######OpenITI# #META# 000.SortField :: JK_010402 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: ابن القلانسي #META# 010.AuthorNAME :: أبو يعلي حمزة بن اسد ، المعروف بابن القلانسي (المتوفى : 555هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 555 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: تاريخ أبي يعلى #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: التواريخ العامة :: كتب التاريخ #META# 022.BookVOLS :: NODATA #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: تاريخ أبي يعلى #META# 030.LibURI :: JK_010402 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: NODATA #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: NODATA #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # سنة ستين وثلاثمائة # ذكر أخذ القرامطة دمشق # من المعز لدين الله صاحب مصر وهذا في سنة ستين وثلاثمائة # وقال الشيخ أبو المظفر يوسف سبط ابن الجوزي في تاريخه مرآة الزمان في ~~ترجمة السنة الحادية والستين بعد الثلاثمائة أن من ها هنا نبتدي بشي مما ~~ذكره أبو الحسين هلال بن المحسن بن إبراهيم الصابي وأنه قال: إن في جمادى ~~الآخرة ورد الخبر بأن أبا علي الحسن بن أبي منصور أحمد القرمطي سار إلى مصر ~~ونزل بعين شمس وجرت بينه وبين جوهر القائد وقعة وكان الاستظهار فيها لجوهر ~~وانهزم القرمطي. قال ابن الصابي: لما دخل جوهر مصر سنة 358 ووطأ الأمور ~~للمعز وأقام له الخطبة سير القائد جعفر بن فلاح إلى الشام فاسر الحسن بن ~~عبيد الله بن طغج وبعث به إلى مصر ولما نهب الرملة قصده النابلسي الزاهد ~~واستكف جعفر عن النهب فكف. ثم استخلف ابنه على الرملة وسار إلى طبرية وبلغه ~~أن ابن أبي يعلي الشريف وهو أبو القاسم إسماعيل قد أقام الدعوة بدمشق ~~للمطيع فسار إلى دمشق فعصوا عليه وقاتلوه فظهر عليهم وهرب ابن أبي يعلي إلى ~~البربر وجئ به إليه فأحسن إليه وبعث به إلى مصر مع جماعة من الأحداث الذين ~~قاموا معه. وعرف القرامطة استيلاء المغاربة على الشام وأخذهم ابن طغج ~~فانزعجوا من ذلك لما يفوتهم من المال الذي كان قرره ابن طغج لهم وهو في كل ~~سنة ثلاثمائة ألف دينار فبعثوا أبا طريف عدي بن محمد بن المعمر صاحبهم إلى ~~عز الدولة بختيار والوزير يومئذ أبو الفرج محمد بن العباس ابن فسانجس ~~يطلبون المساعدة على المغاربة بالمال والرجال فاستقر أن عز الدولة يعطيهم ~~ألف ألف درهم وألف جوشن وألف سيف وألف رمح وألف قوس وألف جعبة وقال: إذا ~~وصل أبو علي لجنابي إلى الكوفة حمل إليه جميع ذلك. ولما وصل الجنابي إلى ~~الكوفة وكان في عدد كثير من أصحابه ومن الأعراب فبعثوا إليه بالمال والسلاح ~~وسار يريد الشام. وبلغ جعفر بن فلاح خبرهم فاستهان بأمرهم ثم ms001 لم يشعر بهم ~~حتى كبسوه بدمشق بمكان يقال له الدكة فقتلوه واحتووا على سواده وأمواله ~~وكراعه وملك أبو علي دمشق وأمن أهلها وأحسن السيرة فيها وغلب على الشام ~~واجتمعت إليه العرب وسار إلى الرملة وبها سعاد بن حبان فخرج إلى يافا وتحصن ~~بحصنها. ودخل أبو علي الرملة وقتل من وجد من المغاربة ثم رحل طالبا مصر ~~وخلف بالرملة أبا محمد عبد الله بن عبيد الله الحسني ومعه دغفل بن الجراح ~~الطائي وجماعة من الاخشيدية والكافورية وجاء فنزل عين شمس على باب مصر ~~واقتتلوا أياما وظهر القرمطي على المغاربة وقتل منهم زها خمسمائة رجل وغنم ~~أموالهم وأسلحتهم ودوابهم. فلما كان يوم الأحد لثلاث خلون من ربيع الأول ~~وقف الهجري على الخندق والمغاربة من ورائه ونشبت الحرب واقتتلوا إلى العصر ~~فخرجت المغاربة من الخنادق وحملوا على الهجري فاندق عسكره لا يلوى على أحد ~~وجعل يردهم وهم منهزمون فما وقفوا إلى الرملة وظن جوهر أن هزيمة القرمطي ~~مكيدة فلم يتعرض لما كان في عسكره إلى ثلاثة أيام حتى تحقق الخبر فاستولى ~~على الجميع. ونادى جوهر في الاخشيدية فاجتمعوا فعمل لهم طعاما وحلف لهم على ~~المصافاة ثم قبضهم وقيدهم وحبسهم وكانوا ألفا وثلاثمائة مقاتل. وقال ~~القرمطي في هذه الوقعة: # زعمت رجال العرب إني هبتها ... فدمي إذا ما بينهم مطلول # يا مصر إن لم أسق أرضك من دم ... يروي ثراك فلا سقاني النيل # وقال: # زعموا أنني قصير لعمري ... ما تكال الرجال بالقفزان # إنما المرء باللسان وبالقل ... ب وهذا قلبي وهذا لساني # ثم عاد الهجري إلى بلده وتفرقت الأعراب في البرية # ذكر الحرب بين المعز لدين الله صاحب مصر والقرامطة # في سنة ثلاث وستين وثلاثمائة وهذا أول ما وجد من تاريخ ابن القلانسي ~~PageV01P001 وتحصنوا بالسور وعظم الأمر على المعز وتحير في أمره ولم ينفعه ~~كتابه إليه ولا ترهيبه عليه ولم يقدم على الظهور بعسكره إليه. وكان حسان بن ~~جراح الطائي بعسكره مع القرمطي وكان قوته وشدته به ونظر المعز في أمره فإذا ~~ليس له به طاقة ms002 فأعمل فكرته ورويته في أمره وشاور أهل الراي من خاصته وجنده ~~في أمره فقالوا. ليس فيه حيلة غير فل عسكره وليس يقدر على فله إلا بابن ~~جراح. فبذلوا له مائة ألف دينار على أن يفل لهم عسكره فأجابهم إلى ذلك. ثم ~~نظروا في كثرة المال فاستعظموه فضربوا دنانير من صفر وطلوها بالذهب وجعلوها ~~في أكياس وجعلوا في راس كل كيس منها يسيرا من دنانير الذهب الخلاص وحملوها ~~إلى ثقة ابن جراح وقد كانوا توثقوا منه وعاهدوه على الوفاء وترك الغدر إذا ~~وصل المال إليه. فلما عرف وصول المال إليه عمل في فل عسكر القرمطي وتقدم ~~إلى أكثر أصحابه أن يتبعوه إذا تواقف العسكران ونشبت الحرب. فلما اشتد ~~القتال ولي ابن جراح منهزما وتبعه أصحابه فكان في جمع كثيف فلما نظر إليه ~~القرمطي قد انهزم في عسكره بعد الاستظهار والقوة تحير في أمره ولزمه الثبات ~~والمحاربة بعسكره وأجهد نفسه في القتال حتى يتخلص ولم يكن له بهم طاقة ~~وكانوا قد أرهقوه بالحملات من كل جانب وقد قويت نفوس المغاربة بانفلال ابن ~~جراح فخاف القرمطي على نفسه فانهزم فاتبعوا أثره وطلبوا معسكره فظفروا بمن ~~فيه وأسروا منه تقدير ألف وخمسماية رجل وانتهبوا سواده وما فيه وضربوا ~~أعناق من أسروه وذلك في شهر رمضان سنة 363 ثم جردوا في طلب القرمطي القائد ~~أبا محمود بن إبراهيم بن جعفر في عشرة ألف رجل فاتبعه وتثاقل في سيره خوفا ~~من رجوعه عليه وتم القرمطي على حاله في انهزامه حتى نزل على اذرعات وأنفذ ~~أبا المنجا في طائفة من الجند إلى دمشق وكان ابنه قبل ذلك واليا عليها ورحل ~~القرمطي في البرية طالبا بلده الاحساء ونيته العود ورحل أبو محمود مقدم ~~عسكر المغاربة عند معرفته ذاك ونزل بأذرعات في منزلة القرمطي # ذكر ولاية ظالم بن موهوب العقيلي لدمشق # في سنة 363 من قبل المعز لدين الله PageV01P002 وصل القائد ظالم بن موهوب ~~العقيلي إلى دمشق واليا عليها في يوم السبت لعشر خلون من شهر رمضان سنة 363 ms003 ~~عقيب نوبة القرمطي فدخلها وتمكن أمره في ولايتها وتأثلت حاله في إيالتها ~~وتوفرت عدته وعدته واشتدت شوكته لا سيما عند قبضه على أبي المنجا وولده ~~صاحبي القرمطي مع جماعة وافرة من أصحابهما وحبسهم وأخذ أموالهم واستغراق ~~أحوالهم. واتفق أن أبا محمود مقدم العسكر المصري المقدم ذكره وصل إلى دمشق ~~في يوم الثلاثاء لثلاث بقين من شهر رمضان من السنة ونزل بالشماسية فخرج ~~ظالم متلقيا له ومستبشرا به ومبتهجا بنزوله ومستأنسا بحلوله لما كان ~~مستشعره من الخوف من عود القرمطي إلى دمشق ونزوله عليها ثم أن ظالما أنزل ~~أبا محمود المقدم الدكة المعروفة وحمل إليه أبا المنجا صاحب القرمطي ~~المعتقل والمعروف بالنابلسي الذي كان هرب من الرملة متقربا إليه وإلى ~~المغاربة بذلك فجعل كل واحد منهما في قفص من خشب وحملهما إلى مصر فلما وصلا ~~إلى المعز لدين الله أمر بحبس أبي المنجا وولده وقال للنابلسي: أنت الذي ~~قلت لو أن معي عشرة أسهم لرميت تسعة في المغاربة وواحدا في الروم. فاعترف ~~بذلك فأمر بسلخه فسلخ وحشي جلده تبنا وصلب ولما نزل القائد أبو محمود ~~المقدم على دمشق في عسكره اضطرب الناس وقلقوا وامتدت أيدي المغاربة في ~~العيث والفساد في نواحي البلد وأخذ من يصادف في الطرقات والمسالك وكان صاحب ~~الشرطة بعد القبض على أبي المنجا قد أخذ إنسانا وقتله فظهر الغوغاء وحملة ~~السلاح وقتلوا أصحاب المسالح وكثر من يطلب الفتن من العوام وطمعت المغاربة ~~في نهب القرى وأخذ القوافل ظاهر البلد ولم يتمكن القائد أبو محمود المقدم ~~من ضبط أصحابه لأنه لم يكن معه مال ينفقه فيهم ولم يقبلوا أمره ولا امتثلوا ~~زجره. وكان ظالم يأخذ مال السلطان الذي يستخرج من البلد وقد عرف ظالم أن ~~الرعية تكره المغاربة في الفساد وقطع الطريق على الصدار والوراد وامتنع ~~السفار من المجي والذهاب وعدلوا في ذلك عن نهج الصواب ونزح أهل القرى منها ~~إلى البلد وخلت من أهلها واستوحش ظاهر البلد وباطنه. فلما كان يوم الخميس ~~النصف من شوال من السنة جاء ms004 قوم من العسكرية ينهب القصارين من ناحية ~~الميدان فكثر الصائح في البلد وخرج الناس بالسلاح وثارت الأحداث وخرج أصحاب ~~ظالم ووقع القتال وظالم يظهر أنه يريد الصلاح والدفع عن البلد ولم يكاشف في ~~الأمر ووجد الناس حجة للمقال والشكوى لما يجري عليهم فلما كان في بعض ~~الأيام خرج قوم من المغاربة يطلبون الطرق فظفروا برفقة قافلة في طريق ~~الحرجلة قد أقبلت من حوران فأخذوها وقتلوا منها ثلاثة نفر فجاء أهل القتلى ~~وحملوهم وطرحوهم في الجامع فكثر الناس عليهم وبالغوا في المقال والانكار ~~لأجلهم وغلقت الأسواق ومشى الناس بعضهم إلى بعض ونفرت قلوبهم واستوحشوا ~~وخافوا. فلما كان يوم الاثنين السابع عشر من ذي القعدة من السنة سمع صبي ~~يصيح على بعد: النفير النفير إلى قينية إلى اللؤلؤة. فقال قائل: كان بالامس ~~آخر النهار قوم من المغاربة ومن البادية في جنينة في القنوات فقتلت ~~المغاربة من البادية ابن عم لورد بن زياد وقد وقع بينهم حرب وقد ثارت ~~الفتنة بباب الجابية فخرج رجل من العسكرية يقال له نفاق ابن عم لأبي محمود ~~فظهر القوم من غد في طلب الرجل وكان مسكنه في ناحية قينية فأقبلوا يريدون ~~بيته وانتشرت خيلهم ورجالتهم في أرض قينية إلى لؤلؤة والقنوات إلى باب ~~الجابية وباب الحديد فظفروا بالقصارين عند باب الحديد فأخذوا ما كان معهم ~~من الثياب فصاح الناس النفير ولبسوا السلاح وخرج أصحاب ظالم مع الرعية ~~وزحفت المغاربة حتى بلغوا قريبا من سور البلد وليس في مقابلتهم من يذودهم ~~ويدافعهم فنفر إليهم أهل البلد من كل ناحية ونشب القتال ونكا النشاب في ~~المغاربة أعظم نكاية وقصدوا الباب الصغير وامتد الناس خلف المغاربة وصعدوا ~~على طاحون الأشعريين يرمونهم بالحجارة وطرحوا النار فيها فاحترقت وهي أول ~~نار طرحت في البلد وزحفت الرعية وأصحاب ظالم إلى المغاربة وضايقوهم مضايقة ~~ألجؤهم إلى الصعود فوق مسجد إبراهيم وكان ذلك منهم جهلا واغترارا وكان في ~~الطريق الأعلى نحو البيمارستان العتيق شرذمة قليلة فحملوا على الأحداث ~~وأصحاب ظالم فانهزموا من المرج إلى خلف ms005 المرمى وتبعتهم المغاربة فلما علم ~~ظالم هزيمتهم خرج من دار PageV01P003 الامارة حتى وقف عند الجسر المعقود ~~على بردا وأمر بغلق باب الحديد ورتب قوما من أصحابه على جسر باناس ليلا ~~ينهزم الناس فلما شاهد انهزام الناس والمغاربة في أثرهم ضرب بيده على فخذه ~~ثم استدعى رمحه وعبر الجسر ومعه فرقة من أصحابه وحمل على أوائل المغاربة ~~فردهم عن أحداث البلد وصاح الناس في الميدان النفير فانهزم ظالم وأصحابه ~~وجأت المغاربة نحو الفراديس ودخلوا الدروب وملكوا السطوح وطرحوا النار في ~~الفراديس وكان هناك من البنيان الرفيع الغاية في الحسن والبهاء ما لم ير ~~مثله وهو أحسن مكان كان بظاهر دمشق وامتدت النار مشرقة حتى بلغت مسجد ~~القاضي فأتت على دور لبني حذيفة وأخذت النار كله فاتلفت ما كان بين ~~الفاخورة وحمام قاسم وكنيسة مريوحنا وحين انهزم الناس وتكامل العسكر في ~~المرج والميدان وارتفع صياح المغاربة وانهزم من على السطح من الرماة ~~والنظارة وامتدوا إلى القنوات ودخلوا باب الحديد وانتشروا فلما عرفوا ~~انهزام ظالم قصدت خيلهم ناحية الشماسية في طلبه فلما حصلوا بها أقبلت ~~الأحداث تجول فيها مع المغاربة فطرحوا النار في لؤلؤة الكبرى والصغرى ~~والقنوات وقينية وأقبل الليل وبات الناس على أسوء حال وأشد خوف عظيم وأعظم ~~وجل. وتمكنت النار في تلك الليلة فاحرقت درب الفحامين ودرب القصارين ثم ~~أخذت مغربة إلى مسجد معوية واحرقت درب الستاقي وما حوله إلى حمام العصمي ثم ~~أخذت في زقاق المشاطين والقنوات وقويت النار في اللؤلؤة الكبرى والصغرى ~~وبلغت إلى ناحية المشرق وأتت على الرصيف جميعه وكانوا في وقت يمكنهم من باب ~~الحديد قد طرحوا النار في دار عمرو بن مالك ودار ابن طغج ابن جف فقويت ~~النار في أخشاب وبطاين سقوف منقوشة وظهر لها في الليل ألسنة عالية وشرر ~~عظيم وكذلك النار التي ألقيت في الفراديس كان لها شرر مرتفع والقوا النار ~~أيضا في باب الحديد والمظلمة بازاء دار الحمامي إلى الطريق الآخذ إلى حجر ~~الذهب ووصلوا إلى رحبة السماكين مقابل دار ابن مقاتل ms006 ووجدوا بين أيديهم من ~~الرعية من منعهم من دخول الزقاق ودخل قوم من الرعية المظلمة وأدركوا ~~واطفؤها وقويت النار في دار ابن مالك فاحترقت وما يليها من الطاحون إلى حد ~~حمام ضحاك ثم أخذت النار نحو القبلة فأتت على ما كان من الدور حول دار ابن ~~طغج وما يليها إلى قصر عاتكة وسوق الجعفري والحوانيت والتقت على قصر حجاج ~~وأشرق الصبح وقد خلا المكان واجتمع قوم في تلك الليلة من حجر الذهب ~~والفسقار والنواحي المعروفة بباب الحديد وعملوا على المحاربة عن الدروب ~~والأزقة وأبواب الدور فما لاح الصباح بضيائه إلا وقد بنوا حائط باب الحديد ~~وسدوا الباب وأتى الله بالفرج. وقد كانت المغاربة في تلك الليلة في لهو ~~ولعب وزفن وفرح وسرور بأخ البلد من عدوهم ينظرون إلى النار تعمل في جنباته ~~وقد أتت عليه فلما أصبحوا انحدر العسكر من الدكة يريد البلد وكان الناس قد ~~غدوا إلى الميدان وصعدوا السطح ينظرون نزول العسكر وقد حارت عقول كثير من ~~الناس من الخوف فلما نظرت الدبادبة ممن كان على السطح انحدر العسكر وقد علت ~~الأصوات بالنفير فلما سمع الناس النفير بادروا الخروج بالسلاح التام وعدد ~~الحرب وآلاتها وخرج قوم بمثل حربة وعصا وفاس وكساء ومقلاع وحمر عليها حجارة ~~واشتد الناس في القتال ونزل القائد أبو محمود في عسكره فضرب في الميدان ~~خيمة وأصبح الناس في شدة عظيمة وبلية هائلة وظهروا من البلد وقد تبعهم ~~الخلق الكثير من الأخيار والمستورين يطلبون من الله تعالى الفرج فلما قربوا ~~من عسكر المغاربة صاح نفر منهم فنفرت من الصياح خيل هناك فقيل لهم: أشراف ~~البلد يريدون الوصول إلى القائد. فأذن لهم فلما حضروا لديه وسلموا عليه ~~أحسن الرد عليهم وبش بهم وقال: ما حالكم وما الذي جاء بكم. فشكوا إليه ~~أحوالهم والاضرار بهم والمضايقة لهم وخضعوا وذلوا له ولطفوا به فقال. ما ~~نزلت في هذا المكان لقتالكم وانما نزلت لأرد هؤلاء الكلاب المفسدين عنكم ~~يعني أصحابه وما أوثر قتال رعية. فشكروه ودعوا له وأثنوا عليه ms007 وانصرفوا عنه ~~مستبشرين بما سمعوه منه وجاءوا إلى خيمته واختلطوا بأصحابه وقد خف الخوف ~~والوجل عنهم. ودخلت المغاربة البلد لقضاء حوايجهم وعاد القائد أبو محمود في ~~عسكره إلى الدكة منزله. وولي الشرطة لرجلين يقال لأحدهما حمزة المغربي ~~والآخر يقال له ابن كشمرد من PageV01P004 الأخشيدية فدخل في جمع كثير من ~~الخيل والرجالة فطافا في البلد بالملاهي والزفن وجلسا في مجلس الشرطة وطاف ~~في الليل جماعة من الرجال بالعدد والسلاح ممن يريد الفساد وإثارة الفتن ~~ووجد الطائف الدروب قد ضيقت فشكا ذلك إلى القائد أبي محمود فشق هذا الأمر ~~عليه وضاق له صدره. فلما كان في بعض الليالي اجتاز الطائف في ناحية ~~المحاملين على جسر المصلى يريد باب الصغير في جمع وافر ووصل إلى سوق الغنم ~~فوجد درب سوق الغنم مسدودا فعظم ذلك عليه وغضب لأجله وعاد إلى ورائه منكفئا ~~حتى دخل من ناحية البطاطين فشكا إلى أبي محمود فقال: إن القوم على ما هم ~~عليه من العصيان والخلاف. وكثرت الأقوال في مجلسه ولم يكن صاحب رأي سديد ~~ولا تدبير حميد ولا حسن سياسة واستدعى مشايخ البلد إليه فدخلوا عليه ~~فتواعدهم وأغلظ القول لهم وقال: إن لم يفتح هذا الباب والا وأنتم مقيمون ~~على الخلاف والعصيان. فقالوا: أيها القائد لم يسد هذا الباب لعصيان ولا ~~خلاف وانما كان سده بحيث لا يدخل منه من لا يعلمه القائد ولا يوثره من أهل ~~الفساد ومن يوثره إثارة الفتنة والعناد. فقال: قد أمهلتكم ثلاثة أيام وإن ~~لم يفتح هذا الباب لأركبن إليه ولأحرقنه ولأقتلن كل من أصادفه فيه. فقالوا: ~~نحن نطيع أمرك ولا نخالفه إذا استصوبت ذلك. وخرجوا من عنده متحيرين في ~~أمرهم ولا يعلمون كيف يسوسون جهلة الناس وأمور السلطان. فصاروا إلى باب ~~الصغير واجتمع إليهم أهل الشرة وغيرهم وفيهم المعروف بالمارود راس شطار ~~الأحداث وأحاطوا بهم وسألوهم عن حالهم فأعادوا عليهم ما سمعوه من القائد ~~أبي محمود بسبب سد الباب فقال بعضهم: يفتح ولا يجري مثل ما جرى أولا فنخرب ~~البلد. وقال قوم ms008 من أصحاب السلاح بالضد فقالت المشايخ: نحن نفتح هذا الباب ~~وإن جرى أمر مكروه عند دخول المغاربة وغيرهم أو ثارت منه فتنة كنتم أنتم ~~أصل ذلك وسببه. ثم انهم فتحوه من وقتهم فلما شاهد المشايخ ذاك حاروا بين ~~الفريقين وقال بعضهم لبعض: ما قال أبو محمود وما قال أهل الشرة وقد فتح ~~الباب بأمركم ولسنا نأمن أمرا يكون من المغاربة فتكونوا أنتم السبب فيه. ~~ففكروا في الخلاص من لائمة الفريقين واعملوا الراي فيما بينهم وقالوا: ~~الصواب أن نأمرهم بسده. وكان ذلك منهم رأيا سديدا وتدبيرا. وجرى بين رجل من ~~أكابر المغاربة ورجل من أهل الشرة منازعة بسبب صبي أراد المغربي أن يغلب ~~عليه فرفع البلدي سيفه وضرب به المغربي فقتله في سوق البقل فغلظ الأمر ~~واضطرب البلد وغلقت حوانيت الأسواق وثار العسكر بسبب المقتول فعند ذلك وجدت ~~المشايخ الحجة في سد الباب لهذا الحادث وانتهى الخبر إلى القائد أبي محمود ~~ففرق السلاح في أصحابه وثار أهل البلد وتأهبوا للمحاربة وأصبح العسكر ~~منحدرا يريد باب الصغير وكان عندهم العلم بتفريق السلاح والاستعداد للحرب ~~فتيقظ الناس فاحترزوا إلى حين ارتفع النهار وفتح الناس حوانيتهم وكان ~~المعروف بابن المارود راس الأحداث قد عرف هو وأصحابه ان قصد العسكر باب ~~الصغير لأجلهم وصاح الناس النفير وارتفعت الأصوات وتقدمت الرجالة وانتشروا ~~في سوق الدواب وعبروا الجسر وطرحوا النار في الطاحون قبلي الجسر وانتشروا ~~في الطريق والمقابر يشاهدون النار في دور عند مسجد الخضر وامتدت الأحداث ~~والرعية في المقابر ووقع النفير في الأسواق وكانوا في غفلة فصاح فيهم صايح: ~~أما يستيقظ من هو غافل أما ينتبه من هو راقد. فغلقت حوانيت الأسواق وأضحى ~~الناس من استشعار البلاء على ساق ونزل القايد أبو محمود في محراب المصلى ~~كانت رجالته منتشرة في المقابر فاجتمعت مشايخ البلد إلى القائد أبي محمود ~~من باب الجابية والمحاربة على باب الصغير وكان فيهم الشريف أبو القاسم أحمد ~~بن أبي هشام العقيقي العلوي فقال له: الله الله أيها القائد في الحرم ~~والأطفال وأتقياء ms009 الرجال. ولم يزل يخضع له ويلطف به إلى أن أمسك بعد سؤال ~~متردد وعاد منكفئا بعسكره إلى مخيمه بالدكة في يوم الأربعاء لست مضين من ذي ~~الحجة سنة 363 وكف عن القتال. ودخل صاحب النظر إلى البلد وانتشر الفساد في ~~سائر الضياع والجهات وطرحت النار في الأماكن والحارات وثارت الفتنة واشتدت ~~النار وعظم الخوف وفني العدد الكثير من الفريقين ولم تزل الحرب متصلة مدة ~~صفر وربيع الأول وبعض ربيع الآخر وتقررت المصالحة والموادعة إلى أن ولي جيش ~~بن PageV01P005 الصمصامة البلد من قبل خاله القائد أبي محمود المقدم ذكره ~~في سنة 363. وصرف القائد ظالم بن موهوب العقيلي عن ولايتهبلد من قبل خاله ~~القائد أبي محمود المقدم ذكره في سنة 363. وصرف القائد ظالم بن موهوب ~~العقيلي عن ولايته # شرح الأمر في ذلك # لما استقر الصلح والموادعة بين أهل دمشق والقائد أبي محمود مقدم العسكر ~~المصري المعزي على ما تقدم شرحه وخمدت نار الفتنة بعض الخمود وركدت ريحها ~~بعض الركود وسكنت نفوس أهل البلد واطمأنت القلوب بين الفريقين اعتمد القائد ~~أبو محمود على ابن أخته جيش بن الصمصامة في ولاية دمشق وحمايتها ولم ما ~~تشعث منها بالفتنة المتصلة لما رجاه عنده من الكفاية والصرامة وقدره فيه من ~~النهضة والشهامة فدخلها واليا ونزل بقصر الثقفيين في الدار المعروفة ~~بالروذباري وأقام بها أياما. فلما كان يوم من الأيام عبرت طائفة من عسكر ~~المغاربة بالفراديس فعاثت فيه فثار الناس عليها وقتلوا من لحقوه منهم ~~وصاروا إلى قصر الثقفيين فهرب منهم جيش بن الصمصامة الوالي في أصحابه ~~فانتهبوا ما كان لهم فيه وأصبح القائد جيش منحدرا من العسكر في جمع كثير ~~وقصد جهة من البلد وكبس موضعا كان قد سلم ووجد فيه أربعة من أهله فأخذ ~~رؤوسهم وطرح النار فيه فاحترق وقال القائد أبو محمود: إن أهل الشرة في موضع ~~يقال له سقيفة جناح قريب من باب كيسان قبلي البلد. فقصدهم من ناحية الخامس ~~الصغير والمقابر فوقع النفير فقاتلتهم الأحداث والرعية أشد قتال وقد غلظ ~~الأمر عليهم ms010 في أخذ رؤوس من يظفرون به ونشبت الفتنة والشر بينهم منذ أول ~~جمادى الأولى ونشبت الحرب بينهم بياض ذلك اليوم إلى أن أقبل الليل فاضطرب ~~البلد واشتد خوف أهله ووجلهم وخربت المنازل وضعفت النفوس وانقطعت المواد ~~واستدت بالخوف المسالك والطرقات وبطل البيع والشراء وقطع الماء عن البلد ~~وعدم الناس القني والحمامات ومات ضعفاء الناس على الطرقات وهلك الخلق ~~الكثير من الجوع والبرد في أكثر الجهات وانتهت الحال في ذلك إلى أن تجددت ~~ولاية القائد ريان الخادم عقيب هذه الفتنة في بقية سنة 363 # شرح الحال في ذلك # قد كانت الأخبار تنتهي إلى المعز لدين الله بما يجري على أهل دمشق من ~~الحروب واحراق المنازل والنهب والقتل والسلب واخافة المسالك وقطع الطرقات ~~وان القائد أبا محمود المقدم على الجيش المصري لا يتمكن من كف أهل الفساد ~~والمنع لمن يقصد الشر من أهل العيث والعناد ولذلك فقد خربت الأعمال واختلت ~~الجهات وترادفت الأنباء بذلك إليه وتواترت الأخبار بجلية الحال عليه فأنكر ~~استمرار مثل ذلك وأكبره واستبشعه وكتب إلى القائد ريان الخادم والي طرابلس ~~يأمره بالمسير إلى دمشق لمشاهدة حالها وكشف أمور أهلها والمطالعة بحقيقة ~~الأمر فيها وأن يصرف القائد أبا محمود عنها فامتثل القائد ريان الأمر في ~~ذلك وسار من طرابلس ووصل إلى دمشق فشاهدها وكشف أحوال أهلها وأمور الرعية ~~بها وتقدم إلى القائد أبي محمود بالانكفاء عنها فرحل عن دمشق إلى الرملة في ~~عدة خفيفة من عسكره وبقي الأكثر مع القائد ريان وكان ذلك بقضاء الله ~~وتقديره ونفاذ حكمه. وتمادت الأيام في ذلك إلى أن تجددت ولاية أبي منصور ~~الفتكين التركي المعزي البويهي الواصل # ولاية الفتكين المعزي لدمشق # في بقية سنة 363 وما بعدها وشرح السبب في ذلك # قد مضى ذكر ما جرى عليها أمر القائد ريان المعزي الخادم في تولية أمر ~~دمشق وما شاهده من أمر الفتن الحادثة فيها واتصال الحروب بها وما اعتمده من ~~النظر في تسديد أحوالها وتدارك اصلاح اختلالها بعد ذلك وتسكين نفوس من بها. ~~ووافق هذه ms011 الحال ما تناصرت به الأخبار من بغداد من اشتداد الفتن والوقائع ~~بين الديلم والأتراك وما كان من عصيان الحاجب سبكتكين المعزي مقدم الأتراك ~~على عز الدولة بختيار بن مولاه معز الدولة أبي الحسين بن بويه الديلمي وما ~~حدث من موت الحاجب سبكتكين المذكور ورد الأمر في التقدم على الأتراك إلى ~~الحاجب أبي منصور الفتكين المعزي والرئاسة عليهم لسكونهم إلى سداده وجميل ~~فعله في الأعمال واقتصادهم واعتمادهم عليه في اخماد ثائرة الفتنة وسكنت ~~نفوس الأجناد ببغداد PageV01P006 وفي ذي القعدة من سنة 363 وردت الأخبار ~~بخلع المطيع لله واستخلاف ولده الطائع لله عند اشتداد الفتنة بين الديلم ~~والأتراك وأقام على هذه الحال برهة خفيفة ثم ثارت الفتنة واتصلت الحواديث ~~وزاد الأمر في ذلك إلى حد أوجب للحاجب الفتكين الانفصال عن بغداد في فرقة ~~وافرة من الأتراك تناهز ثلاثمائة فارس من طراخين الغلمان ووصل أولا إلى ~~ناحية حمص للأسباب التي أوجبت ذلك ودعت فأقام بها أياما قلائل وسار منها ~~إلى دمشق والأحداث بها على الحال المقدم شرحهما في تملكها والغلبة عليها ~~والتحكم فيها فنزل بظاهرها وخرج إليه شيوخها وأشرافها وخدموه وأظهروا ~~السرور به وسألوه الاقامة عندهم والنظر في أحوالهم وكف الأحداث الذين بينهم ~~ودفع الأذية المتوجهة عليهم منهم فأجابهم إلى ذلك بعد أن توثق منهم وتوثقوا ~~منه بالأيمان الموكدة والمواثيق المشددة على الطاعة والمساعدة ودخل البلد ~~وأحسن السيرة وقمع أهل الفساد وأذل عصب ذوي العيث والعناد وقامت له هيبة في ~~الصدور وصلح به ما كان فاسدا من الأمور. وكانت العرب قد استولت على سواد ~~البلد وما يتصل به فقصدهم وأوقع بهم وقتل كثيرا منهم وظهر لهم من شجاعته ~~وشهامته وقوة نفس من في جهته وجملته ما دعاهم إلى الاذعان بطاعته والنزول ~~على حكمه والعمل باشارته وأمر بتقرير امضاء الاقطاعات القديمة وارتجاع ما ~~سوى ذلك وأحسن التدبير والسياسة في ترتيب العمال في الأعمال وأنعم النظر في ~~أبواب المال ووجوه الاستغلال فاستقام له الأمر وثبتت قدمه في الولاية وسكن ~~أهل دمشق إلى نظره. وكاتب المعز ms012 مكاتبة على سبيل المداجاة والمغالطة ~~والمدامجة والتمويه والانقياد له والطاعة لأوامره فأجابه بالاحماد له ~~والارتضاء بمذهبه والاستدعاء له إلى حضرته ليشاهده ويصطفيه لنفسه ويعيد إلى ~~ولايته بعد ذلك مكرما مولى مشرفا فلم يثق إلى ذلك ولا سكنت نفسه إليه ~~وامتنع من الاجابة إلى ما بعثه عليه. ووافق إن المعز لدين الله اعتل العلة ~~التي قضى فيها محتوم نحبه وصار إلى رحمة ربه في سنة 365 وكان مولده ~~بالمهدية وعمره خمس وأربعون سنة ومولده سنة 319 ومدة أيامه في الخلافة ثلاث ~~وعشرون سنة وستة أشهر وأمه أم ولد ونقش خاتمه بنصر العزيز العليم ينتصر ~~الامام أبو تميم وكان عالما فاضلا شجاعا جاريا على منهاج أبيه في حسن ~~السيرة وانصاف الرعية ثم عدل عن ذلك وتظاهر بعلم الباطن ورد من كان باقيا ~~من الدعاة في أيام أبيه وأذن لهم في الاعلان مذهبهم ولم يزل عن ذلك غير ~~مفرط فيه إلى أن خرج من الغرب. وقام في منصبه من بعده ولده نزار أبو منصور ~~العزيز بالله مولوده بالمهدية يوم الخميس الرابع عشر من المحرم سنة 344 ~~PageV01P007 ولما عرف حال الحاجب الفتكين جهز إليه عسكرا كثيرا مع القائد ~~جوهر المعري ويجري الأمر بينهم على ما هو مشروح في موضعه. واتفق خروج ابن ~~الشمشقيق متملك الروم في هذه السنة إلى الثغور فاستولى على أكثرها ودعت أبا ~~بكر ابن الزيات الضرورة إلى مصالحته والدخول في طاعته والمسير في عدة وافرة ~~من أهل طرصوس والثغور في خدمته وفعلت عدة من بطون العرب مثل ذلك فلما نزل ~~ابن الشمشقيق على حمص وافتتحها وانتقل عنها إلى بعلبك وملكها وأراد قصد ~~دمشق وكتب ابن الزيات إلى الفتكين وأهل دمشق يعرفهم قوة متملك الروم وانهم ~~لا يقدرون على مقاومته ولا يتمكنون من محاربته ويشير عليهم بالدخول في ~~طاعته والنزول على حكم اشارته وأصغى الفتكين وأهل البلد إلى ذلك وعلموا ان ~~فيه المصلحة وقرروا ما يستكفونه به ليصبحوا في كنف السلامة ويأمنوا شر ~~العساكر الواصلة إليهم. وكتب إليه بقبول الاشارة ورد الأمر ms013 إليه فيما يدبره ~~والعمل فيه بما يراه ويستصوبه. فدخل ابن الزيات إلى متملك الروم وقال له: ~~قد وردت كتب الفتكين وأهل دمشق بالانقياد المملك إلى ما يرومه منهم ويرسم ~~حمله إليه من الخراج عن بلدهم وسألوا أمانه وحسن الرأفة بهم والمحاماة ~~عنهم. فقال له: قد قبلت طاعتهم وأمرت بايمانهم على نفوسهم وأموالهم ورضيت ~~منهم بالخراج. وأنفذ إليهم صليبا بالأمان فأنفذه ابن الزيات إليهم مع ~~المعروف بالدمشقي صاحبه وكان من وجوه الطرسوسين فتلقوه بالمسرة والاكرام ~~والشكر الزائد عن حسن السفارة وجميل الوساطة. وأشار ابن الزيات على الفتكين ~~بالخروج لتلقي الملك فخرج في ثلاثمائة غلام في أحسن زي وعدة وأفضل ترتيب ~~وهيئة واستصحب أشراف البلد وشيوخه ولقيه فأقبل عليه وأكرمه والدمستقيين ~~فيما خاطبهم به من الجميل وعاملهم به من وكيد العناية ومرضي الرعاية وتوسط ~~ابن الزيات ما بينه وبينهم على تقرير مائة ألف درهم. وسار ابن الشمشقيق إلى ~~دمشق لمشاهدتها فلما وصل إليها ونزل بظاهرها استحسن ما رآه من سوادها وتقدم ~~إلى أصحابه بكف الأذية عن أهلها وترك الاعتراض لشيء من عملها ودخل الفتكين ~~والشيوخ إلى البلد لتقسيط القطيعة وجمعها وتحصيل الملاطفات التي يخدم مثله ~~بمثلها وحملوا إليه ما جاز حمله وحصل المال المقرر له في بدرة. وخرج ~~الفتكين إليه لمعاودة خدمته فوجده راكبا والطرسوسيون يتطاردون بالرماح بين ~~يديه فلما شاهد ابن الشمشقيق موكبه تقدم إلى ابن الزيات بتلقيه وقد كانت ~~الحال تأكدت بين الفتكين وابن الزياد فتلقاه ووصاه بالتذلل له والزيات في ~~التعظم له والتقرب إليه وأعلمه ان ذلك ينفق عليه ففعل الفتكين ما أشار به ~~وترجل له هو وأصحابه وابن الزيات عند قربهم منه وقبلوا الأرض مرارا فسر ~~الملك بذلك وأمرهم بالركوب فركبوا وأسند إلى الفتكين وسأله عن حاله فأجابه ~~جوابا استرجعه حجة فيه. وكان الملك فارسا يحب الفرسان فلعب الفتكين وابن ~~الزيات بين يديه لعبا استحسنه منه وشاهد من فروسية الفتكين ما أعجبه فتقدم ~~إليه بالزيادة في اللعب والتفرد به ففعل والتفت الملك إلى ابن الزيات فأثنى ~~على الفتكين ms014 وقال: هذا غلام نجيب وقد أعجبني ما شاهدته منه في حسن أفعاله ~~وجميع أحواله. فأعلم ابن الزيات الفتكين فترجل وقبل الأرض وشكره ودعا له ~~فأمره بالركوب فركب وقال لابن الزيات: عرفه إن ملكي قد وهب له الخراج وترك ~~طلبه منه. فأعاد الفتكين الترجل والشكر والدعاء وعاد الملك إلى بلاطه ~~والفتكين معه في أثناء مسيره يلعب ويرى بالزوبين والملك شديد التوفر عليه ~~حتى إذا نزل أحضره وخلع عليه وحمله على شهري واستهداه الملك الفرس الذي كان ~~تحته والسلاح الذي عليه الرمح فعاد وأضاف إليه عشرين فرسا بتجافيفها وعدة ~~رماح وشيئا كثيرا من أصناف الثياب والطيب والتحف التي يتحف بها مثله فشكره ~~الملك على هذا الفعل وقبل الفرس والته ورد ما سوى ذلك وكافاه على الهدية ~~بأثواب ديباج كثيرة وصياغات وشهاري وبغلات وسار على طريق الساحل فنزل على ~~صيدا. وخرج إليه أبو الفتح بن الشيخ وكان رجلا جليل القدر ومعه شيوخ البلد ~~ولقوه وقرروا معه أمرهم على مال أعطوه اياه وهدية حملوها إليه وانصرف عنهم ~~على سلم وموادعة وانتقل إلى ثغر بيروت فامتنع أهله عليه فقاتلهم وافتتح ~~الثغر عنوة ونهبه وسبى السبي الكثير منه وتوجه إلى جبيل فاعتصم أهلها عليه ~~وجرى أمرها مجرى بيروت PageV01P008 ونزل على طرابلس فأقام عليها تقدير ~~أربعين يوما يقاتل أهلها ويقاتلونه فبينما هو على ذلك إذ دس إليه خال بسيل ~~وقسطنطين سما فاعتل منه ورحل إلى أنطاكية فطالب أهلها بتسليمهما فلم يجيبوا ~~إلى ذلك وقطع ما كان في بساتينها من شجر التين وهو يجري هناك مجرى النخل في ~~البصرة وحفزه المرض الذي لحقه واستخلف البرجي البطريق على منازلتها وتوجه ~~إلى القسطنطينية وتوفي بعد أن افتتح البرجى أنطاكية في سنة 365 وورد الخبر ~~بوفاة أبي تميم معد المعز لدين الله صاحب مصر في يوم الجمعة السابع عشر من ~~شهر ربيع الآخر سنة 365 وكان مولده بالممهدية على أربع ساعات وأربعة أخماس ~~ساعة من يوم الاثنين الحادي عشر من شهر رمضان سنة 319 وعمره خمس وأربعون ~~سنة وتقلد الأمر بعد ms015 أبيه في يوم الجمعة التاسع عشر من شوال سنة 341 ومدة ~~أيامه بمصر ثلاث سنين وانتصب مكانه ولده نزار أبو المنصور العزيز بالله وقد ~~تقدم ذكر ذاك الا ان هذه الرواية أجلى من تلك الحكاية. وقيل إن المعز كان ~~مغرى بعلم النجوم والنظر فيما يقتضيه أحوال مولده وأحكام طالعه فحكم له ~~بقطع فيه واستشار منجمه فيما يزيله عنه فأشار عليه أن يعمل له سردابا تحت ~~الأرض ويتوارى فيه إلى حين زوال الوقت وتقضيه فعمل على ذلك وأحضر قواده ~~وكتابه وقال لهم: إن بيني وبين الله تعالى عهدا في وعد وعدنيه وقد قرب ~~أوانه وجعلت ولدي نزارا ولي العهد بعدي ولقبته العزيز بالله واستخلفته ~~عليكم وعلى تدبير أموركم مدة غيبتي فالزموا الطاعة له والمناصحة واسلكوا ~~الطريق الواضحة. فقالوا له: الأمر أمرك ونحن عبيدك وخدمك. ووصى إلى العزيز ~~بما أراد وجعل جوهرا مدبره والمشار إليه في الأمور وتنفيذها بين يديه ونزل ~~إلى السرداب الذي اتخذه وأقام فيه سنة فكانت المغاربة إذا رأوا غماما سايرا ~~ترجلوا إلى الأرض وأومؤا إليه بالسلام بقدر ذاك. ثم خرج بعد ذلك وجلس للناس ~~فدخلوا إليه على طبقاتهم وخدموه بأدعيتهم وما أقام على هذه الحال إلا مديدة ~~واعتل علته التي قضى فيها نحبه. وقام العزيز بالله في منصبه وقد كان ~~الفتكين والقرامطة يكاتبونه بأنهم قاصدون الشام إلى أن وافوا إلى دمشق في ~~سنة 365 وكان الذي وافى منهم اسحق وكسرى وجعفر فنزلوا على ظاهر دمشق نحو ~~الشماسية ووافى معهم كثير من العجم وأكرمهم الفتكين وحمل إليهم الميرة وخرج ~~نحوهم وأقاموا على دمشق أياما ورحلوا متوجهين إلى الرملة. وكان أبو محمود ~~إبراهيم بن جعفر لما عرف خبرهم تحصن بيافا فلما نزلوا الرملة شرعوا في ~~القتال ولما أمن الفتكين من ناحية مصر والرملة عمل على أخذ ثغور الساحل ~~وسار فيمن اجتمع إليه ونزل صيدا فكان بها ابن الشيخ واليا ومع رؤوس من ~~المغاربة ومعهم ظالم بن موهوب العقيلي الذي تقدم ذكره في دمشق فقاتلوه ~~وكانوا في كثرة وطمعوا في الفتكين ms016 وامتدوا خلفه ونزل على نهر وطفت الرعية ~~من صيدا وخرج منهم خلق كثير وقال الفتكين لساقة العسكر: اطلبوا طريق بانياس ~~وتبعوهم. فحملت عليهم الأتراك ورمتهم المغاربة بالحرب فلقوهم بالصدور ~~واقلبوا باللتوت عليهم وداسوهم بالخيل عليها التجافيف فانهزموا وأخذهم ~~السيف وكان ظالم بن موهوب معهم فانهزم إلى صور وأحصي القتلى فكانوا أربعة ~~ألف وطمع في أخذ عكا وتوجه نحوها. وقد كان العزيز بالله كاتب الفتكين بمثل ~~ما كاتبه به المعز لدين الله من الاستمالة ووعده بالاصطناع وأخذت عليه ~~البيعة وظهرت منه الطاعة فأجابه فيه جوابا فيه بعض الغلظة وقال: هذا بلد ~~أخذته بالسيف وما أدين فيه لأحد بطاعة ولا أقبل منه أمرا. وغاظ العزيز هذا ~~الجواب منه وأحفظه واستشار أبا الفرج يعقوب بن يوسف بن كلس وزيره فيما يدبر ~~أمر الفتكين به فأشار باخراج القايد جوهر إليه مع العساكر فأمر بالشروع في ~~ذلك وترتيب الأمر فيه. وعرف الفتكين ذلك وما وقع العزم عليه فجمع وجوه أهل ~~دمشق وأشرافها وشيوخها وقال لهم: قد علمتم انني لم أتوسطكم وأتولى تدبيركم ~~إلا عن رأيكم ومرادكم وقد طلبني من هذا السلطان ما لا طاقة لي به وأنا ~~منصرف عنكم وداخل إلى بلاد الروم وعامل على طلب موضع أكون فيه واستمد ما ~~أحتاج إليه منه لئلا يلحقكم بقصد من يقصدكم ما يثقل به الوطأة عليكم وتصل ~~به المضرة إليكم. وكان أهل دمشق يأبون المغاربة لمخالفتهم لهم في الاعتقاد ~~ولأنهم أمويون ولقبح سيرة الناظرين الذين كانوا عليهم PageV01P009 فقالوا: ~~أما أخبرناك لرئاستنا وسياستنا على أن نمكنك من تركنا ومفارقتنا أو نالوك ~~جهدا من نفوسنا ومساعدتنا ! ونفوسنا دونك وبين يديك في المدافعة عنك. ~~وجددوا له التوثقة على الطاعة والمناصحة. وفصل جوهر في العسكر الكثيف من ~~مصر بعد أن استصحب أمانا من العزيز بالله لا لفتكين وخاتما ودستا من ثيابه ~~وكتابا إليه بالعفو عنه وعما فرط منه فلما حصل بالرملة كاتب الفتكين بالرفق ~~والملاطفة وأن يبلغ له ما يريده وأعلمه ما قرره له مع العزيز بالله وأخذه ~~أمانه الموكد والتشريف ms017 الفاخر وأشار عليه في أثناء ذلك بترك اثارة الفتنة ~~وأن يطلب صلاح الحال من جهته وأقرب طرقه. فلما وصل الكتاب إليه ووقف عليه ~~أجابه عنه بالجميل من الجواب والمرضي من الخطاب والشكر على ما بذله له من ~~نفسه وغالطه في المقال واحتج عليه بأهل دمشق فيما يصرف رأيه وتدبيره عليه. ~~وكان كاتب الفتكين المعروف بابن الخمار وهو يرى غير رأي المغاربة ويزري ~~عنده على اعتقادهم ويقرر في نفسه وجوب قتالهم ووقف جوهر على كتابه فعلم انه ~~مصر على الحرب فسار إليه حتى إذا قرب منه ووصل إلى دمشق نزل في العسكر ~~بالشماسية وبرز إليه الفتكين في أصحابه ومن حشده من العرب وغيرهم ونشبت ~~الحرب بين الفريقين واتصلت مدة شهرين وقتل فيها عدد كثير من الطائفتين وظهر ~~من شجاعة الفتكين والغلمان الذين معه ما عظموا به في النفوس وتحصلت لهم ~~الهيبة القوية في القلوب. وأشار عليه أهل دمشق بمكاتبة أبي محمد الحسن بن ~~أحمد القرمطي واستدعائه للاجتماع معه على دفع المغاربة ففعل وسار الحسن ~~متوجها إليه في عسكره وعرف جوهر خبره فعلم انه متى حصل بين عدوين ربما تم ~~عليه مكروه منهما فرجع إلى طبرية. ووصل الحسن بن أحمد إلى الفتكين واجتمعا ~~وتحالفا وتعاقدا وسارا في أثر جوهر فاندفع منهما إلى الرملة وأقام بها ~~وأنفذ رحله وأثقاله إلى عسقلان وكتب إلى العزيز يعرفه بصورة الحال ويستأذنه ~~في قصد عسقلان ان دعته إلى ذلك ضرورة ووافى الفتكين والحسن بن أحمد القرمطي ~~ونزلا على الرملة ونازلا جوهرا وقاتلاه واجتمع إليهما من رجال الشام وعربها ~~تقدير خمسين ألف فارس وراجل ونزلوا بنهر الطواحين على ثلاثة فراسخ من البلد ~~ولا ماء لأهله إلا منه فقطعاه عنهم واحتاج جوهر وعسكره والرعية إلى الماء ~~المجتمع من المطر في الصهاريج وغناء ... قليل ومادته إلى نفاد ورأى جوهر ~~أنه لا قدرة له على المقام ومقاومته القوم فرحل إلى عسقلان في أول الليل ~~ووصل إليها في آخره وتبعه الفتكين والقرمطي إليها ونزلا عليها وحاصراه فيها ~~وضاقت الميرة به وغلت الأسعار ms018 عنده وكان الوقت شتاء لم يمكن حمل الأقوات ~~إليه في البحر واشتدت الحال حتى أكلت المغاربة وأهل البلد الدواب الميتة ~~وابتاعوا الخبز إذا وجدوه حساب كل خمسة أرطال بالشامي بدينار معزي. وكان ~~جوهر شجاعا مبارزا وربما خرج وتقدم وإذا وجد فرصة من الفتكين دعاه إلى ~~الطاعة وبذل له البذول المرغبة فيسترجعه الفتكين ويسترجله ويهم أن يقيل منه ~~ويجيبه ثم يثنيه عنه الحسن بن أحمد وابن الخمار الكاتب ويمنعانه ويخوفانه ~~ويحذرانه وزاد الضيق والشدة على المغاربة وتصور جوهر العطب إن لم يعمل ~~الحيلة في الخلاص فراسل الفتكين سرا وسأله القرب منه والاجتماع معه ففعل ~~ذلك الفتكين ووقفا على فرسيهما فقال له جوهر: قد علمت ما يجمعني وإياك من ~~حرمة الاسلام وحرمة الدين وهذه فتنة قد طالت وأزيقت فيها الدماء ونحن ~~المأخوذون بها عند الله تعالى وقد دعوتك إلى الصلح والموادعة والدخول في ~~السلم والطاعة وبذلت لك كل اقتراح وإرادة وإحسان وولاية فأبيت إلا القبول ~~ممن يشب نار الفتنة ويستر عنك وجه النصيحة فراقب الله تعالى وراجع نفسك ~~وغلب رأيك على هوى غيرك. فقال له الفتكين: أنا والله واثق به وبصحة الرأي ~~والمشورة منك لكنني غير متمكن مما تدعوني إليه ولا يرضى القرمطي بدخوله فيه ~~معي. فقال له: إذا كان الرأي والأمر على ذلك فإني أصدقك على أمري تعويلا ~~على الأمانة وما أجده من الفتوة عندك فقد ضاق الأمر وامتنع الصبر وأريد أن ~~تمن علي بنفسي وبها ولاء المسلمين الذين معي وعندي وتذم لي لأمضي وأعود إلى ~~صاحبي شاكرا وتكون قد جمعت بين حقن الدماء واصطناع المعروف وعقدت علي وعلى ~~صاحبي منة تحسن الأحدوثة عنك فيها وربما أملت المقابلة لك عنها. فقال له ~~الفتكين: PageV01P010 افعل وأمن على أن أعلق سيفي ورمح الحسن بن أحمد على ~~باب عسقلان وتخرج أنت وأصحابك من تحتها. فرضي جوهر بذلك وتعاهدا وتصافحا ~~عليه وأخذ ختم الفتكين رهنا على الوفاء به وافترقا وعاد الفتكين إلى عسكره ~~وجوهر إلى البلد وأنفذ جوهر إلى الفتكين ألطافا كثيرة ومالا فقبل ذلك ms019 منه ~~وكافاه عليه. وأنفذ الفتكين إلى القرمطي يعرفه ما جرى بينه وبين جوهر فركب ~~الحسن إليه وقال له: لقد أخطأت فيما فعلته وبذلته وجوهر هذا ذو رأي وحزم ~~ودهاء ومكر وقد استقلك بما عقده معك وسيرجع إلى صاحبه ويحمله على قصدنا ثم ~~لا يكون لنا به طاقة فيأخذنا ومن الصواب أن ترجع عن ذلك حتى يهلك هو ~~وأصحابه جوعا وتأخذهم بالسيف. فقال له الفتكين: قد عاهدته وحلفت له وما ~~استجيز الغدر به. وعلقا السيف والرمح وخرج جوهر وأصحابه تحتهما ووصل إلى ~~مصر ودخل على العزيز بالله وشرح له الحال واستفحال أمره ومن معه فقال له: ~~ما الرأي. قال: إن كنت تريدهم فأخرج بنفسك إليهم وإلا فإنهم واردون على ~~أثري. فأمر العزيز باخراج الأموال ووضع العطاء في الرجال وبرز بروزا كليا ~~واستصحب الخزائن والذخائر وتوابيت آبائه على القوم في ذلك وسار جوهر على ~~مقدمته. ووردت الأخبار على الفتكين والحسن القرمطي بما جرى فعادا إلى ~~الرملة وجمعا العرب واتفقا واحتشدا وتأهبا واستعدا وورد العزيز في العساكر ~~ونزل في الموضع المعروف بقصر ابن السرح بظاهر الرملة والفتكين والقرمطي على ~~قرب منه في الموضع المعروف ببركة الخيزران وبات العسكران على اعداد للحرب ~~وباكراها وقد اصطف كل منهما ميمنة وقلبا وميسرة وحال الفتكين بين الصفين ~~يكر ويحمل ويطعن ويضرب فقال العزيز لجوهر: أرني الفتكين. فأشار إليه وقيل ~~إنه كان في ذلك اليوم على فرس أدهم بتجافيف من مرايا وعليه كذا غند أصفر ~~وهو يطعن تارة بالرمح ويضرب أخرى بالسيف والناس يتحامونه ويتقونه فأعجب ~~العزيز ما رأى منه ومن هيئته وفروسيته وعلى رأسه المظلة ووقف وأنفذ إليه ~~ركابيا يختص بخدمته يقال له نميرة وقال له: قل: يا الفتكين أنا العزيز وقد ~~أزعجتني عن سرير ملكي وأخرجتني لمباشرة الحرب بنفسي وأنا مسامحك بجميع ذلك ~~وصافح لك عنه فأترك ما أنت عليه ولذ بالعفو مني فلك عهد الله وميثاقه اني ~~أومنك وأصطفيك وأنوه باسمك وأجعلك اسفهسلار عسكري وأهب لك الشام بأسره ~~وأتركه في يدك. فمضي نميرة الركابي إليه ms020 وأعاد الرسالة عليه فخرج بحيث يراه ~~الناس وترجل وقبل الأرض مرارا ومرغ خديه عليها معفرا وقال له: قل لأمير ~~المؤمنين لو تقدم هذا القول منك لسارعت إليه وأطعت أمرك فأما الآن فليس إلا ~~ما ترى، وعاد نميرة وقال ذلك للعزيز فقال له: ارجع إليه وقل له يقرب مني ~~ويكون بحيث أراه ويراني فإن استحققت أن يضرب في وجهي بالسيف فليفعل. فمضى ~~نميرة وقال له ذلك فقال: ما كنت الذي أشاهد طلعة أمير المؤمنين وأنابذه ~~بالحرب وقد خرج الأمر عن يدي. ثم حمل على الميسرة فكسرها وهزمها وقتل كثيرا ~~ممن كان فيها وشاهد العزيز ما جرى وكان في القلب فراسل الميمنة بالحملة ~~وحمل هو والمظلة على رأسه فانهزم الفتكين والقرمطي ووضع السيف في عسكريهما ~~فقتل منه نحو عشرين ألف رجل ومضى الحسن القرمطي هاربا على وجهه. وعاد ~~العزيز إلى معسكره ونزل في مضاربه وجلس الأسرى بحضرته والعرب تجيئه بمن يقع ~~في أيديها من أصحاب الفتكين والخلع تخرج إليهم مقابلة عن ذلك وقد بذل لمن ~~يجئه بالفتكين مائة ألف دينار وكان الفتكين يميل إلى المفرج بن دغفل بن ~~الجراح ويتمرده لأنه كان وضئ الوجه صبيحه وشاع ذلك عنه فيه واتفق ان انهزم ~~فطلب ساحل البحر ومعه ثلاثة من غلمانه رفقائه وبه جراح وقد كده العطش ~~فلقيته سرية من الخيل فيها المفرج فلما رآه التمس ماء فأعطاه إياه وقال له: ~~احملني إلى هناك. ففعل حتى إذا وصل إلى قرية تعرف بلبنا أنزله فيها وأحضره ~~ماء وفاكهة ووكل به جماعة من أصحابه وبادر إلى العزيز فتوثق منه في المال ~~الذي بذله في الفتكين ثم عرفه حصوله في يده وأخذ جوهرا ومضى فسلمه إليه ~~وورد المبشرون إلى العزيز بحصوله فتقدم بضرب نوبة من مضاربه وفرشها واعداد ~~ما يحتاج إلى اعداده من الآلات للاستعمال فيها واحضار كل من حصل في الأسر ~~منسوبا إليه فأحضر وأومنوا وكسوا ورتبوا في أشغالهم المنسوبة إليهم في ~~خدمته ووصل الفتكين وقد خرج العسكر لاستقباله وهو PageV01P011 غير شاك في ~~انه مقتول فأمر ms021 العزيز أن يعدل به إلى النوبة المضروبة وكانت قريبا من ~~مضاربه وبين يديه مختار الصقلبي صاحب القصر في جماعة من الخدم والصقالبة ~~يمنعون الناس منه ويحولون بينه وبينهم فلما رأى القواد والصقالبة والمغاربة ~~باب سرادق العزيز ترجلوا عن دوابهم وقبلوا الأرض ففعل الفتكين مثل ذلك ودخل ~~المضارب المعدة له فشاهد أصحابه وحاشيته على ما كانوا عليه من الحال والعمل ~~في خدمته وحمل إلى دست قد نصب له ليجلس عليه فرمى نفسه إلى الأرض ورمى ما ~~على رأسه وعفر خديه على التراب وبكى بكاء شديدا سمع منه نشيجه وقال: ما ~~استحققت الابقاء علي فضلا عن العفو الكريم والاحسان الجسيم ولكن مولانا أبي ~~إلا ما يقتضيه أعرافه الشريفة وأخلافه المنيفة. وامتنع من الجلوس في الدست ~~وقعد بين يديه وأتاه بعد ساعة أمين الدولة الحسن بن عمار وهو أجل كتابه ~~وجوهر ومعهما عدة من الخدم على أيديهم الثياب فسلما عليه وأعلماه رضي ~~العزيز عنه وتجاوزه عن الهفوة الواقعة منه وألبسه جوهر دستا من ملابس ~~العزيز كان في جملة الثياب وقال له: أمير المؤمنين يقسم عليك بحقه إلا طرحت ~~سؤ الاستشعار وعدت إلى حال السكون والانبساط. فجدد الدعاء وتقييل الأرض ~~وشكر جوهرا على ما ظهر منه في أمره وعاد الحسن وجوهر إلى العزيز فأخبراه ما ~~كان منه. وواصله العزيز بعد ذلك بالمراعاة والملاطفة في الفواكه والمطاعم ~~وتقدم من غد إلى البازيارية وأصحاب الجوارح بالمصير إلى باب مضربه وراسله ~~بالركوب إلى الصيد تأنيسا له وقاد إليه عدة من دواب بمراكبها فركب وهو ~~يشاهد القتلى من أصحابه وعاد من متصيده عشاء فاستقبله الفراشون بالشمع ~~والنفاطون بالمشاعل ونزل في مضاربه فلما كان في الليل ركب العزيز إليه ودخل ~~عليه فبادر إلى استقباله وتقبيل الأرض وتعفير خديه بالتراب فأخذ العزيز ~~بيده وأمره بالجلوس فامتنع ثلاث مرات ثم جلس فسأله عن خبره وخاطبه بما سكن ~~نفسه وقال له: ما نقمت عليك إلا انني دعوتك إلى مشاهدتي تقديرا أن تستحيي ~~مني فأبيت وقد عفوت الآن عن ذلك وعدت إلى أفضل ms022 ما تحب أن تطيب نفسك به ~~وسأصطنع لك اصطناعا يسير ذكره وافعل معك فعلا أزيد على أملك وأمنيتك فيه. ~~فبكى الفتكين بين يديه وقال: قد تفضلت يا أمير المؤمنين علي تفضلا ما ~~استحققته ولا قدرته وأرجو أن يوفقني الله بخدمتك ومقابلة نعمتك. وأنس ~~الفتكين بعد ذلك وخاطب فيمن بقي من أصحابه حتى أوجب لهم الأرزاق الواسعة ~~والتقريرات المتتابعة ونزلوا على مقاديرهم ورتبهم في مواضعه واستحجبه ~~العزيز وجعله من أخص خاصته وأقرب صاحب من خدمة حضرته. وكان العزيز قد أنفذ ~~النجب بالرسل والكتب تابعة للحسن بن أحمد القرمطي فلحقوه بطبرية وأعادوا ~~عليه الرسائل بالصفح عما جرى منه والدعاء إلى وطء البساط ليصطنعه ويصطفيه ~~والتماس ما يريده ليبلغه له ويرجع إلى بلاده فأقام على أمره وترددت ~~المراسلات إليه ومنه والوسيط جوهر إلى أن تقرر الأمر على ثلاثين ألف دينار ~~له ولأصحابه تحمل إليه في كل سنة ويكونوا على الطاعة والموادعة وحمل إليه ~~مال سنة وأضيف إليه ثياب كثيرة وخيل بمراكب وتوجه إليه جوهر وقاضي الرملة ~~فاستحلفاه للعزيز على الوفاء والمصلحة وأخذا له المواثيق المسدودة المؤكدة ~~وأعطياه المال والخلع والحملان وانصرف إلى الاحساء وعاد العزيز إلى مصر ~~والفتكين حاجبه ولم يزل المال المقرر للقرمطي يحمل إليه في كل سنة على يد ~~أبي المنجا صاحبه إلى أن مات. ووصل العزيز إلى مصر والقاهرة فدخلها ونزل في ~~قصره وأنزل الفتكين في دار حسنة بعد أن فرشت بالفروش الكثير وركب وجوه سائر ~~الدولة إليه حتى لم يتأخر أحد منهم عنه ووافاه فيمن وافاه أبو الفرج يعقوب ~~بن يوسف ابن كلس الوزير بعد أن لاطفه وهاداه وزاد أمر الفتكين بين يدي ~~العزيز وتكبر على ابن كلس الوزير وامتنع من قصده والركوب إليه وأمره العزيز ~~فلم يفعل وتدرجت الوحشة بينهما حتى قويت واستحكمت وأعمل الحيلة الوزير في ~~الراحة منه ودس إليه سما فقتله به ولما مضى لسبيله حزن العزيز حزنا شديدا ~~عليه واتهم ابن كلس واعتقله نيفا وأربعين يوما صح له منه خمسمائة ألف دينار ~~وواقفت الأمور باعتزاله ms023 النظر فيها فأعاده العزيز وجدد اصطناعه واستخدامه ~~انه مقتول فأمر العزيز أن يعدل به إلى النوبة المضروبة وكانت قريبا من ~~مضاربه وبين يديه مختار الصقلبي صاحب القصر في جماعة من الخدم والصقالبة ~~يمنعون الناس منه ويحولون بينه وبينهم فلما رأى القواد والصقالبة والمغاربة ~~باب سرادق العزيز ترجلوا عن دوابهم وقبلوا الأرض ففعل الفتكين مثل ذلك ودخل ~~المضارب المعدة له فشاهد أصحابه وحاشيته على ما كانوا عليه من الحال والعمل ~~في خدمته وحمل إلى دست قد نصب له ليجلس عليه فرمى نفسه إلى الأرض ورمى ما ~~على رأسه وعفر خديه على التراب وبكى بكاء شديدا سمع منه نشيجه وقال: ما ~~استحققت الابقاء علي فضلا عن العفو الكريم والاحسان الجسيم ولكن مولانا أبي ~~إلا ما يقتضيه أعرافه الشريفة وأخلافه المنيفة. وامتنع من الجلوس في الدست ~~وقعد بين يديه وأتاه بعد ساعة أمين الدولة الحسن بن عمار وهو أجل كتابه ~~وجوهر ومعهما عدة من الخدم على أيديهم الثياب فسلما عليه وأعلماه رضي ~~العزيز عنه وتجاوزه عن الهفوة الواقعة منه وألبسه جوهر دستا من ملابس ~~العزيز كان في جملة الثياب وقال له: أمير المؤمنين يقسم عليك بحقه إلا طرحت ~~سؤ الاستشعار وعدت إلى حال السكون والانبساط. فجدد الدعاء وتقييل الأرض ~~وشكر جوهرا على ما ظهر منه في أمره وعاد الحسن وجوهر إلى العزيز فأخبراه ما ~~كان منه. وواصله العزيز بعد ذلك بالمراعاة والملاطفة في الفواكه والمطاعم ~~وتقدم من غد إلى البازيارية وأصحاب الجوارح بالمصير إلى باب مضربه وراسله ~~بالركوب إلى الصيد تأنيسا له وقاد إليه عدة من دواب بمراكبها فركب وهو ~~يشاهد القتلى من أصحابه وعاد من متصيده عشاء فاستقبله الفراشون بالشمع ~~والنفاطون بالمشاعل ونزل في مضاربه فلما كان في الليل ركب العزيز إليه ودخل ~~عليه فبادر إلى استقباله وتقبيل الأرض وتعفير خديه بالتراب فأخذ العزيز ~~بيده وأمره بالجلوس فامتنع ثلاث مرات ثم جلس فسأله عن خبره وخاطبه بما سكن ~~نفسه وقال له: ما نقمت عليك إلا انني دعوتك إلى مشاهدتي تقديرا أن تستحيي ms024 ~~مني فأبيت وقد عفوت الآن عن ذلك وعدت إلى أفضل ما تحب أن تطيب نفسك به ~~وسأصطنع لك اصطناعا يسير ذكره وافعل معك فعلا أزيد على أملك وأمنيتك فيه. ~~فبكى الفتكين بين يديه وقال: قد تفضلت يا أمير المؤمنين علي تفضلا ما ~~استحققته ولا قدرته وأرجو أن يوفقني الله بخدمتك ومقابلة نعمتك. وأنس ~~الفتكين بعد ذلك وخاطب فيمن بقي من أصحابه حتى أوجب لهم الأرزاق الواسعة ~~والتقريرات المتتابعة ونزلوا على مقاديرهم ورتبهم في مواضعه واستحجبه ~~العزيز وجعله من أخص خاصته وأقرب صاحب من خدمة حضرته. وكان العزيز قد أنفذ ~~النجب بالرسل والكتب تابعة للحسن بن أحمد القرمطي فلحقوه بطبرية وأعادوا ~~عليه الرسائل بالصفح عما جرى منه والدعاء إلى وطء البساط ليصطنعه ويصطفيه ~~والتماس ما يريده ليبلغه له ويرجع إلى بلاده فأقام على أمره وترددت ~~المراسلات إليه ومنه والوسيط جوهر إلى أن تقرر الأمر على ثلاثين ألف دينار ~~له ولأصحابه تحمل إليه في كل سنة ويكونوا على الطاعة والموادعة وحمل إليه ~~مال سنة وأضيف إليه ثياب كثيرة وخيل بمراكب وتوجه إليه جوهر وقاضي الرملة ~~فاستحلفاه للعزيز على الوفاء والمصلحة وأخذا له المواثيق المسدودة المؤكدة ~~وأعطياه المال والخلع والحملان وانصرف إلى الاحساء وعاد العزيز إلى مصر ~~والفتكين حاجبه ولم يزل المال المقرر للقرمطي يحمل إليه في كل سنة على يد ~~أبي المنجا صاحبه إلى أن مات. ووصل العزيز إلى مصر والقاهرة فدخلها ونزل في ~~قصره وأنزل الفتكين في دار حسنة بعد أن فرشت بالفروش الكثير وركب وجوه سائر ~~الدولة إليه حتى لم يتأخر أحد منهم عنه ووافاه فيمن وافاه أبو الفرج يعقوب ~~بن يوسف ابن كلس الوزير بعد أن لاطفه وهاداه وزاد أمر الفتكين بين يدي ~~العزيز وتكبر على ابن كلس الوزير وامتنع من قصده والركوب إليه وأمره العزيز ~~فلم يفعل وتدرجت الوحشة بينهما حتى قويت واستحكمت وأعمل الحيلة الوزير في ~~الراحة منه ودس إليه سما فقتله به ولما مضى لسبيله حزن العزيز حزنا شديدا ~~عليه واتهم ابن كلس واعتقله نيفا وأربعين ms025 يوما صح له منه خمسمائة ألف دينار ~~وواقفت الأمور باعتزاله النظر فيها فأعاده العزيز وجدد اصطناعه واستخدامه ~~PageV01P012 ولاية قسام التراب لدمشق # بعد الحاجب الفتكين المقدم ذكره والسبب في غلبته على الأمر في سنة 368 ~~وما آل أمره إليه PageV01P013 السبب في غلبة قسام على ولاية دمشق إن ~~الفتكين المعزي المذكور كان قد استخدمه وقدمه واعتمد عليه وسكن في كثير من ~~أمره إليه فصار له بذلك صيت يخشى به ويرجا له. واتفق خلو البلد من أكابر ~~الولاة بعد الفتكين وفراغه من شجعان الرجال وكان فيه المعروف بحميدان قد ~~وليه وأمر فيه ونهي وأخذ وأعطى ففسد الأمر بين قسام وبين حميدان فصار ~~حميدان من تحت حكم قسام لقهره له بكثرة من معه من الأحداث واستيلائه على ~~البلد فطرده قسام عن الولاية ونهب أصحابه ما كان في داره وخرج هاربا فتمكن ~~قسام من البلد واستقامت حاله فيه واجتمعت إليه الرجال وكثر ما في يده وقويت ~~شوكته وتضاعفت عدته وعدته وولي القائد أبو محمود البلد بعد حميدان في نفر ~~يسير وهو ضميمة لقسام. واتفقت النوبة الحادثة ببغداد بين الديلم والعرب من ~~بني حمدان وهروب أبي تغلب الغضنفر بن حمدان في البرية والجبال إلى أن خرج ~~إلى حوران فقصد دمشق ونزل عليها فمنع قسام من دخول أحد من رجاله إليها ووصل ~~كتاب العزيز بالمنع له من البلد فسأل أبو تغلب عامل الخراج بدمشق أن يمكن ~~أصحابه من ابتياع ما يحتاجون إليه من الأسواق فكلم العامل قساما في ذلك ~~فأذن له فيه ودخل أصحابه البلد وقد كان طمع أن يوليه العزيز وكان قسام قد ~~خاف من ذلك وسعى قوم بينهما وكان أبو تغلب نازلا بالمزة فأقام بها شهورا ~~فشق قسام مقامه وظن أنه يلي البلد. فلما كان في بعض الأيام وقف رجل من ~~العجم من أصحاب ابن تغلب في باب الجابية وكان نشوانا فجرد سيفه وقال: إلى ~~كم يكون هذا العيار. فعظم ذلك على قسام وتخوف أن يكون لأبي تغلب سلطنة ~~فيملكه ومن معه ففسد الأمر بينهما ms026 بهذا السبب وتقدم قسام إلى أصحابه بأخذ ~~كل من يدخل من أصحاب أبي تغلب فكمنوا في خراب قينية فأخذوا منهم نحو سبعين ~~رجلا وقتلوا منهم جماعة وعاد من أفلت منهم إلى أبي تغلب عراة قد أخذت ~~ثيابهم ودوابهم فلم يتمكن أبو تغلب من شيء يفعله. وكتب إلى مصر بذلك فلما ~~وقف أبي تغلب واهلاكه ونزل الرملة وأوصل إلى ابن جراح سجلا بولاية الرملة ~~وقال: إن هذا أبا تغلب يريد أن يسير إليها ليأخذها بسيفه وأنا معين لك عليه ~~وكان أبو تغلب قد رحل عن دمشق نحو الفوار ونزل عليه وسار الفضل ونزل طبرية ~~وراسل أبا تغلب في الاجتماع معه وكان الفضل يهوديا أولا وكان أبوه طبيبا ~~فكبرت نفس أبي تغلب أن يجلس معه على سرير من جهة اليهودية فأعلم ذلك فقال: ~~كل منا على سرير. فاجتمعا في طبرية وجلس كل منهما على سريره وجرت بينهما ~~محاورات على ان الرملة ولاية لأبي تغلب ويقلع ابن جراح منها وأنا معين لك ~~عليه وقرر ذلك في نفسه وسار الفضل إلى دمشق يجبي الخراج ويفضه في الجند ~~وزاد في العطاء وزاد في جنده وعسكره وسار عن دمشق وأخذ طريق الساحل. وشرع ~~أبو تغلب في أمره وتوجه نحو الرملة وقد اجتمع إليه بنو عقيل مع شبل بن ~~معروف العقيلي فهرب ابن جراح منها وجعل يحشد العرب ويحشد ثقة بمعونة الفضل ~~له وكذلك أبو تغلب مثله أيضا فلما توجه الفضل على الساحل ونزل على عسقلان ~~وقصد ابن جراح أبا تغلب بعسكره وسارت بنو عقيل مع شبل ابن معروف واصطلوا ~~القتال للطاس كذا وأبو تغلب واقف في مصافه وعاد الفضل واجتمع مع ابن الجراح ~~بعسكره وكان معه مغاربة كثيرة فقالوا لأبي تغلب: قد اجتمع عسكر الفضل مع ~~عسكر ابن جراح. فقال: على هذا جرت الموافقة بيني وبينه. فلما نظر المغاربة ~~الذين كانوا مع أبي تغلب إلى مغاربة الفضل قد أقبلوا مع عسكر ابن جراح ~~حملوا يريدون الدخول معهم فقالوا لابن تغلب: احمل في أثر هؤلاء من قبل ms027 أن ~~يدهمك الأمر. فبقي متحيرا وعلم إن الحيلة قد تمت عليه فلما حمل المغاربة ~~الذين كانوا معه وساروا مع أصحابهم وأقبل العسكران على عسكر أبي تغلب ~~فانهزم جميع من كان معه ثم انهزم هو فلم يدر في أي طريق يأخذ وكانت عدته في ~~الغابة جميعها وذكر أنه لم يتقدم إليه رجل إلا ضربه. ولم يزل على ذلك حتى ~~تبعه رجل من أصحاب ابن جراح يقال له منيع فصاح إليه: يا إنسان اسمع مني أنا ~~ألحق بك. وظن أن كلامه حق فقال له: هذه الخيل التي أمامك خيلنا فلو وقفت ~~علي لنجوت بك. وكان يتكلم معه وهو يقرب منه وبيده رمح فطول الرمح وهو يكلمه ~~وهو يظن الا يقدر عليه فلم يمكنه في أبي تغلب شيء فطعن عرقوب فرسه فوقف به ~~الفرس فأخذه وسار به إلى ابن جراح فأركب جملا وأشهر PageV01P014 بالرملة ~~وقتله وأحرقه وذلك في صفر سنة 369 وخلت الديار لابن جراح وأتت بنو طيء على ~~الناس وشملهم البلاء منهم. وكان العزيز قد خاف من الملك عضد الدولة فناخسره ~~بن بويه خوفا شديدا لأنه كان عازما على انفاد العساكر إلى مصر فعاقه عن ذلك ~~الخلف الجاري بينه وبين أخيه واشتغاله به في سنة 369رملة وقتله وأحرقه وذلك ~~في صفر سنة 369 وخلت الديار لابن جراح وأتت بنو طيء على الناس وشملهم ~~البلاء منهم. وكان العزيز قد خاف من الملك عضد الدولة فناخسره بن بويه خوفا ~~شديدا لأنه كان عازما على انفاد العساكر إلى مصر فعاقه عن ذلك الخلف الجاري ~~بينه وبين أخيه واشتغاله به في سنة 369 # سنة تسع وستين وثلاثمائة # فيها خرج العسكر المصري مع القايد سليمان بن جعفر بن فلاح في أربعة ألف ~~من المغاربة ووصل إلى دمشق فصادف قساما قد غلب عليها فنزل في بستان الوزير ~~بزقاق الرمان وعسكر حوله في دور هناك. فثقل أمره على قسام وطال مقامه في ~~غير شيء وقلت نفقته ورام أن يظهر صرامة فيتمكن من البلد فقال لقسام: لا ~~يحملن أحد سلاحا. ms028 فأبوا ذلك فبعث إلى الغوطة من يتلوها ويمنع من خفارة تؤخذ ~~منها وحمل السلاح فيها فأعلم قسام ذلك فقال: لا يحفل بهذا الأمر بل كونوا ~~على ما كنتم عليه. وثار قسام ومن معه إلى الجامع وصاروا إلى البستان الذي ~~فيه سليمان فأخرجوهم وخرج سليمان وأصحابه إلى الدكة ونزل على نهر يزيد ~~وقسام جالس في الجامع ولم يشهد الحرب مع أصحابه وقد أحضر المشايخ وكتب بما ~~جرى إلى مصر وعمل محضرا على نفسه انه متى جاء للملك عضد الدولة عسكر أغلق ~~الأبواب وقاتله ليكون لك معونة على ما يريده فلما وقف عليه العزيز وافق ~~غرضه وأنفذ رسله وكتابه إلى سليمان بن فلاح يأمره بالرحيل عن دمشق فرحل ~~عنها وكان مقامه بها شهورا من سنة 369 ورجع القائد أبو محمود إلى دمشق. ~~ولما تم للفضل ما دبره على أبي تغلب ووافق الأغراض عزموا على أعمال الحيلة ~~على ابن جراح لأن أمره كبر وشره ظهر وتوجه إلى قسام ليعمل أيضا عليه وأظهر ~~انه يريد المسير إلى حمص وحلب ليأخذهما وجمع بني عقيل ونزل بظاهر دمشق وعلم ~~ابن جراح بمكاتبته لبني عقيل فأخذ حذره وأمر أصحابه بالرحيل وركب أصحاب ~~الفضل وأخذوا من العرب تقدير خمسمائة فارس وسار ابن جراح عن دمشق. وانضمت ~~بنو عقيل إلى الفضل مع شبل وظالم في صفر سنة 370 وبطل كل ما أراد الفضل ~~عمله من الحيلة على ابن جراح وقسام ورحل عن دمشق في طلب ابن جراح وجد في ~~طلبه فبعد عنه وكتب ابن جراح إلى مصر يتلطف أمره فورد الأمر على الفضل ~~بالكف عنه وعاد الفضل إلى مصر وعاد ابن جراح إلى فلسطين فأخربها وأهلك من ~~فيها. وكان الرجل يدخل إلى الرملة يطلب فيها شيئا يأكله فلا يجده ومات ~~الناس بالجوع وخربت الأعمال وأما دمشق فكان قد اشتد بها غلاء السعر. وكان ~~بكجور قد ولي حمص من قبل سعد الدولة أبي المعالي بن سيف الدولة بن حمدان ~~فواصل إليها الغلة مع العرب بحيث اتصلت مع الأيام وعمرت الطرقات ms029 وجعل فيها ~~من يخفر سالكيها. وكانت العرب قد طمعت في عمل دمشق وأفسدت الغوطة وكان بها ~~القائد أبو محمود واليها في ضعف وهو ضميمة لقسام فملك في دمشق في سنة 370 ~~وكان بكجور قد ضمن أعمال المغاربة قارا وبيرود ومعلولا والتينة وصيدنايا ~~والمعرة وتلفيتا وغيرها من ضياع جبل سنير فحماها من العرب والحرامية وحسنت ~~حال دمشق بذلك. وكاتب بكجور العزيز في ترغيبه في الأجناد حملة السلاح ~~فاجتمع إليه حين فعل ذاك الخلق الكثير من سائر البلاد وكانوا حوله إذا ركب ~~من داره فقهر بهم المغاربة واستظهر عليهم في سنة 370 وفيها وردت الأخبار ~~بوفاة الملك عضد الدولة فناخسره بن بويه في يوم الاثنين ثامن شوال منها ~~وكتم أمره وكانت مدته بالعراق خمس سنين ونصفا وانتهى ذلك إلى الوزير بن كلس ~~فدخل على العزيز فأعلمه فسر بذلك وخلع عليه وأمنوا بعد وفاته وعملوا على ~~الخروج إلى الشام # سنة احدى وسبعين وثلاث مائة PageV01P015 فيها وقع الاهتمام بتجهيز ~~العساكر المصرية إلى ابن جراح وقد اشتهر أمره بارتكاب العيث والفساد واخراب ~~البلاد فلما سار العسكر من مصر مع القائد بلتكين التركي وكان فيها اعجام ~~ومغاربة ومن كل الطوايف فنزل الرملة وأجفل ابن جراح وكان قد قوي أمره وصار ~~معه جند يرمون بالنشاب وخلق عظيم وسار معه بشارة والي طبرية واجتمع إليه من ~~العرب من قيس وغيرها جمع كثير ونشبت الحرب بين الفريقين وكان بلتكين المقدم ~~قد خرج على ابن جراح من ورائه بعد اشتداد الحرب فانهزموا وأخذهم بالسيف ~~وأسر ابن جراح وأفلت ونهب عسكره وقصد أرض حمص في البرية وقصد أنطاكية ~~واستجار بصاحبها فأجاره وأمنه. وصادف خروج بارديس من قسطنطينية في عسكر ~~عظيم يريد أرض الاسلام فخاف ابن جراح وكاتب بكجور خوفا على نفسه. وكان ~~القائد بلتكين المقدم قد نزل على دمشق في ذي الحجة سنة 370 وكان على العسكر ~~منشا بن الفرار اليهودي فتلطف أمر قسام فلم يتمكن من ذلك وكان بدمشق مع ~~قسام القائد جيش بن الصمصامة شبه وال وقد كان ولي ms030 البلد بعد مهلك خاله ~~القائد أبي محمود في سنة 70 ولما نزل القائد بلتكين مقدم العسكر المصري على ~~المزة وجده رجلا أحمق فلم يحفل به ودخل على منشا الكاتب فقال: اني قضيت حق ~~هذا القائد ولم يجئ إلي ولم يقض حقي وأنا الوالي. فهزأ به منشا وقال له: ~~نعم أنت الوالي. وظن انما نزول العسكر على دمشق ليصلح البلد وقالوا: تخرج ~~أنت ومن معك إلى ظاهر البلد. فخرج هو ومن معه فعسكر نحو مسجد إبراهيم عليه ~~السلام وكان عسكر بشارة نازلا في ذلك المكان وكانت المراسلة بينهم وبين ~~قسام أن يسلم البلد ويكون هو آمنا على نفسه ومن معه فعلم قسام انهم إن بقوا ~~في البلد أهلكوه ومن معه فقال: لا أسلم البلد. وضبط أصحابه فلما كان يوم ~~الثلاثا التاسع عشر من المحرم سنة 373 وقع بين قوم من أصحاب قسام وقوم من ~~أصحاب القائد بشارة الخادم عند باب الحديد فظهر عليهم أصحاب بشارة وأقبل في ~~غد أصحاب جيش بن الصمصامة فخرج أصحابه إليهم فطردوهم ثم نشبت الحرب وأحرق ~~ربض باب شرقي واطلقت النار في عدة مواضع وملكوا الشاغور ودخلت الأتراك على ~~خيلهم في البطاطين وأحرقوا سقيفة وعدة مواضع ومساجد وعمها الخراب بعد ما ~~كانت عليه من حسن العمارة واشتد بالناس الخوف والمضرة. فاجتمع الناس وكلموا ~~قساما بأن يخرجوا إلى القائد بلتكين فيصلحوا الأمر معه فلازمهم وذل بعد ~~تحيره وتبلده وقال: افعلوا ما شيئتم. وكان اجتماع الناس لطفا من الله تعالى ~~فخرجوا إليه وخاطبوه فصرف أصحابه عن القتال وعن الأبواب وانصرف أصحاب قسام ~~إليه فوجدوه خائفا فأخذ كل لنفسه ورجع المشايخ إلى قسام فقالوا له: قد أجاب ~~القائد إلى ما تحب وأمنك على نفسك وأصحابك. فخاطبوه بذلك وهو ساكت حائر وقد ~~بان ذلك في وجهه فلما رأوه كذلك خافوا أن يعود عن تسليم البلد على أمان لي ~~ولأصحابي فعاد المشايخ إلى بلتكين القائد وأعلموه الخطاب والجواب فأجابهم ~~إلى ما طلب وقال لهم: نريد أن ننزل على هذا البلد في هذا ms031 اليوم. فقالوا: ~~افعل ما تحب وتوثر. فولي البلد حاجبا يقال له خطلخ في خيل ورجل فدخل ~~المدينة من يومه. وكان مبدأ الحرب في هذه النوبة يوم الخميس لعشر بقين من ~~المحرم سنة 373 والدخول إلى البلد يوم الخميس لثلاث بقين منه ولم يعرض ~~لقسام ولا لأحد من أصحابه وتفرق أصحابه عنه وأقام يومين واستتر وقيل هرب ~~فصاروا إلى داره وأخذوا ما فيها وحولها من دور أصحابه وطلب فلم يوجد ونودي ~~عليه وبذل لمن يظهره خمسون ألف درهم ولمن يدل على مكانه عشرون ألفا فقال ~~لهم قائل: هو في كنيسة اليهود بين البطاطين فجاءوا إلى الديان وقالوا: نريد ~~أن نخرب هذه الكنيسة أو نحرقها بالنار فإن قساما فيها. فاصعدهم ودار بهم ~~فيها فلم يروا أثرا ولا عرفوا له خبرا فلما أخذت امرأته وولده قالت لمن سمع ~~منها: ما تنتظروا يا مشوم. وكان عند رجل في الحائر ولم يفطن به أحد فخرج في ~~الليل إلى العسكر فوقف على خيمة منشا الكاتب وقال: رجل يريد أن يدخل إلى ~~الرئيس. فقالوا: ومن هو. قال: قسام. فدخل عليه على غير أمان فبعث إلى ~~القائد بلتكين فأعلمه فأخذه إليه وأدخله عليه وحملوه إلى خيمة وقالوا له: ~~مد رجلك. فقال: ما أفعل أنا جئتكم بأمان. فأخرج الحاجب الدبوس فضربه به فمد ~~رجله فقيد وحمل إلى مصر فعفي عنه لما جاءهم في الأمان. PageV01P016 وكان ~~قسام هذا أصله من قرية بجبل سنير يقال لها تلفيتا من قوم يقال لهم الحارثون ~~بطن من العرب نشأ بدمشق وكان يعمل في التراب ثم انه صحب رجلا يقال له ابن ~~الجسطار من مقدمي الأحداث وحملة السلاح وطالبي الشر فصار من حزبه وتزايد ~~أمره إلى ما انتهى إليهن قسام هذا أصله من قرية بجبل سنير يقال لها تلفيتا ~~من قوم يقال لهم الحارثون بطن من العرب نشأ بدمشق وكان يعمل في التراب ثم ~~انه صحب رجلا يقال له ابن الجسطار من مقدمي الأحداث وحملة السلاح وطالبي ~~الشر فصار من حزبه وتزايد أمره إلى ما ms032 انتهى إليه # ولاية بكجور لدمشق # والسبب في ذلك في سنة 372 PageV01P017 كان من ابتداء أمر بكجور ما ذكر ~~انه كان غلاما مملوكا لفرغويه أحد غلمان سيف الدولة بن حمدان صاحب حلب وكان ~~فرغويه قد غلب على أمر حلب بعد وفاة سيف الدولة ومنع ولده سعد الدولة أبا ~~المعالي منها ودفعه عنها فسار أبو المعالي إلى حماة ورفنية وكان ينزل مهما ~~في عسكره. وكانت الروم قد خربت حمصا وأعمالها ونزل رقتاش التركي غلام سيف ~~الدولة من حصن برزويه فلقي مولاه أبا المعالي وسار معه ونزل على حمص وشرع ~~في عمارتها ولم شعثها لأن الروم لما ملكتها أفسدت أعمالها في النوبة الأولى ~~عند خروجهم في سنة 358 على غفلة من أهلها وغرة ممن بها واجتهد رقتاش في ~~عمارتها وتحصينها وأبو المعالي يقوي أمره بها ويشد شوكته فيها. وكان فرغويه ~~قد استناب بكجور في حلب فلما قوي أمره قبض على مولاه وحبسه في قلعة حلب ~~وملك البلد وأقام تقدير ست سنين. وكوتب أبو المعالي من حلب وأطمع في تملك ~~البلد في رجال فرغويه وأن يكونوا عونا له على أمره فجمع بني كلاب ومن أمكنه ~~ونهض صوب حلب ونزل على معرة النعمان فملكها وأخذ منها غلاما كان غلب عليها ~~يقال له زهير فقتله وسار عنها فنزل حلب سنة 366 فأقام عليها تقدير أربعة ~~أشهر ثم تسهل له فتحها بحيلة عملها وتحصن بكجور في القلعة فراسله أبو ~~المعالي فطلب منه الأمان فأمنه فقال بكجور: أريد يتوسط بيني وبينك وجوه ~~البلد من بني كلاب. فأجابه إلى ذلك فتوسطوا الأمر بينهما وأخذوا له العهد ~~والميثاق والأمان على نفسه وولده وماله وانه لا يغدر به ويوليه حمصا على ~~انه ينحدر من القلعة ويسلمها ولا يأخذ منها شيئا إلا ما لا بد منه فأجابه ~~إلى ذلك فولاه حمصا لما نزل من القلعة وسلمها ووفى له بكل ما عاهده عليه. ~~وسار بكجور إلى حمص في السنة المذكورة وصرف همه إلى عمارتها وكان أمره كل ~~يوم فيها إلى الزيادة بعد الدخول ms033 غليها في الضعف. واتفق له إن أعمال دمشق ~~من حوران والبثنية قد اختلت وخربت على ما تقدم ذكره من قلة القوت بها وغلاء ~~السعر فيها وجلا منها خلق كثير إلى حمص فعمر البلد وكثر الناس عنده. وكان ~~في بكجور خور وكان مجتهدا في العمارة وأمن السبل والطرق فلما انقطعت الغلات ~~عن دمشق ومات بها كثير من الناس جوعا من أهل حوران والبثنية ورغب الناس ~~جالبون منها في حمل الغلة إلى دمشق مكنهم من ذلك وحمى لهم الطرق في ترددهم ~~بادين وعائدين فحسن حال حمص وكثر السفر إليها ومنها. وكانت العرب قد طمعت ~~في أعمال دمشق وكان واليها القائد أبو محمود بن جعفر في ضعف وقسام غالب ~~عليه واتفق وفاة أبي محمود إبراهيم بن جعفر المذكور بدمشق في صفر سنة 370 ~~وكان بكجور قد ضمن أعمال المغاربة على ما تقدم ذكره وحماها من العرب وحسنت ~~حال دمشق بحمل الغلات إليها في تلك الشدة. وكان بكجور يكاتب العزيز بالله ~~بمصر وورد الجواب عليه بأن تصير إلى بابنا لنوليك دمشق وكان العزيز قد رغب ~~في الجند الذين يعملون السلاح مثل الناشب والرامح وجمع الجمع الكثير ~~وأخرجهم إلى حرب الفتكين وجرى من أمره ما ذكر في موضعه. فلما كان في سنة ~~372 وقعت الوحشة بين سعد الدولة أبي المعالي بن سيف الدولة بن حمدان صاحب ~~حلب وبين بكجور وراسله بأن يخرج من بلده فكتب بكجور إلى العزيز يسأله انجاز ~~الوعد بولاية دمشق ودعت الحاجة إلى عود القائد بكجور مقدم العسكر المصري ~~بحكم اعتزام المغاربة على الوثوب بالوزير ابن كلس وقتله وقادت الضرورة ~~العزيز إلى أن ولي بكجور دمشق وكتب إلى بلتكين ومنشا كاتب الجيش بأن يسلم ~~البلد إلى بكجور ويرحل عنه. وقد كان كتب أيضا كتابا إلى العزيز إن إن أنفذ ~~إلي عسكرا لآخذ لك حلب وأطمعه في ذلك فأنفذ إليه بعض عسكر دمشق فسار بهم ~~ونزل على حلب وحصرها مدة يسيرة. فظهر دمستق الروم بارديس ونزل على أنطاكية ~~وعزم على كبس بكجور على ms034 حلب فكتب إليه ابن جراح يحذره فرحل عن حلب وتبعه ~~عسكر الروم في أثره وتم بكجور ونزل على حمص وحمل ما كان له إلى بعلبك ونزل ~~في جوسية في جمع عظيم ونزل ملك الروم ميماس حمص ولم يعرض للبلد ودخل ~~المدينة وشاهد الكنيسة ورحل عنها متوجها إلى البقيعة يريد طرابلس. وأنفذ ~~إلى أهل حمص رسولا يقول لهم: نريد مالا يحمل إلينا. فقالوا: هذا بلد خراب ~~ليس فيه مال. فرجع ونزل عليها وقال لأهلها: من خرج من البلد فهو آمن. فخرج ~~قوم وأقام قوم فدخل عسكره فنهب وسبى وأحرق الجامع PageV01P018 ومواضع من ~~البلد وتحصن قوم بالمغاير فأوقد عليهم فأهلكهم الدخان ولم يعرض للعرب ولا ~~لمن هرب إليها وكان دخول الروم إلى حمص يوم الثلاثاء التاسع عشر من جمادى ~~الأول سنة 373 وهي النوبة الثانية للروم وقيل إن أبا المعالي بن سيف الدولة ~~خاف من أخذ بكجور حلب بالمغاربة فأنفذ إلى ملك الروم يسأله اخراب حمص. ورجع ~~أكثر من كان مع بكجور من عسكر دمشق أصحاب القائد بلتكين وبقي بكجور وأصحابه ~~منتظرا أن يرحل بلتكين عن دمشق ويسير إليها. وكان السبب في تأخر ولاية دمشق ~~إن الوزير ابن كلس كتب إلى بلتكين أن لا يسلم دمشق إلى بكجور وعرف العزيز ~~ذاك وكتب يذكر بأمره وانجاز وعده فسأل العزيز عن تأخر الأمر في ذلك فقال له ~~الوزير: الصواب أن لا يلي بكجور دمشق ويعصى فيها. قال: نحن استدعيناه لذلك ~~ووعدناه به. فقال: قد كان ذاك والحزم أن لا يولي. فقال له: لا بد من ذلك. ~~فكتب الوزير إلى منشا بن الفرار كاتب الجيش: واقف بكجور على ما يأخذ من ~~المال له ولرجاله وسلم ولاية دمشق إليه. فسلم بلتكين البلد إليه وعاد ~~متوجها إلى مصر في يوم الأحد مستهل رجب سنة 372 وكانت ولاية بلتكين دمشق ~~خمسة شهور ودخل بكجور البلد واليا في يوم السبت سابع رجب من السنة وقد عرف ~~إن الذي أخر الولاية الوزير بن كلس فحقد بكجور عليه. وكان لابن كلس ms035 نائب في ~~عمله وضياعه يقال له ابن أبي العود يهودي وكان يكتب إليه بأخبار البلد فقال ~~بكجور: هذا عين علي. وتقدم بقتله فقتل فلما بلغ ذلك الوزير عظم عليه واغتم ~~له وأعلم الوزير العزيز وقال: هذا مبدأ عصيان بكجور وقد تمكن من البلد وجاء ~~معه ابن جراح وهو عدو. فلما كان في سنة 77 عزم الوزير على العمل على قتل ~~بكجور فأنفذ إلى غلام نصراني عطار يعرف بابن أخي الكويس من أهل دمشق إن ~~احتل على قتل بكجور ولم يكن النصراني من أهل ذاك فقال: لا يتم هذا الأمر ~~إلا برجل من الجند من أصحابه يعين على هذا الأمر. فكتب رقعة بما يريد إلى ~~بعض أصحاب بكجور، فلما وصلت الرقعة إليه ونظر ما فيها فظن إن بكجور دسها ~~إليه ليبلوه بها فأوصل الرقعة إلى بكجور فوقف عليها وقال: أريد من جاءك ~~بها. فقال: إنما أوصلتها إليك لأبرأ من أمرها ولا أكتمها عنك. فلم يقبل ~~قوله ولج في طلبه وقال له: إن الذي أوصل الرقعة أجيرا لابن أخي الكويس ~~العطار. فوجه قبض عليه وعلى الأجير ووضع العقوبة على العطار وقال: أريد ~~الصبي. وقبض على قوم كانوا يعاشرون العطار فكحلهم ونفاهم وكان فيهم ثلاثة ~~من أهل العلم والفضل يقال لأحدهم ابن الخطاب والآخر الخلادي والثالث ~~المستولي وأخرج ابن الكويس بعد ما صفي ومعه رجلان من المتهمين فصلبوا أقبح ~~صلب وماتوا في غد ذلك اليوم في رمضان سنة 77 وبلغ الخبر الوزير ابن كلس ~~فعظم عليه وازداد حنقا وأعلم العزيز ذاك واتفق أن يخرج إليه عسكر ومعه جراح ~~وشرع بكجور في أذية الناس من أصحاب الوزير في ضياعه وجار في البلد جورا ~~عظيما ولم يخل من القتل والصلب والفتك. فجرد إليه في سنة 78 القائد منير ~~الخادم في عسكر كثيف وأصدرت الكتب إلى ولاة الأعمال بالمسير معه ولما عرف ~~بكجور ذلك أنفذ إلى العرب وجمع وحشد واستقبل العسكر فالتقيا وصدقوا القتال ~~وكثر في بني كلاب الطعن والجراح وبشارة ومنير المقدمان قائمان في أصحابهما ms036 ~~عليهما الحديد فحملوا جميعا على الكلبين فهزموهم والجؤهم إلى حيطان داريا ~~فرجعوا ومن معهم من أصحاب بكجور خاسرين مفلولين. فخاف بكجور على نفسه أن ~~يؤخذ فراسلهم بأنه يسلم البلد ويرحل عنه وقد كان كوتب القائد نزال والي ~~طرابلس بالمسير والنزول على دمشق وكان عسكره ستة ألف فسار فلما عرف بكجور ~~انفصاله قلق وخاف وذل وراسل منشا بن الفرار الكاتب باني عازم على المسير من ~~هذا البلد وأريد أن أكون على عهد وأمان ولا أتبع بمضرة فأجيب إلى ما التمس ~~وجمع ماله وسلاحه وخاف من الرجعة والحيلة أن يقع عليه من البلد وأخفى أمره ~~وستر مسيره فلما كان في يوم الثلاثاء نصف رجب سنة 388 سار خائفا وجلا نحو ~~الشرق وأخذ مع الجبل وسار معه ابن الجراح إلى حصن حوارين فأخذ ما كان له ~~وأخفى أمره. فلما عرف خبره نهض في أثره القايد منير من غد ونزل على البلد ~~ففرح الناس به وتوجه بكجور إلى الرقة وتخلف بدمشق من أصحابه تقدير ثلاث ~~مائة رجل فصاحوا عزيز يا منصور فأمنوا. ولما نزل منير القائد على دمشق أصبح ~~القائد PageV01P019 نزال نازلا معه في يوم الخميس فلامه الناس على ما ~~اعتمده من التثاقل ونفذت المطالعات إلى مصر بشرح الحال فأنكر الوزير ابن ~~كلس فعل منشا وإهماله بكجور حتى نجا وأشخصه إلى مصر مع المستأمنة من أصحاب ~~بكجور وقال له: خليت بكجور خوفا على نفسك أما كان معه عسكر فيه كفاية. ~~فقال: لم يكن غير ما فعلته لأن نزالا تأخر عنا وتثاقل وكان بكجور في قوة ~~وكثرة من العرب وغيرهم وهم أصحاب دروع وجواشن وخيل سبق. فلم يقبل عذره ~~وعزله من تدبير العسكر. وكان ابن كلس يخاف من بكجور أن تكون له عودة إلى ~~ولاية دمشق فيتمكن من دمشق فأنفذ رسولا إليه يقول له: ما أردنا رحيلك عن ~~البلد وإنما انفاذنا العسكر لابعاد ابن الجراح لفساده وعناده وما كان من ~~ضياع وغلات فلك افعل فيها ما أحببت فما لنا فيه حجة. فحمل بكجور ما كان ms037 له ~~بدمشق وأقام بالرقة منقطعا ليس له سلطان يستند إليه وكان بالرقة يراسل ~~كرديا يقال له باد قد غلب على ميافارقين ويراسل أبا العالي بن سيف الدولة ~~بحلب أن يرده إلى العمل الذي كان في يده من حمص. فلما كان في سنة 379 خرج ~~عسكر صاحب بغداد إلى باد الكردي المقدم ذكره لغلبته على الموصل وديار ربيعة ~~فكسر وانهزم عسكره وأصحابه وعرف بكجور ذلك فخاف من عسكر بغداد فراسل سعد ~~الدولة أبا المعالي يسئله تولية حمص فأجابه إلى ذلك. وكان ابن كلس يسأل عن ~~أخباره بالرقة خوفا منه فلما عرف الوزير ذلك قال: يجاورنا بكجور في حمص ~~فطمع في الديار. فأرسل إلى غلام له يقال له ناصح الطباخ بأن يسير إلى حمص ~~فيأخذ من بها من أصحاب بكجور فسرى في البرية فلم يشعر به حتى أتاهم فكان ~~أبو المعالي صاحب حلب قد علم بالسرية فأنفذ إليهم من حذرهم واتفق لهم أنهم ~~حملوا وخرجوا من حمص هاربين فلما حصلوا بأحمالهم بظاهر البلد أدركتهم ~~السرية فأخذتهم ورجعت إلى دمشق. وفسد أمر بكجور مع المغاربة ومع أبي ~~المعالي فراسل صاحب بغداد فلم ير له عنده ما يحب وكان الوزير ابن كلس مضرب ~~بينهما ويطمع كل واحد منهما في صاحبه. وكان الوزير ابن كلس يهوديا من أهل ~~بغداد خبيثا ذا مكر وحيلة ودهاء وذكاء وفطنة وكان في قديم أمره خرج إلى ~~الشام فنزل بالرملة فجلس وكيلا للتجار فلما اجتمعت الأموال التي للتجار ~~كسرها وهرب إلى مصر في أيام كافور الاخشيدي صاحب مصر فتاجره وحمل إليه ~~متاعا كثيرا ويحال بماله على ضياع مصر وكان إذا دخل ضيعة عرف غلتها ~~وارتفاعها وظاهر أمرها وباطنها وكان ماهرا في اشغاله لا يسئل عن شيء من ~~أمورها إلا أخبر به عن صحة فكبرت حاله وخبر كافور بخبره وما فيه من الفطنة ~~والسياسة فقال: لو كان هذا مسلما لصلح أن يكون وزيرا. فبلغه ما قال كافور ~~فطمع في الوزارة فدخل جامع مصر في يوم الجمعة وقال: أنا أسلم على يد ms038 كافور. ~~فبلغ الوزير ابن حنزابة وزير كافور ما هو عليه وما طمع فيه فقصده وخاف منه ~~فهرب إلى المغرب وقصد يهودا كانوا هناك مع أبي تميم المعز لدين الله أصحاب ~~أمره فصارت له عندهم حرمة فلم يزل معهم إلى أن أخذ المعز مصر فسار معه ~~إليها فلما توفي المعز وأصحابه اليهود وولي العزيز بالله استوزره في سنة ~~365 وكان هذا الوزير أبو الفرج يعقوب بن يوسف بن كلس كبير الهمة قوي النفس ~~والمنة عظيم الهيبة فاستولى على أمر العزيز وقام به استصحه فعول عليه وفوض ~~أمره إليه وكانت أموره مستقيمة بتدبيره فلما اعتل علة لوفاة ركب إليه ~~العزيز عائدا فشاهده على حال اليأس فغمه أمره وقال له: وددت بأنك تباع ~~فابتاعك بملكي أو تفتدى وأفديك بولدي فهل من حاجة توصي بها يا يعقوب ؟ فبكى ~~وقبل يده وتركها على عينه وقال: أما ما يخصني يا أمير المؤمنين فلا أنصح لك ~~فيما يتعلق بدولتك. قال: قل يا يعقوب فقولك مسموع ورأيك مقبول. قال: سالم ~~يا أمير المؤمنين الروم ما سالموك واقنع من الحمدانية بالدعوة والسكة ولا ~~تبق على المفرج بن دغفل بن الجراح متى عرضت لك فيه فرصة. وتوفي في ذي الحجة ~~سنة 380 فأمر العزيز أن يدفن في داره بالقاهرة في قبة كان بناها لنفسه وحضر ~~جنازته وصلى عليه والحده بيده في قبره وانصرف عنه حزينا بفقده وأغلق ~~الدواوين وعطل العمال أياما واستوزر أبا عبد الله الموصلي بعده مديدة ثم ~~صرفه وقلد عيسى بن نسطورس وكان نصرانيا من أقباط مصر وفيه جلادة وكفاية ~~فضبط الأمور وجمع الأموال ووفر كثيرا من الخراج ومال إلى PageV01P020 ~~النصارى فقلدهم الأعمال والدواوين واطرح الكتاب المتصرفين من المسلمين ~~واستناب في الشام رجلا يهوديا يعرف بمنشا بن ابرهيم بن الفرار فسلك مسلكه ~~في التوفر على اليهود وعيسى مع النصارى مثله واستولى أهل هاتين الملتين على ~~الدولة. فكتب رجل من أجلاد المسلمين رقعة وسلمها إلى امرأة وبذل لها بذلا ~~على اعتراض العزيز ورفع الظلامة إليه وتسليمها إلى يده وكان ms039 مضمون الرقعة: ~~يا أمير المؤمنين يا الذي عز النصارى بعيسى بن نسطورس واليهود بمنشا بن ~~الفرار وأذل المسلمين بك ألا نظرت في أمري وكان العزيز على بغلة سريعة في ~~المشي وإذا ركبها تدفقت كالموج ولم تلحق فوقفت له المرأة في ضيق فلما ~~قاربها رمتها إليه فسارع الركابي إلى أخذ الرقعة على العادة وغاصت المرأة ~~في الناس ووقف العزيز عليها وأمر بطلب المرأة فلم توجد وعاد إلى قصره منعم ~~الفكر في أمره فاستدعى قاضي قضاته أبا عبد الله محمد بن النعمان وكان ~~متقدما عنده في خواصه وأهل أنسه فأعطاه الرقعة وقال له: قف عليها. فلما ~~قرأها قال له: ما عندك في هذا الأمر. قال: مولانا أعرف بوجه الرأي ~~والتدبير. فقال: صدقت كاتبتها تهيبا على ما كنا على غلط فيه وغفلة عنه. ~~وتقدم في الحال بالقبض على عيسى بن نسطورس وسائر الكتاب النصارى وإنشاء ~~الكتب إلى الشام بالقبض على منشا بن الفرار والمتصرفين من اليهود وأن ترد ~~الأعمال في الدواوين إلى الكتاب المسلمين ويعول في الأشراف عليهم على ~~القضاة في البلاد. ثم أن عيسى طرح نفسه على ست الملك بنت العزيز وكان يحبها ~~حبا شديدا ولا يرد لها قولا واستشفع بها في الصفح عنه وتجديد الاصطناع له ~~وحمل إلى الخزانة ثلاثمائة ألف دينار وكتب إلى العزيز رقعة يذكر فيها ~~بخدمته وحرمته ورضي عنه وأعاده إلى ما كان عليه وشرط عليه استخدام المسلمين ~~في دواوينه وأعمالهلدهم الأعمال والدواوين واطرح الكتاب المتصرفين من ~~المسلمين واستناب في الشام رجلا يهوديا يعرف بمنشا بن ابرهيم بن الفرار ~~فسلك مسلكه في التوفر على اليهود وعيسى مع النصارى مثله واستولى أهل هاتين ~~الملتين على الدولة. فكتب رجل من أجلاد المسلمين رقعة وسلمها إلى امرأة ~~وبذل لها بذلا على اعتراض العزيز ورفع الظلامة إليه وتسليمها إلى يده وكان ~~مضمون الرقعة: يا أمير المؤمنين يا الذي عز النصارى بعيسى بن نسطورس ~~واليهود بمنشا بن الفرار وأذل المسلمين بك ألا نظرت في أمري وكان العزيز ~~على بغلة سريعة في المشي وإذا ms040 ركبها تدفقت كالموج ولم تلحق فوقفت له المرأة ~~في ضيق فلما قاربها رمتها إليه فسارع الركابي إلى أخذ الرقعة على العادة ~~وغاصت المرأة في الناس ووقف العزيز عليها وأمر بطلب المرأة فلم توجد وعاد ~~إلى قصره منعم الفكر في أمره فاستدعى قاضي قضاته أبا عبد الله محمد بن ~~النعمان وكان متقدما عنده في خواصه وأهل أنسه فأعطاه الرقعة وقال له: قف ~~عليها. فلما قرأها قال له: ما عندك في هذا الأمر. قال: مولانا أعرف بوجه ~~الرأي والتدبير. فقال: صدقت كاتبتها تهيبا على ما كنا على غلط فيه وغفلة ~~عنه. وتقدم في الحال بالقبض على عيسى بن نسطورس وسائر الكتاب النصارى ~~وإنشاء الكتب إلى الشام بالقبض على منشا بن الفرار والمتصرفين من اليهود ~~وأن ترد الأعمال في الدواوين إلى الكتاب المسلمين ويعول في الأشراف عليهم ~~على القضاة في البلاد. ثم أن عيسى طرح نفسه على ست الملك بنت العزيز وكان ~~يحبها حبا شديدا ولا يرد لها قولا واستشفع بها في الصفح عنه وتجديد ~~الاصطناع له وحمل إلى الخزانة ثلاثمائة ألف دينار وكتب إلى العزيز رقعة ~~يذكر فيها بخدمته وحرمته ورضي عنه وأعاده إلى ما كان عليه وشرط عليه ~~استخدام المسلمين في دواوينه وأعماله # سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة PageV01P021 كان بكجور قد خاف من عيسى بن ~~نسطورس الوزير المقدم ذكره أن يعمل عليه لأسباب تقدمت بينه وبينه أوجبت ذاك ~~فكتب إلى العزيز يذكر له جلالة حلب وكثرة ارتفاعها وأنها دهليز العراق وإذا ~~حصلت له كان ما بعدها في يده وإن العسكر الذي بها قد كاتبه وبذل الطاعة له ~~والمساعدة ويستدعي منه الانجاز والمعونة فأجابه بكل ما أراد وكتب إلى نزال ~~والي طرابلس بالمسير إليه متى استدعاه من غير استئذان ولا معاودة استيمار ~~وكان نزال هذا من وجوه قواده وصنائع عيسى الوزير وخواصه فكتب إليه عيسى سرا ~~بأن يتقاعد ببكجور وتظهر له المساعدة والمسارعة ويستعمل معه التعليل ~~والمدافعة فإذا تورط مع مولاه وقاربه تأخر عنه وأسلمه فلم يشك بكجور في ~~مسير نزال إليه وسار ms041 عن الرقة وكتب إلى نزال بأن يسير من طرابلس ليكون ~~وصولهما إلى ظاهر حلب في وقت واحد فأجابه نزال ووعده. ونزل بكجور على بالس ~~وفيها غلمان سعد الدولة أبي المعالي صاحب حلب وعدة من الديلم فقاتلهم ~~وقاتلوه ورحل بكجور وتباطأ نزال في مسيره وواصل مكاتبة بكجور في منزل بعد ~~منزل وقرب الأمر عليه في وصوله إليه وأقام بكجور على بالس خمسة أيام فلما ~~لم يجد فيها مغمزا فارقها وطلب حلب. وكان أبو المعالي كاتب بسيل عظيم الروم ~~وأعلمه عصيان بكجور عليه وسأله مكاتبة البرجي صاحب بأنطاكية بالمسير إليه ~~متى دعته حاجة إلى إنجاده ومعرفته فكاتب عظيم الروم بذاك وأكد القول عليه ~~فلما وافى بكجور كاتب سعد الدولة البرجي فرحل ونزل مرج داق وهو على فرسخين ~~من حلب ووصل بكجور إلى النقرة ونزل في ناحية تعرف بالناعورة وامتد عسكره ~~إلى تل أعرن ومنها إلى حلب أربعة فراسخ وبرز سعد الدولة في غلمانه وأصحابه ~~فكانوا ستة آلاف رجل من الروم والأرمن والديلم والأتراك ولم يكن معه من ~~عسكر العرب إلا عمرو بن كلاب وعدتهم خمسمائة رجل إلا أنهم أولوا باس وقوة ~~ومن سواهم من بطون العرب بني كلاب مع بكجور بعد أن حصل حرمه وأولاده في ~~القلعة بحلب. ولما برز وسار عسكره وكان لؤلؤ الجراحي الكبير يحجبه أعجبه ما ~~رأى من عدته وعدته فنزل إلى الأرض وصلى وعفر ودعا الله بنصره وإدالته من ~~بكجور وغدره وفعل أصحابه مثل فعله واجتمعوا إليه وقالوا له: نفوسنا بين ~~يديك والله لنبذلنها في طاعتك والمدافعة عنك. فشكرهم وقال لهم: أنتم ~~الأولاد والعدة وهذه الدولة لكم وأنا فيها واحد منكم. واستدعى كاتبه ~~المعروف بالمصيصي وأمره أن يكتب إلى بكجور يستعطفه ويذكره الله ويخوفه ويبل ~~له أن يقطعه من باب حمص إلى الرقة ويدعوه إلى الكف والموادعة ورعاية حق ~~الرق والعبودية ويعلمه أنه متوقف عن حربه ولقائه إلى أن يعود إليه من جوابه ~~ما يعول عليه. وسار فنزل بالموضع المعروف بالنيرب على ميل من حلب وعسكر ~~الروم بازائه ms042 ووافى رسول سعد الدولة إلى بكجور فأوصل إليه الكتاب فلما وقف ~~عليه قال له: قل له الجواب ما تراه عيانا لا ما أرسل إليك كتابا. فعاد ~~الرسول وأعاد على سعد الدولة قوله وأعمله أنه ساير على أثره. فتقدم سعد ~~الدولة إلى الموضع المعروف بدير الزبيب وقدم على مقدمته شجعان غلمانه ~~وأنجادهم من عمرو بن كلاب الذين قدمنا ذكرهم وقد جعل بكجور على مقدمته بارخ ~~ورشيقا غلاميه في مائة غلام ووقع التطارد وكان الفارس من أصحاب سعد الدولة ~~إذا عاد إليه وطعن وجرح خلع عليه وأحسن إليه وكان بكجور بضد ذلك بخلا وإذا ~~عاد إليه رجل على هذه الحال أمر بأن يكتب اسمه لينظر مستأنفا في أمره. وقد ~~كان سعد الدولة كاتب العرب الذين مع بكجور وأمنهم وأرغبهم ووعدهم الاقطاعات ~~الكثيرة والعطايا الفاضلة الفائضة وألا يؤاخذوهم بالانحياز إلى بكجور ~~والحصول معه فلما حصلت أماناته وتوقيعاته في أيديهم عطفوا على سواد بكجور ~~فنهبوه وانصرفوا عنه واستأمنوا إلى سعد الدولة ونزلوا عليه وراى بكجور ما ~~تم عليه من تقاعد نزال وغدر العرب وتأخر غلمان سعد الدولة الذين كانوا ~~كاتبوه ووعدوه الانحياز إليه إذا عاينوه فاستدعى أبا الحسن كاتبه المعروف ~~بابن المغربي وقال له: غررتني وأوهمتني أن العزيز يجئني ويعاونني وأن العرب ~~تخلص لي وتناصحني وأن العرب توافيني ويستأمنوا إلي وما كان لشيء من ذلك ~~حقيقة فما الرأي الآن فإن بازائنا عسكرا عظيما لا طاقة لنا به. قال: صدقت ~~أيها الأمير فيما قلته وواله ما أردت غشك ولا فارقت نصحك والصواب مع هذه ~~PageV01P022 الأسباب العارضة أن ترجع إلى الرقة وتكاتب العزيز بما عاملك به ~~نزال وتعاود استنجاده فإنه ينجدك ويستظهر في أمرك. وكان في عسكر بكجور قائد ~~من قواده يجري مجراه في التقدم يعرف بابن الخفاني فقال له وقد سمع ما جرى ~~بينه وبين ابن المغربي فقال: ما عندك فيما قاله وأشار به ؟ فقال له: هذا ~~كاتبك يقول إذا جلس في دسته الأقلام تنكس الأعلام فإذا حقت الحقائق أشار ~~علينا بالهرب وإذا هربنا فأي ms043 وجه يبقى لنا عند الملوك وزوجة من يهرب اليوم ~~طالق ليس إلا السيف فأما لنا وأما علينا. وسمع ابن المغربي ما قاله ابن ~~الخفاني فخاف بكجور وقد كان واقف بدويا من شيوخ بني كلاب يعرف بسلامة بن ~~بريك على أن يحمله إلى الرقة متى كانت هزيمة وبذل له ألف دينار على ذلك فما ~~استشعر من بكجور ملابسه تشعره سامه تسييره قبل الوقت الذي أعده له فأوصله ~~إلى الرقة. وعمل بكجور على ما فيه من قوة النفس وفضل الشجاعة على أن يعمد ~~إلى الموضع الذي فيه سعد الدولة من مصافه ويهجم عليه بنفسه ومن يقتحمه معه ~~من صناديد غلمانه ويوقع به واعتقد أنه إذا فعل ذلك وكبس الموضع وانهزم ~~الناس وملك فاختار من غلمانه من ارتضاه ووثق به بحسن البلاء منه وقال لهم: ~~قد تورطنا من هذه الحرب ما عرفتموه وحلنا على شرف الهزيمة وذهاب النفوس وقد ~~عزمت على كذا وكذا فإن ساعدتموني رجوت أن يكون الفتح على أيديكم والأثر ~~لكم. فقالوا: نحن طوعك وما نرغب بنفوسنا عن نفسك. وبادر واحد ممن سمع ~~الكلام منه إلى لؤلؤ الجراحي فاستأمن إليه واعلمه بالصورة فأسرع لؤلؤ إلى ~~سعد الدولة وأخذ الراية من يده ووقف في موضعه وقال: تهب لي يا مولاي هذا ~~المكان اليوم وتنتقل إلى مكاني عنه فإن بكجور أيس من نفسه وقد حدثها بأن ~~يقصدك ويقع عليك ويوقع بك ويجعل ذلك طريقا إلى فل عسكرك وقد عرفت ذلك من ~~جهة لا أشك فيه وسيفعل ولئن أفديك بنفسي وأكون وقاية لك ولدولتك أولى من ~~التعريض بك. فانتقل سعد الدولة والعماية في ظهره والراية في يده وجال بكجور ~~في أربعمائة فارس من الغلمان عليهم الكذاغندات والخوذ وبأيديهم السيوف ~~واللتوت وعلى خيلهم التجافيف وحمل في عقب جولته حملة أفرجت له بها العساكر ~~ولم يزل يضرب بالسيف حتى وافى إلى لؤلؤ فضربه على الخوذة في رأسه ووقع لؤلؤ ~~إلى الأرض وحمل العساكر على بكجور وبادر سعد الدولة إلى مكانه مظهرا نفسه ~~لغلمانه فلما رأوه قويت ms044 نفوسهم وثبتت أقدامهم واشتدوا في القتال حتى استفرغ ~~بكجور جهده ووسعه ولم يبق له قدرة ولا حيلة انهزم في سبعة نفر من غلمانه ~~صوب حلب واستولى القتل والأسر على أصحابه وتم الهزيمة. وقد رمى عن نفسه ~~جوشنه وعن فرسه تجافيفه وقد فعل من كان معه مثل فعله وكان الفرس الذي تحته ~~من الخيول التي أعدها لمثل ما حصل فيه وثمنه عليه ألف دينار وأوفى إلى رحا ~~تعرف بالقيريمي على فرسخ من حلب مقابلي قنسرين ولها ساقية تحمل إليها سعتها ~~قدر ذراعين في سمك ذراع فحمل الفرس على أن يعبرها خوضا ووثبا فلم يكن فيه ~~واجهده ووقف به وناداه غلمانه أن الخيل قد أدركتنا ولحقهم عشرة فوارس من ~~العرب فأرجلوهم عن دوابهم وسلبوهم ثيابهم ولم يعرفوا بكجور وعادوا عنهم ~~وبقي بكجور وغلمانه عراة فلجؤا إلى الرحا واستجاروا بصاحبها فأدخلهم إليها. ~~وجاءت سرية أخرى من العرب تطلب النهب فظنوا أن مع الغلمان الذين في الرحا ~~ما يغنمونه منهم فطالبوا صاحبها بتسليمهم فأعلمهم أنهم عراة فقالوا: إن ~~شاهدناهم على ما ذكرت تركناهم وإلا أحرقنا الرحا. ففتح الباب وأخرجهم إليهم ~~فلما رأوا حالهم خلوا عنهم. ومضى بكجور وغلمان معه من غلمانه إلى براح فيه ~~زرع حنطة فطرح نفسه وفيه ومر قوم من العرب فظنوا أن معهم ما يفوزون به ~~فعدلوا إليهم وكان فيهم رجل من قطن يعرفه بكجور فقال له: أتعرفني ؟ قال: ~~لا. قال: اذمم لي حتى أعرفك نفسي. فأذم له. قال له: أنا بكجور فاصطنعني ~~واحملني إلى الرقة فإنني أوقر بعيرك ذهبا وأعطيك كل ما تقترحه. قال: افعل. ~~فأردفه وحمله إلى بيته وكساه قميصا وفروا وعمامة. وكان سعد الدولة قد بث ~~الخيل في طلب بكجور ونادى من أحضر بكجور فله مطلبه فلما حصل بكجور في بيت ~~البدوي ساطنه به وطمع فيما كان سعد الدولة بذله فيه واستشار ابن عم له في ~~أمره فقال له: هو رجل بخيل فربما غدر ولم يف بوعده والصواب أن تقصد سعد ~~الدولة وتأخذ منه عاجلا ما PageV01P023 يعطيك. فركب ms045 البدوي إلى عسكر سعد ~~الدولة وصاح نصيحة فأحضر إلى حضرته فقال له: ما نصيحتك ؟ قال: ما جزاء من ~~يسلم بكجورا ؟ قال: حكمه. قال: فهو عندي وأريد عنه مائتي فدان زراعة ومائة ~~ألف درهم ومائة راحلة تحمل حنطة وخمسين قطعة ثيابا. قال سعد الدولة: وكل ~~ذلك لك. قال: وثق لي منه. وعرف لؤلؤ الجراحي خبر البدوي فتحامل وهو مثخن ~~بالضربة التي أصابته ومشى متوكيا على غلمانه حتى حضر بين يدي سعد الدولة ~~فقال: يا مولاي ما يقول هذا ؟ قال: يقول أن بكجور عنده وقد طلب ما أجبناه ~~إليه وهو ماض لاحضاره. فقبض لؤلؤ على يد البدوي وقال له: ابن أهلك ؟ قال: ~~في المرج على فرسخ. فاستدعى جماعة من الغلمان وقدم عليهم إقبالا الشفيعي ~~وأمرهم أن يرتقوا رؤوس الجبال حتى يوافوا الحلة ويقبضوا على بكجور ويحمله ~~وهو قابض على يده والبدوي يستغيث بسعد الدولة ثم تقدم إلى سعد الدولة وقال: ~~يا مولانا لا تنكر علي فعلي فإنه كان مني عن استظهار في خدمتك ولو عاد هذا ~~البدوي إلى أهله وأحس بكجور بما فيه لأعطاه الرغائب على تخليصه ولا تأمن أن ~~يقبل ذاك منه والذي طلبه هذا البدوي مبذول له وما ضرنا الاحتياط في التمسك ~~به إلى أن يوافينا فنعطيه حينئذ ونفي له بما وعدناه. فقال: أحسنت يا أبا ~~محمد لله درك. ولم يمض ساعات حتى عادت النجب مبشرة بحصول بكجور ووافى بعدها ~~إقبال الشفيعي وهو معه فوقف به من وراء السرادق واستأذنه في إدخاله إليه ~~وأنفذ سعد الدولة إلى لؤلؤ وقال له: ما رأيك في بكجور ؟ قال: ضرب عنقه ~~لوقته لو جاءت سناء الزينة الناس يعني أخت سعد الدولة واستوهبته منك فوهبته ~~لها لكان لنا شغل محدد. فأمر سعد الدولة فرجا العدلي فكان سيافه فضرب عنقه ~~وعنق ابن الخفاني وكان قد حصل في الأسر وحملها إلى الموضع المعروف بحصن ~~الناعورة فصلبهما بأرجلهما. وسار سعد الدولة إلى الرقة فنزل عليها وفيها ~~سلامة الرشيقي وأبو الحسن المغربي وأولاد بكجور وحرمه وأمواله وأرسل سلامة ~~بتسليم ms046 البلد فأجابه فإني عبدك وعبد عبدك إلا أن لبكجور علي عهودا فمواثيق ~~لا مخلص لي عند الله منها إلا بأجد أمرين أما أن تذم لأولاده على نفوسهم ~~وأموالهم وتقتصر فيما تأخذه على الآت الحرب والعدد وتحلف لي ولهم على ذلك ~~وأما أن أبلي عذرا عند الله عز وجل فيما عقدته لبكجور فأجابه سعد الدولة ~~إلى ما اشترطه وحلف له يمينا عملها أبو الحسن ابن المغربي. وكان سعد الدولة ~~قد أباح دمه فهرب إلى الكوفة وأقام بمشهد أمير المؤمنين علي عليه السلام. ~~ولما توثق سلامة سلم حصن الرافقة وخرج القوم ومعهم من المال والرحل الشيء ~~الكثير وسعد الدولة يشاهدهم من وراء سرادقه وبين يديه ابن أبي حصين القاضي ~~فقال له: ما ظننت أن حال بكجور انتهت إلى ما أراه من هذه الأموال والأثقال. ~~فقال له: أي شيء أعتقد الأمير في ذاك ؟ قال له: وهل بقي في هذا الأمر موضع ~~اعتقاد ؟ قال له ابن أبي حصين: أن بكجور وأولاده مماليك وكل ما ملكوه فهو ~~لك ولا حرج عليك فيما تأخذه منه ولا حنث في الأيمان التي حلفت بها ومهما ~~كان فيها من وزر واثم فعلي دونك. فلما سمع هذا القول منه غدر بهم وتقدم ~~بردهم والقبض عليهم وجميع ما معهم. وكتب أولاد بكجور إلى العزيز بما تم ~~عليهم وعلى والدهم وسألوه مكاتبة سعد الدولة بالكف عنهم والابقاء عليهم ~~فكتب إليه كتابا يتوعده فيه ويأمره بإزالة الاعتراض عن المذكورين وتسييرهم ~~إلى مصر موفورين ويقول له في اخره: أنك متى خالفتنا في ذلك واحتججت فيه كنا ~~الخصوم لك وجهزنا العساكر إليك. وأنفذه مع فايق الصقلبي أحد خواصه وسيره ~~على نجيب فوصل فايق إليه وقد عاد من الرقة وهو بظاهر حلب وأوصل إليه الكتاب ~~فلما وقف عليه جمع وجوه قواده وغلمانه وقراه عليهم ثم قال لهم: ما الرأي ~~عندكم فيه؟ قالوا نحن عبيدك وغلمانك ومهما أمرتنا به وندبتنا له كانت عندنا ~~الطاعة والمناصحة فيه. وتقدم عند ذاك بإحضار الرسول فلما مثل بين يديه أمر ~~بإعطائه ms047 الكتاب ولطمه حتى يأكله فقال له: أنا رسول وما عرف من الملوك ~~معاملة الرسل بمثل ذلك وهذا الفعل ما لا يجوز. فقال له: لا بد أن تأكله. ~~فلما مضغه قال له: عد إلى صاحبك وقل له: لست ممن تخفي أخبارك عنه وتمويهاتك ~~عليه وما بك حاجة إلى تجهيز العساكر إلي فإنني ساير إليك ليكون اللقاء ~~قريبا منك وخبري يأتيك من الرملة. وقدم سعد الدولة PageV01P024 قطعة من ~~عساكره أمامه إلى حمص. وعاد فايق إلى العزيز فعرفه ما سمعه وشاهده فأزعجه ~~ذلك وبلغ منه وأقام سعد الدولة بظاهر حلب أياما على أن يرتب أموره ويتلو من ~~تقدمه من عسكره. فاتفق أن عرض له قولنج أشفى منه وكان له طبيبان عارفان ~~أحدهما يعرف بالتفليسي والآخر يوانيس فأشارا عليه بدخول البلد وملازمة ~~الحمام فامتنع عليهما وقال لهما: أنا بازآء وجه أريد قصده وإذا عدت وقع ~~الارحاف بي وكان في العود طيرة علي. ثم زاد ما يجده فدخل فعالجاه فابل ~~واستقل وكتب إلى أصحابه يذكر عافيته فأوصل الناس إليه حتى شاهدوا حاله ~~وهنوه بالسلامة. وكان المستولي على أمره والمقدم عنده في رايه لؤلؤ الكبير ~~الذي تقدم ذكره فلما كان في اليوم الثالث من أكله الفروج زين له البلد ~~ليركب فيه من غد ويعود إلى العسكر فاتفق أن حضرت عند فراشه ليلة اليوم الذي ~~عمل على الركوب فيه جارية تسمى انفراد وكان يتحظاها ويقدمها على سواها من ~~سرياته وهن أربعمائة جارية فتتبعتها نفسه وواقعها فلما فرغ سقط عنها وقد جف ~~نصفه وبادرت الجارية إلى أخته فأعلمتها صورته فدخلت إليه وهو يجود نفسه ~~واستدعت طبيبيه فحضرا وشاهداه وتعرفا المسبب فيما لحقه فعرفاه وأشارا بشجر ~~الند والعنبر حوله إلى أن ينيف قليلا وتثوب قوته فلما كان ذلك عاد إليه ~~وقال له التفليسي: أعطني أيها الأمير يدك لأخذ بجسك. فأعطاه اليسرى فقال. ~~يا مولانا اليمين. فقال: يا تفليسي ما تركت لي اليمين يمينا. ومضت عليه ~~ثلاث ليال قضى بعد أن قلد عهده أبا الفضائل ولده ووصى إلى لؤلؤ الكبير ms048 به ~~وبأبي الهيجاء ولده الآخر وست الناس أخته وحمل تابوته إلى الرقة ودفن في ~~المشهد ظاهرها. ونصب لؤلؤ ولده أبا الفضائل في الأمر وأخذ له البيعة على ~~الجند بعد أبيه في شهر رمضان سنة 381. وتراجعت العساكر عند ذلك إلى حلب ~~واستأمن منها إلى العزيز بالله رقي الصقلبي في ثلاثمائة غلام وبشارة ~~الاخشيدي في أربعمائة غلام وقوم آخرون فقبلهم وأحسن إليهم وولي بشارة طبرية ~~ورقي عكا ورباحا قيسارية. وقد كان أبو الحسن بن المغربي بعد حصوله في ~~المشهد في الكوفة كاتب العزيز وصار بعد المكاتبة إلى حضرته فلما حدث لسعد ~~الدولة حادث الوفاة عظم أمر حلب عنده وكبر في نفسه أحوالها وهون عليه ~~حصولهاكره أمامه إلى حمص. وعاد فايق إلى العزيز فعرفه ما سمعه وشاهده ~~فأزعجه ذلك وبلغ منه وأقام سعد الدولة بظاهر حلب أياما على أن يرتب أموره ~~ويتلو من تقدمه من عسكره. فاتفق أن عرض له قولنج أشفى منه وكان له طبيبان ~~عارفان أحدهما يعرف بالتفليسي والآخر يوانيس فأشارا عليه بدخول البلد ~~وملازمة الحمام فامتنع عليهما وقال لهما: أنا بازآء وجه أريد قصده وإذا عدت ~~وقع الارحاف بي وكان في العود طيرة علي. ثم زاد ما يجده فدخل فعالجاه فابل ~~واستقل وكتب إلى أصحابه يذكر عافيته فأوصل الناس إليه حتى شاهدوا حاله ~~وهنوه بالسلامة. وكان المستولي على أمره والمقدم عنده في رايه لؤلؤ الكبير ~~الذي تقدم ذكره فلما كان في اليوم الثالث من أكله الفروج زين له البلد ~~ليركب فيه من غد ويعود إلى العسكر فاتفق أن حضرت عند فراشه ليلة اليوم الذي ~~عمل على الركوب فيه جارية تسمى انفراد وكان يتحظاها ويقدمها على سواها من ~~سرياته وهن أربعمائة جارية فتتبعتها نفسه وواقعها فلما فرغ سقط عنها وقد جف ~~نصفه وبادرت الجارية إلى أخته فأعلمتها صورته فدخلت إليه وهو يجود نفسه ~~واستدعت طبيبيه فحضرا وشاهداه وتعرفا المسبب فيما لحقه فعرفاه وأشارا بشجر ~~الند والعنبر حوله إلى أن ينيف قليلا وتثوب قوته فلما كان ذلك عاد إليه ~~وقال له التفليسي: ms049 أعطني أيها الأمير يدك لأخذ بجسك. فأعطاه اليسرى فقال. ~~يا مولانا اليمين. فقال: يا تفليسي ما تركت لي اليمين يمينا. ومضت عليه ~~ثلاث ليال قضى بعد أن قلد عهده أبا الفضائل ولده ووصى إلى لؤلؤ الكبير به ~~وبأبي الهيجاء ولده الآخر وست الناس أخته وحمل تابوته إلى الرقة ودفن في ~~المشهد ظاهرها. ونصب لؤلؤ ولده أبا الفضائل في الأمر وأخذ له البيعة على ~~الجند بعد أبيه في شهر رمضان سنة 381. وتراجعت العساكر عند ذلك إلى حلب ~~واستأمن منها إلى العزيز بالله رقي الصقلبي في ثلاثمائة غلام وبشارة ~~الاخشيدي في أربعمائة غلام وقوم آخرون فقبلهم وأحسن إليهم وولي بشارة طبرية ~~ورقي عكا ورباحا قيسارية. وقد كان أبو الحسن بن المغربي بعد حصوله في ~~المشهد في الكوفة كاتب العزيز وصار بعد المكاتبة إلى حضرته فلما حدث لسعد ~~الدولة حادث الوفاة عظم أمر حلب عنده وكبر في نفسه أحوالها وهون عليه ~~حصولها PageV01P025 ولاية القائد منير الخادم ومنجوتكين دمشق # والسبب في ذلك وما آلت إليه أحوالها في سنة 378 وما بعدها PageV01P026 قد ~~تقدم من شرح السبب في ولاية القائد منير دمشق ما فيه كفاية عن إعادة القول ~~فيه ومن دخوله في يوم الخميس السابع عشر من رجب سنة 378. ولما توفى الوزير ~~أبو الفرج يعقوب بن كلس كان قد بقي له من أصحابه على ماله ومال السلطان رجل ~~يعرف بابن أبي العود الصغير وكان شديد المعاندة للقائد منير الوالي يرفع ~~عليه إلى مصر بأنه عاص يكاتب سلطان بغداد وصاحب حلب فلما كثرت سعايته إلى ~~العزيز اصطنع بعض غلمانه الأتراك رجلا يقال له منجوتكين فقدمه وأعطاه مالا ~~وابنة وسلاحا ورجالا وولاه الشام فلما صح عند منير الخادم ذاك من ابن أبي ~~العود أنفذ إليه من قتله وكاشف بالعصيان والخلاف للضرورة القائدة له إلى ~~ذلك وكان لابن أبي العود عند العزيز رتبة متمكنة ومنزلة متمهدة فلما خرج ~~العسكر مع منجوتكين من مصر ووصل إلى الرملة ووصل إليه بشارة والي طبرية في ~~عسكره ووصل إلى دمشق وكان منير ms050 قد جمع رجالة من أحداث البلد من حمال السلاح ~~وطلاب الشر والفساد واستعد للحرب وتأهب للقاء. وبلغ منجوتكين وهو بالرملة ~~أن أهل دمشق يريدون القتال مع منير الوالي فمع النفاطين بالرملة على أن ~~يسيروا معه إلى دمشق لحرقها. فلما وصل نزال إلى دمشق من طرابلس أخذ في ~~الجبال عرضا فخرج من مرج عذراء وأرسل إلى منير أني لم أصل إلا لإصلاح أمرك ~~فعلم منير أنه يريد الحيلة عليه والمكر به ليصل العسكر من الرملة ويحيط به ~~وقد كان نفذ كتاب ابن أبي هشام من دمشق إلى منشا بن الفرار كاتب الجيش يقول ~~جدوا في السير لأخذ البلد وكان مراده بذاك المداراة من خوف الشر فلما وصل ~~الكتاب إلى منشا أنفذه إلى العزيز منجوتكين وواقف عليه فوجد فيه خلاف ما ~~ذكر عن أهل دمشق فنها عن إحراقها. وسار منجوتكين من الرملة وقرب من طبرية ~~وجمع منير عسكره وخرج يريد نزالا فالتقوا بمرج عذراء فانهزم منير واتت ~~المغاربة على الرجالة الذين كانوا معه وذلك في يوم الاثنين التاسع عشر من ~~شهر رمضان سنة 81 فلما انهزم منير أخذ في الجبال حتى أخرج إلى أرض جوسية ~~يريد قصد حلب فخرج عليه عرب من الاحلاف فأخذوه ووصلوا به إلى دمشق فوجدوا ~~منجوتكين قد نزل عليها فسلموه إليه لطلب الجائزة فشهره على جمل وقرن به ~~قردا ومعه من أصحابه نحو من مائة رجل على الجمال وعليهم الطراطير لأنهم ~~انقطعوا فأخذهم والي بعلبك يقال له جلنار فأرسلهم إلى منجوتكين. وأقام ~~منجوتكين بدمشق بقية سنة 81 فقوي بها وصار عسكره ثلاثة عشر ألفا فعم الناس ~~البلاء في جميع الأحوال وصارت أفعالهم وسيرتهم إباحة الأموال والأنفس وسوء ~~الأعمال. ثم إنهم طمعوا في ملكة حلب بحكم موت أبي المعالي بن سيف الدولة ~~صاحبها وقد كان العزيز لما انتدب منجوتكين أكرمه وعظمه وأمر القواد وطبقات ~~الناس بالترجل له وتوفيقه من الحق ما يوفى عظما من الأمراء والاسفهسلارية ~~واستكتب له أحمد بن محمد القشوري وولي الشام وضم إليه أبا الحسن علي ms051 بن ~~الحسين بن المغربي ليقوم بالأمر والتدبير. ولما وصل إلى حلب وكان نزوله ~~عليها في ثلاثين ألفا من أصناف الرجال وتحصن أبو الفضايل ابن سعد الدولة ~~ولؤلؤ بالبلد واغلقا أبوابه واستظهرا بكل ما أمكنها الاستظهار به. وقد كان ~~لؤلؤ عند معرفته بتجهيز العساكر المصرية إلى حلب كاتب بسيل عظيم الروم ومت ~~إليه بما كان بينه وبين سعد الدولة من المساعدة والمعاقدة وبذل له عن ولده ~~السمع والطاعة والجري على تلك العادة وحمل إليه هدايا وألطافا كثيرة وسأله ~~المعونة والنصرة وأنفذ بالكتاب والهدايا ملكويا السيرافي ووصل إليه وهو ~~بازاء ملك البلغر وعلى قتاله فقبل ما ورد فيه وكتب إلى البرجي صاحب أنطاكية ~~من قبله أن يجمع عساكر الروم ويقصد حلب ويدفع المغاربة عنها فسار البرجي ~~إليه في خمسة ألف رجل ونزل بالموضع المعروف بجسر الحديد بين أنطاكية وحلب. ~~فعرف منجوتكين وابن المغربي ذلك فجمعا القواد والمعرفين خبر الروم ~~واستشارهم فيما يكون العمل به والاعتماد عليه فأشار ذو الراي والحصافة منهم ~~بالانصراف عن حلب وقصد الروم والابتداء بهم ومناجزتهم ليلا يحصلوا بين ~~عدوين. ووقع العمل على ذلك وساروا مع عدة أخرى كثيرة انضافت إليهم من أهل ~~الشام وبني كلاب ونزلوا تحت حصن اغزاز وقاربوا الروم وبينهم النهر المعروف ~~بالمقلوب وهو نهر يجري مجرى الفرات في قرب من عرضه فلما بصر المسلمون ~~بالروم رموهم PageV01P027 بالنشاب وناوشوهم القتال وحصل الناس والروم على ~~أرض واحدة ومنجوتكين يردهم ولا يرتدون وأنزل الله النصر وولت الروم وأعطوا ~~ظهورهم وركبهم المسلمون ونكوا فيهم النكاية الوافية قتلا وأسرا وفلا وقهرا ~~وأفلت البرجي في نفر قليل وملك عسكرهم وسوادهم وغنمت منهم الغنائم الوافرة ~~من أموالهم وكراعهم وسوادهم وقد كان معهم الفراجل من رجالة حلب جردهم لؤلؤ ~~مع عدة وافرة من الغلمان فقتل منهم تقدير ثلاثمائة غلام وعاد فلهم إلى حلب ~~وجمع من رؤوس قتلى الروم نحو عشرة ألف رأس أنفذت إلى مصر وشهرت بها وتبع ~~منجوتكين الروم أنطاكية وأحرق ضياعها ونهب رستاقاتها وانكفأ راجعا إلى حلب. ~~وكان وقت استغلال الغلات ms052 فأنفذ لؤلؤ من أحرق ما قرب من البلد منها المضرة ~~العسكر المصري وقطع مادة الميرة عنهم والتضييق في الأقوات عليهم ورأى لؤلؤ ~~أن قد بطل عليه ما كان يرجوه من معونة الروم وقد أظله من عسكر مصر ما لا ~~طاقة له به فكاتب أبا الحسن بن المغربي والقشوري وأرغبهما بالمال وبذل لهما ~~منه ما وسع لهما فيه وسألهما المشورة على منجوتكين بالانصراف إلى دمشق ~~والمعاودة إلى حلب في العام المقبل وتصير السبب في هذا الرأي ما عليه الأمر ~~من عدم الميرة وتعذر الأقوات والعلوفات فطاوعاه ووعداه وخطابا منجوتكين في ~~ذلك. فصادف قولهما منه تشوقا إلى دمشق إلى خفض العيش فيها وضجرا من طول ~~السفر ومباشرة الحرب فكتب وكتبت الجماعة إلى العزيز بالله ينهون إليه الحال ~~في تعذر الأقوات وأنه لا قدرة للعسكر على المقام مع هذه الصورة ويستأذونه ~~في الانكفاء إلى دمشق فقبل أن يصل الكتاب ويعود الجواب رحل منجوتكين عائدا. ~~وعرف العزيز ما كان منه فغاظه ذلك ووجد أعداء ابن المغربي طريقا إلى الطعن ~~عليه والوقيعة فيه فصفه وقلد صالح بن علي الروذباري موضعه وأنفذه وأقسم ~~العزيز أنه يمد العسكر بالميرة من غلات مصر فحمل مائة ألف تليس والتليس ~~قفيزان بالمبدل في البحر إلى طرابلس ومنها على الظهر إلى أفامية. وعاد ~~منجوتكين في العسكر في السنة 2 إلى حلب ونزل عليها وصالح بن علي المقدم ~~معهم وكان يوقع الغلمان بجراياتهم وقضيم دوابهم إلى أفامية ويمضون خمسة ~~وعشرين فرسخا ويعودون بها وأقاموا ثلاثة عشر شهرا وبنوا الحمامات والأسواق ~~والخانات وأبو الفضائل ولؤلؤ قد تحصنا بالبلد وقد اشتد الأمر بها وفقدت ~~الأقوات عندهما وكان لؤلؤ يبتاع القفيز من الحنطة ثلاثة دنانير ويبيعه على ~~الناس بدينار واحد رفقا لهم ويفتح الباب ويخرج من الناس من أراد من الفقراء ~~من الجوع وطول المقام. وقد كان أشير على منجوتكين بتتبع من يخرج وقتله ~~ليمتنع الناس من الخروج ويزيد ضيق الأمر عليهم فلم يفعل. وعند ذلك أعاد ~~لؤلؤ ملكويا الذي كان أرسله أولا إلى بسيل ms053 ملك الروم إليه مجددا له السؤال ~~بالانجاد على ما دهمه من عسكر مصر والاسعاد وأعلمه أنه لم يبق فيه رمق إن ~~لم يبادر بمعونته ونصرته وأنه متى أخذت حلب وملكت فأنطاكية لاحقة بها. وكان ~~يسيل متوسطا بلد البلغر فقصد ملكويا إليه وأوصل إليه الكتاب وأعاد عليه ما ~~يحمله من الرسائل إليه وقال له: متى قصدت أيها الملك هذا الخطب بنفسك لم ~~يقف أحد من عساكر المغاربة بين يديك واستخلصت حلب وخفظت أنطاكية وسائر ~~أعمالها وإن تأخرت ملك جميع ذلك. فلما سمع ملك الروم ما قاله الرسول ~~المذكور سار من وقته طالبا حلب وبينه وبينها مسيرة ثلاثمائة فرسخ فقطعها في ~~ستة عشر يوما في ثلاثة ألف فارس وراجل من الروم الروسية والبلغر والخزر ~~وكان الزمان ربيعا وقد سرح العسكر المصري كراعه في المروج لترتبع فيها ~~فهجمت الروم على العسكر على غفلة وغرة. فأرسل لؤلؤ إلى منجوتكين يقول له: ~~إن عصمة الاسلام الجامعة بيني وبينك وبين عساكرك تبعثني على إنذاركم وهذا ~~عسكر الروم قد أظلكم في الجمع الكثير فخذوا لأنفسكم وتيقظوا لأمركم ولا ~~تهملوا حذركم. ووردت جواسيس منجوتكين وعيونه من الجهات والطلائع عليه بمثل ~~ذلك فاخرق الخزائن والأسواق ورحل في الحال منهزما. وأشار العرب عليه بأن ~~ينزل أرض قنسرين ويملك الماء ويستدعي كراعه من مروج أفامية ويثبت للقاء ~~العدو ويحرضه على بذل الجهد واستفراغ الوسع في الجهاد فلم يفعل وامتدت به ~~الهزيمة إلى دمشق. ووافى ملك الروم فنزل على باب حلب وشاهد من موضع منزل ~~المغاربة ما هاله وعظم في عينه وخرج إليه PageV01P028 أبو الفضائل ولؤلؤ ~~وخدماه ورحل في اليوم الثالث إلى الشام ونزل على شيزر وفيه منصور بن كراديس ~~أحد قواد المغاربة فقاتله في الحصن يوما واحدا ولم يستطع الثبات له لخلو ~~الحصن من العدد وآلات الحرب وأقوات المقام على الحصار فراسله بسيل وبذل له ~~الأمان على نفسه ومن معه في الحصن وأن يعطيه مالا وثيابا على تسليمه فسكن ~~إلى ذلك وسلمه ووفى له بسيل بجميع ما بذله من المال والأمان ms054 والعطاء فرتب ~~في الحصن نوابه وثقاته وسار قاصدا إلى طرابلس الشام وافتتح في طريقه حمصا ~~وسبى منها ومن رفنية وأعمالها ما يزيد على ثغر طرابلس وهو بري بحري متين ~~القوة والحصانة شديد الامتناع على منازله وأقام عليه نيفا وأربعين يوما ~~يحاول افتتاحه أو وجود فرصة في تملكه فلم يتم له فيه أمر ولا مراد فرحل عنه ~~قافلا إلى بلاد الروم. وانتهت الأخبار بذلك إلى العزيز بالله فعظم ذلك عليه ~~وأمر بالاستنفار إلى الجهاد والنداء في الغزاة وساير الأجناد فنفر الناس ~~وخرج مستصحبا لجميع عساكره وما يحتاج إليه من عدده وأمواله وذخائره ومعه ~~توابيت أبائه وأجداده على العادة في مثل هذه الحال وقيل أن كراعه كان يزيد ~~على عشرين ألف راس خيلا وبغالا وجمالا وحميرا وسار مسافة عشرة فراسخ في مدة ~~سنة حتى نزل بلبيس وأقام بظاهرها. وعارضته علل مختلفة من نقرس وقولنج وحصى ~~في المثانة واشتد به الأمر وكان الأطباء إذا عالجوا مرضا من هذه الأمراض ~~بدوائها زاد في قوة الأخرى واستحكامها وكان محتاجا إلى الحمام لأجل القولنج ~~ولم يكن في منزله إلا حمام لرجل من أهلها فاشتد به فيه وبات للضرورة فيه ~~وأصبح والقو تضعف والألم يشتد ويتضايق إلى أن قضى نحبه في الحمام في اليوم ~~الاثنين الثامن والعشرين من شهر رمضان سنة 386 وعمره اثنتان وأربعون سنة ~~ونقش خاتمه بنصر العليم الغفور ينتصر الامام أبو المنصور ومولده في ~~القيروان سنة 341 ومدة أيامه إحدى وعشرون سنة وستة أشهر وأربعة وعشرون يوما ~~وكان حسن السيرة مشتغلا بلذاته محبا للصيد متغافلا عن النظر في كثير مما ~~كان أسلافه ينظرون فيه من اظهار علم الباطن وحمل الناس عليه وتوفي رحمه ~~الله وهو مستمر على ذلكائل ولؤلؤ وخدماه ورحل في اليوم الثالث إلى الشام ~~ونزل على شيزر وفيه منصور بن كراديس أحد قواد المغاربة فقاتله في الحصن ~~يوما واحدا ولم يستطع الثبات له لخلو الحصن من العدد وآلات الحرب وأقوات ~~المقام على الحصار فراسله بسيل وبذل له الأمان على نفسه ومن معه ms055 في الحصن ~~وأن يعطيه مالا وثيابا على تسليمه فسكن إلى ذلك وسلمه ووفى له بسيل بجميع ~~ما بذله من المال والأمان والعطاء فرتب في الحصن نوابه وثقاته وسار قاصدا ~~إلى طرابلس الشام وافتتح في طريقه حمصا وسبى منها ومن رفنية وأعمالها ما ~~يزيد على ثغر طرابلس وهو بري بحري متين القوة والحصانة شديد الامتناع على ~~منازله وأقام عليه نيفا وأربعين يوما يحاول افتتاحه أو وجود فرصة في تملكه ~~فلم يتم له فيه أمر ولا مراد فرحل عنه قافلا إلى بلاد الروم. وانتهت ~~الأخبار بذلك إلى العزيز بالله فعظم ذلك عليه وأمر بالاستنفار إلى الجهاد ~~والنداء في الغزاة وساير الأجناد فنفر الناس وخرج مستصحبا لجميع عساكره وما ~~يحتاج إليه من عدده وأمواله وذخائره ومعه توابيت أبائه وأجداده على العادة ~~في مثل هذه الحال وقيل أن كراعه كان يزيد على عشرين ألف راس خيلا وبغالا ~~وجمالا وحميرا وسار مسافة عشرة فراسخ في مدة سنة حتى نزل بلبيس وأقام ~~بظاهرها. وعارضته علل مختلفة من نقرس وقولنج وحصى في المثانة واشتد به ~~الأمر وكان الأطباء إذا عالجوا مرضا من هذه الأمراض بدوائها زاد في قوة ~~الأخرى واستحكامها وكان محتاجا إلى الحمام لأجل القولنج ولم يكن في منزله ~~إلا حمام لرجل من أهلها فاشتد به فيه وبات للضرورة فيه وأصبح والقو تضعف ~~والألم يشتد ويتضايق إلى أن قضى نحبه في الحمام في اليوم الاثنين الثامن ~~والعشرين من شهر رمضان سنة 386 وعمره اثنتان وأربعون سنة ونقش خاتمه بنصر ~~العليم الغفور ينتصر الامام أبو المنصور ومولده في القيروان سنة 341 ومدة ~~أيامه إحدى وعشرون سنة وستة أشهر وأربعة وعشرون يوما وكان حسن السيرة ~~مشتغلا بلذاته محبا للصيد متغافلا عن النظر في كثير مما كان أسلافه ينظرون ~~فيه من اظهار علم الباطن وحمل الناس عليه وتوفي رحمه الله وهو مستمر على ~~ذلك PageV01P029 ثم ولي الأمر بعده ولده أبو علي المنصور الحاكم بالله وكان ~~معه فعهد إليه في الأمر ورد تدبير أمره إلى برجوان الخادم مربيه وحاضنه ~~وكان ms056 عهد إليه أمر الحرم والقصور لثقة العزيز به وسكونه إليه ووصى إليه بما ~~اعتمد فيه عليه. وحدثت ست الملك ابنة العزيز نفسها بالوثوب على الأمر ~~واجلاس ابن عمها عبد الله وكانت مشتهاة عليه فأحسن برجوان بذلك فقبض عليها ~~وحملها مع ألف فارس إلى قصرها بالقاهرة. ودعا الناس إلى بيعة الحاكم ~~وأحلفهم على الطاعة أطلق الأرزاق وذلك في شهر رمضان سنة 386 وانكفأ الحاكم ~~من المخيم إلى قصره بالقاهرة وعمره عشر سنين وستة أشهر. وتقدم أبو محمد ~~الحسن بن عمار وكان شيخ كتامة وسيدها ولقب بأمير الدولة وهو أول من لقب في ~~دولة مصر واستولى على الأمر وبسط يده في الاطلاق والعطاء والصلات بالأموال ~~والثياب والخباء تفرقة الكراع وكان في القصر عشرة ألف جارية وخادم فبيع ~~منهم من اختار البيع وأعتق من سأل العتق ووهب من الجوار لمن أحب وأثر ~~وانبسطت كتامة وتسلطوا على العامة ومدوا أيديهم إلى حرمهم وأولادهم وغلب ~~الحسن بن عمار على الملك وكتامة على الأمور وهم الحسن بقتل الحاكم وحمله ~~على ذلك شيوخ أصحابه وقالوا: لا حاجة لنا إلى امام نقيمه ونتعبد له. فحمله ~~صغر سنه والاستهانة بأمره على اقلال الفكر فيه وإن قال لمن أشار عليه ~~بقتله: وما قدر هذه الوزغة حتى يكون منها ما نخاف. وبرجوان في اثنا ذلك ~~يحرس الحاكم ويلازمه ويمنعه من الركوب ولا يفسح له في مفارقة الدور ~~والقصور. وقد كان شكر العضدي اتفق مع برجوان وعاضده في الرأي والفعل وصارا ~~على كلمة سواء في كل ما ساء وسر ونفع وضر وتظاهرا على حفظ الحاكم في وصاة ~~والده العزيز به إلى أن تمت السلامة لهما فيه. وأما منجوتكين وما كان منه ~~بعد نوبة الروم فإنه أقام بدمشق على حاله في ولايتها. وزاد أمر الحسن بن ~~عمار وكتامة وقلت مبالاتهم بالسلطان فكتب برجوان إلى منجوتكين يعرفه ~~استيلاء المذكورين على الأمور وغلبتهم على الأموال وتعديهم إلى الحرم ~~والفروج وقبيح الأعمال ورفعهم المراقبة للخالق والحشمة من المخلوقين ~~وأبطالهم رسوم السياسة وإضاعة حقوق الخدمة وإنهم قد ms057 حصروا الحاكم في قصره ~~وحالوا بينه وبين تدبير أمره ويدعوه إلى مقابلة نعمة مولاه العزيز عنده ~~بحفظ ولده والوصول إلى مصر وقمع هذه الطائفة الباغية وقال: إن الديلم ~~والأتراك والعبيد الذين على الباب يساعدونه على ما يحاول فيهم ويكونون معه ~~أعوانا عليهم فامتثل منجوتكين ما في الكتاب عند وقوفه عليه وسارع إليه وركب ~~إلى المسجد الجامع في السواد وجمع القواد والأجناد ومشايخ البلد وأشرافه ~~وفيهم موسى العلوي وله التقدم والميزة وأذكرهم بحقوق العزيز وما كان منه من ~~الاحسان إلى الخاص والعام وحسن السيرة في الرعية واعتقاد الخير للكافة وخرج ~~من ذلك إلى ذكر ما له عليه من حقوق الاصطناع والتقدم والاصطفاء والتعديد ~~للتمويه باسمه وما يلزمه في خدمته حيا وميتا ومناصحته معدوما ومفقودا ~~وموجودا وقال: وإذ قبضه الله إليه ونقله إلى ما اختاره له وارتضاه وحكم به ~~وأفضاه فإن حقوقه قد انتقلت إلى نجله وسليله الحاكم بأمر الله أمير ~~المؤمنين وهو اليوم والي النعمة وكالقائم مقام العزيز بالله رحمه الله في ~~استحقاق الطاعة والمناصحة والخدمة وقد تغلب على الملك الحسن بن عمار وكتامة ~~وصار اخواننا المشارقة بينهم كالذمة بين المسلمين وما يسعنا الصبر على هذه ~~الصورة وتسليم الدولة إلى هذه العصابة المتسلطة. وخرق ثيابه السود وبكى ~~البكاء الشديد فاقتدى الناس به في تخريق الثياب والبكاء ثم قالوا: ما فينا ~~إلا سامع لك مطيع لأمرك ومؤثر ما تؤثر وباذل سجته في طاعة الحاكم وخدمته ~~وخدمتك ومهما رسمت لنا من خدمة وبذل نفس ومكنة كنا إليه مسارعين ولأمرك فيه ~~طائعين إلى أن تبلغ مناك وتدرك مبتغاك في نصرة مولانا. فشكرهم على هذا ~~المقال وقوى عزائمهم وآراءهم على المتابعة له والعمل بما يوافقه وعاد إلى ~~داره ووضع العطاء في الرجال وبرز إلى ظاهر دمشق. وقد اشتملت جريدة الاثبات ~~على ستة ألف من الأجناد السائرين معه خيلا ورجلا وكتب إلى الحسن بن عمار ~~على أجنحة الطيور ومع أصحاب البريد بشرح ذلك الحال. فلما وقف على الخبر عظم ~~عليه وقلق وجمع وجوه كتامة وأعاذ عليهم ms058 ما ورد من خبر منجوتكين وما هو ~~PageV01P030 مجمع عليه في بابهم وقال: ما الرأي عندكم ؟ قالوا: نحن أهل ~~طاعتك والمسارعون إلى العمل بإشارتك. وأظهر أن منجوتكين قد عصى على الحاكم ~~وجرى مجرى الأفتكين المعزي البويهي وندب الناس لقتاله وتقدم إلى الخزان في ~~خزائن أموال العزيز باطلاق الأموال وإلى العراض بتجريد الرجال والانفاق ~~فيهم. وأحضر البرجوان وشكر العضدي وقال لهما: أنا رجل شيخ وقد كثر الكلام ~~علي والقول في وما لي عرض إلا حفظ الأمر للحاكم ومقابلة اصطناع العزيز ~~واحسانه إلي وأريد مساعدتكما ومعاضدتكما وإن تحلفا لي على صفاء النية وخلوص ~~العقيدة والطوية. فدعتهما الضرورة إلى الانقياد له والاجابة إلى ما سأله ~~منهما واستأنف معهما المفاوضة والمشاورة والاطلاع لهما على مجاري الأمور ~~ووجوه التدبير في الجمهور واستمالة المشارقة. وندب أبا تميم سليمن بن جعفر ~~بن فلاح وقدمه وجعله اسفهسلار الجيش وأمره بالمسير إلى الشام وأطلق له كل ~~ما التمس من المال والعدد والرجال والسلاح والكراع وأسرف في ذلك إلى حد لم ~~يقف عنده وجرد معه ستة عشر ألف رجل من الخيل والرجال وبرز إلى عين شمس. ~~وكان عيسى بن نسطورس الوزير على حاله في الوزارة فبلغ ابن عمار عنه ما ~~أنكره فقبض عليه ونكبه وقتله وسار سليمان بن فلاح من مصر ورحل منجوتكين إلى ~~الرملة فملكها وأخذ أموالها فتقوى بها وكان معه المفرج بن دغفل بن الجراح ~~وسنان بن عليان ونزل سليمان عسقلان وسار منجوتكين حتى نزل بظاهرها وتقاتل ~~الجيشان. فلما كان بعد ثلاثة أيام من تقاربهما وتقاتلهما ضرب كل واحد منهما ~~مصاف عسكره وعمل على مناجزة صاحبه واستأمنت العرب من أصحاب ابن جراح وابن ~~عليان إلى سليمان فاستظهر وقتل من أصحاب منجوتكين أربعة قواد في وقت واحد ~~وانهزم منجوتكين وقتل من الديلم عدة كثيرة لأنهم لجأوا عند الهزيمة إلى شجر ~~الجميز واختفوا به فكان المغاربة ينزلونهم منها ويقتلونهم تحتها وأحصيت ~~القتلى فكانوا من أصحاب منجوتكين ألفي رجل. وسار سليمان إلى الرملة وقد ~~امتلأت أيدي أصحابه من الغنائم والأموال والكراع وبذل ms059 لمن يحضر منجوتكين ~~عشرة ألف دينار ومائة ثوب فانبثت العرب في طلبه وأدركه علي بن جراح فأسره ~~وحمله إلى سليمان فأخذه منه وأعطاه ما بذل له وحمله مع رؤوس القتلى من ~~أصحابه إلى مصر فشهرت الرؤوس وأبقي على منجوتكين الحسن بن عمار واصطنعه ~~واستمال المشارقة به ونزل سليمان طبرية. وكان أهل دمشق قد أثاروا الفتنة ~~ونهبوا دار منجوتكين وخزائنه وما فيها من مال السلطان وعدده فأنفذ أخاه ~~عليا غليها في خمسة ألف رجل فلما وصلها ناوش أهلها وناوشوه واعتصموا بالبلد ~~ومنعوا الدخول إليه وكتب إلى سليمان أخيه يعلمه مخالفتهم وعصيانه ويستأذنه ~~في منازلتهم وقتالهم فأذن له في ذلك وأعلمه مسيره إليه وكتب إلى موسى ~~العلوي والأشراف والشيوخ بالانكار عليهم بتسلط العامة فيما ارتكبوا من ~~النهب والافساد وتقاعدهم عن الأخذ على أيديهم والردع لهم والتوعد بالمسير ~~إليهم والمقابلة لهم بما يقتضيه الرأي فلما وقفوا على ما ذكره خافوا وخرجوا ~~إلى أخيه علي ولقوه وأعلموه إنهم على الطاعة والانكار لما أجرى إليه ~~الجهالة فركب علي وحارب أهل دمشق وزحف إلى باب الحديد والنفاطون معه ~~فانهزموا منه وملك البلد وطرح النار في الموضع المعروف بحجر الذهب وهو أجل ~~موضع في البلد وقتل خلقا كثيرا من رجاله وعاد بعد ذلك إلى معسكره. ووافى من ~~غد أخاه سليمان في عسكره فأنكر عليه احراق ما أحرق وبلوغه في الافساد ما ~~بلغ وتلقاه الأشراف والشيوخ والناس وشكوا إليه ما لحقهم وتلف من دورهم ~~وأملاكهم وأموالهم فأمنهم وكف المغاربة عنهم وأظهر اعتقاده الجميل فيهم ~~وكتب المناشير بالصفح عن الجناة وايمان الكبير والصغير منهم ورفع الكلف ~~والمؤن عنهم وإفاضة العدل والانصاف فيهم وكوتبت في المسجد الجامع على رؤوس ~~الأشهاد فسكنت إلى ذلك النفوس واطمأنت به القلوب ورجعوا إلى ما كانوا عليه. ~~واختلط المغاربة بهم وركب القائد سليمان إلى الجامع في يوم الجمعة ~~بالطيلسان على البغل السندي وخرق في البلد بالسكينة والوقار وبين يديه ~~القراء وقوم يفرقون قراطيس دراهم الصدقات على أهل المسكنة والحاجة. وكان ~~لهذا القائد سليمان نفس واسعة ms060 وصدر رحب وقدم في الخير متقدمة ورغبة في ~~الفعل الجميل مشهورة ومقاصد في الصلاح مشكورة بعد الحسن بن عمار ولما صلى ~~PageV01P031 عاد إلى القصر الذي بني بظاهر البلد ونزل فيه وقد استمال قلوب ~~الرعية والعامة بما فعله وأظهره من حسن النظر في الظلامات المرفوعة إليه ~~واطلاق جماعة كانت في الحبوس من أرباب الجرائم المتقدمة والجنايات السالفة ~~واستقام له الأمر واستقرت على الصلاح الحال وصلحت أحوال البلد وأهله بما ~~نشر فيه من العدل وحكم به من الانصاف وأحسنه من النظر في أمور السواحل بصرف ~~من صرفه من ولاتها الجابرين واستبدل بهم من شيوخ كتامة وقوادها ورد إلى علي ~~أخيه ولاية طرابلس الشام وصرف عنها جيش بن الصمصامة فمضى جيش المذكور إلى ~~مصر من غير أن يقصد القائد سليمان ويجتمع معه. وكان جيش هذا من شيوخ كتامة ~~أيضا إلا أن سليمان كان سيء الرأي فيه لعداوة بينه وبينه فلما حصل جيش بمصر ~~قصد برجوان سرا وطرح نفسه عليه وأعلمه بغض أهل الشام للمغاربة واستيحاشهم ~~منهم فأولاه برجوان الجميل قولا ووعدا وبذل له المعونة على أمره وتأمل ~~برجوان ما يلي به في الأحوال من الحسن بن عمار وكتامة وما خافه على نفسه ~~منهم وإن مصر والقاهرة قد خلتا الا من العدد الأقل منهم وأمكنته الفرصة ~~فيما يريده منهم فراسل الأتراك والمشارقة وقال لهم: قد عرفتم صورتكم وصورة ~~الحاكم مع هؤلاء القوم وإنهم قد غلبوا على المال وغلبوكم ومتى لم ننتهز ~~الفرصة في قلة عددهم وضعف شوكتهم سبقوكم إلى ما لا يمكنكم تلافيه بعد ~~التفريط فيه واستدراك الغاية منه. وأوثقهم على الطاعة والمساعدة فبذلوها له ~~ووثقوا له في كل ما يريده. وأحس الحسن بن عمار بما يريد برجوان وشرع فيه ~~وفي الفتك به وسبقه إلى ما يحاوله فيه ورتب له جماعة في دهليزه وواقفهم على ~~الايقاع به وبشكر إذا دخلا داره وكان لبرجوان عيون كثيرة على الحسن بن عمار ~~فصاروا إليه وأعلموه ما قد عمل عليه واجتمع برجوان وشكر وتفاوضا الرأي ~~بينهما في التحرز ms061 مما بلغهما وقررا أن يركبا ويركب على أثرهما من الغلمان ~~جماعة فإن أحسوا وأحسنا على باب الحسن ما يريبنا رجعنا وفي ظهورنا من يمنع ~~منا فرتبا هذا الأمر وركبا إلى دار الحسن وكانت في القاهرة مما يلي الجبل ~~فلما قربا من الباب بانت لهما شواهد ما أخبرا به فحذرا وعادا مسرعين وجرد ~~الغلمان الذين كانوا معهما سيوفهم ودخلا إلى قصر الحاكم يبكيان لديه ~~ويستصرخان به وثارت الفتنة واجتمع الأتراك والديلم والمشارقة وعبيد الشرا ~~بالسلاح على باب القصر وبرجوان يبكي ويقول لهم: يا عبيد مولانا احفظوا ~~العزيز في ولده وارعوا فيه ما تقدم من حقه. وهم يبكون لبكايه وركب الحسن بن ~~عمار في كتامة ومن انضاف إليهم من القبايل وغيرهم وخرج إلى الصحراء وتبعوه ~~وتبعه وجوه البلد فصار في عدد كثير وفتح برجوان خزائن السلاح وفرقه على ~~الغلمان والرجال وأحدقوا ومن معهم بالقصر من المشارقة والعامة بقصر الحاكم ~~وعلى أعلاه الخدم والجواري يصرخون وبرز منجوتكين ونارحكين وينال الطويل ~~وخمسمائة فارس من الغلمان ووقعت الحرب بينهم وبين الحسن إلى وقت الظهر وحمل ~~الغلمان عليه فانهزم وزحفت العامة إلى داره فانتهبوها وفتحوا خزائنه ~~وتفرقوا ما فيها والتجأ الحسن إلى بعض العامة فاستتر عنده وتفرق جميع من ~~كان معه وفتح برجوان باب القصر وأجلس الحاكم وأوصل إليه الناس وأخذ له بيعة ~~مجددة على الجند فما اختلف عليه أحد وكتب الأمانات لوجوه كتامة وقواد ~~الدولة وراسلهم بما تطيب به نفوسهم من إقامة عذرهم فيما كان منهم فحضرت ~~الجماعة وأعطت أيمانها على السمع والطاعة. فاستقام الأمر لبرجوان وكتب ~~الكتب إلى أشراف دمشق ووجوه أهلها ويأمرهم بتطييب نفوسهم ويبعثهم على ~~القيام على القائد أبي تميم سليمان بن جعفر بن فلاح والايقاع به وكتب إلى ~~مشارقة الأجناد بالاجتماع معهم على المذكور والاعانة لهم عليهلى القصر الذي ~~بني بظاهر البلد ونزل فيه وقد استمال قلوب الرعية والعامة بما فعله وأظهره ~~من حسن النظر في الظلامات المرفوعة إليه واطلاق جماعة كانت في الحبوس من ~~أرباب الجرائم المتقدمة والجنايات السالفة واستقام ms062 له الأمر واستقرت على ~~الصلاح الحال وصلحت أحوال البلد وأهله بما نشر فيه من العدل وحكم به من ~~الانصاف وأحسنه من النظر في أمور السواحل بصرف من صرفه من ولاتها الجابرين ~~واستبدل بهم من شيوخ كتامة وقوادها ورد إلى علي أخيه ولاية طرابلس الشام ~~وصرف عنها جيش بن الصمصامة فمضى جيش المذكور إلى مصر من غير أن يقصد القائد ~~سليمان ويجتمع معه. وكان جيش هذا من شيوخ كتامة أيضا إلا أن سليمان كان سيء ~~الرأي فيه لعداوة بينه وبينه فلما حصل جيش بمصر قصد برجوان سرا وطرح نفسه ~~عليه وأعلمه بغض أهل الشام للمغاربة واستيحاشهم منهم فأولاه برجوان الجميل ~~قولا ووعدا وبذل له المعونة على أمره وتأمل برجوان ما يلي به في الأحوال من ~~الحسن بن عمار وكتامة وما خافه على نفسه منهم وإن مصر والقاهرة قد خلتا الا ~~من العدد الأقل منهم وأمكنته الفرصة فيما يريده منهم فراسل الأتراك ~~والمشارقة وقال لهم: قد عرفتم صورتكم وصورة الحاكم مع هؤلاء القوم وإنهم قد ~~غلبوا على المال وغلبوكم ومتى لم ننتهز الفرصة في قلة عددهم وضعف شوكتهم ~~سبقوكم إلى ما لا يمكنكم تلافيه بعد التفريط فيه واستدراك الغاية منه. ~~وأوثقهم على الطاعة والمساعدة فبذلوها له ووثقوا له في كل ما يريده. وأحس ~~الحسن بن عمار بما يريد برجوان وشرع فيه وفي الفتك به وسبقه إلى ما يحاوله ~~فيه ورتب له جماعة في دهليزه وواقفهم على الايقاع به وبشكر إذا دخلا داره ~~وكان لبرجوان عيون كثيرة على الحسن بن عمار فصاروا إليه وأعلموه ما قد عمل ~~عليه واجتمع برجوان وشكر وتفاوضا الرأي بينهما في التحرز مما بلغهما وقررا ~~أن يركبا ويركب على أثرهما من الغلمان جماعة فإن أحسوا وأحسنا على باب ~~الحسن ما يريبنا رجعنا وفي ظهورنا من يمنع منا فرتبا هذا الأمر وركبا إلى ~~دار الحسن وكانت في القاهرة مما يلي الجبل فلما قربا من الباب بانت لهما ~~شواهد ما أخبرا به فحذرا وعادا مسرعين وجرد الغلمان الذين كانوا معهما ~~سيوفهم ms063 ودخلا إلى قصر الحاكم يبكيان لديه ويستصرخان به وثارت الفتنة واجتمع ~~الأتراك والديلم والمشارقة وعبيد الشرا بالسلاح على باب القصر وبرجوان يبكي ~~ويقول لهم: يا عبيد مولانا احفظوا العزيز في ولده وارعوا فيه ما تقدم من ~~حقه. وهم يبكون لبكايه وركب الحسن بن عمار في كتامة ومن انضاف إليهم من ~~القبايل وغيرهم وخرج إلى الصحراء وتبعوه وتبعه وجوه البلد فصار في عدد كثير ~~وفتح برجوان خزائن السلاح وفرقه على الغلمان والرجال وأحدقوا ومن معهم ~~بالقصر من المشارقة والعامة بقصر الحاكم وعلى أعلاه الخدم والجواري يصرخون ~~وبرز منجوتكين ونارحكين وينال الطويل وخمسمائة فارس من الغلمان ووقعت الحرب ~~بينهم وبين الحسن إلى وقت الظهر وحمل الغلمان عليه فانهزم وزحفت العامة إلى ~~داره فانتهبوها وفتحوا خزائنه وتفرقوا ما فيها والتجأ الحسن إلى بعض العامة ~~فاستتر عنده وتفرق جميع من كان معه وفتح برجوان باب القصر وأجلس الحاكم ~~وأوصل إليه الناس وأخذ له بيعة مجددة على الجند فما اختلف عليه أحد وكتب ~~الأمانات لوجوه كتامة وقواد الدولة وراسلهم بما تطيب به نفوسهم من إقامة ~~عذرهم فيما كان منهم فحضرت الجماعة وأعطت أيمانها على السمع والطاعة. ~~فاستقام الأمر لبرجوان وكتب الكتب إلى أشراف دمشق ووجوه أهلها ويأمرهم ~~بتطييب نفوسهم ويبعثهم على القيام على القائد أبي تميم سليمان بن جعفر بن ~~فلاح والايقاع به وكتب إلى مشارقة الأجناد بالاجتماع معهم على المذكور ~~والاعانة لهم عليه PageV01P032 شرح أسباب ولاية القائد سليمان بن فلاح ~~لدمشق # المقدم ذكره لدمشق وما آلت إليه حاله وحال أخيه في ذلك في سنة 387 ~~PageV01P033 قد تقدم من شرح ولاية القائد المذكور لدمشق والسبب لذلك وما ~~آلت الحال إليه ما في معرفته الغناء والكفاية. ولما وردت المكاتبات من مصر ~~عقيب انجلاء فتنة القائد أبي محمد الحسن بن عمار شيخ كتامة بتجديد البيعة ~~للحاكم بأمر الله بما يطيب قلوب أهل البلد ويبعثهم على الوثوب على سليمان ~~وكان هذا القائد المذكور مشهورا بالكفاية والغناء وتوقد اليقظة في أحواله ~~والمضاء لكنه كان مستهترا بشرب الراح واستماع الغناء ms064 والتوفر على اللذة ~~ولما وردت المطلقات المصرية بما اشتملت عليه في حقه وهو منهمك في لهوه لم ~~يشعر إلا بزحف العامة والمشارقة إلى قصره وهجومهم عليه فخرج هاربا على ظهر ~~فرسه فنهبت خزائنه وأمواله وعدده وأوقعوا من كان في البلد معه من كتامة ~~وقتلوا منهم عدة وافرة وعادت الفتنة ثائرة واقتسم الرؤساء الأحداث حال ~~البلد، وكان يكتب لبرجوان فهد بن إبراهيم النصراني فلما صار الأمر إليه ~~استوزره وكان أبناء القبط بريف مصر واستكتب أبا الفتح أحمد بن أفلح على ~~ديوان الرسايل. ولم يزل برجوان يتلطف للحسن بن عمار إلى أن أخرجه من ~~استتاره وأعاده إلى داره وأجراه على رسمه في راتبه واقطاعاته بعد أن شرط ~~عليه اغلاق بابه والا يداخل نفسه فيما كان يداخلها فيه ولا يشرع في فساد ~~على الحاكم ولا على برجوان وأخذ العهد عليه بذلك واستحلفه بأوكد الأيمان ~~وبالغ في التوثق منه. وكان أهل صور في هذه السنة التي هي سنة 87 قد عصوا ~~وأمروا عليهم رجلا ملاحا من البحرية يعرف بالعلاقة وقتلوا أصحاب السلطان ~~واتفق إن المفرج بن دغفل قد نزل على الرملة ونهب ما كان في السواد وأطلق يد ~~العيث في البلاد وانضاف إلى هاتين الحادثتين خروج الدوقس عظيم الروم في ~~عسكر كثير إلى الشام ونزوله على حصن أفامية فاصطنع برجوان القائد جيش بن ~~الصمصامة وقدمه وجهز معه ألف رجل وسيره إلى دمشق وأعمالها وبسط يده في ~~الأموال ورد إليه تدبير الأعمال فسار جيش ونزل على الرملة والوالي عليها ~~وحيد الهلالي ومعه خمسة ألف رجل ووافاه ولاة البلد وخدموه وصادف القائد أبا ~~تميم سليمان بن فلاح في الرملة فقبض عليه قبضا جميلا وندب أبا عبد الله ~~الحسين بن ناصر الدولة وياقوت الخادم ومن معه من عبيد الشرا لقصد صور ~~ومنازلتها وفتحها وكان قد ولي جماعة من الخدم السواحل وأنفذوا إليها وأنفذ ~~في البحر تقدير عشرين مركبا من الحربية المشحونة بالرجال إلى ثغر صور وكتب ~~إلى علي بن حيدرة والي طرابلس بالمسير إليه في اصطوله وإلى ms065 ابن شيخ والي ~~صيدا بمثل ذلك وإلى جماعة من الجهات بحيث اجتمع الخلق الكثير على باب صور ~~ووقعت الحرب بينها وبين أهلها واستجار العلاقة بملك الروم وكاتب يستنصره ~~ويستنجده وأنفذ إليه عدة مراكب في البحر مشحونة بالرجال المقاتلة والتقت ~~هذه المراكب مراكب المسلمين فاقتتلوا في البحر قتالا شديدا فظفر المسلمون ~~بالروم وملكوا مركبا من مراكبهم وقتلوا من فيه وكانت عدتهم مائة وخمسين ~~رجلا وانهزمت بقية المراكب فضعفت نفوس أهل صور ولم يكن لهم طاقة بمن اجتمع ~~عليهم من العساكر برا وبحرا ونادى المغاربة من أراد الأمان من أهل الستر ~~والسلامة فليلزم منزله فلزموا ذلك وفتح البلد وأسر العلاقة وجماعة من ~~أصحابه ووقع النهب وأخذ من الأموال والرجال الشيء الكثير وكان هذا الفتح ~~أول فتح على يد برجوان الحاكمي وحمل العلاقة وأصحابه إلى مصر فسلخ حيا وصلب ~~بظاهر المنظر بعد أن حشي جلده تبنا وقتل أصحابه. وولي أبو عبد الله الحسين ~~بن ناصر الدولة ابن حمدان صور وأقام بها وسار جيش بن الصمصامة على مقدمته ~~بدر بن ربيعة لقصد المفرج بن دغفل بن الجراح وطلبه فهرب بين يديه حتى لحق ~~بجبلي طيء وتبعه حتى كاد يأخذه ثم رماه ابن جراح بنفسه وعجائز نسائه وعاذ ~~منه بالصفح وطلب الأمان فأمنه وشرط عليه ما التزمه وعفا عنه جيش وكف عنه ~~واستحلفه على ما قرره معه وعاد إلى الرملة ورتب فيها واليا من قبله وانكفأ ~~إلى دمشق طالبا لعسكر الروم النازل على أفامية. فلما وصل إلى دمشق استقبله ~~أشرافها ورؤساء أحداثها مذعنين له بالطاعة فأقبل على رؤساء الأحداث وأظهر ~~لهم الجميل ونادى في البلد برفع الكلف واعتماد العدل والانصاف واباحة دم كل ~~مغربي يتعرض لفساد فاجتمع إليه الرعية يشكرونه ويدعون له وسألوه دخول البلد ~~والنزول فيه بينهم فأعلمهم إنه قاصد PageV01P034 الجهاد في الروم وأقام ~~ثلاثة أيام وخلع على رؤساء الأحداث وحملهم ووصلهم ونزل حمص. ووصل إليه أبو ~~الحسن عبد الواحد بن حيدرة في جند طرابلس والمتطوعة من عامتها وتوجه إلى ~~الدوقس عظيم الروم النازل ms066 على حصن أفامية فصارت أهله قد اشتد بهم الحصار ~~وبلغ منهم عدم الأقوات وانتهى أمرهم إلى أكل الجيف والكلاب وابتاع واحد ~~واحدا بخمسة عشرين درهما. فنزل بإزاء الروم وبينه وبينهم النهر المعروف ~~بالمقلوب والتقى الفريقان وتنازعا الحرب والمسلمون في عشرة ألف رجل ومعهم ~~ألف فارس من بني كلاب فحمل الروم على القلب وفيه بدر العطار والديلم ~~والسواد فكسروه ووضعوا السيف في من كان فيه وانهزمت الميسرة وفيها ميسور ~~الصقلبي والي طرابلس ولحقتها الميمنة وفيها جيش بن محمد بن الصمصامة المقدم ~~ووحيد الهلالي وركب الروم المسلمين وقتلوا منهم ألفي رجل واستولوا على ~~سوادهم وسلاحهم وكراعهم ومال بنو كلاب على أكثر من ذلك فانتهبوه وثبت بشارة ~~الأخشيدي في خمسمائة غلام وشاهد أهل أفامية من المسلمين ما نزل بالناس ~~فأيقنوا بالهلاك والعطب وابتهلوا إلى الله الكريم اللطيف بعباده وسألوا ~~الرحمة والنصر. وكان ملك الروم قد وقف على رايته بين يديه ولدان له وعشرة ~~نفر من غلمانه ليشاهد ظفر عسكره وأخذه ما يأخذه من الغنائم فقصده كردي يعرف ~~بأبي الحجر أحمد بن الضحاك السليل على فرس جواد وعليه كذا غند وخوذة وبيده ~~اليمنى خشت وباليسرى العنان وخشت آخر فظنه الدوقس مستأمنا له ومستجيرا به ~~فلم يحفل به ولا تحرز منه فلما دنا منه حمل عليه والدوقس متحصن بلأمته فرفع ~~يده ليتقي ما يرميه به فرماه بالزوبين الذي في يمناه رمية أصابت خللا في ~~الدرع فوصل إلى جسده وتمكن منه في أضلاعه فسقط إلى الأرض ميتا وصاح الناس ~~إن عدو الله قد قتل فانهزمت الروم وتراجع المسلمون وعادت العرب ونزل من كان ~~في الحصن فأعانوهم واستولى المسلمون على الروم فقتلوهم وأسروهم وكانت ~~الوقعة في مرج أفيح يطيف به جبل يعرف بالمضيق لا يسلكه إلا رجل في أثر رجل ~~ومن جانبه بحيرة أفامية ونهر المقلوب فلم يكن للروم مهرب في الهزيمة وتصرم ~~النهار وقد احتز من رؤوس القتلى عشرة ألف راس وبات المسلمون مبيت المنصورين ~~الغانمين المسرورين بما منحهم الله إياهم من الكفاية ووهب لهم من ms067 الظفر. ~~ووافى العرب من غد بما نهبوه من دواب المسلمين عند الهزيمة ومنهم من رد ~~ومنهم من باع بالثمن البخس لأن جيش بن الصمصامة المقدم نادى في معسكره بألا ~~يبتاع أحمد من العرب الا ما عرفه وكان مأخوذا منه فلم يجد الا ما أخذه ~~أصحابه. وحصل ولدا الدوقس في أسر بعض المسلمين فابتاعهما جيش بن الصمصامة ~~المقدم منه بستة ألف دينار وأخذهما إليه وأقام على حصن أفامية أسبوعا وحمل ~~إلى مصر عشرة ألف راس وألفي رجل من الأسرى إلى باب أنطاكية ونهب الرساتيق ~~وأحرق القرى وانصرف منكفيا إلى دمشق. وقد عظمت هيبته فاستقبله أشرافها ~~ورؤساؤها وأحداثها مهنئين وداعين له فتلقاهم بالشماسية وزادهم من الكرامة ~~وخلع عليهم وعلى وجوه الأحداث وحملهم على الخيل والبغال ووهب لهم الجواري ~~والغلمان وعسكر بظاهر البلد وخاطبوه في الدخول والجواز في الأسواق وقد ~~كانوا زينوها اظهارا للسرور به والتقرب إليه فلم يفعل وقال: معي عسكر وإن ~~دخلت دخلوا معي ولم أمن أن يمدوا أيديهم إلى ما يثقل به الوطأة منهم. ~~والتمس أن يخلوا له قرية على باب دمشق تعرف ببيت لهيا ليكون نزوله بها ~~فأجابوه إلى ذلكلجهاد في الروم وأقام ثلاثة أيام وخلع على رؤساء الأحداث ~~وحملهم ووصلهم ونزل حمص. ووصل إليه أبو الحسن عبد الواحد بن حيدرة في جند ~~طرابلس والمتطوعة من عامتها وتوجه إلى الدوقس عظيم الروم النازل على حصن ~~أفامية فصارت أهله قد اشتد بهم الحصار وبلغ منهم عدم الأقوات وانتهى أمرهم ~~إلى أكل الجيف والكلاب وابتاع واحد واحدا بخمسة عشرين درهما. فنزل بإزاء ~~الروم وبينه وبينهم النهر المعروف بالمقلوب والتقى الفريقان وتنازعا الحرب ~~والمسلمون في عشرة ألف رجل ومعهم ألف فارس من بني كلاب فحمل الروم على ~~القلب وفيه بدر العطار والديلم والسواد فكسروه ووضعوا السيف في من كان فيه ~~وانهزمت الميسرة وفيها ميسور الصقلبي والي طرابلس ولحقتها الميمنة وفيها ~~جيش بن محمد بن الصمصامة المقدم ووحيد الهلالي وركب الروم المسلمين وقتلوا ~~منهم ألفي رجل واستولوا على سوادهم وسلاحهم وكراعهم ومال بنو ms068 كلاب على أكثر ~~من ذلك فانتهبوه وثبت بشارة الأخشيدي في خمسمائة غلام وشاهد أهل أفامية من ~~المسلمين ما نزل بالناس فأيقنوا بالهلاك والعطب وابتهلوا إلى الله الكريم ~~اللطيف بعباده وسألوا الرحمة والنصر. وكان ملك الروم قد وقف على رايته بين ~~يديه ولدان له وعشرة نفر من غلمانه ليشاهد ظفر عسكره وأخذه ما يأخذه من ~~الغنائم فقصده كردي يعرف بأبي الحجر أحمد بن الضحاك السليل على فرس جواد ~~وعليه كذا غند وخوذة وبيده اليمنى خشت وباليسرى العنان وخشت آخر فظنه ~~الدوقس مستأمنا له ومستجيرا به فلم يحفل به ولا تحرز منه فلما دنا منه حمل ~~عليه والدوقس متحصن بلأمته فرفع يده ليتقي ما يرميه به فرماه بالزوبين الذي ~~في يمناه رمية أصابت خللا في الدرع فوصل إلى جسده وتمكن منه في أضلاعه فسقط ~~إلى الأرض ميتا وصاح الناس إن عدو الله قد قتل فانهزمت الروم وتراجع ~~المسلمون وعادت العرب ونزل من كان في الحصن فأعانوهم واستولى المسلمون على ~~الروم فقتلوهم وأسروهم وكانت الوقعة في مرج أفيح يطيف به جبل يعرف بالمضيق ~~لا يسلكه إلا رجل في أثر رجل ومن جانبه بحيرة أفامية ونهر المقلوب فلم يكن ~~للروم مهرب في الهزيمة وتصرم النهار وقد احتز من رؤوس القتلى عشرة ألف راس ~~وبات المسلمون مبيت المنصورين الغانمين المسرورين بما منحهم الله إياهم من ~~الكفاية ووهب لهم من الظفر. ووافى العرب من غد بما نهبوه من دواب المسلمين ~~عند الهزيمة ومنهم من رد ومنهم من باع بالثمن البخس لأن جيش بن الصمصامة ~~المقدم نادى في معسكره بألا يبتاع أحمد من العرب الا ما عرفه وكان مأخوذا ~~منه فلم يجد الا ما أخذه أصحابه. وحصل ولدا الدوقس في أسر بعض المسلمين ~~فابتاعهما جيش بن الصمصامة المقدم منه بستة ألف دينار وأخذهما إليه وأقام ~~على حصن أفامية أسبوعا وحمل إلى مصر عشرة ألف راس وألفي رجل من الأسرى إلى ~~باب أنطاكية ونهب الرساتيق وأحرق القرى وانصرف منكفيا إلى دمشق. وقد عظمت ~~هيبته فاستقبله أشرافها ورؤساؤها وأحداثها ms069 مهنئين وداعين له فتلقاهم ~~بالشماسية وزادهم من الكرامة وخلع عليهم وعلى وجوه الأحداث وحملهم على ~~الخيل والبغال ووهب لهم الجواري والغلمان وعسكر بظاهر البلد وخاطبوه في ~~الدخول والجواز في الأسواق وقد كانوا زينوها اظهارا للسرور به والتقرب إليه ~~فلم يفعل وقال: معي عسكر وإن دخلت دخلوا معي ولم أمن أن يمدوا أيديهم إلى ~~ما يثقل به الوطأة منهم. والتمس أن يخلوا له قرية على باب دمشق تعرف ببيت ~~لهيا ليكون نزوله بها فأجابوه إلى ذلك PageV01P035 ولاية بشارة الإخشيدي ~~القائد لدمشق # في سنة 388 والسبب الداعي إلى ذلك وما آلت إليه الحال # لما تقرر الحال بمصر مع برجوان الحاكمي على تجهيز جيش بن الصمصامة إلى ~~الشام لتلافي ما حدث فيه وتدبير الأعمال وتسديد الأحوال والرفع لشر الروم ~~الواصلين إلى أعماله اقتضت الحال والسياسة رد ولاية دمشق بعد اخراج القائد ~~أبي تميم سليمان بن جعفر بن قلاح منها على ما تقدم الذكر له إلى القائد ~~بشارة الأخشيدي فسار ووصل إليها ودخلها ونزل في قصر الولاة بها وشرع في ~~البناء فيه على عادة الولاة في ذلك في يوم الاثنين النصف من شوال سنة 388. ~~وتوجه القائد بشارة الوالي المذكور مع جيش ابن الصمصامة إلى الجهاد في ~~الروم فلما أظفر الله بهم ونصر عليهم وانكفأ المسلمون منصورين ظافرين ~~مسرورين وعاد بشارة الوالي في الجملة صادف الأمر قد ورد من مصر بصرف القائد ~~بشارة عن ولاية دمشق واقرارها على القائد جيش بن محمد ابن الصمصامة # شرح السبب في ذلك وما انتهت إليه حاله وكان ماله PageV01P036 قد تقدم شرح ~~السبب في اخراج القائد جيش في العسكر من مصر إلى الشام ما كفى وأغنى وما ~~كان منه في التدبير في افتتاح ثغر صور وكسر عسكر الروم والعود إلى دمشق ~~وصرف بشارة عن ولايتها. واتفق ذاك وقد قوض الصيف خيامه وطوى بعد النشر ~~اعلامه والشتاء قد أقبل بصره وهريره وقرة زمهريره فالتمس من أهل دمشق على ~~ما تقدم ذكره اخلاء بيت لهيا فأجيب إلى ما طلب فنزل فيها وشرع ms070 في التوفر ~~على استعمال العدل ورفع الكلف واحسان السيرة والمنع من الظلم وأشخص رؤساء ~~الأحداث وقدمهم واستحجب جماعة منهم وجعل يعمل لهم السمط في كل يوم يحضرهم ~~للأكل عنده ويبالغ في تأنيسهم واستمالتهم بكل حال. فلما مضت على ذلك برهة ~~من الزمان أحضر قواده ووجوه أصحابه وتقدم إليهم بالكون على أهبة واستعداد ~~لما يريد استخدامهم وتوقع لما يوصل إليهم من رقاعه المختومة بخاتمه والعمل ~~به. وقسم البلد وكتب إلى كل قائد يذكر الموضع الذي يدخل فيه ويضع السيف في ~~مفسديه ثم رتب في حمام داره مائتي راجل من المغاربة بالسيوف وتقدم إلى ~~المعروف بالناهري العلوي وكان من خواصه وثقاته بأن يراعي حضور رؤساء ~~الأحداث الطعام فإذا أكلوا وقاموا إلى المجلس الذي جرت عادتهم بغسل أيديهم ~~فيه أغلق عليهم بابه وأمر من رتب في الحمام بوضع السيف في أصحابهم. وكان كل ~~رجل منهم يدخل ومعه جماعة من الأحداث معهم السلاح وحضر القوم على رسمهم ~~فبادر جيش بالرقاع إلى قواده وجلس معهم للأكل فلما فرغوا نهض فدخل في حجرته ~~ونهضوا إلى المجلس وأغلق الفراشون بابه وكانت عدتهم اثني عشر رجلا يقدمهم ~~المعروف بالدهيقين وخرج من بالحمام فوضعوا السيف في أصحابهم فقتلوهم بأسرهم ~~وكانوا تقدير مائتي رجل، وركب القواد ودخلوا البلد وقتلوا فيه قتلا ذريعا ~~وثلموا السور من كل جانب وفتحوا أبوابه ورموها وأنزل المغاربة دور ~~الدمشقيين وجرد إلى الغوطة والمرج قائدا يعرف بنصرون وأمره بوضع السيف في ~~من بها من الأحداث فيقال إنه قتل ألف رجل منهم لأنهم كانوا كثيرين. ودخل ~~دمشق فطافها فاستغاث الناس وسألوا العفو والابقاء فكف عنهم ورتب أصحاب ~~المصالح في المحال والمواضع وعاد إلى القصر في وقته فاستدعى الأشراف ~~استدعاء حسن معه ظنهم فيه فلما حضروا أخرج رؤساء الأحداث فضرب رقابهم بين ~~أيديهم وأمر بصلب كل واحد منهم في محلته حتى إذا فرغ من ذلك قبض عليهم ~~وحملهم إلى مصر وأخذ أموالهم ونعمهم ووظف على أهل البلد خمسمائة ألف دينار. ~~وجاءه أمر الله تعالى الذي لا يدفع نازله ms071 ولا يرد واصله فهلك وكان سبب ~~هلاكه ناسور خرج في سفله ولم يزل يستغيث من الألم ويتمنى الموت ويطلب أن ~~يقتل نفسه فلا يتمكن ولا يمكن ويسئل في قتله فلا يقتل إلى أن هلك على هذه ~~الحال وكانت مدة هذه الولاية والفتنة تسعة شهور وقيل إن عدة من قتل من ~~الأحداث ثلاثة ألف رجل وانتهى الخبر إلى مصر بهلاكه فقلد ولده محمد بن جيش ~~مكانه. وقد استقامت الأمور بمصر والشام واستمال برجوان المشارقة واستدعاهم ~~من البلاد فاجتمع عنده منهم تقدير ثلاثة ألف رجل وكان يواصل النظر في قصر ~~الحاكم نهاره أجمع إلى أن ينتصف الليل ويجاوز الانتصاف ويوفي السياسة حقها ~~وبين يديه ابن أبي العلاء فهد بن إبراهيم من يمشي الأمور ويحسن تنفيذها. ~~وراسل برجوان بسيل ملك الروم على لسان ابن أبي العلاء ودعاه إلى المهادنة ~~والموادعة وحمل إليه هدايا سلك فيها سبيل التألف والملاطفة فقابل بسيل ذلك ~~منه بأحسن قبول وتقررت الموادعة عشر سنين وأنفذ بسيل في مقابلة الهدية ما ~~جرت به عادة مثله. وصلحت الحال مع العرب وأحسن إلى بني قرة وألزمهم شرائط ~~الطاعة وسير عسكرا إلى برقة وطرابلس الغرب فأخذها وعول في ولايتها على يانس ~~الصقلبي. وكان لفرط إشفاقه على الحاكم يمنعه من الركوب في غير وقت ركوبه ~~والعطاء لغير مستحقه وفعل وذاك يفعله من باب السياسة والحفظ لنفسه وهيبته ~~وماله وهو يسر ذلك في نفسه إنه من الإساءة إليه والتضييق عليه. وكان مع ~~الحاكم خادم يعرف بزيدان الصقلبي وقد خص به وأنس إليه في شكوى ما يشكوه من ~~برجوان إليه واطلاعه على ما يسره في نفسه له وزاد زيدان في الحمل عليه ~~والاغراء به وقال له فيما قال: إن برجوان يريد أن يجري نفسه مجرى كافور ~~الأخشيدي ويجريك مجرى ولد الأخشيدي في الحجر عليك والأخذ على يدك والصواب ~~أن تقتله وتدبر أمرك منفردا به. PageV01P037 فقال له الحاكم: إذا كان هذا ~~رأيك والصواب عندك فأريد منك المساعدة عليه. فبذلها له فلما كان في بعض ~~أيام شهور سنة ms072 389 أشار زيدان على الحاكم بأن ينفذ إلى برجوان في وقت الظهر ~~بعد انصرافه إلى داره وتفرق الناس عنه للركوب إلى الصيد وأن يقف له في ~~البستان الذي داخل القصر فإذا حضر أمر بقتله فأرسل إليه بالركوب وقال: أريد ~~أن ترتب الخدم في جانبي البستان فإني أقف على بابه وأنت بين يدي فإذا حضر ~~برجوان دخلت البستان وتبعني وكنت في أثره فإذا نظرت إليك فأضره بالسكين في ~~ظهره وواقف الخدم أن يضعوا عليه. فبينما هما في الحديث إذ دخل برجوان فقال ~~للحاكم: يا أمير المؤمنين الحر شديد والبزاة في مثله لا تصيد. فقال: صدقت ~~ولكنا ندخل البستان ونطوف فيه ساعة ونخرج. وأنفذ برجوان إلى شكر وكان قد ~~ركب بأن يسير مع الموكب إلى المقس والمقس ظاهرة القاهرة ويقف عند القنطرة ~~فإن مولانا يخرج من البستان ويتبعك ففعل ودخل الحاكم البستان وبرجوان خلفه ~~وزيدان بعده وكان برجوان خادما أبيض اللون تام الخلقة فبدره زيدان فضربه ~~بين أكتافه بسكين اطلعها من صدره فقال: يا مولانا غدرت. فصاح الحاكم: يا ~~عبيد خذوا رأسه. وتكاثر الخدم عليه فقتلوه وخرج الخدم الكبار مسرعين على ~~ظهور الخيل إلى الجانب وبغال الموكب والجوارح فردوا جميعها فقال لهم شكر: ~~ما السبب في ذلك ! فلم يجيبوه فجاء الناس من هذا الحادث ما لم يكن في ~~الحساب وعاد شكر بالموكب وشهر الجند سيوفهم وهم لا يعلمون ما الخبر غير ~~إنهم خائفون على الحاكم من حيلة تتم عليه من الحسن بن عمار ورجع أكثرهم إلى ~~دورهم فلبسوا سلاحهم ووافوا إلى باب القصر وتميز المغاربة والمشارقة وأحدق ~~شكر ومن معه من الأتراك والمشارقة القصر وعلا على شرف القصر الخدم في ~~أيديهم السيوف والتراس وعظم الأمر واجتمع القواد وشيوخ الدولة وأبو لعلاء ~~الوزير على باب القصر الزمرد. فلما رأى الحاكم زيادة الاختلاط ظهر من منظرة ~~على الباب وسلم على الناس فترجلوا عن دوابهم إلى الأرض وقتلوها بين يديه ~~وضربت البوقات والطبول وفتح باب القصر واستدعى أصحاب الرسايل وسلمت إليهم ~~رقعة قد كتبها الحاكم ms073 بيده إلى شكر وأكابر القواد يقول فيها: إنني أنكرت ~~على برجوان أمورا أوجبت قتله فقتلته فألزموا الطاعة وحافظوا على ما فيها في ~~رقابكم من البيعة المأخوذة. فلما قرئت عليهم قبلوا الأرض وقالوا: الأمر ~~لمولانا. واستدعى الحسين بن جوهر وكان من شيوخ الدولة فأمره بصرف الناس ~~فصرفهم وعاد الحاكم إلى قصره وكل من القواد إلى داره والنفوس خائفة من فتنة ~~تحدث بين المشارقة والمغاربة وشاع قتل برجوان وركب مسعود الحاكمي إلى داره ~~فقبض على جميع ما فيها من أمواله. وجلس الحاكم وقت العشاء الأخير واستدعى ~~الحسين بن جوهر وأبا العلاء بن فهد بن إبراهيم الوزير وتقدم إليه بإحضار ~~سائر كتاب الدواوين والأعمال ففعل وحضروا وأوصلهم إليه وقال لهم: إن هذا ~~فهدا كان أمس كاتب برجوان عبدي وهو اليوم وزيري فاسمعوا له وأطيعوا ووفوه ~~شروطه في التقدم عليكم وتوفروا على مراعاة الأعمال وحراسة الأموال. وقبل ~~فهد الأرض وقبلوها وقالوا: السمع والطاعة لمولانا. وقال لفهد: أنا حامد لك ~~وراض عنك وهؤلاء الكتاب خدمي فأعرف حقوقهم وأجمل معاملتهم وأحفظ حرمتهم وزد ~~في واجب من يستحق الزيادة بكفايته وأمانته. وتقدم بأن يكتب إلى سائر ولاة ~~البلاد والأعمال بالسبب الواجب لقتل برجوان. فكتب بما نسخته بعد التصدير ~~وما جرت العادة بمثله في الخطاب: أما بعد فإن برجوان أرضى أمير المؤمنين ~~حينا فاستعمله ثم أسخطه فقتله وأعلمك أمير المؤمنين ذاك لتعلمه وتجري على ~~سننك الحميد في خدمته ومدهبك الرشيد في طاعته ومناصحته وتسديد ما قبلك من ~~الأمور وطالعه بما يتجدد لديك من أحوال الجمهور إن شاء الله. ونفذت الكتب ~~بذاك واستقامت الأحوال على سنن الصواب وزال ما خيف من الاختلال والاضرابال ~~له الحاكم: إذا كان هذا رأيك والصواب عندك فأريد منك المساعدة عليه. فبذلها ~~له فلما كان في بعض أيام شهور سنة 389 أشار زيدان على الحاكم بأن ينفذ إلى ~~برجوان في وقت الظهر بعد انصرافه إلى داره وتفرق الناس عنه للركوب إلى ~~الصيد وأن يقف له في البستان الذي داخل القصر فإذا حضر أمر بقتله فأرسل ms074 ~~إليه بالركوب وقال: أريد أن ترتب الخدم في جانبي البستان فإني أقف على بابه ~~وأنت بين يدي فإذا حضر برجوان دخلت البستان وتبعني وكنت في أثره فإذا نظرت ~~إليك فأضره بالسكين في ظهره وواقف الخدم أن يضعوا عليه. فبينما هما في ~~الحديث إذ دخل برجوان فقال للحاكم: يا أمير المؤمنين الحر شديد والبزاة في ~~مثله لا تصيد. فقال: صدقت ولكنا ندخل البستان ونطوف فيه ساعة ونخرج. وأنفذ ~~برجوان إلى شكر وكان قد ركب بأن يسير مع الموكب إلى المقس والمقس ظاهرة ~~القاهرة ويقف عند القنطرة فإن مولانا يخرج من البستان ويتبعك ففعل ودخل ~~الحاكم البستان وبرجوان خلفه وزيدان بعده وكان برجوان خادما أبيض اللون تام ~~الخلقة فبدره زيدان فضربه بين أكتافه بسكين اطلعها من صدره فقال: يا مولانا ~~غدرت. فصاح الحاكم: يا عبيد خذوا رأسه. وتكاثر الخدم عليه فقتلوه وخرج ~~الخدم الكبار مسرعين على ظهور الخيل إلى الجانب وبغال الموكب والجوارح ~~فردوا جميعها فقال لهم شكر: ما السبب في ذلك ! فلم يجيبوه فجاء الناس من ~~هذا الحادث ما لم يكن في الحساب وعاد شكر بالموكب وشهر الجند سيوفهم وهم لا ~~يعلمون ما الخبر غير إنهم خائفون على الحاكم من حيلة تتم عليه من الحسن بن ~~عمار ورجع أكثرهم إلى دورهم فلبسوا سلاحهم ووافوا إلى باب القصر وتميز ~~المغاربة والمشارقة وأحدق شكر ومن معه من الأتراك والمشارقة القصر وعلا على ~~شرف القصر الخدم في أيديهم السيوف والتراس وعظم الأمر واجتمع القواد وشيوخ ~~الدولة وأبو لعلاء الوزير على باب القصر الزمرد. فلما رأى الحاكم زيادة ~~الاختلاط ظهر من منظرة على الباب وسلم على الناس فترجلوا عن دوابهم إلى ~~الأرض وقتلوها بين يديه وضربت البوقات والطبول وفتح باب القصر واستدعى ~~أصحاب الرسايل وسلمت إليهم رقعة قد كتبها الحاكم بيده إلى شكر وأكابر ~~القواد يقول فيها: إنني أنكرت على برجوان أمورا أوجبت قتله فقتلته فألزموا ~~الطاعة وحافظوا على ما فيها في رقابكم من البيعة المأخوذة. فلما قرئت عليهم ~~قبلوا الأرض وقالوا: الأمر لمولانا. واستدعى ms075 الحسين بن جوهر وكان من شيوخ ~~الدولة فأمره بصرف الناس فصرفهم وعاد الحاكم إلى قصره وكل من القواد إلى ~~داره والنفوس خائفة من فتنة تحدث بين المشارقة والمغاربة وشاع قتل برجوان ~~وركب مسعود الحاكمي إلى داره فقبض على جميع ما فيها من أمواله. وجلس الحاكم ~~وقت العشاء الأخير واستدعى الحسين بن جوهر وأبا العلاء بن فهد بن إبراهيم ~~الوزير وتقدم إليه بإحضار سائر كتاب الدواوين والأعمال ففعل وحضروا وأوصلهم ~~إليه وقال لهم: إن هذا فهدا كان أمس كاتب برجوان عبدي وهو اليوم وزيري ~~فاسمعوا له وأطيعوا ووفوه شروطه في التقدم عليكم وتوفروا على مراعاة ~~الأعمال وحراسة الأموال. وقبل فهد الأرض وقبلوها وقالوا: السمع والطاعة ~~لمولانا. وقال لفهد: أنا حامد لك وراض عنك وهؤلاء الكتاب خدمي فأعرف حقوقهم ~~وأجمل معاملتهم وأحفظ حرمتهم وزد في واجب من يستحق الزيادة بكفايته ~~وأمانته. وتقدم بأن يكتب إلى سائر ولاة البلاد والأعمال بالسبب الواجب لقتل ~~برجوان. فكتب بما نسخته بعد التصدير وما جرت العادة بمثله في الخطاب: أما ~~بعد فإن برجوان أرضى أمير المؤمنين حينا فاستعمله ثم أسخطه فقتله وأعلمك ~~أمير المؤمنين ذاك لتعلمه وتجري على سننك الحميد في خدمته ومدهبك الرشيد في ~~طاعته ومناصحته وتسديد ما قبلك من الأمور وطالعه بما يتجدد لديك من أحوال ~~الجمهور إن شاء الله. ونفذت الكتب بذاك واستقامت الأحوال على سنن الصواب ~~وزال ما خيف من الاختلال والاضراب PageV01P038 ولاية القايد تميم بن ~~إسماعيل المغربي الملقب بفحل لدمشق سنة 390 # لما هلك جيش بن محمد بن الصمصامة على ما تقدم الشرح فيه عقيب إغراقه في ~~الظلم وإيغاله في سفك الدماء والجور وكان هلاكه في يوم الأحد لتسع خلون من ~~شهر ربيع الآخر سنة 390 وكانت مدة ولايته التي هلك فيها على ما صح في هذه ~~الرواية دون ما تقدم ذكره ستة عشر شهرا وستة عشر يوما وانتهى الخبر إلى مصر ~~بذاك وقع الارتياد لمن يختار لولايتها بعد المذكور فوقع الاختيار على ~~القائد تميم بن إسمعيل المغربي الملقب بفحل فوصل إليها ms076 وأقام بها وأمر ونهى ~~وبقي شهورا من سنة 390 وعرضت له علة هلك بها ومضى لحال سبيله فلما انتهى ~~خبر وفاته إلى مصر وقع الاعتماد في ولايته على القائد علي بن جعفر بن فلاح ~~وقد كان وليها دفعة أولة # شرح ذلك # وصل القائد علي ابن جعفر بن فلاح إلى دمشق واليا عليها دفعة ثانية فنزل ~~عليها في يوم السبت لليلتين بقيتا من شوال سنة 390 وأقام مدة يتولى أمرها ~~ويدبر أحوالها على عادة الولاة إلا إنه لم يبسط يده في مال ولا تعرض لشيء ~~من استغلال ثم اقتضت الآراء بمصر أن يصرف عنها ويبدل بغيره في ولايتها # ولاية القائد ختكين الداعي المعروف بالضيف في سنة 392 # وصل القائد ختكين الداعي المعروف بالضيف إلى دمشق واليا عليها من قبل ~~الحاكم بأمر الله في شهر رمضان من السنة فدبر أمورها ونظر في أحوال ~~أجنادها. واقتضى رأيه أن ينقص واجبات الأجناد ويدافع بأعطياتهم ويغالطهم ~~ويظهر أمرا من التوفير فلم يتمكن من بلوغ مرام ولا نيل أمل واتفق أن يكون ~~القائد علي بن فلاح المقدم ذكره مقيما في عسكره في الشماسية بظاهر دمشق ~~فلما طلبت الأجناد أرزاقها منه قال لهم: ليس إلي من أمر أرزاقكم شيء. فكان ~~على تدبير المال وإطلاق الأرزاق رجل من الكتاب نصراني يقال له ابن عبدون ~~فشغب الجند في العسكر فثاروا يريدون ابن عبدون فلحقوا ختكين الوالي في ~~الطريق فنهاهم من ابن عبدون وشتمهم وكان رجلا جاهلا أحمق فرجع إليه قوم من ~~الجند فسألوه فلم يجب إلى ما يوافق أغراضهم ويسكن شغبهم فثارت الفرسان ~~والرجالة إلى دور الكتاب فانتهبوا ما كان فيها ونهبوا ما كان في الكنائس ~~واجتمع بعد ذلك جماعة من المشارقة والمغاربة فتحالفوا على أن يكونوا يدا ~~واحدا في طلب الأرزاق والمنع ممن عساه يطالبهم بما فعلوه وحلف لهم القائد ~~علي بن فلاح على كونه منهم وشده معهم وانتهى الأمر في ذلك إلى الحاكم فقال: ~~هذا قد عصى وخرج عن مشكور السياسة. وأمر بصرفه عن الولاية والاستبدال به ms077 ~~وكتب إليه بذلك فرحل عنها بنفر يسير من أصحابه في شوال من السنة المذكورة ~~وبقي العسكر في دمشق. فاقتضى الرأي الحاكمي رد ولاية دمشق إلى رجل أسود ~~بربري يقال له القائد طزملت بن بكار # ولاية القائد طزملة بن بكار البربري لدمشق في بقية سنة 396 PageV01P039 ~~وصل القائد طزملت المذكور إلى دمشق واليا عليها من قبل الحاكم بأمر الله في ~~يوم الأحد لست بقين من ذي القعدة من السنة وكان هذا طزملت عبدا لابن وفري ~~والي القيروان فولاه طرابلس الغرب فجاز على أهلها وظلمهم وأخذ أموالهم فحصل ~~له منهم مال عظيم فلما انتهى خبر ظلمه إلى مولاه طلبه والتمس إشخاصه إلى ~~القيروان لكشف الأمر فخافه وانهزم إشفاقا على نفسه وماله ووصل إلى مصر وحمل ~~بعض ما كان معه إلى الحاكم فتمكنت حاله عنده وتأثلت منزلته منه وولاه دمشق ~~فأقام واليا عليها إلى المحرم سنة 394 فصرف عنها بخادم من خدم الحضرة يقال ~~له القائد مفلح اللحياني وسنشرح حاله في غير هذا المكان. كان في سنة 393 قد ~~اجتمع في مصر أبو ظاهر محمود بن محمد النحوي وكان من أهل بغداد وطرا إلى ~~مصر وإليه ديوان الحجاز والمعروف بابن العداس المصري وإليه ديوان الخراج ~~على الرفع على أبي العلاء فهد بن إبراهيم الوزير والسعاية به إلى الحاكم ~~وعملا عملا بما اقتطعه وارتفق به واشتمل ذلك على حملة كبيرة من المال ولقيا ~~الحاكم بالعمل ووقفاه عليه وبذلا له القيام بالأمر وتوفير ستة ألف دينار في ~~كل سنة فكان فهد يأخذها لنفسه فقال لهما: أنا أقبض عليه وأقلدكما النظر ~~فيما كان ينظر فيه. فقالا: لا يتم أمر ولا يمشي لنا عمل وفهد حي مأمول ~~الخروج من محبسه والعود إلى أمره سيما وكل من بمصر والشام من الولاة ~~والعمال صنائع برجوان وقد جرى اصطناعه إياهم على يده. فامتنع عليهما من ~~قبله وكره قتله وقال لهما: ما له إلي ذنب فاقتله به ! وراجعاه القول وألحا ~~عليه فيه فقال: إذا فعلت ما أردتماه فما التوثقة فيما بذلتماه ms078 ؟ قالا: ان ~~نكتب خطنا لك بأننا نكفيك أمورك ونقوم بتمشيتها على مرادك ونقيم لك وجه ~~المال الذي ضمنا استخراجه لك وتوفيره من الأعمال. قال: فأيكما يخرج إلى ~~الشام ؟ قالا: عبدك ابن النحوي ويقيم ابن العداس بحضرتك. فقرر ذلك معهما ~~وأخذ به خطهما. وكان من عادة الحاكم أن يطوف ليلا بمصر والقاهرة وقد منع ~~التجار وأرباب الدكاكين أن يغلقوا دكاكينهم أو ينصرفوا عنها إلى منازلهم ~~حتى صار الليل نهارا في معاملاتهم ومن إشعال السرج والشمع وإضاءة المحال ~~والأسواق تقربا إليه ويطلق لهم المعونة الكثيرة على ذلك ويقف على دكاكينهم ~~ويجتاز بينهم ولا يقدر أحد أن يقوم له أو يقبل الأرض بين يديه فلما عاد في ~~تلك الليلة سحرا من طوفه أمر مسعودا السيفي بأن يمضي إلى فهد بن إبراهيم ~~الوزير يستدعيه فإذا دخل بحجره ضرب عنقه وأحضر رأسه وأن يقبض على أبي غالب ~~أخيه وكان شريرا مبغضا وإليه ديوان النفقات فمضى ووجد فهدا في الحمام ~~فانتظره حتى خرج ثم استركبه وأشعره إنه يراد بخير وانزعج أولاده وأهله ~~وساءت ظنونهم فيه ووصل مسعود إلى باب الرهومة وهو باب من أبواب القصر فعدل ~~به إلى محجبة العطب فلما رأى فهد ذلك أحس بالهلاك فصاح واستغاث وبكى ولاذ ~~بالعفو وبكى الناس لما شاهدوه من حاله وعرفوه من الأمر الذي يراد به وأدخله ~~مسعود إلى الحجرة فأقسم عليه فهد أن يراجع الحاكم في بابه وبذل له ألف ~~دينار وتوفير مثلها فقال له مسعود: لا سبيل إلى المراجعة بعد ما أمرت به. ~~وضرب عنقه وأخذ رأسه وحمله إلى حضرة الحاكم فلما شاهده أمره أن يخرج رأس كل ~~من يقتله من وجوه الدولة إلى قائد القواد فلما رآه أسقط مغشيا عليه وعاد ~~مسعود ليقبض على أبي غالب أخيه فوجده قد هرب فأعلم الحاكم ذلك فأمر بطلبه ~~حتى ظفر به بعد شهر وغير حليته وحلق لحيته فألحقه بأخيه. وأحضر أولاد فهد ~~فخلع عليهم وكتب لهم سجلا بصيانتهم وحماية دورهم وإزالة الاعتراض عنهم وعن ~~أسبابهم. ونظر ابن العداس في ms079 الأعمال وشرع في تهذيب الأمور وتوفير الأموال ~~وتوجه ابن النحوي إلى الشام على القاعدة المقررة مع الحاكم وكان قد عد ما ~~يحتاج إليه من آلة السفر والتجمل واستكثر من ذلك وتناهى فيه وهابه الناس ~~وتجنبوه ووصل أولا إلى الرملة فقبض على العمال والمتصرفين فيها وعسفهم ~~وألزمهم بمائتي ألف دينار ووضع السوط والعصا في المطالبة وبث أصحابه ونوابه ~~إلى دمشق وطبرية والسواحل بعد أن واقفهم على أخذ العمال والمتصرفين في ~~الأعمال ومصادرتهم وخبط الشام وعسف من فيه بطلب المال، وكان في جملة العمال ~~رجل نصراني يتعلق بخدمة ست الملك أخت الحاكم وله منها رعاية مؤكدة فكتب ~~إليها يستصرخ بها PageV01P040 ويشكو ما نزل بالناس من البلاء إليها وما شمل ~~الشام وأهله من ابن النحوي وما بسط فيه من الظلم والعسف والجور مما لم يجر ~~بمثله عادة في قديم الأزمان ولا حديثها فلما وصل الكتاب إليها ووقفت عليه ~~دخلت على الحاكم وكان يشاورها في الأمور ويعمل برأيها ولا يخالف مشورة لها ~~فعرضت عليه ما تضمنه الكتاب من الشكوى وقالت: يا أمير المؤمنين قد ظهر كذب ~~ابن النحوي وابن العداس وأعمالهما الحيلة على فهد وقتله مساعدة للحسين بن ~~جوهر وقد أفسد البلاد عليك وأوحش الناس منك فإن كنت يا أمير المؤمنين تريد ~~أخذ أموال عبيدك فكل يبذلها لك طوعا ويحملها إلى خزانتك تبرعا بعد أن ~~يكونوا تحت ظل الصيانة وفي كنف الحياطة هذا ولم تجر عادات أبائك اطلاق ~~المصادرات. فأنكر الحاكم إنه لم يسمح لأحد منهما في ذلك وكتب إلى وحيد والي ~~الرملة سرا وكان الحاكم يكتم السر شديدا: بسم الله الرحمن الرحيم يا وحيد ~~سلمك الله ساعة وقوفك على هذا الكتاب اقبض على محمود بن محمد لا حمد الله ~~أمره وسيره مع من يوصله من ثقاتك إلى الباب العزيز إن شاء الله. فلما وقفت ~~أخته على التوقيع قالت: يا أمير المؤمنين ومن هذا الكلب حتى ترفع من شانه ~~بحمله إلى حضرتك وبطن الأرض أولى به. فأخذ الكتاب وزاد فيه: بل تضرب عنقه ~~وتنفذ ms080 رأسه. وختم الكتاب ثلاثة ختوم وأحضر سعيد بن غياث صاحب البريد ودفعه ~~إليه فبادر به من وقته ومسافة ما بين القاهرة والرملة مائة فرسخ وكانت ~~النوبة توافيها في الساعة الثالثة من اليوم الثالث ووصل الكتاب إلى وحيد ~~وكان عادته إلى ابن النحوي دائما وربما أوصله أو حجبه فلما وقف على الكتاب ~~قال لدري غلامه الناظر في المعونة وكان أرمنيا فظا غليظا: اركب إلى محمود ~~وكان مخيما بظاهر الرملة واستأذن عليه فإذا أوصلك فأبلغه سلامي واسئله ~~الركوب إلي لاقفه على ما ورد من حضرة السلطان فإن قال لك لم تجر بذلك عاده ~~فقل: كذا أمرت فيما وردت. فمضى دري إليه وبين يديه جماعة كثيرة من الرجال ~~حتى وافى عسكر محمود واستأذن عليه ودخل إليه وقال له ما قاله وحيد الوالي ~~فقال له: لم تجر بذلك العادة فيما تسومنيه وفي غد نجتمع. فأجابه بما قال له ~~وحيد فلما سمعه ضعفت نفسه وسآء ظنه ولم يمكنه مخالفته فركب في موكبه وتوجه ~~إلى دار وحيد وصار إلى وحيد من أعلمه ركوبه فتقدم إلى بعض حجابه وصاحب ~~الخبر برملة بأن يتلقياه فإذا لقياه أنزلاه عن دابته وضربا عنقه وأخذا رأسه ~~ففعلا ما أمرهما وحين وصل سوق البز صادفاه وانزلاه بعد تمنعه فأوقعا به ~~وقطعا رأسه وحملاه إلى وحيد فأحضر القاضي والشهود وكتب محضرا بأن الرأس رأس ~~محمود وصيره وأنفذه مع المحضر إلى صاحب البريد فأسرع به إلى مصر وقبض على ~~أصحابه وأسبابه وأماله وكراعه. وسر الناس بهلاكه وتباشروا بما كفوه من شره ~~ووصل الرأس إلى الحاكم فأحضر ست الملك فأراها إياه فدعت له وشكرته على ما ~~كان منه وأمر مسعود بأن يأخذ ابن العداس من بني يدي قائد القواد الحسين بن ~~جوهر فتضرب عنقه بحضرته ويأخذ رأسه ويضيفه إلى الرأس ففعل فلما اجتمع ~~الرأسان بين يديه أمره أن يخرجهما إلى قائد القواد فأخرجهما إليه فلما ~~شاهدهما جزع جزعا شديدا ثم استدعاه الحاكم وسكن منه وأمره أن يستنيب أبا ~~الفتح أحمد بن محمد بن أفلح على ms081 النظر في الأمور فأقام في النظر سنة ونصفا ~~ثم قتل وأقيم مقامه يحيى بن الحسين بن سلامة النصراني. وكثر الكلام على ~~قائد القواد والوقائع فيه فشكر الحاكم عليه وتغير له وهم بالايقاع به وصرفه ~~عن الوزارة وعول فيما كان إليه على علي بن صالح بن علي الروذباري ولقبه ~~بثقة الثقات ورد إليه السيف والقلم فنظر في الأمور ودبر الأعمال وحفظ وجوه ~~المال والاستغلال تقدير سنتين ثم تغير له وتأول عليه وقتله وقلد مكانه ~~المعروف بمنصور بن عبدون. وكان رجلا نصرانيا خبيثا جلدا وبينه وبين أبي ~~القاسم الحسين ابن علي بن المغربي ووالده أبي الحسين علي عداوة قديمة ~~ومساعاة ووقائع متصلة لأن أبا القاسم صرف به عن ديوان السواد فواصل أبو ~~القاسم الوقيعة فيه والكلام عليه وعلى الكتاب النصارى إلى أن قبض على ~~جماعتهم فلما حصلوا في القبض أمر الحاكم بأن يضرب كل واحد منهم خمسمائة سوط ~~فإن مات رمي به للكلاب وإن عاش أعيد ضربه إلى أن يموت فبذل منهم جماعة مالا ~~عظيما على أن يستبقوا فلم يقبل منهم واستمرت PageV01P041 الشحناء بينهمناء ~~بينهم # ولاية القائد أبي صالح مفلح اللحياني المقدم ذكره وشرح الحال في ذلك ~~لدمشق سنة 394 # وصل القائد أبو صالح مفلح الخادم المعروف باللحياني إلى دمشق واليا عليها ~~في المحرم سنة 394 فتولى أمرها وأمر ونهى في أهلها وكان القائد طزملت ~~المصروف عنها قد برز إلى داريا فلم يلبث إلا قليلا واعتل فيها علة قضى نحبه ~~فيها في يوم الاثنين الثاني من صفر من السنة وأقام القائد أبو صالح واليا ~~عليها وسائسا لأمور أهلها والأحوال مستقيمة على نهج الصواب والسداد وقضية ~~المراد إلى أن صرف بالقائد حامد بن ملهم وسيأتي شرح ذلك في موضعه. وقيل أن ~~منصور بن عبدون الناظر في الدواوين بمصر لم يزل بنو المغربي المقدم ذكرهم ~~مستمرين على الوقيعة فيه والتضريب بالسعاية عليه وإفساد رأي الحاكم فيه وهو ~~يعتمد فيهم مثل ذلك ويغريه بهم ويحمله على قتلهم حتى تقدم إلى جعفر الصقلبي ~~وكان قد قام ms082 مقام مسعود السيفي في القتل أن يحضر عليا ومحمدا ابني المغربي ~~ويدخلهما الحجرة ويضرب أعناقهما ففعل ذلك ثم أمره أن يحضر أبا القاسم ~~الحسين بن علي المغربي وأخويه ويقتلهم فأما الإخوان فإنهما أخذا بعد ثلاثة ~~أيام وقتلا وإما أخوهما أبو القاسم الحسين بن علي فاستتر واعمل الحيلة في ~~النجاة وهرب مع بعض العرب وحصل بجلة حسان بن المفرج بن دغفل بن الجراح ~~فاستجار فأجاره وأنشده عند دخوله عليه وإيمانه ممن يطلبه منه ما يستنهض ~~عزيمته فيه من الاجارة له والذب عنه والمراماة دونه: # أما وقد خيمت وسط الغاب ... فليقسون على الزمان عتابي # يترنم الفولاذ دون مخيمي ... وتزعزع الخرصان دون قبابي # وإذا بنيت على الثنية خيمة ... شدت إلى كسر القنا أطنابي # وتقوم دوني فتية من طيئ ... لم تلتبس أثوابهم بالعاب # يتناثرون على الصريخ كأنهم ... يدعون نحو غنائم ونهاب # من كل أهرت يرتمي حملاقه ... بالجمر يوم تسايف وضراب # يهديهم حسان يحمل بزه ... جرداء تعليه جناح عقاب # يجري الحياء على أسرة وجهه ... جري الفرند بصارم قضاب # كرم يشق على التلاد وعزمة ... يغتال بادرها الهزبر الضابي # ولقد نظرت إليك يابن مفرج ... في منظر ملء الزمان عجاب # والموت ملتف الذوائب بالقنا ... والحرب سافرة بغير نقاب # فرأيت وجهك مثل سيفك ضاحكا ... والذعر يلبس أوجها بتراب # ورأيت بيتك للضيوف ممهدا ... فسح الظلال مرفع الأبواب # يا طيئ الخيرات بين خلالكم ... أمن الشريد وهمة الطلاب # سمكت خيامكم بأسنمة الربا ... مرفوعة للطارق المنتاب # وتدل ضيفكم عليكم أنور ... شبت بأجذال قهرن صعاب # متبرجات باليفاع وبعضهم ... بالجزع يكفر ضؤه بحجاب # كلأتكم ممن يعادي هيبة ... اغتكم عن رقبة وجناب # فيسير جيشكم بغير طليعة ... ويبيت حيكم بغير كلاب # تتهيبون وليس فيكم هائب ... وتوثبون على الردي الوثاب # ولكم إذا اختصم الوشيج لباقة ... بالطعن فوق لباقة الكتاب # فالرمح ما لم ترسلوه أخطل ... والسيف ما لم تعملوه ناب # يا معن قد أقررتم عين العلي ... بي مذ وصلت بحبلكم أسبابي # جاورتكم فملأتم عيني الكرى ... وجوانحي بغرائب الأطراب # من بعد ذعر كان أحفز أضلعي ... حتى لضاق به علي أهابي ms083 # ووجدت جار أبي الندى متحكما ... حكم العزيز على الذليل الكابي # فليهنه منن على متنزه ... لسوى مواهب ذي المعارج آب # قد كان من حكم الصنائع شامسا ... فاقتاده بصنيعة من عاب PageV01P042 ~~فلأنظمن له عقود محامدي ... تبقى جواهرها على الأحقاب # لا جاد غيركم الربيع ولا سرت ... غزر اللقاح لغيركم بحلاب # أنا ذاكر الرجل المندد ذكره ... كالطود حلي جيده بشهاب # ولقد رجوت ولليالي دولة ... إني أجازيكم بخير ثواب # فلما سمع حسان بن الجراح هذه الأبيات هش لها وجد القول له بما سكن جاشه ~~وأزال استيحاشه. وهذا أبو القاسم الحسين بن علي المغربي كان ذا علم وافر ~~وأدب ظاهر وبلاغة وذكاء وصناعة مشهورة في الكتابة ومضاء فأقام عنده ما أقام ~~محترما مكرما وجرى له ما يذكر في موضعه ثم رحل إلى ناحية العراق وتقدم هناك ~~في الأيام القادرية ووزر للأمير قرواش أمير بني عقيل ووزر لابن مروان صاحب ~~ديار بكر وكان مستقلا بصناعتي الكتابة والانشائية والحسابية وحين مرض وأشفي ~~وصى بحمل تابوته إلى الكوفة ودفنه في المشهد بها وفعل به ذلك. ثم تغير ~~الحاكم لمنصور بن عبدون فنكبه وقتله وقلد مكانه زرعة بن نسطورس الوزير ~~ولقبه بالشافي وذلك في سنة 397 ووردت الأخبار بالوقعة الكائنة بين الفضل ~~صاحب الحاكم وبين أبي ركوة الخارج عليه وظفر الفضل به وأخذه وحمله إلى ~~القاهرة وشهره بها وقتله فيها. وقيل أن أبا ركوة لقب عليه بركوة كانت معه ~~في أسفاره على مذهب الصوفية واسمه الوليد أموي من أولاد هشام بن عبد الملك ~~بن مروان ولنبوته في ذلك شرح يطول إلا أن أبا ركوة هذا لما انهزم في الوقعة ~~قصد صاحب النوبة وتردد من الحاكم إليه بسبب مراسلات إلى أن أنفذه إليه مع ~~أصحابه وأنفذ معه صاحبا له بهدايا إلى الحاكم وتسلم أبا ركوة أخو الفضل ~~وحمله إلى أخيه الفضل فسار وكان الفضل يقبل يد أبي ركوة ويعظمه تأنيسا لئلا ~~يقتل نفسه قبل إيصاله وأنزله في مضاربه وأخدمه نفسه وأصحابه وكتب الحاكم ~~بخبر حصوله ووصوله. وكان الفضل يدخل عليه في ms084 غداة كل يوم إلى خركاة قد ضربت ~~له في خيمه ويصبحه ويقبل يده ويقول له: كيف مولاي ؟ فيقول: بخير يا فضل ~~أحسن الله جزاك. ويحضره شرابا فيشرب بين يديه ثم يناوله إياه ويفعل مثل ذلك ~~في طعامه إلى أن وصل إلى الجيزة. فلما حصل بها راسله الحاكم بأن يعبر هو ~~والعسكر الذي معه وينزل على رأس الجسر ويصل هو إلى القاهرة ففعل ذاك وكان ~~لا يمشي خطوات إلا وقد تلقته الخدم بالتشريف والحملان وهو ينزل عن فرسه ~~ويقبل الأرض ويعود إلى ركوبه ولم يزل على هذه الحال إلى أن وصل إلى القصر ~~ودخل إلى القصر على الحاكم فخدمه ودعا له وشرح حاله إلى أن ظفر بالعدو وخرج ~~بعد ذلك إلى داره. وتقدم وجوه القواد وشيوخ الدولة بالمصير إلى أبي ركوة ~~ومشاهدته ويقال أن الحاكم قد مضى من غد ذلك اليوم وقد رسم أن يشهر ويطاف به ~~في مصر. واتفق دخول القائد ختكين الداعي وكان قديا صاحب دواة الملك عضد ~~الدولة فسلم عليه وقال له: ألك حاجة إلى أمير المؤمنين ؟ فقال له: من أنت ؟ ~~قال: فلان. قال: عرفت حالك وسدادك وأريد أن توصل لي رقعة إلى أمير ~~المؤمنين. فقال: اكتبها وهاتها. فاستدعى أبو ركوة دواة من أصحاب الفضل ~~ودرجا وكتب فيه: يا أمير المؤمنين أن الذنوب عظيمة والدماء حرام ما لم ~~يحلها سخطك وقد أحسنت وأسأت وما ظلمت إلا نفسي وسوء عملي أوبقني وأنا أقول # فررت ولم يغن الفرار ومن يكن ... مع الله لا يحجزه في الأرض هارب # ووالله ما كان الفرار لحاجة ... سوى جزع الموت الذي أنا شارب # وقد قادني جرمي إليك برمتي ... كما أخر ميتا في رحا الموت سالب # واجمع كل الناس أنك قاتلي ... ويا رب ظن ربه فيه كاذب # وما هو إلا الانتقام تريده ... فأخذك من واجبا لك واجب PageV01P043 فمضى ~~ختكين إلى الحسين بن جوهر فعرفه ما جرى وأعطاه الرقعة فوقف عليها الحاكم. ~~ثم ركب جملا وعليه طرطور وخلفه قرد معلم يصفعه بالدرة وكان الحاكم قد جلس ~~في ms085 منظرة على باب من أبواب القصر يعرف بباب الذهب فلما وقف به استغاث وصاح ~~بطلب العفو فتقدم إلى مسعود السيفي بأن يخرجه إلى ظاهر القاهرة ويضرب عنقه ~~على تل بازاء مسجد زيدان فلما حمل هناك وأنزل وجد ميتا فقطع رأسه وحمله إلى ~~الحاكم حتى شاهده وأمر بصلب جثته. وكان الفضل قد قطع رؤوس من قتل في الوقعة ~~فقيل أنها كانت ثلاثين ألف رأس فلما شهرت عبيت في السلال وسيرت مع خدم ~~شهروها في الشام حتى انتهوا بها إلى الرحبة ثم رميت في الفرات. وقدم الحاكم ~~الفضل واقطعه وبالغ في اكرامه إلى أن عاده في علة عرضت له دفعتين فاستعظم ~~الناس فعله معه فلما عوفي عمل عليه وقتله # ولاية القائد حامد بن ملهم المذكور أولا في سنة 399 PageV01P044 وصل ~~القائد حامد بن ملهم إلى دمشق واليا عليها لست بقين من رجب من السنة وقد ~~كان القائد علي بن جعفر بن فلاح مستوليا على الجند نافذ الأمر في البلد ~~فورد كتاب عزله في يوم الجمعة النصف من شهر رمضان من السنة وكانت مدة مقامه ~~في الولاية إلى انصرافه ومسيره سنة واحدة وأربعة أشهر ونصف شهر. ثم تولى ~~الأمر بعده القائد أبو عبد الله ابن نزال فدخل إلى دمشق وقرئ سجله على منبر ~~المسجد الجامع وأقام المدة اليسيرة ثم وافاه كتاب العزل في يوم الأحد رابع ~~عشر شهر رمضان سنة 400 فعزل وولى غلام القائد منير فأقام المدة اليسيرة ثم ~~أتاه كتاب العزل فعزل وولى القائد مظفر في يوم الاثنين أول شهر ربيع الأول ~~سنة 401 فأقام في الولاية ستة أشهر وتسعة أيام ثم عزل وولى مكانه القائد ~~بدر العطار فأقام في الولاية شهرين وعشرة أيام وعزل وولى القائد لؤلؤ ولقب ~~منتجب الدولة وتولى الأمر في يوم الأحد لسبع خلون من جمادى الآخرة سنة 401 ~~ونزل في بيت لهيا وانتقل منها إلى الدكة ثم إلى مرج الأشعريين فأقام فيه ~~أياما ودخل القصر في الليل فلما أصبح دخل البلد وقرئ سجل ولايته على منبر ms086 ~~الجامع ووافى كتاب عزله فعزل وانصرف. وقيل في أخبار الحاكم بأمر الله أنه ~~أمر في سنة 398 بهدم بيعة القمامة في بيت المقدس وهي بيعة عند النصارى ~~جليلة في نفوسهم يعظمونها والسبب في ذلك ما اتصل به من هدم الكنائس والبيع ~~بمصر والشام والزم أهل الذمة الغيار ما قيل أن العادة جارية جارية بخروج ~~النصارى بمصر في كل سنة في الغيارات إلى بيت المقدس بحضور فصحهم في بيعة ~~قمامة فخرجوا في سنة 398 على رسمهم في ذلك متظاهرين بالتجمل الكبير على مثل ~~حال الحاج في خروجهم فسأل الحاكم ختكين العضدي الداعي وهو بين يديه عن أمر ~~النصارى في قصدهم هذه البيعة وما يعتقدونه فيها واستوصفه صفتها وما يدعونه ~~لها وكان ختكين يعرف أمرها بكثرة تردده إلى الشام وتكرره في الرسائل عن ~~الحاكم إلى ولاتها فقال: هذه بيعة تقرب من المسجد الأقصى تعظمها النصارى ~~أفضل تعظيم وتحج إليها ند فصحهم من كل البلاد وربما صار إليها ملوك الروم ~~وكبراء البطارقة متنكرين ويحملون إليها الأموال الجنة والثياب والستور ~~والفروش ويصوغون لها القناديل والصلبان والأواني من الذهب والفضة وقد اجتمع ~~فيها من ذاك على قديم الزمان وحديثه الشيء العظيم قدر ما لمختلفة أصنافه ~~فإذا حضروا يوم الفصح فيها وأظهروا مطرانهم ونصبوا صلبانهم وأقاموا صلواتهم ~~ونواميسهم فهذا الذي يدخل في عقولهم ويوقع الشبهة في قلوبهم ويعلقون ~~القناديل في بيت المذبح ويحتالون في إيصال النار إليها بدهن البلسان والته ~~ومن طبيعته حدوث النار فيه مع دهن الزنبق وله ضياء ساطع وإزهار لامع ~~يحتالون بحيلة يعملونها بين كل قنديل وما يليه حديدا ممدودا كهيئة الخيط ~~متصلا من واحد إلى الآخر ويطلونه بدهن البلسان طليا يخفونه من الأبصار حتى ~~يسري الخيط إلى جميع القناديل فإذا صلوا وحان وقت النزول فتح باب المذبح ~~وعندهم أن مهد عيسى عليه السلام فيه وأنه عرج به إلى السماء منه ودخلوا ~~وأشعلوا الشموع الكثيرة واجتمع في البيت من أنفاس الخلق الكثير ما يحمي منه ~~الموضع ويتوصل بعض القوام إلى أن يقرب النار ms087 من الخيط فيعلق به وينتقل بين ~~القناديل من واحد إلى واحد ويشعل الكل ويقدره من يشاهد ذلك أن النار قد ~~نزلت من السماء فاشتعلت تلك القناديل. فلما سمع الحاكم هذا الشرح استدعى ~~بشر بن سور كاتب الانشاء وأمره بأن يكتب كتابا إلى والي الرملة وإلى أحمد ~~ابن يعقوب الداعي بقصد بيت المقدس واستصحاب الأشراف والقضاة والشهود ووجوه ~~البلد وينزلا على بيت المقدس وقصد بيعة قمامة وفتحها ونهبها وأخذ كل ما ~~فيها ونقضها وتعفية أثرها فإذا نجز الأمر في ذلك يعملانه محضرا وفيه الخطوط ~~وينفذانه إلى حضرته. ووصل الكتاب إليهما فتوجها للعمل بما مثل إليهما وقد ~~كانت النصارى بمصر عرفوا ما تقدم في هذا الباب فبادروا إلى بطرك البيعة ~~وأعلموه الحال وأنذروه وحذروه فاستظهر بإخراج ما كان فيها من الفضة الذهب ~~والجواهر والثياب ووصل بعد ذلك أصحاب الحاكم فأحاطوا بها وأمروا بنهبها ~~وأخذوا من الباقي الموجود ما عظم قدره وهدمت أبنيتها وقلعت حجرا حجرا وكتب ~~بذلك المحضر وكتبت الخطوط فيه كما رسم وأنفذ إلى الحاكم وشاع هذا الخبر ~~بمصر فسر المسلمون PageV01P045 به ودعوا للحاكم دعاء كبيرا على ما فعله ~~ورفع أصحاب الأخبار إليه ما الناس من هذه الحال عليه ففرح بذلك وتقدم بهدم ~~ما يكون في الأعمال من البيع والكنائس. ثم حدث من الأمور والانكار لمثل هذه ~~الأعمال والاشفاق على الجوامع والمساجد والمشاهد في سائر الجهات والأعمال ~~من هدمها والقصد بمثل العمل لها فوقف الأمر في هذا العزمبه ودعوا للحاكم ~~دعاء كبيرا على ما فعله ورفع أصحاب الأخبار إليه ما الناس من هذه الحال ~~عليه ففرح بذلك وتقدم بهدم ما يكون في الأعمال من البيع والكنائس. ثم حدث ~~من الأمور والانكار لمثل هذه الأعمال والاشفاق على الجوامع والمساجد ~~والمشاهد في سائر الجهات والأعمال من هدمها والقصد بمثل العمل لها فوقف ~~الأمر في هذا العزم # ولاية الأمير وجيه الدولة أبي المطاع من حمدان لدمشق بالأمر الحاكمي ~~PageV01P046 وصل الأمير وجيه الدولة أبو المطاع بن حمدان المعروف بذي ~~القرنين إلى دمشق واليا عليها في ms088 يوم الجمعة عيد النحر من سنة 401 فصلى ~~بالناس القائد لؤلؤ الوالي العيد ولى بهم الجمعة الأمير وجيه الدولة وانصرف ~~القائد لؤلؤ عن الولاية فكانت مدة إقامته فيها ستة أشهر وثلاثة أيام وقرئ ~~سجل الولاية على المنبر وأقام المدة التي أقامها ووصل القائد بدر العطار ~~إلى دمشق واليا على الغوطتين والشرطة وجبل سير وعزل عنها وجيه الدولة بن ~~حمدان في يوم الجعة لسبع خلون من جمادى الأولى من السنة فأقام فيه مديدة ~~ووصل القائد أبو عبد الله بن نزال عقيب وصوله إلى دمشق واليا عليها ونزل في ~~المزة ودخل القصر في يوم الأحد لإحدى عشرة ليلة خلت من جمادى الأولى من ~~السنة فدامت ولايته إلى أن ورد كتاب عزله عنها وسار منها في يوم الثلاثاء ~~سلخ ذي الحجة سنة 406 فكانت مدة ولايته ثلاث سنين وثمانية أشهر وعشرين ~~يوما. ووصل الأمير شهم الدولة شاتكين إلى دمشق واليا عليها في يوم الجمعة ~~لعشر خلون من صفر سنة 407 وأقام ما أقام في الولاية ووصل القائد يوسف بن ~~ياروخ وهو ابن زوجة الأمير شاتكين الوالي إلى دمشق واليا عليها وقرئ سجله ~~بالولاية في ذي القعدة من السنة وسار شهم الدولة شاتكين الوالي إلى مصر ~~لثمان خلون من جمادى الآخرة سنة 408 ووصل الأمير سديد الدولة أبو منصور ~~والي دمشق واليا عليها في يوم الأحد لخمس بقين من ذي القعدة سنة 408 فنزل ~~المزة ودخل القصر في غد ذلك اليوم فما شعر إلا وكتاب العزل قد وافاه يوم ~~الأحد لخمس خلون من ربيع الآخر من سنة 409 فبرز من يومه إلى المزة وسار من ~~غده ووصل كتاب ولي عهد المسلمين عبد الرحمن بن الياس أخي الحاكم إلى القائد ~~بدر العطار في يوم السبت لليلة خلت من جمادى الأولى سنة 410 يأمره بضبط ~~البلد ووصل بعد ذلك أبو القاسم عبد الرحمن وقيل عبد الرحيم ولي عهد ~~المسلمين ابن الياس بن أحمد بن العزيز بالله إلى دمشق في يوم الثلاثاء لخمس ~~بقين من جمادى الأولى ms089 سنة 410 فنزل في المزة فأحسن تلقيه وبولغ في اكرامه ~~والاعظام له والسرور بمقدمه وكان ذلك له يوما مشهودا موصوفا ودخل القصر في ~~يوم الاثنين مستهل رجب فأقام فيه إلى يوم الأحد لثمان بقين من شهر ربيع ~~الأول سنة 411 فلم يشعر إلا وقوم قد جردوا إليه من مصر فهجموا عليه وقتلوا ~~جماعة من أصحابه وساروا به في يوم الجمعة لثلاث بقين من شهر ربيع الأول ~~وعاد بعد ذلك إلى دمشق في رجب سنة 412 ونزل في القصر. وأكثر الناس في ~~التعجب من اختلاف الآراء في تدبير هذه الولايات وتنقل الأغراض والأهواء ~~فيها ولم يشعروا وهم يتعجبون من هذه الأحوال واستمرار الاختلال إلا وقد وصل ~~من مصر المعروف بابن داود المغربي على نجيب مسرع ومعه جماعة من الخدم في ~~يوم الأحد في يوم عرفة بسجل إلى ولي عهد المسلمين المذكور ودخلوا عليه ~~القصر وجرى بينه وبينهم كلام طويل إلا أنهم أخرجوه من القصر وضرب وجهه ~~وأصبح الناس في يوم العيد لم يصلوا صلاة العيد في المصلى ولا في الجامع ولا ~~خطب خطيب وساروا بولي العهد في اليوم المذكور إلى مصر فزاد عجب الناس ~~وحاروا فيما هم فيه وتشاكوا ما ينزل بهم من الأحوال المضطربة والأعمال ~~المختلفة. فوصل الأمير وجيه الدولة أبو المطاع بن حمدان إلى دمشق واليا ~~عليها دفعة ثانية بعد أولى وكان أديبا فاضلا شاعرا ساميا مدبرا في يوم ~~السبت لست خلون من جمادى الآخرة سنة 412 فأقام في الولاية مدة. ووصل الأمير ~~شهاب الدولة شحتكين إلى دمشق واليا عليها في يوم الثلاثاء لسبع خلون من رجب ~~من ذي القعدة سنة 414 فكانت ولايته سنتين وأربعة أشهر ويومين. ووصل الأمير ~~وجيه الدولة أبو المطاع بن حمدان إلى دمشق واليا عليها دفعة ثالثة في يوم ~~الأربعاء لسبع خلون من شهر ربيع الأول سنة 415 فأقام في الولاية ما أقام مع ~~اختلاف الأحوال إلى أن تقررت الولاية لأمير الجيوش التزبري في سنة 419 # ولاية أمير الجيوش التزبري الجيلي لدمشق في سنة ms090 419 وشرح حاله ~~PageV01P047 وابتداء أمره والسبب في توليته وذكر شيء من أخباره إلى انتهاء ~~مدته بحكم نميزه عن الولاة المذكورين بالشجاعة والشهامة وحسن السياسة ~~واجمال السير والنصفة في العسكرية والرعية وحماية الأعمال بهيبته المشهورة ~~وبفطنته المشكورة وتشتيت شمل أولي الفساد من الأعراب واستقامة الأمور ~~بابالته على قضية الايثار والمراد. هو الأمير المظفر أمير الجيوش عدة ~~الامام سيف الخلافة عضد الدولة شرف المعالي أبو منصور أنوشتكين مولده ما ~~وراء النهر في بلد الترك في البلد المعروف بختل وسبي منه وحمل إلى كاشغر ~~وهرب إلى بخارا وملك بها وحمل إلى بغداد ثم إلى دمشق وكان شتيم الوجه بين ~~التركية وكان وصوله سنة 400 فاشتراه القائد تزبر بن اونيم الديلمي وكان ~~ندبه لحماية أملاكه وصونها من الأذى فكفاه ذلك بشهامته وصرامته فاشتهر بذاك ~~أمره وشاع ذكره وسئل مولاه أن يهديه للامام الحاكم بأمر الله وقيل بل وصله ~~الأمر بحمله فحمل في جملة غلمان في سنة 403 فاستطرف من بينهم وجعل في ~~الحجرة فقهر من بها من الغلمان وطال عليهم باليقظة والذكاء وجعل يلقب كل ~~غلام بما يليق به فشكره إلى المتولي فضربه وتزايد أمره فأخرج منها في سنة ~~405 ولزم الخدمة وجعل يتقرب إلى الخاص والعام بكل ما يجد السبيل إليه من ~~التودد والاكرام لما يريد الله تعالى من اسعاد جده واظهار سعده فارتضى ~~الحاكم مذهبه في الخدمة وزاد في واجبه وقوده وسيره مع سديد الدولة ذي ~~الكفايتين الضيف في العسكر إلى الشام في سنة 406 ودخل إلى البلد دمشق ولقي ~~مولاه القائد دزبر فترجل له وقبل يده وصار يتودد إلى الكبير والصغير ونزل ~~في دار حيوس بحضرة زقاق عطاف ثم عاد إلى مصر وجرد إلى الريف في السيارة ثم ~~عاد إلى مصر ولزم الخدمة بالحضرة ولزم بعلبك واليا عليها وحسنت حاله فيها ~~وانتشر ذكره بها وصادق ولاة الأطراف وكاتب عزيز الدولة فاتكا والي حلب ~~وهاداه ولقب منتجب الدولة وورد الأمر عليه بالمسير إلى الحضرة فلما بلغ ~~العريش وصله النجاب بالسجل بولاية قيسارية ms091 والأمر بالعود إليها فشق ذلك ~~عليه وقال: انقل من ولاية بعلبك إلى ولاية قيسارية. وكان من حسن سياسته ~~فيها وجميل عشرته لأهليها وحمايته لها ما ذاع به ذكره وحسن به صيته وكثر ~~شكره. وورد الخبر بقتل فاتك والي حلب سنة 412 قتله غلام له هندي قد رباه ~~واصطفاه وتوثق به واجتباه كذا وهو نائم عقيب سكره بسيفه وعمل فيه شاعره ~~المعروف بمفضل بن سعد قصيدة رثاه بها وذكر فيها من بعض أبياتها # لحمامه المقضي ربى عبده ... ولنحره المفري حد حسامه PageV01P048 وكتب إلى ~~مجنتب الدولة بالمسير إلى الحضرة فوصلها وولي فلسطين ووصل إليها في يوم ~~الثلاثاء من المحرم سنة 414 وبلغ حسان بن مفرج بن الجراح خبره فقلق له ~~وتخوفه ثم علا ذكره وظهر أمره وكثرت عدته وعدته وقويت شوكته وجرت له وقائع ~~مع العرب يستظهر فيها عليهم ويثخن فيهم فكبر بذلك شأنه ثم حسد وسعي فيه إلى ~~الحضرة وكوتب الوزير حسن بن صالح في بابه بأمر قرره حسان بن مفرج بن الجراح ~~ونسب إليه كل قبيح ومحال فاستؤذن في القبض عليه فأذن في ذلك فقبض عليه ~~بعسقلان بحيلة دبرت له في سنة 417 وسأل فيه سعد السعداء فأجيب سؤاله لجلالة ~~مكانه وأطلق من الاعتقال ووصل إلى الحضرة وحسنت حالته وظهرت هيبته وظهرت ~~هيئة اقطاعه وغلمانه ودوابه وهو مع ذلك ينفذ رسله إلى الشام وسائر الأعمال ~~وتأتيه بالأخبار ويطالع بها فكثر تعجب الوزير من يقظته ومضاء همته وعزيمته. ~~وكانت العرب بعده قد استولت على الأعمال وأفسدت الشام وملك حسان املاك ~~الملاك واتفق الخلف الجاري بين أرباب الدولة عقيب وفاة الحاكم وترافع ~~القواد والولاة إلى أن تقررت الحال على صرف الوزير وتقليد الوزارة لنجيب ~~الدولة علي بن أحمد الجرجرائي فنظر في الأعمال وهذب ما كان مستويا عليها من ~~الاضاعة والاهمال. واقتضت الآراء وصواب التدبير تجريد العساكر المصرية إلى ~~الشام ووقع الاختيار في ذلك على الأمير منتجب الدولة فاستدعاه الوزير علي ~~بن أحمد الجرجرائي وقال له: ما تحتاج إليه لخروجك إلى الشام ودمشق. ms092 فقال: ~~فرسي البرذعية وخيمة استظل بها. فعجب الوزير من مقاله واستعاد فرسه ~~المذكورة من سعيد السعداء وردها إليه وأطلق له خمسة آلاف دينار وأصحبه صدقة ~~بن يوسف الفلاحي ناظرا في الأموال ونفقة الرجال وجردت العساكر معه ولقب ~~بالأمير مظفر منتجب الدولة وخلع عليه وخرج إلى مخيمه وحملة من جرد معه سبعة ~~ألف فارس وراجل سوى العرب وسار في ذي القعدة.... وودعه الامام الظاهر ~~لاعزاز دين الله وعيد بالرملة عيد النحر وسار إلى بيت المقدس وجمع العساكر ~~وقصد صالح بن مرداس وحسان بن مفرج وجموع العرب عند معرفته بتجميعهم ووقع ~~اللقاء في القحوانة والتقى الفريقان فهزمت جموع العرب وأخذتهم السيوف ~~وتحكمت فيهم. وكان صالح ابن مرداس على فرسه المشهور فوقف به من كد الهزيمة ~~ولم ينهض به فلحقه رجل من العرب يعرف بطريف من فزارة فضربه بالسيف في رأسه ~~وكان مكشوفا فصاح ووقع ولم يعرفه وتم في طلب فرسه فمر به رجل من البادية ~~فعرفه فقطع رأسه وعاد يرقص به فلقيه الأمير عز الدولة رافع فأخذه منه وجاء ~~به إلى الأمير المظفر فلما رآه نزل عن فرسه وسجد لله شكرا على ما أولاه من ~~الظفر وركب وأخذه بيده وجعله على ركبته وأطلق للزبيدي الذي جاء به ألف ~~دينار ولعز الدولة رافع خمسة آلاف دينار وأطلق لطريف الذي ضربه بالسيف فرسه ~~وجوشنه وألف دينار وأخذ الغلمان الأتراك الذين لصالح لنفسه وأحسن إليهم ~~وتقدم بجمع الرؤوس وأنفذ جثة صالح إلى صيدا لتصلب على بابها وأوصل رأسه إلى ~~الحضرة وخلع على الواصلين به وأعيدوا ومعهم الخلع وزيادة الألقاب للأمير ~~المنتجب وقرئ سجله عليه وصار يكاتب ويخاطب بالأمير المظفر سيف الامام وعدة ~~الخلاف مصطفى الملك منتجب الدولة. وقال فيه الأمير أبو القينان محمد ابن ~~سلطان بن محمد بن حيوش من قصيدة امتدحه بها: # فكم ليلة نام عني الرقيب ... ونبهني القمر المرتقب # جمعت بها بين ماء الغمام ... وماء الرضاب وماء العنب # لجود المظفر سيف الامام ... وعدته المصطفى المنتجب PageV01P049 ولما توجه ~~عقيب ذلك إلى حلب ونزل عليها ms093 ظفر بشبل الدولة نصر بن صالح وكان قد انهزم ~~ولحقه رجل فرماه بخشت في كتفه فأنفذه ووقع عن فرسه وسر به أحد الأتراك فقطع ~~رأسه وسلمه إلى رافع وأنفذ من يسلم جثته إلى حماة فصلبت على الحصن وأمر ~~أمير الجيوش بعد ذاك بانفاذ ثياب وطيب وتكفين الجثة في تابوت ودفنها في ~~المسجد وبقيت فيه إلى سنة 439 ونقلها مقلد بن كامل لما ملك حماة إلى قلعة ~~حلب. وأنفذ الراس والتركي والبدوي مع الشريف الزيدي إلى الحضرة في نصف ~~شعبان سنة 429 وعاد أمير الجيوش إلى دمشق ونزل في القصر وأقام فيها ما أقام ~~وسار منها إلى حلب ونزل على السعدي وفتحت له أبواب البلد ودخله وأحسن إلى ~~أهله ورد ما كان صالح اغتصبه من الأملاك إلى أربابها وأمر بقتال القلعة ~~فقوتلت وهو قائم وراسله مقلد بن كامل المقيم بها وسلمها إليه وأقطعه عدة ~~مواضع وسكن في دار عزيز الدولة وتزوج بنت الأمير منصور بن زغيب ووصله السجل ~~من الحضرة باقطاعه حلب وعاد إلى دمشق وشرع في عمارة الدار بالقصر. ثم بلغه ~~عن الوزير علي بن أحمد الجرجرائي وعن الظاهر ما أوجب الاستيحاش منه والنفور ~~عنه فعزم على العود إلى حلب فظهر له من أجناده ما أنكره فهموا بالقيام عليه ~~فسار من القصر بعد أن أمر الغلمان بنهب ما في القصر ووصل إلى حلب ودخلها في ~~يوم الاثنين لأربع خلون من شهر ربيع الآخر ونزل في دار سعد الدولة واجتمع ~~بزوجته وابنته الواصلين من مصر ولازم الشراب وصح عليه جسمه. وبلغه وصول سجل ~~من مصر إلى دمشق عن الحضرة قرئ على المنبر يقال فيه: أما بعد فإنه قد علم ~~الحاضر والبادي والموالف والمعادي حال أنوشتكين الدزبري الخائن وأنه كان ~~مملوكا لدزبر بن أونيم الحاكمي وأهداه إلى أمير المؤمنين الحاكم بأمر الله ~~فنقله إلى المراتب إلى أن انتهى أمره إلى ما انتهى إليه فلما تغيرت نيته ~~سلبه الله تعالى نعمته لقوله تعالى إن الله لا يغير ما يقوم حتى يغيروا ما ~~بأنفسهم ms094 فشق هذا الأمر عليه وضاق صدره لاسقاط نعوته وقلق لذلك وليس من ~~العود إلى دمشق وقد كان عازما على العود. ثم وصله السجل عن الحضرة صحبة بعض ~~العرب نسخته: بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله ووليه الامام معد أبي ~~تميم المستنصر بالله أمير المؤمنين إلى أنوشتكين مولى دزبر بن أونيم ~~الديلمي. أما بعد فإن الله بقضيته العادلة ومشيئته البالغة لم يك مغيرا ما ~~بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم ~~من دون من وال مع ما أنك أجرمت على نفسك في يومك وأمسك واستوجبت بذلك مقام ~~الحلول من نحسك فلا تعجب بعذاب الله عندما أسرفت ووبيل عقابه عندما خالفت ~~فإن الله تعالى يقول مخاطبا لذوي العقول فمهل الكافرين أمهلهم رويدا وتالله ~~لقد جددت بمسيرك إلى حلب لبعد أملك وانقطاع أجلك وإنما بقي لك الأيام قلائل ~~ويكثر لك الندم وتحل بك النقم إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما ~~فوقها وإن مثلك مثل شاة عطشانة ولهانة ضائعة جائعة نزلت في مرج أفيح غزير ~~ماؤه كثير عشبه ومرعاه فشربت ماء وأكلت عشبا فرويت بعد ظمائها وشبعت بعد ~~جوعها واستحسنت بعد قبحها فلما تكامل حسنها ذبحت ويضرب الله الأمثال للناس ~~لعلهم يتذكرون وأن أمير المؤمنين يضرب لك مثلا عن جده المصطفى صلعم لما ~~أنزل عليه " والضحى والليل إذا سبحا ما ودعك ربك وما قال " إلى قوله عز ~~وجل: " ألم يجدك يتيما فآوى ووجدك ضالا فهدى ووجدك عائلا فأغنى " فبدلت ~~النعمة كفرا ووضعت موضع الخير شرا وقد انتهى إلى حضرة أمير المؤمنين ~~افتخارك بجميع الأموال واكتنازك لها لأمر لا يدهمك أو ليوم ينفعك أفما قرأت ~~القرآن العظيم أما تدبرت قول الملك الرحيم في قصة قارون لما بغى واعتدى ~~وازداد في الطغيان حيث يقول جل وعلا: " فخسفنا به وبداره الأرض " فما كان ~~له من فئة ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين أما رأيت الأمم ~~الماضية الذين عادوا الدولة ونصبوا لها العداوة ms095 الشديدة انظر إلى ديارهم ~~كيف قل فيها الساكنون وكثر عليها الباكون قال الله تعالى: " فتلك بيوتهم ~~حاوية بما ظلموا " إن في ذلك لآية لقوم يعلمون فاشتغل عن اصلاح العين وعن ~~خطرك في حساب الفرقدين وافتكر في رب المشرقين ورب المغربين حيث يقول جل ~~جلاله: " ألم نجعل له عينين ولسانا وشفتين وهديناه النجدين " وقد عرف أمير ~~المؤمنين PageV01P050 بكتاب الله الأعلى الذي نزل على خاتم الأنبياء حيث ~~يقول: " وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون " فلما سمع ما اشتمل عليه هذا ~~السجل من الانكار والوعظ بالآيات والتخويف عظم الأمر عليه وضاق صدره لتغير ~~النية فيه ورأى من الصواب إعادة الجواب بالتلطف والتنصل مما ظن به ~~والاعتذار والترفق في المقال والاعتراف بما شمله قديما وحديثا من الاحسان ~~والافضال فكتب بعد البسملة: كتب عبد الدولة العلوية والامامية الفاطمية ~~والخلافة المهدية عن سلامة تحت ظلها ونعمة منوطة بكفلها وهو متبرئ إليها من ~~ذنوبه الموبقة واسائته المرهقة لا بد بعفو أمير المؤمنين متنصل أن يكون في ~~جملة المجرمين المذنبين عن غير اساءة اقترفها ولا جناية احتقبها عائد ~~بكرمها صابر لحكمها لقوله تعالى " وبشر الصابرين " وهو تحت خوف ورجاء وتضرع ~~ودعاء قد ذلت نفسه بعد عزها وخافت بعد أمنها ورسخت بعد رفعتها ومن يضلل ~~الله فما له من هاد وأي قرب لمن أبعدته وأي رفعة لمن حططته والعبد يفخرها ~~شمخ ويحدرها طال وبذخ فزلت نصبته وطالت أرومته وسمت فروعه وكان كقوله تعالى ~~" وضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي ~~أكلها كل حين باذن ربها " . فلما أنكرت الدولة حاله وقبحت أفعاله وأدرت ~~عليه خذله الأنصار وقل بعد الاكثار فصار كقول الملك الجبار مثل كلمة خبيثة ~~كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار غير أن العبد يتوسل بوكيد ~~خدمته وقديم نصيحته ومجاهدته لأعداء الدولة مذكرا قول الله تعالى " والذين ~~قتلوا في سبيل الله فلن يصل أعمالهم سيهديهم ويصلح بالهم " وهو مع ذلك ~~معترف بذنوب ما جناها واساء ما أتاها ذاكرا ما ms096 نزل الله في كتابه المبين ~~على سيد المرسلين " وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى ~~الله أن يتوب عليهم إن الله غفور رحيم " عفا الله عن أمير المؤمنين أهل بيت ~~العفو والكرامة لجميع الأمم وفيهم نزلت الآيات والحكم قال الله تعالى " ~~وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم " وليس مسير العبد إلى حلب ~~ينجيه من سطوات مواليه لقوله تعالى قل " لو كنتم في بروج مشيدة " والذين ~~كتب عليهم القتل إلى مضاجعتهم لكنه بعد توصله واعترافه بجرائره وذنوبه ~~وتنصله يرجو قبول توبته وتمهيد عذره في إنابته ولله الأمر من قبل ومن بعد ~~ولأمير المؤمنين في كل قول وحد فقد وعد الله المسرفين على أنفسهم فقال ~~تعالى " قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسكم لا تقنطوا من رحمة الله إن ~~الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم " وأما ما رقي إلى الحضرة ~~المطهرة عن العبد في كثرة الأموال وجمعها فذلك طباع ولد آدم في حب اللجين ~~والعسجد وما عليه في الدنيا يعتمد نعوذ بالله أن يكون ذاك لمضادة أو مقاومة ~~أو مكاثرة أو مقابلة لكنها معدة للجهاد في أعداء أمير المؤمنين ومبذولة في ~~نصرة أوليائه المخلصين إذ يقول تعالى وله المثل الأعلى " وأعدوا لهم ما ~~استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم " ولقد قرئ على ~~العبد القرآن العظيم فوجده منوطا بطاعة امام الزمان وهو ولي العفو والغفران ~~عن أهل الاساءة والعدوان مكررا لقول الملك الديان " والكاظمين الغيظ ~~والعافين عن الناس والله يحب المحسنين " . وأنفذ هو الجواب صحبة الرسول ~~الواصل بعد إكرامه وطلع عقيب ذلك إلى قلعة حلب في يوم الأربعاء لعشر خلون ~~من جمادى الأولى وبات ليلة الجمعة واقشعر جسمه وقت صلاة الظهر واشتدت به ~~الحمى فأحضر طبيبا من حلب وشرح له حاله فوصف له مسهلا فلما حضر لم تطب نفسه ~~لشربه ولحقه فالج في يده اليمنى ورجله اليمنى وزاد قلقه وقضى نحبه في ~~الثلاث الأخير من ليلة الأحد لأربع عشرة ليلة خلت من ms097 جمادى الأولى سنة 436. ~~وله أخبار محمود في حسن السيرة والعدل والنصفة والذكاء والمعرفة وذكر المال ~~الذي خلفه بقلعة حلب بعد وفاته ستمائة ألف دينار سوى الآلات والعروض وقيمة ~~الغلات مائة ألف دينار وأخذ له من دمشق وفلسطين مائتا ألف دينار وكان له مع ~~التجار خمسون ألف دينار ونهب له من القصر بدمشق مائتا ألف دينار. وخلف من ~~الأولاد هبة الله من بنت وهب بن حسان ماتت أمه وعمره أربعون يوما وأبوه وله ~~شهران وسنة وأربع بنات إحداهن من بنت الأمير حسام الدولة البجناكي وابنة ~~PageV01P051 من بنت عزيز الدولة رافع بن أبي الليل وابنتان