لو حكم على الجوهر بأنه قابل للعرض لم يسلب هذا الحكم عن ~~العرض إذ لا تماثل ولا اختلاف ولا تضاد وارتفع العقل والمعقول وتعدد الحس ~~والمحسوس. # وأما وجه خطأ المثبتين للحال: فهو أنهم أثبتوا لموجود معين مشار إليه ~~صفات مختصة به وصفات يشاركه فيها غيره من الموجودات وهو من أمحل المحال فإن ~~المختص بالشي ء المعين ms094 والذي يشاركه فيه غيره واحد بالنسبة إلى ذلك المعين ~~فوجود معين وعرضيته ولونيته وسواديته عبارات عن ذلك المعين المشار إليه فإن ~~الوجود إذا تخصص بالعرضية فهو بعينه عرض والعرضية إذا تخصصت باللونية فهي ~~بعينها لون وكذلك اللونية بالسوادية والسوادية بهذا السواد المشار إليه فإن ~~الوجود إذا تخصص بالعرضية فهو بعينه عرض والعرضية إذا تخصصت باللونية فهي ~~بعينها لون وكذلك اللونية بالسوادية والسوادية بهذا السواد المشار إليه ~~فليس من المعقول أن توجد صفة لشي ء واحد معين وهي بعينها توجد لشي ء آخر ~~فتكون صفة معينة في شيئين كسواد واحد في محلين وجوهر واحد في مكانين ثم لا ~~يكون ذلك في الحقيقة عموما وخصوصا فإن مثل هذا ليس يقبل التخصيص إذ يكون ~~خاصا في كل محل فلا يكون البتة عاما وإذا لم يكن عاما لم يكن خاصا أيضا ~~فيتناقض المعنى. # والخطأ الثاني أنهم قالوا: الحال لا يوصف بالوجود ولا بالعدم والوجود ~~عندهم حال فكيف يصح أن يقال الوجود لا يوصف بالوجود وهل هو إلا تناقض في ~~اللفظ والمعنى وما لا يوصف بالوجود والعدم كيف يجوز أن يعم أصنافا وأعيانا ~~لأن العموم والشمول يستدعي أولا وجودا محققا وثبوتا كاملا حتى يشمل ويعم أو ~~يعين ويخص وأيضا فهم أثبتوا العلة والمعلول ثم قالوا العلة توجب المعلول ~~وما ليس بموجود كيف يصير موجبا وموجبا، فالعملية عندهم حال والعالمية عندهم ~~أيضا حال فالموجب حال والموجب حال والحال لا يوجب الحال لأن ما لا يتصف ~~بالوجود الحقيقي لا يتصف بكونه موجبا. # الخطأ الثالث: أنا نقول معاشر المثبتين كل ما أثبتموه في الوجود هو حال ~~عندكم فأرونا موجودا في الشاهد والغائب هو ليس بحال لا يوصف بالوجود والعدم ~~فإن الوجود الذي هو الأعم الشامل للقديم والحادث عندكم حال والجوهرية ~~والتحيز PageV01P087 ~~وقبوله العرض كلها أحوال فليس على مقتضى مذهبكم شي ء ما في الوجود هو ليس ~~بحال وإن أثبتم شيئا وقلتم هو ليس بحال فذلك الشي ء يشتمل على عموم وخصوص ~~الأخص والأعم عندكم حال فإذا لا شي ms095 ء إلا لا شي ء ولا وجود إلا لا وجود ~~وهذا من أمحل ما يتصور. # فالحق في المسألة: إذا أن الإنسان يجد من نفسه تصور أشياء كلية عامة ~~مطلقة دون ملاحظة جانب الألفاظ ولا ملاحظة جانب الأعيان، ويجد من نفسه ~~اعتبارات عقلية لشي ء واحد وهي إما أن ترجع إلى الألفاظ المحددة، وقد ~~أبطلناه وإما أن ترجع إلى الأعيان الموجودة المشار إليها وقد زيفناه فلم ~~يبق إلا أن يقال هي معان موجودة محققة في ذهن الإنسان والعقل الإنساني هو ~~المدرك لها ومن حيث هي كلية عامة لا وجود لها في الأعيان فلا موجود مطلقا ~~في الأعيان ولا عرض مطلقا ولا لون مطلقا بل هي الأعيان بحيث يتصور العقل ~~منها معنى كليا عاما فتصاغ له عبارة تطابقه وتنص عليه ويعتبر العقل منها ~~معنى ووجها فتصاغ له عبارة حتى لو طاحت العبارات أو تبدلت لم تبطل المعنى ~~المقدر في الذهن المتصور في العقل فنفاة الأحوال أخطئوا من حيث ردها إلى ~~العبارات المجردة وأصابوا حيث قالوا ما ثبت وجوده معينا لا عموم فيه ولا ~~اعتبار ومثبتو الأحوال أخطئوا من حيث ردوها إلى صفات في الأعيان وأصابوا من ~~حيث قالوا هي معان معقولة وراء العبارات وكان من حقهم أن يقولوا هي موجودة ~~متصورة في الأذهان بدل قولهم لا موجودة ولا معدومة وهذه المعاني مما لا ~~ينكرها عاقل من نفسه غير أن بعضهم يعبر عنها بالتصور في الأذهان وبعضهم ~~يعبر عنها بالتقدير في العقل وبعضهم يعبر عنها بالحقائق والمعاني التي هي ~~مدلولات العبارات والألفاظ وبعضهم يعبر عنها بصفات الأجناس والأنواع ~~والمعاني إذا لاحت للعقول واتضحت فليعبر المعبر عنها بما يتسير له فالحقائق ~~والمعاني إذا ذات اعتبارات ثلاث اعتبارها في ذواتها وأنفسها واعتبارها ~~بالنسبة إلى الأعيان واعتبارها بالنسبة إلى الأذهان وهي من حيث هي موجودة ~~في الأعيان يعرض لها أن تتعين وتتخصص وهي من حيث هي متصورة في الأذهان يعرض ~~لها أن تعم وتشمل فهي باعتبار ذواتها في أنفسها حقائق محضة لا عموم فيها ~~ولا خصوص ms096 ومن عرف الاعتبارات الثلاث زال إشكاله في مسألة الحال ويبين له ~~الخلق في مسألة المعدوم هل هو شي ء أم لا والله الموفق «1». PageV01P088 ### | AUTO القاعدة السابعة في المعدوم هل هو شي ء أم لا؟ وفي الهيولى وفي ~~الرد على من أثبت الهيولى بغير صورة الوجود «1» # والشي ء أعرف من أن يحد بحد أو يرسم برسم لأنه ما من لفظ يدرجه في تحديد ~~الشي ء إلا وهو أخفى من الشي ء والشي ء أظهر منه، وكذلك الوجود، ولو أدرجت ~~في التحديد ما أو الذي أو هو فذلك عبارة عن الوجود والشيئية فتعريفه بشي ء ~~آخر محال، ولأن الشي ء المعرف به أخص من الشيئية والوجود وهما أعم من ذلك ~~الشي ء فكيف يعرف شيئا بما هو أخص منه وأخفى منه ومن حد الشي ء أنه الموجود ~~فقد أخطأ، فإن الوجود والشيئية شيئان في الخفاء والجلاء، ومن حده ما يصح أن ~~يعلم ويخبر عنه فقد أخطأ، فإنه أدرج لفظ ما في الحدود ومعناه أنه الشي ء ~~الذي يعلم فقد عرفه بنفسه، لعمري قد يختلف الاصطلاح والمواضعة فالأشعرية لا ~~يفرقون بين الوجود والثبوت والشيئية والذات والعين، والشحام من المعتزلة ~~أحدث القول بأن المعدوم شي ء وذات وعين، وأثبت له خصائص المتعلقات في ~~الوجود مثل قيام العرض بالجوهر وكونه عرضا ولونا وكونه سوادا وبياضا وتابعه ~~على ذلك أكثر المعتزلة غير أنهم لم يثبتوا قيام العرض بالجوهر ولا التحيز ~~للجوهر ولا قبوله للعرض، وخالفه جماعة فمنهم من لم يطلق إلا اسم الشيئية ~~ومنهم من امتنع من هذا الإطلاق أيضا مثل أبي الهذيل، وأبي الحسين البصري، ~~ومنهم من قال الشي ء هو القديم وأما الحادث فيسمى شيئا بالمجاز والتوسع ~~وصار جهم بن صفوان إلى أن الشي ء هو المحدث والباري سبحانه مشيئ الأشياء. PageV01P089 # قال نفاة الشيئية عن العدم: قد تقرر في أوائل العقول أن النفي والإثبات ~~يتقابلان والمنفي والمثبت يتقابلان تقابل التناقض حتى إذا نفيت شيئا معينا ~~في حال مخصوص بجهة مخصوصة لم يمكنك إثباته على ms097 تلك الحال وتلك الجهة ~~المخصوصة ومن أنكر هذه القضية فقد أنكر تلك الحقائق كلها، وإذا كان المنفي ~~ثابتا على أصل من قال إن المعدوم شي ء فقد رفع هذه القضية أصلا وكان كمن ~~قال لا معقول ولا معلوم إلا الثبوت فحسب، وذلك خروج عن القضايا الأولية ~~وتحديد ذلك أن كل معدوم منفي وكل منفي ليس بثابت فكل معدوم ليس بثابت. # قال من أثبت المعدوم شيئا كما تقرر في العقل تقابل النفي والإثبات فقد ~~تقرر أيضا تقابل الوجود والعدم، فنحن وفرنا على كل تقسيم عقلي حظه، وقلنا ~~إن الوجود والثبوت لا يترادفان على معنى واحد والمعدوم والمنفي كذلك. # قالت النفاة: الآن صرحتم بالحق حيث ميزتم بين قسم وقسم، فالثبوت عندكم ~~أعم من الوجود؛ فإن الثبوت يشمل الموجود والمعدوم فهلا قلتم في المقابل ~~كذلك وأن المنفي أعم من المعدوم حتى يكون صفة عمومه حالا أو وجها للمنفي ~~ثابتا كما كان صفة خصوص المعدوم حالا للمعدوم أو وجها ثابتا فيتحقق أمر ~~ثابت ويرتفع المقابل العقلي، وإن لم يثبتوا فرقا بين المنفي والمعدوم، ثم ~~قالوا كل معدوم شي ء ثابت لزمهم أن يقولوا كل منفي شي ء ثابت فرجع الإلزام ~~عليهم رجوعا ظاهرا وهو رفع التقابل بين النفي والإثبات. # قال المثبتون: إذا حققتم الكلام في النفي والإثبات والموجود والمعدوم ~~وميزتم بين الخصوص والعموم فيه عاد الإلزام عليكم متوجها من وجهين أحدهما ~~أنكم أثبتم في المعدوم خصوصا وعموما أيضا حتى قلتم منه ما هو واجب ~~كالمستحيل، ومنه ما هو جائز كالممكن، ومنه ما يستحيل لذاته كالجمع بين ~~المتضادين، ومنه ما يستحيل لغيره كخلاف المعلوم، فهذه التقسيمات قد وردت ~~على المعدوم فأخذتم المعدومية عامة وخصصتم بهذه الخصائص فلولا أن المعدوم ~~شي ء ثابت وإلا لما تحقق فيه العموم والخصوص، ولما تحقق التميز بين قسم وقسم. # والوجه الثاني: أنكم اعترفتم بأن المنفي والمعدوم معلوم وقد أخبرتم عنه ~~وتصرفتم بأفكارهم فيه، فما متعلق العلم وما معنى التعلق إذا لم يكن شيئا ~~ثابتا أصلا. # قالت النفاة: نحن لا نثبت ms098 في العدم خصوصا وعموما بل الخصوص والعموم فيه ~~راجع إلى اللفظ المجرد وإلى التقدير في العقل بل العلم لا يتعلق بالمعدوم ~~من حيث هو معدوم إلا على تقدير الوجود فالعدم المطلق يعلم ويعقل على تقدير ~~الوجود المطلق في PageV01P090 ~~مقابلة العدم المخصوص أعني عدم شي ء بعينه فإما أن يشار إلى موجود محقق، فيقال: # عدم هذا الشي ء وإما أن يقدر في العقل فيقال: عدم ذلك المقدار كالقيامة ~~تقدر في العقل ثم تنفي في الحال أو تثبت في المآل فالعدم إذا لا يخص ولا ~~يعم ولا يعلم من غير وجود أو تقدير وجود فكان العلم يتعلق بالموجود ثم من ~~ضرورته أن يصير عدم ذلك الشي ء معلوما فيخبر عنه بأنه منفي، ويعبر عن أنه ~~ليس بشي ء في الحال، وإن كان شيئا في ثاني الحال على أنا نلزمكم الوجود ~~نفسه والصفات التابعة للوجود عندكم مثل التحيز للجوهر وقبوله للعرض وقيامه ~~بالذات، ومثل احتياج العرض إلى الجوهر وقيامه به فنقول: الوجود منفي من ~~الجوهر أم ثابت، فإن كان ثابتا فهو تصريح بقدم العالم وتقرير أن لا إبداع ~~ولا اختراع ولا أثر لقادرية الباري سبحانه وتعالى أصلا وإن كان منفيا، فكل ~~منفي عندكم معدوم وكل معدوم ثابت فعاد الإلزام عليكم جذعا. # ونقول: قد قام الدليل على أن الباري سبحانه أوجد العالم بجواهره وأعراضه، ~~فيقال: أوجد عينها وذاتها أم غير ذاتها؟ فإن قلتم: أوجد ذاتها وعينها ~~فالعين والذات ثابتة في العدم عندكم وهما صفتان ذاتيتان لا تتعلق بهما ~~القدرة والقادرية ولا هي من آثارهما وإن قلتم أوجد غيرها فالكلام في ذلك ~~الغير كالكلام فيما نحن فيه. # قال المثبتون: أما قولكم في العلم يتعلق بالوجود أو بتقدير الوجود، فإنه ~~ينتقض بعلم الباري سبحانه بعدم العالم في الأزل فإنه لا وجود للعالم في ~~الأزل، ولا تقدير الوجود من وجهين أحدهما أن تقدير العلم في الأزل محال ~~والثاني أن التقدير من الباري سبحانه محال فإنه ترديد الفكر بوجود شي ء ~~وعدمه فإن قدر في ذاته فهو محال، ms099 وإن فعل فعلا سماه تقديرا فهو محال في ~~الأزل، ولا بد للعلم من متعلق وهو معلوم محقق فوجب أن يكون شيئا ثابتا. # وقولكم: العلم يتعلق بوجود الشي ء في وقت وجوده، ثم يلزم من ضرورته العلم ~~بعدمه قبل وجوده يلزمكم حصر العلم في معلومات هي موجودات والموجودات ~~متناهية فيجب تناهي المعلومات، وأنتم لا تقولون به ثم تلك اللوازم إن كانت ~~معلومة فهي كالموجودات على السواء في تعلق العلم بها وإن لم تكن معلومة فقد ~~تناهى العلم والمعلومات. # وأما قولكم: إن الوجود منفي أم ثابت؟ فعلى أصلنا الوجود منفي، وليس بثابت ~~وليس كل منفي ومعدوم عندنا ثابتا، فإن المحالات منفيات ومعدومات وليست ~~أشياء ثابتة، بل سر مذهبنا أن الصفات الذاتية للجواهر والأعراض هي لها ~~لذواتها لا تتعلق بفعل الفاعل وقدرة القادر إذ أمكننا أن نتصور الجوهر ~~جوهرا أو عينا وذاتا PageV01P091 ~~والعرض عرضا وذاتا وعينا ولا يخطر ببالنا أنه أمر موجود مخلوق بقدرة القادر ~~والمخلوق والمحدث إنما يحتاج إلى الفاعل من حيث وجوده إذا كان في نفسه ممكن ~~الوجود والعدم وإذا ترجح جانب الوجود احتاج إلى مرجح فلا أثر للفاعل ~~بقادريته أو قدرته إلا في الوجود فحسب فقلنا ما هو له لذاته قد سبق الوجود ~~وهو جوهريته وعرضيته فهو شي ء ما هو له بقدرة القادر هو وجوده وحصوله وما ~~هو تابع لوجوده فهو تحيزه وقبوله للعرض وهذه قضايا عقلية ضرورية لا ينكرها عاقل. # وعلى هذه القاعدة يخرج الجواب عن أثر الإيجاد فإن تأثير القدرة في الوجود ~~فقط، والقادر لا يعطيه إلا الوجود والممكن في ذاته لا يحتاج إلى القادر إلا ~~من جهة الوجود ألسنا نقول أن إمكان الممكن من حيث إمكانه أمر لذاته وهو من ~~هذا الوجه غير محتاج إلى الفاعل وليس للفاعل جعله ممكنا لكن من حيث ترجيح ~~أحد طرفي الإمكان كان محتاجا إلى الفاعل فعلم يقينا أن الأمور الذاتية لا ~~تنسب إلى الفاعل بل ما يعرض لها من الوجود والحصول ينسب إلى الفاعل ونقول ~~إن الفاعل إذا أراد إيجاد ms100 جوهر، فلا بد أن يتميز الجوهر بحقيقته عن العرض ~~حتى يتحقق القصد إليه بالإيجاد وإلا فالجوهر والعرض في العدم إذا كان لا ~~يتميز أحدهما عن الثاني بأمر ما وحقيقة ما وذلك الأمر والحقيقة لم يكن شيئا ~~ثابتا لم يتجرد القصد إلى الجوهر دون العرض وإلى الحركة دون السكون والبياض ~~دون السواد إلى غير ذلك والتخصيص بالوجود إنما يتصور إذا كان المخصص معينا ~~مميزا عند المخصص حتى لا يقع جوهر بدل عرض ولا حركة بدل سكون ولا بياض بدل ~~سواد فعلم بذلك أن حقائق الأجناس والأنواع لا تتعلق بفعل الفاعل وأنها في ~~ذواتها إن لم تكن أشياء منفصلة لم يتصور الإيجاد والاختراع، ولكان حصول ~~الكائنات على اختلافها اتفاقا وبحثا. # قالت النفاة: العلم الأزلي يتعلق بالمعلومات كلها كما هي فيتعلق بوجود ~~العالم حتى يتحقق له الوجود ويتعلق باستحالة وجوده أزلا وجواز وجوده قبل ~~وجوده لكن المتعلق الحقيقي هو الوجود وسائر المعلومات من ضرورة ذلك التعلق، ~~ولا يستدعي ذلك التعلق في حق الباري سبحانه تقديرا وهميا وترديدا خياليا ~~هذا كمن عرف وحدانية الباري سبحانه وتعالى في الإلهية عرف أن ما سواه ليس ~~بإله ولا يستدعي تعدد علوم بكل مخلوق أنه ليس بإله ومن عرف أن زيدا في ~~الدار عرف أنه ليس بموضع آخر سواها ولا يستدعي ذلك أن يتعدد علمه بأنه ليس ~~في دار عمر وبكر وخالد بل يقع ذلك معلوما لزوما ضرورة ومثل هذه المعلومات ~~لا تتناهى ويستحيل أن يقال هذه المعلومات أشياء ثابتة حتى يكون عدم زيد في ~~مكان كذا أو عدم كل PageV01P092 ~~جوهر في حيز كذا أو عدم كل عرض في محل كذا إلى ما لا يتناهى أشياء ثابتة في ~~العدم فإن ذلك خروج عن قضايا العقل وتيه في مفازة الجهل وأما إلزام الوجود ~~من حيث هو وجود والتحيز وقبول العرض وجميع الصفات التابعة للحدوث فمتوجه، ~~والاعتذار بأنه منفي وليس بثابت ولا شي ء نقض صريح لمذهبهم فإن كل معلوم ~~أمكن الإخبار عنه وتعلق العلم به فهو شي ء ثابت ms101 عندهم ويا ليت شعري إذا لم ~~يمكن الإخبار عن الوجود ولم يمكن تعلق العلم به فمن أي شي ء يخبر وعن أي شي ~~ء يعلم وليس ذلك كالمحال الذي تمثلوا به على أن المحالات مما يعلم ويخبر ~~عنها فهلا كانت أشياء حتى يلزم أن يكون عدم الإلهية أشياء ما والعالم بما ~~فيه من الجواهر والأعراض أشياء ثابتة في الأزل وكما لا تتناهى المعلومات لا ~~تتناهى الأشياء بأجناسها وأنواعها وأصنافها والعياذ بالله من مذهب هذا ~~مآله، وأما كلامكم في الصفات الذاتية أنها لا تحصل بفعل الفاعل، وإنما ~~الوجود من حيث هو وجود متعلق بالقدرة فشي ء ما سمعوه ولم يفهموه وما أحسنوا ~~إيراده لأنهم لم يتحققوا إصداره. # وأجابت النفاة بأن قالوا: وجود الشي ء وعينه وذاته وجوهريته وعرضيته ~~عندنا عبارات عن معبر واحد وما أوجده الموجد فهو ذات الشي ء والقدرة تعلقت ~~بذاته كما تعلقت بوجوده وأثرت في جوهريته كما أثرت في حصوله وحدوثه والتميز ~~بين الوجود وبين الشيئية مما لا يئول إلى معنى ومعنى بل إلى لفظ ولفظ وهم ~~على اعتقاد أن الأجناس والأنواع والعموم والخصوص فيها راجع إلى الألفاظ ~~المجردة أو الوجوه العقلية والتقديرات الوهمية وألزموا عليهم الصفات ~~التابعة للحدوث كالتحيز وقبول العرض وقيام العرض بالمحل فإنها ليست من آثار ~~القدرة، ثم لم يثبتوها قبل الحدوث فهلا قالوا الصفات الذاتية كلها تتبع ~~الحدوث أيضا وربما عكسوا عليهم الأمر في التابع والمتبوع وألزموهم القول ~~بأن التحيز يقع بالقدرة والوجود يتبعه. # وأجابوا عن سؤال التخصيص والتمييز بالمعارضة وهو أن الجواهر والأعراض لو ~~ثبتت في العدم بغير نهاية لم تحقق القصد إلى بعضها بالتخصيص وليس يندفع ~~الإشكال بهذا الجواب بل يزيده قوة ولزوما. # والحق أن هذه المسألة مبنية على مسألة الحال، وقد دارت رءوس المعتزلة في ~~هاتين المسألتين على طرفي نقيض فتارة يعبرون عن الحقائق الذاتية في الأجناس ~~والأنواع بالأحوال وهي صفات وأسماء ثابتة للموجودات لا توصف بالوجود ولا ~~بالعدم وتارة يعبرون عنها بالأشياء، وهي أسماء وأحوال ثابتة للمعدومات لا ~~تخص بالأخص ms102 ولا تعم بالأعم وذلك أنهم سمعوا كلاما من الفلاسفة وقرءوا شيئا ~~من كتبهم PageV01P093 ~~وقبل الوصول إلى كنه حقيقته مزجوه بعلم الكلام غير نضيج وذلك أنهم أخذوا من ~~أصحاب الهيولى مذهبهم فيها فكسوه مسألة المعدوم وأصحاب الهيولى هم على خطأ ~~بين من إثبات الهيولى مجرد عن الصورة كمن سنرد عليهم، وأخذوا من أصحاب ~~المنطق والإلهيين كلامهم في تحقيق الأجناس والأنواع والفرق بين المتصورات ~~في الأذهان والموجودات في الأعيان وهم على صواب ظاهر دون الخنائي من ~~المعتزلة لا رجال ولا نساء لأنهم أثبتوا أحوالا لا موجودة ولا معدومة، ~~والصورة كالمتصور وينهدم بنيانهم بأوهى نفخة كما يتضح الحق لأوليائه بأدنى لمحة. # فنقول: إذ أشار مشير إلى جوهر بعينه فنسألكم هل كان هذا الجوهر قبل وجوده ~~شيئا ثابتا جوهرا جسميا من حيث هو هذا أم كان جوهرا مطلقا شيئا عاما غير ~~متخصص بهذا؟ «1». # فإن قلتم كان بعينه جوهرا فيجب أن تحقق الإشارة إليه بهذا ويكون ذلك ~~المشار إليه هو هذا؛ لأن هذا لا يشاركه فيه غير هذا وإن كان قبل وجوده ~~جوهرا مطلقا لا هذا، فلم يكن ذلك هذا، فلم يكن هذا شيئا والمطلق من حيث هو ~~مطلق لا هذا ولم يكن هذا ذاك ولا ذاك هذا فما هو ثابت في العدم لم يتحقق له ~~وجود وما تحقق له وجود لم يكن ثابتا. # وما ذكروه أن الصفات الذاتية لا تنسب إلى الفاعل بل الذي ينسب إلى الفاعل ~~هو الوجود، قيل ما ثبت للشي ء الغير المعين من الصفات التي هو بها قد تعين ~~غير وما ثبت للشي ء المعين من الصفات التي هو بها وقد تفنن وتنوع غير ~~والأول لا يسمى صفات ذاتية إلا بمعنى أنها عبارات عن ذاته المعينة فيكون ~~وجوده وجوهريته وعينه وذاته عبارات عن معبر واحد وكما يحتاج في وجوده إلى ~~الموجد يحتاج في ذاته وعينه وجوهريته وجواز الوجود هو بعينه جواز الثبوت ~~وهو بعينه أن يكون عينا وبجوهريته في أن يكون جوهرا لا يستغني عن الموجد ~~وإلا فيلزم أن تستغني ms103 الأشياء كلها عن الموجد من جميع وجوهها وصفاتها إلا ~~الوجود فحسب على أنه حال لا يوصف بالوجود وأيضا فإن الوجود ليس يفتقر إلى ~~الموجد وإلا فيلزم وجود القديم بل وجود مخصص هو بصفة الإمكان يفتقر إلى ~~الموجد ثم الموجد الممكن من حيث هو عام لا يتحقق له وجود بل وجود ممكن هو ~~بصفة كذا وكذا ويتحقق له وجود فيثبت أن المعين المشار إليه هو المفتقر إلى ~~الموجد لكن لا يتحقق له وجود إلا ويريده الموجد PageV01P094 ~~وليس يريده الموجد إلا ويعلمه قبل إيجاده فيتخصص وجوده وجودا عرضا جوهرا في ~~علم الموجد فالمعلوم يتخصص مرادا والمراد يتخصص وجودا هو بعينه جوهر إلا ~~أنه في ذاته يكون شيئا فيخصصه الوجود بعد الشي ء حتى تتخصص الشيئية الخارجة ~~جوهرا وتتخصص الجوهرية العامة الخارجة بهذا الجوهر وأيضا فإن الوجود أعم ~~صفات الموجودات وإيجاد الأعم لا يوجب وجود الأخص فلو كان البياض مثلا ~~منتسبا إلى الموجد من حيث وجوده فقط لكان يكون موجودا لا بياضا بل لو عكس ~~الأمر وقلب الحال فقيل أوجده سوادا أو بياضا وانتسبت البياضية إلى الموجد ~~فقط ولكن من ضرورة وجود الأخص وجود الأعم كان أمثل من حيث العقل ولذلك نقول ~~إن البياض يضاد السواد ببياضيته فإذا انتفى السوادية انتفى الوجود إذ ليس ~~من قضية العقل انتفاء السوادية وبقاء الوجود وعند القوم أن المعدوم عادم ~~لوجوده كما أن الموجود واجد لوجوده فيلزم على ذلك أن لا يوجد بياض ولا يعدم ~~سواد ولا يتحقق جوهر ولا يتخصص عرض. # والعجب كل العجب من مثبتي الأحوال أنهم جعلوا الأنواع مثل الجوهرية ~~والجسمية والعرضية واللونية أشياء ثابتة في العدم لأن العلم قد تعلق بها ~~والمعلوم يجب أن يكون شيئا حتى يتوكأ عليه العلم ثم هي بأعيانها أعني ~~الجوهرية والعرضية واللونية والسوادية أحوال في الوجود ليست معلومة على ~~حيالها ولا موجودة بانفرادها فيا له من معلوم في العدم يتوكأ عليه العلم ~~وغير معلوم في الوجود ولو أنهم اهتدوا إلى مناهج العقول في تصورها الأشياء ~~بأجناسها وأنواعها لعلموا ms104 أن تصورات العقول ماهيات الأشياء بأجناسها ~~وأنواعها لا تستدعي كونها موجودة محققة أو كونها أشياء ثابتة خارجة عن ~~العقول أو ما لها بحسب ذواتها أو أجناسها وأنواعها في الذهن من المقومات ~~الذاتية التي تتحقق ذواتها بها لا تتوقف على فعل الفاعل حتى يمكن أن تعرف ~~هي والوجود لا يخطر بالبال فإن أسباب الوجود غير وأسباب الماهية غير ~~ولعلموا أن إدراكات الحواس ذوات الأشياء بأعيانها وأعلامها تستدعي كونها ~~موجودة محققة وأشياء ثابتة خارجة عن الحواس وما لها بحسب ذواتها من كونها ~~أعيانا وأعلاما في الحس من المخصصات العرضية التي تحقق ذواتها المعينة بها ~~هي التي تتوقف على فعل الفاعل حتى لا يمكن أن توجد هي عرية عن تلك المخصصات ~~فإن أسباب الماهية غير وأسباب الوجود غير ولما سمعت المعتزلة من الفلاسفة ~~فرقا بين القسمين ظنوا أن المتصورات في الأذهان هي أشياء ثابتة في الأعيان ~~فقضوا بأن المعدوم شي ء وظنوا بأن وجود الأجناس والأنواع في الأذهان هي ~~أحوال ثابتة في الأعيان فقضوا بأن PageV01P095 ~~المعدوم شي ء وأن الحال ثابت ساء سمعا وساء إجابة ولو لا إني التزمت على ~~نفسي في هذا الكتاب أن أبين مصادر المذاهب ومواردها واشتراك منتهى أقدام ~~العقول في مسائل الأصول وإلا لما أهمني كشف الأسرار وهتك الأستار. # وأما أصحاب الهيولى فافترقت فيها على طريقين فرقتان أحدهما إثبات هيولى ~~للعالم مجردة عن الصور وعدوها عن المبادئ الأول وهي ثالثها أو رابعها ~~فقالوا المبادئ هي العقل والنفس والهيولى وقالوا المبادئ هو الباري سبحانه ~~والعقل والنفس والهيولى وهي كانت مجردة عن الصور كلها فحدثت الصورة الأولى ~~وهي الأبعاد الثلاثة فصارت جسما مركبا ذا طول وعرض وعمق ولم يكن لها قبل ~~الصورة إلا استعداد لمجرد القبول فإذا حدثت الصورة صارت بالفعل موجودة وهي ~~الهيولى الثانية ثم إذا لحقها الكيفيات الأربعة التي هي الحرارة والبرودة ~~الفاعلتان والرطوبة واليبوسة المنفعلتان صارت الأركان التي هي النار والماء ~~والهواء والأرض وهي الهيولى الثالثة ثم تتكون منها المركبات التي تلحقها ~~الأعراض وهي الكون والفساد ويكون بعضها ms105 هيولى بعض. # الطريق الثاني: هو أنهم أثبتوا الهيولى غير مجردة عن الصورة قالوا هذا ~~الترتيب الذي ذكرناه مقدر في العقل والوهم خاصة دون الوجود وليس في الوجود ~~جوهر مطلق قابل للأبعاد ثم يلحقه الأبعاد ولا جسم عار عن الكيفيات ثم عرضت ~~له الكيفيات وإنما هو عند ما نظرنا في ما هو أقدم بالطبع وأبسط في الوهم ~~والعقل. # قال أصحاب الهيولى المجردة: أما إثبات الهيولى لكل جسم فأمر معقول محقق ~~بالبرهان وذلك أن كل جسم قابل للاتصال والانفصال والتصور والتشكل بالصورة ~~والأشكال ومعلوم أن قابل الاتصال والانفصال أمر وراء الاتصال والانفصال فإن ~~القابل يبقى بطريان أحدهما والاتصال لا يبقى بعد طريان الانفصال وبالعكس ~~فظاهر أن هاهنا جوهر غير الصورة الجسمية يعرض له الاتصال والانفصال معا ثم ~~قالوا ما من انفصال واتصال معين إلا ويمكن زواله وما من شكل وصورة وحيز ~~وجهة إلا وهو عارض لذلك الجوهر فيمكن أن يتعرى عن جميع الصور كما أمكن أن ~~يتعرى عن كل صورة بل يجب أن يكون مبدأ الأجسام المركبة جوهر غير مركب فإن ~~كل مركب لو كان عن مركب لتسلسل إلى غير النهاية فتركب القميص من الغزل ~~والغزل من القطن والقطن من الأركان والأركان من العناصر وهي الهيولى ~~القابلة للصور والكيفيات فإذا انحلت التركيبات فهي البسائط وإذا انحلت ~~البسائط فهي الهيولى المجردة عن كل صوره القابلة لكل صورة. # قال أصحاب الهيولى مع الصورة أما إثبات الهيولى جوهرا معقولا فمسلم للعقل PageV01P096 ~~وأما جواز تعريها عن الصور أو وجوب ذلك فهو المختلف فيه وما أوردتموه من ~~المقدمات تحكمات فلم قلتم إنه إذا أمكن تعريها عن اتصال وانفصال معين أمكن ~~تعريها عن كل اتصال وانفصال لأن الذي يتبدل ويتغير من الاتصال والانفصال ~~عرض من باب الكم والاتصال الذي هو الأبعاد الثلاثة جوهر هو صورة جسمية فما ~~هو عرض يجوز عليه التبدل وما هو جوهر لم يتبدل قط وليس العرض من قبيل ~~الجوهر حتى يحكم عليه بحكم الثاني وكذلك كون الجسم في حيز مخصوص من قبيل ~~الأعراض من ms106 باب الأين وكونه متحيزا صورة جسمية هو من قبيل الجواهر فلم يجز ~~أن يقال إذا جاز عليه تبدل المكان المخصوص جاز عليه ألا يكون له حيز ومكان ~~هذا جواب الحكيم للحكيم. # أما جواب المتكلم فيقول لم إذا جاز خلو الجوهر عن عرض جاز خلوه عن كل عرض؟. # قال لأن الجوهر هو القائم بذاته المستغني عن المحل فلو لم يجز خلوه عن ~~الأعراض لبطل قيامه بذاته ولكان في وجوده محتاجا إلى العرض كما كان العرض ~~في وجوده محتاجا إلى الجوهر وحينئذ يلتبس حد الجوهر بحد العرض ويختلط ~~أحدهما بالآخر وذلك خروج عن المعقول. # فيقول المتكلم: الجوهر في قيامه بذاته يستغني عن محل يحل فيه بحيث يوصف ~~المحل به، والعرض في احتياجه من حيث ذاته يحتاج إلى محل يحل فيه بحيث يوصف ~~المحل به؛ لكن لا يجوز أن يخلو الجوهر عن كل الأعراض لا لأنه يحتاج إليها ~~في قيامه بذاته جوهرا لكن في وجوده لا يتصور أن يكون خاليا عن كون في مكان مخصوص. # وقال أصحاب الصور: لو قدرنا الهيولى جوهرا قائما بذاته عريا عن الصور ~~كلها حتى لا يكون له وضع وحيز وبعد واتصال ومقدار يقبل الانقسام ثم قدرناه ~~حصل فيه المقدار مثلا فإما أن يصادفه المقدار دفعة أو على تدريج فإن صادفه ~~دفعة حتى حصل ذا مقدار فيكون قد صادفه بحيث حتى انضاف إليه فيكون له حيث ~~وحيز فيجب أن يكون ذا حيز أو لا حتى يصادفه حيث هو فيكون ذا صورة وإن صادفه ~~على تدريج أو انبساط فكل ما من شأنه أن ينبسط فله جهات وكل ما له جهة فهو ~~ذو وضع وعلى الوجهين جميعا لا يصادفه الاتصال والمقدار إلا أن يكون له حيث ~~وحيز ووضع وقد فرض غير متحيز وذا وضع فهو خلف. # قال أصحاب الهيولى: كل حادث في زمان فيجب أن يسبقه إمكان الوجود وذلك ~~الإمكان أن يكون في نفس المقدر وإما أن يكون في شي ء وبطل أن يكون في PageV01P097 ~~نفس المقدر فإن المقدر لو قدر ms107 عدمه لم ينعدم الإمكان فيتعين أنه في شي ء ما ~~خارج عن الذهن ولا يخلو إما أن يكون موجودا أو معدوما ومحال أن يكون معدوما ~~فإن المعدوم قبل والمعدوم مع شي ء واحد وليس الإمكان قبل هو الإمكان مع، ~~وإن كان موجودا فإما أن يكون قائما في موضوع، وإما أن يكون قائما لا في ~~موضوع فكل ما هو قائم لا في موضوع فله وجود خاص لا يجب أن يكون به مضافا ~~وإمكان الوجود بما هو إمكان أمر مضاف لما هو إمكان له، فهو إذا أمر في ~~موضوع عارض لموضوع ونحن نسميه قوة الوجود والذي فيه قوة وجود الشي ء ~~والموضوع والمادة والهيولى قالوا والإمكان قد يعرى عن الوجود لأنه لو تحقق ~~وجود كل ممكن لحصلت موجودات بغير نهاية، فالعلم قد سبقه إمكان الوجود وقد ~~سبقه الهيولى التي فيها الإمكان والإمكان لم يكن في الأزل فالهيولى لم تكن ~~في الأزل فتصور وجود العالم حيث تحقق الهيولى وتحقق الهيولى حيث تحقق ~~الإمكان، والإمكان والوجوب لا يجتمعان «1». # وهذا دليل أفلاطن إلهي في حدوث العالم بصورته وهيولاه قال: وكما تصور ~~وجود موجودات كلية في العقل تصور وجود موجودات كلية في الخارج عن العقل وهي ~~حقائق مختلفة تختلف بالخواص كالعقول السماوية. # وقال أصحاب الصور: هذا البرهان صحيح في الموجودات الزمانية لكن كما لا ~~يتحقق إمكان إلا في مادة لا تتصور مادة إلا متصورة بصورة فإنها إن كانت ~~عرية عن الصور كلها كان لا يتحقق نحوها قصد الفاعل حتى يفيض عليها الصور إذ ~~لا حيث لها ولا وضع ولا أين وكما أن الإمكان ليس شيئا متقوما إلا بالهيولى ~~والهيولى ليس شيئا متقوما إلا بالصورة فيقوم الهيولى بالصورة وتقوم الصورة ~~بواهب الصورة وليس تنفك إحداهما عن الثانية بحال أصلا. # برهان آخر: لو قدرنا الهيولى موجودة متقومة فإما أن يقال هي واحدة أو ~~كثيرة فإن كانت واحدة ثم صارت اثنين أفبانضمام آخر إليه أم بتكثير ذلك ~~الواحد في نفسه من غير انضمام من خارج فإن قدر الأول فهما ms108 جوهران انضم ~~أحدهما إلى الثاني ويكون الهيولى اثنين وما تحقق فيه الاثنينية قبل القسمة ~~إما بالانفصال إذا كانا متصلين وإما بالعدد إذا كانا مقدارين وكل ذلك صورة ~~وإن تكثر الواحد في نفسه من غير انضمام من خارج كان حين كان واحدا لم يقبل ~~القسمة ثم صار قابلا للقسمة فتكون PageV01P098 ~~له صورة الوحدة تارة وصورة التكثر تارة فيكون ذا صورتين ويلزم أن يكون بين ~~الحالتين مادة مشتركة بها يقبل الوحدة تارة والكثرة أخرى فيكون للمادة مادة ~~ويتسلسل وكذلك لو فرضنا اثنين جوهرين ثم خلعنا صورة الاثنينية فصارا شيئا ~~واحدا فلا يخلو إما أن يتحدا وكل واحد منهما موجود أو أحدهما موجود والآخر ~~معدوم أو كلاهما معدومان وحصل ثالث بالإيجاد فإن كان فهما إذا اثنان لا ~~واحد وإن اتحدا وأحدهما معدوم والآخر موجود فالمعدوم كيف يتحد بالموجود وإن ~~عدما بالإيجاد حصل ثالث فهما غير متحدين بل لا بد من معدومين ويلزم أيضا في ~~خلع صور الاثنينية مادة مشتركة كما لزم في لباس صورتها مادة مشتركة فيتحقق ~~بهذه البراهين أن الهيولى قط لا تعري عن الصورة بل قوامها بالفعل يكون ~~بالصورة وقوام الصورة من حيث ذاتها لا يكون بها بل بواهب الصورة فكانت ~~الهيولى حافظة لها قبولا وكانت الصورة مقومة لها وجودا فالصورة لا تحدث إلا ~~في الهيولى والهيولى لا تعرى عن الصورة وكل واحد منهما جوهر لأن الجسم مركب ~~منهما والجسم جوهر والبسيطان جوهران والتمييز بينهما بالفعل غير متصور ~~والفصل بينهما فصل بالعقل وفي المسألة بقايا من المباحثات بين الفريقين، ~~وذلك حظ الحكمة الفلسفية لاحظ الحقائق الكلامية وقد عرفت من هذه المباحثة ~~أن مذهب المعتزلة في المعدوم شي ء هو بعينه مذهب بعض الفلاسفة في أن ~~الهيولى موجودة قبل وجود الصورة والله الموفق. PageV01P099 ### | AUTO القاعدة الثامنة في إثبات العلم بأحكام الصفات العلى # قد شرع المتكلمون في إثبات العلم بأحكام الصفات قبل الشروع في إثبات ~~العلم بالصفات لأن الأحكام إلى الأذهان أسبق والمخالفون من المعتزلة في ~~إثبات الصفات يوافقون في أحكام الصفات. # وسلكوا ms109 طريقين أحدهما النظر والاستدلال والثاني الضرورة والبديهة، ثم ~~منهم من يرى الابتداء بإثبات كونه قادرا أولى ومنهم من يثبت كونه عالما ~~أولا ثم يثبت كونه قادرا مريدا ومنهم من يبتدئ بالإرادة ثم يثبت كونه قادرا ~~عالما «1». # قال أصحاب النظر في إثبات كونه قادرا أولا: إن الدليل قد قام على أن ~~الصنع الجائز ثبوته والجائز عدمه إذا وجد احتاج إلى صانع يرجح جانب الوجود ~~فيجب أن يكون الصانع قادرا لأن من الأحياء من يتعذر عليه الفعل ومنهم من ~~يتيسر فسبرنا جملة صفات الحي روما للعثور على المعنى الذي لأجله ارتفع ~~التعذر وتحقق التأتي والتيسر فلم نجد صفة إلا القدرة أو كونه قادرا، فكان ~~الذي صحح الفعل من الحي كونه قادرا هو علة لصحة الفعل والعلة لا تختلف ~~حكمها شاهدا وغائبا وكذلك صادفنا إحكاما وإتقانا في الأفعال وسبرنا ما ~~لأجله يصح الإحكام والإتقان من الفاعل فلم نجد إلا كونه عالما وكذلك رأينا ~~الاختصاص ببعض الجائزات دون البعض مع تساوي الكل في الجواز وسبرنا ما لأجله ~~يصح الاختصاص، فلم نجد إلا كونه مريدا ثم لم يتصور وجود هذه الصفات إلا وأن ~~يكون الموصوف بها حيا لأن الجماد لا يتصور منه أن يكون قادرا أو عالما ~~فقلنا القادر حي وأيضا فإنا لو لم نصفه بهذه الصفات لزمنا وصفه بأضدادها من ~~العجز والجهل والموت وتلك نقائص مانعة من صحة الفعل المحكم ويتعالى الصانع ~~عن كل نقص. # ولخصومهم من المعطلة على هذه الطريقة أسئلة منها ما هو على الأشعرية PageV01P100 ~~سؤالان ومنها على المعتزلة آخران ومنها سؤال على جميع المتكلمين. # أما السؤال الأول فقالوا أنتم إذا نفيتم الحال وقلتم الأشياء في حقائقها ~~تتمايز بذواتها ووجودها فكيف يستمر لكم الجمع بين الشاهد والغائب. الثاني: ~~أنكم ما أثبتم في الشاهد فاعلا موجدا على الحقيقة وإن أثبتم فاعلا مكتسبا ~~فكيف يستمر لكم الجمع بين ما لم يتصور منه الإيجاد وبين ما لم يتصور منه ~~الاكتساب. # أجاب الأصحاب عن السؤال الأول: بأنا وإن نفينا الحال صفة ثابتة لعين مشار ~~إليها لم ms110 ننف الوجوه والاعتبارات العقلية جمعا بين الشاهد والغائب بالعلة ~~والمعلول والدليل والمدلول وغير ذلك فإن العقل إذا وقف على المعنى الذي ~~لأجله صح الفعل من الفاعل في الشاهد حكم على كل فاعل كذلك. # وأما الثاني: فإنا وإن لم نثبت إيجادا وإبداعا في الشاهد إلا أنا نحس في ~~أنفسنا تيسرا وتأتيا وتمكنا من الفعل وبذلك الوجه امتازت حركة المرتعش عن ~~حركة المختار وهذا أمر ضروري، ثم وجه تأثير القدرة في المقدور أهو إيجاد أم ~~اكتساب نظر ثان، ونحن بهذا الوجه جمعنا لا بذلك الوجه الذي فرقتم. # أما السؤال على المعتزلة قالوا: من أثبت الحال منكم لم يثبت للفعل أثرا ~~من الفاعل إلا حالا لا توصف بالوجود والعدم والقادرية أيضا عندكم حال فكيف ~~أوجدت حالة حالة. # والثاني: إنكم أثبتم تأثيرا للقدرة الحادثة في الإيجاد وما أثبتم للقدرة ~~في الغائب إلا حالا فما أنكرتم أن المصحح للإيجاد هو كونه قدرة لا كونه ~~قادرا فما حصل في الشاهد لم يوجد في الغائب وما ثبت في الغائب لم يثبت في ~~الشاهد ثم أثبتم تأثيرا في إيجاد حركات دون الألوان والأجسام فإن جمعتم بين ~~الشاهد والغائب بمجرد الحدوث فقولوا: إن القدرة الحادثة تصلح لإيجاد كل ~~موجود وإن تقاصرت القدرة في الشاهد حتى لم يجمع بين محدث ومحدث في الشاهد ~~فكيف يصح الجمع بين محدث في الشاهد ومحدث في الغائب. # وأما السؤال على الفريقين قالوا: هذا تمسك باستقراء الحال وهو فاسد من ~~وجوه كثيرة منها: إنكم وجدتم في بعض الفاعلين أن البناء يدل على الباني ~~وقلتم سبرنا صفات الباني فعثرنا على كونه قادرا فما أنكرتم أن بانيا يصدر ~~عنه البناء ويكون حكمه على خلاف هذا الباني حتى لا يستدعي كونه قادرا كما ~~أنكم ما رأيتم بانيا إلا بآلة وأداة فلو حكمتم على كل بان بآلة وأداة كان ~~الحكم فاسدا كذلك في كونه قادرا أو ذا قدرة أليست المعتزلة تخالفكم في ~~القدرة والعلم والإرادة وأنتم تقولون البناء يدل PageV01P101 ~~على كون الباني ذا قدرة وعلم وإرادة ثم لم تطردوا ms111 هذا الحكم غائبا فإذا ~~يلزمكم دليل مستأنف في حق الغائب ولا يغنيكم دعوى الضرورة في هذا الجمع ~~فأنتم معاشر المعتزلة يلزمكم في استقرائكم الشاهد كون الصانع ذا قدرة وعلم ~~وإرادة وأنتم معاشر الأشاعرة يلزمكم في استقرائكم الشاهد كون الصانع ذا ~~بنية وآلة وأداة وبالجملة الاستقراء ليس يوجب علما وإن ادعيتم الضرورة فما ~~بالكم شرعتم في الدليل. # قال القاضي أبو بكر رحمه الله إذا كنا نعود في آخر الاستدلال بعد السبر ~~والتقسيم والترديد والتحويم إلى دعوى الضرورة فما بالنا لم ندع البديهة ~~والضرورة في الابتداء. # فنقول إذا أحاط المرء علما ببدائع الصنع وعجائب الخلق من سير المتحركات ~~على نظام وترتيب وثبات الساكنات على قوام وتسديد وحصول الكائنات بين ~~المتحركات والساكنات فمن جماد ونبات ومن حيوان ومن إنسان وكل بإحكام وإتقان ~~عرف يقينا أن الصانع عالم حكيم قادر مريد ومن استراب عن ذلك كان عن العقل ~~خارجا وفي تيه الجهل والجا ولسنا نحتاج في ذلك إلى إثبات فعل في الشاهد ثم ~~طرد ذلك في الغائب بل الغائب شاهد والعقل رائد والبصر ناقد ومن حاول ~~الاستدلال في مناهج الضروريات عمي من حيث يبصر وجهل من حيث يستبصر. # وأجاب إمام الحرمين عن سؤال الاستقراء بأن قال: نحن لم نستقر الحال في ~~الشاهد ولا نحكم على الغائب بحكم الشاهد لكنا نقول قام الدليل على حدوث ~~العالم واحتياجه من حيث إمكانه إلى مرجح لأحد طرفي الإمكان والمرجح إما أن ~~يرجح بذاته ولذاته أو بذاته على صفة أو بصفة وراء الذات واستحال الترجيح ~~والتخصيص بالوجود بالذات من حيث هو ذات لأن الموجب بالذات لا يخصص مثلا عن ~~مثل فإن نسبة الذات إلى هذا المثل كنسبته إلى المثل الثاني فيجب أن يكون ~~بصفة وراء الذات أو بذات على صفة، وقد ورد التنزيل والشرع بتسمية تلك الصفة ~~التي يتأتى بها التخصيص إرادة ثم الإرادة تخصص، ولا توقع فالصفة التي يتأتى ~~بها الإيقاع والإيجاد هي القدرة والفعل إذا اشتمل على إتقان وإحكام وجب ~~بالضرورة كون الصانع عالما والإرادة أيضا لا ms112 تتعلق بشي ء إلا بعد أن يكون ~~المريد عالما وهذه الصفات تستدعي في ثبوتها الحياة فوجب أن يكون الصانع حيا ~~وقد نازعوه في تماثل الأشكال وتشابه الأمثال، وذلك عناد وجدال لكن الخصم ~~يقول نسبة الصنع عندنا إلى الذات كنسبته إلى الإرادة والقدرة عندكم، فإن ~~الإرادة عندكم واحدة وهي في ذاتها صفة صالحة يتأتى بها التخصيص مطلقا ~~ونسبتها إلى هذا المثل كنسبتها إلى مثل آخر وكذلك القدرة ولأنهما لا ~~يتعلقان بالمرادات والمقدورات قبل الإيجاد فما الموجب لتخصيص حال PageV01P102 ~~الوجود بالإيقاع ونسبة الإرادة والقدرة إلى هذه الحال كنسبتها إلى حال أخرى ~~فجوابكم عن تعلق الصفات بالمتعلقات إيجادا هو جوابنا عن نسبة الذات إلى ~~الموجبات إيجابا والسؤال مشكل، وقد أشرنا إلى حل الإشكال في حدث العالم ~~وربما يقول الخصم ألستم رددتم معنى كونه حكيما إلى كونه مريدا أو فاعلا على ~~مقتضى العلم ورد الكعبي كونه مريدا إلى كونه قادرا عالما ورد أبو الحسين ~~البصري جملة الصفات إلى كونه قادرا عالما على رأي وإلى كونه قادرا على رأي ~~وإلى كونه عالما على رأي فنحن رددنا جملة الصفات إلى كونه ذاتا واجبة ~~الوجود على جلال وكمال تصدر منه الموجودات على أحسن نظام وأتقن إحكام ثم ~~يشتق له اسم من نحو إيثاره لذاته أو اسم لذاته أو اسم من حيث تقدسه عن سمات ~~مخلوقاته ويسمى الأول أسماء إضافية كالعلة والمبدأ والصانع ويسمى الثاني ~~أسماء سلبية كالواحد والعقل والعاقل والجواب وأشتهي أن تجري في هذه الأسامي ~~مباحثة عقلية للإنصاف والانتصاف. # فأقول العلة والمبدأ عندكم يقال على كل ما استمر له وجود في ذاته ثم حصل ~~منه وجود شي ء آخر ويقوم به وقد يكون الشي ء علة للشي ء بالذات وقد يكون ~~بالعرض وقد تكون علة قريبة وقد تكون علة بعيدة وواجب الوجود لذاته تام ~~الوجود في ذاته وحصل منه العقل الأول أهو علة له بالذات أم بالعرض فإن كان ~~علة له بالذات لا بالعرض فهو مبدأ له بالقصد الأول لا بالقصد الثاني ولم ~~يكن واجب الوجود ms113 غنيا مطلقا بل فقيرا محتاجا إلى كسب ولم يكن كاملا مطلقا ~~بذاته لو لا معلوله؟ بل كاملا بغيره ناقصا باعتبار ذاته كيف وهم يأبون أن ~~يكون المعلول الأول وسائر الموجودات إلا من لوازم تعلقه بذاته فلا يكون ~~توجيه واجب الوجود الأزلي إلا إلى ذاته على سبيل الاستغناء المطلق عن الكل ~~ووجوه سائر الموجودات إليه على سبيل احتياج الكل إليه وإن قالوا هو علة ~~بالعرض لا بالذات مبدأ بالقصد الثاني لا بالقصد الأول قلنا فما لم تكن ~~العلة علة لشي ء بالذات لا تكون علة لشي ء آخر بالعرض وما لم يكن مبدأ الشي ~~ء بالقصد الأول لا يكون مبدأ الشي ء بالقصد الثاني فيلزم ما لزم في الأول ~~فيبطل إطلاق لفظ العلة والمبدأ عليه. # ونقول أيضا كونه مبدأ وعلة لم يدخل في مفهوم كونه واجبا بذاته فإن مفهوم ~~أنه علة أمر إضافي ومفهوم أنه واجب بذاته أمر سلبي وقد تمايز الأمران ~~والمفهومان ويدل كل واحد منهما على غير ما دل عليه الثاني فمن أين يصح لكم ~~رد المعاني إلى أمر واحد وهو الذات فتمايز المفهومات والاعتبارات عندكم ~~وتمايز الأحوال عند أبي هاشم وتمايز الصفات عند أبي الحسن على وتيرة واحدة ~~وكلكم يشير إلى مدلولات مختلفة الخواص والحقائق واعتذاركم أن كثرة اللوازم ~~والسلوب والإضافات لا تقتضي كثرة في صفات PageV01P103 ~~الذات واستشهادكم بالقرب والبعد لا يغني عن هذا الإلزام فإنا نلزمكم تمايز ~~الوجوه والاعتبارات بين الإضافي والسلبي إذ من المعلوم كونه علة ومبدأ ~~للمعلول الأول أمر أو حال سلبي وليس يوجب المعلول من حيث أنه انتفى عن ~~الكثرة وليس كونه مسلوب الكثرة عنه موجبا للمعلول ولا يلزم وجوده شي ء من ~~حيث يسلب عنه شي ء ولا يسلب عنه شي ء من حيث يلزم وجوده شي ء ويخالف ما نحن ~~فيه حال القرب والبعد بالإضافة إلى شي ء دون شي ء فإن قرب الجوهر من جوهر ~~قد يكون من باب الإضافة وقد يكون من باب الوضع وقد يكون من باب الأين لكن ms114 ~~لفظ القرب والبعد يطلق على كل جوهرين تقاربا أو تباعدا بمقدار ما والمقادير ~~بينهما لا تنحصر في حد فقيل فعند ذلك تختلف بالنسب والإضافات وهي لا تنحصر ~~فلو قلنا إنهما أمران زائدان على وجودهما أدى ذلك إلى إثبات أعراض لا ~~تتناهى لجوهرين متناهيين لكن ما فيه القرب والبعد متناهيين أعني الأين ~~والوضع والإضافة فهي أمور زائدة على ذاتي الجوهرين فعرف أن المثال الذي ~~تمثلوا به لازم عليهم. # على أنا نقول: ألستم أثبتم الإضافة معنى وعرضا زائدا على الجوهر، ~~فأفيدونا فرقا معقولا بين إضافة الأب إلى الابن وبين إضافة العلة إلى ~~المعلول، فإن الإضافة هي: # المعنى الذي وجوده بالقياس إلى شي ء آخر وليس له وجود غيره مثل الأبوة ~~بالقياس إلى البنوة لا كالأب فإن له وجودا كالإنسانية وكونه مصدرا ومبدأ هو ~~المعنى الذي وجوده بالقياس إلى المعلول وليس له وجود غيره وكذلك كل علة ~~ومعلول سوى العلة الأولى فتعرض له هذا المعنى وهو هذا المعنى بعينه ثم ~~حكمتم بأن الأبوة معنى هو عرض زائد فهلا حكمتم بأن العلية معنى هو عرض زائد ~~حتى يلزم أن يكون الإيجاب بالذات نوع ولادة. # وكثيرا ما دار في خيالي وخاطري أن الذي اعتقدوه النصارى من الأب والابن ~~هو بعينه ما قدره الفلاسفة من الموجب والموجب والعلة والمعلول تكاد ~~السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا وما ~~ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا [مريم: 90 - 92]، فهو تعالى لم يوجب ولم يوجب ~~ولم يلد ولم يولد وإنما نسبة الكل إليه نسبة العبودية إلى الربوبية، إن كل ~~من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا [مريم: 93]، وهو رب كل شي ء ~~ومبدعه وإله كل موجود وفاطره جل جلاله وتقدست أسماؤه ولا إله غيره. PageV01P104 ### | AUTO القاعدة التاسعة في إثبات العلم بالصفات الأزلية # صارت المعتزلة إلى أن الباري تعالى حي عالم قادر لذاته لا بعلم، وقدرة ~~وحياة واختلفوا في كونه سميعا بصيرا مريدا متكلما على طرق مختلفة كما ~~سنوردها مسائل أفراد إن شاء الله، وأبو ms115 الهذيل العلاف «1» انتهج مناهج ~~الفلاسفة فقال الباري تعالى عالم بعلم هو نفسه ولكن لا يقال نفسه علم كما ~~قالت الفلاسفة عاقل وعقل ومعقول «2». # ثم اختلفت المعتزلة في أن أحكام الذات هل هي أحوال الذات أم وجوه ~~واعتبارات فقال أكثرهم: هي أسماء وأحكام للذات وليست أحوال وصفات كما في ~~الشاهد من صفات الذاتية للجوهر والصفات التابعة للحدوث. # وقال أبو هاشم: هي أحوال ثابتة للذات وأثبت حالة أخرى توجب هذه الأحوال. # وقالت الصفاتية من الأشعرية والسلف: إن الباري تعالى عالم بعلم قادر ~~بقدرة حي بحياة سميع بسمع بصير ببصر مريد بإرادة متكلم بكلام باق ببقاء ~~وهذه الصفات زائدة على ذاته سبحانه وهي صفات موجودة أزلية ومعان قائمة بذاته. # وحقيقة الإلهية هي: أن تكون ذات أزلية موصوفة بتلك الصفات وزاد بعض السلف ~~قديم بقدم كريم بكرم جواد بجود إلى أن عد عبد الله بن سعيد الكلابي خمس ~~عشرة صفة على غير فرق بين صفات الذات وصفات الأفعال. # قالت الفلاسفة: واجب الوجود بذاته لن يتصور إلا واحدا من كل وجه فلا صفة ~~ولا حال ولا اعتبار ولا حيث ولا وجه لذات واجب الوجود بحيث يكون أحد ~~الوجهين والاعتبارين غير الآخر أو يدل لفظ على شي ء هو غير الآخر بذاته، ~~ولا يجوز أن يكون نوع واجب الوجود لغير ذاته لأن وجود نوعه له لعينه ولا ~~يشاركه شي ء ما صفة كانت أو موصوفا في وجوب الوجود والأزلية، ولا ينقسم هو ~~ولا يتكثر لا بالكم ولا بالمبادئ المقومة ولا بأجزاء الحقيقة والحد تعم له ~~صفات سلبية PageV01P105 ~~مثل تقدسه عن الكثرة من كل وجه فيسمى لذلك واحدا حقا أحدا صمدا ومثل تنزهه ~~عن المادة وتجرده عن طبيعة الإمكان والعدم يسمى لذلك عقلا وواجبا وله صفات ~~إضافية مثل كونه صانعا مبدعا حكيما قديرا جوادا كريما، وصفات مركبة من سلب ~~وإضافة مثل كونه مريدا أي هو مع عقليته ووجوبه بذاته مبدأ لنظام الخير كله ~~من غير كراهية لما يصدر عنه وجوادا أي هو بهذه الصفة وزيادة سلب أي ms116 لا ينحو ~~أعراضا لذاته وأولا أي هو مسلوب عنه الحدوث مع إضافة وجود الكل إليه وصفاته ~~عندهم إما سلبية محضة وإما مؤلفة من سلب وإضافة والسلوب والإضافات لا توجب ~~كثرة في الذات. # ونحن نسلك منهاجا في إنهاء كلام كل صاحب مذهب نهايته على سبيل المناظرة ~~والمباحثة فتظهر مزلة الأقدام ومضلة الأوهام ويلوح الحق من وراء ستر رقيق ~~على أوضح تحقيق وتدقيق. # قالت الصفاتية: ونحن نعتبر الغائب بالشاهد بجوامع أربعة وهي العلة والشرط ~~والدليل والحد أما العلة فنقول قد ثبت كون العالم عالما شاهدا معلل بالعلم ~~والعلة العقلية مع معلولها يتلازمان ولا يجوز تقدير واحد منهما دون الآخر ~~فلو جاز تقدير العالم عالما دون العلم لجاز تقدير العلم من غير أن يتصف ~~محله بكونه عالما فاقتضى الوصف الصفة كاقتضاء الصفة الوصف فمن ثبت له هذه ~~الصفات وجب وصفه بها كذلك إذا وجب وصفه بها وجب إثبات الصفة له ثم عضدوا ~~كلامهم بالإرادة والكلام فإنه لما ثبت له الإرادة والكلام كان مريدا متكلما ~~فلما ثبت كونه مريدا متكلما وجب له الإرادة والكلام فإن العلم ..... «1» لا ~~يختلفان في العلية والمعلولية وإن كانا يختلفان عندهم في القدم والحدوث. # قالت المعتزلة: تعليل الأحكام بالعلل نوع احتياج إلى العلل وذلك لا يتحقق ~~إلا إذا كان الحكم جائز الوجود وجائز العدم فيعلل الحكم بجوازه في الشاهد ~~وكون الباري تعالى عالما واجب وهو مقدس عن الاحتياج إلى التعليل فلا يعلل ~~الحكم لوجوبه في الغائب أليس كل حكم واجب في الشاهد غير معلل أصلا مثل تحيز ~~الجوهر وقبوله للعرض ومثل قيام العرض بالجواهر واحتياجه إلى المحل إلى غير ~~ذلك وخرجوا عن هذه القاعدة كونه مريدا فإنه لما لم يكن واجبا كان معللا ~~وهذا كله لأن الواجب يستقل بوجوبه عن الافتقار إلى العلة وإنما الجائز لما ~~لم يستقل بنفسه أعني أحد طرفي جوازه احتاج إلى علة أما اختيار مختار وأما ~~إيجاب علة فوجود العلم في العالم شاهدا PageV01P106 ~~لما كان جائزا احتاج إلى اختيار مختار يوجده وثبوت حكم العلة في الشاهد ms117 لما ~~كان جائزا احتاج إلى علة توجبه وهي العلم أليس وجود القديم لما كان واجبا ~~لم يعلل وجود الحادث لما كان جائزا علل. # قال الصفاتية بم تنكرون على من يعلل الأحكام الجائزة بالعلل الجائزة ~~والأحكام الواجبة بالعلل الواجبة فلا الاحتياج والافتقار غير موجب للتعليل ~~ولا الاستقلال ولا الاستغناء مانع من التعليل لأنا لسنا نعني بالتعليل ~~الإيجاد والإبداع حتى يستدعيه الجواز والاحتياج ويمنعه الوجوب والاستغناء ~~لكنا نعني بالتعليل الاقتضاء العقلي والتلازم الحقيقي بشرط أن يكون أحدهما ~~ملتزما والآخر ملتزما والوجوب والجواز لا أثر لهما في منع الاقتضاء ~~والتلازم فلا يمتنع عقلا تعليل الواجب بالواجب وتعليل الجائز بالجائز ~~وزادوا على ذلك تحقيقا. # فقالوا نحن لا نحكم على الأحكام من حيث إنها أحكام بأنها جائزة فإنها على ~~مذهب مثبتي الأحوال صفات لا توصف بالوجود والعدم ولا ذات لها على الانفراد ~~حتى يقال هي جائزة أو واجبة وعلى مذهب النفاة عبارات عن اختصاصات المعاني ~~بالمحال بحيث يعبر عنها بالأسامي وهي على المذهبين لا يطلق عليها الجواز ~~والوجوب من حيث هي أحكام بل الوجوب إليها أقرب فإنها بالنسبة إلى عللها ~~واجبة سواء قدرت قديمة أو حادثة فكون العالم عالما بعد قيام العلم بالمحل ~~ليس بجائز بل واجب لأنه من حيث هو حكم العلم لا ذات له فلا يتطرق إليه ~~الجواز والإمكان ومن حيث هو حكم العلم يتطرق إلى ذي العلم الجواز إذ يجوز ~~أن يكون ذا علم ويجوز أن لا يكون والجواز من هذا الوجه لا يعلل البتة بل ~~ينسب إلى الفاعل حتى يخصص بأحد طرفي الجواز فهو إذا من حيث إنه جائز لا ~~يعلل بعلة ولو وجب تعليل كل جائز بعلة وتلك العلة أيضا تعلل بعلة فيؤدي إلى ~~ما لا نهاية له ولست أقول لا ينسب إلى فاعل وأن نسبة الجائز في أن يوجد إلى ~~فاعل ليس كنسبة العالمية في أن توجب إلى علم فليفرق الفارق بين تعليل ~~الأحكام بالعلل وبين تعلق المقدور بالقدرة فإن بينهما بونا عظيما وأمدا ~~بعيدا فلا يجوز أن يقتبس ms118 حكم أحدهما من الآخر ولا أن يطرد حكم أحدهما في ~~الثاني إلا أن يمنع مانع أصل التعليل، ويرفع العلة والمعلول ولا نقول بهما ~~في الشاهد والغائب وذلك كلام آخر ومن نفى الحال وكونها صفة ثابتة في ~~الأعيان لم يصح إثبات العلة والمعلول على أصله تحقيقا فإنه لم يبق إلا ~~عبارة أعيانا محضة أو وجه اعتبار عقلي فلا معنى لكون العالم عالما على أصله ~~إلا أنه شي ء ما له علم وليس العلم يوجب حكما زائدا على نفسه فيقال أي شي ء ~~يعني بكونه فاعله أهي مقتضية شيئا أم PageV01P107 ~~غير مقتضية وإن اقتضت أهي تقتضي نفسها أم غيرها فإن اقتضت نفسها فذلك سفسطة ~~وإن اقتضت غيرها أفهو موجود أو حال أو جهة لا توصف بالوجود والعدم والكلام ~~على الأمرين ظاهر فقد تكلمنا على ذلك في مسألة الحال بما فيه مقنع ونقول ~~هاهنا إن سلم مسلم كون العلم علة العالمية في الشاهد وألزم الطرد والعكس ~~حتى إذا ثبت العلم وجب كون المحل عالما وإذا ثبت كون المحل عالما لزم وجود العلم. # أجاب بأن الطرد والعكس شاهدا وغائبا إنما يلزم بعد تماثل الحكمين من كل ~~وجه لا من وجه دون وجه والخصم ليس يسلم تماثل الحكمين أعني عالمية الباري ~~تعالى وعالمية العبد بل لا تماثل بينهما إلا في اسم مجرد وذلك أن العلمين ~~إنما يتماثلان إذا تعلقا بمعلوم واحد والعالميتان كذلك ومن المعلوم الذي لا ~~مرية فيه أن عالمية الغائب وعالمية الشاهد لا يتماثلان من كل وجه بل هما ~~مختلفان من كل وجه فكيف يلزم الطرد والعكس والإلحاق والجمع أليس لو ألزم ~~طرد حكم للعالمية في الغائب من تعلقها بمعلومات لا تتناهى وحكم القادرية في ~~الغائب من صلاحية الإيجاد والتعلق بالمقدورات التي لا تتناهى إلى غاية حتى ~~يحكم على ما في الشاهد بذلك لم يلزم فلذلك احتياج العالمية في الشاهد إلى ~~علة لا يستدعي طرده في الغائب فإذا لا تعويل على الجمع بين الشاهد والغائب ~~بطريق العلة والمعلول بل إن قام دليل في ms119 الغائب على أنه عالم بعلم قادر ~~بقدرة فذلك الدليل مستقل بنفسه غير محتاج إلا ملاحظة جانب الشاهد. # ومن الجمع بين الشاهد والغائب الشرط والمشروط قالت الصفاتية: ألستم ~~وافقتمونا على أن الشرط وجب طرده شاهدا وغائبا فإن كون العالم عالما لما ~~كان مشروطه بكونه حيا في الشاهد وجب طرده في الغائب حتى إذا ثبت كونه حيا ~~بهذا الطريق كذلك في العلم وأنتم ما فرقتم في الشرط بين الجائز والواجب ~~لذلك يلزمكم في العلم أن لا تفرقوا في العلة بين الجائز والواجب وهذا لازم ~~على المعتزلة غير أن لهم ولغيرهم طريقا آخر في إثبات كونه تعالى حيا بدون ~~الشرط فإن الحياة بمجردها لم تكن شرطا في الشاهد ما لم ينضم إليها شرط آخر ~~فإن البينة على أصلهم شرط في الشاهد ثم لم يجب طرده في الغائب وانتفاء ~~الأضداد شرط حتى يتحقق العلم ويجوز أن يكون المعنى الواحد شرطا لمعان كثيرة ~~ويجوز أن تكون شروط كثيرة لمعنى واحد وبهذا يتحقق التمايز بين الشرط والعلة ~~فلا يلزم الشرط على القوم ولكن يلزم على كل من قال بالعلة والمعلول والشرط ~~والمشروط سؤال التقدم والتأخر بالذات وإن كانا متلازمين في الوجود فإن ~~العلة إنما صارت مقتضية للحكم لاستحقاقها التقدم عليه بذاته والمعلول إنما ~~صار مقتضيا للعلة لاستحقاقه التأخر عنها بذاته وبهذا أمكنك أن PageV01P108 ~~تقول إنما صار العالم عالما لقيام العلم به ولا يمكنك أن تقول إنما قام ~~العلم به لكونه عالما ولو كان حكمهما في الذات حكما واحدا لم يثبت هذا ~~الفرق وبمثل هذا نفرق بين القدرة الحادثة والمقدور فإن الاستطاعة وإن كانت ~~مع الفعل وجودا إلا أنها قبل الفعل ذاتا واستحقاق وجود ولهذا أمكنك أن تقول ~~حصل الفعل بالاستطاعة ولا يمكنك أن تقول حصلت الاستطاعة بالفعل وهذا قولنا ~~في الشرط والمشروط فإن المحل يجب أن يكون حيا أولا حتى يقوم العلم به ~~والقدرة ولا يمكنك أن تقول العلم والقدرة أولا حتى يكون حيا وإلا فيرتفع ~~التميز بين الشرط والمشروط. # ولا نظن أن هذا الفرق راجع ms120 إلى مجرد اللفظ فإن التفرقة المذكورة قضية ~~عقلية وراء اللفظ ولا تظنن أيضا أنه راجع إلى تقديرنا الوهمي حيث يقدر ~~استحقاق وجود لأحدهما دون الثاني وافتقار وجود أحدهما بالثاني فإن كل تقدير ~~وهمي إذا لم يكن معقولا أمكن تبديله بغيره من التقديرات وهذا لا يمكن ~~تبديله بل هذه قضية معقولة فيلزم على ذلك أحد أمرين أما إن يترك القول ~~بالعلة والمعلول والشرط والمشروط رأسا ولا يطلق لفظ الإيجاب والاقتضاء على ~~المعاني بل يقال معنى كون الشي ء عالما قيام العلم به ومعنى قيام العلم به ~~اتصاف محله به من غير فرق لكن يشتق له اسم من العلم فيقال عالم كما يشتق له ~~اسم من الفعل فيقال فاعل وهذا أمر راجع إلى اللغة فحسب فلا اقتضاء ولا ~~إيجاب ولا علة ولا معلول وهذا أهون الأمرين وأما أن يقضي بسبق العلم على ~~العالمية وأن يكون الوجود بالعلم أولا وأولى منه بالعالمية ثم يحكم بسبق ~~الذات على الصفات وأن يكون الوجود بالذات أولا أولى منه بالصفات من حيث أن ~~الذات قائمة بذاتها والصفات قائمة بها حتى يكون الموصوف من حيث الذات أسبق ~~على الصفة والصفة من حيث الإيجاب والاقتضاء أسبق على الموصوف وهذا أشنع ~~الأمرين والاستخارة إلى الله سبحانه وتعالى وهو خير مخير «1». # ومن الجوامع بين الشاهد والغائب الحد والحقيقة جرى رسم المتكلمين بذكر ~~الحد والحقيقة في هذا الموضع وقد اختلفوا في أن الحد عين المحدود أو غيره ~~وإنه والحقيقة شي ء واحد أم شيئان. # قال نفاة الأحوال إلى حد الشي ء وحقيقته وذاته وعينه عبارات عن معبر واحد. PageV01P109 # وقال مثبتو الأحوال: إن الحد قول الحاد المبين عن الصفة التي تشترك فيها ~~آحاد المحدود، فإن المحدود عندهم يتميز عن غيره بخاصية شاملة لجميع آحاد ~~المحدود، وتلك الخاصية حال ويعبر عن تلك الحال بلفظ شامل دال عليه جامع ~~مانع يجمع ما له من الخاصية ويمنع ما ليس له من خواص غيره، ثم من الأشياء ~~ما يحد ومنها ما لا يحد على أصلهم وأكثر حدود ms121 المتكلمين راجع إلى تبديل لفظ ~~بلفظ أعرف منه وربما يكون مثله في الخفاء والجلاء وإنما أهل المنطق يبالغون ~~في ذكر شروط الحد ويحققون في استيفاء جوانبه لفظا ومعنى غير أنهم إذا شرعوا ~~في تحديد الأشياء وتحقيق ماهيتها يأتون بأبعد ما يأتي به المتكلمون كمن ~~يتقن علم العروض ولا طبع له في الشعر أو كمن يكون له طبع ولا مادة له من ~~النحو والأدب فيعود حسيرا ويصبح أسيرا ولعلهم معذورون لأن الظفر بالذاتيات ~~المشتركة والذاتيات الخاصة عسير جدا. # فنقول في تحديد الحد وشرائطه: إن الحد ينقسم إلى ثلاثة معان: حد لفظي هو ~~شرح الاسم المحض كمن يقول: حد الشي ء هو الموجود والحركة هي النقلة والعلم ~~هو المعرفة وليس يفيد ذلك إلا تبديل لفظ بما هو أوضح منه عند السائل على ~~شرط أن يكون مطابقا له طردا وعكسا. # وحد رسمي: وهو تعريف الشي ء بعوارضه ولوازمه كمن يقول حد الجوهر القائل ~~للعرض وحد الجسم هو المتناهي في الجهات القابل للحركات، وقد يفيد هذا القول ~~نوع وقوف على الحقيقة من جهة اللوازم وقد لا يفيد. # وحد حقيقي: هو تعريف لحقيقة الشي ء وخاصيته التي بها هو ما هو وإنما هو ~~ما هو بذاتيات تعمه وغيره وبذاتيات تخصه والجمع والمنع إن أريد بهما هذان ~~المعنيان فهو صحيح فيما يجمعه من الذاتيات العامة والخاصة وهو الجنس ~~والفصل، وما يمنع غيره فيقع من لوازم الجمع والطرد والعكس يقع أيضا من ~~اللوازم. # ومن شرائطه: أنه يجب أن يكون أعرف من المحدود ولا يكون مثله ولا دونه في ~~الخفاء والجلاء وأن لا يعرف الشي ء بما لا يعرف إلا به إلى غير ذلك فيما ~~ذكر فإذا ثبت ما ذكرناه من تحديد الحد بعد التفصيل. # قال: من حاول الجمع بين الغائب والشاهد بالحد والحقيقة حد العالم في ~~الشاهد أنه ذو العلم والقادر ذو القدرة والمريد ذو الإرادة فيجب طرد ذلك في ~~الغائب والحقيقة لا تختلف شاهدا أو غائبا قيل له هذا تعريف الشي ء بما هو ~~دونه في ms122 الخفاء والجلاء فإن الإنسان ربما يعرف كون زيد متحركا ويشك في ~~الحركة حتى يبرهن على ذلك وكذلك في جميع الأوصاف فكيف اقتبست معرفة الإجلاء ~~من الإخفاء، وأيضا PageV01P110 ~~فإن ذا الشي ء قد يكون على سبيل الوصف والصفة وقد يكون على سبيل الفعل ~~والمفعول وقد يكون على سبيل الملك والمملوك أليس روي في التنزيل رفيع ~~الدرجات ذو العرش [غافر: 15] ثم العرش خلقه وملكه، وليس صفة قائمة بذاته ~~فما أنكرتم أن يكون معنى كونه ذا العلم والقدرة. # قال: قد يقتبس إثبات العلم والقدرة من كونه عالما وقادرا وقد يقتبس من ~~كون الشي ء معلوما ومقدورا. # فنقول: المتعلق بالمعلوم علم والمتعلق بالمقدور قدرة فإذا قام الدليل على ~~كونه عالما بالمعلوم فيجب أن يكون عالما بالعلم. # ويحققه أن العلم إحاطة بالمعلوم ويستحيل أن تكون الذات محيطا أو متعلقا ~~فيجب أن يكون للذات صفة إحاطة هي المحيطة المتعلقة بالمعلومات. # قالت المعتزلة: معلوم الله بكونه عالما لا بالعلم ولا بالذات ولا معنى ~~لكون المعلوم معلوما إلا أنه غير مخفي على العالم كما هو عليه فليس ثم تعلق ~~حسي أو وهمي حتى يحال به على العلم أو على الذات وقولكم العلم إحاطة ~~بالمعلوم تغيير عبارة وتبديل لفظ بلفظ وإلا فالعلم والإحاطة والتيقن عبارات ~~عن معبر واحد ومعنى كون الذات عالما أنه محيط، وكذلك معنى كونه محيطا أنه ~~عالم وإنما وقعتم في إلزام لفظ الإحاطة لظنكم أن الإحاطة لو تحققت للذات ~~كانت تلك الإحاطة كإحاطة جسم بجسم وذلك الاشتراك في اللفظ وإلا فمعنى ~~الإحاطة هو العلم وهو بكل شي ء عليم محيط، وبكل شي ء عليم، وعلى كل شي ء قدير. # قالت الصفاتية: العقل الصريح يفرق بين كون الشي ء معلوما وبين كونه ~~مقدورا وكيف لا وكونه معلوما أعم من كونه مقدورا فإن المعلوم قد يكون قديما ~~وقد يكون حادثا وواجبا وجائزا ومستحيلا، وكونه مقدورا ينحصر في كونه ممكنا ~~جائزا ثم نسبة المعلوم إلى الذات من حيث هي ذات واحدة كنسبة المقدور من حيث ~~هي ذات. # فنقول نسبة ms123 الذات إليهما على قضية واحدة عندكم أم تختلف النسبة فإن كان ~~نسبة الذات إليهما على قضية واحدة فيلزم أن لا يكون أحدهما أعم، والثاني ~~أخص، ويجب أن يكون كل معلوم مقدورا كما كان كل مقدور معلوما وإن اختلف وجه ~~النسبة بالأعم والأخص علم أنه ما كان مضافا إلى الذات بل إلى صفة وراء الذات PageV01P111 ~~وذلك مما يخبر عنه التنزيل بالعلم والقدرة «1». # قالت المعتزلة: تختلف وجوه الاعتبارات في شي ء واحد ولا يوجب ذلك تعدد ~~الصفة كما يقال: الجوهر متحيز وقائم بالنفس وقابل للعرض ويقال للعرض لون ~~وسواد وقائم بالمحل فيوصف الجوهر والعرض بصفات هي صفات الأنفس التي لا يعقل ~~الجوهر والعرض دونهما ثم هذه الأوصاف لا تشعر بتعدد في الذات ولا بتعدد ~~صفات هي ذوات قائمة بالذات ولا بتعدد أحوال ثابتة في الذات كذلك نقول في ~~كون الباري تعالى عالما قادرا. # قالت الصفاتية: ليس في وصف الجوهر والعرض بهذه الأوصاف أكثر من إثبات ~~حقيقة واحدة لها خاصية تتميز بها عن غيرها وهذه العبارات دالة على تلك ~~الخاصية، وهي الحجمية في الجوهر والسوادية في العرض مثلا، فأما تحيزه ~~وقبوله للعرض فذلك تعرض لنسبة الجوهر إلى الحيز ونسبته إلى العرض إما ~~تقديرا أو تحقيقا، وبمثل ذلك نقول في حق الباري سبحانه إنه موجود قديم قائم ~~بنفسه غني أحد صمد غير متناهي الوجود والذات، وكل هذه الأوصاف ترجع إلى ~~حقيقة واحدة، وأما وصفه بكونه حيا عالما قادرا، إنما هو راجع إلى حقائق ~~مختلفة وخواص متباينة تختص كل صفة بخاصية وحقيقة لا تتعداها ولكل واحدة ~~فائدة خاصة تخصها ودليل خاص يدل عليها ومتعلق خاص يختص بها والحقائق إذا ~~اختلفت من هذه الوجوه، فقد اختلفت في ذواتها ولا يسد أحدهما مسد الآخر، ~~والعقل إنما يميز هذه المعاني بهذه الوجوه وإلا فأعراض متعددة إذا قامت ~~بمحل واحد لم يحكم العقل باختلافها وتعددها إلا باختلاف خواصها وآثارها ~~وفوائدها ودلائلها ومتعلقاتها، ومن المستحيل في العقل اجتماع خواص مختلفة ~~في حقيقة واحدة فلو جاز إثبات ذات لها حكم العلم ms124 والقدرة والإرادة والحياة ~~لجاز إثبات حقيقة واحدة لها حكم العرض والجوهر ولجاز إثبات علم له حكم ~~القدرة ولجاز إثبات لون له حكم الكون ويلزم على ذلك اجتماع المتضادات وذلك ~~من أمحل ما يتصور. # ومما يوضح ذلك وهو أقوى ما يتمسك به في إثبات الصفات قولنا الله عالم ~~قادر وقول المعطل مثلا ليس بعالم ولا قادر إثبات ونفي لا محالة فلا يخلو ~~الأمر فيه إما أن يرجع الإثبات والنفي إلى الذات وإما أن يرجع إلى الصفات ~~وإما أن يرجع إلى الأحوال ومستحيل رجوعهما إلى الذات فإنها معقولة دون ~~الاتصاف بالعالمية إذ ليس PageV01P112 ~~من ضرورة العلم كونه ذاتا قائما بالنفس مستغنيا من كل وجه أن يعلم كونه ~~عالما ولذلك كان الدليل على كونه قائما بالنفس غير الدليل على كونه عالما ~~قادرا ولا من ضرورة نفي العالمية نفي الذات فإن جماعة من المعطلة نفوا كونه ~~عالما وقادرا مع إقرارهم وعلمهم بثبوت الذات ويستحيل رجوعهما إلى الحال ~~فإنها لا تنفي على حيالها ولا تثبت وقد أبطلنا القول بالحال فلم يبق إلا ~~القسم الأخير وهو الرجوع إلى الصفات. # قالت المعتزلة: أنتم أول من أثبت حقائق مختلفة وخواص متباينة لذات واحدة ~~حيث قلتم الرب تعالى عالم بعلم واحد يتعلق بجميع المعلومات ومن المعلوم أن ~~العلم بالسواد مثلا ليس يماثل العلم بالبياض بل يخالفه لأن المثلين عندكم ~~لا يجتمعان وقد يجتمع العلمان المختلفان فعلمه سبحانه في حكم علوم مختلفة ~~وكذلك القدرة الأزلية تتعلق بمقدورات لا تتعلق القدرة الحادثة بها فهي في ~~حكم قدر مختلفة وكذلك الإرادة والسمع والبصر