######OpenITI# #META# authinf: الشهرستاني (479 - 548 ه = 1086 - 1153 م) ¶ محمد بن عبد الكريم بن أحمد، أبو الفتح الشهرستاني: من فلاسفة الإسلام. ¶ كان إماما في علم الكلام وأديان الأمم ومذاهب الفلاسفة. ¶ يلقب بالأفضل. ¶ ولد في شهرستان (بين نيسابور وخوارزم) وانتقل إلى بغداد سنة 510 ه، فأقام ثلاث سنين، وعاد إلى بلده ، وتوفي بها. ¶ قال ياقوت في وصفه: (الفيلسوف المتكلم، صاحب التصانيف، كان وافر الفضل، كامل العقل، ولولا تخبطه في الاعتقاد ومبالغته في نصرة مذاهب الفلاسفة والذب عنهم لكان هو الإمام). ¶ من كتبه (الملل والنحل - ط) ثلاثة أجزاء، و (نهاية الإقدام في علم الكلام - خ) و (الإرشاد إلى عقائد العباد) و (تلخيص الأقسام لمذاهب الأنام) و (مصارعات الفلاسفة - خ) و (تاريخ الحكماء - خ) و (المبدأ والمعاد) و (تفسير سورة يوسف) بأسلوب فلسفي و (مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار - خ) في التفسير، منه نسخة كتبت سنة 667 ه، في خزانة مجلس الشورى الوطني بطهران . ¶ نقلا عن : الأعلام للزركلي #META# Lng: أبو الفتح محمد بن عبد الكريم بن أبى بكر أحمد الشهرستاني #META# auth: الشهرستاني #META# مصدر الكتاب: موقع الوراق #META# Shamela_short_metadata_record: #META# الكتاب: نهاية الإقدام في علم الكلام ¶ المؤلف: الشهرستاني ¶ مصدر الكتاب: موقع الوراق ¶ http://www.alwarraq.com ¶ [الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع] ¶ ملاحظة: [هذا الكتاب من كتب المستودع بموقع المكتبة الشاملة] #META# ndata: القاعدة A5D39F0Dله أعلم. #META# الكتاب: نهاية الإقدام في علم الكلام #META# bk: نهاية الإقدام في علم الكلام #META# bkord: 9732 #META# ملاحظة: [هذا الكتاب من كتب المستودع بموقع المكتبة الشاملة] #META# cat: العقيدة - مرقم آليا #META# archive: 17 #META# bkid: 35590 #META# المؤلف: الشهرستاني #META# digitization_comments: [الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع] #META# iso: نهايه الاقدام في علم الكلام #META# ad: 548 #META# comp: 1 #META# max: 180 #META# higrid: 548 #META# inf: [ نهاية الإقدام في علم الكلام - الشهرستاني ] ¶ #META# idx: 1 #META# authno: 139 #META# DownloadSource: Abū Yaʿqūb's Shamela database #META# DownloadDate: 2017? #META# ConversionDate: 2020-10-01 #META#Header#End# ### | AUTO القاعدة الأولى ### || AUTO في حدث العالم وبيان استحالة حوادث لا أول لها واستحالة وجود ~~أجسام لا تتناهى مكانا # مذهب أهل الحق من أهل الملل كلها أن العالم محدث ومخلوق أحدثه الباري ~~تعالى وأبدعه وكان الله تعالى ولم يكن معه شيء ووافقتهم على ذلك جماعة من ~~أساطين الحكمة وقدماء الفلاسفة مثل تاليس وانكساغورس وانكسمايس ومن تابعهم ~~م أهل ملطية ومثل فيثاغورس وأنبدقلس وسقراط وأفلاطن من أثينية ويونان ~~وجماعة من الشعراء والنساك ولهم تفصيل مذهب في كيفية الإبداع واختلاف رأي ~~في المبادي الأول شرحناها في كتابنا الموسوم بالملل والنحل ومذهب ~~أرسطاطاليس ومن شايعه مثل برقلس والاسكندر الافروديسي وثامسطيوس ومن نصر ~~مذهبه من المتأخرين مثل أبي نصر الفارابي وأبي علي الحسين بن عبد الله بن ~~سينا وغيرهما من فلاسفة الإسلام أن للعالم صانعا مبدعا وهو واجب بذاته ~~والعالم ممكن الوجود بذاته واجب الوجود بالواجب بذاته غير محدث حدوثا يسبقه ~~عدم بل معنى حدوثه وجوبه به وصدوره عنه واحتياجه إليه وهو جوهر مجرد قائم ~~بذاته مجرد عن المادة وبتوسط ذلك أوجب عقلا آخر ونفسا وجرما سماويا ~~وبتوسطهما وجدت العناصر والمركبات وليس يجوز أن يصدر عن الواحد إلا واحد ~~ومعنى الصدور عنه وجوبه به ولا يتصور موجب بغير موجب فالعالم سرمدي وحركات ~~الأفلاك سرمدية لا أول لها تنتهي إليه فلا تكون حركة إلا وحركة قبلها فهي ~~لا تتناهى مدة وعدة واتفقوا على استحالة وجود علل ومعلولات لا تتناهى ~~واتفقوا أيضا على استحالة وجود أجسام لا تنتهي بالفعل والضابط لمذهبهم فيما ~~يتناهى وما لا يتناهى إن كل عدد فرضت آحاده موجودة معا وله ترتيب وضعي أو ~~فرضت آحاده متعاقبة في الوجود وله ترتيب طبيعي فإن وجود ما لا نهاية له فيه ~~مستحيل. # مثال القسم الأول جسم أو بعد لا يتناهى ومثال القسم الثاني علل ومعلولات ~~لا تتناهى وما عدى ذلك كل جملة وعدد فرضت آحاده معا أو متعاقبة لا ترتيب ~~لها وضعا ولا طبعا فإن وجود ما لا نهاية له فيه غير مستحيل مثال القسم ms001 ~~الأول نفوس إنسانية لا تناهى وهي معا في الوجود بعد مفارقة الأبدان. PageV01P001 # ومثال القسم الثاني: حركات دورية وهي متعاقبة في الوجود ومدار المسئلة على ~~الفرق بين الإيجاد والإيجاب وبين التقدم والتأخر وإن ما حصره الوجود فهو ~~متناه من غير فرق بين الأقسام وما لا يتناهى قط لا يتصور إلا في الوهم ~~والتخيل دون الحسن والعقل ولا بد من بحث على محل النزاع حتى يتخلص فيكون ~~التوارد بالنفي والإثبات على محل واحد من وجه واحد فيصبح انقسام الصدق ~~والكذب والحق والباطل ولا يتبين محل النزاع إلا بالبحث عن أقسام التقدم ~~والتأخر فقال القوم التقدم والتأخر يطلق ويراد به التقدم بالزمان كتقدم ~~الوالد على الولد ويطلق ويراد به التقدم بالمكان والتأخر به كتقدم الإمام ~~على المأموم وقد يسمى هذا القسم متقدما بالرتبة وقد يطلق ويراد به الفضيلة ~~كتقدم العالم على الجاهل وقد يطلق ويراد به التقدم بالذات والتأخر بها ~~كتقدم العلة على المعلول وهؤلاء قصدوا في إطلاق لفظ الذات فإنهم أرادوا به ~~العلية والذات أعم من العلية فكان من حقهم أن يقولوا التقدم بالعلية ثم ~~العلية الغايية تتقدم على المعلول في الذهن والتصور لا في الوجود فهي ~~متأخرة في الوجود متقدمة في الذهن بخلاف العلة الفاعلية والعلل الصورية ~~فإنها لا تكون مقارنة في الوجود فافهم هذا فإنه ينفعك في نفس المسئلة حيث ~~يستشهدون بشعاع الشمس مع الشمس وحركة الكم مع حركة اليد فإنهما وإن تقارنا ~~في الزمان أنهما إذا أخذا على أن أحدهما سبب والثاني مسبب لم يتقارنا في ~~الوجود لأن وجود أحدهما مستفاد من وجود الآخر فوجود المفيد كيف يقارن وجود ~~المستفيد لكن إذا أخذا على أن وجودهما مستفاد من وجود واهب الصور فحينئذ ~~يتقارنان في الوجود وهناك لا يكون أحدهما سببا والثاني مسببا ومنهم من زاد ~~قسما خامسا وهو التقدم بالطبع كتقدم الواحد على الاثنين ولو طالبهم مطالب ~~لم حصرتم الأقسام في أربعة أو خمسة لم يجدوا على الحصر دليلا سوى الاستقراء ~~حتى لو قيل لهم ما الذي أنكرتم على ms002 من زاد قسما سادسا وهو التقدم والتأخر ~~في الوجود من غير التفات إلى الإيجاب بالذات ولا التفات إلى الزمان والمكان ~~والتقدم للواحد على الاثنين شديد الشبه بهذا القبيل فإن الواحد ليس بعلة ~~يلزم منه وجود الاثنين ضرورة بل يمكن أن يتصور شيآن أحدهما وجوده بذاته ~~والثاني وجوده مستفاد من غيره ثم بعد ذلك يقع البحث في انه يستفيد وجوده ~~منه اختيارا أو طبعا أو ذاتا هذا معقول بالضرورة ثم يجب أن يفرض تقدم وجود ~~المفيد على وجود المستفيد من حيث الوجود فقط من غير أن يخطر بالبال كون ~~المفيد علة لذاته أو موجدا له بصفة ثم يقع بعد ذلك التفات إلى أن الوجود ~~المستفيد وجود واجب به لأنه علته أو لا يحب به وذلك لأن الوجوب بالغير لازم ~~به فإنه يحسن أن يقال هذا قد وجد عنه فوجب به ولا يجوز أن يقال وجب به فوجد ~~عنه ولكل معنى من معاني التقدم والتأخر معية في مرتبته لا يجامع التقدم ~~والتأخر في تلك المرتبة ويجامع في مرتبة أخرى مثاله تقدم السبب على المسبب ~~ذاتا ووجودا أو مقارنته معا وزمانا أو مكانا ولكن لا يجوز أن تطلق معية ما ~~على الباري تعالى والعالم فإذا ثبت هذا قلنا إما التقدم والتأخر الزماني ~~فيجب نفيهما عن الباري تعالى وكما لا يجوز أن يتقدم على العالم زمانا لم ~~يجز أن يكون مع العالم زمانا فإنا كما نفينا التقدم الزماني نفينا المعية ~~الزمانية ومثار الشبهة ومجال الخيال هاهنا فإن فازت سفينة النظر عن هذه ~~الغمرة فاز أهل الحق بقصب السبق في المسئلة فإن ما لا يقبل الزمان ولم يكن ~~وجوده زمانيا لم يجز عليه التقدم والتأخر والمعية الزمانية كما أن ما لا ~~يقبل المكان ولم يكن وجوده وجودا مكانيا لم يجز عليه التقدم والتأخر ~~والمعية المكانية فقول الخصم إن العالم معه دايم الوجود إيهام بالزمان ~~فيقال يجوز أن يكون موجودان أحدهما متقدم بالذات والآخر متأخر بالذات ~~ويكونان معا في الزمان فإن التقدم بالذات لا ينافي المعية ms003 في الزمان كتقدم ~~السبب على المسبب وحركة اليد على حركة المفتاح في الكم لكن إذا كان وجودهما ~~زمانين فإما وجود لا يقبل الزمان أصلا كيف يطلق عليه معية بالزمان وذلك ~~كالتقدم بالمكان والمعية به فإن السبب والمسبب قد يكونان معا في المكان ~~ويسبق أحدهما الآخر بالذات لكن إذا كان وجودهما مكانين فإما وجود لا يقبل ~~المكان أصلا فكيف يطلق PageV01P002 ~~عليه معية المكان ونحن لا ننكر أن الوهم يرتمي إلى مدة مقدرة قبل العالم ~~كما يرتمي إلى فضاء مقدر فوق العالم وذلك وهم مجرد وخيال محض فلا فضاء ولا ~~بينونة كما يقدره الكرامي ولا زمان ولا مدة كما يقدره الوهمي ولو قدر ~~تقديرا عالم آخر فوق هذا العالم لم يؤد ذلك إلى تجويز ذلك إلى تجويز عوالم ~~هي أجسام لا تتناهى إذ قد تبين بالبرهان استحالة بعد لا يتناهى في الملا ~~والخلا وكذلك لو قدر تقديرا عالم آخر قبل هذا العالم لم يؤد ذلك إلى تجويز ~~عوالم هي متحركات لا تتناهى إذ تبين بالبرهان استحالة مدة وعدة لا تتناهى ~~فرجع الخلاف إذا إلى استحالة وجود جسم لا يتناهى بعدا وبيان استحالة وجود ~~أجسام لا تتناهى زمانا فإن الخصم يسلم التقدم والتأخر في المعية فإذا سلم ~~التقدم نقول لا يلزم من تقدير جسم لا يتناهى بعدا وإن كان مستحيلا أن يكون ~~مع الباري تعالى بالمكان كذلك لم يلزم من تقدير حركات لا تتناهى زمانا أن ~~تكون مع الباري تعالى بالزمان فإنه تعالى غير قابل للزمان والمكان وكان ~~الله ولم يكن معه شيء إذ لم تكن معية بالذات ولا بالوجود ولا بالرتبة ~~المكانية والزمانية ولم يلزم من إطلاق كونه موجدا أن يكون الموجد معه في ~~الوجود ولا لزم من إطلاق كونه موجبا أن يكون الموجب معه في الوجود فإن ~~الوجود المستفاد لا يكون مع الوجود المفيد وكان المعية من كل وجه وعلى كل ~~معنى من الأقسام منفيا عنه سواء أطلقناها في قسم واحد أو في قسمين مركبين ~~ونحن نبدأ بطرق المتكلمين ثم نعود ms004 إلى ما ذكرناه من الكلام على محل النزاع. ~~معية المكان ونحن لا ننكر أن الوهم يرتمي إلى مدة مقدرة قبل العالم كما ~~يرتمي إلى فضاء مقدر فوق العالم وذلك وهم مجرد وخيال محض فلا فضاء ولا ~~بينونة كما يقدره الكرامي ولا زمان ولا مدة كما يقدره الوهمي ولو قدر ~~تقديرا عالم آخر فوق هذا العالم لم يؤد ذلك إلى تجويز ذلك إلى تجويز عوالم ~~هي أجسام لا تتناهى إذ قد تبين بالبرهان استحالة بعد لا يتناهى في الملا ~~والخلا وكذلك لو قدر تقديرا عالم آخر قبل هذا العالم لم يؤد ذلك إلى تجويز ~~عوالم هي متحركات لا تتناهى إذ تبين بالبرهان استحالة مدة وعدة لا تتناهى ~~فرجع الخلاف إذا إلى استحالة وجود جسم لا يتناهى بعدا وبيان استحالة وجود ~~أجسام لا تتناهى زمانا فإن الخصم يسلم التقدم والتأخر في المعية فإذا سلم ~~التقدم نقول لا يلزم من تقدير جسم لا يتناهى بعدا وإن كان مستحيلا أن يكون ~~مع الباري تعالى بالمكان كذلك لم يلزم من تقدير حركات لا تتناهى زمانا أن ~~تكون مع الباري تعالى بالزمان فإنه تعالى غير قابل للزمان والمكان وكان ~~الله ولم يكن معه شيء إذ لم تكن معية بالذات ولا بالوجود ولا بالرتبة ~~المكانية والزمانية ولم يلزم من إطلاق كونه موجدا أن يكون الموجد معه في ~~الوجود ولا لزم من إطلاق كونه موجبا أن يكون الموجب معه في الوجود فإن ~~الوجود المستفاد لا يكون مع الوجود المفيد وكان المعية من كل وجه وعلى كل ~~معنى من الأقسام منفيا عنه سواء أطلقناها في قسم واحد أو في قسمين مركبين ~~ونحن نبدأ بطرق المتكلمين ثم نعود إلى ما ذكرناه من الكلام على محل النزاع. # فنقول للمتكلمين طريقان في المسئلة أحدهما إثبات حدث العالم والثاني ~~إبطال القول بالقدم. # أما الأول فقد سلك عامتهم طريق الإثبات بإثبات الإعراض أولا وإثبات حدثها ~~ثانيا وبيان استحالة خلو الجواهر عنها ثالثا وبيان استحالة حوادث لا أول ~~لها رابعا ويترتب على هذه الأصول أن ms005 ما لا يسبقه الحوادث فهو حادث وقد ~~أوردوا هذه الطريقة في كتبهم أحسن إيراد. PageV01P003 # وأما الثاني فقد سلك شيخنا أبو الحسن الأشعري رضي الله عنه طريق الإبطال ~~وقال لو قدرنا قدم الجواهر لم يخل من أحد أمرين إما أن تكون مجتمعة أو ~~مفترقة أو لا مجتمعة ولا مفترقة أو مجتمعة ومفترقة معا أو بعضها مجتمع ~~وبعضها مفترق وبالجملة ليست تخلو عن اجتماع وافتراق أو جواز طريان الاجتماع ~~والافتراق وتبدل أحدهما بالثاني وهي بذواتها لا تجتمع ولا تفترق لأن حكم ~~الذات لا يتبدل وهي قد تبدلت فإذا لا بد من جامع فارق فيترتب على هذه ~~الأصول أن ما لا يسبق الحادث فهو حادث وقد أخذ الأستاذ أبو إسحاق ~~الاسفرايني هذه الطريقة وكساها عبارة أخرى وربما سلك أبو الحسن رحمه الله ~~طريقا في إثبات حدوث الإنسان وتكونه من نطفة أمشاج وتقلبه في أطوار الخلقة ~~وأكوار الفطرة ولسنا نشك في أنه ما غير ذاته ولا بدل صفاته ولا الأبوان ولا ~~الطبيعة فيتعين احتياجه إلى صانع قديم قادر عليم قال وما ثبت من الأحكام ~~لشخص واحد أو لجسم واحد ثبت في الكل في الجسمية وهذه الطريقة تجمع الإثبات ~~والإبطال واعتمد إمام الحرمين رضي الله عنه طريقة أخرى فقال الأرض عند ~~خصومنا محفوفة بالماء والماء بالهواء والهواء بالنار والنار بالأفلاك وهي ~~أجرام متحيزة شاغلة جوا وحيزا وبالاضطرار نعلم أن فرض هذه الأجسام متيامنة ~~عن مقرها أو متياسرة أو أكبر مما وجدت شكلا وعظما أو أصغر من ذلك ليس من ~~المستحيلات وكل مختص بوجه من وجوه الجواز دون ساير الوجوه مع استواء ~~الجايزات وتماثل الممكنات احتاج إلى مخصص بضرورة العقل وستعلم فيما بعد أن ~~العالم ممكن الوجود باعتبار ذاته سواء قدر كونه متناهيا في ذاته مكانا أو ~~زمانا أو غير متناه فإن الخصم يقضي عليه بالإمكان على انه في ذاته غير ~~متناهي الزمان وهو متناهي المكان فالأولى أن يجعل للتناهي المكاني مسئلة ~~ويجعل للتناهي الزماني من حيث الحركات والمتحركات مسئلة أخرى ونأخذ احتياجه ~~إلى المخصص كالمسلم ms006 أو كالضروري أو كالقريب من الضروري. # فإن قيل فما الدليل على تطرق وجود الجايزات إلى العالم بأسره قلنا العقل ~~الصريح يقضي بالإمكان في كل واحد من أجزاء العالم والمجموع إذا كان مركبا ~~من الأجزاء كان الإمكان واجبا له ضرورة. # فإن قيل فما الدليل على أن الأجسام متناهية من حيث الذات PageV01P004 ~~قلنا لو قدرنا جسما لا يتناهى أو بعدا لا يتناهى فإما أن يكون ذلك الجسم ~~غير متناه من جميع الجهات أو من جهة واحدة وعلى أي وجد قدر فيمكن أن يفرض ~~فيه نقطة متناهية يتصل بها خط لا يتناهى ويمكن أن تفرض نقطة أخرى على خط هو ~~أنقص من الأول بذراع ونصل بين النقطتين بحيث يطبق الخط الأصغر على الخط ~~الأطول فإن كان كل واحد من الخطين تمادى إلى غير نهاية فيكون الخط الأصغر ~~مساويا للخط الأطول وهو محال وإن قصر الأقصر عن الأطول بمتناه فقد تناهى ~~الأقصر وتناهى الأطول إذ قصر عنه الأقصر بمتناه وزاد الأطول عليه بمتناه ~~وما زاد على الشيء بمتناه كان متناهيا وعلى كل حال فإن كان أحدهما أكبر من ~~الثاني كان فيما لا يتناهى ما هو أصغر وأكبر وأكثر وأقل وذلك محال فعلم أن ~~جسما لا يتناهى محال وجوده وإن بعدا لا يتناهى في خلا أو ملا محال ويمكن أن ~~ينقل هذا البرهان بعينه إلى أعداد وأشخاص لا تتناهى حتى يتبين أن فرض ذلك ~~محال فإذا قضينا على الجسم بالتناهي وجاز أن يكون أكبر منه وأصغر وإذا تخصص ~~أحد الجايزين احتاج إلى المخصص وكما يمكن فرض الجواز في الصغر والكبر يمكن ~~فرضه في التيامن والتياسر فإن الجواز العقلي لا يقف في الجايزات ثم المخصص ~~لا يخلو إما أن يكون موجبا بالذات مقتضيا بالطبع وإما أن يكون موجدا ~~بالقدرة والاختيار والأول باطل فإن الموجب بالذات لا يخصص مثلا عن مثل إذ ~~الإحياز والجهات والأقدار والأشكال وساير الصفات بالنسبة إليه واحدة وهي في ~~ذواتها متماثلة إذ لا طريق لنا إلى إثبات الصانع إلا بهذه الأفعال وقد ظهر ms007 ~~فيها آثار الاختيار لتخصيصها ببعض الجايزات دون البعض فعلمنا قطعا ويقينا ~~أن الصانع ليس ذاتا موجبا بل موجدا عالما قادرا وهذه الطريقة في غاية الحسن ~~والكمال إلا أنها محتاجة إلى تصحيح مقدمات ليحصل بها العلم بحدث العالم ~~واحتياجه إلى الصانع منها إثبات نهاية الأجرام في ذواتها ومقاديرها ومنها ~~إثبات خلا وراء العالم حتى يمكن فرض التيامن والتياسر فيه ومنها نفي حوادث ~~لا أول لها فإن الخصم ربما يقول بموجب الدليل كله ويسلم أن العالم ممكن ~~الوجود في ذاته وأنه محتاج إلى مخصص مرجح لجانب الوجود على العدم ومع ذلك ~~يقول هو دايم الوجود به ومنها حصر المحدثات في الإجرام والقايم بالإجرام ~~وقد أثبت الخصم موجودات خارجة عن القسمين هي دائمة الوجود بالغير دواما ~~ذاتيا لا زمانيا ووجودا جوهريا لا مكانيا بحيث لا يمكن فرض التيامن ~~والتياسر والصغر والكبر فيها ولا تتطرق الأشكال والمقادير إليها ومنها ~~إثبات أن الموجب بالذات كالمقتضى بالطبع فإن الخصم لا يسلم ذلك ويفرق بين ~~القسمين والأولى أن تفرض المسئلة على قضية عقلية يوصل إلى العلم بها بتقسيم ~~داير بين النفي والإثبات. # فنقول القسمة العقلية حصرت المعلومات في ثلثة أقسام واجب ومستحيل وجايز ~~فالواجب هو ضروري الوجود بحيث لو قدر عدمه لزم منه محال والمستحيل هو ضروري ~~العدم بحيث لو قدر وجوده لزم منه محال والجايز ما لا ضروري في وجوده ولا ~~عدمه والعالم بما فيه من الجواهر العقلية والأجسام الحسية والأعراض القايمة ~~بها قدرناه متناهيا وغير متناه وكذلك لو قدرنا انه شخص واحد أو أشخاص ~~وأنواع كثيرة إما أن يكون ضروري الوجود أو ضروري العدم وذلك محال لأن ~~أجزاءه متغيرة الأحوال عيانا وضروري الوجود على كل حال لا يتغير بحال. PageV01P005 # فوجه تركيب البرهان منه أن نقول كل متغير أو متكثر فهو ممكن الوجود باعتبار ~~ذاته وكل ممكن الوجود باعتبار ذاته فوجوده بإيجاد غيره فكل متغير أو متكثر ~~فوجوده بإيجاد غيره وأيضا فإن الكل متركب من الآحاد والآحاد إذا كان كل ~~واحد منها ممكن الوجود فالكل واجب ms008 أن يكون ممكن الوجود وكل ممكن فهو ~~باعتبار ذاته جايز أن يوجد وجايز أن لا يوجد وإذا ترجح جانب الوجود على ~~العدم احتاج إلى مرجح والمرجح يستحيل أن يكون مرجحا باعتبار ذاته ومن حيث ~~وجوده فقط لأمور أحدها أن الوجود من حيث هو وجود أمر يعم الواجب والجايز ~~وهو فيهما بمعنى واحد لا يختلف فلو أوجد من حيث أنه وجود أو من حيث أنه ذات ~~لما كان أحد الموجودين أولى بالإيجاد من الثاني فيتعين أنه يوجد لكونه ~~وجودا على صفة أو ذاتا على صفة ويدل على ذلك الأمر الثاني وهو أن وجوه ~~الجواز قد تطرقت إلى الأفعال وتلك الوجوه متماثلة والموجب لا يخصص مثلا عن ~~مثل فإن نسبة أحد المثلين إليه كنسبته إلى المثل الثاني فإذا خصص أحد ~~المثلين دون الثاني علم أن الإيجاب الذاتي باطل فإن منعوا تلك الوجوه فلا ~~شك أن الجايز بنفسه يتساوى طرفاه ونسبة الذات من حيث هو ذات إلى أحد طرفيه ~~كنسبته إلى الطرف الثاني فإذا تخصص بالوجود دون العدم فلا بد من مخصص وراء ~~كونه ذاتا وبطل الإيجاب بالذات والثالث أن الموجب بالذات ما لم يناسب ~~الموجب بوجه من وجوه المناسبة لم يحصل الموجب وذلك أنا إذا تصورنا ذاتين أو ~~أمرين معلومين لا اتصال لأحدهما بالآخر ولا مناسبة بينهما ولا تعلق ولا ~~أشعار بل اختص كل واحد منهما بحقيقته وخاصته لم يقض العقل بصدور أحدهما عن ~~الثاني وواجب الوجود لذاته ذات قد تعالى وتقدس عن جميع وجوه المناسبات ~~والتعلق والاتصال بل هو منفرد بحقيقته التي هي له وهي وجوب وجوده ولا صفة ~~له ثانية تزيد على ذاته الواجبة فلا يلزم أن يوجد عنه شيء بحكم الذات ~~فإيجاب الذات غير معقول أصلا بعد رفع النسب والعلائق وعن هذا قلتم أن ~~الموجب لما كان واحدا استحال أن يصدر عنه شيئان معا ولما كان عقلا أي مجردا ~~عن المادة أوجب عقلا بالفعل مجردا عن المادة ولما اقتضى الإيجاب مناسبة ~~والمناسبة تقتضي المماثلة حتى ينوب أحد المثلين مناب ms009 الثاني ثبت لواجب ~~الوجود مثل ثبوت مناب واجب الوجود في الإيجاب فعرف أن الإيجاب الذاتي باطل ~~فتعين الإيجاد الاختياري وذلك ما أردنا أن نورد. # فإن قيل إما كون العالم جايز الوجود واحتياجه إلى واجب الوجود فمسلم لكن ~~لم قلتم إن كونه موجودا بغيره يستدعي حدوثه عن عدم فإن وجود الشيء بالشيء ~~لا ينافي كونه دايم الوجود به وإنما يتبين هذا بأن نبحث في الموضع المتفق ~~انه إذا أحدثه عن عدم هل كان سبق العدم شرطا في تحقق الأحداث. # قلنا لا يجوز أن يكون شرطا فإن المحدث ما استند إلى المحدث إلا من حيث ~~وجوده فقط والعدم لا تأثير له في صحة الإيجاد فيجوز أن يكون دايم الوجود بغيره. PageV01P006 # والجواب قلنا الواجب أن نزيل عن الكلام ما يوقعه الوهم حتى يتجرد المعقول ~~الصرف عن العقل فقول القائل وجد عن عدم أو بعد العدم أو سبقه العدم إن كان ~~يعني به أن العدم شيء يتحقق له سبق وتقدم وتأخر واستمرار وانقطاع أو شيء ~~يوجد عنه شيء فذلك كله من إيهام الخيال حيث لم يمكنه تصور الأولية في الشيء ~~الحادث إلا مستندا إلى شيء موهوم كالزمان والمدة كما لم يمكنه تصور النهاية ~~في العالم إلا مستندا إلى شيء موهوم كالخلا والفضا وكما لم يمكن فرض خلاء ~~بين وجود الباري تعالى وبين العالم لا يمكن أيضا فرض زمان وتقدير زمان بين ~~وجود الباري تعالى وبين العالم فإن ذلك من عمل الوهم فقط ولا يلزم منه ~~المعية بالزمان كما لا يلزم المعية من المكان فافهم ذلك فيجب أن تزيل هذا ~~الإيهام عن فكرك فيتصور أن وجود شيء لا من شيء هو المعني بحدوث الشيء عن ~~العدم فإن قولنا له أول المعنى بحدوثه وإن قولنا لم يكن فكان هو المعنى ~~بسبق العدم إذ لا بد من عبارة وتوسع في الكلام ليطلق لفظ السبق والتأخر ~~والاستمرار والانقطاع وإذا ثبتت هذه القاعدة فنقول إذا كان العالم ممكن ~~الوجود باعتبار ذاته والممكن معناه أنه جايز الوجود وجايز العدم فيستوي ms010 ~~طرفاه أعني الوجود والعدم باعتبار ذاته فإذا وجد فإنما يوجد باعتبار موجده ~~ولولا موجده لما استحق إلا العدم فهو إذا مستحق الوجود والعدم بالاعتبارين ~~المذكورين فكان واجب الوجود سابقا عليه بالذات والوجود إذ لولاه لما وجد ~~ولا يجوز أن يكون وجوده مع واجب الوجود بالذات والوجود جميعا لأن قبل ومع ~~بالذات والوجود لا يجتمعان في شيء واحد فهو إذا متأخر الوجود ولا يجوز أن ~~يكون مع واجب الوجود بالزمان لأنه يوجب أن يكون واجب الوجود زمانيا لأن ~~قولنا مع من جملة المتضايفات كالأخوة والأبوة فأحد الشيئين إذا كان مع ~~الثاني بالزمان كان الثاني معه أيضا بالزمان وبكل اعتبار أثبت المعية في ~~أحد الشيئين وجب عليك أن تثبتها في الشيء الثاني ولا يجوز أن يكون وجوده مع ~~واجب الوجود بالرتبة والفضيلة لأن رتبة الواجب بذاته لا يكون كرتبة الواجب ~~بغيره وظهر أن جايز الوجود وواجب الوجود لا يكونان معا بوجه من الوجوه ~~واعتبار من الاعتبارات وصح القول كان الله ولم يكن معه شيء فما معنى قولكم ~~الجايز دايم الموجود بالواجب أو مع الواجب أو قدرتم دوام وجود الباري تعالى ~~زمانيا ممتدا مع الأزمنة الغير المتناهية كما توهمتم وجود العالم زمانيا ~~ممتدا في أزمنة لا تتناهى وبئس الوهم وهمكم في الدوامين فكأنكم أخذتم لفظ ~~الدوام بالاشتراك المحض أما دوام وجود الباري تعالى فمعناه انه واجب لذاته ~~وبذاته ولا يتطرق إليه جواز ولا عدم بوجه من الوجوه فهو الأول بلا أول كان ~~قبله والآخر بلا آخر كان بعده وأوله آخره وآخره أوله أي ليس وجوده زمانيا ~~وأما العالم فله أول ودوامه دوام زماني يتطرق إليه الجواز والعدم والقلة ~~والكثرة والاستمرار والانقطاع فلو كان دايم الوجود بدوام الباري كان الباري ~~دايم الوجود بدوام العالم فلو كان الدوامان بمعنى واحد فيلزم أن يكون وجود ~~الباري تعالى زمانيا أو وجود العالم ذاتيا وكلا الوجهين باطل فبطل قولكم إن ~~العالم دايم الوجود بالواجب وإنما يتضح هذا البطلان كل الوضوح إذا أثبتنا ~~استحالة حوادث لا أول لها ووجود ms011 موجودات لا تتناهى وأما قولكم إن العالم في ~~المحل المتفق عليه إنما يستند إلى الموجد من حيث وجوده فقط والعدم لا تأثير ~~له في صحة الإيجاد قلنا ولو استند إلى الموجد من حيث وجوده فقط لاستند كل ~~موجود وتسلسل القول إلى ما لا يتناهى ولم يستند إلى واجب وجوده بل إنما ~~استند إليه من حيث جوازه فقط والجواز قضية أخرى وراء الوجود والعدم ثم جواز ~~الوجود سابق على الوجود بالذات فنقول إنما وجد به لأنه كان جايز الوجود ولا ~~نقول إنما كان جايز الوجود لأنه وجد فجواز وجوده ذاتي له والوجود عرضي ~~والذاتي سابق على العرضي سبقا ذاتيا ثم بينا أن الجايز مستحق العدم باعتبار ~~ذاته لولا موجده فكان مسبوقا بوجوده ومسبوقا بعدم ذاته لولا موجده لأن ~~استحقاق وجوده عرضي مأخوذ من الغير واستحقاق عدمه ذاتي مأخوذ من ذاته فهو ~~إذا مسبوق بوجود واجب ومسبوق بعدم جايز فتحقق له أول والجمع بين ما له أول ~~وبين ما لا أول له محال. PageV01P007 # فإن قيل فما الفرق بين وجوب العالم بإيجاب الباري تعالى وبين وجوده بإيجاد ~~الباري تعالى فإن العالم إذا كان ممكنا في ذاته ووجد بغيره فقد وجب به وهذا ~~حكم كل علة ومعلول وسبب ومسبب فإن المسبب أبدا يجب بالسبب فيكون جايزا ~~باعتبار ذاته واجبا باعتبار سببه ثم السبب يتقدم المسبب بالذات وإن كانا ~~معا في الوجود كما تقول تحركت يدي فتحرك المفتاح في كمي ولا يمكنك أن تقول ~~تحرك المفتاح في كمي فتحركت يدي وإن كانت الحركتان معا في الوجود. # والجواب قلنا وجود الشيء بإيجاد موجده صواب من حيث اللفظ والمعنى بخلاف ~~وجوب الشيء بإيجاب الموجب وذلك أن الممكن معناه انه جايز وجوده وجايز عدمه ~~لا جايز وجوبه وجايز امتناعه وإنما استفاد من المرجح وجوده لا وجوبه نعم ~~لما وجد عرض له الوجوب عند ملاحظة السبب لأن السبب إفادة الوجوب حتى يقال ~~وجب بإيجابه ثم عرض له الوجوب بل أفاده الوجود وفصح أن يقال وجد بإيجاده ~~وعرض له الوجود ms012 فانتسب إليه وجوده إذ كان ممكن الوجود لا ممكن الوجوب وهذه ~~دقيقة لطيفة لا بد من مراعاتها والذي نثبته أن الواجب والممتنع طرفان ~~والممكن واسطة إذ ليس بواجب ولا ممتنع فهو جايز الوجود وجايز العدم والوجود ~~والعدم متقابلان لا واسطة بينهما والذي يستند إلى الموجد من وجهين الوجود ~~والعدم في الممكن وجوده فقط حتى يصح أن يقال أوجده أي أعطاه الوجود ثم لزمه ~~الوجوب لزوم العرضيات فالأمر اللازم العرضي لا يستند إلى الموجد فأنتم إذا ~~قلتم وجب وجوده بإيجابه فقد أخذتم العرضي ونحن إذا قلنا وجد بإيجاده فقد ~~أخذنا عين المستفاد الذاتي فاستقام كلامنا لفظا ومعنى وانحرف كلامكم عن سنن ~~الجادة ولربما نقول أن الممكن إذا وجد في وقت معين أو على شكل مخصوص يجب ~~وجوده على ذلك الوجه لأن الموجد إذا علم حصوله في ذلك الوقت على ذلك الشكل ~~وأراد ذلك فهو واجب الوقوع لأن خلاف المعلوم مستحيل الوقوع والحصول وإذا ~~كان ممكن الجنس جايز الذات لكن لم يكن وجوب ذلك إلا بإيجاب العلم والإرادة ~~فإذا تحقق أن الوجود هو المستفاد في الحوادث لا الوجوب بطل الإيجاب الذاتي ~~الذي يتحجوا به حين بنوا عليه مقارنة وجود العالم بوجود الباري تعالى ولم ~~يبق لهم إلا التمثيل بمثال وذلك من سخف المقال لأن الخصم ربما لا يسلم أن ~~حركة اليد سبب حركة الكم والمفتاح ولا يقول بالتولد يبقى مجرد فاء التعقيب ~~والتسبيب لفظا في قوله تحركت يدي فتحرك المفتاح وهذا كما أن المادة عند ~~الخصم سبب ما لوجود الصورة حتى يصح أن يقال لولا المادة لما وجدت الصورة ~~وهما معا في الوجود وليس وجود الصورة بإيجاد المادة بل بإيجاد واهب الصور ~~ثم إن سلم ذلك فيجوز أن يسبق السبب المسبب ذاتا ويقارنه زمانا فيكون زمان ~~وجودهما واحدا وأحدهما سبب والثاني مسبب كما يقال في الاستطاعة مع الفعل ~~لكن الممتنع وجود ما له أول مع وجود ما لا أول له وقد بينا أن هذه المعية ~~ممتنعة على الوجود كلها أعني بالذات والوجود ms013 والزمان والرتبة والفضيلة فإن ~~التقدم والتأخر والمع يطلق على الشيئين إذا كانا متناسبين نوعا من المناسبة ~~ولا نسبة بين الباري تعالى وبين العالم إلا بوجه الفعل والفاعلية والفاعل ~~على كل حال متقدم والمفعول متأخر يبقى أن يقال هل كان يجوز أن يخلق العالم ~~قبل ما خلقه بحيث يكون نسبة بدوه إلى وقتنا أكثر زمانا فيجاب عنه أن إثبات ~~الأولية والتناهي للعالم واجب تصوره عقلا إذ البرهان قد دل عليه وما وراء ~~ذلك تقدير وهمي يسمى تجويزا عقليا والتقديرات والتجويزات لا تقف ولا تتناهى ~~وهو كما إذا سئلتم هل كان يجوز أن يحدث العالم أكبر مما خلقه بحيث يكون ~~نسبة نهايته إلى مكاننا أكبر مسافة فيجاب عنه إن إثبات الحد والتناهي ~~للعالم واجب تصوره عقلا إذ البرهان قد دل عليه وما وراء ذلك فتقدير ذهني ~~يسمى تجويزا عقليا والتقديرات والتجويزات لا تتناهى فتقدير مكان وراء ~~العالم مكانا كتقدير زمان وراء العالم زمانا وبالجملة حدث العالم حيث يتصور ~~الحدوث والحادث ما له أول والقديم ما لا أول له والجمع بين ما له أول وبين ~~ما لا أول له محال هذا ما نعقله من الحدوث ضرورة وهو كتناهي العالم من ~~الحجمية والجسمية حذو القدة بالقدة. PageV01P008 # فإن قيل قد دل البرهان العقلي على أن جسما ما لا تتناهى ذاته بالفعل مستحيل ~~وجوده فبينوا أن حركات متعاقبة وحوادث متتالية لا تتناهى مستحيل وجودها فإن ~~عندنا التناهي واللاتناهي إنما يتطرق إلى أربعة أقسام اثنان منها لا يجوز ~~أن يوجدا غير متناهيين الذات وهو ما له ترتيب وضعي كالجسم أو طبيعي كالعلل ~~فجسم لا تتناهى ذاته مستحيل وجوده وعلل ومعلولات لا تتناهى بالعدد مستحيل ~~وجودها أيضا ولكل واحد من القسمين ترتيب في الوجود أما الجسم فله ترتيب ~~وضعي ولأجزائه اتصال ولكل جزء منه إلى جزء نسبة فلا يجوز وجود جسم غير ~~متناه في زمان واحد وأما العلل فلها ترتيب طبيعي فإن المعلول يتعلق بعلته ~~ولكل معلول إلى علته نسبة فلا يجوز وجود جسم وعلل ومعلولات لا تتناهى ms014 وأما ~~القسمان اللذان يوجدان غير متناهيي الذات فإن أحدهما الحوادث والحركات التي ~~لا تترتب بعضها على بعض لضرورة ذاتها بل تتعاقب وتتوالى شيء بعد شيء في ~~أزمنة غير متناهية فإن ذلك جايز عقلا والثاني النفوس الإنسانية فإنها ~~موجودات لم تتعاقب بل هي مجتمعة في الوجود ولكن لا ترتيب لها وضعا كالجسم ~~ولا طبعا كالعلل فيجوز أن توجد غير متناهية. # والجواب قلنا كلما حصره الوجود وكان قابلا للنهاية فهو متناه ضرورة وما ~~لا يتناهى لا يتصور وجوده سواء كان له ترتيب وضعي أو طبيعي أو لم يكن. # والبرهان على ذلك بحيث يعم الأقسام الأربعة أن كل كثرة لا تتناهى فلا ~~تخلو إما أن تكون غير متناهية من وجه أو غير متناهية من جميع الوجوه ~~والجهات وعلى القسمين جميعا فإنا يمكننا أن نفصل منهما جزءا بالوهم أو ~~بالعقل فنأخذ تلك الكثرة مع ذلك الجزء شيئا على حدة ونأخذها بانفرادها شيئا ~~على حدة فلا يخلو إما أن تكون تلك الكثرة مع تلك الزيادة مساوية للكثرة من ~~غير الزيادة عددا أو مساحة فيلزم أن يكون الزائد مثل الناقص ومساويا له ~~وهذا محال وإما أن لا يكون مساويا له فيلزم أن يكون كثرتان غير متناهيتين ~~وإحداهما أكبر والثانية أنقص وهو أيضا محال وهذا البرهان إن فرضته في جسم ~~غير متناه من جميع الجهات أو من جهة واحدة فالعبارة عنه أن نقول لك أن تفرض ~~نقطة من ذلك الجسم ويفصل منه مقدارا فتأخذ ذلك الجسم مع ذلك المقدار شيئا ~~على حدة وبانفراده شيئا على حدة ثم نطبق بين النقطتين المتناهيتين في الوهم ~~فلا يخلو إما أن يكونا بحيث يمتدان معا مطابقين في الامتداد إلى ما لا ~~يتناهى فيكون الزائد والناقص متساويين وإما أن لا يمتدا بل يقصر أحدهما عنه ~~فيكون متناهيا والقدر المفضول كان متناهيا أيضا فيكون المجموع متناهيا أيضا ~~وقد فرضه غير متناه هذا خلف وكذلك إن فرضته في حركات غير متناهية أو أشخاص ~~غير متناهية متعاقبة أو مجتمعة أو تفرض نفوسا غير متناهية معا ms015 أو مجتمعة في ~~الوجود فالعبارة عنه أن نقول لك أن تفرض حركة واحدة أو شخصا واحدا وتفصل من ~~الحركات أو الأشخاص مقدارا بالتوهم وتنسب الحركات الزائدة إلى الحركات ~~الناقصة وتم البرهان من غير تفاوت بين الصورتين. # قال أبو علي بن سينا ها هنا فرق وهو أن الجسم له ترتيب وضعي أمكنك أن ~~تعين فيه نقطة ثم ترتب عليها جواز الانطباق والامتداد إلى ما لا يتناهى ~~وليس للحركات المتتالية ترتيب وضعي فإنها ليست معا في زمان واحد فلا يمكنك ~~أن تعين فيها حركة واحدة وترتب عليها جواز الانطباق لأن ما لا يترتب في ~~الوضع أو الطبع فلا يحتمل الانطباق. PageV01P009 # قيل له جوابك عن هذا الفرق من وجهين أحدهما أنك فرضت النقطة في الجسم ~~والامتداد إلى ما لا يتناهى بالوهم وقدرت التطبيق أيضا بالوهم فقدر وهما أن ~~الحركات الماضية كأنها موجودة متعاقبة والأزمنة أيضا كأنها موجودة وهما ~~متعاقبة على مثال خط موهوم لا يتناهى تركب من نقط متتالية والحدود في ~~الحركات والأوقات في الأزمنة كالنقط في الخطوط والتعاقب كالتتالي والعلة ~~التي لأجلها امتنع اللاتتناهي ووجب أن تتناهى فهو أنه مود إلى أنه يكون ~~الأقل مثل الأكثر والناقص مثل الزايد وهذا موجود في الموضعين جميعا ولذلك ~~قال المتكلم أنا إذا فرضنا الكلام في اليوم الذي نحن فيه وقلنا ما مضى من ~~الأيام غير متناه عندكم وما بقي أيضا غير متناه والباقي والماضي متساويان ~~متماثلان في عدم التناهي فلو فصلنا من الماضي سنة وأضفناها إلى الباقي صار ~~الماضي ناقصا والباقي زايدا وهما متماثلان في نفي التناهي أدى ذلك إلى أن ~~يكون الزايد مثل الناقص. # الوجه الثاني أنه لو لم يتحقق في الحركات والأشخاص ترتيب وضعي فقد تحقق ~~فيها ترتيب طبيعي كالعلل والمعلولات فإنها لا بد أن تكون متناهية بالاتفاق ~~وذلك أن كل معلول فهو ممكن الوجود بذاته وإنما يجب وجوده بعلته فيتوقف ~~وجوده على وجود علته والكلام في علته كذلك حتى يتناهى إلى علة أولى ليست ~~ممكنة لذاتها كذلك نسبة كل والد إلى مولود ms016 نسبة العلة إلى معلولها فيتوقف ~~وجود الولد على وجود الوالد وكذلك القول في الوالد فهلا قلت ينتهي إلى والد ~~أول ومع ذلك فالأشخاص عندكم لا تتناهى ثم يعدد لكل شخص إنساني قد وجد نفس ~~ناطقة وهي باقية مجتمعة في الوجود فالأشخاص إذا كانت لا تتناهى وجاز وجودها ~~لأنها متعاقبة لا مجتمعة معا في الوجود فما قولك في النفوس فإنها مجتمعة ~~وهي لا تتناهى فإن قال ليس لها ترتيب طبيعي ولا وضعي قيل إذا ترتبت الأشخاص ~~والدا ومولودا ترتبت النفوس أيضا ذلك الترتيب لأن من العوارض واللوازم ~~المعينة للنفوس كونها بحيث إن صدرت عن أشخاصها أشخاص فهذه النسبة باقية ~~ببقائها ولذلك النوع ترتيب. # برهان آخر في أن ما لا يتناهى من الحوادث والحركات لا يتحقق في الوجود: ~~وذلك أنا نفرض الكلام في الدورة التي نحن فيها ولا شك أن ما مضى قد انتهى ~~بها وما انتهى بشيء فقد تناهى ومعنى قولنا أن ما مضى قد انتهى أنا إذا ~~أردنا قصر النظر على ما نحن فيه وقطعناه عما سيأتي اقتضى ذلك تناهي الحركات ~~الماضية إذ يتناهى الحركات الماضية لم يكن مشروطا فيها لحوق الحركات الآتية ~~فما من حركة توجد وتعدم إلا وقد انقضت حركات قبلها بلا نهاية فيوجد أبدا ~~طرف منها متناهيا ويكون ذلك الطرف آخر الماضي وأولا لما بقي فكل حركة أو كل ~~دورة فقد تحقق لها أول وآخر وإذا تناهى من طرف فقد تناهى من الطرف الثاني ~~فالحركات كلها إذا في ذواتها متناهية أولا وآخرا وهي معدودة بالزمان ~~والزمان هو العاد للحركات فالمعدود إذا يتناهى أولا وآخرا كذلك يلزم أن ~~يتناهى العاد أولا وآخرا يبقى أن يقال أهي متناهية عددا أم لا قلنا وكل عدد ~~موجود فهو قابل للزيادة والنقصان والأكثر والأقل فهو متناه وكل عدد موجود ~~فهو متناه وهذا الحكم يجري في كل عدد موجود معا كالنفوس الإنسانية أو ~~متعاقبة كالأشخاص الإنسانية وعندهم النفوس غير متناهية عددا وهي قابلة ~~للزيادة والنقصان فإذا طبقت الأشخاص على النفوس تساوت لا محالة ms017 وإن نقصت من ~~الأشخاص عددا وطبقت الباقي على عدد النفوس فإن كان كل واحد منهما لا يتناهى ~~كان الزائد مثل الناقص وإن كان يتناهى فقد حصل المقصود وتطبيق الخط على ~~الخط كتطبيق العدد على العدد وتطبيق النفس على الشخص والحركات والمتحركات ~~إذا تناهت ذاتا وزمانا ومكانا وعددا وهذا قاطع لا جواب عنه ولا سؤال عليه. # ومن جملة الإلزامات على الدهرية أن حركات زحل وهو في الفلك السابع مثل ~~حركات القمر وهو في الفلك الأول من حيث أن كل واحد من النوعين غير متناه ~~ومعلوم بالضرورة أن حركات زحل أكثر من حركات القمر فهي إذا مثلها وأكثر ~~منها وذلك من أمحل المحال وأبلغ في التناقض. # فإن قيل إن قصرت مسافة فلك القمر عن فلك زحل فقد طال زمان القمر بمقدار ~~قصر المسافة حتى قطع القمر فلكه بمثل ما قطع زحل فلكه فقد تساويا في ~~الحركة. PageV01P010 # قلنا وما قولكم في حركة فلك زحل فإنها حركات المحيط وحركات فلك القمر حركات ~~القطب فهما متساويان فيما لا يتناهى وحركات فلك زحل أضعاف حركات فلك القمر ~~ولا جواب عنه. # فإن قيل ألستم أثبتم تفاوتا في معلولات الله تعالى وفي مقدوراته فإن ~~العلم عندكم متعلق بالواجب والجايز والمستحيل والقدرة لا تتعلق إلا بالجايز ~~فكانت المعلومات أكثر والمقدورات أقل والقلة والكثرة قد تطرقتا إلى النوعين ~~وهما غير متناهيين. # والجواب قلنا نحن لم نثبت معلومات أو مقدورات هي أعداد بلا نهاية بل معنى ~~قولنا أنها لا تتناهى أي العلم صفة صالحة يعلم به ما يصح أن يعلم والقدرة ~~صفة صالحة يقدر بها على ما يصح أن يوجد ثم ما يصح أن يعلم وما يصح أن يقدر ~~عليه لا يتناهى وليس ذلك عدد أنقص من عدد حتى يكون ذلك نقضا لما ذكرناه ~~وإنما الممتنع عندنا أعداد يحصرها الوجود وهي غير متناهية فنقول قد بينا أن ~~ما لا يتناهى إنما يمكن تصوره في الوهم والتقدير لا في الوجود كالعدد يقال ~~له أنه لا ينتهي تضعيفا وليس نعني به أن العدد ms018 الغير متناه موجود محصور بل ~~المعنى أنك إذا قدرت أو توهمت ضعفا فوق ضعف إلى ما لا يتناهى أمكنك ذلك ~~كذلك المعلولات والمقدورات على التقدير الوهمي لا يتناهى ولصلاحية العلم أن ~~يعلم به كل ما يصح أن يعلم ويخبر عنه يقال أن العلم لا يتناهى وكذلك ~~لصلاحية القدرة أن يقدر بها على كل ما يصح أن يقدر عليه يقال إن القدرة لا ~~تتناهى فلا القدرة ولا العلم أمر بسيط ذاهب في الجهات لا يتناهى ولا ~~المعلومات والمقدورات أعداد كثيرة لا تتناهى وهكذا ينبغي أن تفهم من معنى ~~قولنا ذات الباري سبحانه لا تتناهى أي هو واحد لا يقبل الانقسام بوجه من ~~الوجوه فلا يتطرق إليه نهاية بوجه من الوجوه. # شبه الدهرية قالوا إذا قلتم أن العالم محدث بعد أن لم يكن فقد تأخر وجوده ~~عن وجود الباري تعالى فلا يخلو إما أن يتأخر بمدة أو لا بمدة فإن تأخر لا ~~بمدة فقد قارن وجوده وجود الباري سبحانه وإن تأخر بمدة فلا يخلو إما إن ~~تأخر بمدة متناهية أو بمدة غير متناهية فإن تأخر بمدة متناهية فقد وجب ~~تناهي وجود الباري تعالى وإن تأخر بمدة غير متناهية فنفرض في تلك المدة ~~موجودات لا تتناهى فإنه إن لم يمتنع مدة لا تتناهى لم يمتنع لم يمتنع عدة ~~لا تتناهى. # والجواب قلنا هذا الكلام غير مستقيم وضعا وتقسيما أما الوضع فقولكم لو ~~كان العالم محدثا كان وجوده متأخرا فإن عنيتم به التأخر بالزمان فغير مسلم ~~فإنا قد بينا أن التقدم والتأخر والمعية الزمانية تمتنع في حق الباري ~~سبحانه. # وعلى هذا لم يصح بنا التقسيم عليه أنه متأخر بمدة أو لا بمدة فإن ما لا ~~يقبل المدة ذاتا ووجودا لا يقال له تقدم أو تأخر أو قارن بمدة أو لا بمدة ~~فأحلتم علينا تقدما وتأخرا ومعية زمانية للباري تعالى وإذا منعنا ذلك ~~ألزمتم علينا مقارنة في الوجود وذلك تلبيس فإنا إذا منعنا التقدم والتأخر ~~الزماني منعنا المقارنة الزمانية بل وجود الباري تعالى لا يقال ms019 متقدم ~~بالزمان كما لا يقال أيضا فوق بالمكان ولا يقال مقارن بالزمان كما لا يقال ~~مجاور للعالم بالمكان وإن عنيتم بالتأخر في الوجود أي الموجد مفيد الوجود ~~والموجد مستفيد الوجود والموجد لا أول لوجوده والموجد له أول فهو مسلم ولا ~~يصح أيضا بنا التقسيم عليه أنه تأخر بمدة أو لا بمدة. # فإن قيل لا بد من نسبة ما بين الموجد والموجد وإذا تحققت النسبة فبمدة ~~متناهية أو غير متناهية. # قلنا ولا بد من نفي النسبة بين الموجد والموجد إذ لو تحققت النسبة بمدة ~~متناهية أو غير متناهية كان وجوده زمانيا قابلا للتغير والحركة أليس لو قال ~~القائل ما نسبة واحد منا حيث حدث وله أول كان السؤال محالا أليس لو قال ~~القايل ما نسبة العالم منه تعالى حيث وجد وله نهاية أفيباينه أو يجاوره فإن ~~باينه أفبخلا أو بينونة تتناهى أم لا تتناهى كان السؤال محالا كذلك نقول في ~~المدة فإن الجزئي كالكلي والزمان كالمكان. PageV01P011 # وجواب آخر عن التقسيم نقول ما المعنى بالمدة أهي عبارة عن أمر موجود أو عن ~~تقدير موجود أم عن عدم بحت فإن كان أمرا موجودا محققا فهو من العالم فلا ~~يكون قبل العالم وأيضا الموجود إما قايم بنفسه أو قايم بغيره وعلى الوجهين ~~جميعا لا يمكن تقديره قبل العالم وإن كان أمرا مقدرا وجوده والتقديرات ~~الوهمية تجويزات وليس كلما يجوزه العقل أو يقدره الوهم يمكن وجوده جملة ~~حاصلة فإن وجود عالم آخر وكذلك إلى ما لا يتناهى مما يجوز يقدره الوهم ~~وكذلك الأعداد التي لا تتناهى مما يقدره الوهم لا مما يجوزه العقل وبالجملة ~~الجايزات كلها لا يمكن أن توجد جملة حاصلة فيكون ما لا يتناهى مما يحصره ~~الوجود وذاك محال فعلم أن تقدير أزمنة غير متناهية لا يكون كالتحقيق وما ~~يمكن وجوده جملة معا أو متعاقبا لا يمكن أن يكون مشحونا بما لا يتناهى وإن ~~كانت المدة عبارة عن عدم بحت فلا يتناهى ولا لا يتناهى في عدم البحت. # وجواب آخر لم قلتم أن ms020 المدة لو كانت متناهية لتناهى وجود الباري تعالى ~~فإن تناهي المدة كتناهي العالم مكانا وهو مصادرة على المطلوب الأول وتعبير ~~عن محل النزاع ثم تناهي العالم مكانا ليس يقتضي تناهي ذات الباري تعالى ~~لأنه لا مناسبة بينه وبين المكانيات والمكان كذلك تناهي العالم زمانا لا ~~يقتضي تناهي وجود الباري تعالى لأنه لا مناسبة بينه وبين الزمانيات والزمان ~~ولم قلتم أن المدة لو لم تكن متناهية في التقدير العقلي أمكن أن يوجد فيها ~~موجودات في التحقيق الحسي. # شبهة أخرى قال ابن سينا حكاية عن أرسطاطاليس كل حادث عن عدم فإنه يسبقه ~~إمكان الوجود ضرورة وإمكان الوجود ليس هو عدما محضا بل هو أمر ما له صلاحية ~~الوجود والعدم ولن يتصور ذلك إلا في مادة فكل حادث فإنه يسبقه مادة ثم تلك ~~المادة المتقدمة لا تتصور إلا في زمان لأن قبل ومع لا يتحقق إلا في زمان ~~والمعدوم قبل هو المعدوم مع وليس الإمكان قبل هو الذي يقارن الوجود فهو إذا ~~متقدم تقدما زمانيا والعالم لو كان حادثا عن عدم لتقدمه إمكان الوجود في ~~مادة تقدما زمانيا فهو إما أن يتسلسل فهو باطل وإما أن يقف على حد لا يسبقه ~~إمكان فلا يسبقه عدم فيكون واجبا بغيره وهو ما ذهبنا إليه وهذه الشبهة هي ~~التي أوقعت المعتزلة في اعتقاد كون المعدوم شيئا وعن هذا قصروا الشيئية في ~~الممكن وجوده لا المستحيل ثبوته. PageV01P012 # والجواب أنا قد بينا أن معنى الحدوث عن عدم أنه هو الموجود الذي له أول لا ~~الإمكان السابق عليه ليس يرجع إلى ذات وهو شيء حتى يحتاج إلى مادة بل هو ~~أمر راجع إلى التقدير الذهني لأن ما لا يجوز وجوده لا يتحقق له ثبوت وحدوث ~~والقبلية والمعية راجعة أيضا إلى التقدير العقلي وإنما نتصور نحن من حدوث ~~العالم ما يتصورونه من حدوث النفس الإنسانية حادثة لها أول لا عن شيء حتى ~~يمكن أن يقال أنها مسبوقة بالعدم أي لم تكن فكانت وهي ممكنة الوجود في ~~ذاتها وإمكانها لا يستدعي ms021 مادة تسبقها فإن ذلك يودي إلى أن يكون وجودها ~~ماديا فعلم أن الإمكان من حيث هو إمكان ليس يستدعي مادة وسبقه على الموجود ~~الحادث ليس إلا سبقا في الذهن سميتموه سبقا ذاتيا وذلك السبق ليس سبقا ~~زمانيا وكذلك القول في المعلول الأول وساير النفوس فإنها ممكنة الوجود ~~بذواتها وإمكان وجودها سابق على وجودها سبقا ذاتيا وكذلك القول في الجسم ~~الأول الذي هو فلك الأفلاك ونقول أن كل حادث حدوثا زمانيا أو حدوثا ذاتيا ~~على أصلكم فإنه يسبقه إمكان الوجود فإن الموجود المحدث قد تردد بين طرفي ~~الوجود والعدم وهذا التردد والسبق والإمكان كله يرجع إلى تقدير في الذهن ~~وإلا فالشيء في ذاته على صفة واحدة من الوجود لكن الوجود باعتبار ذاته ~~انقسم إلى ما يكون وجوده لوجود هو له لذاته أي هو غير مستفاد له من غيره ~~فيقال الوجود أولى به وأول ما يكون وجوده لوجود هو له من غيره فيقال الوجود ~~ليس أولى به ولا أول وهذا الوجود لم يتحقق إلا أن يكون له أول مسبوق بوجود ~~لا أول له ويكون له في ذاته إمكان الوجود يعبر عنه بأنه مسبوق بإمكان ~~الوجود لا أنه وجود يسبقه إمكان الوجود بل الوجود في ذاته وجود ممكن فقد ~~وجد ها هنا سبقان أحدهما سبق وجود الموجود والثاني سبق إمكان الوجود ولكننا ~~بعدما بحثنا عن السبق الثاني لم نعثر على معنى إلا أن الوجود المستفاد لن ~~يتحقق إلا بأن يكون ممكنا في ذاته مقدرا فيه تردد بين طرفي الوجود والعدم ~~واحتاج إلى مرجح لولاه لما حصل له وجود فلو كان كل حادث محتاجا إلى سبق ~~إمكان وكل إمكان محتاجا إلى مادة وكل مادة إلى زمان تسلسل القول فيه فيقال ~~وتلك المادة والزمان يحتاجان إلى مادة وزمان ولما حصل وجود حادث أصلا فبطل ~~الأصل الذي وضعوا الكلام عليه بل لا بد من منتهى ينتهي إليه فيكون مبدعا لا ~~من شيء ويكون ممكنا في ذاته ولا يستدعي إمكانه مادة وزمانا فهكذا يجب أن ~~يتصور معنى ms022 سبق الإمكان وسبق العدم وسبق الموجد فإن الموجد يسبق بوجوده من ~~حيث وجوده ويلزم ذلك أن يسبق العدم والإمكان في الموجد سبقا تقديريا وقد ~~تقرر الفرق بين التقدم الذاتي والتقدم الوجودي فتأمل ذلك. # شبهة أخرى اعتمد عليها أبو علي بن سينا قال أسلم أن العالم بما فيه من ~~الجواهر والأعراض جايز الوجود لذاته لكن كلامنا في أنه هل هو واجب الوجود ~~بغيره دايم الوجود بدوامه قال والجايز أن لا يوجد وأن يوجد وإذا تخصص ~~بالوجود احتاج إلى مرجح لجانب الوجود والحال لا يخلو إما أن يقال ما يجوز ~~أن يوجد عن المرجح يجب أن يوجد حتى لا يتراخى عنه وإما أن يقال لا يجب أن ~~يوجد حتى يتراخى عنه ثم يوجد بعد أن لم يوجد لكن العقل الصريح الذي لم يكذب ~~يقضي أن الذات الواحدة إذا كانت من جميع جهاتها واحدة وهي كما كانت وكان لا ~~يوجد عنها شيء فيما قبل مع جواز أن يوجد وهي الآن كذلك فالآن لا يوجد عنها ~~شيء وإذا كان قد وجد فقد حدث أمر لا محالة عن قصد وإرادة وطبع وقدرة أو ~~تمكن وغرض أو سبب من الأسباب ثم لا يخلو ذلك السبب إما أن يحدث في ذاته صفة ~~أو يحدث أمرا مباينا عنه والكلام في ذلك الحادث على أي وجه كان كالكلام في ~~العالم فإذا لا يجوز أن يحدث أمر ما وإذا لم يجز فلا فرق بين حال أن يفعل ~~وبين حال أن لا يفعل وقد وجد الفعل فهو خلف وإنما ألزمنا هذا لأنا وضعنا في ~~التقدير العقلي ذاتا معطلة عن الفعل وهو باطل فنقيضه حق. # والجواب قلنا أنتم مطالبون بإثبات ثلث مقدمات إحداها إثبات جواز وجود ~~العالم في الأزل والثانية إثبات أن ما يجوز وجوده يجب وجوده والثالثة إثبات ~~سبب حادث لأمر حادث. PageV01P013 # أما الأولى فنحن قد بينا استحالة وجود أمر جايز في ذاته مع وجود موجود واجب ~~في ذاته في الأزل من وجهين أحدهما استحالة اقتران وجود ما لا أول له ms023 مع ~~وجود ما له أول فإن الجمع بينهما من المحالات والوجود الواجب لذاته يجب أن ~~يتقدم الوجود الجايز لذاته تقدما ما في وجوده بحيث يكون الواجب موجودا ولا ~~وجود معه لا من حيث الوجود ولا من حيث الذات ولا من حيث الزمان ولا من حيث ~~الرتبة والمكان ولا من حيث الفضيلة وبالجملة فحيث ما تحقق الجواز والإمكان ~~في شيء تحقق نفي الأزلية عنه وإثبات الأولية له واقتران الأزلية والأولية ~~في شيء واحد محال وقولكم العالم جايز الوجود وكل جايز وجوده يجب وجوده أزلا ~~وأبدا جمع بين قضيتين متناقضتين ومن اعترف بالجواز والإمكان فقد سلم ~~المسئلة من كل وجه فإن الشيء إذا تطرق إليه الجواز في الوجود من وجه تطرق ~~إليه الجواز من ساير الوجوه أعني الوقت والمقدار والشكل إذا كان الموجود ~~قابلا لها أو لواحد منها والداير بين وجوه الجواز إذا تخصص بأحد الجايزين ~~دون الثاني احتاج إلى مخصص وانتفى الوجوب والدوام عنه. # وأما الوجه الثاني في بيان الاستحالة أن الحوادث التي لا تتناهى قد تبين ~~استحالتها. # فإن قيل ما المانع من وجود العالم في الأزل كان الجواب استحالة حوادث لا ~~تتناهى لما بينا من البرهان الدال عليه. # وأما الكلام على المقدمة الثانية وهي أن ما يجوز وجوده يجب وجوده. # قلنا هذا الكلام أولا متناقض لفظا ومعنى أما اللفظ فإن الجواز والوجوب ~~متناقضان إلا أن يقال أن ما يجوز وجوده في ذاته يجب وجوده بغيره قيل وهذا ~~أيضا باطل فإن الوجوب بالغير إنما يكون بإيجاب الغير والجايز إنما يحتاج ~~إلى الواجب في وجوده لا في وجوبه فيكون وجوده بايجاد الغير ثم يلزمه من حيث ~~النسبة وجوبه وقد تبين هذا المعنى فيما قبل وأما التناقض من حيث المعنى فهو ~~أن الجايز وجوده مما لا يتناهى فلو كان ما جاز وجوده وجب وجوده لوجد ما لا ~~يتناهى دفعة واحدة وإذا شرط الترتيب في الذوات حتى حصل في الوجود أول ثم ~~ثان ثم ثالث ثم ينتهي إلى موجودات محصورة كذلك يشترط الترتيب في ms024 الموجود ~~حتى حصل موجود له أول ثم ثان ثم ثالث فالترتيب في الذوات تقدما وتأخرا ~~كالترتيب في الموجودات أولا وآخرا وهذا بناء على ما ذكرناه من إثبات قسم ~~آخر في أقسام التقدم والتأخر وذلك واجب الرعاية. # وأما الكلام في المقدمة الثالثة وهي المغلطة الزباء والداهية الدهيا ~~وكثيرا ما كنا نراجع أستاذنا وإمامنا ناصر السنة صاحب الغنية وشرح الإرشاد ~~أبا القاسم سليمان بن ناصر الأنصاري فيها ويتكلم عليها فما يزيد فيها على ~~أن إثبات وجه فاعلية الباري سبحانه وتعالى مما يقصر عن دركه عقول العقلا ثم ~~الذي كان يستقر كلامه عليه إن قال ثبت جواز وجود العالم عقلا وثبت حدوثه ~~دليلا ويعرف أن ما حدث بذاته فيجب نسبة حدوثه إلى واجب الوجود بذاته والخصم ~~إنما يطالب بوجه النسبة فإن الموجد إذا كان لا يوجد وأوجد فنسبة الحادث ~~إليه قبل الإيجاد كنسبته إليه حال الإيجاد وبعده ولم يحدث أمر ما ولا سبب ~~فلم وجد ولم أوجد وبالجملة فما معنى الإيجاد والإبداع إن قلت انه علم وجوده ~~في هذا الوقت وأراد وجوده فيه قيل العلم عام التعلق والإرادة عامة التعلق ~~فنسبة وجوده إلى الإرادة العامة في هذا الوقت على هذا الشكل كنسبة وجوده في ~~غير هذا الوقت على غير هذا الشكل وكذلك القول في القدرة فإنها في عموم ~~تعلقها كالإرادة والعلم فلا خصوص في الصفات فكيف يختص الفعل وهذا الموضع ~~منشأ ضلال بعض المتكلمين فإن الكرامية أثبتوا حوادث في ذات الباري تعالى من ~~الإرادة والقول وهي التي تخصص العالم بالوجود دون العدم والمشية القديمة ~~تتعلق عندهم تعلقا عاما والإرادة تعلق تعلقا خاصا وفرقوا بين الأحداث ~~والمحدث والخلق والمخلوق والمعتزلة أثبتوا إرادات حادثة لا في محل هي التي ~~تخصص العالم بالوجود دون العدم ولم يفرقوا بين الأحداث والمحدث والخلق ~~والمخلوق والأولى أن نسلك في حل الإشكال طريق إبطال مذهب الخصم ثم نشير إلى ~~ما يلوح للعقل من معنى الإيجاد. PageV01P014 # فنقول اتفقنا على أن العالم جايز لذاته محتاج إلى مرجح لجانب الوجود على ~~العدم فالمرجح ms025 لا يخلو إما أن يرجح من حيث هو ذات أو من حيث هو وجود ويلزم ~~عليه أمران أحدهما أن يكون كل ذات وكل وجود مرجحا والثاني أن يحدث ما يجوز ~~وجوده مما لا يتناهى فان نسبة الجميع إلى الذات والوجود نسبة واجدة ~~والوجهان محالان وإما أن يرجح من حيث هو ذات أو وجود على صفة أو على اعتبار ~~ووجه فان يرجح من حيث هو وجود على صفة فقد سلمت المسئلة وبطل الايجاب ~~الذاتي وإن يرجح من حيث هو وجود على وجه كما قال الخصم أنه واجب الوجود ~~لذاته وإنما أوجب من حيث أنه واجب لذاته وهو وجود على وجه فهو أيضا باطل ~~فإن وجوب الوجود لذاته معناه أمر سلبي أي وجوده غير مستفاد من غيره ومن فهم ~~وجودا غير مستفاد لم يلزمه أن يفهم أنه مفيد غيره وكذلك من فهم أنه عالم أو ~~عقل وعاقل كما قال الخصم لم يلزم منه أن يفهم منه أنه موجد مفيد الوجود ~~غيره لأن معنى كونه عقلا عند الخصم معنى سلبي أيضا أي مجرد عن المادة وبأن ~~يكون مجردا عن المادة لا يلزم أن يكون مفيد الوجود لغيره فبطل الإيجاب ~~الذاتي من كل وجه وتعين أنه إنما أوجد لكونه على صفة ولتلك الصفة من حيث ~~ذاتها صلاحية التخصيص والإيجاد عموما بالنسبة إلى ما حصل على الهيئة التي ~~حصل وبالنسبة إلى غيرها نسبة واحدة ولها أيضا خصوص وجه بالنسبة إلى ما حصل ~~دون ما لم يحصل وذلك الخصوص لها عند إضافتها إياها إلى غيرها. # فنقول لما علم الباري وجود العالم في الوقت الذي وجد فيه أراد وجوده في ~~ذلك الوقت فالعلم عام التعلق بمعنى أنه صفة صالحة لأن يعلم به جميع ما يصح ~~أن يعلم والمعلومات لا تتناهى على معنى أنه علم وجود العالم وعلم جواز ~~وجوده قبل وبعد على كل وجه يتطرق إليه الجواز العقلي والإرادة عامة التعلق ~~بمعنى أنها صفة صالحة لتخصيص ما يجوز أن يخصص به والمرادات لا تتناهى على ~~معنى أن ms026 وجوه الجواز في التخصيصات غير متناهية ولها خصوص تعلق من حيث أنها ~~توجد وتوقع ما علم وأراد وجوده فإن خلاف المعلوم محال وقوعه فالصفات كلها ~~عامة التعلق من حيث صلاحية وجودها وذواتها بالنسبة إلى متعلقاتها إلى ما لا ~~يتناهى خاصة التعلق من حيث نسبة بعضها إلى بعض والإرادة لا تخصص بالوجود ~~إلا حقيقة ما علم وجوده والقدرة لا توقع إلا ما أراد وقوعه وتعلقات هذه ~~الصفات إذا توافقت على الوجه الذي ذكرناه حصل الوجود لا محالة من غير تغيير ~~يحصل في الموجد وإنما يتعذر تصور هذا المعنى علينا لأنا لم نحس من أنفسنا ~~إيجادا وإبداعا ولا كانت صفاتنا عامة التعلق فعلمنا إذا لم يتعلق إلا ~~بمعلوم واحد ولم تتعلق إرادتنا إلا بمراد واحد ولا قدرتنا إلا بمقدور واحد ~~لا على سبيل الإيجاد ولن يتصور بقا صفاتنا لكونها إعراضا فيتقاضى عقلنا ~~وحسنا حدوث سبب لحدوث أمر حتى لو قدرنا علما وإرادة وقدرة لها عموم التعلق ~~بمتعلقات لا تتناهى على معنى صلاحية كل صفة لمتعلقها وقدرنا صلاحية قدرتنا ~~للإيجاد وقدرنا بقا الصفات فعلمنا وجود شيء بقدرتنا وإراداتنا في وقت مخصوص ~~ودخل الوقت لا نشك أن الشيء يقع ضرورة من غير أن تتغير ذاتنا أو يحدث أمر ~~أو سبب لم يكن وهذا كما يقدره الخصم في العقل الفعال وفيضه فإنه يقول هو ~~عام الإفاضة واهب للصور على الإشاعة من غير تخصيص ثم يثبت له نوع خصوص ~~بالإضافة إلى القوابل والشرايط التي تتكون فتحصل استعدادا في القوابل فيختص ~~الفيض بقابل مخصوص على قدر مخصوص فخصوص الفيض بسبب خارج عن ذات المفيض لا ~~يقدح في عموم الفيض باعتبار ذاته على أن الإيجاب الذاتي عند الخصم فيض ذاتي ~~هو وجود عام لا خصوص فيه ولكنه إنما يفيض منه واحد ثم من الواحد يفيض عقل ~~ونفس وفلك ومن كل عقل ونفس عقل ونفس حتى ينتهي بالعقل الأخير ثم يفيض منه ~~الصور على الموجودات السفلية وتنتهي بالنفس الناطقة. # فنقول ما الموجب لحصر الموجودات في هذه الذوات ولا خصوص ms027 في الفيض وإن ~~تناهي الموجودات عددا ومكانا كتناهي الموجودات بداية وزمانا. # فإن قلتم أن الخصوص عندنا يرجع إلى قبول الحوامل فيقدر الفيض بمقدارها. PageV01P015 # قيل وكلامنا في أصل الحوامل لم انحصر في عدد معلوم فلم انحصرت السماوات في ~~سبع أو تسع ولم انحصرت العناصر في أربعة ولم انحصرت المركبات في عدد معلوم ~~ولم تناهت هذه الموجودات فهلا ذهبت السموات إلى غير نهاية مكانا كما ذهبت ~~حركاتها إلى غير نهاية زمانا. # فإن قلتم منعنا من ذلك برهان عقلي على أن العالم متناه مكانا قلنا ومنعنا ~~عن ذلك أيضا ذلك البرهان بعينه كما بينا وكل ما ذكرتموه في العناية الإلهية ~~التي أوجبت ترتيب الموجودات على نظامها الأكمل نقدره نحن في الإرادة ~~الأزلية التي اقتضت تخصيص الموجودات على النظام الذي علمه أو ليس لم يكف ~~على أصلكم مجرد وجود مطلق حتى خصصتم بالوجوب ولم يكف الوجوب حتى خصصتم ~~بالتعقل ولم يكف التعقل حتى خصصتم بالعناية ثم عدتم فقلتم هذه صفات إضافية ~~أو سلبية لا توجب تكثرا في ذاته وتغيرا فما سميتموه تعقلا نحن نقول هو علم ~~أزلي وما سميتموه عناية نحن نقول هو إرادة أزلية فكما أن العناية عندكم ~~ترتبت على العلم فعندنا الإرادة إنما تتعلق بالمراد على وفق العلم فلا فرق ~~بين الطريقين إلا أنهم ردوا معاني الصفات إلى الذات وعند المتكلمين معاني ~~الصفات لا ترجع إلى الذات فالأولى بالمناظرة في هذه المسئلة أن يدفع الخصم ~~إلى تعيين محل النزاع وتبيين مذهبه فيستفيد بذلك بطلان مذهب الخصم فإن يقول ~~أول ما صدر عن الباري تعالى فهو العقل الأول لأنه لا يصدر عن الواحد إلا ~~واحد ثم العقل أوجب عقلا آخر ونفسا وجسما هو فلك الأفلاك وبتوسط كل عقل ~~عقلا ونفسا وفلكا حتى انتهت الأفلاك بالفلك الأخير الذي يديره العقل الفعال ~~الذي هو واهب الصور في العالم وبتوسط العقول السماوية والحركات الفلكية ~~حدثت العناصر وبتوسطها حدثت المركبات وآخر الموجودات هي النفس الإنسانية ~~لأن الوجود ابتدأ من الأشرف فالأشرف حتى بلغ إلى الأخس وهو الهيولي ms028 ثم ~~ابتدأ من الأخس فالأخس حتى بلغ الأشرف فالأشرف وهو النفس الناطقة ~~الإنسانية. # فيقال لهم هذه الموجودات السفلية على هيئتها وأشكالها من أنواعها ~~وأصنافها التي تراها أوجدت دفعة واحدة أم على ترتيب فإن وجدت دفعة واحدة ~~بطل الترتيب الذي أوجده في وجود الموجودات وإن حصلت على ترتيب شيئا بعد شيء ~~فأنى تحقق سبق ذاتي وتأخر ذاتي بين المعلول الأول والمعلول الأخير. # ونقول ما نسبة المعلول الأخير إلى المعلول الأول من حيث الزمان وهما وإن ~~كانا في ذواتهما غير زمانيين إلا أن النفس الإنسانية حدثت حدوثا لم تكن قبل ~~ذلك موجودة فتحقق لها أول فما نسبة أولية النفس إلى العقل الأول فإن كان ~~بينهما نفوس غير متناهية حدثت في أزمنة غير متناهية كان غير المتناهي ~~محصورا بين حاصرين وذلك محال وإن كانت متناهية فبطل قولهم أن الحوادث لا ~~تتناهى إذ لو كانت الحركات السماوية غير متناهية كانت الموجودات السفلية ~~غير متناهية أيضا وحصل من نفس بيان المذهب بطلانه ثم هم منازعون في الترتيب ~~الذي ذكروه فإن أصحابهم قد اختلفوا في المبادي اختلافا ظاهرا فمنهم من قال ~~أول الموجودات هو العنصر ثم العقل ثم النفس ثم الجسم ومنهم من قال العقل ثم ~~النفس ثم الهيولي ثم الأفلاك ثم العناصر ثم المركبات كما سيأتي بيان ذلك. # شبهة من شبه برقلس قال الباري سبحانه جواد بذاته وعلة وجود العالم جوده ~~وجوده قديم لم يزل فيلزم أن يكون وجود العالم قديما لم يزل قال ولا يجوز أن ~~يكون مرة جوادا ومرة غير جواد فإنه يوجب التغير في ذاته قال ولا مانع من ~~فيض جوده إذ لو كان مانع لما كان من ذاته إذ المانع الذاتي مانع أبدا وقد ~~تحقق الجود بإيجاد الموجود فهو خلف ولو كان المانع من غيره كان الغير هو ~~الحامل لواجب الوجود وواجب الوجود لا يحمل على شيء ولا يمنع من شيء. # شبهة أخرى تقارب هذه الشبهة قال ليس يخلو الصانع من أن يكون لم يزل صانعا ~~بالفعل أو لم يزل صانعا ms029 بالقوة فإن كان الأول فالمصنوع معلول لم يزل وإن ~~كان الثاني فما بالقوة لا يخرج إلى الفعل إلا بمخرج ومخرج الشيء من القوة ~~إلى الفعل غير ذات الشيء فيجب أن تتغير ذات الصانع لمغير وذلك باطل. # شبهة أخرى قال كل علة لا يجوز عليها التحرك والاستحالة فإنما تكون علة من ~~جهة ذاتها لا من جهة الانتقال من غيرها وكل علة من جهة ذاتها فمعلولها من ~~جهة ذاتها وإذا كانت ذاتا لم تزل فمعلولها لم يزل. PageV01P016 # والجواب قلنا ما المعنى بقولك الباري تعالى جواد بذاته وما معنى الجود فإن ~~عندنا وعندكم الجود ليس صفة ذاتية زايدة على الذات بل هو صفة فعلية والصفات ~~عندكم إما أن تكون سلوبا كالقديم والغنى فإن معنى القديم نفي الأولية ومعنى ~~الغنى نفي الحاجة وأما أن تكون إضافات كالخالق والرازق على اصطلاحنا ~~والمبدئ والعلة الأولى على اصطلاحكم وليس لله صفة وراء هذين المعنيين ~~فالجود من قسم الإضافة لا من قسم السلب فلا فرق إذا بين معنى المبدئ وبين ~~معنى الجود ومعناهما الفاعل الصانع فكأنكم قلتم صانع بذاته وهو محل النزاع ~~ومصادرة على المطلوب الأول فإن الخصم يقول ليس فاعلا لذاته وفعله ليس قديما ~~لم يزل وفيه وقع الخلاف غيرت العبارة من الفعل إلى الجود وجعلته دليل ~~المسئلة وإذا كان معنى الجود راجع إلى الفعل والإيجاد فقوله مرة هو جواد ~~ومرة غير جواد كقوله مرة فاعل ومرة غير فاعل وذلك أيضا محل النزاع فلم يجب ~~أن يقال انه يوجب التغير. # وإنما حل الشبهة فيه من وجهين أحدهما أن الفعل إنما امتنع في الأزل لا ~~لمعنى يرجع إلى الفاعل بل لمعنى راجع إلى نفس الفعل حيث لم يتصور وجوده فإن ~~الفعل ما له أول والأزل ما لا أول له واجتماع ما لا أول له مع ما له أول ~~محال فهو تعالى جواد حيث يتصور الجود ولا يستحيل الموجود أليس لو عين الشخص ~~في زماننا فيقال يجب أن يوجد أزلا لأن الباري سبحانه جواد لذاته كان السؤال ~~محالا لأن ms030 الموجود المعين استحال وجوده فيما لم يزل فاستحالة وجود الموجود ~~هو المانع لفيض الوجود لا منعا يكون ذلك حملا أو زجرا بل هو ممتنع في ذاته ~~وهكذا لو أوجد ما أوجده أولا أو أوجد جميع الموجودات معا من غير ترتيب واحد ~~على واحد كل ذلك غير جايز عند الخصم ولم يقدح في كونه جوادا هذا كما يقدره ~~المتكلم أن الباري سبحانه يوصف بالقدرة على ما يجوز وجوده وإما ما يستحيل ~~وجوده فلا يقال الباري تعالى ليس قادرا عليه بل يقال المستحيل في ذاته غير ~~مقدور فلا يتصور وجوده. # وهذا هو الجواب أيضا عن قولهم لو لم يكن صانعا فصار صانعا كان صانعا ~~بالقوة فصار صانعا بالفعل وتغيرت ذاته. # فإنا نقول إنما لم يكن صانعا لم يزل لأن الصنع فيما لم يزل مستحيل الوجود ~~وإذا استحال وجود الشيء في نفسه ولذاته لم يكن مقدورا فلا يكون مصنوعا قط ~~وإذا استحال وجود الشيء لمعنى آخر كان جايزا في ذاته فإذا زال ذلك المعنى ~~تحقق الجواز فصار مقدورا فيكون مصنوعا والصنع لم يزل إنما استحال لنفي ~~أولية الأزل وإثبات أولية الصنع فكان الجمع بينهما محالا فإذا نفيت الأزلية ~~تعينت الأولية فتحقق الجواز فصح المقدور فوجد المصنوع. # وكذلك الجواب عن الشبهة الثالثة أنه علة لذاته فإن معنى كونه علة أي مبدئ ~~لوجود شيء وإنما الممتنع وجود المعلول مع العلة معية بالذات فإن ذلك يرفع ~~العلية والمعلولية وكذلك نقول يستحيل وجود المعلول مع العلية معية بالزمان ~~فإن ذلك يوجب كون العلة زمانية قابلة للتغير وذلك محال أيضا فيجب أن يتقدم ~~في الوجود لأن وجود الباري سبحانه وجود لذاته غير مستفاد من غيره ووجود ~~العالم مستفاد منه والمفيد أبدا يتقدم في الوجود. # أما الوجه الثاني في حل الشبهة أن نطالبهم أولا فنقول بما عرفتم أنه ~~سبحانه يجب أن يكون جوادا لذاته قالوا لأن موجودا ما يفعل أكمل من موجود لا ~~يفعل وإن تصدر عنه موجودات أشرف من أن لا تصدر. # قيل له لو عكس الأمر عليكم ms031 أن الموجود الذي لا يفعل أكمل فما جوابكم عنه ~~إذ ليس هذا من القضايا الضرورية خصوصا في موجود يكون كماله بذاته لا بغيره ~~وإنما يصدر عنه فعل لو صدر لا لغرض ولا ليكتسب به حمدا ولا أمرا ما يتعلق ~~بالتناقل لعمري لو كان موجودان أحدهما كماله بذاته والآخر كماله من غيره ~~شهد العقل بالضرورة أن الذي كماله بالذات أشرف من الذي كماله بغيره ~~والموجود الذي لو لم يفعل فعلا كان ناقصا فليس بكامل الذات بل هو ناقص ~~مستكمل من غيره فلم يصح أن يكون واجب الوجود لذاته. # وأما حل الشبهة الثانية نقول ما المعنى بقولكم إذا لم يكن صانعا فصار ~~صانعا فقد تجدد أمر فنقول تجدد في ذات الصانع أمر أم تجدد أمر في غير ذاته ~~والأول غير مسلم والثاني مسلم وهو محل النزاع. PageV01P017 # وقولهم كان صانعا بالقوة أيضا مشترك فإن القوة يراد بها الاستعداد المجرد ~~ويراد بها القدرة والأول غير مسلم والثاني مسلم وهو محل النزاع ولا يحتاج ~~إلى مخرج إلى الفعل. # وأما حل الشبهة الثالثة قال كل علة لا يجوز عليها التحرك والاستحالة ~~فإنما تكون علة من جهة ذاتها غير مسلم بل هو باطل على أصله بالعقل الأول ~~فإنه لا يجوز عليه التحرك والاستحالة وليس علة من جهة ذاته بل هو معلول ~~الواجب الوجود وعلة من جهة كونه واجبا به لا بذاته وكذلك العقول المفارقة ~~لا تقبل الحركة والاستحالة وليست عللا من جهة ذواتها. # ومما يعتمد في إثبات حدث العالم أن نفرض الكلام في النفوس الإنسانية ~~ونثبت تناهيها عددا ثم ترتب عليها تناهي الأشخاص الإنسانية وترتب عليها ~~حدوث الأمزجة وتناهيها ثم نرتب عليها تناهي الحركات الدورية الجامعة ~~للعناصر ثم ترتب عليها تناهي المتحركات والمحركات السماوية فثبت حدث العالم ~~بأسره وهي أسهل الطرق وأحسنها. # فنقول قد تقرر في أوايل العقول إن كل عدد أو معدود موجود بالفعل إذا كان ~~غير متناه بالفعل فإنه لا يقبل الزيادة والنقصان وإن الزايد لا يكون مثل ~~الناقص قط ولا يمكن أن يكون شيء ms032 أكبر من مقدار غير متناه لموجود وجد وغير ~~المتناهي لا يتضاعف بما لا يتناهى وإن ما يتناهى من طرف يتناهى من سائر ~~الأطراف والنفوس الإنسانية عند القوم موجودات بالفعل مجتمعة في الوجود وهي ~~قابلة للزيادة والنقصان فإن الزمان الذي نحن فيه قد اشتمل على أشخاص ~~إنسانية متناهية ولكل شخص نفس إذا أضفت تلك النفوس إلى ما مضى من الأشخاص ~~التي بقيت نفوسها كانت الأوائل منها أنقص وهي مع الزيادة أزيد وكذلك في كل ~~زمان وساعة تتزايد النفوس أبدا وما قبل الزيادة في كل وقت يستحيل أن يكون ~~غير متناه وذلك لأن نسبة ما مضى إلى الحاصل كنسبة الناقص إلى الزايد وحيث ~~ما تمادى إلى الأول صار أنقص كما إذا تمادى إلى الآخر صار أزيد ومثل هذا ~~مستحيل فيما لا يتناهى موجودا بالفعل محصورا في الوجود نعم ربما يظن في ~~الموجودات المتعاقبة في الوجود أنها لا تتناهى قبل آخر وآخرا بعد أول وأنها ~~إذا جازت غير متناهية آخرا جازت غير متناهية أولا وهذا الظن وإن كان خطأ ~~عند العقل إلا أن الخيال ربما يعين هذا الرأي لكن الفرض إذا كان في موجودات ~~غير متناهية مجتمعة في الوجود لا متعاقبة أعدادا ومعدودات بالفعل لا بالقوة ~~فيلزمها ضرورة ألا تقبل الزيادة والنقصان إذ لو قبلت وهي غير متناهية لكان ~~الزايد مثل الناقص. # والذي يوضحه أن كل جملة موجودة الآحاد بالفعل إذا زيد عليها عدد معلوم أو ~~نقص منها عدد محصور صار ما لا يتناهى أكثر مما كان أو أنقص. PageV01P018 # فنقول إذا دخل ما لا يتناهى في الوجود من النفوس فالباقي من النفوس التي لم ~~تدخل في الوجود بعد أما إن كانت متناهية أو غير متناهية فإن لم تكن متناهية ~~فقد تضاعف ما لا يتناهى بما لا يتناهى وذلك محال وإذا كانت متناهية فإذا ~~زيدت على غير المتناهي صارت الجملة أكثر من المقدار الأول وقد علم أن غير ~~المتناهي الموجود لا يكون شيء أكثر منه وهذا أكثر منه فهو خلف ثم يلزم أن ~~يكون ms033 الباقي على نسبة عددية إذ هي موجودة بالفعل أما نسبة النصف أو الثلث ~~أو الربع أو غير ذلك من النسب وإذا كانت الجملة غير متناهية بالفعل استحال ~~تقدير النسبة إليها فإن ما لا يتناهى لا نصف له ولا ثلث ولا ربع وإذا تحققت ~~النسبة دل ذلك على أن الجملة محصورة معدودة متناهية وليس يلزم على ما ~~ذكرناه كون العدد غير متناه فإنا لا نسلم ذلك في عدد معلوم موجود ومعنى ~~قولنا أن العدد لا يتناهى انه في التقدير الوهمي لا يتناهى أي الوهم يعجز ~~عن بلوغ حد ونهاية فيه فيحكم العقل انه لا نهاية له وكما أن العدد على ~~الإطلاق معلوم من غير ربط بمعدود وكذلك النصف والثلث والربع على الإطلاق ~~معلوم من غير نسبة إلى ما لا يتناهى إنما المستحيل إثبات أعداد موجودة غير ~~متناهية فإن كل موجود معدود فهو محدود وإذا تحقق بطلان النفوس الغير ~~متناهية وكانت كل نفس متعلقة ببدن تحقق بطلان الأبدان الغير متناهية ثم إذا ~~تناهت الأبدان والنفوس الإنسانية تناهت الامتزاجات العنصرية فتناهت الحركات ~~الدورية السماوية فتناهت المتحركات العلوية فتناهت المحركات الروحانية ~~فتناهى العالم بأسره فكان له أول منه ابتداء فأما تقدير عدم عليه يمكن أن ~~يكون قبله فهو تقدير خيالي كتقدير خلا وراء العالم يمكن أن يكون فيه فالخلا ~~بالنسبة إلى العالم مكانا كالعدم بالنسبة إليه زمانا وتقدير بينونة وراء ~~العالم غير متناهية كتقدير أزمنة قبل العالم غير متناهية. # ولو سأل سائل هل يمكن تقدير عالم آخر وراء هذا العالم ووراء ذلك العالم ~~عالم آخر إلى ما لا يتناهى كان السؤال محالا كذلك لو سأل هذا هل يمكن تقدير ~~هذا العالم أو عالم آخر قبله بزمان وقبل ذلك القبل بزمان إلى ما لا يتناهى ~~كان السؤال أيضا محالا فليس قبل العالم إلا موجده ومبدعه قبلية الإيجاد ~~والإبداع لا قبلية الإيجاب بالذات ولا قبلية الزمان كما ليس فوق العالم إلا ~~مبدعه فوقية الإبداع والتصرف لا فوقية الذات ولا فوقية المكان والله ~~المستعان. ### || AUTO القاعدة الثانية ms034 ### || AUTO في حدوث الكائنات بأسرها بأحداث له سبحانه # وفيها الرد على المعتزلة والثنوية والطبايعيين والفلاسفة وفيها تحقيق ~~الكسب والفرق بينه وبين الإيجاد والخلق مذهب أهل الحق من أهل الملل وأهل ~~الإسلام أن الموجد لجميع الكائنات هو الله سبحانه فلا موجد ولا خالق إلا هو ~~والفلاسفة جوزوا صدور موجود من غير الله تعالى بشرط أن يكون وجود ذلك الغير ~~مستندا إلى وجود آخر ينتهي إلى واجب الوجود بذاته ثم هم مختلفون في انه هل ~~يجوز أن يصدر عنه أكثر من واحد فذهب أكثرهم إلى انه واحد من كل وجه فلا ~~يصدر عنه إلا واحد. # ثم اختلفوا في ذلك الواحد فقال بعضهم هو العقل وقال بعضهم هو العنصر ثم ~~العقل واختلفوا في الصادر عن المعلول الأول فقال بعضهم هو النفس وقال بعضهم ~~هو عقل آخر ونفس وفلك هو جسم وكذلك يصدر عن كل عقل عقل حتى انتهى بالعقل ~~الذي هو مدير فلك القمر الفعال الواهب للصور على مركبات العالم ومن قدماء ~~الأوائل من جوز صدور شيء متكثر من واجب الوجود واختلفوا فيه فمنهم من قال ~~هو الماء ومنهم من قال هو النار ومنهم من قال هو الهواء ومنهم من قال هو ~~أجسام لطيفة بسيطة تركبت أو أجزاء صغار اجتمعت فحدث العالم ومنهم من قال هو ~~العدد ومنهم من قال هو المحبة والغلبة على ما قررنا تفصيل مذاهبهم في ~~الإرشاد إلى عقائد العباد. # وأما المجوس فلهم تفصيل مذهب في حدوث الكائنات وسبب امتزاج النور والظلمة ~~وسبب الخلاص لكن اتفقوا على نسبة الخير والصلاح إلى النور ونسبة الشر ~~والفساد إلى الظلمة. PageV01P019 # وأما المعتزلة القدرية فأثبتوا للقدرة الحادثة تأثيرا في الإيجاد والأحداث ~~من الحركات والسكنات وبعض الاعتقادات والاعتمادات والنظر والاستدلال والعلم ~~الحاصل به وبعض الادراكات وهي التي يجد الإنسان من نفسه أنها تتوقف على ~~البواعث والدواعي وورود التكليف بمباشرتها والكف عنها. # ووافقنا الفلاسفة على أن جسما ما أو قوة في جسم لا يصلح أن يكون مبدعا لجسم. # ووافقنا المجوس على أن الظلمة لا يجوز أن ms035 تحدث بإحداث النور. # ووافقنا المعتزلة على أن القدرة الحادثة لا تصلح لأحداث الأجسام والألوان ~~والطعوم والروائح وبعض الإدراكات والحيوة والموت ولهم اختلاف مذهب في ~~المتولدات وإنما أوردنا هذه المسئلة عقيب حدث العالم لأن الدليل لما قام ~~على أن الممكن بذاته من حيث إمكانه استند إلى الموجد وإن الإيجاد عبارة عن ~~إفادة الوجود فكل موجود ممكن مستند إلى إيجاد الباري سبحانه من حيث وجوده ~~والوسايط معدات لا موجبات وهذا هو مدار المسئلة. # ولنا في تقرير هذا المعنى كلام مع الفلاسفة على مقتضى قواعدهم ومع المجوس ~~على موجب أصلهم باعتبار انه موجود ومع المعتزلة على موجب عقائدهم. # أما الكلام على الفلاسفة فنقول كل موجود بغيره ممكن باعتبار ذاته لو جاز ~~أن يوجد شيئا فأما أن يوجده باعتبار انه موجود بغيره أو باعتبار انه ممكن ~~بذاته أو باعتبارهما جميعا لكن لا يجوز أن يوجد باعتبار انه موجود بغيره ~~إلا بشركة من ذاته إذ لا تعزب ذاته عن ذاته ولا يخرج وجوده عن حقيقته وهو ~~باعتبار ذاته ممكن الوجود والإمكان طبيعته عدمية فلو أثر في الوجود لأثر ~~بشركة العدم وهو محال. # وهذا البرهان إنما نقلناه عن قولهم في الجسم انه لا يؤثر في الجسم إيجادا ~~وإبداعا إذ الجسم مركب من مادة وصورة فلو أثر بشركة من المادة والمادة لها ~~طبيعة عدمية فلا يجوز أن توجد شيئا فالجسم لا يجوز أن يوجد أيضا فإمكان ~~الوجود كالمادة ونفس الوجود كالصورة كما أن الجسم لا يؤثر من حيث صورته إلا ~~بشركة من المادة كذلك الموجود بغيره الممكن باعتبار ذاته لا يؤثر من حيث ~~وجوده إلا بشركة من إمكان الوجود فلا موجد على الحقيقة إلا بوجود واجب ~~بذاته من كل وجه لا يشوبه إمكان ولا عدم من وجه والوسايط إن أثبتت فإنها ~~معدات لا موجدات. # فإن قيل الممكن باعتبار ذاته إنما يوجب غيره أو يوجد باعتبار وجوده بغيره ~~وحين لاحظنا جانب الوجود نقطع نظرنا عن الإمكان والعدم فإن الإمكان قد زال ~~بثبوت الوجود وحصل الوجوب بدل الإمكان فلا ms036 التفات إلى الإمكان أصلا فلم ~~يؤثر بشركة الإمكان والجواب قلنا إذا كان الوجود من حيث هو وجود مؤثرا من ~~غير ملاحظة إلى وجه الإمكان والجواز فليؤثر وجود كل موجود حتى لا يكون ~~العقل بالإيجاب أولى من النفس أو الجسم وحتى يكون الجسم مؤثرا في الجسم ~~باعتبار صورته لا من حيث مادته فإن الوجود من حيث هو وجود لا يختلف وإنما ~~الاختلاف في كل موجود إنما يرجع إلى الفواصل. # فإن قيل العقل الأول إنما يوجب شيئا آخر بسبب اعتبارات في ذاته فهو من ~~حيث وجوده بواجب الوجود يوجب عقلا أو نفسا ومن حيث انه ممكن بذاته يوجب ~~جسما هو صورة ومادة وقولكم أن جهة الإمكان غير ملتفت إليها أصلا باطل فإن ~~جهة الوجوب يناسب وجود العقل والنفس وجهة الإمكان يناسب وجود المادة ~~والصورة وإنما حملنا على إثبات هذا الإيجاب لأن الواحد لا يجوز أن يصدر عنه ~~إلا واحد فإنه لو صدر عنه اثنان لكان عن جهتين ولو ثبت أن له جهتين لتكثرت ~~ذاته وقد دل البرهان على أن واجب الوجود لن يتكثر. # والجواب قلنا ولو كان العقل إنما أوجب عقلا أو نفسا باعتبار انه واجب ~~بغيره لا وجب الجسم جسما أو نفسا باعتبار انه واجب بغيره فإن قضية الوجوب ~~بالغير لا تختلف إلا أن يكون أحدهما بغير واسطة والثاني واسطة وإلا فمن حيث ~~أن الجسم ذو مادة لا يمتنع عليه الإيجاد من حيث انه واجب بغيره وكما أن ~~العقل من حيث انه ذو إمكان في ذاته لم يمتنع عليه الإيجاب والإيجاد من حيث ~~انه واجب بغيره فقولوا أن الجسم يجوز أن يوجد جسما أو قوة في جسم يجوز أن ~~توجب جسما أو صورة الجسمية يجوز أن توجب جسما وهذا مستحيل بالاتفاق. PageV01P020 # نعم نقول هاهنا مقتضيات أربعة عقل ونفس وفلك ومادة وهي جواهر مختلفة ~~متمايزة بالحقايق تستدعي مقتضيات أربعة مختلفة بالحقائق أيضا فعليكم أن ~~تثبتوا في المعلول الأول هذه الحقائق بحيث يناسب كل واحد واحد وإلا فيلزم ~~أن يصدر عن شيء واحد ms037 أشياء وذلك محال عندكم وعليكم أيضا أن تثبتوا أن تلك ~~الاعتبارات المقتضية لا ترجع إلى إضافات وسلوب فإن كثرة الإضافات والسلوب ~~وإن لم توجب كثرة في الذات إلا أنها لا توجب أشياء فإن ذات واجب الوجود ~~واحدة من كل وجه إلا أنها لا تتكثر بالإضافات والسلوب والصفات الإضافية ~~والسلبية لا توجب أشياء متعددة إذ لو أوجبت لأضيف إلى واجب الوجود جميع ~~الموجودات إضافة واحدة من غير وسائط وذلك محال عندكم فهم بين أمرين ~~متناقضين أن أثبتوا في المعلول الأول صفات إيجابية مختلفة الحقائق فقد ~~ناقضوا مذهبهم حيث قالوا الواحد لا يصدر عنه إلا واحد وإن قالوا هذه الصفات ~~التي ثبتت إضافية أو سلبية لزمهم أن يثبتوا مقتضيات متعددة لواجب الوجود ~~وذلك أيضا يناقض مذهبهم. # وهذا إلزام إفهام لا محيص عنه ثم نفصل القول بعد الإجمال فنقول إذا كان ~~المقتضى مفصلا معلوما مختلف الأنواع يجب أن يكون المقتضى مفصلا معلوما ~~مختلف الحقائق وما أثبتم إلا أمرين أحدهما كونه واجبا بغيره والثاني كونه ~~جايزا بذاته وكونه واجبا بغيره أوجب عقلا أو نفسا وكونه ممكنا بذاته أوجب ~~صورة ومادة فقد أثبتم صدور موجودين جوهرين قائمين بذاتيهما من وجه واحد ~~وذلك أيضا يناقض مذهبهم. # وأراد من تكيس منهم أن يعتذر عن هذين الإلزامين فقال إن الواحد لا يصدر ~~عنه إلا واحد كما ذكرنا إلا أن العقل الأول إنما يكثر باعتبارات ذاته لا ~~بما استفاد من غيره لأن الإمكان له من ذاته لا من غيره والوجود له من غيره ~~لا من ذاته فلم يستفد الكثرة من واجب الوجود لعمري لما حصل العقل حصلت له ~~اعتبارات أربعة أحدها كونه واجبا بغيره والثاني كونه عقلا والثالث كونه ~~واحدا في ذاته والرابع كونه ممكنا في ذاته فأوجب من حيث هو عقل عقلا ومن ~~حيث هو موجود بواجب الوجود نفسا ومن حيث هو واحد صورة ومن حيث هو مكن مادة ~~وهذه الاعتبارات لما كانت مختلفة الحقائق أوجبت جواهر مختلفة الأنواع. # انظروا بعين الاعتبار إلى هذا الاعتذار هل هو إلا ms038 تحكم محض لم يقم عليه ~~دليل عقلي ولا شاهد حسي بل هو أقل رتبة من طرد الفقها أرادوا بناء أشرف ~~الموجودات كمالا على اعتبارات كلها ترجع إلى عبارات فنطالبهم أولا بصحة هذه ~~المناسبات ولا يجدون إلى إثباتها سبيلا. # ثم نقول كونه واجب الوجود بغيره أمر إضافي لا محالة لأن كون واجب الوجود ~~مبدأ وعلة أو موجبا ومبدعا أمر إضافي لا تتكثر به الذات فإذا كان الإيجاب ~~إضافة فيكون بين الموجب والموجب إضافة لا محالة والأمر الإضافي قد يتكثر ~~ويتعدد ولا تتكثر به الذات فلو صلح أن يكون موجبا في العقل الأول العقل ~~الآخر لصح مثله في واجب الوجود بذاته فهلا كثرت الإضافات في حق واجب الوجود ~~حتى تتحقق له نسبة إيجاب إلى موجب فتتكثر النسب الإضافية ولا تتكثر بها ~~الذات وهذا كما يقدرونه في العقل الفعال الذي هو واهب الصور على العالم ~~الجسماني فإنه ما من صورة تحدث في العالم إلا وهي من فيضه وسنخه ثم تختلف ~~الصور باختلاف الأنواع والأصناف إلى ما لا يتناهى ولا تختلف الصفات في ~~الفايض بل هو على نعت واحد والصور تختلف وتتكثر بحسب القوابل والحوامل ولو ~~اختلفت النسب فإنما هي إضافات لا صفات حقيقية كذلك يجب أن يقال في واجب ~~الوجود بذاته أنه ينسب إليه الكل نسبة واحدة من حيث وجودها الممكن ثم ~~الاختلاف يحصل في القوابل أو تكون الإضافات والسلوب كثيرة وتتعدد الموجبات ~~بحسب تلك ولا يوجب ذلك كثرة في الذات كما قالوا في المعلول الأول. PageV01P021 # ونقول كون العقل الأول عقلا أمر سلبي عندكم لأن معنى كونه عقلا أنه مجرد عن ~~المادة والتجريد عن المادة سلب المادة ونفيها والنفي كيف يناسب وجود جوهر ~~عقلي هو عقل كيف والسلوب كثيرة فهلا أوجب بكل سلب جوهرا عقليا فإنه كما ~~يسلب عنه المادة يسلب عنه الصورة أعني الصورة الجسمية ويسلب عنه الكيفية ~~والكمية والوضع والحيز والمكان والزمان ولم يجب أن يقال يلزم عنه بكل سلب ~~جوهر عقلي ومثل هذه السلوب تتحقق في حق واجب الوجود أيضا ms039 ولا يوجب كل سلب ~~جوهرا عقليا وإن سلم ذلك حصل غرضنا من إضافة الكل إليه. # ثم نقول لم صار كونه واجب الوجود بغيره أولى بإيجاب نفس من كونه مجردا عن ~~المادة ولو عكس الأمر فجعل ما ذكرتموه بالغير موجبا للعقل وما ذكرتموه من ~~التجرد عن المادة موجبا للنفس أي محال كان يلزم منه وأي خلل كان يحصل وهل ~~هذا إلا تحكم بارد بني على تقليد أو تقليد استند إلى تحكم. # ونقول عددتم اعتبارات أربعة وقضيتم بوحدة العقل في ذاته وقلتم أن الوحدة ~~توجب نفسا أو جسما فبينوا ما هو المستفاد من الباري تعالى وما هو له من ~~ذاته فإن الذي له من ذاته ليس إلا إمكان الوجود بقيت اعتبارات ثلاثة وإن ~~كانت مستفادة من الأول استدعت ثلاث مقتضيات وواجب الوجود واحد من كل وجه ~~وإن كانت له لذاته أي من لوازم ذاته فقد بطل قولكم إن الذي له من ذاته هو ~~الإمكان فقط ثم الإمكان لا يناسب إلا المادة لأن طبيعة المادة طبيعة عدمية ~~لها استعداد قبول الصور والإمكان طبيعة عدمية أيضا لها استعداد قبول الوجود ~~بقيت الصورة لا موجب لها. # ومما يقضى منه العجب أن الجسم الذي هو مركب من جوهرين مختلفين مادة وصورة ~~لا يجوز أن يوجب جسما مثله وشيء ما له وجود بغيره وإمكان بذاته يوجب جواهر ~~عقلية حقيقية مختلفة بالنوع لا يجوز أن تشترك في مادة مع أن الإمكان ليس ~~يتحقق له وجود إلا في الذهن والمادة يتحقق لها وجود في الخارج فعرف بهذه ~~الاعتراضات أن الواسطة التي أوجبوا وجودها حتى توجب الموجودات لا يحتاج إليها. # ثم نقول من أين أثبتم أربع اعتبارات في الصادر الأول حتى صدرت عنه أربعة ~~جواهر فما قولكم في الصادر الثاني والثالث أفيصدر عن كل واحد على مثال ما ~~صدر من الأول أو يتغير الترتيب فإن كان على مثال الأول فيجب أن يصدر عن كل ~~واحد من الأربعة أربعة جواهر فيتضاعف الأعداد أربعة في أربعة وذلك على خلاف ~~الوجود أو يصدر ms040 عن العقل الثاني أربعة أخرى فما الموجب للوقوف على تسعة من ~~العقول أو تسع من النفوس وتسعة من الأفلاك وأربعة من العناصر فهلا زاد إلى ~~ما لا يتناهى أو هلا زاد بعدد معلوم أو هلا نقص فهل الانتهاء إلى عدد معلوم ~~ثم الوقوف عليه إلا تحكم محض ثم ما الموجب حتى يتغير التأثير من السماوي ~~المتركب تركيبا لا ينحل قط المتحرك تحركا على الاستدارة لا يسكن قط إلى ~~العناصر والمركبات تركيبا لا يدوم قط ولا يثبت على حال قط المتحركة تحركا ~~على الاستقامة ثم الانتهاء إلى النفس الإنسانية والوقوف عليها آخرا وما ~~الموجب لتقدير النجوم والشمس والقمر بأقدارها المعلومة حتى صار منها ما هو ~~أكبر ومنها ما هو أصغر وما الموجب لتعيين القطبين بالموضع المعلوم مع أن كل ~~كرة واحدة وليس بعض الأجزاء بتعين القطب فيه أولى من البعض فإن كنتم شرعتم ~~في طلب العلة لكل شيء وادعيتم أن كمال نفس الإنسان في أن تتجلى لها حقائق ~~الموجودات وتصرفتم بالفكر العقلي في الهيئات وكيفية الإبداع فأفيدونا جواب ~~هذه الأسولة وإذ رأينا انحصاركم وتحيركم ورأينا الوجود على خلاف الترتيب ~~الذي وضعتم ولم تستمر قاعدتكم على