من جاريتان ~~وهبهما في القصر فأما هبة الله فإنه حمل إلى الحضرة وأكرم بها وكفله رضي ~~الدولة غلامه وعاش ست سنين وسقط عن فرسه فمات والبنت من بنت حسام الدولة ~~تزوجها الأمير صارم الدولة ذو الفضيلتين والبنت من بنت رافع نقلت إلى حلة ~~أخوالها من بني كلاب. ثم رأت الحضرة في سنة 448 نقل أمير الجيوش من تربته ~~بحلب إلى تربته ببيت المقدس فأمرت بنقله في تابوت على طريق الساحل وكان يحط ~~بخيمة وما يمر ببلد إلا كان وصوله يوما مشهودا وأخرجت الحضرة ثيابا حسنة ~~وطيبا كثيرا وأمرت الشريف أثير الدولة ابن الكوفي أن يتولى تكفينه ودفنه ~~وأن يأمر من بالرملة من غلمانه بالتحفي والمشي خلف جنازته وأن ينادي ~~بألقابه فنودي بها ودفن في التربة التي له في بيت المقدس مع أولاده فسبحان ~~من لا يزول ملكه ولا يخيب من عمل بطاعته المجازي عن إحسان السيرة بالاحسان ~~وعن السيئات في العقبى والماآل ذو الجلال والكمال الغفور الرحيم بنت عزيز ~~الدولة رافع بن أبي الليل وابنتان من جاريتان وهبهما في القصر فأما هبة ~~الله فإنه حمل إلى الحضرة وأكرم بها وكفله رضي الدولة غلامه وعاش ست سنين ~~وسقط عن فرسه فمات والبنت من بنت حسام الدولة تزوجها الأمير صارم الدولة ذو ~~الفضيلتين والبنت من بنت رافع نقلت إلى حلة أخوالها من بني كلاب. ثم رأت ~~الحضرة في سنة ms098 448 نقل أمير الجيوش من تربته بحلب إلى تربته ببيت المقدس ~~فأمرت بنقله في تابوت على طريق الساحل وكان يحط بخيمة وما يمر ببلد إلا كان ~~وصوله يوما مشهودا وأخرجت الحضرة ثيابا حسنة وطيبا كثيرا وأمرت الشريف أثير ~~الدولة ابن الكوفي أن يتولى تكفينه ودفنه وأن يأمر من بالرملة من غلمانه ~~بالتحفي والمشي خلف جنازته وأن ينادي بألقابه فنودي بها ودفن في التربة ~~التي له في بيت المقدس مع أولاده فسبحان من لا يزول ملكه ولا يخيب من عمل ~~بطاعته المجازي عن إحسان السيرة بالاحسان وعن السيئات في العقبى والماآل ذو ~~الجلال والكمال الغفور الرحيم PageV01P052 ولما زاد أمر الحاكم بأمر الله ~~في عسف الناس وما ارتكبه من سفك الدماء وإفاظة النفوس وأخذ الأموال والفتك ~~بالكبار والعمال والفتك بالمقدمين من الوزراء والقواد وأكابر الأجناد وعدل ~~عن حسن السياسة والسداد وزاد خوف خدمه وخواصه منه واستوحشوا من فعله وشكا ~~المقدمون والوجوه إلى أخته ست الملك بنت العزيز بالله هذه الأحوال فأنكرت ~~ما أنكروه وأكبرت ما أكبروه واعترفت بصحة ما شكوه وحقيقة ما كرهوه ووعدتهم ~~احسان التدبير في كف شره واجمال النظر في أموره وأمره ولم تجد فيه حيلة ~~يحسم بها داؤه إلا العمل على إهلاكه وكف أذاه بعدمه وأعملت الرأي في ذلك ~~وأسرته في انفس إلى أن وجدت الفرصة متسهلة فابتدرتها والعرة بادية ~~فاهتبلتها ورتبت له من اغتاله في بعض مقاصده وأخفى مظانه فأتى عليه وأخفى ~~أمره إلى أن ظهر في عيد النحر من سنة 411. وقال المغالون في المذهب أنه ~~غائب في سره ولا بد أن يؤوب ومستتر في غيبه ولا بد أن يرجع إلى منصبه ويثوب ~~وكان مولده بالقاهرة ليلة الخميس الثالث والعشرين من شهر ربيع الأول سنة ~~375 وولي الأمر وعمره عشر سنين وستة أشهر وستة أيام وفقد في العشر الأول من ~~شوال سنة 411 وعمره ست وثلاثون سنة ومدة أيامه خمس وعشرون سنة وشهران وأيام ~~ونقش خاتمه بنصر الاله العلي ينتصر الامام أبو علي وكان غليظ الطبع قاسي ~~القلب ms099 سفاكا للدماء قبيح السيرة مذموم السياسة شديد التعجرف والاقدام على ~~القتل غير محافظ على حرمة خادم ناصح ولا صاحب مناصح. وقام في الأمر بعده ~~ولده أبو الحسن علي الظاهر لاعزاز الله وأخذت له البيعة بعد أبيه في يوم ~~عيد النحر من سنة 411 واستقامت الأمور بعد ميلها وأمنت النفوس بعد وجلها ~~وحسنت السيرة بعد قبحها وارتضيت السياسة بعد النفور عنها ورد تدبير الأعمال ~~والنظر فيها وتسديد الأحوال ولم ما تشعث منها إلى الوزير صفي أمير المؤمنين ~~وخالصته أبي القاسم علي بن أحمد الجرجرائي وكتب له السجل بالتقليد من إنشاء ~~ولي الدولة أبي علي بن خيران متولي الانشاء وقرئ بالحضرة على القواد ~~والمقدمين في ذي الحجة سنة 418 ونسخته بعد البسملة: أما بعد فالحمد لله ~~مطلق الالسن بذكره ومجزل النعم بشكره ومصرف الأمور على حكم إرادته وأمره ~~الذي استحمد بالطول والنعماء وتمجد بالحكمة والسناء وملك ملكوت الأرض ~~والسماء واستغنى عن الظهراء والوزراء وأكرم عباده بأن جعل تذكرته لهم في ~~صحف مكرمة مرفوعة مظهرة بأيدي سفرة كرام برزة فسبحان من نظر لخلقه فأحسن ~~وأنعم وعلم بالقلم علم الانسان ما لم يعلم يحمده أمير المؤمنين حمد مخلص في ~~الحمد والشكر متخصص بشرف الأمانة ونفاذ النهى والأمر ويرغب الله تعالى في ~~الصلاة على نبيه محمد الذي نزل عليه الفرقان ليكون للعالمين نذيرا وعز به ~~الايمان وجعل له من لديه سلطانا نصيرا وانتخب أبانا عليا أمير المؤمنين أخا ~~وزيرا وصيره على أمر الدين والدنيا منجدا له وظهيرا صلى الله عليهما وسلم ~~على العترة الزاكية من سلالتهما سلاما دائما كثيرا. وإن أحق من عول عليه في ~~الوزارة وأسند إليه أمر السفارة ونصب لحفظ الأموال وتمييزها وسياسة الأعمال ~~وتدبيرها وإيالة طوالف الرجال كبيرها وصغيرها من كان حفيظا لما يستحفظ من ~~الأمور قووما بمصالح الجمهور عليما بمجاري السياسة والتدبير ولذاك قال يوسف ~~الصديق عليه السلام اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليهم ولو استغنى أحد ~~من رعاة العباد عن وزير وظهير يكاتبه على أمره ويظاهره لكان كليم الله ms100 موسى ~~صلى الله عليه وهو القوي الأمين عنه مستغنيا ولم يكن له من الله جل جلاله ~~طالبا مستدعيا وقد قال رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني ~~يفقهوا قولي واجعل لي وزيرا من أهلي هرون أخي أشدد به أزري وأشركه في أمري ~~كي نسبحك كثيرا ونذكرك كثيرا ولما كنت بالأمانة والكفاية علما وعند أهل ~~المعرفة والدراية مقدما وكان الكتاب على اختلاف طبقاتهم وتفاوت درجاتهم ~~يسلمون إليك في الكتابة ويقتدون بك في الاصابة ويشهدون لك بالتقدم في ~~العناء ويهتدون بحلمك اهتداء السفر بالنجم في الليلة الظلماء ولا يتناكرون ~~الانحطاط عن درجتك في الفضل لتفاوتها في الارتفاع ولا يرد ذلك راد من الناس ~~أجمعين الا خصمه وقوع الاجماع هذا مع المعروف من استقلالك بالسياسة ~~واستكمالك لأدوات الرئاسة وتدبيرك أمور المملكة PageV01P053 وما ألف برشد ~~وساطتك من سمو اليمن والبركة رأي أمير المؤمنين وبالله توفيقه أن يستكفيك ~~أمر وزارته وينزلك أعلى منازل الاصطفاء بخاص أثرته ويرفعك على جميع الأكفاء ~~بتام تكرمته وينوه باسمك تنويها لم يكن لأحد قبلك من الظهراء في دولته ~~فسماك بالوزير لموازرتك له على حمل الأعباء ووكد هذا الاسم بالأجل لأنك أجل ~~الوزراء وعزز ذلك بصفي أمير المؤمنين وخالصته إذ كنت أعز الخلصاء والأصفياء ~~وشرفك بالتكنية تسميقا بك في العلياء ودعا لك بأن يمتعه الله بك ويؤيدك ~~ويعضدك دعاء يجيبه فيك رب السماء فأنت الوزير الأجل صفي أمير المؤمنين ~~وخالصته المحبو بالمن الجسيم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل ~~العظيم وأمر أمير المؤمنين بأن تدعى بهذه الأسماء وتخاطب وتكتب بها عن نفسك ~~وتكاتب ورسم ذكر ذلك فيما يجري من المحاورات واثباته في ضروب المكاتبات ~~ليثبت ثبوت الاستقرار ويبقى وسمه على مر الليالي والنهار فأحمد الله تبارك ~~وتعالى على تمييز أمير المؤمنين لك بتشريفه واختصاصه واجلاله إياك أعلى ~~محال خواصه وأجر على سننك الحميد في خدمته ومذهبك الرشيد في مناصحته إذ كان ~~قد فوض إليك أمر وزارته وجعلك الوسيط بينه وبين أوليائه وأنصار دعوته وولاة ms101 ~~أعمال مملكته وكتاب دواوينه وسائر عبيده ورعيته شرقا وغربا وقربا وبعدا ~~وأمضى توقيع من تنصبه للتوقيع عن أمير المؤمنين في الإخراج والإنفاق ~~والايجاب والاطلاق وناط بك أزمة الحل والعقد والابرام والنقض والقبض والبسط ~~والاثبات والحط والتصريف والصرف تفويضا إلى أمانتك التي لا يقدح فيها معاب ~~وسكونا إلى ثقتك التي لا يلم بها ارتياب وعلما بأنك تورد وتصدر عن علم وحزم ~~تفوق فيهما كل مقاوم ولا تأخذك في المناصحة لأمير المؤمنين والاحتياط له ~~لومة لائم وجميع ما يوصي به غيرك ليكون له تذكرة وعليه حجة فهو مستغنى عنه ~~معك لأنك تغني بفرط معرفتك عن التعريف ولا تحتاج مع وقوفك على الصواب وعلمك ~~به إلى توقيف غير إن أمير المؤمنين يؤكد عليك الأمر بحسن النظر لرجال دولته ~~دانيهم وقاصيهم بارك الله فيهم وأن يتوفر على ما يعود بصلاح أحوالهم ~~وانفساح أمالهم وانشراح صدورهم وانتظام أمورهم إذ كانوا كتائب الاسلام ~~ومعاقل الأنام وأنصار أمير المؤمنين المحفوفين بالاحسان والانعام حتى تحسن ~~أحوالهم بجميل نظرك ويزول سوء الأثر فيهم بحسن أثرك وكذلك الرعايا بالحضرة ~~وأعمال الدولة فأمرهم من المعني به والمسؤول عنه وأمير المؤمنين يأمرك بأن ~~تستشف خيرة الولاية فيهم فمن ألفيته من الرعية مظلوما أوعزت بنصفته ومن ~~صادفته من الولاة ظلوما تقدمت بصرفه وحسم مضرته ومعرته. فأما الناظرون في ~~الأموال من ولاة الدواوين والعمال فقد أقام أمير المؤمنين عليهم منك المنقي ~~الزكاء طبا بالأدواء لا يصانع ولا تطيبه المطامع ولا ينفق عليه المنافق ولا ~~يعتصم منه الخؤون السارق كما إنه لا يخاف لديه الثقة الناصح ولا يخشى ~~عاديته الأمين في خدمته المجتهد الكادح والذي يدعو المتصرف إلى أن يحمل ~~نفسه على الخطة النكراء في الاحتجار والارتشاء أحد أمرين أما حاجة تضطره ~~إلى ذلك أو جهالة تورده المهالك فإن كان محتاجا سد رزق الخدمة فاقته ورجا ~~الراجون برءه من مرض الاسفاف وإفاقته وإن كان جاهلا فالجاهل لا يبالي على ~~ما أقدم عليه ولا يفكر في عاقبة ما يصير أمره إليه ومن جمع هذين القسمين ~~كانت ms102 نفسه أبدا تسف ولا تعف ويده تكف ولا تكف ووطأته تثقل ولا تخف فلا ترب ~~من تنزه وعف ولا أثرى من رضي لنفسه بدنيء المكسب وأسف. وما يستزيدك أمير ~~المؤمنين على ما عندك من حسن التأني والاجتهاد في اصلاح الفاسد واستصلاح ~~المعاند واستفاءة الشارد بالمعصية إلى طاعنه وإعطاء رجال الدولة ما توجب ~~لها حقوق الخدمة من فضل نعمته، وأمير المؤمنين يقول بعد ذلك قولا يؤثر عنده ~~في المشرق والمغرب ويصل إلى الأبعد والأقرب إن أكثر من وقع عليه اسم ~~الوزارة قبلك إنما تهيأ له ذلك بالحظ والاتفاق ولم يوقع اسمها عليك ويعذق ~~بك أمرها إلا باستيجاب واستحقاق لأنها احتاجت إليك حاجة الرمح إلى عامله ~~والعبء إلى حامله والمكفور إلى كافله. وكم أفرجت عن الطريق إليها لسواك ~~واجتهدت أن يعدوك مقامها إكبارا له فما عداك والله يكتب بجميل رأي أمير ~~المؤمنين حسدتك وعداك ويتولاك بالمعونة على ما قلدك وولاك ويمتعه ببقائك ~~كما PageV01P054 أمتعه بكفايتك وغنائك ويخير له في استيزارك كما خار له من ~~قبل في اصطناعك وإيثارك بمنه وكرمه والسلام عليك ورحمة الله وكتب يوم ~~الجمعة لاثنتي عشرة ليلة خلت من ذي الحجة سنة 418ه بكفايتك وغنائك ويخير له ~~في استيزارك كما خار له من قبل في اصطناعك وإيثارك بمنه وكرمه والسلام عليك ~~ورحمة الله وكتب يوم الجمعة لاثنتي عشرة ليلة خلت من ذي الحجة سنة 418 # ولاية القائد ناصر الدولة أبي محمد الحسن بن الحسين بن حمدان لدمشق في ~~سنة 433 # بعد أمير الجيوش أنوشتكين الدزبري وصل الأمير المظفر ناصر الدولة وسيفها ~~ذو المجدين أبو محمد الحسن بن الحسين بن حمدان إلى دمشق واليا عليها في ~~جمادى الآخرة سنة 433 في يوم الأربعاء السادس عشر منه وقرئ سجله بالولاية ~~بألقابه والدعاء له فيه سلمه الله وحفظه ووصل معه الشريف فخر الدولة نقيب ~~الطالبيين أبو يعلي حمزة بن الحسين بن العباس بن الحسن بن الحسين بن أبي ~~المجن بن علي بن محمد بن علي بن إسمعيل بن جعفر الصادق عليه السلام ms103 فأقام ~~في الولاية أمرا ناهيا إلى أن وصل من مصر من قبض عليه بدمشق وسيره معه إلى ~~مصر في يوم الجمعة مستهل رجب سنة 0440 وفي سنة 36 وردت الأخبار من ناحية ~~العراق بظهور راية السلطان ركن الدنيا والدين طغرلبك محمد بن ميكائيل بن ~~سلجق وقوة شوكة الأتراك وابتداء دولتهم واستيلائهم على الأعمال وضعف أركان ~~الدولة البويهية واضطراب أحوال مقدميها وأمرائها. وفي سنة 427 وردت الأخبار ~~من ناحية مصر بوفاة الامام الظاهر لاعزاز دين الله أبي الحسن علي بن الحاكم ~~بأمر الله بالاستسقاء في ليلة الأحد النصف من شعبان سنة 427 وعمره اثنتان ~~وثلاثون سنة ومولده بالقاهرة في شهر رمضان سنة 395 ومدة أيامه خمس عشرة سنة ~~وثمانية أشهر وخمسة أيام ونقش خاتمه بنصر ذي الجود والمتن ينتصر الامام أبو ~~الحسن وكان جميل السيرة حسن السياسة منصفا للرعية إلا انه متشاغل باللذة ~~محب للدعة والراحة معتمد في إصلاح الأعمال وتدبير العمال وحفظ الأموال ~~وسياسة الأجناد وعمارة البلاد على الوزير أبي القاسم علي بن أحمد الجرجرائي ~~لسكونه إلى كفايته وثقته بغنائه ونهضته. ثم تولى الأمر بعده ولده أبو تميم ~~معد المستنصر بالله أمير المؤمنين وعمره سبع سنين وشهران وأخذت البيعة له ~~بعد أبيه في شعبان سنة 427. وفي أيامه ثارت الفتن من بني حمدان وأكابر ~~القواد ووجوه العسكرية والأجناد وغليت الأسعار وقلت الأقوات واضطربت ~~الأحوال واختلت الأعمال وحصر في قصره وطمح في خلعه لضعف أمره ولم يزل الأمر ~~على هذه الحال إلى أن استدعى أمير الجيوش بدر الجمالي من عكاء إلى مصر في ~~سنة 465 فاستولى على الوزارة والتدبير بمصر وقتل من قتل من المقدمين ~~والأجناد وطالبي الفساد وتمهدت الأمور وسكنت الدهماء والزم المستنصر بالله ~~القصر ولم يبق له نهي ولا أمر إلا الركوب في العيدين ولم يزل كذلك إلى أن ~~توفي أمير الجيوش وانتصب مكانه ولده الأفضل أبو القسم شاهنشاه # ولاية القائد طارق الصقلبي المستنصري لدمشق في سنة 440 PageV01P055 وصل ~~الأمير بهاء الدولة وصارمها طارق المستنصري إلى دمشق واليا عليها في ms104 يوم ~~الجمعة مستهل رجب سنة 440 وقرئ سجل ولايته والدعاء له سلمه الله وحفظه وعند ~~دخوله وقع القبض على الأمير ناصر الدولة بن حمدان الوالي المقدم ذكره وسير ~~إلى مصر وتسلم الأمير طارق الولاية يأمر فيها. ووردت الأخبار من ناحية مصر ~~في سنة 436 بوفاة الوزير أبي القاسم علي بن أحمد الجرجرائي وزير المستنصر ~~بالله في داره آخر نهار الأربعاء السادس من شهر رمضان بعلة الاستسقاء وصلى ~~عليه المستنصر بالله في القصر ودفن في دار الوزارة وقلد مكانه الوزير أبو ~~نصر صدقة بن يوسف الفلاحي وخلع عليه في يوم الثلاثاء الحادي عشر من شهر ~~رمضان من السنة وقبض على أبي علي ابن الأنباري صاحب الوزير أبي القسم علي ~~بن أحمد وحمله إلى خزانة البنود وسعى في قتله فيها ودفنه وما مضى إلا ~~القليل وقبض على الوزير أبي نصر صدقة بن يوسف الفلاحي وحمل إلى خزانة ~~البنود في يوم الاثنين الخامس من المحرم سنة 440 وقتل سحرة يوم الاثنين في ~~المكان الذي قتل فيه ابن الأنباري وقيل إنه دفن معه في قبره ونظر في ~~الوزارة أبو البركات ابن أخي الوزير علي بن أحمد الجرجرائي وقبض عليه بعد ~~ذلك في ليلة يوم الاثنين النصف من شوال سنة 441 وفترت الأمور إلى أن استقرت ~~الوزارة لقاضي القضاة أبي محمد الحسن بن عبد الرحمن اليازوري. ووردت ~~الأخبار من مصر بأن المستنصر بالله خلع على وزيره قاضي القضاة أبي محمد ~~اليازوري في الرابع من ذي القعدة سنة 443 خلعا فاخرة كانت غلالة قصبا وطاقا ~~وقميصا دبيقيا وطيلسانا وعمامة قصبا وحمله على فرس رائع بمركب من ذهب وزنه ~~ألف مثقال وقاد بين يديه خمسة وعشرين فرسا وبغلا بمراكب ذهب وفضة وحمل معه ~~خمسون سفطا ثيابا أصنافا وزاد في نعوته وألقابه وخلع على أولاده خلعا تليق ~~بهم وكتب له سجل التقليد بانشاء ولي الدولة أبي علي بن خيران وبالغ في ~~احسان وصفه وتقريضه واطرائه واحماد رأيه وما اقتضاه الرأي من اصطفائه ~~للوزارة واجتبائه وقرئ بحضرة المستنصر بالله ms105 بين قواده وخدمه ووجوه أجناده ~~وقيل إن هذا الاكرام مقابلة على ما كان منه في التدبير على العرب المفسدين ~~من بني قرة في فلهم والنكاية فيهم وحسم أسباب شرهم وتشتيت شملهم ونسخة هذا ~~السجل المذكور بعد البسملة: .......... # ولاية رفق المستنصري لدمشق في سنة 441 # وصل الأمير عدة الدولة أمير الأمراء رفق المستنصري إلى دمشق واليا عليها ~~في يوم الخميس الثاني عشر من المحرم سنة 441 في عدة وافرة من الرجال وثروة ~~وافرة من العدد والمال وقرئ سجله بالولاية وأقام بها مدة يأمر فيها وينهي ~~ويحل ويعقد ويصدر في الأمور ويورد ثم وصله الأمر من مصر بمسيره إلى حلب ~~لأمر اقتضته الآراء المستنصرية من صرفه عنها وتوليتها للأمير المؤيد فسار ~~منها وتوجه إلى حلب في يوم الخميس السادس من صفر من السنة # ولاية الأمير المؤيد عدة الامام في سنة 441 بعد الأمين رفق # وصل الأمير المؤيد عدة الامام مصطفى الملك معين الدولة ذو الرئاستين ~~حيدرة بن الأمير عضب الدولة بن حسين بن مفلح إلى دمشق واليا عليها في مستهل ~~رجب سنة 441 فحمل معه سديد الدولة ذو الكفايتين أبو محمد الحسين بن حسن ~~الماشكي ناظرا في الشام جميعة حربه وخراجه وقرئ منشور الولاية والدعاء له ~~سلمه الله وحفظه فتسلم الولاية في سنة 442 يأمر فيها وينهي على عادة الولاة ~~واستقامت له أمور الولاية على ما يؤثره ويهواه وأحسن السيرة في العسكرية ~~والرعية فحمدت طريقته وارتضيت إيالته واستمرت عليه الأيام في الولاية إلى ~~سنة 448 التي بني هذا المذيل عليها وعادت سياقة الحوادث منها وإيراد ما ~~فيها وتجدد بعدها # سنة ثمان وأربعين وأربعمائة PageV01P056 فيها وردت الأخبار من ناحية ~~العراق بانعقاد أمر الوصلة بين الامام القائم بأمر الله وبين بنت الملك ~~داود أخي السلطان ركن الدنيا والدين طغرلبك وكان العقد أولا لولده ذخيرة ~~الدين فلما قضى الله عليه بالوفاة نقل العقد إلى الخليفة القائم بأمر الله ~~في يوم الأربعاء لسبع بقين من المحرم من السنة ووصلت البنت المذكورة من ~~مدينة الري إلى بغداد ms106 في الثالث والعشرين من شهر ربيع الأول من السنة. وفي ~~هذه السنة ولد الامام المقتدي بالله عبد الله بن ذخيرة الدين ابن القائم ~~بأمر الله في ليلة الأربعاء الثاني من جمادى الأولى من السنة. وفيها وردت ~~الأخبار من مصر بقلة الأقوات وغلاء الأسعار واشتداد الأمر في ذلك إلى أوان ~~زيادة النيل فظهر من القوت ووجوده ما طابت به النفوس وصلحت معه الأحوال # سنة تسع وأربعين وأربعمائة # في هذه السنة وردت الأخبار بتسلم الأمير مكين الدولة قلعة حلب من معز ~~الدولة وحصل فيها في الخميس لثلاث بقين من ذي القعدة منها وأقام بها مدة ~~أربع سنين يخطب فيها للمستنصر بالله صاحب مصر. وفيها توفي القاضي أبو ~~الحسين عبد الوهاب بن أحمد ابن هرون # سنة خمسين وأربعمائة PageV01P057 فيها وصل الأمير ناصر الدولة وسيفها ذو ~~المجدين أبو محمد الحسين بن الحسن ابن حمدان إلى دمشق واليا عليها دفعة ~~ثانية بعد أولى في يوم الاثنين النصف من رجب منها وأقام يسوس أحوالها ~~ويستخرج أموالها إلى أن ورد عليه الأمر من الحضرة بمصر بالمسير في العسكر ~~إلى حلب فتوجه إليها في العسكر في السادس عشر من شهر ربيع الأول سنة 452 ~~واتفقت الوقعة المشهورة المعروفة بوقعة الفنيدق بظاهر حلب في يوم الاثنين ~~مستهل شعبان من السنة بين ناصر الدولة المذكور وعسكره وبين جميع العرب ~~الكلابيين ومن انضم إليهم فكسرت العرب عسكر ناصر الدولة واستولوا عليهم ~~ونكوا فيهم وأفلت ناصر الدولة منهزما مجروحا مفلولا وعاد إلى مصر. ولم تزل ~~الأخبار متواترة من ناحية العراق بظهور المظفر أبي الحرث أرسلان الفساسيري ~~وقوة شوكته وكثرة عدته وغلبة أمره على الامام القائم بأمر الله أمير ~~المؤمنين وقهر نوابه وامتهان خاصته وأصحابه وخوفهم من شره حتى أمضى أمره ~~إلى أن يأخذ الجاني من حرم الخلافة ويفعل ما يشاء ولا يمانع له ولا يدافع ~~عنه. وقد شرح الخطيب أبو بكر أحمد ابن علي بن ثابت البغدادي رحمه الله في ~~أخبار أهل بغداد ما قال فيه: ولم يزل أمر القائم بأمر الله ms107 أمير المؤمنين ~~مستقيما إلى أن قبض عيه أرسلان الفساسيري في سنة 450 وهو واحد من الغلمان ~~الأتراك عظم أمره واستفحل شأنه لعدم نظرائه من الغلمان الأتراك والمقدمين ~~والاسفهسلارية إلا إنه استولى على العباد والأعمال ومد يده في جباية ~~الأموال وشاع بالهيبة أمره وانتشر بالقهر ذكره وتهيبته العرب والعجم ودعي ~~له على كثير من منابر الأعمال العراقية وبالأهواز ونواحيها ولم يكن القائم ~~بأمر الله يقطع أمرا دونه ولا يمضي رأيا إلا بعد إذنه ورأيه ثم صح عنده سوء ~~عقيدته وخبث نيته وانتهى ذلك إليه، من ثقات من الأتراك لا يشك في قولهم ولا ~~يرتاب. وانتهى إليه إنه بواسط قد عزم على نهب دار الخلافة والقبض على ~~الخليفة فكاتب السلطان طغرلبك محمد بن ميكال كذا وهو بنواحي الري يعرفه ~~صورة حال الفساسيري ويبعثه على العود إلى العراق ويدارك أمر هذا الخارجي ~~قبل تزايد طمعه وإعضال خطبه. وعاد الفساسيري من واسط وقصد دار الخلافة في ~~بغداد وهي بالجانب الغربي في الموضع المعروف بدار إسحق فهجمها ونهبها ~~وأحرقها ونقض أبنيتها واستولى على كل ما فيها. ووصل السلطان طغرلبك إلى ~~بغداد في شهر رمضان سنة 447 وتوجه الفساسيري إلى الرحبة حين عرف وصول ~~طغرلبك على الفرات وكاتب المستنصر بأمر الله صاحب مصر يذكر له كونه في ~~طاعته وإخلاصه في موالاته وعزمه على إقامة الدعوة له في العراق وإنه قادر ~~على ذلك وغير عاجز عنه فأنجده وساعده بالأموال وكتب له بولاية الرحبة. ~~وأقام السلطان طغرلبك ببغداد سنة كاملة وسار منها إلى ناحية الموصل وأوقع ~~بأهل سنجار وعاد منها إلى بغداد فأقام برهة ثم عاد إلى الموصل وخرج منها ~~متوجها إلى نصيبين ومعه أخوه إبراهيم ينال وذلك في سنة 450. وحدث بين ~~السلطان طغرلبك وأخيه إبراهيم خلف أوجب انفصاله عنه بجيش عظيم وقصد تاحية ~~الري وقد كان الفساسيري كاتب إبراهيم ينال أخا السلطان طغرلبك يبعثه على ~~العصيان لأخيه ويطمعه في الملك والتفرد به ويعده المعاضدة عليه والموازرة ~~والمرافدة والشد منه وسار طغرلبك في أثر أخيه مجدا وترك عساكره ms108 من ورائه ~~فتفرقت غير إن وزيره عميد الملك الكندري وربيبه أنوشروان وزوجته خاتون ~~وصلوا بغداد في من بقي معهم من العسكر في شوال سنة 450. واتصلت الأخبار ~~بلقاء طغرلبك وأخيه إبراهيم بناحية همذان وورد الخبر بذاك على خاتون وولدها ~~والوزير وإن إبراهيم استظهر عليه وحصره في همذان فعند ذلك عزموا على المسير ~~إلى همذان لانجاد السلطان فحين شاع الخبر بذاك اضطرب أمر بغداد اضطرابا ~~شديدا وخاف من بها وكثرت الأراجيف باقتراب أرسلان الفساسيري. وتوقف الكندري ~~الوزير عن المسير فأنكرت خاتون ذلك عليه وهمت بالايقاع به وتوقف ابنها ~~لتوقفهما عن المسير والانجاد للسلطان طغرلبك فنهضا للجانب الغربي من بغداد ~~وقطعا الجسور من ورائهما وأنتهب دورهما واستولى من كان مع الخاتون من الغز ~~على ما فيها من الأموال والأمتعة والأثاث والسلاح وتوجهت خاتون في العسكر ~~إلى ناحية همذان وتوجه الوزير الكندري على طريق الأهواز. فلما كان يوم ~~الجمعة السادس PageV01P058 من ذي القعدة ورد الخبر بأن أرسلان الفساسيري ~~بالأنبار وسعى الناس إلى صلاة الجمعة بجامع المنصور فلم يحضر الامام وأذن ~~المؤذن في المنارة ونزل منها وأعلم الناس إنه رأى العسكر عسكر الفساسيري ~~بإزاء شارع دار الرقيق فبادروا إلى أبواب الجامع وشاهدت قوما من أصحاب ~~الفساسيري يسكنون الناس بحيث صلوا في هذا المكان اليوم في جامع المنصور ~~الظهر أربعا من غير خطبة وفي يوم السبت تاليه وصل نفر من عسكر الفساسيري ~~وفي غدوة يوم الأحد دخل الفساسيري بغداد ومعه الرايات السود فضرب مضاربه ~~على شاطئ دجلة واجتمع أهل الكرخ والعوام من أهل الجانب الغربي على مظافرة ~~الفساسيري وكان قد جمع العيار وأهل الفساد وأطمعهم في نهب دار الخلافة ~~والناس إذ ذاك في ضر وجهد قد توالى عليهم الجدب وغلا السعر وعز الأقوات ~~وأقام الفساسيري بمكانه والقتال في كل يوم متصل بين الفريقين في السفن ~~بدجلة. فلما كان يوم الجمعة الثاني دعي المستنصر بالله صاحب مصر على المنبر ~~بجامع المنصور وزيد في الآذان حي على خير العمل. وشرع في بناء الجسر بعقد ~~باب الطاق وكف الناس ms109 عن المحاربة أياما وحضر يوم الجمعة الثاني من الخطبة ~~فدعي لصاحب مصر في جامع الرصافة. وخندق الخليقة القائم بأمر الله حول داره ~~ورم ما تشعث منها ومن أسوار المدينة فلما كان يوم الأحد لليلتين بقيتا من ~~ذي القعدة حشد الفساسيري أهل الجانب الغربي والكرخ ونهض بهم إلى محاربة ~~الخليفة ونشبت الحرب بين الفريقين يومين وقتل منهما الخلق الكثير. وأهل ~~هلال ذي الحجة فزحف الفساسيري إلى ناحية دار القائم الخليفة فأضرم النار في ~~الأسواق بنهر معلى وما يليه وعبر الناس لانتهاب دار الخليفة فنهب منها ما ~~لا يحصى كثرة وعظما. ونفذ الخليفة إلى مونس بن بدر الصقلي وكان قد ظاهر ~~الفساسيري فاذم للخليفة في نفسه ولقيه قريش أمير بني عقيل فقبل الأرض دفعات ~~وخرج الخليفة من الدار راكبا وبين يديه راية سوداء وعليه قباء أسود وسيف ~~ومنطقة وعلى رأسه عمامة تحتها قلنسوة الأتراك عراضه وبين يديه ....... وضرب ~~له قريش خيمة في الجانب الغربي فدخلها وأحدق به خدمه وماشى الوزير رئيس ~~الرؤساء أبا القسم بن مسلمة الفساسيري ويده قابضة على يده وكمه وقبض على ~~قاضي القضاة الدامغاني وجماعة معه وحملوا إلى الحريم الطاهري وقيد الوزير ~~والقاضي. فلما كان يوم الجمعة الرابع عشر من ذي الحجة لم يخطب بجامع ~~الخليفة وخطب في سائر الجوامع للمستنصر صاحب مصر وفي هذا اليوم انقطعت ~~الدعوة لبني العباس في بغدادن ذي القعدة ورد الخبر بأن أرسلان الفساسيري ~~بالأنبار وسعى الناس إلى صلاة الجمعة بجامع المنصور فلم يحضر الامام وأذن ~~المؤذن في المنارة ونزل منها وأعلم الناس إنه رأى العسكر عسكر الفساسيري ~~بإزاء شارع دار الرقيق فبادروا إلى أبواب الجامع وشاهدت قوما من أصحاب ~~الفساسيري يسكنون الناس بحيث صلوا في هذا المكان اليوم في جامع المنصور ~~الظهر أربعا من غير خطبة وفي يوم السبت تاليه وصل نفر من عسكر الفساسيري ~~وفي غدوة يوم الأحد دخل الفساسيري بغداد ومعه الرايات السود فضرب مضاربه ~~على شاطئ دجلة واجتمع أهل الكرخ والعوام من أهل الجانب الغربي على مظافرة ~~الفساسيري وكان قد ms110 جمع العيار وأهل الفساد وأطمعهم في نهب دار الخلافة ~~والناس إذ ذاك في ضر وجهد قد توالى عليهم الجدب وغلا السعر وعز الأقوات ~~وأقام الفساسيري بمكانه والقتال في كل يوم متصل بين الفريقين في السفن ~~بدجلة. فلما كان يوم الجمعة الثاني دعي المستنصر بالله صاحب مصر على المنبر ~~بجامع المنصور وزيد في الآذان حي على خير العمل. وشرع في بناء الجسر بعقد ~~باب الطاق وكف الناس عن المحاربة أياما وحضر يوم الجمعة الثاني من الخطبة ~~فدعي لصاحب مصر في جامع الرصافة. وخندق الخليقة القائم بأمر الله حول داره ~~ورم ما تشعث منها ومن أسوار المدينة فلما كان يوم الأحد لليلتين بقيتا من ~~ذي القعدة حشد الفساسيري أهل الجانب الغربي والكرخ ونهض بهم إلى محاربة ~~الخليفة ونشبت الحرب بين الفريقين يومين وقتل منهما الخلق الكثير. وأهل ~~هلال ذي الحجة فزحف الفساسيري إلى ناحية دار القائم الخليفة فأضرم النار في ~~الأسواق بنهر معلى وما يليه وعبر الناس لانتهاب دار الخليفة فنهب منها ما ~~لا يحصى كثرة وعظما. ونفذ الخليفة إلى مونس بن بدر الصقلي وكان قد ظاهر ~~الفساسيري فاذم للخليفة في نفسه ولقيه قريش أمير بني عقيل فقبل الأرض دفعات ~~وخرج الخليفة من الدار راكبا وبين يديه راية سوداء وعليه قباء أسود وسيف ~~ومنطقة وعلى رأسه عمامة تحتها قلنسوة الأتراك عراضه وبين يديه ....... وضرب ~~له قريش خيمة في الجانب الغربي فدخلها وأحدق به خدمه وماشى الوزير رئيس ~~الرؤساء أبا القسم بن مسلمة الفساسيري ويده قابضة على يده وكمه وقبض على ~~قاضي القضاة الدامغاني وجماعة معه وحملوا إلى الحريم الطاهري وقيد الوزير ~~والقاضي. فلما كان يوم الجمعة الرابع عشر من ذي الحجة لم يخطب بجامع ~~الخليفة وخطب في سائر الجوامع للمستنصر صاحب مصر وفي هذا اليوم انقطعت ~~الدعوة لبني العباس في بغداد PageV01P059 ولما كان اليوم التاسع من ذي ~~الحجة وهو يوم عرفة أخرج الخليفة القائم بأمر الله من الموضع الذي كان فيه ~~وحمل إلى الأنبار ومنها إلى الحديثة في الفرات فجلس هناك وكان ms111 صاحب الحديثة ~~الأمين مهارش هو المتولي لخدمة الخليفة فيها بنفسه وكان حسن الطريقة. ولما ~~كان يوم الاثنين من ذي الحجة شهر الوزير رئيس الرؤساء وزير الخليفة على جمل ~~وطيف به في محال الجانب الغربي ثم صلب بباب الطاق وخراسان وجعل على فكيه ~~كلابان من حديد على جدع فمات رحمه الله بعد صلاة العصر وأطلق القاضي ~~الدامغاني بمال قرر عليه. قال أبو بكر الخطيب رحمه الله: ثم خرجت يوم النصف ~~من صفر سنة 451 من بغداد ولم يزل الخليفة في محبسه بالحديثة إلى أن عاد ~~السلطان طغرلبك من ناحية الري إلى بغداد بعد أن ظفر بأخيه إبراهيم ينال ~~وكسره وقتله ثم كاتب الأمير قريشا باطلاق الخليفة إلى داره إلى ناحية ~~العراق وجعل السفير بينه وبين طغرلبك في ذلك أبا منصور عبد الملك بن محمد ~~بن يوسف وشرط أن يضمن الخليفة للفساسيري صرف طغرلبك عن وجهته. وكاتب طغرلبك ~~مهارشا في أمر الخليفة وإخراجه من محبسه فأخرجه وعبر به الفرات وقصد به ~~تكريت في نفر من بني عمه وقد بلغه أن طغرلبك بشهرزور فلما قطع الطريق عرف ~~أن طغرلبك قد حصل ببغداد فعاد راجعا حتى وصل النهروان فأقام الخليفة هناك ~~ووجه طغرلبك مضارب في الحال وفروشا برسم الخليفة ثم خرج لتلقيه بنفسه وحصل ~~الخليفة في داره ونهض طغرلبك في عسكر نحو الفساسيري وهو بسقي الفرات فحاربه ~~إلى أن أظفره الله به وقتله وحمل رأسه إلى بغداد وطيف به فيها وعلق بإزاء ~~دار الخلافة # سنة إحدى وخمسين وأربعمائة # في هذه السنة كان هلاك أرسلان الفساسيري وعود الخليفة القائم بأمر الله ~~أمير المؤمنين إلى داره على ما تقدم شرحه من أمره. وفيها أيضا كان ظفر ~~السلطان طغرلبك أخيه إبراهيم ينال على باب همذان # سنة اثنتين وخمسين وأربعمائة # فيها وصل الأمير المقدم تمام الدولة قوام الملك ذو الرئاستين سبكتكين ~~المستنصري إلى دمشق وبقي فيها غير وال عليها إلى أن وصل القائد موفق الدولة ~~جوهر الصقلبي من مصر في يوم الأربعاء الثاني من ذي الحجة سنة 452 ms112 ومعه ~~الخلع وسجل الولاية لدمشق بألقابه والدعاء له سلمه الله ووفقه والناظر في ~~الأعمال وحفظ الأموال سديد الدولة أبو عبد الله محمد بن حسن الماشكي على ما ~~كان عليه سبكتكين واليا على دمشق إلى أن توفى بها في ليلة الاثنين الثالث ~~والعشرين من شهر ربيع الأول سنة 453 فكانت ولايته ثلاثة شهور وسبعة عشر ~~يوما وفي هذه السنة نزل الأمير محمود بن شبل الدولة بن صالح بن مرداس على ~~حلب محاصرا لها ومضيقا عليها وطامعا في تملكها ومعه منيع بن سيف الدولة ~~فأقام عليها مدة فلم يتسهل له فيها أرب ولا تيسر طلب فرحل عنها ثم حشد بعد ~~مدة وجمع وعاد منازلا لها ومضايقا لأهلها ومراسلا لهم وتكررت المراسلات ~~منهم إلى أن تسهل أمرها وتيسر خطبها فتسلمها في يوم الاثنين من جمادى ~~الآخرة وضايق القلعة إلى أن عرف وصول الأمير ناصر الدولة بن حمدان في ~~العساكر المصرية لانجادها فخرج منها في رجب سنة 2 ونهب حلب بعسكر ناصر ~~الدولة واتفقت وقعة الفنيدق المشهورة وانفلال ناصر الدولة وعوده إلى مصر ~~منهزما مخذولا فعاد محمود بجمعه إلى حلب وحصل بها وقتل عمه معز الدولة ~~واستقام أمره فيها. وفي هذه السنة قصد الأمير عطية فيمن جمعه وحشده مدينة ~~الرحبة ولم يزل نازلا عليها ومضايقا لأهلها ومراسلا لهم إلى أن تسهل الأمر ~~فيها وسلمت إليه وحصل بها في صفر من السنة # سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة PageV01P060 في هذه السنة وصل الأمير حسام ~~الدولة ابن البجناكي إلى دمشق واليا عليها في يوم الجمعة الثاني والعشرين ~~من جمادى الأولى منها ونزل في المزة وأقام مدة وورد الكتاب بعزله فانصرف عن ~~الولاية وتوجه نحو حلب في شهر رمضان من السنة ثم وصل بعد ذلك عدة الدين ~~والدولة ابن ناصر الدولة بن حمدان إلى دمشق واليا عليها في يوم الجمعة ~~الثامن عشر من رمضان من السنة وحصل بها وقرئ سجل ولايته وأمر فيها ونهى. ~~وفي هذه السنة استقر الصلح والموادعة بين معز الدولة صاحب حلب وابن أخيه ~~محمود بن ms113 شبل الدولة. وفيها ندب أبو محمد بن سعيد بن سنان الخفاجي الشاعر ~~للمسير من حلب إلى القسطنطينية رسولا في المحرم منها. وفيها توفى الأمير ~~معز الدولة بحلب في يوم الجمعة لسبع بقين من ذي القعدة ودفن في المسجد ~~بالقلعة وملكها أخوه عطية. وفي هذه السنة وصل الأمير المؤيد معتز الدولة ~~حيدرة بن عضب الدولة إلى دمشق واليا عليها دفعة ثانية بعد أولى في يوم ~~الاثنين الثامن عشر من ذي القعدة منها ونزل في أرض المزة وفي هذا اليوم سار ~~عدة الدولة بن حمدان عن الولاية منصرفا إلى مصر وأقام المؤيد بها في ~~الولاية ما أقام وانصرف عنها معزولا في شهر ربيع الآخر سنة 455 # سنة أربع وخمسين وأربعمائة # في المحرم منها قلد الأمير مكين الدولة طبرية وثغر عكاء من قبل امام ~~المستنصر بالله وأمر على جماعة بني سليم وبني فزارة. وفيها توفي القاضي ~~الشريف مستخص الدولة أبو الحسين ابرهيم بن العباس بن الحسن الحسيني بدمشق ~~يوم السبت التاسع والعشرين من شعبان رحمه الله. وفيها وردت الأخبار من ~~ناحية العراق بوفاة السلطان طغرلبك وقيام ولده كذا البارسلان في المملكة ~~بعده في مدينة الري # سنة خمس وخمسين وأربعمائة # وفيها ولاية أمير الجيوش بدر لدمشق # وصل الأمير تاج الأمراء المظفر مقدم الجيوش شرف الملك عدة الامام ثقة ~~الدولة بدر إلى دمشق واليا عليها في يوم الأربعاء الثالث والعشرين من شهر ~~ربيع الآخر من السنة ونزل بأرض المزة ومعه الشريف القاضي ثقة الدولة ذو ~~الجلالين أبو الحسن يحيى بن زيد الحسيني الزيدي ناظرا في الأعمال ونفقات ~~الأموال وأقام بها مدة مدبرا لها وآمرا وناهيا فيها ثم حدث من أمره بها ~~والخلف الجاري بينه وبين عسكريتها ورعيتها ووقعت بينهما محاربات عرف معها ~~عجزه عن المقام بينهم والثبات معهم وخاف على نفسه منهم فسار عنها كالهارب ~~منها في ليلة الثلاثاء لأربع عشرة ليلة خلت من رجب سنة 56. وفي هذه السنة ~~نزل الأمير محمود بن شبل الدولة بن صالح على حلب وحصر عمه عطية فيها في ~~النصف ms114 من شعبان وقتل منيع بن كامل بحجر المنجنيق ولم يتمكن من عرضه فيها ~~ولا تسهل له أرب منها فرحل عنها # سنة ست وخمسين وأربعمائة # وفيها ولاية الأمير حيدرة بن منزو # لما انصرف أمير الجيوش بدر عن ولاية دمشق هاربا ندب لولايتها الأمير حصن ~~الدولة حيدرة بن منزو بن النعمان واليا عليها ووصل إليها في شهر رمضان من ~~السنة وأقام بها وأمر ونهى على عادة أمثاله من الولاة لها. ثم اقتضى الرأي ~~المستنصري صرفه عنها لشهاب الدولة دري المستنصري ووصل إليها وتولى الولاية ~~فيها. وفي هذه السنة عاد محمود بن شبل الدولة بن صالح إلى حلب مضايقا لها ~~ولعطية عمه فاستصرخ بالأمير ابن خان التركي فأنجده عليه فلما أحس بوصوله ~~رحل عنها منهزما ثم خاف عطية من الأمير ابن خان فأمر أحداث حلب بنهب عسكره ~~فنهبوه. ورحل ابن خان منهزما وأنفذ إلى الأمير محمود يعتذر إليه من ~~المساعدة عليه وتوجه معه إلى طرابلس وعاد معه إلى حلب لحصرها في هذه السنة. ~~وفيها وصل الأمير شهاب الدولة دري المستنصري إلى دمشق واليا في العشر ~~الأخير من ذي القعدة من السنة ثم تجدد الرأي في صرفه فانصرف وتوجه إلى ~~الرملة لأن سجل ولايته لها ورد عليه وأقام بها آمرا وناهيا إلى أن قتل بها ~~في شهر ربيع الآخر سنة 460 وأقامت دمشق خالية من الولاة إلى أن وصل إليها ~~أمير الجيوش بدر واليا عليها دفعة ثانية في سنة 468 # سنة سبع وخمسين وأربع مائة PageV01P061 في هذه السنة نزل الأمير محمود بن ~~شبل الدولة بن صالح على حلب ثالث دفعة ومعه الأمير ابن خان التركي وأقام ~~عليها إلى انتصاف شهر رمضان ولم يزل مضايقا لها إلى أن تسهل أمرها وملكها ~~فلما حصل بها فارقه ابن خان بعسكره نحو العراق ولم يدخلها اشفاقا من أحداث ~~حلب لما فعلوه في تلك النوبة من القيام عليه والنهب لأصحابه # سنة ثمان وخمسين وأربعمائة # وفيها ولاية أمير الجيوش بدر الثانية # وصل أمير الجيوش سيف الاسلام بدر إلى دمشق واليا ms115 عليها ثانية وعلى الشام ~~بأسره في يوم الأحد السادس من شعبان منها ونزل في مرج باب الحديد أياما ~~وبلغه قتل ولده بعسقلان فدخل القصر وأقام فيه إلى أن تحرك الفتنة الثائرة ~~بينه وبين عسكرية دمشق وأهلها واستيحاش كل منهم من صاحبه فخرج من القصر ~~ونشبت الحرب بينهم في يوم الجمعة التاسع والعشرين من جمادى الأولى سنة 460 ~~وقد كان القصر أخرب بعضه في تلك النوبة الحادثة الأولى ونهب ما كان فيه ~~فلما عاد بعد ذلك في هذه النوبة ومعه العساكر الجمة من العرب وسائر الطوائف ~~ونزل على مسجد القدم في رمضان سنة 60 واتفق رحيله عنها فخرج من في البلد من ~~العسكرية والأحداث إلى القصر فأحرقوا ما كان سالما منه ونقضوا أخشابه بحيث ~~شمله الخراب من كل جهاته. وفي هذه السنة فادى الأمير محمود بن شبل الدولة ~~بن صالح نساء بني حماد والنمريين من أسر الروم ولم يزل مبالغا في ذلك ~~ومجتهدا فيه إلى أن حصلوا في حلب # سنة تسع وخمسين وأربعمائة # فيها وردت الأخبار من ناحية مصر باجتماع العبيد في الصعيد وكبسهم عسكر ~~الأمير ناصر الدولة أبي علي الحسن بن حمدان وانفلال العرب المجتمعة معه ~~واستظهار العبيد على جانب من عسكره نهبوه واستولوا عليه ثم عادوا عليهم ~~واستعادوا ما أخذ لهم وزيادة عليه وقتل جماعة منهم. وفيها سأل الأمير ناصر ~~الدولة المستنصر بالله في حميد ابن محمود بن جراح وحازم بن علي بن جراح ~~فأطلقهما من خزانة البنود وخلى سبيلهما # سنة ستين وأربعمائة # وفيها ولاية الأمير بارزطغان لدمشق # وصل الأمير قطب الدولة بارزطغان إلى دمشق واليا عليها في شعبان منها ووصل ~~معه الشريف السيد أبو طاهر حيدرة بن مستخص الدولة أبي الحسين ونزل قطب ~~الدولة في دار العقيقي وأقام مدة ثم خرج منها ومعه الشريف المذكور في شهر ~~ربيع الأول سنة 461. وورد الخبر بأن أمير الجيوش بدر ظفر بالشريف السيد ~~المذكور وكان بينهما إحن بعثته على الاجتهاد في طلبه والارصاد له إلى أن ~~اقتنصه فلما حصل في يده قتله ms116 سلخا فعظم ذلك على كافة الناس وأكثروا هذا ~~الفعل واستبشعوه في حق مثله. وفي يوم الثلاثاء العاشر من جمادى الأولى من ~~السنة جاءت زلزلة عظيمة بفلسطين هدمت أكثر دور الرملة وسورها وتضعضع جامعها ~~ومات أكثر أهلها تحت الردم. وحكي أن معلما كان في مكتبه به تقدير مائتي صبي ~~وقع المكتب عليهم فما سأل أحد عنهم لهلاك أهليهم وأن الماء طلع من أفواه ~~الآبار لعظم الزلزلة وهلك في بانياس تحت الردم نحو من مائة نفس وكذلك في ~~بيت المقدس. وسمع في أيار من هذه السنة رعدة هائلة ما سمع بأعظم منها ولا ~~بأهول من صوتها فغشي على جماعة من الرجال والنسوان والصبيان وطلع في أثرها ~~سحاب هائل ووقع منه برد شديد الوقع أهلك كثيرا من الشجر وجاء معه سيل عظيم ~~في بلد الشام قلع ما مر به من الشجر والصخر. حكي أن ارتفاعه بوادي بني عليم ~~نحو من ثلاثين ذراعا وأنه سحب صخرة عظيمة لا يقلها خمسون رجلا ذهب بها فلم ~~يعرف مستقرها. وفيها ورد الخبر بقيام ناصر الدولة أبي علي الحسن بن حمدان ~~في جماعة من قواد الأتراك وأمراء مصر على المستنصر بالله بمصر وأخذهم شيئا ~~كثيرا من المال اقتسموه وكان أمير الجيوش بدر في مبدأ أمره مقيما بالشام ~~مظهرا الطاعة المستنصر بالله والموالاة له والميل إليه إلا أنه لا يتمكن من ~~نصرته ولا يجد سبيلا إلى موازرته ومعاضدته وزحف المذكورون إلى دار وزيره ~~المعروف بابن كدينة فطالبوه بالمال فقال لهم: وأي مال بقي بعد نهبكم ~~الأموال واقتسامكم الأعمال ؟ فألحوا عليه وقالوا: لا بد من انفاذك إلى ~~المستنصر بالله وبعثك له على إخراج المال وتعريفه في ذلك صورة الحال. فكتب ~~إليه رقعة بشرح القصة وخرج الجواب عنها بخطه يقول فيه PageV01P062 أصبحت لا ~~أرجو ولا أتقي ... إلا إلهي وله الفضل # جدي نبيي وإمامي وأبي ... وقولي التوحيد والعدل # المال مال الله والعبيد عبيد الله والاعطاء خير من المنع وسيعلم الذين ~~ظلموا أي منقلب ينقلبون. وفي هذه السنة خرج متملك الروم من القسطنطينية ms117 إلى ~~الثغور # سنة إحدى وستين وأربعمائة # وفيها كانت ولاية معلى بن حيدرة بن منزو لدمشق # الأمير حصن الدولة معلى بن حيدرة بن منزو الكتامي ولى دمشق قهرا وغلبة ~~وقسرا من غير تقليد في يوم الخميس الثامن من شوال سنة 461 بجيل نمقها ~~ومحالات اختلقها ولفقها وذكر أن التقليد بعد ذلك وافاه فبالغ في المصادرات ~~حينئذ وارتكب من الظلم ومصادرة المستورين الأخيار ما هو مشهور من العيث ~~والجور ما هو شائع بين الأنام مذكور ولم يلق أهل البلد من التعجرف والظلم ~~والعسف بعد جيش بن الصمصامة في ولايته ما لقوه من ظلمه وسوء فعله وقاسوه من ~~اعتدائه ولؤم أصله ولم تزل هذه أفعاله إلى أن خربت أعمالها وخلا عنها أهلها ~~وهان عليهم مفارقة أملاكهم وسأوهم عن أوطانهم بما عانوه من ظلمه ولابسوه من ~~تعديه وعشمه وخلت الأماكن من قاطنيها والغوطة من فلاحيها وما برح لقاء الله ~~على هذه القضية المنكرة والطريقة المكروهة إلى أن أجاب الله وله الحمد ~~والشكر دعاء المظلومين ولقاه عاقبة الظالمين وحقق الأمل فيه بالراحة منه ~~وأوقع بينه وبين العسكرية بدمشق الشحناء والبغضاء فخاف على نفسه الهلاك ~~والبوار فاستشعر الوبال والدمار فلم يكن له إلا الهرب منهم والنجاة من ~~فتكهم لأنهم عزموا على الايقاع به والنكاية فيه وقصد ناحية بانياس فحصل ~~فيها في يوم الجمعة الثاني والعشرين من ذي الحجة سنة 467 فأقام بها وعمر ما ~~عمره من الحمام وغيره فيها ثم خرج منها في أوائل سنة 472 خوفا من العسكر ~~المصري أن يدركه فيها فيأخذه منها وحصل بثغر صور عند ابن أبي عقيل القاضي ~~المستولي عليها ثم صار من صور إلى طرابلس وأقام بها عند زوج أخته جلال ~~الملك ابن عمار مدة وأطلع إلى مصر فهلك في الاعتقال قتلا بالنعال في سنة ~~481 وذلك جزاء الظالمين وما الله بغافل عما يعملون وفي هذه السنة وقع الخلف ~~بدمشق بين العسكرية وبين أهلها وطرحت النار في جانب منها فاحترقت واتصلت ~~النار منه بالمسجد الجامع من غربيه فاحترق في ليلة ms118 يوم الاثنين انتصاف ~~شعبان من السنة فقلق الناس لهذا الحادث والملم المؤلم الكارث وأسف القاضي ~~والداني لاحتراق مثل هذا الجامع الجامع للمحاسن والغرائب المعدود من إحدى ~~العجائب حسنا وبهاء ورونقا وسناء وكيف أصابت مثل العيون الصوائب وعدت عليه ~~عادية النوائب وفيها وردت الأخبار من مصر بغلاء الأسعار فيها وقلة الأقوات ~~في أعمالها واشتداد الحال في ذلك واضطرارهم إلى أكل الميتة وأكل الناس ~~بعضهم بعضا من شدة الجوع وقتل من يظفر به وأخذ ماله واستغراق حاله ومن سلم ~~هلك واحتاج الأمير والوزير والكبير إلى المسئلة. وفيها نزل الروم على حصن ~~اسفونا وملكوه # سنة اثنتين وستين وأربعمائة PageV01P063 فيها نزل أمير الجيوش سيف ~~الاسلام بدر المستنصري في العسكر المصري على ثغر صور محاصرا لعين الدولة بن ~~أبي عقيل القاضي الغالب عليه فلما أقام على المضايقة له والاضرار به كاتب ~~القاضي ابن أبي عقيل الأمير قرلو مقدم الأتراك المقيمين بالشام مستصرخا له ~~ومستنجدا به فأجابه إلى طلبه وأسعفه بأربه وسار بعسكره منجدا له ومساعدا ~~ووصل إلى ثغر صيدا ونزل عليه في ستة ألف فارس فحصره وضيق عليه وعلى من فيه ~~وكان في جملة ولاية أمير الجيوش المذكور فحين عرف أمير الجيوش صورة الحال ~~ووصول الأتراك لانجاد من بصور واسعاده قادته الضرورة إلى الرحيل عن صور بعد ~~أن استفسد كثيرا من أهلها والعسكرية بها بحيث قويت بهم شوكته وزادت بهم عده ~~وتلوم عنها قليلا ثم عاود النزول عليها والمضايقة لها وأقام عليها في البر ~~والبحر مدة سنة احتاج أهلها مع ذلك إلى أكل الخبز الرطل بنصف دينار ولم يتم ~~له أمر فيها لاختلاف الأتراك في الشام فرحل عنها. وفي هذه السنة مرض الأمير ~~محمود بن صالح في حلب مرضا شديدا وخطب للامام القائم لأمر الله على منبر ~~حلب وقطع الدعوة المستنصرية في تاسع عشر شوال. وفيها فتح ملك الروم ثغر ~~منبج وأحرقه وعاد يقدم بعمارته ورحل عنه إلى ناحية منازجرد فعاث في أطرافها ~~إلى أطراف خراسان وبقيت منبج في ملكة هذا الملك واسمه على ما ms119 ذكر ~~اليزدوخانس سبع سنين ودام في الملك على ما حكى ثلاثين # سنة ثلاث وستين وأربعمائة # فيها جمع اتسز بن أوق مقدم الأتراك الغز بالشام واحتشد وقصد أرض فلسطين ~~فافتتح الرملة وبيت المقدس وضايق دمشق وواصل الغارات عليها وعلى أعمالها ~~وقطع الميرة عنها ورعى زرعها عدة سنين في كل ربيع لمضايقتها والطمع في ~~ملكتها ولم يزل مترددا إلى أن اضطرب أمرها وخربت المنازل بها وزاد غلاء ~~الأسعار فيها وعدم تواصل الأقوات إليها وجلا أكثر أهلها عنها واستحكم الخلف ~~بين العسكرية والمصامدة والأحداث من أهلها وكون الوالي معلى بن منزو لعنه ~~الله قد هرب عنها ولم يبق فيها من المقدمين على الأجناد غير الأمير زين ~~الدولة زمام المصامدة بها. وفي هذه السنة نزل السلطان العادل البارسلان بن ~~داود أخي السلطان طغرلبك بن سلجوق رحمه الله على حلب محاصرا لها وبها محمود ~~بن صالح في يوم الثلاثاء سابع عشر جمادى الآخرة وضايقها إلى أن ملكها ~~بالأمان فخرج محمود إليه فأمنه وأنعم عليه وولاه البلد. ورحل عنه ثالث ~~وعشرين رجب قاصدا إلى بلاد الروم طالبا ملكهم وقد توجه إلى منازجرد فلحقه ~~وأوقع به وهزمه وكان عسكره على ما حكي تقدير ستمائة ألف من الروم وما انضاف ~~إليهم من سائر الطوائف وعسكر الاسلام على ما ذكر تقدير أربع مائة ألف من ~~الأتراك وجميع الطوائف وقتل من عسكر الروم الخلق الكثير بحيث امتلأ واد ~~هناك عند التقاء الصفين وحصل الملك في أيدي المسلمين أسيرا وامتلأت الأيدي ~~من سوادهم وأموالهم وآلاتهم وكراعهم ولم تزل المراسلات مترددة بين السلطان ~~البارسلان وبين ملك الروم المأسور إلى أن تقرر اطلاقه والمن عليه بعد أخذ ~~العهود عليه والمواثيق بترك التعرض لشيء من أعمال الاسلام واطلاق الأسارى ~~وأطلق وسير إلى بلده وأهل مملكته فيقال أنهم اغتالوه وسلموه وأقاموا غيره ~~في مكانه لأشياء أنكروها عليه ونسبوها إليه # سنة أربع وستين وأربعمائة # في المحرم منها قتل الأمير جعبر صاحب قلعة دوسر فيها بمكيدة نصبت له ~~وحيلة تمت عليه وغفلة استمرت به. وفيها ملكت الرقة ms120 واستولى عليها. وفيها ~~نهض محمود بن صالح من حلب فيمن حشد من العرب وقصد ناحية عزاز في يوم السبت ~~الثاني والعشرين من رجب للقاء الروم فاندفعت الروم بين أيدي العرب والعرب ~~في عدة قليلة تناهز ألف فارس وقصدوا أنطاكية واجتمعوا بها وعادت العرب إلى ~~حلب. وفيها ورد الخبر من بغداد في شهر ربيع الأول منها بأن الامام الحافظ ~~أبا بكر أحمد بن علي بن ثابت البغدادي الخطيب رحمه الله توفي يوم الاثنين ~~السابع من ذي الحجة منها وحمل إلى الجانب الغربي من بغداد وصلي عليه ودفن ~~بالقرب من قبة أحمد بن حنبل رحمه الله # سنة خمس وستين وأربعمائة PageV01P064 فيها هرب الأمير أبو الجيوش علي بن ~~المقلد بن منقذ من حلب خوفا من صاحبها الأمير محمود بن صالح حين عرف عزمه ~~على القبض عليه وقصد المعرة ثم قصد كفرطاب. وفيها ورد نعي الأمير عطية عم ~~الأمير محمود بن صالح من القسطنطينية في ذي الحجة. وفيها ورد سأر الأمير ~~محمود بن صالح من حلب فيمن جمعه وحشده من عسكره إلى الرحبة. وفي هذه السنة ~~ورد الأخبار باستشهاد السلطان العادل البارسلان ابن داود أخي السلطان ~~طغرلبك ملك الترك على نهر جيحون عند حصن هناك بيد من اغتاله من الباطنية ~~المتزيين بطريقة الزهاد المتصوفة على القضية المشهورة والسجية المذكورة # سنة ست وستين وأربعمائة # فيها فتح الأمير محمود بن صالح قلعة السن في يوم الخميس تاسع شهر ربيع ~~الآخر. وفيها وردت الأخبار من بغداد بزيادة مد دجلة حتى غرق بها عدة أماكن ~~وهدم عدة مساكن. وفيها وردت الأخبار من ناحية العراق بانتصاب السلطان ~~العادل ملك شاه أبي الفتح محمد بن السلطان البارسلان في المملكة بعد أبيه ~~وجلوسه على سرير الملك بعد أخذ البيعة له على أمراء الأجناد وكافة ولاة ~~الأعمال والبلاد فاستقامت له الأمور وانتظمت به الأحوال على المراد ~~والمأثور واستمر التدبير على نهج الصلاح وسنن النجاح وسلك في العدل ~~والانصاف مسلك أبيه العادل عن طريقة الجور والاعتساف ورتب النواب في ~~الأعمال والثقات في حفظ ms121 الأموال. وفيها توفي أبو علي الحسين بن سعيد بن ~~محمد بن سعيد العطار بدمشق في يوم الجمعة من صفر وكان من أعيان شهودها وحدث ~~عن جماعة # سنة سبع وستين وأربعمائة # فيها وردت الأخبار من ناحية العراق بوفاة القائم بأمر الله أبي جعفر عبد ~~الله بن الامام القادر بالله في يوم الخميس الثالث عشر من شعبان وأمه أم ~~ولد تسمى قطر الندى رومية وأدركت خلافته وماتت في رجب سنة 452 وكان مولده ~~في الساعة الثالثة من نهار يوم الخميس وقيل الجمعة الثامن عشر من ذي القعدة ~~سنة 391 وتولى الأمر بعد أبيه وعمره إحدى وثلاثون سنة في يوم الاثنين ~~الحادي عشر من ذي الحجة سنة 422 ومات وعمره ست وسبعون سنة وكانت أيامه ~~أربعا وأربعين سنة وتسعة أشهر وأياما وكان جميلا مليح الوجه أبيض اللون ~~مشربا خمرة حسن الجسم أبيض الرأس واللحية ورعا متدينا زاهدا عالما وكان ~~رحمه الله قد يلي من أرسلان الفساسيري بما يلي إلى أن أهلكه الله وأراحه ~~بالعزائم السلطانية حسب ما تقدم به شرح الحال. وروي عنه أنه لما اعتقل في ~~الحديثة كتب رقعة وأنفذها إلى مكة حرسها الله تعالى مستعديا إلى الله تعالى ~~على الفساسيري وعلقت على الكعبة ولم تحط عنها إلى أن ورد الخبر بخروجه من ~~الاعتقال من الحديثة وعوده إلى داره وهلاك عدوه الفساسيري وعنونها إلى الله ~~العظيم من المسكين عبده. ونسخة الاستغاثة: بسم الله الرحمن الرحيم اللهم ~~إنك العالم بالسرائر والمطلع على مكنون الضمائر اللهم إنك غني بعلمك ~~واطلاعك على خلقك عن اعلامي هذا عبد من عبيدك قد كفر نعمتك وما شكرها وألغى ~~العواقب وما ذكرها اطغاه حكمك وتجبر باناتك حتى تعدى علينا بغيا وأساء ~~إلينا عتوا وعدوا اللهم قل الناصر واعتز الظالم فأنت المطلع العالم والمنصف ~~الحاكم بك نعتز عليه وإليك نهرب من يديه فقد تعزز علينا بالمخلوقين ونحن ~~نعتز بك يا رب العالمين اللهم أنا حاكمناه إليك وتوكلنا في انصافنا منه ~~عليك ورفعنا ظلامتنا هذه إلى حرمك ووثقنا في كشفها بكرمك ms122 فاحكم بيننا بالحق ~~وأنت خير الحاكمين وأظهر اللهم قدرتك فيه وأرنا ما نرتجيه فقد أخذته العزة ~~بالاثم اللهم فاسلبه عزه وملكنا بقدرتك ناصيته يا أرحم الراحمين وصل يا رب ~~على محمد وسلم وكرم وتولى بعده الأمر ولد ولده الامام أبو القاسم عبد الله ~~بن ذخيرة الدين بن القائم بأمر الله أمير المؤمنين وكان ذخيرة الدين ولي ~~العهد فتوفي في حياة أبيه القائم بأمر الله فعتد الأمر لابنه أبي القاسم ~~عبد الله ولقبه المقتدي بالله وأخذت له البيعة في شعبان سنة 477 وعمره تسع ~~عشرة سنة وثلاثة أشهر وأيام. وفي هذه السنة وردت الأخبار من ناحية حلب ~~بوفاة صاحبها الأمير محمود بن شبل الدولة بن صالح بحلب في جمادى الأولى ~~وقام في منصبه ولده الأمي نصر بن محمود وهنأه بعد التعزية الأمير أبو ~~الفتيان ابن حيوس بالقصيدة الألفية المشهورة التي يقول فيها PageV01P065 ~~وقد جاد محمود بألف تصرمت ... وإني سأرجو أن سيخلفها نصر # فأطلق له ألف دينار وقال له: لو كنت قلت سيضعفها نصر لفعلت # سنة ثمان وستين وأربعمائة # وفيها ولاية الأمير زين الدولة لدمشق # لما هرب معلي بن حيدرة بن منزو لعنه الله من ولاية دمشق على القضية ~~ذكرتها اجتمعت المصامدة إلى الأمير زين الدولة انتصار بن يحيى زمامهم ~~والمقدم واتفق رأيهم على تقديمه في ولاية دمشق وتقوية نفسه على الاستيلاء ~~عليها وفدع من ينازعه فيها ووقع ذلك من أكثر الناس أجمل موقع وأحسن موضع ~~وارتضوا به ومالوا إليه لسداد طريقته وحميد سيرته وكونه أحسن فعلا ممن ~~تقدمه وأجمل قصدا ممن كان قبله فاستقر الأمر على هذه القضية والسجية ~~المرضية في يوم الأحد مستهل المحرم من السنة. وفي هذه السنة اشتد غلاء ~~الأسعار في دمشق وعدمت الأقوات ونفدت الغلات منها واضطر الناس إلى أكل ~~الميتان وأكل بعضهم بعضا ووقع الخلف بين المصامدة وأحداث البلد وعرف الملك ~~اتسز بن أوق مقدم الأتراك وما آلت إليه الحال وكان متوقعا لمثل ذلك فنزل ~~عليها وبالغ في المضايقة لها إلى أن اقتضت الصورة وقادت الضرورة ms123 إلى ~~تسليمها إليه بالأمان وتوثق منه بوكيد الايمان. فلما دخلها في ذي القعدة ~~سنة 468 وحصل بها نزل بأهلها منه قوارع البلاء بعد ما عانوه من ابن منزو ~~لعنه الله واشتداد البلاء من انزال دورهم واخراجهم منها واغتصاب أملاكهم ~~والقبض لها واستعمال سوء السيرة وخبث النية والسريرة وتواصلت الدعوات عليه ~~من سائر الناس وعلى أصحابه وأتباعه في جميع الأوقات وأعقاب الصلوات والرغبة ~~إلى الله تعالى ذكره باهلاكه وتعفية أثاره. وفي هذه السنة وردت الأخبار من ~~حلب بأن الأمير نصر بن محمود بن صالح صاحبها قتل بها في يوم الأحد عيد ~~الفطر قتله قوم من أتراك الحاضر وذاك أنه قبض على مقدمهم المعروف بالأمير ~~أحمد شاه وخرج إليهم لينهبهم فرماه أحدهم بسهم فقتله وقام في منصبه من بعده ~~أخوه سابق بن محمود بن صالح. وفي هذه السنة خطب للامام المقتدي بالله أبي ~~القسم عبد الله بن الذخيرة بن القائم بأمر الله على منبر دمشق وقطعت الخطبة ~~المستنصرية ونظر الملك اتسز بن أوق في أمور دمشق وأحوالها بما يعود بصلاح ~~أعمالها ووفور استغلالها وأطلق لفلاحي المرج والغوطة الغلات للزراعات ~~وألزمهم الاشتغال بالعمارات والفلاحات فصلحت الأحوال وتواصلت من سائر ~~الجهات الغلات ورخصت الأسعار وتضاعف الجذل بذلك والاستيثار وطابت نفوس ~~الرعية وأيقنوا بزوال البؤس والبلية. وبرز اتسز في عسكره إلى نواحي الساحل ~~عازما على قصد مصر وطامعا في تملكها # سنة تسع وستين وأربعمائة # فيها جمع الملك اتسز واحتشد وبرز من دمشق ونهض في جمع عظيم إلى ناحية ~~الساحل ثم منها إلى ناحية مصر طامعا في ملكتها ومجتهدا في الاستيلاء عليها ~~والدعاء عليه من أهل دمشق متواصل واللعن له متتابع متصل فلما قرب من مصر ~~وأظلت خيله عليها برز إليه أمير الجيوش بدر في من حشده من العساكر ومن ~~انضاف إليها من الطائف والعرب وكان قد وصل إليها واستولى على الوزارة وعرف ~~ما عزم عليه اتسز فاستعد للقائه وتأهب لدفع قصده واعتدائه وجد في الايقاع ~~به وحصلت العرب وأكثر العساكر من ورائه وصدقوا الحملة عليه ms124 فكسروه وهزموه ~~ووضعوا السيوف في عسكره قتلا وأسرا ونهبا وأفلت هزيما بنفسه في نفر يسير من ~~أصحابه ووصل إلى الرملة وقد قتل أخوه وقطعت يد أخيه الآخر ووصل بعد الفل ~~إلى دمشق فسرت نفوس الناس بمصابه وتحكم السيوف في أتباعه وأصحابه فأملوا مع ~~هذه الحادثة سرعة هلاكه وذهابه. وفي هذه السنة توفي أبو الحسن أحمد بن عبد ~~الواحد بن محمد بن عثمان بن الوليد بن الحكم بن سليمان بن أبي الحديد ~~السلمي رحمه الله # سنة سبعين وأربعمائة PageV01P066 فيها وردت الأخبار بوصول السلطان تاج ~~الدولة أبي سعيد تتش بن السلطان العادل البارسلان أخي السلطان ملك شاه أبي ~~الفتح إلى الشام واجتماع العرب من بني كلاب إليه ووصول شرف الدولة مسلم بن ~~قريش إليه من عند أخيه السلطان العادل ملك شاه لمعونته على افتتاح الشام ~~بأمره له في ذلك. وفيها توفي أبو نصر الحسين بن محمد بن أحمد بن طلاب ~~الخطيب رحمه الله. وفي هذه السنة نزل عسكر مصر على دمشق مع نصر الدولة ~~الجيوشي وأقام عليها مدة يسيرة ولم يتم له فيها مراد فرحل عنها عائدا إلى ~~مصر. وفيها نزل تاج الدولة السلطان على حلب ومعه وثاب وشبيب ابنا محمود بن ~~صالح ومبارك بن شبل ورحل عنها في ذي القعدة ثم نزل عليها ثانية ولم يتم له ~~فيها مراد فرحل عنها # سنة إحدى وسبعين وأربعمائة # في هذه السنة خرج من مصر عسكر كبير مع نصر الدولة الجيوشي ونزل على دمشق ~~محاصرا لها ومضايقا عليها واستولى على أعمالها وأعمال فلسطين وأقام عليها ~~مدة مضايقا لها وطامعا في تملكها وأضر على منازلتها إضرارا اضطر اتسز ~~صاحبها إلى مراسلة تاج الدولة يستنجده ويستصرخ به ويعده بتسليم الدمشق إليه ~~ويكون في الخدمة بين يديه فتوجه نحوه في عسكره فلما عرف نصر الدولة الخبر ~~وصح عنده قربه منه رحل عنها مجفلا وقصد ناحية الساحل وكان ثغرا صور وطرابلس ~~في أيدي قضاتهما قد تغلبا عليهما ولا طاعة عندهما لأمير الجيوش بل يصانعان ~~الأتراك بالهدايا والملاطفات ووصل السلطان ms125 تاج الدولة إلى عذراء في عسكره ~~لأنجاد دمشق وخرج اتسز إليه وخدمه وبذل له الطاعة والمناصحة وسلم البلد ~~إليه فدخلها وأقام بها مديدة ثم حدثته نفسه بالغدر باتسز ولاحت له منه ~~أمارات استوحش بها منه متسهله كذا فقبض عليه في شهر ربيع الأول منها وقتل ~~أخاه أولا ثم أمر بخنقه فخنق بوتر في المكان المعتقل فيه وملك تاج الدولة ~~دمشق واستقام له الأمر فيها وأحسن السيرة في أهلها وفعل بالضد من فعل اتسز ~~فيها وملك أعمال فلسطين. وفي هذه السنة قتل أحمد شاه مقدم الأتراك في ~~الشام. وفيها برز تاج الدولة من دمشق وقصد حلب في عسكره ونزل عليها وأقام ~~عليها أياما ورحل عنها في شهر ربيع الأول وعبر الفرات مشرقا ثم عاد إلى ~~الشام بعد أن وصل إلى ديار بكر في ذي الحجة وملك حصن بزاعة والبيرة وأحرق ~~ربض عزاز ورحل عنها عائدا إلى دمشق # سنة اثنتين وسبعين وأربعمائة # فيها تسلم شرف الدولة مسلم بن قريش حلب. وفيها رخصت الأسعار في الشام ~~بأسره. وفيها هلكت فرقة من الأتراك ببلاد الروم كانوا غزاة فلم يفلت منهم ~~أحد # سنة أربع وسبعين وأربعمائة # فيها ملك الأمير أبو الحسن علي بن المقلد بن منقذ حصن شيزر في يوم السبت ~~السابع والعشرين من رجب من الأسقف الذي كان فيه بمال بذله له وأرغبه فيه ~~إلى أن حصل في يده وشرع في عمارته وتحصينه والممانعة عنه إلى أن تمكنت حاله ~~فيه وقويت نفسه في حمايته والمراعاة دونه # سنة خمس وسبعين وأربعمائة PageV01P067 فيها توجه السلطان تاج الدولة إلى ~~ناحية الشام من دمشق ومعه في خدمته الأمير وثاب بن محمود بن صالح ومنصور بن ~~كامل وقصد ناحية الروم وأقام هناك مدة واتصل به خبر شرف الدولة مسلم بن ~~قريش وما هو عليه من الجمع والاحتشاد والتأهب والاستعداد واجتماع العرب ~~إليه من بني نمير وعقيل والأكراد والمولدة وبني شيبان للنزول على دمشق ~~والمضايقة لها والطمع في تملكها فعاد تاج الدولة منكفئا إلى دمشق لما عرف ~~هذا العزم ووصل ms126 إليها في أوائل المحرم سنة 476. وورد الحبر بوصول شرف ~~الدولة في حشده إلى بالس أيضا في المحرم ووصله جماعة من بني كلاب ونهض ~~بالعسكر مسرعا في السير إلى أن نزل على دمشق ووصل إليه جماعة من عرب قيس ~~واليمن وقاتل أهل دمشق في بعض الأيام وخرج إليه عسكر تاج الدولة من دمشق ~~وحمل على عسكره حملة صادقة فانكشف وتضعضع عسكره وعاد كل فريق إلى مكانه ~~وعاد عليهم بحملة اخرى وانهزمت العرب وثبت شرف الدولة مكانه وأشرف على ~~الأسر وتراجع أصحابه. وكان شرف الدولة قد اعتمد على معونة عسكر المصريين ~~على دمشق ومعاضدته بالعسكر المصري على أخذها فوقع التقاتل عليه بالانجاد ~~والتقاعد عنه بالاسعاد إشفاقا من ميل الناس إليه وعظم شأنه بتواصلهم ~~ووفودهم عليه فلما وقع يأسه مما أمله ورجاه وخاف ما تمناه وورد عليه من ~~أعماله ما شغل خاطره في تدبيره وأعماله وتواترت الأخبار بما أزعجه وأقلقه ~~رأى أن رحيله عن دمشق إلى بلاده وعوده إلى ولايته لتسديد أحوالها وإصلاح ~~اختلالها أصوب من مقامه على دمشق وأوفق من شأنه فأوهم إنه سائر مقتبلا لأمر ~~مهم عليه وارب مطلوب نهد إليه فرحل عن دمشق ونزل مرج الصفر وعرف من بدمشق ~~ذلك فقلقوا لذلك واضطربوا ثم رحل مشرقا في البرية وجلا وجد في سيره مجفلا ~~وأوصل السير ليلا ونهارا فهلك من المواشي والدواب للعرب ما لا يحصيه عدد ~~ولا يحصر كثرة من العطش وتلف وانقطع من الناس خلق كثير وخرجت به الطريق إلى ~~وادي بني حصين قريبا من سلمية فأنفذ وزيره أبا العز بن صدقة إلى خلف ابن ~~ملاعب المقيم بحمص ليجعله بين الشام وبين السلطان تاج الدولة لما يعلمه من ~~نكايته في الأتراك وفتكه بمن يظفر به من أبطالهم الفتاك. فأقام أبو العز ~~الوزير بحمص إلى حين عوده فخلع عليه شرف الدولة وأكرمه وقرر معه حفظ الشام ~~وطيب بنفسه. وسار بعد ذلك السلطان تاج الدولة إلى ناحية طرابلس وافتتح ~~انطرطوس وبعض الحصون وعاد إلى دمشق. وورد الخبر بنزول السلطان العادل ملك ms127 ~~شاه أبي الفتح بن البارسلان على حلب في يوم الأربعاء الثاني والعشرين من ~~شعبان من السنة وضايقها إلى أن ملكها مع القلعة. وفي يوم الخميس الثاني من ~~المحرم توجه شرف الدولة إلى بلد انطاكية للقاء الفردوس ملك الروم. وفيها ~~وصل الأمير شمس الدولة سالم بن مالك بالخلع السلطانية إلى شرف الدولة إلى ~~حلب وقرر الصلح بين شرف الدولة وابن ملاعب بحمص. وفيها وصل أبو العز بن ~~صدقة وزير شرف الدولة في عسكر كثيف لإنجاد حلب على تاج الدولة فلما وصل ~~إليها رحل تاج الدولة في الحال عنها # سنة ست وسبعين وأربعمائة # فيها عمل على مدينة حران وأخذت من ملكة شرف الدولة مسلم بن قريش في سابع ~~صفر وعاد إليها حين عرف خبرها فنزل عليها في عسكره وضايقها وواظبها إلى أن ~~افتتحها وملكها ورتب أمرها واحتط عليها واعتمد على الثقات في حفظها. وفي ~~هذه السنة تنكر شرف الدولة على وزيره أبي العز بن صدقة لأسباب أنكرها منه ~~وأحوال بلغته عنه فقبض عليه واعتقله وأقام أياما وقرر أمره وأطلقه وطيب ~~نفسه # سنة سبع وسبعين وأربعمائة PageV01P068 في هذه السنة شرع سليمان بن قتلمش ~~في العمل على مدينة انطاكية والتدبير لأمرها والاجتهاد في أخذها والتملك ~~لها ولم يزل على هذه القضية إلى أن تم له ما أراده فيها وملكها سرقة في يوم ~~الأحد العاشر من شعبان ورتب أمرها بمن اعتمد عليه في حفظها من ثقات ولاته. ~~وفي شهر ربيع الأول من السنة كانت وقعة بين عسكر شرف الدولة وعسكر الأتراك ~~بأرض آمد من ديار بكر واستظهر الأتراك على عسكر شرف الدولة فهزموه. وفي رجب ~~منها توجه شرف الدولة مسلم بن قريش إلى دركاه السلطان العادل ملك شاه بن ~~البارسلان ودخل عليه ووطئ بساطه فأكرمه واحترمه وخلع عليه وقرر أمره على ما ~~يهوى من اصلاح أحواله والاقرار على أعماله وإزالة ما كان يخشاه وعاد مسرورا ~~بما لقي ومحبورا بنيل مبتغاه # سنة ثمان وسبعين وأربعمائة # في هذه السنة كان مصاف الحرب بين الملك سليمان بن قتلمش ms128 وبين الأمير شرف ~~الدولة مسلم بن قريش في اليوم الرابع والعشرين من صفر على نهر سفين في موقع ~~يقال له قرزاحل فكسر عسكر شرف الدولة وقتل ورحل سليمان بعد ذلك في جمعه ~~ونزل على حلب محاصرا لها ومضايقا عليها في مستهل شهر ربيع الأول وأقام ~~منازلا لها مدة ولم يتهيأ له ما أراده فيها فرحل عنها في الخامس من شهر ~~ربيع الآخر منكفئا إلى بلاده. وفيها شرع في عمارة القلعة الشريف بحلب ~~وترميم ما كان هدم منها واعادتها إلى ما كانت عليه في حال عمارتها. وفيها ~~وردت الأخبار من ناحية المغرب بأن الافرنج استولوا على بلاد الأندلس ~~وتملكوها وفتكوا بأهلها وإن صاحب طليطلة استصرخ بالملثمين واستنجد بهم على ~~الافرنج فأجابوه إلى الإنجاد ونهضوا للإغاثة والاسعاد وطلب الجهاد ووصلوا ~~إليه في خلق عظيم وجيش كثيف وصافوا الافرنج وهم في الاعداد الدثرة والعدد ~~الغاية في الكثرة فكسروا عسكر الافرنج كسرة عظيمة أجلت عن قتل الأكثر منهم ~~ولم يفلت إلا من سبق جواده وأخر في أجله بحيث أحصي القتلى فكانوا عشرين ~~الفا فجمعت رؤوسهم وبني بها أربع منابر للتأذين في غاية الارتفاع وأذن ~~المسلمون فيها وعاد عسكر الملثمين إلى بلادهم سالمين ظافرين مسرورين ~~مأجورين وامتنعوا من استخلاص ما كان ملكه الافرنج من بلاد الأندلس وبقي في ~~أيديهم على حاله # سنة تسع وسبعين وأربعمائة # فيها تقدم السلطان العادل ملك شاه أبو الفتح بن السلطان البارسلان رحمه ~~الله بابطال أخذ المكوس من سائر التجار عن جميع البضائع في العراق وخراسان ~~وحظر تناول شيء منها في بلد من البلاد الجارية في مملكته فكثر الدعاء له من ~~كافة الناس في سائر الأعمال وتضاعف الثناء عليه من الخاص والعام. وفيها ~~وردت الأخبار من ناحية المغرب بوصول الانبرت ابن ملك الافرنج في عسكره إلى ~~مدينة المهدية ونزوله عليها ومضايقته لها إلى أن ملكها بالسيف قهرا وقتل ~~رجالها وسبى كافة من كان بها من أهلها. وفيها جمع الملك سليمان بن قتلمش ~~وحشد وقصد بلد حلب ونزل عليها محاصرا لها ومضايقا ms129 عليها وطامعا في تملكها ~~فوردت عليه أخبار السلطان تاج الدولة تتش بن البارسلان باحتشاده وتأهبه ~~لقصدها واستعداده فرحل عنها والتقى عسكره وعسكر تاج الدولة في موضع يعرف ~~بعين سلم في يوم الأربعاء الثامن عشر من صفر فكسر عسكر تاج الدولة عسكر ~~سليمان فقتل في الهزيمة وملك تاج الدولة عسكره وسواده ونزل على حلب وضيق ~~عليها إلى أن تسلمها في شهر ربيع الأول سلمها إليه المعروف بابن اليرعوني ~~الحلبي. وفيها وصل السلطان العادل ملك شاه أبو الفتح إلى الشام وانهزم تاج ~~الدولة من حلب وملكها السلطان العادل ودخلها في شهر رمضان وخرج منها وقصد ~~انطاكية وملكها وخيم على ساحل البحر أياما وعاد إلى حلب وعيد بها عيد الفطر ~~ورحل عنها وقصد الرها ونزل عليها وضايقها وملكها # سنة ثمانين وأربعمائة # في هذه السنة تقررت ولاية حلب للأمير قسيم الدولة اق سنقر من قبل السلطان ~~ملك شاه أبي الفتح ووصل إليها وأحسن السيرة فيها وبسط العدل في أهليها وحمى ~~السابلة للمترددين فيها وأقام الهيبة وانصف الرعية وتتبع المفسدين فأبادهم ~~وقصد أهل الشر فأبعدهم وحصل له بذلك من الصيت وحسن الذكر وتضاعف الثناء ~~والشكر ما إخباره مذكور واجاره فيه منشور فعمرت السابلة للمترددين من ~~السفار وزاد ارتفاع بالبلد بالواردين بالبضائع من جميع الجهات والأقطار ~~PageV01P069 سنة إحدى وثمانين وأربعمائة # في هذه السنة توجه السلطان العادل ملك شاه أبو الفتح إلى سمرقند طمعا في ~~ملكتها بعد فراغ قلبه من الشام وبلاد الروم والجزيرة والرها وديار بكر ~~وديار بني عقيل. وفيها خرج الأمير قسيم الدولة اق سنقر من حلب لتوديع تابوت ~~زوجته خاتون داية السلطان ملك شاه وقيل انها كانت جالسة معه في داره بحلب ~~وفي يده سكين فأومى بها إليها على سبيل المداعبة والمزاح فوقعت في مقتلها ~~للقضاء المكتوب عليها غير متعمد فماتت وحزن عليها حزنا شديدا وتأسف لفقدها ~~على هذه الحال وحملها إلى الشرق لتدفن في مقابر لها هناك في مستهل جمادى ~~الآخرة. وفي يوم الثلاثاء مستهل رجب نزل قسيم الدولة على شيزر وحصرها ونهب ms130 ~~ربضها وضايقها إلى أن تقرر أمرها والموادعة بينه وبين صاحبها ورحل عنها ~~عائدا إلى حلب # سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة # في هذه السنة وردت الأخبار من ناحية الشرق بافتتاح السلطان ملك شاه مدينة ~~سمرقند وأسر ملكها وكانت أخته مع السلطان ملك شاه وله منها ثلاثة أولاد ~~فجعل الولاية بها لأحدهم وهو الملك أحمد وأمر بالخطبة له على المنابر وذكر ~~إن الملك أحمد المذكور توفي في سنة 484 والابنة منهم زوجها للامام الخليفة ~~المقتدي بأمر الله. وفيها خرج عسكر مصر منها مع مقدميه وقصد الساحل وفتح ~~ثغري صور وصيدا وكان في صور أولاد القاضي عين الدولة ابن أبي عقيل بعد موته ~~ولم يكن قوة لهم تدفع ولا هيبة تمنع فسلموها وكذلك صيدا وقرروا أمرهما ثم ~~رحل العسكر عنهما ونزل على ثغري جبيل وعكا فافتتحهما. وفيها عمرت منارة ~~الجامع بحلب. وفيها نهض قسيم الدولة صاحب حلب في أثر الحرامية قطاع الطريق ~~ومخيفي السبيل فأوقع بهم واستأصل شأفتهم قتلا وأسرا فأمنت السابلة واطمأنت ~~السافرة وكتب إلى سائر الأطراف والأعمال بتتبع المفسدين وحماية المسافرين ~~وبالغ في ذلك مبالغة حسن ذكره بها وعظمت هيبته بسببها وشاع له الصيت ~~باعتمادها واحترز كل من كان في ضيعة أو معقل من أن يتم على أحد من ~~المجتازين به أمر يؤخذ به ويهلك بسببه # سنة ثلاث وثمانين وأربعمائة # في هذه السنة نزل السلطان تاج الدولة على حمص في عسكره ومعه الأمير قسيم ~~الدولة صاحب حلب في عسكره والأمير بوزان صاحب انطاكية وفيها خلف ابن ملاعب ~~فضايقوها وصابروها إلى أن ملكوها بالأمان وخرج ابن ملاعب منها وسلمها ووفوا ~~له بما قرروه معه واطلقوا سراحه فتوجه إلى مصر فأقام بها مدة وعاد إلى ~~الشام واعمل الحيلة والتدبير على حصن أفامية إلى أن ملكه وحصل بيده # سنة أربع وثمانين وأربعمائة # في ليلة الثلاثاء التاسع من شعبان من السنة حدث في الشام زلزلة عظيمة ~~هائلة لم يسمع بمثلها ووافق هذا اليوم كونه من تشرين الأول وخرج الناس من ~~دورهم خوفا من عودها. وحكي أن ms131 دورا كثيرة خربت بأنطاكية واضطربت كنيسة ~~السيدة فيها وهلك خلق كثير بالردم وانهدم بها تقدير سبعين برجا من سورها ~~وبقيت على حالها إلى أن أمر السلطان ملك شاه بعمارتها ولم ما تشعث منها. ~~وفيها نزل الأمير قسيم الدولة صاحب حلب على حصن أفامية فملكه وأبعد خلف بن ~~ملاعب عنها ورتب نائبه في حفظها في ثالث رجب وعاد إلى حلب. وفيها وردت ~~الأخبار من المشرق بوفاة الملك أحمد ابن أخت السلطان ملك شاه المرتب في ~~مملكة جده في سمرقند وخطب له على المنابر حسب ما تقدم ذكره فعاجله القضاء ~~الذي لا يدافع والمحتوم الذي لا يمانع # سنة خمس وثمانين وأربعمائة PageV01P070 في هذه السنة اقترن المريخ وزحل ~~في برج السرطان وقت الظهر من يوم الاثنين النصف من شهر ربيع الأول وهو ~~السادس والعشرون من نيسان وذكر أهل المعرفة من أهل صناعة النجوم أن هذا ~~القران لم يحدث مثله في هذا البرج منذ مبعث النبي صلعم وإلى هذه الغاية. ~~وفيها توجه السلطان العادل ملك شاه من أصفهان إلى بغداد معولا على قصد مصر ~~لتملكها فلما وصل إلى همذان وثب رجل ديلمي من الباطنية على وزيره خواجه ~~بزرك نظام الملك أبي علي الحسن بن إسحق الطوسي فقتله رحمه الله وهرب من ~~ساعته فطلب فلم يوجد ولا ظهر له خبر ولا بان له أثر فأسف الناس وتألموا ~~لمصابه وتضاعف حزنهم لفقد مثله لما كان عليه من حسن الطريقة وآثار العدل ~~والنصفة والاحسان إلى أهل الدين والفقه والقرآن والعلم وحب الخير وحميد ~~السياسة وكان قد آثر الاثارات الحسنة في البلاد من المدارس والرباطات ~~بالعراق وبلاد العجم بحيث كان رزقه يجري على اثني عشر ألف إنسان من فقيه ~~إلى غيره. وحزن السلطان ملك شاه عليه وأسف لفقده وأسرع السير إلى أن وصل ~~إلى بغداد في أيام قلائل من شوال من السنة وقام مديدة وخرج إلى المتصيد ~~وعاد منه وقد وجد فتورا في جسمه واشتد به المرض الحاد فتوفي رحمه الله في ~~ليلة الأربعاء السادس من شوال من ms132 السنة وكان بين وفاته ومقتل خواجه بزرك ~~ثلاثة وثلاثون يوما وأقام مقامه في المملكة ولده السلطان بركيارق وانتصب في ~~منصبه وأخذت له البيعة ودعي على المنابر باسمه واستقام أمره وانتظمت الحال ~~على مراده. وكان السلطان تاج الدولة تتش قد توجه من دمشق إلى بغداد للقاء ~~أخيه السلطان ملك شاه والخدمة له والتقرب إليه وورد الخبر عليه بوفاته ~~فانكفأ راجعا ونزل على الرحبة وضايقها وأرسل المقيم بها يلتمس تسليمها إليه ~~فلم يتم له فيها أمر ولا مراد فرحل عنها إلى دمشق وجمع وحشد وعاد في العسكر ~~إلى الرحبة. وقد كان كاتب قسيم الدولة صاحب حلب ومؤيد الدولة ياغي سيان ~~صاحب أنطاكية يستدعي منهما المساعدة ويبعثهما على الموازرة والمرافدة فسارا ~~نحوه واجتمعا معه فقوي أمره بها واستظهر بعسكرهما ونزل على الرحبة وضايقها ~~إلى أن ملكها بالأمان وأحسن إلى أهلها وأجمل السيرة فيها. وكان قد نذر على ~~نفسه أنه متى ملكها بالأمان والقهر شهر فيها السيف فعند ذاك شهر سيفه عند ~~دخوله إليها واغمده عند استقرار أمرها ووفى بنذره ورحل عنها بعد أن قرر ~~أمرها ورتب المستحفظين من قبله فيها قاصدا ناحية نصيبين. وقد كان بعد وفاة ~~السلطان ملك شاه قد رجع ابرهيم بن قريش إلى بلاده وتسلم الموصل وأعمالها ~~وجمع العرب والأكراد ونزل في بلاد بني عقيل الموصل وما والاها وغلب ولد ~~أخيه شرف الدولة محمدا وأبعده عن الولاية. ولما وصل تاج الدولة إلى نصيبين ~~وصل إليه الأمير بوزان صاحب الرها وخرج إليه والي نصيبين يبذل الطاعة له ~~والمناصحة في الخدمة فامتنع أهل البلد من الجند الذين بها من أصحاب ابراهيم ~~بن قريش فقاتلها وهدم بعض سورا وملكها بالسيف وقتل فيها تقدير ألفي رجل ~~وقتل كل من التجأ إلى جامعها ومساجدها وأخذت الحرم وهتكت البنات وعوقبوا ~~بأنواع العقوبات إلى أن أظهرن كل مذخور وأبرزن كل مستور وفعل في أمرهم ما ~~لا يستحله مسلم ولا يستحسنه كافر وأطلق بعد ذلك من كان في الأسر من الرجال ~~والنسوان إلا من بقي في أيدي الأتراك ms133 وذلك في صفر سنة 486 وحكى بعض من حضر ~~هذه الكاينة القبيحة أنه شاهد امرأة تحت الأتراك يطلب منها الفاحشة وهي ~~تصيح وتستغيث وتتمنع أشد التمنع فجئته وحاولت تخليصها منه فلم يفعل فجرحته ~~فتخلى عنها وإذا بها امرأة من وجوه الأشراف وأخرجتها إلى المخيم إلى أن ~~سكنت الفتنة وأعدتها سالمة إلى دارها دون كل بنت هتكت وأحرزت ثوابها وحسن ~~الذكر بين أشراف نصيبين # سنة ست وثمانين وأربعمائة PageV01P071 في هذه السنة عاد السلطان تاج ~~الدولة عن نصيبين بعد ما جرى فيها طالبا لابرهيم ابن قريش فلما عرف خبره ~~جمع وحشد واستصرخ واستنجد وحصل في خلق عظيم ونزل بهم في المنزل المعروف ~~بشرقي الهرماس ونزل السلطان تاج الدولة على دارا. فلما كان يوم الاثنين ~~الثاني من شهر ربيع الأول من السنة التقى الجيشان على نهر الهرماس واختلط ~~الفريقان واشتد القتال وانكشفت الوقعة عن قتل جماعة من الأتراك والعرب وعاد ~~كل فريق منهما إلى مكانه فلما استقر بالعرب المنزل عاد عسكر تاج الدولة ~~إليهم وهم غارون وحمل عليهم وهم غافلون فانهزمت العرب وأخذهم السيف فقتل ~~منهم العدد الكثير والأكثر من الرجالة المقيمين في المخيم وقتل الأمير ~~ابرهيم بن قريش وجماعة من الأمراء والمقدمين من بني عقيل وغيرهم وقيل أن ~~تقدير القتلى من الفريقين عشرة ألف رجل واستولى النهب والسلب والسبي على من ~~وجد في المخيم وامتلأت الأيدي من الغنائم والسواد والمواشي والكراع بحيث ~~بيع الجمل بدينار واحد والمائة شاة بدينار واحد ولم يشاهد أبشع من هذه ~~الوقعة ولا أشنع منها في هذا الزمان وقتل بعض نسوان العرب أنفسهن اشفاقا من ~~الهتيكة والسبي. ولما عادوا بالأسرى والسبي وحصلوا بشاطي الفرات ألقى جماعة ~~من الأسرى أنفسهم في الفرات فهلكوا وقصد السلطان تاج الدولة ديار بكر ونزل ~~على آمد وضايقها وملكها من ملكة ابن جهير المقيم بها مع الجزيرة وولاه ~~نصيبين عوضا عن الجزيرة وملك آمد من ابن مروان وتسلم ميافارقين وأعمالها ~~وقرر أمرها وأنفذ ولاته إلى الموصل وسنجار وملك الأعمال وانهزم بنو عقيل من ~~منازلهم ms134 وبلادهم وتوجهوا نحو السلطان بركيارق بن ملك شاه وكان علي بن شرف ~~الدولة مسلم بن قريش ووالدته خاتون بنت السلطان محمد ابن داود كذا عمة ~~السلطان ملك شاه يشكون ما نزل به من السلطان تاج الدولة PageV01P072 ولما ~~تهيأ لتاج الدولة ما تهيأ وما أمله من ملكة البلاد وطاعة العباد قويت شوكته ~~وكثرت عدته وعدته وحدث نفسه بالسلطنة وتوجه إلى ناحية خراسان وليس يمر ببلد ~~ولا معقل من المعاقل غلا خرج إليه أهله وبذلوا له الطاعة والمناصحة في ~~الخدمة وأمره يستفحل وشأنه يعظم. وفصل عنه قسيم الدولة صاحب حلب وعماد ~~الدولة بوزان صاحب الرها مغاضبين وقصدا ناحية السلطان بركيارق بن ملك شاه ~~مخالفين له وعاصيين عليه واقتضت الحال عود تاج الدولة إلى ديار بكر ونزل ~~على مدينة سروج فملكها وولى فيها وفي الجزيرة من ارتضاه من ثقات خواصه. ~~واتصل به خبر وصول الأمير قسيم الدولة اق سنقر صاحب حلب ومويد الدولة صاحب ~~الرها الذين كانا فارقاه إلى السلطان بركيارق ودخولهما عليه وإكرامه لهما ~~وحسن موقع وصولهما منه وسروره بمقدمهما عليه وأنهما شرعا في وقوع في ناحية ~~تاج الدولة والتحذير من الاهمال لأمره والتحريض على معاجلته قبل اعضال خطبه ~~وتمكنه من الغلبة على السلطنة والاستيلاء على أعمال المملكة وأشارا عليه ~~بالمسير في هذا الوقت وطلبا منه من يسير معهما لايصالهما إلى بلديهما حلب ~~والرها فسار معهما لايصالهما إلى الموصل ورد بني عقيل إليهم وقدم عليا من ~~شرف الدولة مسلم بن قريش عليهم ولقبه سعد الدولة. فوصل قسيم الدولة إلى حلب ~~في شوال سنة 486 ومعه جماعة من بني عقيل وبعض عسكر السلطان بركيارق بحيث ~~وصل إلى حلب وانتهى الخبر بذاك إلى تاج الدولة فنهض في العسكر من ناحية ~~الرحبة إلى الفرات وقصد بلد أنطاكية وأقام بها وورد عليه الخبر بانكفاء ~~السلطان من الرحبة إلى بغداد وأن عزمه أن يشتو بها وأقام تاج الدولة ~~بأنطاكية مدة فقلت الأقوات وارتفعت الأسعار وخوطب في العود إلى الشام فلم ~~يفعل وعاد إلى دمشق آخر ذي الحجة ms135 من السنة وفي جملته الأمير وثاب بن محمود ~~بن صالح وبنو كامل وجماعة من العرب لم يجسروا على الاقامة بالشام خوفا من ~~قسيم الدولة صاحب حلب. وفي هذه السنة خرج من مصر عسكر كثير إلى ثغر صور لما ~~عصى واليها الأمير منير الدولة الجيوشي وقد كان أهل صور أنكروا عصيانه ~~وكرهوا خلفه لسلطانه أمير الجيوش بدر وعرف ذلك من نياتهم فحين اشتد القتال ~~عليها نادوا بشعار المستنصر بالله وأمير الجيوش فهجم العسكر المصري على ~~البلد ولم يدافع عنه مدافع ولا مانع دونه ولا ممانع ونهب وأسر منه الخلق ~~الكثير وأخذ في الجملة منير الدولة الوالي وخواصه وأجناده وحملوا إلى مصر ~~في يوم الرابع عشر من جمادى.... سنة 486 وقطع على أهل البلد ستون ألف دينار ~~أجحفت بأحوالهم واستغرقت جل أموالها ولما وصل الوالي منير الدولة ومن معه ~~من أجناده وأصحابه تقدم أمير الجيوش بضرب أعناقهم ففعل ذلك ولم يعف عن واحد ~~منهم وفي هذه السنة وردت الأخبار من العراق بإبطال مسير الحاج لاسباب دعت ~~إلى ذاك والخوف عليهم في مسيرهم وسار الحاج من دمشق والشام في هذه السنة ~~صحبة الأمير الخاني أحد مقدمي أتراك السلطان تاج الدولة بعد العقد له ~~بولايته وتأكيد خطابه بحمايتهم ووصيته. فلما وصلوا وقصدوا مناسكهم وفروض ~~حجهم تلوموا عن الانكفاء أياما خوفا من أمير الحرم ابن أبي شيبة إذ لم يصل ~~إليه من جهتهم ما يرضيه فلما رحلوا من مكة تبعهم في رجاله ونهبهم قريبا من ~~مكة فعادوا إلى مكة وشكوا إليه وتضوروا لديه مما نزل بهم مع بعد دارهم فرد ~~عليهم البعض من جمالهم وقتل في الوقعة أخو الأمير الخاني المقدم فلما أيسوا ~~من رد المأخوذ لهم ساروا من مكة عائدين على أقبح صفة فحين بعدوا عنها ظهر ~~عليهم قوم من العرب من عدة جهات فأحاطوا بهم فصانعوهم على ما دفعوه إليهم ~~هذا بعد أن قتل من الحجاج جماعة وافرة وهلك قوم بالضعف والانقطاع وجرى ~~عليهم من العرب المكروه وعاد السالم منهم على أقبح حال ms136 وأكسف بال. وفيها ~~توفي الامام أبو الفرج عبد الواحد بن محمد بن الحنبلي رحمه الله في يوم ~~الأحد الثامن والعشرين من ذي الحجة بدمشق وكان وافر العلم متين الدين حسن ~~الوعظ محمود السمت # سنة سبع وثمانين وأربعمائة PageV01P073 في هذه السنة ورد الخبر من العراق ~~بوفاة الخليفة الامام المقتدي بأمر الله أبي القاسم عبد الله بن الذخيرة بن ~~القائم بأمر الله أمير المؤمنين فجأة في ليلة السبت انتصاف المحرم وعمره ~~ثمان وثلاثون سنة وتسعة أشهر وأيام مولده ليلة الأربعاء الثاني ويقال ~~الثامن من جمادى الأولى سنة 448 وكانت مدة خلافته تسع عشرة سنة وخمسة أشهر ~~وكان حسن السيرة جميل السريرة وولي الأمر بعده ولي عهده ولده أبو العباس ~~أحمد المستظهر بالله أمير المؤمنين بن المقتدي بالله أمير المؤمنين وبويع ~~له بالخلافة بعد أبيه في يوم الثلاثاء الثامن عشر من المحرم من السنة ~~واستقام له الأمر وانتظمت بتدبيره الأحوال على قضية السداد وكنه المراد ~~وعند ذلك قبض على إخوته واعتقلهم عنده وكان السلطان بركيارق عند وفاة ~~المقتدي بالله رحمه الله مقيما ببغداد وبقي فيها مقيما إلى آخر السنة. وفي ~~شهر ربيع الآخر منها برز السلطان تاج الدولة من دمشق في العسكر وتوجه إلى ~~الشام وقطع العاصي في شهر ربيع الآخر وتقدم إلى العسكرية برعي الزراعات ~~ونهب المواشي والعوامل ولما اتصل الخبر بذاك إلى قسيم الدولة صاحب حلب شرع ~~في الجمع والاحتشاد والتأهب لدفعه والاستعداد وأجمع على لقائه وانتهى الخبر ~~إلى تاج الدولة بذاك ووصول بوزان صاحب الرها إليه في عسكره لاسعاده عليه ~~وانجاده ولذلك وصول كربوقا صاحب الموصل ويوسف صاحب الرحبة في ألفين ~~وخمسمائة فارس وحصول الجميع في حلب لمعونته ومؤازرته فرحل من منزله بكفر ~~حمار إلى الحانوتة ثم منها إلى الناعورة وغارت الخيل على المواشي بها ~~وأحرقوا بعض زرعها ورحل منها إلى ناحية الوادي ورحل قسيم الدولة في جمعه من ~~العسكر وتقديره نحو من عشرين ألفا وزيادة على ذلك لكنهم في أحسن زي وهيئة ~~واتم آلة وعدة وقطع سواقي نهر سفيان ms137 قاصدا عسكر تاج الدولة وكان برزوه من ~~حلب في يوم الجمعة الثامن من جمادى الأول من السنة والتقى الفريقان غداة ~~يوم السبت تاليه عقيب اقتران المريخ وزحل في برج الأسد المقدم ذكره بخمسة ~~أيام وكان عسكرا كربوقا وبوزان لم يتمكنوا من قطع بعض السواقي فأقاموا على ~~حالهم ولم يثق بمن كان معه من العرب فنقلهم في وقت المصاف من الميمنة إلى ~~الميسرة ثم جعلهم في القلب فلم يغنوا شيئا فنصر الله تعالى تاج الدولة ~~وعسكره عليهم فانهزمت العرب وعسكر كربوقا وبوزان عند الحملة وعسكر يوسف ~~وتحكمت السيوف فيهم وأسر قسيم الدولة اق سنقر صاحب حلب وأكثر أصحابه وحين ~~أحضروا بين يدي السلطان تاج الدولة فأمر بضرب عنق قسيم ومن اتفق من أصحابه ~~فقتلوا وتوجه أكثر الفل إلى حلب واجتمعوا بأهل البلد والأحداث وتقرر بينهم ~~الاعتصام بحلب والاستنجاد بالسلطان بركيارق. فوصل تاج الدولة في الحال إلى ~~حلب وقد اختلفت الآراء فيها بينهم وحاروا فيما يعملون عليه فوثب جماعة منهم ~~لم يوبه لهم وكسروا باب البلد ونادوا بشعار تاج الدولة فدخل الأمير وثاب بن ~~محمود بن صالح البلد في مقدميه وبادر إلى المقيم بقلعة الشريف التي قبلي ~~حلب بالظهور إلى تاج الدولة ومن باب منها دخل تاج الدولة ونزل إليه رسول ~~الأمير نوح صاحب قلعة حلب وزوجته وتوثقا منه وأخذا الأمان له من تاج الدولة ~~وعادا إليه وأعلماه بما كان من تقرير الحال وأخذ الأمان فسلمها إليه وحصل ~~بها في يوم الاثنين الحادي عشر من جمادى الأولى وسلمت جميع الحصون إليه من ~~الشام. وكان بوزان صاحب الرها في جملة من أسر في الوقعة فتقدم تاج الدولة ~~بقتله فضربت عنقه صبرا وكذلك الأمير كربوقا صاحب الموصل كان قد أسر في ~~الوقعة فاعتقل بحلب إلى أن تقرر أمر حلب ورتبت النواب والمستحفظون فيها ~~وقرر أمره. ورحل السلطان تاج الدولة عن حلب في العسكر إلى ناحية الفرات ~~وقطعه وقصد حران فاستعادها وكذلك سروج والرها وقصد ديار بكر وعدل عن طريق ~~السلطان بركيارق لأنه كان نازلا ms138 بأرض الموصل طالبا لخاتون زوج السلطان ملك ~~شاه والدة أخيه محمود وكانت مستولية على أصفهان وجميع الأموال لمكاتبات ~~ومراسلات ترددت بينهما في معنى الوصلة بينها وبينه واستقر الملك له ولها ~~وكانت قد منعت السلطان بركيارق التصرف في تلك الأعمال والتقود فيها. وفي ~~هذا الوقت حدثت زلازل في يوم وليلة دفعات لم يسمع بمثلها في كل زلزلة منها ~~تقيم وتطول بخلاف ما جرت بمثله العادة. ورحل تاج الدولة عقيب ذلك ولم ~~PageV01P074 يتمكن من الاتمام على سمته وعرفت خاتون الخبر فخرجت من أصفهان ~~في عسكرها للقاء تاج الدولة فعرض لها في طريقها مرض حاد فتوفيت وتفرق ~~عسكرها إلى جهة السلطان بركيارق وإلى غيره وحين عرف بكريارق ذاك سار في ~~الحال إلى أصفهان فدخلها وملكها وقد كان أهلها أشرفوا على الهلاك لفرط ~~الغلاء بها وعدم الأقوات فيها. ووصل من عسكر خاتون إلى تاج الدولة خلق كثير ~~وكذلك من عسكر بركيارق فتضاعفت عدته وقويت شكوته ودعي له على منابر بغداد ~~ووصل إلى همذان وكاتب ولده فخر الملوك رضوان بدمشق يأمره بالمسير إليه في ~~من بقي من الأجناد في الشام فسار إلى حلب ومن حلب إلى العراق ومعه الأمير ~~نجم الدين ايل غازي بن أرتق والأمير وثاب بن محمود بن صالح وجماعة من أمراء ~~العرب وأتراك حلب القسيمية وتوجه صوب بغداد على الرحبة في أول سنة 487 من ~~الاتمام على سمته وعرفت خاتون الخبر فخرجت من أصفهان في عسكرها للقاء تاج ~~الدولة فعرض لها في طريقها مرض حاد فتوفيت وتفرق عسكرها إلى جهة السلطان ~~بركيارق وإلى غيره وحين عرف بكريارق ذاك سار في الحال إلى أصفهان فدخلها ~~وملكها وقد كان أهلها أشرفوا على الهلاك لفرط الغلاء بها وعدم الأقوات ~~فيها. ووصل من عسكر خاتون إلى تاج الدولة خلق كثير وكذلك من عسكر بركيارق ~~فتضاعفت عدته وقويت شكوته ودعي له على منابر بغداد ووصل إلى همذان وكاتب ~~ولده فخر الملوك رضوان بدمشق يأمره بالمسير إليه في من بقي من الأجناد في ~~الشام فسار إلى حلب ومن ms139 حلب إلى العراق ومعه الأمير نجم الدين ايل غازي بن ~~أرتق والأمير وثاب بن محمود بن صالح وجماعة من أمراء العرب وأتراك حلب ~~القسيمية وتوجه صوب بغداد على الرحبة في أول سنة 487 PageV01P075 وفي هذه ~~السنة وردت الأخبار من ناحية مصر بمرض أمير الجيوش بدر المستولي على أمرها ~~وأنه أسكت في مرضه هذا ودام به إلى أن اشتد في جمادى الأولى منها وتوفي في ~~العشر الأول منه وقد كان الأمر تمهد لولده الأفضل واستقامت حاله مع ~~المقدمين وسائر الأجناد والعساكرية قبل وفاته وأطاعوا أمره وعملوا برأيه ~~وقيل أن وفاة أمير الجيوش كانت في جمادى الأولى. وفي هذه السنة أيضا وردت ~~الأخبار من ناحية مصر بمرض الامام المستنصر بالله أمير المؤمنين في العشر ~~الثاني من ذي الحجة وأن المرض اشتد به وتوفي إلى رحمة الله في ليلة عيد ~~الغدير الثامن عشر من ذي الحجة سنة 487 وعمره سبع وستون سنة وستة أشهر ~~ومولده سنة 420 ونقش خاتمه بنصر السميع العليم ينتصر الامام أبو تميم ومدة ~~أيام دولته ستون سنة وأربعة أشهر وكان حسن السيرة جميل السريرة محبا للعدل ~~والانصاف ومني في أكثر عمره من الأجناد بالعناد والاختلاف وولي الأمر بعده ~~ولده أبو القاسم أحمد بن المستنصر بالله ولقب بالمستعلي بالله أمير ~~المؤمنين وأخذ له البيعة على الأمراء والمقدمين من الأجناد والعسكرية ~~وأعيان الرعية الأفضل أبو القسم شاهنشاه بن أمير الجيوش ونصبه في منصب أبيه ~~المستنصر بالله واستقامت به الأحوال وانتظمت على غاية الايثار والآمال. ~~وخرج أخواه من مصر خفية عبد الله ونزار ابنا المستنصر بالله فقصد نزار ~~منهما الاسكندرية وحصل مع نصر الدولة واليها وكان من أكابر الغلمان ~~الجيوشية الذين عول عليهم أمير الجيوش على إقامته في الأمر من بعده دون ~~ولده فاستحكم الخلف بينه وبين الأفضل وجرت بينهما حروب ووقايع أسفرت عن ظفر ~~الأفضل به واستقام له الأمر من بعده وصلحت أحوال مصر وأعمالها واستقامت بعد ~~اضطرابها واختلالها. وأما ما يتعلق بمعرفة أحوال السلطان تاج الدولة فإنه ~~تم في رحيله ms140 إلى مدينة الري فنزل عليها وضايقها وملكها واستولى على البلاد ~~والأعمال والمعاقل من الشام وإلى الري وكان قد أنهض عسكرا مع بني عقيل ~~ونمير إلى أعمال بني عقيل فاستولوا عليها ما خلا الموصل وساءت سيرة الأتراك ~~في الأعمال وشملها منهم ما عاد عليها بالفساد وسوء الحال وانفدوا مواشي ~~أهلها وأموالهم واستغرقوا بالنهب وارتكاب الظلم أحوالهم وأجلوهم عن منازلهم ~~في زمن الشتاء وشدة البرد وسقوط الثلج والجليد. وبرز السلطان بركيارق من ~~أصفهان في العسكر وقصد جهة عمه السلطان تاج الدولة وخاف تاج الدولة من أهل ~~الري أن يخامروا عليه إن أقام فرحل عنها ونزل في منزل على أربعة فراسخ منها ~~ووصل السلطان بركيارق في عساكره وخيم بازائه وحالت بينهما طوالع الفريقين ~~وتأهب كل منهما للقاء صاحبه ورتبت المصافات للحرب والتقى الفريقان في اليوم ~~السابع عشر من صفر سنة 488 فانفل عسكر السلطان تاج الدولة وتفرق ونهب سواده ~~وأثقاله وأسر أكثره وقتل منه الخلق الكثير واستشهد تاج الدولة رحمه الله في ~~الجملة وقتله بعض أصحاب قسيم الدولة اق سنقر صاحب حلب بعد اصطناعه إياه ~~وتقريبه له وحمل رأسه وطيف به في العسكر ثم حمل إلى بغداد وطيف به فيها # سنة ثمان وثمانين وأربعمائة PageV01P076 فيها ورد الخبر إلى الملك فخر ~~الملوك رضوان بن تاج الدولة باستشهاد أبيه تاج الدولة وانفلال عسكره وهو ~~نازل في عانة على الفرات في عسكره يريد الاتمام إلى بغداد ثم المصير إلى ~~أبيه تاج الدولة حين استدعاه إلى الوصول إليه فاضطرب لذاك وقلق وخاف من ~~وصول من يطلبه فحط مضاربه في الحال وقوضت خيام العسكر في الوقت ورحل مجدا ~~في سيره في نفر من سرعان خيله وغلمانه وترك باقي عسكره من ورائه ولم يزل ~~مغذا في قصده إلى أن دخل حلب وفتح الوزير أبو القاسم النائب في القلعة ~~أبوابها وأصعده إليها وأخذوا الأهبة لمن يقصدها. ووصل إليه من الفل أخوه ~~شمس الملوك دقاق ابن السلطان تاج الدولة من ناحية دياربكر وجماعة من خواص ~~عسكره المفلول وأقام بحلب مدة يسيرة ms141 وراسله الأمير ساوتكين الخادم المستناب ~~في القلعة والبلد وقرر له ملكة دمشق سرا فخرج في الحال من حلب من غير أن ~~يعلم به أحد وجد في سيره ليله ونهاره فلما عرف الملك فخر الملوك خبره أنهض ~~عدة من الخيل في أثره ففاتهم ولم يعرفوا له خبرا ولا وجدوا له أثرا ووصل ~~إلى دمشق وحصل بها وأجلسه ساوتكين في منصب أبيه السلطان تاج الدولة وأخذ له ~~العهد على الأجناد والعسكرية واستقام له الأمر واستمرت على السداد الأحوال. ~~وفي هذه السنة وردت الأخبار من ناحية الحجاز بأن الأمير اصفهبذ وصل إلى مكة ~~في أربعمائة فارس من التركمانية فقاتل أهلها فقهرهم وملكها وقتل خلقا كثيرا ~~من حرابتها من أصحاب ابن أبي شيبة وانهزم ابن أبي شيبة وجمع الأشراف من مكة ~~وحصل بها وأقام بها مديدة يسيرة ورحل عنها PageV01P077 وفي هذه السنة وردت ~~الأخبار بخلاص الأمير ظهير الدين طغتكين أتابك من اعتقاله عقيب الكسرة ~~التاجية وتوجه عائدا إلى دمشق وخرج صاحبه السلار حصن الدولة بختيار شحنة ~~دمشق نحوه لتلقيه والعود في خدمته. وقد كان هذا الأمير المذكور في حداثة ~~سنه ونضارة غصنه قد حظي عند السلطان الشهيد تاج الدولة ورشحه بحجره وقدمه ~~على أبناء جنسه من خواصه وبطانته وسكن إلى شهامته وصرامته وسداد طريقته ورد ~~إليه بعد ذلك ما أنس منه الرشد وحسن التدبير في الصدر والورد والاسفهلارية ~~على عسكريته واستنابه في تدبير أمر دمشق وحفظها أيام غيبته فأحسن السيرة ~~فيها وأنصف الرعية من أهلها وبسط المعدلة في كافة من بها فكثر الدعاء له ~~والثناء عليه فعلت منزلته وامتثلت أوامره وأمثلته ولم يلبث أن شاع ذكره ~~بنجابته وأشفقت النفوس من هيبته فولاه ميافارقين من ديار بكر وهي أول ~~ولايته وسلم إليه ولده الملك شمس الملوك دقاق واعتمد عليه في تربيته ~~وكفالته فساس أمرها بالهيبة والتدبير وأصلح فاسدها في أقرب أوان ومدة ونكا ~~في جماعة من مقدميها ووجوه أهلها حين عرف منهم خيانة ومخامرة نكاية قامت ~~بها الهيبة واستقامت معها أمور الرعية. وتنقلت به الأحوال ms142 إلى أن توجه مع ~~السلطان تاج الدولة إلى ناحية الري وشهد الوقعة التي استشهد فيها تاج ~~الدولة وحصل في قبضة الاعتقال مع من أسر من المقدمين وأقام مدة إلى أن أذن ~~الله في الخلاص ووصل إلى دمشق في سنة 488 فتلقاه الملك شمس الدولة دقاق ~~وعسكره وأرباب دولته وبولغ في اكرامه واحترامه ورد إليه النظر في ~~الاسفهسلارية واعتمد عليه في تدبير المملكة وسياسة البيضة. واقتضت الحال ~~فيها بينه وبين الملك وأمراء الدولة العمل على الأمير ساوتكين والايقاع به ~~وتمم عليه الأمر وقتل وعقدت الوصلة بينه وبين ظهير الدين أتابك وبين ~~الخاتون صفوة الملك والدة الملك شمس الملوك دقاق ودخل بها واستقامت له ~~الحال بدمشق وأحسن السيرة فيها وأجمل في تدبير أهليها وبالغ في الذب عنها ~~والمراماة دونها وسكنت نفس الملك شمس الملوك إليه واعتمد في التدبير عليه. ~~وقد كان الملك فخر الملوك رضوان بن تاج الدولة صاحب حلب مائلا إلى دمشق ~~ومحبا لها ومؤثرا للعود إليها ولا يختار عليها سواها لمعرفته بمحاسنها ~~وترعرعه فيها فجمع وحشد واستنجد بالأمير سكمان بن ارتق وبرز طالبا لدمشق ~~والنزول عليها وانتهاز الفرصة فيها. وقد كان الملك شمس الملوك دقاق والعسكر ~~مع الأمير ياغي سيان والأمير نجم الدين ايل غازي قد غابوا عن دمشق في هذا ~~الوقت فوصل الملك فخر الملوك رضوان صاحب حلب في عسكره ونزل بظاهر البلد في ~~سنة 489 وزحف في العسكر لقتالها. وكان في البلد وزير الملك شمس الملوك زين ~~الدولة محمد بن الوزير أبي القاسم ونفر قليل من العسكرية وانضاف إليهم ~~جماعة من الأجناد وأهل البلد وأغلقت الأبواب وارتكبت الأسوار وصاحوا ~~ورشقوهم بالسهام وكانوا قد بلغوا في الزحف إلى سوق الغنم وقربوا من السور ~~والباب الصغير وطلب جماعة من العسكرية وأحداث البلد الخروج إليهم والدفع ~~لهم عن البلد فمنعهم السلار بختيار شحنة البلد والرئيس أمين الدولة أبو ~~محمد بن الصوفي رئيس البلد من الخروج وقاتلوهم على الأسوار ومنعوهم من ~~الوصول إليها. واتفق الأمر المقتضى أن حجر المنجنيق وقع في رأس ms143 حاجب الملك ~~رضوان وهو قائم يحرض على الحرب فقتله فسكنت الحرب واشتغلوا بأمره وعادوا ~~إلى مخيمهم لأجله ولم يتم لهم أمر ولا تسهل لهم عرض وبلغهم أن الملك شمس ~~الملوك عائد في العسكر إلى دمشق فرحل في العسكر عائدا إلى حلب خائبا في ~~الأمر الذي طلب. وطلب في رحيله ناحية مرج الصفر وطلب حوران فعاث العسكر في ~~أطرافها وطلب التوجه إلى بيت المقدس. وعاد شمس الملوك دقاق لما انتهى إليه ~~الخبر في العسكر ووصل إلى دمشق وتبع عسكر الملك رضوان على أثره فوصل وتقارب ~~المدى بين الفريقين وفصل الملك رضوان منكفئا إلى حلب فوصل إليها في آخر ذي ~~الحجة من السنة # سنة تسع وثمانين وأربعمائة PageV01P078 فيها وصل خلف بن ملاعب الذي كان ~~السلطان ملك شاه أبو الفتح أخذه من حمص عند أخذها منه واعتقله بأصفهان ~~وأطلق عند وفاة السلطان المذكور وتوجه إلى مصر. وفيها ورد الخبر بوفاة أبي ~~مسلم وادع بن سليمان قاضي معرة النعمان والمستولي عليها في آخر صفر منها ~~وكان له همة مشهورة وطريقة في اليقظة مشكورة. وفيها انكفأ الأمير ياغي سيان ~~منفصلا عن الملك شمس الملوك دقاق إلى بلده انطاكية في المحرم منها # سنة تسعين وأربعمائة # في مستهل شهر ربيع الأول منها اجتمع ستة كواكب في برج الحوت وهي الشمس ~~والقمر والمشتري والزهرة والمريخ وعطارد وذكر أهل صناعة النجوم إنهم لم ~~يعرفوا اجتماع هذه الكواكب في برج في قديم الزمان وحديثه ولا سمعوا ذاك. ~~وفي شعبان منها ورد الخبر بأن الأمير جناح الدولة حسين أتابك الملك فخر ~~الملوك رضوان بحلب استوحش من الملك استيحاشا خاف معه على نفسه وكان زوج ~~والدته ففصل عن حلب منكرا لما تم في أمره وكان أمر التدبير إليه والمعتمد ~~في الحل والعقد فيها عليه ووصل إلى حمص في عسكره وخواصه وكان قراجة نائبه ~~فيها فسلمها إليه وحصل بها وشرع في تحصينها والأحكام لجهات قلعتها ونقل ~~أهله إليها وأمن على نفسه باستقراره بها. ووصل عقيب انفصاله الأمير ياغي ~~سيان من انطاكية إلى حلب ms144 وشرع في التدبير والتقرير بها والأمر والنهي في ~~عسكريتها وأهليها وبرز الملك رضوان وياغي سيان من حلب في العسكر إلى ناحية ~~شيزر عازما على الاحتشاد والتأهب والاستعداد لمعاودة النزول على دمشق ~~فأقاموا على شيزر تقدير شهر ووقع الخلف بين مقدمي العسكر فتفرقوا وعاد كل ~~منهم إلى مكانه وعاد الملك إلى حلب. وفي هذه السنة ورد على فخر الملوك ~~رضوان كتاب المستعلي بالله صاحب مصر مع رسوله يلتمس منه الدخول في طاعته ~~وإقامة الدعوة لدولته وكذلك كتاب الأفضل يتضمن مثل هذه الحال فأجابهما إلى ~~ما التمساه وأمر بأن يدعى للمستعلي على المنبر وللأفضل بعده ولنفسه بعده ~~وأقامت الخطبة على هذه القضية تقدير أربع جمع وكان الملك رضوان قد بنى ~~الأمر في ذلك على الاجتماع مع العسكر المصري والنزول على دمشق لأخذها من ~~أخيه الملك دقاق فوصل الأمير سكمان بن ارتق وياغي سيان صاحب انطاكية إلى ~~حلب وانكرا على الملك الدخول في هذا الأمر واستبدعاه من فعله وأشارا عليه ~~بابطاله واطراح العمل به فقبل ما أشير إليه وأعاد الخطب إلى ما كانت عليه ~~وفي أول شهر ربيع الأول من السنة وردت الأخبار بخروج العسكر المصري من مصر ~~ونزوله على ثغر صور عند ظهور عصيان واليه المعروف بالكتيلة وخروجه عن ~~الطاعة والايثار للخلف والعدول عن المخالصة في الخدمة والعود للمبايعة ولم ~~يزل العسكر منازلها ومضايقا عليها إلى أن افتتحها بالسيف قهرا وقتل فيها ~~الخلق الكثير ونهب منها المال الجزيل وأخذ الوالي أسيرا من غير أمان ولا ~~عهد وحمل إلى مصر فقتل بها PageV01P079 وفي هذه السنة كان مبدأ تواصل ~~الأخبار بظهور عساكر الافرنج من بحر القسطنطينية في عالم لا يحصى عدده كثرة ~~وتتابعت الأنباء بذلك فقلق الناس لسماعها وانزعجوا لاشتهارها. وصحت الأخبار ~~بذاك عند الملك داود بن سليمان بن قتلمش وكان أقرب إليهم دارا فشرع في ~~الجمع والاحتشاد وإقامة مفروض الجهاد واستدعى من أمكنه من التركمان للاسعاد ~~عليهم والانجاد فوافاه منهم مع عسكر أخيه العدد الكثير وقويت بذاك نفسه ~~واشتدت شوكته فزحف إلى معابرهم ms145 ومسالكهم وسبلهم فأوقع بكل من ظفر به منهم ~~بحيث قتل خلقا كثيرا وعادوا إليه واستظهروا عليه وكسروا عسكره فقتلوا منهم ~~وأسروا ونهبوا وسبوا وانهزم التركمان بعد أخذ أكثر دوابهم واشترى ملك الروم ~~من السبي خلقا كثيرا وحملهم إلى القسطنطينية وتواصلت الأخبار بهذه النوبة ~~المستبشعة في حق الاسلام فعظم القلق وزاد الخوف والفرق وكانت هذه الوقعة ~~لعشر بقين من رجب. وفي النصف من شعبان توجه الأمير ياغي سيان صاحب أنطاكية ~~والأمير سكمان بن أرتق والأمير كربوقا في العسكر إلى أنطاكية وقد وردت ~~الأخبار بقرب الافرنج منها ونزولهم البلانة وخف ياغي سيان إلى أنطاكية وسير ~~ولده إلى دمشق إلى الملك دقاق وإلى جناح الدولة بحمص وإلى سائر البلاد ~~والأطراف بالاستصراخ والاستنجاد والبعث على الخفوف إلى الجهاد وقصد تحصين ~~أنطاكية وإخراج النصارى منها. وفي اليوم الثاني من شوال نزلت عساكر الافرنج ~~على بغراس وأعادوا على أعمال أنطاكية فعند ذلك عصى من كان في الحصون ~~المعاقل المجاروة لأنطاكية وقتلوا من كان فيها وهرب من هرب منها وفعل أهل ~~ارتاح مثل ذلك واستدعوا المدد من الافرنج. وفي شعبان ظهر الكوكب ذو الذؤابة ~~من الغرب وأقام طلوعه تقدير عشرين يوما ثم غاب فلم يظهر وكان قد نهض من ~~عسكر الافرنج فريق وافر يناهز ثلاثين ألفا فعاثوا في الأطراف ووصلوا إلى ~~البارة وفتكوا فيها تقدير خمسين رجلا وكان عسكر دمشق وصل إلى ناحية شيزر ~~لانجاد ياغي سيان فلما نزلت هذه الفرقة المذكورة