وأظهر من ذلك كله الكلام فإنه ~~صفة واحدة أزلية وهي في ذاتها أمر ونهي وخبر واستخبار ووعد ووعيد ومعلوم أن ~~هذه حقائق مختلفة قد ثبتت لكلام واحد فإن قلتم هذه الحقائق ترجع إلى الوجوه ~~والاعتبارات فنحن نقول كذلك في ذات الباري سبحانه وإن رددتم ذلك إلى ~~الأحوال فمن مذهب أبي هاشم أنها أحوال وعلى كل وجه قدرتموه يلزمكم مثله في ~~الذات والصفات وقولكم إن المعاني إنما تتعرف بعددها من ms125 خواصها ومتعلقها ~~وآثارها وأدلتها صحيح في الشاهد غير مسلم في الغائب بل بإجماع منا في مسائل ~~وانفراد منكم في مسائل خالفنا هذه القاعدة فإن القدم والوجوب بالذات ~~والوحدة والقيام بالذات والبقاء والديمومية وأنه أول وآخر وظاهر وباطن منزه ~~عن المكان مقدس عن الزمان حقائق مختلفة لو اعتبرناها شاهدا لكان لكل واحدة ~~منها دليل خاص يدل عليه ومع ذلك لا يوجب تعددا في الصفات بالاتفاق وعندكم ~~الأمر والنهي في الشاهد يتباينان ويتضادان وما يدل على الأمر غير ما يدل ~~على النهي وكذلك الخبر والاستخبار يتمايزان من حيث الحقيقة والدليل ~~والمتعلق فإن متعلق الأمر غير متعلق الخبر والخبر يتعلق بالقديم والأمر لا ~~يتعلق به واختلافهما من حيث التعلق أوجب اختلافهما في الشاهد ثم لم نستدل ~~باختلافهما في الشاهد على اختلافهما في الغائب بل كلامه أمر ونهي مع أن ~~الأمر يتعلق بالمأمورات دون المنهيات والنهي يتعلق بالمنهيات دون المأمورات ~~والخبر يتعلق بكل ما يتعلق به العلم معدوما وموجودا وواجبا وجائزا ~~ومستحيلا. # وأما استدلالكم بطريق النفي والإثبات على أصل نفاة الأحوال غير مستقيم ~~فإن عندهم النفي والإثبات في كل شي ء يرجعان إلى أمر مخصوص معين فلا يتصور ~~إثبات ذات PageV01P113 ~~على الإطلاق إلا في مجرد اللفظ أو يرجع إلى وجه واعتبار فقولنا عالم يرجع ~~إلى العلم بذات على وجه واعتبار، وعند مثبتي الأحوال قولنا عالم يرجع إلى ~~إثبات ذات على حال كونه عالما هذا كمن يعرف بكونه موجودا ولا يعرف بكونه ~~واحدا وغنيا وقديما أليس النفي والإثبات في ذلك لا يرجع إلى الصفات الزائدة ~~على الذات وإنما يرجع إلى الاعتبارات والوجوه كذلك نقول في الصفات فبطل ~~استدلالكم بالنفي والإثبات. # قالت الصفاتية: العلم من حيث هو علم حقيقة واحدة وليس خاصية واحدة وإنما ~~تختلف العلوم باعتبار متعلقاتها وتتماثل باتحاد المتعلق وليس يخرج ذلك ~~الاعتبار نفس العلم عن حقيقة العلمية حتى لو قدرنا تقديرا لمحال جواز بقاء ~~العلم الحادث لتعلق العلم الحادث بمعلومين ومعلومات. # والسر فيه أن العلم على كل حال يتبع المعلوم عدما ووجودا فلا ms126 يكسب ~~المعلوم صفة ولا يكتسب عنه صفة فالعلوم تختلف في الشاهد لاستحالة البقاء ~~وتقدير اختلاف المتعلقات والعلم القديم في حكم علوم مختلفة لا في حكم خواص ~~متباينة وكذلك نقول في الكلام فإن الأمر والنهي والخبر والاستخبار شملتها ~~حقيقة الكلام فاجتمعت في حقيقة واحدة واختلفت اعتبارات تلك الحقيقة بالنسبة ~~إلى المتعلقات وهذا غير مستبعد وإنما المستحيل كل الاستحالة إثبات ذات ~~واحدة لها خاصية العلم وخاصية القدرة والإرادة إلى غير ذلك من سائر الصفات ~~حتى يلزم أن يقال يعلم من حيث يقدر ويقدر من حيث يعلم ويقدر بعالمية ويعلم ~~بقادرية وتجتمع صفتان وخاصيتان لذات واحدة وذلك غير معقول وأما صفات الذات ~~التي ليست وراء الذات فإنها راجعة إلى النفي لا إلى الإثبات فمعنى كونه ~~قديما أنه لا أول له ولا آخر ومعنى كونه واحدا أنه لا شريك له ولا قسيم ~~ومعنى كونه غنيا أنه لا حاجة له ولا فقرا ومعنى كونه واجبا بذاته أن وجوده ~~غير مستفاد من غيره ومعنى كونه قائما بنفسه أنه غير محتاج إلى مكان وزمان ~~بل هو مستغن على الإطلاق عن الموجد والمكان والمحل بخلاف قولنا: إنه عالم ~~قادر فإن العالم ذو العلم حقيقة والقادر ذو القدرة حقيقة والإحكام والإتقان ~~دليل العلم وأثره والوجود والحصول دليل القدرة وأثرها فهما معنيان معقولان ~~بحقيقتهما فلا يتحدان في ذات كما لا يتحدان بذاتهما حتى يكون حقيقة أحدهما ~~حقيقة الثاني وكذلك قلتم معاشر المعتزلة: إن العالمية ليس بعينها معنى ~~القادرية لجواز العلم بأحدهما مع الجهل الثاني. # وقال أبو هاشم العالمية حال والقادرية حال ومفيدهما حال يوجب الأحوال ~~كلها فلا فرق في الحقيقة بين أصحاب الأحوال وبين أصحاب الصفات إلا أن الحال PageV01P114 ~~متناقض للصفات إذ الحال لا يوصف بالوجود ولا بالعدم والصفات موجودة ثابتة ~~قائمة بالذات ويلزمهم مذهب النصارى في قولهم واحد بالجوهرية ثلاثة ~~بالأقنومية ولا يلزم ذلك التناقض مذهب الصفاتية «1». # وأما الاستدلال بالنفي والإثبات فصحيح، واعتراضكم فاسد فنقول قد قام ~~الدليل على كون الصانع عالما قادرا فلا يخلو الحال إما أن يكون ms127 الاسمان ~~عبارتين عن معبر واحد من غير تفاوت أصلا فيلزمكم أن تفهم العالمية بفهم ~~القادرية ويلزمكم أن تنفي العالمية من نفي القادرية ويلزمكم أن يوجد العالم ~~من حيث كونه عالما فحسب، ولا يحتاج إلى إثبات كونه قادرا فيلزم أن يدل على ~~العالمية كما يدل على القادرية ومن المعلوم الذي لا مرية فيه أنه ليس إطلاق ~~لفظ العالم القادر كإطلاق لفظ الموجد الخالق، فإنا ندرك ببداية عقولنا ~~فروقا ضرورية بين كونه عالما قادرا وبين كونه موجدا خالقا فلو كان الاسمان ~~مترادفين ترادف هذين الاسمين لكنا لا ندرك بعقولنا هذه التفرقة، ثم ليس ~~يجوز أن يقال أحد الوصفين وصف إثبات والثاني وصف نفي فإنهما في محل تصور ~~الفهم متساويان وليس يجوز أن يقال أحدهما وصف إضافة والثاني وصف حال وصفة ~~إذ الإضافة من لوازمها لذاتها بل هما حقيقتان تعرض لهما الإضافة إلى ~~المتعلقات والإضافة معنى لا تعرض له الإضافة وإذا بطلت هذه الوجوه تعين ~~أنهما صفتان قائمتان بالذات عبر الشرع عن إحداهما بالعلم وعن الثانية ~~بالقدرة. # قالت المعتزلة: نحن لا ننكر الوجوه والاعتبارات العقلية لذات واحدة ولا ~~نثبت الصفات إلا من حيث تلك الوجوه أما إثبات صفات هي ذوات موجودات أزلية ~~قديمة قائمة بذاته هو المنكر عندنا فإنها إذا كانت موجودات وذوات وراء ~~الذات، فإما أن تكون عين الذات وإما أن تكون غير الذات، فإن كانت عين الذات ~~فهو مذهبنا وبطل قولكم هي وراء الذات وإن كانت غير الذات فهي حادثة أو ~~قديمة وليس من مذهبكم أنها حادثة وإن كانت قديمة فقد شاركت الذات في القدم ~~والوجوب بالذات ونفي الأولية فهي آلهة أخرى، فإن القدم أخص وصف القديم ~~والاشتراك في الأخص يوجب الاشتراك في الأعم. # ومن الإلزامات على قولكم إنها قائمة بذاته أن القائم بالشي ء محتاج إلى ~~ذلك الشي ء حتى لولاه لما تحقق له وجود به فيلزمكم إثبات خصائص الأعراض في ~~الصفات فإن العرض هو المحتاج إلى محل يقوم به ويلزمكم إثبات التقدم والتأخر الذاتي PageV01P115 ~~العقلي في الذات والصفات وهذا ms128 كله محال. # وساعدهم جماعة من الفلاسفة المعطلة في إلزام هذه الكلمات وزادوا عليهم ~~بأن قالوا قام الدليل على أن واجب الوجود مستغن على الإطلاق من كل وجه فمن ~~أثبت له صفة لذاته أزلية معنى وحقيقة قائمة بذاته فقد أبطل الاستغناء ~~المطلق من الصفة والموصوف جميعا وأثبت الاحتياج والفقر في الصفة والموصوف ~~جميعا أما الصفة فاحتاجت في وجودها إلى ذات تقوم بها، إذ يجب أن تقول قام ~~العلم بالباري واستحال أن تقول قام الذات بالعلم وأما الموصوف فإنما يتم ~~كماله في الإلهية إذا قامت به هذه الصفات حتى لولاها لما كان إلها مستغنيا ~~على الإطلاق فإذا المستغني على الإطلاق لا يكون إلا واحدا من كل وجه ولا ~~كثرة فيه من وجه. # قالت الصفاتية: كما أنكرتم إثبات صفات أزلية أنكرنا عليكم إثبات موصوف ~~بلا صفة إنكارا بإنكار واستبعادا باستبعاد وتقسيمكم إنها عين الذات أم غير ~~الذات إنما يصح إذا كان التقسيم دائرا بين النفي والإثبات فإن من قال هذا ~~عينه وهذا غيره قد يعني به أنهما شيئان فهذا شي ء وذاك شي ء آخر وقد يعني ~~به أنهما شيئان ويجوز وجود أحدهما مع عدم الثاني أو مع تقدير عدم الثاني ~~ونحن لا نسلم أن الصفات أغيار ولا نقول إنها عين الذات لأن حد الغيرين ~~عندنا هو المعنى الثاني لا المعنى الأول ثم إن جاز لمثبتي الأحوال القول ~~بأن الحال لا موجودة ولا معدومة جاز لمثبتي الصفات القول بأن الصفات لا عين ~~الذات ولا غير الذات على أن كل حقيقة التأمت من أمرين محققين في الشاهد مثل ~~الإنسانية فإنها التأمت من حيوانية وناطقية عند القوم فإذا قيل الناطقية ~~عين الإنسانية أو غيرها لم يصح بأنها لا عينها ولا غيرها وكذلك جزء كل شي ء ~~لا عينه ولا غيره ثم هب أنا نسلم الغيرية بالمعنى الأول فقولكم إن كانت ~~قديمة أوجب أن تكون إلها دعوى مجردة بل هو محل النزاع وقولكم القدم هو أخص ~~وصف الإله دعوى لا برهان عليها فإن معنى الإلهية هو ms129 ذات موصوفة بصفات ~~الكمال فكيف نسلم أن كل صفة أزلية إله ثم من قال القدم أخص الأوصاف فيجب أن ~~يبين أعم الأوصاف فإن الأخص إنما يتصور بعد الأعم فما الأعم فإن كان الوجود ~~هو الأعم والقدم هو الأخص فقد التأمت حقيقة الإلهية من أعم وأخص فالأخص عين ~~الأعم أو غيره ويلزم على مساق ذلك ما ألزمتموه على الصفات. # وأما قولكم: إن الصفات لو قامت بذاته تعالى لاحتاجت إليها وكان حكمها حكم ~~الأعراض وكان وجود الموصوف أسبق وأقدم بالذات على وجود الصفة فهذا مما ~~يستحق أن يجاب عنه. PageV01P116 # فنقول: معنى قولنا الصفات قامت به أنه سبحانه يوصف بها فقط من غير شرط آخر ~~والوصف من حيث هو وصف لا يستدعي الاحتياج والاستغناء ولا التقدم ولا التأخر ~~فإن الوصف بكونه قديما واجبا بذاته من حيث هو وصف لا يستدعي كون القدم ~~والوجوب محتاجا إلى الموصوف ولا كون الموصوف سابقا بالقدم والوجوب بل ~~الاحتياج إنما يتصور في الجواهر والأعراض حيث لم تكن فكانت فاحتاجت إلى ~~موجد لجوازها وتطلق على الأعراض خاصة حيث لم تعقل إلا في محال واحتاجت إلى ~~محل وبالجملة الاحتياج إنما يتحقق فيما يتوقع حصوله فيترقب وجوده ولن يتصور ~~الاحتياج في القدم. # وأما الجواب عن قول الفلاسفة إنه تعالى مستغن على الإطلاق قيل الاستغناء ~~من حيث الذات إنه لا يحتاج إلى مكان ومحل والاستغناء من حيث الصفات أنه لا ~~يحتاج إلى شريك في القدرة والفعل ومعين في العلم والإرادة ووزير في التصرف ~~والتدبير فهو تعالى مستغن على الإطلاق وإنما يستغني بكمال صفاته وصفات ~~جلاله فكيف يقال إنه احتاج إلى ما به استغنى أليس القول بأنه استغنى بوجوبه ~~في وجوده عن موجد ولا يقال إنه لما استغنى عند ذلك كان محتاجا إليه كذلك ~~نقول: إنه استغنى بذاته وصفاته فلا الموصوف محتاج إلى الصفة ولا الصفة ~~احتاجت إلى الموصوف وإنما يتحقق الاحتياج أن لو كانت الصفة على مثال الآلة ~~والأداة والصفات الأزلية يستحيل أن تكون آلة فبطل الإلزام وزال الإيهام. # قالت الفلاسفة القسمة ms130 الصحيحة العقلية أن الموجود ينقسم إلى واجب بذاته ~~وإلى ممكن بذاته وواجب بغيره فالواجب بذاته ليس يتصور إلا واحدا من كل وجه ~~لا كثرة فيه بوجه من الوجوه لا كثرة أجزاء عددية ولا كثرة معان عقلية وإلا ~~فيلزم أن يشترك في وجوب الوجود وينفصل كل واحد عن صاحبه بفصل يخصه فحينئذ ~~تتركب ذاته من جنس وفصل ثم تكون الأجزاء مقومات للجملة لا محال والمقوم ~~أقدم من المقوم وما يقوم بالشي ء لا يكون واجبا بذاته بل بالمقوم والواجب ~~بذاته لن يتصور إلا واحدا والمعاني التي أثبتموها إما أن تكون واجبة بذاتها ~~فيلزم أن يكون اثنان واجبا الوجود وذلك محال كما قدمناه وإما أن لا تكون ~~واجبة بذاتها بل يكون قوامها بالذات فيلزم ما ذكرناه آنفا. # قيل لهم قسمة الوجود إلى واجب بذاته وإلى واجب بغيره دليل قاطع على نقض ~~إلزامكم فإن الوجود من حيث هو وجود قد عم الواجب والجائز والوجوب من حيث هو ~~وجوب قد خص الواجب فاشتركا في الأعم وافترقا في الأخص وما به عم غير ما PageV01P117 ~~به خص فتركبت الذات من وجود عام ووجوب خاص فهو كتركيب الذات من واجب الذات ~~قد شملت الواجبين ويفصل كل واحدهما بفصل عن الواجب الآخر. # قالت الفلاسفة: الوجود ليس يعم القسمين بالسوية بل هو في أحدهما بالأولى ~~والأول في الثاني بلا أولى ولا أول فلم يكن جزء مقوما فلم يصلح أن يكون ~~جنسا فلم يلزم التركيب منه والتقوم به. # قيل هذا بعينه في الوجوب جوابنا فإن الوجوب ليس يعم القسمين بالسوية فلم ~~يكن الوجوب جزءا مقوما فلم يصح أن يكون جنسا فلم يلزم التركيب منه والتقوم به. # وقالت الفلاسفة: الوجوب معنى سلبي معناه أن وجوده غير مستفاد من غيره فلم ~~يصلح أن يكون فصلا للوجود. # قيل وإذا لم يصلح أن يكون فصلا لكونه معنى سلبيا فلا يصلح أن يكون جنسا ~~لكونه معنى سلبيا وألزمتمونا كونه جنسا إذ قلنا ذاته تعالى واجبة لذاتها ~~وصفاته تعالى واجبة لذاتها أيضا بمعنى أن وجودها غير ms131 مستفاد من غيرها فلم ~~لا يجوز أن يكون اثنان كل واحد واجب الوجود لذاته فإن ألزمتمونا بالاشتراك ~~في شي ء والافتراق في شي ء آخر لزمكم في الوجوب والوجود كذلك. # قالت الفلاسفة: الوجود يطلق على الموجودات بالتشكيك لا بالتشريك ولا ~~بالتواطؤ إذ معناه أنه وإن عم إلا أن عمومه ليس بالتسوية فإنه في الواجب ~~لذاته وبذاته فهو أولى وأول وفي الجائز لغيره وبغيره فهو لا أولى ولا أول ~~فلم يصلح أن يكون جنسا فلم يلزم منه التركيب من جنس وفصل بخلاف موجودين ~~واجبين كل واحد منهما وجوبه بذاته وينفصل كل واحد منهما عن الآخر بفصل ذاتي ~~كالعلمية فإنها والذات تشتركان في وجوب الوجود وينفصل أحدهما عن الآخر بفصل ~~ذاتي وكذلك العلم والقدرة المشتركان في كونهما معنيين متباينين ثابتين ~~أزليين وينفصل أحدهما عن الآخر بفصل ذاتي فتكون الإلهية حقيقة ما متركبة من ~~ذات قائمة بنفسها وصفات مختلفة قائمة بالذات فلا يوجد فرق بين الإنسانية ~~المركبة من الحيوانية والناطقية وبين الإلهية المركبة من الذات والصفات ~~وحينئذ لا فرق بين التأليف المحسوس والتأليف المعقول. # قيل لهم: أنتم وضعتم هذه الاصطلاحات حيث ضاق بكم التزام الوجود وشموله. # فنقول العموم إذا حصل معنى مفهوم من لفظ متصور في ذهن كان شموله بالسوية ~~لست أقول شموله بالنسبة إلى سائر الموجودات بل أقول شموله بالنسبة إلى ~~قسمية الأخصين به وهو الوجوب والجواز والقول بأنه في الواجب أولى وأول تفسير PageV01P118 ~~لمعنى الواجب أي هو ما يكون الوجود له أولى وأول حتى لو تركنا لفظ الواجب ~~جانبا وقلنا الوجود ينقسم إلى ما يكون الوجود له أولى وأول وإلى ما يكون ~~الوجود له لا أولى ولا أول كان التقسيم صحيحا مفيدا لفائدة الأولى، ثم ~~الوجوب لا يفهم إلا وأن يفهم الوجود أولا حتى لو رفع الوجود في الوهم ارتفع ~~الوجوب بارتفاعه، وهو معنى ذاتي فالوجود ذاتي للواجب بهذا المعنى وبمعنى ~~أنه أولى به وأنه لذاته وبذاته وأنه لغيره على خلاف ذلك. # ومن العجب أنهم قالوا: الوجوب معنى سلبي حتى لزمهم ms132 أن يقولوا الجواز الذي ~~في مقابلته معنى إيجابي، وليت شعري كيف يستجيز العاقل من عقله أن يرد معنى ~~الوجوب إلى السلب والجواز إلى الإيجاب أليس الوجود أولى بالواجب فكيف صار ~~أولى بالجائز أليس الوجوب تأكيدا للوجود فكيف تأكد الوجوب بالسلب وهل هذا ~~كله إلا تحير العقل ودوار في الرأس وتطرق الوسواس إلى صدور الناس. # ثم نقول: إن سلم لكم أن الوجود ليس بجنس فلم يخرج عن كونه عاما شاملا ~~للقسمين إذ لو لا شموله وإلا لما صح التقسيم فإن التقسيم إنما يرد على ~~المعنى لا على مجرد اللفظة، فالمعنى العام للواجب والجائز غير المعنى الخاص ~~بأحد القسمين فإذا لم يكن التركيب تركبا من جنس وفصل كان تركبا من عام وخاص ~~فيفيد أحدهما من التصور ما لا يفيده الآخر، فيلزم منه عين ما يلزم من الفصل ~~والجنس. # قالت الفلاسفة التميز بينهما تميز في الذهن بالاعتبار العقلي لا في ~~الوجود. # قيل لهم التميز بين العرضية واللونية تميز في الذهن بالاعتبار العقلي لا ~~في الوجود، وكذلك الإنسانية في كونها مركبة من حياة ونطق فما الفرق بين ~~وجود عام، ووجوب خاص وبين عرض عام ولون خاص، والتركيب كالتركيب إلا أن أحد ~~العامين والخاصين من جنس وفصل على اصطلاح المنطق فيصلح أن يركب منهما حد ~~الشي ء والثاني عام وخاص لا يصلح أن يركب منهما حد الشي ء والفرق من هذا ~~الوجه ليس يقدح في غرضنا من الإلزام فإنا لم نلزم كون الباري تعالى محدودا ~~بل ألزمنا كونه موصوفا والموصوف بالصفة أعم من المحدود بالحد ثم القول بأن ~~تركبه بالقياس إلى عقولنا وأذهاننا تسليم المسألة وزيادة أمر على الصفاتية ~~ويلزم عليه أن يقال له مادة وجنس وفصل وخاصية وعرض إلى غير ذلك من أنواع ~~التركيب بالقياس إلى عقولنا لا بالقياس إلى ذاته ثم هو معرفة المعلوم على ~~خلاف ما هو به فإنه في ذاته غير مركب وفي التصور العقلي مركب ثم الوجوب إن ~~كان معنى إثباتيا في الذهن غير إثباتي في الخارج فذلك تغيير حقيقة ms133 الشي ء ~~الواحد بالنسبة إلى شيئين والحقائق لا تختلف PageV01P119 ~~بالنسبة أصلا وإن كان الوجوب معنى سلبيا في الذهن فقد استغنى بكونه نفيا عن ~~إلزام التركيب الذهني وعندهم المعاني السلبية لا توجب التكثير سواء كانت في ~~الذهن أو في الخارج والمعاني الإيجابية غير الإضافية لا تخلو من التكثر ~~سواء كانت في الذهن أو في خارج ومن المعلوم أنا إذا قلنا يعلم ذاته ويعلم ~~غيره فليس علمه بذاته علما بغيره من الوجه الذي كان علما بذاته بل اعتبار ~~علمه بذاته غير اعتبار علمه بغيره واعتبار إضافة العقل الأول إليه عندكم ~~غير اعتبار إضافة العقل الثاني إليه وإذا اختلفت الاعتبارات والوجوه ~~العقلية لزمكم التكثير في الذات فنحن نسمي كل اعتبار صفة، وما سميتموه ~~بالمعاني السلبية فعندنا القدم والوحدة بمثابتهما، فإن معنى القديم أنه لا ~~أول لوجوده ومعنى الواحد أنه لا انقسام لذاته وما سميتموه من المعاني ~~بالمعاني الإضافية فعندنا كونه خالقا رزاقا بمثابتهما فإن معنى الخالقية ~~يتصور من الخلق والرازقية من الرزق وبقى عندنا أنا أثبتنا معاني من كونه ~~عالما قادرا حيا «1» فإن رده إلى السلبية غير ممكن حتى يقال معنى كونه ~~عالما أنه غير جاهل فإن غير الجاهل قد يتصور ولا يكون عالما فهو أعم، وحتى ~~يقال إن معنى كونه قادرا أنه غير عاجز فإن غير العاجز قد يتصور ولا يكون ~~قادرا، فنفي الأولية بالضرورة يقتضي القدم ونفي الانقسام لا يقتضي العلم ~~والقدرة فقد يخلو الشي ء عن الجهل والعلم كالجماد فإذا معنى العالمية ~~والقادرية ليس معنى سلبيا، وليس هو أيضا معنى إضافيا فإن الاسم الإضافي من ~~المضاف يتلقى بمعنى أنه يحصل الفعل أولا حتى يسمى فاعلا وليس كذلك كونه ~~عالما قادرا فإن وجود المعلوم والمقدور من العلم والقدرة يحصل فهو على خلاف ~~وضع الأسامي الإضافية خصوصا على أصلهم فإنهم قالوا علمه تعالى فعلي لا ~~انفعالي وعند المتكلمين العلم يتبع المعلوم وعندهم المعلوم يتبع العلم ~~والمقدور يتبع القدرة وعن هذا قالوا: إنما يصدر عنه العقل الأول لعلمه ~~بذاته فإذا لم يكن العلم ms134 معنى سلبيا ولا معنى إضافيا ولا مركبا منهما فتعين ~~أنه صفة للموصوف. # قالت الفلاسفة: المبدأ الأول يعقل ذاته ويعقل ما يلزم ذاته وعقله لذاته ~~من حيث إنه مجرد عن المادة لذاته وهو علة المبدأ الثاني وهو المعلول الأول ~~فلزم وجوده من حيث إنه يعقل ذاته وسائر الأشياء تكون معلولة على نسق الوجود ~~منه وتجرده لذاته عن المادة أمر سلبي محض فلم تتكثر الذات بسلب شي ء منه ~~كما يقال الإنسان ليس بحجر ولا مدر ولا نجم ولا شجر وكذا إلى غير نهاية ~~فهذا السلب وإن بلغ إلى PageV01P120 ~~غير النهاية لا يوجب تكثيرا في ذاته وإنما قلنا إن تعقله لذاته أمر سلبي ~~لأن العقل هو المجرد عن المادة وتجريده عن المادة سلب المادة عنه فلزم أن ~~يكون عالما لتجرده عن المادة وعلائقها إذ المادة هي التي كانت حجابا عن ~~التعقلات فلما ارتفع الحجاب صار العقل مدركا عند ارتفاع الحجاب المحسوس ~~إدراك الحس المحسوس وعند ارتفاع الحجاب المعقول إدراك العقل المعقول وليس ~~يختص ذلك بتعقل الباري تعالى بل كل عقل ونفس إذا تجرد عن المادة عقل وأدرك ~~بمقدار تجرده ثم ذات العقل الأول لا يحتجب عن ذاته أبدا فهو عاقل بنفسه ~~أبدا وكل عقل ونفس مفارق للمادة فحكمه كذلك إلا أن من المواد ما يكون في ~~ألطف ما يكون كالأجسام السماوية فكان حجابها لعقولها ونفوسها أقل تأثيرا ~~إلى أن يصل في الدرجة العليا إلى ما لا يخالط مادة البتة فيكون أكمل ~~الأشياء تعقلا وإدراكا ومن المواد ما يكون في أكثف ما يكون كالأجسام ~~الأرضية فكان حجابها لإدراكاتها أكثر تأثيرا إلى أن ينزل في الدرجة السفلى ~~إلى ما لا يفارق مادة البتة فيكون أكثر الأشياء خمودا وجمودا والعقل الأول ~~وإن فارق المادة من كل وجه إلا أن ذاته باعتبار ذاته ممكن الوجود فلم يخرج ~~عن الإمكان وطبيعة الإمكان عدمية مادية لم يصل تعقله إلى درجة العلة الأولى ~~إذ هو أجل الأشياء إدراكا لا أجل الأشياء كمالا إذ هو يرى عن طبيعة الإمكان ~~والعدم. ms135 # قالت الصفاتية: الباري تعالى يعلم ذاته ويعلم ما يلزم منه بعلمين أم بعلم ~~واحد فإن قلتم المعلومان يستدعيان علمين فقد ناقضتم مذهبكم وزريتم علينا ~~وإن قلتم بعلم واحد فيعلم الذات من حيث يعلم اللازم ويعلم اللازم من حيث ~~يعلم الذات فيجب أن تكون الذات لازما واللازم ذاتا لأنه إنما يلزم منه ما ~~يلزم لعلمه بذاته وهو من حيث ذاته يعلم اللازم فيوجد منه الذات كما يوجد ~~منه اللازم أو كان لا يوجد منه اللازم كما لا يوجد منه الذات وإن كان يعلم ~~الذات لا من حيث يعلم اللازم فقد تعدد الاعتبارات فتكثر الذات بتكثر الوجوه ~~والاعتبارات على ما سنفرد مسألة في العلم الأزلي خاصة وتحقيق تعلقه ~~بالمعلومات لكن الذي يختص بمسألتنا هذه إلزام الوجوه والاعتبارات في الصفات ~~التي أثبتموها وقولكم تجرده عن المادة أمر سلبي أي هو مفارق ليس في مادة ~~أصلا لا لشي ء جرده عن المادة بل لذاته وبذاته ولا يوجب تكثرا في الذات. # قلنا: من المعلوم أن قولنا عالم يشعر بتبين المعلوم وقولنا ليس في مادة ~~يشعر بنفي المادة عنه والمفهومان متغايران لفظا ومعنى فكيف يقال أحدهما هو ~~الثاني بعينه لعمري يصح أن يقال أحدهما سبب لوجود الثاني على معنى أن ~~المادة إذا ارتفعت ارتفع الحجاب فأدرك الشي ء وعقله، كالمرآة المصدية إذا ~~صقلت وارتفع الصدأ تمثلت PageV01P121 ~~صورة المحسوس فيها كذلك إذا ارتفعت المادة يتبين الشي ء المعقول في الذهن ~~والعقل وإذا تبين المعقول ارتفعت الحجب كلها وكلا الوجهين صحيح إما أن يكون ~~أحدهما عين الثاني حتى يكون إطلاقا بالترادف وذلك خطأ ظاهر وما ذكرتموه من ~~تفريع مذهبكم على هذه القاعدة نتكلم عليها بعد هذه المسألة إن شاء الله ~~تعالى ونقول إذا كان الوجود من حيث هو وجود يعم الواجب والممكن فالذات ~~القائم بالنفس من حيث إنه ذات قائم بالنفس يعم الواجب والممكن فما الذي يخص ~~الواجب من أمر وراء ذاته حتى يتميز عن سائر الذوات فإن لم يكن له ما يخصه ~~فليس له ما يعمه وإن ms136 كان التخصيص وقع بالذات فهلا قلتم وقع التخصيص بالوجود ~~دون الوجوب وإن وقع التخصيص بأمر دون أمر فذلك الأمر الذي خصص وعين هو ~~الصفة عندنا إلا أنا بحكم الشرع أطلقنا اسم العلم والقدرة والإرادة على ذلك ~~وأنتم ما خالفتمونا في العلم والقدرة بل قلتم هو تعالى عالم لذاته وذاته ~~علم وإن كان الذات من حيث هو ذات شاملا شمول الوجود والتخصيص إنما يقع بأمر ~~وصفة وبالجملة كل أمر عام وجودي إذا تخصص فإنما يتخصص بأمر خاص وجودي فيلزم ~~هناك اثنينية من المعنى عام وخاص وسواء كان العام جنسا والخاص فصلا وسواء ~~لم يكن الأمر كذلك. # فإن قيل: قد يتخصص الشي ء بالفصول السلبية والسلب لا يوجب الاثنينية. # قيل هذا خطأ وقع للمنطقيين منكم حيث ظنوا أن السلب يجوز أن يكون فصلا ذاتيا. # والبرهان على استحالة ذلك أن الفصل لا يتحقق ما لم يتحقق في المفصول ~~اشتراك ما في أعم وصف فيكون الفصل أعني ما به تميز عن غيره من المشتركات ~~أخص وصف الشي ء والشي ء إنما يتميز عن غيره بأخص وصفه وسلب صفة وشي ء آخر ~~عنه وبما يطلقه على أخص وصفه لا أن يكون نفسه أخص وصفه. # فلما ضاق على بعض الفلاسفة التعبير عن الفصول الذاتية بعبارات ناصة عليها ~~أوردوا فصولا سلبية على أن تطلع الطالب على نفس المطلوب ظن بعضهم أن السلوب ~~تصلح أن تكون فصولا ذاتية وذلك خطأ بين ثم ارتكبوا على مقتضى ذلك أن جعلوا ~~وجوب الوجود أمرا سلبيا وفصلوا به ذات واجب الوجود عن سائر الذوات ولم ~~يفطنوا لإمكان الوجود الذي في مقابلة وجوب الوجود أنه يلزم أن يكون فصلا ~~إيجابيا ويا ليت شعري كيف يتأكد الوجوب بالسلب وكيف يضعف الوجود بالإيجاب ~~وكيف يكون سلب الغير تأكيدا لذات الوجود الواجب وإيجاب الذات لا يكون ~~تأكيدا وبالجملة كلما يتميز عن غيره فإنما يتميز بأخص وصفه وأخص وصف PageV01P122 ~~الشي ء الموجود لا يكون إلا أمرا وجوديا. # فإن قيل هذا خبر ما عندنا في الوجود وعمومه وخصوصه ms137 وقد لزم عليه ما لزم ~~فما خبر ما عندكم حتى لا يلزم المحال الذي لزم. # قلنا وجه الخلاص من هذه الإلزامات المفحمة والتقسيمات الملزمة للتكثر أن ~~نجعل الوجود من الأسماء المشتركة المحضة التي لا عموم لها من حيث معناها ~~وإنما اللفظ المجرد يشملها كلفظ العين فيطلق الوجود على الباري تعالى لا ~~بالمعنى الذي يطلق على سائر الموجودات وذلك كالوحدة والقدم والقيام بالذات ~~وليس ثم خصوص وعموم ولا اشتراك ولا افتراق كذلك في كل صفة من صفاته يقع هذا ~~الاشتراك لكن إذا سلكتم أنتم هذه الطريقة أفسد عليكم باب التقسيم الأول ~~للوجود وبطل قول أستاذكم في أنا لا نشك في أصل الوجود وأنه ينقسم إلى واجب ~~لذاته وواجب لغيره، فإن المشتركات في اللفظ المجرد لا تقبل التقسيم المعنوي ~~ولذلك لم يجز أن يقال: إنها عين وإنها تنقسم إلى الحاسة الباصرة وإلى الشمس ~~وإلى منبع الماء إذ هي مختلفة بالحقائق والمعاني والله المستجار سبحانه ما ~~يكون لنا أن نقول فيه بغير حق وهو حسبنا ونعم الوكيل. PageV01P123 ### | AUTO القاعدة العاشرة في العلم الأزلي خاصة «1» # وإنه أزلي واحد متعلق بجميع المعلومات على التفصيل كلياتها وجزئياتها ~~وذهب جهم بن صفوان وهشام بن الحكم إلى إثبات علوم حادثة للرب تعالى بعدد ~~المعلومات التي تجددت وكلها لا في محل بعد الاتفاق على أنه عالم لم يزل بما ~~سيكون والعلم بما سيكون غير والعلم بالكائن غير. # وذهبت قدماء الفلاسفة إلى أنه عالم بذاته فقط، ثم من ضرورة علمه بذاته ~~يلزم منه الموجودات وهي غير معلومة عنده أي لا صورة لها عنده على التفصيل ~~والإجمال. # وذهب قوم منهم إلى أنه يعلم الكليات دون الجزئيات، وذهب قوم إلى أنه يعلم ~~الكلي والجزئي جميعا على وجه لا يتطرق إلى علمه تعالى نقص وقصور. # أما الرد على الجهمية هو أنا نقول: لو أحدث الباري لنفسه علما فإما أن ~~يحدثه في ذاته أو في محل أو لا في ذاته ولا في محل والحدوث في ذاته يوجب ~~التغيير والحدوث في محل يوجب وصف المحل ms138 به والحدوث لا في محل يوجب نفي ~~الاختصاص بالباري تعالى وبمثل هذا نرد على المعتزلة في إثبات إرادات لا في محل. # وبرهان آخر نقول لو قدر معنى من المعاني لا في محل كان قائما بذاته غير ~~محتاج إلى محل يقوم به ففي احتياج العلم إلى محل إما أن يكون معنى يرجع إلى ~~ذات كونه علما فيجب أن يكون كل علم غير محتاج إلى محل وإما أن يكون لأمر ~~زائد على ذات كونه علما فيجب أن يكون فعلا لفاعل فوجب أن يكون فعل الفاعل ~~يوجب نفي الاحتياج في كل عرض وكل معنى وليس الأمر كذلك ثم فعل الفاعل لا ~~يوجب أن ينتسب إليه المفعول بأخص وصفه الذاتي بل إنما ينتسب إليه من حيث ~~كونه فعلا فقط حتى يسمى فاعلا صانعا أما أن يضاف إليه حكم العلمية حتى يصير ~~عالما فمحال وأيضا فإن فعل الفاعل لا يخرج الشي ء عن حقيقته فلا يجوز أن ~~يقلب الجوهر عرضا والعرض جوهرا فإن القدرة إنما تتعلق بما يمكن وجوده وهذا ~~من المستحيل فنفي الاحتياج إلى محل في حق الجوهر لا يجوز أن يثبت بالقدرة ~~كما أن إثبات الاحتياج إلى PageV01P124 ~~المحل في حق العرض لا يجوز أن يثبت بالقدرة وما ليس يمكن لا يكون مقدورا ~~وما ليس بمقدور يستحيل أن يوجد. # قال هشام: فقد قام الدليل على أن الباري سبحانه وتعالى عالم في الأزل بما ~~سيكون من العالم فإذا وجد العالم هل بقي علمه علما بما سيكون أم لا فإن لم ~~يكن علما بما سيكون فإذا قد تجدد له حكم أو علم فلا يخلو أن يحدث ذلك ~~المتجدد في ذاته أو في محل أو لا في ذاته ولا في محل ولا يجوز أن يحدثه في ~~ذاته كما سبق من استحالة كونه محلا للحوادث ولا يجوز أن يحدثه في محل لأن ~~المعنى إذا قام بمحل رجع حكمه إليه فبقي أنه يحدثه لا في محل وإن كان علمه ~~بما سيكون باقيا على تعلقه الأول فكان جهلا ولم يكن ms139 علما وأيضا فإنه قد ~~تجدد له حكم بالاتفاق وهو كونه عالما بوجود العالم وحصوله في الوقت الذي ~~حصل وتجدد الحكم يستدعي تجدد الصفة كما أن تحقق الحكم يستدعي تحقق الصفة ~~ألستم تلقيتم كونه ذا علم من كونه عالما فلذلك نتلقى تجدد العلم من تجدد ~~كونه عالما حتى لو قيل كان عالما في الأزل بكون العالم كان محالا وكان ~~العلم جهلا بل لو لم يكن العالم معلوم الكون في الأزل فصار معلوم الكون في ~~الوقت الذي حصل فلم يكن الباري عالما بالكون في الأزل ثم صار عالم الكون في ~~الوقت المحصل فدل ذلك على تجدد العلم. # قال: ولا نشك بأن علمنا بأن سيقدم زيد غدا ليس علما بقدومه بل العلم بأن ~~سيقدم غير والعلم بقدومه غير ويجد الإنسان تفرقة ضرورية بين حالتي علميه ~~وهذه التفرقة راجعة إلى تجدد علم في حال القدوم ولم تكن قبل ذلك. # وأما قولكم: إن العلم من جملة المعاني وهي لذواتها محتاجة إلى محل وإنها ~~في ذواتها مختصة بمن له أحكامها فصحيح إلا أنا بضرورة التقسيم التزمنا كونه ~~لا في محل إذ لا وجه لنفي التفرقة بين الحالتين ولا وجه لتجدد المعنى في ~~الأزلي القديم ولا في الجسم الحادث فبالضرورة قلنا هو معنى لا في محل له ~~ولا ينحى به نحو الجوهر من كل وجه حتى يقال هو قائم بالنفس ومتحيز أو قابل ~~للعرض وإنما يختص حكمه بالفاعل لأن الفاعل هو الذي أوجده علما لنفسه فصار ~~علما به ولأن الباري تعالى لا في محل والعلم لا في محل فاختصاص ما لا محل ~~له بما لا محل له أولى من اختصاص بما له مكان ومحل. # وللمتكلمين في جواب شبهة هشام وجهم طرق وللفلاسفة طرق أيضا: قال الشيخ ~~أبو الحسن الأشعري رضي الله عنه على طريقته لا يتجدد لله تعالى حكم ولا ~~يتعاقب عليه حال ولا يتجدد له صفة بل هو تعالى متصف بعلم واحد قديم متعلق ~~بما لم يزل ولا يزال وهو محيط بجميع المعلومات على تفاصيلها من ms140 غير تجدد ~~وجه العلم أو تجدد PageV01P125 ~~تعلق أو تجدد حال له لقدمه والقدم لا يتغير ولا يتجدد له حال وإضافة العلم ~~الأزلي إلى الكائنات فيما لا يزال كإضافة الوجود الأزلي إلى الكائنات ~~الحاصلة في الأوقات المختلفة وكما لا تغير ذاته بتغير الأزمنة لا يتغير ~~علمه تتجدد المعلومات، فإن العلم من حقيقته أن يتبع المعلوم على ما هو به ~~من غير أن يكتسب منه صفة ولا يكسبه صفة والمعلومات وإن اختلفت وتعددت فقد ~~تشاركت في كونها معلومة ولم يكن اختلافها لتعلق العلم بها بل اختلافها ~~لأنفسها وكونها معلومة ليس إلا تعلق العلم بها وذلك لا يختلف وكذلك تعلقات ~~جميع الصفات الأزلية فلا نقول يتجدد عليها حال بتجدد حال المتعلق فلا نقول ~~الله تعالى يعلم العدم والوجود معا في وقت واحد فإن ذلك محال بل يعلم العدم ~~في وقت العدم ويعلم الوجود في وقت الوجود والعلم بأن سيكون هو بعينه علم ~~بالكون في وقت الكون إلا أن من ضرورة العلم بالوجود في وقت الوجود العلم ~~بالعدم قبل الوجود ويعبر عنه بأنه علم بأن سيكون. # والذي يوضح الحق في ذلك هو أنا لو علمنا قدوم زيد غدا بخبر صادق أو غيره ~~وقدرنا بقاء هذا العلم على مذهب من يعتقد جواز البقاء عليه ثم قدم زيد ولم ~~يحدث له علم بقدومه لم يفتقر إلى علم آخر بقدومه إذا سبق له العلم بقدومه ~~في الوقت المعين، وقد حصل ما علم وعلم ما حصل إذ لو قدرنا أنه لم يتجدد له ~~علم ولم تتجدد له غفلة وجهل استحال أن يقال لم يعلم قدومه بل يجب أن يقال ~~تنجز ما كان متوقعا وتحقق ما كان مقدرا وحصل ما كان معلوما. # وقولهم: إن الإنسان يجد تفرقة بين حالتيه قبل قدومه وحال قدومه فتلك ~~التفرقة ترجع إلى تجدد العلم فليس ذلك على الإطلاق بل يرجع في حق المخلوقين ~~إلى إحساس وإدراك لم يكن فكان وفي حق الخالق لا تفرقة بين المقدر والمحقق ~~والمنجز والمتوقع بل المعلومات بالنسبة إلى علمه ms141 تعالى على وتيرة واحدة ~~وقال هذا العلم المتجدد يحصل عندكم قبل الوجود المتجدد بلحظة فإذا تقدمه ~~بلحظة كان أيضا علما لما سيكون لا علما بالكائن فهو والعلم الأزلي بما ~~سيكون سواء وإذا جاز تقدمه جاز قدمه. # ثم ألزم عليهم إلزام لا محيص لهم عنه وهو أن هذه العلوم المتجددة هل هي ~~معلومة قبل كونها موجودة أم ليس يتعلق العلم بها فإن كانت معلومة أفبعلم ~~الأزلي وعالميته أم بعلوم أخر سبقتها قبل وجودها فإن كان الأول فجوابنا عن ~~الكائنات في كونها معلومة بعلم الأزل جوابكم عن العلوم المتجددة وإن كان ~~الثاني فكانت محتاجة إلى علوم أخر والكلام في تلك العلوم كالكلام في هذه ~~ويؤدي إلى التسلسل وقد ألزم أصحاب الإرادات الحادثة لا في محل هذا الإلزام ~~واعتذروا بأن قالوا الإرادة لا تراد PageV01P126 ~~وهذا العذر لا يصح على قاعدة هشام وجهم فإن الإرادة وإن كانت لا تراد فهي ~~بخلاف العلم لأن العلم يعلم فيلزم القول بالتسلسل وهذا الإلزام قد أفحم ~~الكرامية في مسألة محل الحوادث. # وقالت المعتزلة على طريقتهم: الباري تعالى عالم لذاته أزلا بما سيكون ~~ونسبة ذاته أو وجه عالميته إلى المعلوم الذي سيكون كنسبته إلى المعلوم ~~الكائن الموجود والعالم منا بما سيكون عالم على تقدير الوجود وبما هو كائن ~~عالم على تحقيق الوجود فالمعلومات بعلم واحد جائز تقديرا أو تحقيقا وعندهم ~~يجوز تقدير بقاء العلم ويجوز تعلق العلم الواحد بمعلومين ولا استحالة فيه ~~شاهدا أو غائبا ثم أن بعضهم يقول يرجع الاختلاف في الحالتين إلى التعلق لا ~~إلى المتعلق بخلاف ما قال الأشعري إن الاختلاف يرجع إلى المتعلق لا المتعلق ~~والتعلق وقال بعضهم يرجع الاختلاف في الحالتين إلى حالتين. # وقد مال أبو الحسن البصري إلى مذهب هشام بعض الميل حتى قضى بتجدد أحوال ~~الباري تعالى عند تجدد الكائنات مع أنه من نفاة الأحوال غير أنه جعل وجوه ~~التعلقات أحوالا إضافية للذات العالمية وهو في جميع مقالاته ينهج مناهج ~~الفلاسفة ويرد على شيوخه من المعتزلة بتصفح أدلتهم ردا شنيعا. # وقالت الفلاسفة: ms142 على طريقهم واجب الوجود ليس يجوز أن يعقل الأشياء من ~~الأشياء وإلا فذاته إما متقومة بما يعقل أو عارض لها أن يعقل وذلك محال بل ~~كما أنه مبدأ كل موجود فيعقل من ذاته ما هو مبدأ له وهو مبدأ للموجودات ~~التامة بأعيانها والموجودات الكائنة الفاسدة بأنواعها وأشخاصها ولا يجوز أن ~~يكون عاقلا لهذه التغيرات مع تغيرها حتى يكون تارة يعقل منها أنها موجودة ~~غير معدومة وتارة يعلمها معدومة غير موجودة ولكل واحد من الأمرين صورة ~~عقلية على حدة ولا واحد من الصورتين يبقى مع الثانية فيكون واجب الوجود ~~متغير الذات بل هو إنما يعقل كل شي ء على نحو كلي فعلي لا انفعالي ومع ذلك ~~لا يعزب عنه شي ء شخصي لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ~~وأما كيفية ذلك فلأنه إذا عقل ذاته وعقل أنها مبدأ كل موجود عقل أوائل ~~الموجودات وما يتولد منها ولا شي ء من الأشياء يوجد إلا وقد صار معلوما من ~~جهة ما يكون واجبا بسببه فتكون الأسباب بمصادماتها تتأدى إلى أن يوجد منها ~~الأمور الجزئية فالأول يعلم الأسباب ومطابقتها فيعلم ما يتأدى إليه وما ~~بينها من الأزمنة وما لها من العودات فيكون مدركا للأمور الجزئية من حيث هي ~~كلية أعني من حيث لها صفات وأحوال تستعد بها لأن تكون PageV01P127 ~~كلية وإن تخصصت فبالإضافة إلى زمان ومكان وحال متشخصة فيعقل ذاته ونظام ~~الخير والموجود في الكل منه ونفس مدركة الكل سبب لوجود الكل منه ومبدأ له ~~وإبداع وإيجاب وإيجاد، فلا يتبع علمه معلوما بل يسبقه ولا يكتسب عنه صفة بل ~~يكسبه ولا يتغير بتغير المعلوم بل يغيره ولا يتعلق بأمر معين من حيث هو ~~معين شخصي حتى لو زال الشخص زال العلم بوجوده وهذا كمن عرف أن القمر إذا ~~اجتمع مع الذنب في برج كذا وكانت الشمس في برج مقابل وقع ثم الكسوف فعلمه ~~هذا قبل وجود الكسوف وبعده وفي حال الكسوف على وجه ليس يتغير بحدوث الكسوف ~~وكذا كل علم ms143 كلي ثم الجزئي مندرج تحت الكلي على سبيل التضمن فيصير الكل ~~معلوما له على هذا الطريق فمن قال منهم: إنه لا يعقل إلا ذاته أراد به أنه ~~يعقل كونه مبدأ وعقله ذلك هو الموجب لحصول ما يصدر عنه ومن قال منهم إنه ~~يعقل الكليات دون الجزئيات أراد ما قررناه ومن قال منهم: إنه يعقل الكليات ~~والجزئيات أراد ما عقله مقصودا أي مبدأ وما يصدر عنه إلا أن ذلك على وجه ~~فهذا كلام القوم ونحن نتكلم على ذلك بالاعتراض وبتصفح على كل مسألة منها ~~بالاستعراض. # فنقول أولا: إطلاق لفظ العقل والعاقل غير مصطلح عليه عندنا فنغير لفظ ~~العقل إلى العلم ونطلق لفظ العالم بدل العاقل إذ ورد السمع بكون الباري ~~تعالى عالما ولم يرد بكونه عاقلا فنطالبكم بالدليل على كون الباري تعالى ~~عالما فيما عرفتم ذلك والدليل ما أرشدكم إليه والبرهان لم يقم عليه، فإن ~~المتكلم يستدل بحصول الإحكام والإتقان في الأفعال على كون الصانع عالما ~~وأنتم ما سلكتم هذه الطريقة ولا استقام ذلك على قاعدتكم فإن العلم عندكم لم ~~يتعلق بالجزئيات أو تعلق على وجه كلي فهو إذا متعلق بالكليات والأحكام إنما ~~يثبت في الجزئيات المحسوسة أما الكليات المعقولة فهي مقدرة في الذهن فما ~~فيه الإحكام ليس بمعلوم على الوجه الذي يقتضيه الإحكام وما هو معلوم فلم ~~يشاهد إحكام فيه فبطل الاستدلال من هذا الطريق. # قالوا: طريقنا في ذلك إنما هو يرى من المادة وعلائقها فغير محتجب عن ذاته ~~لأن الحجاب هو المادة والمقدس عن المادة هو عالم لنفسه بنفسه إذ لا حجاب. # قيل هذه مصادرة على المطلوب الأول فإن معنى قولكم غير محتجب عن ذاته أي ~~هو عالم بذاته والكلام فيه كالكلام في الأول وتقريره إنما هو يرى من المادة ~~فهو عالم فلم قلتم إنما هو يرى عن المادة عالم ونفي المادة كيف يناسب ~~العالمية والعلم هذا كمن نفى التناهي والانقسام والأين والكيف عنه لم يجب ~~من ذلك أن يكون عالما فنفي الجسمية والهيولائية عنه ليس يقتضي أن يكون ms144 ~~عالما ولم نجد لعامتكم برهانا PageV01P128 ~~على ثبوت كونه عالما بالمعلومات سوى التجرد عن المادة وعلائقها وليس ذلك ~~حدا أوسط في برهان أن، ولا في برهان لم. # قال أبو علي بن سينا: البرهان على أن كل مجرد عن المادة فهو عقل بذاته هو ~~بدليل أن كل ماهية مجردة عن المادة فلا مانع لها من حيث ذاتها عن مقارنة ~~ماهية أخرى مجردة فيمكن أن تكون معقولة أي مرتسمة في ماهية أخرى مجردة ~~وارتسامها هو مقارنتها ولا معنى للعقل إلا أنه مقارنة ماهية مجردة لماهية ~~مجردة ولذلك إذا ارتسمت في القوة العاقلة منا ماهية مجردة كان نفس الارتسام ~~فيها هو نفس شعورها بها وإدراكها لها وذلك هو العقل والتعقل إذ لو كان ~~يحتاج إلى هيئة وصورة غير الصورة المرتسمة لكان الكلام في تلك الصورة ~~كالكلام في هذه الصورة ويتسلسل، وإذا كان نفس تلك المقارنة هو العقل فيلزم ~~منه أن كل ماهية مجردة فلا مانع لها من ذاتها أن تعقل. # قلت: ما زدت في البيان إلا أنك جعلت المقارنة حدا أوسط ولسنا نشك أنك ما ~~عنيت بهذه المقارنة مقارنة الجسم ولا مقارنة الجوهر العرض ولا مقارنة ~~الصورة المادة بل عنيت به كما فسرت التمثيل والارتسام وعنيت بالتمثيل ~~والارتسام التعقل فقد صادرت على المطلوب الأول أقبح المصادرة فكأنك قلت ~~الدليل على كونه عالما أنه لا يمتنع على إنيته وذاته أن يكون مرتسما بصورة ~~أي عالما فبان أنك أدرجت لفظ المقارنة حتى أخفيت الحال، ثم فسرت المقارنة ~~حتى أبديت الحال زالت المصادرة عنك كل الزوال «1». # وأما استشهادك بالقوة العاقلة منا فإنما ينفعك مع من لا ينازعك في أن ~~العقل هل يعقل بذاته ذاته وإن عقل أفبعقل غير ذاته أم بعقل هو ذاته أما من ~~نازعك في إثبات كونه عقلا وعاقلا أي علما وعالما فلا ينفعه هذا الاستشهاد. # وأما اقتباس كونه عاقلا من كونه معقولا فهو من أمحل المطلوبات وهو كمن ~~قال لا يمتنع عليه أن يعلم فلا يمتنع عليه أن يعلم والعرض في ذاته ممتنع أن ms145 ~~يعقل ويعلم عند القوم فكيف يصح القياس وهب أنه يعلم فلم ينبغي أن يعلم ثم ~~أخذ ما يحب مما لا يمتنع من أبعد القياسات وأمحل المحالات فإن سلمنا لكم ~~كونه تعالى عالما بذاته وعلمه بذاته نفس علمه بعلمه فلم قلتم أن علمه بذاته ~~الذي هو نفس العلم فعلمه بمعلوماته هو علمه بذاته ما هو مبدأ، وهو مبدأ كل ~~موجود، أفيتعلق علمه بذاته ثم PageV01P129 ~~يتعلق نفس ذلك العلم بمعلوماته على النسق الذي حصل أم يتعلق علمه بذاته ~~ويتعلق علم آخر بمعلوماته ويلزم على الأول أن يقال لا يعلم إلا ذاته إذ لا ~~صورة عنده غير ذاته ولا ارتسام لعقله إلا تعقله فإن العقل عندكم مقارنة ~~ماهية لماهية والمقارنة هو ارتسام ماهية بماهية فعلى هذا التفسير لم يقترن ~~بوجوده غير وجوده ولا ارتسم في عقليته غير عقليته وسائر اللوازم كما هي ~~مفارقة لذاته يجب أن يكون معقوليتها مفارقة لمعقولية ذاته ويلزم على القسم ~~الثاني التكثر الصريح فإن عقله لذاته وعقله للعقل الأول إن كانا شيئا واحدا ~~من وجه واحد فيلزم أن تكون ذاته هو العقل الأول والعقل الأول ذاته وإن لم ~~يكن ذلك على وجه واحد فقد تعدد وتكثر وجوه الذات. # ثم نقول إذا كان عقله وعلمه علما فعليا لا انفعاليا وإنما يلزم منه ما ~~يلزم لعلمه بذاته فيجب أن يكون كل معلوم مفعولا له وهو معلوم لعلمه فانظروا ~~أي شي ء يلزم من ذلك. # قال ابن سينا إنه تعالى عالم بالأشياء لا من الأشياء بل الأشياء منه ومن علمه. # قيل له: فإذا بطل تقريرك الثاني أن العقل لا معنى له إلا ارتسام ماهية ~~بماهية فهلا قلت العقل رسم ماهية في ماهية أو هلا قسمت الأمر فقلت من ~~العقول ما يرتسم ومن العقول ما يرسم ومنها ما لا يرسم ولا يرتسم فعقله ~~للعقل الأول رسم وليس بارتسام وعقله لذاته ليس برسم ولا ارتسام وعقل العقل ~~والنفس له ارتسام وليس برسم فعقولنا مثلا تصورات وعقول المقارنات تصويرات ~~وتصورات وعقل الباري تعالى لذاته ليس ms146 بتصور ولا تصوير وعقله للعقل الأول ~~تصوير لا تصور. # قال ابن سينا: الرب تعالى عالم بالموجودات ولكن علمه بها علم لزومي عن ~~علمه بذاته غير مفصل للصور فإنه يعلم ذاته وإنما يعلم ذاته كما هو عليه وهو ~~أنه مبدأ للموجودات كلها بأسرها فيدخل علمه بالموجودات تحت علمه بذاته من ~~غير أن تترتب للموجودات صورة في ذاته حتى يلزم منه كثرة فإن العلم بلوازم ~~الشي ء إذا لم يكن متجها نحو تلك اللوازم قصدا بل حاصلا من العلم بلزومها ~~فلا يكون زائدا على نفس العلم بالملزوم ولا فيه كثرة مترتبة فترتبه حسب ~~ترتيب تلك اللوازم ونحن نجد من أنفسنا مثل هذا العلم بالأشياء الكثيرة من ~~غير أن يتمايز لها صورة في ذاتها وهو إنا إذا سألنا عن مسألة نكون قد ~~علمناها وأتقناها لكنا في تلك الحالة معرضون عنها فمع السؤال عنها نجد من ~~أنفسنا التفاتا إلى جوابها ويقينا لنا بحصول ذلك العلم المشتمل على جميع ~~الجواب من غير أن يكون في ذلك العلم تفصيل لصور الأشياء التي تنتقش في ~~نفوسنا حين أخذنا في الجواب ثم يأتي التفصيل مع الأخذ في الجواب مرتبا وليس PageV01P130 ~~ذلك استعداد بحتا ويقينا بالاستعداد بل يقينا بحصول العلم لا بالاستعداد ~~وإنما يتيقن المعلوم لا المجهول وأما علم العقل الأول بالباري تعالى فلا ~~يكون لازما لعلمه بذاته فإن مبدأه قبل ذاته لا لازما عنه فلا يكون العلم ~~بما هو قبل ذاته لازما من نفس علمه بذاته فيكون علما آخر على حده والمعلوم ~~ليس نفس العالم ولا لازما منه فيكون زائدا لا محالة على نفس العالم فتحصل ~~فيه كثرة بسبب هذا العلم. # قلت فرقت فرقا بين علمه بذاته وبين علمه بالأشياء حتى سميت الأول ذاتيا ~~والثاني علما لزوميا أفتعني بالعلوم اللزومية معلومات له بعلم واحد على ~~طريق اللزوم فذلك صحيح أو تعني بذلك علوما أخر لزومية لعلمه بذاته فما ~~المتصور بتلك العلوم وما محلها وكيف تتعلق هي بالمعلومات وما معنى أنها غير ~~مفصلة للصور والعلم لا يكون قط إلا ms147 مفصلا فإنه معنى يتعلق بالمعلوم على ما ~~هو به فهو مفصل بالنسبة إلى معلومه وقولك إنه يعلم ذاته كما هو عليه وهو ~~مبدأ للموجودات فيا عجبا من إطلاق الذات والعلم بالذات والمبدأ للموجودات ~~فإن كانت هذه الثلاثة الاعتبارات عبارة عن معبر واحد حتى يقال ذاته علمه ~~وعلمه هو مبدئيته وكونه مبدأ أمر إضافي فكونه ذاتا وعلما يجب أن يكون أمرا ~~إضافيا وإن كان ثم اعتبار واعتبار حتى يكون من حيث إنه مبدأ إضافي ومن حيث ~~إنه علم سلبي ومن حيث إنه ذات لا سلبيا ولا إضافيا فقد تعددت اعتبارات ~~ثلاثة فذاته ثالث ثلاثة ونقول ما المانع من تعلق العلم الأزلي بالمعلومات ~~على نسق واحد حتى لا يكون منه ما هو بالقصد الأول وهو العلم بالملزوم ولا ~~منه ما هو بالقصد الثاني وهو العلم باللازم إن كان العلم والذات لا يتأثر ~~ولا يتكثر باللوازم والسلوب حتى يقال معنى كونه عالما إن الله لا يخفى عليه ~~شي ء في الأرض ولا في السماء من غير أن ينسب إليه بعض المعلومات بالذات ~~والبعض بالعرض من غير أن تتغير ذات العالم بالمعلوم كما لم تتكثر ذاته ~~بتكثر اللوازم وأما التمييز في عقولنا إنما هو بحسب إمكان الجهل والغفلة ~~والنسيان وإلا فلو قدرنا علما لم يطرأ عليه ضده البتة لم يخف عليه شي ء ~~البتة ولعلمنا مبادئ وكمالات فمبادئها النظر والاستدلال والتفكير والتدبير ~~وكماله أنه لا يخفى علينا المنظور فيه وإنما يطلق العلم على الباري تعالى ~~بحسب الكمال لا بحسب المبدأ كما أن مبدأ أفعالنا المعالجة والمزاولة ~~والاكتساب والمجاهدة وكمالها بأن لا يتعذر علينا شي ء وتطلق القدرة على ~~الباري تعالى بحسب الكمال لا بحسب المبدأ وكما أن العفو والعطف منا بحسب ~~المبدأ هو انحصار القلب على حال المعطوف عليه وبحسب الكمال هو الإنعام ~~والملاحظة والإكرام PageV01P131 ~~والملاطفة فإذا كان هذا معنى الصفات فلا فرق في تلك النسبة وهو أن لا يخفى ~~عليه شي ء من الكلي والجزئي والذاتي والعرضي وإذا فرقتم بين قسم وقسم فقد ms148 ~~حكمتم بتعدد الاعتبار وتكثر الجهات والآثار ومن قال إن علم المعلول الأول ~~بالأول لا يكون لازما لعلمه بذاته لأن مبدأ المعلول الأول قبل ذاته فلا ~~يكون العلم بما هو قبل ذاته لازما لعلمه بذاته فيكون علما آخر على حده ~~يتوجه على مساق كلامه أن كل من علم شيئا من حاجته وافتقاره لا يلزمه العلم ~~بالمحتاج إليه لأن المحتاج إليه قبل ذاته وقبل حاجة ذاته بل إنما يعلمه ~~بعلم آخر وليس الأمر كذلك بل العلم ربما يلزم من العلم ولا يستدعي لزوم ~~العلم من العلم أو بالعلم لزوم المعلوم من المعلوم وإنما وقع له هذا الغلط ~~من غلط آخر وهو أنه اعتقد أن المعلول الأول لزم وجوده من علم العلة الأولى ~~به وعلمه به لزوم من علم العلة الأولى بذاتها فظن أن كل شي ء علم وأنه ~~بذاته لزم من علمه بذاته علم بغيره ولزم من علمه بغيره وجوده وهذا محال على ~~أنه أثبت للمعلول الأول علمين علم بذاته وعلم آخر بعلته فيكون قد صدر من ~~العلة الأولى شي ء هو جوهر قائم بنفسه قام به معنيان مختلفان محققان ليس ~~يلزم من أحدهما الثاني فقد خالف بذلك أصله الممهد أن الواحد لا يصدر عنه ~~إلا واحد ولا يغنيه عذره أن أحد الشيئين له لذاته والثاني من علته فإن علم ~~المعلول بذاته غير وعلمه بالعلة غير وليس أحد العلمين له لذاته والثاني من ~~علته ثم هو يعلم ذاته ويعلم معلوله الثاني فقد تكثرت الذات بعلوم زائدة على ~~الذات على أنه عقل فعال وإنما عقليته لأنه صورة مجردة عن المادة وإنما ~~فعاليته لأنه صورة واهبة للصور فلم تتكثر ذاته بتكثر معلوماته من الصور ولا ~~تتغير بتغير لوازمه من الموجودات فهلا كان الأمر في واجب الوجود كذلك. # وأما من قال منهم: إنه يعلم الأمور على وجه كلي لا يتطرق إليه التغير ~~فنقول كل موجود شخصي في هذا العالم يستدعي كليا خاصا بذلك الشخص فإن كلية ~~الشخص الإنساني وهو كونه إنسانا ليس بكون كلية شخص ms149 حيوان آخر بل الكليات ~~تتكثر بحسب تكثر الشخصيات فإذا كان لا يعلم الشخصي إلا من نحو كليته حتى لا ~~يتغير العلم بالكلية ويتغير العلم بالجزئية فيلزم أن يتكثر العلم بكليته ~~كما يتكثر بشخصيته وإن اجتمعت الكليات كلها في كل واحد فيلزم أن لا يكون ~~المعلوم إلا ذلك الكلي الواحد ثم ذلك الكلي الواحد لازم له في وجوده فيكون ~~العلم به لازما للعلم بذاته فهو رجوع إلى محض مذهب من قال إنه لا يعلم إلا ~~ذاته فما زاد هذا القائل على مذهبه إلا إطلاق لفظ الكلية وهي معلومة لزوما ~~كما كانت الجزئيات معلومة لزوما فلم يستفد من هذه الزيادة شيئا ومن عرف ~~مبادئ الموجودات عرف ما PageV01P132 ~~يتأدى منها وما يحصل بها نظرا من العلة إلى المعلول ومن عرف أخص أوصاف ~~الموجودات عرف الأعم نظرا من الملزوم إلى اللازم وبين البابين بون عظيم بعيد. # وما تمثل به ابن سينا من حديث خسوف القمر: فهو دليل عليه فإن من علم مثل ~~ذلك العلم أعني إذا كان كذا يكون كذا فيكون علمه مشروطا وهي قضية شرطية فلا ~~يكون علمه علما محققا حتى يقول إن كان الأمر كذا فهو كذا فصار الأمر جزئيا ~~بعد ما كان كليا، ويتعالى علم الباري تعالى عن القضايا الشرطية بل علمه ~~أعلى من أن يكون كليا أو جزئيا أو متغيرا بتغير الزمان أو متكثرا بتكثر ~~المعلومات انظروا كيف عاد تنزيه القوم تشبيها وكيف صار تحقيق القوم تمويها. # قالت الصفاتية: إن الإشكال في هذه المسألة على جميع المذاهب من جهة أنهم ~~تصوروا تعلق العلم بالمعلوم على وجه يتطرق إليه الزمان الماضي والمستقبل ~~والحال حتى يقال علم ويعلم وهو عالم وسيعلم فظنوا أن العلم زماني يتغير ~~بتغير الحوادث ومن تحقق أن العلم من حيث هو علم لا يستدعي زمانا بل هو في ~~نفسه تبين وانكشاف وذلك إذا كان صفة للحادث وإحاطة وإدراكا إذا كان صفة ~~للقديم فهو مع وحدته محيط بكل الأشياء ومع إحاطته واحد ومن تحقق كونه واحدا ~~سهل عليه الإشكال. ms150 # فالبرهان على أن علمه شي ء واحد: أنه لو كان كثيرا لم يخل إما أن يتعدد ~~بتعدد المعلومات كلها والمعلومات من حيث إن لها صلاحية المعلومية من الواجب ~~والجائز والمستحيل لا تتناهى على التقدير فيلزم أن تكون العلوم المتعلقة ~~بها لا تتناهى على التحقيق وقد قام الدليل على أن أعدادا في الوجود المحقق ~~بالفعل لا تتناهى مستحيل وإنما حصره الوجود فهو متناه بالضرورة وإما أن ~~يتعدد بعدد مخصوص فيستدعي مخصصا خاصا والقديم لا مخصص فإذا علمه تعالى واحد ~~فهو متعلق بجميع المعلومات والمعلومات لا تتناهى فعلمه متعلق بما لا يتناهى ~~ولا يفرض اختصاصه بمعلوم معين كالعلم الحادث فإن الاختصاص والانحصار نقص ~~وقصور من حيث إنه لا يختص إلا بمخصص والدليل على ذلك أن ما من علم يفرض إلا ~~ويصح تعلق علم واحد منا به ثم لا يثبت لنا العلم بالمعلوم إلا ضروريا أو ~~كسبيا وعلى أي الوجهين فرض ثبوته فالله تعالى موجده ومبدعه فإذا وجد كان ~~عالما به وإذا وجب كونه عالما بالعلم فهو عالم بالمعلوم إذ يستحيل أن يعلم ~~العلم ولا يعلم المعلوم فلزم أن يكون العلم القديم متعلقا بكل معلوم وإنما ~~اقتصر العلم الحادث على بعض المعلومات لجواز طريان الضد عليه وإلا فالعلم ~~من حيث هو علم لم يمتنع عليه التعلق بكل معلوم وكذلك كل صفة قديمة فإن ~~متعلقاتها لا تتناهى فقد أطلقت الأشعرية بأن معلومات الله تعالى في كل ~~معلوم لا PageV01P133 ~~تتناهى وأشاروا بذلك إلى التقديرات الجائزة في حق كل معلوم إذ ما من وقت من ~~الأوقات وحين من الأحيان إلا ويجوز وقوع الحادثة فيه على البدل وكذلك ما من ~~عرض إلا ويجوز اختصاصه بكل جوهر على البدل. # قال المعترض تلقيتم وحدة العلم الأزلي من استحالة علوم غير متناهية ~~يحصرها الوجود ومن أن الاختصاص بعدد مخصوص، ثم ارتكبتم مثله في العلم ~~الواحد حيث قلتم إنه واحد متعلق بمعلومات لا تتناهى فقد أثبتم له تعلقات ~~حقيقية أو تقديرية لا تتناهى وما حصره الوجود كيف يشتمل على تعلقات غير ms151 ~~متناهية فإن قلتم إنها على التقدير المفروض لا تتناهى فالتقدير فكيف يتصور ~~في حق القديم سبحانه وإن قلتم إنها على التحقيق الموجود فالتحقيق للمتعلق ~~كالتحقيق للمتعلق فلم لا يجوز علوم غير متناهية ثم التناهي بعدد مخصوص ~~كالتناهي بالواحد، فإن أوجب اختصاص العدد مخصصا كذلك يستدعي اختصاص الوحدة ~~مخصصا وهو كما أن كثرة نوع الإنسان في الوجود استدعى مكثرا ووحدة نوع الشمس ~~في الوجود استدعت موحدا ثم معلومات الله تعالى مجملة أم مفصلة فإن قلتم ~~إنها مجملة على معنى أنه يعلم ما لا يتناهى من حيث إنها لا تتناهى من غير ~~أن ينفصل معلوم عن معلوم فهو علم واحد تعلق بمعلوم واحد وما ينفصل به بقي ~~مجهولا وإن قلتم إنها مفصلة على معنى أنها تتميز في علمه بخصائص صفاتها ~~فالجمع بين التفصيل، ونفي النهاية مستحيل فما الجواب عن هذه المشكلات؟ # قالت الصفاتية: لسنا نعني بالتعلقات علائق حسية ولا حبائل خيالية ولا ~~ينفي التناهي عن المعلومات أعدادا من المعلومات غير متناهية حاصرة في ~~الوجود بل نعني بالتعلق والمتعلق أن الصفة الأزلية صالحة لدرك ما يعرض ~~عليها على وجه لا يستحيل فيعبر عن تلك الصلاحية نحو الدرك بالتعلق ويعبر عن ~~جهة العرض عليه حتى يدركه بالمتعلق ثم وجوه الجائزات على التقدير غير ~~متناهية فالمتعلقات غير متناهية فالتعلقات غير متناهية فالعلم القديم صفة ~~متهيئة لدرك ما يعرض عليها على وجه الجواز دون الاستحالة والقدرة الأزلية ~~صفة متهيئة لإيجاد ما يعرض عليها على وجه الجواز دون الاستحالة فالمعنى ~~بالعرض جهة الإمكان وتعيين الآحاد على البدل والمعنى بالمعروض عليه جهة ~~الصلاحية إما نحو الإدراك وإما نحو الإيجاد وهذا كما أن الصور المتعاقبة ~~على الهيولي عند القوم لا تتناهى على البدل وإنها فائضة على الهيولي من ~~واهب الصور وذات واهب الصور واحدة إلا أنها على صفة لها صلاحية الفيض حتى ~~ما يتهيأ الهيولي لقبول الصورة فتعرض الإمكان على القدرة كتهيؤ الهيولي ~~لقبول الصور وصلاحية الصفة له نحو الإدراك والإيجاد كصلاحية الواهب لفيض ~~الصورة ثم الواهب واحد PageV01P134 ~~ومع ms152 وحدته على كمال يفيض منه صور لا تتناهى على البدل فذات الواهب واحدة ~~ولكنه في حكم ما لا يتناهى والصورة لا تتناهى ولكنها في حكم الواحد ثم ما ~~حصره الوجود فهو متناه وما قدره المقدر غير متناه فإن التقدير تعبير عن ~~الصلاحيتين أو نبأ عن الاستعدادين واستعمال لفظ الصلاحية في جانب القديم ~~توسع وفي جانب الحادث حقيقة فإن القديم بالإعطاء أجدر والحادث بالقبول أولى ~~ثم جهات الإمكان لا تتناهى وهي تشترك كلها في جهة الإمكان المحتاج إلى من ~~يخرجه من وجه الإمكان إلى عين الوجود فوجوه الممكنات كلها إلى القديم ~~سبحانه وهو تعالى من حيث العلم يحيط به ويدركها بوجه واحد وهو صلاحية العلم ~~نحو الإدراك ويوجدها ويخترعها بوجه وهو صلاحية القدرة نحو الإيجاد وتخصصها ~~بمثل دون مثل بوجه وهو صلاحية الإرادة نحو التخصيص ويتصرف فيها بتكليف ~~وتعريف بوجه وهو صلاحية الكلام نحو الأمر والنهي ثم هل تشترك هذه الحقائق ~~والخصائص في صفة واحدة أم في ذات واحدة فتلك الطامة الكبرى على المتكلمين ~~حتى فر القاضي أبو بكر الباقلاني رضي الله عنه منها إلى السمع، وقد استعاذ ~~بمعاذ والتجأ إلى ملاذ والله الموفق. PageV01P135 ### | AUTO القاعدة الحادية عشرة في الإرادة # وهي تتشعب إلى ثلاث مسائل أحدها: في كون الباري تعالى مريدا على الحقيقة، ~~الثانية: في أن إرادته قديمة لا حادثة، والثالثة: أن الإرادة الأزلية ~~متعلقة بجميع الكائنات «1». # أما الأولى: فالكلام فيها مع النظام والكعبي والجاحظ والنجار، فذهب ~~النظام والكعبي إلى أن الباري تعالى غير موصوف بها على الحقيقة وإن ورد ~~الشرع بذلك فالمراد بكونه تعالى مريدا لأفعاله فإنه خالقها ومنشئها، وإن ~~وصف بكونه مريدا لأفعال العباد فالمراد بذلك أنه أمر بها وإن وصف بكونه ~~مريدا في الأزل، فالمراد بذلك أنه عالم فقط. # وذهب النجار إلى أن معنى كونه مريدا أنه غير مغلوب ولا مستكره. # وذهب الجاحظ: إلى إنكار أصل الإرادة شاهدا وغائبا، وقال: مهما انتفى ~~السهو عن الفاعل وكان عالما بما يفعله فهو مريد وإذا مالت نفسه إلى فعل ~~الغير سمي ms153 ذلك الميلان إرادة، وإلا فليس هي جنسا من الأعراض وهو الأولى ~~بالابتداء وهو الأهم بالرد عليه. # فيقال له: إثبات المعاني والأعراض، ثم التمييز بين حقيقة كل واحد منها ~~إنما يبتنى على إحساس الإنسان نفسه، وكما يحس الإنسان من نفسه علمه بالشي ء ~~وقدرته عليه يحس من نفسه قصده إليه وعزمه عليه ثم قد يفعله على موجب إرادته ~~وقد لا يفعله على موجب إرادته وربما يريد فعل الغير من غير ميل النفس ~~والتوقان إليه وكذلك يريد فعل نفسه من غير ميل وشهوة كمن يريد شرب الدواء ~~على كراهية من نفسه، وبالجملة الإحساس حاصل ورده إلى العلم بالفعل باطل فإن ~~العلم تبين وإحاطة فقط وهو يطابق المعلوم على ما به من غير تأثير في ~~المعلوم ولا تأثير منه وكذلك يتعلق بالقديم والحادث والقصد والإرادة يقتضي ~~ويخصص فيؤثر ويتأثر ولذلك لا PageV01P136 ~~يتعلق إلا بالمتجدد والحادث فبطل مذهب الجاحظ. # وأما الرد على الكعبي والنظام بعد اعترافهما بكون الإرادة جنسا من ~~الأعراض فالشاهد أن نقول: قام الدليل على أن الاختصاص ببعض الجائزات دون ~~البعض في أفعال العباد دليل على الإرادة والقصد والدليل يطرد شاهدا وغائبا ~~فإن الإحكام والإتقان لما دل على علم الفاعل شاهدا دل عليه غائبا والدليل ~~العقلي لا ينتقض ولا يقتصر. # قال الكعبي: إنما دل الاختصاص على الإرادة في الشاهد لأن الفاعل لا يحيط ~~علما بكل الوجوه في الفعل ولا بالمغيب عنه ولا بالوقت والمقدار فاحتاج إلى ~~قصد وعزم إلى تخصيص وقت دون وقت ومقدار دون مقدار والباري تعالى عالم ~~بالغيوب مطلع على سرائرها وأحكامها فكان علمه بها مع القدرة عليها كافيا عن ~~الإرادة والقصد إلى التخصيص وإنه لما علم أنه يختص كل حادث بوقت وشكل وقدرة ~~فلا يكون إلا ما علم فأي حاجة به إلى القصد والإرادة، وأيضا فإن الإرادة لو ~~تحققت فإما أن تكون سابقة على الفعل أو حادثة مع الفعل فإن كانت سابقة فهي ~~عزيمة والعزم لا يتصور إلا في حق من يتردد في شي ء ثم أزمع عليه أو ms154 انتهى ~~عن شي ء ثم أقبل إليه وإن كانت مقارنة فهي إما أن تحدث في ذاته أو في محل ~~أولا في ذاته ولا في محل والأقسام الثلاثة باطلة بما سبق بطلانه فتعين أن ~~الإرادة للقديم سبحانه لا معنى لها إلا كونه عالما قادرا فاعلا. # قيل له: قد سلمت في الأفعال وجوها من الجواز في تخصيصها ببعض الجائزات ~~دون البعض فينظر بعد ذلك أهو من دلائل العلم، أو من دلائل الإرادة. # فنقول: قد بينا بأن العلم يتبع المعلوم على ما هو به. سواء كان العلم ~~محيطا بجميع الوجوه في الفعل وقتا ومقدارا وشكلا أو لم يكن فالعلم من حيث ~~هو علم لا يختلف وإن قدر اختلاف في العلم حتى يكون أحد العلمين مخصصا دون ~~الثاني فلنقدر مثل ذلك فيه حتى يكون أحدهما موجدا والثاني غير موجد ويقع ~~الاجتزاء بالعلم عن القدرة كما وقع به عن الإرادة فيعود الكلام إلى مذهب ~~الفلاسفة أن علمه تعالى علم فعلي فيوجد من حيث يعلم ويختار الأفضل من حيث ~~يعلم وإن وجب أن تعطى كل صفة حظها من الحقيقة فالعلم ما يحصل به الإحكام ~~والإتقان أما الإرادة ما يحصل بها التخصيص والقدرة ما يحصل بها الإيجاد ~~والقضايا مختلفة فالمقتضيات إذا غير متحدة. # وأما قوله: إثبات الإرادة في الشاهد لامتناع الإحاطة بالمراد من كل وجه ~~فباطل لأنا لو فرضنا الإحاطة بالفعل من كل وجه بإخبار صادق أو غيره من ~~الطرق كان يجب أن يستغني عن الإرادة وليس الأمر كذلك وتقسيمه القول بأن ~~الإرادة إما سابقة PageV01P137 ~~وإما مقارنة. # قيل له: قد عرفت على هذا مذهب الصفاتية أن الإرادة أزلية فهي سابقة على ~~المراد ذاتا ووجودا ومقارنة لحال التجدد تعلقا وتخصيصا، والعلم يتبع الواقع ~~ولا يوقع والقدرة توقع المقدور ولا تخصص والإرادة تخصص الواقع على حسب ما ~~علم بما علم والصفة أزلية سابقة والمراد حادث متأخر وليس يلزم على ذلك أن ~~يسمى عزما فإن العزم توطين النفس بعد تردد ولو كان المريد للشي ء متمنيا أو ~~مشتهيا أو مائلا ms155 لوجب أن يقال العالم بالشي ء معتقد ساكن النفس مترو، ~~ومتفكر فبطل الاستدلال من هذا الوجه وليس كل من علم شيئا أراده ولا كل من ~~أراد شيئا قدر عليه بل كل من فعل شيئا فقد قدر عليه ومن قدر على فعل شي ء ~~أراده ومن أراده علمه فالإرادة تتبع العلم حتى يتصور أن يكون عالما ولا ~~يكون مريدا ولا يتصور أن يكون مريدا ولا يكون عالما. # أما الرد على النجار: حيث قال: إنه مريد بمعنى أنه غير مغلوب ولا مستكره ~~فيقال له فسرت حكما ثابتا ينفي كمن يفسر كونه قادرا بأنه غير عاجز وكونه ~~عالما بأنه غير جاهل وذلك مذهب المعطلة الفلاسفة ثم تجرد نفي العجز ~~والكراهية لا يقتضي كون الذات مريدا فإن كثيرا من الأجسام ينفى عنها العجز ~~والكراهية ولا يكون مريدا وكثير من المريدين كاره، كمن شرب الدواء على ~~كراهية من طبعه وهو مريد له فالكراهية تضاد الطوع وأما القصد فقد يجامع ~~الكراهية. # ثم نقول: كونه غير مغلوب ولا مستكره أمر مجمع عليه وإنما الكلام في أنا ~~رأينا في الأفعال ما يدل على كون الصانع مريدا وهو اختصاص الأفعال ببعض ~~الجائزات دون البعض وإهمال هذه القضية غير ممكن فما مدلول هذا الدليل. # فإن قلتم: مدلوله أنه غير مغلوب ولا مستكره «1». # فيقال: إنما استفدنا العلم بذلك من كونه قادرا على الكمال والاختصاص لم ~~يدل على القدرة بل الوقوع دل عليها فلم يكن للاختصاص مدلول ونحن إنما ~~أثبتنا العلم بالصفات من الدلائل وإذا ثبتت هذه المسألة أخذنا في المسألة ~~الثانية وهو كون الرب تعالى مريدا بإرادة قديمة. # فنقول: قد قام الدليل على أن معنى المريد هو ذو الإرادة كما قام الدليل على PageV01P138 ~~أن معنى العالم هو ذو العلم فنقول إما أن يكون الرب سبحانه مريدا لنفسه أو ~~بإرادة وإذا تحقق أنه مريد بإرادة فإما أن تكون الإرادة قديمة وإما أن تكون ~~حادثة فإن كانت حادثة فلا يخلو إما أن تكون حادثة في ذاته أو في محل أو لا ~~في ذاته ms156 ولا في محل وقد سبق الرد على من قال بحدوث الإرادة في ذاته ويستحيل ~~كون الإرادة في محل ويكون الرب تعالى مريدا بها فإن المعنى إذا قام بمحل ~~وصف المحل به إذ لا معنى للقيام