ما مهدتم عرف بطلان مذهبكم من كل وجه ~~وعلم بالضرورة استناد الموجودات إلى صانع عالم قادر مختار ابتدع الخلق ~~بقدرته وإرادته ابتداعا واخترعهم على مشيئته اختراعا ثم سلكهم في طرق ~~إرادته وبعثهم على سبيل محبته لا يملكون تأخرا عما قدمهم إليه ولا يستطيعون ~~تقدما إلى ما أخرهم عنه وهذا القدر يكفي في هذه المسئلة من الرد على ~~الفلاسفة المتفقين على رأي أرسطاطاليس وسنرد على الباقين عند تعقبنا آراء ~~أرباب المقالات إن شاء الله تعالى. PageV01P022 # وأما المجوس فمذهبهم يدور على قاعدتين أحديهما ذكر سبب امتزاج النور ~~والظلمة والثانية ذكر سبب خلاص النور من الظلمة والأولى هي المبدأ والثانية ~~هي المعاد وذلك انه لما ألزم عليهم أن النور إذا كان ضد الظلمة جوهرا وطبعا ~~وفعلا وحيزا وهما متنافران ذاتا وطبيعة فكيف امتزجا وما الموجب لاجتماعهما ~~حتى حصل الامتزاج ms041 وحصل بحصول الامتزاج صور هذا العالم ثم هل يبقى هذا ~~الامتزاج أبد الدهر ويلزم عليهم كون أجزاء النور معذبة أبد الآبدين أو ~~تتخلص يوما ما فما الموجب للخلاص. # فصار مدار المسئلة معهم على تقرير هذين الركنين. # قالت طائفة منهم أن النور فكر في نفسه فكرة ردية فحدث منها الظلام متشبثا ~~ببعض أجزاء النور وهذا قول من قال بحدوث الظلام. # فيقال لهم إذا كان النور خيرا لا شر فيه بوجه ما فما الموجب لحدوث الفكرة ~~الردية فإن حدثت بنفسها فهلا حدث الظلام بنفسه من غير أن ينسب إليه وإن حدث ~~بالنور فالنور كيف أحدث أصل الشر ومنبع الفساد فإنه إن كان كل فساد في ~~العالم إنما انتسب إلى الظلام والظلام انتسب إلى الفكرة كانت الفكرة مبدأ ~~الشر والفساد. # ومن العجب أنهم اعتذروا حتى لم ينسبوا شرا جزئيا إلى النور في الحوادث ~~ولزمهم أن ينسبوا كل الشر وأصل الفساد إليه. # ومن قال بقدم الظلام فالرد عليه أن العقل يقضي ضرورة أن شيئين متنافرين ~~غاية التنافر طبعا لا يمتزجان إلا بقاسر فإنهما لو امتزجا بذاتيهما بطل ~~تنافرهما بذاتيهما وما هو متنافر ذاتا لا يجوز أن يجتمع ذاتا فالذات ~~الواحدة لا توجب اجتماعا وافتراقا وذلك يقتضي ألا يحصل وجود ما وقد حصل فهو خلف. # ونقول أيضا الظلام لا يخلو إما أن يكون موجودا حقيقة أو لم يكن فإن كان ~~وجوده وجودا حقيقيا فقد ساوى النور في الوجود وبطل الامتياز عنه من كل وجه ~~وكذلك إن ساواه في القدم والوحدة ثم الوجود من حيث هو وجود خير لا محالة ~~فلم يكن الظلام شرا وإن لم يكن موجودا حقيقة فما ليس بموجود حقيقة كيف يكون ~~قديما وكيف ينافي ضده وكيف يحصل منه امتزاج وكيف يحصل من امتزاجه وجود ~~العالم. # ونقول أيضا عندكم وجود خير من شر ووجود شر من خير لا يتصور. # ومن قال بحدوث الظلام فقد لزمه حدوث شر من خير ثم حدوث العالم من ~~الامتزاج وذلك حدوث خير من شر. # ومن قال بقدمه فقد ms042 لزمه حصول العالم من الامتزاج والامتزاج إن كان خيرا ~~فهو حصول خير من شر وإن كان شرا فهو حصول شر من خير ثم لو كان الامتزاج ~~خيرا أوجب أن يكون الخلاص شرا لأنه ضده ولو كان شرا فالخلاص خير وعلى أي ~~وجه قدر فلا بد من حصول خير من شر وحصول شر من خير. # ونقول أيضا العقل بالضرورة يقضي بأن امتزاج جوهرين بسيطين لا يقتضي إلا ~~طبيعة واحدة ونحن نرى مختلفات في العالم اختلافا في النوع والشخص والحقيقة ~~والصورة على طبائع مختلفة وأعراض متضادة وهذه المختلفات تستحيل أن تحصل من ~~امتزاج أمرين بسيطين فقط فإنهما لا يوجبان أمورا على خلاف ذاتيهما ولا ~~يوجدان أكوانا على ضد طبيعتيهما فقد بطل قولهم أن الكون والكائنات حصلت من ~~الامتزاج بل لا بد من إسنادهما إلى فاطر حكيم قادر عليم. # وأما الكلام على المعتزلة فنذكر أولا طريق أهل السنة في إسناد الكائنات ~~إلى الله سبحانه خلقا وإبداعا. # ولهم طريقان في ذلك أحدهما قولهم الأفعال المحكمة دالة على علم مخترعها ~~إذ الاتقان والإحكام من آثار العلم لا محالة وإذا كان الفعل صادرا من فاعل ~~متقن فيجب أن يكون من آثار علم ذلك الفاعل ومن المعلوم أن علم العبد لا ~~يتعلق قط بما يفعله من كل وجه بل لو علمه علمه من وجه دون وجه علم جملة لا ~~علم تفصيل فوجوه الإحكام في الفعل لم تدل على علمه وليست من آثار علمه ~~فيتعين أن الفاعل غيره وهو الذي أحاط به علما من كل وجه وهذه الطريقة هي ~~التي اعتمد عليها الشيخ أبو الحسن الأشعري رضي الله عنه وأوردها في كتبه ~~وفرضها في الغافل إذا صدر عنه فعل. PageV01P023 # والحق أن الدليل ليس بمختص بالغافل فإن الغافل كما لم يحط علما بالفعل من ~~كل وجه كذلك العالم لم يحط به علما من كل وجه والفاعل الخالق يجب أن يكون ~~محيطا بالفعل من كل وجه إذ الأحكام إنما يثبت فيه من آثار علمه لا من آثار ~~علم غيره ويدل ms043 على علمه لا على علم غيره فكما يستحيل إيجاد الفعل واختراعه ~~على جهل وغفلة بالمخلوق المخترع من كل وجه كذلك يستحيل إيجاده على غفلة من ~~وجه قال الله تعالى " ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير " فإن قيل هذا ~~الدليل لا يصلح لإثبات استحالة حدوث الفعل بالقدرة الحادثة فإن إحاطة العبد ~~بالفعل من كل وجه غير مستحيل وإن لم يتفق في الصورة المذكورة وقوعا لا ~~وجوبا فلو قدر تعلق العلم الحادث بالفعل من كل وجه وجب أن تجوزوا حصول ~~الفعل بالقدرة الحادثة من كل وجه لأن الأحكام والإتقان فيه دل على علم ~~الفاعل ومع ذلك لم يجز على أصلكم فدل أن الاستدلال بانتفاء العلم من كل وجه ~~باطل وأيضا فإن القدر الذي تعلق العلم به وجب أن يكون مخلوقا للعبد وعندنا ~~العلم بالفعل من كل وجه غير شرط بل العلم بأصل وجوده شرط كونه فاعلا وهو لم ~~يعدم ذلك. # والجواب أنا ما أنشانا هذا الدليل لبيان استحالة حدوث الفعل بالقدرة ~~الحادثة بل لنفي كون العبد خالقا لأفعاله التي يثاب ويعاقب عليها إذ لو كان ~~خالقا لدل الأحكام في فعله على علمه لكن لم يدل فلم يكن خالقا لأنه لو كان ~~خالقا لكان عالما بخلقه من كل وجه لكنه ليس بعالم به من كل وجه فليس بخالق. # هذا وجه دلالة هذا النظر فلا يلزمنا تقدير الإحاطة به من كل وجه فإن ~~انتفاء العلم إذا دل على انتفاء الخالقية لم يلزم أن يدل وجود العلم على ~~ثبوت الخالقية بل هو عكس الأدلة والدليل لا ينعكس . # ولو تصدينا لبيان الاستحالة صغنا الدليل صياغة أخرى فقلنا لو كان الفعل ~~منتسبا إلى العبد إبداعا لوجب أن يكون في حال إبداعه عالما بجميع أحواله ~~ويستحيل من العبد الإحاطة بجميع وجوه الفعل في حالة واحدة لأمرين أحدهما أن ~~العلم الحادث لا يتعلق بمعلومين في حالة واحدة وذلك لجواز طريان الجهل على ~~العالم بأحد الوجهين فيؤدي إلى أن يكون عالما جاهلا بمعلوم واحد في حالة ~~واحدة ويكون علمه ms044 علما من وجه وجهلا من وجه. # الثاني أن وجوه المعلومات في الفعل تنقسم إلى ما يعلم ضرورة وإلى ما يعلم ~~نظرا فيحتاج حالة الإيجاد في تحصيل ذلك العلم إلى نظر وهو اكتساب ثان وربما ~~يحتاج إلى معرفة الضروري والنظري من وجوه الاكتساب فيؤدي إلى التسلسل حتى ~~لا يصل إلى إيجاد الفعل المطلوب وعن هذا المعنى صار كثير من عقلاء الفلاسفة ~~إلى أن الإيجاد لن يحصل إلا بالعلم حتى لو تصور من الإنسان العلم بوجوه ~~الفعل كليا وجزيا ومحلا ومكانا وزمانا وعددا وشكلا وعرضا وكمالا لتصور منه ~~الإيجاد والإبداع وعن هذا صاروا إلى أن علم الباري سبحانه بذاته هو المبدئ ~~لوجود الفعل الأول وفرقوا بين العلم الفعلي والعلم الانفعالي وإنما يحتاج ~~الإنسان إلى القدرة والإرادة والدواعي والآلات والأدوات لأن علمه لن يتصور ~~أن يكون علما فعليا بل علومه كلها انفعالية ولذلك اتفق المتكلمون بأسرهم ~~على أن العلم يتبع المعلوم فيتعلق به على ما هو به ولا يكسبه صفة ولا يكتسب ~~عنه صفة وهذا هو سر هذه الطريقة ونهايتها. # أما الطريق الثاني في بيان استحالة كون القدرة الحادثة صالحة للإيجاد. # فنقول لو صلحت للإيجاد لصلحت لإيجاد كل موجود من الجواهر والأعراض وذلك ~~لأن الوجود قضية واحدة تشمل الموجودات وهو من حيث أنه وجود لا يختلف فليس ~~يفضل الجوهر العرض في الوجود من حيث أنه وجود بل من وجه آخر وهو القيام ~~بالنفس والحجمية والتحيز والاستغناء عن المحل وعند الخصم هذه كلها صفات ~~تابعة للحدوث وليست من آثار القدرة وأما الشيئية والعينية والجوهرية ~~والعرضية فهي أسماء أجناس عنده ثابتة في العدم ليست أيضا من آثار القدرة ~~فلم يبق من الصفات وجه لتعلق القدرة إلا الوجود وهو لا يختلف في الموجودات ~~وجهة الصلاحية أيضا وفي القدرة جهة واحدة فلو صلحت لإيجاد موجود ما صلحت ~~لإيجاد كل موجود لكنها لا تصلح لإيجاد بعض الموجودات من الجواهر وأكثر ~~الإعراض فلم تصلح لإيجاد موجود ما. PageV01P024 # ومما يوضحه أن الصلاحية لو اختلفت بالنسبة إلى موجود وموجود لاختلفت ~~بالنسبة ms045 إلى قدرة وقدرة حتى يقال تصلح قدرة زيد لحركة ولا تصلح قدرة عمرو ~~لمثل تلك الحركة بل عند الخصم لما شملت الحقيقة جميع قدر البشر استوت كلها ~~في الصلاحية كذلك شملت حقيقة الوجود جميع الموجودات فيجب أن تستوي في قبول ~~أثر الصلاحية بل يمكن أن يقال أن الصلاحية ليست تابعة لحقيقة القدرة بل هي ~~مختلفة بالنسب وعن هذا صلحت للإيجاد عندهم ولم تصلح للإعادة والإعادة إيجاد ~~ثان وصلحت لتحصيل العلم ولم تصلح للغفلة عن ذلك العلم. # ومما يوضحه أن صلاحية القدرة لم تخل من أحد الأمرين إما أن تثبت عموما ~~فيجب أن لا يختلف بالنسبة إلى موجود دون موجود كما بينا وإما أن تثبت خصوصا ~~ولا دليل على التخصيص لبعض الموجودات دون البعض سرى جريان العادة بما ~~ألفناه من الأفعال المنسوبة إلى العباد وسنبين أن ذلك على أي وجه يثبت ~~وبالجملة فليس يصلح ذلك دليلا على حصر صلاحية القدرة فيها دون سائر ~~الموجودات تجويزا وإمكانا. # فإن قيل ألستم أوجبتم تعلق القدرة الحادثة ببعض الموجودات دون البعض ~~وسميتم نفس التعلق كسبا فما ذكرتموه في التعلق والكسب من التخصيص فهو ~~جوابنا في الإيجاد من التخصيص. # ومن العجب أنكم تنكرون تأثير القدرة الحادثة وتثبتون التعلق فهلا جوزتم ~~عموم التعلق حتى يتعلق بكل موجود قديم أو حادث جوهر أو عرض فإن خصصتم ~~التعلق مع نفي التأثير فلا تستبعدوا منا تخصيص التعلق مع إثبات التأثير. # والجواب قلنا نحن بينا القدرة الحادثة وتعلقها بالمقدور ولم نثبت عموم ~~التعلق ولا لزمنا ذلك إذ لم نعين جهة التأثير بالوجود والحدوث وأنتم عينتم ~~جهة التأثير بالوجود من حيث هو وجود قضية عامة فلزمكم عموم التعلق والتأثير ~~في كل موجود واستحال على أصلكم حصر صلاحية القدرة في بعض الموجودات دون البعض. # ولم يثبت شيخنا أبو الحسن رحمه الله للقدرة الحادثة صلاحية أصلا لا لجهة ~~الوجود ولا لصفة من صفات الوجود فلم يلزمه التعميم والتخصيص وأما القاضي ~~أبو بكر فقد أثبت لها أثرا كما سنذكره ولكنه يبرئ جهة الوجود عن التأثير ms046 ~~فيه فلم يلزمه التعميم. # قال القاضي الإنسان يحس من نفسه تفرقة ضرورية بين حركتي الضرورية ~~والاختيارية كحركة المرتعش وحركة المختار والتفرقة لم ترجع إلى نفس ~~الحركتين من حيث الحركة لأنهما حركتان متماثلتان بل إلى زايد على كونهما ~~حركة وهو كون أحدهما مقدورة مرادة وكون الثانية غير مقدورة ولا مرادة ثم لم ~~يخل الأمر من أحد حالين إما أن يقال تعلقت القدرة بأحديهما تعلق العلم من ~~غير تأثير أصلا فيؤدي ذلك إلى نفي التفرقة فإن نفي التأثير كنفي التعلق ~~فيما يرجع إلى ذاتي الحركتين والإنسان لا يجد التفرقة فيهما وبينهما إلا في ~~أمر زايد على وجودهما وأحوال وجودهما وإما أن يقال تعلقت القدرة بأحديهما ~~تعلق تأثير لم يخل الحال من أحد أمرين إما أن يرجع التأثير إلى الوجود ~~والحدوث وإما أن يرجع إلى صفة من صفات الوجود والأول باطل بما ذكرناه أنه ~~لو أثر في الوجود لأثر في كل موجود فتعين أنه يرجع التأثير إلى صفة أخرى ~~وهي حال زائدة على الوجود قال وعند الخصم قادرية الباري سبحانه لم تؤثر إلا ~~في حال هو الوجود لأنه أثبت في العدم سائر صفات الأجناس من الشيئية ~~والجوهرية والعرضية والكونية واللونية إلى أخص الصفات من الحركات والسكون ~~والسوادية والبياضية فلم يبق سوى حالة واحدة هي الحدوث فليأخذ مني في قدرة ~~العبد مثله. # فألزمه أصحابه أنك أثبت حالا مجهولة لا ندري ما هي إذ لا اسم لها ولا معنى. PageV01P025 # قال بل هي معلومة بالدليل والتقسيم الذي أرشدنا إليه كما بينا فإن لم تتيسر ~~لي عبارة عنها باسم خاص لم يضر ذلك ألسنا أثبتنا وجوها واعتبارات عقلية ~~للفعل الواحد وأضفنا كل وجه إلى صفة أثرت فيه مثل الوقوع فإنه من آثار ~~القدرة والتخصيص ببعض الجائزات فإنه من آثار الإرادة والأحكام فإنه من ~~دلائل العلم وعند الخصم كون الفعل واجبا أو ندبا أو حلالا أو حراما أو حسنا ~~أو قبيحا صفات زائدة على وجوده بعضها ذاتية للفعل وبعضها من آثار الإرادة ~~وكذلك الصفات التابعة للحدوث مثل كون ms047 الجوهر متحيزا وقابلا للعرض فإذا جاز ~~عنده إثبات صفات هي أحوال واعتبارات زائدة على الوجود لا تعلق بها القادرية ~~وهي معقولة ومفهومة فكيف يستبعد مني إثبات أثر للقدرة الحادثة معقولا ~~ومفهوما ومن أراد تعيين ذلك الوجه الذي سماه حالا فطريقه أن يجعل حركة مثلا ~~اسم جنس يشمل أنواعا وأصنافا أو اسم نوع يتمايز بالعوارض واللوازم فإن ~~الحركات تنقسم إلى أقسام فمنها ما هو كتابة ومنها ما هو قول ومنها ما هو ~~صناعة باليد وينقسم كل قسم إلى أصناف فكون حركة اليد كتابة وكونها صناعة ~~متمايزان وهذا التمايز راجع إلى حال في إحدى الحركتين تتميز بها عن الثانية ~~مع اشتراكهما في كونهما حركة وكذلك الحركة الضرورية والحركة الاختيارية ~~فتضاف تلك الحالة إلى العبد كسبا وفعلا ويشتق له منها اسم خاص مثل قام وقعد ~~وقائم وقاعد وكتب وقال وكاتب وقائل ثم إذا اتصل به أمر ووقع على وفاق الأمر ~~سمي عبادة وطاعة فإذا اتصل به نهي ووقع على خلاف الأمر سمي جريمة ومعصية ~~ويكون ذلك الوجه هو المكلف به وهو المقابل بالثواب أو العقاب كما قال الخصم ~~إن الفعل يقابل بالثواب أو العقاب لا من حيث أنه موجود بل من حيث أنه حسن ~~أو قبيح والقبح والحسن حالتان زائدتان على كونه فعلا وكونه موجودا وهو أبعد ~~من العدل والقاضي أقرب إلى العدل فإنه أضاف إلى العبد ما لم يقابل بثواب أو ~~عقاب وقابل بالثواب والعقاب ما لم يكن من آثار قدرته والقاضي عين الجهة ~~التي هي عنده لم تقابل بالجزاء فأثبتها فعلا للرب وعين الجهة التي هي فعل ~~العبد وكسبه فقابلها بالجزاء وذلك هو العدل. # ومما يوضح طريقة القاضي ويبين أنه ما خالف الأصحاب تلك المخالفة البعيدة ~~أن الفعل ذو جهات عقلية واعتبارات ذهنبة عامة وخاصة كالوجود والحدوث ~~والعرضية واللونية وكونه حركة أو سكونا وكون الحركة كتابة أو قولا وليس ~~الفعل بذاته شيئا من هذه الوجوه بل هي كلها مستفادة له من الفاعل والذي له ~~بذاته هو الإمكان فقط وأما وجوده فمستفاد ms048 من موجده على الوجه الذي هو به ~~وهو أعم الوجوه وأما كونه كتابة أو قولا فمستفاد من كاتبه أو قائله وهو أخص ~~الوجوه فيتميز الوجهان تميزا عقليا لا حسيا وتغاير المتعلقان تغايرا سمي ~~أحدهما إيجادا وإبداعا وهو نسبة أعم الوجوه إلى صفة لها عموم التعلق وسمي ~~الثاني كسبا وفعلا وهو نسبة أخص الوجوه إلى صفة لها خصوص التعلق فهو من حيث ~~وجوده يحتاج إلى موجد ومن حيث الكتابة والقول يحتاج إلى كاتب وقائل والموجد ~~لا تتغير ذاته أو صفته لوجود الموجد ويشترط كونه عالما بجميع جهات الفعل ~~والمكتسب تتغير ذاته وصفته لحصول الكسب ولا يشترط كونه عالما بجميع جهات الفعل. PageV01P026 # وبيان آخر نقول جلت القدرة الأزلية عن أن يكون لها صلاحية مخصوصة مقصورة ~~على وجوه من الفعل مخصوصة وقصرت القدرة الحادثة عن أن يكون لها صلاحية عامة ~~شاملة لجميع وجوه الفعل وذلك أن صلاحية القدرة الحادثة لم تشمل جميع ~~الموجودات بالاتفاق فلا تصلح لإيجاد الجوهر وكل عرض بل هي مقصورة على حركات ~~مخصوصة والقدرة الحادثة فيها مختلفة الصلاحية حتى يمكن أن يقدر نوعية ~~مخصوصة في القدرة الحادثة لتنوع الصلاحية فلذلك اقتصرت على بعض الموجودات ~~دون البعض بخلاف قدرة الباري سبحانه فإن صلاحيتها واحدة لا تختلف فيجب أن ~~يكون متعلقها واحدا لا يختلف وذلك هو الوجود فإذا لم يجز أن يضاف أخص ~~الأوصاف إلى الباري سبحانه لأنه يؤدي إلى قصوره في الصلاحية كذلك لا يجوز ~~أن يضاف أعم الأوصاف إلى القدرة الحادثة لأنه يؤدي إلى كمال في الصلاحية ~~فلا ذاك الكمال مسلوب عن القدرة الإلهية ولا هذا الكمال ثابت للقدرة ~~الحادثة فينعم النظر فيه لأن فيه خلاص فلا يجوز أن يضاف إلى الموجد ما يضاف ~~إلى المكتسب حتى يقال هو الكاتب القائل القاعد القائم ولا يجوز أن يضاف إلى ~~المكتسب ما يضاف إلى الموجد حتى يقال هو الموجد المبدع الخالق الرازق. # وعن هذا كان الجواب المرتضى عند التمييز بين الخلق والكسب أن الخلق هو ~~الموجود بإيجاد الموجد ويلزمه حكم وشرط. # أما ms049 الحكم فإن لا يتغير الموجد بالإيجاد فيكسبه صفة ولا يكتسب عنه صفة. # وأما الشرط أن يكون عالما به من كل وجه والكسب هو المقدور بالقدرة ~~الحادثة ويلزمه حكم وشرط. # أما الحكم فأن يتغير المكتسب بالكسب فيكسبه صفة ويكتسب عنه صفة . # وأما الشرط فأن يكون عالما ببعض وجوه الفعل أو نقول يلزمه التغيير ولا ~~يشترط العلم به من كل وجه. # وهذا تحقيق ما قاله الأستاذ أن كل فعل وقع على التعاون كان كسبا للمستعين ~~وحقيقة الكسب من المكتسب هو وقوع الفعل بقدرته مع تعذر انفراده به وحقيقة ~~الخلق هو وقوع الفعل بقدرته مع صحة انفراده به وهذا أيضا شرح لما قاله ~~الأستاذ أبو بكر أن الكسب هو أن تتعلق القدرة به على وجه ما وإن لم تتعلق ~~به من جميع الوجوه والخلق هو أنشأ العين وإيجاد من العدم فلا فرق بين ~~قوليهما وقول القاضي إلا أن ما سمياه وجها واعتبارا سماه القاضي صفة وحالا. # ونجا أبو الحسن رحمه الله حيث لم يثبت للقدرة الحادثة أثرا أصلا غير ~~اعتقاد العبد بتيسير الفعل عند سلامة الآلات وحدوث الاستطاعة والقدرة والكل ~~من الله تعالى. # وغلا إمام الحرمين حيث أثبت للقدرة الحادثة أثرا هو الوجود غير أنه لم ~~يثبت للعبد استقلالا بالوجود ما لم يستند إلى سبب آخر ثم تتسلسل الأسباب في ~~سلسلة الترقي إلى الباري سبحانه وهو الخالق المبدع المستقل بإبداعه من غير ~~احتياج إلى سبب وإنما سلك في مسلك الفلاسفة حيث قالوا بتسلسل الأسباب ~~وتأثير الوسائط الأعلى في القوابل الأدنى وإنما حمله على تقرير ذلك ~~الاحتراز عن ركاكة الجبر والجبر على تسلسل الأسباب ألزم إذ كل مادة تستعد ~~لصورة خاصة والصور كلها فائضة على المواد من واهب الصور جبرا حتى الاختيار ~~على المختارين جبر والقدرة على القادرين جبر وحصول الأفعال من العباد عند ~~النظر إلى الأسباب جبر وترتيب الجزا على الأفعال جبر وهو كالمرض يحصل عند ~~سوء المزاج وكالسلامة تحصل عند اعتدال المزاج وكالعلم يحصل عند تجريد العقل ~~عن الغفلة وكالصورة تحصل في ms050 المرآة عند التصقيل فالوسايط معدات لا موجدات ~~وما له طبيعة الإمكان في ذاته استحال أن يكون موجدا على حقيقة كما بينا. # أما شبهة المعتزلة فتنحصر في مسلكين أحدهما مدارك العقل والثاني مدارك السمع. PageV01P027 # أما الأول فقالوا الإنسان يحس من نفسه وقوع الفعل على حسب الدواعي والصوارف ~~فإذا أراد الحركة تحرك وإذا أراد السكون سكن ومن أنكر ذلك جحد الضرورة ~~فلولا صلاحية القدرة الحادثة لإيجاد ما أراد لما أحس من نفسه ذلك قالوا ~~وأنتم وافقتمونا على إحساس التفرقة بين حركة الضرورة والاختيارية ولم يخل ~~الحال من أحد أمرين إما أن يرجع إلى نفس الحركتين من حيث أن أحديهما واقعة ~~بقدرته والثانية واقعة بقدرة غيره وإما أن يرجع إلى صفة في القادر من حيث ~~أنه قادر على أحديهما غير قادر على الثانية فإن كان قادرا فلا بد له من ~~تأثير في مقدوره ويجب أن يتعين الأثر في الوجود لأن حصول الفعل بالوجود لا ~~بصفة أخرى تقارن الوجود وما سميتموه كسبا غير معقول فإن الكسب إما أن يكون ~~شيئا موجودا أو لم يكن شيئا موجودا فإن كان شيئا موجودا فقد سلمتم التأثير ~~في الوجود وإن لم يكن موجودا فليس بشيء. # وأكدوا ما قالوه بقولهم إثبات قدرة لا تأثير لها كنفي القدرة فإن تعلقها ~~بالمقدور كتعلق العلم بالمعلوم ولا يجد الإنسان تفرقة بين حركتين في أن ~~أحديهما معلومة والثانية مجهولة ويجد التفرقة بينهما في أن أحديهما مقدورة ~~والثانية غير مقدورة. # قلنا وقوع الفعل على حسب الدواعي ممنوع بل هو نفس المتنازع فيه ودعوى ~~الضرورة فيه غير مستقيم لمخالفتنا إياكم في ذلك ولانتقاضه عليكم طردا وعكسا ~~فإن أفعال النائم والساهي والغافل لم تقع على حسب الدواعي وهي منسوبة إلى ~~العباد نسبة الإيجاد عندكم وكثير من الأعراض وقع على حسب الدواعي وهي غير ~~منسوبة إلى العباد نسبة الإيجاد عندكم بالاتفاق كالألوان التي تحصل بالصبغ ~~والطعوم التي تحصل بالمزج والحرارة والرطوبة والبرودة واليبوسة عند تقريب ~~الأجرام بعضها من بعض والشبع عند الطعام والري عقيب الشرب والفهم عند ms051 ~~الإفهام إلى غير ذلك مما أجرى الله تعالى العادة به فلا دعوى الضرورة صحيحة ~~ولا الدليل مطرد وأنتم مدفوعون إلى إيراد حجة على نفس ما تنازعنا فيه وهو ~~إثبات تأثير القدرة الحادثة في الوجود من حيث هو وجود وما ذكرتموه من ~~التفرقة بين الحركتين أما الوجدان فمسلم لكن لم قلتم أن أحديهما موجودة ~~بالقدرة الحادثة فإنا قد بينا أنها راجعة إلى أحد أمرين إما إلى صفة في ~~المحل وإما إلى حال في الحركة وفصلناهما أحسن تفصيل وبالجملة الإيجاد غير ~~محسوس ولا يدرك بإحساس النفس ضرورة فقد وجدنا للتفرقة بين الحركتين ~~والحالتين مرجعا ومردا غير الوجود أليس من أثبت المعدوم شيئا عندكم ما رد ~~التفرقة إلى العرضية واللونية والحركية في أنها بالقدرة الحادثة فإنها صفات ~~نفسية ثابتة في العدم ولا إلى الاحتياج إلى المحل فإنها من الصفات التابعة ~~للحدوث فلذلك نحن لا نردها إلى الوجود فإنها من آثار القدرة الأزلية ونردها ~~إلى ما أنتم تقابلونه بالثواب والعقاب حتى ينطبق التكليف على المقدور ~~والمقدور على الجزا والدواعي والصوارف أيضا تتوجه إلى تلك الجهة فإن ~~الإنسان لا يجد في نفسه داعية الإيجاد ويجد دعاية القيام والقعود والحركة ~~والسكون والمدح والذم وهذه هيئات تحصل في الأفعال وراء الوجود تتميز عن ~~الوجود بالخصوص والعموم فإن شئت سميتها وجوها واعتبارات وبالجملة لا تنزل ~~في كونها معقولة عن درجة الاختصاص ببعض الجائزات الذي هو من أثر الإرادة ~~والأحكام والإتقان الذي هو من أثر العلم وكون الصيغة أمرا ونهيا ووعدا ~~ووعيدا بالإرادة. # والسر الذي دفعنا إلى ذلك عموم تعلق قدرة الباري سبحانه وتعالى وقادريته ~~واستدعاؤها أعم صفات الفعل وخصوص صلاحية القدرة الحادثة واستدعاؤها أخص ~~صفات الفعل فإن الفعل كان مقدورا للباري سبحانه وتعالى قبل تعلق القدرة ~~الحادثة أي هي على حقيقة الإمكان صلاحية والقدرة على حقيقة الإيجاد صلاحية ~~ونفس تعلق القدرة الحادثة لم تخرج الصلاحيتين عن حقيقتهما فيجب أن تبقى على ~~ما كانت عليه من قبل ثم يضاف إلى كل واحد من المتعلقين ما هو لائق فالوجود ~~من ms052 حيث هو وجود إما خير محض وإما لا خير ولا شر انتسب إلى الباري سبحانه ~~إيجادا وإبداعا وخلقا والكسب المنقسم إلى الخير والشر انتسب إلى العبد فعلا ~~واكتسابا وليس ذلك مخلوقا بين خالقين بل مقدورا بين قادرين من جهتين ~~مختلفتين أو مقدورين متمايزين لا يضاف إلى أحد القادرين ما يضاف إلى ~~الثاني. PageV01P028 # ثم نقول نحن نعكس عليكم الدليل فنستدل على أن الحركات ليست مخلوقة للعباد ~~بوقوع أكثرها على خلاف الدواعي والقصود فإن الإنسان إذا أراد تحريك يده في ~~جهة مخصوصة على حد مضبوط عنده مثل تحريك إصبعه على خط مستقيم لم يتصور ذلك ~~من غير انحراف عن الجهة المخصوصة وكذلك لو رمى سهما وقصد أن يمضي فأخطأ أو ~~رمى حجرا فأصاب موضعا وأراد أن يصيب في الرمي ثانيا لم يتأت له ذلك ويستمر ~~ذلك في جميع الصناعات المبنية على الأسباب فإن الاستداد والانحراف فيها ~~مرتب على حركات اليد والإنسان قاصر القدرة على تسديدها على حسب الداعية ~~فإذا وجدنا الدواعي ولم نجد التأتي ووجد التأتي ولم توجد الدواعي علمنا أن ~~اختلاف الأحوال والحركات دالة على مصدر آخر سوا دواعي الإنسان وصوارفه. # ومما يوضحه أن القدرة على الشيء قدرة على مثله وعلى ضده عند الخصم فلو ~~كانت الحركة الأولى تحدث بإحداثه لكان قادرا على مثلها أو على ضدها مثل ما ~~قدر على الأولى ولكانت الحركات لا تختلف أصلا عند اجتماع الدواعي. # المسلك الثاني لهم في إثبات الفعل للعبد إيجادا قولهم التكليف متوجه على ~~العبد بإفعل ولا تفعل فلم تخل الحال من أحد أمرين إما أن لا يتحقق من العبد ~~فعل أصلا فيكون التكليف سفها من المكلف ومع كونه سفها يكون متناقضا فإن ~~تقديره افعل يا من لا يفعل وأيضا فإن التكليف طلب والطلب يستدعي مطلوبا ~~ممكنا من المطلوب منه وإذا لم يتصور منه فعل بطل الطلب وأيضا فإن الوعد ~~والوعيد مقرون بالتكليف والجزا مقدر على الفعل والترك فلو لم يحصل من العبد ~~فعل ولم يتصور ذلك بطل الوعد والوعيد وبطل الثواب والعقاب ms053 فيكون التقدير ~~افعل وأنت لا تفعل ثم إن فعلت ولن تفعل فيكون الثواب والعقاب على ما لم ~~يفعل وهذا خروج عن قضايا الحس فضلا عن قضايا المعقول حتى لا يبقى فرق بين ~~خطاب الإنسان العاقل وبين الجماد ولا فصل بين أمر التسخير والتعجيز وبين ~~أمر التكليف والطلب. # قالوا ودع التكليف الشرعي أليس المتعارف منا والمعهود بيننا مخاطبة بعضنا ~~بعضا بالأمر والنهي وإحالة الخير والشر على المختار وطلب الفعل الحسن ~~والتحذير عن الفعل القبيح ثم ترتيب المجازات على ذلك ومن أنكر ذلك فقد خرج ~~عن حد العقل خروج عناد فلا يناظر إلا بالفعل مناظرة السفسطايية فيشتم ويلطم ~~فإن غضب بالشتم وتألم باللطم وتحرك للدفع والمقابلة فقد اعترف بأنه رأى من ~~المعامل شيئا ما وإلا فما باله غضب وتألم منه وأحال الفعل عليه وإن تصدى ~~للمقابلة فقد اعترف بأنه رأى من المعامل فعلا يوجب الجزا والمكافأة. # والجواب عن ذلك من وجهين أحدهما الالزامات على مذهبهم والثاني التحقيق ~~على موجب مذهبنا. # الأول أن تقول عينوا لنا ما المكلف به وما المطلوب بالتكليف فإن إجمال ~~القول بأن التكليف متوجه على العبد ليس يغني في تقدير أثر القدرة الحادثة ~~وتعيينه. # فإن قلتم المطلوب والمكلف به هو الوجود من حيث هو وجود فذلك محل التنازع ~~وكيف يكون الوجود هو المطلوب والوجود من حيث هو وجود لا يختلف في كونه ~~قبيحا وحسنا ومنهيا عنه ومأمورا به ومن المعلوم أن المطلوب بالتكليف مختلف ~~الجهة فمنه ما هو واجب فعله ويثاب عليه ويمدح به ومنه ما هو واجب تركه ~~ويعاقب على فعله ويذم عليه. # وإن قلتم المكلف به هو جهة يستحق المدح والذم عليه فهو مسلم وذلك الوجه ~~ليس يندرج تحت القدرة وما اندرج لم يكن مكلفا به فسقط الاحتجاج بالتكليف. # فإن قيل المقدور هو وجود الفعل إلا أنه يلزمه ذلك الوجه المكلف به لا ~~مقصودا بالخطاب. PageV01P029 # قيل لا يغنيكم هذا الجواب فإن التكليف لو كان مشعرا بتأثير القدرة في ~~الوجود كان المكلف به هو الوجود من حيث هو ms054 وجود لا غير ولكن تقدير الخطاب ~~أوجد الحركة التي إذا وجدت يتبعها كونها حسنة وعبادة وصلاة وقربة فما هو ~~مقصود بالخطاب غير موجود بإيجاده فيعود الإلزام عكسا عليكم افعل يا من لا ~~يفعل فليت شعري أي فرق بين مكلف به لا يندرج تحت قدرة المكلف ولا يندرج تحت ~~قدرة غيره وبين مكلف به اندرج تحت قدرة المكلف من جهة ما كلف به واندرج تحت ~~قدرة غيره من جهة ما لم يكلف به أليس القضيتان لو عرضتا على محك العقل كانت ~~الأولى أشبه بالجبر فهم قدرية من حيث أضافوا الحدوث والوجود إلى قدرة العبد ~~إحداثا وإيجادا وخلقا وهم جبرية من حيث لم يضيفوا الجهة التي كلف بها العبد ~~إلى قدرته كسبا وفعلا كما قيل أعور بأي عينيه شاء ثم يلزمهم الأعراض التي ~~اتفقوا على أنها حاصلة بإيجاد الباري سبحانه وقد ورد الخطاب بتحصيلها أو ~~بتركها وتوجه الثواب والعقاب عليها وهي أيضا مما يتعارفه الناس ويتداولونه ~~مثل الألوان والطعوم واستعمال الأدوية والسموم والجراحات المزهقة للروح ~~والفهم عقيب الإفهام والشبع عقيب الطعام إلى غير ذلك فإن هذه كلها حاصلة ~~بإيجاد الباري سبحانه وقد يرد الخطاب بتحصيلها عقيب أسباب يباشرها العبد. # ووجه الإلزام أن الخطاب يتوجه بتحصيل أعيانها مقصودا ولذلك يعاقب على قدر ~~ويمدح على قدر ومن المعلوم أن من استأجر صباغا ليبيض ثوبه فسوده غرم ومن ~~قتل إنسانا بسم استوجب القود ومن أحرق ثوب إنسان أو أغرق سفينة أو فتح بثقا ~~حتى هلك زرع أو هد به دار عوتب على ذلك وضمن وغرم فمورد التكليف ما اندرج ~~تحت القدرة وما اندرج تحت القدرة غير مورد التكليف. # والجواب عن السؤال من حيث التحقيق إنا قد بينا وجه الأثر الحاصل بالقدرة ~~الحادثة وهو وجه أو حال للفعل مثل ما أثبتموه للقادرية الأزلية فخذوا من ~~العبد ما يشابه فعل الخالق عندكم فلينظر إلى الخطاب بافعل لا تفعل أخوطب ~~أوجد أو لا توجد أو خوطب أعبد الله ولا تشرك به شيئا فجهة العبادة التي هي ~~أخص وصف ms055 للفعل صار عبادة بالأمر وذلك حاصل بتحصيل العبد مضاف إلى قدرته فما ~~يضركم إضافة أخرى نعتقدها وهي مثل ما اعتقدتموه تابعا فالوجود عندنا ~~كالتابع أو كالذاتي الذي كان ثابتا في العدم والفرق بيننا أنا جعلنا الوجود ~~متبوعا وأصلا وقلنا هو عبارة عن الذات والعين وأضفناه إلى الله سبحانه ~~وتعالى وجميع ما يلزمه من الصفات وأضفنا إلى العبد ما لا يجوز إضافته إلى ~~الله تعالى حيث لا يقال أطاع الله تعالى وعصى الله تعالى وصام وصلى وباع ~~واشترى وقام ومشى فلا تتغير صفاته بأفعاله فلا يعزب عن علمه ذرة من خلقه ~~بخلاف ما يضاف إلى العبد فإنه يشتق له وصف واسم من كل فعل يباشره وتتغير ~~ذاته وصفاته بأفعاله ولا يحيط علما بجميع وجوه اكتسابه وأعماله وهذا معنى ~~ما قاله الأستاذ أبو إسحاق أن العبد فاعل بمعين والرب فاعل بغير معين. # وأما على طريقة الشيخ أبي الحسن رحمه الله حيث لم يثبت للقدرة أثرا. # فالجواب عن هذه الالزامات مشكل عليه غير أنه يثبت تأتيا وتمكنا يحسه ~~الإنسان من نفسه وذلك يرجع إلى سلامة البنية واعتقاد التيسر بحكم جريان ~~العادة أن العبد مهما هم بفعل وأزمع على أمر خلق الله تعالى له قدرة ~~واستطاعة مقرونة بذلك الفعل الذي يحدثه فيه فيتصف به العبد وبخصائصه وذلك ~~هو مورد التكليف وإحساسه بذلك كإحساسه بالصفات التابعة للحدوث عندكم وإن لم ~~تكن هي أثر القدرة الحادثة. # ومما يوضح الجواب غاية الإيضاح أن التكليف بافعل ولا تفعل ورد بالاستعانة ~~بالله سبحانه وتعالى في نفس المكلف به كقوله تعالى: " إهدنا الصراط ~~المستقيم " وكقوله تعالى " ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا " وسواء كانت ~~الهداية نفسها هي المسؤولة بالدعاء أو الثبات عليها هو المسؤول ولا شك أن ~~العبد لو كان مستقلا بإنشائها بقدرته مستبدا بالثبات عليها كان مستغنيا عن ~~هذه الاستعانة ثم الله سبحانه يمن على من يشاء من عباده بأن هداهم للإيمان ~~وعند الخصم هو محمول على خلق القدرة وهي صالحة للضدين جميعا على السواء ~~وذلك يبطل قضية ms056 الامتنان بالهداية قال الله سبحانه وتعالى: " بل الله يمن ~~عليكم أن هداكم للإيمان " . PageV01P030 # وتحقيق ذلك من غير جد عن الإنصاف أن العبد كما يحس من نفسه التمكن من الفعل ~~وتيسر التأتي يحس من نفسه الافتقار والاحتياج إلى معين في كل ما يتصرف ويجد ~~في استطاعته ويتكلف فقدان الاستقلال والاستبداد بالفعل في كل ما يأتي ويذر ~~ويقدم ويؤخر من تصرفات فكره نظرا واستدلالا ومن حركات لسانه قيلا وقالا ومن ~~ترددات يديه يمينا وشمالا فيحس الاقتدار على النظر ولا يحس الاقتدار على ~~العلم بعد حصول النظر فإنه لو أراد أن لا يحصل لا يتمكن منه ويحس من نفسه ~~تحريك لسانه بالحروف ولو أراد أن يبدل المخارج ويغير الأصوات لم يتمكن من ~~ذلك ويحس تحريك يديه وأنملته ولو أراد تحريك جزء واحد من غير تحريك ~~الرباطات المتصلة لم يتمكن من ذلك وعند الخصم القدرة صالحة للأضداد ~~والأمثال وهي متشابهة في القادرين فالعبد مستقل بالإيجاد والاختراع وليس ~~إلى الباري سبحانه وتعالى من هذه الأفعال إلا خلق القدرة فحسب واشتراط ~~البنية من أضعف ما يتصور والحق في المسئلة تسليم التمكن والتأتي والاستطاعة ~~على الفعل على وجه ينتسب إلى العبد وجه من الفعل يليق بصلاحية قدرته ~~واستطاعته وإثبات الافتقار والاحتياج ونفي الاستقلال والاستبداد فنجد في ~~التكليف موردي الخطاب فعلا واستطاعة ويضاف في الجزاء مقابلة وتفضلا والله أعلم. ### || AUTO القاعدة الثالثة ### || AUTO في التوحيد # وفيها الرد على الثنوية وتستدعي هذه المسئلة سبق ذكر الوحدانية ومعنى ~~الواحد. # قال أصحابنا الواحد هو الشيء الذي لا يصح انقسامه إذ لا تقبل ذاته القسمة ~~بوجه ولا تقبل الشركة بوجه فالباري تعالى واحد في ذاته لا قسم له وواحد في ~~صفاته لا شبيه له واحد في أفعاله لا شريك له وقد أقمنا الدلالة على انفراده ~~بأفعاله فلنقم الدلالة على انفراده بذاته وصفاته. # وقالت الفلاسفة واجب الوجود بذاته لا يجوز أن يكون أجزاء كمية ولا أجزاء ~~حد قولا ولا أجزاء ذات فعلا ووجودا وواجب الوجود لن يتصور إلا واحدا من كل ~~وجه فلا ms057 يتصور ولا يتحقق موجودان كل واحد منهما واجب بذاته وعن هذا نفوا ~~الصفات وإن أطلقوها عليه فبمعنى آخر كما سنذكره. # ووافقهم المعتزلة على ذلك غير أنهم مختلفون في التفصيل وسنفرد لإثبات ~~الصفات مسئلة ونذكر المذهبين فيها وهذه المسئلة مقصورة على استحالة وجود ~~الإلهين يثبت لكل واحد منهما من خصائص الإلهية ما يثبت للثاني ولست أعرف ~~صاحب مقالة صار إلى هذا المذهب لأن الثنوية وإن صارت إلى إثبات قديمين لم ~~تثبت لأحدهما ما ثبت للثاني من كل وجه والفلاسفة وإن قضوا بكون العقل ~~والنفس أزليين وقضوا بكون الحركات سرمدية لم يثبتوا للمعلول خصائص العلة ~~كيف واحدهما علة والثاني معلول والصابية وإن أثبتوا كون الروحانيين ~~والهياكل أزلية سرمدية مدبرة لهذا العالم وسموها أربابا وآلهة فلم يثبتوا ~~فيها خصائص رب الأرباب ودلالة التمانع في القرآن مسرودة على من يثبت خالقا ~~من دون الله سبحانه وتعالى قال الله تعالى: " إذا لذهب كل إله بما خلق " ~~وعن هذا صار أبو الحسن رحمه الله إلى أن أخص وصف الإله هو القدرة على ~~الاختراع فلا يشاركه فيه غيره ومن أثبت فيه شركة فقد أثبت إلهين. # فدليلنا على استحالة وجود إلهين أنا فرضنا الكلام في جسم وقدرنا من ~~أحدهما إرادة تحريكه ومن الثاني إرادة تسكينه في وقت واحد لم يخل الحال من ~~أحد ثلاثة أمور إما أن تنفذ إرادتهما فيؤدي إلى اجتماع الحركة والسكون في ~~محل واحد في حالة واحدة وذلك بين الاستحالة وإما أن لا تنفذ إرادتهما فيؤدي ~~إلى عجز وقصور في إلهية كل واحد منهما وخلو المحل عن الضدين وذلك أيضا بين ~~الاستحالة وإما أن تنفرد إرادة أحدهما دون الثاني فيصير الثاني مغلوبا على ~~إرادته ممنوعا من فعله مضطرا في إمساكه وذلك ينافي إلاهية قال الله تعالى: ~~" ولعلا بعضهم على بعض " وكذلك لو فرضنا في توارد الإرادة والاقتدار على ~~فعل واحد فإما أن يشتركا في نفس الإيجاد وهو قضية واحدة لا يقبل الاشتراك ~~وإما أن ينفرد أحدهما بالإيجاد فيكون المنفرد هو الإله والثاني يكون مغلوبا ~~مقهورا ms058 وكذلك لو فرضنا في فعلين متباينين حتى يذهب كل إله بما خلق فيكون ~~استغناء كل واحد منهما عن الثاني افتقارا إليه لأن نفس الاستغناء استعلاء ~~وفي الاستعلاء إلزام قهر وغلبة على الثاني. PageV01P031 # ولنزد هذا بيانا وشرحا فإن التمانع في الفعل إن أوجب استحالة الإلهين ~~والتمانع في الاستغناء بالذات أدل على استحالة الإلهين. # فنقول لو قدرنا إلاهين استغنى كل واحد منهما عن صاحبه من كل وجه خرج ~~المستغني عنه عن كمال الاستغناء فإن المستغنى على الإطلاق من يستغنى به ولا ~~يستغنى عنه فيكون كل واحد منهما مستغنى عنه فيكون مفتقرا قاصرا عن درجة ~~الاستغناء المطلق فلن يتصور إذا إلاهان مستغنيان على الإطلاق " والله الغني ~~وأنتم الفقراء " إشارة إلى هذا المعنى. # ونقول لو قدرنا إلاهين فإما أن يكونا مختلفين في الصفات الذاتية أو ~~متماثلين والمختلفان يستحيل أن يكونا إلهين لأن الصفة الذاتية التي بها ~~تقدس الإله عن غيره إذا كانا مختلفين فيها كان الذي اتصف بها هو الإله ~~والمخالف ليس باله وإما أن يكونا متماثلين في الصفات الذاتية من كل وجه ~~فالمتماثلان ليس يتميز أحدهما عن الثاني بالحقيقة والخاصية فإن حقيقتهما ~~واحد بل بلوازم زائدة على الحقيقة مثل المحل والمكان والزمان وكل ذلك ينافي ~~الإلهية أليس لما كان السوادان متماثلين لم يتميز أحدهما بحقيقته السوادية ~~بل باختلاف المحل أو باختلاف الزمان وكذلك الجوهران فدل ذلك على أن التماثل ~~في الإلهية لن يتصور بوجه " ليس كمثله شيء: إشارة إلى هذا المعنى. # ونقول من المعلوم أن الطريق إلى إثبات الصانع هو الدليل بالأفعال إذ الحس ~~لا يشهد عليه والأفعال التي شاهدناها دلت عليه من جهة جوازها وإمكانها في ~~ذاتها والجواز قضية واحدة تدل على الصانع من حيث أنها ترددت بين الوجود ~~والعدم فلما ترجح جانب الوجود اضطررنا إلى إثبات مرجح وليس في نفس الجواز ~~وترجحه ما يدل على مرجحين كل واحد منهما يستقل بالترجيح فإنه لو لم يستقل ~~بالترجيح لم يكن إلاها وإنما ترجح جانب الوجود لأنه أراد التخصيص بالوجود ~~وكما أراد علم أنه ms059 هو المرجح فلو قدرنا مرجحا آخر وشاركه في الترجيح بطل ~~الاستقلال ولم يكن علمه وإرادته وقدرته أيضا بأن يكون هو المرجح وإن لم ~~يشاركه في الترجيح وكان متعطلا لم يكن علمه وإرادته وقدرته أيضا بأن يكون ~~هو المرجح بل يكون علمه متعلقا بترجيح غيره وإرادته كذلك وإذا تعلق علمه ~~بأن يكون غيره هو المرجح كان محالا أن يكون هو المرجح فإن خلاف المعلوم ~~محال الوقوع وكذلك إرادته تكون تمنيا وتشهيا من غيره حتى تخصص لا قصدا ~~وترجيحا وتخصيصا من ذاته فقد تطرق النقص إلى كل صفة من صفاته بل كان مفتقرا ~~في جميع ذلك إلى غيره والفقر ينافي الإلهية وهذه الطريقة تعضد بيان طريقة ~~الاستغناء وهي أحسن ما ذكر في هذه المسئلة. # سؤال على دليل التمانع في فعلين مختلفين: فإن قيل الاختلاف الذي قدرتموه ~~في إرادة التحريك من أحدهما وإرادة التسكين من الآخر غير متصور فإن الإرادة ~~تتبع العلم والعلم يتبع المعلوم فإذا كان المعلوم هو الحركة فمن ضرورته أن ~~يكون المراد هو الحركة وتقدير الاختلاف في العلم غير متصور فتقدير الاختلاف ~~في الإرادة أيضا غير متصور وبمنى دلالة التمانع على تحقيق الاختلاف أو ~~تقديره وذلك غير جائز فبطل التمسك بها. PageV01P032 # قال الأصحاب الحركة والسكون من جملة الجائزات جبلة إذ ليس في وجود كل واحد ~~منهما استحالة وإذا كانت القدرة صالحة وتقدير الاختلاف في الإرادة متصور ~~عقلا فنحن نجعل المقدر كالمحقق وإن ما يلزم من التحقيق يلزم من التقدير ~~كتقدير قيام لون أو عرض آخر بذاته تعالى نازل منزلة التحقيق في الاستحالة ~~والعلم ليس يخرج الجائز عن قضية الجواز فإن خلاف المعلوم جائز الوجود جنسا ~~وأقول إذا علم أحدهما تحريكه بإرادته وقدرته أفيعلم الثاني تحريكه بإرادة ~~نفسه وقدرته أم يعلم تحريكه بإرادة غيره وقدرته فإن علم ذلك موجودا بإرادته ~~وقدرته أم يعلم تحريكه بإرادة غيره وقدرته فإن علم ذلك موجودا بإرادته ~~وقدرته فيكون العلم الثاني جهلا لا علما وإن علمه موجودا بإرادة غيره ~~وقدرته فيكون الغير إلاها عالما مريدا قادرا ms060 ويكون الثاني متعطلا ولم يوجد ~~له إلا علم متعلق بفعل غيره فقط وإما إرادته لفعل غيره وقدرته على فعل غيره ~~فتقديرهما مستحيل الوجود أو ناقص الوجود فإن أخص وصف الإرادة ما يتأتى به ~~التخصيص وأخص وصف القدرة ما يتأتى بها الإيجاد والإبداع وهما إذا تعلقا ~~بفعل الغير خرجا عن أخص حقيقتهما ففي تعطيلهما عن الفعل بعد جواز الفعل ~~إبطال حقيقتهما ولهذا قلنا أن معنى فاعلية الباري سبحانه وتعالى أنه لم علم ~~وجود شيء في وقت مخصوص أو تقدير وقت إراده على مقتضى علمه وأوجده بقدرته ~~على مقتضى إرادته من غير أن تتغير ذاته أو صفة من صفاته وعلمه وإرادته ~~وقدرته فيشبه أن يقال لزم كونه ضرورة ولكنا لا نطلق هذا اللفظ ملاحظة منا ~~جانب الإرادة والقدرة حتى لا يلزمنا الإيجاب بالذات وذلك ينافي الكمال فنحن ~~إنما عرفنا الجواز في الجائزات بقضية عقلية ضرورية وعرفنا استناد وجود ~~الموجودات إلى عالم قادر مريد لضرورة الاحتياج في الجائزات فإن قدرناهما ~~على كمال الاقتدار والاستبداد بالفعل والإبداع والتساوي في صفات الذات ~~وصفات الفعل حتى يكون كل واحد منهما هو الموجد بقدرته وإرادته وعلمه وقع ~~التمانع في الفعل وإن قدرناهما على تسليم أحدهما للثاني في جميع ما اشتغل ~~به كان المسلم عبدا والمسلم إليه إلاها حقا وإن كان كل واحد منهما مستقلا ~~في بعض مسلما في بعض كان كل واحد منهما محتاجا من وجه وغنيا من وجه قاصرا ~~من حيث الفعل كاملا من حيث القوة فلا يكون إلاهين بل محتاجين إلى كامل من ~~كل وجه فإذا لا يتصور في العقل تقدير موجودين على كمال الاستقلال ولا في ~~التجويز العقلي تقدير قادرين على التساوي في كمال الاقتدار ولا مريدين ولا ~~عالمين على التماثل في كمال الإرادة والعلم بل ولا ذاتين متساويين من جميع ~~الوجوه من غير أن يختص إحداهما عن الثانية إما بإشارة إلى هذا أو ذلك أو ~~محل مميز أو مكان محيز وزمان مقدم ومؤخر أو بفعل خاص أو أثر يدل على تغاير ~~المصدر وتباين ms061 المظهر ولهذا قلنا أن الواحد مدلول الفعل ولو قدرنا ثانيا ~~وثالثا لتكافوا من حيث العدد. # ولقد استهزأ بهذه الطريقة من لم يدرك غورها وأمكن تقريرها من وجهين: ~~أحدهما أن الفعل قد دل على وجود صانع للعالم مريد قادر فإن قدر ثان فلا ~~يخلو إما أن يكون له دليل خاص على وجوده أو يجوز عقلا بأن يقال كما لا دليل ~~على وجوده ولا دليل على انتفائه فإن له دليلا بأن يخلق عالما آخر غير ~~العالم المعين فيؤدي إلى قصور في الإلهين جميعا كما بينا وإن جوز ذلك فيجب ~~أن يكون عالما بأن يخلق مريدا لأن يخلق قادرا على أن يخلق وإذا لم يخلق دل ~~على أنه لم يرد وإذا لم يرد علم أن لا يخلق والإله يجب علمه بأن يخلق ويريد ~~بأن يخلق حتى يكون مثلا للأول فإنما ليس بمثل له ليس بإلاه. # والوجه الثاني في تقرير التكافي أن الأمر لا يخلو إما أن يقف في عدد ~~معلوم فيستدعي الاقتصار على عدد محصور مقتضيا حاصرا فإن الكمية من حيث ~~العدد كالكمية من حيث المساحة أليس لو كان واحدا ذا حجم وعظم مشكل اقتضى ~~مشكلا لذلك إذا كان ذا مقدار وعدد اقتضى مقدرا وإن لم يقف في عدد معلوم ~~اقتضى أعدادا غير متناهية محصورة في الوجود غير مترتبة وذلك محال وبالجملة ~~ما لا دليل عليه عقلا فتجويز وجوده تقدير عقلي والمجوز عقلا المقدر ذهنا ~~ليس بإلاه. PageV01P033 # فلا تغفل عن هذه الدقيقة وافرق في المعقولات بين تقدير المحال لفظا أو فرضا ~~وبين تجويزه عقلا أو عقدا واعلم أن التقدير المذكور في الكتاب فرض محال ~~لفظا ليس بطلانه عقلا. # سؤال على وجه دلالة الفعل فإن قيل صادفنا في الموجودات خيرا أو شرا أو ~~نظما وفسادا ووجه دلالة الخير يخالف وجه دلالة الشر بل وجود الخير يدل على ~~مريد الخير ووجود الشر يدل على مريد الشر ومريد الخير على الإطلاق لا يكون ~~مريدا للشر على الإطلاق كما أن مريد الخير في فعل مخصوص لا يكون ms062 مريد الشر ~~في ذلك الفعل بعينه فاختلاف وجه دلالة الفعل بالتضاد دل على اختلاف ~~الفاعلين بالتضاد وكما أنكم استدللتم بأنه لو كان معه إلاه لفسدت السموات ~~والأرض فنحن نستدل بفساد فيهما خيرا أو شرا على إلاهين اثنين. # والجواب على قاعدة المتكلمين: قال المحققون منهم وجه دلالة الفعل على ~~الفاعل هو الجواز والإمكان وترجح جانب الوجود على العدم وذلك لم يختلف خيرا ~~كان أو شرا فالوجود من حيث هو وجود خير كله أو يقال لا خير فيه ولا شر ~~والفعل من حيث وجوده ينسب إلى الفاعل لا من حيث هو خير أو شر والفاعل يريد ~~الوجود من حيث هو وجود لا من حيث هو خير أو شر بل الخير والشر إما أمران ~~إضافيان بأن يكون شيء خيرا بالإضافة إلى شيء شرا بالإضافة إلى شيء وإما ~~أمران شرعيان فيرجع الحسن والقبح والخير والشر فيه إلى قول الشارع افعل لا ~~تفعل وهذا هو جوابنا عن قول المعتزلة حيث قالوا في إرادة الكائنات أنه لو ~~كان مريدا للشر لكان شرا فإن الشر لم ينسب إليه إلا من جهة وجوده والوجود ~~من حيث هو وجود لا شر فيه وهو مريد لموجود بمعنى أنه على صفة يتأتى منه ~~التخصيص بالوجود دون العدم وببعض الجائزات دون البعض فلم يكن مريدا للشر في ~~الحقيقة. # ونقول للتنويه أنا كما صادفنا في الموجودات خيرا وشرا متمايزين فقد ~~صادفنا في الموجودات خيرا وشرا مختلطين فإن عالم الخير المحض هو عالم ~~الملائكة وعالم الشر المحض هو عالم الشياطين وعالم الاختلاط والامتزاج هو ~~عالم البشر فهلا أثبتم ثالثا ينسب إليه الامتزاج فإن الممتزج من حيث هو ~~ممتزج على طبيعة غير ما كان المنفرد عليها فهلا كانت الطبيعة المذكورة دالة ~~على ثالث لكن قلتم الخير والشر لم يختلفا بالامتزاج بل دلالتهما واحد كمذلك ~~نقول لم يختلفا في الوجود فإن دلالة الوجود واحدة. # وقد سلك الفلاسفة الإلهيون طريقة أخرى في الوحدانية فأجابوا عن هذا ~~السؤال على طريقتهم: فأما طريقتهم قالوا قد شهد العقل الصريح بأن ms063 الوجود ~~ينقسم إلى ما يكون واجبا في ذاته وإلى ما يكون ممكنا في ذاته وكل ممكن ~~فإنما يترجح جانب الوجود منه على جانب العدم بمرجح فإما أن تذهب الممكنات ~~إلى غير نهاية أو تقف على واجب بذاته غير ممكن لكنها لو ذهبت إلى غير ~~النهاية لما وجدت إذ كان يتوقف وجود كل ممكن على سبق وجود مرجحه وذلك محال ~~فلا بد أن يقف على واجب بذاته ثم الواجب بذاته لا يجوز أن يكون لذاته مبادي ~~يجتمع منها واجب الوجود لا أجزاء كمية ولا كالمادة والصورة والجنس والفصل ~~فإن المبادي يجب أن تكون سابقة على ذات واجب الوجود ويكون واجبا بها لا ~~بذاته وقد فرضنا الواجب بذاته فهذا خلف ولو قدرنا اثنين واجبي الوجود ~~اشتركا في كون كل واحد منهما واجب الوجود فلا بد أن ينفصل أحدهما عن الثاني ~~بفصل يخصه فيكون وجوب الوجود مشتركا فيه وهو ذاتي لهما فيكون جنسا وما يخص ~~أحدهما دون الثاني فصلا ويكون ذاته متركبا منهما ويجب أن تكون الأجزاء ~~متقدمة بالذات على ذاته فهو خلف فإذا نوع واجب الوجود سواء أطلق إطلاقا أو ~~خصص تخصيصا لا يجوز أن يكون إلا واحدا فوجوده وجوبه ووجوبه حقيقته وحقيقته ~~وحدته ووحدته تخصصه وتعينه من غير أن يتمايز وجوب عن وجود ووجود عن ماهية ~~وحقيقة وعن هذا نفوا صفات الباري تعالى زائدة على الذات كما سيأتي تفصيل ~~ذلك في مسئلة الصفات إن شاء الله تعالى. # ثم جرحوا دلالة الخير والشر بل وقوع الشر في الوجود على مذهبهم. PageV01P034 # بأن قالوا الشر لا معنى له إلا عدم وجود أو عدم كمال وجود والعدم يدخل في ~~القضاء بالعرض لا بالذات بل القصد الأول في الإبداع ان يكون وجود ثم القسمة ~~العقلية أن يكون وجود هو خير محض أو يكون وجود لا يتحقق حصوله إلا على أن ~~يتبعه شر أما وجود الشر المحض فهو مستحيل بل الوجود الذي أكثره شر كذلك فلا ~~وجود وجود يتبعه شر قليل أكثر شرا من وجوده فالشر داخل ms064 في الوجود بالقصد ~~الثاني ولا دلالة له على مدلول إذ لا حقيقة لوجوده كما بيناه. # وقد سلكت المعتزلة طريق التمانع في استحالة الإلهين كما سلكناه ولم يستمر ~~لهم ذلك حيث جوزوا اختلافا في إرادة الباري سبحانه وإرادة العبد واختلافا ~~في الفعل فلا تمانع. # وسلك الكعبي طريقا آخر وقال لو قدرنا قائمين بأنفسهما لا يتميز أحدهما عن ~~الأخر بزمان أو بمكان أو حيز ولا يكون لأحدهما حقيقة خاصية يمتاز أحدهما عن ~~الثاني بها فهو مستحيل عقلا والخصم ريما يقول هذا هو نفس النزاع عبرت عنه ~~تعبيرا وصيرته دليلا فإن جماعة من العقلاء صاروا إلى إثبات جواهر عقلية من ~~عقول مجردة ونفوس مجردة قديمات قائمات بأنفسها ويمتاز بعضها عن بعض بخواص ~~وحقائق ولم تمنع العقول ثبوتها ومن أراد أن يسلك هذه الطريقة فلا بد أن ~~يزيد فيها شروطا حتى يتحقق الاستحالة وتتضح للعقل والله أعلم. ### || AUTO القاعدة الرابعة ### || AUTO في إبطال التشبيه # وفيها الرد على أصحاب الصور وأصحاب الجهة والكرامية في قولهم إن الرب ~~تعالى محل للحوادث. # فمذهب أهل الحق أن الله سبحانه لا يشبه شيئا من المخلوقات ولا يشبهه شيء ~~منها بوجه من وجوه المشابهة والمماثلة " ليس كمثله شيء وهو السميع البصير " ~~فليس الباري سبحانه بجوهر ولا جسم ولا عرض ولا في مكان ولا في زمان ولا ~~قابل للأعراض ولا محل للحوادث. # وسارت الغالبة من الشيعة إلى نوعي تشبيه أحدهما تشبيه الخالق بالخلق ~~فقالت المغيرية والبيانية والهاشمية ومن تابعهم إنه الإله ذو صورة مثل صور ~~الإنسان ونسج على منوالهم جماعة من مشبهة الصفاتية متمسكين بقوله صلى الله ~~عليه وسلم " خلق الله آدم على صورة الرحمن " وفي رواية على صورته والنوع ~~الثاني تشبيه المخلوق بالخالق. # فقالت هؤلاء من الغالبة وجماعة أخرى أن شخصا من الأشخاص إله أو فيه جزء ~~من الإله والإله سبحانه وتعالى عن قولهم متشخص به نسجا على منوال النصارى ~~والحلولية في كل أمة ومن الكرامية من صار إلى أنه جوهر وجسم. # وأطبقوا على أنه بجهة فوق وأنه محل الحوادث ms065 قالوا إذا خلق الله سبحانه ~~جوهرا أحدث في ذاته إرادة حدوثه وربما احترزوا عن لفظ أحدث فقالوا حدثت له ~~إرادة حدوثه وكاف ونون وإذا كان المحدث مسموعا حدث له تسمع وإذا كان مبصرا ~~حدث له تبصر فتحدث له خمس من الصفات الحادثة بكل محدث أحدثه وربما احترزوا ~~عن إطلاق لفظ الحلول والمحل وإن أطلقوا الاتصاف بالحادث وفرقوا بين المشيئة ~~والإرادة فقالوا مشيئة قديمة وإرادة حادثة ولذلك فرقوا بين التكوين والمكون ~~والأحداث والمحدث والخلق والمخلوق فالخلق حادث في ذاته والمخلوق مباين ~~وكذلك التكوين عبارة عن قوله كن والقول قائم بذاته والمكون مباين وكذلك ~~كلامه تعالى صفات تحدث له وهي عبارات منتظمة من حروف وأصوات عند بعضهم وعند ~~بعضهم من حروف مجردة فهو حادث ليس بقديم ولا محدث وأحالوا فناء ما حدث من ~~الصفات في ذاته ولم يطلقوا لفظ التقدم والتأخر على الحروف والكلمات واجتهد ~~محمد بن الهيصم منهم في كل مسئلة من مسائل التشبيه حتى رد الخلاف فيها إلى ~~ما يسوغ أن يذكر ولا يسفه غير مسئلة الحوادث فإنه تركها على التكال الأول ~~بعلم صاحبه أبي عبد الله الكرام. # لنا دليل شامل يعم إبطال مذاهب المشبهة جملة وعلى كل فرقة ممن عددناهم ~~حجة خاصة ونقض على الانفراد فنبتدي بالأعم. PageV01P035 # ونقول التقدر بالأشكال والصور والتغير بالحوادث والغير دليل الحدوث فلو كان ~~الباري سبحانه متقدرا بقدر متصورا بصورة متناهيا بحد ونهاية مختصا بجهة ~~متغيرا بصفة حادثة في ذاته لكان محدثا إذ العقل بصريحه يقضي أن الأقدار في ~~تجويز العقل متساوية فما من قدر وشكل يقدره العقل إلا ويجوز أن يكون مخصوصا ~~بقدر آخر واختصاصه بقدر معين وتميزه بجهة ومسافة يستدعي مخصصا ومن المعلوم ~~الذي لا مراء فيه أن ذاتا لم تكن موصوفة بصفة ثم صارت موصوفة فقد تغيرت عما ~~كانت عليه والتغير دليل الحدوث فإذا لم يستدل على حدوث الكائنات إلا ~~بالتغير الطارئ عليها وبالجملة فالتغير يستدعي مغيرا خارجا من ذات المغير ~~والمقدر يستدعي مقدرا. # فإن قيل بم تنكرون على من يقول إن ms066 القدر الذي اختص به نهاية وحد واجب له ~~لذاته فلا يحتاج إلى مخصص والمقادير التي هي في الخلق إنما احتاجت إلى مقدر ~~لأنها جائزة وذلك لأن الجواز في الجائزات إنما يعرف بتقدير القدرة فلما ~~كانت المقادير الخلقية مقدورة عرف جوازها واحتاج الجواز إلى مرجح فإذا لم ~~يكن فوق الباري سبحانه قادر يقدر عليه لم تكن إضافة الجواز وإثبات الاحتياج ~~له ألسنا اتفقنا على أن الصفات ثمان أفهي واجبة له على هذا العدد أم جائز ~~أن توجد صفة أخرى. # فإن قلتم يجب الانحصار في هذا العدد كذلك نقول الاختصاص بالحد المذكور ~~واجب له إذ لا فرق بين مقدار في الصفات عددا وبين مقدار في الذات حدا. # فإن قلتم جائز أن توجد صفة أخرى فما الموجب للانحصار في هذا الحد والعدد ~~فيحتاج إلى مخصص حاصر. # والجواب قلنا المقادير من حيث أنها مقادير طولا وعرضا وعمقا لا تختلف ~~شاهدا وغائبا في تطرق الجواز العقلي إليها واستدعاء المخصص فإنا لو قدرنا ~~مثل ذلك المقدار بعينه في الشاهد تطرق الجواز العقلي إليه واختصاصه به دون ~~مقدار آخر يستدعي المخصص وتطرق الجواز إلى الجائزات لا يتوقف على تقدير ~~القدرة عليها بل معرفة ذلك بينة للعقل ضرورية حتى صار كثير من العقلاء إلى ~~أن العقل نفسه عبارة عن علوم ضرورية هي معرفة الجواز في الجائزات ~~والاستحالة في المستحيلات والوجوب في الواجبات وتقدير القدرة عليها إنما ~~يحتاج إليه في ترجيح أحد الجائزين على الثاني لا في تصور نفس الجواز. # وهذه نكثة قد أغفلها كثير من أصحاب الكلام وأما الصفات وانحصارها في ثمان ~~فقد اختلف الجواب عنه بوجوه منها أنهم منعوا إطلاق لفظ العدد عليها فضلا عن ~~الثمانية. # وقالوا قد دل الفعل بوقوعه على أن الفاعل قادر وباختصاصه ببعض الجائزات ~~على أنه مريد وبأحكامه على أنه عالم وعلم بالضرورة أن القضايا مختلفة وورد ~~في الشرع إطلاق العلم والقدرة والإرادة ولا مدلول سوا ما دل الفعل عليه أو ~~ورد في الشرع إطلاقه ولهذا اقتصرنا على ذلك فلو سئل هل يجوز ms067 أن يكون له صفة ~~أخرى اختلف الجواب عنه فقيل لا يتطرق الجواز إليه فإنا لم نثبت له الصفات ~~بطريق التجويز العقلي بل بدليل الفعل والفعل ما دل إلا على تلك الصفات وقيل ~~يجوز عقلا إلا أن الشرع لم يرد به فيتوقف في ذلك ولا يضرنا الاعتقاد إذا لم ~~يرد به تكليف فينسب إلى المكلف تقصير ومنها أنهم فرقوا في الشاهد بين ~~الصفات الذاتية التي تلتئم منها حقيقة الشيء وبين المقادير العرضية التي لا ~~مدخل لها في تحقيق حقيقة الشيء فإن الصفات الذاتية لا تثبت للشيء مضافة إلى ~~الفاعل بل هي له من غير سبب والمقادير المختلفة تثبت للشيء مضافة إلى ~~الفاعل فإن جعلها له بسبب ومنها أنهم قالوا لو قدرنا صفة زائدة على الصفات ~~الثمانية لم يخل الحال فيها إما أن تكون صفة مدح وكمال أو تكون صفة ذم ~~ونقصان فإن كانت صفة كمال فعدمها في الحال نقص وقد اتصف الباري سبحانه ~~بصفات الكمال من كل وجه وإن كانت صفة نقصان فعدمها عنه واجب وإذا بطل ~~القسمان تعين أنه لا يجوز أن يتصف بصفة زائدة على الصفات الذاتية ويترتب ~~على ما ذكرناه أنه هل يجوز لباري سبحانه أخص وصف لا ندركه وفرق بين هذا ~~السؤال والسؤال الأول فإن السائل الأول سأل هل يجوز أن تزيد صفة على الصفات ~~الثمانية والسائل الثاني سأل هل له أخص وصف به يتميز عن المخلوقات. PageV01P036 # واختلف جواب الأصحاب عنه أيضا فقال بعضهم ليس له أخص وصف ولا يجوز أن يكون ~~لأنه بذاته وصفاته يتميز عن ذوات المخلوقات وصفاتها من حيث أن ذاته لا حد ~~لها زمانا ومكانا ولا يقبل الانقسام فعلا ووهما بخلاف ذوات المخلوقات ~~وصفاتها فإنهما غير متناهية في التعلق بالمتعلقات فلو كان الغرض أن يتحقق ~~أخص وصف يه يقع التميز فقد وقع التميز بما ذكرنا فلا أخص سوا ما عرفنا. # وقال بعضهم له أخص وصف الإلهية لا ندركه وذلك أن كل شيئين لهما حقيقتان ~~معقولتان فإنهما يتمايزان بأخص وصفيهما وجميع ما ذكرنا من ms068 أن لا حد ولا ~~نهاية ولا انقسام للذات ولا تناهي للصفات كل ذلك سلوب وصفات نفي وبالنفي لا ~~يتميز الشيء عن الشيء بل لا بد من صفة إثبات يقع بها التميز وإلا فترتفع ~~الحقيقة رأسا. # ثم إذا أثبت أن له أخص الوصف فهل يجوز أن ندركه؟ قال إمام الحرمين لا ~~يجوز أن ندركه أصلا وقال بعضهم يجوز أن يدرك وقال ضرار بن عمرو يدرك عند ~~الروية بحاسة سادسة ونفس المسئلة من محارات المتكلمين وتصوير الأخص من ~~محارات العقول. # فإن قيل إذا قدر موجودان قائمان بأنفسهما بحيث لا يكون أحدهما بحيث يكون ~~الثاني كالعرض في الجوهر فمن الضرورة إما أن يكونا متجاورين وإما أن يكونا ~~متباينين وعلى الوجهين جميعا يجب أن يكون كل واحد منهما بجهة من الثاني ~~وربما عبروا عن هذا المعنى بأن قالوا الباري سبحانه لا يخلو إما أن يكون ~~داخل العالم أو خارجا عن العالم وكما أن الدخول بالذات يقتضي مجاورة ~~وومماسة والخروج بالذات يستدعي مباينة وجهة وربما شككوا أبلغ تشكيك على ~~سبيل الإلزام. # فقالوا اتفقنا على أن له سبحانه ذاتا وصفات ومن المعلوم أن الصفات لا ~~تكون كل واحدة بحيث الثانية ولا منحازة عنها بجهة فإن القائم بالغير لا ~~يقبل التحيز رأسا بل هي كلها قائمة بذاته أي بحيث ذاته فقد تحقق التميز بين ~~الذات والصفات وذلك راجع إلى أن الذات لها حيث حتى تكون الصفات بحيث هو ~~والصفات لا حيث لها فلا تكون الذات بحيث هي وما قيل التحيث بالنسبة إلى ~~الصفات فلو قدر قائم بذات آخر فمن ضرورته أن لا يكون بحيث هو حتى يتحقق فرق ~~بين الصفات التي هي بحيث هو وبين ذلك القائم بذاته الذي ليس بحيث هو فيثبت ~~له جهة ما ينحاز بها عنه وقد ورد السمع بأن تلك الجهة هي جهة فوق قال الله ~~تعالى: " وهو القاهر فوق عباده " فأثبتنا الجهة عقلا وأثبتنا الفوقية سمعا ~~واستنبطنا من النص الوارد فيه معنى وهو كون الفوق أشرف الجهات وأليق بكمال ~~الصمدية ولهذا تعلقت ms069 القلوب بالسماء ورفعت الأيدي ودلت عليها إشارة الخرساء ~~وإليها كان معراج سيد الأنبياء. # والجواب قلنا هذه الشبهات كلها نشأت من اشتراك في لفظ القائم بالنفس فإن ~~عندنا يطلق هذا اللفظ في حق الباري سبحانه بمعنى أنه مستغن عن المحل والحيز ~~جميعا ويطلق على الجوهر بمعنى أنه مستغن عن المحل فقط والمستغنى على ~~الإطلاق في مقابلة المحتاج على الإطلاق والمستغنى عن المحل والحيز في ~~مقابلة المحتاج إلى المحل والمحتاج إلى الحيز فلننقل العبارة إلى هذه الجهة ~~حتى يتبين أنكم جعلتم نفس النزاع دليلا متمسكين باشتراك في العبارة دون ~~المعنى ونقول قدرناه مستغنيا عن المحل والحيز ومحتاجا إلى الحيز فيجب أن ~~يكونا إما متجاورين أو متباينين محال تقديره فإن التجاور والتباين من لوازم ~~التحيز في المتحيزات فالمستغني عن التحيز كيف يكون إما متجاورا وإما ~~متباينا هذا كمن يقول القائمان بأنفسهما إما أن يكونا مجتمعين أو مفترقين ~~متحركين أو ساكنين قيل الاجتماع والافتراق من لوازم التحيز والتحدد ولا حيز ~~له سبحانه ولا حد ولا اجتماع ولا افتراق بل إذا فتش على المجاورة والمباينة ~~لم يتحقق منه إلا نفس الاجتماع والافتراق وما جاور أو باين فقد تناهى ذاتا ~~والمتناهي إذا اختص بمقدار استدعي مخصصا. PageV01P037 # وكذلك الجواب عن الدخول والخروج فإنا نقول ليس بداخل في العالم ولا خارج ~~لأن الدخول والخروج من لوازم المتحيزات والمحدودات ولهذا لا يطلقان على ~~الأعراض وهما كالاجتماع والافتراق والحركة والسكون وسائر الأعراض التي لا ~~تختص بالإجرام التي لا حياة لها ولو قيل هو الله سبحانه داخل في العالم ~~بمعنى العلم والقدرة وخارج عن العالم بمعنى التقدس والتنزيه كان معنى صحيحا ~~كما ورد في التنزيل " وهو القاهر فوق عباده " وقد ورد " وهو معكم أينما ~~كنتم " " ونحن أقرب إليه من حبل الوريد " وقوله سبحانه " إني قريب أجيب ~~دعوة الداعي إذا دعاني " الآية بل الآيات الدالة على القرب أكثر من الآيات ~~الدالة على بعد الفوق وكما ورد " وهو الذي في السماء إله " وورد مقرونا به ~~" وفي الأرض إله " وبالجملة من تصور وجوده وجودا ms070 مكانيا طلب له جهة ما ~~وانحيازا عن العالم ببينونة متناهية أو غير متناهية كما أن من تخيل وجوده ~~زمانيا طلب له مدة وتقدما على العالم بأزمنة متناهية أو غير متناهية وكلا ~~التخييلين باطل فهو الأول والآخر إذ ليس وجوده سبحانه زمانيا والظاهر ~~والباطن إذ ليس وجوده مكانيا. # وأما الشك الثاني الذي أوردوه على سبيل الإلزام وهو الاتفاق من الكرامية ~~والصفاتية أن لله سبحانه ذاتا وصفات والصفات قائمة بالذات وليست كل صفة ~~بحيث الثانية بل بحيث الذات. # قيل من أثبت الصفات الأزلية قائمة بذات الباري تعالى ليس يعني بالقيام ما ~~عنيتم ولا أطلق أنها بحيث هو كما أطلقتم بل يعني بالقيام وصف الباري سبحانه ~~وتعالى بها والوصف من حيث هو وصف لا يقتضي أن يكون الموصوف بحيز وجهة ثم ~~الحكم للوصف بأنه معنى موجود أو حال فهو بمعنى آخر وإلا فمجرد الوصف والصفة ~~من حيث هو وصف لا يقتضي ذلك ثم إطلاق لفظ الحيث أيضا قد اتسع حتى يقال هذا ~~في العرض من حيث هو موجود له حكم ومن حيث هو عرض له حكم وليس يعني بإطلاق ~~لفظ الحيث إلا الاعتبار العقلي والوجوه العقلية والحاصل في هذا السؤال أن ~~الألفاظ التي أوردوه كلها مشتركة ولفظ القائم بالذات والقائم بالغير ولفظ ~~الدخول والخروج ولفظ الحيث والجهة وبالجملة فليعلم أن جهات الأجسام من ~~أحكام النهايات في الأجسام حتى لو قدر مقدر جسما غير متناه بالفعل لم يكن ~~للجهات معنى فلا يكون فوق وتحت ويمين ويسار وقدام وخلف ولذلك تتحقق إليها ~~الإشارة ولذواتها اختصاص وانفراد من جهة أخرى وإذا كانت الأجسام كرية أي ~~مدورة فيكون تجدد الجهات على سبيل المحيط والمحاط والفوق والسفل فيها على ~~سبيل المركز والمحيط فإن قدر العالم كري الشكل إما تقديرا أوجد عليه حقيقة ~~وإما تقديرا يجوز أن يوجد عليه تصورا قيل إن الباري سبحانه بجهة من العالم ~~فيكون لا محالة محيطا بكل العالم وإلا فيخلو عن ذاته طرف من جهات الفوق ~~وعندهم هو فوق العالم بأسره فهو خلف فيلزم ms071 عليه فوقا بالنسبة إلى من هو على ~~الأرض على موازاة القطب الشمالي وتحت بالنسبة إلى من هو عليها على موازاة ~~القطب الجنوبي بل يكون بعض منه فوقا وبعض منه تحتا وذلك محال وإما تعلق ~~القلوب بالسماء ورفع الأيدي عليها والنزول إليها بل العرش قبلة الدعاء ~~والأرض مسجد الصلاة والكعبة وجهة الوجه وموضع السجود قبلة العين وأقرب ما ~~يكون العبد من الرب إذا كان في السجود واسجد واقترب. PageV01P038 # ومما أوجب التشبيه قيام الحوادث بذاته سبحانه وقد ذهبت الكرامية إلى جواز ~~ذلك ومن مذهبهم إنما يحدث من المحدثات فإنما يحدث بإحداث الباري سبحانه ~~والأحداث عبارة عن صفات تحدث في ذاته من إرادة لتخصيص الفعل بالوجود ومن ~~أقوال مرتبة من حروف مثل قوله كن وأما سائر الأقوال كالأخبار عن الأمور ~~الماضية والآتية والكتب المنزلة على الرسل عليهم السلام والقصص والوعد ~~والوعيد والأحكام والأوامر والنواهي والتسمعات للمسموعات والتبصرات ~~للمبصرات فتحدث في ذاته بقدرته الأزلية وليست هي من الأحداث في شيء وعلى ~~طريقة إنما الأحداث في الخلق على مذهب أكثرهم قول وإرادة والقول هما صورتان ~~هما حرفان وعلى طريقة محمد بن الهيصم الأحداث إرادة وإيثار وذلك مشروط ~~بالقول شرعا وجوز بعضهم تعلق أحداث واحد بمحدثين إذا كانا من جنس واحد ~~وأكثرهم على أن لكل محدث أحداث فيحدث في ذاته لكل محدث خمس صفات إرادة وكاف ~~ونون وتسمع وتبصر وقد أثبتوا مشية قديمة تتعلق بالحادث والمحدث والأحداث ~~والخلق ثم قالوا هذه الحوادث لا تصير صفات لله تعالى وإنما هو خالق ~~بخالقيته لا بخلق مريد بإراديته لا بإرادة قائل بقائليته وهي واجبة البقاء ~~ويستحيل عدمها بعد وجودها في ذاتها. # وللمتكلمين عليه طريقان في الكلام أحدهما البرهان والثاني المناقضة في ~~الإلزام. # أما البرهان فنقول لو قامت الحوادث بذات الباري سبحانه وتعالى لاتصف بها ~~بعد أن لم يتصف ولو اتصف لتغير والتغير دليل الحدوث إذ لا بد من مغير ~~وتحقيق المقدمة الأولى أن معنى قيام الأعراض بمحالها كونها أوصافا لها ~~كالعلم إذا قام بجوهر وصف الجوهر بأنه عالم وكذلك ms072 سائر المعاني والأعراض ~~فليس ذلك كالوصف بكون الباري تعالى خالقا صانعا على مذهب من لم يفرق بين ~~الخلق والمخلوق فإن المخلوق لا يقوم بذات الخالق والخلق قائم بذاته تعالى ~~عندكم فيجب أن يكون وصفا له وكذلك يقال أراد فهو مريد بإرادة وقال فهو قائل ~~بقول وإذا تحقق كونه وصفا له بعد أن لم يكن موصوفا به فقد تحقق التغير ~~والتغير خروج شيء إلى غير ما كان عليه ولا يشترط فيه بطلان صفة وتجدد صفة ~~فإنه إذا كان خاليا من صفات ثم اعتراه صفات فقد تغير عما كان عليه فليس ~~للخصم اعتراض على هذه الطريقة إلا منع الاتصاف أو منع التغير وقد أثبتناهما ~~ولكنه وضع لنفسه اصطلاحا في أحكام المعاني القائمة بالغير وميز بين حكم ~~العلم والقدرة وهي العالمية والقادرية والمريدية وبين حكم الحركة والسكون ~~القائمين بالجوهر وهو المتحركية والساكنية فإن كان هذا التميز غير مقبول ~~عقلا فإن اتصاف المحال بالأوصاف الحادثة واتصاف الذات بالأوصاف من حيث أنها ~~صفات وموصوفات ليس تختلف ولا تأثير للقدم والحدوث فيها أصلا فإنه إن كان ~~الوصف راجعا إلى القول واللسان فلا يختلف الحال بين وصف ووصف وإن كان الوصف ~~راجعا إلى حقيقة في الموصوف يعبر عنها لسان الواصف فلا يختلف الحال بين ~~حقيقة وحقيقة والمعنى إذا قام بذات أو محل صار وصفا وصفة لها ورجع حكمه ~~إليه بالضرورة. # برهان آخر أوضح مما قد سبق وهو أن كل حادث يحتاج إلى محدث من حيث أنه كان ~~في نفسه وباعتبار ذاته جائز الوجود والعدم فلما ترجح جانب الوجود على العدم ~~احتاج إلى مرجح بالضرورة ثم ذلك المرجح إن كان حادثا احتاج إلى مرجح ثم ~~يتسلسل القول فيه إلى ما لانهاية له وجهة الاحتياج لا يختلف الحال فيها بين ~~حادث في ذاته سبحانه وتعالى وبين محدث مباين ذاته فإنه إنما احتاج بجهة ~~تردده بين طرفي جواز الوجود والعدم لا بجهة التباين وغير التباين وهذا قاطع ~~لا اعتراض عليه. # ونقول إن تصور وجود حادث لا بإحداث فإما أن يقال ms073 يحدث ذلك الحادث بنفسه ~~أو بقدرته أو بمشيئته قديمة. # فإن قيل يحدث بنفسه فقد باهتوا العقل الصريح بضرورة حكمه بأن ما لم يكن ~~فكان احتاج إلى محدث مكون. # فإن قيل أحدث بقدرة ومشيئة فقد ناقضوا قضية العقل فإن ذلك الحادث إذا جاز ~~أن يحدث بالقدرة فلم لا يجوز أن يحدث المحدثات كلها بقدرته ومشيئته إذ لا ~~فرق في نظر العقل بين الحادث والمحدث من حيث أنه لم يكن فكان. PageV01P039 # والفرق بينهما من حيث اللغة أن أحدهما لازم والثاني متعد لا ينتهض فرق من ~~حيث العقل فإنا إذا قلنا قام وقعد وجاء وذهب كان الحكم لازما والقيام ~~والقعود والمجي والذهاب فعله ومفعوله كما هو فعله والعقل لا يفرق بين فعل ~~الإنسان شيئا في نفسه وبين فعله في غيره على مذهب من قال به ومن قال أن ~~الفعل لا يباين محل القدرة فلم يفرق فيه بين الفعل والمفعول ولا متمسك ~~للخصم في هذه المسئلة إلا بأمر لغوي ولفظ اصطلاحي. # وقد ألزم عليه الفلسفي إلزاما لا محيص له عنه فقال كل ذات لم يحدث فيها ~~معنى ثم حدث فيها قبل الحدوث استعداد القبول وصلاحيته وقوته ثم إذا حدث ~~فيها القبول تبدل الاستعداد بالوجود والصلاحية بالحصول والقوة بالفعل ويلزم ~~أن يكون في ذاته معنى ما بالقوة ثم معنى ما بالفعل وذلك بعينه هو الهيولي ~~والصورة وقد أثبتوا لله سبحانه وتعالى قبل خلق العالم خصائص الهيولي وهي ~~طبائع عدمية فإن الاستعداد والصلاحية عدم شيء من إثباته أن يكون شيئا وواجب ~~الوجود لذاته منزه عن طبيعة الإمكان والعدم اللذان هما منبع الشر. # وأما طرق الإلزام عليهم فمنها أن قالوا قول الله سبحانه وتعالى وإرادته ~~من جنس قولنا وإرادتنا ثم لقوله وإرادته مفعولات مثل العالم بما فيه من ~~السموات والأرض فيلزم أن يحصل بإرادتنا وقولنا مثل ذلك فإن قوله كن كاف ~~ونون من جنس أقوالنا من غير فرق. # فإن قيل إنما حصل قوله بمباشرة قدرته وإرادته ومشيئته القديمة وقولنا لم ~~يحصل بهما وقوله في ذاته قول له ms074 لا لغيره وقد قصد به التكوين لا بغيره. # قيل له إن كان هذا فرقا فلم يكن قوله إذا من جنس أقوالنا بل الحق أن ~~القول إذا حدث بعد أن لم يكن فهو كقولنا الحادث بعد أن لم يكن ولم يكن ~~لإضافته إلى القدرة أثر بعد الحدوث فإنه إنما أثر في حال الانفصال عن ~~القدرة لا في حال تعلق القدرة به وإنما أثرت القدرة في حصول ذاته فقط لا في ~~شيء آخر يحدث به وعن هذا لو أحدث قولا لنفسه في شجرة وقصد به التكوين لم ~~يحصل به شيء فبطل قولهم إنما قصد به الأحداث وبطل ما اعتذروا به وحصل أن ~~قوله لا ينبغي أن يوجد كقولنا أو قولنا يوجد كقوله إذ لا فرق بين قول وقول ~~في الحدوث والحروف والأصوات والاحتياج إلى المحل بل قولنا أو كد فإنه إذا ~~قام بمحل اتصف المحل به وتحققت له النسبة إلى المحل وعندكم قول الله سبحانه ~~قائم به من غير أن تتصف به الذات ولم تتحقق له نسبة إلى الذات إلا مجرد ~~الإضافة وقد انقطع حكمه عن القدرة القديمة فإنه إنما يوجد بعد أن يحدث لا ~~حال أن يحدث. # ومن الإلزامات أن قوله كن لا يخلو إما أن يسبق أحد الحرفين على الثاني أو ~~يتلازمان في الوجود إما في حال الوجود أو حال البقا فإن سبق أحدهما وتلاه ~~الثاني فأما أن يبقى الأول أو لم يبق فإن بقي مقولا مسموعا لم يكن كن بل ~~الأول ما لم ينعدم لا يوجد الثاني حتى يكون مترتبا متعاقبا وإلا فالكاف ~~المسموع مع النون دواما لا يتصور أصلا وإن لم يبق فقد انعدم وعندكم ما حل ~~في ذاته تعالى لا يجوز عليه العدم وإن كانا يتلازمان في الوجود فقد أوجد ~~أحدهما مع الثاني فليس الكاف بالتقديم أولى من النون وكذلك كل حرف يجب أن ~~يسبق حرفا في القول والتكلم حتى يكون بترتبه وتعاقبه كلاما مسموعا. # ومن الإلزامات إثبات أكوان حادثة مع الكون القديم وإثبات علوم حادثة مع ms075 ~~العلم القديم كإثبات إرادة حادثة مع المشيئة القديمة وقد ذكر المتكلمون ذلك ~~في كتبهم. # أما شبهة الكرامية أن قالوا سمع الباري سبحانه ما لم يسمع قبله ورأى ما ~~لم ير قبله فيجب أن يحدث له تسمع وتبصر. # فقيل لهم أتقولون لم يكن الباري سبحانه سامعا للأصوات فصار سامعا لها ولا ~~رائيا للمدركات فصار رائيا لها ولم يكن قائلا للأوامر والنواهي فصار قائلا ~~ولم يرد وجود العالم في الوقت الذي سبق وجوده فصار مريدا في الوقت الذي ~~أوجده فيدل كل ذلك على تجدد وصف له وإن لم تقولوا أنه صار سميعا بصيرا ~~مريدا فقد تناقض قولكم أنه سمع ما لم يسمع ورأى ما لم ير وأراد ما لم يرد. PageV01P040 # ثم الجواب الحقيقي قلنا قد جمعتم بين كلمتي نفي وإثبات في قولكم لم يكن كذا ~~فصار كذا فلا النفي على أصلنا مسلم ولا الإثبات على أصلكم مذهب لكم فأما ~~النفي على أصلنا فغير مسلم أنه لم يكن سميعا بصيرا بل هو بصير سميع أبدا ~~وأزلا كما هو عليم قدير أبدا وأزلا وإنما التجدد يرجع إلى المدرك كما يرجع ~~التجدد إلى المعلوم والمقدور فهو كقولكم لم يكن مستويا على العرش فصار ~~مستويا ولم يكن بجهة فوق فصار بجهة فوق وبالاتفاق لم تحدث له صفة لم تكن بل ~~النفي إنما يرجع إلى المدركات فنقول لم تكن المسموعات والمرئيات موجودة ~~فيسمع ويرى فوجدت فتعلق بها السمع والبصر فكان التعلق مشروطا بالوجود لا ~~بالمتعلق ورب تعلق شرط فيه الوجود والحياة والعقل والبلوغ ثم عدم الشرط لم ~~يقتض عدم المتعلق. # أما الإثبات فعلى أصلكم لم يوصف الباري سبحانه بالحوادث في ذاته فكيف يصح ~~على مذهبكم أنه صار سميعا بصيرا وإن التزمتم الاتصاف فقد سلمتم لنا المسئلة ~~فإن الاتصاف بصفة لم يكن قبل صريح التغيير والتغيير دليل الحدوث وهذه ~~الحوادث باقيات على مذهبكم والمتعلقات فانية وإثبات صفة من الصفات المتعلقة ~~يتأخر تعلقها أو متعلقها غير مستحيل كالعلم والقدرة والمشيئة أما إثبات صفة ~~باقية يتقدم تعلقها أو متعلقها فهو ms076 مستحيل فإنه إذا أراد وجود العالم ~~بإرادة حادثة في ذاته ووجد العالم وبقي وفني فهو مريد أبد الدهر وقائل كن ~~أبد الدهر لشيء قد تكون وفني وسامع لصوت وحرف قد مضى وانقضى وبصير لجسم ~~ولون قد انقرض في غاية الاستحالة. # ونقول هذه الحروف التي أثبتموها هي حروف مجردة من غير أصوات أم هي حروف ~~هي تقطيع أصوات فإن أثبتموها حروفا من غير أصوات فهي غير مسموعة ولا هي ~~معقولة فإن حقيقة الحرف تقطيع صوت والصوت بالنسبة إلى الحروف كالجنس ~~بالنسبة إلى النوع والعرض بالنسبة إلى اللون فإن أثبتوا حروفا هي أصوات ~~مقطعة فلا بد لها من اصطكاكات أجرام حتى يتحقق الصوت فإن اصطكاك الأجرام ~~كالنوع بالنسبة إلى الحركة والصوت كالنوع بالنسبة إلى الاصطكاك ولا بد من ~~حركة حتى يتحقق اصطكاك أو تفكيك ولا بد من اصطكاك حتى يتحقق الصوت ولا بد ~~من صوت حتى يتحقق حرف ولا بد من حرف حتى تتحقق كلمة ولا بد من كلمة حتى ~~يتحقق قول تام ولا بد من قول حتى تتحقق قصة وحكاية فيلزم على ذلك أن يكون ~~الباري جسما متحركا ذا اصطكاك في أجزاء جسمية ويتعالى الرب سبحانه عن ذلك ~~علوا كبيرا. # وقد تخطى بعض الكرامية إلى إثبات الجسمية فقال أعني بها القيام بالنفس ~~وذلك تلبيس على العقلاء وإلا فمذهب أستاذهم مع اعتقاد كونه محلا للحوادث ~~قائلا بالأصوات مستويا على العرش استقرارا مختصا بجهة فوق مكانا واستعلاء ~~فليس ينجيه من هذه المخازي تزويرات ابن هيصم فليس يريد بالجسمية القائم ~~بالنفس ولا بالجهة الفوقية علاء ولا بالاستواء استيلاء وإنما هو إصلاح مذهب ~~لا يقبل الإصلاح وإبرام معتقد لا يقبل الإبرام والإحكام وكيف استوى الظل ~~والعود اعوج وكيف استوى المذهب وصاحب المقالة أهوج والله الموفق. ### || AUTO القاعدة الخامسة ### || AUTO في إبطال مذهب التعطيل وبيان وجوه التعطيل # وقد قيل أن التعطيل ينصرف إلى وجوه شتى فمنها تعطيل الصنع عن الصانع ~~ومنها تعطيل الصانع عن الصنع ومنها تعطيل الباري سبحانه عن الصفات الأزلية ~~الذاتية القائمة بذاته ومنها ms077 تعطيل الباري سبحانه عن الصفات والأسماء أزلا ~~ومنها تعطيل ظواهر الكتاب والسنة عن المعاني التي دلت عليها. PageV01P041 # أما تعطيل العالم عن الصانع العالم القادر الحكيم فلست أراها مقالة لأحد ~~ولا أعرف عليه صاحب مقالة إلا ما نقل عن شرذمة قليلة من الدهرية أنهم قالوا ~~العالم كان في الأزل أجزاء مبثوثة تتحرك على غير استقامة واصطكت اتفاقا ~~فحصل عنها العالم بشكله الذي تراه عليه ودارت الأكوار وكرت الأدوار وحدثت ~~المركبات ولست أرى صاحب هذه المقالة ممن ينكر الصانع بل هو معترف بالصانع ~~لكنه يحيل سبب وجود العالم على البحث والاتفاق احترازا عن التعليل فما عددت ~~هذه المسئلة من النظريات التي يقام عليها برهان فإن الفطرة السليمة ~~الإنسانية شهدت بضرورة فطرتها وبديهة فكرتها على صانع حكيم عالم قدير " أفي ~~الله شك فاطر السموات والأرض ولئن سألهم من خلقكم ليقولن الله ولئن سألتهم ~~من خلق السموات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم " وإن هم غفلوا عن هذه ~~الفطرة في حال السراء فلا شك أنهم يلوذون إليه في حال الضراء " دعوا الله ~~مخلصين له الدين وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه " ولهذا لم ~~يرد التكليف بمعرفة وجود الصانع وإنما ورد بمعرفة التوحيد ونفي الشريك أمرت ~~أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ولهذا جعل محل النزاع بين الرسل ~~وبين الخلق في التوحيد " ذلك بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم وإن يشرك به ~~تؤمنوا " الآية " وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة ~~وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفورا " وقد سلك المتكلمون ~~طريقين في إثبات الصانع تعالى وهو الاستدلال بالحوادث على محدث صانع وسلك ~~الأوائل طريقا آخر وهو الاستدلال بإمكان الممكنات على مرجح لأحد طرفي ~~الإمكان ويدعى كل واحد في جهة الاستدلال ضرورة وبديهة. # وأنا أقول ما شهد به الحدوث أو دل عليه الإمكان بعد تقديم المقدمات دون ~~ما شهدت به الفطرة الإنسانية من احتياج في ذاته إلى مدبر هو منتهى الحاجات ~~فيرغب إليه ms078 ولا يرغب عنه ويستغني به ولا يستغني عنه ويتوجه إليه ولا يعرض ~~عنه ويفزع إليه في الشدائد والمهمات فإن احتياج نفسه أوضح له من احتياج ~~الممكن الخارج إلى الواجب والحادث إلى المحدث وعن هذا كانت تعريفاته الخلق ~~سبحانه في هذا التنزيل على هذا المنهاج أمن يجيب المضطر إذا دعاه أمن ~~ينجيكم من ظلمات البر أمن يرزقكم من السماء والأرض أمن يبدأ الخلق ثم يعيده ~~وعن هذا قال النبي صلى الله عليه وسلم " خلق الله تعالى الخلق على معرفته ~~فاحتالهم الشيطان عنها " فتلك المعرفة هي ضرورة الاحتياج وذلك الاحتيال من ~~الشياطين هو تسويله الاستغناء ونفي الاحتياج والرسل مبعوثون لتذكير وضع ~~الفطرة وتطهيرها عن تسويل الشيطان فإنهم الباقون على أصل الفطرة " وما كان ~~له عليهم من سلطان " وقال " فذكر إن نفعت الذكرى سيذكر من يخشى " وقوله " ~~فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى " ومن رحل إلى الله قربت مسافته حيث ~~رجع إلى نفسه أدنى رجوع فعرف احتياجه إليه في تكوينه وبقائه وتقلبه في ~~أحواله وأنحائه ثم استبصر في آيات الآفاق إلى آيات الأنفس ثم استشهد به على ~~الملكوت لا بالملكوت عليه " أو لم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد " عرفت ~~الأشياء بربي وما عرفت ربي بالأشياء ومن غرق في بحر المعرفة لم يطمع في شط ~~ومن تعالى إلى ذروة الحقيقة لم يخف من حط فثبت بالدلائل والشواهد أن العالم ~~لا يتعطل عن الصانع الحكيم القادر العليم سبحانه وتقدس. # وأما تعطيل الصانع عن الصنع فقد ذهب وهم الدهرية القائلين بقدم العالم ~~إلى أن الحكم بقدم العالم في الأزل تعطيل الصانع عن الصنع وقد سبق الرد ~~عليهم بأن الإيجاد قد تحقق حيث تصور الإيجاد وحيث ما لم يتصور لم يكن ~~تعطيلا وكما أن التعطيل ممتنع كذلك التعليل ممتنع وأنتم عللتم وجود العالم ~~بوجوده وسميتم معبودكم علة ومبدا وموجبا وذلك يودي إلى أمرين محالين أحدهما ~~بثبوت المناسبة بين العلة والمعلول وقد سبق تقريره والثاني أن العلة توجب ~~معلولها لذاتها والقصد الأول وجود العالم ms079 من لوازم وجوده بالقصد الأول فإن ~~العالي لا يريد أمرا لأجل الأسفل فبطل أيضا التعليل وهذا من الإلزامات ~~المفحمة التي لا جواب عنها. PageV01P042 # أما تعطيل الباري سبحانه عن الصفات الذاتية والمعنوية وعن الأسماء والأحكام ~~فذلك مذهب الإلهيين من الفلاسفة فإنهم قالوا واجب الوجود لذاته واحد من كل ~~وجه فلا يجوز أن يكون لذاته مبادئ تجتمع فيتقدم واجب الوجود لا أجزاء كمية ~~ولا أجزاء حد سواء كانت كالمادة والصورة أو كانت على وجه آخر بأن يكون ~~أجزاء لقول الشارح لمعنى اسمه ويدل كل واحد منهما على شيء هو في الوجود غير ~~الآخر بذاته وذلك لأن ما هذا صفته فذات كل واحد منه ليس ذات الآخر ولا ذات ~~المجتمع وإنما تعينه واجب بالذات فليس يقتضي معنى آخر سوى وجوده وإن وصف ~~بصفة فليس يقتضي ذلك معنى غير ذاته واعتبارا ووجها غير وجوده بل الصفات ~~كلها إما إضافية كقولنا مبدأ العالم وعلة العقل كما تقولون خالق ورازق وأما ~~سلبية كقولنا واحد أي ليس بمتكثر وعقل أي مجرد عن المادة وقد يكون تركيبه ~~من إضافة وسلب كقولنا حكيم مريد وسيأتي شرح ذلك في كتاب الصفات فألزم عليهم ~~مناقضات. # منها أنهم أطلقوا لفظ الوجود على الواجب بذاته وعلى الواجب لغيره شمولا ~~وعموما على سبيل الاشتراك ثم خصصوا أحد الوجودين الوجوب والثاني بالجواز ~~ومن المعلوم أن الوجوب لم يدخل في معنى لوجود حتى يتصور الوجود فهذا إذا ~~معنى آخر وراء الوجود والمعنيان أن اتحدا في الخارج من الذهن فقد تمايزا في ~~العقل مثل العرضية واللونية وليس يغني عن هذا الإلزام قولهم إطلاق لفظ ~~الوجوب على الواجب بذاته والجائز لذاته بالتشكيك أي هو في أحدهما أولى وأول ~~وفي الثاني لا أولى ولا أول إذ الأولى والأول فصل آخر تميز به أحد الوجودين ~~عن الثاني وذلك يؤكد الإلزام ولا يدفعه. # ومن الإلزامات كونه مبدأ وعلة وعاقلا ومعقولا فإن اعتبار كونه واجب ~~الوجود لذاته لا يفيد اعتبار كونه مبدأ وعلة واعتبار كونه مبدأ وعلة لا ~~يفيد اعتبار كونه عقلا ms080 وعاقلا ومعقولا فإن ساغ لكم الحكم بتكثير الاعتبارات ~~ساغ للمتكلم إثبات الصفات وتعطيله عن الصفات تعطيل عن الاعتبارات وأما ~~الباري عن الصفات والأسماء والأحكام أزلا وأبدا وما صار إليه صائر إلا ~~شرذمة من قدماء الحكماء قالوا إن المبدع الأول آنية أزلية وهو قبل الإبداع ~~عديم الاسم فلسنا ندرك له اسما في نحو ذاته وإنما أسماؤه من نحو آثاره ~~وأفاعيله وأبدع الذي أبدع ولا صورة له عنده في الذات أي لا علم ولا معلوم ~~وإنما العلم والمعلوم في المعلول الأول الذي هو العنصر فهم المعطلة حقا ~~ونقل عن بعض الحكماء أنهم قالوا هو هو ولا نقول موجود ولا معدوم ولا عالم ~~ولا جاهل ولا قادر ولا عاجز ولا مريد ولا كاره ولا متكلم ولا ساكت وكذلك ~~سائر الأسماء والصفات وينسب هذا المذهب إلى الغالية من الشيعة والباطنية ~~ولا شك أن من أثبت صانعا لم يكن له بد من عبارة عنه وذكر اسم له ثم ~~الاشتراك في الأساسي ليس يوجب اشتراكا في المعاني فهاؤلاء احترزوا عن إطلاق ~~لفظ الوجود عليه وما أشبهه من الأسماء لأحد أمرين أحدهما لاعتقادهم أن ~~الاشتراك في الاسم يوجب اشتراكا في المعنى فيتحقق له مثل ذلك الوجه والثاني ~~لاعتقادهم أن كل اسم من الأسامي التي تطلق عليه يقابله اسم آخر تقابل ~~التضاد مثل الموجود يقابله المعدوم والعالم يقابله الجاهل والقادر يقابله ~~العاجز فيتحقق له ضد من ذلك الوجه فاحترزوا عن إطلاق لفظ وجودي أو عدمي ~~لكيلا يقعوا في التمثيل والتعطيل ونحن نعلم بأن الأسامي المشتركة هي التي ~~تختلف حقائقها من حيث المعاني فإن اسما الباري تبارك وتعالى إنما تتلقى من ~~السمع وقد ورد السمع أنه سبحانه عليم قدير حي قيوم سميع بصير لطيف خبير ~~وأمرنا أن ندعوه عز وجل بأحسن الأسمين المتقابلين كما قال تعالى: " ولله ~~الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا ~~يعملون " ولم يحترز هذا الاحتراز البارد ولا تكلف هذا التكلف الشارد. PageV01P043 # وقالت طائفة من الشيعة لا يجوز التعطيل من الأسماء ms081 الحسنى ولا يجوز التشبيه ~~بالصفات التي يشترك فيها الخلق فيطلق على الباري سبحانه الوجود وندعوه ~~بأحسن الأسماء وهو العليم القدير السميع البصير إلى غير ذلك مما ورد في ~~التنزيل لكن لا بمعنى الوصف والصفة لأن عليا عليه السلام كان يقول في ~~توحيده لا يوصف بوصف ولا يحد بحد ولا يقدر بمقدار الذي كيف الكيف لا يقال ~~له كيف والذي أين الأين لا يقال له أين لكنا نطلق الأسماء بمعنى الإعطاء ~~فهو موجود بمعنى أنه يعطي الوجود وقادر وعالم بمعنى أنه واهب العلم ~~للعالمين والقدرة للقادرين حي بمعنى أنه يحيي الموتى قيوم بمعنى أنه يقيم ~~العالم سميع بصير أي خالق السمع والبصر ولا نقول أنه عالم لذاته أو يعلم بل ~~هو إله العالمين بالذات والعالمين بالعلم وعلى هذا المنهاج يسلكون في إطلاق ~~الأسامي وكذلك الواحد والعليم والقدير وينسب إلى محمد بن علي الباقر أنه ~~قال هل سمي عالما إلا أنه واهب العلم للعالمين وهل سمي قادرا إلا لأنه واهب ~~القدرة للقادرين وليس هذا قولا بالتعطيل فإنه لم يمنع من إطلاق الأسامي ~~والصفات كمن امتنع وقال ليس بمعدوم ولا موجود ولا عالم ولا جاهل ولا قادر ~~ولا عاجز ولكنه استدل بالقدرة في القادرين على أنه قادر وبالعلم في ~~العالمين على أنه عالم وبالحياة في الأحياء على أنه حي قيوم واقتصر على ذلك ~~من غير خوض في الصفات بأنها لذاته أو لمعاني قائمة بذاته كيلا يكون متصرفا ~~في جلاله بفكره العقلي وخياله الوهمي وقد اجتمع السلف بل الأمة على أن ما ~~دار في الوهم أو خطر في الخيال والفهم فالله سبحانه خالقه ومبدعه ولا محمل ~~لقول علي صلوات الله عليه وسلامه لا يوصف بوصف إلا هذا الذي ذكرناه. ### || AUTO القاعدة السادسة ### || AUTO في الأحوال # اعلم أن المتكلمين قد اختلفوا في الأحوال نفيا وإثباتا بعد أن أحدث أبو ~~هاشم بن الجباي رأيه فيها وما كانت المسئلة مذكورة قبله أصلا فأثبتها أبو ~~هاشم ونفاها أبوه الجباي وأثبتها القاضي أبو بكر الباقلاني رحمه الله بعد ~~ترديد ms082 الرأي فيها على قاعدة غير ما ذهب إليه ونفاها صاحب مذهبه الشيخ أبو ~~الحسن الأشعري وأصحابه رضي الله عنهم وكان إمام الحرمين من المثبتين في ~~الأول والنافين في الآخر والأحرى بنا أن نبين أولا ما الحال التي توارد ~~عليها النفي والإثبات وما مذهب المثبتين فيها وما مذهب النافين ثم نتكلم في ~~أدلة الفريقين ونشير إلى مصدر القولين وصوابهما من وجه وخطأيهما من وجه. # أما بيان الحال وما هو أعلم أنه ليس للحال حد حقيقي يذكر حتى نعرفها ~~بحدها وحقيقتها على وجه يشمل جميع الأحوال فإنه يودي إلى إثبات الحال للحال ~~بل لها ضابط وحاصر بالقسمة وهي تنقسم إلى ما يعلل وإلى ما لا يعلل وما يعلل ~~فهي أحكام لمعان قائمة بذوات وما لا يعلل فهو صفات ليس أحكاما للمعاني. PageV01P044 # أما الأول فكل حكم لعلة قامت بذات يشترط في ثبوتها الحياة عند أبي هاشم ~~ككون الحي حيا عالما قادرا مريدا سميعا بصيرا لأن كونه حيا عالما يعلل ~~بالحياة والعلم في الشاهد فتقوم الحياة بمحل وتوجب كون المحل حيا وكذلك ~~العلم والقدرة والإرادة وكل ما يشترط في ثبوته الحياة وتسمى هذه الأحكام ~~أحوالا وهي صفات زائدة على المعاني التي أوجبتها وعند القاضي رحمه الله كل ~~صفة لموجود لا تتصف بالوجود فهي حال سواء كان المعنى الموجب مما يشترط في ~~ثبوته الحياة أو لم يشترط ككون الحي حيا وعالما وقادرا وكون المتحرك متحركا ~~والساكن ساكنا والأسود والأبيض إلى غير ذلك ولابن الجباي في المتحرك اختلاف ~~رأي وربما يطرد ذلك في الأكوان كلها ولما كانت البنية عنده شرطا في المعاني ~~التي تشترط في ثبوتها الحياة وكانت البنية في أجزائها في حكم محل واحد ~~فتوصف بالحال وعند القاضي أبي بكر رحمه الله لا يوصف بالحال إلا الجزء الذي ~~قام به المعنى فقط وأما القسم الثاني فهو كل صفة إثبات لذات من غير علة ~~زائدة على الذات كتحيز الجوهر وكونه موجودا وكون العرض عرضا ولونا وسوادا ~~والضابط أن كل موجود له خاصية يتميز بها عن غيره ms083 فإنما يتميز بخاصية هي حال ~~وما تتماثل المتماثلات به وتختلف المختلفات فيه فهو حال وهي التي تسمى صفات ~~الأجناس والأنواع والأحوال عند المثبتين ليست موجودة ولا معدومة ولا هي ~~أشياء ولا توصف بصفة ما وعند ابن الجباي ليست هي معلومة على حيالها وإنما ~~تعلم مع الذات وأما نفاة الأحوال فعندهم الأشياء تختلف وتتماثل لذواتها ~~المعينة وأما أسماء الأجناس والأنواع فيرجع عمومها إلى الألفاظ الدالة ~~عليها فقط وكذلك خصوصها وقد يعلم الشيء من وجه ويجهل من وجه والوجوه ~~اعتبارات لا ترجع إلى صفات هي أحوال تختص بالذوات وهذا تقرير مذهب الفريقين ~~في تعريف الحال. # أما أدلة الفريقين فقال المثبتون العقل يقضي ضرورة أن السواد والبياض ~~يشتركان في قضية وهي اللونية والعرضية ويفترقان في قضية وهي السوادية ~~والبياضية فما به الاشتراك غير ما به الافتراق أو غيره فالأول سفسطة ~~والثاني تسليم المسئلة. # وقال النفاة السواد والبياض المعنيان قط لا يشتركان في شيء هو كالصفة ~~لهما بل يشتركان في شيء هو اللفظ الدال على الجنسية والنوعية والعموم ~~والاشتراك فيه ليس يرجع إلى صفة هي حال للسواد والبياض فإن حالتي العرضين ~~يشتركان في الحالية ولا يقتضي ذلك الاشتراك ثوب حال للحال فإنه يؤدي إلى ~~التسلسل فالعموم كالعموم والخصوص كالخصوص. # قال المثبتون الاشتراك والافتراق قضية عقلية وراء اللفظ وإنما صيغ اللفظ ~~على وفق ذلك ومطابقته ونحن إنما تمسكنا بالقضايا العقلية دون الألفاظ ~~الوضعية ومن اعتقد أن العموم والخصوص يرجعان إلى اللفظ المجرد فقد أنكر ~~الحدود العقلية للأشياء والأدلة القطعية على المدلولات والأشياء لو كانت ~~تتمايز بذواتها ووجودها بطل القول بالقضايا العقلية وحسم باب الاستدلال ~~بشيء أولى على شيء مكتسب متحصل وما لم يدرج في الأدلة العقلية عموما عقليا ~~لم يصل إلى العلم بالمدلول قط وما لم يتحقق في الحد شمولا بجميع المحدودات ~~لم يصل إلى العلم المحدود. # قال النافون الكلام على المذهب ردا وقبولا إنما يصح بعد كون المذهب ~~معقولا ونحن نعلم بالبديهة أن لا واسطة بين النفي والإثبات ولا بين العدم ~~والوجود وأنتم اعتقدتم ms084 الحال لا موجودة ولا معدومة وهو متناقض بالبديهة ثم ~~فرقتم بين الوجود والثبوت فأطلقتم لفظ الثبوت على الحال ومنعتم إطلاق لفظ ~~الوجود فنفس المذهب إذا لم يكن معقولا فكيف يسوغ سماع الكلام والدليل عليه. # ومن العجائب أن ابن الجباي قال لا توصف بكونها معلومة أو مجهولة وغاية ~~الاستدلال إثبات العلم بوجود الشيء فإذا لم يتصور له وجود ولا تعلق العلم ~~به بطل الاستدلال عليه وتناقض الكلام فيه. PageV01P045 # ثم قالوا ما المعنى بقولكم الافتراق والاشتراك قضية عقلية إن عنيتم به أن ~~الشيء الواحد يعلم من وجه ويجهل من وجه فالوجوه العقلية اعتبارات ذهنية ~~وتقديرية ولا يقتضي ذلك صفات ثابتة لذوات وذلك كالنسب والإضافات مثل القرب ~~والبعد في الجوهرين فإن عنيتم بذلك أن الشيء الواحد تتحقق له صفة يشارك ~~فيها غيره وصفة يمايز بها غيره فهو نفس المتنازع فيه فإن الشيء الواحد ~~المعين لا شركة فيه بوجه والشيء المشترك العام لا وجود له البتة. # وقولهم إن نفي الحال يؤدي إلى حسم باب الحد والحقيقة والنظر والاستدلال ~~بالعكس أولي فإن إثبات الحال التي لا توصف بالوجود والعدم وتوصف بالثبوت ~~دون الوجود حسم باب الحد والاستدلال فإن غاية الناظر أن يأتي في نظره ~~بتقسيم دائر بين النفي والإثبات فينفي أحدهما حتى يتعين الثاني ومثبت الحال ~~قد أتى بواسطة بين الوجود والعدم فلم يفد التقسيم والإبطال علما ولا يتضمن ~~النظر حصول معرفة أصلا ثم الحد والحقيقة على أصل نفاة الأحوال عبارتان عن ~~معبر واحد فحد الشيء حقيقته وحقيقته ما اختص في ذاته عن سائر الأشياء ولكل ~~شيء خاصية بها يتميز عن غيره وخاصيته تلزم ذاته ولا تفارقه ولا يشترك فيها ~~بوجه وإلا بطل الاختصاص وأما العموم والخصوص في الاستدلال فقد بينا أنه ~~راجع إلى الأقوال الموضوعة لها ليربط شكلا بشكل ونظيرا بنظير والذات لا ~~تشتمل على عموم وخصوص البتة بل وجود الشيء وأخص وصفه واحد. # قال المثبتون نحن لم نثبت واسطة بين النفي والإثبات فإن الحال ثابته ~~عندنا ولولا ذلك لما تكلمنا فيها بالنفي والإثبات ms085 ولم نقل على الإطلاق أنه ~~شيء ثابت على حياله موجود فإن الموجود المحدث إما جوهر وإما عرض وهو ليس ~~أحدهما بل هو صفة معقولة لهما فإن الجوهر قد يعلم بجوهريته ولا يعلم بحيزه ~~وكونه قابلا للعرض والعرض يعلم بعرضيته ولا يخطر بالبال كونه لونا أو كونا ~~ثم يعرف كونه لونا بعد ذلك ولا يعرف كونه سوادا أو بياضا إلا أن يعرف ~~والمعلومان إذا تمايزا في الشيء الواحد رجع التمايز إلى الحال وقد يعلم ~~ضرورة من وجه ويعلم نظرا من وجه كمن يعلم كون المتحرك متحركا ضرورة ثم يعلم ~~بالنظر بعد ذلك كونه متحركا بحركة ولو كان المعنيان واحدا لما علم أحدهما ~~بالضرورة والثاني بالنظر ولما سبق أحدهما إلى العقل وتأخر الآخر ومن أنكر ~~هذا فقد جحد الضرورة ونفاة الأعراض أنكروا أن الحركة عرضا زائدا على ~~المتحرك وما أنكروا كونه متحركا وأنتم معاشر النفاة وافقتمونا على أن ~~الحركة علة لكون الجوهر متحركا وكذلك القدرة والعلم وجميع الأعراض والمعاني ~~والعلة توجب المعلول لا محالة فلا يخلو إما أن توجب ذاتها وإما شيئا آخر ~~وراء ذاتها ويستحيل أن يقال توجب ذاتها فإن الشيء الواحد من وجه واحد ~~يستحيل أن يكون موجبا وموجبا لنفسه وإن أوجب أمرا آخرا فذلك الأمر إما ذات ~~على حيالها أو صفة لذات ويستحيل أن تكون ذاتا على حيالها فإنه يؤدي إلى أن ~~تكون العلة بإيجابها موجدة للذوات وتلك الذوات أيضا علل وهو محال فإنه يؤدي ~~إلى التسلسل فيتعين أنه صفة لذات وذلك هو الحال التي أثبتناها فالقسمة ~~العقلية ألجأتنا إلى إثباتها والضرورة حملتنا على أن لا نسميها موجودة على ~~حيالها ومعلومة على حيالها وقد يعلم الشيء مع غيره ولا يعلم على حياله ~~كالتأليف بين الجوهرين والمماسة والقرب والبعد فإن الجوهر الواحد لا يعلم ~~فيه تأليف ولا مماسة ما لم ينضم إليه جوهر آخر وهذا في الصفات التي هي ذوات ~~وأعراض متصور فكيف في الصفات التي ليست بذوات بل هي أحكام الذوات. # وأما قولكم أنه راجع إلى وجوه واعتبارات عقلية ms086 فنقول هذه الوجوه ~~والاعتبارات ليست مطلقة مرسلة بل هي مختصة بذوات فالوجوه العقلية لذات ~~واحدة هي بعينها الأحوال فإن تلك الوجوه ليست ألفاظا مجردة قائمة بالمتكلم ~~بل هي حقائق معلومة معقولة لا أنها موجودة على حيالها ولا معلومة بانفرادها ~~بل هي صفات توصف بها الذوات فما عبرتم عنه بالوجوه عبرنا عنه بالأحوال فإن ~~المعلومين قد تمايزا وإن كانت الذات متحدة وتمايز المعلومين يدل على تعدد ~~الوجهين والحالين وذلك معلومان محققان تعلق بهما علمان متمايزان أحدهما ~~ضروري والثاني مكتسب وليس ذلك كالنسب والإضافات فإنها ترجع إلى ألفاظ مجردة ~~ليس فيها علم محقق متعلق بمعلوم محقق. PageV01P046 # وقولهم الشيء الواحد لا شركة فيه والمشترك لا وجود له باطل فإن الشيء ~~المعين من حيث هو معين لا شركة فيه وهذه الصفات التي أثبتناها ليست معينة ~~مخصصة بل هي صفات يقع بها التخصيص والتعيين ويقع فيها الشمول والعموم وهو ~~من القضايا الضرورية كالوجوه عندكم ومن رد التعميم والتخصيص إلى مجرد ~~الألفاظ فقد أبطل الوجوه والاعتبارات العقلية أليست العبارات تتبدل لغة ~~فلغة وحالة فحالة وهذه الوجوه العقلية لا تتبدل بل الذوات ثابتة عليها قبل ~~التعبير عنها بلفظ عام وخاص على السواء ومن ردها إلى الاعتبارات فقد ناقض ~~وردها إلى العبارات فإن الاعتبارات لا تتبدل ولا تتغير بعقل وعقل والعبارات ~~تتبدل بلسان ولسان وزمان وزمان. # وقولهم حد الشيء وحقيقته وذاته عبارات عن معبر واحد والأشياء إنما تتميز ~~بخواص ذواتها ولا شركة في الخواص. # قال المثبت هب أن الأمر كذلك لكن خاصية كل شيء معين غير وخاصية كل نوع ~~محقق غير وأنتم لا تحدون جوهرا بعينه على الخصوص بل تحدون الجوهر من حيث هو ~~جوهر على الإطلاق فقد أثبتم معنى عاما يعم الجواهر وهو التحيز مثلا وإلا ~~لكان كل جوهر على حالة محتاجا إلى حد على حياله ولا يجوز أن يجري حكم جوهر ~~في جوهر من التحيز وقبول الأعراض والقيام بالنفس فإذا لم نجد بدا من أدراج ~~أمر عام في الحد وذلك يبطل قولكم أن الأشياء إنما تتمايز ms087 بذواتها ويصح ~~قولنا أن الحدود لا تستغني عن عمومات ألفاظ تدل على صفات عموم الذوات وصفات ~~خصوص وتلك أحوال لها ووجوه واعتبارات عقلية أو ما شئت فسمها بعد الاتفاق ~~على المعاني والحقائق. # قال النافون غاية تقريركم في إثبات الحال هو التمسك بعمومات وخصوصات ~~ووجوه عقلية واعتبارات أما العموم والخصوص فمنتقض عليكم بنفس الحال فإن لفظ ~~الحال يشمل جنس الأحوال وحال هي صفة لشيء تخص ذلك الشيء لا محالة فلا يخلو ~~إما أن يرجع معناه إلى عبارة تعم وعبارة تخص فخذوا منا في سائر العبارات ~~العامة والخاصة كذلك وإما أن ترجع إلى معنى آخر وراء العبارة فيؤدي إلى ~~إثبات الحال للحال وذلك محال ولا يغني عن هذا الإلزام قولكم الصفة لا توصف ~~فإنكم أول من أثبت للصفة صفة حيث جعلتم الوجود والعرضية واللونية والسوادية ~~أحوالا للسواد فإذا أثبتم للصفات صفات فهلا أثبتم للأحوال أحوالا وأما ~~الوجوه والاعتبارات فقد تتحقق في الأحوال أيضا فإن الحال العام غير والحال ~~الخاص غير وهما اعتباران في الحال وحال يوجب أحوالا غير وحال هي موجبة ~~الحال غير أليس قد أثبت أبو هاشم حالا للباري سبحانه توجب كونه عالما قادرا ~~والعالمية والقادرية حالتان فحال توجب وحال هي غير موجبة مختلفتان في ~~الاعتبار واختلاف الاعتبارين لا يوجب اختلاف الحالين للحال. # هذا من الإلزامات المفحمة ومن جملتها أخرى وهي أن الوجود في القديم ~~والحادث والجوهر والعرض عندهم حال لا يختلف البتة بل وجود الجوهر في حكم ~~وجود العرض على السواء فيلزمهم على ذلك أمران منكران إبهام شيء واحد في ~~شيئين مختلفين أو شيئان مختلفان في شيء واحد وواحد في اثنين واثنان في واحد ~~محال أما أحدهما أن شيئا واحدا كيف يتصور في شيئين فإن حال الوجود من حيث ~~هو وجود واحد ومن بدايه العقول أن الشيء الواحد لا يكون في شيئين مها بل في ~~جميع الموجودات على السواء وفي ما لم يوجد بعد لكنه سيوجد على السواء وهو ~~من أمحل المحال. # والمنكر الثاني إذا كان الوجود حالا واحدا واجتمعت ms088 فيه أجناس وأنواع ~~وأصناف فيلزم أن تتحد المتكثرات المختلفة فيه ولزم تبدل الأجناس من غير ~~تبدل وتغير في الوجود أصلا وذلك كتبدل الصورة بعضها ببعض في الهيولي عند ~~الفلاسفة من غير تبدل في الهيولي وذلك التمثيل أيضا غير سديد فإن الهيولي ~~عندهم لا تعري عن الصورة إلا أن من الصور ما هو لازم للهيولي كالأبعاد ~~الثلاثة ومنها ما يتبدل كالأشكال والمقادير المختلفة والأوضاع والكيفيات ~~وبالجملة وجود مجرد مطلق عام غير مختلف كيف يتصور وجوده وما محله فإن كان ~~الجوهر محلا له فقد بطل عمومه العرض فإن عنيتم العرض فقد بطل عمومه الجوهر ~~وإن لم يكن ذا محل وهو من أمحل المحال. PageV01P047 # وعن هذه المطالبة الحاقة يلوح الحق ولا نبوح به لأنا بعد في مدارج أقوال ~~الفريقين فيقول النافي كيف يتصور وجود على الحقيقة التي لا تتبدل ولا تتغير ~~وإنما تتغير أنواعه بعضها إلى بعض فيصير الجوهر عرضا والعرض جوهرا والوجود ~~لا يختلف وذلك تجويز قلب الأجناس فالأول سريان الوجود الواحد في أجناس ~~وأنواع مختلفة والثاني اتحاد أنواع وأجناس مختلفة في وجود واحد. # وقال المثبتون إلزام الحال علينا نقضا غير متوجه فإن العموم والخصوص في ~~الحال كالجنسية والنوعية في الأجناس والأنواع فإن الجنسية في الأجناس ليس ~~جنسا حتى يستدعي كل جنس جنسا ويودي إلى التسلسل وكذلك النوعية في الأنواع ~~ليست نوعا حتى يستدعي كل نوع نوعا فكذلك الحالية للأحوال لا تستدعي حالا ~~فيؤدي إلى التسلسل وليس يلزم على من يقول الوجود عام أن يقول للعام عام ~~وكذلك لو قال العرضية جنس فلا يلزمه أن يقول للجنس جنس وكذلك لو فرق فارق ~~بين حقيقة الجنس والنوع وفصل أحدهما عن الثاني بأخص وصف لم يلزمه أن يثبت ~~اعتبارا عقليا في الجنس هو كالجنس ووجها عقليا هو كالنوع فلا يلزم الحال ~~علينا بوجه لا من حيث العموم والخصوص ولا من حيث الاعتبار والوجه وأنتم ~~معاشر النفاة لا يمكنكم أن تتكلموا بكلمة واحدة إلا وإن تدرجوا فيها عموما ~~وخصوصا ألستم تنفون الحال ولم تعينوا حالا ms089 بعينها هي صفة مخصوصة مشار إليها ~~بل أطلقتم القول وعممتم النفي وأقمتم الدليل على جنس شمل أنواعا أ، على نوع ~~عم أشخاصا حتى استمر دليلكم ومن نفى الحال لا يمكنه إثبات التماثل في ~~المتماثلات وإجراء حكم واحد فيها جميعا فلو كانت الأشياء تتمايز بذواتها ~~المعينة بطل التماثل وبطل الاختلاف وذلك خروج عن قضايا العقول. # وأما قولكم الوجود لو كان واحدا متشابها في جميع الموجودات لزم حصول شيء ~~في شيئين أو شيئين في شيء. # فنقول يلزمكم في الاعتبارات والوجوه العقلية ما لزمنا في الوجود والحال ~~فإن الوجه كالحال والحال كالوجه ولا ينكر منكر أن الوجود يعم الجوهر والعرض ~~لا لفظا مجردا بل معنى معقولا ومن قال كل موجود إنما يمايز موجودا آخر ~~بوجوده لم يمكنه أن يجري حكم موجود في موجود آخر حتى أن من أثبت الحدوث ~~لجوهر معين لم يتيسر له إثبات الحدوث لجوهر آخر بذلك الدليل بعينه بل لزمه ~~أن يفهم على كل جوهر دليلا خاصا وعلى كل عرض دليلا خاصا ولا يمكنه أن يقسم ~~تقسيما في المعقولات أصلا لأن التقسيم إنما يتحقق بعد الاشتراك في شيء ~~والاشتراك إنما يتصور بعد الاختصاص بشيء ومن قال هذا جسم مؤلف فقد حكم على ~~جسم معين بالتأليف لم يلزمه جريان هذا الحكم في كل جسم ما لم يقل كل جسم ~~مؤلف ولو اقتصر على هذا أيضا لم يفض إلى العلم بحدوث كل جسم ما لم يقل وكل ~~مؤلف محدث حتى يحصل العلم بأن كل جسم محدث فأخذ الجسمية عامة والتأليف عاما ~~واستدعا التأليف للحدوث عاما حتى لزمه الحكم بحدوث كل جسم مؤلف عاما فمن ~~قال الأشياء تتمايز بذواتها المعينة كيف يمكنه أن يجري حكما في محكوم خاص ~~فألزمتمونا قلب الأجناس وألزمناكم رفع الأجناس ودعوتمونا إلى المحسوس ~~ودعوناكم إلى المعقول وأفحتمونا بإثبات واحد في اثنين واثنين في واحد ~~وأفحمناكم بنفي الواحد في الاثنين والدليل متعارض والدست قائم فمن الحاكم. # قال الحاكم المشرف على نهاية إقدام الفريقين أنتم معاشر النفاة أخطأتم من ~~وجهين من ms090 حيث رددتم العموم والخصوص إلى الألفاظ المجردة وحكمتم بأن ~~الموجودات المختلفة تختلف بذواتها ووجودها فكلامكم هذا ينقض بعضه بعضا ~~ويدفع آخره أوله وهذا إنكار لأخص أوصاف العقل أليس هذا الرد حكما عاما على ~~كل عام وخاص بأنه راجع إلى اللفظ المجرد أليست الألفاظ لو رفعت من البين لم ~~ترتفع القضايا العقلية حتى البهائم التي لا نطق لها ولا عقل لم تعدم هذه ~~الهداية فإنها تعلم بالفطرة ما ينفعها من العشب فتأكل ثم إذا رأت عشبا آخر ~~يماثل ذلك الأول ما اعتراها ريب في أنه مأكول كالأول فلولا أنها تخيلت من ~~الثاني عين حكم الأول وهو كونه مأكولا وإلا لما أكلت وتعرف جنسها فتألف به ~~وتعرف ضدها فتهرب منه ولقد صدق المثبتون عليكم أنكم حسمتم على أنفسكم باب ~~الحد وشموله للمحدودات وباب النظر وتضمنه للعلم. PageV01P048 # وأنا أقول لا بل حسمتم على العقول باب الإدراك وعلى الألسن باب الكلام فإن ~~العقل يدرك الإنسانية كلية عامة لجميع نوع الإنسان مميزة عن الشخص المعين ~~المشار إليه وكذلك العرضية كلية عامة لجميع أنواع الأعراض من غير أن يخطر ~~بباله اللونية والسوادية وهذا السواد بعينه وهذا مدرك بضرورة العقل وهو ~~مفهوم العبارة متصور في العقل لا نفس العبارة إذ العبارة تدل على معنى في ~~الذهن محقق هو مدلول العبارة والمعبر عنه لو تبدلت العبارة عربية وعجمية ~~وهندية ورومية لم يتبدل المعنى المدلول ثم ما من كلام تام إلا ويختص معنى ~~عاما فوق الأعيان المشار إليها بهذا وتلك المعاني العامة من أخص أوصاف ~~النفوس الإنسانية فمن أنكرها خرج عن حدود الإنسانية ودخل في حريم البهيمة ~~بل هم أضل سبيلا. # وأما الخطأ الثاني وهو رد التمييز بين الأنواع إلى الذوات المعينة وذلك ~~من أشنع المقالات فإن الشيء إنما يتميز عن غيره بأخص وصفه. # قيل له أخص وصف نوع الشيء غير وأخص وصف الذات المشار إليها غير فإن ~~الجوهر يتميز عن العرض بالتحيز مطلقا إطلاقا نوعيا لا معينا تعيينا شخصيا ~~والجوهر المعين إنما يمتاز عن جوهر معين بتحيز مخصوص ms091 لا بالتحيز المطلق وقط ~~لا يمتاز جوهر معين عن عرض معين بتحيز مخصوص إذ الجنس لا يميز الوصف عن ~~الموصوف والعرض عن الجوهر والعقل إنما يميز بمطلق التحيز فعرف أن الذوات ~~إنما تتمايز بعضها عن بعض تمايزا جنسيا نوعيا لا بأعم صفاتها كالوجود بل ~~بأخص أوصافها بشرط أن تكون كلية عامة ولو أن الجوهر مايز العرض بوجوده كما ~~مايزه بتحيزه لحكم على العرض بأنه متحيز وعلى الجوهر بأنه محتاج إلى التحيز ~~لأن الوجود والتحيز واحد فما به يفترقان هو بعينه ما فيه يشتركان وما به ~~يتماثلان وهو بعينه ما فيه يختلفان ويرتفع التماثل والاختلاف والتضاد رأسا ~~ويلزم أن لا يجري حكم مثل في مثل حتى لو قام الدليل على حدوث جوهر بعينه ~~كان هو محدثا ويحتاج إلى دليل آخر في مثل ذلك الجوهر ويلزم أن لا يسلب حكم ~~ضد عن ضد وخلاف عن خلاف حتى لو حكم على الجوهر بأنه قابل للعرض لم يسلب هذا ~~الحكم عن العرض إذ لا تماثل ولا اختلاف ولا تضاد وارتفع العقل والمعقول ~~وتعدد الحس والمحسوس. # وأما وجه خطأ المثبتين للحال فهو أنهم أثبتوا لموجود معين مشار إليه صفات ~~مختصة به وصفات يشاركه فيها غيره من الموجودات وهو من أمحل المحال فإن ~~المختص بالشيء المعين والذي يشاركه فيه غيره واحد بالنسبة إلى ذلك المعين ~~فوجود عرض معين وعرضيته ولونيته وسواديته عبارات عن ذلك المعين المشار إليه ~~فإن الوجود إذا تخصص بالعرضية فهو بعينه عرض والعرضية إذا تخصصت باللونية ~~فهي بعينها لون وكذلك اللونية بالسوادية والسوادية بهذا السواد المشار إليه ~~فليس من المعقول أن توجد صفة لشيء واحد معين وهي بعينها توجد لشيء آخر ~~فتكون صفة معينة في شيئين كسواد واحد في محلين وجوهر واحد في مكانين ثم لا ~~يكون ذلك في الحقيقة عموما وخصوصا فإن مثل هذا ليس يقبل التخصيص إذ يكون ~~خاصا في كل محل فلا يكون البتة عاما وإذا لم يكن عاما لم يكن خاصا أيضا ~~فيتناقض المعنى. # والخطأ الثاني أنهم قالوا الحال ms092 لا يوصف بالوجود ولا بالعدم والوجود ~~عندهم حال فكيف يصح أن يقال الوجود لا يوصف بالوجود وهل هو إلا تناقض في ~~اللفظ والمعنى وما لا يوصف بالوجود والعدم كيف يجوز أن يعم أصنافا وأعيانا ~~لأن العموم والشمول يستدعي أولا وجودا محققا وثبوتا كاملا حتى يشمل ويعم أو ~~يعين ويخص وأيضا فهم أثبتوا العلة والمعلول ثم قالوا العلة توجب المعلول ~~وما ليس بموجود كيف يصير موجبا وموجبا فالعلمية عندهم حال والعالمية عندهم ~~أيضا حال فالموجب حال والموجب حال والحال لا يوجب الحال لأن ما لا يتصف ~~بالوجود الحقيقي لا يتصف بكونه موجبا. PageV01P049 # الخطأ الثالث أنا نقول معاشر المثبتين كل ما أثبتموه في الوجود هو حال ~~عندكم فأرونا موجودا في الشاهد والغائب هو ليس بحال لا يوصف بالوجود والعدم ~~فإن الوجود الذي هو الأعم الشامل للقديم والحادث عندكم حال والجوهرية ~~والتحيز وقبوله العرض كلها أحوال فليس على مقتضى مذهبكم شيء ما في الوجود ~~هو ليس بحال وإن أثبتم شيئا وقلتم هو ليس بحال فذلك الشيء يشتمل على عموم ~~وخصوص والأخص والأعم عندكم حال فإذا لا شيء إلا لا شيء ولا وجود إلا لا ~~وجود وهذا من أمحل ما يتصور. # فالحق في المسئلة إذا أن الإنسان يجد من نفسه تصور أشياء كلية عامة مطلقة ~~دون ملاحظة جانب الألفاظ ولا ملاحظة جانب الأعيان ويجد من نفسه اعتبارات ~~عقلية لشيء واحد وهي إما أن ترجع إلى الألفاظ المحددة وقد أبطلناه وإما أن ~~ترجع إلى الأعيان الموجودة المشار إليها وقد زيفناه فلم يبق إلا أن يقال هي ~~معان موجودة محققة في ذهن الإنسان والعقل الإنساني هو المدرك لها ومن حيث ~~هي كلية عامة لا وجود لها في الأعيان فلا موجود مطلقا في الأعيان ولا عرض ~~مطلقا ولا لون مطلقا بل هي الأعيان بحيث يتصور العقل منها معنى كليا عاما ~~فتصاغ له عبارة تطابقه وتنص عليه ويعتبر العقل منها معنى ووجها فتصاغ له ~~عبارة حتى لو طاحت العبارات أو تبدلت لم تبطل المعنى المقدر في الذهن ~~المتصور ms093 في العقل فنفاة الأحوال أخطئوا من حيث ردها إلى العبارات المجردة ~~وأصابوا حيث قالوا ما ثبت وجوده معينا لا عموم فيه ولا اعتبار ومثبتو ~~الأحوال أخطئوا من حيث ردوها إلى صفات في الأعيان وأصابوا من حيث قالوا هي ~~معان معقولة وراء العبارات وكان من حقهم أن يقولوا هي موجودة متصورة في ~~الأذهان بدل قولهم لا موجودة ولا معدومة وهذه المعاني مما لا ينكرها عاقل ~~من نفسه غير أن بعضهم يعبر عنها بالتصور في الأذهان وبعضهم يعبر عنها ~~بالتقدير في العقل وبعضهم يعبر عنها بالحقائق والمعاني التي هي مدلولات ~~العبارات والألفاظ وبعضهم يعبر عنها بصفات الأجناس والأنواع والمعاني إذا ~~لاحت للعقول واتضحت فليعبر المعبر عنها بما يتيسر له فالحقائق والمعاني إذا ~~ذات اعتبارات ثلاث اعتبارها في ذواتها وأنفسها واعتبارها بالنسبة إلى ~~الأعيان واعتبارها بالنسبة إلى الأذهان وهي من حيث هي موجودة في الأعيان ~~يعرض لها أن تتعين وتتخصص وهي من حيث هي متصورة في الأذهان يعرض لها أن تعم ~~وتشمل فهي باعتبار ذواتها في أنفسها حقائق محضة لا عموم فيها ولا خصوص ومن ~~عرف الاعتبارات الثلاث زال إشكاله في مسئلة الحال ويبين له الحق في مسئلة ~~المعدوم هل هو شيء أم لا والله الموفق. ### || AUTO القاعدة السابعة ### || AUTO في المعدوم هل هو شيء أم لا # وفي الهيولي وفي الرد على من أثبت الهيولي بغير صورة الوجود والشيء أعرف ~~من أن يحد بحد أو يرسم برسم لأنه ما من لفظ يدرجه في تحديد الشيء إلا وهو ~~أخفى من الشيء والشيء أظهر منه وكذلك الوجود ولو أدرجت في التحديد ما أو ~~الذي أو هو فذلك عبارة عن الوجود والشيئية فتعريفه بشيء آخر محال ولأن ~~الشيء المعرف به أخص من الشيئية والوجود وهما أعم من ذلك الشيء فكيف يعرف ~~شيئا بما هو أخص منه وأخفى منه ومن حد الشيء أنه الموجود فقد أخطأ فإن ~~الوجود والشيئية سيان في الخفا والجلا ومن حده ما يصح أن يعلم ويخبر عنه ~~فقد أخطأ فإنه أدرج لفظ ما ms094 في الحدود ومعناه أنه الشيء الذي يعلم فقد عرفه ~~بنفسه لعمري قد يختلف الاصطلاح والمواضعة فالأشعرية لا يفرقون بين الوجود ~~والثبوت والشيئية والذات والعين والشحام من المعتزلة أحدث القول بأن ~~المعدوم شيء وذات وعين وأثبت له خصائص المتعلقات في الوجود مثل قيام العرض ~~بالجوهر وكونه عرضا ولونا وكونه سوادا وبياضا وتابعه على ذلك أكثر المعتزلة ~~غير أنهم لم يثبتوا قيام العرض بالجوهر ولا التحيز للجوهر ولا قبوله للعرض ~~وخالفه جماعة فمنهم من لم يطلق إلا اسم الشيئية ومنهم من امتنع من هذا ~~الإطلاق أيضا مثل أبي الهذيل وأبي الحسين البصري ومنهم من قال الشيء هو ~~القديم وأما الحادث فيسمى شيئا بالمجاز والتوسع وصار جهم بن صفوان إلى أن ~~الشيء هو المحدث والباري سبحانه مشى الأشياء. PageV01P050 # قال نفاة الشيئية عن العدم قد تقرر في أوائل العقول أن النفي والإثبات ~~يتقابلان والمنفي والمثبت يتقابلان تقابل التناقض حتى ا نفيت شيئا معينا في ~~حال مخصوص بجهة مخصوصة لم يمكنك إثباته على تلك الحال وتلك الجهة المخصوصة ~~ومن أنكر هذه القضية فقد أنكر هذه الحقائق كلها وإذا كان المنفي ثابتا على ~~أصل من قال أن المعدوم شيء فقد رفع هذه القضية أصلا وكان كمن قال لا معقول ~~ولا معلوم إلا الثبوت فحسب وذلك خروج عن القضايا الأولية وتحديد ذلك أن كل ~~معدوم منفي وكل منفي ليس بثابت فكل معدوم ليس بثابت. # قال من أثبت المعدوم شيئا كما تقرر في العقل تقابل النفي والإثبات فقد ~~تقرر أيضا تقابل الوجود والعدم فنحن وفرنا على كل تقسيم عقلي حظه وقلنا أن ~~الوجود والثبوت لا يترادفان على معنى واحد والمعدوم والمنفي كذلك. # قالت النفاة الآن صرحتم بالحق حيث ميزتم بين قسم وقسم فالثبوت عندكم أعم ~~من الوجود فإن الثبوت يشمل الموجود والمعدوم فهلا قلتم في المقابل كذلك وإن ~~المنفي أعم من المعدوم حتى يكون صفة عمومة حالا أو وجها للمنفي ثابتا كما ~~كان صفة خصوص المعدوم حالا للمعدوم أو وجها ثابتا فيتحقق أمر ثابت ويرتفع ~~المقابل العقلي وإن ms095 لم يثبتوا فرقا بين المنفي والمعدوم ثم قالوا كل معدوم ~~شيء ثابت لزمهم أن يقولوا كل منفي شيء ثابت فرجع الإلزام عليهم رجوعا ظاهرا ~~وهو رفع التقابل بين النفي والإثبات. # قال المثبتون إذا حققتم الكلام في النفي والإثبات والموجود والمعدوم ~~وميزتم بين الخصوص والعموم فيه عاد الإلزام عليكم متوجها من وجهين أحدهما ~~أنكم أثبتم في المعدوم خصوصا وعموما أيضا حتى قلتم منه ما هو واجب ~~كالمستحيل ومنه ما هو جائز كالممكن ومنه ما يستحيل لذاته كالجمع بين ~~المتضادين ومنه ما يستحيل لغيره كخلاف المعلوم فهذه التقسيمات قد وردت على ~~المعدوم فأخذتم المعدومية عامة وخصصتم بهذه الخصائص فلولا أن المعدوم شيء ~~ثابت وإلا لما تحقق فيه العموم والخصوص ولما تحقق التميز بين قسم وقسم. # والوجه الثاني أنكم اعترفتم بأن المنفي والمعدوم معلوم وقد أخبرتم عنه ~~وتصرفتم بأفكاركم فيه فما متعلق العلم وما معنى التعلق إذا لم يكن شيئا ~~ثابتا أصلا. # قالت النفاة نحن لا نثبت في العدم خصوصا وعموما بل الخصوص والعموم فيه ~~راجع إلى اللفظ المجرد وإلى التقدير في العقل بل العلم لا يتعلق بالمعدوم ~~من حيث هو معدوم إلا على تقدير الوجود فالعدم المطلق يعلم ويعقل على تقدير ~~الوجود المطلق في مقابلة العدم المخصوص أعني عدم شيء بعينه فأما أن يشار ~~إلى موجود محقق فيقال عدم هذا الشيء وإما أن يقدر في العقل فيقال عدم ذلك ~~المقدر كالقيامة تقدر في العقل ثم تنفى في الحال أو تثبت في المآل فالعدم ~~إذا لا يخص ولا يعم ولا يعلم من غير وجود أو تقدير وجود فكان العلم يتعلق ~~بالموجود ثم من ضرورته أن يصير عدم ذلك الشيء معلوما فيخبر عنه بأنه منفي ~~ويعبر عنه أنه ليس بشيء في الحال وإن كان شيئا في ثاني الحال على أنا ~~نلزمكم الوجود نفسه والصفات التابعة للوجود عندكم مثل التحيز للجوهر وقبوله ~~للعرض وقيامه بالذات ومثل احتياج العرض إلى الجوهر وقيامه به فنقول الوجود ~~منفي من الجواهر أم ثابت فإن كان ثابتا فهو تصريح بقدر ms096 العالم وتقرير أن لا ~~إبداع ولا اختراع ولا أثر لقادرية الباري سبحانه وتعالى أصلا وإن كان منفيا ~~فكل منفي عندكم معدوم وكل معدوم ثابت فعاد الإلزام عليكم جذعا. # ونقول قد قام الدليل على أن الباري سبحانه أوجد العالم بجواهره وإعراضه ~~فيقال أوجد عينها وذاتها أم غير ذاتها فإن قلتم أوجد ذاتها وعينها فالعين ~~والذات ثابتة في العدم عندكم وهما صفتان ذاتيتان لا تتعلق بهما القدرة ~~والقادرية ولا هي من آثارهما وإن قلتم أوجد غيرها فالكلام في ذلك الغير ~~كالكلام فيما نحن فيه. PageV01P051 # قال المثبتون أما قولكم في العلم يتعلق بالوجود أو بتقدير الوجود فإنه ~~ينتقض بعلم الباري سبحانه بعدم العالم في الأزل فإنه لا وجود للعالم في ~~الأزل ولا تقدير الوجود من وجهين أحدهما أن تقدير العالم في الأزل محال ~~والثاني أن التقدير من الباري سبحانه محال فإنه ترديد الفكر بوجود شيء ~~وعدمه فإن قدر في ذاته فهو محال وإن فعل فعلا سماه تقديرا فهو محال في ~~الأزل ولا بد للعلم من متعلق وهو معلوم محقق فوجب أن يكون شيئا ثابتا. # وقولكم العلم يتعلق بوجود الشيء في وقت وجوده ثم يلزم من ضرورته العلم ~~بعدمه قبل وجوده يلزمكم حصر العلم في معلومات هي موجودات والموجودات ~~متناهية فيجب تناهي المعلومات وأنتم لا تقولون به ثم تلك اللوازم إن كانت ~~معلومة فهي كالموجودات على السواء في تعلق العلم بها وإن لم تكن معلومة فقد ~~تناهى العلم والمعلومات. # وأما قولكم أن الوجود منفي أم ثابت فعلى أصلنا الوجود منفي وليس بثابت ~~وليس كل منفي ومعدوم عندنا ثابتا فإن المحالات منفيات ومعدومات وليست أشياء ~~ثابتة بل سر مذهبنا أن الصفات الذاتية للجواهر والأعراض هي لها لذواتها لا ~~تتعلق بفعل الفاعل وقدرة القادر إذ أمكننا أن نتصور الجوهر جوهرا أو عينا ~~وذاتا والعرض عرضا وذاتا وعينا ولا يخطر ببالنا أنه أمر موجود مخلوق بقدرة ~~القادر والمخلوق والمحدث إنما يحتاج إلى الفاعل من حيث وجوده إذا كان في ~~نفسه ممكن الوجود والعدم وإذا ترجح جانب الوجود ms097 احتاج إلى مرجح فلا أثر ~~للفاعل بقادريته أو قدرته إلا في الوجود فحسب فقلنا ما هو له لذاته قد سبق ~~الوجود وهو جوهريته وعرضيته فهو شيء وما هو له بقدرة القادر هو وجوده ~~وحصوله وما هو تابع لوجوده فهو تحيزه وقبوله للعرض وهذه قضايا عقلية ضرورية ~~لا ينكرها عاقل. # وعلى هذه القاعدة يخرج الجواب عن أثر الإيجاد فإن تأثير القدرة في الوجود ~~فقط والقادر لا يعطيه إلا الوجود والممكن في ذاته لا يحتاج إلى القادر إلا ~~من جهة الوجود ألسنا نقول إن إمكان الممكن من حيث إمكانه أمر لذاته وهو من ~~هذا الوجه غير محتاج إلى الفاعل وليس للفاعل جعله ممكنا لكن من حيث ترجيح ~~أحد طرفي الإمكان كان محتاجا إلى الفاعل فعلم يقينا أن الأمور الذاتية لا ~~تنسب إلى الفاعل بل ما يعرض لها من الوجود والحصول ينسب إلى الفاعل ونقول ~~أن الفاعل إذا أراد إيجاد جوهر فلا بد أن يتميز الجوهر بحقيقته عن العرض ~~حتى يتحقق القصد إليه بالإيجاد وإلا فالجوهر والعرض في العدم إذا كان لا ~~يتميز أحدهما عن الثاني بأمر ما وحقيقة ما وذلك الأمر والحقيقة لم يكن شيئا ~~ثابتا لم يتجرد القصد إلى الجوهر دون العرض وإلى الحركة دون السكون والبياض ~~دون السواد إلى غير ذلك والتخصيص بالوجود إنما يتصور إذا كان المخصص معينا ~~مميزا عند المخصص حتى لا يقع جوهر بدل عرض ولا حركة بدل سكون ولا بياض بدل ~~سواد فعلم بذلك أن حقائق الأجناس والأنواع لا تتعلق بفعل الفاعل وأنها في ~~ذواتها إن لم تكن أشياء منفصلة لم يتصور الإيجاد والاختراع ولكان حصول ~~الكائنات على اختلافها اتفاقا وبختا. PageV01P052 # قالت النفاة العلم الأزلي يتعلق بالمعلومات كلها كما هي فيتعلق بوجود ~~العالم حتى يتحقق له الوجود ويتعلق باستحالة وجوده أزلا وجواز وجوده قبل ~~وجوده لكن المتعلق الحقيقي هو الوجود وسائر المعلومات من ضرورة ذلك التعلق ~~ولا يستدعي ذلك التعلق في حق الباري سبحانه تقديرا وهميا وترديدا خياليا ~~هذا كمن عرف وحدانية الباري سبحانه وتعالى في ms098 الإلهية عرف إنما سواه ليس ~~بإلاه ولا يستدعي تعدد علوم بكل مخلوق أنه ليس بإلاه ومن عرف أن زيدا في ~~الدار عرف أنه ليس بموضع آخر سواها ولا يستدعي ذلك أن يتعدد علمه بأنه ليس ~~في دار عمر وبكر وخالد بل يقع ذلك معلوما لزوما ضرورة ومثل هذه المعلومات ~~لا تتناهى ويستحيل أن يقال هذه المعلومات أشياء ثابتة حتى يكون عدم زيد في ~~مكان كذا أو عدم كل جوهر في حيز كذا أو عدم كل عرض في محل كذا إلى ما لا ~~يتناهى أشياء ثابتة في العدم فإن ذلك خروج عن قضايا العقل وتيه في مفازة ~~الجهل وأما إلزام الوجود من حيث هو وجود والتحيز وقبول العرض وجميع الصفات ~~التابعة للحدوث فمتوجه والاعتذار بأنه منفي وليس بثابت ولا شيء نقض صريح ~~لمذهبهم فإن كل معلوم أمكن الإخبار عنه وتعلق العلم به فهو شيء ثابت عندهم ~~ويا ليت شعري إذا لم يمكن الإخبار عن الوجود ولم يمكن تعلق العلم به فعن أي ~~شيء يخبر وعن أي شيء يعلم وليس ذلك كالمحال الذي تمثلوا به على أن المحالات ~~مما يعلم ويخبر عنها فهلا كانت أشياء حتى يلزم أن يكون عدم الإلهية أشياء ~~ما والعالم بما فيه من الجواهر والأعراض أشياء ثابتة في الأزل وكما لا ~~تتناهى المعلومات لا تتناهى الأشياء بأجناسها وأنواعها وأصنافها والعياذ ~~بالله من مذهب هذا مآله وأما كلامكم في الصفات الذاتية أنها لا تحصل بفعل ~~الفاعل وإنما الوجود من حيث هو وجود متعلق القدرة فشيء ما سمعوه ولم يفهموه ~~وما أحسنوا إيراده لأنهم لم يتحققوا إصداره. # وأجابت النفاة بأن قالوا وجود الشيء وعينه وذاته وجوهريته وعرضيته عندنا ~~عبارات عن معبر واحد وما أوجده الموجد فهو ذات الشيء والقدرة تعلقت بذاته ~~كما تعلقت بوجوده وأثرت في جوهريته كما أثرت في حصوله وحدوثه والتميز بين ~~الوجود وبين الشيئية مما لا يؤل إلى معنى ومعنى بل إلى لفظ ولفظ وهم على ~~اعتقاد أن الأجناس والأنواع والعموم والخصوص فيها راجع إلى الألفاظ المجردة ms099 ~~أو الوجوه العقلية والتقديرات الوهمية وألزموا عليهم الصفات التابعة للحدوث ~~كالتحيز وقبول العرض وقيام العرض بالمحل فإنها ليست من آثار القدرة ثم لم ~~يثبتوها قبل الحدوث فهلا قالوا الصفات الذاتية كلها تتبع الحدوث أيضا وربما ~~عكسوا عليهم الأمر في التابع والمتبوع وألزموهم القول بأن التحيز يقع ~~بالقدرة والوجود يتبعه. # وأجابوا عن سؤال التخصيص والتمييز بالمعارضة وهو أن الجواهر والأعراض لو ~~ثبتت في العدم بغير نهاية لما تحقق القصد إلى بعضها بالتخصيص وليس يندفع ~~الإشكال بهذا الجواب بل يزيده قوة ولزوما. # والحق أن هذه المسئلة مبنية على مسئلة الحال وقد دارت رؤوس المعتزلة في ~~هاتين المسئلتين على طرفي نقيض فتارة يعبرون عن الحقائق الذاتية في الأجناس ~~والأنواع بالأحوال وهي صفات وأسماء ثابتة للموجودات لا توصف بالوجود ولا ~~بالعدم وتارة يعبرون عنها بالأشياء وهي أسماء وأحوال ثابتة للمعدومات لا ~~تخص بالأخص ولا تعم بالأعم وذلك أنهم سمعوا كلاما من الفلاسفة وقروا شيئا ~~من كتبهم وقبل الوصول إلى كنه حقيقته مزجوه بعلم الكلام غير نضيج وذلك أنهم ~~أخذوا من أصحاب الهيولي مذهبهم فيها فكسوه مسئلة المعدوم وأصحاب الهيولي هم ~~على خطأ بين من إثبات الهيولي مجرد عن الصورة كما سنرد عليهم وأخذوا من ~~أصحاب المنطق والإلهيين كلامهم في تحقيق الأجناس والأنواع والفرق بين ~~المتصورات في الأذهان والموجودات في الأعيان وهم على صواب ظاهر دون الخناثى ~~من المعتزلة لا رجال ولا نساء لأنهم أثبتوا أحوالا لا موجودة ولا معدومة ~~والصورة كالمتصور وينهدم بنيانهم بأوهى نفخة كما يتضح الحق لأوليائه بأدنى لمحة. # فنقول إذا أشار مشير إلى جوهر بعينه فنسألكم هل كان هذا الجوهر قبل وجوده ~~شيئا ثابتا جوهرا جسميا من حيث هو هذا أم كان جوهرا مطلقا شيئا عاما غير ~~متخصص بهذا. PageV01P053 # فإن قلتم كان بعينه جوهرا فيجب أن تحقق الإشارة إليه بهذا ويكون ذلك المشار ~~إليه هو هذا لأن هذا لا يشاركه فيه غير هذا وإن كان قبل وجوده جوهرا مطلقا ~~لا هذا فلم يكن ذلك هذا فلم يكن هذا شيئا والمطلق من ms100 حيث هو مطلق لا هذا ~~ولم يكن هذا ذاك ولا ذاك هذا فما هو ثابت في العدم لم يتحقق له وجود وما ~~تحقق له وجود لم يكن ثابتا. # وما ذكروه أن الصفات الذاتية لا تنسب إلى الفاعل بل الذي ينسب إلى الفاعل ~~هو الوجود قيل ما ثبت للشيء الغير المعين من الصفات التي هو بها قد تعين ~~غير وما ثبت للشيء المعين من الصفات التي هو بها وقد تفنن وتنوع غير والأول ~~لا يسمى صفات ذاتية إلا بمعنى أنها عبارات عن ذاته المعينة فيكون وجوده ~~وجوهريته وعينه وذاته عبارات عن معبر واحد وكما يحتاج في وجوده إلى الموجد ~~يحتاج في ذاته وعينه وجوهريته وجواز الوجود هو بعينه جواز الثبوت وهو بعينه ~~في أن يكون عينا وبجوهريته في أن يكون جوهرا لا يستغني عن الموجد وإلا ~~فيلزم أن تستغني الأشياء كلها عن الموجد من جميع وجوهها وصفاتها إلا الوجود ~~فحسب علي أنه حال لا يوصف بالوجود وأيضا فإن الوجود ليس يفتقر إلى الموجد ~~وإلا فيلزم وجود القديم بل وجود مخصص هو بصفة الإمكان يفتقر إلى الموجد ثم ~~الموجد الممكن من حيث هو عام لا يتحقق له وجود بل وجود ممكن هو بصفة كذا أو ~~كذا ويتحقق له وجود فيثبت أن المعين المشار إليه هو المفتقر إلى الموجد لكن ~~لا يتحقق له وجود إلا ويريده الموجد وليس يريده الموجد إلا ويعلمه قبل ~~إيجاده فيتخصص وجوده وجودا عرضا جوهرا في علم الموجد فالمعلوم يتخصص مرادا ~~والمراد يتخصص وجودا هو بعينه جوهر إلا أنه في ذاته يكون شيئا فيخصصه ~~الوجود بعد الشيء حتى تتخصص الشيئية الخارجة جوهرا وتتخصص الجوهرية العامة ~~الخارجة بهذا الجوهر وأيضا فإن الوجود أعم صفات الموجودات وإيجاد الأعم لا ~~يوجب وجود الأخص فلو كان البياض مثلا منتسبا إلى الموجد من حيث وجوده فقط ~~لكان يكون موجودا لا بياضا بل لو عكس الأمر وقلب الحال فقبل أوجده سوادا أو ~~بياضا وانتسبت البياضية إلى الموجد فقط ولكن من ضرورة وجود الأخص وجود ~~الأعم ms101 كان أمثل من حيث العقل ولذلك نقول إن البياض يضاد السواد ببياضيته ~~فإذا انتفى السوادية انتفى الوجود إذ ليس من قضية العقل انتفاء السوادية ~~وبقاء الوجود وعند القوم أن المعدوم عادم لوجوده كما أن الموجود واجد ~~لوجوده فيلزم على ذلك أن لا يوجد بياض ولا يعدم سواد ولا يتحقق جوهر ولا ~~يتخصص عرض. PageV01P054 # والعجب كل العجب من مثبتي الأحوال أنهم جعلوا الأنواع مثل الجوهرية ~~والجسمية والعرضية واللونية أشياء ثابتة في العدم لأن العلم قد تعلق بها ~~والمعلوم يجب أن يكون شيا حتى يتوكأ عليه العلم ثم هي بأعيانها أعني ~~الجوهرية والعرضية واللونية والسوادية أحوال في الوجود ليست معلومة على ~~حيالها ولا موجودة بانفرادها فيا له من معلوم في العدم يتوكأ عليه العلم ~~وغير معلوم في الوجود ولو أنهم اهتدوا إلى مناهج العقول في تصورها الأشياء ~~بأجناسها وأنواعها لعلموا أن تصورات العقول ماهيات الأشياء بأجناسها ~~وأنواعها لا تستدعي كونها موجودة محققة أو كونها أشياء ثابتة خارجة عن ~~العقول أو ما لها بحسب ذواتها وأجناسها وأنواعها في الذهن من المقومات ~~الذاتية التي تتحقق ذواتها بها لا تتوقف على فعل الفاعل حتى يمكن أن تعرف ~~هي والوجود لا يخطر بالبال فإن أسباب الوجود غير وأسباب الماهية غير ~~ولعلموا أن إدراكات الحواس ذوات الأشياء بأعيانها وأعلامها تستدعي كونها ~~موجودة محققة وأشياء ثابتة خارجة عن الحواس وما لها بحسب ذواتها من كونها ~~أعيانا وأعلاما في الحس من المخصصات العرضية التي تحقق ذواتها المعينة بها ~~هي التي تتوقف على فعل الفاعل حتى لا يمكن أن توجد هي عرية من تلك المخصصات ~~فإن أسباب الماهية غير وأسباب الوجود غير ولما سمعت المعتزلة من الفلاسفة ~~فرقا بين القسمين ظنوا أن المتصورات في الأذهان هي أشياء ثابتة في الأعيان ~~فقضوا بأن المعدوم شيء وظنوا بأن وجود الأجناس والأنواع في الأذهان هي ~~أحوال ثابتة في الأعيان فقضوا بأن المعدوم شيء وأن الحال ثابت ساء سمعا ~~وساء إجابة ولولا أني التزمت على نفسي في هذا الكتاب أن أبين مصادر المذاهب ~~ومواردها ms102 واشتراك منتها إقدام العقول في مسائل الأصول وإلا لما أهمني كشف ~~الأسرار وهتك الأستار. # وأما أصحاب الهيولي فافترقت فيها على طريقين فرقتين أحدهما إثبات هيولي ~~للعالم مجردة عن الصور وعدوها من المبادئ الأول وهي ثالثها أو رابعها ~~فقالوا المبادئ هي العقل والنفس والهيولي وقالوا المبادئ هو الباري سبحانه ~~والعقل والنفس والهيولي وهي كانت مجردة عن الصور كلها فحدثت الصورة الأولى ~~وهي الأبعاد الثلاثة فصارت جسما مركبا ذا طول وعرض وعمق ولم يكن لها قبل ~~الصورة إلا استعداد لمجرد القبول فإذا حدثت الصورة صارت بالفعل موجودة وهي ~~الهيولي الثانية ثم إذا لحقها الكيفيات الأربعة التي هي الحرارة والبرودة ~~الفاعلتان والرطوبة واليبوسة المنفعلتان صارت الأركان التي هي النار والماء ~~والهواء والأرض وهي الهيولي الثالثة ثم تتكون منها المركبات التي تلحقها ~~الأعراض وهي الكون والفساد ويكون بعضها هيولي بعض. # الطريق الثاني هو أنهم أثبتوا الهيولي غير مجردة عن الصورة قالوا وهذا ~~الترتيب الذي ذكرناه مقدر في العقل والوهم خاصة دون الوجود وليس في الوجود ~~جوهر مطلق قابل للأبعاد ثم يلحقه الأبعاد ولا جسم عار عن الكيفيات ثم عرضت ~~له الكيفيات وإنما هو عندما نظرنا في ما هو أقدم بالطبع وأبسط في الوهم ~~والعقل. # قال أصحاب الهيولي المجردة أما إثبات الهيولي لكل جسم فأمر معقول محقق ~~بالبرهان وذلك أن كل جسم قابل للاتصال والانفصال والتصور والتشكل بالصورة ~~والأشكال ومعلوم أن قابل الاتصال والانفصال أمر وراء الاتصال والانفصال فإن ~~القابل يبقى بطريان أحدهما والاتصال لا يبقى بعد طريان الانفصال وبالعكس ~~فظاهر أن ها هنا جوهر غير الصورة الجسمية يعرض له الاتصال والانفصال معا ثم ~~قالوا ما من انفصال واتصال معين إلا ويمكن زواله وما من شكل وصورة وحيز ~~وجهة إلا وهو عارض لذلك الجوهر فيمكن أن يتعرى عن جميع الصور كما أمكن أن ~~يتعرى عن كل صورة بل يجب أن يكون مبدأ الأجسام المركبة جوهر غير مركب فإن ~~كل مركب لو كان عن مركب لتسلسل إلى غير النهاية فتركب القميص من الغزل ~~والغزل من القطن ms103 والقطن من الأركان والأركان من العناصر وهي الهيولي ~~القابلة للصور والكيفيات فإذا انحلت التركيبات فهي البسائط وإذا انحلت ~~البسائط فهي الهيولي المجردة عن كل صورة القابلة لكل صورة. PageV01P055 # قال أصحاب الهيولي مع الصورة أما إثبات الهيولي جوهرا معقولا فمسلم للعقل ~~وأما جواز تعريها عن الصور أو وجوب ذلك فهو المختلف فيه وما أوردتموه من ~~المقدمات تحكمات فلم قلتم أنه إذا أمكن تعريها عن اتصال وانفصال معين أمكن ~~تعريها عن كل اتصال وانفصال لأن الذي يتبدل ويتغير من الاتصال والانفصال ~~عرض من باب الكم والاتصال الذي هو الأبعاد الثلاثة جوهر هو صورة جسمية فما ~~هو عرض يجوز عليه التبدل وما هو جوهر لم يتبدل قط وليس العرض من قبيل ~~الجوهر حتى يحكم عليه بحكم الثاني وكذلك كون الجسم في حيز مخصوص من قبيل ~~الأعراض من باب الأين وكونه متحيزا صورة جسمية هو من قبيل الجواهر فلم يجز ~~أن يقال إذا جاز عليه تبدل المكان المخصوص جاز عليه أن لا يكون له حيز ~~ومكان هذا جواب الحكيم للحكيم. # أما جواب المتكلم فيقول لم إذا جاز خلو الجوهر عن عرض جاز خلوه عن كل عرض. # قال لأن الجوهر هو القائم بذاته المستغني عن المحل فلو لم يجز خلوه عن ~~الأعراض لبطل قيامه بذاته ولكن في وجوده محتاجا إلى العرض كما كان العرض في ~~وجوده محتاجا إلى الجوهر وحينئذ يلتبس حد الجوهر بحد العرض ويختلط أحدهما ~~بالآخر وذلك خروج عن المعقول. # فيقول المتكلم الجوهر في قيامه بذاته يستغني عن محل يحل فيه بحيث يوصف ~~المحل به والعرض في احتياجه من حيث ذاته يحتاج إلى محل يحل فيه بحيث يوصف ~~المحل به لكن لا يجوز أن يخلو الجوهر عن كل الأعراض لا لأنه يحتاج إليها في ~~قيامه بذاته جوهرا لكن في وجوده لا يتصور أن يكون خاليا عن كون في مكان مخصوص. # وقال أصحاب الصور لو قدرنا الهيولي جوهرا قائما بذاته عريا عن الصور كلها ~~حتى لا يكون له وضع وحيز وبعد واتصال ومقدار يقبل ms104 الانقسام ثم قدرناه حصل ~~فيه المقدار مثلا فإما أن يصادفه المقدار دفعة أو على تدريج فإن صادفه دفعة ~~حتى حصل ذا مقدار فيكون قد صادفه بحيث حتى انضاف إليه فيكون له حيث وحيز ~~فيدب أن يكون ذا حيز أولا حتى يصادفه حيث هو فيكون ذا صورة وإن صادفه على ~~تدريج أو انبساط فكل ما من شأنه أن ينبسط فله جهات وكل ما له جهة فهو ذو ~~وضع وعلى الوجهين جميعا لا يصادفه الاتصال والمقدار إلا أن يكون له حيث ~~وحيز ووضع وقد فرض غير متحيز وذا وضع فهو خلف. # قال أصحاب الهيولي كل حادث في زمان فيجب أن يسبقه إمكان الوجود وذلك ~~الإمكان إما أن يكون في نفس المقدر وإما أن يكون في شيء وبطل أن يكون في ~~نفس المقدر فإن المقدر لو قدر عدمه لم ينعدم الإمكان فيتعين أنه في شيء ما ~~خارج عن الذهن ولا يخلو إما أن يكون موجودا أو معدوما ومحال أن يكون معدوما ~~فإن المعدوم قبل والمعدوم مع شيء واحد وليس الإمكان قبل هو الإمكان مع وإن ~~كان موجودا فإما أن يكون قائما في موضوع وإما أن يكون قائما لا في موضوع ~~فكل ما هو قائم لا في موضوع فله وجود خاص لا يجب أن يكون به مضافا وإمكان ~~الوجود بما هو إمكان أمر مضاف لما هو إمكان له فهو إذا أمر في موضوع عارض ~~لموضوع ونحن نسميه قوة الوجود والذي فيه قوة وجود الشيء والموضوع والمادة ~~والهيولي قالوا والإمكان قد يعري عن الوجود لأنه لو تحقق وجود كل ممكن ~~لحصلت موجودات بغير نهاية فالعالم قد سبقه إمكان الوجود وقد سبقه الهيولي ~~التي فيها الإمكان والإمكان لم يكن في الأزل فالهيولي لم تكن في الأزل ~~فتصور وجود العالم حيث تحقق الهيولي وتحقق الهيولي حيث تحقق الإمكان ~~والإمكان والوجوب لا يجتمعان. # وهذا دليل افلاطن ألا هي في حدوث العالم بصورته وهيولاه قال وكما تصور ~~وجود موجودات كلية في العقل تصور وجود موجودات كلية في الخارج عن ms105 العقل وهي ~~حقائق مختلفة تختلف بالخواص كالعقول السماوية. # وقال أصحاب الصور هذا البرهان صحيح في الموجودات الزمانية لكن كما لا ~~يتحقق إمكان إلا في مادة لا تتصور مادة إلا متصورة بصورة فإنها إن كانت ~~عرية عن الصور كلها كان لا يتحقق نحوها قصد الفاعل حتى يفيض عليها الصور إذ ~~لا حيث لها ولا وضع ولا أين وكما أن الإمكان ليس شيئا متقوما إلا بالهيولي ~~والهيولي ليس شيئا متقوما إلا بالصورة فيقوم الهيولي بالصورة وتقوم الصورة ~~بواهب الصورة وليس تنفك إحداهما عن الثانية بحال أصلا. PageV01P056 # برهان آخر لو قدرنا الهيولي موجودة متقومة فأما أن يقال هي واحدة أو كثيرة ~~فإن كانت واحدة ثم صارت اثنين أفبانضمام آخر إليه أم بتكثير ذلك الواحد في ~~نفسه من غير انضمام من خارج فإن قدر الأول فهما جوهران انضم أحدهما إلى ~~الثاني ويكون الهيولي اثنين وما تحقق فيه الاثنينية قبل القسمة إما ~~بالانفصال إذا كانا متصلين وإما بالعدد إذا كان مقدارين وكل ذلك صورة وإن ~~تكثر الواحد في نفسه من غير انضمام من خارج كان حين كان واحدا لم يقبل ~~القسمة ثم صار قابلا للقسمة فتكون له صورة الوحدة تارة وصورة التكثر تارة ~~فيكون ذا صورتين ويلزم أن يكون بين الحالتين مادة مشتركة بها يقبل الوحدة ~~تارة والكثرة أخرى فيكون للمادة مادة ويتسلسل وكذلك لو فرضنا اثنين جوهرين ~~ثم خلعنا صورة الاثنينية فصار شيئا واحدا فلا يخلو إما أن يتحدا وكل واحد ~~منهما موجود أو أحدهما موجود والآخر معدوم أو كلاهما معدومان وحصل ثالث ~~بالإيجاد فإن كان فهما إذا اثنان لا واحد وإن اتحدا واحدهما معدوم والآخر ~~موجود فالمعدوم كيف يتحد بالموجود وإن عدما بالإيجاد حصل ثالث فهما غير ~~متحدين بل لا بد من معدومين ويلزم أيضا في خلع صورة الاثنينية مادة مشتركة ~~كما لزم في لباس صورتها مادة مشتركة فيتحقق بهذه البراهين أن الهيولي قط لا ~~تعري عن الصورة بل قوامها بالفعل يكون بالصورة وقوام الصورة من حيث ذاتها ~~لا يكون بها بل بواهب ms106 الصورة فكانت الهيولي حافظة لها قبولا وكانت الصورة ~~مقومة لها وجودا فالصورة لا تحدث إلا في الهيولي والهيولي لا تعري عن ~~الصورة وكل واحد منهما جوهر لأن الجسم مركب منهما والجسم جوهر والبسيطان ~~جوهران والتمييز بينهما بالفعل غير متصور والفصل بينهما فصل بالعقل وفي ~~المسئلة بقايا من المباحثات بين الفريقين وذلك حظ الحكمة الفلسفية لا حظ ~~الحقائق الكلامية وقد عرفت من هذه المباحثة أن مذهب المعتزلة في المعدوم ~~شيء هو بعينه مذهب بعض الفلاسفة في أن الهيولي موجودة قبل وجود الصورة ~~والله الموفق. ### || AUTO القاعدة الثامنة ### || AUTO في إثبات العلم بأحكام الصفات العلى # قد شرع المتكلمون في إثبات العلم بأحكام الصفات قبل الشروع في إثبات ~~العلم بالصفات لأن الأحكام إلى الإذهان أسبق والمخالفون من المعتزلة في ~~إثبات الصفات يوافقون في أحكام الصفات. # وسلكوا طريقين أحدهما النظر والاستدلال والثاني الضرورة والبديهة ثم منهم ~~من يرى الابتدا بإثبات كونه قادرا أولى ومنهم من يثبت كونه عالما أولا ثم ~~يثبت كونه قادرا مريدا ومنهم من يبتدي بالإرادة ثم يثبت كونه قادرا عالما. # قال أصحاب النظر في إثبات كونه قادرا أولا أن الدليل قد قام على أن الصنع ~~الجائز ثبوته والجائز عدمه إذا وجد احتاج إلى صانع يرجح جانب الوجود فيجب ~~أن يكون الصانع قادرا لأن من الأحياء من يتعذر عليه الفعل ومنهم من يتيسر ~~فسبرنا جملة صفات الحي روما للعثور على المعنى الذي لأجله ارتفع التعذر ~~وتحقق التأتي والتيسر فلم نجد صفة إلا القدرة أو كونه قادرا فكان الذي صحح ~~الفعل من الحي كونه قادرا هو علة لصحة الفعل والعلة لا تختلف حكمها شاهدا ~~وغائبا وكذلك صادفنا أحكاما وإتقانا في الأفعال وسبرنا ما لأجله يصح ~~الأحكام والإتقان من الفاعل فلم نجد إلا كونه عالما وكذلك رأينا الاختصاص ~~ببعض الجائزات دون البعض مع تساوي الكل في الجواز وسبرنا ما لأجله يصح ~~الاختصاص فلم نجد إلا كونه مريدا ثم لم يتصور وجود هذه الصفات إلا وأن يكون ~~الموصوف بها حيا لأن الجماد لا يتصور منه ms107 أن يكون قادرا أو عالما فقلنا ~~القادر حي وأيضا فإنا لو لم نصفه بهذه الصفات لزمنا وصفه بأضدادها من العجز ~~والجهل والموت وتلك نقائص مانعة من صحة الفعل المحكم ويتعالى الصانع عن كل نقص. # ولخصومهم من المعطلة هذه الطريقة أسولة منها ما هو على الأشعرية سؤالان ~~ومنها على المعتزلة آخران ومنها سؤال على جميع المتكلمين أما السؤال الأول ~~فقالوا أنتم إذا نفيتم الحال وقلتم الأشياء في حقائقها تتمايز بذواتها ~~ووحدها فكيف يستمر لكم الجمع بين الشاهد والغائب الثاني إنكم ما أثبتم في ~~الشاهد فاعلا موجدا على الحقيقة وإن أثبتم فاعلا مكتسبا فكيف يستمر لكم ~~الجمع بين ما لم يتصور منه الإيجاد وبين ما لم يتصور منه الاكتساب PageV01P057 ~~أجاب الأصحاب عن السؤال الأول بأنا وإن نفينا الحال صفة ثابتة لعين مشار ~~إليها لم تنف الوجوه والاعتبارات العقلية جمعا بين الشاهد والغائب بالعلة ~~والمعلول والدليل والمدلول وغير ذلك فإن العقل إذا وقف على المعنى الذي ~~لأجله صح الفعل من الفاعل في الشاهد حكم على كل فاعل كذلك. # وأما الثاني فإنا وإن لم نثبت إيجادا وإبداعا في الشاهد إلا أنا نحس في ~~أنفسنا تيسرا وتأتيا وتمكنا من الفعل وبذلك الوجه امتازت حركة المرتعش عن ~~حركة المختار وهذا أمر ضروري ثم وجه تأثير القدرة في المقدور أهو إيجاد أم ~~اكتساب نظر ثان ونحن بهذا الوجه جمعنا لا بذلك الوجه الذي فرقتم. # أما السؤال على المعتزلة قالوا من أثبت الحال منكم لم يثبت للفعل أثرا من ~~الفاعل إلا حالا لا توصف بالوجود والعدم والقادرية أيضا عندكم حال فكيف ~~أوجدت حالة حالة. # والثاني أنكم أثبتم تأثيرا للقدرة الحادثة في الإيجاد وما أثبتم للقدرة ~~في الغائب إلا حالا فما أنكرتم أن المصحح للإيجاد هو كونه قدرة لا كونه ~~قادرا فما حصل في الشاهد لم يوجد في الغائب وما ثبت في الغائب لم يثبت في ~~الشاهد ثم أثبتم تأثيرا في إيجاد حركات دون الألوان والأجسام فإن جمعتم بين ~~الشاهد والغائب بمجرد الحدوث فقولوا فإن القدرة الحادثة تصلح لإيجاد ms108 كل ~~موجود وإن تقاصرت القدرة في الشاهد حتى لم يجمع بين محدث ومحدث في الشاهد ~~فكيف يصح الجمع بين محدث في الشاهد ومحدث في الغائب. # وأما السؤال على الفريقين قالوا هذا تمسك باستقراء الحال وهو فاسد من ~~وجوه كثيرة منها أنكم وجدتم في بعض الفاعلين أن البناء يدل على الباني ~~وقلتم سبرنا صفات الباني وعثرنا على كونه قادرا فما أنكرتم أن بانيا يصدر ~~عنه البناء ويكون حكمه على خلاف هذا الباني حتى لا يستدعي كونه قادرا كما ~~أنكم ما رأيتم بانيا إلا بآلة وأدات فلو حكمتم على كل بان بآلة وأداة كان ~~الحكم فاسدا كذلك في كونه قادرا أو ذا قدرة أليست المعتزلة تخالفكم في ~~القدرة والعلم والإرادة وأنتم تقولن البناء يدل على كون الباني ذا قدرة ~~وعلم وإرادة ثم لم تطردوا هذا الحكم غائبا فإذا يلزمكم دليل مستأنف في حق ~~الغائب ولا يغنيكم دعوى الضرورة في هذا الجمع فأنتم معاشر المعتزلة يلزمكم ~~في استقرائكم الشاهد كون الصانع ذا قدرة وعلم وإرادة وأنتم معاشر الأشاعرة ~~يلزمكم في استقرائكم الشاهد كون الصانع ذا بنية وآلة وأداة وبالجملة ~~الأستقراء ليس يوجب علما وإن ادعيتم الضرورة فما بالكم شرعتم في الدليل. # قال القاضي أبو بكر رحمه الله إذا كنا نعود في آخر الاستدلال بعد السبر ~~والتقصير والترديد والتحويم إلى دعوى الضرورة فما بالنا لم ندع البديهة ~~والضرورة في الابتداء. # فنقول إذا أحاط المرء علما ببدائع الصنع وعجائب الخلق من سير المتحركات ~~على نظام وترتيب وثبات الساكنات على قوام وتسديد وحصول الكائنات بين ~~المتحركات والساكنات فمن جماد ونبات ومن حيوان ومن إنسان وكل بإحكام وإتقان ~~عرف يقينا أن الصانع عالم حكيم قادر مريد ومن استراب عن ذلك كان عن العقل ~~خارجا وفي تيه الجهل والجا ولسنا نحتاج في ذلك إلى إثبات فعل في الشاهد ثم ~~طرد ذلك في الغائب بل الغائب شاهد والعقل رائد والبصر ناقد ومن حاول ~~الاستدلال في مناهج الضروريات عمي من حيث يبصر وجهل من حيث يستبصر. PageV01P058 # وأجاب إمام الحرمين عن ms109 سؤال الاستقراء بأن قال نحن لم نستقر الحال في ~~الشاهد ولا نحكم على الغائب بحكم الشاهد لكنا نقول قام الدليل على حدوث ~~العالم واحتياجه من حيث إمكانه إلى مرجح لأحد طرفي الإمكان والمرجح إما أن ~~يرجح بذاته ولذاته أو بذاته على صفة أو بصفة وراء الذات واستحال الترجيح ~~والتخصيص بالوجود بالذات من حيث هو ذات بأن الموجب بالذات لا يخصص مثلا عن ~~مثل فإن نسبة الذات إلى هذا المثل كنسبته إلى المثل الثاني فيجب أن يكون ~~بصفة وراء الذات أو بذات على صفة وقد ورد التنزيل والشرع بتسمية تلك الصفة ~~التي يتأتى بها التخصيص إرادة ثم الإرادة تخصص ولا توقع فالصفة التي يتأتى ~~بها الإيقاع والإيجاد هي القدرة والفعل إذا اشتمل على إتقان وإحكام وجب ~~بالضرورة كون الصانع عالما والإرادة أيضا لا تتعلق بشيء إلا بعد أن يكون ~~المريد عالما وهذه الصفات تستدعي في ثبوتها الحياة فوجب أن يكون الصانع حيا ~~وقد نازعوه في تماثل الأشكال وتشابه الأمثال وذلك عنادا وجدال لكن الخصم ~~يقول نسبة الصنع عندنا إلى الذات كنسبته إلى الإرداة والقدرة عندكم فإن ~~الإرادة عندكم واحدة وهي في ذاتها صفة صالحة يتأتى بها التخصيص مطلقا ~~ونسبتها إلى هذا المثل كنسبتها إلى مثل آخر وكذلك القدرة ولأنهما لا ~~يتعلقان بالمرادات والمقدورات قبل الإيجاد فما الموجب لتخصيص حال الوجود ~~بالإيقاع ونسبة الإرادة والقدرة إلى هذه الحال كنسبتها إلى حال أخرى ~~فجوابكم عن تعلق الصفات بالمتعلقات إيجادا هو جوابنا عنا نسبة إلى الموجبات ~~إيجابا والسؤال مشكل وقد أشرنا إلى حل الإشكال في حدث العالم وربما يقول ~~الخصم ألستم رددتم معنى كونه حكيما إلى كونه مريدا أو فاعلا على مقتضى ~~العلم ورد الكعبي كونه مريدا إلى كونه قادرا عالما ورد أبو الحسين البصري ~~جملة الصفات إلى كونه قادرا عالما على رأي وإلى كونه قادرا على رأي وإلى ~~كونه عالما على رأي فنحن رددنا جملة الصفات إلى كونه ذاتا واجبة الوجود على ~~جلال وكمال تصدر منه الموجودات على أحسن نظام وأتقن أحكام ثم ms110 يشتق له اسم ~~من نحو آثاره لذاته أو اسم لذاته أو اسم من حيث تقدسه عن سمات مخلوقاته ~~ويسمى الأول أسماء إضافية كالعلة والمبدأ والصانع ويسمى الثاني أسماء سلبية ~~كالواحد والعقل والعاقل والواجب وأشتهي أن تجري في هذه الأسامي مباحثة ~~عقلية للإنصاف والانتصاف. # فأقول العلة والمبدأ عندكم يقال على كل ما استمر له وجود في ذاته ثم حصل ~~منه وجود شيء آخر ويقوم به وقد يكون الشيء علة للشيء بالذات وقد يكون ~~بالعرض وقد تكون علة قريبة وقد تكون علة بعيدة وواجب الوجود لذاته تام ~~الوجود في ذاته وحصل منه العقل الأول أهو علة له بالذات أم بالعرض فإن كان ~~علة له بالذات لا بالعرض فهو مبدأ له بالقصد الأول لا بالقصد الثاني ولم ~~يكن واجب الوجود غنيا مطلقا بل فقيرا محتاجا إلى كسب ولم يكن كاملا مطلقا ~~بذاته لولا معلولة بل كاملا بغيره ناقصا باعتبار ذاته كيف وهم يأبون أن ~~يكون المعلول الأول وسائر الموجودات إلا من لوازم تعقله بذاته فلا يكون ~~توجيه واجب الوجود الأزلي إلا إلى ذاته على سبيل الاستغناء المطلق عن الكل ~~ووجوه سائر الموجودات إليه على سبيل احتياج الكل إليه وإن قالوا هو علة ~~بالعرض لا بالذات مبدأ بالقصد الثاني لا بالقصد الأول قلنا فما لم تكن ~~العلة علة لشيء بالذات لا تكون علة لشيء آخر بالعرض وما لم يكن مبدأ الشيء ~~بالقصد الأول لا يكون مبدأ الشيء بالقصد الثاني فيلزم ما لزم في الأول ~~فيبطل إطلاق لفظ العلة والمبدأ عليه. PageV01P059 # ونقول أيضا كونه مبدأ وعلة لم يدخل في مفهوم كونه واجبا بذاته فإن مفهوم ~~أنه علة أمر إضافي ومفهوم أنه واجب بذاته أمر سلبي وقد تمايز الأمران ~~والمفهومان ويدل كل واحد منهما على غير ما دل عليه الثاني فمن أين يصح لكم ~~رد المعاني إلى أمر واحد وهو الذات فتمايز المفهومات والاعتبارات عندكم ~~وتمايز الأحوال عند أبي هاشم وتمايز الصفات عند أبي الحسن على وتيرة واحدة ~~وكلكم يشير إلى مدلولات مختلفة الخواص والحقائق واعتذاركم ms111 أن كثرة اللوازم ~~والسلوب والإضافات لا تقتضي كثرة في صفات الذات واستشهادكم بالقرب والبعد ~~لا يغني عن هذا الإلزام فإنا نلزمكم تمايز الوجوه والاعتبارات بين الإضافي ~~والسلبي إذ من المعلوم كونه علة ومبدأ للمعلول الأول أمر أو حال سلبي وليس ~~يوجب المعلول من حيث أنه انتفا عنه الكثرة وليس كونه مسلوب الكثرة عنه ~~موجبا للمعلول ولا يلزم وجوده شيء من حيث يسلب عنه شيء ولا يسلب عنه شيء من ~~حيث يلزم وجوده شيء ويخالف ما نحن فيه حال القرب والبعد بالإضافة إلى شيء ~~دون شيء فإن قرب الجوهر من جوهر قد يكون من باب الإضافة وقد يكون من باب ~~الوضع وقد يكون من باب الأين لكن لفظ القرب والبعد يطلق على كل جوهرين ~~تقاربا أو تباعدا بمقدار ما والمقادير بينهما لا تنحصر في حد فقيل فعند ذلك ~~تختلف بالنسب والإضافات وهي لا تنحصر فلو قلنا أنهما أمران زائدان على ~~وجودهما أدى ذلك إلى إثبات أعراض لا تتناهى لجوهرين متناهيين لكن ما فيه ~~القرب والبعد متناهيين أعني الأين والوضع والإضافة فهي أمور زائدة على ذاتي ~~الجوهرين فعرف أن المثال الذي تمثلوا به لازم عليهم. # على أنا نقول ألستم أثبتم الإضافة معنى وعرضا زائدا على الجوهر فأفيدونا ~~فرقا معقولا بين إضافة الأب إلى الابن وبين إضافة العلة إلى المعلول فإن ~~الإضافة هو المعنى الذي وجوده بالقياس إلى شيء آخر وليس له وجود غيره مثل ~~الأبوة بالقياس إلى النبوة لا كالأب فإن له وجودا كالإنسانية وكونه مصدرا ~~ومبدأ هو المعنى الذي وجوده بالقياس إلى المعلول وليس له وجود غيره وكذلك ~~كل علة ومعلول سوى العلة الأولى فتعرض له هذا المعنى وهو هذا المعنى بعينه ~~ثم حكمتم بأن الأبوة معنى هو عرض زائد فهلا حكمتم بأن العلية معنى هو عرض ~~زائد حتى يلزم أن يكون الإيجاب بالذات نوع ولادة. # وكثيرا ما دار في خيالي وخاطري أن الذي اعتقدوه النصارى من الأب والابن ~~هو بعينه ما قدره الفلاسفة من الموجب والموجب والعلة والمعلول " تكاد ~~السموات ms112 يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا وما ~~ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا " فهو تعالى لم يوجب ولم يوجب ولم يلد ولم يولد ~~وإنما نسبة الكل إليه نسبة العبودية إلى الربوبية " إن كل من في السموات ~~والأرض إلا آتي الرحمن عبدا " وهو رب كل شيء ومبدعه وإله كل موجود وفاطره ~~جل جلاله وتقدست أسماؤه ولا إله غيره. ### || AUTO القاعدة التاسعة ### || AUTO في إثبات العلم بالصفات الأزلية # صارت المعتزلة إلى أن الباري تعالى حي عالم قادر لذاته لا يعلم وقدرة ~~وحياة واختلفوا في كونه سميعا بصيرا مريدا متكلما على طرق مختلفة كما ~~سنوردها مسائل أرفاد إن شاء الله تعالى وأبو الهذيل العلاف انتهج مناهج ~~الفلاسفة فقال الباري تعالى عالم بعلم هو نفسه ولكن لا يقال نفسه علم كما ~~قالت الفلاسفة عاقل وعقل ومعقول. # ثم اختلفت المعتزلة في أن أحكام الذات هل هي أحوال الذات أم وجوه ~~واعتبارات فقال أكثرهم هي أسماء وأحكام للذات وليست أحوال وصفات كما في ~~الشاهد من الصفات الذاتية للجوهر والصفات التابعة للحدوث. # وقال أبو هاشم هي أحوال ثابتة للذات وأثبت حالة أخرى توجب هذه الأحوال. # وقالت الصفاتية من الأشعرية والسلف إن الباري تعالى عالم بعلم قادر بقدرة ~~حي بحياة سميع بسمع بصير ببصر مريد بإرادة متكلم بكلام باق ببقاء وهذه ~~الصفات زائدة على ذاته سبحانه وهي صفات موجودة أزلية ومعان قائمة بذاته. # وحقيقة الإلهية هي أن تكون ذات أزلية موصوفة بتلك الصفات وزاد بعض السلف ~~قديم بقدم كريم بكرم جواد بجود إلى أن عد عبد الله بن سعيد الكلابي خمسة ~~عشر صفة على غير فرق بين صفات الذات وصفات الأفعال. PageV01P060 # قالت الفلاسفة واجب الوجود بذاته لن يتصور إلا واحدا من كل وجه فلا صفة ولا ~~حال ولا اعتبار ولا حيث ولا وجه لذات واجب الوجود بحيث يكون أحد الوجهين ~~والاعتبارين غير الآخر أو يدل لفظ على شيء هو غير الآخر بذاته ولا يجوز أن ~~يكون نوع واجب الوجود لغير ذاته لأن وجود نوعه ms113 له لعينه ولا يشاركه شيء ما ~~صفة كانت أو موصوفا في وجوب الوجود والأزلية ولا ينقسم هو ولا يتكثر لا ~~بالكم ولا بالمبادئ المقومة ولا بأجزاء الحقيقة والحد تعم له صفات سلبية ~~مثل تقدسه عن الكثرة من كل وجه فيسمى لذلك واحدا حقا أحدا صمدا ومثل تنزهه ~~عن المادة وتجرده عن طبيعة الإمكان والعدم ويسمى لذلك عقلا وواجبا وله صفات ~~إضافية مثل كونه صانعا مبدعا حكيما قديرا جوادا كريما وصفات مركبة من سلب ~~وإضافة مثل كونه مريدا أي هو مع عقليته ووجوبه بذاته مبدأ لنظام الخير كله ~~من غير كراهية لما يصدر عنه وجوادا أي هو بهذه الصفة وزيادة سلب أي لا ينحو ~~إعراضا لذاته وأولا أي هو مسلوب عنه الحدوث مع إضافة وجود الكل إليه وصفاته ~~عندهم إما سلبية محضة وإما إضافية محضة وإما مؤلفة من سلب وإضافة والسلوب ~~والإضافات لا توجب كثرة في الذات. # ونحن نسلك منهاجا في إنهاء كلام كل صاحب مذهب نهايته على سبيل المناظرة ~~والمباحثة فتظهر مزلة الإقدام ومضلة الأوهام ويلوح الحق من وراء ستر رقيق ~~على أوضح تحقيق وتدقيق. # قالت الصفاتية ونحن نعتبر الغائب بالشاهد بجوامع أربعة وهي العلة والشرط ~~والدليل والحد أما العلة فنقول قد ثبت كون العالم عالما شاهدا معلل بالعلم ~~والعلة العقلية مع معلولها يتلازمان ولا يجوز تقدير واحد منهما دون الآخر ~~فلو جاز تقدير العالم عالما دون العلم لجاز تقدير العلم من غير أن يتصف ~~محله بكونه عالما فاقتضى الوصف الصفة كاقتضاء الصفة الوصف فمن ثبت له هذه ~~الصفات وجب وصفه بها كذلك إذا وجب وصفه بها وجب إثبات الصفة له ثم عضدوا ~~كلامهم بالإرادة والكلام فإنه لما ثبت له الإرادة والكلام كان مريدا متكلما ~~فلما ثبت كونه مريدا متكلما وجب له الإرادة والكلام فإن العلم رسمان لا ~~يختلفان في العلية والمعلولية وإن كانا يختلفان عندهم في القدم والحدوث. # قالت المعتزلة تعليل الأحكام بالعلل نوع احتياج إلى العلل وذلك لا يتحقق ~~إلا إذا كان الحكم جائز الوجود وجائز العدم فيعلل ms114 الحكم بجوازه في الشاهد ~~وكون الباري تعالى عالما واجب وهو مقدس عن الاحتياج إلى التعليل فلا يعلل ~~الحكم لوجوبه في الغائب أليس كل حكم واجب في الشاهد غير معلل أصلا مثل تحيز ~~الجوهر وقبوله للعرض ومثل قيام العرض بالجواهر واحتياجه إلى المحل إلى غير ~~ذلك وخرجوا عن هذه القاعدة كونه مريدا فإنه لما لم يكن واجبا كان معللا ~~وهذا كله لأن الواجب يستقل بوجوبه عن الافتقار إلى العلة وإنما الجائز لما ~~لم يستقل بنفسه أعني أحد طرفي جوازه احتاج إلى علة إما اختيار مختار وإما ~~إيجاب علة فوجود العلم في العالم شاهدا لما كان جائزا احتاج إلى اختيار ~~مختار يوجده وثبوت حكم العلة في الشاهد لما كان جائزا احتاج إلى علة توجبه ~~وهي العلم أليس وجود القديم لما كان واجبا لم يعلل ووجود الحادث لما كان ~~جائزا علل. # قالت الصفاتية بم تنكرون على من يعلل الأحكام الجائزة بالعلل الجائزة ~~والأحكام الواجبة بالعلل الواجبة فلا الاحتياج والافتقار غير موجب للتعليل ~~ولا الاستقلال ولا الاستغناء مانع من التعليل لأنا لسنا نعني بالتعليل ~~الإيجاد والإبداع حتى يستدعيه الجواز والاحتياج ويمنعه الوجوب والاستغناء ~~لكنا نعني بالتعليل الاقتضاء العقلي والتلازم الحقيقي بشرط أن يكون أحدهما ~~ملتزما والآخر ملتزما والوجوب والجواز لا أثر لهما في منع الاقتضاء ~~والتلازم فلا يمتنع عقلا تعليل الواجب بالواجب وتعليل الجائز بالجائز ~~وزادوا على ذلك تحقيقا. PageV01P061 # فقالوا نحن لا نحكم على الأحكام من حيث أنها أحكام بأنها جائزة فإنها على ~~مذهب مثبتي الأحوال صفات لا توصف بالوجود والعدم ولا ذات لها على الانفراد ~~حتى يقال هي جائزة أو واجبة وعلى مذهب النفاة عبارات عن اختصاصات المعاني ~~بالمحال بحيث يعبر عنها بالأسامي وهي على المذهبيين لا يطلق عليها الجواز ~~والوجوب من حيث هي أحكام بل الوجوب إليها أقرب فإنها بالنسبة إلى عللها ~~واجبة سواء قدرت قديمة أو حادثة فكون العالم عالما بعد قيام العلم بالمحل ~~ليس بجائز بل واجب لأنه من حيث هو حكم العلم لا ذات له فلا يتطرق إليه ~~الجواز ms115 والإمكان ومن حيث هو ذو العلم يتطرق إلى ذي العلم الجواز إذ يجوز أن ~~يكون ذا علم ويجوز أن لا يكون والجواز من هذا الوجه لا يعلل البتة بل ينسب ~~إلى الفاعل حتى يخصص بأحد طرفي الجواز فهو إذا من حيث أنه جائز لا يعلل ~~بعلة ولو وجب تعليل كل جائز بعلة وتلك العلة أيضا تعلل بعلة فيؤدي إلى ما ~~لا نهاية له ولست أقول لا ينسب إلى فاعل وأن نسبة الجائز في أن يوجد إلى ~~فاعل ليس كنسبة العالمية في أن توجب إلى علم فليفرق الفارق بين تعليل ~~الأحكام بالعلل وبين تعلق المقدور بالقدرة فإن بينهما بونا عظيما وأمدا ~~بعيدا فلا يجوز أن يقتبس حكم أحدهما من الآخر ولا أن يطرد حكم أحدهما في ~~الثاني إلا أن يمنع مانع أصل التعليل ويرفع العلة والمعلول ولا نقول بهما ~~في الشاهد والغائب وذلك كلام آخر ومن نفا الحال وكونها صفة ثابتة في ~~الأعيان لم يصح إثبات العلة والمعلول على أصله تحقيقا فإنه لم يبق إلا ~~عبارة أعيانا محضة أو وجه اعتبار عقلي فلا معنى لكون العالم عالما على أصله ~~إلا أنه شيء ما له علم وليس العلم يوجب حكما زائدا على نفسه فيقال أي شيء ~~يعني بكونه فاعله أهي مقتضية شيئا أم غير مقتضية وإن اقتضت أهي تقتضي نفسها ~~أم غيرها فإن اقتضت نفسها فذلك سفسطة وإن اقتضت غيرها أفهو موجود أو حال أو ~~جهة لا توصف بالوجود والعدم والكلام على الأمرين ظاهر فقد تكلمنا على ذلك ~~في مسئلة الحال بما فيه مقنع ونقول ها هنا إن سلم مسلم كون العلم علة ~~العالمية في الشاهد وألزم الطرد والعكس حتى إذا ثبت العلم وجب كون المحل ~~عالما وإذا ثبت كون المحل عالما لزم وجود العلم. # أجاب بأن الطرد والعكس شاهدا وغائبا إنما يلزم بعد تماثل الحكمين من كل ~~وجه لا من وجه دون وجه والخصم ليس يسلم تماثل الحكمين أعني عالمية الباري ~~تعالى وعالمية العبد بل لا تماثل بينهما إلا في اسم ms116 مجرد وذلك أن العلمين ~~إنما يتماثلان إذا تعلقا بمعلوم واحد والعالميتان كذلك ومن المعلوم الذي لا ~~مرية فيه أن عالمية الغائب وعالمية الشاهد لا يتماثلان من كل وجه بل هما ~~مختلفان من كل وجه فكيف يلزم الطرد والعكس والإلحاق والجمع أليس لو ألزم ~~طرد حكم للعالمية في الغائب من تعلقها بمعلومات لا تتناهى وحكم القادرية في ~~الغائب من صلاحية الإيجاد والتعلق بالمقدورات التي لا تتناهى إلى غاية حتى ~~يحكم على ما في الشاهد بذلك لم يلزم فلذلك احتياج العالمية في الشاهد إلى ~~علة لا يستدعي طرده في الغائب فإذا لا تعويل على الجمع بين الشاهد والغائب ~~بطريق العلة والمعلول بل إن قام دليل في الغائب على أنه عالم يعلم قادر ~~بقدرة فذلك الدليل مستقل بنفسه غير محتاج إلى ملاحظة جانب الشاهد. PageV01P062 # ومن الجمع بين الشاهد والغائب الشرط والمشروط قالت الصفاتية ألستم ~~وافقتمونا على أن الشرط وجب طرده شاهدا وغائبا فإن كون العالم عالما لما ~~كان مشروطا بكونه حيا في الشاهد وجب طرده في الغائب حتى إذا ثبت كونه حيا ~~بهذا الطريق كذلك في العلم وأنتم ما فرقتم في الشرط بين الجائز والواجب ~~لذلك يلزمكم في العلم أن لا تفرقوا في العلة بين الجائز والواجب وهذا لازم ~~على المعتزلة غير أن لهم ولغيرهم طريقا آخر في إثبات كونه تعالى حيا بدون ~~الشرط فإن الحياة بمجردها لم تكن شرطا في الشاهد ما لم ينضم إليها شرط آخر ~~فإن البنية على أصلهم شرط في الشاهد ثم لم يجب طرده في الغائب وانتفاء ~~الأضداد شرط حتى يتحقق العلم ويجوز أن يكون المعنى الواحد شرطا لمعان كثيرة ~~ويجوز أن تكون شروط كثيرة لمعنى واحد وبهذا يتحقق التمايز بين الشرط والعلة ~~فلا يلزم الشرط على القوم ولكن يلزم على كل من قال بالعلة والمعلول والشرط ~~والمشروط سؤال التقدم والتأخر بالذات وإن كانا متلازمين في الوجود فإن ~~العلة إنما صارت مقتضية للحكم لاستحقاقها التقدم عليه بذاته والمعلول إنما ~~صار مقتضيا للعلة لاستحقاقه التأخر عنها بذاته وبهذا أمكنك ms117 أن تقول إنما ~~صار العالم عالما لقيام العلم به ولا يمكنك أن تقول إنما قام العلم به ~~لكونه عالما ولو كان حكمهما في الذات حكما واحدا لم يثبت هذا الفرق وبمثل ~~هذا نفرق بين القدرة الحادثة والمقدور فإن الاستطاعة وإن كانت مع الفعل ~~وجودا إلا أنها قبل الفعل ذاتا واستحقاق وجود ولهذا أمكنك أن تقول حصل ~~الفعل بالاستطاعة ولا يمكنك أن تقول حصلت الاستطاعة بالفعل وهذا قولنا في ~~الشرط والمشروط فإن المحل يجب أن يكون حيا أولا حتى يقوم العلم به والقدرة ~~ولا يمكنك أن تقول العلم والقدرة أولا حتى يكون حيا وإلا فيرتفع التميز بين ~~الشرط والمشروط. # ولا تظنن أن هذا الفرق راجع إلى مجرد اللفظ فإن التفرقة المذكورة قضية ~~عقلية وراء اللفظ ولا تظنن أيضا أنه راجع إلى تقديرنا الوهمي حيث يقدر ~~استحقاق وجود لأحدهما دون الثاني وافتقار وجود أحدهما بالثاني فإن كل تقدير ~~وهمي إذا لم يكن معقولا أمكن تبديله بغيره من التقديرات وهذا لا يمكن ~~تبديله بل هذه قضية معقولة فيلزم على ذلك أحد أمرين إما أن يترك القول ~~بالعلة والمعلول والشرط والمشروط رأسا ولا يطلق لفظ الإيجاب والاقتضاء على ~~المعاني بل يقال معنى كون الشيء عالما قيام العلم به ومعنى قيام العلم به ~~اتصاف محله به من غير فرق لكن يشتق له اسم من العلم فيقال عالم كما يشتق له ~~اسم من الفعل فيقال فاعل وهذا أمر راجع إلى اللغة فحسب فلا اقتضاء ولا ~~إيجاب ولا علة ولا معلول وهذا أهون الأمرين وإما أن يقضي بسبق العلم على ~~العالمية وأن يكون الوجود بالعلم أولا وأولى منه بالعالمية ثم يحكم بسبق ~~الذات على الصفات وأن يكون الوجود بالذات أولا أولى منه بالصفات من حيث أن ~~الذات قائمة بذاتها والصفات قائمة بها حتى يكون الموصوف من حيث الذات أسبق ~~على الصفة والصفة من حيث الإيجاب والاقتضاء أسبق على الموصوف وهذا أشنع ~~الأمرين والاستخارة إلى الله سبحانه وتعالى وهو خير مخير. # ومن الجوامع بين الشاهد والغائب الحد والحقيقة ms118 جرى رسم المتكلمين بذكر ~~الحد والحقيقة في هذا الموضع وقد اختلفوا في أن الحد عين المحدود أو غيره ~~وأنه والحقيقة شيء واحد أم شيئان. # قال نفاة الأحوال حد الشيء وحقيقته وذاته وعينه عبارات عن معبر واحد. PageV01P063 # وقال مثبتو الأحوال أن الحد قول الحاد المبين عن الصفة التي تشترك فيها ~~آحاد المحدود فإن المحدود عندهم يتميز عن غيره بخاصية شاملة لجميع آحاد ~~المحدود وتلك الخاصية حال ويعبر عن تلك الحال بلفظ شامل دال عليه جامع مانع ~~يجمع ما له من الخاصية ويمنع ما ليس له من خواص غيره ثم من الأشياء ما يحد ~~ومنها ما لا يحد على أصلهم وأكثر حدود المتكلمين راجع إلى تبديل لفظ بلفظ ~~أعرف منه وربما يكون مثله في الخفا والجلا وإنما أهل المنطق يبالغون في ذكر ~~شروط الحد ويحققون في استيفاء جوانبه لفظا ومعنى غير أنهم إذا شرعوا في ~~تحديد الأشياء وتحقيق ماهياتها يأتون بأبعد ما يأتي به المتكلمون كمن يتقن ~~علم العروض ولا طبع له في الشعر أو كمن يكون له طبع ولا مادة له من النحو ~~والأدب فيعود حسيرا ويصبح أسيرا ولعلهم معذورون لأن الظفر بالذاتيات ~~المشتركة والذاتيات الخاصة عسير جدا. # فنقول في تحديد الحد وشرائطه أن الحد ينقسم إلى ثلاثة معان حد لفظي هو ~~شرح الاسم المحض كمن يقول حد الشيء هو الموجود والحركة هي النقلة والعلم هو ~~المعرفة وليس يفيد ذلك إلا تبديل لفظ بما هو أوضح منه عند السائل على شرط ~~أن يكون مطابقا له طردا وعكسا. # وحد رسمي وهو تعريف الشيء بعوارضه ولوازمه كمن يقول حد الجوهر القابل ~~للعرض وحد الجسم هو المتناهي في الجهات القابل للحركات وقد يفيد هذا القول ~~نوع وقوف على الحقيقة من جهة اللوازم وقد لا يفيد. # وحد حقيقي هو تعريف لحقيقة الشيء وخاصيته التي بها هو ما هو وإنما هو ما ~~هو بذاتيات تعمه وغيره وبذاتيات تخصه والجمع والمنع إن أريد بهما هذان ~~المعنيان فهو صحيح فيما يجمعه من الذاتيات العامة والخاصة وهو الجنس والفصل ms119 ~~وما يمنع غيره فيقع من لوازم الجمع والطرد والعكس يقع أيضا من اللوازم. # ومن شرائطه أنه يجب أن يكون أعرف من المحدود ولا يكون مثله ولا دونه في ~~الخفاء والجلاء وأن لا يعرف الشيء بما لا يعرف إلا به إلى غير ذلك فيما ذكر ~~فإذا ثبت ما ذكرناه من تحديد الحد بعد التفصيل. # قال من حاول الجمع بين الغائب والشاهد بالحد والحقيقة حد العالم في ~~الشاهد أنه ذو العلم والقادر ذو القدرة والمريد ذو الإرادة فيجب طرد ذلك في ~~الغائب والحقيقة لا تختلف شاهدا أو غائبا قيل له هذا تعريف الشيء بما هو ~~دونه في الخفاء والجلاء فإن الإنسان ربما يعرف كون زيد متحركا ويشك في ~~الحركة حتى يبرهن على ذلك وكذلك في جميع الأوصاف فكيف اقتبست معرفة الإجلاء ~~من الإخفاء وأيضا فإن ذا الشيء قد يكون على سبيل الوصف والصفة وقد يكون على ~~سبيل الفعل والمفعول وقد يكون على سبيل الملك والمملوك أليس روي في التنزيل ~~" رفيع الدرجات ذو العرش " ثم العرش خلقه وملكه وليس صفة قائمة بذاته فما ~~أنكرتم أن يكون معنى كونه ذا العلم والقدرة. # قال قد يقتبس إثبات العلم والقدرة من كونه عالما وقادرا وقد يقتبس من كون ~~الشيء معلوما ومقدورا. # فبقول المتعلق بالمعلوم علم والمتعلق بالمقدور قدرة فإذا قام الدليل على ~~كونه عالما بالمعلوم فيجب أن يكون عالما بالعلم. # ويحققه أن العلم إحاطة بالمعلوم ويستحيل أن تكون الذات محيطا أو متعلقا ~~فيجب أن يكون للذات صفة إحاطة هي المحيطة المتعلقة بالمعلومات. # قالت المعتزلة معلوم الله بكونه عالما لا بالعلم ولا بالذات ولا معنى ~~لكون المعلوم معلوما إلا أنه غير مخفي على العالم كما هو عليه فليس ثم تعلق ~~حسي أو وهمي حتى يحال به على العلم أو على الذات وقولكم العلم إحاطة ~~بالمعلوم تغيير عبارة وتبديل لفظ بلفظ وإلا فالعلم والإحاطة والتيقن عبارات ~~عن معبر واحد ومعنى كون الذات عالما أنه محيط وكذلك معنى كونه محيطا أنه ~~عالم وإنما وقعتم في إلزام لفظ الإحاطة لظنكم ms120 أن الإحاطة لو تحققت للذات ~~كانت تلك الإحاطة كإحاطة جسم بجسم وذلك الاشتراك في اللفظ وإلا فمعنى ~~الإحاطة هو العلم " وهو بكل شيء عليم " محيط وبكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير. # قالت الصفاتية العقل الصريح يفرق بين كون الشيء معلوما وبين كونه مقدورا ~~وكيف لا وكونه معلوما أعم من كونه مقدورا فإن المعلوم قد يكون قديما وقد ~~يكون حادثا وواجبا وجائزا ومستحيلا وكونه مقدورا ينحصر في كونه ممكنا جائزا ~~ثم نسبة المعلوم إلى الذات من حيث هي ذات واحدة كنسبة المقدور من حيث هي ذات. PageV01P064 # فنقول نسبة الذات إليهما على قضية واحدة عندكم أم تختلف النسبة فإن كان ~~نسبة الذات إليهما على قضية واحدة فيلزم أن لا يكون أحدهما أعم والثاني أخص ~~ويجب أن يكون كل معلوم مقدورا كما كان كل مقدور معلوما وإن اختلف وجه ~~النسبة بالأعم والأخص علم أنه كل كان مضافا إلى الذات بل إلى صفة وراء ~~الذات وذلك مما يخبر عنه التنزيل بالعلم والقدرة. # قالت المعتزلة تختلف وجوه الاعتبارات في شيء واحد ولا يوجب ذلك تعدد ~~الصفة كما يقال الجوهر متحيز وقائم بالنفس وقابل للعرض ويقال للعرض لون ~~وسواد وقائم بالمحل فيوصف الجوهر والعرض بصفات هي صفات الأنفس التي لا يعقل ~~الجوهر والعرض دونهما ثم هذه الأوصاف لا تشعر بتعدد في الذات ولا بتعدد ~~صفات هي ذوات قائمة بالذات ولا بتعدد أحوال ثابتة في الذات كذلك نقول في ~~كون الباري تعالى عالما قادرا. # قالت الصفاتية ليس في وصف الجوهر والعرض بهذه الأوصاف أكثر من إثبات ~~حقيقة واحدة لها خاصية تتميز بها عن غيرها وهذه العبارات دالة على تلك ~~الخاصية وهي الحجمية في الجوهر والسوادية في العرض مثلا فأما تحيزه وقبوله ~~للعرض فذلك تعرض لنسبة الجوهر إلى الحيز ونسبته إلى العرض إما تقديرا أو ~~تحقيقا وبمثل ذلك نقول في حق الباري سبحانه أنه موجود قديم قائم بنفسه غني ~~أحد صمد غير متناهي الوجود والذات وكل هذه الأوصاف ترجع إلى حقيقة واحدة ~~وأما وصفه بكونه حيا عالما ms121 قادرا إنما هو راجع إلى حقائق مختلفة وخواص ~~متباينة تختص كل صفة بخاصية وحقيقة لا تتعداها ولكل واحدة فائدة خاصة تخصها ~~ودليل خاص يدل عليها ومتعلق خاص يختص بها والحقائق إذا اختلفت من هذه ~~الوجوه فقد اختلفت في ذواتها ولا يسد أحدهما مسد الآخر والعقل إنما يميز ~~هذه المعاني بهذه الوجوه وإلا فإعراض متعددة إذا قامت بمحل واحد لم يحكم ~~العقل باختلافها وتعددها إلا باختلاف خواصها وآثارها وفوائدها ودلائلها ~~ومتعلقاتها ومن المستحيل في العقل اجتماع خواص مختلفة في حقيقة واحدة فلو ~~جاز إثبات ذات لها حكم العلم والقدرة والإرادة والحياة لجاز إثبات حقيقة ~~واحدة لها حكم العرض والجوهر ولجاز إثبات علم له حكم القدرة ولجاز إثبات ~~لون له حكم الكون ويلزم على ذلك اجتماع المتضادات وذلك من أمحل ما يتصور. # ومما يوضح ذلك وهو أقوى ما يتمسك به في إثبات الصفات قولنا الله عالم ~~قادر وقول المعطل مثلا ليس بعالم ولا قادر إثبات ونفى لا محالة فلا يخلو ~~الأمر فيه إما أن يرجع الإثبات والنفي إلى الذات وإما أن يرجع إلى الصفات ~~وإما أن يرجع إلى الأحوال ومستحيل رجوعهما إلى الذات فإنها معقولة دون ~~الاتصاف بالعالمية إذ ليس من ضرورة العلم كونه ذاتا قائما بالنفس مستغنيا ~~من كل وجه أن يعلم كونه عالما ولذلك كان الدليل على كونه قائما بالنفس غير ~~الدليل على كونه عالما قادرا ولا من ضرورة نفي العالمية نفي الذات فإن ~~جماعة من المعطلة نفوا كونه عالما وقادرا مع إقرارهم وعلمهم بثبوت الذات ~~ويستحيل رجوعهما إلى الحال فإنها لا تنفي على حيالها ولا تثبت وقد أبطلنا ~~القول بالحال فلم يبق إلا القسم الأخير وهو الرجوع إلى الصفات. PageV01P065 # قالت المعتزلة أنتم أول من أثبت حقائق مختلفة وخواص متباينة لذات واحدة حيث ~~قلتم الرب تعالى عالم بعلم واحد يتعلق بجميع المعلومات ومن المعلوم أن ~~العلم بالسواد مثلا ليس يماثل العلم بالبياض بل يخالفه لأن المثلين عندكم ~~لا يجتمعان وقد يجتمع العلمان المختلفان فعلمه سبحانه في حكم علوم مختلفة ~~وكذلك ms122 القدرة الأزلية تتعلق بمقدورات لا تتعلق القدرة الحادثة بها فهي في ~~حكم قدر مختلفة وكذلك الإرادة والسمع والبصر وأظهر من ذلك كله الكلام فإنه ~~صفة واحدة أزلية وهي في ذاتها أمر ونهي وخبر واستخبار ووعد ووعيد ومعلوم أن ~~هذه حقائق مختلفة قد ثبتت لكلام واحد فإن قلتم هذه الحقائق ترجع إلى الوجوه ~~والاعتبارات فنحن نقول كذلك في ذات الباري سبحانه وإن رددتم ذلك إلى ~~الأحوال فمن مذهب أبي هاشم أنها أحوال وعلى كل وجه قدرتموه يلزمكم مثله في ~~الذات والصفات وقولكم إن المعاني إنما تتعرف بعددها من خواصها ومتعلقها ~~وآثارها وأدلتها صحيح في الشاهد غير مسلم في الغائب بل بإجماع منا في مسائل ~~وانفراد منكم في مسائل خالفنا هذه القاعدة