على البارة ونهضوا نحوهم ~~وتطاردوا وقتل منهم جماعة وعاد الافرنج إلى الروج وتوجهوا إلى أنطاكية. ~~وغلا سعر الزيت والملح وغير ذلك وعدم في أنطاكية وتواصل ذلك إليها سرقة ~~فرخص فيها وجعل الافرنج بينهم وبين أنطاكية خندقا لكثرة الغارات عليهم من ~~عسكر أنطاكية وقد كان الافرنج عند ظهورهم عاهدوا ملك الروم ووعدوه بأن ~~يسلموا إليه أول بلد يفتحونه ففتحوا نيقية وهي أول مكان فتحوه فلم يفوا له ~~بذلك ولا سلموها إليه على الشرط وافتتحوا في طريقهم بعد الثغور والدروب. ~~وفي هذه السنة وردت الأخبار من ناحية ms146 حلب بفساد حال رئيسها المعروف بالمجن ~~لما كان عليه من التمكن والغلبة على الأمر وارتكاب الظلم بحيث قبض عليه ~~ونهبت داره وقتل مع من قتل من أولاده واستؤصلت شأفته وذلك مجازاة الساعي في ~~قتل النفوس وسفك الدماء وما هي من الظالمين ببعيد وذلك في ذي القعدة. وفي ~~هذه السنة استوزر الملك رضوان أبا الفضل بن الموصول ولقب مشيد الدين بحلب # سنة إحدى وتسعين وأربعمائة # في آخر جمادى الأولى منها ورد الخبر بأن قوما من أهل أنطاكية من حملة ~~الأمير ياغي سيان من الزرادين عملوا على أنطاكية وواطوا الافرنج على ~~تسليمها إليهم لاساءة تقدمت منه في حقهم ومصادرتهم ووجدوا الفرصة في برج من ~~أبراج البلد مما يلي الجبل باعوه للافرنج واطلعوهم إلى البلد منه في الليل ~~وصاحوا عند الفجر فانهزم ياغي سيان وخرج في خلق عظيم فلم يسلم منهم شخص ~~ولما حصل بالقرب من ارمناز ضيعة بالقرب من معرة مصرين سقط عن فرسه على ~~الأرض فحمله بعض أصحابه وأركبه فلم يثبت على ظهر الفرس وعاود سقط فمات رحمه ~~الله. وأما أنطاكية فقتل منها وأسر وسبي من الرجال والنسوان والأطفال ما لا ~~يدركه حصر وهرب إلى القلعة تقدير ثلاثة آلاف تحصنوا بها وسلم من كتب الله ~~سلامته PageV01P080 وفي شعبان منها وردت الأخبار بخروج الأفضل أمير الجيوش ~~من مصر في عسكر كثير إلى ناحية الشام ونزل على بيت المقدس وفيه الأميران ~~سكمان وايل غازي ابنا أرتق وجماعة من أقاربهما ورجالهما وخلق كثير من ~~الأتراك فراسلهما يلتمس منهما تسليم بيت المقدس إليه من غير حرب ولا سفك دم ~~فلم يجيباه إلى ذلك فقاتل البلد ونصب عليه المناجيق فهدمت ثلمة من سوره ~~وملكه وتسلم محراب داود من سكمان ولما حصل فيه أحسن إليهما وأنعم عليهما ~~وأطلقهما ومن معهما ووصلوا إلى دمشق في العشر الأول من شوال وعاد الأفضل في ~~عسكره إلى مصر. وفيها توجه الافرنج إلى معرة النعمان بأسرهم ونزلوا عليها ~~في التاسع والعشرين من ذي الحجة وقاتلوها ونصبوا عليها البرج والسلالم. ~~وبعد افتتاح الافرنج ms147 بلد أنطاكية بتدبير الزراد وهو رجل أرمني اسمه نيروز ~~في ليلة الجمعة مستهل رجب وتواصلت الأخبار بصحة ذلك تجمعت عساكر الشام في ~~العدد الذي لا يدركه حصر ولا حزر وقصدوا عمل أنطاكية للايقاع بعساكر ~~الافرنج فحصروهم حتى عدم القوت عندهم حتى أكلوا الميتة ثم زحفوا وهم في ~~غاية من الضعف إلى عساكر الاسلام وهم في الغاية من القوة والكثرة فكسروا ~~المسلمين وفرقوا جموعهم وانهزم أصحاب الجرد السبق ووقع السيف في الرجال ~~المتطوعين والمجاهدين والمغالبين في الرغبة في الجهاد وحماية المسلمين في ~~ذلك يوم الثلاثاء السادس من رجب في السنة # سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة # في المحرم منها زحف الافرنج إلى سور معرة النعمان من الناحية الشرقية ~~والشمالية وأسندوا البرج إلى سورها وهو أعلى منه فكشفوا المسلمين عن السور ~~ولم يزل الحرب عليه إلى وقت المغرب من اليوم الرابع عشر من محرم وصعدوا ~~السور وانكشف أهل البلد عنه وانهزموا بعد أن ترددت إليهم رسل الافرنج في ~~التماس التقرير والتسليم واعطاء الأمان على نفوسهم وأموالهم ودخول الشحنة ~~إليهم فمنع من ذلك الخلف بين أهلها وما قضاه الله تعالى وحكم به وملكوا ~~البلد بعد صلاة المغرب وقتل فيه خلق كثير من الفريقين وانهزم الناس إلى دور ~~المعرة للاحتماء بها فأمنهم الافرنج وغدروا بهم ورفعوا الصلبان فوق البلد ~~وقطعوا على أهل البلد القطائع ولم يفوا بشيء مما قرروه ونهبوا ما وجدوه ~~وطالبوا الناس بما لا طاقة لهم به ورحلوا يوم الخميس السابع عشر من صفر إلى ~~كفرطاب. ثم قصدوا بعد ذلك ناحية بيت المقدس آخر رجب من السنة وأجفل الناس ~~منهم من أماكنهم ونزلوا أولا على الرملة فملكوها عند إدراك الغلة وانتقلوا ~~إلى بيت المقدس فقاتلوا أهله وضيقوا عليهم ونصبوا عليه البرج وأسندوا إلى ~~السور. وانتهى إليهم خروج الأفضل من مصر في العساكر الدثرة لجهادهم ~~والايقاع بهم وانجاد البلد عليهم وحمايته منهم فشدوا في قتاله ولازموا حربه ~~إلى آخر نهار ذلك اليوم وانصرفوا عنه وواعدهم الزحف إليهم من الغد ونزل ~~الناس عن السور وقت المغرب ms148 فعاود الافرنج الزحف إليه وطلعوا البرج وركبوا ~~سور البلد فانهزم الناس عنه وهجموا على البلد فملكوه وانهزم بعض أهله إلى ~~المحراب وقتل خلق كثير وجمع اليهود في الكنيسة وأحرقوها عليهم وتسلموا ~~المحراب بالأمان في الثاني والعشرين من شعبان من السنة وهدموا المشاهد وقبر ~~الخليل عم. ووصل الأفضل في العساكر المصرية وقد فات الأمر فانضاف إليه ~~عساكر الساحل ونزل بظاهر عسقلان في رابع عشر سهر رمضان منتظرا لوصول ~~الاسطول في البحر والعرب فنهض عسكر الافرنج إليه وهجموا عليه في خلق عظيم ~~فانهزم العسكر المصري إلى ناحية عسقلان ودخل الأفضل إليها وتمكنت سيوف ~~الافرنج من المسلمين فأتى القتل على الراجل والمطوعة وأهل البلد وكانوا ~~زهاء عشرة آلاف نفس ونهب العسكر وتوجه الأفضل في خواصه إلى مصر وضايقوا ~~عسقلان إلى أن قرروا عليها بعده الافرنج عشرين ألف دينار تحمل إليهم وشرعوا ~~في جبايتها من أهل البلد فاتفق حدوث الخلف بين المقدمين فرحلوا ولم يقبضوا ~~من المال شيئا وحكي أن الذين قتلوا في هذه الوقعة من أهل عسقلان من شهودها ~~وتنائها وتجارها وأحداثها سوى أجنادها ألفان وسبعمائة نفس # سنة ثلاث وتسعين وأربعمائة PageV01P081 في صفر منها ورد الخبر بوصول ~~السلطان بركيارق إلى بغداد بعد أن جرى بينه وبين أخيه السلطان محمد تبر خلف ~~وحرب واستظهر فيها عليه وغلبه على مدينة أصفهان وحصل بها. وتوجه الملك شمس ~~الملوك دقاق بن تاج الدولة من دمشق في عسكره إلى ديار بكر لتسلمها من ~~المستولي عليها ووصل إلى الرحبة في البرية ووصل إلى ديار بكر وتسلم ~~ميافارقين ورتب فيها من يحفظها ويذب عنها. وفي رجب منها خرج بيمند ملك ~~الافرنج صاحب أنطاكية إلى حصن أفامية ونزل عليه وأقام أياما وأتلف زرعه ~~ووصل الخبر بوصول الدنشمند إلى ملطية في عسكره من الأتراك في خلق عظيم ومن ~~عسكر قلج أرسلان بن سليمان بن قتلمش فعاد بيمند عند معرفة ذاك إلى أنطاكية ~~وجمع وحشد وقصد عسكر المسلمين فنصر الله تعالى المسلمين عليه وقتلوا من ~~حزبه خلقا كثيرا وحصل في قبضة الأسر مع ms149 نفر من أصحابه ونفذت الرسل إلى ~~نوابه بأنطاكية يلتمسون تسليمها في العشر الثاني من شهر صفر سنة 493. وفيها ~~وردت الأخبار بأن الآبار غارت في عدة جهات من أعمال الشمال والمنابع في ~~أكثر المعاقل وقلت وتقلصت الأسعار فيها. # سنة أربع وتسعين وأربعمائة # فيها جمع الأمير سكمان بن أرتق خلقا كثيرا من التركمان وزحف بهم إلى ~~افرنج الرها وسروج في شهر ربيع الأول وتسلم سروج واجتمع إليه خلق كثير وحشد ~~الافرنج أيضا والتقى الفريقان وقد كان المسلمون مشرفين على النصر عليهم ~~والقهر لهم فاتفق هروب جماعة من التركمان فضعفت نفسه وانهزم ووصل الافرنج ~~إلى سروج فتسلموها وقتلوا أهلها وسبوهم إلا من أفلت منهم هزيما. وفي هذه ~~السنة توفي القاضي الفقيه الامام أبو إسحق ابرهيم بن محمد بن عقيل بن زيد ~~الشهرزوري الواعظ رحمه الله يوم الاثنين السابع من المحرم منها. وفي هذه ~~السنة وصل كندفري صاحب بيت المقدس إلى ثغر عكا وأغار عليه فأصابه سهم فقتله ~~وكان قد عمر يافا وسلمها إلى طنكري فلما قتل كندفري سار أخوه بغدوين القمص ~~صاحب الرها إلى بيت المقدس في خمسمائة فارس وراجل فجمع شمس الملوك دقاق عند ~~معرفة خبر عبوره ونهض إليه معه الأمير جناح الدولة صاحب حمص فلقوه بالقرب ~~من ثغر بيروت فسارع نحوه جناح الدولة في عسكره فظفر به وقتل بعض أصحابه. ~~وفيها افتتح الافرنج حيفا على ساحل البحر بالسيف وارسوف بالأمان وأخرجوا ~~أهلها منها. وفي آخر رجب منها فتحوا قيسارية بالسيف وقتلوا أهلها ونهبوا ما ~~فيها وأعانهم الجنويون عليها PageV01P082 وفيها ورد الخبر بقرب السلطان ~~بركيارق من بغداد في عسكره طالبا للقاء أخيه محمد فأسر وقتل وأخذ وزيره ~~وجماعة من مقدميه وأمر بقتلهم وتوجه من وقته إلى ناحية أصفهان فنزل عليها ~~عند وصوله إليها وتقرر أمرها بحيث ملكها وحصل فيها وهي دار السلطنة واستقام ~~له الأمر بها. وفيها تقدم الخليفة المستظهر بالله أمير المؤمنين ببغداد ~~بالقبض على عميد الدولة محمد بن محمد بن جهير وزيره وعلى نوابه وأسبابه ~~ومصادرتهم وقتلهم لأشياء نقمها عليه ms150 ومنكرات عزيت إليه. وفي شعبان منها ~~أرسل القاضي ابن صليحة المتغلب على ثغر جبلة إلى الأمير ظهير الدين أتابك ~~يلتمس منه انفاذ من يراه من ثقاته ليسلم إليه ثغر جبلة ويصل إلى دمشق بماله ~~وحاله ويسيره إلى بغداد تحت الحوطة والأمان والحماية وجميل الرعاية فأجابه ~~إلى ما اقترحه ووعده بتحقيق أمله وندب لولاية الثغر المذكور ولده الأمير ~~تاج الملوك بوري وكان الملك شمس الملوك دقاق غائبا عن دمشق في ديار بكر ~~فعاد منها ودخل إلى دمشق في أول شوال من السنة وتقررت الحال على ما التمس ~~ابن صليحة وتوجه تاج الملوك في أصحابه إلى جبلة فتسلها وانفصل ابن صليحة ~~عنها ووصل إلى دمشق بأصحابه وأسبابه وكراعه ودوابه وكل ما تحويه يده من مال ~~وأثاث وحال فأكرم مثواه وأحسن لقياه وأقام ما أقام بدمشق وسير إلى بغداد مع ~~فرقة وافرة من الأجناد بجميع ما يملكه وحصل بها واتفق له من وشى بماله وعظم ~~سعة حاله إلى السلطان ببغداد فنهب واشتمل على ما كان يملك. وأما تاج الملوك ~~فإنه لما ملك ثغر جبلة وتمكن هو وأصحابه فيها أساءوا إلى أهله وقبحوا ~~السيرة فيهم وجروا على غير العادة المرضية من العدل والانصاف فشكوا حالهم ~~فيما نزل بهم إلى القاضي فخر الملك أبي علي عمار بن محمد بن عمار المتغلب ~~على ثغر طرابلس لقربها منهم فوعدهم المعونة على مرادهم واسعادهم بالانفاذ ~~لهم وانهض إليهم عدة وافرة من عسكره فدخلت الثغر واجتمعت مع أهله على ~~الأتراك فقهروهم وأخرجوهم منه وملكوه وقبضوا تاج الملوك وحملوه إلى طرابلس ~~فأكرمه فخر الملك وأحسن إليه وسيره إلى دمشق وكتب إلى والده أتابك يعرفه ~~صورة الحال ويعتذر إليه مما جرى. وفيها قبض الملك شمس الملوك دقاق على أمين ~~الدولة أبي محمد بن الصوفي رئيس دمشق وصالحه على جملة من المال يحملها إلى ~~خزانته وأطلقه من الاعتقال وأقره على رئاسته وفي هذه السنة خرج من مصر عسكر ~~كثيف مع الأمير سعد الدولة المعروف بالقوامسي ووصل إلى عسقلان لجهاد ~~الافرنج في أول ms151 شهر رمضان وأقام بحيث هو إلى ذي الحجة منها ورحل عن عسقلان ~~ونهض إليه من الافرنج ألف فارس وعشرة آلاف راجل والتقى الفريقان فكسرت ~~ميمنة المسلمين وميسرتهم وتبعوهم وبقي سعد الدولة المقدم في نفر يسير من ~~عسكره في القلب فحمل الافرنج عليه وطلب الثبات فعاجله القضاء وكبا به جواده ~~وسقط عنه إلى الأرض فاستشهد مكانه رحمه الله ومضى شهيدا مأجورا. وعاد ~~المسلمون على الافرنج وتذامروا عليهم وبذلوا النفوس في الكرة إليهم فهزموهم ~~إلى يافا وقتلوا منهم وأسروا وغنموا وكانت العقبى الحسنة لهم ولم يفقد إلا ~~نفر يسير منهم. وفيها انكفا الأمير كربوقا صاحب الموصل والجزيرة عن السلطان ~~بركيارق لمشاهدة أحوال ولايته واستعادة المخالفين إلى طاعته فلما وصل إلى ~~مراغة عرض له مرض الموت واشتد به وتوفي هناك وسار إلى ربه. وفي هذه السنة ~~وصل السلطان بركيارق بن ملك شاه إلى بغداد منهزما من أخيه السلطان محمد في ~~أخرها # سنة خمس وتسعين وأربعمائة PageV01P083 وفي هذه السنة وردت الأخبار بما ~~أهل خراسان والعراق والشام عليه من الخلاف المستمر والشحناء والحروب ~~والفساد وخوف بعضهم من بعض لاشتغال الولاة عنهم وعن النظر في أحوالهم ~~بالخلف والمحاربة. وفيها وصل قمص الرها مقدم الافرنج في عسكره المخذول إلى ~~ثغر بيروت فنزل عليه طامعا في افتتاحه وحاربه وضايقه وطال مقامه عليه ولم ~~يتهيأ فيه مراد فرحل عنه. ووردت مكاتبات فخر الملك بن عمار صاحب طرابلس ~~يلتمس فيها المعونة على دفع ابن صنجيل النازل في عسكره من الافرنج على ~~طرابلس ويستصرخ بالعسكر الدمشقي ويستغيث بهم فأجيب إلى ما التمس ونهض ~~العسكر نحوه وقد استدعى الأمير جناح الدولة صاحب حمص فوصل أيضا في عسكره ~~فاجتمعوا في عدد دثر وقصدوا ناحية انطرطوس ونهد الافرنج إليهم في جميع ~~وحشدهم وتقارب الجيشان والتقيا هناك فانفل عسكر المسلمين من عسكر المشركين ~~وقتل منهم الخلق الكثير وقفل من سلم إلى دمشق وحمص بعد فقه من فقد منهم ~~ووصلوا في الثاني والعشرين من جمادى الآخرة وفيها وردت الأخبار من ناحية ~~مصر بوفاة المستعلي بالله أمير ms152 المؤمنين ابن المستنصر بالله صاحب مصر في ~~صفر منها وعمره سبع وعشرون سنة ومولده سنة 468 وكانت مدة أيامه سبع سنين ~~وشهرين ونقش خاتمه الامام المستعلي بالله أمير المؤمنين وكان حسن الطريقة ~~جميل السيرة في كافة الأجناد والعسكرية وسائر الرعية لازما قصره كعادة أبيه ~~المستنصر بالله منكفئا بالأفضل سيف الاسلام ابن أمير الجيوش فيما يريده ~~بأصالة رأيه وصواب تقديره وامضائه وقام في الأمر بعده ولده أبو علي المنصور ~~بن المستعلي بالله أبي القاسم أحمد وأخذ له البيعة على الأجناد والأمراء ~~وكافة الرعايا والخدم والأولياء الأفضل السيد أبو القاسم شاهنشاه ابن أمير ~~الجيوش وأجلسه في منصب أبيه عقيب وفاته ولقب بالآمر بأحكام الله واستقام له ~~الأمر بحسن تدبير الأفضل وانتظمت به الأحوال على غاية المباغي والآمال وفي ~~هذه السنة خرجت العساكر المصرية من مصر لانجاد ولاة الساحل في الثغور ~~الباقية في أيديهم منها على منازليهم من أحزاب الافرنج ووصلت إلى عسقلان في ~~رجب ولما عرف بغدوين قمص بيت المقدس وصولهم نهض نحوهم في جمعه من الافرنج ~~في تقدير سبعمائة فارس وراجل اختارهم فهجم بهم على العسكر المصري فنصره ~~الله على حزبه المفلول وقتلوا أكثر خيله ورجالته وانهزم إلى الرملة في ~~ثلاثة نفر وتبعوه وأحاطوا به فتنكر وخرج على غفلة منهم وقصد يافا وأفلت ~~منهم فكان قد اختفى في أجمة قصب حين تبع وأحرقت تلك الأجمة ولحقت النار بعض ~~جسده ونجا منها وحصل بيافا فأوقع السيف في أصحابه وقتل وأسر من ظفر به في ~~الرملة من رجاله وأبطاله وحملوا إلى مصر في آخر رجب من السنة. وفي هذا ~~الوقت وصلت مراكب الافرنج في البحر تقدير أربعين مركبا ووردت الأخبار بأن ~~البحر هاج بها واختلفت أرياحه عليها فعطب أكثرها ولم يسلم منها إلا القليل ~~وكانت مشحنة بالرجال والمال # سنة ست وتسعين وأربعمائة # فيها برز الملك شمس الملوك دقاق وظهير الدين أتابك من دمشق في العسكر ~~وقصد الرحبة ونزل عليها وضايق من بها وقطع أسباب الميرة عنها وأضر ~~بالمضايقة إلى أن اضطر المقيم بها ms153 إلى طلب الأمان له ولأهل البلد فأومنوا ~~وسلمت إليه بعد القتال الشديد والحرب المتصلة في جمادى الآخرة منها ورتب ~~أمرها وندب من رآه من الثقات لحفظها وقرر أحوال من بها ورحل عنها في يوم ~~الجمعة الثاني والعشرين منها منكفئا إلى دمشق PageV01P084 وفيها ورد الخبر ~~من حمص بأن صاحبها الأمير جناح الدولة حسين أتابك نزل من القلعة إلى الجامع ~~لصلاة الجمعة وحوله خواص أصحابه بالسلاح التام فلما حصل بموضع مصلاه على ~~رسمه وثب عليه ثلاثة نفر عجم من الباطنية ومعهم شيخ يدعون له ويسمعونه في ~~زي الزهاد فوعدهم فضربوه بسكاكينهم وقتلوه وقتلوا معه جماعة من أصحابه وكان ~~في الجامع عشرة نفر من متصوفة العجم وغيرهم فاتهموا وقتلوا صبرا مظلومين في ~~الوقت عن آخرهم. وانزعج أهل حمص لهذا الحديث وأجفلوا في الحال وهربت أكثر ~~سكانها من الأتراك إلى دمشق واضطربت الأحوال بها وراسلوا الملك شمس الملوك ~~بدمشق يلتمسون انفاذ من يتسلم حمص ويعتمد عليه في حمايتها والذب عنها قبل ~~انتهاء الخبر إلى الافرنج وامتداد أطماعهم فيها فسار الملك شمس الملوك ~~وظهير الدين أتابك في العسكر من دمشق ووصل إلى حمص وتسلمها وحصل في قلعتها ~~ووافق ذلك وصول الافرنج إليها ونزولهم على الرستن لمضايقتها ومنازلتها فحين ~~عرفوا ذلك احجموا عن القرب إليها والدنو منها ورحلوا عنها وقد كان المعروف ~~بالحكيم المنجم الباطني صاحب الملك فخر الملوك رضوان صاحب حلب أول من أظهر ~~مذهب الباطنية في حلب والشام وهو الذي ندب الثلاثة النفر لقتل جناح الدولة ~~بحمص وورد الخبر بهلاكه بعد الحادثة بأربعة عشر يوما. ولما رتب شمس الملوك ~~أمر حمص وقرر أحوالها وانكفأ عائدا إلى دمشق في أول شهر رمضان خرجت العساكر ~~المصرية من مصر إلى البر والاصطول في البحر مع شرف ولد الأفضل شاهنشاه وكتب ~~في استدعاء المعونة على الجهاد وبنصرة العباد والبلاد بانفاذ العسكر ~~الدمشقي فأجيب إلى ذلك وعاقت عن مسيره أسباب حدثت وصوادف صدفت ووصل أصطول ~~البحر ونزل على يافا آخر شوال وأقام أياما وتفرق الاصطول والعساكر إلى ~~الساحل وكانت ms154 الأسعار بها قد ارتفعت والأقوات قد قلت فصلحت بما وصل مع ~~الاصطول من الغلة ورخص الأسعار إلا أن غارات الافرنج متصلة عليها وفي ذي ~~القعدة من السنة تواترت الأخبار بخروج قلج أرسلان بن سليمان بن قتلمش من ~~بلاد الروم طالبا أنطاكية ووصوله إلى قريب من مرعش وجرى بينه وبين الأمير ~~الدانشمند صاحب ملطية خلف ومنازعة أوجبت عوده عليه وإيقاعه به وفل عسكره ~~والفتك برجاله ولما انكفأ بعد ذلك قيل أنه وصل إلى الشام وأرسل رسوله إلى ~~حلب يلتمس الاذن للسفار بالوصول إلى عسكره بالمير والازواد وما يحتاج إليه ~~سائر العسكرية والاجناد فسر الناس بذلك وتباشروا به # سنة سبع وتسعين وأربعمائة # في رجب منها وردت الأخبار بوصول الافرنج في البحر من بلادهم إلى ظاهر ~~اللاذقية مشحونة بالتجار والأجناد والحجاج وغير ذلك وأن صنجيل المنازل ~~لطرابلس استنجد بهم على طرابلس في مضايقتها والمعونة على ملكتها وأنهم ~~وصلوا إليه فاجتمعوا معه على منازلتها ومضايقتها فقاتلوها أياما ورحلوا ~~عنها. ونزلوا على ثغر جبيل فقاتلوه وضايقوه وملكوه بالأمان فلما حصل في ~~ملكتهم غدروا بأهله ولم يفوا بما بذلوه من الأمان وصادروهم واستنفدوا ~~أحوالهم وأموالهم بالعقوبات وأنواع العذاب. وورد الخبر باجتماع الأميرين ~~سكمان بن أرتق وجكرمش صاحب الموصل في عسكرهما وتعاهدا وتعاقدا على المجاهدة ~~في أعداء الله الافرنج وبذل الطاعة والاستطاعة في حربهم ونزلا في أوائل ~~شعبان من السنة برأس العين. ونهض بيمند وطنكري في عكسريهما من ناحية ~~أنطاكية إلى الرها لانجاد صاحبها على الأميرين المذكورين فلما قربا من عسكر ~~المسلمين النازلين على الرها تأهب كل من الفريقين للقاء صاحبه فالتقوا في ~~تاسع شعبان فنصر الله المسلمين عليهم وعزموهم وقتلوا منهم مقتلة كثيرة ~~وكانت عدتهم تزيد على عشرة آلاف فارس وراجل سوى السواد والاتباع وانهزم ~~بيمند وطنكري في نفر يسير وكان نصرا حسنا للمسلمين لم يتهيأ مثله وبه ضعفت ~~نفوس الافرنج وقلت عدتهم وفلت شوكتهم وشكتهم وقويت نفوس المسلمين وأرهنت ~~وأرهفت عزائمهم في نصرة الدين ومجاهدة الملحدين وتباشر الناس بالنصر عليهم ~~وأيقنوا بالنكاية فيهم والادالة منهم ms155 PageV01P085 وفي هذا الشهر ورد الخبر ~~بنزول بغدوين ملك الافرنج صاحب بيت المقدس في عسكره على ثغر عكا ومعه ~~الجنويون والمراكب في البحر والبر وهم الذين كانوا ملكوا ثغر جميل في نيف ~~وتسعين مركبا فحصروه من جهاته وضايقوه من جوانبه ولازموه بالقتال إلى أن ~~عجز واليه ورجاله عن حربهم وضعف أهله عن المقاتلة لهم وملكوه بالسيف قهرا. ~~وكان الوالي به الأمير زهر الدولة بنا الجيوشي قد خرج منه لعجزه عن حمايته ~~وضعفه عن المراماة دونه وأنفذ يلتمس منهم الأمان له ولأهل الثغر ليأسه من ~~وصول نجدة أو معونة فلما ملك الثغر تم على حاله منهزما إلى دمشق فدخلها ~~وأكرمه ظهير الدين أتابك وأحسن تلقيه وكان وصوله إلى دمشق في يوم الخميس ~~لثلاث بقين من شعبان وتقدم شمس الملوك دقاق وظهير الدين أتابك في حقه بما ~~طيب نفسه وأكد أنسه وأقام بدمشق إلى أن تسهلت له السبيل في العود إلى مصر ~~فتوجه إليها عائدا ووصل إليها سالما وأوضح عذره فيما تم عليه من الغلبة ~~فقبل عذره بعد الانكار عليه والغيظ من فعله وفي هذه السنة عرض للملك شمس ~~الملوك دقاق بن السلطان تاج الدولة صاحب دمشق مرض تطاول به ووقع معه تخليط ~~الغذاء أوجب انتقاله إلى علة الدق فلم يزل به وهو كل يوم في ضعف ونقص فلما ~~أشفى ووقع اليأس من برءه وانقطع الرجاء من عافيته تقدمت إليه والدته ~~الخاتون صفوة الملك بأن يوصي بما في نفسه ولم يترك أمر الدولة وولده سدى ~~فعند ذلك نص على الأمير ظهير الدين أتابك في الولاية بدمشق من بعده ~~والحضانة لولده الصغير تتش بن دقاق بن تاج الدولة إلى حين يكبر واحسان ~~تربيته وألقى إليه ما كان في نفسه وتوفي إلى رحمة الله في اليوم الثاني عشر ~~من شهر رمضان من السنة PageV01P086 وقد كان ظهير الدين أتابك قبل هذه الحال ~~في عقابيل مرض أشفى منه وتداركه من الله تعالى العافية وابل من مرضه وشرع ~~في احسان السيرة في العسكرية والرعية وأحسن إلى الأمراء والمقدمين ms156 من ~~الدولة وأطلق يده من الخزانة في الخلع والتشريفات والصلات والهبات وأمر ~~بالمعروف ونهى عن المنكر وأقام الهيبة على المفسدين المسيئين وبالغ في ~~الاحسان إلى المطيعين والمحسنين وتألف القلوب بالعطاء واستمال الجانح ~~بالتردد والحباء واستقامت له الأمور واجمع على طاعته الجمهور. وقد كان ~~الملك شمس الملوك قد حمل على الرئيس أبي محمد بن الصوفي رئيس دمشق إلى أن ~~قبض عليه في سنة 496 وبقي معتقلا إلى أن قررت عليه مصالحة نهض فيها وقام ~~بها وبعد ذلك عرض له مرض قضى فيه محتوم نحبه وصار منه إلى ربه وقام بعده في ~~منصبه ولده أبو المجالي سيف وأخوه أبو الذواد المفرج وكتب لهما المنشور في ~~الاشتراك في الرئاسة وأحضرهما ظهير الدين أتابك عقيب وفاة شمس الملوك وطيب ~~نفسيهما ووكد الوصية عليهما في استعمال النهضة في سياسة الرعايا وإنهاء ~~أحوالهما فيما يستمر عليها من صلاح وفساد ليقابل المحسن إليها بالاحسان ~~والجاني عليها بالتأديب والهوان فامتثلا أوامره وعملا بأحكامه. فكان الملك ~~شمس الملوك رحمه الله قبل وفاته قد سير أخاه الملك ارتاش ابن السلطان تاج ~~الدولة إلى حصن بعلبك ليكون به معتقلا عند واليه فخر الدولة خادم أبيه ~~كمشتكين التاجي فرأى ظهير الدين أتابك في حكم ما يلزمه لأولاد تاج الدولة ~~ان أرسل الخادم المذكور في اطلاقه واحضاره إلى دمشق فوصل إليها وتلقاه ~~وأكرمه وبجله وخدمه وأقامه في منصب أخيه شمس الملوك وتقدم إلى الأمراء ~~والمقدمين والأجناد بالطاعة لأمره والمناصحة في خدمته وأجلسه في دست ~~المملكة في يوم السبت لخمس بقين من ذي الحجة سنة 497 فاستقامت بذلك الأمور ~~وسكنت إليه نفوس الجمهور. واتفق للأمر المقضي الذي لا يدافع والمحتوم الذي ~~لا يمانع من سعى في افساد هذا التدبير ونقض هذا التقرير فأوحش الملك محيي ~~الدين ارتاش من ظهير الدين أتابك ومن الخاتون صفوة الملك والدة شمس الملوك ~~وأوقعت أمه في نفسه الخوف منهما وأوهمته انهما ربما عملا عليه فقتلاه ~~والأمر بالضد مما نقله الواشي إليه وألقاه فخاف منهما وحسن له الخروج من ~~دمشق ms157 ومملكتها والعود إلى بعلبك لتجتمع إليه الرجال والعسكرية فخرج منها ~~سرا في صفر سنة 498 وخرج ايتكين الحلبي صاحب بصرى إليها هاربا لتقرير كان ~~بينهما في هذا الفساد فعاثا في ناحية حوران وراسلا بغدوين ملك الافرنج ~~بالاستنجاد به وتوجها نحوه وأقاما عنده مدة بين الافرنج يحرضانه على المسير ~~إلى دمشق ويبعثانه على الافساد في أعمالها فلم يحصلا منه على حاصل ولا ظفرا ~~بطائل فحين يئسا من المعونة وخاب أملهما في الاجابة توجها إلى ناحية الرحبة ~~في البرية. واستقام الأمر بعدهما لظهير الدين أتابك وتفرد بالأمر واستبد ~~بالرأي وحسنت أحوال دمشق وأعمالها بإيالته وعمرت بجميل سياسته. وقضى الله ~~تعالى بوفاة تتش ولد الملك شمس الملوك دقاق المقدم ذكره في هذه الأيام. ~~واتفق إن الأسعار رخصت والغلات ظهرت وانبسطت الرعية في عمارة الأملاك في ~~باطن دمشق وظاهرها لاحسان سيرته واجمال معاملته وبث العدل فيهم وكف أسباب ~~الظلم عنهم وفي هذه السنة ورد الخبر من ناحية طرابلس بظهور فخر الملك ابن ~~عمار صاحبها في عسكره وأهل البلد وقصدهم الحصن الذي بناه صنجيل عليهم وإنهم ~~هجموا عليه على غرة ممن فيه فقتل من به ونهب ما فيه وأحرق وأخرب وأخذ منه ~~السلاح والمال والديباج والفضة الشيء الكثير وعاد إلى طرابلس سالما غانما ~~في التاسع عشر من ذي الحجة. وقيل إن بيمند صاحب انطاكية ركب في البحر ومضى ~~إلى الافرنج يستصرخها ويستنجد بهم على المسلمين في الشام وأقام مدة وعاد ~~عنهم منكفئا إلى انطاكية # سنة ثمان وتسعين وأربعمائة PageV01P087 فيها عرض لظهير الدين أتابك مرض ~~اشتد به ولازمه وخاف منه على نفسه وأشفق على أهله وولده وأصحابه ورعيته إن ~~تم عليه أمر وتواصلت مكاتبات فخر الملك بن عمار ورسله من طرابلس بالاستصراخ ~~والاستنجاد على الافرنج النازلين عليها والبعث على تعجيل إعانته بمن يصل ~~إليه من العساكر لكشف غمته وتفريج كربته وقد كان الأمير سكمان بن ارتق ~~والأمير جكرمش صاحب الموصل قد اتفقا على الجهاد في المشركين ونصرة المسلمين ~~فنتج لظهير الدين فكرة وراية فيما نزل به ms158 من المرض المخوف أن يرسل الأمير ~~سكمان بن ارتق يستدعي وصوله إلى دمشق في عسكره ليوصي إليه ويعتمد في حماية ~~دمشق عليه. ونفذت إليه أيضا مكاتبة ابن عمار بتحريضه على المسارعة إلى ذلك ~~والقصد لنصرته وبذل له مالا جزيلا على معونته ونصرته فحين واقف على مضمون ~~المكاتبات أجاب إلى المقترح عليه وسارع إليه وثنى عنانه إلى دمشق مغذا في ~~سيره مواصلا لجدة نجده وتشميره وقطع الفرات إلى ما حض عليه والمغارات. فلما ~~وصل إلى القريتين واتصل خبره إلى أتابك لامه أصحابه وخواصه على ما فرط في ~~تدبيره وعنفوا رأيه فيما استدعاه وخوفوه عاقبة ما أتاه وقالوا له: إذا وصلت ~~الأمير سكمان بن ارتق دمشق وأخرجتها من يدك كيف يكون حالك وأحوالنا أو ليس ~~قد عرفت نوبة اتسز لما استدعى السلطان تاج الدولة بن البارسلان وسلم إليه ~~دمشق كيف بادر باهلاكه ولم يمهله ولا أهله. فعند ذلك أفاق لغلطته وتنبه ~~لغفلته وندم ندامة الكسعي وزاده هذا الأمر مرض الفؤاد مع مرض الجسم. وبينما ~~هو وأصحابه من التفكر فيما يعتمد من أمره وتدبير به حاله عند وصوله والخبر ~~ورد من القريتين بأن الأمير سكمان ساعة وصوله في عسكره إلى القريتين ونزوله ~~لحقه مرض شديد وقضى منه محتوم نحبه وصار إلى رحمة ربه وحمله أصحابه في ~~الحال ورحلوا عائدين به فسر أتابك بهذه الحال سرورا زائدا كان معه بدء ~~سعادته وعود برئه إلى جسمه وعافيته فسبحان مدبر الخلق بحكمته ومسبب الأسباب ~~بقدرته وقصدوا ناحية الجزيرة وذلك في أول صفر من السنة وفي هذه السنة وردت ~~الأخبار بهلاك صنجيل مقدم الافرنج النازلين على ثغر طرابلس في رابع جمادى ~~الأولى بعد أن كان الأمر استقر بينه وبين فخر الملك بن عمار صاحب طرابلس من ~~المهادنة على أن يكون ظاهر طرابلس لصنجيل بحيث لا يقطع الميرة عنها ولا ~~يمنع المسافرين منها. وفي أول السنة ورد الخبر بوصول السلطان محمد تبر ابن ~~ملك شاه إلى الموصل ونزوله عليها وخروج الأمير جكرمش صاحبها إليه باذلا له ~~الطاعة وشروط ms159 الخدمة ورحل عنها. وفي هذه السنة وردت الأخبار من ناحية ~~العراق بوفاة السلطان بركيارق ابن السلطان ملك شاه رحمه الله بنهاوند بعد ~~أن تقررت الحال بينه وبين أخيه بحيث تكون مملكة خراسان بأسرها للسلطان أبي ~~الحرث سنجر وأصفهان وأعمالها وبغداد وما والاها برسم السلطان بركيارق ~~والسلطنة له وأرمينية وأذربيجان وديار بكر والموصل والجزيرة والشام وما ~~يليها للسلطان محمد تبر. وتوجهت عساكر السلطان بركيارق بعد وفاته إلى بغداد ~~ومقدمها الأمير اياز ومعه الأمير صدقة بن مزيد بن دبيس وتوجه السلطان محمد ~~إلى بغداد أيضا. فلما عرف الأمير اياز خبره خاف منه على نفسه فهرب منه ومعه ~~ولد السلطان بركيارق ودخل السلطان محمد بغداد ووصل إليه الأمير سيف الدولة ~~صدقة بن مزيد الأسدي واستقر أمره معه. وعرف اياز إن حاله لا تستقر إلا ~~بالعود إلى طاعة السلطان محمد والدخول في جملته والكون في خدمته فراسله ~~والتمس الأمان منه والتوثقة باستحلافه على الوفاء بما عاهده عليه فأجابه ~~إلى ما رامه منه ووصل إليه في العسكر مع ولد السلطان بركيارق وكان طفلا ~~صغيرا فانضاف في جملته مع عسكره. فلما كان بعد أيام غدر باياز ونكث عهده ~~وأخلف وعده وقبض عليه وهو آمن مطمئن بما توثق به من إيمانه وقتله وجعل سبب ~~هذا الفعل أمورا أسرها في نفسه وأوردها واحتج بأمور أضمرها وعددها ليعذر في ~~فعله وما هو بمعذور في فعله ولا بمشكور PageV01P088 وفي أول شعبان توجه ~~ظهير الدين أتابك إلى بعلبك في العسكر ونزل عليها متنكرا على كمشتكين ~~الخادم التاجي واليها لأسباب انتهت إليه عنه فأنكرها منه. فلما نزل عليه ~~وضايقه وعرف ما في نفسه أنفذ إليه ببذل الطاعة والخدمة والانكار لما افترى ~~به عليه والتنصل مما نسب إليه والحلف على البراءة مما اختلق من المحال عليه ~~فصفح له عن ذلك ورضي عنه وقرر أمره وأوعز بكف الأذية عن ناحيته. ورحل عنها ~~متوجها إلى ناحية حمص وقصد رفنية ونزل عليها ووفد عليه خلق كثير من جبل ~~بهرا فهجموا رفنية على حين غفلة من أهلها ms160 وعرة من مستحفظها وقتلوا من بها ~~وبأعمالها والحصن المحدث عليها من الافرنج وأحرق ما أمكن احراقه في الحصن ~~وغيره وهدم الحصن وملكت أبراج رفنية وقتل من كان فيها وعاد العسكر إلى حمص ~~وفي رجب خرج الملك فخر الملوك رضوان صاحب حلب وجمع خلقا كثيرا وعزم على قصد ~~طرابلس لمعونة فخر الملك ابن عمار على الافرنج النازلين عليه وكان الأرمن ~~الذين في حصن ارتاح قد سلموا إليه الحصن لما شملهم من جور الافرنج وتزايد ~~ظلمهم فلما عرف طنكرى ذلك خرج من انطاكية لقصد ارتاح واستعادتها وجمع من في ~~أعماله من الافرنج ونزل عليها وتوجه نحو فخر الملك في عسكره لابعاده عنها ~~وقد جمع وحشد من أمكنه من عمل حلب والأحداث الحلبيين لقصد الجهاد. فلما ~~تقاربا نشبت الحرب بين الفريقين فثبت راجل المسلمين وانهزمت الخيل ووقع ~~القتل في الرجالة ولم يسلم منهم الا من كتب الله سلامته ووصل الفل إلى حلب ~~وأحصي المفقود من الخيل والرجل فكان تقدير ثلاثة ألف نفس. وحين عرف ذلك من ~~كان في ارتاح من المسلمين هربوا بأسرهم منها وقصد الافرنج بلد حلب فأجفل ~~أهله منه ونهب من نهب وسبي من سبي وذلك في الثالث من شعبان واضطربت أحوال ~~من بالشام بعد الأمن والسكون وفي هذه السنة خرج من مصر عسكر كثيف يزيد على ~~عشرة آلاف فارس وراجل مع الأمير شرف المعالي ولد الأفضل وكوتب ظهير الدين ~~أتابك بالاستدعاء للمعونة والاعتضاد إلى جهاد الكفرة الأضداد فلم يتمكن من ~~الاجابة إلى المراد لأسباب عاقته عن المعونة والاسعاد وتوجه في العسكر إلى ~~بصرى فنزل عليها عازما. على مضايقتها وفيها الملك ارتاش بن تاج الدولة ~~وايتكين الحلبي لأنهما كانا عند الافرنج على ما شرح من أمرهما أولا. ثم ~~استدرك الرأي واستصوب المسير إلى العسكر المصري للاعتضاد على الجهاد فسار ~~إليه ووصل إلى ظاهر عسقلان ونزل قريبا منه وعرف الافرنج الخبر فتجمعوا ~~وقصدوا عسقلان والتقى الفريقان في رابع عشر ذي الحجة من السنة فيما بين ~~يافا وعسقلان فاستظهر الافرنج على المسلمين وقتلوا ms161 والي عسقلان وأسروا بعض ~~المقدمين وانهزم عسكر مصر إلى عسقلان وعسكر دمشق إلى بصرى وقيل إن الذين ~~قتلوا من المسلمين بإزاء الذين قتلوا من المشركين كانوا متقاربين ولما عاد ~~ظهير الدين والعسكر إلى بصرى وجد الملك ارتاش وايتكين الحلبي لما يئسا من ~~نصرة الافرنج لهما قد قصدا ناحية الرحبة وأقاما بها مدة وتفرقا وراسل ~~المقيمان ببصرى نوشتكين وفلوا كذا من ظهير الدين يطلبان منه الأمان والمهلة ~~لهما بالتسليم مدة اقتراحهما فأجاب إلى ما التمساه منه ورحل عنهما ولما بلغ ~~الأجل منتهاه والوعد مداه سلما بصرى إليه وخرجا منها ووفى لهما بما وعدهما ~~من الأمان والاقطاع وزاد على ذلك وأقاما عليه مدة أيامه # سنة تسع وتسعين وأربعمائة # فيها خرج الافرنج إلى سواد طبرية وشرعوا في عمارة حصن علعال فيما بين ~~السواد والبثنية وكان من الحصون الموصوفة بالمنعة والحصانة فلما عرف ظهير ~~الدين أتابك هذا العزم منهم لشفق من اتمام الأمر فيه فيصعب تدارك الأمر ~~وتلافيه فنهض في العسكر وقصدهم وهو على غفلة مما دهمهم فأوقع بهم وقتلهم ~~بأسرهم وملك الحصن بما فيه من آلاتهم وكراعهم وأثاثهم وعاد إلى دمشق ~~برؤوسهم وأسرائهم وغنائمهم وهي على غاية الكثرة في يوم الأحد النصف من شهر ~~ربيع الآخر. وفي هذا الشهر ظهر في السماء من الغرب كوكب له ذوابة كقوس قزح ~~أخذه من المغرب إلى وسط السماء وقد كان رؤي قريبا من الشمس نهارا قبل ظهوره ~~في الليل وأقام عدة ليال وغاب PageV01P089 وفي السادس والعشرين من جمادى ~~الأولى ورد الخبر بقتل خلف بن ملاعب صاحب أفامية قتله قوم من الباطنية ~~نفذهم إليه المعروف بأبي طاهر الصائغ العجمي من حلب وهو الذي قام للباطنية ~~مقام الحكيم المنجم الباطني بعد هلاكه بموافقة رجل من دعاتهم يعرف بأبي ~~الفتح السرميني كان مقيما بأفامية وقد قرر ذلك مع أهلها فنقبوا نقبا في ~~السور حتى تمكنوا من الوصول إليه فلما قربوا منه وأحس بهم لقيهم فوثب إليه ~~بعضهم فطعنه في جوفه فرمى بنفسه في القلة يريد بعض دور أهله ده ms162 كذا فطعنه ~~آخر طعنة ثانية فعاش ساعة ومات وصاح الصائح على القلة ونادوا بشعار الملك ~~رضوان فجاء أولاده وصاحبه من السور وملكوا عليهم الموضع وقتلوا من قتلوا ~~وسلم ولده مصبح بن خلف بن ملاعب وتوجه إلى شيزر وأقام هناك مدة فاطلق منها. ~~ووصل طنكري إلى أفامية عقيب هذه الكائنة طامعا فيها ومعه أخ كان لأبي الفتح ~~الداعي السرميني كانوا مأسورا في يده فقرر له شيئا دفعه إليه فرحل عنه وفي ~~هذه السنة وصل قلج أرسلان بن سليمان بن قتلمش في عسكر كثير وقصد الرها ونزل ~~قريبا منها فأنفذ أصحاب جكرمش المقيمون بحران يستدعونه لتسليمها إليه فوصل ~~إليهم وتسلمها منهم واستبشر الناس بوصوله إلى الجهاد وأقام أياما ومرض مرضا ~~أوجب له العود إلى ملطية وأقام أصحابه بحران. وورد الخبر بأن مصبح بن ملاعب ~~الذي أفلت من نوبة أفامية التجأ إلى طنكري صاحب انطاكية وحرضه على العود ~~إلى أفامية وأطمعه في أخذها لقلة القوت بها فنهض إليها ونزل عليها وضايقها ~~إلى أن تسلمها بالأمان في الثالث عشر من المحرم سنة 500 فلما حصل أبو الفتح ~~السرميني الباطني في يده قتله بالعقوبة وحمل أبا طاهر الصائغ معه وأصحابه ~~أسرى ولم يف لهم بما بذل من الأمان وكان القوت قد نفذ من أفامية ولم تزل ~~الأسرى في يده إلى أن فدوا نفوسهم بمال بذلوه لهم فأطلقهم ووصلوا إلى حلب ~~وفي هذه السنة نهض ظهير الدين أتابك في العسكر إلى بصرى لمشاهدتها عند ~~تسليمها من أيدي المقيمين بها عند انقضاء الأجل المضروب لها وكان قد خلع ~~على كافة الأمراء والمقدمين وأماثل العسكر الخلع المكملة من الثياب والخيول ~~والمراكب بحيث تضاعف الثناء عليه والاعتراف بأياديه وشاع الخبر بذاك ~~وتضاعفت رغبة الأجناد في خدمته والميل إلى طاعته والحصول في جملته فلما حصل ~~على بصرى اقطع نوشكتين وفلوا اقطاعا يكفيهما ورجالهما أجابهما إلى ذلك ووفى ~~لهما بما قرره معهما حسب ما تقدم به الشرح # سنة خمسمائة # فيها تزايد فساد الافرنج في أعمال السواد وحوران وجبل عوف وانتهت الأخبار ms163 ~~بذلك وشكوا أهلها إلى ظهير الدين أتابك فجمع العسكر ومن انضاف إليه من ~~التركمان ونهض بهم وخيم في السواد. وكان الأمير عز الملك الوالي بصور قد ~~نهض منها في عسكره إلى حصن تبين من عمل الافرنج فهجم ربضة وقتل من كان فيه ~~ونهب وغنم واتصل الخبر ببغدوين ملك الافرنج فنهض إليه من طبرية ونهض أتابك ~~إلى حصن بالقرب من طبرية فيه جماعة من فرسان الافرنجية فقاتله وملكه وقتل ~~من كان فيه وانكفأ إلى المدان وعاد الافرنج إليه. فلما قربوا منه اندفع ~~العسكر إلى ناحية زرا وتلاقت طلائع الفريقين وعزموا على المصاف والالتقاء ~~وقد قويت نفوس المسلمين فلما كان من غد ذلك اليوم ركب العسكر وقد تأهب ~~للقاء على تلك النية وزحفوا إلى موضع مخيمهم فصادفوهم وقد رحلوا عائدين إلى ~~طبرية ثم منها إلى عكا فعاد ظهير الدين عند ذلك في العسكر إلى دمشق ~~PageV01P090 وكانت الأخبار متناصرة في هذه السنة باهتمام السلطان غياث ~~الدنيا والدين محمد ابن ملك شاه بمحاصرة قلعة الباطنية المعروفة بشاه ذر ~~المجاورة لأصفهان والجد في افتتاحها وحسم أسباب الفساد المتوجه على البلاد ~~من المقيمين بها وتوجه عنها في عساكره الدثرة المتناهية في القوة والكثرة ~~ولم يزل منازلها ومضايقها إلى أن منحه الله تعالى افتتاحها والاظهار على من ~~فيها وملكها بالسيف قهرا وقتل من كان فيها من الباطنية قسرا وهدمها وأزاح ~~العالم من الشر المتصل منها والبلاء المبثوث من أهلها. وأنشأ كتاب الفتح ~~يوصف الحال فيها إلى سائر أعمال الملكة ليقرأ على المنابر ويستنزل في معرفة ~~كل باد وحاضر أمير الكتاب أبو نصر بن عمر الأصفهاني كاتب السلطان وبلاغته ~~في الكتابة معروفة مذكورة وقضاء حقه في إنشائه موصوفة مشهورة وذكرت مضمونه ~~في هذا الموضع ليعلم من يقف عليه شرح حال هذه القلعة وما من الله به على ~~أهل تلك البلاد من الراحة من شر أهلها وأذية المقيمين بها ونسختها بعد ~~العنوان والطغراء: بسم الله الرحمن الرحيم وهو الوزير الأجل مجد الدين شرف ~~الاسلام ظهير الدولة زعيم الملة بهاء ms164 الأمة فخر الوزراء أبو المعالي هبة ~~الله بن محمد بن المطلب رضى أمير المؤمنين. أما بعد أطال الله بقاء الوزير ~~وألقابه وأدام تأييده وتمهيده وأحسن من عوائده مزيده فإن الله تعالى يقول ~~وقوله الحق: " يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله ~~بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل ~~الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم " . ~~ولقد أتانا الله وله الحمد من هذا الفضل ما صرنا به أطول الملوك في الاسلام ~~باعا وأعزهم في الذب عن حريمه أشياعا وأتباعا وأشدهم عند الحفيظة له بأسا ~~وأطهرهم من درن الشبهة فيه لباسا وأقصدهم في اقتفار الحق المبين أنحاء ~~وأثقلهم على أعداء الله وأعداء الدين المنير وطاءة وانحاء فلا تتجه عزائمنا ~~لمهم في ذلك الا حققنا الفيصل وطبقنا المفصل وفرينا الفري واقتدحنا من ~~الزناد الوري وأعدنا الحق جدعا وأنف الباطل مجدعا نعمة من الله تعالى ~~اختصنا بها من دون سائر الأنام وأجلنا من التفرد بمزاياها في الذروة ~~والسنام فالحمد لله على ذلك حمدا يوازي قدر نعمه ويمتري المزيد من مواد ~~كرمه ثم الحمد لله على ما يسرنا له من اعزاز الدين ورفع عماده وقمع أضداده ~~واستئصال شأفة الباطنية المناهضين لعنادة الذين استركوا العقول الفاسدة ~~فاستغووها بأباطيلهم واستهووها بأضاليلهم واتخذوا دين الله هزوءا ولعبا بما ~~لفقوه من زخارف أقاويلهم سيما ما سنى الله من فتح الفتوح وهيأ أسبابه من ~~النصر الممنوح بأخذ قلعة شاه ذر التي شمخ بها الجبل وبذخ وكان الباطل باض ~~فيها وفرخ وكانت قذى في عيون الممالك وسيما إلى التورط بالمسلمين في ~~المهاوي والمهالك ومرصدا عليهم بالشرارة والنكارة حيثما ينحونه من المسالك. ~~وفيها ابن عطاش الذي طار عقله في مدرج الضلال وطاش وكان يرى الناس نهج ~~الهدى مضلة ويتخذ السفر المشحون بالأكاذيب مجلة ويستبيح دماء المسلمين هدرا ~~ويستحل أموالهم غررا فكم من دماء سفكت وحرم انتهكت وأموال استهلكت وترات ~~تجرعتها النفوس فما أستدركت ولو لم ms165 يكن منهم إلا ما كان عند حدثان أمرهم ~~بأصفهان من اقتناص الناس غيلة واستدراجهم خديعة وقتلهم إياهم بأنواع ~~العقوبات قتلة شنيعة ثم فتكهم عودا على بدء بأعيان الحشم وخيار العلماء ~~واراقتهم ما لا يعد ولا يحصى من محرمات الدماء إلى غير ذلك من هنات يمتعض ~~الاسلام لها أي امتعاض وما الله عن المسلم أن يتميز لها براض لكان حقا ~~علينا أن نناضل عن حمي الدين ونركب الصعب والذلول في مجاهدتها ولو إلى ~~الصين. وهذه القلعة كانت من أمهات القلاع التي انقطع إليها رؤوس الباطنية ~~كل الانقطاع فكان تبث الحبائل منها في سائر الجهات والأقطار وترجع إليها ~~نتائج الفساد رجوع الطير إلى الأوكار وهي في العزة والمنعة مثل مناط الشمس ~~التي تنال منها حاسة البصر دون حاسة اللمس ترد الطرف كليلا وتعد العدد ~~الدثر في محاصرتها كليلا. وكأنها وهي أعلى شاهق نزلت على الجبل من حالق فهي ~~بهذه الصفة مقابلة لبلدة أصفهان التي هي مقر الملك PageV01P091 ودار الثواء ~~وأولى البلاد بتطهيرها من اهتياج الفتن واختلاف الأهواء ونحن نقيم بها طول ~~هذه المدة المديدة وندبر أمرها إلى ما يصونه الرأي من الحيلة والمكيدة ~~وأمامنا من المستخدمين وأصحاب الدواوين نفر تصغي إليهم أفئدتهم فيما كانوا ~~عليه من مخالفة الدين يتوصلون بمكرهم إلى نقض ما يبرم وتأخير ما تقدم ~~ويوهمون إنها من النصائح التي تقبل وتلزم حتى تطاول دون ذلك الأمد وبان من ~~القوم المعتقد واتضح لنا من صائب التدبير ما يعتمد وكنا في خلال هذه ~~الأحوال لم نخل هذه القلعة من طائفة تهزهم حمية الدين من الجند ينتهون من ~~التضييق عليها إلى كل غاية من الجد فيتوفرون على محاصرتهم ومصابرتهم ~~ويتشمترون لمزاولتهم ومصاولتهم ويقعدون لهم بكل مرصد ويسدون كل متنزل ومصعد ~~حتى انقطعت عنهم المواد وخانتهم المير والأزواد واضطروا إلى أن نزل بعضهم ~~على حكم الأمان بعد الاستئمار والاستئذان فأمرنا بتخلية سربهم وايمان سربهم ~~وسلم الشطر من القلعة لخلوه من الفئة النازلة واعتصم ابن عطاش بقلة اخرى ~~تسمى دالان مع نخب أصحابه من ms166 المقاتلة وهذه القلة هي أمنع المواضع من ~~القلعة وأحصنها وأوعرها مسلكا وأحزنها فقد نقل إليها ما كان بقي لهم من ~~الميرة وسائر ما يستظهر به من السلاح والذخيرة على أن يلبثوا بها أياما ~~معدودة فينزلوا ويبذل لهم الأمان مثل ما بذل للأولين فيتحولوا كل ذلك ~~بوساطة من قدمنا ذكرهم من المستخدمين في الدواوين وفي باطن الأمر خلاف ما ~~يتوهم من الاعلان وذلك إنهم قدروا أن ما سلم من القلعة يترك على عمارته ~~ومكانته وما امتنع به من القلة لا يقدر عليه لمنعته وحصانته فهم يتوصلون ~~بتمكنهم من ذلك الحيل إلى سرقة ما سلموه آنفا ببعض الحيل هذا وقد كفوا مؤن ~~من نزل من الأكلة وعندهم الكفاف لمن بقي من العملة. ففطنا لما عمدوا وعليه ~~اعتمدوا وأمرنا في الحال بالقلعة المسلمة فنسفت نسفا وخسفت بها خسفا وصير ~~سفلها علوا كما كان علوها خلوا ثم انتقمنا من المستخدمين الغادرين بالملك ~~والدين حتى ساقهم الحين المتاح إلى حين فلم يفلت منهم صاحب ولا مصحوب إن ~~الشقاء على الأشقين مصبوب. ووافق ذلك حلول الموعد لنزول باقي القوم من ~~دالان فأبوا إلا المطل والليان. فلما مضت أيام على ذلك أظهروا التمرد ~~والعصيان فصاروا كما قال الله تعالى " ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من ~~الله شيئا أولائك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم لهم في الدنيا جزي ولهم ~~في الآخرة عذاب عظيم " فعند ذلك استخرنا بالله تعالى تجريد العزائم لهذا ~~الجهاد الذي هو عندنا من أنفس العزائم ولا نخاف فيه لومة لائم وأهبنا بمن ~~حضرنا من العساكر المنصورة إلى الأحداق بالقلعة المذكورة يوم الثلاثاء ثاني ~~ذي الحجة فنزلوا لفنائها محتشدين ولصدق اللقاء متشمرين متجردين وجرت مناوشة ~~عشية هذا اليوم أثخنت عدة من أولئك القوم وبات المسلمون ليلتهم تلك على أضم ~~والملحدون لحما على وضم. فلما تنفس الصبح وعردت الديوك الصدح وطوى الليل ~~رداءه ورفع الفجر لواءه نصرا لله الحق وادال الدين وساء صباح المنذرين وعدت ~~جيوش النصر يدا واحدة وكلمة على التظافر والتظاهر ms167 مساعدة تسطوا بالفئة ~~المتحصنة بالقلعة سطوة الليث الهصور وكأنهم طاروا بأجنحو الصقور على صم ~~الصخور فلم يلبثوا قبل ذرور الشمس بقرنها وأخذها الناصح من لونها إن أخذوا ~~القلعة عنوة وقهرا وأجروا من دماء الباطنية الملحدة نهرا فلم يئل منهم وائل ~~ولا أخطأهم من السيوف البواتر وائل وأمرنا في الحال بهدمها والتعفية على ~~ردمها فلم يبق بها نافخ ضرمه ولا أثر من نسمه ولا مدر على أكمه وأسر ابن ~~عطاش رأس الجالوت وولي الطاغوت الذي كان ممن قال الله تعالى فيه: " ~~وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار " فجعلناه وولده المقرون به مثلة للنظار ~~وعبرة لأولي الأبصار فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين ~~هذا الفتح المبين والعزة التي تتلى لأنها من الدهر الحين والنعمة التي تمت ~~وعمت وأحنت بالنقمة على أعداء الله ورسوله وطمت وما ذاك إلا من بركات ~~عقائدنا الناصعة في موالاة الدولة العباسية ظاهر الله مجدها وما يلتزمه في ~~فرضها من فضل المناصحة والمشايعة فيها نحن نسطو بالأعادي ونكفي من اعتراض ~~النوائب كل العوادي ونسوس الدهماء من الحواضر PageV01P092 والبوادي. وهذه ~~البشرى التي يهنأ بها الاسلام وترفع بها من الاشادة بذكرها في الخافقين ~~الأعلام أمرنا بنشرها في الأقصى والأدنى لا سيما الدارة العزيزة ظاهر الله ~~مجدها فإنها أولى من يبشر بمثلها ويهنأ وأنهينا بالأمير عز الدولة إلى ~~إيصال هذه البشارة إلى الديوان العزيز النبوي أعلى الله جده فندب من قبله ~~من يقوم بهذه الخدمة ويعلمه ما نحن نصدره من الاعتراف بقدر هذه النعمة وهذا ~~الأمير كان من المندوبين أولا وأخرا لمحاصرة هذه القلعة فأبلى فيها بلاء ~~حسنا جميلا وأغنى غنائم نجد له فيه عديلا ولذلك ما اختصصناه بهذه المزية ~~واثرناه بابلاغ هذه البشرى الهنية والمعول تام على الاهتمام الوزيري في ~~القائها إلى المقار المعظمة النبوية ليعلم من صدق نهضتها بالخدمات وعندنا ~~المسعاة في إعزاز الدين من أوجب المهمات ما يزلفنا من شريف المراضي ويفرض ~~لنا من المحامد والمآثر التامة على الأبد أكرم الأحاظي وأن يتقدم في حق ~~المبشر ما ms168 هو على الدولة ثبتها الله متعين حتى يعود ولما يستحسن من موقع ~~هذه البشارة عليه أثر بين والوزير أولى من اغتنم هذه المكرمة فاعتنقها ~~وتمكن من عصمة الرأي السديد فاعتقلها واستحمد إلينا بما يتكلفه من جميل ~~مساعيه ويتكفله بالاهتزاز والاهتمام فيه من سائر ما يلاحظه من الأمور ~~ويراعيه إن شاء الله تعالى وكتب بالأمر العالي شفاها في ذي القعدة سنة ~~500بوادي. وهذه البشرى التي يهنأ بها الاسلام وترفع بها من الاشادة بذكرها ~~في الخافقين الأعلام أمرنا بنشرها في الأقصى والأدنى لا سيما الدارة ~~العزيزة ظاهر الله مجدها فإنها أولى من يبشر بمثلها ويهنأ وأنهينا بالأمير ~~عز الدولة إلى إيصال هذه البشارة إلى الديوان العزيز النبوي أعلى الله جده ~~فندب من قبله من يقوم بهذه الخدمة ويعلمه ما نحن نصدره من الاعتراف بقدر ~~هذه النعمة وهذا الأمير كان من المندوبين أولا وأخرا لمحاصرة هذه القلعة ~~فأبلى فيها بلاء حسنا جميلا وأغنى غنائم نجد له فيه عديلا ولذلك ما ~~اختصصناه بهذه المزية واثرناه بابلاغ هذه البشرى الهنية والمعول تام على ~~الاهتمام الوزيري في القائها إلى المقار المعظمة النبوية ليعلم من صدق ~~نهضتها بالخدمات وعندنا المسعاة في إعزاز الدين من أوجب المهمات ما يزلفنا ~~من شريف المراضي ويفرض لنا من المحامد والمآثر التامة على الأبد أكرم ~~الأحاظي وأن يتقدم في حق المبشر ما هو على الدولة ثبتها الله متعين حتى ~~يعود ولما يستحسن من موقع هذه البشارة عليه أثر بين والوزير أولى من اغتنم ~~هذه المكرمة فاعتنقها وتمكن من عصمة الرأي السديد فاعتقلها واستحمد إلينا ~~بما يتكلفه من جميل مساعيه ويتكفله بالاهتزاز والاهتمام فيه من سائر ما ~~يلاحظه من الأمور ويراعيه إن شاء الله تعالى وكتب بالأمر العالي شفاها في ~~ذي القعدة سنة 500 PageV01P093 وفي هذه السنة تتابعت المكاتبات إلى السلطان ~~غياث الدنيا والدين محمد ابن ملك شاه من ظهير الدين أتابك وفخر الملك بن ~~عمار صاحب طرابلس بعظيم ما ارتكبه الافرنج من الفساد في البلاد وتملك ~~المعاقل والحصون بالشام والساحل والفتك في ms169 المسلمين ومضايقة ثغر طرابلس ~~والاستغاثة إليه والاستصراخ والحض على تدارك الناس بالمعونة. فندب السلطان ~~لما عرف هذه الحال الأمير جاولي سقاوه وأميرا من مقدمي عسكره كبيرا في عسكر ~~كثيف من الأتراك وكتب إلى بغداد وإلى الأمير سيف الدولة صدقة بن مزيد والي ~~جكرمش صاحب الموصل بتقويته بالمال والرجال على الجهاد والمبالغة في اسعاده ~~وانجاده واقطعه الرحبة وما على الفرات فثقل أمره على المكانين فدافعه ابن ~~مزيد وسار نحو الموصل يلتمس من جكرمش ما وقع به عليه فتوقف عنه فنزل على ~~قلعة السن ونهبها واجتمع إليه خلق كثير وخرج جكرمش إلى لقائه فظفر به جاولي ~~سقاوه واستباح عسكره وانهزم ولده إلى الموصل فضبطها وتوجه وراءه وقتل جكرمش ~~أباه وأنفذ رأسه إلى الموصل. فلما عرف ولده ذاك كاتب قلج أرسلان بن قتلمش ~~يستنجده من ملطية ويبذل له تسليم البلاد والأعمال التي في يده إليه وكان ~~جكرمش قد جمع مالا عظيما من الجزيرة والموصل وكان جميل الصورة في الرعية ~~عادلا في ولايته مشهورا بالانصاف في أعمال ايالته. فلما عرف قلج أرسلان بن ~~سليمان ما كتب به إليه ولد جكرمش من الموصل فسار إليه ودخل قلج أرسلان إلى ~~نصيبين لأنه كان في بعض عسكره وباقيه في بلاد الروم لانجاد ملك القسطنطينية ~~على الافرنج. ولما تقارب عسكر قلج من عسكر جاولي سقاوه والتقت طلائع ~~الفريقين ظفر قوم من أصحاب قلج بقوم من أصحاب جاولي فقتلوا بعضا وأسروا ~~بعضا. فرحل جاولي يطلب عسكر قلج وقد عرف أنه قد أنفذ يستدعي بقية عسكره من ~~بلاد الروم وأنه في قل وطلب ناحية الخابور وتوجه منها إلى الرحبة ونزل ~~عليها وضايقها وراسل محمدا واليها من قبل الملك شمس الملوك دقاق صاحب دمشق ~~وعنده الملك ارتاش بن تاج الدولة الهارب من دمشق بعد وفاة الملك دقاق أخيه ~~مقيما بالتسليم إليه فلم يحفل بمراسلته وآيسه من طلبته فأقام عليها مضايقا ~~لها مدة ووصل إليه الأمير نجم الدين ايل غازي بن أرتق في جماعة وافرة من ~~عسكره التركمان واستنجد عليها بالملك فخر ms170 الملوك رضوان فوصل إليه في عسكره ~~بعد أن هادن طنكري صاحب أنطاكية. فلما فصل عن حلب وعرف جوسلين صاحب تل باشر ~~بعده عن حلب واصل الغارات على أعمالها من جميع جهاتها. ولم يزل جاولي مقيما ~~على الرحبة منذ أول رجب وإلى الثاني والعشرين من شهر رمضان وزاد الفرات ~~زيادته المعروفة فركب أصحاب جاولي الزواريق وصعدوا طالبين سور البلد ~~بمواطأة من بعض أهل البلد فلم يتهيأ لهم أمر مع من واطأهم بل هجموا السور ~~وملكوا البلد ونهبوه وصادروا جماعة من أهله واستخرجوا ذخائرهم بالعقوبة ثم ~~أمر جاولي برفع النهب وأمن الناس وردهم إلى منازلهم وتسلم القلعة بعد خمسة ~~أيام في الثامن والعشرين من شهر رمضان. وأقر اقطاع محمد واليها عليه ~~واستحلفه وقبض عليه بعد أيام لأمر بلغه عنه فأنكره منه واعتقله في القلعة ~~وحصل الملك أرتاش في جملة سقاوه ولم يتمكن من التصرف في نفسه. وكان محمد ~~هذا الوالي قد أرسل قلج أرسلان بن سليمان أولا بالاستصراخ به وطلب المعونة ~~على دفع جاولي عن البلد فتوجه نحو الرحبة في عسكره وبلغه خبر فتحها فعاد ~~ونزل على الشمسانية ولم يكن في نيته لقاء جاولي. ورحل جاولي ونزل ماكسين ~~وعزم على التوجه إلى ناحية الموصل ومعه فخر الملوك رضوان فاتفق أنهم قصدوا ~~عسكر قلج فالتقى الفريقان في يوم الخميس التاسع من شوال وكان الزمان صيفا ~~واشتدت وقدة الحر وحميت الرمضاء فهلك أكثر خيل الفريقين وحمل عسكر قلج ~~أرسلان على عسكر جاولي وقصد جاولي قلج أرسلان في الجملة وضربه بالسيف عدة ~~ضربات فلم تؤثر فيه وانهزم عسكر قلج أرسلان وفصل عنه صاحب آمد وقت الحرب مع ~~صاحب ميافارقين وانهزم الباقون ووقع السيف في أصحاب قلج أرسلان وسقط قلج مع ~~الهزيمة في الخابور فهلك في الماء ولم يظهر وبعد أيام وجد هالكا ~~PageV01P094 وعاد جاولي إلى الموصل وعاد عنه الملك فخر الملوك رضوان إلى ~~حلب خوفا منه وأخذ جاولي نجم الدين ايل غازي بن ارتق وطالبه بالمال الذي ~~أنفقه في التركمان فصالحه على جملة يدفعها إليه ms171 وأخذ رهانه عليها إلى أن ~~يؤديها وأقام له بها فيما بعد وقد كان قلج أرسلان أنفذ بعض مقدمي أصحابه ~~إلى بلاد الروم في خلق كثير من التركمان لانجاد ملك القسطنطينية على بيمند ~~ومن معه من الافرنج الواصلين إلى الشام فانصرفوا إلى ملك الروم وما حشده من ~~عساكر الروم فلما اجتمع للفريقين ما اجتمع رتبوا المصاف والتقوا فاستظهر ~~الروم على الافرنج وكسروهم كسرة شنيعة أتت على أكثرهم بالقتل والأسر وتفرق ~~السالم الباقي منهم عائدين إلى بلادهم وفصل أصحاب قلج أرسلان الأتراك إلى ~~أماكنهم بعد أن أكرمهم وخلع عليهم وأحسن إليهم ولما عاد جاولي سقاوه إلى ~~الرحبة ونزل على الموصل راسل أهلها والجند بها فلم يمكنهم المدافعة له عنها ~~ولا المراماة دونها فسلموها إليه بعد أخذ الأمان منه على من حوته وكان ولد ~~قلج قد دخلها فقبض عليه وسيره إلى السلطان محمد ولم يزل مقيما عنده إلى أن ~~هرب من المعسكر في أوائل سنة 503 وعاد إلى مملكة أبيه ببلاد الروم ويقال ~~انه لما وصل إليها عمل على ابن عمه وقتله واستقام له أمر المملكة بعده وفي ~~هذه السنة وصل إلى دمشق الأمير الأصفهبد التركماني من ناحية عمله فأكرمه ~~ظهير الدين وأحسن تلقيه وأقطعه وادي موسى ومآب والشراة والجبال والبلقاء ~~وتوجه إليها في عسكره وكان الافرنج قد نهضوا إلى هذه الأعمال وقتلوا فيها ~~وسبوا ونهبوا ما قدروا عليه منها فلما وصل إليها وجد أهلها على غاية من ~~الخوف وسوء الحال عما جرى عليهم من الافرنج فأقام بها. ونهض الافرنج إليه ~~لما عرفوا خبره من ناحية البرية ونزلوا بإزاء المكان الذي هو نازل به ~~وأهملوه إلى أن وجدوا الفرصة فيه فكبسوه على غرة فانهزم في أكثر عسكره وهلك ~~باقيه واستولوا على سواده ووصل إلى عين الكتيبة من ناحية حوران والعسكر ~~الدمشقي نازل عليها فتلقاه ظهير الدين متوجعا له بما جرى عليه ومسليا عما ~~ذهب منه وعوضه وطلق له ما صلحت به حاله # سنة إحدى وخمسمائة PageV01P095 فيها جمع ملك الافرنج بغدوين حزبه المفلول ~~وعسكره ms172 المخذول وقصد ثغر صور ونزل بإزائه وشرع في عمارة حصن بظاهرها على تل ~~المعشوقة وأقام شهرا وصانعه واليه على سبعة آلاف دينار فقبضها منه ورحل ~~عنه. وفيها وردت الأخبار بوصول عسكر السلطان غياث الدنيا والدين محمد إلى ~~بغداد في آخر شهر ربيع الآخر منها وأعلن الأمير سيف الدولة صدقة بن مزيد ~~العصيان عليه خوفا لما بلغه من افساد شحنة بغداد وعمدها حاله معه ولم يزل ~~السلطان مقيما ببغداد إلى العشرين من رجب فاجتمع إليه تقدير ثلاثين ألف ~~فارس واجتمع مع صدقة تقدير عشرين ألفا في الحلة وبينهما أنهار وسواحل في ~~الحلة فأثر السلطان مراسلته في تقرير أمره والصفح وإيقاع مهادنة وموادعة ~~تستقيم معهما الأحوال ويصلح بها الأعمال فأبى ذلك كافة الأمراء والمقدمين ~~وامتنعوا من الأهمال لأمره ونهضوا إليه. فلما عرف الحال قطع الأنهار ووصل ~~في جمعه حتى صار بإزائهم وحمل بعض الفريقين على بعض ونشبت الحرب بينهم وكان ~~منزل صدقة بن مزيد كثير الوحل عسر المجال فترجل الأتراك عن خيلهم وحثوا ~~عليهم وأطلقوا السهام وشهروا الصفاح وشرعوا الرماح وفعل مثل ذلك أصحاب صدقة ~~والتقى الجيشان ونظر صدقة إلى أصحابه والسهام قد شكت خيولهم وقد أشرفوا على ~~الهلاك وظن الأتراك إنهم قد انهزموا فركبوا أكتافهم رشقا بالسهام وضربا ~~بالسيوف وطعنا بالرماح فقتلوا منهم خلقا كثيرا وقتل الأمير صدقة بن مزيد في ~~الجملة ووجوه رجاله ولم يفلت منهم إلا اليسير ممن حماه الأجل واستطار قلبه ~~الخوف والوجل. وكان السلطان قد اعتمد في تدبير الجيش وترتيب الحرب على ~~الأمير مودود المستشهد بيد الباطنية في جامع دمشق ووصل السلطان غد يوم ~~الوقعة ونزل الحلة. ولم يكن للعرب بعد صدقة مثله في البيت والتقدم واحسان ~~السيرة فيهم والانصاف لهم والانعام عليهم وكرم النفس وجزيل العطاء وحسن ~~الوفاء والصفح عن الجرائر والتجاوز عن الجرائم والكبائر والتعفف عن أموال ~~الرعية واحسان النية للعسكرية غير إنه كان مع هذه الخلال الجميلة والمآثر ~~الحميدة مطرحا لفرائض الشريعة متغافلا عن ارتكاب المحارم الشنيعة مستحسنا ~~لسب الصحابة رضي الله عنهم فكان ms173 ما نزل به عليه عاقبة هذه الأفعال الذميمة ~~وما ربك بغافل عما تعملون وتوجه السلطان بعد تقرير أمر الحلة عائدا إلى ~~أصفهان في أوائل شهر من السنة وقد قرر مع الأمير مودود والعسكر قصد الموصل ~~ومنازلتها والتضييق عليها والتملك لها فرحل مودود والعسكر ونزل على الموصل ~~وكان جاولي صاحبها قد أخرج أكثر أهلها منها وأساء أصحابه السيرة فيها ~~وارتكبوا كل محرم منها ومضى إلى الرحبة واستناب فيها من وثق به من أصحابه ~~في حفظها وأقام العسكر السلطاني عليها مدة وعمد سبعة نفر من أهلها على ~~المواطأة عليها وفتحوا بابا من أبوابها وسلموها إلى مودود ودخلها وقتل ~~مقتلة كبيرة من أصحاب جاولي وأمن من كان في القلعة وحملهم وما كان معهم إلى ~~السلطان PageV01P096 وفي شعبان من هذه السنة اشتد الأمر بفخر الملك بن عمار ~~بطرابلس من حصار الافرنج وتطاول أيامه وتمادي الترقب لوصول الانجاد وتمادي ~~تأخر الاسعاد فأنفذ إلى دمشق يستدعي وصول الأمير ارتق بن عبد الرزاق أحد ~~أمراء دمشق إليه ليتحدث معه بما في نفسه فأجابه إلى ذلك واستأذن ظهير الدين ~~في ذلك فأذن له وتوجه نحوه وقد كان فخر الملك خرج من طرابلس في البر في ~~تقدير خمسمائة فارس وراجل ومعه هدايا وتحف أعدها للسلطان عند مضيه إليه إلى ~~بغداد فلما وصل ارتق إليه واجتمع معه تقررت الحال بينهما على وصوله إلى ~~دمشق في صحبته فوصل إليها وأنزل في مرج باب الحديد بظاهرها وبالغ ظهير ~~الدين في اكرامه وتناهى في احترامه وحمل إليه أمراء العسكرية ومقدموه من ~~الخيل والبغال والجمال وغير ذلك ما أمكنهم حمله واتحافه به. وكان فخر الملك ~~المذكور قد استناب عنه في حفظها أبا المناقب ابن عمه ووجوه أصحابه وغلمانه ~~وأطلق لهم واجب ستة أشهر واستحلفهم وتوثق منهم. فأظهر عمه الخلاف له ~~والعصيان عليه ونادى بشعار الأفضل بن أمير الجيوش بمصر فلما عرف فخر الملك ~~ما بدا منه كتب إلى أصحابه يأمرهم بالقبض عليه وحمل إلى حصن الخوابي ففعل ~~ذلك وتوجه فخر الملك إلى بغداد ومعه ms174 تاج الملوك بوري بن ظهير الدين أتابك. ~~وقد كان أتابك عرف إن جماعة ممن يحسده في باب السلطان ويقع فيه بالسعاية ~~ويقصده بالأذية وإفساد الحال عند السلطان فأصحب ولده المذكور من الهدايا ~~والتحف من الخيول والثياب وغير ذلك مما يحسن انفاذ مثله واستوزر له أبا ~~النجم هبة الله بن محمد بن بديع الذي كان مستوفيا للسلطان الشهيد تاج ~~الدولة وجعله مدبرا لأمره وسفيرا بينه وبين من أنفذ إليه وتوجه في الثامن ~~من شهر رمضان سنة 501 فلما وصلا إلى بغداد لقي فخر الملك من السلطان من ~~الاكرام والاحترام ما زاد على أمله وتقدم إلى جماعة من أكابر الأمراء ~~بالمسير معه لمعونته وانجاده على طرد محاصري بلده والايقاع بهم والابعاد ~~لهم وقرر مع العسكر المجرد معه الالمام بالموصل وانتزاعها من يدي جاولي ~~سقاوه ثم المصير بعد ذلك إلى طرابلس فجرى ما تقدم به الشرح من ذلك وطال ~~مقام فخر الملك طولا ضجر معه وعاد إلى دمشق في نصف المحرم سنة 502 فأما تاج ~~الملوك بن ظهير الدين فجرى أمره فيما نفذ لأجله على غاية مراده ونهاية ~~محابه وصادف من السلطان في حق أبيه وحقه ما سره وعاد منكفئا إلى دمشق بعد ~~ما شرف به من الخلع السنية الأمامية السلطانية ووصل إلى دمشق آخر ذي الحجة ~~من السنة. وأقام فخر الملك بن عمار في دمشق بعد وصوله إليها أياما وتوجه ~~منها مع خيل من عسكر دمشق جردت معه إلى خيله فدخلها وأطاعه أهلها. وأنفذ ~~أهل طرابلس إلى الأفضل بمصر يلتمسون منه انفاذ وال يصل إليهم في البحر ومعه ~~الغلة والميرة في المراكب لتسلم إليه البلد فوصل إليهم شرف الدولة بن أبي ~~الطيب واليا من قبل الأفضل ومعه الغلة فلما وصل إليها وحصل فيها قبض على ~~جماعة أهل فخر الملك بن عمار وأصحابه وذخائره وألاته وأثاثه وحمل الجميع ~~إلى مصر في البحر وفي هذه السنة أسرى ظهير الدين أتابك في عسكره إلى طبرية ~~وفرق عسكره فرقتين نفذ إحداهما إلى أرض فلسطين والأخرى غاربها ms175 على طبرية ~~فخرج إليه صاحبها في رجاله المعروف بجرفاس وهو من مقدمي الافرنج المشهورين ~~بالفروسية والشجاعة والبسالة وشدة المراس يجري مجرى الملك بغدوين في التقدم ~~على الافرنج فالتقاه وأحاطت خيل الأتراك به وبأصحابه فقتل أكثرهم وأسر هو ~~وجماعة معه وحملوا إلى دمشق فأنفذ بعضهم هدية إلى السلطان وقتل جرفاس ومن ~~كان معه في الأسر من أصحابه بعد أن بذلوا في إطلاقهم جملة من المال فلم ~~يقبلها. وفيها تقدم السلطان غياث الدنيا والدين محمد عند وصوله إلى بغداد ~~برفع المكوس وإبطال رسمها عن التجار والمسافرين في جميع بلاده وحظر تناول ~~اليسير منها فلما عاد إلى أصفهان منها طمع في التجار وأخذ منهم المكس على ~~سبيل الخلاف لما أمر فلما عاد إلى بغداد وانتهى الأمر إليه أنكر ما جرى في ~~مخالفة أمره ووكد الأمر في إبطال ذلك وحذر من المخالفة له في سائر البلاد ~~PageV01P097 وفيها وردت الأخبار من بغداد بوقوع النار في الجانب الشرقي ~~منها فأحرقت ما يزيد على خمسمائة دار وافتقر أهلها. وفيها تناصرت أخبار ~~الباطنية بقلعة آلموت والحصون المجاورة لها في إيغالهم في الفساد وإفاظة ~~النفوس بالعدوان والإلحاد فأنهض السلطان وزيره أحمد بن نظام الملك خواجه ~~بزرك ومعه جاولي سقاوه في عسكر كثيف فأظفره الله بهم ونصره عليهم وقتل منهم ~~مقتلة عظيمة وخرب منازلهم وقلاعهم وفي هذه السنة نهض بغدوين في عسكره ~~المخذول من الافرنج نحو ثغر صيدا فنزل عليه في البحر والبر ونصب البرج ~~الخشب عليه ووصل الاصطول المصري للدفع عنه والحماية له فظهروا على مراكب ~~الجنوية وعسكر البر واتصل بهم نهوض العسكر الدمشقي لحماية صيدا والذب عنها ~~فرحلوا عنها عائدين إلى أماكنهم # سنة اثنتين وخمسمائة # فيها أنفذ صاحب عرقة إلى ظهير الدين أتابك رسوله يلتمس منه المعونة على ~~دفع الافرنج عنها وإنفاذ من يتسلمها فندب بعض ثقاته فتسلمها وأقام واليا ~~بها منتظرا وصول العسكر إليها والوفاء بما وعد به من الخلع عليه والاحسان ~~إليه فحدث في الوقت من الثلوج والأمطار ما عاق المسير إليها وقل القوت بها ~~وانقطعت ms176 الميرة عنها فبادر الافرنج بالنزول عليها وتوجه ظهير الدين عند ذاك ~~إليها فصادفهم قد أحاطوا بها ولم يتمكن من دفعهم عنها. وعاد إلى حصن الأكمة ~~ونزل عليه وقاتله فلما عرف الافرنج ذلك نهضوا إليه في تقدير ثلاثمائة فارس ~~لانجاد من بالأكمة فوصلوا إليهم ليلا فقويت نفوسهم واقتضى رأي أتابك الرحيل ~~عنها بحكم من صار فيها منهم فرحل كالمنهزم وطمع فيه وتتبع العسكر فغنم من ~~الخيل والكراع غنيمة كبيرة وتفرق العسكر في الشجر والجبال ووصلوا إلى حمص ~~على أقبح صفة وأشنع صورة من غير لقاء ولا محاربة وعاد الافرنج إلى عرقة ~~وعدم القوت فيها فملكوها بالأمان وفيها استوزر ظهير الدين أبا نجم هبة الله ~~بن محمد بن بديع الأصفهاني الذي كان مستوفيا للسلطان تاج الدولة وكان قد ~~وزر بعده لولده الملك رضوان بحلب وبقي في الوزارة مدة في أوائل سنة 502 ~~وأفسد قلب ظهير الدين أتابك عليه مع ما كان في قلبه في الأيام التاجية فأمر ~~بالقبض عليه واعتقاله في القلعة وحمل كل ما كان في داره وقبض أملاكه وأقام ~~أياما في الاعتقال ثم أمر بخنقه فخنق ورمي في جب بالقلعة ثم أخرج ودفن في ~~المقابر وفي شعبان من هذه السنة وصل ريمند بن صنجيل الذي كان نازلا على ~~طرابلس من بلاد الافرنج في جملة ستين مركبا في البحر مشحونة بالافرنج ~~والجنويين فنزل على طرابلس ووقع بينه وبين السرداني ابن أخت صنجيل مشاجرة ~~ووصل طنكري صاحب انطاكية إليه لمعونته للسرداني ووصل الملك بغدوين صاحب بيت ~~المقدس في عسكره فأصلح بينهم. وعاد السرداني إلى عرقة ووجد بعض الافرنج في ~~زرعها فأراد ضربه فضربه الافرنجي فقتله ولما بلغ الخبر ريمند بن صنجيل وجه ~~من تسلم عرقة من أصحابه. ونزل الافرنج بجموعهم وحشدهم على طرابلس وشرعوا في ~~قتالها ومضايقة أهلها منذ أول شعبان إلى الأحاديث عشر من ذي الحجة من السنة ~~وأسندوا أبرجهم إلى السور فلما شاهد الجند والمقاتلة أهل البلد سقط في ~~أيديهم وأيقنوا بالهلاك وذلت نفوسهم لاشتمال اليأس من تأخر وصول الاصطول ms177 ~~المصري في البحر والميرة والنجدة وقد كانت غلة الاصطول أزيحت وسير الريح ~~ترده لما يريد الله تعالى من نفاذ الأمر المقضي فشد الافرنج القتال عليها ~~وهجموها من الأبراج فملكوها بالسيف في يوم الاثني لإحدى عشرة ليلة خلت من ~~ذي الحجة من السنة ونهبوا ما فيها وأسروا رجالها وسبوا نساءها وأطفالها ~~وحصل في أيديهم من أمتعتها وذخائرها ودفاتر دار علمها وما كان منها في ~~خزائن أربابها ما لا يحد عدده ولا يحصر فيذكر. وسلم الوالي بها وجماعة من ~~جنده كانوا التمسوا الأمان قبل فتحها فلما ملكت أطلقوا ووصلوا إلى دمشق بعد ~~أيام من فتحها وعوقب أهلها واستصفيت أموالها واستثيرت ذخائرهم من مكامنها ~~ونزل بهم أشد البلاء ومؤلم العذاب PageV01P098 وتقرر بين الافرنج والجنويين ~~على أن يكون للجنويين الثلاث من البلد وما نهب منه والثلاثان لريمند بن ~~صنجيل وأفردوا للملك بغدوين من الوسط ما رضي به. وكان طنكري لما لم ينل ما ~~أراد من نصرة السرداني قد عاد ونزل بانياس وافتتحها وأمن أهلها في شوال من ~~السنة ونزل على ثغر جبيل وفيه فخر الملك ابن عمار والقوت فيه نزر قليل فلهم ~~يزل مضايقا له ولأهله إلى يوم الجمعة الثاني والعشرين من ذي الحجة فراسلهم ~~وبذل لهم الأمان فأجابوه إلى ذلك فتسلمه بالأمان وخرج منه فخر الملك ابن ~~عمار سالما وقد وعده بإحسان النظر والاقطاع. ووصل عقيب ذلك الاصطول المصري ~~ولم يكن خرج للمصريين فيما تقدم مثله كثرة رجال ومراكب وعدد وغلال لحماية ~~طرابلس وتقويتها بالغلة الكثيرة والرجال والمال لمدة سنة مع تقوية ما في ~~المملكة المصرية من ثغور الساحل وأهله ووصل إلى صور في يوم الثامن من فتح ~~طرابلس وقد فات الأمر فيها للقضاء النازل بأهلها. وأقام بالساحل مدة وفرقت ~~الغلة في جهاتها وتمسك به أهل صور وصيدا وبيروت وشكوا أحوالهم وضعفها عن ~~محاربة الافرنج ولم يمكن الاصطول المقام فأقلع عائدا عند استقامة الريح إلى ~~مصر وفي شوال من هذه السنة وردت الأخبار بتملك الأمير سكمان القطبي مدينة ~~ميافارقين بالأمان بعد الحصر لها ms178 والمضايقة لأهلها عدة شهور بعد أن عدم ~~القوت بها واشتد الجوع بأهلها. وفيها وصل بيمند صاحب أنطاكية من بلاد ~~الافرنج عائدا إلى مملكته في خلق كثير ونزل بالقرب من قسطنطينة وخرج ملكها ~~إليه ومعه خلق كثير من التركمان المجاورين له فاقتتلوا أياما وطلب الروم ~~تفسخهم بكل نوع إلى أن تفرقوا وتبددوا في البلاد وأصلح بيمند أمره مع الملك ~~ودخل عليه ووطىء بساطه ومن معه وكفى الله وله الحمد أمرهم وصرف عن الاسلام ~~شرهم وفي هذه السنة توفي الأمير ابق بن عبد الرزاق أحد مقدمي أمراء دمشق ~~بمرض طال به وكثر المه بسببه إلى أن قضى نحبه ليلة عيد النحر من سنة 502 ~~وفيها ترددت رسل الملك بغدوين إلى ظهير الدين في التماس المهادنة والموادعة ~~فاستقر الأمر بينهما على أن يكون السواد وجبل عوف أثلاثا للأتراك الثلاث ~~وللافرنج والفلاحين الثلاثان فانعقد الأمر على هذه القضية وكتب الشرط على ~~هذه المبنية. وكان فخر الملك بن عمار لما ملك الافرنج جبيل خرج منها وتوجه ~~إلى شيزر فأكرمه صاحبها سلطان ابن علي بن المقلد بن منقذ الكتاني واحترمه ~~وجماعته وعرض عليه المقام عنده فلم يفعل وتوجه إلى دمشق عائدا إلى ظهير ~~الدين أتابك فأكرمه وأنزله في دار وأقطعه الزبداني وأعمالها في المحرم سنة ~~503 # سنة ثلاث وخمسمائة # لما فرغ الافرنج من طرابلس بعد افتتاحها وتدبير أعمالها وتقرير أحوالها ~~نهضوا إلى وفنية وعرف ظهير الدين ذاك من قصدهم فنهض في العسكر نحوها ~~لحمايتها وخيم بازائهم بحمص فلم يتمكن الافرنج من منازلتها ومضايقتها ~~وترددت بينه وبينهم مراسلات ومخاطبات أفضت إلى أن أجاب كل واحد من الفريقين ~~إلى تقرير الموادعة على الأعمال والمسالمة واستقر الأمر في ذلك على أن يكون ~~للافرنج الثلاث من استغلال البقاع ويسلم إليهم حصن المنيطرة وحصن ابن عكار ~~ويكفوا عن العيث والفساد في الأعمال والأطراف وأن يكون حصن مصياث وحصن ~~الطوفان وحصن الأكراد داخلا في شرط الموادعة ويحمل أهلها عنها مالا معينا ~~في كل سنة إلى الافرنج فأقاموا على ذلك مدة يسيرة فلم ms179 يلبثوا على ما تقرر ~~وعادوا إلى رسمهم في الفساد والعناد وفيها توفي الشريف القاضي المكين فخر ~~الملك أبو الفضل اسمعيل بن ابرهيم بن العباس الحسيني ليلة الخميس الخامس ~~والعشرين من صفر منها بدمشق رحمه الله PageV01P099 وفي جمادى الأولى من هذه ~~السنة وردت الأخبار من ناحية العراق بوصول السلطان ركن الدنيا والدين محمد ~~بن ملك شاه إلى بغداد وانفاذ كتبه إلى سائر البلاد معلما فيها بما هو عليه ~~من قوة العزم على قصد الجهاد والأمر لظهير الدين أتابك بالمقام بحيث هو إلى ~~حين ترد العساكر إلى الشام وينضاف إليها ويدبر أمرها لأنه كان تابع كتبه ~~بالاستصراخ والاستنجاد على الكفرة الأضداد فعرضت عوائق عن ذاك عاقت وموانع ~~عن المراد صدت وطالت مدة الانتظار وتزايد طمع الكفار بتأخر العساكر ~~السلطانية فحملت ظهير الدين أتابك الحمية الاسلامية والعزيمة التركية على ~~التأهب للمسير بنفسه إلى بغداد لخدمة الدار العزيزة النبوية المستظهرية ~~والمواقف السلطانية الغياثية والمثول بها والشكوى لما نزل بالمسلمين في ~~الأعمال إليها من تملك البلاد وقتل الرجال وسبي النساء والأطفال وحديثهم ~~بينهم بالطمع في الامتداد إلى تملك الأعمال الجزرية والعراقية. وتأهب ~~للمسير واستصحب معه فخر الملك بن عمار صاحب طرابلس وخواص أصحابه وما أمكنه ~~من الخيول العربية السبق وطرف مصر من أجناس اللباس وما يصلح لتلك الجهات من ~~التحف والهدايا من كل فن له قيمة وافرة وتوجه في البرية على طريق السماوة ~~فاستناب في دمشق ولده تاج الملوك بوري ووصاه بما يجب عمله من استعمال ~~اليقظة في الذب والحماية واحسان السيرة في الرعية والمغالطة للافرنج ~~والثبات على الموادعة المستقرة معهم إلى حين العود. فلما سار وحصل في ~~الوادي المعروف بوادي المياه من البرية وافى الخبر بما شاع من المرجفين ~~ببغداد من الحديث بتقليد السلطان بلاد الشام لامراء عين عليهم ووقعت ~~الاشارة في ذلك إليهم فأحدث هذا الخبر وحشة أوجبت عوده من طريقه واعتمد على ~~فخر الملك بن عمار ومن عول عليه من ثقاته في الاتمام إلى بغداد بما صحبه من ~~التحف والهدايا والمناب عنه ms180 في انهاء ما دعاه إلى العود من طريقه. فوص فخر ~~الملك إلى بغداد بما صحبه فصادف من الابتهاج بمقدمه والتأسف على عود أتابك ~~ولم يصل ويشاهد ما زاد على الأمل وظهور بطلان تلك الأراجيف بالمحال الذي لا ~~حقيقة له وتواصلت الأجوبة عن ذلك بما سر النفوس وشرح الصدور والاعتذار من ~~إشاعة المحال وأكاذيب الأخبار. وقد كان ظهير الدين أتابك في عوده من وادي ~~المياه قد اتصل به أن كمشتكين الخادم التاجي الوالي ببعلبك قد أرسل الافرنج ~~بالتماس المصافاة منهم وبعثهم على شن الغارات على الأطراف وأنه قد سير أخاه ~~بايتكين الخادم التاجي إلى السلطان للتوصل بالمحال إلى افساد الحال فحين ~~سمع ظهير الدين هذا الخبر ونفوذه ندب جماعة من العسكر وقرر معهم المصير إلى ~~المسالك والطرقات التي لا بد من عبوره فيها لمسلكه وحمله إليه فلم يقف ~~لبايتكين المذكور على خبر. وسار ظهير الدين في العسكر من طريقه وكتب إلى ~~ولده تاج الملوك يأمره بالخروج في العسكر إلى بعلبك والنزول عليها فسارع ~~إلى امتثال أمره وسار إليها ونزل عليها على غفلة من أهلها غرة ممن بها ثم ~~أرسل الخادم المذكور يلتمس منه الدخول في الطاعة وتسليم الموضع إليه ويحذره ~~من الاستمرار على المخالفة والعصيان ويخوفه الاقامة على ما يفضي إلى سفك ~~الدماء وبالغ في الأعذار له والانذار فلم يجب إلى المراد والايثار وأصر على ~~الخلف والانكار. ووافى عقيب ذلك ظهير الدين في العسكر ومن جمعه من الرجالة ~~وزحف إلى بعلبك مقابلا لها ونصب عليها المنجيق وشرع في عمل آلة الحرب ~~والنقوب لقصد الأماكن المستضعفة منها لانتهاز الفرصة فيها وترامى إليه من ~~أحداث أهلها وأجنادها جماعة أحسن إليهم وخلع عليهم وزحف إلى سورها وقاتل من ~~عليه فقتل جماعة منهم فحين شاهدوا الجد في القتال والصبر على النزال جنحوا ~~إلى الدخول في الطاعة والتمس الخادم الاقالة وبذل تسليم البلد والحصن على ~~شرط اشترطه واقطاع عينه وطلب بعض المقدمين للحديث معه والتوفق لنفسه فنفذ ~~إليه الأمير بلتاش لمحله من الدولة فتقررت الحال على ms181 ما اقترحه وسلم البلد ~~والحصن الذي هو غاية في المنعة والحصانة ومن العجائب والقلاع المشهورة وخرج ~~إليه وجرى على عادته الجميلة في الصفح عمن أساء إليه وأظهر العصيان عليه ~~وعوضه عن بعلبك حصن صرخد وهو مشهور بالحصانة والمنعة أيضا وعاد إليه ما كان ~~قبض عنه من ملك واقطاع وعاد إلى دمشق. وسلم ظهير الدين أتابك بعلبك إلى ~~PageV01P100 ولده تاج الملوك بوري فرتب فيها من ثقات أصحابه من اعتمد عليه ~~في حفظها وقرر أحوالها وكانت مدة المقام في منازلتها خمسة وثلاثين يوما ~~وتسلمت في اليوم الثاني والعشرين من شهر رمضان سنة 503 وأمر ظهير الدين ~~بإزالة حوادث الظلم عن أهل بعلبك وتسويغ بعض خراج أهلها وأعاد عليهم املاكا ~~كانت قد اغتصبت في قديم الزمان وكثر له الدعاء وتواصل عليه الثناء وعاد ~~منكفيا إلى دمشق. وورد عليه الخبر بعود السلطان من بغداد إلى أصفهان في ~~شوال من السنةه تاج الملوك بوري فرتب فيها من ثقات أصحابه من اعتمد عليه في ~~حفظها وقرر أحوالها وكانت مدة المقام في منازلتها خمسة وثلاثين يوما وتسلمت ~~في اليوم الثاني والعشرين من شهر رمضان سنة 503 وأمر ظهير الدين بإزالة ~~حوادث الظلم عن أهل بعلبك وتسويغ بعض خراج أهلها وأعاد عليهم املاكا كانت ~~قد اغتصبت في قديم الزمان وكثر له الدعاء وتواصل عليه الثناء وعاد منكفيا ~~إلى دمشق. وورد عليه الخبر بعود السلطان من بغداد إلى أصفهان في شوال من ~~السنة وورد الخبر بوفاة الأمير ابرهيم ينال صاحب آمد وكان قبيح السيرة فيها ~~مذكورا بالظلم في أهلها وكان جماعة من أهلها قد خلوا عنها لأجله المستمر ~~عليهم واساءته إليهم فسرت النفوس بفقده وأمل من بعده الصلاح وقام مقامه ~~ولده فكان أصلح منه سريرة وأحسن طريقة وفي هذه السنة خرج طنكري من أنطاكية ~~في حشده ولفيفه المخذول إلى الثغور الشامية فملك طرسوس وما والاها وأخرج ~~صاحب ملك الروم منها وعاد إلى أنطاكية ثم خرج إلى شيزر وقرر عليها عشرة ~~آلاف دينار مقاطعة تحمل إليه بعد أن عاث في ms182 عملها ونزل على حصن الأكراد ~~فتسلمه من أهله وتوجه إلى عرقة وكان الملك بغدوين وابن صنجيل قد نزلا على ~~ثغر بيروت برا وبحرا فعاد طنكري إلى أنطاكية وسار جوسلين صاحب تل باشر إلى ~~ثغر بيروت لمعاونة النازلين عليه من الافرنج ويستنجد بهم على عسكر الأمير ~~مودود النازلين على الرها. وشرع الافرنج في عمل البرج ونصبه على سور بيروت ~~فحين نجز وزحفوا به كسر بحجارة المناجيق وأفسد فشرعوا في عمل غيره وعمل ابن ~~صنجيل برجا آخر ووصل في الوقت من اصطول مصر في البحر تسعة عشر مركبا حربية ~~فظهروا على مراكب الافرنج وملكوا بعضها ودخلوا بالميرة إلى بيروت فقويت بها ~~نفوس من فيها من الرعية. وأنفذ الملك بغدوين إلى السويدية يستنجد بمن فيها ~~من الجنوية في مراكبهم فوصل منها إلى بيروت أربعون مركبا مشحنة بالمقاتلة ~~فزحف الافرنج في البر والبحر إليها بأسرهم في يوم الجمعة الحادي والعشرين ~~من شوال ونصبوا على السور برجين اشتدوا في القتال فقتل مقدم الاصطول المصري ~~وخلق كثير من المسلمين ولم ير الافرنج من ما تقدم وتأخر أشد من حرب هذا. ~~وانخذل الناس في البلد وأيقنوا بالهلاك فهجم الافرنج على البلد آخر نهار ~~هذا اليوم فملكوه بالسيف قهرا وغلبة وهرب الوالي الذي كان فيه في جماعة من ~~أصحابه وحمل إلى الافرنج فقتل ومن كان معه وغنموا ما كان استصحبه من المال ~~ونهب البلد وسبي من كان فيه وأسر واستصفين أموالهم وذخائرهم. ووصل عقيب ذلك ~~من مصر ثلاثمائة فارس نجدة لبيروت فحين حصلوا بالاردن خرجت عليهم فرقة من ~~الافرنج يسيرة العدد فانهزموا منهم إلى الجبال فهلك منهم جماعة. فلما تقرر ~~أمر بيروت رحل الملك بغدوين في الافرنج ونزل على ثغر صيدا وراسل أهله يلتمس ~~منهم تسليمه فاستمهلوه مدة عينوها فأجابهم إلى المهلة بعد أن قرر عليهم ستة ~~آلاف دينار تحمل إليه مقاطعة وكانت قبل ذلك ألفي دينار ورحل عنها إلى بيت ~~المقدس للحج وفي هذه السنة وردت الأخبار بظهور الكرج على بلاد كنجة وما ~~قاربها وأكثروا العيث والفساد ms183 في نواحيها وانتهى الخبر بذلك إلى السلطان ~~غياث الدنيا والدين محمد بن ملك شاه فانهض اليوم عسكرا وافر العدد فأوقع ~~بهم وشردهم وعن الفساد والعيث أبعدهم بالفتك فيهم وطردهم ودوخ بلادهم وأخرب ~~أعمالهم فأمن أهل بلاد كنجة من شرهم وقامت الهيبة باهلاكهم وعاد العسكر ~~السلطاني ظافرا غانما PageV01P101 وفي هذه السنة وردت الأخبار بظهور قوم ~~كافر نزل على من صادفوه في الأعمال ووصلوا إلى جيحون فأفسدوا تلك الأعمال ~~وأعاثوا فيها واتصل الخبر بالسلطان المعظم أبي الحرث سنجر بن ملك شاه سلطان ~~خراسان فانهض إليهم أميرا كبيرا من مقدمي عساكر خراسان في عدد دثر من ~~الأتراك فظفر بهم وكسرهم وقتل منهم خلقا كثيرا عائدين خاسرين مفلولين وفي ~~ثامن من ذي القعدة من السنة ظهر في السماء كوكب من الشرق له ذؤابة ممتدة ~~إلى القبلة وأقام إلى آخر ذي الحجة ثم غاب. وفيها كاتب السلطان غياث الدنيا ~~والدين الأمير سكمان القطبي صاحب أرمينية وميافارقين وشرف الدين مودود صاحب ~~الموصل يأمرهما بالمسير في العساكر إلى جهاد الافرنج وحماية بلاد الموصل ~~فجمعا واحتشدا ونهضا ونزلا بجزيرة بني نمير إلى أن تكامل وصول ولاة الأطراف ~~إليهما وخلق كثير من المتطوعة ووصل إليهما أيضا الأمير نجم الدين ايل غازي ~~بن ارتق في خلق كثير من التركمان واجتمع المسلمون في عدد لا يقوم بلقائه ~~جميع الافرنج. واتفقت الآراء على افتتاح الجهاد بقصد الرها ومضايقتها إلى ~~أن يسهل الله افتتاحها بحكم حصانتها ومنعتها. فرحلوا بأسرهم ونزلوا عليها ~~في العشر الثاني من شوال وأحاطوا بها من جهاتها كالنطاق ومنعوا الداخل ~~والخارج بالمسير إليها وكان القوت بها قليلا فأشرف من بها على الهلاك وغلا ~~بها السعر وطالت مدة الحصر لها والتضييق عليها. وحين عرف الافرنج صورة هذه ~~الحال شرعوا في الجمع والاحتشاد والتأهب للذب عنها والاستعداد واتفقت ~~الكلمة بينهم على هذه الحال واجتمع طنكري صاحب انطاكية وابن صنجيل صاحب ~~طرابلس والملك بغدوين مقدمو ولاة الأعمال. من الافرنج وتعاهدوا وتعاقدوا ~~على الثبات في الحرب والمصابرة واللباث، فلما استقرت الأحوال بينهم على ~~البينة ms184 رحلوا بأسرهم إلى ناحية الرها. واتصلت الأخبار بظهير الدين أتابك ~~وعرف صورة الحال فيما تقرر بينهم فسار من دمشق في العسكر وخيم على سلمية ~~وعرف إن الافرنج قد قصدوا في طريقهم رفنية وفيها الأمير شمس الخواص واليها ~~وإنهم لما نزلوا عليها ظهر إليهم في خيله وقتل منهم جماعة ووصل إلى المخيم ~~بسلمية واجتمع إليه خلق كثير من الشام ووصل الخبر بحصول الافرنج على الفرات ~~عازمين على قطعه قصد الرها فرحل أتابك في الحال وتوجه إلى ناحية الرقة ~~وقلعة جعبر وقطع الفرات وتلوم هناك إلى أن عرف خبر الافرنج وإنهم قد أحجموا ~~عن العبور لتفرق سرايا العساكر الاسلامية وطلائعهم في سائر الجهات والمسالك ~~إلى الفرات ولما عرف المسلمون قرب الافرنج منهم اتفقت الآراء فيما بينهم ~~على الافراج لهم ليتمكنوا من لقائهم في الفضاء من شرقي الفرات ورحلوا عن ~~الرها في آخر ذي الحجة منها ونزلوا أرض حران على سبيل الخديعة والمكر وكانت ~~حران قد حصلت للأمير مودود وسلمها إلى نجم الدين ايل غازي بن ارتق. وتوفق ~~المسلمون عن لقاء الافرنج إلى أن يقربوا منهم ويصل إليهم عسكر دمشق وفطن ~~الافرنج لهذا التدبير والاتفاق عليه فخافوا واستشعروا الهلاك والخذلان ~~وأجفلوا ناكصين على الأعقاب إلى شاطئ الفرات وبلغ المسلمين خبرهم فنهضوا في ~~أثرهم وأدركهم سرعات الخيل وقد قطع الفرات بعضهم من مقدميهم فغنم المسلمون ~~سوادهم وأثقالهم وأتوا على العدد الدثر من أتباعهم قتلا وأسرا وتغريقا في ~~الفرات وامتلأت الأيدي من الغنائم والأسلاب والسبي والدواب. ولم يتمكن ~~المسلمون من قطع الفرات للحاق بهم بحكم اشتغالهم بأمر الرها والعود إليها ~~وكانوا قد أخرجوا منها كل ضعيف الحال ورتبوا جماعة من الأرمن لحفظها وحملوا ~~إليها ما صحب العسكر الواصل من الأقوات تقوية لها وخرج بغدوين الرويس ~~صاحبها عنها وتوجه صحبة الافرنج المنهزمين. وأقام عسكر الاسلام على الفرات ~~أياما نازلا بإزائهم ورحل طالبا للعود إلى منازلة الرها وعرف ظهير الدين ~~أتابك خبر عودهم على تلك الصفة فعاد منكفيا إلى عمله لحمايته منهم بعد أن ~~نفد شطرا وافرا ms185 من معسكره إلى النازلين على الرها لمعونتهم ووصل إلى دمشق ~~وأقام من كان أنهضه من عسكره إلى الرها إلى أن خلت البلاد منها وأذن لهم في ~~العود إلى أماكنهم بعد اكرامهم والاحسان إليهم PageV01P102 وترددت بين ~~أتابك ظهير الدين وبين الأمير شرف الدين مودود مراسلات أفضت إلى استحكام ~~المودة بينهما واتفاق الكلمة وتأكيد أسباب الألفة فطال مقام عسكر الاسلام ~~على الرها لامتناعها وحصانتها وقل تواصل الميرة إلى المخيم وعدم وجودها ~~فدعتهم الحاجة إلى العود عنها فتفرقوا بعد أن رتبوا من يقيم على حران لحصر ~~الرها. وحدث لنجم الدين ايل غازي ابن ارتق استيحاش من سكمان القطبي لأمر ~~تجدد بينهما فأجفل من حران إلى ماردين فقبض سكمان على ابن أخيه بلك وحمله ~~معه إلى بلده مقيدا. وبعد تفرق العساكر اسلامية عن الرها عاد إليها بغدوين ~~الرويس صاحبها وحصل بها والغارات متواصلة على أطرافها. وقد كان الملك فخر ~~الملوك رضوان صاحب حلب لما عرف هزيمة الافرنج خرج إلى أعمال حلب واستعاد ما ~~كان غلب الافرنج عليه منها وغار على عمل انطاكية وغنم منه غنيمة وافرة ولما ~~عرف خبر عودهم عاد إلى حلب. ووصل الافرنج عقيب ذلك فأفسدوا في عمل حلب ~~وقتلوا وأسروا خلقا كثيرا وعاد طنكري ونزل على الأثارب وملكها بعد طول ~~حصرها والمضايقة لها وذلك في جمادى الآخرة من السنة وأمن أهلها وخرج منها ~~من أراد الخروج وأقام من أثر المقام واستقرت الموادع بعد ذلك بين الملك فخر ~~الملوك رضوان وبين طنكري على أن يحمل إليه الملك من مال حلب في كل سنة ~~عشرين ألف دينار مقاطعة وعشرة أرؤس خيلا وفكاك الأسرى واستقرت على هذه ~~القضية وفيها وصل الملك بغدوين صاحب بيت المقدس إلى ناحية بعلبك وعزم على ~~العيث والافساد في ناحية البقاع وترددت المراسلة بينه وبين ظهير الدين ~~أتابك في هذا المعنى إلى أن تقررت الموادعة بينهما على أن يكون الثلاث من ~~استغلالات البقاع للافرنج والثلاثان للمسلمين والفلاحين وكتب بيهما ~~المواصفة بهذا الشرح في صفر من السنة ورحل عائدا إلى عمله ms186 وقد فاز بما حصل ~~في يده وأيدي عسكره من غنائم بعلبك والبقاع ووردت الأخبار فيها بوصول بعض ~~ملوك الافرنج في البحر ومعه نيف وستون مركبا مشحونة بالرجال لقصد الحج ~~والغزو في بلاد الاسلام فقصد بيت المقدس وتوجه إليه بغدوين واجتمع معه ~~وتقرر بينهما قصد البلاد الاسلامية. فلما عادا من بيت المقدس نزلا على ثغر ~~صيدا في ثالث شهر ربيع الآخر سنة 504 وضايقوه برا وبحرا. وكان الاسطول ~~المصري مقيما على ثغر صور ولم يتمكن من انجاد صيدا فعملوا البرج وزحفوا به ~~إليها وهو ملبس بحطب الكرم والبسط وجلود البقر الطرية ليمنع من الحجارة ~~والنفط وكانوا إذا أحكموه على هذه الصورة نقلوه على بكر تركب تحته في عدة ~~أيام متفرقة فإذا كان يوم الحرب وقرب من السور زحفوا به وفيه الماء والخل ~~لطفي النار وآلة الحرب فلما عاين من بصيدا هذا الأمر ضعفت نفوسهم وأشفقوا ~~من مثل نوبة بيروت فأخرج إليها قاضيها وجماعة من شيوخها وطلبوا من بعدوين ~~الأمان فأجابهم إلى ذلك وأمنهم العسكرية معهم على النفوس والأموال واطلاق ~~من أرد الخروج منها إلى دمشق واستحلفوه على ذلك وتوثقوا منه وخرج الوالي ~~والزمام وجميع الأجناد والعسكرية وخلق كثير من أهل البلد وتوجهوا إلى دمشق ~~لعشر بقين من جمادى... سنة 504 وكانت مدة الحصار سبعة وأربعين يوما. ورتب ~~بغدوين الأحوال بها والحافظين لها وعاد إلى بيت المقدس ثم عاد بعد مدة ~~يسيرة إلى صيدا فقرر على من أقام بها نيفا وعشرين ألف دينار فأفقرهم ~~واستغرق أحوالهم وصادر من علم أن له بقية منهم # سنة أربع وخمسمائة # في هذه السنة وردت الأخبار بأن جماعة من التجار المسافرين خرجت من تنيس ~~ودمياط ومصر ببضائع وأموال جمة كانوا قد ضجروا وملوا طول المقام وتعذر مسير ~~الاصطول في البحر وحملوا نفوسهم على الخطر وأقلعوا في البحر فصادفتهم مراكب ~~الافرنج فأخذتهم وحصل في أيديهم من الامتعة والمال ما يزيد على مائة ألف ~~دينار وأسروهم وعاقبوهم واشتروا أنفسهم بما بقي لهم من الذخائر في دمشق ~~وغيرها PageV01P103 وأما بغدوين ms187 فإنه لما عاد من صيدا قصد عسقلان وغار ~~عليها وكان واليها المعروف بشمس الخلافة يراسل بغدوين فاستقرت الحال بينهما ~~على مال يحمله إليه ويرحل عنه ويكف الأذية عن عسقلان وكان شمس الخلافة أرغب ~~في التجارة من المحاربة ومال إلى الموادعة والمسالمة وإيمان السابلة وقرر ~~على أهل صور سبعة آلاف دينار تحمل إليه في مدة سنة وثلاثة شهور وانتهى ~~الخبر بذلك إلى الافضل صاحب مصر في شوال فأنكر هذه الحال وأسرها في نفسه ~~ولم يبدها لأحد من خاصته وجهز عسكرا كثيفا إلى عسقلان مع وال يكون مكان شمس ~~الخلافة. فلما قرب من عسقلان وعرف شمس الخلافة ذاك أظهر الخلاف على الأفضل ~~وجاهر بالعصيان عليه وأخرج من كان عنده من العسكرية لخوفه من تدبيرهم عليه ~~من الأفضل لما يعلمه من الأمور التي أنكرها عليه ونقمها منه ومراسلته ~~لبغدوين يلتمس منه المصافاة والمعونة بالرجال والغلال وإن دهمه أمر وحزبه ~~خطب سلم إليه عسقلان فطلب منه العوض عنها. فلما عرف الأفضل ذلك أشفق من ~~تمام هذا الأمر فكاتبه بما يطيب نفسه وغالطه وأقطعه عسقلان وأقر اقطاعه ~~بمصر عليه وأزال الاعتراض لشيء من ماله في ديار مصر من خيل وتجارة وأثاث ~~وخاف شمس الخلافة من أهل البلد فاستدعى جماعة من الأرمن فأثبتهم في عسقلان ~~ولم يزل على هذه الحال إلى آخر سنة 504 فأنكر أمره أهل البلد ووثب عليه قوم ~~من كتامة وهو راكب فجرحوه وانهزم إلى داره فتعبوه وأجهزوا عليه ونهبوا داره ~~وماله وتخطفوا بعض دور الشهود والعامة وانتهى الخبر إلى صاحب السيارة فبادر ~~إلى البلد فأطاع أمره من به وأنفذوا رأسه إلى الأفضل إلى مصر وأنهوا جلية ~~حاله فحسن موضع ذلك منه وموقعه وأحسن إلى الواردين بهذه البشرى ثم تقدم ~~بمطالبة القوم القاتلين بما نهبوه من داره واستولوا عليه من ماله ومال أهل ~~البلد واعتقالهم وقبض جماعة من أهل البلد وحملهم إلى مصر ولما وصلوا ~~اعتقلوا فيها وفي هذه السنة هبت بمصر وأعمالها ريح سوداء وطلع سحاب أسود ~~أخذ بالأنفاس وأظلمت منه الدنيا ms188 حتى لم يبصر أحد يده والريح تسقي الرمل في ~~مقل الناس ووجوهم حتى يئسوا من الحياة وأيقنوا بالبوار بهول ما عاينوه ~~والخوف مما نزل بهم ولما تجل ذلك السواد عاد إلى الصفرة والريح بحالها ثم ~~انجلت الصفرة وظهرت الناس الكواكب وظن أهل تلك الأعمال بأن القيامة قد قامت ~~وخرج الناس من منازلهم وأسواقهم إلى الصحراء وركدت الريح وأقلع السحاب وعاد ~~الناس إلى منازلهم سالمين من الأذى وكانت مدة هذه الشدة منذ صلوة العصر إلى ~~صلاة المغرب وفيها وصل السلطان غياث الدنيا والدين محمد بن ملك شاه من ~~همذان إلى بغداد في جمادى الأولى منها ووردت الكتب والرسل إليه من الشام ~~بانهاء الحال وما جرى من الافرنج بعد عودهم عن الفرات ونوبة صيدا والأثارب ~~وأعمال حلب. ولما كان أول جمعة من شعبان حضر رجل من الأشراف الهاشميين من ~~أهل حلب وجماعة من الصوفية والتجار والفقهاء إلى جامع السلطان ببغداد ~~فاستغاثوا وأنزلوا الخطيب عن المنبر وكسروه وصاحوا وبكوا لما لحق الاسلام ~~من الافرنج وقتل الرجال وسبي النساء والأطفال ومنعوا الناس من الصلاة ~~والخدم والمقدمون يعدونهم عن السلطان بما يسكنهم من انفاذ العساكر ~~والانتصار للاسلام من الافرنج والكفار وعادوا في الجمعة الثانية المصير إلى ~~جامع الخليفة وفعلوا مثل ذلك من كثرة البكاء والضجيج والاستغاثة والنحيب. ~~ووصلت عقيب ذلك الخاتون السيدة أخت السلطان زوجة الخليفة إلى بغداد من ~~أصفهان ومعها من التجمل والجواهر والأموال والآلات وأصناف المراكب والدواب ~~والأثاث وأنواع الملابس الفاخرة والخدم والغلمان والجوار والحواشي ما لا ~~يدركه حزر فيحصر ولا عد فيذكر واتفقت هذه الاستغاثة فتكدر ما كان صافيا من ~~الحال والسرور بمقدمها. وأنكر الخليفة المستظهر بالله أمير المؤمنين ما جرى ~~وعزم على طلب من كان الأصل والسبب ليوقع به المكروه فمنعه السلطان من ذلك ~~وعذر الناس فيما فعلوه وأوعز إلى الأمراء والمقدمين بالعود إلى أعمالهم ~~والتأهب للمسير إلى جهاد أعداء الله الكفار PageV01P104 وفي جمادى الآخرة ~~منها وصل رسول متملك الروم بهدايا وتحف ومراسلات مضمونها البعث على قصد ~~الافرنج والايقاع بهم والاجتماع ms189 على طردهم من هذه الأعمال وترك التراخي في ~~أمرهم واستعمال الجد والاجتهاد في الفتك بهم قبل اعضال خطبهم واستفحال شرهم ~~ويقول أنه قد منعهم من العبور إلى بلاد المسلمين وحاربهم فإن طمعوا فيها ~~بحيث تتواصل عساكرهم وامدادهم إلى البلاد الاسلامية احتاج إلى مداراتهم ~~واطلاق عبورهم ومساعدتهم على مقاصدهم واغراضهم للضرورات القائدة إلى ذلك ~~ويبالغ في الحث والتحريض على الاجتماع على حربهم وقلعهم من هذه الديار ~~بالاتفاق عليهم PageV01P105 وفي هذه السنة نقض الملك بغدوين صاحب بيت ~~المقدس الهدنة المستقر بين أتابك وبينه وكتب إلى ابن صنجيل صاحب طرابلس ~~يلتمس منه الوصول إليه في عسكره ليجتمع معه في طبرية وجمع وحشد ورحل إلى ~~ناحية بيت المقدس لتقرير أمر كان في نفسه فحدث له في طريقه مرض أقام به ~~أياما ثم ابل منه ولم يبق في عينه منهم أمر يحفل به من جهتهم. فنهض ظهير ~~الدين أتابك عند معرفته قصده في عسكره ونزل في المنزل المعروف برأس الماء ~~ثم رحل عنه إلى اللجاة ونهض الافرنج في أثره إلى الضمين ففرق أتابك العسكر ~~عليهم من عدة جهات وبث في المعابر والمسالك خيلا يمنع من حمل المية إليهم ~~وضايقهم مضايقة ألجأتهم إلى الدخول في حكم المسالمة والموادعة وترددت ~~المراسلات في ذلك إلى أن استقرت الحال بينهما على أن يكون لبغدوين النصف من ~~ارتفاع جبل عرف والسواد والجبانية مضافا إلى ما في يده ومن هذه الأعمال ~~التي يليها في أيدي العرب من آل جراح وكوتب بينهما هذا الشرط ورحل كل منهما ~~منكفئا إلى عمله في آخر ذي الحجة منها. وقد كان الأمر تقزر مع السلطان غياث ~~الدنيا والدين على انهاض العساكر عقيب تلك الاستغاثة المقدم شرحها ببغداد ~~والتقدم إلى الأمراء بالتأهب للمسير إلى الجهاد فتأهبوا لذلك وكان أول من ~~نهض منهم إلى أعمال الافرنج الأمير الاسفهسلار شرف الدين مودود صاحب الموصل ~~في عسكره إلى سنجتان فافتتح تل مراده وعدة حصون هناك بالسيف والأمان ووصل ~~إليه الأمير أحمديل في عسكر كثيف الجمع وكذلك تلاه الأمير قطب الدين ms190 سكمان ~~القطبي من بلاد أرمينية وديار بكر فاجتمعوا في أرض حران وكتب إليهم سلطان ~~بن علي بن منقذ صاحب شيزر يعلمهم نزول طنكري صاحب أنطاكية أرض شيزر وشروعه ~~في بناء تل ابن معشر في مقابلة شيزر وحمل الغلال إليه ويستصرخهم ويبعثهم ~~على الوصول إلى جهته. فحين عرفوا ذاك رحلوا إلى الشام وقطعوا الفرات في ~~النصف من المحرم سنة 505 ونزلوا على تل باشر في التاسع عشر من المحرم ~~وأقاموا عليه منتظرين وصول الأمير برسق بن برسق صاحب همذان وكان قد أمر من ~~السلطان بالتقدم عليهم فوصل إليهم في بعض عسكره وبه مرض من علة النقرس ~~وسكمان القطبي أيضا مريض والآراء بينما مختلفة وقاتل المطوعة والسوقة هذا ~~الحصن ونقبوه فأنفذ جوسلين صاحب تل باشر إلى الأمير أحمديل الكردي يلاطفه ~~بمال وهدية ويبذل له الكون معه والميل إليه وكان أكثر العسكر مع أحمديل ~~وسأله الرحيل عن الحصن وينزل إليه فأجابه إلى ذلك على كراهية من باقي ~~الأمراء واشتد مرض سكمان القطبي وعزم أحمديل على العود طمعا منه في أن ~~السلطان يقطعه بلاد سكمان وكان قد عقد بينهما وصلة وصهر فعادوا عن تل باشر ~~إلى حلب ونزلوا عليها وعاثوا في أعمالها وفعلوا أقبح من فعل الافرنج في ~~الفساد وتوقعوا خروج الملك فخر الملوك رضوان صاحب حلب إليهم أو خدمه ينفذها ~~لهم فلم يلتفت إلى أحد منهم وأغلق أبواب حلب وأخذ رهاين أهلها إلى القلعة ~~ورتب الجند وأحداث الباطنية والطائعين لحفظ الأسوار ومنع الحلبيين من ~~الصعود إلى السور وأطلق الحرامية في أخذ من يظفرون به من أطراف العسكر. وقد ~~كان ظهير الدين أتابك عند اجتماع هؤلاء الأمراء وعبورهم الفرات قد كاتبوه ~~بالوصول إليهم ورد التدبير فيما يعتمدون عليه إليه ووصل إليه كتاب السلطان ~~بمثل هذه الحال فاقتضت الصورة وصائب الرأي أن ينهض في العسكر نحوهم ~~للاعتضاد على الجهاد وتقوية النفوس على حماية هذه البلاد من أهل الشرك ~~والالحاد وجمع من أمكنه من رجال حمص وحماة ورفنية وسائر المعاقل الشامية ~~وسار إليهم ووصلهم على ظاهر ms191 حلب فتلقوه بالاكرام والمزيد في الاحترام وقويت ~~بوصوله النفوس واشتدت الظهور وسروا بحصوله عندهم سرورا أظهر منهم وشاع عنهم ~~فل ير منهم عزيمة صادقة في جهاد ولا حماية بلاد PageV01P106 وأما سكمان ~~القطبي فإنا لمرض اشتد به وأشفي منه ففصل عنهم وعاد إلى بلده وورد الخبر ~~بوفاته في طريقه قبل وصوله الفرات. وأما برسق بن برسق فإنه كان يحمل في ~~المحفة ولا يتمكن من فعل ولا قول. أما أحمديل فإن عزمه قوي على العود بسبب ~~بلاد سكمان وطمعه في اقتطاعها من السلطان فاستجرهم ظهير الدين أتابك إلى ~~الشام فرحلوا في آخر صفر ونزلوا معرة النعمان فأقاموا على ذلك المنهاج ~~الأول وامتار العسكر من عملها ما كفاهم وقصروا عن حملة من العلوفات ~~والأقوات وظهر لظهير الدين من سوء نية المقدمين فيه ما أوحشه منهم ونفر ~~قلبه من المقام بينهم وذكر له أن الملك فخر الملوك رضوان راسل بعض الأمراء ~~في العمل عليه والايقاع به فاتفق مع الأمير شرف الدين مودود وتأكدت ~~المصافاة والمعاهدة بينهما وحمل إلى بقية الأمراء ما كان صحبه من الهدايا ~~لهم والتحف والحصن العربية السبق والاعلاق المصرية وقوبل ذلك منه ~~بالاستكثار له والاستطراف والشكر والاعتراف ووفى له مودود بما بذله وثبت ~~على المودة وجعل أتابك يحرضهم على قصد طرابلس ويعدهم حمل ما يحتاجون إليه ~~من المير من دمشق وعملها وإن أدركهم الشتاء أنزلهم في بلاده فلم يفعلوا ~~وتفرقوا أيدي سبا وعاد برسق بن برسق وأحمديل وتبعوا عسكر سكمان القطبي ~~وتخلف منهم الأمير مودود مع أتابك فرحلا عن المعرة ونزلا على العاصي ولما ~~عرف الافرنج رحيل العساكر وتفرقهم اجتمعوا ونزلوا أفامية بأسرهم بغدوين ~~وطنكري وابن صنجيل بعد التباين والمنافرة والخلف وصاروا يدا واحدة وكلمة ~~متفقة على الاسلام وأهله وساروا لقصدهم فخرج سلطان بن منقذ من شيزر بنفسه ~~وجماعته واجتمع مع أتابك ومودود وحرضهما على الجهاد وهون عليهما أمر ~~الافرنج فرحلوا وقطعوا العاصي ونزلوا في قبلي شيزر وصار سوق العسكر في سوق ~~شيزر ونزل عسكر مودود حول شيزر وبالغ ابن منقذ ms192 وجماعته في الخدمة والمواصلة ~~بالميرة واصعد أتابك ومودود وخواصهما إلى حصن شيزر وباشر خدمتها بنفسه ~~وأسرته ونزل الافرنج شمالي تل ابن معشر ودبر أمر العسكر أحسن تدبير وثبت ~~الخيل من جميع جهاتهم تطرق حولهم وتجول عليهم وتمنع من الوصول إليهم وضيقوا ~~عليها وجلوهم عن الماء وذادوهم عن العاصي لكثرة الرماة على شطوطه وجوانبه ~~من قبليه فما يدنوا منه من الافرنج شخص إلا وقد قتل وطمع الأتراك فيهم وسهل ~~أمرهم عليهم وكانت خيل المسلمين مثل خيل الافرنج إلا أن راجلهم أكثر وزحف ~~الأتراك إليهم فنزلوا للحرب عن تل كانوا عليه فهجمت الأتراك عليهم من ~~غربيهم ونهبوا جانبا من عسكرهم وملكوا عدة من خيامهم وأثقالهم وجالوا حولهم ~~فعادوا إلى مكانهم الذي كانوا به ورجعوا منه وذلك في شهر ربيع الأول. واشتد ~~خوف الافرنج من الأتراك وأقاموا ثلاثة أيام لا يظهر أحد منهم ولا يصل إليهم ~~شخص وعاد المسلمون لصلاة الجمعة في جامع شيزر فرحل الافرنج إلى أفامية ولم ~~ينزلوا فيها بل تعدوها وتبعهم المسلمون عند معرفة رحيلهم وتخطفوا أطرافهم ~~ومن ظفروا به سائرا على أثارهم وعادوا إلى شيزر ورحلوا إلى حماة واستبشر ~~الناس بعود الافرنج على هذه الحال # سنة خمس وخمسمائة # واستحكمت المودة بين ظهير الدين أتابك وبين الأمير مودود. وفي هذه السنة ~~جمع بغدوين الملك من أمكنه جمعه من الافرنج وقصد ثغر صور فبادر عز الملك ~~واليه وأهل البلد بمراسلة ظهير الدين أتابك بدمشق يستصرخون به ويستنجدونه ~~ويبذلون تسليم البلد إليه ويسئلونه المبادرة والتعجيل بانفاذ عدة وافرة من ~~الأتراك تصل إليهم سرعة لمعونتهم وتقويتهم وإن تأخرت المعونة عنهم قادتهم ~~الضرورة إلى تسليمه إلى الافرنج ليأسهم من نصرة الأفضل صاحب مصر فبادر ~~أتابك بانفاذ جماعة وافرة من الأتراك بالعدد الكاملة تزيد على المائتين ~~فرسانا رماة أبطالا فوصلت إليهم وأتت أهل صور رجالة كثيرة من صور وجبل ~~عاملة رغبوا في ذلك مع رجالة من دمشق وصلوا إليهم وحصلوا عندهم وشرع أتابك ~~في إنفاذه عدة أخرى. فحين عرف بغدوين ما تقرر بين أتابك وأهل ms193 صور بادر ~~النزول عليها فيمن جمعه وحشده في اليوم الخامس وعشرين من جمادى الأولى سنة ~~505 وتقدم بقطع الشجر والنخل وبنى بيوت الاقامة عليها وزحف إليها فقاتلها ~~عدة دفعات ويعود خاسرا لم ينل منها غرضا وقيل أن أهل صور رشقوا في بضع أيام ~~مقاتلتها في يوم واحد بعشرين ألف سهم PageV01P107 وخرج ظهير الدين من دمشق ~~حين عرف نزولهم على صور وخيم ببانياس وبث سراياه ورجالة الحرامية في أعمال ~~الافرنج وأطلق لهم النهب والقتل والسلب والأخراب والحرق طلبا لازعاجهم ~~وترحيلهم عنها فتدخل العدة الثانية إلى صور فلم يتمكن من الدخول. ونهض ظهير ~~الدين إلى الحبيس الذي في السواد وهو حصن منيع لا يرام فشد القتال عليه ~~وملكه بالسيف قهرا وقتل من كان فيه قسرا وشرع الافرنج في عمل برجي خشب ~~للزحف بهما إلى سور صور وزحف ظهير الدين إليهم