به إلا وصفه به وحينئذ لا يوصف غيره به إذ ~~من المحال وصف الشيئين بمعنى واحد قام بأحدهما دون الثاني ويستحيل كون ~~الإرادة لا في محل فإن الإرادة من جملة المعاني والأعراض واحتياج الأعراض ~~إلى المحل صفة ذاتية لها ومن المحال ثبوتها دون الوصف الذاتي ولو لم تحل في ~~محل لكانت قائمة بذاتها والقائم بالذات قابل للمعنى فحينئذ تكون الإرادة ~~قابلة للمعنى فحينئذ تكون الإرادة قابلة للمعنى ولا يكون فرق بين الجوهر ~~وبين حقيقة العرض حتى لو جوز استغناء العرض عن المحل في وقت من الأوقات جاز ~~في كل وقت ولو جوز لجنس من الأجناس أو لنوع من الأنواع لجاز لكل نوع وجنس ~~ولو جوز ذلك أيضا للزم تجويز قيام جوهر بمحل، فإنه كما يستثنى الإرادة ~~والغناء والتعظيم عن جنس من المعاني حتى لا يفتقر إلى محل جاز أن يستثنى ~~جنس من الجوهر حتى يحتاج إلى محل وكل ذلك محال. # ثم نقول هب أنا ارتكبنا هذه الاستحالة وتصورنا إرادة لا في محل فمن ~~المريد بها ومن المعلوم أن نسبتها إلى القديم والحادث على وتيرة واحدة. # فإن قيل: يوصف بها القديم لأن القديم لا في محل والإرادة لا في محل فهي ~~به أولى. # قيل ولو قيل يوصف بها الحادث لأن الإرادة حادثة والجوهر حادث والحادث ~~بالحادث أولى والمناسبات بين الحوادث تتحقق ولا مناسبة بين القديم والحادث ~~بوجه ما ثم أخذتم قولكم لا في محل بالاشتراك فإن معنى قولنا القديم لا في ~~محل أي لا في مكان ومعنى قولنا الإرادة لا في محل أي لا في متمكن وفرق بين ~~المكان والمحل فلم توجد المناسبة شاملة للطرفين بمعنى متفق عليه مشترك فيه ~~فلا مناسبة أصلا هذا كمن يقول الجوهر لا في محل والإرادة لا في محل فوصف ~~الجوهر ms157 بها أولى ونقول قد قام الدليل على أن كل حادث اختص بالوجود دون ~~العدم وبوقت وقدر دون وقت وقدر كان المحدث مرادا والإرادة شاركت جميع ~~الحوادث في هذه القضية فإنها اختصت بوقت ومقدار من العدد دون وقت ومقدار ~~فيستدعي إرادة أخرى والكلام فيها كالكلام في هذه فيجب أن يتسلسل والقول ~~بالتسلسل باطل. PageV01P139 # قالت المعتزلة: نعم إثبات إرادات لا في محل على خلاف وضع الأعراض والمعاني ~~لكن الضرورة ألجأت إلى التزام ذلك. # قيل إنه لا وجه لإنكار الإرادة كما قال الكعبي؛ لأنه يوجب أن تكون ~~الأفعال غير اختيارية شبيهة بالأفعال الطبيعية عند أهل الطبائع ولا وجه ~~لإثبات كونه مريدا لذاته لأن الصفات الذاتية وجب تعميمها فهي عامة التعلق ~~وحينئذ وجب تعلق كونه مريدا بالفواحش والقبائح وذلك باطل كما سيأتي ولا وجه ~~لإثبات إرادة قديمة لأنه يؤدي إلى إثبات إلهين قديمين كما سبق أن الاشتراك ~~في القدم يوجب الاشتراك في الإلهية ولا وجه لإثبات كونها حادثة قائمة بذات ~~الباري ولا لإثبات كونها قائمة بذات أخرى لما سبق من المعنى فتعين أنها لا ~~في محل فالضرورة العقلية ألجأت إلى تعيين هذا القسم من الأقسام ونحن لم ~~نبعد النجعة في ذلك مع إثبات الفلاسفة عقولا مفارقة للأجسام قائمة بذواتها ~~وهي مبادئ الموجودات ومع إثبات جهم وهشام علوما حادثة لا في محل ومع إثبات ~~الأشعرية تكليما لا في محل لأن ذلك الكلام الذي في ذات الباري تعالى لم ~~ينتقل إلى سمع موسى عليه السلام، والذي سمعه موسى لم يكن في محل فهم وإن لم ~~يصرحوا بتكليم لا في محل كما صرحنا بتعظيم لا في محل غير أنهم أثبتوا كلاما ~~مسموعا والصفة الأزلية لم تنتقل وسمع موسى قد امتلأ بالتكليم حتى يقال: إنه ~~سمع كجر السلسلة. # وأما قولكم: إن حدثت إرادة فبإرادة أخرى تحدث وبتسلسل فغير مقبول لأن ~~الإرادة لا تراد أليست إرادتنا لو كانت مرادة بإرادة أخرى أدت إلى التسلسل ~~فلم تستدع الإرادة جنسها. # قالت الأشعرية: الضرورة التي ادعيتم ليست الضرورة العقلية التي يضطر ~~العقل ms158 إلى التزامها من إبطال قسم وتعيين قسم، فإنكم قدرتم من محال حتى ~~ارتكبتم محالا والأقسام كلها بزعمكم محالات فلم التزمتم هذا المحال دون ~~مذهب الكعبي في رده الإرادة إلى العالمية والقادرية كما رددتم كونه سميعا ~~بصيرا إلى كونه عليما خبيرا على قول وهلا التزمتم مذهب النجار في رد ~~الإرادة إلى صفة النفي كمن قال منكم إنه سميع بصير بمعنى أنه حي لا آفة به، ~~وهلا قلتم هو مريد لنفسه كما قال النجار على رأي ولا تلتزموا عموم التعلق ~~إلا فيما يصح أن يكون قادرا على ما يصح أن يكون مقدورا له، وهلا التزمتم ~~مذهب الكرامية في إثبات إرادات في ذاته لأن المحذور من ذلك الالتزام هو ~~التغيير بالحوادث والتغيير حاصل في الأحكام حسب حصوله في المعاني إذا لم ~~يكن مريدا فصار مريدا عندكم فإذا لم يدل تغيير الأحكام على الحدوث لم يدل PageV01P140 ~~تغيير المعاني أيضا على الحدوث أو هل قلتم هو مريد بإرادات في محل كما قلتم ~~هو متكلم بكلام يخلقه في محل وما الفرق بين البابين فإن الإرادة إن أوجبت ~~حكما لمن قامت به فليوجب الكلام، كذلك وإن كان المتكلم من فعل الكلام على ~~أصلكم فاصطلحوا على أن المريد من فعل الإرادة، ثم يرجع الحكم إلى الفاعل ~~كما يرجع في كونه عدلا يخلق العدل فكيف التزمتم أبعد الأقسام قبولا عن كونه ~~معقولا. # ثم قولكم: الإرادة لا تراد تحكم باطل فإن الإرادة من الحوادث وكل حادث ~~اختص بمثل دون مثل فهو مراد، وإن استغنى حادث عن الإرادة استغنى كل حادث ~~ولا يؤدي إلى التسلسل في الإرادة فإن الإرادة الأخيرة تستند إلى خلق ~~الباري، فهي ضرورية الوجود مرادة بإرادة الباري تعالى وإرادته قديمة لا ~~تراد أي لا تتخصص بوقت دون وقت. # وأما التمثل بالعقول المفارقة على رأي الفلاسفة غير سديد: فإنهم أثبتوا ~~جواهر قائمة بذواتها قابلة للمعاني غير أنهم لم يحكموا بتحيزها وأنتم أثبتم ~~إرادات من جنس إرادات الحوادث وهي أعراض لا في محل فقد أخرجتموها عن أخص ~~أوصاف العرضية وما ms159 أجريتم فيها حكم الجوهرية «1». # وأما التمثل بمذهب جهم بن صفوان وهشام: فمثل محال والرد عليه كالرد عليكم ~~والتمثل بمذهب الأشعري في تكليم البشر غير مستقيم على أصله فإن عنده كلام ~~الله مسموع بسمع البشر كما أنه مرئي برؤية البشر ولم يجب من ذلك انتقال ولا ~~تغير وزوال فطفتم على أبواب المذاهب وفزتم بأخس المطالب. # وأما المسألة الثالثة من شعب المسألة الكبرى هو القول في تعلق إرادة ~~الباري بالكائنات كلها والمدار في هذه المسألة على تعين الجهة التي هي ~~متعلق الإرادة فيرتفع النزاع والتشنيع بذلك فنذكر المذاهب أولا ثم نشرع في ~~الدليل. # قالت المعتزلة القائلون بإرادات حادثة: إن الباري تعالى مريد لأفعاله ~~الخاصة بمعنى أنه قاصد إلى خلقها على ما علم وتتقدم إرادته على المفعول ~~بلحظة واحدة ومريد لأفعال المكلفين ما كان منها خيرا ليكون وما كان منه شرا ~~لأن لا يكون وما لم يكن خيرا ولا شرا ولا واجبا ولا محظورا وهي المباحات ~~فالرب تعالى لا يريدها ولا يكرهها ويجوز تقديم إرادته وكراهيته على أفعال ~~العباد بأوقات وأزمان ولم يجعلوا PageV01P141 ~~له حدا أو مردا. # ثم القدماء منهم قالوا: إن الإرادة الحادثة توجب المراد وخصصوا الإيجاب ~~بالقصد إلى إنشاء الفعل لنفسه أم العزم في حقنا وإرادة فعل الغير فإنها لا ~~توجب ولم يريدوا بالإيجاد إيجاب العلة المعلول ولا إيجاب التولد والإرادة ~~عندهم لا تولد فإن القدرة عندهم توجب المقدور بواسطة السبب فلو كانت ~~الإرادة مولدة بواسطة السبب استند المراد إلى سببين ولزم حصول مقدورين ~~قادرين. # قالت المعتزلة الصفة القديمة إذا تعلقت بمتعلقاتها وجب عموم تعلقها إذ لا ~~اختصاص للقديم بشي ء فلو كانت الإرادة قديمة لتعلقت بكل مراد من أفعال نفسه ~~ومن أفعال العباد ومن أفعال العباد أن يريد زيد حركة ويريد عمرو سكونا فوجب ~~أن يكون القديم مريدا لإرادتيهما ومراديهما وما هو مراد يجب وقوعه فيؤدي ~~إلى اجتماع الضدين في حالة واحدة. # قالت الأشعرية الصفة القديمة يجب تعلقها بكل متعلق على الإطلاق أم يجب ~~عموم تعلقها بما يصح أن يكون ms160 متعلقا بها، فإن كان الأول فهو غير مستمر في ~~الصفات فإن العلم يتعلق بالواجب والجائز والمستحيل والقدرة لا تتعلق إلا ~~بالممكن من الأقسام، والإرادة لا تتعلق إلا بالمتجدد من الممكنات والعلم ~~أعم تعلقا، والقدرة أخص من العلم والإرادة أخص من القدرة والعموم لا ينقص ~~ولا يزيد وفيما لا يتناهى من المعلومات والمقدورات والمرادات فكل قسم لا ~~يتناهى فيعم تعلق الصفة بما لا يتناهى مما يليق بكل قسم ويختص بكل صفة ولو ~~كان الإيجاب بالقدرة على نعت الإيجاد لوجد كل ما تعلقت به القدرة فيوجد ما ~~لا يتناهى وذلك محال، بل الإرادة هي المخصصة بالوجود المتعلقة بحال متجدد، ~~وأما تعلق إرادة القديم بالضدين في حالة واحدة. # قالوا: لسنا نسلم أولا أن هاهنا إرادتين للضدين بل هو ما وقع في معلوم ~~الرب تعالى أن يقع فهو المراد وصاحبه المريد وما علم أنه لا يقع فليس مرادا ~~وصاحبه المتمني ويجوز تعلق الإرادة القديمة بمعنيين أحدهما تمن وشهوة ~~والثاني إرادة. # ثم قالوا لم قلتم إن إرادة الإرادتين تقتضي إرادة المرادين حتى يلزم ~~الجمع بين الضدين فإنه تعالى إنما أراد إرادتيهما من حيث وجودهما وتجددهما ~~لا من حيث مراديهما وهو كإرادته للقدرة لا تكون إرادة للمقدور وقدرته على ~~الإرادة لا تكون قدرة على المراد على أصلكم كعلمه بعلم زيد وظن عمرو وشك ~~خالد وجهل بكر لا يكون اعتقادا لمعتقداتهم حتى يوصف بمتعلقات صفاتهم. # والسر في ذلك أن الإرادة القديمة لم تتعلق إلا بوجه واحد وهو المتجدد من PageV01P142 ~~حيث هو حادث متجدد متخصص بالوجود دون العدم ووقت دون وقت والإرادتان ~~تشتركان في التجدد فتنتسبان إليها من جهة التجدد والتخصص وهما من هذا الوجه ~~ليسا ضدين فلم تتعلق الإرادة بالضدين ولو قيل تتعلق الإرادة بالإرادتين ~~جميعا من حيث الوقوع والتجدد وبأحد المرادين وهو الواقع منهما في المعلوم ~~وتتعلق بعدم وقوع الآخر فهي إرادة لوقوع أحدهما وكراهة لوقوع الآخر كان ذلك ~~أيضا صوابا قال الله تعالى: يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ~~[البقرة: # 185]، أي يريد خلاف ms161 العسر كما قال: أتنبئون الله بما لا يعلم [يونس: 18]، ~~أي بما يعلم خلافه حتى لا يكون النفي داخلا في الإطلاقات «1». # قالت المعتزلة: قد تقرر في العقول أن مريد الخير خير ومريد الشر شرير ~~ومريد العدل عادل ومريد الظلم ظالم فلو كانت الإرادة الأزلية تتعلق ~~بالكائنات كلها لكان الخير والشر مرادا فيكون المريد موصوفا بالخيرية ~~والشرية والعدل والظلم وذلك قبيح في حق القديم سبحانه قال الله تعالى: وما ~~الله يريد ظلما للعباد [غافر: 31]. # قالت الأشعرية: هذه المقدمة التي ذكرتموها من المشهورات في عادات الناس ~~لا من الأوليات في قضايا العقول، وإنما يختص اطرادها في بعض الصور دون ~~البعض إذ لا يقال في سياق ذلك أن مريد الجهل جاهل ومريد العلم عالم ومريد ~~الطاعة مطيع ولا يقال مريد الحركة متحرك ومريد الصلاة مصل ثم يقال في ~~الشاهد مريد العبادة عابد ولا يقال في الغائب مريد العبادة عابد. # ثم السر في ذلك أن الإرادة الحادثة قد تكون ضرورية وقد تكون كسبية ~~والضرورية منها لا توصف بالخيرية والشرية والتكليفية إذ لا تكليف إلا على ~~المكتسب وقد توصف بالخيرية والشرية الجبرية كما يقال الملك يريد الخير طبعا ~~وجبرا والشيطان يريد الشر طبعا وجبرا وأما الإرادات الكسبية فتتوجه على ~~المريد فيها وبها التكليف فيوصف بالظلم والعدل والخير والشر والطاعة ~~والمعصية كما وصف سائر الحركات ثم لم يلزم من ذلك طردها في الغائب فلم يصح ~~الاستدلال. # والسر في ذلك أن الإرادة الأزلية لم تتعلق بالمراد من أفعال العباد من ~~حيث هو مكلف به إما طاعة وإما معصية وإما خيرا وإما شرا بل لا يتعلق به من ~~حيث هو فعل العبد وكسبه على الوجه الذي ينسب إليه فإن إرادة فعل الغير من ~~حيث هو فعله تمن PageV01P143 ~~وشهوة وإنما يتعلق به من حيث هو متجدد متخصص بالوجود دون العدم متقدر بقدر ~~دون قدر وهو من هذا الوجه غير موصوف بالخير والشر، وإن أطلق لفظ الخير على ~~الوجود من حيث هو وجود فذلك إطلاق بمعنى يخالف ما تنازعنا فيه فالباري ms162 ~~تعالى مريد الوجود من حيث هو وجود والوجود من حيث هو وجود خير فهو مريد ~~الخير وبيده الخير، وأما الوجه الذي ينسب إلى العبد هو صفة لفعله بالنسبة ~~إلى قدرته واستطاعته وزمانه ومكانه وتكليفه وهو من هذا الوجه غير مراد ~~للباري تعالى وغير مقدور له ولما تقرر عندنا بالبراهين السابقة أنه تعالى ~~خالق أعمال العباد كما هو خالق الكون كله وإنما هو خالق بالاختيار والإرادة ~~لا بالطبع والذات فكان مريدا مختارا لتجدد الوجود وحدوث الموجود ثم الوجود ~~خير كله من حيث هو وجود فكان مريد الخير وأما الشر فمن حيث هو موجود فقد ~~شارك الخير فهو من ذلك الوجه خير ومراد وعلى هذا لا يتحقق في الوجود شر محض ~~فهو تعالى مريد الوجود ومريد الخير والعبد يريد الخير والشر وعن هذا قال ~~الحكماء: الشر داخل في القضاء والإرادة بالعرض لا بالذات وبالقصد الثاني لا ~~بالقصد الأول فإن الشر عندهم إما عدم وجود أو عدم كمال الوجود وإنما الداخل ~~في القضاء والإرادة بالقصد الأول هو الوجود وكمال الوجود ثم قد يكون الوجود ~~على كمال أول ومتوجه إلى كمال ثان وقد يكون على كمال مطلق كالعقول المفارقة ~~التي هي تامة كاملة بأعيانها في الخير المحض الذي لا شر فيه وما هو على ~~كمال أول أي هو بالقوة على كمال إلى أن يصير الفعل على كمال ثان فيقع من ~~مصادمات أحوال السلوك من المبدأ إلى الكمال أحوال هي شرور ومضار كما تقع ~~أحوال هي سرور ومنافع، والإرادة الأزلية والعناية الربانية تتعلق بالأمرين ~~والقسمين جميعا ولكن أحد المتعلقين على سبيل التضمن والاستتباع والعرضية ~~ويسمى ذلك مرادا ومقصودا بالقصد الثاني والمتعلق الثاني على سبيل الوضع ~~والأصالة والذاتية فيسمى ذلك مرادا ومقصودا بالقصد الأول هذا كما يعلم أن ~~المقصود الكلي من إنزال المطر من السماء نظام العالم وانتظام الوجود وذلك ~~هو الخير مطلقا ثم إن خرب بذلك بيت عجوز قد أشرف على الانهدام أو ماتت ~~العجوز وقد بلغت إلى شرف الموت كان ذلك شرا بالإضافة لا ms163 بالأصالة وبالقصد ~~الثاني لا بالقصد الأول ووجود خير كلي مع شر جزئي أقرب إلى الحكمة من لا ~~وجود له لا يقع الشر الجزئي فإن عدمه مما يورث الفساد في نظام كل الموجودات ~~فهو أكثر شرا وأشد ضرا. # قالت المعتزلة: كل آمر بالشي ء فهو مريد له والرب تعالى آمر عباده ~~بالطاعة فهو مريد لها إذ من المستحيل أن يأمر عبده بالطاعة ثم لا يريدها ~~والجمع بين اقتضاء PageV01P144 ~~الطاعة وطلبها بالأمر بها، وبين كراهية وقوعها جمع بين نقيضين وذلك بمثابة ~~الأمر بالشي ء والنهي عنه في حالة واحدة إذ لا فرق بين قول القائل آمرك ~~بكذا وأكره منك فعله وبين قوله آمرك بكذا وأنهاك عنه، وإذا وقع الاتفاق بأن ~~الله تعالى آمر عباده بالطاعة وجب أن يكون مريدا لها كارها لضدها من ~~المعصية، وإذا كان الآمر بالشي ء مريدا له كان الناهي عن الشي ء كارها له. # والذي يحقق ذلك أن الأمر بالشي ء يقتضي من المأمور حصول المأمور به ~~والإرادة تقتضي تخصيص المأمور به بالوجود ومن المحال اقتضاء الحصول لشي ء ~~واقتضاء ضد ذلك منه فلو قلنا إن الباري تعالى أمر أبا جهل بالإيمان وأراد ~~منه الكفر أدى ذلك إلى اقتضاء الإيمان منه بحكم الأمر واقتضاء الكفر منه ~~بحكم الإرادة وهو محال ويخرج على هذه القاعدة استروا حكما إلى العلم فإنه ~~يجوز أن يأمر بخلاف المعلوم لأن العلم ليس فيه اقتضاء وطلب وإنما هو يتعلق ~~بالمعلوم على ما هو به بخلاف الإرادة فإنها مقتضية فيرد الأمر على خلاف ~~العلم ولا يرد على خلاف الإرادة. # قالت الأشعرية: لسنا نسلم أن كل آمر بالشي ء مريد حصوله بل كل آمر بالشي ~~ء عالم بحصوله مريد له حصولا وكل آمر يعلم حصول ضده لا يكون مريدا لحصوله، ~~فإن الإرادة على خلاف العلم تعطيل لحكم الإرادة وتغيير لأخص وصفها، وقد ~~بينا أن أخص وصفها التخصيص، وحكمها إنما يتعلق بالمتجدد من المقدورات ~~والمتخصص من المقدورات فإذا علم الآمر أن المأمور به لا يحصل قط ولا ms164 يتجدد ~~ولا يتخصص قط فيستحيل أن يريده فإنها توجد ولا متعلق لها يتعلق ولا أثر ~~لتعلقها وذلك محال ولو كانت الإرادة خاصيتها أن تتعلق بالممكن فقط كالقدرة ~~لكان جائزا أن تتعلق بخلاف المعلوم. # ومن العجب: أن متعلق القدرة أعم من متعلق الإرادة، فإن الجائز الممكن من ~~حيث هو ممكن متعلق القدرة والمتجدد من جملة الممكنات هو متعلق الإرادة ~~والمتجدد أخص من الممكن. # ثم قال بعض المخالفين إن خلاف المعلوم غير مقدور وهو أعم فخلاف المعلوم ~~كيف يكون مرادا وهو أخص، ثم نقول من رأيي الآمر بالشي ء لا يكون مريدا ~~لمأمور به من حيث إنه مأمور به قط سواء كان المأمور به طاعة أو غيره، وقد ~~علم الأمر حصولها، وسواء كان الآمر بخلاف ذلك فإن جهة المأمور به هو كسب ~~المأمور وقد بينا أن ذلك أخص وصف للفعل سمي به المرء عابدا مطيعا مصليا ~~وصائما مزكيا حاجا غازيا مجاهدا والفعل من هذا الوجه لا ينسب إلى الباري ~~تعالى فلا يكون مريدا له من هذا الوجه بل ينسب إليه من حيث التجدد والتخصيص ~~وما لم يكن الفعل فعلا PageV01P145 ~~للمريد لا يكون مرادا له فما كان من جهة العبد من الذي سميناه كسبا، ووقع ~~على وفق العلم والأمر كان مرادا ومرضيا أعني مرادا بالتجدد والتخصيص مرضيا ~~بالثناء والثواب والجزاء وما وقع على وفق العلم وخلاف الأمر كان مرادا غير ~~مرضي أعني مرادا بالتجدد غير مرضي بالذم والعقاب وهذا هو سر هذه المسألة ~~ومن اطلع عليها استهان بتهويلات القدرية وتمويهات الجبرية فعلى هذا لم يكن ~~الباري تعالى مريدا للشرور والمعاصي والقبائح من حيث إنها شرور ومعاصي ~~وقبائح ولا هو مريد للخيرات والطاعات والمحاسن من حيث إنها كذلك بل هو مريد ~~لكل ما تجدد وحدث في العالم من حيث إنها متخصصة بالوجود دون العدم ومتقدرة ~~بأقدار دون أقدار ومتأقتة بأوقات دون أوقات ثم ذلك الموجود قد يقع منتسبا ~~إلى استطاعة العبد كسبا على وفق الأمر فسمي طاعة مرضية أي مقبولة بالثناء ~~ناجزا والثواب أجلا ms165 وقد يقع على خلاف الأمر فيسمي معصية غير مرضية أي مردود ~~بالذم ناجزا وبالعقاب أجلا ولو لا قدرة العبد في الشي ء لكان الفعل فعلا ~~متجددا مختصا بما خصصته الإرادة من غير أن يقال هو خير أو شر إيمان أو كفر ~~فالأفعال كلها من حيث تجددها واختصاصها مرادة للباري تعالى وهي متوجهة إلى ~~نظام في الوجود وصلاح العالم وذلك هو الخير المحض وكانت وجوهها إلى الخير ~~وظهورها من الخير وكان بيده الخير، وكل ما ورد في القرآن من إرادة الخير ~~المخصوص بأفعال العباد مثل قوله: يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ~~[البقرة: 185]، ولكن يريد ليظهركم إلى غير ذلك فهو محمول على أحد معنيين ~~إما ثناء ومدح في الحال، وإما على ثواب ونعمة في المال، وإلا فالإرادة ~~الأزلية لا تتعلق إلا بما هو متجدد من حيث أنه متجدد فلا متجدد إلا وهو فعل ~~للباري تعالى من حيث أنه متجدد وذلك لا ينسب إلى العبد كما بينا في خلق ~~الأعمال، فاختصت الإرادة بأفعال الله سبحانه على الحقيقة دون الوجوه التي ~~تنسب إلى العبد واختص الأمر بأفعال العباد حقيقة دون الوجوه التي تنسب إلى ~~الحق تعالى فلم يجب تلازم الأمر والإرادة، وقد يرد الأمر بمعنى الإرادة ~~والإرادة بمعنى الأمر فيكون الإطلاق باشتراك في اللفظ فكأن المشركين تمسكوا ~~بهذا اللفظ حيث أخبر التنزيل عنهم سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما ~~أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شي ء [الأنعام: 148]، أرادوا بذلك المشيئة ~~بمعنى الأمر، وعن هذا طالبهم بإخراج العلم بذلك وإظهار الحجة عليهم من ~~كتبهم، وقال: PageV01P146 # إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون [الأنعام: 148]، إذ لم يرد بذلك ~~أمر ولا وجدوا في كتبهم بذلك تكليفا فرد عليهم بإثبات المشيئة بمعنى ~~التخصيص بالوجود والتصريف للأمور فقال تعالى: قل فلله الحجة البالغة فلو ~~شاء لهداكم أجمعين [الأنعام: 149]. # وقد تمحل أبو الحسن وأصحابه أمثلة في جواز تعلق الإرادة على خلاف الأمر ~~منها أن نبيا لو علم من أحد الأمة أنه لو أمر بعشر ms166 خصال من الخير توانى ~~فيها، ولو أمر بعشرين خصلة ثم حط عشرة منها لم يقصر فيأمره بالعشرين على ~~إرادة امتثال العشرة فهو مأمور بخلاف المراد ومراد بخلاف المأمور، ومثل هذا ~~قد وقع ليلة المعراج حيث أمر النبي بخمسين صلاة ثم ردت إلى خمس ومنها أن ~~رجلا لو اشتكى عند السلطان من عبيده بعصيانهم عليه، وقلة مبالاتهم ~~فيستحضرهم الملك فيأمرهم المالك بشي ء فهو يريد مخالفتهم إياه تصديقا ~~لمقاله فذلك أمر على خلاف الإرادة ومنها أن الرب تعالى أمر خليله إبراهيم ~~بذبح الولد وهو يريد أن لا يحصل إذ لو أراد لحصل. # وللخصوم عن هذه الأمثلة اعتذارات، ولنا عنها غنية، وبما سبق من التحقيق ~~كفاية ومن غرق في بحر الحقيقة لم يطمع في شط ومن تعالى إلى ذروة الكمال لم ~~يخف من حط. # وقد تمسكت المعتزلة بكلمات من ظواهر الكتاب منها قوله تعالى: ولا يرضى ~~لعباده الكفر [الزمر: 7]، وقوله: والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين ~~يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما [النساء: 27] وقوله: # يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر [البقرة: 185] وقوله: # تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة [الأنفال: 67] وقوله: وما الله يريد ~~ظلما للعباد [غافر: 31]، وقوله: لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ~~ظلم [النساء: 148]، وقوله: سيقول الذين أشركوا [الأنعام: 148]، وقوله: وما ~~خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون [الذاريات: # 56]، وأجابت الأشعرية بتأويلات وتخصيصات. # وأحسن الأجوبة أن نقول: إرادة الله ومشيئته أو رضاه ومحبته لا تتعلق PageV01P147 ~~بالمعاصي قط من حيث إنها معاص كما لا تتعلق قدرته تعالى بأفعال العباد من ~~حيث هي أكسابهم، فيرتفع النزاع ويندفع التشنيع وخرج ما قدرناه من التحقيق ~~وإن شئت حملت كل آية على معنى يشعر به اللفظ ويدل عليه الفحوى. # أما قوله تعالى ولا يرضى لعباده الكفر أي لا يرضاه لهم دينا وشرعا فإنه ~~وخيم العاقبة كثير المضرة كمن يشتري عبدا معيبا فيقول له لا أرضاه هذا لك ~~عبدا ومما يتقوى به هذا المعنى أن الرضى والسخط يتقابلان تقابل التضاد ثم ~~السخط لم ms167 يكن محمولا إلا على ذم في الحال وعقاب في المال كذلك الرضى محمول ~~على الثناء في الحال وثواب في المال. # وأما قوله تعالى: والله يريد أن يتوب عليكم [النساء: 27]، وسائر الآيات ~~في الإرادة محمولة على كلمة ذكرها الصادق جعفر بن محمد رضي الله عنه أن ~~الله تعالى أراد بنا شيئا وأراد منا شيئا، فما أراده بنا أظهره لنا، وما ~~أراده منا طواه عنا، فما بالنا نشتغل بما أراده منا عما أراده بنا، ومعنى ~~ذلك أنه أراد بنا ما أمرنا به، وأراد منا ما علمه فكانت الإرادة واحدة ~~يختلف حكمها باختلاف وجه تعلقها بالمراد، وهي إذا تعلقت بثواب سميت رضى ~~ومحبة، وإذا تعلقت بعقاب سميت سخطا وغضبا، وكذلك إذا تعلقت بالمراد على وجه ~~تعلق العلم به قبل أراد منه ما علم وإذا تعلقت بالمراد على وجه تعلق الأمر ~~قيل أراد به ما أمر وإذا تعلقت بالصنع مطلقا بالتخصيص والتعيين من غير ~~التفات إلى كسب العبد حتى يكون أراد منه وأراده به قيل أراد الكائنات ~~بأسرها ولم يقل أراد منها وأراد بها بل أرادها على ما هي عليه من التجدد ~~والتخصيص بالوجود دون العدم فإذا أفعال العباد من حيث إنها أفعالهم إما أن ~~يقال تتعلق الإرادة بها لا على الوجه الذي ينسب إلى العباد بل على الوجه ~~الذي انتسب إلى الخلق إيجادا وتخصيصا وإما أن يقال تعلقت الإرادة بها على ~~الوجهين المذكورين إنه أراد بنا وأراد منا وأراد بنا دينا وشرعا واعتقادا ~~ومذهبا وأراد منا ما علم سابقة وعاقبة وفاتحة وخاتمة ودل على صحة هذا ~~المعنى قوله: ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ولكن حق القول مني لأملأن جهنم ~~من الجنة والناس أجمعين [السجدة: 13]، أي لما لم يشأ الهداية لحق القول على ~~مقتضى العلم السابق. # وقوله تعالى: وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون [الذاريات: 56]، أي ~~لأمرهم بالعبادة وقيل ليخضعوا ويستسلموا كما قال: وله أسلم من في PageV01P148 ~~السماوات والأرض طوعا وكرها [آل عمران: 83]. # قالت الفلاسفة: النظام في الوجود أو في العالم متوجه إلى ms168 الخير لأنه صادر ~~عن أصل الخير والخير ما يتشوق كل شي ء إليه ويتميز به وجود كل شي ء والأول ~~لما علم نظام الخير على الوجه إلا بلغ في الإمكان فاض منه ما عقله نظاما ~~وخيرا على الوجه إلا بلغ فيضا تاما على أتم تأدية وذلك هو العناية الأزلية ~~والإرادة السرمدية فكان الحيز داخلا في القضاء الإلهي دخولا بالذات لا ~~بالعرض ثم الشر على وجوه فيقال شر لمثل النقص الذي هو الجهل والعجز ~~والتشويه في الخلقة ويقال شر لمثل الوجع والألم والمرض ويقال: شر لمثل ~~الظلم والزنا والسرقة وبالجملة الشر بالذات هو العدم ولا كل عدم بل عدم ~~منقص طباع الشي ء من الكمالات الثابتة النوعية والطبيعية والشر المطلق لا ~~وجود له وكذلك الشر بالذات ليس بأمر حاصل إلا أن يخبر عن لفظة، ولو كان له ~~حصول لكان شرا مطلقا عاما ذاتيا موجودا، وإذا تحقق له وجود فقد حصلت فيه ~~خيرية من جهة وجوده إذ الوجود من حيث هو وجود خير فتحقق أن الشر المطلق لا ~~وجود له إلا في اللفظ والذهن والوجود على كماله الأقصى أن يكون بالفعل وليس ~~فيه أمر ما بالقوة أصلا فلا يلحقه شرا وأما الشر بالعرض فله وجود ما وإنما ~~يلحق ما في طباعه أمر ما بالقوة وذلك لأجل المادة فيلحقها الأمر يعرض لها ~~في نفسها وأول وجودها هيئة من الهيئات المانعة لاستعدادها الخاص للكمال ~~الذي توجهت إليه فجعلها أردأ مزاجا وأعصى جوهرا لقبول التخطيط والتشكيل ~~والتقويم فتشوهت الخلقة وانتقصت البنية لا لأن الفاعل قد حرم بل لأن ~~المنفعل لم يقبل فربما يؤدي ذلك إلى أن يصدر من تلك البنية أخلاق ردية ~~وربما تستولي نفس حيوانية على نفس إنسانية، فيصدر عن الشخص أفعال قبيحة، ~~واعتقادات فاسدة، وأما الأمر الطارئ على الشخص من خارج فأحد شيئين أما ما ~~يقع للمكمل وأما ما يصادم حق الكمال ومثال ذلك في النوع الإنساني العادات ~~القبيحة التي يتربى عليها الصبي من أول نشوئه والاعتقادات الفاسدة التي ~~يتعلم الصبي من المعلمين ms169 والأبوين وإلا فأصل الفطرة كان على استعداد صالح ~~لو لا المانع وعليه دلت الإشارات النبوية كل مولود يولد على الفطرة فأبواه ~~يهودانه وينصرانه ويمجسانه فالشر إذا داخل في القضاء الإلهي بالعرض لا ~~بالذات إذا وقع فبالحري أن يجازى مجازاة الهلاك والفساد على وجود العلة ~~العارضة فالباري تعالى مريد للخير إرادة بالذات إذ هو مصدر للخيرات ومريد ~~للشر إرادة بالعرض وليس مصدر الشرور وانقسمت الأمور إذا توهمت موجودة إلى ~~خير مطلق PageV01P149 ~~وإلى شر مطلق وإلى خير ممزوج بشر والأخير إما أن يتساوى فيه الخير والشر أو ~~يغلب أحدهما أما الخير المطلق الذي لا شر فيه فقد وجد في الطباع وفي الخلقة ~~وأما الشر المطلق الذي لا خير فيه والغالب أو المساوئ فلا وجود له أصلا ~~فبقي ما الغالب في وجوده الخير وليس يخلو عن شر فالأحرى به أن يوجد فإن لا ~~يكون أعظم شرا من كونه فواجب أن يقتضي وجوده من حيث يقتضي منه الوجود لئلا ~~يفوت الخير الكلي بوجود الشر الجزئي وأيضا لو امتنع وجود ذلك القدر من الشر ~~امتنع وجود أسبابه التي تؤدي إليه بالعرض فكان منه أعظم حالا في نظام الخير ~~الكلي كمثل النار فإن الكون إنما يتم بأن تكون فيه نار ولن يتصور وجودها ~~إلا على وجه تحرق وتسخن ولم يكن بد من المصادفات الحادثة أن تصادف النار ~~ثوب فقير ناسك فتحرقه فالأمر الدائم والأكثر حصول الخير من النار أما ~~الدائم فلأن أنواعا كثيرة لا تستحفظ على الدوام إلا بالنار وأما الأكثر فإن ~~أكثر أنواع الأشخاص في كنف السلامة عن الاحتراق، فما كان يحسن أن يترك ~~المنافع الدائمة الأكثرية لأعراض شرية أقلية فإرادات الباري تعالى الخيرات ~~الكائنة على مثال هذه الأشياء إرادة أولية على الوجه الذي يصلح أن يقال ~~أرادها بالذات وبالقصد الأول وأراد الشرور الكائنة غير أولية على الوجه ~~الذي يصلح أن يقال: أرادها إرادة بالعرض وبالقصد الثاني فالخير مقتضى ~~بالذات والشر مقتضى بالعرض وكل يقدر ولو لم يقرر الأمر على ما قررناه للزم ~~أن يكون ms170 مصدر الخير غير مصدر الشر وذاك مذهب الثنوية. # قال المتكلمون: لا تنازعكم في اصطلاحكم على أن الخير المحض ما هو أو أن ~~الخير المحض ممن هو وأن النظام في العالم متوجه إلى كمال في الوجود وإنما ~~النزاع بيننا في الخيرات التي تتعلق بأفعال العباد وإكسابهم مثل الاعتقادات ~~الفاسدة والجهالات الباطلة والأخلاق الرديئة والأفعال القبيحة أهي حاصلة ~~بإرادتنا دون إرادة الباري أم هي مرادة له عز وجل وما سوى ذلك من الصور ~~القبيحة والحيوانات المؤذية والآفات السماوية والعاهات الأرضية وما يتبعها ~~من الهموم والغموم والآلام والأوجاع، فلا نزاع فيها أهي خيرات أم شرور ولا ~~نقول هي خيرات ومصالح وتحت كل منها شر ومع كل بلاء ومحنة لطف وفي كل فتنة ~~وآفة صلاح ولكل حيوان يؤذي خاصية ومودع في كل جسم من الأجسام منفعة ومضرة ~~وكل مضرة فبالنسبة إلى شي ء آخر منفعة لكنا نلزمكم أمرا كليا فإن عندكم ~~الوجود كله بما فيه من الروحاني والجسماني صادر عن الأول على الترتيب ~~المذكور صدور اللوازم عن الشي ء وما كان على سبيل اللوازم فهو بالقصد ~~الثاني أشبه منه بالقصد الأول فما الفرق بين الشرور الواقعة في PageV01P150 ~~الكائنات وكونها مقتضية بالعرض وبين أصل الكون والكائنات وحصولها على سبيل ~~اللزوم، فليس إذا في الوجود شي ء هو مقتضى بالذات حتى يكون شي ء آخر هو ~~مقتضى بالعرض، وما ذكرتموه من حد الخير أنه يتشوقه الكل يبطل قاعدتكم في ~~الإرادة فإن الباري لا يتشوق الخير بل يتشوقه الكل فهو الخير المحض وهو ~~المراد لا المريد وما سواه فليس بخير ولا مراد إذ لا يتشوقه الباري تعالى ~~فلم يرده ويرجع الكلام إلى شبه الطامات، وقولكم إنه إذا علم النظام وأبدعه ~~فقد أراده فجعلتم الإرادة مركبة من سلب وإضافة أما السلب فمن جهة أنه عالم ~~أي غير محتجب عن ذاته بذاته وأما الإضافة فمن جهة أنه مبدأ النظام الخير ~~والنظام في الوجود تابع ولازم لكونه عالما والشر في الوجود لازم وتبع ~~للنظام فما الفرق بين لازم ولازم وعندكم ms171 الجزئيات معلومة تتبع الكليات ~~والكليات معلومة تبعا لعلمه وهي معلومة على منهاج كونها معلومة فالشر ~~والقبائح يجب أن تكون مرادة على منهاج كونها معلومة وقولكم الشر المحض ليس ~~بموجود أصلا فإن الوجود اشتمل على الخير أو هو خير كله. # فنقول أثبتم ترتيبا في الوجود حتى قضيتم بأن الوجود في بعض الموجودات أول ~~وأولى وفي بعضها لا أول ولا أولى فهلا أثبتم فيه تضادا أيضا حتى تحكموا بأن ~~الوجود في بعض الموجودات خير كله وفي بعضها شر كله وقد سمعتم من أصحاب ~~الشرائع إثبات الملائكة الروحانيين وذلك خير كله وإثبات الشياطين وهذا شر ~~كله، وأصحاب الأصلين النور والظلمة يقرءون عليكم السلام للإلزام وأصحاب ~~الكلام يلزمونكم إثبات موجودات في العالم غير مستندة إلى الموجد كأنها وقعت ~~اتفاقا لا قصدا أو حدثت فلتة لا إرادة واختيارا فإن كانت لا مستند لها فهي ~~مخلوقة لا خالق لها وإن كان مستندها خيرا محضا فكيف يصدر الشر من الخير وإن ~~كان مستندها شرا محضا فالشر المحض لا وجود له عندكم فما الجواب وكيف الخروج ~~عن عهدة الخطاب. # ونقول نرى العالم الجسماني مملوء بالبلايا والمحن والرزايا والفتن ~~ومشحونا بالآفات والعاهات والطوارق والحسرات ومتموجا بالجهالات وفاسد ~~الاعتقادات وأكثر الخلق على الأخلاق الذميمة والخصال اللئيمة واستيلاء ~~القوة الشهوية والغضبية على العقلية حتى لا تكاد تجد في قرن من القرون إلا ~~واحدا يقول بالحكمة الإلهية التي هي التشبه بالإله عندكم أو فرقة يسيرة ~~ترتسم بالمراسيم الشرعية التي هي امتثال الأوامر الإلهية عندنا بل أكثرهم ~~صم بكم عمي فهم لا يعقلون [البقرة: 171]، وما وجدنا لأكثرهم من عهد وإن ~~وجدنا أكثرهم لفاسقين PageV01P151 ~~[الأعراف: 102]، وقليل من عبادي الشكور [السبأ: 13]، فكيف يستمر لكم معاشر ~~الفلاسفة إن الشر في العالم بمطلقه لا يوجد وبأكثره لا يتحقق وقد صادفتم ~~الوجود على خلاف ما قررتم، فاعتبروا النفوس الإنسانية والغالب على أحوالها ~~من العلم والجهل وعلى أخلاقها من الحسن والقبيح وعلى أقوالها من الصدق ~~والكذب وعلى أفعالها من الشر والخير تعلمون أن الشر في العالم الجسماني ~~أغلب وأكثر ms172 خصوصا في النفوس الإنسانية وبالجملة فحيث ما وجدنا الفطرة ~~والتقدير الإلهي غالبا على الاختيار والاكتساب البشري كان الغالب هو الخير ~~والصلاح، وحيث ما وجدنا الاختيار والاكتساب غالبين كان الغالب هو الشر ~~والفساد، فعاد الأمر إلى أن لا شر في الأفعال الإلهية، فإن وجد فيها شر ~~فبالإضافة إلى شي ء دون شي ء وإنما يدخل الشر في الأفعال الإنسانية ~~الاختيارية وهي أيضا من حيث إنها تستند إلى إرادة الباري سبحانه خير ومن ~~حيث إنها تستند إلى اكتساب العبد تكتسب اسم الشر، غير أن الشرائع قد وردت ~~بإثبات الشياطين وإثبات رأسهم إبليس اللعين وليس يمكن إنكار ذلك بعد ثبوت ~~الصدق في أقوالهم وأخبارهم بالبينات الواضحة والمعجزات الباهرة وقد اعترف ~~بوجودها قدماء الحكماء قالوا ما من شي ء جزئ في العالم إلا ويتحقق له في ~~عالم آخر أمر كلي فبالحرارة الجزئية استدل على نار كلية وبالعقل الجزئي ~~يستدل على عقل كلي وكذلك ساير الأمور فالبشر الجزئي في العالم يستدل على شر ~~كلي وكذلك أثبت المجوس وأصحاب الاثنين للعالم أصلين هما منبع الخير والشر ~~والنفع والضر وهم النور والظلمة كما سبق ذكر مذاهبهم، وقد استوفيناها في ~~كتابنا الموسوم بالملل والنحل وبالجملة الفلاسفة منازعون في ثلاثة أحوال: ~~أولها نفي محض موجود وهو أصل الشر بالذات لا بالعرض والثاني كون الخير في ~~النوع الإنساني أكثر وأغلب، والثالث: إثبات موجودات لا مستند لها على طريق ~~الإيجاد بالذات وبالقصد الأول وما لم تثبت هذه الأصول لم يتم لهم ما ذكروه ~~والله أعلم وأحكم. # القول في الكلام حصرناه في ثلاث قواعد إحداها: إثبات كون الباري تعالى ~~متكلما بكلام أزلي، والثانية: في أن كلامه واحد، والثالثة: في حقيقة الكلام ~~شاهدا وفي أحكامه. PageV01P152 ### | AUTO القاعدة الثانية عشرة في كون الباري متكلما بكلام أزلي «1» # ولما لم نجد في الملة الإسلامية من يخالفنا في كون الباري تعالى متكلما ~~بكلام قدمنا هذه المسألة وإن جرت العادة بتقديم المسألة الأخيرة ولم ~~يخالفنا في ذلك إلا الفلاسفة والصابئة ومنكرو النبوات وطرق متكلمي الإسلام تختلف. # فطريق الأشعرية: ms173 أن قالوا دل العقل على كون الباري تعالى حيا والحي يصح ~~منه أن يتكلم ويأمر وينهى كما يصح منه أن يعلم ويقدر ويريد ويسمع ويبصر، ~~فلو لم يتصف بالكلام أدى إلى أن يكون متصفا بضده وهو الخرس والعي والحصر ~~وهي نقائض ويتعالى عنها. # والذي يتحقق هذه الطريقة قولهم: قد ثبت بدليل العقل أنه ملك مطاع، ومن ~~حكم الملك أن يكون منه أمر ونهي، كما دل تردد الخلق في صنوف التغايير ~~والحوادث والجائزات على كون الباري تعالى قادرا عالما دل تردد الخلق في ~~صنوف الأمر والنهي على أمر الباري ونهيه وكما جرى في ملكه تقديره جرى على ~~عباده تكليفه وكما تصرف في الموجودات الجبرية جبرا وقهرا تصرف في الموجودات ~~الاختيارية تكليفا وتعريفا. # وقد سلك الأستاذ أبو إسحاق الأسفراييني رحمه الله منهاجا آخر فقال: دلت ~~الأفعال بإتقانها وإحكامها على أنه تعالى عالم ويستحيل أن يعلم شيئا ولا ~~يخبر عنه، فإن الخبر والعلم يتلازمان، فلا يتصور وجود أحدهما دون الثاني ~~ومن لا خبر عنده عن معلومه لا يمكنه أن يخبر غيره عنه، ومن المعلوم أن ~~الباري يصح منه التكليف والتعريف والإخبار والتنبيه والإرشاد والتعليم، ~~فوجب أن يكون له كلام وقول يكلف ويعرف ويخبر وينبه بذلك فإذا ثبتت هذه ~~الدلائل كونه متكلما. # فنقول: إما أن يقال هو متكلم لنفسه أو متكلم بكلام ثم إن كان متكلما ~~بكلام فإما أن يكون كلامه قديما أو حادثا، وإن كان حادثا فإما أن يحدث في ~~ذاته أو في محل PageV01P153 ~~أو لا في محل ولا قائل بكونه متكلما لنفسه من المعتزلة وغيرهم إذ لو كان ~~يعم تعقله أزلا وأبدا، ولا قائل بكلام يخلقه لا في محل لأن في نفي المحل ~~نفي الاختصاص، وفيه إبطال التفرقة بين ما يقوم بنفسه وبين ما لا يقوم بنفسه ~~ومن قال هو متكلم بكلام يحدثه في ذاته كما صارت إليه الكرامية فقد سبق الرد ~~عليهم ومن قال هو متكلم بكلام يخلقه في محل كما صار إليه المعتزلة فقد خالف ~~قضية العقل فإن الكلام لو ms174 قام بمحل لكان المحل متصفا به دون غيره من الفاعل ~~وغيره كما لو تحرك متحرك بحركة يخلقها الله لم يرجع أخص وصفها إلى الفاعل، ~~وكذلك سائر الأعراض فبقي أنه متكلم بكلام قديم أزلي يختص به قياما ووصفا ~~وذلك ما أثبتناه. # قالت الفلاسفة والصابئة: قولهم الحي يصح منه الاتصاف بالكلام لأنه لو لم ~~يتصف به لا تصف بضده وكثيرا يطردون هذا الدليل في سائر الصفات، وهي دعوى ~~مجردة لا برهان عليها إلا الاسترواح إلى الشاهد ونحن نورد عليكم نقضا لهذه ~~القاعدة حتى يتبين أن اعتذاركم عن النقض اعتذارنا عن هذه الدعوى، وذلك أن ~~الحي يصح منه الاتصاف بالحواس الخمس ثم الثلاث منها كالشم والذوق واللمس ~~يصح في الشاهد ويصح وصفه بها والاتصاف بها كما يصح منه الاتصاف بالسمع ~~والبصر والكلام ثم لم يجز طرد ذلك كله في الغائب ولا يقال إنه لو لم يتصف ~~بها كان موصوفا بضدها بل يجب أن يقال يتعالى الحق عنها وعن أضدادها كذلك ~~قولنا في السمع والبصر والكلام واعتذاركم إن اتصال الأجرام بتلك الحواس شرط ~~في الشاهد، كذلك اعتذارنا أن البنية واتصال الأجرام واصطكاكها شرط في ~~الشاهد، فلا يجوز أن يوصف الحي بها ولا بضدها جميعا وكثيرا ما يكون من ~~الصفات كمالا في الشاهد ونقصانا في الغائب فبقيت الحجة الأولى عرية عن ~~البرهان، وأما قولكم إن الرب تعالى ملك مطاع ذو أمر ونهي فمسلم لكنكم معاشر ~~المتكلمين أنتم منازعون في إثبات الكلام له هو أمر ونهي على وجه يتصف به ~~إما قياما بذاته وإما قياما بغيره، فإنا نقول: هو ملك مطاع وله أمر ونهي لا ~~على طريق قولي بل على طريق فعلي وهو تعريف المأمور خبرا أن الفعل المأمور ~~به واجب الإقدام عليه بأن يخلق له معرفة ضرورية أن الأمر كذلك إما أن يتكلم ~~بكلام يخلقه في محل أو يتكلم أزلا وأبدا بكلام يسمع في حال ولا يسمع في حال ~~فهو من أمحل المحال وهذا لأن تصريفه تعالى جواهر الخلائق بالفعل على وجه ~~ينقاد له طوعا ms175 وكرها لما خلقه له وقدره فيه نازلا منزلة القول ألستم تقرءون ~~في كتابكم ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو PageV01P154 ~~كرها قالتا أتينا طائعين [فصلت: 11]، ثم ذلك ليس خطابا قوليا بل تصريفا ~~وتسخيرا بحيث لو عبر عن تلك الحالة من التصريف والانقياد كان ذلك أمرا ~~بالإتيان وجوابا بالطاعة لا بالعصيان وعلى ذلك المنهاج سيرة العباد في ~~البلاد وتيسيره السير فيها حالة لو عبر عنها بالقول لكان خطابا لهم سيروا ~~فيها ليالي وأياما آمنين [سبأ: 18]، وكذلك كل موجود أبدعه الباري تعالى بلا ~~زمان وبلا مادة ولا آلة بحيث لو عبر عن حال الإيجاد والإبداع كان ذلك أمرا ~~بالتكون كما قال: إنما قولنا لشي ء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون [النحل: ~~40]، وإلا فالخطاب القولي مستحيل أن يتوجه إلى العدم، وهذا في المبدأ كذلك ~~نقول في حال الكمال أعني كمال حال الإنسان من النبوة والرسالة أو كمال حال ~~الملائكة من الروح والواسطة فهم يصلون إلى حال في النفوس الشريفة ~~والمناسبات اللطيفة بين الأرواح المجسدة المشخصة وبين الروحانيات البسيطة ~~المجردة بحيث لو عبر عن تلك الحالة كان ذلك وحيا وتنزيلا وخطابا وسؤالا ~~وجوابا وتقريبا وإيجابا وقالوا أيضا لو قدر للباري تعالى كلام فلم يخل من ~~أحد الأمرين أما إن كان من جنس كلام البشر أو لم يكن فإن كان لم يخل أيضا ~~من أحد الأمرين أما إن كان من جنس الكلام اللساني أو من جنس النطق النفساني ~~ويستحيل أن يكون كلامه مثل الكلام في اللسان فإن هذا مركب من حروف منظومة ~~والحروف تقطيع أصوات والأصوات اصطكاك أجرام والباري سبحانه تعالى عن أن ~~يكون جرما أو مركبا من جرم وجسم وإن قدر كلامه يخلقه في محل لم يكن ذلك ~~الكلام قولا له بل فعلا ونحن نوافقكم في التعريفات الفعلية على أن هذا ~~التقدير يستحيل أيضا فإن ذلك المحل إما أن يشتمل على مخارج الحروف أولا ~~يشتمل فإن اشتمل وجب أن يتحقق فيه حياة فيكون ذا بنية وهيئة إنسانية ms176 فيكون ~~إنسانا فيكون الباري تعالى متكلما بلسان بشر فيكون قد تصور بصورة البشر ~~فيلزم أن يقال إنه يسمع بسمعه ويبصر ببصره كما نطق بلسانه ويأخذ بيده ويمشي ~~برجله وهذا هو الحلول الذي ذهب إليه أصحابه وإن لم يشتمل على مخارج الحروف ~~كانت أصواتا مجردة لا حروفا منظومة فلا يكون كلامه من جنس كلامنا بل ~~الأصوات الحادثة من حفيف الشجر ودوي الماء وصوت الرعد يكون كلاما له وذلك ~~خلاف الكلام المتعارف فإن قيل إن كلامه من جنس النطق النفساني فهو باطل ~~أيضا فإن النطق النفسي على وجهين أحدهما ما هو مأخوذ في اللسان عربيا ~~وعجميا وغير ذلك إلى ما PageV01P155 ~~يعلم من المعلمين فيكون ذلك تقديرات حروف في الخيال وتصويرات كلمات في ~~الوهم ويستحيل أن يكون كلامه تعالى من جنس المأخوذات والثاني ما هو مركوز ~~في طبيعة النفس من التمييز والتفكير بحيث يعبر عنه باللسان فيكون هو مأخوذ ~~اللسان وذلك أيضا مستحيل لأن ذلك يقتضي ترديد الخواطر وتقليب الأفكار ~~والابتداء من مبدأ والانتهاء إلى منتهى وذلك كله محال فثبت أنه لا يجوز أن ~~يكون من جنس كلام البشر وما كان خارجا عن كلام البشر لا يجوز أن يثبت ~~بالاستدلال على كلام البشر لأن غير الجنس لا يدل على الجنس فيخرج على هذا ~~قولكم إن كل عالم يجد من نفسه خبرا عن معلومه فإن هذا وإن سلم في الشاهد ~~فكيف يستمر لكم طرده في الغائب مع تسليمكم أن الخبرين لا يتماثلان إلا في ~~اسم الخبرية وكذلك قولكم إن كل ملك مطاع يجب أن يكون صاحب أمر بالتكليف ~~فإنه مسلم في الشاهد على ما ذكرنا غير مطرد في الغائب على المنهج الذي هو ~~معتاد في الشاهد وهذا الإلزام ليس يختص بمسألة الكلام بل متوجه على من يجمع ~~بين الشاهد والغائب في معنى لا يشتركان فيه جنسا ومماثلة ويكون حكمه حكم من ~~يجمع بين قرص الشمس ومنبع الماء لا في معنى يشتركان فيه جنسا ومماثلة بل ~~بمجرد اسم العين المطلق عليهما بالاشتراك. # قال المتكلمون: الطريقة ms177 المختارة عندنا في إثبات الصفات الاستدلال ~~بالدلائل التي نجدها في الشاهد، فإنا بالأحكام استدللنا على العلم، وبوقوع ~~الأفعال على القدرة، وبالاختصاص ببعض الجائزات على الإرادة، كذلك نستدل ~~بالتكاليف على العباد ذوي العقول والاستطاعة على أن الباري تعالى آمر ناه ~~وله الأمر والنهي والوعد على إتيان المأمور به، والوعيد على فعل المنهي ~~عنه، وهذا لا يتصور من جنس الفعل، وإنما يتحقق من جنس القول، فيستدل ~~بالوجوه التي في الصنائع والأفعال على أنه تعالى خالق وبالوجوه التي في ~~الشرائع والأحكام على أنه تعالى آمر ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب ~~العالمين [الأعراف: 54]، ووجه الاستدلال من الشرائع والأحكام أن التكليف ~~اقتضاء وطلب المأمور به والاقتضاء قضية معقولة وراء العلم والقدرة ~~والإرادة، أما وجه المباينة بينها وبين العلم أن العلم يتعلق بالمعلوم على ~~ما هو به وليس في تعلقه اقتضاء المعلوم بل هو تبيين وانكشاف ومن خاصيته أن ~~يتعلق بالواجب والجائز والمستحيل والاقتضاء والأمر لا يتعلق بالواجب ~~والمستحيل وأما وجه مباينته للقدرة أن القدرة صالحة للإيجاد فقط، وإنما ~~تتعلق بالممكن ويستوي في تعلقه كل ممكن في ذاته والاقتضاء والأمر والنهي لا ~~يتعلق بكل ممكن ليحصل وجوده، وأما PageV01P156 ~~وجه مباينته الإرادة أن الإرادة صالحة للتخصيص ببعض الجائزات فقط وإنما ~~تتعلق بالمتجدد من جملة الممكن ويستوي في تعلقه كل متجدد متخصص والاقتضاء ~~والطلب يختلف من جهة تجدده وقد بينا أن من الأشياء ما يراد ولا يؤمر به، ~~ومنها ما يؤمر به ولا يراد بل الإرادة من حيث الحقيقة لا تتعلق إلا بفعل ~~المريد والأمر والاقتضاء لا يتعلق من حيث الحقيقة إلا بفعل الغير فكيف ~~تتحدان حقيقة وخاصية فثبت أن مدلول التكاليف من حيث الحدود والأحكام قضية ~~وراء العلم والقدرة والإرادة وذلك ما عبرنا عنه بالقول والكلام وعبر ~~التنزيل عنه بالأمر والخطاب ومن وجه آخر نقول الحركات الاختيارية التي ~~اختصت بتصرفات الإنسان ثلاث: حركة فكرية وهي من تصرفات عقله وفكره وحركة ~~قولية وهي من تصرفات نفسه ولسانه وحركة فعلية وهي من تصرفات بدنه والقوى ~~البدنية وما ms178 من حركة من هذه الحركات إلا ولله فيها حكم بالأمر والنهي فإن ~~الفكرية تشتمل على حجة وشبهة وصواب وخطأ وحق وباطل والقولية تشتمل على صدق ~~وكذب وإقرار وإنكار وحكمة وسفه والفعلية تشتمل على خير وشر وطاعة ومعصية ~~وصلاح وفساد وقد قام الدليل على أن الباري تعالى حكم عدل وله حكم وقضية في ~~كل حركة من هذه الحركات وذلك الحكم إما أن يكون فعلا من الأفعال وإما أن ~~يكون قولا من الأقوال واستحال أن يكون فعلا يفعله فإن كل فعل فهو مسبوق ~~بحكمه بل ذلك الفعل دليل على حكمه وحكمه مدلول فعله وكما أن الحركات ~~الضرورية دلت باختصاصها ببعض الجائزات دون البعض على علمه وإرادته وقدرته ~~كذلك الحركات الاختيارية دلت باختصاصها ببعض الأحكام دون البعض على حكمه ~~وأمره وقضيته وقولكم إن التصريف بالفعل نازل منزلة التكليف بالقول مسلم ~~فيما يرجع إلى أفعال غير اختيارية للإنسان لكن الأفعال الاختيارية لما ~~استدعت ممن له الخلق والأمر حكما واقتضاء وطلبا فكل فعل وتصريف من الخالق ~~يدل على حكمه واقتضائه وذلك بعينه هو غرضنا ومرادنا. # فنقول ذلك الفعل من وجه إحكامه دل على علم الفاعل ومن وجه وقوعه دل على ~~قدرته ومن وجه اختصاصه دل على إرادته ومن وجه تردده بين الجواز والحظر ~~والإباحة دل على أن للباري تعالى فيها حكما وقضية ثم ذلك الحكم قد يكون ~~أمرا وقد يكون نهيا وقد يكون إباحة فقد سلمتم المسألة من حيث منعتموها. # فنقول إثبات الكلام والأمر والنهي يبنى على جواز انبعاث الرسل فإن من ~~أحال كونه متكلما يلزمه أن ينكر كونه مرسلا رسولا ومن جوز على الله تعالى ~~أن يبعث رسولا فذلك الرسول يبلغ رسالات الله لا محالة ورسالاته أوامره ~~ونواهيه وحملها على PageV01P157 ~~فعل يفعله في محل بحيث يفهم من ذلك الفعل أنه يريد من المكلف فعلا ويكره ~~فعلا تسليم المسألة فإن تلك الإرادة التي تتعلق بفعل الغير حتى يفعله إرادة ~~تضمنت اقتضاء وحكما وإلا كانت تمنيا وتشهيا وذلك الذي يسمى أمرا ونهيا ~~وسميتموه إرادة وكراهية فإذا ms179 مدلول ذلك الفعل الذي أشاروا إليه هو الذي ~~يسميه الشرع كلاما وأمرا ونهيا وعلى منهاج الحكم الفلسفية إذا انتهى ~~الإبداع والخلق إلى غاية تهيأت الأمزجة المعتدلة لقبول النفس الناطقة التي ~~تفكر بالروية وتتصرف بالاختيار وكان من المختارين بهذه النفس على روية الحق ~~والصواب واختيار الأفضل والاجتناب عن الأرذل ومنهم من يتوانى ويكسل حتى ~~يبطل ذلك الاستعداد ويستعمله في جانب الباطل والخطأ واختيار الأرذل ~~والاجتناب عن الأفضل وجب أن يكون من عند الحكيم حكم على هذه النفس الناطقة ~~وهي ملتبسة في هذا البدن الجسماني وحكم عليها وهي مفارقة له فذلك الحكم ~~الأول هو الذي نعني به بأنه أمر ونهي وهذا الحكم الثاني هو الذي نعني به ~~أنه وعد ووعيد ومن نفى هذا الحكم فقد نفى كونه ملكا مالكا لملكه فيكون له ~~خلق ولا يكون له أمر ويكون في جانب المخلوق كله جبرا ولا يكون اختيارا ثم ~~يلزم أن تكون النفوس الناطقة كائنة فاسدة لا معاد لها ولا كمال ولا جزاء ~~على أفعالها ولا ثواب وذلك يبطل قضية الحكمة ونحن نرى من النفوس الحيوانية ~~ما لا يتفاهم بعضها من بعض إلا بإحدى من الحواس الأربع وهي اللمس والذوق ~~والشم والبصر ومنها ما يتفاهم بها وبالسمع أيضا ثم منها ما يكون له مجرد ~~الصوت من غير لحن ومنها ما يكون له مع صوته لحن ثم من أصحاب الألحان ما ~~يكون من ذوات الحروف المقطعة ومنها ما لا يكون إلى أن يبلغ الأمر والحال ~~إلى ترصيع الكلمات من الحروف وترتيب الحروف في الكلمات فيكون ذلك دلالة على ~~ما في النفوس الناطقة وليس كل مرتبة من هذه المراتب من جنس المرتبة التي ~~قبلها لكنها كمالات النفوس بعد كمالات إلى أن تبلغ إلى النفس الناطقة ~~الإنسانية فيحدس منها أن مرتبتها لما كانت فوق مرتبة سائر النفوس دل ذلك ~~على أن مرتبة النفوس الروحانية والأرواح الملكية فوق مرتبة هذه النفوس في ~~التفاهم وكما لا تكون المرتبة التي للناطقة من جنس المرتبة التي للطير ~~والبهائم كذلك لا تكون ms180 المرتبة التي للملائكة الروحانية من جنس المرتبة ~~التي لنا بل تكون أشرف وألطف غير أنا بهذا الجنس استدللنا على ذلك النوع ~~كما استدللنا بنوع من الحدس في الأمور الغائبة على نوع من الحدس في أمور ~~الغيب إلى أن يصل الكمال إلى حد من الخليقة فيقف الترتيب في المراتب فيستدل ~~بذلك على أن أمر من له الخلق والأمر فوق الأوامر النطقية الإنسانية والفكر ~~العقلية وأنه بوحدته فكر في معنى كل PageV01P158 ~~كلام ونطق وخبر واستخبار وأمر ونهي ووعد ووعيد وأن سمعا يسمع كلامه فوق كل ~~سمع هو مفطور للحرف والصوت كما أن سمعا يسمع الحروف والصوت فوق سمع هو ~~مجبول بمجرد الصوت فنحن إذا لم نستدل بجنس على جنس بل بجنس على ما هو فوق ~~الجنس فبطل استرواحهم إلى التقسيم الذي ذكروه. # ثم نقول آنفا ألستم تقولون إن واجب الوجود من حيث يعطي العقل في المعقول ~~عاقل ومن حيث يعطي البدء في المبدأ قادر ومن حيث يعطي النظام على أتم وجوه ~~الكمال مريد فهلا قلتم إنه من حيث يعطي النطق الروحاني للمفارقات والنطق ~~النفساني لذوات القوالب آمر متكلم ثم هلا حملتم كلامه وأمره على ما حملتم ~~علمه وقدرته وإرادته فيصير التنازع واحدا بيننا ويرجع الأمر إلى مسألة ~~الصفات فما الذي عدا مما بدا وكيف اشتملت مسألة الكلام على محال لم تشتمل ~~عليه مسألة العلم والقدرة عندكم. # قالت المعتزلة نحن نوافقكم على أن الباري تعالى متكلم لكن حقيقة المتكلم ~~من فعل الكلام فهو فاعل الكلام في محل بحيث يسمع ويعلم أنه كلامه ضرورة ~~لأنه لو كان المتكلم من قام به الكلام كما ذهبتم إليه وجب أن يكون كلامه ~~إما قديما وإما حادثا وإن كان قديما ففيه إثبات القديمين ويرجع القول إلى ~~مسألة الصفات ومما يختص بهذه المسألة من الاستحالة أنه لو كان قديما وهو ~~أمر ونهي لزم أن يكون كلاما مع نفسه من غير مأمور ولا منهي ومن المحال الذي ~~لا يتمارى فيه أن القول ب إنا أرسلنا نوحا إلى قومه [نوح: 1]، ولا ms181 نوح ولا ~~قومه إخبار عما ليس كما هو فهو مع استحالته كذب ومع كذبه محال وقوله فاخلع ~~نعليك [طه: 12]، لموسى ولا موسى ولا طور ولا الوادي المقدس طوى خطاب ~~المعدوم والمعدوم كيف يخاطب وكذلك جميع ما في القرآن من الأوامر والنواهي ~~والأخبار فوجب أن يكون الكلام يحدث عند حدوث المخاطب في الوقت الذي يصل ~~الخطاب إليه فيكون الكلام حادثا ثم إما أن يحدث في ذاته كما صارت إليه ~~الكرامية فيكون محلا للحوادث وذلك باطل وإما أن يحدث لا في محل أو في محل ~~ولا بد من محل فإنه حرف والحرف تقطيع صوت والصوت في الجسم متصور فتعين أنه ~~في جسم. # قالت الأشعرية: بنيتم مذهبكم على قاعدتين إحداهما تسليمكم كون الباري ~~تعالى متكلما والثانية أن حد المتكلم وحقيقته من فعل الكلام فأما الأولى ~~فلو نازعكم الصابئ والفيلسوف في كونه متكلما فما دليلكم في ذلك عليهما ~~وعندكم الكلام فعل PageV01P159 ~~الباري تعالى كسائر الأفعال ولا يرجع إليه حكم الكلام إلا أنه فاعل صانع ~~فما الدليل على أنه متكلم أعني يوصف بمعنى يقوم بمحل آخر فما الفرق بين ~~مذهبكم وبين مذهب من قال إنه يخلق فعلا يفهم عند ذلك أنه تعالى يريد من ~~العبد فعلا أو يكرهه، وإن أضيف إليه الكلام كان مجازا كما قال تعالى خطابا ~~للسماء والأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين [فصلت: 11]، فلم يجز ~~من حيث الحقيقة كلام هو اقتضاء وأمر وإيجاب من الله تعالى ولا تسلم وائتمار ~~واستيجاب من السماء والأرض من حيث القول. # قالوا: طريقنا في إثبات كونه متكلما هو المعجزات الدالة على صدق قول ~~الأنبياء عليهم السلام وهم الصادقون المخبرون عن الله تعالى أنه قال كذا ~~وأمر بكذا ونهى عن كذا. # قيل لهم: قد سددتم على أنفسكم هذه الطريقة بوجوه؛ أحدها: أنكم زعمتم أنه ~~لو لم يبعث الله رسولا كان على العاقل البالغ في عقله وجوب معرفة الله ~~تعالى وعلى الباري تعالى وجوب ثوابه فلو لم يبعث الله رسولا فبم كنتم ~~تثبتون كونه متكلما والثاني مصيركم ms182 إلى أن الكلام فعل من الأفعال فما ~~دليلكم على أنه فعل ذلك الفعل الخاص؛ إذ ليس كل مقدور فهو واقع بفعل الله ~~تعالى والثالث زعمتم في الإرادة أنها مخلوقة لا في محل وفي الكلام أنه ~~مخلوق في محل وفي الأمرين جميعا يرجع الحكم الأخص إلى الباري تعالى فما ~~الفرق بين البابين. # ثم نقول: ليس يشك العاقل أن الكلام معنى من المعاني سواء كان ذلك المعنى ~~عبارة منظومة من حروف منظومة وأصوات مقطعة أو كان صفة نفسية ونطقا عقليا من ~~غير حرف وصوت وكل معنى قائم بمحل وصف المحل به لا محالة وذلك المعنى من حيث ~~هو مخلوق مفعول ينسب إلى الفاعل ومن حيث هو معنى قام بمحل فينسب إلى المحل ~~فمحل المعنى موصوف به لا محالة فالذي وصف الفاعل به هو وجه حدوثه منتسبا ~~إلى قدرته حتى يقال محدث والذي وصف المحل به وجه تحققه منتسبا إلى ذاته ~~القابلة له الموصوفة به وهذان وجهان معقولان ليس يتمارى فيهما عاقل فجعلهما ~~وجها واحدا حتى يكون معنى كونه فاعلا هو معنى كونه موصوفا به خروج عن ~~المعقول ومكابرة العقل ولا يرتفع المعنى المعقول بالاصطلاح على أن معنى ~~المتكلم هو الفاعل للكلام. # ومما يدل على ذلك دلالة واضحة أن الكلام عند الخصم عبارة عن حروف PageV01P160 ~~منظومة وأصوات مقطعة ومن المعلوم الذي لا مراء فيه أن الصوت أعم من الكلام ~~فإن كل كلام عنده صوت وليس كل صوت كلاما ثم الصوت إذا قام به سمي المحل ~~مصوتا ولا يرجع حكم الصوت إلى فاعل الصوت حتى يقال الباري تعالى إذا خلق ~~أصواتا في محل هو مصوت والكلام الذي هو أخص كيف يرجع حكمه إليه حتى يقال هو ~~متكلم بكلام يخلقه في محل بل يرجع حكم الصوت من حيث هو معنى من المعاني إلى ~~المحل ويرجع حكم الفعل من حيث هو فعل من الأفعال إلى الفاعل كذلك الكلام ~~الذي هو أخص منه فيا عجبا بأن صار أخص صار حكمه أعم أو ليست الحركة إذا ~~قامت بمحل ms183 سمي بها متحركا سواء كانت الحركة ضرورية أو اختيارية ثم إذا خصصت ~~الحركة بأن كانت أصواتا تسمع أو حروفا تفهم أو كلمات تعقل انقطع حكمها عن ~~المحال وعاد ما يجب اختصاصه بالمحل إلى الفاعل الذي لا ينسب إليه إلا الأعم ~~فعرف من هذه الوجوه أن اختصاص الكلام بالمحل الذي قام به لم يبطل ومن ~~الدليل على ذلك أن من سمع كلاما من الغير علم على القطع والبتات أنه ~~المتكلم به ولا يقف معرفة ذلك على معرفة كونه فاعلا بل ربما لا يخطر بباله ~~كونه فاعلا أصلا وعن هذا انتسب إليه القول فيقال قال ويقول وهو قائل وبخطاب ~~الأمر والنهي يخاطب قل ولا تقل ويفرق الفارق ضرورة فرقا معقولا بين قولهم ~~قل وبين قولهم افعل فإن مساق قولهم قل هو بعينه مساق قولهم تحرك واسكن وقم ~~واقعد وإن كان المعنى في الموضعين مخلوقا مكتسبا بالوجهين كما عرفت ثم رجع ~~أخص وصف الحركة إلى المحل الذي قامت به الحركة كذلك القول ينبغي أن يرجع ~~أخص وصفه إلى المحل الذي قام به وهذا قاطع لا جواب عنه ونحرر هذا المعنى. # ونقول: العرضية أعم من الكونية والكونية أعم من الحركية والحركة أعم من ~~الصوت والصوت أعم من الحروف والحروف أعم من الكلام ثم يجب وصف المحل بكونه ~~موصوفا بعرض وذلك العرض بعينه كون والكون بعينه حركة والحركة بعينها صوت ~~والصوت حرف والحرف كلام فيجب أن يوصف المحل بكونه ذا كلام ومتكلما كما وجب ~~وصفه بكونه ذا حركة ومتحركا ومن جعل المعنيين معنى واحدا وسمى النسبتين ~~نسبة واحدة كان عن المعقول خارجا. # ومما يتمسك به في دفع قولهم المتكلم من فعل الكلام إن الله تعالى لو خلق ~~في المبرسم وبعض الممرورين إن قال بلسانه قمت وقعدت لم يخل الحال من أحد ~~أمرين إما أن يقال يكون المتكلم بهذه الحروف المنظومة والأصوات المقطعة هو ~~خالقها وفاعلها فيلزم أن يكون البارئ قائلا قمت وقعدت وإما أن يقال المتكلم بهذه PageV01P161 ~~الكلمات هو صاحب البرسام دون غيره فقد بطل ms184 قولهم إن المتكلم ليس من قام به ~~الكلام بل من فعل الكلام دون غيره. # ثم إنا نلزمهم عليه عجائب أخر نشرحها هاهنا فإنه قد وقع الاتفاق على أن ~~المعجزات من فعل الله تعالى غير مكتسبة لجنس الحيوان والبشر ثم من المعجزات ~~ما هو نطق وقول يخلقه الله في جماد أو حيوان مثل تكليم الشاة المسمومة «لا ~~تأكل مني فإني مسمومة» ومثل تسبيح الحصى في يد الرسول عليه السلام وشهادته ~~برسالته ومثل مكالمته الضب ومثل منطق الطير وتأويب الجبال يا جبال أوبي معه ~~والطير [سبأ: 10] إلى غير ذلك مما قد استفاضت الأخبار الصحيحة بها فكل ذلك ~~فعل الله تعالى فالمتكلم عندهم من فعل الكلام فيجب أن يكون الباري تعالى ~~متكلما بها إذ كان فاعلا لها وهو محال ثم إن النجارية وافقت الأشعرية على ~~أن الباري خالق أعمال العباد فيلزمهم أن يقولوا هو قائل بقولهم متكلم ~~بكلامهم إذا كان فاعلا لها. # ومما نلزمهم أن القادر على الحقيقة من يكون قادرا على الضدين والكلام ~~معنى له أضداد فإذا قالوا المتكلم من فعل الكلام يلزمهم أن يقولوا الساكت ~~من فعل السكوت حتى لو خلق سكوتا في محل كان ساكتا ولو خلق أمرا في محل كان ~~آمرا ولو خلق خبرا في محل كان مخبرا ثم من الأوامر ما يكون خيرا ومنه ما ~~يكون شرا ومن الأخبار ما يكون صدقا ومنه ما يكون كذبا فيلزمهم إضافة الكل ~~إلى الله تعالى وهو محال وأما ما أوردوه على قدم الكلام واتحاده فنفرد ~~لهذين الإشكالين مسألتين ونتكلم عليهما بما فيه مقنع إن شاء الله تعالى ~~لكنا نعارضهم هاهنا بما التزموه مذهبا. # فنقول: من المعلوم الذي لا مرية فيه أن النطق اللساني مركب من حروف ~~والحروف مقطعات من أصوات وما من حرف يتفوه به الإنسان وينطق به اللسان إلا ~~ويفنى عقيب ما وجد وينعدم كما يتجدد ويعقبه حرف آخر إلى أن يصير مجموع ~~الحرفين والثلاث وأكثر كلمة ويصير مجموع الكلمتين والثلاث وأكثر كلاما ~~مفهوما مشتملا على معنى من المعاني معلوم ms185 لو لا ذلك المعنى لم يسم الحروف ~~والكلمات كلاما فإذا كل الحروف والكلمات محالها اللسان وكل المعاني ~~والمفهومات محالها الجنان وبمجموع الأمرين سمي الإنسان ناطقا ومتكلما حتى ~~لو وجدت الحروف اللسانية منه دون المعاني الجنانية سمي مجنونا لا متكلما ~~إلا بالمجاز ولو وجدت المعاني الجنانية منه دون الألفاظ اللسانية سمي مفكرا ~~لا متكلما إلا بالمجاز وإن كان بين الموضعين فرق وهو كالفرق بين المؤمن ~~بلسانه دون قلبه وبين المؤمن بقلبه دون لسانه غير أنا PageV01P162 ~~نسامحهم هاهنا حتى يتضح الحق من السقيم، ثم نعطي كل قسم حقه. # فنقول: لو لا مطابقة الألفاظ اللسانية معانيها النفسانية لم يكن كلاما ~~أصلا بل لو لا سبق تلك المعاني في النفس على العبارات في اللسان لم يمكن أن ~~يعبر عنها ولا أن يدل عليها ويوصل إليها وهذا في حقنا ظاهر فما قولكم في حق ~~الباري سبحانه أفيخلق حروفا وكلمات في محل ولا دلالة لها على معان وحقائق ~~أم لها دلالة، فإن كان الأول فهو من أمحل المحال وإن كان الثاني حقا، فما ~~مدلول تلك العبارات وأين ذلك المدلول ولا جائز أن يقال مدلولها علم الباري ~~تعالى وعالميته فإن العلم لا اقتضاء فيه والمدلول هاهنا يجب أن يكون اقتضاء ~~وطلبا والعلم يتعلق بالمعلوم على ما هو به وخلاف المعلوم لا يقتضيه العلم ~~وقد يكون من القول ما يقتضي خلاف المعلوم والعلم من حيث هو علم يتعلق ~~بالواجب والجائز والمستحيل والاقتضاء والطلب لا يتعلق بالواجب والمستحيل ~~وكذلك الإرادة لا تصلح أن تكون مدلولة لها فإن الإرادة وإن تخيل فيها ~~اقتضاء وطلب فلا يتخيل فيها خبر واستخبار ووعد ووعيد وقد تحقق في العبارات ~~هذا المعنى وكذلك القدرة لا تصلح أن تكون مدلولة لها فإنها بخاصيتها بعيدة ~~عن الاقتضاء والطلب أعني طلب الفعل من الغير فلا بد إذا من مدلول قطعا ~~ويقينا وإلا خلت العبارات عن المعاني وطاحت في أدراج الأماني كسير السواني ~~وذلك المدلول يجب أن يختص بالقائل اختصاص وصف وصفة حتى تستقيم الدلالة ~~وتتضح الأمارة ثم ذلك ms186 المدلول أهو واحد وحدة الموصوف أو كثير كثرة العبارات ~~أو هو قديم قدم الموصوف أو محدث حدوث العبارات فذلك محل الاشتباه في ~~الموضعين ومجال النظر في الطرفين وملتطم الأمواج عند التقاء البحرين. PageV01P163 ### | AUTO القاعدة الثالثة عشرة في أن كلام الباري واحد «1» # ذهبت الأشعرية إلى أن كلام الباري تعالى واحد وهو مع وحدته أمر ونهي وخبر ~~واستخبار ووعد ووعيد، وذهبت الكرامية إلى أن الكلام بمعنى القدرة على القول ~~معنى واحد وبمعنى القول معان كثيرة قائمة بذات الباري تعالى وهي أقوال ~~مسموعة، وكلمات محفوظة تحدث في ذاته عند قوله وتكلمه ولا يجوز عليها الفناء ~~ولا العدم عندهم، وذهبت المعتزلة إلى أن الكلام حروف منظومة وأصوات مقطعة ~~شاهدا وغائبا لا حقيقة للكلام سوى ذلك، وهي مخلوقة قائمة بمحل حادث إذا ~~أوجدها الباري تعالى سمعت من المحل وكما وجدت فنيت، وشرط أبو علي الجبائي ~~البنية المخصوصة التي يتأتى منها مخارج الحروف شاهدا وغائبا، ولم يشترط ذلك ~~ابنه أبو هاشم في الغائب. # قالت الأشعرية: إذا قام الدليل على أن الكلام معنى قائم بذات الباري ~~تعالى، وكل معنى أو صفة له فهي واحدة، وكل ما دل على أن علمه وقدرته ~~وإرادته واحدة، فذلك يدل على أن كلامه واحد، وذلك أنه لو كان كثيرا لم يخل ~~إما أن يكون أعدادا لا تتناهى وإما أن يكون أعدادا متناهية فإن كان أعدادا ~~لا تتناهى فهو محال لأن ما حصره الوجود من العدد فهو متناه وإن اقتصر على ~~عدد دون عدد فاختصاصه بالبعض دون البعض يستدعي مخصصا والقديم لا اختصاص له ~~والصفة الأزلية إذا كانت متعلقة وجب عموم تعلقها بجميع المتعلقات لأن ~~نسبتها إلى الكل وإلى كل واحد نسبة