فإن القدم والوجوب بالذات ~~والوحدة والقيام بالذات والبقاء والديمومية وإنه أول وآخر وظاهر وباطن منزه ~~عن المكان مقدس عن الزمان حقائق مختلفة لو اعتبرناها شاهدا لكان لكل واحدة ~~منها دليل خاص يدل عليه ومع ذلك لا يوجب تعددا في الصفات بالاتفاق وعندكم ~~الأمر والنهي في الشاهد يتباينان ويتضادان وما يدل على الأمر غير ما يدل ~~على النهي وكذلك الخبر والاستخبار يتمايزان من حيث الحقيقة والدليل ~~والمتعلق فإن متعلق الأمر غير متعلق الخبر والخبر يتعلق بالقديم والأمر لا ~~يتعلق به واختلافهما من حيث التعلق أوجب اختلافهما في الشاهد ثم لم نستدل ~~باختلافهما في الشاهد على اختلافهما في الغائب بل كلامه أمر ونهي مع أن ~~الأمر يتعلق بالمأمورات دون المنهيات والنهي يتعلق بالمنهيات دون المأمورات ~~والخبر يتعلق بكل ما يتعلق به العلم معدوما وموجودا وواجبا وجائزا ~~ومستحيلا. # وأما استدلالكم بطريق النفي والإثبات على أصل نفاة الأحوال غير مستقيم ~~فإن عندهم النفي والإثبات في كل شيء يرجعان إلى أمر مخصوص معين فلا يتصور ~~إثبات ذات على الإطلاق إلا في مجرد اللفظ أو يرجع إلى وجه واعتبار فقولنا ~~عالم يرجع إلى العلم بذات على وجه واعتبار وعند مثبتي الأحوال قولنا عالم ~~يرجع إلى إثبات ذات على حال كونه عالما هذا كمن يعرف بكونه موجودا ms123 ولا يعرف ~~بكونه واحدا وغنيا وقديما أليس النفي والإثبات في ذلك لا يرجع إلى الصفات ~~الزائدة على الذات وإنما يرجع إلى الاعتبارات والوجوه كذلك نقول في الصفات ~~فبطل استدلالكم بالنفي والإثبات. # قالت الصفاتية العلم من حيث هو علم حقيقة واحدة وليس خاصية واحدة وإنما ~~تختلف العلوم باعتبار متعلقاتها وتتماثل باتحاد المتعلق وليس يخرج ذلك ~~الاعتبار نفس العلم عن حقيقة العلمية حتى لو قدرنا تقديرا لمحال جواز بقاء ~~العلم الحادث لتعلق العلم الحادث بمعلومين ومعلومات. PageV01P066 # والسر فيه أن العلم على كل حال يتبع المعلوم عدما ووجودا فلا يكسب المعلوم ~~صفة ولا يكتسب عنه صفة فالعلوم تختلف في الشاهد لاستحالة البقاء وتقدير ~~اختلاف المتعلقات والعلم القديم في حكم علوم مختلفة لا في حكم خواص متباينة ~~وكذلك نقول في الكلام فإن الأمر والنهي والخبر والاستخبار شملتهما حقيقة ~~الكلام فاجتمعت في حقيقة واحدة واختلفت اعتبارات تلك الحقيقة بالنسبة إلى ~~المتعلقات وهذا غير مستبعد وإنما المستحيل كل الاستحالة إثبات ذات واحدة ~~لها خاصية العلم وخاصية القدرة والإرادة إلى غير ذلك من سائر الصفات حتى ~~يلزم أن يقال يعلم من حيث يقدر ويقدر من حيث يعلم ويقدر بعالمية ويعلم ~~بقادرية وتجتمع صفتان وخاصيتان لذات واحدة وذلك غير معقول وأما صفات الذات ~~التي ليست وراء الذات فإنها راجعة إلى النفي لا إلى الإثبات فمعنى كونه ~~قديما أنه لا أول له ولا آخر ومعنى كونه واحدا أنه لا شريك له ولا قسيم ~~ومعنى كونه غنيا أنه لا حاجة له ولا فقر ومعنى كونه واجبا بذاته أن وجوده ~~غير مستفاد من غيره ومعنى كونه قائما بنفسه أنه غير محتاج إلى مكان وزمان ~~بل هو مستغن على الإطلاق عن الموجد والمكان والمحل بخلاف قولنا أنه عالم ~~قادر فإن العالم ذو العلم حقيقة والقادر ذو القدرة حقيقة والإحكام والإتقان ~~دليل العلم وأثره والوجود والحصول دليل القدرة وأثرها فهما معنيان معقولان ~~بحقيقتهما فلا يتحدان في ذات كما لا يتحدان بذاتهما حتى يكون حقيقة أحدهما ~~حقيقة الثاني وكذلك قلتم معاشر المعتزلة أن العالمية ms124 ليس بعينها معنى ~~القادرية لجواز العلم بأحدهما مع الجهل بالثاني. # وقال أبو هاشم العالمية حال والقادرية حال ومفيدهما حال يوجب الأحوال ~~كلها فلا فرق في الحقيقة بين أصحاب الأحوال وبين أصحاب الصفات إلا أن الحال ~~متناقض للصفات إذ الحال لا يوصف بالوجود ولا بالعدم والصفات موجودة ثابتة ~~قائمة بالذات ويلزمهم مذهب النصارى في قولهم واحد بالجوهرية ثلاثة ~~بالأقنومية ولا يلزم ذلك التناقض مذهب الصفاتية. # وأما الاستدلال بالنفي والإثبات فصحيح واعتراضكم فاسد فنقول قد قام ~~الدليل على كون الصانع عالما قادرا فلا يخلو الحال إما أن يكون الاسمان ~~عبارتين عن معبر واحد من غير تفاوت أصلا فيلزمكم أن تفهم العالمية بفهم ~~القادرية ويلزمكم أن تنفى العالمية من نفي القادرية ويلزمكم أن يوجد العالم ~~من حيث كونه عالما فحسب ولا يحتاج إلى إثبات كونه قادرا فيلزم أن يدل على ~~العالمية كما يدل على القادرية ومن المعلوم الذي لا مرية فيه أنه ليس إطلاق ~~لفظ العالم القادر كإطلاق لفظ الموجد الخالق فإنا ندرك ببدائه عقولنا فروقا ~~ضرورية بين كونه علاما قادرا وبين كونه موجدا خالقا فلو كان الاسمان ~~مترادفين ترادف هذين الاسمين لكنا لا ندرك بعقولنا هذه التفرقة ثم ليس يجوز ~~أن يقال أحد الوصفين وصف إثبات والثاني وصف نفي فإنهما في محل تصور الفهم ~~متساويان وليس يجوز أن يقال أحدهما وصف إضافة والثاني وصف حال وصفة إذ ~~الإضافة من لوازمها لذاتها بل هما حقيقتان تعرض لهما الإضافة إلى المتعلقات ~~والإضافة معنى لا تعرض له الإضافة وإذا بطلت هذه الوجوه تعين أنهما صفتان ~~قائمتان بالذات عبر الشرع عن إحداهما بالعلم وعن الثانية بالقدرة. # قالت المعتزلة نحن لا ننكر الوجوه والاعتبارات العقلية لذات واحدة ولا ~~نثبت الصفات إلا من حيث تلك الوجوه إما إثبات صفات هي ذوات موجودات أزلية ~~قديمة قائمة بذاته هو المنكر عندنا فإنها إذا كانت موجودات وذوات وراء ~~الذات فإما أن تكون عين الذات وإما أن تكون غير الذات فإن كانت عين الذات ~~فهو مذهبنا وبطل قولكم هي وراء الذات وإن ms125 كانت غير الذات فهي حادثة أو ~~قديمة وليس من مذهبكم أنها حادثة وإن كانت قديمة فقد شاركت الذات في القدم ~~والوجوب بالذات ونفى الأولية فهي آلهة أخرى فإن القدم أخص وصف القديم ~~والاشتراك في الأخص يوجب الاشتراك في الأعم. # ومن الإلزامات على قولكم أنها قائمة بذاته أن القائم بالشيء محتاج إلى ~~ذلك الشيء حتى لولاه لما تحقق له وجود به فيلزمكم إثبات خصائص الأعراض في ~~الصفات فإن العرض هو المحتاج إلى محل يقوم به ويلزمكم إثبات التقدم والتأخر ~~الذاتي العقلي في الذات والصفات وهذا كله محال. PageV01P067 # وساعدهم جماعة من الفلاسفة المعطلة في إلزام هذه الكلمات وزادوا عليهم بأن ~~قالوا قام الدليل على أن واجب الوجود مستغن على الإطلاق من كل وجه فمن أثبت ~~له صفة لذاته أزلية معنى وحقيقة قائمة بذاته فقد أبطل الاستغناء المطلق من ~~الصفة والموصوف جميعا وأثبت الاحتياج والفقر في الصفة والموصوف جميعا أما ~~الصفة فاحتاجت في وجودها إلى ذات تقوم بها إذ يدب أن تقول قام العلم ~~بالباري واستحال أن تقول قام الذات بالعلم وأما الموصوف فإنما يتم كما له ~~في الإلهية إذا قامت به هذه الصفات حتى لولاها لما كان إلاها مستغنيا على ~~الإطلاق فإذا المستغنى على الإطلاق لا يكون إلا واحدا من كل وجه ولا كثرة ~~فيه من وجه. # قالت الصفاتية كما أنكرتم إثبات صفات أزلية أنكرنا عليكم إثبات موصوف بلا ~~صفة إنكارا بإنكار واستبعادا باستبعاد وتقسيمكم أنها عين الذات أم غير ~~الذات إنما يصح إذا كان التقسيم دائرا بين النفي والإثبات فإن من قال هذا ~~عينه وهذا غيره قد يعني به أنهما شيئان فهذا شيء وذاك شيء آخر وقد يعني به ~~أنهما شيئان ويجوز وجود أحدهما مع عدم الثاني أو مع تقدير عدم الثاني ونحن ~~لا نسلم أن الصفات أغيار ولا نقول أنها عين الذات لأن حد الغيرين عندنا هو ~~المعنى الثاني لا المعنى الأول ثم إن جاز لمثبتي الأحوال القول بأن الحال ~~لا موجودة ولا معدومة جاز لمثبتي الصفات القول بأن الصفات ms126 لا عين الذات ولا ~~غير الذات على أن كل حقيقة التأمت من أمرين محققين في الشاهد مثل الإنسانية ~~فإنها التأمت من حيوانية وناطقية عند القوم فإذا قيل الناطقية عين ~~الإنسانية أو غيرها لم يصح بأنها لا عينها ولا غيرها وكذلك جزء كل شيء لا ~~عينه ولا غيره ثم هب أنا نسلم الغيرية بالمعنى الأول فقولكم إن كانت قديمة ~~أوجب أن تكون إلاها دعوى مجردة بل هو محل النزاع وقولكم القدم هو أخص وصف ~~الإله دعوى لا برهان عليها فإن معنى الإلهية هو ذات موصوفة بصفات الكمال ~~فكيف نسلم أن كل صفة أزلية إلاه ثم من قال القدم أخص الأوصاف فيجب أن يبين ~~أعم الأوصاف فإن الأخص إنما يتصور بعد الأعم فما الأعم فإن كان الوجود هو ~~الأعم والقدم هو الأخص فقد التأمت حقيقة الإلهية من أعم وأخص فالأخص عين ~~الأعم أو غيره ويلزم على مساق ذلك ما ألزمتموه على الصفات. # وأما قولكم أن الصفات لو قامت بذاته تعالى لاحتاجت إليها وكان حكمها حكم ~~الأعراض وكان وجود الموصوف أسبق وأقدم بالذات على وجود الصفة فهذا مما ~~يستحق أن يجاب عنه. # فنقول معنى قولنا الصفات قامت به أنه سبحانه يوصف بها فقط من غير شرط آخر ~~والوصف من حيث هو وصف لا يستدعي الاحتياج والاستغناء ولا التقدم ولا التأخر ~~فإن الوصف بكونه قديما واجبا بذاته من حيث هو وصف لا يستدعي كون القدم ~~والوجوب محتاجا إلى الموصوف ولا كون الموصوف سابقا بالقدم والوجوب بل ~~الاحتياج إنما يتصور في الجواهر والأعراض حيث لم تكن فكانت فاحتاجت إلى ~~موجد لجوازها وتطلق على الأعراض خاصة حيث لم تعقل إلا في محال واحتاجت إلى ~~محل وبالجملة الاحتياج إنما يتحقق فيما يتوقع حصوله فيترقب وجوده ولن يتصور ~~الاحتياج في القدم. # وأما الجواب عن قول الفلاسفة أنه تعالى مستغن على الإطلاق قيل الاستغناء ~~من حيث الذات أنه لا يحتاج إلى مكان ومحل والاستغناء من حيث الصفات أنه لا ~~يحتاج إلى شريك في القدرة والفعل ومعين في العلم والإرادة ms127 ووزير في التصرف ~~والتدبير فهو تعالى مستغن على الإطلاق وإنما يستغني بكمال صفاته وصفات ~~جلاله فكيف يقال أنه احتاج إلى ما به استغنى أليس القول بأنه استغنى بوجوبه ~~في وجوده عن موجد ولا يقال أنه لما استغنى عند ذلك كان محتاجا إليه كذلك ~~نقول إنه استغنى بذاته وصفاته فلا الموصوف محتاج إلى الصفة ولا الصفة ~~احتاجت إلى الموصوف وإنما يتحقق الاحتياج أن لو كانت الصفة على مثال الآلة ~~والأداة والصفات الأزلية يستحيل أن تكون آلة فبطل الإلزام وزال الإيهام. PageV01P068 # قالت الفلاسفة القسمة الصحيحة العقلية أن الموجود ينقسم إلى واجب بذاته ~~وإلى ممكن بذاته وواجب بغيره فالواجب بذاته ليس يتصور إلا واحدا من كل وجه ~~لا كثرة فيه بوجه من الوجوه لا كثرة أجزاء عددية ولا كثرة معان عقلية وإلا ~~فيلزم أن يشترك في وجوب الوجود وينفصل كل واحد عن صاحبه بفصل يخصه فحينئذ ~~تتركب ذاته من جنس وفصل ثم تكون الأجزاء مقومات للجملة لا محالة والمقوم ~~أقدم من المقوم وما يقوم بالشيء لا يكون واجبا بذاته بل بالمقوم والواجب ~~بذاته لن يتصور إلا واحدا والمعاني التي أثبتموها إما أن تكون واجبة بذاتها ~~فيلزم أن يكون اثنان واجبا الوجود وذلك محال كما قدمناه وإما أن لا تكون ~~واجبة بذاتها بل يكون قوامها بالذات فيلزم ما ذكرناه آنفا. # قيل لهم قسمة الوجود إلى واجب بذاته وإلى واجب بغيره دليل قاطع على نقص ~~إلزامكم فإن الوجود من حيث هو وجود قد عم الواجب والجائز والوجوب من حيث هو ~~وجوب قد خص الواجب فاشتركا في الأعم وافترقا في الأخص وما به عم غير ما به ~~خص فتركبت الذات من وجود عام ووجوب خاص فهو كتركيب الذات من واجب الذات قد ~~شملت الواجبين ويفصل كل واحدهما بفصل عن الواجب الآخر. # قالت الفلاسفة الوجود ليس يعم القسمين بالسوية بل هو في أحدهما بالأولى ~~والأول وفي الثاني بلا أولى ولا أول فلم يكن جزا مقوما فلم يصلح أن يكون ~~جنسيا فلم يلزم التركيب منه والتقوم به. # قيل ms128 هذا بعينه في الوجوب جوابنا فإن الوجوب ليس يعم القسمين بالسوية فلم ~~يكن الوجوب جزا مقوما فلم يصلح أن يكون جنسا فلم يلزم التركيب منه والتقوم به. # قالت الفلاسفة الوجوب معنى سلبي معناه أن وجوده غير مستفاد من غيره فلم ~~يصلح أن يكون فصلا للوجود. # قيل وإذا لم يصلح أن يكون فصلا لكونه معنى سلبيا فلا يصلح أن يكون جنسا ~~لكونه معنى سلبيا وألزمتمونا كونه جنسا إذ قلنا ذاته تعالى واجبة لذاتها ~~وصفاته تعالى واجبة لذاتها أيضا بمعنى أن وجودها غير مستفاد من غيرها فلم ~~لا يجوز أن يكون اثنان كل واحد واجب الوجود لذاته فإن ألزمتمونا بالاشتراك ~~في شيء والافتراق في شيء آخر لزمكم في الوجوب والوجود كذلك. # قالت الفلاسفة الوجود يطلق على الموجودات بالتشكيك لا بالتشريك ولا ~~بالتواطؤ إذ معناه أنه وإن عم إلا أن عمومه ليس بالتسوية فإنه في الواجب ~~لذاته وبذاته فهو أولى وأول وفي الجائز لغيره وبغيره فهو لا أولى ولا أول ~~فلم يصلح أن يكون جنسا فلم يلزم منه التركيب من جنس وفصل بخلاف موجودين ~~واجبين كل واحد منهما وجوبه بذاته وينفصل كل واحد منهما عن الآخر بفصل ذاتي ~~كالعلمية فإنها والذات تشتركان في وجوب الوجود وينفصل أحدهما عن الآخر بفصل ~~ذاتي وكذلك العلم والقدرة المشتركان في كونهما معنيين متباينين ثابتين ~~أزليين وينفصل أحدهما عن الآخر بفصل ذاتي فتكون الإلهية حقيقة ما متركبة من ~~ذات قائمة بنفسها وصفات مختلفة قائمة بالذات فلا يوجد فرق بين الإنسانية ~~المركبة من الحيوانية والناطقية وبين الإلهية المركبة من الذات والصفات ~~وحينئذ لا فرق بين التأليف المحسوس والتأليف المعقول. # قيل لهم أنتم وضعتم هذه الاصطلاحات حيث ضاق بكم التزام الوجود وشموله. # فنقول العموم إذا حصل معنى مفهوم من لفظ متصور في ذهن كان شموله بالسوية ~~لست أقول شموله بالنسبة إلى سائر الموجودات بل أقول شموله بالنسبة إلى ~~قسمية الأخصين به وهو الوجوب والجواز والقول بأنه في الواجب أولى وأول ~~تفسير لمعنى الواجب أي هو ما يكون الوجود له أولى ms129 وأول حتى لو تركنا لفظ ~~الواجب جانبا وقلنا الوجود ينقسم إلى ما يكون الوجود له أولى وأول وإلى ما ~~يكون الوجود له لا أولى ولا أول كان التقسيم صحيحا مفيدا لفائدة الأولى ثم ~~الوجوب لا يفهم إلا وأن يفهم الوجود أولا حتى لو رفع الوجود في الوهم ارتفع ~~الوجوب بارتفاعه وهو معنى ذاتي فالوجود ذاتي للواجب بهذا المعنى وبمعنى أنه ~~أولى به وأنه لذاته وبذاته وأنه لغيره على خلاف ذلك. PageV01P069 # ومن العجب أنهم قالوا الوجوب معنى سلبي حتى لزمهم أن يقولوا الجواز الذي في ~~مقابلته معنى إيجابي وليت شعري كيف يستجيز العاقل من عقله أن يرد معنى ~~الوجوب إلى السلب والجواز إلى الإيجاب أليس الوجود أولى بالواجب فكيف صار ~~أولى بالجائز أليس الوجوب تأكيدا للوجود فكيف تأكد الوجوب بالسلب وهل هذا ~~كله إلا تحير العقل ودوار في الرأس وتطرق الوسواس إلى صدور الناس. # ثم نقول إن سلم لكم أن الوجود ليس بجنس فلم يخرج عن كونه عاما شاملا ~~للقسمين إذ لولا شموله وإلا لما صح التقسيم فإن التقسيم إنما يرد على ~~المعنى لا على مجرد اللفظة فالمعنى العام للواجب والجائز غير المعنى الخاص ~~بأحد القسمين فإذا لم يكن التركيب تركبا من جنس وفصل كان تركبا من عام وخاص ~~فيفيد أحدهما من التصور ما لا يفيده الآخر فيلزم منه عين ما يلزم من الفصل ~~والجنس. # قالت الفلاسفة التميز بينهما تميز في الذهن بالاعتبار العقلي لا في ~~الوجود. # قيل لهم التميز بين العرضية واللونية تميز في الذهن بالاعتبار العقلي لا ~~في الوجود وكذلك الإنسانية في كونها مركبة من حياة ونطق فما الفرق بين وجود ~~عام ووجوب خاص وبين عرض عام ولون خاص والتركيب كالتركيب إلا أن أحد العامين ~~والخاصين من جنس وفصل على اصطلاح المنطق فيصلح أن يركب منهما حد الشيء ~~والثاني عام وخاص لا يصلح أن يركب منهما حد الشيء والفرق من هذا الوجه ليس ~~يقدح في غرضنا من الإلزام فإنا لم نلزم كون الباري تعالى محدودا بل ألزمنا ~~كونه موصوفا ms130 والموصوف بالصفة أعم من المحدود بالحد ثم القول بأن تركبه ~~بالقياس إلى عقولنا وأذهاننا تسليم المسئلة وزيادة أمر على الصفاتية ويلزم ~~عليه أن يقال له مادة وجنس وفصل وخاصية وعرض إلى غير ذلك من أنواع التركيب ~~بالقياس إلى عقولنا لا بالقياس إلى ذاته ثم هم معرفة المعلوم على خلاف ما ~~هو له فإنه في ذاته غير مركب وفي التصور العقلي مركب ثم الوجوب إن كان معنى ~~إثباتيا في الذهن غير إثباتي في الخارج فذلك تغيير حقيقة الشيء الواحد ~~بالنسبة إلى شيئين والحقائق لا تختلف بالنسبة أصلا وإن كان الوجوب معنى ~~سلبيا في الذهن فقد استغنى بكونه نفيا عن إلزام التركيب الذهني وعندهم ~~المعاني السلبية لا توجب التكثير سواء كانت في الذهن أو في الخارج والمعاني ~~الإيجابية الغير إضافية لا تخلو من التكثر سواء كانت في الذهن أو في خارج ~~ومن المعلوم أنا إذا قلنا يعلم ذاته ويعلم غيره فليس علمه بذاته علما بغيره ~~من الوجه الذي كان علما بذاته بل اعتبار علمه بذاته غير اعتبار علمه بغيره ~~واعتبار إضافة العقل الأول إليه عندكم غير اعتبار إضافة العقل الثاني إليه ~~وإذا اختلفت الاعتبارات والوجوه العقلية لزمكم التكثير في الذات فنحن نسمي ~~كل اعتبار صفة وما سميتموه بالمعاني السلبية فعندنا القدم والوحدة ~~بمثابتهما فإن معنى القديم أنه لا أول لوجوده ومعنى الواحد أنه لا انقسام ~~لذاته وما سميتموه من المعاني بالمعاني الإضافية فعندنا كونه خالقا رزاقا ~~بمثابتهما فإن معنى الخالقية يتصور من الخلق والرازقية من ارزق وبقي عندنا ~~أنا أثبتنا معاني من كونه عالما قادرا حيا فإن رده إلى السلبية غير ممكن ~~حتى يقال معنى كونه عالما أنه غير جاهل فإن غير الجاهل قد يتصور ولا يكون ~~عالما فهو أعم وحتى يقال أن معنى كونه قادرا أنه غير عاجز فإن غير العاجز ~~قد يتصور ولا يكون قادرا فنفي الأولية بالضرورة يقتضي القدم ونفي الانقسام ~~لا يقتضي العلم والقدرة فقد يخلو الشيء عن الجهل والعلم كالجماد فإذا معنى ~~العالمية والقادرية ليس معنى سلبيا ms131 وليس هو أيضا معنى إضافيا فإن الاسم ~~الإضافي من المضاف يتلقى بمعنى أنه يحصل الفعل أولا حتى يسمى فاعلا وليس ~~كذلك كونه عالما قادرا فإن وجود المعلوم والمقدور من العلم والقدرة يحصل ~~فهو على خلاف وضع الأسامي الإضافية خصوصا على أصلهم فإنهم قالوا علمه تعالى ~~فعلى لا انفعالي وعند المتكلمين العلم يتبع المعلوم وعندهم المعلوم يتبع ~~العلم والمقدور يتبع القدرة وعن هذا قالوا إنما يصدر عنه العقل الأول لعلمه ~~بذاته فإذا لم يكن العلم معنى سلبيا ولا معنى إضافيا ولا مركبا منهما فتعين ~~أنه صفة للموصوف. PageV01P070 # قالت الفلاسفة المبدأ الأول يعقل ذاته ويعقل ما يلزم ذاته وعقله لذاته من ~~حيث أنه مجرد عن المادة لذاته وهو علة المبدأ الثاني وهو المعلول الأول ~~فلزم وجوده من حيث أنه يعقل ذاته وسائر الأشياء تكون معلولة على نسق الوجود ~~منه وتجرده لذاته عن المادة أمر سلبي محض فلم تتكثر الذات بسلب شيء منه كما ~~يقال الإنسان ليس بحجر ولا مدر ولا نجم ولا شجر وكذا إلى غير نهاية فهذا ~~السلب وإن بلغ إلى غير النهاية لا يوجب تكثيرا في ذاته وإنما قلنا أن تعقله ~~لذاته أمر سلبي أن العقل هو المجرد عن المادة وتجريده عن المادة سلب المادة ~~عنه فلزم أن يكون عالما لتجرده عن المادة وعلائقها إذ المادة هي التي كانت ~~حجابا عن التعقلات فلما ارتفع الحجاب صار العقل مدركا عند ارتفاع الحجاب ~~المحسوس أدراك الحس المحسوس وعند ارتفاع الحجاب المعقول إدراك العقل ~~المعقول وليس يختص ذلك بتعقل الباري تعالى بل كل عقل ونفسي إذا تجرد عن ~~المادة عقل وأدرك بمقدار تجرده ثم ذات العقل الأول لا يحتجب عن ذاته أبدا ~~فهو عاقل بنفسه أبدا وكل عقل ونفس مفارق للمادة فحكمه كذلك إلا أن من ~~المواد ما يكون في ألطف ما يكون كالأجسام السماوية فكان حجابها لعقولها ~~ونفوسها أقل تأثيرا إلى أن يصل في الدرجة العليا إلى ما لا يخالط مادة ~~البتة فيكون أكمل الأشياء تعقلا وإدراكا ومن المواد ما يكون في ms132 أكثف ما ~~يكون كالأجسام الأرضية فكان حجابها لإدراكاتها أكثر تأثيرا إلى أن ينزل في ~~الدرجة السفلى إلى ما لا يفارق مادة البتة فيكون أكثر الأشياء خمودا وجمودا ~~والعقل الأول وإن فارق المادة من كل وجه إلا أن ذاته باعتبار ذاته ممكن ~~الوجود فلم يخرج عن الإمكان وطبيعة الإمكان عدمية مادية لم يصل تعقله إلى ~~درجة العلة الأولى إذ هو أجل الأشياء إدراكا لا أجل الأشياء كمالا إذ هو ~~برئ عن طبيعة الإمكان والعدم. # قالت الصفاتية الباري تعالى يعلم ذاته ويعلم ما يلزم منه بعلمين أم بعلم ~~واحد فإن قلتم المعلومان يستدعيان علمين فقد ناقضتم مذهبكم وزريتم علينا ~~وإن قلتم بعلم واحد فيعلم الذات من حيث يعلم اللازم ويعلم اللازم من حيث ~~يعلم الذات فيجب أن تكون الذات لازما واللازم ذاتا لأنه إنما يلزم منه ما ~~يلزم لعلمه بذاته وهو من حيث ذاته يعلم اللازم فيوجد منه الذات كما يوجد ~~منه اللازم أو كان لا يوجد منه اللازم كما لا يوجد منه الذات وإن كان يعلم ~~الذات لا من حيث يعلم اللازم فقد تعدد الاعتبارات فتكثر الذات بتكثر الوجوه ~~والاعتبارات على ما سنفرد مسئلة في العلم الأزلي خاصة وتحقيق تعلقه ~~بالمعلومات لكن الذي يختص بمسئلتنا هذه إلزام الوجوه والاعتبارات في الصفات ~~التي أثبتموها وقولكم تجرده عن المادة أمر سلبي أي هو مفارق ليس في مادة ~~أصلا لا لشيء جرده عن المادة بل لذاته وبذاته ولا يوجب تكثرا في الذات. PageV01P071 # قلنا من المعلوم أن قولنا عالم يشعر بتبين المعلوم وقولنا ليس في مادة يشعر ~~بنفي المادة عنه والمفهومان متغايران لفظا ومعنى فكيف يقال أحدهما هو ~~الثاني بعينه لعمري يصح أن يقال أحدهما سبب لوجود الثاني على معنى أن ~~المادة إذا ارتفعت ارتفع الحجاب فأدرك الشيء وعقله كالمرآة المصدية إذا ~~صقلت وارتفع الصدأ تمثلت صورة المحسوس فيها كذلك إذا ارتفعت المادة يتبين ~~الشيء المعقول في الذهن والعقل وإذا تبين المعقول ارتفعت الحجب كلها وكلا ~~الوجهين صحيح إما أن يكون أحدهما عين الثاني حتى ms133 يكون إطلاق بالترادف فذلك ~~خطأ ظاهر وما ذكرتموه من تفريع مذهبكم على هذه القاعدة نتكلم عليها بعد هذه ~~المسئلة إن شاء الله تعالى ونقول إذا كان الوجود من حيث هو وجود يعم الواجب ~~والممكن فالذات القائم بالنفس من حيث أنه ذات قائم بالنفس يعم الواجب ~~والممكن فما الذي يخص الواجب من أمر وراء ذاته حتى يتميز عن سائر الذوات ~~فإن لم يكن له ما يخصه فليس له ما يعمه وإن كان التخصيص وقع بالذات فهلا ~~قلتم وقع التخصيص بالوجود دون الوجوب وإن وقع التخصيص بأمر دون أمر فذلك ~~الأمر الذي خصص وعين هو الصفة عندنا إلا أنا بحكم الشرع أطلقنا اسم العلم ~~والقدرة والإرادة على ذلك وأنتم ما خالفتمونا في العلم والقدرة بل قلتم هو ~~تعالى عالم لذاته وذاته علم وإن كان الذات من حيث هو ذات شاملا شمول الوجود ~~والتخصيص إنما يقع بأمر وصفة وبالجملة كل أمر عام وجودي إذا تخصص فإنما ~~يتخصص بأمر خاص وجودي فيلزم هناك أثنينية من المعنى عام وخاص وسواء كان ~~العام جنسا والخاص فصلا وسواء لم يكن الأمر كذلك. # فإن قيل قد يتخصص الشيء بالفصول السلبية والسلب لا يوجب الاثنينية. # قيل هذا خطأ وقع للمنطقيين منكم حيث ظنوا أن السلب يجوز أن يكون فصلا ذاتيا. # والبرهان على استحالة ذلك أن الفصل لا يتحقق ما لم يتحقق في المفصول ~~اشتراك ما في أعم وصف فيكون الفصل أعني ما به تميز عن غيره من المشتركات ~~أخص وصف الشيء والشيء إنما يتميز عن غيره بأخص وصفه وسلب صفة وشيء آخر عنه ~~وبما يطلقه على أخص وصفه لا أن يكون نفسه أخص وصفه. # فلما ضاق على بعض الفلاسفة التعبير عن الفصول الذاتية بعبارات ناصة عليها ~~أوردوا فصولا سلبية على أن تطلع الطالب على نفس المطلوب ظن بعضهم أن السلوب ~~تصلح أن تكون فصولا ذاتية وذلك خطأ بين ثم ارتكبوا على مقتضى ذلك أن جعلوا ~~وجوب الوجود أمرا سلبيا وفصلوا به ذات واجب الوجود عن سائر الذوات ولم ~~يفطنوا ms134 لإمكان الوجود الذي في مقابلة وجوب الوجود أنه يلزم أن يكون فصلا ~~إيجابيا ويا ليت شعري كيف يتأكد الوجوب بالسلب وكيف يضعف الوجود بالإيجاب ~~وكيف يكون سلب الغير تأكيدا لذات الوجود الواجب وإيجاب الذات لا يكون ~~تأكيدا وبالجملة كلما يتميز عن غيره فإنما يتميز بأخص وصفه وأخص وصف الشيء ~~الموجود لا يكون إلا أمرا وجوديا. # فإن قيل هذا خبر ما عندنا في الوجود وعمومه وخصوصه وقد لزم عليه ما لزم ~~فما خبر ما عندكم حتى لا يلزم المحال الذي لزم. # قلنا وجه الخلاص من هذه الإلزامات المفحمة والتقسيمات الملزمة للتكثر أن ~~نجعل الوجود من الأسماء المشتركة المحضة التي لا عموم لها من حيث معناها ~~وإنما اللفظ المجرد يشملها كلفظ العين فيطلق الوجود على الباري تعالى لا ~~بالمعنى الذي يطلق على سائر الموجودات وذلك كالوحدة والقدم والقيام بالذات ~~وليس ثم خصوص وعموم ولا اشتراك ولا افتراق كذلك في كل صفة من صفاته يقع هذا ~~الاشتراك لكن إذا سلكتم أنتم هذه الطريقة أفسد عليكم باب التقسيم الأول ~~للوجود وبطل قول أستاذكم في أنا لا نشك في أصل الوجود وأنه ينقسم إلى واجب ~~لذاته واجب لغيره فإن المشتركات في اللفظ المجرد لا تقبل التقسيم المعنوي ~~ولذلك لم يجز أن يقال أن عينا وأنها تنقسم إلى الحاسة الباصرة وإلى الشمس ~~وإلى منبع الماء إذ هي مختلفة بالحقائق والمعاني والله المستجار سبحانه ما ~~يكون لنا أن نقول فيه بغير حق وهو حسبنا ونعم الوكيل. ### || AUTO القاعدة العاشرة ### || AUTO في العلم الأزلي خاصة PageV01P072 ~~وأنه أزلي واحد متعلق بجميع المعلومات على التفصيل كلياتها وجزئياتها وذهب ~~جهم بن صفوان وهشام بن الحكم إلى إثبات علوم حادثة للرب تعالى بعدد ~~المعلومات التي تجددت وكلها لا في محل بعد الاتفاق على أنه عالم لم يزل بما ~~سيكون والعلم بما سيكون غير والعلم بالكائن غير. # وذهبت قدماء الفلاسفة إلى أنه عالم بذاته فقط ثم من ضرورة علمه بذاته ~~يلزم منه الموجودات وهي غير معلومة عنده أي لا صورة لها عنده على ms135 التفصيل ~~والإجمال. # وذهب قوم منهم إلى أنه يعلم الكليات دون الجزئيات وذهب قوم إلى أنه يعلم ~~الكلي والجزئي جميعا على وجه لا يتطرق إلى علمه تعالى نقص وقصور. # أما الرد على الجهمية هو أنا نقول لو أحدث الباري لنفسه علما فإما أن ~~يحدثه في ذاته أو في محل أو لا في ذاته ولا في محل والحدوث في ذاته يوجب ~~التغيير والحدوث في محل يوجب وصف المحل به والحدوث لا في محل يوجب نفي ~~الاختصاص بالباري تعالى وبمثل هذا نرد على المعتزلة في إثبات إرادات لا في محل. # وبرهان آخر نقول لو قدر معنى من المعاني لا في محل كان قائما بذاته غير ~~محتاج إلى محل يقوم به ففي احتياج العلم إلى محل إما أن يكون معنى يرجع إلى ~~ذات كونه علما فيجب أن يكون كل علم غير محتاج إلى محل وإما أن يكون لأمر ~~زائد على ذات كونه علما فيجب أن يكون فعلا لفاعل فوجب أن يكون فعل الفاعل ~~يوجب نفي الاحتياج في كل عرض وكل معنى وليس الأمر كذلك ثم فعل الفاعل لا ~~يوجب أن ينتسب إليه المفعول بأخص وصفه الذاتي بل إنما ينتسب إليه من حيث ~~كونه فعلا فقط حتى يسمى فاعلا صانعا إما أن يصاف إليه حكم العلمية حتى يصير ~~عالما فمحال وأيضا فإن فعل الفاعل لا يخرج الشيء عن حقيقته فلا يجوز أن ~~يقلب الجوهر عرضا والعرض جوهرا فإن القدرة إنما تتعلق بما يمكن وجوده وهذا ~~من المستحيل فنفي الاحتياج إلى محل في حق الجوهر لا يجوز أن يثبت بالقدرة ~~كما أن إثبات الاحتياج إلى المحل في حق العرض لا يجوز أن يثبت بالقدرة وما ~~ليس يمكن لا يكون مقدورا وما ليس بمقدور يستحيل أن يوجد. # قال هشام فقد قام الدليل على أن الباري سبحانه وتعالى عالم في الأزل بما ~~سيكون من العالم فإذا وجد العالم هل بقي علمه علما بما سيكون أم لا فإن لم ~~يكن علما بما سيكون فإذا قد تجدد له حكم أو ms136 علم فلا يخلو أن يحدث ذلك ~~المتجدد في ذاته كما سبق من استحالة كونه محلا للحوادث ولا يجوز أن يحدثه ~~في محل لأن المعنى إذا قام بمحل رجع حكمه إليه فبقي أنه يحدثه لا في محل ~~وإن كان علمه بما سيكون باقيا على تعلقه الأول فكان جهلا ولم يكن علما ~~وأيضا فإنه قد تجدد له حكم بالاتفاق وهو كونه عالما بوجود العالم وحصوله في ~~الوقت الذي حصل وتجدد الحكم يستدعي تجدد الصفة كما أن تحقق الحكم يستدعي ~~تحقق الصفة ألستم تلقيتم كونه ذا علم من كونه عالما فلذلك نتلقى تجدد العلم ~~من تجدد كونه عالما حتى لو قيل كان عالما في الأزل بكون العالم كان محالا ~~وكان العلم جهلا بل لو لم يكن العالم معلوم الكون في الأزل فصار معلوم ~~الكون في الوقت الذي حصل فلم يكن الباري عالما بالكون في الأزل ثم صار عالم ~~الكون في الوقت المحصل فدل ذلك على تجدد العلم. # قال ولا نشك بأن علمنا بأن سيقدم زيد غدا ليس علما بقدومه بل العلم بأن ~~سيقدم غير والعلم بقدومه غير ويجد الإنسان تفرقة ضرورية بين حالتي علميه ~~وهذه التفرقة راجعة إلى تجدد علم في حال القدوم ولم تكن قبل ذلك. # وأما قولكم أن العلم من جملة المعاني وهي لذواتها محتاجة إلى محل وأنها ~~في ذواتها مختصة بمن له أحكامها فصحيح إلا أنا بضرورة التقسيم التزمنا كونه ~~لا في محل إذ لا محل لنفي التفرقة بين الحالتين ولا وجه لتجدد المعنى في ~~الأزلي القديم ولا في الجسم الحادث فبالضرورة قلنا هو معنى لا في محل له ~~ولا ينحا به نحو الجوهر من كل وجه حتى يقال هو قائم بالنفس ومتحيز أو قابل ~~للعرض وإنما يختص حكمه بالفاعل لأن الفاعل هو الذي أوجده علما لنفسه فصار ~~علما به ولأن الباري تعالى لا في محل والعلم لا في محل فاختصاص ما لا محل ~~له بما لا محل له أولى من اختصاص بما له مكان ومحل. PageV01P073 # وللمتكلمين في جواب شبهة ms137 هشام وجهم طرق وللفلاسفة طرق أيضا قال الشيخ أبو ~~الحسن الأشعري رضي الله عنه على طريقته لا يتجدد لله تعالى حكم ولا يتعاقب ~~عليه حال ولا تتجدد له صفة بل هو تعالى متصف بعلم واحد قديم متعلق بما لم ~~يزل ولا يزال وهو محيط بجميع المعلومات على تفاصيلها من غير تجدد وجه العلم ~~أو تجدد تعلق أو تجدد حال له لقدمه والقدم لا يتغير ولا يتجدد له حال ~~وإضافة العلم الأزلي إلى الكائنات فيما لا يزال كإضافة الوجود الأزلي إلى ~~الكائنات الحاصلة في الأوقات المختلفة وكما لا تغير ذاته بتغير الأزمنة لا ~~يتغير علمه بتجدد المعلومات فإن العلم من حقيقته أن يتبع المعلوم على ما هو ~~به من غير أن يكتسب منه صفة ولا يكسبه صفة والمعلومات وإن اختلفت وتعددت ~~فقد تشاركت في كونها معلومة ولم يكن اختلافها لتعلق العلم بها بل اختلافها ~~لأنفسها وكونها معلومة ليس إلا تعلق العلم بها وذلك لا يختلف وكذلك تعلقات ~~جميع الصفات الأزلية فلا نقول يتجدد عليها حال بتجدد حال المتعلق فلا نقول ~~الله تعالى يعلم العدم والوجود معا في وقت واحد فإن ذلك محال بل يعلم العدم ~~في وقت العدم ويعلم الوجود في وقت الوجود والعلم بأن سيكون هو بعينه علم ~~بالكون في وقت الكون إلا أن من ضرورة العلم بالوجود في وقت الوجود العلم ~~بالعدم قبل الوجود ويعبر عنه بأنه علم بأن سيكون. # والذي يوضح الحق في ذلك هو أنا لو علمنا قدوم زيد غدا بخبر صادق أو غيره ~~وقدرنا بقاء هذا العلم على مذهب من يعتقد جواز البقاء عليه ثم قدم زيد ولم ~~يحدث له علم بقدومه لم يفتقر إلى علم آخر بقدومه إذا سبق له العلم بقدومه ~~في الوقت المعين وقد حصل ما علم وعلم ما حصل إذ لو قدرنا أنه لم يتجدد له ~~علم ولم تتجدد له غفلة وجهل استحال أن يقال لم يعلم قدومه بل يجب أن يقال ~~تنجز ما كان متوقعا وتحقق ما كان مقدرا وحصل ما ms138 كان معلوما. # وقولهم إن الإنسان يجد تفرقة بين حالتيه قبل قدومه وحال قدومه فتلك ~~التفرقة ترجع إلى تجدد العلم فليس ذلك على الإطلاق بل يرجع في حق المخلوقين ~~إلى إحساس وإدراك لم يكن فكان وفي حق الخالق لا تفرقة بين المقدر والمحقق ~~والمنجز والمتوقع بل المعلومات بالنسبة إلى علمه تعالى على وتيرة واحدة ~~وقال هذا العلم المتجدد يحصل عندكم قبل الوجود المتجدد بلحظة فإذا تقدمه ~~بلحظة كان أيضا علما بما سيكون لا علما بالكائن فهو والعلم الأزلي بما ~~سيكون سواء وإذا جاز تقدمه جاز قدمه. # ثم ألزم عليهم إلزام لا محيص لهم عنه وهو أن هذه العلوم المتجددة هل هي ~~معلومة قبل كونها موجودة أم ليس يتعلق العلم بها فإن كانت معلومة أفبعلم ~~الأزلي وعالميته أم بعلوم أخر سبقتها قبل وجودها فإن كان الأول فجوابنا عن ~~الكائنات في كونها معلومة بعلم الأزل جوابكم عن العلوم المتجددة وإن كان ~~الثاني فكانت محتاجة إلى علوم أخر والكلام في تلك العلوم كالكلام في هذه ~~ويؤدي إلى التسلسل وقد ألزم أصحاب الإرادات الحادثة لا في محل هذا الإلزام ~~واعتذروا بأن قالوا الإرادة لا تراد وهذا العذر لا يصح على قاعدة هشام وجهم ~~فإن الإرادة وإن كانت لا تراد فهي بخلاف العلم لأن العلم يعلم فيلزم القول ~~بالتسلسل وهذا الإلزام قد أفحم الكرامية في مسئلة محل الحوادث. # وقالت المعتزلة على طريقتهم الباري تعالى عالم لذاته أزلا بما سيكون ~~ونسبة ذاته أو وجه عالميته إلى المعلوم الذي سيكون كنسبته إلى المعلوم ~~الكائن الموجود والعالم منا بما سيكون عالم على تقدير الوجود وبما هو كائن ~~عالم على تحقيق الوجود فالمعلومات بعلم واحد جائز تقديرا أو تحقيقا وعندهم ~~يجوز تقدير بقاء العلم ويجوز تعلق العلم الواحد بمعلومين ولا استحالة فيه ~~شاهدا وغائبا ثم إن بعضهم يقول يرجع الاختلاف في الحالتين إلى التعلق لا ~~إلى المتعلق بخلاف ما قال الأشعري أن الاختلاف يرجع إلى المتعلق لا المتعلق ~~والتعلق وقال بعضهم يرجع الاختلاف في الحالتين إلى حالتين. # وقد مال أبو ms139 الحسين البصري إلى مذهب هشام بعض الميل حتى قضى بتجدد أحوال ~~الباري تعالى عند تجدد الكائنات مع أنه من نفاة الأحوال غير أنه جعل وجوه ~~التعلقات أحوالا إضافية للذات العالمية وهو في جميع مقالاته ينهج مناهج ~~الفلاسفة ويرد على شيوخه من المعتزلة بتصفح أدلتهم ردا شنيعا. PageV01P074 # وقالت الفلاسفة على طريقهم واجب الوجود ليس يجوز أن يعقل الأشياء من ~~الأشياء وإلا فذاته إما متقومة بما يعقل أو عارض لها أن يعقل وذلك محال بل ~~كما أنه مبدأ كل موجود فيعقل من ذاته ما هو مبدأ له وهو مبدأ للموجودات ~~التامة بأعيانها والموجودات الكائنة الفاسدة بأنواعها وأشخاصها ولا يجوز أن ~~يكون عاقلا لهذه التغيرات مع تغيرها حتى يكون تارة يعقل منها أنها موجودة ~~غير معدومة وتارة يعلمها معدومة غير موجودة ولكل واحد من الأمرين صورة ~~عقلية على حدة ولا واحد من الصورتين يبقى مع الثانية فيكون واجب الوجود ~~متغير الذات بل هو إنما يعقل كل شيء على نحو كلي فعلي لا انفعالي ومع ذلك ~~لا يعزب عنه شيء شخصي ولا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض وأما ~~كيفية ذلك فلأنه إذا عقل ذاته وعقل أنها مبدأ كل موجود عقل أوائل الموجودات ~~وما يتولد منها ولا شيء من الأشياء يوجد إلا وقد صار معلوما من جهة ما يكون ~~واجبا بسببه فتكون الأسباب بمصادمات تتأدى إلى أن يوجد منها الأمور الجزئية ~~فالأول يعلم الأسباب ومطابقاتها فيعلم ما يتأدى إليه وما بينها من الأزمنة ~~وما لها من العودات فيكون مدركا للأمور الجزئية من حيث هي كلية أعني من حيث ~~لها صفات وأحوال تستعد بها لأن تكون كلية وإن تخصصت فبالإضافة إلى زمان ~~ومكان وحال متشخصة فيعقل ذاته ونظام الخير والموجود في الكل منه ونفس مدركة ~~الكل سبب لوجود الكل منه ومبدأ له وإبداع وإيجاب وإيجاد فلا يتبع علمه ~~معلوما بل يسبقه ولا يكتسب عنه صفة بل يكسبه ولا يتغير بتغير المعلوم بل ~~يغيره ولا يتعلق بأمر معين من حيث هو معين شخصي ms140 حتى لو زال الشخص زال العلم ~~بوجوده وهذا كمن عرف أن القمر إذا اجتمع مع الذنب في برج كذا وكانت الشمس ~~في برج مقابل وقع ثم الكسوف فعلمه هذا قبل وجود الكسوف وبعده وفي حال ~~الكسوف على وجه ليس يتغير بحدوث الكسوف وكذا كل علم كلي ثم الجزئي مندرج ~~تحت الكلي على سبيل التضمن فيصير الكل معلوما له على هذا الطريق فمن قال ~~منهم أنه لا يعقل إلا ذاته أراد به أنه يعقل كونه مبدأ وعقله ذلك هو الموجب ~~لحصول ما يصدر عنه ومن قال منهم أنه يعقل الكليات دون الجزئيات أراد ما ~~قررناه ومن قال منهم أنه يعقل الكليات والجزئيات أراد ما عقله مقصودا أي ~~مبدأ وما يصدر عنه إلا أن ذلك على وجه فهذا كلام القوم ونحن نتكلم على ذلك ~~بالاعتراض وبتصفح على كل مسئلة منها بالاستعراض. # فنقول أولا إطلاق لفظ العقل والعاقل غير مصطلح عليه عندنا فنغير لفظ ~~العقل إلى العلم ونطلق لفظ العالم بدل العاقل إذ ورد السمع بكون الباري ~~تعالى عالما ولم يرد بكونه عاقلا فنطالبكم بالدليل على كون الباري تعالى ~~عالما فبما عرفتم ذلك والدليل ما أرشدكم إليه والبرهان لم يقم عليه فإن ~~المتكلم يستدل بحصول الإحكام والإتقان في الأفعال على كون الصانع عالما ~~وأنتم ما سلكتم هذه الطريقة ولا استقام ذلك على قاعدتكم فإن العلم عندكم لم ~~يتعلق بالجزئيات أو تعلق على وجه كلي فهو إذا متعلق بالكليات والأحكام إنما ~~يثبت في الجزئيات المحسوسة أما الكليات المعقولة فهي مقدرة في الذهن فما ~~فيه الإحكام ليس بمعلوم على الوجه الذي يقتضيه الإحكام وما هو معلوم فلم ~~يشاهد إحكام فيه فبطل الاستدلال من هذا الطريق. # قالوا طريقنا في ذلك إنما هو برئ من المادة وعلائقها فغير محتجب عن ذاته ~~لأن الحجاب هو المادة والمقدس عن المادة هو عالم لنفسه بنفسه إذ لا حجاب. # قيل هذه مصادرة على المطلوب الأول فإن معنى قولكم غير محتجب عن ذاته أي ~~هو عالم بذاته والكلام فيه كالكلام في الأول ms141 وتقريره إنما هو برئ من المادة ~~فهو عالم فلم قلتم إنما هو برئ عن المادة عالم ونفي المادة كيف يناسب ~~العالمية والعلم هذا كمن نفى التناهي والانقسام والأين والكيف عنه لم يجب ~~من ذلك أن يكون عالما فنفى الجسمية والهيولانية عنه ليس يقتضي أن يكون ~~عالما ولم نجد لعامتكم برهانا على ثبوت كونه عالما بالمعلومات سواء التجرد ~~عن المادة وعلائقها وليس ذلك حدا أوسط في برهان أن ولا في برهان لم. PageV01P075 # قال أبو علي بن سينا البرهان على أن كل مجرد عن المادة فهو عقل بذاته هو ~~بدليل أن كل ماهية مجردة عن المادة فلا مانع لها من حيث ذاتها عن مقارنة ~~ماهية أخرى مجردة فيمكن أن تكون معقولة أي مرتسمة في ماهية أخرى مجردة ~~وارتسامها هو مقارنتها ولا معنى للعقل إلا أنه مقارنة ماهية مجردة لماهية ~~مجردة ولذلك إذا ارتسمت في القوة العاقلة منا ماهية مجردة كان نفس الارتسام ~~فيها هو نفس شعورها بها وإدراكها لها وذلك هو العقل والتعقل إذ لو كان ~~يحتاج إلى هيئة وصورة غير الصورة المرتسمة لكان الكلام في تلك الصورة ~~كالكلام في هذه الصورة ويتسلسل وإذا كان نفس تلك المقارنة هو العقل فيلزم ~~منه أن كل ماهية مجردة فلا مانع لها من ذاتها أن تعقل. # قلت ما زدت في البيان إلا أنك جعلت المقارنة حدا أوسط ولسنا نشك أنك ما ~~عنيت بهذه المقارنة مقارنة الجسم ولا مقارنة الجوهر العرض ولا مقارنة ~~الصورة المادة بل عنيت به كما فسرت التمثيل والارتسام وعنيت بالتمثيل ~~والارتسام التعقل فقد صادرت على المطلوب الأول أقبح المصادرة فكأنك قلت ~~الدليل على كونه عالما أنه لا يمتنع على آنيته وذاته أن يكون مرتسما بصورة ~~أي عالما فبان أنك أدرجت لفظ المقارنة حتى أخفيت الحال ثم فسرت المقارنة ~~حتى أبديت الحال زالت المصادرة عنك كل الزوال. # وأما استشهادك بالقوة العاقلة منا فإنما ينفعك مع من لا ينازعك في أن ~~العقل هل يعقل بذاته ذاته وإن عقل أفبعقل غير ذاته أم بعقل هو ms142 ذاته أما من ~~نازعك في إثبات كونه عقلا وعاقلا أي علما وعالما فلا ينفعه هذا الاستشهاد. # وأما اقتباس كونه عاقلا من كونه معقولا فهو من أمحل المطلوبات وهو كمن ~~قال لا يمتنع عليه أن يعلم فلا يمتنع عليه أن يعلم والعرض في ذاته ممتنع أن ~~يعقل ويعلم عند القوم فكيف يصح القياس وهب أنه يعلم فلم ينبغي أن يعلم ثم ~~أخذ ما يحب مما لا يمتنع من أبعد القياسات وأمحل المحالات فإن سلمنا لكم ~~كونه تعالى عالما بذاته وعلمه بذاته نفس علمه بعلمه فلم قلتم أن علمه بذاته ~~الذي هو نفس العلم فعلمه بمعلوماته هو علمه بذاته ما هو مبدأ وهو مبدأ كل ~~موجود أفيتعلق علمه بذاته ثم يتعلق نفس ذلك العلم بمعلوماته على النسق الذي ~~حصل أم يتعلق علمه بذاته ويتعلق علم آخر بمعلوماته ويلزم على الأول أن يقال ~~لا يعلم إلا ذاته إذ لا صورة عنده غير ذاته ولا ارتسام لعقله إلا تعقله فإن ~~العقل عندكم مقارنة ماهية لماهية والمقارنة هو ارتسام ماهية بماهية فعلى ~~هذا التفسير لم يقترن بوجوده غير وجوده ولا ارتسم في عقليته غير عقليته ~~وسائر اللوازم كما هي مفارقة لذاته يجب أن يكون معقوليتها مفارقة لمعقولية ~~ذاته ويلزم على القسم الثاني التكثر الصريح فإن عقله لذاته وعقله للعقل ~~الأول إن كانا شيئا واحدا من وجه واحد فيلزم أن تكون ذاته هو العقل الأول ~~والعقل الأول ذاته وإن لم يكن ذلك على وجه واحد فقد تعدد وتكثر وجوه الذات. # ثم نقول إذا كان عقله وعلمه علما فعليا لا انفعاليا وإنما يلزم منه ما ~~يلزم لعلمه بذاته فيجب أن يكون كل معلوم مفعولا له وهو معلوم لعلمه فانظروا ~~أي شيء يلزم من ذلك. # قال ابن سينا أنه تعالى عالم بالأشياء لا من الأشياء بل الأشياء منه ومن علمه. # قيل له فإذا بطل تقريرك الثاني أن العقل لا معنى له إلا الارتسام ماهية ~~بماهية فهلا قلت العقل رسم ماهية في ماهية أو هلا قسمت الأمر فقلت من ms143 ~~العقول ما يرتسم ومن العقول ما يرسم ومنها ما لا يرسم ولا يرتسم فعقله ~~للعقل الأول رسم وليس بارتسام وعقله لذاته ليس برسم ولا ارتسام وعقل العقل ~~والنفس له ارتسام وليس برسم فعقولنا مثلا تصورات وعقول المقارنات تصويرات ~~وتصورات وعقل الباري تعالى لذاته ليس بتصور ولا تصوير وعقله للعقل الأول ~~تصوير لا تصور. PageV01P076 # قال ابن سينا الرب تعالى عالم بالموجودات ولكن علمه بها علم لزومي عن علمه ~~بذاته غير مفصل للصور فإنه يعلم ذاته وإنما يعلم ذاته كما هو عليه وهو أنه ~~مبدأ للموجودات كلها بأسرها فيدخل علمه بالموجودات تحت علمه بذاته من غير ~~أن تترتب للموجودات صورة في ذاته حتى يلزم منه كثرة فإن العلم بلوازم الشيء ~~إذا لم يكن متجها نحو تلك اللوازم قصدا بل حاصلا من العلم بلزومها فلا يكون ~~زائدا على نفس العلم بالملزوم ولا فيه كثرة مترتبة فترتبه حسب ترتيب تلك ~~اللوازم ونحن نجد من أنفسنا مثل هذا العلم بالأشياء الكثيرة من غير أن ~~يتمايز لها صورة في ذاتها وهو أنا إذا سئلنا عن مسئلة نكون قد علمناها ~~وأتقناها لكنا في تلك الحالة معرضون عنها فمع السؤال عنها نجد من أنفسنا ~~التفاتا إلى جوابها ويقينا لنا بحصول ذلك العلم المشتمل على جميع الجواب من ~~غير أن يكون في ذلك العلم تفصيل لصور الأشياء التي تنتقش في نفوسنا حين ~~أخذنا في الجواب ثم يأتي التفصيل مع الأخذ في الجواب مرتبا وليس ذلك ~~استعدادا بحتا ويقينا بالاستعداد بل يقينا بحصول العلم لا بالاستعداد وإنما ~~يتيقن المعلوم لا المجهول وأما علم العقل الأول بالباري تعالى فلا يكون ~~لازما لعلمه بذاته فإن مبدأه قبل ذاته لا لازما عنه فلا يكون العلم بما هو ~~قبل ذاته لازما من نفس علمه بذاته فيكون علما آخر على حدة والمعلوم ليس نفس ~~العالم ولا لازما منه فيكون زائدا لا محالة على نفس العالم فتحصل فيه كثرة ~~بسبب هذا العلم. PageV01P077 # قلت فرقت فرقا بين علمه بذاته وبين علمه بالأشياء حتى سميت الأول ذاتيا ~~والثاني ms144 علما لزوميا أفتعني بالعلوم اللزومية معلومات له بعلم واحد على ~~طريق اللزوم فذلك صحيح أو تعني بذلك علوما أخر لزومية لعلمه بذاته فما ~~المتصور بتلك العلوم وما محلها وكيف تتعلق هي بالمعلومات وما معنى أنها غير ~~مفصلة للصور والعلم لا يكون قط إلا مفصلا فإنه معنى يتعلق بالمعلوم على ما ~~هو به فهو مفصل بالنسبة إلى معلومه وقولك أنه يعلم ذاته كما هو عليه وهو ~~مبدأ للموجودات فيا عجبا من إطلاق الذات والعلم بالذات والمبدأ للموجودات ~~فإن كانت هذه الثلاثة الاعتبارات عبارة عن معبر واحد حتى يقال ذاته علمه ~~وعلمه هو مبدإيته وكونه مبدأ أمر إضافي فكونه ذاتا وعلما يجب أن يكون أمرا ~~إضافيا وإن كان ثم اعتبار واعتبار حتى يكون من حيث أنه مبدأ إضافيا ومن حيث ~~أنه علم سلبيا ومن حيث أنه ذات لا سلبيا ولا إضافيا فقد تعددت اعتبارات ~~ثلاثة فذاته ثالث ثلاثة ونقول ما المانع من تعلق العلم الأزلي بالمعلومات ~~على نسق واحد حتى لا يكون منه ما هو بالقصد الأول وهو العلم بالملزوم ولا ~~منه ما هو بالقصد الثاني وهو العلم باللازم إن كان العلم والذات لا يتأثر ~~ولا يتكثر باللوازم والسلوب حتى يقال معنى كونه عالما أنه لا يخفى عليه شيء ~~في الأرض ولا في السماء من غير أن ينسب إليه بعض المعلومات بالذات والبعض ~~بالعرض من غير أن تتغير ذات العالم بالمعلوم كما لم تتكثر ذاته بتكثر ~~اللوازم وأما التمييز في عقولنا إنما هو بحسب إمكان الجهل والغفلة والنسيان ~~وإلا فلو قدرنا علما لم يطر عليه ضده البتة لم يخف عليه شيء البتة ولعلمنا ~~مباد وكمالات فمبادئها النظر والاستدلال والتفكير والتدبير وكماله أنه لا ~~يخفى علينا المنظور فيه وإنما يطلق العلم على الباري تعالى بحسب الكمال لا ~~بحسب المبدأ كما أن مبدأ أفعالنا المعالجة والمزاولة والاكتساب والمجاهدة ~~وكمالها بأن لا يتعذر علينا شيء وتطلق القدرة على الباري تعالى بحسب الكمال ~~لا بحسب المبدأ وكما أن العفو والعطف منا بحسب المبدأ هو انحصار القلب ms145 على ~~حال المعطوف عليه وبحسب الكمال هو الإنعام والملاحظة والإكرام والملاطفة ~~فإذا كان هذا معنى الصفات فلا فرق في تلك النسبة وهو أن لا يخفى عليه شيء ~~من الكلي والجزئي والذاتي والعرضي وإذا فرقتم بين قسم وقسم فقد حكمتم بتعدد ~~الاعتبار وتكثر الجهات والآثار ومن قال أن علم المعلول الأول بالأول ولا ~~يكون لازما لعلمه بذاته لأن مبدأ المعلول الأول قبل ذاته فلا يكون العلم ~~بما هو قبل ذاته لازما لعلمه بذاته فيكون علما آخر على حدة يتوجه على مساق ~~كلامه إن كل من علم شيئا من حاجته وافتقاره لا يلزمه العلم بالمحتاج إليه ~~لأن المحتاج إليه قبل ذاته وقبل حاجة ذاته بل إنما يعلمه بعلم آخر وليس ~~الأمر كذلك بل العلم ربما يلزم من العلم ولا يستدعي لزوم العلم من العلم أو ~~بالعلم لزوم المعلول من المعلوم وإنما وقع له هذا الغلط من غلط آخر وهو انه ~~اعتقد أن المعلول الأول لزم وجوده من علم العلة الأولى به وعلمه به لزوم من ~~علم العلة الأولى بذاتها فظن أن كل شيء علم وأنه بذاته لزم من علمه بذاته ~~علم بغيره ولزم من علمه بغيره وجوده وهذا محال على أنه أثبت للمعلول الأول ~~علمين علم بذاته وعلم آخر بعلته فيكون قد صدر من العلة الأولى شيء هو جوهر ~~قائم بنفسه قام به معنيان مختلفان محققان ليس يلزم من أحدهما الثاني فقد ~~خالف بذلك أصله الممهد أن الواحد لا يصدر عنه إلا واحد ولا يغنيه عذره وأن ~~أحد الشيئين له لذاته والثاني من علته فإن علم المعلول بذاته غير وعلمه ~~بالعلة غير وليس أحد العلمين له لذاته والثاني من علته ثم هو يعلم ذاته ~~ويعلم معلوله الثاني فقد تكثرت الذات بعلوم زائدة على الذات على أنه عقل ~~فعال وإنما عقليته لأنه صورة واهبة للصور فلم تتكثر ذاته بتكثر معلوماته من ~~الصور ولا تتغير بتغير لوازمه من الموجودات فهلا كان الأمر في واجب الوجود كذلك. PageV01P078 # وأما من قال منهم أنه يعلم الأمور على ms146 وجه كلي لا يتطرق إليه التغير فنقول ~~كل موجود شخصي في هذا العالم يستدعي كليا خاصا بذلك الشخص فإن كلية الشخص ~~الإنساني وهو كونه إنسانا ليس بكون كلية شخص حيوان آخر بل الكليات تتكثر ~~بحسب تكثر الشخصيات فإذا كان لا يعلم الشخصي إلا من نحو كليته حتى لا يتغير ~~العلم بالكلية ويتغير العلم بالجزية فيلزم أن يتكثر العلم بكليته كما يتكثر ~~بشخصيته وإن اجتمعت الكليات كلها في كل واحد فيلزم أن لا يكون المعلوم إلا ~~ذلك الكلي الواحد ثم ذلك الكلي الواحد لازم له في وجوده فيكون العلم به ~~لازما للعلم بذاته فهو رجوع إلى محض مذهب من قال أنه لا يعلم إلا ذاته فما ~~زاد هذا القائل على مذهبه إلا إطلاق لفظ الكلية وهي معلومة لزوما كما كانت ~~الجزئيات معلومة لزوما فلم يستفد من هذه الزيادة شيئا ومن عرف مبادئ ~~الموجودات عرف ما يتأدى منها وما يحصل بها نظرا من العلة إلى المعلول ومن ~~عرف أخص أوصاف الموجودات عرف الأعم نظرا من الملزوم إلى اللازم وبين ~~البابين بون عظيم بعيد. # وما تمثل به ابن سينا من حديث خسوف القمر فهو دليل عليه فإن من علم مثل ~~ذلك العلم أعني إذا كان كذا يكون كذا فيكون علمه مشروطا وهي قضية شرطية فلا ~~يكون علمه علما محققا حتى يقول إن كان الأمر كذا فهو كذا فصار الأمر جزئا ~~بعد ما كان كليا ويتعالى علم الباري تعالى عن القضايا الشرطية بل عمله أعلى ~~من أن يكون كليا أو جزئيا أو متغيرا بتغير الزمان أو متكثرا بتكثر ~~المعلومات انظروا كيف عاد تنزيه القوم تشبيها وكيف صار تحقيق القوم تمويها. # قالت الصفاتية إن الإشكال في هذه المسئلة على جميع المذاهب من جهة أنهم ~~تصوروا تعلق العلم بالمعلوم على وجه يتطرق إليه الزمان الماضي والمستقبل ~~والحال حتى يقال علم ويعلم وهو عالم وسيعلم فظنوا أن العلم زماني يتغير ~~بتغير الحوادث ومن تحقق أن العلم من حيث هو علم لا يستدعي زمانا بل هو في ~~نفسه ms147 تبين وانكشاف وذلك إذا كان صفة للحادث وإحاطة وإدراكا إذا كان صفة ~~للقديم فهو مع وحدته محيط بكل الأشياء ومع إحاطته واحد ومن تحقق كونه واحدا ~~سهل عليه الإشكال. # فالبرهان على أن علمه شيء واحد أنه لو كان كثيرا لم يخل إما أن يتعدد ~~بتعدد المعلومات كلها والمعلومات من حيث أن لها صلاحية المعلومية من الواجب ~~والجائز والمستحيل لا تتناهى على التقدير فيلزم أن تكون العلوم المتعلقة ~~بها لا تتناهى على التحقيق وقد قام الدليل على أن أعدادا في الوجود المحقق ~~بالفعل لا تتناهى مستحيل وإنما حصره الوجود فهو متناه بالضرورة وإما أن ~~يتعدد بعدد مخصوص فيستدعي مخصصا خاصا والقديم لا مخصص فإذا علمه تعالى واحد ~~فهو متعلق بجميع المعلومات والمعلومات لا تتناهى فعلمه متعلق بما لا يتناهى ~~ولا يفرض اختصاصه بمعلوم معين كالعلم الحادث فإن الاختصاص والانحصار نقص ~~وقصور من حيث أنه لا يختص إلا بمخصص والدليل على ذلك أن ما من علم يفرض إلا ~~ويصح تعلق علم واحد منا به ثم لا يثبت لنا العلم بالمعلوم إلا ضروريا أو ~~كسبيا وعلى أي الوجهين فرض ثبوته فالله تعالى موجده ومبدعه فإذا وجد كان ~~عالما به وإذا وجب كونه عالما بالعلم فهو عالم بالمعلوم إذ يستحيل أن يعلم ~~العلم ولا يعلم المعلوم فلزم أن يكون العلم القديم متعلقا بكل معلوم وإنما ~~اقتصر العلم الحادث على بعض المعلومات لجواز طريان الضد عليه وإلا فالعلم ~~من حيث هو علم لم يمتنع عليه التعلق بكل معلوم وكذلك كل صفة قديمة فإن ~~متعلقاتها لا تتناهى فقد أطلقت الأشعرية بأن معلومات الله تعالى في كل ~~معلوم لا تتناهى وأشاروا بذلك إلى التقديرات الجائزة في حق كل معلوم إذ ما ~~من وقت من الأوقات وحين من الأحيان إلا ويجوز وقوع الحادثة فيه على البدل ~~وكذلك ما من عرض إلا ويجوز اختصاصه بكل جوهر على البدل. PageV01P079 # قال المعترض تلقيتم وحدة العلم الأزلي من استحالة علوم غير متناهية يحصرها ~~الوجود ومن أن الاختصاص بعدد مخصوص ثم ارتكبتم مثله ms148 في العلم الواحد حيث ~~قلتم أنه واحد متعلق بمعلومات لا تتناهى فقد أثبتم له تعلقات حقيقية أو ~~تقديرية لا تتناهى وما حصره الوجود كيف يشتمل على تعلقات غير متناهية فإن ~~قلتم أنها على التقدير المفروض لا تتناهى فالتقدير فكيف يتصور في حق القديم ~~سبحانه وإن قلتم أنها على التحقيق الموجود فالتحقيق للمتعلق كالتحقيق ~~للمتعلق فلم لا يجوز علوم غير متناهية ثم التناهي بعدد مخصوص كالتناهي ~~بالواحد فإن أوجب اختصاص العدد مخصصا كذلك يستدعي اختصاص الوحدة مخصصا وهو ~~كما أن كثرة نوع الإنسان في الوجود استدعى مكثرا ووحدة نوع الشمس في الوجود ~~استدعت موحدا ثم معلومات الله تعالى مجملة أم مفصلة فإن قلتم أنها مجملة ~~على معنى أنه يعلم ما لا يتناهى من حيث أنها لا تتناهى من غير أن ينفصل ~~معلوم عن معلوم فهو علم واحد تعلق بمعلوم واحد وما ينفصل به بقي مجهولا وإن ~~قلتم أنها مفصلة على معنى أنها تتميز في علمه بخصائص صفاتها فالجمع بين ~~التفصيل ونفي النهاية مستحيل فما الجواب عن هذه المشكلات. # قالت الصفاتية لسنا نعني بالتعلقات علائق حسية ولا حبائل خيالية ولا ينفي ~~التناهي عن المعلومات أعدادا من المعلومات غير متناهية حاصرة في الوجود بل ~~نعني بالتعلق والمتعلق أن الصفة الأزلية صالحة لدرك ما يعرض عليها على وجه ~~لا يستحيل فيعبر عن تلك الصلاحية نحو الدرك بالتعلق ويعبر عن جهة العرض ~~عليه حتى يدركه بالمتعلق ثم وجوه الجائزات على التقدير غير متناهية ~~فالمتعلقات غير متناهية فالتعلقات غير متناهية فالعلم القديم صفة متهيئة ~~لدرك ما يعرض عليها على وجه الجواز دون الاستحالة والقدرة الأزلية صفة ~~متهيئة لإيجاد ما يعرض عليها على وجه الجواز دون الاستحالة فالمعنى بالعرض ~~جهة الإمكان وتعيين الآحاد على البدل والمعنى بالمعروض عليه جهة الصلاحية ~~إما نحو الإدراك وإما نحو الإيجاد وهذا كما أن الصور المتعاقبة على الهيولي ~~عند القوم لا تتناهى على البدل وإنها فائضة على الهيولي من واهب الصور وذات ~~واهب الصور واحدة إلا أنها على صفة لها صلاحية الفيض ms149 حتى ما يتهيأ الهيولى ~~لقبول الصورة فتعرض الإمكان على القدرة كتهي الهيولي لقبول الصور وصلاحية ~~الصفة له نحو الإدراك والإيجاد كصلاحية الواهب لفيض الصورة ثم الواهب واحد ~~ومع وحدته على كمال يفيض منه صور لا تتناهى على البدل فذات الواهب واحدة ~~ولكنه في حكم ما لا يتناهى والصورة لا تتناهى ولكنها في حكم الواحد ثم ما ~~حصره الوجود فهو متناه وما قدره المقدر غير متناه فإن التقدير تعبير عن ~~الصلاحتين أو نبا عن الاستعدادين واستعمال لفظ الصلاحية في جانب القديم ~~توسع وفي جانب الحادث حقيقة فإن القديم بالإعطاء أجدر والحادث بالقبول أولى ~~ثم جهات الإمكان لا تتناهى وهي تشترك كلها في جهة الإمكان المحتاج إلى من ~~يخرجه من وجه الإمكان إلى عين الوجود فوجوه الممكنات كلها إلى القديم ~~سبحانه وهو تعالى من حيث العلم يحيط بها ويدركها بوجه واحد وهو صلاحية ~~العلم نحو الإدراك ويوجدها ويخترعها بوجه وهو صلاحية القدرة نحو الإيجاد ~~وتخصصها بمثل دون مثل بوجه وهو صلاحية الإرادة نحو التخصيص ويتصرف فيها ~~بتكليف وتعريف بوجه وهو صلاحية الكلام نحو الأمر والنهي ثم هل تشترك هذه ~~الحقائق والخصائص في صفة واحدة أم في ذات واحدة فتلك الطامة الكبرى على ~~المتكلمين حتى فر القاضي أبو بكر الباقلاني رضي الله عنه منها إلى السمع ~~وقد استعاذ بمعاذ والتجاء إلى ملاذ والله الموفق. ### || AUTO القاعدة الحادية عشر ### || AUTO في الإرادة # وهي تتشعب إلى ثلاث مسائل أحدها في كون الباري تعالى مريدا على الحقيقة ~~الثانية في أن إرادته قديمة لا حادثة والثالثة أن الإرادة الأزلية متعلقة ~~بجميع الكائنات. # أما الأولى فالكلام فيها مع النظام والكعبي والجاحظ والنجار فذهب النظام ~~والكعبي إلى أن الباري تعالى غير موصوف بها على الحقيقة وإن ورد الشرع بذلك ~~فالمراد بكونه تعالى مريدا لأفعاله أنه خالقها ومنشئها وإن وصف بكونه مريدا ~~لأفعال العباد فالمراد بذلك أنه أمر بها وإن وصف بكونه مريدا في الأزل ~~فالمراد بذلك أنه عالم فقط. PageV01P080 # وذهب النجار إلى أن معنى كونه مريدا أنه غير مغلوب ms150 ولا مستكره. # وذهب الجاحظ إلى إنكار أصل الإرادة شاهدا وغائبا وقال مهما انتفى السهو ~~عن الفاعل وكان عالما بما يفعله فهو مريد وإذا مالت نفسه إلى فعل الغير سمي ~~ذلك الميلان إرادة وإلا فليست هي جنسا من الأعراض وهو الأولى بالابتداء وهو ~~الأهم بالرد عليه. # فيقال له إثبات المعاني والأعراض ثم التمييز بين حقيقة كل واحد منها إنما ~~يبتني على إحساس الإنسان من نفسه وكما يحس الإنسان من نفسه علمه بالشيء ~~وقدرته عليه يحس من نفسه قصده إليه وعزمه عليه ثم قد يفعله على موجب إرادته ~~وقد لا يفعله على موجب إرادته وربما يريد فعل الغير من غير ميل النفس ~~والتوقان إليه وكذلك يريد فعل نفسه من غير ميل وشهوة كمن يريد شرب الدواء ~~على كراهية من نفسه وبالجملة الإحساس حاصل ورده إلى العلم بالفعل باطل فإن ~~العلم تبين وإحاطة فقط وهو يطابق المعلوم على ما به من غير تأثير في ~~المعلوم ولا تأثير منه وكذلك يتعلق بالقديم والحادث والقصد والإرادة يقتضي ~~ويخصص فيؤثر ويتأثر ولذلك لا يتعلق إلا بالمتجدد والحادث فبطل مذهب الجاحظ. # وأما الرد على الكعبي والنظام بعد اعترافهما بكون الإرادة جنسا من ~~الأعراض في الشاهد أن نقول قام الدليل على أن الاختصاص ببعض الجائزات دون ~~البعض في أفعال العباد دليل على الإرادة والقصد والدليل يطرد شاهدا وغائبا ~~فإن الأحكام والإتقان لما دل على علم الفاعل شاهدا دل عليه غائبا والدليل ~~العقلي لا ينتقض ولا يقتصر. # قال الكعبي إنما دل على الاختصاص على الإرادة في الشاهد لأن الفاعل لا ~~يحيط علما بكل الوجوه في الفعل ولا بالمغيب عنه ولا بالوقت والمقدار فاحتاج ~~إلى قصد وعزم إلى تخصيص وقت دون وقت ومقدار دون مقدار والباري تعالى عالم ~~بالغيوب مطلع على سرائرها وأحكامها فكان علمه بها مع القدرة عليها كافيا عن ~~الإرادة والقصد إلى التخصيص وأنه لما علم أنه يختص كل حادث بوقت وشكل وقدرة ~~فلا يكون إلا ما علم فأي حاجة به إلى القصد والإرادة وأيضا فإن الإرادة لو ms151 ~~تحققت فإما أن تكون سابقة على الفعل أو حادثة مع الفعل فإن كانت سابقة فهي ~~عزيمة والعزم لا يتصور إلا في حق من يتردد في شيء ثم أزمع عليه أو انتهى عن ~~شيء ثم أقبل إليه وإن كانت مقارنة فهي إما أن تحدث في ذاته أو في محل أولا ~~في ذاته ولا في محل والأقسام الثلاثة باطلة بما سبق بطلانها فتعين أن ~~الإرادة للقديم سبحانه لا معنى لها إلا كونه عالما قادرا فاعلا. # قيل له قد سلمت في الأفعال وجوها من الجواز في تخصيصها ببعض الجائزات دون ~~البعض فينظر بعد ذلك أهو من دلائل العلم أو من دلائل الإرادة. # فنقول قد بينا بأن العلم يتبع المعلوم على ما هو به سواء كان العلم محيطا ~~بجميع الوجوه في الفعل وقتا ومقدارا وشكلا أو لم يكن فالعلم من حيث هو علم ~~لا يختلف وإن قدر اختلاف في العلم حتى يكون أحد العلمين مخصصا دون الثاني ~~فلنقدر مثل ذلك فيه حتى يكون أحدهما موجدا والثاني غير موجد ويقع الاجتزاء ~~بالعلم عن القدرة كما وقع به عن الإرادة فيعود الكلام إلى مذهب الفلاسفة أن ~~علمه تعالى علم فعلي فيوجد من حيث يعلم ويختار الأفضل من حيث يعلم وإن وجب ~~أن تعطى كل صفة حظها من الحقيقة فالعلم ما يحصل به الإحكام والإتقان ~~والإرادة ما يحصل بها التخصيص والقدرة ما يحصل بها الإيجاد والقضايا مختلفة ~~فالمقتضيات إذا غير متحدة. # وأما قوله إثبات الإرادة في الشاهد لامتناع الإحاطة بالمراد من كل وجه ~~فباطل لأنا لو فرضنا الإحاطة بالفعل من كل وجه بإخبار صادق أو غيره من ~~الطرق كان يجب أن يستغنى عن الإرادة وليس الأمر كذلك وتقسيمه القول بأن ~~الإرادة إما سابقة وإما مقارنة. PageV01P081 # قيل له قد عرفت على هذا مذهب الصفاتية أن الإرادة أزلية فهي سابقة على ~~المراد ذاتا ووجودا ومقارنة الحال التجدد تعلقا وتخصيصا والعلم يتبع الواقع ~~ولا يوقع والقدرة توقع المقدور ولا تخصص والإرادة تخصص الواقع على حسب ما ~~علم بما علم والصفة ms152 أزلية سابقة والمراد حادث متأخر وليس يلزم على ذلك أن ~~يسمى عزما فإن العزم توطين النفس بعد تردد ولو كان المريد للشيء متمنيا أو ~~مشتهيا أو مائلا لوجب أن يقال العالم بالشي معتقد ساكن النفس مترو ومتفكر ~~فبطل الاستدلال من هذا الوجه وليس كل من علم شيئا إرادة ولا كل من أراد ~~شيئا قدر عليه بل كل من فعل شيئا فقد قدر عليه ومن قدر على فعل شيء إرادة ~~ومن أراده علمه فالإرادة تتبع العلم حتى يتصور أن يكون عالما ولا يكون ~~مريدا ولا يتصور أن يكون مريدا ولا يكون عالما. # أما الرد على النجار حيث قال أنه مريد بمعنى أنه غير مغلوب ولا مستكره ~~فيقال له فسرت حكما ثابتا بنفي كمن يفسر كونه قادرا بأنه غير عاجز وكونه ~~عالما بأنه غير جاهل وذلك مذهب المعطلة الفلاسفة ثم تجرد نفي العجز ~~والكراهية لا يقتضي كون الذات مريدا فإن كثيرا من الأجسام ينفي عنها العجز ~~والكراهية ولا يكون مريدا وكثير من المريدين كاره كمن شرب الدواء على ~~كراهية من طبعه وهو مريد له فالكراهية تضاد الطوع وأما القصد فقد يجامع ~~الكراهية. # ثم نقول كونه غير مغلوب ولا مستكره أمر مجمع عليه وإنما الكلام في أنا ~~رأينا في الأفعال ما يدل على كون الصانع مريدا وهو اختصاص الأفعال ببعض ~~الجائزات دون البعض وإهمال هذه القضية غير ممكن فما مدلول هذا الدليل فإن ~~قلتم مدلوله أنه غير مغلوب ولا مستكره. # فيقال إنما استفدنا العلم بذلك من كونه قادرا على الكمال والاختصاص لم ~~يدل على القدرة بل الوقوع دل عليها فلم يكن للاختصاص مدلول ونحن إنما ~~أثبتنا العلم بالصفات من الدلائل وإذا ثبتت هذه المسئلة أخذنا في المسئلة ~~الثانية وهو كون الرب تعالى مريدا بإرادة قديمة. # فنقول قد قام الدليل على أن معنى المريد هو ذو الإرادة كما قام الدليل ~~على أن معنى العالم هو ذو العلم فنقول أما أن يكون الرب سبحانه مريدا لنفسه ~~أو بإرادة وإذا تحقق أنه مريد بإرادة فإما أن ms153 تكون الإرادة قديمة وإما أن ~~تكون حادثة فإن كانت حادثة فلا يخلو إما أن تكون حادثة في ذاته أو في محل ~~أو لا في ذاته ولا في محل وقد سبق الرد على من قال بحدوث الإرادة في ذاته ~~ويستحيل كون الإرادة في محل ويكون الرب تعالى مريدا بها فإن المعنى إذا قام ~~بمحل وصف المحل به إذ من المحال وصف الشيئين بمعنى واحد قام بأحدهما دون ~~الثاني ويستحيل كون الإرادة لا في محل فإن الإرادة من جملة المعاني ~~والإعراض واحتياج الأعراض إلى المحل صفة ذاتية لها ومن المحال ثبوتها دون ~~الوصف الذاتي ولو لم تحل في محل لكانت قائمة بذاتها والقائم بالذات قابل ~~للمعنى فحينئذ تكون الإرادة قابلة للمعنى ولا يكون فرق بين حقيقة الجوهر ~~وبين حقيقة العرض حتى لو جوز استغناء العرض عن المحل في وقت من الأوقات جاز ~~في كل وقت ولو جوز لجنس من الأجناس أو لنوع من الأنواع لجاز لكل نوع وجنس ~~ولو جوز ذلك أيضا للزم تجويز قيام جوهر بمحل فإنه كما يستثنى الإرادة ~~والغناء والتعظيم عن جنس من المعاني حتى لا يفتقر إلى محل جاز أن يستثنى ~~جنس من الجوهر حتى يحتاج إلى محل وكل ذلك محال. # ثم نقول هب أنا ارتكبنا هذه الاستحالة وتصورنا إرادة لا في محل فمن ~~المريد بها ومن المعلوم أن نسبتها إلى القديم والحادث على وتيرة واحدة. # فإن قيل يوصف بها القديم لأن القديم لا في محل والإرادة لا في محل فهي به أولى. PageV01P082 # قيل ولو قيل يوصف بها الحادث لأن الإرادة حادثة والجوهر حادث والحادث ~~بالحادث أولى والمناسبات بين الحوادث تتحقق ولا مناسبة بين القديم والحادث ~~بوجه ما ثم أخذتم قولكم لا في محل بالاشتراك فإن معنى قولنا القديم لا في ~~محل أي لا في مكان ومعنى قولنا الإرادة لا في محل أي لا في متمكن وفرق بين ~~المكان والمحل فلم توجد المناسبة شاملة للطرفين بمعنى متفق عليه مشترك فيه ~~فلا مناسبة أصلا هذا كمن يقول الجوهر لا ms154 في محل والإرادة لا في محل فوصف ~~الجوهر بها أولى ونقول قد قام الدليل على أن كل حادث اختص بالوجود دون ~~العدم وبوقت وقدر دون وقت وقدر كان المحدث مرادا والإرادة شاركت جميع ~~الحوادث في هذه القضية فإنها اختصت بوقت ومقدار من العدد دون وقت ومقدار ~~فيستدعي إرادة أخرى والكلام فيها كالكلام في هذه فيجب أن يتسلسل والقول ~~بالتسلسل باطل. # قالت المعتزلة نعم إثبات إرادات لا في محل على خلاف وضع الأعراض والمعاني ~~لكن الضرورة ألجأت إلى التزام ذلك. # قيل أنه لا وجه لإنكار الإرادة كما قال الكعبي لأنه يوجب أن تكون الأفعال ~~غير اختيارية شبيهة بالأفعال الطبيعية عند أهل الطبائع ولا وجه لإثبات كونه ~~مريدا لذاته لأن الصفات الذاتية وجب تعميمها فهي عامة التعلق وحينئذ وجب ~~تعلق كونه مريدا بالفواحش والقبائح وذلك باطل كما سيأتي ولا وجه لإثبات ~~إرادة قديمة لأنه يؤدي إلى إثبات إلاهين قديمين كما سبق أن الاشتراك في ~~القدم يوجب الاشتراك في الإلهية ولا وجه لإثبات كونها حادثة قائمة بذات ~~الباري ولا لإثبات كونها قائمة بذات أخرى لما سبق من المعنى فتعين أنها لا ~~في محل فالضرورة العقلية ألجأت إلى تعيين هذا القسم من الأقسام ونحن لم ~~نبعد النجعة في ذلك مع إثبات الفلاسفة عقولا مفارقة للأجسام قائمة بذواتها ~~وهي مبادئ الموجودات ومع إثبات جهم وهشام علوما حادثة لا في محل ومع إثبات ~~الأشعرية تكليما لا في محل لأن ذلك الكلام الذي في ذات الباري تعالى لم ~~ينتقل إلى سمع موسى عليه السلام والذي سمعه موسى لم يكن في محل فهم وإن لم ~~يصرحوا بتكليم لا في محل كما صرحنا بتعظيم لا في محل غير أنهم أثبتوا كلاما ~~مسموعا والصفة الأزلية لم تنتقل وسمع موسى قد امتلى بالتكليم حتى يقال أنه ~~سمع كجر السلسلة. # وأما قولكم إن حدثت إرادة فبإرادة أخرى تحدث وبتسلسل فغير مقبول لأن ~~الإرادة لا تراد أليست إرادتنا لو كانت مرادة بإرادة أخرى أدت إلى التسلسل ~~فلم تستدع الإرادة جنسها. # قالت الأشعرية الضرورة ms155 التي ادعيتم ليست الضرورة العقلية التي يضطر العقل ~~إلى التزامها من إبطال قسم وتعيين قسم فإنكم قدرتم من محال حتى ارتكبتم ~~محالا والأقسام كلها بزعمكم محالات فلم التزمتم هذا المحال دون مذهب الكعبي ~~في رده الإرادة إلى العالمية والقادرية كما رددتم كونه سميعا بصيرا إلى ~~كونه عليما خبيرا على قول وهلا التزمتم مذهب النجار في رد الإرادة إلى صفة ~~النفي كمن قال منكم إنه سميع بصير بمعنى أنه حي لا آفة به وهلا قلتم هو ~~مريد لنفسه كما قال النجار على رأي ولا تلتزموا عموم التعلق إلا فيما يصح ~~أن يكون قادرا على ما يصح أن يكون مقدورا له وهلا التزمتم مذهب الكرامية في ~~إثبات إرادات في ذاته لأن المحذور من ذلك الالتزام هو التغيير بالحوادث ~~والتغيير حاصل في الأحكام حسب حصوله في المعاني إذا لم يكن مريدا فصار ~~مريدا عندكم فإذا لم يدل تغيير الأحكام على الحدوث لم يدل تغيير المعاني ~~أيضا على الحدوث أو هل قلتم هو مريد بإرادات في محل كما قلتم هو متكلم ~~بكلام يخلقه في محل وما الفرق بين البابين فإن الإرادة إن أوجبت حكما لمن ~~قامت به فليوجب الكلام كذلك وإن كان المتكلم من فعل الكلام على أصلكم ~~فاصطلحوا على أن المريد من فعل الإرادة ثم يرجع الحكم إلى الفاعل كما يرجع ~~في كونه عدلا يخلق العدل فكيف التزمتم أبعد الأقسام قبولا عن كونه معقولا. # ثم قولكم الإرادة لا تراد تحكم باطل فإن الإرادة من الحوادث وكل حادث ~~اختص بمثل دون مثل فهو مراد وإن استغنى حادث عن الإرادة استغنى كل حادث ولا ~~يؤدي إلى التسلسل في الإرادة فإن الإرادة الأخيرة تستند إلى خلق الباري فهي ~~ضرورية الوجود مرادة بإرادة الباري تعالى وإرادته قديمة لا تراد أي لا ~~تتخصص بوقت دون وقت. PageV01P083 # وأما التمثل بالعقول المفارقة على رأي الفلاسفة غير سديد فإنهم أثبتوا ~~جواهر قائمة بذواتها قابلة للمعاني غير أنهم لم يحكموا بتحيزها وأنتم أثبتم ~~إرادات من جنس إرادات الحوادث وهي أعراض لا في ms156 محل فقد أخرجتموها عن أخص ~~أوصاف العرضية وما أجريتم فيها حكم الجوهرية. # وأما التمثل بمذهب جهم بن صفوان وهشام فمثل حال والرد عليه كالرد عليكم ~~والتمثل بمذهب الأشعري في تكليم البشر غير مستقيم على أصله فإن عنده كلام ~~الله مسموع بسمع البشر كما أنه مرئي برؤية البشر ولم يجب من ذلك انتقال ولا ~~تغير وزوال فطفتم على أبواب المذاهب وفزتم بأخس المطالب. # وأما المسئلة الثالثة من شعب المسئلة الكبرى هو القول في تعلق إرادة ~~الباري بالكائنات كلها والمدار في هذه المسئلة على تعين الجهة التي هي ~~متعلق الإرادة فيرتفع النزاع والتشنيع بذلك فنذكر المذاهب أولا ثم نشرع في ~~الدليل. # قالت المعتزلة القائلون بإرادات حادثة أن الباري تعالى مريد لأفعاله ~~الخاصة بمعنى أنه قاصد إلى خلقها على ما علم وتتقدم إرادته على المفعول ~~بلحظة واحدة ومريد لأفعال المكلفين ما كان منها خيرا ليكون وما كان منها ~~شرا لأن لا يكون وما لم يكن خيرا ولا شرا ولا واجبا ولا محظورا وهي ~~المباحات فالرب تعالى لا يريدها ولا يكرهها ويجوز تقديم إرادته وكراهيته ~~على أفعال العباد بأوقات وأزمان ولم يجعلوا له حدا أو مردا. # ثم القدماء منهم قالوا إن الإرادة الحادثة توجب المراد وخصصوا الإيجاب ~~بالقصد إلى إنشاء الفعل لنفسه أما العزم في حقنا وإرادة فعل الغير فإنها لا ~~توجب ولم يريدوا بالإيجاد إيجاب العلة المعلول ولا إيجاب التولد والإرادة ~~عندهم لا تولد فإن القدرة عندهم توجب المقدور بواسطة السبب فلو كانت ~~الإرادة مولدة بواسطة السبب استند المراد إلى سببين ولزم حصول مقدورين ~~قادرين. # قالت المعتزلة الصفة القديمة إذا تعلقت بمتعلقاتها وجب عموم تعلقها إذ لا ~~اختصاص للقديم بشيء فلو كانت الإرادة قديمة لتعلقت بكل مراد من أفعال نفسه ~~ومن أفعال العباد أن يريد زيد حركة ويريد عمرو سكونا فوجب أن يكون القديم ~~مريدا لإرادتيهما ومراديهما وما هو مراد يجب وقوعه فيؤدي إلى اجتماع الضدين ~~في حالة واحدة. # قالت الأشعرية الصفة القديمة يجب تعلقها بكل متعلق على الإطلاق أم يجب ~~عموم تعلقها ms157 بما يصح أن يكون متعلقا بها فإن كان الأول فهو غير مستمر في ~~الصفات فإن العلم يتعلق بالواجب والجائز والمستحيل والقدرة لا تتعلق إلا ~~بالممكن من الأقسام والإرادة لا تتعلق إلا بالمتجدد من الممكنات والعلم أعم ~~تعلقا والقدرة أخص من العلم والإرادة أخص من القدرة والعموم لا ينقص ولا ~~يزيد وفيما لا يتناهى من المعلومات والمقدورات والمرادات فكل قسم لا يتناهى ~~فيعم تعلق الصفة بما لا يتناهى مما يليق بكل قسم ويختص بكل صفة ولو كان ~~الإيجاب بالقدرة على نعت الإيجاد لوجد كل ما تعلقت به القدرة فيوجد ما لا ~~يتناهى وذلك محال بل الإرادة هي المخصصة بالوجود المتعلقة بحال متجدد. وأما ~~تعلق إرادة القديم بالضدين في حالة واحدة. # قالوا لسنا نسلم أولا أن ههنا إرادتين للضدين بل هو ما وقع في معلوم الرب ~~تعالى أن يقع فهو المراد وصاحبه المريد وما علم أنه لا يقع فليس مرادا ~~وصاحبه المتمني ويجوز تعلق الإرادة القديمة بمعنيين أحدهما تمن وشهوة ~~والثاني إرادة. # ثم قالوا لم قلتم أن إرادة الإرادتين تقتضي إرادة المرادين حتى يلزم ~~الجمع بين الضدين فإنه تعالى إنما أراد إرادتيهما من حيث وجودهما وتجددهما ~~لا من حيث مراديهما وهو كإرادته للقدرة لا تكون إرادة للمقدور وقدرته على ~~الإرادة لا تكون قدرة على المراد على أصلكم كعلمه بعلم زيد وظن عمرو وشك ~~خالد وجهل بكر لا يكون اعتقادا لمعتقداتهم حتى يوصف بمتعلقات صفاتهم. PageV01P084 # والسر في ذلك أن الإرادة القديمة لم تتعلق إلا بوجه واحد وهو المتجدد من ~~حيث هو حادث متجدد متخصص بالوجود دون العدم ووقت دون وقت والإرادتان ~~تشتركان في التجدد فتنتسبان إليها من جهة التجدد والتخصص وهما من هذا الوجه ~~ليسا ضدين فلم تتعلق الإرادة بالضدين ولو قيل تتعلق الإرادة بالإرادتين ~~جميعا من حيث الوقوع والتجدد وبأحد المرادين وهو الواقع منهما في المعلوم ~~وتتعلق بعدم وقوع الآخر فهي إرادة لوقوع أحدهما وكراهة لوقوع الآخر كان ذلك ~~أيضا صوابا قال الله تعالى: " يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ms158 " أي ~~خلاف العسر كما قال " أتنبئون الله بما لا يعلم " أي بما يعلم خلافه حتى لا ~~يكون النفي داخلا في الإطلاقات. # قالت المعتزلة قد تقرر في العقول أن مريد الخير خير ومريد الشر شر ومريد ~~العدل عادل ومريد الظلم ظالم فلو كانت الإرادة الأزلية تتعلق بالكائنات ~~كلها لكان الخير والشر مرادا فيكون المريد موصوفا بالخيرية والشرية والعدل ~~والظلم وذلك قبيح في حق القديم سبحانه قال الله تعالى: " وما الله يريد ~~ظلما للعباد " قالت الأشعرية هذه المقدمة التي ذكرتموها من المشهورات في ~~عادات الناس لا من الأوليات في قضايا العقول وإنما يختص إطرادها في بعض ~~الصور دون البعض إذ لا يقال في سياق ذلك أن مريد الجهل جاهل ومريد العلم ~~عالم ومريد الطاعة مطيع ولا يقال مريد الحركة متحرك ومريد الصلاة مصل ثم ~~يقال في الشاهد مريد العبادة عابد ولا يقال في الغائب مريد العبادة عابد. # ثم السر في ذلك أن الإرادة الحادثة قد تكون ضرورية وقد تكون كسبية ~~والضرورية منها لا توصف بالخيرية والشرية والتكليفية إذ لا تكليف إلا على ~~المكتسب وقد توصف بالخيرية والشرية الجبرية كما يقال الملك يريد الخير طبعا ~~وجبرا والشيطان يريد الشر طبعا وجبرا وأما الإرادات الكسبية فتتوجه على ~~المريد فيها وبها التكليف فيوصف الظلم والعدل والخير والشر والطاعة ~~والمعصية كما وصف سائر الحركات ثم لم يلزم من ذلك طردها في الغائب فلم يصح ~~الاستدلال. PageV01P085 # والسر في ذلك أن الإرادة الأزلية لم تتعلق بالمراد من أفعال العباد من حيث ~~هو مكلف به إما طاعة وإما معصية وإما خيرا وإما شرا بل لا يتعلق به من حيث ~~هو فعل العبد وكسبه على الوجه الذي ينسب إليه فإن إرادة فعل الغير من حيث ~~هو فعله تمن وشهوة وإنما يتعلق به من حيث هو متجدد متخصص بالوجود دون العدم ~~متقدر بقدر دون قدر وهو من هذا الوجه غير موصوف بالخير والشر وإن أطلق لفظ ~~الخير على الوجود من حيث هو وجود فذلك إطلاق بمعنى يخالف ما تنازعنا فيه ~~فالباري ms159 تعالى مريد الوجود من حيث هو وجود الوجود من حيث هو وجود خير فهو ~~مريد الخير وبيده الخير وأما الوجه الذي ينسب إلى العبد هو صفة لفعله ~~بالنسبة إلى قدرته واستطاعته وزمانه ومكانه وتكليفه وهو من هذا الوجه غير ~~مراد للباري تعالى وغير مقدور له ولما تقرر عندنا بالبراهين السابقة أنه ~~تعالى خالق أعمال العباد كما هو خالق الكون كله وإنما هو خالق بالاختيار ~~والإرادة لا بالطبع والذات فكان مريدا مختارا لتجدد الوجود وحدوث الموجود ~~ثم الوجود خير كله من حيث هو وجود فكان مريد الخير وأما الشر فمن حيث هو ~~موجود فقد شارك الخير فهو من ذلك الوجه خير ومراد وعلى هذا لا يتحقق في ~~الوجود شر محض فهو تعالى مريد الوجود ومريد الخير والعبد يريد الخير والشر ~~وعن هذا قال الحكماء الشر داخل في القضاء والإرادة بالعرض لا بالذات ~~وبالقصد الثاني لا بالقصد الأول فإن الشر عندهم إما عدم وجود أو عدم كمال ~~الوجود وإنما الداخل في القضاء والإرادة بالقصد الأول هو الوجود وكمال ~~الوجود ثم قد يكون الوجود على كمال أول ومتوجه إلى كمال ثان وقد يكون على ~~كمال مطلق كالعقول المفارقة التي هي تامة كاملة بأعيانها في الخير المحض ~~الذي لا شر فيه وما هو على كمال أول أي هو بالقوة على كمال إلى أن يصير ~~بالفعل على كمال ثان فيقع من مصادمات أحوال السلوك من المبدأ إلى الكمال ~~أحوال هي شرور ومضار كما تقع أحوال هي سرور ومنافع والإرادة الأزلية ~~والعناية الربانية تتعلق بالأمرين والقسمين جميعا ولكن أحد المتعلقين على ~~سبيل التضمن والاستتباع والعرضية ويسمى ذلك مرادا ومقصودا بالقصد الثاني ~~والمتعلق الثاني على سبيل الوضع والأصالة والذاتية فيسمى ذلك مرادا ومقصودا ~~بالقصد الأول هذا كما يعلم أن المقصود الكلي من إنزال المطر من السماء نظام ~~العالم وانتظام الوجود وذلك هو الخير مطلقا ثم إن خرب بذلك بيت عجوز قد ~~أشرف على الانهدام أو ماتت العجوز وقد بلغت إلى شرف الموت كان ذلك شرا ~~بالإضافة لا ms160 بالأصالة وبالقصد الثاني لا بالقصد الأول ووجود خير كلي مع شر ~~جزئي أقرب إلى الحكمة من لا وجود له لا يقع الشر الجزئي فإن عدمه مما يورث ~~الفساد في نظام الموجودات فهو أكثر شرا وأشد ضرا. # قالت المعتزلة كل آمر بالشيء فهو مريد له والرب تعالى آمر عباده بالطاعة ~~فهو مريد لها إذ من المستحيل أن يأمر عبده بالطاعة ثم لا يريدها والجمع بين ~~اقتضاء الطاعة وطلبها بالأمر بها وبين كراهية وقوعها جمع بين نقيضين وذلك ~~بمثابة الأمر بالشيء والنهي عنه في حالة واحدة إذ لا فرق بين قول القائل ~~آمرك بكذا وأكره منك فعله وبين قوله آمرك بكذا وأنهاك عنه وإذا وقع الاتفاق ~~بأن الله تعالى آمر عباده بالطاعة وجب أن يكون مريدا لها كارها لضدها من ~~المعصية وإذا كان الآمر بالشيء مريدا له كان الناهي عن الشيء كارها له. # والذي يخص ذلك أن الآمر بالشيء يقتضي من المأمور حصول المأمور به ~~والإرادة تقتضي تخصيص المأمور به بالوجود ومن المحال اقتضا الحصول لشيء ~~واقتضا ضد ذلك منه فلو قلنا أن الباري تعالى آمرا أبا جهل بالإيمان وأراد ~~منه الكفر أدى ذلك إلى اقتضاء الإيمان منه بحكم الآمر واقتضاء الكفر منه ~~بحكم الإرادة وهو محال ويخرج على هذه القاعدة استرواحكم إلى العلم فإنه ~~يجوز أن يأمر بخلاف المعلوم لأن العلم ليس فيه اقتضاء وطلب وإنما هو يتعلق ~~بالمعلوم على ما هو به بخلاف الإرادة فإنها مقتضية فيرد الأمر على خلاف ~~العلم ولا يرد على خلاف الإرادة . PageV01P086 # قالت الأشعرية لسنا نسلم أن كل آمر بالشيء مريد حصوله بل كل آمر بالشيء ~~عالم بحصوله مريد له حصولا وكل آمر يعلم حصول ضده لا يكون مريدا لحصوله فإن ~~الإرادة على خلاف العلم تعطيل لحكم الإرادة وتغيير لأخص وصفها وقد بينا أن ~~أخص وصفها التخصيص وحكمها إنما يتعلق بالمتجدد من المقدورات والمتخصص من ~~المقدورات فإذا علم الآمر أن المأمور به لا يحصل قط ولا يتجدد ولا يتخصص قط ~~فيستحيل أن يريده فإنها توجد ولا ms161 متعلق لها يتعلق ولا أثر لتعلقها وذلك ~~محال ولو كانت الإرادة خاصيتها أن تتعلق بالممكن فقط كالقدرة لكان جائزا أن ~~تتعلق بخلاف المعلوم. # ومن العجب أن متعلق القدرة أعم من متعلق الإرادة فإن الجائز الممكن من ~~حيث هو ممكن متعلق القدرة والمتجدد من جملة الممكنات هو متعلق الإرادة ~~والمتجدد أخص من الممكن. # ثم قال بعض المخالفين أن خلاف المعلوم غير مقدور وهو أعم فخلاف المعلوم ~~كيف يكون مرادا وهو أخص ثم نقول من رأيي الآمر بالشيء لا يكون مريدا لمأمور ~~به من حيث أنه مأمور به قط سواء كان المأمور به طاعة أو غيره وقد علم الآمر ~~حصولها وسواء كان الآمر بخلاف ذلك فإن جهة المأمور به هو كسب المأمور وقد ~~بينا أن ذلك أخص وصف للفعل سمي به المرء عابدا مطيعا مصليا وصائما مزكيا ~~حاجا غازيا مجاهدا والفعل من هذا الوجه لا ينسب إلى الباري تعالى فلا يكون ~~مريدا له من هذا الوجه بل ينسب إليه من حيث التجدد والتخصيص وما لم يكن ~~الفعل فعلا للمريد لا يكون مرادا له فما كان من جهة العبد من الذي سميناه ~~كسبا ووقع على وفق العلم والأمر كان مرادا ومرضيا أعني مرادا بالتجدد ~~والتخصيص مرضيا بالثناء والثواب والجزاء وما وقع على وفق العلم وخلاف الأمر ~~كان مرادا غير مرضي أعني مرادا بالتجدد غير مرضي بالذم والعقاب وهذا هو سر ~~هذه المسئلة ومن اطلع عليه استهان بتهويلات القدرية وتمويهات الجبرية فعلى ~~هذا لم يكن الباري تعالى مريدا للشرور والمعاصي والقبائح من حيث أنها شرور ~~ومعاصي وقبائح ولا هو مريد للخيرات والطاعات والمحاسن من حيث أنها كذلك بل ~~هو مريد لكل ما تجدد وحدث في العالم من حيث أنها متخصصة بالوجود دون العدم ~~ومتقدرة بأقدار دون أقدار ومتأقتة بأوقات دون أوقات ثم ذلك الموجود قد يقع ~~منتسبا إلى استطاعة العبد كسبا على وفق الأمر فسمي طاعة مرضية أي مقبولة ~~بالثناء ناجزا والثواب آجلا وقد يقع على خلاف الأمر فيسمى معصية غير مرضية ~~أي مردود ms162 بالذم ناجزا وبالعقاب آجلا ولولا قدرة العبد في الشيء لكان الفعل ~~فعلا متجددا مختصا بما خصصته الإرادة من غير أن يقال هو خير أو شر إيمان أو ~~كفر فالأفعال كلها من حيث تجددها واختصاصها مرداة للباري تعالى وهي متوجهة ~~إلى نظام في الوجود وصلاح العالم وذلك هو الخير المحض وكانت وجوهها إلى ~~الخير وظهورها من الخير وكان بيده الخير وكلما ورد في القرآن من إرادة ~~الخير المخصوص بأفعال العباد مثل قوله يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم ~~العسر ولكن يريد ليظهركم إلى غير ذلك فهو محمول على أحد معنيين إما ثناء ~~ومدح في الحال وإما على ثواب ونعمة في المال وإلا فالإرادة الأزلية لا ~~تتعلق إلا بما هو متجدد من حيث أنه متجدد فلا متجدد إلا وهو فعل للباري ~~تعالى من حيث أنه متجدد وذلك لا ينسب إلى العبد كما بينا في خلق الأعمال ~~فاختصت الإرادة بأفعال الله سبحانه على الحقيقة دون الوجوه التي تنسب إلى ~~العبد واختص الآمر بأفعال العباد حقيقة دون الوجوه التي تنسب إلى الحق ~~تعالى فلم يجب تلازم الآمر والإرادة وقد يرد الآمر بمعنى الإرادة والإرادة ~~بمعنى الآمر فيكون الإطلاق باشتراك في اللفظ فكان المشركون تمسكوا بهذا ~~اللفظ حيث أخبر التنزيل عنهم " وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ~~ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء " أرادوا بذلك المشيئة بمعنى الأمر وعن هذا ~~طالبهم بإخراج العلم بذلك وإظهار الحجة عليهم من كتبهم وقال " إن يتبعون ~~إلا الظن وإن هم إلا يخرصون " إذ لم يرد بذلك أمر ولا وجدوا في كتبهم بذلك ~~تكليفا فرد عليهم بإثبات المشيئة بمعنى التخصيص بالوجود والتصريف للأمور ~~فقال تعالى " قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين " PageV01P087 # وقد تمهل أبو الحسن وأصحابه أمثلة في جواز تعلق الإرادة على خلاف الأمر ~~منها أن نبيا لو علم من أحد الأمة أنه لو أمر بعشر خصال من الخير توانى ~~فيها ولو أمر بعشرين خصلة ثم حط عشرة منها عنه لم يقصر فيأمره بالعشرين على ms163 ~~إرادة امتثال العشرة فهو مأمور بخلاف المراد ومراد بخلاف المأمور ومثل هذا ~~قد وقع ليلة المعراج حيث أمر النبي بخمسين صلاة ثم ردت إلى الخمس ومنها أن ~~رجلا لو اشتكى عند السلطان من عبيده بعصيانهم عليه وقلة مبالاتهم فيستحضرهم ~~الملك فيأمرهم المالك بشيء فهو يريد مخالفتهم إياه تصديقا لمقاله فذلك أمر ~~على خلاف الإرادة ومنها أن الرب تعالى أمر خليله إبراهيم بذبح الولد وهو ~~يريد أن لا يحصل إذ لو أراد لحصل. # وللخصوم عن هذه الأمثلة اعتذارات ولنا عنها غنية وبما سبق من التحقيق ~~كفاية ومن غرق في بحر الحقيقة لم يطمع في شط ومن تعالى إلى ذروة الكمال لم ~~يخف من حط. # وقد تمسكت المعتزلة بكلمات من ظواهر الكتاب منها قوله تعالى " ولا يرضى ~~لعباده الكفر " وقوله " والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون ~~الشهوات انم تميلوا ميلا عظيما " وقوله " يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم ~~العسر " وقوله " تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة " وقوله " وما الله ~~يريد ظلما للعباد " وقوله " لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم ~~" وقوله " سيقول الذين أشركوا " وقوله " وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ~~" وأجابت الأشعرية بتأويلات وتخصيصات. # وأحسن الأجوبة أن نقول إرادة الله ومشيئته أو رضاه ومحبته لا تتعلق ~~بالمعاصي قط من حيث أنها معاص كما لا تتعلق قدرته تعالى