عدة دفعات ليشغله بحيث يخرج ~~عسكر صور فيحرق البرجين وعرف الافرنج قصده في ذلك وخندقوا عليهم من جميع ~~الجهات ورتبوا على الخندق الرجال بالسلاح لحفظه وحفظ الأبراج ولم يحفلوا ~~بما يفعل وما يجري على أعمالهم من الغارات عليها والفتك بمن فيها. وهجم ~~الشتاء فلم يضر بالافرنج لأنهم كانوا نزولا في أرض رملة صلبة والأتراك ~~بالضد من ذلك قد كابدوا من مقامهم شدة عظيمة ومشقة مؤلمة إلا إنهم لا يخلون ~~من غارة وفائدة وقطع ميرة عن الافرنج ومادة وأخذ ما يحمل إليهم وقطع ~~الأتراك الجسر الذي كان يعبر عليه إلى صيدا ليقطع المادة أيضا عنها فعدلوا ~~عند ذلك إلى استدعاء الميرة في البحر من جميع الجهات ففطن ظهير الدين لذلك ~~ونهض في فريق من العسكر إلى ناحية صيدا وغار على ظاهرها فقتل جماعة من ~~البحرية وأحرق تقدير عشرين مركبا على الشط وهو مع ذلك لا يهمل إصدار الكتب ~~إلى أهل صور بتقوية قلوبهم وتحريضهم على استعمال المصابرة للافرنج والجد في ~~قتالهم PageV01P108 وتم عمل البرجين وكباشهما التي تكون فيهما في تقدير ~~خمسة وسبعين يوما وشرع في تقديمهما والزحف بهما في عاشر شعبان وقربا من ms194 سور ~~البلد واشتد القتال عليهما وكان طول البرج الصغير منهما نيفا وأربعين ذراعا ~~والكبير يزيد على الخمسين ذراعا. ولما كان أول شهر رمضان خرج أهل صور من ~~الأبراج بالنفط والحطب والقطران وآلة الحرق فلم يتمكنوا من الوصول إلى شيء ~~منهما فألقوا النار قريبا من البرج الصغير بحيث لم يتمكن الافرنج من دفعها ~~فهبت ريح وألقت النار على البرج الصغير فاحترق بعد المحاربة الشديدة عليه ~~والمكافحة العظيمة عنه ونهب منه زرديات كثيرة وطوارق وغير ذلك واتصلت النار ~~بالبرج الكبير. واتصل الخبر بالمسلمين بأن الافرنج قد هجروا حربة البلد ~~للاشتغال بحريق البرج وانثنوا عن المقاتلة على الأبراج وشد الافرنج عليهم ~~وكشفوهم عن البرج واطفأوا ما علق به من النار ورتبوا عدة وافرة من أبطالهم ~~لحفظ البرج والمنجنيقات من جميع الجهات وواظبوا الزحف إليها إلى آخر شهر ~~رمضان وقربوا البرج إلى بعض أبراج البلد وطموا الثلاثة الخنادق التي أمامه ~~وعمد أهل البلد إلى تعليق حائط البرج الذي بإزاء برج الافرنج وأطلقوا النار ~~فيه فاحترق التعليق وسقط وجه الحائط في وجه البرج فمنع من تقديمه إلى السور ~~والزحف به وصار الموضع الذي قصدوه قصيرا وأبراج البلد تحكم عليه وبطل ~~تقديمه من ذلك الوجه وكشف الافرنج الردم وجروه إلى برج آخر من أبراج البلد ~~ودفعوه إليه وقربوه من سور البلد وصدموا بالكباش التي فيه السور فزعزعوه ~~ووقع منه شيء من الحجارة وأشرف أهل البلد على الهلاك. فعمد رجل من مقدمي ~~البحرية عارف بالصنعة من أهل طرابلس له فهم ومعرفة بأحوال الحرب إلى عمل ~~كلاليب حديد لمسك الكبش إذا نطح به السور من رأسه ومن جانبه بحبال يجذبها ~~الرجال حتى يكاد البرج الخشب يميل من شدة جذبهم بها فتارة تكسره الافرنج ~~خوفا من البرج وتارة يميل أو يفسد وتارة ينكسر بصخرتين تلقيان عليه من ~~البلد مشدودة احداهما إلى الاخرى فعملوا عدة من الكباش وهي تكسر على هذه ~~الصفة واحدا بعد واحد وكان طول كل واحد منها ستين ذراعا معلقا في البرج ~~الخشب بحبال في رأس كل ms195 واحد من الكباش حديد يزيد وزنه على عشرين رطلا. فلما ~~طال تجديد الكباش وقربوا البرج من السور عمد هذا الرجل البحري المقدم ذكره ~~إلى خشبة طويلة جافية قوية أقامها في برج البلد الذي بإزاء برج الافرنج وفي ~~رأسها خشبة على شكل الصليب طولها أربعون ذراعا تدور على بكر بلولب كيف ما ~~أراد متوليها على مثال ما يكون في الصواري البحرية وفي طرف الخشبة التي ~~تدور سهم حديد وفي طرفها الآخر حبال مدارة بها على ما يريد متوليها وكان ~~يرفع فيها جرار الكدر والنجاسة ليشغلهم بطرح ذلك عليهم في البرج عن الكباش. ~~وضاق الأمر بالناس وشغلهم ذلك عن أمورهم وأشغالهم وعمد البحري المذكور إلى ~~سلال العنب والقفاف فيجعل فيها الزيت والقير والسراقة والقلفونية وقشر ~~القصب ويطلق فيها النار فإذا علقت بذلك وقع ذلك في الآلة المذكورة حتى ~~يوازي برج الافرنج فتقع النار في أعلى البرج فيبادروا باطفائها بالخل ~~والماء فيبادر برفع اخرى ومع هذا يرمي أيضا بالزيت المغلي في قدور صغار على ~~البرج فيعظم الوقيد. فلما كثرت النار وحمل بعضها بعضا وقويت قهرت الرجلين ~~المتولين لرأس البرج وقتل أحدهما وانهزم الآخر ونزل منه فتمكنت النار من ~~رأسه ونزلت إلى الطبقة الثانية من رأسه ثم إلى الوسطى وعملت في الخشب وقهرت ~~من كان حوله في الطبقات وعجزوا عن اطفائها وهرب كل من فيه وحوله من الافرنج ~~وخرج أهل صور إليه فنهبوا ما فيه وغنموا من السلاح والآلات والعدد ما لا ~~يحده وصف PageV01P109 فعند ذلك وقع يأس الافرنج منه وشرعوا في الرحيل عنه ~~وأحرقوا البيوت التي كانوا قد عمروها في المنزل لسكناهم وأحرقوا كثيرا من ~~المراكب التي كانت لهم على الساحل لأنهم كانوا أخذوا صواريها وأرجلها ~~وآلاتها للأبراج وكانت عدتهم تقدير مائتي مركب كبارا وصغارا منها تقدير ~~ثلاثين مركبا حربية وحملوا في بعضها ما خف من أثقالهم ورحلوا في العاشر من ~~شوال من السنة وكانت مدة إقامتهم على محاصرة صور أربعة أشهر ونصف شهر ~~وقصدوا عكا وتفرقوا إلى أعمالهم. وخرج أهل صور وغنموا ms196 ما ظفروا به منهم ~~وعادت الأتراك المندوبون لاسعادهم إلى دمشق وقد فقد منهم في الحرب نحو ~~عشرين رجلا وكان لهم فيها الجراية والواجب في كل شهر. ولم يتم على برج من ~~أبراج الافرنج في القديم والحديث مثل ما تم على هذا البرج من إحراقه من ~~رأسه إلى أسفله والذي أعان على هذا هو تساوي البرجين في الارتفاع ولو طال ~~أحدهما على الآخر لهلك أقصرهما. وكان عدد المفقودين من أهل صور أربعمائة ~~نفس ومن الافرنج في الحرب أيضا على ما حكى الحاكي العارف تقدير ألفي نفس. ~~ولم يف أهل صور بما كانوا بذلوه لظهير الدين أتابك من تسليم البلد إليه ولم ~~يظهر لهم في ذلك قولا وقال: إنما فعلت ما فعلت لله تعالى وللمسلمين لا ~~لرغبة في مال ولا مملكة. فكثر الدعاء له والشكر بحسن فعله ووعدهم أنه متى ~~دهمهم خطب مثل هذا سارع إليه وبالغ في المعونة عليه وعاد إلى دمشق بعد ~~مكابدة المشقة في مقابلة الافرنج إلى أن فرج الله عن أهل صور. وشرع أهل صور ~~في ترميم ما شعثه الافرنج من سورها وأعادوا الخنادق إلى حالها ورسمها بعد ~~طمتها وحصنوا البلد وتفرق من كان فيه من الرجالة وفي الثاني من شعبان ورد ~~الخبر بهلاك بدران بن صنجيل صاحب طرابلس بعلة لحقته وأقام ابنه في الأمر من ~~بعده وهو طفل صغير كفله أصحابه ودبروا أمره مع طنكري صاحب أنطاكية وجعلوه ~~من خيله وأقطعه انطرطوس وصافيثا ومرقية وحصن الأكراد وفي هذه السنة حدث ~~بمصر الوباء المفرط بحيث هلك به خلق كثير يقال تقدير ستين ألف نفس. وفيها ~~ورد الخبر من ناحية العراق بوصول السلطان غياث الدنيا والدين محمد بن البي ~~كذا إلى بغداد في جمادى الأولى منها وأقام بها مدة ثقل فيها على أهلها ~~وارتفع معها السعر إلى أن رحل عنها فصلحت الحال ورخص السعر. وفيها وردت ~~الأخبار بوصول الأمير شرف الدين مودود صاحب الموصل في عسكره ونزوله على ~~الرها ورعيه لزرعها في ذي القعدة منها وأقام عليها إلى المحرم ms197 سنة 506 ورحل ~~عنها إلى سروج ورعى زرعها وهو في غفلة غير متحفظ من عدو يطرق ومسلم يرهق ~~ولم يشعر إلا وجوسلين صاحب تل باشر في خيله من الافرنج ودواب العسكر منتشرة ~~في المرعى هجم عليها من ناحية سروج على حين غفلة من مودود وأصحابه فقتلوا ~~منهم جماعة فاستاقوا أكثر كراعهم وقتل بعض المقدمين واستيقظ من كان من ~~المسلمين غافلا وتأهبوا للقائه فعاد إلى حصن سروج وفي هذه السنة انتقل تاج ~~الملوك بوري بن أتابك إلى دار الملك شمس الملوك دقاق في قلعة دمشق في ~~المحرم منها. وفيها ورد الخبر بوفاة قراجه الوالي بحمص بعلة طالت به وكان ~~فيها هلاكه وقد كان مؤثرا للظلم مشاركا للحرامية وقطاع الطريق وأقيم في ~~مكانه ولده خيرخان بن قراجه تابعا في الظلم لأفعاله ناسجا في العدوان ~~والجور على منواله # سنة ست وخمسمائة PageV01P110 فيها اشتد خوف أهل صور من عند الافرنج إلى ~~منازلتهم فأجمعوا أمرهم مع عز الملك أنوشتكين الأفضلي الوالي بها على ~~تسليمها إلى ظهير الدين أتابك بحكم ما سبق من نصرته لهم في تلك النوبة ~~ومعاضدته إياهم في تلك الشدة وندبوا رسولا وثقوا به وسكنوا إليه في الحديث ~~مع ظهير الدين أتابك في هذا الباب ووصل إلى بانياس وواليها الأمير سيف ~~الدولة مسعود فتحدث معه وسار الأمير مسعود مع الرسول إلى دمشق لتقرير الحال ~~بمحضر منه فصادف ظهير الدين أتابك قد توجه إلى ناحية حماة لتقرير الحال ~~فيما بينه وبين فخر الملوك رضوان صاحب حلب فأشفق الأمير مسعود أن يتأخر ~~الأمر إلى حين عود ظهير الدين من حماة فيبادر بغدوين بالنزول على صور ويفوت ~~الغرض المطلوب فيها فقرر مع ولده تاج الملوك بوري النائب عنه في دمشق ~~المصير معه إلى بانياس وانتهاز الفرصة في تسليم صور إليه فأجاب إلى ذلك ~~وتوجه معه إلى بانياس وتم مسعود إلى صور ومعه من يعتمد عليه من العسكر ولم ~~ينتظر وصول أتابك ووصل إليها وحصل بها. وانتهت الحال في ذلك إلى أتابك ~~فانهض فرقة وافرة من الأتراك ms198 إلى صور تقوية لها فوصلت إليها وحصلت بها ~~واستقر أمر الأتراك فيها وحمل إليها من دمشق ما أنفق فيهم وطيب نفوس أهل ~~البلد وأجروا على الرسم في إقامة الدعوة والسكة على ما كانت عليه لصاحب مصر ~~ولم يغير لهم رسم وكتب ظهير الدين أتابك إلى الأفضل بمصر يعلمه: أن بغدوين ~~قد جمع وحشد للنزول على صور وأن أهلها استنجدوا بي عليه والتمسوا مني دفعه ~~عنهم فبادرت بانهاض من أثق بشهامته لحمايتها والمراماة دونها إليه وحصلوا ~~فيها ومتى وصل إليها من مصر من يتولى أمرها ويذب عنها ويحميها بادرت ~~بتسليمها إليه وخروج نوابي منها وأنا أرجو أن لا يهمل أمرها وانفاذ الاسطول ~~بالغلة إليها والتقوية لها. وحين عرف بغدوين هذا الخبر رحل في الحال من بيت ~~المقدس إلى عكا فوجد الأمر قد فات وحصل بها الأتراك فأقام بعكا ووصل إليه ~~من العرب الزريقيين من بلد عسقلان رجل يعلمه أن القافلة الدمشقية قد رحلت ~~من بصرى إلى ديار مصر وفيها المال العظيم وأنا دليلك إليها وتطلق لي من أسر ~~من أهلي فنهض بغدوين من وقته عن عكا في طلب القافلة واتفق أن بعض بني هوبر ~~تخطف بعضها وخلصت منهم ووصلت إلى حلة بني ربيعة فمسكوها أياما وأطلقوها بعد ~~ذلك وخرجت من نقب عازب وبينه وبين بيت المقدس مسافة يومين للفارس فلما حصلت ~~بالوادي أشرفت الافرنج عليها فهرب من كان بها فالذي صعد منها الجبل سلم ~~وأخذ ماله وأخذت العرب أكثر الناس فاشتمل الافرنج على ما فيها من الأمتعة ~~والبضائع وتتبعت العرب من أفلت منهم فأخذوه وحصل لبغدوين منها ما يزيد على ~~خمسين ألف دينار وثلاثمائة أسير وعاد إلى عكا ولم يبق بلد من البلاد إلا ~~وقد أصيب بعض تجاره في هذه القافلة. وفيها توفي القاضي أبو عبد الله محمد ~~بن موسى البلاساغوني التركي في يوم الجمعة الثالث عشر من جمادى الآخرة ~~بدمشق رحمه الله وهو معزول عن قضائها ولازم منزله PageV01P111 وفي هذه ~~السنة وصل ابن الملك تكش ابن السلطان البارسلان أخي السلطان ms199 العادل ملك شاه ~~إلى حمص هاربا من ابن عمه السلطان غياث الدنيا والدين محمد ولم يمكنه ~~المقام بحمص ولا حماة فتوجه إلى حلب وكان ولد فخر الملوك رضوان صاحب حلب في ~~الدركاه السلطانية فأشفق من المقام بحلب فتوجه إلى طنكري صاحب أنطاكية ~~فاستجاره فأجاره وأكرمه وأحسن إليه واجتمع إليه جماعة من الأتراك الذين مع ~~طنكري فأقام عنده. وخرج طنكري من أنطاكية في أول جمادى الآخرة إلى ناحية ~~كربيل مقدم الأرمن وكان قد هلك طمعا في تملك بلاده فعرض له مرض في طريقه ~~أوجب عوده إلى أنطاكية فاشتد به المرض فهلك في يوم الأربعاء الثامن من ~~جمادى الآخرة وقام في الأمر بعده ابن أخيه سرجال فتسلم أنطاكية وأعمالها ~~واستقام له الأمر فيها بعد أن جرى بين الافرنج خلف بسببه إلى أن أصلح بينهم ~~القسوس وطلب من الملك رضوان مقاطعة حلب المستقرة فأجابه إلى ذلك ومبلغها ~~عشرون ألف دينار والخيل وطلب مقاطعة شيزر فأجاب صاحبها إليها وهي عشرة آلاف ~~دينار. وتواترت غارات بغدوين على عمل البثنية من أعمال دمشق وانقطعت الطريق ~~وقلت الأقوات بها وغلا السعر فيها وتتابعت كتب ظهير الدين أتابك إلى الأمير ~~شرف الدين مودود صاحب الموصل بشرح هذه الأحوال في هذه الأعمال وبعثه على ~~الوصول إليه للاعتضاد على دفع المردة الاضداد والفوز بفضيلة الجهاد وكان ~~مودود قد شنع عليه عند السلطان غياث الدنيا والدين بشناعات من الحال لفقها ~~الحسدة الأعداء أوجبت استيحاشه منه وبعده عنه قيل في جملتها أنه عازم على ~~الخلاف والعصيان وأن يده ويد أتابك قد صارت يدا واحدة وأراؤهما متوافقة ~~وأهواؤهما متطابقة. فما عرف ذلك سير ولده وزوجته إلى باب السلطان بأصفهان ~~للتنصل والاعتذار وإبطال ما رمي إليه من المحال والتبرئ مما افتري عليه ~~وعزي إليه والاستعطاف له والاعلام بأنه جار على ما ألف منه على اخلاص ~~الطاعة والعبودية والمناصحة في الخدمة والاهتمام بالجهاد. ثم جمع عسكره من ~~الأتراك والأكراد ومن أمكنه وتوجه إلى الشام وقطع الفرات في ذي القعدة من ~~السنة. فحين اتصل خبره ببغدوين ms200 الملك قلق لذلك وانزعج لخبره. وكان جوسلين ~~صاحب تل باشر قد اختلف هو وخاله بغدوين الرويس صاحب الرها وصار مع بغدوين ~~صاحب بيت المقدس واقطعه طبرية واتفقا على أن راسل جوسلين لظهير الدين أتابك ~~يبذل المصافاة والمودة ويرغبه في الموادعة والمسالمة ويسلم إليه حصن ثمانين ~~المجاور لحصن.... وجبل عاملة ويتعوض عن ذلك بحصن الحبيس الذي في السواد ~~ونصف السواد ويضمن عن بغدوين الوفاء بذلك والثبات على المودة والمصافاة ~~وترك التعرض لشيء من أعمال دمشق ولا يعرض هو لشيء من أعمال الافرنج. فلم ~~يجب إلى ذلك ونهض من دمشق في العسكر للقاء الأمير مودود والاجتماع به على ~~الجهاد فاجتمعا بمرج سلمية واتفق رأيهما عرى قصد بغدوين وصارا وقد استصحب ~~أتابك جميع العسكر ومن كان بحمص وحماة ورفنية ونزلا يوم عيد النحر بقدس ~~ورحلا منها إلى عين الجر بالبقاع ثم منها إلى وادي التيم ثم نزلا بانياس ~~ونهضت فرقة من العسكر فقصدت ناحية ثمانين فلم يظفر منها بمراد وعادت ووصل ~~إليها بغدوين وقد كان لما ينس من إجابة أتابك إلى الموادعة وأصل الغارات ~~والفساد في الشام إلى أن وصل عسكر السلطان إلى عمله. وبالغ أتابك فيما حمله ~~إلى الأمير مودود وإعظامه وإكرامه وما حمله إليه وإلى مقدمي عسكره وخواصه ~~من أنواع الملبوس والمأكول والمركوب ثم نهضوا معلمين على النزول على ~~القحوانة ووصل إلى بغدوين سرخالة صاحب أنطاكية وصاحب طرابلس وأجمعوا رأيهم ~~على النزول غربي جسر الصنبرة ثم يقطعون إلى القحوانة للقاء المسلمين وقد ~~احتاطوا على أثقالهم وراء الجسر والمسلمون لا يعملون بذلك وأنهم قد عارضوهم ~~في المسير إلى هذا المنزل. فسبق الأتراك إلى نزولهم في القحوانة وقطع بعد ~~عسكر الأتراك الجسر لطلب العلوفات والزرع فصادفوا الافرنج قد ضربوا خيامهم ~~وقد تقدم بغدوين المسبق إلى هذا المنزل ونزل صاحب أنطاكية وصاحب طرابلس ~~وراءه يتبعونه إليه PageV01P112 ونشبت الحرب بين المتعلفة وبين الافرنج ~~وصاح الصائح ونفر الناس وقطعوا الجسر وهم يظنون أنه جوسلين لأنه صاحب طبرية ~~فوقف أتابك على الجسر وتسرع خلق كثير من العسكر ms201 إلى قطع الجسر وقطع الأمير ~~تميراك بن أرسلانتاش في فريق وافر من العسكر ونشبت الحرب بين الفريقين من ~~غيرتا هب للقاء ولا ضرب خيام ولا استقرار في منزل ولا مجال واختلط الفريقان ~~فمنح الله الكريم له الحمد المسلمين النصر على المشكرين بعد ثلاث كرات فقتل ~~فيها من الافرنج تقدير ألفي رجل من الأعيان ووجوه الأبطال والشجعان وملكوا ~~ما كان نصب من خيامهم والكنيسة المشهورة وأفلت بغدوين بعد ما قبض وأخذ ~~سلاحه وملكت دواب الرجالة وما كان لهم وغرق منهم خلق كثير في البحيرة ~~واختلط الدم والماء وامتنع الناس من الشرب منها أياما حتى صفت منه وراقت ~~والتجأ من نجا من الافرنج إلى طبرية وأكثرهم جرحى وذلك في يوم السبت الحادي ~~عشر من المحرم سنة 507. وبعد انفصال الأمر وصل باقي الافرنج أصحاب طنكري ~~وابن صنجيل فلأمره على التسرع وفندوا رأيه ونصبوا ما كان سلم من خيامهم على ~~طبرية وفي غد يوم الوقعة نهض فريق من عسكر الأتراك إلى ناحية طبرية وأشرفوا ~~على الافرنج بناحية طبرية وعزموا على النزول إليهم والايقاع بهم فخافهم ~~الافرنج وأيقنوا بالهلاك وأقام الأتراك على الجبل عامة نهارهم وانكفوا إلى ~~معسكرهم وطلع الافرنج إلى الجبل وتحصنوا به لصعوبة مرتقاه وهو من غربي ~~طبرية والماء ممتنع على من يكون فيه فعزم المسلمون على الصعود إليه ~~مواقعتهم واستدعى أتابك العرب الطائيين والكلابيين والخفاجيين فوصلوا في ~~خلق كثير بالمزادات والروايا والابل لحمل الماء وصعدت الطلائع إلى الجبل من ~~شماله وعرفوا أن هذا الجبل لا يمكن الحرب فيه لصعوبته على الفارس والراجل. ~~وعلم المسلمون أن الظفر قد لاحت دلائله واماراته والعدو قد ذل وانخزل وفل ~~وانخذل وسرايا الاسلام قد بلغت في النهيض إلى أرض بيت المقدس ويافا وأخربت ~~أعمالهم ودوختها واستاقت عواملها ومواشيه وغنمت ما وجدته فيها فانثنى الرأي ~~عن الصعود ودامت الحال على هذه القضية إلى آخر صفر وعقيب هذه النوبة وصل من ~~حلب من عسكر الملك فخر الملوك رضوان مائة فارس على سبيل المعونة خلاف ما ~~كان قرره وبذله فأنكر ms202 ظهير الدين أتابك وشرف الدين مودود ذلك منه وأبطلا ~~العمل بما كانا عزما عليه من الميل إليه وإقامة الخطبة له وذلك في أول شهر ~~ربيع الأول سنة 507 وسيرا رسولا إلى السلطان غياث الدنيا والدين إلى مدينة ~~أصفهان بالبشارة بهذا الفتح ومعه جماعة من أسارى الافرنج ورؤسهم وخيولهم ~~وطوارقهم ومضاربهم وأنواع سلاحهم PageV01P113 ثم إن العسكر رحل من المنزل ~~إلى وادي المقتول ونزل الافرنج عند ذلك عن الجبل إلى منزلهم والتجأوا إلى ~~جبل في المنزل وتواصلت إليهم ميرهم وازوادهم وأمدادهم من أعمالهم فعاد ~~إليهم عسكر الأتراك من منزلهم جرائد في بضع عشرة كردوسا ولزموا ذلك أياما ~~يرومون أن يخرجوا إليهم فلم يظهروا للحرب ولازم بعضهم بعضا الفارس والراجل ~~في مكان واحد لا يظهر منهم شخص وجعل الأتراك يحملون عليهم فيصيبون منهم ~~بالنشاب ما يقرب منهم ويمنعون الميرة والعلوفة عنهم وقد أحدقوا بهم كالنطاق ~~وهالة بدر الآفاق فاشتد الأمر بهم فرحلوا عن منزلة في ثلاثة أيام تقدير ~~فرسخ عائدين. فلما كان الليل قصدوا الجبل الذي كانوا أولا عليه ملتجئين ~~إليه ومحتمين به وواظب المسلمون قصدهم والتلهف على ما يفوت منهم ومن ~~غنائمهم بالاستمرار على الاحجام عن ظهورهم على أن مقدمي العسكر يمنعونهم من ~~التسرع إليهم والاقدام في منزلهم عليهم ويعدونهم بفرصة تنتهز فيهم. فطال ~~أمد المقام وضاقت صدور أصحاب مودود لبعد ديارهم وتأخر عودهم وتعذر أوطارهم ~~فتفرق أكثرهم وعادوا إلى بلادهم فاستأذن آخرون في العود فأذن لهم وعزم ~~مودود على المقام بالشام والقرب من العدو ينتظر ما يصله من الأمر السلطاني ~~والجواب عما أنهاه وطالع به فيعمل بحسبه. ولم يبق في بلاد الافرنج مسلم إلا ~~وأنفذ يلتمس الأمان من أتابك وتقرير حاله ووصل إليه بعض ارتفاع نابلس ونهبت ~~بيسان ولم يبق بين عكا والقدس ضيعة عامرة والافرنج على حالهم في التضييق ~~عليهم والحصر لهم على الجبل. واقتضى الرأي عود أتابك ومودود فعادا إلى دمشق ~~في الحادي والعشرين من شهر ربيع الأول سنة 507 ونزل مودود في حجرة الميدان ~~الأخضر وبالغ أتابك في ms203 إكرامه واحترامه وإعظامه بما يجد إليه السبيل وتأكدت ~~المودة بينهما والمصافاة وتولى خدمته بنفسه وخاصته وواصلا صلاة الجمعة ~~جميعا في مسجد الجامع بدمشق والتبرك بنظر المصحف الكريم الذي كان حمله ~~عثمان بن عفان رضي الله عنه من المدينة إلى طبرية وحمله أتابك من طبرية إلى ~~جامع دمشق # سنة سبع وخمسمائة # قد ذكرنا ما ذكرناه من الحوادث في سنة 506 وسياقة الأمر إلى أوائل سنة ~~507 رغبة في صلة الحديث ورغبة عن قطعه. ولما كان يوم الجمعة الأخيرة من شهر ~~ربيع الآخر سنة 507 دخل الأمير مودود من مخيمه بمرج باب الحديد إلى الجامع ~~على رسمه ومعه أتابك فلما قضيت الصلاة وتنفل بعضها مودود وعادا جميعا ~~وأتابك أمامه على سبيل الاكرام له وحولهما من الديلم والخراسانية والأحداث ~~والسلاحية بأنواع السلاح من الصوارم المرهفة والصمصامات الماضية والنواحل ~~المختلفة والخناجر المجردة ما شاكل الأجمة المشتبكة والغيضة الآشبة والناس ~~حولهما لمشاهدة زيهما وكبر شأنهما فلما حصلا في صحن الجامع وثب رجل من بين ~~الناس لا يؤبه له ولا يحفل به فقرب من الأمير مودود كأنه يدعو له ويتصدق ~~منه فقبض ببند قبائه بسرعة وضربه بخنجره أسف سرته ضربتين إحداهما نفذت إلى ~~خاصرته والأخرى إلى فخذه هذا والسيوف تأخذه من كل جهة وضرب بكل سلاح وقطع ~~رأسه ليعرف شخصه فما عرف وأضرمت له نار فألقي فيها. وعدا أتابك خطوات وقت ~~الكائنة وأحاط به أصحابه ومودود متماسك يمشي إلى أن قرب من الباب الشمالي ~~من الجامع ووقع فحمل إلى الدار الأتابكية وأتابك معه ماش واضطرب الناس ~~اضطرابا شديدا وماجوا واختلفوا ثم سكنوا بمشاهدتهم له يمشي وظنوا به ~~السلامة وأحضر الجرائحي فخاط البعض وتوفي رحمه الله بعد ساعات يسيرة في ~~اليوم المذكور فقلق أتابك لوفاته على هذه القضية وتزايد حزنه وأسفه ~~وانزعاجه وكذلك سائر الأجناد والرعية وتألموا لمصابه وزاد التأسف والتلهف ~~عليه وكفن ودفن وقت صلاة العصر من اليوم في مشهد داخل باب الفراديس من دمشق ~~وكل عين تشاهده باكية والمدامع على الوجنات جارية. وشرع أصحابه في ms204 التأهب ~~للعود إلى أماكنهم من الموصل وغيرها من البلاد وتقدم أتابك بإطلاق ما ~~يستدعونه لسفرهم واستصحبوا معهم أثقاله وجواهره وماله PageV01P114 وقد كانت ~~سيرته في ولايته حائرة وطريقته في رعية الموصل غير حميدة وهرب خلق كثير من ~~ولايته لجوره فلما بلغه تغير نية السلطان فيه عاد عن تلك الطريقة وحسنت ~~أفعاله وظهر عدله وانصافه واستأنف ضد ما عرف منه وسمع عنه ولزم التدين ~~والصدقات والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر المكروه فشاعت بالجميل أخباره ~~وبحسن الارتضاء آثاره ثم توفي سعيدا مقتولا شهيدا ولم يزل مدفونا في ذلك ~~المشهد مخدوم القبر بالقومة والقراءة إلى آخر شهر رمضان من السنة ووصل من ~~عند ولده وزوجته من حمل تابوته إليهما وفي هذه السنة ورد الخبر من بغداد ~~بوفاة الفقيه الامام أبي بكر محمد بن أحمد الشاشي رحمه الله ببغداد يوم ~~السبت الخامس والعشرين من شوال منها وقد انتهت الرئاسة إليه على أصحاب ~~الشافعي ودفن في تربة شيخه أبي إسحق الشيرازي رحمه الله قد تقدم من ذكر ما ~~كان من نوبة صور وانتقال ولايتها إلى ظهير الدين أتابك واستنابته مسعودا في ~~حفظها وحمايتها وتدبير أمرها وانفاذ رسوله إلى الأفضل بشرح حالها ولم يزل ~~الرسول المسير إلى مصر مقيما بها إلى ذي الحجة من سنة 506 وظهر للأفضل صورة ~~الحال فيها وجلية الأمر بها وأعاد الرسول بالجواب الجميل وإن: هذا أمر وقع ~~منا أجمل موقع وأحسن موضع واستصواب رأي ظهير الدين فيما اعتمده وإحماد ما ~~قصده. وتقدم بتجهيز الاسطول إليها بالغلة والميرة ومال النفقة في الأجناد ~~والعسكرية وما يباع على الرعية من الغلات ووصل الاسطول بذلك إلى صور ومقدمه ~~شرف الدولة بدر بن أبي الطيب الدمشقي الوالي كان بطرابلس عند تملك الافرنج ~~لها في آخر صفر سنة 507 بكل ما يحتاج إليه فرخصت الأسعار بها وحسنت حالها ~~واستقام أمرها وزال طمع الافرنج فيها. ووصل في جملته خلع فاخرة من طرف مصر ~~رسم ظهير الدين وولده تاج الملوك بوري وخواصه ولمسعود الوالي المستناب بها ~~وأقام الاسطول عليها إلى ms205 أن استقام الريح له فأقلع عنها في العشر الأخير من ~~شهر ربيع الأول منها. وأرسل بغدوين الملك إلى الأمير مسعود واليها يلتمس ~~منه المهادنة والموادعة والمسالمة لتحسم أسباب الأذية عن الجانبين فأجابه ~~إلى ذلك وانعقد الأمر بينهما على السداد واستقامت الأحوال على المراد وأمنت ~~السابلة للمترددين والتجار والسفار الواردين من جميع الأقطار وتوفي رحمه ~~الله في عاشر شوال سنة 507 وقد كان صاحب أنطاكية لما فصل عن الملك بغدوين ~~بعسكره عائدا إلى أنطاكية فسح عنه ولد الملك تكش بن السلطان البارسلان وقصد ~~صور وأنفذ إلى ظهير الدين أتابك في الوصول إلى دمشق فأجابه بالاعتذار ~~الجميل والاحتجاج المقبول ودفعه أحسن دفع فلما أيسه توجه إلى مصر ولقي من ~~الأفضل ما أحب من الإكرام والمزيد من الاحترام والانعام واطلاق ما يعود ~~إليه بصالح الحال وتحقيق الآمال PageV01P115 وفي جمادى الآخرة وردت الأخبار ~~من ناحية حلب بمرض عرض للملك فخر الملوك رضوان صاحبها وأنه أقام به واشتد ~~عليه وتوفي رحمه الله في الثامن والعشرين من الشهر فاضطرب أمر حلب لوفاته ~~وتأسف أصحابه لفقده وقيل أنه خلف في خزانته من العين والعروض والآلات ~~والأواني تقدير ستمائة ألف دينار وتقرر الأمر بعده لولده البارسلان وعمره ~~ست عشرة سنة وفي كلامه حبسة وتمتمة وأمه بنت الأمير ياغي سيان صاحب أنطاكية ~~وقبض على جماعة من خواص أبيه فقتل بعضا وأخذ مال بعض ودبر الأمر معه خادم ~~أبيه لؤلؤ فأساء كل واحد منهما التدبير وقبض على أخويه ملك شاه من أمه ~~وأبيه ومبارك من أبيه وجارية وقتلهما. وقد كان أبوه الملك رضوان في مبدأ ~~أمره فعل مثل فعله بقتل أخويه من تاج الدولة أبي طالب وبهرام شاه وكانا على ~~غاية من حسن الصورة فلما توفي كان ما فعل بولديه مكافأة عما اعتمده في ~~أخويه. وكان أمر الباطنية قد قوي بحلب واشتدت شوكتهم بها وخاف ابن بديع ~~رئيس الأحداث بحلب وأعيان البلد منهم لكثرتهم وشد بعضهم من بعض وحماية من ~~يلجأ إليهم منهم لكثرتهم وكان الحكيم المنجم وأبو طاهر الصائغ ms206 أول من أظهر ~~هذا المذهب الخبيث بالشام في أيام الملك رضوان واستمالا إليه بالخدع ~~والمحالات ومال إليهم خلق كثير من الاسماعيلية بسرمين والجور وجبل السماق ~~وبني عليم فشرع ابن بديع رئيس حلب في الحديث مع الملك البارسلان بن رضوان ~~في أمرهم وقرر الأمر معه على الايقاع بهم والنكاية فيهم فقبض على أبي ظاهر ~~الصائغ وعلى كل من دخل في هذا المذهب وهو زهاء مائتي نفس وقتل في الحال أبو ~~طاهر الصائغ واسمعيل الداعي وأخو الحكيم المنجم والأعيان المشار إليهم منهم ~~وحبس الباقون واستصفيت أموالهم وشفع في بعضهم فمنهم من أطلق ومنهم من رمي ~~من أعلى القلعة ومنهم من قتل وهرب جماعة أفلتوا إلى الافرنج وتفرقوا في ~~البلاد ودعت الملك البارسلان الحاجة إلى من يدبر أمره ويثقف أوده فوقع ~~اختياره على ظهير الدين أتابك صاحب دمشق فراسله في ذلك وألقى مقاليده إليه ~~واعتمد في صلاح أحواله عليه وسأله الوصول إلى حلب والنظر في مصالحها وأوجبت ~~الصورة أن خرج الملك نفسه في خواصه وقصد أتابك في دمشق ليجتمع معه ويؤكد ~~الأمر بينه وبينه فوصل إليه في النصف من شهر رمضان من السنة فلقيه أتابك ~~بما يجب لمثله من تعظيم مقدمه واجلال محله وأدخله إلى قلعة دمشق وأجلسه في ~~دست عمه شمس الملوك دقاق بن تاج الدولة وقام هو والخواص في خدمته وحمل إليه ~~ما أمكن حمله من تحف وألطاف تصلح لمثله وكذلك لجميع من وصل في صحبته وأقام ~~أياما على هذه الحال وتوجه عائدا إلى حلب في أوال شوال من السنة ومعه ظهير ~~الدين أتابك في أكثر عسكره ووصل إلى حلب وأقام أياما. وأشار عليه قوم من ~~أصحابه بالقبض على جماعة من أعيان عسكره وعلى وزيره أبي الفضل بن الموصول ~~وكان حميد الطريقة مشهورا بفعل الخير وتجنب الشر ففعل ذلك واستخلص ظهير ~~الدين أتابك من جملتهم الأمير كمشتكين البعلبكي مقدم عسكره وخالف ما في نفس ~~أتابك من صائب الرأي ومحمود التدبير فحين شاهد الأمر على غير السداد ~~والصواب وبان له فساد التدبير ms207 واختلاف التقدير رأى أن الانكفاء إلى دمشق ~~أصوب ما قصد وأحسن ما اعتمد وفي صحبته والدة الملك رضوان لرغبتها في ذلك ~~وايثارها له. ولما حصل في دمشق اتصلت المراسلة بينه وبين بغدوين ملك ~~الافرنج في ايقاع المهادنة والموادعة والمسالمة لتعمر الأعمال بعد الأخراب ~~وتأمن السوابل من شر المفسدين والخراب فاستقرت هذه الحال بينهما واستحلف كل ~~واحد منهما صاحبه على الثبات والوفاء واخلاص المودة والصفاء وأمنت المسالك ~~والأعمال وصلحت الأحوال وتوفر الاستغلال PageV01P116 وفي هذه السنة ورد ~~الخبر من شيزر بأن جماعة من الباطنية من أهل أفامية وسمين ومعرة النعمان ~~ومعرة نصرين في فصح النصارى وثبوا في حصن شيزر على غفلة من أهله في مائة ~~راجل فملكوه وأخرجوا جماعة وأغلقوا باب الحصن وصعدوا إلى القلعة فملكوها ~~وأبراجها وكان بنو منقذ أصحابها قد خرجوا لمشاهدة عيد النصارى وكان هذا أمر ~~قد رتب في المدة الطويلة وقد كانوا أحسنوا إلى هؤلاء المقدمين على الفساد ~~كل الاحسان فبادر أهل شيزر قبل وصولهم إلى الباشورة ورفع الحرم بالحبال من ~~الطاقات وصاروا معهم وأدركهم الأمراء بنو منقذ أصحاب الحصن وصعدوا إليهم ~~وكبروا عليهم وقاتلوهم حتى الجأوهم إلى القلعة فخذلوا وذلوا وهجموا إليهم ~~وتكاثروا عليهم وتحكمت سيوفهم فيهم فقتلوهم بأسرهم وقتل كل من كان على ~~رأيهم في البلد من الباطنية ووقع التحرز من مثل هذه الحال # سنة ثمان وخمسمائة # في هذه السنة ورد الخبر من ناحية حلب بأن بابا المعروف بلؤلوء الخادم ~~أتابك الملك تاج الدولة البارسلان ولد الملك رضوان صاحب حلب عمل عليه وواطأ ~~جماعة من أصحابه على الايقاع به والفتك به عند وجود الفرصة متسهلة فيه فحين ~~لاحت لهم وثبوا عليه فقتلوه في داره بقلعة حلب واضطرب الأمر بعده وقد كان ~~تدبيره لنفسه وعسكريته ورعيته ستيئا فاسدا لا يرجى له صلاح ولا اصلاح فمضى ~~لسبيله غير مأسوف عليه ولا محزون لفقده. وفيها توفي الشريف نسيب الدولة أبو ~~القسم علي بن إبراهيم بن العباس بن الحسن الحسيني رحمه الله في ليلة الأحد ~~الرابع والعشرين من شهر ربيع ms208 الآخر ودفن بعد صلاة الظهر في التربة الفخرية ~~بدمشق. وفي هذه السنة حدثت بالشام زلزلة عظيمة ارتجت لها الأرض وأشفق الناس ~~وسكنت فسكنت لها النفوس بعد الوجيب والقلق وقرت القلوب بعد الانزعاج والفرق ~~وفي هذه السنة نزل الأمير نجم الدين ايل غازي بن ارتق على حمص وفيها خيرخان ~~ابن قراجا وكان عادة نجم الدين إذا شرب الخمر وتمكن منه أقام منه عدة أيام ~~مخمورا لا يفيق لتدبير ولا يستأمر في أمر ولا تقرير وقد عرف خيرخان منه هذه ~~العادة المستبشعة والغفلة المستبدعة فحين عرف إنه على تلك القضية خرج من ~~قلعة حمص في رجاله وكبسه في مخيمه وانتهز الفرصة فيه وقبض عليه وحمله إلى ~~حمص وذلك في شعبان منها وضاق صدر ظهير الدين أتابك لما انتهى الخبر بذلك ~~إليه وكاتب خيرخان بالانكار عليه والأكبار لما أجرى عليه وتغيرت نيته فيه ~~وأقام أياما في اعتقاله إلى أن أطلقه وخلى سبيله وفيها وردت الأخبار من ~~ناحية الافرنج بهلاك ملكهم بغدوين بعلة هجمت عليه مع انتقاض جرح كان أصابه ~~في الوقعة الكائنة بينه وبين المصريين فهلك بها وقام مقامه من بعده من ~~أرتضي به. وفيها توفي الشيخ أبو الوحش سبيع بن مسلم الضرير المعروف بابن ~~قيراط المقري المجود بالسبغة رحمه الله في يوم السبت الحادي عشر من شعبان ~~منها ودفن بباب الصغير بين قبور الشهداء رضي الله عنهم وكان ملازما لجامع ~~دمشق يقرأ إلى أن توفي على حسن طريقه # سنة تسع وخمسمائة PageV01P117 في هذه السنة قويت شوكة الافرنج في رفنية ~~وبالغوا في تحصينها وتشحنها بالرجال وشرعوا في الفساد والتناهي في العناد ~~فصرف ظهير الدين همه إلى الكشف عن أحوالهم والبحث عن مقاصدهم في أعمالهم ~~وترقب الفرصة فيهم ومعرفة الغرة منهم وتقدم إلى وجوه العسكر ومقدميه ~~بالتأهب والاستعداد لقصد بعض الجهات لاحراز فضيلة الجهاد والنهوض لأمر من ~~المهمات ثم أسرى إليهم مغذا حتى أدركهم وهم في مجاثمهم غارون وفي أماكنهم ~~لاهون قارون فلم يشعروا إلا والبلاء قد أحاط بهم من جميع جهاتهم فهجمت ~~الأتراك ms209 عليهم البلد فملكوه وحصل كل من كان فيه في قبضة الأسر وربقة الذل ~~والقهر فقتل من قتل وأسر من أسر وغنم المسلمون من سوادهم وكراعهم وأثاثهم ~~ما امتلأت به الأيدي وسرت به النفوس وقويت بمثله القلوب وذلك في يوم الخميس ~~لليلة خلت من جمادى الآخرة من السنة وانكفأ المسلمون إلى دمشق ظافرين ~~مسرورين غانمين لم يفقد منهم بشر ولا عدم شخص ومعهم الأسرى ورؤوس القتلى ~~فأطيف بهم في البلد بحيث تضاعف بمشاهدتهم السرور وانشرحت الصدور وقويت من ~~الجند في الجهاد والغزو الظهور. ولما شاع ذكر ظهير الدين أتابك في الأعمال ~~العراقية والدركاه السلطانية بما أعطاه الله من شدة البأس في محاربة ~~الافرنج الأرجاس ومنحه من النصر عليهم والنكاية فيهم والذب عن أهل الشام ~~ومراماته دونهم ومحاماته عنهم واحسان السيرة فيهم بحيث دعي له في محافل ~~الرعايا والتجار وشكر بين الرفق من سفار الأقطار فحسده قوم من مقدمي ~~الدركاه السلطانية الغياثية وراموا القدح فيه والطعن عليه طلبا لافساد حاله ~~واعتمادا لعكس أماله وحطا لرتبته بالحضرة السلطانية وتشعيث الآراء الجميلة ~~الغياثية وظهر الأمر بذاك وانتشر وشاع من كل صوب واشتهر وكتب إليه بذلك من ~~يؤثر صلاحه من الأصدقاء ويشفق عليه فأحدث ذاك له استيحاشا دعاه إلى التأهب ~~والاستعداد لتوجه ركابه إلى الباب الأمامي المستظهري والباب السلطاني ~~الغياثي بمدينة السلام بغداد للمتولي بهما والخدمة لهما والتقرب بالسعي ~~إليهما وإنهاء حاله إليهما وإزالة ما وقع في النفوس كأنه بالقدوم عليهما. ~~وأشير عليه بترك ذلك وإهماله وحذر منه وبعث على إغفاله فلم يصح إلى هذا ~~المقال ولا أعاد على أحد جواب سؤال بل تأهب للمسير وبالغ في الجد فيه ~~والتشمير وأعد ما يصحبه من أنواع التحف المستحسنة من أواني البلور والمصاغ ~~وأجناس الثياب المصرية والخيول السبق العربية مما يصلح أن يتقرب بمثله إلى ~~تلك المناصب العلية وسار في خواصه وأهل ثقته من غلمانه في يوم الأحد لست ~~بقين من ذي القعدة من السنة PageV01P118 فلما قرب من بغداد وأنهي خبر وصوله ~~تلقاه من خواص الدار العزيزة ms210 النبوية المستظهرية والدركاه السلطانية ~~الغياثية ووجوه الدولة وأعيان الرعية من بالغ في إكرامه وتناهى في احترامه ~~وقوبل من ذاك وما زاد في مسرة أوليائه وألفت في أعضاد حساده وأعدائه وأوضح ~~حاله فيما قصد لأجله فما سمع إلا ما عاد ببسط عذره وإحماد فعله وإطراء أمره ~~وتطييب نفسه وإبعاد استيحاشه وتأكيد أنسه. وحين عزم على الانكفاء إلى دمشق ~~وأذن له في ذلك شرف بالخلع السنية والكرامات الهنية وكتب له المنشور العالي ~~السلطاني الغياثي بولاية الشام حربا وخراجا واطلاق يده في ارتفاعه على ~~ايثاره واختياره بانشاء الطغرائي أبي إسمعيل الأصفهاني وهو إذ ذاك فريد ~~زمانه في الكتابة والبلاغة ووحيد عصره في الآداب والبراعة وقد أثبت نسخته ~~في هذا المكان ليعرف الواقف عليه فضل منشئه وعلو مرتبة من كتب له وأحسن ~~وصفه فيه وهو: بسم الله الرحمن الرحيم: هذا منشور أمر بانشائه السلطان ~~المعظم غياث الدنيا والدين أطال الله بقاءه وأعز أولياءه ونصر لواءه للأمير ~~الاصفهسلار الأجل الكبير ظهير الدين أتابك أدام الله تأييده لما بان تمسكه ~~من الطاعة بأحكم علائقها واعتصامه من الخدمة بأوكد وثائقها وانتهاجه من ~~المشايعة أقوم مسالكها واعتماده أفضل طرائقها وأجلت التجارب منه عين الناصح ~~الأريب والمهذب اللبيب المتدرج في مراقي الرتب السنية بالمساعي الرضية ~~والمحرز أحاظي القرب الخطيرة بالآثار الشهيرة المشهورة موافقة في قود ~~الجماهير العظام والذب عن حوزة الاسلام والتجرد لمظافرة الأولياء ومقارعة ~~الأعداء والاستقلال بمضلعات الأعباء الجامع إلى خصائص هذه الأسباب والالمام ~~بخدمة الأبواب والتحقق بزمر الحشم والأصحاب المستقل بنصحه المنخول بولائه ~~المقبول ووسائله المشفوعة توالدها بالطوارف وشوافعه المنصورة سوالفها ~~بالأوانف أن يزاد في الانافة بقدره والاشادة بذكره ويستخلص تخلية صدره ~~بتفخيم أمره وتجدد الصنيعة عنده بما يكون لواجب حقوقه قضاء ولمصالح مساعيه ~~كفاء ولمحله المرموق لائقا ولموضعه من الدولة مضاهيا مطابقا فرأيناه أحق من ~~أفيضت عليه ملابس الانعام وحبي من الكرامة بأوفر الأقسام ورفع من مراتب ~~الاجتباء والاختصاص إلى الذروة والسنام ورشح لكفاية المهام وتدبير الأمور ~~الجسام وأوطئ عقبة الكماة الأنجاد ورد إلى ايالته الأمصار ms211 والأجناد رسمنا ~~أن نجدد له هذا المنشور بإمارة الشام ونقرر عليه جميع ما دلت عليه المناشير ~~المنشأة المتضمنة لأسامي البلاد الموجبة له صارة رسمه معما يجري معها ويضاف ~~إليها من النواحي والضياع والحصون والقلاع حسبن ما أورد ذكره مفصلا في هذا ~~المثال وجعلناها نعمة مصونة من الارتجاع وطعمة محمية من الانتزاع قلدناه في ~~عامة تلك البقاع أعمال الحرب والمعاون والأحداث والأخرجة والأعشار وسائر ~~وجوه الجبايات والعروض والاعطاء والنفقة في الأولياء والمظالم والأحكام ~~وسائر المستظهر عليه بنظر الولاة الكفاة والنصحاء الثقاة رعاية لحقوقه ~~اللازمة ومحافظة على أذمته المتقادمة وثقة منه باستدامة النعمة وارتباطها ~~بالتوفر على شرائط الخدمة واستدعاء مزيد الاحسان واستيفاء عوائد الاصطناع ~~بدوام النصح وفضل الاستقلال والاضطلاع والله تعالى يجرينا على أحسن عوائده ~~بإصابة شاكلة الصواب في اختيار الأولياء ويلهمنا المرشد في مرامي الأفكار ~~ومواقع الآراء. ولا يخلينا في اصطفاء من يصطفيه واجتباء من يجتبيه من ~~مساوقة التوفيق لما نرتاده ونرتنيه أمرناه بتقوى الله وطاعته واستشعار ~~خيفته ومراقبته والالتجاء منها إلى الحصن الأمنع والظل الأمتع والاستظهار ~~منها بالذخر الأتقى والحرز الأوقى والاحتراس من هواجس الهواء باعتلاق ~~عروتها الوثقى وادراع شعارها الأتقى، قال الله تعالى: " يا أيها الذين ~~آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ويكفر عنكم سيآتكم ويغفر لكم وألله ذو ~~الفضل العظيم " . وأمرناه أن يسير فيمن قبله من الأولياء والحشم أجمل سيرة ~~ويحملهم بحسن السياسة على أفضل وثيرة ويسلكهم مسلكا وسطا بين اللين ~~والخشونة والسهول والوعورة ويشعر قلوبهم من الهيبة ما يقبض المتبسط ويردع ~~المتسلط ويرد غرب الجامح ويقيم صعر الجانح ويخص منهم ذوي الرأي والحنكة ~~والثبات والمسكة بالمشاورة PageV01P119 والمباحثة ويستخلص نخائل صدورهم عند ~~طروق الحوادث بالمفاوضة والمنافثة ويستعين بثمار ألبابهم ونتائج أفكارهم ~~على دفاع الملم وكفاية المهم ويتناول سفهاءهم وذوي العيث والفساد منهم ~~بالتقويم والتهذيب والتعريك والتأديب ويردهم عن غلوائهم بالقول ما كفى ~~وأحرز النصح ما أجدى وأغنى ومن زاده الأناة والحلم والاحتمال والكظم تماديا ~~في العدوان وتتابعا في الطغيان عركه عرك الأديم وتجاوز به حد التقويم إلى ms212 ~~التحطيم متيقنا إن إعطاء كل طبقة ممن تشمله رعايته وتكنفه إيالته حقها من ~~قوانين السياسة إرهاقا لبصيرة القارح المتمسك وكفا لغرب الحرج المتهالك. ~~قال الله تعالى: " وإما تخافن من قوم خيانة فأنبذ إليهم على سواء إن الله ~~لا يحب الخائنين " وأمرناه أن يوكل بأمر الثغور المتاخمة لأعماله والمصاقبة ~~لبلاده عينا كالئة وأذنا واعية وهمة للصغير والكبير في مصالحها مراعية ~~فيشحنها بذوي البأس والنجدة المذكورين بالبسالة والشدة المعروفين بالصريمة ~~والغناء والصبر عند اللقاء والبصيرة بمكابدة الأعداء ويستظهر لهم باستنجادة ~~الأسلحة والآلات والاستكثار من المير والأقوات ويناوب بينهم في مقارهم ~~مناوبة تجم المكدود وتريح المجهود وتدر عليهم الأرزاق عند الوجوب ~~والاستحقاق ليقوم أودهم ويقل لددهم ويحسن طاعتهم وتلين مقادتهم ويكثف عددهم ~~وعدتهم ويشتد على الأعداء شوكتهم ويغيظ الكفاء وربهم وشازبهم. قال الله ~~تعالى: " وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله ~~وعدوكم " وأمرنا أن يأخذ نفسه وأصحابه بالثبات والصبر عند قراع السيوف ~~بالسيوف وذلوق الزحوف بالحروف ويرخصوا أنفسهم في ابتغاء مرضاه والذب عن ~~حوزة الدين والمحاماة عن بيضة الاسلام والمسلمين ويحتاط مع ذلك لنفسه ~~وأصحابه ولا يقدم بهم على غرر ولا يفسح لهم في ركوب خطر إلا بعد الأخذ ~~بالحزم واستعمال الرفق في الحذر ويكون أقدامهم على بصيرة تامة لا تقتحم ~~معها غرة ولا تضاع فرصة ولا يحجمون إذا أحمر الناس واشتد المراس عن تورد ~~المعركة ولا يلقون بأنفسهم إذا حمي الوطيس والتقى الخميس بالخميس إلى ~~التهلكة. قال الله جل وعلا: " وجاهدوا في الله حق جهاده " وأمرناه أن يصل ~~جناح ضمانه بالوفاء ويشد أركان عهده بالثبات ويصون ذمته عما يحفزها ويشفق ~~عليها مما يحيلها ويغيرها ويذهب مع دواعي الصدق ويصير على تكاليف الحق ولا ~~يروع لهم سربا أمنه ولا ينقض شرطا ضمنه ولا ينكث عهدا أبرمه ولا يخلف وعدا ~~أقدمه ولا يتجافى عمن يلوذ بعقوته ولا يأبى قبول السلم ممن اتقى بصفحته. ~~قال الله تعالى: " وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولا " . وقال جل من قائل: ~~" وإن جنحوا ms213 المسلم فاجنح لها " وأمرناه أن يعم رعاياة القارة والمارة ~~بالأمن العائد عليهم بسكون الجأش وسعة المعاش ويحوطهم في متوجهاتهم ~~ومتصرفاتهم حياطة تكنفهم من جميع جهاتهم ويحمي نفوسهم وذراريهم وأموالهم ~~ومعائشهم حماية ترد كيد الظالم وتقبض يد الغارم وتخرج ذوي الريب من مظانهم ~~وتحول بينهم وبين عدوانهم وتجري حكم الله فيهم وتقيم حده على من سفك فيهم ~~دماء وانتهك محرما أو أظهر شقاقا وعنادا أو سعى في الأرض فساد. قال الله ~~تعالى: " إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن ~~يقتلوا أو يصلبوا أو يقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك ~~لهم جزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم " وأمرنا أن ينظر في أموال ~~الرعايا أتم نظر وأوفاه ويسئل عن ظلاماتهم أبلغ سؤال وأحفاه ويستن بالسنة ~~العادلة فيهم ويمنع أقوياهم عن تهضم مستضعفيهم ويحمل من تحت يده على ~~التعادل والتناصف ويصدهم عن التعاصب والتظالم ويقر الحقوق مقارها عند وضوح ~~الحجة وارتفاع الشبهة ويختار لهم من العمال والولاة أسدهم طرائق وأقومهم ~~مذاهب وأحمدهم خلائق ويأمر كلا منهم أن لا يغير عليهم رسما ولا ينوي لهم ~~حقا ولا يسومهم في معاملاتهم خسفا ولا يحدث عليهم من يدع الجور رسما ولا ~~يرتكب منهم ظلما ولا يأخذ منهم برا باثيم ولا برءا بسقيم ويقنع منهم في ~~اخرجاتهم ومقاساتهم وقسوطهم ومقاطعاتهم بالجقوق المستمرة ويحملهم في العدل ~~على الفوائد PageV01P120 المستقرة ويستقرئ آثار الولاة قبله فما طاب منها ~~وحسن اقتفاؤه اقتفره وما ذم منها واستنكره أماطه وغيره. ويعتقد إنه مسؤول ~~عما اكتسب واجترح ومحاسب على ما أفسد وأصلح. قال الله تعالى: " وأن ليس ~~للإنسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف يرى ثم يجزاه الجزاء الأوفى " فليتلقى هذه ~~النعمة الكبيرة والعارفة الخطيرة بإعظام قدرها والقيام بواجب شكرها وليتحقق ~~إنها قاطنة بفنائه ما أحسن جوارها بخالصة نصحه وولائه وباقية عليه على عقبه ~~ما عملوا بأحكام هذا العهد وغنوا بتأكيد أسبابه وأعلنوا بشعار الدولة ~~واستمروا على السنة المألوفة في إقامة الخطبة والسكة ويمسكوا بولاء ms214 الدولة ~~العباسية التي هي سنة متبعة وما عداها ضلالة مبتدعة وجاهدوا في الله حق ~~جهاده وأحسنوا السيرة في عباده وبلاده والله تعالى يمدنا وإياه في هذا ~~الرأي الذي رأيناه ويزلف من رضاه يحمد فاتحته وعقباه إن شاء الله تعالى ~~وكتب في المحرم سنة 510قرة ويستقرئ آثار الولاة قبله فما طاب منها وحسن ~~اقتفاؤه اقتفره وما ذم منها واستنكره أماطه وغيره. ويعتقد إنه مسؤول عما ~~اكتسب واجترح ومحاسب على ما أفسد وأصلح. قال الله تعالى: " وأن ليس للإنسان ~~إلا ما سعى وأن سعيه سوف يرى ثم يجزاه الجزاء الأوفى " فليتلقى هذه النعمة ~~الكبيرة والعارفة الخطيرة بإعظام قدرها والقيام بواجب شكرها وليتحقق إنها ~~قاطنة بفنائه ما أحسن جوارها بخالصة نصحه وولائه وباقية عليه على عقبه ما ~~عملوا بأحكام هذا العهد وغنوا بتأكيد أسبابه وأعلنوا بشعار الدولة واستمروا ~~على السنة المألوفة في إقامة الخطبة والسكة ويمسكوا بولاء الدولة العباسية ~~التي هي سنة متبعة وما عداها ضلالة مبتدعة وجاهدوا في الله حق جهاده ~~وأحسنوا السيرة في عباده وبلاده والله تعالى يمدنا وإياه في هذا الرأي الذي ~~رأيناه ويزلف من رضاه يحمد فاتحته وعقباه إن شاء الله تعالى وكتب في المحرم ~~سنة 510 وتوجه منكفئا إلى دمشق على أجمل صفة وأحسن قضية في سلامة النفس ~~والجملة وتزايد العز والحرمة ودخلها في يوم الاثنين لثلاث عشرة ليلة بقيت ~~من ربيع الأول سنة 510 # سنة عشر وخمسمائة # في هذه السنة ورد الخبر بأن بدران بن صنجيل صاحب طرابلس قد جمع وحشد ~~وبالغ واجتهد ونهض إلى ناحية البقاع لاخرابه بالعيث والفساد والاضرار ~~والعناد وكان الاصفهسلار سيف الدين البرسقي صاحب الموصل قد وصل إلى دمشق في ~~بعض عسكره لمعونة ظهير الدين أتابك على الافرنج والغزو فيهم وبالغ أتابك في ~~الاكرام له والتعظيم لمحله. وصادف ورود هذا الخبر بنهضة الافرنج إلى البقاع ~~فاجتمع رأيهما على القصد لهما جميعا وأغذا السير ليلا ونهارا بحيث هجموا ~~عليهم وهم غارون في مخيمهم قارون لا يشعرون فأرهقهم العسكر فلم يتمكنوا من ~~ركوب خيلهم ولا ms215 أخذ سلاحهم فمنحهم الله النصر عليهم وأطلقوا السيف فيهم ~~قتلا وأسرا ونهبا فاتوا على الراجل وهم خلق كثير قد جمعوا من أعمالهم ~~وأسروا وجوه فرسانهم ومقدميهم وأعيان شجعانهم وقتلوا الباقين منهم ولم يفلت ~~منهم غير مقدمهم بدران بن صنجيل والمقدم كند اصطبل ونفر يسيرة معهما ممن ~~نجا به جواده وحماه أجله واستولى الأتراك على العدد الجمة والخيول والكراع ~~والسواد. وذكر الحاكي المشاهد العارف إن المفقود المقتول من الافرنج ~~الخيالة والسرجندية الرجالة والنصارى الخيالة والرجالة في هذه الوقعة ما ~~يزيد على ثلاثة آلاف نفس PageV01P121 وعاد ظهير الدين أتابك وسيف الدين اق ~~سنقر البرسقي في عسكريهما إلى دمشق مسرورين بالظفر السني والنصر الهني ~~والغنائم الوافرة والنعم المتوافرة فلم يفقد من العسكرين بشر ولا أصابهم ~~بؤس ولا ضرر ووصلا البلد بالأسرى ورؤوس القتلى وخرج الناس من البلد ~~لمشاهدتهم واستبشروا بمعاينتهم وسروا بنظرهم سرورا واصلوا معه حمد الله ~~مولى النصر ومانح القهر وشكروه تعالى على ما سناه من الاستظهار المبين ~~بالاستعلاء المشرق الجبين. وأقام اق سنقر البرسقي أياما بعد ذلك وتوجه ~~عائدا إلى بلده بعد استحكام المودة بينه وبين ظهير الدين والمصافاة ~~والموافقة على الاعتضاد في الجهاد متى حدث أمر أو حزب خطب. وقد كان في هذه ~~السنة وردت الأخبار قبل عود ظهير الدين من العراق بالكائنة الحادثة من ~~الباطنية في الدركاه السلطانية وقتلهم الأمير أحمديل فيها في المحرم منها ~~مع وجاهته وتزايد حشمته ووفور عدته وأكثر الناس التعجب من هذا الاقدام ~~المشهور والفعل المذكور ولله عاقبة الأمور وفيها وردت الأخبار من ناحية حلب ~~بقتل لؤلؤ الخادم الذي كان غلب أمره فيها وعمل على قتل ولد مولاه الملك ~~البارسلان بن رضوان في ذي الحجة منها بأمر دبره عليه أصحاب الملك المذكور # سنة إحدى عشرة وخمسمائة # في هذه السنة توفي السلار بختيار شحنة دمشق ونائب ظهير الدين في تولي أمر ~~البلد وسياسة الرعية بعلل اختلفت عليه وطالت به إلى أن قضي نحبه رحمه الله ~~في ليلة النصف من شعبان منها فأحزن ظهير الدين فقده وأهمه ms216 المصاب به وتأسف ~~أكثر الناس عليه لأنه كان عفيفا في أفعاله غير معترض لخمر غني الحال والنفس ~~معينا لمن يقصده في دفع مظلمة وانقا من شدة جميل المناب فيما يعود بصلاح ~~الرعية والبعث على العمل بالعدل والسوية وأقيم ولده السلار عمر في منصبه ~~فاقتفى آثاره في أشغاله وحذا مثاله في أعماله وفيها وردت الأخبار من ناحية ~~العراق بوفاة السلطان غياث الدنيا والدين محمد بن ملك شاه بأصفهان رحمه ~~الله بعلة حدثت به وطال مقامها عليه إلى أن توفي في الحادي عشر من ذي الحجة ~~منها وقام مقامه في السلطنة ولده محمود واستقام له الأمر واستقرت على صلاح ~~الحال وفيها وردت الأخبار من ناحية حلب بأن الاصفهسلار يارقتاش الخادم ~~متولي اصفهسلارية حلب هادن الافرنج ووادعهم وسلم إليهم حصن القبة. وقيل إن ~~الأمير اق سنقر البرسقي خرج من الرحبة في عسكره وقصد حلب ونزل عليها طامعا ~~في تملكها فلم يتسهل له ما أمل ورحل عنها عائدا إلى الموصل. وورد الخبر ~~أيضا بأن الاصفهسلار يارقتاش المقدم ذكره أخرج من قلعة حلب ورد أمر ~~الاصفهسلارية والنظر في الأموال إلى الأمير أبي المعالي المحسن بن الملحمي ~~العارض الدمشقي ودبر الأشغال بها والأعمال فيها. وفي النصف من المحرم منها ~~هجمت الافرنج على ربض حماة في ليلة خسوف القمر وقتلوا من أهلها تقدير مائة ~~وعشرين رجلا وورد الخبر بهلاك دوقس انطاكية. وفي المحرم منها وصل الأمير ~~نجم الدين ايل غازي بن ارتق في عسكره إلى حلب وتولى تدبير أمرها مدة صفر ~~وفسد عليه ما أراده فخرج منها وبقي ولده حسام الدين تمرتاش. وفيها وردت ~~الأخبار من القسطنطينية بموت متملك الروم الكرانكس وقام في الملك بعده ولده ~~يوحنا واستقام له الأمر وعمل بسيرة أبيه. وفيها وردت الأخبار بمهلك بغدوين ~~ملك الافرنج صاحب بيت المقدس بعلة طالت به وكانت سبب هلاكه في ذي الحجة ~~منها وقام بعده في الأمر كندهو كندهري الملك # سنة اثني عشرة وخمسمائة PageV01P122 في هذه السنة شاعت الآثار والأخبار ~~من ناحية الافرنج بطمعهم في المعاقل والبلاد ms217 وإجماعهم على قصدها بالعيث ~~والافساد لغفلة الاسلام عن قصدهم بالغزو والجهاد وإنهم قد شرعوا في التأهب ~~لهذه الحال والاستعداد وكاتب ظهير الدين أتابك أرباب الجهات والمناصب ~~وبعثهم على التعاون على دفع شر الملاعين بالتوازر والتواظب. وورد الخبر ~~بتوجه الأمير نجم الدين ايل غازي إلى دمشق في عسكره للاجتماع مع ظهير الدين ~~أتابك على أعمال الرأي في التدبير والتشاور في العمل والتقرير هذا بعد أن ~~راسل طوائف التركمان بالاستدعاء لأداء فريضة الجهاد والتحريض على الباعث ~~لذاك والاحتشاد. ووصل الأمير المذكور إلى دمشق من حلب في بعض أصحابه وخواصه ~~واجتمعا وتعاهدا وتعاقدا على بذل المكنة والاجتهاد في مجاهدة الكفرة ~~الأضداد وطردهم عن الافساد في هذه المعاقل والبلاد ووقع الاتفاق بينهما على ~~الأمير نجم الدين ايل غازي بن ارتق والي ماردين لانجاز أمره وجمع التركمان ~~من الأعمال وحضهم على النكاية في اخراب الشرك والضلال واقتضت الآراء مصير ~~الأمير ظهير الدين معه لتأكيد الحال وتسهيل الآمال وسارا في العشر الأول من ~~شهر رمضان سنة 512. وعاد ظهير الدين عنه بعد أن قررا مع طوائف التركمان ~~صلاح أحوالهم والتأهب للوصول إلى الشام بجموعهم الموفورة وعزائمهم المنصورة ~~في صفر سنة 513 ليقع الاجتماع على نصرة الدين واصطلام المردة الملحدين. ~~وأقام ظهير الدين بدمشق إلى حين قرب الأجل المضروب والوقت المرقوب وسار إلى ~~ناحية حلب في أول شهر ربيع الأول سنة 513 ووردت الأخبار من ناحية العراق ~~بوفاة الخليفة الامام المستظهر بالله أمير المؤمنين ابن الامام المقتدي ~~بالله أمير المؤمنين بعلة عرضت له واستمرت به إلى أن قضى نحبه إلى رحمة ربه ~~في ليلة الخميس الرابع عشر من شهر ربيع الآخر سنة 512 وكانت مدة خلافته ستا ~~وعشرين سنة وشهرين وأياما وكان جميل السيرة محبا للعدل والانصاف ناهيا عن ~~قصد الجور والاعتساف وولي الأمر من بعده ولده ولي العهد أبو منصور الفضل ~~المسترشد بالله أمير المؤمنين بن أبي العباس أحمد المستظهر بالله أمير ~~المؤمنين وجدد له أخذ البيعة واستقام له الأمر ونفذت المكاتبات إلى سائر ~~الأعمال بالتعزية عن ms218 الامام الماضي والتهنئة بالامام الباقي # سنة ثلاث عشرة وخمسمائة PageV01P123 ولما وصل ظهير الدين أتابك إلى حلب ~~للاجتماع مع نجم الدين على الأمر المقرر بينهما بعد مضي الأجل المعين عليه ~~بتدبيرهما وجد التركمان قد اجتمعوا إليه من كل فج وكل صوب في الأعداد ~~الدثرة الوافرة والقوة الظاهرة كأنهم الأسود تطلب فريسها والشواهين إذا ~~حامت على مكاسرها. ووردت الأخبار ببروز روجير صاحب انطاكية منها في من جمعه ~~وحشده من طوائف الافرنج ورجالة الأرمن من سائر أعمالهم وأطرافهم بحيث يزيد ~~عددهم على العشرين ألف فارس وراجل سوى الأتباع وهو العدد الكثير في أتم عدة ~~وأكمل شكة وإنهم قد نزلوا في الموضع المعروف بشرمدا وقيل دانيث البقل بين ~~انطاكية وحلب فحين عرف المسلمون ذلك طاروا إليهم بأجنحة الصقور إلى حماية ~~الوكور فما كان بأسرع من وقوع العين على العين وتقارب الفريقين حتى حمل ~~المسلمون عليهم وأحاطوا بهم من جميع الجهات وسائر الجنبات ضربا بالسيوف ~~ورشقا بالسهام ومنح الله تعالى وله الحمد حزب الاسلام النصر على المردة ~~الطغام ولم تمض ساعة من نهار يوم السبت السابع من شهر ربيع الأول من سنة ~~513 إلا والافرنج على الأرض سطحة واحدة فارسهم وراجلهم بخيلهم وسلاحهم بحيث ~~لم يفلت منهم شخص يخبر خبرهم ووجد مقدمهم روجير صريعا بين القتلى. ولقد حكي ~~جماعة من المشاهدين لهذه الوقعة إنهم طافوا في مكان هذه المعركة لينظروا ~~آية الله تعالى الباهرة وإنهم شاهدوا بعض الخيول مصرعة كالقنافذ من كثرة ~~النشاب الواقع فيها. وكان هذا الفتح من أحسن الفتوح والنصر الممنوح لم يتفق ~~مثله للاسلام في سالف الأعوام ولا الأنف من الأيام. وبقيت انطاكية شاغرة ~~خالية من حماتها ورجالها خاوية من كماتها وأبطالها فريسة الواثب نهزة ~~الطالب فوقع التغافل عنها لغيبة ظهير الدين أتابك عن هذه الوقعة لتسرع ~~التركمان إليها من غير تأهب لها للأمر النافذ والقدر النازل واشتغال الناس ~~باحراز الغنائم التي امتلأت بها الأيدي وقويت بها النفوس وسرت بحسنها ~~القلوب فتلك بيوتهم خاوية والحمد لله رب العالمين وعاد ظهير الدين أتابك ms219 ~~منكفيا إلى دمشق عقيب هذا الظفر ودخلها يوم السبت لليلة بقيت من جمادى ~~الأولى سنة 513 فصادف الخاتون صفوة الملك والدة الملك شمس الملوك دقاق ابن ~~السلطان تاج الدولة تتش بن السلطان البارسلان قد نهكها المرض وطال بها وقد ~~أشفت على الموت وكانت لقدومه متوقعة وإلى مشاهدته متطلعة فأدركها وشاهدها ~~وسمع مقالها وقبل وصيتها وأقامت القليل وتوفيت إلى رحمة الله ومغفرته ~~ورضوانه بين صلاتي الظهر والعصر من يوم الأحد آخر جمادى الأولى سنة 513 ~~ودفنت عند ولدها في القبة التي بنتها على التلعة المطلة على الميدان الأخضر ~~فلقد كانت من النساء المصوتات المحبة للدين والصدقات والتنزه عن الظلم يطلب ~~الخيرات مع قوة النفس وشدة الهيبة ومعرفة التدبير فيما توخته في حق ظهير ~~الدين عند وفاة ولدها الملك شمس الملوك إلى أن استقام له الأمر واستقرت في ~~المملكة والدولة الحال وتسهلت له المطالب برأيها وهيبتها وسياستها والآمال. ~~فقلق ظهير الدين لفقدها وتضاعف عليها حزنه وأسفه وتسلم ما خلفته واستخرج ما ~~ذخرته وأودعته وعمل بوصيتها وفي رجب من هذه السنة توفي الأمير حارق بن ~~كمشتكين العراقي في رجب منها وكان من مقدمي الدولة ووجوه أمرائها. وفيها ~~وردت الأخبار من العراق بأن السلطان محمود ابن ابن السلطان غياث الدنيا ~~والدين محمد بن ملك شاه توجه إلى عمه السلطان سنجر بن ملك شاه إلى خراسان ~~ودخل عليه ووطئ بساطه بعد ما جرى بينهما من الوقائع والحروب فأكرمه واحترمه ~~وأحمده وقرر أحواله على ما فيه صلاح أمره واستقامة حاله ووصله بابنته وأقره ~~على مملكته وشرفه بخلعه وتكرمته وعاد منكفيا إلى أصفهان بلدته طامرا بأمله ~~وبغيته وفي هذه السنة حكى من ورد من بيت المقدس ظهور قبور الخليل وولديه ~~إسحق ويعقوب الأنبياء عليهم الصلاة من الله والسلام وهم مجتمعون في مغارة ~~بأرض بيت المقدس وكأنهم كالأحياء لم يبل لهم جسد ولا رم عظم وعليهم في ~~المغارة قناديل معلقة من الذهب والفضة وأعيدت القبور إلى حالها التي كانت ~~عليه. هذه صورة ما حكاه الحاكي والله أعلم بالصحيح ms220 من غيره # سنة أربع عشرة وخمسمائة PageV01P124 فيها ورد الخبر من ناحية حلب بأن ~~الأمير نجم الدين ايل غازي بن ارتق رفع المكوس عن أهل حلب والمؤن والكلف ~~وأبطل ما جدده الظلمة من الجور والرسوم المكروهة وقوبل ذلك منه بالشكر ~~والثناء والاعتداد والدعاء. وحكي عن ماردين إنها وقع عليها برد عظيم لم تجر ~~بمثله عادة ولا أبصر أكثر منها ما أهلك المواشي وأتلف أكثر النبات والشجر. ~~وفيها هدم نجم الدين زردنا وفيها كسر الأمير بلك بن ارتق عفراس الرومي وقتل ~~من الروم تقدير خمسة آلاف على قلعة سرمان من بلد اندكان وأسر مقدمهم عفراس ~~وفيها ورد الخبر بأن السلطان محمود كسر عسكر أخيه مسعود بباب همذان تحت ~~الزعفراني. وفيها وردت الأخبار بوصول الكندهو كندهري ملكي الافرنج في ~~المراكب البحرية وملك أكثر المعاقل. وفيها وقعت المهادنة بين نجم الدين ايل ~~غازي بن ارتق صاحب حلب وبين الافرنج وتقررت الموادعة والمسالمة وكف كل جهة ~~من الفريقين الأذية عن الآخر. وفيها وردت الأخبار بأن السلطان محمود قصد ~~حلة دبيس بن صدقة ابن مزيد في عسكره ونهبها وهزم عسكرها وانهزم دبيس إلى ~~قلعة جعبر مستجيرا بصاحبها الأمير شهاب الدين مالك بن سالم بن مالك فأجاره ~~وأكرمه واحترمه وقيل أنه انعقد بينهما صهر. وقيل إن في ذي الحجة من السنة ~~هبت ريح شديدة هائلة منكرة بنواحي الخزر فخرب بها كنائس ومعاقل وقلعت كثيرا ~~من شجر الزيتون. وقيل أن جوسلين غار على العرب والتركمان النازلين بصفين ~~وغنم منهم ومن مواشيهم بشاطيء الفرات وفي عوده خرب حصن بزاعة # سنة خمس عشرة وخمسمائة PageV01P125 في هذه السنة وردت الأخبار بقتل ~~الأفضل بن أمير الجيوش صاحب الأمر بمصر رحمه الله ثاني عيد الفطر بأمر رتب ~~له وعمل فيه عليه إلى حين أمكنت الفرصة فيه فانتهزت الفرصة وصودف راكبا في ~~موكبه مجتازا في بعض أسواق القاهرة وقد كان على غاية من التحرز والتحفظ ~~واستعمال الاحتراس والتيقظ لا سيما من الطائفة الباطنية والاحتياط منهم ~~بأنواع السلاح ووافر الغلمان والخدم والعبيد والعدد المختلفة والسيوف ms221 ~~الماضية وكان المرتب لقتله والمرصد له جماعة فوثب عليه رجل من بعض الشوارع ~~بحيث شغل أصحاب الركاب ووثب الآخر من بين يديه فضربه ضربات سقط بها عن ظهر ~~جواده إلى الأرض وقتلا في الحال وحمل إلى داره وبه رمق وتوفي رحمه الله من ~~يومه وادعى إن الباطنية تولوا قتله وليس ذلك صحيحا بل ذلك ادعاء باطل ومحال ~~زائل وإنما السبب الذي اجتمعت عليه الروايات الصحيحة التي لا تشك في هذا ~~الأمر فساد ما بينه وبين مولاه الآمر بأحكام الله أمير المؤمنين لتضييقه ~~عليه ومنعه مما تميل نفسه إليه ومنافرته إياه في بعض الأوقات. وقد كان هذا ~~الخلف المستمر بينهما قد ظهر بمصر لكثير من أهلها وتحدثوا فيه وكان الآمر ~~قد عزم على اغتياله إذا دخل عليه في قصره للسلام عليه أو في أيام أعياد ~~وقويت نفسه على اتمام هذا الأمر فمنعه من ذلك الأمير أبو الميمون عبد ~~المجيد وقال له: إن هذا الأمر إذا تم على هذه القضية كان فيه شناعة وسوء ~~سمعة لأن هذا وأباه في خدمتنا منذ خمسين سنة لا يعرف الناس في سائر أقطار ~~البلاد غير هذا فما يقال في مثل هذه الحال في مجازاتنا لمن هذه صفته هذه ~~المجازاة الشنيعة والمكافأة الفظيعة وما العذر في ذاك إلى الناس وهم لا ~~يعلمون ما في نفوسنا له وما ننقم عليه بسببه وما يعرفون منه في ظاهر الأمر ~~إلا الموالاة الخالصة والطاعة الصادقة والذب عن الدولة والمحاماة عنها ولا ~~بد أن تدعو الضرورة إلى إقامة غيره في مكانه والاعتماد عليه في منصبه ~~فيتمكن كتمكنه أو بعضه فتحذر من الدخول إلى قصرنا خوفا على نفسه مما جرى ~~على غيره وإن دخل علينا كان خائفا معدا وإن خرج عنا خرج وجلا مستعدا. وفي ~~هذا الفعل ما يؤكد الوحشة ويدل على فساد التدبير في اليوم وفيما بعد بل ~~الصواب في التدبير أن تستميل أبا عبد الله محمد بن البطائحي الغالب على ~~أمره المطلع على سره وجهره وتراسله وتعده وتمنيه وتطمعه في منصبه ms222 فإنه يجيب ~~إلى ذلك ويعين عليه لأمرين أحدهما دينا لأن مذهبه مذهبنا واعتقاده موالاتنا ~~ومحبتنا والثاني للدنيا وحبها وكونه يصير في منصبه فيها ويدبر الأمر عليه ~~بمن لا يعرف ولا يوبه له ولا يلتفت إليه ممن يغتاله إذا ركب فإذا ظفرنا بمن ~~قتله قتلناه وأظهرنا الطلب بدمه والحزن عليه والأسف لفقده فيكون عذرنا عند ~~كافة الرعية مبسوطا ويزول عنا قبح القالة وسوء السمعة فاستقر الأمر على هذه ~~القضية وشرع في اتمامه والحال فيه ظاهرة وقضى الله عليه قضاء المحتوم وسر ~~الآمر بمقتله سرورا غير مستور عن كافة الخاصة بمصر والقاهرة. وقيل إن ~~الموضع الذي قتل فيه بمصر عند كرسي الجسر في رأس السويقتين في يوم الأحد ~~سلخ شهر رمضان سنة 515 وعمره إذ ذاك 57 سنة لأن مولده كان بعكاء سنة 458 ~~وكان حسن الاعتقاد في مذهب السنة جميل السيرة موثرا للعدل في العسكرية ~~والرعية صائب الرأي والتدبير عالي الهمة ماضي العزمة ثاقب المعرفة صافي ~~الحس كريم النفس صادق الحدس عادلا عن الجور حائدا عن مذاهب الظلم فبكته ~~العيون وحزنت له القلوب ولم يأت الزمان بعده بمثله ولا حمد التدبير عند ~~فقده وانتقل الأمر بعده إلى صاحبه الآمر بأحكام الله أمير المؤمنين واشتمل ~~على خزائنه وأمواله وذخائره وكراعه وأثاثه وهو الغاية في الكثرة والوفور ~~وانتظمت للآمر الأمور على المأثور وأقام أبا عبد الله بن البطائحي ووفى له ~~بوعده ولقبه بالمأمون وبسط يده في البرم والنقض والرفع والخفض PageV01P126 ~~ووردت الأخبار في هذه السنة بظهور الكرج من الدروب وقصدهم بلاد الملك طغرل ~~فاستنجد بالأمير نجم الدين ايل غازي بن ارتق صاحب حلب وبالتركمان وبالأمير ~~دبيس بن صدقة بن مزيد فأجابوا إلى ما دعاهم إليه وبعثهم عليه وتوجهوا نحوه ~~في خلق عظيم فانهزم جمع الكرج خوفا وعاد فرقا وضايقهم المسلمون وضايقوهم في ~~الدروب فعادوا على المسلمين فهزموهم وقتلوا منهم مقتلة عظيمة وقصدوا مدينة ~~تفليس فافتتحوها بالسيف وقتلوا من كان فيها وفي هذه السنة هبت بمصر ربيح ~~سوداء ثلاثة أيام فأهلكت شيئا كثيرا من ms223 الناس والحيوان # سنة ست عشرة وخمسمائة # في هذه السنة وردت الأخبار من ناحية بغداد بأن الأمير دبيس بن صدقة بن ~~مزيد جمع واحتشد وقصد بغداد في حشده وعاث في أطرافها وأفسد في أكنافها فخرج ~~الامام الخليفة المسترشد بالله أمير المؤمنين من دار الخلافة واجتمعت إليه ~~الأجناد وظهر إليه وحمل عليه فهزمه وتم إلى الحلة فنهبها ونهبت مقابر قريش ~~ببغداد وما بها من القناديل الفضة والستور والديباج وعاد إلى بغداد ودخلها ~~في المحرم سنة 517 وورد الخبر فيها بأن السلطان محمود سخط على وزيره لأشياء ~~نقمها عليه وأنكرها منه وأمر بالقبض عليه ثم تقدم بقتله فقتل وفي صفر منها ~~توجه عائدا إلى مدينة أصفهان. وفي صفر ورد الخبر من ناحية حلب إن أبا الفضل ~~بن الموصول وزير الملك رضوان توفي بحلب في الشهر وكان حسن الطريقة يميل إلى ~~فعل الخير وعن قصد الشر. وفيها جاء سيل عظيم حتى دخل إلى ربض قلعة جعبر ~~فغرق أكثر دورها ومساكنها وهدمها وأخرج منها فرسا حمله من الربض حتى رمى به ~~من أعلى السور في الفرات وقيل إن عدة الدور الهالكة بهذا السيل الجارف ~~ثمانمائة مكان، وقيل إن الأمير نجم الدين بن ارتق خرج من حلب في عسكره وقطع ~~الفرات وصادف الافرنج فلم يلقوه فأتلف ما ظفر به في أعمالهم وعاد منكفئا ~~إلى الفنيدق بظاهر حلب وفي هذه السنة وصل الأسطول المصري إلى صور وهو مشحن ~~بالرجالة البحرية وطائفة من العساكر. وفي نفس الوالي العمل على الأمير سيف ~~الدولة مسعود الوالي بصور من قبل الأمير ظهير الدين أتابك. فلما خرج للسلام ~~على والي الأسطول سألوه النزول فلما حصل في مركب المقدم اعتقله وتمت عليه ~~المكيدة وحصل البلد في أيديهم ولما اقلع الأسطول ووصل إلى مصر وفيه الأمير ~~مسعود أكرم وأنزل في دار وأطلع له ما يحتاج إليه. والسبب كان في هذا ~~التدبير إن شكاوي أهل صور تتابعت إلى الآمر بأحكام الله والأفضل بما يعتمده ~~مسعود مع الرعية من الأضرار لهم والمخالفة للعادة والموافقة لهم فاقتضت ms224 ~~الآراء التدبير عليه وإزالة ما كان من الولاية إليه وكانت عاقبة خروجه منها ~~وسوء التدبير فيها خروجها إلى الافرنج وحصولها في ملكتهم وفي هذه السنة ورد ~~الخبر بأن الأمير نور الدولة يلك بن ارتق نهض في عسكره في أيام من رجب وقصد ~~الافرنج بالرها وأوقع بهم وكسرهم وأسر مقدمهم جوسلين وابن خالته كليان ~~وجماعة من مقدميهم عند سروج. وورد الخبر بوفاة الأمير نجم الدين ايل غازي ~~بن ارتق بعلة عرضت له وهو نازل في قرية تعرف بالفحول من عمل ميافارقين من ~~ديار بكر في السادس من شهر رمضان من السنة وقام في منصبه بعد، ولده شمس ~~الدولة سليمان وأخوه تمرتاش أبناء نجم الدين وملكا ماردين وأقاما مدة ~~متفقين وجرى بينهما خلف استمر من كل منهما. وفيها توفي الحاجب فيروز شحنة ~~دمشق في آخر ربيع الآخر منها # سنة سبع عشرة وخمسمائة # فيها وردت الأخبار من ناحية بغداد ببروز الامام المسترشد بالله أمير ~~المؤمنين وفي جملته الأمير اق سنقر البرسقي عازما على قصد الأمير دبيس بن ~~صدقة بن مزيد لما هو عليه من الخلاف والمجاهرة بالعصيان والفساد في الأعمال ~~وقصدوا الحلة وانتهبوها وارتفع السعر ببغداد حتى بلغ الخبز ستة أرطال ~~بدينار. وورد الخبر من ناحية حلب باستقرار المهادنة بين الأمير بدر الدولة ~~بن عبد الجبار بن أرتق صاحب حلب وبين الافرنج على تسليم قلعة الأثارب إلى ~~الافرنج فتسلموها وحصلت في أيديهم واستمرت الموادعة على هذا واستقامت أحوال ~~الأعمال من الجانبين وأمنت السابلة للمترددين فيها بين العملين في صفر من ~~السنة PageV01P127 وفيها ورد الخبر بنهيض بغدوين ملك الافرنج في عسكره إلى ~~ناحية حلب إلى الأمير بلك بن أرتق في تاسع صفر منها وهو منازل الحصن كركر ~~فنهض إليه والتقيا بالقرب من منظرة فكسره وأسره وحصل في يده أسيرا مع جماعة ~~من وجوه عسكره فاعتقله في جب في قلعة خرتبرت مع جوسلين ومقدمي الافرنج. وفي ~~آخر صفر نهض ظهير الدين أتابك في العسكر فهجم ربض حمص ونهبه وأحرقه وبعض ~~دوره وكان طغان أرسلان بن ms225 حسام الدولة قد وصل إلى حمص لمعونة خيرخان صاحبها ~~فعاد ظهير الدين عنها إلى دمشق وورد الخبر من ناحية حلب بنزول الأمير بلك ~~بن أرتق عليها في ربيع الأول منها وأحرق زرعها وضايقها إلى أن تسلمها ~~بالأمان في يوم الثلاثاء غرة جمادى الأولى من بدر الدولة ابن عمه عبد ~~الجبار بن أرتق وقد كان ذلك تسلم مدينة حران في شهر ربيع الأول. وفيها وردت ~~الأخبار بوصول فريق كثير من عسكر لواتة من ناحية الغرب إلى مصر وأفسدوا في ~~أعمالها وظهر إليهم المأمون أبو عبد الله بن البطائحي المقام في مقام ~~الأفضل الشهيد بن أمير الجيوش في عسكر مصر بأمر صاحبه الامام الآمر بأحكام ~~الله بن المستعلي بالله ولقيهم فكسرهم وقتل وأسر منهم خلقا كثيرا وقرر ~~عليهم خرجا معلوما يقومون به في كل سنة وعادوا إلى أماكنهم وعاد المأمون ~~إلى مصر غانما منصورا وبحسن الظفر مسرورا. وفيها ورد الخبر بأن أصطول مصر ~~لقي أصطول البنادقة في البحر فتحاربا فظفر به اصطول البنادقة وأخذ منه عدة ~~قطع. وفي العشر الأول من شهر ربيع الأول منها ملك الأمير بلك بن أرتق حصن ~~البارة وأسر اسقفها وفي هذه السنة ورد الخبر من ناحية خرتبرت بأن الملك ~~بغدوين الرويس وجوسلين مقدمي الافرنج وغيرهم من الأسرى الذين كانوا في أسر ~~الأمير بلك المعتقلين في قلعة خرتبرت عملوا الحيلة فيما بينهم وملكوا ~~القلعة وهربوا...... الملك بغدوين ونجا ولم يظفروا به وهرب في ذلك اليوم ~~أيضا اسقف البارة من اعتقاله. وفي الشهر المذكور توجه الأمير نور الدولة ~~بلك في عسكره إلى خرتبرت وضايق قلعتها إلى أن استعادها من الافرنج الواثبين ~~عليها ورتب فيها من يحفظها ويتيقظ فيها. وفي هذه السنة ورد الخبر بأن محمود ~~بن قراجة والي حماة خرج في رجاله وقصد ناحية أفامية وهجم ربضها فأصابه سهم ~~من الحصن في يده ولما قلع منه عملت عليه وتزايد أمرها فمات منه وكان عاهرا ~~ظالما متمردا وقتل جماعة من أعيان حماة ظلما وتعديا بسعاية بعضهم على بعض ~~ولما عرف ms226 ظهير الدين ذلك انهض إلى حماة من تسلمها وتولى أمرها من ثقاته ~~وفيها ورد الخبر بالنوبة الكائنة بين السلطان مغيث الدنيا والدين محمود ~~وبين أخيه طغرل ابني السلطان محمد وأن السلطان محمود صافه وكسره وخزمه وملك ~~عسكره وأن طغرل استعان بالأمير دبيس بن صدقة بن مزيد واستنجد به عليه وأجيب ~~إلى ذلك. وفي هذه السنة كانت النوبة الكائنة بين عسكري ظهير الدين أتابك ~~الدمشقي وسيف الدين اق سنقر البرسقي حين تجمعوا ونزلوا على عزاز من عمل حلب ~~ومضايقتها بالنقوب والحروب إلى أن سهل أمرها فتجمع الافرنج من كل صوب ~~وقصدوا ترحيل العسكر عنها والتقى الجيشان وانفل جيش المسلمين وتفرقوا بعد ~~قتل من قتل وأسر من أسر وعاد ظهير الدين أتابك إلى دمشق في جمادى الأولى من ~~السنة. وفي شهر رمضان من السنة توجه الحاجب علي بن حامد إلى مصر رسولا عن ~~ظهير الدين أتابك # سنة ثماني عشرة وخمسمائة # في هذه السنة ورد الخبر من ناحية العراق بأن القاضي قاضي القضاة زين ~~الاسلام أبا سعد محمد بن نصر بن منصور الهروي كان قافلا من ناحية خراسان ~~بجواب السلطان سنجر عما صدر على يده إليه وأنه لما نزل بهمذان في جامعها ~~وثب عليه على حين غفلة منه قوم رتبوا له من الباطنية فضربوه بسكاكينهم ~~فقتلوه وهربوا في الحال ولم يظهر لهم خبر ولا بان منهم أثر ولاتبعهم شخص ~~للخوف منهم فمضى لسبيله شهيدا إلى رحمة الله وذلك للقضاء النازل الذي لا ~~يدافع والقدر الحال الذي لا يمانع وذلك في رجب منها PageV01P128 وفيها ملك ~~الافرنج ثغر صور بالأمان وشرح الحال في ذلك كان قد مضى من ذكر الذي أوجب ~~إخراج الأمير سيف الدولة مسعود واليها منها وحمله في الاسطول إلى مصر ما لا ~~يحتاج إلى الاعادة له والاطالة بذكره. ولما حصل بها الوالي المندوب من مصر ~~بعد مسعود طيب نفوس أهله وكاتب ظهير الدين بصورة الحال فأعاد الجواب بأن ~~الأمر في ذلك لمن دبره والمرجوع إلى ما رتبه وقرره. واتفق أن الافرنج لما ms227 ~~عرفوا هذا الأمر وانصراف مسعود عن ولاية صور تحرك طمعهم فيها وحدثوا نفوسهم ~~بتملكها وشرعوا في الجمع والتأهب للنزول عليها والمضايقة لها. واتصل ~~بالوالي صورة الأمر وأنه لا طاقة له بالافرنج ولا ثبات على محاصرتهم لقلة ~~من بها من الجند والميرة فطالع الآمر بأحكام الله صاحب مصر بذلك فاقتضى ~~الرأي أن ترد ولاية صور إلى ظهير الدين أتابك ليتولى حمايتها والذب عنها ~~والمراماة دونها على ما جرى رسمه فيها وكتب منشور الولاية باسمه فندب ~~لولايتها جماعة لا غناء لهم ولا كفاية فيهم ولا شهامة ففسد أمرها بذاك ~~وتوجه طمع الافرنج حوله لأجله وشرعوا في النزول والتأهب للمضايقة لها ~~ونزلوا بظاهرها في شهر ربيع الأول من السنة وضايقوها بالقتال والحصار إلى ~~أن خفت الأقوات فيها وعدمت الميرة. وتوجه ظهير الدين في العسكر إلى بانياس ~~للذب عن صور ونفذت المكاتبات إلى مصر باستدعاء المعونة لها وتمادت الأيام ~~بذلك إلى أن ضعفت النفوس وأشرف أهلها على الهلاك وعرف أتابك جلية الأمر ~~وتعذر تلافيها ووقع اليأس من المعونة لها فراسل الافرنج بالملاطفة ~~والمداهنة والارهاب والارغاب إلى أن تقررت الحال على تسليمها إليهم بحيث ~~يؤمن كل من بها ويخرج من أراد الخروج من العسكرية والرعية بما يقدرون عليه ~~من أحوالهم ويقيم من أراد الاقامة ووقف أتابك في عسكره بازاء الافرنج وفتح ~~باب البلد وأذن للناس في الخروج فحمل كل منهم ما خف عليه وأطاق حمله وترك ~~ما ثقل عليه وهم يخرجون بين الصفين وليس أحد من الافرنج يعرف لأحد منهم ~~بحيث خرج كافة العسكرية والرعية ولم يبق منهم إلا ضعيف لا يطيق الخروج فوصل ~~بعضهم إلى دمشق وتفرقوا في البلاد وذلك في اليوم الثالث والعشرين من جمادى ~~الأولى سنة 518 وفيها ورد الخبر باجتماع الافرنج من أعمالهم ونزولهم على ~~حلب وشروعهم في قتال من بها والمضايقة وتمادى الأمر في ذلك إلى أن قلت ~~الأقوات فيها وأشرف على الهلاك أهلها فلما ضاق بهم المر وعدم الصبر وراسلوا ~~الأمير سيف الدين اق سنقر البرسقي صاحب الموصل بشكوى ms228 أحوالهم وشرح ما نزل ~~بهم والسؤال له في أنجادهم على الافرنج وانقاذهم من أيدي الكافرين فضاق ~~لذلك صدره وتوزع سره وتأهب في الحال للمصير إليهم وصرف الاهتمام إلى الذب ~~عنهم. فلما وصل إليهم في ذي الحجة من السنة وعرف الافرنج خبره وحصوله قريبا ~~منهم وما هو عليه من القوة وشدة الشوكة أجفلوا مولين ورحلوا منهزمين وتبعهم ~~سرعان الخيول يتلقطون من يظفرون به في أعناقهم ولم يلو منهم منهزم على ~~متلوم إلى أن حصلوا بأنطاكية. وكانوا قد ابتنوا في منزلهم مساكن وبيوتا ~~تقيهم الحر والبرد وأصروا على المقام ولطف الله تعالى وله الحمد بأهل حلب ~~وخلصهم من البلاء وانتاشهم من اللأواء. وكسب اق سنقر البرسقي بهذا الفعل ~~الجميل جزيل الأجر والثناء ودخل حلب وأحسن السيرة فيها وأجمل المعاملة ~~لأهليها واجتهد في الحماية لها والمراماة دونها بحيث صلحت أحوالها وعمرت ~~أعمالها وأمنت سابلتها وتواصلت الرفق إليها ببضائعها وتجارتها وفي شتوة هذه ~~السن احتبس الغيث بأرض الشام في كانون وكانون وأكثر شباط وتلف الزرع وغلا ~~السعر وعم القحط أكثر البلاد الشامية ثم تدارك الله عبيده بالرحمة وانزال ~~الغيث بعد القنوط فأحيا به الأرض بعد موتها وانتاش الزراعات بعد فوتها ~~وطابت النفوس وزال عنها الهم والبؤس. وارتفعت الأسعار في هذه السنة في حلب ~~ودمشق وأعمالها إلى الرحبة والقلعة والموصل وبقي إلى سنة 19 وهلك كثير من ~~ضعفاء الناس بالجوع # سنة تسع عشرة وخمسمائة PageV01P129 في هذه السنة وردت الأخبار من مصر ~~بتقدم الآمر بأحكام الله بالقبض على المأمون أبي عبد الله وأخيه المؤتمن ~~ابني البطائحي غلامي الأفضل اللذين كانا عاملا على قتله وأعانا على إتلافه ~~واعتقالهما في شعبان والاستيلاء على أموالهما وذخائرهما للأسباب التي نقم ~~بها عليهما والمنكرات التي اتصلت به عنهما وفيا اتصلت الأخبار من ناحية ~~بغدوين ملك الافرنج صاحب بيت المقدس بالاحتشاد والتأهب والاستعداد لقصد ~~ناحية حوران من عمل دمشق للعيث فيها والافساد وشرع في شن الغارات على ~~الجهات القريبة من دمشق والمضايقة لها وقطع الطرقات على الواردين إليها. ~~فعند المعرفة بذاك والتحقق ms229 له شرع ظهير الدين أتابك في الاستعداد للقائه ~~والاجتماع على جهاده وكاتب أمراء التركمان ومقدميهم وأعيانهم باعلامهم صورة ~~الحال ويستنجد بهم عليهم ويبذل لهم الاحسان والانعام وبرز في عسكره وقد ورد ~~عليه خبر قربهم من طبرية قاصدين أعمال البلد من مرج الصفر وشرخوب وخيم به ~~وكاتب ولاة الأطراف بامداده بالرجالة واتفق وصول التركمان في ألفي فارس ~~أولى بأس شديد ورغبة في الجهاد ومسابقة إلى الكفاح والجلاد فاجتمع إليه خلق ~~كثير. وكان الافرنج حين عرفوا نزول أتابك والعسكر بمرج الصفر رحلوا إليه ~~وخيموا بازائه ووقعت العين على العين وتطاردت طلائع الفريقين. فلما كان يوم ~~الاثنين السابع والعشرين من ذي الحجة من السنة اجتمع للقضاء المقضي والحكم ~~النافذ من أحداث دمشق والشباب الأغرار ورجال الغوطة والمرج والأطراف وأحداث ~~الباطنية المعروفين بالشهامة والبسالة من حمص وغيرها والعقبة وقصر حجاج ~~والشاغور خلق كثير رجالة وخيالة بالسلاح التام والناهض مع المتطوعة ~~المتدينين وشرعوا بالمصير للحاق المصاف قبل اللقاء وقد شاع الخبر بقوة عسكر ~~الاسلام وكثرته واستظهاره على حزب الافرنج وشدة شوكته ولم يشك أحد في هلاك ~~الافرنج في هذا اليوم وبوارهم وكونهم طعمة للمسلمين متسهلة واتفق أن فرقة ~~وافرة من عسكر التركمان غارت على أطراف الافرنج ونالت منهم واستظهرت عليهم ~~وخاف الافرنج وعلموا أنه لا طاقة لهم بهذا الجمع وأيقنوا بالهلكة ورحلوا ~~بأسرهم من منزلهم الذي كانوا فيه عائدين إلى أعمالهم على غاية من الخوف ~~والوجل ونهاية من الذل والوهل. ونشب فرقة من التركمان في فريق منهم وهم ~~راحلون فغنمت من أثقالهم ودوابهم غنيمة وافرة وظفرت بالكنيسة المشهورة التي ~~لهم في مخيمهم. وطمع العسكر عند ذاك فيهم وحملوا عليهم وهم مولون لا يلوون ~~على تابع ولا يقفون على مقصر لاحق وقد شملهم الرعب وضايقوهم مضايقة ألجأتهم ~~إلى رمي نفوسهم عليهم أما لهم وأما عليهم فتجمعوا وعادوا على العسكر ~~الاسلامي وحملوا عليه حملتهم المعروفة فكسروهم وهزموهم وقتلوا من أعقابهم ~~من شطبه الوجل وخانه الأجل. وتم العسكر في الهزيمة على حاله وعادوا على ~~جميع الرجالة وهم العدد ms230 الكثير والجم الغفير وأطلقوا السيف فيهم حتى أتوا ~~عليهم وتتبعوا المنهزمين بالقتل حتى وصلوا إلى عقبة سحورا وقربوا من البلد ~~من شرخوب مع بعد المدى والمسافة وصبر خيولهم ووصل ظهير الدين أتابك والعسكر ~~إلى دمشق آخر نهار هذا اليوم وبنوا الأمر بينهم على مباكرتهم في غد للإيقاع ~~بهم فصادفوهم قد رحلوا عائدين إلى عملهم خوفا مما عز عليه من قصدهم وتتبعهم ~~والله يحكم ما يشاء # سنة عشرين وخمسمائة PageV01P130 في هذه السنة ورد الخبر من ناحية الموصل ~~باستشهاد الأمير الاصفهسلار سيف الدين اق سنقر البرسقي صاحبها بيد الباطنية ~~رحمه الله في مسجد الجامع بها في ذي القعدة منها وكان الذي وثب عليه جماعة ~~قد رتبت لمراصدته وطلب غرته حتى حان الحين ونفذ الأجل وقد كان على غاية من ~~التيقظ لهم والتحفظ منهم بالاستكثار من السلاحية والحاقدارية والسلاح الشاك ~~لكن القضاء النازل لا يدافع والقدر النافذ لا يمانع وعليه مع هذا من لباس ~~الحديد ما لا تعمل فيه مواضي السيوف ومرهفات الخناجر وحوله من الغلمان ~~الأتراك والديلم والخراسانية بأنواع السلاح عدد. فلما حصل بالجامع على ~~عادته لقضاء فريضة الجمعة والنفل على رسمه وصادف هذه الجماعة الخبيثة في زي ~~الصوفية يصلون في جنب المشهد لم يؤبه لهم ولا ارتيب بهم. فلما بدأ بالصلاة ~~وثبوا عليه بسكاكينهم فضربوه عدة ضربات لم تؤثر في لبس الحديد الذي عليه ~~وقد غفل أصحابه عنه وانتضى سيفا كان معه وضرب أحدهم فقتله وصاح واحد منهم ~~حين رأوا السكاكين لا تعمل فيه شيئا: ويلكم اطلبوا رأسه وأعلاه. وقصدوا ~~حلقه بضرباتهم فأثخنوه إلى حين أدركه أصحابه وحماته فقضي عليه وقتل شهيدا ~~وقتلوا جميع من كان وثب عليه. وقد كان هذا الأمير رحمه الله سديد الطريقة ~~جميل الأفعال حميد الأخلاق مؤثر العدل والانصاف كثير التدين محمود المقاصد ~~محبا للخير وأهله مكرما للفقهاء والصالحين فحزن الناس عليه وأسفوا لفقده ~~على هذه الحال ولما عرف ظهير الدين أتابك هذا قلق له وضاق صدره لسماعه. ~~وقام في الأمر بعده ولده الأمير مسعود وهو مشهور ms231 بالنجابة والزكاء معروف ~~بالشهامة والعناء فاجتمع إليه خواص أبيه ووزيره وكتابه وسلك منهاجه المحمود ~~وقصد قصده المشكور فاستقام له الأمر وانتظمت على السداد والمراد أحواله وفي ~~هذه السنة نهض ظهير الدين نحو تدمر ولم يزل حتى استعادها من أيدي العاملين ~~عليها المواثبين على ابن أخيه الوالي كان بها في يوم الخميس لإثنتي عشرة ~~ليلة خلت من شهر ربيع الآخر منها واستقر الأمر على أن يجعل برسم الأمير ~~شهاب الدين محمود بن تاج الملوك بوري بن ظهير الدين أتابك وسلمت إليه وخرج ~~إليها ومعه من رتب لحفظه وحفظها من الثقات وفي هذه السنة عاد ظهير الدين من ~~حلب وقد بدا له من المرض ودخل دمشق في شعبان منها ووصل إليه أمين الدولة ~~كمشتكين والي بصرى من مصر بجواب الرسالة التي كان نفذ لأجلها ومعه الأمير ~~المنتضى ابن مسافر الغنوي رسول الآمر بأحكام الله صاحب مصر وعلى يده خلع ~~سنية وتحف مصرية في الشهر المذكور وفي هذه السنة استفحل أمر بهرام داعي ~~الباطنية وعظم خطبه في حلب والشام وهو على غاية من الاستتار والاختفاء ~~وتغيير الزي واللباس بحيث يطوف البلاد والمعاقل ولا يعرف أحد شخصه إلى أن ~~حصل في دمشق بتقرير قرره نجم الدين ايل غازي بن ارتق مع الأمير ظهير الدين ~~أتابك وخطاب وكده بسببه فأكرم لاتقاء شره وشر جماعته وحملت له الرعاية ~~وتأكدت به العناية بعد أن تقلبت به الأحوال وتنقل من مكان إلى مكان وتبعه ~~من جهلة الناس وسفهاء العوام وسفساف الفلاحين الطغام من لا عقل له ولا ~~ديانة فيه احتماء به وطلبا للشر بحزبه. ووافقه الوزير أبو علي طاهر بن سعد ~~المزدقاني وإن لم يكن على مذهبه على أمره وساعده على بث حبال شره وإظهار ~~خافي سره. فلما ظهر أمره وشاع وطاوعه وزير ظهير الدين المذكور ليكون عونا ~~له على فعله وتقوية يده في شغله التمس من ظهير الدين أتابك حصنا يأوي إليه ~~ومعقلا يحتمي به ويعتمد عليه فسلم له ثغر بانياس في ذي القعدة سنة 520 فلما ms232 ~~حصل فيه اجتمع إليه أوباشه من الرعاع والسفهاء والفلاحين والعوام وغوغاء ~~الطغام الذين استغواهم بمحاله وأباطيله واستمالهم بخدعه وأضاليله فعظمت ~~المصيبة بهم وجلت المحنة بظهور أمرهم وسبيهم كذا وضاقت صدور الفقهاء ~~والمتدينين والعلماء وأهل السنة والمقدمين والستر والسلامة من الأخيار ~~المؤمنين وأحجم كل منهم من الكلام فيهم والشكوى لواحد منهم دفعا لشرهم ~~وارتقابا لدائرة السوء عليهم لأنهم شرعوا في قتل من يعاندهم ومعاضدة من ~~يوازرهم على الضلال ويرافدهم بحيث لا ينكر عليهم سلطان ولا وزير ولا يفل حد ~~شرهم متقدم ولا أمير PageV01P131 وفي هذه السنة ورد الخبر بوصول السلطان ~~مغيث الدنيا والدين محمود ابن السلطان محمد بن ملك شاه إلى بغداد وجرى بينه ~~وبين الخليفة الامام المسترشد بالله أمير المؤمنين مراسلات ومخاطبات أوجبت ~~تشعيث الحال بينهما والمنافرة من كل منهما وتفاقم الأمر إلى أن أوجب زحف ~~السلطان في عسكره إلى دار الخلافة ومحل الامامة ومحاربته في قصره والطلبة ~~لغلبته وقهره ولم يزل الشحناء مستمرة والفتنة على غير الايثار مستقرة إلى ~~أن زالت أسباب الخلف والنفار وعادت الحال إلى ما ألفيت من شوائب الأكدار ~~بحسن سفارة الوزير جلال الدين بن صدقة وزير الخلافة وجميل وساطته وسديد ~~نيابته وعاد السلطان مع ذلك إلى المألوف من طاعته والمعروف من مناصحته ~~والتصرف على أوامر أمير المؤمنين وأمثلته وذلك في العشر الأخير من ذي الحجة ~~سنة 520 وقيل في أول المحرم سنة 521 وفي رجب من هذه السنة توفي الأمير ~~طرخان بن محمود الشيباني أحد أمراء دمشق بعلة حادة هجمت عليه فاردته. وفيها ~~قصدت الافرنج رفنية وضايقوها واستعادوها من ملكة المسلمين # سنة إحدى وعشرين وخمسمائة # فيها ورد الخبر من ناحية العراق بقتل المعين وزير السلطان سنجر ابن ~~السلطان ملك شاه صاحب خراسان بتدبير الباطنية في شهر ربيع الآخر منها. ذكر ~~إنه كان فتك بجماعة منهم ومحرضا للسلطان على النكاية فيهم وتطهير الأرض ~~منهم فرتبوا له قوما من سفهائهم للأرصاد لفرصة تلوح فيه وغرة تظهر منهم فلم ~~يتم لهم في ذلك نيل طلب ولا تسهل لهم ms233 إدراك أرب فافردوا منهم سفيها ولم يزل ~~يتحيل إلى أن خدم في اسطبل دوابه سائسا لبغاله وأقام في خدمته إلى أن وجد ~~الفرصة متسهلة عند حضوره لمشاهدة كراعه فوثب عليه وهو غافل مطمئن فقتله ~~ومسك فقتل من بعده. وكان هذا الوزير موصوفا بجميل الأفعال وحميد الفعال ~~ومتانة الدين وحسن اليقين والانصاف في أعماله والتسدد في أقواله ومضى لحال ~~سبيله شهيدا وانتقل إلى ربه مرضيا حميدا عند نفاد المدة وانقضاء العدة ولله ~~عاقبة الأمر وبيده محتوم النفع والضر وقد تقدم من شرح حال الأمير سيف الدين ~~اق سنقر البرسقي صاحب الموصل في استشهاده بيد الباطنية في جامعها رحمه الله ~~وقيام ولده الأمير مسعود في الأمر من بعده ما فيه الكفاية. فلما استتب أمره ~~وقويت شوكته واستقامت ولايته شمخ بأنفه ونفخت حداثة السن في سحره وحدثته ~~نفسه بمنازلة البلاد الشامية والطمع في تملك المعاقل الاسلامية والاطراح ~~لمجاهدة العصب الافرنجية بالضد من أولي الحزامة والسداد وذوي البأس ~~والبسالة في احراز فضيلة الغزو والجهاد. ونمى الخبر عنه إلى ظهير الدين ~~أتابك بحكايات تدل على حسده له بما أوتي من الهيبة وحسن الصيت وجميل الذكر ~~وكبر الشأن والأمر وأنه عازم على التأهب والاحتشاد لقصد أعمال الشام والعيث ~~فيها والافساد. فعزم ظهير الدين أتابك عند معرفته هذه الأحوال التي لا يصدر ~~مثلها عن أريب ولا يبدو شبهها عن حازم في رأيه لبيب على الاستعداد لقصده في ~~عسكره حين يدنو من الأعمال الشامية فيوقع بعسكره ويشفي غليله بالفتك بحزبه. ~~فما كان بعد ذلك إلا الأيام القلائل حتى انفصمت عرى شبابه ونزل محتوم ~~القضاء به بهجوم مرض حاد عليه بظاهر الرحبة أتى عليه واصاره إلى المحتوم ~~الذي لا بد له عنه ولا مجير له منه فانفل حده وخذله أنصاره وجنده وأسلمته ~~للقضاء حماته وتفرقت عنه خواصه وثقاته وهلك في الحال وزيره وشريكه في الوزر ~~ومشيره بعلة شديدة أعجلته وفي إشراك المنية أوبقته وهرب جماعة من خواص ~~غلمان أبيه الأتراك باعلامه التي كانت قد استعملها على مراده وإيثاره ~~وتناهى ms234 في أحكامها على قضية اقتراحه واختياره ووصلوا بها إلى ظهير الدين ~~أتابك متحفين له بها ومتقربين إليه باهدائها فأحسن إليهم وبالغ في الاكرام ~~لهم والانعام عليهم واصطفاهم لنفسه وضمهم إلى ثقاته واهل أنسه وقابلهم على ~~وفودهم عليه بالفعل الجميل والعطاء الجزيل PageV01P132 وفي هذه السنة وردت ~~الأخبار من ناحية العراق بمسير السلطان مغيث الدنيا والدين محمود وقد عبث ~~به مرض خاف منه على نفسه محمولا في محفة نحو همذان واجتاز عند ذلك بدار ~~الخلافة وراسل الامام المسترشد بالله أمير المؤمنين يسأله المسامحة بما سبق ~~منه في تلك النوبة الحادثة بينهما وأن يحلله ويدعو له ولا يدعو عليه فخرج ~~إليه جواب الرسالة بأجمل جواب وألطف خطاب طابت بهما نفسه وزاد في استماعهما ~~أمله في البر وأنسه ثم إنه أفاق من مرضه هذا وعاوده نشاطه بعد الكسل ~~والفتور وعاد إلى الغرض المأثور. وكان قد أنكر على وزيره شمس الملوك خواجه ~~بزرك أمورا دعته إلى الأمر بالقبض عليه وتسليمه إلى حاجبه فقتله وقيل إنه ~~شرب الخمر في قحف رأسه وفي شعبان من هذه السنة قصد بغدوين ملك الافرنج صاحب ~~بيت المقدس في عسكره وادي موسى فنهب أهله وسباهم وشرد بهم وعاد عنهم. وفي ~~جمادى الآخرة منها ورد الخبر بأن الأمير ختلع ابه السلطاني ولي مدينة حلب ~~وحصل في قلعتها بطلائع اختير له ولم يقم إلا القليل حتى فسد أمره واضطرب ~~حاله ووقع بينه وبين أحداث الحلبيين فحصروه في القلعة إلى أن وصل إلى حلب ~~عسكر الأمير عماد الدين أتابك فتسلمه من القلعة واعتقل واستؤذن في أمره ~~فأذن في سمل عينيه فسملتا # سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة # في هذه السنة اشتد المرض بظهير الدين أتابك وطال به طولا أنهك قوته وأنحل ~~جسمه وأضعف منته وأشفى منه على نزول ما لا يدفع بحيلة ولا يمنع بقوة فأحضر ~~ولده الأمير تاج الملوك وأمراء دولته وخواصه وأهل ثقته وأعيان عسكريته ~~وأعلمهم بأنه قد أحس من نفسه بانقطاع الأجل وفراغ المهل وخيبة الرجاء من ~~البقاء والأمل ولم يبق غير الوصية ms235 بما يعمل عليه ويدبر به الأمر بعدي ~~وينتهي إليه وهذا ولدي تاج الملوك بوري هو أكبر ولدي والمترشح للانتصاب ~~مكاني من بعدي والمأمول لسد ثلمة فقدي ولا أشك في سداد طريقته وإيثاره لفعل ~~الخير ومحبته وأن يكون مقتفيا لآثاري في حفظ قلوب الأمراء والعسكرية وعاملا ~~على مثالي في أنصاف الأعيان والرعية فإن قبل وصيتي هذه ونهج السبيل المرضية ~~في بسط المعدلة والنصفة في الكافة وأزال بحسن سياسته عنهم أسباب الوجل ~~والمخافة فذاك الظن في مثله والمرجو من سداده وجميل فعله وإن عدل عن ذاك ~~إلى غيره وحاد عن ما يؤثر من السداد في سره وجهره فها هو متشاهد لهذه الحال ~~ومتوقع لمثل هذا المآل فقال: بل أوفى على المراد ولا أتعدى سبيل السداد ~~والرشاد فوكد الأمر عليه في ذلك تأكيدا فهمه منه وقبله عنه ثم توفي إلى ~~رحمة الله ضحى نهار يوم السبت لثمان خلون من صفر من السنة فأبكى العيون ~~ونكأ القلوب وفت في الأعضاد وفتت الأكباد واشتد الأسف لفقده والجزع عليه ~~ولم يسمع إلا متفجع له وذاكر لجميل أفعاله وشاكر لأيامه. وقام ولده تاج ~~الملوك بوري بالأمر من بعده وأحسن السيرة في خاصه ورعيته وجنده فلو كانت ~~مجاري الأقدار تدفع إليه عن ذوي المناصب والأخطار لكان هذا الأمير السعيد ~~الفقيد أحق من تخطأ به المنايا ولم تلم بساحته الرزايا وأبقته الأيام لها ~~رتبة تتباهى بها وحلية تتنافس بها إلا أن الله تعالى لا يغالب أمره ولا ~~يدافع حكمه ولا بد من تمام ما سبق به علمه وحدوث ما تقرر نفاذه في خلقه لأن ~~الموت غاية الحيوان ونهاية ما يكون من مصير الانسان. وقد كان هذا الأمير ~~السعيد قد بالغ في استعمال العدل والكف عن الظلم وأعاد على جماعة من الرعية ~~أملاكا في ظاهر البلد جمة دائرة أغتصبت منهم في زمن الولاة الظالمة وقبضت ~~عنهم في زمن العتاة الجبابرة وجرت عليهما أحكام المقاسمة وعتت الأيدي ~~العادية الغاشمة فأعادها إلى خراجها القديم المستقر ورسمها السالف المستمر ~~ورفع عنها مواد الجور ms236 والعدوان وحسم عن مالكيها أسباب التأول في كل مكان ~~وأوان فأحرز بذاك صالح الدعاء وجميل الشكر والثناء PageV01P133 ثم رفع إلى ~~أمير المؤمنين الخليفة المسترشد بالله رقعة عند مصيره إلى بغداد ومهاجرته ~~إلى الباب الأماملي المسترشدي والسلطاني الغياثي يذكر فيها حال مواضع دائرة ~~في عمل دمشق وحصص عامرة وأرض معطلة لا مالك لها ولا فائدة في عطلتها ولا ~~انتفاع لخاصي ولا عامي بشيء منها لدثورها ودروس معاملها ورسومها واستأذنه ~~في بيعها ممن رغب فيها ويؤثر عمارتها للانتفاع بريعها وغلتها وصرف ما يحصل ~~من ثمنها في الأجناد المرتبين للجهاد فأذن له في ذلك أذنا تاما مؤكدا أباحه ~~له وأمضاه لمن يملكه بالابتياع منه وأحله وأطلقه ووقع بذاك على ظهر الرقعة ~~بالأمضاء وإبطال التأول فيه والتحذر من إبطال شيء من حكمه أو التجاوز لرسمه ~~ووكد بالعلامة الشريفة الأمامية المسترشدية التي قبلها منه وتقلدها عنه ~~وأشهد عليه بذلك الشهود المعدلين وأمضى البيع في ذلك لمن رغب فيه فعمرت عدة ~~ضياع يبابا خالية وعلى عروشها خاوية وأرض عافية لا انتفاع بها ولا فائدة ~~لأحد فيها فأجريت عيون مياهها وأعيدت إلى أجمل عاداتها وظهرت منها الخيرات ~~وعمت بذلك الميامن والبركات ودامت له الدولة ولمن بعده ببركات هذه الأفعال ~~الحميدة والنية الجميلة وحسنت لهم العقبى في الولد والأسرة والأهل والجملة ~~وحصل له الذكر الجميل في الآفاق والأقطار والأمصار والثناء الطيب الحسن ~~الآثار ومضى لشأنه سعيدا عزيزا حميدا على ظهر فراشه لا يرد له أمر ولا ~~يخالف له قول ولا يتجاوز له حكم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل ~~العظيم # ذكر تاج الملوك بوري بن أتابك عند توليه الأمر بعد # أبيه ظهير الدين أتابك وأخباره وما جرى في أيامه من نوبة الباطنية ~~والأحداث المتجددة وما جرى مع الافرنج إلى أن مضى سبيله # شرح ذلك # لما نفذ القضاء في ظهير الدين أتابك رحمه الله قام ولده الأمير تاج ~~الملوك بالأمر من بعده إذ كان نجله وولي عهده فعمل بما كان ألقاه إليه ~~واعتمد على ما وكده ms237 في وصيته عليه من حسن السيرة في جميع من حوته دمشق من ~~الأجناد والعسكرية وكافة الأتباع والرعية وزاد على ذلك وبالغ في الذب عنهم ~~والمراماة دونهم وجرى على منهاج أبيه في بسط المعدلة واعتماد النصفة ~~للأجناد وثقل الوطأة على الأعداء والأضداد وأنصاف المتظلمين وردع الظالمين ~~وحماية السفار والمترددين والتبليغ بالنكاية للمفسدين بحيث اجتمعت القلوب ~~على حب دولته وانطلقت الألسن بالدعاء الصالح بإدامة أيامه وإطالة مدته وأقر ~~وزير أبيه أبا علي طاهر بن سعد المزدقاني على وزارته وأجراه على رسمه في ~~سفارته ولم يصرف أحدا من نوابه المعروفين بخدمته عن رسمه وعادته ولا أزاله ~~عن معيشته بل زاد في أرزاقهم وخلع عليهم وأحسن إليهم وأقر الاقطاعات على ~~أربابها والجامكيات على أصحابها فكثر الدعاء له والثناء عليه وأحسن إلى ~~وزيره المقدم ذكره وأطلق له عشر ارتفاعه مع حقوق العرض عن الاقطاعات ~~والواجبات والنفقات. وقد كان أسر في نفسه من أمر الباطنية ما لم يبده لأحد ~~من خواصه وثقات بطانته عند ما قويت شوكتهم وتضاعفت مضرتهم أتباعا لما كان ~~عليه أبوه من إظهار الرعاية لهم والمداراة لدفع شرهم فلما مكنه الله منهم ~~وأقدره عليهم افتتح أمره بالتدبير عليهم والايقاع بهم فكان منه في أمره ما ~~سيأتي مشروحا في مكانه # ذكر ما حدث من الباطنية بدمشق وأعمالها وما آلت إليه أحوالهم من البوار ~~وتعفية الآثار في بقية سنة 522 # شرح الأمر والسبب في ذلك PageV01P134 قد تقدم من ذكر بهرام داعي الباطنية ~~والسبب الذي أوجب تسليم ثغر بانياس إليه ما فيه الكفاية عن تكرير الذكر له ~~ولما حصل في بانياس شرع في تحصينها وترميم ما استرم وتشعث منها وبث دعاته ~~في سائر الجهات فاستغووا خلقا كثيرا من جهال الأعمال وسفساف الفلاحين من ~~الضياع وغوغاء الرعاع ممن لا لب له يصده عن الفساد ويردعه ولا تقية تصدفه ~~عن المنكر وتمنعه فقوي شرهم وظهر بقبح الاعتقاد سرهم وامتدت أيديهم ~~وألسنتهم إلى الأخيار من الرعية بالثلب والسب وإلى المنفردين في المسالك ~~بالطمع والسلب وأخذهم قسرا وتناولهم بالمكروه قهرا ms238 وقتل من يقتل من الناس ~~تعديا وظلما. وأعانهم على الإيغال في هذا الضلال أبو علي طاهر بن سعد ~~المزدقاني الوزير معونة بالغ فيها وحصل له وخيم عاقبتها وذميم مغبتها لما ~~تقرر بينه وبين بهرام الداعي المقدم من المؤازرة والمعاضدة والمظافرة ~~والمرافدة موافقة في غير ذات الله ولا طاعته طلبا لأن تكون الأيدي واحدة ~~على من يقصدهما بمكروه والنيات مترادفة على من ينوي لهم شرا وتاج الملوك ~~غير راض بذاك ولا مؤثر له بل تبعثه السياسة السديدة والحلم الوافر والمعرفة ~~الثاقبة على الأغضاء منهم على القذى والصبر على مؤلم الأذى وهو يسر في نفسه ~~ما لم يظهره ويطوي من أمرهم ما لم ينشره إلى حين يجد الفرصة متسهلة المرام ~~والمكنة من أعداء الله بادية الأعلام فعند ذاك تنتهز الفرصة وتقتنص ~~الفريسة. واتفق إن بهرام الدعي لما يريد الله تعالى من بواره ويحل به من ~~هلاكه ودماره حدثته نفسه بقتل برق بن جندل أحد مقدمي وادي التيم لغير سبب ~~حمله عليه ولا جناية دعته إليه بل اغترار بعاقبة الظالمين في سفك الدماء ~~المحرمة وافاظة النفوس المحظورة وجهلا بما حذر الله تعالى من يقصد ذاك ~~ويقدم عليه بقوله عز وجل: " ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها ~~وغضب ألله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما " فخدعه إلى أن حصل في يده ~~فاعتقله وقتله صبرا فتألم لقتل مثله على هذه مع حداثة سنه وشهامته وحسن ~~صورته وأعلنوا بلعن قاتله في المحافل والمشاهد وذمه من كل غائب ومشاهد. ~~فحملت أخاه ضحاك بن جندل وجماعته وأسرته الحمية الاسلامية والحرقة الأهلية ~~على الطلب بدمه والأخذ بثاره فتجمعوا وتعاهدوا وتعاقدوا وتحالفوا على ~~المصابرة على لقاء أعدائهم والإيغال في الطلب لدمائهم وبذل المهج والنفوس ~~في إدراك ثأرهم وشرعوا في التأهب لهذه الحال صابرين وللفرصة متوقعين إلى أن ~~ساق بهرام ولفيفه الحين المتاح وقضى الله عليهم بالاصطلام والاجتياح ~~فتجمعوا من كل ناحية وتهافتوا من كل صوب وجهة وظهر بهم من بانياس في سنة ~~522. وقصد ناحية وادي التيم للإيقاع بالمذكورين ms239 وكانوا مستعدين للقائه ~~مترقبين لحربه. فلما أحسوا بقربه منهم نهضوا بأجمعهم إليه نهوض الليوث من ~~غلبها للمحاماة على أشبالها وطاروا نحوهم مطار صقور الجبال إلى يعاقيبها ~~وأحجالها فحين دنوا من حزبه المفلول وحشده المخذول هجموا عليهم وهم في ~~مخيمهم غارون وبهم مغترون وصاح صائحهم وهم غافلون وبما نزل بهم من البلاء ~~ذاهلون وإلى أن يتمكن فارسهم من امتطاء جواده وراجلهم من تناول عدته وعتاده ~~أتى القتل على أكثرهم ضربا بالسيوف ووجيا بخناجر الحتوف ورشقا بسهام البلاء ~~ورجما بأحجار الأقدار والقضاء وكان بهرام في خيمته وحوله جماعة من شركائه ~~في جهله وضلالته غافلا عما أحاط به وبطائفته وقد وثبوا عند سماع الضوضاء ~~والصياح إلى أخذ آلة السلاح فأرهقوهم بسيوفهم الماضية وخناجرهم المبيرة ~~القاضية حتى أتوا على الجميع وقطع رأس بهرام ويده بعد تقطيعه بالسيوف ~~والسكاكين وأخذهما واحد مع خاتمه من الرجال القاتلين ومضى بهما إلى مصر ~~مبشرا بهلاكه ومهنئا ببواره فخلع عليه وأحسن إليه وشاعت بذلك الأخبار وعم ~~الكافة الجذل بمهلكهم والاستبشار وأخذ الناس من السرور بهذا الفتح بأوفر ~~السهام وأكمل الأقسام فقلت عدتهم وانقصفت شوكتهم وانفلت شكتهم PageV01P135 ~~وقام بعد بهرام صاحبه إسمعيل العجمي رفيقه في الضلال والعدوان وشريكه في ~~المحال والطغيان مقامه وأخذ في الاستغواء للسفساف مثاله وزاد في الجهل ~~زيادة أظهرت سخف عقله ومحاله وتجمع إليه بقايا الطائفة الخبيثة من النواحي ~~والاصقاع ومن كان منهم متفرقا في النواحي والبقاع. وجرى أبو علي طاهر بن ~~سعد المزدقاني الوزير على الحال التي سلكها مع بهرام في حق إسمعيل في ~~المساعدة على مراده والمعاضدة على أغراضه لتحرزه من الشر ورغبته في السلامة ~~ولم يعلم أن عقبى هذه الأفعال عين الندامة والبعد عن طريق السلامة فقد قيل ~~رب مستسلم نجت به سلامته ومتحرز من الشر كانت فيه آفته ولم تزل شكوى الناس ~~من الخاصة والعامة تتضاعف والأضرار بهم من المخذولين يتوالى ويترادف إلى أن ~~صرف تاج الملوك بن ظهير الدين أتابك إلى الفتك بهم والاجتياح لهم همته ~~وأرهف لتطهير الأعمال منهم عزيمته ورأى ms240 إن صلاح الأمر فيما يقتضيه التدبير ~~فيما يراد والتقرير الايقاع بأبي علي الوزير أولا فإنه أصوب ما اعتمد وأولى ~~ما قصد فرتب لقتله من خواصه من اعتمد عليه وسكن في أمره إليه وقرر معه أن ~~يضرب رأسه بالسيف متى أشار إليه. فلما كان يوم الأربعاء السابع عشر من شهر ~~رمضان سنة 523 حضر مع جماعة الأمراء والمقدمين على الرسم في قبة الورد من ~~دار القلعة بدمشق وجرى في المجلس أمور ومخاطبات مع تاج الملوك والحضور ~~انتهى الأمر فيها إلى الانصراف إلى منازلهم والعود إلى دورهم ونهض الوزير ~~المذكور منصرفا بعدهم على رسمه فأشار تاج الملوك إلى خصمه فضرب رأسه بالسيف ~~ضربات أتت عليه وقطع رأسه وحمل مع جثته إلى رمادة باب الحديد فألقيت عليها ~~لينظر الكافة إلى صنع الله تعالى بمن مكر واتخذ معينا سواه وبغيره انتصر ~~وأحرقت جثته بعد أيام بالنار وصار رمادا تذروه الرياح ذلك بما قدمت يداه ~~وما الله بظلام للعبيد وشاع الخبر بذاك في الحال فثارت الأحداث بدمشق ~~والغوغاء والأوباش بالسيوف والخناجر المجردة فقتلوا من ظفروا به من ~~الباطنية وأسبابهم وكل متعلق بهم ومنتم إليهم وتتبعوهم في أماكنهم ~~واستخرجوهم من مكانهم وأفنوهم جميعا تقطيعا بالسيوف وذبحا بالخناجر وجعلوا ~~مصرعين على المزابل كالجيف الملقاة والميتة المجتواة وقبض منهم نفر كثير ~~التجأوا إلى جهات يحتمون بها وأملوا السلامة بالشفاعة منها قهرا وأريقت ~~دماؤهم هدرا وأصبحت النواحي والشوارع منهم خالية والكلاب على