######OpenITI# #META# المؤلف: #META# المحقق: الدكتور سهيل زكار #META# الناشر: التكوين للتأليف والترجمة والنشر #META# الطبعة: ٠ #META# الموضوع : #META# تاريخ النشر : ٢٠٠٧ م #META# الصفحات: ٨٤٦ #META#Header#End# ### | * وفي سنة ستين وثلاثمائة (1) # [في ذي القعدة وصل القرامطة إلى دمشق ، ونصبوا على أسوارها السلالم ، ~~وتعلقوا بها وفتحوها قصدا ، وأوقعوا بأهلها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ، ~~وشنعوا بأهلها وقتلوا واليها جعفر بن فلاح ، وسبب ذلك أنهم لما رأوا أن ~~جعفرا استولى على الشام أهمهم أمره وأزعجهم وقلقوا ، لأنهم كانوا قرروا مع ~~ابن طغج أن يحمل إليهم في كل عام ثلاثمائة ألف دينار ، فلما ملكها جعفر ~~علموا أن المال يفوتهم ، فعزموا على المسير إلى الشام ، وصاحبهم وقتئذ ~~الحسن بن أحمد بن بهرام القرمطي فأرسل إلى عز الدولة بختيار يستمد منه ~~المعونة بالسلاح والمال ، فأجابه إلى ذلك واستقر الحال أنهم إذا ساروا إلى ~~الكوفة سائرين إلى الشام حملوا الذي استقر ، فلما وصلوا الكوفة أوصل إليهم ~~ذلك وساروا إلى دمشق ، وبلغ خبر وصولهم إلى جعفر ، فاحتقرهم واستهان بهم ~~«ولم يدر المخبأ له ولم يصل إليه قول القائل : إذا كان عدوك نملة فلا تنام ~~له ، وقد تقتل النملة الثعبان والأسد» (2) ولم يحتط (3) ويحترز منهم ولم ~~يعمل لهم حسابا ، فكبسوه بظاهر دمشق (4) وقتلوه من حيث لا يشعر بهم ، ~~وغنموا ماله وأنعامه من ناطق وصامت (5). # ولخمس خلون من صفر من هذه السنة ، أمر المؤذنين بجامع دمشق أن يؤذنوا بحي ~~على خير العمل ، وكذا بالمساجد ، وكان ينزل بمكان يقال له الدكة بين نهري ~~يزيد وتورا ، وقيل هي فوق يزيد قريبا من دير مران ، فجاء أبو محمد الحسن بن ~~أحمد القرمطي إلى دمشق ويلقب بالأعصم ، وكان جعفر مريضا ، فخرج فقاتله ~~فقتله القرمطي في ذي القعدة وقيل في شوال. PageV01P036 # ... وأما محمد بن عصودا فإنه لما انهزم ، سار إلى الأحساء ، هو وظالم بن ~~موهوب العقيلي ، وحثا القرامطة على المسير إلى الشام ، فوافق ذلك منهم ~~الغرض ، لأن الاخشيدية كانت تحمل في كل سنة إلى القرامطة مالا ، فلما أخذ ~~جوهر مصر ، انقطع المال عن القرامطة فأخذوا في الجهاز للمسير إلى الشام. # وكثرت الأخبار بمسير القرامطة إلى الشام ، وأنهم نزلوا على الكوفة ، ~~وكتبوا إلى الخليفة ببغداد ، فأنفذ إليهم خزانة سلاح ، وكتب ms001 لهم بأربعمائة ~~ألف درهم على أبي تغلب عبد الله بن ناصر الدولة بن حمدان ، من مال الرحبة ، ~~وأنهم ساروا من الكوفة إلى الرحبة وأخذوا من ابن حمدان المبلغ ، فكتب جعفر ~~إلى غلامه فتوح وهو على أنطاكية يأمره بالرحيل فوافاه الكتاب مستهل شهر ~~رمضان ، فشرع في شد أحماله ، ونظر الناس إليه فجفلوا ورموا خيمهم ، وأراقوا ~~طعامهم ، وأخذوا في السير مجدين إلى دمشق ، فلما وافوا جعفر أراد أن يقاتل ~~بهم القرامطة ، فلم يقفوا ، وطلب كل قوم موضعهم ، ولم يبالوا بالموكلين على الطرق. # وعندما نزل القرامطة على الرحبة أكرمهم أبو تغلب ، وبعث إلى الحسن بن ~~أحمد بن أبي سعيد الجنابي ، المعروف بالأعصم ، كبيرهم يقول له : هذا شيء ~~أردت أن أسير فيه بنفسي لكني مقيم في هذا الموضع إلى أن يرد إلي خبرك ، فإن ~~احتجت إلى سيري سرت إليك بنفسي ، ونادى في عسكره من أراد السير من الجند ~~الاخشيدية وغيرهم إلى الشام مع الحسن بن أحمد فلا اعتراض لنا عليه ، وقد ~~أذنا له في المسير والمعسكران واحد ، فخرج إلى القرامطة كثير من الاخشيدية ~~الذين كانوا بمصر وفلسطين ، ممن فر من جوهر وجعفر بن فلاح ، وكان جعفر لما ~~أخذ طبرية بعث إلى أبي تغلب ابن حمدان بداع يقال له أبو طالب التنوخي ، ~~يقول له : إنا سائرون إليك فتقيم لنا الدعوة ، فلما قدم الداعي على أبي ~~تغلب وهو بالموصل ، وأدى الرسالة ، قال له : هذا ما لا يتم لأننا في دهليز ~~بغداد ، والعساكر منا قريبة ، ولكن إذا قربت عساكركم من هذه الديار ، أمكن ~~ما ذكرته ، فانصرف بغير شيء. # ثم ان الحسن بن أحمد القرمطي ، سار عن الرحبة إلى أن قرب من دمشق ، فجمع ~~جعفر خواصه واستشارهم ، فاتفقوا على أن يكون لقاء القرامطة في طرف البرية ~~قبل أن يتمكنوا من العمارة ، فخرج إليهم ولقيهم ، فقاتلهم قتالا شديدا ، ~~فانهزم عنه عدة من أصحابه ، فولى في عدة ممن معه ، وركب القرامطة أقفيتهم ، ~~وقد تكاثرت العربان من كل ناحية ، وصعد الغبار ، فلم يعرف كبير من صغير ، ~~ووجد جعفر قتيلا لا يعرف ms002 له قاتل ، وكانت هذه الوقعة في يوم الخميس لست ~~خلون من ذي القعدة سنة ستين وثلاثمائة. # فامتلأت القرامطة بما احتووا من المال والسلاح وغيره ، وخرج محمد بن ~~عصودا إلى جثة جعفر بن فلاح ، وهي مطروحة في الطريق ، فأخذ رأسه وصلبه على ~~حائط داره ، أراد بذلك أخذ ثأر أخيه اسحق بن عصودا ، وملك القرامطة دمشق ، ~~وورد الخبر بذلك على جوهر القائد ، فاستعد لحرب القرامطة ... PageV01P037 # وبعد ملكهم لدمشق أمنوا من بقي من أهلها ، وعزموا المسير إلى الرملة ~~واستولوا على جميع ما بينهما ، فلما سمع من بها من المغاربة خبرهم ساروا ~~منها إلى يافا ، فتحصنوا بها ، وملك القرامطة الرملة بعد قتال شديد وخسائر ~~جمة ، وبعد استتباب الأمر لهم قصدوا المسير إلى مصر وتركوا على يافا من ~~يحصرها. # وعند دخولهم مصر اجتمع عليهم خلق كثير من العرب وغيرهم من الجند ~~والاخشيدية والكافورية ، فنزلوا بفناء مدينة الشمس على مقربة من مصر قريبا ~~من قرية البلسم أو البيلسان وتعرف «بعين» شمس ، واجتمع جند جوهر الصقلبي ~~قائد المعز لدين الله ، وخرجوا إليهم ، فاقتتلوا غير مرة فلم يظفروا بهم في ~~جميع تلك الأيام ، وما حصل منهم من الفظائع من قطع الطريق والنهب والسلب ~~وسطوهم على القرى وهتكهم الأعراض يعجز القلم عن وصفه لعنهم الله. # ثم أنهم تقدموا وزحفوا وحصروا عسكر جوهر وضايقوهم وحصروهم حصارا شديدا ، ~~ثم أن جند جوهر خرجوا يوما من مصر وحملوا على القرامطة من الميمنة فانهزم ~~من بها من العرب وغيرهم ، وقصدوا خيام القرامطة فنهبوها وكبسوهم فيها ~~فاضطروا إلى الهزيمة ، وولوا الأدبار راحلين إلى الشام ، فنزلوا الرملة ثم ~~حصروا يافا حصارا شديدا وضيقوا على من بها ، فسير القائد جوهر نجدة من ~~عسكره لأصحابه المحصورين بها ، ومعهم ميرة في خمسة عشر مركبا ، فأرسل ~~القرامطة مراكبهم إليها فأخذوا مراكب جوهر ولم ينج منها غير مركبين ، ~~فغنمهما مراكب الروم. # وللحسن بن بهرام زعيم القرامطة شعر فمنه في المغاربة أصحاب المعز لدين ~~الله العلوي الفاطمي الإفريقي يقول : # زعمت رجال الغرب أني هبتها %~% فدمي إذا ما بينهم مطلول يا مصر ms003 إن لم أسق أرضك من دمي %~% يروي ثراك فلا سقاني النيل PageV01P038 # وفي صباح الغد أخذ جند جوهر يرمون القرامطة بقوارير النفط ، وأعملوا فيهم ~~السلاح حتى اضطروهم إلى الجلاء عن الحصار ، ورحلوا إلى الشام فتبعوهم ، ~~وواصلهم المعز وجوهر بالنجدات حتى أجلوهم عن بعض القرى والمدن (1). # وفي سنة ثلاث وستين وثلاثمائة تقوى القرامطة ، وعزموا أن يعودوا لمحاربة ~~المعز الفاطمي العلوي صاحب مصر إفريقية ، فتجمعت جموعهم وساروا من الإحساء ~~، وفي مقدمتهم زعيمهم الحسن بن أحمد قاصدين ديار مصر فنزلوا بها وحصروها ، ~~فلما سمع المعز لدين الله قصد القرامطة قبل وصولهم إلى مصر ، كتب إليهم ~~كتابا (2)، يذكر فيه فضل نفسه وأهل بيته ، وأن دعوة القرامطة كانت له ~~وآبائه من قبله ، وتوعدهم وهددهم وسير الكتاب إليهم ، فكتبوا إليه «جوابك : ~~وصل الذي قل تحصيله ، وكثر تفصيله ، ونحن حاضرون إليك على إثره والسلام». ~~وساروا حتى وصلوا عين شمس فخيموا بها ، وأنشب القتال ، وحصروا مصر حصرا ~~شديدا ، وأفسدوا ونهبوا القرى وقطعوا السبيل ، وكثرت جموعهم ، والتف حولهم ~~من العرب وقطاع الطريق جمع كبير ، وكان ممن # ... وورد الخبر بقدوم الحسن بن أحمد الأعصم القرمطي إلى دمشق ، وقتل جعفر ~~بن فلاح ، واستيلاء القرامطة على دمشق ، وقصدهم مصر ، فتأهب جوهر لقتالهم ، ~~وحفر جوهر خندقا ، وعمل عليه بابين من حديد ، وبنى القنطرة على الخليج ~~ظاهرة القاهرة ، وحفر خندق السري بن الحكم ، وفرق السلاح على العساكر ، ~~فوجد رقاعا في الجامع العتيق فيها التحذير منه فجمع الناس ووبخهم فاعتذروا ~~له فقبل عذرهم ، ونزل القرامطة عين شمس في المحرم سنة احدى وستين ، فاستعد ~~جوهر وضبط الداخل والخارج. # وفي مستهل ربيع الأول التحم القتال بين القرامطة وبينه على باب القاهرة ، ~~فقتل من الفريقين جماعة وأسر كثير ، ثم استراحوا في ثانيه والتقوا في ثالثه ~~، فاقتتلوا قتالا كثيرا قتل فيه ما شاء الله من الخلق ، وانهزم القرمطي يوم ~~الأحد ثالث ربيع الأول ، ونهب سواده ، ومر على طريق القلزم السويس حاليا ~~ونودي في مدينة مصر : من جاء بالقرمطي أو برأسه فله ثلاثمائة ألف درهم ، ~~وخمسون خلعة ، وخمسون سرج محلى على ms004 دوابها ، وثلاث جوائز ... PageV01P039 # حضر معهم وانضم إليهم الأمير حسان بن جراح الطائي أمير العرب ببادية ~~الشام ، ومعه جمع عظيم ، فلما رأى ذلك المعز استعظم الأمر ، وتحير وارتبك ~~في أمره ، فجمع حاشيته ووزراءه (1). # .... (2) وتحصنوا بالسور وعظم الأمر على المعز وتحير في أمره ولم ينفعه ~~كتابه إليه ولا ترهيبه عليه ولم يقدم على الظهور بعسكره إليه (3)، وكان ~~حسان بن جراح الطائي (4) بعسكره مع القرمطي ، وكان قوته وشدته به ، ونظر ~~المعز في أمره فإذا ليس به طاقة ، فأعمل فكرته ورويته في أمره وشاور أهل ~~الرأي من خاصته وجنده في أمره فقالوا : ليس فيه حيلة غير فل عسكره ، وليس ~~يقدر على فله إلا بابن جراح ، فبذلوا له مائة ألف دينار على أن يفل لهم ~~عسكره ، فأجابهم إلى ذلك ، ثم نظروا في # والأحداث هي منظمة شبه عسكرية شعبية بلدية ، وكان من بين زعماء أحداث ~~دمشق مقدم اسمه محمد بن عصودا ، تصدى فيمن تصدى لجعفر بن فلاح إنما عند ما ~~أخفق هرب من دمشق يريد الأحساء وقد رافقه ظالم بن موهوب (أو مرهوب) العقيلي ~~، وهناك في عاصمة دولة القرامطة أطلع الحسن الأعصم زعيم القرامطة على حوادث ~~الشام الجديدة ، وكان للقرامطة أتاوة سنوية كبيرة يأخذونها من الاخشيدية ~~حكام الشام قطعت بالاحتلال الفاطمي ، لهذا ولأسباب كثيرة ساق الأعصم جيوشه ~~إلى الشام بعد ما نال تشجيع ومساعدة بغداد ، فأوقع بقوات ابن فلاح ، وقتل ~~ابن فلاح نفسه ، ثم توجه نحو مصر وحاصر القاهرة دون نجاح ، حيث انسحب ~~القرمطي عائدا إلى الشام ، وعند ما ارتفع خطر القرامطة ، أرسل جوهر الصقلبي ~~إلى الخليفة المعز لدين الله الفاطمي ودعاه إلى القدوم إلى مصر فلبى الدعوة ~~، سنة 362 ه / 973 م ، وفي سنة 363 ه وصل القرامطة مجددا إلى مصر وحاصروا ~~المعز ، وطال الحصار على المعز ، وكتب إلى القرمطي رسالة مطولة بالغة ~~الأهمية ، ولقد سبق لي معالجة هذا الموضوع في كتابي أخبار القرامطة ، دمشق ~~1981 ، كما أنني نشرت في ملاحق كتابي مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية ، ط. ~~دمشق 1975 ، ص : 313 348 ترجمه كل ms005 من جعفر بن فلاح وجوهر الصقلبي من مخطوطة ~~كتاب المقفي للمقريزي. PageV01P040 # كثرة المال فاستعظموه ، فضربوا دنانير من صفر وطلوها بالذهب وجعلوها في ~~أكياس ، وجعلوا في رأس كل كيس منها يسيرا من دنانير الذهب الخلاص ، وحملوها ~~إلى ثقة ابن جراح ، وقد كانوا توثقوا منه وعاهدوه على الوفاء ، وترك الغدر ~~إذا وصل المال إليه ، فلما عرف وصول المال إليه عمل في فل عسكر القرمطي ، ~~وتقدم إلى أكثر أصحابه أن يتبعوه إذا تواقف العسكران ، ونشبت الحرب. # فلما اشتد القتال ولى ابن جراح منهزما وتبعه أصحابه ، فكان في جمع كثيف ، ~~فلما نظر القرمطي قد انهزم عسكره بعد الاستظهار والقوة ، تحير في أمره ، ~~ولزمه الثبات والمحاربة بعسكره وأجهد نفسه في القتال حتى يتخلص ، ولم يكن ~~له بهم طاقة ، وكانوا قد أرهقوه بالحملات من كل جانب ، وقد قويت نفوس ~~المغاربة بانفلال ابن جراح ، فخاف القرمطي على نفسه فانهزم فاتبعوا أثره ~~وطلبوا معسكره ، فظفروا بمن فيه ، وأسروا منه تقدير ألف وخمسمائة رجل ، ~~وانتهبوا سواده وما فيه ، وضربوا أعناق من أسروه ، وذلك في شهر رمضان سنة ~~ثلاث وستين وثلاثمائة. # ثم جردوا في طلب القرمطي القائد أبا محمود إبراهيم بن جعفر في عشرة آلاف ~~رجل ، فاتبعه وتثاقل في سيره خوفا من رجوعه عليه ، وتم القرمطي على حاله في ~~انهزامه حتى نزل على أذرعات (1)، وانفذ أبا المنجا في طائفة من الجند إلى ~~دمشق ، وكان ابنه قبل ذلك واليا عليها (2)، ورحل القرمطي في البرية طالبا ~~بلد الإحساء ، ونيته العود ، ورحل أبو محمود مقدم عسكر [7 ظ] المغاربة (3) ~~عند معرفته ذلك ونزل باذرعات في منزل القرمطي. # أنظر أخبار القرامطة : 190 191. PageV01P041 ### | * ذكر ولاية ظالم بن موهوب (1) العقيلي لدمشق في سنة ثلاث وستين وثلاثمائة من قبل المعز لدين الله # وصل القائد ظالم بن موهوب العقيلي إلى دمشق واليا عليها في يوم السبت ~~لعشر خلون من شهر رمضان سنة ثلاث وستين وثلاثمائة عقيب نوبة القرمطي ، ~~فدخلها وتمكن أمره في ولايتها وتأثلت حاله في إيالتها ، وتوفرت عدته وعدته ~~، واشتدت شوكته لا سيما عند قبضه على أبي ms006 المنجا وولده صاحبي القرمطي مع ~~جماعة وافرة من أصحابهما ، وحبسهم وأخذ أموالهم واستغرق أحوالهم. # واتفق أن أبا محمود مقدم العسكر المصري المقدم ذكره وصل إلى دمشق في يوم ~~الثلاثاء لثلاث بقين من شهر رمضان من السنة ، ونزل بالشماسية (2)، فخرج ~~ظالم متلقيا له ومستبشرا به ، ومبتهجا بنزوله ، ومستأنسا بحلوله لما كان ~~مستشعره من الخوف من عود القرمطي إلى دمشق ونزوله عليها ، ثم أن ظالما أنزل ~~أبا محمود المقدم الدكة المعروفة (3)، وحمل إليه أبا المنجا صاحب القرمطي ~~المعتقل المعروف بالنابلسي (4) الذي كان هرب من الرملة متقربا إليه وإلى ~~المغاربة بذلك ، فجعل كل واحد منهما في قفص من خشب وحملهما إلى مصر ، فلما ~~وصلا إلى المعز لدين الله أمر بحبس أبي المنجا وولده وقال للنابلسي : أنت ~~الذي قلت : لو أن معي عشرة أسهم لرميت تسعة في المغاربة وواحدا في الروم؟ ~~فاعترف بذلك ، فأمر بسلخه ، فسلخ وحشي جلده تبنا وصلب. # أنظر أخبار القرامطة : 190. PageV01P042 # ولما نزل القائد أبو محمود المقدم على دمشق في عسكره اضطرب الناس وقلقوا ~~، وامتدت أيدي المغاربة في العيث والفساد في نواحي البلد ، وأخذ من يصادف ~~في الطرقات والمسالك وكان صاحب الشرطة بعد القبض على أبي المنجا قد أخذ ~~انسانا وقتله ، فظهر الغوغاء وحملة السلاح ، وقتلوا أصحاب المسالح ، وكثر ~~من يطلب الفتن من العوام ، وطمعت المغاربة في نهب القرى وأخذ القوافل ظاهر ~~البلد ، ولم يتمكن القائد أبو محمود المقدم من ضبط أصحابه لأنه لم يكن معه ~~مال ينفقه ، فيهم ، ولم (8 و) يقبلوا أمره ولا امتثلوا زجره ، # وكان ظالم يأخذ مال السلطان الذي يستخرج من البلد ، وقد عرف ظالم أن ~~الرعية تكره المغاربة [فكثر] في [البلد] (1) الفساد وقطع الطريق على الصدار ~~والوراد ، وامتنع السفار من المجيء والذهاب ، وعدلوا في ذلك عن نهج الصواب ~~، ونزح أهل القرى منها إلى البلد ، وخلت من أهلها واستوحش ظاهر البلد ~~وباطنه. # فلما كان يوم الخميس النصف من شوال من السنة جاء قوم من العسكرية ينهب ~~القصارين من ناحية الميدان (2) فكثر الصائح في البلد ، وخرج الناس بالسلاح ~~، وثارت ms007 الأحداث ، وخرج أصحاب ظالم ووقع القتال ، وظالم يظهر أنه يريد ~~الصلاح والدفع عن البلد ، ولم يكاشف في الأمر (3)، ووجد الناس حجة للمقال ~~والشكوى لما يجري عليهم ، فلما كان في بعض الأيام خرج قوم من المغاربة ~~يطلبون الطرق فظفروا برفقة قافلة في طريق الحرجلة (4) قد أقبلت من حوران ، ~~فأخذوها وقتلوا منها # دمشق 1968 ص 13. PageV01P043 # ثلاثة نفر ، فجاء أهل القتلى وحملوهم وطرحوهم في الجامع (1) فكثر الناس ~~عليهم وبالغوا في المقال والانكار لأجلهم ، وغلقت الأسواق ، ومشى الناس ~~بعضهم إلى بعض ، ونفرت قلوبهم ، واستوحشوا وخافوا. # فلما كان يوم الاثنين السابع عشر من ذي القعدة من السنة سمع صبي يصيح على ~~بعد : النفير النفير إلى قينية (2)، إلى اللؤلؤة ، فقال قائل : كان بالأمس ~~آخر النهار قوم من المغاربة ومن البادية في جنينة في القنوات (3) فقتلت ~~المغاربة من البادية ابن عم لورد بن زياد ، وقد وقع بينهم حرب وقد ثارت ~~الفتنة بباب الجابية (4) فخرج رجل من العسكرية يقال له نفاث ابن عم لأبي ~~محمود ، فظهر القوم من غد في طلب الرجل ، وكان مسكنه في ناحية قينية ، ~~فأقبلوا يريدون بيته ، وانتشرت خيلهم ورجالتهم في أرض قينية إلى لؤلؤة ~~والقنوات إلى باب الجابية وباب الحديد (5)، فظفروا بالقصارين عند باب ~~الحديد ، فأخذوا ما كان معهم من الثياب ، فصاح الناس : «النفير» ، ولبسوا ~~السلاح ، وخرج أصحاب ظالم مع الرعية ، وزحفت المغاربة حتى بلغوا قريبا من ~~سور البلد وليس في مقابلتهم من يذودهم ويدافعهم ، فنفر إليهم أهل البلد من ~~(8 ظ) كل ناحية ونشب القتال ، ونكا النشاب في المغاربة أعظم نكاية ، وقصدوا ~~الباب الصغير وامتد الناس خلف المغاربة وصعدوا على طاحون الأشعريين يرمونهم ~~بالحجارة ، وطرحوا النار فيها PageV01P044 # فاحترقت ، وهي أول نار طرحت في البلد وزحفت الرعية وأصحاب ظالم إلى ~~المغاربة وضايقوهم مضايقة ألجؤوهم إلى الصعود فوق مسجد ابراهيم ، وكان ذلك ~~منهم جهلا واغترارا وكان في الطريق الأعلى نحو البيمارستان العتيق (1) ~~شرذمة قليلة فحملوا على الأحداث وأصحاب ظالم فانهزموا من المرج إلى خلف ~~المرمى ، وتبعتهم المغاربة ، فلما علم ظالم هزيمتهم خرج من دار الإمارة ms008 حتى ~~وقف عند الجسر المعقود على بردى ، وأمر بغلق باب الحديد (2)، ورتب قوما من ~~أصحابه على جسر باناس لئلا ينهزم الناس ، فلما شاهد انهزام الناس والمغاربة ~~في إثرهم ضرب بيده على فخذه ، ثم استدعى رمحه ، وعبر الجسر ومعه فرقة من ~~أصحابه ، وحمل على أوائل المغاربة فردهم عن أحداث البلد ، وصاح الناس في ~~الميدان «النفير» ، فانهزم ظالم وأصحابه وجاءت المغاربة نحو الفراديس ، ~~ودخلوا الدروب ، وملكوا السطوح وطرحوا النار في الفراديس (3)، وكان هناك ~~من البيان الرفيع الغاية في الحسن والبهاء ما لم ير مثله ، وهو أحسن مكان ~~كان بظاهر دمشق ، وامتدت النار مشرقة حتى بلغت مسجد القاضي (4) فأتت على ~~دور لبني حذيفة وأخذت النار قلة ، فأتلفت ما كان بين الفاخورة وحمام قاسم ~~وكنيسة مريوحنا (5) وحين انهزم الناس وتكامل العسكر في المرج والميدان ، ~~وارتفع صياح المغاربة ، وانهزم من على السطح من الرماة والنظارة ، وامتدوا ~~إلى القنوات ودخلوا باب الحديد ، وانتشروا ، فلما عرفوا انهزام # دمشق 1954 : 2 / 158. PageV01P045 # ظالم قصدت خيلهم ناحية الشماسية (1) في طلبه ، فلما حصلوا بها أقبلت ~~الأحداث تجول فيها مع المغاربة فطرحوا النار في لؤلؤة الكبرى (2) والصغرى ~~والقنوات وقينية (3) وأقبل الليل ، وبات الناس على أسوأ حال وأشد خوف عظيم ~~، وأعظم وجل ، وتمكنت النار في تلك الليلة (9 و)، فأحرقت درب الفحامين ، ~~ودرب القصارين ، ثم أخذت مغربة إلى مسجد معاوية (4)، وأحرقت درب السماقي ~~وما حوله إلى حمام العجمي (5)، ثم أخذت في زقاق المشاطين والقنوات وقويت ~~النار في اللؤلؤة الكبرى والصغرى ، وبلغت إلى ناحية المشرق ، وأتت على ~~الرصيف جميعه ، وكانوا في وقت تمكنهم من باب الحديد ، قد طرحوا النار في ~~دار عمرو (6) بن مالك ، ودار ابن طغج بن جف ، فقويت النار في أخشاب وبطاين ~~سقوف منقوشة ، وظهر لها في الليل ألسنة عالية وشرر عظيم ، وكذلك النار التي ~~ألقيت في الفراديس كان لها شرر مرتفع ، وألقوا النار أيضا في باب الحديد ، ~~والمظلمة بإزاء الحمامي إلى الطريق الآخذ إلى حجر الذهب (7) ووصلوا إلى ~~رحبة السماكين مقابل دار ابن مقاتل (8) ووجدوا بين أيديهم من الرعية من ~~منعهم ms009 دخول الزقاق ، ودخل قوم من الرعية المظلمة وأدركوا [النار] وأطفؤوها ~~، وقويت النار في دار ابن مالك فاحترقت وما يليها من الطاحون إلى حد حمام ~~ضحاك ، ثم أخذت النار نحو القبلة فأتت على ما كان من الدور # الأعلاق الخطيرة قسم دمشق : 123. PageV01P046 # حول دار ابن طغج وما يليها إلى قصر عاتكة (1) وسوق الجعفري والحوانيت ، ~~والتقت على قصر (2) حجاج ، وأشرق الصبح وقد خلا المكان واجتمع قوم في تلك ~~الليلة من حجر الذهب والفسقار (3) والنواحي المعروفة بباب الحديد ، وعملوا ~~على المحاربة عن الدروب والأزقة وأبواب الدور ، فما لاح الصباح بضيائه إلا ~~وقد بنوا حائط باب الحديد ، وسدوا الباب وأتى الله بالفرج. # وقد كانت المغاربة في تلك الليلة في لهو ولعب وزفن (4) وفرح وسرور بأخذ ~~البلد من عدوهم ، ينظرون إلى النار تعمل في جنباته ، وقد أتت عليه ، فلما ~~أصبحوا انحدر العسكر من الدكة يريد البلد ، وكان الناس قد غدوا إلى الميدان ~~، وصعدوا السطح ينظرون نزول العسكر ، وقد حارت عقول كثير من الناس من الخوف ~~، فلما نظرت الدبادبة من كان على السطح ، انحدر العسكر ، وقد علت الأصوات ~~بالنفير ، فلما سمع الناس النفير بادروا الخروج بالسلاح التام ، وعدد الحرب ~~وآلاتها وخرج قوم بمثل حربة (9 ظ) وعصا وفاس وكساء مقلاع ، وحمر عليها ~~حجارة ، واشتد الناس في القتال ، ونزل القائد أبو محمود في عسكره ، فضرب في ~~الميدان خيمة وأصبح الناس في شدة عظيمة ، وبلية هائلة [واجتمع الأشراف] (5) ~~وظهروا من البلد ، وقد تبعهم الخلق الكثير من الأخيار والمستورين يطلبون من ~~الله تعالى الفرج ، فلما قربوا من عسكر المغاربة صاح نفر منهم ، فنفرت من ~~الصياح خيل هناك ، فقيل لهم : PageV01P047 # أشراف البلد يريدون الوصول إلى القائد ، فأذن لهم فلما حضروا لديه ، ~~وسلموا عليه ، أحسن الرد عليهم ، وبش بهم وقال : ما حالكم وما الذي جاء ~~بكم؟ فشكوا إليه أحوالهم ، والإضرار بهم ، والمضايقة لهم ، وخضعوا وذلوا له ~~ولطفوا به ، فقال : ما نزلت في هذا المكان لقتالكم ، وإنما نزلت لأرد هؤلاء ~~الكلاب المفسدين عنكم يعني أصحابه وما أوثر قتال رعية ، فشكروا ودعوا له ~~وأثنوا ms010 عليه ، وانصرفوا عنه مستبشرين بما سمعوه منه ، وجاؤوا إلى خيمته ~~واختلطوا بأصحابه وقد خف الخوف والوجل عنهم ، ودخلت المغاربة البلد لقضاء ~~حوائجهم ، وعاد القائد أبو محمود في عسكره إلى الدكة منزله. # وولى الشرطة لرجلين يقال لهما حمزة المغربي والآخر يقال له ابن كشمرد من ~~الاخشيدية ، فدخلا في جمع كثير من الخيل والرجالة فطافا في البلد بالملاهي ~~والزفن ، وجلسا في مجلس الشرطة ، وطاف في الليل جماعة من الرجال بالعدد ~~والسلاح ممن يرد الفساد وإثارة الفتن ، ووجد الطائف الدروب قد ضيقت ، فشكا ~~ذلك إلى القائد أبو محمود فشق هذا الأمر عليه وضاق له صدره ، فلما كان في ~~بعض الليالي اجتاز الطائف في ناحية المحاملين على جسر المصلى (1)، يريد ~~باب الصغير في جمع وافر ، ووصل إلى سوق (2) الغنم ، فوجد درب سوق الغنم ~~مسدودا ، فعظم ذلك عليه ، وغضب لأجله ، وعاد إلى ورائه منكفئا حتى دخل من ~~ناحية البطاطين (3) فشكا إلى أبي محمود ، فقال : إن القوم على ما هم عليه ~~من العصيان والخلاف ، وكثرت الأقوال في مجلسه ولم يكن صاحب رأي سديد ولا ~~تدبير حميد ولا حسن سياسة ، واستدعى مشايخ البلد PageV01P048 # إليه (10 و) فدخلوا عليه فتوعدهم وأغلظ القول لهم ، وقال : إن لم يفتح ~~هذا الباب وإلا فأنتم مقيمون على الخلاف والعصيان ، فقالوا : أيها القائد ~~لم يسد هذا الباب لعصيان ولا خلاف ، وإنما كان سده بحيث لا يدخل منه أحد من ~~لا يعلمه القائد ويؤثره من أهل الفساد ومن يؤثر إثارة الفتنة والعناد ، ~~فقال : قد أمهلتكم ثلاثة أيام وإن لم يفتح هذا الباب لأركبن إليه ولأحرقنه ~~ولأقتلن كل من أصادفه فيه ، فقالوا : نحن نطيع أمرك ولا نخالفه إذا استصوبت ذلك. # وخرجوا من عنده متحيرين في أمرهم لا يعلمون كيف يسوسون جهلة الناس وأمور ~~السلطان ، فصاروا إلى باب الصغير ، واجتمع إليهم أهل الشره وغيرهم ، وفيهم ~~المعروف بالمارود رأس شطار الأحداث ، وأحاطوا بهم وسألوهم عن حالهم ، ~~فأعادوا عليهم ما سمعوه من القائد أبي محمود بسبب سد الباب ، فقال بعضهم : ~~يفتح ولا يجري مثل ما جرى أولا فنخرب ms011 البلد ، وقال قوم من أصحاب السلاح ~~بالضد ، فقالت المشايخ : نحن نفتح هذا الباب وإن جرى أمر مكروه عند دخول ~~المغاربة وغيرهم ، أو ثارت منه فتنة كنتم أنتم أصل ذلك وسببه ، ثم إنهم ~~فتحوه من وقتهم ، فلما شاهد المشايخ ذاك حاروا بين الفريقين ، وقال بعضهم ~~لبعض : ما قال أبو محمود ، وما قال أهل الشره ، وقد فتح الباب بأمركم ، ~~ولسنا نأمن أمرا يكون من المغاربة فتكونوا أنتم السبب فيه ، ففكروا في ~~الخلاص من لائمة الفريقين ، وأعملوا الرأي فيما بينهم ، وقالوا : الصواب أن ~~نأمرهم بسده ، وكان ذلك منهم رأيا سديدا وتدبيرا [سليما] (1) وجرى بين رجل ~~من أكابر المغاربة ورجل من أهل الشره منازعة بسبب صبي أراد المغربي أن يغلب ~~عليه ، فرفع البلدي سيفه وضرب المغربي فقتله في سوق (2) البقل ، فغلظ الأمر ~~واضطرب البلد ، PageV01P049 # وغلقت حوانيت الأسواق ، وثار العسكر بسبب المقتول ، فعند ذلك وجدت ~~المشايخ الحجة في سد الباب لهذا الحادث ، وانتهى الخبر إلى القائد أبي ~~محمود ، ففرق السلاح في أصحابه ، وثار أهل البلد وتأهبوا للمحاربة ، وأصبح ~~العسكر منحدرا يريد باب الصغير ، (10 ظ) وكان عندهم العلم بتفريق السلاح ، ~~والاستعداد للحرب ، فتيقظ الناس ، فاحترزوا إلى حين ارتفع النهار ، وفتح ~~الناس حوانيتهم وكان المعروف بابن المارود رأس الأحداث قد عرف هو وأصحابه ~~أن قصد العسكر باب الصغير لأجلهم (1)، وصاح الناس «النفير» ، وارتفعت ~~الأصوات وتقدمت الرجالة ، وانتشروا في سوق الدواب (2) وعبروا الجسر وطرحوا ~~النار في الطاحون قبلي الجسر ، وانتشروا في الطريق والمقابر يشاهدون النار ~~في دور عند مسجد الخضر ، وامتدت الأحداث والرعية في المقابر ووقع «النفير» ~~في الأسواق ، وكانوا في غفلة ، فصاح فيهم صايح : أما يستيقظ من هو غافل ، ~~أما ينتبه من هو راقد ، فغلقت حوانيت الأسواق وأضحى الناس من استشعار ~~البلاء على ساق [وقدم] (3) ونزل القائد أبو محمود في محراب المصلى وكانت ~~رجالته منتشرة في المقابر ، فاجتمعت مشايخ البلد إلى القائد أبي محمود من ~~باب الجابية ، والمحاربة على باب الصغير ، وكان فيهم الشريف أبو القاسم ~~أحمد بن أبي هشام العقيقي العلوي ، فقال له : الله الله ms012 أيها القائد في ~~الحرم والأطفال وأتقياء الرجال ، ولم يزل يخضع له ويلطف به إلى أن أمسك بعد ~~سؤال متردد ، وعاد منكفئا بعسكره إلى مخيمه بالدكة في يوم الأربعاء لست ~~مضين من ذي الحجة سنة ثلاث وستين وثلاثمائة وكف عن القتال ، ودخل صاحب ~~النظر إلى البلد ، وانتشر الفساد في سائر PageV01P050 # الضياع والجهات ، وطرحت النار في الأماكن والحارات ، وثارت الفتنة واشتدت ~~النار ، وعظم الخوف وفني العدد الكثير من الفريقين ، ولم تزل الحرب متصلة ~~مدة صفر وربيع الأول ، وبعض ربيع الآخر ، وتقررت المصالحة والموادعة (1) ~~إلى أن ولي جيش بن الصمصامة البلد من قبل خاله القائد أبي محمود المقدم ~~ذكره في سنة ثلاث وستين وثلاثمائة ، وصرف القائد ظالم ابن موهوب العقيلي عن ~~ولايته. ### || * شرح الحال في ذلك # لما استقر الصلح والموادعة بين أهل دمشق والقائد أبي محمود مقدم العسكر ~~المصري المعزي على ما تقدم شرحه ، وخمدت نار الفتنة بعض الخمود ، وركدت ~~ريحها بعض (11 و) الركود وسكنت نفوس أهل البلد واطمأنت القلوب بين الفريقين ~~اعتمد القائد أبو محمود على ابن أخته جيش بن الصمصامة في ولاية دمشق ~~وحمايتها ولم ما تشعث منها بالفتنة المتصلة ، لما رجاه عنده من الكفاية ~~والصرامة ، وقدره فيه من النهضة والشهامة ، فدخلها واليا ونزل بقصر ~~الثقفيين (2) في الدار المعروفة بالروذباري ، وأقام بها أياما. # فلما كان يوم من الأيام عبرت طائفة من عسكر المغاربة بالفراديس فعاثت فيه ~~، فثار الناس عليها وقتلوا من لحقوه منهم ، وصاروا إلى قصر الثقفيين ، فهرب ~~منهم جيش بن الصمصامة الوالي في أصحابه فانتهبوا ما كان لهم فيه ، وأصبح ~~القائد منحدرا من العسكر في جمع كثير ، وقصد PageV01P051 # جهة من البلد ، وكبس موضعا كان قد سلم ووجد فيه أربعة من أهله فأخذ ~~رؤوسهم وطرح النار فيه فاحترق ، وقال القائد أبو محمود : إن أهل الشره في ~~موضع يقال له سقيفة جناح قريب من باب كيسان قبلي البلد ، فقصدهم من ناحية ~~الباب (1) الصغير والمقابر ، فوقع «النفير» فقاتلتهم الأحداث والرعية أشد ~~قتال ، وقد غلظ الأمر عليهم في أخذ رؤوس من يظفرون به ms013 ، ونشبت الفتنة والشر ~~بينهم منذ أول جمادى أولى ، ونشبت الحرب بينهم بياض ذلك اليوم إلى أن أقبل ~~الليل ، فاضطرب البلد واشتد خوف أهله ووجلهم ، وخربت المنازل ، وضعفت ~~النفوس ، وانقطعت المواد ، واستدت بالخوف المسالك والطرقات ، وبطل البيع ~~والشراء ، وقطع الماء عن البلد ، وعدم الناس القني والحمامات ، ومات ضعفاء ~~الناس على الطرقات ، وهلك الخلق الكثير من الجوع والبرد في أكثر الجهات ، ~~وانتهت الحال في ذلك إلى أن تجددت ولاية القائد ريان الخادم عقيب هذه ~~الفتنة في بقية سنة ثلاث وستين وثلاثمائة. ### || * شرح الأمر في ذلك # قد كانت الأخبار تنتهي إلى المعز لدين الله بما يجري على أهل دمشق من ~~الحروب ، وإحراق المنازل ، والنهب والقتل والسلب ، وإخافة المسالك ، وقطع ~~الطرقات ، وأن القائد أبا محمود المقدم على الجيش المصري لا يتمكن من كف ~~أهل الفساد والمنع (11 ظ) لمن يقصد الشر من أهل العيث والعناد ، ولذلك فقد ~~خربت الأعمال ، واختلت الجهات ، وترادفت الأنباء بذلك إليه وتواترت الأخبار ~~بجلية الحال عليه ، فأنكر استمرار مثل ذلك ، وأكبره واستبشعه ، وكتب إلى ~~القائد ريان الخادم والي طرابلس يأمره المسير إلى دمشق ، لمشاهدة حالها ، ~~وكشف أمور أهلها ، والمطالعة بحقيقة الأمر فيها ، وأن يصرف القائد أبا ~~محمود عنها ، فامتثل القائد ريان الأمر في ذلك ، وسار من طرابلس ، ووصل إلى دمشق ، PageV01P052 # فشاهدها وكشف أحوال أهلها وأمور الرعية بها ، وتقدم إلى القائد أبي محمود ~~بالانكفاء عنها ، فرحل عن دمشق إلى الرملة في عدة خفيفة من عسكره ، وبقي ~~الأكثر مع القائد ريان ، وكان ذلك بقضاء الله وتقديره ونفاذ حكمه ، وتمادت ~~الأيام في ذلك إلى أن تجددت ولاية أبي منصور ألفتكين التركي المعزي البويهي ~~الواصل (1). ### | * ولاية ألفتكين (2) المعزي لدمشق في بقية سنة أربع (3) وستين وثلاثمائة وما بعدها وشرح السبب في ذلك # قد مضى ذكر ما جرى عليه أمر القائد ريان المعزي (4) الخادم في تولية أمر ~~دمشق ، وما شاهده من أمر الفتن الحادثة فيها ، واتصال الحروب بها ، وما ~~اعتمده من النظر في تسديد أحوالها وتدارك إصلاح اختلالها بعد ذلك ، وتسكين ~~نفوس من بها ، ووافق هذه ms014 الحال ما تناصرت به الأخبار من بغداد من اشتداد ~~الفتن والوقائع بين الديلم والأتراك وما كان من عصيان الحاجب سبكتكين ~~المعزي مقدم الأتراك على عز الدولة بختيار ابن مولاه معز الدولة أبي الحسين ~~بن بويه الديلمي ، وما حدث من موت الحاجب سبكتكين المذكور ورد الأمر في ~~التقدم على الأتراك إلى الحاجب أبي منصور ألفتكين المعزي والرئاسة عليهم ، ~~لسكونهم إلى سداده وجميل فعله في الأعمال ، واقتصادهم واعتمادهم عليه في ~~إخماد ثائرة الفتنة ، وسكنت نفوس الأجناد ببغداد. PageV01P053 # وفي ذي القعدة من سنة ثلاث وستين وثلاثمائة وردت الأخبار بخلع المطيع لله ~~واستخلاف ولده الطائع لله عند اشتداد الفتنة بين الديلم والأتراك ، وأقام ~~على هذه (12 و) الحال برهة خفيفة ، ثم ثارت الفتنة واتصلت الحوادث ، وزاد ~~الأمر في ذلك إلى حد أوجب للحاجب ألفتكين الانفصال عن بغداد في فرقة وافرة ~~من الأتراك تناهز ثلاثمائة فارس من طراخين (1) الغلمان ، ووصل أولا إلى ~~ناحية حمص للأسباب التي أوجبت ذلك ودعت ، فأقام بها أياما قلائل ، وسار ~~منها إلى دمشق والأحداث بها على الحال المقدم شرحهما في تملكها والغلبة ~~عليها والتحكم فيها ، فنزل بظاهرها ، وخرج إليه شيوخها وأشرافها وخدموه ~~وأظهروا السرور به ، وسألوه الإقامة عندهم ، والنظر في أحوالهم ، وكف ~~الأحداث الذين بينهم ، ودفع الأذية المتوجهة عليهم منهم ، فأجابهم إلى ذلك ~~بعد أن توثق منهم وتوثقوا منه بالأيمان المؤكدة والمواثيق المشددة على ~~الطاعة والمساعدة ، ودخل البلد وأحسن السيرة وقمع أهل الفساد وأذل عصب ذوي ~~العيث والعناد ، وقامت له هيبة في الصدور ، وصلح به ما كان فاسدا من الأمور ~~، وكانت العرب قد استولت على سواد البلد وما يتصل به ، فقصدهم وأوقع بهم ، ~~وقتل كثيرا منهم ، وظهر لهم من شجاعته وشهامته وقوة نفس من في جهته وجملته ~~ما دعاهم إلى الاذعان بطاعته والنزول على حكمه ، والعمل بإشارته وأمر ~~بتقرير إمضاء الاقطاعات القديمة ، وارتجاع ما سوى ذلك ، وأحسن التدبير ~~والسياسة في ترتيب العمال في الأعمال ، وأنعم النظر في أبواب المال ووجوه ~~الاستغلال ، فاستقام له الأمر ، وثبت قدمه في الولاية ، وسكن أهل دمشق ms015 إلى نظره. # وكاتب المعز مكاتبة على سبيل المداجاة والمغالطة والمدامجة والتمويه ~~والانقياد له والطاعة لأمره ، فأجابه بالاحماد له والارتضاء بمذهبه ، ~~والاستدعاء له إلى حضرته ، ليشاهده ويصطفيه لنفسه ، ويعيده إلى ولايته PageV01P054 # بعد ذلك مكرما مولى مشرفا ، فلم يثق إلى ذلك ، ولا سكنت نفسه إليه وامتنع ~~من الإجابة إلى ما بعثه عليه. # ووافق أن المعز لدين الله اعتل العلة التي قضى فيها نحبه وصار إلى رحمة ~~ربه في سنة خمس وستين وثلاثمائة وكان مولده بالمهدية (1)، وعمره خمس ~~وأربعون سنة ، ومولده سنة تسع عشرة (12 ظ) وثلاثمائة ، ومدة أيامه في ~~الخلافة ثلاث وعشرون سنة وستة أشهر وأمه أم ولد ، ونقش خاتمه «بنصر العزيز ~~العليم ينتصر الإمام أبو تميم» ، وكان عالما فاضلا شجاعا جاريا على منهاج ~~أبيه في حسن السيرة وانصاف الرعية (2)، ثم عدل عن ذلك وتظاهر بعلم الباطن ~~، ورد من كان باقيا من الدعاة في أيام أبيه وأذن لهم في الاعلان بمذهبهم ، ~~ولم يزل عن ذلك غير مفرط فيه إلى أن خرج من الغرب (3)، وقام في منصبه من ~~بعده ولده نزار أبو منصور العزيز بالله ، مولده بالمهدية يوم الخميس الرابع ~~عشر من المحرم سنة أربع وأربعين وثلاثمائة. # ولما عرف حال الحاجب ألفتكين جهز إليه عسكرا كثيرا مع القائد جوهر المعزي ~~، ويجري الأمر بينهما على ما هو مشروح في موضعه ، واتفق خروج ابن الشمشقيق ~~(4) متملك الروم في هذه السنة إلى الثغور ، PageV01P055 # فاستولى على أكثرها ودعت أبا بكر بن الزيات الضرورة إلى مصالحته والدخول ~~في طاعته والمسير في عدة وافرة من أهل طرسوس والثغور في خدمته ، وفعلت عدة ~~من بطون العرب مثل ذلك ، فلما نزل ابن الشمشقيق على حمص وافتتحها وانتقل ~~عنها إلى بعلبك وملكها ، وأراد قصد دمشق ، وكتب ابن الزيات إلى ألفتكين ~~وأهل دمشق يعرفهم قوة متملك الروم ، وأنهم لا يقدرون على مقاومته ، ولا ~~يتمكنون من محاربته ، ويشير عليهم بالدخول في طاعته والنزول على حكم إشارته ~~، وأصغى ألفتكين وأهل البلد إلى ذلك ، وعلموا أن فيه المصلحة ، وقرروا ما ~~يستكفون به ليصبحوا في كنف السلامة ms016 ، ويأمنوا شر العساكر الواصلة إليهم ، ~~وكتب إليه بقبول الاشارة ورد الأمر إليه فيما يدبره ، والعمل بما يراه ~~ويستصوبه ، فدخل ابن الزيات إلى متملك الروم ، وقال له : قد وردت كتب ~~ألفتكين وأهل دمشق بالإنقياد للملك إلى ما يرومه منهم ، ويرسم حمله إليه من ~~الخراج عن بلدهم وسألوا أمانه ، وحسن الرأفة والمحاماة عنهم ، فقال له : قد ~~قبلت طاعتهم ، وأمرت بايمانهم على نفوسهم وأموالهم ، ورضيت منهم بالخراج ، ~~وأنفذ إليهم صليبا بالأمان ، وأنفذ (1) ابن الزيات إليهم مع المعروف ~~بالدمشقي صاحبه ، وكان من وجوه (13 و) الطرسوسين ، فتلقوه بالمسرة والاكرام ~~والشكر الزائد عن حسن السفارة وجميل الوساطة ، وأشار ابن الزيات على ~~ألفتكين بالخروج لتلقي الملك فخرج في ثلاثمائة غلام في أحسن زي وعدة ، ~~وأفضل ترتيب وهيئة ، واستصحب أشراف البلد وشيوخه ، ولقيه فأقبل عليه وأكرمه ~~والدمشقيين فيما خاطبهم به من الجميل ، وعاملهم به من وكيد العناية ومرضي ~~الرعاية ، وتوسط ابن الزيات ما بينه وبينهم على تقرير مائة ألف درهم. PageV01P056 # وسار ابن الشمشقيق (1) إلى دمشق لمشاهدتها فلما وصل إليها ونزل بظاهرها ~~استحسن ما رآه من سوادها ، وتقدم إلى أصحابه بكف الأذية عن أهلها ، وترك ~~الإعتراض لشيء من عملها ، ودخل ألفتكين والشيوخ إلى البلد لتقسيط القطيعة ~~وجمعها ، وتحصيل الملاطفات التي يخدم مثله بمثلها ، وحملوا إليه ما جاز ~~حمله ، وحصل المال المقرر له في بدره ، وخرج ألفتكين إليه لمعاودة خدمته ~~فوجده راكبا والطرسوسيون يتطاردون بالرماح بين يديه ، فلما شاهد ابن ~~الشمشقيق موكبه تقدم إلى ابن الزيات بتلقيه ، وقد كانت الحال تأكدت بين ~~ألفتكين وابن الزيات فتلقاه ووصاه بالتذلل له والزيادة في التعظيم له ، ~~والتقرب إليه وأعلمه أن ذلك ينفق عليه ، ففعل ألفتكين ما أشار به ، وترجل ~~له هو وأصحابه ، وابن الزيات ، عند قربهم منه ، وقبلوا الأرض مرارا ، فسر ~~الملك بذلك وأمرهم بالركوب ، فركبوا وأسند إلى ألفتكين ، وسأله عن حاله ~~فأجابه جوابا استرجعه حجة فيه ، وكان الملك فارسا يحب الفرسان ، فلعب ~~ألفتكين وابن الزيات بين يديه لعبا استحسنه منه ، وشاهد من فروسية ألفتكين ~~ما أعجبه ، فتقدم إليه بالزيادة في اللعب ms017 والتفرد به ففعل ، والتفت الملك ~~إلى ابن الزيات فأثنى على ألفتكين ، وقال : هذا غلام نجيب وقد أعجبني # تاريخ الامبراطورية البيزنطية (بالانكليزية) تأليف أ. أ. فازلييف كندا 1952 : # 1 / 309 310. PageV01P057 # ما شاهدته منه في حسن أفعاله وجميع أحواله ، فأعلم ابن الزيات ألفتكين ، ~~فترجل وقبل الأرض وشكره ودعا له ، فأمره بالركوب وقال لابن الزيات : عرفه ~~أن ملكي (1) قد وهب له الخراج وترك طلبه منه ، فأعاد ألفتكين الترجل والشكر ~~(13 ظ) والدعاء ، وعاد الملك إلى بلاطه وألفتكين معه أثناء مسيره يلعب ويرى ~~بالزوبين (2)، والملك شديد التوفر عليه ، حتى إذا نزل أحضره وخلع عليه ، ~~وحمله على شهري ، واستهداه الملك الفرس الذي كان تحته ، والسلاح الذي عليه ~~الرمح ، فعاد وأضاف إليه عشرين فرسا بتجافيفها وعدة رماح وشيئا كثيرا من ~~أصناف الثياب والطيب والتحف التي يتحف بها مثله ، فشكره الملك على هذا ~~الفعل ، وقبل الفرس وآلته ، ورد ما سوى ذلك وكافأه على الهدية بأثواب ديباج ~~كثيرة ، وصياغات وشهاري وبغلات. # وسار على طريق الساحل فنزل على صيدا ، وخرج إليه أبو الفتح بن الشيخ ، ~~وكان رجلا جليل القدر ، ومعه شيوخ البلد ، ولقوه وقرروا معه أمرهم على مال ~~أعطوه إياه هدية حملوها إليه ، وانصرف عنهم على سلم وموادعة ، وانتقل إلى ~~ثغر بيروت فامتنع أهله عليه ، فقاتلهم وافتتح الثغر عنوة ونهبه وسبى السبي ~~الكثير منه ، وتوجه إلى جبيل فاعتصم أهلها عليه ، وجرى أمرها مجرى بيروت ، ~~ونزل على طرابلس فأقام تقدير أربعين يوما يقاتل أهلها ويقاتلونه ، فبينما ~~هو على ذلك إذ دس إليه خال بسيل وقسطنطين سما فاعتل منه ، ورحل إلى أنطاكية ~~فطالب أهلها بتسليمها فلم يجيبوا إلى ذلك ، وقطع ما كان في بساتينها من شجر ~~التين وهو يجري هناك مجرى النخل في البصرة ، وحفزه PageV01P058 # المرض الذي لحقه واستخلف البرجي (1) البطريق على منازلتها وتوجه إلى ~~القسطنطينة ، وتوفي بعد أن افتتح البرجي أنطاكية في سنة خمس وستين ~~وثلاثمائة. # وورد (2) الخبر بوفاة أبي تميم معد المعز لدين الله صاحب مصر في يوم ~~الجمعة السابع عشر من شهر ربيع الآخر سنة خمس وستين وثلاثمائة ms018 ، وكان مولده ~~بالمهدية على أربع ساعات وأربعة أخماس ساعة من يوم الاثنين الحادي عشر من ~~شهر رمضان سنة تسع عشرة وثلاثمائة ، وعمره خمس وأربعون سنة ، وتقلد الأمر ~~بعد أبيه في يوم الجمعة التاسع عشر من شوال سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة ، ~~ومدة أيامه بمصر ثلاث سنين ، وانتصب مكانه ولده نزار أبو المنصور العزيز ~~بالله ، وقد تقدم ذكر ذاك إلا أن هذه الرواية أجلى من تلك الحكاية. # وقيل إن المعز كان (14 و) مغرى بعلم النجوم ، والنظر فيما يقتضيه أحوال ~~مولده وأحكام طالعه ، فحكم له بقطع فيه واستشار منجمه فيما يزيله عنه ، ~~فأشار عليه أن يعمل له سردابا تحت الأرض ويتوارى فيه إلى حين زوال الوقت ~~وتقضيه ، فعمل على ذلك ، وأحضر قواده وكتابه ، وقال لهم : إن بيني وبين ~~الله تعالى عهدا في وعد وعدنيه ، وقد قرب أوانه ، وجعلت ولدي نزارا ولي ~~العهد بعدي ، ولقبته العزيز بالله ، واستخلفته عليكم ، وعلى تدبير أموركم ~~مدة غيبتي ، فالزموا الطاعة له والمناصحة واسلكوا الطريق الواضحة ، فقالوا ~~له : الأمر أمرك ونحن عبيدك وخدمك ، ووصى إلى العزيز بما أراد ، وجعل جوهرا ~~مدبره والمشار إليه في الأمر وتنفيذها بين يديه ، ونزل إلى السرداب الذي ~~اتخذه ، وأقام فيه سنة ، فكانت المغاربة إذا رأوا غماما سائرا ترجلوا إلى ~~الأرض وأوموا إليه بالسلام بقدر ذاك ، ثم خرج بعد ذلك وجلس للناس ، PageV01P059 # فدخلوا إليه على طبقاتهم وخدموه بأدعيتهم وما أقام على هذه الحال الا ~~مديدة واعتل علته التي قضى فيها نحبه (1). # وقام العزيز بالله ، وقد كان ألفتكين [بدمشق] (2) والقرامطة يكاتبونه ~~بأنهم قاصدون الشام إلى أن وافوا إلى دمشق في سنة خمس وستين وثلاثمائة ، ~~وكان الذي وافى منهم اسحق وكسرى وجعفر ، فنزلوا على ظاهر دمشق نحو الشماسية ~~، ووافى معهم كثير من العجم ، وأكرمهم ألفتكين ، وحمل إليهم الميرة ، وخرج ~~نحوهم ، وأقاموا على دمشق أياما ورحلوا متوجهين إلى الرملة ، وكان أبو ~~محمود ابراهيم بن جعفر لما عرف خبرهم تحصن بيافا ، فلما نزلوا الرملة شرعوا ~~في القتال ، ولما أمن ألفتكين من ناحية مصر والرملة عمل على أخذ ثغور ms019 ~~الساحل ، وسار فيمن اجتمع إليه ، ونزل صيدا فكان بها ابن الشيخ واليا ومعه ~~رؤوس من المغاربة ، ومعهم ظالم بن موهوب العقيلي الذي تقدم ذكره في دمشق ، ~~فقاتلوه وكانوا في كثرة وطمعوا في ألفتكين ، وامتدوا خلفه ونزل على نهر ~~وطفت الرعية من صيدا ، وخرج منهم خلق كثير ، وقال ألفتكين لساقة العسكر : ~~اطلبوا طريق بانياس ، وتبعوهم ، فحملت عليهم الأتراك ، ورمتهم المغاربة ~~بالحرب فلقوهم بالصدور (14 ظ) وأقبلوا باللتوت (3) عليهم وداسوهم بالخيل ~~عليها التجافيف (4)، فانهزموا PageV01P060 # وأخذهم السيف ، وكان ظالم بن موهوب معهم ، فانهزم إلى صور وأحصي القتلى ~~فكانوا أربعة آلاف ، وطمع في أخذ عكا وتوجه نحوها. # وقد كان العزيز بالله كاتب ألفتكين بمثل ما كاتبه به المعز لدين الله من ~~الاستمالة ، ووعده بالاصطناع إذا (1) أخذت عليه البيعة ، وظهرت منه الطاعة ~~، فأجابه فيه جوابا فيه بعض الغلظة ، وقال : هذا بلد أخذته بالسيف وما أدين ~~فيه لأحد بطاعة ولا أقبل منه أمرا ، وغاظ العزيز هذا الجواب منه ، وأحفظه ~~واستشار أبا الفرج يعقوب بن يوسف بن كلس (2) وزيره فيما يدبر أمر ألفتكين ~~به ، فأشار باخراج القائد جوهر إليه مع العساكر ، فأمر بالشروع في ذلك ~~وترتيب الأمر فيه. # وعرف ألفتكين ذلك وما وقع العزم عليه ، فجمع وجوه أهل دمشق وأشرافها ~~وشيوخها ، وقال لهم : قد علمتم أنني لم أتوسطكم وأتولى تدبيركم إلا عن ~~رأيكم ومرادكم ، وقد طلبني من هذا السلطان ما لا طاقة لي به ، وأنا منصرف ~~عنكم وداخل إلى بلاد الروم ، وعامل على طلب موضع أكون فيه ، وأستمد ما ~~أحتاج إليه منه ، لئلا يلحقكم بقصد من يقصدكم ما يثقل به الوطأة عليكم ، ~~وتصل به المضرة إليكم ، وكان أهل دمشق يأبون المغاربة لمخالفتهم لهم في ~~الاعتقاد ، ولأنهم أمويون ، ولقبح سيرة الناظرين الذين كانوا عليهم ، ~~فقالوا : إنا اخترناك لرئاستنا ، PageV01P061 # وسياستنا على أن [لا] نمكنك من تركنا ومفارقتنا أو نألوك جهدا من نفوسنا ~~ومساعدتنا ونفوسنا دونك ، وبين يديك في المدافعة عنك ، وجددوا له التوثقة ~~على الطاعة والمناصحة. # وفصل جوهر في العسكر الكثيف (1) من مصر بعد أن استصحب أمانا من العزيز ms020 ~~بالله لألفتكين ، وخاتما ودستا من ثيابه وكتابا إليه بالعفو عنه ، وعما فرط ~~منه ، فلما حصل بالرملة كاتب ألفتكين بالرفق والملاطفة ، وأن يبلغ له ما ~~يريد وأعلمه ما قرره له مع العزيز بالله ، وأخذه أمانه المؤكد والتشريف ~~الفاخر ، وأشار عليه في أثناء ذلك بترك إثارة الفتنة وأن يطلب صلاح الحال ~~من جهته وأقرب طرقه ، فلما وصل الكتاب إليه ووقف عليه ، أجابه عنه بالجميل ~~من (15 و) الجواب ، والمرضي من الخطاب ، والشكر على ما بذله له من نفسه ، ~~وغالطه في المقال واحتج عليه بأهل دمشق فيما يصرف رأيه وتدبيره عليه ، وكان ~~كاتب ألفتكين المعروف بابن الخمار ، وهو يرى غير رأي المغاربة ، ويزري عنده ~~على اعتقادهم ، ويقرر في نفسه وجوب قتالهم ، ووقف جوهر على كتابه فعلم أنه ~~مصر على الحرب ، فسار إليه حتى إذا قرب منه ، ووصل إلى دمشق نزل في العسكر ~~بالشماسية ، وبرز إليه ألفتكين في أصحابه ومن حشده من العرب وغيرهم ، ونشبت ~~الحرب بين الفريقين ، واتصلت مدة شهرين ، وقتل فيها عدد كثير من الطائفتين ~~، وظهر من شجاعة ألفتكين والغلمان الذين معه ما عظموا به في النفوس ، ~~وتحصلت لهم الهيبة القوية في القلوب ، وأشار عليه أهل دمشق بمكاتبة أبي ~~محمد الحسن بن أحمد القرمطي (2)، واستدعائه للاجتماع به على دفع المغاربة ~~، ففعل وسار PageV01P062 # الحسن متوجها إليه في عسكره ، وعرف جوهر خبره ، فعلم أنه متى حصل بين ~~عدوين ربما تم عليه مكروه منهما ، فرجع إلى طبرية ، ووصل الحسن بن أحمد إلى ~~ألفتكين ، واجتمعا وتحالفا ، وتعاقدا وسار في إثر جوهر ، فاندفع منهما إلى ~~الرملة ، وأقام بها ، وأنفذ رحلة وأثقاله إلى عسقلان ، وكتب إلى العزيز ~~يعرفه بصورة الحال ويستأذنه في