واحدة فلئن تعلقت بواحدة تعلقت بالكل، ~~وإن تخلفت عن واحدة تخلفت عن الكل وخصومنا لو وافقونا على أن الكلام في ~~الشاهد معنى في النفس سوى العبارات القائمة باللسان، وأن الكلام في الغائب ~~معنى قائم بذات الباري تعالى سوى العبارات التي نقرؤها باللسان ونكتبها في ~~المصاحف لوافقونا على اتحاد المعنى لكن لما ms187 كان الكلام لفظا مشتركا في ~~الإطلاق لم يتوارد على محل واحد فإن ما يثبته الخصم كلاما فالأشعرية تثبته ~~وتوافقه على أنه كثير وأنه محدث مخلوق وما يثبته الأشعري كلاما PageV01P164 ~~فالخصم ينكره أصلا، فكيف يصح منه كلامه في وحدته وكونه أزليا قديما، ولكن ~~ليس يتكلم الخصم في هذه المسألة إلا على سبيل الإلزام وإيراد الإشكال. # قالت المعتزلة: لو كان كلامه تعالى واحدا لاستحال أن يكون مع وحدته أمرا ~~ونهيا وخبرا واستخبارا ووعدا ووعيدا فإن هذه حقائق مختلفة وخصائص متباينة ~~ومن المحال اشتمال شي ء واحد له حقيقة واحدة على خواص مختلفة نعم يجوز أن ~~يكون معنى واحدا يشمل معاني مختلفة كالجنس والنوع فإن الحيوانية معنى واحد ~~يشمل معاني مختلفة وكذلك الإنسانية تشمل أشخاصا مختلفة لكن لا يتصور وجود ~~المعنى الجنسي إلا في الذهن، ويستحيل أن يتحقق في الوجود شي ء واحد هو ~~أشياء مختلفة وحقيقة واحدة هي بعينها حقائق مختلفة حتى تكون حقيقة واحدة ~~علما وقدرة وإرادة وسوادا وحركة فإن ذلك يرفع الحقائق ويؤدي إلى السفسطة ~~فنسبة الأمر والنهي والخبر والاستخبار والوعد والوعيد وهي حقائق مختلفة إلى ~~الكلام كنسبة العلم والقدرة والإرادة والسواد والحركة وهي حقائق مختلفة إلى ~~شي ء واحد وذلك محال، وإذا كان لكل واحد من أقسام الكلام حقيقة خاصة فليكن ~~لكل واحد منهما صفة خاصة وإن قلتم إن الكلام اسم جنس يشمل أنواعا صحيح غير ~~أن الجنس لا يتحقق له وجود ما لم يتنوع بفصل يميز نوعا عن نوع والنوع لا ~~يتحقق له وجود ما لم يتشخص بعارض يميز شخصا عن شخص وذلك كالعرض المطلق من ~~حيث هو عرض لا يتحقق له وجود ما لم يتنوع بكونه لونا واللون لا يتحقق له ~~وجود ما لم يتعين بكونه سوادا معينا وإلا فالعرض ليس له ذات على انفراده ~~قائم بجوهر ثم يكون هو بعينه علما وقدرة ولونا وسوادا وطعما وأنتم أثبتم ~~الكلام قائما بذات الباري تعالى على هذا المنهاج أنه حقيقة واحدة هي بعينها ~~أمر ونهي وخبر واستخبار وذلك محال ms188 «1». # قالت الأشعرية: حكي عن بعض متقدمي أصحابنا أنه أثبت لله خمس كلمات هي خمس ~~صفات الخبر والاستخبار والأمر والنهي والنداء، فإن سلكنا هذا المسلك اندفع ~~السؤال وارتفع الإشكال لكن المشهور من مذهب أبي الحسن أن الكلام صفة واحدة ~~لها خاصية واحدة ولخصوص وصفها حد خاص وكونه أمرا ونهيا وخبرا واستخبارا ~~خصائص، أو لوازم تلك الصفة كما أن علمه تعالى صفة واحدة تختلف معلوماتها ~~وهي غير مختلفة في أنفسها فيكون علما بالقديم والحادث والوجود والعدم ~~وأجناس المحدثات وكما لا يجب تعدد العلم بعدد المعلومات، كذلك لا يجب تعدد ~~الكلام بعدد المتعلقات وكون الكلام أمرا ونهيا أوصاف الكلام لا أقسام ~~الكلام كما PageV01P165 ~~أن كون الجوهر قائما بذاته قابلا للعرض متحيزا ذا مساحة وحجم أوصاف نفسية ~~للجوهر وإن كانت معانيها مختلفة كذلك كون الكلام أمرا ونهيا وخبرا ~~واستخبارا أوصاف نفسية للكلام، وإن كانت معانيها مختلفة، وليس اشتمال معنى ~~الكلام على هذه المعاني كانقسام العرض إلى أصنافه المختلفة وانقسام الحيوان ~~إلى أنواعه المتمايزة فأقسام الشي ء غير وأوصاف الشي ء غير، وكل ما في ~~الشاهد للكلام من الأقسام فهو في الغائب للكلام أوصاف والذي يحقق ذلك أن ~~المعنى قد يكون واحدا في ذاته ويكون له أوصاف هي اعتبارات عقلية ثم ~~الاعتبارات العقلية قد تكون من جهة النسب والإضافات وقد تكون من جهة ~~الموانع واللواحق أليست الإرادة قد تسمى رضى إذا كان فعل الغير واقعا على ~~نهج الصواب وقد تسمى هي بعينها سخطا إذا كان الفعل على غير الصواب كذلك ~~يسمى أمرا إذا تعلق بالمأمور به ويسمى نهيا إذا تعلق بالمنهي عنه وهو في ~~ذاته واحد وتختلف أساميه من جهة متعلقاته حتى قيل إن الكلام بحقيقته خبر عن ~~المعلوم وكل عالم يجد من نفسه خبرا عن معلومه ضرورة فإن تعلق بالشي ء الذي ~~وجب فعله سمي أمرا وإذا تعلق بالشي ء الذي حرم فعله سمي نهيا وإن تعلق بشي ~~ء ليس فيه اقتضاء وطلب سمي خبرا واستخبارا فهذه أسامي الكلام من جهة ~~متعلقاته كأسامي الرب ms189 تعالى من جهة أفعاله. # ثم نقول ليس بيد الخصم في هذه المسألة إلا مجرد الإلزام على مذهب من قال ~~بوحدة الكلام، وإلا فمن أنكر أصل الكلام النفسي كيف يسمع منه القول في ~~الوحدة ولكن العجب من هذا الملزم أنه التزم ما هو أمحل المحال في وحدة ~~الحال التي هي مصححة الأحوال فإنه قال عالمية الباري سبحانه وقادريته حال ~~وله حال توجب كونه عالما قادرا فقد أثبت حالا لها خصوصية العلم والقدرة وهي ~~واحدة في نفسها وراء الذات، فكيف يستبعد ممن يثبت كلاما هو أمر ونهي وخبر ~~وهو في نفسه واحد مختلف الاعتبار والفلاسفة الذين هم أشد إنكارا للكلام ~~الأزلي ووحدته أثبتوا عقلا واحدا في ذاته ووجوده وتفيض منه صور لا تتناهى ~~مختلفة ربما تختلف أساميه باختلاف الصور والفيض عندهم كالتعلق عند المتكلم ~~والعقل الأول كالكلام في وحدته واختلاف الكلام بالأمر والنهي كاختلاف الفيض ~~بالصور. # وأوضح من ذلك مذهبهم في المبدأ الأول لا يتكثر بتكثر الموجودات اللازمة ~~والصفات والأسماء إما إضافة وإما سلب وإما مركبة من إضافة وسلب فهلا قالوا ~~في الكلام كذلك، وهلا أثبتوا كلاما أزليا على منهاج إثباتهم له عناية أزلية ~~حتى يكون هو المبدأ وإليه المنتهى تقديرا في أفعاله الخاصة، ويكون أمره ~~المبدأ وإليه الرجعى تكليفا على PageV01P166 ~~أفعال عباده فيكون له الخلق في الأول والأمر في الثاني ويرجع الكل إليه لله ~~الأمر من قبل ومن بعد [الروم: 4]، وإليه يرجع الأمر كله [هود: 123]. # قالت المعتزلة: إثبات صفات نفسية لذات واحدة غير مستحيل لكن إثبات خواص ~~مختلفة وصفات متضادة لشي ء واحد هو المستحيل ومن المعلوم أن الأمر والنهي ~~يتضادان ولهما خاصيتان مختلفتان فإثبات ذلك لكلام واحد محال ونحن لا ننكر ~~اختلاف الأسامي لشي ء واحد لاختلاف الوجوه والاعتبارات لكنا ننكر اختلاف ~~الخواص المتباينة لشي ء واحد ولا نشك أن كون الكلام أمرا ونهيا ليس من جملة ~~النسب والإضافات فإن الصفات الإضافية تتحقق عند الإضافة ولا يتحقق عند رفع ~~الإضافة ويتطرق إليها التبدل والتغير وليس كون الكلام أمرا ونهيا مما ms190 يتحقق ~~عند الإضافة بل هما من أخص أوصاف الكلام سواء لاحظنا جانب المتعلق أو لم ~~نلاحظ وكذلك لو رفعنا المتعلق عن الوهم لم يخرج الكلام عن كونه أمرا ونهيا ~~وخبرا واستخبارا والعلم بالقديم والحادث علم بالشي ء على ما هو به وهو صفة ~~صالحة لدرك ما يعرض عليه سواء كان قديما أو حادثا وجودا أو عدما والذي ~~يوازيه في تعلقه تعلق الأمر بمأمور معين وتعلقه بمأمور آخر فاختلاف ~~المأمورين كاختلاف المعلومين ثم اختلاف المعلومين لا يستدعي اختلاف العلمين ~~كذلك اختلاف المأمورين لا يستدعي ولا يستدعي اختلاف الأمرين لكن كلاما هو ~~في نفسه أمر وهو في نفسه نهي اختلاف وصفين متضادين لشي ء واحد وهو محال ~~ونظيره العرض في شموله أقسام الأعراض المختلفة الخواص إذ يستحيل أن يكون ~~للعرض ذات محققة على حيالها وهي في ذواتها علم وقدرة وحياة ولون وكون ~~وقولكم: إن الكلام مختلف الأوصاف لا مختلف الأقسام غير صحيح، بل الأمر ~~والنهي والخبر والاستخبار أقسام الكلام والكلام منقسم إلى ذلك إذ كل قسم ~~ممتاز بخاصيته وحقيقته عن القسم الآخر واسم الكلام كالجنس لها لا كالموصوف ~~بها ومن أمحل ما ذكرتموه قولكم ما هو أقسام في الشاهد فهو أوصاف في الغائب ~~والحقائق كيف تتبدل والمعقولات كيف تتفاوت وهل ذلك إلا رفع الحقائق وحسم ~~الطرائق. # وأما إلزام الحال فالجواب عنه أن المصحح للمختلفات المتضادات لشي ء واحد ~~غير وثبوت المختلفات المتضادات لشي ء واحد غير فإن الحياة مصححة للعلم ~~والجهل والقدرة والعجز والإرادة والكراهة إلى غير ذلك من المعاني التي ~~يشترط في ثبوتها الحياة ولا يلزم ذلك ثبوت المختلفات المتضادات لحي واحد ~~ونحن إذا أثبتنا حالا فهي مصححة أو في حكم المصحح ولم نثبت مختلفات متضادة ~~لشي ء واحد فهذا هو الفرق. PageV01P167 # وربما يجيب المتفلسف عن إلزام الفيض المختلف عن العقل الواحد فيقول: أنا ~~أقول كما أن العقل واحد ففيض العقل أيضا واحد لكن القوابل والحوامل تختلف ~~فيختلف الفيض باختلاف المفيض كالشمس إذا أشرقت على زجاجات مختلفة الألوان ~~أعطت كل زجاجة ms191 لونا خاصا لائقا بلونها القابل فتعدد الصور واختلافها إنما ~~حصل من جانب المفيض لا من جانب الفائض وأنتم أثبتم كلاما واحدا وهو في نفسه ~~أمر ونهي وخبر واستخبار فتعدد الخواص واختلافها فيها إنما حصل من جانب ~~المتعلق لا من جانب المتعلق فلم تستقم التسوية بين البابين بالتعلق والفيض. # وأما كلامنا في المبدأ ووجوب الصفات له فأبعد في باب التنزيه عن الكثرة ~~وأعلى في منهاج التقديس عن اختلاف الخواص له والصفات كلها راجعة إلى ذات ~~واحدة هي واجبة الوجود بذاتها ووجودها مستند الموجودات كلها من غير أن يثبت ~~له منها كمال أو يحدث له صفة وهو تعالى بكمال جلاله عديم الاسم والصفة من ~~حيث ذاته، وإنما يقال له اسم وصفة من حيث آثاره فقط وآثاره فاعليته الصادرة ~~عنه لا معا بل على ترتيب الأول والثاني والراجعة إليه لا بغتة بل على تدريج ~~الثاني والأول من غير أن يحدث كمال في ذاته لم يكن أو يستكمل من حادث كمالا ~~كان جل جلاله بذاته وتقدست أسماؤه لصفاته. # قالت الأشعرية: نحن لا نثبت الحقائق المختلفة والخواص المتباينة لكلام ~~واحد إنما يلزمنا التضاد بين أمرين يتقابلان من كل وجه فيتضادان فأما إذا ~~لم يتقابلا بل اختلفت المتعلقات واختلفت الوجوه فلا يبعد اجتماعهما في ~~حقيقة واحدة ونحن لو قلنا الأمر بالشي ء والنهي عن ضده أو الأمر بالشي ء ~~والنهي عنه شي ء آخر أو أمر شخص واحد بشي ء ونهي شخص آخر عن ذلك الشي ء لا ~~يستحيل وكذلك إذا اختلف الزمان والمكان والوجه والاعتبار لم يحصل التضاد ~~فلم يلزم الاستحالة وهذا إن ألزم علينا التضاد وإن ألزم علينا الاختلاف بين ~~الحقيقتين دون التضاد فالجواب عنه أن اجتماع مثل ذلك في شي ء واحد من وجوه ~~مختلفة غير مستحيل فإن الجوهر يوصف بأنه متحيز وقابل للأعراض وذو حجم ~~ومساحة ونهاية وهي صفات وأحوال ووجوه واعتبارات مختلفة وما استحال اجتماعها ~~في حقيقة الجوهرية وقد قدمنا الفرق بين الأقسام وبين الأوصاف وقولهم إن كون ~~الكلام أمرا ونهيا ms192 وخبرا أقسام الكلام إذ يقال الكلام ينقسم إلى كذا أو إلى ~~كذا وكل قسم إنما يتميز عن قسم بأخص وصفه في قول صحيح في الكلام شاهدا فإن ~~الكلام القولي في اللسان أو النطق النفساني في الذهن من جملة الأعراض التي ~~يستحيل بقاؤها ولا تتحد ذاته وتتعدد جهاته بل ذاته متعددة بتعدد جهاته فما ~~هو أمر بشي ء غير وما هو نهي عن شي ء غير ويضاد الأمر PageV01P168 ~~نهي عن ذلك الشي ء بعد اتحاد جهاته فتعدد الكلام بتعدد المتعلقات فصارت تلك ~~الجهات أقساما وانفصل كل قسم عن قسم بأخص وصف له بعد الاشتراك في حقيقة ~~الكلامية كالعلوم المختلفة إذا تعلقت بمعلومات مختلفة كانت أقساما مختلفة ~~وامتاز كل علم عن قسمه بأخص وصفه بعد الاشتراك في حقيقة العلمية ثم إذا خصص ~~الكلام بعلم قديم أو عالمية أزلية لم يلزم اتحاد الخصائص في ذات واحدة بل ~~العلم الأزلي في معنى علوم مختلفة نائبا مناب الكل من غير أن تتكثر ذاته أو ~~تختلف خواصه وكذلك الكلام الأزلي في حكم الأمر والنهي والخبر والاستخبار ~~نائبا مناب الكل من غير أن تتكثر ذاته أو تختلف خواصه وهذا معنى قولنا ~~الأقسام في الكلام الشاهد كالأوصاف في الكلام الغائب، ثم بم تنكرون على من ~~يقول الكلام معنى واحد حقيقته الخبر عن المعلوم ثم التعبير عن ذلك المعنى ~~إذا كان المعلوم محكوما فعله بالأمر أو محكوما تركه بالنهي وإن كان في وقت ~~قد وجد المعلوم وانقضى كان التعبير عنه عما كان وإن كان في وقت لم يوجد ~~المعلوم بعد وسيوجد كان التعبير عنه عما سيكون فالأقسام المذكورة ترجع إلى ~~التعبيرات بحسب الوجوه والاعتبارات وإلا فالكلام الأزلي واحد لا كثرة فيه ~~باختلاف الخواص وتضاد المعاني فكان قبل خلق آدم التعبير عن معلوم الخلافة ~~في ثاني الحال إني جاعل في الأرض خليفة [البقرة: 30]. # وبعد إرسال نوح وانقراض عصره كان التعبير عن معلوم الرسالة في ماضي الحال ~~إنا أرسلنا نوحا إلى قومه [نوح: 1]، ولو عبر عن حال موسى قبل وجوده بالواد ms193 ~~المقدس كان على صيغة الخبر عما سيكون وإذا عبر عن حاله وهو بالواد المقدس ~~كان على صيغة الأمر فاخلع نعليك [طه: 12]، فالاختلافات كلها راجعة إلى ~~التعبيرات عن الكلام الذي هو وفق المعلوم حتى لو قدرنا لأنفسنا نطقا عقليا ~~سابقا على وجود المخاطب باقيا على ممر الدهور كان المعبر عنه على حقيقة ~~واحدة لا يتبدل والتعبيرات عنه على أقسام مختلفة لا تتماثل ولو قدرنا ~~لنفوسنا نطقا عقليا مطابقا لإدراك عقلي عاليا على الدهر والزمان بحيث ~~نسبتهما إلى الماضي والحاضر والمستقبل نسبة واحدة لم يشك أن الاختلاف لم ~~يرجع إلى كثرة معان في ذاته بل يرجع إلى ما يختلف بالأزمان ألم تسمع الله ~~تعالى وتقدس يخبر في كتابه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ~~عن حال عيسى عليه السلام عما سيكون في القيامة بقوله عز من قائل: وإذ قال ~~الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله ~~[المائدة: 116]، أو ليس عبر في المستقبل بالماضي وبعد لم PageV01P169 ~~تقم القيامة ولم يحشر الناس ولم يحضر عيسى عليه السلام، ولكن لما كان القول ~~الحق متعاليا عن الزمان كان ما سيوجد كأن قد وجد وكان نسبة الخطاب إليه وهو ~~في ذلك الوقت كنسبته إليه، وهو في هذا الوقت ومن أمكنه أن يرفع الزمان من ~~صميم قلبه هان عليه إدراك المعاني العقلية وسهل عليه معرفة تعلق العلم ~~الأزلي بالمعلومات والأمر الأزلي بالمأمورات وعلم أن الاختلاف راجع إلى ~~العبارات والتعبيرات انظر كيف نشير إلى لمحات الحقائق على لسان الفريقين ~~وإن كانا بمعزل عن دقائق الطريقين وأنى لهم تصور نزول الروحانيات وتشخصها ~~بالجسمانيات كما أخبر التنزيل عنه فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا ~~[مريم: 17]، وكيف يستقيم على مذهب المتكلم تمثل الروح بالشخص البشري إبان ~~تعدم الروح ويوجد الشخص وليس ذلك من التمثل في شي ء أو بأن يستعمل الروح ~~شخصا موجودا بشريا ولم يكن ذلك تمثلا أيضا بل تناسخا وإذا لم يمكنه تقرير ~~التمثل والتشكل أعني تمثل الروحاني ms194 بالجسماني كيف يمكنه تصور الأمر الأزلي ~~بتمثل اللسان العربي تارة، واللسان السرياني طورا، حتى يجب أن يقال كلام ~~الله كما يجب أن يقال: «هذا جبريل جاءكم ليعلمكم دينكم» «1» ثم لباس جبريل ~~يتبدل ولا تتبدل حقيقته التي هو بها جبريل ولباس الكلام الأزلي يتبدل ولا ~~تتبدل حقيقته التي هو بها كلام وأمر ونهي واحد أزلي وإن أحد من المشركين ~~استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله [التوبة: 6]، حق في حق المشرك المستجير ~~ويا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي [الأعراف: 144] صدق في حق ~~الكليم المستنير فبين الكلامين فرق ما بين القدم والفرق بين السمعين صرف ما ~~بين الولاية والصرف ولو كان الكلام في الموضعين حروفا منظومة أصواتا مقطعة ~~بطل الاصطفاء على الناس وحصل التساوي واستماع الناس والخناس، ولكان حكم ~~الكليم في خطابه يا موسى حكم الطريد في طرده يا فرعون ولكان الذي لا يسمع ~~من موسى أسعد حالا من موسى إذ سمع من الشجرة التي هي جماد وفي الموضعين ~~الكلام حروف وأصوات. # قالت المعتزلة: إذا أثبتم كلاما أزليا فإما أن تحكموا بأن كلام الله أمر ونهي PageV01P170 ~~وخبر واستخبار في الأزل وإما أن لا تحكموا به، فإن حكمتم به فقد أحلتم من ~~وجوه أحدها أن من حكم الأمر أن يصادف مأمورا ولم يكن في الأزل مخاطب متعرض ~~لأن يحث على أمر ويزجر عن آخر ويستحيل كون المعدوم مأمورا. # والوجه الثاني: أن الكلام مع نفسه من غير مخاطب سفه في الشاهد والنداء ~~لشخص لا وجود له من أمحل ما ينسب إلى الحكيم. # والثالث: أن الخطاب مع موسى عليه السلام غير الخطاب مع النبي عليه السلام ~~ومناهج الكلامين مع الرسولين مختلفة ويستحيل أن يكون معنى واحد هو في نفسه ~~كلام مع شخص على معان ومناهج وكلام مع شخص آخر على معان ومناهج آخر ثم يكون ~~الكلامان شيئا واحدا ومعنى واحدا. # والرابع: أن الخبرين عن أحوال الأمتين مختلف لاختلاف حال الأمتين وكيف ~~يتصور أن تكون حالتان مختلفتان، فيخبر عنهما بخبر واحد وكيف يكون الخبر ~~أمرا ms195 ونهيا وكيف يكون أمر ونهي خبرا واستخبارا ووعدا ووعيدا وأنكم إن حكمتم ~~بأن الكلام واحد فقد رفعتم أقسام الكلام ولا يعقل كلام إلا وأن يكون إما ~~أمرا ونهيا وإما خبرا واستخبارا وردكم أقسام الكلام إلى أوصاف واعتبارات ~~تارة وإلى تعبيرات وعبارات أخرى غير سديد أما الاعتبارات العقلية فباطلة ~~لأن المعقول من أقسام الكلام ذوات مختلفة وحقائق متباينة فإن القصة التي ~~جرت ليوسف وإخوته صلوات الله عليهم أجمعين غير القصة التي جرت لآدم ونوح ~~وإبراهيم وموسى وعيسى فالخبر عما جرى في حق شخص كيف يكون عين الخبر الذي ~~جرى في حق شخص آخر والأوامر والنواهي التي توجهت على قوم في دور نبي مخصوص ~~غير الأوامر التي توجهت على قوم آخر في دور آخر فكيف يمكنكم القول باتحاد ~~الأخبار كلها على اختلافها في خبر واحد والقول باتحاد الأوامر على تفاوتها ~~في أمر واحد ثم كيف يمكنكم الجمع بين معنى الخبر وحقيقته أنه خبر عما كان ~~أو سيكون من غير اقتضاء وطلب وبين معنى الأمر وحقيقته أنه اقتضاء وطلب لأمر ~~لم يكن حتى يكون فليس في الخبر حكم واقتضاء وليس في الأمر خبر وإنباء وبين ~~النوعين فرق ظاهر فكيف يمكن القول باتحادهما نعم هما يتحدان في حقيقة ~~الكلامية لكنهما يختلفان بالنوعية كالحيوانية والإنسانية والعرضية واللونية ~~فمن رد الكلام بأنواعه وأقسامه إلى الخبر فقد أبطل الاقتضاء وعطل الحكم ~~والطلب ومن رد الكلام إلى الأمر فقد أبطل معنى الخبر وعطل القصص ومن ~~المعلوم أن النوعين موجودان في جنس الكلام ومذكوران في الكتب الإلهية وأما ~~من رد الاختلاف والكثرة فيهما إلى العبارات فقد أبعد النجعة فإن PageV01P171 ~~العبارات إن طابقت المعاني خبرا لمخبر وأمرا لمأمور ونهيا عن منهي فقد ~~تعددت المعاني تعدد العبارات وإن لم تطابق فليست هي تعبيرات عنها وإنما هي ~~عبارات لا معنى لها وذلك كلام المجانين وإما أستر وأحكم إلى تمثل الروحاني ~~بالجسماني وتشكل الملك بالبشر وظهور المعنى بالعبارات فذلك في أسماعنا شبه ~~طامات وكلمات فارغة فما التمثل والتشكل وكيف الظهور والتبين حققوا لنا ms196 ذلك ~~إن كانت العبارة مشتملة على حقيقة وإلا فالمعلومات لا تحتمل أمثال هذه ~~المجازفات والذي عندنا أن جبريل شخص لطيف يتكاثف فيتراءى للبصر كالهوى ~~اللطيف الذي لا يراء فيتكاثف فيتراءى سحابا أو نقول بإعدام وإيجاد لا يتمثل ~~ويتشخص وبالجملة جوهر واحد لا يصير جواهر إلا بانضمام جواهر إليه ونحن لا ~~نعقل من الجواهر إلا المتحيز والمتحيزان لا يتداخلان فلا معنى لما تمسكتم به. # قالت الأشعرية: ذهب شيخنا الكلابي عبد الله بن سعيد إلى أن كلام الباري ~~في الأزل لا يتصف بكونه أمرا ونهيا وخبرا واستخبارا إلا عند وجود المخاطبين ~~واستجماعهم شرائط التكليف فإذا أبدع الله العباد وأفهمهم كلامه على قضية ~~أمر، وموجب زجر أو مقتضى خبر اتصف عند ذلك بهذه الأحكام فهي عنده من صفات ~~الأفعال بمثابة اتصاف الباري تعالى فيما لا يزال بكونه خالقا ورازقا فهو في ~~نفسه كلام لنفسه أمر ونهي وخبر وخطاب وتكليم لا لنفسه بل بالنسبة إلى ~~المخاطب وحال تعلقه وإنما يقول كلامه في الأزل يتصف بكونه خبرا لأنا لو لم ~~نصفه بذلك خرج الكلام عن أقسامه ولأن الخبر لا يستدعي مخاطبا، فإن الرب ~~تعالى مخبر لم يزل عن ذاته وصفاته وعما سيكون من أفعاله وعما سيكلف عباده ~~بالأوامر والنواهي. # وعند أبي الحسن الأشعري كلام الباري تعالى لم يزل متصفا بكونه أمرا ونهيا ~~وخبرا، والمعدوم على أصله مأمور بالأمر الأزلي على تقدير الوجود ثم قال في ~~دفع السؤال إذا لم يبعد أن يكون المأمور به معدوما لم يبعد أن يكون المأمور ~~معدوما، وعضد ذلك بأنا في وقتنا مأمورون بأمر الله تعالى الذي توجه على ~~المأمورين في زمن النبي صلى الله عليه وسلم فإذا لم يبعد أن يتأخر وجود ~~المأمور عن الأمر بسنة لم يبعد أن يتأخر عنه بأكثر ولم يزل «1». # والحق أن هذا الإشكال لا يختص بمسألة الأمر بل هو جار في كل صفة أزلية ~~تتعلق بمتعلقها أزلا أنها كيف تتعلق بالمعدوم أليس الله تعالى عالما قادرا ~~والعالم معدوم وكيف يتعلق العلم والقدرة بنفي محض وعدم ms197 صرف فعلى تقدير ~~الوجود فكيف PageV01P172 ~~يتصور التقدير في حق الباري والتقدير ترديد الفكر وتصريف الخواطر وذلك من ~~عمل الخيال والوهم أم يتعلق بالوجود حقيقة والوجود محصور متناه ونحن نعتقد ~~أن معلوماته ومقدوراته لا تتناهى وإنما يتصور ذلك فيما لم يوجد ويمكن أن ~~يوجد أم تقرر أن العلم صفة صالحة لدرك كل ما يعرض عليه من غير قصور والقدرة ~~صالحة لإيجاد كل ما يصح وجوده من غير تقاصر ثم ما يصح أن يعلم ويجوز أن ~~يوجد لا يتناهى فعلى هذا المعنى نقول المعلومات والمقدورات لا تتناهى ~~والمتعلق من حيث المتعلق راجع إلى صلاحية الصفة للكل ومن حيث المتعلق راجع ~~إلى صحة المعلوم والمقدور وكذلك قولنا في السمع والبصر وكونه سميعا بصيرا ~~بل الجمع بين المسألتين هاهنا أظهر فإن السمع لا يتعلق بالمعدوم وكذلك ~~البصر فلا يكون المعدوم مسموعا ومبصرا بل إنما يصير مدركا بهما حيث يصح ~~الإدراك وهو حال الوجود فقط لا قبله تحقيقا كان أو تقديرا كذلك الأمر ~~الأزلي يتعلق بالمأمور به حتى يصح التعلق وهو حال الوجود المتهيأ لقبوله من ~~كونه حيا عاقلا بالغا متمكنا من الفعل كسائر الصفات على السواء فليس يختص ~~السؤال بمسألة الكلام ووجه الحال ما قد سبق التقرير به. # وقولهم: إن كلاما لا تحقق له أقسام الكلام غير معقول. # قلنا: وما أقسام الكلام فإن المتكلمين حصروها في ستة وسائر الناس زادوا ~~أقساما: # مثل النداء والدعاء، وزادوا في كل قسم من الأمر والنهي أقساما مثل أمر ~~الندب وأمر الإيجاب ونهي التنزيه ونهي التحريم، وفي كل قسم من الخبر ~~والاستخبار أقساما مثل الخبر عن الماضي والمستقبل والمواجهة والمغايبة وغير ~~ذلك، ومن تصدى ليردها إلى ستة فقد قضى بتداخل أقسام منها في أقسام ولغيره ~~أن يتصدى لردها إلى قسمين الخبر والأمر أما الاستخبار فلا يتصور في حقه ~~تعالى على موجب حقيقة الاستفهام بل حيث ورد فمعناه التقرير والإخبار كقوله ~~تعالى: ألست بربكم قالوا بلى [الأعراف: 172]، من إله غير الله [القصص: 71] ~~أإله مع الله [النمل: 60]، ومعنى الكل راجع إلى ms198 تقرير الخطاب للمخاطب أن ~~الأمر لا يتصور إلا كذلك، وأما الوعد والوعيد فظاهر أنهما خبران يتعلق ~~أحدهما بثواب فسمي وعدا، وتعلق الثاني بعقاب فسمي وعيدا كما أمكن أن يرد ~~النداء إلى الخبر يا زيد يا عمرو أي أدعو زيدا. # وأما القسم الثاني: وهو الأمر فهو والنهي لا يجتمعان لكن كلام الله تعالى ~~إذا تعلق بمتعلق خاص على صيغة الأمر، ولم يتصل بتركه زجرا كان ندبا، وإن ~~اتصل به زجرا سمي ذلك إيجابا وكذلك النهي إذا لم يرد على فعله وعيد سمي ~~تكريها وإن ورد سمي تحريما ثم هما يشتركان في كونهما أمرا ونهيا وإن رد ~~الأمر والنهي إلى معنى واحد PageV01P173 ~~وهو الأمر كان ذلك أيضا له وجه فإن النهي أمر بأن لا تفعل فرجع أقسام ~~الكلام كلها إلى خبر وأمر، ثم كما أمكن رد أقسام الكلام إلى قسمين من غير ~~نقصان في حقيقة الكلام كذلك أمكن رد القسمين إلى قسم واحد حتى يكون كلامه ~~على ما قررناه واحدا وقد ورد التنزيل بتسميته أمرا بحيث يتضمن جميع الأقسام ~~في قوله تعالى: # وما أمرنا إلا واحدة [القمر: 50]، وفي قوله: ألا له الخلق والأمر ~~[الأعراف: 54]، فالخلق والأمر يتقابلان كالفعل والقول وعن هذا أمكن ~~الاستدلال بهذه الآية حتى يقال: إن أمر الباري غير مخلوق، فإنه لو كان ~~مخلوقا لكان تقدير قوله: # ألا له الخلق [الأعراف: 54]، وهذا من فاسد الكلام وقد ورد أيضا في القرآن ~~ما يدل على أن الأمر سابق على الخلق وذلك السبق لن يتصور إلا أن يكون أزليا ~~وذلك قوله سبحانه: إنما قولنا لشي ء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون ~~[النحل: 40]، والمتكون متأخر والأمر متقدم والتقدم على الحادث المطلق لا ~~يكون إلا بالأزلية فتحقق من هذه الجملة أن كلامه تعالى واحد إن سميته أمرا ~~فهو خلاف الخلق ومقابله وإن سميته خبرا فهو وفق العلم سواء وإنه إذا تعلق ~~بالمأمور فيكون تعلقه مشروطا بشرائط، كما كان تعلق سائر الصفات مشروطا ~~بشرائط وقد عرفت الفرق بين تعلق الصلاحية والصحة وبين تعلق الفعل ms199 والحقيقة ~~واندفع الإلزام بهذا الفرق. # وقولهم: إن الاختلاف والكثرة في الأخبار والأوامر لا يرجع إلى العبارات ~~فقط إذ العبارات لا بد وأن تطابق المعنى صحيح لكن تلك المعاني المختلفة ~~كالمعلومات المختلفة التي يحيط بها علم واحد وإن تلك المعلومات المختلفة إن ~~فرضت في الشاهد استدعت علوما مختلفة وإن شملها اسم العلمية كذلك الأخبار ~~المختلفة والأوامر المختلفة وإن استدعت في الشاهد كلمات ومعاني مختلفة فقد ~~أحاط بها معنى واحد هو القول الحق الأزلي واختلاف الزمان بالماضي والمستقبل ~~والحاضر لا يؤثر في نفس القول ما يبدل القول لدي [ق: 29] كاختلاف الحال في ~~المعلومات التي وجدت وستوجد لا يؤثر في نفس العلم وهذا المعنى عسير الإدراك ~~جدا لتكرر عهدنا بخلاف ذلك في الشاهد ولو لاحظنا جانب العقل وإدراكه ~~المعقول وجردناه عن المواد الجسمانية والأمثلة الخيالية وصادفنا إدراكا ~~كليا عقليا لا يختلف باختلاف الأزمنة ولا يتغير بتغاير الحوادث، وكذا لو ~~استيقظنا من نوم يقظتنا هذه بمنام وطلعت نفوسنا على مشرق المعاني والحقائق ~~رأت عالما من المعقولات وأشخاصا من الروحانيات تحدثه بأخبار وتكلمه ~~بأحاديث، لو عبر المعبر عنها بعبارات لسانه لما وسعه يوم واحد لشرحها ~~وبيانها، ولو كتبها بقلمه لم تسعه PageV01P174 ~~مجلدة واحدة لنظمها وبيانها، وكل ذلك قد يراه في منامه في أقل من لحظة ~~واحدة، ويعلم يقينا أنه رآه حين رآه وسمع ما سمع كأنه شي ء واحد ومعنى ~~واحد، لكن التعبير عنه استدعى أوراقا وصحائف طباقا وكيف لا والمرء يجد من ~~نفسه وجدانا ضروريا أنه إذا سئل عن إشكال في مسألة اعتراه وجوابه وحله جملة ~~في أقل من لحظة، ثم يأتي في شرح ذلك بلسانه بعبارات حتى يمتلئ أذان وأسماع ~~كثيرة إن سمعها ووعاها أو يستثبته بقلمه حتى يسود بياضا كثيرا إن سطرها ~~وزبرها والمعنى في الأصل كان واحدا والشرح منبسطا والحب يكون واحدا ~~والسنبلة متكثرة كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله ~~يضاعف لمن يشاء [البقرة: 261]، ومن وجد بمشام صدقه شمائم الروحانيات ووقع ~~في أطراف رياض المعقولات وإن ms200 كان محوما عليها غير واغل في خميلتها علم قطعا ~~أن العقل أحدي الإدراك والنفس وحداني القول وإنما التكثر في عالم الحس ~~يتصور والاختلاف في عالم العبارات يتحقق وإذا كانت عقولنا ونفوسنا على هذا ~~النمط من التوحيد فكيف الظن بقدس الإحاطة الأزلية ووحدانية الكلمة ~~السرمدية. # قالت المعتزلة: أجمع المسلمون قبل ظهور هذا الخلاف على أن القرآن كلام ~~الله واتفقوا على أنه سور وآيات وحروف منتظمة وكلمات مجموعة وهي مقروءة ~~مسموعة على التحقيق، ولها مفتتح ومختتم وأنه معجزة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم دالة على صدقه، ولا تكون المعجزات إلا فعلا خارقا للعادة، وكان السلف ~~يقولون: يا رب القرآن العظيم، يا رب طه، يا رب يس، وإنما سمي القرآن قرآنا ~~للجمع من قولهم: قرأت الناقة لبنها في ضرعها والجمع إنما يتحقق في المفترق ~~والكلام الأزلي لا يوصف بمثل هذه الأوصاف، ومما أجمعت عليه الأمة أن كلام ~~الله تعالى بين أظهرنا نقرأه بألسنتنا ونمسه بأيدينا ونبصره بأعيننا ونسمعه ~~بآذاننا، وعليه دلت النصوص، وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع ~~كلام الله [التوبة: 6]، لا يمسه إلا المطهرون [الواقعة: 79]، والصفة ~~الأزلية كيف توصف بما وصفنا. # قالت الأشعرية: أنتم أول من خالف هذا الإجماع فإن عندكم كلام الله تبارك ~~وتعالى حروف وكلمات أحدثها في محل وكما وجدت فنيت والذي كتبناه بأيدينا ~~فعلنا، والذي قرأنا بألسنتنا كسبنا، وكذلك نثاب على فعل ذلك ونعاقب على ~~تركه، فليس الكلام الذي بين أظهرنا كلام الله وما كان كلاما لله فليس بين ~~أظهرنا ولا كان دليلا ومعجزة ولا قرأناه ولا سمعناه بل الذي نقرأه مثل ذلك ~~أو حكاية عن ذلك كمن يروي شعر امرئ القيس بعد موته، وعن هذه الشنعة صار أبو ~~علي الجبائي إلى أنه PageV01P175 ~~يحدث كلاما لنفسه عند قراءة كل قارئ وعند كتابة كل كاتب وقد جحد الضرورة ~~وكابر العقل فإن العاقل لا يشك أن الذي يسمعه من القارئ حروف وكلمات تخرج ~~عن مخارجها على اختياره، وليس يقارنه أمثالها حتى يكون كل حرف حرفين وكل ~~كلمة كلمتين ms201 وكل آية آيتين، وإن كان فما محلها وقد اشتغلت المخارج بحروفها ~~ومن المحال اجتماع حرفين وكلمتين في محل واحد في حالة واحدة والحروف لا ~~وجود لها إلا على التعاقب واجتماع حرفين وكلمتين في محل واحد غير معقول ولا ~~مسموع ولا محسوس من جهة القارئ فهو محال. # ثم نقول القول الحق: إنا لا ننكر وجود الكلمات التي لها مفتتح ومختتم وهي ~~آيات وأعشار وسور ويسمى الكل قرآنا وما له مبتدأ ومنتهى لا يكون أزليا وهو ~~من هذا الوجه معجزة الرسول صلى الله عليه وسلم ويسمى ما يقرأ باللسان قرآنا ~~وما يكتب باليد مصحفا لكن كلامنا في مدلول هذه الكلمات ومقروء هذه القراءة ~~أهي صفة أزلية لا حادثة وواحدة لا كثيرة أم هي هذه فقط ولا مدلول لها ولا ~~مقروء ولا مكتوب وبالاتفاق بيننا وبين الخصم كلام الله تعالى غير ما حل في ~~اللسان من تحريك الشفتين واللسان والحلق بل هو معنى آخر وراء ذلك فنحن ~~نعتقد أن ذلك المعنى واحد أزلي وأنتم تعتقدون أنه مثل هذا كثير حادث فانقطع ~~الاستدلال بما يعرفه أهل الإجماع وكما أن كلامه أزلي واحد عندنا وليس ذلك ~~بين أظهرنا كذلك هو كلام آخر في محل آخر، وليس ذلك بين أظهرنا عند الخصم ~~فصار الاتفاق بالمقدمات المشهورة المعهودة لا اليقينية المقبولة المشهودة ~~وتبين أن إطلاق لفظ القرآن على القراءة والمقروء باشتراك اللفظ وقد يسمى ~~الدليل باسم المدلول ويطلق لفظ العلم على المعلوم كقوله تبارك وتعالى: ولا ~~يحيطون بشي ء من علمه إلا بما شاء [البقرة: 255]، أي بمعلومه وقال: إن قرآن ~~الفجر كان مشهودا [الإسراء: 78]، عني به الصلاة والقراءة فيها. # والجواب الحق: أن الآيات التي جاء بها جبريل عليه السلام منزلا على ~~الرسول صلى الله عليه وسلم كلام الله كما أن الشخص الذي تمثل به جبريل ~~وتراءى وظهر له سمي جبريل حتى يقول هذا كلام الله وهذا جبريل لأن ما أشير ~~إليه بهذا وهذا هو مظهره، وأنت تقول: # كلامك هذا صحيح وغير صحيح ولا تشير إلى مجرد العبارة ms202 دون المعنى، بل تشير ~~إلى العبارة على أنها مظهر المعنى وإلا فالصحة والفساد إنما يدخلان على ~~المعنى دون اللفظ، والصواب والخطأ يرد على اللفظ دون المعنى وقد تكون ~~العبارة سديدة لغة ونحوا ويكون المعنى غير سديد وبالعكس من ذلك ثم يشار إلى ~~العبارة ويراد PageV01P176 ~~بها المعنى كذلك قولنا هذا كلام الله وكلام الله بين أظهرنا لا يمسه إلا ~~المطهرون [الواقعة: 79]، وقوله: يتلونه حق تلاوته [البقرة: 121]، إن علينا ~~جمعه وقرآنه [القيامة: 17]، راجع إلى العبارة ثم إن علينا بيانه [القيامة: ~~19]، راجع إلى المعنى: إنه لقرآن كريم 77 في كتاب مكنون [الواقعة: 77، 78]، ~~ولو كان الكتاب من حيث هو كتاب هو القرآن لما قال في كتاب وفي آية أخرى ~~يتلوا صحفا مطهرة 2 فيها كتب قيمة [البينة 2، 3]، فتارة كان القرآن في كتاب ~~وتارة كان الكتاب في القرآن ومن أدرك الطرفين على حقيقتهما سهل عليه ~~التمييز بين المعنيين ثم احترام الكتاب لأجل المكتوب كاحترام البيت لأجل ~~صاحب البيت. # قالت السلف والحنابلة: قد تقرر الاتفاق على أن ما بين الدفتين كلام الله ~~وأن ما نقرأه ونسمعه ونكتبه عين كلام الله فيجب أن يكون الكلمات والحروف هي ~~بعينها كلام الله ولما تقرر الاتفاق على أن كلام الله غير مخلوق فيجب أن ~~تكون الكلمات أزلية غير مخلوقة ولقد كان الأمر في أول الزمان على قولين ~~أحدهما: القدم والثاني: # الحدوث والقولان مقصوران على الكلمات المكتوبة والآيات المقروءة بالألسن ~~فصار الآن إلى قول ثالث وهو حدوث الحروف والكلمات وقدم الكلام والأمر الذي ~~تدل عليه العبارات، وقد حسن قول ليس منهما على خلاف القولين، فكانت السلف ~~على إثبات القدم والأزلية لهذه الكلمات دون التعرض لصفة أخرى وراءها وكانت ~~المعتزلة على إثبات الحدوث والخلقية لهذه الحروف والأصوات دون التعرض لأمر، ~~وراءها فأبدع الأشعري قولا ثالثا وقضى بحدوث الحروف وهو خرق الإجماع وحكم ~~بأن ما نقرأه كلام الله مجازا لا حقيقة وهو عين الابتداع فهلا قال ورد ~~السمع بأن ما نقرأه ونكتبه كلام الله تعالى دون أن يتعرض لكيفيته وحقيقته ~~كما ورد السمع ms203 بإثبات كثير من الصفات من الوجه واليدين إلى غير ذلك من ~~الصفات الخبرية «1». # قالت السلف: لا يظن الظان أنا نثبت القدم للحروف والأصوات التي قامت PageV01P177 ~~بألسنتنا وصارت صفات لنا فإنا على قطع نعلم افتتاحها واختتامها وتعلقها ~~بأكسابنا وأفعالنا وقد بذلت السلف أرواحهم وصبروا على أنواع البلايا والمحن ~~من معتزلة الزمان دون أن يقولوا: القرآن مخلوق، ولم يكن ذلك على حروف ~~وأصوات هي أفعالنا وأكسابنا، بل هم عرفوا يقينا أن الله تعالى قولا وكلاما ~~وأمرا، وإن أمره غير خلقه بل هو أزلي قديم بقدمه كما ورد ذلك في قوله: ألا ~~له الخلق والأمر [الأعراف: 54]، وقوله: لله الأمر من قبل ومن بعد [الروم: ~~4]، وفي قوله سبحانه: إنما قولنا لشي ء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون ~~[النحل: 40]، فالكائنات كلها إنما تتكون بقوله وأمره وقوله: إنما أمره إذا ~~أراد شيئا أن يقول له كن فيكون [يس: 82]، وقوله: وإذ قال ربك [البقرة: 30]، ~~وإذ قلنا [البقرة: 34]، قال الله هذا كله قول قد ورد في السمع مضافا إلى ~~الله تعالى أخص إضافة من الخلق فإن المخلوق لا ينسب إلى الله تعالى إلا من ~~جهة واحدة وهو الخلق والإبداع والأمر ينسب إليه لا على تلك النسبة وإلا ~~فيرتفع الفرق بين الأمر والخلق والخلقيات والأمريات. # قالوا: من جهة المعقول العاقل يجد من نفسه فرقا ضروريا بين قال وفعل وبين ~~أمر وخلق ولو كان القول فعلا كسائر الأفعال بطل الفرق الضروري فثبت أن ~~القول غير الفعل وهو قبل الفعل وقبليته قبلية أزلية، إذ لو كان له أول لكان ~~فعلا سبقه قول آخر، ويتسلسل، ثم لما أجمعت السلف على أن هذا القرآن هو كلام ~~الله تعالى لم يرد مناهج إجماعهم ولم يبحث أنهم أرادوا القراءة أو المقروء ~~والكتابة أو المكتوب، كما أنهم إذا وصلوا إلى تربة الرسول صلى الله عليه ~~وسلم قالوا هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وحيوا وصلوا وسلموا تسليما من ~~غير تصرف في أن المشار إليه شخصه أم روحه. # وحققوا زيادة تحقيق فقالوا: قد ورد ms204 في التنزيل أظهر مما ذكرناه من الأمر ~~وهو التعرض لإثبات كلمات الله تعالى حيث قال عز من قائل: وتمت كلمة ربك ~~صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته [الأنعام: 115]، ثم قال: ولو لا كلمة سبقت من ~~ربك [يونس: 19]، وقال: قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي [الكهف: 109]، ~~وقال: ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر PageV01P178 ~~يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله [لقمان: 27] وقال: # ولكن حق القول مني لأملأن جهنم [السجدة: 13]، وكذلك حقت كلمة ربك [غافر: ~~6]، فتارة يجي ء الكلام بلفظ الأمر وتثبت له الوحدة الخالصية التي لا كثرة ~~فيها وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر [القمر: 50]، وتارة يجي ء بلفظ ~~الكلمات وتثبت لها الكثرة البالغة التي لا وحدة فيها ولا نهاية لها ما نفدت ~~كلمات الله [لقمان: 27]، فله إذا أمر واحد وكلمات كثيرة ولا يتصور إلا ~~بحروف فعن هذا قلنا: أمره قديم وكلماته كثيرة أزلية والكلمات مظاهر الأمر ~~للأمر والروحانيات مظاهر الكلمات والأجسام مظاهر الروحانيات والإبداع ~~والخلق إنما يبتدئ من الأرواح والأجسام أما الكلمات والحروف فأزلية قديمة ~~فكما أن أمره لا يشبه أمرنا وكلماته وحروفه لا تشبه كلماتنا وهي حروف قدسية ~~وعلوية وكما أن الحروف بسائط الكلمات والكلمات أسباب الروحانيات ~~والروحانيات مدبرات الجسمانيات وكل الكون قائم بكلمة الله محفوظ بأمر الله ~~تعالى ولا يغفل عاقل عن مذهب السلف وظهور القول في حدوث الحروف فإن له شأنا ~~وهم يسلمون الفرق بين القراءة والمقروء والكتابة والمكتوب ويحكمون بأن ~~القراءة التي هي صفتنا وفعلنا غير المقروء والذي ليس هو صفة لنا ولا فعلنا ~~غير أن المقروء بالقراءة قصص وأخبار وأحكام وأوامر وليس المقروء من قصة آدم ~~وإبليس هو بعينه المقروء من قصة موسى وفرعون وليس أحكام الشرائع الماضية هي ~~بعينها أحكام الشرائع الخاتمة فلا بد إذا من كلمات تصدر من كلمة وترد على ~~كلمة ولا بد من حروف تتركب منها الكلمات وتلك الحروف لا تشبه حروفنا وتلك ~~الكلمات لا تشبه كلامنا كما ورد في حق موسى عليه السلام سمع كلام ms205 الله كجر ~~السلاسل وكما قال المصطفى صلوات الله عليه في الوحي: «أحيانا يأتيني كصلصلة ~~الجرس وهو أشد علي ثم يفصم عني وقد وعيت ما قال» والله أعلم. PageV01P179 ### | AUTO القاعدة الرابعة عشرة في حقيقة الكلام الإنساني والنطق النفساني «1» # ذهب النظام إلى أن الكلام جسم لطيف منبعث من المتكلم ويقرع أجزاء الهوى ~~فيتموج الهوى بحركته ويتشكل بشكله ثم يقرع العصب المفروش في الأذن فيتشكل ~~العصب بشكله، ثم يصل إلى الخيال فيعرض على الفكر العقلي فيفهم، وربما يقول ~~الكلام حركة في جسم لطيف على شكل مخصوص، ثم تحير في أن الشكل إذا حدث في ~~الهوى أهو شكل واحد يسمعه السامعون أم أشكال كثيرة، وإنما أخذ مذهبه في هذه ~~المسألة وغيرها من المسائل من مذهب الفلاسفة غير أنه لم يفهم من كلامهم إلا ~~ضجيجا ولم يورده نضيجا. # وأما الفلاسفة فالنطق عندهم: يطلق على نطق اللسان وهو حروف منظومة بأصوات ~~مقطعة في مخارج مخصوصة نظما يعبر عن المعنى الذي في النفس بحكم الاصطلاح ~~والمواضعة أو بحكم التوقيف والمصادرة ويطلق النطق على التمييز العقلي ~~والتفكير النفساني والتصوير الخيالي وهو معان في ذهن الإنسان مختلفة ~~الاعتبار، فإن اعتبرت بمجرد العقل كان تمييزا صحيحا بين الحق والباطل ~~ويلزمه أن يكون معاني كلية مجردة متحدة متفقة فإن اعتبرت بمجرد النفس كان ~~تفكيرا وترديدا بين الحق والباطل حتى يظفر بالحد الأوسط فيطلع على الدليل ~~المرشد والعلة والسبب، ويلزمها أن تكون ذاتية كلية أو جزئية بسيطة أو ~~مركبة، ويلزمها أن تكون ذاتية أو عرضية موجبة أو سالبة موجهة أو مطلقة ~~يقينية أو غير يقينية منتجة أو غير منتجة وإن اعتبرت بمجرد الخيال كانت ~~تقديرا أو تصويرا فتارة تصوير المحسوس بالمعقول وتارة تقدير المعقول في ~~المحسوس ويلزمها أن تكون من جانب المحسوس عربيا أو عجميا أو هنديا أو روميا ~~أو سريانيا أو عبرانيا ومن جانب المعقول أن يكون بسيطا في صورة مركبة ~~ومركبا على نعت بسيط وذاتيا مع عرضي ويقينا مع وهم وأول ما يرد على السمع ~~حرف وصوت يحصل في الهوى ms206 بسبب تموج يقع بحركة شديدة تحدث من قرع بعنف أو قلع ~~بحدة، فإن كان من قرع اصطك الجسمان وانضغط الهوى بشدة PageV01P180 ~~وحدث الصوت، وإن كان من قلع انقطع الجسمان وانفلت الهوى بشدة وحدث الصوت ~~ووصل الموج إلى الهوى الراكد الذي في الصماخ وانفعل به وهو مجاور للعصبة ~~المفروشة في أقصى الصماخ الممدودة مد الجلد على الطبل فيحصل فيه طنين فتشعر ~~به القوة المودعة في تلك العصبة فيصل إلى القوة الخيالية فيتصرف الخيال فيه ~~تقديرا فيصل إلى القوة النفسانية فتتصرف النفس فيه تفكيرا فيصل إلى القوة ~~العقلية فيتصرف العقل فيه تمييزا وللمعنى صعود من المحسوس المسموع إلى ~~المعقول المعلوم صعودا من الكثرة إلى الوحدة ونزول من المعقول المعلوم إلى ~~المحسوس المسموع نزولا من الوحدة إلى الكثرة والعرفان مبتدئ من تفريق ونقض ~~وترك ورفض ممعن في جمع هو جمع صفات الحق للذات المريدة للصدق ثم انتهى إلى ~~الوحدة ثم وقوف وهذا من حيث الصعود والعرفان مبتدئ من توحيد وتفكير وتمييز ~~وتصوير ممعن في معرفة هي معرفة صفات الخلق ثم انتهى إلى الكثرة ثم وقوف ~~وهذا من حيث النزول. # وصار أبو الهذيل والشحام وأبو علي الجبائي: إلى أن الكلام حروف مفيدة ~~مسموعة مع الأصوات غير مسموعة مع الكتابة وصار الباقون من المعتزلة إلى أن ~~الكلام حروف منتظمة ضربا من الانتظام والحروف أصوات مقطعة ضربا من التقطيع ~~وهل يجوز وجود حروف من غير أصوات كما جاز وجود أصوات من غير حروف فيه خلاف بينهم. # وصار أبو الحسن الأشعري إلى أن الكلام معنى قائم بالنفس الإنسانية، وبذات ~~المتكلم، وليس بحروف ولا أصوات، وإنما هو القول الذي يجده العاقل من نفسه ~~ويجيله في خلده، وفي تسمية الحروف التي في اللسان كلاما حقيقيا تردد أهو ~~على سبيل الحقيقة، أم على طريق المجاز، وإن كان على طريق الحقيقة فإطلاق ~~اسم الكلام عليه وعلى النطق النفسي بالاشتراك «1». # قالت الأشعرية: العاقل إذا راجع نفسه وطالع ذهنه وجد من نفسه كلاما وقولا ~~يجول في قلبه تارة إخبارا عن أمور رآها على ms207 هيئة وجودها أو سمعها من ~~مبتدئها إلى منتهاها على وفق ثبوتها وتارة حديثا مع نفسه بأمر ونهي ووعد ~~ووعيد لأشخاص على تقدير وجودهم ومشاهدتهم ثم يعبر عن تلك الأحاديث وقت ~~المشاهدة، وتارة نطقا عقليا إما بجزم القول إن الحق والصدق كذا وإما بترديد ~~الفكر أنه هل يجوز أن يكون الشي ء PageV01P181 ~~كذا أو يستحيل أو يجب إلى غير ذلك من الأفكار حتى أن كل صانع يحدث مع نفسه ~~أولا بالغرض الذي توجهت إليه صنعته ثم تنطق نفسه في حال الفعل محادثة مع ~~الآلات والأدوات والمواد والعناصر ومن أنكر أمثال هذه المعاني فقد جحد ~~الضرورة وباهت العقل وأنكر الأوائل التي في ذهن الإنسان وسبيله سبيل ~~السوفسطائية كيف وإنكاره ذلك مما لم يدر في قلبه ولا جال في ذهنه ثم لم ~~يعبر عنه بالإنكار ولا أشار إليه بالإقرار فوجد أن المعنى معلوم بالضرورة، ~~وإنما الشك في أنه هو العلم بنفسه أو الإرادة والتقدير والتفكير والتصوير ~~والتدبير والتمييز بينه وبين العلم هين إذ العلم تبين محض تابع للمعلوم على ~~ما هو به وليس فيه إخبار ولا اقتضاء وطلب ولا استفهام ولا دعاء ولا نداء ~~وهي أقسام معلومة وقضايا معقولة وراء التبيين والتمييز بينه وبين الإرادة ~~أسهل وأهون فإن الإرادة قصد إلى تخصيص وأما التقدير والتفكير والتدبير فكل ~~ذلك عبارات عن حديث النفس، وهو الذي يعني به من النطق النفساني ومن العجب ~~أن الإنسان يجوز أن يخلو ذهنه عن كل معنى ولا يجد نفسه قط خاليا عن حديث ~~النفس حتى في النوم فإنه في الحقيقة يرى في منامه أشياء وتحدث نفسه ~~بالأشياء ولربما يطاوعه لسانه وهو في منامه حتى يتكلم وينطق متابعة لنفسه ~~فيما يحدث وينطق. # ومن مذاهب المعتزلة: أن المفكر قبل ورود السمع يجد من نفسه خاطرين أحدهما ~~يدعوه إلى معرفة الصانع وشكر المنعم وسلوك سبيل المحاسن والخيرات والثاني ~~يدعوه إلى خلاف ذلك ثم يختار ما فيه النجاة ويجتنب عما فيه الهلاك وذلك ~~الخاطران الداعيان المحدثان المخبران عن كلام النفس وحديثها فكيف يسوغ ms208 لهم ~~إنكار ذلك وأيضا فإن الإنسان في مراتب نظره واستدلاله يضع قولا ويرفع قولا ~~ويقسم كليا ويبطل أحد القسمين فيتعين له الثاني فتقسيمه هو بعينه حديث ~~النفس وتعيينه أحد القسمين هو بعينه حكم العقل وربما أخذ القلم وكتب مجلدة ~~من حديث فكره وشحن ديوانا من حديث نفسه ولسانه ساكت لا ينطق. # وصدق من قال: # إن الكلام لفي الفؤاد وإنما ... جعل اللسان على الفؤاد دليلا «1» PageV01P182 ~~فالعبارة والإشارة والكتابة دلالة بقرائنها تدل على أن لها مدلولا خاصا ~~متميزا عن العلم والإرادة ولكل عبارة خاصة مدلول خاص متميز عن سائر ~~المدلولات وهذا أوضح ما تقرر فإن دلالات العبارات على النطق دلالة المواضعة ~~والتوقيف ويختلف بالأمم والأمصار ودلالة الإحكام على العلم دلالة العقل فلا ~~يختلف ذلك بالأمم والأمصار ومدلول العبارات مع اختلافها مدلول واحد فإن ~~المعنى الذي يفهم من قولك الله هو بعينه المعنى الذي يفهم من خذ أي وتنكري ~~وسرنا وند إلى غير ذلك من الألفاظ فعلم من ذلك أن الكلام الذي في نفس ~~الإنسان قول محقق ونطق موجود هو أخص وصف لنفس الإنسان حتى تميز به عن سائر ~~الحيوانات ومن أنكره فقد خرج عن حد الإنسانية ودخل في حريم البهيمية، وكفر ~~أخص نعم الله تعالى على نوع الإنسان. # قالت المعتزلة: نحن لا ننكر الخواطر التي تطرأ على قلب الإنسان وربما ~~نسميها أحاديث النفس إما مجازا وإما حقيقة غير أنها تقديرات للعبارات التي ~~في اللسان ألا ترى أن من لا يعرف كلمة بالعربية لا يخطر بباله كلام العرب ~~ومن لا يعرف العجمية لا يطرأ عليه كلام العجم ومن عرف اللسانين تارة تحدث ~~نفسه بلسان العرب وتارة بلسان العجم فعلم على الحقيقة أنها تقديرات وأحاديث ~~تابعة للعبارات التي تعلمها الإنسان في أول نشوئه والعبارات هي أصول لها ~~منها تصدر وعليها ترد حتى لو قدرنا إنسانا خاليا عن العبارات كلها أبكم لا ~~يقدر على نطق لم نشك أن نفسه لا تحدثه بعربية ولا عجمية ولا لسان من الألسن ~~وعقله يعقل كل معقول وإن كان يعرى ms209 عن كل مسموع ومنقول فعلم أن الكلام ~~الحقيقي هو الحروف المنظومة التي في اللسان والمتعارف من أهل اللغة ~~والعقلاء أن الذي في اللسان هو الكلام ومن قدر عليه فهو المتكلم ومن لم ~~يقدر عليه فهو الأعجم الأبكم فعلم من ذلك أن الكلام ليس جنسا ونوعا وفي ~~نفسه ذا حقيقة عقلية كسائر المعاني بل هو مختلف بالمواضعة والاصطلاح ~~والتواطؤ حتى لو تواطأ قوم على نقرات وإشارات ورمزات لحصل التفاهم بها كما ~~حصل التفاهم بالعبارات. # ومن الدليل على ذلك أن الله تعالى سمى تغريد الطير وأصوات الحكل ودبيب ~~النمل كلاما وقولا حتى قال سليمان بن داود عليهما السلام علمنا منطق الطير ~~[النمل: 16]، قالت نملة [النمل: 18]، وقال الهدهد: أحطت بما لم تحط به ~~[النمل: 22] ومثل ذلك يجري مجازا في الجمادات أيضا: قالتا أتينا PageV01P183 ~~طائعين [فصلت: 11]، يا جبال أوبي معه والطير [سبأ: 10]، ويسبح الرعد بحمده ~~[الرعد: 13]، ويعبر عن أحوال دلالاتهم على وجود الصانع بالتسبيح والتأويب ~~وعن استعدادهم لقبول فعله وصنعه بالطوع والرغبة قولا وذلك كله يدل على أن ~~الكلام ليس نوعا من الأعراض ذا حقيقة عقلية كسائر الأعراض بل نطلقه على ~~النطق الذي في اللسان بحكم المواضعة والمواطأة والإنسان قد يخلو عنه وعن ~~ضده وتبقى حقيقة إنسانيته فإنه إنما يتميز عن الحيوانات بصورته وشكله لا ~~بنفسه أو عقله ونطقه، وقوله وأنتم يا معشر الأشاعرة انتهجتم مناهج الفلاسفة ~~حيث حددتم الكلام بالنطق النفسي كما حدوا الإنسان بقولهم الحيوان الناطق، ~~وجعلوا النطق أخص وصف الإنسان تميز به عن سائر الحيوانات وجعلوه الفصل ~~الذاتي ويلزمكم على مساق ذلك أن تكون النفس الناطقة هي الإنسان من حيث ~~الحقيقة والبدن يكون آلة وقالبا لها، ثم يلزم منه أن يكون الخطاب والتكليف ~~على النفس والروح دون البدن والجسد وأن يكون المعاد للأرواح والنفوس ~~والثواب والعقاب لها وعليها، وذلك طي لمسالك الشريعة وغي في مهالك الطبيعة «1». # قالت الأشعرية: الذي يشعر به نفس الإنسان معان مختلفة الحقائق وراء ~~التمييز العقلي والتصوير الخيالي فإن التمييز العقلي حكم جزم بأن الأمر كذا ~~وإن الحق ms210 في القضية كذا والتصوير الخيالي تقدير ما سمعه من العبارة من ~~العربية والعجمية كما ذكرتم وليس فيه حكم ونفي الأمر الأوسط وهو التدبير ~~النفساني الذي لا يعدمه كل ذي عقل ونفس من الإنسان سواء عدم النطق اللساني ~~أو لم يعدم. # ومن البرهان على ذلك سوى الإحساس الذي لا ينكره إلا معاند جاحد أن كل ~~عاقل مكلف بالنظر والاستدلال حتى يحصل لنفسه المعرفة بوحدانية الصانع ولن ~~يتأتى الفكر والنظر إلا بترديد الخاطرين في جهات الإمكان وتدبير الأوائل ~~التي هي بداية العقل بالثواني والثوالث في ترتيب المقدمات القياسية ~~والتمييز فيها بين اليقيني والجدلي والخطابي والشعري ثم التدرج من ذلك ~~الترتيب المخصوص والشكل الموصوف المعين إلى النتيجة التي هي المطلوبة وهذا ~~التردد لن يتأتى إلا بأقوال عقلية ونطق نفساني يكون اللسان معبرا عنها تارة ~~بالعربية وتارة بالعجمية PageV01P184 ~~إن كان منطقيا وبالإشارة والإيماء إن كان أبكم، فعلم من ذلك أن الذي حصل في ~~الخيال غير والذي حصل في النفس غير وأن الذي حصل في العقل غير ومن أمكنه ~~التمييز بين هذه الاعتبارات سهل عليه تقدير النطق النفساني والقول بأن ذلك ~~المعنى جنس ونوع من المعاني له حقيقة لا تختلف والذي في الخيال واللسان ليس ~~جنسا ونوعا حقيقيا ثابتا بل يختلف ذلك بحسب الاصطلاح والمواضعة وعلى إمكان ~~التعبير من حال إلى حال ومن شخص إلى شخص ومكان إلى مكان وذلك ليس كلاما ~~حقيقيا ولا نوعا متنوعا ويتبعه الذي في الخيال من الصور والأشكال عن الحروف ~~والكلمات التي في السمع وعن المبصرات والمدركات التي في البصر لكن المعاني ~~التي في النفس حقائق موجودة تتردد فيها النفس بنطقها الذاتي وتمييزها ~~العقلي وهذا لا ينكره إلا من أنكر نفسه وعدم حديثه وحسه. # وقولهم: يجوز أن يحصل التفاهم بالنقرات والرمزات كما يحصل بالعبارات «1». # قلنا: وهذا من الدليل القاطع على أن الذي في اللسان كلام مجازي، فإن ~~التفاهم حاصل بغيره والفهم نطق نفساني دون العلم العقلي فإن الإنسان يجوز ~~أن يفهم باطلا وينكره بعقله، فالفهم غير ذلك فالفهم غير والعلم ms211 غير، وذلك ~~الفهم مدلول كلام القائل فقط وهو نطق مجرد نفساني ومحاورة فكرية إذ يديره ~~في خلده فيجيب عنه تسليما له واعتراضا عليه وربما يكون معنى في الذهن يبسط ~~ويشرح في العبارة وربما يكون معاني كثيرة تقبض وتختصر في اللفظ وبالجملة ~~مدلولات العبارات والإشارات نطق نفساني بخلاف مدلولات أصوات البهائم وتغريد ~~الطير، فإنها وإن حصل بها التفاهم الخيالي فلم يحصل بها الفهم النفساني حتى ~~تتصرف فيما سمعته بالكلية والجزئية والموجبة والسالبة والذاتية والعرضية ~~فقد عدمت تلك النفوس ما هو من خواص النفس الإنسانية وعدمت أيضا ما هو من ~~خواص العقل الإنساني من الاعتبارات الكلية التي له، والأحكام الجزئية التي ~~إليه وبالجملة فهي عادمة الكليات واجدة الجزئيات فلم تكن أصواتهم وألحانهم ~~قولا ونطقا وما ورد في التنزيل من نسبة الكلام إلى أمثالهم فهو محمول على ~~أحد وجهين أحدهما: أنه أعطاهم عقلا وأنطقهم حقيقة بحرف وصوت، وجعل ذلك ~~معجزة لذلك النبي الذي هو في زمانه، والثاني: أنه أجرى على لسانهم وهم لا ~~يعرفون كلاما ففهمه نبي ذلك الزمان من غير أن يشعر به المتكلم من الوحش PageV01P185 ~~والطير، كما أجرى على ذراع الشاة «لا تأكل مني فإني مسموعة» «1». # وأما نسبة صاحب هذه المقالة إلى الفلاسفة والتشنيع عليه بأنه يؤدي إلى ~~كون النفس جوهرا روحانيا غير جسم وأن الخطاب يتوجه عليه وأن الثواب والعقاب ~~له فهو سؤال لا يستحق الجواب والمعاني العقلية إذا لاحت حسية كالشمس وجب ~~اعتقادها ولزم اعتقالها من غير التفات إلى مذهب دون مذهب وقد قالت الفلاسفة ~~النفس الإنساني عندنا بالمعنى الذي يشترك فيه الإنسان والحيوان والنبات أنه ~~كمال أول لجسم طبيعي متحرك آلي ذي حياة بالقوة وبالمعنى الذي يشترك فيه ~~الإنسان والملك أنه جوهر غير جسم هو كمال أول لجسم طبيعي محرك له بالاختيار ~~عن مبدأ نطقي عقلي بالفعل وبالقوة فالذي بالفعل هو خاصة النفس الملكية ~~والذي بالقوة هو فصل النفس الإنساني فالنطق فصل ذاتي على كل حال سواء كان ~~بالقوة والاستعداد أو كان بالفعل والوجود ومن عدم المعنيين كان ms212 فصله الذاتي ~~عجمة إما صاهل أو ناهق أو هادر أو فصل آخر. # قالوا ولا بد من إثبات النفس وإثبات جوهريته أولا حتى يصح إثبات النطق ~~العقلي له ثانيا والأشعري إن وافق المعتزلة على أن نفي الروح والنفس جوهرا ~~بلا عرض ولا يبقي زمانيين وهو الحياة فقط فهو كالمعتزلي إذا وافق الطبيعي ~~منا على أن النفس ليس جوهرا روحانيا لا يقبل الاستحالة بل هو جسم قابل ~~للكون والفساد وعرض تابع للمزاج ولا فرق بين قولهم مستحيل أي متغير حالا ~~فحالا وبين قولهم لا يبقى زمانين أي موجود حالا فحالا. # وأما الفلاسفة الإلهيون فقد دلوا على وجود النفس من جهة إدراكها ومن جهة ~~أحوالها أما الأفعال فأخص أفعالها بعد خروجها عن حد الاستعداد والانفعال ~~التردد بين القضايا العقلية طلبا للدليل على المدلول وعثورا على العلة ~~المقتضية للوجود أعني وجود المطلوب أو الاعتقاد بالوجود حتى يرد الثواني ~~إلى الأوائل والثوالث إلى الثواني ويستدل بأمر خاص في ذهنه على أمر مستحضر ~~ويتوصل بمعنى حاصل إلى معنى مستحصل وذلك من أخص أفعال النفس الإنسانية ليس ~~لغيرها فيه نصيب وشركة PageV01P186 ~~ومن خواص أفعالها أنها إذا خرجت من القوة إلى الفعل عقلا وعلما أو خلقا ~~وعملا أخرجت غيره من النفوس الإنسانية من القوة إلى الفعل حتى تصير صورتها ~~مشابهة لصورة المخرج كالمعلم للقراءة يخرج نفس الصبي من قوة الاستعداد إلى ~~فعل القراءة حتى يصير قارئا مثله وكالمعلم للحكمة يخرج نفس المتعلم من قوة ~~الصلاحية إلى فعل الحكمة حتى يصير حكيما مثله وكالمعلم للصناعات البشرية ~~الخاصة بنوع الإنسان يخرج نفوس المتعلمين من القوة إلى الفعل حتى يصير ~~صانعا مثله وليست هذه الخاصية أيضا لنوع من الحيوانات لأن ما لها بالطبع ~~والفطرة فهي لمواليدها كذلك فهذا المعنى فضيلة النفس الإنسانية وانفصلت ~~وإليه الإشارة بقوله تعالى: وعلم آدم الأسماء كلها [البقرة: 31]، الآية ~~وكان له قوة القبول وقوة الأداء في طرفي العلم والعمل ومن خواص أفعالها ~~أنها حيثما كثرت أفعالها ازدادت قوة وكمالا وغيرها من النفوس والأجسام ~~وقواها الجسمانية حيثما كثرت ms213 أفعالها ازدادت ضعفا وكلالا. # ومن خواص قواها وأفعالها أن كل قوة جسمانية فهي متناهية الأثر إلى حد ~~معلوم والقوة على ما لا يتناهى لا يتصور في الجسم بخلاف القوة العقلية ~~النفسانية فإنها تقوى على ما لا يتناهى إذ ما يمكن أن تدركه النفس الناطقة ~~من المحسوسات والمعقولات ليست محصورة فيستحيل أن يكون ذاتها ذاتا جسمانيا ~~وقواها قوى جسمانية. # وأما خواصها من جهة إدراكها فأخص إدراكاتها أنها تدرك ذاتها بذاتها وأن ~~ذاتها لا تعزب عن ذاتها وتراها تغفل عن كل شي ء تقديرا سوى ذاتها حتى ~~النائم والسكران يغفل عن كل شي ء سوى ذاته ثم المدرك من ذاته ليس بآلة ~~جسمانية أو نفسانية لأنا فرضناها غافلة عن كل شي ء سوى ذاتها والمدرك ليس ~~جسما أو جزءا من جسم فإنا في الفرض المذكور أغفلناه عن كل شي ء سوى ذاتها ~~فهي مدركة ومدركة وعاقلة ومعقولة لا يحجبها عن ذاتها شي ء البتة ونفس ~~إدراكها نفسها لا كالحواس فإنها لا تدرك ذاتها بذاتها ولا كالمدرك بالآلات ~~إذا أصابت الآلة آفة بطل إدراكه أو ضعف ولا كالمدرك بآلة إذا أدرك شيئا ~~قويا لم يمكنه إدراك الضعيف بل هي تدرك الضعيف بعد القوي والخفي بعد الجلي ~~ولا كما يضعف بامتداد الزمان ويبليه ممر الدهور والحدثان فإنه ربما يقوى في ~~الكبير ويضعف في الصغير فهذه كلها من خواص النفس الإنسانية نحس من أنفسنا ~~ضرورة أن الأمر كذلك من غير احتياج إلى برهان يقام عليه والمعاني الضرورية ~~إذا احتال المرء فيها لطلب برهان عليها ازدادت خفاء وانتقصت جلاء. # ثم البرهان القاطع على أن النفس ليس بجسم ولا قوة في جسم أن العلم المجرد PageV01P187 ~~الكلي لا يجوز أن يحل في جسم وكل ما لا يجوز أن يحل في جسم فإذا حل حل في ~~غير جسم فالعلم المجرد الكلي إذا حل حل في غير جسم. # أما المقدمة فنثبتها بناء على أن كل جسم منقسم وما حل في منقسم يجب أن ~~يكون منقسما ونثبتها بناء على أن كل ms214 جسم فمركب من مادة وصورة والمعنى ~~الواحداني الكلي بالذات لا يحل في مركب ونثبتها بناء على أن كل جسم فهو ذو ~~وضع وقدر وشكل وحيز وكل ما حل في ذي قدر ووضع فيكون له نسبة وقدر وهيئة ~~ووضع والمعنى المعقول المجرد في نفس الإنسان مجرد عن القدر والوضع فتجرده ~~إما أن يكون باعتبار محله أو باعتبار ما منه حصل وباطل أن يكون تجرده بما ~~منه حصل فإن الإنسان يتلقى حد الإنسان وحقيقته من إنسان شخصي له قدر مخصوص ~~لكن الحس تجرده نوع تجريد عن المادة فإن المادة لا تدخل في الحس بل التماثل ~~الذي يطابقه يرتسم فيه والخيال يجرده تجريدا أشد فإن الحس يناله وهو حاضر ~~والخيال يناله وهو غائب والفكر يجرده تجريدا أشد فإن الخيال يناله مع ~~غيبوبته شخصيا جزيا والفكر العقلي يتصوره مجردا فيتصوره العقل كليا واحدا ~~مبرأ من الوضع والقدر مجردا عن المادة والشكل فتجرده بما هو مجرد وتفرده عن ~~العلائق المادية بما هو مفرد فدل إدراكه المعقول على هذا الوجه المذكور على ~~أن ذات النفس الناطقة العاقلة لا تنقسم إلى جزء وجزء ولا تتركب من مادة ~~وصورة ولا توصف بوضع ومقدار وشكل وحيز وذلك ما أردنا بيانه. # وأما امتياز النفس الإنسانية عن الأجسام وقواها وسائر النفوس المزاجية من ~~جهة حالاتها فإحدى حالاتها حركاتها وهي على مراتب فمنها حركاتها من قوة ~~الاستعداد العلمي والعملي إلى الكمال ولما لم تكن هيولى عقلها الهيولاني ~~على مثل هيولى سائر الأجسام لم تكن حركاتها من القوة إلى الفعل على مثل تلك ~~الحركات بل أولى صورة لبستها الهيولى الجسمانية هي الأبعاد الثلاثة من ~~الطول والعرض والعمق وأولى صورة لبستها الهيولى النفسانية هي الأحوال ~~الثلاثة من العقل المستفاد والعقل بالملكة والعقل بالفعل على ترتيب الأول ~~والثاني والثالث، وإنما يتصور ذلك الترتيب إذا كان ثم تحرك من مبدأ إلى ~~كمال، وإنما تتصور الحركة حيث يتحقق، ثم زمان وهاهنا للنفس حالة أخرى غير ~~زمانية وراء الأحوال الثلاثة وهي حالة المنام، فإنك لا تشك في نفسك ms215 أنك ترى ~~في المنام الصادق أحوالا كثيرة من حضورك في قصورك وترددك بين رباع وديار ~~وتقلبك بين أشجار وجنات وأنهار ومكالمتك كلاما كثيرا من سؤال وجواب وخبر ~~واستخبار وقصة طويلة لو عبرت عنها في اليقظة لو سعتها أوراق PageV01P188 ~~وضاق عن بسطها بيان وبنان وكل ذلك في لحظة واحدة كأنها طرفة عين وكما غفوت ~~رأيت جملة من ذلك ثم يعبر عنها بعبارات كثيرة وربما يظن أن مثاله مثال ~~انطباع صورة في المرآة في لحظة وهذا إن صدق مثالا في الصورة المبصرة فكيف ~~يصدق في الكلام الكثير من السؤال والجواب فإنها لا تنطبع معا في المرآة، إذ ~~لا بد من تعاقب حروف ولا بد للتعاقب من أزمنة متتالية حتى تدركها النفس، ~~وقد يرى الرائي في المنام أنه ختم القرآن ويذكر انتقالات ذهنه من سورة إلى ~~سورة ومن آية إلى آية كل ذلك خطرة ولحظة فيعلم من ذلك ضرورة أن المدرك لذلك ~~لو كان جسما أو قوة في جسم لاستدعى محلا لهذه الإدراكات تتعاقب عليه ~~المعاني والصور وتتتالى عليه الآيات والسور، ويستدعي ذلك التعاقب زمانا ~~وأوقاتا وتقدما وتأخرا فاطلع من ذلك على أن النفس ليست من جنس الأجسام ~~والأجرام، فإن إدراكاتها التي لها بالذات ليست من جنس الإدراكات الحسية ~~بالآلات الجسمانية، وإنها فوق المكان والزمان جوهرا وإدراكا، وليست هذه ~~الحالة مخصوصة بالمنام بل وفي حالة اليقظة لها ثلاثة أحوال أحدها: أن يرتسم ~~فيها صورة المعلومات مفصلة مسألة مسألة، والثانية أن ترتسم فيها جملة غير ~~مفصلة لكن يحصل لها قوة وهيئة تقوى بها على تلك المسائل والثالثة: أن يحصل ~~لها من العقل بالفعل والملكة في الفعل أنه إذا سمع كلاما في المناظرة ~~مشتملا على شبهة وقع في خاطره جواب ذلك في أوحى ما يقدر وأسرع ما ينتظر ~~كأنه معنى واحد ثم يعبر عنه بعبارات كثيرة ويبسطه بسطا واسعا يشمل أوراقا ~~ويملأ أسماعا فتحدس من ذلك أن النفس الإنسانية لو كانت من جملة الأجسام لما ~~كان حالها كما وصفنا، ولو كانت من عداد سائر النفوس ms216 الحيوانية المزاجية لما ~~كان إدراكها إدراكا غير زماني وحال اليقظة فيما ذكرنا بحال الأنبياء أشبه ~~وحال المنام بحال الأولياء أقرب فقد تبين مما ذكرنا أن النفس الإنسانية ~~ليست من شبح الأجسام التي تتناهى بالحدود وتنقسم بالقسم وإن النطق الذي لها ~~ليس من جملة النطق اللساني الذي يختلف بالأمصار والأمم وإنها هي الأصل في ~~الإنسانية والمخاطبة بالأحكام التكليفية. # اعترض عليهم معترض من وجوه ثلاثة أحدها: اعتراض على الحدود والرسم الذي ~~ذكروه، والثاني اعتراض على خواص أفعالها، والثالث اعتراض على إدراكاتها ~~وأحوالها وردها إلى مدرك آخر. # أما الأول فقولهم: حد النفس بالمعنى الذي يشاركه النفس الحيوانية ~~والنباتية أنه كمال جسم طبيعي آلي ذي حياة بالقوة قيل أولا ما المعني ~~بالكمال الذي ذكرتموه أهو جزء من جسم أم عرض في جسم أم أمر آخر وراء الجسم ~~فإنكم ذكرتم أنها PageV01P189 ~~بالمعنى الذي يشترك فيه الإنسان والملك وهو جوهر وراء الجسم والكمال الذي ~~وضعتموه موضع الجنس لفظ مشترك قد أطلق تارة بمعنى جزء وقوة أو عرض وأطلق ~~تارة بمعنى آخر هو وراء الجسم فمن الوجه الذي يشاركه الحيوان والنبات لم ~~يشاركه الملك ومن الوجه الذي يشاركه الملك لم يشاركه الحيوان ولفظ الكمال ~~واحد وقد أطلق إطلاق الجنس لا بالتواطؤ بل بالاشتراك على أن الكمال من وجه ~~آخر لفظ مشترك فإنه يطلق على المعنى الذي يقابله القوة ويعني به الفعل ~~والوجود ويطلق على المعنى الذي يقابله المبدأ ويعني به الغاية والتمام ~~ويطلق على المعنى الذي يقابله النقص والعيب ويعني به السلامة والألفاظ ~~المشتركة لا تصلح ولا تستعمل في الحدود والرسوم ثم قلتم كمال جسم فقد ~~أضفتموه إلى الجسم إما إضافة على سبيل اللام وإما إضافة على سبيل من وكمال ~~الشي ء ينبغي أن لا ينفصل عن الشي ء فإنه إن انفصل عنه بجوهر لم يكن كمالا ~~له فالنفس إذا مكمل الجسم الطبيعي لا كمال له ثم النفوس بجواهرها تنقسم على ~~رأي إلى خيرة بالذات والجوهر وإلى شريرة بالذات والجوهر فالتي هي خيرة ~~كمالات ومكملات للأجسام الطبيعية ms217 الآلية حتى تستعملها في جهات الخير، فكيف ~~يسوغ لنا أن نحكم بأن الشريرة كمالات ومكملات للأجسام الطبيعية الآلية حتى ~~تستعملها في جهات الشر فإن الأمر يتناقض فيه، وإطلاق لفظ الكمال هاهنا سمج. # وأما الاعتراض الثاني على خواص الأفعال التي ذكروها هو أنا نسلم كلما ~~قرروه ولكنا نقول بم تنكرون على من رد ذلك كله إلى كمالية التركيب في ~~المزاج وخاصية التأليف الواقع بين الأمشاج إذ عرف من خواص الجواهر غرائب ~~أفعال وعجائب أحوال لا يرتقي إليها الوهم ولا يرتمي نحوها العقل والفهم من ~~تسكين وتحريك وحل وعقد وتنمية وإذبال وجذب وإرسال وتسخير وتدبير وحب وبغض ~~وتصحيح وإمراض وإحياء وإماتة ما يقضي منه العجب ألا ترى من خواص الأحجار ~~وخواص النبات والأشجار وهدايات الحيوانات إلى مصالحها ما لا يقصر في الدرجة ~~عن خواص النفس الإنسانية ألا تعتبر من تأليفات الأعداد المجردة عن المادة ~~مثل أعداد الوفق وغيرها كيف يؤثر في الأجسام حتى قيل: إن النفس الإنسانية ~~عدد تأليفي كل ذلك من كمالية التأليف والتركيب وكما أن الأجرام البسيطة بما ~~هيأتها ذوات خواص كذلك المركبات بتأليفها ذوات خواص فبتأليف أكمل ترتقي ~~المعادن والنبات على العناصر وبتأليف أفضل يرتقي الحيوان والإنسان على ~~المعادن والنبات فما دليلكم أن هاهنا سوى التأليف الأفضل والتركيب الأكل ~~نفسا روحانية فإن جميع الخواص التي عددتموها يمكن حملها على كمالية التركيب ~~فقط سوى شي ء واحد وهو إدراكه للكليات والأمور التي لها وحدانية بالذات حيث يلزم PageV01P190 ~~انقسامها بانقسام المحل وذلك هو المحال. # الاعتراض الثالث فنقول: أولا أنتم مطالبون بأن كل عرض حل في محل انقسم ~~بانقسام المحل ضرورة فإن هذه القضية عندنا ليست ضرورية بل لما توهم في ~~الألوان والأشكال أنها تنقسم بانقسام المحال أجري حكم ذلك في الكل فمن ~~الأعراض ما ينعدم بانقسام المحال كالمماسة والتأليف ومنها ما لا ينعدم ~~فيقوم بجزء منه قيامه بالكل وعند المتكلم العلم الواحد لا يقوم إلا بجزء ~~واحد وانعكس الأمر عليكم فنقول إن كان انقسام المحل يوجب انقسام العرض ~~فاتحاد العرض يستدعي ms218 اتحاد المحل وأنتم إذا سلمتم معنى وحداني الذات لا ~~ينقسم بوجه فيلزمكم أن تثبتوا محلا له وحداني الذات لا ينقسم، أليست النقطة ~~عرض وهو شي ء ما لا ينقسم بوجوه فيلزمكم أن تثبتوا محلا له وحداني الذات لا ~~ينقسم من الجسم، ومحلها من الجسم وجب أن لا ينقسم على أنا نلزمهم أمرا لا ~~جواب لهم عنه وهو أن هذا المعنى الكلي الواحد الذي يدركه العقل أيبقى مع ~~العقل محفوظا مذكورا بالفعل أبد الدهر، أو يجوز أن يغفل عنه العقل، ولا ~~حاصل للقسم الأول فإن الإنسان يجد من نفسه غفلته عن المعقولات المحصلة ~~فيبقى متحفظا في خزانة الحفظ وهي قوة جسمانية إن جاز أن يحفظها كلية فلم لا ~~يجوز أن يكون قوة جسمانية يحصلها كلية فإن حفظ المرتسم في النفس كنفس ~~الارتسام أم تبقى محفوظة في غير خزانة الحفظ وهو العقل المفارق الفياض عليه ~~كما قيل إنه يصير له كالخزانة الحافظة متى طالعه أشرف عليه ثانيا وأفاده ~~الصورة الأولة بعينها فيذكره ما قد نسي ويذكر ثانيا ما قد أغفل فيلزم على ~~مقتضى ذلك إشكالان أحدهما أن الصورة المفصلة كيف ترتسخ في ذات واهب الصور ~~مفصلة حتى تكون لزيد عنده صورة ولعمرو صورة وهو يحفظ الكل مفصلا منقسما ~~متعددا متمايزا بعضها عن بعض بالكم والكيف وهو أحدي الذات واسع الإفاضة عام ~~الإضافة وهذا من أمحل المحال والإشكال الثاني أن الذي تصورتم في جانب الحفظ ~~فيتصور في جانب الإدراك الأول حتى تحكموا بأن المدرك للكليات هو العقل ~~الفعال كما أن الحافظ هو وليس إلى النفس الإنسانية إلا تركيب القضايا ~~وتأليف المقدمات ورفع الحجب ثم يكون العقل مدركا كما كان حافظا والإنسان ~~يكون مدركا بإدراك في ذات العقل الفعال كما كان حافظا بحفظ في ذات العقل ~~الفعال فيكون العقل الانفعالي حاصلا له كما كان العقل الفعلي حاصلا منه ~~وتكون نسبة العقول الجزئية إليه في العرض عليه نسبة الحواس الباطنة إلى ~~العقل الإنساني في العرض عليه، وهذا موضع إشكال وشك عظيم، وربما يستوفى ~~شرحه في ms219 المباحثات التي بيننا وبين الفلاسفة إن شاء الله. PageV01P191 ### | AUTO القاعدة الخامسة عشرة في العلم بكون الباري سميعا بصيرا «1» # ذهب أبو القاسم الكعبي ومن تابعه من البغداديين إلى أن معنى كونه سميعا ~~بصيرا أنه عالم بالمسموعات والمبصرات لا زائد على كونه عالما بالمعلومات ~~ووافقه جماعة من النجارية ومن قال من المعتزلة إنه سميع بصير لذاته فمذهبه ~~مذهب الكعبي لا غير ومن قال منهم: إن المعنى بكونه سميعا بصيرا أنه حي لا ~~آفة به فمذهبه بخلاف مذهب الكعبي وهو الذي صار إليه الجبائي وابنه، ومنهم ~~من صار إلى أن معنى كونه سميعا بصيرا أنه مدرك للمسموعات والمبصرات وذلك ~~زائد على كونه عالما. # وذهب أبو الحسن الأشعري رحمه الله إلى أنه تعالى سميع بسمع بصير ببصر ~~وهما صفتان قائمتان بذاته زائدتان على كونه عالما. # ودليله في ذلك: أن الحي إذ قبل معنى وله ضد ولا واسطة بين الضدين لم يخل ~~عنه أو عن ضده فلو لم يتصف بكونه سميعا بصيرا لاتصف بضدهما وذلك آفة ونقص، ~~وهذه المقدمات تحتاج إلى إثبات فلا بد من البرهان على كل واحدة منهما. # أما المقدمة الأولى: فالدليل عليها أن المصحح لقبول السمع والبصر شاهدا ~~هو كون الإنسان حيا أنا عرفنا ذلك بطريق السبر إذ لو كان المصحح وجوده أو ~~حدوثه أو قيامه بالنفس أو غير ذلك من الأوصاف كان منتقضا على الفور فبقي ~~كونه حيا والباري تعالى حي فلزم القضاء بكونه موصوفا بالسمع والبصر لتعاليه ~~عن قبول الآفات والنقائض وليس منكر صحة قبول السمع والبصر أسعد حالا ممن ~~يزعم أن الباري تعالى لا يتصف بالعلم وضده مصيرا إلى استحالة اتصافه ~~بحكميهما. # فإن قيل: ما الدليل على أنه إذا لم يتصف بالسمع والبصر يجب أن يتصف ~~بضدهما؟ # قيل: كل ما دل على استحالة عرو الجوهر عن المتضادات فهو دليل على ذلك وقد ~~سبق القول فيه. PageV01P192 # فإن قيل: ما الدليل على أن الاتصاف بضد السمع والبصر من النقائص. # قيل: لما علم أن السمع والبصر من صفات المدح، فذلك دليل على ms220 أن الاتصاف ~~بأضداد ذلك نقائص وآفات ويجب تعاليه عنها وقد وصف الرب تعالى نفسه بالسمع ~~والبصر على وجه التمدح كما وصف نفسه عالما قادرا حيا على وجه التمدح فلو لا ~~أنهما صفتا مدح لما تمدح بهما فيلزم أن يكون ضدهما صفتا ذم ونقص والنقص ~~دليل الحدوث ولو قدرنا الإدراك صفة زائدة على العلم أو قلنا: إنه العلم ففي ~~نفيه نقص وقصور، فلن يتحقق نقص إلا ممكنا محتاجا إلى مكمل لتعود الذات إلى ~~الكمال وذات الباري تعالى وصفاته منزهة عن شوائب الإمكان ولا نقص في ذاته ~~وصفاته. # قال الكعبي: إنما يصح لكم إثبات إدراك غائبا بعد إثباته شاهدا، ونحن لا ~~نساعدكم أن السمع والبصر إدراكان زائدان على العلم. # أما الكعبي فقد قال: الذي يجده الإنسان من نفسه إدراكه للمسموع والمبصر ~~بقلبه وعقله ولا يحس بصره بالمبصر بل يحس المبصر ويسمع السامع لا الآذان ~~وذلك هو العلم حقيقة ولكن لما لم يحصل له ذلك العلم إلا بوسائط بصره سمي ~~البصر حاسة وإلا فالمدرك هو العالم وإدراكه ليس زائدا على علمه. # والدليل على ذلك أن من علم شيئا بالخبر ثم رآه بالبصر وجد تفرقة بين ~~الحالتين إلا أن تلك التفرقة ليست تفرقة جنس وجنس ونوع ونوع بل تفرقة جملة ~~وتفصيل وعموم وخصوص وإطلاق وتعيين وإلا فشعور النفس بهما في الحالتين واحد. # قال: ولو كان المدرك مدركا بإدراك للزم أن يحضر عند الحاسة السليمة قينة ~~تلعب وأنعام تسرح وطبول تضرب وصور تنفخ فيه وهو لا يراها ولا يسمعها، إذ لم ~~يخلق له إدراك ذلك، وكذلك يجوز أن يرى الشخص البعيد ولا يرى القريب لأنه ~~خلق له إدراك البعيد دون القريب وقد علمنا ضرورة أن الأمر على خلاف ذلك. # وقال الجبائي: إن الحي إذا سلمت نفسه عن الآفة سمي سميعا بصيرا ولا معنى ~~للإدراك شاهدا وغائبا إلا ذلك. # والدليل عليه أن الذات إذا سلمت أدركت كل معروض عليها من المتماثلات ~~والمختلفات وإدراكها السواد كإدراكها البياض ولو كان مدركا بإدراك لجاز أن ~~يدرك بعض الأشياء دون ms221 بعض مما يقابل المدرك فكان يجوز أن يدرك بياضا ولا ~~يدرك سوادا وهما متقابلان للحاسة في حالة أو حالتين متعاقبتين كما أن ~~العالم منا جاز أن يعلم شيئا دون شي ء. # قالوا: وإن سلمنا ثبوت الإدراك في الشاهد فلم نسلم أن المصحح مجرد كون PageV01P193 ~~الحيوان حيا فقط وهاهنا شرط آخر وهو حصول البنية وشرط للشرط وهو توسط الهوى ~~المضي ء بين المبصر والمبصر والهوى الصافي بين السمع والمسموع كما شرطنا في ~~الشم واللمس والذوق اتصال الأجرام ومماستها بالاتفاق، وإذا استدعت الثلاث ~~من الحواس شرطا حتى يتحقق الإدراك ولأجل ذلك امتنع إثباته غائبا كذلك ~~الحاستان الباقيتان استدعتا شرائط أخر سوى كونه حيا حتى يتحقق الإدراك ~~فأنتم مدفوعون إلى إقامة الدليل على حصر الشرائط في كونه حيا فقط وإلا ~~فارفعوا كون الحياة شرطا، كما رفعتم كون البنية وتوسط الهوى شرطا واجعلوا ~~وجود الحياة شرطا من حيث العادة لا من حيث الضرورة كما جعلتم البنية شرطا ~~من حيث العادة وهذا الموضع من مشكلات مسائل الإدراكات. # قال الأشعري: الإدراكات من قبيل العلوم على قول ورأي وهو جنس آخر على قول ~~فمن قال بالقول الأول فيقول هو مماثل للعلوم ولا يفترقان إلا في أن أحد ~~العلمين يستدعي تعيين المدرك والعلم من حيث هو علم لا يستدعي تعيين المدرك ~~فلا جرم بقول العلم يتعلق بالمعدوم والإدراك لا يتعلق به إذ المعدوم لا ~~يتعين ولا تظنن أن هذا الرأي هو مذهب الكعبي، فإنه لم يثبت لإدراك معنى ~~أصلا والأشعري أثبت المعنى وقال: هو من جنس العلوم فعلى هذا القول الرب ~~تعالى سميع بصير بإدراكين هما علمان مخصوصان وراء كونه عالما هو مدلول ~~الإحكام والإتقان، ومن قال بالقول الثاني استدل بأن العلم بالشي ء إذا أضيف ~~إلى علم آخر به واتحد المتعلق واستوى العلمان في صفات النفس لم يتصور ~~اختلافهما، فلما وجدنا في أنفسنا اختلافا بين العلم والإدراك وأحسسنا تفرقة ~~بين المعلوم خبرا وبين المرئي عيانا مع اتحاد المتعلق واستواء الأمر في ~~الحدوث علمنا أن الجنسين مختلفان وأيضا ms222 فإن الأكمه لو أحاط علما بما أحاط ~~به البصير حصل له كل علم سوى الإدراك فدل أنه زائد على العلم على أن هذا ~~يشكل بقاعدة من لم يجعل البنية شرطا فإنه جوز أن يخلق الله تبارك وتعالى ~~الرؤية في القلب والعلم في البصر فحينئذ يلتبس العلم بالإدراك ويلزم أن ~~يسمع السامع بالبصر ويبصر بالسمع ويشم بحاسة الذوق ويذوق بحاسة الشم ويلزم ~~أن تكون حاسة واحدة هي سامعة مبصرة شامة ذائقة لامسة وإنما اختص كل إدراك ~~بحاسة خاصة في خلقه، وكذلك يجوز أن تكون أمور حاضرة لا نحسها وأمور غائبة ~~نبصرها ولكن العادة الجارية أمنتنا من ذلك أليست الملائكة كانت تحضر مجلس ~~النبوة والقوم حضور والأعين سليمة وهم لا يبصرون أليست الشياطين والجن ~~يطوفون في البلاد ويسرحون في الأرض وأن إبليس هو يرانا وقبيله من حيث لا ~~نراه فبطلت تلك التهويلات PageV01P194 ~~والتشنيعات التي ألزمها الخصم. # وأما جواب الجبائي عن القاعدة التي صار إليها من حد السميع والبصير أنه ~~الحي الذي لا آفة به، قيل: أطلقت القول بنفي الآفة وذلك بالاتفاق ليس بشرط ~~فإن السميع والبصير قد يكون ذا آفة وذا آفات كثيرة، فلا بد وأن يخص نفي ~~الآفة بمحل الإدراك، ثم تلك الآفة يجب أن تكون مانعة من الإدراك فقد أثبت ~~الإدراك من حيث نفاه ثم الذي يحسه الإنسان من نفسه معنى موجود لا نفي محض. # وقولهم: لا آفة به نفي محض فلا يتصور الإحساس به ويستحيل أن ترجع التفرقة ~~بين حالتي الإدراك وعدم الإدراك إلى عدم محض فحينئذ تنعدم التفرقة فإن ~~التفرقة بالعدم وعدم التفرقة سوي. # ثم نقول: نحن نجد تفرقة ضرورية بين كون الإنسان سميعا وبين كونه بصيرا ~~وهما متفقان في أن معنى كل واحد منهما أنه حي لا آفة به فهذه التفرقة ترجع ~~إلى ما ذا فلا بد من أمرين زائدين على كونه حيا لا آفة به حتى يكون بأحدهما ~~سميعا وبالثاني بصيرا وإلا فتبطل التفرقة الضرورية فالذي انفصل به السمع عن ~~البصر، وهو وراء كونه حيا لا ms223 آفة به فكذلك الذي انفصل به السمع والبصر عن ~~العلم وسائر الصفات وراء كونه حيا لا آفة به ولئن ألزم الجبائي بأن يقال ~~معنى كونه عالما قادرا أنه حي لا آفة به حتى يرد الصفات كلها إلى كونه حيا ~~لا آفة به لم يجد عن هذا الإلزام مخلصا. # وقد قال بعض العقلاء: وقرر أن جميع صفات الكمال تجتمع في كونه حيا وتنتفي ~~صفات النقص بقولنا لا آفة به وأما اشتراطهم البنية حسب اشتراط الحياة غير ~~صحيح فإن الإدراك الواحد لا يقوم إلا بجزء واحد من الجملة وإذا قام به أفاد ~~حكما له ولا أثر للجواهر المحيطة فإن كل جوهر مختص بحيزه موصوف بأعراضه ~~وكما لا يؤثر جوهر في جوهر لا يؤثر حكم جوهر في جوهر آخر ولا يختلف حكم ~~جوهر بعينه في تفرده وانضمامه وإذا جاز قيام الإدراك به مع اتصاله بالجواهر ~~جاز قيامه به مع تفرده فإنه لا يتحول عن صفته تفرد أو انضم إلى غيره خصوصا ~~إذا كان الإدراك في صفة نفسه لا يقتضي جمعا وضما وإضافة ونسبة ولم يكن من ~~الأعراض الإضافية بخلاف الاجتماع والافتراق والمماسة ثم لو كانت البنية ~~شرطا كاشتراط كونه حيا لوجب طرده في الغائب حتى يكون الباري تعالى في علمه ~~وقدرته ذا بنية كما كان حيا لأن الشروط يجب طردها شاهدا وغائبا. # ومن العجب أنهم كما شرطوا البنية شرطوا في الرؤية اتصال الأشعة وهي أجسام ~~مضيئة تنبعث عن البصر عند فتح الأجفان وهي أجسام تتشكل وتتحرك PageV01P195 ~~وتتعوج وتستقيم، فإذا اتصل الشعاع المنبعث من الناظر بالقاعدة على حد معلوم ~~مع الاستقامة ولم يكن ثم بعد مفرط ولا قرب مفرط أدركه الرائي فلذلك لا يرى ~~الشي ء البعيد على غاية البعد ولا يرى باطن الأجفان وإن كانت القاعدة صقيلة ~~ارتدت الأشعة إلى الرائي فرأى عند ذلك نفسه وربما يظن أنه ينفصل عن المتلون ~~صورة ويمتد إلى العين فينطبع فيها وكلا المذهبين باطل. # أما القول بالأشعة التي تنبعث من العين فبطلانه بأنا نعلم قطعا أن العين ms224 ~~على صغرها لا تتسع لأجسام تنبسط على نصف كرة العالم فإن تلك الأجسام إن ~~كانت موجودة بالفعل محسوسة بالجفن فوجب أن يكون قدرها مثل نصف قدر كرة ~~السماء وهذا محال وإن حدثت في ساعة الملاحظة فما السبب لحدوثها ومن المعلوم ~~أن القدرة الحادثة لا تصلح لحدوث الأجسام والقول بتولد الأجسام أمحل، ويلزم ~~من ذلك أيضا أن جماعة من ذوي الأبصار إن اجتمعوا على رؤية شي ء وجب أن يقوي ~~إدراك الضعيف البصر الذي معهم فإن شعاعه إن قل ما في نفسه فقد تكثر ~~بأشعتهم، وإن ضعف عن حالة القوى فقد يقوى باشتراك أشعتهم فينبغي أن يستعين ~~الضعيف كما يستعين بقوة ضوء السراج. # ثم الشعاع إن كان عرضا فيستحيل عليه الانتقال، وإن كان جوهرا فلا يخلو ~~إما أن يبقى متصلا، وإما أن لا يبقى فإن بقي فيلزم أن يتفرق ويدرك الشي ء ~~متفرقا وينبغي أن يكون مثل خط مستقيم يتحرك بتحريك الريح وينقطع بقطع الماء ~~وإن لم يبق متصلا فلم يدرك العين بما اتصل به بل بما انفصل عنه، فما اتصل ~~بالمرئي لم يتصل بالعين وما اتصل بالعين لم يتصل بالمرئي فيلزم أن لا يتحقق ~~له إدراك أصلا. # والقول بانتقال صورة من المرئي إلى البصر باطل أيضا فإن الصورة لو انتقلت ~~لاحترقت العين برؤية النار وهي إن كانت عرضا فهي لا تنتقل وإن كانت جوهرا ~~فلينقص المرئي بانفصال شي ء منه ولا ينفصل شي ء منه إلا بسبب ولا سبب هاهنا ~~فهو باطل فتحقق أن الإدراك معنى في حاسة المدرك ثم يبقى هاهنا مباحثة أخرى ~~وهي أن الإدراك هل هو إدراك لصورة في حاسة المدرك تطابق الصورة الخارجة أم ~~هو إدراك ما في الخارج من غير توسط صورة في الحاسة، وشي ء آخر وهو أن محل ~~الإدراك هو الحاسة الظاهرة من العين والأنف والفم والأذن أم هي آلات وأدوات ~~للحاسة المشتركة بينهما فيكون الحس الحقيقي فيها حتى تجتمع المختلفات فيها ~~ويكون الإدراك إدراكا واحدا فيظن بعض العقلاء أنه هو العلم إذ ms225 هو في الباطن ~~ويظن بعضهم إنه إدراك أخص من العلم إذ مدركه في الظاهر والإدراكات الخمس ~~مختلفة الحقائق حتى PageV01P196 ~~يكون اختلافها بالنوع أم الاختلاف راجع إلى المدركات والإحساس بها بمعنى ~~واحد، وهذا الخلاف بين المتكلمين والفلاسفة. # قال المتكلمون: الحواس الخمس مشتملة على إدراكات خمس تختلف أنواعها ~~وحقائقها والإنسان يجد من نفسه أنه يرى ببصره ويسمع بأذنه كما يجد أنه يعلم ~~بقلبه فالبصر محل الرؤية والأذن محل السمع كالقلب هو محل العلم وكما يجد ~~التفرقة بين العلم والإدراك يجد التفرقة بين محل العلم ومحل الإدراك ولأن ~~الذي يدرك ببصره من المرئي هو الألوان والأشكال فيستدعي ذلك مقابلة ومواجهة ~~فالذي يدرك بسمعه من المسموع هو الأصوات والحروف ولا يستدعي ذلك مقابلة، ~~وكذلك المشموم والمذوق والملموس يستدعي اتصال الأجسام ولا يستدعيه السمع ~~والبصر، فلذلك يجوز أن يوصف الباري تعالى بأنه سميع بصير ولا يجوز أن يوصف ~~بأنه شام ذائق لامس وكذلك لا يجوز أن يسمع الشي ء من حيث يبصر ويبصر من حيث ~~يسمع فدل ذلك على أن الإدراكات مختلفة الحقائق والمحال جميعا وهذا كله على ~~رأي من يفرق بين الإدراك والعلم، فأما من قضي بأن الإدراك علم قضى باتحاد ~~المحل والحقيقة «1». # سوى أبي الحسن الأشعري فإنه يقول كل إدراك علم على قول ولا يقول كل علم ~~إدراك بل الإدراك علم مخصوص فإنه يستدعي تعيين المدرك ويتعلق بالموجود فقط ~~والوجود هو المصحح بخلاف العلم المطلق فإنه لا يستدعي تعيين المدرك ولا ~~يتعلق بالموجود من حيث هو موجود بل يتعلق بالمعدوم والموجود والواجب ~~والجائز والمستحيل، لكن من الإدراكات ما هو علم مخصوص كالسمع والبصر وتردد ~~رأيه في سائر الإدراكات أهي علوم مخصوصة أم إدراكات ورأي بعض أصحابه أنها ~~إدراكات أخر، وليس الوجود بمجرده مصححا لها فقط بل الاتصال فيها شرط فلا ~~يتصور شم إلا باتصال أجزاء من المتروح أو من الهوى إلى المشام وكذلك الذوق ~~واللمس لا يتصور وجودهما إلا باتصال جرم بجرم. # وقالت الفلاسفة: يرتسم في الحواس الظاهرة بصور صورة تفيض عليها من ms226 واهب ~~الصور عند استعدادات تحصل فيها بمقابلة الحاس والمحسوس ثم قد تكون تلك ~~الصورة نفس الإدراك وقد يكون الإدراك شي ء آخر دون تلك الصورة كمقابلة ~~المرئي من الألوان والأشكال في الرطوبة الجليدية من العين التي تشبه البرد ~~والجمد فإنها مثل مرآة فإذا قابلها متلون انطبع مثل صورته فيها كما ينطبع ~~مثل صورة الإنسان في المرآة PageV01P197 ~~بتوسط جسم شفاف بينهما لا بأن ينفصل من المتلون شي ء ويمتد إلى العين ولا ~~بأن يتصل شعاع فيمتد إلى المتلون فإذا حصلت الصورة في الجليدية أفضت إلى ~~القوة الباصرة المودعة في ملتقى الأنبوبتين في مقدم الدماغ وهما عصبتان ~~مجوفتان على شكل صليب فتدركه النفس بهما فتكون الصورة في الجليدية من العين ~~والإدراك في الحس المشترك ولما كانت الجليدية كرية ومقابة الكرة يكون ~~بالمركز وفرضنا سطحا مستديرا مثلا كالترس كان يقابله على خطوط مستقيمة محيط ~~بالترس متسع الأسفل متضايق الأعلى ينتهي إلى الجليدية على دائرة صغيرة ~~وحيثما ازداد الترس بعدا ضاقت الزاوية فصغر في العين فيرى الكبير من البعد ~~صغيرا فلو كان الإدراك معنى في العين وتعلق بالمدرك على ما هو به كان ~~المرئي مرئيا على مقدار شكله وصورته ولم يتفاوت الأمر بالقرب والبعد وأيضا ~~فإن النقطة من النار إذا أديرت بسرعة أشبهت دائرة يدركها البصر وهي في ~~نفسها نقطة والقطر النازل يرى خطا مستقيما وهو مستدير فتحقق أن الحس ~~الحقيقي ما في الباطن دون الصورة الظاهرة، وأما السمع فإن الصوت والكلام ~~المركب من الحروف إذا صادف الهوى الراكد الذي في الصماخ المجاور للعصبة ~~المفروشة في أقصى الصماخ الممدودة مد الجلد على الطبل والوتر على الصنج حصل ~~منه طنين فيها فتشعر به القوة المودعة في تلك العصبة على رأي أو أدركه الحس ~~المشترك على رأي فحصل السماع ثم الفهم ثم التمييز ثم الحكم ثم القبول فتلك ~~العصبة بالنسبة إلى الصوت والكلام نازل منزلة الجليدية في العين غير أن ~~الصورة في المرآة تحصل دفعة تامة والصورة في العصبة تحصل متعاقبة في لحظة ~~ويحصل الإدراك به ms227 وينتفش الخيال منه انتعاش اللوح من القلم فيحصل فيه ~~الكلام مكتوبا معاينا فيقرأ كما يقرأ من الصحيفة وهاتان الحاستان ممتازتان ~~عن سائر الحواس بأن إدراكهما غير ما ارتسم في الحاستين وأما الشم فإنه بقوة ~~في زائدتي الدماغ المشبهتين بحلمتي الثدي، وإنما يدرك بواسطة جسم ينفعل من ~~الروائح وذلك بانفعال الهوى من ذي الرائحة لا بانتقال أجزاء منها أو رائحة ~~تنتقل عنها فيصل إلى الحلمتين فتدركه القوة المركوزة فيها والذوق هو قوة ~~مودعة في العصبة المفروشة على ظاهر اللسان بواسطة الرطوبة العذبة التي لا ~~طعم لها المنبسطة على ظاهر اللسان فإنها تأخذ طعم ذي الطعم وتستحيل إليه ~~وتتصل بتلك العصبة فتدركها العصبة واللمس هو قوة مبثوثة في جميع البشرة ~~واللحم المتصل بها يدرك بها الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة والصلابة ~~واللين والخشونة والملاسة والخفة والثقل، والذي يحمل هذه القوة جسم لطيف ~~يجري في شباك العصب ويستمد من القلب والدماغ، وإنما يدرك إذا استحال كيفية البشرة PageV01P198 ~~إلى شبه المدرك بشرط أن يتفاوتا في الكيفية وهذه القوى كلها معدات لقبول ~~الفيض من واهب الصور، وإلا فالحاسة لا تحدث إدراكا. # والأشعري فصل بين السمع والبصر وبين الثلاثة الباقية حيث شرط هاهنا ~~اتصالا جسمانيا وأثبت إحساسا جسمانيا ولم يثبتها في صفات الباري تعالى، ~~ولما علم أن لهما اختصاصا بالباطن ردد قوله في أن الإدراك علم مخصوص أو ~~معنى آخر في الحاسة المشتركة ولا يستبعد من مذهبه قيام الإدراك السمعي ~~بالبصر والبصر بالسمع فإن القوم حكموا باتحادهما عند الحاسة المشتركة حتى ~~يصير المرئي مقروءا والمقروء مرئيا فإنهما في حقيقة الإدراك لا يختلفان ~~ومحلهما محل واحد فيتحدان وكلام المعتزلة في الإدراكات مختلط لا ثبات له ~~والله أعلم «1». PageV01P199 ### | AUTO القاعدة السادسة عشرة في جواز رؤية الباري تعالى عقلا ووجوبها ~~سمعا «1» # لم يصر صائر من أهل القبلة إلى تجويز اتصال أشعة من البصر بذاته تعالى أو ~~انطباع شبح يتمثل في الحاسة منه وانفصال شي ء من الرائي والمرئي واتصاله ~~بهما، لكن أهل الأصول اختلفوا في أن الرؤية إدراك وراء العلم ms228 أم علم مخصوص، ~~ومن زعم أنه إدراك وراء العلم اختلف في اشتراط البنية واتصال الشعاع ونفي ~~القرب المفرط والبعد المفرط وتوسط الهوى المشف فشرطها المعتزلة ونفوا رؤية ~~الباري تعالى بالأبصار نفي الاستحالة، والأشعري أثبتها إثبات الجواز على ~~الإطلاق والوجوب بحكم الوعد ثم ردد قوله إنه علم مخصوص أي لا يتعلق إلا ~~بالموجود أم هو إدراك حكمه حكم العلم في التعلق أي لا يتأثر من المرئي ولا ~~يؤثر فيه ونحن نورد كلام الفريقين على الرسم المعهود. # قالت الأشعرية: الموجودات اشتركت في قضايا واختلفت في قضايا، والرؤية قد ~~تعلقت بالمختلفات منها والمتفقات ولا يجوز أن يكون المصحح للرؤية ما يختلف ~~فيه فإنه يوجب أن يكون لحكم واحد علتان مختلفتان وهذا غير جائز في ~~المعقولات، أو يلزم أن يكون لحكم عام علة خاصة هي أخص من معلولها وما يتفق ~~فيه الجوهر والعرض إما الوجود أو الحدوث والحدوث لا يجوز أن يكون مصححا ~~للرؤية فإن الحدوث هو وجود مسبوق بعدم والعدم لا تأثير له في الحكم فبقي ~~الوجود مصححا بالضرورة وهذا تقسيم حاصر فإن الرؤية بالاتفاق تعلقت بالجوهر ~~والعرض وهما قد اختلفا من كل وجه سوى الوجود والحدوث وقد بطل الحدوث فتعين ~~الوجود ولا يلزم على هذه الطريقة انتشار الأقسام كما لزم على طريق الأصحاب ~~غير استبعاد محض للمعتزلة في قولهم لو كان كل موجود مرئيا لكان العلم ~~والقدرة والطعم والرائحة وما سوى اللون والمتلون مرئيا ولكان نفس الرؤية ~~مرئية بالرؤية وهذا محال ويلتزم أبو PageV01P200 ~~الحسن جواز الرؤية في جميع الموجودات على الإطلاق خصوصا إذا قال الرؤية علم ~~مخصوص فالعلم كما يتعلق بهذه الموجودات كذلك الرؤية ولا فرق إلا أن العلم ~~المطلق يتعلق بالواجب والجائز والمستحيل وهذا العلم لا يتعلق إلا بالموجود ~~فقط فإنه يقتضي تعيين المرئي والتعيين لا يتحقق في العدم وإن سلكنا طريقة ~~العلم فهو أسهل فإن العلم من حيث هو علم نوع واحد وحقيقة واحدة وإذا جوز ~~تعلق العلم به فقد جوز تعلق الرؤية به. # وقد سلك الأستاذ أبو إسحاق طريقة ms229 قريبة من هذه فقال: الرؤية معنى لا تؤثر ~~في المرئي ولا تتأثر منه فإن حكمه حكم العلم بخلاف سائر الحواس فإنها تؤثر ~~وتتأثر وإنما يلزم الاستحالة فيه أن لو تأثرت الرؤية من المرئي أو تأثر ~~المرئي من الرؤية وكل ما هذا سبيله فهو جائز التعلق بالقديم والحادث وكل ~~مؤثر ومتأثر فهو مستحيل عندنا كما هو مستحيل عندكم ولا كلفة في هذه الطريقة ~~إلا إثبات معنى في البصر لا يؤثر ولا يتأثر وقد أثبتنا من قبل أن الإدراك ~~البصري لا يستدعي اتصال شعاع بالمرئي ولا انفصال شي ء من الرائي وإذا بطل ~~الوجهان انتفى التأثير والتأثر وصار المعنى كالعلم أو هو من جنس العلم وقد ~~تقرر الاتفاق على جواز تعلق العلم به وهذا نهاية ما قيل في إثبات الجواز من ~~جهة العقل. # قال المعتزلة: قد طلبتم للرؤية علة مصححة وتعين لكم الوجود فما أنكرتم أن ~~جواز الرؤية من الأحكام التي لا تعلل فإن من الأحكام ما يعلل كالعالمية ~~والقادرية ومنها ما لا يعلل كالتحيز وقبول العرض وجميع الصفات النفسية أليس ~~تعلق العلم بالمعلومات لا يستدعي مصححا إذ تعلق بالواجب والجائز والمستحيل ~~ولم توجد قضية هي أعم من الأقسام الثلاثة حتى تكون تلك القضية هي المصححة ~~لتعلق العلم بها وكونها معلومة هي نفس تعلق العلم بها فتكون العلة والمعلول ~~واحدا وإذا قررتم أن الرؤية إما علم مخصوص أو معنى في حكم العلم ثم لم ~~تطلبوا مصححا للعلم فلم طلبتم مصححا للرؤية فقولوا تعلقت الرؤية بما تعلق ~~به العلم أو لا علة ولا مصحح. # واعتراض ثان: أن تقسيم الحال إلى قضية الاشتراك والافتراق إنما يصح على ~~مذهب مثبتي الحال وأنتم معاشر الأشعرية قد نفيتم الحال ورددتم قضايا الخصوص ~~والعموم والافتراق والاشتراك إلى محض العبارات فكيف صرتم إلى إلزام أحكام ~~الحال حتى أبطلتم قضية الافتراق وعينتم قضية الاشتراك، ثم حصرتم ذلك في ~~قضية واحدة وهو الوجود على أن الموجودات إنما تختلف بوجودها عندكم والوجود ~~في الجوهر هو نفس الجوهر وكما يتمايز الجوهر والعرض بالجوهرية ms230 والعرضية ~~تمايزا في الوجود وكما تمايز القديم والحادث PageV01P201 ~~في القدم والحدوث تمايزا في الوجود فإن الوجود العام الذي شمل الموجودات ~~حتى يصح أن يكون مصححا وحتى يصح الجمع بين الشاهد والغائب بذلك الجامع. # واعتراض ثالث قد أجملتم القول إجمالا في أن الرؤية تعلقت بالجوهر والعرض ~~أما الجوهر المجرد والجسم المجرد فغير مسلم تعلق الرؤية به إذ قد استحال ~~تجرده عن اللون فلم تتعلق الرؤية به مجردا وأما العرض فليس كل عرض قد تعلقت ~~الرؤية به وإنما يستقيم دليلكم هذا إن لو تعلقت الرؤية بالجوهر والعرض على ~~الإطلاق والتعميم حتى يصح منكم ربط الحكم بجامع بينهما وإذا تعلقت ببعض ~~الأعراض دون البعض فلم يكن الحكم معلقا بالعرض من حيث أنه عرض ولا بالجوهر ~~من حيث أنه جوهر ولا يكون معلقا بما يجمع بينهما وهو الوجود أو الحدوث فلا ~~بد إذا من إثبات التعلق وحصره في شي ء دون شي ء أو تعميمه بكل شي ء وذلك ~~نفس المتنازع فيه. # واعتراض رابع: لم قلتم إن الحدوث لا يكون مصححا وقد عرفتم أن من الأحكام ~~العقلية ما يتعلق بالحدوث دون الوجود وليس لقائل أن يقول إن كونه مسبوقا ~~بعدم ليس بمؤثر فإن معناه أنه وجود على صفة واعتبار وكما أن المرئي أخص من ~~المعلوم والرؤية تتعلق بالمعلوم على صفة الوجود كذلك نقول تتعلق بالوجود ~~على صفة الحدوث وبالحادث على صفة المقابلة أو التكون أو غير ذلك من الصفات ~~والاعتبارات وهذا السر هو أن المنقسم ربما يورد أقساما وينفي بعض الأقسام ~~مفردا وربما يكون الحكم معلقا بمركب من القسمين لا بمفرد منهما فكما يجب ~~نفي الأفراد من حيث هي أفراد فكذلك يجب نفي المركب من حيث هو مركب وهذا مما ~~أغفله المتكلم كثيرا في مجاري تقسيماته وهو واجب الرعاية جدا. # واعتراض خامس قد تحقق أن الرؤية من جملة الحواس الخمس أفتقولون إنها كلها ~~تتعلق بالوجود والمصحح لها الوجود أم الرؤية خاصة تتعلق بكل موجود فإن ~~عممتم الحكم فقد افتتحتم أمرا وهو التزام كونه تعالى ms231 مسموعا مشموعا مطعوما ~~ملموسا وذلك شرك عظيم وإن خصصتم الحكم بالرؤية وجب عليكم إظهار دليل ~~التخصيص فإن قلتم الدليل أنه لا يؤثر في المرئي ولا يتأثر منه فقيل هو نفس ~~المتنازع فيه وإن قلتم هو علم أو في حكم العلم إلا أنه يقتضي تعيين المدرك ~~فيقال لكم التعيين قد يكون تعيين العقل ولا شك أن الحس لا يستدعي ذلك ~~التعيين فإن تعيين العقل كتخصيص العام وتفصيل المجمل وتقييد المطلق وتحديد ~~الشي ء ولا تختص أمثال هذه التعيينات بالرؤية والحس وإن قلتم التعيين تعيين ~~الحس فهو يستدعي قبول الإشارة إليه وذلك يقتضي حيزا ومكانا وجهة ومقابلة ~~وهو محال. PageV01P202 # قال الأشعرية الجواب عن الاعتراض الأول أن طلب المصحح لم يختص بنا، فإنكم ~~جعلتم اللون والمتلون مصححا، وذلك أن الرؤية لما تعلقت ببعض الموجودات وذلك ~~نوعان؛ نوع من الأعراض ونوع من الجواهر فصح كون الجوهر والعرض مرئيا فقلنا ~~ما المصحح لهذه الصحة؟ أهو كون الجوهر جوهرا فلزم أن لا يكون العرض مرئيا ~~أو كون العرض عرضا فلزم أن لا يكون الجوهر مرئيا فلا بد إذا من قضية واحدة ~~جامعة بينهما شاملة لهما حتى تتكون الصحة معللة لها؛ إذ الصحة حكم هو قضية ~~واحدة فلا يكون مصححها علتان مختلفتان فإن اختلاف العلتين يوجب اختلاف ~~الحكمين في العقليات ولما تعلقت الرؤية بمختلفات وجب علينا طلب العلة التي ~~لأجلها صح تعلقها بها ولا بد أن يكون السبب المصحح قضية تجمعهما لا كاللون ~~والمتلون فإنهما قضيتان مختلفتان اختلاف الجنس والجنس والنوع والنوع ومن ~~المحال ربط حكم واحد بعلتين مختلفتين فإن العلة العقلية لا بد أن تستقل ~~بإفادة الحكم فإن استقل أحد المختلفين استغنى الحكم عن الثاني فطلبنا العلة ~~لأن الرؤية تعلقت بمختلفين وجعلنا العلة قضية واحدة تشملها لاتحاد الحكم ~~وهو الصحة فصح الطلب وحصل المطلوب. # وأما الجواب عن الاعتراض الثاني وهو إلزام الحال على مذهب أبي الحسن، ~~وإبطال الاشتراك والافتراق على نفي الحال. # قال القاضي أبو بكر الذي ذكرته دليلي وأنا قائل بالحال فسقط الاعتراض. # وقال أبو ms232 الحسن: القضايا العقلية والوجوه الاعتبارية لا ينكرها منكر ~~ولسنا ممن لا يجمع بين مختلفين ولا يفرق بين مجتمعين ولا يقول بوجه ووجه ~~وحيث وحيث واعتبار واعتبار فإن الحركة إذا قامت بمحل وصف المحل بكونه ~~متحركا فهي من حيث إنها حركة وباعتبار أنها حركة أوجبت كون المحل متحركا ~~وهي باعتبار أنها كون لها حكم آخر وباعتبار أنها عرض له حكم آخر ولو رفعنا ~~هذه الاعتبارات انحسم باب النظر وانحصر نظر العقل على موجودات معينة وبطلت ~~الاعتبارات بأسرها ولما قطعنا بأن الرؤية تعلقت بجنسي العرض والجوهر عرفنا ~~أن الصحة على قضية واحدة وإنما نعني بالصحة صلاحية كل جنس لتعلق الرؤية ~~فتلك الصلاحية صحتها على نعت واحد وإنما العلة المقتضية لتلك الصلاحية يجب ~~أن تكون على نعت واحد والوجود وإن اختلف بالنسبة إلى المختلفات غير أنه في ~~العقل والتصور معنى واحد يشمل القسمين فصح أن يكون مناطا للحكم وهذا كما ~~قررناه في الجمع بين الشاهد والغائب بالشرط والمشروط والعلة والمعلول ~~والدليل والمدلول والحقيقة والمحقق. # وأما الجواب عن الاعتراض الثالث وهو إجمال القول في تعلق الرؤية بالجوهر PageV01P203 ~~والعرض قلنا: الإنسان يدرك من نفسه إدراك الحجمية الجوهر وتحيزه وشكله من ~~تدوير وتثليث وتربيع وتخميس إلى غير ذلك من الأشكال، ولهذا يبصر شخصا من ~~بعد فيدري شخصيته ويشك في لونه وصغره وكبره، كما ذكرنا أسباب ذلك ثم يدرك ~~بعد شكله ولونه، فعرف أن الأشكال والألوان غير، والجسم من حيث هو جسم غير ~~في البصر، وقد أدركهما البصر جميعا فلا بد من مصحح جامع بينهما وذلك ما ~~عيناه ولذلك قلنا إن اللون والمتلون لن يصلح أن يكون علة لأنه تركيب في ~~العلة ومع كونه تركيبا هو تشكيل فإنهم يقولون المصحح هو اللون أو المتلون ~~فلا العلة المركبة صالحة ولا التشكيل في العلة مستعمل فبطل ما نصبوه علة ~~وصح ما نصبناه. # وقولهم: لم تتعلق الرؤية بجميع الأعراض؟ # قلنا: ولو تعلقت حسا بجميع الأعراض ما كنا نحتاج إلى طلب العلة كما لم ~~نحتج إلى طلب العلة لتعلق العلم بالمعلوم ms233 إذ تعلق بكل ما يصح أن يعلم ~~معدوما أو موجودا محالا أو ممكنا لكنا نطلب العلة لأنها تعلقت بالبعض وكما ~~تعلقت ببعض الأعراض تعلقت بجميع الأجرام فطلبنا جامعا ولم نظفر بجامع بين ~~الجواهر وبعض الأعراض كما صاروا إليه من اللون والمتلون، فإن الرؤية تعلقت ~~باللون كما تعلقت بالاجتماع والافتراق والمماسة والمحاذاة وهي أعراض وراء ~~اللون فلم يكن بد من تعميم الحكم في كل عرض لعموم الجامع بين الجنسين ولا ~~إشكال في هذه المسألة سوى هذه المنزلة وهي ورطة العقول فليتحرز فيها تحرز ~~الماشي في الوحول. # وأما الجواب عن الاعتراض الرابع نقول: الحدوث ليس يصلح أن يكون مصححا على ~~المذهبين، أما على مذهبكم فلأن بعض الأعراض يستحيل رؤيته، فلو كان الحدوث ~~مصححا لصح تعلق الرؤية بكل محدث وأما على مذهب أبي الحسن، فلأن الحدوث وجود ~~مسبوق بعدم والعدم لا تأثير له فبقي الوجود مصححا. # وقولهم: معنى قولنا مسبوق بعدم أنه وجود مخصوص لا وجود عام مطلق والوجود ~~المخصوص باعتبار الحدوث علة مصححة. # قيل الخصوص في الوجود يجب أن يكون بصفة وجودية راجعة إلى الوجود حتى يصح ~~مؤثرا في إثبات الحكم وسبق العدم لا يصلح أن يكون مؤثرا في إثبات الصلاحية ~~والصحة للرؤية فبقي الوجود المطلق ونعني بالصفة الوجودية أن يخصص الوجود ~~مثلا بأنه جوهر أو عرض والعرض بأنه كون أو لون فهذه الاعتبارات مما تؤثر ~~فأما العدم السابق، فلا تأثير له والوجود باعتبار عدم سابق لا يكتسب ~~اعتبارا ووجها إلا احتياجا إلى موجد، وهو باعتبار هذا لا يصلح أن يكون ~~مصححا للرؤية والإدراك. PageV01P204 # وأما الجواب عن الاعتراض الخامس نقول: الرؤية من جملة الحواس الخمس لكن ~~الحواس مختلفة الحقائق والإدراكات ولكل حاسة خاصية لا يشركها فيها غيرها ~~وليس منها حاسة تتعلق بجنسي الجوهر والعرض على وتيرة واحدة بل كلها تتعلق ~~بأعراض، ومن شرط تعلقها اتصال جسم بجسم حتى يحصل ذلك الإدراك عن السمع فإنه ~~لا يستدعي اتصال جسم بجسم ضرورة بل هو إدراك محض كالرؤية. # ثم اختلف رأي العقلاء في أن المصحح ms234 للسمع ما هو فمنهم من قال هو الوجود ~~كالمصحح للرؤية، ومنهم من قال المصحح كونه موجودا باعتبار كون المسموع ~~كلاما والكلام قد يكون عبارة لفظية وقد يكون نطقا نفسيا وكلاهما مسموعان، ~~ونحن كما أثبتناه كلاما في النفس ليس بحرف ولا صوت كذلك نثبت سماعا في ~~النفس ليس بحرف ولا صوت، ثم ذلك السماع قد يكون بواسطة وحجاب، وقد يكون ~~بغير واسطة وحجاب وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو ~~يرسل رسولا [الشورى: 51]، فالوحي ما يكون بغير واسطة وحجاب كما قال تعالى: ~~فأوحى إلى عبده ما أوحى [النجم: 10]، وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~«نفث في روعي» «1»، وقد يكون من وراء حجاب كما كان لموسى عليه السلام وكلمه ~~ربه، وقد يكون بواسطة رسول وحجاب كما قال تعالى: أو يرسل رسولا [الشورى: ~~51]، وبالجملة نحن نعقل في الشاهد كلاما في النفس ونجده من أنفسنا كما ~~أثبتناه، ثم يعبر اللسان عنه بالعبارة الدالة عليه، ثم يسمع السامع فيصل ~~بعد الاستماع إلى النفس فقد وصل الكلام إلى النفس بهذه الوسائط، فلو قدرنا ~~ارتفاع هذه الوسائط كلها من البين حتى تدرك النفس ما كانت النفس الناطقة ~~المتكلمة مشتملة عليه فتحقق كلام في جانب المتكلم، وسماع في جانب المستمع ~~ولا حرف ولا صوت ولا لسان ولا صماخ، فإذا تصور مثل ذلك في الشاهد حمل ~~استماع موسى كلام الله على ذلك وعن هذا قال: إني اصطفيتك على الناس ~~برسالاتي PageV01P205 ~~وبكلامي [الأعراف: 144]، فالرسالات بواسطة الرسل والكلام من غير واسطة لكنه ~~من وراء حجاب، وأما في حقنا فكلام الله تعالى مسموع بأسماعنا مقروء ~~بألسنتنا محفوظ في صدورنا وقد تبين الفرق بين القراءة والمقروء في مسألة ~~الكلام «1». # ومما تمسك به الأشعري في جواز رؤية الباري جل جلاله سؤال موسى عليه ~~السلام رب أرني أنظر إليك [الأعراف: 143]، وجواب الرب تعالى: لن تراني ~~[الأعراف: 143]، ووجه الاستدلال أن موسى عليه السلام هل كان عالما بجواز ~~الرؤية أم كان جاهلا بذلك، فإن كان جاهلا فهو غير عارف بالله ms235 تعالى حق ~~معرفته، وليس يليق ذلك بجناب النبوة، وإن كان عالما بالجواز فقد علمه على ~~ما هو به والسؤال بالجائز يكون لا بالمستحيل وجواب الرب تعالى لن تراني ~~[الأعراف: # 143]، يدل على الجواز أيضا فإنه ما قال لست بمرئي لكنه أثبت العجز أو عدم ~~الرؤية من جهة الرائي وعن هذا قال ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه ~~فسوف تراني [الأعراف: 143]، إذ الجبل لما لم يكن مطيقا للتجلي مع شدته ~~وصلابته فكيف يكون البصر مطيقا فربط المنع بأمر جائز ومع جوازه أحال المنع ~~على ضعف الآلة لا على منع الاستحالة أليس لو كان السؤال أرني أنظر ~~[الأعراف: # 143]، إلى وجهك أو إلى شخصك وصورتك لم يكن الجواب بقوله: # لن تراني [الأعراف: 143] بل لست بذي شخص وصورة ووجه ومقابلة فدل أن ~~السؤال كان بأمر جائز فتحقق الجواز، وإن قيل لن للتأبيد فهو محال من وجهين ~~أحدهما: # أن لن للتأكيد لا للتأبيد أليس قال: إنك لن تستطيع معي صبرا [الكهف: 72]، ~~وهو جائز غير محال والثاني: أنه وإن كان للتأبيد فليس يدل على منع الجواز ~~بل يدل على منع وقوع الجائز وإنما استدللنا بالآية لإثبات الجواز وتأبيد لن ~~لا ينافيه. # فإن قيل سأل الرؤية لقومه لا لنفسه وإنما سألها إلزاما عليهم بقول الله ~~سبحانه: # لن تراني [الأعراف: 143]، حيث قالوا: أرنا الله جهرة [النساء: 153]. PageV01P206 # قيل هذا ما يخالف الظاهر من كل وجه ومع مخالفته لا يجوز أن يسأل النبي ~~سؤالا محالا لقومه وقرينة المقال تدل على أن السؤال كان مقصورا عليه من كل ~~وجه إذ قال ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني [الأعراف: 143] ~~إلى آخر الآية ومنع موسى لا ينتهض إلزاما على القوم بل تقرير الحجة القاطعة ~~على أن الله تعالى لا يجوز أن يكون مرئيا يكون إلزاما فكيف نجا موسى على من ~~السؤال بلن تراني ولكن انظر إلى الجبل ولم ينج قومه من السؤال في قولهم: # أرنا الله جهرة [النساء: 153]، إلا بالصاعقة المهلكة والعذاب والأليم، ~~ولما قال قومه: اجعل لنا إلها كما ms236 لهم آلهة [الأعراف: 138]، لم يلزمهم ~~بالسؤال عن الله تعالى بل أجابهم في الحال: إنكم قوم تجهلون [الأعراف: ~~138]، إذ كان السؤال محالا، فكذلك الرؤية لو كانت مستحيلة لأجابهم في الحال ~~ورفع شبههم بالمقال ومثل هذه الحالة لو قدرت المعتزلة ما استجازوا تأخير ~~البيان عن وقت الحاجة ولعدوا سؤال المسئول من مسئول آخر اتهاما آخر على ~~شبهة قد تحققت لهم. # ومما تمسك به قوله تعالى: وجوه يومئذ ناضرة 22 إلى ربها ناظرة [القيامة: # 22، 23]، والنظر إذا تعرى عن الصلات كان بمعنى الانتظار وإذا وصل بلام ~~كان بمعنى الإنعام وإذا وصل بفي كان بمعنى التفكر والاستدلال وإذا وصل بإلى ~~تعين للرؤية ولا يجوز حمله على الثواب فإن نفس رؤية الثواب لا يكون إنعاما ~~وقد أورد النظر في معرض الإنعام واللفظ نص في رؤية البصر بعد ما نفيت عنه ~~التأويلات الفاسدة. # واعلم أن هذه المسألة سمعية، أما وجوب الرؤية فلا شك في كونها سمعية، ~~وأما جواز الرؤية فالمسلك العقلي ما ذكرناه، وقد وردت عليه تلك الإشكالات ~~ولم تسكن النفس في جوابها كل السكون ولا تحركت الأفكار العقلية إلى التقصي ~~عنها كل الحركة، فالأولى بنا أن نجعل الجواز أيضا مسألة سمعية، وأقوى ~~الأدلة السمعية فيها قصة موسى عليه السلام مما يعتمد كل الاعتماد عليه. PageV01P207 ### | CHECK [القاعدة السابعة عشرة في التحسين والتقبيح وبيان أنه لا يجب ~~على الله تعالى شي ء من قبيل العقل ولا يجب على العباد شي ء قبل ورود الشرع] # القاعدة السابعة عشرة في التحسين والتقبيح «1» وبيان أنه لا يجب على الله ~~تعالى شي ء من قبيل العقل ولا يجب على العباد شي ء قبل ورود الشرع # مذهب أهل الحق: أن العقل لا يدل على حسن الشي ء وقبحه في حكم التكليف من ~~الله شرعا على معنى أن أفعال العباد ليست على صفات نفسية حسنا وقبحا، بحيث ~~لو أقدم عليها مقدم أو أحجم عنها محجم استوجب على الله ثوابا أو عقابا، وقد ~~يحسن الشي ء شرعا ويقبح مثله المساوي له في جميع الصفات النفسية، ms237 فمعنى ~~الحسن ما ورد الشرع بالثناء على فاعله ومعنى القبيح ما ورد الشرع بذم ~~فاعله، وإذا ورد الشرع بحسن وقبح لم يقتض قوله صفة للفعل وليس الفعل على ~~صفة يخبر الشرع عنه بحسن وقبح ولا إذا حكم به ألبسه صفة فيوصف به حقيقة ~~وكما أن العلم لا يكسب المعلوم صفة ولا يكتسب عنه صفة كذلك القول الشرعي ~~والأمر الحكمي لا يكسبه صفة ولا يكتسب عنه صفة، وليس لمتعلق القول من القول ~~صفة كما ليس لمتعلق العلم من العلم صفة. # وخالفنا في ذلك الثنوية والتناسخية والبراهمة والخوارج والكرامية ~~والمعتزلة فصاروا إلى أن العقل يستدل به حسن الأفعال وقبحها على معنى أنه ~~يجب على الله الثواب والثناء على الفعل الحسن ويجب عليه الملام والعقاب على ~~الفعل القبيح والأفعال على صفة نفسية من الحسن والقبيح، وإذا ورد الشرع بها ~~كان مخبرا عنها لا مثبتا لها، ثم من الحسن والقبح ما يدرك عندهم ضرورة ~~كالصدق المفيد والكذب الذي PageV01P208 ~~لا يفيد فائدة، ومنها ما يدرك نظرا بأن يعتبر الحسن والقبح في الضروريات، ~~ثم يرد إليها ما يشاركها في مقتضياتها ثم يرتبون على ما ذكرناه قولهم في ~~الصلاح والأصلح واللطف والثواب والعقاب. # وقد فرق أبو الحسن الأشعري بين حصول معرفة الله تعالى بالعقل وبين وجوبها ~~به فقال: المعارف كلها إنما تحصل بالعقل لكنها تجب بالسمع وإنما دليله في ~~هذه المسألة لنفي الوجوب التكليفي بالعقل لا لنفي حصول العقلي عن العقل. # قال أهل الحق: لو قدرنا إنسانا قد خلق تام الفطرة كامل العقل دفعة واحدة ~~من غير أن يتخلق بأخلاق قوم ولا تأدب بآداب الأبوين ولا تزيا بزي الشرع، ~~ولا تعلم من معلم، ثم عرض عليه أمران أحدهما: أن الاثنين أكثر من الواحد، ~~والثاني: أن الكذب قبيح بمعنى أنه يستحق من الله تعالى لوما عليه لم يشك ~~أنه لا يتوقف في الأول، ويتوقف في الثاني ومن حكم بأن الأمرين سيان بالنسبة ~~إلى عقله خرج عن قضايا العقول وعاند عناد الفضول أو لم يتقرر عنده أن الله ~~تعالى ms238 لا يتضرر بكذب، ولا ينتفع بصدق، فإن القولين في حكم التكليف على ~~وتيرة واحدة، ولم يمكنه أن يرجح أحدهما على الثاني بمجرد عقله. # والذي يوضحه: أن الصدق والكذب على حقيقة ذاتية لا تتحقق ذاتهما إلا بأن ~~كانت تلك الحقيقة مثلا كما يقال إن الصدق إخبار عن أمر على ما هو به والكذب ~~إخبار عن أمر على خلاف ما هو به ونحن نعلم أن من أدرك هذه الحقيقة عرف ~~التحقق ولم يخطر بباله كونه حسنا أو قبيحا فلم يدخل الحسن والقبيح إذا في ~~صفاتهما الذاتية التي تحققت حقيقتهما ولا لزمتهما في الوهم بالبديهة كما ~~بينا ولا لزمها في الوجود ضرورة فإن من الأخبار الصادقة ما يلام عليها ~~كالدلالة على نبي هرب من ظالم ومن الأخبار التي هي كاذبة ما يثاب عليها مثل ~~إنكار الدلالة عليه فلم يدخل كون الكذب قبيحا في حد الكذب ولا لزمه في ~~الوهم ولا لزمه في الوجود فلا يجوز أن يعد من الصفات الذاتية التي تلزم ~~النفس وجودا وعدما عندهم ولا يجوز أن يعد من الصفات التابعة للحدوث فلا ~~يعقل بالبديهة ولا بالنظر فإن النظري لا بد وأن يرد إلى الضروري البديهي، ~~وإذا لا بديهي فلا مرد له أصلا فلم يبق لهم إلا استرواح إلى عادات الناس من ~~تسمية ما يضرهم قبحا وما ينفعهم حسنا ونحن لا ننكر أمثال تلك الأسامي على ~~أنها تختلف بعادة قوم دون قوم وزمان وزمان ومكان ومكان وإضافة وإضافة، وما ~~يختلف بتلك النسب، والإضافات لا حقيقة لها في الذات، فربما يستحسن قوم ذبح ~~الحيوان وربما يستقبحه قوم وربما يكون بالنسبة إلى قوم وزمان PageV01P209 ~~ومكان حسنا وربما يكون قبيحا لكنا وضعنا الكلام في حكم التكليف بحيث يجب ~~الحسن فيه وجوبا يثاب عليه قطعا، ولا يتطرق إليه لوم أصلا، ومثل هذا لا ~~يمتنع إدراكه عقلا هذه هي طريقة أهل الحق على أحسن ما تقرر، وأوضح ما تحرر. # وقالت الطوائف المخالفات: نحن نعارض الأمرين اللذين عرضا على العقل ~~الصريح بأمرين آخرين نعرضهما عليه فنقول: العاقل ms239 إذا سنحت له حاجة وأمكن ~~قضاؤها بالصدق كما أمكن قضاؤها بالكذب بحيث تساويا في حصول الغرض منهما كل ~~التساوي كان اختياره الصدق أولى من اختياره الكذب فلو لا أن الكذب عنده على ~~صفة يجب الاحتراز عنه وإلا لما رجح الصدق عليه. # قالوا: وهذا الفرض في حق من لم تبلغه الدعوة أو في حق من أنكر الشرائع ~~حتى لا يلزم كون الترجيح بالتكليف وعن هذا صادفنا العقلاء يستحسنون إنقاذ ~~الغرقى وتخليص الهلكى ويستقبحون الظلم والعدوان. # وأوضح من هذا كله أنا نفرض الكلام في عاقلين قبل ورود الشرع يتنازعان في ~~مسألة تنازع النفي والإثبات، فلا شك أنهما يقسمان الصدق والكذب ثم ينكر ~~أحدهما على صاحبه قوله إنكار استقباح ويقرر كلامه تقرير استحسان حتى يفضي ~~الأمر بينهما من الإنكار قولا إلى المخاصمة فعلا، وينسب كل واحد منهما ~~صاحبه إلى الجهل، ويوجب عليه الاحتراز عنه ويدعوه إلى مقالته ويوجب عليه ~~التسليم، فلو كان الحسن والقبيح مرفوضا من كل جهة لارتفع التنازع وامتنع ~~الإقرار والإنكار. # وقولكم: مثل هذا في العادة جائز جاز ولكنه في حكم التكليف ممتنع. # قلنا: ليس ذلك مجرد العادة بل هو العقل الصريح القاضي على كل مختلفين في ~~مسألة بالنفي والإثبات وما حسن في العقل حسن في الحكمة الإلهية، وما حسن في ~~الحكمة وجب وجوب الحكمة لا وجوب التكليف فلا يجب على الله تعالى شي ء ~~تكليفا ولكن يجب له من حيث الحكمة تقريرا أو تدبيرا. # قالوا: لو رفعنا الحسن والقبح من الأفعال الإنسانية ورددناهما إلى ~~الأقوال الشرعية بطلت المعاني العقلية التي نستنبطها من الأصول الشرعية حتى ~~لا يمكن أن يقاس فعل على فعل وقول على قول ولا يمكن أن يقال لم ولأنه إذ لا ~~تعليل للذوات ولا صفات للأفعال التي هي عليها حتى يربط بها حكم مختلف فيه، ~~ويقاس عليها أمر متنازع فيه، وذلك رفع الشرائع بالكلية من حيث إثباتها ورد ~~الأحكام الدينية من حيث قبولها. # وزادت الفلاسفة على المعتزلة حجة وتقريرا قالوا: قد اشتمل الوجود على خير ~~مطلق وشر مطلق ms240 وخير وشر ممتزجين فالخير المطلق مطلوب العقل لذاته والشر PageV01P210 ~~المطلق مرفوض العقل لذاته والممتزج فمن وجه ومن وجه ولا يشك العاقل في أن ~~العلم بجنسه ونوعه خير محمود ومطلوب والجهل لجنسه ونوعه شر مذموم غير مطلوب ~~وكل ما هو مطلوب العقل فهو مستحسن عند العقلاء وكل ما هو مهروب العقل فهو ~~مستقبح عند الجمهور والفطرة السليمة داعية إلى تحصيل المستحسن ورفض ~~المستقبح سواء حمله عليه شارع أو لم يحمله ثم الأخلاق الحميدة والخصال ~~الرشيدة من العفة والجود والشجاعة والنجدة مستحسنات فعلية وأضدادها ~~مستقبحات علمية، وكمال حال الإنسان أن تستكمل النفس قوتي العلم الحق والعمل ~~الخير تشبيها بالإله تعالى والروحانيات العلوية بحسب الطاقة والشرائع إنما ~~ترد بتمهيد ما تقرر في العقول لا بتغييرها، لكن العقول الجزئية لما كانت ~~قاصرة عن اكتساب المعقولات بأسرها عاجزة عن الاهتداء إلى المصالح الكلية ~~الشاملة لنوع الإنسان وجب من حيث الحكمة أن يكون بين الناس شرع يفرضه شارع ~~يحملهم على الإيمان بالغيب جملة ويهديهم إلى مصالح معاشهم ومعادهم تفصيلا ~~فيكون قد جمع لهم بين خصلتي العلم والعمل على مقتضى العقل وحملهم على ~~التوجه إلى الخير المحض والإعراض عن الشر المحض استبقاء لنوعهم واستدامة ~~لنظام العالم، ثم ذلك الشارع يجب أن يكون من بينهم مميزا بآيات تدل على ~~أنها من عند ربه راجحا عليهم بعقله الرزين ورأيه المتين ولفظه المبين وحدسه ~~النافذ وبصره الناقد وخلقه الحسن وسمته الأرصن يلين لهم في القول ويشاورهم ~~في الأمر ويكلمهم على مقادير عقولهم ويكلفهم بحسب طاقتهم ووسعهم كما ورد في ~~الكتاب ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن ~~[النحل: 125]. # قالوا: وقد أخطأت المعتزلة حيث ردوا القبح والحسن إلى الصفات الذاتية ~~للأفعال وكان من حقهم تقرير ذلك في العلم والجهل إذا الأفعال تختلف ~~بالأشخاص والأزمان وسائر الإضافات وليست هي على صفات نفسية لازمة لها لا ~~تفارقها البتة. # وأخطأت الأشعرية: حيث رفعتهما عن العلم الذي ليس في نوعه ذميم وعن الجهل ~~الذي ليس في نوعه حميد إذ السعادة والشقاوة ms241 الأبدية مخصوصتان بهما مقصورتان ~~عليهما، والأفعال معينات أو مانعات بالعرض لا بالذات وتختلف بالنسبة إلى ~~شخص وشخص وزمان وزمان. # ثم زادت الصابئة على الفلاسفة بأن قالوا: كما كانت الموجودات في العالم ~~السفلي مرتبة على تأثير الكواكب والروحانيات التي هي مدبرات للكواكب وفي PageV01P211 ~~اتصالاتها نظر نحس وسعد وجب أن يكون في أثرها حسن وقبح في الخلق والأخلاق ~~والعقول الإنسانية متساوية في النوع فوجب أن يدركها كل عقل سليم وطبع قويم ~~ولا تتوقف معرفة المعقولات على من هو مثل ذلك العاقل في النوع ما هذا إلا ~~بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم [المؤمنون: 24]، فنحن لا نحتاج إلى من ~~يعرفنا حسن الأشياء وقبحها وخيرها وشرها ونفعها وضرها وكما كنا نستخرج ~~بالعقول من طبائع الأشياء منافعها ومضارها، كذلك نستنبط من أفعال نوع ~~الإنسان حسنها وقبحها، فنلابس ما هو حسن منها بحسب الاستطاعة، ونجتنب ما ~~قبح منها بحسب الطاقة فلا نحتاج إلى شارع متحكم على عقولنا بما يهتدي ولا ~~يهتدي أبشر يهدوننا [التغابن: 6]، ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا لخاسرون ~~[المؤمنون: 34]، فهذه مقالة القوم ولها شرح ذكرناه في كتابنا الموسوم ~~بالملل والنحل. # وزادت التناسخية على الصابئة بأن قالت: نوع الإنسان لما كان موصوفا بنوع ~~اختيار في أفعاله مخصوصا بنطق وعقل في علومه وأحواله ارتفع عن الدرجة ~~الحيوانية استسخارا لها، فإن كانت أعماله على مناهج الدرجة الإنسانية ~~ارتفعت إلى الملكية أو إلى النبوة وإن كانت على مناهج الدرجة الحيوانية ~~انخفضت إلى الحيوانية أو إلى أسفل وهو أبدا في أحد أمرين إما فعل الجزاء أو ~~جزاء على فعل كما يقولون كرد وباداشت فما بالنا نقول محتاج في أفعاله ~~وأحواله إلى شخص مثله يقبح ويحسن فلا العقل يحسن ويقبح ولا الشرع لكن حسن ~~أفعاله جزاء على حسن أفعال غيره وقبح أفعاله كذلك وربما يصير حسنها وقبحها ~~صورا حيوانية، وربما يصير الحسن والقبح في الحيوانية أفعالا إنسانية وليس ~~بعد هذا العالم جزءا يحكم فيه ويحاسب ويثاب ويعاقب «1». # وزادت البراهمة على التناسخية بأن قالوا: نحن لا نحتاج إلى شريعة وشارع ms242 ~~أصلا، فإن ما يأمر به النبي صلى الله عليه وسلم لا يخلو إما أن يكون معقولا ~~أو لا يكون معقولا، فإن كان معقولا، فقد استغنى بالعقل عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم وإن لم يكن معقولا لم يكن مقبولا. # أجاب أهل الحق عن مقالة كل فرقة فقالوا للمعتزلة المعارضة غير صحيحة، فإن ~~ما ذكرناه من الفرق بين العلم بأن الاثنين أكثر من الواحد، والحكم بأن ~~الكذب قبيح ظاهر لا مراء فيه وما ذكرتموه غير مسلم، فإنه يستوي عند صاحب ~~الحاجة طرفا PageV01P212 ~~الصدق والكذب وإن اختار الصدق لم يكن اختياره أمرا ضروريا ولا يقارنه العلم ~~بوجوب اختياره ضرورة ولو استروح إليه فلداع أو اعتياد أو غرض يحمله على ذلك ~~ومن استوى عنده الصدق والكذب في الملام في الحال والعقاب في ثاني الحال لم ~~يرجح أحدهما على الثاني لأمر في ذاته. # وأما استحسان العقلاء إنقاذ الغرقى واستقباحهم للعدوان فلطلب ثناء يتوقع ~~منهم على ذلك الفعل وذم على الفعل الثاني ومثل هذا قد سلمناه ولكنا فرضنا ~~القول في حكم التكليف هل يستحق على الله ثواب وعقاب بعد أن علم أنه لا ~~يلحقه ضرر ولا نفع من فعله. # وأما المتنازعان بالنفي والإثبات في أمر معقول قبل ورود الشرع وإنكار كل ~~واحد منهما على صاحبه فمسلم لكن الكلام وقع في حق الله تعالى هل يجب عليه ~~أن يمدح ويذم ويثيب ويعاقب على ذلك الفعل وذلك غيب عنا فبم يعرف أنه يرضى ~~عن أحدهما ويثيبه على فعله ويسخط على الثاني ويعاقبه على فعله ولم يخبر عنه ~~مخبر صادق ولا دل على رضاه وسخطه فعل ولا أخبر عن محكومه ومعلومه مخبر ولا ~~أمكن أن تقاس أفعاله على أفعال العباد فإنا نرى كثيرا من الأفعال تقبح منا ~~ولا تقبح منه كإيلام البري ء وإهلاك الحرث والنسل إلى غير ذلك وعليه يخرج ~~إنقاذ الغرقى والهلكى فإن نفس الإغراق والإهلاك يحسن منه تعالى ولا يقبح ~~وذلك منا قبيح والإنقاذ إن كان حسنا فالإغراق يجب أن يكون قبيحا فإن قدر في ms243 ~~ضمن إهلاكه سر لم نطلع عليه أو غرض لم نوصله إليه إلا به فليقدر في إهلاكنا ~~كذلك والفعل من حيث الصفات النفسية واحد فلم قبح من فاعل وحسن من فاعل. # وأما ما قدروه من تنازع المتنازعين في مسألة عقلية فذلك لعمري من ~~مستحسنات العقول من حيث إن أحدهما علم والثاني جهل لا من حيث إن أحدهما ~~مكتسب له مستوجب على كسبه ثوابا على الله تعالى لأنهما وإن اقتسما صدقا ~~وكذبا وعلما وجهلا لم يستوجبا بشروعهما في النظر ومخاصمتهما على تجاذب ~~الكلام على الله تعالى ثوابا وعقابا ولم يعرف بمجرد المناظرة أن حكم الله ~~في حقهما إذا كان الشروع جائزا أو محرما بل يتعارض الأمر بين الجواز ~~والتحريم فوجه الجواز فيه أنه اشتغال بالنظر والنظر متضمن للعلم والعلم ~~محمود لنفسه وجنسه والطريق المحمود محمود ووجه التحريم فيه إنه تصرف في ملك ~~الغير بغير إذنه واشتغال بالنظر وهو مخاطرة وربما يخطئ وربما يصيب وإن أخطأ ~~فربما يحصل له الجهل والجهل مذموم لجنسه ونفسه فمن هذا الوجه أوجب العقل ~~التوقف ومن ذلك الوجه أوجب الشرع PageV01P213 ~~والأمر فيه متعارض وما يستقبح أحدهما من الثاني ليس استقباحا يتنازع فيه. # وقولهم: ما يحسن من العقل يحسن من حيث الحكمة فيجب على الله حكمة لا ~~تكليفا. # قلنا: ما المعني بقولكم يجب على الله تعالى من حيث الحكمة؟ وما معنى ~~الحكيم والحكمة؟ فإن عندنا وقوع الفعل على حسب العلم حكمة سواء كان فيه ~~مصلحة وغرض أو لم يكن بل لا حامل للمبدع الأول على ما يفعله فلو كان ~~فالحامل فوقه والداعي أعلى منه بل فعله وصنعه على هيئة يحصل منها نظام ~~الموجودات بأسرها من غير أن يكون له حامل من خارج وغرض وداع من الغير ~~والحكيم من فعل فعلا على مقتضى علمه والحسن الإحكام في الفعل من آثار العلم ~~وأما الغير إذا فعلا مستحسنا عنده من غير إذن المالك فليس من الحكمة وجوب ~~المجازاة على ذلك الفعل خصوصا والمالك لم ينتفع بذلك المستحسن ولا اكتسب ~~زينة وجمالا والحال ms244 عنده إن فعل وإن لم يفعل على وتيرة واحدة. وبقى أن يقال ~~إذا لم يرجع إلى المالك نفع ولا ضرر فربما يرجع إلى الفاعل في الحال مشقة ~~وكلفة مع جواز أن يخطئ فيعاقب في ثاني الحال حساب وكتاب مع جواز أن يثاب ~~على الصواب فأي عقل يخاطر هذه المخاطرة ويقتحم هذا الاقتحام وإن رجعوا إلى ~~عادات الناس في شكر المنعم والثناء على المحسن والتعبد للمالك والعباد ~~للملوك أنها من مستحسنات العقول. # والجواب عنه من وجهين أحدهما أن العادة لا تكون دليلا عقليا يلزم الحكم ~~به ضرورة بل العادات متعارضة والشكر والكفر سيان في حق من لا ينتفع بشكر ~~ولا يتضرر بكفر والثاني أن الشكر على النعمة لا يستوجب بسببه نعمة أخرى بل ~~هو قضاء لواجب ثبت عليه إذا أدى ما وجب عليه لم يستوجب بذلك زيادة نعمة فلا ~~يجب على الله تعالى ثواب بسبب شكر النعمة ولهذا نقول من أنفق جميع عمره في ~~شكر سلامة عضو واحد كان يعد مقصرا فإذا قابل قليل شكره بكثير نعم الله ~~تعالى كيف يكون يعد موفرا وكيف يستحق على المنعم زيادة نعمه وكذلك حكم جميع ~~العبادات في مقابلة النعم المسابقة قليل في كثير ولا يستوجب بسببها ثواب. # ثم نقول الواجب في حق الله تعالى غير معقول على الإطلاق والاستحقاق للرب ~~على العبد غير مستحيل حمله فإنه ما من وقت من الأوقات إلا ويتقلب العبد في ~~نعم كثيرة من نعم الله تعالى ابتداء بأجزل المواهب وأفضل العطايا من حسن ~~الصورة وكمال الخلقة وقوام البنية وإعداد الآلة وإتمام الأداة وتعديل ~~القناة نعم وما متعه به من أرواح الحياة وفضله به من حياة الأرواح وما كرمه ~~به من قبول العلم وآدابه وهدايته PageV01P214 ~~إلى معرفته التي هي أسنى جوائزه وحبائه وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها ~~[إبراهيم: 34]، فلا ابتداء الإنعام واجب عليه فعلا ولا إذا قابل نعمة بشكر ~~يسير كان الثواب واجبا عليه لأنه يعد مقصرا في أداء شكر ما أنعم عليه فكيف ~~يستحق نعمة أخرى فمن هذا ms245 الوجه لا يثبت قط استحقاق العبد ولا يتحقق قط ~~وجوبه على الرب ثم إن سلم تسليم جدل أنه يستحسن من حيث العادة الشكر على ~~النعم فكذلك يستحسن من حيث العادة أن يتقابل العوضان ويتماثل الأمران قدرا ~~وزمانا ولا يتصور أن يقع التقابل والتماثل بين أكثر كثير النعيم وبين أقل ~~قليلها ولا يتحقق التعاوض بين سرمدي الوجود دواما وبين ما لا يثبت له وجود ~~إلا لحظة أو خطرة أو لفظة كما يقتضي العقل إيجاب الشي ء في مقابلة شي ء ~~مكافأة وجزاء كذلك يقتضي اعتبار قدر الشي ء في مقابلة قدر وبالاتفاق لم ~~يعتبر القدر فيجب أن لا يعتبر الأصل فإن كنا نستفيد الوجوب من العقل ونعتبر ~~العقل بالعادة فهذا هو قضية العقل والعادة صدقا فكيف يثبت مثله استحقاق ~~العبد وجوبا على الله تعالى. # وأما الوجوب على العبد والاستحقاق لله تعالى فليس من قضايا العقل والعادة ~~أيضا فإنه إذا لم يتضرر بمعصية ولا ينتفع بطاعة ولم تتوقف قدرته في الإيجاد ~~على فعل واحد وحال يصدر من الغير فيستعين به بل كما أنعم ابتداء قدر على ~~الإنعام دواما كيف يوجب على العبد عبادة شاقة في الحال لارتقاب ثواب في ~~ثاني الحال أليس لو رمي إليه زمام الاختيار حتى يفعل ما يشاء جريا على نسق ~~طبيعته المائلة إلى لذيذ الشهوات ثم أجزل في العطاء من غير حساب كان ذلك ~~أروح للعبد وما كان قبيحا عند العقلاء. # ثم نقول من رأس مواجب العقول في أصل التكليف متعارضة الأصول فإنا نطالب ~~الخصم بإظهار وجه الحسن في أصل التكليف والإيجاب عقلا أو شرعا وقد علم أن ~~لا يرجع إلى المكلف خير وشر ونفع وضر وزين وشين وحمد وذم وجمال ونكال وإن ~~كانت ترجع هذه المعاني إلى المكلف لكن المكلف قادر على إسباغ النعم عليهم ~~من غير سبق التكليف فتعارض الأمران أحدهما أن يكلفهم فيأمرهم وينهاهم حتى ~~يطاع ويعصى ثم يثيب ويعاقب على فعلهم والثاني أن لا يكلفهم بأمر ونهي إذ لا ~~يتزين منهم بطاعة ولا يتشين ms246 منهم بمعصية ولا يثيب ثوابا على فعل ولا يعاقب ~~عقابا على فعل بل ينعم دواما كما أنعم ابتداء أليس العقل الصريح يتحير في ~~هذين المتعارضين ولا يهتدي إلى اختيار أحدهما حقا وقطعا فكيف يعرفنا وجوبا ~~على نفسه بالمعرفة وعلى قالبه بالطاعة أم كيف يعرفنا وجوبا على الفاطر ~~الباري تعالى بالثواب PageV01P215 ~~والعقاب خصوصا على أصل المعتزلة فإن التكليف والأمر والإيجاب من الله تعالى ~~مجاز في العقل إذ لا يرجع إلى ذاته صفة يكون بها آمرا مكلفا بل هو عالم ~~قادر فاعل للأمر كما هو فاعل الخلق والعقل إنما يعرفه على هذه الصفة ~~ويستحيل أن يعرفه أنه يقتضي ويطلب منه شيئا ويأمر وينهى بشي ء فغاية العقل ~~أن يعرفه على صفة يستحيل عليه الاتصاف بالأمر والنهي فكيف يعرفه على صفة ~~يريد منه طاعة يستحق عليها ثوابا ولا يريد منه معصية يستحق عليها عقابا ولا ~~طاعة ولا معصية إذ لا أمر ولا نهي إذ لم يبعث بعد نبيا فيخلق لأجله كلاما ~~في شجرة فيسمعه ولو خلق لنفسه كلاما فهو مسموع كل الحد ولا له في ذاته كلام ~~يمكن أن يستدل عليه كسائر صفات ذاته بل أمره ونهيه من صفات فعله بشرط أن لا ~~يدل أمره المفعول المصنوع على صفة في ذاته فهو مدلول أمره ونهيه إذ خلق في ~~شجرة افعل لا تفعل لا يدل ذلك على صفة غير كونه عالما قادرا فليعرف من ذلك ~~أن من نفى الأمر الأزلي لم يمكنه إثبات التكليف على العبد ولا أمكنه إثبات ~~حكم في أفعال العباد من حسن أو قبح ويؤدي ذلك إلى نفي الأحكام الشرعية ~~المستندة إلى قول من ثبت صدقه بالمعجزة فضلا عن العقلية المتعارضة المستندة ~~إلى عادات الناس المختلفة بالإضافة والنسب وكثيرا ما نقول من نفى قول الله ~~فقد نفى الفعل فصار من أوحش الجبرية أعني أثبت جبرا على الله تعالى وجبرا ~~على العبد من نفى إكساب العباد فقد نفى قول الله صار من أوحش القدرية أعنى ~~قدرا على الله وقدرا على العبد والقدرية ms247 جبرية من حيث نفي الكلام والقول ~~والأمر والجبرية قدرية من حيث نفي الفعل والكسب والمأمور به فليتنبه لهذه ~~الدقيقة. # وأما ما ذكروه من جواز التنازع بين مختلفين في مسألة عقلية وإنكار أحدهما ~~على صاحبه واستقباح مذهبه مسلم ولكن النزاع في أمر وراءه وهو أنه هل يجب ~~على المتنازعين الشروع في تلك المسألة وجوبا يستحق به ثوابا وإذا حصل على ~~علم فهل يستحق به ثواب الأبد وإذا حصل على جهل فهل يصير به مستحقا لعقاب ~~الأبد فما دليلكم على نفس المتنازع وقد عرفتم أن الأمر فيه غيب والإذن فيه ~~من المالك غير موجود وفي التصرف خطر ومن المعلوم أن من خاض لجة البحر ليطلب ~~درة وهو غير حاذق الصنعة كان على خطر الهلاك وربما يصير ملوما من جهة مالكه ~~إن كان عبدا أو مغرما من جهة صاحب المال إن كان شريكا ثم الاستقباح ~~والاستحسان والإنكار والإقرار متعارضان عند الخصمين فإن كل واحد منهما ~~يستحسن ما يستقبحه صاحبه بناء على إنكاره وقل ما يتفق ارتفاع النزاع بينهما ~~إلا بقاض يكون حكمه في الأمر وراء حكمهما وعقله أرجح من عقلهما يتحاكمان ~~إليه وذلك هو الذي ينفي الحسن PageV01P216 ~~والقبح من حيث العادة ويثبت الحسن والقبح من حيث التكليف. # وأما ما ذكروه من رفع المعاني المعقولة في مجاري الحركات التكليفية ~~والأحكام الشرعية فذلك لعمري مشكل في المسألة. # والجواب عنه من وجهين أحدهما أن نقول ما من معنى يستنبط من فعل وقول لربط ~~حكم إلا ومن حيث العقل يعارضه معنى آخر يساويه في الدرجة أو يفضل عليه في ~~المرتبة فيتحير العقل في الاختيار إلى أن يرد شرع يختار أحدهما اعتبارا ~~فحينئذ يجب على العاقل اعتباره واختياره. # ونضرب له مثلا فنقول إذا قتل إنسان إنسانا مثله فيعرض للعقل الصريح هاهنا ~~آراء مختلفة كلها متعارضة أحدها أن يقتل به قصاصا ردعا للعاتي من كل مجترئ ~~وفيه استبقاء نوع الإنسان وتشف للغيظ من كل قريب وفيه استطابة نفس الإنسان ~~ويعارضه معنى آخر وهو أنه إتلاف في مقابلة إتلاف وعدوان ms248 بإزاء عدوان ولا ~~يحيا الأول بقتل الثاني وإن كان في الردع إبقاء بالتوقع والتوهم ففي القصاص ~~إهلاك الشخص بناجز الحال والتحقيق وربما يعارضه معنى ثالث وراءهما فيفكر ~~العقل أيراعي شرائط أخرى سوى مجرد الإنسانية من العقل والبلوغ والعلم ~~والجهل أم من الدين والطاعة أم من النسب والجوهر، فيتحير العقل كل التحير ~~فلا بد إذا من شارع يقرر من المعاني ما وجب على العبد وحيا وتنزيلا وأنها ~~كلها رجعت إلى استنباط عقلك ووضع ذهنك من غير أن كان الفعل مشتملا عليها ~~فإنها لو كانت صفات نفسية لاشتملت حركة واحدة على صفات متناقضة وأحوال ~~متنافرة، وليس معنى قولنا: إن العقل يستنبط منها أنها كانت موجودة في الشي ~~ء يستخرجها العقل بل العقل تردد بين إضافات الأحوال بعضها إلى بعض ونسب ~~الأشخاص والحركات نوعا إلى نوع وشخصا إلى شخص فطري مثله من تلك المعاني ما ~~حكيناه وأحصيناه وربما يبلغ إلى ما لا يحصى فعرف بذلك أن المعاني لم ترجع ~~إلى الذوات بل إلى مجرد الخواطر الطارئة على العقل وهي متعارضة. # والجواب الثاني: أن نقول لو كان الحسن والقبح والحلال والحرام والوجوب ~~والندب والإباحة والحظر والكراهة والطهارة والنجاسة راجعة إلى صفات نفسية ~~للأعيان أو الأفعال لما تصور أن يرد الشرع بتحسين شي ء وآخر بتقبيحه ولما ~~تصور نسخ الشرائع حتى يتبدل حظر بإباحة وحرام بحلال وتخير بوجوب ولما كان ~~اختلفت الحركات بالنسبة إلى الأوقات تحريما وتحليلا أليس الحكم في نكاح ~~الأخت للأب والأم في شرع أبينا آدم عليه السلام بخلاف الحكم في الجمع بين ~~الأختين المتباعدتين PageV01P217 ~~في شرع نبينا محمد صلى الله عليه وسلم كيف حل ذلك على اتحاد اللحمة، وحرم ~~هذا على تباعد اللحمة ونحن فربما نتجوز فنضيف الحرام والحلال إلى الأعيان ~~فنقول الخمر حرام والكلب نجس والماء طاهر وهذا يحرم لعينه، وهذا يحرم لغيره ~~وهذا نجس العين وهذا نجس بعارض وكل ذلك يجوز في العبادة وإلا فهي كلها ~~أحكام شرعية نزلت منزلة صفات عقلية وأضيفت إلى الأعيان والأفعال إضافة ~~حكمية والحسن والقبح ms249 في الصدق والكذب كالحلال والحرام في الزنا والنكاح ~~وكالجواز والحظر في البيع والربا. # وقد تمسك الأستاذ أبو إسحاق بطريق لا بأس به فقال: صحة كون الضدين مرادا ~~على البدل يوجب التوقف مثاله من خاف التلف من شيئين على البدل ولم يكن له ~~دليل يدل على أحدهما بالتعيين يوجب التوقف في الأمرين. # وقال أيضا: العقل يقضي بأن من له الإيجاب، والإيجاب حقه فصاحب الحق له أن ~~يطلب، وله أن لا يطلب سيما إذا كان مستغنيا عن المطالبة به وعن تحصيله له ~~وقبل الرسالة لا سبيل إلى معرفة مطالبته للعبد بحقه، فإنه ربما يطالب وربما ~~يتفضل بالإسقاط فيتوقف العقل في ذلك وهذا كله من قبيل تعارض الأدلة في ~~العقل لكن الخصم يعتذر عن هذا ويقول أحد الطريقين آمن على الحقيقة، والثاني ~~مخوف والأخذ بالآمن أولى، فإنه إن أخذ بأنه ربما يطالبه بحقه فإذا أدى حقه ~~أمن من المعاقبة وإن أخذ بأنه ربما يتفضل خاف لأنه ربما لا يتفضل فإنما ~~يستقيم أن لو كان التعارض متساوي الطرفين من كل وجه فيتوقف العقل ضرورة. # وقال الأستاذ: الشكر يتعب الشاكر ولا ينتفع المشكور فلا فائدة في فعله ~~لاستواء فعله وتركه. # قال الخصم: الشكر ينفع الشاكر ولا يضر المشكور فوجب فعله لترجيح نفعه على ضره. # قال الأستاذ ربما يضر الشاكر لأنه قابل كثير نعم الله تعالى بقليل شكره ~~ولا شك أن من أنعم على إنسان بكثير من النعم خطيره وحقيره فأخذ الحقير يشكر ~~عليه عد من السفه ووجب اللوم عليه وضرب له حديث الرغيف المعروف. # قال الخصم: ليس الشاكر من يقتصر على بعض النعم أو على الحقير منها بل ~~الشاكر من يستوعب بشكره جميع النعم ثم ربما يخص بعضها بالذكر تنبيها على ~~الباقي. # قال الأستاذ: التعرض لمقابلة النعم بالشكر كفر فإنه رأى المقابلة جزءا ~~وكفاء وقط لا يكافئ نعم الله التي لا تحصى بالشكر فإنه إن أوقع شكره في ~~مقابلة نعمه على أنه يكافئه لئلا يكون تحت منه فهو كفران محض، وإن كان على ~~أنه ينفعه ms250 كما انتفع به PageV01P218 ~~فهو كفران صريح، فلا النعمة تقبل المقابلة ولا المعاوضة ولا المنعم يقبل ~~النفع والضر، وكيف يحسن الشكر والشكر إنما ينفع الشاكر أن لو حصل على رضى ~~المشكور وإذنه فإذا لم يعرف رضاه وإذنه إلا بالسمع فلا يحسن الشكر إلا ~~بالشرع ولكن لما تربى الإنسان على مناهج الشرع ورأى أهل الدين يستحسنون ~~الشكر، وقرأ آيات تحسين الشكر ظن أن مجرد العقل يقضي بذلك. # أما الجواب عن مقالة الفلاسفة قولهم: إن الوجود قد اشتمل على خير محض وشر ~~محض وخير وشر ممتزجين فهو كلام من لم يتحقق الخير والشر ما هو؟ فما المعنى ~~بالخير أولا؟ فإن الخير يطلق على كل موجود عندكم وعلى هذا الشر يطلق على كل ~~معدوم وعلى هذا لم يستمر قولكم الوجود يشتمل على خير مطلق فكأنكم قلتم ~~اشتمل الوجود على الوجود وهو تكرار غير مفيد ولم يستتب قولكم وعلى شر مطلق ~~فإن الشر المطلق هو المعدوم والوجود كيف يشتمل على العدم فلم يصح التقسيم ~~رأسا على أنا إنما فرضنا المسألة في الحركات التي ورد عليها التكليف فإن ~~الخير والشر فيها هو المقصود بالحسن والقبح وقد ساعدتمونا على أن حكمها في ~~الأفعال غير معلوم بالضرورة ولا العقل يهتدي إليه بالنظر لأن ذلك يختلف ~~بالإضافات والأزمان فبقي قولكم العلم من حيث هو علم محمود وكل محمود مطلوب ~~لذاته والجهل بالعكس من ذلك فهو مسلم، ولكن الطالب إذا حصل له المطلوب فهل ~~يستوجب على الله ثوابا أم لا وإن لم يحصل بل حصل ضده هل يستوجب عقابا أم لا ~~لأن التنازع إنما وقع من حيث التكليف لا من حيث ذات الشي ء وصورته «1». # قالوا: معنى الجزاء عندنا ترتب سعادة وشقاوة أبدية على نفس عالمة أو ~~جاهلة كترتب صحة وسلامة في البدن على شرب دواء وذلك حاصل له بالضرورة ~~وكترتب مرض وألم في البدن على شرب سم وذلك حاصل له بالضرورة أيضا. # قيل: إذا كان سعادة النفس مترتبة على حصول قوى العلم والعمل وخروجهما من ~~القوة إلى فعل يحتاج ms251 إلى معاناة أمور شديدة ومقاساة أحوال عسيرة من تحصيل ~~المقدمات والوقوف على كيفية تأديها بالطلب أو المطلوب، ولم تكن الفطرة ~~الإنسانية بمجردها كافية في التحصيل وتعارض الأمر عند العقل يوقف العاقل ~~لئلا يقع في طريق يفضي به إلى الجهالة الموجبة للشقاوة فإن التوقف أولى من ~~اقتحام الخطر في المهالك، PageV01P219 ~~وأيضا فإن عندكم مخرج العقل من القوة إلى الفعل يجب أن يكون عقلا بالفعل ~~فإن العقل بالقوة لا يخرج العقل بالقوة فإنه بعد محتاج إلى مخرج، وليس هذا ~~بذاته يخرج ذاته من القوة إلى الفعل، وكما أن الممكن بذاته لا يترجح أحد ~~طرفي إمكانه على الثاني إلا بمرجح كذلك ما هو بالقوة فلا يخرج من القوة إلى ~~الفعل إلا بمخرج وكما أن المرجح على الحقيقة ما انتفى عنه وجوه الإمكان ~~كذلك المخرج على الحقيقة ما انتفى عنه وجه القوة كالمرجح لجانب الوجود على ~~العدم في الممكنات هو واجب الوجود بذاته والمخرج من القوة إلى الفعل هو ~~العقل الفعال فقد اعترفتم بأن لا خالق إلا الله ولا هادي إلى المعارف ولا ~~موجب للتكاليف المستدعية للجزاء إلا هو بتوسط العقل الأول الفعال والعقول ~~الجزئية بحكم مناسبتها العقل الأول ربما تشتمل منها صور المعارف فيعرف ~~الأوائل فطرة وبديهة ثم يرد إليها الثواني والثوالث نظرا وتفكرا حتى يخرج ~~إلى الفعل، وهذا على طريق الجواز والإمكان لا على طريق الوجوب والضرورة لكن ~~لا يعرف إيجابه وتكليفه على العموم إذ ليس لكل واحد من نوع الإنسان استعداد ~~الاستمداد منه من كل وجه بل واحد بعد واحد، فذلك هو النبي عندنا فلا تعرف ~~المعارف إلا بالعقل ولا تجب المعارف إلا بالسمع فلزمكم من حكم قاعدتكم هذه ~~ما أثبتناه وهو لازم ضرورة. # وأما الجواب عن مقالة الصابئة نقول أنتم منازعون في إثبات تأثيرات ~~الكواكب في الأجسام السفلية كل المنازعة ولنسلم لكم ذلك تسليم المساهلة ~~فالسعد والنحس لم يؤثر إلا في الحسن والقبح من حيث الخلقة وذلك غير متنازع ~~فيه وإنما النزاع بيننا في الحسن والقبح من حيث الأمر ولا ms252 شك أن الله تعالى ~~حكم في أفعال العباد بافعل ولا تفعل وعلى ذلك الحكم جزئ في الدار الآخرة. # فنقول ذلك الحكم غير معلوم ضرورة ولا استدلالا من حيث العقل فوجب التوقف ~~إلى أن يرد به سمع وما قالوه من نفي النبوة في الصورة البشرية فتقرر الحجة ~~عليه في إثبات النبوات وأما المنافع والمضار في الأشياء وكونها معلومة ~~بالعقل فغير مسلم على الإطلاق فإن طريقتها عند القوم وعند الطبيعيين ~~والأطباء هو التجربة والتجربة ما لم تتكرر لم تفد العلم والتكرار فيه غير ~~ممكن لاختلاف طبائع الأشياء بالنسبة إلى مزاج ومزاج وهواء وهواء وتربة ~~وتربة وقط لا تحصل التجربة في شي ء واحد باعتبار واحد وأيضا فإن الخواص ~~التي هي وراء كيفيات الأشياء وطبائعها ربما تخالف ما يحصل بالتجربة من ~~الطبائع والخواص عندهم من فيض النفس الكلية على ماهيات الأشياء وربما تحصل ~~آثار كثيرة من مجرد عدد يتركب من أعداد مخصوصة PageV01P220 ~~وربما تحصل آثار مختلفة من مجرد أمزجة تتركب من عناصر مخصوصة والمطلع على ~~الماهيات غير الباحث عن الكيفيات والكميات فلا بد إذا من إثبات شخص له ~~اطلاع على الكواكب وعلى ما وراء الكواكب حتى يكون الكل عنده كصورة واحدة ~~فتقرر للخاصية منافع الأشياء ومضارها من جهة الخواص ويحمل العامة على ~~التسليم ذلك جملة وسيأتي تقرير ذلك. # وأما الجواب عن مقالة التناسخية فطريق الرد عليهم أن نبطل مذهبهم في أصل ~~التناسخ وإنكار البعث في الآخرة فنقول أثبتم جزاء على كل فعل فهل تنتهي ~~الأفعال عندكم إلى جزاء محض وهل تبتدئ إلا جزية من فعل محض فإن قضيتم ~~بالتسلسل فذلك دور محض فإنه إن لم يكن فعل إلا جزاء ولا جزاء إلا على فعل ~~فلم يكن فعل وجزاء أصلا فإنه يتوقف كون الجزاء جزاء على سبق فعل ويتوقف كون ~~الفعل فعلا على سبق جزاء فيكون كل واحد منهما متوقفا على صاحبه فيكون حكمه ~~حكم توقف المعلول على العلة وتوقف العلة على المعلول وذلك محال فلا بد من ~~ابتداء بفعل أولي ليس بجزاء والانتهاء ms253 إلى جزاء آخر ليس بفعل وذلك تسليم ~~المسألة. # ثم نقول ما الدرجة العليا في الخير وما الدرجة السفلى في الشر عندكم ~~قالوا الدرجة العليا في الخير هي الملكية والنبوة والدرجة السفلى هي ~~الشيطانية والجنية. # فقيل لهم: لو قتل نبي حية فما ثوابه ولا درجة في الثواب فوق النبوة ولو ~~قتل جني نبيا فما عقابه ولا درجة في العقاب تحت الجنية فيجب أن يعرى أشرف ~~الطاعات عن الثواب وأكبر الكبائر عن العقاب. # ومما يبطل التناسخ رأسا إن كان مزاج استعد لقبول الصورة يلائمها من واهب ~~الصور فإذا فاضت عليه الصورة قارنتها صورة النفس المستحسنة لزم أن يكون ~~لبدن واحد نفسان وذلك محال. # وأما الجواب عن مقالة البراهمة سيأتي على استيفاء في مسألة إثبات النبوات ~~والرد عليهم فيما يليق بسؤالهم أن الذي يأتي به النبي معقول أو غير معقول. # نقول: ما يأتي به النبي معقول في نفسه أي جنسه معقول ويمكن أن يدركه ~~العقل وليس كل ما هو معقول الجنس يجب أن يعقله الإنسان، فإن العلم بخواص ~~الأشياء وماهيات الموجودات مما هو معقول الجنس وليس كل إنسان يدركه في ~~الحال فبطل التلبيس الذي تعلقوا به. PageV01P221 ### | AUTO القاعدة الثامنة عشرة في إبطال الغرض والعلة في أفعال الله ~~تعالى وإبطال القول بالصلاح والأصلح واللطف ومعنى التوفيق والخذلان والشرح ~~والختم والطبع ومعنى النعمة والشكر ومعنى الأجل والرزق «1» # مذهب أهل الحق: أن الله تعالى خلق العالم بما فيه من الجواهر والأعراض ~~وأصناف الخلق والأنواع لا لعلة حاملة له على الفعل سواء قدرت تلك العلة ~~نافعة له أو غير نافعة إذ ليس يقبل النفع والضر أو قدرت تلك العلة نافعة ~~للخلق إذ ليس يبعثه على الفعل باعث فلا غرض له في أفعاله ولا حامل بل علة ~~كل شي ء صنعه ولا علة لصنعه. # وقالت المعتزلة: الحكيم لا يفعل فعلا إلا لحكمة وغرض والفعل من غير غرض ~~سفه وعبث والحكيم من يفعل أحد أمرين إما أن ينتفع أن ينفع غيره ولما تقدس ~~الرب تعالى عن الانتفاع تعين أنه ms254 إنما يفعل لينفع غيره فلا يخلو فعل من ~~أفعاله من صلاح ثم الأصلح هل تجب رعايته قال بعضهم تجب كرعاية الصلاح وقال ~~بعضهم لا تجب إذ الأصلح لا نهاية له فلا أصلح إلا وفوقه ما هو أصلح منه ~~ولهم كلام في اللطف وتردد في وجوب ذلك «2». # وقد قالت الفلاسفة واجب الوجود لا يجوز أن يفعل فعلا لعلة لا ليحمد ~~ويتزين بالحمد والشكر ولا لينتفع أو يدفع الضرر ولا لأمر داع يدعوه ويحمله ~~على الفعل والعالي لا يريد أمرا لأجل السافل بل الأفعال صدرت عن المبادئ ~~الأول، وهي استندت إلى العقل الفعال وإنما أبدع العقل بلوازمه وأبدع بتوسطه ~~سائر الأشياء على وجه اللزوم عنه ضرورة إذ ليس يتصور وجود واجب الوجود إلا كذلك. # قالوا: إفادة الخير والصلاح من المنعم تنقسم إلى ما يكون لفائدة وغرض ~~يرجع إلى المفيد والفائدة تنقسم إلى ما هو مثل المبذول كمقابلة المال ~~بالمال وإلى ما ليس مثلا كمن يبذل المال رجاء للثواب والمحمدة أو اكتساب ~~صفة الفضيلة وطلب الكمال به وهذه أيضا معاوضة وليس بجود كما أن الأول ~~معاملة وليس بإنعام بل الجود والإنعام هو إفادة ما ينبغي من غير عوض وغرض ~~فالأول قد أفاد الجود على الموجودات كلها PageV01P222 ~~كما ينبغي على ما ينبغي من غير ادخار ممكن من ضرورة أو حاجة أو رقبة بحيث ~~لو قدر غيره من الممكنات الوهمية كان نقصا في ذلك الموضوع لا كمالا فكل ذلك ~~بلا عوض ولا فائدة وغيره يتصور أمرا ثم يعرض له احتياج إلى وجوده فيحتال ~~لوجوده ليتم غرضه به كمن يريد يبني دارا تصورها أولا ثم احتاج إليها ~~للاستكنان والسكنى احتال لوجودها آلاتها ليتم غرضه بها أو من يهب مالا أو ~~يعطي عطاء ابتداء أو عقيب سؤال يتصور في نفسه أولا اكتساب حمد وجزاء وحمله ~~على ذلك ضعف حال الفقير فرق له رقة الجنسية فأنعم عليه كان الحامل له على ~~النوال نفع يلحقه أو ضرر يدفعه وتعالى الخالق الأول عن ذلك، ولم يكن تصوره ~~وعلمه من المتصور ms255 المعلوم حتى يكون هو الحامل بل المتصور من العلم والمقدور ~~من القدرة هذا كلام القوم وهو حسن لو لا تشبيههم بأمور لا نرتضيها ~~والتزامهم أمورا لا نستقصيها «1». # فقال أهل الحق الدليل على أن الباري تعالى غني على الإطلاق إذ لو كان ~~محتاجا من وجه كان من ذلك الوجه مفتقرا إلى من يزيل حاجته فهو منتهى مطلب ~~الحاجات ومن عنده نيل الطلبات ولا يبيع نعمه بالأثمان، ولا يكدر عطاياه ~~بالامتنان، فلو خلق شيئا ما لعلة تحمله على ذاك أو لداعية تدعوه إليه أو ~~لكمال يكسبه أو حمد وأجر يحصله لم يكن غنيا حميدا مطلقا ولا برا جوادا ~~مطلقا بل كان فقيرا محتاجا إلى كسب. # والذي يقرره أن كل صلاح نقدره بالعقل بالنسبة إلى شخص عارضه صلاح فوق ذلك ~~أو فساد مثل ذلك بالنسبة إلى شخص آخر فلئن كان الصلاح يقتضي وجوده بالنسبة ~~إلى ذلك الشخص فالفساد يقتضي عدمه بالنسبة إلى شخص آخر، فالسم في أصحاب ~~السموم صلاح وفي غيرهم من الحيوانات فساد، فلو كان الصلاح اقتضى وجوده ~~فالفساد اقتضى عدمه وكما يختلف ذلك بالأشخاص يختلف الصلاح والفساد بالجزئي ~~والكلي ونحن لا ننكر أن أفعال الله تعالى اشتملت على خير وتوجهت إلى صلاح ~~وأنه لم يخلق الخلق لأجل الفساد ولكن الكلام إنما وقع في أن الحامل له على ~~الفعل ما كان صلاحا يرتقبه وخيرا يتوقعه بل لا حامل له وفرق بين لزوم الخير ~~والصلاح لأوضاع الأفعال وبين حمل الخير والصلاح على وضع الأفعال كما يفرق ~~فرقا ضروريا بين الكمال الذي يلزم وجود الشي ء وبين الكمال الذي يستدعي ~~وجود الشي ء فإن الأول فضيلة هي كالصفة اللازمة والثاني فضيلة كالعلة ~~الحاملة. # قالت المعتزلة: قد قام الدليل على أن الرب تعالى حكيم والحكيم من تكون ~~أفعاله على إحكام وإتقان، فلا يفعل فعلا جزافا، فإن وقع خيرا فخير وإن وقع شرا PageV01P223 ~~فشر بل لا بد وأن ينحو غرضا ويقصد صلاحا ويريد خيرا، ثم إن النفع ينقسم إلى ~~ما يرجع إلى الفاعل إن كان محتاجا ms256 إليه أو إلى غيره، وإن كان الفاعل غنيا ~~غير محتاج كإنقاذ الغرقى وتخليص الهلكى مستحسن في العقل، وربما لا يكون ~~المنقذ مكتسبا نفعا ومتوقعا حمدا أو أجرا، وعن ذلك ورد في بعض الكتب «ما ~~خلقت الخلق لأربح عليهم بل خلقتهم ليربحوا علي». # والذي يقرره: أن الحكمة في خلق العالم ظاهرة لمن تأملها بالعقل منصوصة ~~لمن طلبها في السمع. # أما العقل: فقد شهد بأن الحكمة في خلق العالم إظهار آيات ليستدل بها على ~~وحدانيته ويتوصل بها إلى معرفته فيعرف ويعبد ويستوجب به ثواب الأبد. # وأما السمع فآيات القرآن كثيرة منها قوله تعالى: وخلق الله السماوات ~~والأرض بالحق ولتجزى كل نفس بما كسبت [الجاثية: 22]، ولهذا صار كثير من ~~العقلاء إلى أن أول ما يخلقه الرب تعالى يجب أن يكون عاقلا مفكرا لأن خلق ~~شي ء من غير من ينظر فيه باعتبار ويتوسل إلى معرفة الباري تعالى باستبصار ~~عبث وسفه. # قالوا: وما ذكرناه لا ينافي الغنى بل هو كمال الغنى عن خلقه فإن كمال ~~الغنى لا يعرف إلا باحتياج كل العالم إليه واحتياج العالم إنما يعرفه ~~العالم فيستدل به على انفراده تعالى بغناه ولله تعالى في كل صنع من صنائعه ~~حكمة ظاهرة وآية تدل على وحدانيته باهرة لا تنكرها العقول السليمة ولا ينبو ~~عنها إلا الأوهام السقيمة. # قال أهل الحق مسلم أن الحكيم من كانت أفعاله محكمة متقنة وإنما تكون ~~محكمة إذا وقعت على حسب علمه وإذا حصلت على حسب علمه لم تكن جزافا ولا وقعت ~~بالاتفاق. # وقولكم: لا بد وأن ينحو غرضا ويريد صلاحا فما المعنى بالغرض وما المعنى ~~بالصلاح ولا يشك أنكم تفسرون الغرض باجتلاب نفع أو دفع ضرر إذ القادر الحق ~~على كل شي ء والغنى المطلق عن كل شي ء متقدس عن الضرر والنفع والألم واللذة ~~ويتعالى عن أن يكون محلا للحوادث قابلا للاستحالة والتغيرات، وإن فسرتموه ~~بنفع الغير وصلاحه فما النفع المطلق، وما الصلاح المطلق في خلق العالم ~~بأسره إن قلتم يستدل بوجود دلائله على وحدانيته. # قيل لكم: ms257 والحكيم إذا فعل فعلا لغرض معين وجب أن يحصل له ذلك الغرض من كل ~~وجه ولا يتخلف غرضه من وجه وإلا فينسب إلى الجهل والعجز ومن المعلوم PageV01P224 ~~أن الغرض الذي عينتموه لم يحصل إذا قدرتم خلق العالم في الأقل من العقلاء ~~وإن لم يقرر ذلك لم يحصل في الأكثر والغرض إذا كان معلقا على اختيار الغير ~~لم يصف عن شوائب الخلاف فلا يحصل على الإطلاق، ثم لو خلقهم ولم يكلفهم لا ~~عقلا ولا سمعا وفوض الأمر إليهم ليفعلوا ما أرادوا يتضرر بذلك أم يلحقه نقص ~~أو يثلم جلاله فعل أو ليست الطيور في الهواء والسوائم في الفلاة تغدو وتروح ~~من غير تكليف فما السر في تخصيص بني آدم بالتكليف ولم ينتفع به ولا يتضرر بضده. # قالوا: ليأتي المكلف بما أمر به فيثيبه عليه ويعوضه عما فات عليه ويكون ~~التذاذ المكلف بالثواب والعوض المرتبين على فعله أكثر من التذاذه بنفس ~~التفضل والكرم. # قيل يا لله!!: العجب من حكمة ما أشرفها، ومن سر ما أدقه تعبت عقولكم من ~~شدة التعمق في استخراج المعاني فقد عادت حكمة الله تعالى في خلق السموات ~~والأرض بما فيها إلى أن يكون التذاذ المكلف بثواب يناله على عمله أكثر من ~~التذاذه بتفضل يناله من غير عمل إنا إذا فحصنا عن الأغراض كان الغرض من خلق ~~العالم هو الاستدلال وكان الغرض من الاستدلال حصول المعرفة وكان الغرض من ~~حصول المعرفة وجوب الثواب وكان الغرض من الثواب حصول التفرقة بين لذتي ~~المقابلة والعطية فغرض الأغراض من خلق العالم بما فيه من الجواهر والأعراض ~~ما لا يجوز أن يكون غرضا لعاقل ولا يقدر الخالق على أن يخلق لذة في التفضل ~~أكثر مما يخلقها في الثواب واللذات كلها مخلوقة لله تعالى أولا ينادي ~~المكلف يا رب مغفرتك أوسع من ذنوبي ورحمتك أرجى عندي من عملي يا من لا ~~تنفعه المغفرة ولا تضره المعصية اغفر لي ما لا يضرك وأعطني ما لا ينفعك حتى ~~يكون ابتهاجي برحمتك ومغفرتك ألطف من التذاذي بمعرفتي ms258 وطاعتي أو لا يعد من ~~غاية اللؤم وركاكة الهمة أن يهدي فقير هدية حقيرة إلى ملك كبير سجيته البذل ~~والعطايا من غير سؤال وعرض هدية لنيل ثواب، ثم يوجب عليه العوض ويقول ~~التذاذي بما يقابل هديتي أكثر من عطاياك التي لا تحصى انظر كيف عادت الحكمة ~~الإلهية في خلق العالم بأسره عند القوم إلى أخس الدرجات في الهمة وأمس ~~الحاجات إلى المرمة بحيث لا يرتضيه عاقل لإرمام بيته الكثيف، فكيف يرتضيه ~~الفاطر لإحكام صنعه اللطيف فتعالى وتقدس. # وأما الآيات في مثل قوله تعالى: ولتجزى كل نفس بما كسبت [الجاثية: 22]، ~~فهي لام المآل وصيرورة الأمر وصيرورة العاقبة لا لام التعليل كما قال ~~تعالى: فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا [القصص: 8]، PageV01P225 ~~وقوله: جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله [القصص: 73]، ~~واعلم أنه كما لا تطرق لم إلى ذات الباري تعالى وصفاته لم تتطرق إلى صنائعه ~~وأفعاله حتى لا يلزم أن يجاب لأنه كذا أو لكونه كذا، فلا يقال: لم وجد ولم ~~كان العالم ولا يقال لم أوجد العالم ولم خلق العباد ولم كلف العقلاء ولم ~~أمر ونهى ولم قدر وقضى لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون [الأنبياء: 23]. # قالت المعتزلة: نحن على طريقين في وجوب رعاية الصلاح والأصلح فشيوخنا من ~~بغداد حكموا بأن الواجب في الحكمة لخلق العالم وخلق من يكون قابلا للتكليف ~~ثم استصلاح حاله بأقصى ما يقدر من إكمال العقل والأقدار على النظر والفعل ~~وإظهار الآيات وإزاحة العلل وكل ما ينال العبد في الحال والمآل من البأساء ~~والضراء والفقر والغنى والمرض والصحة والحياة والموت والثواب والعقاب فهو ~~صلاح له حتى تخليد أهل النار في النار صلاح لهم وأصلح فإنهم لو أخرجوا منها ~~لعادوا لما نهوا عنه وصاروا إلى شر من الأول وشيوخنا من البصرة صاروا إلى ~~أن ابتداء الخلق تفضل وإنعام من الله تعالى من غير إيجاب عليه لكنه إذا خلق ~~العقلاء وكلفهم وجب عليه إزاحة عللهم من كل وجه ورعاية الصلاح والأصلح في ~~حقهم بأتم وجه وأبلغ ms259 غاية. # قالوا: والدليل على المذهبين أن الصانع حكيم والحكيم لا يفعل فعلا يتوجه ~~عليه سؤال ويلزم حجة بل يزيح العلل كلها فلا يكلف نفسا إلا وسعها ولا يتحقق ~~الوسع إلا بإكمال العقل والإقدار على الفعل ولا يتم الغرض من الفعل إلا ~~بإثبات الجزاء ولتجزى كل نفس بما كسبت [الجاثية: 22] فأصل التخليق والتكليف ~~صلاح والجزاء صلاح وأبلغ ما يمكن في كل صلاح هو الأصلح وزيادات الدواعي ~~والصوارف والبواعث والزواجر في الشرع وتقدير ألطاف بعضها خفي وبعضها جلي ~~فأفعال الله تعالى اليوم لا تخلو من صلاح وأصلح ولطف وأفعال الله تعالى غدا ~~على سبيل الجزاء إما ثواب أو عوض أو تفضل فالصلاح ضد الفساد وكل ما عري عن ~~الفساد يسمى صلاحا وهو الفعل المتوجه إلى الخير من قوام العالم وبقاء النوع ~~عاجلا والمؤدي إلى السعادة السرمدية آجلا والأصلح هو إذا صلاحان وخيران ~~فكان أحدهما أقرب إلى الخير المطلق، فهو الأصلح واللطف هو وجه التيسير إلى ~~الخير وهو الفعل الذي علم الرب تعالى أن العبد يطيع عنده وليس في مقدور ~~الله تعالى لطف وفعل لو فعله لآمن الكفار، ثم الثواب هو الجزاء على الأعمال ~~الحسنة والعوض هو البدل عن الفائت كالسلامة التي هي بدل الألم والنعيم الذي ~~هو في مقابلة البلايا والرزايا والفتن PageV01P226 ~~والتفضل هو اتصال منفعة خاصة إلى الغير من غير استحقاق يستحق بذلك حمدا ~~وثناء ومدحا وتعظيما ووصف بأنه محسن مجمل وإن لم يفعله لم يستوجب بذلك ~~ملاما وذما وليس للمعتزلة فيما ذكروه مستند عقلي ولا مستروح شرعي إلا مجرد ~~اعتبار العادة في الشاهد وتشنيعا معقولا ثم اعتبار الغائب بالشاهد وهم في ~~الحقيقة مشبهة في الأفعال. # فألزمت الأشعرية عليهم إلزامات: # منها قولهم: إذا أوجبتم على الله تعالى رعاية الصلاح والأصلح في أفعاله ~~فيجب أن توجبوا علينا رعاية الصلاح والأصلح في أفعالنا حتى يصح اعتبار ~~الغائب بالشاهد ولم يجب علينا رعايتهما بالاتفاق إلا بقدر ما والتعرض للنصب ~~والتعب. والنصب لو كان فاصلا بين الشاهد والغائب لكان فاصلا في أصل الصلاح. # ومنها: أن ms260 القربات من النوافل صلاح فليجب وجوب الفرائض. # ومنها: القضاء بأن خلود أهل النار في النار يجب أن يكون صلاحا لهم وقولهم ~~بأنهم لو ردوا لعادوا لما نهوا عنه لا يغني فإن الله تعالى لو أماتهم أو ~~سلب عقولهم وقطع عقابهم كان أصلح لهم ولو غفر لهم ورحمهم وأخرجهم من النار ~~إذ لم يتضرر بكفرهم وعصيانهم كان أصلح لهم. # ومنها: أن كل ما فعله الرب تعالى من الصلاح لو كان حتما عليه لما استوجب ~~بفعل ما شكرا أو حمدا فإنه في فعله قضى ما وجب عليه وما استوجب عبد بطاعته ~~ثوابا وتفضيلا فإنه في طاعته قضى ما وجب عليه ومن قضى دينه لم يستوجب شيئا آخر. # ومنها قولهم: نحن فرضنا الكلام في إنظار إبليس وإمهاله أكان صلاحا له ~~وللخلق أم كان فسادا وفي إماتة النبي صلى الله عليه وسلم هل كان صلاحا له ~~وللخلق أم كان فسادا فإن كان تبقية إبليس صلاحا مع إضلاله الخلق فهلا كان ~~تبقية النبي صلى الله عليه وسلم صلاحا مع هدايته للخلق وكيف صار الأمر ~~بالضد من ذلك. # ومنها قولكم: إنكم حسبتم التكليف لتعريض المكلف للثواب الدائم وإذا علم ~~الرب أنه لو اخترم العبد قبل البلوغ وكمال العقل لكان ناجيا ولو أمهله وسهل ~~له النظر لعند وكفر وجحد فكيف يستقيم أن يقال أراد به الصلاح والأصلح ومن ~~المعلوم أن المقصود من التكليف عند القوم الصلاح والتعريض لا معنى الدرجات ~~التي لا تنال إلا بالأعمال فيجب أن يكون الرب مسيئا للنظر لمن خلقه وأكمل ~~عقله وكلفه مع العلم بأنه يهلك ويخسر ولزم من حيث الحكمة أن يكون علمه ~~مانعا له عن إرادته والتعريض لمن هذه حاله بالنفع والثواب وفي العادة كل من ~~عرف من حال ولده أنه لو سافر واتجر في مال يعطيه لهلك وخسر لا يحسن من حيث ~~العقل أن يبعثه لأجل PageV01P227 ~~التجارة ويعطيه المال لأجل الخسارة ولو علم من ولده أنه لو أعطاه سيفا ~~وسلاحا ليقاتل عدوا من أعدائه لقتل نفسه ويبقى السلاح لعدوه لم ms261 يكن من ~~الحكمة أن يعطيه السلاح ويبعثه للقاء عدوه البتة بل لو فعل ذلك كان ساعيا ~~في هلاك ولده. # ومن مذهبهم أن الرب تعالى لو علم أنه لو أرسل رسولا إلى خلقه وكلفه ~~الأداء عنه مع علمه بأنه لا يؤدي فإن علمه به يصرفه عن إرادته الأداء عنه ~~فكذلك لو علم أنه يكفر ويهلك وجب أن يصرفه عن إرادته الأداء عنه مع علمه ~~بأنه لا يؤدي فإن علمه به يصرفه عن إرادته الخير والصلاح له وهذا بمثابة من ~~أولى حبلا إلى عريق ليخلص به نفسه مع العلم بأنه يخنق نفسه فقد أساء النظر ~~له بل قصد به هلاكه. # ومن مذهبهم أن الرب إذا علم أن في تكليفه عبدا من العباد فساد الجماعة ~~فإنه يقبح تكليفه لأنه استفساد لمن يعلم أنه يكفر عند تكليفه. # ومن الإلزامات أن القوم قضوا بأن الرب تعالى قادر على التفضل بمثل الثواب ~~فأي غرض في تعريض العباد للبلوى والمشاق. # قالوا: الغرض فيه أن استيفاء المستحق أهنأ وألذ من قبول التفضل وهذا كلام ~~من لم يعرف الله حق معرفته وكيف يستنكف العبد وهو مخلوق مربوب من قبول فضل ~~الله تعالى فلو خلق الخلق وأسكنهم الجنة كان حسنا منه ولو خلقهم في الدنيا ~~ثم أماتهم من غير تكليف كان حسنا ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب ~~العالمين [الأعراف: 54]، أليس لو خلقهم وكلفهم وقطع عنهم الألطاف كانوا ~~أبلغ في الاجتهاد وأحمل للمشاق فكان الثواب لهم أكثر والالتذاذ بما ~~يستحقونه من العوض أشد فهلا تقطع عنهم الألطاف بأسرها لتكون اللذة في ~~الثواب أوفر. # ثم نلزمهم فرض الكلام في طفلين أحدهما اخترمه قبل البلوغ لعلمه بأنه لو ~~بلغ لكفر فصار الصلاح في حقه الاخترام حتى لا يستوجب عقاب النار والأخر ~~أوصله إلى البلوغ والتكليف فكفر فيقول يا رب هلا اخترمتني قبل البلوغ كما ~~اخترمت أخي حتى لا يتوجه علي تكليف يوجب عقاب الأبد وطفلين آخرين اخترم ~~أحدهما قبل البلوغ وهو ابن كافر وقد علم أنه لو بلغ لآمن وأصلح والآخر ms262 ~~أوصله إلى البلوغ، وهو ابن مسلم فكفر وأفسد فيقول: هلا اخترمتني حتى لا ~~أستوجب عقاب الأبد، وبالجملة من أوجب رعاية الصلاح والأصلح يوجب اخترام ~~الأطفال الذين علم الله تعالى منهم الكفر بعد البلوغ حتى لا يوجد كافر في ~~العالم وإبقاء الأطفال الذين علم الله تعالى منهم الإيمان حتى لا يتحقق إلا ~~الإيمان والمؤمن في العالم والصلاح يدور على المعلوم كيف كان ثم ما من أصلح ~~إلا وفوقه أصلح، والاقتصار على مرتبة واحدة كالاقتصار PageV01P228 ~~على الصلاح، فلا معنى للأصلح ولا نهاية له ولا يمكن في العقل رعايته. # ثم للمعتزلة في الآلام وأحكامها كلام وهو على مذهب الأشعري لا تقع مقدورة ~~لغير الله وإذا وقعت كان حكمها الحسن سواء وقعت ابتداء أو وقعت جزاء من غير ~~تقدير سبق استحقاق عليها ولا تقدير جلب نفع ولا دفع ضرر أعظم منها بل ~~المالك متصرف في ملكه كما شاء سواء كان المملوك بريئا أو لم يكن بريئا ومن ~~صار من الثنوية إلى أن الآلام والأوجاع والغموم منسوبة إلى الظلمة من دون ~~النور فقد سبق الرد عليهم ومن نسبها إلى أعمال سبقت لغير هذا الشخص فهو ~~مذهب التناسخية فقد سبق الرد عليهم بقي استرواح العقلاء إلى أهل العادة ~~يستقبحون الآلام من غير سبق جناية والآلام مما يأباه العقل وإذا اضطر إليه ~~رام الخلاص منه فدل ذلك على قبحه ونحن لا ننازعهم في أن الآلام ضرر وتأباه ~~النفوس وتنفر منه الطباع ولكن كثيرا من الآلام مما ترضاه النفوس وترغب إليه ~~الطباع إذا كان ترجو فيها صلاحا هو أولى بالرعاية مثل الحجامة والصبر على ~~شرب الدواء رجاء للشفاء ونرى كثيرا إيلام الصبيان والمجانين وشرط العوض فيه ~~يزيد في قبحه والمالك قادر على التفضل بحسن العوض عالم بأن الصلاح في ~~الإيلام، وبالجملة هو المتصرف في ملكه له التصرف مطلقا كما شاء يفعل ما ~~يشاء ويحكم ما يريد. # وللفريقين: في التوفيق والخذلان والشرح والطبع وأمثالها كلام على طرفي ~~الغلو والتقصير والحق بينهما دون الجائز منهما. # قالت المعتزلة: التوفيق من الله ms263 تعالى إظهار الآيات في خلقه الدالة على ~~وحدانيته وإبداع العقل والسمع والبصر في الإنسان وإرسال الرسل وإنزال الكتب ~~لطفا منه تعالى وتنبيها للعقلاء من غفلتهم وتقريبا للطرق إلى معرفته وبيانا ~~للأحكام تمييزا بين الحلال والحرام، وإذ فعل ذلك فقد وفق وهدى وأوضح السبيل ~~وبين المحجة وألزم الحجة وليس يحتاج في كل فعل ومعرفة إلى توفيق مجرد ~~وتسديد منجز بل التوفيق عام وهو سابق على الفعل والخذلان لا يتصور مضافا ~~إلى الله تعالى بمعنى الإضلال والإغواء، والصد عن الباب، وإرسال الحجاب على ~~الألباب إذ يبطل التكليف به ويكون العقاب ظلما. # قالت الأشعرية: التوفيق والخذلان ينتسبان إلى الله تعالى نسبة واحدة على ~~جهة واحدة، فالتوفيق من الله تعالى خلق القدرة الخاصة على الطاعة ~~والاستطاعة إذا كانت عنده مع الفعل وهي تتجدد ساعة فساعة، فلكل فعل قدرة ~~خاصة والقدرة على الطاعة صالحة لها دون ضدها من المعصية فالتوفيق خلق تلك ~~القدرة المتفقة مع الفعل والخذلان خلق قدرة المعصية، وأما الآيات في الخلق ~~فنسبتها إلى الموفق كنسبتها إلى المخذول والقدرة الصالحة للضدين أعني الخير ~~والشر إن كانت توفيقا بالإضافة إلى PageV01P229 ~~الخير فهي خذلان بالإضافة إلى الشر «1». # والقصد بين الطريقتين أن يقسم التوفيق قسمة عموم وخصوص على عموم الخلق ~~وخصوصهم فعموم الخلق في توفيق الله تعالى الشامل لجميعهم وذلك نصب الأدلة ~~والأقدار والاستدلال وإرسال الرسل وتسهيل الطرق لئلا يكون للناس على الله ~~حجة بعد الرسل وخصوص الخلق في توفيق الله الخاص لمن علم منه الهداية ~~وإرادته الاستقامة، وذلك أصناف لا تحصى وألطاف لا تستقصي تبتدئ من كمال ~~الاعتدال في المزاج أحدهما من جهة الطبيعة طينا، والثاني من جهة الشريعة ~~خلالا، وهذا في النطفة الحاصلة من الأبوين وعلتها النقش الأول من السعادة ~~والشقاوة كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «السعيد من سعد في بطن ~~أمه، والشقي من شقي في بطن أمه» «2»، ثم التربية من الأبوين أو من الأستاذ ~~أو من المعلم أو من أهل البلد وذي القرابة والخلطة معونة أخرى قوية حتى ~~ربما يغير ms264 الاعتدال من النقص إلى الكمال وعن الكمال إلى النقص وعلة النقش ~~الثاني من الفطرة والاحتيال كما قال عليه السلام: «فطر الله العباد على ~~معرفته فاحتالتهم الشياطين عنها، وقال: كل مولود يولد على الفطرة فأبواه ~~يهودانه وينصرانه ويمجسانه» «3»، ثم الاستقلال بحالة البلوغ وكمال العقل ~~يحتاج إلى قوى استمداد من التوفيق وذلك مزلة الأقدام ومجرة الأقلام ~~فالتوفيق فيها من الله أن لا يكله إلى نفسه مما هي عليها من الاستقلال ~~والاستبداد والخذلان أن يخذله ويكله إلى نفسه وحوله وقوته وعن هذا كان ~~التبرؤ من الحول والقوة بقولهم «لا حول ولا قوة إلا بالله» واجبا في كل حال ~~وذلك مطردة الشياطين إذ يدخل احتيال الشيطان تغريره بحوله وقوته والفطرة هي ~~الاحتياج إلى الله تعالى والتسليم لله والتوكل على الله إذ لا حول ولا PageV01P230 ~~قوة إلا بالله وذلك كنز من كنوز الجنة وهذه الحالة أعني حالة البلوغ ~~والاستقلال هي مثار القوى الحيوانية منها الغضبية والشهوية قال الصديق ~~الأول يوسف عليه السلام* وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ~~ربي إن ربي غفور رحيم 53 [يوسف: 53]، وذلك عند مثار القوى الشهوية ووكز ~~الكليم عليه السلام ذلك القبطي فقضى عليه فقال: هذا من عمل الشيطان [القصص: ~~15]، وذلك عند مثار القوة الغضبية وتبرأ الرسول صلى الله عليه وسلم من ~~القوتين جميعا فقال في كل حال «اللهم واقية كواقية الوليد» «رب لا تكلني ~~إلى نفسي طرفة عين» وعلى هذه الحالة النفس الثالثة وهي تمتد إلى آخر العمر ~~فلا تزيده مواعظ الشرع ترغيبا وترهيبا ولا تجانبه مواقع التقدير تنبيها ~~وتحذيرا فإن انفتح سمعه لمواعظ الشرع وبصره لمجاري التقدير انشرح صدره وصار ~~على نور من ربه فذلك الشرح والبسط أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور ~~من ربه [الزمر: 22]، وإن جعل إصبعه في أذنيه فلم يسمع الآيات الأمرية وأسبل ~~جفنه على عينيه فلم يبصر الآيات الخلقية صار على ظلمة من طبعه وذلك الطبع ~~والختم بل طبع الله عليها بكفرهم [النساء: 155]، ختم الله على قلوبهم وعلى ~~سمعهم ms265 وعلى أبصارهم غشاوة [البقرة: 7]، وربما يكون الختم والطبع من قساوة ~~في جوهر جبلية اكتسبها من أصل فطرته وربما يكون على كفره ونفاق آثره على ~~خلاف فطرته فالتقدير مصدر والتكليف مظهر والكل مقدر والمقدر ميسر لما خلق ~~له فالحاصل أن الموكول إلى حوله وقوته في خذلان الله تعالى والمتوكل على ~~حول الله وقوته في توفيق الله تعالى فعلى رأي القدرية العبد أبدا في ~~الخذلان إذ هو موكول إلى حوله وقوته ولم يستعن بالله ولم يتوكل على الله. # وعلى رأي الجبرية العبد أبدا في الخذلان إذ هو خاذل نفسه عن امتثال أمر ~~الله تعالى لم يعبد الله ولم يحفظ حدود الله تعالى. # والحق الذي لا غبار عليه إياك نعبد [الفاتحة: 5]، محافظة على العبودية ~~وإياك نستعين [الفاتحة: 5]، استعانة بالربوبية والتوفق والخذلان والشرح ~~والطبع والفتح والختم والهداية والضلال ينتسب إلى الله تعالى بشرط أن يكون ~~أحق الاسمين به أحسن الاسمين ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها [الأعراف: PageV01P231 # 180]، وأولى الفعلين بحكمه وتقديره أولى الفعلين وجودا وأجدرهما حصولا بيدك ~~الخير إنك على كل شي ء قدير [آل عمران: 26]، اللهم من أحسن فبفضلك يفوز ومن ~~أساء فبخطيئته يهلك لا المحسن استغنى عن رفدك ومعونتك ولا المسي ء عليك ولا ~~استبد بأمر خرج به عن قدرتك فيا من هكذا لا هكذا غيرك صل على محمد وعلى آله ~~افعل بي ما أنت أهله إنك أهل لكل جميل. # والقول في النعمة والرزق قريب مما ذكرناه فمن راعى فيهما عموما قال ~~النعمة كل ما ينعم به الإنسان في الحال والمال والرزق كل ما يتغذى به من ~~الحلال والحرام وقد سماها الله تعالى باسمها فقال وإذا أنعمنا على الإنسان ~~أعرض ونأى بجانبه [الإسراء: 83]، وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ~~[هود: 6]، ومن راعى فيهما خصوصا قال النعمة في الحقيقة ما يكون محمود ~~العاقبة وهو مقصور على الدين قال الله تعالى فيهم: أيحسبون أنما نمدهم به ~~من مال وبنين 55 نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون [المؤمنون: 55، 56]، ~~والرزق في الحقيقة ما ms266 يكون مباحا شرعا قال الله تعالى: أنفقوا مما رزقناكم ~~[البقرة: # 254]، والحرام لا يجوز الإنفاق منه وكلا القولين صحيح إذا اعتبر فيهما ~~الخصوص والعموم ولا مشاحة في المواضعات والشكر على النعم والأرزاق واجب، ~~وهو أن تراها بقلبك من المنعم فضلا فتحمده قولا ولا تستعملها في المعاصي ~~فعلا والأرزاق مقدرة على الآجال والآجال مقدورة عليها، ولكل حادث نهاية ليس ~~تختص النهايات بحياة الحيوانات، وما علم الله إن شاء ينتهي عند أجل معلوم ~~كان الأمر كما علم وحكم فلا يزيد في الأرزاق زائد ولا ينقص منها ناقص فإذا ~~جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون، وقد قيل إن المكتوب في اللوح ~~المحفوظ حكمان: حكم مطلق بالأجل والرزق، وحكم مقيد بشرط إن فعل كذا يزاد ~~رزقه وأجله، وإن فعل كذا نقص منهما كذا، وعليه حمل ما ورد في الخبر من صلة ~~الرحم يزيد في العمر وقد قال تعالى: وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا ~~في كتاب [فاطر: 11]، وقوله: # يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب [الرعد: 39]. PageV01P232 ### | CHECK [القاعدة التاسعة عشرة في إثبات النبوات وتحقيق المعجزات ووجوب ~~عصمة الأنبياء عليهم السلام] # القاعدة التاسعة عشرة في إثبات النبوات «1» وتحقيق المعجزات ووجوب عصمة ~~الأنبياء عليهم السلام # صارت البراهمة والصابئة إلى القول باستحالة النبوات عقلا وصارت المعتزلة ~~وجماعة من الشيعة إلى القول بوجوب وجود النبوات عقلا من جهة اللطف وصارت ~~الأشعرية وجماعة من أهل السنة إلى القول بجواز وجود النبوات عقلا ووقوعها ~~في الوجود عيانا وتنتفي استحالتها بتحقيق وجودها كما ثبت تصورها بنفي ~~استحالتها. # فقالوا: بم يعرف صدق المدعي، وقد شاركناه في النوعية والصورة بنفس دعواه، ~~وقد علم أن الخبر محتمل للصدق والكذب بدليل آخر يقترن به، وذلك الدليل إن ~~كان مقدورا له فهو أيضا مقدورنا، وإن لم يكن مقدورا له ولكنه مقدور بقدرة ~~الله تعالى، فلا يخلو إما أن يكون فعلا معتادا ولا يختص ذلك بهذا المدعي، ~~فلا يكون دليلا وإن كان فعلا خارقا فمن أي وجه يدل على صدقه والفعل من حيث ms267 ~~هو فعل لا يدل على الاختصاص بشخص معين سوى اقترانه بنفس دعواه وللاقتران ~~أسباب أخر محتملة كما لخرق العادات أحوال مختلفة وإذا احتملت الوجوه عقلا ~~لم تتعين جهة الدلالة فانحسم باب الدليل من كل وجه أما نفس الاقتران فربما ~~لا يتفق في بعض الأحوال إذ الفعل فعل الله تعالى، وهو منوط بمشيئته، فكيف ~~يوجب المدعي على الله فعلا يفعله في PageV01P233 ~~تلك الحال، وليس يدعي النبي على أصلكم هذه الدعوى التي قدرتموها فإنه يحيل ~~خلق الآيات على مشيئة الله تعالى كما أخبر كتابكم قل إنما الآيات عند الله ~~وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون [الأنعام: 109]، وكم من نبي سئل إظهار ~~الآية، فلم يظهر في الحال على يده، فلئن كان ظهور الآية في بعض الأوقات ~~دليلا على صدقه، فعدم ظهورها في بعض الأوقات يجب أن يكون أيضا دليلا على ~~كذبه، وليس الأمر كذلك على أصلكم، فإذا قال واحد من عرض الناس وهو مجهول ~~الحال عند الكل: إني رسول الله إليكم فطولب بالآية وجب عليه التضرع إلى ~~الله في استدعاء الآية الخارقة للعادة على مقتضى الدعوى ووجب على الله ~~إجابته في الحال إلى ذلك كان الإيجاب أولى على الله ورسوله من الخلق وهو ~~عكس ما رمتم إثباته ثم مسألة النظر والاستمهال فيه يفضي إلى إفحام الأنبياء ~~فإنه إذا ادعى الرسالة فقال المدعو العلم بالرسول يترتب على العلم بالمرسل ~~والعلم به ليس يقع بديهة وضرورة فلا بد من نظر واستدلال في أفعاله استدلالا ~~بتغيرها على حدوثها وبحدوثها على ثبوت محدثها ثم النظر في قدمه ثم النظر في ~~وحدانيته ثم النظر في صفاته الواجبة له والجائزة عليه وما يستحيل في صفته ~~وبعد ذلك ينظر في جواز انبعاث الرسل ثم في معجزة هذا المدعي بعينه. # فيقول: أمهلني حتى أنظر في هذه الأبواب وأقطع هذه المراتب فهل يجب على ~~النبي إمهاله أم لا فإن لم يمهل فقد ظلمه إذ كلفه ما لا يطيق وذلك أن العلم ~~إذا لم يحصل إلا بالنظر والنظر يستدعي مهلة وزمانا ولم ms268 يمهله فقد ظلمه ~~وأمره بمجرد التقليد والتقليد إما كفر وإما قبيح وإذا أمهله فيلزمه أن لا ~~يعود إليه حتى ينتهي النظر نهايته ولا يتقرر ذلك بزمان معين بل يختلف الحال ~~باختلاف الأشخاص وأذهانهم وكياستهم في مدارج النظر وأيضا فمن استمهل ووجب ~~إمهاله يعطل النبي عن الدعوة فإن عاد إليهم قالوا نحن بعد في مهلة النظر ~~فليس لك علينا حكم بعد الإمهال ولم يثبت عندنا صدقك فنتبعك ثم إذا كان ~~النبي مبلغا عن الله تعالى فلا بد وأن يسمع أمره وكلامه أولا ثم يبلغ عنه ~~أو يسمع من سمع منه فبم عرف النبي بأن المتكلم هو الله أو بم عرف أن ~~المتوسط ملك يوحي إليه وبم عرف ذلك الملك أن الرب هو الآمر المتكلم فما ~~الجواب عن هذه المسألة هذا كلامنا على نفس الدعوى. # أما الكلام على بينة الدعوى فنحن أولا ننكر ما حكيتموه عن الأنبياء من ~~قلب العصا حية وإحياء الموتى وفلق البحر وخروج الناقة من الصخرة الصماء ~~وتسبيح الحصا وانشقاق القمر فإن جنس ذلك مستحيل الوجود، فنحن أولا نمنع حصولها PageV01P234 ~~فما ذا دليلكم على وقوع ذلك ثم بم تنكرون على من يرد الخوارق إلى خواص ~~الأشياء، فإنا نجد حصول أمثال ذلك من الجمادات على يد من لا دين له ~~كالأمطار التي تحصل من اصطكاك الأحجار والرياح التي تهب من تحريك ما مخصوص، ~~ثم التعزيم والتنجيم والتبخير وعلم الطلسمات واستسخار الروحانيات واستخدام ~~الكواكب العلوية علوم معروفة والعمل بها من العجائب المعجزة والغرائب ~~المفحمة، فما أنكرتم إن ما أتى به هذا المدعي من جنس ذلك، ثم الواجب عليكم ~~أن تثبتوا وجه دلالة المعجزة على الصدق فإنه من حيث هو فعل دل على قدرة ~~الفاعل فقط من هذا الوجه لم يدل على صدق قول المدعي من حيث اقترانه بدعواه ~~لم يدل أيضا لأن اقترانه بدعواه كاقترانه بحدوث حادث آخر من قول أو عمل، ثم ~~لم يدل نفس الاقتران على حق أو باطل فكيف دل هاهنا، وأيضا فإن عندكم يجوز ~~خرق العادات على ms269 يدي مدعي الإلهية، ولم يدل ذلك على صدق دعواه فكيف يدل على ~~صدق دعوى النبوة. # قال أهل الحق: قام الدليل على أن الرب تعالى خالق الخلق ومالكهم، ومن له ~~الأمر والخلق والملك له أن يتصرف في عباده بالأمر والنهي، وله أن يختار ~~منهم واحدا لتعريف أمره ونهيه، فيبلغ عنه إليهم فإن من له الخلق والإبداع ~~له الاختيار والاصطفاء وربك يخلق ما يشاء ويختار [القصص: 68]، فلا استحالة ~~في هذه المراتب ولا استحالة في نفس الدعوى ولا يضاهي استحالته استحالة دعوى ~~الإلهية بل هو من الجائزات العقلية فله الواجبات الحكمية، فبقي كون الخبر ~~والدعوى على احتمال الصدق والكذب وإنما ترجح الصدق على الكذب بدليل. # وللمتكلمين طرق في إثبات المرجح: أحدها أن اقتران المعجزة بدعوى النبي ~~نازل منزلة التصديق بالقول، وذلك أنه متى عرف من سنة الله تعالى أنه لا ~~يظهر أمرا خارقا للعادة على يدي من يدعي الرسالة عند وقت التحدي والاستدعاء ~~إلا لتصديقه فيما يجري به واجتماع هذه الأركان انتهض قرينة قطعية دالة على ~~صدق المدعي فكان المعجزة بالفعل كالتصديق شفاها بالقول ونحن نعلم قطعا في ~~صورة من يدعي الرسالة من ملك حاضر محتجب بستر والجماعة على كثرتها حضور، ثم ~~إن رجلا من عرض الناس إذا قام بين يدي ذلك الجمع الكثير من الخلق، وقال: ~~أيها الناس إني رسول هذا الملك إليكم وآية صدقي في دعواي أنه يحرك هذا ~~الستر، إذا استدعيت منه، ثم قال: أيها الملك إن كانت صادقا في دعواي ~~الرسالة عنك فحرك هذا الستر فحرك في الحال علم قطعا ويقينا بقرينة الحال ~~أنه أراد بذلك الفعل تصديق المدعي ونزل التحريك منه على خلاف العادة منزلة ~~التصديق بالقول ولم يشك واحد من أهل PageV01P235 ~~الجمع أن الأمر على ما يجري به المدعي فكذلك في صورة مسألتنا هذه، فإذا ~~المرجح للصدق هي القرائن الحاصلة من اجتماع أمور كثيرة منها الخارق للعادة ~~ومنها كونه مقرونا بالدعوى، ومنها سلامته عن المعارضة فانتهضت هذه القرائن ~~بمجموعها دالة على صدق المدعي نازلة منزلة التصديق بالقول، ms270 وذلك مثل العلم ~~الحاصل من سائر القرائن، أعني قرائن الحال وقرائن المقال. # ووجه آخر: الآية الخارقة للعادة كما دلت بوقوعها على قدرة الفاعل ~~وباختصاصها على إرادته وبأحكامها على علمه كذلك دلت بوقوعها مستجابة لدعاء ~~الداعي لا لدعوى المدعي على أن له عند الله حالة صدق ومقالة حق، ومن كانت ~~دعوته مستجابة عند الله يستحيل أن يكون في دعواه كاذبا على الله تعالى وهذا ~~هو حقيقة النبوة وذلك أن استجابته في أمور لا يقدر الخلق على ذلك دليل على ~~صدق هذا الداعي، ولو قدر الداعي كاذبا في نفسه على الله أقبح كذب وهو ~~الرسالة عنه بما لم يرسل انقلب دليل الصدق دليلا على الكذب وهو متناقض ونحن ~~لا ننكر أن يكون شخص من الأشخاص مستجاب الدعوة، ثم ينقلب حاله إلى حالة ~~الأشقياء كما لا ننكر أن يظهر خارق للعادة على يد ساحر، لكن الشرط في ~~الأمرين واحد وهو أن يكون المدعي في حال ما يدعي مستجاب الدعوة بالآية حتى ~~تكون الآية دالة على صدق حالته ودرجته عند الله تعالى، وإذا قدر كونه كاذبا ~~انقلبت الدلالة على الصدق دلالة على الكذب، وهو محال لتناقضه وكما أن ~~الوقوع إذا دل على القدرة لم يدل على العجز والإحكام لما دل على العلم لم ~~يدل على الجهل كذلك دليل الصدق لا يجوز أن يكون دليلا على الكذب، وهذه ~~الطريقة أحسن من الأولى. # ووجه آخر نقول: إن قرينة الصدق ملازمة لتحدي النبي الصادق عن الله تعالى ~~وذلك أن المعجزة تنقسم إلى منع المعتاد وإلى إثبات غير المعتاد، أما المنع ~~فكالجنس من الحركات الاختيارية مع سلامة البنية وإحساس التيسير، والثاني في ~~مجرى العادة ومثال ذلك تيه بني إسرائيل في قطع الطريق ومنع السحرة من ~~التخييل وحصر زكريا من الكلام المعتاد، ويجوز أن يقدر صرف الدواعي عن ~~المعارضة بمثل ما جاء به النبي عليه السلام من جنس المعجزات وإن كان ذلك من ~~قبيل مقدوراتهم ولهذا عد بعضهم إعجاز القرآن من هذا القبيل وهو مذهب مهجور، ~~ويجوز أن يقدر ms271 منع الناس عن التحدي بمثل ما تحدى به النبي من جنس المعجزات، ~~فلا يقدر أحد على المعارضة بالدعوى، فضلا عن معارضته بالخارق للعادة، ويكون ~~لهذه المعجزة قرينة متصلة بنفس الدعوى حتى لا تخلو قط دعوى نبي من الأنبياء ~~عن قرينة الصدق ولا تتأخر الدلالة عن نفس التحدي وهذا أبلغ في باب الإعجاز ~~فإن المتصدي للمعارضة يحس PageV01P236 ~~من نفسه عجزا مع استمرار عادته بمثل ذلك التحدي فيقول النبي: إني رسول الله ~~إليكم [الأعراف: 158]، وآية صدقي أن لا يعارضني معارض في نفس دعواي هذه ~~والنفوس متطلعة والألسن سليمة والدواعي باعثة فتتحير العقول وتنحصر الألسن ~~وتتراجع الدواعي وتنمحق الدعاوي لست أقول لا ينكره منكر بل أقول لا يعارضه ~~معارض بمثل التحدي والدعوى فيقول لا بل إني رسول الله إليكم ولهذا لم نجد ~~في قصص الأنبياء من عارضهم بمثل دعواهم في حال التحدي ولا استمرت هذه ~~الدعوى لأحد من بعدهم، ولا يلتفت إلى ما يحكى عن مسيلمة الكذاب أنه ادعى ~~الرسالة عن الله تعالى، فإن من كتب إلى نبي الله أما بعد: فإن الأرض بيني ~~وبينك نصفين لم يكن معارضا له في نفس دعواه، بل مسلما له من وجه ومتحكما من ~~وجه، ومن ادعى الرحمانية في الحالة الثانية لم يكن ثابت القدم على الدعوى ~~الأولى، وكان من حقه لو كان منازعا له أن يقول: إني عبد الله ونبيه لا شريك ~~الله في الرحمانية وشريك رسوله في الأرض فاعرف هذه الدقيقة فإن فيها سرا وغورا. # ثم الجواب عن شبهات المنكرين أن نقول: قولكم إن اقتران المعجزة بدعوى ~~المدعي لا ينتهض دليلا على صدقه، فإن نفس الاقتران بالإضافة إلى دعواه أو ~~إلى غيرها من الأفعال أو الأقوال بمثابة واحدة. # فنقول: سبيل تعريف الله تعالى عباده صدق الرسل بالآيات الخارقة للعادة ~~كسبيل تعريفه إياهم إلهيته بالآيات الدالة عليها، والتعريف قد يكون بالقول ~~تارة وقد يكون بالفعل أخرى والتعريف بالقول قد يكون إخبارا عن صدقه كقوله ~~تعالى للملائكة: إني جاعل في الأرض خليفة [البقرة: 30]، وقد يكون تنبيها ~~على ms272 صدقه بتعجيز الخلق عن معارضته كما علم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على ~~الملائكة وكما علم المصطفى صلى الله عليه وسلم القرآن وقال: فأتوا بسورة من ~~مثله [البقرة: 23]، فكما عجزت الملائكة عن معارضة آدم بالأسماء عجزت العرب ~~والعجم عن معارضة المصطفى بآيات القرآن، ودلت الأسماء والآيات على صدق ~~النبي الأول والنبي الآخر، ولما ثبت صدق الأول كان مبشرا بمن بعده إلى ~~الآخر، ولما ثبت صدق الآخر كان هو مصدقا لمن قبله إلى الأول فكانت الأقوال ~~متواصلة والعلوم متواترة والكلمات متفقة والدعوات متحدة والكتب والصحف ~~متصادقة والسيوف على رقاب المنكرين قائمة، ومن اصطفاه الله عز وجل لرسالته ~~من عباده واجتباه لدعوته كساه ثوب جمال في ألفاظه وأخلاقه وأحواله ما يعجز ~~الخلائق عن معارضته بشي ء من ذلك، فيصير جميع حركاته PageV01P237 ~~معجزة للناس كما صارت حركات الناس معجزة لمن دونهم من الحيوانات، ويكون ~~مستتبعا جميع نوع الإنسان، كما صار الإنسان مستسخرا جميع أنواع الحيوان ~~الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس [الحج: 75]، رسلا مبشرين ومنذرين ~~لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل [النساء: # 165]، ونعيد ما أبديناه آنفا. # فنقول: أنتم معاشر الصابئة والبراهمة المعولون على مجرد العقول وقضاياها ~~وافقتمونا ولم يحتج بالموافقة بل قام الدليل الواضح على أن لله تعالى تصرفا ~~في عباده بالتكليف والأمر على حركاتهم بالأحكام والحدود، ومن القضايا ~~العقلية أن نوع الإنسان يحتاج إلى اجتماع على نظام وصلاح وأن ذلك الاجتماع ~~لن يتحقق إلا بتعاون وتمانع وأن ذلك التعاون والتمانع لن يتصور إلا بحدود ~~وأحكام، وأن تلك الحدود والأحكام تجب أن تكون موافقة لحدود الله وأحكامه، ~~وأن كل من دب ودرج ليس يتلقى من الله حدوده وأحكامه ولا له أن يضع من عند ~~نفسه حدودا وأحكاما فلزم العقل ضرورة أن يكون بين الناس شرع يفرضه شارع ~~يتلقى من الله وحيا وينزله تنزيلا على عباده وهذه قضايا عقلية بيننا ~~وبينكم، وإنما حقيقة القول آئل إلى تعيين الشارع. # فنقول: لن يتحتم على الله تعالى تعريف صدق من اصطفاه لرسالته وتعيين شخص ms273 ~~من اجتباه لشريعته فإنه يؤدي إلى التعجيز وإلى تكليف ما لا يطاق، وهو كما ~~لو كلف عباده بمعرفته، ثم يطمس عليهم وجوه أدلته وإذ لا طريق إلى التصديق ~~إلا بالقول والفعل ولا طريق إلى ذلك بالقول تعين الفعل ولربما يعرف ~~الملائكة بالقول ويعرف الناس بالفعل ولربما يعرف النوعين بهما جميعا أعني ~~تعريفهما بفعل نازل منزلة القول أو بقول دال دلالة الفعل وليس ذلك تعريف ~~إيجابا عليه تعالى وتقدس بل وجوبا له حتى لا يؤدي إلى التعجيز في نصب ~~الأدلة، وحتى لا يفضي إلى التكذيب في خبر الاستخلاف وحتى لا يكون على الله ~~حجة بعد الرسل بتكليف ما لا يطاق فيقال: # ربنا لو لا أرسلت إلينا رسولا [طه: 134]، وإذا أرسلت فهلا بينت لنا طريقا ~~ودليلا يتوصل به إلى صدقه ويتوصل بتصديقه إلى معرفتك وطاعتك. # وقولكم: إن الرسول يحيل نزول الآية إلى مشيئة الله تعالى قلنا تلك ~~الحوالة من أدل الأدلة على صدق المقالة إذ لو ادعى الاستقلال بإظهار الآيات ~~ما كان مخبرا عن الله تعالى بأمره ولا داعيا إلى الله بإذنه فهو في كل حال ~~من الأحوال يثبت حق موكله ويظهر العجز من نفسه ويحيل الحول والقوة إلى ~~مرسله وكان الفصل الذاتي لنفس النبي PageV01P238 ~~عليه السلام أن لا يكون موكولا لنفسه طرفة عين فلا ينطق عن الهوى ولا يتحرك ~~إلا على متن الهدى، وذلك هو العصمة الإلهية المقيمة لنفسه المقومة لذاته ~~ولئن كان النطق فصلا ذاتيا لنوع الإنسان وما ينطق عن الهوى 3 إن هو إلا وحي ~~يوحى [النجم: 3، 4]، فصل ذاتي لنفس النبي عليه السلام أعرف الإشارة ولا ~~تؤاخذني بالعبارة ونقول أنتم معاشر الصابئة سلمتم بنبوة عاذيمون وهرمس وهما ~~شيث وإدريس عليهما السلام فبم عرفتم صدقهما أبمجرد الدعوى والخبر أم بدليل ~~ونظر وكل ما قدرتموه دليلا في حق شخص واحد ثبتت به نبوته أو على الجملة ~~صدقه في جميع أقواله فهو دليل المخبر الثاني والثالث وإن أحلتم الرسالة في ~~الصورة البشرية فهما بشر مثلكم وأنتم مخبرون عنهما بشر مثلنا. # فإن قلتم: ms274 إنهما كانا حكيمين عالمين لا نبيين مرسلين قيل وبم وجب عليكم ~~اتباعهما والمحافظة على حدودهما وأحكامهما وانتهاج مناهجهما في الدعوات ~~والصلوات والصيام والزكاة، وقد تساوت أقدامكم في العقول والأنفس وتشابهت ~~صوركم في البشرية والإنسانية. # ومن عجب ما يلزم منكري النبوة: أن من أنكر النبوة فقد أقر بها من حيث ~~أنكرها فإن النبوة لا معنى لها إلا الخبر عن الله تعالى بأنه أرسل رسولا، ~~ومن أنكر فقد ادعى أنه مخبر عن الله أنه لم يرسل رسولا فقد ادعى الرسالة ~~لنفسه فكان إنكاره إقرارا وعاد إنكاره تسليما، ومن سلم أن لله على عباده ~~تكليفا وأمرا فقد سلم أنه يرسل رسولا، وإنما النزاع وقع في أن الرسالة هل ~~تتصور في الصورة البشرية وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن ~~قالوا أبعث الله بشرا رسولا [الإسراء: 94]، وإذا بينا أن البشرية لا تنافي ~~الرسالة، فقد أثبتنا جواز انبعاث الرسل والصابئة سلموا الرسالة للروحانيات، ~~وأوجبوا التوجه إلى هياكلها من الكواكب السبعة، وعملوا الأشخاص على صورة ~~الهياكل فتقربوا إليها وذلك عود إلى الصورة والأصنام، والحنفاء سلموا ~~الرسالة للجسمانيات، وأوجبوا التوجه إلى أشخاصهم ولم يتخذوا أصناما آلهة ~~ولا اعتقدوا النبيين أربابا لكنهم قالوا لهم طرفان بشرية ورسالة قل سبحان ~~ربي هل كنت إلا بشرا رسولا [الإسراء: 93]، فبطرف البشرية يشاكل نوع الإنسان ~~ويشاركه فيأكل ويشرب وينام ويستيقظ ويحيي ويموت وبطرف الرسالة يشاكل نوع ~~الملائكة ويشاركه فيسبح ويقدس ويبيت عند ربه فيطعمه ويسقيه وتنام عيناه ولا ~~ينام قبله ويموت قالبه ولا يموت روحه والمناظرة بين الفريقين في أول PageV01P239 ~~الزمان كانت قائمة وقد أظهرها الخليل صلى الله عليه وسلم حيث قال: إني بري ~~ء مما تشركون (78) إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا ~~من المشركين [الأنعام: 78، 79]، وبذلك أمر خاتم النبيين عليه السلام قال ~~على ملة أبيكم إبراهيم [الحج: 78]، وقال: إني أمرت أن أكون أول من أسلم ~~[الأنعام: 14]، وقال: إني وجهت وجهي [الأنعام: 79]، الآية وغيرها من الآيات ~~وفيه فصول كثيرة ذكرناها في كتاب الملل والنحل. # وأما ms275 الجواب: عن مسألة إمهال النظر وإفحام الأنبياء فإنما يلزم الإفحام ~~على من قال بالمهلة ويجب على النبي إمهال النظر وذلك مذهب المعتزلة، وأما ~~من قال بأنه لا يمهله ولا يجب عليه أن يمهله، بل يجيب بأني جئت لأرفع ~~المهلة وأرشدك إلى معرفة المرسل بأن أخبر عنك بما لا يمكنك إنكاره، وهو ~~احتياجك إلى صانع فاطر حكيم إذ كنت تعرف ضرورة أنك لم تكن فكنت، وما كنت ~~بنفسك، بل بكون غيرك وهذه هي ابتداء الدعوة يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي ~~خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون [البقرة: 21]، فكيف يمهله ويكله إلى ~~نفسه وهو مأمور بدعوة الناس إلى التوحيد والمعرفة حالة فحالة وشخصا فشخصا ~~والاستمهال إنما يتوجه إذا خلت الدعوة من الحجة الملزمة، والدلالة المفحمة ~~فإن من تحققت رسالته في نفسها وتصدى لدعوة الناس إلى وحدانية الله تعالى لا ~~يخلي دعوته عن الدلالة على التوحيد أولا ثم يتحدى بالرسالة عنه ثانيا اعتبر ~~حال جميع الأنبياء عليهم السلام في دعوتهم أما آدم أبو البشر فقد ثبت صدقه ~~بإخبار الله تعالى ملائكته إني جاعل في الأرض خليفة [البقرة: 30]، فلم يكن ~~في أول زمانه من كان مشركا فيدعوه إلى التوحيد وحين أمروا بالطاعة فمن صدق ~~الله تعالى في خبره فسجد له بأمره، ومن لم يسجد فكأنه لم يصدق فاستحق ~~اللعنة وهو أول من كفر، وأما نوح عليه السلام فأول كلامه مع قومه أن اعبدوا ~~الله ما لكم من إله غيره [المؤمنون: 32]، فأثبت التوحيد ثم النبوة فقال: ~~أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم [الأعراف: 69]، وأما ~~هود بعده فقال: يا قوم اعبدوا الله PageV01P240 ~~ما لكم من إله غيره [الأعراف: 65]، ثم قال: ولكني رسول من رب العالمين ~~[الأعراف: 67]، أثبت التوحيد ثم النبوة، وأما صالح بعده قال: يا قوم اعبدوا ~~الله ما لكم من إله غيره [الأعراف: 73]، ثم قال: قد جاءتكم بينة من ربكم ~~[الأعراف: 73]، وأما لوط فإنه كان يدعو الناس بدعوة الخليل، وما جرى بينه ~~وبين قومه عبدة الأوثان والكواكب من أظهر ما ms276 يتصور وقال: قال أتعبدون ما ~~تنحتون 95 والله خلقكم وما تعملون [الصافات: # 95، 96] وقال: لأبيه آزر أتتخذ أصناما آلهة [الأنعام: 74]، يا أبت لم ~~تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا [مريم: 42]، ثم أثبت الرسالة ~~فقال: يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطا سويا ~~[مريم: 43]، وكانت الدعوة جارية على لسان أولاده إلى زمن موسى عليه السلام ~~وكان من شأنه مع فرعون ما كان إذ قال له فرعون وما رب العالمين [الشعراء: ~~23] فمن ربكما يا موسى [طه: 49]، حتى حقق عليه التوحيد بتعريف وحدانيته ~~استدلالا من أفعاله عليه في جواب وما رب العالمين قال: وما رب العالمين ~~[الشعراء: 23] قال رب السماوات والأرض وما بينهما [الشعراء: 24]، وفي جواب ~~فمن ربكما يا موسى 49 قال ربنا الذي أعطى كل شي ء خلقه ثم هدى [طه: 49، ~~50]، ثم قال بعد ما قرر التوحيد إني رسول من رب العالمين [الأعراف: 104]، ~~فمن كان منكرا للتوحيد وجبت البداية معه بإثباته ومن كان مقرا به وجبت به ~~البداية مع بإثبات النبوة كحال عيسى مع بني إسرائيل إذ قال: قد جئتكم ببينة ~~من ربكم [الأعراف: 105]، ولما كانت دعوة سيد البشر محمد صلى الله عليه وسلم ~~أكمل ورسالته أرفع وأجل كان يبتدئ تارة مع عبدة الأصنام بإثبات التوحيد، ثم ~~بالنبوة يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم [البقرة: 21]، أثبت احتياجهم ~~ضرورة إلى فاطر وشاركهم في PageV01P241 ~~ذلك من قبلهم والذين من قبلكم [البقرة: 21]، كما قرر احتياجهم إلى الخالق ~~في وجودهم قرر احتياجهم إلى رازق في بقائهم الذي جعل لكم الأرض فراشا ~~والسماء بناء [البقرة: 22]، الآية ثم قرر بعد ذلك نبوته وإن كنتم في ريب ~~مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله [البقرة: # 23]، الآية بمعناها دالة على التوحيد وبظاهر لفظها البليغ ونظمها الأنيق ~~دالة على صدق دعواه وتحديه ولربما يبتدئ بدعوى الرسالة ثم يضمنها حقائق ~~التوحيد يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك السماوات ~~والأرض لا إله إلا هو يحيي ويميت [الأعراف: ms277 158]، الآية حتى كانت الآية ~~بعذوبة ألفاظها ورطوبة عباراتها الخارجة عن نظم الشعراء ونثر الفصحاء ~~الخارقة لعاداتهم الجارية وعباراتهم الفائقة أوضح دلالة على رسالته وصدق ~~لهجته وكانت معانيها الحقيقية وحقائقها المعنوية دالة على التوحيد واقترنت ~~الدلالتان اقترانا لا يمكن للمستمع الاستمهال وليس ذلك أمرا بالتقليد، فإن ~~التقليد قبول قول الغير من غير حجة، وفيها تقرر حجتان مفحمتان، وإنما لم ~~يلزم تكليف ما لا يطاق إذا لم يكن المستمع متمكنا من الاستماع والنظر ~~والتدبر في كل ما يستمعه ويعقله حتى لو أنكره ظهر عناده وبطل استرشاده، هذا ~~هو طريق الدعوة النبوية والحجة العقلية لا كما زعمت المعتزلة أن المستمع ~~إذا استمهل وجب على النبي إمهاله فيلزمهم أن لا تثبت لنبي ما رسالة ولا ~~يستمر لرسول ما دعوة فإن كل عاقل إذا استمهل وأمهل تعطلت النبوة في الحال ~~وصار منتظرا مدة الإمهال حتى يعود إليه الدعوة وإن يلزم العود إليه وبعد لم ~~تثبت عنده نبوته بل يعود جبريل عليه السلام ويقول: قم فأنذر [المدثر: 2]، ~~فيقوم إلى المستجيب فيقول أنت أمهلتني وأنا بعد في مهلة النظر والنظر طريق ~~المعرفة فتريد تصدني عن الطريق فأنت قبل معرفتي من أنت؟ مضل ضال قاطع ~~للطريق فيتخاصمان ويقتتلان ويئول الإلزام إلى النبي قولا وفعلا فيلزم ~~المعتزلة القول بأن أول واجب على العاقل قتال النبي عليه السلام وقتله وهذا ~~مما لا محيص لهم عنه. # وأما الجواب عن ردهم الخوارق إلى الخواص والتنجيم وعلم السحر والطلسمات ~~قلنا: لا ينكر العاقل حصول العجائب من الخواص والعزائم لكن أمثال هذه ~~الغرائب ليست تخلو قط عن حيل كسبية تنضاف إليها من مباشرة فعل وجمع الشي ء ~~إلى شي ء واختيار وقت وتعزيم قول وإعداد آلة واستعداد مادة، وبالجملة من PageV01P242 ~~مزاولة فعل وقول من جهة المدعي بحيث يتبين للناظر أن ذلك ليس فعلا لله ~~تعالى أنشأه في الحال تصديقا لدعوته بخلاف المعجزة، فإن كل عاقل يعلم ~~بالضرورة أن عظاما رفاتا رماما تجتمع فتحيا شخصا وتتشخص حيا من غير معالجة ~~من جهة المتحدي ولا مزاولة ms278 أمر عنه لا يكون ذلك إلا فعلا وصنعا من الله ~~تعالى يظهر منه قصده إلى تصديق رسوله فإنا قد ذكرنا أن الفعل بتخصيصه ببعض ~~الجائزات يدل على إرادة الفاعل، فإذا فعله عقيب دعوته مقترنا بدعواه وهو ~~صادق في نفسه دل على قصده إلى تصديقه وتخصيصه لرسالته، ولو قدر ظهور مثل ~~تلك المعجزة على يد كاذب لم يجز أن تقترن بدعواه النبوة، بل يصرف عنه داعيه ~~الدعوى ضرورة حتى لا ينقلب الدليل شبهة ولا ينحسم الطريق على قدرة الله ~~تعالى في إظهار التصديق بالآيات وكما إذا اختص الفعل بوقت وقدر وشكل دل على ~~إرادة مخصصة بذلك الوقت والقدر والشكل، ولن يقدر وقوعه اتفاقا، كذلك إذا ~~اختص الفعل بوقت تحدي المتحدي دل ذلك على أنه إنما أراد تخصيصه بالصدق، ~~وكما لم يختلف وجه الدليل العقلي على أصل الإرادة بأصل التخصيص لم يختلف ~~وجه الدليل على وجه تعلق الإرادة بتخصيص التصديق فافهم هذه الدقيقة، هذا ~~كمن علم أن له عند الله دعوة مستجابة فدعا واستجيب له علم ضرورة أن المجيب ~~أراد تخصيصه بتلك الإجابة كرامة له وإنعاما عليه، ولم يقدح في علمه ذلك ~~تجويز المجوز، إن ذلك ربما يقع اتفاقا بسبب آخر فإذا كان مثل ذلك معلوما في ~~الجزئيات لكل شخص شخص عرف مواقع نعم الله تعالى على عبده وكان بصيرا بزمانه ~~مقبلا على شأنه، فما ظنك بحال من اصطفاه الله تعالى من خليقته واجتباه من ~~بريته وقد تبين أنه يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة [القصص: 68]. # قال المنكرون: ولنا أسئلة أخرى وجب عليكم الجواب عنها. # منها أن الخارق للعادة إذا تكرر وتوالى صار معتادا بالاتفاق فما يؤمنكم ~~في الحالة الأولى أنه من المتكررات المعتادة في ثاني الحال، وإن لم يوجد في ~~سابق الأحوال، ألستم تشترطون أن يكون الخارق في زمن التكليف فإن في آخر ~~الزمان تنخرق العادات كلها فتتكور الشمس وتتكدر النجوم وتسير الجبال وتنشق ~~السماء وتزلزل الأرض فلو ادعى مدع أن هذه وأمثالها معجزاتي وهي بالاتفاق ~~خوارق لا تندرج ms279 تحت قوة البشر ولا يتوصل إليه بالحيل، بل تمحضت فعلا لله ~~تعالى فلا يكون ذلك دليلا على دعوى هذا المدعي فالعاقل في زمن التكليف، ~~ربما يتوقع أن تتوالى الآيات فلا يحصل له العلم بكونها آية على صدقه ما لم ~~يأمن التوالي والتعاقب، بل PageV01P243 ~~يورثه ذلك توقفا وتربصا. # ومنها أن العقلاء كما يجوزون وقوع أمثاله في ثاني الحال كذلك يجوزون وقوع ~~أمثاله في سالف الأيام أو في قطر آخر من الأقطار أو ظهور ذلك بفعل فاعل آخر ~~وإن كانوا عاجزين عن معارضته فربما لا يعجز غيرهم فعجزهم لا يدل على صدقه. # ومنها أن الشك في صدقه لكل واحد من الناس فيجب أن يكون الرافع للشك لكل ~~واحد واحد وعلى مقتضى ذلك يلزم أن يخصص كل واحد وكل جمع غيب أو حضور بمعجزة ~~خاصة وليس ذلك شرطا على أصلكم بل عندكم المعجزة الواحدة لجماعة من أهل ~~الخبرة والبصيرة كافية ويلزم التصديق على غيرهم من أهل التقليد، ولا يجب ~~استمرار المعجزة في كل زمن بل لو استمرت خرجت عن الإعجاز والتحقت بالمعتاد ~~فما ذا يلزمنا تصديق الأنبياء الماضين، ولم نجد في زماننا ما يدل على صدقهم ~~وبما يلزم أهل الأقطار في زمانه ولم يشاهدوا ما ظهر على يده من الآيات وهذا مشكل. # ومنها أنكم إذا جوزتم الإضلال على الله تعالى، فما يشعركم أنه يظهر ~~الآيات على يدي كاذب ولا يظهرها على وفق صادق فلا ذلك يضره في الإلهية ولا ~~هذا ينفعه في الربوبية، وكثير من الأنبياء قد خلت دعوتهم من المعجزة فمضوا ~~على أمر الله دعاة للخلق من غير التفات إلى طلب الآيات منهم، ومن غير ~~انكباب على طلب الآيات من الله تعالى فما بالكم ربطتم صدق الرسول بالمعجزات ~~هذا الربط. # ومنها قولهم: هل للخلق طريق إلى معرفة صدق الرسل سوى المعجزات الخارقة ~~للعادات فإن منعتم ذلك فقد حصرتم القول وحسمتم الطريق على الله تعالى وذلك ~~تعجيز وإن جوزتم ذلك فهلا وجب ذلك وجوب المعجزة فما الذي جعل المعجزة أولى ~~بالدلالة من ذلك ms280 الدليل؟ # ومنها قولهم: إنكم لا تخلون عن دعوى علم ضروري في وجه دلالة المعجزة ~~فتارة تدعون الضروري من حيث القرينة الحالية وهي اقتران التحدي بالمعجزة، ~~وتارة تدعون ذلك من حيث دلالتها على قصد المخصص إلى التخصيص، وتارة تدعون ~~ذلك من حيث إنها نازلة منزلة التصديق بالقول وتارة تدعون ذلك من حيث ~~سلامتها عن المعارضة فهلا ادعيتم الضرورة في أصل الدعوى أنه يعلم صدقه ضرورة. # ولئن قلتم إن قوله خبر يحتمل الصدق والكذب فيقال لكم والاحتمالات تتوجه ~~إلى هذه الوجوه أيضا فبطل دعواكم الضرورة فيها خصوصا والمنازع فيها على رأس ~~الإنكار وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر [القمر: 2]، PageV01P244 ~~وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين [الأنعام: 4]، ما ~~نسبتهم إلى العناد الصرف نسبوك إلى الجور المحض فما وجه الخلاص ولات حين مناص. # قال أهل الحق: أما الجواب عن السؤال الأول أن المعتاد إنما لم يكن دليلا ~~لأنه لا اختصاص له بدعوى المدعي وغير المعتاد يختص بدعواه اختصاص دلالة أما ~~من حيث القرينة كحمرة الخجل وصفرة الوجل وأما من حيث إن اختصاص الفعل ~~بدعواه كاختصاصه بوقت معين ثم اختصاصه بوقت معين دليل قصد المخصص بالوقت ~~واختصاصه بدعواه دليل قصد المخصص إلى التصديق، والوجهان حاصلان بنفس ~~الاقتران ولو توالى الخارق بعد ذلك لم ترتفع هذه الدلالة فإن اعتياده في ~~ثاني الحال لم يرفع القرينة الأولى ولا أبطل الاختصاص الأول وقال بعضهم ~~المعجزة كما سلمت عن المعارضة تسلم عن الاعتياد في ثاني الحال، ولهذا لم ~~يعهد من معجزات الأنبياء ما كان خارقا في الأول ثم صار معتادا في الثاني ~~الحال، وإنما هو إلزام تجويزي عقلي فيندفع بما ذكرناه منعا للإلزام. # وأما الجواب على السؤال الثاني فهو يقارب ما ذكرناه من تحقيق وجه دلالة ~~المعجزة، وبالجملة التجويزات الخيالية والوهمية مدفوعة بالدلائل العقلية ~~والقرائن القطعية، وقد قررنا أن المعجزة ذات دلالة عقلية وهو اختصاصها ~~بتحدي المدعي واقتضاء الاختصاص قصدا إلى التخصيص وجواز حصول مثل ذلك في قطر ~~من الأقطار أو في وقت ms281 من الأوقات لا تخرج الدلالة عن كونها دالة لأنه لم ~~يوجد اقتران يدل على الاختصاص واختصاص يدل على قصد التصديق والمعجزة أيضا ~~ذات دلالة من حيث القرينة وجواز حصول مثله لا يرفع دلالة القرينة كمن عرف ~~قطعا بحكم قرينة اطراد العادة أن ماء الفرات لم ينقلب دما عبيطا وهو جار ~~جريانه في الأول مع أنه يجوز عقلا أو وهما من قضية قدرة الله تعالى أنه ~~قلبه دما جاريا أو يبس النهر عن الجريان وهذا التجويز لا يدفع العلم ~~الضروري وكذلك يجوز عقلا أن تكون الصفرة في الوجه غير دالة على الوجل لكن ~~إذا اقترنت بها حال وسبب للوجل علم ضرورة أنها صفرة الوجل لا صفرة المرض. # ونقول: نعلم ضرورة أن الصعود إلى السماء والمشي على الماء وإحياء الموتى ~~وقلب العصا حية تسعى، وأمثال ذلك نقض لعادة البشر فإذا اقترنت بتحدي ~~الرسالة أو تصديق قول ما كانت آية وحجة على البشر وإن لم تكن نقضا لعادة ~~الملائكة والجن والمعتبر في كون الآية حجة أن يكون ذلك نقضا لعادة من كانت ~~الآية حجة عليه والعادة عادة له وكذلك لو ادعى النبي مدا وجزرا في جيحون ~~كان ذلك حجة PageV01P245 ~~لأنه نقض لعادتها، وإن كان معتادا لأهل البصرة، وكذلك لو قال: آية صدقي أن ~~ينبت الله نخيلا بخراسان كان ذلك آية معجزة له. # وأما الجواب عن السؤال الثالث: أن نقول كل من عارضه شك في صدق المتحدي ~~وجب إراحته لكن المعجزة إذا ظهرت لأهل الخبرة وحصل لهم العلم بذلك وهم جم ~~غفير فأحرى أن لا يبقى شك لأهل الصناعات الأخر وإن أشد الناس إنكارا من كان ~~عنده خبرة وبصيرة بخواص الأشياء وأحوال أهل المخرقة والتخيل وإذا ظهرت ~~المعجزة على خلاف ما توهموه فهم أولى الناس بالقبول وأما العامة فالتخيلات ~~والمخاريق إذا أورثت لهم شكا في الحال فأولى أن لا يعتريهم ريب في مقال ~~أصحاب المعجزات فيلزمهم الإقرار بتصديقه ويلزم غيرهم من العامة إذا سمعوا ~~منهم جلية الأمر الاعتراف به من غير توقف ولا ريب ms282 ولا يجب على النبي عليه ~~السلام تتبع آحاد الناس وإفراد كل واحد بمعجزة خاصة وإذا تقرر صدقه فنسبة ~~قوله إلى من صح عنده كنسبته إلى غيره إما في زمانه وهو في قطر آخر باستفاضة ~~الخبر إليه والمواترة عليه وإما في غير زمانه بالنقل والاستفاضة والشيوع. # وأما الجواب عن السؤال الرابع نقول: نحن نجوز الإضلال على الله تعالى ~~ولكن بشرط أن لا يقع خلاف المعلوم وبشرط أن لا يتناقض الدليل والمدلول ولا ~~يلتبس الدليل والشبهة وبشرط أن لا يؤدي الأمر إلى التعجيز وبشرط أن لا يؤدي ~~إلى التكذيب في القول ونذكر لكل واحد وجها ومثالا فنقول إذا علم الرب تعالى ~~أنه يرسل رسولا يهتدي به قوم فهو كما يعلم أنه ينصب دليلا يستدل به قوم فلو ~~أضلهم بعين ذلك الدليل وقع الأمر على خلاف المعلوم وذلك محال وكذلك إذا ~~أخبر أنه يرسل رسولا يهتدي به ثم إذا أضل كل من بعث إليه تناقض الخبر ~~وانقلب الصدق كذبا وذلك محال فإن الكذب لا يجوز على الله تعالى وإنما لا ~~يجوز ذلك عليه لأن الكذب إخبار عن الشي ء على خلاف ما هو به وهو يعلمه على ~~ما هو به وكل من علم شيئا كان له خبر عن معلومه والخبر عن المعلوم خبر عن ~~ما هو به فلا يجتمع في العالم خبران متناقضان وإذا علم الرب تعالى صدق ~~النبي وأخبر عن صدقه فقد صدقه ومن صدقه فلا يجوز أن يكذبه ومن وجه تناقض ~~الدليل أن جهة الدلالة في القرينة وفي الفعل لا تختلف فإذا دل الشي ء على ~~شي ء لا يجوز أن يدل على خلافه فإن ذلك غير مقدور كما أن جهة التخصيص إذا ~~دلت على الإرادة لم تدل على خلاف ذلك فجهة التخصيص بالتصديق لا تدل على ~~خلاف قصد المخصص بالتصديق فإرسال رسول وإخلاؤه عن دليل الصدق وإظهار معجزة ~~والقصد بها إلى إضلال الخلق وإظهار خارق للعادة على يدي كاذب في معارضة ~~دعوى النبي كل ذلك محال لما ذكرناه أنه يؤدي ms283 PageV01P246 ~~إلى محال كإخلاء النظر الصحيح التام عن الإفضاء إلى العلم فإنه إذا تم وجب ~~وجود العلم لا محالة وكنصب دلالة التوحيد لتدل على الشرك والإضلال على ~~الإطلاق يجوز أن يضاف إلى الله تعالى بمعنى أنه يخلق ضلالا في قلب شخص لكنه ~~إذا أدى إلى محال فهو محال، فلا يفعله لتناقضه واستحالته ولا لقبحه ~~وبشاعته. # وأما الجواب عن السؤال الخامس نقول لا ينحصر طريق التعريف في المعجزات، ~~بل يجوز أن يخلق لهم علما ضروريا بصدق النبي فلا يحتاج المذكر إلى طلب ~~المعجزة ليعرف بها صدقه أو ينصب لهم أمارات أخر غير خارقة للعادة لكن يتبين ~~لواحد بحكم قرينة الحال والمقال صدقه والقرائن لا تنحصر في طريق واحد، ورب ~~قرينة أورثت علما لشخص ولم تورث علما لغيره أو يخبر من استأهله لسماع كلامه ~~فيعلم صدقه كما أخبر الملائكة: إني جاعل في الأرض خليفة [البقرة: # 30]، وإذا ثبت صدقه عندهم إما بالخبر أو بتعليم الأسماء لزم تصديقه على ~~كل من خلف بعدهم، وإذا أخبر من ثبت صدقه بدليل ما عن صادق آخر يخلفه وجب ~~تصديقه وكذلك الخبر عن كل صادق بشارة لمن بعده وإعلاما للخلق بآيات في خلقه ~~وصورته وقوله وفعله وجب على كل من سمع ذلك تصديقه بإخبار الأول ولهذا أخبر ~~التنزيل عن مثل هذه الحالة على لسان عيسى عليه السلام ومبشرا برسول يأتي من ~~بعدي اسمه أحمد [الصف: 6]، وعلى لسان موسى عليه السلام النبي الأمي الذي ~~يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل [الأعراف: # 157]، الآية وعلى لسان الخليل عليه السلام ربنا وابعث فيهم رسولا ~~[البقرة: 129]، الآية وأماراته في التوراة والإنجيل أكثر من أن تحصى، ولقد ~~كان لموسى عليه السلام بيت صور- أعني صور الأنبياء والأولياء عليهم السلام- ~~يدخله فيطالع الصور كل سبت فلو لم يظهر النبي معجزة قط كان ما مضى من ~~الدلائل كافيا له فلهذا اقتصرت معجزاته على إظهار الأمر للأميين من العرب ~~دون أهل الكتاب من اليهود والنصارى فإنهم كانوا محجوجين بما ثبت عندهم من ~~الإخبار عن الصادقين. # وأما الجواب عن السؤال السادس ms284 فنقول: كل علم نظري لا بد وأن يستند إلى ~~علم ضروري ولكن الضروري ربما يكون بعيد المبدأ وإنما يستند إليه النظري بعد ~~نظريات كثيرة وربما يكون قريب المبدأ فيستند إليه في أول المرتبة والعلم ~~بصدق النبوات إن عددناه من جنس العلوم الحاصلة بقرائن الأحوال فهو في أول ~~المرتبة يصل إليه فيقال هذا المتحدي إما أن يكون صادقا وإما أن يكون كاذبا ~~وبطل أن يكون PageV01P247 ~~كاذبا لحصول الخارق للعادة على يده وعلى وفق دعواه من غير أن يعارضه معارض ~~واقتران هذه المعاني معا يستعقب علما ضروريا بصدقه فيدعي الضرورة هاهنا لا ~~في أول الدعوى وإن عددناه من جنس العلوم الحاصلة بوجه دليل التخصيص ~~بالتصديق فالعلم الحاصل به كالعلم الحاصل بكونه مريدا فإن التخصيص يدل على ~~أنه مريد وهذا التخصيص بعينه يدل على أنه مريد هذا المراد بعينه وكون ~~المنازع على رأس الإنكار لا يدفع الضرورة الواقعة في العلم فإنه بعد ظهور ~~الآية معاند عنادا ظاهرا واعلم أن النبوة والرسالة إنما يمكن إثباتها بعد ~~إثبات كون الباري تعالى آمرا ناهيا مكلفا واجب الطاعة ومن لم يثبت كونه ~~آمرا ناهيا لم يمكنه إثبات النبوة وأول أمر يتوجه منه تعالى على عباده ~~فإنما يتوجه أولا على رسوله بالدعوة إلى التوحيد بأنه لا إله غيره أي لا ~~خالق ولا آمر غيره على عباده باستماع دعوته والنظر في معجزته والنبي يصح ~~أولا صدقه في جميع أقواله ثم يؤدي رسالته ولا يتصور نبي قط إلا وأن تكون ~~آية الصدق معه لأن حقيقة النبوة هو صدق القول مع ثبوت الآية فلو قدر نبي ~~خاليا عن الآية فكأنه لا نبوة له بعد لكن الآيات قد تكون آيات مخصوصة على ~~كل مسألة وقول يدعي ذلك وذلك مثل دلالته على التوحيد بأن الإله واحد في ~~خلقه وأمره لا شريك له وقد تكون الآيات عامة تدل على صدق قوله في جميع ~~أقواله وأحواله وتلك الآيات قد تكون من جنس الأقوال كآيات الكتاب وقد تكون ~~من جنس الأفعال كآيات الإحياء وقلب الجماد حيوانا ms285 وبالجملة فدلالة الصدق لا ~~تنفك عن حالة ومقالة طرفة عين وذلك هو المعني بالعصمة الواجبة للأنبياء ~~عليهم السلام، لأن العصمة لو ارتفعت بطلت الدلالة وتناقضت الدعوى خصوصا ~~فيما أرسلوا به إليهم وكلف الناس تصديقه في أقواله ومتابعته في أفعاله ~~والأصح أنهم معصومون عن الصغائر عصمتهم عن الكبائر فإن الصغائر إذا توالت ~~صارت بالاتفاق كبائر وما أسكر كثيرة فقليله حرام لكن المجوز عليهم عقلا ~~وشرعا مثل ترك الأولى من الأمرين المتقابلين جوازا وجوازا وحظرا وحظرا، ~~ولكن التشديد عليهم في ذلك القدر يوازي التشديد على غيرهم في كبائر الأمور ~~وحسنات الأبرار سيئات المقربين وتحت كل زلة يجري عليهم سر عظيم، فلا تلتفت ~~إلى ظواهر الأحوال وانظر إلى سرائر المآل. PageV01P248 ### | AUTO القاعدة العشرون في إثبات نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم «1» # وبيان معجزاته ووجه دلالة الكتاب العزيز على صدقه وجمل من الكلام في ~~السمعيات من الأسماء والأحكام وحقيقة الإيمان والكفر والقول في التكفير ~~والتضليل وبيان سؤال القبر والحشر والبعث والميزان والحساب والحوض والشفاعة ~~والصراط والجنة والنار وإثبات الإمامة وبيان كرامات الأولياء من الأمة ~~وبيان جواز النسخ في الشرائع وأن هذه الشريعة ناسخة للشرائع كلها وأن محمدا ~~المصطفى صلى الله عليه خاتم الأنبياء وبه ختم الكتاب وإذا حققنا القول في ~~النبوات وبيان صدقهم بالمعجزات فالأنبياء عليهم السلام ممن ورد اسمه في ~~الكتاب ومن لم يرد واجبو الطاعة ويجب على كل مكلف الإيمان بالله وملائكته ~~وكتبه ورسله وإنما ثبت صدق من تقدم على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم اسما ~~فاسما وشخصا فشخصا بما ظهر عليه من الآيات وبما أخبر من ثبت صدقه عندنا ~~وإنما يتحقق ختم الأنبياء عندنا بخبر النبي الصادق عليه السلام وبما أخبر ~~القرآن أنه خاتم النبيين ومن أنكر نبوته من أهل الكتاب وغيرهم من المشركين ~~فلا متمسك لهم إلا القول بإحالة النسخ والقدح في وجه المعجزة. # قال أهل الحق: الدليل على صدق نبينا عليه السلام الكتاب الذي جاء به هدى ~~للناس وبينات من الهدى والفرقان [البقرة: 185]، ووجه دلالته PageV01P249 ~~على صدقه ms286 من حيث لفظه البليغ ومعناه المبين فنقول كما تميز نوع الإنسان عن ~~أنواع الحيوانات بالنطق المعبر عن الفكر وصار ذلك شرفا وكرامة له كما قال تعالى: # ولقد كرمنا بني آدم [الإسراء: 70]، كذلك تميز لسان العرب ولغتهم من سائر ~~الألسن واللغات بأسلوب آخر من عذوبة اللسان ورطوبة اللفظ وسهولة المخارج ~~والتعبير عن متن المعنى الدائر في الضمير بأوضح عبارة وأصح تفسير وصار ذلك ~~شرفا وكرامة لهم كما قال تعالى: بلسان عربي مبين [الشعراء: 195]، وكذلك ~~تميز لسان النبي صلى الله عليه وسلم من لسان العرب بأسلوب آخر من الفصاحة ~~المبينة والبلاغة الفائقة والبراعة المطابقة لما في ضميره من المعاني ~~المبينة والحقائق الرزينة كما لا يخفى على من أنصف واعتبر واختبر كلماته ~~واستبصر وصار ذلك شرفا وكرامة كما قال: لتبين للناس ما نزل إليهم [النحل: ~~44]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أنا أفصح العرب وأنا أفصح من نطق ~~بالضاد» وكذلك تميز القرآن عن سائر كلماته بأسلوب آخر خارج عن جنس كلام ~~العرب وعن كلماته أيضا وبنوع آخر من الفصاحة والجزالة والنظم والبلاغة ما ~~لم يعهده العرب في نظمهم ونثرهم وسجعهم وشعرهم بحيث لو قوبل أفصح كلماتهم ~~بسورة واحدة من القرآن كان التفاوت بينهما أكثر من التفاوت بين لسان العرب ~~وبين سائر الألسن ولو خاير مخاير بين كلمات النبي نفسه وبين ما نزل عليه من ~~الكتاب المهيمن على الكتب كلها كان الفرق بينهما فرق ما بين القدم والفرق ~~والصرف بينهما صرف ما بين الولاية والصرف فعلم ضرورة وقطعا أن الذي جاء به ~~وحي يوحى إليه وتنزيل ينزل عليه دلالة له على صدقه ومعجزة له على فصحاء ~~العرب وبلغاء أهل اللسان وشعراء ذلك الزمان فتحدى بذلك تحدي التعجيز عن ~~الإتيان بمثله كتابا وقرآنا قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما ~~[القصص: 49]، ثم ثنى ذلك فقال فأتوا بحديث مثله ولما عجزوا عن الإتيان ~~بمثله نزل عن ذلك حين قال القوم إنه افتراه فقال قل فأتوا بعشر سور مثله ~~مفتريات [هود: 13] ونزل عن العشر إلى ms287 سورة مثله فقال تعالى: وإن كنتم في ~~ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله ~~إن كنتم صادقين [البقرة: 23]، ولما ظهر عجزهم PageV01P250 ~~وبان خزيهم أنذرهم صاحب التنزيل وحذرهم المتحدي بالدليل فإن لم تفعلوا ولن ~~تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين [البقرة: ~~24]، وكيف لا يكون التعجيز ظاهر ظهور الشمس والكتاب يقرأ عليهم قل لئن ~~اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن [الإسراء: 88]، الآية ~~أفلم يكن بليغ من بلغاء العرب وفصيح من فصائحهم يتصدى لمعارضة هذه الدعوى ~~العريضة الواسعة لنوعي الجن والإنس وقد خيروا بين معارضة القرآن والخروج ~~بالسيف والسنان فكيف اختاروا الأشد على الأضعف وآثروا ما فيه بذل المهج ~~والنفوس واستحلال النساء واسترقاق الأولاد واستباحة الأموال على أهون ~~الأمور وأيسر ما في المقدور وهو معارضة سورة واحدة أفلا يكون ذلك عجزا ~~ظاهرا ونكولا واضحا وإن استراب في ذلك مستريب تشكيكا لنفسه في مظان القطع ~~واليقين وتسبيعا للغزالة بالطين فالنقد حاضر لم يبدل ولسان القرآن على رأس ~~التحدي كما ورد في الخبر «القرآن حي يجري كما يجري الليل والنهار» ولسان ~~المعارض عي عن المعارضة من مدة خمس مائة سنة وزيادة وبلغاء العرب قد اجتمعت ~~لهم متانة الشعر في العصر الأول ولطافة الطبع من العصر الأخير أو لم يفدنا ~~عجز الأولين والآخرين دلالة ظاهرة على أن مضمون القرآن حق وأن قول من أتى ~~به صدق كيف ولو اعتبرت سورة بسورة اعتبار متأمل فيها منصف صادف كل سورة على ~~حيالها اشتملت على صنف من الفصاحة وضرب من البلاغة والجزالة ولم تشاركها في ~~ذلك سورة أخرى وربما تكون القصة واحدة والتعبير عنها مختلف اختلافا لا يخل ~~بالمعاني ويكون أسلوب النظم والبلاغة نوعا آخر يباين الأولى واختبر هذا ~~المعنى في قصة مثناة وبالخصوص في قصة موسى عليه السلام في سورة المص وقصته ~~في سورة طه فمن ذا الذي يقدر على مثل ذلك من البشر وكيف يصل إلى غايته ~~القوة المنطقية الإنسانية ولهذا لما فطنت البلغاء ms288 من العرب لبديع النظم ~~والجزالة فيه قالوا إن هذا إلا سحر يؤثر [المدثر: 24] هذا من حيث اللفظ. # وأما من حيث المعنى فما اشتمل عليه القرآن من غرائب الحكم وبدائع المعاني ~~التي عجزت الحكماء والأوائل عن الإتيان بمثلها نوع آخر من الإعجاز خصوصا ~~ممن نشأ يتيما بين الأميين من العرب ولم يقرأ كتابا ولم يدرس علما ولا تلقف ~~من أستاذ ولا تعلم من معلم فلو لا أنه وحي محض ويوحى عليه وتنزيل نزل إليه ~~وإلا فمن أين PageV01P251 ~~لطبع مجرد يجود بمثله وأيضا فما يشتمل عليه القرآن من قصص الأنبياء ~~والمرسلين كيف جرت دعوتهم ومن أين أجاب كلمتهم ومن نكل عنهم إلى أي حال آل ~~أمرهم فمن لم يسمع ذلك من أحد ولا خط كتابا بيمينه ولا طالع كتب الأنبياء ~~والتواريخ والأخبار معجز ظاهر ودليل على أن الحق باهر وهذا في قصة الماضين ~~فما قولك في الإخبار عن الغيوب مما سيكون في ثاني الحال مما رأيناه طابق ~~الحال وصدق المقال إذ أخبر أنه يظهره على الدين كله وقد أظهر وأخبر أنه ~~غلبت الروم وقد تحقق وغير ذلك من الأخبار وكذلك ما اشتمل عليه القرآن من ~~أنواع العبادات والمعاملات من أحكام الحلال والحرام والحدود والقصاص ~~والديات وأحكام السياسات إعجاز ظاهر إذ جمع فيها بين إصلاح المعاش ونجاة ~~المعاد وبناها على قوانين كلية تجمع شمل العامة وتناظر عقل الخاصة ومن قرأ ~~الكتب المنزلة من التوراة والإنجيل والزبور تبين له الفرق الظاهر بينها ~~وبين القرآن؛ إذ كل ما اشتملت عليه من الحقائق العقلية والأحكام الشرعية ~~على بسطها اشتمل عليه القرآن بأوضح عبارة وأوضح إشارة على اختصاصه ومن أراد ~~أن يتخطى عما أقررناه إلى مفردات الحروف وكيفيات تركيبها وما فيها من الحكم ~~والمعاني قضى منها العجب وبالجملة القرآن بصورة ألفاظه وعباراته معجز ~~وبمعنى حقائقه وعجائبه معجب وهو دليل ظاهر على حقيقة ذاته وصدق المتحدي ~~بآياته. # قال أهل الزيغ والباطل لنا على مساق ما ذكرتموه من إعجاز القرآن سؤالان ~~أحدهما أن القرآن بمعنى المقروء والمكتوب صفة قديمة ms289 عندكم والقديم لا يكون ~~معجزا وبمعنى القراءة هو فعل القارئ وتلاوته وفعل العبد لا يكون معجزا. # فإن قلتم: إن الرب تعالى يخلقه في الحال من غير كسب النبي قيل وفي أي محل ~~يخلقه أفي لسانه ومن المعلوم أن الحرف والصوت القائم بلسانه ومخارج حروفه ~~مقدورة له والمعجزة لا تكون مقدورة للعبد أم في محل آخر من شجرة أو لوح أو ~~قلب ملك فالمعجزة ذلك المخلوق لا ما نطق به النبي فما هو معجزة لم نسمعه ~~وما سمعناه ليس بمعجزة فما الجواب عن هذا السؤال؟. # والثاني: أنكم قلتم وجه إعجاز القرآن فصاحته وجزالته ونظمه وبلاغته فما ~~حدود هذه المعاني أولا حتى نبين حقائقها فنتكلم عليها أهي بأفرادها معجزة ~~أم بمجموعها وقد رأيناكم اختلفتم في أن القرآن معجزة من جهة صرف الدواعي أم ~~من جهة ما اشتمل عليه من بديع النظم والفصاحة ومن قال بالقسم الثاني اختلف ~~في أن الفصاحة بديعة أم الجزالة أم النظم ومن المعلوم الذي لا مرية فيه أن ~~المعجز يجب أن يكون ظاهرا لكل من هو في حقه معجز ظهورا لا يستراب فيه البتة ~~ومن قال منكم إنه PageV01P252 ~~معجز من حيث الفصاحة فقط جوز أن يكون في كلام العرب مثله من حيث النظم ~~والجزالة ومن قال بالثاني فقد جوز المماثلة في الأول فلم يظهر ظهور انقلاب ~~الجماد حيوانا والبحر يبسا والحجر الصلد عينا نضاخة إلى غير ذلك من معجزات ~~الأنبياء عليهم السلام إذ ظهرت على قضية لم يبق للتردد فيها مجال. # قال أهل الحق: أما السؤال الأول فنقول القديم يستحيل أن يكون معجزة ~~والمكتسب للعبد كذلك وللقرآن وجوه من المعجزات ولكل وجه وجوه من التقديرات ~~فيجوز أن يقال إن التلاوة من حيث إنها تلاوة معجزة وتقدير الإعجاز فيها من ~~وجهين أحدهما أن يخلق الله تعالى هذه الحروف المركبة وتلك الكلمات المنظومة ~~في لسان التالي من غير أن يكون قادرا عليها ومحركا لسانه بقدرته واستطاعته ~~فتمحض فعلا لله تعالى ويظهر إعجازه في نظمه المخصوص ويجوز أن يخلق الله في ms290 ~~نفس النبي كلاما منظوما فيترجم عنه بلسانه ويكون تحريك اللسان مقدورا له ~~لكن الكلام المعجز ما اشتمل عليه الضمير ونعت في الصدور كما قال تعالى: لا ~~تحرك به لسانك لتعجل به 16 إن علينا جمعه وقرآنه [القيامة: 16، 17]، أي في ~~صدرك وقلبك فإذا قرأناه أي جمعناه فاتبع قرآنه ويجوز أن يخلق الله ذلك ~~الكلام في قلب الملك أو في لسانه فيلقيه وحيا إلى قلب النبي ويعبر عنه ~~النبي بلسانه كما قال تعالى: إنه لقول رسول كريم [الحاقة: 40]، أي تنزيلا ~~ووحيا وكما قال: # علمه شديد القوى [النجم: 5]، ويجوز أن يكون قد خلق هذه العبارات المنظومة ~~بعينها في اللوح المحفوظ فيقرأ جبريل عليه السلام منه ويقرأها على النبي ~~صلى الله عليه وسلم فيسمع النبي منه كما لو يسمع الواحد منا ويكون المعجز ~~هو الكلام المنظوم وجبريل مظهر والنبي مظهر كما أن واحدا منا يقرأه ويكون ~~مظهرا لكن إظهار جبريل إظهارنا ليدل على صدق النبي عليه السلام وهذا كما ~~خلق الله تعالى الناقة في الصخرة ثم أظهرها منها عند دعوة صالح عليه السلام ~~فيكون إظهار المعجزة مقرونا بالدعوى والتحدي لا إظهار المعجز كخلق المعجز ~~في الدلالة على الصدق وينبغي أن ننبه هاهنا على هذه الدقيقة وهي أنا إذا ~~روينا شعر الشاعر فنحس من أنفسنا قدرة على التلفظ بذلك الشعر ولا نحس من ~~أنفسنا قدرة على نظم ذلك بل ربما يكون الراوي عديم الطبع في إنشاء الشعر ~~فضلا عن نظم مخصوص فما المقدور منه وما غير المقدور فنقول إذا قرأنا شعرا ~~من كتاب أو سمعناه من لسان وحفظناه ارتسم الخيال في القلب PageV01P253 ~~والنفس بذلك الشعر وتمكن منه ثم عبر بلسانه عنه فيكون المسموع والمحفوظ من ~~حيث إنه سمعه وحفظه مقدورا له لكن النظم المرتب في المحفوظ والمسموع غير ~~مقدور له وهو كما لو ألقى من لا يعرف الكتابة أصلا لوحا منقورا فيه سور ~~منظومة على تراب ناعم حتى انتقش بها نقشا مطابقا كان الإلقاء مقدورا له ~~والنقش غير مقدور له إذ ليس يعرف الكتابة أصلا ms291 فالارتسام في النفس والخيال ~~كالانتقاش في التراب سواء فيبقى نظم الشعر نقشا بعد نقش زمانا بعد زمان أبد ~~الدهر وكذلك ارتسام قلب النبي من إلقاء القرآن إليه وحيا وتنزيلا كانتقاش ~~التراب الناعم بالنقش المنقور في اللوح فيكون المرتسم قلبه والمعبر عنه ~~لسانه والرسم غير مقدور له بل تمحض ذلك ابتداعا من الله تعالى فهذا هو طريق ~~وجوده معجزا. # وعلى طريقة أخرى ظهور كلام الباري تعالى بالعبارات والحروف والأصوات وإن ~~كان في نفسه واحدا أزليا كظهور جبريل بالأشخاص والأجسام والأعراض وإن كان ~~في نفسه ذا حقيقة أخرى متقدما على الشخص فإنه لا يقال انقلبت حقيقته إلى ~~حقيقة الجسمية في شخص معين لأن قلب الأشخاص محال وإن قيل انعدمت حقيقة ~~ووجدت حقيقة أخرى فالثاني ليس بجبريل فلا وجه إلا أن يقال ظهر به ظهور ~~المعنى بالعبارات أو ظهور روح ما بشخص ما فكما صارت العبارات شخص المعنى ~~كذلك صارت صورة الأعرابي شخص الملك وقد عبر القرآن عن مثل هذا المعنى ولو ~~جعلناه ملكا لجعلناه رجلا [الأنعام: 9]، فكذلك يجب أن تفهم عبارات القرآن. # والجواب عن السؤال الثاني فنحقق أولا حقائق الفصاحة والجزالة والنظم ~~والبلاغة ونميز بين كل واحد منها ثم نبين أن الإعجاز في كل واحد أو في ~~المجموع فنقول أولا قولا على سبيل المباحثة والبسط ليتضح الغرض والمعنى به ~~ثم نقول قولا ثانيا على سبيل التحديد والضبط المنحصر الغرض والمعنى فيه ~~اللفظ قد يكون دالا على المعنى دلالة مطلقة إما وضعا وإما مجازا وقد يكون ~~دالا على المعنى بشرط أن يكون مفصحا عن كنه حقيقته معبرا عن غرض المتكلم ~~وإرادته والقسم الأول مثل قولنا تحرك الجسم فإنه يطلق على حركة الجمادات ~~والنبات والحيوان والإنسان والسماء والأرض وكل ما هو قابل للحركة ثم إذا ~~وضع اللفظ لموضوع خاص عبر عن تلك الحركة بعبارة أخص كما ورد في القرآن يوم ~~تمور السماء مورا 9 وتسير الجبال سيرا [الطور: 9، 10]، فإن المور أخص دلالة ~~من السير وهما أخص من PageV01P254 ~~الحركة وذلك أن المور حركة لطيفة لجسم ms292 لطيف وذلك كالشعاع يذهب شعاعا بخلاف ~~السير فكان المور المضاف إلى السماء والسير المضاف إلى الجبال مفصحا عن متن ~~الغرض مبينا عن المعنى اللائق به وكان أفصح من تحركت السماء وسارت وجاءت ~~وذهبت ثم هو مع فصاحته لفظ جزل لأنه متلاقي التركيب متقارب المخارج سهل ~~التلفظ به مطابق المعنى وذلك هو معنى الجزالة وقد توجد الجزالة والفصاحة في ~~لفظ واحد وقد توجد في ألفاظ كثيرة وجمل من الكلام غير يسيرة ولا بد من نظير ~~تلك الكلمات. # فالنظم يطلق على مطلق التركيب والترتيب لكنه ينقسم اقساما فقد يقع ركيكا ~~وقد يقع رقيعا ما دونها درجة ما تتحقق في المحاورة المعتادة وفوقها ما ~~تتحقق في المكاتبة والمراسلة وفوقها درجة ما تذكر في الخطابة والمواعظ ~~وفوقها درجة ما ينتظم به الشعر وليس فوقها درجة للنظم عند العرب فهو على ~~أقسام لا تنضبط ولذلك سمي الشعر نظما وما سواه نثرا ثم إذا اجتمعت الفصاحة ~~والجزالة والنظم أطلق عليها اسم البلاغة من بلوغ الكلام درجة الكمال هذا ~~قولنا على سبيل المباحثة والبسط. # أما قولنا على سبيل التحديد والضبط فنقول الفصاحة عبارة عن دلالة اللفظ ~~على المعنى بشرط إيضاح وجه المعنى وإيضاح الغرض فيه والجزالة عبارة عن ~~دلالة اللفظ على المعنى بشرط قلة الحروف واختصارها وتناسب مخارجها وربما ~~يجتمع المعنيان فيكون اللفظ فصيحا جزلا معا فتجتمع معان كثيرة في ألفاظ ~~يسيرة كما يقال نفل الحر ونصيب المفضل ومثاله في القرآن ولكم في القصاص ~~حياة [البقرة: # 179]، وربما يتباينان. # والنظم ترتيب الأقوال بعضها على بعض ثم الحسن فيه يتقدر بقدر تناسب ~~الكلمات في أوزانها وتقاربها في الدلالة على المعنى وذلك أنواع وأصناف. # والبلاغة عبارة عن اجتماع المعاني الثلاثة أعني الفصاحة والجزالة والنظم ~~بشرط أن يكون المعنى مبينا صحيحا حسنا ومن المعلوم أن القرآن فاق كلام ~~العرب بمحاورتها ومراسلاتها وخطبها وأشعارها فصاحة وجزالة ونظما بحيث عجزت ~~عن معارضتها عجز من لم يقدر عليها أولا وآخرا لا عجز من قدر في الأول وعجز ~~في الآخر وإلا لكانوا يعارضونه بما تمهد ms293 عندهم من الكلام الأول فالقرآن ~~معجز من حيث البلاغة التي هي عبارة عن مجموع المعاني الثلاثة والعرب قد ~~أحست من أنفسها أن القرآن خارج عن جنس كلامهم جملة وكذلك كل من كان له أدنى ~~معرفة بالعربية يعرف إعجازه إلا أن البلغاء يعرفون وجوه الإعجاز فيه على ~~قدر مراتبهم في البلاغة PageV01P255 ~~ومن كان أفصح وأبلغ كانت معرفته أشد وأوضح كما أن من كان أسحر في زمن موسى ~~كان علمه ومعرفته بإعجاز العصا أوفر ومن كان أحذق في الطب في زمن عيسى كانت ~~معرفته بإعجاز إحياء الموتى وإبراء الأبرص والأكمه أكثر ومن كان أعلم في ~~علم الطبيعة في زمن الخليل كان نفسه بإعجاز السلامة عن النار أشد وأصدق ~~والاختلاف في وجوه الإعجاز لا يوهن وجه الإعجاز ولهذا لو اجتمع عند العالم ~~بوجوه الإعجاز العلم بوجوه الحكم والمعاني الشريفة فيه كانت معرفته أكثر ~~ولو ضم إلى ذلك العلم بوجوه تمهيد السياسات العامة والعبادات الخاصة والأمر ~~بمكارم الأخلاق والنهي عن ذميمات الأفعال والحث على معالي الشيم والهمم ~~كانت معرفته بالإعجاز في غاية الانتظام ونهاية الإبرام ومن ذا الذي يصل ~~بفكره الضعيف وعقله المميز بمحاديات الوهم والخيال إلى الحكم المحققة في ~~تركيب الحروف وترتيب الكلمات التي هي كالمواد والصور ومطابقتهما لعالم ~~الخلق حتى ينطبق عالم الأمر على عالم الخلق وذلك العلم الأخص بالأنبياء ~~عليهم السلام وهنالك تضل الأفهام وتكل الأوهام وتعود العقول البشرية عند ~~الأسرار الإلهية هباء وتستحيل الحواس الإنسانية عند خواص الحكم الربانية ~~عفاء ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما ~~نفدت كلمات الله [لقمان: 27]، ولقد قصر من قصد إعجاز القرآن في سورة طويلة ~~وحصره في آيات مخصوصة انظر إلى أول آية نزلت كيف اشتملت على وجوه من ~~البلاغة والحكم اقرأ باسم ربك الذي خلق 1 خلق الإنسان من علق [العلق: 1، ~~2]، فمن أراد أن يعبر عن تقدير الخالقية عموما لجميع الخلق في العالم ثم ~~خصوصا للإنسان المطابق خلقته بخلقة العالم بأسره كيف يعبر عنه بلفظ أفصح ms294 ~~منه بيانا وأوجز لفظا وأشرف نظما وأبلغ عبارة ومعنى ثم انظر كيف خصص اسم ~~الربوبية في حال تربيبه وكيف عمم الخلق أولا ثم خصص وكيف ابتدأ خلق الإنسان ~~من العلق حيث كانت مرتبته في حال قبول صورة الوحي مرتبة العلق من قبول صورة ~~الإنسان إلى أن انتهى إلى البلاغ السابع من قبول جميع القرآن الرحمن 1 علم ~~القرآن 2 خلق الإنسان [الرحمن: 1 - 3]، كما ينتهي إلى المرتبة السابعة حتى ~~يقبل علم البيان علمه البيان [الرحمن: 4]، وكيف قرن اقرأ وربك الأكرم 3 ~~الذي علم بالقلم 4 علم الإنسان ما لم PageV01P256 ~~يعلم [العلق: 3 - 5]، فالحكمة في اقرأ واقرأ أولا وثانيا وربك الأكرم أبلغ ~~لفظا ومعنى من اقرأ باسم ربك ثم عمم التعلم ثم خصص الإنسان كما عمم الخلق ~~ثم خصص الإنسان وكيف اجتمعت الفصاحة في ألفاظ بأسفار وجوه المعاني وكيف ~~اقترنت بهذه الجزالة على قلة حروفها وخفة كلماتها من غير إخلال في الدلالة ~~وكيف انتظمت بأشرف تركيب من حيث اللفظ وأوضح ترتيب من حيث المعنى وكيف لاحت ~~فيها البلاغة برطوبة الألفاظ ومتانة المعاني حتى كأنها جمعت علم الأولين ~~والآخرين من تقرير العموم والخصوص وتقدم الأمر على الخلق وإضافة الهداية ~~والخلق إليه تبارك الله رب العالمين [الأعراف: 54]، فتبين من هذه القرائن ~~أن القرآن بجملته معجز وذلك في حق من لا يعرف دقائق البلاغة وحقائق المعاني ~~وبعشر سور منه معجز في حق قوم وبسورة واحدة معجز في حق قوم وبآية واحدة ~~معجز في حق قوم وتتقدر مقادير الإعجاز على قدر الدراية والتحقيق. # ومن العجب أن المعتزلة قالوا بوجوب النظر قبل ورود الشرع وبنوا ذلك على ~~أن العاقل المفكر لا يخلو عن خاطرين يطريان على قلبه أحدهما يدعوه إلى ~~النظر حتى يعرف الصانع فيشكر فيثاب على شكره والثاني يمنعه عن ذلك فيختار ~~بعقله أحق الطريقين بالأمن ويرفض أحقهما بالخوف فيقال لهم إذا تحدى النبي ~~بالرسالة وأخبر أنه رسول الله كان خبره محتملا للصدق والكذب فهلا طرأ ~~الخاطران في تصديقه وتكذيبه ثم يحصل الخبر بالصدق أولى ms295 فإن فيه الأمن إذ لو ~~كان صادقا فكذبه خسر ولو كان كاذبا فصدقه لم يخسر فإنه إن يكن كاذبا فعليه ~~كذبه وفي طلب المعجزة منه خطر آخر وهو جعل الخبر أولى بالكذب فكأنه يكذبه ~~في الحال إلى أن تظهر المعجزة فيصدقه في ثاني الحال وعند المعتزلة القرآن ~~من جنس كلام العرب فإنهم يقدرون على مثله قدرتهم على كلامهم فلم يستمر لهم ~~التمسك بإعجاز القرآن. # قال أهل الزيغ: إذا قال النبي إني رسول الله إليكم وإنه أنزل علي كتابا ~~أقرأه عليكم فما المعني بالرسالة عن الله تعالى وما معنى قوله إني نبي الله ~~أفترجع الرسالة والنبوة إلى صفة قائمة بذاته بها يستحق أن يخاطب الناس ~~بالأوامر والنواهي عن الله تعالى أم ترجع إلى إخبار الله تعالى إنه رسولي ~~فإن كان الأول فما حقيقة تلك الصفة وإن كان الثاني فكيف يتصور أن يكلم الله ~~بشرا فإن الذي يسمعه البشر من الكلام حروف وأصوات وعندكم كلامه ليس بحرف ~~ولا صوت وإن كان وحيا من الله تعالى فما معنى الوحي وكيف يتصور أن ينزل ملك ~~على صورة البشر فإن كان الملك PageV01P257 ~~شخصا جسمانيا فيجب أن يكون على صورة بشر حتى يكلمه بكلام البشر وإن كان ~~جوهرا روحانيا فكيف يتصور أن يتشخص ويظهر بشخص جسماني أليس نفس الدعوى إذا ~~لم تكن معقولة في نفسها لم يجز مطالبته بالبرهان عليها فلا نزول الملك ~~معقول ولا نزول القرآن الذي هو كلامه معقول بل هما مستحيلان عند العقلاء ~~بأسرهم وأيضا فإنه ادعى بعد ذلك صعوده إلى السماء والجسماني الكثيف يستحيل ~~أن يصعد والأجرام العلوية لا تقبل الخرق وإذا اشتمل كلامه على ما يستحيل في ~~العقل حكم ببطلان أصل دعواه إلى غير ذلك مما ادعى أنه شاهد العوالم وأخبر ~~عن حشر الأجسام والأحياء في القبور والميزان والصراط والحوض بعد ذلك فإن ~~هذه غير معقولة بل قبولها على الوجه الذي يدعيه مستحيل. # قال أهل الحق: النبوة ليست صفة راجعة إلى نفس النبي ولا درجة يبلغ إليها ~~أحد بعلمه ولا كسبه ms296 ولا استعداد نفسه يستحق به اتصالا بالروحانيات بل رحمة ~~من الله تعالى ونعمة يمن بها على من يشاء من عباده، وكما قال نوح عليه ~~السلام قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ~~ملك [الأنعام: 50]، إلى غيره من الأنبياء وسيد البشر صلى الله عليه وسلم ~~قال كما قال الأول قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا [الإسراء: 93]، قل ~~لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت ~~من الخير وما مسني السوء إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون [الأعراف: ~~188]، لعمري لا تعدم نفس النبي ومزاجه كمالية في الفطرة وحسنا في الأخلاق ~~وصدقا وأمانة في الأقوال والأفعال قبل بعثه لأنه بها استحق النبوة أو وصل ~~بسببها إلى الاتصال بالملائكة وقبول الوحي كما قال تعالى: فبما رحمة من ~~الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك [آل عمران: 159]، ~~وكما قال القوم: لو لا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم [الزخرف: # 31]، قال سبحانه: أهم يقسمون رحمت ربك [الزخرف: 32]، فشخص النبي صلى الله ~~عليه وسلم شخص الرحمة ورحمة مشخصة ورسالته إلى الخلق رحمة ونعمة كما قال ~~تعالى: وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين [الأنبياء: 107]، يعرفون PageV01P258 ~~نعمت الله ثم ينكرونها وأكثرهم الكافرون [النحل: 83]، والأنبياء خيرة الله ~~في خلقه وحجة الله على عباده والوسائل إليه وأبواب رحمته وأسباب نعمته الله ~~يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس [الحج: 75]، إن الله اصطفى آدم ونوحا [آل ~~عمران: 33] الآية، فكما يصطفيهم من الخلق قولا بالرسالة والنبوة يصطفيهم من ~~الخلق فعلا بكمال الفطرة ونقاء الجوهر وصفاء العنصر وطيب الأخلاق وكرم ~~الأعراق فيرقيهم مرتبة مرتبة حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة وكملت قوته ~~النفسانية وتهيأت لقبول الأسرار الإلهية بعث إليهم ملكا وأنزل عليهم كتابا ~~ولا تظن أن الملك يتجسد شخصا بمعنى أن يتكاثف بعد ما كان جسما لطيفا تكاثف ~~الهواء اللطيف غيما كما ظنه قوم ولا أنه تعدم حقيقته ويوجد شخص آخر ولا ms297 أنه ~~تنقلب حقيقته إلى حقيقة أخرى فإن كل ذلك محال بل الجواهر النورانية خصت ~~بقوة الظهور بأي شخص أرادوا كما قال تعالى: فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها ~~بشرا سويا [مريم: 17]، وكما قال ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا [الأنعام: ~~9]، ولا نجد له مثالا في هذا العالم إلا تمثل تعلق أرواحنا بأجسادنا غير أن ~~التمثل يستدعي شخصا كاملا في الحال والتعلق يستدعي شخصا يتكون مرتبة فمرتبة ~~سلالة ونطفة وعلقة ومما نذكره مثالا تمثل المعنى الذي في الذهن بالعبارات ~~التي في اللسان وبالكتابة التي في اللوح غير أن اللفظ دليل على المعنى وكل ~~دليل مظهر المعنى من وجه وكل مظهر دال على المعنى من وجه من غير حلول ~~الأعراض في الجواهر ولا نزول الأجسام على الأجسام وإن تخطيت منه إلى ظهور ~~صورة الشخص في المرآة الصقيلة ووقع الظل على الماء الصافي قارنت المعنى ~~مثالا وإدراكا. # ألستم تقولون معاشر الصابئة المحيلين نزول الروحاني على الجسماني إن كل ~~روحاني له هيكل يظهر به ويتصرف فيه ويستوي عليه وكل هيكل في العالم العلوي ~~له شخص في العالم السفلي يظهر به ويتصرف فيه ويستوي عليه غير إنكم اتخذتم ~~بصنعتكم أصناما آلهة وهي مظاهر تلك الهياكل التي هي مظاهر تلك الروحانيات. # ونحن معاشر الحنفاء أثبتنا أشخاصا ربانية مفطورة بوضع الخلقة على اصطفاء ~~من الجواهر واجتباء من العنصر مناسبة لتلك الجواهر الروحانية مناسبة النور ~~للنور والظل للظل وللنبي عليه السلام طرفان بشرية ورسالية قل سبحان ربي هل كنت PageV01P259 ~~إلا بشرا رسولا [الإسراء: 93]، فبطرف يقبل الوحي وبطرف يؤدي الرسالة والوحي ~~هو إلقاء الشي ء إلى الشي ء بسرعة فكل صورة علمية يقبلها بطرفه الروحانية ~~عن الملائكة الذين هم رسل ربهم إليه دفعة واحدة كوقوع الصورة في المرآة فهو ~~وحي وأقرب مثال له إلينا المنام الصادق فإن الرائي يرى كأنه نزل بستانا ~~واجتنى ثمارا وخاض في الماء وتحدث أحاديث كثيرة من سؤال وجواب وأمر ونهي ~~بحيث لو أملاها ملأت أوراقا وشحنت صفائح صحائف وكل ذلك في غفوة كأنها لحظة ~~وما ذاك ms298 إلا لأن الصور والفعلية القولية إذا كانت من عالم المعاني بواسطة ~~تلك المنام لم يستدع زمانا ولا ترتيبا بحيث يستدعيها حال اليقظة بل وقعت ~~دفعة واحدة في نفس الرائي حتى انتقشت فيه ثم عبر عنه بعبارات كثيرة وعبر ~~المعبر عن صورها الخيالية إلى معانيها العقلية ولذلك صارت الرؤيا الصادقة ~~جزءا من أجزاء النبوة كما صارت التؤدة والأناة وحسن السمت جزءا من أجزاء ~~النبوة فالنبوة إذا جملة ذات أجزاء وتلك الجملة بمجموعها لا تتحقق إلا لمن ~~اصطفاه الله تعالى لرسالته وبعض أجزائها قد ثبت للصالحين من عباده فيبلغون ~~إلى ذلك الجزء بطاعتهم وعبادتهم كما قال صلى الله عليه وسلم: # «أصدقكم رؤيا أصدقكم حديثا» أما مجموعها من حيث المجموع فلا يصل إليه أحد ~~بكسبه واستطاعته. # وأما نزول كلام الباري تعالى فمعنى نزول الملك به فليس يستدعي النزول ~~انتقالا فإنك تقول نزلت عن كلامي ونزل الأمير عن حقه وقد ورد إلى الخبر ~~نزول الرب تعالى إلى السماء الدنيا وورد في القرآن مجيئه وإتيانه وذلك لا ~~يستدعي انتقالا كما حقق في التأويلات ثم الكلام الذي هو أمره الأزلي لا ~~يطلق عليه النزول إلا بمعنى نزول الآيات الدالة عليه ثم الإلزام على الخصم ~~إنما يظهر إذا أثبتنا له أمرا ونهيا وإثبات الأمر إنما يظهر إذا توافقنا ~~على أنه تعالى ملكا ومالكا وله أن يتصرف في ملكه بالأمر والنهي والتكليف ~~على من ثبت له اختيار وإذا حصل وفاقنا على هذه المراتب وعلمنا أن كل واحد ~~من آحاد الناس لا يتأهل لقبول أمر الله تعالى وحيا له تعين بالضرورة واحدا ~~اصطفاه من عباده وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة [القصص: 68]، ~~فدعواه نفسها من الجائزات العقلية وإذا كانت الدعوى مقرونة بدليل الصدق وجب ~~التصديق ووجب أن لا يتراخى دليل الصدق عن نفس الخبر فإن المخاطب مكلف ~~بالتصديق في الحال ولا يتراخى الوجوب عليه إلا أن يعرف الصدق بل التمكن كاف ~~كما بينا ولكن التمكن إنما تحقق من جانب المكلف PageV01P260 ~~بوجود العقل التام والعقل إنما يدرك ms299 إذا وجد دليل الصدق فكما لا يتراخى ~~الوجوب عن وقت التكليف لا يتراخى أيضا دليل الصدق عن نفس الدعوى فليبحث ~~هاهنا كل البحث أن الدليل المقرون بالخبر والدعوى ما ذا بحيث لا يلزم إفحام ~~ولا ينفع إحجام وأما سائر الأخبار السمعية فإذا ثبت صدق النبي وجب الإيمان ~~بذلك والسمع والطاعة له فإن عرفنا له وجها بالدليل العقلي فبصيرة وخيرة وإن ~~لم نعرف له وجها فتسليم وتصديق وما يستحيل في العقل وكان بين الاستحالة ~~يعرف وجه استحالته ونعلم أن الصادق الأمين لا يقرر المستحيل فيطلب لكلامه ~~محملا صحيحا فإذا وجدناه فخيرة وإلا آمنا وصدقنا بالظاهر ووكلنا علم الباطن ~~إلى الله تعالى ورسوله. # فمن ذلك حشر الأجسام وبعث من في القبور من الأشخاص فاعلم أنه لم يرد في ~~شريعة ما من الدلائل أكثر مما ورد في شرعنا من حشر الأجسام وكأن الزمان لما ~~كان مقرونا بالقيامة كانت الآية أصرح بها والبينات أدل عليها ومفارقة ~~الأرواح للأجساد وبقاء الأرواح قد اعترف به الحكماء الإلهيون وحشر الأجساد ~~لما كان ممكنا في ذاته وقد ورد به الصادق وجب التصديق بذلك من غير أن يبحث ~~عن كيفية ذلك إذ الرب تعالى قادر على الإعادة وقدرته على الإنشاء والابتداء ~~فيحيي العظام وهي رميم كما أنشأها أول مرة وكما يحيي الأرض بعد موتها كل ~~ربيع كذلك يحيي الموتى ودليل من رام إثباته على طريق الحكمة هو أن النفوس ~~الجزئية إذا فارقت الأبدان ولم تستقر في تصوراتها عن آلات جسمانية احتاجت ~~إلى الأبدان ضرورة وإلا كانت معذبة فإن سعادتها في تصوراتها إنما تكون ~~بآلاتها والآلات إنما تتحقق إذا عادت بسعيها كما كانت فمن قال بحشر الأجسام ~~وفى بقضية الحكمة إذ وفر على كل نفس حظها من كمالها اللائق بها وإعطائها ~~جزاءها على مقدار سعيها ومن نفى ذلك قضى بالحشر على نفس أو نفسين في كل عصر ~~قد تجردت عن المواد الجسمانية وقضى بالتعذيب على كل نفس في العالم وذلك ~~يناقض الحكمة وأيضا فإن الترتيب بين كل نفس ونفس حاصل ms300 في الدنيا وإذا فارقت ~~النفس البدن فإما أن يزول الترتيب حتى يستوي الحال بين من حصل لنفسه علوما ~~كثيرة وبين من اشتمل على جهالات كثيرة وإما أن يثبت الترتيب وليس في ذلك ~~العالم جنة ولا نار عندهم فيحصل لهم بذلك لذة أو ألم إذ لا نعمة ثم معدة ~~لأهل السعادة ولا عذاب مدخر لأهل الشقاوة وإنما اللذة والألم والنعمة ~~والعذاب تنشأ من كل نفس أو لازم كل نفس بحسب ما استعدت له من العلم والجهل ~~إلى تناقضات كثيرة أوردنا لذكرها رسالة في المعاد. # وأما سؤال القبر وعذابه فقد ورد بهما الخبر الصحيح في كم موضع حتى بلغ PageV01P261 ~~الاستفاضة وهو حق وأما وجه ذلك على الطريقة المرضية ليس ذلك للروح المجرد ~~خاصة ولا للبدن على هذه الهيئة المشاهدة حتى يلزم عليه ما يناقض الحس ولو ~~كان الخطاب أعني خطاب الملكين خطابا بالاعتقاد المجرد لكان التزام الاعتقاد ~~على الروح المجرد ولو كان الخطاب بالاعتقاد دون القول والعمل جميعا لكان ~~يشترط فيه حشر الجسد على الصورة المخصوصة لكنه خطاب يقتضي عقدا وجوابا من ~~حيث القول من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ فلو كان الرجل حيا وتوجه عليه هذا ~~الخطاب استدعى منه فهما للخطاب وجوابا والأجزاء الفاهمة من الإنسان ~~والناطقة أجزاء مخصوصة وتلك الأجزاء مستقلة بالجواب وإن كان الشخص من حيث ~~هو شخص غير مستشعر بذلك كالنائم مثلا أو كالسكران فيجوز أن يحيى الله تعالى ~~تلك الأجزاء ويكون السؤال متوجها عليها من حيث إنها فاهمة وناطقة ثم يكون ~~الحشر بعده للشخص بصورته إذ السؤال متوجه عليه حتى يخرج عن عهدة العقد ~~والقول والعمل. # وأما الميزان فقد ورد الكتاب العزيز به في قوله تعالى ونضع الموازين ~~القسط ليوم القيامة [الأنبياء: 47]، وقد قيل إن الموزون به جسم إما كاغد ~~مكتوب عليه خيرات العباد وشرورهم ثم يخلق الله فيه ثقلا أو خفة فيترجح به ~~الميزان والأحرى أن يقال إن لكل شي ء في العالم ميزان لائق بوجود ذلك الشي ~~ء فميزان ما يقبل الثقل والخفة المعيار والميزان ms301 المعهود وميزان المكيلات ~~الكيل والمذروعات الذرع والمسافات الفراسخ والأميال والمعدودات العدد ~~وميزان الأعمال والأقوال ما يكون لائقا بها والله أعلم بما أراد. # وأما الحوض والشفاعة فالحوض يجري على ظاهره وهو كالأنهار التي تكون في ~~الجنة من شرب منه شربة في القيامة لم يظمأ بعدها أبدا. # وأما الشفاعة فقد قالت المعتزلة إنها للمطيعين من المؤمنين بناء على ~~مذهبهم أن الفاسق إذا خرج من الدنيا من غير توبة خلد في النار لأنه قد ~~استوجب النار بفسقه ومن دخل النار كان مغضوبا عليه ومن كان مغضوبا عليه لا ~~يدخل الجنة وأيضا فإنه في حال الفسق ما استحق اسم الإيمان لأن الإيمان ~~عبارة عن خصال محمودة يستوجب المؤمن بها المدح والثناء والفاسق لا يستوجب ~~المدح وقد أخلى أركان إيمانه بخروجه عن الطاعة واستدلوا على ذلك بآيات من ~~الكتاب منها قوله تعالى: ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا ~~فيها [النساء: 14]، وقوله تعالى: PageV01P262 # بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ~~[البقرة: 75]، وقوله تعالى: ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها ~~[النساء: 93]، وأيضا فإن الرب تعالى ذكر حال الأشقياء وحال السعداء وربط ~~الخلود بمكانهما ولم يذكر في القرآن قسما ثالثا فقال: # فأما الذين شقوا [هود: 106]، وأما الذين سعدوا [هود: 108]، وفي تفصيل ~~الفريقين فريق في الجنة وفريق في السعير [الشورى: 7]. # وزادت الخوارج عليهم بأن كفروا صاحب الكبيرة واستدلوا عليه بقصة إبليس إذ ~~كان عارفا بالله مطيعا له غير إنه ارتكب كبيرة وهو الامتناع من السجود لآدم ~~عليه السلام فاستوجب اللعن والتكفير والتخليد في النار. # وقصرت المرجئة في مقابلتهم حيث قالوا الإيمان قول وعقد وإن عري عن العمل ~~فلا يضر مع الإيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة. # وأشدهم تقصيرا الكرامية الذين ينفر الطبع السليم عن نقل مقالاتهم وذكر ~~مذاهبهم لخبثها وركاكتها قالت الإيمان قول مجرد وهو الإقرار باللسان فحسب ~~وإن كان المقر كاذبا منافقا فهو مؤمن وليتهم قالوا مؤمن عندنا بل قالوا ~~مؤمن حقا عند الله تعالى ms302 حتى يثبت في حقه مشاركته المؤمنين في أحكام ~~الإسلام. # قالت الأشعرية: الإيمان عبارة عن التصديق في وضع اللغة وقد قرره الشرع ~~على معناه. # واختلف جواب أبي الحسن رحمه الله في معنى التصديق فقال مرة هو المعرفة ~~بوجود الصانع والإلهية وقدمه وصفاته وقال مرة التصديق قول في النفس يتضمن ~~المعرفة ثم يعبر عن ذلك باللسان فيسمي الإقرار باللسان أيضا تصديقا والعمل ~~على الأركان أيضا من باب التصديق بحكم الدلالة أعني دلالة الحال كما أن ~~الإقرار تصديق بحكم الدلالة أعني دلالة المقال فكان المعنى القائم بالقلب ~~هو الأصل المدلول والإقرار والعمل دليلان. # قال بعض أصحابه الإيمان هو العلم بأن الله ورسوله صادقان فيما أخبرا به ~~ويعزى هذا أيضا إلى أبي الحسن ثم القدر الذي يصير به المؤمن مؤمنا وهو ~~التكليف العام على عوام الخلق وخواصهم هو أن يشهد أن لا إله إلا الله وحده ~~لا شريك له في ملكه ولا نظير له في جميع صفات إلاهيته ولا قسيم له في ~~أفعاله وأن محمدا رسوله PageV01P263 ~~أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله [التوبة: 33]، فإذا أتى بذلك ~~لم ينكر شيئا مما جاء به وأنزل به فهو مؤمن فإن وافاه الموت على ذلك كان ~~مؤمنا عند الله وعند الخلق وإن طرأ عليه ما يضاد إيمانه ذلك والعياذ بالله ~~حكم عليه بالكفر عند ذلك وإن اعتقد مذهبا يلزمه من حكم مذهبه مضادة ركن من ~~هذه الأركان لم يحكم بكفره مطلقا بل ينسب إلى الضلالة والبدعة ويكون حكمه ~~في الآخرة موكولا إلى الله تعالى تخليدا في النار أو تأقيتا. # والدليل على ما ذكرناه أنا بالتواتر المفضي إلى اليقين علمنا أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم لما أظهر الدعوة دعا الناس إلى كلمتي الشهادة لا إله ~~إلا الله محمد رسول الله ونعلم قطعا أنه لم يرض منهم في هذه الشهادة بمجرد ~~القول مع إضمار خلافه في القلب إذ قرر لهذا المعنى قوما سماهم منافقين ~~وسماهم الكتاب بذلك مع نفي الإيمان عنهم كما قال تعالى: ومن الناس من ms303 يقول ~~آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين [البقرة: 8]، ونسبهم إلى الكذب ~~وسماهم كاذبين في غير آي من الكتاب والله يشهد إن المنافقين لكاذبون ~~[المنافقون: 1] والكرامي يشهد أن المنافقين لصادقون فقد علم من ذلك قطعا أن ~~التصديق بالقلب ركن وهو الركن الأعظم إذ الإقرار باللسان يعبر عنه ونعلم ~~قطعا أن النبي عليه السلام كما لم يرض منهم بمجرد القول ما لم يقترن به عقد ~~لم يكلف جميع الخلق معرفة الله تعالى كما هو لأن ذلك غير مقدور للخلق وأقرب ~~دليل على ذلك أنه تعالى يعلم جميع معلوماته على التفصيل ويعلم أنه يخلق ~~جميع مخلوقاته على التفصيل ويعلم جميع مراداته من الخلق وللخلق وليس يعلم ~~العبد ذلك ولا يقدر أن يعلم ولم يكلف إلا أن يعرف أنه لا إله إلا الله ~~وتكون معرفته مستندة إلى دليل جلي كما ورد به التنزيل وإلا فتكليف ذلك شطط ~~لا يستطاع فثبت القول والعقد مصدرا ومظهرا وقد يكتفي بالمصدر في القلب إذا ~~لم يقتدر على الإتيان بالإقرار باللسان لكن في حكم الله تعالى الإشارة في ~~حق الآخرين تنزل منزلة العبارة في حق الناطق وقصة الخرساء «أعتقها فإنها ~~مؤمنة» دليل على صحة ما ذكرناه في أصل الإيمان وقدره بقي كون العمل ركنا أو ~~واجبا تابعا. # فتقول المرجئة بإرجاء العمل كله عن القول والعقد حتى قالت لم يضر العبد ~~إن لم يأت بطاعة واحدة. # وتقول الوعيدية بكونه ركنا من الأركان إن العبد تخلده الكبيرة في النار مع PageV01P264 ~~الكفار حتى قالت يسلب اسم الإيمان عمن ترك طاعة واحدة وكلا المذهبين مردود. # أما الأول فيرفع معظم التكاليف من الأوامر والنواهي ويفتح باب الإباحة ~~ويفضي إلى الهرج وإذ ورد في الشرع بذلك كله وربط بكل حركة من حركات الإنسان ~~حكما بحكم أنه إن لم تضره المعاصي لم تنفعه الطاعات وأنه إن لم يكن مؤاخذا ~~بترك ما أمر به لم يكن مثابا بامتثال ما أمر. # وأما المذهب الثاني فيرفع معظم الآيات من الكتاب والأخبار والسنة وتغلق ~~باب الرحمة ويفضي إلى اليأس ms304 والقنوط وإذ ورد في الكتاب في كم آية إن الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات [البقرة: 277]، ففرق بين لفظ الإيمان والعمل واعلم ~~أن الإيمان له حقيقة والعمل له حقيقة غير الإيمان وخاطب في كم آية الفاسقين ~~بخطاب المؤمنين يا أيها الذين آمنوا [البقرة: 104]، لا تفعلوا كذا، علم ~~بذلك قطعا أن الإيمان لو كان هو العمل بعينه أو كان العمل ركنا مقيما ~~بحقيقة الإيمان لما ميز بهذا التمييز وأيضا فيلزم الوعيدية أن لا يوجد مؤمن ~~في العالم إلا نبي معصوم إذ لا عصمة لغير الأنبياء ويلزم أن لا يطلق اسم ~~الإيمان على أحد حتى يستوفي جميع خصال الخير عملا وفعلا فيكون اسم الإيمان ~~موقوفا على العمل في المستأنف فهؤلاء مرجئة الإيمان عن العمل وأولئك مرجئة ~~العمل عن الإيمان فعلم قطعا أن العمل غير داخل في الإيمان ركنا مقوما له ~~حتى يقال بعدمه يكفر ويخرج عن الإيمان في الحال ويعذب ويخلد في النار في ~~ثاني الحال وغير خارج عن الإيمان تكليفا لازما له حتى يقال بعدمه لا يستحق ~~لوما وزجرا في الحال ولا استوجب عقابا وجزاء في المآل والقول بأن المعاصي ~~تحبط الطاعات ليس بأولى من القول بأن الطاعات ترفع المعاصي ومن قال صاحب ~~الكبيرة يخلد في النار بشرط تخفيف العذاب عليه بسبب تصديقه قولا وعقدا ~~وطاعته المحبطة يعارضه قول المرجئ تخليد في الجنة بشرط حطه على درجة ~~المطيعين بسبب إيمانه وسائر طاعاته والطاعات لو أحبطت كيف أثرت في التخفيف ~~والتخفيف كيف يتصور مع التخليد والتخليد كيف يجوز في العدل على علم مقدر ~~بوقت بل وتخليد الكافر في النار متى كان عدلا عقليا وهو لم يكفر إلا مائة ~~سنة فهلا تقدر التعذيب بمائة سنة أفمن غصب مائة دينار وأخذ منه مائتي دينار ~~كان عدلا قال هو على اعتقاد أنه لو بقي أبد الدهر بقي على الكفر قيل ~~واعتقاد إنه يعمل غير اعتقاد أن عمل أليس من غصب مائة دينار على اعتقاد أن ~~لو ظفر لم يؤاخذ بالألف كذلك فيما نحن فيه فالعدل المعقول إذا ms305 ما ورد الشرع ~~به والحكم المشروع ما دل PageV01P265 ~~العقل عليه وهو أن العبد إذا كان مصدقا بقلبه مخبرا عن تصديقه بلسانه مطيعا ~~لله تعالى في بعض ما أمره به عاصيا له في البعض استحق المدح بقدر ما أطاع ~~واللوم بقدر ما قد عصى في الحال واستحق الثواب بقدر الإيمان والطاعة ~~والعقاب بقدر العصيان في المآل ثم يبقى أن يتعارض أمران أحدهما أن يثاب ~~أولا ثم يعاقب مخلدا أو بالعكس وليس في الفضل والعدل القسم الأول فإن رحمة ~~الله أوسع من ذنوب الخلق وفضله أرجى من العمل ولا تنقصه المغفرة ولا تضره ~~الذنوب ولأن الإيمان والمعرفة أحق بالتخليد عدلا وعقلا من معصية مؤقتة ~~ولأنه لم يؤثر أن أحدا يخرج من الجنة إلى النار فبقي القسم الثاني وشفاعة ~~النبي عليه السلام وقد وردت سمعا حيث قال: «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي». # وما تمسكوا به من الآيات فمخصوصات عموماتها محمولة على الاستحلال ~~وظواهرها معارضة بآيات دلت على ذلك منها قوله تعالى: إن الله لا يغفر أن ~~يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء [النساء: 48]، ومنها قوله تعالى: # قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله ~~يغفر الذنوب جميعا [الزمر: 53]، وإن خص هذا العام بالتوبة من غير دلالة ~~التخصيص فخص تلك العمومات بحال الاستحلال في كل آية دليل على التخصيص، وأما ~~قوله تعالى: ومن يعص الله ورسوله [النساء: 14]، فمعناه يكفر به ورسوله لأنه ~~قرنه بقوله: ويتعد حدوده [النساء: 14]، وتعدي جميع الحدود لا يتصور إلا من ~~الكافر وأما المؤمن المطيع لله عز وجل سبعين سنة كيف يكون متعديا جميع ~~الحدود بمعصية واحدة وكذلك قوله: بلى من كسب سيئة [البقرة: # 81]، أي شركا بدليل قوله: وأحاطت به خطيئته [البقرة: 81]، والإحاطة من كل ~~وجه لا يتصور في حق المؤمن لأنه بإيمانه منع الإحاطة من كل وجه وقوله ~~تعالى: ومن يقتل مؤمنا متعمدا [النساء: 93]، فمعناه مستحلا قتله لأن ~~العمدية المطلقة من كل وجه لا تتصور إلا من الكافر ودليله آخر الآية من ms306 ~~التشديد في العقاب والتغليظ بالغضب واللعن وذلك الاتفاق غير مطلق على ~~القاتل الذي لا يستحل الدم وهو خائف وجل وذكر حال الأشقياء والسعداء مقصور ~~على مآل الحال PageV01P266 ~~فأولئك مآلهم إلى النار خالدين فيها وهؤلاء مآلهم إلى الجنة خالدين فيها ~~والدليل عليه الاستثناء في آخر الآية. # القول في الإمامة اعلم أن الإمامة ليست من أصول الاعتقاد بحيث يفضي النظر ~~فيها إلى قطع ويقين بالتعين ولكن الخطر على من يخطئ فيها يزيد على الخطر عل ~~من يجهل أصلها والتعسف الصادر عن الأهواء المضلة مانع من الإنصاف فيها. # وقد قال جمهور أصحاب الحديث من الأشعرية والفقهاء وجماعة الشيعة ~~والمعتزلة وأكثر الخوارج بوجوبها فرضا من الله تعالى ثم جماعة أهل السنة ~~قالوا هو فرض واجب على المسلمين إقامته واتباع المنصوب فرض واجب عليهم إذ ~~لا بد لكافتهم من إمام ينفذ أحكامهم ويقيم حدودهم ويحفظ بيضتهم ويحرس ~~حوزتهم ويعبئ جيوشهم ويقسم غنائمهم وصدقاتهم، ويتحاكموا إليه في خصوماتهم ~~ومناكحاتهم ويراعي فيه أمور الجمع والأعياد وينصف المظلوم وينتصف من الظالم ~~وينصب القضاة والولاة في كل ناحية ويبعث القراء والدعاة إلى كل طرف وأما ~~العلم والمعرفة والهداية فهي حاصلة للعقلاء بنظرهم الثاقب وفكرهم الصائب ~~ومن زاغ عن الحق وضل عن سواء السبيل فعلى الإمام تنبيهه على وجه الخطأ ~~وإرشاده إلى الهدى فإن عاد وإلا فينصب القتال ويطهر الأرض عن البدعة ~~والضلال بالسيف الذي هو بارق سطوة الله تعالى وشهاب نقمته وعقبة عقابه ~~وعذبة عذابه. # والدليل الساطع على وجوب الإمامة سمعا اتفاق الأئمة بأسرهم من الصدر ~~الأول إلى زماننا أن الأرض لا يجوز أن تخلو عن إمام قائم بالأمر. # أما المصدر الأول فقد قال أبو بكر رضي الله عنه في خطبته قبل البيعة أيها ~~الناس من كان يعبد محمدا فإن محمد قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا ~~يموت وتلا هذه الآية وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل [آل عمران: ~~144]، ثم قال وإن محمدا قد مضى بسبيله ولا بد لهذا الأمر من قائم ms307 يقوم به ~~فانظروا وهاتوا آراءكم رحمكم الله فناداه الناس من كل جانب صدقت يا أبا بكر ~~ولكنا نصبح وننظر في هذا الأمر ونختار من يقوم به ولم يقل أحد إن هذا الأمر ~~يصلح من غير قائم به ثم كان من أمر الأنصار من اختيار سعد بن عبادة وقولهم ~~منا أمير ومنكم أمير قام أبو بكر وعمر رضي الله عنهما مع جماعة من ~~المهاجرين يقصدون سقيفة بني ساعدة وقال عمر كنت أزور في نفسي كلاما في ~~الطريق حتى وافينا السقيفة هممت أن أتكلم به فقام أبو بكر وقال مه يا عمر ~~وذكر جميع ما كنت أزوره إلا أنه كان ألين وكنت PageV01P267 ~~أخشن فبايعته وبايعه الناس القصة المشهورة ولما قرب وفاة أبي بكر رضي الله ~~عنه فقال تشاوروا في هذا الأمر ثم وصف عمر بصفاته وعهد إليه واستقر الأمر ~~عليه وما دار في قلبه ولا في قلب أحد أن يجوز خلو الأرض عن إمام ولما قربت ~~وفاة عمر رضي الله عنه جعل الأمر شورى بين ستة وكان الاتفاق على عثمان رضي ~~الله عنه وبعد ذلك كان الاتفاق على علي رضي الله عنه فدل ذلك كله على أن ~~الصحابة رضوان الله عليهم وهم الصدر الأول كانوا على بكرة أبيهم متفقين على ~~أنه لا بد من إمام ويدل على ذلك إجماعهم على التوقف في الأحكام عند موت ~~الإمام إلى أن يقوم إمام آخر ومن ذلك الزمان إلى زماننا كان الإمامة على ~~المنهاج الأول عصرا بعد عصر من إمام إلى إمام إما بإجماع من الأمة أو بعهد ~~ووصية وإما بهما جميعا، فذلك الإجماع على هذا الوجه دليل قاطع على وجوب ~~الإمامة هذا كلامنا في وجوب الإمامة على الإطلاق. # أما القول في تعيين الإمام هل هو ثابت بالنص أم بالإجماع فالقائلون ~~اختلفوا في أن النص ورد على شخص بعينه أم ورد بذكر صفته فالقائلون بالإجماع ~~اختلفوا في أن إجماع الأمة عن بكرة أبيهم شرط في ثبوت الإمامة أم يكتفي ~~بجماعة من أهل الحل والعقد وقد ذكرت ms308 مذاهبهم في الكتب. # قال أهل السنة القائلون الإجماع الدليل على عدم النص على إمام بعينه هو ~~أنه لو ورد نص على إمام بعينه لكانت الأمة بأسرهم مكلفين بطاعته ولا سبيل ~~لهم إلى العلم بعينه بأدلة العقول والخبر لو كان متواترا لكان كل مكلف يجد ~~من نفسه العلم بوجوب الطاعة له وإلا لزمه دينا كما لزمه الصلوات الخمس دينا ~~ولما جازوا إلى غيره بيعة وإجماع. # ومن المحال من حيث العادة أن يسمع الجم الغفير كلاما من رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ثم لا ينقلونه في مظنة الحاجة وعصيان الأمة بمخالفته ~~والدواعي بالضرورة تتوفر على النقل خصوصا وهم في نأنأة الإسلام وطراوة ~~الدين وصفوة القلوب وخلوص العقائد عن الضغائن والأحقاد والتآلف المذكور في ~~الكتاب العزيز فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا [آل عمران: 103]، ~~وإذا كانت الدواعي على النقل موجودة والصوارف عنه مفقودة ولم ينقل دل على ~~أنه لم يكن في الباب نص أصلا وأيضا لو عين شخصا لكان يجب على ذلك الشخص ~~المعين أن يتحدى بالإمامة ويخاصم عليها ويخوض فيها حتى إذا دفع عن حقه سكت ~~ولزم بيته فيظهر الظالم عليه ولم ينقل أن أحدا تصدى للإمامة