بأفعال العباد من ~~حيث هي أكسابهم فيرتفع النزاع ويندفع التشنيع وخرج ما قدرناه من التحقيق ~~وإن شئت حملت كل آية على معنى يشعر به اللفظ ويدل عليه الفحوى. # أما قوله تعالى " ولا يرضى لعباده الكفر " أي لا يرضى لهم دينا وشرعا ~~فإنه وخيم العاقبة كثير المضرة كمن يشتري عبدا معيبا فيقول له لا أرضى هذا ~~لك عبدا ومما يتقوى به هذا المعنى أن الرضى والسخط يتقابلان تقابل التضاد ~~ثم السخط لم يكن محمولا إلا على ذم في الحال وعقاب في المال كذلك الرضى ~~محمول على الثناء في الحال وثواب في المال. # وأما قوله تعالى والله يريد أن يتوب ms164 عليكم وسائر الآيات في الإرادة ~~محمولة على كلمة ذكرها الصادق جعفر بن محمد رضي الله عنه أن الله تعالى ~~أراد بنا شيئا وأراد منا شيئا فما أراده بنا أظهره لنا وما أراده منا طواه ~~عنا فما بالنا نشتغل بما أراده منا عما أراده بنا ومعنى ذلك أنه أراد بنا ~~ما أمرنا به وأراد منا ما علمه فكانت الإرادة واحدة يختلف حكمها باختلاف ~~وجه تعلقها بالمراد وهي إذا تعلقت بثواب سميت رضى ومحبة وإذا تعلقت بعقاب ~~سميت سخطا وغضبا وكذلك إذا تعلقت بالمراد على وجه تعلق العلم به قيل أراد ~~منه ما علم وإذا تعلقت بالمراد على وجه تعلق الأمر قيل أراد به ما أمر وإذا ~~تعلقت بالصنع مطلقا بالتخصيص والتعيين من غير التفات إلى كسب العبد حتى ~~يكون أراد منه وأراده به قيل أراد الكائنات بأسرها ولم يقل أراد منها وأراد ~~بها بل أرادها على ما هي عليه من التجدد والتخصيص بالوجود دون العدم فإذا ~~أفعال العباد من حيث أنها أفعالهم إما أن يقال تتعلق الإرادة بها لا على ~~الوجه الذي ينسب إلى العباد بل على الوجه الذي انتسب إلى الخلق إيجادا ~~وتخصيصا وإما أن يقال تعلقت الإرادة بها على الوجهين المذكورين أنه أراد ~~بنا وأراد منا أراد بنا ما أمر دينا وشرعا واعتقادا ومذهبا وأراد منا ما ~~علم سابقة وعاقبة وفاتحة وخاتمة ودل على صحة هذا المعنى قوله " ولو شئنا ~~لآتينا كل نفس هداها ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين ~~" أي لما لم يشأ الهداية لحق القول على مقتضى العلم السابق. # وقوله تعالى " وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون " أي لأمرهم بالعبادة ~~وقيل ليخضعوا ويستسلموا كما قال " وله أسلم من في السموات والأرض طوعا ~~وكرها " PageV01P088 # قالت الفلاسفة النظام في الوجود أو في العالم متوجه إلى الخير لأنه صادر عن ~~أصل الخير والخير ما يتشوق كل شيء إليه ويتميز به وجود كل شيء والأول لما ~~علم نظام الخير على الوجه الأبلغ في الإمكان فاض منه ما ms165 عقله نظاما وخيرا ~~على الوجه الأبلغ فيضا تاما على أتم تأدية وذلك هو العناية الأزلية ~~والإرادة السرمدية فكان الخير داخلا في القضاء الإلهي دخولا بالذات لا ~~بالعرض ثم الشر على وجوه فيقال شر لمثل النقص الذي هو الجهل والعجز ~~والتشويه في الخلقة ويقال شر لمثل الوجع والألم والمرض ويقال شر لمثل الظلم ~~والزنا والسرقة وبالجملة الشر بالذات هو العدم ولا كل عدم بل عدم منقص طباع ~~الشيء من الكمالات الثابتة النوعية والطبيعية والشر المطلق لا وجود له ~~وكذلك الشر بالذات ليس بأمر حاصل إلا أن يخبر عن لفظه ولو كان له حصول لكان ~~شرا مطلقا عاما ذاتيا موجودا وإذا تحقق له وجود فقد حصلت فيه خيرية من جهة ~~وجوده إذ الوجود من حيث هو وجود خير فتحقق أن الشر المطلق لا وجود له إلا ~~في اللفظ والذهن والوجود على كماله الأقصى أن يكون بالفعل وليس فيه أمر ما ~~بالقوة أصلا فلا يلحقه شر وأما الشر بالعرض فله وجود ما وإنما يلحق ما في ~~طباعه أمر ما بالقوة وذلك لأجل المادة فيلحقها الأمر يعرض لها في نفسها ~~وأول وجودها هيئة من الهيئات المانعة لاستعدادها الخاص للكمال الذي توجهت ~~إليه فجعلها أردى مزاجا وأعصى جوهرا لقبول التخطيط والتشكيل والتقويم ~~فتشوهت الخلقة وانتقصت البنية لا لأن الفاعل قد حرم بل لأن المنفعل لم يقبل ~~فربما يؤدي ذلك إلى أن يصدر من تلك البنية أخلاق رديئة وربما تستولي نفس ~~حيوانية على نفس إنسانية فيصدر عن الشخص أفعال قبيحة واعتقادات فاسدة وأما ~~الأمر الطارئ على الشخص من خارج فأحد شيئين أما ما يقع للمكمل وأما ما ~~يصادم حق الكمال ومثال ذلك في النوع الإنساني العادات القبيحة التي يتربى ~~عليه الصبي من أول نشؤه والاعتقادات الفاسدة التي يتعلم الصبي من المعلمين ~~والأبوين وإلا فأصل الفطرة كان على استعداد صالح لولا المانع وعليه دلت ~~الإشارات النبوية كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ~~ويمجسانه فالشر إذا داخل في القضاء الإلهي بالعرض لا بالذات إذا وقع ~~فبالحري ms166 أن يجازي مجازاة الهلاك والفساد على وجود العلة العارضة فالباري ~~تعالى مريد للخير إرادة بالذات إذ هو مصدر للخيرات ومريد للشر إرادة بالعرض ~~وليس مصدر الشرور وانقسمت الأمور إذا توهمت موجودة إلى خير مطلق وإلى شر ~~مطلق وإلى خير ممزوج بشر والأخير إما أن يتساوى فيه الخير والشر أو يغلب ~~أحدهما أما الخير المطلق الذي لا شر فيه فقد وجد في الطباع وفي الخلقة وأما ~~الشر المطلق الذي لا خير فيه والغالب أو المساوي فلا وجود له أصلا فبقي ما ~~الغالب في وجوده الخير وليس يخلو عن شر فالأحرى به أن يوجد فإن لا يكون ~~أعظم شرا من كونه فواجب أن يقتضي وجوده من حيث يقتضي منه الوجود لئلا يفوت ~~الخير الكلي بوجود الشر الجزي وأيضا لو امتنع وجود ذلك القدر من الشر امتنع ~~وجود أسبابه التي تؤدي إليه بالعرض فكان منه أعظم حالا في نظام الخير الكلي ~~كمثل النار فإن الكون إنما يتم بأن تكون فيه نار ولن يتصور وجودها إلا على ~~وجه تحرق وتسخن ولم يكن بد من المصادفات الحادثة أن تصادف النار ثوب فقير ~~ناسك فتحرقه فالأمر الدائم والأكثر حصول الخير من النار أما الدائم فلأن ~~أنواعا كثيرة لا تستحفظ على الدوام إلا بالنار وأما الأكثر فإن أكثر أنواع ~~الأشخاص في كنف السلامة عن الاحتراق فما كان يحسن أن يترك المنافع الأكثرية ~~لأعراض شرية أقلية فإرادات الباري تعالى الخيرات الكائنة على مثال هذه ~~الأشياء إرادة أولية على الوجه الذي يصلح أن يقال أرادها بالذات وبالقصد ~~الأول وأراد الشرور الكائنة غير أولية على الوجه الذي يصلح أن يقال أرادها ~~إرادة بالعرض وبالقصد الثاني فالخير مقتضى بالذات والشر مقتضى بالعرض وكل ~~يقدر ولو لم يقرر الأمر على ما قررناه للزم أن يكون مصدر الخير غير مصدر ~~الشر وذاك مذهب الثنوية. PageV01P089 # قال المتكلمون لا ننازعكم في اصطلاحكم على أن الخير المحض ما هو أوان الخير ~~المحض ممن هو وإن النظام في العالم متوجه إلى كمال في الوجود وإنما النزاع ~~بيننا ms167 في الخيرات التي تتعلق بأفعال العباد وإكسابهم مثل الاعتقادات ~~الفاسدة والجهالات الباطلة والأخلاق الردية والأفعال القبيحة أهي حاصلة ~~بإرادتنا دون إرادة الباري أم هي مرادة له عز وجل وما سوى ذلك من الصور ~~القبيحة والحيوانات المؤذية والآفات السماوية والعاهات الأرضية وما يتبعها ~~من الهموم والغموم والآلام والأوجاع فلا نزاع فيها أهي خيرات أم شرور ولا ~~نقول هي خيرات ومصالح وتحت كل منها شر ومع كل بلاء ومحنة لطف وفي كل فتنة ~~وآفة صلاح ولكل حيوان يؤذي خاصية ومودع في كل جسم من الأجسام منفعة ومضرة ~~وكل مضرة فبالنسبة إلى شيء آخر منفعة لكنا نلزمكم أمرا كليا فإن عندكم ~~الوجود كله بما فيه من الروحاني والجسماني صادر عن الأول على الترتيب ~~المذكور صدور اللوازم عن الشيء وما كان على سبيل اللوازم فهو بالقصد الثاني ~~أشبه منه بالقصد الأول فما الفرق بين الشرور الواقعة في الكائنات وكونها ~~مقتضية بالعرض وبين أصل الكون والكائنات وحصولها على سبيل اللزوم فليس إذا ~~في الوجود شيء هو مقتضى بالذات حتى يكون شيء آخر هو مقتضى بالعرض وما ~~ذكرتموه من حد الخير أنه يتشوقه الكل فهو الخير المحض وهو المراد لا المريد ~~وما سواه فليس بخير ولا مراد إذ لا يتشوقه الباري تعالى فلم يرده ويرجع ~~الكلام إلى شبه الطامات وقولكم أنه إذا علم النظام وأبدعه فقد أراده فجعلتم ~~الإرادة مركبة من سلب وإضافة أما السلب فمن جهة أنه عالم أي غير محتجب عن ~~ذاته بذاته وأما الإضافة فمن جهة أنه مبدأ النظام الخير والنظام في الوجود ~~تابع ولازم لكونه عالما والشر في الوجود لازم وتبع للنظام فما الفرق بين ~~لازم ولازم وعندكم الجزئيات معلومة تتبع الكليات والكليات معلومة تبعا ~~لعلمه وهي معلومة على منهاج كونها معلومة فالشر والقبائح يجب أن تكون مرادة ~~على منهاج كونها معلومة وقولكم الشر المحض ليس بموجود أصلا فإن الوجود ~~اشتمل على الخير أو هو خير كله. # فنقول أثبتم ترتيبا في الوجود حتى قضيتم بأن الوجود في بعض الموجودات أول ~~وأولى وفي ms168 بعضها لا أول ولا أولى فهلا أثبتم فيه تضادا أيضا حتى تحكموا بأن ~~الوجود في بعض الموجودات خير كله وفي بعضها شر كله وقد سمعتم من أصحاب ~~الشرائع إثبات الملائكة الروحانيين وذلك خير كله وإثبات الشياطين وهذا شر ~~كله وأصحاب الأصلين النور والظلمة يقرون عليكم السلام للإلزام وأصحاب ~~الكلام يلزمونكم إثبات موجودات العالم غير مستندة إلى الموجد كأنها وقعت ~~اتفاقا لا قصدا أو حدثت فلتة لا إرادة واختيارا فإن كانت لا مستند لها فهي ~~مخلوقة لا خالق لها وإن كان مستندها خيرا محضا فكيف يصدر الشر من الخير وإن ~~كان مستندها شرا محضا فالشر المحض لا وجود له عندكم فما الجواب وكيف الخروج ~~عن عهدة الخطاب. PageV01P090 # ونقول نرى العالم الجسماني مملوءا بالبلايا والمحن والزرايا والفتن ومشحونا ~~بالآفات والعاهات والطوارق والحسرات ومتموجا بالجهالات وفاسد الاعتقادات ~~وأكثر الخلق على الأخلاق الذميمة والخصال اللئيمة واستيلاء القوة الشهوية ~~والغضبية على العقلية حتى لا تكاد تجد في قرن من القرون إلا واحدا يقول ~~بالحكمة الإلهية التي هي التشبه بالإله عندكم أو فرقة يسيرة ترتسم ~~بالمراسيم الشرعية التي هي امتثال الأوامر الإلهية عندنا بل أكثرهم " صم ~~بكم عمي فهم لا يعقلون " " وما وجدنا لأكثرهم من عهد وإن وجدنا أكثرهم ~~لفاسقين " " وقليل من عبادي الشكور " فكيف يستمر لكم معاشر الفلاسفة أن ~~البشر في العالم بمطلقه لا يوجد وبأكثره لا يتحقق وقد صادفتم الوجود على ~~خلاف ما قررتم فاعتبروا النفوس الإنسانية والغالب على أحوالها من العلم ~~والجهل وعلى أخلاقها من الحسن والقبيح وعلى أقوالها من الصدق والكذب وعلى ~~أفعالها من الشر والخير تعلمون أن الشر في العالم الجسماني أغلب وأكثر ~~خصوصا في النفوس الإنسانية وبالجملة فحيث ما وجدنا الفطرة والتقدير الإلهي ~~غالبا على الاختيار والاكتساب البشري كان الغالب هو الخير والصلاح وحيث ما ~~وجدنا الاختيار والاكتساب غالبين كان الغالب هو الشر والفساد فعاد الأمر ~~إلى أن لا شر في الأفعال الإلهية فإن وجد فيها شر فبالإضافة إلى شيء دون ~~شيء وإنما يدخل الشر في الأفعال الإنسانية الاختيارية وهي ms169 أيضا من حيث أنها ~~تستند إلى إرادة الباري سبحانه خير ومن حيث أنها تستند إلى اكتساب العبد ~~تكتسب اسم الشر غير أن الشرائع قد وردت بإثبات الشياطين وإثبات رأسهم إبليس ~~اللعين وليس يمكن إنكار ذلك بعد ثبوت الصدق في أقوالهم وأخبارهم بالبينات ~~الواضحة والمعجزات الباهرة وقد اعترف بوجودها قدماء الحكماء قالوا ما من ~~شيء جزى في العالم إلا ويتحقق له في عالم آخر آمر كلي فبالحرارة الجزية ~~استدل على نار كلية وبالعقل الجزي يستدل على عقل كلي وكذلك سائر الأمور ~~فبالشر الجزي في العالم يستدل على شر كلي وكذلك أثبت المجوس وأصحاب الاثنين ~~للعالم أصلين هما منبع الخير والشر والنفع والضرر وهما النور والظلمة كما ~~سبق ذكر مذاهبهم وقد استوفيناها في كتابنا الموسوم بالملل والنحل وبالجملة ~~الفلاسفة منازعون في ثلاثة أحوال أولها نفي محض موجود هو أصل الشر بالذات ~~لا بالعرض والثاني كون الخير في النوع الإنساني أكثر وأغلب والثالث إثبات ~~موجودات لا مستند لها على طريق الإيجاد بالذات بالقصد الأول وما لم تثبت ~~هذه الأصول لم يتم لهم ما ذكروه والله أعلم وأحكم. # القول في الكلام حصرناه في ثلث قواعد أحديها إثبات كون الباري تعالى ~~متكلما بكلام أزلي والثانية في أن كلامه واحد والثالثة في حقيقة الكلام ~~شاهدا وفي أحكامه. ### || AUTO القاعدة الثانية عشرة ### || AUTO في كون الباري متكلما بكلام أزلي # ولما لم نجد في الملة الإسلامية من يخالفنا في كون الباري تعالى متكلما ~~بكلام قدمنا هذه المسئلة وإن جرت العادة بتقديم المسئلة الأخيرة ولم ~~يخالفنا في ذلك إلا الفلاسفة والصابية ومنكرو النبوات وطرق متكلمي الإسلام تختلف. # فطريق الأشعرية أن قالوا دل العقل على كون الباري تعالى حيا والحي يصح ~~منه أن يتكلم ويأمر وينهي كما يصح منه أن يعلم ويقدر ويريد ويسمع ويبصر فلو ~~لم يتصف بالكلام أدى إلى أن يكون متصفا بضده وهو الخرس والعي والحصر وهي ~~نفائس ويتعالى عنها. # والذي يحقق هذه الطريقة قولهم قد ثبت بدليل العقل أنه ملك مطاع ومن حكم ~~الملك أن يكون ms170 منه أمر ونهي كما دل تردد الخلق في صنوف التغايير والحوادث ~~والجائزات على كون الباري تعالى قادرا عالما دل تردد الخلق في صنوف الأمر ~~والنهي على أمر الباري ونهيه وكما جرى في ملكه تقديره جرى على عباده تكليفه ~~وكما تصرف في الموجودات الجبرية جبرا وقهرا تصرف في الموجودات الاختيارية ~~تكليفا وتعريفا. PageV01P091 # وقد سلك الأستاذ أبو إسحاق الاسفرائيني رحمه الله منهاجا آخر فقال دلت ~~الأفعال بإتقانها وإحكامها على أنه تعالى عالم ويستحيل أن يعلم شيئا ولا ~~يخبر عنه فإن الخبر والعلم يتلازمان فلا يتصور وجود أحدهما دون الثاني ومن ~~لا خبر عنده عن معلومه لا يمكنه أن يخبر غيره عنه ومن المعلوم أن الباري ~~يصح منه التكليف والتعريف والإخبار والتنبيه والإرشاد والتعليم فوجب أن ~~يكون له كلام وقول يكلف ويعرف ويخبر وينبه بذلك فإذا ثبتت هذه الدلائل كونه ~~متكلما. # فنقول إما أن يقال هو متكلم لنفسه أو متكلم بكلام ثم إن كان متكلما بكلام ~~فإما أن يكون كلامه قديما أو حادثا وإن كان حادثا فإما أن يحدث في ذاته أو ~~في محل أو لا في محل ولا قائل بكونه متكلما لنفسه من المعتزلة وغيرهم إذ لو ~~كان يعم تعقله أزلا وأبدا ولا قائل بكلام يخلقه لا في محل لأن في نفي المحل ~~نفي الاختصاص وفيه إبطال التفرقة بين ما يقوم بنفسه وبين ما لا يقوم بنفسه ~~ومن قال هو متكلم بكلام يحدثه في ذاته كما صارت إليه الكرامية فقد سبق الرد ~~عليهم ومن قال هو متكلم بكلام يخلقه في محل كما صار إليه المعتزلة فقد خالف ~~قضية العقل فإن الكلام لو قام بمحل لكان المحل متصفا به دون غيره من الفاعل ~~وغيره كما لو تحرك متحرك بحركة يخلقها الله لم يرجع أخص وصفها إلى الفاعل ~~وكذلك سائر الأعراض فبقي أنه متكلم بكلام قديم أزلي يختص به قياما ووصفا ~~وذلك ما أثبتناه. PageV01P092 # قالت الفلاسفة والصائية قولهم الحي يصح منه الاتصاف بالكلام لأنه لو لم ~~يتصف به لاتصف بضده وكثيرا يطردون هذا الدليل ms171 في سائر الصفات وهي دعوى ~~مجردة لا برهان عليها إلا الاسترواح إلى الشاهد ونحن نورد عليكم نقضا لهذه ~~القاعدة حتى يتبين أن اعتذاركم عن النقض اعتذارنا عن هذه الدعوى وذلك أن ~~الحي يصح منه الاتصاف بالحواس الخمس ثم الثلث منها كالشم والذوق واللمس يصح ~~في الشاهد ويصح وصفه بها والاتصاف بها كما يصح منه الاتصاف بالسمع والبصر ~~والكلام ثم لم يجز طرد ذلك كله في الغائب ولا يقال أنه لو لم يتصف بها كان ~~موصوفا بضدها بل يجب أن يقال يتعالى الحق عنها وعن أضدادها كذلك قولنا في ~~السمع والبصر والكلام واعتذاركم أن اتصال الأجرام بتلك الحواس شرط في ~~الشاهد كذلك اعتذارنا أن البنية واتصال الأجرام واصطكاكها شرط في الشاهد ~~فلا يجوز أن يوصف الحي بها ولا بضدها جميعا وكثيرا ما يكون من الصفات كمالا ~~في الشاهد ونقصانا في الغائب فبقيت الحجة الأولى عرية عن البرهان وأما ~~قولكم أن الرب تعالى ملك مطاع ذو أمر ونهي فمسلم لكنكم معاشر المتكلمين ~~أنتم منازعون في إثبات الكلام له هو أمر ونهي على وجه يتصف به إما قياما ~~بذاته وإما قياما بغيره فإنا نقول هو ملك مطاع وله أمر ونهي لا على طريق ~~قولي بل على طريق فعلي وهو تعريف المأمور خبرا أن الفعل المأمور به واجب ~~الإقدام عليه بأن يخلق له معرفة ضرورية أن الأمر كذلك إما أن يتكلم بكلام ~~يخلقه في محل أو يتكلم أزلا وأبدا بكلام يسمع في حال ولا يسمع في حال فهو ~~من أمحل المحال وهذا لأن تصريفه تعالى جواهر الخلائق بالفعل على وجه ينقاد ~~له طوعا وكرها لما خلقه له وقدره فيه نازلا منزلة القول ألستم تقرون في ~~كتابكم " ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها ~~قالتا أتينا طائعين " ثم ذلك ليس خطابا قوليا بل تصريفا وتسخيرا بحيث لو ~~عبر عن تلك الحالة من التصريف والانقياد كان ذلك أمرا بالإتيان وجوابا ~~بالطاعة لا بالعصيان وعلى ذلك المنهاج سيرة العباد في البلاد ms172 وتيسيره السير ~~فيها حالة لو عبر عنها بالقول لكان خطابا لهم " سيروا فيها ليالي وأياما ~~آمنين " وكذلك كل موجود أبدعه الباري تعالى بلا زمان وبلا مادة ولا آلة ~~بحيث لو عبر عن حال الإيجاد والإبداع كان ذلك أمرا بالتكون كما قال " إنما ~~قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون " وإلا فالخطاب القولي مستحيل ~~أن يتوجه إلى العدم وهذا في المبدأ كذلك نقول في حال الكمال أعني كمال حال ~~الإنسان من النبوة والرسالة أو كمال حال الملائكة من الروح والواسطة فهو ~~يصلون إلى حال في النفوس الشريفة والمناسبات اللطيفة بين الأرواح المجسدة ~~المشخصة وبين الروحانيات البسيطة المجردة بحيث لو عبر عن تلك الحالة كان ~~ذلك وحيا وتنزيلا وخطابا وسؤالا وجوابا وتقريبا وإيجابا وقالوا أيضا لو قدر ~~للباري تعالى كلام فلم يخل من أحد الأمرين إما أن كان من جنس كلام البشر أو ~~لم يكن فإن كان لم يخل أيضا من أحد الأمرين إما أن كان من جنس الكلام ~~اللساني أو من جنس النطق النفساني ويستحيل أن يكون كلامه مثل الكلام في ~~اللسان فإن هذا مركب من حروف منظومة والحروف تقطيع أصوات والأصوات اصطكاك ~~أجرام والباري سبحانه تعالى عن أن يكون جرما أو مركبا من جرم وجسم وإن قدر ~~كلامه يخلقه في محل لم يكن ذلك الكلام قولا له بل فعلا ونحن نوافقكم في ~~التعريفات الفعلية على أن هذا التقدير يستحيل أيضا فإن ذلك المحل إما أن ~~يشتمل على مخارج الحروف أو لا يشتمل فإن اشتمل وجب أن يتحقق فيه حياة فيكون ~~ذا بنية وهيئة إنسانية فيكون إنسانا فيكون الباري تعالى متكلما بلسان بشر ~~فيكون قد تصور بصورة البشر فيلزم أن يقال أنه يسمع بسمعه ويبصر ببصره كما ~~نطق بلسانه ويأخذ بيده ويمشي برجله وهذا هو الحلول الذي ذهب إليه أصحابه ~~وإن لم يشتمل على مخارج الحروف كانت أصواتا مجردة لا حروفا منظومة فلا يكون ~~كلامه من جنس كلامنا بل الأصوات الحادثة من حفيف الشجر ودوي الماء وصوت ~~الرعد يكون ms173 كلاما له وذلك خلاف الكلام المتعارف فإن قيل أن كلامه من جنس ~~النطق النفساني فهو باطل أيضا فإن النطق النفسي على وجهين أحدهما ما هو ~~مأخوذ في اللسان عربيا وعجميا وغير ذلك إلى ما يعلم من المعلمين فيكون PageV01P093 ~~ذلك تقديرات حروف في الخيال وتصويرات كلمات في الوهم ويستحيل أن يكون كلامه ~~تعالى من جنس المأخوذات والثاني ما هو مركوز في طبيعة النفس من التمييز ~~والتفكير بحيث يعبر عنه باللسان فيكون هو مأخوذ اللسان وذلك أيضا مستحيل ~~لأن ذلك يقتضي ترديد الخواطر وتقليب الأفكار والابتداء من مبدأ والانتهاء ~~إلى منتهى وذلك كله محال فثبت أنه لا يجوز أن يكون من جنس كلام البشر وما ~~كان خارجا عن كلام البشر لا يجوز أن يثبت بالاستدلال على كلام البشر لأن ~~غير الجنس لا يدل على الجنس فيخرج على هذا قولكم أن كل عالم يجد من نفسه ~~خبرا عن معلومه فإن هذا وإن سلم في الشاهد فكيف يستمر لكم طرده في الغائب ~~مع تسليمكم أن الخبرين لا يتماثلان إلا في اسم الخبرية وكذلك قولكم أن كل ~~ملك مطاع يجب أن يكون صاحب أمر بالتكليف فإنه مسلم في الشاهد على ما ذكرنا ~~غير مطرد في الغائب على المنهج الذي هو معتاد في الشاهد وهذا الإلزام ليس ~~يختص بمسئلة الكلام بل متوجه على من يجميع بين الشاهد والغائب في معنى لا ~~يشتركان فيه جنسا ومماثلة ويكون حكمه حكم من يجمع بين قرص الشمس ومنبع ~~الماء لا في معنى يشتركان كان فيه جنسا وماثلة بل بمجرد اسم العين المطلق ~~عليهما بالاشتراك.ذلك تقديرات حروف في الخيال وتصويرات كلمات في الوهم ~~ويستحيل أن يكون كلامه تعالى من جنس المأخوذات والثاني ما هو مركوز في ~~طبيعة النفس من التمييز والتفكير بحيث يعبر عنه باللسان فيكون هو مأخوذ ~~اللسان وذلك أيضا مستحيل لأن ذلك يقتضي ترديد الخواطر وتقليب الأفكار ~~والابتداء من مبدأ والانتهاء إلى منتهى وذلك كله محال فثبت أنه لا يجوز أن ~~يكون من جنس كلام البشر وما كان خارجا ms174 عن كلام البشر لا يجوز أن يثبت ~~بالاستدلال على كلام البشر لأن غير الجنس لا يدل على الجنس فيخرج على هذا ~~قولكم أن كل عالم يجد من نفسه خبرا عن معلومه فإن هذا وإن سلم في الشاهد ~~فكيف يستمر لكم طرده في الغائب مع تسليمكم أن الخبرين لا يتماثلان إلا في ~~اسم الخبرية وكذلك قولكم أن كل ملك مطاع يجب أن يكون صاحب أمر بالتكليف ~~فإنه مسلم في الشاهد على ما ذكرنا غير مطرد في الغائب على المنهج الذي هو ~~معتاد في الشاهد وهذا الإلزام ليس يختص بمسئلة الكلام بل متوجه على من ~~يجميع بين الشاهد والغائب في معنى لا يشتركان فيه جنسا ومماثلة ويكون حكمه ~~حكم من يجمع بين قرص الشمس ومنبع الماء لا في معنى يشتركان كان فيه جنسا ~~وماثلة بل بمجرد اسم العين المطلق عليهما بالاشتراك. PageV01P094 # قال المتكلمون الطريقة المختارة عندنا في إثبات الصفات الاستدلال بالدلائل ~~التي نجدها في الشاهد فإنا بالأحكام استدللنا على العلم وبوقوع الأفعال على ~~القدرة والاختصاص ببعض الجائزات على الإرادة كذلك نستدل بالتكاليف على ~~العباد ذوي العقول والاستطاعة على أن الباري تعالى آمر ناه وله الأمر ~~والنهي والوعد على إتيان المأمور به والوعيد على فعل المنهي عنه وهذا لا ~~يتصور من جنس الفعل وإنما يتحقق من جنس القول فيستدل بالوجوه التي في ~~الصنائع والأفعال على انه تعالى خالق وبالوجوه التي في الشرائع والأحكام ~~على أنه تعالى آمر " ألا له االخلق والأمر تبارك الله رب العالمين " ووجه ~~الاستدلال من الشرائع والأحكام أن التكليف اقتضاء وطلب المأمور به ~~والاقتضاء قضية معقولة وراء العلم والقدرة والإرادة أما وجه المباينة بينها ~~وبين العلم أن العلم يتعلق بالمعلوم على ما هو به وليس في تعلقه اقتضاء ~~المعلوم بل هو تبيين وانكشاف ومن خاصيته أن يتعلق بالواجب والجائز ~~والمستحيل والاقتضاء والأمر لا يتعلق بالواجب والمستحيل وأما وجه مباينته ~~للقدرة أن القدرة صالحة للإيجاد فقط وإنما تتعلق بالممكن ويستوي في تعلقه ~~كل ممكن في ذاته والاقتضاء والأمر والنهي لا يتعلق ms175 بكل ممكن ليحصل وجوده ~~وأما وجه مباينته الإرادة أن الإرادة صالحة للتخصيص ببعض الجائزات فقط ~~وإنما تتعلق بالمتجدد من جملة الممكن ويستوي في تعلقه كل متجدد متخصص ~~والاقتضاء والطلب يختلف من جهة تحدده وقد بينا أن من الأشياء ما يراد ولا ~~يؤمر به ومنها ما يؤمر به ولا يراد بل الإرادة من حيث الحقيقة لا تتعلق إلا ~~بفعل المريد والأمر والاقتضاء لا يتعلق من حيث الحقيقة إلا بفعل الغير فكيف ~~تتحدان حقيقة وخاصية فثبت أن مدلول التكاليف من حيث الحدود والأحكام قضية ~~وراء العلم والقدرة والإرادة وذلك ما عبرنا عنه بالقول والكلام وعبر ~~التنزيل عنه بالأمر والخطاب ومن وجه آخر نقول الحركات الاختيارية التي ~~اختصت بتصرفات الإنسان ثلث حركة فكرية وهي من تصرفات عقله وفكره وحركة ~~قولية وهي من تصرفات نفسه ولسانه وحركة فعلية وهي من تصرفات بدنه والقوى ~~البدنية وما من حركة من هذه الحركات إلا والله فيها حكم بالأمر والنهي فإن ~~الفكرية تشتمل على حجة وشبهة وصواب وخطأ وحق وباطل والقولية تشتمل على صدق ~~وكذب وإقرار وإنكار وحكمة وسفه والفعلية تشتمل على خير وشر وطاعة ومعصية ~~وصلاح وفساد وقد قام الدليل على أن الباري تعالى حكم عدل وله حكم وقضية في ~~كل حركة من هذه الحركات وذلك الحكم إما أن يكون فعلا من الأفعال وإما أن ~~يكون قولا من الأقوال واستحال أن يكون فعلا يفعله فإن كل فعل فهو مسبوق ~~بحكمه بل ذلك الفعل دليل على حكمه وحكمه مدلول فعله وكما أن الحركات ~~الضرورية دلت باختصاصها ببعض الجائزات دون البعض على علمه وإرادته وقدرته ~~كذلك الحركات الاختيارية دلت باختصاصها ببعض الأحكام دون البعض على حكمه ~~وأمره وقضيته وقولكم أن التصريف بالفعل نازل منزلة التكليف بالقول مسلم ~~فيما يرجع إلى أفعال غير اختيارية للإنسان لكن الأفعال الاختيارية لما ~~استدعت ممن له الخلق والأمر حكما واقتضاء وطلبا فكل فعل وتصريف من الخالق ~~يدل على حكمه واقتضائه وذلك بعينه هو غرضنا ومرادنا. # فنقول ذلك الفعل من وجه إحكامه دل على علم ms176 الفاعل ومن وجه وقوعه دل على ~~قدرته ومن وجه اختصاصه دل على إرادته ومن وجه تردده بين الجواز والحظر ~~والإباحة دل على أن للباري تعالى فيها حكما وقضية ثم ذلك الحكم قد يكون ~~أمرا وقد يكون نهيا وقد يكون إباحة فقد سلمتم المسئلة من حيث منعتموها. PageV01P095 # فنقول إثبات الكلام والأمر والنهي يبنى على جواز انبعاث الرسل فإن من أحال ~~كونه متكلما يلزمه أن ينكر كونه مرسلا رسولا ومن جوز على الله تعالى أن ~~يبعث رسولا فذلك الرسول يبلغ رسالات الله لا محالة ورسالاته أوامره ونواهيه ~~وحملها على فعل يفعله في محل بحيث يفهم من ذلك الفعل أنه يريد من المكلف ~~فعلا ويكره فعلا تسليم المسئلة فإن تلك الإرادة التي تتعلق بفعل الغير حتى ~~يفعله إرادة تضمنت اقتضاء وحكما وإلا كانت تمنيا وتشهيا وذلك الذي يسمى ~~أمرا ونهيا وسميتموه إرادة وكراهية فإذا مدلول ذلك الفعل الذي أشاروا إليه ~~هو الذي نسميه الشرع كلاما وأمرا ونهيا وعلى منهاج الحكم الفلسفية إذا ~~انتهى الإبداع والخلق إلى غاية تهيأت الأمزجة المعتدلة لقبول النفس الناطقة ~~التي تفكر بالروية وتتصرف بالاختيار وكان من المختارين بهذه النفس على روية ~~الحق والصواب بالاختيار الأفضل والاجتناب عن الأرذل ومنهم من يتوانى ويكسل ~~حتى يبطل ذلك الاستعداد ويستعمله في جانب الباطل والخطأ واختيار الأرذل ~~والاجتناب عن الأفضل وجب أن يكون من عند الحكيم حكم على هذه النفس الناطقة ~~وهي ملتبسة في هذا البدن الجسماني وحكم عليها وهي مفارقة له فذلك الحكم ~~الأول هو الذي نعني به بأنه أمر ونهي وهذا الحكم الثاني هو الذي نعني به ~~أنه وعد ووعيد ومن نفى هذا الحكم فقد نفى كونه ملكا مالكا لملكه فيكون له ~~خلق ولا يكون له أمر ويكون في جانب المخلوق كله جبرا ولا يكون اختيارا ثم ~~يلزم أن تكون النفوس الناطقة كائنة فاسدة لا معاد لها ولا كمال ولا جزاء ~~على أفعالها ولا ثواب وذلك يبطل قضية الحكمة ونحن نرى من النفوس الحيوانية ~~ما لا يتفاهم بعضها من بعض إلا ms177 بإحدى من الحواس الأربع وهي اللمس والذوق ~~والشم والبصر ومنها ما يتفاهم بها وبالسمع أيضا ثم منها ما يكون له مجرد ~~الصوت من غير لحن ومنها ما يكون له مع صوته لحن ثم من أصحاب الألحان ما ~~يكون من ذوات الحروف المقطعة ومنها ما لا يكون إلى أن يبلغ الأمر والحال ~~إلى ترصيع الكلمات من الحروف وترتيب الحروف في الكلمات فيكون ذلك دلالة على ~~ما في النفوس الناطقة وليس كل مرتبة من هذه المراتب من جنس المرتبة التي ~~قبلها لكنها كمالات النفوس بعد كمالات إلى أن تبلغ إلى النفس الناطقة ~~الإنسانية فيحدس منها أن مرتبتها لما كانت فوق مرتبة سائر النفوس دل ذلك ~~على أن مرتبة النفوس الروحانية والأرواح الملكية فوق مرتبة هذه النفوس في ~~التفاهم وكما لا تكون المرتبة التي للناطقة من جنس المرتبة التي للطير ~~والبهائم كذلك لا تكون المرتبة التي للملائكة الروحانية من جنس المرتبة ~~التي لنا بل تكون أشرف وألطف غير أنا بهذا الجنس استدللنا على ذلك النوع ~~كما استدللنا بنوع من الحدس في الأمور الغائبة على نوع من الحدس في أمور ~~الغيب إلى أن يصل الكمال إلى حد من الخليقة فيقف الترتيب في المراتب فيستدل ~~بذلك على أن أمر من له الخلق والأمر فوق الأوامر النطقية الإنسانية والفكر ~~العقلية وأنه بوحدته فكر في معنى كل كلام ونطق وخبر واستخبار وأمر ونهي ~~ووعد ووعيد وإن سمعا يسمع كلامه فوق كل سمع هو مفطور للحرف والصوت كما أن ~~سمعا يسمع الحروف والصوت فوق سمع هو مجبول بمجرد الصوت فنحن إذا لم نستدل ~~بجنس على جنس بل بجنس على ما هو فوق الجنس فبطل استرواحهم إلى التقسيم الذي ذكروه. # ثم نقول آنفا ألستم تقولون أن واجب الوجود من حيث يعطي العقل في المعقول ~~عاقل ومن حيث يعطي البدء في المبدأ قادر ومن حيث يعطي النظام على أتم وجوه ~~الكمال مريد فهلا قلتم أنه من حيث يعطي النطق الروحاني للمفارقات والنطق ~~النفساني لذوات القوالب آمر متكلم ثم هلا حملتم ms178 كلامه وأمره على ما حملتم ~~علمه وقدرته وإرادته فيصير التنازع واحدا بيننا ويرجع الأمر إلى مسئلة ~~الصفات فما الذي عدا مما بدا وكيف اشتملت مسئلة الكلام على محال لم تشتمل ~~عليه مسئلة العلم والقدرة عندكم. PageV01P096 # قالت المعتزلة نحن نوافقكم على أن الباري تعالى متكلم لكن حقيقة المتكلم من ~~فعل الكلام فهو فاعل الكلام في محل بحيث يسمع ويعلم أنه كلامه ضرورة لأنه ~~لو كان المتكلم من قام به الكلام كما ذهبتم إليه وجب أن يكون كلامه إما ~~قديما وإما حادثا وإن كان قديما ففيه إثبات القديمين ويرجع القول إلى مسئلة ~~الصفات ومما يختص بهذه المسئلة من الاستحالة أنه لو كان قديما وهو أمر ونهي ~~لزم أن يكون كلاما مع نفسه من غير مأمور ولا منهي ومن المحال الذي لا ~~يتمارى فيه أن القول بأنا أرسلنا نوحا إلى قومه ولا نوح ولا قومه إخبار عما ~~ليس كما هو فهو مع استحالته كذب ومع كذبه محال وقوله اخلع نعليك لموسى ولا ~~موسى ولا طور ولا الوادي المقدس طوى خطاب المعدوم والمعدوم كيف يخاطب وكذلك ~~جميع ما في القرآن من الأوامر والنواهي والأخبار فوجب أن يكون الكلام يحدث ~~عند حدوث المخاطب في الوقت الذي يصل الخطاب إليه فيكون الكلام حادثا ثم إما ~~أن يحدث في ذاته كما صارت إليه الكرامية فيكون محلا للحوادث وذلك باطل وإما ~~أن يحدث لا في محل أو في محل ولا بد من محل فإنه حرف والحرف تقطيع صوت ~~والصوت في الجسم متصور فتعين أنه في جسم. # قالت الأشعرية بنيتم مذهبكم على قاعدتين أحديهما تسليمكم كون الباري ~~تعالى متكلما والثانية أن حد المتكلم وحقيقته من فعل الكلام فأما الأولى ~~فلو نازعكم الصابي والفيلسوف في كونه متكلما فما دليلكم في ذلك عليهما ~~وعندكم الكلام فعل الباري تعالى كسائر الأفعال ولا يرجع إليه حكم الكلام ~~إلا أنه فاعل صانع فما الدليل على أنه متكلم أعني يوصف بمعنى يقوم بمحل آخر ~~فما الفرق بين مذهبكم وبين مذهب من قال أنه يخلق فعلا ms179 يفهم عند ذلك أنه ~~تعالى يريد من العبد فعلا أو يكرهه وإن أضيف إليه الكلام كان مجازا كما قال ~~تعالى خطابا للسماء والأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين فلم يجز ~~من حيث الحقيقة كلام هو اقتضاء وأمر وإيجاب من الله تعالى ولا تسلم وائتمار ~~واستيجاب من السماء والأرض من حيث القول. # قالوا طريقنا في إثبات كونه متكلما هو المعجزات الدالة على صدق قول ~~الأنبياء عليهم السلام وهم الصادقون المخبرون عن الله تعالى أنه قال كذا ~~وأمر بكذا ونهى عن كذا. # قيل لهم قد سددتم على أنفسكم هذه الطريقة بوجوه أحدها أنكم زعمتم أنه لو ~~لم يبعث الله رسولا كان على العاقل البالغ في عقله وجوب معرفة الله تعالى ~~وعلى الباري تعالى وجوب ثوابه فلو لم يبعث الله رسولا فبم كنتم تثبتون كونه ~~متكلما والثاني مصيركم إلى أن الكلام فعل من الأفعال فما دليلكم على أنه ~~فعل ذلك الفعل الخاص إذ ليس كل مقدور فهو واقع بفعل الله تعالى والثالث ~~زعمتم في الإرادة أنها مخلوقة لا في محل وفي الكلام أنه مخلوق في محل وفي ~~الأمرين جميعا يرجع الحكم الأخص إلى الباري تعالى فما الفرق بين البابين. # ثم نقول ليس يشك العاقل أن الكلام معنى من المعاني سواء كان ذلك المعنى ~~عبارة منظومة من حروف منظومة وأصوات مقطعة أو كان صفة نفسية ونطقا عقلية من ~~غير حرف وصوت وكل معنى قائم بمحل وصف المحل به لا محالة وذلك المعنى من حيث ~~هو مخلوق مفعول ينسب إلى الفاعل ومن حيث هو معنى قام بمحل فينسب إلى المحل ~~فمحل المعنى موصوف به لا محالة فالذي وصف الفاعل به هو وجه حدوثه منتسبا ~~إلى ذاته القابلة له الموصوفة به وهذان وجهان معقولان ليس يتمارى فيهما ~~عاقل فجعلهما وجها واحدا حتى يكون معنى كونه فاعلا هو معنى كونه موصوفا به ~~خروج عن المعقول ومكابرة العقل ولا يرتفع المعنى المعقول بالاصطلاح على أن ~~معنى المتكلم هو الفاعل للكلام. PageV01P097 # ومما يدل على ذلك دلالة واضحة ms180 أن الكلام عند الخصم عبارة عن حروف منظومة ~~وأصوات مقطعة ومن المعلوم الذي لا مراء فيه أن الصوت أعم من الكلام فإن كل ~~كلام عنده صوت وليس كل صوت كلاما ثم الصوت إذا قام به سمي المحل مصوتا ولا ~~يرجع حكم الصوت إلى فاعل الصوت حتى يقال الباري تعالى إذا خلق أصواتا في ~~محل هو مصوت والكلام الذي هو أخص كيف يرجع حكمه إليه حتى يقال هو متكلم ~~بكلام يخلقه في محل بل يرجع حكم الصوت من حيث هو معنى من المعاني إلى المحل ~~ويرجع حكم الفعل من حيث هو فعل من الأفعال إلى الفاعل كذلك الكلام الذي هو ~~أخص منه فيا عجبا بأن صار أخص صار حكمه أعم أو ليست الحركة إذا قامت بمحل ~~سمي بها متحركا سواء كانت الحركة ضرورية أو اختيارية ثم إذا خصصت الحركة ~~بأن كانت أصواتا تسمع أو حروفا تفهم أو كلمات تعقل انقطع حكمها عن المحال ~~وعاد ما يجب اختصاصه بالمحل إلى الفاعل الذي لا ينسب إليه إلا الأعم فعرف ~~من هذه الوجوه أن اختصاص الكلام بالمحل الذي قام به لم يبطل ومن الدليل على ~~ذلك أن من سمع كلاما من الغير علم على القطع والبتات أنه المتكلم به ولا ~~يقف معرفة ذلك على معرفة كونه فاعلا بل ربما لا يخطر بباله كونه فاعلا أصلا ~~وعن هذا انتسب إليه القول فيقال قال ويقول وهو قائل وبخطاب الأمر والنهي ~~يخاطب قل ولا تقل ويفرق الفارق ضرورة فرقا معقولا بين قولهم قل وبين قولهم ~~افعل فإن مساق قولهم قل هو بعينه مساق قولهم تحرك واسكن وقم واقعد وإن كان ~~المعنى في الموضعين مخلوقا متكسبا بالوجهين كما عرفت ثم رجع أخص وصف الحركة ~~إلى المحل الذي قامت به الحركة كذلك القول ينبغي أن يرجع أخص وصفه إلى ~~المحل الذي قام به وهذا قاطع لا جواب عنه ونحرر هذا المعنى. # ونقول العرضية أعم من الكونية والكونية أعم من الحركية والحركة أعم من ~~الصوت والصوت أعم من الحروف والحروف ms181 أعم من الكلام ثم يجب وصف المحل بكونه ~~موصوفا يعرض وذلك العرض بعينه كون والكون بعينه حركة والحركة بعينها صوت ~~والصوت حرف والحرف كلام فيجب أن يوصف المحل بكونه ذا كلام ومتكلما كما وجب ~~وصفه بكونه ذا حركة ومتحركا ومن جعل المعنيين معنى واحدا وسمى النسبتين ~~نسبة واحدة كان عن المعقول خارجا. # ومما يتمسك به في دفع قولهم المتكلم من فعل الكلام أن الله تعالى لو خلق ~~في المبرسم وبعض الممرورين أن قال بلسانه قمت وقعدت لم يخل الحال من أحد ~~أمرين إما أن يقال يكون المتكلم بهذه الحروف المنظومة والأصوات المقطعة هو ~~خالقها وفاعلها فيلزم أن يكون الباري قائلا قمت وقعدت وإما أن يقال المتكلم ~~بهذه الكلمات هو صاحب البرسام دون غيره فقد بطل قولهم أن المتكلم ليس من ~~قام به الكلام بل من فعل الكلام دون غيره. # ثم إنا نلزمهم عليه عجائب أخر نشرحها ها هنا فإنه قد وقع الاتفاق على أن ~~المعجزات من فعل الله تعالى غير مكتسبة لجنس الحيوان والبشر ثم من المعجزات ~~ما هو نطق وقول يخلقه الله في جماد أو حيوان مثل تكليم الشاة المسمومة لا ~~تأكل مني فإني مسمومة ومثل تسبيح الحصى في يد الرسول عليه السلام وشهادته ~~برسالته ومثل مكالمته الضب ومثل منطق الطير وتأويب الجبال " يا جبال أوبي ~~معه والطير " إلى غير ذلك مما قد استفاضت الأخبار الصحيحة بها فكل ذلك فعل ~~الله تعالى فالمتكلم عندهم من فعل الكلام فيجب أن يكون الباري تعالى متكلما ~~بها إذ كان فاعلا لها وهو محال ثم إن النجارية وافقت الأشعرية على أن ~~الباري خالق أعمال العباد فيلزمهم أن يقولوا هو قائل بقولهم متكلم بكلامهم ~~إذ كان فاعلا لها. # ومما نلزمهم أن القادر على الحقيقة من يكون قادرا على الضدين والكلام ~~معنى له أضداد فإذا قالوا المتكلم من فعل الكلام يلزمهم أن يقولوا الساكت ~~من فعل السكوت حتى لو خلق سكوتا في محل كان ساكتا ولو خلق أمرا في محل كان ~~آمرا ولو خلق خبرا ms182 في محل كان مخبرا ثم من الأوامر ما يكون خيرا ومنه ما ~~يكون شرا ومن الأخبار ما يكون صدقا ومنه ما يكون كذبا فيلزمهم إضافة الكل ~~إلى الله تعالى وهو محال وأما ما أورده على قدم الكلام واتحاده فنفرد لهذين ~~الإشكالين مسئلتين ونتكلم عليهما بما فيه مقنع إن شاء الله تعالى لكنا ~~نعارضهم ها هنا بما التزموه مذهبا. PageV01P098 # فنقول من المعلوم الذي لا مرية فيه أن النطق اللساني مركب من حروف والحروف ~~مقطعات من أصوات وما من حرف يتفوه به الإنسان وينطق به اللسان ألا ويفنى ~~عقيب ما وجد وينعدم كما يتجدد ويعقبه حرف آخر إلى أن يصير مجموع الحرفين ~~والثلاث وأكثر كلمة ويصير مجموع الكلمتين والثلاث وأكثر كلاما مفهوما ~~مشتملا على معنى من المعاني معلوم لولا ذلك المعنى لم يسم الحروف والكلمات ~~كلاما فإذا كل الحروف والكلمات محالها اللسان وكل المعاني والمفهومات ~~محالها الجنان وبمجموع الأمرين سمي الإنسان ناطقا ومتكلما حتى لو وجدت ~~الحروف اللسانية منه دون المعاني الجنانية سمي مجنونا لا متكلما إلا ~~بالمجاز ولو وجدت المعاني الجنانية منه دون الألفاظ اللسانية سمي مفكرا لا ~~متكلما إلا بالمجاز وإن كان بين الموضعين فرق وهو كالفرق بين المؤمن بلسانه ~~دون قلبه وبين المؤمن بقلبه دون لسانه غير أنا نسامحهم ها هنا حتى يتضح ~~الحق من السقيم ثم نعطي كل قسم حقه. # فنقول لولا مطابقة الألفاظ اللسانية معانيها النفسانية لم يكن كلاما أصلا ~~بل لولا سبق تلك المعاني في النفس على العبارات في اللسان لم يمكن أن يعبر ~~عنها ولا أن يدل عليها ويوصل إليها وهذا في حقنا ظاهر فما قولكم في حق ~~الباري سبحانه أفيخلق حروفا وكلمات في محل ولا دلالة لها على معان وحقائق ~~أم لها دلالة فإن كان الأول فهو من أمحل المحال وإن كان الثاني حقا فما ~~مدلول تلك العبارات وأين ذلك المدلول ولا جائز أن يقال مدلولها علم الباري ~~تعالى وعالميته فإن العلم لا اقتضاء فيه والمدلول ها هنا يجب أن يكون ~~اقتضاء وطلبا والعلم ms183 يتعلق بالمعلوم على ما هو به وخلاف المعلوم لا يقتضيه ~~العلم وقد يكون من القول ما يقتضي خلاف المعلوم والعلم من حيث هو علم يتعلق ~~بالواجب والجائز والمستحيل والاقتضاء والطلب لا يتعلق بالواجب والمستحيل ~~وكذلك الإرادة لا تصلح أن تكون مدلولة لها فإن الإرادة وإن تخيل فيها ~~اقتضاء وطلب فلا يتخيل فيها خبر واستخبار ووعد ووعيد وقد تحقق في العبارات ~~هذا المعنى وكذلك القدرة لا تصلح أن تكون مدلولة لها فإنها بخاصيتها بعيدة ~~عن الاقتضاء والطلب أعني طلب الفعل من الغير فلا بد إذا من مدلول قطعا ~~ويقينا وإلا خلت العبارات عن المعاني وطاحت في إدراج الأماني كسير السواني ~~وذلك المدلول يجب أن يختص بالقائل اختصاص وصف وصفة حتى تستقيم الدلالة ~~وتتضح الإمارة ثم ذلك المدلول أهو واحد وحدة الموصوف أو كثير كثرة العبارات ~~أو هو قديم قدم الموصوف أو محدث حدوث العبارات فذلك محل الاشتباه في ~~الموضعين ومجال النظر في الطرفين وملتطم الأمواج عند التقاء البحرين. ### || AUTO القاعدة الثالثة عشر ### || AUTO في أن كلام الباري واحد # ذهبت الأشعرية إلى أن كلام الباري تعالى واحد وهو مع وحدته أمر ونهي وخبر ~~واستخبار ووعد ووعيد وذهبت الكرامية إلى أن الكلام بمعنى القدرة على القول ~~معنى واحد وبمعنى القول معان كثيرة قائمة بذات الباري تعالى وهي أقوال ~~مسموعة وكلمات محفوظة تحدث في ذاته عند قوله وتكلمه ولا يجوز عليها الفناء ~~ولا العدم عندهم وذهبت المعتزلة إلى أن الكلام حروف منظومة وأصوات مقطعة ~~شاهدا وغائبا لا حقيقة للكلام سوى ذلك وهي مخلوقة قائمة بمحل حادث إذا ~~أوجدها الباري تعالى سمعت من المحل وكما وجدت فنيت وشرط أبو علي الجبائي ~~البنية المخصوصة التي يتأتى منها مخارج الحروف شاهدا وغائبا ولم يشترط ذلك ~~ابنه أبو هاشم في الغائب. PageV01P099 # قالت الأشعرية إذا قام الدليل على أن الكلام معنى قائم بذات الباري تعالى ~~وكل معنى أو صفة له فهي واحدة وكل ما دل على أن علمه وقدرته وإرادته واحدة ~~فذلك يدل على أن كلامه واحد وذلك أنه ms184 لو كان كثيرا لم يخل إما أن يكون ~~أعدادا لا تتناهى وإما أن يكون أعدادا متناهية فإن كان أعدادا لا تتناهى ~~فهو محال لأن ما حصره الوجود من العدد فهو متناه وإن اقتصر على عدد دون عدد ~~فاختصاصه بالبعض دون البعض يستدعي مخصصا والقديم لا اختصاص له والصفة ~~الأزلية إذا كانت متعلقة وجب عموم تعلقها بجميع المتعلقات لأن نسبتها إلى ~~الكل وإلى كل واحد نسبة واحدة فلئن تعلقت بواحدة تعلقت بالكل وإن تخلفت عن ~~واحدة تخلفت عن الكل وخصومنا لو وافقونا على أن الكلام في الشاهد معنى في ~~النفس سوى العبارات القائمة باللسان وأن الكلام في الغائب معنى قائم بذات ~~الباري تعالى سوى العبارات التي نقرؤها باللسان ونكتبها في المصاحف ~~لوافقونا على اتحاد المعنى لكن لما كان الكلام لفظا مشتركا في الإطلاق لم ~~يتوارد على محل واحد فإن ما يثبته الخصم كلاما فالأشعرية تثبته وتوافقه على ~~أنه كثير وأنه محدث مخلوق وما يثبته الأشعري كلاما فالخصم ينكره أصلا فكيف ~~يصح منه كلامه في وحدته وكونه أزليا قديما ولكن ليس يتكلم الخصم في هذه ~~المسئلة إلا على سبيل الإلزام وإيراد الإشكال. # قالت المعتزلة لو كان كلامه تعالى واحدا لاستحال أن يكون مع وحدته أمرا ~~ونهيا وخبرا واستخبار ووعدا ووعيدا فإن هذه حقائق مختلفة وخصائص متباينة ~~ومن المحال اشتمال شيء واحد له حقيقة واحدة على خواص مختلفة نعم يجوز أن ~~يكون معنى واحد يشمل معاني مختلفة كالجنس والنوع فإن الحيوانية معنى واحد ~~يشمل معاني مختلفة وكذلك الإنسانية تشمل أشخاصا مختلفة لكن لا يتصور وجود ~~المعنى الجنسي إلا في الذهن ويستحيل أن يتحقق في الوجود شيء واحد هو أشياء ~~مختلفة وحقيقة واحدة هي بعينها حقائق مختلفة حتى تكون حقيقة واحدة علما ~~وقدرة وإرادة وسوادا وحركة فإن ذلك يرفع الحقائق ويؤدي إلى السفسطة فنسبة ~~الأمر والنهي والخبر والاستخبار والوعد والوعيد وهي حقائق مختلفة إلى ~~الكلام كنسبة العلم والقدرة والإرادة والسواد والحركة وهي حقائق مختلفة إلى ~~شيء واحد وذلك محال وإذا كان لكل واحد من ms185 أقسام الكلام حقيقة خاصة فليكن ~~لكل واحد منهما صفة خاصة وإن قلتم أن الكلام اسم جنس يشمل أنواعا صحيح غير ~~أن الجنس لا يتحقق له وجود ما لم يتنوع بفصل يميز نوعا عن نوع والنوع لا ~~يتحقق له وجود ما لم يتشخص بعارض يميز شخصا عن شخص وذلك كالعرض المطلق من ~~حيث هو عرض لا يتحقق له وجود ما لم يتنوع بكونه لونا واللون لا يتحقق له ~~وجود ما لم يتعين بكونه سوادا معينا وإلا فالعرض ليس له ذات على انفراده ~~قائم بجوهر ثم يكون هو بعينه علما وقدرة ولونا وسوادا وطعما وأنتم أثبتم ~~الكلام قائما بذات الباري تعالى على هذا المنهاج أنه حقيقة واحدة هي بعينها ~~أمر ونهي وخبر واستخبار وذلك محال. PageV01P100 # قالت الأشعرية حكي عن بعض متقدمي أصحابنا أنه أثبت لله خمس كلمات هي خمس ~~صفات الخبر والاستخبار والأمر والنهي والنداء فإن سلكنا هذا المسلك اندفع ~~السؤال وارتفع الإشكال لكن المشهور من مذهب أبي الحسن أن الكلام صفة واحدة ~~لها خاصية واحدة ولخصوص وصفها حد خاص وكونه أمرا ونهيا وخبرا واستخبارا ~~خصائص أو لوازم تلك الصفة كما أن علمه تعالى صفة واحدة تختلف معلوماتها وعي ~~هي مختلفة في أنفسها فيكون علما بالقديم والحادث والوجود والعدم وأجناس ~~المحدثات وكما لا يجب تعدد العلم بعدد المعلومات كذلك لا يجب تعدد الكلام ~~بعدد المتعلقات وكون الكلام أمرا ونهيا أوصاف الكلام لا أقسام الكلام كما ~~أن كون الجوهر قائما بذاته قابلا للعرض متحيزا ذا مساحة وحجم أوصاف نفسية ~~للجوهر وإن كانت معانيها مختلفة كذلك كون الكلام أمرا ونهيا وخبرا ~~واستخبارا أوصاف نفسية للكلام وأن كانت معانيها مختلفة وليس اشتمال معنى ~~الكلام على هذه المعاني كانقسام العرض إلى أصنافه المختلفة وانقسام الحيوان ~~إلى أنواعه المتمايزة فأقسام الشيء غير وأوصاف الشيء غير وكل ما في الشاهد ~~للكلام من الأقسام فهو في الغائب للكلام أوصاف والذي يحقق ذلك أن المعنى قد ~~يكون واحدا في ذاته ويكون له أوصاف هي اعتبارات عقلية ثم الاعتبارات ~~العقلية قد ms186 تكون من جهة النسب والإضافات وقد تكون من جهة الموانع واللواحق ~~أليست الإرادة قد تسمى رضى إذا كان فعل الغير واقعا على نهج الصواب وقد ~~تسمى هي بعينها سخطا إذا كان الفعل على غير الصواب كذلك يسمى أمرا إذا تعلق ~~بالمأمور به ويسمى نهيا إذا تعلق بالمنهي عنه وهو في ذاته واحد وتختلف ~~أساميه من جهة متعلقاته حتى قيل أن الكلام بحقيقته خبر عن المعلوم وكل عالم ~~يجد من نفسه خبرا عن معلومه ضرورة فإن تعلق بالشيء الذي وجب فعله سمي أمرا ~~وإذا تعلق بالشيء الذي حرم فعله سمي نهيا وإن تعلق بشيء ليس فيه اقتضاء ~~وطلب سمي خبرا واستخبارا فهذه أسامي الكلام من جهة متعلقاته كأسامي الرب ~~تعالى من جهة أفعاله. # ثم نقول ليس بيد الخصم في هذه المسئلة إلا مجرد الإلزام على مذهب من قال ~~بوحدة الكلام وإلا فمن أنكر أصل الكلام النفسي كيف يسمع منه القول في ~~الوحدة ولكن العجب من هذا الملزم أنه التزم ما هو أمحل المحال في وحدة ~~الحال التي هي مصححة الأحوال فإنه قال عالمية الباري سبحانه وقادريته حال ~~وله حال توجب كونه عالما قادرا فقد أثبت حالا لها خصوصية العلم والقدرة وهي ~~واحدة في نفسها وراء الذات فكيف يستبعد ممن يثبت كلاما هو أمر ونهي وخبر ~~وهو في نفسه واحد مختلف الاعتبار والفلاسفة الذين هم أشد إنكارا للكلام ~~الأزلي ووحدته أثبتوا عقلا واحدا في ذاته ووجوده وتفيض منه صور لا تتناهى ~~مختلفة ربما تختلف أساميه باختلاف الصور والفيض عندهم كالتعلق عند المتكلم ~~والعقل الأول كالكلام في وحدته واختلاف الكلام بالأمر والنهي كاختلاف الفيض ~~بالصور. # وأوضح من ذلك مذهبهم في المبدأ الأول لا يتكثر بتكثر الموجودات اللازمة ~~والصفات والأسماء إما إضافة وإما سلب وإما مركبة من إضافة وسلب فهلا قالوا ~~في الكلام كذلك وهلا أثبتوا كلاما أزليا على منهاج إثباتهم له عناية أزلية ~~حتى يكون هو المبدأ وإليه الرجعى تكليفا على أفعال عباده فيكون له الخلق في ~~الأول والأمر في الثاني ويرجع الكل ms187 إليه " لله الأمر من قبل ومن بعد وإليه ~~يرجع الأمر كله " . PageV01P101 # قالت المعتزلة إثبات صفات نفسية لذات واحدة غير مستحيل لكن إثبات خواص ~~مختلفة وصفات متضادة لشيء واحد هو المستحيل ومن المعلوم أن الأمر والنهي ~~يتضادان ولهما خاصيتان مختلفتان فإثبات ذلك لكلام واحد محال ونحن لا ننكر ~~اختلاف الأسامي لشيء واحد لاختلاف الوجوه والاعتبارات لكنا ننكر اختلاف ~~الخواص المتباينة لشي واحد ولا نشك أن كون الكلام أمرا ونهيا ليس من جملة ~~النسب والإضافات فإن الصفات الإضافية تتحقق عند الإضافة ولا يتحقق عند رفع ~~الإضافة ويتطرق إليها التبدل والتغير وليس كون الكلام أمرا ونهيا مما يتحقق ~~عند الإضافة بل هما من أخص أوصاف الكلام سواء لاحظنا جانب المتعلق أو لم ~~نلاحظ وكذلك لو رفعنا المتعلق عن الوهم لم يخرج الكلام عن كونه أمرا ونهيا ~~وخبرا واستخبارا والعلم بالقديم والحادث علم بالشيء على ما هو به وهو صفة ~~صالحة لدرك ما يعرض عليه سواء كان قديما أو حادثا وجودا أو عدما والذي ~~يوازيه في تعلقه تعلق الأمر بمأمور معين وتعلقه بمأمور آخر فاختلاف ~~المأمورين كاختلاف المعلومين ثم اختلاف المعلومين لا يستدعي اختلاف العلمين ~~كذلك اختلاف المأمورين لا يستدعي ولا يستدعي اختلاف الأمرين لكن كلاما هو ~~في نفسه أمر وهو في نفسه نهي اختلاف وصفين متضادين لشيء واحد وهو محال ~~ونظيره العرض في شموله أقسام الأعراض المختلفة الخواص إذ يستحيل أن يكون ~~للعرض ذات محققة على حيالها وهي في ذواتها علم وقدرة وحياة ولون وكون ~~وقولكم أن الكلام مختلف الأوصاف لا مختلف الأقسام غير صحيح بل الأمر والنهي ~~والخبر والاستخبار أقسام الكلام والكلام منقسم إلى ذلك إذ كل قسم ممتاز ~~بخاصيته وحقيقته عن القسم الآخر واسم الكلام كالجنس لها لا كالموصوف بها ~~ومن أمحل ما ذكرتموه قولكم ما هو أقسام في الشاهد فهو أوصاف في الغائب ~~والحقائق كيف تتبدل والمعقولات كيف تتفاوت وهل ذلك إلا رفع الحقائق وحسم ~~الطرائق. # وأما إلزام الحال فالجواب عنه أن المصحح للمختلفات المتضادات لشيء واحد ~~غير وثبوت المختلفات ms188 المتضادات لشيء واحد غير فإن الحياة مصححة للعلم ~~والجهل والقدرة والعجز والإرادة والكراهة إلى غير ذلك من المعاني التي ~~يشترط في ثبوتها الحياة ولا يلزم ذلك ثبوت المختلفات المتضادات لحي واحد ~~ونحن إذا أثبتنا حالا فهي مصححة أو في حكم المصحح ولم نثبت مختلفات متضادة ~~لشيء واحد فهذا هو الفرق. # وربما يجيب المتفلسف عن إلزام الفيض المختلف عن العقل الواحد فيقول أنا ~~أقول كما أن العقل واحد ففيض العقل أيضا واحد لكن القوابل والحوامل تختلف ~~فيختلف الفيض باختلاف المفيض كالشمس إذا أشرقت على زجاجات مختلفة الألوان ~~أعطت كل زجاجة لونا خاصا لائقا بلونها القابل فتعدد الصور واختلافها إنما ~~حصل من جانب المفيض لا من جانب الفائض وأنتم أثبتم كلاما واحدا وهو في نفسه ~~أمر ونهي وخبر واستخبار فتعدد الخواص واختلافها فيه إنما حصل من جانب ~~المتعلق لا من جانب المتعلق فلم تستقم التسوية بين البابين بالتعلق والفيض. # وأما كلامنا في المبدأ ووجوب الصفات له فأبعد في باب التنزيه عن الكثرة ~~وأعلى في منهاج التقديس عن اختلاف الخواص له والصفات كلها راجعة إلى ذات ~~واحدة هي واجبة الوجود بذاتها ووجودها مستند الموجودات كلها من غير أن يثبت ~~له منها كمال أو يحدث له صفة وهو تعالى بكمال جلاله عديم الاسم والصفة من ~~حيث ذاته وإنما يقال له اسم وصفة من حيث آثاره فقط وآثاره فاعليته الصادرة ~~عنه لامعا بل على ترتيب الأول والثاني من غير أن يحدث كمال في ذاته لم يكن ~~أو يستكمل من حادث كمالا كان جل جلاله بذاته وتقدست أسماؤه لصفاته. PageV01P102 # قالت الأشعرية نحن لا نثبت الحقائق المختلفة والخواص المتباينة لكلام واحد ~~إنما يلزمنا التضاد بين أمرين يتقابلان من كل وجه فيتضادان فأما إذا لم ~~يتقابلا بل اختلفت المتعلقات واختلفت الوجوه فلا يبعد اجتماعهما في حقيقة ~~واحدة ونحن لو قلنا الأمر بالشيء والنهي عن ضده أو الأمر بالشيء والنهي عن ~~شيء آخر أو أمر شخص واحد بشيء ونهي شخص آخر عن ذلك الشيء لا يستحيل وكذلك ~~إذا اختلف ms189 الزمان والمكان والوجه والاعتبار لم يحصل التضاد فلم يلزم ~~الاستحالة وهذا إن ألزم علينا التضاد وإن ألزم علينا الاختلاف بين ~~الحقيقتين دون التضاد فالجواب عنه أن اجتماع مثل ذلك في شيء واحد من وجوه ~~مختلفة غير مستحيل فإن الجوهر يوصف بأنه متحيز وقابل للأعراض وذو حجم ~~ومساحة ونهاية وهي صفات وأحوال ووجوه واعتبارات مختلفة وما استحال اجتماعها ~~في حقيقة الجوهرية وقد قدمنا الفرق بين الأقسام وبين الأوصاف وقولهم أن كون ~~الكلام أمرا ونهيا وخبرا أقسام الكلام إذ يقال الكلام ينقسم إلى كذا أو إلى ~~كذا وكل قسم إنما يتميز عن قسم بأخص وصفه في قول صحيح في الكلام شاهدا فإن ~~الكلام القولي في اللسان أو النطق النفساني في الذهن من جملة الأعراض التي ~~يستحيل بقاؤها ولا تتحد ذاته وتتعدد جهاته فتعدد الكلام بتعدد المتعلقات ~~فصارت تلك الجهات أقساما وانفصل كل قسم عن قسم بأخص وصف له بعد الاشتراك في ~~حقيقة الكلامية كالعلوم المختلفة إذا تعلقت بمعلومات مختلفة كانت أقساما ~~مختلفة وامتاز كل علم عن قسمه بأخص وصفه بعد الاشتراك في حقيقة العلمية ثم ~~إذا خصص الكلام بعلم قديم أو عالمية أزلية لم يلزم اتحاد الخصائص في ذات ~~واحدة بل العلم الأزلي في معنى علوم مختلفة نائبا مناب الكل من غير أن ~~تتكثر ذاته أو تختلف خواصه وكذلك الكلام الأزلي في حكم الأمر والنهي والخبر ~~والاستخبار نائبا مناب الكل من غير أن تتكثر ذاته أو تختلف خواصه وهذا معنى ~~قولنا الأقسام في الكلام الشاهد كالأوصاف في الكلام الغائب ثم بم تنكرون ~~على من يقول الكلام معنى واحد حقيقته الخبر عن المعلوم ثم التعبير عن ذلك ~~المعنى إذا كان المعلوم محكوما فعله بالأمر أو محكوما تركه بالنهي وإن كان ~~في وقت قد وجد المعلوم وانقضى كان التعبير عنه عما كان وإن كان في وقت لم ~~يوجد المعلوم بعد وسيوجد كان التعبير عنه عما سيكون فالأقسام المذكورة ترجع ~~إلى التعبيرات بحسب الوجوه والاعتبارات وإلا فالكلام الأزلي واحد لا كثرة ~~فيه فاختلاف الخواص وتضاد ms190 المعاني فكان قبل خلق آدم التعبير عن معلوم ~~الخلافة في ثاني الحال " إني جاعل في الأرض خليفة " وبعد إرسال نوح وانقراض ~~عصره كان التعبير عن معلوم الرسالة في ماضي الحال " إنا أرسلنا نوحا إلى ~~قومه " ولو عبر عن حال موسى قبل وجوده بالواد المقدس كان على صيغة الخبر ~~عما سيكون وإذا عبر عن حاله وهو بالواد المقدس كان على صيغة الأمر " اخلع ~~نعليك " فالاختلافات كلها راجعة إلى التعبيرات عن الكلام الذي هو وفق ~~المعلوم حتى لو قدرنا لأنفسنا نطقا عقليا سابقا على وجود المخاطب باقيا على ~~ممر الدهور كان المعبر عنه على حقيقة واحدة لا يتبدل والتعبيرات عنه على ~~أقسام مختلفة لا تتماثل ولو قدرنا لنفوسنا نطقا عقليا مطابقا لإدراك عقلي ~~عاليا على الدهر والزمان بحيث نسبتهما إلى الماضي والحاضر والمستقبل نسبة ~~واحدة لم يشك أن الاختلاف لم يرجع إلى كثرة معان في ذاته بل يرجع إلى ما ~~يختلف بالأزمان ألم تسمع قوله تعالى وتقدس يخبر في كتابه الذي لا يأتيه ~~الباطل من بين يديه ولا من خلفه عن حال عيسى عليه السلام عما سيكون في ~~القيامة بقوله عز من قائل " وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس ~~اتخذوني وأمي إلهين من دون الله " أو ليس عبر في المستقبل بالماضي وبعد لم ~~تقم القيامة ولم يحشر الناس ولم يحضر عيسى عليه السلام ولكن لما كان القول ~~الحق متعاليا عن الزمان كان ما سيوجد كأن قد وجد وكان نسبة الخطاب إليه وهو ~~في ذلك الوقت كنسبته إليه وهو في هذا الوقت ومن أمكنه أن يرفع الزمان من ~~صميم قلبه هان عليه إدراك المعاني العقلية وسهل عليه معرفة تعلق العلم ~~الأزلي بالمعلومات والأمر الأزلي بالمأمورات وعلم أن الاختلاف راجع إلى ~~العبارات والتعبيرات انظر كيف نشير إلى لمحات الحقائق على لسان الفريقين ~~وإن كانا بمعزل عن دقائق PageV01P103 ~~الطريقين وأنى لهم تصور نزول الروحانيات وتشخصها بالجسمانيات كما أخبر ~~التنزيل عنه " فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا " وكيف يستقيم على ~~مذهب ms191 المتكلم تمثل الروح بالشخص البشري أبان تعدم الروح ويوجد الشخص وليس ~~ذلك من التمثل في شيء أو بان يستعمل الروح شخصا موجودا بشريا ولم يكن ذلك ~~تمثلا أيضا بل تناسخا وإذا لم يمكنه تقرير التمثل والتشكل أعني تمثل ~~الروحاني بالجسماني كيف يمكنه تصور الأمر الأزلي يتمثل اللسان العربي تارة ~~واللسان السرياني طورا حتى يجب أن يقال كلام الله كما يجب أن يقال هذا ~~جبريل جاءكم ليعلمكم دينكم ثم لباس جبريل يتبدل ولا تتبدل حقيقته التي هو ~~بها جبريل ولباس الكلام الأزلي يتبدل ولا تتبدل حقيقته التي هو بها كلام ~~وأمر ونهي واحد أزلي وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ~~حق في حق المشرك المستجير " ويا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي ~~وبكلامي " صدق في حق الكليم المستنير فبين الكلامين فرق ما بين القدم ~~والفرق وبين السمعين صرف ما بين الولاية والصرف ولو كان الكلام في الموضعين ~~حروفا منظومة أصواتا مقطعة بطل الاصطفاء على الناس وحصل التساوي واستماع ~~الناس والخناس ولكن حكم الكليم في خطابه يا موسى حكم الطريد في طرده يا ~~فرعون ولكان الذي لا يسمع من موسى أسعد حالا من موسى إذ سمع من الشجرة التي ~~هي جماد وفي الموضعين الكلام حروف وأصوات.طريقين وأنى لهم تصور نزول ~~الروحانيات وتشخصها بالجسمانيات كما أخبر التنزيل عنه " فأرسلنا إليها ~~روحنا فتمثل لها بشرا سويا " وكيف يستقيم على مذهب المتكلم تمثل الروح ~~بالشخص البشري أبان تعدم الروح ويوجد الشخص وليس ذلك من التمثل في شيء أو ~~بان يستعمل الروح شخصا موجودا بشريا ولم يكن ذلك تمثلا أيضا بل تناسخا وإذا ~~لم يمكنه تقرير التمثل والتشكل أعني تمثل الروحاني بالجسماني كيف يمكنه ~~تصور الأمر الأزلي يتمثل اللسان العربي تارة واللسان السرياني طورا حتى يجب ~~أن يقال كلام الله كما يجب أن يقال هذا جبريل جاءكم ليعلمكم دينكم ثم لباس ~~جبريل يتبدل ولا تتبدل حقيقته التي هو بها جبريل ولباس الكلام الأزلي يتبدل ~~ولا تتبدل حقيقته التي هو بها كلام وأمر ms192 ونهي واحد أزلي وإن أحد من ~~المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله حق في حق المشرك المستجير " ويا ~~موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي " صدق في حق الكليم المستنير ~~فبين الكلامين فرق ما بين القدم والفرق وبين السمعين صرف ما بين الولاية ~~والصرف ولو كان الكلام في الموضعين حروفا منظومة أصواتا مقطعة بطل الاصطفاء ~~على الناس وحصل التساوي واستماع الناس والخناس ولكن حكم الكليم في خطابه يا ~~موسى حكم الطريد في طرده يا فرعون ولكان الذي لا يسمع من موسى أسعد حالا من ~~موسى إذ سمع من الشجرة التي هي جماد وفي الموضعين الكلام حروف وأصوات. # قالت المعتزلة إذا أثبتم كلاما أزليا فإما أن تحكموا بأن كلام الله أمر ~~ونهي وخبر واستخبار في الأزل وإما أن لا تحكموا به فإن حكمتم به فقد أحلتم ~~من وجوه أحدها أن من حكم الأمر أن يصادف مأمورا ولم يكن في الأزل مخاطب ~~متعرض لأن يحث على أمر ويزجر عن آخر ويستحيل كون المعدوم مأمورا. # والوجه الثاني أن الكلام مع نفسه من غير مخاطب سفه في الشاهد والنداء ~~لشخص لا وجود له من أمحل ما ينسب إلى الحكيم. # والثالث أن الخطاب مع موسى عليه السلام غير الخطاب مع النبي صلى الله ~~عليه وسلم ومناهج الكلامين مع الرسولين مختلفة ويستحيل أن يكون معنى واحد ~~هو في نفسه كلام مع شخص على معان ومناهج وكلام مع شخص آخر على معان ومناهج ~~أخر ثم يكون الكلامان شيئا واحدا ومعنى واحدا. PageV01P104 # والرابع أن الخبرين عن أحوال الأمتين مختلف لاختلاف حال الأمتين وكيف يتصور ~~أن تكون حالتان مختلفتان فيخبر عنهما بخبر واحد وكيف يكون الخبر أمرا ونهيا ~~وكيف يكون أمر ونهي خبرا واستخبارا ووعدا ووعيدا وأنكم إن حكمتم بأن الكلام ~~واحد فقد رفعتم أقسام الكلام ولا يعقل كلام إلا وأن يكون إما أمرا ونهيا ~~وإما خبرا واستخبارا وردكم أقسام الكلام إلى أوصاف واعتبارات تارة وإلى ~~تعبيرات وعبارات أخرى غير سديد أما الاعتبارات العقلية فباطلة لأن المعقول ~~من ms193 أقسام الكلام ذوات مختلفة وحقائق متباينة فإن القصة التي جرت ليوسف ~~وإخوته صلوات الله عليهم أجمعين غير القصة التي جرت لآدم ونوح وإبراهيم ~~وموسى وعيسى فالخبر عما جرى في حق شخص كيف يكون عين الخبر الذي جرى في حق ~~شخص آخر والأوامر والنواهي التي توجهت على قوم أخر في دور نبي مخصوص غير ~~الأوامر التي توجهت على قوم أخر في دور آخر فكيف يمكنكم القول باتحاد ~~الأخبار كلها على اختلافها في خبر واحد والقول باتحاد الأوامر على تفاوتها ~~في أمر واحد ثم كيف يمكنكم الجمع بين معنى الخبر وحقيقته أنه خبر عما كان ~~أو سيكون من غير اقتضاء وطلب وبين معنى الأمر وحقيقته أنه اقتضاء وطلب لأمر ~~لم يكن حتى يكون فليس في الخبر حكم واقتضاء وليس في الأمر خبر وإنباء وبين ~~النوعين فرق ظاهر فكيف يمكن القول باتحادهما نعم هما يتحدان في حقيقة ~~الكلامية لكنهما يختلفان بالنوعية كالحيوانية والإنسانية والعرضية واللونية ~~فمن رد الكلام بأنواعه وأقسامه إلى الخبر فقد أبطل الاقتضاء وعطل الحكم ~~والطلب ومن رد الكلام إلى الأمر فقد أبطل معنى الخبر وعطل القصص ومن ~~المعلوم أن النوعين موجودان في جنس الكلام ومذكوران في الكتب الإلهية وأما ~~من رد الاختلاف والكثرة فيهما إلى العبارات فقد أبعد النجعة فإن العبارات ~~إن طابقت المعاني خبرا لمخبر وأمرا لمأمور ونهيا عن منهي فقد تعددت المعاني ~~تعدد العبارات وإن لم تطابق فليست هي تعبيرات عنها وإنما هي عبارات لا معنى ~~لها وذلك كلام المجانين وإما أستر وأحكم إلى تمثل الروحاني بالجسماني وتشكل ~~الملك بالبشر وظهور المعنى بالعبارات فذلك في أسماعنا شبه كلمات وكلمات ~~فارغة فما التمثل والتشكل وكيف الظهور والتبين حققوا لنا ذلك إن كانت ~~العبارة مشتملة على حقيقة وإلا فالمعلومات لا تحتمل أمثال هذه المجازفات ~~والذي عندنا أن جبريل شخص لطيف يتكاثف فيتراءى للبصر كالهوى اللطيف الذي لا ~~يرا فيتكاثف فيرا سحابا أو نقول بإعدام وإيجاد لا يتمثل ويتشخص وبالجملة ~~جوهر واحد لا يصير جواهر إلا بانضمام جواهر إليه ونحن لا ms194 نعقل من الجواهر ~~إلا المتحيز والمتحيزان لا يتداخلان فلا معنى لما تمسكتم به. # قالت الأشعرية ذهب شيخنا الكلابي عبد الله بن سعيد إلى أن كلام الباري في ~~الأزل لا يتصف بكونه أمرا ونهيا وخبرا واستخبارا إلا عند وجود المخاطبين ~~واستجماعهم شرائط التكليف فإذا أبدع الله العباد وأفهمهم كلامه على قضية ~~أمر وموجب زجر أو مقتضى خبر اتصف عند ذلك بهذه الأحكام فهي عنده من صفات ~~الأفعال بمثابة اتصاف الباري تعالى فيما لا يزال بكونه خالقا ورازقا فهو في ~~نفسه كلام لنفسه أمر ونهي وخبر وخطاب وتكليم لا لنفسه بل بالنسبة إلى ~~المخاطب وحال تعلقه وإنما يقول كلامه في الأزل يتصف بكونه خبرا لأنا لو لم ~~نصفه بذلك خرج الكلام عن أقسامه ولأن الخبر لا يستدعي مخاطبا فإن الرب ~~تعالى مخبر لم يزل عن ذاته وصفاته وعما سيكون من أفعاله وعما سيكلف عباده ~~بالأوامر والنواهي. # وعند أبي الحسن الأشعري كلام الباري تعالى لم يزل متصفا بكونه أمرا ونهيا ~~وخبرا والمعدوم على أصله مأمور بالأمر الأزلي على تقدير الوجود ثم قال في ~~دفع السؤال إذا لم يبعد أن يكون المأمور به معدوما لم يبعد أن يكون المأمور ~~معدوما وعضد ذلك بأنا في وقتنا مأمورون بأمر الله تعالى الذي توجه على ~~المأمورين في زمن النبي صلى الله عليه وسلم فإذا لم يبعد أن يتأخر وجود ~~المأمور عن الأمر بسنة لم يبعد أن يتأخر عنه بأكثر ولم يزل. PageV01P105 # والحق أن هذا الإشكال لا يختص بمسئلة الأمر بل هو جار في كل صفة أزلية ~~تتعلق بمتعلقها أزلا أنها كيف تتعلق بالمعدوم أليس الله تعالى عالما قادرا ~~والعالم معدوم وكيف يتعلق العلم والقدرة بنفي محض وعدم صرف لفعلي تقدير ~~الوجود فكيف يتصور التقدير في حق الباري والتقدير ترديد الفكر وتصريف ~~الخواطر وذلك من عمل الخيال والوهم أم يتعلق بالوجود حقيقة والوجود محصور ~~متناه ونحن نعتقد أن معلوماته ومقدوراته لا تتناهى وإنما يتصور ذلك فيما لم ~~يوجد ويمكن أن يوجد أم تقرر أن العلم صفة صالحة لدرك ms195 كل ما يعرض عليه من ~~غير قصور والقدرة صالحة لإيجاد كل ما يصح وجوده من غير تقاصر ثم ما يصح أن ~~يعلم ويجوز أن يوجد لا يتناهى فعلى هذا المعنى نقول المعلومات والمقدورات ~~لا تتناهى والمتعلق من حيث المتعلق راجع إلى صلاحية الصفة للكل ومن حيث ~~المتعلق راجع إلى صحة المعلوم والمقدور وكذلك قولنا في السمع والبصر وكونه ~~سميعا بصيرا بل الجمع بين المسئلتين ها هنا أظهر فإن السمع لا يتعلق ~~بالمعدوم وكذلك البصر فلا يكون المعدوم مسموعا ومبصرا بل إنما يصير مدركا ~~بهما حيث يصح الإدراك وهو حال الوجود فقط لا قبله تحقيقا كان أو تقديرا ~~كذلك الأمر الأزلي يتعلق بالمأمور به حتى يصح التعلق وهو حال الوجود ~~المتهيأ لقبوله من كونه حيا عاقلا بالغا متمكنا من الفعل كسائر الصفات على ~~السواء فليس يختص السؤال بمسئلة الكلام ووجه الحال ما قد سبق التقرير به. # قولهم أن كلاما لا تتحقق له أقسام الكلام غير معقول. # قلنا وما أقسام الكلام فإن المتكلمين حصروها في ستة وسائر الناس زادوا ~~أقساما مثل النداء والدعاء وزادوا في كل قسم من الأمر والنهي أقساما مثل ~~أمر الندب وأمر الإيجاب ونهي التنزيه ونهي التحريم وفي كل قسم من الخبر ~~والاستخبار أقساما مثل الخبر عن الماضي والمستقبل والمواجهة والمغايبة وغير ~~ذلك ومن تصدى ليردها إلى ستة فقد قضى بتداخل أقسام منها في أقسام ولغيره أن ~~يتصدى لردها إلى قسمين الخبر والأمر أما الاستخبار فلا يتصور في حقه تعالى ~~على موجب حقيقة الاستفهام بل حيث ورد فمعناه التقرير والإخبار كقوله تعالى: ~~" ألست بربكم قالوا بلى " من غير الله إلاه مع الله ومعنى الكل راجع إلى ~~تقرير الخطاب للمخاطب أن الأمر لا يتصور إلا كذلك وأما الوعد والوعيد فظاهر ~~أنهما خبران يتعلق أحدهما بثواب فسمي وعدا وتعلق الثاني بعقاب فسمي وعيدا ~~كما أمكن أن يرد النداء إلى الخبر يا زيد يا عمرو أي ادعو زيدا. # وأما القسم الثاني وهو الأمر فهو والنهي لا يجتمعان لكن كلام الله تعالى ~~إذا ms196 تعلق بمتعلق خاص على صيغة الأمر ولم يتصل بتركه زجرا كان ندبا وإن اتصل ~~به زجرا سمي ذلك إيجابا وكذلك النهي إذا لم يرد على فعله وعيد سمي تكريها ~~وإن ورد سمي تحريما ثم هما يشتركان في كونهما أمرا ونهيا وإن رد الأمر ~~والنهي إلى معنى واحد وهو الأمر كان ذلك أيضا له وجه فإن النهي أمر بأن لا ~~تفعل فرجع أقسام الكلام كلها إلى خبر وأمر ثم كما أمكن رد أقسام الكلام إلى ~~قسمين من غير نقصان في حقيقة الكلام كذلك أمكن رد القسمين إلى قسم واحد حتى ~~يكون كلامه على ما قررناه واحدا وقد ورد التنزيل بتسميته أمرا بحيث يتضمن ~~جميع الأقسام في قوله تعالى " وما أمرنا إلا واحدة " وفي قوله " ألا له ~~الخلق " فالخلق والأمر يتقابلان كالفعل والقول وعن هذا أمكن الاستدلال بهذه ~~الآية حتى يقال أن أمر الباري غير مخلوق فإنه لو كان مخلوقا لكان تقدير ~~قوله ألا له الخلق وهذا من فاسد الكلام وقد ورد أيضا في القرآن ما يدل على ~~أن الأمر سابق على الخلق وذلك السبق لن يتصور إلا أن يكون أزليا وذلك قوله ~~سبحانه " إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون " والمتكون متأخر ~~والأمر متقدم والتقدم على الحادث المطلق لا يكون إلا بالأزلية فتحقق من هذه ~~الجملة أن كلامه تعالى واحد إن سميته أمرا فهو خلاف الخلق ومقابله وإن ~~سميته خبرا فهو وفق العلم سواء وأنه إذا تعلق بالمأمور فيكون تعلقه مشروطا ~~بشرائط كما كان تعلق سائر الصفات مشروطا بشرائط وقد عرفت الفرق بين تعلق ~~الصلاحية والصحة وبين تعلق الفعل والحقيقة واندفع الإلزام بهذا الفرق. PageV01P106 # وقولهم إن الاختلاف والكثرة في الأخبار والأوامر لا يرجع إلى العبارات فقط ~~إذ العبارات لا بد وأن تطابق المعنى صحيح لكن تلك المعاني المختلفة ~~كالمعلومات المختلفة التي يحيط بها علم واحد وأن تلك المعلومات المختلفة إن ~~فرضت في الشاهد استدعت علوما مختلفة وإن شملها اسم العلمية كذلك الإخبار ~~المختلفة والأوامر المختلفة وإن استدعت في ms197 الشاهد كلمات ومعاني مختلفة فقد ~~أحاط بها معنى واحد هو القول الحق الأزلي واختلاف الزمان بالماضي والمستقبل ~~والحاضر لا يؤثر في نفس القول ما يبدل القول لدي كاختلاف الحال في ~~المعلومات التي وجدت وستوجد لا يؤثر في نفس العلم وهذا المعنى عسير الإدراك ~~جدا لتكرر عهدنا بخلاف ذلك في الشاهد ولو لاحظنا جانب العقل وإدراكه ~~المعقول وجردناه عن المواد الجسمانية والأمثلة الخيالية وصادفنا إدراكا ~~كليا عقليا لا يختلف باختلاف الأزمنة ولا يتغير بتغاير الحوادث وكذا لو ~~استيقظنا من نوم يقظتنا هذه بمنام وطلعت نفوسنا على مشرق المعاني والحقائق ~~رأت عالما من المعقولات وأشخاصا من الروحانيات تحدثه بأخبار وتكلمه بأحاديث ~~لو عبر المعبر عنها بعبارات لسانه لما وسعه يوم واحد لشرحها وبيانها ولو ~~كتبها بقلمه لم تسعه مجلدة واحدة لنظمها وبيانها وكل ذلك قد يراه في منامه ~~في أقل من لحظة واحدة ويعلم يقينا أنه رآه حين رآه وسمع ما سمع كأنه شيء ~~واحد ومعنى واحد لكن التعبير عنه استدعى أوراقا وصحائف طباقا وكيف لا ~~والمرء يجد من نفسه وجدانا ضروريا أنه إذا سئل عن إشكال في مسئلة اعتراه ~~جوابه وحله جملة في أقل من لحظة ثم يأتي في شرح ذلك بلسانه بعبارات حتى ~~يمتلئ أذان وأسماع كثيرة إن سمعها ووعاها أو يستثبته بقلمه حتى يسود بياضا ~~كثيرا إن سطرها وزبرها والمعنى في الأصل كان واحدا والشرح منبسطا والحب ~~يكون واحدا والسنبلة متكثرة " كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة ~~حبة والله يضاعف لمن يشاء " ومن وجد بمشام صدقه شمائم الروحانيات ووقع في ~~أطراف رياض المعقولات وإن كان محوما عليها غير واغل في خميلتها علم قطعا أن ~~العقل أحدي الإدراك والنفس وحداني القول وإنما التكثر في عالم الحس يتصور ~~والاختلاف في عالم العبارات يتحقق وإذا كانت عقولنا ونفوسنا على هذا النمط ~~من التوحيد فكيف الظن بقدي الإحاطة الأزلية ووحدانية الكلمة السرمدية. # قالت المعتزلة أجمع المسلمون قبل ظهور هذا الخلاف على أن القرآن كلام ~~الله واتفقوا على أنه سور وآيات ms198 وحروف منتظمة وكلمات مجموعة وهي مقروءة ~~مسموعة على التحقيق ولها مفتتح ومختتم وأنه معجزة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم دالة على صدقه ولا تكون المعجزات إلا فعلا خارقا للعادة وكان السلف ~~يقولون يا رب القرآن العظيم يا رب طه يا رب يس وإنما سمي القرآن قرآنا ~~للجمع من قولهم قرأت الناقة لبنها في ضرعها والجمع إنما يتحقق في المفترق ~~والكلام الأزلي لا يوصف بمثل هذه الأوصاف ومما أجمعت عليه الأمة أن كلام ~~الله تعالى بين أظهرنا نقرأه بألسنتنا ونمسه بأيدينا ونبصره بأعيننا ونسمعه ~~بآذاننا وعليه دلت النصوص " وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع ~~كلام الله لا يمسه إلا المطهرون " والصفة الأزلية كيف توصف بما وصفنا. PageV01P107 # قالت الأشعرية أنتم أول من خالف هذا الإجماع فإن عندكم كلام الله تبارك ~~وتعالى حروف وكلمات أحدثها في محل وكما وجدت فنيت والذي كتبناه بأيدينا ~~فعلنا والذي قرأناه بألسنتنا كسبنا وكذلك نثاب على فعل ذلك ونعاقب على تركه ~~فليس الكلام الذي بين أظهرنا كلام الله وما كان كلاما لله فليس بين أظهرنا ~~ولا كان دليلا ومعجزة ولا قرأناه ولا سمعناه بل الذي نقرأه مثل ذلك أو ~~حكاية عن ذلك كمن يروي شعر امرئ القيس بعد موته وعن هذه الشنعة صار أبو علي ~~الجبائي إلى أنه يحدث كلاما لنفسه عند قراءة كل قارئ وعند كتابة كل كاتب ~~وقد جحد الضرورة وكابر العقل فإن العاقل لا يشك أن الذي يسمعه من القارئ ~~حروف وكلمات تخرج عن مخارجها على اختياره وليس يقارنه أمثالها حتى يكون كل ~~حرف حرفين وكل كلمة كلمتين وكل آية آيتين وإن كان فما محلها وقد اشتغلت ~~المخارج بحروفها ومن المحال اجتماع حرفين وكلمتين في محل واحد في حالة ~~واحدة والحروف لا وجود لها إلا على التعاقب واجتماع حرفين وكلمتين في محل ~~واحد غير معقول ولا مسموع ولا محسوس من جهة القارئ فهو محال. # ثم نقول القول الحق أنا لا ننكر وجود الكلمات التي لها مفتتح ومختتم وهي ~~آيات وأعشار وسور ويسمى ms199 الكل قرآنا وما له مبتدأ ومنتهى لا يكون أزليا وهو ~~من هذا الوجه معجزة الرسول صلى الله عليه وسلم ويسمى ما يقرأ باللسان قرآنا ~~وما يكتب باليد مصحفا لكن كلامنا في مدلول هذه الكلمات ومقرئ هذه القراءة ~~أهي صفة أزلية لا حادثة وواحدة لا كثيرة أم هي هذه فقط ولا مدلول لها ولا ~~مقرؤ ولا مكتوب وبالاتفاق بيننا وبين الخصم كلام الله تعالى غير ما حل في ~~اللسان من تحريك الشفتين واللسان والحلق بل هو معنى آخر وراء ذلك فنحن ~~نعتقد أن ذلك المعنى واحد أزلي وأنتم تعتقدون أنه مثل هذا كثير حادث فانقطع ~~الاستدلال بما يعرفه أهل الإجماع وكما أن كلامه أزلي واحد عندنا وليس ذلك ~~بين أظهرنا كذلك هو كلام آخر في محل آخر وليس ذلك بين أظهرنا عند الخصم ~~فصار الاتفاق بالمقدمات المشهورة المعهودة لا اليقينية المقبولة المشهودة ~~وتبين أن إطلاق لفظ القرآن على القراءة والمقرؤ باشتراك اللفظ وقد يسمى ~~الدليل باسم المدلول ويطلق لفظ العلم على المعلوم كقوله تبارك وتعالى " ولا ~~يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء " أي بمعلومه وقال إن قرآن الفجر كان ~~مشهودا عني به الصلاة والقراءة فيها. # والجواب الحق أن الآيات التي جاء بها جبريل عليه السلام منزلا على الرسول ~~صلى الله عليه وسلم كلام الله كما أن الشخص الذي تمثل به جبريل وتراي وظهر ~~له سمي جبريل حتى يقول هذا كلام الله وهذا جبريل لأن ما أشير إليه بهاذا ~~وهاذا هو مظهره وأنت تقول كلامك هذا صحيح وغير صحيح ولا تشير إلى مجرد ~~العبارة دون المعنى بل تشير إلى العبارة على أنها مظهر المعنى وإلا فالصحة ~~والفساد إنما يدخلان على المعنى دون اللفظ والصواب والخطأ يرد على اللفظ ~~دون المعنى وقد تكون العبارة سديدة لغة ومحوا ويكون المعنى غير سديد ~~وبالعكس من ذلك ثم يشار إلى العبارة ويراد به المعنى كذلك قولنا هذا كلام ~~الله وكلام الله بين أظهرنا ولا يمسه إلا المطهرون وقوله " يتلونه حق ~~تلاوته " " إن علينا جمعه وقرآنه ms200 " راجع إلى العبارة " ثم إن علينا بيانه " ~~راجع إلى المعنى " إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون " ولو كان الكتاب من حيث ~~هو كتاب هو القرآن لما قال في كتاب وفي آية أخرى يتلونه صحفا مطهرة فيها ~~كتب قيمة فتارة كان القرآن في كتاب وتارة كان الكتاب في القرآن ومن أدرك ~~الطرفين على حقيقتهما سهل عليه التمييز بين المعنيين ثم احترام الكتاب لأجل ~~المكتوب كاحترام البيت لأجل صاحب البيت. PageV01P108 # قالت السلف والحنابلة قد تقرر الاتفاق على أن ما بين الدفتين كلام الله وأن ~~ما نقرأه ونسمعه ونكتبه عين كلام الله فيجب أن يكون الكلمات والحروف هي ~~بعينها كلام الله ولما تقرر الاتفاق على أن كلام الله غير مخلوق فيجب أن ~~تكون الكلمات أزلية غير مخلوقة ولقد كان الأمر في أول الزمان على قولين ~~أحدهما القدم والثاني الحدوث والقولان مقصوران على الكلمات المكتوبة ~~والآيات المقروءة بالألسن فصار الآن إلى قول ثالث وهو حدوث الحروف والكلمات ~~وقدم الكلام والأمر الذي تدل عليه العبارات وقد حسن قول ليس منهما على خلاف ~~القولين فكانت السلف على إثبات القدم والأزلية لهذه الكلمات دون التعرض ~~لصفة أخرى ورأها وكانت المعتزلة على إثبات الحدوث والخلقية لهذه الحروف ~~والأصوات دون التعرض لأمر ورأها فأبدع الأشعري قولا ثابتا وقضى بحدوث ~~الحروف وهو خرق الإجماع وحكم بأن ما نقرأه كلام الله مجازا لا حقيقة وهو ~~عين الابتداع فهلا قال ورد السمع بأن ما نقرأه ونكتبه كلام الله تعالى دون ~~أن يتعرض لكيفيته وحقيقته كما ورد السمع بإثبات كثير من الصفات من الوجه ~~واليدين إلى غير ذلك من الصفات الخبرية. # قالت السلف لا يظن الظان أنا نثبت القدم للحروف والأصوات التي قامت ~~بألسنتنا وصارت صفات لنا فإنا على قطع نعلم افتتاحها واختتامها وتعلقها ~~بأكسابنا وأفعالنا وقد بذلت السلف أرواحهم وصبروا على أنواع البلايا والمحن ~~من معتزلة الزمان دون أن يقولوا القرآن مخلوق ولم يكن ذلك على حروف وأصوات ~~هي أفعالنا وأكسابنا بل هم عرفوا يقينا أن لله تعالى قولا وكلاما وأمرا وإن ms201 ~~أمره غير خلقه بل هو أزلي قديم بقدمه كما ورد ذلك وفي قوله " ألا له الخلق ~~والأمر " وقوله " لله الأمر من قبل ومن بعد " وفي قوله سبحانه " إنما قولنا ~~لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون " فالكائنات كلها إنما تتكون بقوله ~~وأمره وقوله إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون وقوله وإذ قال ~~ربك وإذ قلنا قال الله هذا كله قول قد ورد في السمع مضافا إلى الله تعالى ~~أخص إضافة من الخلق فإن المخلوق لا ينسب إلى الله تعالى إلا من جهة واحدة ~~وهو الخلق والإبداع والأمر بنسب إليه لا على تلك النسبة وإلا فيرتفع الفرق ~~بين الأمر والخلق والخلقيات والأمريات. # قالوا من جهة المعقول العاقل يجد من نفسه فرقا ضروريا بين قال وفعل وبين ~~أمر وخلق ولو كان القول فعلا كسائر الأفعال بطل الفرق الضروري فثبت أن ~~القول غير الفعل وهو قبل الفعل وقبليته قلية أزلية إذ لو كان له أول لكان ~~فعلا سبقه قول آخر ويتسلسل ثم لما أجمعت السلف على أن هذا القرآن هو كلام ~~الله تعالى لم يرد مناهج إجماعهم ولم يبحث أنهم أرادوا القراءة أو المقروء ~~والكتابة أو المكتوب كما أنهم إذا وصلوا إلى تربة الرسول صلى الله عليه ~~وسلم قالوا هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وحيوا وصلوا وسلموا تسليما من ~~غير تصرف في أن المشار إليه شخصه أم روحه. PageV01P109 # وحققوا زيادة تحقيق فقالوا قد ورد في التنزيل أظهر مما ذكرناه من الأمر وهو ~~التعرض لإثبات كلمات الله تعالى حيث قال عز من قائل " وتمت كلمات ربك صدقا ~~وعدلا لا مبدل لكلماته " ثم قال " ولولا كلمة سبقت من ربك " وقال " قل لو ~~كان البحر مدادا لكلمات ربي " وقال ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام ~~والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله " وقال " ولكن حق القول ~~مني لأملأن جهنم وكذلك حقت كلمة العذاب " فتارة يجي الكلام بلفظ الأمر ~~وتثبت له الوحدة الخالصية التي لا ms202 كثرة فيها " وما أمرنا إلا واحدة كلمح ~~بالبصر " وتارة يجي بلفظ الكلمات وتثبت لها الكثرة البالغة التي لا وحدة ~~فيها ولا نهاية لها " ما نفدت كلمات الله " فله إذا أمر واحد وكلمات كثيرة ~~ولا يتصور إلا بحروف فعن هذا قلنا أمره قديم وكلماته كثيرة أزلية والكلمات ~~مظاهر الأمر للأمر والروحانيات مظاهر الكلمات والأجسام مظاهر الروحانيات ~~والإبداع والخلق إنما يبتدئ من الأرواح والأجسام أما الكلمات والحروف ~~فأزلية قديمة فكما أن أمره لا يشبه أمرنا وكلماته وحروفه لا تشبه كلماتنا ~~وهي حروف قدسية وعلوية وكما أن الحروف بسائط الكلمات والكلمات أسباب ~~الروحانيات والروحانيات مدبرات الجسمانيات وكل الكون قائم بكلمة الله محفوظ ~~بأمر الله تعالى ولا يغفل عاقل عن مذهب السلف وظهور القول في حدوث الحروف ~~فإن له شأنا وهم يسلمون الفرق بين القراءة والمقروء والكتابة والمكتوب ~~ويحكمون بأن القراءة التي هي صفتنا وفعلنا غير المقروء والذي ليس هو صفة ~~لنا ولا فعلنا غير أن المقروء بالقراءة قصص وأخبار وأحكام وأوامر وليس ~~المقروء من قصة آدم وإبليس هو بعينه المقروء من قصة موسى وفرعون وليس أحكام ~~الشرائع الماضية هي بعينها أحكام الشرائع الخاتمة فلا بد إذا من كلمات تصدر ~~من كلمة وترد على كلمة ولا بد من حروف تتركب منها الكلمات وتلك الحروف لا ~~تشبه حروفنا وتلك الكلمات لا تشبه كلامنا كما ورد في حق موسى عليه السلام ~~سمع كلام الله كجر السلاسل وكما قال المصطفى صلوات الله عليه في الوحي ~~أحيانا يأتيني كصلصلة الجرس وهو أشد علي ثم يفصم عني وقد وعيت ما قال والله أعلم. ### || AUTO القاعدة الرابعة عشرة ### || AUTO في حقيقة الكلام الإنساني والنطق النفساني # ذهب النظام إلى أن الكلام جسم لطيف منبعث من المتكلم ويقرع أجزاء الهوى ~~فيتموج الهوى بحركته ويتشكل بشكله ثم يقرع العصب المفروش في الأذن فيتشكل ~~العصب بشكله ثم يصل إلى الخيال فيعرض على الفكر العقلي فيفهم وربما يقول ~~الكلام حركة في جسم لطيف على شكل مخصوص ثم تحير في أن الشكل إذا حدث في ~~الهوى ms203 أهو شكل واحد يسمعه السامعون أم أشكال كثيرة وإنما أخذ مذهبه في هذه ~~المسئلة وغيرها من المسائل من مذهب الفلاسفة غير أنه لم يفهم من كلامهم إلا ~~ضجيجا ولم يورده نضيجا. PageV01P110 # وأما الفلاسفة فالنطق عندهم يطلق على نطق اللسان وهو حروف منظومة بأصوات ~~مقطعة في مخارج مخصوصة نظما يعبر عن المعنى الذي في النفس بحكم الاصطلاح ~~والمواضعة أو بحكم التوقيف والمصادرة ويطلق النطق على التمييز العقلي ~~والتفكير النفساني والتصوير الخيالي وهو معان في ذهن الإنسان مختلفة ~~الاعتبار فإن اعتبرت بمجرد العقل كان تمييزا صحيحا بين الحق والباطل ويلزمه ~~أن يكون معاني كلية مجردة متحدة متفقة فإن اعتبرت بمجرد النفس كان تفكيرا ~~وترديدا بين الحق والباطل حتى يظفر بالحد الأوسط فيطلع على الدليل المرشد ~~والعلة والسبب ويلزمها أن تكون ذاتية كلية أو جزئية بسيطة أو مركبة ويلزمها ~~أن تكون ذاتية أو عرضية موجبة أو سالبة موجهة أو مطلقة يقينية أو غير ~~يقينية منتجة أو غير منتجة وإن اعتبرت بمجرد الخيال كانت تقديرا أو تصويرا ~~فتارة تصوير المحسوس بالمعقول وتارة تقدير المعقول في المحسوس ويلزمها أن ~~تكون من جانب المحسوس عربيا أو عجميا أو هنديا أو روميا أو سريانيا أو ~~عبرانيا ومن جانب المعقول أن يكون بسيطا في صورة مركبة ومركبا على نعت بسيط ~~وذاتيا مع عرضي ويقينا مع وهم وأول ما يرد على السمع حرف وصوت يحصل في ~~الهوى بسبب تموج يقع بحركة شديدة تحدث من قرع بعنف أو قلع بحدة فإن كان من ~~قرع اصطك الجسمان وانضغط الهوى بشدة وحدث الصوت وإن كان من قلع انقطع ~~الجسمان وانفلت الهوى بشدة وحدث الصوت ووصل الموج إلى الهوى الراكد الذي في ~~الصماخ وانفعل به وهو مجاور للعصبة المفروشة في أقصى الصماخ الممدودة مد ~~الجلد على الطبل فيحصل فيه طنين فتشعر به القوة المودعة في تلك العصبة فيصل ~~إلى القوة الخيالية فيتصرف الخيال فيه تقديرا فيصل إلى القوة النفسانية ~~فتتصرف النفس فيه تفكيرا فيصل إلى القوة العقلية فيتصرف العقل فيه تمييزا ~~وللمعنى صعود ms204 من المحسوس المسموع إلى المعقول المعلوم صعودا من الكثرة إلى ~~الوحدة ونزول من المعقول المعلوم إلى المحسوس المسموع نزولا من الوحدة إلى ~~الكثرة والعرفان مبتدئ من تفريق ونفض وترك ورفض ممعن في جمع هو جمع صفات ~~الحق للذات المريدة للصدق ثم انتهى إلى الوحدة ثم وقوف وهذا من حيث الصعود ~~والعرفان مبتدئ من توحيد وتفكير وتمييز وتصوير ممعن في معرفة هي معرفة صفات ~~الخلق ثم انتهى إلى الكثرة ثم وقوف وهذا من حيث النزول. # وصار أبو الهذيل والشحام وأبو علي الجبائي إلى أن الكلام حروف مفيدة ~~مسموعة من الأصوات غير مسموعة مع الكتابة وصار الباقون من المعتزلة إلى أن ~~الكلام حروف منتظمة ضربا من الانتظام والحروف أصوات مقطعة ضربا من التقطيع ~~وهل يجوز وجود حروف من غير أصوات كما جاز وجود أصوات من غير