قصد عسقلان إن دعته إلى ذلك الضرورة ، ووافى ~~ألفتكين والحسن بن أحمد القرمطي ونزلا على الرملة ، ونازلا جوهرا وقاتلاه ، ~~واجتمع إليهما من رجال الشام وعربهما تقدير خمسين ألف فارس وراجل ، ونزلوا ~~بنهر الطواحين (1) على ثلاثة فراسخ من البلد ولا ماء لأهله إلا منه ، ~~فقطعاه عنهم ، واحتاج جوهر وعسكره إلى الماء المجتمع من المطر في الصهاريج ~~وغناء ms021 له قليل ، ومادته إلى نفاد ، ورأى جوهر أنه لا قدرة له على المقام ~~ومقاومة القوم ، فرحل إلى عسقلان في أول الليل ، ووصل إليها في آخره ، ~~وتبعه ألفتكين والقرمطي إليها ، ونزلا عليها وحاصراه فيها ، وضاقت الميرة ~~به ، وغلت الأسعار عنده ، وكان الوقت شتاء لم يمكن حمل الأقوات إليه في ~~البحر ، واشتدت الحال حتى أكلت المغاربة وأهل البلد الدواب الميتة ، ~~وابتاعوا الخبز إذا وجدوه (15 ظ) حساب كل خمسة أرطال بالشامي بدينار معزي ، ~~وكان جوهر شجاعا مبارزا ، وربما خرج وتقدم وإذا وجد فرصة من ألفتكين دعاه ~~إلى الطاعة وبذل له البذول المرغبة فيسترجعه ألفتكين ويسترجله ويهم أن يقبل ~~منه ويجيبه ، ثم يثنيه عنه الحسن بن أحمد وابن الخمار الكاتب ، ويمنعناه ~~ويخوفانه ويحذرانه ، وزاد الضيق والشدة على المغاربة ، وتصور جوهر العطب إن ~~لم يعمل الحيلة في الخلاص ، فراسل ألفتكين سرا وسأله القرب منه والاجتماع ~~معه ، ففعل ذلك ألفتكين ووقفا على فرسيهما فقال له جوهر : قد علمت ما ~~يجمعني وإياك من حرمة الاسلام وحرمة الدين ، وهذه فتنة قد طالت وأريقت فيها ~~الدماء ، ونحن المأخوذون بها عند الله تعالى ، PageV01P063 # وقد دعوتك إلى الصلح والموادعة والدخول في السلم والطاعة ، وبذلت لك كل ~~اقتراح ، وإرادة واحسان وولاية فأبيت إلا القبول ممن يشب نار الفتنة وستر ~~عنك وجه النصيحة ، فراقب الله تعالى ، وراجع نفسك وغلب رأيك على هوى غيرك ، ~~فقال له ألفتكين : أنا والله واثق بك وبصحة الرأي والمشورة منك ، لكنني غير ~~متمكن مما تدعوني إليه ولا يرضى القرمطي بدخوله فيه معي ، فقال له : إذا ~~كان الرأي والأمر على ذلك فإني أصدقك على أمري تعويلا على الأمانة وما أجده ~~من الفتوة عندك فقد ضاق الأمر وامتنع الصبر وأريد أن تمن علي بنفسي وبهؤلاء ~~المسلمين الذين معي وعندي ، وتذم لي لأمضي وأعود إلى صاحبي شاكرا ، وتكون ~~قد جمعت بين حقن الدماء ، واصطناع المعروف ، وعقدت علي وعلى صاحبي منة تحسن ~~الأحدوثة عنك فيها ، وربما أملت المقابلة لك عنها ، فقال له ألفتكين : أفعل ~~وأمن على أن أعلق سيفي ورمح الحسن بن ms022 أحمد على باب عسقلان وتخرج أنت ~~وأصحابك من تحتهما ، فرضي جوهر بذلك وتعاهدا وتصافحا عليه ، وأخذ ختم ~~ألفتكين رهنا على الوفاء به وافترقا ، وعاد ألفتكين إلى عسكره وجوهر إلى ~~البلد ، وأنفذ جوهر إلى ألفتكين ألطافا كثيرة ومالا فقبل ذلك منه وكافأه ~~عليه ، وأنفذ ألفتكين إلى القرمطي يعرفه ما جرى بينه وبين جوهر ، (16 و) ~~فركب الحسن إليه وقال له : لقد أخطأت فيما فعلته وبذلته ، وجوهر هذا ذو رأي ~~وحزم ودعاء ومكر وقد استقلك بما عقده معك ، وسيرجع إلى صاحبه ويحمله على ~~قصدنا ، ثم لا يكون لنا به طاقة فيأخذنا ، ومن الصواب أن ترجع عن ذلك حتى ~~يهلك هو وأصحابه جوعا وتأخذهم بالسيف ، فقال له ألفتكين : قد عاهدته وحلفت ~~له وما استجيز الغدر به ، وعلقا السيف والرمح وخرج جوهر وأصحابه تحتهما ، ~~ووصل إلى مصر ودخل على العزيز بالله وشرح له الحال واستفحال أمره ومن معه ، ~~فقال له : ما الرأي؟ قال : إن كنت تريدهم فاخرج بنفسك إليهم وإلا فإنهم ~~واردون على أثري. PageV01P064 # فأمر العزيز بإخراج الأموال ووضع العطاء في الرجال ، وبرز بروزا كليا ~~واستصحب الخزائن والذخائر وتوابيت آبائه على عادة القوم في ذلك ، وسار جوهر ~~على مقدمته ، ووردت الأخبار على ألفتكين والحسن القرمطي بما جرى ، فعادا ~~إلى الرملة ، وجمعا العرب وأنفقا واحتشدا وتأهبا واستعدا ، وورد العزيز في ~~العساكر ، ونزل في الموضع المعروف بقصر ابن السرح بظاهر الرملة وألفتكين ~~والقرمطي على قرب منه في الموضع المعروف ببركة الخيزران ، وبات العسكران ~~على إعداد للحرب ، وباكراها وقد اصطف كل منهما ميمنة وقلبا وميسرة ، وجال ~~ألفتكين بين الصفين يكر ويحمل ويطعن ويضرب ، فقال العزيز لجوهر : أرني ~~ألفتكين : فأشار إليه وقيل أنه كان في ذلك اليوم على فرس أدهم بتجافيف من ~~مرايا ، وعليه كذاغند أصفر ، وهو يطعن تارة بالرمح ويضرب أخرى بالسيف ~~والناس يتحامون ويتقونه ، فأعجب العزيز ما رأى منه ومن هيئته ، وعلى رأسه ~~المظلة ووقف وأنفذ إليه ركابيا يختص بخدمته يقال له نميرة وقال له : قل : ~~يا ألفتكين أنا العزيز وقد أزعجتني عن سرير ملكي ، وأخرجتني ms023 لمباشرة الحرب ~~بنفسي وأنا مسامحك بجميع ذلك ، وصافح لك عنه ، فاترك ما أنت عليه ولذ ~~بالعفو (16 ظ) مني فلك عهد الله وميثاقه أني أومنك وأصطفيك وأنوه باسمك ، ~~وأجعلك إسفهسلار (1) عسكري ، وأهب لك الشام بأسره وأتركه في يدك ، فمضى ~~نميرة الركابي إليه وأعاد الرسالة عليه ، فخرج بحيث يراه الناس ، وترجل ~~وقبل الأرض مرارا ، ومرغ خديه عليها معفرا ، وقال له : قل لأمير المؤمنين ~~لو تقدم هذا القول منك لسارعت إليه وأطعت أمرك ، فأما الآن فليس إلا ما ترى ~~، وعاد نميرة وقال ذلك للعزيز ، فقال له : ارجع إليه وقل له يقرب مني ، ~~ويكون بحيث أراه ويراني ، فإن استحققت أن يضرب السيف في وجهي فليفعل ، فمضى ~~نميرة وقال له ذلك ، فقال : ما كنت الذي أشاهد طلعة أمير المؤمنين وأنابذه ~~بالحرب ، PageV01P065 # وقد خرج الأمر عن يدي ، ثم حمل على الميسرة فكسرها وقتل كثيرا ممن كان ~~فيها ، وشاهد العزيز ما جرى ، وكان في القلب فراسل الميمنة بالحملة وحمل هو ~~والمظلة على رأسه ، فانهزم ألفتكين والقرمطي ووضع السيف في عسكريهما ، فقتل ~~منه نحو عشرين ألف رجل ومضى الحسن القرمطي هاربا على وجهه ، وعاد العزيز ~~إلى معسكره ، ونزل في مضاربه ، وجلس الأسرى بحضرته ، والعرب تجيئه بمن يقع ~~في أيديها من أصحاب ألفتكين ، والخلع تخرج إليهم مقابلة عن ذلك ، وقد بذل ~~لمن يجيئه بألفتكين مائة ألف دينار ، وكان ألفتكين يميل إلى المفرج بن غفل ~~ابن الجراح ويتمرده لأنه كان وضيء الوجه صبيحه ، وشاع ذلك عنه فيه واتفق أن ~~انهزم ، فطلب ساحل البحر ومعه ثلاثة من غلمانه رفقائه وبه جراح ، وقد كده ~~العطش فلقيته سرية من الخيل فيها المفرج فلما رآه التمس ماء فأعطاه إياه ~~وقال له : احملني إلى أهلك ، ففعل حتى إذا وصل إلى قرية تعرف بلبنى (1) ~~أنزله فيها وأحضره ماء وفاكهة ، ووكل به جماعة من أصحابه ، وبادر إلى ~~العزيز فتوثق منه في المال الذي بذله في ألفتكين ، ثم عرفه حصوله في يده ، ~~وأخذ جوهرا ومضى فسلمه إليه ، وورد المبشرون إلى العزيز بحصوله ، فتقدم ~~بضرب نوبة من مضاربه ms024 وفرشها ، وإعداد ما يحتاج إلى إعداده من الآلات (17 و) ~~للاستعمال فيها ، وإحضار كل من حصل في الأسر منسوبا إليه فأحضر ، وأومنوا ~~وكسوا ، ورتبوا في أشغالهم المنسوبة إليهم في خدمته ، ووصل ألفتكين وقد خرج ~~العسكر لاستقباله ، وهو غير شاك في أنه مقتول ، فأمر العزيز أن يعدل به إلى ~~النوبة المضروبة ، وكانت قريبا من مضاربه وبين يديه مختار الصقلبي صاحب ~~الصقر في جماعة من الخدم والصقالبة يمنعون الناس منه ، ويحولون بينه وبينهم ~~، فلما رأى القواد والصقالبة والمغاربة باب سرادق العزيز ترجلوا عن دوابهم ~~وقبلوا الأرض ، ففعل ألفتكين PageV01P066 # مثل ذلك ، ودخل المضارب المعدة له فشاهد أصحابه وحاشيته على ما كانوا ~~عليه من الحال ، والعمل في خدمته ، وحمل إلى دست قد نصب له ليجلس عليه ، ~~فرمى نفسه إلى الأرض ورمى ما على رأسه وعفر خديه على التراب ، وبكى بكاء ~~شديدا (1) سمع منه نشيجه ، وقال : ما استحققت الإبقاء علي فضلا عن العفو ~~الكريم والاحسان الجسيم ، ولكن مولانا أبى إلا ما تقتضيه أعراقه الشريفة ~~وأخلاقه المنيفة ، وامتنع عن الجلوس في الدست وقعد بين يديه ، وأتاه بعد ~~ساعة أمين الدولة الحسن بن عمار ، وهو أجل كتابه وجوهر ومعهما من الخدم على ~~أيديهم الثياب ، فسلما عليه وأعلماه رضى العزيز عنه وتجاوزه عن الهفوة ~~الواقعة منه ، وألبسه جوهر دستا من ملابس العزيز كان في جملة الثياب ، وقال ~~له : أمير المؤمنين يقسم عليك بحقه إلا طرحت سوء الاستشعار ، وعدت إلى حال ~~السكون والانبساط ، فجدد الدعاء وتقبيل الأرض ، وشكر جوهرا على ما ظهر منه ~~في أمره ، وعاد الحسن وجوهر إلى العزيز فأخبراه ما كان منه ، وواصله العزيز ~~بعد ذلك بالمراعاة والملاطفة في الفواكه والمطاعم ، وتقدم من غد إلى ~~البازيارية وأصحاب الجوارح بالمصير إلى باب مضربه ، وراسله بالركوب إلى ~~الصيد تأنيسا له ، وقاد إليه عدة من دواب بمراكبها فركب وهو يشاهد القتلى ~~من أصحابه ، وعاد من متصيده عشاء فاستقبله الفراشون بالشمع ، والنفاطون ~~بالمشاعل ، ونزل في (17 ط) مضاربه ، فلما كان الليل ركب العزيز إليه ودخل ~~عليه ، فبادر إلى استقباله وتقبيل الأرض ms025 وتعفير خديه بالتراب ، فأخذ العزيز ~~بيده وأمره بالجلوس فامتنع ثلاث مرات ، ثم جلس فسأله عن خبره وخاطبه بما ~~سكن نفسه ، وقال له : ما نقمت عليك إلا أنني PageV01P067 # دعوتك إلى مشاهدتي تقديرا أن تستحي مني فأبيت ، وقد عفوت الآن عن ذلك ، ~~وعدت إلى أفضل ما تحب أن تطيب نفسك به ، وساصطنع لك اصطناعا يسير ذكره ، ~~وأفعل معك فعلا أزيد على أملك وأمنيتك فيه ، فبكى ألفتكين بين يديه ، وقال ~~: قد تفضلت يا أمير المؤمنين علي تفضلا ما استحققته ولا قدرته ، وأرجو أن ~~يوفقني الله بخدمتك ومقابلة نعمتك ، وأنس ألفتكين بعد ذلك وخاطب فيمن بقي ~~من أصحابه حتى أوجب لهم الأرزاق الواسعة والتقريرات المتتابعة ، ونزلوا على ~~مقاديرهم ، ورتبهم في مواضعه ، واستحجبه العزيز ، وجعله من أخص خاصته وأقرب ~~صاحب من خدمة حضرته. # وكان العزيز قد أنفذ النجب بالرسل والكتب تابعة للحسن بن أحمد القرمطي ، ~~فلحقوه بطبرية ، وأعادوا عليه الرسائل بالصفح عما جرى منه والدعاء إلى وطء ~~البساط ليصطنعه ، والتماس ما يريده ليبلغه له ، ويرجع إلى بلاده فأقام على ~~أمره ، وترددت المراسلات إليه ومنه ، والوسيط جوهر إلى أن تقرر الأمر على ~~ثلاثين ألف دينار له ولأصحابه ، تحمل إليه في كل سنة ، ويكونوا على الطاعة ~~والموادعة ، وحمل إليه مال سنة وأضيف إليه ثياب كثيرة وخيل بمراكب ، وتوجه ~~إليه جوهر وقاضي الرملة ، فاستحلفاه للعزيز على الوفاء والمصالحة ، وأخذا ~~له المواثيق المشدودة المؤكدة ، وأعطياه المال والخلع والحملان وانصرف إلى ~~الاحساء (1)، وعاد العزيز إلى مصر وألفتكين حاجبه ، ولم يزل المال المقرر ~~للقرمطي يحمل إليه في كل سنة على يد أبي المنجا صاحبه إلى أن مات. # ووصل العزيز إلى مصر والقاهرة ، فدخلها ونزل في قصره وأنزل ألفتكين في ~~دار حسنة بعد أن فرشت بالفروش الكثير ، وركب وجوه PageV01P068 # سائر الدولة إليه حتى لم يتأخر أحد منهم عنه ، ووافاه فيمن وافاه أبو ~~الفرج (18 و) يعقوب بن يوسف بن كلس الوزير ، بعد أن لاطفه وهاداه ، وزاد ~~أمر ألفتكين بين يدي العزيز ، وتكبر على ابن كلس الوزير ، وامتنع من قصده ، ~~والركوب إليه وأمره ms026 العزيز فلم يفعل ، وتدرجت الوحشة بينهما حتى قويت ~~واستحكمت وأعمل الحيلة الوزير في الراحة منه ، ودس إليه سما فقتله به ، ~~ولما مضى لسبيله حزن العزيز حزنا شديدا عليه ، واتهم ابن كلس واعتقله نيفا ~~وأربعين يوما صح له خمسمائة ألف دينار ، ووقفت الأمور باعتزاله النظر فيها ~~، فأعاده العزيز وجدد اصطناعه واستخدامه. ### | * ولاية قسام التراب لدمشق بعد الحاجب ألفتكين المقدم ذكره والسبب في غلبته على الأمر في سنة ثمان وستين وثلاثمائة وما آل أمره إليه : # السبب في غلبة قسام على ولاية دمشق أن ألفتكين المعزي المذكور كان قد ~~استخدمه وقدمه واعتمد عليه وسكن في كثير من أمره إليه ، فصار له بذلك صيت ~~يخشى به ويرجى له ، واتفق خلو البلد من أكابر الولاة بعد ألفتكين وفراغه من ~~شجعان الرجال ، وكان فيه المعروف بحميدان قد وليه (1)، وأمر فيه ونهى وأخذ ~~أعطى ، ففسد الأمر بين قسام وبين حميدان ، فصار حميدان من تحت حكم قسام ~~لقهره له بكثرة من معه من الأحداث واستيلائه على البلد ، فطرده قسام عن ~~الولاية ونهب أصحابه ما كان في داره ، وخرج هاربا ، فتمكن قسام من البلد ، ~~واستقامت حاله فيه واجتمعت إليه الرجال ، وكثر ما في يده ، وقويت شوكته ~~وتضاعفت عدته وعدته ، وولي القائد أبو محمود البلد بعد حميدان في نفر يسير ~~وهو ضميمة لقسام واتفقت النوبة الحادثة ببغداد بين PageV01P069 # الديلم والعرب من بني حمدان ، وهروب أبي تغلب الغضنفر بن حمدان في البرية ~~والجبال إلى أن خرج إلى حوران ، فقصد دمشق ونزل عليها فمنع قسام من دخول ~~أحد من رجاله إليها ، ووصل كتاب العزيز بالمنع له من البلد ، فسأل أبو تغلب ~~عامل الخراج بدمشق أن يمكن أصحابه من ابتياع ما يحتاجون إليه من الأسواق ، ~~فكلم العامل قساما في ذلك فأذن له فيه ، ودخل أصحابه (18 ظ) البلد وقد كان ~~طمع أن يوليه العزيز ، وكان قسام قد خاف من ذلك وسعى قوم بينهما ، وكان أبو ~~تغلب نازلا بالمزة (1)، فأقام بها شهورا فشق على قسام مقامه وظن أنه يلي ~~البلد ، فلما كان في بعض ms027 الأيام وقف رجل من العجم من أصحاب أبي تغلب في باب ~~الجابية ، وكان نشوانا ، فجرد سيفه وقال : إلى كم يكون هذا العيار ، فعظم ~~ذلك على قسام وتخوف أن يكون لأبي تغلب سلطنة فيملكه ومن معه ، ففسد الأمر ~~بينهما بهذا السبب ، وتقدم قسام إلى أصحابه بأخذ كل من يدخل من أصحاب أبي ~~تغلب ، فكمنوا في خراب قينية فأخذوا منهم نحو سبعين رجلا وقتلوا منهم جماعة ~~، وعاد من أفلت منهم إلى أبي تغلب عراة قد أخذت ثيابهم ودوابهم ، فلم يتمكن ~~أبو تغلب من شيء يفعله ، وكتب إلى مصر بذلك ، فلما وقف ابن كلس الوزير على ~~الكتاب أنهاه إلى العزيز ، فعلم العزيز أن هذا من تدبير الوزير وحيله ، ~~وكتب قسام إلى مصر يذكر أن أبا تغلب قد حصر دمشق ومد يده في الغوطة ، وخرج ~~من مصر غلام لابن كلس يقال له الفضل ابن أبي الفضل في عسكر كثيف للحيلة على ~~أبي تغلب وإهلاكه ، ونزل الرملة وأوصل إلى ابن جراح سجلا بولاية الرملة ~~وقال : إن هذا أبا تغلب يريد أن يسير إليها ليأخذها بسيفه ، وأنا معين لك ~~عليه ، وكان أبو تغلب قد رحل عن دمشق نحو الفوار (2) ونزل عليه ، وسار ~~الفضل ، PageV01P070 # ونزل طبرية وراسل أبا تغلب في الاجتماع معه ، وكان الفضل يهوديا أولا ، ~~وكان أبوه طبيبا ، فكبرت نفس أبي تغلب أن يجلس معه على سرير من جهة ~~اليهودية فأعلم ذلك ، فقال : كل منا على سرير ، فاجتمعا في طبرية وجلس كل ~~منهما على سرير ، وجرت بينهما محاورات على أن الرملة ولاية لأبي تغلب ويقلع ~~ابن الجراح منها «وأنا معين لك عليه» وقرر ذلك في نفسه ، وسار الفضل إلى ~~دمشق يجبي الخراج ويفضه في الجند ، وزاد في العطاء ، وزاد في جنده وعسكره ، ~~وسار عن دمشق وأخذ طريق الساحل ، وشرع أبو تغلب في أمره ، وتوجه نحو الرملة ~~وقد اجتمع إليه بنو عقيل مع شبل بن معروف العقيلي ، فهرب ابن جراح (19 و) ~~منها ، وجعل يحشد العرب ويحشد ثقة بمعونة الفضل له ، وكذلك أبو تغلب مثله ~~أيضا ، فلما ms028 توجه الفضل على الساحل ونزل على عسقلان ، وقصد ابن جراح أبا ~~تغلب بعسكره ، وسارت بنو عقيل وشبل بن معروف واصطفوا لقتال الطائيين (1) ~~وأبو تغلب واقف في مصافه ، وعاد الفضل واجتمع مع ابن الجراح بعسكره ، وكان ~~معه مغاربة كثيرة ، فقالوا لأبي تغلب : قد اجتمع عسكر الفضل مع عسكر ابن ~~جراح؟ فقال : على هذا جرت الموافقة بيني وبينه ، فلما نظر المغاربة الذين ~~كانوا مع أبي تغلب إلى مغاربة الفضل قد أقبلوا مع عسكر ابن جراح حملوا ~~يريدون الدخول معهم ، فقالوا لأبي تغلب : إحمل في إثر هؤلاء من قبل أن ~~يدهمك الأمر ، فبقي متحيرا وعلم أن الحيلة قد تمت عليه ، فلما حمل المغاربة ~~الذين كانوا معه ساروا مع أصحابهم ، وأقبل العسكران على عسكر أبي تغلب ~~فانهزم جميع من كان معه ، ثم انهزم هو ، فلم يدر في أي طريق يأخذ ، وكانت ~~عدته في الغابة جميعها ، وذكر أنه لم يتقدم إليه رجل إلا ضربه ، ولم يزل ~~على ذلك حتى تبعه رجل من أصحاب ابن جراح يقال له منيع فصاح إليه : يا انسان ~~اسمع مني أنا PageV01P071 # أنجو بك ، وظن أن كلامه حق ، فقال له : هذه الخيل التي أمامك خيلنا فلو ~~وقفت علي لنجوت بك ، وكان يتكلم معه وهو يقرب منه وبيده رمح ، فطول الرمح ~~وهو يكلمه وهو يظن ألا يقدر عليه فلم يمكنه في أبي تغلب شيء ، فطعن عرقوب ~~فرسه ، فوقف به الفرس فأخذه وسار به إلى ابن جراح ، فأركب جملا وأشهر ~~بالرملة وقتله وأحرقه ، وذلك في صفر سنة تسع وستين وثلاثمائة وخلت الديار ~~لابن جراح ، وأتت بنو طيء على الناس (1)، وشملهم البلاء منهم. # وكان العزيز قد خاف من الملك عضد الدولة فناخسره بن بويه خوفا شديدا لأنه ~~كان عازما على انفاذ العساكر إلى مصر ، فعاقه عن ذلك الخلف الجاري بينه ~~وبين أخيه واشتغاله به سنة تسع وستين وثلاثمائة (2). ### | * سنة تسع وستين وثلاثمائة # فيها خرج العسكر المصري مع القائد سلمان بن جعفر بن فلاح في أربعة آلاف ~~من المغاربة ، ووصل إلى دمشق فصادف قساما قد غلب ms029 عليها فنزل في بستان ~~الوزير (19 ظ) بزقاق الرمان (3)، وعسكر حوله في دور هناك ، فثقل أمره على ~~قسام ، وطال مقامه في غير شيء ، وقلت نفقته ورام أن يظهر صرامة فيتمكن من ~~البلد ، فقال لقسام : لا يحملن أحد سلاحا ، فأبوا ذلك فبعث إلى الغوطة من ~~يتولاها ويمنع من خفارة تؤخذ منها وحمل السلاح فيها ، فأعلم قسام ذلك ، ~~فقال : لا يحفل بهذا الأمر بل كونوا على ما كنتم عليه ، وثار قسام ومن معه ~~إلى الجامع ، وصاروا إلى البستان الذي فيه سلمان فأخرجوهم ، وخرج سلمان ~~وأصحابه إلى الدكة ، ونزل على نهر يزيد ، وقسام جالس في الجامع ولم PageV01P072 # يشهد الحرب مع أصحابه ، وقد أحضر المشايخ ، وكتب بما جرى إلى مصر ، وعمل ~~محضرا على نفسه أنه «متى جاء للملك عضد الدولة عسكر أغلق الأبواب وقاتله ~~ليكون لك معونة على ما يريده» ، فلما وقف عليه العزيز وافق غرضه ، وأنفذ ~~رسله وكتابه إلى سلمان بن فلاح يأمره بالرحيل عن دمشق ، فرحل عنها وكان ~~مقامه بها شهورا من سنة تسع وستين وثلاثمائة ورجع القائد أبو محمود إلى ~~دمشق ، ولما تم للفضل ما دبره على أبي تغلب ووافق الاغراض عزموا على إعمال ~~الحيلة على ابن جراح لأن أمره كبر وشره ظهر (1)، وتوجه إلى قسام ليعمل ~~أيضا عليه ، وأظهر أنه يريد المسير إلى حمص وحلب ليأخذهما ، وجمع بني عقيل ~~ونزل بظاهر دمشق ، وعلم ابن الجراح بمكاتبته لبني عقيل فأخذ حذره وأمر ~~أصحابه بالرحيل ، وركب أصحاب الفضل وأخذوا من العرب تقدير خمسمائة فارس ، ~~وسار ابن جراح عن دمشق ، وانضمت بنو عقيل إلى الفضل مع شبل وظالم في صفر ~~سنة سبعين وثلاثمائة وبطل كل ما أراد الفضل عمله من الحيلة على ابن جراح ~~وقسام ، ورحل عن دمشق في طلب ابن جراح ، وجد في طلبه فبعد عنه ، وكتب ابن ~~جراح إلى مصر يتلطف أمره فورد الأمر على الفضل بالكف عنه ، وعاد الفضل إلى ~~مصر وعاد ابن جراح إلى فلسطين فأخربها وأهلك من فيها ، وكان الرجل يدخل إلى ~~الرملة يطلب فيها شيئا يأكله فلا ms030 يجده ، ومات الناس بالجوع ، وخربت ~~الأعمال. # وأما دمشق فكان قد اشتد بها غلاء السعر ، وكان بكجور قد ولي حمص من قبل ~~سعد (20 و) الدولة أبي المعالي بن سيف الدولة بن حمدان فواصل إليها الغلة ~~مع العرب بحيث اتصلت مع الأيام ، وعمرت PageV01P073 # الطرقات ، وجعل فيها من يخفر سالكيها ، وكانت العرب قد طمعت في عمل دمشق ~~وأفسدت الغوطة ، وكان بها القائد أبو محمود واليها في ضعف ، وهو ضميمة ~~لقسام فهلك في دمشق في سنة سبعين وثلاثمائة ، وكان بكجور قد ضمن أعمال ~~المغاربة : قارا ، ويبرود و، معلولا ، والتينة ، وصيدنايا ، والمعرة ~~وتلفيتا (1) وغيرها من ضياع جبل سنير (2) فحماها من العرب والحرامية ، ~~وحسنت حال دمشق بذلك ، وكاتب بكجور العزيز في ترغيبه في الأجناد حملة ~~السلاح ، فاجتمع إليه حين فعل ذاك الخلق الكثير من سائر البلاد ، وكانوا ~~حوله إذا ركب من داره ، فقهر بهم المغاربة ، واستظهر عليهم في سنة سبعين ~~وثلاثمائة (3). # وفيها وردت الأخبار بوفاة الملك عضد الدولة فناخسره بن بويه في يوم ~~الاثنين ثامن شوال ، وكتم أمره ، وكانت مدته بالعراق خمس سنين ونصفا ، ~~وانتهى ذلك إلى الوزير ابن كلس ، فدخل على العزيز فأعلمه فسر بذلك. وخلع ~~عليه ، وأمنوا بعد وفاته وعملوا على الخروج إلى الشام (4). PageV01P074 ### | * سنة احدى وسبعين وثلاثمائة # فيها وقع الاهتمام بتجهيز العساكر المصرية إلى ابن جراح ، وقد اشتهر أمره ~~بارتكاب العيث والفساد وإخراب البلاد ، فلما سارت العساكر من مصر مع القائد ~~بلتكين التركي (1) وكان فيها أعجام ومغاربة ومن كل الطوائف ، فنزل الرملة ، ~~وأجفل ابن جراح ، وكان قد قوي أمره وصار معه جند يرمون بالنشاب ، وخلق عظيم ~~، وسار معه بشارة (2) والي طبرية واجتمع إليه من العرب من قيس وغيرها جمع ~~كثير ونشبت الحرب بين الفريقين ، وكان بلتكين المقدم قد خرج على ابن جراح ~~من ورائه بعد اشتداد الحرب ، فانهزموا وأخذهم بالسيف وأسر ابن جراح وأفلت ~~ونهب عسكره ، وقصد أرض حمص في البرية ، وقصد أنطاكية واستجار بصاحبها ~~فأجاره وأمنه ، وصادف خروج بارديس من قسطنطينة في عسكر عظيم يريد أرض ~~الإسلام فخاف ابن جراح ، وكاتب ms031 بكجور خوفا على نفسه (3)، وكان القائد ~~بلتكين (20 ظ) المقدم قد نزل على دمشق في ذي الحجة سنة [اثنتين] (4) وسبعين ~~وثلاثمائة ، وكان على العسكر منشا بن الغرار اليهودي ، فتلطف أمر قسام فلم ~~يتمكن من ذلك وكان بدمشق مع قسام القائد جيش بن الصمصامة شبه وال ، وقد كان ~~ولي البلد بعد مهلك خاله القائد أبي محمود في سنة سبعين ، ولما نزل القائد ~~بلتكين مقدم العسكر المصري على المزة وجده رجلا أحمق ، فلم يحفل به ودخل ~~على منشا الكاتب ، فقال : إني قضيت PageV01P075 # حق هذا القائد ولم يجيء إلي ولم يقض حقي ، وأنا الوالي ، فهزأ به منشا ~~وقال له : نعم أنت الوالي ، وظن إنما نزول العسكر على دمشق ليصلح البلد ، ~~وقالوا : تخرج أنت ومن معك إلى ظاهر البلد ، فخرج هو ومن معه فعسكر نحو ~~مسجد ابراهيم عليه السلام ، وكان عسكر بشارة نازلا في ذلك المكان ، وكانت ~~المراسلة بينهم وبين قسام أن يسلم البلد ويكون هو آمنا على نفسه ومن معه ، ~~فعلم قسام أنهم إن بقوا في البلد أهلكوه ومن معه ، فقال : لا أسلم البلد ، ~~وضبط أصحابه. # فلما كان يوم الثلاثاء التاسع عشر من المحرم سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة ~~وقع بين قوم من أصحاب قسام وقوم من أصحاب القائد بشارة الخادم عند باب ~~الحديد فظهر عليهم أصحاب بشارة ، وأقبل في غد أصحاب جيش بن الصمصامة ، فخرج ~~أصحابه إليهم فطردوهم ، ثم نشبت الحرب وأحرق ربض باب شرقي ، وأطلقت النار ~~في عدة مواضع وملكوا الشاغور ، ودخلت الأتراك على خيلهم في البطاطين ~~وأحرقوا سقيفة وعدة مواضع ومساجد وعمها الخراب بعد ما كانت عليه من حسن ~~العمارة ، واشتد بالناس الخوف والمضرة ، فاجتمع الناس وكلموا قساما بأن ~~يخرجوا إلى القائد بلتكين فيصلحوا الأمر معه ، فلان لهم وذل بعد تحيره ~~وتبلده ، وقال : افعلوا ما شئتم ، وكان اجتماع الناس لطفا من الله تعالى ، ~~فخرجوا إليه وخاطبوه ، فصرف أصحابه عن القتال وعن الأبواب ، وانصرف أصحاب ~~قسام إليه فوجدوه خائفا ، فأخذ كل لنفسه ، ورجع المشايخ إلى قسام فقالوا له ~~: قد أجاب القائد إلى ms032 ما تحب وأمنك على نفسك وأصحابك ، فخاطبوه بذلك وهو ~~ساكت حائر وقد بان ذلك في وجهه ، فلما رأوا كذلك خافوا أن يعود عن تسليم ~~البلد ، [واجتمع الناس ، فصاح من كان قد احترقت داره وهم كثير بقسام : ~~انتقم الله ممن أذلنا وأحرق دورنا وشتتنا وتركنا مطرحين على الطريق ، فوجب ~~قلبه من سماع صياحهم وقال : أسلم البلد] (1) على أمان لي ولأصحابي (12 و) فعاد PageV01P076 # المشايخ إلى بلتكين القائد وأعلموه الخطاب والجواب فأجابهم إلى ما طلب ، ~~وقال لهم : نريد أن ننزل على هذا البلد في هذا اليوم ، فقالوا : افعل ما ~~تحب وتوثر فولى البلد حاجبا يقال له خطلج في خيل ورجل فدخل المدينة من يومه ~~، وكان مبدأ الحرب في هذه النوبة يوم الخميس لعشر بقين من المحرم سنة ثلاث ~~وسبعين وثلاثمائة والدخول إلى البلد يوم الخميس لثلاث بقين منه ، ولم يعرض ~~لقسام ولا لأحد من أصحابه ، وتفرق أصحابه عنه ، وأقام يومين واستتر ، وقيل ~~هرب فصاروا إلى داره وأخذوا ما فيها وحولها من دور أصحابه ، وطلب ، فلم ~~يوجد ، ونودي عليه وبذل لمن يظهره خمسون ألف درهم ، ولمن يدل على مكان ~~[أولاده] (1) عشرون ألفا ، فقال لهم قائل : «هو في كنيسة اليهود بين ~~البطاين» فجاؤوا إلى الديان وقالوا : نريد أن نخرب هذه الكنيسة أو نحرقها ~~بالنار فإن قساما فيها ، فأصعدهم ، ودار بهم فيها فلم يروا أثرا ولا عرفوا ~~له خبرا ، فلما أخذت امرأته وولده ، قالت لمن سمع منها : ما تنتظر يا مشوم ~~، وكان عندها رجل في الحائر (2) ولم يفطن به أحد ، فخرج في الليل إلى ~~العسكر ، فوقف على خيمة منشا الكاتب ، وقال : رجل يريد أن يدخل إلى الرئيس ~~، فقالوا : ومن هو؟ قال : قسام ، فدخل عليه على غير أمان ، فبعث إلى القائد ~~بلتكين فأعلمه فأخذه إليه وأدخله عليه ، وحملوه إلى خيمة ، وقالوا له : مد ~~رجلك ، فقال : ما أفعل أنا جئتكم بأمان ، فأخرج الحاجب الدبوس فضربه به ، ~~فمد رجله فقيد وحمل إلى مصر ، فعفي عنه لما جاءهم في الامان ، وكان قسام ~~هذا أصله من قرية بجبل سنير يقال ms033 لها تلفيتا (3) من قوم يقال لهم الحارثيون ~~بطن من العرب نشأ بدمشق ، وكان يعمل في التراب ، ثم إنه صحب رجلا يقال له ~~ابن الجسطار من مقدمي الأحداث وحملة السلاح وطالبي الشر ، فصار من حزبه ~~وتزايد أمره إلى ما انتهى إليه. PageV01P077 ### | * ولاية بكجور لدمشق والسبب في ذلك في سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة (1) # كان من ابتداء أمر بكجور ما ذكر أنه كان غلاما مملوكا لقرعويه أحد غلمان ~~سيف الدولة (21 ظ) ابن حمدان صاحب حلب ، وكان قرعويه قد غلب على أمر حلب ~~بعد وفاة سيف الدولة ، ومنع ولده سعد الدولة أبا المعالي منها ، ودفعه عنها ~~، فسار أبو المعالي إلى حماة ورفنية (2) وكان ينزل مهما (3) في عسكره ، ~~وكانت الروم قد خربت حمصا وأعمالها ونزل رقتاش التركي غلام سيف الدولة من ~~حصن برزويه (4) فلقي مولاه أبا المعالي ، وسار معه ، ونزل على حمص وشرع في ~~عمارتها ولم شعثها لأن الروم لما ملكتها أفسدت أعمالها في النوبة الأولى ~~عند خروجهم في سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة على غفلة من أهلها وغرة ممن بها ~~واجتهد رقتاش في عمارتها وتحصينها وأبو المعالي يقوي أمره بها ويشد شوكته ~~فيها ، وكان قرعويه قد استناب بكجور في حلب ، فلما قوي أمره قبض على مولاه ~~وحبسه في قلعة حلب وملك البلد وأقام تقدير ست سنين (5)، وكوتب أبو المعالي ~~من حلب وأطمع في تملك البلد في رجال قرعويه ، وأن يكونوا عونا له على أمره ~~، فجمع بني كلاب ومن أمكنه ونهض صوب حلب ونزل على معرة النعمان فملكها وأخذ ~~منها غلاما كان غلب عليها # تهذيب تاريخ دمشق لابن عساكر ط. بيروت : 3 / 287 288. PageV01P078 # يقال له زهير (1) فقتله ، وسار عنها فنزل حلب سنة ست وستين وثلاثمائة ~~فأقام عليها تقدير أربعة أشهر ، ثم تسهل له فتحها بحيلة عملها ، وتحصن ~~بكجور في القلعة فراسله أبو المعالي فطلب منه الأمان فأمنه ، فقال بكجور : ~~أريد يتوسط بيني وبينك وجوه البلد من بني كلاب ، فأجابه إلى ذلك فتوسطوا ~~الأمر بينهما ، وأخذوا له العهد والميثاق والأمان على نفسه وولده وماله ~~وأنه لا ms034 يغدر به ويوليه حمصا على أنه ينحدر من القلعة ويسلمها ، ولا يأخذ ~~منها شيئا إلا ما لا بد منه ، فأجابه إلى ذلك ، فولاه حمصا لما نزل من ~~القلعة وسلمها ، ووفى له بكل ما عاهده عليه ، وسار بكجور إلى حمص في السنة ~~المذكورة ، وصرف همه إلى عمارتها وكان أمره كل يوم فيها إلى الزيادة بعد ~~الدخول إليها في الضعف ، واتفق له أن أعمال دمشق من حوران والبثنية قد ~~اختلت وخربت على ما تقدم ذكره من قلة القوت بها وغلاء السعر فيها ، وجلا ~~منها خلق كثير إلى حمص فعمر البلد وكثر الناس عنده. # وكان في بكجور جور ، وكان مجتهدا في العمارة (22 و) وأمن السبل والطرق ، ~~فلما انقطعت الغلات عن دمشق ، ومات بها كثير من الناس جوعا من أهل حوران ~~والبثنية ورغب الناس الجالبون منها في حمل الغلة إلى دمشق ، مكنهم من ذلك ، ~~وحمى لهم الطرق في ترددهم بادين وعائدين ، فحسن حال حمص ، وكثر السفر إليها ~~ومنها ، وكانت العرب قد طمعت في أعمال دمشق ، وكان واليها القائد أبو محمود ~~بن جعفر في ضعف وقسام غالب عليه ، واتفق وفاة أبي محمود إبراهيم بن جعفر ~~المذكور بدمشق في صفر سنة سبعين وثلاثمائة ، وكان بكجور قد ضمن أعمال ~~المغاربة على ما تقدم ذكره وحماها من العرب ، وحسنت حال دمشق بحمل الغلات ~~إليها في تلك الشدة ، وكان بكجور يكاتب العزيز بالله بمصر وورد الجواب عليه ~~بأن «تصير إلى بابنا لنوليك دمشق» PageV01P079 # وكان العزيز قد رغب في الجند الذين يعملون السلاح مثل الناشب والرامح ، ~~وجمع الجمع الكثير وأخرجهم إلى حرب ألفتكين وجرى من أمره ما ذكر في موضعه. # فلما كان في سنة اثنتين وسبعين وثلاثمائة وقعت الوحشة بين سعد الدولة أبي ~~المعالي ابن سيف الدولة بن حمدان صاحب حلب ، وبين بكجور ، وراسله بأن يخرج ~~من بلده (1) فكتب بكجور إلى العزيز يسأله إنجاز الوعد بولاية دمشق ، ودعت ~~الحاجة إلى عود القائد بلتكين مقدم العسكر المصري بحكم اعتزام المغاربة على ~~الوثوب بالوزير ابن كلس وقتله ، وقادت الضرورة العزيز إلى ms035 أن ولى بكجور ~~دمشق ، وكتب إلى بلتكين ومنشا كاتب الجيش بأن يسلم البلد إلى بكجور ويرحل ~~عنه ، وقد ، كان كتب أيضا كتابا إلى العزيز «أن أنفذ إلي عسكرا لآخذ حلب» ، ~~وأطمعه في ذلك ، فأنفذ إليه بعض عسكر دمشق فسار بهم ونزل على حلب وحصرها ~~مدة يسيرة ، فظهر دمستق الروم بارديس ونزل على أنطاكية وعزم على كبس بكجور ~~، على حلب ، فكتب إليه ابن جراح يحذره فرحل عن حلب ، وتبعه عسكر الروم في ~~إثره وتم بكجور ونزل على حمص وحمل ما كان له إلى بعلبك ، ونزل في جوسيه (2) ~~في جمع عظيم ، ونزل الروم (3) ميماس حمص ، ولم يعرض للبلد ودخل المدينة ~~وشاهد (22 ظ) الكنيسة ورحل عنها متوجها إلى البقيعة (4) يريد طرابلس ، ~~وأنفذ إلى أهل حمص رسولا يقول لهم : نريد مالا يحمل إلينا ، فقالوا : هذا ~~بلد خراب ليس فيه مال ، فرجع ونزل عليها وقال لأهلها : من خرج من البلد فهو ~~آمن ، فخرج قوم وأقام قوم فدخل عسكره فنهب وسبى وأحرق الجامع ومواضع من ~~البلد ، وتحصن قوم بالمغاير ، PageV01P080 # فأوقد عليهم فأهلكهم الدخان ، ولم يعرض للعرب ولا لمن هرب إليها ، وكان ~~دخول الروم إلى حمص يوم الثلاثاء التاسع عشر من جمادى الأول سنة ثلاث ~~وسبعين وثلاثمائة وهي النوبة الثانية للروم ، وقيل إن أبا المعالي ابن سيف ~~الدولة خاف من أخذ بكجور حلب بالمغاربة ، فأنفذ إلى ملك الروم يسأله إخراب حمص. # ورجع أكثر من كان مع بكجور من عسكر دمشق أصحاب القائد بلتكين ، وبقي ~~بكجور وأصحابه منتظرا أن يرحل بلتكين عن دمشق ويسير إليها ، وكان السبب في ~~تأخر ولاية دمشق أن الوزير ابن كلس كتب إلى بلتكين أن لا يسلم دمشق إلى ~~بكجور ، وعرف بكجور ذاك فكتب [إلى العزيز] (1) يذكر بأمره وإنجاز وعده ، ~~فسأل العزيز عن تأخر الأمر في ذلك فقال له الوزير : الصواب أن لا يلي بكجور ~~دمشق ويعصي فيها ، قال : نحن استدعيناه لذلك ووعدناه به ، فقال : قد كان ~~ذاك والحزم أن لا يولى ، فقال له : لابد من ذلك ، فكتب الوزير إلى منشا ابن ~~الغرار ms036 كاتب الجيش : واقف بكجور على ما يأخذ من المال له ولرجاله ، وسلم ~~ولاية دمشق إليه ، فسلم بلتكين البلد إليه وعاد متوجها إلى مصر في يوم ~~الأحد مستهل رجب سنة اثنتين وسبعين وثلاثمائة ، وكانت ولاية بلتكين دمشق ~~خمسة شهور ، ودخل بكجور البلد واليا في يوم السبت سابع رجب من السنة ، وقد ~~عرف أن الذي أخر الولاية الوزير ابن كلس ، فحقد بكجور عليه ، وكان لابن كلس ~~نائب في عمله وضياعه يقال له ابن أبي العود يهودي ، وكان يكتب إليه بأخبار ~~البلد ، فقال بكجور : هذا عين علي ، وتقدم بقتله فقتل ، فلما بلغ ذلك ~~الوزير عظم عليه واغتم له (2)، وأعلم الوزير العزيز وقال : هذا مبدأ عصيان PageV01P081 # بكجور ، وقد تمكن من البلد وجاء معه ابن جراح ، وهو عدو ، فلما كان في ~~سنة سبع وسبعين عزم الوزير على العمل على قتل بكجور (28 و) فأنفذ إلى غلام ~~نصراني عطار يعرف بابن أخي الكويس من أهل دمشق أن «احتل على قتل بكجور» ، ~~ولم يكن النصراني من أهل ذاك ، فقال : لا يتم هذا الأمر إلا برجل من الجند ~~من أصحابه يعين على هذا الأمر ، فكتب رقعة بما يريد إلى بعض أصحاب بكجور ، ~~فلما وصلت الرقعة إليه ونظر ما فيها فظن أن بكجور دسها إليه ليبلوه بها ~~فأوصل الرقعة إلى بكجور ، فوقف عليها ، وقال : أريد من جاءك بها ، فقال : ~~إنما وصلت إليك لأبرأ من أمرها ولا أكتمها عنك ، فلم يقبل قوله ولج في طلبه ~~، وقال له : إن الذي أوصل الرقعة أجير لابن أخي الكويس العطار ، فوجه قبض ~~عليه وعلى الأجير ووضع العقوبة على العطار ، وقال : أريد الصبي ، وقبض على ~~قوم كانوا يعاشرون العطار فكحلهم (1) ونفاهم ، وكان فيهم ثلاثة من أهل ~~العلم والفضل يقال لأحدهم ابن الخطابي ، والآخر الخلادي ، والثالث المستولي ~~، وأخرج ابن الكويس بعد ما صفي ومعه رجلان من المتهمين فصلبوا أقبح صلب ، ~~وماتوا في غد ذلك اليوم في رمضان سنة سبع وسبعين ، وبلغ الخبر الوزير ابن ~~كلس فعظم عليه ، وازداد حنقا وأعلم العزيز ذاك ، واتفق أن يخرج إليه ms037 عسكر ~~ومعه [ابن] جراح (2) وشرع بكجور في أذية الناس من أصحاب الوزير في ضياعه ، ~~وجار في البلد جورا عظيما ، ولم يخل من القتل والصلب والفتك فجرد إليه في ~~سنة ثمان وسبعين القائد منير الخادم في عسكر كثيف ، وأصدرت الكتب إلى ولاة ~~الأعمال بالمسير معه ، ولما عرف بكجور ذلك أنفذ إلى العرب وجمع وحشد ~~واستقبل العسكر ، فالتقيا وصدقوا القتال وكثر في PageV01P082 # بني كلب (1) الطعن والجراح ، وبشارة ومنير المقدمان قائمان في أصحابهما ~~عليهما الحديد ، فحملوا جميعا على الكلبيين فهزموهم وألجوهم إلى حيطان ~~داريا فرجعوا ومن معهم من أصحاب بكجور خاسرين مفلولين ، فخاف بكجور على ~~نفسه أن يؤخذ فراسلهم بأنه يسلم البلد ويرحل عنه ، وقد كوتب القائد نزال ~~والي طرابلس بالمسير والنزول على دمشق ، وكان عسكره ستة آلاف فسار فلما (23 ~~ظ) عرف بكجور انفصاله قلق وخاف وذل ، وراسل منشا بن الغرار الكاتب «بأني ~~عازم على المسير من هذا البلد وأريد أن أكون على عهد وأمان ولا أتبع بمضرة» ~~، فأجيب إلى ما التمس ، وجمع ماله وسلاحه وخاف من الرجعة والحيلة أن تقع ~~عليه من البلد فأخفى أمره وستر مسيره ، فلما كان في يوم الثلاثاء نصف رجب ~~سنة ثمان وسبعين وثلاثمائة سار خائفا وجلا نحو الشرق ، وأخذ مع الجبل وسار ~~معه ابن الجراح إلى حصن حوارين (2) فأخذ ما كان له وأخفى أمره ، فلما عرف ~~خبره نهض في إثره القائد منير من غد ونزل على البلد ، ففرح الناس به ، ~~وتوجه بكجور إلى الرقة ، وتخلف بدمشق من أصحابه تقدير ثلاثمائة رجل فصاحوا ~~«عزيز يا منصور» فأمنوا. # ولما نزل منير القائد على دمشق أصبح القائد نزال نازلا معه في يوم الخميس ~~، فلامه الناس على ما اعتمده من التثاقل ، ونفذت المطالعات إلى مصر بشرح ~~الحال ، فأنكر الوزير ابن كلس فعل منشا وإهماله بكجور حتى نجا ، وأشخصه إلى ~~مصر مع المستأمنة من أصحاب بكجور ، وقال PageV01P083 # له : خليت بكجور خوفا على نفسك ، أما كان معك (1) عسكر فيه كفاية؟ فقال : ~~لم يكن غير ما فعلته ، لأن نزالا تأخر عنا وتثاقل ، وكان ms038 بكجور في قوة ~~وكثرة من العرب وغيرهم ، وهم أصحاب دروع وجواشن وخيل سبق ، فلم يقبل عذره ~~وعزله عن تدبير العسكر ، وكان ابن كلس يخاف من بكجور أن تكون له عودة إلى ~~ولاية دمشق فيتمكن من دمشق ، فأنفذ رسولا إليه يقول له : ما أردنا رحيلك عن ~~البلد ، وإنما إنفاذنا العسكر لابعاد ابن الجراح لفساده وعناده ، وما كان ~~من ضياع وغلات فلك افعل فيها ما أحببت فما لنا فيه حاجة ، فحمل بكجور ما ~~كان له بدمشق ، وأقام بالرقة منقطعا ليس له سلطان يستند إليه ، وكان بالرقة ~~يراسل كرديا يقال له باذ (2) قد غلب على ميافارقين ، ويراسل أبا المعالي ~~ابن سيف الدولة بحلب أن يرده إلى العمل الذي كان في يده من حمص ، فلما كان ~~في سنة تسع وسبعين وثلاثمائة خرج عسكر صاحب بغداد إلى باذ الكردي المقدم ~~ذكره لغلبته على الموصل وديار ربيعة فكسر وانهزم عسكره وأصحابه ، وعرف ~~بكجور ذلك فخاف من عسكر بغداد فراسل سعد الدولة أبا المعالي يسأله تولية ~~حمص فأجابه إلى ذلك. # وكان ابن كلس يسأل (24 و) عن أخباره بالرقة خوفا منه ، فلما عرف الوزير ~~ذلك قال : يجاورنا بكجور في حمص فيطمع في الديار ، فأرسل إلى غلام يقال له ~~ناصح الطباخ بأن يسير إلى حمص فيأخذ من بها من أصحاب بكجور ، فسرى في ~~البرية فلم يشعر به حتى أتاهم ، وكان أبو المعالي صاحب حلب قد علم بالسرية ~~، فأنفذ إليهم من حذرهم واتفق لهم أنهم حملوا وخرجوا من حمص هاربين ، فلما ~~حصلوا بأحمالهم # تاريخ الفارقي : 49 58. الكامل لابن الأثير ، 122 ، 142 143. PageV01P084 # بظاهر البلد أدركتهم السرية ، فأخذتهم ورجعت إلى دمشق ، وفسد أمر بكجور ~~مع المغاربة ومع أبي المعالي ، فراسل صاحب بغداد فلم ير له عنده ما يحب ، ~~وكان الوزير ابن كلس يضرب بينهما ويطمع كل واحد منهما في صاحبه ، وكان ~~الوزير ابن كلس يهوديا من أهل بغداد خبيثا ذا مكر وحيلة ودهاء وذكاء وفطنة ~~، وكان في قديم أمره خرج إلى الشام ، فنزل بالرملة فجلس وكيلا للتجار ، ~~فلما اجتمعت الأموال التي ms039 للتجار كسرها وهرب إلى مصر في أيام كافور ~~الاخشيدي صاحب مصر ، فتاجره وحمل إليه متاعا كثيرا و[صار] (1) يحال بماله ~~على ضياع مصر ، وكان إذا دخل ضيعة عرف غلتها وارتفاعها وظاهر أمرها وباطنها ~~، وكان ماهرا في أشغاله لا يسأل عن شيء من أمورها إلا أخبر به عن صحة ، ~~فكبرت حاله وخبر كافور بخبره وما فيه من الفطنة والسياسة ، فقال : لو كان ~~هذا مسلما لصلح أن يكون وزيرا ، فبلغه ما قال كافور فطمع في الوزارة فدخل ~~جامع مصر في يوم الجمعة ، وقال : أنا أسلم (على) يد كافور ، فبلغ الوزير ~~ابن حنزابة وزير كافور ما هو عليه وما طمع فيه فقصده وخاف منه ، فهرب إلى ~~المغرب وقصد يهودا هناك مع أبي تميم المعز لدين الله أصحاب أمره ، فصارت له ~~عندهم حرمة فلم يزل معهم إلى أن أخذ المعز مصر ، فسار معه إليها ، فلما ~~توفي المعز وأصحابه اليهود وولي العزيز بالله استوزره في سنة خمس وستين ~~وثلاثمائة ، وكان هذا الوزير أبو الفرج يعقوب بن يوسف بن كلس كبير الهمة ، ~~قوي النفس والمنة ، عظيم الهيبة فاستولى على أمر العزيز ، وقام به واستصحبه ~~، فعول عليه وفوض أمره إليه ، وكانت أموره مستقيمة بتدبيره ، فلما اعتل علة ~~الوفاة ركب إليه العزيز عائدا فشاهده على حال اليأس ، فغمه أمره ، وقال له ~~: وددت بأنك تباع ، فأبتاعك بملكي ، أو تفتدى وأفديك بولدي (24 ظ) فهل من ~~حاجة توصي بها يا يعقوب؟ PageV01P085 # فبكى وقبل يده وتركها على عينه ، وقال : أما ما يخصني يا أمير المؤمنين ~~فلا لأنك أرعى بحقي من أسترعيك إياه وأرأف على من أخلفه من أن أوصيك به ، ~~لكني أنصح لك فيما يتعلق بدولتك ، قال : قل يا يعقوب فقولك مسموع ورأيك ~~مقبول ، قال : سالم يا أمير المؤمنين الروم ما سالموك ، واقنع من الحمدانية ~~بالدعوة والسكة ، ولا تبق على المفرج بن دغفل بن الجراح متى عرضت لك فيه ~~فرصة ، وتوفي في ذي الحجة سنة ثمانين وثلاثمائة ، فأمر العزيز أن يدفن في ~~داره بالقاهرة في قبة كان بناها لنفسه ، وحضر جنازته وصلى ms040 عليه وألحده بيده ~~في قبره ، وانصرف عنه حزينا بفقده ، وأغلق الدواوين وعطل الأعمال أياما ~~[واستوزر أبا الحسن علي بن عمر العداس سنة ، ثم استوزر أبا الفضل جعفر بن ~~الفضل بن الفرات] (1) بعده مديدة ، ثم صرفه وقلد عيسى بن نسطورس ، وكان ~~نصرانيا من أقباط مصر ، وفيه جلادة وكفاية ، فضبط الأمور وجمع الأموال ووفر ~~كثيرا من الخراج ، ومال إلى النصارى فقلدهم الأعمال والدواوين واطرح الكتاب ~~المتصرفين من المسلمين واستناب في الشام رجلا يهوديا يعرف بمنشا بن إبراهيم ~~بن الغرار ، فسلك مسلكه في التوفر على اليهود ، وعيسى مع النصارى مثله ، ~~واستولى أهل هاتين الملتين على الدولة ، فكتب رجل من أجلاد المسلمين رقعة ~~وسلمها إلى امرأة وبذل لها بذلا على اعتراض العزيز ورفع الظلامة إليه ~~وتسليمها إلى يده ، وكان مضمون الرقعة : «يا أمير المؤمنين بالذي أعز ~~النصارى بعيسى بن نسطورس ، واليهود بمنشا بن الغرار ، وأذل المسلمين بك ألا ~~نظرت في أمري» ، وكان العزيز على بغلة سريعة في المشي ، وإذا ركبها تدفقت ~~كالموج ولم تلحق ، فوقفت له المرأة في مضيق ، فلما قاربها رمتها إليه ، ~~فسارع الركابي إلى أخذ الرقعة على العادة ، وغاصت المرأة في الناس PageV01P086 # ووقف العزيز عليها ، وأمر بطلب المرأة فلم توجد وعاد إلى قصره منعم الفكر ~~في أمره ، فاستدعى قاضي قضاته أبا عبد الله محمد بن النعمان ، وكان متقدما ~~عنده في خواصه وأهل أنسه ، فأعطاه الرقعة وقال له : قف عليها ، فلما قرأها ~~قال له : ما عندك في هذا الأمر؟ قال : مولانا أعرف بوجه الرأي والتدبير ، ~~فقال : صدقت كاتبتها نبهتنا على ما كنا على غلط فيه وغفلة (25 و) عنه ، ~~وتقدم في الحال بالقبض على عيسى بن نسطورس وسائر الكتاب النصارى وإنشاء ~~الكتب إلى الشام بالقبض على منشا بن الغرار والمتصرفين من اليهود ، وأن ترد ~~الأعمال في الدواوين إلى الكتاب المسلمين ، ويعول في الاشراف عليهم على ~~القضاة في البلاد ، ثم ان عيسى طرح على ست الملك بنت العزيز ، وكان يحبها ~~حبا شديدا (1) ولا يرد لها قولا ، واستشفع بها في الصفح عنه ، وتجديد ~~الاصطناع له ms041 ، وحمل إلى الخزانة ثلاثمائة ألف دينار ، وكتب إلى العزيز رقعة ~~يذكر فيها بخدمته ، وحرمته فرضي عنه وأعاده إلى ما كان عليه ، وشرط عليه ~~استخدام المسلمين في دواوينه وأعماله. PageV01P087 ### | * سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة # كان بكجور قد خاف من عيسى بن نسطورس الوزير المقدم ذكره أن يعمل عليه ~~لأسباب تقدمت بينه وبينه أوجبت ذاك ، فكتب إلى العزيز يذكر له جلالة حلب ~~وكثرة ارتفاعها وأنها دهليز العراق ، وإذا حصلت له كان ما بعدها في يده ، ~~وأن العسكر الذي بها قد كاتبه وبذل الطاعة له والمساعدة ، ويستدعي منه ~~الانجاز والمعونة ، فأجابه لكل ما أراد ، وكتب إلى نزال والي طرابلس ~~بالمسير إليه متى استدعاه من غير استئذان ولا معاودة استئمار ، وكان نزال ~~هذا من وجوه قواده ، وصنائع عيسى الوزير وخلاصه ، فكتب إليه عيسى سرا بأن ~~«تتقاعد ببكجور ، وتظهر له المساعدة والمسارعة وتستعمل معه التعليل ~~والمدافعة ، فإذا تورط مع مولاه وقاربه تأخر عنه وأسلمه» فلم يشك بكجور في ~~مسير نزال إليه وسار عن الرقة ، وكتب إلى نزال بأن يسير من طرابلس ليكون ~~وصولهما إلى ظاهر حلب في وقت واحد ، فأجابه نزال ووعده ، ونزل بكجور على ~~بالس (1) وفيها غلمان سعد الدولة أبي المعالي صاحب حلب وعدة من الديلم ، ~~فقاتلهم ورحل بكجور ، وتباطأ نزال في مسيره وواصل مكاتبة بكجور في منزل بعد ~~منزل وقرب الأمر عليه في وصوله إليه ، وأقام بكجور على بالس خمسة أيام ، ~~فلما لم يجد فيها مغمزا فارقها وطلب حلب ، وكان أبو المعالي كاتب بسيل (2) ~~عظيم الروم وأعلمه عصيان بكجور (25 ظ) عليه ، وسأله مكاتبة البرجي صاحبه ~~بأنطاكية بالمسير إليه متى دعته حاجة إلى انجاده ومعونته ، فكاتب عظيم ~~الروم بذاك ، وأكد القول عليه ، فلما وافى بكجور ، كاتب سعد الدولة البرجي ~~، فرحل ونزل مرج دابق وهو على فرسخين من حلب ، ووصل بكجور إلى النقرة ونزل ~~في ناحية تعرف بالناعورة ، وامتد عسكره إلى تل أعرن ومنها إلى حلب أربعة ~~فراسخ ، وبرز PageV01P088 # سعد الدولة في غلمانه وأصحابه فكانوا ستة آلاف رجل من الروم والأرمن ~~والديلم والأتراك ، ولم يكن ms042 معه من عسكر العرب إلا عمرو بن كلاب وعدتهم ~~خمسمائة رجل ، إلا أنهم أولو بأس وقوة ، ومن سواهم من بطون العرب بني كلاب ~~مع بكجور ، بعد أن حصل حرمه وأولاده في القلعة بحلب ، ولما برز وسار عسكره ~~، وكان لؤلؤ الجراحي الكبير يحجبه ، أعجبه ما رأى من عدته وعدته فنزل إلى ~~الأرض وصلى وعفر ودعا الله بنصره وادالته من بكجور وغدره ، وفعل أصحابه مثل ~~فعله ، واجتمعوا إليه ، وقالوا له : نفوسنا بين يديك والله لنبذلنها في ~~طاعتك والمدافعة عنك ، فشكرهم وقال لهم : أنتم الأولاد والعدة ، وهذه ~~الدولة لكم وأنا فيها واحد منكم ، واستدعى كاتبه المعروف بالمصيصي وأمره أن ~~يكتب إلى بكجور يستعطفه ويذكره الله ويخوفه ويبذل له أن يقطعه من باب حمص ~~إلى الرقة ، ويدعوه إلى الكف والموادعة ، ورعاية حق الرق والعبودية ، ~~ويعلمه أنه متوقف عن حربه ولقائه إلى أن يعود إليه من جوابه ما يعول عليه ، ~~وسار فنزل بالموضع المعروف بالنيرب على ميل من حلب ، وعسكر الروم بإزائه ، ~~ووافى رسول سعد الدولة إلى بكجور ، فأوصل إليه الكتاب ، فلما وقف عليه ، ~~قال له : قل له الجواب ما تراه عيانا لا ما أرسل إليك كتابا ، فعاد الرسول ~~وأعاد على سعد الدولة قوله وأعلمه أنه سائر على إثره ، فتقدم سعد الدولة ~~إلى الموضع المعروف بدير الزبيب ، وقدم على مقدمته شجعان غلمانه وأنجادهم ~~من عمرو بن كلاب الذين قدمنا ذكرهم ، وقد جعل بكجور على مقدمته يارخ ورشيقا ~~(26 و) غلاميه في مائة غلام ، ووقع التطارد وكان الفارس من أصحاب سعد ~~الدولة إذا عاد إليه وطعن وجرح خلع عليه وأحسن إليه ، وكان بكجور بضد ذلك ~~بخلا ، وإذا عاد إليه رجل على هذه الحال يأمر بأن يكتب اسمه لينظر مستأنفا ~~في أمره ، وقد كان سعد الدولة كاتب العرب الذين مع بكجور وأمنهم وأرغبهم ~~ووعدهم الاقطاعات الكثيرة والعطايا الفاضلة الفائضة وألا يؤاخذهم بالانحياز ~~إلى بكجور والحصول معه ، فلما حصلت أماناته PageV01P089 # وتوقيعاته في أيديهم ، عطفوا على سواد بكجور فنهبوه ، وانصرفوا عنه ~~واستأمنوا إلى سعد الدولة ، ونزلوا عليه ، ورأى بكجور ms043 ما تم عليه من : ~~تقاعد نزال ، وغدر العرب ، وتأخر غلمان سعد الدولة الذين كانوا كاتبوه ~~ووعدوه الانحياز إليه إذا عاينوه ، فاستدعى أبا الحسن كاتبه المعروف بابن ~~المغربي (1)، وقال له : غررتني وأوهمتني أن العزيز يجئني ويعاونني ، وأن ~~العرب تخلص لي وتناصحني ، وأن العرب توافيني ويستأمنوا إلي ، وما كان لشيء ~~من ذلك حقيقة فما الرأي الآن ، فإن بإزائنا عسكرا عظيما لا طاقة لنا به؟ ~~قال : صدقت أيها الأمير فيما قلته وو الله ما أردت غشك ولا فارقت نصحك ، ~~والصواب مع هذه الأسباب العارضة أن ترجع إلى الرقة وتكاتب العزيز بما عاملك ~~به نزال وتعاود استنجاده ، فإنه ينجدك ويستظهر في أمرك ، وكان في عسكر ~~بكجور قائد من قواده يجري مجراه في التقدم يعرف بابن الخفاني ، فقال له وقد ~~سمع ما جرى بينه وبين ابن المغربي ، فقال : ما عندك فيما قاله وأشار به ~~فقال له : هذا كاتبك يقول إذا جلس في دسته : الأقلام تنكس الأعلام ، فإذا ~~حقت الحقائق أشار علينا بالهرب ، وإذا هربنا فأي وجه يبقى لنا عند الملوك ~~وزوجة من يهرب اليوم طالق ليس إلا السيف فإما لنا وإما علينا ، وسمع ابن ~~المغربي ما قاله ابن الخفاني ، فخاف بكجور ، وقد كان واقف بدويا من شيوخ ~~بني كلاب يعرف بسلامة بن بريك على أن يحمله إلى الرقة متى كانت هزيمة ، ~~وبذل له ألف دينار على ذلك ، فلما استشعر من بكجور ما استشعره ، سامه (26 ~~ظ) تسييره قبل الوقت الذي أعده له فأوصله إلى الرقة. # وعمل بكجور على ما فيه من قوة النفس وفضل الشجاعة على أن يعمد إلى الموضع ~~الذي فيه سعد الدولة من مصافه ، ويهجم عليه بنفسه ، PageV01P090 # ومن يقتحمه معه من صناديد غلمانه ويوقع به ، واعتقد أنه إذا فعل ذلك كبس ~~الموضع وانهزم الناس ، ملك (1). # فاختار من غلمانه من ارتضاه ووثق به بحسن البلاء منه وقال لهم : قد ~~تورطنا من هذه الحرب ما عرفتموه ، وحصلنا على شرف الهزيمة ، وذهاب النفوس ، ~~وقد عزمت على كذا وكذا ، فإن ساعدتموني رجوت أن يكون الفتح على أيديكم ms044 ~~والأثر لكم ، فقالوا : نحن طوعك وما نرغب بنفوسنا عن نفسك ، وبادر واحد ممن ~~سمع الكلام منه إلى لؤلؤ الجراحي ، فاستأمن إليه ، وأعلمه بالصورة ، فأسرع ~~لؤلؤ إلى سعد الدولة ، وأخذ الراية من يده ، ووقف في موضعه ، وقال : تهب لي ~~يا مولاي هذا المكان اليوم ، وتنتقل إلى مكاني عنه ، فإن بكجور أيس من نفسه ~~وقد حدثها بأن يقصدك ويقع عليك ، ويوقع بك ، ويجعل ذلك طريقا إلى فل عسكرك ~~، وقد عرفت ذلك من جهة لا أشك فيه (2) وسيفعل ولئن أفديك بنفسي وأكون وقاية ~~لك ولدولتك أولى من التعريض بك ، فانتقل سعد الدولة والعمارية (3) في ظهره ~~والراية في يده ، وجال بكجور في أربعمائة فارس من الغلمان عليهم الكذاغندات ~~والخوذ وبأيديهم السيوف وعلى خيلهم التجافيف ، وحمل في عقب جولته حملة ~~أفرجت له بها العساكر واللتوت ، ولم يزل يضرب بالسيف حتى وافى إلى لؤلؤ ~~فضربه على الخوذة في رأسه ووقع لؤلؤ إلى الأرض ، وحمل العسكر على بكجور ، ~~وبادر سعد الدولة إلى مكانه مظهرا نفسه لغلمانه ، فلما رأوه قويت نفوسهم ~~وثبتت أقدامهم ، واشتدوا في القتال حتى استفرغ بكجور جهده ووسعه ، ولم يبق ~~له قدرة PageV01P091 # ولا حيلة انهزم في سبعة نفر من غلمانه صوب حلب ، واستولى القتل والأسر ~~على أصحابه وتم على الهزيمة ، وقد رمى عن نفسه جوشنه وعن فرسه تجافيفه وقد ~~فعل من كان معه مثل فعله ، وكان الفرس الذي تحته من الخيول التي أعدها لمثل ~~(27 و) ما حصل فيه وثمنه عليه ألف دينار ، ووافى إلى رحا تعرف بالقيريمي ~~على فرسخ من حلب مقابلي (1) قنسرين ، ولها ساقية تحمل إليها سعتها قدر ~~ذراعين (2) في سمك ذراع ، فحمل الفرس على أن يعبرها خوضا ووثبا فلم يكن فيه ~~وأجهده ، ووقف به وناداه غلمانه : «إن الخيل قد أدركتنا» ولحقهم عشرة فوارس ~~من العرب فأرجلوهم عن دوابهم ، وسلبوهم ثيابهم ، ولم يعرفوا بكجور وعادوا ~~عنهم ، وبقي بكجور وغلمانه عراة فلجأوا إلى الرحا واستجاروا بصاحبها ~~فأدخلهم إليها ، وجاءت سرية أخرى من العرب تطلب النهب فظنوا أن مع الغلمان ~~الذين في الرحا ما يغنمونه ms045 منهم ، فطالبوا صاحبها بتسلميهم فأعلمهم أنهم ~~عراة ، فقالوا : إن شاهدناهم على ما ذكرت تركناهم وإلا أحرقنا الرحا ، ففتح ~~الباب وأخرجهم إليهم فلما رأوا حالهم خلوا عنهم ، ومضى بكجور وغلمان معه من ~~غلمانه إلى براح (3) فيه زرع حنطة ، فطرح نفسه فيه ، ومر قوم من العرب ، ~~فظنوا أن معهم ما يفوزون به ، فعدلوا إليهم ، وكان فيهم رجل من قطن يعرفه ~~بكجور ، فقال له : أتعرفني؟ قال : لا ، قال : أذمم لي حتى أعرفك نفسي ، ~~فأذم له ، قال له ، أنا بكجور فاصطنعني واحملني إلى الرقة ، فإنني أوقر ~~بعيرك ذهبا وأعطيك كل ما تقترحه ، قال : أفعل ، فأردفه وحمله إلى بيته ~~وكساه قميصا وفروا وعمامة ، وكان سعد الدولة قد بث الخيل في طلب بكجور ~~ونادى : «من أحضر بكجور فله مطلبه» فلما حصل بكجور في بيت البدوي ساء ظنه ~~به ، وطمع فيما كان سعد الدولة بذله فيه ، واستشار ابن عم له في أمره ، فقال : PageV01P092 # له : هو رجل بخيل ، فربما غدر بك ولم يف بوعده ، والصواب أن تقصد سعد ~~الدولة وتأخذ منه عاجلا ما يعطيك ، فركب البدوي إلى عسكر سعد الدولة وصاح ~~«نصيحة» فأحضر إلى حضرته ، فقال له : ما نصيحتك؟ قال : ما جزاء من يسلم ~~بكجور؟ قال : حكمه ، قال : فهو عندي أريد عنه مائتي فدان زراعة ومائة ألف ~~درهم ومائة راحلة تحمل حنطة ، وخمسين قطعة ثيابا ، قال سعد الدولة : وكل ~~ذلك لك ، قال : وثق لي منه ، وعرف لؤلؤ الجراحي خبر البدوي ، فتحامل وهو ~~مثخن بالضربة التي أصابته ، ومشى متوكيا على غلمانه حتى حضر بين يدي (27 ظ) ~~سعد الدولة ، فقال : يا مولاي ما يقول هذا؟ قال : يقول إن بكجور عنده ، وقد ~~طلب ما أجبناه إليه ، وهو ماض لإحضاره ، فقبض لؤلؤ على يد البدوي ، وقال له ~~: أين أهلك؟ قال : في المرج على فرسخ ، فاستدعى جماعة من الغلمان وقدم ~~عليهم إقبالا الشفيعي وأمرهم أن يرتقوا رؤوس الجبال حتى يوافوا الحلة ، ~~ويقبضوا على بكجور ويحملوه وهو قابض على يده ، والبدوي يستغيث بسعد الدولة ~~، ثم تقدم إلى سعد الدولة وقال : يا مولانا لا ms046 تنكر علي فعلي ، فإنه كان ~~مني عن استظهار في خدمتك ، ولو عاد هذا البدوي إلى أهله وأحس بكجور بما فيه ~~لأعطاه الرغائب على تخليصه ولا نأمن أن يقبل ذاك منه ، والذي طلبه البدوي ~~مبذول له ، وما ضرنا الإحتياط في التمسك به إلى أن يوافينا فنعطيه حينئذ ، ~~ونفي له بما وعدناه ، فقال : أحسنت يا أبا محمد لله درك ، ولم يمض ساعات ~~حتى عادت النجب مبشرة بحصول بكجور ، ووافى بعدها إقبال الشفيعي وهو معه ، ~~فوقف به من وراء السرادق ، واستأذنه في إدخاله إليه وأنفذ سعد الدولة إلى ~~لؤلؤ وما قال له : ما رأيك في بكجور؟ قال : ضرب عنقه لوقته لو جاءت سناء ~~الزينة ست الناس يعني أخت سعد الدولة واستوهبته منك فوهبته لها لكان لنا ~~شغل مجدد ، فأمر سعد الدولة فرجا العدلي وكان سيافه فضرب عنقه وعنق ابن ~~الخفاني ، وكان قد حصل في الأسر وحملها إلى الموضع المعروف بحصن الناعورة ~~فصلبهما بأرجلهما ، PageV01P093 # وسار سعد الدولة إلى الرقة فنزل عليها وفيها سلامة الرشيقي وأبو الحسن ~~ابن المغربي ، وأولاد بكجور وحرمه وأمواله ، وأرسل سلامة بتسليم البلد ~~فأجابه «فإني عبدك وعبد عبدك إلا أن لبكجور علي عهودا ومواثيق لا مخلص لي ~~عند الله منها إلا بأحد أمرين إما أن تذم لأولاده على نفوسهم وأموالهم ~~وتقتصر فيما تأخذه على آلات الحرب والعدد ، وتحلف لي ولهم على ذلك ، وإما ~~أن أبلي عذرا عند الله عز وجل فيما عقدته لبكجور» فأجابه سعد الدولة إلى ما ~~اشترطه ، وحلف له يمينا عملها أبو الحسن ابن المغربي ، وكان سعد الدولة قد ~~أباح دمه ، فهرب إلى الكوفة ، وأقام بمشهد أمير المؤمنين علي عليه السلام . # ولما توثق سلامة (28 و) سلم حصن الرافقة ، وخرج القوم ومعهم من المال ~~والرحل الشيء الكثير ، وسعد الدولة يشاهدهم من وراء سرادقه وبين (يديه) (1) ~~ابن أبي حصين القاضي ، فقال له : ما ظننت أن حال بكجور انتهت إلى ما أراه ~~من هذه الأموال والأثقال ، فقال له : أي شيء اعتقد الأمير في ذاك؟ قال له : ~~وهل بقي في هذا الأمر ms047 موضع اعتقاد؟ قال له ابن أبي حصين : إن بكجور وأولاده ~~مماليكك ، وكل ما ملكوه فهو لك ، ولا حرج عليك فيما تأخذه منه ولا حنث في ~~الأيمان التي حلفت بها ، ومهما كان فيها من وزر وإثم فعلي دونك ، فلما سمع ~~هذا القول منه ، غدر بهم وتقدم بردهم والقبض عليهم وجميع ما معهم ، وكتب ~~أولاد بكجور إلى العزيز بما تم عليهم وعلى والدهم ، وسألوه مكاتبة سعد ~~الدولة بالكف عنهم والإبقاء عليهم ، فكتب إليه كتابا يتوعده فيه ويأمره ~~بإزالة الاعتراض عن المذكورين وتسييرهم إلى مصر موفورين ، ويقول له في آخره ~~: «إنك متى خالفتنا في ذلك واحتججت فيه ، كنا الخصوم له ، وجهزنا العسكر ~~إليك» وأنفذه مع فائق الصقلبي أحد خواصه ، وسيره على نجيب ، فوصل فائق إليه ~~وقد عاد من الرقة وهو بظاهر حلب ، PageV01P094 # وأوصل إليه الكتاب ، فلما وقف عليه جمع وجوه قواده وغلمانه وقرأه عليهم ، ~~ثم قال لهم : ما الرأي عندكم فيه؟ قالوا : نحن عبيدك وغلمانك ومهما أمرتنا ~~به وندبتنا له ، كانت عندنا الطاعة والمناصحة فيه ، وتقدم عند ذاك باحضار ~~الرسول ، فلما مثل بين يديه أمر بإعطائه الكتاب ، ولطمه حتى يأكله ، فقال ~~له : أنا رسول وما عرف من الملوك معاملة الرسل بمثل ذلك وهذا الفعل ما لا ~~يجوز ، فقال له : لابد أن تأكله ، فلما مضغه قال له : عد إلى صاحبك وقل له ~~: لست ممن تخفى أخبارك عنه ، وتمويهاتك عليه ، وما بك حاجة إلى تجهيز ~~العساكر إلي فإنني سائر إليك ليكون اللقاء قريبا منك ، وخبري يأتيك من ~~الرملة. # وقدم سعد الدولة قطعة من عساكره أمامه إلى حمص ، وعاد فائق إلى العزيز ~~فعرفه ما سمعه وشاهده فأزعجه ذلك ، وبلغ منه ، وأقام سعد الدولة بظاهر حلب ~~أياما على أن يرتب أموره ويتلو من تقدمه من عسكره ، فاتفق أن عرض له قولنج ~~شفي منه ، وكان له طبيبان (28 ظ) عارفان أحدهما يعرف بالتفليسي والآخر ~~يوانيس ، فأشارا عليه بدخول البلد وملازمة الحمام فامتنع عليهما ، وقال ~~لهما : أنا بإزاء وجه أريد قصده وإذا عدت وقع الإرجاف بي وكان في العود ms048 ~~طيرة علي ، ثم زاد ما يجده ، فدخل فعالجاه فأبل واستقل وكتب إلى أصحابه ~~يذكر عافيته ، فأوصل الناس إليه حتى شاهدوا حاله وهنوه بالسلامة ، وكان ~~المستولي على أمره والمقدم عنده في رأيه لؤلؤ الكبير الذي تقدم ذكره ، فلما ~~كان في اليوم الثالث من أكله الفروج (1)، زين له البلد ليركب فيه من غد ~~ويعود إلى PageV01P095 # العسكر ، فاتفق أن حضرت عند فراشه ليلة اليوم الذي عمل على الركوب فيه ~~جارية تسمى إنفراد وكان يتحظاها ويقدمها على سواها من سرياته وهن أربعمائة ~~جارية ، فتتبعتها نفسه ، وواقعها فلما فرغ سقط عنها وقد جف نصفه ، وبادرت ~~الجارية إلى أخته فأعلمتها صورته ، فدخلت إليه وهو يجود بنفسه ، واستدعت ~~طبيبيه فحضرا وشاهداه ، وتعرفا المسبب فيما لحقه فعرفاه (1)، وأشارا بسجر ~~(2) الند والعنبر حوله إلى أن يفيق قليلا وتثوب قوته ، فلما كان ذلك عادا ~~إليه ، وقال التفليسي : أعطني أيها الأمير يدك لآخذ مجستك ، فأعطاه اليسرى ~~، فقال : يا مولانا اليمين ، فقال : يا تفليسي ما تركت لي اليمين يمينا ، ~~ومضت عليه ثلاث ليال قضى بعد أن قلد عهده أبا الفضائل ولده ، ووصى إلى لؤلؤ ~~الكبير به وبأبي الهيجاء ولده الآخر ، وست الناس أخته ، وحمل تابوته إلى ~~الرقة ودفن في المشهد ظاهرها. # ونصب لؤلؤ ولده أبا الفضائل في الأمر ، وأخذ له البيعة على الجند بعد ~~أبيه في شهر رمضان سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة ، وتراجعت العساكر عند ذلك ~~إلى حلب واستأمن منها إلى العزيز بالله : وفي (3) الصقلبي في ثلاثمائة غلام ~~، وبشارة الإخشيدي في أربعمائة غلام [ورباح السيفي] (4) وقوم آخرون فقبلهم ~~وأحسن إليهم ، وولى بشارة طبرية ووفيا عكا ، ورباحا قيسارية ، وقد كان أبو ~~الحسن بن المغربي بعد حصوله في المشهد في الكوفة كاتب العزيز وصار بعد ~~المكاتبة إلى حضرته ، فلما حدث لسعد الدولة حادث الوفاة عظم أمر حلب عنده ، ~~وكبر في نفسه أحوالها ، وهون عليه حصولها (5) [29 و]. PageV01P096 ### | * ولاية القائد منير الخادم ومنجوتكين دمشق والسبب في ذلك وما آلت إليه أحوالها في سنة ثمان وسبعين وثلاثمائة وما بعدها : # قد تقدم من شرح السبب في ولاية ms049 القائد منير دمشق ما فيه كفاية عن إعادة ~~القول فيه ، ومن دخوله في يوم الخميس السابع عشر من رجب سنة ثمان وسبعين ~~وثلاثمائة ، ولما توفي الوزير أبو الفرج يعقوب بن كلس كان قد بقي له من ~~أصحابه على ماله ومال السلطان رجل يعرف بابن أبي العود الصغير ، وكان شديد ~~المعاندة للقائد منير الوالي يرفع عليه إلى مصر بأنه عاص يكاتب سلطان بغداد ~~وصاحب حلب ، فلما كثرت سعايته إلى العزيز اصطنع بعض غلمانه الأتراك رجلا ~~يقال له منجوتكين ، فقدمه وأعطاه مالا وآنية وسلاحا ورجالا وولاه الشام ، ~~فلما صح عند منير الخادم ذاك من أبي العود أنفذ إليه من قتله وكاشف ~~بالعصيان والخلاف للضرورة القائدة له إلى ذلك ، وكان لابن أبي العود عند ~~العزيز رتبة متمكنة ومنزلة متمهدة ، فلما خرج العسكر مع منجوتكين من مصر ~~ووصل إلى الرملة ، ووصل إليه بشارة والي طبرية في عسكره ، ووصل إلى دمشق ~~وكان منير قد جمع رجالة من أحداث البلد من حمال السلاح وطلاب الشر والفساد ~~واستعد للحرب وتأهب للقاء. # وبلغ منجوتكين وهو بالرملة أن أهل دمشق يريدون القتال مع منير الوالي ، ~~فجمع النفاطين بالرملة على أن يسيروا معه إلى دمشق لحرقها ، فلما وصل نزال ~~(1) إلى دمشق من طرابلس أخذ في الجبال عرضا ، فخرج من مرج عذراء وأرسل إلى ~~منير «إني لم أصل إلا لإصلاح أمرك» فعلم منير أنه يريد الحيلة عليه والمكر ~~به ليصل العسكر من الرملة ويحيط به ، وقد كان نفذ كتاب ابن أبي هشام (2) من ~~دمشق إلى منشا بن PageV01P097 # الغرار كاتب الجيش ، يقول : «جدوا في السير لأخذ البلد» ، وكان مراده ~~بذاك المداراة من خوف الشر ، فلما وصل الكتاب إلى منشا ، أنفذه إلى العزيز ~~منجوتكين (1)، ووقف عليه فوجد فيه خلاف ما ذكره عن أهل دمشق فنهاهم عن ~~احراقها ، وسار منجوتكين من الرملة وقرب طبرية ، وجمع منير (29 ظ) عسكره ، ~~وخرج يريد نزالا فالتقوا بمرج عذراء ، فانهزم منير ، وأتت المغاربة على ~~الرجالة الذين كانوا معه ، وذلك في يوم الاثنين التاسع عشر من شهر رمضان ~~سنة ms050 احدى وثمانين ، فلما انهزم منير أخذ في الجبال حتى أخرج إلى أرض جوسيه ~~يريد قصد حلب ، فخرج عليه عرب من الأحلاف فأخذوه ووصلوا به إلى دمشق ، ~~فوجدوا منجوتكين قد نزل عليها فسلموه إليه لطلب الجائزة ، فشهره على جمل ~~وقرن به قردا ومعه من أصحابه نحو من مائة رجل على الجمال وعليهم الطراطير ~~لأنهم انقطعوا فأخذهم والي بعلبك يقال له جلنار ، فأرسلهم إلى منجوتكين. # وأقام منجوتكين بدمشق بقية سنة احدى وثمانين فقوي بها ، وصار عسكره ثلاثة ~~عشر ألفا ، فعم الناس البلاء في جميع الأحوال ، وصارت أفعالهم وسيرتهم ~~إباحة الأموال والأنفس وسوء الأعمال ، ثم إنهم طمعوا في ملكة حلب بحكم موت ~~أبي المعالي بن سيف الدولة صاحبها ، وقد كان العزيز لما انتدب منجوتكين ~~أكرمه وعظمه وأمر القواد وطبقات الناس بالترجل له وتوفيته من الحق ما يوفى ~~عظماء الأمراء والاسفهلارية ، واستكتب له أحمد بن محمد القشوري ، وولي ~~الشام ، وضم إليه أبا الحسن علي بن الحسين بن المغربي ليقوم بالأمر ~~والتدبير ولما وصل إلى حلب وكان نزوله عليها في ثلاثين ألفا من أصناف ~~الرجال ، وتحصن أبو الفضائل بن سعد الدولة ولؤلؤ بالبلد ، وأغلقا أبوابه ~~واستظهرا بكل ما أمكنهما الاستظهار به ، وقد كان لؤلؤ عند PageV01P098 # معرفته بتجهيز العساكر المصرية إلى حلب كاتب بسيل عظيم الروم ، ومت إليه ~~بما كان بينه وبين سعد الدولة من المساعدة والمعاقدة ، وبذل له عن ولده ~~السمع والطاعة والجري على تلك العادة ، وحمل إليه هدايا وألطافا كثيرة ، ~~وسأله المعونة والنصرة ، وأنفذ بالكتاب والهدايا ملكونا (1) السرياني ووصل ~~إليه وهو بإزاء ملك البلغر وعلى قتاله ، فقبل ما ورد فيه ، وكتب إلى البرجي ~~(2) صاحب أنطاكية من قبله بأن يجمع عساكر الروم ويقصد حلب ، ويدفع المغاربة ~~عنها ، فسار البرجي إليه في خمسة آلاف (3) رجل ونزل بالموضع المعروف بجسر ~~الحديد بين أنطاكية وحلب ، فعرف منجوتكين (30 و) وابن المغربي ذلك ، فجمعا ~~القواد والمعرفين خبر الروم واستشارهم فيما يكون العمل به والاعتماد عليه ، ~~فأشار ذوو الرأي والحصافة منهم بالانصراف عن حلب وقصد الروم والابتداء بهم ~~ومناجزتهم لئلا ms051 يحصلوا بين عدوين ، ووقع العمل على ذلك وساروا مع عدة أخرى ~~كثيرة انضافت إليهم من أهل الشام وبني كلاب ، ونزلوا تحت حصن أعزاز ، ~~وقاربوا الروم ، وبينهم النهر المعروف بالمقلوب (4) وهو نهر يجري مجرى ~~الفرات في قرب من عرضه ، فلما بصر المسلمون بالروم رموهم بالنشاب وناوشوهم ~~القتال ، وحصل الناس والروم على أرض واحدة ومنجوتكين يردهم فلا يرتدون ، ~~وأنزل الله النصر وولت الروم وأعطوا ظهورهم ، وركبهم المسلمون ، ونكوا فيهم ~~النكاية الوافية قتلا وأسرا وفلا وقهرا ، وأفلت البرجي في نفر قليل (5)، ~~وملك عسكرهم وسوادهم ، وغنمت منهم الغنائم الوافرة من PageV01P099 # أموالهم وكراعهم وسوادهم ، وقد كان معهم ألفا راجل من رجالة حلب جردهم ~~لؤلؤ مع عدة وافرة من الغلمان ، فقتل منهم تقدير الثلاثمائة غلام ، وعاد ~~فلهم إلى حلب ، وجمع رؤوس قتلى الروم نحو عشرة آلاف رأس أنفذت إلى مصر ، ~~وشهرت بها ، وتبع منجوتكين الروم إلى أنطاكية ، وأحرق ضياعها ، ونهب ~~رستاقاتها ، وانكفأ راجعا إلى حلب ، وكان وقت استغلال الغلات ، فأنفذ لؤلؤ ~~من أحرق ما قرب من البلد منها لمضرة العسكر المصري ، وقطع مادة الميرة عنهم ~~والتضييق في الأقوات عليهم ، ورأى لؤلؤ أن قد بطل عليه ما كان يرجوه من ~~معونة الروم وقد أظله من عسكر مصر ما لا طاقة له به ، فكاتب أبا الحسن بن ~~المغربي والقشوري وأرغبهما بالمال ، وبذل لهما منه ما وسع لهما فيه ، ~~وسألهما المشورة على منجوتكين بالإنصراف إلى دمشق والمعاودة إلى حلب في ~~العام المقبل وتصيرا السبب في هذا الرأي ما عليه الأمر من عدم الميرة ، ~~وتعذر الأقوات والعلوفات ، فطاوعاه ووعداه ، وخاطبا منجوتكين في ذلك ، ~~فصادف قولهما منه تشوفا إلى دمشق إلى خفض العيش فيها ، ضجرا من طول السفر ، ~~ومباشرة الحرب فكتب وكتب الجماعة إلى العزيز بالله إليه الحال في تعذر ~~الأقوات وأنه لا قدرة للعسكر (30 ظ) على المقام مع هذه الصورة ويستأذنوه في ~~الإنكفاء إلى دمشق ، فقبل أن يصل الكتاب ويعود الجواب رحل منجوتكين عائدا. # وعرف العزيز ما كان منه فغاظه ووجد أعداء ابن المغربي طريقا إلى الطعن ~~عليه والوقيعة ms052 فيه ، فصرفه وقلد صالح بن علي الروذباري موضعه ، وأنفذه ، ~~وأقسم العزيز أنه يمد العسكر بالميرة من غلات مصر ، فحمل مائة ألف تليس ، ~~والتليس قفيزان بالمبدل ، في البحر إلى طرابلس ، ومنها على الظهر إلى ~~أفامية ، وعاد منجوتكين في العسكر في السنة الثانية إلى حلب ونزل عليها ، ~~وصالح بن علي المقدم معهم ، وكان يوقع للغلمان بجراياتهم وقضيم دوابهم إلى ~~أفامية ويمضون خمسة وعشرون فرسخا PageV01P100 # ويعودون بها ، وأقاموا ثلاثة عشر شهرا ، وبنوا الحمامات والأسواق ~~والخانات ، وأبو الفضائل ولؤلؤ قد تحصنا بالبلد وقد اشتد الأمر بهما وفقدت ~~الأقوات عندهما ، وكان لؤلؤ يبتاع القفيز من الحنطة بثلاثة دنانير ويبيعة ~~على الناس بدينار واحد رفقا لهم ، ويفتح الباب ويخرج من الناس من أراد من ~~الفقراء من الجوع وطول المقام ، وقد كان أشير على منجوتكين بتتبع من يخرج ~~وقتله ليمتنع الناس من الخروج ويزيد ضيق الأمر عليهم فلم يفعل. # وعند ذلك أعاد لؤلؤ ملكونا الذي أرسله أولا إلى بسيل ملك الروم إليه ~~مجددا له السؤال بالإنجاد على ما دهمه من عسكر مصر والاسعاد ، وأعلمه أنه ~~لم يبق فيه رمق إن لم يبادر بمعونته ونصرته ، وأنه متى أخذت حلب وملكت ، ~~فأنطاكية لا حقة بها (1)، وكان بسيل متوسطا بلد البلغر ، فقصد ملكونا إليه ~~وأوصل الكتاب وأعاد عليه ما يحمله من الرسائل إليه ، وقال له : متى قصدت ~~أيها الملك هذا الخطب بنفسك لم يقف أحد من عساكر المغاربة بين يديك ~~واستخلصت حلب وحفظت أنطاكية وسائر أعمالها ، وإن تأخرت ملك جميع ذلك. # فلما سمع ملك الروم ما قاله الرسول المذكور سار من وقته طالبا حلب ، ~~وبينه وبينها مسيرة ثلاثمائة فرسخ فقطعها في ستة عشر يوما في ثلاثة آلاف ~~فارس وراجل من الروم والروسية والبلغر والخزر ، وكان الزمان ربيعا وقد سرح ~~العسكر المصري كراعه في المروج لترتبع فيها ، فهجمت الروم على العسكر على ~~غفلة وغرة ، فأرسل (31 و) لؤلؤ إلى منجوتكين يقول له : إن عصمة الاسلام ~~الجامعة بيني وبينك وبين عساكرك تبعثني على إنذارك ، وهذا عسكر الروم قد ~~أظلكم في الجمع الكثير ms053 ، فخذوا لأنفسكم وتيقنوا لأمركم ولا تهملوا حذركم ، ووردت PageV01P101 # جواسيس منجوتكين وعيونه من الجهات والطلائع عليه بمثل ذلك ، فأحرق ~~الخزائن والأسواق ورحل في الحال منهزما ، وأشار العرب عليه بأن ينزل أرض ~~قنسرين ويملك الماء ويستدعي كراعه من مروج أفامية ، ويثبت للقاء العدو ~~ويحرضه على بذل الجهد واستفراغ الوسع في الجهاد ، فلم يفعل ، وامتدت به ~~الهزيمة إلى دمشق. # ووافى ملك الروم فنزل على باب حلب وشاهد من موضع منزل المغاربة ما هاله ~~وعظم في عينه ، وخرج إليه أبو الفضائل ولؤلؤ وخدماه ، ورحل في اليوم الثالث ~~إلى الشام ، ونزل على شيزر وفيه منصور بن كراديس أحد قواد المغاربة ، ~~فقاتله في الحصن يوما واحدا ولم يستطع الثبات له لخلو الحصن من العدد وآلات ~~الحرب وأقوات المقام على الحصار ، فراسله بسيل وبذل له الأمان على نفسه ومن ~~معه في الحصن ، وأن يعطيه مالا وثيابا على تسليمه ، فسكن إلى ذلك وسلمه ، ~~ووفى له بسيل بجميع ما بذله من المال والأمان والعطاء ، فرتب في الحصن ~~نوابه وثقاته ، وسار قاصدا إلى طرابلس الشام ، وافتتح في طريقه حمصا ، وسبى ~~منها ومن رفنية وأعمالها ما يزيد على [عشرة آلاف ثم نزل على] (1) ثغر ~~طرابلس ، وهو بري بحري متين القوة والحصانة شديد الامتناع على منازله ، ~~وأقام عليه نيفا وأربعين يوما يحاول افتتاحه أو وجود فرصة في تملكه ، فلم ~~يتم له فيه أمر ولا مراد فرحل عنه قافلا إلى بلاد الروم. # وانتهت الأخبار بذلك إلى العزيز بالله فعظم ذلك عليه ، وأمر بالاستنفار ~~إلى الجهاد والنداء في الغزاة وسائر الأجناد فنفر الناس ، وخرج مستصحبا ~~لجميع عساكره وما يحتاج إليه من عدده وأمواله وذخائره ، ومعه توابيت آبائه ~~وأجداده على العادة في مثل هذه الحال ، وقيل إن كراعه كان يزيد على عشرين ~~ألف رأس خيلا وبغالا وجمالا وحميرا ، وسار مسافة PageV01P102 # عشرة فراسخ في مدة سنة حتى نزل بلبيس (1) وأقام بظاهرها ، وعارضته علل ~~مختلفة من نقرس وقولنج وحصى في المثانة ، واشتد به الأمر وكان (31 ظ) ~~الأطباء إذا عالجوا مرضا من هذه الأمراض بدوائها زاد في ms054 قوة الأخرى ~~واستحكامها وكان محتاجا إلى الحمام لأجل القولنج ولم يكن في منزله إلا حمام ~~لرجل من أهلها ، فاشتد به فيه وبات للضرورة فيه وأصبح والقوة تضعف والألم ~~يشتد ويتضايق إلى أن قضى نحبه في الحمام ، يوم الاثنين الثامن والعشرين من ~~شهر رمضان سنة ست وثمانين وثلاثمائة ، وعمره إثنتان وأربعون سنة ، ونقش ~~خاتمه «بنصر العليم الغفور ينتصر الامام أبو منصور» ومولده في القيروان سنة ~~إحدى وأربعين وثلاثمائة ، ومدة أيامه إحدى وعشرين سنة وستة أشهر وأربعة ~~وعشرين يوما ، وكان حسن السيرة مشتغلا بلذاته محبا للصيد متغافلا عن النظر ~~في كثير مما كان أسلافه ينظرون فيه من إظهار علم الباطن وحمل الناس عليه ، ~~وتوفي رحمه الله وهو مستمر على ذلك. # ثم ولي الأمر بعده ولده أبو علي المنصور الحاكم بأمر الله ، وكان معه ، ~~فعهد إليه في الأمر ، ورد تدبير أمره إلى برجوان الخادم مربيه وحاضنه ، ~~وكان عهد إليه أمر الحرم والقصور لثقة العزيز به ، وسكونه إليه ، ووصى إليه ~~بما اعتمد فيه عليه ، وحدثت ست الملك ابنة العزيز نفسها بالوثوب على الأمر ~~واجلاس ابن عمها عبد الله ، وكانت مسماة عليه ، فأحس برجوان بذلك فقبض ~~عليها وحملها مع ألف فارس إلى قصرها بالقاهرة ، ودعا الناس إلى بيعة الحاكم ~~وأحلفهم على الطاعة ، وأطلق الأرزاق وذلك في شهر رمضان سنة ست وثمانين ~~وثلاثمائة وانكفأ الحاكم من المخيم إلى قصره بالقاهرة وعمره عشر سنين وستة أشهر. # وتقدم أبو محمد الحسن بن عمار ، وكان شيخ كتامة وسيدها ولقب بأمين الدولة ~~وهو أول من لقب في دولة مصر ، واستولى على الأمر وبسط PageV01P103 # يده في الإطلاق والعطاء والصلات بالأموال والثياب والحباء وتفرقة الكراع ~~، وكان في القصر عشرة آلاف جارية وخادم ، فبيع منهم من اختار البيع ، وأعتق ~~من سأل العتق ، ووهب من الجواري لمن أحب وآثر ، وانبسطت كتامة وتسلطوا على ~~العامة ومدوا أيديهم إلى حرمهم وأولادهم ، وغلب الحسن بن عمار على الملك ، ~~وكتامة على الأمور ، وهم الحسن بقتل الحاكم (32 و) وحمله على ذلك شيوخ ~~أصحابه ، وقالوا : لا حاجة لنا إلى ms055 إمام نقيمه ونتعبد له ، فحمله صغر سنه ~~والاستهانة بأمره على إقلال الفكر فيه ، وأن قال لمن أشار عليه بقتله : وما ~~قدر هذه الوزعة (1) حتى يكون منها ما نخاف ، وبرجوان في أثناء ذلك يحرس ~~الحاكم ويلازمه ويمنعه من الركوب ، ولا يفسح له في مفارقة الدور والقصور ، ~~وقد كان شكر العضدي اتفق مع برجوان وعاضده في الرأي والفعل ، وصارا على ~~كلمة سواء في كل ما ساء وسر ، ونفع وضر ، وتظاهرا على حفظ الحاكم في وصاة ~~والده العزيز به إلى أن تمت السلامة لهما فيه. # وأما منجوتكين وما كان منه بعد نوبة الروم فإنه أقام بدمشق على حاله في ~~ولايتها ، وزاد أمر الحسن بن عمار وكتامة ، وقلت مبالاتهم بالسلطان ، فكتب ~~برجوان إلى منجوتكين يعرفه استيلاء المذكورين على الأمور وغلبتهم على ~~الأموال وتعديهم على الحرم والفروج وقبيح الأعمال ورفعهم المراقبة للخالق ~~والحشمة من المخلوقين ، وإبطالهم رسوم السياسة وإضاعة حقوق الخدمة ، وأنهم ~~قد حصروا الحاكم في قصره وحالوا بينه وبين تدبير أمره ، ويدعوه إلى مقابلة ~~نعمة مولاه العزيز عنده بحفظه ولده ، والوصول إلى مصر وقمع هذه الطائفة ~~الباغية ، وقال : إن الديلم والأتراك والعبيد الذين على الباب يساعدونه على ~~ما يحاول فيهم ، ويكونون معه أعوانا عليهم ، فامتثل منجوتكين ما في الكتاب ~~عند وقوفه عليه ، وسارع إليه ، وركب إلى المسجد الجامع في PageV01P104 # السواد ، وجمع القواد والأجناد ومشايخ البلد وأشرافه وفيهم موسى العلوي ، ~~وله التقدم والميزة ، وأذكرهم بحقوق العزيز وما كان منه من الاحسان إلى ~~الخاص والعام ، وحسن السيرة في الرعية ، واعتقاد الخير للكافة ، وخرج من ~~ذلك إلى ذكر ما له عليه من حقوق الاصطناع والتقدم والاصطفاء ، والتعزير (1) ~~للتنويه باسمه وما يلزمه في خدمته حيا وميتا ، ومناصحته معدوما ومفقودا ~~وموجودا ، وقال : وإذ قبضه الله إليه ونقله إلى ما اختاره له وارتضاه ، ~~وحكم به وأمضاه ، فإن حقوقه قد انتقلت إلى نجله وسليله الحاكم بأمر الله ~~أمير المؤمنين ، وهو اليوم ولي النعمة وقائم مقام العزيز بالله رحمه الله ، ~~في استحقاق الطاعة والمناصحة (32 ظ) والخدمة ، وقد تغلب على الملك الحسن ms056 بن ~~عمار وكتامة ، وصار إخواننا المشارقة بينهم كالذمة بين المسلمين ، وما ~~يسعنا الصبر على هذه الصورة وتسليم الدولة إلى هذه العصابة المتسلطة ، وخرق ~~ثيابه السود ، وبكى البكاء الشديد ، فاقتدى الناس في تخريق الثياب والبكاء ~~، ثم قالوا : ما فينا إلا سامع لك مطيع لأمرك ومؤثر ما تؤثر وباذل مهجته في ~~طاعة الحاكم وخدمته وخدمتك ، ومهما رسمت لنا من خدمة وبذل نفس ومكنة كنا ~~إليه مسارعين ، ولأمرك فيه طائعين إلى أن تبلغ مناك وتدرك مبتغاك في نصرة ~~مولانا ، فشكرهم على هذا المقال وقوى عزائمهم وآراءهم على المتابعة له ، ~~والعمل بما يوافقه ، وعاد إلى داره ووضع العطاء في الرجال ، وبرز إلى ظاهر ~~دمشق ، وقد اشتملت جريدة الاثبات على ستة آلاف من الأجناد السائرين معه ~~خيلا ورجلا ، وكتب إلى الحسن بن عمار على أجنحة الطيور ومع أصحاب البريد ~~بشرح ذلك الحال. # فلما وقف على الخبر عظم عليه وقلق ، وجمع وجوه كتامة ، وأعاد عليهم ما ~~ورد من خبر منجوتكين ، وما هو مجمع عليه في بابهم ، وقال : PageV01P105 # ما الرأي عندكم؟ قالوا : نحن أهل طاعتك والمسارعون إلى العمل باشارتك ، ~~وأظهر أن منجوتكين قد عصى على الحاكم وجرى مجرى ألفتكين المعزي البويهي ، ~~وندب الناس لقتاله وتقدم إلى الخزان في خزائن أموال العزيز بإطلاق الأموال ~~، وإلى العراض (1) بتجريد الرجال والإنفاق فيهم ، وأحضر برجوان وشكر العضدي ~~وقال لهما : أنا رجل شيخ ، وقد كثر الكلام علي والقول في ، ومالي غرض إلا ~~في حفظ الأمر للحاكم ، ومقابلة اصطناع العزيز وإحسانه إلي ، وأريد ~~مساعدتكما ومعاضدتكما ، وأن تحلفا لي على صفاء النية وخلوص العقيدة والطوية ~~، فدعتهما الضرورة إلى الانقياد له والإجابة إلى ما سأله منهما ، واستأنف ~~معهما المفاوضة والمشاورة والاطلاع لهما على مجاري الأمور ووجوه التدبير في ~~الجمهور واستمالة المشارقة. # وندب أبا تميم سلمان بن جعفر بن فلاح ، وقدمه وجعله اسفهسلار الجيش ، ~~وأمره بالمسير إلى الشام ، وأطلق له كل ما التمسه من المال والعدد والرجال ~~والسلاح والكراع ، وأسرف في ذلك إلى حد لم يقف عنده ، وجرد (33 و) معه ستة ~~عشر ألف رجل من ms057 الخيل والرجال وبرز إلى عين شمس وكان عيسى بن نسطورس الوزير ~~على حاله في الوزارة ، فبلغ ابن عمار عنه ما أنكره ، فقبض عليه ونكبه ، ~~وقتله ، وسار سلمان بن فلاح من مصر ، ورحل منجوتكين إلى الرملة فملكها وأخذ ~~أموالها ، فتقوى بها ، وكان معه المفرج بن دغفل بن الجراح ، وسنان بن عليان ~~(2)، ونزل سلمان عسقلان ، وسار منجوتكين حتى نزل بظاهرها ، وتقابل الجيشان ~~، فلما كان بعد ثلاثة أيام من تقاربهما ضرب كل واحد منهما مصاف عسكره ، ~~وعمل على مناجزة صاحبه ، واستأمنت العرب من أصحاب ابن جراح وابن عليان إلى ~~سلمان ، فاستظهر وقتل من PageV01P106 # أصحاب منجوتكين أربعة قواد في وقت واحد ، وانهزم منجوتكين وقتل من الديلم ~~عدة كثيرة لأنهم لجأوا عند الهزيمة إلى شجر الجميز واختفوا به ، فكان ~~المغاربة ينزلونهم منهم ويقتلونهم تحتها ، وأحصيت القتلى ، فكان من أصحاب ~~منجوتكين ألفي رجل. # وسار سلمان إلى الرملة وقد امتلأت أيدي أصحابه من الغنائم والأموال ~~والكراع ، وبذل لمن يحضر منجوتكين عشرة آلاف دينار ومائة ثوب ، فانبثت ~~العرب في طلبه ، وأدركه علي بن الجراح ، فأسره وحمله إلى سلمان ، فأخذه منه ~~وأعطاه ما بذل له ، وحمله مع رؤوس القتلى من أصحابه إلى مصر ، فشهرت الرؤوس ~~وأبقى على منجوتكين الحسن بن عمار واصطنعه ، واستمال المشارقة به ، ونزل ~~سلمان طبرية. # وكان أهل دمشق قد أثاروا الفتنة ، ونهبوا دار منجوتكين وخزائنه وما فيها ~~من مال السلطان وعدده ، فأنفذ أخاه عليا إليها في خمسة آلاف رجل ، فلما ~~وصلها ناوش أهلها وناوشوه ، واعتصموا بالبلد ، ومنعوا الدخول إليه ، وكتب ~~إلى سلمان أخيه يعلمه مخالفتهم وعصيانهم ، ويستأذنه في منازلتهم وقتالهم ، ~~فأذن له في ذلك وأعلمه مسيره إليه ، وكتب إلى موسى العلوي والأشراف والشيوخ ~~بالإنكار عليهم بتسلط العامة فيما ارتكبوه من النهب والافساد ، وتقاعدهم عن ~~الأخذ على أيديهم والردع لهم ، والتوعيد بالمسير إليهم ، والمقابلة لهم بما ~~يقتضيه الرأي ، فلما وقفوا على ما ذكره ، خافوا وخرجوا إلى أخيه علي ، ~~ولقوه وأعلموه أنهم على الطاعة والإنكار لما أجرى إليه (33 ظ) الجهالة ، ~~فركب علي وحارب أهل دمشق وزحف إلى ms058 باب الحديد والنفاطون معه ، فانهزموا منه ~~، وملك البلد ، وطرح النار في الموضع المعروف بحجر الذهب ، وهو أجل موضع في ~~البلد ، وقتل خلقا من رجاله ، وعاد بعد ذلك إلى معسكره ، ووافى من غد أخاه ~~سلمان في عسكره ، فأنكر عليه إحراق ما أحرق ، وبلوغه في الإفساد ما بلغ ، ~~وتلقاه الأشراف والشيوخ PageV01P107 # والناس ، وشكوا إليه ما لحقهم وتلف من دورهم وأملاكهم وأموالهم ، فأمنهم ~~، وكف المغاربة عنهم ، وأظهر اعتقاده الجميل فيهم ، وكتب المناشير بالصفح ~~عن الجناة وإيمان الكبير والصغير منهم ، ورفع الكلف والمؤن عنهم ، وإفاضة ~~العدل والانصاف فيهم ، وقرئت في المسجد الجامع على رؤوس الأشهاد ، فسكنت ~~إلى ذلك النفوس ، واطمأنت به القلوب ، ورجعوا إلى ما كانوا عليه ، واختلط ~~المغاربة بهم وركب القائد سلمان إلى الجامع في يوم الجمعة بالطيلسان على ~~البغل السندي ، وخرق في البلد بالسكينة والوقار وبين يديه القراء ، وقوم ~~يفرقون قراطيس دراهم الصدقات على أهل المسكنة والحاجة ، وكان لهذا القائد ~~سلمان نفس واسعة وصدر رحب ، وقدم في الخير متقدمة ، ورغبة في الفعل الجميل ~~مشهورة ، ومقاصد في الصلاح مشكورة بعد الحسن بن عمار ، ولما صلى عاد إلى ~~القصر الذي بني بظاهر البلد ، ونزل فيه وقد استمال قلوب الرعية والعامة بما ~~فعله وأظهره من حسن النظر في الظلامات المرفوعة إليه ، وإطلاق جماعة كانت ~~في الحبوس من أرباب الجرائم المتقدمة والجنايات السالفة ، واستقام له الأمر ~~واستقرت على الصلاح الحال ، وصلحت أحوال البلد وأهله بما نشر فيه من العدل ~~وحكم به من الإنصاف ، وأحسنه من النظر في أمور السواحل بصرف من صرفه من ~~ولاتها الجائرين ، واستبدل بهم من شيوخ كتامة وقوادها ، ورد إلى علي أخيه ~~ولاية طرابلس الشام ، وصرف عنها جيش بن الصمصامة ، فمضى جيش المذكور إلى ~~مصر من غير أن يقصد القائد سلمان ويجتمع معه. # وكان جيش هذا من شيوخ كتامة أيضا ، إلا أن سلمان كان سيء الرأي فيه ~~لعداوة بينه وبينه ، فلما حصل جيش بمصر (34 و) قصد برجوان سرا وطرح نفسه ~~عليه ، وأعلمه بغض أهل الشام للمغاربة واستيحاشهم منهم ، فأولاه برجوان ~~الجميل قولا ms059 ووعدا ، وبذل له المعونة على أمره ، وتأمل برجوان ما يلي به في ~~الأحوال من الحسن بن PageV01P108 # عمار وكتامة ، وما خافه على نفسه منهم ، وأن مصر والقاهرة قد خلتا إلا من ~~العدد الأقل منهم ، وامكنته الفرصة فيما يريده منهم فراسل الأتراك ~~والمشارقة ، وقال لهم : قد عرفتم صورتكم وصورة الحاكم مع هؤلاء القوم ، ~~وأنهم قد غلبوا على المال ، وغلبوكم ، ومتى لم ننتهز الفرصة في قلة عددهم ، ~~وضعف شوكتهم ، سبقوكم إلى ما لا يمكنكم تلافيه بعد التفريط فيه واستدراك ~~الغاية منه ، وأوثقهم على الطاعة والمساعدة فبذلوها له ووثقوا له في كل ما ~~يريده ، وأحس الحسن بن عمار ما يريد برجوان ، وشرع فيه وفي الفتك به ، ~~وسبقه إلى ما يحاوله فيه ، ورتب له جماعة في دهليزه ، ووافقهم على الإيقاع ~~به وبشكر إذا دخلا داره ، وكان لبرجوان عيون كثيرة على الحسن بن عمار ، ~~فصاروا إليه وأعلموه ما قد عمل عليه ، واجتمع برجوان وشكر وتفاوضا الرأي ~~بينهما في التحرز مما بلغهما وقررا أن يركبا ، ويركب على إثرهما من الغلمان ~~جماعة ، «فإن أحسوا وأحسينا على باب الحسن ما يريبنا رجعنا وفي ظهورنا من ~~يمنع منا» فرتبا هذا الأمر وركبا إلى دار الحسن ، وكانت في آخر القاهرة مما ~~يلي الجبل ، فلما قربا من الباب بانت لهما شواهد ما أخبرا به فحذرا وعادا ~~مسرعين ، وجرد الغلمان الذين كانوا معهما سيوفهم ، ودخلا إلى قصر الحاكم ~~يبكيان لديه ويستصرخان به ، وثارت الفتنة واجتمع الأتراك والديلم والمشارقة ~~وعبيد الشراء بالسلاح على باب القصر ، وبرجوان يبكي ويقول لهم : يا عبيد ~~مولانا احفظوا العزيز في ولده ، وارعوا فيه ما تقدم من حقه ، وهم يبكون ~~لبكائه. # وركب الحسن بن عمار في كتامة ومن انضاف إليهم من القبائل ، وغيرهم وخرج ~~إلى الصحراء وتبعوه وتبعه وجوه البلد ، فصار في عدد كثير ، وفتح برجوان ~~خزائن السلاح ، وفرقه على الغلمان والرجال ، وأحدقوا ومن معهم بالقصر من ~~المشارقة والعامة (34 ظ) بقصر الحاكم ، وعلى أعلاه الخدم والجواري يصرخون ، ~~وبرز منجوتكين وبارجتكين PageV01P109 # وينال الطويل ، وخمسمائة فارس من الغلمان ، ووقعت الحرب بينهم ms060 وبين الحسن ~~إلى وقت الظهر ، وحمل الغلمان عليه ، فانهزم ، وزحفت العامة إلى داره ~~فنهبوها ، وفتحوا خزائنه ، وتفرقوا ما فيها ، والتجأ الحسن إلى بعض العامة ~~فاستتر عنده ، وتفرق جميع من كان معه ، وفتح برجوان باب القصر ، وأجلس ~~الحاكم وأوصل إليه الناس ، وأخذ له بيعة مجددة على الجند ، فما اختلف عليه ~~أحد وكتب الأمانات لوجوه كتامة وقواد الدولة ، وراسلهم بما تطيب به نفوسهم ~~من إقامة عذرهم فيما كان منهم ، فحضرت الجماعة وأعطت أيمانها على السمع ~~والطاعة ، فاستقام الأمر لبرجوان ، وكتب الكتب إلى أشراف دمشق ووجوه أهلها ~~، يأمرهم بتطييب نفوسهم ، ويبعثهم على القيام على القائد أبي تميم سلمان بن ~~جعفر بن فلاح والإيقاع به ، وكتب إلى مشارقة الأجناد بالاجتماع معهم على ~~المذكور والإعانة لهم عليه. PageV01P110 ### | * شرح أسباب ولاية القائد سلمان بن فلاح المقدم ذكره لدمشق وما آلت إليه حاله وحال أخيه في ذلك في سنة سبع وثمانين وثلاثمائة # قد تقدم من شرح ولاية القائد المذكور لدمشق ، والسبب لذلك ، وما آلت ~~الحال إليه ما في معرفته الغناء والكفاية ، ولما وردت المكاتبات من مصر ~~عقيب انجلاء فتنة القائد أبي محمد الحسن بن عمار شيخ كتامة بتجديد البيعة ~~للحاكم بأمر الله بما يطيب قلوب أهل البلد ، ويبعثهم على الوثوب على سلمان ~~، وكان هذا القائد المذكور مشهورا بالكفاية والغناء ، وتوقد اليقظة في ~~أحواله والمضاء ، لكنه كان مستهترا بشرب الراح واستماع الغناء ، والتوفر ~~على اللذة ، ولما وردت الملطفات (1) المصرية بما اشتملت عليه في حقه وهو ~~منهمك في لهوه لم يشعر إلا بزحف العامة والمشارقة إلى قصره وهجومهم عليه ، ~~فخرج هاربا على ظهر فرسه ، فنهبت خزائنه وأمواله وعدده ، وأوقعوا بمن كان ~~في البلد معه من كتامة ، وقتلوا منهم عدة وافرة ، وعادت الفتنة ثائرة ، ~~واقتسم رؤساء الأحداث حال البلد ، وكان يكتب لبرجوان فهد ابن إبراهيم ~~النصراني ، فلما صار الأمر (35 و) إليه استوزره ، وكان من أبناء القبط بريف ~~مصر ، واستكتب أبا الفتح أحمد بن أفلح على ديوان الرسائل ، ولم يزل برجوان ~~يتلطف للحسن بن عمار إلى أن أخرجه من استتاره ms061 ، وأعاده إلى داره وأجراه على ~~رسمه في راتبه واقطاعاته بعد أن شرط عليه إغلاق بابه ، وألا يداخل نفسه ~~فيما كان يداخلها فيه ، ولا يشرع في فساد على الحاكم ، ولا على برجوان ، ~~وأخذ العهد عليه بذلك واستحلفه بأوكد الأيمان وبالغ في التوثق منه. # وكان أهل صور في هذه السنة التي هي سنة سبع وثمانين قد عصوا PageV01P111 # وأمروا عليهم رجلا ملاحا من البحرية يعرف بالعلاقة ، وقتلوا أصحاب ~~السلطان. واتفق أن المفرج بن دغفل قد نزل على الرملة ونهب ما كان في السواد ~~، وأطلق يد العيث في البلاد ، وانضاف إلى هاتين الحادثتين خروج الدوقس عظيم ~~الروم في عسكر كثير إلى الشام ، ونزوله على حصن أفامية ، فاصطنع برجوان ~~القائد جيش بن الصمصامة ، وقدمه وجهز معه ألف رجل ، وسيره إلى دمشق ~~وأعمالها وبسط يده في الأموال ، ورد إليه تدبير الأعمال ، فسار جيش ونزل ~~على الرملة والوالي عليها وحيد الهلالي ومعه خمسة آلاف رجل ، ووافاه ولاة ~~البلد وخدموه وصادف القائد أبا تميم سلمان بن فلاح في الرملة فقبض عليه ~~قبضا جميلا ، وندب أبا عبد الله الحسن بن ناصر الدولة ياقوت الخادم ومن معه ~~من عبيد الشراء لقصد صور ومنازلتها وفتحها ، وكان قد ولي جماعة من الخدم ~~السواحل ، وأنفذوا إليها ، وأنفذ في البحر تقدير عشرين مركبا من الحربية ~~المشحونة بالرجال إلى ثغر صور ، وكتب إلى علي بن حيدرة والي طرابلس بالمسير ~~إليه في أصطوله ، وإلى ابن الشيخ والي صيدا بمثل ذلك ، وإلى جماعة من ~~الجهات بحيث اجتمع الخلق الكثير على باب صور ، ووقعت الحرب بينهما وبين ~~أهلها ، واستجار العلاقة بملك الروم ، وكاتب يستنصره ويستنجده ، وأنفذ إليه ~~عدة مراكب في البحر مشحونة بالرجال المقاتلة ، والتقت هذه المراكب مراكب ~~المسلمين فاقتتلوا في البحر قتالا شديدا ، فظفر المسلمون بالروم ، وملكوا ~~مركبا من مراكبهم وقتلوا من فيه ، وكانت عدتهم (35 ظ) مائة وخمسين رجلا ، ~~وانهزمت بقية المراكب ، فضعفت نفوس أهل صور ، ولم يكن لهم طاقة بمن اجتمع ~~عليهم من العساكر برا وبحرا ، ونادى المغاربة : «من أراد الأمان من أهل ~~الستر والسلامة ms062 فليلزم منزله» ، فلزموا ذلك ، وفتح البلد ، وأسر العلاقة ~~وجماعة من أصحابه ، ووقع النهب وأخذ من الأموال والرجال الشيء الكثير ، ~~وكان هذا الفتح أول فتح على يد برجوان PageV01P112 # الحاكمي وحمل العلاقة وأصحابه إلى مصر ، فسلخ حيا وصلب بظاهر المنظر (1) ~~، بعد أن حشي جلده تبنا وقتل أصحابه. # وولي أبو عبد الله الحسن بن ناصر الدولة بن حمدان صور ، وأقام بها وسار ~~جيش بن الصمصامة على مقدمته بدر بن ربيعة لقصد المفرج بن دغفل بن الجراح ~~وطلبه ، فهرب بين يديه حتى لحق بجبلي طيء (2) وتبعه حتى كاد يأخذه ، ثم ~~رماه ابن جراح بنفسه وعجائز نسائه ، وعاذ منه بالصفح وطلب الأمان فأمنه ، ~~وشرط عليه ما التزمه ، وعفا عنه جيش ، وكف عنه واستحلفه على ما قرره معه ، ~~وعاد إلى الرملة ورتب فيها واليا من قبله ، وانكفأ إلى دمشق طالبا لعسكر ~~الروم النازل على أفامية ، فلما وصل إلى دمشق استقبله أشرافها ورؤساء ~~أحداثها مذعنين له بالطاعة ، فأقبل على رؤساء الأحداث وأظهر لهم الجميل ، ~~ونادى في البلد برفع الكلف واعتماد العدل والإنصاف ، وإباحة دم كل مغربي ~~يتعرض لفساد ، فاجتمع إليه الرعية يشكرونه ويدعون له ، وسألوه دخول البلد ~~والنزول فيه بينهم ، فأعلمهم أنه قاصد الجهاد في الروم ، وأقام ثلاثة أيام ~~وخلع على رؤساء الأحداث وحملهم ووصلهم ونزل حمص ، ووصل إليه أبو الحسن عبد ~~الواحد بن حيدرة في جند طرابلس والمتطوعة من عامتها ، وتوجه إلى الدوقس ~~عظيم الروم النازل على حصن أفامية فصادف أهله قد اشتد بهم الحصار وبلغ منهم ~~عدم الأقوات ، وانتهى أمرهم إلى أكل الجيف والكلاب ، وابتاع واحد واحدا ~~بخمسة عشرين درهما ، فنزل بإزاء الروم وبينه وبينهم النهر المعروف بالمقلوب ~~، والتقى الفريقان وتنازعا الحرب ، والمسلمون في عشرة آلاف رجل ومعهم ألف ~~فارس من (36 و) بني كلاب فحمل الروم على PageV01P113 # القلب وفيه بدر العطار والديلم والسواد فكسروه ، ووضعوا السيف في من كان ~~فيه ، وانهزمت الميسرة وفيها ميسور الصقلبي والي طرابلس ، ولحقتها الميمنة ~~وفيها جيش بن محمد بن الصمصامة المقدم ووحيد الهلالي ، وركب الروم أقبية ~~المسلمين ، وقتلوا منهم ms063 ألفي رجل ، واستولوا على سوادهم وسلاحهم وكراعهم ، ~~ومال بنو كلاب على أكثر من ذلك فانتهبوه ، وثبت بشارة الاخشيدي في خمسمائة ~~غلام ، وشاهد أهل أفامية من المسلمين ما نزل بالناس فأيقنوا بالهلاك ، ~~وابتهلوا إلى الله الكريم اللطيف بعباده ، وسألوا الرحمة والنصر ، وكان ملك ~~الروم قد وقف على رابية بين يديه ولدان له ، وعشرة نفر من غلمانه ، ليشاهد ~~ظفر عسكره وأخذه ما يأخذه من الغنائم ، فقصده كردي يعرف بأبي الحجر أحمد بن ~~الضحاك السليل على فرس جواد ، وعليه كزاغند وخوذة وبيده اليمنى خشت (1) ~~وباليسرى العنان وخشت آخر ، فظنه الدوقس مستأمنا له ومستجيرا به ، فلم يحفل ~~به ولا تحرز منه ، فلما دنا منه حمل عليه والدوقس متحصن بلأمته فرفع يده ~~ليتقي ما يرميه به فرماه بالزوبين (2) الذي في يمناه رمية أصابت خللا في ~~الدرع ، فوصل إلى جسده ، وتمكن منه في أضلاعه فسقط إلى الأرض ميتا ، وصاح ~~الناس : «إن عدو الله قد قتل ، فانهزمت الروم ، وتراجع المسلمون ، وعادت ~~العرب ، ونزل من كان في الحصن فأعانوهم واستولى المسلمون على الروم فقتلوهم ~~وأسروهم ، وكانت الوقعة في مرج افيح يطيف به جبل يعرف بالمضيق لا يسلكه إلا ~~رجل واحد في إثر رجل ، ومن جانبه بحيرة أفامية ونهر المقلوب ، فلم يكن ~~للروم مهرب في الهزيمة ، وتصرم النهار وقد احتز من رؤوس القتلى عشرة آلاف ~~رأس ، وبات المسلمون مبيت المنصورين الغانمين المسرورين بما منحهم الله ~~إياهم من الكفاية ووهب لهم من PageV01P114 # الظفر ، ووافى العرب من غد بما نهبوه من دواب المسلمين عند الهزيمة ، ~~فمنهم من رد ومنهم من باع بالثمن البخس لأن جيش بن الصمصامة المقدم نادى في ~~معسكره بألا يبتاع أحد من العرب إلا ما عرفه ، وكان مأخوذا منه فلم (36 ظ) ~~يجد إلا ما أخذه أصحابه ، وحصل ولدا الدوقس في أسر بعض المسلمين ، ~~فابتاعهما جيش بن الصمصامة المقدم منه بستة آلاف دينار وأخذهما إليه ، ~~وأقام على حصن أفامية أسبوعا ، وحمل إلى مصر عشرة آلاف رأس وألفي رجل من ~~الأسرى إلى باب أنطاكية ، ونهب الرساتيق ، وأحرق القرى وانصرف ms064 منكفئا إلى ~~دمشق ، وقد عظمت هيبته فاستقبله أشرافها ورؤسائها وأحداثها مهنئين وداعين ~~له ، فتلقاهم بالشمسية وزادهم من الكرامة وخلع عليهم [وعلى] (1) وجوه ~~الأحداث ، وحملهم على