أشلائهم ~~وجيفهم متهارشة عاوية إن في ذلك لآية لأولي الألباب وكان قد أخذ في الجملة ~~المعروف بشاذي الخادم تربية أبي طاهر الصائغ الباطني الذي كان بحلب وهذا ~~اللعين الخادم كان أصل البلاء والشر فعوقب شر عقوبة شفت قلوب كثير من ~~المؤمنين وصلب ومعه نفر منهم على شرفات سور دمشق ليشاهد فعل الله بالظالمين ~~ونكاله بالكافرين. وكان الحاجب يوسف بن فيروز شحنة البلد ورئيسه الوجيه ثقة ~~الملك أبو الذواد مفرج بن الحسن الصوفي قد بالغا في التحريض على هلاك هذه ~~الطائفة الخبيثة فأخذوا في التحرز والاحتياط من اغتيال ms241 من يندب إليهما من ~~باطنية ألموت مقر الباطنية بلبس الحديد والاستكثار من الحفظة حولهما ~~بالسلاح الوافر العتيد فحصل الشقاء لمن أساء وكفر والسعادة لمن أحسن واعتبر ~~وأما إسمعيل الداعي المقيم ببانياس ومن معه فإنهم لما سمعوا ما حدث من هذه ~~الكائنة سقط في أيديهم وانخذلوا وذلوا وأقبل بعضهم على بعض يتلاومون وتفرق ~~شملهم في البلاد وعلم إسمعيل إن البلاء محيط به إن أقام ببانياس ولم يكن له ~~صبر على الثبات فأنفذ إلى الافرنج يبذل لهم تسليم بانياس إليهم ليأمن بهم ~~فسلمها إليهم وحصل هو وجماعة في أيديهم فتسللوا من بانياس إلى الأعمال ~~الافرنجية على غاية من الذلة ونهاية من القلة وعرض إسمعيل علة الذرب فهلك ~~بها وقبر في بانياس في أوائل سنة 524 فخلت منهم تلك الناحية وتطهرت من ~~رجسهم PageV01P136 وفي سنة 522 ورد الخبر من بغداد بوفاة الوزير جلال الدين ~~أبي علي الحسن بن علي بن صدقة وزير الخليفة رحمه الله في جمادى الآخرة منها ~~وكان حسن السيرة محمود الطريقة كاتبا فاضلا بليغا محبوبا من الخاصة والعامة ~~سديد الرأي حميد التدبير صادق العزم صافي الحسن كريم النفس. فكثر الأسف ~~عليه والتوجع لفقده واستوزر بعده نقيب النقباء شرف الدين أبو القسم علي بن ~~طراد الزينبي في جمادى الأولى منها وهو من جلالة القدر وشرف الأصل ونباهة ~~الذكر والمنزلة المشهورة والرتبة المعروفة والمكان المشتهر. وفي جمادى ~~الأولى سنة 522 توفيت الخاتون شرف النساء والدة تاج الملوك رضي الله عنها ~~وقبرت في قبتها المبنية برسمها خارج باب الفراديس # سنة ثلاث وعشرين وخمسمائة # قد مضى ذكر نوبة الباطنية وغيرهم لما اقتضى سوق الكلام فيه في سنة 2 و3 ~~لما انتهى إلى الافرنج خبر الكائنة في الباطنية وانتقال بانياس عنهم إليهم ~~أحدث ذلك لهم طمعا في دمشق وأعمالها وأكثروا الحديث في قصدها وبثوا رسلهم ~~إلى الأعمال في جمع الرجال والاحتشاد فاجتمع إليهم سائر من حوته بلادهم من ~~الرها وانطاكية وطرابلس والساحل ووصلهم في البحر ملك كند هو الذي قام مقام ~~بندوين الهالك في الافرنج ms242 ومعه خلق كثير فاجتمعوا ونزلوا على بانياس وخيموا ~~عليها وشرعوا في تحصيل المير والأزواد للإقامة وتواترت الحكايات عنهم ممن ~~شاهدهم وأحصى عددهم إنهم يزيدون على ستين ألفا فارسا وراجلا وأكثرهم ~~الرجالة فلما عرف تاج الملوك ذلك من عزمهم تأهب لهذا الأمر وصرف همه إلى ~~الاستكثار من العدد والسلاح وآلة الحرب وما يحتاج إليه من الآلات التي ~~يحتاج إليها لتذليل كل صعب وكاتب أمراء التركمان على أيدي رسله المندوبين ~~إليهم بالاستنجاد والاستغاثة بهم وبذل من المال والغلال ما بعثهم على ~~المبادرة إلى اجابة ندائه والسرعة إلى دعائه ووصل إليه من طوائفهم المختلفة ~~الأجناس كل ذي بسالة وشدة مراس راغبين في أداء فريضة الجهاد ومسارعين إلى ~~غزو الكفرة والأضداد وأطلق ما يحتاجون إليه لقوتهم وقضيم خيولهم ورحل ~~الملاعين عن بانياس طالبين دمشق على أناة وترتيب ونزلوا على جسر الخشب ~~والميدان المعروف المجاور له في .... من ذي القعدة سنة 523 وخيموا هناك ~~وأصبح العسكر خرج من دمشق وانضم إليه التركمان من منازلهم حول البلد ~~والأمير مرة بن ربيعة في العرب الواصلين معه وتفرقوا كراديس في عدة جهات ~~ووقفوا بإزائهم لتخرج منهم فرقة فيسارعوا إليها ويزحفوا فيبادروا إلى ~~لقائهم فلم يخرج منهم فارس ولا ظهر راجل بل ضموا أطرافهم ولزموا مخيمهم ~~وأقام الناس على هذه الصورة أياما يتوقعون زحفهم إلى البلد فلا يشاهد منهم ~~إلا تجمعهم وإطافتهم حول مخيمهم وبريق بيضهم وسلاحهم وكشف خبرهم وما الذي ~~أوجب تأخرهم عن الزحف وتلومهم فقيل إنهم قد جردوا أبطال خيلهم وشجعان ~~رجالهم للمصير مع البغال إلى حوران لجمع المير والغلال التي يستعان بمثلها ~~على الاقامة والنزال وإنهم لا حركة لهم ولا قوة بهم إلى عود المذكورين ~~PageV01P137 فلما عرف تاج الملوك هذه الحال بادر بتجريد الأبطال من الأتراك ~~الدمشقيين والتركمان الواصلين والعرب القادمين مع الأمير مرة وأضاف إليهم ~~الأمير سيف الدولة سوار في عسكر حماة وقرر معهم نهوضهم آخر يومهم والجد في ~~السير عامة الليل ووصولهم عند الصباح إلى ناحية براق لأن تقدير وصول ~~الملاعين عند عودهم من ms243 حوران إلى ذلك المكان. فسارعوا إلى العمل بما مثل ~~لهم وأصبحوا في ذلك المكان وهم على غاية من الكثرة والمنعة ومعهم سواد ~~عسكرهم بأسره في عدد لا يحصى كثرة فهجموا عليهم فلم يتكامل ركوبهم إلا وقد ~~قتل منهم جماعة بالنشاب وضربوا مصافا ووقفوا قطعة واحدة وحمل عليهم ~~المسلمون فثبتوا ولم يزل عسكر الاسلام يكر عليهم ويفتك بهم إلى أن فشلوا ~~وانخذلوا وأيقنوا بالبوار وحلول الدمار. وولى كليام دبور مقدمهم وشجاعهم في ~~فريق من الخيالة منهزمين وحمل الأتراك والعرب حملة هائلة وأحدقوا بهم ضربا ~~بالسيوف وطعنا بالرماح ورشقا بالسهام فما كان إلا بعض النهار حتى صاروا على ~~وجه الأرض مصرعين وبين أرجل الخيل معفرين وغنموا منهم الغنيمة التي امتلأت ~~أيديهم بها من الكراع والسلاح والأسرى والغلمان وأنواع البغال وهو شيء لا ~~يحصر فيذكر ولا يجد فيعد ولم يسلم منهم إلى معسكرهم إلا القليل من الخيالة ~~الذين نجت بهم سوابقهم المضمرة وعاد الأتراك والعرب إلى دمشق ظافرين غانمين ~~منصورين مسرورين آخر نهار ذلك اليوم المذكور. فابتهج الناس بهذا اليوم ~~السعيد والنصر الحميد وقويت به النفوس وانشرحت به الصدور وعزم العسكر على ~~مباكرتهم بالزحف إلى مخيمهم عند تكامل وصوله وتسرع إليهم جماعة من الخيل ~~وافرة وهم ينظرون إلى كثرة النار وارتفاع الدخان وهم يظنون إنهم مقيمون ~~فلما دنوا من المنزل صادفوهم وقد رحلوا آخر تلك الليلة عندما جاءهم الخبر ~~وقد أحرقوا أثقالهم وآلاتهم وعددهم وسلاحهم إذ لم يبق لهم ظهر يحملون عليه ~~عند ما عرفوه من حقيقة الأمر الذي لا يمكن معه المقام مع معرفتهم بكثرة ~~عسكر الأتراك ولا طاقة لهم به ولم يتمالكوا إن رحلوا لا يلوون على منقطع ~~ولا يقفون على مقصر وخرج إلى منزلهم فغنموا منه الشيء الكثير من أثاثهم ~~وزادهم وصادفوا جماعة من الجرحى في الوقعة قد هلكوا مع وصولهم ودفنوا في ~~أماكنهم وخيولهم مصرعة من الجراح الكثيرة ولحق أواخرهم العسكر فقتلوا جماعة ~~من المنقطعين وأغذوا سيرهم في هزيمتهم خوفا من لحاق المسلمين لهم. وأمن ~~الناس وخرجوا إلى ضياعهم ms244 وانتشروا في أماكنهم ومعائشهم وانفرجت عنهم الكربة ~~وانكشفت الغمة وجاءهم من لطف الله تعالى وجميل صنعه ما لم يكن في حساب ولا ~~خطر في بال. فلله الحمد والشكر على هذه النعمة السابغة والموهبة الكاملة ~~حمدا يستديم جزيل نعمه ويستمد المزيد من منائحه وقسمه وعاد التركمان إلى ~~أماكنهم بالغنائم الوافرة والخلع الفاخرة وتفرق جمع الكفرة إلى معاقلهم على ~~أقبح صفة من المذلة وعدم الكراع وذهاب الأثقال وفقد أبطال الرجال وسكنت ~~القلوب بعد الوجل وأمنت بعد الخوف والوهل وأيقنت النفوس بأن الكفرة لا يكاد ~~يجتمع لهم بعد هذه الكائنة شمل بعد فناء إبطالهم واجتياح رجالهم وذهاب ~~أثقالهم # سنة أربع وعشرين وخمسمائة # في المحرم أول هذه السنة توفي الشيخ الأمين جمال الأمناء أبو محمد هبة ~~الله بن أحمد الأكفاني رحمه الله وكان موصوفا بالكفاية والأمانة معروفا ~~بالصيانة والديانة ولم يقم من الشهود بعده مثله في الذكاء والأمانة والغناء ~~PageV01P138 لما خلا ديوان الوزارة بدمشق بعد قتل أبي علي طاهر المزدقاني ~~الوزير من عارف ينظم حسباناته ويسدد أمور معاملاته وارتاد تاج الملوك كافيا ~~يرد الأمر في ذلك إليه ويعتمد فيه عليه ويسكن إلى نهضته في تهذيب أحواله ~~وترتيب أعماله وحفظ أبواب ماله فلم يتسهل له بلوغ المقصود ولا تيسر ~~لارتياده نيل الغرض المنشود فوقع تعويله على الرئيس الوجيه ثقة الملك أبي ~~الذواد المفرج بن الحسن الصوفي رئيس دمشق فرد الأمر في ذلك إليه وقلده منصب ~~الوزارة واعتمد فيه عليه ووجده أكفى من وقعت إليه الاشارة من كتابه ~~ومتصرفيه وإن كان ضيف الصناعة في الكتابة خفيف البضاعة من البلاغة فإن رأيه ~~سديد ومذهبه في التنزه والأمانة حميد وله معرفة بسياسة المعاملين في ~~المعاملات ويد في الحك والضبط في استدعاء الحسبانات وحفظ الاخراجات ولم يجد ~~له محيدا عنه ولا بدلا منه فقلده هذا المنصب واثقا بحسن سفارته ومرضي ~~مؤازرته وخلع عليه وزاد في إحسانه إليه وأجلسه مجلسه من الديوان بمحضر من ~~الأمراء والأماثل والأعيان وأمر بكتب المنشور بأحسن أوصافه والتحذير من ~~تجاوز أمره وخلافه ولقبه محيي الدين ms245 تأكيدا لأمره ورفعا لقدره فأحسن ~~السياسة وسدد أحوال الرئاسة واستعمل العدل في أعماله والانصاف لمعاملته ~~وعماله ونظر في الأعمال واعتمد على الكفاة الثقات من العمال وجرت الأحوال ~~في ذلك على السداد واطردت على الاستقامة أحسن اطراد وفي هذه السنة ورد ~~الخبر بوصول الأمير عماد الدين أتابك زنكي بن اق سنقر صاحب الموصل إلى حلب ~~في عسكره عازما على الجهاد وأرسل تاج الملوك بوري بن ظهير الدين أتابك ~~يلتمس منه المعونة والإسعاد على محاربة الافرنج الأضداد وترددت الرسل ~~بينهما في ذلك إلى أن أجاب إلى المراد وأنفذ إليه من استحلفه على المصافاة ~~والوداد وتوثق منه على الوفاء وجميل الاعتقاد وأكد الأمر في هذه الحالة ~~تأكيدا سكن إليه ووثق به واعتمد عليه وبادر بتجريد وجوه عسكره في خمسمائة ~~فارس وكتب إلى ولده بهاء الدين سونج بحماة يأمره بالخروج في عسكره ~~والاختلاط بالعسكر الدمشقي ومقدمه الأمير شمس الأمراء الخواص وعدة من ~~الأمراء والمقدمين فامتثل الأمر وخرج من حماة في رجاله وتجمله وتوجهوا ~~جميعا إلى مخيم عماد الدين أتابك فأحسن لقاءهم وبالغ في الاكرام لهم ~~وأغفلهم أياما وعمل عليهم وغدر بهم وقبض على سونج ولد تاج الملوك وعلى ~~جماعة المقدمين ونهب خيامهم وأثقالهم وكراعهم فهرب منهم من هرب واعتقل ~~الباقين وحملهم إلى حلب وأمر بحفظهم فيها وزحف من يومه إلى حماة وهي خالية ~~من الرجال الحماة فملكها واستولى على ما فهيا ورحل عنها إلى حمص وكان ~~صاحبها خيرخان بن قراجه معه بعسكره ومناصح في خدمته وعامل بطاعته وكان ~~المعين له والمحرض على الغدر بسونج وقبضه حين نزل عليها غدرا بخيرخان ~~صاحبها واعتقله ونهب خيامه وأثقاله وتوثق منه وطلب بتسليم حمص إليه فراسل ~~نوابه فيها وولده بذاك فلم يلتفتوا إلى مقاله ولا وقعت منهم إجابة إلى ~~سؤاله فأقام عليها مدة طويلة يبالغ في المحاربة لأهلها والمضايقة لها فلم ~~يتهيأ له فيها مطلب ولا تيسر مأرب فرحل عنها إلى الموصل واستصحب معه سونج ~~بن تاج الملوك والمقدمين من عسكر دمشق وأقر الباقين في حلب وترددت ~~المراسلات ms246 في إطلاق المعتقلين فلم يفعل والتمس عنهم خمسين ألف دينار أجاب ~~تاج الملوك إلى تحصيلها والقيام بها PageV01P139 في هذه السنة وردت الأخبار ~~من ناحية مصر بقتل الآمر بأحكام الله صاحبها في آخرها تدبيرا دبر له وعمل ~~فيه عليه لأمور منكرة ارتكبها وأحوال قبيحة اعتمدها ادعت إلى قتله وأوجبت ~~الفتك به لأنه بالغ في ظلم الرعية وأخذ أموالهم واغتصاب ملاكهم وسفك الدماء ~~وأساء السيرة وارتكب المحذورات واستحسن القبائح من المحظورات فابتهج الخاص ~~والعام بالحادث فيه والراحة منه في يوم الثلاثاء الثاني من ذي القعدة سنة ~~524 وعمره 34 سنة ومولده بالقاهرة سنة 490 وأيام دولته 24 سنة ونقش خاتمه ~~الامام الآمر بأحكام الله أمير المؤمنين وقام بعده ابن عمه أبو الميمون عبد ~~المجيد بن الأمير أبي القاسم ابن الامام المستنصر بالله أمير المؤمنين ~~وأخذت له البيعة على الرسم فيها ونعت بالحافظ لدين الله أمير المؤمنين ~~فاستقام له الأمر واستتب برأيه التدبير وقلد الأمر أبا علي أحمد بن الأفضل ~~أمير الجيوش وزارة الدولة وتدبير المملكة فساس الكافة أعدل سياسة ودبر ~~الأعمال أجمل تدبير وجرى على منهاج أبيه الأفضل رحمه الله في حب العدل ~~وايثاره واحتواء الجور واخماد ناره وأعاد على التناء والتجار ما اغتصب من ~~أموالهم وقبض من أملاكهم وأمن البر التقي وأخاف المفسد ولم يزل على هذا ~~المذهب الحميد مواظبا ولهذا المنهاج السديد مداوما إلى أن نجم له من مقدمي ~~الدولة حسدة حسدوه على ما الهمة الله من أفعال الخيرات واقتناء الصالحات ~~تجمعوا على افساد أحواله ولفقوا المحال في الطعن في أعماله وسعوا في العمل ~~بأنواع من الكذب جمعوها وألفاظ من الباطل نمقوها وقرر ذلك مع العسكرية دون ~~الأعيان والأماثل من الرعية وأغفل إلى أن وجدت الفرصة فيه متسهلة والغرة ~~منه بادية وحصل في جانب من الميدان خاليا من العدة والعدة والأعوان والنجدة ~~لا يشعر بما قد رتب له ودبر عليه فوثبوا عليه وقتلوه رحمه الله وانفردوا به ~~وأدركه أصحابه وقد قضى فقتلوا الجناة وحملوه إلى تربته فدفنوه بها # سنة خمس ms247 وعشرين وخمسمائة PageV01P140 في هذه السنة انتهى إلى تاج الملوك ~~عن الرئيس المقلد أمر الوزارة محال غير قلبه عليه وقدح في منزلته وأفسد ما ~~كان جميلا فيه من رأيه وأمر باعتقاله مع بعض أقاربه اعتقالا جميلا وعزله عن ~~الوزارة والرئاسة في شهر ربيع الأول منها وعول في تقليد مكان الوزارة على ~~كريم الملك أبي الفضل أحمد بن عبد الرزاق المزدقاني ابن عم الوزير أبي علي ~~المزدقاني المقدم ذكره فرد الأمر في ذلك إليه وعول في الوزارة والسفارة ~~عليه واستقام له الأمر ومشت الأحوال به. واستبشر أكثر المتصرفين والعمال ~~لأنه كان حسن الطريقة قد تهذب في النيابة عن الوزارة في الديوان وعرف سياسة ~~الأعمال في كل عصر وأوان فصيح اللسان بالفارسية والعربية ولم يزل مستمر ~~الأمر إلى أن حدث ما تغيرت به حاله لأن الباطنية لما جرى عليهم قضاه الله ~~من البوار وأحله بهم من الهلاك والدمار انتهى خبر ذاك إلى رفقائهم بألموت ~~فأسفوا عليهم وقلقوا لما نزل بهم وشرعوا في بث حبائل شرهم ونصب اشراك خترهم ~~ومكرهم وندبوا لتاج الملوك من يغتاله ويوقع به من جهال إخوانهم وفتاك ~~أقرانهم. ووقع اختيارهم على جاهلين من الخراسانية قرروا معهما التحيل في ~~أمر تاج الملوك والطلب له والفتك به في داره عند إمكان الفرصة فيه ووصل ~~هذان الرجلان إلى دمشق في زي الأتراك بالقباء والشربوش وحضرا إلى معارف ~~لهما من الأتراك وسألوهما الوساطة في استخدامهما وتقرير الواجب لهما ~~وخدعاهم ولم يرتابوا بهما وتدرجا بالحيلة والمكر إلى أن صارا في الجملة من ~~الخراسانية المرتبين لحفظ ركاب تاج الملوك وتمكنا وسكنت القلوب إليهما ~~لأنها ضمنا. ورقبا الفرصة في تاج الملوك إلى أن دخل الحمام وعاد منه ووصل ~~إلى باب داره من القلعة بدمشق وتفرق عنه من كان في ركابه من الخراسانية ~~والديلم والأحداث الحفظة له فوثبا عليه في يوم الخميس لخمس خلون من جمادى ~~الآخرة سنة 525 وضربه أحدهما بالسيف طالبا لرأسه فجرحه في رقبته جرحا لم ~~يتمكن منه وضربه بسكين عند خاصرته نفذت بين اللحم ms248 والجلد ورمى بنفسه في ~~الحال عن فرسه سليما وتكاثرت الرجال عليهما فقطعوهما بالسيوف وأحضر أهل ~~الخبرة بمداواة الجراح من الأطباء والجرائحيين وعولجا فبرأ أحدهما الذي عند ~~الرأس وتنسر الذي في الخاصرة وصلحت الحال في ذلك وركب وأقام مدة يحضر مجلسه ~~الخواص والعسكرية والأجناد للسلام والشراب على الرسم المعتاد وفيها ورد ~~الخبر من بغداد بوفاة السلطان مغيث الدنيا والدين محمود ابن السلطان غياث ~~الدنيا والدين محمد بن الملك شاه بن البارسلان رحمه الله في شوال سنة 525 ~~بمرض حدث به كان معه نفاد أجله وفراغ مهله وتقررت السلطنة بعده لأخيه ~~السلطان أبي الفتح مسعود بن محمد بن ملك شاه بن البارسلان وتكون ولاية ~~العهد من بعده لابنه داود بن محمود ثم لأخيه السلطان طغرل بن محمد وسيأتي ~~ذكر كل واحد منهم في موضعه وفيها ورد الخبر من حلة مكتوم بن حسان بن مسمار ~~بأن الأمير دبيس بن صدقة ابن مزيد اجتاز بالحلة وكان قد انهزم من العراق في ~~خواص أصحابه وغلمانه خوفا من الخليفة المسترشد بالله أمير المؤمنين وضل في ~~الطريق لم يكن معه دليل عارف بالمسالك والمناهل وكان قصده حلة مرى بن ربيعة ~~فهلك أكثر من كان معه وتفرق أصحابه بعد موت من مات بالعطش وقد حصل في الحلة ~~كالمنقطع الوحيد في نفر يسير من أصحابه فانهض تاج الملوك فرقة من الخيل ~~نحوه لاحضاره فأحضرته إلى القلعة بدمشق في ليلة يوم الاثنين لست خلون من ~~شعبان سنة 525 فتقدم تاج الملوك بإنزاله في دار القلعة وإكرامه واحترامه ~~والتنوق في شرابه وطعامه وحمل إليه من الملبوس والمفروض ما يقتضه محله ~~الرفيع ومكانه المكين الوجيه واعتقله اعتقال كرامة لا اعتقال إهانة وأنهى ~~الحال في ذلك إلى الدار العزيزة الأمامية المسترشدية فورد الجواب إليه ~~بالتوثق منه والاحتياط عليه إلى حين يصل إليه من يتسلمه ويحمله إلى بغداد ~~PageV01P141 ولما عرف عماد الدين أتابك زنجي صاحب الموصل هذه الحال نفذ ~~رسولا له إلى تاج الملوك يلتمس منه تسليمه ويكون الجزاء عنه الخمسين الألف ~~الدينار المقررة ms249 على ولده سونج وبقية العسكر الدمشقي المتعلقين فأجابه تاج ~~الملوك إلى ذلك وتقرر الشرط عليه وأن يصل عسكره إلى ناحية قارا ومعه ~~المعتقلون ويخرج الأمير دبيس مع عسكر دمشق إلى هناك فإذا تسلم المعتقلين ~~سلموا دبيسا إلى أصحابه فتوجهوا به من دمشق ووصلوا به إلى قارا فتسلموا ~~المعتقلين منهم وسلموا إليهم دبيسا في يوم الخميس الثامن من ذي القعدة من ~~السنة وعاد كل من العسكرين إلى مكانه ووصل سونج إلى دمشق هو والجماعة فسر ~~تاج الملوك بهم وزال شغل قلبه بوصولهم فعند ذلك خوطب تاج الملوك في الرئيس ~~وأهله المعتقلين وسئل في إطلاقهم والمن عليهم بتخلية سبيلهم فأجاب إلى ذلك ~~بعد أن قرر عليه مصالحة يقوم بها وأطلق وأعيد إلى رئاسة دون وزارته وخلع ~~عليه وعلى الوزير كمال الدين كريم الملك أبي الفضل أحمد بن عبد الرزاق ~~المزدقاني في مستهل رمضان من السنة وفي هذه السنة ورد الخبر من صرخد بوفاة ~~واليها فخر الدولة كمشتكين الخادم التاجي في جمادى الآخرة منها وكان حسن ~~الطريقة جميل الذكر كثر التدين مشكور المقاصد. وفيها وصل سديد الدولة ابن ~~الأنباري كاتب الخليفة الامام المسترشد بالله أمير المؤمنين رسولا منه في ~~أمور وأسباب اقتضتها في آخر ذي القعدة منها ويبعث على تسليم الأمير دبيس ~~إلى من يحمله إلى بغداد وقد فات الأمر فيه فأكرم مثواه وسر بمقدمه وأجيب عن ~~رسائله وتوجه عائدا بعد أن حمل إليه ما يقتضيه محله ويوجبه مكانه وصادفه في ~~طريقه بناحية الرحبة خيل الأمير عماد الدين فقبضت عليه ونهبت ما كان معه ~~وقتلت بعض غلمانه ولقي شدة عظيمة من الاعتقال والإعنات إلى أن خلص وأطلق ~~سراحه وعاد إلى بغداد. وفي يوم الخميس لثلاث ليال خلت من جمادى الآخرة منها ~~جمع تاج الملوك جماعة من الأمراء والمقدمين والخواص وأعيان الأجناد والكتاب ~~والفقهاء وأماثل الرعية في مجلسه وقال لهم: إنني قد انتهت بي الحال بسبب ~~هذا الجرح الذي قد طال أله وتعذر اندماله ما قد أيقنت معه الحلول بالأمر ~~المقضي الذي لا بد ms250 منه ولا مندوحة للخلق عنه وقد يئست من روح الحيوة ~~واستشعرت قرب الوفاة وهذا ولدي أبو الفتح إسمعيل قد لاحت لي منه إمارة ~~الشهامة والنجابة وبانت لي فيه مخايل الكفاية واللبابة وهو أكبر ولدي ~~والمرجو لسد ثلمة فقدي وقد رأيت أن أجعله ولي عهدي والمرشح لتولي الأمر ~~بعدي ثقة بسداده وحسن تأتيه مع حداثة سنه وحميد اقتصاده فإن سلك منهاج ~~الخير واقتفاه وقصد سبيل العدل والانصاف وتوخاه فذاك المراد منه والمأمول ~~فيه وإن عدل عن المطلوب المشار إليه وخالف الأمر المنصوص عليه كان المعول ~~عليكم في تنبهه من نومته وإيقاظه من فتور غفلته فإن الحازم اللبيب والسديد ~~الأريب إذا ذكر ذكر وإذا أنهي عن منكر أعرض عنه واقتصر. فقالوا: الأمر أمرك ~~الذي لا يخالف ولا يعدل عنه والحكم حكمك الذي لا خروج لنا منه وطاعتنا لك ~~في حياتك كطاعتنا لولدك بعد وفاتك والله يمد لك في العمر ويمن عليك ~~بالعافية الشافعية وتعجيل السلامة والبرء. فسر بمقالهم وشكر ما بدأ منهم من ~~الحوادث الدالة على حميد خلالهم ثم نص في الأمر عليه وأشار في ولاية العهد ~~من بعده إليه وقرر معهم العمل بطاعته والانتهاء إلى إشارته وخلع عليه خلعا ~~سنية تليق بمثله وتضاهي شرف مثله وركب فيها إلى داره من القلعة بين الأمراء ~~والمقدمين والأتباع من الخراسانية والغلمان والسلاحية والمقرعدارية كذا ~~والجاووشية في اليوم المذكور والمحفل المحضور وتضاعف بذاك منهم الجذل ~~والسرور ومالت كافة الأصحاب إليه واجتمعوا عليه وواظبوا الخدمة له في كل ~~يوم والتسليم عليه # سنة ست وعشرين وخمسمائة PageV01P142 في هذه السنة ورد الخبر من ناحية ~~الافرنج بهلاك بغدوين الرويس ملك الافرنج صاحب بيت المقدس بعكا في يوم ~~الخميس الخامس والعشرين من شهر رمضان منها وكان شيخا قد عركه الزمان ~~بحوادثه وعانى الشدائد من نوائبه وكوارثه ووقع في أيدي المسلمين عدة دفعات ~~أسيرا في محارباته ومصافاته وهو يتخلص منهم بحيله المشهورة وخدعه المخبورة ~~ولم يخلف بعده فيهم صاحب رأي صائب ولا تدبير صالح وقام فيهم بعده الملك ~~القومص الجديد الكند ms251 ايجور الواصل إليهم في البحر من بلادهم فلم يتسدد في ~~رأيه ولا أصاب في تدبيره فاضطربوا لفقده واختلفوا من بعده وفيها اشتد مرض ~~الجرح بتاج الملوك ووقع اليأس من برئه وصلاحه فطال الأمر به طولا سئم معه ~~الحياة وأحب الوفاة وتزايد الضعف به والذبول في جسمه وقوته وقرب أجله وخاب ~~في الصحة أمله وتوفي إلى رحمة الله ومغفرته وتجاوزه على مضي ساعة من نهار ~~يوم الاثنين الحادي والعشرين من رجب منها فتألمت القلوب لمصابه وأفيضت ~~الدموع للنازل به: # وإذا المنية أنشبت أظفارها ... ألقيت كل تميمة لا تنفع # ولكن قضاء الله تعالى لا يغالب وحكمه لا يدافع لأن هذه الدنيا دار سوء لم ~~يدم فرح لامرئ فيها ولا حزن النفاس فيها محصاة معدودة والآجال محصورة ~~محدودة والليل والنهار يقطعان الأعمار ويفنيان المدة وما فهم مواعظ الزمان ~~من سكن إلى خدع الأيام. ولقد أنشد عند فقده الشريف الرضي: # بعدا ليومك في الزمان فإنه ... أقذى العيون وفت في الأعضاد # لولا ما من الله من قيام نجله في الأمر من بعده ونصه عليه في ولاية عهده ~~شمس الملوك فأزال الروعة وخفف اللوعة فاشتغل الناس بالتهنئة بالأمير ~~الموجود عن التعزية بالشهيد المفقود. وقد كان لتاج الملوك رحمه الله من ~~المحاسن والمآثر والمناقب ما يذكر في المحافل وينشر في الأندية والمحاضر ~~ونظمت مدائحه الشعراء ونشرت فضائله الفصحاء البلغاء وكان الأديب الفاضل أبو ~~عبد الله محمد بن الخياط الشاعر الدمشقي رحمه الله وهو طرفة شعراء الشام ~~والمشهور بمحاسن الفنون من المديح وغيره بينهم قد نظم في تاج الملوك عدة ~~قصائد بالغ في تهذيبها وتحريرها وتحكيكها فذكرت من جملة أبياتها المعربة عن ~~صفات معاليه ما يستدل به على استحقاقه ما بالغ فيه من مدح مقاصده ومساعيه ~~فمن أبيات قصيدة أولها: # لقد كرم الله ابن دهر تسوده ... وشرف يا تاج الملوك بك الدهرا # ومن على هذا الزمان وأهله ... بأروع لا يعصي الزمان له أمرا # حسام أمير المؤمنين ومن يكن ... حساما له فليقتل الخوف والفقرا # إذا قلت في تاج الملوك ms252 قصيدة ... من الشعر قالوا قد مدحت به الشعرا # وقال من أخرى # ألم تك للملوك الغر تاجا ... وللدنيا وعالمها سراجا # لقد شرف الزمان بك افتخارا ... كما سعد الأنام بك ابتهاجا # مددت إلى اقتناء الحمد كفا ... طمى بحر السماح جا وماجا # وغادرت المعالي بالعوالي ... كخيس الليث عز به ولاجا # ذكر أيام شمس الملوك أبي الفتح إسمعيل بن تاج الملوك بوري بن ظهير الدين ~~أتابك وشرح حاله في ابتداء أمره إلى انقضائه وما كان في خلال ذلك من ~~الحوادث المتجددة ومعرفة تواريخها وأوقاتها وأحوالها PageV01P143 لما مضى ~~الأمير تاج الملوك بوري بن أتابك رحمه الله من هذه الدنيا الفانية إلى ~~الدار الباقية سعيدا حميدا شهيدا أقام ولده شمس الملوك أبو الفتح إسمعيل ~~مقامه في المملكة حسب ما كان عهد به إليه في حياته وأوصى بما يعمل به بعد ~~وفاته أحسن السياسة والسيرة وأخلص النية في أعماله والسريرة وبسط العدل في ~~الرعية وأفاض إحسانه على كافة الأجناد والعسكرية وأقر الاقطاعات على ~~أربابها والجامكيات على أصحابها وزاد في الواجبات ولم ينقصها وأقر وزير ~~أبيه على وزارته ورتب العمال والمتصرفين على ما كانوا عليه ورد أمر التقرير ~~والتدبير إلى الحاجب يوسف بن فيروز شحنة دمشق واعتمد عليه في مهمات أمره ~~وسكن إليه في جهره وسره وافتتح أمر السياسة بالنظر في أمر الرعية ~~والمتعيشين بأن رفع عنهم ما كان يستخرج منهم في كل سنة من أقساط الفيئة ~~وأبطل رسمها وحظر تناولها وأزال حكمها وعوض أرباب الحوالات عليها بجهات ~~غيرها فكثر له الدعاء واتصل عليه الثناء وذلك في رجب سنة 526. وظهر من ~~شهامته وشدة بأسه وشجاعته وإقدامه وبسالته ومضاء عزيمته ما لم يقع في وهم ~~ولا خطر في بال وفهم وسنذكر من ذلك في أماكنه ما يقوم مقام العيان دون ~~الحكاية بالمقال فمن ذلك أولا افتتاحه حصن اللبؤة والرأس وكانا في يدي ~~المندوبين لحفظهما من قبل تاج الملوك أبيه وكانا قد أقرا على رسمهما فانتهى ~~إلى شمس الملوك إن أخاه شمس الدولة محمد بن تاج الملوك صاحب بعلبك قد ms253 عمل ~~عليهما حتى استنزلهما على حكمه من حصنيهما المذكورين وندب لهما من رآه من ~~ثقاته ونوابه لحفظهما فأنكر مثل هذا الفعل عليه وامتعض منه وراسل أخاه ~~المذكور بالمعاتبة على ما قصده ويهجن رأيه فيما اعتمده ويسأله النزول ~~عليهما وإعادتهما إلى ما كانا عليه فامتنع من الاجابة إلى ما طلب والقبول ~~لما التمس فأهمل الأمر فيه وفي الحديث في معناه مدة يسيرة ثم استعد وتأهب ~~لقصد الحصنين المذكورين ولم يشعر أحد بما عزم عليه وصرف همه إليه. ثم نهض ~~في العسكر وآلات الحرب من دمشق موهما إنه يطلب ناحية الشمال في آخر ذي ~~القعدة من السنة ثم عاد في طريق أخرى مغربا بعد تشريقه فلم يشعر من بحصن ~~اللبؤة إلا وقد نزل عليه وزحف من وقته إليه بعزيمة لا تدافع وشدة لا تمانع. ~~فلما أحس من فيه بالبلاء لما شاهده من شدة القتال ولم يجد له مخلصا بحال من ~~الأحوال طلب الأمان من يومه فأجيب إلى ما سأل وأسعف بما أمل ونزل من الحصن ~~وسلمه إليه فقرر أمره واستناب في حفظه من اعتمد على كفايته ونهضته. ثم رحل ~~عنها عند الفراغ منه إلى حصن الرأس فجرى أمر من فيه على تلك القضية فتسلمه ~~وولاه لمن يحفظه ثم رحل عنه ونزل على بعلبك وقد استعد أخوه صاحبها واحتشد ~~واجتمع إليه خلق كثير من فلاحي البقاع والجبال وغير ذلك من الحرامية ~~المفسدين فحصرهم فيها وضايقهم وزحف إليهم في الفارس والراجل وخرج من بعلبك ~~من المقاتلة جماعة فقتل منهم وجرح نفر كثير وعلى السور أيضا ثم زحف بعد ~~أيام إلى البلد البراني وقد حصفوه بالرجال فشد عليهم القتال وفرق العسكر ~~عليه من عدة جهات فملكه وحصل العسكر فيه بعد أن قتل وجرح الخلق الكثير ممن ~~كان فيه ونصب المناجيق على البلد والحصن وواظب الزحف إليهما والشد عليهما. ~~فلما عاين صاحبها شدة الأمر والاستمرار على الاقامة والمصابرة راسل في بذل ~~الطاعة والمناصحة والسؤال في إقراره على ما كان عليه في أيام أبيه فحملته ~~عاطفة القربى ms254 على احتمال ما جرى والاغضاء عما سلف وأجاب إلى ما التمس ونزل ~~على إيثاره ما طلب وتقرر الأمر بينهما على ما اقترح وعاد شمس الملوك في ~~العسكر إلى دمشق ظافرا مسرورا في أوائل المحرم منها # سنة سبع وعشرين وخمسمائة # في المحرم منها وردت الأخبار من ناحية الافرنج بوقوع الخلف بينهم من غير ~~عادة جارية لهم بذلك ونشبت المحاربة بينهم وقتل منهم جماعة. وفيها صادف ~~جماعة من التركمان صاحب زردنا في خيله فظفروا به وقتلوه ومن معه واشتملوا ~~على خيولهم وكراعهم. وقيل إن ابن الدانشمند ظفر بفريق وافر خرج من ~~القسطنطينية فأوقع به وقتل من كان فيه من الروم وغيرهم PageV01P144 وفي ~~سابع عشر جمادى الآخرة غار الأمير سوار من حلب في خيله على تل باشر فخرج من ~~فيه من أبطال الافرنج إليه فقتل منهم تقدير ألف فارس وراجل وحمل رؤوسهم إلى ~~حلب. وفي رجب منها قبض شمس الملوك على مري بن ربيعة فاعتقله وعلى أسامة بن ~~المبارك وصانعه على مصالحة قام بها وأطلقه وأقام مري على حاله وتردد فيه ~~خطاب انتهى آخره إلى قتله وهذا مكافأة ما أسلفه من قبيح الأفعال ومذموم ~~الأعمال والظلم الذي ارتكبه في سائر الأحوال ولما عاد شمس الملوك من ناحية ~~بعلبك بعد المقرر بينه وبين أخيه صاحبها مما تقدم ذكره وشرحه انتهى إليه من ~~ناحية الافرنج ما هم عليه من فساد النية والعزم على نقض الموادعة المستقرة. ~~وشكا إليه بعض التجار الدمشقيين إن صاحب بيروت قد أخذ منهم عدة حمال كتان ~~قيمتها جملة وافرة من المال فكتب إلى مقدم الافرنج في رد ذلك على أربابه ~~وإعادته على من هو أولى به وترددت المكاتبات في ذلك فلم تسفر عن نيل مراد ~~ولا نيل طلاب فحمله الغيظ والحنق على مقابلة هذا الفعل بمثله وأسر ذلك في ~~نفسه ولم يبده لأحد من خاصته وثقات بطانته وصرف همه وعزمه إلى التأهب ~~لمنازلة بانياس وانتزاعها من أيدي الملاعين المتغلبين عليها ونهض إليها في ~~أواخر المحرم من السنة ونزل عليها في يوم ms255 الأحد غرة صفر منها وزحف في عسكر ~~إليها وفيها جماعة وافرة من الخيالة والرجالة فارتاعوا لما أتاهم فجأة ~~وذلوا وانخذلوا وقرب من سورهم بالدرق الجفتيات والخراسانيين والنقابين ~~وترجل عن جواده وترجل الأتراك بأسرهم لترجله ورشقوا من على السور بالنشاب ~~فاستتروا ولم يبق أحد يظهر برأسه عليه لكثرة الرماة وألزق الجفتيات إلى ~~مكان من السور استرقه فنقبوه إلى أن تمكنوا منه ثم هجموه وتكاثروا في ~~البلد. والتجأ من كان فيه من الافرنج إلى القلعة والأبراج وتحصنوا بها ~~ومانعوا عن نفوسهم فيها وملك البلد وفتح بابه وقتل كل من صودف فيه من ~~الافرنج وأسر. ولما رأى من بالقلعة والأبراج من المنهزمين ما نزل بهم من ~~تملك البلد والقصد لهم بالقتال ولا ناصر لهم ولا ممانع عنهم التمسوا الأمان ~~فأجيبوا إليه ونزلوا فاسروا جميعا ونهب ما كان في البلد وقرر فيه من الرجال ~~الأجلاد من يحفظه ويذب عنه ورحل عنه في العسكر ومعه الأسرى ورؤوس القتلى ~~وحرم الوالي الذي كان به وأولاده والعدد الكثيرة ووصل إلى دمشق في يوم ~~الخميس لست ليال خلت من صفر من السنة. وخرج الناس من البلد للقائه ومشاهدة ~~الأسرى في الحبال والرؤوس في القصب وهم الشيء الكثير والجم الغفير فرأى ~~الناس من ذلك ما أقر عيونهم وسر قلوبهم وشد متنهم وابتهجوا له وأكثروا من ~~شكر الله تعالى على ما سناه من هذا النصر العزيز والفتح المبين وشاعت ~~الأخبار بذلك في الافرنج فهالهم سماعه وارتاعوا لحدوث مثله وامتلأت قلوبهم ~~رعبا ووجلا وأكثروا التعجب من تسهل الأمر في بانياس مع حصانتها وكثرة ~~الرجال فيها في أقرب مدة وأسهل مرام وأسفوا على من قتل من الخيالة الفرسان ~~والرجالة PageV01P145 وفي هذه السنة وردت الأخبار من ناحية العراق بوصول ~~السلطان مسعود بن السلطان محمد إلى بغداد ونزوله في الجانب الغربي منها ~~وأقام بها أياما قلائل لتقرير الحال وكتب تذكرة بأشياء اقترحها والتمس ~~إضافة الشام إلى العراق ووصل إليه قاضي القضاة والأعيان والأماثل واستحلفوه ~~على ما تضمنه المشروح المقترح في التذكرة وطولع بما جرى ms256 فخرج الأمر السامي ~~الأمامي المسترشدي بالاذن له في نزوله في دار السلطنة وكتبت ألقابه وإقامة ~~الدعوة له وحمل إليه ما يحتاج إلى مثله من الفرش وغيره وخطب له آخر جمعة من ~~المحرم وكتب بتقرير أمر السلطنة إلى جميع الأعمال والأمر بالدعاء له على ~~منابرها. واستدعي إلى الدار العزيزة المسترشدية وناب الوزير شرف الدين ~~أنوشروان بن خالد وزير الخليفة عنه في إيصال سلامه ودعائه أحسن مناب وخوطب ~~بأجمل جواب وأفيضت الخلع عليه في يوم الأحد لخمس خلون من شهر ربيع الأول من ~~السنة وقد جلس الامام الخليفة المسترشد بالله أمير المؤمنين فحضر بين يديه ~~وخدم كما جرت العادة لمثله فقال له أمير المؤمنين في مبدإ خطابه: تلق هذه ~~النعمة بشكرك واتق الله تعالى في سرك وجهرك. وكان هذا التشريف سبع دراريع ~~مختلفات الأجناس والسابعة منها سوداء وتاجا مرصعا وسوارير وطوق ذهب ولما ~~جلس على الكرسي المعد له وقبل الأرض قال له أمير المؤمنين: من لم يحسن ~~سياسة نفسه لم يصلح لسياسة غيره. قال الله تعالى ذكره: " فمن يعمل مثقال ~~ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره " . فأعاد الوزير عليه ذلك ~~بالفارسية فأكثر من الدعاء له والثناء عليه واستدعى أمير المؤمنين السيفين ~~المعدين له فقلده بهما واللوائين فعقدهما له بيده وسلم عيه السلطان داود بن ~~محمود أخيه وأتابكه اق سنقر وأكد الوصية عليه في بابهما واجمال الرعاية ~~لهما واستحلفه على الوفاء بما قرره في بابهما وقال له أمير المؤمنين: انهض ~~وخذ ما أتيتك وكن من الشاكرين. وتوجه السلطان مسعود بعد ذلك إلى ناحية ~~أذربيجان في أول شهر ربيع الآخر من السنة وقد انضم إليه اق سنقر أحمديلي ~~وخلق كثير من الأتراك ووردت الأخبار إلى بغداد بأن عسكر السلطان مسعود كسر ~~عسكر السلطان طغرل بن محمد بناحية همذان في ثامن عشر رجب من السنة وتفرق ~~عسكره في البلاد وعاد السلطان مسعود إلى منزله وخوطب له في جامع همذان ~~PageV01P146 وفي هذه السنة عزم شمس الملوك إسمعيل بن تاج الملوك على قصد ~~حماة ms257 لمنازلتها واستعادتها من أيدي الغالبين عليها وملكتها وقد كان أخفى ~~هذا العزم في نفسه ولم يظهر عليه غيره وشرع في التأهب لذاك والاستعداد ~~للمصير إليها وقد كانت الأخبار انتهت إلى الحافظ لها بهذا الاعتزام فبالغ ~~في التحصين لها والتأهب للذب عنها والمراماة دونها وأعد لذلك كل آلة يحتاج ~~إليها ويعتمد عليها. وانتهى الخبر بهذه الحال إلى شمس الملوك فلم يحفل بهذا ~~الأمر ولا يشطن عنه بل برز في العشر الأخير من شهر رمضان سنة 27 ولم يبق من ~~مقدمي أمرائه وخواصه إلا من أشار عليه بأبطال هذه الحركة واستوقف عزمه عنها ~~وهو لا يحفل بمقال ولم يسمع منه جواب خطاب وقيل له: تهمل هذا إلى فراغ صوم ~~هذه الأيام القلائل من هذا الشهر المبارك وتقضي سنة العيد ويكون التوجه ~~بعده إلى ذلك المكان. فلم يصغ إلى أحد في هذا الرأي ولا عمل بمشورة انسان ~~وبنى أمره على قصدها وأهلها غارون ومن بها من الحماة غافلون لتحققهم إنه لا ~~ينهض أحد في هذه الأيام إلا بعد العيد وترفيه الجند. ثم إنه رحل في الحال ~~إليها وأغذ السير حتى نزل عليها وهجم في يوم العيد على من فيها فراعهم ما ~~أحاط من البلاء بهم وزحف إليهم من وقته في أوفر عدة وأكمل عدة فتحصنوا ~~بالدروب والرحال وصبروا على الرشق بالسهام والنبال وعاد العسكر في ذلك ~~اليوم وقد نكأ فيهم نكاية ظاهرة في القتل والجرح والنهب والسلب وباكرهم من ~~غده في الفارس والراجل وفرقهم حول البلد من جميع نواحيه ثم زحف في خواصه من ~~الغلمان الأتراك وجماعة وافرة من الرجالة والخيالة القتال واسترق موضعا من ~~حماة قصد إليه وعول في هجم البلد عليه وشد على من به من الحماة والرماة ~~فاندفعوا بين يديه وهجم البلد بنفسه من ذلك المكان. ولاذ من بها بالأمان ~~وترامى إليه جماعة من حماتها مستأمنين فأمنهم وخلع عليهم وأحسن إليهم ونادى ~~بالكف عنهم ورفع الأذية عن كافتهم ورد ما نهب عليهم فخرج إليه أكثر رجال ~~القلعة طالبين الأمان فخلع ms258 عليهم وأمنهم. فحين رأى الوالي ذلك وعرف عجزه عن ~~المصابرة طلب أيمانه فأمنه: وسلم القلعة بما فيها إليه وحصلت مع البلد في ~~يديه بأسهل أمر وأسرع وقت فرتب لولايتها من اعتمد عليه وسكن في حفظها إليه ~~ورحل عنها وقصد شيزر ونزل عليها وأمر بالعيث والفساد في نواحيها ولم يزل ~~على هذه الحال إلى أن لوطف واستعطف بما حمل إليه ورحل عائدا إلى دمشق ~~ودخلها مسرورا ظافرا في ذي القعدة من السنة ومن اقتراحات شمس الملوك الدالة ~~على قوة عزيمته ومضاء همته ومستحسن ابتدائه ما أحدثه من البابين المستجدين ~~خارج باب الحديد من القلعة بدمشق الأوسط منها وباب جسر الخندق الشرقي منها ~~وهو الثالث لها أنشأهم في سنة 527 مع دار المسرة بالقلعة والحمام المحدثة ~~من شامها على قضية اخترعها وبنية اقترحها وصفة أثرها فجاءت في نهاية الحسن ~~والطيبة والتقويم والاعتدال وفرغ منها في أوائل سنة 528 وفيها ورد الأمير ~~المنتضى أبو الفوارس وثاب بن مسافر الغنوي رسولا من مصر في يوم السبت لأربع ~~بقين من ذي القعدة منها بجواب ما كان صدر من مكاتبة شمس الملوك وواصل ما ~~صحبه من الخلع السنية وأسفاط الثياب المصرية والخيل والمال وقرئ الكتاب ~~الوارد على يده ولم يزل مقيما إلى أن تسهل مسيره فعاد منكفئا سنة 28 في يوم ~~السبت لليلتين بقيتا من شهر ربيع الأول منها PageV01P147 وفي ذي الحجة منها ~~وردت الأخبار بوصول عسكر وافر من التركمان إلى ناحية الشمال وإنهم غاروا ~~على طرابلس وأعمالها من معاقل الافرنج فظفروا بخلق كثير منهم قتلا وأسرا ~~وحصل لهم من الغنائم والدواب الشيء الكثير وإن صاحب طرابلس قنض طلولا بن ~~بدران الصنجيلي خرج إليهم فيمن حشده من أعماله ولقي عسكر التركمان فكسروه ~~وأظفرهم الله بحشده المفلول وجمعه المخذول وقتل أكثر رجاله وحل حماته ~~وأبطاله وانهزم في نفر قليل من الحصن المعروف ببعرين فالتجأوا إليه وتحصنوا ~~به ونزل عسكر الأتراك عليه وأقاموا محاصرين له أياما كثيرة حتى نفد ما فيه ~~من القوت والماء بحيث هلك منهم ومن ms259 خيلهم الأكثر فاعملوا الحيلة واستغنموا ~~الغفلة وانتهزوا الفرصة وخرجوا في تقدير عشرين مع المقدم فنجوا ووصلوا إلى ~~طرابلس. وكاتب ملك بنض طلولا صاحبها ملك الافرنج بعكا يستصرخ به وبمن في ~~أعماله ويبعثهم على نصرته فاجتمع إليه من الافرنج خلق كثير ونهضوا إلى ~~التركمان لترحيلهم عن حصن بعرين واستنقاذ من بقي فيه منهم فلما عرفوا عزمهم ~~وقصدهم زحفوا إلى لقائهم فقتلوا منهم جمعا كثيرا وأشرف التركمان على الظفر ~~بهم والنكاية فيهم لولا إنهم اندفعوا إلى ناحية رفنية فاتصل بهم رحلهم عنها ~~وعودهم على طريق الساحل فشق ذلك عليهم وأسفوا على ما فاتهم من غنائمهم ~~وتفرقوا في أعمالهم وفي هذه السنة عرض لكريم الملك أبي الفضل أحمد بن عبد ~~الرزاق وزير شمس الملوك مرض حاد لم يزل به إلى أن توفي إلى رحمة الله في ~~يوم الأحد الحادي والعشرين من ذي الحجة منها فحزن له الناس وتفجعوا بوفاته ~~وتأسفوا عليه بحسن طريقته ومشكور أفعاله وحميد خلاله وكان محبا للخير ~~متمسكا بالدين مواظبا على تلاوة القرآن العظيم وفي صفر من السنة نهض صاحب ~~بيت المقدس ملك الافرنج في خيله إلى أطراف أعمال حلب ووصل إلى موضع يعرف ~~بنوار فنهض إليه الأمير سوار النائب في حلب في عسكر حلب وما انضاف إليه من ~~التركمان فالتقوا وتحاربوا أياما وتطاردوا إلى أن وصلوا إلى أرض قنسرين ~~فحمل الافرنج عليهم فكسروهم كسرة عظيمة قتلوا فيها من المسلمين تقدير مائة ~~فارس فيهم جماعة من المقدمين المشهورين المذكورين وقتل من الافرنج أكثر من ~~ذلك ووصل الفل إلى حلب وتم الافرنج إلى قنسرين ثم إلى المقاومة ثم إلى نقرة ~~الأحرين كذا فعاود الأمير سوار النهوض إليهم من حلب في من بقي من العسكر ~~والأتراك فلقوا فريقا من الافرنج فأوقعوا به وكسروه وقتلوا منه تقدير مائة ~~فارس فانكفت الافرنج هزيما نحو بلادهم وعاد المسلمون برؤوس القتلى والقلائع ~~إلى حلب فانجلت تلك الغمة بتسهل هذه النعمة. ووصل الملك إلى انطاكية وانتهى ~~إلى سوار خبر خيل الرها فنهض الأمير سوار وحسان البعلبكي فأوقعوا ms260 بهم ~~وقتلوهم عن آخرهم في بلد الشمال وأسروا من وقع في أيديهم حيا وعادوا إلى ~~حلب ظافرين سالمين ومعهم الأسرى والرؤوس # سنة ثمان وعشرين وخمسمائة # وفي هذه السنة نهض شمس الملوك إسمعيل بن تاج الملوك في عسكره إلى شقيف ~~تيرون. الذي في الجبل المطل على ثغر بيروت وصيدا فملكه وانتزعه من يد ضحاك ~~بن جندل التميمي المتغلب عليه في يوم الجمعة لست بقين من المحرم منها ~~PageV01P148 وفي هذه السنة خرج شمس الملوك إلى التصيد أواخر شهر ربيع الآخر ~~بناحية صيدنايا وعسال فلما كان يوم الثلاثاء التاسع منه وقد انفرد من ~~غلمانه وخواصه وثب عليه أحد مماليك جده ظهير الدين أتابك من الأتراك يعرف ~~بايلبا وقد وجد منه خلوة وفرصة بالسيف وضربه ضربة هائلة يريد بها قطع رأسه ~~فقضى الله تعالى بالسلامة فانقلب السيف من يده ولم يعمل شيئا ورمى بنفسه ~~إلى الأرض في الحال وضربه ثانية فوقعت في عنق الفرس فأتلفه وحال بينه وبين ~~الفرس إلى أن تكاثر عليه الغلمان وتوافوا إليه فانهزم وأنهض في أثره من ~~الخيل من يتعقبه ويطلبه ويتوثق منه وعاد إلى البلد. وقد اضطرب الأمر فيه ~~عند إشاعة هذه الكائنة فسكنت النفوس بسلامته. وجد المنهضون في طلبه من ~~الخيل والغلمان والبحث عنه في الجبال والطرقات والمسالك إلى أن لحقوه فجرح ~~جماعة بالنشاب إلى أن أمسكوه فلما أحضروه إلى شمس الملوك وقرره وسأله: ما ~~الذي حملك على هذا الفعل. فقال: لم أفعله إلا تقربا إلى الله تعالى بقتلك ~~وراحة الناس منك لأنك قد ظلمت المساكين والضعفاء من الناس والصناع ~~والمتعيشين والفلاحين وامتهنت العسكرية والرعية. وذكر جماعة من الغلمان ~~أبرياء أوقعهم في التهمة بأنهم وافقوه على هذا فقبض عليهم وأضافهم إليه ~~وقتل الجميع في الحال صبرا. ولامه الناس على ذلك حيث قتل هؤلاء الغلمان ~~بقول هذا الجاني من غير بينة قامت ولا دلالة ظهرت ولم يكفه قتل من قتل ظلما ~~حتى اتهم أخاه سونج بن تاج الملوك فقتله وهو كبيره أشنع قتلة بالجوع في بيت ~~وبالغ في هذه ms261 الأفعال القبيحة والظلم ولم يقف عند حد وفي يوم السبت الرابع ~~من جمادى الأولى من السنة وصل أثير الملك أبو علي الحسن ابن اقش رسولا من ~~الدار العزيزة النبوية المسترشدية وعلى يده برسم شمس الملوك التشريف ~~الامامي المندوب لإيصاله إليه وإفاضته عليه ووردت المكاتبات على يده عن ~~الوزير شرف الدين أبي القسم علي بن طراد النقيب الزينبي وزير الخليفة وكان ~~معزولا عن الوزارة فأعيد إليها في شهر ربيع الأول سنة 528 وصرف عنها الوزير ~~شرف الدين أنوشروان بن خالد صرفا جميلا وفي هذه السنة وردت الأخبار من ~~ناحية مصر بالخلف الحادث بين ولدي الامام الحافظ لدين الله أبي الميمون عبد ~~المجيد أمير المؤمنين أبي علي الحسن ولي عهد المسلمين وأخيه أبي تراب حيدرة ~~ابني الحافظ واقتسام الأجناد فرقتين أحدهما مائلة إلى مذهب السنة وأهله ~~والاخرى إلى مذهب الاسماعيلية وحزبه واستعار نار الحرب بينهما واستظهار حزب ~~السنة على حزب الاسماعيلية بحيث قتل منهم خلق كثير وكان أكثر القتل في ~~الريحانية والسودان واستقام الأمر بعده لأبي علي الحسن وتتبع من كان ينصر ~~مذهب الاسماعيلية من المقدمين والدعاة ومن يجري مجراهم فأبادهم بالقتل ~~والتشريد وصلحت الأحوال واستقامت أمور الأعمال بعد الاضطراب والاختلال وورد ~~كتاب الحافظ لدين الله إلى شمس الملوك بهذه الحال في أواخر ذي الحجة من ~~السنة بما تجدد عنده من هذه النعمة PageV01P149 وفي ذي القعدة من السنة ~~انتهت الأخبار إلى شمس الملوك من ناحية الافرنج باعتزامهم على نقض المستقر ~~من الهدنة وقبيح الموادعة المستمرة وتأهبهم للجمع والاحتشاد وقصد الأعمال ~~الدمشقية بالعيث والفساد فحين عرف شمس الملوك هذه الحال شرع في جمع الرجال ~~واستدعى التركمان من جميع الأعمال واتصل به نهوض الافرنج إلى ناحية حوران ~~فبرز في العسكر وتوجه إليهم وخيم بإزائهم وشرعوا في اخراب أمهات الضياع ~~الحورانية ووقع التطارد بين الفريقين. وكان الافرنج في جمع كثيف من الخيل ~~والرجل بحيث حصروهم في منزلهم لا يخرج منهم فارس ولا راجل إلا رشقته السهام ~~واختطفه الحمام وأقامت المناوشة بين الفريقين عدة أيام ثم ms262 أغفلهم شمس ~~الملوك ونهض في فريق وافر من العسكر وهم لا يشعرون وقصد بلادهم عكا ~~والناصرية وما جاورهما وطبرية وما والاها فظفر بما لا يحصى كثرة من المواشي ~~والعوامل والنسوان والصبيان والرجال وقتل من صادفه وسبى من ظهر له وأحرق ما ~~وجده وامتلأت أيدي التركمان من غنائمهم. واتصل الخبر بالافرنج فانخذلوا ~~وقلقوا وانزعجوا وأجفلوا في الحال من منزلهم طالبين أعمالهم وعرف شمس ~~الملوك ذاك فانكفأ إلى مخيمه على طريق الشعراء سالما في نفسه وجملته ظافرا ~~غانما. ووصل الافرنج إلى أعمالهم فشاهدوا ما حل بها ونزل بأهلها من البلاء ~~فساءهم ذاك وفت في أعضادهم وانفلت شكتهم وانقصفت شوكتهم وتفرق شملهم وذلوا ~~وطلبوا تقرير الصلح بينهم وعاد شمس الملوك إلى دمشق مسرورا في آخر ذي الحجة ~~من السنة وفيها وردت الأخبار باجتماع الأمير عماد الدين أتابك والأمير حسام ~~الدين تمرتاش ابن ايل غازي بن ارتق على بلاد الأمير داود بن سكمان بن ارتق ~~ونهض إليهما في عسكره والتقى الفريقان على باب آمد فانهزم داود وانفل عسكره ~~وأسر بعض أولاده وقتل جماعة من أصحابه وذلك في يوم الجمعة سلخ جمادى الآخرة ~~ونزل على آمد وحصرها وقطع شجرها ولم يحصل منها على طائل فرحل عنها ووردت ~~الأخبار بأن عماد الدين أتابك نزل على القلعة المعروفة بالصور وضايقها ~~وافتتحها في رجب من السنة. وفيها ورد الخبر من ناحية بغداد بوقوع النار في ~~بعض محالها فاحترق الخان المشهور بمخازن التجار وكثير من الأسواق وتلف ~~للتجار الحاضرين والغائبين من جميع الجهات ما لا يحصى من أموالهم وبضائعهم. ~~وفيها ورد الخبر بأن عماد الدين أتابك استوزر ضياء الدين أبا سعيد ~~الكفرتوثي وهو مشهور بحسن الطريقة والكفاية وحب الخير والمقاصد السديدة ~~والمذاهب الحميدة. وفيها وردت الأخبار من ناحية العراق بوفاة السلطان طغرل ~~بن السلطان محمد بن ملك شاه رحمه الله. وفيها تواصلت الأخبار من ناحية ~~الأمير عماد الدين أتابك باعتزامه على التأهب لقصد مدينة دمشق لمنازلتها ~~ومحاصرتها وإنه منصرف الهمة إلى الاستعداد لذلك. # سنة تسع وعشرين وخمسمائة # في أول ms263 المحرم هرب الحاجب يوسف بن فيروز شحنة دمشق إلى تدمر خوفا من شمس ~~الملوك إسمعيل بن تاج الملوك بوري # شرح السبب في ذلك PageV01P150 كان الحاجب المذكور في جاه تاج الملوك ~~متمكن الرتبة عنده مقبول الرأي فيما يرومه وقد صرف همه ووكده إلى تطلب معقل ~~حصين بعده لنائبة تنوب وخطب من خطوب الزمان تتجدد واتفق إن الأمير شهاب ~~الدين محمود بن تاج الملوك المقيم بتدمر قد سئم المقام بها وضجر من كونه ~~فيها وارتاحت نفسه إلى دمشق والاقامة فيها وجعل يراسل أباه تاج الملوك ~~ويسأله نقله عنها ولم يزل إلى أن أجيب إلى مقترحه وأسعف بمطلبه. فوجد يوسف ~~بن فيروز الغرض الذي يتطلبه قد تسهلت أسبابه فشرع في الحديث فيه والخطاب ~~بسببه والاستعانة بمن يعينه على ذلك من المقدمين والوجوه إلى أن تسهل الأمر ~~وأجيب إليه وعول في تولي أمر تدمر عليه وتسلمها وحصلت في ولايته ورتب فيها ~~ولده مع من وثق به في حفظها والذب عنها من ثقات أصحابه وأمناء نوابه وشرع ~~في تحصينها ومرمتها ولم شعثها وشحنها بالغلة والعدد وحصل فيها كل ما يحتاج ~~مثلها إلى مثله. فلما عرف من شمس الملوك التنكر عليه وظهر له فساد نيته فيه ~~وبان ذلك له من ثقات يسكن إليهم ولا يشك فيهم وحمله الخوف من المعاجلة له ~~والايقاع به فهم بالهروب إلى تدمر وترقب الفرصة في ذلك إلى أن اتفق لشمس ~~الملوك في بعض الجهات خروج فخرج من البلد آخر النهار وسره مكتوم عن الخل ~~والجار وقصد ضيعته لمشاهدتها وقد استصحب خواص أصحابه وغلمانه ثم تم على ~~حاله مغذا في سيره مجدا في قصده إلى أن حصل بتدمر آمنا مما توقاه ظافرا بما ~~رجاه. وظهر خبره في غد ذلك اليوم فحين عرف شمس الملوك جلية حاله ضاق صدره ~~لافلاته من يده وتضاعف ندمه لفوات الأمر فيه وكاتبه بما يطيب نفسه ويؤنسه ~~بعد استيحاشه فلم يصغ إلى ذلك بل أجابه جواب الخاضع والطائع والعبد الناصح ~~والمستخدم المخلص ويقول: إنني في هذا المكان خادم ms264 في حفظه والذب عنه فلما ~~وقع اليأس وعلم إن المقال لا ينجع حنق عليه وذكره بكل قبيح وأظهر ما يسره ~~في نفسه ولم يعرض لشيء من ملكه وداره وأقطاعه وأهله وأسبابه. وتجدد بعد ذلك ~~ما يذكر في موضعه وكان هروبه في ليلة الجمعة لليلة خلت من المحرم سنة 529 ~~من الضيعة الجارية في أقطاعه المعروفة بالمنيحة من الغوطة PageV01P151 وفي ~~هذه السنة شاعت الأخبار في دمشق بين خاصتها وعامتها عن صاحبها الأمير شمس ~~الملوك أبي الفتح إسمعيل بن تاج الملوك بوري بن ظهير الدين أتابك بتناهيه ~~في ارتكاب القبائح المنكرات وإيغاله في اكتساب المآثر المحظورات الدالة على ~~فساد التصور والعقل وصداء الحسن وظهور الجهل وتبلد الفهم وحب الظلم وعدوله ~~عما عرف فيه من مضاء العزيمة في مصالح الدين والمسارعة إلى الجهاد في ~~الأعداء الملحدين وشرع في مصادرات المتصرفين والعمال وتأول المحال على ~~المستخدمين في الأعمال واستخدم بين يديه كرديا جاءه من ناحية حمص يعرف ~~ببدران الكافر لا يعرف الاسلام ولا قوانينه ولا الدين وشروطه ولا يرقب في ~~مؤمن ولاء ذمة ونصبه لاستخراج مال المصادرين من المتصرفين والأخيار ~~المستورين بفنون قبيحة اخترعها في العقوبات وأنواع مستبشعة في التهديد لهم ~~والمخاطبات. وظهر من شمس الملوك مع هذه الحال القبيحة والأفعال الشنيعة بخل ~~زائد وإشفاق نفس إلى الدنايا متواصل بحيث لا يأنف من تناول الخسيس الحقير ~~بالعدوان وأخذه من غير وجهه بالعتو والطغيان وأشياء من هذا الباب لا حاجة ~~إلى ذكرها لاشاعتها واشتهار أمرها بحيث أنكرت من أفعاله واستبشعت من أمثاله ~~ولم يكفه ما هو عليه من هذه الأفعال الذميمة والخصال المكروهة حتى أسر في ~~نفسه مصادرة كفاته من الكتاب وخواصه من الأمراء والحجاب وعزم على الابتداء ~~أولا بالحاجب سيف الدولة يوسف بن فيروز أحظى من كان عند أبيه أولا وعنده ~~ثانيا واشتهر عنه حتى هرب إلى تدمر منه ورأى الغنيمة الكبرى ببعده من شره ~~وراحته من نظره. وكاتب في أثناء هذا الاختلال والاضطراب الأمير عماد الدين ~~أتابك حين عرف اعتزامه على قصد دمشق ms265 لمنازلتها ومضايقتها والطمع في ملكتها ~~يبعثه على سرعة الوصول إليها ليسلمها إليه طائعا ويمكنه من الانتقام من كل ~~من يكرهه من المقدمين والأمراء والأعيان بإهلاكهم وأخذ أموالهم وإخراجهم من ~~منازلهم لأمر تصوره وهذيان في نفسه قرره وتابع الكتب إليه بالمسئلة في ~~الاسراع والبدار وترك التلوم والانتظار ويقول له في أثناء هذا المقال وإن ~~اتق إهمال لهذا الأمر وإغفال أو إمهال أحوجت إلى استدعاء الافرنج من بلادهم ~~وسلمت إليهم دمشق بما فيها وكان إثم دم من بها في رقبته وأسر ذلك في نفسه ~~ولم يبده لأحد من وجوه دولته وأهل بطانته وكانت كتبه بذلك بخط يده وشرع في ~~نقل المال والأواني والثياب من خزانته إلى حصن صرخد حتى حصل الجميع به ظنا ~~منه إنه يفوز به ويهلك جميع الناس من بعده. فلما بدأ هذا الأمر يظهر واسر ~~فيه ينتشر شرع في القبض على أصحابه وكتابه وعماله وغيرهم من أهل دمشق ~~ومقدمي الضياع امتعض الأمراء والمقدمون ووجوه الغلمان الأتابكية وكافة ~~العسكرية والرعية من هذا الفعل وأشفقوا من الهلاك والبوار إن تم هذا ~~التدبير المذموم لما يعلمون من أفعال عماد الدين أتابك إذا ملك البلد ~~فأجروا الحديث فيما بينهم سرا. وأنهوا الحال فيه إلى والدته الخاتون صفوة ~~الملك فقلقت لذاك وامتعضت منه واستدعته وأنكرته واشتبشعت وحملها فعلها ~~الجميل ودينها القويم وعقها الرصين على النظر في هذا الأمر بما يحسم داءه ~~ويعود بصلاح دمشق ومن حوته وتأملت الأمر في ذلك تأمل الحازم الأريب ~~والمرتأي المصيب فلم تجد لدائه دواء ولا لفمه شفاء إلا بالراحة منه وحسم ~~أسباب الفساد المتزايد عنه وأشار عليها وجوه الغلمان وأكابرهم بذاك ~~واستصوبوا رأيها فيه وبعثوها على المعاجلة له قبل ظهور الشر وفوات الأمر ~~وإنه لا ينفع فيه أمر ولا ينجع معه وعظ. فصرفت الهمة إلى مناجزته وارتقبت ~~الفرصة في خلوته إلى أن تسهل الأمر المطلوب عند خلوته من غلمانه وسلاحيته ~~فأمرت غلمانها بقتله وترك الامهال له غير راحمة له ولا متألمة لفقده لما ~~عرفت من قبيح فعله وفساد عقله ms266 وسوء سيرته ومذموم طريقته وأوعزت بإخراجه حين ~~قتل وإلقائه في موضع من الدار ليشاهده غلمانه. وكل سر بمصرعه وابتهج ~~بالراحة منه وبالغ في شكر الله تعالى على ما سهله فيه وأكثر الدعاء لها ~~والثناء عليها وذلك ضحى نهار يوم الأربعاء الرابع عشر من ربيع الآخر سنة ~~529. وقد كان مولده ليلة الخميس السابع بالعدد من جمادى الآخرة سنة 506 في ~~الساعة الثانية منها والطالع برج السرطان أو المشتري فيه كمح مح والمريخ في ~~السنبلة والزهرة في الخامس والعقرب والشمس في PageV01P152 السادس من القوس ~~والقمر وزحل في التاسع وسهم السعادة في العاشرسادس من القوس والقمر وزحل في ~~التاسع وسهم السعادة في العاشر وقد كان المعروف ببدران الكافر لعنه الله في ~~يوم الثلاثاء المتقدم ليوم الأربعاء الذي قتل فيه وقد راح من بين يديه بعد ~~أن أسر إليه بشر يعمل عليه له. فلما حصل في بيته وقت الظهر من يومه المذكور ~~أرسل الله تعالى ذكره عليه آفة عظيمة أخذت بأنفاسه وربا لسانه حتى ملأ فاه ~~وهلك من وقته وكانت الكائنة في غده فبالغ الكافة في حمد الله تعالى وشكره ~~على هذه الآية الباهرة والقدرة الظاهرة وواصلوا تسبيحه وتقديسه وتمجيده ~~فسبحان مالك الأمر ومدبر الخلق تعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا وفي ~~الوقت نودي بشعار أخيه الأمير شهاب الدين محمود بن تاج الملوك بن أتابك جلس ~~في منصبه بمحضر من والدته خاتون صفوة الملك وحضر الأمراء وأماثل الأجناد ~~وأعيان الرعية فسلموا عليه بالامرة واستحلفوا على الطاعة له ولوالدته ~~والمناصحة في خدمتهما والنصرة لأوليائهما والمجاهدة في أعدائهما وحلف كل ~~منهم بانشراح من صدره وانفساح من أمله وظهر من سرور الكافة خاصيها وعاميها ~~بهذه النوبة السعيدة والأفعال الحميدة ما يزيد على الوصف وأيقنوا بالخلاص ~~من المكروه الذي أشرفوا عليه واستقامت الأحوال وتحققت الآمال وتتابعت ~~المكاتبات في أثناء ذلك من سائر الجهات بوصول عماد الدين في عسكره وقطعه ~~الفرات مجدا لتسلم دمشق من شمس الملوك صاحبها ووصلت رسله لتقرير الأمر ~~فصادفوا الحال بالضد والتدبير بالعكس إلا إنهم ms267 أكرموا وبجلوا وأحسن إليهم ~~وأعيدوا بأجمل جواب وألطف خطاب وأعلم عماد الدين جلية الحال واتفاق الكلمة ~~في حفظ الدولة والذب عن الحوزة والبعث على اجمال الرعاية والعود على أحسن ~~نية فلما انتهى إليه الجواب ووقف عليه لم يحفل به ولا أصاخ إلى استماعه ~~فأوهمته نفسه بالطمع في ملكة دمشق ظنا منه بأن الخلف يقع بين الأمراء ~~والمقدمين من الغلمان فكان الأمر بخلاف ما ظن وواصل الرحيل وأغذاذ السر إلى ~~أن وصل إلى ظاهر دمشق وخيم بأرض عذراء إلى أرض القصير في عسكر كثيف الجمع ~~عظيم السواد في أوائل جمادى الأولى في سنة 519. وقد كان التأهب له مستعملا ~~عند ورود أخبار عزيمته وأجفلت الضياع وحصل أهلها في البلد ووقع الاستعداد ~~لمحاربته واللقاء عند منازلته والاجتماع على صده ودفعه ولم تزل الحال على ~~هذه القضية والانتصاب بإزائه على هذه السجية وقد أشعرت النفوس من شدة البأس ~~والصبر على المراس للقائه والتأهب لزحفه ودنوه من البلد وقربه وقد كان رحل ~~عن عذارء ونزل تحت العقبة القبلية وكان يزحف في عسكره وقد فرقه في عدة ~~مواضع كالمراكب حتى تقرب من البلد فيشاهد كثرة من يخرج من البلد والعسكرية ~~وأحداث الرعية بالسلاح الشاك وامتلأ المصلي وسائر الأماكن والكمناء في جميع ~~المسالك ما يروعه ويصده عن الزحف وفي كل يوم يصل من مستأمني عسكره جملة ~~وافرة مع ما ينهب من خيولهم ويقلع من فوارسهم فلما طالت الأيام عليه ولم ~~يحصل على طائل مما حاول ولا مرام راسل في طلب الصلح والدخول في طاعته ~~والتمس خروج الأمير شهاب الدين محمود بن تاج الملوك إليه لوطء بساط ولد ~~السلطان الواصل معه ويخلع عليه ويعيده إلى بلده وأجمل الخطاب في ذلك والوعد ~~فلم يجب إلى خروج شهاب الدين وتقررت الحال على خروج أخيه تاج الملوك بهرام ~~شاه بن تاج الملوك. ووافق ذلك وصول الرئيس بشر بن كريم بن بشر رسولا من ~~الامام المسترشد بالله أمير المؤمنين إلى عماد الدين أتابك بخلع أعدت له ~~والأمر بالرحيل عن دمشق وترك التعرض ms268 لها والوصول إلى العراق لتولي أمره ~~والتدبير له وأن يخطب للسلطان البارسلان المقيم بالموصل PageV01P153 ودخل ~~الرسول المذكور والقاضي بهاء الدين ابن الشهرزوري إلى دمشق لتقرير الأمر ~~ولإحكام القاعدة في الجمعة في الثامن والعشرين من جمادى الأولى فتقرر الأمر ~~ووكدت الايمان وحضرا الجامع لصلاة الجمعة وخطب للسلطان البارسلان على ~~المنبر بأمر أمير المؤمنين وعاد إلى العسكر الأتابكي وخرج بهرام شاه فأكرمه ~~وأعاده على أجمل قضية ورحل في يوم السبت غد ذلك اليوم منكفئا والقلوب قد ~~أمنت بعد الوجل والنفوس قد سكنت بعد الاضطراب والوهل والشكر له متواصل ~~والثناء عليه متكامل. فلما حصل بحماة أنكر على شمس أمراء الخواص واليها ~~أمرا أظهر له منه وتزايد شكوى أهلها لأصحابه ونوابه فعزله عنها وقرر من رآه ~~في ولايتها. وقد كان ظهر من الأمير شجاع الدولة بزواج ومعين الدين أنر من ~~حسن السياسة في تدبير العسكرية والأجناد عند الترتيب في الحرب ما وافق ~~الأعراض وطابق الاصابة والسداد بحيث شكرا وحمدت مقاصدهما وفي ذي القعدة ~~منها وردت الأخبار من العراق باستشهاد الامام الخليفة المسترشد بالله أبي ~~منصور الفضل بن المستظهر بالله أمير المؤمنين رحمه الله عليه ورضوانه # شرح السبب في ذلك # قد مضى ذكر ما كان من الخليفة المفقود في معنى السلطان مسعود بن السلطان ~~محمد بن ملك شاه من تقرير السلطنة له ورد تدبير الأعمال والأمر بالدعاء له ~~على منابر البلاد وتشريفه بالخلع والحملان الكامل. وعقيب هذا الفعل الجميل ~~ظهر لأمير المؤمنين المسترشد بالله أمور أنكرها وبلغته أسباب امتعض منها ~~وبدت منه أفعال أكبرها فرام استعطافه واستعادته إلى الواجب المألوف في طاعة ~~الخلفاء فامتنع وحاول استمالته إلى الصواب المعروف في المناصحة وحسن الوفاء ~~فلم ينفع وبعثه على الحق الذي هو خير من التمادي في الباطل فلم يقبل. فأفضت ~~الحال صرف الهمة العلية المسترشدية إلى مداواة هذا الداء والاستعداد له إلى ~~أن أعضل بالدواء ولم ير فيه أنجع من التأهب لقصده والاحتشاد للإيقاع به ~~وصمده لأن أخباره كانت متناصرة بعزمه على قصد بغداد والاخراب لها والاعاثة ms269 ~~في نواحيها فرأى الصواب في معاجلته ومقابلة فعله بمثله واتفق وصول جماعة من ~~وجوه عسكره ومقدمي جنده لخدمة الخليفة والمعاضدة له على محاربة عدوه وشرعوا ~~في تحريضه على البروز إليه والمسارعة للإطلال عليه فتوجه نحوه في تجمل يعجز ~~عنه الوصف ويقصر دونه النعت وقد اجتمع إليه من أصحاب الأطراف وأصناف ~~الأجناد الخلق الكثير والجم الغفير الذي بمثله قويت نفسه واشتد بأسه ولم ~~يشك أحد في إنه الظافر به والمستولي على حزبه. فلما قرب من مخيمه بناحية ~~همذان ووقع العيان على العيان زحف إليه في عسكره والتقى الجمعان واتفق ~~للقضاء المكتوب والقدر المحجوب إن أمراء الأتراك الواصلين لخدمة الخليفة في ~~عسكره خامروا عليه بمواطأة كانت وتقريرات تقررت وبانت فانقلبوا عنه وأسلموه ~~وعملوا عليه وأغنموه بحيث تفرقت عنه جماعة وخذله أبطاله وكماته وثبت هو ~~وخواصه في المصاف يقاتلون ولا يولون إلى أن انفل عنه حزبه وضعف أمره وغلب ~~على نفسه فأخذوه ووزيره النقيب وكاتبه سديد الدولة بن الأنباري وصاحب مخزنه ~~وخدمه وخاصته وحملوه مع أصحابه المذكورين إلى خيمه ووكل بجماعة من يحفظهم ~~ويتوثق منهم ويحتاط عليهم PageV01P154 وكتبت المطالعات إلى السلطان سنجر بن ~~ملك شاه صاحب خراسان بصورة الحال والاستئذان بما يعتمد في بابه ووعد ~~السلطان مسعود الخليفة ومن معه بالاطلاق وإعادتهم إلى بغداد وتقرير أمر ~~الخلافة على ما جرى به الرسم قديما فلما عاد الجواب من السلطان سنجر في هذا ~~الباب وتقرير ما اقتضاه الرأي في أمر الخلافة بين السلطانين المذكورين ندب ~~عدة من الرجال تقدير أربعة عشر رجلا نسبوا إلى إنهم من الباطنية فقصدوا ~~الخليفة في خيمته وهو مطمئن لا يشعر بما نزل به من البلاء وأحاط به من ~~محتوم القضاء وهجموا عليه فقتلوه في يوم الخميس الثامن عشر من ذي القعدة ~~سنة 529 صبرا وقتلوا معه من أصحابه وفراشيه من دافع عنه ومانع دونه. وشاع ~~الخبر بذاك بناحية مراغا على مرحلتين منها ودفن بها واستبشع الناس هذا ~~الفعل الشنيع والقصد الفظيع في حق خليفة الزمان وابن عم رسول الله عليه ms270 ~~أفضل الصلاة والرضوان وأكبروا الجرأة على الله والاقدام على هذا المنكر في ~~الاسلام والدم الحرام وأطلقوا الألسنة بالدعاء والذم على من استحسن هذا ~~الفعل القبيح ودبر هذا الخطب الشنيع وتيقن كل إنسان من الخاص والعام إن ~~الله تعالى لا يمهل المقدم عليه ولا يرضى بفعل المجرم إليه لأنه جلت قدرته ~~لا يصلح عمل المفسدين ولا يهدي كيد الخائنين ولا يمهل عقوبة الظالمين ولما ~~انتهى هذا الخبر إلى ولده ولي عهده تقدم بتحصين بغداد والتأهب لدفع من ~~يقصدها بسوء من الأعداء والمخالفين وبويع بالخلافة في يوم السبت السابع ~~والعشرين من ذي القعدة سنة 529 ولقب بالراشد بالله أبي جعفر المنصور بن ~~المسترشد بالله أمير المؤمنين وجلس في منصب الخلافة في ذي الحجة سنة 529 ~~واستقام له الأمر وتوكدت له البيعة على الرسم ووعد كافة الأجناد والعسكرية ~~وأماثل الرعية بما طيب نفوسهم وشرح صدورهم وأطلق مال النفقات والواجبات على ~~جاري العادة فكثر الدعاء له والثناء عليه وسكنت الدهماء # سنة ثلاثين وخمسمائة # في المحرم منها وردت الأخبار من ناحية العراق بقتل الأمير دبيس بن صدقة ~~بن مزيد قتله السلطان مسعود بن محمد لأمور أنكرها وأسباب امتعض منها نسبت ~~إليه وقيل إن هذا مكافأة من الله تعالى له عما كان منه في عصيان الخليفة ~~الامام المسترشد بالله أمير المؤمنين والسعاية في دمه. وكان هذا الخليفة ~~المسترشد بالله أمير المؤمنين رحمه الله عالما تقيا فاضلا حسن الخط بليغا ~~نافذا في أكثر العلوم عارفا بالفتوى واختلاف الفقهاء فيها أشقر الشعر أشهل ~~العينين بوجهه نمش وكانت مدة خلافته سبع عشرة سنة وما الله بغافل عما يعمل ~~الظالمون. وفي شهر ربيع الأول منها تسلم الأمير شهاب الدين محمود بن تاج ~~الملوك مدينة حمص وقلعتها # شرح الحال في ذلك PageV01P155 لما عرف من كان بحمص وقلعتها من أولاد ~~خيرخان بن قراجه وخمارتاش الوالي من قبلهم فيها ما استمر عليها من مضايقة ~~الأمير عماد الدين أتابك لها وبذل جهده وحرصه في تملكها وأخذها وأخذه حماة ~~المجاور لها وجده في طلبها وإضعاف ms271 أهلها ومواصلة الغارات عليها وإنهم لا ~~طاقة لهم بضبطها لقلة القوت بها وعدم الميرة فيها أنفذوا رسلهم إلى شهاب ~~الدين يلتمسون منه إنفاذ من يراه لتسلم حمص وقلعتها ويعوضهم عنها بما يتفق ~~عليه الرأي. وتوسط الحاجب سيف الدولة يوسف بن فيروز المقيم بتدبير الأمر في ~~ذلك طمعا في الكون بها والانتقال من تدمر إليها لكونها من الأماكن الحصينة ~~والقلاع المنيعة واستأذن في الوصول إلى دمشق للحديث وتقرير الحال في ذلك ~~فأذن له ووصل إلى دمشق وجرى في ذلك خطاب طويل أفضى آخره إلى أن تسلم حمص ~~وقلعتها إلى شهاب الدين وتسلم إلى خمارتاش تدمر عوضا عنها ووقع الشرط ~~واليمين على هذه الصفة. وبرز شهاب الدين من دمشق في العسكر وتوجه إليها ~~فحين حصل بها نزل خمارتاش من القلعة وأولاد خيرخان وأهله بما يخصهم وسلموها ~~إليه فتسلمها يوم الأحد الثاني والعشرين من شهر ربيع الأول سنة 530 وحصل ~~بها ورتب أمرها وقرر ولايتها للحاجب يوسف بن فيروز وأن يكون فيها نائبا عن ~~الأمير معين الدين أنر الأتابكي حسب ما استقر وكتب إلى الجهات والأطراف ~~بحمل الأقوات إليها والتقوية لها بالميرة وعاد شهاب الدين عنها بعد تقرير ~~أمرها منكفئا إلى دمشق. وشرع الأمير سوار النائب عن عماد الدين في حلب ومن ~~بحماة من قبله في الغارات على أعمال حمص ورعي زرعها وجرى في ذلك مراسلات ~~ومخاطبات أسفرت عن المهادنة والموادعة والمسالمة إلى أمد معلوم وأجل مفهوم ~~بحيث انحسمت أسباب الفساد عن الجهتين واستقامت أحوال الجانبين وفي يوم ~~الأحد الرابع والعشرين من جمادى الأولى من السنة خلع شهاب الدين على أمين ~~الدولة كمشتكين الأتابكي والي صرخد وبصرى الخلع التامة ورد إليه اسفهسلارية ~~العسكرية وخوطب بالأتابكية وأنزل في دار الكبيرة الأتابكية بدمشق وحضر ~~الناس لهنائه فيها وأوعز إلى الكافة باتباع رأيه والامتثال لأمره. وفي يوم ~~الأربعاء السابع والعشرين من جمادى الآخرة من هذه السنة قتل الحاجب يوسف بن ~~فيروز في ميدان المصلى بدمشق # شرح السبب في ذلك # كان الحاجب يوسف بن فيروز المقدم ذكره ms272 عند كونه في خدمة شمس الملوك ~~إسمعيل بن تاج الملوك وتمكنه عنده وارتفاع طبقته لديه قد اعتمد في حق مقدمي ~~الغلمان الأتابكية ما أوحشهم منه وبلغهم ما ضيق صدورهم عنه وأسروا ذلك في ~~نفوسهم وأخفوه في قلوبهم لا سيما ما قصده في نوبة الغلمان الذين قتلهم شمس ~~الملوك مع أخيه سونج بن تاج الملوك بسبب اتهمهم بكونهم مع ايلبا الغلام ~~التركي الذي كان وثب على شمس الملوك وضربه بالسيف طالبا قتله فسلمه الله ~~منهم ونجاه حسب ما تقدم به الشرح وكونه أكبر السعاة عليهم والسبب في قتلهم ~~على عادة قد ألفيت من فعله وطريقة قد عرفت من طبعه وقد كان حصل بتدمر وأهمل ~~أمره ونسي ما سبق به شره. فلما راسل من تدمر من يطلب الأذن في الوصول إلى ~~دمشق لتقرير أمر حمص وأوجب إلى الأذن في ذلك أنكر الأمير شجاع الدولة بزواج ~~والحاجب سنقر وأكابر الغلمان الأتابكية الأذن له في ذلك وامتعضوا من وصوله ~~كل الامتعاض لما عرفوا من سوء فعله ومشهور سعيه وختله وأشاعوا بينهم ما هم ~~عازمون عليه من العمل على قتله. ونصحه أهل وده والاشفاق عليه والمتقربين ~~إليه بذاك فأبى القبول منهم وأخذ النصح منهم وقويت نفسه على التغرير بها ~~والمخاطرة باتباع هوائها. وتمسك بمدافعة الأمير معين الدين عنه والمنع منه ~~لصداقة كانت بينهما قد استحكمت قواها ووصلة انعقدت وأحكمت عراها ولما وصل ~~إلى دمشق توثق لنفسه من الجماعة بأيمان سكنت إليها نفسه وتوكد معها أنسه ~~وقرر معه إنه يكون يحضر للسلام في كل يوم ويعود إلى داره ويقنع بالكون في ~~ملكة دمشق والتنقل منها إلى حمص ولا يداخل نفسه في أمر غير ذلك PageV01P156 ~~فما هو إلا إن حصل بها وجعل يدبر أمرا غير خاف ويقرر تقريرا غير مكتوم ولا ~~مستتر فأثار بذلك ما كان في نفوس الغلمان كامنا وحرك ما كان في القلوب ~~ساكنا. ووجد الأمير بزواج والغلمان السبيل إلى نقض ما عوهدوا عليه باعتماده ~~المخالفة لما قرروه معه وسكنوا إليه ولاحت الفرصة لهم فيه ms273 ولما كان في يوم ~~المقدم ذكره وقد تقرر الأمر بينهم على الفتك به صادفه شجاع الدولة بزواج ~~المقدم ذكره في الميدان المجاور للمصلى بظاهر دمشق فماشاه ساعة بالحديث وقد ~~خلا من أصحابه وأغفله وجرد سيفه وضربه به ضربة عظيمة في وجهه إلى رأسه وثنى ~~بأخرى فسقط إلى الأرض وأجهز عليه آخر من الغلمان ولم يتجاسر أحد من أصحابه ~~من الدنو منه ولا الدفع عنه لقوة شوكة الغلمان واتفاق كلمتهم على قتله ~~وانهزم شهاب الدين وأصحابه من الميدان إلى داره وبقي ساعة مطروحا على الأرض ~~في الميدان يشاهد مصرعه ويعتبر اللبيب بمنظره ثم حمل إلى المسجد الذي بناه ~~فيروز أبوه بالعقيبية فدفن عند قبره في يومه في تربته. وأنفذ بزواج وسنقر ~~وجماعة الغلمان إلى شهاب الدين ووالدته الخاتون مراسلات ومعاتبات على ما ~~اعتمداه من الأذن له في العود إلى دمشق بعد ما كان من فعله في حق من قتل ~~بسعيه من الغلمان واشترطوا أمورا وقع الآباء لها والاستيحاش منها ومن طلب ~~مثلها وامتنع الغلمان وأكثر الأتراك من الدخول إلى البلد والعود إلى دورهم ~~إلا بعد تقرير أمر بزواج وجماعة الغلمان والدخول فيما راموه وتطييب نفوسهم ~~بالاجابة إلى ما حاولوه واندفعوا إلى ناحية المرج فنزلوا فيه وخيموا في ~~ناحية من نواحيه وترددت بينهما مراسلات لم تسفر عن سداد ولا نيل مراد ~~فأظهروا الخلاف وكاشفوا بالعصيان والانحراف وعمدوا إلى خيل الجشار ~~فاستاقوها واشتملوا على جميعها وهي العدد الكثير لسائر الأمراء والعسكرية ~~والرعية من أنواع الدواب ولها قيمة عظيمة وتوجهوا بها في يوم الجمعة السابع ~~والعشرين من جمادى الأولى من السنة من تل راهط إلى ناحية المرج. وخرج إليهم ~~من بقي في البلد من العسكر مع الأمراء والمقدمين وهم منهم أكثر عددا وأتم ~~عددا طلبا للإيقاع بهم وتخليص الجشار من أيديهم فما أغنوا فتيلا ولا أعادوا ~~مما أخذوا كثيرا ولا قليلا ورحلوا به إلى صوب بعلبك. فخرج إليهم الأمير شمس ~~الدولة محمد ابن تاج الملوك صاحبها ووقعت الموافقة والمعاهدة بينهم على ~~إقامته والدخول في ms274 طاعته والمناصحة في خدمته واجتمع إليه خلق كثير من ~~التركمان فأخافوا السبيل وشرعوا في العيث والفساد واقتضت الحال مراسلتهم ~~بالملاطفة ودعاهم إلى الطاعة وترك المخالفة وتطييب نفوسهم وبعثهم على العود ~~إلى ما كانوا عليه والاجابة إلى ما اقترحوا وأشاروا إليه واستقرت الحال على ~~مرادهم وأخذت الأيمان الموكدة عليهم ولهم بالوفاء واستعمال الاخلاص والصفاء ~~وأذن لهم في العود فعادوا إلى البلد وخيم بزواج وجماعته بجسر الخشب وامتنع ~~من الدخول إلى داره لما رأه وجال في نفسه. واتفق الرأي على خروج شهاب الدين ~~في العسكر إلى ناحية حوران على الرسم في ذلك والاجتماع هناك وتقرير ما يجب ~~تقريره من الأحوال والبعث على تحصيل الغلال واتفق الرأي في أوائل شعبان على ~~تقديم بزواج على سائر الأجناد والغلمان ورد إليه الاسفهسلارية وخوطب ~~بالأتابكية وكتب بجمال الدين مضافا إلى ألقابه فاستقام له الأمر ونفذ في ~~النفع والضر وفي العشر الأول من رجب من السنة خرج أمين الدولة كمشتكين ~~الأتابكي والي صرخد من دمشق مظهرا قصد الصيد والإشراف على ضياعه لأجل ~~الجراد الظاهر بها في خواصه وثقله وفي النفس ضد ذاك فلما توارى عن البلد ~~أغذ السير قاصدا سمت صرخد ومفارقا لما كان فيه خوفا على نفسه من الغلمان ~~بحيث حصل بها وسكنت نفسه من الخوف فيها. ثم روسل بالاستعطاف والتلطف في ~~العود إلى داره ومنزلته والانكفاء إلى رتبته فأبى واحتج بأسباب ذكرها ~~وأحوال شرحها ونشرها فوقع السلو عنه واليأس منه PageV01P157 وفي يوم السبت ~~الثالث عشر من شعبان سنة 530 وردت الأخبار من ناحية الشمال بنهوض الأمير ~~مسعود سوار من حلب فيمن انضم إليه من التركمان إلى الأعمال الافرنجية ~~فاستولوا على أكثرها وامتلأت أيديهم بما حازوه من غنائمها وتناصرت الأخبار ~~بهذا الظفر من جميع الجهات والاستكثار لذلك والتعظيم له ولقد ورد كتاب من ~~شيزر يتضمن البشرى بهذه النوبة ويشرحها على جليتها فأثبت مضمونه في هذا ~~الموضع تأكيدا للخبر وتصديقا لما وصف وذكر وهو: إن المتجدد عندنا بهذه ~~الناحية ما يجب علينا من حيث الدين أن نذيعه ms275 ونبشر به كافة المسلمين فإن ~~التركمان كثرهم الله ونصرهم اجتمعوا في ثلاثة ألف فارس جريدة معدة ونهضوا ~~إلى بلاد اللاذقية وأعمالها بغتة بعد اليأس منهم وقلة الاحتراز من غارتهم ~~وعادوا من هذه الغزاة إلى شيزر يوم الأربعاء حادي عشر رجب ومعهم زيادة عن ~~سبعة ألف أسير ما بين رجل وامرأة وصبي وصبية ومائة ألف رأس دواب ما بين بقر ~~وغنم وخيل وحمر والذي حازوه واحتاجوه يزيد عن مائة قرية كبار وصغار وهم ~~متواصلون بحيث قد امتلأت الشام من الأسارى والدواب. وهذه نكبة ما مني ~~الافرنج الشماليون بمثلها وبعد هذا لا يبع منهم أسير إلا بثمنه ولا نقص ~~السعر الأول وهم سائرون بهم إلى حلب وديار بكر والجزيرة وفي آخر نهار يوم ~~الأربعاء الرابع وعشرين من أيار طلع على دمشق سحاب أسود أظلمت الدنيا له ~~وصار الجو كالليل ثم طلع بعد ذلك سحاب أحمر أضاءت الدنيا منه وصار الناظر ~~إليه يظن إنه نار موقدة وكان قد هب قبل ذلك ريح عاصف شديدة أذت كثيرا من ~~الشجر وقيل إنه في هذا الوقت والساعة جاء في حوران برد كبار ومطر شديد بحيث ~~جرت منهما الأودية وجاء في الليلة مطر عظيم زاد منه بردا زيادة لم ير مثلها ~~عظما وفي المحرم من هذه السنة في الثالث عشر منه أرسل الله تعالى من الغيث ~~ما طبق الأعمال الدمشقية بحيث سالت به الأودية والشعاب وزاد المد في ~~الأنهار بحيث اختلطت وانكسر نهر يزيد ونهر باناس والقنوات والتقت المياه ~~وبطلت الأرحية ودخل المال إلى بعض بيوت العقيبة وذكر جماعة من الشيوخ ~~المعمرين إنهم لم يشاهدوا في مثل هذا الوقت مثل ذلك وفي شعبان من هذه السنة ~~وردت الأخبار من ناحية العراق بأن السلطان مسعود ابن محمد بن ملك شاه حضر ~~بغداد وضايق الامام الخليفة الراشد بالله بن الامام المسترشد بالله أمير ~~المؤمنين ومعه السلطان داود ابن أخيه والأمير عماد الدين أتابك زنكي بن اق ~~سنقر واقتضى التدبير حين لم ينل منها غرض ولم يظفر بمراد ولا بد ms276 من اللقاء ~~والمحاربة العود عنها فعاد السلطان داود إلى بلاده وعماد الدين أتابك إلى ~~الموصل وأقام السلطان مسعود على رسمه في بغداد وحين رأى الامام الراشد ~~بالله إقامة السلطان على الاستيحاش منه زادت وحشته وعلم إنه لا طاقة له ~~بالمقام معه وخاف على نفسه فتبع عماد الدين إلى الموصل ونزل بظاهرها وخيم ~~به كالمستجير والعائذ به. وحين خلت بغداد من الخليفة وتدبيره تمكن من كل ما ~~يريد فعله ويروم قصده فأقام في منصب الخلافة أبا عبد الله محمد أخا ~~المسترشد بالله ولقبه المقتفي لأمر الله وعمره أربعون سنة وأخذ البيعة له ~~على جاري الرسم وخطب له على المنابر في بلاده فقط في ذي القعدة سنة 530 ~~وبقي الأمر واقفا إلى أن تقرر الصلح بين السلطان مسعود وبين عماد الدين ~~أتابك في سنة 531 فخطب له وللسلطان في الموصل وسائر الأعمال وسيأتي ذكر ذلك ~~مشروحا في موضعه وفي هذه السنة سنة 530 تشتى السلطان مسعود ببغداد وأتابك ~~عماد الدين والامام الراشد بالله ووزيره جلال الدين أبو الرضا بن صدقة ~~بظاهر الموصل PageV01P158 وفيها وردت الأخبار في ذي القعدة منها بظهور ~~متملك الروم من القسطنطينية وحكي إن طالع ظهوره كان عشر درج من الميزان وإن ~~الزهرة والمشتري في العاشر والشمس في الأسد والمريخ في السابع والله أعلم ~~بالغيب. وفي يوم الجمعة السابع عشر من شهر رمضان من السنة قتل الرئيس محيي ~~الدين أبو الذواد المفرج بن الحسن بن الحسين الصوفي رئيس دمشق بظاهر المسجد ~~الجديد قبلي المصلى في اليوم المذكور والسبب في ذلك إن الأمير شهاب الدين ~~محمود بن تاج الملوك صاحب دمشق والأمير بزواج والحاجب سنقر كانوا قد أنكروا ~~عليه أمورا بلغتهم عنه وأحوالا استوحشوا بسببها منها فشرعوا في افساد حاله ~~وتحدثوا في أخذ ماله وتقررت الحال فيما بينهم على هذه الصورة في المخيم ~~بحوران وكان الرئيس المذكور قد فارقهم من حوران وعاد إلى البلد لمداواة مرض ~~عرض له. فلما استقر الأمر بينهم على هذه القضية وعادوا إلى البلد وخرج ~~الرئيس المذكور ms277 في جماعة لتلقيهم فحين سلم عليهم وافق ذاك حديث جرى بينهم ~~في معنى المعاملات أجاب عنه جوابا غلظ عليهم وأنكروه منه فعادوا لذاك عن ~~القبض عليه إلى القتل له. وقد كان بلغه اعتزامهم على إفساد حاله بأخذ ماله ~~وأشير عليه بالاحتياط على نفسه والتحيل في دفع الضرر عنها فلم يقبل للأمر ~~المقضي والقدر النازل فقتل مظلوما رحمه الله بغير استحقاق للقتل ومضى شهيدا ~~واعتقل باقي أقاربه والتمسوا الاذن لهم بعد أيام في التوجه إلى صرخد دفعا ~~للشر واخمادا لنار الفتنة فأذن لهم في ذلك فتوجه من توجه منهم إليها وفي ~~هذه السنة في أواخرها حضر المعروف بالأصمعي الديوان الشهابي والتمس الاذن ~~له في ضرب الدينار في دمشق على أن يكون عياره نصف وربع وثمن دينار خلاصا ~~والباقي من الفضة والنحاس وكرر الخطاب إلى أن أجيب إلى ما طلب وتقرر ضربه ~~على هذه السجية وأن ينقش السكة باسم الامام الراشد بالله أمير المؤمنين ~~والسلطان المعظم مسعود وشهاب الدين. ولما وردت الأخبار بأخذ السلطان البيعة ~~للامام المتقي لأمر الله وتوجه الراشد بالله إلى ناحية الموصل وأظهر ~~السلطان رقعة بخط الراشد بالله تتضمن إنه متى خرج من داره وقصد محاربة ~~السلطان أو أباح دما محرما بغير واجب أو مد يدا إلى أخذ مال من غير حله ولا ~~جهته كانت بيعته باطلة وخرج من عهدة الخلافة وكان متعديا للواجب وبذاك أشهد ~~على نفسه القضاة والفقهاء والأعيان فكان ذلك أوكد الحجة في خلعه ونقض أمره # سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة # في هذه السنة وردت الأخبار بظهور متملك الروم كيالياني من القسطنطينية في ~~ذي القعدة سنة 30 وقيل بل أول المحرم سنة 531 ووصل إلى جزيرة انطاكية وأقام ~~بها إلى أن وصلت مراكبه البحرية بالأثقال والميرة والمال والعدد في عاشر ~~نيسان ونزل على نيقية فملكها وقيل بل هادنه عليها أهلها ووصل إلى الثغور ~~وتسلم اذنة والمصيصة وغيرهما وحاصر عين زربة وملكها عنوة. وقيل في التاريخ ~~إن أمير المؤمنين المأمون بالله ابن الرشيد بالله كان عمر عين زربة ms278 عند ~~الاجتياز بها لما ورد إلى هذه الجهات وأنفق على عمارتها مائة وسبعين ألف ~~دينار مع جاه الخلافة والسلطنة والقدرة وكان يعمل فيها كل يوم أربعون ألف ~~فاعل سوى البنائين والحدادين والنجارين. وملك تل حمدون وحمل أهله إلى جزيرة ~~قبرص وكان صاحبه ابن هيثم الأرمني ثم عمر مينا الاسكندرية ثم خرج إلى ~~انطاكية ونزل عليها وضايق أهلها في سلخ ذي القعدة وجرى بينه وبين صاحبها ~~ريمند ابن مدقين كذا مصالحة ورحل عائدا إلى الدروب فافتتح ما بقي في يد ابن ~~ليون الأرمني من الحصون وشتى بها وفي رجب من السنة نهض الأمير بزواج في ~~فريق وافر من العسكر الدمشقي من التركمان إلى ناحية طرابلس فظهر إليه ~~قومصها في عسكره والتقيا فكسره بزواج وقتل منهم جماعة وافرة وملك حصن وادي ~~ابن الأحمر وغيره. وفي رجب أيضا نهض ابن صلاح والي حماة في رجاله إلى حصن ~~الخربة فملكه PageV01P159 وفي شعبان منها ورد الخبر بأن عماد الدين أتابك ~~بن اق سنقر توجه في عسكره من ناحية الموصل وقطع الفرات في العشر الأول منه ~~ووصل إلى حمص وكان قد تقدمه إليها صلاح الدين في أوائل العسكر ونزلا عليها ~~وضايقاها وفيها الأمير معين الدين أنر واليها فراسله في تسليمها فاحتج عليه ~~بأنها للأمير شهاب الدين وإنه نائبه فيها فنصب الحرب عليها والمضايقة لها ~~أياما ولم يحظ منها بطائل فرحل عنها في العشرين من شوال من السنة ونزل على ~~الحصن المعروف ببعرين لينتزعه من أيدي الافرنج. فلما عرفوا ذاك تجمعوا ~~ونزلوا قريبا لحمايته ومعونة من فيه منهم فحين عرف عماد الدين خبرها كمن ~~لهم كمينا والتقى الجمعان فانهزم فريق من الأتراك بين أيدي الافرنج وقتلوا ~~منهم جماعة وافرة عند عودهم إلى منزل مخيمهم وظهر عليهم عماد الدين في من ~~كمن لهم من الكمناء وأوقع الرجالة وملك الأثقال والسواد وحين قربوا من ~~المخيم وشاهدوا ما نزل عليهم وحل بهم انخذلوا وفشلوا وحمل عليهم عسكر عماد ~~الدين فكسرهم ومحقهم قتلا وأسرا وحصل لهم من الغنائم الشيء الكثير من ms279 ~~الكراع والسواد والأثاث وعاد عماد الدين إلى حصن بعرين. وقد انهزم إليه ~~ملكهم كند اياجور ومن يجامعه من مقدمي الافرنج وهم على غاية من الضعف ~~والخوف فنزل عليهم وحصرهم في الحصن المذكور ولم يزالوا على هذه الحال في ~~المضايقة والمحاربة إلى أن نفد ما عندهم من القوت فأكلوا خيلهم وتجمع من ~~بقي من الافرنج في بلادهم ومعاقلهم وانضموا إلى ابن جوسلين وصاحب انطاكية ~~واحتشدوا وساروا طالبين نصرة المخذولين المحصورين في حصن بعرين وتخلصهم مما ~~هم فيه من الشدة والخوف والهلاك فحين قربوا من عسكر أتابك وصح الخبر عنده ~~بذاك اقتضت الحال إن أمنهم وعاهدهم على ما اقترحه عليهم من طاعته وقرر ~~عليهم خمسين ألف دينار يحملونها إليه وأطلقهم وتسلم الحصن منهم وعاد من كان ~~اجتمع لنصرتهم وفي شهر رمضان منها ورد الخبر بأن الامام الخليفة الراشد ~~بالله أمير المؤمنين ابن المسترشد بالله كان قد فصل عن الموصل قاصدا إلى ~~مراغة وإنه اجتمع بالسلطان داود بن محمود وجرى بينهما أحاديث وتقريرات ~~قررها كل واحد منهما مع الآخر. ووردت الأخبار من ناحية الشمال بأن الأمير ~~عماد الدين أتابك رحل في عسكره عن حلب في يوم الجمعة السادس عشر من شهر ~~رمضان من السنة ونزل على حمص وخيم بها وقاتلها ووصل إليه رسول متملك الروم ~~ووردت الأخبار من ناحية العراق بالتقاء عسكري السلطان مسعود وأخيه كذا داود ~~وإن عسكر السلطان مسعود ظهر على عسكر السلطان داود وكسره وقتل من مقدميه ~~وأجناده جماعة وافرة من السنة كذا PageV01P160 وفي سنة 531 ترددت المراسلات ~~من الأمير شجاع الدولة أبي الفوارس المسيب ابن علي بن الحسين الصوفي وجماعة ~~المقيمين بصرخد وكتب الأمير أمين الدولة كمشتكين الأتابكي الوالي بصرخد إلى ~~الأمير شهاب الدين محمود بن تاج الملوك وإلى الأمير شجاع الدولة بزواج ~~والحاجب أسد الدين أكز في التماس الاذن لهم في العود إلى دمشق والسؤال في ~~إعادة ما قبض من أملاكهم إليهم وإعادة كل مغصوب منها عليهم ولم تزل ~~المراسلات في هذا الباب متناصرة والكتب في طلبه متواترة ms280 إلى أن تقررت الحال ~~في ذلك والاجابة إليه على مصالحة معينة مقسطة برسم واجبات الأجناد يقومون ~~بها في أنجمها المعينة وأوقاتها المبينة تصلح الأحوال بتأديها وتتحقق ~~الآمال بتملكها وإن يرد أمر الرئاسة في البلد إلى الأمير المقدم ذكره وكتب ~~له المنشور بالرئاسة ونعت فيه مع أوصافه بالأمير الرئيس الأجل مؤيد الدين ~~ممهد الاسلام مضافا إلى ألقابه ونعوته المتقدمة وأن يكون الرسم في الرئاسة ~~جاريا على العادة المستمرة والقاعدة المقيمة المستقرة في الحمايات ~~والواجبات والرسوم الجاريات في دار الوكالة وسائر العراض ونفذت الكتب إليهم ~~بالاجابة إلى ما التمسوه والاسعاف بما اقترحوه والاذن لهم في العود إلى ~~البلد واثقين بما يقدمون عليه من حفظ الحرمة وحراسة الحشمة والتطييب بالنفس ~~وتأكيد الأنس. فعند الوقوف على ما صدر إليهم من هذه الحال سرت به نفوسهم ~~وابتهجت بمعرفته قلوبهم وشرعوا في التأهب للعود بصدور منشرحة وآمال منفسحة ~~وعادوا بأسرهم وحين قربوا من البلد خرج كل من فيه من خاص وعام لتلقيهم ~~وإظهار السرور والاستبشار بعودهم والاغتباط والابتهاد بمقدمهم ودخلوا البلد ~~في العشر الأول من رجب من السنة المذكورة فاستقامت أحوالهم على منهج السداد ~~واستمرت على قضية الايثار والمراد وأعيد عليهم جميع ما اعترض لهم من ملك ~~وغيره وأجروا على كل رسم جميل واكرام وتبجيل. فكم من شدة فرجها الله تعالى ~~ذكره بعد اشتدادها وغمة كشفها بلطفه بعد اظلامها # ربما تجزع النفوس من الأم ... ر له فرجة كحل العقال # وفي هذه السنة ورد الخبر من ناحية مصر بأن مقدم الأرمن بها قام في حزبه ~~على صاحبها الامام الحافظ لدين الله أبي الميمون عبد المجيد وزحف إليه في ~~قصره وأقام عليه كالمحاصر له فعاد أكثر الجند عنه خوفا وقتلا فانخذل ~~وانهزم. وقيل إن السبب في ذلك كون أخ لمقدم الأرمن في الصعيد ورد عليه خبر ~~قتله فغلظ هذا الأمر عليه وحمله على ما كان منه ثم إنه تلطف أمره بحيث عفي ~~عنه ولزم داره خائفا مروعا وفي رجب من السنة نهض الأمير بزواج في العسكر ~~ومن حشده ms281 وجمعه من التركمان إلى ناحية طرابلس في الرابع منه فظهر إليه ~~صاحبها في خيله من الافرنج فكمن لهم في عدة مواضع فلما حصلوا بالموضع ~~المعروف بالكورة ظهرت عليهم الكمناء فهزموهم ووقع السيف في أكثرهم ولم يفلت ~~منهم إلا اليسير وهجم على الحصن الذي هناك فنهبه وقتل من فيه من المقدمين ~~والأتباع وأسر من بذل في نفسه المال الكثير وحصل له ولعسكره القيمة الكثيرة ~~وفي شوال من السنة تقررت المهادنة والموادعة بين عماد الدين وبين شهاب ~~الدين صاحب دمشق على قاعدة أحكمت. وفي ذي الحجة منها ورد الخبر بعود متملك ~~الروم في عسكره عن انطاكية إلى ناحية بعرين من عملها في الثاني والعشرين ~~منه وأنفذ رسوله إلى عماد الدين أتابك وظفر الأمير سوار النائب عنه في حلب ~~بسرية وافرة العدد من عسكر الروم فقتل بعضا وأسر بعضا ودخل بهم إلى حلب ~~وورد الخبر بأن حسام الدين تمرتاش بن ايل غازي بن ارتق ملك قلعة الهتاخ من ~~بقية آل مروان وما كان بقي في أيديهم غيرها بعد البلاد والمعاقل ملكها ~~بحيلة اعملها عليهم ومكيدة نصبها لهم وهي على غاية من الحصانة والمنعة ~~وفيها شرع أهل حلب في تحصينها وحفر خنادقها والتحصن من الروم بها لقربهم ~~منها. وورد الخبر بأن عماد الدين أتابك عزل وزيره أبا المحاسن علي بن أبي ~~طالب العجمي وقبض عليه واعتقله بسبب مال وافر وانكسر عليه من المعاملات ما ~~عجز عن القيام به والخلاص بتأديته وبقي معتقلا في القلعة بحلب بسببه # سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة PageV01P161 أولها يوم الاثنين مستهل المحرم ~~وهو العشرون من أيلول وفيه وصل الحاجب حسن الذي كان أرسل إلى متملك الروم ~~ومعه رسول الملك عماد الدين أتابك. وفي رابع عشر المحرم وصل أتابك في عسكره ~~إلى حماة ورحل عنها متوجها إلى ناحية البقاع فملك حسن المجدل من أيدي ~~الدمشقيين ودخل في طاعته ابرهيم بن طرغت والي بانياس من عمل دمشق. وورد ~~الخبر في صفر بأن زلزلة عظيمة جاءت بالجزيرة وأعمال الموصل وقيل أنها أهلكت ~~عدة مواضع ms282 من الأرض وهلك فيها خلق كثير وافر من أهلها. وفي أوائل شهر ربيع ~~الأول من السنة وقيل أن رسول السلطان مسعود بن السلطان محمد ووصل إلى ~~الموصل بالتشريف الكامل لعماد الدين أتابك ووصلت كتب نصير الدين نائبه فيها ~~يشرح حالها وورد الخبر بأن صاحب أنطاكية قبض على بطركها الافرنجي ونهب داره ~~وذكر أن السبب في ذلك أن ملك الروم لما تقرر الصلح بينه وبين ريمند صاحب ~~أنطاكية شرط في جملة الشروط أن ينصب بأنطاكية بتركا كذا من قبل الروم على ~~ما جرى بمثله الرسم قديما ثم انتقض هذا الرسم فيما بعد وخرج ريمند صاحب ~~أنطاكية إلى متملك الروم وهو مخيم في عسكره بمرج الديباج وقرر معه الهدنة ~~والموادعة وعاد إلى أنطاكية. وفيها عاد عماد الدين أتابك عن دمشق إلى حماة ~~في شهر ربيع الآخر ونزل عليها ورحل عنها إلى حمص فنزل عليها محاصرا لها وفي ~~هذه السنة نقض الافرنج الهدنة المستقرة بين عماد الدين أتابك وبينهم ~~وأظهروا الشقاق والعناد وشرعوا في العيث والفساد بعد اصطناعه لمقدميهم ~~والكف عنهم حين أظهره الله عليه وقبضوا بأنطاكية وثغور الساحل جماعة من ~~تجار المسلمين وأهل حلب والسفار تقدير خمسمائة رجل في جمادى الآخرة وفيها ~~شتى السلطان مسعود ببغداد ووصل رسوله إلى أتابك بحمص وشتى ملك الروم ~~بالثغور والدروب وخيم بمرج الديباج. وفي يوم الأحد النصف من جمادى نهض ~~الأمير بزواج من دمشق في عسكره إلى ناحية الافرنج وقد فسد أمره مع شهاب ~~الدين صاحب دمشق لعجرفية فيه واقدام على استعمال الشر ونودي عليه بفساد ~~أمره وظهور غرده ومكره وكثرة جهله وتناهيه في سوء فعله وأقام بظاهر البلد ~~مدة وعاد أمره انصلح ودخل البلد وأقام فيه مستقيم الحال مبلغا غاية الآمال ~~فعمل عليه شهاب الدين وقتله بقلعة دمشق بأيدي الشمسية في يوم الاثنين ~~السادس من شعبان من السنة. والسبب في ذلك أن شهاب الدين كان قد نقم عليه ~~أمورا أنكرها واستوحش منه لأجلها وعبث بمال الارتفاع يمزقه في النفقات ~~والاطلاقات فاعمل الحيلة في قتله وآنسه ms283 وطمنه إلى حين وجد الفرصة فيه ~~مستهلة وحصل عنده بقبة الورد في داره بالقلعة وقد رتب له جماعة من الأرمن ~~الشمسية أصحاب ركابه وقرر معهم قتله فحين تمكنوا منه بخلوة من أصحابه قتلوه ~~وأخرجوه ملفوفا في كساء إلى المقبرة المبنية لزوجته فدفن بها وفي يوم الأحد ~~السابع عشر من شعبان من السنة خلع شهاب الدين على الأمير معين الدين أنر ~~وقرر له أمر الاسفهسلارية وخوطب بالأتابكية ورد أمر الحجبة إلى الأمير ~~الحاجب أسد الدين أكز وطيب بنفسيهما ورد التدبير والتقرير في سائر الأعمال ~~وعامة الأحوال إليهما وفي هذا الشهر وردت الأخبار من ناحية الشمال بنزول ~~ملك الروم في عسكره على شيزر محاصرا لها ومضايقا عليها ونصب عليها عدة من ~~المناجيق واشتدت الحرب بينه وبين أهلها وقتل فيها جماعة من المسلمين بحيث ~~أشرفت على الهلاك مع مبالغة الأمير عماد الدين أتابك في امدادها بالرجالة ~~والسلاح وآلات الحرب وكونه بازاء الروم يجول بخيله على أطرافهم ويفتك بمن ~~يظفر به منهم ولم يزالوا على هذه القضية إلى أن سئم المقام عليها ويئسوا من ~~بلوغ الغرض فيها ولطف الله تعالى بأهل الشام وتداركهم برحمته وورد خبر ~~رحيلهم عن شيزر إلى أنطاكية واستبشر الناس برحيلهم وعودهم خاسرين غير ~~ظافرين ومفلولين غير فالين فلله تعالى الحمد على هذه النعمة دائما والشكر ~~متواصلا متتابعا PageV01P162 قد مضى من ذكر الروم فيما اعتمدوه في هذه ~~الأيام ما قد عرف ويذكر بعد ذلك مبدأ أحوالهم وخروجهم وأفعالهم وذلك أنهم ~~ظهروا من ناحية مدينة البلاط في يوم الخميس الكبير من صومهم ونزلوا غفلة ~~على حصن بزاعة بالوادي في يوم الأحد عندهم وغارت خيلهم على أطراف حلب في ~~تاسع عشر رجب من السنة واستأمن منهم إلى حلب جماعة من كافر ترك وأنذروا من ~~بحلب بالروم فحذروا وضموا أطرافهم وتحرزوا وتحفظوا استعدوا وتيقظوا قبل ~~الاغارة بليلة وكان هذا الانذار من المستأمنة لطفا من الله تعالى ورحمة. ~~وبعد هذا التحرز والاحتياط اشتمل الروم في عادتهم على جملة وافرة من أهل ~~حلب وضواحيها وأنفذ أهل ms284 حلب من أعيانهم من مضى إلى عماد الدين أتابك ~~مستصرخا به وهو مخيم على حمص فانهض إليهم من أمكنه من الخيالة والرجالة ~~والناشبة والنبالة والعدد الوافرة وحصل الجميع في السابع وعشرين من رجب من ~~السنة ووردت الأخبار بتملك الروم المذكورين حصن بزاعة بعد حصره ومضايقته ~~ومحاربته بالمنجنيقات في يوم السبت الخامس والعشرين من رجب بالأمان وغدر ~~بأهله بعد تسلمه وأيمانهم وجمع من غدر بهم وأحصاهم وقيل أنهم كانوا خمسة ~~ألف وثمانمائة نفس وتنصر قاضي بزاعة وجماعة من الشهود وغيرهم تقدير ~~أربعمائة نفس وأقام الملك بعد ذلك بمكانه عشرة أيام يدخن على مغارات اختفى ~~فها جماعة فملكوا بالدخان وفي يوم الأربعاء الخامس من شعبان نزل الروم أرض ~~الناعورة ورحلوا عنها في يوم الخميس ثامنه واجتازوا بحلب ومعهم عسكر ~~أنطاكية ومقدمهم ريمند صاحبها وابن جوسلين فنزلوا على حلب ونصبوا خيامهم ~~على نهر قويق وأرض السعدي. وزحف الملك من غده في خيله ورجله من قبلي حلب ~~وغربيها من ناحية قرنة برج الغنم وخرج إليها فرقة وافرة من أحداث حلب ~~فقاتلتهم وظفرت عليهم فقتلوا فيهم وجرحوا وأصيب من الروم مقدم مذكور ~~وانكفوا خائبين إلى مخيمهم وأقاموا على حلب أياما قلائل ورحلوا عنها غداة ~~يوم الأربعاء ثامن شعبان مقتبلين إلى أرض صلدع وخاف من بقلعة الأثارب ~~فهربوا منها في يوم الخميس تاسع شعبان وطرحوا النار في خزائنها وعرف الروم ~~ذلك فنهضت منهم طائفة إلى القلعة ونزلت عليها وملكتها وحازوا ما فيها ~~والجأوا السبايا والأسرى الذين في أيديهم من حصن بزاعة إلى ربض الأثارب ~~وخندقها بحيث عرف الأمير سوار النائب بحلب ذاك وانعزال الروم عنها نهض في ~~عسكر حلب وأدركهم بالأثارب فأوقع بهم وقهرهم واستخلص المأسورين والمسبيين ~~إلا اليسير منهم وذلك في يوم السبت الحادي عشر من شعبان وسر أهل حلب بهذه ~~النوبة سرورا عظيما وفي يوم الخميس التاسع من الشهر رحل عماد الدين أتابك ~~عن حماة إلى سلمية وسير ثقله إلى الرقة وبقي في خيله جريدة مخففة. وفي يوم ~~الاثنين رحل ملك الروم عن بلد ms285 المعرة فهرب من كان مقيما في كفرطاب من الجند ~~خوفا على نفوسهم. وتناصرت الأخبار بعبور عسكر التركمان الفرات مع ولد ~~الأمير داود بن أرتق إلى ناحية حلب للغزو في الروم ونزلوا بمجمع المروج ~~ونهض فريق وافر من عسكر دمشق للغزاة أيضا في خدمة عماد الدين أتابك وكان ~~سبب رحيل الروم عن شيزر ما انتهى إليهم من وصول التركمان وتجمع العساكر ~~خاسرين وكان مدة إقامتهم عليها ثلاثة وعشرين يوما ووصول ملك الروم إلى ~~أنطاكية في عوده يوم الأحد الثامن من شهر رمضان من السنة وتواصلت الأخبار ~~باتمام الروم في رحيلهم إلى بلادهم وسكنت القلوب بعد انزعاجها وقلقها منهم ~~ووجلها وورد الخبر من ناحية حلب بوفاة القاضي بهاء الدين ابن الشهرزوري بها ~~في يوم السبت السادس عشر من شهر رمضان من السنة وحمل إلى مشهد صفين ودفن به ~~وكان صاحب عزيمة ماضية وهمة نافذة ويقظة ثاقبة. وفي هذه السنة توفي القاضي ~~الأعز أبو الفتح محمد بن هبة الله بن خلف التميمي رحمه الله في ليلة الجمعة ~~النصف من شهر رمضان وكان من المتخصصين ذوي المروة وكرم النفس PageV01P163 ~~وفي هذه السنة ترددت المراسلات من الأمير عماد الدين أتابك إلى الأمير شهاب ~~الدين في التماس انعقاد الوصلة بينه وبين والدته الخاتون صفوة الملك زمرد ~~ابنة الأمير جاولى إلى أن أجيب إلى ذلك واستقر الأمر فيه وندب من دمشق من ~~تولى لها العقد في مخيمه بحمص في يوم الاثنين السابع عشر من شهر رمضان من ~~السنة وتقررت الحال على تسليم حمص إليه فتسلمها مع القلعة وعوض عنها ~~لواليها الأمير معين الدين أنر حصن بعرين وتوجهت الخاتون صفوة الملك والدة ~~شهاب الدين من دارها إلى عسكر عماد الدين أتابك بناحية حمص وحماة مع أصحاب ~~عماد الدين المندوبين لايصالها في أواخر شهر رمضان منها ووردت الأخبار من ~~ناحية العراق بأن الامام الراشد بالله أمير المؤمنين كان قد فصل عن الموصل ~~وتوجه إلى ناحية الجبل فقضى الله تعالى للقدر النازل والحكم النافذ ~~استشهاده على باب أصفهان بأمر قرر ms286 له وعمل عمل عليه فصار إلى رحمة ربه ~~سعيدا مأجورا شهيدا في يوم الثلاثاء السادس والعشرين من شهر رمضان من السنة ~~فكانت خلافته إلى أن استشهد سنتين وعشرة أشهر وفي هذه السنة ورد الخبر ~~بوفاة الأمير طغان أرسلان الأحدب بن حسام الدولة ببدليس وانتصب في مكانه ~~ولده الأمير قرتي بن طغان أرسلان واستقام له الأمر وحكي عنه حكايات في ~~الظلم والتعجرف والتجبر والجور تنكرها النفوس وتنفر من سماعها القلوب # سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة # أول هذه السنة يوم الجمعة بالرؤيا مستهل المحرم وفيه اجتمع الأمير عماد ~~الدين أتابك بالخاتون صفوة الملك والدة الأمير شهاب الدين بظاهر حمص وقد ~~اجتمع عنده جماعة وافرة من رسل الخليفة والسلطان ومصر والروم ودمشق وغير ~~ذلك. وفي هذا الشهر غارت الافرنج على ناحية بانياس ونهض شهاب الدين في ~~العسكر في أثرهم فلم يدركهم وعاد إلى البلد وفي يوم الثلاثاء الرابع من صفر ~~جاءت في دمشق زلزلة هائلة بعد الظهر اهتزت بها الأرض ثلاث مرات وتلاها في ~~ليلة الجمعة وقت عشاء الاخرة ثانية اهتزت بها الأرض عدة مرات. وفي ليلة ~~الاثنين التاسع عشر من صفر عادت الزلزلة في الثلاث منها ثلاث مرات فتبارك ~~رب هذه القدرة الباهرة والآية الظاهر وعادت في ليلة الأربعاء يتلوها في ~~الربع الأخير من ليلة الجمعة وتناصرت الأخبار من الثقات السفار والواردين ~~من ناحية الشمال بصفة هذه الرجفات المذكورات وأنها كانت في حلب وما والاها ~~من البلاد والمعاقل والأعمال أشد ما يكون بحيث انهدم في حلب الكثير من ~~الدور وتشعث السور واضطربت جدران القلعة وظهر أهل حلب من دورهم إلى ظاهره ~~من خوفهم على نفوسهم ويقول المكثر من الحاكي أن الزلزلة جاءت تقدير مائة ~~مرة وقوم يحققون أنها ثمانون مرة والله أعلم بالغيب والصواب تبارك الله رب ~~العالمين القادر على كل شيء وفي يوم السبت السابع عشر من شعبان الموافق ~~للتاسع من نيسان جاء رعد هائل مختلف من عدة جهات وبرق زائد وجلبات هائلة ~~قبل الظهر ثم جاء مع ذلك مطر شديد الوقع ms287 وبرد هائل حكي بعض الثقات أنه وزن ~~واحدة من كبار البرد فكان وزنها في ناحية الغوطة والمرج ثمانية دراهم وكان ~~آخرون وزنوا واحدة فكانت سبعة عشر درهما وقتل كثيرا من الطير وأتلف كثيرا ~~من الطير والزرع والثمار وفي يوم الأربعاء النصف من شوال وردت الأخبار من ~~ناحية مصر بالحادثة الكائنة بمصر بين الأجناد بها بحيث قتل بينهم من ~~الفريقين الخلق الكثير من الخيالة والرجالة على مضي ست ساعات من نهار يوم ~~الأربعاء الحادي والعشرين من شوال جاءت رجفة هائلة ارتاعت لها القلوب ورجفت ~~به الصدور PageV01P164 وفي يوم الجمعة الثالث والعشرين من شوال من السنة في ~~غداته ظهرت الحادثة المدبرة على الأمير شهاب الدين محمود بن تاج الملوك بن ~~ظهير الدين أتابك وقتله في فراشه وهو في نومه في ليلة الجمعة المذكورة بيد ~~غلمانه الملاعين البغش الأرمني الذي اصطنعه وقربه إليه واعتمد في اشغاله ~~عليه ويوسف الخادم الذي وثق به في نومه لديه والخركاوي الفراش الراقد ~~حواليه ووقوع الزحف عند اشتهار هذا الخبر إلى كاتبه النفيس أبي طالب عقيل ~~بن حيدرة مستوفي ديوان المعاملات وقتله في الطريق عند أخذه من الدار التي ~~لجأ إليها واختفى عند هروبه فيها. وكان هؤلاء الثلاثة النفر الجناة ~~الملاعين يبيتون حول سريره فلما قرر معهم هذا الأمر رقدوا في أماكنهم على ~~جاري عادتهم فلما انتصف الليل وتحققوا نومه وثبوا عليه فقتلوه في فراشه على ~~سريره وصاح فراش آخر كان معهم فقتلوه أيضا ودبروا أمرهم بينهم وأخفوا سرهم ~~بحيث خرجوا من القلعة وظهر الأمر وطلب البغش لعنه الله فهرب ونهب بيته ومسك ~~الآخران فصلبا على سور باب الجابية. وكتب إلى الأمير جمال الدين محمد بن ~~تاج الملوك أخيه صاحب بعلبك بصورة الحال فبادر بالوصول إلى دمشق في أسرع ~~وقت وأقرب أوان فجلس في منصبه وعقد الأمر له واستحلف الأمراء والمقدمين ~~والأعيان على الطاعة والمناصحة في خدمته فتقررت الحال وسكنت الدهماء وظهرت ~~الكائنة وانكشفت الغماء وحين انتهى الخبر إلى الخاتون صفوة الملك والدة ~~الأمير شهاب الدين رحمه الله ms288 قلقت وانزعجت وحزنت عليه وأسفت وأكبرت هذا ~~الأمر وحدوث مثله على ولدها وراسلت الأمير عماد الدين أتابك وهو بناحية ~~الموصل معلمة له بصورة الحال وباعثة لهمته على النهوض لطلب الثأر من غير ~~تلوم ولا اغفال فحين وقف على الخبر امتعض له أشد الامتعاض ول يكن باستمرار ~~مثله بالراضي وصرف الاهتمام إلى التأهب لما حرصته عليه واشارت إليه ~~والاستعداد له والاحتشاد لقصده وثني أعنة الاعتزام إلى ناحية الشام مجدا في ~~قصد دمشق لبلوغ كل مطلب ينحوه ومرام وتناصرت الأخبار بهذه العزيمة إلى دمشق ~~فوقع الاحتياط والتحرز من جانبه والاستعداد ثم تلى ذلك ورود الخبر بنزوله ~~على بعلبك في يوم الخميس العشرين من ذي الحجة من السنة في عسكر كثيف وجم ~~غفير. وقد كانت قبل نزوله عليها قد شحنت بالرجال المقاتلة والعدد الكاملة ~~ورد أمر الولاية فيها إلى معين الدين أنر وقد تمكنت حالته وارتفعت رتبته ~~ونفذت أوامره في الدولة وأمثلته فنصب عليها عدة من المناجيق وواصل المحاربة ~~لأهلها وبالغ في المضايقة لها وقيل أن عدة المنجنيقات المنصوبة عليها