حروف فيه خلاف بينهم. # وصار أبو الحسن الأشعري إلى أن الكلام معنى قائم بالنفس الإنسانية وبذات ~~المتكلم وليس بحروف ولا أصوات وإنما هو القول الذي يجده العاقل من نفسه ~~ويجيله في خلده وفي تسمية الحروف التي في اللسان كلاما حقيقيا تردد أهو على ~~سبيل الحقيقة أم على طريق المجاز وإن كان على طريق الحقيقة فإطلاق اسم ~~الكلام عليه وعلى النطق النفسي بالاشتراك. PageV01P111 # قالت الأشعرية العاقل إذا راجع نفسه وطالع ذهنه وجد من هيئة وجودها أو ~~سمعها من مبتدأها إلى منتهاها على وفق ثبوتها وتارة حديثا مع نفسه بأمر ~~ونهي ووعد ووعيد لأشخاص على تقدير وجودهم ومشاهدتهم ثم يعبر عن تلك ~~الأحاديث وقت المشاهدة وتارة نطقا عقليا إما يجزم القول أن الحق والصدق كذا ~~وإما بترديد الفكر أنه هل يجوز أن يكون الشيء كذا أو يستحيل أو يجب إلى غير ~~ذلك من الأفكار حتى أن كل صانع يحدث مع نفسه أولا بالغرض الذي توجهت إليه ~~صنعته ثم تنطق نفسه في حال الفعل محادثة مع الآلات والأدوات والمواد ~~والعناصر ومن أنكر أمثال هذه المعاني فقد جحد الضرورة وباهت العقل وأنكر ~~الأوائل التي في ذهن الإنسان وسبيله سبيل السوفسطائية ms205 كيف وإنكاره ذلك مما ~~لم يدر في قلبه ولا جال في ذهنه ثم لم يعبر عنه بالإنكار ولا أشار إليه ~~بالإقرار فوجد أن المعنى معلوم بالضرورة وإنما الشك في أنه هو العلم بنفسه ~~أو الإرادة والتقدير والتفكير والتصوير والتدبير والتمييز بينه وبين العلم ~~هين إذ العلم تبين محض تابع للمعلوم على ما هو به وليس فيه إخبار ولا ~~اقتضاء وطلب ولا استفهام ولا دعاء ولا نداء وعي أقسام معلومة وقضايا معقولة ~~وراء التبيين والتمييز بينه وبين الإرادة أسهل وأهون فإن الإرادة قصد إلى ~~تخصيص الفعل ببعض الجائزات ولا قصد في هذه القضايا ولا تخصيص وأما التقدير ~~والتفكير والتدبير فكل ذلك عبارات عن حديث النفس وهو الذي يعنى به من النطق ~~النفساني ومن العجب أن الإنسان يجوز أن يخلو ذهنه عن كل معنى ولا يجد نفسه ~~قط خاليا عن حديث النفس حتى في النوم فإنه في الحقيقة يرى في منامه أشياء ~~وتحدث نفسه بالأشياء ولربما يطاوعه لسانه وهو في منامه حتى يتكلم وينطق ~~متابعة لنفسه فيما يحدث وينطق. # ومن مذاهب المعتزلة أن المفكر قبل ورود السمع يجد من نفسه خاطرين أحدهما ~~يدعوه إلى معرفة الصانع وشكر المنعم وسلوك سبيل المحاسن والخيرات والثاني ~~يدعوه إلى خلاف ذلك ثم يختار ما فيه النجاة ويجتنب عما فيه الهلاك وذلك ~~الخاطران الداعيان المحدثان المخبران عن كلام النفس وحديثها فكيف يسوغ لهم ~~إنكار ذلك وأيضا فإن الإنسان في مراتب نظره واستدلاله يضع قولا ويرفع قولا ~~ويقسم كليا ويبطل أحد القسمين فيتعين له الثاني فتقسيمه هو بعينه حديث ~~النفس وتعيينه أحد القسمين هو بعينه حكم العقل وربما أخذ القلم وكتب مجلدة ~~من حديث فكره وشحن ديوانا من حديث نفسه ولسانه ساكت لا ينطق. # وصدق من قال: # إن الكلام لفي الفؤاد وإنما ... جعل اللسان على الفؤاد دليلا # فالعبارة والإشارة والكتابة دلالة بقرائنها تدل على أن لها مدلولا خاصا ~~متميزا عن العلم والإرادة ولكل عبارة خاصة مدلول خاص متميز عن سائر ~~المدلولات وهذا أوضح ما تقرر فإن دلالات العبارات ms206 على النطق دلالة المواضعة ~~والتوقيف ويختلف بالأمم والأمصار ودلالة الأحكام على العلم دلالة العقل فلا ~~يختلف ذلك بالأمم والأمصار ومدلول العبارات مع اختلافها مدلول واحد فإن ~~المعنى الذي يفهم من قولك الله هو بعينه المعنى الذي يفهم من خذ أي وتنكري ~~وسرنا وند إلى غير ذلك من الألفاظ فعلم من ذلك أن الكلام الذي في نفس ~~الإنسان قول محقق ونطق موجود هو أخص وصف لنفس الإنسان حتى تميز به عن سائر ~~الحيوانات ومن أنكره فقد خرج عن حد الإنسانية ودخل في حريم البهيمة وكفر ~~أخص نعم الله تعالى على نوع الإنسان. PageV01P112 # قالت المعتزلة نحن لا ننكر الخواطر التي تطرأ على قلب الإنسان وربما نسميها ~~أحاديث النفس إما مجازا وإما حقيقة غير أنها تقديرات للعبارات التي في ~~اللسان ألا ترى أن من لا يعرف كلمة بالعربية لا يخطر بباله كلام العرب ومن ~~لا يعرف العجمية لا يطرأ عليه كلام العجم ومن عرف اللسانين تارة تحدث نفسه ~~بلسان العرب وتارة بلسان العجم فعلم على الحقيقة أنها تقديرات وأحاديث ~~تابعة للعبارات التي تعلمها الإنسان في أول نشوه والعبارات هي أصول لها ~~منها تصدر وعليها ترد حتى لو قدرنا إنسانا خاليا عن العبارات كلها أبكم لا ~~يقدر على نطق لم نشك أن نفسه لا تحدثه بعربية ولا عجمية ولا لسان من الألسن ~~وعقله يعقل كل معقول وإن كان يعرى عن كل مسموع ومنقول فعلم أن الكلام ~~الحقيقي هو الحروف المنظومة التي في اللسان والمتعارف من أهل اللغة ~~والعقلاء أن الذي في اللسان هو الكلام ومن قدر عليه فهو المتكلم ومن لم ~~يقدر عليه فهو الأعجم الأبكم فعلم من ذلك أن الكلام ليس جنسا ونوعا في نفسه ~~ذا حقيقة عقلية كسائر المعاني بل هو مختلف بالمواضعة والاصطلاح والتواطؤ ~~حتى لو تواطأ قوم على نقرات وإشارات ورمزات لحصل التفاهم بها كما حصل ~~التفاهم بالعبارات. # ومن الدليل على ذلك أن الله تعالى سمى تغريد الطير وأصوات الحكل ودبيب ~~النمل كلاما وقولا حتى قال سليمان بن داود عليهما ms207 السلام " علمنا منطق ~~الطير وقالت نملة وقال الهدهد أحطت بما لم تحط به " ومثل ذلك يجري مجازا في ~~الجمادات أيضا " قالتا أتينا طائعين " " يا جبال أوبي معه والطير " " يسبح ~~الرعد بحمده " ويعبر عن أحوال دلالاتهم على وجود الصانع بالتسبيح والتأويب ~~وعن استعدادهم لقبول فعله وصنعه بالطوع والرغبة قولا وذلك كله يدل على أن ~~الكلام ليس نوعا من الأعراض ذا حقيقة عقلية كسائر الأعراض بل نطلقه على ~~النطق الذي في اللسان بحكم المواضعة والمواطأة والإنسان قد يخلو عنه وعن ~~ضده وتبقى حقيقته إنسانيته فإنه إنما يتميز عن الحيوانات بصورته وشكله لا ~~بنفسه أو عقله ونطقه وقوله وأنتم يا معشر الأشاعرة انتهجتم مناهج الفلاسفة ~~حيث حددتم الكلام بالنطق النفسي كما حدوا الإنسان بقولهم الحيوان الناطق ~~وجعلوا النطق أخص وصف الإنسان تميز به عن سائر الحيوانات وجعلوه الفصل ~~الذاتي ويلزمكم على مساق ذلك أن تكون النفس الناطقة هي الإنسان من حيث ~~الحقيقة والبدن يكون آلة وقالبا لها ثم يلزم منه أن يكون الخطاب والتكليف ~~على النفس والروح دون البدن والجسد وأن يكون المعاد للأرواح والنفوس ~~والثواب والعقاب لها وعليها وذلك طي لمسالك الشريعة وغي في مهالك الطبيعة. # قالت الأشعرية الذي يشعر به نفس الإنسان معان مختلفة الحقائق وراء ~~التمييز العقلي والتصوير الخيالي فإن التمييز العقلي حكم جزم بأن الأمر كذا ~~وأن الحق في القضية كذا والتصوير الخيالي تقدير ما سمعه من العبارة من ~~العربية والعجمية كما ذكرتم وليس فيه حكم ونفي الأمر الأوسط وهو التدبير ~~النفساني الذي لا يعدمه كل ذي عقل ونفس من الإنسان سواء عدم النطق اللساني ~~أو لم يعدم. PageV01P113 # ومن البرهان على ذلك سوى الإحساس الذي لا ينكره إلا معاند جاحد أن كل عاقل ~~مكلف بالنظر والاستدلال حتى يحصل لنفسه المعرفة بوحدانية الصانع ولن يتأتى ~~الفكر والنظر إلا بترديد الخاطرين في جهات الإمكان وتدبير الأوائل التي هي ~~بدائه العقل بالثواني والثوالث في ترتيب المقدمات القياسية والتمييز فيها ~~بين اليقيني والجدلي والخطابي والشعري ثم التدرج من ذلك الترتيب المخصوص ~~والشكل الموصوف ms208 المعين إلى النتيجة التي هي المطلوبة وهذا التردد لن يتأتى ~~إلا بأقوال عقلية ونطق نفساني يكون اللسان معبرا عنها تارة بالعربية وتارة ~~بالعجمية إن كان منطقيا وبالإشارة والإيماء إن كان أيكم فعلم من ذلك أن ~~الذي حصل في الخيال غير والذي حصل في النفس غير وأن الذي حصل في العقل غير ~~ومن أمكنه التمييز بين هذه الاعتبارات سهل عليه تقدير النطق النفساني ~~والقول بأن ذلك المعنى جنس ونوع من المعاني له حقيقة لا تختلف والذي في ~~الخيال واللسان ليس جنسا ونوعا حقيقيا ثابتا بل يختلف ذلك بحسب الاصطلاح ~~والمواضعة وعلى إمكان التعبير من حال إلى حال ومن شخص إلى شخص ومكان إلى ~~مكان وذلك ليس كلاما حقيقيا ولا نوعا متنوعا ويتبعه الذي في الخيال من ~~الصور والأشكال عن الحروف والكلمات التي في السمع وعن المبصرات والمدركات ~~التي في البصر لكن المعاني التي في النفس حقائق موجودة تتردد فيها النفس ~~بنطقها الذاتي وتمييزها العقلي وهذا لا ينكره إلا من أنكر نفسه وعدم حديثه وحسه. # وقولهم يجوز أن يحصل التفاهم بالنقرات والرمزات كما يحصل بالعبارات. # قلنا وهذا من الدليل القاطع على أن الذي في اللسان كلام مجازي فإن ~~التفاهم حاصل بغيره والفهم نطق نفساني دون العلم العقلي فإن الإنسان يجوز ~~أن يفهم باطلا وينكره بعقله فالفهم غير ذلك فالفهم غير والعلم غير وذلك ~~الفهم مدلول كلام القائل فقط وهو نطق مجرد نفساني ومحاورة فكرية إذ يديره ~~في خلده فيجيب عنه تسليما له واعتراضا عليه وربما يكون معنى في الذهن يبسط ~~ويشرح في العبارة وربما يكون معاني كثيرة تقبض وتختصر في اللفظ وبالجملة ~~مدلولات العبارات والإشارات نطق نفساني بخلاف مدلولات أصوات البهائم وتغريد ~~الطير فإنها وإن حصل بها التفاهم الخيالي فلم يحصل بها الفهم النفساني حتى ~~تتصرف فيما سمعته بالكلية والجزئية والموجبة والسالبة والذاتية والعرضية ~~فقد عدمت تلك النفوس ما هو من خواص النفس الإنسانية وعدمت أيضا ما هو من ~~خواص العقل الإنساني من الاعتبارات الكلية التي له والأحكام الجزئية التي ~~إليه وبالجملة ms209 فهي عادمة الكليات واجدة الجزئيات فلم تكن أصواتهم وألحانهم ~~قولا ونطقا وما ورد في التنزيل من نسبة الكلام إلى أمثالهم فهو محمول على ~~أحد وجهين أحدهما أنه أعطاهم عقلا وأنطقهم حقيقة بحرف وصوت وجعل ذلك معجزة ~~لذلك النبي الذي هو في زمانه والثاني أنه أجرى على لسانهم وهم لا يعرفون ~~كلاما ففهمه نبي ذلك الزمان من غير أن يشعر به المتكلم من الوحش والطير كما ~~أجرى على ذراع الشاة لا تأكل مني فإني مسمومة. # وأما نسبة صاحب هذه المقالة إلى الفلاسفة والتشنيع عليه بأنه يودي إلى ~~كون النفس جوهرا روحانيا غير جسم وإن الخطاب يتوجه عليه وإن الثواب والعقاب ~~له فهو سؤال لا يستحق الجواب والمعاني العقلية إذا لاحت حسية كالشمس وجب ~~اعتقادها ولزم اعتقالها من غير التفات إلى مذهب دون مذهب وقد قالت الفلاسفة ~~النفس الإنساني عندنا بالمعنى الذي يشترك فيه الإنسان والحيوان والنبات أنه ~~كمال أول لجسم طبيعي متحرك آلي ذي حياة بالقوة وبالمعنى الذي يشترك فيه ~~الإنسان والملك أنه جوهر غير جسم هو كمال أول لجسم طبيعي محرك له بالاختيار ~~عن مبدأ نطقي عقلي بالفعل وبالقوة فالذي بالفعل هو خاصة النفس الملكية ~~والذي بالقوة هو فصل النفس الإنساني فالنطق فصل ذاتي على كل حال سواء كان ~~بالقوة والاستعداد أو كان بالفعل والوجود ومن عدم المعنيين كان فصله الذاتي ~~عجمة إما صاهل أو ناطق أو هادر أو فصل آخر. PageV01P114 # قالوا ولا بد من إثبات النفس وإثبات جوهريته أولا حتى يصح إثبات النطق ~~العقلي له ثانيا والأشعري إن وافق المعتزلة على أن نفي الروح والنفس جوهرا ~~بلا عرض لا يبقى زمانيين وهو الحياة فقط فهو كالمعتزلي إذا وافق الطبيعي ~~منا على أن النفس ليس جوهرا روحانيا لا يقبل الاستحالة بل هو جسم قابل ~~للكون والفساد وعرض تابع للمزاج ولا فرق بين قولهم مستحيل أي متغير حالا ~~فحالا وبين قولهم لا يبقى زمانين أي موجود حالا فحالا. # وأما الفلاسفة الإلهيون فقد دلوا على وجود النفس من جهة إدراكها ومن جهة ms210 ~~أحوالها أما الأفعال فأخص أفعالها بعد خروجها عن حد الاستعداد والانفعال ~~التردد بين القضايا العقلية طلبا للدليل على المدلول وعثورا على العلة ~~المقتضية للوجود أعني وجود المطلوب أو الاعتقاد بالوجود حتى يرد الثواني ~~إلى الأوائل والثوالث إلى الثواني ويستدل بأمر خاص في ذهنه على أمر مستحضر ~~ويتوصل بمعنى حاصل إلى معنى مستحصل وذلك من أخص أفعال النفس الإنسانية ليس ~~لغيرها فيه نصيب وشركة ومن خواص أفعالها أنها إذا خرجت من القوة إلى الفعل ~~عقلا وعلما أو خلقا وعملا أخرجت غيره من النفوس الإنسانية من القوة إلى ~~الفعل حتى تصير صورتها مشابهة لصورة المخرج كالمعلم للقراءة يخرج نفس الصبي ~~من قوة الاستعداد إلى فعل القراءة حتى يصير قارئا مثله وكالمعلم للحكمة ~~يخرج نفس المتعلم من قوة الصلاحية إلى فعل الحكمة حتى يصير حكيما مثله ~~وكالمعلم للصناعات البشرية الخاصة بنوع الإنسان يخرج نفوس المتعلمين من ~~القوة إلى الفعل حتى يصير صانعا مثله وليست هذه الخاصية أيضا لنوع من ~~الحيوانات لأن ما لها بالطبع والفطرة فهي لمواليدها كذلك فهذا المعنى فضيلة ~~النفس الإنسانية وانفصلت وإليه الإشارة بقوله تعالى " وعلم آدم الأسماء ~~كلها " الآية وكان له قوة القبول وقوة الأداء في طرفي العلم والعمل ومن ~~خواص أفعالها أنها حيثما كثرت أفعالها ازدادت قوة وكمالا وغيرها من النفوس ~~والأجسام وقواها الجسمانية حيثما كثرت أفعالها ازدادت ضعفا وكلالا. # ومن خواص قواها وأفعالها أن كل قوة جسمانية فهي متناهية الأثر إلى حد ~~معلوم والقوة على ما لا يتناهى لا يتصور في الجسم بخلاف القوة العقلية ~~النفسانية فإنها تقوى على ما لا يتناهى إذ ما يمكن أن تدركه النفس الناطقة ~~من المحسوسات والمعقولات ليست محصورة فيستحيل أن يكون ذاتها ذاتا جسمانيا ~~وقواها قوى جسمانية. # وأما خواصها من جهة إدراكها فأخص إدراكاتها أنها تدرك ذاتها بذاتها وأن ~~ذاتها لا تعزب عن ذاتها وتراها تغفل عن كل شيء تقديرا سوى ذاتها حتى النائم ~~والسكران يغفل عن كل شيء سوى ذاته ثم المدرك من ذاته ليس بآلة جسمانية أو ~~نفسانية لأنا ms211 فرضناها غافلة عن كل شيء سوى ذاتها والمدرك ليس جسما أو جزءا ~~من جسم فإنا في الفرض المذكور أغفلناها عن كل شيء سوى ذاتها فهي مدركة ~~ومدركة وعاقلة ومعقولة لا يحجبها عن ذاتها شيء البتة ونفس إدراكها نفسها لا ~~كالحواس فإنها لا تدرك ذاتها بذاتها ولا كالمدرك بالآلات إذا أصابت الآلة ~~آفة بطل إدراكه أو ضعف ولا كالمدرك بآلة إذا أدرك شيئا قويا لم يمكنه إدراك ~~الضعيف بل هي تدرك الضعيف بعد القوي والخفي بعد الجلي ولا كما يضعف بامتداد ~~الزمان ويبليه ممر الدهور والحدثان فإنه ربما يقوى في الكبير ويضعف في ~~الصغير فهذه كلها من خواص النفس الإنسانية نحس من أنفسنا ضرورة أن الأمر ~~كذلك من غير احتياج إلى برهان يقام عليه والمعاني الضرورية إذا احتال المرء ~~فيها لطلب برهان عليها ازدادت خفاء وانتقصت جلاء. # ثم البرهان القاطع على أن النفس ليس بجسم ولا قوة في جسم أن العلم المجرد ~~الكلي لا يجوز أن يحل في جسم وكل ما لا يجوز أن يحل في جسم فإذا حل حل في ~~غير جسم فالعلم المجرد الكلي إذا حل حل في غير جسم. PageV01P115 # أما المقدمة فنثبتها بناء على أن كل جسم منقسم وما حل في منقسم يجب أن يكون ~~منقسما ونثبتها بناء على أن كل جسم فمركب من مادة وصورة والمعنى الوحداني ~~الكلي بالذات لا يحل في مركب ونثبتها بناء على أن كل جسم فهو ذو وضع وقدر ~~وشكل وحيز وكل ما حل في ذي قدر ووضع فيكون له نسبة وقدر وهيئة ووضع والمعنى ~~المعقول المجرد في نفس الإنسان مجرد عن القدر والوضع فتجرده إما أن يكون ~~باعتبار محله أو باعتبار ما منه حصل وباطل أن يكون تجرده بما منه حصل فإن ~~الإنسان يتلقى حد الإنسان وحقيقته من إنسان شخصي له قدر مخصوص لكن الحس ~~تجرده نوع تجريد عن المادة فإن المادة لا تدخل في الحس بل التماثل الذي ~~يطابقه يرتسم فيه والخيال يجرده تجريدا أشد فإن الحس يناله وهو حاضر ~~والخيال ms212 يناله وهو غائب والفكر يجرده تجريدا أشد فإن الخيال يناله مع ~~غبوبيته شخصيا جزئيا والفكر العقلي يتصوره مجردا فيتصوره العقل كليا واحدا ~~مبرأ من الوضع والقدر مجردا عن المادة والشكل فتجرده بما هو مجرد وتفرده عن ~~العلائق المادية بما هو مفرد فدل إدراكه المعقول على هذا الوجه المذكور على ~~أن ذات النفس الناطقة العاقلة لا تنقسم إلى جزء وجزء ولا تتركب من مادة ~~وصورة ولا توصف بوضع ومقدار وشكل وحيز وذلك ما أردنا بيانه. PageV01P116 # وأما امتياز النفس الإنسانية عن الأجسام وقواها وسائر النفوس المزاجية من ~~جهة حالاتها فإحدى حالاتها وهي على مراتب فمنها حركاتها من قوة الاستعداد ~~العلمي والعملي إلى الكمال ولما لم تكن هيولى عقلها الهيولاني على مثل ~~هيولى سائر الأجسام لم تكن حركاتها من القوة إلى الفعل على مثل تلك الحركات ~~بل أولى صورة لبستها الهيولى الجسمانية هي الأبعاد الثلاثة من الطول والعرض ~~والعمق وأولى صورة لبستها الهيولى النفسانية هي الأحوال الثلاثة من العقل ~~المستفاد والعقل بالملكة والعقل بالفعل على ترتيب الأول والثاني والثالث ~~وإنما يتصور ذلك الترتيب إذا كان ثم تحرك من مبدأ إلى كمال وإنما تتصور ~~الحركة حيث يتحقق ثم زمان وهاهنا للنفس حالة أخرى غير زمانية وراء الأحوال ~~الثلاثة وهي حالة المنام فإنك لا تشك في نفسك أنك ترى في المنام الصادق ~~أحوالا كثيرة من حضورك في قصورك وترددك بين رباع وديار وتقلبك بين أشجار ~~وجنات وأنهار ومكالمتك كلاما كثيرا من سؤال وجواب وخبر واستخبار وقصة طويلة ~~لو عبرت عنها في اليقظة لوسعتها أوراق وضاق عن بسطها بيان وبنان وكل ذلك في ~~لحظة واحدة كأنها طرفة عين وكما غفوت رأيت جملة من ذلك ثم يعبر عنها ~~بعبارات كثيرة وربما يظن أن مثاله مثال انطباع صورة في المرآة في لحظة وهذا ~~إن صدق مثالا في الصورة المبصرة فكيف يصدق في الكلام الكثير من السؤال ~~والجواب فإنها لا تنطبع معا في المرآة إذ لا بد من تعاقب حروف ولا بد ~~للتعاقب من أزمنة متتالية حتى تدركها النفس ms213 وقد يرى الرائي في المنام أنه ~~ختم القرآن ويذكر انتقالات ذهنه من سورة إلى سورة ومن آية إلى آية كل ذلك ~~خطرة ولحظة فيعلم من ذلك ضرورة أن المدرك لذلك لو كان جسما أو قوة في جسم ~~لاستدعى محلا لهذه الإدراكات تتعاقب عليه المعاني والصور وتتتالى عليه ~~الآيات والسور ويستدعي ذلك التعاقب زمانا وأوقاتا وتقدما وتأخرا فاطلع من ~~ذلك على أن النفس ليست من جنس الأجسام والأجرام فإن إدراكاتها التي لها ~~بالذات ليست من جنس الإدراكات الحسية بالآلات الجسمانية وأنها فوق المكان ~~والزمان جوهرا وإدراكا وليست هذه الحالة مخصوصة بالمنام بل وفي حالة اليقظة ~~لها ثلاثة أحوال أحدها أن يرتسم فيها صورة المعلومات مفصلة مسئلة مسئلة ~~والثانية أن ترتسم فيها جملة غير مفصلة لكن يحصل لها قوة وهيئة تقوى بها ~~على تلك المسائل والثالثة أن يحصل لها من العقل بالفعل والملكة في الفعل ~~أنه إذا سمع كلاما في المناظرة مشتملا على شبهة وقع في خاطره جواب ذلك في ~~أوحى ما يقدر وأسرع ما ينتظر كأنه معنى واحد ثم يعبر عنه بعبارات كثيرة ~~ويبسطه بسطا واسعا يشمل أوراقا ويملأ أسماعا فتحدس من ذلك أن النفس ~~الإنسانية لو كانت من جملة الأجسام لما كان حالها كما وصفنا ولو كانت من ~~عداد سائر النفوس الحيوانية المزاجية لما كان إدراكها إدراكا غير زماني ~~وحال اليقظة فيما ذكرنا بحال الأنبياء أشبه وحال المنام بحال الأولياء أقرب ~~فقد تبين مما ذكرنا أن النفس الإنسانية ليست من شبح الأجسام التي تتناهى ~~بالحدود وتنقسم بالقسم وإن النطق الذي لها ليس من جملة النطق اللساني الذي ~~يختلف بالأمصار والأمم وأنها هي الأصل في الإنسانية والمخاطبة بالأحكام ~~التكليفية. # اعترض عليهم معترض من وجوه ثلاثة أحدها اعتراض على الحدود والرسم الذي ~~ذكروه والثاني اعتراض على خواص أفعالها والثالث اعتراض على إدراكاتها ~~وأحوالها وردها إلى مدرك آخر. PageV01P117 # أما الأول فقولهم حد النفس بالمعنى الذي يشاركه النفس الحيوانية والنباتية ~~أنه كمال جسم طبيعي آلي ذي حياة بالقوة قيل أولا ما المعنى بالكمال الذي ms214 ~~ذكرتموه أهو جزء من جسم أم عرض في جسم أم أمر آخر وراء الجسم فإنكم ذكرتم ~~أنها بالمعنى الذي يشترك فيه الإنسان والملك وهو جوهر وراء الجسم والكمال ~~الذي وضعتموه موضع الجنس لفظ مشترك قد أطلق تارة بمعنى جزء وقوة أو عرض ~~وأطلق تارة بمعنى آخر هو وراء الجسم فمن الوجه الذي يشاركه الحيوان والنبات ~~لم يشاركه الملك ومن الوجه الذي يشاركه الملك لم يشاركه الحيوان ولفظ ~~الكمال واحد وقد أطلق إطلاق الجنس لا بالتواطؤ بل بالاشتراك على أن الكمال ~~من وجه آخر لفظ مشترك فإنه يطلق على المعنى الذي يقابله القوة ويعنى به ~~الفعل والوجود ويطلق على المعنى الذي يقابله المبدأ ويعنى به الغاية ~~والتمام ويطلق على المعنى الذي يقابله النقص والعيب ويعنى به السلامة ~~والألفاظ المشتركة لا تصلح ولا تستعمل في الحدود والرسوم ثم قلتم كمال جسم ~~فقد أضفتموه إلى الجسم أما إضافة على سبيل اللام وأما إضافة على سبيل من ~~وكمال الشيء ينبغي أن لا ينفصل عن الشيء فإنه إن انفصل عنه بجوهر لم يكن ~~كمالا له فالنفس إذا مكمل الجسم الطبيعي لا كمال له ثم النفوس بجواهرها ~~تنقسم على رأي إلى خيرة بالذات والجوهر وإلى شريرة بالذات والجوهر فالتي هي ~~خيرة كمالات ومكملات للأجسام الطبيعية الآلية حتى تستعملها في جهات الخير ~~فكيف يسوغ لنا أن نحكم بأن الشريرة كمالات ومكملات للأجسام الطبيعية الآلية ~~حتى تستعملها في جهات الشر فإن الأمر يتناقض فيه وإطلاق لفظ الكمال هاهنا سمج. # وأما الاعتراض الثاني على خواص الأفعال التي ذكروها هو أنا نسلم كلما ~~قرروه ولكنا نقول بم تنكرون على من رد ذلك كله إلى كمالية التركيب في ~~المزاج وخاصية التأليف الواقع بين الأمشاج إذ عرف من خواص الجوهر غرائب ~~أفعال وعجائب أحوال لا يرتقي إليها الوهم ولا يرتمي نحوها العقل والفهم من ~~تسكين وتحريك وحل وعقد وتنمية وأذبال وجذب وإرسال وتشخير وتدبير وحب وبغض ~~وتصحيح وإمراض وإحياء وإماتة ما يقضي منه العجب ألا ترى من خواص الأحجار ~~وخواص النبات والأشجار ms215 وهدايات الحيوانات إلى مصالحها ما لا يقصر في الدرجة ~~عن خواص النفس الإنسانية ألا تعتبر من تأليفات الأعداد المجردة عن المادة ~~مثل أعداد الوفق وغيرها كيف يؤثر في الأجسام حتى قيل أن النفس الإنسانية ~~عدد تأليفي كل ذلك من كمالية التأليف والتركيب وكما أن الأجرام البسيطة بما ~~هيأتها ذوات خواص كذلك المركبات بتأليفها ذوات خواص فبتأليف أكمل ترتقي ~~المعادن والنبات على العناصر وبتأليف أفضل يرتقي الحيوان والإنسان على ~~المعادن والنبات فما دليلكم أن هاهنا سوى التأليف الأفضل والتركيب الأكمل ~~نفسا روحانية فإن جميع الخواص التي عددتموها يمكن حملها على كمالية التركيب ~~فقط سوى شيء واحد وهو إدراكه للكليات والأمور التي لها وحدانية بالذات حيث ~~يلزم انقسامها بانقسام المحل وذلك هو المحال. PageV01P118 # الاعتراض الثالث فنقول أولا أنتم مطالبون بأن كل عرض حل في محل انقسم ~~بانقسام المحل ضرورة فإن هذه القضية عندنا ليست ضرورية بل لما توهم في ~~الألوان والأشكال أنها تنقسم بانقسام المحل أجري حكم ذلك في الكل فمن ~~الأعراض ما ينعدم بانقسام المحال كالمماسة والتأليف ومنها ما لا ينعدم ~~فيقوم بجزء منه قيامه بالكل وعند المتكلم العلم الواحد لا يقوم إلا بجزء ~~واحد وانعكس الأمر عليكم فنقول إن كان انقسام المحل يوجب انقسام العرض ~~فاتحاد العرض يستدعي اتحاد المحل وأنتم إذا سلمتم معنى وحداني الذات لا ~~ينقسم بوجه فيلزمكم أن تثبتوا محلا له وحداني الذات لا ينقسم أليست النقطة ~~عرض وهو شيء ما لا ينقسم بوجوه فيلزمكم أن تثبتوا محلا له وحداني الذات لا ~~ينقسم من الجسم ومحلها من الجسم وجب أن لا ينقسم على أنا نلزمهم أمرا لا ~~جواب لهم عنه وهو أن هذا المعنى الكلي الواحد الذي يدركه العقل أيبقى مع ~~العقل محفوظا مذكورا بالفعل أبد الدهر أو يجوز أن يغفل عنه العقل ولا حاصل ~~للقسم الأول فإن الإنسان يجد من نفسه غفلته عن المعقولات المحصلة فيبقى ~~متحفظا في خزانة الحفظ وهي قوى جسمانية إن جاز أن يحفظها كلية فلم لا يجوز ~~أن يكون قوة جسمانية يحصلها ms216 كلية فإن حفظ المرتسم في النفس كنفس الارتسام ~~أم تبقى محفوظة في غير خزانة الحفظ وهو العقل المفارق الفياض عليه كما قيل ~~أنه يصير له كالخزانة الحافظة متى طالعه أشرف عليه ثانيا وأفاده الصورة ~~الأولة بعينها فيذكره ما قد نسي ويذكر ثانيا ما قد أغفل فيلزم على مقتضى ~~ذلك إشكالان أحدهما أن الصورة المفصلة كيف ترتسخ في ذات واهب الصور مفصلة ~~حتى تكون لزيد عنده صورة ولعمرو صورة وهو يحفظ الكل مفصلا منقسما متعددا ~~متمايزا بعضها عن بعض بالكم والكيف وهو أحدي الذات واسع الإفاضة عام ~~الإضافة وهذا من أمحل المحال والإشكال الثاني أن الذي تصورتم في جانب الحفظ ~~فيتصور في جانب الإدراك الأول حتى تحكموا بأن المدرك للكليات هو العقل ~~الفعال كما أن الحافظ هو وليس إلى النفس الإنسانية إلا تركيب القضايا ~~وتأليف المقدمات ورفع الحجب ثم يكون العقل مدركا كما كان حافظا والإنسان ~~يكون مدركا بإدراك في ذات العقل الفعال كما كان حافظا بحفظ في ذات العقل ~~الفعال فيكون العقل الانفعالي حاصلا له كما كان العقل الفعلي حاصلا منه ~~وتكون نسبة العقول الجزئية إليه في العرض عليه نسبة الحواس الباطنة إلى ~~العقل الإنساني في العرض عليه وهذا موضع إشكال وشك عظيم وربما يستوفي شرحه ~~في المباحثات التي بيننا وبين الفلاسفة إن شاء الله. ### || AUTO القاعدة الخامسة عشر ### || AUTO في العلم بكون الباري تعالى سميعا بصيرا # ذهب أبو القاسم الكعبي ومن تابعه من البغداديين إلى أن معنى كونه سميعا ~~بصيرا أنه عالم بالمسموعات والمبصرات لا زائد على كونه عالما بالمعلومات ~~ووافقه جماعة من النجارية ومن قال من المعتزلة أنه سميع بصير لذاته فمذهبه ~~مذهب الكعبي لا غير ومن قال منهم أن المعنى بكونه سميعا بصيرا أنه حي لا ~~آفة به فمذهبه بخلاف مذهب الكعبي وهو الذي صار إليه الجبائي وابنه ومنهم من ~~صار إلى أن معنى كونه سميعا بصيرا أنه مدرك للمسموعات والمبصرات وذلك زائد ~~على كونه عالما. # وذهب أبو الحسن الأشعري رحمه الله إلى أنه تعالى سميع بسمع ms217 بصير ببصر ~~وهما صفتان قائمتان بذاته زائدتان على كونه عالما. # ودليله في ذلك أن الحي إذا قبل معنى وله ضد ولا واسطة بين الضدين لم يخل ~~عنه أو عن ضده فلو لم يتصف بكونه سميعا بصيرا لاتصف بضدهما وذلك آفة ونقص ~~وهذه المقدمات تحتاج إلى إثبات فلا بد من البرهان على كل واحدة منهما. # أما المقدمة الأولى فالدليل عليها أن المصحح لقبول السمع والبصر شاهدا هو ~~كون الإنسان حيا إنا عرفنا ذلك بطريق السبر إذ لو كان المصحح وجوده أو ~~حدوثه أو قيامه بالنفس أو غير ذلك من الأوصاف كان منتقضا على الفور فبقي ~~كونه حيا والباري تعالى حي فلزم القضاء بكونه موصوفا بالسمع والبصر لتعاليه ~~عن قبول الآفات والنقائص وليس منكر صحة قبول السمع والبصر أسعد حالا ممن ~~يزعم أن الباري تعالى لا يتصف بالعلم وضده مصيرا إلى استحالة اتصافه ~~بحكميهما. # فإن قيل ما الدليل على أنه إذا لم يتصف بالسمع والبصر يجب أن يتصف ~~بضدهما. PageV01P119 # قيل كل ما دل على استحالة عرو الجوهر عن المتضادات فهو دليل على ذلك وقد ~~سبق القول فيه. # فإن قيل ما الدليل على أن الاتصاف بضد السمع والبصر من النقائص. # قيل لما علم أن السمع والبصر من صفات المدح فذلك دليل على أن الاتصاف ~~بأضداد ذلك نقائص وآفات ويجب تعاليه عنها وقد وصف الرب تعالى نفسه بالسمع ~~والبصر على وجه التمدح كما وصف نفسه عالما قادرا حيا على وجه التمدح فلولا ~~أنهما صفتا مدح لما تمدح بهما فيلزم أن يكون ضدهما صفتا ذم ونقص والنقص ~~دليل الحدوث ولو قدرنا الإدراك صفة زائدة على العلم أو قلنا أنه العلم ففي ~~نفيه نقص وقصور فلن يتحقق نقص إلا ممكنا محتاجا إلى مكمل لتعود الذات إلى ~~الكمال وذات الباري تعالى وصفاته منزهة عن شوائب الإمكان ولا نقص في ذاته ~~وصفاته. # قال الكعبي إنما يصح لكم إثبات الإدراك غائبا بعد إثباته شاهدا ونحن لا ~~نساعدكم أن السمع والبصر إدراكان زائدان على العلم . # أما الكعبي فقد قال الذي ms218 يجده الإنسان من نفسه إدراكه للمسموع والمبصر ~~بقلبه وعقله ولا يحس بصره بالمبصر بل يحس المبصر ويسمع السامع لا الأذان ~~وذلك هو العلم حقيقة ولكن لما لم يحصل له ذلك العلم إلا بوسائط بصره سمي ~~البصر حاسة وإلا فالمدرك هو العالم وإدراكه ليس زائدا على علمه. # والدليل على ذلك أن من علم شيئا بالخبر ثم رآه بالبصر وجد تفرقة بين ~~الحالتين إلا أن تلك التفرقة ليست تفرقة جنس وجنس ونوع ونوع بل تفرقة جملة ~~وتفصيل وعموم وخصوص وإطلاق وتعيين وإلا فشعور النفس بهما في الحالتين واحد. # قال ولو كان المدرك مدركا بإدراك للزم أن يحضر عند الحاسة السليمة قينة ~~تلعب وإنعام تسرح وطبول تضرب وصور تنفخ فيه وهو لا يراها ولا يسمعها إذ لم ~~يخلق له إدراك ذلك وكذلك يجوز أن يرى الشخص البعيد ولا يرى القريب لأنه خلق ~~له إدراك البعيد دون القريب وقد علمنا ضرورة أن الأمر على خلاف ذلك. # وقال الجبائي أن الحي إذا سلمت نفسه عن الآفة سمي سميعا بصيرا ولا معنى ~~للإدراك شاهدا وغائبا إلا ذلك. # والدليل عليه أن الذات إذا سلمت أدركت كل معروض عليها من المتماثلات ~~والمختلفات وإدراكها السواد كإدراكها البياض ولو كان مدركا بإدراك لجاز أن ~~يدرك بعض الأشياء دون بعض مما يقابل المدرك فكان يجوز أن يدرك بياضا ولا ~~يدرك سوادا وهما متقابلان للحاسة في حالة أو حالتين متعاقبتين كما أن ~~العالم منا جاز أن يعلم شيئا دون شيء. # قالوا وإن سلمنا ثبوت الإدراك في الشاهد فلم نسلم أن المصحح مجرد كون ~~الحيوان حيا فقط وهاهنا شرط آخر وهو حصول البنية وشرط للشرط وهو توسط الهوى ~~المضيء بين المبصر والمبصر والهوى الصافي بين السمع والمسموع كما شرطنا في ~~الشم واللمس والذوق اتصال الأجرام ومماستها بالاتفاق وإذا استدعت الثلاث من ~~الحواس شرطا حتى يتحقق الإدراك ولأجل ذلك امتنع إثباته غائبا كذلك الحاستان ~~الباقيتان استدعتا شرائط أخر سوى كونه حيا حتى يتحقق الإدراك فأنتم مدفوعون ~~إلى إقامة الدليل على حصر الشرائط في كونه ms219 حيا فقط وإلا فارفعوا كون الحياة ~~شرطا كما رفعتم كون البنية وتوسط الهوى شرطا واجعلوا وجود الحياة شرطا من ~~حيث العادة لا من حيث الضرورة كما جعلتم البنية شرطا من حيث العادة وهذا ~~الموضع من مشكلات مسائل الإدراكات. PageV01P120 # قال الأشعري الإدراكات من قبيل العلوم على قول ورأي وهو جنس آخر على قول ~~فمن قال بالقول الأول فيقول هو مماثل للعلوم ولا يفترقان إلا في أن أحد ~~العلمين يستدعي تعيين المدرك والعلم من حيث هو علم لا يستدعي تعيين المدرك ~~فلا جرم بقول العلم يتعلق بالمعدوم والإدراك لا يتعلق به إذ المعدوم لا ~~يتعين ولا تظنن أن هذا الرأي هو مذهب الكعبي فإنه لم يثبت لإدراك معنى أصلا ~~والأشعري أثبت له معنى وقال هو من جنس العلوم فعلى هذا القول الرب تعالى ~~سميع بصير بإدراكين هما علمان مخصوصان وراء كونه عالما هو مدلول الأحكام ~~والإتقان ومن قال بالقول الثاني استدل بأن العلم بالشي إذا أضيف على علم ~~آخر به واتحد المتعلق واستوى العلمان في صفات النفس لم يتصور اختلافهما ~~فلما وجدنا في أنفسنا اختلافا بين العلم والإدراك وأحسسنا تفرقة بين ~~المعلوم خبرا وبين المرئي عيان مع اتحاد المتعلق واستواء الأمر في الحدوث ~~علمنا أن الجنسين مختلفان وأيضا فإن الأكمه لو أحاط علما بما أحاط به ~~البصير حصل له كل علم سوى الإدراك فدل أنه زائد على العلم على أن هذا يشكل ~~بقاعدة من لم يجعل البنية شرطا فإنه جوز أن يخلق الله تبارك وتعالى الروية ~~في القلب والعلم في البصر فحينئذ يلتبس العلم بالإدراك ويلزم أن يسمع ~~السامع بالبصر ويبصر بالسمع ويشم بحاسة الذوق ويذوق بحاسة الشم ويلزم أن ~~تكون حاسة واحدة هي سامعة مبصرة شامة ذائقة لامسة وإنما اختص كل إدراك ~~بحاسة خاصة في خلقه وكذلك يجوز أن تكون أمور حاضرة لا نحسها وأمور غائبة ~~نبصرها ولكن العادة الجارية أمنتنا من ذلك أليست الملائكة كانت تحضر مجلس ~~النبوة والقوم حضور والأعين سليمة وهم لا يبصرون أليست الشياطين والجن ~~يطوفون في ms220 البلاد ويسرحون في الأرض وإن إبليس هو يرانا وقبيله من حيث لا ~~نراه فبطلت تلك التهويلات والتشنيعات التي ألزمها الخصم. # وأما جواب الجبائي عن القاعدة التي صار إليها من حد السميع والبصير أنه ~~الحي الذي لا آفة به قيل أطلقت القول بنفي الآفة وذلك بالاتفاق ليس بشرط ~~فإن السميع والبصير قد يكون ذا آفة وذا آفات كثيرة فلا بد وأن يخص نفي ~~الآفة بمحل الإدراك ثم تلك الآفة يجب أن تكون مانعة من الإدراك فقد أثبت ~~الإدراك من حيث نفاه ثم الذي يحسه الإنسان من نفسه معنى موجود لا نفي محض. # وقولهم لا آفة به نفي محض فلا يتصور الإحساس به ويستحيل أن ترجع التفرقة ~~بين حالتي الإدراك وعدم الإدراك إلى عدم محض فحينئذ تنعدم التفرقة فإن ~~التفرقة بالعدم وعدم التفرقة سوي. # ثم نقول نحن نجد تفرقة ضرورية بين كون الإنسان سميعا وبين كونه بصيرا ~~وهما متفقان في أن معنى كل واحد منهما أنه حي لا آفة به فهذه التفرقة ترجع ~~إلى ماذا فلا بد من أمرين زائدين على كونه حيا لا آفة به حتى يكون بأحدهما ~~سميعا وبالثاني بصيرا وإلا فتبطل التفرقة الضرورية فالذي انفصل به السمع عن ~~البصر وهو وراء كونه حيا لا آفة به فكذلك الذي انفصل به السمع والبصر عن ~~العلم وسائر الصفات وراء كونه حيا لا آفة به ولئن ألزم الجبائي بأن يقال ~~معنى كونه عالما قادرا أنه حي لا آفة به حتى يرد الصفات كلها إلى كونه حيا ~~لا آفة به لم يجد عن هذا الإلزام مخلصا. # وقد قال بعض العقلاء وقرر أن جميع صفات الكمال تجتمع في كونه حيا وتنتفي ~~صفات النقص بقولنا لا آفة به وأما اشتراطهم البنية حسب اشتراط الحياة غير ~~صحيح فإن الإدراك الواحد لا يقوم إلا بجزء واحد من الجملة وإذا قام به أفاد ~~حكما له ولا أثر للجواهر المحيطة فإن كل جوهر مختص بحيزه موصوف بأعراضه ~~وكما لا يؤثر جوهر في جوهر لا يؤثر حكم جوهر في جوهر ms221 آخر ولا يختلف حكم ~~جوهر بعينه في تفرده وانضمامه وإذا جاز قيام الإدراك به مع اتصاله بالجواهر ~~جاز قيامه به مع تفرده فإنه لا يتحول عن صفته تفرد أو انضم إلى غيره خصوصا ~~إذا كان الإدراك في صفة نفسه لا يقتضي جمعا وإضافة ونسبة ولم يكن من ~~الأعراض الإضافية بخلاف الاجتماع والافتراق والمماسة ثم لو كانت البنية ~~شركا كاشتراط كونه حيا لوجب طرده في الغائب حتى يكون الباري تعالى في علمه ~~وقدرته ذا بنية كما كان حيا لأن الشروط يجب طردها شاهدا وغائبا. PageV01P121 # ومن العجب أنهم كما شرطوا البنية شرطوا في الروية اتصال الأشعة وهي أجسام ~~مضيئة تنبعث عن البصر عند فتح الأجفان وهي أجسام تتشكل وتتحرك وتتعوج ~~وتستقيم فإذا اتصل الشعاع المنبعث من الناظر بالقاعدة على حد معلوم مع ~~الاستقامة ولم يكن ثم بعد مفرط ولا قرب مفرط أدركه الرائي فلذلك لا يرى ~~الشيء البعيد على غاية البعد ولا يرى باطن الأجفان وإن كانت القاعدة صقيلة ~~ارتدت الأشعة إلى الرائي فرأي عند ذلك نفسه وربما يظن أنه ينفصل عن المتلون ~~صورة ويمتد إلى العين فينطبع وكلا المذهبين باطل. # أما القول بالأشعة التي تنبعث من العين فبطلانه بأنا نعلم قطعا أن العين ~~على صغرها لا تتسع لأجسام تنبسط على نصف كرة العالم فإن تلك الأجسام إن ~~كانت موجودة بالفعل محسوسة بالجفن فوجب أن يكون قدرها مثل نصف قدر كرة ~~السماء وهذا محال وإن حدثت في ساعة الملاحظة فما السبب لحدوثها ومن المعلوم ~~أن القدرة الحادثة لا تصلح لحدوث الأجسام والقول بتولد الأجسام أمحل ويلزم ~~من ذلك أيضا أن جماعة من ذوي الأبصار اجتمعوا على روية شيء وجب أن يقوى ~~إدراك الضعيف البصر الذي معهم فإن شعاعه إن قل ما في نفسه فقد تكثر بأشعتهم ~~وإن ضعف عن حالة القوى فقد يقوى باشتراك أشعتهم فينبغي أن يستعين الضعيف ~~كما يستعين بقوة ضوء السراج. # ثم الشعاع إن كان عرضا فيستحيل عليه الانتقال وإن كان جوهرا فلا يخلوا ~~إما أن يبقى متصلا وإما ms222 أن لا يبقى فإن بقي فيلزم أن يتفرق ويدرك الشيء ~~متفرقا وينبغي أن يكون مثل خط مستقيم يتحرك بتحريك الريح وينقطع بقطع الماء ~~وإن لم يبق متصلا فلم يدرك العين بما اتصل به بل بما انفصل عنه فما اتصل ~~بالمرئي لم يتصل بالعين وما اتصل بالعين لم يتصل بالمرئي فيلزم أن لا يتحقق ~~له إدراك أصلا. # والقول بانتقال صورة من المرئي إلى البصر باطل أيضا فإن الصورة لو انتقلت ~~لاحترقت العين برؤية النار وهي إن كانت عرضا فهي لا تنتقل وإن كانت جوهرا ~~فلينقص المرئي بانفصال شيء منه ولا ينفصل شيء منه إلا بسبب ولا سبب هاهنا ~~فهو باطل فتحقق أن الإدراك معنى في حاسة المدرك ثم يبقى هاهنا مباحثة أخرى ~~وهي أن الإدراك هل هو إدراك لصورة في حاسة المدرك تطابق الصورة الخارجة أم ~~هو إدراك ما في الخارج من غير توسط صورة في الحاسة وشيء آخر وهو أن محل ~~الإدراك هو الحاسة الظاهرة من العين والأنف والفم والأذن أم هي آلات وأدوات ~~للحاسة المشتركة بينهما فيكون الحس الحقيقي فيها حتى تجتمع المختلفات فيها ~~ويكون الإدراك إدراكا واحدا فيظن بعض العقلاء أنه هو العلم إذ هو في الباطن ~~ويظن بعضهم أنه إدراك أخص من العلم إذ مدركه في الظاهر والإدراكات الخمس ~~مختلفة الحقائق حتى يكون اختلافها بالنوع أم الاختلاف راجع إلى المدركات ~~والإحساس بها بمعنى واحد وهذا الخلاف بين المتكلمين والفلاسفة. # قال المتكلمون الحواس الخمس مشتملة على إدراكات خمس تختلف أنواعها ~~وحقائقها والإنسان يجد من نفسه أنه يرى ببصره ويسمع بأذنه كما يجد أنه يعلم ~~بقلبه فالبصر محل الرؤية والأذن محل السمع كالقلب هو محل العلم وكما يجد ~~التفرقة بين العلم والإدراك يجد التفرقة بين محل العلم ومحل الإدراك ولأن ~~الذي يدرك ببصره من المرئي هو الألوان والأشكال فيستدعي ذلك مقابلة ومواجهة ~~فالذي يدرك بسمعه من المسموع هو الأصوات والحروف ولا يستدعي ذلك مقابلة ~~وكذلك المشموم والمذوق والملموس يستدعي اتصال الأجسام ولا يستدعيه السمع ~~والبصر فلذلك يجوز أن يوصف ms223 الباري تعالى بأنه سميع بصير ولا يجوز أن يوصف ~~بأنه شام ذائق لامس وكذلك لا يجوز أن يسمع الشيء من حيث يبصر ويبصر من حيث ~~يسمع فدل ذلك على أن الإدراكات مختلفة الحقائق والمحال جميعا وهذا كله على ~~رأي من يفرق بين الإدراك والعلم فأما من قضى بأن الإدراك علم قضى باتحاد ~~المحل والحقيقة. PageV01P122 # سوى أبي الحسن الأشعري فإنه يقول كل إدراك علم على قول ولا يقول كل علم ~~إدراك بل الإدراك علم مخصوص فإنه يستدعي تعيين المدرك ويتعلق بالموجود فقط ~~والوجود هو المصحح بخلاف العلم المطلق فإنه لا يستدعي تعيين المدرك ولا ~~يتعلق بالموجود من حيث هو موجود بل يتعلق بالمعدوم والموجود والواجب ~~والجائز والمستحيل لكن من الإدراكات ما هو علم مخصوص كالسمع والبصر وتردد ~~رأيه في سائر الإدراكات أهي علوم مخصوصة أم إدراكات ورأي بعض أصحابه أنها ~~إدراكات أخر وليس الوجود بمجرده مصححا لها فقط بل الاتصال فيها شرط فلا ~~يتصور شم إلا باتصال أجزاء من المتروح أو من الهوى إلى المشام وكذلك الذوق ~~واللمس لا يتصور وجودهما إلا باتصال جرم بجرم. # وقالت الفلاسفة يرتسم في الحواس الظاهرة بصور صورة تفيض عليها من واهب ~~الصور عند استعدادات تحصل فيها بمقابلة الحاس والمحسوس ثم قد تكون تلك ~~الصورة نفس الإدراك وقد يكون الإدراك شيء آخر دون تلك الصورة كمقابلة ~~المرئي من الألوان والأشكال في الرطوبة الجليدية من العين التي تشبه البرد ~~والجمد فإنها مثل مرآة فإذا قابلها متلون انطبع مثل صورته فيها كما ينطبع ~~مثل صورة الإنسان في المرآة بتوسط جسم شفاف بينهما لا بأن ينفصل من المتلون ~~شيء ويمتد إلى العين ولا بأن يتصل شعاع فيمتد إلى المتلون فإذا حصلت الصورة ~~في الجليدية أفضت إلى القوة الباصرة المودعة في ملتقى الأنبوبتين في مقدم ~~الدماغ وهما عصبتان مجوفتان على شكل صليب فتدركه النفس بهما فتكون الصورة ~~في الجليدية من العين والإدراك في الحس المشترك ولما كانت الجليدية كرية ~~ومقابلة الكرة يكون بالمركز وفرضنا سطحا مستديرا مثلا كالترس كان يقابله ms224 ~~على خطوط مستقيمة محيط بالترس متسع الأسفل متضايق الأعلى ينتهي إلى ~~الجليدية على دائرة صغيرة وحيثما ازداد الترس بعدا ضاقت الزاوية فصغر في ~~العين فيرى الكبير من البعد صغيرا فلو كان الإدراك معنى في العين وتعلق ~~بالمدرك على ما هو به كان المرئي مرئيا على مقدار شكله وصورته ولم يتفاوت ~~الأمر بالقرب والبعد وأيضا فإن النقطة من النار إذا أديرت بسرعة أشبهت ~~دائرة يدركها البصر وهي في نفسها نقطة والقطر النازل يرى خطا مستقيما وهو ~~مستدير فتحقق أن الحس الحقيقي ما في الباطن دون الصورة الظاهرة وأما السمع ~~فإن الصوت والكلام المركب من الحروف إذا صادف الهوى الراكد الذي في الصماخ ~~المجاور للعصبة المفروشة في أقصى الصماخ الممدودة مد الجلد على الطبل ~~والوتر على الصنج حصل منه طنين فيها فتشعر به القوة المودعة في تلك العصبة ~~على رأي أو أدركه الحس المشترك على رأي فحصل السماع ثم الفهم ثم التمييز ثم ~~الحكم ثم القبول فتلك العصبة بالنسبة إلى الصوت والكلام نازل منزلة ~~الجليدية في العين غير أن الصورة في المرآة تحصل دفعة تامة والصورة في ~~العصبة تحصل متعاقبة في لحظة ويحصل الإدراك به وينتقش الخيال منه انتقاش ~~اللوح من القلم فيحصل فيه الكلام مكتوبا معاينا فيقرأ كما يقرأ من الصحيفة ~~وهاتان الحاستان ممتازتان عن سائر الحواس بأن إدراكهما غير ما ارتسم في ~~الحاستين وأما الشم فإنه بقوة في زائدتي الدماغ المشبهتين بحلمتي الثدي ~~وإنما يدرك بواسطة جسم ينفعل من الروائح وذلك بانفعال الهوى من ذي الرائحة ~~لا بانتقال أجزاء تنفصل منها أو رائحة تنتقل عنها فيصل إلى الحلمتين فتدركه ~~القوة المركوزة فيها والذوق هو قوة مودعة في العصبة المفروشة على ظاهر ~~اللسان بواسطة الرطوبة العذبة التي لا طعم لها المنبسطة على ظاهر اللسان ~~فإنها تأخذ طعم ذي الطعم وتستحيل إليه وتتصل بتلك العصبة فتدركها العصبة ~~واللمس هو قوة مبثوثة في جميع البشرة واللحم المتصل بها يدرك بها الحرارة ~~والبرودة والرطوبة واليبوسة والصلابة واللين والخشونة والملاسة والخفة ~~والثقل والذي يحمل هذه ms225 القوة جسم لطيف يجري في شباك العصب ويستمد من القلب ~~والدماغ وإنما يدرك إذا استحال كيفية البشرة إلى شبه المدرك بشرط أن ~~يتفاوتا في الكيفية وهذه القوى كلها معدات لقبول الفيض من واهب الصور وإلا ~~فالحاسة لا تحدث إدراكا. PageV01P123 # والأشعري فصل بين السمع والبصر وبين الثلاثة الباقية حيث شرط هاهنا اتصالا ~~جسمانيا وأثبت إحساسا جسمانيا ولم يثبتها في صفات الباري تعالى ولما علم أن ~~لهما اختصاصا بالباطن ردد قوله في أن الإدراك علم مخصوص أو معنى آخر في ~~الحاسة المشتركة ولا يستبعد من مذهبه قيام الإدراك السمعي بالبصر والبصر ~~بالسمع فإن القوم حكموا باتحادهما عند الحاسة المشتركة حتى يصير المرئي ~~مقروءا والمقروء مرئيا فإنهما في حقيقة الإدراك لا يختلفان ومحلهما محل ~~واحد فيتحدان وكلام المعتزلة في الإدراكات مختلط لا ثبات له والله أعلم. ### || AUTO القاعدة السادسة عشر ### || AUTO في جواز رؤية الباري تعالى عقلا ووجوبها سمعا # لم يصر صائر من أهل القبلة إلى تجويز اتصال أشعة من البصر بذاته تعالى أو ~~انطباع شبح يتمثل في الحاسة منه وانفصال شيء من الرائي والمرئي واتصاله ~~بهما لكن أهل الأصول اختلفوا في أن الرؤية إدراك وراء العلم أم علم مخصوص ~~ومن زعم أنه إدراك وراء العلم اختلف في اشتراط البنية واتصال الشعاع ونفي ~~القرب المفرط والبعد المفرط وتوسط الهوى المشف فشرطها المعتزلة ونفوا رؤية ~~الباري تعالى بالأبصار نفي الاستحالة والأشعري أثبتها إثبات الجواز على ~~الإطلاق والوجوب بحكم الوعد ثم ردد قوله إنه علم مخصوص أي لا يتعلق إلا ~~بالموجود أم هو إدراك حكمه حكم العلم في التعلق أي لا يتأثر من المرئي ولا ~~يؤثر فيه ونحن نورد كلام الفريقين على الرسم المعهود. # قالت الأشعرية الموجودات اشتركت في قضايا واختلفت في قضايا والرؤية قد ~~تعلقت بالمختلفات منها والمتفقات ولا يجوز أن يكون المصحح للرؤية ما يختلف ~~فيه فإنه يوجب أن يكون لحكم واحد علتان مختلفتان وهذا غير جائز في ~~المعقولات أو يلزم أن يكون لحكم عام علة خاصة هي أخص من معلولها وما يتفق ms226 ~~فيه الجوهر والعرض إما الوجود أو الحدوث هو وجود مسبوق بعدم والعدم لا ~~تأثير له في الحكم فبقي الوجود مصححا بالضرورة وهذا تقسيم حاصر فإن الرؤية ~~بالاتفاق تعلقت بالجوهر والعرض وهما قد اختلفا من كل وجه سوى الوجود ~~والحدوث وقد بطل الحدوث فتعين الوجود ولا يلزم على هذه الطريقة انتشار ~~الأقسام كما لزم على طريق الأصحاب غير استبعاد محض للمعتزلة في قولهم لو ~~كان كل موجود مرئيا لكان العلم والقدرة والطعم والرائحة وما سوى اللون ~~والمتلون مرئيا ولكان نفس الرؤية مرئية بالرؤية وهذا محال ويلتزم أبو الحسن ~~جواز الرؤية في جميع الموجودات على الإطلاق خصوصا إذا قال الرؤية علم مخصوص ~~فالعلم كما يتعلق بهذه الموجودات كذلك الرؤية ولا فرق إلا أن العلم المطلق ~~يتعلق بالواجب والجائز والمستحيل وهذا العلم لا يتعلق إلا بالموجود فقط ~~فإنه يقتضي تعيين المرئي والتعيين لا يتحقق في العدم وإن سلكنا طريقة العلم ~~فهو أسهل فإن العلم من حيث هو علم نوع واحد وحقيقة واحدة وإذا جوز تعلق ~~العلم به فقد جوز تعلق الرؤية به. # وقد سلك الأستاذ أبو إسحاق طريقة قريبة من هذه فقال الرؤية معنى لا تؤثر ~~في المرئي ولا تتأثر منه فإن حكمه حكم العلم بخلاف سائر الحواس فإنها تؤثر ~~وتتأثر وإنما يلزم الاستحالة فيه أن لو تأثرت الرؤية من المرئي أو تأثر ~~المرئي من الرؤية وكل ما هذا سبيله فهو جائز التعلق بالقديم والحادث وكل ~~مؤثر ومتأثر فهو مستحيل عندنا كما هو مستحيل عندكم ولا كلفة في هذه الطريقة ~~إلا إثبات معنى في البصر لا يؤثر ولا يتأثر وقد أثبتنا من قبل أن الإدراك ~~البصري لا يستدعي اتصال شعاع بالمرئي ولا انفصال شيء من الرائي وإذا بطل ~~الوجهان انتفى التأثير والتأثر وصار المعنى كالعلم أو هو من جنس العلم وقد ~~تقرر الاتفاق على جواز تعلق العلم به وهذا نهاية ما قيل في إثبات الجواز من ~~جهة العقل. PageV01P124 # قالت المعتزلة قد طلبتم للرؤية علة مصححة وتعين لكم الوجود فما أنكرتم أن ~~جواز الرؤية ms227 من الأحكام التي لا تعلل فإن من الأحكام ما يعلل كالعالمية ~~والقادرية ومنها ما لا يعلل كالتحيز وقبول العرض وجميع الصفات النفسية أليس ~~تعلق العلم بالمعلومات لا يستدعي مصححا إذ تعلق بالواجب والجائز والمستحيل ~~ولم توجد قضية هي أعم من الأقسام الثلاثة حتى تكون تلك القضية هي المصححة ~~لتعلق العلم بها وكونها معلومة هي نفس تعلق العلم بها فتكون العلة والمعلول ~~واحدا وإذا قررتم أن الرؤية إما علم مخصوص أو معنى في حكم العلم ثم لم ~~تطلبوا مصححا للعلم فلم طلبتم مصححا للرؤية فقولوا تعلقت الرؤية بما تعلق ~~به العلم أو لا علة ولا مصحح. # واعتراض ثان أن تقسيم الحال إلى قضية الاشتراك والافتراق إنما يصح على ~~مذهب مثبتي الحال وأنتم معاشر الأشعرية قد نفيتم الحال ورددتم قضايا الخصوص ~~والعموم والافتراق والاشتراك إلى محض العبارات فكيف صرتم إلى إلزام أحكام ~~الحال حتى أبطلتم قضية الافتراق وعينتم قضية الاشتراك ثم حصرتم ذلك في قضية ~~واحدة وهو الوجود على أن الموجودات إنما تختلف بوجودها عندكم والوجود في ~~الجوهر هو نفس الجوهر وكما يتمايز الجوهر والعرض بالجوهرية والعرضية تمايزا ~~في الوجود وكما تمايز القديم والحادث في القدم والحدوث تمايزا في الوجود ~~فإن الوجود العام الذي شمل الموجودات حتى يصح أن يكون مصححا وحتى يصح الجمع ~~بين الشاهد والغائب بذلك الجامع. # واعتراض ثالث قد أجملتم القول إجمالا في أن الرؤية تعلقت بالجوهر والعرض ~~أما الجوهر المجرد والجسم المجرد فغير مسلم تعلق الرؤية به إذ قد استحال ~~تجرده عن اللون فلم تتعلق الرؤية به مجردا وأما العرض فليس كل عرض قد تعلقت ~~الرؤية به وإنما يستقيم دليلكم هذا أن لو تعلقت الرؤية بالجوهر والعرض على ~~الإطلاق والتعمبم حتى يصح منكم ربط الحكم بجامع بينهما وإذا تعلقت ببعض ~~الأعراض دون البعض فلم يكن الحكم معلقا بالعرض من حيث أنه عرض ولا بالجوهر ~~من حيث أنه جوهر ولا يكون معلقا بما يجمع بينهما وهو الوجود أو الحدوث فلا ~~بد إذا من إثبات التعلق وحصره في شيء دون ms228 شيء أو تعميمه بكل شيء وذلك نفس ~~المتنازع فيه. # واعتراض رابع لم قلتم أن الحدوث لا يكون مصححا وقد عرفتم أن من الأحكام ~~العقلية ما يتعلق بالحدوث دون الوجود وليس لقائل أن يقول أن كونه مسبوقا ~~بعدم ليس بمؤثر فإن معناه أنه وجود على صفة واعتبار وكما أن المرئي أخص من ~~المعلوم والرؤية تتعلق بالمعلوم على صفة الوجود كذلك نقول تتعلق بالوجود ~~على صفة الحدوث وبالحادث على صفة المقابلة أو التكون أو غير ذلك من الصفات ~~والاعتبارات وهذا السر وهو أن المنقسم ربما يورد أقساما وينفي بعض الأقسام ~~مفردا وربما يكون الحكم معلقا بمركب من القسمين لا بمفرد بينهما فكما يجب ~~نفي الأفراد من حيث هي أفراد فكذلك يجب نفي المركب من حيث هو مركب وهذا مما ~~أغفله المتكلم كثيرا في مجاري تقسيماته وهو واجب الرعاية جدا. # واعتراض خامس قد تحقق أن الرؤية من جملة الحواس الخمس أفتقولون أنها كلها ~~تتعلق بالوجود والمصحح لها الوجود أم الرؤية خاصة تتعلق بكل موجود فإن ~~عممتم الحكم فقد افتتحتم أمرا وهو التزام كونه تعالى مسموعا مشموما مطعوما ~~ملموسا وذلك شرك عظيم وإن خصصتم الحكم بالرؤية وجب عليكم إظهار دليل ~~التخصيص فإن قلتم الدليل أنه لا يؤثر في المرئي ولا يتأثر منه فقيل هو نفس ~~المتنازع فيه وإن قلتم هو علم أو في حكم العلم إلا أنه يقتضي تعيين المدرك ~~فيقال لكم التعيين قد يكون تعيين العقل ولا شك أن الحس لا يستدعي ذلك ~~التعيين فإن تعيين العقل كتخصيص العام وتفصيل المجمل وتقييد المطلق وتحديد ~~الشيء ولا تختص أمثال هذه التعيينات بالرؤية والحس وإن قلتم التعيين تعيين ~~الحس فهو يستدعي قبول الإشارة إليه وذلك يقتضي حيزا ومكانا وجهة ومقابلة ~~وهو محال. PageV01P125 # قالت الأشعرية الجواب عن الاعتراض الأول أن طلب المصحح لم يختص بنا فإنكم ~~جعلتم اللون والمتلون مصححا وذلك أن الرؤية لما تعلقت ببعض الموجودات وذلك ~~نوعان نوع من الأعراض ونوع من الجواهر فصح كون الجوهر والعرض مرئيا فقلنا ~~ما المصحح لهذه الصحة أهو ms229 كون الجوهر جوهرا فلزم أن لا يكون العرض مرئيا أو ~~كون العرض عرضا فلزم أن لا يكون الجوهر مرئيا فلا بد إذا من قضية واحدة ~~جامعة بينهما شاملة لهما حتى تتكون الصحة معللة لها إذ الصحة حكم هو قضية ~~واحدة فلا يكون مصححها علتان مختلفتان فإن اختلاف العلتين يوجب اختلاف ~~الحكمين في العقليات ولما تعلقت الرؤية بمختلفات وجب علينا طلب العلة التي ~~لأجلها صح تعلقها بها ولا بد أن يكون السبب المصحح قضية تجمعهما لا كاللون ~~والمتلون فإنهما قضيتان مختلفتان اختلاف الجنس والجنس والنوع والنوع ومن ~~المحال ربط حكم واحد بعلتين مختلفتين فإن العلة العقلية لا بد أن تستقل ~~بإفادة الحكم فإن استقل أحد المختلفين استغنى الحكم عن الثاني فطلبنا العلة ~~لأن الرؤية تعلقت بمختلفين وجعلنا العلة قضية واحدة تشملها لاتحاد الحكم ~~وهو الصحة فصح الطلب وحصل المطلوب. # وأما الجواب عن الاعتراض الثاني وهو إلزام الحال على مذهب أبي الحسن ~~وإبطال الاشتراك والافتراق على نفي الحال. # قال القاضي أبو بكر الذي ذكرته دليلي وأنا قائل بالحال فسقط الاعتراض. # وقال أبو الحسن القضايا العقلية والوجوه الاعتبارية لا ينكرها منكر ولسنا ~~ممن لا يجمع بين مختلفين ولا يفرق بين مجتمعين ولا يقول بوجه ووجه وحيث ~~وحيث واعتبار واعتبار فإن الحركة إذا قامت بمحل وصف المحل بكونه متحركا فهي ~~من حيث أنها حركة وباعتبار أنها حركة أوجبت كون المحل متحركا وهي باعتبار ~~أنها كون لها حكم آخر وباعتبار أنها عرض لها حكم آخر ولو رفعنا هذه ~~الاعتبارات انحسم باب النظر وانحصر نظر العقل على موجودات معينة وبطلت ~~الاعتبارات بأسرها ولما قطعنا بأن الرؤية تعلقت بجنسي العرض والجوهر عرفنا ~~أن الصحة على قضية واحدة وإنما نعني بالصحة صلاحية كل جنس لتعلق الرؤية ~~فتلك الصلاحية صحتها على نعت واحد وإنما العلة المقتضية لتلك الصلاحية يجب ~~أن تكون على نعت واحد والوجود وإن اختلف بالنسبة إلى المختلفات غير أنه في ~~العقل والتصور معنى واحد يشمل القسمين فصح أن يكون مناطا للحكم وهذا كما ~~قررناه في الجمع ms230 بين الشاهد والغائب بالشرط والمشروط والعلة والمعلول ~~والدليل والمدلول والحقيقة والمحقق. # وأما الجواب عن الاعتراض الثالث وهو إجمال القول في تعلق الرؤية بالجوهر ~~والعرض قلنا الإنسان يدرك من نفسه إدراك الحجمية الجوهر وتحيزه وشكله من ~~تدوير وتثليث وتربيع وتخميس إلى غير ذلك من الإشكال ولهذا يبصر شخصا من بعد ~~فيدري شخصيته ويشك في لونه وصغره وكبره كما ذكرنا أسباب ذلك ثم يدرك بعد ~~شكله ولونه فعرف أن الإشكال والألوان غير والجسم من حيث هو جسم غير في ~~البصر وقد أدركهما البصر جميعا فلا بد من مصحح جامع بينهما وذلك ما عيناه ~~ولذلك قلنا أن اللون والمتلون لن يصلح أن يكون علة لأنه تركيب في العلة ومع ~~كونه تركيبا هو تشكيل فإنهم يقولون المصحح هو اللون أو المتلون فلا العلة ~~المركبة صالحة ولا التشكيل في العلة مستعمل فبطل ما نصبوه علة وصح ما ~~نصبناه. # وقولهم لم تتعلق الرؤية بجميع الأعراض. # قلنا ولو تعلقت حسا بجميع الأعراض ما كنا نحتاج إلى طلب العلة كما لم ~~نحتج إلى طلب العلة لتعلق العلم بالمعلوم إذ تعلق بكل ما يصح أن يعلم ~~معدوما أو موجودا محالا أو ممكنا لكنا نطلب العلة لأنها تعلقت بالبعض وكما ~~تعلقت ببعض الأعراض تعلقت بجميع الأجرام فطلبنا جامعا ولم نظفر بجامع بين ~~الجواهر وبعض الأعراض كما صاروا إليه من اللون والمتلون فإن الرؤية تعلقت ~~باللون كما تعلقت بالاجتماع والافتراق والمماسة والمحاذاة وهي أعراض وراء ~~اللون فلم يكن بد من تعميم الحكم في كل عرض لعموم الجامع بين الجنسين ولا ~~إشكال في هذه المسئلة سوى هذه المنزلة وهي ورطة العقول فليتحرز فيها تحرز ~~الماشي في الوحول. PageV01P126 # وأما الجواب عن الاعتراض الرابع نقول الحدوث ليس يصلح أن يكون مصححا على ~~المذهبين أما على مذهبكم فلأن بعض الأعراض يستحيل رؤيته فلو كان الحدوث ~~مصححا لصح تعلق الرؤية بكل محدث وأما على مذهب أبي الحسن فلأن الحدوث وجود ~~مسبوق بعدم والعدم لا تأثير له فبقي الوجود مصححا. # وقولهم معنى قولنا مسبوق بعدم أنه وجود ms231 مخصوص لا وجود عام مطلق والوجود ~~المخصوص باعتبار الحدوث علة مصححة. # قيل الخصوص في الوجود يجب أن يكون بصفة وجودية راجعة إلى الوجود حتى يصح ~~مؤثرا في إثبات الحكم وسبق العدم لا يصلح أن يكون مؤثرا في إثبات الصلاحية ~~والصحة للرؤية فبقي الوجود المطلق ونعني بالصفة الوجودية أن يخصص الوجود ~~مثلا بأنه جوهر أو عرض والعرض بأنه كون أو لون فهذه الاعتبارات مما تؤثر ~~فأما العدم السابق فلا تأثير له والوجود باعتبار عدم سابق لا يكتسب اعتبارا ~~ووجها إلا احتياجا إلى موجد وهو باعتبار هذا لا يصلح أن يكون مصححا للرؤية ~~والإدراك. # وأما الجواب عن الاعتراض الخامس نقول الرؤية من جملة الحواس الخمس لكن ~~الحواس مختلفة الحقائق والإدراكات ولكل حاسة خاصية لا يشركها فيها غيرها ~~وليس منها حاسة تتعلق بجنسي الجوهر والعرض على وتيرة واحدة بل كلها تتعلق ~~بأعراض ومن شرط تعلقها اتصال جسم بجسم حتى يحصل ذلك الإدراك عن السمع فإنه ~~لا يستدعي اتصال جسم بجسم ضرورة بل هو إدراك محض كالرؤية. # ثم اختلف رأي العقلاء في أن المصحح للسمع ما هو فمنهم من قال هو الوجود ~~كالمصحح للرؤية ومنهم من قال المصحح كونه موجودا باعتبار كون المسموع كلاما ~~والكلام قد يكون عبارة لفظية وقد يكون نطقا نفسيا وكلاهما مسموعان ونحن كما ~~أثبتنا كلاما في النفس ليس بحرف ولا صوت كذلك نثبت سماعا في النفس ليس بحرف ~~ولا صوت ثم ذلك السماع قد يكون بواسطة وحجاب وقد يكون بغير واسطة وحجاب " ~~ما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا " ~~فالوحي ما يكون بغير واسطة وحجاب كما قال تعالى " فأوحى إلى عبده ما أوحى " ~~وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم نفث في روعي وقد يكون من وراء حجاب كما ~~كان لموسى عليه السلام وكلمه ربه وقد يكون بواسطة رسول وحجاب كما قال تعالى ~~" أو يرسل رسولا " وبالجملة نحن نعقل في الشاهد كلاما في النفس ونجده من ~~أنفسنا كما أثبتناه ثم يعبر اللسان ms232 عنه بالعبارة الدالة عليه ثم يسمع ~~السامع فيصل بعد الاستماع إلى النفس فقد وصل الكلام إلى النفس بهذه الوسائط ~~فلو قدرنا ارتفاع هذه الوسائط كلها من البين حتى تدرك النفس كما كانت النفس ~~الناطقة المتكلمة مشتملة عليه فتحقق كلام في جانب المتكلم وسماع في جانب ~~المستمع ولا حرف ولا صوت ولا لسان ولا صماخ فإذا تصور مثل ذلك في الشاهد ~~حمل استماع موسى كلام الله على ذلك وعن هذا قال " إني اصطفيتك على الناس ~~برسالتي وبكلامي " فالرسالات بواسطة الرسل والكلام من غير واسطة لكنه من ~~وراء حجاب وأما في حقنا فكلام الله تعالى مسموع بأسماعنا مقروء بألسنتنا ~~محفوظ في صدورنا وقد تبين الفرق بين القراءة والمقروء في مسئلة الكلام. PageV01P127 # ومما تمسك به الأشعري في جواز رؤية الباري جل جلاله سؤال موسى عليه السلام ~~" رب أرني أنظر إليك " وجواب الرب تعالى " لن تراني " ووجه الاستدلال أن ~~موسى عليه السلام هل كان عالما بجواز الرؤية أم كان جاهلا بذلك فإن كان ~~جاهلا فهو غير عارف بالله تعالى حق معرفته وليس يليق ذلك بجناب النبوة وإن ~~كان عالما بالجواز فقد علمه على ما هو به والسؤال بالجائز يكون لا ~~بالمستحيل وجواب الرب تعالى لن تراني يدل على الجواز أيضا فإنه ما قال لست ~~بمرئي لكنه أثبت العجز أو عدم الرؤية من جهة الرائي وعن هذا قال " ولكن ~~انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني " إذ الجبل لما لم يكن مطيقا ~~للتجلي مع شدته وصلابته فيكف يكون البصر مطيقا فربط المنع بأمر جائز ومع ~~جوازه أحال المنع على ضعف الآلة لا على منع الاستحالة أليس لو كان السؤال ~~أرني أنظر إلى وجهك أو إلى شخصك وصورتك لم يكن الجواب بقوله لن تراني بل ~~لست بذي شخص وصورة ووجه ومقابلة فدل أن السؤال كان بأمر جائز فتحقق الجواز ~~وإن قيل لن للتأييد فهو محال من وجهين أحدهما أن لن للتأكيد لا للتأييد ~~أليس قال إنك لن تستطيع معي صبرا وهو جائز غير محال والثاني ms233 أنه وإن كان ~~للتأييد فليس يدل على منع الجواز بل يدل على منع وقوع الجائز وإنما ~~استدللنا بالآية لإثبات الجواز وتأييد لن لا ينافيه. # فإن قيل سأل الرؤية لقومه لا لنفسه وإنما سألها إلزاما عليهم بقول الله ~~سبحانه لن تراني حيث قالوا أرنا الله جهرة. # قيل هذا ما يخالف الظاهر من كل وجه ومع مخالفته لا يجوز أن يسأل النبي ~~سؤالا محالا لقومه وقرينة المقال تدل على أن السؤال كان مقصورا عليه من كل ~~وجه إذ قال ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني إلى آخر الآية ~~ومنع موسى لا ينتهض إلزاما على القوم بل تقرير الحجة القاطعة على أن الله ~~تعالى لا يجوز أن يكون مرئيا يكون إلزاما فكيف نجا موسى من السؤال بلن ~~تراني ولكن انظر إلى الجبل ولم ينج قومه من السؤال في قولهم أرنا الله جهرة ~~إلا بالصاعقة المهلكة والعذاب الأليم ولما قال قومه اجعل لنا إلها كما لهم ~~آلهة لم يلزمهم بالسؤال عن الله تعالى بل أجابهم في الحال إنكم قوم تجهلون ~~إذ كان السؤال محالا فكذلك الرؤية لو كانت مستحيلة لأجابهم في الحال ورفع ~~شبههم بالمقال ومثل هذه الحالة لو قدرت المعتزلة ما استجازوا تأخير البيان ~~عن وقت الحاجة ولعدوا سؤال المسؤول من مسؤول آخر اتهاما آخر على شبهة قد ~~تحققت لهم. # ومما تمسك به قوله تعالى " وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة " والنظر إذا ~~تعرى عن الصلات كان بمعنى الانتظار وإذا وصل بلام كان بمعنى الإنعام وإذا ~~وصل بفي كان بمعنى التفكر والاستدلال وإذا وصل بإلى تعين للرؤية ولا يجوز ~~حمله على الثواب فإن نفس رؤية الثواب لا يكون إنعاما وقد أورد النظر في ~~معرض الإنعام واللفظ نص في رؤية البصر بعد ما نفيت عنه التأويلات الفاسدة. # واعلم أن هذه المسئلة سمعية أما وجوب الرؤية فلا شك في كونها سمعية وأما ~~جواز الرؤية فالمسلك العقلي ما ذكرناه وقد وردت عليه تلك الإشكالات ولم ~~تسكن النفس في جوابها كل السكون ولا تحركت ms234 الأفكار العقلية إلى التفصي عنها ~~كل الحركة فالأولى بنا أن نجعل الجواز أيضا مسئلة سمعية وأقوى الأدلة ~~السمعية فيها قصة موسى عليه السلام وذلك مما يعتمد كل الاعتماد عليه. ### || AUTO القاعدة السابعة عشر ### || AUTO في التحسين والتقبيح وبيان أن لا يجب على الله تعالى شيء من ~~قبيل العقل ولا يجب على العباد شيء قبل ورود الشرع PageV01P128 ~~مذهب أهل الحق أن العقل لا يدل على حسن الشيء وقبحه في حكم التكليف من الله ~~شرعا على معنى أن أفعال العباد ليست على صفات نفسية حسنا وقبحا بحيث لو ~~أقدم عليها مقدم أو أحجم عنها محجم استوجب على الله ثوابا أو عقابا وقد ~~يحسن الشيء شرعا ويقبح مثله المساوي له في جميع الصفات النفسية فمعنى الحسن ~~ما ورد الشرع بالثناء على فاعله ومعنى القبيح ما ورد الشرع بذم فاعله وإذا ~~ورد الشرع بحسن وقبح لم يقتض قوله صفة للفعل وليس الفعل على صفة يخبر الشرع ~~عنه بحسن وقبح ولا إذا حكم به ألبسه صفة فيوصف به حقيقة وكما أن العلم لا ~~يكسب المعلوم صفة ولا يكتسب عنه صفة كذلك القول الشرعي والأمر الحكمي لا ~~يكسبه صفة ولا يكتسب عنه صفة وليس لمتعلق القول من القول صفة كما ليس ~~لمتعلق العلم من العلم صفة. # وخالفنا في ذلك الثنوية والتناسخية والبراهمة والخوارج والكرامية ~~والمعتزلة فصاروا إلى أن العقل يستدل به حسن الأفعال وقبحها على معنى أنه ~~يجب على الله الثواب والثناء على الفعل الحسن ويجب عليه الملام والعقاب على ~~الفعل القبيح والأفعال على صفة نفسية من الحسن والقبيح وإذا ورد الشرع بها ~~كان مخبرا عنها لا مثبتا لها ثم من الحسن والقبح ما يدرك عندهم ضرورة ~~كالصدق المفيد والكذب الذي لا يفيد فائدة ومنها ما يدرك نظرا بأن يعتبر ~~الحسن والقبح في الضروريات ثم يرد إليها ما يشاركها في مقتضياتها ثم يرتبون ~~على ما ذكرناه قولهم في الصلاح والأصلح واللطف والثواب والعقاب. # وقد فرق أبو الحسن الأشعري بين حصول معرفة الله تعالى بالعقل وبين وجوبها ms235 ~~به فقال المعارف كلها إنما تحصل بالعقل لكنها تجب بالسمع وإنما دليله في ~~هذه المسئلة لنفي الوجوب التكليفي بالعقل لا لنفي حصول العقلي عن العقل. # قال أهل الحق لو قدرنا إنسانا قد خلق تام الفطرة كامل العقل دفعة واحدة ~~من غير أن يتخلق بأخلاق قوم ولا تأدب بآداب الأبوين ولا تزيا بزي الشرع ولا ~~تعلم من معلم ثم عرض عليه أمران أحدهما أن الاثنين أكثر من الواحد والثاني ~~أن الكذب قبيح بمعنى أنه يستحق من الله تعالى لوما عليه لم يشك أنه لا ~~يتوقف في الأول ويتوقف في الثاني ومن حكم بأن الأمرين سيان بالنسبة إلى ~~عقله خرج عن قضايا العقول وعاند عناد الفضول أو لم يتقرر عنده أن الله ~~تعالى لا يتضرر بكذب ولا ينتفع بصدق فإن القولين في حكم التكليف على وتيرة ~~واحدة ولم يمكنه أن يرجح أحدهما على الثاني بمجرد عقله. # والذي يوضحه أن الصدق والكذب على حقيقة ذاتية لا تتحقق ذاتهما إلا بأن ~~كان تلك الحقيقة مثلا كما يقال أن الصدق أخبار عن أمر على ما هو به والكذب ~~إخبار عن أمر على خلاف ما هو به ونحن نعلم أن من أدرك هذه الحقيقة عرف ~~التحقق ولم يخطر بباله كونه حسنا أو قبيحا فلم يدخل الحسن والقبيح إذا في ~~صفاتهما الذاتية التي تحققت حقيقتهما ولا لزمتهما في الوهم بالبديهة كما ~~بينا ولا لزمها في الوجود ضرورة فإن من الأخبار الصادقة ملا يلام عليها ~~كالدلالة على نبي هرب من ظالم ومن الأخبار التي هي كاذبة ما يثاب عليها مثل ~~إنكار الدلالة عليه فلم يدخل كون الكذب قبيحا في حد الكذب ولا لزمه في ~~الوهم ولا لزمه في الوجود فلا يجوز أن يعد من الصفات الذاتية التي تلزم ~~النفس وجودا وعدما عندهم ولا يجوز أن يعد من الصفات التابعة للحدوث فلا ~~يعقل بالبديهة ولا بالنظر فإن النظري لا بد وأن يرد إلى الضروري البديهي ~~وإذا لا بديهي فلا مرد له أصلا فلم يبق لهم إلا استرواح إلى عادات ms236 الناس من ~~تسمية ما يضرهم قبحا وما ينفعهم حسنا ونحن لا ننكر أمثال تلك الأسامي على ~~أنها تختلف بعادة قوم دون قوم وزمان وزمان ومكان ومكان وإضافة وإضافة وما ~~يختلف بتلك النسب والإضافات لا حقيقة لها في الذات فربما يستحسن قوم ذبح ~~الحيوان وربما يستقبحه قوم وربما يكون بالنسبة إلى قوم وزمان ومكان حسنا ~~وربما يكون قبيحا لكنا وضعنا الكلام في حكم التكليف بحيث يجب الحسن فيه ~~وجوبا يثاب عليه قطعا ولا يتطرق إليه لوم أصلا ومثل هذا لا يمتنع إدراكه ~~عقلا هذه هي طريقة أهل الحق على أحسن ما تقرر وأوضح ما تحرر. PageV01P129 # وقالت الطوائف المخالفات نحن نعارض الأمرين اللذين عرضا على العقل الصريح ~~بأمرين آخرين نعرضهما عليه فنقول العاقل إذا سنحت له حاجة وأمكن قضاؤها ~~بالصدق كما أمكن قضاؤها بالكذب بحيث تساويا في حصول الغرض منهما كل التساوي ~~كان اختياره الصدق أولى من اختياره الكذب فلولا أن الكذب عنده على صفة يجب ~~الاحتراز عنه وإلا لما رجح الصدق عليه. # قالوا وهذا الفرض في حق من لم تبلغه الدعوة أو في حق من أنكر الشرائع حتى ~~لا يلزم كون الترجيح بالتكليف وعن هذا صادفنا العقلاء يستحسنون إنقاذ ~~الغرقى وتخليص الهلكى ويستقبحون الظلم والعدوان. # وأوضح من هذا كله أنا نفرض الكلام في عاقلين قبل ورود الشرع يتنازعان في ~~مسئلة تنازع النفي والإثبات فلا شك أنهما يقسمان الصدق والكذب ثم ينكر ~~أحدهما على صاحبه قوله إنكار استقباح ويقرر كلامه تقرير استحسان حتى يفضي ~~الأمر بينهما من الإنكار قولا إلى المخاصمة فعلا وينسب كل واحد منهما صاحبه ~~إلى الجهل ويوجب عليه الاحتراز عنه ويدعوه إلى مقالته ويوجب عليه التسليم ~~فلو كان الحسن والقبيح مرفوضا من كل جهة لارتفع التنازع وامتنع الإقرار ~~والإنكار. # وقولكم مثل هذا في العادة جائز جاز ولكنه في حكم التكليف ممتنع. # قلنا ليس ذلك مجرد العادة بل هو العقل الصريح القاضي على كل مختلفين في ~~مسئلة بالنفي والإثبات وما حسن في العقل حسن في الحكمة الإلهية وما حسن في ms237 ~~الحكمة وجب وجوب الحكمة لا وجوب التكليف فلا يجب على الله تعالى شيء تكليفا ~~ولكن يجب له من حيث الحكمة تقريرا أو تدبيرا. # قالوا لو رفعنا الحسن والقبح من الأفعال الإنسانية ورددناهما إلى الأقوال ~~الشرعية بطلت المعاني العقلية التي نستنبطها من الأصول الشرعية حتى لا يمكن ~~أن يقاس فعل على فعل وقول على قول ولا يمكن أن يقال لم ولأنه إذ لا تعليل ~~للذوات ولا صفات للأفعال التي هي عليها حتى يربط بها حكم مختلف فيه ويقاس ~~عليها أمر متنازع فيه وذلك رفع للشرائع بالكلية من حيث إثباتها ورد الأحكام ~~الدينية من حيث قبولها. # وزادت الفلاسفة على المعتزلة حجة وتقريرا قالوا قد اشتمل الوجود على خير ~~مطلق وشر مطلق وخير وشر ممتزجين فالخير المطلق مطلوب العقل لذاته والشر ~~المطلق مرفوض العقل لذاته والممتزج فمن وجه ومن وجه ولا يشك العاقل في أن ~~العلم بجنسه ونوعه خير محمود ومطلوب والجهل لجنسه ونوعه شر مذموم غير مطلوب ~~وكل ما هو مطلوب العقل فهو مستحسن عند العقلاء وكل ما هو مهروب العقل فهو ~~مستقبح عند الجمهور والفطرة السليمة داعية إلى تحصيل المستحسن ورفض ~~المستقبح سوى حمله عليه شارع أو لم يحمله ثم الأخلاق الحميدة والخصال ~~الرشيدة من العفة والجود والشجاعة والنجدة مستحسنات فعلية وأضدادها ~~مستقبحات علمية وكمال حال الإنسان أن تستكمل النفس قوتي العلم الحق والعمل ~~الخير تشبيها بالإله تعالى والروحانيات العلوية بحسب الطاقة والشرائع إنما ~~ترد بتمهيد ما تقرر في العقول لا بتغييرها لكن العقول الجزئية لما كانت ~~قاصرة عن اكتساب المعقولات بأسرها عاجزة عن الاهتداء إلى المصالح الكلية ~~الشاملة لنوع الإنسان وجب من حيث الحكمة أن يكون بين الإنسان شرع يفرضه ~~شارع يحملهم على الإيمان بالغيب جملة ويهديهم إلى مصالح معاشهم ومعادهم ~~تفصيلا فيكون قد جمع لهم بين خصلتي العلم والعمل على مقتضى العقل وحملهم ~~على التوجه إلى الخير المحض والإعراض عن الشر المحض استبقاء لنوعهم ~~واستدامة لنظام العالم ثم ذلك الشارع يجب أن يكون من بينهم مميزا بآيات تدل ~~على ms238 أنها من عند ربه راجحا عليهم بعقله الرزين ورأيه المتين ولفظه المبين ~~وحدسه النافذ ولصره الناقد وخلقه الحسن وسمته الأرصن يلين لهم في القول ~~ويشاورهم في الأمر ويكلمهم على مقادير عقولهم ويكلفهم بحسب طاقتهم ووسعهم ~~كما ورد في الكتاب " ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم ~~بالتي هي أحسن " . # قالوا وقد أخطأت المعتزلة حيث ردوا القبح والحسن إلى الصفات الذاتية ~~للأفعال وكان من حقهم تقرير ذلك في العلم والجهل إذ الأفعال تختلف بالأشخاص ~~والأزمان وسائر الإضافات وليست هي على صفات نفسية لازمة لها لا تفارقها البتة. PageV01P130 # وأخطأت الأشعرية حيث رفعتهما عن العلم الذي ليس في نوعه ذميم وعن الجهل ~~الذي ليس في نوعه حميد إذ السعادة والشقاوة الأبدية مخصوصتان بهما مقصورتان ~~عليهما والأفعال معينات أو مانعات بالعرض لا بالذات وتختلف بالنسبة إلى شخص ~~وشخص وزمان وزمان. # ثم زادت الصابئة على الفلاسفة بأن قالوا كما كانت الموجودات في العالم ~~السفلي مرتبة على تأثير الكواكب والروحانيات التي هي مدبرات للكواكب وفي ~~اتصالاتها نظر نحس وسعد وجب أن يكون في أثرها حسن وقبح في الخلق والأخلاق ~~والعقول الإنسانية متساوية في النوع فوجب أن يدركها كل عقل سليم وطبع قويم ~~ولا تتوقف معرفة المعقولات على من هو مثل ذلك العاقل في النوع " ما هذا إلا ~~بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم " فنحن لا نحتاج إلى من يعرفنا حسن الأشياء ~~وقبحها وخيرها وشرها ونفعها وضرها وكما كنا نستخرج بالعقول من طبائع ~~الأشياء منافعها ومضارها كذلك نستنبط من أفعال نوع الإنسان حسنها وقبحها ~~فنلابس ما هو حسن منها بحسب الاستطاعة ونجتنب ما قبح منها بحسب الطاقة فلا ~~نحتاج إلى شارع متحكم على عقولنا بما يهتدى ولا يهتدي " أبشر يهدوننا " " ~~ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا لخاسرون " فهذه مقالة القوم ولها شرح ~~ذكرناه في كتابنا الموسوم بالملل والنحل. # وزادت التناسخية على الصابئة بأن قالت نوع الإنسان لما كان موصوفا بنوع ~~اختيار في أفعاله مخصوصا بنطق وعقل في علومه وأحواله ارتفع عن الدرجة ~~الحيوانية استسخارا لها فإن ms239 كانت أعماله على مناهج الدرجة الإنسانية ارتفعت ~~إلى الملكية أو إلى النبوة وإن كانت على مناهج الدرجة الحيوانية انخفضت إلى ~~الحيوانية أو إلى أسفل وهو أبدا في أحد أمرين إما فعل الجزاء أو جزاء على ~~فعل كما يقولون كرد وباداشت فما بالنا نقول محتاج في أفعاله وأحواله إلى ~~شخص مثله يقبح ويحسن فلا العقل يحسن ويقبح ولا الشرع لكن حسن أفعاله جزاء ~~على حسن أفعال غيره وقبح أفعاله كذلك وربما يصير حسنها وقبحها صورا حيوانية ~~وربما يصير الحسن والقبح في الحيوانية أفعالا إنسانية وليس بعد هذا العالم ~~عالم جزا يحكم فيه ويحاسب ويثاب ويعاقب. # وزادت البراهمة على التناسخية بأن قالوا نحن لا نحتاج إلى شريعة وشارع ~~أصلا فإن ما يأمر به النبي لا يخلو إما أن يكون معقولا أو لا يكون معقولا ~~فإن كان معقولا فقد استغنى بالعقل عن النبي وإن لم يكن معقولا لم يكن ~~مقبولا. # أجاب أهل الحق عن مقالة كل فرقة فقالوا للمعتزلة المعارضة غير صحيحة فإن ~~ما ذكرناه من الفرق بين العلم بأن الاثنين أكثر من الواحد والحكم بأن الكذب ~~قبيح ظاهر لا مراء فيه وما ذكرتموه غير مسلم فإنه يستوي عند صاحب الحاجة ~~طرفا الصدق والكذب وإن اختار الصدق لم يكن اختياره أمرا ضروريا ولا يقارنه ~~العلم بوجوب اختياره ضرورة ولو استروح إليه فلداع أو اعتياد أو غرض يحمله ~~على ذلك ومن استوى عنده الصدق والكذب في الملام في الحال والعقاب في ثاني ~~الحال لم يرجح أحدهما على الثاني لأمر في ذاته. # وأما استحسان العقلاء إنقاذ الغرقى واستقباحهم للعدوان فلطلب ثناء يتوقع ~~منهم على ذلك الفعل وذم على الفعل الثاني ومثل هذا قد سلمناه ولكنا فرضنا ~~القول في حكم التكليف هل يستحق على الله ثواب وعقاب بعد أن علم أنه لا ~~يلحقه ضرر ولا نفع من فعله. # وأما المتنازعان بالنفي والإثبات في أمر معقول قبل ورود الشرع وإنكار كل ~~واحد منهما على صاحبه فمسلم لكن الكلام وقع في حق الله تعالى هل يجب عليه ~~أن ms240 يمدح ويذم ويثيب ويعاقب على ذلك الفعل وذلك غيب عنا فبم يعرف أنه يرضى ~~عن أحدهما ويثيبه على فعله ويسخط على الثاني ويعاقبه على فعله ولم يخبر عنه ~~مخبر صادق ولا دل على رضاه وسخطه فعل ولا أخبر عن محكومه ومعلومه مخبر ولا ~~أمكن أن تقاس أفعاله على أفعال العباد فإنا نرى كثيرا من الأفعال تقبح منا ~~ولا تقبح منه كإيلام البرئ وإهلاك الحرث والنسل إلى غير ذلك وعليه يخرج ~~إنقاذ الغرقى والهلكى فإن نفس الإغراق والإهلاك يحسن منه تعالى ولا يقبح ~~وذلك منا قبيح والإنقاذ إن كان حسنا فالإغراق يجب أن يكون قبيحا فإن قدر في ~~ضمن إهلاكه سر لم نطلع عليه أو غرض لم نوصله إليه إلا به فليقدر في إهلاكنا ~~كذلك والفعل من حيث الصفات النفسية واحد فلم قبح من فاعل وحسن من فاعل. PageV01P131 # وأما ما قدروه من تنازع المتنازعين في مسئلة عقلية فذلك لعمري من مستحسنات ~~العقول من حيث أن أحدهما علم والثاني جهل لا من حيث أن أحدهما مكتسب له ~~مستوجب على كسبه ثوابا على الله تعالى لأنهما وإن اقتسما صدقا وكذبا وعلما ~~وجهلا لم يستوجبا بشروعهما في النظر ومخاصمتهما على تجاذب الكلام على الله ~~تعالى ثوابا وعقابا ولم يعرف بمجرد المناظرة أن حكم الله في حقهما إذا كان ~~الشروع جائزا أو محرما بل يتعارض الأمر بين الجواز والتحريم فوجه الجواز ~~فيه أنه اشتغال بالنظر والنظر متضمن للعلم والعلم محمود لنفسه وجنسه ~~والطريق المحمود محمود ووجه التحريم فيه أنه تصرف في ملك الغير بغير إذنه ~~واشتغال بالنظر وهو مخاطرة وربما يخطي وربما يصيب وإن أخطأ فربما يحصل له ~~الجهل والجهل مذموم لجنسه ونفسه فمن هذا الوجه أوجب العقل التوقف ومن ذلك ~~الوجه أوجب الشرع والأمر فيه متعارض وما يستقبح أحدهما من الثاني ليس ~~استقباحا يتنازع فيه. # وقولهم ما يحسن من العقل يحسن من حيث الحكمة فيجب على الله حكمة لا ~~تكليفا. # قلنا ما المعنى بقولكم يجب على الله تعالى من حيث الحكمة وما معنى الحكيم ms241 ~~والحكمة فإن عندنا وقوع الفعل على حسب العلم حكمة سواء كان فيه مصلحة وغرض ~~أو لم يكن بل لا حامل للمبدع الأول على ما يفعله فلو كان فالحامل فوقه ~~والداعي أعلى منه بل فعله وصنعه على هيئة يحصل منها نظام الموجودات بأسرها ~~من غير أن يكون له حامل من خارج وغرض وداع من الغير والحكيم من فعل فعلا ~~على مقتضى علمه والحسن والأحكام في الفعل من آثار العلم وأما الغير إذا فعل ~~فعلا مستحسنا عنده من غير إذن المالك فليس من الحكمة وجوب المجازاة على ذلك ~~الفعل خصوصا والمالك لم ينتفع بذلك المستحسن ولا اكتسب زينة وجمالا والحال ~~عنده إن فعل وإن لم يفعل على وتيرة واحدة. # وبقي أن يقال إذا لم يرجع إلى المالك نفع ولا ضرر فربما يرجع إلى الفاعل ~~فيعارض بأن يقال ذلك الفعل في الحال مشقة وكلفة مع جواز أن يخطئ فيعاقب في ~~ثاني الحال حساب وكتاب مع جواز أن يثاب على الصواب فأي عقل يخاطر هذه ~~المخاطرة ويقتحم هذا الاقتحام وإن رجعوا إلى عادات الناس في شكر المنعم ~~والثناء على المحسن والتعبد للمالك والعباد للملوك أنها من مستحسنات ~~العقول. # والجواب عنه من وجهين أحدهما أن العادة لا تكون دليلا عقليا يلزم الحكم ~~به ضرورة بل العادات متعارضة والشكر والكفر سيان في حق من لا ينتفع بشكر ~~ولا يتضرر بكفر والثاني أن الشكر على النعمة لا يستوجب بسببه نعمة أخرى بل ~~هو قضاء لواجب ثبت عليه إذا أدى ما وجب عليه لم يستوجب بذلك زيادة نعمة فلا ~~يجب على الله تعالى ثواب بسبب شكر النعمة ولهذا نقول من أنفق جميع عمره في ~~شكر سلامة عضو واحد كان يعد مقصرا فإذا قابل قليل شكره بكثير نعم الله ~~تعالى كيف يكون يعد موفرا وكيف يستحق على المنعم زيادة نعمه وكذلك حكم جميع ~~العبادات في مقابلة النعم السابغة قليل في كثير ولا يستوجب بسببها ثواب. PageV01P132 # ثم نقول الواجب في حق الله تعالى غير معقول على الإطلاق والاستحقاق للرب ~~على ms242 العبد غير مستحيل حمله فإنه ما من وقت من الأوقات إلا ويتقلب العبد في ~~نعم كثيرة من نعم الله تعالى ابتداء بأجزل المواهب وأفضل العطايا من حسن ~~الصورة وكمال الخلقة وقوام البنية وإعداد الآلة وإتمام الأدلة وتعديل ~~القناة نعم وما متعه به من أرواح الحياة وفضله به من حياة الأرواح وما كرمه ~~به من قبول العلم وآدابه وهدايته إلى معرفته التي هي أسنى جوائزه وحبايه " ~~وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها " فلا ابتداء الإنعام واجب عليه فعلا ولا ~~إذا قابل نعمة بشكر يسير كان الثواب واجبا عليه لأنه يعد مقصرا في أداء شكر ~~ما أنعم عليه فكيف يستحق نعمة أخرى فمن هذا الوجه لا يثبت قط استحقاق العبد ~~ولا يتحقق قط وجوبه على الرب ثم إن سلم تسليم جدل أنه يستحسن من حيث العادة ~~الشكر على النعم فكذلك يستحسن من حيث العادة أن يتقابل العوضان ويتماثل ~~الأمران قدرا وزمانا ولا يتصور أن يقع التقابل والتماثل بين أكثر كثير ~~النعم وبين أقل قليلها ولا يتحقق التعاوض بين سرمدي الوجود دواما وبين ما ~~لا يثبت له وجود إلا لحظة أو خطرة أو لفظة كما يقتضي العقل إيجاب شيء في ~~مقابلة شيء مكافأة وجزاء كذلك يقتضي اعتبار قدر الشيء في مقابلة قدر ~~وبالاتفاق لم يعتبر القدر فيجب أن لا يعتبر الأصل فإن كنا نستفيد الوجوب من ~~العقل ونعتبر العقل بالعادة فهذا هو قضية العقل والعادة صدقا فكيف يثبت ~~مثله استحقاق العبد وجوبا على الله تعالى. # وأما الوجوب على العبد والاستحقاق لله تعالى فليس من قضايا العقل والعادة ~~أيضا فإنه إذا لم يتضرر بمعصية ولا ينتفع بطاعة ولم تتوقف قدرته في الإيجاد ~~على فعل واحد وحال يصدر من الغير فيستعين به بل كما أنعم ابتداء قدر على ~~الإنعام دواما كيف يوجب على العبد عبادة شاقة في الحال لارتقاب ثواب في ~~ثاني الحال أليس لو رمي إليه زمام الاختيار حتى يفعل ما يشاء جريا على نسق ~~طبيعته المائلة إلى لذيذ الشهوات ثم أجزل في العطاء ms243 من غير حساب كان ذلك ~~أروح للعبد وما كان قبيحا عند العقلاء. PageV01P133 # ثم نقول من راس مواجب العقول في أصل التكليف متعارضة الأصول فإنا نطالب ~~الخصم بإظهار وجه الحسن في أصل التكليف والإيجاب عقلا أو شرعا وقد علم أن ~~لا يرجع إلى المكلف خير وشر ونفع وضر وزين وشين وحمد وذم وجمال ونكال وإن ~~كانت ترجع هذه المعاني إلى المكلف لكن والمكلف قادر على إسباغ النعم عليهم ~~من غير سبق التكليف فتعارض الأمران أحدهما أن يكلفهم فيأمرهم وينهاهم حتى ~~يطاع ويعصى ثم يثيب ويعاقب على فعلهم والثاني أن لا يكلفهم بأمر ونهي إذ لا ~~يتزين منهم بطاعة ولا يتشين منهم بمعصية ولا يثيب ثوابا على فعل ولا يعاقب ~~عقابا على فعل بل ينعم دواما كما أنعم ابتداء أليس العقل الصريح يتحير في ~~هذين المتعارضين ولا يهتدي إلى اختيار أحدهما حقا وقطعا فكيف يعرفنا وجوبا ~~على نفسه بالمعرفة وعلى قالبه بالطاعة أم كيف يعرفنا وجوبا على الفاطر ~~الباري تعالى بالثواب والعقاب خصوصا على أصل المعتزلة فإن التكليف والأمر ~~والإيجاب من الله تعالى مجاز في العقل إذ لا يرجع إلى ذاته صفة يكون بها ~~آمرا مكلفا بل هو عالم قادر فاعل للأمر كما هو فاعل الخلق والعقل إنما ~~يعرفه على هذه الصفة ويستحيل أن يعرفه أنه يقتضي ويطلب منه شيئا ويأمر ~~وينهي بشيء فغاية العقل أن يعرفه على صفة يستحيل عليه الاتصاف بالأمر ~~والنهي فكيف يعرفه على صفة يريد منه طاعة يستحق عليها ثوابا ولا يريد منه ~~معصية يستحق عليها عقابا ولا طاعة ولا معصية إذ لا أمر ولا نهي إذ لم يبعث ~~بعد نبيا فيخلق لأجله كلاما في شجرة فيسمعه ولو خلق لنفسه كلاما فهو مسموع ~~كل الحد ولا له في ذاته كلام يمكن أن يستدل عليه كسائر صفات ذاته بل أمره ~~ونهيه من صفات فعله بشرط أن لا يدل أمره المفعول المصنوع على صفة في ذاته ~~فهو مدلول أمره ونهيه إذ خلق في شجرة افعل لا تفعل لا يدل ذلك ms244 على صفة غير ~~كونه عالما قادرا فليعرف من ذلك أن من نفى الأمر الأزلي لم يمكنه إثبات ~~التكليف على العبد ولا أمكنه إثبات حكم في أفعال العباد من حسن أو قبح ~~ويؤدي ذلك إلى نفي الأحكام الشرعية المستندة إلى قول من ثبت صدقه بالمعجزة ~~فضلا عن العقلية المتعارضة المستندة إلى عادات الناس المختلفة بالإضافة ~~والنسب وكثيرا ما نقول من نفى قول الله فقد نفى الفعل فصار من أوحش الجبرية ~~أعني أثبت جبرا على الله تعالى وجبرا على العبد من نفى إكساب العباد فقد ~~نفى قول الله صار من أوحش القدرية أعني قدرا على الله وقدرا على العبد ~~والقدرية جبرية من حيث نفي الكلام والقول والأمر والجبرية قدرية من حيث نفي ~~الفعل والكسب والمأمور به فلينتبه لهذه الدقيقة. # وأما ما ذكروه من جواز التنازع بين مختلفين في مسئلة عقلية وإنكار أحدهما ~~على صاحبه واستقباح مذهبه مسلم ولكن النزاع في أمر وراءه وهو أنه هل يجب ~~على المتنازعين الشروع في تلك المسئلة وجوبا يستحق به ثوابا وإذا حصل على ~~علم فهل يستحق به ثواب الأبد وإذا حصل على جهل فهل يصير به مستحقا لعقاب ~~الأبد فما دليلكم على نفس المتنازع وقد عرفتم أن الأمر فيه غيب والإذن فيه ~~من المالك غير موجود وفي التصرف خطر ومن المعلوم أن من خاض لجة البحر ليطلب ~~درة وهو غير حاذق الصنعة كان على خطر الهلاك وربما يصير ملوما من جهة مالكه ~~إن كان عبدا أو مغرما من جهة صاحب المال إن كان شريكا ثم الاستقباح ~~والاستحسان والإنكار والإقرار متعارضان عند الخصمين فإن كل واحد منهما ~~يستحسن ما يستقبحه صاحبه يناء على إنكاره وقل ما يتفق ارتفاع النزاع بينهما ~~إلا بقاض يكون حكمه في الأمر وراء حكمهما وعقله أرجح من عقلهما يتحاكمان ~~إليه وذلك هو الذي ينفي الحسن والقبح من حيث العادة ويثبت الحسن والقبح من ~~حيث التكليف. # وأما ما ذكروه من رفع المعاني المعقولة في مجاري الحركات التكليفية ~~والأحكام الشرعية فذلك لعمري مشكل في المسئلة. ms245 # والجواب عنه من وجهين أحدهما أن نقول ما من معنى يستنبط من فعل وقول لربط ~~حكم إلا ومن حيث العقل يعارضه معنى آخر يساويه في الدرجة أو يفضل عليه في ~~المرتبة فيتحير العقل في الاختيار إلى أن يرد شرع يختار أحدهما اعتبارا ~~فحينئذ يجب على العاقل اعتباره واختياره. PageV01P134 # ونضرب له مثلا فنقول إذا قتل إنسان إنسانا مثله فيعرض للعقل الصريح هاهنا ~~آراء مختلفة كلها متعارضة أحدها أن يقتل به قصاصا ردعا للعاتي من كل مجترئ ~~وفيه استبقاء نوع الإنسان وتشف للغيظ من كل قريب وفيه استطابة نفس الإنسان ~~ويعارضه معنى آخر وهو أنه إتلاف في مقابلة إتلاف وعدوان بإزاء عدوان ولا ~~يحيا الأول بقتل الثاني وإن كان في الردع إبقاء بالتوقع والتوهم ففي القصاص ~~إهلاك الشخص بناجز الحال والتحقيق وربما يعارضه معنى ثالث وراءهما فيفكر ~~العقل أيراعي شرائط أخرى سوى مجرد الإنسانية من العقل والبلوغ والعلم ~~والجهل أم من الدين والطاعة أم من النسب والجوهر فيتحير العقل كل التحير ~~فلا بد إذا من شارع يقرر من المعاني ما وجب على العبد وحيا وتنزيلا وإنها ~~ملها رجعت إلى استنباط عقلك ووضع ذهنك من غير إن كان الفعل مشتملا عليها ~~فإنها لو كانت صفات نفسية لاشتملت حركة واحدة على صفات متناقضة وأحوال ~~متنافرة وليس معنى قولنا أن العقل يستنبط منها أنها كانت موجودة في الشيء ~~يستخرجها العقل بل العقل تردد بين إضافات الأحوال بعضها إلى بعض ونسب ~~الأشخاص والحركات نوعا إلى نوع وشخصا إلى شخص فطري مثله من تلك المعاني ما ~~حكيناه وأحصيناه وربما يبلغ إلى ما لا يحصى فعرف بذلك أن المعاني لم ترجع ~~إلى الذوات بل إلى مجرد الخواطر الطارئة على العقل وهي متعارضة. # والجواب الثاني أن نقول لو كان الحسن والقبح والحلال والحرام والوجوب ~~والندب والإباحة والحظر والكراهة والطهارة والنجاسة راجعة إلى صفات نفسية ~~للأعيان أو الأفعال لما تصور أن يرد الشرع بتحسين شيء وآخر بتقبيحه ولما ~~تصور نسخ الشرائع حتى يتبدل حظر بإباحة وحرام بحلال وتخير بوجوب ولما ms246 كان ~~اختلفت الحركات بالنسبة إلى الأوقات تحريما وتحليلا أليس الحكم في نكاح ~~الأخت للأب والأم في شرع أبينا آدم عليه السلام بخلاف الحكم في الجمع بين ~~الأختين المتباعدتين في شرع نبينا محمد صلى الله عليه وسلم كيف حل ذلك على ~~اتحاد اللحمة وحرم هذا على تباعد اللحمة ونحن فربما نتجوز فنضيف الحرام ~~والحلال إلى الأعيان فنقول الخمر حرام والكلب نجس والماء طاهر وهذا يحرم ~~لعينه وهذا يحرم لغيره وهذا نجس العين وهذا نجس بعارض وكل ذلك يجوز في ~~العبارة وإلا فهي كلها أحكام شرعية نزلت منزلة صفات عقلية وأضيفت إلى ~~الأعيان والأفعال إضافة حكمية والحسن والقبح في الصدق والكذب كالحلال ~~والحرام في الزنا والنكاح وكالجواز والحظر في البيع والربا. # وقد تمسك الأستاذ أبو إسحاق بطريق لا بأس به فقال صحة كون الضدين مرادا ~~على البدل يوجب التوقف مثاله من خاف التلف من شيئين على البدل ولم يكن له ~~دليل يدل على أحدهما بالتعيين يوجب التوقف في الأمرين. # وقال أيضا العقل يقضي بأن من له الإيجاب والإيجاب حقه فصاحب الحق له أن ~~يطلب وله أن لا يطلب سيما إذا كان مستغنيا عن المطالبة به وعن تحصيله له ~~وقيل الرسالة لا سبيل إلى معرفة مطالبته للعبد بحقه فإنه ربما يطالب وربما ~~يتفضل بالإسقاط فيتوقف العقل في ذلك وهذا كله من قبيل تعارض الأدلة في ~~العقل لكن الخصم يعتذر عن هذا ويقول أحد الطريقين أمن على الحقيقة والثاني ~~مخوف والأخذ بالأمن أولى فإنه إن أخذ بأنه ربما يطالبه بحقه فإذا أدا حقه ~~أمن من المعاقبة وإن أخذ بأنه ربما يتفضل خاف لأنه ربما لا يتفضل فإنما ~~يستقيم إن لو كان التعارض متساوي الطرفين من كل وجه فيتوقف العقل ضرورة. # وقال الأستاذ الشكر يتعب الشاكر ولا ينتفع المشكور فلا فائدة في فعله ~~لاستواء فعله وتركه. # قال الخصم الشكر ينفع الشاكر ولا يضر المشكور فوجب فعله لترجيح نفعه على ضره. # قال الأستاذ ربما يضر الشاكر لأنه قابل كثير نعم الله تعالى بقليل شكره ~~ولا شك ms247 أن من أنعم على إنسان بكثير من النعم خطيره وحقيره فأخذ الحقير يشكر ~~عليه عد من السفه ووجب اللوم عليه وضرب له حديث الرغيف المعروف. # قال الخصم ليس الشاكر من يقتصر على بعض النعم أو على الحقير منها بل ~~الشاكر من يستوعب بشكره جميع النعم ثم ربما يخص بعضها بالذكر تنبيها على ~~الباقي. PageV01P135 # قال الأستاذ التعرض لمقابلة النعم بالشكر كفر فإنه رأى المقابلة جزاء وكفاء ~~وقط ولا يكافئ نعم الله التي لا تحصى بالشكر فإنه إن أوقع شكره في مقابلة ~~نعمه على أنه يكافيه ليلا يكون تحت منه فهو كفران محض وإن كان على أنه ~~ينفعه كما انتفع به فهو كفران صريح فلا النعمة تقبل المقابلة ولا المعاوضة ~~ولا المنعم يقبل النفع والضر وكيف يحسن الشكر والشكر إنما ينتفع الشاكر إن ~~لو حصل على رضى المشكور وإذنه فإذا لم يعرف رضاه وإذنه إلا بالسمع فلا يحسن ~~الشكر إلى بالشرع ولكن لما تربى الإنسان على مناهج الشرع ورأى أهل الدين ~~يستحسنون الشكر وقرأ آيات تحسين الشكر ظن أن مجرد العقل يقتضي بذلك. # أما الجواب عن مقالة الفلاسفة قولهم أن الوجود قد اشتمل على خير محض وشر ~~محض وخير وشر ممتزجين فهو كلام من لم يتحقق الخير والشر ما هو فما المعنى ~~بالخير أولا فإن الخير يطلق على كل موجود عندكم وعلى هذا الشر يطلق على كل ~~معدوم وعلى هذا لم يستمر قولكم الوجود يشتمل على خير مطلق فكأنكم قلتم ~~اشتمل الوجود على الوجود وهو تكرار غير مفيد ولم يستتب قولكم وعلى شر مطلق ~~فإن الشر المطلق هو المعدوم والوجود كيف يشتمل على العدم فلم يصح التقسيم ~~رأسا على أنا إنما فرضنا المسئلة في الحركات التي ورد عليها التكليف فإن ~~الخير والشر فيها هو المقصود بالحسن والقبح وقد ساعدتمونا على أن حكمها في ~~الأفعال غير معلوم بالضرورة ولا العقل يهتدي إليه بالنظر لأن ذلك يختلف ~~بالإضافات والأزمان فبقي قولكم العلم من حيث هو علم محمود وكل محمود مطلوب ~~لذاته والجهل بالعكس من ms248 ذلك فهو مسلم ولكن الطالب إذا حصل له المطلوب فهل ~~يستوجب على الله ثوابا أم لا وإن لم يحصل بل حصل ضده هل يستوجب عقابا أم لا ~~لأن التنازع إنما وقع من حيث التكليف لا من حيث ذات الشيء وصورته. # قالوا معنى الجزاء عندنا ترتب سعادة وشقاوة أبدية على نفس عالمة أو جاهلة ~~كترتب صحة وسلامة في البدن على شرب دواء وذلك حاصل له بالضرورة وكترتب مرض ~~وألم في البدن على شرب سم وذلك حاصل له بالضرورة أيضا. # قيل إذا كان سعادة النفس مترتبة على حصول قوى العلم والعمل وخروجهما من ~~القوة إلى الفعل يحتاج إلى معاناة أمور شديدة ومقاساة أحوال عسيرة من تحصيل ~~المقدمات والوقوف على كيفية تأديها بالطلب أو المطلوب ولم تكن الفطرة ~~الإنسانية بمجردها كافية في التحصيل وتعارض الأمر عند العقل يوقف العاقل ~~لئلا يقع في طريق يفضي به إلى الجهالة الموجبة للشقاوة فإن التوقف أولى من ~~اقتحام الخطر في المهالك وأيضا فإن عندكم مخرج العقل من القوة إلى الفعل ~~يجب أن يكون عقلا بالفعل فإن العقل بالقوة لا يخرج العقل بالقوة فإنه بعد ~~محتاج إلى مخرج وليس هذا بذاته يخرج ذاته من القوة إلى الفعل وكما أن ~~الممكن بذاته لا يترجح أحد طرفي إمكانه على الثاني إلا بمرجح كذلك ما هو ~~بالقوة فلا يخرج من القوة إلى الفعل إلا بمخرج وكما أن المرجح على الحقيقة ~~ما انتفى عنه وجوه الإمكان كذلك المخرج على الحقيقة ما انتفى عنه وجوه ~~القوة كالمرجح لجانب الوجود على العدم في الممكنات هو واجب الوجود بذاته ~~والمخرج من القوى إلى الفعل هو العقل الفعال فقد اعترفتم بأن لا خالق إلا ~~الله ولا هادي إلى المعارف ولا موجب للتكاليف المستدعية للجزاء إلا هو ~~بتوسط العقل الأول الفعال والعقول الجزئية بحكم مناسبتها العقل الأول ربما ~~تشتمل منها صور المعارف فيعرف الأوائل فطرة وبديهة ثم يرد إليها الثواني ~~والثوالث نظرا وتفكرا حتى يخرج إلى الفعل وهذا على طريق الجواز والإمكان لا ~~على طريق الوجوب والضرورة ms249 لكن لا يعرف إيجابه وتكليفه على العموم إذ ليس ~~لكل واحد من نوع الإنسان استعداد الاستمداد منه من كل وجه بل واحد بعد واحد ~~فذلك هو النبي عندنا فلا تعرف المعارف إلا بالعقل ولا تجب المعارف إلا ~~بالسمع فلزمكم من حكم قاعدتكم هذه ما أثبتنا وهو لازم ضرورة. PageV01P136 # وأما الجواب عن مقالة الصائبة نقول أنتم منازعون في إثبات تأثيرات الكواكب ~~في الأجسام السفلية كل المنازعة ولنسلم لكم ذلك تسليم المساهلة فالسعد ~~والنحس لم يؤثر إلا في الحسن والقبح من حيث الخلقة وذلك غير متنازع فيه ~~وإنما النزاع بيننا في الحسن والقبح من حيث الأمر ولا شك أن الله تعالى حكم ~~في أفعال العباد بافعل ولا تفعل وعلى ذلك الحكم جزى في الدار الآخرة. # فنقول ذلك الحكم غير معلوم ضرورة ولا استدلالا من حيث العقل فوجب التوقف ~~إلى أن يرد به سمع وما قالوه من نفي النبوة في الصورة البشرية فتقرر الحجة ~~عليه في إثبات النبوات وأما المنافع والمضار في الأشياء وكونها معلومة ~~بالعقل فغير مسلم على الإطلاق فإن طريقتها عند القوم وعند الطبيعيين ~~والأطباء هو التجربة والتجربة ما لم تتكرر لم تفد العلم والتكرار فيه غير ~~ممكن لاختلاف طبائع الأشياء بالنسبة إلى مزاج ومزاج وهواء وهواء وتربة ~~وتربة وقط لا تحصل التجربة في شيء واحد باعتبار واحد وأيضا فإن الخواص التي ~~هي وراء كيفيات الأشياء وطبائعها ربما تخالف ما يحصل بالتجربة من الطبائع ~~والخواص عندهم من فيض النفس الكلية على ماهيات الأشياء وربما تحصل آثار ~~كبيرة من مجرد عدد يتركب من أعداد مخصوصة وربما تحصل آثار مختلفة من مجرد ~~أمزجة تتركب من عناصر مخصوصة والمطلع على الماهيات غير الباحث عن الكيفيات ~~والكميات فلا بد إذا من إثبات شخص له اطلاع على الكواكب وعلى ما وراء ~~الكواكب حتى يكون الكل عنده كصورة واحدة فتقرر لخاصية منافع الأشياء ~~ومضارها من جهة الخواص ويحمل العامة على التسليم ذلك جملة وسيأتي تقرير ذلك. # وأما الجواب عن مقالة التناسخية فطريق الرد عليهم أن نبطل مذهبهم ms250 في أصل ~~التناسخ وإنكار البعث في الآخرة فنقول أثبتم جزاء على كل فعل تنتهي الأفعال ~~عندكم إلى جزاء محض وهل تبتدي الأجزية من فعل محض فإن قضيتم بالتسلسل فذلك ~~دور محض فإنه إن لم يكن فعل إلا جزاء ولا جزاء إلا على فعل فلم يكن فعل ~~وجزاء أصلا فإنه يتوقف كون الجزاء جزاء على سبق فعل ويتوقف كون الفعل فعلا ~~على سبق جزاء فيكون كل واحد منهما متوقفا على صاحبه فيكون حكمه حكم توقف ~~المعلول على العلة وتوقف العلة على المعلول وذلك محال فلا بد من ابتداء ~~بفعل أولي ليس بجزاء والانتهاء إلى جزاء آخر ليس بفعل وذلك تسليم المسئلة. # ثم نقول ما الدرجة العليا في الخير وما الدرجة السفلى في الشر عندكم ~~قالوا الدرجة العليا في الخير هي الملكية والنوبة والدرجة السفلى هي ~~الشيطانية والجنية. # فقيل لهم لو قتل نبي حية فما ثوابه ولا درجة في الثواب فوق النبوة ولو ~~قتل جني نبيا فما عقابه ولا درجة في العقاب تحت الجنية فيجب أن يعرى أشرف ~~الطاعات عن الثواب وأكبر الكبائر عن العقاب. # ومما يبطل التناسخ رأسا إن كان مزاج استعد لقبول الصورة يلائمها من واهب ~~الصور فإذا فاضت عليه الصورة قارنتها صورة النفس المستحسنة لزم أن يكون ~~لبدن واحد نفسان وذلك محال. # وأما الجواب عن مقالة البراهمة سيأتي على استيفاء في مسئلة إثبات النبوات ~~والرد عليهم فيما يليق بسؤالهم أن الذي يأتي به النبي معقول أو غير معقول. # نقول ما يأتي به النبي معقول في نفسه أي جنسه معقول ويمكن أن يدركه العقل ~~وليس كل ما هو معقول الجنس يجب أن يعقله الإنسان فإن العلم بخواص الأشياء ~~وماهيات الموجودات مما هو معقول الجنس وليس كل إنسان يدركه في الحال فبطل ~~التلبيس الذي تعلقوا به. ### || AUTO القاعدة الثامنة عشر ### || AUTO في إبطال الغرض والعلة في أفعال الله تعالى وإبطال القول ~~بالصلاح والأصلح واللطف ومعنى التوفيق الخذلان والشرح والحتم والطبع ومعنى ~~النعمة والشكر ومعنى الأجل والرزق. # مذهب أهل الحق أن الله ms251 تعالى خلق العالم بما فيه من الجواهر والأعراض ~~وأصناف الخلق والأنواع لا لعلة حاملة له على الفعل سواء قدرت تلك العلة ~~نافعة له أو غير نافعة إذ ليس يقبل النفع والضر أو قدرت تلك العلة نافعة ~~للخلق إذ ليس يبعثه على الفعل باعث فلا غرض له في أفعاله ولا حامل بل علة ~~كل شيء صنعه ولا علة لصنعه. PageV01P137 # وقالت المعتزلة الحكيم لا يفعل فعلا إلا لحكمة وغرض والفعل من غير غرض سفه ~~وعبث والحكيم من يفعل أحد أمرين إما أن ينتفع أو ينفع غيره ولما تقدس الرب ~~تعالى عن الانتفاع تعين أنه إنما يفعل لينتفع غيره فلا يخلو فعل من أفعاله ~~من صلاح ثم الأصلح هل تجب رعايته قال بعضهم تجب كرعاية الصلاح وقال بعضهم ~~لا تجب إذ الأصلح لا نهاية له فلا أصلح إلا وفوقه ما هو أصلح منه ولهم كلام ~~في اللطف وتردد في وجوب ذلك. # وقد قالت الفلاسفة واجب الوجود لا يجوز أن يفعل فعلا لعلة لا ليحمد ~~ويتزين بالحمد والشكر ولا لينتفع أو يدفع الضرر ولا لأمر داع يدعوه ويحمله ~~على الفعل والعالي لا يريد أمرا لأجل السافل بل الأفعال صدرت عن المبادئ ~~الأول وهي استندت إلى العقل الفعال وإنما أبدع العقل بلوازمه وأبدع بتوسطه ~~سائر الأشياء على وجه اللزوم عنه ضرورة إذ ليس يتصور وجود واجب الوجود إلا كذلك. # قالوا إفادة الخير والصلاح من المنعم تنقسم إلى ما يكون لفائدة وغرض يرجع ~~إلى المفيد والفائدة تنقسم إلى ما هو مثل المبذول كمقابلة المال بالمال ~~وإلى ما ليس مثلا كمن يبذل المال رجاء للثواب والمحمدة أو اكتساب صفة ~~الفضيلة وطلب الكمال به وهذه أيضا معاوضة وليس بجود كما أن الأول معاملة ~~وليس بإنعام بل الجود والإنعام هو إفادة ما ينبغي من غير عوض وغرض فالأول ~~قد أفاد الجود على الموجودات كلها كما ينبغي على ما ينبغي من غير ادخار ~~ممكن من ضرورة أو حاجة أو رقبة بحيث لو قدر غيره من الممكنات الوهمية كان ~~نقصا في ms252 ذلك الموضوع لا كمالا فكل ذلك بلا عوض ولا فائدة وغيره يتصور أمرا ~~ثم يعرض له احتياج إلى وجوده فيحتال لوجوده ليتم غرضه به كمن يريد يبني ~~دارا تصورها أولا ثم احتاج إليها للاستكنان والسكنى احتال لوجودها آلاتها ~~ليتم غرضه بها أو من يهب مالا أو يعطي عطاء ابتداء أو عقيب سؤال يتصور في ~~نفسه أولا اكتساب حمد وجزاء وحمله على ذلك ضعف حال الفقير فرق له رقة ~~الجنسية فأنعم عليه كان الحامل له على النوال نفع يلحقه أو ضرر يدفعه ~~وتعالى الخالق الأول عن ذلك ولم يكن تصوره وعلمه من المتصور المعلوم حتى ~~يكون هو الحامل بل التصور من العلم والمقدور من القدرة هذا كلام القوم وهو ~~حسن لولا تشبيههم بأمور لا نرتضيها والتزامهم أمورا لا نستقصيها. # فقال أهل الحق الدليل على أن الباري تعالى غني عن الإطلاق إذ لو كان ~~محتاجا من وجه كان من ذلك الوجه مفتقرا إلى من يزيل حاجته فهو منتهى مطلب ~~الحاجات ومن عنده نيل الطلبات ولا يبيع نعمه بالأثمان ولا يكدر عطاياه ~~بالامتنان فلو خلق شيئا ما لعلة تحمله على ذاك أو لداعية تدعوه إليه أو ~~لكمال يكسبه أو حمد وأجر يحصله لم يكن غنيا حميدا مطلقا ولا برا جوادا ~~مطلقا بل كان فقيرا محتاجا إلى كسب. # والذي يقرره أن كل صلاح نقدره بالعقل بالنسبة إلى شخص عارضه صلاح فوق ذلك ~~أو فساد مثل ذلك بالنسبة إلى شخص آخر فلئن كان الصلاح يقتضي وجوده بالنسبة ~~إلى ذلك الشخص فالفساد يقتضي عدمه بالنسبة إلى شخص آخر فالسم في أصحاب ~~السموم صلاح وفي غيرهم من الحيوانات فساد فلو كان الصلاح اقتضى وجوده ~~فالفساد اقتضى عدمه وكما يختلف ذلك بالأشخاص يختلف الصلاح والفساد بالجزئي ~~والكلي ونحن لا ننكر أن أفعال الله تعالى اشتملت على خير وتوجهت إلى صلاح ~~وأنه لم يخلق الخلق لأجل الفساد ولكن الكلام إنما وقع في أن الحامل له على ~~الفعل ما كان صلاحا يرتقبه وخيرا يتوقعه بل لا حامل له وفرق بين ms253 لزوم الخير ~~والصلاح لأوضاع الأفعال وبين حمل الخير والصلاح على وضع الأفعال كما يفرق ~~فرقا ضروريا بين الكمال الذي يلزم وجود الشيء وبين الكمال الذي يستدعي وجود ~~الشيء فإن الأول فضيلة هي كالصفة اللازمة والثاني فضيلة كالعلة الحاملة. PageV01P138 # قالت المعتزلة قد قام الدليل على أن الرب تعالى حكيم والحكيم من تكون ~~أفعاله على إحكام وإتقان فلا يفعل فعلا جزافا فإن وقع خيرا فخير وإن وقع ~~شرا فشر بل لا بد وأن ينجو غرضا ويقصد صلاحا ويريد خيرا ثم إن النفع ينقسم ~~إلى ما يرجع إلى الفاعل إن كان محتاجا إليه أو إلى غيره وإن كان الفاعل ~~غنيا غير محتاج كإنقاذ الغرقى وتخليص الهلكى مستحسن في العقل وربما لا يكون ~~المنقذ مكتسبا نفعا ومتوقعا حمدا أو أجرا وعن ذلك ورد في بعض الكتب ما خلقت ~~الخلق لا ربح عليهم بل خلقتهم ليربحوا علي. # والذي يقرره أن الحكمة في خلق العالم ظاهرة لمن تأملها بالعقل منصوصة لمن ~~طلبها في السمع. # أما العقل فقد شهد بأن الحكمة في خلق العالم إظهار آيات ليستدل بها على ~~وحدانيته ويتوصل بها إلى معرفته فيعرف ويعبد ويستوجب به ثواب الأبد. # وأما السمع فآيات القرآن كثيرة منها قوله تعالى " وخلق الله السموات ~~والأرض ولتجزى كل نفس بما كسبت " ولهذا صار كثير من العقلاء إلى أن أول ما ~~يخلقه الرب تعالى يجب أن يكون عاقلا مفكرا لأن خلق شيء من غير من ينظر فيه ~~باعتبار ويتوسل إلى معرفة الباري تعالى باستبصار عبث وسفه. # قالوا وما ذكرناه لا ينافي الغنى بل هو كمال الغنى عن خلقه فإن كمال ~~الغنى لا يعرف إلا باحتياج كل العالم إليه واحتياج العالم إنما يعرفه ~~العالم فيستدل به على انفراده تعالى بغناه ولله تعالى في كل صنع من صنائعه ~~حكمة ظاهرة وآية تدل على وحدانيته باهرة لا تنكرها العقول السليمة ولا ينبو ~~عنها إلا الأوهام السقيمة. # قال أهل الحق مسلم أن الحكيم من كانت أفعاله محكمة متقنة وإنما تكون ~~محكمة إذا وقعت على حسب علمه ms254 وإذا حصلت على حسب علمه لم تكن جزافا ولا وقعت ~~بالاتفاق. # وقولكم لا بد وأن ينحو غرضا ويريد صلاحا فما المعنى بالغرض وما المعنى ~~بالصلاح ولا يشك أنكم تفسرون الغرض باجتلاب نفع أو دفع ضرر إذ القادر الحق ~~على كل شيء والغني المطلق عن كل شيء متقدس عن الضرر والنفع والألم واللذة ~~ويتعالى عن أن يكون محلا للحوادث قابلا للاستحالة والتغيرات وإن فسرتموه ~~بنفع الغير وصلاحه فما النفع المطلق وما الصلاح المطلق في خلق العالم بأسره ~~إن قلتم يستدل بوجود دلائله على وحدانيته. # قيل لكم والحكيم إذا فعل فعلا لغرض معين وجب أن يحصل له ذلك الغرض من كل ~~وجه ولا يتخلف غرضه من وجه وإلا فينسب إلى الجهل والعجز ومن المعلوم أن ~~الغرض الذي عينتموه لم يحصل إذا قدرتم خلق العالم في الأقل من العقلاء وإن ~~لم يقرر ذلك لم يحصل في الأكثر والغرض إذا كان معلقا على اختيار الغير لم ~~يصف عن شوائب الخلاف فلا يحصل على الإطلاق ثم لو خلقهم ولم يكلفهم لا عقلا ~~ولا سمعا وفوض الأمر إليهم ليفعلوا ما أرادوا يتضرر بذلك أم يلحقه نقص أو ~~يثلم جلاله فعل أو ليست الطيور في الهوى والسوائم في الفلا تغدو وتروح من ~~غير تكليف فما السر في تخصيص بني آدم بالتكليف ولم ينتفع به ولا يتضرر بضده. # قالوا ليأتي المكلف بما أمر به فيثيبه عليه ويعوضه عما فات عليه ويكون ~~التذاذ المكلف بالثواب والعوض المرتبين على فعله أكثر من التذاذه بنفس ~~التفضل والكرم. PageV01P139 # قيل يا لله العجب من حكمة ما أشرفها ومن سر ما أدقه تعبت عقولكم من شدة ~~التعمق في استخراج المعاني فقد عاد حكمة الله تعالى في خلق السموات والأرض ~~بما فيها إلى أن يكون التذاذ المكلف بثواب يناله على عمله أكثر من التذاذه ~~بتفضل يناله من غير عمل إنا إذا فحصنا عن الأغراض كان الغرض من خلق العالم ~~هو الاستدلال وكان الغرض من الاستدلال حصول المعرفة وكان الغرض من حصول ~~المعرفة وجوب الثواب وكان ms255 الغرض من الثواب حصول التفرقة بين لذتي المقابلة ~~والعطية فغرض الأغراض من خلق العالم بما فيه من الجواهر والأعراض ما لا ~~يجوز أن يكون غرضا لعاقل ولا يقدر الخالق على أن يخلق لذة في التفضل أكثر ~~مما يخلقها في الثواب واللذات كلها مخلوقة لله تعالى أولا ينادي المكلف يا ~~رب مغفرتك أوسع من ذنوبي ورحمتك أرجى عندي من عملي يا من لا تنفعه المغفرة ~~ولا تضره المعصية اغفر لي ما لا يضرك وأعطني ما لا ينفعك حتى يكون ابتهاجي ~~برحمتك ومغفرتك ألطف من التذاذي بمعرفتي وطاعتي أو لا يعد من غاية اللؤم ~~وركاكة الهمة أن يهدي فقير هدية حقيرة إلى ملك كبير سجيته البذل والعطايا ~~من غير سؤال وعرض هدية لنيل ثواب ثم يوجب عليه العوض ويقول التذاذي بما ~~يقابل هديتي أكثر من عطاياك التي لا تحصى انظر كيف عادت الحكمة الإلهية في ~~خلق العالم بأسره عند القوم إلى أخس الدرجات في الهمة وأمس الحاجات إلى ~~المرمة بحيث لا يرتضيه عاقل لإرمام بيته الكثيف فكيف يرتضيه الفاطر لأحكام ~~صنعه اللطيف فتعالى وتقدس. # وأما الآيات في مثل قوله تعالى " ولتجزى كل نفس بما كسبت " فهي لام المآل ~~وصيرورة الأمر وصيرورة العاقبة لا لام التعليل كما قال تعالى " فالتقطه آل ~~فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا " وقوله " جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار ~~مبصرا ولتبتغوا من فضله " واعلم أنه كما لا تتطرق لم إلى ذات الباري تعالى ~~وصفاته لم تتطرق إلى صنائعه وأفعاله حتى لا يلزم أن يجاب لأنه كذى أو لكونه ~~كذي فلا يقال لم وجد ولم كان العالم ولا يقال لم أوجد العالم ولم خلق ~~العباد ولم كلف العقلاء ولم أمر ونهى ولم قدر وقضى " لا يسأل عما يفعل وهم ~~يسألون " . # قالت المعتزلة نحن على طريقين في وجوب رعاية الصلاح والأصلح فشيوخنا من ~~بغداذ حكموا بأن الواجب في الحكمة لخلق العالم وخلق من يكون قابلا للتكليف ~~ثم استصلاح حاله بأقصى ما يقدر من إكمال العقل والأقدار على النظر والفعل ~~وإظهار الآيات ms256 وإزاحة العلل وكل ما ينال العبد في الحال والمال من البأساء ~~والضراء والفقر والغنى والمرض والصحة والحياة والموت والثواب والعقاب فهو ~~صلاح له حتى تخليد أهل النار في النار صلاح لهم وأصلح فإنهم لو أخرجوا منها ~~لعادوا لما نهوا عنه وصاروا إلى شر من الأول وشيوخنا من البصرة صاروا إلى ~~أن ابتداء الخلق تفضل وإنعام من الله تعالى من غير إيجاب عليه لكنه إذا خلق ~~العقلاء وكلفهم وجب عليه إزاحة عللهم من كل وجه ورعاية الصلاح والأصلح في ~~حقهم بأتم وجه وأبلغ غاية. PageV01P140 # قالوا والدليل على المذهبين أن الصانع حكيم والحكيم لا يفعل فعلا يتوجه ~~عليه سؤال ويلزم حجة بل يزيح العلل كلها فلا يكلف نفسا إلا وسعها ولا يتحقق ~~الوسع إلا بإكمال العقل والإقدار على الفعل ولا يتم الغرض من الفعل إلا ~~بإثبات الجزاء " ولتجزى كل نفس بما كسبت " فأصل التخليق والتكليف صلاح ~~والجزاء صلاح وأبلغ ما يمكن في كل صلاح هو الأصلح وزيادات الدواعي والصوارف ~~والبواعث والزواجر في الشرع وتقدير ألطاف بعضها خفي وبعضها جلي فأفعال الله ~~تعالى اليوم لا تخلو من صلاح وأصلح ولطف وأفعال الله تعالى غدا على سبيل ~~الجزاء إما ثواب أو عوض أو تفضل فالصلاح ضد الفساد وكل ما عري عن الفساد ~~يسمى صلاحا وهو الفعل المتوجه إلى الخير من قوام العالم وبقاء النوع عاجلا ~~والمؤدي إلى السعادة السرمدية أجلا والأصلح هو إذا صلاحان وخيران فكان ~~أحدهما أقرب إلى الخير المطلق فهو الأصلح واللطف هو وجه التيسير إلى الخير ~~وهو الفعل الذي علم الرب تعالى أن العبد يطيع عنده وليس في مقدور الله ~~تعالى لطف وفعل لو فعله لآمن الكفار ثم الثواب هو الجزاء على الأعمال ~~الحسنة والعوض هو البدل عن الفائت كالسلامة التي هي بدل الألم والنعيم الذي ~~هو في مقابلة البلايا والرزايا والفتن والتفضل هو اتصال منفعة خاصة إلى ~~الغير من غير استحقاق يستحق بذلك حمدا وثناء ومدحا وتعظيما ووصف بأنه محسن ~~مجمل وإن لم يفعله لم يستوجب بذلك ملاما وذما وليس ms257 للمعتزلة فيما ذكروه ~~مستند عقلي ولا مستروح شرعي إلا مجرد اعتبار العادة في الشاهد وتشنيعا ~~معقولا ثم اعتبار الغائب بالشاهد وهم في الحقيقة مشبهة في الأفعال. # فألزمت الأشعرية عليه التزامات منها قولهم إذا أوجبتم على الله تعالى ~~رعاية الصلاح والأصلح في أفعاله فيجب أن توجبوا علينا رعاية الصلاح والأصلح ~~في أفعالنا حتى يصح اعتبار الغائب بالشاهد ولم يجب علينا رعايتهما بالاتفاق ~~إلا بقدر ما والتعرض للنصب والتعب والنصب لو كان فاصلا بين الشاهد والغائب ~~لكان فاصلا في أصل الصلاح. # ومنها أن القربات من النوافل صلاح فليجب وجوب الفرائض. # ومنها القضاء بأن خلود أهل النار في النار يجب أن يكون صلاحا لهم وقولهم ~~بأنهم لو ردوا لعادوا لما نهوا عنه لا يغني فإن الله تعالى لو أماتهم أو ~~سلب عقولهم وقطع عقابهم كان أصلح لهم ولو غفر لهم ورحمهم وأخرجهم من النار ~~إذ لم يتضرر بكفرهم وعصيانهم كان أصلح لهم. # ومنها أن كل ما فعله الرب تعالى من الصلاح لو كان حتما عليه لما استوجب ~~بفعل ما شكرا أو حمدا فإنه في فعله قضى ما وجب عليه وما استوجب عبد بطاعته ~~ثوابا وتفضيلا فإنه في طاعته قضى ما وجب عليه ومن قضى دينه لم يستوجب شيئا آخر. # ومنها قولهم نحن فرضنا الكلام في إنظار إبليس وإمهاله أكان صلاحا له ~~وللخلق أم كان فسادا وفي إماتة النبي صلى الله عليه وسلم هل كان صلاحا له ~~وللخلق أم فسادا فإن كان تبقية إبليس صلاحا مع إضلاله الخلق فهلا كان تبقية ~~النبي صلى الله عليه وسلم صلاحا مع هدايته للخلق وكيف صار الأمر بالضد من ذلك. # ومنها قولكم أنكم حسبتم التكليف لتعريض المكلف للثواب الدائم وإذا علم ~~الرب أنه لو اخترم العبد قبل البلوغ وكمال العقل لكان ناجيا ولو أمهله وسهل ~~له النظر لعند وكفر وجحد فكيف يستقيم أن يقال أراد به الصلاح والأصلح ومن ~~المعلوم أن المقصود من التكليف عند القوم الصلاح والتعريض لا معنى الدرجات ~~التي لا تنال إلا بالأعمال فيجب أن ms258 يكون الرب مسيئا للنظر لمن خلقه وأكمل ~~عقله وكلفه مع العلم بأنه يهلك ويخسر ولزم من حيث الحكمة أن يكون علمه ~~مانعا له عن إرادته والتعريض لمن هذه حاله بالنفع والثواب وفي العادة كل من ~~عرف من حال ولده أنه لو سافر واتجر في مال يعطيه لهلك وخسر لا يحسن من حيث ~~العقل أن يبعثه لأجل التجارة ويعطيه المال لأجل الخسارة ولو علم من ولده ~~أنه لو أعطاه سيفا وسلاحا ليقاتل عدوا من أعدائه لقتل نفسه ويبقى السلاح ~~لعدوه لم يكن من الحكمة أن يعطيه السلاح ويبعثه للقاء عدوه البتة بل لو فعل ~~ذلك كان ساعيا في هلاك ولده. PageV01P141 # ومن مذهبهم أن الرب تعالى لو علم أنه لو أرسل رسولا إلى خلقه وكلفه الأداء ~~عنه مع علمه بأنه لا يؤدي فإن علمه به يصرفه عن إرادته الأداء عنه فكذلك لو ~~علم أنه يكفر ويهلك وجب أن يصرفه عن إرادته الخير والصلاح له وهذا بمثابة ~~من أدلى حبلا إلى غريق ليخلص به نفسه مع العلم بأنه يخنق نفسه فقد أساء ~~النظر له بل قصد به هلاكه. # ومن مذهبهم أن الرب إذا علم أن في تكليفه عبدا من العباد فساد الجماعة ~~فإنه يقبح تكليفه لأنه استفساد لمن يعلم أنه يكفر عند تكليفه. # ومن الإلزامات أن القوم قضوا بأن الرب تعالى قادر على التفضل بمثل الثواب ~~فأي غرض في تعريض العباد للبلوى والمشاق. # قالوا الغرض فيه أن استيفاء المستحق أهنأ وألذ من قبول التفضل وهذا كلام ~~من لم يعرف الله حق معرفته وكيف يستنكف العبد وهو مخلوق مربوب من قبول فضل ~~الله تعالى فلو خلق الخلق وأسكنهم الجنة كان حسنا منه ولو خلقهم في الدنيا ~~ثم أماتهم من غير تكليف كان حسنا " ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب ~~العالمين " أليس لو خلقهم وكلفهم وقطع عنهم الألطاف كانوا أبلغ في الاجتهاد ~~وأحمل للمشاق فكان الثواب لهم أكثر والالتذاذ بما يستحقونه من العوض أشد ~~فهلا قطع عنهم الألطاف بأسرها لتكون اللذة في الثواب أوفر. ms259 # ثم نلزمهم فرض الكلام في طفلين أحدهما اخترمه قبل البلوغ لعلمه بأنه لو ~~بلغ لكفر فصار الصلاح في حقه الاخترام حتى لا يستوجب عقاب النار والآخر ~~أوصله إلى البلوغ والتكليف فكفر فيقول يا رب هلا اخترمتني قبل البلوغ كما ~~اخترمت أخي حتى لا يتوجه على تكليف يوجب عقاب الأبد وطفلين آخرين اخترم ~~أحدهما قبل البلوغ وهو ابن كافر وقد علم أنه لو بلغ لأمن وأصلح والآخر ~~أوصله إلى البلوغ وهو ابن مسلم فكفر وأفسد فيقول هلا اخترمتني حتى لا ~~أستوجب عقاب الأبد وبالجملة من أوجب رعاية الصلاح والأصلح يوجب اخترام ~~الأطفال الذين علم الله تعالى منهم الكفر بعد البلوغ حتى لا يوجد كافر في ~~العالم وإبقاء الأطفال الذين علم الله تعالى منهم الإيمان حتى لا يتحقق إلا ~~الإيمان والمؤمن في العالم والصلاح يدور على المعلوم كيف كان ثم ما من أصلح ~~إلا وفوقه أصلح والاقتصار على مرتبة واحدة كالاقتصار على الصلاح فلا معنى ~~للأصلح ولا نهاية له ولا يمكن في العقل رعايته. # ثم للمعتزلة في الآلام وأحكامها كلام وهو على مذهب الأشعري لا تقع مقدورة ~~لغير الله وإذا وقعت كان حكمها الحسن سواء وقعت ابتداء أو وقعت جزاء من غير ~~تقدير سبق استحقاق عليها ولا تقدير جلب نفع ولا دفع ضرر أعظم منها بل ~~المالك متصرف في ملكه كما شاء سواء كان المملوك بريا أو لم يكن بريا ومن ~~صار من الثنوية إلى أن الآلام والأوجاع والغموم منسوبة إلى الظلمة من دون ~~النور فقد سبق الرد عليهم ومن نسبها إلى أعمال سبقت لغير هذا الشخص فهو ~~مذهب التناسخية فقد سبق الرد عليهم بقي استرواح العقلاء إلى أهل العادة ~~يستقبحون الآلام من غير سبق جناية والآلام مما يأباه العقل وإذا اضطر إليه ~~رام الخلاص منه فدل ذلك على قبحه ونحن لا ننازعهم في أن الآلام ضرر وتأباه ~~النفوس وتنفر منه الطباع ولكن كثيرا من الآلام مما ترضاه النفوس وترغب إليه ~~الطباع إذا كان ترجو فيها صلاحا هو أولى بالرعاية مثل الحجامة ms260 والصبر على ~~شرب الدواء رجاء للشفاء ونرى كثيرا إيلام الصبيان والمجانين وشرط العوض فيه ~~يزيد في قبحه والمالك قادر على التفضل بحسن العوض عالم بأن الصلاح في ~~الإيلام وبالجملة هو المتصرف في ملكه له التصرف مطلقا كما شاء يفعل ما يشاء ~~ويحكم ما يريد. # وللفريقين في التوفيق والخذلان والشرح والطبع وأمثالها كلام على طرفي ~~الغلو والتقصير والحق بينهما دون الجائز منهما. PageV01P142 # قالت المعتزلة التوفيق من الله تعالى إظهار الآيات في خلقه الدالة على ~~وحدانيته وإبداع العقل والسمع والبصر في الإنسان وإرسال الرسل وإنزال الكتب ~~لطفا منه تعالى وتنبيها للعقلاء من غفلتهم وتقريبا للطرق إلى معرفته وبيانا ~~للأحكام تمييزا بين الحلال والحرام وإذ فعل ذلك فقد وفق وهدى وأوضح السبيل ~~وبين المحجة وألزم الحجة وليس يحتاج في كل فعل ومعرفة إلى توفيق مجرد ~~وتسديد منجز بل التوفيق عام وهو سابق على الفعل والخذلان لا يتصور مضافا ~~إلى الله تعالى بمعنى الإضلال والإغواء والصد عن الباب وإرسال الحجاب على ~~الألباب إذ يبطل التكليف به ويكون العقاب ظلما. # قالت الأشعرية التوفيق والخذلان ينتسبان إلى الله تعالى نسبة واحدة على ~~جهة واحدة فالتوفيق من الله تعالى خلق القدرة الخاصة على الطاعة والاستطاعة ~~إذا كانت عنده مع الفعل وهي تتجدد ساعة فساعة فلكل فعل قدرة خاصة والقدرة ~~على الطاعة صالحة لها دون ضدها من المعصية فالتوفيق خلق تلك القدرة المتفقة ~~مع الفعل والخذلان خلق قدرة المعصية وأما الآيات في الخلق فنسبتها إلى ~~الموفق كنسبتها إلى المخذول والقدرة الصالحة للضدين أعني الخير والشر إن ~~كانت توفيقا بالإضافة إلى الخير فهي خذلان بالإضافة إلى الشر. PageV01P143 # والقصد بين الطريقتين أن يقسم التوفيق قسمة عموم وخصوص على عموم الخلق ~~وخصوصهم فعموم الخلق في توفيق الله تعالى الشامل لجميعهم وذلك نصب الأدلة ~~والأقدار والاستدلال وإرسال الرسل وتسهيل الطرق لئلا يكون للناس على الله ~~حجة بعد الرسل وخصوص الخلق في توفيق الله الخاص لمن علم منه الهداية ~~وإرادته الاستقامة وذلك أصناف لا تحصى وألطاف لا تستقصى تبتدئ من كمال ~~الاعتدال في ms261 المزاج أحدهما من جهة الطبيعة طينا والثاني من جهة الشريعة ~~خلالا وهذا في النطفة الحاصلة من الأبوين وعلتها النقش الأول من السعادة ~~والشقاوة كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم السعيد من سعد في بطن أمه ~~والشقي من شقي في بطن أمه ثم التربية من الأبوين أو من الأستاذ أو من ~~المعلم أو من أهل البلد وذي القرابة والخلطة معونة أخرى قوية حتى ربما يغير ~~الاعتدال من النقص إلى الكمال وعن الكمال إلى النقص وعلة النقش الثاني من ~~الفطرة والاحتيال كما قال عليه السلام فطر الله العباد على معرفته ~~فاحتالتهم الشياطين عنها وقال كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه ~~وينصرانه ويمجسانه ثم الاستقلال بحالة البلوغ وكمال العقل يحتاج إلى قوي ~~استمداد من التوفيق وذلك مزلة الأقدام ومجرة الأقلام فالتوفيق فيها من الله ~~أن لا يكله إلى نفسه مما هي عليها من الاستقلال والاستبداد والخذلان أن ~~يخذله ويكله إلى نفسه وحوله وقوته وعن هذا كان التبري من الحول والقوة ~~بقولهم لا حول ولا قوة إلا بالله واجبا في كل حال وذلك مطردة الشياطين إذ ~~يدخل احتيال الشيطان تغريره بحوله وقوته والفطرة هي الاحتياج إلى الله ~~تعالى والتسليم لله والتوكل على الله إذ لا حول ولا قوة إلا بالله وذلك كنز ~~من كنوز الجنة وهذه الحالة أعني حالة البلوغ والاستقلال هي مثار القوى ~~الحيوانية منها الغضبية والشهوية قال الصديق الأول يوسف عليه السلام وما ~~أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي وذلك عند مثار القوى ~~الشهوية ووكز الكليم عليه السلام ذلك القبطي فقضى عليه فقال هذا من عمل ~~الشيطان وذلك عند مثار القوة الغضبية وتبرأ الرسول عليه السلام من القوتين ~~جميعا فقال في كل حال اللهم واقية كواقية الوليد رب لا تكلني إلى نفسي طرفة ~~عين وعلى هذه الحالة النفس الثالثة وهي تمتد إلى آخر العمر فلا تزيده مواعظ ~~الشرع ترغيبا وترهيبا ولا تجانبه مواقع التقدير تنبيها وتحذيرا فإن انفتح ~~سمعه لمواعظ الشرع وبصره لمجاري التقدير انشرح ms262 صدره للإسلام فهو على نور من ~~ربه وإن جعل إصبعه في أذنيه فلم يسمع الآيات إلا مرية وأسبل جفنه على عينيه ~~فلم يبصر الآيات الخلقية صار على ظلمة من طبعه وذلك الطبع والختم بل طبع ~~الله عليها بكفرهم ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ~~وربما يكون الختم والطبع من قساوة في جوهر جبلية اكتسبها من أصل فطرته ~~فالتقدير مصدر والتكليف مظهر والكل مقدر والمقدر ميسر لما خلق له فالحاصل ~~أن الموكول إلى حوله وقوته في خذلان الله تعالى والتوكل على حول الله وقوته ~~في توفيق الله تعالى فعلى رأي القدرية العبد أبدا في الخذلان إذ هو موكول ~~إلى حوله وقوته ولم يستعن بالله ولم يتوكل على الله فعلى رأي الجبرية العبد ~~أبدا في الخذلان إذ هو خاذل نفسه عن امتثال أمر الله تعالى لم يعبد الله ~~ولم يحفظ حدود الله تعالى. # والحق الذي لا غبار عليه إياك نعبد محافظة على العبودية وإياك نستعين ~~استعانة بالربوبية والتوفق والخذلان والشرح والطبع والفتح والختم والهداية ~~والضلال ينتسب إلى الله تعالى بشرط أن يكون أحق الاسمين به أحسن الاسمين " ~~ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها " وأولى الفعلين بحكمه وتقديره أولى ~~الفعلين وجودا وأجدرهما حصولا " بيدك الخير إنك على كل شيء قدير " اللهم من ~~أحسن فبفضلك يفوز ومن أساء فبخطيته يهلك لا المحسن استغنى عن رفدك ومعونتك ~~ولا المسيء عليك ولا استبد بأمر خرج به عن قدرتك فيا من هكذا لا هكذا غيرك ~~صل على محمد وعلى آله افعل بي ما أنت أهله إنك أهل لكل جميل. PageV01P144 # والقول في النعمة والرزق قريب مما ذكرناه فمن راعى فيهما عموما قال النعمة ~~كل ما ينعم به الإنسان في الحال والمال والرزق كل ما يتغذى به من الحلال ~~والحرام وقد سماها الله تعالى باسمها فقال " وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ~~ونأى بجانبه " وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ومن راعى فيهما ~~خصوصا قال النعمة في الحقيقة ما يكون محمود العاقبة وهو مقصور على ms263 الدين ~~قال الله تعالى فيهم " أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في ~~الخيرات بل لا يشعرون " والرزق في الحقيقة ما يكون مباحا شرعا قال الله ~~تعالى " أنفقوا مما رزقناكم " والحرام لا يجوز الإنفاق منه وكلا القولين ~~صحيح إذا اعتبر فيهما الخصوص والعموم ولا مشاحه في المواضعات والشكر على ~~النعم والأرزاق واجب وهو أن تراها بقلبك من المنعم فضلا فتحمده قولا ولا ~~تستعملها في المعاصي فعلا والأرزاق مقدرة على الآجال والآجال مقدورة عليها ~~ولكل حادث نهاية ليس تختص النهايات بحياة الحيوانات وما علم الله إن شاء ~~ينتهي عند أجل معلوم كان الأمر كما علم وحكم فلا يزيد في الأرزاق زائد ولا ~~ينقص منها ناقص فإذا جاء أجلهم لا يتأخرون ساعة ولا يستقدمون وقد قيل أن ~~المكتوب في اللوح المحفوظ حكمان حكم مطلق بالأجل والرزق وحكم مقيد بشرط إن ~~فعل كذا يزاد في رزقه وأجله وإن فعل كذا نقص منهما كذا وعليه حمل ما ورد في ~~الخبر من صلة الرحم يزيد في العمر وقد قال تعالى " وما يعمر من معمر ولا ~~ينقص من عمره إلا في كتاب " وقوله " يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم ~~الكتاب " . ### || AUTO القاعدة التاسعة عشر ### || AUTO في إثبات النبوات # وتحقيق المعجزات ووجوب عصمة الأنبياء عليهم السلام صارت البراهمة ~~والصابئة إلى القول باستحالة النبوات عقلا وصارت المعتزلة وجماعة من الشيعة ~~إلى القول بوجوب وجود النبوات عقلا من جهة اللطف وصارت الأشعرية وجماعة من ~~أهل السنة إلى القول بجواز وجود النبوات عقلا ووقوعها في الوجود عيانا ~~وتنتفي استحالتها بتحقيق وجودها كما ثبت تصورها بنفي استحالتها. # فقالوا بم يعرف صدق المدعي وقد شاركناه في النوعية والصورة أبنفس دعواه ~~وقد علم أن الخبر محتمل للصدق والكذب أم بدليل آخر يقترن به وذلك الدليل إن ~~كان مقدورا له فهو أيضا مقدورنا وإن لم يكن مقدورا له ولكنه مقدور بقدرة ~~الله تعالى فلا يخلو إما أن يكون فعلا معتادا ولا يختص ذلك بهذا المدعي فلا ~~يكون دليلا وإن كان فعلا ms264 خارقا فمن أي وجه يدل على صدقه والفعل من حيث هو ~~فعل لا يدل على الاختصاص بشخص معين سوى اقترانه بنفس دعواه وللاقتران أسباب ~~أخر محتملة كما لخرق العادات أحوال مختلفة وإذا احتملت الوجوه عقلا لم ~~تتعين جهة الدلالة فانحسم باب الدليل من كل وجه أما نفس الإقتران فربما لا ~~يتفق في بعض الأحوال إذ الفعل فعل الله تعالى وهو منوط بمشيئته فكيف يوجب ~~المعدي على الله فعلا يفعله في تلك الحال وليس يدعي النبي على أصلكم هذه ~~الدعوى التي قدرتموها فإنه يحيل خلق الآيات على مشيئة الله تعالى كما أخبر ~~كتابكم " قل إنما الآيات عند الله وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون " ~~وكم من نبي سئل إظهار الآية فلم يظهر في الحال على يده فلئن كان ظهور الآية ~~في بعض الأوقات دليلا على صدقه فعدم ظهورها في بعض الأوقات يجب أن يكون ~~أيضا دليلا على كذبه وليس الأمر كذلك على أصلكم فإذا قال واحد من عرض الناس ~~وهو مجهول الحال عند الكل إني رسول الله إليكم فطولب بالآية وجب عليه ~~التضرع إلى الله في استدعاء الآية الخارقة للعادة على مقتضى الدعوى ووجب ~~على الله إجابته في الحال إلى ذلك كان الإيجاب أولى على الله ورسوله من ~~الخلق وهو عكس ما رمتم إثباته ثم مسئلة النظر والاستمهال فيه يفضي إلى ~~إفحام الأنبياء فإنه إذا ادعى الرسالة فقال المدعو العلم بالرسول يترتب على ~~العلم بالمرسل والعلم به ليس يقع بديهة وضرورة فلا بد من نظر واستدلال في ~~أفعاله استدلالا بتغيرها على حدوثها وبحدوثها على ثبوت محدثها ثم النظر في ~~قدمه ثم النظر في وحدانيته ثم النظر في صفاته الواجبة له والجائزة عليه وما ~~يستحيل في صفته وبعد ذلك ينظر في جواز انبعاث الرسل ثم في معجزة هذا المدعي بعينه. PageV01P145 # فيقول أمهلني حتى أنظر في هذه الأبواب وأقطع هذه المراتب فهل يجب على النبي ~~إمهاله أم لا فإن لم يمهل فقد ظلمه إذ كلفه ما لا يطيق وذلك أن العلم إذا ms265 ~~لم يحصل إلا بالنظر والنظر يستدعي مهلة وزمانا ولم يمهله فقد ظلمه وأمره ~~بمجرد التقليد والتقليد إما كفر وإما قبيح وإذا أمهله فيلزمه أن لا يعود ~~إليه حتى ينتهي النظر نهايته ولا يتقرر ذلك بزمان معين بل يختلف الحال ~~باختلاف الأشخاص وأذهانهم وكياستهم في مدارج النظر وأيضا فمن استمهل ووجب ~~إمهاله يعطل النبي عن الدعوة فإن عاد إليهم قالوا نحن بعد في مهلة النظر ~~فليس لك علينا حكم بعد الإمهال ولم يثبت عندنا صدقك فنتبعك ثم إذا كان ~~النبي مبلغا عن الله تعالى فلا بد وأن يسمع أمره وكلامه أولا ثم يبلغ عنه ~~أو يسمع من سمع منه فبم عرف النبي بأن المتكلم هو الله أو بم عرف أن ~~المتوسط ملك يوحي إليه وبم عرف ذلك الملك أن الرب هو الآمر المتكلم فما ~~الجواب عن هذه المسئلة هذا كلامنا على نفس الدعوى. # أما الكلام على بينة الدعوى فنحن أولا ننكر ما حكيتموه عن الأنبياء من ~~قلب العصا حية وإحياء الموتى وفلق البحر وخروج الناقة من الصخرة الصماء ~~وتسبيح الحصا وانشقاق القمر فإن جنس ذلك مستحيل الوجود فنحن أولا نمنع ~~حصولها فماذا دليلكم على وقوع ذلك ثم بم تنكرون على من يرد الخوارق إلى ~~خواص الأشياء فإنا نجد حصول أمثال ذلك من الجمادات على يد من لا دين له ~~كالأمطار التي تحصل من اصطكاك الأحجار وكالرياح التي تهب من تحريك ما مخصوص ~~ثم التعزيم والتنجيم والتبخير وعلم الطلسمات واستسخار الروحانيات واستخدام ~~الكواكب العلوية علوم معروفة والعمل بها من العجائب المعجزة والغرائب ~~المفحمة فما أنكرتم أن ما أتى به هذا المدعي من جنس ذلك ثم الواجب عليكم أن ~~تثبتوا وجه دلالة المعجزة على الصدق فإنه من حيث هو فعل دل على قدرة الفاعل ~~فقط من هذا الوجه لم يدل على صدق قول المدعي من حيث اقترانه بدعواه لم يدل ~~أيضا لأن اقترانه بدعواه كاقترانه بحدوث حادث آخر من قول أو عمل ثم لم يدل ~~نفس الاقتران على حق أو باطل فكيف دل ms266 هاهنا وأيضا فإن عندكم يجوز خرق ~~العادات على يدي مدعي الإلاهية ولم يدل ذلك على صدق دعواه فكيف يدل على صدق ~~دعوى النبوة. # قال أهل الحق قام الدليل على أن الرب تعالى خالق الخلق ومالكهم ومن له ~~الأمر والخلق والملك له أن يتصرف في عباده بالأمر والنهي وله أن يختار منهم ~~واحدا لتعريف أمره ونهيه فيبلغ عنه إليهم فإن من له الخلق والإبداع له ~~الاختيار والاصطفاء " وربك يخلق ما يشاء ويختار " فلا استحالة في هذه ~~المراتب ولا استحالة في نفس الدعوى ولا يضاهي استحالته استحالة دعوى ~~الإلاهية بل هو من الجائزات العقلية فله الواجبات الحكمية فبقي كون الخبر ~~والدعوى على احتمال الصدق والكذب وإنما ترجح الصدق على الكذب بدليل. # وللمتكلمين طرق في إثبات المرجح أحدها أن اقتران المعجزة بدعوى النبي ~~نازل منزلة التصديق بالقول وذلك أنه متى عرف من سنة الله تعالى أنه لا يظهر ~~أمرا خارقا للعادة على يدي من يدعي الرسالة عند وقت التحدي والاستدعاء إلا ~~لتصديقه فيما يجري به واجتماع هذه الأركان انتهض قرينة قطعية دالة على صدق ~~المدعي فكان المعجزة بالفعل كالتصديق شفاها بالقول ونحن نعلم قطعا في صورة ~~من يدعي الرسالة من ملك حاضر محتجب بستر والجماعة على كثرتها حضور ثم إن ~~رجلا من عرض الناس إذا قام بين يدي ذلك الجمع الكثير من الخلق وقال أيها ~~الناس إني رسول هذا الملك إليكم وآية صدقي في دعواي أنه يحرك هذا الستر إذا ~~استدعيت منه ثم قال أيها الملك إن كنت صادقا في دعواي الرسالة عنك فحرك هذا ~~الستر فحرك في الحال علم قطعا ويقينا بقرينة الحال أنه أراد بذلك الفعل ~~تصديق المدعي ونزل التحريك منه على خلاف العادة منزلة التصديق بالقول ولم ~~يشك واحد من أهل الجمع أن الأمر على ما يجري به المدعي فكذلك في صورة ~~مسئلتنا هذه فإذا المرجح للصدق هي القرائن الحاصلة من اجتماع أمور كثيرة ~~منها الخارق للعادة ومنها كونه مقرونا بالدعوى ومنها سلامته عن المعارضة ~~فانتهضت هذه القرائن بمجموعها دالة ms267 على صدق المدعي نازلة منزلة التصديق ~~بالقول وذلك مثل العلم الحاصل من سائر القرائن أعني قرائن الحال وقرائن ~~المقال. PageV01P146 # ووجه آخر الآية الخارقة للعادة كما دلت بوقوعها على قدرة الفاعل وباختصاصها ~~على إرادته وبأحكامها على علمه كذلك دلت بوقوعها مستجابة لدعاء الداعي لا ~~لدعوى المدعي على أن له عند الله حالة صدق ومقالة حق ومن كانت دعوته ~~مستجابة عند الله يستحيل أن يكون في دعواه كاذبا على الله تعالى وهذا هو ~~حقيقة النبوة وذلك أن استجابته في أمور لا يقدر الخلق على ذلك دليل على صدق ~~هذا الداعي ولو قدر الداعي كاذبا في نفسه على الله أقبح كذب وهو الرسالة ~~عنه بما لم يرسل انقلب دليل الصدق دليلا على الكذب وهو متناقض ونحن لا ننكر ~~أن يكون شخص من الأشخاص مستجاب الدعوة ثم ينقلب حاله إلى حالة الأشقياء كما ~~لا ننكر أن يظهر خارق للعادة على يد ساحر لكن الشرط في الأمرين واحد وهو أن ~~يكون المدعي في حال ما يدعي مستجاب الدعوة بالآية حتى تكون الآية دالة على ~~صدق حالته ودرجته عند الله تعالى وإذا قدر كونه كاذبا انقلبت الدلالة على ~~الصدق دلالة على الكذب وهو محال لتناقضه وكما أن الوقوع إذا دل على القدرة ~~لم يدل على العجز والإحكام لما دل على العلم لم يدل على الجهل كذلك دليل ~~الصدق لا يجوز أن يكون دليلا على الكذب وهذه الطريقة أحسن من الأولى. # ووجه آخر نقول إن قرينة الصدق ملازمة لتحدي النبي الصادق عن الله تعالى ~~وذلك أن المعجزة تنقسم إلى منع المعتاد وإلى إثبات غير المعتاد أما المنع ~~فكالجنس من الحركات الاختيارية مع سلامة البنية وإحساس التيسير والثاني في ~~مجرى العادة ومثال ذلك تيه بني إسرائيل في قطع الطريق ومنع السحرة من ~~التخييل وحصر زكريا من الكلام المعتاد ويجوز أن يقدر صرف الدواعي عن ~~المعارضة بمثل ما جاء به النبي عليه السلام من جنس المعجزات وإن كان ذلك من ~~قبيل مقدوراتهم ولهذا عد بعضهم إعجاز القرآن من هذا ms268 القبيل وهو مذهب مهجور ~~ويجوز أن يقدر منع الناس عن التحدي بمثل ما تحدى به النبي من جنس المعجزات ~~فلا يقدر أحد على المعارضة بالدعوى فضلا عن معارضته بالخارق للعادة ويكون ~~لهذه المعجزة قرينة متصلة بنفس الدعوى حتى لا تخلو قط دعوى نبي من الأنبياء ~~عن قرينة الصدق ولا تتأخر الدلالة عن نفس التحدي وهذا أبلغ في باب الإعجاز ~~فإن المتصدي للمعارضة يحس من نفسه عجزا مع استمرار عادته بمثل ذلك التحدي ~~فيقول النبي إني رسول الله إليكم وآية صدقي أن لا يعارضني معارض في نفس ~~دعواي هذه والنفوس متطلعة والألسن سليمة والدواعي باعثة فتتحير العقول ~~وتنحصر الألسن وتتراجع الدواعي وتنمحق الدعاوي لست أقول لا ينكره منكر بل ~~أقول لا يعارضه معارض بمثل التحدي والدعوى فيقول لا بل إني رسول الله إليكم ~~ولهذا لم نجد في قصص الأنبياء من عارضهم بمثل دعواهم في حال التحدي ولا ~~استمرت هذه الدعوى لأحد من بعدهم ولا يلتفت إلى ما يحكى عن مسيلمة الكذاب ~~أنه ادعى الرسالة عن الله تعالى فإن من كتب إلى نبي الله أما بعد فإن الأرض ~~بيني وبينك نصفين لم يكن معارضا له في نفس دعواه بل مسلما له من وجه ~~ومتحكما من وجه ومن ادعى الرحمانية في الحالة الثانية لم يكن ثابت القدم ~~على الدعوى الأولة وكان من حقه لو كان متنازعا له أن يقول إني عبد الله ~~ونبيه لا شريك الله في الرحمانية وشريك رسوله في الأرض فاعرف هذه الدقيقة ~~فإن فيها سرا وغورا. # ثم الجواب عن شبهات المنكرين أن نقول قولكم أن اقتران المعجزة بدعوى ~~المدعي لا ينتهض دليلا على صدقه فإن نفس الاقتران بالإضافة إلى دعواه أو ~~إلى غيرها من الأفعال أو الأقوال بمثابة واحدة. PageV01P147 # فنقول سبيل تعريف الله تعالى عباده صدق الرسل بالآيات الخارقة للعادة كسبيل ~~تعريفه إياهم إلاهيته بالآيات الدالة عليها والتعريف قد يكون بالقول تارة ~~وقد يكون بالفعل أخرى والتعريف بالقول قد يكون إخبارا عن صدقه كقوله تعالى ~~للملائكة " إني جاعل في الأرض ms269 خليفة " وقد يكون تنبيها على صدقه بتعجيز ~~الخلق عن معارضته كما علم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة وكما علم ~~المصطفى القرآن وقال " فأتوا بسورة من مثله " فكما عجزت الملائكة عن معارضة ~~آدم بالأسماء عجزت العرب والعجم عن معارضة المصطفى بآيات القرآن ودلت ~~الأسماء والآيات على صدق النبي الأول والنبي الآخر ولما ثبت صدق الأول كان ~~مبشرا بمن بعده إلى الآخر ولما ثبت صدق الآخر كان هو مصدقا لمن قبله إلى ~~الأول فكانت الأقوال متواصلة والعلوم متواترة والكلمات متفقة والدعوات ~~متحدة والكتب والصحف متصادقة والسيوف على رقاب المنكرين قائمة ومن اصطفاه ~~الله عز وجل لرسالته من عباده واجتباه لدعوته كساه ثوب جمال في ألفاظه ~~وأخلاقه وأحواله ما يعجز الخلائق عن معارضته بشيء من ذلك فيصير جميع حركاته ~~معجزة للناس كما صارت حركات الناس معجزة لمن دونهم من الحيوانات ويكون ~~مستتبعا جميع نوع الإنسان كما صار الإنسان مستسخرا جميع أنواع الحيوان " ~~والله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون ~~للناس على الله حجة بعد الرسل " ونعيد ما أبديناه آنفا. # فنقول أنتم معاشر الصابئة والبراهمة المعولون على مجرد العقول وقضاياها ~~وافقتمونا ولم يحتج بالموافقة بل قام الدليل الواضح على أن لله تعالى تصرفا ~~في عباده بالتكليف والأمر وعلى حركاتهم بالإحكام والحدود ومن القضايا ~~العقلية أن نوع الإنسان يحتاج إلى اجتماع على نظام وصلاح وإن ذلك الاجتماع ~~لن يتحقق إلا بتعاون وتمانع وإن ذلك التعاون والتمانع لن يتصور إلا بحدود ~~وأحكام وإن تلك الحدود والأحكام تجب أن تكون موافقة لحدود الله وأحكامه وإن ~~كل من دب ودرج ليس يتلقى من الله حدوده وأحكامه ولا له أن يضع من عند نفسه ~~حدودا وأحكاما فلزم العقل ضرورة أن يكون بين الناس شرع يفرضه شارع يتلقى من ~~الله وحيا وينزله تنزيلا على عباده وهذه قضايا عقلية بيننا وبينكم وإنما ~~حقيقة القول إيل إلى تعيين الشارع. # فنقول لن يتحتم على الله تعالى تعريف صدق من اصطفاه لرسالته وتعيين شخص ~~من اجتباه لشريعته ms270 فإنه يؤدي إلى التعجيز وإلى تكليف ما لا يطاق وهو كما لو ~~كلف عباده بمعرفته ثم يطمس عليهم وجوه أدلته وإذ لا طريق إلى التصديق إلا ~~بالقول والفعل ولا طريق إلى ذلك بالقول تعين الفعل ولربما يعرف الملائكة ~~بالقول ويعرف الناس بالفعل ولربما يعرف النوعين بهما جميعا أعني تعريفهما ~~بفعل نازل منزلة القول أو بقول دال دلالة الفعل وليس ذلك التعريف إيجابا ~~عليه تعالى وتقدس بل وجوبا له حتى لا يؤدي إلى التعجيز في نصب الأدلة وحتى ~~لا يفضي إلى التكذيب في خبر الاستخلاف وحتى لا يكون على الله حجة بعد الرسل ~~بتكليف ما لا يطاق فيقال " ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا " وإذا أرسلت فهلا ~~بنيت لنا طريقا ودليلا يتوصل به إلى صدقه ويتوصل بتصديقه إلى معرفتك ~~وطاعتك. PageV01P148 # وقولكم أن الرسول يحيل نزول الآية إلى مشيئة الله تعالى قلنا تلك الحوالة ~~من أدل الأدلة على صدق المقالة إذ لو ادعى الاستقلال بإظهار الآيات ما كان ~~مخبرا عن الله تعالى بأمره ولا داعيا إلى الله بإذنه فهو في كل حال من ~~الأحوال يثبت حق موكله ويظهر العجز من نفسه ويحيل الحول والقوة إلى مرسله ~~وكان الفصل الذاتي لنفس النبي عليه السلام أن لا يكون موكولا لنفسه طرفة ~~عين فلا ينطق عن الهوى ولا يتحرك إلا على متن الهدى وذلك هو العصمة الإلهية ~~المقيمة لنفسه المقومة لذاته ولئن كان النطق فصلا ذاتيا لنوع الإنسان " فما ~~ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى " فصل ذاتي لنفس النبي عليه السلام أعرف ~~الإشارة ولا تؤاخذني بالعبارة ونقول أنتم معاشر الصابئة سلمتم بنبوة ~~عاذيمون وهرمس وهما شيث وإدريس عليهما السلام فبم عرفتم صدقهما أبمجرد ~~الدعوى والخبر أم بدليل ونظر وكل ما قدرتموه دليلا في حق شخص واحد ثبتت به ~~نبوته أو على الجملة صدقه في جميع أقواله فهو دليل المخبر الثاني والثالث ~~وإن أحلتم الرسالة في الصورة البشرية فهما بشر مثلكم وأنتم مخبرون عنهما ~~بشر مثلنا. # فإن قلتم أنهما كانا حكيمين عالمين لا نبيين مرسلين ms271 قيل وبم وجب عليكم ~~اتباعههما والمحافظة على حدودهما وإحكامهما وانتهاج مناهجهما في الدعوات ~~والصلوات والصيام والزكوات وقد تساوت أقدامكم في العقول والأنفس وتشابهت ~~صوركم في البشرية والإنسانية. # ومن عجب ما يلزم منكري النبوة أن من أنكر النبوة فقد أقر بها من حيث ~~أنكرها فإن النبوة لا معنى لها إلا الخبر عن الله تعالى بأنه أرسل رسولا ~~ومن أنكر فقد ادعى أنه مخبر عن الله أنه لم يرسل رسولا فقد ادعى الرسالة ~~لنفسه فكان إنكاره إقرارا وعاد إنكاره تسليما ومن سلم أن لله على عباده ~~تكليفا وأمرا فقد سلم أنه يرسل رسولا وإنما النزاع وقع في أن الرسالة هل ~~تتصور في الصورة البشرية " وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن ~~قالوا أبعث الله بشرا رسولا " وإذا بينا أن البشرية لا تنافي الرسالة فقد ~~أثبتنا جواز انبعاث الرسل والصابئة سلموا الرسالة للروحانيات وأوجبوا ~~التوجه إلى هياكلها من الكواكب السبعة وعملوا الأشخاص على صورة الهياكل ~~فتقربوا إليها وذلك عود إلى الصورة والأصنام والحنفاء سلموا الرسالة ~~للجسمانيات وأوجبوا التوجه إلى أشخاصهم ولم يتخذوا أصناما آلهة ولا اعتقدوا ~~النبيين أربابا لكنهم قالوا لهم طرفان بشرية ورسالة " قل سبحان ربي هل كنت ~~إلا بشرا رسولا " فبطرف البشرية يشاكل نوع الإنسان ويشاركه فيأكل ويشرب ~~وينام ويستيقظ ويحيى ويموت وبطرف الرسالة يشاكل نوع الملائكة ويشاركه فيسبح ~~ويقدس ويبيت عند ربه فيطعمه ويسقيه وتنام عيناه ولا ينام قلبه ويموت قالبه ~~ولا يموت روحه والمناظرة بين الفريقين في أول الزمان كانت قائمة وقد أظهرها ~~الخليل صلى الله عليه وسلم حيث قال " إني بريء مما تشركون إني وجهت وجهي ~~للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين " وبذلك أمر خاتم ~~النبيين عليه السلام قال علي ملة أبيكم إبراهيم وقال إني أمرت أن أكون أول ~~من أسلم وقال إني وجهت وجهي الآية وغيرها من الآيات وفيه فصول كثيرة ~~ذكرناها في كتاب الملل والنحل. PageV01P149 # وأما الجواب عن مسئلة إمهال النظر وإفحام الأنبياء فإنما يلزم الإفحام على ~~من قال بالمهلة ms272 ويجب على النبي إمهال النظر وذلك مذهب المعتزلة وأما من قال ~~بأنه لا يمهله ولا يجب عليه أن يمهله بل يجيب بأني جئت لأرفع المهلة وأرشدك ~~إلى معرفة المرسل بأن أخبر عنك بما لا يمكنك إنكاره وهو احتياجك إلى صانع ~~فاطر حكيم إذ كنت تعرف ضرورة أنك لم تكن فكنت وما كنت بنفسك بل بكون غيرك ~~وهذه هي ابتداء الدعوة بيا " أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من ~~قبلكم لعلكم تتقون " فكيف يمهله ويكله إلى نفسه وهو مأمور بدعوة الناس إلى ~~التوحيد والمعرفة حالة فحالة وشخصا فشخصا والاستمهال إنما يتوجه إذا خلت ~~الدعوة عن الحجة الملزمة والدلالة المفحمة فإن من تحققت رسالته عنه في ~~نفسها وتصدى لدعوة الناس إلى وحدانية الله تعالى لا يخلى دعوته عن الدلالة ~~على التوحيد أولا ثم يتحدى بالرسالة عنه ثانيا اعتبر حال جميع الأنبياء ~~عليهم السلام في دعوتهم أما آدم أبو البشر فقد ثبت صدقه بإخبار الله تعالى ~~ملائكته " إني جاعل في الأرض خليفة " فلم يكن في أول زمانه من كان مشركا ~~فيدعوه إلى التوحيد وحين أمروا بالطاعة فمن صدق الله تعالى في خبره فسجد له ~~بأمره ومن لم يسجد فكأنه لم يصدق فاستحق اللعنة وهو أول من كفر وأما نوح ~~عليه السلام فأول كلامه مع قومه " أن اعبدوا الله ما لكم من إله غيره " ~~فأثبت التوحيد ثم النبوة فقال " أو عجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل ~~منكم لينذركم " وأما هود بعده فقال " يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله ~~غيره " ثم قال " ولكني رسول من رب العالمين " أثبت التوحيد ثم النبوة أما ~~صالح بعده قال " يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره " ثم قال " قد ~~جاءتكم بينة من ربكم " وأما لوط فإنه كان يدعو الناس بدعوة الخليل وما جرى ~~بينه وبين قومه من عبدة الأوثان والكواكب من أظهر ما يتصور " وقال أتعبدون ~~ما تنحتون والله خلقكم وما تعملون " وقال لأبيه آزر " أتتخذ أصناما آلهة يا ~~أبت لم تعبد ms273 ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا " ثم أثبت الرسالة فقال ~~" يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطا سويا " ~~وكانت الدعوة جارية على لسان أولاده إلى زمن موسى عليه السلام وكان من شأنه ~~مع فرعون ما كان إذ قال له فرعون وما رب العالمين فمن ربكما يا موسى حتى ~~حقق عليه التوحيد بتعريف وحدانيته استدلالا من أفعاله عليه في جواب وما رب ~~العالمين قال رب السموات والأرض وما بينهما وفي جواب من ربكما قال " ربنا ~~الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى " ثم قال بعد ما قرر التوحيد " إني رسول من ~~رب العالمين " فمن كان منكرا للتوحيد وجبت البداية معه بإثباته ومن كان ~~مقرا به وجبت به البداية معه بإثبات النبوة كحال عيسى مع بني إسرائيل إذ ~~قال " قد جئتكم ببينة من ربكم " ولما كانت دعوة سيد البشر محمد صلى الله ~~عليه وسلم أكمل ورسالته أرفع وأجل كان يبتدئ تارة مع عبدة الأصنام بإثبات ~~التوحيد ثم بالنبوة " يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم " أثبت ~~احتياجهم ضرورة إلى فاطر وشاركهم في ذلك من قبلهم والذين من قبلكم كما قرر ~~احتياجهم إلى الخالق في وجودهم قرر احتياجهم إلى رازق في بقائهم " الذي جعل ~~لكم الأرض فراشا والسماء بناء " الآية ثم قرر بعد ذلك نبوته " وإن كنتم في ~~ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله " الآية بمعناها دالة على ~~التوحيد وبظاهر لفظها البليغ ونظمها الأنيق دالة على صدق دعواه وتحديه ~~ولربما يبتدئ بدعوى الرسالة ثم يضمنها حقائق التوحيد " يا أيها الناس إني ~~رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك السموات والأرض لا إله إلا هو يحيي ~~ويميت " الآية حتى كانت الآية بعذوبة ألفاظها ورطوبة عباراتها الخارجة عن ~~نظم الشعراء ونثر الفصحاء الخارقة لعاداتهم الجارية وعباراتهم الفائقة أوضح ~~دلالة على رسالته وصدق لهجته وكانت معانيها الحقيقية وحقائقها المعنوية ~~دالة على التوحيد واقترنت الدلالتان اقترانا لا يمكن للمستمع الاستمهال ~~وليس ذلك أمرا بالتقليد فإن ms274 التقليد قبول قول الغير من غير حجة وفيها تقرر ~~حجتان مفحمتان وإنما لم يلزم تكليف ما لا يطاق إذا لم يكن المستمع متمكنا ~~من الاستماع والنظر والتدبر في كل ما يستمعه ويعقله حتى لو أنكره ظهر عناده ~~وبطل استرشاده هذا هو طريق الدعوة النبوية والحجة PageV01P150 ~~العقلية لا كما زعمت المعتزلة أن المستمع إذا استمهل وجب على النبي إمهاله ~~فيلزمهم أن لا تثبت لنبي ما رسالة ولا يستمر لرسول ما دعوة فإن كل عاقل إذا ~~استمهل وأمهل تعطلت النبوة في الحال وصار منتظرا مدة الإمهال حتى يعود إليه ~~الدعوة وإن يلزم العود إليه وبعد لم تثبت عنده نبوته بل يعود جبريل عليه ~~السلام ويقول قم فأنذر فيقوم إلى المستجيب فيقول أنت أمهلتني وأنا بعد في ~~مهلة النظر والنظر طريق المعرفة فتريد تصدني عن الطريق فأنت قبل معرفتي من ~~أنت مضل ضال قاطع للطريق فيتخاصمان ويقتتلان ويؤول الإلزام إلى النبي قولا ~~وفعلا فيلزم المعتزلة القول بأن أول واجب على العاقل قتال النبي عليه ~~السلام وقتله وهذا مما لا محيص لهم عنه.لعقلية لا كما زعمت المعتزلة أن ~~المستمع إذا استمهل وجب على النبي إمهاله فيلزمهم أن لا تثبت لنبي ما رسالة ~~ولا يستمر لرسول ما دعوة فإن كل عاقل إذا استمهل وأمهل تعطلت النبوة في ~~الحال وصار منتظرا مدة الإمهال حتى يعود إليه الدعوة وإن يلزم العود إليه ~~وبعد لم تثبت عنده نبوته بل يعود جبريل عليه السلام ويقول قم فأنذر فيقوم ~~إلى المستجيب فيقول أنت أمهلتني وأنا بعد في مهلة النظر والنظر طريق ~~المعرفة فتريد تصدني عن الطريق فأنت قبل معرفتي من أنت مضل ضال قاطع للطريق ~~فيتخاصمان ويقتتلان ويؤول الإلزام إلى النبي قولا وفعلا فيلزم المعتزلة ~~القول بأن أول واجب على العاقل قتال النبي عليه السلام وقتله وهذا مما لا ~~محيص لهم عنه. # وأما الجواب عن ردهم الخوارق إلى الخواص والتنجيم وعلم السحر والطلسمات ~~قلنا لا ينكر العاقل حصول العجائب من الخواص والعزائم لكن أمثال هذه ~~الغرائب ليست تخلو قط عن ms275 حيل كسبية تنضاف إليها من مباشرة فعل وجمع شيء إلى ~~شيء واختيار وقت وتعزيم قول وإعداد آلة واستعداد مادة وبالجملة من مزاولة ~~فعل وقول من جهة المدعي بحيث يتبين للناظر أن ذلك ليس فعلا لله تعالى أنشأه ~~في الحال تصديقا لدعوته بخلاف المعجزة فإن كل عاقل يعلم بالضرورة أن عظاما ~~رفاتا رماما تجتمع فتحيا شخصا وتتشخص حيا من غير معالجة من جهة المتحدي ولا ~~مزاولة أمر عنه لا يكون ذلك إلا فعلا وصنعا من الله تعالى يظهر منه قصده ~~إلى تصديق رسوله فإنا قد ذكرنا أن الفعل بتخصيصه ببعض الجائزات يدل على ~~إرادة الفاعل فإذا فعله عقيب دعوته مقترنا بدعواه وهو صادق في نفسه دل على ~~قصده إلى تصديقه وتخصيصه لرسالته ولو قدر ظهور مثل تلك المعجزة على يد كاذب ~~لم يجز أن تقترن بدعواه النبوة بل يصرف عنه داعيه الدعوى ضرورة حتى لا ~~ينقلب الدليل شبهة ولا ينسحم الطريق على قدرة الله تعالى في إظهار التصديق ~~بالآيات وكما إذا اختص الفعل بوقت وقدر وشكل دل على إرادة مخصصة بذلك الوقت ~~والقدر والشكل ولن يقدر وقوعه اتفاقا كذلك إذا اختص الفعل بوقت تحدي ~~المتحدي دل ذلك على أنه إنما أراد تخصيصه بالصدق وكما لم يختلف وجه الدليل ~~على وجه تعلق الإرادة بتخصيص التصديق فافهم هذه الدقيقة هذا كمن علم أن له ~~عند الله دعوة مستجابة فدعا واستجيب له علم ضرورة أن المجيب أراد تخصيصه ~~بتلك الإجابة كرامة له وإنعاما عليه ولم يقدح في علمه ذلك تجويز المجوز أن ~~ذلك ربما يقع اتفاقا أو بسبب آخر فإذا كان مثل ذلك معلوما في الجزيات لكل ~~شخص شخص عرف مواقع نعم الله تعالى على عبده وكان بصيرا بزمانه مقبلا على ~~شأنه فما ظنك بحال من اصطفاه الله تعالى من خليقته واجتباه من بريته وقد ~~تبين أنه يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة من أمرهم. # قال المنكرون ولنا أسئلة أخرى وجب عليكم الجواب عنها PageV01P151 ~~منها أن الخارق للعادة إذا تكرر وتوالى صار ms276 معتادا بالاتفاق فما يؤمنكم في ~~الحالة الأولى أنه من المتكررات المعتادة في ثاني الحال وإن لم يوجد في ~~سابق الأحوال ألستم تشترطون أن يكون الخارق في زمن التكليف فإن في آخر ~~الزمان تنخرق العادات كلها فتتكور الشمس وتتكدر النجوم وتسير الجبال وتنشق ~~السماء وتزلزل الأرض فلو ادعى مدع أن هذه وأمثالها معجزاتي وهي بالاتفاق ~~خوارق لا تندرج تحت قوة البشر ولا يتوصل إليه بالحيل بل تمحضت فعلا لله ~~تعالى فلا يكون ذلك دليلا على دعوى هذا المدعي فالعاقل في زمن التكليف ربما ~~يتوقع أن تتوالى الآيات فلا يحصل له العلم بكونها آية على صدقه ما لم يأمن ~~التوالي والتعاقب بل يورثه ذلك توقفا وتربصا. # ومنها أن العقلاء كما يجوزون وقوع أمثاله في ثاني الحال كذلك يجوزون وقوع ~~أمثاله في سالف الأيام أو في قطر آخر من الأقطار أو ظهور ذلك بفعل فاعل آخر ~~وإن كانوا عاجزين عن معارضته فربما لا يعجز غيرهم فعجزهم لا يدل على صدقه. # ومنها أن الشك في صدقه لكل واحد من الناس فيجب أن يكون الرافع للشك لكل ~~واحد واحد وعلى مقتضى ذلك يلزم أن يخصص كل واحد أو كل جمع غيب أو حضور ~~بمعجزة خاصة وليس ذلك شرطا على أصلكم بل عندكم المعجزة الواحدة لجماعة من ~~أهل الخبرة والبصيرة كافية ويلزم التصديق على غيرهم من أهل التقليد ولا يجب ~~استمرار المعجزة في كل زمن بل لو استمرت خرجت عن الإعجاز والتحقت بالمعتاد ~~فماذا يلزمنا تصديق الأنبياء الماضين ولم نجد في زماننا ما يدل على صدقهم ~~وبما يلزم أهل الأقطار في زمانه ولم يشاهدوا ما ظهر على يده من الآيات وهذا مشكل. # ومنها أنكم إذا جوزتم الإضلال على الله تعالى فما يشعركم أنه يظهر الآيات ~~على يدي كاذب ولا يظهرها على وفق صادق فلا ذلك يضره في الإلهية ولا هذا ~~ينفعه في الربوبية وكثير من الأنبياء قد خلت دعوتهم من المعجزة فمضوا على ~~أمر الله دعاة للخلق من غير التفات إلى طلب الآيات منهم ومن غير ms277 إكباب على ~~طلب الآيات من الله تعالى فما بالكم ربطتم صدق الرسول بالمعجزات هذا الربط. # ومنها قولهم هل للخلق طريق إلى معرفة صدق الرسل سوى المعجزات الخارقة ~~للعادات فإن منعتم ذلك فقد حصرتم القول وحسمتم الطريق على الله تعالى وذلك ~~تعجيز وإن جوزتم ذلك فهلا وجب ذلك وجوب المعجزة فما الذي جعل المعجزة أولى ~~بالدلالة من ذلك الدليل. # ومنها قولهم أنكم لا تخلون عن دعوى علم ضروري في وجه دلالة المعجزة فتارة ~~تدعون الضروري من حيث القرينة الحالية وهي اقتران التحدي بالمعجزة وتارة ~~تدعون ذلك من حيث دلالتها على قصد المخصص إلى التخصيص وتارة تدعون ذلك من ~~حيث أنها نازلة منزلة التصديق بالقول وتارة تدعون ذلك من حيث سلامتها عن ~~المعارضة فهلا ادعيتم الضرورة في أصل الدعوى أنه يعلم صدقه ضرورة. # ولئن قلتم أن قوله خبر يحتمل الصدق والكذب فيقال لكم والاحتمالات تتوجه ~~إلى هذه الوجوه أيضا فبطل دعواكم الضرورة فيها خصوصا والمنازع فيها على رأس ~~الإنكار " وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر " " وما تأتيهم من آية من ~~آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين " ما نسبتهم إلى العناد الصرف نسبوك إلى ~~الجور المحض فما وجه الخلاص ولات حين مناص. # قال أهل الحق أما الجواب عن السؤال الأول أن المعتاد إنما لم يكن دليلا ~~لأنه لا اختصاص له بدعوى المدعي وغير المعتاد يختص بدعواه اختصاص دلالة أما ~~من حيث القرينة كحمرة الخجل وصفرة الوجل وأما من حيث أن اختصاص الفعل ~~بدعواه كاختصاصه بوقت معين ثم اختصاصه بوقت معين دليل قصد المخصص بالوقت ~~واختصاصه بدعواه دليل قصد المخصص إلى التصديق والوجهان حاصلان بنفس ~~الاقتران ولو توالى الخارق بعد ذلك لم ترتفع هذه الدلالة فإن اعتياده في ~~ثاني الحال لم يرفع القرينة الأولى ولا أبطل الاختصاص الأول وقال بعضهم ~~المعجزة كما سلمت عن المعارضة تسلم عن الاعتياد في ثاني الحال ولهذا لم ~~يعهد من معجزات الأنبياء ما كان خارقا في الأول ثم صار معتادا في الثاني ~~الحال وإنما هو إلزام تجويزي عقلي ms278 فيندفع بما ذكرناه منعا للإلزام. PageV01P152 # وأما الجواب عن السؤال الثاني فهو يقارب ما ذكرناه من تحقيق وجه دلالة ~~المعجزة وبالجملة التجويزات الخيالية والوهمية مدفوعة بالدلائل العقلية ~~والقرائن القطعية وقد قررنا أن المعجزة ذات دلالة عقلية وهو اختصاصها بتحدي ~~المدعي واقتضاء الاختصاص قصدا إلى التخصيص وجواز حصول مثل ذلك في قطر من ~~الأقطار أو في وقت من الأوقات لا تخرج الدلالة عن كونها دالة لأنه لم يوجد ~~اقتران يدل على الاختصاص واختصاص يدل على قصد التصديق والمعجزة أيضا ذات ~~دلالة من حيث القرينة وجواز حصول مثله لا يرفع دلالة القرينة كمن عرف قطعا ~~بحكم قرينة اطراد العادة أن ماء الفرات لم ينقلب دما عبيطا وهو جار جريانه ~~في الأول مه أنه يجوز عقلا أو وهما من قضية قدرة الله تعالى أنه قلبه دما ~~جاريا أو يبس النهر عن الجريان وهذا التجويز لا يدفع العلم الضروري وكذلك ~~يجوز عقلا أن تكون الصفرة في الوجه غير دالة على الوجل لكن إذا اقترنت بها ~~حال وسبب للوجل علم ضرورة أنها صفرة الوجل لا صفرة المرض. # ونقول نعلم ضرورة أن الصعود إلى السماء والمشي على الماء وإحياء الموتى ~~وقلب العصا حية تسعى وأمثال ذلك نقض لعادة البشر فإذا اقترنت بتحدي الرسالة ~~أو تصديق قول ما كانت آية وحجة على البشر وإن لم تكن نقضا لعادة الملائكة ~~والجن والمعتبر في كون الآية حجة أن يكون ذلك نقضا لعادة من كانت الآية حجة ~~عليه والعادة عادة له وكذلك لو ادعى النبي مدا وجزرا في جيحون كان ذلك حجة ~~لأنه نقض لعادتها وإن كان معتادا لأهل البصرة وكذلك لو قال آية صدقي أن ~~ينبت الله نخيلا بخراسان كان ذلك آية معجزة له. # وأما الجواب عن السؤال الثالث أن نقول كل من عارضه شك في صدق المتحدي وجب ~~إراحته لكن المعجزة إذا ظهرت لأهل الخبرة وحصل لهم العلم بذلك وهو جم غفير ~~فأخرى أن لا يبقى شك لأهل الصناعات الأخر وإن أشد الناس إنكارا من كان عنده ~~خبرة وبصيرة ms279 بخواص الأشياء وأحوال أهل المخرقة والتخيل وإذا ظهرت المعجزة ~~على خلاف ما توهموه فهو أولى الناس بالقبول وأما العامة فالتخيلات ~~والمخاريق إذا أورثت لهم شكا في الحال فأولى أن لا يعتريهم ريب في مقال ~~أصحاب المعجزات فيلزمهم الإقرار بتصديقه ويلزم غيرهم من العامة إذا سمعوا ~~منهم جلية الأمر الاعتراف به من غير توقف ولا ريب ولا يجب على النبي عليه ~~السلام تتبع آحاد الناس وإفراد كل واحد بمعجزة خاصة وإذا تقرر صدقه فنسبة ~~قوله إلى من صح عنده كنسبته إلى غيره إما في زمانه وهو في قطر آخر باستفاضة ~~الخبر إليه والمواترة عليه وإما في غير زمانه بالنقل والاستفاضة والشيوع. PageV01P153 # وأما الجواب عن السؤال الرابع نقول نحن نجوز الإضلال على الله تعالى ولكن ~~بشرط أن لا يقع خلاف المعلوم وبشرط أن لا يتناقض الدليل والمدلول ولا يلتبس ~~الدليل والشبهة وبشرط أن لا يؤدي الأمر إلى التعجيز وبشرط أن لا يؤدي إلى ~~التكذيب في القول ونذكر لكل واحد وجها ومثالا فنقول إذا علم الرب تعالى أنه ~~يرسل رسولا يهتدي به قوم فهو كما يعلم أنه ينصب دليلا يستدل به قوم فلو ~~أضلهم بعين ذلك الدليل وقع الأمر على خلاف المعلوم وذلك محال وكذلك إذا ~~أخبر أنه يرسل رسولا يهتدي به ثم أضل كل من بعث إليه تناقض الخبر وانقلب ~~الصدق كذبا وذلك محال فإن الكذب لا يجوز على الله تعالى وإنما لا يجوز ذلك ~~عليه لأن الكذب إخبار عن الشيء على خلاف ما هو به وهو يعلمه على ما هو به ~~وكل من علم شيئا كان له خبر عن معلومه والخبر عن المعلوم خبر عن ما هو به ~~فلا يجتمع في العالم خبران متناقضان وإذا علم الرب تعالى صدق النبي وأخبر ~~عن صدقه فقد صدقه ومن صدقه فلا يجوز أن يكذبه ومن وجه تناقض الدليل أن جهة ~~الدلالة في القرينة وفي الفعل لا تختلف فإذا دل الشيء على شيء لا يجوز أن ~~يدل على خلافه فإن ذلك غير مقدور كما أن ms280 جهة التخصيص إذا دلت على الإرادة ~~لم تدل على خلاف ذلك فجهة التخصيص بالتصديق لا تدل على خلاف قصد المخصص ~~بالتصديق فإرسال رسول وإخلاؤه عن دليل الصدق وإظهار معجزة والقصد بها إلى ~~إضلال الخلق وإظهار خارق للعادة على يدي كاذب في معارضة دعوى النبي كل ذلك ~~محال لما ذكرناه أنه يؤدي إلى محال كإخلاء النظر الصحيح التام عن الإفضاء ~~إلى العلم فإنه إذا تم وجب وجود العلم لا محالة وكنصب دلالة التوحيد لتدل ~~على الشرك والإضلال على الإطلاق يجوز أن يضاف إلى الله تعالى بمعنى أنه ~~يخلق ضلالا في قلب شخص لكنه إذا أدى إلى محال فهو محال فلا يفعله لتناقضه ~~واستحالته ولا لقبحه وبشاعته. # وأما الجواب عن السؤال الخامس نقول لا ينحصر طريق التعريف في المعجزات بل ~~يجوز أن يخلق لهم علما ضروريا بصدق النبي فلا يحتاج المذكر إلى طلب المعجزة ~~ليعرف بها صدقه أو ينصب لهم إمارات أخر غير خارقة للعادة لكن يتبين لواحد ~~بحكم قرينة أورثت علما لشخص ولم تورث علما لغيره أو يخبر من استأهله لسماع ~~كلامه فيعلم صدقه كما أخبر الملائكة " إني جاعل في الأرض خليفة " وإذا ثبت ~~صدقه عندهم إما بالخبر أو بتعليم الأسماء لزم تصديقه على كل من خلف بعدهم ~~وإذا أخبر من ثبت صدقه بدليل ما عن صادق آخر يخلفه وجب تصديقه وكذلك الخبر ~~عن كل صادق بشارة لمن بعده وإعلاما للخلق بآيات في خلقه وصورته وقوله وفعله ~~وجب على كل من سمع ذلك تصديقه بإخبار الأول ولهذا أخبر التنزيل عن مثل هذه ~~الحالة على لسان عيسى عليه السلام " ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد " ~~وعلى لسان موسى عليه السلام " النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في ~~التوراة والإنجيل " الآية وعلى لسان الخليل عليه السلام " ربنا وابعث فيهم ~~رسولا " الآية وأماراته في التوراة والإنجيل أكثر من أن تحصى ولقد كان ~~لموسى عليه السلام بيت صور أعني صور الأنبياء والأولياء عليه السلام يدخله ~~فيطالع الصور كل سبت فلو لم يظهر النبي معجزة ms281 قط كان ما مضى من الدلائل ~~كافيا له فلهذا اقتصرت معجزاته على إظهار الأمر للأميين من العرب دون أهل ~~الكتاب من اليهود والنصارى فإنهم كانوا محجوبين بما ثبت عندهم من الأخبار ~~عن الصادقين. PageV01P154 # وأما الجواب عن السؤال السادس نقول كل علم نظري لا بد وأن يستند إلى علم ~~ضروري ولكن الضروري ربما يكون بعيد المبدأ وإنما يستند إليه النظري بعد ~~نظريات كثيرة وربما يكون قريب المبدأ فيستند إليه في أول المرتبة والعلم ~~بصدق النبوات إن عددناه من جنس العلوم الحاصلة بقرائن الأحوال فهو في أول ~~المرتبة يصل إليه فيقال هذا المتحدي إما أن يكون صادقا وإما أن يكون كاذبا ~~وبطل أن يكون كاذبا لحصول الخارق للعادة على يده وعلى وفق دعواه من غير أن ~~يعارضه معارض واقتران هذه المعاني مما يستعقب علما ضروريا بصدقه فيدعي ~~الضرورة ها هنا لا في أول الدعوى وإن عددناه من جنس العلوم الحاصلة بوجه ~~دليل التخصيص بالتصديق فالعلم الحاصل به كالعلم الحاصل بكونه مريدا فإن ~~التخصيص يدل على أنه مريد وهذا التخصيص بعينه يدل على انه مريد هذا المراد ~~بعينه وكون المنازع على رأس الإنكار لا يدفع الضرورة الواقعة في العلم فإنه ~~بعد ظهور الآية معاند عنادا ظاهرا واعلم أن النبوة والرسالة إنما يمكن ~~إثباتها بعد إثبات كون الباري تعالى آمرا ناهيا مكلفا واجب الطاعة ومن لم ~~يثبت كونه آمرا ناهيا لم يمكنه إثبات النبوة وأول أمر يتوجه منه تعالى على ~~عباده فإنما يتوجه أولا على رسوله بالدعوة إلى التوحيد بأنه لا إله غيره أي ~~لا خالق ولا آمر غيره على عباده باستماع دعوته والنظر في معجزته والنبي يصح ~~أولا صدقه في جميع أقواله ثم يؤدي رسالته ولا يتصور نبي قط إلا وأن تكون ~~آية الصدق معه لأن حقيقة النبوة هو صدق القول مع ثبوت الآية فلو قدر نبي ~~خاليا عن الآية فكأنه لا نبوة له بعد لكن الآيات قد تكون آيات مخصوصة على ~~كل مسئلة وقول يدعي ذلك وذلك مثل دلالته على التوحيد بأن ms282 الإله واحد في ~~خلقه وأمره لا شريك له وقد تكون الآيات عامة تدل على صدق قوله في جميع ~~أقواله وأحواله وتلك الآيات قد تكون من جنس الأقوال كآيات الإحياء وقلب ~~الجماد حيوانا وبالجملة فدلالة الصدق لا تنفك عن حالة ومقالة طرفة عين وذلك ~~هو المعنى بالعصمة الواجبة للأنبياء عليه السلام لأن العصمة لو ارتفعت بطلت ~~الدلالة وتناقضت الدعوى خصوصا فيما أرسلوا به إليهم وكلف الناس تصديقه في ~~أقواله ومتابعته في أفعاله والأصح أنهم معصومون عن الصغائر عصمتهم عن ~~الكبائر فإن الصغائر إذا توالت صارت بالاتفاق كبائر وما أسكر كثيره فقليله ~~حرام لكن المجوز عليهم عقلا وشرعا مثل ترك الأولى من الأمرين المتقابلين ~~جوازا وجوازا وحظرا وحظرا ولكن التشديد عليهم في ذلك القدر يوازي التشديد ~~على غيرهم في كبائر الأمور وحسنات الأبرار سيئات المقربين وتحت كل زلة يجري ~~عليهم سر عظيم فلا تلتفت إلى ظواهر الأحوال وانظر إلى سرائر المآل. ### || AUTO القاعدة العشرون ### || AUTO في إثبات نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم # وبيان معجزاته ووجه دلالة الكتاب العزيز على صدقه وجمل من الكلام في ~~السمعيات من الأسماء والأحكام وحقيقة الإيمان والكفر والقول في التكفير ~~والتضليل وبيان سؤال القبر والحشر والبعث والميزان والحساب والحوض والشفاعة ~~والصراط والجنة والنار وإثبات الإمامة وبيان كرامة الأولياء من الأمة وبيان ~~جواز النسخ في الشرائع وأن هذه الشريعة ناسخة للشرائع كلها وأن محمدا ~~المصطفى صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء وبه ختم الكتاب وإذا حققنا القول ~~في النبوات وبيان صدقهم بالمعجزات فالأنبياء عليهم السلام ممن ورد اسمه في ~~الكتاب ومن لم يرد واجبو الطاعة ويجب على كل مكلف الإيمان بالله وملائكته ~~وكتبه ورسله وإنما ثبت صدق من تقدم على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم اسما ~~فاسما وشخصا فشخصا بما ظهر عليه من الآيات وبما أخبر من ثبت صدقه عندنا ~~وإنما يتحقق ختم الأنبياء عندنا بخبر النبي الصادق عليه السلام وبما أخبر ~~القرآن أنه خاتم النبيين ومن أنكر نبوته من أهل الكتاب وغيرهم من المشركين ~~فلا ms283 متمسك لهم إلا القول بإحالة النسخ والقدح في وجه المعجزة. PageV01P155 # قال أهل الحق الدليل على صدق نبينا عليه السلام الكتاب الذي جاء به هدى ~~للناس وبينات من الهدى والفرقان ووجه دلالته على صدقه من حيث لفظه البليغ ~~ومعناه المبين فنقول كما تميز نوع الإنسان عن أنواع الحيوانات بالنطق ~~المعبر عن الفكر وصار ذلك شرفا وكرامة له كما قال تعالى " ولقد كرمنا بني ~~آدم " كذلك تميز لسان العرب ولغتهم من سائر الألسن واللغات بأسلوب آخر من ~~عذوبة اللسان ورطوبة اللفظ وسهولة المخارج والتعبير عن متن المعنى الدائر ~~في الضمير بأوضح عبارة وأصح تفسير وصار ذلك شرفا وكرامة لهم كما قال تعالى ~~" بلسان عربي مبين " وكذلك تميز لسان النبي صلى الله عليه وسلم من لسان ~~العرب بأسلوب آخر من الفصاحة المبينة والبلاغة الفائقة والبراعة المطابقة ~~لما في ضميره من المعاني المبينة والحقائق الرزينة كما لا يخفى على من أنصف ~~واعتبر واختبر كلماته واستبصر وصار ذلك شرفا وكرامة كما قال " لتبين للناس ~~ما نزل إليهم " وقال النبي صلى الله عليه وسلم " أنا أفصح العرب وأنا أفصح ~~من نطق بالضاد " وكذلك تميز القرآن عن سائر كلماته بأسلوب آخر خارج عن جنس ~~كلام العرب وعن كلماته أيضا وبنوع آخر من الفصاحة والجزالة والنظم والبلاغة ~~ما لم تعهده العرب في نظمهم ونثرهم وسجعهم وشعرهم بحيث لو قوبل أفصح ~~كلماتهم بسورة واحدة من القرآن كان التفاوت بينهما أكثر من التفاوت بين ~~لسان العرب وبين سائر الألسن ولو خاير مخاير بين كلمات النبي نفسه وبين ما ~~نزل عليه من الكتاب المهيمن على الكتب كلها كان الفرق بينهما فرق ما بين ~~القدم والفرق والصرف بينهما صرف ما بين الولاية والصرف فعلم ضرورة وقطعا أن ~~الذي جاء به وحي يوحى إليه وتنزيل ينزل عليه دلالة له على صدقه ومعجزة له ~~على فصحاء العرب وبلغاء أهل اللسان وشعراء ذلك الزمان فتحدى بذلك تحدي ~~التعجيز عن الإتيان بمثله كتابا وقرآنا " قل فأتوا بكتاب من عند الله هو ~~أهدى منهما " ثم ثنى ذلك ms284 فقال " فأتوا بحديث مثله " ولما عجزوا عن الإتيان ~~بمثله نزل عن ذلك حين قال القوم إنه افتراه فقال " قل فأتوا بعشر سور مثله ~~مفتريات " ونزل عن العشر إلى سورة مثله فقال تعالى " وإن كنتم في ريب مما ~~نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم ~~صادقين " ولما ظهر عجزهم وبان خزيهم أنذرهم صاحب التنزيل وحذرهم المتحدي ~~بالدليل " فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس ~~والحجارة أعدت للكافرين " وكيف لا يكون التعجيز ظاهرا ظهور الشمس والكتاب ~~يقرأ عليهم " قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن " ~~الآية أفلم يكن بليغ من بلغاء العرب وفصيح من فصحائهم يتصدى لمعارضة هذه ~~الدعوى العريضة الواسعة لنوعي الجن والإنس وقد خبروا بين معارضة القرآن ~~والخروج بالسيف والسنان فكيف اختاروا الأشد على الأضعف وآثروا ما فيه بذل ~~المهج والنفوس واستحلال النساء واسترقاق الأولاد واستباحة الأموال على أهون ~~الأمور وأيسر ما في المقدور وهو معارضة سورة واحدة أفلا يكون ذلك عجزا ~~ظاهرا ونكولا واضحا وإن استراب في ذلك مستريب تشكيكا لنفسه في مظان القطع ~~واليقين وتسييعا للغزالة بالطين فالنقد حاضر لم يبدل ولسان القرآن على رأس ~~التحدي كما ورد في الخبر القرآن حي يجري كما يجري الليل والنهار ولسان ~~المعارض عي عن المعارضة من مدة خمس مئة سنة وزيادة وبلغاء العرب قد اجتمعت ~~لهم متانة الشعر في العصر الأول ولطافة الطبع من العصر الأخير أو لم يفدنا ~~عجز الأولين والآخرين دلالة ظاهرة على أن مضمون القرآن حق وأن قول من أتى ~~به صدق كيف ولو اعتبرت سورة بسورة اعتبار متأمل فيها منصف صادف كل سورة على ~~حيالها اشتملت على صنف من الفصاحة وضرب من البلاغة والجزالة ولم تشاركها في ~~ذلك سورة أخرى وربما تكون القصة واحدة والتعبير عنها مختلف اختلافا لا يخل ~~بالمعاني ويكون أسلوب النظم والبلاغة نوعا آخر يباين الأولى واختبر هذا ~~المعنى في قصة مثناة وبالخصوص في قصة موسى عليه السلام في سورة ms285 المص وقصته ~~في سورة طه فمن ذا الذي يقدر على مثل ذلك من البشر وكيف يصل إلى غايته ~~القوة المنطقية الإنسانية ولهذا لما فطنت البلغاء من العرب لبديع النظم ~~والجزالة فيه قالوا إن هذا إلا سحر يؤثر هذا من حيث اللفظ. PageV01P156 # وأما من حيث المعنى فما اشتمل عليه القرآن من غرائب الحكم وبدائع المعاني ~~التي عجزت الحكماء والأوائل عن الإتيان بمثلها نوع آخر من الإعجاز خصوصا ~~ممن نشأ يتيما بين الأميين من العرب ولم يقرأ كتابا ولم يدرس علما ولا تلقف ~~من أستاذ ولا تعلم من معلم فلولا أنه وحي محض يوحى عليه وتنزيل نزل إليه ~~وإلا فمن أين لطبع مجرد يجود بمثله وأيضا فما يشتمل عليه القرآن من قصص ~~الأنبياء والمرسلين كيف جرت دعوتهم ومن أين أجاب كلمتهم ومن نكل عنهم إلى ~~أي حال آل أمرهم فمن لم يسمع ذلك من أحد ولا خط كتابا بيمينه ولا طالع كتب ~~الأنبياء والتواريخ والأخبار معجز ظاهر ودليل على أن الحق باهر وهذا في قصة ~~الماضين فما قولك في الأخبار عن الغيوب مما سيكون في ثاني الحال مما رأيناه ~~طابق الحال وصدق المقال إذا أخبر أنه يظهره على الدين كله وقد أظهر وأخبر ~~أنه غلبت الروم وقد تحقق وغير ذلك من الأخبار وكذلك ما اشتمل عليه القرآن ~~من أنواع العبادات والمعاملات من أحكام الحلال والحرام والحدود والقصاص ~~والديات وأحكام السياسات إعجاز ظاهر إذ جمع فيها بين إصلاح المعاش ونجاة ~~المعاد وبناها على قوانين كلية تجمع شمل العامة وتناظر عقل الخاصة ومن قرأ ~~الكتب المنزلة من التوراة والإنجيل والزبور تبين له الفرق الظاهر بينها ~~وبين القرآن إذ كل ما اشتملت عليه من الحقائق العقلية والأحكام الشرعية على ~~بسطها اشتمل عليه القرآن بأوضح عبارة وأوضح إشارة على اختصاصه ومن أراد أن ~~يتخطى عما أقررناه إلى مفردات الحروف وكيفيات تركيبها وما فيها من الحكم ~~والمعاني قضى منها العجب وبالجملة القرآن بصورة ألفاظه وعباراته معجز ~~وبمعنى حقائقه وعجائبه معجب وهو دليل ظاهر على حقيقة ذاته وصدق ms286 المتحدي ~~بآياته. # قال أهل الزيغ والباطل لنا على مساق ما ذكرتموه من إعجاز القرآن