الخيل والبغال ، ووهب لهم الجواري والغلمان ، وعسكر ~~بظاهر البلد ، وخاطبوه في الدخول والجواز في الأسواق ، وقد كانوا زينوها ~~إظهارا للسرور به ، والتقرب إليه ، فلم يفعل ، وقال : معي عسكر وإن دخلت ~~دخلوا معي ، ولم آمن من أن يمدوا أيديهم إلى ما يثقل به الوطأة منهم ، ~~والتمس أن يخلوا له قرية على باب دمشق تعرف ببيت لهيا (2) ليكون نزوله بها ~~فأجابوه إلى ذلك. PageV01P115 ### | * ولاية بشارة الإخشيدي لدمشق في سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة والسبب الداعي إلى ذلك وما آلت إليه الحال # لما تقرر الحال بمصر مع برجوان الحاكمي على تجهيز جيش بن الصمصامة إلى ~~الشام ، لتلافي ما حدث فيه ، وتدبير الأعمال وتسديد الأحوال والدفع لشر ~~الروم الواصلين إلى أعماله ، اقتضت الحال والسياسة رد ولاية دمشق بعد إخراج ~~القائد أبي تميم سلمان بن جعفر ابن فلاح منها على ما تقدم الذكر له إلى ~~القائد بشارة الاخشيدي ، فسار ووصل إليها ودخلها ونزل في قصر الولاة (1) ~~بها ، وشرع في البناء فيه ، على عادة الولاة في ذلك في يوم الاثنين النصف ~~من شوال سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة وتوجه القائد بشارة الوالي المذكور مع ~~جيش بن الصمصامة إلى الجهاد في الروم ، فلما أظفر الله بهم ، ونصر عليهم ، ~~وانكفأ المسلمون منصورين ظافرين مسرورين ، وعاد بشارة الوالي في الجملة ، ~~صادف الأمر وقد ورد من مصر بصرف القائد بشارة عن ولاية دمشق وإقرارها على ~~القائد جيش بن محمد (37 و) بن الصمصامة (2). ### || * شرح السبب في ذلك وما انتهت إليه حاله وكان مآله # قد تقدم شرح السبب في إخراج القائد جيش في المعسكر من مصر إلى الشام ما ~~كفى وأغنى ، وما كان منه في التدبير في افتتاح ثغر صور ، وكسر عسكر الروم ، ~~والعود إلى دمشق وصرف بشارة عن ولايتها. PageV01P116 # واتفق ذاك وقد قوض الصيف خيامه ، وطوى بعد النشر أعلامه ، والشتاء قد ~~أقبل بصره وصريره وقره وزمهريره ، فالتمس ms065 من أهل دمشق على ما تقدم ذكره ~~اخلاء (1) بيت لهيا ، فأجيب إلى ما طلب ، فنزل فيها وشرع في التوفر على ~~استعمال العدل ، ورفع الكلف واحسان السيرة والمنع من الظلم ، واستخص رؤساء ~~الأحداث وقدمهم واستحجب جماعة منهم ، وجعل يعمل لهم السمط في كل يوم يحضرهم ~~للأكل عنده ويبالغ في تأنيسهم واستمالتهم بكل حال ، فلما مضت على ذلك برهة ~~من الزمان أحضر قواده ووجوه أصحابه ، وتقدم إليهم بالكون على أهبة واستعداد ~~لما يريد استخدامهم ، وتوقع لما يوصل إليهم من رقاعه المختومة بخاتمه ~~والعمل به ، وقسم البلد وكتب إلى كل قائد بذكر الموضع الذي يدخل فيه ، ويضع ~~السيف في مفسديه ، ثم رتب في حمام داره مائتي راجل من المغاربة بالسيوف ، ~~وتقدم إلى المعروف بالباهري العلوي وكان من خواصه وثقاته بأن يراعي حضور ~~رؤساء الأحداث الطعام فإذا أكلوا وقاموا إلى المجلس الذي جرت عادتهم بغسل ~~أيديهم فيه أغلق عليهم بابه ، وأمر من رتب في الحمام بوضع السيف في أصحابهم ~~، وكان كل رجل منهم يدخل ومعه جماعة من الأحداث معهم السلاح ، وحضر القوم ~~على رسمهم ، فبادر جيش بالرقاع إلى قواده ، وجلس معهم للأكل ، فلما فرغوا ~~نهض فدخل في حجرته ونهضوا إلى المجلس وأغلق الفراشون بابه ، وكانت عدتهم ~~اثني عشر رجلا يقدمهم المعروف بالدهيقين ، وخرج من بالحمام فوضعوا السيف في ~~أصحابهم فقتلوهم بأسرهم ، وكانوا تقدير مائتي رجل ، وركب القواد ودخلوا ~~البلد وقتلوا فيه (37 ظ) قتلا ذريعا وثلموا السور من كل جانب ، وفتحوا ~~أبوابه ورموها ، وأنزل المغاربة دور الدمشقيين ، وجرد إلى الغوطة والمرج ~~قائدا يعرف بنصرون وأمره بوضع السيف في من بها من الأحداث ، فيقال أنه قتل ~~ألف رجل منهم لأنهم كانوا كثيرين ، ودخل PageV01P117 # دمشق فطافها فاستغاث الناس وسألوا العفو والإبقاء ، فكف عنهم ورتب أصحابه ~~المصالح (1) في المحال والمواضع ، وعاد إلى القصر في وقته فاستدعى الأشراف ~~استدعاء حسن معه ظنهم فيه ، فلما حضروا أخرج رؤساء الأحداث فضرب رقابهم بين ~~أيديهم ، وأمر بصلب كل واحد منهم في محلته ، حتى إذا فرغ من ذلك قبض عليهم ~~وحملهم إلى ms066 مصر ، وأخذ أموالهم ونعمهم ، ووظف على أهل البلد خمسمائة ألف دينار. # وجاءه أمر الله تعالى الذي لا يدفع نازله ، ولا يرد واصله ، فهلك ، وكان ~~سبب هلاكه ناسور خرج في سفله ، ولم يزل يستغيث من الألم ، ويتمنى الموت ~~ويطلب أن يقتل نفسه فلا يتمكن ولا يمكن ، ويسأل في قتله فلا يقتل إلى أن ~~هلك على هذه الحال (2)، وكانت مدة هذه الولاية والفتنة تسعة شهور ، وقيل ~~إن عدة من قتل من الأحداث ثلاثة آلاف رجل. # وانتهى الخبر إلى مصر بهلاكه ، فقلد ولده محمد بن جيش مكانه (3)، وقد ~~استقامت الأمور بمصر والشام ، واستمال برجوان المشارقة واستدعاهم من البلاد ~~، فاجتمع عنده منهم تقدير ثلاثة آلاف رجل ، وكان يواصل النظر في قصر الحاكم ~~نهاره أجمع إلى أن ينتصف الليل ويجاوز الانتصاف ، ويوفي السياسة حقها ، ~~وبين يديه أبي العلاء فهد بن إبراهيم من يمشي الأمور ويحسن تنفيذها. # وراسل برجوان بسيل ملك الروم على لسان أبي العلاء ، ودعاه إلى PageV01P118 # المهادنة والموادعة ، وحمل إليه هدايا سلك فيها التألف والملاطفة ، فقابل ~~بسيل ذلك منه بأحسن قبول ، وتقررت الموادعة عشر سنين ، وأنفذ بسيل في ~~مقابلة الهدية ما جرى به عادة مثله. # وصلحت الحال مع العرب وأحسن إلى بني قرة وألزمهم شرائط الطاعة ، وسير ~~عسكرا إلى برقة وطرابلس الغرب فأخذها وعول في ولايتها على يانس الصقلبي ، ~~وكان لفرط اشفاقه على الحاكم يمنعه من الركوب في غير وقت ركوبه والعطاء ~~لغير (38 و) مستحقة ، وفعل وذلك يفعله من باب السياسة والحفظ لنفسه وهيبته ~~وماله ، وهو يسر ذلك في نفسه (1) أنه من الاساءة إليه والتضيق عليه ، وكان ~~مع الحاكم خادم يعرف بزيدان الصقلبي (2) وقد خص به وأنس إليه في شكوى ما ~~يشكوه من برجوان إليه ، وإطلاعه على ما يسره في نفسه له ، وزاد زيدان في ~~الحمل عليه والإغراء به ، وقال له فيما قال : إن برجوان يريد أن يجري نفسه ~~مجرى كافور الاخشيدي ، ويجريك مجرى ولد الاخشيدي في الحجر عليك والأخذ على ~~يدك ، والصواب أن تقتله وتدبر أمرك منفردا به ، فقال له الحاكم : إذا ms067 كان ~~هذا رأيك والصواب عندك فأريد منك المساعدة عليه ، فبذلها له ، فلما كان في ~~بعض أيام شهور سنة تسع وثمانين وثلاثمائة أشار زيدان على الحاكم بأن ينفذ ~~إلى برجوان في وقت الظهر بعد انصرافه إلى داره وتفرق الناس عنه ، للركوب ~~إلى الصيد ، وأن يقف له في البستان الذي داخل القصر ، فإذا حضر أمر بقتله ، ~~فأرسل إليه بالركوب ، وقال : أريد أن ترتب الخدم في جانبي البستان فإني أقف ~~على بابه ، وأنت بين يدي ، فإذا حضر برجوان دخلت البستان وتبعني وكنت PageV01P119 # في إثره فإذا نظرت إليك فاضربه بالسكين في ظهره ، وواقف الخدم أن يضعوا ~~عليه ، فبينما هما في الحديث إذ دخل برجوان ، فقال للحاكم : يا أمير ~~المؤمنين الحر شديد والبزاة في مثله لا تصيد ، فقال : صدقت ولكننا ندخل ~~البستان ونطوف فيه ساعة ونخرج ، وأنفذ برجوان إلى شكر ، وكان قد ركب بأن ~~يسير مع الموكب إلى المقس ، والمقس ظاهر القاهرة ، ويقف عند القنطرة «فإن ~~مولانا يخرج من البستان ويتبعك» ، ففعل ودخل الحاكم البستان وبرجوان خلفه ~~وزيدان بعده ، وكان برجوان خادما أبيض اللون ، تام الخلقة ، فبدره زيدان ~~فضربه بين أكتافه بسكين أطلعها من صدره ، فقال : يا مولانا غدرت ، فصاح ~~الحاكم : يا عبيد خذوا رأسه ، وتكاثر الخدم عليه فقتلوه ، وخرج الخدم ~~الكبار مسرعين على ظهور الخيل إلى الجانب ، وبغال الموكب والجوارح ، فردوا ~~جميعها ، فقال لهم شكر : ما السبب في ذلك؟ فلم يجيبوه ، فجاء الناس من هذا ~~الحادث ما لم يكن في الحسبان ، وعاد شكر بالموكب وشهر (38 ظ) الجند سيوفهم ~~، وهم لا يعلمون ما الخبر ، غير أنهم خائفون على الحاكم من حيلة تتم عليه ~~من الحسن بن عمار ، ورجع أكثرهم إلى دورهم ، فلبسوا سلاحهم ووافوا إلى باب ~~القصر ، وتميز المغاربة والمشارقة وأحدق شكر ، ومن معه من الأتراك ~~والمشارقة بالقصر ، وعلا على شرف القصر الخدم في أيديهم السيوف والتراس ، ~~وعظم الأمر ، واجتمع القواد وشيوخ الدولة ، وأبو العلاء الوزير على باب ~~القصر الزمرد ، فلما رأى الحاكم زيادة الاختلاط ظهر على منظرة على الباب ، ~~وسلم على الناس ، فترجلوا ms068 عن دوابهم إلى الأرض وقبلوها بين يديه ، وضربت ~~البوقات والطبول ، وفتح باب القصر واستدعى أصحاب الرسائل ، وسلمت إلهم رقعة ~~قد كتبها بيده إلى شكر وأكابر القواد ، يقول فيها : إنني أنكرت على برجوان ~~أمورا أوجبت قتله ، فالزموا الطاعة وحافظوا على ما فيها في رقابكم من ~~البيعة المأخوذة ، فلما قرئت عليهم قبلوا الأرض وقالوا : الأمر لمولانا. PageV01P120 # واستدعى الحسين بن جوهر ، وكان من شيوخ الدولة فأمر بصرف الناس فصرفهم ، ~~وعاد الحاكم إلى قصره ، وكل من القواد إلى داره والنفوس خائفة من فتنة تحدث ~~بين المشارقة والمغاربة ، وشاع قتل برجوان ، وركب مسعود الحاكمي إلى داره ~~فقبض على جميع ما فيها من أمواله ، وجلس الحاكم وقت العشاء الأخير واستدعى ~~الحسن بن جوهر وأبا العلاء فهد بن ابراهيم الوزير (1)، وتقدم إليه بإحضار ~~سائر كتاب الدواوين والأعمال ، ففعل وحضروا وأوصلهم إليه ، وقال لهم : إن ~~هذا فهدا كان أمس كاتب برجوان عبدي وهو اليوم وزيري فاسمعوا له وأطيعوا ~~ووفوه شروطه في التقدم عليكم ، وتوفروا على مراعاة الأعمال وحراسة الأموال ~~، وقبل فهد الأرض وقبلوها ، وقالوا : السمع والطاعة لمولانا ، وقال لفهد : ~~أنا حامد لك وراض عنك ، وهؤلاء الكتاب خدمي فاعرف حقوقهم وأجمل معاملتهم ، ~~واحفظ حرمتهم ، وزد في واجب من يستحق الزيادة بكفايته وأمانته ، وتقدم بأن ~~يكتب إلى سائر ولاة البلاد والأعمال بالسبب الواجب لقتل برجوان ، فكتب بما ~~نسخته بعد التصدير ، وما جرت العادة (39 و) بمثله في الخطاب : # أما بعد فإن برجوان أرضى أمير المؤمنين حينا فاستعمله ، ثم أسخطه فقتله ، ~~وأعلمك أمير المؤمنين ذاك لتعلمه وتجري على سننك الحميد في خدمته ، ومذهبك ~~الرشيد في طاعته ومناصحته ، وتسديد ما قبلك من الأمور ، وطالعه بما يتجدد ~~لديك من أحوال الجمهور إن شاء الله. # ونفذت الكتب بذاك ، واستقامت الأحوال على سنن الصواب ، وزال ما خيف من ~~الاختلال والاضطراب. PageV01P121 ### | * ولاية القائد تميم بن اسماعيل المغربي الملقب بفحل لدمشق في سنة تسعين وثلاثمائة # لما هلك جيش بن الصمصامة على ما تقدم الشرح فيه ، عقيب إغراقه في الظلم ~~وإيغاله في سفك الدماء والجور ، وكان هلاكه في ms069 يوم الأحد لتسع خلون من شهر ~~ربيع الآخر سنة تسعين وثلاثمائة وكانت مدة ولايته التي هلك فيها على ما صح ~~في هذه الرواية دون ما تقدم ذكره ستة عشر شهرا وستة عشر يوما ، وانتهى ~~الخبر إلى مصر بذاك ، وقع الارتياد لمن يختار لولايتها بعد المذكور ، فوقع ~~الاختيار على القائد تميم ابن اسماعيل المغربي الملقب بفحل ، فوصل إليها ~~وأقام بها وأمر ونهى وبقي شهورا من سنة تسعين وثلاثمائة ، وعرضت له علة هلك ~~بها ومضى لحال سبيله ، فلما انتهى خبر وفاته إلى مصر وقع الاعتماد في ~~ولايتها على القائد علي بن جعفر بن فلاح وقد كان وليها دفعة أولى. ### || * شرح ذلك # وصل القائد علي بن جعفر بن فلاح إلى دمشق واليا عليها دفعة ثانية ، فنزل ~~عليها في يوم السبت لليلتين بقيتا من شوال سنة تسعين وثلاثمائة وأقام مدة ~~يتولى أمرها ويدبر أحوالها على عادة الولاة ، إلا أنه لم يبسط يده في مال ~~ولا تعرض لشيء من استغلال ، ثم اقتضت الآراء بمصر أن يصرف عنها ويبدل بغيره ~~في ولايتها. PageV01P122 ### | * ولاية القائد ختكين الداعي المعروف بالضيف في سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة # وصل القائد ختكين الداعي المعروف بالضيف إلى دمشق واليا عليها من قبل ~~الحاكم بأمر الله في شهر رمضان من السنة ، فدبر أمورها ونظر في أحوال ~~أجنادها ، واقتضى رأيه أن ينقص واجبات الأجناد ويدافع بأعطياتهم ، ويغلطهم ~~ويظهر أمرا من التوفير فلم يتمكن (39 ظ) من بلوغ مرام ، ولا نيل أمل ، ~~واتفق أن يكون القائد علي بن فلاح المقدم ذكره مقيما في عسكره في الشماسية ~~بظاهر دمشق ، فلما طلبت الأجناد أرزاقها منه ، قال لهم : ليس إلي من أمر ~~أرزاقكم شيء ، فكان على تدبير المال واطلاق الأرزاق رجل من الكتاب نصراني ~~يقال له ابن عبدون ، فشغب الجند في العسكر ، فثاروا يريدون ابن عبدون ، ~~فلحقوا ختكين الوالي في الطريق فنهاهم عن ابن عبدون وشتمهم ، وكان رجلا ~~جاهلا أحمق ، فرجع إليه قوم من الجند فسألوه فلم يجب إلى ما يوافق أغراضهم ~~ويسكن شغبهم ، فثارت الفرسان والرجالة إلى دور ms070 الكتاب فانتهبوا ما كان فيها ~~، ونهبوا ما كان في الكنائس ، واجتمع بعد ذلك جماعة من المشارقة والمغاربة ~~فتحالفوا على أن يكونوا يدا واحدة في طلب الأرزاق والمنع ممن عساه يطالبهم ~~بما فعلوه ، وحلف لهم القائد علي بن فلاح على كونه معهم وشده منهم ، وانتهى ~~الأمر في ذلك إلى الحاكم فقال : هذا قد عصى وخرج عن مشكور السياسة ، وأمر ~~بصرفه عن الولاية والاستبدال به ، وكتب إليه بذلك ، فرحل عنها بنفر يسير من ~~أصحابه في شوال من السنة المذكورة ، وبقي العسكر في دمشق ، فاقتضى الرأي ~~الحاكمي رد ولاية دمشق إلى رجل أسود بربري يقال له القائد طزملت بن بكار. PageV01P123 ### | * ولاية القائد طزملت بن بكار البربري لدمشق في بقية سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة # وصل القائد طزملت (1) المذكور إلى دمشق واليا عليها من قبل الحاكم بأمر ~~الله في يوم الأحد لست بقين من ذي القعدة من السنة ، وكان هذا طزملت عبدا ~~لابن زيري (2) والي القيروان ، فولاه طرابلس الغرب فجار على أهلها ، وظلمهم ~~وأخذ أموالهم ، فحصل له منهم مال عظيم ، فلما انتهى خبر ظلمه إلى مولاه ~~طلبه والتمس إشخاصه إلى القيروان لكشف الأمر ، فخافه وانهزم اشفاقا على ~~نفسه وماله ، ووصل إلى مصر وحمل بعض ما كان معه إلى الحاكم ، فتمكنت حاله ~~عنده ، وتأثلت منزلته منه ، وولاه دمشق فأقام واليا عليها إلى المحرم سنة ~~أربع وتسعين وثلاثمائة فصرف عنها بخادم من خدم الحضرة يقال له القائد مفلح ~~اللحياني وسنشرح حاله في غير هذا المكان. # وكان في سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة قد اجتمع في مصر أبو طاهر محمود بن ~~محمد النحوي (40 و) وكان من أهل بغداد ، وطرأ إلى مصر وإليه ديوان الحجاز ~~(و) المعروف بابن العداس المصري وإليه ديوان الخراج على الرفع على أبي ~~العلاء فهد بن إبراهيم الوزير والسعاية به إلى الحاكم وعملا عملا بما ~~اقتطعه وارتفق به ، واشتمل ذلك على جملة كبيرة من المال ، ولقيا الحاكم ~~بالعمل ووقفاه عليه ، وبذلا له القيام بالأمر وتوفير ستة آلاف دينار في كل ~~سنة ، فكان فهد يأخذها PageV01P124 # لنفسه ms071 ، فقال لهما : أنا أقبض عليه وأقلدكما النظر فيما كان ينظر فيه ، ~~فقالا : لا يتم أمر ولا يمشي لنا عمل وفهد حي مأمول الخروج من محبسه والعود ~~إلى أمره ، سيما وكل من بمصر والشام من الولاة والعمال صنائع برجوان ، وقد ~~جرى اصطناعه اياهم على يده ، فامتنع عليهما من قبله ، وكره قتله ، وقال ~~لهما : ما له إلي ذنب فأقتله به! وراجعاه القول وألحا عليه فيه ، فقال : ~~إذا فعلت ما أردتماه فما التوثقة فيما بذلتماه؟ قالا : أن نكتب خطنا لك ~~بأننا نكفيك أمورك ، ونقوم بتمشيتها على مرادك ، ونقيم لك وجه المال الذي ~~ضمنا استخراجه لك وتوفيره من الأعمال ، قال : فأيكما يخرج إلى الشام؟ قالا ~~: عبدك ابن النحوي ، ويقيم ابن العداس بحضرتك ، فقرر ذلك معهما وأخذ به خطهما. # وكان من عادة الحاكم أن يطوف ليلا بمصر والقاهرة ، وقد منع التجار وأرباب ~~الدكاكين أن يغلقوا دكاكينهم ، أو ينصرفوا عنها إلى منازلهم حتى صار الليل ~~نهارا في معاملاتهم ، من اشعال السرج والشمع ، وإضاءة المحال والأسواق ~~تقربا إليه ، ويطلق لهم المعونة الكثيرة على ذلك ، ويقف على دكاكينهم ، ~~ويجتاز بينهم ولا يقدر أحد أن يقوم له أو يقبل الأرض بين يديه ، فلما عاد ~~في تلك الليلة سحرا من طوفه ، أمر مسعودا السيفي بأن يمضي إلى فهد بن ~~ابراهيم الوزير يستدعيه ، فإذا دخل الحجرة ضرب عنقه وأحضر رأسه ، وأن يقبض ~~على أبي غالب أخيه ، وكان شريرا مبغضا وإليه ديوان النفقات ، فمضى ووجد ~~فهدا في الحمام ، فانتظره حتى خرج ثم استركبه وأشعره أنه يراد بخير وانزعج ~~أولاده وأهله وساءت ظنونهم فيه ، ووصل مسعود إلى باب الزهومة ، وهو باب من ~~أبواب القصر ، فعدل به إلى محجة العطب ، فلما رأى فهد ذلك أحس (40 ظ) ~~بالهلاك ، فصاح واستغاث وبكى ، ولاذ بالعفو ، وبكى الناس لما شاهدوه من ~~حاله وعرفوه من الأمر الذي يراد به ، وأدخله مسعود إلى الحجرة فأقسم عليه ~~فهد أن يراجع الحاكم في بابه PageV01P125 # وبذل له ألف دينار ، وتوفير مثلها ، فقال له مسعود : لا سبيل إلى ~~المراجعة بعد ما أمرت به ms072 ، وضرب عنقه وأخذ رأسه وحمله إلى حضرة الحاكم ، ~~فلما شاهده أمره أن يخرج رأس كل من يقتله من وجوه الدولة إلى قائد (1) ~~القواد ، فلما رآه أسقط مغشيا عليه ، وعاد مسعود ليقبض على أبي غالب أخيه ~~فوجده قد هرب ، فأعلم الحاكم ذلك فأمر بطلبه حتى ظفر به بعد شهر ، وغير ~~حليته وحلق لحيته فألحقه بأخيه ، وأحضر أولاد فهد ، فخلع عليهم ، وكتب لهم ~~سجلا بصيانتهم ، وحماية دورهم وإزالة الاعتراض عنهم ، وعن أسبابهم. # ونظر ابن العداس في الأعمال ، وشرع في تهذيب الأمور وتوفير الأموال ، ~~وتوجه ابن النحوي إلى الشام على القاعدة المقررة مع الحاكم ، وكان قد أعد ~~ما يحتاج إليه من آلة السفر والتجمل ، واستكثر من ذلك ، وتناهى فيه ، وهابه ~~الناس ، وتجنبوه ووصل أولا إلى الرملة ، فقبض على العمال والمتصرفين فيها ، ~~وعسفهم وألزمهم بمائتي ألف دينار ، ووضع السوط والعصا في المطالبة ، وبث ~~أصحابه ونوابه إلى دمشق وطبرية والسواحل بعد أن وافقهم على أخذ العمال ~~والمتصرفين في الأعمال ومصادرتهم ، وخبط الشام ، وعسف من فيه بطلب المال ، ~~وكان في جملة العمال رجل نصراني يتعلق بخدمة ست الملك أخت الحاكم ، وله ~~منها رعاية مؤكدة ، فكتب إليها يستصرخ بها ، ويشكو ما نزل بالناس من البلاء ~~إليها ، وما شمل الشام وأهله من ابن النحوي ، وما بسط فيه من الظلم والعسف ~~والجور مما لم يجر بمثله عادة في قديم الأزمان ولا حديثها ، فلما وصل ~~الكتاب إليها ووقفت عليه ، دخلت على الحاكم ، وكان يشاورها في الأمور ، ~~ويعمل برأيها ، ولا يخالف مشورة لها ، فعرضت عليه ما تضمنه الكتاب من ~~الشكوى ، وقالت : يا أمير المؤمنين قد ظهر كذب ابن النحوي وابن العداس ~~وإعمالهما على فهد ، وقتله PageV01P126 # مساعدة للحسين بن جوهر ، وقد أفسد البلاد عليك ، وأوحش الناس منك ، فإن ~~كنت يا أمير المؤمنين (41 و) تريد أخذ أموال عبيدك فكل يبذلها لك طوعا ، ~~ويحملها إلى خزانتك تبرعا بعد أن يكونوا تحت ظل الصيانة وفي كنف الحياطة ، ~~هذا ولم تجر عادات آبائك إطلاق المصادرات ، فأنكر الحاكم أنه لم يسمح لأحد ~~منهما في ذلك ، وكتب ms073 إلى وحيد والي الرملة ، وكان الحاكم يكتم السر شديدا : ### || * بسم الله الرحمن الرحيم # يا وحيد سلمك الله ساعة وقوفك على هذا الكتاب ، اقبض على محمود بن محمد ، ~~لا حمد الله أمره ، وسيره مع من يوصله من ثقاتك إلى الباب العزيز ، إن شاء الله. # فلما وقفت أخته على التوقيع ، قالت : يا أمير المؤمنين ، ومن هذا الكلب ~~حتى ترفع من شأنه بحمله إلى حضرتك ، وبطن الأرض أولى به ، فأخذ الكتاب وزاد ~~فيه : بل تضرب عنقه وتنفذ رأسه ، وختم الكتاب ثلاثة ختوم ، وأحضر سعيد بن ~~غياث صاحب البريد ودفع إليه ، فبادر من وقته ، ومسافة ما بين القاهرة ~~والرملة مائة فرسخ ، وكانت النوبة توافيها في الساعة الثالثة من اليوم ~~الثالث ، ووصل الكتاب إلى وحيد ، وكان عادته إلى ابن النحوي دائما وربما ~~أوصله أو حجبه (1)، فلما وقف على الكتاب قال لدري غلامه ، الناظر في ~~المعونة (2)، وكان أرمنيا فظا غليظا : اركب إلى محمود وكان مخيما بظاهر ~~الرملة واستأذن عليه فإذا أوصلك فأبلغه سلامي واسأله الركوب إلي لأقفه ما ~~ورد من حضرة السلطان ، فإذا قال لك : «لم تجر بذلك عادته» ، فقل : كذا أمرت ~~فيما ورد ، فمضى دري إليه ، وبين يديه جماعة كثيرة من الرجال ، حتى PageV01P127 # وافى عسكر محمود ، واستأذن عليه ودخل ، وقال له ما قاله وحيد الوالي ، ~~فقال له : لم تجر بذلك العادة فيما تسومنيه ، وفي غد نجتمع ، فأجابه بما ~~قال له وحيد ، فلما سمعه ضعفت نفسه وساء ظنه ، ولم يمكنه مخالفته ، فركب في ~~موكبه ، وتوجه إلى دار وحيد ، وصار إلى وحيد من أعلمه ركوبه ، فتقدم إلى ~~بعض حجابه ، وصاحب الخبر بالرملة بأن يتلقاه ، فإذا لقياه أنزلاه عن دابته ~~، وضربا عنقه ، وأخذا رأسه ، ففعلا ما أمرهما ، وحين وصل سوق البز صادفاه ~~وأنزلاه بعد تمنعه ، فأوقعا به وقطعا رأسه وحملاه إلى وحيد ، فأحضر القاضي ~~والشهود وكتب محضرا بأن الرأس رأس محمود ، وصيره وأنفذه مع المحضر إلى صاحب ~~البريد فأسرع (41 ظ) به إلى مصر ، وقبض على أصحابه وأسبابه وأمواله وكراعه ~~، وسر الناس بهلاكه وتباشروا بما كفوه من شره ms074 ، ووصل الرأس إلى الحاكم ، ~~فأحضر ست الملك فأراها إياه ، فدعت له وشكرته على ما كان منه ، وأمر مسعود ~~بأن يأخذ ابن العداس من بين يدي قائد القواد الحسين بن جوهر (1)، فتضرب ~~عنقه بحضرته ، ويأخذ رأسه ويضيفه إلى الرأس ففعل ، فلما اجتمع الرأسان بين ~~يديه أمره أن يخرجهما إلى قائد القواد ، فأخرجهما إليه ، فلما شاهدهما جزع ~~جزعا شديدا ، ثم استدعاه الحاكم وسكن منه وأمره أن يستنيب أبا الفتح أحمد ~~بن محمد بن أفلح على النظر في الأمور ، فأقام في النظر سنة ونصفا ، ثم قتل ~~، وأقيم مقامه يحيى بن الحسين بن سلامة النصراني. # وكثر الكلام على قائد القواد ، والوقائع فيه فتنكر الحاكم عليه ، وتغير ~~له ، وهم بالايقاع به ، وصرفه عن الوزارة ، وعول فيما كان إليه على علي ابن ~~صالح بن علي الروذباري (2)، ولقبه بثقة الثقات ، ورد إليه السيف PageV01P128 # والقلم ، فنظر في الأمور ، ودبر الأعمال وحفظ وجوه المال ، والاستغلال ~~تقدير سنتين ، ثم تغير له وتأول عليه وقتله ، وقلد مكانه المعروف بمنصور بن ~~عبدون (1)، وكان رجلا نصرانيا خبيثا جلدا ، وبينه وبين أبي القاسم الحسين ~~بن علي بن المغربي ووالده أبي الحسين علي عداوة قديمة ، ومساعاة ووقائع ~~متصلة ، لأن أبا القاسم صرف به عن ديوان السواد ، فواصل أبو القاسم الوقيعة ~~فيه ، والكلام عليه وعلى الكتاب النصارى ، إلى أن قبض على جماعتهم ، فلما ~~حصلوا في القبض أمر الحاكم بأن يضرب كل واحد منهم خمسمائة سوط ، فإن مات ~~رمي به للكلاب ، وإن عاش أعيد ضربه إلى أن يموت ، فبذل منهم جماعة مالا ~~عظيما على أن يستبقوا ، فلم يقبل منهم واستمرت