أربعة ~~عشر منجنيقا يرمي عليها بالنوبة ليلا ونهارا بحيث أشرف من بها على الهلاك. ~~ولم تزل هذه حالها إلى أن ورد الخبر بافتتاحها بالأمان لشدة ما نزل بأهلها ~~من البلاء والمضايقة والنقوب وبقيت القلة وفيها جماعة من شجعان الأتراك ~~المندوبين لحمايتها والذب عنها فلما أيسوا من معين يأتيهم من المعين ووصول ~~من ينقذهم من البلاء المحيط سلموها إلى عماد الدين أتابك بعد أخذ أمانه ~~والتوثق منه. فلما حصلت في ملكته نكث عهده ونقض أمانه لحنق أسره وغيظ على ~~من كان فيها أكنة فأمر بصلبهم ولم يفلت منهم إلا من حماه أجله فاستبشع ~~الناس ذلك من فعله واستبدعوه من نكثه. وقد كان الخبر ورد قبل ذلك بافتتاح ~~عماد الدين أتابك قلعة الأثارب في يوم الجمعة أول صفر من السنة المقدم ~~ذكرها. ووردت الأخبار بأن رجفة عظيمة حدثت في الشام بعد ما تقدم ذكره في ~~ليلة الجمعة الثامن من صفر منها وفي شهر رمضان منها ms289 ورد الخبر بأن الأمير ~~الأفضل رضوان بن ولخشى صاحب الأمر بمصر خرج منها لأمر خاف معه من صاحبه ~~الامام الحافظ لدين الله أمير المؤمنين ووصل إلى صرخد وأن أمين الدولة ~~كمشتكين الأتابكي واليها تلقاه بالاكرام ومزيد الاعظام والاحترام وأقام في ~~ضيافته وكرامته مدة ثم عاد من عنده طالبا لمصر لأمر كان دبره وسبب قرره ~~فلما وصل إليها فسد ذلك التدبير عليه ولم ينل ما كان صرف همه إليه فاعتقل ~~في القصر مكرما ومبجلا محترما PageV01P165 وفيها توفي النقيب الامام جمال ~~الاسلام أبو الحسن علي بن محمد بن الفتح السلمي الشافعي متولي المدرسة ~~الامامية في يوم الأربعاء الثالث عشر من ذي القعدة منها وهو ساجد في صلاة ~~الغداة رحمه الله وكان مشهورا بوفور العلم في التفقه وقوة الفرائض والوعظ ~~والدين والأمانة بحيث وقع التألم لفقده وافتقر إلى مثله من بعده # سنة أربع وثلاثين وخمسمائة # أول هذه السنة المباركة يوم الثلاثاء بالرؤية مستهل المحرم. وفيه ورد ~~الخبر بفراغ عماد الدين أتابك من ترتيب أمر بعلبك وقلتها وترميم ما تشعث ~~منها وشروعه في التأهب للنزول على مدينة دمشق لمضايقتها وورد عقيب ذلك ~~الخبر برحيله عنها في العسكر ونزوله في البقاع في شهر ربيع الأول منها ~~وأنفذ رسوله إلى الأمير جمال الدين محمد بن تاج الملوك بوري بن أتابك ~~صاحبها في التماس تسليم البلد إليه ويعوض عنه بما يقع الاختيار والاقتراح ~~عليه فلم يجب إلى ما رغب فيه فرحل عن البقاع ونزل على داريا ظاهر دمشق في ~~يوم الأربعاء ثالث عشر ربيع الآخر منها. وكان عند نزوله على داريا قد التفت ~~الطلائع فظفر بجماعة وانهزم الباقون إلى البلد وزحف بعد ذلك إلى البلد في ~~عسكر من ناحية المصلى في يوم الجمعة الثامن وعشرين من شهر ربيع الآخر من ~~السنة فظفر بجماعة وافرة من أحداث البلد والغوطة وأطلق السيف فيهم فمنهم من ~~مضى قتيلا وأسيرا ومنهم من عاد إلى البلد سالما وجريحا وأشرف البلد في هذا ~~اليوم على الهلاك لولا لطف الله تعالى وعاد إلى مخيمه ms290 بمن أسر بعد من قتل ~~وأمسك أياما عن الحرب. وتابع المراسلة والتلطف في تسليم البلد وأخذ العوض ~~عنه بعلبك وحمص وما يقترح معهما فأثر جمال الدين محمد بن تاج الملوك الدخول ~~في هذا الأمر لما فيه من الصلاح وحقن الدماء وعمارة الأعمال وسكون الدهماء ~~واباءة غيره عند الاستشارة فيه وجعل يزحف بعسكره في أيام متفرقة بحيث لم ~~يصدق في القتال ولا بالغ في التضييق والنزال اشفاقا من سفك الدماء كالكاف ~~المسالم والمتأني في الوقائع والمغانم. وابتدأ بجمال الدين محمد ابن تاج ~~الملوك مرض اتصل به في جمادى الأولى من السنة فصار يخف تارة ويثقل ويمضي ~~ويعود ويقل ويزيد إلى أن اشتد به اشتدادا وقع اليأس معه منه ولم يكن له فيه ~~طيب ولا راق ولم يزل على هذه الحال إلى أن قضى محتوم نحبه وصار إلى رحمه ~~ربه في ليلة الجمعة الثامن من شعبان منها في الوقت الذي أصيب فيه أخوه شهاب ~~الدين محمود بن تاج الملوك رحمهما الله فعجب الناس من ذلك واتفاق الوقت ~~والساعة وسبحوا الله وقدسوه وجهز ودفن في تربة جدته بالفراديس. # فاجتمع رأي المقدمين وأصحاب الأمر من بعده على سد ثلمة فقده بنصب ولده ~~الأمير عضب الدولة أبي سعيد آبق بن جمال الدين محمد في مكانه وأخذت له بذلك ~~العود المؤكدة بالايمان المشددة على الاخلاص في الطاعة والصدق في الخدمة ~~والمناصحة فاستقام الأمر وصلح التدبير وزال الخلف وسكنت الأمور بعد ~~اضطرابها وقرت النفوس بعد استيحاشها. وحين عرف عماد الدين أتابك هذه القضية ~~زحف في عسكره إلى البلد طامعا في خلف يجري بين المقدمين بوفاته فينال به ~~بعض طلباته فكان الأمر بالضد مما أمل والحال بالعكس فيما ظن ولم يصادف من ~~أجناد دمشق وأحداثها إلا الثبات على القراع والصبر على المناوشة والمصاع ~~فعاد منكفئا إلى عسكره وقد ضعفت نفسه وضاق لهذا الأمر صدره. وقد كان تقرر ~~الأمر مع الافرنج على الاتفاق والاعتضاد والمؤازرة والاسعاد والامتزاج في ~~دفعه والاختلاط في صده عن مراده ومنعه ووقعت المعاهدة على ذلك ms291 بالأيمان ~~المؤكدة والضمان للوفاء بما بذلوه والتمسوا على ذلك مالا معينا يحمل إليهم ~~ليكون عونا لهم على ما يحاولونه وقوة ورهانا تسكن بها نفوسهم وأجيبوا إلى ~~ذلك وحمل إليهم المال والرهائن من أقارب المقدمين وشرعوا في التأهب للانجاد ~~والاستعداد للمؤازرة والاسعاد وكاتب بعضهم بعضا بالبعث على الاجتماع من ~~سائر المعاقل والبلاد على ابعاد أتابك وصده عن نيل الأرب من دمشق والمراد ~~قبل استفحال أمره واعضال خطبه وقوة شوكته واستظهاره على عصب الافرنج وقصد ~~بلادهم PageV01P166 فحين تيقن صورة الحال في هذا العزم وتجمعهم لقصده مع ~~عسكر دمشق رحل عن منزله بداريا في يوم الأحد الخامس من شهر رمضان طالبا ~~ناحية حوران للقاء الافرنج إن قربوا منه وطلبهم إن بعدوا عنه وأقام على هذا ~~الاعتزام مدة ثم عاد إلى ناحية غوطة دمشق ونزل بعذراء يوم الأربعاء لست ~~بقين من شوال فأحرق عدة ضياع من المرج والغوطة إلى حرستا التين ورحل يوم ~~السبت تالي متشاملا حين تحقق نزول الافرنج بالمدان في جموعهم. وكان الشرط ~~مع الافرنج أن يكون في جملة المبذول لهم انتزاع ثغر بانياس من يد ابراهيم ~~من طرغت وتسليمها إليهم فاتفق أن ابرهيم بن طرغت واليه كان قد نهض من ~~أصحابه إلى ناحية صور للاغارة عليها فصادفه ريمند صاحب أنطاكية في قصده ~~واصلا إلى اسعاد الافرنج على انجاد أهل دمشق فالتقيا فكسره وقتل في الوقعة ~~ومعه نفر يسير من أصحابه وعاد من بقي منهم إلى بانياس فتحصنوا بها وجمعوا ~~إليها رجال وادي التيم وغيرهم ومن أمكن جمعه من الرجال للذب عنها والمراماة ~~دونها فنهض إليها الأمير معين الدين في عسكر دمشق ونزل عليها ولم يزل ~~محاربا بالمنجنيقات ومضايقا لها بأنواع المحاربات ومعه فريق وافر من عسكر ~~الافرنج عامة شوال وورد الخبر بأن الأمير عماد الدين أتابك قد نزل على ~~بعلبك وأنفذ يستدعي التركمان من مطانهم كذا في شوال لقصد بانياس ودفع ~~المنازلين لها عنها ولم تزل الجالية جارية على هذه القضية إلى آخر ذي الحجة ~~من السنة ووردت الأخبار من ناحية ms292 مصر بأن الأفضل بن ولخشي لما فصل عن صرخد ~~ووصل إلى ظاهر مصر أن الأتراك الذين انضموا إليه عملوا عليه وغدروا به ~~وانتهبوا ما كان معه من كراع وسواد فحين وجدوا منه الغرة والغفلة لم يبقوا ~~على شيء مما صحبه وتفرقت عنه أصحابه ورجاله وبقي فريدا فحصل في أيدي ~~الحافظية أسيرا ووكل به من يحفظه ويحتاط عليه وهذا الأفضل المقدم موصوف ~~بالشجاعة والفروسية وعلو الهمة ومضاء العزمة والبسالة وحسن السياسة وذكاء ~~الحس ولكن المقادير لا تغالب والأقضية لا تدافع والله يفعل ما يشاء ويختار. ~~ولم تزل بانياس على حالها في المضايقة والمحاصرة إلى أن نفدت منها الميرة ~~وقل قوت المقاتلة فسلمت إلى معين الدين وعوض عنها الوالي الذي كان بها بما ~~أرضاه من الاقطاع والاحسان وسلمها إلى الافرنج ووفى لهم بالشروط ورحل عنها ~~منكفئا إلى دمشق ظافرا بأمله خامدا لعمله في أواخر شهر شوال وفي صبيحة يوم ~~السبت السابع من ذي القعدة من السنة حصل عماد الدين أتابك بعسكره جريدة ~~بظاهر دمشق ووصل المصلى وقرب من سور البلد ولم يشعر به أحمد لكون الناس في ~~أعقاب نومهم فلما تبلج الصباح وعرف خبره علت الجلبة والصياح ونفر الناس ~~واجتمعوا إلى الأسوار وفتح الباب وخرجت الخيل والرجالة وكان قد فرق عسكره ~~إلى حوران والغوطة والمرج وسائر الأطراف للغارة ووقف هو في خواصه بازاء ~~عسكر دمشق بحيث لا يمكن أحدا من أصحابه في اتباع أحد من خيله المغيرة ونشبت ~~الحرب بينه وبين عسكر دمشق وخرج من الفريقين جملة وافرة وأحجم عنهم ~~لاشتغاله بمن بثه من سراياه في الغارات وحصل في أيديهم من خيول الجشار ~~والأغنام والأحمال والأبقار والأثاث ما لا يحصى كثرة لأنهم جاءوا على غفلة ~~وغرة ونزل من يومه بمرج راهط إلى أن اجتمعت الرجال والغنائم وسار عائدا على ~~الطريق الشمالية بالغنائم الدثرة المتناهية في الكثرة ووردت الأخبار من ~~ناحية بغداد بعزل الوزير شرف الدين علي بن طراد الزينبي عن وزارة الامام ~~المقتفي بأمر الله وتقليدها الوزير نظام الدين ابن جهير # سنة ms293 خمس وثلاثين وخمسمائة # في شهر رمضان منها ورد الخبر بظهور عسكرية عسقلان على خيل الافرنج ~~الغائرين عليها وقتل جماعة منهم وعودهم مفلولين خاسرين. وفيها ورد الخبر من ~~ناحية الشمال بتملك الباطنية حصن مصياث بحيلة دبرت عليه ومكيدة نصبت له. ~~وفيها توفي البدليسي امام المسجد الجامع بدمشق في ثالث ذي الحجة منها رحمه ~~الله وكان حسن الطريقة قليل التبذل جيد الحفظ والقراءة والتصون ووقع ~~الاختيار على الشيخ الامام أبي محمد بن طاووس في إقامته مكانه لما فيه من ~~حسن الطريقة والتصون والتدين والقيام بقراءة السبعة المشهورة # سنة ست وثلاثين وخمسمائة PageV01P167 فيها ورد الخبر من ناحية الشمال ~~باغارة الأمير لجه التركي النازح عن دمشق إلى خدمة الأمير عماد الدين أتابك ~~على بلد الافرنج وظفره بخيلهم وفتكه بهم بحيث ذكر أن عدة المقتولين منهم ~~تقدير سبعمائة رجل. وفيها ورد الخبر من ناحية العراق بايقاع عسكر السلطان ~~غياث الدنيا والدين ركن الاسلام والمسلمين مسعود بن محمد بحلة بني خفاجة ~~ونهبها وقتل من ظفر به لكثرة فسادهم وتزايد عنادهم واخافتهم السابلة وأخذهم ~~كل رفقة من التجار الصادرة والقافلة وعوده إلى بغداد ظافرا غانما وفيا توفي ~~النقيب الامام أبو القسم عبد الوهاب بن عبد الواحد الحنبلي رحمه الله ~~في..... بمرض حاد عرض له فأضعفه وقضى فيه نحبه وكان على الطريقة المرضية ~~والخلال الرضية ووفور العلم وحسن الوعظ وقوة الدين والتنزه مما يقدح في ~~أفعال غيره من المتفقهين وكان يوم دفنه يوما مشهورا من كثرة المشيعين له ~~والباكين حوله والمؤبنين لأفعاله والمتأسفين عليه وفي هذه السنة وردت ~~الأخبار من ناحية العراق بالوقعة الهائلة بين السلطان المعظم ناصر لدين ~~الله كذا سنجر بن ملك شاه سلطان الشرق وبين كافر ترك الواصل من ناحية الصين ~~عندما وراء النهر وكان في عسكر لا يحصى عددا وقصده السلطان سنجر في عسكر ~~يناهزه والتقى الجمعان فظهر عسكر كافرترك على عسكر السلطان سنجر فكسره ~~وخزمه وقتل أكثره إلا اليسير ممن حماه أجله واشتمل على ما حواه من الأمال ~~والحرم والكراع والسواد وهو شيء ms294 لا يحيط به وصف فيوصف ويحصر ولا يدركه نعت ~~فيذكر وعاد السلطان منهزما إلى بلخ وفيها ورد الخبر بوفاة ضياء الدين أبي ~~سعيد بن الكفرتوثي وزير الأمير عماد الدين أتابك في خامس شعبان وكان على ما ~~حكي عنه حسن الطريقة جميل الفعل كريم النفس مرضي السياسة مشهور النفاسة ~~والرئاسة. وفيها ورد الخبر بوفاة الأمير سعد الدولة صاحب آمد وجلوس ولده ~~محمود في منصبه من بعده فانتظم له الأمر من بعد فقده. وفيها ورد الخبر ~~بوفاة الأمير ولد الدانشمند رحمه الله وانتصاب ولده في منصبه من بعده ~~واستقام له الأمر. وفيها توفي الشيخ أبو محمد بن طاووس امام المسجد الجامع ~~بدمشق في يوم الجمعة سابع عشر من المحرم من السنة # سنة سبع وثلاثين وخمسمائة # فيما وردت الأخبار من ناحية مصر بعظم الوباء في الاسكندرية والديار ~~المصرية بحيث هلك هناك الخلق العظيم والجم الغفير. وفي يوم الأحد السابع ~~والعشرين من شهر ربيع الأول توفي القاضي بهجة الملك أبو طالب علي بن عبد ~~الرحمن بن أبي عقيل بمرض صعب كان فيه قضاء نحبه وانتقاله إلى رحمه ربه وهو ~~من جلالة القدر وجميل الذكر على الطريقة المرضية المشهورة والسجية ~~المستحسنة المشكورة وفيها ورد الخبر بظهور صاحب أنطاكية إلى ناحية بزاعة ~~وأن الأمير سوار النائب في حفظ حلب ثناه عنها وحال بينه وبينها. وفيها وردت ~~الأخبار بظهور متملك الروم إلى الثغور دفعة ثانية بعد أوله وبرز إليه صاحب ~~أنطاكية وخدمه وأصلح أمره معه وطيب نفسه وعاد عنه إلى أنطاكية وفيها وردت ~~الأخبار بأن الأمير عماد الدين أتابك استوزر الأجل أبا الرضا ولد أخي جلال ~~الدين بن صدقة وزير الخليفة. وفيها ورد الخبر بأن الأمير عماد الدين أتابك ~~افتح قلعة اشب المشهورة بالمنعة والحصانة. وفي شهر رمضان منها ورد الخبر ~~بموت متملك الروم. وفيها توفي القاضي المنتجب أبو المعالي محمد بن يحيى في ~~يوم الأربعاء النصف من شهر ربيع الأول منها ودفن بمسجد القدم رحمه الله ~~وتولى بعده القضاء ولده القاضي أبو الحسن علي بن محمد ms295 القرشي وكتب له منشور ~~القضاء من قاضي القضاة ببغداد # سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة PageV01P168 فيها وردت الأخبار من ناحية ~~العراق بأن الخبر ورد إليها بهلاك ملك كافرترك من ناحية الصين الذي كان ظفر ~~بعسكر السلطان سنجر في تلك الوقعة المقدم ذكرها. وفيها ورد الخبر بافتتاح ~~الأمير عماد الدين قلعة حيزان. وفي شهر رمضان منها وردت الأخبار من ناحية ~~العراق بقتل السلطان داود ابن السلطان محمود بن محمد بن ملك شاه بيد نفر ~~ندبوا لقتله فاغتالوه وقتلوه ولم يعرف لهم أصل ولا جهة ولا علم مستقرهم. ~~وفي ثالث جمادى الأولى منها قبض على الأمير الحاجب أسد الدين أكثر وأخذ ~~ماله وسملت عيناه واعتقل وتفرق عنه أصحابه. وفيها ورد الخبر من ناحية ~~الافرنج بهلاك ملكهم الكند ايجور ملك بيت المقدس بعلة عرضت له كان فيها ~~اتلاف نفسه وأقيم ولده الصغير وأمه مقامه في الملك ورضي الافرنج بذلك ~~واستقامت الحال عليه. وفي رمضان منها عزل أبو الكرام عن وزارته ديوان دمشق ~~لأسباب أنكرت عليه وأشياء قبيحة عزيت إليه. وفيها ورد الخبر بعزل عماد ~~الدين أتابك وزيره أبا الرضا بن صدقة لأسباب أوجبت ذاك ودعت إليه وأغراض ~~بعثت عليه واستوزر مكانه # سنة تسع وثلاثين وخمسمائة # في يوم الخميس الحادي عشر من المحرم منها توجه الأمير الرئيس مؤيد الدين ~~رئيس دمشق إلى ناحية صرخد مستوحشا من أحوال بلغته عن أبي الكرام المستناب ~~في وزارة ديوان دمشق وعن الأمير مؤيد الدولة أسامة بن مرشد بن علي بن منقذ ~~أنكرها من سعيهما واستبشعهما من قصدهما فسار عن البلد ممتعضا من اقدامهما ~~على من يخالف أمره ويضيق صدره ووصل إليهما وتلقاه واليها بالاكرام لمثواه ~~واحسان لقياه وترددت المراسلات بينه وبين الأمير معين الدين أتابك صاحب ~~الأمير والتدبير بدمشق في هذا الباب وتكرر المقال بينهما بالاعتذار من كل ~~واحد منهما العتاب ولم تزل هذه الحال مترددة بينهما إلى أن أسفرت عن تقرير ~~عوده إلى داره وإخراج أبي الكرام الوزير وأسامة بن منقذ إلى ناحية مصر ~~بأهليهما ومالهما وأسبابهما فسارا من ms296 دمشق إلى ناحية مصر بعد استئذان ~~صاحبها في أمرهما وخروج إذنه بوصلهما في يوم الخميس السابع من جمادى الأولى ~~من السنة على سبيل المداراة والمصانعة وقيل أنهما لقيا من احسان تلك الدولة ~~السعيدة من الاحسان وجزيل الانعام ما جرت به عادتهما المستحسنة في حق من ~~يلجأ إلى ظلها وسابغ عدلها. وفي يوم الجمعة الثالث عشر من جمادى الأولى عاد ~~الأمير مؤيد الدين إلى دمشق من صرخد وخرج أهل البلد لتلقيه واظهار السرور ~~به والاستبشار بعوده وطابت نفسه ببلوغ أمانيه ومضي أعاديه الساعين فيه وفي ~~شهر ربيع الآخر ورد الخبر بخروج عسكر إلى فرقة وافرة من الافرنج وصلت إلى ~~ناحية بعلبك للعيث فيها وشن الاغارات عليها فالتقيا فأظفر الله المسلمين ~~بهم وأظهرهم عليهم فقتلوا أكثرهم واستولوا على ما كان معهم وامتلأت أيدي ~~المسلمين بغنائمهم وعادوا إلى بعلبك سالمين مسرورين غانمين وعاد الباقون من ~~الافرنج إلى مكانهم مفلولين محزونين خاسرين وفي جمادى الأولى منها ولد ~~الخبر من ناحية الشمال بان عسكر حلب ظفر بفرقة كبيرة من التجار والأجناد ~~وغيرهم خرجت من أنطاكية تريد بلاد الافرنج ومعها مال كثير ودواب ومتاع ~~وأثاث فأوقعوا بها واشتملوا على ما كان فيها وقتلوا من كان معها من خيالة ~~الافرنج لحمايتها والذب عنها وعاد إلى حلب بالمال والسبي والأسرى والدواب ~~وفي يوم السبت الثالث عشر من رجب من السنة توفي الأخ الأمين أبو عبد الله ~~محمد بن أسد بن علي بن محمد التميمي عن 84 سنة بعلة الذرب ودفن بتربة ~~اقترحها خارج باب الصغير من دمشق وكان على الطريقة المرضية من حسن الأمانة ~~والتصون والديانة ولزوم داره والتنزه عن كل ما يوتغ الدين ويكره بين خيار ~~المسلمين غير مكاثر للناس ولا معاشر لهم ولا مختلط بهم PageV01P169 وفي هذه ~~السنة وردت الأخبار من ناحية للشمال بأن الأمير عماد الدين أتابك افتتح ~~مدينة الرها بالسيف مع ما هي عليه من القوة والحصانة والامتناع على قاصديها ~~والحماية على طالبيها من العساكر الجمة ومنازلتها وأن السبب في ذلك أن ~~الأمير عماد ms297 الدين أتابك لم يزل لها طالبا وفي تملكها راغبا ولانتهاز ~~الفرصة فيها مترقبا لا يبرح ذكرها جائلا في خلده وسره وأمرها ماثلا في ~~خاطره وقلبه إلى أن عرف أن جوسلين صاحبها قد خرج منها في جل رجاله وأعيان ~~حماته وابطاله لأمر اقتضاه وسبب من أسباب إلى البعد عنها دعاه للأمر المقضي ~~والقدر النازل فحين تحقق ذاك بادر بقصدها وسارع إلى النزول في العسكر الدثر ~~عليها لمضايقتها والحصر لمن فيها وكاتب طوائف التركمان بالاستدعاء لهم ~~للمعونة عليها والاسعاد وأداء فريضة الجهاد فوصل إليه منهم الخلق الكثير ~~والجم الغفير بحيث أحاطوا بها من جميع الجهات وحالوا بينها وبين ما يصل ~~إليها من المير والأقوات والطائر لا يكاد يقرب منها خوفا على نفسه من صوائب ~~سهام منازليها ويقظة المضيقين عليها ونصب على أسوارها المناجيق ترمي عليها ~~دائما والمحاربة لأهلها مضرا ومواظبا. وشرع الخراسانيون والحلبيون العارفون ~~بمواضع النقوب الماضون فيها فنقبوا في عدة مواضع عرفوا أمرها وتيقنوا نفعها ~~وضرها ولم يزالوا على هذه الحال في الايغال في النقب والتمادي في بطن الأرض ~~إلى أن وصلوا إلى تحت أساس أبراج السور فعلقوه بالأخشاب المحكمة والآلات ~~المنتخبة وفرغوا من ذلك ولم يبق غير اطلاق النار فيها. فاستأذنوا عماد ~~الدين أتابك في ذلك فأذن لهم بعد أن دخل في النقب وشاهد حاله واستعظم كونه ~~وهاله. فلما أطلقت النار في تعليق النقوب تمكنت من أخشابها وابادتها فوقع ~~السور في الحال وهجم المسلمون البلد بعد أن قتل من الجهتين الخلق الكثير ~~على الهدم وقتل من الافرنج والأرمن وجرح ما أوجب هزيمتهم عنه وملك البلد ~~بالسيف في يوم السبت سادس وعشرين من جمادى الآخرة منها ضحوة النهار. وشرع ~~في النهب والقتل والأسر والسبي وامتلأت الأيدي من المال والأثاث والدواب ~~والغنائم والسبي ما سرت به النفوس وابتهجت بكثرته القلوب وشرع عماد الدين ~~أتابك بعد أن أمر برفع السيف والنهب في عمارة ما انهدم وترميم ما تشعث ورتب ~~من رآه لتدبير أمرها وحفظها والاجتهاد في مصالحها وطيب بنفوس أهلها ووعدهم ~~باجمال السيرة ms298 فيهم وبسط المعدلة في أقاصيهم وأدانيهم. ورحل عنها وقصد سروج ~~وقد هرب الافرنج منها فملكها وجعل لا يمر بعمل من أعمالها ولا معقل من ~~معاقلها فينزل عليه إلا سلم إليه في الحال وتوجه إلى حصن البيرة من تلك ~~الأعمال وهو غاية في الامتناع على طالبه والصعوبة على قاصده فنزل عليه وشرع ~~في محاربته ومضايقته وقطع عنه سائر من يصل إليه بالقوت والميرة والمعونة ~~والنصرة ولم يزل محاصرا له ومحاربا ومضيقا إلى أن ضعف أمره وعدمت الميرة ~~فيه. وورد على عماد الدين وقد أشرف على ملكته من خبر نائبه في الموصل ~~الأمير جقر بن يعقوب في الوثوب عليه وقتله ما أزعجه وأقلقه ورحله عنها لكشف ~~الحال الحادثة بالموصل مما يأتي شرح ذلك في موضعه وفي جمادى الأولى منها ~~ورد الخبر بأن الأمير عماد الدين أتابك انتهى إليه أن أهل الحديثة عانة قد ~~خالفوا أمره وعصوا عليه فأنهض إليها من عسكره فريقا وافرا فقصدها ونزل ~~عليها وحاربها وضايقها وملكها بالسيف وقتل أكثر أهلها ونهبها وبالغ في ~~اهلاك من بها وفي شهر رمضان منها ورد الخبر من ناحية الشمال بأن عسكر ~~الافرنج المجتمع بناحية أنطاكية لإنجاد أهل الرها من جميع أعمالها ~~ومعاقلها..... وكان عماد الدين أتابك قد أنهض إليه جيشا وافر العدد من ~~طوائف التركمان والأجناد فهجموا عليه بغتة وأوقعوا بمن وجدوه في أطرافه ~~ونواحيه وفتكوا به فرحل في الحال وقد استولوا على كثير من الافرنج قتلا ~~وأسرا واشتملوا على جملة وافرة من كراعهم وتحكم السيف في أكثر الراجل ~~وتفرقوا في أعمالهم ومعاقلهم مفلولين مخذولين خاسرين. وفيها كانت الحادثة ~~على الأمير نصير الدين جقر بن يعقوب النائب عن الأمير عماد الدين في ولاية ~~الموصل # شرح الحال في ذلك PageV01P170 كان الملك فرخانشاه الخفاجي بن السلطان كذا ~~أخي السلطان محمود بن محمد بن ملك شاه قد حدث نفسه على العمل على الأمير ~~نصير الدين الوالي بالموصل والفتك به وملكه الموصل وبالتفرد بالأمر واشتمال ~~جماعة من غلمان الأمير عماد الدين أتابك تقدير أربعين غلاما من وجوه ms299 ~~الغلمان مع أصحابه وخواصه ورقب الفرصة فيه والغفلة منه مع شدة تيقظه ومشهور ~~احتراسه وتحفظه إلى أن اتفق ركوبه في بعض الأيام للتسليم على الخاتون في ~~دارها وقد خلا من حماته ووجوه أصحابه ورصدوه فلما حصل في دهليز الدار وثبوا ~~عليه فقتلوه وأدركه أصحابه ومن في البلد من أصحاب عماد الدين فهرب من هرب ~~ومسكوا الملك ابن السلطان فمانع فجرح وأخذ واعتقل معه أكثر الغلمان ~~المشاركين في دمه وتوثق منهم بالاعتقال لهم والاحتياط عليهم وذلك في ~~يوم...... وكتب إلى عماد الدين بصورة هذه الحال وهو منازل لقلعة البيرة في ~~عسكره وأقلقه سماع هذا الخبر الشنيع والرزء الفظيع ورحل في الحال عن البيرة ~~وقد شارف افتتاحها والاستيلاء عليها وهو متفجع بهذا المصاب متأسف على ما ~~أصيب به متيقن أنه لا يجد بعده من يقوم مقامه لا يسد مسده. وارتاد من يقيمه ~~في موضعه وينصبه في منصبه فوقع اختياره على الأمير علي كوجك لعلمه بشهامته ~~ومضائه في الأمور وبسالته وولاه مكانه وعهد إليه أن يقتفي آثاره في ~~الاحتياط والتحفظ ويتبع أفعاله في التحرز والتيقظ وإن كان لا يغني غناءه ~~ولا يضاهي كفاءته ومضاءه فتوجه نحوها وحصل بها واس أمورها سياسة سكنت معها ~~نفوس أهلها واطمأنت معها قلوب المقيمين فيها وبذل جهده في حماية المسالك ~~وأمن السوابل وقضاء حوائج ذوي الحاجات ونصرة أرباب الظلامات فاستقام له ~~الأمر وحسنت بتدبيره الأحوال وتحققت بيقظته في أعماله الآمال. وقد كان ~~لنصير الدين هذا المقصود أخبار في العدل والانصاف وبجنب الجور والاعتساف ~~متداولة بين التجار والمسافرين ومتناقلة بين الواردين والمصادرين من السفار ~~وقد كان دأبه جمع الأموال من غير جهة عن حرام وحلال لكنه يتناولها بألطف ~~مقال وأحسن فعال وأرفق توصل واحتيال وهذا فن محمود من ولاة الأمور وقصد ~~سديد في سياسة الجمهور وهذه هي الغاية في مرضي السياسة والنهاية في قوانين ~~الرئاسة وفي أواخر هذه السنة فرغ من عمارة المسجد الذي تولى عمارته واختيار ~~بقعته الأمير مجاهد الدين بزان بن مامين مقدم الأكراد بظاهر باب الفراديس ms300 ~~من دمشق بعقب الجسر القبلي وكان مكانه أولا مستقبح المنظر وأجمع الناس على ~~استحسان بقعته واقتراح هيئته بعد أن أنفق عليه المبلغ الوافر من ماله مع ~~جاهه رغبة في حسن الذكر في الدنيا ووفور الثواب والأجر في الأخرى. إن الله ~~لا يضيع أجر المحسنين # سنة أربعين وخمسمائة # في جمادى الأولى منها تناصرت الأنباء من ناحية الأمير عماد الدين أتابك ~~بصرف. الاهتمام إلى التأهب والاستعداد والجمع والاحتشاد لقصد الغزو والجهاد ~~وشاعت عنه الأنباء بأنه ربما قصد الأعمال الدمشقية والنزول عليها ولم تزل ~~أخباره بذلك متصلة وما هو عليه بالاستكثار من عمل المناجيق وآلة الحرب وما ~~يحتاج إليه لتذليل كل ممتنع صعب إلى أوائل شعبان ووردت الأخبار عنه بأن ~~عزيمته عن ذلك قد انحرفت وأعنة رأيه إلى غيره قد ثنيت وأعيدت المناجيق إلى ~~ناحية حمص من بعلبك. وقيل أن الخبر وافاه من جهة الرها بأن جماعة من الأرمن ~~عملوا علها وأرادوا الايقاع بمن فيها من مستحفظيها وأن مكتوم سرهم ظهر ~~ومخفي أمرهم بدأ وانتشر وأن الجناة أخذوا وتتبعوا وقوبلوا على ذلك بما ~~يقابل به من يسعى في الأرض بالفساد من القتل والصلب والتشريد في البلاد وفي ~~أوائل شعبان من السنة ووردت الأخبار من ناحية بغداد بوصول السلطان غياث ~~الدنيا والدين مسعود بن محمد بن ملك شاه إلى بغداد وقيل أنه وجل من أخيه ~~السلطان طغرل بن محمد لأنه قد جمع واجتهد فيما حشد وهو عازم على لقائه ~~والايقاع بعسكره وفي هذه السنة وردت الأخبار من ناحية مصر بوفاة الأمير ~~المعظم أبي المظفر خمارتاش الحافظي صاحب باب الامام الحافظ لدين الله أمير ~~المؤمنين صاحب مصر بعلة عرضت له وقضى فيها نحبه وقيل أنه كان حسن الطريقة ~~جميل الفعل مشكور القصد PageV01P171 قال الرئيس الأجل مجد الرؤساء أبو يعلي ~~حمزة بن أسد بن علي بن محمد التميمي: قد انتهيت في شرح ما شرحته من هذا ~~التاريخ ورتبته وتحفظت من الخطإ والخطل والزلل فيما علقته من أفواه الثقات ~~نقلته وأكدت الحال فيه بالاستقصاء والبحث إلى أن ms301 صححته إلى هذه السنة ~~المباركة وهي سنة 540 وكنت قد منيت منذ سنة 535 وإلى هذه الغاية بما شغل ~~الخاطر عن الاستقصاء عما يجب إثباته في هذا الكتاب من الحوادث المتجددة من ~~الأعمال والبحث عن الصحيح منها وجميع الأحوال فتركت بين كل سنين من السنين ~~بياضا في الأوراق ليثبت فيه ما يعرف صحته من الأخبار وتعلم حقيقته من ~~الحوادث والآثار. وأهملت فيما ذكرته من أحوال سلاطين الزمان فيما تقدم وفي ~~هذا الأوان استيفاء ذكر نعوتهم المقررة وألقابهم المحررة تجنبا لتكريرها ~~بأسرها والاطالة بذكرها لم تجر بذلك عادة قديمة ولا سنة سالفة في تاريخ ~~يصنف ولا كتاب يؤلف وإذا كان الرسم جاريا في القديم باطراح الألقاب ~~والانكار لها بين ذوي العلوم والآداب. فلما ظهرت الدولة البويهية الديلمية ~~ولقب أول مسعود نبع فيها بعماد الدولة بن بويه ثم أخوه وتلوه في الولادة ~~والسعادة بركن الدولة أبي علي ثم أخوهما بمعز الدولة أبي الحسين وكل منهم ~~قد بلغ من علو المرتبة والمملكة ونفاذ الأمر في العراق وخراسان والشام في ~~أوائل المغرب ما هو مشهور وذكره في الآفاق منشور. ولما علا قدر الملك عضد ~~الدولة فناخسره بن ركن الدولة أبي علي بن بويه بعدهم وظهر سلطانه وعلا شأنه ~~وملك العراق بأسره وما والاه من البلاد والمعاقل وخطب له على المنابر وزيد ~~في نعوته في أيام المطيع لله أمير المؤمنين رحمه الله تاج الملة ولم يزد ~~أحد من أخوته مؤيد الدولة صاحب أصفهان وفخر الدولة صاحب الرأي وما والاهما ~~وانضاف إليهما على اللقب الواحد. ولم يزل الأمر على ذلك مستمرا إلى أن ظهر ~~أمر السلطان ركن الدنيا والدين طغرلبك محمد بن ميكال بن سلجوق وقويت شوكة ~~الترك وانخفضت الدولة البويهية واضمحلت وانقرضت ولقب السلطان طغرلبك ولما ~~ظهر أمره في العراق واجتاح شأفة أبي الحرث أرسلان الفساسيري في أيام الامام ~~الخليفة القائم بأمر الله أمير المؤمنين رحمه الله بالسلطان المعظم شاهنشاه ~~الأعظم ركن الدين غياث المسلمين بهاء دين الله وسلطان بلاد الله ومغيث عباد ~~الله يمين ms302 خليفة الله طغرلبك. ثم زاد الأمر في ذلك إلى أن أضيف إلى القاب ~~ولاة الأطراف الدين والاسلام والأنام والملة والأمة وغير ذلك بحيث اشترك في ~~هذا الفن الخاص والعام لا سيما في هذا الأوان والقاب سلاطينه لأن منهم: ~~سلطان خراسان السلطان المعظم شاهنشاه الأعظم مالك رقاب الأمم سيد سلاطين ~~العرب والعجم ناصر دين الله مالك عباد الله الحافظ بلاد الله سلطان أرض ~~الله معين خليفة الله معز الدنيا والدين كهف الاسلام والمسلمين عضد الدولة ~~القاهرة تاج الملة الظاهرة وغياث الأم الباهرة أبو الحرث سنجر بن ملك شاه ~~برهان أمير المؤمنين. وسلطان العراق السلطان المعظم شاهنشاه الأعظم مالك ~~رقاب الأمم مولى العرب والعجم جلال دين الله سلطان أرض الله ناصر عباد الله ~~حافظ بلاد الله ظهير خليفة الله غياث الدنيا والدين ركن الاسلام والمسلمين ~~عضد الدولة القاهرة ومغيث الأمم الباهرة أبو الفتح مسعود بن محمد بن ملك ~~شاه قسيم أمير المؤمنين. وسلطان الشام وغيره الأمير الاسفهسلار الكبير ~~العادل المؤيد المظفر المنصور الأوحد عماد الدين ركن الاسلام ظهير الأنام ~~قسيم الدولة معين الملة جلال الأمة شرف الملوك عمدة السلاطين قاهر الكفرة ~~والمتمردين قامع الملحدين والمشركين زعيم جيوش المسلمين ملك الأمراء شمس ~~المعالي أمير العراقين والشام بهلوان جهان الب غازي ايران اينانج قتلغ ~~طغرلبك أتابك أبو سعيد زنكي بن اق سنقر نصير أمير المؤمنين. وصاحب دمشق ~~الأمير الاسفهسلار الكبير العادل المؤيد المظفر المنصور ظهير الدين عضد ~~الاسلام ناصر الامام تاج الدولة سيف الملة محيي الأمة شرف الملوك عماد ~~الأمراء كهف المجاهدين زعيم جيوش المسلمين أبو سعيد اتق بن محمد بن بوري ~~أتابك سيف أمير المؤمنين # سنة إحدى وأربعين وخمسمائة PageV01P172 قد تقدم من ذكر عماد الدين أتابك ~~زنكي في أخوار سنة 540 في نزوله على قلعة دوسر على غرة من أهلها وهجمه على ~~ربضها ونهبه وأخذ أهله ما لا حاجة إلى إعادة ذكره وشرح أمره ولم يزل مضايقا ~~لها ومحاربا لأهلها في شهر ربيع الآخر من سنة 541 حتى وردت الأخبار بأن أحد ~~خدمه ms303 ومن كان يهواه ويأنس به يعرف بير نقش وأصله افرنجي وكان في نفسه حقد ~~عليه لاساءة تقدمت منه إليه فأسرها في نفسه. فلما وجد منه غفلة في سكرة ~~ووافقه بعض الخدم من رفقته على أمره فاغتالوه عند نومه في ليلة الأحد ~~السادس من شهر ربيع الآخر من السنة وهو على الغاية من الاحتياط بالرجال ~~والعدد والحرس الوافر العدد حول سرادقه فذبحه على فراشه بعد ضربات تمكنت من ~~مقاتله ولم يشعر بهم أحد حتى هرب الخادم القاتل إلى قلعة دوسر المعروفة ~~حينئذ بجعبر وفيها صاحبها الأمير عز الدين علي بن مالك بن سالم بن مالك ~~فبشره بهلاكه فلم يصدقه. وأواه إلى القلعة وأكرمه وعرف حقيقة الأمر فسر ~~بذلك واستبشر بما أتاه الله من الفرج بعد الشدة الشديدة والاشفاء على ~~الهلكة بتطاول المحاصرة والمصابرة وارسال خواصه وثقاته إليه بما استدعاه ~~منه واقترحه عليه من آلات فاخرة وذخائر وافرة أشار إليها وعين عليها ووعده ~~إذا حصلت عنده بالافراج عنه فعند حصوله ذلك لديه مع أصحابه غدر بهم وعزم ~~على الاساءة إليهم فأتاه من القضاء النازل الذي لا دافع له ولا مانع عنه ما ~~صار به عبرة لأولي الأبصار وعبرة لذوي العقول والأفكار. وتفرقت جيوشه أيدي ~~سبا ونهبت أمواله الجمة وخزائنه الدثرة وقبر هناك بغير تكفين إلى أن نقل ~~كما حكي إلى مشهد على الرقة وتوجه الملك ولد السلطان المقيم كان معه فيمن ~~صحبه وانضم إليه إلى ناحية الموصل ومعه سيف الدين غازي بن عماد الدين أتابك ~~رحمه الله وامتنع عليهم للوالي بالموصل على كوجك أياما إلى حين تقررت الحال ~~بينهم ثم فتح الباب ودخل ولده واستقام له الأمر وانتصب منصبه وعاد الأمير ~~سيف الدولة سوار وصلاح الدين في تلك الحال إلى ناحية حلب ومعهم الأمير نور ~~الدين محمود بن عماد الدين أتابك وحصل بها وشرع في جمع العساكر وانفاق ~~المال فيها واستقام له الأمر وسكنت الدهماء وفصل عنه الأمير صلاح الدين ~~وحصل بحماة ولايته على سبيل الاستيحاش والخوف على نفسه من أمر يدبر ms304 عليه ~~على أن الأعمال كانت قد اضطربت والمسالك قد اختلت بعد الهيبة المشهورة ~~والآمنة المشكورة وانطلقت أيدي التركمان والحرامية في الافساد في الاطراف ~~والعيث في سائر النواحي والأكناف. ونظمت في صفة هذه الحال أبيات من الشعر ~~تنطق بذكرها وتغرب بالاختصار عن جلية أمرها منها من جملة قصيدة يطول شرحها ~~بتشبيبها: # كذاك عماد الدين زنكي تنافرت ... سعادته عنه وخرت دعائمه # وكم بيت مال من نضار وجوهر ... وأنواع ديباج حوتها مخاتمه # وأضحت بأعلى كل حصن مصونة ... يحامي عليها جنده وخوادمه # ومن صافنات الخيل كل مطهم ... تروع الأعادي حلبه وتراجمه # ولو رامت الكتاب وصف شياتها ... بأقلامها ما أدرك الوصف ناظمه # وكم معقل قد رامه بسيوفه ... وشامخ حصن لم تفته غنائمه # ودانت ولاة الأرض فيها لأمره ... وقد أمنتهم كتبه وخواتمه # وأمن من في كل قطر جيبة ... تراع بها أعرابه وأعاجمه # وظالم قوم حين يذكر عدله ... فقد زال عنهم ظلمه وخصائمه # وأصبح سلطان البلاد بسيفه ... وليس له فيها نظير يزاحمه # وكم قد بنى دارا تباهي بحسنها ... جنان خلود أحكمتها عزائمه # فمن خرفه بالتبر من كل جانب ... وأغصان بقش قد تحلت حمائمه # وزاد على الأملاك بأسا وسطوة ... ولم يبق في الأملاك ملك يقاومه # فلما تناهى ملكه وجلاله ... وراعت ولاة الأرض منه لوائمه # أتاه قضاء لا يرد سهامه ... فلم ينجه أمواله ومغانمه PageV01P173 واذكره ~~للحين منها حمامه ... وحامت عليه بالمنون حوائمه # وأضحى على ظهر الفراش مجدلا ... صريعا تولى ذبحه فيه خادمه # وقد كان في الجيش اللهام مبيته ... ومن حوله أبطاله وصوارمه # وسمر العوالي حوله بأكفهم ... تذود الردى عنه وقد نام نائمه # ومن دون هذا عصبة قد ترتبت ... بأسهمها يردى من الطير حائمه # وكم رام في الأيام راحة سره ... وهمته تعلو وتقوى شكائمه # فأودى ولم ينفعه مال وقدوة ... ولا عنه رامت للقضاء مخاذمه # وأضحت بيوت المال نهبى لغيره ... يمزقها أبناؤه ومظالمه # وكم مسلك للسفر أمن سبله ... ومسرح حي أن تراع سوائمه # وكم ثغر اسلام حماه بسيفه ... من الروم لما أدركته مراحمه # فلما تولى قام كل مخالف ... وشام حساما لم ms305 يجد وهو شائمه # وأطلق من في أسره وحبوسه ... وفكت عن الأقدام منه أداهمه # وعاد إلى أوطانه بعد خوفه ... وطابت له بعد السغوب مطاعمه # وفرت وحوش الأرض حين تمزقت ... كواسره عنها وفلت سواهمه # ولم يبق جان بعده يحذر الردى ... ولا داعر يخشى عليه مناقمه # فمن ذا الذي يأتي نهيبة مثله ... وتنفذ في أقصى البلاد مراسمه # فلو رقيت في كل مصر بذكره ... أراقمه ذلت هناك أراقمه # ومن ذا الذي ينجو من الدهر سالما ... إذا ما أتاه الأمر والله حاتمه # ومن رام صفوا في الحياة فما يرى ... له صفو عيش والحمام يحاومه # فإياك لا تضبط مليكا بملكه ... ودعه فإن الدهر لا شك قاصمه # فإن كان ذا عدل وأمن لخائف ... فلا شك أن الله بالعدل راحمه # وقل للذي يبني الحصون لحفظه ... رويدك ما تبني فدهرك هادمه # فكم ملك قد شاد قصرا مزخرفا ... وفارق ما قد شاده وهو عادمه # وأصبح ذاك القصر من بعد بهجة ... وقد درست آثاره ومعالمه PageV01P174 وفي ~~مثل هذا عبرة ومواعظبما يتناسى المرء ما هو عازمهوهذه صفاته فيما ملكه من ~~البلاد والثغور والمعاقل وحازه من الأموال والقلاع والأعمال ونفوذ أوامره ~~في سائر الأطراف والأكناف ثم أتاه القضاء الذي لا يدافع والقدر الذي لا ~~يمانع. وحين اتصل هذا الخبر اليقين إلى معين الدين وعرف صورة الحال شرع في ~~التأهب والاستعداد لقصد بعلبك وانتهاز الفرصة فيها بآلات الحرب والمنجنيقات ~~ونهد إليها ونزل عليها وضايقها ونصب الحرب على مستحفظيها ولم يمض إلا ~~الأيام القلائل حتى قل الماء فيها قلة دعتهم إلى النزول على حكمه. وكان ~~الوالي بها ذا حزم وعقل ومعرفة بالأمور فاشترط ما قام له به من إقطاع وغيره ~~وسلم البلدة والقلعة إليه ووفى له بما قرر الأمر عليه وتسلم ما فيه من غلة ~~وآلة في أيام من جمادى الأولى من السنة. وراسل معين الدين الوالي بحمص ~~وتقررت بينه وبينه مهادنة وموادعة يعودان بصلاح الأحوال وعمارة الأعمال. ~~ووقعت المراسلة فيما بينه وبين صلاح الدين بحماة وتقرر بينهما مثل ذلك. ثم ~~انكفأ بعد ذلك إلى ms306 البلد عقيب فراغه من بعلبك وترتيب من رتبه لحفظها ~~والاقامة فيها في يوم السبت الثامن عشر من جمادى الآخرة من السنة وصادم ~~الخادم يرنقش القاتل لعماد الدين أتابك رحمه الله قد فصل عن قلعة جعبر لخوف ~~صاحبها من طلبه منه ووصل إلى دمشق متيقنا أنه قد أمن بها ومدلا بما فعله ~~وظنا منه أن الحال على ما توهمه فقبض عليه وأنفذ إلى حلب صحبة من حفظه ~~وأوصله إليها فأقام بها أياما ثم حمل إلى الموصل وذكر أنه قتل بهاووردت ~~الأخبار في أثناء ذلك في أيام من جمادى الآخرة من السنة بأن ابن جوسلين جمع ~~الافرنج من كل ناحية وقصد مدينة الرها على غفلة بموافقة من النصارى ~~المقيمين فيها فدخلها واستولى عليها وقتل من فيها من المسلمين فضاقت الصدور ~~باستماع هذا الخبر المكروه ووردت الأخبار مع ذلك بأن الأمير نور الدين صاحب ~~حلب نهض في عسكره وانضاف إليه من التركمان عند وقوعه على الخبر وتقدمه سيف ~~الدولة سوار وأغذوا السير ليلا ونهارا وغدوا وابتكارا من اجتمع من الجهات ~~وهم الخلق الكثير والجم الغفير زهاء عشرة ألف فارس ووقفت الدواب في الطرقات ~~من شدة السير ووافوا البلد. وقد حصل ابن جوسلين وأصحابه فيه فهجموا عليهم ~~ووقع السيف فيهم وقتل من أرمن الرها والنصارى من قتل وانهزم إلى برج يقال ~~له برج الماء فحصل فيه ابن جوسلين في تقدير عشرين فارسا من إبطال أصحابه ~~وأحدق بهم المسلمون من جهاته وشرعوا في النقب عليهم وما كان إلا بقدر كلا ~~ولا حتى تعرقب البرج وانهزم ابن جوسلين وأفلت منه في الخفية مع أصحابه وأخذ ~~الباقون ومحق السيف كل من ظفر به من نصارى الرها واستخلص من كان أسر من ~~المسلمين ونهب منها الشيء الكثير من المال والأثاث والسبي وسرت النفوس بهذا ~~النصر بعد الحزن والاختزال وقويت القلوب بعد الفشل والانخذال وانكفأ ~~المسلمون بالغنائم والسبي إلى حلب وسائر الأطرافوفي شوال من هذه السنة ~~ترددت الرسل والمراسلات من الأميرين نور الدين محمود بن عماد الدين أتابك ~~صاحب ms307 حلب ومعين الدين أنر إلى أن استقرت الحال بينهما على أجمل صفة وأحسن ~~قضية وانعقدت الوصلة بين نور الدين وبين ابنة معين الدين وتأكدت الأمور على ~~ما اقترح كل منهما وكتب كتاب العقد في دمشق بمحضر من رسل نور الدين في ~~الخميس الثالث والعشرين من شوال سنة 541 وشرع في تحصيل الجهاز وعند الفراغ ~~منه توجهت الرسل عائدة إلى حلب وفي صحبتهم ابنة معين الدين ومر في جملتها ~~من خواص الأصحاب في يوم الخميس النصف من ذي القعدة من السنةوكان معين الدين ~~قد حصل آلات الحرب والمنجنيقات وجمع من أمكنه جميعه من الخيل والرجل وتوجه ~~إلى ناحية صرخد وبصرى بعد أن أخفى عزيمته وستر نيته استظهارا لبلوغ طلب ~~وتسهيل أربه ونزل غفلة على صرخد وكان المعروف بها بالتونتاش غلام أمين ~~الدولة كمشتكين الأتابكي الذي كان واليا أولا وكانت نفسه قد حدثته بجهله ~~أنه يقاوم من يكون مستوليا على مدينة دمشق وأن الافرنج يعينونه على مراده ~~وما يلتمسه من انجاده واسعاده ويكونون معه على ما نواه من عيثه وإفساده. ~~وكان قد خرج للأمر المقضي من حصن صرخد إلى ناحية الافرنج للاستنصار بهم ~~وتقرير أحوال الفساد معهم ولم يعلم أن الله لا يصلح عمل المفسدين ولم يشعر ~~بما نواه معين الدين PageV01P175 من ارهاقه بالمعاجلة وعكس اماله بالمنازلة ~~فحال بينه وبينه العود إلى أحد الحصنين المذكورين ولم تزل المحاربة بين من ~~في صرخد والمنازلين متصلة والنقوب مستعملة والمراسلات مترددة من الافرنج ~~إلى معين الدين بالمسئلة والتلطف في اصلاح الأمر والوعد والوعيد والترهيب ~~والتهديد إن لم يجب إلى المطلوب ومعين الدين لا يعدل عن المغالطة ~~والمدافعة. وكان قد عرف تجمعهم وتأهبهم للنهوض إليه وإزعاجه وترحيلهم عنها ~~فأوجبت هذه الحال أن راسل نور الدين صاحب حلب يسئله الانجاد على الكفرة ~~الأضداد بنفسه وعسكره فأجابه إلى ذلك. وكان لاتفاق الصلاح مبرزا بظاهر حلب ~~في عسكره فثنى إليه الأعنة وأغذ السير ووصل إلى دمشق في يوم الأربعاء ~~السابع وعشرين من ذي الحجة من السنة وخيم بعين شواقة ms308 وأقام أياما يسيرة ~~وتوجه نحو صرخد ولم يشاهد أحسن من عسكره وهيئته وعدته ووفور عدتهواجتمع ~~العسكران وأرسل من بصرخد إليهما يلتمسان الأمان والمهلة أياما ويسلم المكان ~~وكان ذلك منهم على سبيل المغالطة والمخاتلة إلى حين يصل عسكر الافرنج ~~لترحيل النازلين عليهم وقضى الله تعالى للخيرة التامة للمسلمين والمصلحة ~~الشاملة لأهل الدين وصول من أخب بتجمع الافرنج واحتشادهم ونهوضهم في فارسهم ~~وراجلهم مجدين السير إلى ناحية بصرى وعليها فرقة وافرة من العسكر محاصرة ~~لها فنهض العسكر في الحال والساعة عند المعرفة بذاك إلى ناحية بصرى ~~كالشواهين إلى صيدها والبزاة إلى حجلها بحيث سبقوا الافرنج إلى بصرى فحالوا ~~بينهم وبينها ووقعت العين على العين وقربت المسافة بين الفريقين واستظهر ~~عسكر المسلمين على المشركين وملكوا عليهم المشرب والمسرب وضايقوهم برشق ~~السهام وارسال نبل الحمام وأكثروا فيهم القتل والجراح واضرام النيران في ~~هشيم النبات في طرقهم ومسالكهم وأشرفوا على الهلاك والدمار وحلول البوار ~~وولوا الأدبار وتسهلت الفرصة في إهلاكهم وتسرعت الفوارس والأبطال إلى الفتك ~~بهم والمجاهدة فيهموجعل معين الدين يكف المسلمين عنهم ويصدهم عن قصدهم ~~والتتبع لهم في انهزامهم اشفاقا من كرة تكون لهم وراجعة عليهم بحيث عادوا ~~على أعقابهم ناكصين وبالخذلان منهم منهزمين قد شملهم الفناء وأحاط بهم ~~البلاء ووقع اليأس من فلاحهم وسلمت بصرى إلى معين الدين بعد تقرير أمر من ~~بها واجابهم على اقترحوه من اقطاعاتهم ورحل عنها عائدا إلى صرخد. وجرى ~~الأمر في تسليمها إلى معين الدين على هذه القضية وعاد العسكران إلى دمشق ~~ووصلاها في يوم الأحد السابع والعشرين من المحرم سنة 42 وأقام نور الدين في ~~الدار الأتابكية وتوجه عائدا إلى حلب في يوم الأربعاء انسلاخ المحرم من ~~السنة المذكورةوفي هذا الوقت وصل التونتاش الذي خرج من صرخد إلى الافرنج ~~بجهله وسخافة عقله إلى دمشق من بلاد الافرنج بغير أمان ولا تقرير استئذان ~~توهما منه أنه يكرم ويصطنع بعد الاساءة القبيحة والارتداد عن الاسلام ~~فاعتقل في الحال وطالبه أخوه خطلخ بما جناه عليه من سمل عينيه وعقد لهما ms309 ~~مجلس حضره القضاة والفقهاء وأوجبوا عليه القصاص فسمل كما سمل أخاه وأطلق ~~إلى دار له بدمشق فأقام بهاوفي ذي الحجة من سنة 41 ورد الخبر بأن السلطان ~~شاهنشاه مسعودا عمل رأيه وتدبيره على تطييب نفس الأمير عباس فسكن إلى ذلك ~~بعد التوثقة بالأيمان المؤكدة والعهود المشددة ووصل إليه إلى بغداد ساكنا ~~إلى ما كان تأكد من ايمانه على نفسه وجماعته وكان السلطان قد تمكن في نفسه ~~من الرعب منه والخوف على عسكره من قوة شوكته ومشهور هيبته وكثرة عدده وعدته ~~ما لم يمكنه ترك الفرصة فيه وقد أمكنت والغرة قد تسهلت وتيسرت فرتب له ~~جماعة للفتك به عند دخوله عليه فعوجل عليه بالقتل ونهبت خزائن أمواله ~~وآلاته وكراعه وامتلأت أيدي جماعة من نهبها وتفرق عسكره في البلاد ~~والأعمال. وكان له الذكر الحسن والفعل المستحسن والأجر الوافر والمدح ~~السائر بما كان له في مجاهرة أحزاب الباطنية والفتك بهم والقمع لهم والحصر ~~في معاقلهم والكف لشرهم ولكن الأقدار لا تغالب والأقضية لا تدافعوأما أخبار ~~المغرب والحوادث فيه فلم تسكن النفس إلى إثبات شيء من طوائح أخباره وما ~~يؤخذ من أفواه تجاره. وقد أفردت من أحوال الخوارج فيه والفتن المتصلة بين ~~أهليه من الحروب المتصلة وسفك الدماء ما لا تثق النفس به لاختلاف الروايات ~~وتباين الحكايات. وكان PageV01P176 قد ورد من فقهاء المغاربة من وثقت النفس ~~بما أورده وسكنت إلى ما شرحه وعدده وحضرت كتب من أهل المغرب إلى أقاربهم ~~ببعض الشرح ووافق ورود ذلك في سنة 541 بالتواريخ المتقدمة والحكايات ~~المختلفة فرأيت ذكر ذلك وشرحه في هذا المكان. فمن ذلك ظهور المعروف بالفقيه ~~السوسي الخارج بالمغرب وما آل إليه أمره إلى أن هلك ومن قام بعده واستمر ~~على مذهبه وما اعتمده من الفساد وسفك الدماء ومخالفة الشريعة الاسلامية. ~~ومبدأ ذلك على ما حكي ظهور المعروف بالفقيه أبي محمد ابن تومرت من جبل ~~السوس ومولده به وأصله مصمودي وكان غاية في التفقه والدين مشهورا بالورع ~~والزهد وكان قد سافر إلى العراق وجال في تلك ms310 الأعمال ومهر في المناظرة ~~والجدال واجتمع بايمة الفقهاء وأخذ عنهم وسمع منهم وعاد إلى ناحية مصر وما ~~والاها واجتمع مع علمائها وقرأ عليهم ثم عاد إلى المغرب ودعا إلى مذهب ~~الفكر. وابتداء ظهوره في سنة 512 في مدينة تعرف بدرن في جبل أوله في البحر ~~المحيط وآخره في بحر الاسكندرية في رأس أوثان وغلب على جبل السوس واجتمع ~~إليه خلق كثير من قبائل المصامدة بجبل درن وقيل إنه وصل إلى المهدية وأمر ~~أهلها أن يبنوا قصرا على نية الفكرة وأن يعبدوا الله فيه بالفكرة فاجتمع ~~مشايخ أهل المهدية وفقهاؤها وعزموا على بناء ما أمرهم به والعبادة لله ~~تعالى فيه فقام رجل من كبار الفقهاء وقال: نقيم ما أقمنا بالمهدية ويجيء ~~إليكم رجل بربري مصمودي يأمركم بالعبادة بالفكرة فتجيبون إلى ما أمركم به ~~وتسارعون إلى قبول ما ذكره لكم. وأنكر هذا الأمر إنكارا شديدا حتى عادوا ~~عنه وأبطلوه واقتضت هذه الحال خروج الخارجي من المهدية إذ لم يتم له فيها ~~أمر ولا بلغ غرضاوقصد بلدا في الغرب يعرف ببجاية في أيدي بني حماد بن ~~صنهاجة وشرع في الانكار على أهله شرب الخمور وجعل يكسر الأواني إلى أن منع ~~من شربها وساعده على ذلك ابن حمدون مقدم هذا البلد حمل إليه مالا فامتنع من ~~أخذه وتعفف عنه لما أظهره من الزهد في الدنيا والتفقه والورع. ثم خرج من ~~هذا البلد وقصد مدينة أغمات فأظهر فيها الزهد وتدريس الفقه وصار معه من ~~أتباعه تقدير أربعمائة رجل من المصامدة ثم ارتفع أمره وظهر شره واتصل خبره ~~إلى الأمير ابن يوسف بن تاشفين وما هو عليه وما يظهره ويطلقه من إباحة دمه ~~ودم أصحابه وأهل مملكته فاستدعاه الأمير المذكور إلى حضرته وجمع له وجوه ~~الفقهاء والمقدمين إلى مجلس حفل ووقع الاختيار من الجماعة على فقيه يعرف ~~بأبي عبد الله محمد بن مالك بن وهب الأندلسي لمناظرته فناظره في هذا المحفل ~~فاستظهر عليه في المناظرة وقهره وغلبه فقال الخارجي السوسي المناظر له: ~~انظرني. فأجابه إلى ما ms311 طلب ثم قال لابن يوسف بن تاشفين المقدم: ينبغي أن ~~يأمر الأمير بحبس هذا المفتن لكشف سره ويحقق أمره ويظهر لكافة المسلمين صحة ~~خبره فإنه لا يريد غير الدنيا والسلطنة والفساد في الأرض وقتل النفوس. فما ~~حفل بكلامه ولا أصغى إلى إشارته وتغافل عنه للأمر المقضي وأعان هذا الخارجي ~~قوم من المقدمين على مرامه وحامى عنهثم عاد إلى السوس إلى جبل درن وكان ~~يقول للناس: كلما قربتم من المرابطين وملتم إليهم كانوا مطاياكم إلى الجنة ~~لأنهم حماة الدين والذابون عن المسلمين. ثم حمل المرابطين والملثمين وقد ~~مال معه منهم الخلق الكثير والجم الغفير على محاربة الأمير علي بن يوسف ابن ~~تاشفين وجمع عليه وحشد وقويت نفسه ونفوس من معه على اللقاء ومعهم أصحاب ~~القوة والبسالة وشدة البأس والشجاعة ونشبت الحرب بين الفريقين وأريقت ~~الدماء بين الجهتين ولم تزل رحى الحرب دائرة بينهم إلى أن كان بينهم في عدة ~~سنين متوالية أربعة مصافات هائلة منكرة قتل فيها من الفريقين ما قدر وحزر ~~تقدير مائتي ألف نفس ولم تزل الحرب على ذلك مستمرة على هذه القضية الشنيعة ~~والصفة الفظيعة إلى أن أهلكه الله تعالى بمدينة درن في سنة 522. وخلف جماعة ~~من تلامذته وأصحابه سلكوا سبيله وبنوا على بنائه وسلكوا مذهبه في الفساد ~~وتولد بينهم مذهب سموه تكفير الذنب هذا ما أورده وحكاه وشاهده واستقصاه ~~الفقيه أبو عبد الله محمد ابن عبد الجبار الصقلي باملائه من لسانه ورد من ~~فقهاء المغاربة من وثقت النفس بما أورده وسكنت إلى ما شرحه وعدده وحضرت كتب ~~من أهل المغرب إلى أقاربهم ببعض الشرح ووافق ورود ذلك في سنة 541 بالتواريخ ~~المتقدمة والحكايات المختلفة فرأيت ذكر ذلك وشرحه في هذا المكان. فمن ذلك ~~ظهور المعروف بالفقيه السوسي الخارج بالمغرب وما آل إليه أمره إلى أن هلك ~~ومن قام بعده واستمر على مذهبه وما اعتمده من الفساد وسفك الدماء ومخالفة ~~الشريعة الاسلامية. ومبدأ ذلك على ما حكي ظهور المعروف بالفقيه أبي محمد ~~ابن تومرت من جبل السوس ومولده ms312 به وأصله مصمودي وكان غاية في التفقه والدين ~~مشهورا بالورع والزهد وكان قد سافر إلى العراق وجال في تلك الأعمال ومهر في ~~المناظرة والجدال واجتمع بايمة الفقهاء وأخذ عنهم وسمع منهم وعاد إلى ناحية ~~مصر وما والاها واجتمع مع علمائها وقرأ عليهم ثم عاد إلى المغرب ودعا إلى ~~مذهب الفكر. وابتداء ظهوره في سنة 512 في مدينة تعرف بدرن في جبل أوله في ~~البحر المحيط وآخره في بحر الاسكندرية في رأس أوثان وغلب على جبل السوس ~~واجتمع إليه خلق كثير من قبائل المصامدة بجبل درن وقيل إنه وصل إلى المهدية ~~وأمر أهلها أن يبنوا قصرا على نية الفكرة وأن يعبدوا الله فيه بالفكرة ~~فاجتمع مشايخ أهل المهدية وفقهاؤها وعزموا على بناء ما أمرهم به والعبادة ~~لله تعالى فيه فقام رجل من كبار الفقهاء وقال: نقيم ما أقمنا بالمهدية ~~ويجيء إليكم رجل بربري مصمودي يأمركم بالعبادة بالفكرة فتجيبون إلى ما ~~أمركم به وتسارعون إلى قبول ما ذكره لكم. وأنكر هذا الأمر إنكارا شديدا حتى ~~عادوا عنه وأبطلوه واقتضت هذه الحال خروج الخارجي من المهدية إذ لم يتم له ~~فيها أمر ولا بلغ غرضاوقصد بلدا في الغرب يعرف ببجاية في أيدي بني حماد بن ~~صنهاجة وشرع في الانكار على أهله شرب الخمور وجعل يكسر الأواني إلى أن منع ~~من شربها وساعده على ذلك ابن حمدون مقدم هذا البلد حمل إليه مالا فامتنع من ~~أخذه وتعفف عنه لما أظهره من الزهد في الدنيا والتفقه والورع. ثم خرج من ~~هذا البلد وقصد مدينة أغمات فأظهر فيها الزهد وتدريس الفقه وصار معه من ~~أتباعه تقدير أربعمائة رجل من المصامدة ثم ارتفع أمره وظهر شره واتصل خبره ~~إلى الأمير ابن يوسف بن تاشفين وما هو عليه وما يظهره ويطلقه من إباحة دمه ~~ودم أصحابه وأهل مملكته فاستدعاه الأمير المذكور إلى حضرته وجمع له وجوه ~~الفقهاء والمقدمين إلى مجلس حفل ووقع الاختيار من الجماعة على فقيه يعرف ~~بأبي عبد الله محمد بن مالك بن وهب الأندلسي لمناظرته ms313 فناظره في هذا المحفل ~~فاستظهر عليه في المناظرة وقهره وغلبه فقال الخارجي السوسي المناظر له: ~~انظرني. فأجابه إلى ما طلب ثم قال لابن يوسف بن تاشفين المقدم: ينبغي أن ~~يأمر الأمير بحبس هذا المفتن لكشف سره ويحقق أمره ويظهر لكافة المسلمين صحة ~~خبره فإنه لا يريد غير الدنيا والسلطنة والفساد في الأرض وقتل النفوس. فما ~~حفل بكلامه ولا أصغى إلى إشارته وتغافل عنه للأمر المقضي وأعان هذا الخارجي ~~قوم من المقدمين على مرامه وحامى عنهثم عاد إلى السوس إلى جبل درن وكان ~~يقول للناس: كلما قربتم من المرابطين وملتم إليهم كانوا مطاياكم إلى الجنة ~~لأنهم حماة الدين والذابون عن المسلمين. ثم حمل المرابطين والملثمين وقد ~~مال معه منهم الخلق الكثير والجم الغفير على محاربة الأمير علي بن يوسف ابن ~~تاشفين وجمع عليه وحشد وقويت نفسه ونفوس من معه على اللقاء ومعهم أصحاب ~~القوة والبسالة وشدة البأس والشجاعة ونشبت الحرب بين الفريقين وأريقت ~~الدماء بين الجهتين ولم تزل رحى الحرب دائرة بينهم إلى أن كان بينهم في عدة ~~سنين متوالية أربعة مصافات هائلة منكرة قتل فيها من الفريقين ما قدر وحزر ~~تقدير مائتي ألف نفس ولم تزل الحرب على ذلك مستمرة على هذه القضية الشنيعة ~~والصفة الفظيعة إلى أن أهلكه الله تعالى بمدينة درن في سنة 522. وخلف جماعة ~~من تلامذته وأصحابه سلكوا سبيله وبنوا على بنائه وسلكوا مذهبه في الفساد ~~وتولد بينهم مذهب سموه تكفير الذنب هذا ما أورده وحكاه وشاهده واستقصاه ~~الفقيه أبو عبد الله محمد ابن عبد الجبار الصقلي باملائه من لسانه 50 ~~PageV01P177 ثم تناصرت الأخبار بعد ذلك من ناحية المغرب بظهور أحد تلامذة ~~المذكور يعرف بالفقيه عبد المؤمن فلقب بالمهدي أمير المؤمنين وخليفة المهدي ~~إلى سبيل الموحدين واجتمع إليه مع من كان في حزبه من طوائف السوس والبربر ~~والمصامدة والمرابطين والملثمين ما لا يحصى له عدد ولا يدرك أمد وشرع في ~~سفك الدماء وافتتاح البلاد المغربية بالسيف والقتل لمن بها من الرجال ~~والحرم والأطفال ما شاعت به الأخبار ms314 وانتشر ذكره في سائر الأقطار. ووردت ~~مكاتبات السفار والتجار ومن جملتها كتاب وقفت عليه من هذا الخارجي ما نسخة ~~عنوانه: من أمير المؤمنين وخليفة المهدي إلى سبيل الموحدين إلى أهليه. بسم ~~الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين. أما بعد: يا ~~عضد الفجار وعباد الفساق الأشرار فقد كاتبناكم بالبنان وخاطبناكم بالبيان ~~حتى سار كالبدر واستمر مرور الدهر فلم تجيبوا ولا أطعتم بل تثاقلتم عن الحق ~~وعصيتم وإن الله سينتقم منكم لأوليائه نقمة من كان قبلكم من الأمم الجاحدة ~~والفرق المعاندة فانتظروا سيف الدم ينهلكم وحجارة المدر تدمغكم ثم لا يكون ~~لكم استرجاع ولا يقبل فيكم استشفاع وهذه خيل الله قد أظلتكم وبلها وطمى ~~عليكم سيلها فتأهبوا للموت والسلام على من اتبع الهدى هداه ولم يغلب عليه ~~هواه ورحمة الله وبركاته # سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة # في صفر منها عاد الحاجب محمود الكاتب من بغداد بجواب ما صدر على يده من ~~المكاتبات المعينة ومعه رسولا للخليفة والسلطان وعلى أيديهما التشريف برسم ~~ظهير الدين ومعينه ولبساه وظهرا فيه في يوم السبت الثامن عشر من ربيع الآخر ~~وأقاما أياما وعادا بجواب ما وصل معهما وورد الخبر عقيب ذلك من بغداد بأن ~~السلطان كان قد توجه منها بعد قتل الأمير عباس في العسكر إلى ناحية همذان ~~عند انتهاء الأخبار إليه بأن الأمير عباس وعسكره قد انضاف إلى الأمير بوز ~~به وصارا يدا واحدة في خلق عظيم وقصدا ناحية أصفهان ونزلا عليها وضايقاها ~~إلى أن أسلمت إلى بوزبه بأسباب اقتضت ذلك ولما حصل السلطان بظاهر همذان ~~تواصلت العساكر من كل جهة إليه وصار في خلق كثير ووردت الأخبار إلى بغداد ~~بأن السلطان لما كثف جمعه وقويت نفسه وقصد المذكورين وقصدوه وترتب المصاف ~~بينهم والتقى المصافات ومنح الله السلطان النصر عليهم وكسرهم وقتل بوز به ~~وابن عباس واستولى عسكر السلطان على الفل والسواد. وحكى الحاكي المشاهد ~~لهذه الوقعة في كتابه بشرحها ما ذكر فيه إن مبدأ الفتح إن السلطان كان في ~~مخيمه بباب همذان ms315 في تقدير ثلاثة آلاف فارس وبوزبه في عسكره على باب أصفهان ~~في خلق عظيم وإن بوزبه لما عرف ذلك طمع فيه ونهض في عسكره إليه وقطع مسافة ~~ثلاثين فرسخا في يوم وليلة ووصل إلى مكر بابكان وقد كلت الخيل ونزل هناك. ~~فلما عرف السلطان ذلك التجأ إلى بساتين همذان وجعلها ظهره مع جبلين هناك ~~ووصل إليه الأمير حيدر صاحب زنكان في ألف فارس ووصله الأمير اكز في خمسة ~~ألف فارس ووصله خاصبك بلنكى في اثني عشر ألفا قويت بهم شوكته ونهض إلى جهة ~~بوزبه عند ذلك وعبأ كل فريق منهما مصافه في يوم السبت من شهر ..... منذ ~~غداته إلى وقت العصر منه وكسرت الميمنة السلطانية وفيها الأمير جندار ~~والميسرة فيها الأمير تبر وبقي السلطان في القلب وعرف إن بوزبه يقصده فقال ~~للأمير جندار: أنا المطلوب أقم أنت مكاني تحت الشمسة فإن بوزبه يطلبها ~~لقصدي. ففعل ونهض السلطان في جملة وافرة من العسكر وجاء من وراء عسكر بوزبه ~~وحمل بوزبه وقصد مكان السلطان تحت الشمسة فلما قرب بوزبه في جملته من ~~الشمسة كبا به جواده وسقط إلى الأرض فانفل عسكره وأدركته الخيل فأخذ هو ~~وخواصه وابن عباس ووزير بوزبه يقال له صدر الدين ابن الخوجندي وكان قد أعلن ~~بوزبه على تسلم أصفهان فجازاه على ذلك باستيزاره وفي يوم الخميس الحادي ~~والعشرين من شهر ربيع الآخر وصل رسول مصر إلى دمشق بما صحبه من تشريف وقود ~~ومال برسم ظهير الدين ومعينه على جاري الرسم في مثل ذلك. وفي ليلة الجمعة ~~الثالث من شهر ربيع الأول من السنة توفي الفقيه شيخ الاسلام أبو الفتح نصر ~~الله بن محمد بن عبد القوي المصيصي بدمشق رحمه الله وكان بقية الفقهاء ~~المقيمين على مذهب الشافعي رحمه الله ولم يخلف مثله بعده PageV01P178 وفي ~~جمادى الآخرة منها تقررت ولاية حصن صرخد للأمير مجاهد الدين بزان بن مامين ~~على مبلغ من المال والغلة وشروط وإيمان دخل فيها وقام بها وتوجه إليه وحصل ~~به في النصف من الشهر المذكور واستبشر ms316 من بتلك الناحية من حصوله فيه لما هو ~~عليه من حب الخير والصلاح والتدين والعفاف عقيب من كان قبله ممن لا يدين ~~الله بدين ولا صلاة ولا انصاف ولا نزاهة نفس ولا جميل فعل وفي هذه السنة ~~وردت الأخبار من ناحية مصر بأن رضوان بن ولخشي المنعوت كان بالأفضل وزير ~~صاحب مصر الذي كان معتقلا بالقصر وقد تقدم ذكره فيما مضى نقب من المكان ~~الذي كان فيه إلى مكان ظاهر القصر نقبا يكون تقدير طوله أربعون ذراعا ~~واجتمع إليه خلق كثير من العسكرية ممن كان يهواه ويتوالاه في العشر الأخير ~~من ذي القعدة سنة 42 وإنه راسل سلطان مصر يلتمس منه إعادته إلى منصبه ~~وإخراج المال لينفق على العسكرية والأجناد فعاد الجواب إليه بالوعد ~~بالاجابة على سبيل المغالطة والمدافعة إلى حين دبر الأمر عليه ورتب له من ~~الرجال الأجلاد وأبطال الأجناد والأنجاد من هجم عليه في مكانه ومجتمع ~~أعوانه فقتل وقتل معه من دنا منه وتابعه وورد بشرح قصته السجل من سلطان مصر ~~إلى ثغر عسقلان وقرئ على منبرها ومضمونه: بسم الله الرحمن الرحيم ..... وفي ~~يوم الخميس الحادي والعشرين من شوال سنة 42 وهو مستهل نيسان أظلم الجو ونزل ~~غيث ساكن ثم أظلمت الأرض في وقت صلاة العصر ظلاما شديدا بحيث كان ذلك ~~كالغدرة بين العشايين وبقيت السماء في عين الناظر إليها كصفورة الورس وكذلك ~~الجبال وأشجار الغوطة وكل ما ينظر إليه من حيوان وجماد ونبات. ثم جاء في ~~أثر ذلك من الرعد القاصف والبرق الخاطف والهدات المزعجة والزحفات المفزعة ~~ما ارتاع لها الشيب والشبان فكيف الولدان والنسوان وقلقت لذلك الخيول في ~~مرابطها وأجفلت من هولها وبقي الأمر على هذه الحال إلى حين وقت العشاء ~~الآخرة ثم سكن ذلك بقدرة الله تعالى وأصبح الناس غد ذلك اليوم ينظرون في ~~أعقاب ذلك المطر فإذا على الأرض والأشجار وسائر النبات غبار في رقة الهواء ~~بين البياض والغبرة بحيث يكون إذا جرد عنها الشيء الكثير ويلوح فيه بريق لا ~~يدرى ما لونه ولا ms317 جسمه من نعومته فعجب الناس من هذه القدرة التي لا يعلم ما ~~أصلها ولا شبيه لها بل نزلت في جملة المطر ممتزجة به كامتزاج الماء بالماء ~~والهواء بالهواء وفي هذه السنة تواصلت الأخبار من ناحية القسطنطينية وبلاد ~~الافرنج والروم وما والاها بظهور ملك الافرنج من بلادهم منهم المان والفنش ~~وجماعة من كبارهم في العدد الذي لا يحصر والعدد التي لا تحزر لقصد بلاد ~~الاسلام بعد أن نادوا في سائر بلادهم ومعقلهم بالنفير إليها والاسراع نحوها ~~وتخلية بلادهم وأعمالهم خالية سافرة من حماتها والحفظة لها واستصحبوا من ~~أموالهم وذخائرهم وعددهم الشيء الكثير الذي لا يحصى بحيث يقال إن عدتهم ألف ~~ألف عنان من الرجالة والفرسان وقيل أكثر من ذلك وغلبوا على أعمال ~~القسطنطينية واحتاج ملكها إلى الدخول في مداراتهم ومسالمتهم والنزول على ~~أحكامهم. وحين شاع خبرهم واشتهر أمرهم شرعت ولاة الأعمال المصاقبة لهم ~~والأطراف الاسلامية القريبة منهم في التأهب للمدافعة لهم والاحتشاد على ~~المجاهدة فيهم وقصدوا منافذهم ودروب معابرهم التي تمنعهم من العبور والنفوذ ~~إلى بلاد الاسلام وواصلوا شن الغارات على أطرافهم واشتجر القتل فيهم والفتك ~~بهم إلى أن هلك منهم العدد الكثير وحل بهم من عدم القوت والعلوفات والمير ~~وغلاء السعر إذا وجد ما أفنى الكثير منهم بموت الجوع والمرض ولم تزل ~~أخبارهم تتواصل بهلاكهم وفناء أعدادهم إلى أواخر سنة 542 بحيث سكنت النفوس ~~بعض السكون وركنت إلى فساد أحوالهم بعض الركون وخف ما كان من الانزعاج ~~والفرق مع تواصل أخبارهم # ثم دخلت # سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة PageV01P179 وأولها يوم الجمعة الحادي وعشرين ~~من أيار والشمس في الجوزاء. وفي أوائلها تواترت الأخبار من سائر الجهات ~~بوصول مراكب الافرنج المقدم ذكرهم إلى ساحل البحر وحصولهم على سواحل الثغور ~~الساحلية صور وعكا واجماعهم مع من كان بها من الافرنج ويقال إنهم بعد ما ~~فني منهم بالقتل والمرض والجوع تقدير مائة ألف عنان وقصدوا بيت المقدس ~~وقضوا مفروض حجهم وعاد بعد ذلك من عاد إلى بلادهم في البحر. وقد هلك منهم ~~بالموت والمرض الخلق ms318 العظيم وهلك من ملوكهم من هلك وبقي المان أكبر ملوكهم ~~ومن هو دونه واختلفت الآراء بينهم فيما يقصدون منازلته من البلاد الاسلامية ~~والأعمال الشامية إلى أن استقرت الحال بينهم على منازلة مدينة دمشق وحدثتهم ~~نفوسهم الخبيثة بملكتها وتبايعوا ضياعها وجهاتها. وتواصلت الأخبار بذلك ~~وشرع متولي أمرها الأمير معين الدين أنر في التأهب والاستعداد لحربهم ورفع ~~شرهم وتحصين ما يخشى من الجهات وترتيب الرجال في المسالك والمنافذ وقطع ~~مجاري الميرة إلى منازلهم وطم الآبار وعفى المناهل وصرفوا أعنتهم إلى ناحية ~~دمشق في حشدهم وحدهم وحديدهم في الخلق الكثير على ما يقال تقدير الخمسين ~~ألف من الخيل والرجل ومعهم من السواد والجمال والأبقار ما كثروا به العدد ~~الكثير ودنوا من البلد وقصدوا المنزل المعروف بمنازل العساكر فصادفوا الماء ~~معدوما فيه مقطوعا عنه فقصدوا ناحية المزة فخيموا عليها لقربها من الماء ~~وزحفوا إليه بخيلهم ورجلهم. ووقف المسلمون بإزائهم في يوم السبت السادس من ~~شهر ربيع الأول سنة 43 ونشبت الحرب بين الفريقين واجتمع عليهم من الأجناد ~~والأتراك القتال وأحداث البلد والمطوعة والغزاة الجم الغفير واشتجر القتل ~~بينهم واستظهر الكفار على المسلمين بكثرة الأعداد والعدد وغلبوا على الماء ~~وانتشروا في البساتين وخيموا فيها وقربوا من البلد وحصلوا منه بمكان لم ~~يتمكن أحد من العساكر قديما ولا حديثا منه. واستشهد في هذا اليوم الفقيه ~~الامام يوسف الفندلاوي المالكي رحمه الله قريب الربوة على الماء لوقوفه في ~~وجوههم وترك الرجوع عنهم اتباعا لأوامر الله تعالى في كتابه الكريم وكذلك ~~عبد الرحمن الحلحولي الزاهد رحمه الله جرى أمره هذا المجرى وشرعوا في قطع ~~الأشجار والتحصين بها وهدم القناطر وباتوا تلك الليلة على هذه الحال وقد ~~لحق الناس من الارتياع لهول ما شاهدوه والروع بما عاينوه ما ضعفت به القلوب ~~وحرجت معه الصدور وباكروا الظهور إليهم في غد ذلك اليوم وهو يوم الأحد ~~تاليه وزحفوا إليهم ووقع الطراد بينهم واستظهر المسلمون عليهم وأكثروا ~~القتل والجراح فيهم. وأبلى الأمير معين الدين في حربهم بلاء حسنا وظهر من ~~شجاعته وصبره ms319 وبسالته ما لم يشاهد في غيره بحيث لا يني في ذيادتهم ولا يفثئ ~~عن جهادهم ولم تزل رحى الحرب دائرة بينهم وخيل الكفار محجمة عن الحملة ~~المعروفة لهم إلى أن تتهيأ الفرصة لهم إلى أن مالت الشمس إلى الغروب وأقبل ~~الليل وطلبت النفوس الراحة وعاد كل منهم إلى مكانه وبات الجند بإزائهم وأهل ~~البلد على أسوارهم للحرس والاحتياط وهم يشاهدون أعداءهم بالقرب منهم وكانت ~~المكاتبات قد نفذت إلى ولاة الأطراف بالاستصراخ والاستنجاد وحصلت خيل ~~التركمان تتواصل ورجالة الأطراف تتتابع وباكرهم المسلمون وقد قويت نفوسهم ~~وزال روعهم وثبتوا بإزائهم وأطلقوا فيهم السهام ونبل الجرح بحيث تتبع في ~~مخيمهم في راجل أو فارس أو فرس أو جمل PageV01P180 ووصل في هذا اليوم من ~~ناحية البقاع وغيرها رجالة كثيرة من الرماة فزادت بهم العدة وتضاعفت العدة ~~وانفصل كل فريق إلى مستقره هذا اليوم وباكروهم من غده يوم الثلاثاء كالبزاة ~~إلى تعاقيب الجبل والشواهين إلى مطار الحجل وأحاطوا بهم في مخيمهم وحول ~~مجثمهم وقد تحصنوا بأشجار البساتين وأفسدوها رشقا بالنشاب وحذفا بالأحجار. ~~وقد أحجموا عن البروز وخافوا وفشلوا ولم يظهر منهم أحد وظن بهم إنهم يعملون ~~مكيدة ويدبرون حيلة ولم يظهر منهم إلا النفر اليسير من الخيل والرجل على ~~سبيل المكاردة والمناوشة خوفا من المهاجنة إلى أن يجدوا لحملتهم مجالا أو ~~يجدون لفرهم احتيالا وليس يدنو منهم أحد إلا صرع برشقة أو طعنة وطمع فيهم ~~نفر كثير من رجالة الأحداث والضياع وجعلوا يرصدونهم في المسالك وقد انثنوا ~~فيقتلون من ظفروا به ويحضرون رؤوسهم لطلب الجوائز عنها وحصل من رؤوسهم ~~العدد الكثير وتواترت إليهم أخبار العساكر الاسلامية بالخفوف إلى جهادهم ~~والمسارعة إلى استئصالهم فأيقنوا بالهلاك والبوار وحلول الدمار واعملوا ~~الآراء بينهم فلم يجدوا لنفوسهم خلاصا من الشبكة التي حضلوا فيها والهوة ~~التي ألقوا بنفوسهم إليها غير الرحيل سحرا يوم الأربعاء المتالي مجفلين ~~والهرب مخذولين مفلولين. وحين عرف المسلمون ذلك وبانت لهم آثارهم في الرحيل ~~برزوا لهم في بكرة هذا اليوم وسارعوا نحوهم في آثارهم بالسهام بحيث ms320 قتلوا ~~في أعقابهم من الرجال والخيول والدواب العدد الكثير ووجد في آثار منازلهم ~~وطرقاتهم من دفائن قتلاهم وفاخر خيولهم ما لا عدد له ولا حصر يلحقه بحيث ~~لها أرائح من جيفهم تكاد تصرع الطيور في الجو وكانوا قد أحرقوا الربوة ~~والقبة الممدودة في تلك الليلة واستبشر الناس بهذه النعمة التي أسبغها الله ~~عليهم وأكثروا من الشكر له تعالى ما أولاهم من إجابة دعائهم الذي واصلوه في ~~أيام هذه الشدة فلله على ذلك الحمد والشكر واتفق عقيب هذه الرحمة اجتماع ~~معين الدين مع نور الدين صاحب حلب عند قربه من دمشق للانجاد لها في أواخر ~~شهر ربيع الآخر من السنة وإنهما قصدا الحصن المجاور لطرابلس المعروف ...... ~~وفيه ولد الملك الفنش أحد ملوك الافرنج المقدم ذكرهم كان هلك بناحية عكا ~~ومعه والدته وجماعة وافرة من خواصه وأبطاله ووجوه رجاله فأحاطوا به وهجموا ~~عليه وقد كان وصل إلى العسكرين النوري والمعيني فريقة تناهز الألف فارس من ~~عسكر سيف الدين غازي بن أتابك ونشبت الحرب بينهم فقتل أكثر من كان فيه وأسر ~~وأخذ ولد الملك المذكور وأمه ونهب ما فيه من العدد والخيول والأثاث وعاد ~~عسكر سيف الدين إلى مخيمه بحمص ونور الدين عائدا إلى حلب ومعه ولد الملك ~~وأمه ومن أسر معهما وانكفأ معين الدين إلى دمشق وقد كان ورد إلى دمشق ~~الشريف الأمير شمس الدين ناصح الاسلام أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبيد ~~الله الحسيني النقيب من ناحية سيف الدين غازي بن أتابك لأنه كان قد ندب ~~رسولا من الخلافة إلى سائر الولاة وطوائف التركمان لبعثهم على نصرة ~~المسلمين ومجاهدة المشركين وكان ذلك السبب في خوف الافرنج من تواصل الامداد ~~إليهم والاجتماع عليهم ورحيلهم على القضية المشروحة. وهذا الشريف المذكور ~~في بيت كبير في الشرف والفضل والأدب وأخوه ضياء الدين نقيب الأشراف في ~~الموصل مشهور بالعلم والأدب والفهم وكذا ابن عمه الشريف نقيب العلويين ~~ببغداد وابن عمه نقيب خراسان وأقام بدمشق ما أقام وظهر من حسن تأتيته في ~~مقاصده وسداده ms321 في مصادره وموارده ما أحرز به جميل الذكر ووافر الشكر وعاد ~~منكفئا إلى بغداد بجواب ما وصل فيه يوم الأربعاء الحادي عشر من رجب سنة 43 ~~وفي رجب في هذه السنة ورد الخبر من ناحية حلب بأن صاحبها نور الدين أتابك ~~أمر بإبطال حي على خير العمل في أواخر تأذين الغداة والتظاهر بسب الصحابة ~~رضي الله عنهم وأنكر ذلك انكارا شديدا وحظر المعاودة إلى شيء من هذا المنكر ~~وساعده على ذلك الفقيه الامام برهان الدين أبو الحسن علي الحنفي وجماعة من ~~السنة بحلب وعظم هذا الأمر على الاسماعيلية وأهل الشيع وضاقت له صدورهم ~~وهاجوا له وماجوا ثم سكنوا وأحجموا بالخوف من السطوة النورية المشهورة ~~والهيبة المحذورة PageV01P181 وفي رجب من هذه السنة أذن لمن يتعانى الوعظ ~~بالتكلم في الجامع المعمور بدمشق على جاري العادة والرسم فبدأ من اختلافهم ~~في أحوالهم وأعراضهم والخوض فيما لا حاجة إليه من المذاهب ما أوجب صرفهم عن ~~هذه الحال وإبطال الوعظ لما يتوجه معه من الفساد وطمع سفهاء الأوغاد وذلك ~~في أواخر شعبان منها وفي جمادى الآخرة منها وردت الأخبار من بغداد باضطراب ~~الأحوال فيها وظهور العيث والفساد في نواحيها وضواحيها وأن الأمير بازبه ~~والأمير قيس والأمير علي بن دبيس بن صدقة اجتمعوا وتوافقوا في تقدير خمسة ~~آلاف فارس ووصلوا إلى بغداد على حين غفلة من أهلها وهجموها وحصلوا بدار ~~السلطان وتناهوا في الفساد والعناد بحيث وقعت الحرب بينهم وقتل من النظار ~~وغيرهم نحو خمسمائة إنسان في الطرقات وأن أمير المؤمنين المقتفي لأمر الله ~~رتب الأجناد والعسكرية بازائهم بحيث هزموهم وأخرجوهم من بغداد وطلبوا ناحية ~~النهروان وتناهوا في العيث والافساد في الأعمال والاستيلاء على الغلال وخرج ~~أمر الخلافة بالشروع في عمارة سور بغداد وحفر الخنادق وتحصينها والزام ~~الأماثل والتناء والتجار وعيان الرعايا القيام بما ينفق على العمارات من ~~أموالهم على سبيل القرض والمعونة ولحق الناس من ذلك المشقة والكلفة ~~المؤلمة. وذكر أن السلطان ركن الدين مسعود مقيم بهمذان وأن أمره قد ضعف عما ~~كان والأقوات قد ms322 قلت والسعر قد غلا والفتن قد ثارت والفساد في الأعمال قد ~~انتشر وأن العدوان في أعمال خراسان قد زاد وظهر والفناء قد كثر وفي هذه ~~السنة وردت الأخبار من ديار مصر بظهور بعض أولاد نزار واجتمع إليه خلق كثير ~~من المغاربة وكتامة وغيرهم وقربوا من الاسكندرية في عالم عظيم وأن إمام مصر ~~الحافظ انهض إليهم العساكر المصرية ونشبت الحرب بينهم وقتل من الفريقين ~~العدد الكثير من الفرسان والرجالة وكان الظهور العساكر الحافظية على ~~النزارية بحيث هزموهم وأثخنوا القتل فيهم وأجلت الوقعة عن قتل ولد نزار ~~المقدم ومعه جماعة من خواصه وأسبابه وانهزم من ثبطه الأجل وأطار قلبه الوجل ~~وخمدت عقيب هذه النوبة الثائرة وزالت تلك الفتنة الثائرة وسكنت النفوس وزال ~~عن مصر الخوف والبؤس ووردت الأخبار في رجب منها من ناحية حلب بأن نور الدين ~~صاحبها كان قد توجه في عسكره إلى ناحية الأعمال الافرنجية وظفر بعدة وافرة ~~من الافرنج وأن صاحب أنطاكية جمع الافرنج فصده على حين غفلة منه فنال من ~~عسكره وأثقاله وكراعه ما أوجبته الأقدار النازلة وانهزم بنفسه وعسكره وعاد ~~إلى حلب سالما في عسكره لم يفقد منه إلا النفر اليسير بعد قتل جماعة وافرة ~~من الافرنج وأقام بحلب أياما بحيث جدد ما ذهب له من البرك وما يحتاج إليه ~~من آلات العسكر وعاد إلى منزله وقيل لم يعد PageV01P182 وكان الغيث أمسك عن ~~الأعمال الحورانية والغوطية والبقاعية بحيث امتنع الناس من الفلاحة ~~والزراعة وقنطوا ويئسوا من نزول الغيث فلما كان في أيام من شعبان في نوء ~~الهنعة أرسل الله تعالى وله الحمد والشكر على الأعمال من الأمطار المتداركة ~~ما رويت به الأراضي والآكام والوهاد وانشرحت الصدور ولحقوا معه أوان ~~الزراعة فاستكثروا منها وزادوا في الفلاحة والعمارة وذلك في شعبانوقد كان ~~تقدم من شرح نوبة قتل برق بن جندل التميمي بيد الاسماعيلية وجمع أخيه ضحاك ~~بن جندل لبني عمه وأسرته وقومه ورجاله وكبسه لجماعة خصومه وقتلهم مع رأس ~~طغيانهم بهرام الداعي ما قد شرح في موضعه من هذا ms323 التاريخ وعرف وورد الخبر ~~في شعبان من هذه السنة بأن المذكورين ندبوا لقتل ضحاك المذكور رجلين أحدهما ~~قواسا والآخر نشابا فوصلا إليه وتقربا بصنعتهما إليه وأقاما عنده برهة من ~~الزمان طويلة إلى أن وجدوا فيه الفرصة متسهلة وذاك أن ضحاك بن جندل كان ~~راكبا مسيرا حول ضيعة له تعرف ببيت لهيا من وادي التيم فلما عاد عنها وافق ~~اجتيازه بمنزل هذين المفسدين فلقياه وسألاه النزول عندهما للراحة وألحا ~~عليه في السؤال فنزل والقدر منازلة والبلاء معادلة فلما جلس أتياه بمأكول ~~حضرهما فحين شرع في الأكل مع الخلوة وثبا عليه فقتلاه وأجفلا فأدركهما ~~رجاله فأخذوهما وأتوا بهما إلى ضحاك وقد بقي فيه رمق فلما رآهما أمر بقتلها ~~بحيث شاهدهما ثم فاضت نفسه في الحال وقام مقامه ولده من أمارة وادي التيم ~~وبهذا الشرح وصل كتابه وعلى هيئته أوردتهوفي ذي الحجة ورد الخبر من ناحية ~~بغداد بوفاة القاضي قاضي القضاة الأكمل فخر الدين عز الاسلام أبي القسم علي ~~بن الحسين بن محمد الزينبي رحمه الله بيوم النحر من سنة 543 وصلى عليه ~~الامام المقتفي لأمر الله أمير المؤمنين وصلى عليه بعده نقيب النقباء ودفن ~~على والده نور الهدى في تربة الامام أبي حنيفة رحمه الله وولي أمر القضاء ~~بعده القاضي أبو الحسن علي بن الدامغاني # ودخلت # سنة أربع وأربعين وخمسمائة # وأولها يوم الأربعاء الحادي عشر من أيار. قد كان كثر الفساد الافرنج ~~المقيمين بصور وعكا والثغور الساحلية بعد رحيلهم عن دمشق وفساد شرائط ~~الهدنة المستقرة بين معين الدين وبينهم بحيث شرعوا في الفساد في الأعمال ~~الدمشقية فاقتضت الحال نهوض الأمير معين الدين في العسكر الدمشقي إلى ~~أعمالها مغيرا عليها وعائثا فيها وخيم في ناحية حوران بالعسكر وكاتب العرب ~~في أواخر سنة 543 ولم يزل مواصلا للغارات وشنها على بلادهم وأطرافهم مع ~~الأيام وتقضيها والساعات وتصرمها واستدعاء جماعة وافرة من التركمان وأطلق ~~أيديهم في نهب أعمالهم والفتك بمن يظفر به في أطرافهم الحرامية وأهل الفساد ~~والأخراب ولم يزل على هذه القضية لهم محاصرا ms324 وعلى النكاية فيهم والمضايقة ~~لهم مصابرا إلى أن ألجأهم إلى طلب المصالحة وتجديد عقد المهادنة والمسامحة ~~ببعض المقاطعة وترددت المراسلات في تقرير هذا الأمر واحكام مشروطه وأخذ ~~الأيمان بالوفاء بشروطه في المحرم سنة 544 وتقررت حال الموادعة مدة سنتين ~~ووقعت الايمان على ذلك وزال الخلف واطمأنت النفوس من أهل العملين بذلك ~~وسكنت إلى تمامه وسرت بأحكامه ووافق ذلك تواصل كتب نور الدين صاحب حلب إلى ~~معين الدين يعلمه أن صاحب أنطاكية جمع افرنج بلاده وظهر يطلب بهم الافساد ~~في الأعمال الحلبية وأنه قد برز في عسكره إلى ظاهر حلب للقائه وكف شره عن ~~الأعمال وأن الحاجة ماسة إلى معاضدته بمسيره بنفسه وعسكره إليه ليتفقا ~~بالعسكرين عليه. فاقتضت الحال أن ندب الأمير معين الدين الأمير مجاهد الدين ~~بزان بن مامين في فريق وافر من العسكر الدمشقي للمصير إلى جهته وبذل ~~المجهود في طاعته ومناصحته وتوجه في يوم..... من العشر الأول من صفر من ~~السنة وبقي معين الدين في باقي العسكر بناحية حوران لايناس حال العرب وحفظ ~~أطرافهم وتطييب نفوسهم لنقل الغلال عن جمالهم إلى دمشق على جاري العادة ~~وحفظها والاحتياط عليها PageV01P183 وفي صفر من السنة وردت البشائر من جهة ~~نور الدين صاحب حلب بما أولاه الله وله الحمد من الظهور على حشد الافرنج ~~المخذول وجمعهم المفلول بحيث لم يفلت منهم إلا من خبر ببوارهم وتعجيل ~~دمارهم وذلك أن نور الدين لما اجتمع إليه ما استدعاه من خيل التركمان ~~والأطراف ومن وصل إليه من عسكر دمشق مع الأمير مجاهد الدين بزان قويت بذاك ~~نفسه واشتدت شوكته وكثف جمعه ورحل إلى ناحية الافرنج بعمل أنطاكية بحيث صار ~~عسكره يناهز الستة آلاف فارس مقاتلة سوى الاتباع والسواد والافرنج في زهاء ~~أربعمائة فارس طعانة وألف راجل مقاتلة سوى الاتباع. فلما حصلوا بالموضع ~~المعروف بإنب نهض نور الدين في العسكر المنصور نحوهم ولما وقعت العين حمل ~~الكفرة على المسلمين حملتهم المشهورة وتفرق المسلمون عليهم من عدة جهات ثم ~~أطبقوا عليهم واختلط الفريقان وانعقد العجاج عليهم وتحكمت ms325 سيوف الاسلام ~~فيهم ثم انقشع القتام وقد منح الله وله الحمد والشكر المسلمين النصر على ~~المشركين وقد صاروا على الصعيد مصرعين وبه مغفرين وبحربهم مخذولين بحيث لم ~~ينج منهم إلا النفر اليسير ممن ثبطه الأجل وأطار قلبه الوجل بحيث يخبرون ~~بهلاكهم واحتناكهم وشرع المسلمون في اسلابهم والاشتمال على سوادهم وامتلأت ~~الأيدي من غنائمهم وكراعهم. ووجد اللعين البلنس مقدمهم صريعا بين حماته ~~وابطاله فعرف وقطع رأسه وحمل إلى نور الدين فوصل حامله بأحسن صلة وكان هذا ~~اللعين من إبطال الافرنج المشهورين بالفروسية وشدة البأس وقوة الحيل وعظم ~~الخلقة مع اشتهار الهيبة وكبر السطوة والتناهي في الشر وذلك في يوم ~~الأربعاء الحادي والعشرين من صفر سنة 44 ثم نزل نور الدين في العسكر على ~~باب أنطاكية وقد خلت من حماتها والذابين عنها ولم يبق فيها غير أهلها مع ~~كثرة أعدادهم وحصانة بلدهم وترددت المراسلات بين نور الدين وبينهم في طلب ~~التسليم إلى نور الدين وإيمانهم وصيانة أحوالهم فوقع الاحتجاج منهم بأن هذا ~~الأمر لا يمكنهم الدخول فيه إلا بعد انقطاع أمالهم من الناصر لهم والمعين ~~على من يقصدهم فحملوا ما أمكنهم من التحف والمال واستمهلوا فأمهلوا وأجيبوا ~~إلى ما فيه سألوا ثم رتب بعض العسكر للاقامة عليها والمنع لمن يصل إليها ~~ونهض نور الدين في بقية العسكر إلى ناحية أفامية. وقد كان رتب الأمير صلاح ~~الدين في فريق وافر من العسكر لمنازلتها ومضايقتها ومحاربتها فحين علم من ~~فيها من المستحفظين هلاك الافرنج وانقطع أملهم من مواد الانجاد وأسباب ~~الاسعاد التمسوا الأمان فأمنوا على نفوسهم وسلموا البلد ووفى لهم بالشرط ~~فرتب فيها من رآه كافيا في حفظها والذب عنها وذلك في الثامن عشر من شهر ~~ربيع الأول من السنة وانكفأ نور الدين في عسكره إلى ناحية الساحل إلى صوب ~~أنطاكية لانجاد من بها وطلب نور الدين تسهل الفرصة في قصدهم للايقاع بهم ~~فأحجموا عن الاقدام على التقرب منه وتشاغلوا عنه واقتضت الحال مهادنة من في ~~أنطاكية وموادعتهم وتقرير أن يكون ما قرب من ms326 الأعمال الحلبية له ما قرب من ~~أنطاكية لهم. ورحل عنها إلى جهة غيرهم بحيث قد كان في هذه النوبة قد ملك ما ~~حول أنطاكية من الحصون والقلاع والمعاقل وغنم منها الغنائم الجمة وفصل عنه ~~الأمير مجاهد الدين بزان في العسكر الدمشقي وقد كان له في هذه الوقعة ولمن ~~في جملته البلاء المشهور والذكر المشكور لما هو موصوف به من الشهامة ~~والبسالة وأصالة الرأي والمعرفة بمواقف الحروف ووصل إلى دمشق سالما في نفسه ~~وجملته في يوم الثلاثاء رابع شهر ربيع الآخر من السنة. ومن لفظه وصفته هذا ~~الشرح معتمدا فيه على الاختصار دون الاكثار وفيه من تقويه أركان الدين ~~واذلال ما بقي من الكفرة الملحدين ما هو مشهور بين العباد وسائر البلاد ~~مشكور مذكور والله تعالى اسمه عليه المحمود المشكور PageV01P184 وقد مضى من ~~ذكر معين الدين أنر فيما كان أنهضه من عسكره إلى ناحية حلب لاعانة نور ~~الدين صاحبها على ملاقاة الافرنج المجتمعين من أنطاكية وأعمالها للافساد في ~~الأعمال الشامية وما منح الله تعالى وله الحمد من الظفر بهم والنصر عليهم ~~ما أغنى عن ذكر شيء منه. واتفق أن معين الدين فصل عن عسكره بحوران ووصل إلى ~~دمشق في أيام من آخر شهر ربيع الأول سنة 544 لأمر أوجب ذاك ودعا إليه وأمعن ~~في الأكل لعادة جرت له فلحقه عقيب ذلك انطلاق تمادى به وحمله اجتهاده فيما ~~يدبره على العود إلى العسكر بناحية حوران وهو على هذه الصفة من الانطلاق ~~وقد زاد به وضعفت قوته وتولد معه المرض المعروف بجوسنطريا وعمله في الكبد ~~وهو مخوف لا يكاد يسلم صاحبه منه وأرجف به وضعفت قوته فأوجبت الحال عوده ~~إلى دمشق في محفة لمداواته فوصل في يوم السبت السابع من شهر ربيع الآخر من ~~السنة فزاد به المرض والارجاف بموته وسقطت قوته وقضى نحبه في الليلة التي ~~صبيحتها يوم الاثنين الثالث والعشرين من ربيع الآخر من السنة ودفن في إيوان ~~الدار الأتابكية التي كان يسكنها ثم نقل بعد ذلك إلى المدرسة التي عمرها. ms327 ~~ولما دفن في قبره وفرغ من أمره اجتمع حسام الدين بلاق ومؤيد الدين الرئيس ~~ومجاهد الدين بزان وأعيان الأجناد في مجلس مجير الدين بالقلعة وإليه الأمر ~~والتقدم وتقررت الحال بينهم على ما اتفق من صلاح الحال وفي مستهل جمادى ~~الأولى من السنة توفي أبو عبد الله البسطامي المقري المصلي في مشهد زين ~~العابدين رحمه الله. وورد الخبر من ناحية الموصل بوفاة الأمير سيف الدين ~~غازي بن عماد الدين أتابك رحمه الله بعلة قولنجية دامت به في أوائل جمادى ~~الأولى من السنة وأنه قرر الأمر لأخيه مودود بن عماد الدين والنظر في أمره ~~للأمير علي كوجك والوزارة لجمال الدين وفي يوم الجمعة التاسع من رجب سنة ~~544 قرئ المنشور المنشأ عن مجير الدين بعد الصلاة على المنبر بإبطال الفيئة ~~المستخرجة من الرعية وإزالة حكمها وتعفير رسمها وإبطال دار الضرب فكثر دعاء ~~الناس له وشكرهم وحدث عقيب هذه الحال استيحاش مؤيد الدين الرئيس من مجير ~~الدين استيحاشا أوجب جمع من أمكنه من سفهاء الأحداث والغوغاء وحملة السلاح ~~من الجهلة العوام وترتيبهم حول داره ودار أخيه زين الدولة حيدرة للاحتماء ~~بهم من مكروه يتم عليهما وذلك في يوم الأربعاء الثالث وعشرين من رجب ووقعت ~~المراسلات من مجير الدين بما يسكنهما ويطيب قلوبهما فما وثقا بذلك وجدا في ~~الجمع والاحتشاد من العوام وبعض الأجناد وأثارا الفتنة في ليلة الخميس تالي ~~اليوم المذكور وقصدوا باب السجن وكسروا اغلاقه وأطلقوا من فيه واستنفروا ~~جماعة من أهل الشاغور وغيرهم وقصدوا الباب الشرقي وفعلوا مثل ذلك وحصلوا في ~~جمع كثير وامتلأت بهم الأزقة والدروب فحين عرف مجير الدين وأصحابه هذه ~~الصورة اجتمعوا في القلعة بالسلاح الشاك فأخرج ما في خزائنه من السلاح ~~والعدد وفرقت على العسكرية وعزموا على الزحف إلى جمع الأوباش والايقاع بهم ~~والنكاية فيهم. فسأل جماعة من المقدمين التمهل في هذا الأمر وترك العجلة ~~بحيث تحقن الدماء وتسلم البلد من النهب والحريق وألحوا عليه إلى أن أجاب ~~سؤالهم ووقعت المراسلة والتلطف في إصلاح ذات البين فاشترط ms328 الرئيس وأخوه ~~شروطا أجيبا إلى بعضها وأعرض عن بعض بحيث يكون ملازما لداره ويكون ولده ~~وولد أخيه في الخدمة في الديوان ولا يركب إلى القلعة إلا مستدعى إليها ~~وتقربت الحال على ذلك وسكنت الدهماء. ثم حدث بعد هذا التقرير عود الحال إلى ~~ما كانت عليه من العناد وإثارة الفساد وجمع الجمع الكثير من الأجناد ~~والمقدمين والرعاع والفلاحين واتفقوا على الزحف إلى القلعة وحضر من بها ~~وطلب من عين عليه من الأعداء والأعيان في أواخر رجب ونشبت الحرب بين ~~الفريقين وجرح وقتل بينهم نفر يسير وعاد كل فريق منهم إلى مكانه ~~PageV01P185 ووافق ذلك هروب السلار زين الدين اسمعيل الشحنة وأخيه إلى ~~ناحية بعلبك ولم تزل الفتنة ثائرة والمحاربة متصلة إلى أن اقتضت الصورة ~~ابعاد من التمس ابعاده من خواص مجير الدين وسكنت الفتنة وأطلقت أيدي ~~النهابة في دور السلار زين الدين وأخيه وأصحابهما وعمهما النهب والاخراب ~~ودعت الصورة إلى تطييب نفس الرئيس وأخيه والخلع عليهما بعد أيمان حلف بها ~~واعادة الرئيس إلى الوزارة والرئاسة بحيث لا يكون له في ذلك معترض ولا ~~مشارك وورد الخبر بظهور الافرنج إلى الأعمال للعيث فيها والافساد وشرعوا في ~~التأهب لدفع شرهم. وورد الخبر من ناحية مصر بوفاة صاحبها الامام الحافظ ~~بأمر الله أمير المؤمنين عبد المجيد بن الأمير أبي القاسم بن المستنصر ~~بالله رحمه الله في الخامس من جمادى الآخرة سنة 44 وولي الأمر من بعده ولده ~~الأصغر أبو منصور اسمعيل بن عبد المجيد الحافظ ولقب بالظافر بالله وولي ~~الوزارة أمير الجيوش أبو الفتح ابن مصال المغربي فأحسن السيرة وأجمل ~~السياسة واستقامت بتدبيره الأعمال وصلحت الأحوال ثم حدث من بعد ذلك من ~~اضطراب الأمور والخلف المكروه بين السودان والريحانية بحيث قتل بين ~~الفريقين الخلق الكثير وسكنت الفتنة بعد ذلك وانتشر الأمن بعد الخوف. وقد ~~كان الحافظ رحمه الله ولي الأمر أولا في المحرم سنة 526 بحيث كانت مدة ~~إقامته فيه ثماني عشرة سنة وخمسة أشهر وخمسة وعشرين يوما وكان أول زمانه ~~حسن الأفعال والسيرة وبث ms329 الاحسان في العسكرية والرعية وقد كان الخبر اتصل ~~بنور الدين بإفساد الافرنج في الأعمال الحورانية بالنهب والسبي فعزم على ~~التأهب لقصدهم وكتب إلى من في دمشق يعلمهم ما عزم عليه من الجهاد ويستدعي ~~منهم المعونة على ذلك بألف فارس تصل إليه مع مقدم يعول عليه وقد كانوا ~~عاهدوا الافرنج أن يكونوا يدا واحدة على من يقصدهم من عساكر المسلمين فاحتج ~~عليه وغولط. فلما عرف ذلك رحل ونزل بمرج يبوس وبعض العسكرية بيعفور فلما ~~قرب من دمشق وعرف من بها خبره ولم يعلموا أين مقصده وقد كانوا أرسلوا ~~الافرنج بخبره وقروا معهم الأنجاد عليه وكانوا قد نهضوا إلى ناحية عسقلان ~~لعمارة غزة ووصلت أوائلهم إلى بانياس. وعرف نور الدين خبرهم فلم يحفل بهم ~~وقال: لا أنحرف عن جهادهم. وهو مع ذلك كاف أيدي أصحابه عن العيث والافساد ~~في الضياع وإحسان الرأي في الفلاحين والتخفيف والدعاء له مع ذلك متواصل من ~~أهل دمشق وأعمالها وسائر البلاد وأطرافها. وكان الغيث قد انحبس عن حوران ~~والغوطة والمرج حتى نزح أكثر أهل حوران عنها للمحل واشتداد الأمر وترويع ~~سربهم وعدم شربهم. فلما وصل إلى بعلبك اتفق للقضاء المقدر والرحمة النازلة ~~أن السماء أرسلت عزاليها بكل وابل وطل وانسكاب وهطل بحيث أقام ذلك منذ يوم ~~الثلاثاء الثالث من ذي الحجة سنة 44 إلى مثله وزادت الأنهار وامتلأت برك ~~حوران ودارت أرحيتها وعاد ما صرح من الزرع والنبات غصنا طريئا وضج الناس ~~بالدعاء لنور الدين وقالوا: هذا ببركته وحسن معدلته وسيرته ثم رحل من منزله ~~بالأعوج ونزل على جسر الخشب المعروف بمنازل العاسر في يوم الثلاثاء السادس ~~والعشرين من ذي الحجة سنة 44 وراسل مجير الدين والرئيس بما قال فيه: إنني ~~ما قصدت بنزولي هذا المنزل طالبا لمحاربتكم ولا منازلتكم وإنما دعاني إلى ~~هذا الأمر كثرة شكاية المسلمين من أهل حوران والعربان بأن الفلاحين الذين ~~أخذت أموالهم وشتت نساؤهم وأطفالهم بيد الافرنج وعدم الناصر لهم لا يسعني ~~مع ما أعطاني الله وله الحمد من الاقتدار على نصرة ms330 المسلمين وجهاد المشركين ~~وكثرة المال والرجال ولا يحل لي القعود عنهم والانتصار لهم مع معرفتي ~~بعجزكم عن حفظ أعمالكم والذب عنها والتقصير الذي دعاكم إلى الاستصراخ ~~بالافرنج على محاربتي وبذلكم لهم أموال الضعفاء والمساكين من الريعة ظلما ~~لهم وتعديا عليكم وهذا ما لا يرضي الله تعالى ولا أحدا من المسلمين ولا بد ~~من المعونة بألف فارس نزاح العلة تجرد مع من توثق بشجاعته من المقدمين ~~لتخليص ثغر عسقلان وغيره PageV01P186 فكان الجواب عن هذه الرسالة: ليس ~~بيننا وبينك إلا السيف وسيوافينا من الافرنج ما يعيننا على دفعك إن قصدتنا ~~ونزلت علينا. فلما عاد الرسول بهذا الجواب ووقف عليه أكثر التعجب منه ~~والانكار له وعزم على الزحف إلى البلد ومحاربته في غد ذلك اليوم وهو يوم ~~الأربعاء الخامس والعشرون من نيسان فأرسل الله تعالى من الأمطار وتداركها ~~ودوامها ما منعه من ذلك وصرفه عنه # ودخلت # سنة خمس وأربعين وخمسمائة # أولها يوم الاثنين مستهل المحرم. وفيه تقرر الصلح بين نور الدين وأرباب ~~دمشق والسبب في ذلك أن نور الدين أشفق من سفك دماء المسلمين أن أقام على ~~حربها والمضايقة لها مع ما اتصل به من أخبار دعته إلى ذلك واتفق أنهم بذلوا ~~له الطاعة وإقامة الخطبة له على منبر دمشق بعد الخليفة والسلطان والسكة ~~ووقعت الأيمان على ذلك وخلع نور الدين على مجير الدين خلعة كاملة بالطوق ~~وأعاده مكرما محترما وخطب له على منبر دمشق يوم الجمعة رابع عشر المحرم ثم ~~استدعى الرئيس إلى المخيم وخلع عليه خلعة مكملة أيضا وأعاده إلى البلد وخرج ~~إليه جماعة من الأجناد والخواص إلى المخيم واختلطوا به فوصل من استماحه من ~~الطلاب والفقراء والضعفاء بحيث ما خاب قاصده ولا أكدى من سأله ورحل عن ~~مخيمه ليلة الأحد عائدا إلى حلب بعد أحكام ما قرر وتكميل ما دبر وورد الخبر ~~في الخامس من المحرم من ناحية حلب بأن عسكرها من التركمان ظفر بابن جوسلين ~~صاحب اعزاز وأصحابه وحصوله في قبضة الأسر في قلعة حلب فسر بهذا الفتح كافة ms331 ~~الناس. وورد الخبر بأن الملك مسعود وصل في عسكره طالبا أنطاكية ونزل على تل ~~باشر وضايقها في أيام من المحرم وفي أيام من المحرم وصل إلى دمشق جماعة من ~~حجاج العراق وخراسان المأخوذون في طريق الحج عند عودهم لجماعة من كفار ~~العربان وزطهم وأوباشهم تجمعوا في عدد دثر وحكوا مصيبة ما نزل مثلها بأحد ~~في السنين الخالية ولا يكون أشنع منها وذكر أنه كان في هذا الحج من وجوه ~~خراسان وتنائها وفقهائها وعلمائها وقضاتها وخواتين أمراء العسكر السلطانية ~~والحرم العدد الكثير والأموال الجمة والأمتعة الوافرة فأخذ جميع ذلك وقتل ~~الأكثر وسلم الأقل الأنزر وهتكت النساء وسلبوا وهلك من هلك بالجوع والعطش ~~فضاقت الصدور لهذه النازلة الفادحة والرزيئة الحادثة فكسا العاري منهم ~~وأطلق لهم ما استعانوا بقدره على عودهم إلى أوطانهم من أصحاب المروءة ~~والمقدمين بدمشق وذلك بتقدير الحكيم القدير وقد كان نور الدين عقيب رحيله ~~عن دمشق وحصول ابن جوسلين في قلعة حلب أسيرا توجه في عسكره إلى اعزاز بلد ~~ابن جوسلين ونزل عليها وضايقها وواظب قتالها إلى أن سهل الله تعالى ملكتها ~~بالأمان وهي على غاية من الحصانة والمنعة والرفعة فلما تسلمها رتب فيها من ~~ثقاته من وثق به ورحل عنها ظافرا مسرورا عائدا إلى حلب في أيام من شهر ربيع ~~الأول من السنة وورد الخبر بعد المضايقة والمحاربة عن تل باشر في يوم ~~الجمعة مستهل ربيع الآخر برحيل الملك مسعود ووصل أكثر حماتها لأسباب أوجبت ~~ذاك ودعت إليه وكان مجاهد الدين بزان قد توجه إلى حصنه صرخد لتفقد أمواله ~~وترتيب أحواله وأحوال ولده النائب عنه في حفظه وتقرير أموره وعرضت بعده ~~نفرة بين مجير الدين والرئيس بسعايات أصحاب الأغراض والفساد واقتضت الحال ~~استدعاء مجاهد الدين لإصلاح الحال فوصل وتم ذلك بوساطته على شرط إبعاد ~~الحاجب يوسف حاجب مجير الدين عن البلد مع أصحابه وتوجهوا ولم يعرض لشيء من ~~أموالهم وقصد بعلبك فأكرمه عطاء واليها وقد كانت الأخبار متناصرة من ناحية ~~مصر بالخلف المستمر بين وزيرها ابن مصال وبين ms332 الأمير المظفر بن سلار وجميع ~~العسكرية ووقوع الحرب منهم وسفك الدماء إلى أن أسفرت عن قتل ابن مصال ~~الوزير وظفر ابن سلار به وغلبته على الأمر وانتصابه في الوزارة وسعى في ~~صلاح وترتيب الأجناد وإطلاق واجباتهم وهدت النائرة وسكنت الفتنة الثائرة ~~وورد الخبر بوصول منكوبرس في جماعة من الأتراك والتركمان إلى ناحية حوران ~~واجتماعه مع الأمير سرخاك والي بصرى على العيث والفساد في ضياع حوران وقيل ~~إن ذاك بإذن نور الدين وقصدوا عمل صرخد بالافساد والاخراب والمضايقة لها ~~ورحلوا بعد ذلك إلى غيرها للإفساد ومنع الفلاحين من الزرع PageV01P187 وفي ~~يوم الاثنين السابع عشر من رجب من السنة توفي القاضي بهاء الدين عبد الملك ~~بن الفقيه عبد الوهاب الحنبلي رحمه الله وكان إماما فاضلا مناظرا مستقلا ~~مفتيا على مذهب الامامين أحمد وأبي حنيفة رحمهما الله بحكم ما كان يجري ~~عليه عند إقامته بخراسان لطلب العلم والتقدم وكان فصيح اللسان بالعربية ~~والفارسية حسن الحديث في الجد والهزل وكان له يوم دفنه في جوار أبيه وجده ~~في مقابر الشهداء رحمهما الله مشهود بكثرة العالم والباكين حول سريره ~~والمؤبنين له والمتأسفين عليه وتوفي أيضا عقيب وفاته الشريف القاضي النقيب ~~أبو الحسين فخر الدولة ابن القاضي بن أبي الجن رحمه الله في يوم الخميس ~~العشرين من رجب من السنة ودفن في مقابر فخر الدولة جده رحمه الله وتفجع ~~الناس له لخيريته وشرف نيته وفي رجب من السنة وردت الأخبار من ناحية نور ~~الدين بظفره بعسكر الافرنج النازلين بإزائه قريبا من تل باشر وعظم النكاية ~~فيهم والفتك بهم وامتلأت الأيدي من غنائمهم وسبيهم واستيلائه على حصن خالد ~~الذي كان مضايقه ومنازله وفي العشر الأخير من رجب ورد الخبر من حوران بابن ~~الأمير منكوبرس التقى في المعروف بالبونة كذا الحاجي ورجاله من عسكر دمشق ~~فهزمه وجرحه جرحا تمكن منه وحمل إلى البلد فمات في الطريق ووصل وقبر في ~~مقابر الفراديس في يوم الاثنين السادس من شعبان من السنة وفي يوم الأربعاء ~~الرابع عشر من شهر رمضان أرسلت ms333 السماء عزاليها بثلج لم ير في السنين ~~الخالية مثله. وتمادت به الأيام بحيث عم كثيرا من أقطار أرض حوران والبقاع ~~والبرية وقيل إن أقصاه من بلاد الشمال إلى قلعة جعبر وجرت أودية حوران ~~ودارت أرحيتها وامتلأت بركها وفاضت آبارها واستبشر الناس بهذه النعمة ~~العامة وشكروا موليها والمنعم بها وزادت أنهار بردى والعيون عقيب ذلك زيادة ~~وافرة وسرت النفوس وتتابع بعد ذلك غيث كانون الثاني روى الزراعات ومنابت ~~العشب وفي يوم السبت الثالث من ذي الحجة من السنة توفي القاضي المكين أبو ~~البركات محفوظ ابن القاضي أبي محمد الحسن بن مصري رحمه الله بعلة طالت به ~~وهو في أواخر الثمانين وكان مشهورا بالخير والعفاف وسلامة الطبع وورد الخبر ~~من ناحية مصر بالخلف المستمر بين وزيرها العادل بن سلار وأجنادها بحيث ~~الدماء بينهم مسفوحة وأبواب الشر والعناد مفتوحة # ودخلت # سنة ست وأربعين وخمسمائة # وأولها يوم الجمعة مستهل المحرم. وفي يوم الأربعاء العاشر من المحرم من ~~هذه السنة المباركة نزل أوائل عسكر نور الدين على أرض عذراء من عمل دمشق ~~وما والاها وفي يوم الخميس تاليه قصد فريق وافر منهم ناحية السهم والنيرب ~~وكمنوا عند الجبل لعسكر دمشق فلما خرج منها إليها أسرع النذير إليهم فحذرهم ~~وقد ظهر الكمين فانهزموا إلى البلد وخرج من أعقابهم وسلموا من الايقاع بهم ~~وفي يوم الجمعة تاليه وصل نور الدين في عسكره ونزل على عيون فاسريا ما بين ~~عذراء ودومة وامتدوا إلى تلك الجهات وفي يوم السبت التالي له رحلوا من ذلك ~~المكان ونزلوا في أراضي حجيرا وراوية وتلك الجهات في الخلق الكثير والجم ~~الغفير وانبثت أيدي المفسدين في عسكر الدمشقي والأوباش من أهل العيث ~~والافساد في زروع الناس فحصدوها واستأصلوها وفي الثمار فافنوها بلا مانع ~~ولا دافع وضر ذلك بأصحابها الضر الزائد وتحرك السعر وانقطعت السابلة وضاقت ~~الصدور ووقع التأهب والاستعداد لحفظ البلد والسور ووافت رسل نور الدين إلى ~~ولاة أمر البلد تقول: أنا ما أوثر إلا صلاح المسلمين وجهاد المشركين وخلاص ~~من في أيديهم من ms334 الأسارى فإن ظهرتم معي في عسكر دمشق وتعاضدنا على الجهاد ~~وجرى الأمر على الوفاق والسداد فذلك غاية الإيثار والمراد. فلم يعد الجواب ~~إليه بما يرضاه ويوافق مبتغاه PageV01P188 وفي يوم السبت الثالث والعشرين ~~منه رحل نور الدين في عساكره عن ذلك المنزل بحيث نزل في أرض مسجد القدم وما ~~والاه من الشرق والغرب ومبلغ منتهى الخيم إلى المسجد الجديد قبلي البلد ~~وهذا منزل ما نزله أحد من مقدمي العساكر فيما سلف من السنين وجرى بين أوائل ~~العسكر وبين من ظهر إليه من البلد مناوشات ثم عاد كل إلى مكانه ولم تزل ~~الحال مستمرة من العسكر النوري على اهمال الزحف إلى البلد ومحاربة من فيه ~~إشفاقا من قتل النفوس وإثخان الجراح في مقاتلة الجهتين بحيث انطلقت أيدي ~~المفسدين من الفريقين في الفساد وحصد زراعات المرج والغوطة وضواحي البلد ~~وخراب مساكن القرى ونقل أنقاضها إلى البلد والعسكر وزاد الاضرار بأربابها ~~من التناء والفلاحين وتزايد طمع الرعاع والأوباش في التناهي في الفساد بلا ~~رادع لهم ولا مانع منهم وعدم التبن لعلف الكراع في جميع الجهات وارتفع ~~السعر وعظم الخطب وصعب الأمر والأخبار تتناصر باحتشاد الافرنج واجتماعهم ~~للانجاد لأهل دمشق والاسعاد وقد ضاقت صدور أهل الدين والصلاح وزاد إنكارهم ~~لمثل هذه الأحوال المنكرة والأسباب المستبشعة ولم تزل الحال على هذه القضية ~~المكروهة والمناوشات في كل يوم متصلة من غير مزاحفة ولا محاربة إلى يوم ~~الخميس الثالث عشر من صفر من السنة ثم رحل العسكر النوري من هذه المنازل ~~ونزل في أراضي فذايا وحلقبلتين والخامسين المصاقبة للبلد وما عرف في قديم ~~الزمان من أقدم من الجيوش على الدنو منها ونشبت المطاردة في اليوم المذكور ~~وكثر الجراح في خيالة البلد ورجالته وملك مواشي الفلاحين والضعفاء ودواب ~~المتعلقة من البلد وما يخص فلاحي الغوطة والمرج والضواحي. ثم رحل في يوم ~~الخميس العشر من صفر عائدا إلى ناحية داريا لتواصل الأرجاف بقرب عسكر ~~الافرنج من البلد للانجاد ليكون قريبا من معابرهم لقوة العزائم على لقائهم ~~والاستعداد لحربهم لأن العسكر ms335 النوري قد صار في عدد لا يحصى كثرة وقوة وفي ~~كل زيادة بما يتواصل من الجهات وطوائف التركمان ونور الدين مع هذه الحال لا ~~يأذن لأحد من عسكره في التسرع إلى قتال أحد من المسلمين من رجال البلد ~~وعوامه تحرجا من إراقة الدم فيما لا يجدي نفعا إذ كانوا يحملهم الجهل ~~والغرور على التسرع والظهور ولا يعودون إلا خاسرين مفلولين. وأقام على هذه ~~الصورة ثم رحل إلى ناحية الأعوج لقرب عسكر الافرنج وعزمهم إلى قصده. واقتضى ~~رأيه الرحيل إلى ناحية الزبداني استجرارا لهم وفرق من عسكره فريقا يناهز ~~أربعة ألف فارس مع جماعة من المقدمين ليكونوا في أعمال حوران مع العرب لقصد ~~الافرنج ولقائهم وترقبا لوصولهم وخروج العسكر الدمشقي إليهم واجتماعهم ثم ~~تقاطع عليهم واتفق إن عسكر الافرنج وصل عقيب رحيله إلى الأعوج ونزل به في ~~اليوم الثالث من شهر ربيع الأول سنة 46 ووصل منهم خلق كثير إلى البلد لقضاء ~~حوائجهم وخرج مجير الدين ومؤيده في خواصهما وجماعة وافرة من الرعية واجتمعا ~~بملكهم وخواصه وما صادفوا عندهم شيئا مما هجس في النفوس من كثرة ولا قوة ~~وتقرر بينهم النزول بالعسكرين على حصن بصرى لتملكه واستغلال أعماله ثم رحل ~~عسكر الأفرنج إلى رأس الماء ولم يتهيأ خروج العسكر الدمشقي إليهم لعجزهم ~~واختلافهم وقصد من كان بحوران من العسكر النوري ومن انضاف إليهم من العرب ~~في خلق كثير ناحية الافرنج للإيقاع بهم والنكاية فيهم والتجأ عسكر الافرنج ~~إلى لجاة حوران للاعتصام بها وانتهى الخبر إلى نور الدين فرحل ونزل على عين ~~الجر من البقاع عائدا إلى دمشق وطالبا قصد الافرنج والعسكر الدمشقي. وكان ~~الافرنج حين اجتمعوا مع العسكر الدمشقي قد قصدوا بصرى لمنازلتها ومضايقتها ~~ومحاربتها فلم يتهيأ ذلك لهم وظهر إليهم سرخاك واليها في رجاله وعادوا عنه ~~خاسرين وانكفأ عسكر الافرنج إلى أعماله في العشر الأوسط من شهر ربيع الأول ~~من السنة وراسلوا مجير الدين ومؤيده يلتمسون باقي المقاطعة المبذولة لهم ~~على ترحيل نور الدين عن دمشق وقالوا: لولا نحن ندفعه ms336 ما رحل عنكم ~~PageV01P189 وفي هذه الأيام ورد الخبر بوصول الاصطول المصري إلى ثغور ~~الساحل في غاية من القوة وكثرة العدة والعدة وذكر أن عدة مراكبه سبعون ~~مركبا حربية مشحنة بالرجال ولم يخرج مثله في السنين الخالية وقد أنفق عليه ~~ما حكي وقرب ثلاثمائة ألف دينار وقرب من يافا من ثغور الافرنج