سؤالان ~~أحدهما أن القرآن بمعنى المقروء والمكتوب صفة قديمة عندكم والقديم لا يكون ~~معجزا وبمعنى القراءة هو فعل القارئ وتلاوته وفعل العبد لا يكون معجزا. # فإن قلتم أن الرب تعالى يخلقه في الحال من غير كسب النبي قيل وفي أي محل ~~يخلقه أفي لسانه ومن المعلوم أن الحرف والصوت القائم بلسانه ومخارج حروفه ~~مقدورة له والمعجزة لا تكون مقدورة للعبد أم في محل آخر من شجرة أو لوح أو ~~قلب ملك فالمعجزة ذلك المخلوق لا ما نطق به النبي فما هو معجزة لم نسمعه ~~وما سمعناه ليس بمعجزة فما الجواب عن هذا السؤال. # والثاني أنكم قلتم وجه إعجاز القرآن فصاحته وجزالته ونظمه وبلاغته فما ~~حدود هذه المعاني أولا حتى نبين حقائقها فنتكلم عليها أهي بإفرادها معجزة ~~أم بمجموعها وقد رأينا كم اختلفتم في أن القرآن معجزة من جهة صرف الدواعي ~~أم من جهة ما اشتمل عليه من بديع النظم والفصاحة ومن قال بالقسم الثاني ~~اختلف في أن الفصاحة بديعة أم الجزاالة أم النظم ومن المعلوم الذي لا مرية ~~فيه أن المعجز يجب أن يكون ظاهرا لكل من هو في حقه معجز ظهورا لا يستراب ~~فيه البتة ومن قال منكم أنه معجز من حيث الفصاحة فقط جوز أن يكون في كلام ~~العرب مثله من حيث النظم والجزالة ومن قال بالثاني فقد جوز المماثلة في ~~الأول فلم يظهر ظهور انقلاب الجماد حيوانا والبحر يبسا والحجر الصلد عينا ~~نضاخة إلى غير ذلك من معجزات الأنبياء عليهم السلام إذ ظهرت على قضية لم ~~يبق للتردد فيها مجال. PageV01P157 # قال أهل الحق أما السؤال الأول فنقول القديم يستحيل أن يكون معجزة والمكتسب ~~للعبد كذلك وللقرآن وجوه من المعجزات ولكل وجه وجوه من التقديرات فيجوز أن ~~يقال أن التلاوة من حيث أنها تلاوة معجزة وتقدير الإعجاز فيها من وجهين ~~أحدهما أن يخلق الله تعالى هذه الحروف المركبة وتلك الكلمات المنظومة في ~~لسان التالي ms287 من غير أن يكون قادرا عليها ومحركا لسانه بقدرته واستطاعته ~~فتمحض فعلا لله تعالى ويظهر إعجازه في نظمه المخصوص ويجوز أن يخلق الله في ~~نفس النبي كلاما منظوما فيترجم عنه بلسانه ويكون تحريك اللسان مقدورا له ~~لكن الكلام المعجز ما اشتمل عليه الضمير ونعت في الصدور كما قال تعالى " ~~ولا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه " أي في صدرك وقلبك فإذا ~~قرأناه أي جمعناه فاتبع قرآنه ويجوز أن يخلق الله ذلك الكلام في قلب الملك ~~أو في لسانه فيلقيه وحيا إلى قلب النبي ويعبر عنه النبي بلسانه كما قال ~~تعالى " إنه لقول رسول كريم " أي تنزيلا ووحيا وكما قال " علمه شديد القوى ~~" ويجوز أن يكون قد خلق الله هذه العبارات المنظومة بعينها في اللوح ~~المحفوظ ليقرأ جبريل عليه السلام منه ويقرأها على النبي صلى الله عليه وسلم ~~فيسمع النبي منه كما لو يسمع الواحد منا ويكون المعجز هو الكلام المنظوم ~~وجبريل مظهر والنبي مظهر كما أن واحدا منا يقرأه ويكون مظهرا لكن إظهار ~~جبريل إظهارنا ليدل على صدق النبي عليه السلام وهذا كما خلق الله تعالى ~~الناقة في الصخرة ثم أظهرها منها عند دعوة صالح عليه السلام فيكون إظهار ~~المعجزة مقرونا بالدعوى والتحدي لا إظهار المعجز كخلق المعجز في الدلالة ~~على الصدق وينبغي أن ننبه ها هنا على هذه الدقيقة وهي أنا إذا روينا شعر ~~الشاعر فنحس من أنفسنا قدرة على التلفظ بذلك الشعر ولا نحس من أنفسنا قدرة ~~على نظم ذلك بل ربما يكون الراوي عديم الطبع في إنشاء الشعر فضلا عن نظم ~~مخصوص فما المقدور منه وما غير المقدور فنقول إذا قرأنا شعرا من كتاب أو ~~سمعناه من لسان وحفظناه ارتسم الخيال في القلب والنفس بذلك الشعر وتمكن منه ~~ثم عبر بلسانه عنه فيكون المسموع والمحفوظ من حيث أنه سمعه وحفظه مقدورا له ~~لكن النظم المرتب في المحفوظ والمسموع غير مقدور له وهو كما لو ألقى من لا ~~يعرف الكتابة أصلا لوحا منقورا فيه سور ms288 منظومة على تراب ناعم حتى انتقش بها ~~نقشا مطابقا كان الإلقاء مقدورا له والنقش غير مقدور له إذ ليس يعرف ~~الكتابة أصلا فالارتسام في النفس والخيال كالانتقاش في التراب سواء فيبقى ~~نظم الشعر نقشا بعد نقش زمانا أبد الدهر وكذلك ارتسام قلب النبي من إلقاء ~~القرآن إليه وحيا وتنزيلا كانتقاش التراب الناعم بالنقش المنقور في اللوح ~~فيكون المرتسم قلبه والمعبر عنه لسانه والرسم غير مقدور له بل تمحض ذلك ~~ابتداعا من الله تعالى فهذا هو طريق وجوده معجزا. # وعلى طريقة أخرى ظهور كلام الباري تعالى بالعبارات والحروف والأصوات وإن ~~كان في نفسه واحدا أزليا كظهور جبريل بالأشخاص والأجسام والأعراض وإن كان ~~في نفسه ذا حقيقة أخرى متقدما على الشخص فإنه لا يقال انقلبت حقيقته إلى ~~حقيقة الجسمية في شخص معين لأن قلب الأشخاص محال وإن قيل انعدمت حقيقة ~~ووجدت حقيقة أخرى فالثاني ليس بجبريل فلا وجه إلا أن يقال ظهر به ظهور ~~المعنى بالعبارات أو ظهور روح ما بشخص ما فكما صارت العبارات شخص المعنى ~~كذلك صارت صورة الأعرابي شخص الملك وقد عبر القرآن عن مثل هذا المعنى " ولو ~~جعلناه ملكا لجعلناه رجلا " فكذلك يجب أن تفهم عبارات القرآن. PageV01P158 # الجواب عن السؤال الثاني فنحقق أولا حقائق الفصاحة والجزالة والنظم ~~والبلاغة ونميز بين كل واحد منها ثم نبين أن الإعجاز في كل واحد أو في ~~المجموع فنقول أولا قولا على سبيل المباحثة والبسط ليتضح الغرض والمعنى به ~~ثم نقول قولا ثانيا على سبيل التحديد والضبط المنحصر الغرض والمعنى فيه ~~اللفظ قد يكون دالا على المعنى دلالة مطلقة إما وضعا وإما مجازا وقد يكون ~~دالا على المعنى بشرط أن يكون مفصحا عن كنه حقيقته معبرا عن غرض المتكلم ~~وإرادته والقسم الأول مقل قولنا تحرك الجسم فإنه يطلق على حركة الجمادات ~~والنبات والحيوان والإنسان والسماء والأرض وكل ما هو قابل للحركة ثم إذا ~~وضع اللفظ لموضوع خاص عبر عن تلك الحركة بعبارة أخص كما ورد في القرآن " ~~يوم تمور السماء مورا وتسير الجبال ms289 سيرا " فإن المور أخص دلالة من السير ~~وهما أخص من الحركة وذلك أن المور حركة لطيفة لجسم لطيف وذلك كالشعاع يذهب ~~شعاعا بخلاف السير فكان المور المضاف إلى السماء والسير المضاف إلى الجبال ~~مفصحا عن متن الغرض مبينا عن المعنى اللائق به وكان أفصح من تحركت السماء ~~وسارت وجاءت وذهبت ثم هو مع فصاحته لفظ جزل لأنه متلاقي التركيب متقارب ~~المخارج سهل التلفظ به مطابق المعنى وذلك هو معنى الجزالة وقد توجد الجزالة ~~والفصاحة في لفظ واحد وقد توجد في ألفاظ كثيرة وجمل من الكلام غير يسيرة ~~ولا بد من نظير تلك الكلمات. # فالنظم يطلق على مطلق التركيب والترتيب لكنه ينقسم أقساما فقد يقع ركيكا ~~وقد يقع رفيعا ما دونها درجة ما تتحقق في المحاورة المعتادة وفوقها ما ~~تتحقق في المكاتبة والمراسلة وفوقها درجة ما تذكر في الخطابة والمواعظ ~~وفوقها درجة ما ينتظم به الشعر وليس فوقها درجة للنظم عند العرب فهو على ~~أقسام لا تنضبط ولذلك سمي الشعر نظما وما سواه نثرا قم إذا اجتمعت الفصاحة ~~والجزالة والنظم أطلق عليها اسم البلاغة من بلوغ الكلام درجة الكمال هذا ~~قولنا على سبيل المباحثة والبسط. # أما قولنا على سبيل التحديد والضبط فنقول الفصاحة عبارة عن دلالة اللفظ ~~على المعنى بشرط إيضاح وجه المعنى وإيضاح الغرض فيه والجزالة عبارة عن ~~دلالة اللفظ على المعنى بشرط قلة الحروف واختصارها وتناسب مخارجها وربما ~~يجتمع المعنيان فيكون اللفظ فصيحا جزلا معا فتجتمع معان كثيرة في ألفاظ ~~يسيرة كما يقال نفل الحر ونصيب المفضل ومثاله في القرآن " ولكم في القصاص ~~حياة " وربما يتباينان. # والنظم ترتيب الأقوال بعضها على بعض ثم الحسن فيه يتقدر بقدر تناسب ~~الكلمات في أوزانها وتقاربها في الدلالة على المعنى وذلك أنواع وأصناف. PageV01P159 # والبلاغة عبارة عن اجتماع المعاني الثلاثة أعني الفصاحة والجزالة والنظم ~~بشرط أن يكون المعنى مبينا صحيحا حسنا ومن المعلوم أن القرآن فاق كلام ~~العرب بمحاورتها ومراسلاتها وخطبها وأشعارها فصاحة وجزالة ونظما بحيث عجزت ~~عن معارضتها عجز من لم يقدر عليها ms290 أولا وآخرا لا عجز من قدر في الأول وعجز ~~في الآخر وإلا لكانوا يعارضونه بما تمهد عندهم من الكلام الأول فالقرآن ~~معجز من حيث البلاغة التي هي عبارة عن مجموع المعاني الثلاثة والعرب قد ~~أحست من أنفسها أن القرآن خارج عن جنس كلامهم جملة وكذلك كل من كان له أدنى ~~معرفة بالعربية يعرف إعجازه إلا أن البلغاء يعرفون وجوه الإعجاز فيه على ~~قدر مراتبهم في البلاغة ومن كان أفصح وابلغ كانت معرفته أشد وأوضح كما أن ~~من كان أسحر في زمن موسى كان علمه ومعرفته بإعجاز العصا أوفر ومن كان أحذق ~~في الطب في زمن عيسى كانت معرفته بإعجاز إحياء الموتى وإبراء الأكمه ~~والأبرص أكثر ومن كان أعلم في علم الطبيعة في زمن الخليل كان نفسه بإعجاز ~~السلامة عن النار أشد وأصدق والاختلاف في وجوه الإعجاز لا يوهن وجه الإعجاز ~~ولهذا لو اجتمع عند العالم بوجوه الإعجاز العلم بوجوه الحكم والمعاني ~~الشريفة فيه كانت معرفته أكثر ولو ضم إلى ذلك العلم بوجوه تمهيد السياسات ~~العامة والعبادات الخاصة والأمر بمكارم الأخلاق والنهي عن ذميمات الأفعال ~~والحث على معالي الشيم والهمم كانت معرفته بالإعجاز في غاية الانتظام ~~ونهاية الإبرام ومن ذا الذي يصل بفكره الضعيف وعقله الممير بمحاديات الوهم ~~والخيال إلى الحكم المحققة في تركيب الحروف وترتيب الكلمات التي هي كالمواد ~~والصور ومطابقتهما لعالم الخلق حتى ينطبق عالم الأمر على عالم الخلق وذلك ~~العلم الأخص بالأنبياء عليهم السلام وهنالك تضل الأفهام وتكل الأوهام وتعود ~~العقول البشرية عند الأسرار الإلهية هباء وتستحيل الحواس الإنسانية عند ~~خواص الحكم الربانية عفاء " ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده ~~من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله " ولقد قصر من قصد إعجاز القرآن في ~~سورة طويلة وحصره في آيات مخصوصة انظر إلى أول آية نزلت كيف اشتملت على ~~وجوه من البلاغة والحكم " إقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق " فمن ~~أراد أن يعبر عن تقدير الخالقية عموما لجميع الخلق في العالم ms291 ثم خصوصا ~~للإنسان المطابق خلقته بخلقة العالم بأسره كيف يعبر عنه بلفظ أفصح منه ~~بيانا وأوجز لفظا وأشرف نظما وأبلغ عبارة ومعنى ثم انظر كيف خصص اسم ~~الربوبية في حال تربيبه وكيف عمم الخلق أولا ثم خصص وكيف ابتدأ خلق الإنسان ~~من العلق حيث كانت مرتبته في حال قبول صورة الوحي مرتبة العلق من قبول صورة ~~الإنسان إلى أن انتهى إلى البلاغ السابع من قبول جميع القرآن الرحمن علم ~~القرآن خلق الإنسان كما ينتهي إلى المرتبة السابعة حتى يقبل علم البيان ~~علمه البيان وكيف قرن إقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم ~~يعلم " فالحكمة في إقرأ وإقرأ أولا وثانيا وربك الأكرم أبلغ لفظا ومعنى من ~~إقرأ باسم ربك ثم عمم التعلم ثم خصص الإنسان كما عمم الخلق ثم خصص الإنسان ~~وكيف اجتمعت الفصاحة في ألفاظ بأسفار وجوه المعاني وكيف اقترنت بهذه ~~الجزالة على قلة حروفها وخفة كلماتها من غير إخلال في الدلالة وكيف انتظمت ~~بأشرف تركيب من حيث اللفظ وأوضح ترتيب من حيث المعنى وكيف لاحت فيها ~~البلاغة برطوبة الألفاظ ومتانة المعاني حتى كأنها جمعت علم الأولين ~~والآخرين من تقرير العموم والخصوص وتقدم الأمر على الخلق وإضافة الهداية ~~والخلق إليه " تبارك الله رب العالمين " فتبين من هذه القرائن أن القرآن ~~بجملته معجز وذلك في حق من لا يعرف دقائق البلاغة وحقائق المعاني وبعشر سور ~~منه معجز في حق قوم وبسورة واحدة معجز في حق قوم وبآية واحدة معجز في حق ~~قوم وتتقدر مقادير الإعجاز على قدر الدراية والتحقيق. PageV01P160 # ومن العجب أن المعتزلة قالوا بوجوب النظر قبل ورود الشرع وبنوا ذلك على أن ~~العاقل المفكر لا يخلو عن خاطرين يطرآن على قلبه أحدهما يدعوه إلى النظر ~~حتى يعرف الصانع فيشكر فيثاب على شكره والثاني يمنعه عن ذلك فيختار بعقله ~~أحق الطريقين بالأمن ويرفض أحقهما بالخوف فيقال لهم إذا تحدى النبي ~~بالرسالة وأخبر أنه رسول الله كان خبره محتملا للصدق والكذب فهلا طرأ ~~الخاطران في تصديقه وتكذيبه ثم يحصل ms292 الخبر بالصدق أولى فإن فيه الأمن إذ لو ~~كان صادقا فكذبه خسر ولو كان كاذبا فصدقه لم يخسر فإنه إن يكن كاذبا فعليه ~~كذبه وفي طلب المعجزة منه خطر آخر وهو جعل الخبر أولى بالكذب فكأنه يكذبه ~~في الحال إلى أن تظهر المعجزة فيصدقه في ثاني الحال وعند المعتزلة القرآن ~~من جنس كلام العرب فإنهم يقدرون على مثله قدرتهم على كلامهم فلم يستمر لهم ~~التمسك بإعجاز القرآن. # قال أهل الزيغ إذا قال النبي إني رسول الله إليكم وأنه أنزل علي كتابا ~~أقرأه عليكم فما المعني بالرسالة عن الله تعالى وما معنى قوله إني نبي الله ~~أفترجع الرسالة والنبوة إلى صفة قائمة بذاته بها يستحق أن يخاطب الناس ~~بالأوامر والنواهي عن الله تعالى أم ترجع إلى إخبار الله تعالى أنه رسولي ~~فإن كان الأول فما حقيقة تلك الصفة وإن كان الثاني فكيف يتصور أن يكلم الله ~~بشرا فإن الذي يسمعه البشر من الكلام حروف وأصوات وعندكم كلامه ليس بحرف ~~ولا صوت وإن كان وحيا من الله تعالى فما معنى الوحي وكيف يتصور أن ينزل ملك ~~على صورة البشر فإن كان الملك شخصا جسمانيا فيجب أن يكون على صورة بشر حتى ~~يكلمه بكلام البشر وإن كان جوهرا روحانيا فكيف يتصور أن يتشخص ويظهر بشخص ~~جسماني أليس نفس الدعوى إذا لم تكن معقولة في نفسها لم يجز مطالبته ~~بالبرهان عليها فلا نزول الملك معقول ولا نزول القرآن الذي هو كلامه معقول ~~بل عما مستحيلان عند العقلاء بأسرهم وأيضا فإنه ادعى بعد ذلك صعوده إلى ~~السماء والجسماني الكثيف يستحيل أن يصعد والأجرام العلوية لا تقبل الخرق ~~وإذا اشتمل كلامه على ما يستحيل في العقل حكم ببطلان أصل دعواه إلى غير ذلك ~~مما ادعى أنه شاهد العوالم وأخبر عن حشر الأجسام والأحياء في القبور ~~والميزان والصراط والحوض بعد ذلك فإن هذه غير معقولة بل قبولها على الوجه ~~الذي يدعيه مستحيل. PageV01P161 # قال أهل الحق النبوة ليست صفة راجعة إلى نفس النبي ولا درجة يبلغ إليها أحد ms293 ~~بعلمه وكسبه ولا استعداد نفسه يستحق به اتصالا بالروحانيات بل رحمة من الله ~~تعالى ونعمة يمن بها على من يشاء من عباده وكما قال نوح عليه السلام " ولا ~~أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول إني ملك " إلى غيره من ~~الأنبياء وسيد البشر صلى الله عليه وسلم قال كما قال الأول " قل سبحان ربي ~~هل كنت إلا بشرا رسولا قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ولو ~~كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء إن أنا إلا نذير وبشير ~~لقوم يؤمنون " لعمري لا تعدم نفس النبي ومزاجه كمالية في الفطرة وحسنا في ~~الأخلاق وصدقا وأمانة في الأقوال والأفعال قبل بعثه لأنه بها استحق النبوة ~~أو وصل بسببها إلى الاتصال بالملائكة وقبول الوحي كما قال تعالى " فبما ~~رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك " وكما قال ~~القوم " لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم " قال سبحانه " أهم ~~يقسمون رحمة ربك " فشخص النبي صلى الله عليه وسلم شخص الرحمة ورحمة مشخصة ~~ورسالته إلى الخلق رحمة ونعمة كما قال تعالى " وما أرسلناك إلا رحمة ~~للعالمين يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها وأكثرهم الكافرون " والأنبياء خيرة ~~الله في خلقه وحجة الله على عباده والوسائل إليه وأبواب رحمته وأسباب نعمته ~~" الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس " " إن الله اصطفى آدم ونوحا " ~~الآية فكما يصطفيهم من الخلق قولا بالرسالة والنبوة يصطفيهم من الخلق فعلا ~~بكمال الفطرة ونقاء الجوهر وصفاء العنصر وطيب الأخلاق وكرم الأعراق فيرقيهم ~~مرتبة مرتبة حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة وكملت قوته النفسانية وتهيأت ~~لقبول الأسرار الإلهية بعث إليهم ملكا وأنزل عليهم كتابا ولا تظن أن الملك ~~يتجسد شخصا بمعنى أنه يتكاثف بعد ما كان جسما لطيفا تكاثف الهواء اللطيف ~~غيما كما ظنه قوم ولا أنه تعدم حقيقته ويوجد شخص آخر ولا أنه تنقلب حقيقته ~~إلى حقيقة أخرى فإن كل ذلك محال بل الجواهر النورانية ms294 خصت بقوة الظهور بأي ~~شخص أرادوا كما قال تعالى " فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا " ~~وكما قال " ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا " ولا نجد له مثالا في هذا العالم ~~إلا تمثل تعلق أرواحنا بأجسادنا غير أن التمثل يستدعي شخصا كاملا في الحال ~~والتعلق يستدعي شخصا يتكون مرتبة فمرتبة سلالة ونطفة وعلقة ومما نذكره ~~مثالا تمثل المعنى الذي في الذهن بالعبارات التي في اللسان وبالكتابة التي ~~في اللوح غير أن اللفظ دليل على المعنى وكل دليل مظهر المعنى من وجه وكل ~~مظهر دال على المعنى من وجه من غير حلول الأعراض في الجواهر ولا نزول ~~الأجسام على الأجسام وإن تخطيت منه إلى ظهور صورة الشخص في المرآة الصقيلة ~~ووقوع الظل على الماء الصافي قارنت المعنى مثالا وإدراكا. # ألستم تقولون معاشر الصابئة المحيلين نزول الروحاني على الجسماني أن كل ~~روحاني له هيكل يظهر به ويتصرف فيه ويستوي عليه وكل هيكل في العالم العلوي ~~له شخص في العالم السفلي يظهر به ويتصرف فيه ويستوي عليه غير أنكم اتخذتم ~~بصنعتكم أصناما آلهة وهي مظاهر تلك الهياكل التي هي مظاهر تلك الروحانيات. PageV01P162 # ونحن معاشر الحنفاء أثبتنا أشخاصا ربانية مفطورة بوضع الخلقة على اصطفاء من ~~الجواهر واجتباء من العنصر مناسبة لتلك الجواهر الروحانية مناسبة النور ~~للنور والظل للظل وللنبي عليه السلام طرفان بشرية ورسالية " قل سبحان ربي ~~هل كنت إلا بشرا رسولا " فبطرف يقبل الوحي وبطرف يؤدي الرسالة والوحي هو ~~إلقاء الشيء إلى الشيء بسرعة فكل صورة علمية يقبلها بطرفه الروحانية عن ~~الملائكة الذين هم رسل ربهم إليه دفعة واحدة كوقوع الصورة في المرآة فهو ~~وحي وأقرب مثال له إلينا المنام الصادق فإن الرائي يرى كأنه نزل بستانا ~~واجتنى ثمارا وخاض في الماء وتحدث أحاديث كثيرة من سؤال وجواب وأمر ونهي ~~بحيث لو أملاها ملأت أوراقا وشحنت صفائح صحائف وكل ذلك في غفوة كأنها لحظة ~~وما ذاك إلا لأن الصور والفعلية القولية إذا كانت من عالم المعاني بواسطة ~~تلك المنام لم يستدع زمانا ولا ترتيبا ms295 بحيث يستدعيها حال اليقظة بل وقعت ~~دفعة واحدة في نفس الرائي حتى انتقشت فيه ثم عبر عنه بعبارات كثيرة وعبر ~~المعبر عن صورها الخيالية إلى معانيها العقلية ولذلك صارت الرؤيا الصادقة ~~جزءا من أجزاء النبوة كما صارت التؤدة والأناة وحسن السمت جزءا من أجزاء ~~النبوة فالنبوة إذا جملة ذات أجزاء وتلك الجملة بمجموعها لا تتحقق إلا لمن ~~اصطفاه الله تعالى لرسالته وبعض أجزائها قد ثبت للصالحين من عباده فيبلغون ~~إلى ذلك الجزء بطاعتهم وعبادتهم كما قال صلى الله عليه وسلم أصدقكم رؤيا ~~أصدقكم حديثا إما مجموعها من حيث المجموع فلا يصل إليه أحد بكسبه ~~واستطاعته. # وأما نزول كلام الباري تعالى فمعنى نزول الملك به فليس يستدعي النزول ~~انتقالا فإنك تقول نزلت عن كلامي ونزل الأمير عن حقه وقد ورد إلي الخبر ~~نزول الرب تعالى إلى السماء الدنيا وورد في القرآن مجيئه وإتيانه وذلك لا ~~يستدعي انتقالا كما حقق في التأويلات ثم الكلام الذي هو أمره الأزلي لا ~~يطلق عليه النزول إلا بمعنى نزول الآيات الدالة عليه ثم الإلزام على الخصم ~~إنما يظهر إذا أثبتنا له أمرا ونهيا وإثبات الأمر إنما يظهر إذا توافقنا ~~على أنه تعالى ملكا ومالكا وله أن يتصرف في ملكه بالأمر والنهي والتكليف ~~على من ثبت له اختيار وإذا حصل وفاقنا على هذه المراتب وعلمنا أن كل واحد ~~من آحاد الناس لا يتأهل لقبول أمر الله تعالى وحبا له تعين بالضرورة واحدا ~~اصطفاه من عباده " وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة " فدعواه ~~نفسها ما الجائزات العقلية وإذا كانت الدعوى مقرونة بدليل الصدق وجب ~~التصديق ووجب أن لا يتراخى دليل الصدق عن نفس الخبر فإن المخاطب مكلف ~~بالتصديق في الحال ولا يتراخى الوجوب عليه إلا أن يعرف الصدق بل التمكن كاف ~~كما بينا ولكن التمكن إنما تحقق من جانب المكلف بوجود العقل التام والعقل ~~إنما يدرك إذا وجد دليل الصدق فكما لا يتراخى الوجوب عن وقت التكليف لا ~~يتراخى أيضا دليل الصدق عن نفس الدعوى ms296 فليبحث ها هنا كل البحث أن الدليل ~~المقرون بالخبر والدعوى ماذا بحيث لا يلزم إفحام ولا ينفع إحجام وأما سائر ~~الأخبار السمعية فإذا ثبت صدق النبي وجب الإيمان بذلك والسمع والطاعة له ~~فإن عرفنا له وجها بالدليل العقلي فبصيرة وخيرة وإن لم تعرف له وجها فتسليم ~~وتصديق وما يستحيل في العقل وكان بين الاستحالة يعرف وجه استحالته ونعلم أن ~~الصادق الأمين لا يقرر المستحيل فيطلب لكلامه محملا صحيحا فإذا وجدناه ~~فخيرة وإلا أمنا وصدقنا بالظاهر ووكلنا علم الباطن إلى الله تعالى ورسوله. PageV01P163 # فمن ذلك حشر الأجسام وبعث من في القبور من الأشخاص فاعلم أنه لم يرد في ~~شريعة ما من الدلائل أكثر مما ورد في شرعنا من حشر الأجسام وكأن الزمان لما ~~كان مقرونا بالقيامة كانت الآية أصرح بها والبينات أدل عليها ومفارقة ~~الأرواح للأجساد وبقاء الأرواح قد اعترف بها الحكماء الإلهيون وحشر الأجساد ~~لما كان ممكنا في ذاته وقد ورد به الصادق وجب التصديق بذلك من غير أن يبحث ~~عن كيفية ذلك إذ الرب تعالى قادر على الإعادة وقدرته على الإنشاء والابتداء ~~فيحيي العظام وهي رميم كما أنشأها أول مرة وكما يحيي الأرض بعد موتها كل ~~ربيع كذلك يحيي الموتى ودليل من رام إثباته على طريق الحكمة هو أن النفوس ~~الجزئية إذا فارقت الأبدان ولم تستقر في تصوراتها عن آلات جسمانية احتاجت ~~إلى الأبدان ضرورة وإلا كانت معذبة فإن سعادتها في تصوراتها إنما تكون ~~بآلاتها والآلات إنما تتحقق إذا عادت بسعيها كما كانت فمن قال بحشر الأجسام ~~وفى بقضية الحكمة إذ وفر على كل نفس حظها من كمالها اللائق بها وإعطاءها ~~جزاءها على مقدار سعيها ومن نفى ذلك قضى بالحشر على نفس أو نفسين في كل عصر ~~قد تجردت عن المواد الجسمانية وقضى بالتعذيب على كل نفس في العالم وذلك ~~يناقض الحكمة وأيضا فإن الترتيب بين كل نفس ونفس حاصل في الدنيا وإذا فارقت ~~النفس البدن فإما أن يزول الترتيب حتى يستوي الحال بين من حصل لنفسه علوما ~~كثيرة ms297 وبين من اشتمل على جهالات كثيرة وإما أن يثبت الترتيب وليس في ذلك ~~العالم جنة ولا نار عندهم فيحصل لهم بذلك لذة أو ألم إذ لا نعمة ثم معدة ~~لأهل السعادة ولا عذاب مدخر لأهل الشقاوة وإنما اللذة والألم والنعمة ~~والعذاب تنشأ من كل نفس أو لازم كل نفس بحسب ما استعدت له من العلم والجهل ~~إلى تناقضات كثيرة أوردنا لذكرها رسالة في المعاد. # وأما سؤال القبر وعذابه فقد ورد بهما الخبر الصحيح في كم موضع حتى بلغ ~~الاستفاضة وهو حق وأما وجه ذلك على الطريقة المرضية ليس ذلك للروح المجرد ~~خاصة ولا للبدن على هذه الهيئة المشاهدة حتى يلزم عليه ما يناقض الحس ولو ~~كان الخطاب أعني خطاب الملكين خطابا بالاعتقاد المجرد لكان التزام الاعتقاد ~~على الروح المجرد ولو كان الخطاب بالاعتقاد دون القول والعمل جميعا لكان ~~يشترط فيه حشر الجسد على الصورة المخصوصة لكنه خطاب يقتضي عقدا وجوابا من ~~حيث القول من ربك وما دينك ومن نبيك فلو كان الرجل حيا وتوجه عليه هذا ~~الخطاب استدعي منه فهما للخطاب وجوابا والأجزاء الفاهمة من الإنسان ~~والناطقة أجزاء مخصوصة وتلك الأجزاء مستقلة بالجواب وإن كان الشخص من حيث ~~هو شخص غير مستشعر بذلك كالنائم مثلا أو كالسكران فيجوز أن يحيي الله تعالى ~~تلك الأجزاء ويكون السؤال متوجها عليها من حيث أنها فاهمة وناطقة ثم يكون ~~الحشر بعده للشخص بصورته إذ السؤال متوجه عليه حتى يخرج عن عهدة العقد ~~والقول والعمل. # وأما الميزان فقد ورد الكتاب العزيز به في قوله تعالى " ونضع الموازين ~~القسط ليوم القيامة " وقد قيل أن الموزون به جسم أما كاغد مكتوب عليه خيرات ~~العباد وشروره ثم يخلق الله فيه ثقلا أو خفة فيترجح به الميزان والأحرى أن ~~يقال أن لكل شيء في العالم ميزان لائق بوجود ذلك الشيء فميزان ما يقبل ~~الثقل والخفة المعيار والميزان المعهود وميزان المكيلات الكيل والمذروعات ~~الذرع والمسافات الفراسخ والأميال والمعدودات العدد وميزان الأعمال ~~والأقوال ما يكون لائقا بها والله أعلم بما أراد. ms298 # وأما الحوض والشفاعة فالحوض يجري على ظاهره وهو كالأنهار التي تكون في ~~الجنة من شرب منه شربة في القيامة لم يظمأ بعدها أبدا. PageV01P164 # وأما الشفاعة فقد قالت المعتزلة أنها للمطيعين من المؤمنين بناء على مذهبهم ~~أن الفاسق إذا خرج من الدنيا من غير توبة خلد في النار لأنه قد استوجب ~~النار بفسقه ومن دخل النار كان مغضوبا عليه ومن كان مغضوبا عليه لا يدخل ~~الجنة وأيضا فإنه في حال الفسق ما استحق اسم الإيمان لأن الإيمان عبارة عن ~~خصال محمودة يستوجب المؤمن بها المدح والثناء والفاسق لا يستوجب المدح وقد ~~أخلى أركان إيمانه بخروجه عن الطاعة واستدلوا على ذلك بآيات من الكتاب منها ~~قوله تعالى " ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها " ~~وقوله تعالى " بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم ~~فيها خالدون " وقوله تعالى " ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها ~~" وأيضا فإن الرب تعالى ذكر حال الأشقياء وحال السعداء وربط الخلود ~~بمكانهما ولم يذكر في القرآن قسما ثالثا فقال " فأما الذين شقوا وأما الذين ~~سعدوا " وفي تفصيل الفريقين فريق في الجنة وفريق في السعير. # وزادت الخوارج عليهم بأن كفروا صاحب الكبيرة واستدلوا عليه بقصة إبليس إذ ~~كان عارفا بالله مطيعا له غير أنه ارتكب كبيرة وهو الامتناع من السجود لآدم ~~عليه السلام فاستوجب اللعن والتكفير والتخليد في النار. # وقصرت المرجئة في مقابلتهم حيث قالوا الإيمان قول وعقد وإن عري عن العمل ~~فلا يضر مع الإيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة. # وأشدهم تقصيرا الكرامية الذين ينفر الطبع السليم عن نقل مقالاتهم وذكر ~~مذاهبهم لخبثها وركاكتها قالت الإيمان قول مجرد وهو الإقرار باللسان فحسب ~~وإن كان المقر كاذبا منافقا فهو مؤمن وليتهم قالوا مؤمن عندنا بل قالوا ~~مؤمن حقا عند الله تعالى حتى يثبت في حقه مشاركته المؤمنين في أحكام ~~الإسلام. # قالت الأشعرية الإيمان عبارة عن التصديق في وضع اللغة وقد قرره الشرع على معناه. # واختلف جواب أبي الحسن رحمه ms299 الله في معنى التصديق فقال مرة هو المعرفة ~~بوجود الصانع وإلاهيته وقدمه وصفاته وقال مرة التصديق قول في النفس يتضمن ~~المعرفة ثم يعبر عن ذلك باللسان فيسمي الإقرار باللسان أيضا تصديقا والعمل ~~على الأركان أيضا من باب التصديق بحكم الدلالة أعني دلالة الحال كما إن ~~الإقرار تصديق بحكم الدلالة أعني دلالة المقال فكان المعنى القائم بالقلب ~~هو الأصل المدلول والإقرار والعمل دليلان. # قال بعض أصحابه الإيمان هو العلم بأن الله ورسوله صادقان فيما أخبرا به ~~ويعزى هذا أيضا إلى أبي الحسن ثم القدر الذي يصير به المؤمن مؤمنا وهو ~~التكليف العام على عوام الخلق وخواصهم هو أن يشهد أن لا إله إلا الله وحده ~~لا شريك له في ملكه ولا نظير له في جميع صفات إلاهيته ولا قسيم له في ~~أفعاله وأن محمدا رسوله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله فإذا ~~أتى بذلك لم ينكر شيئا مما جاء به وأنزل به فهو مؤمن فإن وافاه الموت على ~~ذلك كان مؤمنا عند الله وعند الخلق وإن طرئ عليه ما يضاد إيمانه ذلك ~~والعياذ بالله حكم عليه بالكفر عند ذلك وإن اعتقد مذهبا يلزمه من حكم مذهبه ~~مضادة ركن من هذه الأركان لم يحكم بكفره مطلقا بل ينسب إلى الضلالة والبدعة ~~ويكون حكمه في الآخرة موكولا إلى الله تعالى تخليدا في النار أو تأقيتا. PageV01P165 # والدليل على ما ذكرناه أنا بالتواتر المفضي إلى اليقين علمنا أن النبي عليه ~~السلام لما أظهر الدعوة دعا الناس إلى كلمتي الشهادة لا إله إلا الله محمد ~~رسول الله ونعلم قطعا أنه لم يرض منهم في هذه الشهادة بمجرد القول مع إضمار ~~خلافه في القلب إذ قرر لهذا المعنى قوما سماهم منافقين وسماهم الكتاب بذلك ~~مع نفي الإيمان عنهم كما قال تعالى " ومن الناس من يقول آمنا بالله واليوم ~~الآخر وما هم بمؤمنين " ونسبهم إلى الكذب وسماهم كاذبين في غير آي من ~~الكتاب والله يشهد أن المنافقين لكاذبون والكرامي يشهد أن المنافقين ~~لصادقون فقد علم من ms300 ذلك قطعا أن التصديق بالقلب ركن وهو الركن الأعظم إذ ~~الإقرار باللسان يعبر عنه ونعلم قطعا أن النبي عليه السلام كما لم يرض منهم ~~بمجرد القول ما لم يقترن به عقد لم يكلف جميع الخلق معرفة الله تعالى كما ~~هو لأن ذلك غير مقدور للخلق وأقرب دليل على ذلك أنه تعالى يعلم جميع ~~معلوماته على التفصيل ويعلم أنه يخلق جميع مخلوقاته على التفصيل ويعلم جميع ~~مراداته من الخلق وللخلق وليس يعلم العبد ذلك ولا يقدر أن يعلم ولم يكلف ~~إلا أن يعرف أنه لا إله إلا الله وتكون معرفته مستندة إلى دليل جلي كما ورد ~~به التنزيل وإلا فتكليف ذلك شطط لا يستطاع فثبت القول والعقد مصدرا ومظهرا ~~وقد يكتفى بالمصدر في القلب إذا لم يقتدر على الإتيان بالإقرار باللسان لكن ~~في حكم الله تعالى الإشارة في حق الآخرين تنزل منزلة العبارة في حق الناطق ~~وقصة الخرساء أعتقها فإنها مؤمنة دليل على صحة ما ذكرناه في أصل الإيمان ~~وقدره بقي كون العمل ركنا أو واجبا تابعا. # فتقول المرجئة بإرجاء العمل كله عن القول والعقد حتى قالت لم يضر العبد ~~إن لم يأت بطاعة واحدة. # وتقول الوعيدية بكونه ركنا من الأركان أن العبد تخلده الكبيرة في النار ~~مع الكفار حتى قالت يسلب اسم الإيمان عمن ترك طاعة واحدة وكلا المذهبين مردود. # أما الأول فيرفع معظم التكاليف من الأوامر والنواهي ويفتح باب الإباحة ~~ويفضي إلى الهرج وإذ ورد في الشرع بذلك كله وربط بكل حركة من حركات الإنسان ~~حكما بحكم أنه إن لم تضره المعاصي لم تنفعه الطاعات وأنه إن لم يكن مؤاخذا ~~بترك ما أمر به لم يكن مثابا بامتثال ما أمر. PageV01P166 # وأما المذهب الثاني فيرفع معظم الآيات من الكتاب والأخبار والسنة وتغلق باب ~~الرحمة ويفضي إلى اليأس والقنوط وإذ ورد في الكتاب في كم آية " إن الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات " ففرق بين لفظ الإيمان والعمل واعلم أن الإيمان له ~~حقيقة والعمل له حقيقة غير الإيمان وخاطب في كم آية الفاسقين ms301 بخطاب ~~المؤمنين يا أيها الذين آمنوا لا تفعلوا كذا علم بذلك قطعا أن الإيمان لو ~~كان هو العمل بعينه أو كان العمل ركنا مقيما بحقيقة الإيمان لما ميز بهذا ~~التمييز وأيضا فيلزم الوعيدية أن لا يوجد مؤمن في العالم إلا نبي معصوم إذ ~~لا عصمة لغير الأنبياء ويلزم أن لا يطلق اسم الإيمان على أحد حتى يستوفي ~~جميع خصال الخير عملا وفعلا فيكون اسم الإيمان موقوفا على العمل في ~~المستأنف فهؤلاء مرجئة الإيمان عن العمل وأولئك مرجئة العمل عن الإيمان ~~فعلم قطعا أن العمل غير داخل في الإيمان ركنا مقوما له حتى يقال بعدمه يكفر ~~ويخرج عن الإيمان في الحال ويعذب ويخلد في النار في ثاني الحال وغير خارج ~~عن الإيمان تكليفا لازما له حتى يقال بعدمه لا يستحق لوما وزجرا في الحال ~~ولا استوجب عقابا وجزاء في المآل والقول بأن المعاصي تحبط الطاعات ليس ~~بأولى من القول بأن الطاعات ترفع المعاصي ومن قال صاحب الكبيرة يخلد في ~~النار بشرط تخفيف العذاب عليه بسبب تصديقه قولا وعقدا وطاعته المحبطة ~~يعارضه قول المرجئ تخليد في الجنة بشرط حطه عن درجة المطيعين بسبب إيمانه ~~وسائر طاعاته والطاعات لو أحبطت كيف أثرت في التخفيف والتخفيف كيف يتصور مع ~~التخليد والتخليد كيف يجوز في العدل على عمل مقدر بوقت بل وتخليد الكافر في ~~النار متى كان عدلا عقليا وهو لم يكفر إلا مائة سنة فهلا تقدر التعذيب ~~بمائة سنة أفمن غصب مائة دينار وأخذ منه مائتي دينار كان عدلا قال هو على ~~اعتقاد أنه لو بقي أبد الدهر بقي على الكفر قيل واعتقاد أنه يعمل غير ~~اعتقاد أن عمل أليس من غصب مائة دينار على اعتقاد أن لو ظفر لم يؤاخذ ~~بالألف كذلك فيما نحن فيه فالعدل المعقول إذا ما ورد الشرع به والحكم ~~المشروع ما دل العقل عليه وهو أن العبد إذا كان مصدقا بقلبه مخبرا عن ~~تصديقه بلسانه مطيعا لله تعالى في بعض ما أمره به عاصيا له في البعض استحق ~~المدح ms302 بقدر ما أطاع واللوم بقدر ما قد عصى في الحال واستحق الثواب بقدر ~~الإيمان والطاعة والعقاب بقدر العصيان في المآل ثم يبقى أن يتعارض أمران ~~أحدهما أن يثاب أو لا ثم يعاقب مخلدا أو بالعكس وليس في الفضل والعدل القسم ~~الأول فإن رحمة الله أوسع من ذنوب الخلق وفضله أرجى من العمل ولا تنقصه ~~المغفرة ولا تضره الذنوب ولأن الإيمان والمعرفة أحق بالتخليد عدلا وعقلا من ~~معصية مؤقتة ولأنه لم يؤثر أن أحدا يخرج من الجنة إلى النار فيقي القسم ~~الثاني وشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم قد وردت سمعا حيث قال شفاعتي لأهل ~~الكبائر من أمتي. # وما تمسكوا به من الآيات فمخصوصات عموماتها محمولة على الاستحلال ~~وظواهرها معارضة بآيات دلت على ذلك منها قوله تعالى " إن الله لا يغفر أن ~~يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء " ومنها قوله تعالى " قل يا عبادي الذين ~~أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا " وإن ~~خص هذا العام بالتوبة من غير دلالة التخصيص فخص تلك العمومات بحال ~~الاستحلال في كل آية دليل على التخصيص وأما قوله تعالى " ومن يعص الله ~~ورسوله " فمعناه يكفر به ورسوله لأنه قرنه بقوله " ويتعد حدوده " وتعدي ~~جميع الحدود لا يتصور إلا من الكافر وأما المؤمن المطيع لله عز وجل سبعين ~~سنة كيف يكون متعديا جميع الحدود بمعصية واحدة وكذلك قوله " بلى من كسب ~~سيئة " أي شركا بدليل قوله وأحاطت به خطيئته والإحاطة من كل وجه لا يتصور ~~في حق المؤمن لأنه بإيمانه منع الإحاطة من كل وجه وقوله تعالى " ومن يقتل ~~مؤمنا متعمدا " فمعناه مستحلا قتله لأن العمدية المطلقة من كل وجه لا تتصور ~~إلا من الكافر ودليله آخر الآية من التشديد في العقاب والتغليظ بالغضب ~~واللعن وذلك بالاتفاق غير مطلق على القاتل الذي لا يستحل الدم وهو خائف وجل ~~وذكر حال الأشقياء والسعداء مقصور على مآل الحال " فأولئك مآلهم إلى النار ~~خالدين فيها وهؤلاء مآلهم إلى الجنة خالدين فيها ms303 " والدليل عليه الاستثناء ~~في آخر الآية. PageV01P167 # القول في الإمامة اعلم أن الإمامة ليست من أصول الاعتقاد بحيث يفضي النظر ~~فيها إلى قطع ويقين بالتعين ولكن الخطر على من يخطي فيها يزيد على الخطر ~~على من يجهل أصلها والتعسف الصادر عن الأهواء المضلة مانع من الإنصاف فيها. # وقد قال جمهور أصحاب الحديث من الأشعرية والفقهاء وجماعة الشيعة ~~والمعتزلة وأكثر الخوارج بوجوبها فرضا من الله تعالى ثم جماعة أهل السنة ~~قالوا هو فرض واجب على المسلمين إقامته واتباع المنصور فرض واجب عليهم إذ ~~لا بد لكافتهم من إمام ينفذ أحكامهم ويقيم حدودهم ويحفظ بيضتهم ويحرس ~~حوزتهم ويعبي جيوشهم ويقسم غنائمهم وصدقاتهم ويتحاكموا إليه في خصوماتهم ~~ومناكحاتهم ويراعي فيه أمور الجمع والأعياد وينصف المظلوم وينتصف من الظالم ~~وينصب القضاة والولاة في كل ناحية ويبعث القراءة والدعاة إلى كل طرف وأما ~~العلم والمعرفة والهداية فهي حاصلة للعقلاء بنظرهم الثاقب وفكرهم الصائب ~~ومن زاغ عن الحق وضل عن سواء السبيل فعلى الإمام تنبيهه على وجه الخطأ ~~وإرشاده إلى الهدى فإن عاد وإلا فينصب القتال ويطهر الأرض عن البدعة ~~والضلال بالسيف الذي هو بارق سطوة الله تعالى وشهاب نقمته وعقبة عقابه ~~وعذبة عذابه. # والدليل الساطع على وجوب الإمامة سمعا اتفاق الأمة بأسرهم من الصدر الأول ~~إلى زماننا أن الأرض لا يجوز أن تخلو عن إمام قائم بالأمر. # أما الصدر الأول فقد قال أبو بكر رضي الله عنه في خطبته قبل البيعة أيها ~~الناس من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات ومن كان يعبد الله فإنه حي لا ~~يموت وتلا هذه الآية " وما محمد إلا رسول قد خلت " ثم قال وإن محمدا قد مضى ~~بسبيله ولا بد لهذا الأمر من قائم يقوم به فانظروا وهاتوا آراءكم رحمكم ~~الله فناداه الناس من كل جانب صدقت يا أبا بكر ولكنا نصبح وننظر في هذا ~~الأمر ونختار من يقوم به ولم يقل أحد أن هذا الأمر يصلح من غير قائم به ثم ~~كان من أمر الأنصار من اختيار سعد ms304 بن عبادة وقولهم منا أمير ومنكم أمير قام ~~أبو بكر وعمر رضي الله عنهما مع جماعة من المهاجرين يقصدون سقيفة بني ساعدة ~~وقال عمر كنت أزور في نفسي كلاما في الطريق حتى وافينا السقيفة هممت أن ~~أتكلم به فقام أبو بكر وقال مه يا عمر وذكر جميع ما كنت أزوره إلا أنه كان ~~ألين وكنت أخشن فبايعته وبايعه الناس القصة المشهورة ولما قرب وفاة أبي بكر ~~رضي الله عنه فقال تشاوروا في هذا الأمر ثم وصف عمر بصفاته وعهد إليه ~~واستقر الأمر عليه وما دار في قلبه ولا في قلب أحد أن يجوز خلو الأرض عن ~~إمام ولما قربت وفاة عمر رضي الله عنه جعل الأمر شورى بين ستة وكان الاتفاق ~~على عثمان رضي الله عنه وبعد ذلك كان الاتفاق على علي رضي الله عنه فدل ذلك ~~كله على أن الصحابة رضوان الله عليهم وهم الصدر الأول كانوا على بكرة أبيهم ~~متفقين على أنه لا بد من إمام ويدل على ذلك إجماعهم على التوقف في الأحكام ~~عند موت الإمام إلى أن يقوم إمام آخر ومن ذلك الزمان إلى زماننا كانت ~~الإمامة على المنهاج الأول عصرا بعد عصر من إمام إلى إمام إما بإجماع من ~~الأمة أو بعهد ووصية وإما بهما جميعا فذلك الإجماع على هذا الوجه دليل قاطع ~~على وجوب الإمامة العالم كلامنا في وجوب الإمامة على الإطلاق. # أما القول في تعيين الإمام هل هو ثابت بالنص أم بالإجماع فالقائلون ~~اختلفوا في أن النص ورد على شخص بعينه أم ورد بذكر صفته فالقائلون بالإجماع ~~اختلفوا في أن إجماع الأمة عن بكرة أبيهم شرط في ثبوت الإمامة أم يكتفى ~~بجماعة من أهل الحل والعقد وقد ذكرت مذاهبهم في الكتب. # قال أهل السنة القائلون بالإجماع الدليل على عدم النص على إمام بعينه هو ~~أنه لو ورد نص على إمام بعينه لكانت الأمة بأسرهم مكلفين بطاعته ولا سبيل ~~لهم إلى العلم بعينه بأدلة العقول والخبر لو كان تواترا لكان كل مكلف يجد ~~من ms305 نفسه العلم بوجوب الطاعة له وإلا لزمه دينا كما لزمه الصلوات الخمس دينا ~~ولما جازوا إلى غيره بيعة وإجماع. PageV01P168 # ومن المحال من حيث العادة أن يسمع الجم الغفير كلاما من رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ثم لا ينقلونه في مظنة الحاجة وعصيان الأمة بمخالفته والدواعي ~~بالضرورة تتوفر على النقل خصوصا وهم في نأنأة الإسلام وطراوة الدين وصفوة ~~القلوب وخلوص العقائد عن الضغائن والأحقاد والتآلف المذكور في الكتاب ~~العزيز " وألف بين قلوبهم فأصبحتم بنعمته إخوانا " وإذا كانت الدواعي على ~~النقل موجودة والصوارف عنه مفقودة ولم ينقل دل على أنه لم يكن في الباب نص ~~أصلا وأيضا لو عين شخصا لكان يجب على ذلك الشخص المعين أن يتحدى بالإمامة ~~ويخاصم عليها ويخوض فيها حتى إذا دفع عن حقه سكت ولزم بيته فيظهر الظالم ~~عليه ولم ينقل أن أحدا تصدى للإمامة وادعاها نصا عليه وتسليما إليه. # قالت النجدات من الخوارج وجماعة من القدرية مثل أبي بكر الأصم وهشام ~~الفوطي أن الإمامة غير واجبة في الشرع وجوبا لو امتنعت الأمة عن ذلك ~~استحقوا اللوم والعقاب بل هي مبنية على معاملات الناس فإن تعادلوا وتعاونوا ~~على البر والتقوى واشتغل كل واحد من المكلفين بواجبه وتكليفه استغنوا عن ~~الإمام ومتابعته فإن كل واحد من المجتهدين مثل صاحبه في الدين والإسلام ~~والعلم والاجتهاد والناس كأسنان المشط والناس كابل ماية لا تجد فيها راحلة ~~فمن أين يلزم وجوب الطاعة لمن هو مثله. # وزادوا على ذلك تقريرا بأن قالوا وجوب الطاعة لواحد من الأمة إما أن يثبت ~~بنص من الرسول فقد دللتم على أنه لا نص على أحد وإما أن يكون باختيار من ~~المجتهدين والاختيار من كل واحد من الأمة إجماعا بحيث لا يقدر فيه اختلاف ~~لا يتصور عقلا ولا وقوعا أما العقل فإن الاختيار إذا كان مبنيا على ~~الاجتهاد والاجتهاد ينبني على ما تعين لكل واحد من العقلاء من قضايا تردده ~~في الوجوه العقلية والسمعية وذلك إذا كان مختلفا في الطباع فبالضرورة أن ~~يصير مختلفا في الحكم ms306 أليس أحق الأحكام بوجود الاتفاق فيه الخلافة الأولى ~~وأولى الأزمان في الشرع هو الزمان الأول وأولى الأشخاص بالصدق والإخلاص ~~الصحابة وأحق الصحابة بالأمانة ونفي التهمة والخيانة المهاجرون والأنصار ~~وأقرب الناس إلى رسول الله أبو بكر وعمر فانظر كيف انحاز الأنصار إلى ~~السقيفة وكيف قالوا منا أمير ومنكم أمير وكيف أجمعوا على سعد بن عبادة لولا ~~أن تداركه عمر بأن بايع بنفسه حتى شايعه الناس ثم قال بعد ذلك ألا إن بيعة ~~أبي بكر كانت فلتة فوقى الله شرها فمن عاد إلى مثلها فأيما رجل بايع رجلا ~~من غير مشورة من المسلمين فإنها تغره أن يقتلا يعني أني بايعت أبا بكر وما ~~شاروت الجماعة ووقى الله شرها فلا تعودوا إلى مثلها ولم يكن وقت البيعة ~~اتفاق الجماعة وفي الغد لما بايعوه انحازت بنو أمية وبنو هاشم حتى قال أبو ~~سفيان لعلي رضي الله عنه لم تدع هذا الأمر حتى يكون في شر قبيلة من قريش ~~فأجابه علي فتنتنا وأنت كافر وتريد أن تفتننا وأنت مسلم وقال العباس قولا ~~مثل ذلك وقد سمع النبي صلى الله عليه وسلم أنت أبي وأبو بقية الأمة الخلافة ~~في ولدك وما اختلف الليل والنهار ولم يخرج علي رضي الله عنه إلى البيعة حتى ~~قيل أنه كان له بيعة في السر وبيعة في العلانية وقد خرج أسامة بن زيد وهو ~~على جيشه أمير بتأمير النبي صلى الله عليه وسلم. # قالوا فإذا لم يتصور إجماع الأمة في أهم الأمور وأولاها بالاعتبار دل على ~~أن الإجماع لن يتحقق قط وليس ذلك دليلا في الشرع. # قالوا ونصب الإمامة بالاختيار متناقض من وجهين أحدهما أن صاحب الاختيار ~~موجب في النصب على الإمام حتى يصير إماما ويجب عليه طاعته إذا قام بالإمامة ~~فهو إنما صار إماما بإقامته فكيف صار واجب الطاعة بإمامته والثاني أن كل ~~واحد من المجتهدين الناصبين للإمامة لو خالف الإمام في المسائل الاجتهادية ~~باجتهاده جاز له ذلك وما من مسئلة فرضتم وجوب الطاعة له فيها إلا ويجوز ~~المخالفة له ms307 فيها باجتهاده فكيف نجعله إماما واجب الطاعة بشرط أن يخالفه ~~إذا أدى إلى المخالفة اجتهاده. PageV01P169 # قالوا فدل هذا كله على أن الإمامة غير واجبة في الشرع نعم لو احتاجوا إلى ~~رئيس يحمي بيضة الإسلام ويجمع شمل الأنام وأدى اجتهادهم إلى نصبه مقدما ~~عليهم جاز ذلك بشرط أن يبقى في معاملاته على النصفة والعدل حتى إذا جار في ~~قضية على واحد وجب عليهم خلعه ومنابذته وهذا كما فعلوا بعثمان وعلي رضي ~~الله عنهما فإنه لما أحدث عثمان تلك الأحداث خلعوه فلما لم ينخلع قتلوه ~~ولما رضي علي بالتحكيم وشك في إمامته خلعوه وقاتلوه. # قالت الشيعة الإمامة واجبة في الدين عقلا وشرعا كما أن النبوة واجبة في ~~الفطرة عقلا وسمعا. # أما وجوب الإمامة عقلا أن احتياج الناس إلى إمام واجب الطاعة يحفظ أحكام ~~الشرع عليهم ويحملهم على مراعاة حدود الدين كاحتياج الناس إلى نبي مرسل ~~يشرع لهم الأحكام ويبين لهم الحلال والحرام واحتياج الخلق إلى استبقاء ~~الشرع كاحتياجهم إلى تمهيد الشرع وإذا كان الأول واجبا إما لطفا من الله ~~تعالى وإما حكمة عقلية واجبة كان الثاني واجبا. # وأما السمع فإن الله تعالى أمرنا بمتابعة أولي الأمر وطاعتهم فقال " ~~أطيعوا الله والرسول وأولي الأمر منكم " فإذا لم يكن إمام واجب الطاعة كيف ~~يلزمنا ذلك التكليف وقال الله تعالى " يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ~~وكونوا مع الصادقين " فلو لم يكن في الأمة صادقون واجبو الطاعة كيف وجب ~~علينا أن نكون معهم ويستحيل أن يكلف إنسان كن مع فلان ولا فلان في العالم ~~وإذا كان العالم لا يخلو عن صادق مطلق فقد تحققت عصمته فإنا لا نعني ~~بالعصمة إلا الصدق في جميع الأقوال ومن كان صادقا في جميع الأقوال كان ~~صالحا في جميع الأحوال. # وقرروا ذلك من وجه آخر وقالوا كما يجب حسن الظن بالصحابة إنهم لا يعدلون ~~عن نص ظاهر إلى الاختيار وهم الصفوة الأولى على طراوة القبول يجب حسن الظن ~~أيضا بالرسول أنه إذا علم احتياج الخلق إلى من يجمع شملهم ويرفع ms308 الخلاف ~~بينهم ويحملهم على مناهج الشرع وينصف المظلوم وينتصف من الظالم وأنهم إلى ~~من ينتهج مناهجه في دعوة المخالفين باللسان والسيف أحوج منهم إلى مسائل ~~الاستنجاء والمسح على الخفين والتيمم بالتراب وغير ذلك فإذا لم يقصر في ~~إيراد حكم في كل باب يستدل به على نظائره من ذلك الباب كيف أمسك عن أهم ~~الأبواب كل الإمساك فلم ينطق به نصا ولا أشار إلى شخص تعيينا ولا ذكره بوصف ~~حتى بقيت الأمة على اختلاف في الأصول والفروع فمن ضال ومن هاد يدعي كل واحد ~~أنه على الحق وخصمه على الباطل ولا حاكم بينهما ومن جاهل ومن عالم يدعي كل ~~واحد منهما أنه العالم وخصمه الجاهل ولا هادي لهما فلئن كان يتوجه للعباد ~~أن يقولوا " ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا " مع أنه لا يتوجه على الله سؤال ~~أفلا يتوجه للأمة أن يقولوا أنبينا هلا عينت لنا إماما نتبع قوله من قبل أن ~~نذل ونخزى وأن الله تعالى أرسل الرسل كيلا يكون للناس على الله حجة بعد ~~الرسل فهلا بين الرسول الإمامة وعين الإمام كيلا يكون للناس على النبي حجة ~~بعد الأئمة. # فلئن قلتم عرف احتياج الخلق ولم يعين فلم تحسنوا الظن به وإن قلتم عين ~~وبين ولم يتبعوا قوله لم تحسنوا الظن بالصحابة فما الأخلص وما الأولى ~~بتوريك الذنب عليه. # وأنتم بين أمرين إما أن تقولوا جعل الأمر بين الأمة فوضى وفوض الأمر إلى ~~رأي المجتهدين ليبين فضل المجتهد الناظر وقصور القاصر عن رتبة الاجتهاد ~~وجعل العلماء بجملتهم حملة الشريعة ونقلة الدين. PageV01P170 # قيل لكم وهلا كان الأمر فوضى بين العقلاء وفوض الأمر إلى نظر الناظرين ~~واجتهاد المجتهدين فلا يرسل إليهم رسلا مبشرين ومنذرين ليتبين فضل المجتهد ~~الناظر وقصور المعطل القاصر وهلا سلك الصحابة هذا المنهاج فيجعلون الأمر ~~فوضى بين الأمة ولا يرتبون أمر الإمامة ولا يشتغلون بتعيين الإمام عن ~~مواراة النبي صلى الله عليه وسلم في صريحه ليظهر فضل الفاضل وقصور القاصر ~~وأما أن تقولوا لم يجعل الأمر فوضى ولا ترك الحال ms309 شورى فيلزمكم النص ~~والتعيين ثم لا نص إلا في حق من يدعي النص ومن لا يدعي النص كيف يتعين ~~بالنص واعلم أنه لا شبه في المسألة إلا ما ذكرناه وما تذكره الإمامية من ~~سوء القول في الصحابة رضي الله عنهم وافتراء الأحاديث على الرسول فكل ذلك ~~ترهات لا يصلح أن تشحن بها الكتب أو يجرب بها القلم وكذلك ما ذكره الزيدية ~~من إمامة المفضول مع قيام الفاضل واستحقاق الإمامة عندهم بخصال أربع العفة ~~والعلم والشجاعة والخروج بعد أن يكون فاطميا يلزمهم أن يكون في كل صقع إمام ~~واجب الطاعة فيكون في الأرض ألف ألف إمام نافذ الأمر واجب الطاعة إذا ~~استجمع كل واحد هذه الخصال. # أجاب أهل السنة عن مقالة النجدات في نفي وجوب الإمامة أصلا عقلا وشرعا أن ~~الواجبات عندنا بالشرع ومدرك هذا الواجب إجماع الأمة والاختلاف الذي ~~ذكرتموه في تعيين الإمام من أذل الدليل على أن أصل الإمامة واجب إذ لو لم ~~يكن واجبا لما شرعوا في التعيين ولما اشتغلوا به كل الاشتغال. # بقي أن يقال إجماع الأمة هل هو دليل في الشرع وإن الإجماع هل يتصور وقوعه ~~صادرا عن الاجتهاد بحيث لا يتصور فيه الخلاف وأما تصوره عقلا فمن الجائزات ~~العقلية موافقة شخصين على رأي واحد وإذا تصور في شخصين فما المانع من تصوره ~~في ثلاثة وأربعة إلى أن يستوعب الجميع وأما تقدير وقوعه في الصدر الأول فهو ~~أيسر ما في المقدور فإن الصحابة كانوا محصورين في المهاجرين والأنصار وأهل ~~الرأي والاجتهاد منهم أيكون إلى عدد يمكن ضبطهم وحصرهم في محفل واحد ~~ويتناظرون في أمر ويتفقون على رأي واحد ولا يبدو من أحدهم إنكار. # وأما وجه كونه دليلا أنا بالضرورة نعلم أن الصحابة إذا أجمعوا على أمر ~~فلا يحصل منهم ذلك الاتفاق إلا لنص خفي قد تحقق عندهم أما نص في ذلك الأمر ~~بعينه وأما نص على أن الإجماع حجة ثم ذلك النص ربما يكون عندهم تواترا ~~وعندنا من أخبار الآحاد فلا بد من إضمار قطعا حتى ms310 يكون حجة لكن الإجماع ~~قرينة دالة عليه قطعا وهو كالأخبار المتواترة فإنها أورثت العلم بحكم ~~القرينة لا بحكم العدد ومن الدليل على أن الإجماع حجة تبكيت الصحابة لمن ~~خالف الإجماع وإخراجهم إياه عن سنن الهدى وقد جوزوا للمجمعين ترك التعرض ~~لمستند الإجماع فإن المستند ربما كان قرينة قولية أو فعلية أورثتهم العلم ~~ولم يمكنهم التعبير عنها بلفظ وربما كان قولا صريحا فإن صرحوا به كان ذلك ~~دليلا ثابتا في المسئلة وإن لم يصرحوا كفاهم الإجماع. # وأما قولهم أن الاتفاق على إمامة أبي بكر رضي الله عنه لم يكن صادرا عن ~~جملتهم ليس كذلك إذ لم يبق أحد من الصحابة إلا كانت له بيعة وعلي كرم الله ~~وجهه كان مشغولا في وقت البيعة بمواراة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~محزونا على مفارقته لم يخرج إليهم حتى لما رأى الناس دخلوا في أمر دخل فيه ~~ولم ينقل عنهم إنكار. # وقولهم إن الإجماع في نصب الإمامة إيجاب على الإمام من جهة المجمعين حتى ~~يصير واجب الطاعة لهم وينعكس الأمر بعد ذلك حتى يصيروا واجبي الطاعة له وهو ~~متناقض. # نقول هذا لو كان الوجوب الذي يتلقى من الإجماع مقصورا على من صدر منه ~~الإجماع وليس الأمر كذلك فإن الوجوب مستند إلى النص الخفي والجلي من صاحب ~~الشرع عليه السلام فهو الموجب والإجماع مظهر الوجوب وهو طريق قطعي في ~~معرفته لا أن قول من لم يثبت صدقه ضرورة يكون حجة. PageV01P171 # وقولهم لو خالف كل واحد من المجتهدين إمامه في مسئلة جاز قلنا نعم لأنه ~~مجتهد كما أن الإمام مجتهد ولا يجوز لمجتهد تقليد المجتهد وهو لا يخالفه في ~~الإجماع على أنه إمام بعد استناده إلى النص وإنما يخالفه في مسئلة أخرى وهو ~~جائز أليس أدى اجتهاد أبي بكر إلى قتال أهل الردة ومانعي الزكاة إليه وسبي ~~ذراريهم واغتنام أموالهم وأدى اجتهاد عمر رضي الله عنه إلى أن يرد إليهم ~~سباياهم فردها وكم من مسئلة خالفه الصحابة في مسائل الفرائض والديات وإيجاب ~~الرجم فرجع إلى ms311 قولهم وترك اجتهاده وهذا لأنه لا يجب العصمة للأئمة فيجوز ~~عليهم الخطأ والكبائر فضلا عن الزلل في الاجتهاد. # وقولهم إن الناس لو تناصفوا وعدلوا استغنوا عن إمام قلنا هذا جائز في ~~العقل جواز سداد الناظرين في نظرهم قبل ورود الشرع ولكن العادة الجارية ~~والسنة المطردة أن الناس بأنفسهم لا يستقرون على مناهج العدل والشرع إلا ~~بحامل يحملهم على ذلك بالتخويف والتشديد ولا يتأتى ذلك إلا بسياسة الإمام ~~والتخويف بالسيف والتشديد على الظالم. # وأما الجواب عن قول الشيعة إما أن تلقى الواجبات من العقل فقد فرغنا منه ~~وأما مستند الوجوب في نصب الإمامة هو الإجماع الدال على النص الوارد من الشرع. # وقولهم إن الله تبارك وتعالى أمرنا بطاعة أولي الأمر ومتابعة الصادقين ~~قلنا هذا مسلم في وجوب طاعة الإمام على الإطلاق لكن الكلام إنما وقع في ~~التعيين أهو متعين بتعيين الشارع نصا أم يتعين بتعيين أهل الإجماع والأول ~~لم يثبت إذ لو ثبت لنقل ولما تصور سكوت القوم أو سكوت واحد من القوم في ~~موضع اختلاف الناس في تعيين الإمام أليس لما كان عند أبي بكر رضي الله عنه ~~نص في تخصيص قريش بالإمامة روي ذلك في حال دعوى الأنصار فسكتوا عن الدعوى ~~وصارت الإمامة مخصوصة بقريش نصا كذلك لو كان عند أحد نص في تخصيص بني هاشم ~~لنقل ذلك حتى يرتفع النزاع فإن منازعة الأنصار قريشا كمنازعة قريش بني هاشم ~~ومنازعة بني هاشم عليا. # ومن العجب أن خبر التخصيص بقريش لم يكن متواترا إذ لو تواتر لما ادعت ~~الأنصار شركة في الأمر وهم قد انقادوا لخبر الآحاد فكيف يظن بهم أنهم لا ~~ينقادون للخبر المتواتر. # فإن قيل عمر رضي الله عنه كان يجوز الإمامة لغير قريش بل للموالي حين قال ~~لو كان سالم مولى حذيفة حيا لما تخالجني فيه شك وأيضا فإنكم ادعيتم أن لا ~~نص في الإمامة وقد ثبت نص في تخصيص قريش بأن قال الأئمة من قريش فما جوابكم ~~عمن يقول إذا ثبت نص في تخصيص قريش عن ms312 كل المسلمين فيجوز أن يثبت نص في ~~تخصيص بني هاشم من قريش وأيضا فإنكم ادعيتم في الأول إحالة ثبوت النص ~~وربطتم الحكم بالإجماع ثم قلتم إن الإجماع يتضمن نصا حتى يكون دليلا في ~~الشريعة فقد ربطتم الإمامة بالنص فهلا ادعيتم النص على أبي بكر ولم عقدتم ~~بابا في إبطال النص وإثبات الاختيار. # قيل أما الأول فلأن عمر سلم لأبي بكر ذلك الخبر الذي رواه ولم يظهر منه ~~أنه كان يجوز الإمامة لغير قريش وأما سالم فقد قيل أنه كان ينسب إلى قريش ~~فلذلك قال ما تخالجني فيه شك لما شهد النبي صلى الله عليه وسلم بحسن سيرته ~~وأمانته. # وأما النص الخفي الذي يتضمنه الإجماع فهو لعمري لازم جدا فإن الإمامة إذا ~~لم تثبت إلا بالإجماع والإجماع لا يثبت إلا بالنص فلم يثبت الإمامة إلا بالنص. # والجواب أن النص الضمني في الإجماع ربما يكون نصا في الإمامة وربما يكون ~~نصا في أن الإجماع حجة فتردد الأمرين بين هذين المحتملين فلم يمكنا دعوى ~~النص على أبي بكر وذلك النص ربما لا يكون نصا ظاهرا لكن قرينة الحال عند ~~القوم وهم شهود الحضرة ربما أورثتهم قطعا فتنزل غير الظاهر عندهم كالظاهر ~~وحصل لهم القطع بذلك واعلم أن الإجماع إنما كان حجة لأن المجمعين لمجموعهم ~~معصومون عن الخطأ والكفر والضلالة وإن كان ذلك جائزا في آحادهم فمجموع هذه ~~الأمة في العصمة نازل منزلة شخص واحد في العصمة ويجوز أن يثبت حكم لمجموع ~~من حيث هو جملة مجموعة ولا يثبت لواحد منهم بخبر التواتر فإن العلم يحصل ~~بمجموعه وإن لم يحصل بآحاده والسكر الحاصل من الأقداح والشبع الحاصل من ~~اللقم وغير ذلك وعليه حمل قوله تعالى " يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ~~وكونوا مع الصادقين " وقوله تعالى " ويتبع غير سبيل المؤمنين " . PageV01P172 # وأما الجواب عن المعضلة التي أوردوها نقول لا يمكن أن يقال أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم ما كان يعرف من يجلس للإمامة بعده وينوب منابه فإن كان يخبر ~~أصحابه بما سيكون بعده إلى ms313 يوم القيامة من الفتن والبلايا وخروج الدجال ~~ولقد قال صلى الله عليه وسلم زويت لي الأرض فأريت مشارقها ومغاربها وسيبلغ ~~ملك أمتي ما زوي لي منها وكان يخبر أصحابه العشرة بما يفعله كل واحد ويجري ~~عليه من القدر وأخبر عليا رضي الله عنه إنك تقاتل الناكثين والقاسطين ~~والمارقين وحديث ذي الخويصرة حيث ناظر ونافق وأنه سيخرج من صيصى هذا الرجل ~~وآيتهم ذو الثدية معروف وما قال له في صلح الحديبية إنك ستبتلى بمثل ما ~~بليت به وصح ذلك يوم التحكيم وما أطلعه الله تعالى على أمور أمه من حال ~~أمته كما قال " ليستخلفنهم في الأرض " وقوله " قل للمخلفين من الأعراب ~~ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد " وما روي أنه رأى في المنام أن أبا بكر ينزع ~~دلوا أو دلوين بضعف وأن عمر كان ينزع بقوة وشدة فقال عليه السلام فلم أر ~~عبقريا يفري فريه وقال اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر فيبعد كل البعد ~~أن لا يطلعه الله تعالى على من يجلس بعده لكن لا يبعد أن لا يظهره لأحد ولا ~~ينص على شخص لأنه لم يكن مأمورا بذلك وإن قدر أنه مأمور لزم القطع بالنص ~~والإظهار فإن الله تعالى بعثه هاديا مهديا وسراجا منيرا " هو الذي أرسل ~~رسوله بالهدى ودين الحق " الآية. # فإن قيل قد أظهر ذلك يوم غدير خم حيث أمر الناس بالدوحات وخاطب الناس ~~وأخذ بيد علي وقال من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من ~~عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله وأدر الحق معه حيث دار وهذا حين نزل ~~قوله تعالى " يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت ~~رسالته " وقد فهم الجماعة من قوله من كنت مولاه فعلي مولاه الخلافة حيث ~~هنأه عمر فقال بخ بخ يا علي أصبحت مولى كل مؤمن ومؤمنة وقال عليه السلام ~~أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي وقد قال عليه السلام أنا ~~مدينة العلم ms314 وعلي بابها إلى غير ذلك من الأخبار. # قيل إن اقتنعتم بمثل هذه الأخبار فخذوا منا في حق أبي بكر كذلك حيث روى ~~مسلم في صحيحه أنه قال عليه السلام أيتوني بدواة وكتف أكتب لأبي بكر كتابا ~~لا يختلف عليه اثنان وقال ليصل بالناس أبو بكر وقال إن وليتموها أبا بكر ~~تجدوه ضعيفا في نفسه قويا في أمر الله تعالى وإن وليتموها عمر تجدوه قويا ~~في نفسه قويا في أمر الله وإن تولوها عثمان يسلك بكم مسلك السداد وإن ~~تولوها عليا تجدوه هاديا مهديا يأخذ بكم الطريق المستقيم وقال لا يزال هذا ~~الأمر في قريش ما بقي منهم اثنان وقال حملة الحديث لما نزلت سورة الفتح جاء ~~العباس إلى علي رضي الله عنهما وقال إني أعرف الموت في وجوه بني عبد المطلب ~~وأنى برسول الله صلى الله عليه وسلم وقد نعى إليه فانطلق بنا إليه نسأله ~~لمن الأمر بعده فإن كان فيكم فأنتم وذاك وإن كان في غيركم أوصى بكم إلى ~~الوالي فأبى عليه علي ورجع العباس إلى النبي فقال له في ذلك فخطب الخطبة ~~المعروفة إلى قوله إلا من ولي هذا الأمر فليقبل من محسنهم وليتجاوز عن ~~مسيئهم فقيل يا رسول الله أوص بقريش فقال الناس تبع لقريش ثم قال أوصيكم ~~بأهل بيتي وعترتي خيرا فإنهم لحمي احفظوا منهم ما يحفظون فيما بينكم وهذا ~~كله من الأخبار دليل على الاختيار. # فإن قيل إنما قلنا طريق العلم بتعيين الإمام النص دون الاختيار لأن ~~الإمام يجب أن يكون على صفات مخصوصة منها العصمة ومنها العلم والعقل ومنها ~~الشجاعة ومنها العدل على الرعية ولا مجال للاجتهاد وغلبات الظنون في ~~معرفتها ومعرفة مقاديرها بل لا يعلم ذلك إلا بالنص من الرسول مستندا إلى ~~وحي من الله فإذا كنتم تختارون الأئمة بظواهرهم وتجوزون أن يكونوا من ~~الزنادقة في الباطن وأن يكذبوا على الله ورسوله وأن يعطلوا الحدود ويبطلوا ~~الحقوق ويتأولوا متشابهات القرآن على غير وجهها وينقلوا الأخبار على غير ~~طريقها افتراء على الله ورسوله أو ms315 لم يعهد من بني أمية التعرض لأهل البيت ~~قتلا وهتكا للحرمة واستحلالا للأموال أو لم ينقل عنهم الظلم والجور على ~~الرعايا وملابسة الفسق والفجور فما يؤمنكم أن متابعتكم أئمة الجور تورثكم ~~النار وبئس المصير. PageV01P173 # قيل صفات الإمامة يجوز أن يستدل عليها بالإمارات والأقوال تدل على العلم ~~والفضل وحسن الأفعال تدل على العفة والمهارة بالحرب تدل على السياسة ~~والشجاعة فكما يستدل بالأفعال على الشهادة والقضاء كذلك يستدل على الصفات ~~التي تشترط في الأئمة وإن ظهر بعد ذلك جهل أو جور أو ضلال أو كفر انخلع ~~منها أو خلعناه وما ينقل عن الأموية فهو صحيح إلا أنه لا ينافي الإمامة ~~عندهم وعند من يجوز ذلك على الأئمة. # فإن قيل فما القدر الذي من صفات المدح يصير بها مستحقا للإمامة وما العدد ~~من أمة يصح به عقد البيعة. # قيل القدر من الصفات أن يكون مسلما قرشيا مجتهدا في العلم بصيرا بسياسة ~~الرعية ذا نجدة وكفاية ومن العلماء من نقص من العدد الذي ذكرناه ومنهم من ~~زاد والعدد لعقد البيعة فقيل تتم البيعة برجل عدل وقيل برجلين وقيل بأربعة ~~وقيل بجماعة من أهل الحل والعقد والاجتهاد والبصيرة بالأمور ولو عقد واحد ~~ولم يسمع من الباقين نكير كفى ذلك ويجب الإشهاد به فإنه خطب جسيم ومنصب ~~عظيم والمسائل المرتبة على ما ذكرناه من عقد البيعة لرجلين في صقعين أو ~~إقليمين فإنه إذا خلع نفسه أو أحدث أحداثا يستحق بها الخلع أينخلع أم ~~يستوجب ذلك كله من مظان الاجتهاد وليراجع الكتب المصنفة في الكلام فإني لم ~~أشترط على نفسي في هذا الكتاب نقل ما ذكر في الكلام وإنما شرطت حل المشكلات ~~من المعقولات وبيان منتهى إقدام أهل الأصول في مراتب العقول دون المنقول. # وأما كرامات الأولياء فجائز عقلا ووارد سمعا ومن أعظم كرامات الله تعالى ~~على عباده تيسير أسباب الخبر لهم وتعسير أسباب الشر عليهم وحيثما كان ~~التيسير أشد وإلى الخير أقرب كانت الكرامة أوفر وما ينقل عن بعضهم من خوارق ~~العادات وصح النقل وجب التصديق ms316 ولا يجوز الإنكار عليه أليس قد ورد في ~~القرآن قصة عرش بلقيس وقول ذلك الولي " أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك ~~فلما رآه مستقرا عنده قال هذا من فضل ربي " أو لم تكن قصة أم موسى ومريم أم ~~عيسى عليه السلام وما ظهر لهما من الخوارق من إلقاء موسى في اليم كرامة لها ~~ورزق الشتاء في الصيف ورزق الصيف في الشتاء وظهور النخلة في الصحراء من ~~أعظم الكرامات لمريم عليها السلام وما ينقل عن صالحي هذه الأمة أكثر من أن ~~يحصى وهي بآحادها إن لم تفدنا علما بوقوعها فهي بمجموعها أفادتنا علما ~~قطعيا ويقينا صادقا بأن خوارق العادات قد ظهرت على أيدي أصحاب الكرامات. # واعلم أن كل كرامة تظهر على يد ولي فهي بعينها معجزة لنبي إذا كان الولي ~~في معاملاته تابعا لذلك النبي وكل ما يظهر في حقه فهو دليل على صدق أستاذه ~~وصاحب شريعته فلا تكون الكرامة قط قادحة في المعجزات بل هي مؤيدة لها دالة ~~عليها راجعة عنها وعائدة إليها وقد قال النبي كائن في أمتي ما كان في ~~الزمان الأول حذو القذة بالقذة والنعل بالنعل حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه ~~وقال عليه السلام إن في أمتي من مثله مثل إبراهيم الخليل ومن مثله مثل موسى ~~وفي الآية " ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون " إشارة إلى هذا ~~المعنى ولما كانت شريعته أكمل الشرائع ودينة أكمل الأديان كما قال تعالى " ~~اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا " وجب أن ~~يكون المتحلي بهذا الدين والشريعة أشرف وأكرم ممن تحلى بشريعة أخرى إذ ~~الشرائع والأديان جلابيب النفوس والأرواح وبقدر التحلي بها والثبات فيها ~~والإقبال عليها ينال الشرف والكرامة قال الله تعالى " إن تتقول الله يجعل ~~لكم فرقانا ويكفر عنكم سيئاتكم " وليت شعري أي كرامة تزيد على نيل الفرقان ~~بين الحق والباطل وسبيل النجاة والهلاك وفي الخبر لا يزال العبد يتقرب إلي ~~بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت له سمعا وبصرا ms317 ويدا ومؤيدا وأي كرامة ~~أجل من حصول المحبة بثمراتها المذكورة وفي الخبر لو عرفتم الله حق معرفته ~~لعلمتم العلم الذي ليس معه جهل ولو عرفتم الله حق معرفته لزالت الجبال ~~بدعائكم وما أوتي أحد من اليقين إلا وما لم يؤت منه أكثر مما أوتي. # قيل بلغنا أن عيسى عليه السلام كان يمشي على الماء قال صلى الله عليه ~~وسلم لو ازداد يقينا لمشى على الهواء. PageV01P174 # ومما يتصل بهذا الموضع الكلام في النسخ وأن هذه الشريعة ناسخة للشرائع كلها ~~وهي أتمها وأكملها وأن محمدا المصطفى صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء وبه ~~نختم الكتاب. # قال بعض العلماء النسخ رفع الحكم بعد ثبوته وقال بعضهم النسخ تبيين ~~انتهاء مدة الحكم وكأنه تخصيص بزمان وهو بظاهره كان شاملا لكل زمان وبالنسخ ~~يتبين أنه لم يشمل الأوقات كلها وقالت اليهود النسخ رفع تكليف بعد توجهه ~~على العباد وذلك لا يجوز في حق الباري تعالى فإنه يؤدي ذلك إلى البدا ~~والندم على ما قال ولو أن واحدا منا أمر غلامه على كل حال أن يفعل فعلا ثم ~~منعه من ذلك إما في الحال أو في ثاني الحال دل ذلك على أنه بدا له ذلك أي ~~ظهر له أمر بخلاف ما تصور في الأول أو ندم بالقلب على تكليفه الأول وهاتان ~~القضيتان مستحيلتان في حق من لا تخفى عليه ذرة في الأرض ولا في السماء ومن ~~له الملك والملك والتصرف في عباده بما يشاء. # يقال لهم المستحيل على نوعين مستحيل لعينه كاجتماع السواد والبياض في محل ~~واحد في حالة واحدة ولا شك أن رفع التكليف وحكم التكليف بعد ثبوته ليس من ~~ذلك القبيل ومستحيل لما يفضي إلى المحال كخلاف المعلوم ولا محال ها هنا ~~يفضي إليه النسخ إلا البدا والندم والبدا يطلق على معنيين أحدهما الظهور ~~يقال بدا له الشيء إذا ظهر " وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون " وهذا ~~لا يجوز على الله تعالى فإن المعلومات كلها ظاهرة لديه مكشوفة عنده والنسخ ~~لا يؤدي ms318 إلى ذلك لأنه كان عالما بذلك التكليف عند توجهه على العبد وكان ~~عالما برفعه عند النسخ فلم يظهر له أمر متجدد لم يعلمه ولا رفع الحكم لأنه ~~ظهر له شيء آخر. # ويطلق البدا على الندم على ما كان والندم هو أن يقول قولا أو يفعل فعلا ~~لغرض ثم يرى أن المصلحة في غير ما صدر عنه قولا وفعلا وهذا أيضا لا يجوز في ~~وصف الباري تعالى فإنه لا يفعل فعلا لغرض وإذا فعل بخلاف ذلك لم يفعله ~~لمصلحة وغرض آخر بل أقواله وأفعاله لا تعلل كما بينا قبل فلم يتصور في حقه ~~الندم ولا أفضى النسخ إلى الندم فتعين القول بأن النسخ غير مستحيل عقلا ثم ~~وقوعه شرعا من أدل الدليل على أنه غير مستحيل عقلا. # فنقول لا شك أن موسى عليه السلام تأخر وجودا عن آدم ونوح وهود وصالح ~~وإبراهيم وإسماعيل ويعقوب وجماعة من الأنبياء والأسباط عليهم السلام أهل ~~كان جميع ما ورد به موسى مشروعا لهم أو منها ما كان مشروعا ومنها ما لم يكن ~~مشروعا فإن كان كله مشروعا لهم فلم يرد موسى بشريعة أصلا بل قرر الشرائع ~~الماضية وإن ورد بحكم واحد غير ما ثبت في شرعهم فقد تحقق أن الحكم الأول ~~مرفوع بذلك الحكم أو قد انتهى مدة الحكم الأول وتجدد هذا الحكم فثبت النسخ ~~وإن أنكروا ذلك فنكاح الأخوات في زمن آدم عليه السلام حتى قيل أنه استمر ~~ذلك الحكم إلى زمن نوح مما يجب الاعتراف به ليتحقق النسل والذرية وتوبة ~~عبدة العجل بقتل أنفسهم كان حكما لم يكن قبل ذلك وصار مرفوعا عن غيرهم في ~~التوراة والختان في اليوم السابع من الولادة حكم لم يكن لنوح وغيره بل ترك ~~الختان كان مشروعا لهم وأمر بذلك إبراهيم عليه السلام على الكبر وأطلق له ~~أن لا يختتن إسماعيل في طفوليته حتى يصير مراهقا وحظر على موسى ترك الختان ~~فوق سبعة أيام والتمسك بالسبت ما كان واجبا على الأنبياء قبل موسى عليه ~~السلام ثم صار واجبا ms319 على موسى فما المستحيل أن يعود إلى ما كان مباحا وكذلك ~~الصيد في يوم السبت وجميع الأفعال الدنياوية كان مباحا قبل موسى عليه ~~السلام فصار محظورا على موسى والمواعدة من أدل الدلائل على النسخ إذ واعده ~~الميقات ثلاثين ليلة ثم أتمها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة وكذلك تلك ~~التكاليف الشديدة على بني إسرائيل ما كانت واجبة على من قبلهم. PageV01P175 # والسر في ذلك كله أن الحظر والوجوب أحكام لا ترجع إلى الأفعال حتى تكون ~~صفات لها ولا الأفعال كانت على صفات من الحسن والقبح ورد الشرع بتقريرها ~~ولا قول الشارع أكسبها صفات لا تقبل الرفع والوضع بل الأحكام راجعة إلى ~~أقوال الشارع وتوصف الأفعال بها قولا لا فعلا شرعا لا عقلا فيجوز أن يرتفع ~~بعضها ببعض وذلك كالحرمة في الأجنبيات ترتفع بالعقد الصحيح والحل في ~~المنكوحة يرتفع بالطلاق المبين وكأحكام المقيم تخالف أحكام المسافر وأحكام ~~الرجال في بعض الأحوال تخالف أحكام ربات الحجال وإذا كانت الأحكام قابلة ~~للرفع والوضع والتغيير والتبديل فما المستحيل في وضع أحكام على أقوام في ~~زمن ثم رفعها عن أقوام في زمن آخر ثم يقابل التكليف بالأفعال وتقابل ~~التغييرات العقلية من الموت والحياة والصحة والسقم والراحة والشدة والنعمة ~~والبلية وإنبات الزرع وإفساده وإنشاء الحيوان وإهلاكه وخلق الإنسان وإفنائه ~~تارة إلى مدة وتارة في الحال من غير مهلة تصريفه لا بد أنهم حيث يشأ كما ~~يشأ لا يسأل عما يفعل بالتغييرات التكليفية من الإباحة والحظر والإيجاب ~~والإطلاق والمشي تارة إلى موضع والوقوف تارة في موضع والقيام تارة والقعود ~~أخرى تصريفا لعقولهم ونفوسهم كما يشأ حيث يشأ لا يسأل عما يفعل فسبحان الذي ~~بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون له الملك والملك والخلق والأمر والفعل ~~والقول والتصريف والتكليف أليس الخلق الأول في مادة الإنسان يتصرف في ~~تربيته من سلالة إلى نطفة إلى علقة إلى مضغة إلى عظام إلى كسوة العظام لحما ~~إلى خلق آخر فتبارك الله أحسن الخالقين أنشأ من طور إلى طور أبدا من كور ~~إلى كور ms320 وكل مرتبة ناسخة للصورة الأولى لابسة صورة أخرى ثم خالفت تلك ~~الصورة إلى أخرى كذلك الأمر الأول في كسوة صورة لنوع الإنسان يتصرف ~~بتربيتها من شريعة إلى شريعة وكل شريعة ناسخة صورة ولابسة أخرى حتى ينتهي ~~إلى كمال الشرائع كلها وتختم بخاتم النبيين كلهم وليس بعد الكمال ~~والاستقامة إلا المعاد والقيامة بعثت أنا والساعة كهاتين فيتم الخلق هنالك ~~ويتم الأمر ها هنا وتختم الخلقة بكمال حال النطفة إنسانا تاما وتختم ~~الشريعة بكمال حال الشرع الأول دينا تاما كاملا " اليوم أكملت لكم دينكم ~~وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا " رضينا بالله ربا وبالإسلام ~~دينا وبمحمد المصطفى صلى الله عليه وسلم نبيا وبالقرآن إماما وبالكعبة قبلة ~~وبالمؤمنين إخوانا. # وقد نجز غرضنا من عشرين قاعدة في بيان نهايات أقدام أهل الكلام وإن تنفس ~~الأجل وأمهل العمر شرعنا في عشرين أخرى في بيان نهايات أوهام الحكماء ~~الإلهيين وعند ذلك يحق لنا أن نقول وحقا وصدقا نقول متبركين بألفاظ ~~الصالحين وهي كلمات ملتقطة من دعوات زين العابدين رضوان الله عليه يا من لا ~~يبلغ أدنى ما استأثرت به من جلالك وعزتك أقصى نعت الناعتين يا من قصرت عن ~~رؤيته أبصار الناظرين وعجزت عن نعته أوهام الواصفين يا من لا تراه العيون ~~ولا تخالطه الظنون ولا يصفه الواصفون أنت كما وصفت به نفسك وأنت كما أثنيت ~~على نفسك ضلت فيك الصفات وتقسمت دونك النعوت وحارت في كبرياءك لطائف ~~الأوهام والعقول أنت الأول في أزليتك وعلى ذلك أنت دائم لا تزول وأنت الآخر ~~في أبديتك وكذلك أنت قائم لا تحول وأنت الظاهر فما احتجبت عن شيء وأنت ~~الباطن فما اختفيت في شيء ولا تغيرك الدهور ولا تبليك الأمور ولا يعتورك ~~الزمان ولا يحويك المكان ولا يشغلك شأن عن شأن كذلك أنت الله الذي لا إله ~~إلا أنت لك الأسماء الحسنى والمثل الأعلى والكلمة العليا أنزلت الكتب بالحق ~~وأرسلت الرسل بالصدق وختمتهم بآخرهم عصرا وأولهم مأثرة وذكرا محمد المصطفى ~~صلى الله عليه وسلم اللهم اكتب لي هذه ms321 الشهادة عندك واجعلها عهدا توديه لي ~~يوم القيامة وقد رضيت عني يا أرحم الراحمين ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو ~~أخطأنا ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا م لدنك رحمة إنك أنت ~~الوهاب. ### || AUTO الذيل ### || AUTO مسئلة ### || AUTO في إثبات الجوهر الفرد # الجسم ينتهي بالتجزئة إلى حد لا يقبل الوصف بالتجزي ويسميه المتكلمون ~~جوهرا فردا وصارت الفلاسفة إلى أنه لا ينتهي إلى حد لا يقبل الوصف بالتجزي. PageV01P176 # ومدار المسئلة على أن الجسم عند المتكلم هو المركب من أجزاء متناهية وما ~~تحصره النهايات والأطراف لا يشتمل على ما لا نهاية له وعند الفيلسوف ~~الأجزاء إنما تحدث بالفعل في الجسم إما رضا وكسرا وإما بانتشاره وإما ~~باختلاف عرضين وإما بالوهم والقوة والجسم مركب من هيولى وصورة لا من أجزاء ~~متحيزة. # ودليل المتكلم في المسئلة أن المتناهي أطرافه وأضلاعه يستحيل أن يشتمل ~~على منقسمات بلا نهاية فإن المحصور بالنهايات لا يكون حاصرا بما لا نهايات ~~له وأيضا فإن الاتصال المحسوس في الجسم متناه بالحس والانفصال يستدعي سبق ~~اتصال لا محالة فلو كان الجسم مما ينفصل عن النهاية فليكن فيه الاتصال غير ~~النهاية فإن كان الانفصال بالفعل فيسبقه الاتصال بالفعل وإن كان الانفصال ~~بالقوة والوهم فليكن فيه الاتصال بالقوة والوهم ثم اتصاله متناه قوة وفعلا ~~فانفصاله يجب أن يكون كذلك وأيضا فإن المقدار الذي اشتمل عليه الجسم متناه ~~معدود مقدور فلو نصف الجسم نصفين وكان أحد المقدارين يقبل التجزي إلى غير ~~النهاية حتى يصير ذا مقادير بغير نهاية فيلزم أن يكون الأقل وهو النصف مثل ~~الأكثر وهو الجملة ويلزم أن يكون فيما لا يتناهي من المقادير تفاوت الأقل ~~والأكثر وكلاهما محال. # فإن قيل ما ذكرتموه صحيح في تقدير أجزاء الجسم بالفعل فإن الجسم المتناهي ~~لا يشتمل على أجزاء بالفعل غير متناهية لكنا نقول هو يشتمل على أجزاء ~~بالقوة غير متناهية فالمحصور في الفعل لا يحصر غير المتناهي بالفعل فلم لا ~~يجوز أن يحصر غير المتناهي بالقوة وفيه النزاع قلنا ما قدرتموه ms322 بالقوة ~~أيجوز في العقل أن يخرج إلى الفعل فإن لم يجز ظهرت الاستحالة وبقي الوهم ~~المجرد الذي دل على خلافه برهان العقل وإن جاز خروجه إلى الفعل وقدرنا ~~خروجه إلى الفعل لزم المحال الذي ذكرنا هذا كما يقال ما من جسم إلا ويمكن ~~أن يتصل به جسم آخر بحيث لا يقف الوهم إلى حد ونهاية ثم لا يدل ذلك على أن ~~جسما لا يتناهى متصور الوجود بل الاتصال في الجسم يجوز إلى حد لا ينتهي إلى ~~هذا المحال وهو تصور جسم لا يتناهى وإن بقي الوهم في حال التقدير الوهمي ~~وذلك مما يتمثل في الوهم من خلا خارج العالم فإنه يتوهم حدا ونهاية للعالم ~~ثم يقدر فضاء وخلاء ينتهي به وإلا فيثبت خلاء فارغا وذلك خلاف العقل ~~وبرهانه. # ويسلك إمام الحرمين في إثبات الجزء الفرد مسلكا آخر فقال نفرض الكلام في ~~كرة حقيقية وبسيط حقيقي ونضرب بالكرة على البسيط أفيلاقيه أم لا فإن لاقاه ~~أفيلاقيه بمنقسم أم لا فإن لاقاه بمنقسم فليست كرة بل هو بسيط وإن لاقاه ~~بغير منقسم فذلك الجوهر الفرد ويمكن أن يطرد هذا البرهان أيضا في البسيط ~~المتناهي بحده فإن الحد خط والخط طول لا عرض له فقد تناهى الجسم فإن كان ~~الحد الذي يتناهى به منقسما لم يكن خطا وإن لم ينقسم عرضا وانقسم طولا ~~فينقسم إلى نقط وهو أمر لا ينقسم وذلك هو الجزء الفرد عند المتكلم وعلى كل ~~حال متناه فإنما يتناهى بأمر لا ينقسم سطحا وخطا ونقطة وإلا لم يكن نهاية. # فإن قيل السطح والخط والنقطة أعراض عندنا فالنقطة عرض الخط والخط عرض في ~~السطح والسطح عرض في الجسم وما كان عرضا لا يقبل الوصف بالتجزئة والجوهر ~~الفرد عندكم حجم له جثة ومساحة فلذلك لزمكم ما لا يلزمنا في إبعاده الثلاثة ~~قلنا هب أنه أعراض قائمة بالجسم أليست هي أعراضا تنقسم بانقسام الجسم فإن ~~النقطة على أصلكم شيء ما لا تنقسم والخط ينقسم طولا ولا ينقسم عرضا والسطح ~~ينقسم طولا وعرضا ولا ms323 ينقسم عمقا والجسم ينقسم طولا وعرضا وعمقا وكما أن ~~الأعراض تنقسم بانقسام المحل وتتحد باتحاد المحل ويتحد المحل باتحاده وكما ~~أنكم سميتم هذه الأعراض نهايات الجسم كذلك الجوهر عندنا أطراف ونهايات ~~وليست بذي أطراف كما سنبين. PageV01P177 # أما شبههم قالوا لو قدرنا جوهرا بين جوهرين أفيلاقي ما على بمينه بعين ما ~~على يساره أم بغيره فإن قلتم بعينه فهو سفسطة فإن قلتم بغيره فقد ثبت ~~التجزي في الجوهر الفرد وكذلك لاقى أحدهما بكله أو ببعضه فإن لاقاه بكله ~~وأسره لم يبق للثاني ملاقاة فإن المشغول بكل وأسر كيف يصير مشغولا بغيره ~~وإن لاقاه ببعضه فقد تجزى وكذلك صوروا جوهرا على متصل جوهرين فإنه لاقي ~~الجوهرين السفلاوين وإنما يلاقي كل واحد منهما بطرف غير الآخر وإن منع هذا ~~التصوير فصوروا خطا مركبا من ستة أجزاء وخطا يحاذيه من ستة أجزاء وعلى رأس ~~أحد الخطين جوهر وعلى ذنب الخط الآخر جوهر وقدرنا تحرك الجوهرين في حالة ~~واحدة على تساوي الحركتين فلا شك أنه يمتاز أحدهما على الثاني ويتحاذيان ~~ويتقابلان على نقطة وليسا متحاذيين إلا على الثالث والرابع فيكون الجوهر ~~المتحرك على متصل الثالث والرابع محاذيا للجوهر الثاني وكذلك ألزمونا جواهر ~~محفوفة جواهر فلا شك أنه يماس كل واحد من الجواهر بغير ما تماس البواقي ~~فتنقسم بستة أجزاء وكذلك النقطة في الدائرة تلاقي أجزاء الدائرة فلولا أن ~~فيها بالقوة ما في أجزاء الدائرة وإلا لما لاقتها وكذلك لو قدرنا جوهرا ~~متحركا على محيط الدائرة وجوهرا متحركا على مركز الدائرة وبين الجوهرين خط ~~متصل بهما جميعا فإن تحرك الجوهر على المحيط حركة واحدة وقطع حيزا واحدا ~~وتحرك الخط بحركته فيجب أن يتحرك الخط الذي على المركز أقل من تلك المسافة ~~وإنما قلتها أو كثرتها ببعد طول الخط وقصره وذلك هو بعد المسافة بين المحيط ~~والمركز فيؤدي إلى أن ينقطع من المركز أقل من جزء واحد وذلك مثل قول ~~بالتجزي ومثل حركة الشمس مع الظل فإن الشمس تتحرك عن فلكها أقداما كثيرة ~~حتى يظهر في الظل ms324 قدم واحد فلو قدرنا حركتها بمقدار جزء واحد فيجب أن يتحرك ~~الظل بمقدار ألف جزء من جزء فيتجزى الجزء المفروض. # الجواب عن هذه الشبهات من وجهين أحدهما الإلزامات والمعارضات والثاني ~~التحقيق. # أما الأول فنقول بنيتم هذه الإلزامات على قضية مذهبنا لا على مقتضى ~~مذهبكم لأن على مقتضى مذهبكم لا يتصور جوهر فرد وليس هذا التقدير والفرض ~~على مقتضى مذهبنا صحيحا فإن الذي أثبتناه معقول بالدليل غير محسوس ولا ~~موهوم وذلك أنا أقمنا البرهان على أن جسما محدودا متناهيا محصورا لا يشتمل ~~على ما ليس بمتناه وغير محدود ولا محصور فلا يجوز أن يتجزى أبدا فبقي ~~التجزي مدلول دليلنا العقلي ثم يلزم أن يبقى شيء لا ينقسم ولا يتجزى ونسميه ~~جوهرا فردا هذا كما قررتموه في إثبات الهيولى والصورة جوهرين وحققتم الفصل ~~بين الجوهرين عقلا لا حسا وأحلتم انفصال أحدهما عن الثاني على مقتضى مذهب ~~وجوزتم على مقتضى مذهب فتوجه الإلزام عليكم ونقول الهيولى جوهر قابل للتحيز ~~والتشكل والتحيز والتشكل صورة في الهيولى والجسم مركب منهما وكل واحد منهما ~~على الانفراد لا يقبل الوصف بالتجزي ومجموعهما قابل أفيقبل التجزي من حيث ~~الصورة أم من حيث الهيولى. # فإن قيل التجزي من حيث الصورة فهو باطل فإن الصورة اتصال والاتصال كيف ~~يكون قابلا للانفصال بل قابل للانفصال أمر آخر وهو الهيولى. PageV01P178 # فنقول أو تقوى تلك الهيولى على قبول انفصالات بلا نهاية وهل فيها قوة هذا ~~القبول فإن لم تقو فذلك المعني بالجوهر الفرد عندنا وإن قويت على ذلك فيفضي ~~هذا التجزي إلى جواز وجود جسم بسيط ذاهب في الجهات بغير نهاية وقد قام ~~البرهان على استحالته وكل ما ذكرناه في الهيولى وقبولها للصورة فهي الأبعاد ~~الثلاثة الطول والعرض والعمق تحقق مثله في الجوهر الفرد وقبوله ذلك اتصال ~~واحد واتصال من ست جهات أو ست اتصالات إلا أن المتكلم يقول ذلك بانضمام ~~أمثالها إليها والفيلسوف يقول ذلك بانضمام صورتها إليها ونقول ما فرضتموه ~~علينا من الجواهر الثلاثة إنما هو إلزام على مذهبنا وليس الفرض ms325 صحيحا ولا ~~الجوهر على ما قررتموه وهي الجواهر التي نقول فيها أنها لا تتجزى فإن مدلول ~~دليلنا أن كل ما حصره جسم متناه يجب أن يكون متناهيا وما لا يتناهى لا ~~يحصره ما يتناهى ثم إنا نسمي ما انتهى جزءا فردا اصطلاحا وذلك معقول الدليل ~~وليس بمحسوس ولأن ما يقدره الوهم ودل عليه البرهان هو ذلك الجزء الذي انتهى ~~به فإنا نقول الجوهر الذي بين الجوهرين يلاقي أحدهما بطرف فنقول أن ذلك ~~الطرف متحيز أو غير متحيز فإن كان متحيزا فهو الجوهر الفرد وليس بطرف وقد ~~فرضتم أنه طرف وإن لم يكن متحيزا فذلك عرض قائم بمتحيز هو الجزء الفرد ~~عندنا لا ما قدرتموه فالطرفان جزءان فردان والوسط أيضا فرد فقد اعترفتم ~~بالإلزام الذي تمسكتم به أنه ذو نهايتين ووسط وذلك هو الأجزاء الثلث عندنا ~~ولا يؤدي إلى التجزي أبدا فإن الطرف لا ينقسم ولو انقسم ما كان طرفا وعلى ~~هذا المساق كل ذي نهاية من جسم وجوهر فإنما ينتهي بحد لا ينقسم والجسم ~~ينتهي ببسيطة وهو السطح وذلك ينقسم طولا وعرضا ولا ينقسم عمقا والسطح ينتهي ~~بخطه وذلك ينقسم طولا ولا ينقسم عرضا والخط ينتهي بنقطته وذلك لا طولا ولا ~~عرضا ولا عمقا وهو المثال الموازن للجوهر الفرد إلا أن النقطة عندكم موهومة ~~وعندنا الجوهر الفرد موجود والنقطة والخط والسطح عرض عندكم وعندنا جوهر ولا ~~يختلف ذلك بكونه جوهرا وعرضا فإن المقصود إثبات التناهي وقد حصل وكل ما ~~لاقى شيئا فإنما يلاقيه بحد ونهاية وكل حد ونهاية فهو غير منقسم وإلا فلا ~~تحصل الملاقاة والمماسة. PageV01P179 # ونقول أيضا رفعا للتقسيم الذي أوردوه علينا أن الوسطاني يلاقي ما على يمينه ~~بعين ما لاقى ما على يساره ذاتا وجوهرا وبغيره نسبة وإضافة وقد تتكثر نسب ~~الشيء وإضافاته ولا يوجب ذلك تكثر الذات مثل النقطة التي في وسط الدائرة ~~فإنها مع وحدتها تنسب إلى كل جزء من أجزاء الدائرة فإنها مع نسبة غير ~~النسبة التي تليها وحيثما وسعنا الدائرة تكثرت نسبها ولا يوجب ms326 ذلك تكثرا في ~~ذاتها كذلك القول في الجزء الفرد ينسب إلى جزء على اليمين وجزء على اليسار ~~أو إلى ستة أجزاء محفوفة به ولا يوجب ذلك تكثرا في الذات ونقول قد بينا أن ~~الجسم إنما يقبل التجزي بهيولاه لا بصورته فإن قابل الاتصال والانفصال يجب ~~أن يكون غير الاتصال في الانفصال لأن الاتصال يزول بالانفصال ولا يزول ~~القابل بوجود المقبول فنقول أفتقوى تلك الهيولى على قبول صورة الاتصال إلى ~~ما لا يتناهى فإن قويت حصل جسم لا يتناهى وبعد لا يتناهى واتصال لا يتناهى ~~وذلك محال وإن لم تقو على ذلك بل قوتها إلى حد ما تنتهي إليه هو الجزء ~~الفرد الذي لا يتجزى بقي ها هنا في هذه الصورة وهو الانفصال في جانب الوهم ~~أنه لا يقف حتى يقدر عالما متصلا بعالم آخر إلى ما لا يتناهى فذلك عمل ~~الوهم المخالف لبرهان العقل فلا نقبل ذلك بل نقول ثم إن الوهم إنما يصدق ~~بشرط أن لا يؤدي إلى جسم غير متناه وذلك خلاف العقل ونقول ها هنا أن الوهم ~~إنما يصدق بشرط أن لا يؤدي إلى أجزاء غير متناهية وذلك خلاف العقل وهذا آخر ~~ما ينتهي إليه نظر الناظر في هذه المسئلة فإن الخصم ربما يساعد على أن ~~الأجزاء التي هي غير متناهية بالفعل في الجسم غير متصور وإنما يخالف في ~~القوة والوهم وقد ثبت في القوة أن هيولى الجسم بقوته لا تقوى على قبول ~~انفصالات بلا نهاية كما لا تقوى على قبول اتصالات بلا نهاية وقد بينا في ~~الوهم أن الوهم لا يقف إلى حد لا يتوهم زيادة على الجسم المحدود كزيادة ~~عالم آخر وزيادة فضاء وخلاء وراء العالم كذلك لا يقف إلى حد لا يتوهم ~~نقصانا على الجسم إلى نقصان آخر حتى يقدر ملاقي الجسم لا يتناهى وبعض ~~الفلاسفة يفطن فيما وراء العالم فلم يثبت خلاء وفضاء بتناهي الأجسام وما ~~يفطن فيما هو داخل العالم فأثبت ملا وفيضا بلا تناهي الأجزاء ولا خارج من ~~المحيط ولا داخل ms327 في المركز والله أعلم. PageV01P180 ms328