وادعاها نصا ~~عليه وتسليما إليه. # قالت النجدات من الخوارج وجماعة من القدرية مثل أبي بكر الأصم وهشام PageV01P268 ~~الفوطي إن الإمامة غير واجبة في الشرع وجوبا لو امتنعت الأمة عن ذلك ~~استحقوا اللوم والعقاب بل هي مبنية على معاملات الناس فإن تعادلوا وتعاونوا ~~وتناصروا على البر والتقوى واشتغل كل واحد من المكلفين بواجبه وتكليفه ~~استغنوا عن الإمام ومتابعته فإن كل واحد من المجتهدين مثل صاحبه في الدين ~~والإسلام والعلم والاجتهاد والناس كأسنان المشط والناس كإبل مائه لا تجد ~~فيها راحلة فمن أين يلزم وجوب الطاعة لمن هو مثله. # وزادوا على ذلك تقريرا بأن قالوا وجوب الطاعة لواحد من الأمة إما أن يثبت ~~بنص من الرسول فقد دللتم على أنه لا نص على أحد وإما أن يكون باختيار من ~~المجتهدين والاختيار من كل واحد من الأمة ms309 إجماعا بحيث لا يقدر فيه اختلاف ~~لا يتصور عقلا ولا وقوعا أما العقل فإن الاختيار إذا كان مبنيا على ~~الاجتهاد والاجتهاد ينبني على ما تعين لكل واحد من العقلاء من قضايا تردده ~~في الوجوه العقلية والسمعية وذلك إذا كان مختلفا في الطباع فبالضرورة أن ~~يصير مختلفا في الحكم أليس أحق الأحكام بوجود الاتفاق فيه الخلافة الأولى ~~وأولى الأزمان في الشرع هو الزمان الأول وأولى الأشخاص بالصدق والإخلاص ~~الصحابة وأحق الصحابة بالأمانة ونفي التهمة والخيانة المهاجرون والأنصار ~~وأقرب الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر وعمر فانظر كيف ~~انحاز الأنصار إلى السقيفة وكيف قالوا منا أمير ومنكم أمير وكيف أجمعوا على ~~سعد بن عبادة لو لا أن تداركه عمر بأن بايع بنفسه حتى شايعه الناس ثم قال ~~بعد ذلك ألا إن بيعة أبي بكر كانت فلتة فوقى الله شرها فمن عاد إلى مثلها ~~فاقتلوه فأيما رجل بايع رجلا من غير مشورة من المسلمين فإنها تغرة أن يقتلا ~~يعني إني بايعت أبا بكر وما شاورت الجماعة، ووقى الله شرها فلا تعودوا إلى ~~مثلها ولم يكن وقت البيعة اتفاق الجماعة وفي الغد لما بايعوه انحازت بنو ~~أمية وبنو هاشم حتى قال أبو سفين لعلي رضي الله عنه لم تدع هذا الأمر حتى ~~يكون في شر قبيلة من قريش فأجابه علي فتنتنا وأنت كافر وتريد أن تفتننا ~~وأنت مسلم وقال العباس قولا مثل ذلك وقد سمع النبي صلى الله عليه وسلم أنت ~~أبي وأبو بقية الأمة الخلافة في ولدك ما اختلف الليل والنهار ولم يخرج علي ~~رضي الله عنه إلى البيعة حتى قيل إنه كان له بيعة في السر وبيعة في ~~العلانية وقد خرج أسامة بن زيد وهو على جيشه أمير بتأمير النبي صلى الله ~~عليه وسلم. # قالوا: فإذا لم يتصور إجماع الأمة في أهم الأمور وأولاها بالاعتبار دل ~~على إن الإجماع لن يتحقق قط وليس ذلك دليلا في الشرع. # قالوا: ونصب الإمامة بالاختيار متناقض من وجهين أحدهما أن صاحب الاختيار ms310 PageV01P269 ~~موجب في النصب على الإمام حتى يصير إماما ويجب عليه طاعته إذا قام بالإمامة ~~فهو إنما صار إماما بإقامته فكيف صار واجب الطاعة بإمامته والثاني أن كل ~~واحد من المجتهدين الناصبين للإمامة لو خالف الإمام في المسائل الاجتهادية ~~باجتهاده جاز له ذلك وما من مسألة فرضتم وجوب الطاعة له فيها إلا ويجوز ~~المخالفة له فيها باجتهاده فكيف نجعله إماما واجب الطاعة بشرط أن يخالفه ~~إذا أدى إلى المخالفة اجتهاده. # قالوا: فدل هذا كله على أن الإمامة غير واجبة في الشرع نعم لو احتاجوا ~~إلى رئيس يحمي بيضة الإسلام ويجمع شمل الأنام وأدى اجتهادهم إلى نصبه مقدما ~~عليهم جاز ذلك بشرط أن يبقى في معاملاته على النصفة والعدل حتى إذا جار في ~~قضية على واحد وجب عليهم خلعه ومنابذته وهذا كما فعلوا بعثمان وعلي رضي ~~الله عنهما فإنه لما أحدث عثمان تلك الأحداث خلعوه فلما لم ينخلع قتلوه ~~ولما رضي علي بالتحكيم وشك في إمامته خلعوه وقاتلوه. # قالت الشيعة الإمامة واجبة في الدين عقلا وشرعا كما أن النبوة واجبة في ~~الفطرة عقلا وسمعا. # أما وجوب الإمامة عقلا أن احتياج الناس إلى إمام واجب الطاعة يحفظ أحكام ~~الشرع عليهم ويحملهم على مراعاة حدود الدين كاحتياج الناس إلى نبي مرسل ~~يشرع لهم الأحكام ويبين لهم الحلال والحرام واحتياج الخلق إلى استبقاء ~~الشرع كاحتياجهم إلى تمهيد الشرع وإذا كان الأول واجبا إما لطفا من الله ~~تعالى وأما حكمة عقلية واجبة كان الثاني واجبا. # وأما السمع فإن الله تعالى أمرنا بمتابعة أولي الأمر وطاعتهم فقال: يا ~~أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم [النساء: ~~59]، فإذا لم يكن إمام واجب الطاعة فكيف يلزمنا ذلك التكليف وقال الله ~~تعالى: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين [التوبة: 119]، ~~فلو لم يكن في الأمة صادقون واجبو الطاعة كيف وجب علينا أن نكون معهم ~~ويستحيل أن يكلف إنسان كن مع فلان ولا فلان في العالم وإذا كان العالم لا ~~يخلو عن صادق مطلق فقد تحققت ms311 عصمته فإنا لا نعني بالعصمة إلا الصدق في جميع ~~الأقوال ومن كان صادقا في جميع الأقوال كان صالحا في جميع الأحوال. # وقرروا ذلك من وجه آخر وقالوا كما يجب حسن الظن بالصحابة إنهم لا PageV01P270 ~~يعدلون عن نص ظاهر إلى الاختيار وهم الصفوة الأولى على طراوة القبول يجب ~~حسن الظن أيضا بالرسول أنه إذا علم احتياج الخلق إلى من يجمع شملهم ويرفع ~~الخلاف بينهم ويحملهم على مناهج الشرع وينصف المظلوم وينتصف من الظالم ~~وإنهم إلى من ينتهج مناهجه في دعوة المخالفين باللسان والسيف أحوج منهم إلى ~~مسائل الاستنجاء والمسح على الخفين والتيمم بالتراب وغير ذلك فإذا لم يقصر ~~في إيراد حكم في كل باب يستدل به على نظائره من ذلك الباب كيف أمسك عن أهم ~~الأبواب كل الإمساك فلم ينطق به نصا ولا أشار إلى شخص تعيينا ولا ذكره بوصف ~~حتى بقيت الأمة على اختلاف في الأصول والفروع فمن ضال ومن هاد يدعي كل واحد ~~أنه على الحق وخصمه على الباطل ولا حاكم بينهما ومن جاهل ومن عالم يدعي كل ~~واحد منهما أنه العالم وخصمه الجاهل ولا هادي لهما فلئن كان يتوجه للعباد ~~أن يقولوا ربنا لو لا أرسلت إلينا رسولا [طه: 134]، مع أنه لا يتوجه على ~~الله سؤال أفلا يتوجه للأمة أن يقولوا أنبينا هلا عينت لنا إماما نتبع قوله ~~من قبل أن نذل ونخزى وإن الله تعالى أرسل الرسل لئلا يكون للناس على الله ~~حجة بعد الرسل فهلا بين الرسول الإمامة وعين الإمام لئلا يكون للناس على ~~النبي حجة بعد الأئمة. # فلئن قلتم عرف احتياج الخلق ولم يعين فلم تحسنوا الظن به وإن قلتم عين ~~وبين ولم يتبعوا قوله لم تحسنوا الظن بالصحابة فما الأخلص وما الأولى ~~بتوريك الذنب عليه. # وأنتم بين أمرين إما أن تقولوا جعل الأمر بين الأمة فوضى وفوض الأمر إلى ~~رأي المجتهدين ليبين فضل المجتهد الناظر وقصور القاصر عن رتبة الاجتهاد ~~وجعل العلماء بجملتهم حملة الشريعة ونقلة الدين. # قيل لكم وهلا كان الأمر فوضى بين ms312 العقلاء وفوض الأمر إلى نظر الناظرين ~~واجتهاد المجتهدين فلا يرسل إليهم رسلا مبشرين ومنذرين ليتبين فضل المجتهد ~~الناظر وقصور المعطل القاصر وهلا سلك الصحابة هذا المنهاج فيجعلون الأمر ~~فوضى بين الأمة ولا يرتبون أمر الإمامة ولا يشتغلون بتعيين الإمام عن ~~مواراة النبي صلى الله عليه وسلم في صريحه ليظهر فضل الفاضل وقصور القاصر ~~وإما أن تقولوا لم يجعل الأمر فوضى ولا ترك الحال شورى فيلزمكم النص ~~والتعيين ثم لا نص إلا في حق من يدعي النص ومن لا يدعي النص كيف يتعين ~~بالنص واعلم أنه لا شبهة في المسألة إلا ما ذكرناه وما تذكره الإمامية من ~~سوء القول في الصحابة رضي الله عنه وافتراء الأحاديث على الرسول فكل ذلك ~~ترهات لا يصلح أن تشحن بها الكتب أو يجري بها القلم وكذلك ما ذكره الزيدية ~~من إمامة المفضول مع قيام PageV01P271 ~~الفاضل واستحقاق الإمامة عندهم بخصال أربع العفة والعلم والشجاعة والخروج ~~بعد أن يكون فاطميا يلزمهم أن يكون في كل صقع إمام واجب الطاعة فيكون في ~~الأرض ألف إمام نافذ الأمر واجب الطاعة إذا استجمع كل واحد هذه الخصال. # أجاب أهل السنة عن مقالة النجدات في نفي وجوب الإمامة أصلا عقلا وشرعا أن ~~الواجبات عندنا بالشرع ومدرك هذا الواجب إجماع الأمة والاختلاف الذي ~~ذكرتموه في تعيين الإمام من أدل الدليل على أن أصل الإمامة واجب إذ لو لم ~~يكن واجبا لما شرعوا في التعيين ولما اشتغلوا به كل الاشتغال. # بقي أن يقال إجماع الأمة هل هو دليل في الشرع وأن الإجماع هل يتصور وقوعه ~~صادرا عن الاجتهاد بحيث لا يتصور فيه الخلاف وأما تصوره عقلا فمن الجائزات ~~العقلية موافقة شخصين على رأي واحد وإذا تصور في شخصين فما المانع من تصوره ~~في ثلاثة وأربعة إلى أن يستوعب الجميع وأما تقدير وقوعه في الصدر الأول فهو ~~أيسر ما في المقدور فإن الصحابة كانوا محصورين في المهاجرين والأنصار وأهل ~~الرأي والاجتهاد منهم يكون إلى عدد يمكن ضبطهم وحصرهم في محفل واحد ~~ويتناظرون في أمر ms313 ويتفقون على رأي واحد ولا يبدو من أحدهم إنكار. # وأما وجه كونه دليلا أنا بالضرورة نعلم أن الصحابة إذا أجمعوا على أمر ~~فلا يحصل منهم ذلك الاتفاق إلا لنص خفي قد تحقق عندهم إما نص في ذلك الأمر ~~بعينه وأما نص على أن الإجماع حجة ثم ذلك النص ربما يكون عندهم تواترا ~~وعندنا من أخبار الآحاد فلا بد من إضمار قطعا حتى يكون حجة لكن الإجماع ~~قرينة دالة عليه قطعا وهو كالأخبار المتواترة فإنها أورثت العلم بحكم ~~القرينة لا بحكم العدد ومن الدليل على أن الإجماع حجة تبكيت الصحابة لمن ~~خالف الإجماع وإخراجهم إياه عن سنن الهدى وقد جوزوا للمجمعين ترك التعرض ~~لمستند الإجماع فإن المستند ربما كان قرينة قولية أو فعلية أورثتهم العلم ~~ولم يمكنهم التعبير عنها بلفظ وربما كان قولا صريحا فإن صرحوا به كان ذلك ~~دليلا ثابتا في المسألة وإن لم يصرحوا كفاهم الإجماع. # وأما قولهم أن الاتفاق على إمامة أبي بكر رضي الله عنه لم يكن صادرا من ~~جملتهم ليس كذلك إذ لم يبق أحد من الصحابة إلا كانت له بيعة وعلي كرم الله ~~وجهه كان مشغولا في وقت البيعة بمواراة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~محزونا على مفارقته لم يخرج إليهم حتى لما رأى الناس دخلوا في أمر دخل فيه ~~ولم ينقل عنهم إنكار. # وقولهم إن الإجماع في نصب الإمامة إيجاب على الإمام من جهة المجمعين حتى ~~يصير واجب الطاعة لهم وينعكس الأمر بعد ذلك حتى يصيروا واجبي الطاعة له وهو ~~متناقض. PageV01P272 # نقول هذا لو كان الوجوب الذي يتلقى من الإجماع مقصورا على من صدر منه ~~الإجماع وليس الأمر كذلك فإن الوجوب مستند إلى النص الخفي والجلي من صاحب ~~الشرع عليه السلام فهو الموجب والإجماع مظهر الوجوب وهو طريق قطعي في ~~معرفته لا أن قول من لم يثبت صدقه ضرورة يكون حجة. # وقولهم لو خالف كل واحد من المجتهدين إمامه في مسألة جاز قلنا نعم لأنه ~~مجتهد كما أن الإمام مجتهد ولا يجوز لمجتهد ms314 تقليد المجتهد وهو لا يخالفه في ~~الإجماع على إنه إمام بعد استناده إلى النص وإنما يخالفه في مسألة أخرى وهو ~~جائز أليس أدى اجتهاد أبي بكر إلى قتال أهل الردة ومانعي الزكاة إليه وسبي ~~ذراريهم واغتنام أموالهم وأدى اجتهاد عمر رضي الله عنه إلى أن يرد إليهم ~~سباياهم فردها وكم من مسألة خالفه الصحابة في مسائل الفرائض والديات وإيجاب ~~الرجم فرجع إلى قولهم وترك اجتهاده وهذا لأنه لا يجب العصمة للأئمة فيجوز ~~عليهم الخطأ والكبائر فضلا عن الزلل في الاجتهاد. # وقولهم: إن الناس لو تناصفوا وعدلوا استغنوا عن إمام قلنا هذا جائز في ~~العقل جواز سداد الناظرين في نظرهم قبل ورود الشرع ولكن العادة الجارية ~~والسنة المطردة أن الناس بأنفسهم لا يستقرون على مناهج العدل والشرع إلا ~~بحامل يحملهم على ذلك بالتخويف والتشديد ولا يتأتى ذلك إلا بسياسة الإمام ~~والتخويف بالسيف والتشديد على الظالم. # وأما الجواب عن قول الشيعة إما أن تلقي الواجبات من العقل فقد فرغنا منه ~~وإما مستند الوجوب في نصب الإمام هو الإجماع الدال على النص الوارد في الشرع. # وقولهم: إن الله تبارك وتعالى أمرنا بطاعة أولي الأمر ومتابعة الصادقين ~~قلنا هذا مسلم في وجوب طاعة الإمام على الإطلاق لكن الكلام إنما وقع في ~~التعيين أهو متعين بتعيين الشارع نصا أم يتعين بتعيين أهل الإجماع والأول ~~لم يثبت إذ لو ثبت لنقل ولما تصور سكوت القوام أو سكوت واحد من القوم في ~~موضع اختلاف الناس في تعيين الإمام أليس لما كان عند أبي بكر رضي الله عنه ~~نص في تخصيص قريش بالإمامة روي ذلك في حال دعوى الأنصار فسكتوا عن الدعوى ~~وصارت الإمام مخصوصة بقريش نصا كذلك لو كان عند أحد نص في تخصيص بني هاشم ~~لنقل ذلك حتى يرتفع النزاع فإن منازعة الأنصار قريشا كمنازعة قريش بني هاشم ~~ومنازعة بني هاشم عليا. # ومن العجب أن خبر التخصيص بقريش لم يكن متواترا إذ لو تواتر لما ادعت ~~الأنصار شركة في الأمر وهم قد انقادوا لخبر الآحاد فكيف ms315 يظن بهم أنهم لا ~~ينقادون للخبر المتواتر. PageV01P273 # فإن قيل عمر رضي الله عنه كان يجوز الإمامة لغير قريش بل لموالي حين قال لو ~~كان سالم مولى حذيفة حيا لما تخالجني فيه شك وأيضا فإنكم ادعيتم أن لا نص ~~في الإمامة وقد ثبت نص في تخصيص قريش بأن قال الأئمة من قريش فما جوابكم ~~عمن يقول إذا ثبت نص في تخصيص قريش عن كل المسلمين فيجوز أن يثبت نص في ~~تخصيص بني هاشم من قريش وأيضا فإنكم ادعيتم في الأول إحالة ثبوت النص ~~وربطتم في الشريعة فقد ربطتم الإمام بالنص فهلا ادعيتم النص على أبي بكر ~~ولم عقدتم بابا في إبطال النص وإثبات الاختيار. # قيل أما الأول فلأن عمر سلم لأبي بكر ذلك الخبر الذي رواه ولم يظهر منه ~~أنه كان يجوز الإمامة لغير قريش وأما سالم فقد قيل إنه كان ينسب إلى قريش ~~فلذلك قال ما تخالجني شك لما شهد النبي صلى الله عليه وسلم بحسن سيرته ~~وأمانته. # وأما النص الخفي الذي يتضمنه الإجماع فهو لعمري لازم جدا فإن الإمامة إذا ~~لم تثبت إلا بالإجماع والإجماع لا يثبت إلا بالنص فلم يثبت الإمام إلا بالنص. # والجواب أن النص الضمني في الإجماع ربما يكون نصا في الإمامة وربما يكون ~~نصا في أن الإجماع حجة فتردد الأمران بين هذين المحتملين فلم يمكنا دعوى ~~النص على أبي بكر وذلك النص ربما لا يكون نصا ظاهرا لكن قرينة الحال عند ~~القوم وهم شهود الحضرة ربما أورثتهم قطعا فتنزل غير الظاهر عندهم كالظاهر ~~وحصل لهم القطع بذلك واعلم أن الإجماع إنما كان حجة لأن المجمعين لمجموعهم ~~معصومون عن الخطأ والكفر والضلالة وإن كان ذلك جائزا في آحادهم فمجموع هذه ~~الأمة في العصمة نازل منزلة شخص واحد في العصمة ويجوز أن يثبت حكم لمجموع ~~من حيث هو جملة مجموعة ولا يثبت لواحد منهم بخبر المتواتر فإن العلم يحصل ~~بمجموعه وإن لم يحصل بآحاده وكالسكر الحاصل من الأقداح والشبع الحاصل من ~~اللقم وغير ذلك وعليه حمل قوله ms316 تعالى: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ~~وكونوا مع الصادقين [التوبة: 119]، وقوله تعالى: ويتبع غير سبيل المؤمنين ~~[النساء: 115]. # وأما الجواب عن المعضلة التي أوردوها نقول لا يمكن أن يقال إن النبي صلى ~~الله عليه وسلم ما كان يعرف من يجلس للإمامة بعده وينوب منابه فإن كان يخبر ~~أصحابه بما سيكون بعده إلى يوم القيامة من الفتن والبلايا وخروج الدجال ~~ولقد قال صلى الله عليه وسلم «زويت لي الأرض فأريت مشارقها ومغاربها وسيبلغ ~~ملك أمتي ما زوي لي منها» وكان يخبر أصحابه العشرة بما يفعله كل واحد يجري ~~عليه من القدر وأخبر عليا رضي الله عنه إنك تقاتل الناكثين والقاسطين PageV01P274 ~~والمارقين وحديث ذي الخويصرة حيث ناظر ونافق وإنه سيخرج من صيصي هذا الرجل ~~وآيتهم ذو الثدية معروف وما قال له في صلح الحديبية إنك ستبتلى بمثل ما ~~بليت به وصح ذلك يوم التحكيم وما أطلعه الله تعالى على أمور أمه من حال ~~أمته كما قال ليستخلفنهم في الأرض [النور: 55]، وقوله: قل للمخلفين من ~~الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد [الفتح: 16]، وما روي أنه رأى في ~~المنام أن أبا بكر ينزع دلوا أو دلوين بضعف وأن عمر كان ينزع بقوة وشدة ~~فقال عليه السلام فلم أر عبقريا يفري فريه وقال «اقتدوا باللذين من بعدي ~~أبي بكر وعمر» فيبعد كل البعد أن لا يطلعه الله تعالى على من يجلس بعده لكن ~~لا يبعد وإن قدر أنه مأمور لزم القطع بالنص والإظهار فإن الله تعالى بعثه ~~هاديا مهديا وسراجا منيرا هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق [التوبة: ~~33] الآية. # فإن قيل قد أظهر ذلك يوم غدير خم حيث أمر الناس بالدوحات وخاطب الناس ~~وأخذ بيد علي وقال «من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من ~~عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله وأدر الحق معه حيث دار» وهذا حين نزل ~~قوله تعالى: يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت ~~رسالته [المائدة: 67]، وقد فهم ms317 الجماعة من قوله «من كنت مولاه فعلي مولاه» ~~الخلافة حيث هنأه عمر فقال بخ بخ يا علي أصبحت مولى كل مؤمن ومؤمنة وقال ~~عليه السلام «أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي» وقد قال ~~عليه السلام «أنا مدينة العلم وعلي بابها» إلى غير ذلك من الأخبار. # قيل إن اقتنعتم بمثل هذه الأخبار فخذوا منا في حق أبي بكر كذلك حيث روى ~~مسلم في صحيحه أنه قال عليه السلام «ائتوني بدواة وكتف أكتب لأبي بكر كتابا ~~لا يختلف عليه اثنان» وقال «ليصل بالناس أبو بكر» وقال «إن وليتموها أبا ~~بكر تجدوه ضعيفا في نفسه قويا في أمر الله تعالى وإن وليتموها عمر تجدوه ~~قويا في نفسه قويا في أمر الله وإن تولوها عثمان يسلك بكم مسلك السداد وإن ~~تولوها عليا تجدوه هاديا مهديا يأخذ بكم الطريق المستقيم» وقال «لا يزال ~~هذا الأمر في قريش ما بقي منهم اثنان» وقال حملة الحديث لما نزلت سورة ~~الفتح جاء العباس إلى علي رضي الله عنهما وقال إني أعرف الموت في وجوه بني ~~عبد المطلب وإني برسول PageV01P275 ~~الله صلى الله عليه وسلم وقد نعي إليه فانطلق بنا إليه نسأله لمن الأمر ~~بعده فإن كان فيكم فأنتم وذلك وإن كان في غيركم أوصى بكم إلى الوالي فأبى ~~عليه علي ورجع العباس إلى النبي فقال له في ذلك فخطب الخطبة المعروفة إلى ~~قوله ألا من ولي هذا الأمر «فليقبل من محسنهم وليتجاوز عن مسيئهم» فقيل يا ~~رسول الله أوص بقريش فقال «الناس تبع لقريش ثم قال أوصيكم بأهل بيتي وعترتي ~~خيرا فإنهم لحمي» احفظوا منهم ما يحفظون فيما بينكم وهذا كله من الأخبار ~~دليل على الاختيار. # فإن قيل إنما قلنا طريق العلم بتعيين الإمام النص دون الاختيار لأن ~~الإمام يجب أن يكون على صفات مخصوصة منها العصمة ومنها العلم والعقل ومنها ~~الشجاعة ومنها العدل على الرعية ولا مجال للاجتهاد وغلبات الظنون في ~~معرفتها ومعرفة مقاديرها بل لا يعلم ذلك إلا بالنص من الرسول ms318 مستندا إلى ~~وحي من الله فإذا كنتم تختارون الأئمة بظواهرهم وتجوزون أن يكونوا من ~~الزنادقة في الباطن وأن يكذبوا على الله ورسوله وأن يعطلوا الحدود ويبطلوا ~~الحقوق ويتأولوا متشابهات القرآن على غير وجهها وينقلوا الأخبار على غير ~~طريقها افتراء على الله ورسوله أو لم يعهد من بني أمية التعرض لأهل البيت ~~قتلا وهتكا للحرمة واستحلالا للأموال أو لم ينقل عنهم الظلم والجور على ~~الرعايا وملابسة الفسق والفجور فما يؤمنكم أن متابعتكم أئمة الجور تورثكم ~~النار وبئس المصير. # قيل صفات الإمامة يجوز أن يستدل عليها بالأمارات والأقوال تدل على العلم ~~والفضل وحسن الأفعال تدل على العفة والمهارة بالحرب تدل على السياسة ~~والشجاعة فكما يستدل بالأفعال على الشهادة والقضاء كذلك يستدل على الصفات ~~التي تشترط في الأئمة وإن ظهر بعد ذلك جهل أو جور أو ضلال أو كفر انخلع ~~منها أو خلعناه وما ينقل عن الأموية فهو صحيح إلا أنه لا ينافي الإمامة ~~عندهم وعند من يجوز ذلك على الأئمة. # فإن قيل ما القدر الذي من صفات المدح يصير بها مستحقا للإمامة وما العدد ~~من أئمة يصح به عقد البيعة. # قيل القدر من الصفات أن يكون مسلما قرشيا مجتهدا في العلم بصيرا بسياسة ~~الرعية ذا نجدة وكفاية ومن العلماء من نقص من العدد الذي ذكرناه ومنهم من ~~زاد والعدد لعقد البيعة فقيل تتم البيعة برجل عدل وقيل برجلين وقيل بأربعة ~~وقيل بجماعة من أهل الحل والعقد والاجتهاد والبصيرة بالأمور ولو عقد واحد ~~ولم يسمع من الباقين نكير كفى ذلك ويجب الإشهاد به فإنه خطب جسيم ومنصب ~~عظيم والمسائل المرتبة PageV01P276 ~~على ما ذكرناه من عقد البيعة لرجلين في صقعين أو إقليمين فإنه إذا خلع نفسه ~~أو أحدث أحداثا يستحق بها الخلع أينخلع أم يستوجب ذلك كله من مظان الاجتهاد ~~وليراجع الكتب المصنفة في الكلام فإني لم أشترط على نفسي في هذا الكتاب نقل ~~ما ذكر في الكلام وإنما شرطت حل المشكلات من المعقولات وبيان منتهى أقدام ~~أهل الأصول في مراتب العقول دون المنقول. ms319 # وأما كرامات الأولياء فجائز عقلا ووارد سمعا ومن أعظم كرامات الله تعالى ~~على عباده تيسير أسباب الخير لهم وتعسير أسباب الشر عليهم وحيثما كان ~~التيسير أشد وإلى الخير أقرب كانت الكرامة أوفر وما ينقل عن بعضهم من خوارق ~~العادات وصح النقل وجب التصديق ولا يجوز الإنكار عليه أليس قد ورد في ~~القرآن قصة عرش بلقيس وقول ذلك الولي أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك ~~فلما رآه مستقرا عنده قال هذا من فضل ربي [النمل: 40]، أو لم تكن قصة أم ~~موسى ومريم أم عيسى عليه السلام وما ظهر لهما من الخوارق من إلقاء موسى في ~~اليم كرامة لها ورزق الشتاء في الصيف ورزق الصيف في الشتاء وظهور النخلة في ~~الصحراء من أعظم الكرامات لمريم عليها السلام وما ينقل عن الصالحين هذه ~~الأمة أكثر من أن يحصى وهي بآحادها إن لم تفدنا علما بوقوعها فهي بمجموعها ~~أفادتنا علما قطعيا ويقينا صادقا بأن خوارق العادات قد ظهرت على أيدي أصحاب ~~الكرامات. # واعلم أن كل كرامة تظهر على يد ولي فهي بعينها معجزة لنبي إذا كان الولي ~~في معاملاته تابعا لذلك النبي وكل ما يظهر في حقه فهو دليل على صدق أستاذه ~~وصاحب شريعته فلا تكون الكرامة قط قادحة في المعجزات بل هي مؤيدة لها دالة ~~عليها راجعة عنها وعائدة إليها وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كائن في ~~أمتي ما كان في الزمان الأول حذو القذة بالقذة والنعل بالنعل حتى لو دخلوا ~~جحر ضب لدخلتموه» وقال عليه السلام: «إن في أمتي مثل إبراهيم الخليل ومن ~~مثله مثل موسى» وفي الآية ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون ~~[الزخرف: 57]، إشارة إلى هذا المعنى ولما كانت شريعته أكمل الشرائع ودينه ~~أكمل الأديان كما قال تعالى: اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ~~ورضيت لكم الإسلام دينا [المائدة: 3]، وجب أن يكون المتحلي بهذا الدين ~~والشريعة أشرف وأكرم ممن تحلى بشريعة أخرى إذا الشرائع والأديان جلابيب ~~النفوس والأرواح وبقدر PageV01P277 ~~التحلي بها والثبات ms320 فيها والإقبال عليها ينال الشرف والكرامة قال الله ~~تعالى: إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ويكفر عنكم سيئاتكم [الأنفال: 29]، ~~وليت شعري أي كرامة تزيد على نيل الفرقان بين الحق والباطل وسبيل النجاة ~~والهلاك وفي الخبر «لا يزال العبد يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته ~~كنت له سمعا وبصرا ويدا ومؤيدا» وأي كرامة أجل من حصول المحبة بثمراتها ~~المذكورة وفي الخبر لو عرفتم الله حق معرفته لعلمتم العلم الذي ليس معه جهل ~~ولو عرفتم الله حق معرفته لزالت الجبال بدعائكم وما أوتي أحد من اليقين إلا ~~وما لم يؤت منه أكثر مما أوتي. # قيل بلغنا أن عيسى عليه السلام كان يمشي على الماء قال صلى الله عليه ~~وسلم: «لو ازداد يقينا لمشى على الهواء». # ومما يتصل بهذا الموضع الكلام في النسخ وإن هذه الشريعة ناسخة للشرائع ~~كلها وهي أتمها وأكملها وأن محمد المصطفى صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء ~~وبه نختم الكتاب. # قال بعض العلماء النسخ رفع الحكم بعد ثبوته وقال بعضهم النسخ تبيين ~~انتهاء مدة الحكم وكأنه تخصيص بزمان وهو بظاهره كان شاملا لكل زمان وبالنسخ ~~يتبين أنه لم يشمل الأوقات كلها وقالت اليهود النسخ رفع تكليف بعد توجهه ~~على العباد وذلك لا يجوز في حق الباري تعالى فإنه يؤدي ذلك إلى البداء ~~والندم على ما قال ولو أن واحدا منا أمر غلامه على كل حال أن يفعل فعلا ثم ~~منعه من ذلك أما في الحال أو في ثاني الحال دل ذلك على أنه بدا له ذلك أي ~~ظهر له أمر بخلاف ما تصور في الأول أو ندم بالقلب على تكليفه الأول وهاتان ~~القضيتان مستحيلتان في حق من لا تخفى عليه ذرة في الأرض ولا في السماء ومن ~~له الملك والتصرف في عباده بما يشاء. # يقال لهم المستحيل على نوعين مستحيل لعينه كاجتماع السواد والبياض في محل ~~واحد في حالة واحدة ولا شك أن رفع التكليف وحكم التكليف بعد ثبوته ليس من ~~ذلك القبيل ومستحيل لما يفضي إلى المحال ms321 كخلاف المعلوم ولا محال هاهنا يفضي ~~إليه النسخ إلا البداء والندم والبداء يطلق على معنيين أحدهما الظهور يقال ~~بدا له الشي ء إذا ظهر وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون [الزمر: 47]، ~~وهذا لا يجوز على الله تعالى فإن المعلومات كلها ظاهرة لديه مكشوفة عنده ~~والنسخ لا يؤدي إلى ذلك لأنه كان عالما بذلك التكليف عند توجهه على العبد ~~وكان عالما برفعه عند النسخ فلم يظهر له أمر متجدد لم يعلمه ولا رفع الحكم ~~لأنه ظهر له شي ء آخر. PageV01P278 # ويطلق البداء على الندم على ما كان والندم هو أن يقول قولا أو يفعل فعلا ~~لغرض ثم يرى أن المصلحة في غير ما صدر عنه قولا وفعلا وهذا أيضا لا يجوز في ~~وصف الباري تعالى فإنه لا يفعل فعلا لغرض وإذا فعل بخلاف ذلك لم يفعله ~~لمصلحة وغرض آخر بل أقواله وأفعاله لا تعلل كما بينا قبل فلم يتصور في حقه ~~الندم ولا أفضى النسخ إلى الندم فتعين القول بأن النسخ غير مستحيل عقلا ثم ~~وقوعه شرعا من أدل الدليل على أنه غير مستحيل عقلا. # فنقول لا شك أن موسى عليه السلام تأخر وجودا عن آدم ونوح وهود وصالح ~~وإبراهيم وإسماعيل ويعقوب وجماعة من الأنبياء والأسباط عليهم السلام أهل ~~كان جميع ما ورد به موسى مشروعا لهم أو منها ما كان مشروعا ومنها ما لم يكن ~~مشروعا فإن كان كله مشروعا لهم فلم يرد موسى بشريعة أصلا بل قرر الشرائع ~~الماضية وإن ورد بحكم واحد غير ما ثبت في شرعهم فقد تحقق أن الحكم الأول ~~مرفوع بذلك الحكم أو قد انتهى مدة الحكم الأول وتجدد هذا الحكم فثبت النسخ ~~وإن أنكروا ذلك فنكاح الأخوات في زمن آدم عليه السلام حتى قيل إنه استمر ~~ذلك الحكم إلى زمن نوح مما يجب الاعتراف به ليتحقق النسل والذرية وتوبة ~~عبدة العجل بقتل أنفسهم كان حكما لم يكن قبل ذلك وصار مرفوعا عن غيرهم في ~~التوراة والختان في اليوم السابع من الولادة حكم ms322 لم يكن لنوح وغيره بل ترك ~~الختان كان مشروعا لهم وأمر بذلك إبراهيم عليه السلام على الكبر وأطلق له ~~أنه لا يختن إسماعيل في طفولته حتى يصير مراهقا وحظر على موسى ترك الختان ~~فوق سبعة أيام والتمسك بالسبت ما كان واجبا على الأنبياء قبل موسى عليه ~~السلام ثم صار واجبا على موسى فما المستحيل أن يعود إلى ما كان مباحا وكذلك ~~الصيد في يوم السبت وجميع الأفعال الدنياوية كان مباحا قبل موسى عليه ~~السلام فصار محظورا على موسى والمواعدة من أدل الدلائل على النسخ وواعدنا ~~موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة [الأعراف: ~~142]، وكذلك تلك التكاليف الشديدة على بني إسرائيل ما كانت واجبة على من قبلهم. # والسر في ذلك كله أن الحظر والوجوب أحكام لا ترجع إلى الأفعال حتى تكون ~~صفات لها ولا الأفعال كانت على صفات من الحسن والقبح ورد الشرع بتقريرها ~~ولا قول الشارع أكسبها صفات لا تقبل الرفع والوضع بل الأحكام راجعة إلى ~~أقوال الشارع وتوصف الأفعال بها قولا لا فعلا شرعا لا عقلا فيجوز أن يرتفع بعضها PageV01P279 ~~ببعض وذلك كالحرمة في الأجنبيات ترتفع بالعقد الصحيح والحل في المنكوحة ~~يرتفع بالطلاق المبين وكأحكام المقيم تخالف أحكام المسافر وأحكام الرجال في ~~بعض الأحوال تخالف أحكام ربات الحجال وإذا كانت الأحكام قابلة للرفع والوضع ~~والتغيير والتبديل فما المستحيل في وضع أحكام على أقوام في زمن ثم رفعها عن ~~أقوام في زمن آخر ثم يقابل التكليف بالأفعال وتقابل التغييرات العقلية من ~~الموت والحياة والصحة والسقم والراحة والشدة والنعمة والبلية وإنبات الزرع ~~وإفساده وإنشاء الحيوان وإهلاكه وخلق الإنسان وإفنائه تارة إلى مدة وتارة ~~في الحال من غير مهلة تصريفه لا بد أنهم حيث يشاء كما يشاء لا يسئل عما ~~يفعل [الأنبياء: 23]، بالتغييرات التكليفية من الإباحة والحظر والإيجاب ~~والإطلاق والمشي تارة إلى موضع والوقوف تارة في موضع والقيام تارة والقعود ~~أخرى تصريفا لعقولهم ونفوسهم كما يشاء حيث يشاء لا يسئل عما يفعل ~~[الأنبياء: 23]، فسبحان الذي بيده ملكوت كل شي ms323 ء وإليه ترجعون [يس: 83]، له ~~الملك والخلق والأمر والفعل والقول والتصريف والتكليف أليس الخلق الأول في ~~مادة الإنسان يتصرف في تربيته من سلالة إلى نطفة إلى عقلة إلى مضغة إلى ~~عظام إلى كسوة العظام لحما إلى خلق آخر فتبارك الله أحسن الخالقين أنشأ من ~~طور إلى طور أبدا من كور إلى كور وكل مرتبة ناسخة للصورة الأولى لابسة صورة ~~أخرى ثم خالفت تلك الصورة إلى أخرى كذلك الأمر الأول في كسوة صورة لنوع ~~الإنسان يتصرف بتربيتها من شريعة إلى شريعة وكل شريعة ناسخة صورة ولابسة ~~أخرى حتى ينتهي إلى كمال الشرائع كلها وتختم بخاتم النبيين كلهم وليس بعد ~~الكمال والاستقامة إلا المعاد والقيامة «بعثت أنا والساعة كهاتين» فيتم ~~الخلق هنالك ويتم الأمر هاهنا وتختم الخلقة بكمال حال النطفة إنسانا تاما ~~وتختم الشريعة بكمال حال الشرع الأول دينا تاما كاملا اليوم أكملت لكم ~~دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا [المائدة: 3]، رضينا ~~بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد المصطفى صلى الله عليه وسلم نبيا وبالقرآن ~~إماما وبالكعبة قبلة وبالمؤمنين إخوانا. # وقد نجز غرضنا من سبعة عشر قاعدة في بيان نهايات أقدام أهل الكلام وإن ~~تنفس الأجل وأمهل العمر شرعنا في عشرين أخرى بيان نهايات أوهام الحكماء ~~الإلهيين وعند ذلك يحق لنا أن نقول وحقا وصدقا نقول متبركين بألفاظ ~~الصالحين وهي PageV01P280 ~~كلمات ملتقطة من دعوات زين العابدين رضوان الله عليه يا من لا يبلغ أدنى ما ~~استأثرت به من جلالك وعزتك أقصى نعت الناعتين يا من قصرت عن رويته أبصار ~~الناظرين وعجزت عن نعته أوهام الواصفين يا من لا تراه العيون ولا تخالطه ~~الظنون ولا يصفه الواصفون أنت كما وصفت به نفسك وأنت كما أثنيت على نفسك ~~ضلت فيك الصفات وتقسمت دونك النعوت وحارت في كبريائك لطائف الأوهام والعقول ~~أنت الأول في أزليتك، وعلى ذلك أنت دائم لا تزول، وأنت الآخر في أبديتك ~~وكذلك أنت قائم لا تحول وأنت الظاهر فما احتجبت عن شي ء وأنت الباطن، فما ~~اختفيت في شي ء ms324 ولا تغيرك الدهور ولا تبليك الأمور ولا يعتورك الزمان ولا ~~يحويك المكان ولا يشغلك شأن عن شأن، كذلك أنت الله الذي لا إله إلا أنت لك ~~الأسماء الحسنى، والمثل الأعلى والكلمة العليا أنزلت الكتاب بالحق وأرسلت ~~الرسل بالصدق وختمتهم بآخرهم عصرا وأولهم مأثرة وذكرا محمد المصطفى صلى ~~الله عليه وسلم. # اللهم اكتب لي هذه الشهادة عندك واجعلها عهدا تؤديه لي يوم القيامة وقد ~~رضيت عني يا أرحم الراحمين ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا [البقرة: # 286]، ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت ~~الوهاب [آل عمران: 8]. PageV01P281 # الذيل مسألة في إثبات الجوهر الفرد «1» # الجسم ينتهي بالتجزئة إلى حد لا يقبل الوصف بالتجزي ويسميه المتكلمون ~~جوهرا فردا وصارت الفلاسفة إلى أنه لا ينتهي إلى حد لا يقبل الوصف بالتجزي. # ومدار المسألة على أن الجسم عند المتكلم هو المركب من أجزاء متناهية وما ~~تحصره النهايات والأطراف لا يشتمل على ما لا نهاية له وعند الفيلسوف ~~الأجزاء إنما تحدث بالفعل في الجسم إما رضا وكسرا وإما بانتشاره وإما ~~باختلاف عرضين وإما بالوهم والقوة والجسم مركب من هيولى وصورة لا من أجزاء ~~متحيزة. # ودليل المتكلم في المسألة أن المتناهي أطرافه وأضلاعه يستحيل أن يشتمل ~~على منقسمات بلا نهاية فإن المحصور بالنهايات لا يكون حاصرا بما لا نهايات ~~له وأيضا فإن الاتصال المحسوس في الجسم متناه بالحس والانفصال يستدعي سبق ~~اتصال لا محالة فلو كان الجسم مما ينفصل عن النهاية فليكن فيه الاتصال غير ~~النهاية فإن كان الانفصال بالفعل فيسبقه الاتصال بالفعل وإن كان الانفصال ~~بالقوة والوهم فليكن فيه الاتصال بالقوة والوهم ثم اتصاله متناه قوة وفعلا ~~فانفصاله يجب أن يكون كذلك وأيضا فإن المقدار الذي اشتمل عليه الجسم متناه ~~معدود مقدور فلو نصف الجسم نصفين وكان أحد المقدارين يقبل التجزؤ إلى غير ~~النهاية حتى يصير ذا مقادير بغير نهاية فيلزم أن يكون الأقل هو النصف مثل ~~الأكثر وهو الجملة ويلزم أن يكون فيما لا يتناهى من المقادير تفاوت ms325 الأقل ~~والأكثر وكلاهما محال. # فإن قيل ما ذكرتموه صحيح في تقدير أجزاء الجسم بالفعل فإن الجسم المتناهي ~~لا يشتمل على أجزاء بالفعل غير متناهية لكنا نقول هو يشتمل على أجزاء ~~بالقوة غير متناهية فالمحصور في الفعل لا يحصر غير المتناهي بالفعل فلم لا ~~يجوز أن يحصر غير المتناهي بالقوة وفيه النزاع قلنا ما قدرتموه بالقوة ~~أيجوز في العقل أن يخرج إلى الفعل فإن لم يجز ظهرت الاستحالة وبقي الوهم ~~المجرد الذي دل على خلافه برهان العقل وإن جاز خروجه PageV01P282 ~~إلى الفعل وقدرنا خروجه إلى الفعل لزم المحال الذي ذكرنا هذا كما يقال ما ~~من جسم إلا ويمكن أن يتصل به جسم آخر بحيث لا يقف الوهم إلى حد ونهاية ثم ~~لا يدل ذلك على أن جسما لا يتناهى متصور الوجود بل الاتصال في الجسم يجوز ~~إلى حد لا ينتهي إلى هذا المحال وهو تصور جسم لا يتناهى وإن بقي الوهم في ~~حال التقدير الوهمي وذلك مما يتمثل في الوهم من خلاء خارج العالم فإنه ~~يتوهم حدا ونهاية للعالم ثم يقدر فضاء وخلاء ينتهي به وإلا فيثبت خلاء ~~فارغا وذلك خلاف العقل وبرهانه. # ويسلك إمام الحرمين في إثبات الجزء الفرد مسلكا آخر فقال نفرض الكلام في ~~كرة حقيقية وبسيط حقيقي ونضرب بالكرة على البسيط أفيلاقيه أم لا؟ فإن لاقاه ~~أفيلاقيه بمنقسم أم لا فإن لاقاه بمنقسم فليست كرة بل هو بسيط وإن لاقاه ~~بغير منقسم فذلك الجوهر الفرد ويمكن أن يطرد هذا البرهان أيضا في البسيط ~~المتناهي بحده فإن الحد خط والخط طول لا عرض له فقد تناهى الجسم فإن كان ~~الحد الذي يتناهى به منقسما لم يكن خطا وأن لم ينقسم عرضا وانقسم طولا ~~فينقسم إلى نقط وهو أمر لا ينقسم وذلك هو الجزء الفرد عند المتكلم وعلى كل ~~حال متناه فإنما يتناهى بأمر لا ينقسم سطحا وخطا ونقطة وإلا لم يكن نهاية. # فإن قيل السطح والخط والنقطة أعراض عندنا فالنقطة عرض للخط والخط عرض في ~~السطح والسطح عرض في ms326 الجسم وما كان عرضا لا يقبل الوصف بالتجزئة والجوهر ~~الفرد عندكم حجم له جثة ومساحة فلذلك لزمكم ما لا يلزمنا في أبعاده الثلاثة ~~قلنا هب أنه أعراض قائمة بالجسم أليست هي أعراضا تنقسم بانقسام الجسم فإن ~~النقطة على أصلكم شي ء ما لا تنقسم والخط ينقسم طولا ولا ينقسم عرضا والسطح ~~ينقسم عرضا ولا ينقسم عمقا والجسم ينقسم طولا وعرضا وعمقا وكما أن الأعراض ~~تنقسم بانقسام المحل وتتحد باتحاد المحل ويتحد المحل باتحاده وكما أنكم ~~سميتم هذه الأعراض نهايات الجسم كذلك الجوهر عندنا أطراف ونهايات وليست بذي ~~أطراف كما سنبين. # أما شبههم قالوا لو قدرنا جوهرا بين جوهرين أفيلاقي ما على يمينه بعين ما ~~على يساره أم بغيره فإن قلتم بعينه فهو سفسطة فإن قلتم بغيره فقد ثبت ~~التجزؤ في الجوهر الفرد وكذلك لاقى أحدهما بكله أو ببعضه فإن لاقاه بكله ~~وأسره لم يبق للثاني ملاقاة فإن المشغول بكل وأسر كيف يصير مشغولا بغيره ~~وإن لاقاه ببعضه فقد تجزأ وكذلك صوروا جوهرا على متصل جوهرين فإنه يلاقي ~~الجوهرين السفلاوين وإنما يلاقي كل واحد منهما بطرف غير الآخر وإن منع هذا ~~التصوير فصوروا خطا مركبا من ستة أجزاء وخطا يحاذيه من ستة أجزاء وعلى رأس ~~أحد الخطين جوهر وعلى PageV01P283 ~~ذنب الخط الآخر جوهر وقدرنا تحرك الجوهرين في حالة واحدة على تساوي ~~الحركتين فلا شك أنه يمتاز أحدهما على الثاني ويتحاذيان ويتقابلان على نقطة ~~وليسا متحاذيين إلا على الثالث والرابع فيكون الجوهر المتحرك على متصل ~~الثالث والرابع محاذيا للجوهر الثاني وكذلك ألزمونا جواهر محفوفة جواهر فلا ~~شك أنه يماس كل واحد من الجواهر بغير ما تماس البواقي فتنقسم بستة أجزاء ~~وكذلك النقطة في الدائرة تلاقي أجزاء الدائرة فلو لا أن فيها بالقوة ما في ~~أجزاء الدائرة وإلا لما لاقتها وكذلك لو قدرنا جوهرا متحركا على محيط ~~الدائرة وجوهرا متحركا على مركز الدائرة وبين الجوهرين خط متصل بهما جميعا ~~فإن تحرك الجوهر على المحيط حركة واحدة وقطع حيزا واحدا وتحرك الخط بحركته ~~فيجب ms327 أن يتحرك الخط الذي على المركز أقل من تلك المسافة وإنما قلتها أو ~~كثرتها ببعد طول الخط وقصره وذلك هو بعد المسافة بين المحيط والمركز فيؤدي ~~إلى أن ينقطع من المركز أقل من جزء واحد وذلك مثل القول بالتجزؤ ومثل حركة ~~الشمس مع الظل فإن الشمس تتحرك عن فلكها أقداما كثيرة حتى يظهر في الظل قدم ~~واحد فلو قدرنا حركتهما بمقدار جزء واحد فيجب أن يتحرك الظل بمقدار ألف جزء ~~من جزء فيتجزأ الجزء المفروض. # الجواب عن هذه الشبهات من وجهين أحدهما الإلزامات والمعارضات والثاني ~~التحقيق. # أما الأول فنقول بنيتم هذه الإلزامات على قضية مذهبنا لا على مقتضى ~~مذهبكم لأن على مقتضى مذهبكم لا يتصور جوهر فرد وليس هذا التقدير والفرض ~~على مقتضى مذهبنا صحيحا فإن الذي أثبتناه معقول بالدليل غير محسوس ولا ~~موهوم وذلك أنا أقمنا البرهان على أن جسما محدودا متناهيا محصورا لا يشتمل ~~على ما ليس يتمناه وغير محدود ولا محصور فلا يجوز أن يتجزأ أبدا فبقي ~~التجزؤ مدلول دليلنا العقلي ثم يلزم أن يبقى شي ء لا ينقسم ولا يتجزأ ~~ونسميه جوهرا فردا هذا كما قررتموه في إثبات الهيولى والصورة جوهرين وحققتم ~~الفصل بين الجوهرين عقلا لا حسا وأحلتم انفصال أحدهما عن الثاني على مقتضى ~~مذهب وجوزتم على مقتضى مذهب فتوجه الإلزام عليكم ونقول الهيولى جوهر قابل ~~للتحيز والتشكل والتحيز والتشكل صورة في الهيولى والجسم مركب منهما وكل ~~واحد منهما على الانفراد لا يقبل الوصف بالتجزي ومجموعهما قابل أفيقبل ~~التجزؤ من حيث الصورة أم من حيث الهيولى. # فإن قبل التجزؤ من حيث الصورة فهو باطل فإن الصورة اتصال والاتصال كيف ~~يكون قابلا للانفصال بل قابل للانفصال أمر آخر وهو الهيولى. PageV01P284 # فنقول أو تقوى لك الهيولى على قبول انفصالات بلا نهاية وهل فيها قوة هذا ~~القبول فإن لم تقو فذلك المعني بالجوهر الفرد عندنا وإن قويت على ذلك فيفضي ~~هذا التجزي إلى جواز وجود جسم بسيط ذاهب في الجهات بغير نهاية وقد قام ~~البرهان على استحالته وكل ms328 ما ذكرناه في الهيولى وقبولها للصورة فهي الأبعاد ~~الثلاثة الطول والعرض والعمق تحقق مثله في الجوهر الفرد وقبوله ذلك اتصال ~~واحد واتصال من ست جهات أو ست اتصالات إلا أن المتكلم يقول ذلك بانضمام ~~أمثالها إليها والفيلسوف يقول ذلك بانضمام صورتها إليها ونقول ما فرضتموه ~~علينا من الجواهر الثلاثة إنما هو إلزام على مذهبنا وليس الفرض صحيحا ولا ~~الجوهر على ما قررتموه وهي الجواهر التي نقول فيها إنها لا تتجزأ فإن مدلول ~~دليلنا أن كل ما حصره جسم متناه يجب أن يكون متناهيا وما لا يتناهى لا ~~يحصره ما يتناهى ثم إنا نسمي ما انتهى جزءا فردا اصطلاحا وذلك معقول الدليل ~~وليس بمحسوس ولأن ما يقدره الوهم ودل عليه البرهان هو ذلك الجزء الذي انتهى ~~به فإنا نقول الجوهر الذي بين الجوهرين يلاقي أحدهما بطرف فنقول إن ذلك ~~الطرف متحيز أو غير متحيز فإن كان متحيزا فهو الجوهر الفرد وليس بطرف وقد ~~فرضتم أنه طرف وإن لم يكن متحيزا فذلك عرض قائم بمتحيز هو الجزء الفرد ~~عندنا لا ما قدرتموه فالطرفان جزءان فردان والوسط أيضا فرد فقد اعترفتم ~~بالإلزام الذي تمسكتم به أنه ذو نهايتين ووسط وذلك هو الجزء الثالث عندنا ~~ولا يؤدي إلى التجزي أبدا فإن الطرف لا ينقسم ولو انقسم ما كان طرفا وعلى ~~هذا المساق كل ذي نهاية من جسم وجوهر فإنما ينتهي بحد لا ينقسم والجسم ~~ينتهي ببسيطه وهو السطح وذلك ينقسم طولا وعرضا ولا ينقسم عمقا والسطح ينتهي ~~بخطه وذلك ينقسم طولا ولا ينقسم عرضا والخط ينتهي بنقطته وذلك لا ينقسم لا ~~طولا ولا عرضا ولا عمقا وهو المثال الموازن للجوهر الفرد إلا أن النقطة ~~عندكم موهومة وعندنا الجوهر الفرد موجود والنقطة والخط والسطح عرض عندكم ~~وعندنا جوهر ولا يختلف ذلك بكونه جوهرا وعرضا فإن المقصود إثبات التناهي ~~وقد حصل وكل ما لاقى شيئا فإنما يلاقيه بحد ونهاية وكل حد ونهاية فهو غير ~~منقسم وإلا فلا تحصل الملاقاة والمماسة. # ونقول أيضا رفعا للتقسيم الذي أوردوه ms329 علينا أن الوسطاني يلاقي ما على ~~يمينه بعين ما لاقى على يساره ذاتا وجوهرا وبغيره نسبة وإضافة وقد تتكثر ~~نسب الشي ء وإضافاته ولا يوجب ذلك تكثر الذات مثل النقطة التي في وسط ~~الدائرة فإنها مع وحدتها تنسب إلى كل جزء من أجزاء الدائرة فإنها مع نسبة ~~غير النسبة التي تليها PageV01P285 ~~وحيثما وسعنا الدائرة تكثرت نسبها ولا يوجب ذلك تكثرا في ذاتها كذلك القول ~~في الجزء الفرد ينسب إلى جزء على اليمين وجزء على اليسار أو إلى ستة أجزاء ~~محفوفة به ولا يوجب ذلك تكثرا في الذات ونقول قد بينا أن الجسم إنما يقبل ~~التجزؤ بهيولاه لا بصورته فإن قابل الاتصال والانفصال يجب أن يكون غير ~~الاتصال في الانفصال لأن الاتصال يزول بالانفصال ولا يزول القابل بوجود ~~المقبول فنقول أفتقوى تلك الهيولي على قبول صورة الاتصال إلى ما لا يتناهى ~~فإن قويت حصل جسم لا يتناهى وبعد لا يتناهى واتصال لا يتناهى وذلك محال وإن ~~لم تقو على ذلك بل قوتها إلى حد ما تنتهي إليه هو الجزء الفرد الذي لا ~~يتجزأ بقي هاهنا في هذه الصورة وهو الانفصال في جانب الوهم إنه لا يقف حتى ~~يقدر عالما متصلا بعالم آخر إلى ما لا يتناهى فذلك عمل الوهم المخالف ~~لبرهان العقل فلا نقبل ذلك بل نقول ثم إن الوهم إنما يصدق بشرط أن لا يؤدي ~~إلى جسم غير متناه وذلك خلاف العقل ونقول هاهنا إن الوهم إنما يصدق بشرط أن ~~لا يؤدي إلى أجزاء غير متناهية وذلك خلاف العقل وهذا آخر ما ينتهي إليه نظر ~~الناظر في هذه المسألة فإن الخصم ربما يساعد على أن الأجزاء التي هي غير ~~متناهية بالفعل في الجسم غير متصور وإنما يخالف في القوة والوهم وقد ثبت في ~~القوة أن هيولى الجسم قوته لا تقوى على قبول انفصالات بلا نهاية كما لا ~~تقوى على قبول اتصالات بلا نهاية وقد بينا في الوهم أن الوهم لا يقف إلى حد ~~لا يتوهم زيادة على الجسم المحدود كزيادة ms330 عالم آخر وزيادة فضاء وخلاء وراء ~~العالم كذلك لا يقف إلى حد لا يتوهم نقصانا على الجسم إلى نقصان آخر حتى ~~يقدر ملاقي الجسم لا يتناهى وبعض الفلاسفة يفطن فيما وراء العالم فلم يثبت ~~خلاء وفضاء بتناهي الأجسام وما يفطن فيما هو داخل العالم فأثبت خلاء وفيضا ~~بلا تناهي الأجزاء ولا خارج من المحيط ولا داخل في المركز والله أعلم. PageV01P286 # ### |EDITOR| # ENDNOTES # (1) انظر: غاية المرام للآمدي (ص 238)، وأقاويل الثقات (ص 97، 106)، ~~والتبصير في الدين (ص 72)، وتمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل (ص 24، 41، 56، ~~434)، ورسالة الأشعري إلى أهل الثغر (ص 191). PageV01P009 # (1) نسبة إلى الكرامية. # (2) نسبة إلى الطائفة الوهمية. PageV01P011 # (1) انظر: غاية المرام للآمدي (ص 248) نقلا عن المصنف. PageV01P012 # (1) انظر: غاية المرام في علم الكلام للآمدي (ص 45، 75، 77، 155، 251، 253، ~~277)، والملل والنحل للشهرستاني (ص 96، 196)، المواقف للإيجي (1/ 61) (2/ ~~530)، والغنية في أصول الدين (58، 118). PageV01P014 # (1) انظر: الملل والنحل للمصنف (2/ 187). PageV01P016 # (1) انظر: الجواب الصحيح لابن تيمية (3/ 292). PageV01P018 # (1) انظر: كتاب النجاة (ص 302). PageV01P020 # (1) انظر: المواقف للإيجي (1/ 531). PageV01P022 # (1) انظر: شرح قصيدة ابن قيم (ص 360)، والفرق بين الفرق للبغدادي (ص 157، ~~294)، والفصل في الملل والنحل لابن حزم (2/ 144)، والملل والنحل للشهرستاني ~~(2/ 151)، وتلبيس الجهمية لابن تيمية (1/ 300)، والتبصير في الدين (ص 149). PageV01P023 # (1) ما بين [ .... ] بياض في الأصل. # (2) انظر: المواقف (2/ 677، 680، 681)، ومعارج القدس (1/ 108، 111). PageV01P025 # (1) انظر: المواقف للإيجي (1/ 352)، (3/ 218). PageV01P029 # (1) انظر: الملل والنحل للمصنف (2/ 199). PageV01P031 # (1) انظر: غاية المرام للآمدي (ص 266)، ومقالات الإسلاميين للأشعري (ص ~~182)، والفصل لابن حزم (2/ 135)، والملل والنحل للمصنف (2/ 136)، والمواقف ~~للإيجي (2/ 630). PageV01P032 # (1) انظر: الملل والنحل للمصنف (2/ 208). PageV01P035 # (1) انظر: غاية المرام للآمدي (ص 263، 275، 274، 281)، والملل والنحل ~~للمصنف (1/ 113)، ومنهاج السنة لابن تيمية (1/ 180)، والعقيدة الأصفهانية ~~(ص 31)، وكشف الأوهام والالتباس (ص 48، 148)، والمواقف للإيجي (3/ 253). PageV01P036 # (1) انظر: شفاء العليل لابن قيم (ص 122، 123)، وغاية المرام للآمدي (ص 207، ~~215، 216، 222)، والملل والنحل للمصنف (1/ 87، 97)، ومنهاج السنة لابن ~~تيمية (3/ 209)، المواقف للإيجي (2/ 114، 116، 119، 125، 129)، والغنية في ~~أصول الدين (ص 119، 124). PageV01P037 # (1) يعني من كرمه اللسان (13/ 479). # (2) انظر: شفاء العليل لابن قيم (1/ 141)، والملل والنحل للمصنف (2/ 124)، ~~والمواقف للإيجي (2/ 173)، ونعمة الذريعة في نصرة الشريعة للقسطنطيني (ص 159). PageV01P040 # (1) انظر: غاية المرام (ص 206، 212، 214)، والفرق بين الفرق للبغدادي (ص ~~120، 124، 269، 317، 349)، ومقالات الإسلاميين للأشعري (ص 485)، والفصل في ~~الملل والنحل لابن حزم (1/ 43، 44)، والملل والنحل للمصنف (1/ 237، 244، ~~253)، وفضائح الباطنية للغزالي (ص 40)، واختلاف فرق المسلمين والمشركين ~~للرازي (ص 88، 89)، والمواقف للإيجي (2/ 608، 616). PageV01P043 # (1) انظر: ms331 معارج القدس للغزالي (ص 110)، وشرح قصيدة ابن قيم لابن عيسى (1/ ~~385)، (2/ 281)، والصواعق المرسلة لابن قيم (4/ 1571)، وغاية المرام للآمدي ~~(ص 31، 86، 152، 221)، الفرق بين الفرق للبغدادي (ص 138، 144، 328)، ~~ومقالات الإسلاميين للأشعري (ص 238، 346، 350)، والملل والنحل للمصنف (1/ 67). PageV01P047 # (1) انظر: غاية المرام للآمدي (ص 214)، والتبصير في الدين للأسفراييني (ص ~~108)، وشفاء العليل لابن قيم (ص 130)، ومرهم العلل المضلة لليافعي (ص 171). # (2) يعني الإمام الأشعري. PageV01P049 # (1) انظر: الفرق بين الفرق للبغدادي (ص 116)، وتمهيد الباقلاني (ص 332)، ~~وأقاويل الثقات لمرعي (ص 161). PageV01P052 # (1) انظر: غاية المرام (ص 68، 89، 100، 222)، والفرق بين الفرق البغدادي (ص ~~329، 338)، ومقالات الإسلاميين للأشعري (ص 106، 107). PageV01P055 # (1) انظر: المقصد الأسنى للغزالي (ص 133)، وتلبيس الجهمية لابن تيمية (1/ ~~465، 466، 469)، والمواقف للإيجي (2/ 231)، ومعنى لا إله إلا الله للزركشي ~~(ص 90). PageV01P056 # (1) انظر: غاية المرام في علم الكلام للآمدي (ص 154، 273)، وفضائح الباطنية ~~للغزالي (ص 151)، والفصل في الملل والنحل لابن حزم (1/ 48) (3/ 124)، ~~والمواقف للإيجي (3/ 60، 64)، ولمع الأدلة للجويني (ص 98)، والغنية في أصول ~~الدين للنيسابوري (ص 67، 68)، ومرهم العلل لليافعي (ص 57)، ورسالة الأشعري ~~إلى أهل الثغر (ص 156). # (2) انظر: شفاء العليل (ص 150)، والملل والنحل للمصنف (2/ 207)، والمواقف ~~(2/ 117، 119)، والغنية في أصول الدين لأبي سعيد النيسابوري (ص 69)، ~~والتمهيد للباقلاني (ص 70)، ورسالة الأشعري إلى أهل الثغر (ص 156). PageV01P058 # (1) انظر: الغنية في أصول الدين (ص 162)، والمواقف للإيجي (2/ 520) (3/ ~~463)، والملل والنحل للشهرستاني (2/ 17). PageV01P059 # (1) انظر: المواقف للإيجي (3/ 566)، والتبصير في الدين للأسفراييني (ص ~~163)، والتمهيد للباقلاني (ص 228، 229، 230). PageV01P060 # (1) انظر: غاية المرام في علم الكلام للآمدي (ص 157). # (2) انظر: غاية المرام (ص 180)، الفرق بين الفرق (ص 204، 217)، وإيضاح ~~الدليل في قطع حجج أهل التعطيل (ص 33). # (3) حديث صحيح: رواه مسلم (4/ 2017، 2183)، والبخاري (5/ 2299)، وابن حبان ~~(13/ 18) (14/ 33)، وأبو عوانة في مسنده (1/ 160)، والربيع في مسنده (1/ ~~314، 318، 319)، وعبد الرزاق في مصنفه (9/ 444، 445)، وأحمد في المسند (2/ ~~244، 251، 315، 323)، والحميدي في مسنده (2/ 476)، وعبد بن حميد في المنتخب ~~(ص 283، 417)، واللالكائي في أصول الاعتقاد (3/ 422، 423)، وابن أبي عاصم ~~في السنة (1/ 229، 230)، وعبد الله بن أحمد في السنة (1/ 268، 277). PageV01P063 # (1) انظر: المواقف للإيجي (3/ 32، 37). # (2) انظر: صفات الرب للواسطي (ص 20). PageV01P067 # (1) انظر: شرح العقيدة الطحاوية (ص 180)، ومقالات الإسلاميين للأشعري (ص ~~307)، والملل والنحل للمصنف (1/ 112)، ومنهاج السنة لابن تيمية (2/ 363، ~~436، 437)، ومرهم العلل المضلة لليافعي (ص 31). PageV01P068 # (1) انظر: الملل والنحل للمصنف (1/ 111). PageV01P069 # (1) انظر: الملل والنحل للمصنف (1/ 110). PageV01P072 # (1) انظر: غاية المرام للآمدي (ص 92). # (2) انظر: الفرق بين الفرق (ص ms332 87)، وأبو بهيس هيصم بن عامر، وتنسب له ~~البيهسية. PageV01P073 # (1) انظر: شرح قصيدة ابن قيم لإبراهيم بن عيسى (2/ 240، 243)، ومنهاج السنة ~~النبوية (1/ 410). PageV01P074 # (1) حديث صحيح: رواه البخاري (1/ 153) (2/ 207) (3/ 1077) (6/ 2657)، ومسلم ~~(1/ 51، 53) (4/ 1871)، وأبو داود (2/ 93) (3/ 44، 208)، والترمذي (5/ 3، ~~439)، والدارمي (2/ 287)، والنسائي (6/ 4، 7) (7/ 76، 78)، وأحمد في المسند ~~(1/ 11، 19، 35، 47) (2/ 314، 345)، والشافعي في مسنده (1/ 169، 208). # (2) أورده ابن القيم في شفاء العليل (ص 173، 261). PageV01P075 # (1) انظر: الملل والنحل للمصنف (1/ 166). PageV01P076 # (1) بياض بالأصل. PageV01P077 # (1) انظر: منهاج السنة لابن تيمية (2/ 243)، وشرح قصيدة ابن قيم (2/ 125، 127). PageV01P078 # (1) انظر: غاية المرام في علم الكلام للآمدي (ص 36)، والتعريف لمذهب أهل ~~التصوف للكلاباذي (ص 89، 111) وبيان تلبيس الجهمية لابن تيمية (1/ 533)، ~~والمواقف للإيجي (2/ 235، 245)، والغنية في أصول الدين لأبي سعيد ~~النيسابوري (ص 107)، والرد على القائلين بوحدة الوجود للقارئ (ص 85)، ونعمة ~~الذريعة في نصرة الشريعة (ص 73). PageV01P079 # (1) انظر: غاية المرام (ص 35، 50)، ومقالات الإسلاميين (ص 372)، والملل ~~والنحل للمصنف (2/ 202)، والمواقف للإيجي (1/ 410، 415). PageV01P080 # (1) انظر: المواقف للإيجي (2/ 226، 615، 626، 666)، والإشارات والتنبيهات ~~لابن سينا (ص 189). # (2) انظر: المواقف (3/ 60، 62)، وقال الإيجي الدست: فارسي معرب، بمعنى ~~اليد، يطلق على التمكن في المناصب والصدارة، وقال ابن منظور في اللسان (1/ ~~717)، والدست معرب فقيل الدست الصحراء، وهو بعيد. PageV01P085 # (1) انظر: المواقف (1/ 405)، الإشارات لابن سينا (ص 267، 274). PageV01P088 # (1) انظر: المواقف للإيجي (1/ 96، 266)، والتبصير في الدين (ص 84)، وشرح ~~العقيدة الطحاوية (ص 143)، وشرح قصيدة ابن قيم لابن عيسى (2/ 183)، والفرق ~~بين الفرق للبغدادي (ص 317)، والجواب الصحيح لابن تيمية (4/ 315)، والفصل ~~في الملل والنحل لابن حزم (1/ 35) (5/ 44، 46)، والملل والنحل للمصنف (2/ ~~77)، ومنهاج السنة لابن تيمية (8/ 18، 20)، والنبوات له (ص 84)، وكذلك بيان ~~تلبيس الجهمية (1/ 518) (2/ 322)، والإشارات والتنبيهات لابن سينا (ص 475، ~~483)، والتمهيد للباقلاني (ص 52). PageV01P089 # (1) انظر: المواقف للإيجي (1/ 502) (2/ 374). PageV01P094 # (1) انظر: الملل والنحل للمصنف (2/ 180)، والمواقف للإيجي (1/ 361، 380)، ~~ومنهاج السنة لابن تيمية (1/ 279، 288). PageV01P098 # (1) انظر: غاية المرام في علم الكلام للآمدي (ص 44)، والإبانة للأشعري (ص ~~152)، والتعرف للكلاباذي (ص 36)، والعقيدة الأصفهانية (1/ 100، 168)، وبيان ~~تلبيس الجهمية (2/ 235)، والغنية في أصول الدين لأبي سعيد النيسابوري (ص ~~95)، والتبصير في أصول الدين للأسفراييني (ص 164). PageV01P100 # (1) هو أبو الهذيل بن مكحول العلاف مولى عبد القيس، بصري أحد رؤساء ~~المعتزلة ومتقدميهم، الفصل لابن حزم (4/ 146). # (2) انظر: الفرق بين الفرق للبغدادي (ص 323)، ومقالات الإسلاميين للأشعري ~~(ص 174، 496)، والفصل في الملل والنحل لابن حزم (2/ 99)، والتمهيد ~~للباقلاني (239، 240). PageV01P105 # (1) غير واضح بالأصل. PageV01P106 # (1) انظر: الصواعق المرسلة لابن القيم (4/ 1327، 1370)، وشرح العقيدة ~~الطحاوية (ص 526)، والفرق ms333 بين الفرق (ص 96، 163، 182، 193، 304)، والملل ~~والنحل للمصنف (ص 86، 92، 93، 108)، وحجج القرآن للرازي (ص 7، 47). PageV01P109 # (1) انظر: المواقف للإيجي (3/ 88، 89)، وبيان تلبيس الجهمية لابن تيمية (1/ 38). PageV01P112 # (1) انظر: منهاج السنة النبوية لابن تيمية (2/ 283، 486). PageV01P115 # (1) انظر: الرد على القائلين بوحدة الوجود للقارئ (ص 112). PageV01P120 # (1) انظر: المقصد الأسنى للغزالي (ص 120)، والبرهان المؤيد للرفاعي (ص 180). PageV01P124 # (1) انظر: غاية المرام في علم الكلام للآمدي (ص 77)، والملل والنحل للمصنف ~~(2/ 121، 148)، ومعارج القدس للغزالي (ص 166)، والمواقف (2/ 53). PageV01P129 # (1) انظر: شرح قصيدة ابن قيم لإبراهيم بن عيسى (1/ 73)، ومنهاج السنة ~~النبوية لابن تيمية (1/ 297، 380). PageV01P136 # (1) انظر: شفاء العليل لابن قيم (ص 176)، والمواقف للإيجي (3/ 123)، وإيثار ~~الحق على الخلق (ص 255). PageV01P138 # (1) انظر: بيان تلبيس الجهمية لابن تيمية (2/ 506)، وكذلك الجواب الصحيح ~~(5/ 15، 52)، ومنهاج السنة النبوية (1/ 394). PageV01P141 # (1) انظر: حجج القرآن للرازي (ص 82). PageV01P143 # (1) انظر: شرح قصيدة ابن قيم لابن عيسى (1/ 295، 298)، وشفاء العليل لابن ~~قيم (153)، وغاية المرام للآمدي (ص 88، 104)، ومقالات الإسلاميين للأشعري ~~(ص 601، 603)، والملل والنحل للمصنف (1/ 80)، والتمهيد للباقلاني (ص 299). PageV01P153 # (1) انظر: العقيدة الأصفهانية (ص 96)، وتبيين كذب المفتري (ص 302)، وغاية ~~المرام للآمدي (ص 88، 89). PageV01P164 # (1) انظر: غاية المرام للآمدي (ص 114). PageV01P165 # (1) رواه إسحاق بن راهويه في مسنده (1/ 210)، والبيهقي في الكبرى (1/ 466)، ~~وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (1/ 40)، وعزاه للبزار وقال: فيه الضحاك بن ~~نبراس، قال البزار: # ليس به بأس، وضعفه الجمهور. PageV01P170 # (1) انظر: الغنية في أصول الدين النيسابوري (ص 106). PageV01P172 # (1) انظر: الملل والنحل للمصنف (1/ 107)، وتبيين كذب المفتري لأبي هلال ~~العسكري (ص 150)، وشرح قصيدة ابن قيم (ص 277)، والعقيدة الأصفهانية (ص 58)، ~~والتنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع للملطي (ص 42)، وخلق أفعال العباد ~~للبخاري (ص 44)، والمناظرة لأهل البدع في القرآن، والرد على ابن عقيل ~~الحنبلي، كلاهما لابن قدامة الحنبلي بتحقيقنا. PageV01P177 # (1) انظر: غاية المرام في علم الكلام للآمدي (ص 103، 108). PageV01P180 # (1) انظر: مقالات الإسلاميين للأشعري (ص 604، 625)، والملل والنحل للمصنف ~~(1/ 96)، ومنهاج السنة النبوية (3/ 225)، والعقيدة الأصبهانية (ص 96)، ~~والتمهيد للباقلاني (ص 283). PageV01P181 # (1) انظر: الصواعق المرسلة لابن قيم (1/ 344، 345)، وشرح قصيدة ابن قيم ~~لابن عيسى (ص 270)، وشرح العقيدة الطحاوية (ص 198)، وغاية المرام للآمدي (ص ~~97)، والفصل في الملل والنحل لابن حزم (3/ 122)، وأصول الدين للأسفراييني ~~(ص 102)، والغنية في أصول الدين لأبي سعيد النيسابوري (ص 102)، والتمهيد ~~للباقلاني (ص 284)، ولمع الأدلة للجويني (ص 104). PageV01P182 # (1) انظر: شرح قصيدة ابن قيم ms334 (ص 64)، وشرح العقيدة الطحاوية (ص 184)، وغاية ~~المرام للآمدي (ص 106)، والمواقف للإيجي (3/ 385، 405). PageV01P184 # (1) انظر: غاية المرام للآمدي (ص 101)، والصواعق المرسلة لابن قيم (2/ 645). PageV01P185 # (1) انظر: مقالات الإسلاميين للأشعري (ص 606)، والإبانة له (ص 77)، وأعلام ~~النبوة للماوردي (ص 195)، وتبيين كذب المفتري للعسكري (ص 29)، والحديث رواه ~~البخاري (2/ 923)، ومسلم (4/ 1721)، والحاكم في المستدرك (3/ 242) (4/ ~~122)، وقوام السنة في دلائل النبوة (ص 215). PageV01P186 # (1) انظر: مقالات الإسلاميين للأشعري (ص 168، 498)، وغاية المرام للآمدي (ص ~~121)، والملل والنحل للمصنف (1/ 78). PageV01P192 # (1) انظر: مقالات الإسلاميين (ص 384). PageV01P197 # (1) انظر: غاية المرام للآمدي (ص 93)، والملل والنحل للمصنف (2/ 19، 220)، ~~والمواقف للإيجي (2/ 583). PageV01P199 # (1) انظر: غاية المرام للآمدي (ص 159)، والإبانة للأشعري (ص 43)، والتمهيد ~~للباقلاني (ص 301)، وتبيين كذب المفترى للعسكري (ص 129)، وبيان تلبيس ~~الجهمية لابن تيمية (2/ 345، 348، 349، 353، 357)، والصواعق المرسلة لابن ~~قيم (4/ 1334). PageV01P200 # (1) صحيح: رواه الشافعي في مسنده (ص 233)، وابن أبي شيبة في المصنف (7/ ~~79)، والبزار في مسنده (7/ 315)، والبيهقي في الشعب (2/ 67)، وهناد في ~~الزهد (1/ 281)، والحاكم (2/ 5)، والطبراني في الكبير (8/ 166). PageV01P205 # (1) انظر: الملل والنحل للمصنف (1/ 100)، والغنية في أصول الدين للحاكم ~~للنيسابوري (ص 144). PageV01P206 # (1) انظر: شفاء العليل لابن القيم (ص 17)، والصواعق المرسلة له (2/ 495) ~~(4/ 1261، 1450)، وغاية المرام في علم الكلام للآمدي (ص 65، 233، 244، 330، ~~358)، والملل والنحل للمصنف (1/ 15، 32)، ومنهاج السنة النبوية لابن تيمية ~~(2/ 415) (3/ 28) (5/ 127)، والعقيدة الأصفهانية (ص 203)، وبيان تلبيس ~~الجهمية لابن تيمية (ص 214)، والمواقف للإيجي (2/ 131، 275، 286، 359، ~~426)، الغنية في أصول الدين للنيسابوري (ص 137)، ومرهم العلل المضلة ~~لليافعي (ص 47، 98، 99). PageV01P208 # (1) انظر: غاية المرام في علم الكلام للآمدي (ص 227، 318)، والملل والنحل ~~للمصنف (2/ 11، 37، 43، 199)، والمواقف للإيجي (2/ 515، 520). PageV01P212 # (1) انظر: غاية المرام (ص 213)، والملل والنحل للمصنف (2/ 181، 182)، ~~وإيثار الحق على الخلق لمحمد القاسمي (ص 231)، ط. دار الكتب العلمية- بيروت. PageV01P219 # (1) سنذكر مصادر التوثيق والتحقيق لكل مسألة على حدة. # (2) انظر: المواقف للإيجي (3/ 298). PageV01P222 # (1) انظر: الملل والنحل للمصنف (2/ 15). PageV01P223 # (1) انظر: مرهم العلل المضلة لليافعي (ص 164). # (2) انظر: تعليق أهل العلم على الحديث في: شفاء العليل لابن قيم (ص 21)، ~~والفرق بين الفرق للبغدادي (ص 134، 135، 304)، والملل والنحل للشهرستاني ~~(1/ 57)، والتعرف لمذهب التصوف للكلاباذي (ص 61)، والاعتقاد للبيهقي (ص ~~139، 140)، والحديث رواه الطبراني في الأوسط (3/ 107) (8/ 223)، وفي الصغير ~~(2/ 56)، والبيهقي في الاعتقاد (ص 139، 140)، واللالكائي في اعتقاد أهل ~~السنة (4/ 596). # (3) صحيح: رواه البخاري (1/ 465)، ومسلم (4/ 2047، 2048)، وأبو داود (4/ ~~229، 230)، ومالك في الموطأ (1/ 241)، وأحمد في المسند (2/ 275، 292، 315)، ~~وابن حبان (1/ 336، 337، 339، 340)، والترمذي (4/ 447)، والبيهقي في الكبرى ~~(6/ 203)، وابن أبي شيبة في ms335 المصنف (6/ 484)، وعبد الرزاق في المصنف (3/ 533). PageV01P230 # (1) انظر: غاية المرام في علم الكلام للآمدي (ص 315)، والجواب الصحيح لابن ~~تيمية (2/ 24، 30) (3/ 461) (5 - 6/ 428)، الفرق بين الفرق للبغدادي (ص ~~14)، والفصل في الملل والنحل لابن حزم (1/ 10، 56، 63)، والملل والنحل ~~للمصنف (2/ 60، 250، 251)، وفضائح الباطنية للغزالي (ص 40، 42)، والتعرف ~~للكلاباذي (ص 72)، ومنهاج السنة النبوية لابن تيمية (ص 11، 19، 37)، ~~والعقيدة الأصفهانية (ص 31، 138، 188، 194، 195)، وبيان تلبيس الجهمية لابن ~~تيمية (1/ 140، 162، 254) (2/ 135)، وأعلام النبوة للماوردي (ص 22، 25، 26، ~~29، 49 - 54، 93، 96)، والمواقف للإيجي (3/ 329، 331)، وأصول الدين (ص ~~119)، لمع الأدلة للجويني (ص 123)، والغنية في أصول الدين للنيسابوري (ص ~~55)، والتمهيد للباقلاني (ص 174)، وإيثار الحق على الخلق لمحمد القاسمي (ص ~~21، 36، 65، 70، 77، 83، 85، 229، 268، 396). PageV01P233 # (1) انظر: الصواعق المرسلة لابن قيم (1/ 327، 329)، وشرح العقيدة الطحاوية ~~(ص 165)، والجواب الصحيح لابن تيمية (1/ 420، 424) (2/ 43، 45، 49) (5/ ~~261، 412)، والفرق بين الفرق للبغدادي (ص 221)، والفصل في الملل والنحل (2/ ~~87) (4/ 67) (5/ 70، 73، 86)، واعتقادات فرق المسلمين والمشركين للرازي (ص ~~83) ط. دار الكتب العلمية، ومنهاج السنة النبوية لابن تيمية (2/ 345، 346) ~~(4/ 237) (6/ 433) (7/ 105، 466) (8/ 282)، والنبوات له (ص 16، 27، 112، ~~162)، والعقيدة الأصفهانية (ص 120)، وبيان تلبيس الجهمية لابن تيمية (1/ ~~120، 249)، والبرهان المؤيد للرفاعي (ص 22)، وأعلام النبوة للماوردي (ص 22، ~~87، 93، 96)، والمواقف للإيجي (3/ 350، 358، 376، 389، 566، 572)، والتبصير ~~في الدين للأسفراييني (ص 151)، والتمهيد للباقلاني (ص 156)، وإيثار الحق ~~لمحمد القاسمي (ص 72). PageV01P249 # (1) انظر: الصواعق المرسلة لابن قيم (3/ 985، 987) (4/ 1315، 1435)، ومنهاج ~~السنة النبوية لابن تيمية (1/ 212) (2/ 138)، وبيان تلبيس الجهمية له (1/ ~~281، 495، 518). PageV01P282 ms336