فقتلوا ~~وأسروا وأحرقوا ما ظفروا به واستولوا على عدة وافرة من مراكب الروم ~~والافرنج ثم قصدوا ثغر عكا وفعلوا فيه مثل ذلك وحصل في أيديهم عدة وافرة من ~~المراكب الحربية الافرنجية وقتلوا من حجاج وغيرهم خلقا عظيما وأنفذوا ما ~~أمكن إلى ناحية مصر وقصدوا ثغر صيدا وبيروت وطرابلس وفعلوا فيها مثل ذلك. ~~ووعد نور الدين بمسيره إلى ناحية الاسطول المذكور لاعانته على تدويخ ~~الافرنجية واتفق اشتغاله بأمر دمشق وعوده إليها لمضايقتها وحدث نفسه ~~بملكتها لعلمه بضعفها وميل الأجناد والرعية إليه وإشارتهم لولايته وعدله ~~وذكر أن نور الدين أمر بعرض عسكره وحصره فذكر أنه بلغ كمال ثلاثين ألف ~~مقاتلة. ثم رحل ونزل بالدهلمية من عمل البقاع ثم رحل منها طالبا نحو دمشق ~~ونزل في أرض كوكبا من غربي داريا في يوم السبت الحادي والعشرين من ربيع ~~الأول وغارت الخيل على طريق حوران إلى دمشق فاشتملت على الشيء الكثير من ~~الجمال والغلة والمواشي وغاروا على ناحية الغوطة والمرج واستاقوا ما صادفوا ~~من المواشي ثم رحل عن هذا المنزل في يوم الاثنين ونزل من أرض داريا إلى جسر ~~الخشب ونودي في البلد بخروج الأجناد والأحداث إليه فلم يظهر منهم إلا ~~اليسير ممن كان يخرج أولا وفي يوم الأربعاء الرابع والعشرين من الشهر رحل ~~من هذا المنزل ونزل في أرض القطيعة وما والاها ودنا منها بحيث قرب من البلد ~~ووقعت المناوشة بين الفريقين من غير زحف ولا شد في محاربة وورد الخبر إلى ~~نور الدين بتسليم الأمير نايبه الأمير حسن حسان المنبجي مدينة تل باشر ~~بالأمان في يوم الخميس الخامس والعشرين من شهر ربيع الأول سنة 46 وضربت في ~~عسكره الطبول والكوسات والبوقات ms337 بالبشارة وورد مع المسير جماعة من أعيان تل ~~باشر لتقرير الأحوال واستمر رأي نور الدين على الزحف إلى البلد ومحاربة ~~أهله وعسكريته تحرجا من قتل المسلمين وقال: لا حاجة إلى قتل المسلمين بأيدي ~~بعضهم بعضا وأنا أرفههم ليكون بذل نفوسهم في مجاهدة المشركين. وحدثت مع هذه ~~النية تردد المراسلات في عقد الصلح في أيام من شهر ربيع الآخر على شروط ~~أشير إليها واقتراحات عين عليها وتردد فيها الفقيه برهان الدين علي البلخي ~~والأمير أسد الدين شيركوه وأخوه نجم الدين أيوب وتقارب الأمر في ذلك وترددت ~~المراسلات إلى أن استقرت الحال على قبول الشروط المقترحة ووقعت الأيمان من ~~الجهتين على ذلك والرضا به في يوم الخميس العاشر من شهر ربيع الآخر من ~~السنة ورحل نور الدين في عسكره في يوم الجمعة عد اليوم المذكور طالبا ناحية ~~بصرى للنزول عليها والمضايقة لها والتمس من دمشق ما تدعو إليه الحاجة من ~~آلات الحرب والمناجيق لأن سرخاك الوالي المذكور كان بها كان شاع عصيانه ~~وخلافه ومال إلى الافرنج واعتضدهم فأنكر نور الدين ذلك عليه وأنهض فريقا ~~وافرا من عسكره إليه وورد الخبر من ناحية قلعة جعبر في يوم السبت الثالث ~~عشر من شهر ربيع الآخر بأن صاحبها الأمير عز الدين علي بن مالك بن سالم بن ~~مالك خرج في أصحابه إلى عسكر الرقة وقد غار على أطراف أعماله لتخليص ما ~~استاقوا منه فالتقى الفريقان وسبق إليه سهم من كمين ظهر عليهم وعاد به ~~أصحابه إلى قلعة جعبر وجلس ولده مالك بن علي في منصبه واجتمع عليه جماعة ~~أسرته واستقام له الأمر من بعده ووردت الأخبار في سنة 46 من ناحية مصر بأن ~~أهل دمياط حدث فيهم فناء عظيم ما عهد مثله في قديم ولا حديث بحيث أحصي ~~المفقود منهم في سنة 545 سبعة ألف شخص وفي سنة 46 مثلهم سبعة ألف بحيث يكون ~~الجميع أربعة عشر ألفا وخلت دور كثيرة من أهلها وبقيت مغلقة ولا ساكن فيهم ~~ولا طالب لهم وفي يوم السبت الثاني ms338 من جمادى الآخرة سنة 46 توفي القاضي ~~السديد الخطيب أبو الحسين..... بن أبي الحديد خطيب دمشق رحمه الله وكان ~~خطيبا سديدا مبلغا متصونا عفيفا ولم يكن له من يقوم مقامه في منصبه سوى أبي ~~الحسن الفضل ولد ولده حدث السن فنصب مكانه وخطب وصلى بالناس واستمر الأمر ~~له ومضى فيه PageV01P190 ووردت الحكايات بحدوث زلزلة وافت في الليلة ~~الثالثة عشر من جمادى الآخرة سنة 46 اهتزت الأرض لها ثلاث رجفات في أعمال ~~بصرى وحوران وسكنت وما والاها من سائر الجهات وهدمت عدة وافرة من حيطان ~~المنازل ببصرى وغيرها ثم سكنت بقدرة من حركها وسكنها سبحانه وتعالى أنه على ~~كل شيء قدير وفي يوم الخميس الثاني عشر من رجب سنة 46 توجه مجير الدين صاحب ~~دمشق إلى حلب في خواصه ووصل إليها ودخل على نور الدين صاحبها وأكرمه وبالغ ~~في الفعل الجميل في حقه وقرر معه تقريرات اقترحها عليه بعد أن بذل له ~~الطاعة وحسن النيابة عنه في دمشق وانكفأ عنه مسرورا بما قصده في حقه من ~~الاكرام وحسن الاحترام ووصل إلى دمشق في يوم الثلاثاء السادس من شعبان من ~~السنة وفي آخر شعبان ورد الخبر من ناحية بانياس بأن فريقا وافرا من ~~التركمان غاروا على ظاهرها وخرج إليهم واليها من الافرنج في أصحابه وواقفهم ~~فظهر التركمان عليهم وقتلوا منهم وأسروا ولم يفلت منهم غير الوالي ونفر ~~يسير واتصل الخبر بمن في دمشق فأنكر مثل هذا الفعل بحكم انعقاد الهدنة ~~والموادعة وانهض إليهم من العسكر الدمشقي من صادف بعض التركمان متخلفا عن ~~رفقتهم فحصلوا منهم ما كان في أيديهم وعادوا ثلاثة نفر منهم وفي أيام من ~~أوائل رمضان من السنة ورد الخبر بأن أكثر عسكر الافرنج قصدوا ناحية البقاع ~~على غرة من أهلها وغاروا على عدة وافرة من الضياع فاستباحوا ما بها من رجال ~~ونسوان وشيوخ وأطفال واستاقوا عواملهم ومواشيهم ودوابهم واتصل الخبر بوالي ~~بعلبك فأنهض إليهم رجاله واجتمع إليهم خلق كثير من رجال البقاع وأسرعوا ~~نحوهم القصد ولحقوهم وقد أرسل الله ms339 تعالى عليهم من الثلوج المتداركة ما ~~ثبطهم وحيرهم فقتلوا من رجالتهم الأكثر واستخلصوا من الأسرى والمواشي ما ~~سلم من الهلاك بالثلج وهو الأقل على أقبح صفة من الخذلان وسوء الحال بحمد ~~الله ونصره المسلمين وفي يوم السبت الثاني والعشرين من شوال من السنة وهو ~~اليوم الثالث من شباط وافت قبيل الظهر زلزلة اهتزت لها الأرض ثلاث هزات ~~هائلة وتحركت الدور والجدران ثم سكنت بقدرة الله تعالى ذكره # ودخلت # سنة سبع وأربعين وخمسمائة # أولها يوم الثلاثاء مستهل المحرم. وفي المحرم منها ورد الخبر من ناحية ~~نور الدين بنزوله على حصن انطرطوس في عسكره وافتتاحه له وقتل من كان فيه من ~~الافرنج وطلب الباقون الأمان على النفوس فأجيبوا إلى ذلك ورتب فيه الحفظة ~~وعادوا عنه وملك عدة من الحصون بالسيف والسبي والاخراب والحرق والأمان ~~ووردت الأخبار من ناحية عسقلان في يوم الخميس العاشر من المحرم بظفر رجال ~~عسقلان بالافرنج المجاورين لهم بغزة بحيث هلك منهم العدد الكثير وانهزم ~~الباقون. وفي ليلة الثلاثاء الثاني والعشرين من المحرم من أواخر نيسان أرسل ~~الله تعالى غيثا هطالا مجللا بالرعود والبروق المتتابعة ما زادت معه مياه ~~بردى زيادة وافرة وتصندل لون مائها بمسايل الأدوية والجبال وانتفعت به ~~زراعات السقي والبعول نفعا ظاهرا وفي النصف من شهر أيار من صفر سنة 47 كان ~~من زمجرة الرعود وتتابع البروق والأمطار في عدة جهات ما زادت به الأنهار ~~وسالت معه شعاب الجبال والأودية. وفي وقت العصر من يوم الأحد الثاني ~~والعشرين من أيار والعشرين من صفر من السنة نشأت غمامة برعود مجلجلة هائلة ~~متتابعة لا تقتر مزعجة ثم انهلت بوابل هطال جود بالمطر إلى آخر النهار ثم ~~أقبلت بردى بالليل بالسيل الزائد المتغير اللون بماء الجبال المختلف بحيث ~~أفعمت الأنهار والسواقي والمجاري واحمرت أماكنها وصادفت طرحات الزرع ~~والكداسة فغيرت الشعير وصفرته وسكنت بقدرة الله ونفع من نشأتها ثم حضر من ~~شاهد هذا العارض وحكى أنه كان من البرد الكبار ما حدثه بحيث أفسد من ~~المواشي الكثير وهدم بعض دور ms340 الغوطة وصار الماء في الحقول راكدا وسانحا ~~بالأنهار المغدقة وحكى الحاكي أن هذا لم ير مثله في الأزمان PageV01P191 ~~وفي أواخر صفر سنة 47 توجه مجير الدين في العسكر ومعه مؤيد الدين الوزير ~~إلى ناحية حصن بصرى ونزل عليه محاصرا لسرخاك واليه مضايقا لأهليه لمخالفته ~~لأوامره ونواهيه وجوره على أهل الضياع الحورانية واعتدائه عليهم والزامهم ~~ما لا طاقة لهم به واستدعى المنجنيقات وآلة الحرب لمنازلتها. واتفق لمجير ~~الدين المصير إلى صرخد لمشاهدته واستأذن مجاهد الدين واليه في ذلك فقال له: ~~هذا المكان بحكمك وأنا فيه من قبلك. وأنفذ إلى ولده سيف الدين محمد النائب ~~فيه باعتداد ما يحتاج إليه وتلقى مجير الدين بما يجب له فخرج إليه في بعض ~~أصحابه ومعه المفاتيح فوفاه ما يجب له من الاعظام وأجلى الحصن من الرجال ~~ودخل إليه في خواصه. فسر بذلك وتعجب من فعل مجاهد الدين وشكره على ذلك وقدم ~~إليه ما أعده من القرد والتحف وعاد عنه شاكرا إلى مخيمه على بصرى وحاربها ~~عدة أيام إلى أن استقر الصلح والدخول فيما أراد وعاد إلى البلد. وفي أوائل ~~شعبان من السنة وردت الأخبار بوفاة السلطان غياث الدنيا والدين مسعود ابن ~~السلطان محمد وفي العشر الأول من شوال من السنة الموافق للعشر الأول من ~~تشرين الثاني تغير الماء والهواء في دمشق وعرض لأهلها الحمى والسعال بحيث ~~عم الخاص والعام والشيوخ والشباب والأطفال بحيث وقع الزحام على حوانيت ~~العطارين لتحصيل المغلي. وحكى الحاكي أن بعض العطارين أحصى ما باعه في يوم ~~فكان ثلاثمائة وثمانين صفة والسالم منه والمعفى الأكثر وما يقيم هذا المرض ~~بالانسان أكثر من الاسبوع ودونه ويمضي من قضى أجله وضعف أمر المغسلين ~~والحفارين واحتيج إليهم لكثرة الموتى وفي يوم السبت الرابع وعشرين من شوال ~~من السنة توفي الأمير سعد الدولة أبو عبد الله محمد بن المحسن بن الملحي ~~رحمه الله ودفن في مقابر الكهف وكان فيه اذب وافر وكتابة حسنة ونظم جيد ~~وتقدم والده في حلب في التدبير والسياسة وعرض الأجناد # ودخلت # سنة ms341 ثمان وأربعين وخمسمائة # أولها يوم الأحد والشمس في برج الحمل والطالع الجدي. وفي سادس وعشرين من ~~المحرم منها ورد الخبر من ناحية مصر بأن العادل المعروف بابن سلار الذي ~~كانت رتبته قد علت ومنزلته في الوزارة قد تمكنت ونفذ أمره في البسط والقبض ~~وحكمه في الابرام والنقض وأنه كان قد جلس للانفاق في رجال الاسطول ليجهزه ~~في البحر إلى ناحية عسقلان بالميرة لتقوية من بها على النازلين عليها من ~~الافرنج والمضايقين لها وهو في الجمع الكثير والجم الغفير بالمال والرجال ~~والغلال واشراف أهلها على الخطر وأنه نهض من المجلس على العادة للراحة من ~~النصب والهجعة عقيب التعب وكان لزوجته ولد يعرف بالأمير عباس قد قدمه ~~واعتمد عليه في الأعمال ولعباس هذا ولد قدمه الوزير وأنعم عليه وأذن له في ~~الدخول بغير إذن إليه فدخل عليه وهو نائم في فرشته على العادة فأخذ سيفه ~~وضربه به فقطع رأسه وخرج به بين أثوابه ولم يشعر أحد وأتى به إلى باب القصر ~~في يوم الأحد الثاني عشر من المحرم وقال لخدم الامام الظافر بالله: هذا رأس ~~المنافق. فقيل له: ما كان منافقا. وكان جماعة من الأتراك قد اصطنعهم الوزير ~~المقتول لنفسه فتجمعوا في زهاء ثلاثمائة فارس وأنهم طلبوا ليقتلوا فحموا ~~نفوسهم بالسهام وحصلوا بظاهر القاهرة وصادفهم عباس عائدا من بلبيس حين وافه ~~الخبر فوعدهم الجميل واقرارهم على واجباتهم فلم يقوا به وتفرقوا على أقبح ~~حال ووصلوا إلى دمشق في أواخر المحرم وقيل أن عباسا المذكور حصل في منصب ~~العادل المذكور واستقام له الأمر وتمكن في الأعمال وقيل أن العادل كان قد ~~قتل من الحجرية والريحانية وأصناف الأجناد حتى استقام له الأمر وتمكن في ~~الأعمال PageV01P192 وتواصلت الأخبار من ناحية نور الدين سلطان حلب والشام ~~بقوة عزمه على جمع العساكر والتركمان من سائر الأعمال والبلدان للغزو في ~~أحزاب الشرك والطغيان بنصرة أهل عسقلان على النازلين عليها من الافرنج وقد ~~ضايقوها بالزحف إليها بالبرج المخذول وهو في الجمع الكثير والله يحرسها من ~~شرهم واقتضت الحال توجه ms342 مجير الدين صاحب دمشق إلى نور الدين في جمهور عسكره ~~للتعاضد على الجهاد في يوم السبت الثالث عشر من المحرم واجتمع معه في ناحية ~~الشمال واتفق بينهما وجماعة المقدمين من أمراء الأعمال والتركمان وهم في ~~العدد الدثر. وقد ملك نور الدين الحصن المعروف بافلس بالسيف بأمر قضاه الله ~~وسهله ويسره وعجله وهو في غاية المنعة والحصانة وقتل من كان فيه من الافرنج ~~والأرمن وحصل للعسكر من المال والسبي الشيء الكثير ونهضوا طالبين ثغر ~~بانياس ونزلوا عليه في يوم السبت تاسع وعشرين صفر وقد خلا من حماته وتسهلت ~~أسباب ملكته وقد تواصلت استغاثة أهل عسقلان واستنصارهم بنور الدين فقضى ~~الله تعالى بالخلف بينهم والقتل وهم في تقدير عشرة ألف فارس وراجل فأجفلوا ~~عنها من غير طارق من الافرنج طرقهم ولا عسكر منهم أرهقهم ونزلوا على المنزل ~~المعروف بالأعوج وعزموا على معادة النزول على بانياس وأخذها ثم أحجموا عن ~~ذلك من غير سبب ولا موجب وتفرقوا. وعاد مجير الدين إلى دمشق ودخلها سالما ~~في نفسه وجملته في يوم الاثنين الحادي عشر من شهر ربيع الأول من السنة وعاد ~~نور الدين إلى حمص ونزل بها في عسكره ووردت الأخبار بوصول اسطول مصر إلى ~~عسقلان وقويت نفوس من بها بالمال والرجال والغلال وظفروا بعدة وافرة من ~~مراكب الافرنج في البحر وهم على حالهم في محاصرتها ومضايقتها والزحف بالبرج ~~إليها قد تقدم من شرح الحال للرئيس في تمكنه من منصب الوزارة بنفيه من نفاه ~~من المعاندين له بحيث طابت نفسه وتوكد أنسه فعرض بينه وبين أخويه عز الدولة ~~وزينها مشاحنات ومشاجات اقتضت المساعدة إلى مجير الدين في جمادى الأولى من ~~السنة وأنفذ مجير الدين إلى الرئيس يستدعيه للاصلاح بينهم في القلعة فامتنع ~~من ذلك وجلس في داره وهم بالتحصن عنه بأحداث البلد والغوغاء وآلت الحال إلى ~~تمكن زين الدين منه بمعاونة مجير الدين عليه لأسباب تقدمت وتقرر بينهما ~~إخراج الرئيس من البلد وجماعته إلى حصن صرخد مع مجاهد الدين بزان واليه في ~~يوم الثلاثاء التاسع ms343 عشر من جمادى الأولى بعد أن قرر له بقاء بداره وبستانه ~~وما يخصه ويخص أصحابه وتقلد أخوه زين الدين له مكانه وخلع عليه وأمر ونهى ~~ونفذ الأشغال على عادته في العجز والتقصير وسوء الأفعال والتماس الرشاء على ~~أقل الأعمال. ورأى مجير الدين عقيب ذلك التوجه إلى بعلبك لتطييب نفس واليها ~~عطاء الخادم واستصحابه معه إلى دمشق لينوب عنه في تدبير الأمور والأعمال ~~والمعونة على مصالح الأحوال وعاد وهو معه واستشعر مجاهد الدين أن نية مجير ~~الدين قد تغيرت فيه فاستوحش من عوده إلى البلد عن غير يمين يحلف له بها على ~~أيمانه على نفسه فوعد بالاجابة إلى ما رغب فيه وبقي الأمر موقوفا لأسباب ~~اقتضت التوقف ووردت الأخبار في أثناء ذلك بأن الافرنج النازلين على عسقلان ~~قد ضايقوها بمغاداة القتال ومراوحته إلى أن تسهلت لهم أسباب الهجوم عليها ~~من بعض جوانب سورها فهدموه وهجموا البلد وقتل بين الفريقين الخلق الكثير ~~والجأت الضرورة والغلبة إلى طلب الأمان فأجيبوا إليه وخرج منها من أمكنه ~~الخروج في البر والبحر إلى ناحية مصر وغيرها. وقيل أن في هذا الثغر المفتتح ~~من العدد الحربية والأموال والميرة والغلال ما لا يحصر فيذكر. ولما شاع هذا ~~الخبر في الأقطار ساء سماعه وضاقت الصدور وتضاعفت الأفكار بحدوث مثله ~~فسبحان من لا يرد نافذ قضائه ولا يدفعه مختوم أمره عند نفوذه ومضائه وورد ~~الخبر من ناحية حلب بوفاة الأديب أبي الحسين أحمد بن منير الشاعر في أيام ~~من جمادى الآخرة سنة 548 بعلة هجمت عليه ربا فيها لسانه بحيث قضي نحبه وكان ~~أديبا شاعرا عارفا بفنون اللغة وأوزان العروض لكنه مرهوب اللسان خبيث ~~الهجاء مجيد فيه لا يكاد يسلم من مقاطيع هجائه منعم عليه ولا مسيء إليه ~~وكان طبعه في الذم أخف منه في المدح وكان يصل بهجائه لا بمدحه وثنائه ~~PageV01P193 ووصل إلى دمشق الأديب أبو عبد الله محمد بن نصر ويقال له ابن ~~صغير القيسراني الشاعر من حلب يوم الأحد الثاني عشر من شعبان سنة 48 ~~باستدعاء مجير ms344 الدين له وحضر مجلسه وأنشده قصيدة حبرها يائية مقيدة حسنة ~~المعاني والمقاصد فاستحسنها السامعون واستجادها وشفعها بغيرها ووصله أحسن ~~صلة واتفق عوده إلى منزله فعرضت له حتى حادة وجاء معها اسهال مفرط قضى نحبه ~~في يوم الأربعاء الثاني والعشرين من شعبان من السنة وكان أديبا شاعرا ~~مترسلا فاضلا بليغ النظم مليح المعاني كثير التطبيق والتجنيس وله يد قوية ~~في علم النجوم والأحكام والهيئة وحفظ الأخبار والتواريخ وكان بينه وبين أبي ~~الحسين أحمد بن منير على قديم الزمان مشاحنات حرص معها على الاصلاح بينهما ~~فما تهيأ ذلك لمن رامه وكان بينهما هذه المدة اليسيرة وكان قد ورد من بغداد ~~إلى دمشق في أوائل سنة 548 الشيخ الامام الفيلسوف أبو الفتوح بن الصالح ~~وكان غاية في الذكاء وصفاء الحسن والنفاذ في العلوم الرياضية الطب والهندسة ~~والمنطق والحساب وفنون النجوم والأحكام والمواليد والفقه وما يتصل به ~~وتواريخ الأخبار والسير والآداب بحيث وقع الاجتماع عليه بأنه لم ير مثله في ~~جميع العلوم وحسن الخلق ونزاهة النفس بحيث لا يقبل من أحد من الولاة صلة ~~قلت أو كثرت واتفق للحين المقضي أنه عرض له مرض حاد ومعه اسهال مفرط أضعف ~~قوته أقام به أياما وتوفي إلى رحمة الله في دمشق يوم الأحد السادس والعشرين ~~من شعبان من السنة وقيل أنه من بيت كبير في العلم والأصل. ونظم فيه هذه ~~الأبيات بصفة حالة في هذا الموضع ليعرف محله: # سررت أبا الفتوح نفوس قوم ... رأوك وحيد فضلك في الزمان # حويت علوم أهل الأرض طرا ... وبينت الجلي من البيان # دعيت الفيلسوف وذاك حق ... بما أوضحت من غرر المعافي # ووافاك القضاء بعبد دار ... غريبا ما له في الفضل ثان # فأودعت القلوب عليك حزنا ... يعض عليه أطراف البنان # لئن بخل الزمان علي ظلما ... بأني لا أراك ولن تراني # فقد قامت صفاتك عند مثلي ... مقام السمع مني والعيان # سقى جدثا به أصبحت فردا ... ملاك الغيث يهمي غير وان # وفي أيام من تشرين الثاني الموافق لأيام من شعبان سنة 48 أرسل الله ms345 تعالى ~~وله الحمد والشكر من الغيث المتدارك الهطال ما أحيا به الأرض بعد القحط ~~والجدب وأجرى أودية حوران وأفعم بكرها بعد جفافها وقيل أن هذا الغيث لم ير ~~مثله في هذا الوقت في السنين الماضية وأنه أفرط في أعمال طبرية بحيث حدث ~~منه سيل جارف هدم عدة من مساكنها ورماها إلى البحيرة فسبحان محيي عباده ~~ومغيث بلاده وفي يوم الخميس انسلاخ شعبان من السنة توفي الشيخ الامام ~~الفقيه برهان الدين أبو الحسن علي البلخي رئيس الحنفية رحمه الله ودفن في ~~مقابر باب الصغير المجاور لقبور الشهداء رضي الله عنهم وكان من التفقه على ~~مذهب الامام أبي حنيفة رحمه الله ما هو مشهور شائع مع الورع والدين والعفاف ~~والتصون وحفظ ناموس الدين والعلم والتواضع والتردد إلى الناس على طريقة ~~مرضية وسجية محمودة لم يشاركه فيها غيره ووقع الأسف عليه من جميع الخاص ~~والعام والتأبين له والحزن عليه قد مضى من ذكر الرئيس المسيب في حصوله ~~بصرخد وتقرر بعد ذلك تطييب نفس مجاهد الدين والحلف له على إزالة ما خامره ~~من الاستيحاش والنفار ما سكن إليه واعتمد عليه وعاد إلى داره بدمشق أواخر ~~شعبان وصام رمضان فيها ثم هجس في خاطره من مجير الدين وخواصه ما أوحشه منهم ~~ودعاه ذلك إلى الخروج من البلد سرا في يوم الثلاثاء الثاني عشر من شوال ~~طالبا صرخد فحين عرف خبره نهض في طلبه وقص أثره جماعة من الخيل فأدركوه وقد ~~قرب من صرخد فقبض عليه وأعيد إلى القلعة بدمشق واعتقل بها اعتقالا جميلا ~~PageV01P194 وحدث في هذه الأيام من تتابع الأمطار في الأماكن والثلوج في ~~الجبال والأعمال البقاعية ما لم ير مثله ثم ذاب الثلج وسالت بمائه الأودية ~~والشعاب وساح على الأرض كالسيل الجارف وامتلأت به الأنهار والتقت الشطط ~~وأفسد ما مر به من الأراضي المنخفضة ووصل المد إلى بردى وما قرب منها ورأى ~~من كثرته وعظمه وتغير لونه ما كثر التعجب منه والاستعظام له فسبحان مالك ~~الملك منزل الغيث من بعد القنوط إنه على كل ms346 شيء قدير ثم تجدد عقيب ذلك من ~~الرئيس الوزير حيدرة المقدم ذكره أشياء ظهرت عنه مع ما في نفس الملك مجير ~~الدين منه ومن أخيه المسيب والمعرفة بالسعي والفساد ما اقتضت الحال ~~استدعاءه إلى القلعة على حين غفلة منه وعن القضاء النازل به لسوء أفعاله ~~وقبح ظلمه وخبثه ثم عدلت به الجندارية إلى الجمام بالقلعة في يوم الأحد ~~مستهل ذي القعدة من السنة وضربت عنقه صبرا وأخرج رأسه ونصب على حافة الخندق ~~ثم طيف به والناس يلعنونه ويصفون أنواع ظلمه وتفننه في الأدعية والفساد ~~ومقاسمة اللصوص وقطاع الطريق على أموال الناس المستباحة بتقريره وحمايته ~~وكثر السرور بمصرعه وابتهج بالراحة منه ثم رجعت العامة والغوغاء ومن كان من ~~أعوانه على الفساد من أهل العيث والافساد إلى منازلة خزائنه ومخازن غلته ~~وأثاثه وذخائره فانتهبوا منها ما لا يحصى وغلبوا أعوان السلطان وجنده عليها ~~بالكثرة ولم يحصل للسلطان من ذلك إلا النزر اليسير ورد أمر الرئاسة والنظر ~~في البلد في اليوم المقدم ذكره إلى الرئيس رضي الدين أبي غالب عبد المنعم ~~بن محمد بن أسد بن علي التميمي وطاف في البلد مع أقاربه وسكن أهله وسكنت ~~الدهماء ولم يغلق في البلد حانوت ولا اضطرب أحد واستبشر الناس قاطبة من ~~الخاص والعام والعسكرية وعامة الرعية وبولغ في اخراب منازل الظالم ونقل ~~أخشابها وهذه عادة الباري تعالى في الظالمين " والفسقة المفسدين وكذلك أخذ ~~ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد " وفي ذي القعدة سنة 48 ~~وردت الأخبار من ناحية بغداد بورود الأخبار إليها من ناحية الشرق باضطراب ~~الأحوال في الأعمال الخراسانية وانفلال عسكر السلطان سنجر والاستيلاء عليه ~~والقهر والاستظهار وحصره في دار مملكته بلخ والتضييق عليه واستدعاء ما في ~~خزائنه من الأموال والآلات والذخائر والأمتعة والجواهر بخلق عظيم من الغز ~~والتركمان تجمعوا من أماكنهم ومعاقلهم وحللهم في الأعداد الدثرة والتناهي ~~في الاحتشاد والكثرة ولم يكن للسلطان سنجر مع كثرة عساكره وأجناده طاقة ولا ~~لدفعه عنه قوة فقهروه وغلبوه وحصروه وقيل إن نيسابور ms347 وتلك الأعمال حدث فيها ~~من الفساد والخلف والقتل والنهب والسلب ما ترتاع النفوس باستماع مثله وتفرق ~~من قبح فعله ونهبت بلخ بالمذكورين المقدم ذكرهم أشنع نهب وأبشع سلب فسبحان ~~مدبر بلاده وعباده كما يشاء إنه على كل شيء قدير وفي الشهر المذكور حدث ~~بمدينة دمشق ارتفاع السعر لعدم الواصلين إليها بالغلات من بلاد الشمال على ~~جاري العادة بتقدم نور الدين صاحب حلب بالمنع من ذلك وحظره فأضر ذلك بأهلها ~~من المسترين والضعفاء والمساكين وبلغ سعر الغرارة الحنطة خمسة وعشرين ~~دينارا وزاد على ذلك وخلا من البلد الخلق الكثير ولقوا من البؤس والشدة ~~والضعف ما أوجب موت جماعة وافرة في الطرقات وانقطعت الميرة من كل الجهات ~~وذكر إن نور الدين عازم على قصد دمشق بمنازلتها والطمع لهذه الحال في ~~مملكتها وذلك مستصعب عليه لقوة سلطانها وكثرة أجنادها وأعوانها والله تعالى ~~المرجو لقرب الفرج وحسن النظر بخلقه بالرأفة والرحمة كما جرت عوائد احسانه ~~وفضله فيما تقدم PageV01P195 وفي أواخر ذي القعدة استدعي الرئيس رضي الدين ~~إلى القلعة المحروسة وشرف بالخلع المكملة والمركوب بالسخت والسيف المحلى ~~والترس وركب معه الخواص وأصحاب الركاب إلى داره وكتب له المنشور بالتقليد ~~والاقطاع ولقب بالرئيس الأجل رضي الدين وجيه الدولة سديد الملك فخر الكفاة ~~عز المعالي شرف الرؤساء وكان عطاء الخادم المقدم ذكره قد استبد بتدبير ~~الأمور ومد يده في الظلم وأطلق لسانه بالهجر وأفرط في الاحتجاب عن الشاكي ~~والمشتكي بالغلمان والحجاب وقصر في قضاء الحوائج تقصيرا منكرا واتفق ~~للأقضية المقدرة والمكافأة المقررة إن تقدم مجير الدين باعتقاله وتقييده ~~والاستيلاء على ما في داره ومطالبته بتسليم بعلبك وما فيها من مال وغلال ~~وسرت بمصرعه النفوس ونهب العوام والغوغاء بيوت أصحابه وأسبابه. وأرسل الله ~~تعالى الغيث المتدارك بحيث افترت الأرض عن نضارتها وأبانت عن اخضرارها ~~وغضارتها ولما كان في يوم الاثنين الخامس والعشرين من ذي الحجة من السنة ~~أمر مجير الدين بضرب عنق عطاء الخادم المذكور لأسباب أوجبت ذاك ودعت إليه. ~~وفي يوم الأربعاء السابع وعشرين من ذي الحجة ms348 استدعى مجير الدين بالفضل ولد ~~نفيس الملك المستوفي لجده تاج الملوك رحمه الله ورد إليه استيفاء ديونه على ~~عادة أبيه ولقبه لقب أبيه وجيه الدين نفيس الملك وتقرر أشراف الديوان سعد ~~الدولة أبي الحسن علي بن طاهر الوزير المزدقاني # ودخلت # سنة تسع وأربعين وخمسمائة # أولها يوم الأربعاء مستهل المحرم والطالع للعالم الجوزاء. وفي العشر ~~الثاني من المحرم منها وصل الأمير الاسفهسلار أسد الدين شيركوه رسولا من ~~نور الدين صاحب حلب إلى ظاهر دمشق وخيم بناحية القصب من المرج في عسكر ~~يناهز الألف فأنكر ذاك ووقع الاستيحاش منه وإهمال الخروج إليه لتلقيه ~~والاختلاط به وتكررت المراسلات فيما اقتضته الحال ولم يسفر عن سداد ولا نيل ~~مراد وغلا سعر الأقوات لانقطاع الواصلين بالغلات ووصل نور الدين في عسكره ~~إلى شيركوه في يوم الأحد الثالث من صفر وخيم بعيون الفاسريا عند دومة ورحل ~~في الغد ونزل بأرض الضيعة المعروفة ببيت الآبار من الغوطة وزحف إلى البلد ~~من شرقيه وخرج إليهم من عسكريته وأحداثه الخلق الكثير ووقع الطراد بينهم ثم ~~عاد كل من الفريقين إلى مكانه ثم زحف يوما بعد يوم. فلما كان يوم الأحد ~~العاشر من صفر للأمر المقدر المقضي والأمر الماضي وسعادة نور الدين الملك ~~وأهل دمشق وكافة الناس أجمعين باكر الزحف وقد احتشد وتهيأ لصدق الحرب وظهر ~~إليه العسكر الدمشقي على العادة ووقع الطراد بينهم وحملوا من الجهة الشرقية ~~من عدة أماكن فاندفعوا بين أيديهم حتى قربوا من سور باب كيسان والدباغة من ~~قبلي البلد وليس على السور نافخ ضرمة من العسكرية والبلدية لسوء تدبير صاحب ~~الأمر والأقدار المقدرة غير نفر يسير من الأتراك المستحفظين لا يؤبه لهم ~~ولا يعول عليهم في أحد الأبراج. وتسرع بعد الرجالة إلى السور وعليه امرأة ~~يهودية فأرسلت إليه حبلا فصعد فيه وحصل على السور ولم يشعر به أحد وتبعه من ~~تبعه واطلعوا علما نصبوه على السور وصاحوا أصحاب نور الدين يا منصور وامتنع ~~الأجناد والرعية من الممانعة لما هم عليه من المحبة لنور الدين وعدله ms349 وحسن ~~ذكره وبادر بعض قطاعي الخشب بفأسه إلى الباب الشرقي فكسر إغلاقه وفتح فدخل ~~منه العسكر على رغب وسعوا في الطرقات ولم يقف أحد بين أيديهم وفتح باب توما ~~أيضا ودخل الناس منه. ثم دخل الملك نور الدين وخواصه وسر كافة الناس من ~~الأجناد والعسكرية لما هم عليه من الجوع وغلاء الأسعار والخوف من منازلة ~~الافرنج الكفار PageV01P196 وكان مجير الدين لما أحس بالغلبة والقهر قد ~~انهزم في خواصه إلى القلعة وأنفذ إليه وأومن على نفسه وماله وخرج إلى نور ~~الدين فطيب نفسه ووعده الجميل ودخل القلعة في يوم الأحد المقدم ذكره. وقد ~~أمر نور الدين في الحال بالمناداة بالأمان للرعية والمنع من انتهاب شيء من ~~دورهم وتسرع قوم من الرعاع والأوباش إلى سوق علي وغيره فعاثوا ونهبوا وأنفذ ~~المولى الملك نور الدين إلى أهل البلد بما طيب نفوسهم وأزال نفرتهم. وأخرج ~~مجير الدين ما كان له في دوره بالقلعة والخزائن من المال والآلات والأثات ~~على كثرته إلى الدار الأتابكية دار جده وأقام أياما ثم تقدم إليه بالمسير ~~إلى حمص في خواصه ومن أراد الكون معه من أسبابه وأتباعه بعد أن كتب له ~~المنشور باقطاعه عدة بأعمال حمص برسمه ورسم جنده وتوجه إلى حمص على القضية ~~المقدرة. ثم أحضر بعد غد ذلك اليوم أماثل الرعية من الفقهاء والتجار ~~وخوطبوا بما زاد في إيناسهم وسرور نفوسهم وحسن النظر لهم بما يعود بصلاح ~~أحوالهم وتحقيق آمالهم فأكثر الدعاء له والثناء عليه والشكر لله على ما ~~أصاروه إليه. ثم تلا ذلك إبطال حقوق دار البطيخ وسوق البقل وضمان الأنهار ~~وأنشأ بذلك المنشور وقرئ على المنبر بعد صلاة الجمعة فاستبشر الناس بصلاح ~~الحال وأعلن الناس من التناء والفلاحين والحرم والمتعيشين برفع الدعاء إلى ~~الله تعالى بدوام أيامه ونصره وأعلامه والله سبحانه ولي الاجابة بمنه وفضله ~~وقد كان مجاهد الدين بزان قد أطلق يوم الفتح من الاعتقال وأعيد إلى داره ~~ووصل الرئيس مؤيد الدين المسيب إلى دمشق مع ولده النائب عنه في صرخد إلى ~~داره معولا ms350 على لزومها وترك التعرض لشيء من التصرفات والأعمال فبدا منه من ~~الأسباب المعربة عن إضمار الفساد والعدول عن مناهج السداد والرشاد ما كان ~~داعيا إلى فساد النية فيه. وكان في إحدى رجليه فنخ قد طال به ونسر ثم لحقه ~~معه مرض وانطلاق متدارك أفرط عليه وأسقط قوته مع فواق متصل وقلاع في فيه ~~زائد فقضى نحبه في الليلة التي صبيحتها يوم الأربعاء الرابع من شهر ربيع ~~الأول سنة 49 ودفن في داره واستبشر الناس بمهلكه والراحة منه ومن سوء ~~أفعاله بحيث لو عدت مخازيه مع جنونه واختلاله لطال بها الشرح وعجز عنها ~~الوصف PageV01P197 وفي أواخر المحرم من السنة ورد الخبر من ناحية ماردين ~~بوفاة صاحبها الأمير حسام الدين بن ايل غازي بن أرتق رحمه الله في أول ~~المحرم وكان مع شرف قدره في التركمان ذكيا محبا لأهل العلم والأدب مميزا عن ~~أمثاله بالفضيلة. وفي شهر ربيع الأول من السنة وردت الأخبار من ناحية مصر ~~بأن الامام الظافر بالله أمير المؤمنين صاحبها كان ركن إلى أخويه يوسف ~~وجبريل وإلى ابن عمهم صالح بن حسن وانس بهم في أوقات مسراته فعملوا عليه ~~واغتالوه وقتلوه وأخفوا أمره في يوم الخميس انسلاخ صفر سنة 49 وحضر الامام ~~العادل عباس الوزير وولده ناصر الدين وجماعة من الأمراء والمقدمين للسلام ~~على الرسم فقيل لهم: إن أمير المؤمنين ملتاث الجسم. فطلبوا الدخول عليه ~~لعبادته فاحتج عليهم فلم يقبلوا وألحوا في الطلب فظهر الأمر وانكشف واقتضت ~~الحال المسارعة إلى قتل الجناة في الوقت والساعة وإقامة ولد الظافر عيسى ~~وهو صغير يناهز ثلاث سنين ولقبوه الفائز بنصر الله وأخذ له البيعة على ~~الأجناد والعسكرية وأعيان الرعية على جاري العادة والعادل عباس الوزير ~~وإليه تدبير الأمور واستمرت الأحوال على المنهاج ثم ورد الخبر بعد ذلك بأن ~~الأمير فارس المسلمين طلائع بن رزيك وهو من أكابر الأمراء المقدمين ~~والشجعان المذكورين لما انتهى إليه الخبر وهو غائب عن مصر قلق لذاك وامتعض ~~وجمع واحتشد وقصد العود إلى مصر فلما عرف عباس الوزير ms351 بما جمع خالف الغلبة ~~والاقدام على الهلكة إذ لا طاقة له بملاقاته في حشده الكثير ولم يمكنه ~~المقام على الخطار بالنفس فتأهب للهرب في خواصه وأسبابه وحرمه ووجوه أصحابه ~~وما تهيأ من ماله وتجمله وكراعه وسار مغذا. فلما قرب من أعمال عسقلان وغزة ~~ظهر إليه جماعة من خيالة الافرنج فاغتر بكثرة من معه وقلة من قصده فلما ~~حملوا عليه فشل أصحابه وأعانوا عليه وانهزم أقبح هزيمة هو وولد له صغير ~~وأسر ابنه الكبير الذي قتل ابن السلار مع ولده وحرمه وماله وكراعه وحصلوا ~~في أيدي الافرنج ومن هرب لقي من الجوع والعطش ومات العدد الكثير من الناس ~~والدواب ووصل إلى دمشق منهم من نجاه الهرب على أشنع صفة من العدم والعري ~~والفقر في أواخر شهر ربيع الآخر من السنة وضاقت صدور المسلمين بهذه المصيبة ~~المقضية بيد الافرنج فسبحان من لا يرد له قضاء ولا محتوم أمر وفي آخر شهر ~~ربيع الأول وصل الأمير الاسفهسلار مجد الدين أبو بكر محمد نائب المولى ~~الملك نور الدين في حلب إلى دمشق عقيب عوده من الحج وأقام أياما وعاد ~~منكفئا إلى منصبه في حلب وتدبير أعمالها وتسديد أحوالها وفي شهر ربيع الآخر ~~سنة 549 ثار في دمشق مرض مختلف الحميات منه ما يقصر ومنه ما يطول وأعقبه ~~بعد ذلك موت في الشيوخ والشباب والصبيان ثم تقاصر ذلك وفي أيام من جمادى ~~الأولى من السنة ورد الخبر من ناحية مصر بأن عدة وافرة من مراكب الافرنج من ~~صقلية وصلت إلى مدينة تنيس على حين غفلة من أهلها فهجمت عليها وقتلت وأسرت ~~وسبت وانتهبت وعادت بالغنائم بعد ثلاثة أيام وهي صفر وبعد ذلك عاد من كان ~~هرب منها في البحر بعد الحادثة ومن سلم واختفى وضاقت الصدور عند استماع هذا ~~الخبر المكروه وفي شهر رمضان ورد الخبر من ناحية حلب بفاة القاضي فخر الدين ~~أبي منصور محمد بن عبد الصمد الطرسوسي رحمه الله وكان ذا همة ماضية ويقظة ~~مضيئة ومرؤة ظاهرة في داره وولده ومن يلم ms352 به من غريب ووافد وقد نفذ أمره ~~وتصرفه في أعمال حلب في أيام الملكية النورية وأثر في الوقوف أثرا حسنا ~~توفر به ارتفاعه. ثم انعزل عن ذلك أجمل اعتزال. وفي يوم الثلاثاء الثامن من ~~شهر رمضان سنة 549 توفي الحكيم أبو محمد بن حسين الطبيب المعري رحمه الله ~~وكان حسن الطريقة والصناعة كثير التجربة ثاقب المعرفة فكثر التأسف عليه ~~وعند فقد مثله # ودخلت # سنة خمسين وخمسمائة PageV01P198 وأولها يوم الاثنين مستهل المحرم والطالع ~~العقرب عشرون درجة وثلاثون دقيقة وثمان وأربعون ثانية. وفي اليوم الرابع ~~والعشرين من ربيع الأولى من السنة تقررت أسباب الموادعة بين الملك العادل ~~نور الدين صاحب دمشق وبين ملك الافرنج تقدير السنة وتمهدت القاعدة على هذه ~~الحال إلى آخر المدة المستقرة. وبعد أيام قلائل من ذلك خرج الأمر الملكي ~~النوري بالقبض على ضحاك والي بعلبك وطلب منه تسليمها فأجاب إلى ذلك ورحل ~~العسكر المنصور إليها لتسلمها وفي يوم الخميس السابع من شهر ربيع الأول من ~~السنة كان تسلمها ورتب فيها من سلمت إليه واعتمد في حفظها عليه. وفي يوم ~~الاثنين الحادي وعشرين من رجب من السنة توجه الأمير أسد الدين شيركوه إلى ~~حلب عند استدعاء الملك العادل نور الدين له وفي أيام من شعبان من السنة ورد ~~الخبر من ناحية مصر بأن المنتصب في الوزارة فارس الاسلام بن رزيك لما ~~استقام له الأمر عزم على مصالحة الافرنج وموادعتهم واستكفاف شرهم ومصانعتهم ~~بمال يحمل إليهم من الخزانة وما يفرض على اقطاع المقدمين من الأجناد فحين ~~شاورهم في ذلك أنكروه ونفروا منه وعزموا على عزله والاستبدال به من يرتضون ~~به واختاروا مقدما يعرف بالأمير ..... مشهورا بالشهامة والبسالة وحسن ~~السياسة. وارتضي لتولية الاسطول المصري مقدما من البحرية شديد البأس بصيرا ~~بأشغال البحر فاختار جماعة من رجال البحر يتكلمون بلسان الافرنج وألبسهم ~~لباس الافرنج وأنهضهم في عدة من المراكب الاسطولية وأقلع في البحر لكشف ~~الأماكن والمكامن والمسالك المعروفة بمراكب الروم وتعرف أحوالها ثم قصد ~~مينا صور وقد ذكر له إن فيه شختورة ms353 رومية كبيرة فيها رجال كثيرة ومال كثير ~~وافر فهجم عليها وملكها وقتل من فيها واستولى على ما حوته وأقام ثلاثة أيام ~~ثم أحرقها وعاد عنها في البحر فظفر بمراكب حجاج الافرنج فقتل وأسر وانتهب ~~وعاد منكفئا إلى مصر بالغنائم والأسرى وفي الشهر المذكور ورد الخبر من ~~ناحية حلب بوقوع الخلف بين أولاد الملك مسعود بعد وفاته وبين أولاد قتلمش ~~وبين أولاد قلج أرسلان وإن الملك العادل نور الدين صاحب دمشق وحلب دخل ~~بينهم للصلح والاصلاح والتحذير من الخلف المقوي للأعداء من الروم والافرنج ~~وطمعهم في المعاقل الاسلامية وبالغ في ذلك بأحسن توسط وبذل التحف ~~والملاطفات وصلحت بينهم الأحوال وتناصرت الأخبار في هذا الأوان من ناحية ~~العراق بأن الامام المقتفي لأمر الله أمير المؤمنين قد اشتدت شوكته وظهر ~~واستظهر على كل مخالف له وعادل عن حكمه ولم يبق له مخالف مشتاق ولا عدو ~~منافق وإنه مجمع على قصد الجهات المخالفة لأمره وفي يوم الجمعة العاشر من ~~ذي الحجة سنة 550 عاد الملك العادل نور الدين إلى دمشق من حلب وقد كان ورد ~~الخبر قبل ذلك بأن الأمير قرا أرسلان بن داود بن سكمان ابن ارتق ورد على ~~الملك العادل نور الدين وهو بأعمال حلب فبالغ في الاكرام له والسرور بمقدمه ~~ولاطفه وألطفه بما جل قدره وعظم أمره من التحف والعطاء ثم عاد عنه إلى عمله ~~مسرورا شاكرا وورد الخبر أيضا في شهر رمضان سنة 50 بأن الملك العادل نور ~~الدين نزل في عسكره بالأعمال المختصة بالملك قلج أرسلان بن الملك مسعود بن ~~سليمان بن قتلمش ملك قونية وما والاها فملك عدة من قلاعها وحصونها بالسيف ~~والأمان وكان الملك قلج أرسلان وأخواه ذو النون ودولاب كذا مشتغلين بمحاربة ~~أولاد الدانشمند واتفق إن أولاد الملك مسعود رزقوا النصر على أولاد ~~الدانشمند والاظهار على عسكره في وقعة كانت على موضع يعرف باقصرا في شعبان ~~سنة 550 فلما عرف وعاد ما كان من الملك العادل نور الدين في بلاده عظم عليه ~~هذا الأمر واستبشعه مع ms354 ما بينهما من الموادعة والمهادنة والصهر وراسله ~~بالمعاتبة والانكار عليه والوعيد والتهديد وأجابه بحسن الاعتذار وجميل ~~المقال وبقي الأمر بينهما مستمرا على هذه الحال # ودخلت # سنة إحدى وخمسين وخمسمائة PageV01P199 وأولها يوم الجمعة مستهل المحرم ~~والطالع الدلو خمس عشرة درجة وست عشرة عاشرة وبعد وصول الحجاج يوم الجمعة ~~السادس من صفر من السنة توجه الملك العادل نور الدين إلى ناحية حلب في بعض ~~عسكره في يوم الثلاثاء الرابع والعشرين من صفر من السنة عند انتهاء خبر ~~الافرنج إليه بعيثهم في أعمال حلب وافسادهم وصادفه في طريقه المبشر بظفر ~~عسكره في حلب بالافرنج المفسدين على حارم وقتلهم جماعة منهم وأسرهم ووصل مع ~~المبشر عدة وافرة من رؤوس الافرنج المذكورين وطيف بها في دمشق. وفي يوم ~~الثلاثاء الثالث من شهر ربيع الأول من السنة توفي الشيخ الفقيه الزاهد أبو ~~البيان نبا بن محمد المعروف بأن الحوراني رحمه الله وكان حسن الطريقة مذ ~~نشأ صيتا إلى أن قضى متدينا ثقة عفيفا محبا للعلم والأدب والمطالعة للغة ~~العرب وكان له عند خروج سريره لقبره في مقابر الصغيرة المجاورة لقبور ~~الصحابة من الشهداء رضي الله عنهم يوم مشهور من كثرة المناسقين والمتأسفين ~~عليه وورد الخبر من ناحية حلب بوفاة الشريف السيد بهاء الدين أبي الحسن ~~الهادي بن المهدي بن محمد الحسيني الموسوي رحمه الله في اليوم السابع عشر ~~من رجب سنة 551 وكان حسن الصورة فصيح اللسان بالعربية والفارسية جميل ~~الأخلاق والخلال مشكور الأفعال كريم النفس مليح الحديث واسع الصدر مكين ~~المحل من الملك العادل نور الدين ركن الاسلام والمسلمين سلطان الشام أدام ~~الله علاه وناله من الحزن لفقده والتأسف عليه ما يقتضيه مكانه المكين عنده ~~ونظم فيه هذه الأبيات رثاه بها من كان بينه وبينه مودة مستحكمة أوجبت ذاك ~~إن رأيت اثباتها في هذا الموضع مع ذكره وهي: # نعى الناعي جاء الدين لما ... أتاه نازل القدر المتاح # فروع كل ذي علم وفضل ... من الأدباء والعرب الفصاح # بكته غزالة الآفاق حزنا ... واظلم رزؤه ضوء الصباح # وأسبلت ms355 العيون دما عليه ... كذلك عادة المقل الصحاح # فكم متفجع يبكي عليه ... بحرقة موجع دامي الجراح # وينشر فضله في كل ناد ... بألفاظ محبرة فصاح # على حسناته تبكي المعالي ... بدمعة ثاكل خود رداح # فلو رام البليغ لها صفات ... لقصر عن مراث وامتداح # له خلق صحيح لا يضاهى ... ووجه مشرق الأرجاء صاح # وكف جودها كالغيث يهمي ... على العافين كالجود المباح # له شرفان في عرب وفرس ... وقد صالا بمرهفه الصفاح # فأضحى لا مساجل في جلال ... ولا شرف ينير ولا سماح # على أمثاله عند الرزايا ... يعط جيوب أرباب البطاح # ومن كان الحسين أباه قدما ... فقد نال المعلى في القداح # لئن واراه في حلب ضريح ... بعيد عن مواطنه الفساح # وأصبح فيه منفردا غريبا ... عن الأهلين في غلس وضاح # فهذا الرسم جار في البرايا ... بلا قصد يكون ولا اقتراح # فلا برحت عمائم كل نود ... تروضه بأنوار الأقاحي # ورحمة محيي الأموات تسري ... عليه في الغدو وفي الرواح # هدى الأيام ما ناحت هتوف ... ولاح بقفره بيض الأداحي # وفي اليوم الخامس والعشرين توفي الشيخ أبو طالب شيخ الصوفية بدمشق رحمه ~~الله وكان خيرا تقيا عفيفا حسن الطريقة مشكور الخلال # شرح الزلازل الحادثة في هذه السنة المباركة وتواليها # في ليلة الخميس التاسع من شعبان سنة 551 الموافق لليوم السابع والعشرين ~~من أيلول في الساعة الثانية منها وافت زلزلة عظيمة رجفت بها الأرض ثلاث أو ~~أربع مرات ثم سكنت بقدرة من حركها وسكنها سبحانه وتعالى من مليك قادر قاهر ~~ثم وافى بعد ذلك ليلة الأربعاء الثاني وعشرين من شعبان المذكور زلزلة وجاءت ~~قبلها وبعدها مثلها في النهار وفي الليل ثم جاء بعد ذلك ثلاث دونهن بحيث ~~أحصين ست مرات وفي ليلة السبت الخامس وعشرين من الشهر المذكور جاءت زلزلة ~~أرتاع الناس منها في أول النهار وآخره ثم سكنت بقدرة محركها سبحانه وتعالى ~~PageV01P200 وتواصلت الأخبار من ناحية حلب وحماة بانهدام مواضع كثيرة ~~وانهدام برج من أبراج أفامية بهذه الزلازل الهائلة وذكر إن الذي أحصى عدده ~~منها تقدير الأربعين على ما حكى والله تعالى ms356 أعلم. وما عرف مثل ذلك في ~~السنين الماضية والأعصر الخالية وفي يوم الأربعاء التاسع وعشرين من الشهر ~~بعينه شعبان وافت زلزلة تتلو ما تقدم ذكره آخر النهار وجاءت في الليل ثانية ~~في آخره ثم وافى في يوم الاثنين أول شهر رمضان من السنة زلزلة مروعة للقلوب ~~وعاودت ثانية وثالثة ثم وافى بعد ذلك في يوم الثلاثاء ثالثة ثلاث زلازل ~~إحداهن في أوله هائلة والثانية والثالثة دون الأولى وأخرى في وقت الظهر ~~مشاكلة لهن ووافى بعد ذلك اخرى هائلة أيقظت النيام وروعت القلوب انتصاف ~~الليل فسبحان القادر على ذلك ثم وافى بعد ذلك في الساعة التاسعة من ليلة ~~الجمعة النصف من شهر رمضان من السنة زلزلة عظيمة هائلة أعظم مما سبق ولما ~~كان عند الصباح من الليلة المذكورة وافت أخرى دونها وتلا ما تقدم في ليلة ~~السبت أولها وجاءت أخرى آخرها ثم تلا ذلك في يوم الاثنين زلزلة هائلة وتلا ~~ذلك في ليلة الجمعة الثالث والعشرين من شهر رمضان في الثلاث الأول منها ~~زلزلة عظيمة مزعجة وفي غداة يوم الأحد ثاني شوال من السنة تالي ما تقدم ~~ذكره وافت زلزلة أعظم مما تقدم روعت الناس وأزعجتهم وفي يوم الخميس سابع ~~شوال المذكور وافت زلزلة هائلة في وقت صلاة الغداة وفي يوم الأحد الثالث ~~عشر منه وافت زلزلة هائلة في وقت صلاة الغداة وفي يوم الاثنين تلوه وافت ~~زلزلة أخرى مثلها ثم أخرى بعدها دونها ثم ثالثة ثم رابعة. وفي ليلة الأحد ~~الثاني والعشرين من شوال وافت زلزلة عظيمة روعت النفوس ثم وافى عقيب ذاك ما ~~أهمل ذكره لكثرته ودفع الله تعالى عن دمشق وضواحيها ما خاف أهلها من توالي ~~ذلك وتتابعه برأفته بهم ورحمته لهم فله الحمد والشكر لكن وردت الأخبار من ~~ناحية حلب بكثرة ذلك فيها وانهدام بعض مساكنها إلا شيزر فإن الكثير من ~~مساكنها انهدم على سكانها بحيث قتل منهم العدد الكثير. وأما كفرطاب فهرب ~~أهلها منها خوفا على أرواحهم وأما حماة فكانت كذلك وأما باقي الأعمال ~~الشامية فما ms357 عرف ما حدث فيها من هذه القدرة الباهرة وفي يوم الأربعاء ~~الحادي والعشرين من شهر رمضان سنة 551 وصل المولى الملك نور الدين أعز الله ~~نصره إلى بلده دمشق عائدا من ناحية حلب وأعمال الشام بعد تهذيبها وتفقد ~~أحوالها سالما في النفس والجملة بعد استقرار الموادعة بينه وبين ولد ~~السلطان مسعود وصاحب قونية وزوال ما كان حدث بينهما وفي شوال تقررت ~~الموادعة والمهادنة بينه وبين ملك الافرنج مدة سنة كاملة أولها شعبان وإن ~~المقاطعة المحمولة إليهم من دمشق ثمانية آلاف دينار صورية وكتبت المواصفة ~~بذلك بعد تأكيدها بالأمان بالمواثيق المشددة. وكان المعروف بأبي سالم بن ~~همام الحلبي قد ولي مشارفة الديوان بدمشق بعناية الأمير أسد الدين النائب ~~عن الملك العادل نور الدين فظهر منه خيانات اعتمدها وتفريطات قصدها بجهله ~~وسخافة عقله وتقصيره فأظهرها قوم من المتصرفين عند الكشف عنها والتحقيق لها ~~فاقتضت الحال القبض عليه والاعتقال له إلى أن يقوم بما وجب عليه فلما كان ~~في يوم الأحد السادس عشر من شوال سنة 551 خرج الأمر السامي النوري بالكشف ~~عن سعاياته في فضول كان غنيا عنها فاقتضت الحال بأن يحلق لحيته ويركب حمارا ~~مقلوبا وخلفه من يعلوه بالدرة وأن يطاف به في أسواق دمشق بعد سخام وجهه ~~وينادى عليه هذا أجزاء كل خائن ونمام ثم أقام بعد ذلك في الاعتقال أياما ثم ~~أمر بنفيه إلى حلب بشفاعة من شفع فيه من مقدمي الدولة السعيدة فمضى على ~~أقبح صفة من لعن الناس ونشر مخازيه وتعديد مساويه وفي شعبان من السنة وردت ~~الأخبار من ناحية مصر بارتفاع أسعار الغلة بها وقلة وجودها وشدة أضرارها ~~بالضعفاء والمساكين وغيرهم وأمر المتولي لأمرها التناء والمحتكرين لها ببيع ~~الزائد على أقواتهم على المقلين والمحتاجين ووكد الخطاب في ذلك وما زادت ~~الحال إلا شدة مع ما ذكر من توفية النيل في السنة PageV01P201 وفي شعبان ~~وردت الأخبار من ناحية العراق بخلاص السلطان سنجر ابن السلطان العادل من ~~ضيق الاعتقال المتطاول به بتدبير أعمل على الموكلين به ووعود وافية ms358 بحيث ~~أجابوا إلى ذلك وعاد إلى مكانه من السلطنة ووفى بما وعد المساعدين له على ~~الخلاص وقويت شوكته واستقامت مملكته وفي شهر رمضان وردت الأخبار من ناحية ~~الموصل بأن السلطان سليمان شاه بن السلطان محمد عزم على العبور في عسكره ~~إلى أعمال الموصل فأنفذ إليه واليها ومدبرها الأمير زين الدين علي كوجك ~~يقول له: إنك فعلت وأضررت بالأعمال وأذيت أهلها. وسأله فلم يقبل ونهض إليه ~~في عسكره من الموصل ومن انضاف إليه وصافه فرزق النصر عليه وهزم عسكره أقبح ~~هزيمة واستولى على سواده وعاد به إلى الموصل ظافرا منصورا وفي العشر الأخير ~~من ذي الحجة من السنة غدر الكفرة الافرنج ونقضوا ما كان استقر من الموادعة ~~والمهادنة بحكم وصول عدة وافرة من الافرنج في البحر وقوة شوكتهم بهم ونهضوا ~~إلى ناحية الشعراء المجاورة لبانياس وقد اجتمع فيها من جشارات خيول ~~العسكرية والرعية وعوامل الفلاحين فلاحي الضياع ومواشي الجلابين والعرب ~~الفلاحين الشيء الكثير الذي لا يحصى فيذكر للحاجة إلى الرعي بها والسكون ~~إلى الهدنة المستقرة ووقع من المندوبين لحفظهم من الأتراك تقصير فانتهزوا ~~الفرصة واستاقوا جميع ما وجدوه وأفقروا أهله منه مع ما أسروه من تركمان ~~وغيرهم وعادوا ظافرين غانمين آثمين والله تعالى في حكمه يتولى المكافأة لهم ~~والادالة منهم وما ذلك عليه بعزيز # ودخلت # سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة # أولها يوم الأربعاء مستهل المحرم والطالع برج الدلو اثنتين وعشرين درجة ~~وثماني عشرة دقيقة. قد تقدم شرح ما حدث من الزلازل إلى أواخر سنة 51 ما ~~يغنى عن ذكره ولما كانت ليلة الأربعاء التاسع عشر من صفر سنة 552 وافت ~~زلزلة عظيمة عند انبلاج الصباح فروعت وأزعجت ثم سكنها محركها بلطفه ورأفته ~~بعباده ثم تلا ذلك اخرى دونها إلى ليلة الخميس تاليه بعد مضي ساعات منها ~~ووافت بعدهما اخرى بعد صلاة الجمعة تاليه وتواصلت الأخبار من ناحية الشمال ~~بعظم تأثير هذه الزلازل الأول منها والآخر في مدينة شيزر وحماة وكفرطاب ~~وأفامية وما والاها إلى مواضع من حلب والله تعالى ذكره وعز اسمه ms359 أعلم وأرحم ~~لخلقه وفي العشر الأخير من صفر ورد كتاب السلطان غياث الدنيا والدين أبي ~~الحرث سنجر ابن السلطان العادل أبي الفتح بن السلطان البارسلان أعز الله ~~نصره إلى الملك العادل نور الدين أدام الله أيامه بالتشوق إليه والاحماد ~~بجلاله وما ينتهى إليه من جميع أفعاله وأعلامه وما من الله عليه به من ~~خلاصه من الشدة التي وقع فيها والأسر الذي بلي به في أيدي الأعداء الكفرة ~~من ملوك التركمان بحيلة دبرها وسياسة أحكمها وقررها بحيث عاد إلى منصبه من ~~السلطنة المشهورة واجتماع العساكر المتفرقة عنه إليه واذعانها بطاعته ~~وامتثالهم لأوامره وأمثلته واحسان وعده لكافة المسلمين بنصره على أحزاب ~~الضلال من الافرنج الملاعين وتواصلت مع ذلك إلى نور الدين رسل أرباب ~~الأعمال والمعاقل والولايات بالاستعداد للخفوف إلى أعداء الله الملاعين ~~وغزو من بإزائه من المشركين الأضداد المفسدين في البلاد والناكثين أيمانهم ~~الموكدة في الموادعة والمهادنة. فعند ذلك أمر المولى نور الدين بزينة البلد ~~المحروس سرورا بهذه الأحوال وفعل في ذلك ما لم تجر عادة فيما تقدم في أيام ~~الولاة الخالية وأمر مع ذلك بزينة قلعته ودار مملكته بحيث حلى أسوارها ~~بالآلات الحربية من الجواشن والدروع والتراس والسيوف والرماح والطوارق ~~الافرنجية والقنطاريات والأعلام والمنجوقات والطبول والبوقات وأنواع ~~الملاهي المختلفات وهرعت الأجناد والرعايا وغرباء البلاد من المسافرين ~~لمشاهدة الحال فشاهدوا ما استحسن منه مدة سبعة أيام فالله تعالى يقرن ذلك ~~بالتوفيق والاقبال وتحقيق الآمال في اهمال الكفرة أولي الأفك والضلال بمنه ~~وفضله PageV01P202 وفي يوم الثلاثاء الثالث عشر من ربيع الأول توجه المولى ~~نور الدين أدام الله أيامه إلى ناحية بعلبك لتفقد أحوالها وتقرير أمر ~~المستحفظين لها وتواصلت الأخبار إليه من ناحية حمص وحماة باغارة الافرنج ~~الملاعين على تلك الأعمال واطلاقهم فيها أيدي العيث والفساد والله تعالى ~~يحسن الادالة منهم وتعجل البوار عليهم والاهلاك لهم وفي يوم الاثنين الثاني ~~عشر من شهر ربيع الأول توجه زين الحجاج كثر الله سلامته إلى ناحية مصر ~~رسولا من المولى نور الدين لايصال ما صحبه من المطالعات ms360 إلى صاحب الأمر ~~فيها وصحبته أيضا الرسول الواصل منها وفي يوم الأحد الخامس عشر من شهر ربيع ~~الأول ورد المبشر من المعسكر المنصور برأس المال بأن نصرة الدين أمير ميران ~~لما انتهى إليه خبر الافرنج الملاعين بأنهم قد أنهضوا سرية وافرة من العدد ~~من أبطالهم الموفورة العدد إلى ناحية بانياس لتوليها وتقويتها بالسلاح ~~والمال فأسرع النهضة إليهم في العسكر المنصور وقد ذكر إن عدتهم سبعمائة ~~فارس من أبطال الاسبتارية والسرجندية والداوية سوى الرجالة فأدركهم قبل ~~الوصول إلى بانياس وقد خرج إليهم من كان فيها من حماتها فأوقع بهم وقد كان ~~كمن لهم في مواضع كمناء من شجعان الأتراك وجالت الحرب بينهم واتفق اندفاع ~~المسلمين بين أيديهم في أول المجال وظهر عليهم الكمناء فأنزل الله نصره على ~~المسلمين وخذلانه على المشركين فتحكمت من رؤوسهم ورقابهم مرهفات السيوف ~~بقوارع الحمام والحتوف وتمكنت من أجسادهم مشرعات الرماح وصوارم السهام بحيث ~~لم ينج منهم إلا القليل ممن ثبطه الأجل وأطار قلبه الوجل وصاروا بأجمعهم ~~بين قتيل وجريح ومسلوب وأسير وطريح وحصل في أيدي المسلمين من خيولهم وعدد ~~سلاحهم وكراعهم وأموالهم وقراطيسهم وأسراءهم ورؤوس قتلاهم ما لا يحد كثرة ~~ومحقت السيوف عامة رجالتهم من الافرنج ومسلمي جبل عاملة المضافين إليهم ~~وكان ذلك في يوم الجمعة الثالث عشر من شهر ربيع الأول ووصلت الأسرى والرؤوس ~~من القتلى والعدد إلى البلد المحروس في يوم الاثنين تاليه وأطيف بهم البلد ~~وقد اجتمع لمشاهدتهم الخلق الكثير والجم الغفير وكان يوما مشهودا مستحسنا ~~سرت به قلوب المؤمنين وأحزاب المسلمين وكان ذلك من الله تعالى ذكره وجل ~~اسمه مكافأة على ما كان من بغي المشركين واقدامهم على نكث أيمان المهادنة ~~مع المولى نور الدين أعز الله نصره ونقض عهود الموادعة وأغارتهم على ~~الجشارات ومواشي الجلابين والفلاحين المضطرين إلى المرعى في الشعراء ~~لسكونهم إلى الأمن بالمهادنة والاغترار بتأكيد الموادعة. وكان قد أنفذ إلى ~~المولى نور الدين إلى بعلبك جماعة من أسرى المشركين فأمر بضرب أعناقهم صبرا ~~ذلك لهم خزي في الحيوة الدنيا ms361 ولهم في الآخرة عذاب عظيم " وسيعلم الذين ~~ظلموا أي منقلب ينقلبون " وتبع هذا الفتح المبين ورود البشرى الثانية من ~~أسد الدين باجتماع العدد الكثير إليه من شجعان التركمان وإنه قد ظفر من ~~المشركين بسرية وافرة ظهرت من معاقلهم من ناحية الشمال فانهزمت وتخطف ~~التركمان منهم من ظفروا به ووصل أسد الدين إلى بعلبك في العسكر من مقدمي ~~التركمان وأبطالهم للجهاد في أعداء الله المشركين وهم في العدد الكثير ~~والجم الغفير واجتمع بالملك العادل نور الدين في يوم الاثنين الخامس ~~والعشرين من شهر ربيع الأول من السنة وتقررت الحال على قصد بلاد المشركين ~~لتدويخها وإقامة فرض الغزو والجهاد لمن بها والابتداء بالنزول على بانياس ~~والمضايقة لها والجهاد في افتتاحها والله يسهل ذلك بلطفه ويعجله بمعونته ~~PageV01P203 ووصل نور الدين إلى البلد المحروس في يوم الخميس السابع ~~والعشرين من شهر ربيع الأول لتقرير الأمر في إخراج آلات الحرب وتجهيزها إلى ~~العسكر بحيث يقيم أياما يسيرة ويتوجه في الحال إلى ناحية العساكر المجتمعة ~~من التركمان والعرب للجهاد في الكفرة الأضداد والله يسهل أسباب الادالة ~~منهم ويعجل البوار والهلاك لهم إن شاء الله تعالى. وفي وقت وصوله شرع في ~~انجاز ما وصل لأجله وأمر بتجهيز ما يحتاج إليه من المناجيق والسلاح إلى ~~العسكر المنصور بالنداء في البلد المحروس في الغزاة والمجاهدين والأحداث ~~المتطوعة من فتيان البلد والغرباء بالتأهب والاستعداد لمجاهدة الافرنج أولي ~~الشرك والالحاد وبادر بالمسير في الحال إلى عسكره المنصور مغذا غير متلوم ~~ولا متربث في يوم السبت انسلاخ شهر ربيع الأول وتبعه بين الأحداث والمتطوعة ~~والفقهاء والصوفية والمتدينين العدد الكثير الدثر المباهي في الوفور ~~والكثرة فالله تعالى يقرن آراءه وعزماته بالنصر المشرق المنار والظفر ~~باخراب المردة الكفار ويعجل لهم أسباب الهلاك والبوار بحيث لا تبقى لهم ~~باقية ولا يرى لهم رائحة ولا غادية وما ذلك على الله تعالى القادر القاهر ~~بعزيز ولما كان يوم السبت السابع من شهر ربيع الآخر تالي اليوم المقدم ذكره ~~عقيب نزول الملك العادل نور الدين على بانياس في ms362 عسكره المنصور ومضايقته ~~لها بالمنجنيقات والحرب سقط الطائر من العسكر المنصور بظاهر بانياس يتضمن ~~كتابه الاعلان بورود المبشر من معسكر أسد الدين بناحية هونين في التركمان ~~والعرب بأن الافرنج خذلهم الله أنهضوا سرية من أعيان مقدميهم وأبطالهم تزيد ~~على مائة فارس سوى أتباعهم لكبس المذكورين ظنا منهم إنهم في قل ولم يعلموا ~~إنهم في ألوف فلما دنوا منهم وثبوا إليهم كالليوث إلى فرائسها فأطبقوا ~~عليهم بالقتل والأسر والسلب ولم يفلت منهم إلا اليسير ووصلت الأسرى ورؤوس ~~القتلى وعددهم من الخيول المنتخبة والطوارق والقناريات إلى البلد في اليوم ~~الاثنين تالي اليوم المذكور وطيف بهم فيه فسرت القلوب بمشاهدتهم وأكثروا ~~الشكر لله على هذه النعمة المسهلة بعد الأولى المتكملة والله المأمول ~~لتعجيل هلاكهم وبوارهم وما ذلك على الله بعزيز. وتتلو هذه الموهبة المجددة ~~سقوط الطائر من المعسكر المحروس ببانياس في يوم الثلاثاء يتلو المذكور بذكر ~~افتتاح مدينة بانياس السيف قهرا على مضي أربع ساعات من يوم الثلاثاء ~~المذكور عند تناهي النقب واطلاق النار فيه وسقوط البرج المنقوب وهجوم ~~الرجال فيه وبذل السيف في قتل من فيه ونهب ما حواه وانهزام من سلم إلى ~~القلعة وانحصارهم بها وإن أخذهم بمنية الله تعالى لا يبطئ والله يسهله ~~ويعجله واتفق بعد ذلك للأقضية المقدرة إن الافرنج تجمعوا من معاقلهم عازمين ~~على استنقاذ الهنفري صاحب بانياس ومن معه من أصحابه الافرنج المحصورين ~~بقلعة بانياس وقد أشرفوا على الهلاك وبالغوا في السؤال للأمان للمولى نور ~~الدين ويسلمون ما في أيديهم من القلعة وما حوته لينجوا سالمين فلم يجبهم ~~إلى ما سألوه ورغبوا فيه. فلما وصل ملك الافرنج في جمعه من الفارس والراجل ~~من ناحية الجبل على حين غفلة من العسكرين النازلين على بانياس لحصارها ~~والنازل على الطريق لمنع الواصل إليها واقتضت السياسة الاندفاع عنها بحيث ~~وصلوا إليها واستحصلوا من كان فيها فحين شاهدوا ما عم بانياس من خراب سورها ~~ومنازل سكانها يئسوا من عمارتها بعد خرابها وذلك في أيام من العشر الأخير ~~من شهر ربيع الآخر PageV01P204 وفي ms363 يوم الأربعاء التاسع من جمادى الأولى ~~سقطت الأطيار بالكتب من المعسكر المحروس النوري تتضمن الأعلام بأن الملك ~~العادل نور الدين أعز الله نصره لما عرف إن معسكر الكفرة الافرنج على ~~الملاحة بين طبرية وبانياس نهض في عسكره المنصور من الأتراك والعرب وجد في ~~السير. فلما شارفهم وهم غازون وشاهدوا راياته قد أظلتهم بادروا بلبس السلاح ~~والركوب وافترقوا أربع فرق وحملوا على المسلمين فعند ذلك ترجل الملك نور ~~الدين وترجلت معه الأبطال وأرهقوهم بالسهام وخرصان الرماح فما كان إلا كلا ~~ولا حتى تزلزلت بهم الأقدام ودهمهم البوار والحمام وأنزل الله العزيز ~~القهار نصره على الأولياء الأبرار وخذلانه على المردة الكفار وتمكنا من ~~فرسانهم قتلا وأسرا واستأصلت السيوف الرجالة وهم العدد الكثير والجم الغفير ~~ولم يفلت منهم على ما حكاه الخبير الصادق غير عشرة نفر ممن ثبطه الأجل ~~وأطار قلبه الوجل، وقيل إن ملكهم لعنهم الله فيهم وقيل إنه في جملة القتلى ~~ولم يعرف له خبر والطلب مجد له والله المعين على الأظفار به ولم يفقد من ~~عسكر الاسلام سوى رجلين أحدهما من الأبطال المذكورين قتل أربعة من شجعان ~~الكفرة وقتل عند حضور أجله وانتهاء مهله والآخر غريب لا يعرف فكل منهما مضى ~~شهيدا مثابا مأجورا رحمهما الله. وامتلأت أيدي العسكرية من خيولهم وعددهم ~~وكراعهم وأثاث سوادهم الشيء الذي لا يحصى كثرة وحصلت كنيستهم في يد الملك ~~نور الدين بآلاتها المشهورة وكان فتحا من الله القادر الناصر عزيزا ونصرا ~~مبينا أعز الله بهما الاسلام وأهله وأذل الشرك وحزبه ووصلت الأسرى ورؤوس ~~القتلى إلى دمشق في يوم الأحد تالي يوم الفتح وقد رتبوا على كل جمل فارسين ~~من أبطالهم ومعهما راية من راياتهم منشورة وفيها من جلود رؤوسهم بشعرها عدة ~~والمقدمون منهم وولاة المعاقل والأعمال كل واحد منهم على فرس وعليه الزردية ~~والخوذة وفي يده راية والرجالة من السرجندية والدركيولية كل ثلاثة وأربعة ~~وأقل وأكثر في حبل وخرج من أهل البلد الخلق الذي لا يحصى لهم عدد من الشيوخ ~~والشبان والنسوان والصبيان لمشاهدة ms364 ما منح الله تعالى ذكره كافة المسلمين ~~من هذا النصر المشرق الأعلام وأكثروا من التسبيح ومواصلة التقديس لله تعالى ~~مولى النصر لأوليائه ومديلهم من أعدائه وواصلوا الدعاء الخالص للملك العادل ~~نور الدين المحامي عنهم والمرامي دونهم والثناء على مكارمه والوصف لمحاسنه ~~ونظم في ذلك أبيات في هذا المعنى وهي: # مثل يوم الفرنج حين عليتهم ... ذلة الأسر والبلا والشقاء # وبراياتهم على العيس زفوا ... بين ذل وحسرة وعناء # بعد عز لهم وهيبة ذكر ... في مصاف الحروب والهيجاء # هكذا هكذا هلاك الأعادي ... عند شن الاغارة الشعواء # شؤم أخذ الجشار وكان وبالا ... عمهم في صباحهم والمساء # نقضوا هدنة الصلاح بجهل ... بعد تأكيدها بحسن الوفاء # فلقوا بغيهم بما كان فيه ... من فساد يجلهم واعتداء # لا حمى الله شملهم من شتات ... بمواض تفوق حد المضاء # فجزاء الكفور قتل وأسر ... وجزاء الشكور خير الجزاء # فلرب العباد حمد وشكر ... دائم مع تواصل النعماء # وشرع في قصد أعمالهم لتملكها وتدويخها والله المعين والموفق لذلك بمنه ~~ولطفه ومشيئته. وفي يوم الخميس الخامس والعشرين من جمادى الأولى وافت زلزلة ~~عظيمة بعد مضي ثلاث ساعات منه اهتزت لها الأرض هزات ثم وافت بعدها ثانية ~~قرنت بعد مضي ست ساعات من اليوم ثم بعد مضي ثماني ساعات من هذا اليوم ~~المذكور وافت ثالثة أشد من الأوليين وأزعج فسبحان محركهن بقدرته ومسكنهن ~~بحكمته تعالى علوا كبيرا PageV01P205 وفي آخر هذا اليوم وافت زلزلة رابعة ~~لما تقدم بين العشائين من ليلته مروعة هائلة أزعجت وأقلقت وضج الناس ~~بالتهليل والتسبيح والتقديس. وفي ليلة الأحد الرابع من جمادى الآخرة من ~~السنة آخرها عند صلاة الغداة وافت زلزلة هائلة وجاء بعدها اخرى دونها ~~وتواصلت الأخبار من ناحية الشمال بأن هذه الزلازل أثرت في حلب تأثيرا أزعج ~~أهلها وأقلقهم وكذلك في حمص وهدمت مواضع فيها وفي حماة وكفرطاب وأفامية ~~وهدمت فيها ما كان من هدم ما بني من المهدوم بالزلازل الأول وحكي عن تيماء ~~إن هذه الزلازل أثرت في مساكنها تأثيرا مهولا وفي العشر الثاني من جمادى ~~الآخرة تواصلت الأخبار ms365 بوصول ولد السلطان مسعود في خلق كثير للنزول على ~~انطاكية وأوجبت الصورة تقرير المهادنة بين الملك العادل نور الدين وملك ~~الافرنج وتكررت المراسلات بينهما والاقتراحات والمشاجرات بحيث فسد الأمر ~~ولم يسفر على ما يؤثر من الصلاح ومرضي الاقتراح المقرون بالنجاح ووصل الملك ~~العادل نور الدين أعز الله نصره إلى مقر عزه في بعض عسكره في يوم السبت ~~الخامس والعشرين من جمادى الآخرة من السنة وأقر بقية عسكره ومقدميه مع ~~العرب بإزاء أعمال المشركين خذلهم الله وكانت الأخبار تناصرت من بغداد ~~بإظهار أمير المؤمنين المقتفى لأمر الله أعز الله نصره على عسكر السلطان ~~محمد شاه المخالف لأمره ومن انضم إليه من عسكر الموصل وغره بحيث قتل منهم ~~العدد الكثير والجم الغفير ورحلوا عن بغداد مفرقين مفلولين خاسرين بعد ~~المضايقة والتناهي في المحاصرة والمصابرة وفي يوم الأحد الثالث من رجب توجه ~~الملك العادل نور الدين إلى ناحية حلب وأعمالها لتجريد مشاهدتها والنظر في ~~حمايتها بحيث عبث المشركون فيها وقرب عساكر الملك ابن مسعود منها والله ~~الموفق له فيما يراه ويقصده ويتوخاه وفي الساعة التاسعة من يوم الاثنين ~~الرابع من رجب سنة 52 وافت زلزلة عظيمة في دمشق لم ير مثلها فيما تقدم ~~ودامت وجفاتها حتى خاف الناس على أنفسهم ومنازلهم وهربوا من الدور ~~والحوانيت والسقايف وانزعجوا وأثرت في مواضع كثيرة ورمت من فص الجامع الشيء ~~الكثير الذي يعجز عن إعادة مثله ثم وافت عقيبها زلزلة في الحال ثم سكنتا ~~بقدرة من حركها وسكنت نفوس الناس من الروعة والخوف برحمة خالقهم ورازقهم لا ~~الله إلا هو الرؤوف الرحيم. ثم تبع ذلك في أول ليلة اليوم المذكور زلزلة ~~وفي وسطه زلزلة وفي آخره زلزلة أخف من الأولى والله تبارك وتعالى لطيف ~~بعباده وبلاده وله الحمد والشكر رب العالمين. وتلا ذلك في يوم الجمعة ~~الثامن من رجب زلزلة مهولة أزعجت الناس وتلاها في النصف منها ثانية وعند ~~انبلاج الصبح ثالثة وكذلك في ليلة السبت وليلة الأحد وليلة الاثنين وتتابعت ~~بعد ذلك بما يطول به الشرح ms366 ووردت الأخبار من ناحية الشمال بما يسوء سماعه ~~ويرعب النفوس ذكره بحيث انهدمت حماة وقلعتها وسائر دورها ومنازلها على ~~أهلها من الشيوخ والشبان والأطفال والنسوان وهم العدد الكثير والجم الغفير ~~بحيث لم يسلم منهم إلا القليل اليسير. وأما شيزر فإن ربضها سلم إلا ما كان ~~خرب أولا وأما حصنها المشهور فإنه انهدم على واليها تاج الدولة بن أبي ~~العساكر بن منقذ رحمه الله ومن تبعه إلا اليسير ممن كان خارجا وأما حمص فإن ~~أهلها كانوا قد أجفلوا منها إلى ظاهرها وسلموا وتلفت مساكنهم وتلفت قلعتها ~~وأما حلب فهدمت بعض دورها وخرج أهلها وأما ما بعد عنها من الحصون والمعاقل ~~إلى جبلة وجبيل فأثرت فيها الآثار المستبشعة وأتلفت سلمية وما اتصلت بها ~~إلى ناحية الرحبة وما جاورها ولو لم تدرك العباد والبلاد رحمة الله تعالى ~~ولطفه ورحمته ورأفته لكان الخطب الخطير والأمر الفطيع المزعج بحيث نظم في ~~ذلك من قال: # روعتنا زلازل حادثات ... بقضاء قضاه رب السماء # هدمت حصن شيزر وحماة ... أهلكت أهلها بسوء القضاء # وبلادا كثيرة وحصونا ... وثغورا موثقات البناء # وإذا ما رنت عيون إليها ... أجرت الدمع عندها بالدماء # وإذا ما قضى من الله أمر ... سابق في عباده بالمضاء # حار قلب اللبيب فيه ومن كا ... ن له فطنة وحسن ذكاء PageV01P206 وتراه ~~مسبحا باكي العين م ... مروعا من سخطة وبلاء # جل ربي في ملكه وتعالى ... عن مقال الجهال والسفهاء # وأما هل دمشق فلما وافتهم الزلزلة من هولها وأجفلوا من منازلهم والمسقف ~~إلى الجامع والأماكن الخالية من البنيان خوفا على نفوسهم ووافت بعد ذلك ~~اخرى وفتح باب البلد وخرج الناس إلى ظاهره والبساتين والصحراء وأقاموا عدة ~~ليال وأيام على الخوف والجزع يسبحون ويهللون ويرغبون إلى خالقهم ورازقهم في ~~العفو عنهم واللطف بهم والله تعالى والي الاجابة وقبول الرغبة والانابة ~~ووردت الأخبار مع ذلك من ناحية العراق في أوائل رجب سنة 552 بوفاة سلطان ~~غياث الدنيا والدين أبي الحرث سنجر ابن السلطان العادل أبي الفتح ابن ~~السلطان البارسلان وهو سلطان خراسان عقيب خلاصه ms367 من الشدة التي وقع فيها ~~والأسر الذي حصل فيه وكان يحب العدل والانصاف للرعايا حسن الفعل جميل ~~السيرة وقد علت سنه وطال عمره وتولاه الله برحمته وسابغ مغفرته بفضله ~~ورأفته وفي شهر رمضان من السنة ورد الخبر من ناحية حلب بوفاة الشيخ الأمير ~~مخلص الدين أبي البركات عبد القاهر بن علي بن أبي جرادة الحلبي رحمه الله ~~في العشر الثاني منه بعرض عرض له وهو الأمين على خزائن مال الملك العادل ~~نور الدين سلطان الشام فراعني فقده والمصاب بمثله لأنه كان خيرا كاتبا ~~بليغا حسن البلاغة نظما ونثرا مستحسن الفنون من التذهيب البديع وحسن الخط ~~المحرر على الأصول القديمة المستطرفة مع صفاء الذهن وتوقد الفطنة والذكاء ~~وكان بيني وبينه مودة محصدة الأسباب في أيام الصباء وبعدها بحكم تردده من ~~حلب إلى دمشق وأوجبت هذه الحال تفجعي به وتأسفي على مثله نظم هذه الأبيات ~~أرثيه بها وأصف محاسنه فيها وهي: # فجعت بخل كان يونس وحشتي ... تذكره في غيبة وحضور # فتى كان ذا فضل يصول بفضله ... وليس له من مشبه ونظير # وقد كان ذا فضل وحسن بلاغة ... ونظم كدر في قلائد حور # يفوق بحسن اللفظ كل فصاحة ... وخط بديع في الطروس منير # وقد كنت ذا شوق إليه إذا نأى ... فقد صرت ذا حزن بغير سرور # سأشكوا زمانا روعتني صروفه ... بفقدي من أهوى بغير مجير # وما نافعي شكوى الزمان وقد غدا ... على كل ملك في الزمان خطير # وأجناده بالمرهفات تحوطه ... وكل شجاع فاتك ونصير # سقى الله قبرا ضمه بمجلجل ... بكل أصيل حادث وبكور # ليصبح كالروض الأنيق إذا بدا ... بزهر يروق الناظرين نضير # برحمة من يرجى لرحمة مثله ... وغفران رب للعباد غفور # وفي يوم الأربعاء الرابع والعشرين من شهر رمضان من السنة وافت في دمشق ~~زلزلة روعت الناس وأزعجتهم لما قد وقع في نفوسهم مما قد جرى على بلاد الشام ~~من تتابع الزلازل فيها وهدم ما هدمت منها. ووافت الأخبار من ناحية حلب بأن ~~هذه الزلزلة المذكورة جاءت في حلب هائلة قلقلت من دورها ms368 وجدرانها العدد ~~الكثير وأجفل منها أهلها إلى ظاهرها خوفا على نفوسهم. وإنها كانت بحماة ~~أعظم ما كانت في غيرها وإنها هدمت ما كان عمر فيها من بيوت يلتجأ إليها ~~وإنها دامت فيها أياما كثيرة في كل يوم عدة وافرة من الرجفات الهائلة ~~وتتبعها صيحات مختلفات توفي على أصوات الرعود القاصفة المزعجة فسبحان من له ~~الحكم والأمر ومنه تؤمل الرحمة واللطف وهو على كل شيء قدير. وتلا بعد ذلك ~~رجفات متوالية أخف من غيرهن فلما كان في ليلة السبت العاشر من شوال وافت ~~زلزلة هائلة بعد صلاة العشاء الآخرة أزعجت وأقلقت وتلاها في أثرها هزة خفية ~~ثم سكنهما محركهما بقدرته ورأفته بأهل دمشق ورحمته فله الحمد والشكر رب ~~العالمين PageV01P207 وفي يوم الثلاثاء الرابع عشر من شوال من السنة ورد ~~الخبر من ناحية بصرى باستشهاد واليها فخر الدين سرخاك غيلة في مقره من ~~حصنها بتدبير تقرر بين الأمير علي بن جولة زوج ابنته ومن وافقه من أعيان ~~خاصته وأماثل بطانته وكان فيه افراط من التحرز واستعمال التيقظ ولكن القضاء ~~لا يغالب ولا يدافع والمحتوم النافذ لا يمانع وفي أول ليلة الأحد العشرين ~~من شوال من السنة توفي الشيخ أبو محمد عبد الرحمن بن أحمد بن سلامة بمرض ~~عرض له وقد علت سنه وبلغ سبعا وتسعين سنة المعروف بابن الحراسى وكان شيخا ~~ظريفا حسن الهيئة نظيف اللبسة أديبا فاضلا حسن المحاضرة عند المثابتة ~~والمذاكرة وكان أكثر زمانه مقيما بشيزر بين آل منقذ مكرما محترما رحمه الله ~~وفي ليلة السبت العاشر من ذي القعدة من السنة وافت أولها زلزلة رجفت لها ~~الأرض ووجلت لها القلوب وتبعها عدة أخف من الأولى. وفي غد هذا اليوم بعد ~~مضي تقدير ساعتين منه وافت زلزلة وأخرى في أثرها وسكنهن المحرم لهن بقدرته ~~وحكمته وسلم منهن برحمته ورأفته سبحانه وتعالى الرؤوف الرحيم وكان الغيث قد ~~احتبس وسميه عن العادة المعروفة واحتاج ما بذر من الغلال إلى سقيه وضاقت ~~الصدور لذلك وقنطت النفوس ثم بعث الله برحمته لخلقه في أول ms369 ذي القعدة منه ~~ما روى الوهاد والآكام وعم حوران وسائر البقاع وسرت بذلك النفوس وانحط سعر ~~الغلة بعد ارتفاعه فلله الحمد على انعامه على عبيده وله الشكر وفي ليلة ~~الجمعة الثالث والعشرين من ذي القعدة التالي لما تقدم بعد مضي ساعة منها ~~وافت زلزلة روعت القلوب وهزت المنازل والمساكن ثم سكنها محركها بقدرته ~~القاهرة ورحمته الواسعة فله الحمد والشكر رب العالمين وفي ليلة الأحد ~~الخامس والعشرين من الشهر المذكور التالي يوم الجمعة المقدم ذكره وافت في ~~أوائلها زلزلة أزعجت وأقلقت ثم تلاها ثانية عند انتصافها أعظم منها نفر ~~الناس من هولها إلى الجامع والأماكن المكتشفة وضجوا بالتكبير والتهليل ~~والتسبيح والدعاء إلى الله تعالى والتضرع إليه ثم وافى بعد تلك الثانية ~~ثالثة دونها عند تصرم الليل ثم وافى بعد الثالثة رابعة دونها ثم خامسة ~~وسادسة ثم سكنت بقدرة محركها ولم تؤثر أثرا منكرا في البلد فلله الحمد ~~تعالى أمره وعظم شأنه وفي أوائل ذي القعدة من هذه السنة ورد الخبر من حمص ~~بوفاة واليها الأمير الملقب بصلاح الدين وكان في أيام شبوبيته قد حظي في ~~خدمة عماد الدين أتابك زنكي صاحب حلب والشام رحمه الله وتقدم عنده ~~بالمناصحة وسداد التدبير وحسن السفارة وصواب الرأي ولما علت سنه ضعفت قوته ~~وآلته عن السعي إلا في ركوب الخيل والجأته الضرورة إلى الحمل في المحفة ~~لتقرير الأحوال والنظر في الأعمال ولم ينقص من حسه وفهمه ما ينكر عليه إلى ~~حين وفاته وخلفه من بعده أولاده في منصبه وولايته وفي يوم الجمعة انسلاخ ذي ~~القعدة من السنة بعد مضي تقدير ساعتين منه وافت زلزلة رجفت بها الأرض ~~وانزعج الناس لها ثم سكنت بقدرة المحرك لها وحكمته البالغة فله الحمد على ~~لطفه بعباده تبارك الله رب العالمين PageV01P208 وفي أيام من شوال سنة 552 ~~ورد إلى دمشق أمير من أئمة فقهاء بلخ في عنفوان شبابه وغضارة عوده ما رأيت ~~أفصح من لسانه ببلاغته العربية والفارسية ولا أسرع من جوابه ببراعته ولا ~~أطيش من قلمه في كتابته فقلت ms370 ما ينبغي أن يهمل إثبات اسم هذا الأمير الامام ~~في هذا التاريخ المصنف لأنني ما رأيت مثله ولا شاهدت شبيها له فالتمست ~~نعوته التي بها يعرف واليه تنسب فأنفذ إلي كتابا قد كتب عن السلطان غياث ~~الدنيا والدين أبي شجاع محمود بن محمد بن ممدود قسيم أمير المؤمنين في ~~الطغراء وكتاب وزيره محمود بن سعد بن عبد الواحد مخلص أمير المؤمنين إلى ~~الملك العادل نور الدين ملك الشام وكلاهما ينطق بحسن صفاته واحترامه ~~والوصية المؤكدة باكرامه ووصفه بنعوته المكملة وهي: الأمير الامام الأجل ~~العالم المحترم الأخص الحميد الأعز نظام الدين عماد الاسلام تاج الملوك ~~والسلاطين ملك الكلام بستان العالم أفصح العرب والعجم أعجوبة الدهر كريم ~~الأطراف فخر الأسلاف افتخار ما وراء النهر تاج العراق سراج الحرمين مقتدى ~~الأئمة مرتضي الخلافة رئيس الأصحاب شرقا وغربا مهذب الأئمة والأفاضل ذو ~~المناقب والفضائل نادر الزمان نسيب خراسان أبو الحياة محمد بن أبي القسم بن ~~عمر البلخي ووعظ في جامع دمشق عدة أيام والناس يستحسنون وعظه ويستطرفون فنه ~~وسلاطة لسانه وسرعة جوابه وحدة خاطره وصفاء حسه ونظمت في صفاته هذه ~~الأبيات: # نظام الدين أفضل من رأينا ... من العلماء في عرب وعجم # وأنهى منهم لفظا وخطا ... بحسن بلاغة وصفاء فهم # يفوق فصاحة قسا ويوفي ... عليه عند منثور ونظم # إذا رام البديع من المعاني ... أتاه مسرعا كالغيث يحمي # فليس له مجار في فنون ... حوى احسانا من كل علم # إذا وعظ الامام سمعت وعظا ... يحط العصم من قال الأشم # ويحرق حسن منطقه إذا ما ... تكرر حسنه سمع الأصم # له الشرف الرفيع إذا تناهت ... مفاخرة الشراف بكل قرم # وما ألفيت من يحظى بمدح ... سواه إذ مضى في المدح عزمي # وما سمحت لغير علاه نفسي ... على ضني به عن كل فدم # فلا زالت مطايا المدح تسري ... إليه وقد خلا من كل ذم # مدى الأيام ما هتفت هتوف ... على غصن بغض النور ينمي # قد تقدم من ذكر الملك العادل نور الدين في نهوضه من دمشق في عساكره إلى ~~بلاد الشام ms371 عند انتهاء الخبر إليه بتجمع أحزاب الافرنج خذلهم الله وقصدهم ~~لها وطمعهم فيها بحكم ما حدث من الزلازل والرجفات المتتابعة بها وما هدمت ~~من الحصون والقلاع والمنازل في أعمالها وثغورها لحمايتها والذب عنها وإيناس ~~من سلم من أهل حمص وشيزر وكفرطاب وحماة وغيرها بحيث اجتمع إليه الخلق ~~الكثير والجم الغفير من رجال المعاقل والأعمال والتركمان وخيم بهم بإزاء ~~جمع الافرنج في الأعداد الدثرة والتناهي في الكثرة بالقرب من انطاكية ~~وحصرهم بحيث لم يقدر فارس منهم على الاقدام على الافساد فلما مضت أيام من ~~شهر رمضان سنة 552 عرض للملك العادل نور الدين ابتداء مرض حاد فلما اشتد به ~~وخاف منه على نفسه استدعى أخاه نصرة الدين أمير ميران وأسد الدين شيركوه ~~وأعيان الأمراء والمقدمين وأوصى إليهم ما اقتضاه رأيه واستصوبه وقرر معهم ~~كون أخيه نصرة الدين القائم في منصبه من بعده والساد لثلمة فقده واشتهاره ~~بالشهامة وشدة البأس ويكون مقيما بحلب ويكون أسد الدين في دمشق في نيابة ~~نصرة الدين واستحلف الجماعة على هذه القاعدة. فلما تقررت هذه القاعدة اشتد ~~به المرض فتوجه في المحفة إلى حلب وحصل في قلعتها وتوجه أسد الدين إلى دمشق ~~لحفظ أعمالها من فساد الافرنج وقصد أعمال الملاعين في أواخر شوال من السنة ~~وتواصلت عقيب هذه الحال الأراجيف بالملك نور الدين فقلقت النفوس وانزعجت ~~القلوب فتفرقت جموع المسلمين واضطربت الأعمال وطمع الافرنج فقصدوا مدينة ~~شيزر وهجموها وحصلوا فيها فقتلوا وأسروا وانتهبوا وتجمع من عدة جهات خلق ~~كثير من رجال الإسماعيلية وغيرهم فاستظهروا عليهم وقتلوا منهم وأخرجوهم من ~~شيزر PageV01P209 واتفق وصول نصرة الدين إلى حلب فأغلق والي القلعة مجد ~~الدين في وجهه الأبواب وعصى عليه فثارت أحداث حلب وقالوا: هذا صاحبنا ~~وملكنا بعد أخيه. وزحفوا في السلاح إلى باب البلد فكسروا إغلاقه ودخل نصرة ~~الدين في أصحابه وحصل في البلد وقامت الأحداث على والي القلعة باللوم ~~والانكار والوعيد واقترحوا على نصرة الدين اقتراحات من جملتها إعادة رسومهم ~~في التأذن بحي على خير العمل محمد وعلي خير ms372 البشر فأجابهم إلى ما رغبوا فيه ~~وأحسن القول لهم والوعد ونزل في داره. وأنفذ والي القلعة إلى نصرة الدين ~~والحلبيين يقول: مولانا الملك العادل نور الدين حي في نفسه مقيم في مرضه. ~~وما كان إلى ما فعل حاجة تدعو إلى ما كان فقيل الذنب في ذاك إلى الوالي ~~وكتم الحال وصعد إلى القلعة من شاهد نور الدين حيا يفهم ما يقول وما يقال ~~له فأنكر ما جرى وقال: الآن أنا أصفح للأحداث عن هذا الخطل ولا أواخذهم ~~بالزلل وما طلبوا إلا صلاح حال أخي وولي عهدي من بعدي وشاعت الأخبار ~~وانتشرت البشارات في الأقطار بعافية الملك نور الدين فأنست القلوب بعد ~~الاستيحاش وابتهجت النفوس بعد القلق والانزعاج وتزايدت العافية وصرفت الهمم ~~إلى مكاتبات المقدمين بالعود إلى جهاد الملاعين وكان نصرة الدين قد ولي ~~مدينة حران وأضيف إليها وتوجه نحوها. وكان الغيث قد أمسك عن أعمال حوران ~~وعزم أهلها على النزوح من ضياعها لعدم ماء شربهم وبعده عنهم وكذلك سائر ~~الأعمال فلطف الله تعالى بعباده وبلاده فأرسل عليهم في العشاء الآخر من ~~كانون الثاني من السنة الشمسية الموافق للعشر الآخر من ذي الحجة من السنة ~~القمرية سنة 552 من الغيث الهطال المتدارك والثلج المتتابع ما روى الوهاد ~~والآكام وجرت به أودية حوران ودارت أرحيتها وانتعشت زروعها وأنبتت بالغيث ~~سباخها فلله تعالى الحمد على هذه النعمة التي لا يحصى لها عدد ولا يحصر لها ~~أمد ولما تناصرت الأخبار بالبشائر إلى أسد الدين بدمشق بعافية الملك العادل ~~نور الدين واعتزامه على استدعاء عساكر الاسلام لجهاد أعداء الله والمقيمين ~~بالشام سارع بالنهوض من دمشق إلى ناحية حلب ووصل إليها في خيله واجتمع مع ~~الملك العادل نور الدين فأكرم لقياه وشكر مسعاه وشرعوا في حماية الأعمال من ~~شر عصب الكفر والضلال بما يعود بصلاح الأحوال والله المسهل لنيل المباغي ~~والآمال بمنه وفضله. ونظمت هذه الأبيات في هذا المعنى: # لقد حسنت صفاتك يا زماني ... وفزت بما رجوت من الأماني # فكم أصبحت مرعوبا مخوفا ... فبدلت المخافة بالأمان ms373 # فكم من وحشة وافت وزالت ... وهدمت الرفيع من المباني # وجاءتنا أراجيف بملك ... عظيم الشأن مسعود الزمان # فروعت القلوب من البرايا ... وصار شجاعها مثل الجبان # وثارت فتنة تخشى أذاها ... على الاسلام في قاص ودان # ووافى بعد ذاك بشير صدق ... بعافية المليك مع التهاني # فولى الخوف مهدوم المباني ... وعاد الأمن معمور المغاني # ودخلت # سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة # وأولها يوم الاثنين أول المحرم والطالع الجدى. وفي أوائله تناصرت الأخبار ~~من ناحية الافرنج خذلهم الله المقيمين في الشام في مضايقتهم لحصن حارم ~~ومواظبتهم على رميه بحجارة المناجيق إلى أن أضعف وملك بالسيف وتزايد طمعهم ~~في شن الغارات في الأعمال الشامية وإطلاق الأيدي في العيث والفساد في ~~معاقلها وضياعها بحكم تفرق العساكر الاسلامية والخلف الواقع بينهم باشتغال ~~الملك العادل بعقابيل المرض العارض له ولله المشيئة التي لا تدافع والأقضية ~~التي لا تمانع PageV01P210 وفي صفر منها ورد الخبر والمبشر بروز الملك ~~العادل نور الدين من حلب المتوجه إلى دمشق واتفق للكفرة الملاعين متواتر ~~الطمع في شن الغارات على أعمال حوران والاقليم واطلاق أيدي الفساد والعيث ~~والاحراق والاخراب في الضياع والنهب والأسر والسبي وقصد داريا والنزول ~~عليها في يوم الثلاثاء انسلاخ صفر من السنة واحراق منازلها وجامعها ~~والتناهي في إخرابها وظهر إليهم من العسكرية والأحداث والعدد الكثير وهموا ~~بقصدهم والاسراع إلى لقائهم وكفهم فمنعوا من ذلك بعد أن قربوا منهم وحين ~~شاهد الكفار خذلهم الله كثرة العدد الظاهرة إليهم رحلوا في آخر النهار ~~المذكور إلى ناحية الاقليم ووصل الملك نور الدين إلى دمشق وحصل في قلعتها ~~غرة يوم الاثنين السادس من شهر ربيع الأول سالما في نفسه وجملته ولقي بأحسن ~~زي وترتيب وتجمل واستبشر العالم بمقدمه المسعود وابتهجوا وبالغوا في شكر ~~الله تعالى على سلامته وعافيته والدعاء له بدوام أيامه ونصر أعلامه وشرع في ~~تدبير أمر الأجناد والتأهب للجهاد والله تعالى يمده بالنصر وإدراك كل بغية ~~ومراد وفي أوائل شهر ربيع الأول من سنة 53 ورد الخبر من ناحية مصر بخروج ~~فريق وافر من عسكرها إلى غزة ms374 وعسقلان وأغاروا على أعمالها وخرج إليها من ~~كان بها من الفرنج الملاعين فأظهر الله المسلمين عليهم قتلا وأسرا بحيث لم ~~يفلت منهم إلا اليسير وغنموا ما ظفروا وعادوا سالمين ظافرين وقيل أن مقدم ~~الغزاة في البحر ظفر بعد من مراكب المشركين وهي مشحنة بالافرنج فقتل وأسر ~~منهم العدد الكثير والجم الغفير وحاز من أموالهم وعددهم وأثاثهم ما لا يكاد ~~يحصى وعاد ظافرا غانما وورد الخبر في الخامس عشر من شهر ربيع الأول من ~~السنة من ناحية حلب بحدوث زلزلة هائلة روعت أهلها وأزعجتهم وزعزعت مواضع من ~~مساكنها ثم سكنت بقدرة محركها سبحانه وتعالى ذكره. وفي ليلة السبت الخامس ~~والعشرين من ربيع الأول من السنة وافت زلزلة بدمشق روعت وأقلقت ثم سكنت ~~بقدرة محركها تعالى ذكره وفي يوم الأحد التاسع من شهر ربيع الآخر من السنة ~~برز الملك العادل نور الدين من دمشق إلى جسر الخشب في العسكر المنصور بآلات ~~الحرب مجدا في جهاد الكفرة المشركين وقد كان أسد الدين قبل ذلك عند وصوله ~~في من معه من فرسان التركمان غار بهم على أعمال صيدا وما قرب منها فغنموا ~~أحسن غنيمة وأوفرها وخرج إليهم ما كان بها من خيالة الافرنج ورجالتها وقد ~~كمنوا لهم فغنموهم وقتل أكثرهم وأسر الباقون وفيهم ولد المقدم المولى حصن ~~حارم وعادوا سالمين بالأسرى ورؤوس القتلى والغنيمة لم يصب منهم غير فارس ~~واحد فقد ولله الحمد على ذلك والشكر وفي يوم الثلاثاء أول شهر تموز الموافق ~~لأول جمادى الآخرة من السنة وافى في البقاع مطر هطال بحيث حدث منه سيل أحمر ~~كما جرت به العادة في تنبول كذا الشتاء ووصل إلى بردى ووصل إلى دمشق فكثر ~~التعجب من قدرة الله سبحانه وتعالى حدوث مثل ذلك في مثل هذا الوقت وفي آخر ~~ليلة الأربعاء الثالث والعشرين من رجب من السنة وافت زلزلة عند تأذين ~~الغداة روعت القلوب وأزعجت النفوس ثم سكنت بقدرة الله الرؤوف الرحيم ثم ~~وافت أخرى عقيب الماضية في ليلة الخميس وقت صلاة الغداة ثم سكنت ms375 بقدرة الله ~~تعالى وورد الخبر من العسكر المحروس بأن الافرنج خذلهم الله تجمعوا وزحفوا ~~إلى العسكر المنصور وأن المولى نور الدين نهض في الحال في العسكر والتقى ~~الجمعان واتفق أن في عسكر الاسلام حدث لبعض المقدمين فشل فاندفعوا وتفرقوا ~~بعد الاجتماع وبقي نور الدين ثابتا بمكانه في عدة يسيرة من شجعان غلمانه ~~وأبطال خواصه في وجوه الافرنج وأطلقوا فيهم السهام فقتلوا منهم ومن خيولهم ~~العدد الكثير ثم ولوى منهزمين خوفا من كمين يظهر عليهم من عسكر الاسلام ~~ونجى الله وله الحمد نور الدين من بأسهم بمعونة الله تعالى له وشدة بأسه ~~وثبات جأشه ومشهور شجاعته وعاد إلى مخيمه سالما في جماعته ولام من كان ~~السبب في اندفاعه بين يدي الافرنج وتفرق جمع الافرنج إلى أعمالهم وراسل ملك ~~الافرنج في طلب الصلح والمهادنة وحرض على ذلك وترددت المراسلات بين ~~الفريقين ولم يستقر حال بينهما وأقام العسكر المنصور بعد ذلك مدة ثم اقتضى ~~الرأي السعيد الملكي النور الانكفاء إلى البلد المحروس فوصل إليه في يوم... ~~من شعبان من السنة PageV01P211 ولما كان في أواخر أيام من رجب سنة 553 تجمع ~~قوم من سفهاء العوام وعزموا على التحريض للملك العادل نور الدين على إعادة ~~ما كان أبطاله وسامح به أهل دمشق من رسوم دار البطيخ وعرضة البقل والأنهار ~~وصانهم من أعنات شر الضمان وحوالة الأجناد وكرروا بسخف عقولهم الخطاب ~~وضمنوا القيام بعشرة آلاف دينار بيضاء وكتبوا بذلك حتى أجيبوا إلى ما راموه ~~فشرعوا في فرضها على أرباب الأملاك من المقدمين والأعيان والرعايا فما ~~اهتدوا إلى صواب ولا نجح لهم رأي في خطاب ولا جواب وعسفوا الناس بجهلهم ~~بحيث تألموا وأكثروا الضجيج والاستغاثة إلى الملك العادل نور الدين فصرف ~~همه إلى النظر في هذا الأمر فنتجت له السعادة وإيثار العدل في الرعية في ~~إعادة ما أشكل إلى ما كان عليه فلما كان يوم الاثنين العاشر من شهر رمضان ~~أمر بإعادة الرسوم المعتادة إلى ما كانت من أمانها وتعفية أثرها وأضاف إلى ~~ذلك تبرعا من نفسه ms376 ابطال ضمان الهريسة والجبن واللبن ورسم بكتب منشور يقرأ ~~على كافة الناس بإبطال هذه الرسوم جميعها وتعفية ذكرها فبالغ العالم في ذلك ~~من مواصلة الأدعية للملك العادل والثناء عليه والنشر لمحاسنه فالله تعالى ~~يستجيب منهم ويديم أيامه ويقرن أيامه بالسعادة والنصر لأوليائه وأعلامه وفي ~~يوم الثلاثاء الحادي والعشرين من شهر رمضان من السنة وصل الحاجب محمود ~~المولد من ناحية مصر بجواب ما تحملنا من المراسلات من الملك الصالح متولي ~~أمرها ومعه رسول من مقدمي أمرائها ومعه المال المنفذ برسم الخزانة الملكية ~~النورية وأنواع الأثواب المصرية والجياد العربية. وكانت فرقة من الافرنج ~~خذهم الله قد ضربوا المهم في المعابر فأظفر الله بهم بحيث لم يفلت منهم إلا ~~القليل النزر ثم تلا ذلك وورد الخبر من العسكر المصري بظفره بجملة وافرة من ~~الافرنج والعرب تناهز أربعمائة فارس وتزيد على ذلك في ناحية العريش من ~~الجفار بحيث استولى عليهم القتل والأسر والسلب وكان فتحا حسنا وظفرا ~~مستحسنا والله المحمود على ذلك المشكور وفي يوم الثلاثاء ثالث شوال من ~~السنة توفي المنتجب أبو سالم بن عبد الرحمن الحلبي متولي كتابة الجيش وعرض ~~الأجناد في ديوان الملك العادل نور الدين رحمه الله وكان خيرا حسن الطريقة ~~مجموعا على شكره والتأسف على فقد مثله وتلا مصابه وفاة المهذب أبي عبد الله ~~بن نوفل الحلبي في دمشق أيضا رحمه الله في يوم الجمعة السادس والعشرين من ~~ذي القعدة من السنة وكان كاتبا للأمير الاسفهسلار أسد الدين ووزيره وهو ~~موصوف بالخيرية محمود الأفعال مشكور المقاصد في جميع الأحوال والخلال ~~واستخدم ولده في منصبه وتلا ذلك ورود الخبر من ناحية حماة في العشر الأخير ~~من ذي الحجة من السنة بوفاة رضي الدين أبي المجد مرشد بن علي بن عبد اللطيف ~~المعري بحماة رحمه الله وكان من الرجال الأسداء الكفاة فيما كان يستنهض فيه ~~في أيام الأتابكية وكذلك في الأيام النورية وكان مع ذلك موصوفا بالخيرية ~~وسلامة الطبع مستمرا في ذلك على منهاج أسوته وكانت الأخبار قد تناصرت من ~~ناحية ms377 القسطنطينية في ذي الحجة من السنة ببروز ملك الروم منها في العدد ~~الكثير والجم الغفير لقصد الأعمال والمعاقل الاسلامية ووصوله إلى مروج ~~الديباج وتخييمه فيها وبث سراياه للاغارة على الأعمال الأنطاكية وما والاها ~~وأن قوما من التركمان ظفروا بجماعة منهم هذا بعد أن افتتح من الأعمال لاوين ~~ملك الأرمن عدة من حصونه ومعاقله. ولما عرف الملك العادل نور الدين هذا شرع ~~في مكاتبة ولاة الأعمال والمعاقل بإعلامهم ما حدث من الروم ويبعثهم على ~~استعمال التيقظ والتأهب للجهاد فيهم والاستعداد للنكاية بمن يظفر منهم ~~والله تعالى ولي النصر عليهم والاظفار بهم كما جرت عوائده الجميلة في ~~خذلانهم والاظهار عليهم ورد بأسهم في نحورهم وهو تعالى على كل شيء قدير. ~~PageV01P212 وقد اتفق في هذه السنة السعيدة التي هي سنة 553 منذ ابتداء ~~تشرين الثاني الكائن فيها إلى أوائل شباط أن السماء بأمر خالقها أرسلت ~~عزاليها بتدارك الثلوج والأمطار مع توالي الليل والنهار بحيث عمت الأقطار ~~وروت الوهاد والأغوار والبراري والقفار وجرت الأودية وتتابعت السيول بمائها ~~المصندل واللبني والبنكي واكتست الأراضي المنخفضة والبقاع بخضرة الزرع وعشب ~~النبات وأشبعت السائمة بعد الضعف والسغب وإراحتها من كلفة العناء والتعب ~~وكذلك سائر المواشي الراعي والوحوش القاصية والدانية وتناصرت الأخبار من ~~سائر الجهات بعموم هذه النعمة وذكر الشيوخ أنهم لم يشاهدوا مثل ذلك في ~~السنين الخالية فلله على نعمته خالص الحمد ودائم الشكر # ودخلت # سنة أربع وخمسين وخمسمائة # أولها يوم الجمعة مستهل المحرم منها. وفي هذا اليوم وافت زلزلة عظيمة ضحى ~~نهاره وسكنها محركها بقدرته ورحمته وتلاها في يومها ثنتان دونها وكان في ~~أوائل أيام من ذي الحجة سنة 553 قد عرض للملك العادل نور الدين مرض تزايد ~~به بحيث أضعف قوته ووقع الارجاف به من حساد دولته والمفسدين من عوام رعيته ~~وارتاعت الرعايا وأعوان الأجناد وضاقت صدور قطان الثغور والبلاد خوفا عليه ~~وإشفاقا من سوء يصل إليه لا سيما مع أخبار الروم والخبر من الافرنج خذلهم ~~الله. ولما أحس من نفسه بالضعف تقدم إلى خواص أصحابه ms378 وقال لهم: إنني قد ~~عزمت على وصية إليكم بما قد وقع في نفسي فكونوا لها سامعين مطيعين وبشروطها ~~عاملين. فقالوا: السمع والطاعة لأمرك وما تقرره من رأيك وحكمك فإنا له ~~قابلون وبه عاملون. فقال: إني مشفق على الرعايا وكافة المسلمين ممن يكون ~~بعدي من الولاة الجاهلين والظلمة الجائرين وإن أخي نصرة الدين أمير ميران ~~أعرف من أخلاقه وسوء أفعاله ما لا أرتضي معه بتوليته أمرا من أمور المسلمين ~~وقد وقع اختياري على أخي الأمير قطب الدين مودود بن عماد الدين متولي ~~الموصل وخواصه لما يرجع إليه من عقل وسداد ودين وصحة اعتقاد بأن يكون في ~~منصبي بعدي والساد لثلمة فقدي فكونوا لأمره بعدي طائعين ولحكمه سامعين ~~فأحلفوا له بصحة من نياتكم وسرائركم واخلاص من عقائدكم وضمائركم. فقالوا: ~~أمرك المطاع وحكمك المتبع. فحلفوا الأيمان الموكدة على العمل بشروطها ~~واتباع رسومها وأنفذ رسله إلى أخيه المذكور لأعلامه صورة الحال ليكون لها ~~مستعدا وإليها مسرعا. ثم تفضل الله تعالى عليه وعلى كافة المسلمين ببدوء ~~الابلال من المرض وتزايد القوة في النفس والجسم وجلس المدخول إليه والسلام ~~عليه فسرت النفوس بهذه النعمة وقويت بتجديدها وكان الأمير مجد الدين النائب ~~في حلب قد رتب في الطرقات من يحفظ السالكين فيها فظفر المقيم في منبج برجل ~~حمال من أهل دمشق يعرف بابن مغزو معه كتب فأنفذه بها إلى مجاهد الدين متولي ~~حلب فلما وقف عليها أمر بصلب متحملها. وأنفذها في الحال إلى الملك العادل ~~نور الدين فلما وقف في يوم الخميس من العشر الثاني من المحرم من السنة ~~الجديدة وجدها من أمين الدين زين الحاج أبي القسم متولي ديوانه ومن عز ~~الدين متولي ولاية القلعة مملوكه ومن محمد حفري كذا أحد حجابه إلى أخيه ~~نصرة الدين أمير ميران صاحب حران باعلامه بوقوع اليأس من أخيه الملك العادل ~~ويحضونه على المبادرة والاسراع إلى دمشق لتسلم إليه. فلما عرف ذلك عرض ~~الكتب على أربابها فاعترفوا به فأمر باعتقالهم وكان في جملتهم الرابع لهم ~~سعد الدين عثمان وكان قد ms379 خاف فهرب قبل ذلك بيومين. وورد في الحال كتاب صاحب ~~قلعة جعبر يخبر بقطع نصرة الدين مجدا إلى دمشق فأنهض أسد الدين في العسكر ~~المنصور لرده ومنعه من الوصول فاتصل به خبر عوده إلى مقره عند معرفته ~~بعافية الملك العادل أخيه فعاد أسد الدين في العسكر إلى البلد PageV01P213 ~~ووصلت رسل الملك من ناحية الموصل بجواب ما تحملوه إلى أخيه قطب الدين ~~وفارقوه وقد برز في عسكره متوجها إلى ناحية دمشق فلما فصل عن الموصل اتصل ~~به خبر عافية الملك نور الدين فأقام بحيث هو ونفذ الوزير جمال الدين أبا ~~جعفر محمد بن علي لكشف الحال فوصل إلى دمشق في يوم السبت الثامن من صفر سنة ~~554 في أحسن زي وأنهى تجمل وخرج إلى لقائه الخلق الكثير. وهذا الوزير قد ~~ألهمه الله تعالى من جميل الأفعال وحميد الأخلاق وكرم النفس وانفاق ماله في ~~أبواب البر والصلات والصدقات ومستحسن الآثار في مدينة الرسول صلى الله عليه ~~وسلم ومكة والحرم والبيت ما قد شاع ذكره وتضاعف عليه مدحه وشكره واجتمع مع ~~الملك العادل نور الدين وجرى بينهما من المفاوضات والتقريرات ما انتهى عوده ~~إلى جهته بعد الاكرام له وتوفيته حقه من الاحترام وأصحبه برسم قطب الدين ~~أخيه وخواصه من الملاطفة ما اقتضته الحال الحاضرة وتوجه معه الأمير ~~الاسفهسلار أسد الدين شيركوه في خواصه يوم السبت النصف من صفر من السنة ~~المذكورة وقد كان وصل من ملك الروم رسول من معسكره ومعه هدية أتحف الملك ~~العادل من أثواب ديباج وغير ذلك وجميل خطاب وبغال وقوبل بمثل ذلك وعاد إليه ~~في أواخر صفر من السنة. وحكي عن ملك الافرنج خذله الله أن المصالحة بينه ~~وبين ملك الروم تقررت والمهادنة انعقدت والله يرد بأس كل واحد منهما إلى ~~نحره ويذيقه عاقبة غدره ومكره وما ذلك على الله بعزيز وفي العشر الثاني من ~~صفر من السنة توجه الحاجب محمود المسترشدي إلى مصر عائدا مع رسلها كتب الله ~~سلامتهم بجرايات ما كان ورد معهم من مكاتبات الملك العادل ms380 الصالح متولي ~~أمرها عن الملك العادل نور الدين أعز الله نصره ووردت أخبار من ناحية ملك ~~الروم باعتزامه على أنطاكية وقصد المعاقل الاسلامية فبادر الملك العادل نور ~~الدين بالتوجه إلى البلاد الشامية لايناس أهلها من استيحاشهم من شر الروم ~~والافرنج خذلهم الله فسار في العسكر المنصور صوب حمص وحماة وشيزر والاتمام ~~إلى حلب إلى أن اقتضت الحال ذلك في يوم الخميس الثالث من شهر ربيع الأول من ~~السنة وفي الليلة الأحد الثاني والعشرين من شهر ربيع الأول من السنة وافت ~~في انتصافه زلزلة هائلة ماجت أربع موجات أيقظت النيام وأزعجت اليقظى وخاف ~~كل ذي مسكن مضطرب على نفسه وعلى مسكنه ثم سكنها محركها بلطفه ورحمته فله ~~الحمد الرؤوف بعباده الرحيم ولم يعلم تأثيرها في الأماكن النائية فسبحان ~~القادر على ما يشاء العليم الحكيم وفي العشر الأول من شهر ربيع الآخر من ~~السنة ورد الخبر من ناحية حلب بوفاة أبي الفضل اسمعيل بن وقار الطبيب في ~~يوم الجمعة آخر شهر ربيع الأول رحمه الله وكان في خدمة الملك العادل نور ~~الدين أعز الله أنصاره وكان قد حظي عنده بإصابات في صنائعه وقرب سعادته مع ~~ذكاء فيه ومعرفة بكونه سافر إلى بغداد من دمشق واجتمع بجماعة من فضلائها ~~وقرأ عليهم وأخذ عنهم هذا مع خبرته وحميد طريقته واجتماع الناس على إحماده ~~والتأسف على فقد مثله في حسن فعله لكن القضاء لا يدافع والمقدور لا يمانع ~~وفي يوم الجمعة التاسع من جمادى الأولى من السنة هبت ريح شديدة أقامت يومها ~~وليلتها فأتلفت أكثر الثمار صيفيها وشتويها وأفسدت بعض الأشجار ثم وافت آخر ~~الليل زلزلة هائلة ماجت موجتين أزعجت وأقلقت وكسنها محركها وحرس المساكين ~~مثبتها برحمته وقدرته فله الحمد والشكر رب العالمين PageV01P214 وفي جمادى ~~الأولى من السنة في أوله تناصرت الأخبار المبهجة من ناحية العسكر المنصور ~~الملكي النوري بأعمال حلب بتواصل الأمراء المقدمين ولاة الأعمال المجاهدة ~~أحزاب الكفرة الضلال من الروم والافرنج لقصد الأعمال الاسلامية والطمع في ~~تملكها والافساد فيها والحماية لها من شرهم ms381 والذب عنها من مكرهم في التناهي ~~في الكثرة والاعداد الدثرة فقضى الله بحسن لطفه بعباده ورحمته ورأفته ~~ببلاده أن سهل للعزائم المنصور الملكية النورية من صائب الرأي والتدبير ~~وحسن السياسة والتقرير وخلوص النية لله تعالى وحسن السريرة بحيث المهادنة ~~الموكدة والموادعة المستحكمة بين الملك العادل نور الدين وملك الروم ما لم ~~يكن في الحساب ولا خطر ببال بحيث انتظمت الحال في ذلك في عقد السداد وكنه ~~المراد بحسن رأي ملك الروم ومعرفته بما يؤول إليه عواقب الحروب ويعسر الأمل ~~المطلوب بعد تكرر المراسلات والاقتراحات في التقريرات وأجيب ملك الروم إلى ~~ما التمسه من اطلاق مقدمي الافرنج المقيمين في حبس الملك نور الدين وأنفذهم ~~بأسرهم وما اقترحه إليه وحصولهم لديه وقابل ملك الروم هذا الفضل بما يضاهيه ~~أفعال عظماء الملوك الأسداء من الاتحاف بالأثواب الديباج الفاخرة المختلفة ~~الأجناس الوافرة العدد ومن جوهر نفيس وخيمة من الديباج لها قيمة وافرة وما ~~استحسن من الخيول المحلية ثم رحل عقيب ذلك في عسكره من منزله عائدا إلى ~~بلاده مشكورا محمودا ولم يؤذ أحدا من المسلمين في العشر الأوسط من جمادى ~~الأولى سنة 554 فاطمأنت القلوب بعد انزعاجها وقلقها وأمنت عقيب خوفها ~~وفرقها فلله الحمد على هذه النعمة حمد الشاكرين وورد الخبر بعد ذلك بأن ~~الملك العادل نور الدين صنع لأخيه قطب الدين ولعسكره ولمن ورد معه من ~~المقدمين والولاة وأصحابهم الواردين لجهاد الروم والافرنج في يوم الجمعة ~~السابع عشر من جمادى الأولى من السنة سماطا عظيما هائلا يناهي فيه ~~بالاستكثار من ذبح الخيول والأبقار والأغنام وما يحتاج إليه في ذلك مما لا ~~يشاهد مثله ولا شبه له مما قام بجملة كبيرة من الغرامة وفرق من الحصن ~~العربية والخيول والبغال العدد الكثير من الخلع وأنواع الديباج المختلفة ~~وغيره والصحون الذهب الشيء الكثير الزائد على الكثرة وكان يوما مشهودا في ~~الحسن والتجمل. واتفق أن جماعة من غرباء التركمان وجدوا من الناس غفلة ~~باشتغالهم بالسماط وانتهابه فغاروا على العرب من بني أسامة وغيرهم واستاقوا ~~مواشيهم فلما ورد ms382 الخبر بذلك أنهض في أثرهم فريق وافر من العسكر المنصور ~~فأدركوهم واستخلصوا منهم جميع ما أخذوه وأعيد إلى أربابه وسكنت النفوس بعد ~~انزعاجها والله المحمود المشكور ثم تقرر الرأي الملكي النوري أعلاه الله ~~على التوجه إلى مدينة حران لمنازلتها واستعادتها من أخيه نصرة الدين حسبما ~~رأه في ذلك من الصلاح ورحل في العسكر المنصور في أول جمادى الآخرة فلما نزل ~~عليها وأحاط بها وقعت المراسلات والاقتراحات والممانعات والمحاربات إلى أن ~~تقررت الحال على إيمان من بها وتسلمت في يوم السبت الثالث والعشرين من ~~جمادى الآخرة المذكور وقررت أحوالها وأحسن النظر إليها في أحوال أهليها ~~وسلمت إلى الأمير الجل الاسفهسلار زين الدين على سبيل الاقطاع له وفوض إليه ~~تدبير أمورها # ودخلت # سنة خمس وخمسين وخمسمائة # وأولها يوم الثلاثاء مستهل المحرم والشمس في كح درجة وكح دقيقة من الجدى ~~والثاني عشر من كانون الثاني والطالع القوس سبع عشرة درجة وخمس دقائق. وفي ~~ليلة الجمعة من صفر من هذه السنة توفي الأمير مجاهد الدين بزان بن مامين ~~أحد مقدمي أمراء الأكراد والوجاهة في الدولة رحمه الله موصوف بالشجاعة ~~والبسالة والسماحة مواظب على بث الصلات والصدقات في المساكين والضعفاء ~~والفقراء مع الزمان وكل عصر ينقضي وأوان جميل المحيا حسن البشر في اللقاء ~~وحمل من داره بباب الفراديس إلى الجامع للصلاة ثم إلى المدرسة المشهورة ~~باسمه فدفن فيها في اليوم ولم يخل من باك عليه ومؤبن له ومتأسف على فقده ~~بجميل أفعاله وحميد خلاله ورثي بهذه الأبيات المختصرة وهي: # كم غافل وسهام الموت مصمية ... تصميه في غفلة منه ونسيان # بينا تراه سريع الخطو في وطر ... حتى تراه سريعا بين أكفان PageV01P215 ~~كذاك كان بزان في امارته ... ما بين جندس وأنصار وأعوان # هبت رياح الرزايا في منازله ... فغادرتها بلا أنس وجيران # أمسى بقبر وحيدا جنب مدرسة ... بلا رفيق ولا خل واخوان # ما عاينت نعشه عين مؤرقة ... إلا بكنه بأنواء وتهتان # فرحمة الله لا ينفك زائره ... لحدا حوى جسمه منه بغفران # ولا أغبت ثراه كل مرعدة ... تهمي عليه ms383 بغيث ليس بألواني # حتى تروضه منها بصيبها ... بكل زهر غضيض ليس بالفاني # ما دامت الشهب في الأفلاك دائرة ... وناحت الورق ليلا بين أغصان # من يفعل الخير في الدنيا فقد ظفرت ... يداه بالحمد من قاص ومن دان # وفي يوم الخميس مستهل صفر من السنة رفع القاضي ذكي الدين أبو الحسن علي ~~ابن محمد بن يحيى بن علي قاضي دمشق إلى الملك العادل نور الدين رقعة يسئله ~~فيها الاعفاء من القضاء والاستبدال به فأجاب سؤاله وولى قضاء دمشق القاضي ~~الأجل الامام كمال الدين بن الشهرزوري وهو المشهور بالتقدم ووفور العلم ~~وصفاء الفهم والمعرفة بقوانين الأحكام وشروط استعمال الانصاف والعدل ~~والنزاهة عن الاشفاف وتجنب الهوى والظلم وحكم بين الرعايا بأحسن افصال في ~~الحكم وكتب له المنشور بذلك بنعوته المكتملة وصفاته المستحسنة ووصاياه ~~البليغة المتقنة واستقام له الأمر على ما يهواه ويؤثره ويرضاه على أن ~~القضاء من بعض أدواته واستقر أن النائب عنه عند اشتغاله ولده هذا آخر ما ~~وجد من مذيل التاريخ الدمشقي والحمد لله وحده وصلواته على سيدنا محمد وآله ~~وصحبه وسلم تسليما كثيرا وكان الفراغ من كتابته سلخ ربيع الآخر سنة 629 ~~كتبه أسير ذنبه الراجي عفو ربه محمد بن أبي بكر بن اسمعيل بن الشيرجي ~~الموصلي غفر الله له زلله وخطأه وخطله ولجميع المسلمين PageV01P216 ms384