الشحناء بينهم. PageV01P129 ### | * ولاية القائد أبي صالح مفلح اللحياني المقدم ذكره وشرح الحال في ذلك لدمشق في سنة أربع وتسعين وثلاثمائة # وصل القائد أبو صالح مفلح الخادم المعروف باللحياني إلى دمشق واليا عليها ~~في المحرم سنة أربع وتسعين وثلاثمائة فتولى أمرها وأمر ونهى في أهلها ، ~~وكان القائد طزملت المصروف عنها قد برز إلى داريا فلم يلبث إلا قليلا واعتل ~~فيها علة قضى نحبه فيها في يوم الاثنين الثاني ms075 من صفر من السنة ، وأقام ~~القائد أبو صالح واليا عليها وسائسا لأمور أهلها (42 و) والأحوال مستقيمة ~~على نهج الصواب والسداد ، وقضية المراد إلى أن صرف بالقائد حامد بن ملهم ، ~~وسيأتي شرح ذلك في موضعه. # وقيل إن منصور بن عبدون الناظر في الدواوين بمصر ، لم يزل بنو المغربي ~~المقدم ذكرهم مستمرين على الوقيعة فيه ، والتضريب بالسعاية عليه ، وافساد ~~رأي الحاكم فيه ، وهو يعتمد فيهم مثل ذلك ، ويغريه بهم ، ويحمله على قتلهم ~~حتى تقدم إلى جعفر الصقلبي ، وكان قد قام مقام مسعود السيفي في القتل أن ~~يحضر عليا ومحمدا ابني المغربي ، ويدخلهما الحجرة ، ويضرب أعناقهما ، ففعل ~~ذلك ، ثم أمره أن يحضر أبا القاسم الحسين بن علي المغربي وأخويه ويقتلهم ، ~~فأما الأخوان فإنهما أخذا بعد ثلاثة أيام وقتلا ، وأما أخوهما أبو القاسم ~~الحسين بن (1) علي فاستتر ، وأعمل الحيلة في النجاة ، وهرب مع بعض العرب ، ~~وحصل بحلة حسان ابن المفرج بن دغفل بن الجراح فاستجار فأجاره ، وأنشده عند ~~دخوله عليه وايمانه ممن يطلبه منه ما يستنهض عزيمته فيه من الإجارة له ، ~~والذب عنه ، والمراماة دونه : PageV01P130 اما وقد خيمت وسط الغاب %~% فليقسون على الزمان عتابي يترنم الفولاذ دون مخيمي %~% وتزعزع الخرصان دون قبابي واذا بنيت على الثنية خيمة %~% شدت إلى كسر القنا أطنابي وتقوم دوني فتية من طيء %~% لم تلتبس أثوابهم بالعاب يتناثرون على الصريخ كأنهم %~% يدعون نحو غنائم ونهاب من كل أهرت (1) يرتمي حملاقه %~% بالجمر يوم تسايف وضراب يهديهم حسان يحمل بزه %~% جرداء تعليه جناح عقاب يجري الحياء على أسرة وجهه %~% جري الفرند بصارم قضاب كرم يشق على التلاد وعزمة %~% تغتال بادرة الهزبر الضابي ولقد نظرت إليك يا بن مفرج %~% في منظر ملء الزمان عجاب والموت ملتف الذوائب بالقنا %~% والحرب سافرة بغير نقاب فرأيت وجهك مثل سيفك ضاحكا %~% والذعر يلبس أوجها بتراب (42 ظ) ورأيت بيتك للضيوف ممهدا %~% فسح الظلال مرفع الأبواب يا طيء الخيرات بين خلالكم %~% أمن الشريد وهمه الطلاب سمكت خيامكم بأسنمة الربا %~% مرفوعة للطارق المنتاب وتدل ضيفكم عليكم أنور %~% شبت ms076 بأجذال قهرن صعاب متبرجات باليفاع وبعضهم %~% بالجزع يكفر ضوءه بحجاب كلأتكم ممن يعادي هيبة %~% أغنتكم عن رقبة وجناب فيسير جيشكم بغير طليعة %~% ويبيت حيكم بغير كلاب تتهيبون وليس فيكم هائب %~% وتوثبون على الردي الوثاب ولكم اذا اختصم الوشيج لباقة %~% بالطعن فوق لباقة الكتاب فالرمح ما لم ترسلوه أخطل %~% والسيف ما لم تعملوه ناب يا معن قد اقررتم عين العلي %~% بي مذ وصلت بحبلكم أسبابي جاورتكم فملأتم عيني الكرى %~% وجوانحي بغرائب الاطراب من بعد ذعر كان أحفز أضلعي %~% حتى لضاق به علي إهابي PageV01P131 ووجدت جار أبي الندى متحكما %~% حكم العزيز على الذليل الكابي فليهنه منن على متنزه %~% لسوى مواهب ذي المعارج آب قد كان من حكم الصنائع شامسا %~% فاقتاده بصنيعة من عاب فلأنظمن له عقود محامدي %~% تبقى جواهرها على الأحقاب لا جاد غيركم الربيع ولا مرت %~% غزر اللقاح لغيركم بحلاب أنا ذاكم الرجل المندد ذكره %~% كالطود حلي جيده بشهاب ولقد رجوت ولليالي دولة %~% أني أجازيكم بخير ثواب # فلما سمع حسان بن الجراح هذه الأبيات ، هش لها ، وجدد القول له بما سكن ~~جأشه وأزال استيحاشه. # وهذا أبو القاسم الحسين بن علي المغربي كان ذا علم وافر وأدب ظاهر ، ~~وذكاء وصناعة مشهورة في الكتابة ومضاء ، فأقام عنده ما أقام محترما (43 و) ~~مكرما ، وجرى له ما يذكر في موضعه (1)، ثم رحل إلى ناحية العراق ، وتقدم ~~هناك في الأيام القادرية ووزر للأمير قرواش أمير بني عقيل ، ووزر لابن ~~مروان صاحب ديار بكر ، وكان مستقلا بصناعتي الكتابة والانشائية والحسابية ، ~~وحين مرض وأشفي ، وصى بحمل تابوته إلى الكوفة ودفنه في المشهد بها ، وفعل ~~به ذلك. # ثم تغير الحاكم لمنصور بن عبدون فنكبه وقتله ، وقلد مكانه زرعه بن نسطورس ~~الوزير ولقبه بالشافي ، وذلك في سنة أربعمائة (2). # وفي سنة سبع وتسعين وثلاثمائة وردت الأخبار بالوقعة الكائنة بين PageV01P132 # الفضل صاحب الحاكم ، وبين أبي ركوة الخارج عليه ، وظفر الفضل به وأخذه ~~وحمله إلى القاهرة وشهره بها وقتله فيها ، وقيل أن أبا ركوة لقب غلب عليه ~~بركوة كانت معه في أسفاره ms077 على مذهب الصوفية ، واسمه الوليد أموي من أولاد ~~هشام بن عبد الملك بن مروان ولنوبته في ذلك شرح يطول ، إلا أن أبا ركوة هذا ~~لما انهزم في الوقعة قصد صاحب النوبة ، وتردد من الحاكم إليه بسببه مراسلات ~~إلى أن أنفذه إليه مع أصحابه ، وأنفذ معه صاحبا له بهدايا إلى الحاكم ، ~~وتسلم أبا ركوة أخو الفضل ، وحمله إلى أخيه الفضل ، فسار [به] وكان الفضل ~~يقبل يد أبي ركوة ويعظمه تأنيسا لئلا يقتل نفسه قبل إيصاله وإنزاله في ~~مضاربه ، وأخدمه نفسه وأصحابه ، وكتب [إلى] الحاكم بخبر حصوله ووصوله ، ~~وكان الفضل يدخل عليه في غداة كل يوم إلى خركاه قد ضربت له خيمة ، ويصحبه ~~ويقبل يده ، ويقول له : كيف يا مولاي؟ فيقول : بخير يا فضل أحسن الله جزاءك ~~، ويحضره شرابا فيشرب بين يديه ، ثم يناوله إياه ويفعل مثل ذلك في طعامه ~~إلى أن وصل إلى الجيزة ، فلما حصل بها راسله الحاكم بأن يعبر هو والعسكر ~~الذي معه ، وينزل على رأس الجسر ، ويصل إلى القاهرة ، ففعل ذاك وكان لا ~~يمشي خطوات إلا وقد تلقته الخدم بالتشريف والحملان ، وهو ينزل عن فرسه ~~ويقبل الأرض ، ويعود إلى ركوبه ، ولم يزل على هذه الحال إلى أن وصل إلى ~~القصر ، ودخل إلى القصر على الحاكم فخدمه ودعا له ، وشرح حاله إلى أن ظفر ~~بالعدو ، وخرج بعد ذلك إلى داره ، وتقدم وجوه القواد وشيوخ الدولة بالمصير ~~إلى أبي ركوة ومشاهدته ، ويقال (43 ظ) أن الحاكم قد مضى من غد ذلك اليوم ، ~~وقد رسم أن يشهر ويطاف به في مصر (1) واتفق دخول القائد ختكين الداعي ، وكان PageV01P133 # قديما صاحب دواة الملك عضد الدولة ، فسلم عليه ، وقال له : ألك حاجة إلى ~~أمير المؤمنين؟ فقال له : من أنت؟ قال : فلان ، قال : عرفت حالك وسدادك ~~وأريد أن توصل لي رقعة إلى أمير المؤمنين ، فقال : اكتبها وهاتها ، فاستدعى ~~أبو ركوة دواة من أصحاب الفضل ، ودرجا ، وكتب فيه : يا أمير المؤمنين إن ~~الذنوب عظيمة والدماء حرام ما لم يحلها سخطك ، وقد أحسنت وأسأت وما ظلمت ~~إلا ms078 نفسي ، وسوء عملي أوبقني ، وأنا أقول : # فررت ولم يغن الفرار ومن يكن %~% مع الله لا يعجزه في الأرض هارب ووالله ما كان الفرار لحاجة %~% سوى جزع الموت الذي أنا شارب وقد قادني جرمي إليك برمتي %~% كما أخر ميتا في رحا الموت سارب واجمع كل الناس أنك قاتلي %~% ويا رب ظن ربه فيه كاذب وما هو إلا الانتقام تريده %~% فأخذك منه واجبا لك واجب # فمضى ختكين إلى الحسين بن جوهر فعرفه ما جرى ، وأعطاه الرقعة فوقف عليها ~~الحاكم ، ثم ركب جملا وعليه طرطور ، وخلفه قرد معلم يصفعه بالدرة ، وكان ~~الحاكم قد جلس في منظرة على باب من أبواب القصر يعرف بباب الذهب ، فلما وقف ~~به استغاث وصاح بطلب العفو ، فتقدم إلى مسعود السيفي بأن يخرجه إلى ظاهر ~~القاهرة ويضرب عنقه على تل بإزاء مسجد زيدان ، فلما حمل هناك وأنزل وجد ~~ميتا ، فقطع رأسه وحمله إلى الحاكم حتى شاهده ، وأمر بصلب جثته ، وكان ~~الفضل قد قطع رؤوس من قتل في الوقعة ، فقيل إنها كانت ثلاثين ألف رأس ، ~~فلما شهرت عبيت في السلال ، وسيرت مع خدم شهروها في الشام حتى انتهوا بها ~~إلى الرحبة (1)، ثم رميت في الفرات ، وقدم الحاكم الفضل وأقطعه وبالغ في ~~اكرامه إلى أن عاده في علة عرضت له دفعتين ، فاستعظم الناس فعله معه ، فلما ~~عوفي عمل عليه وقتل. PageV01P134 ### | * ولاية القائد حامد بن ملهم المذكور أولا في سنة تسع وتسعين وثلاثمائة # (44 و) وصل القائد حامد بن ملهم إلى دمشق واليا عليها لست بقين من رجب من ~~السنة ، وقد كان القائد علي بن جعفر بن فلاح مستوليا على الجند نافذ الأمر ~~في البلد ، فورد كتاب عزله في يوم الجمعة النصف من شهر رمضان من السنة ، ~~وكانت مدة مقامه في الولاية إلى إنصرافه ومسيره سنة واحدة وأربعة أشهر ونصف شهر. # ثم تولى الأمر بعده القائد أبو عبد الله بن نزال ، فدخل إلى دمشق وقرىء ~~سجله على منبر الجامع ، وأقام المدة اليسيرة ، ثم وافاه كتاب العزل في يوم ~~الأحد رابع عشر شهر ms079 رمضان سنة أربعمائة ، فعزل وولي غلام القائد منير ، ~~فأقام المدة اليسيرة ، ثم أتاه كتاب العزل ، فعزل ، وولي القائد مظفر في ~~يوم الاثنين أول شهر ربيع الأول سنة إحدى وأربعمائة فأقام في الولاية ستة ~~أشهر وتسعة أيام ، ثم عزل وولي مكانه القائد بدر العطار ، فأقام في الولاية ~~شهرين وعشرة أيام وعزل ، وولي القائد لؤلؤ ولقب منتجب الدولة ، وتولى الأمر ~~في يوم الأحد لسبع خلون من جمادى الآخرة سنة إحدى وأربعمائة ، ونزل في بيت ~~لهيا وانتقل منها إلى الدكة ثم إلى مرج الأشعرين (1)، فأقام فيه أياما ، ~~ودخل القصر في الليل ، فلما أصبح دخل البلد ، وقرىء سجل ولايته على منبر ~~الجامع ، ووافى كتاب عزله ، فعزل وانصرف. # وقيل في أخبار الحاكم بأمر الله أنه أمر في سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة ~~بهدم بيعة القيامة في بيت المقدس وهي بيعة عند النصارى جليلة في نفوسهم ~~يعظمونها ، والسبب في ذلك ما اتصل به من هدم الكنائس PageV01P135 # والبيع بمصر والشام وألزم أهل الذمة الغيار (1) ما قيل أن العادة جارية ~~بخروج النصارى بمصر في كل سنة في العماريات (2) إلى بيت المقدس لحضور فصحهم ~~في بيعة قيامة ، فخرجوا في سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة على رسمهم في ذلك ، ~~متظاهرين بالتجمل الكبير على مثل حال الحاج في خروجهم ، فسأل الحاكم ختكين ~~العضدي الداعي ، وهو بين يديه ، عن أمر النصارى في قصدهم هذه البيعة وما ~~يعتقدونه فيها ، واستوصفه صفتها وما يدعونه لها ، وكان ختكين يعرف أمرها ~~بكثرة تردده إلى الشام وتكرره في الرسائل عن الحاكم إلى (44 ظ) ولاتها ، ~~فقال : هذه بيعة تقرب من المسجد الأقصى تعظمها النصارى أفضل تعظيم ، وتحج ~~إليها عند فصحهم من كل البلاد ، وربما صار إليها ملوك الروم وكبراء ~~البطارقة متنكرين ، ويحملون إليها الأموال الجمة والثياب والستور والفروش ، ~~ويصوغون لها القناديل والصلبان والأواني من الذهب والفضة ، وقد اجتمع فيها ~~من ذاك على قديم الزمان وحديثه الشيء العظيم قدره ، المختلفة أصنافه فإذا ~~حضروا يوم الفصح فيها ، وأظهروا مطرانهم ، ونصبوا صلبانهم ، وأقاموا ~~صلواتهم ونواميسهم ، فهذا الذي يدخل في عقولهم ، ويوقع الشبهة ms080 في قلوبهم ، ~~ويعلقون القناديل في بيت المذبح ، ويحتالون في إيصال النار إليها بدهن ~~البلسان وآلته ، ومن طبيعته حدوث النار فيه مع دهن الزنبق ، وله ضياء ساطع ~~وإزهار لامع ، يحتالون بحيلة يعملونها بين كل قنديل وما يليه حديدا ممدودا ~~كهيئة الخيط متصلا من واحد إلى آخر ، ويطلونه بدهن البلسان طليا يخفونه عن ~~الأبصار حتى يسري الخيط إلى جميع القناديل ، فإذا صلوا وحان وقت النزول ، ~~فتح باب المذبح ، وعندهم أن مهد عيسى عليه السلام فيه ، وانه عرج به إلى ~~السماء منه ، ودخلوا وأشعلوا الشموع PageV01P136 # الكثيرة ، واجتمع في البيت من أنفاس الخلق الكثير ما يحمي منه الموضع ~~ويتوصل بعض القوام إلى أن يقرب النار من الخيط فيعلق به ، وينتقل بين ~~القناديل من واحد إلى واحد ، ويشعل الكل ، ويقدره من يشاهد ذلك أن النار قد ~~نزلت من السماء ، فاشتعلت تلك القناديل. # فلما سمع الحاكم هذا الشرح استدعى بشر بن سور كاتب الانشاء ، وأمره بأن ~~يكتب إلى والي الرملة ، وإلى أحمد بن يعقوب الداعي بقصد بيت المقدس ، ~~واستصحاب الأشراف والقضاة والشهود ووجوه البلد ، وينزلا على بيت المقدس ~~وقصد بيعه قمامة وفتحها ونهبها ، وأخذ كل ما فيها ونقضها وتعفيه أثرها ، ~~فإذا نجز الأمر في ذلك يعملا به محضرا وفيه الخطوط ، وينفذانه إلى حضرته. ~~ووصل الكتاب إليهما فتوجها للعمل بما مثل إليهما. # وقد كانت النصارى بمصر عرفوا ما تقدم في هذا الباب ، فبادروا إلى بطرك ~~البيعة ، وأعلموه الحال وأنذروه ، وحذروه ، فاستظهر باخراج ما كان فيها من ~~الفضة والذهب والجوهر والثياب ، ووصل بعد ذلك أصحاب الحاكم (45 و) فأحاطوا ~~بها وأمروا بنهبها ، وأخذوا من الباقي الموجود ما عظم قدره ، وهدمت أبنيتها ~~وقلعت حجرا حجرا ، وكتب بذلك المحضر ، وكتب الخطوط فيه كما رسم وأنفذ إلى ~~الحاكم (1). PageV01P137 # وشاع هذا الخبر بمصر ، فسر به المسلمون ، ودعوا للحاكم دعاء كبيرا على ما ~~فعله ورفع أصحاب الأخبار إليه ما الناس من هذه الحال عليه ، ففرح بذلك ~~وتقدم بهدم ما يكون في الأعمال من البيع والكنائس ، ثم حدث من الأمور ~~والانكار لمثل هذه الأعمال ms081 والاشفاق على الجوامع والمساجد في سائر الجهات ~~والأعمال من هدمها ، والقصد بمثل العمل لها ، فوقف الأمر في هذا العزم (1). # وحدثني جماعة من المجاورين بالقدس قالوا : لما فتح صلاح الدين رحمه الله ~~القدس ، وجاء يوم الفصح جاء بنفسه فدخل القبة ، وقال : أريد أشاهد نزول ~~النور ، فقال له البطرك تريد أن تضيع عليك وعلينا أموالا عظيمة لقعودك ~~عندنا ، فإن أردت المال فقم ودعنا ، فقام لما بلغ باب القبة حتى صاحوا : ~~نزل النور ، فقال بعض الحاضرين : |لقد زعم القسيس أن الهه||ينزل نورا بكرة اليوم أو غد| |فإن كان نورا فهو نور ورحمة||وإن كان نارا أحرقت كل معبدي| |يقربها القسيس من شعر ذقنه||فإن لم تحرقها وإلا اقطعوا يدي| # وحدثني جماعة من أصحاب صلاح الدين رحمه الله أنه عزم لما أخذ الفرنج عكا ~~على أن يخرب قمامة ويعفي آثارها ، وقال : يحضر البطرك والأقساء والنصارى ~~ويحفر مكان القبر حتى يطلع الماء ، ويرمي التراب في البحر ، ويقول هذا تراب ~~إلهكم لتنقطع أطماعهم عن زيارته ويستريح منهم ، فقال له أعيان دولته : إن ~~إطماعهم لا تنقطع بهذا ، وليس مرادهم مكان القبر ، إنما هم يعتقدون في نفس ~~القدس ، وقمامة عندهم أفضل من غيرها ، وربما أخربوا الجامع الذي ~~بالقسطنطينية والمساجد التي في بلادهم ، وقتلوا من عندهم من المسلمين ، ثم ~~إنهم إنما يصانعونك على القدس لأجل قمامة ، فإذا فعلت هذا زال ما يصالحونك ~~لأجله ، ثم تبطل عليك أموال عظيمة ، فتنضر وهم لا ينضرون فسكت عن خرابها. PageV01P138 ### | * ولاية الأمير وجيه الدولة أبي المطاع ابن حمدان لدمشق بالأمر الحاكمي # وصل الأمير وجيه الدولة أبو المطاع بن حمدان ، المعروف بذي القرنين إلى ~~دمشق ، واليا عليها في يوم الجمعة عيد النحر من سنة إحدى وأربعمائة فصلى ~~بالناس القائد لؤلؤ الوالي العيد ، وصلى بهم الجمعة الأمير وجيه الدولة ، ~~وانصرف القائد لؤلؤ عن الولاية فكانت مدة اقامته فيها ستة أشهر وثلاثة أيام ~~، وقرىء سجل الولاية على المنبر ، وأقام المدة التي أقامها ، ووصل القائد ~~بدر العطار إلى دمشق واليا على الغوطتين والشرطة وجبل سنير (1). # وعزل عنها ms082 وجيه الدولة ابن حمدان في يوم الجمعة لسبع خلون من جمادى ~~الأولى من السنة ، فأقام فيها مديدة ، ووصل القائد أبو عبد الله ابن نزال ~~عقيب وصوله إلى دمشق واليا عليها ، ونزل في المزة ، ودخل القصر في يوم ~~الأحد لإحدى عشرة ليلة خلت من جمادى الأولى من السنة ، فدامت ولايته إلى أن ~~ورد كتاب عزله عنها ، وسار منها في يوم الثلاثاء سلخ ذي الحجة سنة ست ~~وأربعمائة فكانت مدة ولايته ثلاث سنين وثمانية أشهر وعشرين يوما. # ووصل الأمير شهم الدولة شاتكين إلى دمشق واليا عليها في يوم الجمعة لعشر ~~خلون من صفر سنة سبع وأربعمائة وأقام في الولاية ، ووصل القائد يوسف بن ~~ياروخ ، وهو ابن زوجة الأمير شاتكين الوالي ، إلى دمشق واليا عليها وقرىء ~~(45 ظ) سجله بالولاية في ذي القعدة من السنة ، وسار شهم الدولة شاتكين ~~الوالي إلى مصر لثمان خلون من جمادى الآخرة سنة ثمان وأربعمائة ووصل الأمير ~~سديد الدولة أبو PageV01P139 # منصور والي دمشق واليا عليها ، في يوم الأحد لخمس بقين من ذي القعدة سنة ~~ثمان وأربعمائة فنزل المزة ، ودخل القصر في غد ذلك اليوم ، فما شعر إلا ~~وكتاب العزل قد وافاه يوم الأحد لخمس خلون من ربيع الآخر من سنة تسع ~~وأربعمائة فبرز من يومه إلى المزة ، وسار من غده. # ووصل كتاب ولي عهد المسلمين عبد الرحمن بن الياس أخي الحاكم ، إلى القائد ~~بدر العطار في يوم السبت لليلة خلت من جمادى الأولى سنة عشر وأربعمائة يأمر ~~بضبط البلد ، ووصل بعد ذلك أبو القاسم عبد الرحمن ، وقيل عبد الرحيم (1) ~~ولي عهد المسلمين ابن الياس بن أحمد بن العزيز بالله إلى دمشق في يوم ~~الثلاثاء لخمس بقين من جمادى الأولى سنة عشر وأربعمائة فنزل في المزة ، ~~فأحسن تلقيه ، وبولغ في إكرامه والإعظام له ، والسرور بمقدمه وكان ذلك يوما ~~مشهودا موصوفا ، ودخل القصر في يوم الإثنين مستهل رجب ، فأقام فيه إلى يوم ~~الأحد لثمان بقين من شهر ربيع الأول سنة إحدى عشرة وأربعمائة ، فلم يشعر ~~إلا وقوم قد جردوا إليه ms083 من مصر ، فهجموا عليه ، وقتلوا جماعة من أصحابه ~~وساروا به في يوم الجمعة لثلاث بقين من شهر ربيع الأول ، وعاد بعد ذلك إلى ~~دمشق في رجب سنة اثنتي عشرة وأربعمائة ، ونزل في القصر ، وأكثر الناس في ~~التعجب من اختلاف الآراء في تدبير هذه الولايات ، وتنقل الأعراض والأهواء ~~فيها ، ولم يشعروا وهم يتعجبون من هذه الأحوال ، واستمرار الاختلال إلا وقد ~~وصل من مصر المعروف بابن داود المغربي ، على نجيب مسرع ومعه جماعة من الخدم ~~في يوم الأحد في يوم عرفة بسجل إلى ولي عهد المسلمين المذكور ، ودخلوا عليه ~~القصر ، وجرى بينه وبينهم كلام طويل ، إلا أنهم أخرجوه من القصر وضرب وجهه ~~، وأصبح الناس في يوم العيد لم يصلوا صلاة العيد في المصلى ، ولا في الجامع ~~، ولا خطب خطيب ، وساروا بولي العهد في اليوم المذكور إلى PageV01P140 # مصر (1)، فزاد عجب الناس وحاروا فيما هم فيه ، وتشاكوا ما ينزل بهم من ~~الأحوال المضطربة (46 و) والأعمال المختلفة. # فوصل الأمير وجيه الدولة أبو المطاع بن حمدان إلى دمشق واليا عليها دفعة ~~ثانية بعد أولى ، وكان أديبا فاضلا شاعرا سائسا مدبرا ، في يوم السبت لست ~~خلون من جمادى الآخرة سنة اثنتي عشرة وأربعمائة فأقام في الولاية مدة ، ~~ووصل الأمير شهاب الدولة شحتكين إلى دمشق واليا عليها في يوم الثلاثاء لسبع ~~خلون من رجب من ذي القعدة سنة أربع عشرة وأربعمائة ، فكانت ولايته سنتين ~~وأربعة أشهر ويومين. # ووصل الأمير وجيه الدولة أبو المطاع بن حمدان إلى دمشق واليا عليها دفعة ~~ثالثة في يوم الأربعاء لسبع خلون من شهر ربيع الأول من سنة خمس عشرة ~~وأربعمائة ، فأقام في الولاية ما أقام مع اختلاف الأحوال إلى أن تقررت ~~الولاية لأمير الجيوش التزبري (2) في سنة تسع عشرة وأربعمائة. # وقال القضاعي : أنها [ست الملك أخت الحاكم] لما كتبت إلى دمشق بحمل ولي ~~العهد إلى مصر لم يلتفت ، واستولى على دمشق ، ورخص للناس ما كان الحاكم ~~حظره عليهم من شرب الخمر ، وسماع الملاهي ، فأحبه أهل دمشق ، وكان بخيلا ~~ظالما ، فشرع في جمع ms084 المال ومصادرات الناس ، فأبغضه الجند وأهل البلد ، ~~فكتبت أخت الحاكم إلى الجند فقبضوه ، وبعثوا به مقيدا إلى مصر ، فحبس في ~~القصر مكرما ، وأقام مدة. ثم روى أنه اغتال نفسه في رواية ، وفي رواية أخرى ~~قتل بأمر من ست الملك. PageV01P141 ### | * ولاية أمير الجيوش الدزبري الختلي لدمشق في سنة تسع عشرة وأربعمائة وشرح حاله # وابتداء أمره والسبب في توليته ، وذكر شيء من أخباره إلى إنتهاء مدته ، ~~بحكم تميزه عن الولاة المذكورين : بالشجاعة والشهامة ، وحسن السياسة ، ~~وإجمال السيرة والنصفة في العسكرية والرعية ، وحماية الأعمال بهيبته ~~المشهورة وبفطنته المشكورة ، وتشتيت شمل أولي الفساد من الأعراب ، واستقامة ~~الأمور بإيالته على قضية الإيثار والمراد. # هو الأمير المظفر ، أمير الجيوش ، عدة الإمام ، سيف الخلافة ، عضد الدولة ~~، شرف المعالي أبو منصور أنوشتكين ، مولده ما وراء النهر في بلد الترك ، في ~~البلد المعروف بختل ، وسبي منه ، وحمل إلى كاشغر ، وهرب إلى بخارى وملك بها ~~وحمل إلى بغداد ، ثم إلى دمشق ، وكان شتيم (1) الوجه ، بين التركية ، وكان ~~وصولة سنة أربعمائة فاشتراه القائد «تزبر» (2) بن أونيم الديلمي ، وكان ~~ندبه لحماية أملاكه وصونها من الأذى ، فكفاه ذلك بشهامته ، وصرامته فاشتهر ~~بذاك أمره ، وشاع ذكره ، وسئل مولاه أن يهديه للإمام الحاكم بأمر الله ، ~~وقيل بل وصله الأمر بحمله ، فحمل في جملة غلمان في سنة ثلاث وأربعمائة (46 ~~ظ) فاستطرف من بينهم ، وجعل في الحجرة ، فقهر من بها من الغلمان ، وطال ~~عليهم باليقظة والذكاء ، وجعل يلقب كل غلام بما يليق به ، فشكوه إلى ~~المتولي فضربه ، وتزايد أمره ، فأخرج منها في سنة خمس وأربعمائة ولزم ~~الخدمة ، وجعل يتقرب إلى الخاص والعام بكل ما يجد السبيل إليه من التودد ~~والاكرام ، لما يريد الله تعالى من اسعاد جده ، وإظهار سعده ، فارتضى ~~الحاكم مذهبه في الخدمة ، وزاد في واجبه ، وقوده وسيره مع PageV01P142 # سديد الدولة ذي الكفايتين الضيف في العسكر إلى الشام في سنة ست وأربعمائة ~~، ودخل إلى البلد دمشق ، ولقي مولاه القائد دزبر ، فترجل له وقبل يده ، ~~وصار يتودد إلى الكبير والصغير ، ونزل في دار حيوس بحضرة زقاق ms085 عطاف (1)، ~~ثم عاد إلى مصر ، وجرد إلى الريف في السيارة ، ثم عاد إلى مصر ، ولزم ~~الخدمة بالحضرة ، ولزم بعلبك واليا عليها ، وحسنت حاله فيها ، وانتشر ذكره ~~بها ، وصادق ولاة الأطراف وكاتب عزيز الدولة فاتكا ، والي حلب (2)، ولقب ~~منتجب الدولة ، وورد الأمر عليه بالمسير إلى الحضرة فلما بلغ العريش وصله ~~النجاب بالسجل بولاية قيسارية ، والأمر بالعود إليها فشق ذلك عليه ، وقال : ~~أنقل من ولاية بعلبك إلى ولاية قيسارية ، وكان من حسن سياسته فيها ، وجميل ~~عشرته لأهلها وحمايته لها ، ماذاع به ذكره ، وحسن به صيته ، وكثر شكره ، ~~وورد الخبر بقتل فاتك والي حلب سنة اثنتي عشرة وأربعمائة قتله غلام هندي قد ~~رباه واصطفاه ، وتوثق به واجتباه ، وهو نائم عقيب سكره ، بسيفه ، وعمل فيه ~~شاعره المعروف (3) بمفضل بن سعد قصيدة رثاه بها ، وذكر فيها من بعض أبياتها : # لحمامه المقضي ربى عبده %~% ولنحره المفري حد حسامه # وكتب إلي منتجب الدولة بالمسير إلى الحضرة ، فوصلها وولي فلسطين ، ووصل ~~إليها في يوم الثلاثاء من المحرم سنة أربع عشرة وأربعمائة وبلغ حسان بن ~~مفرج بن الجراح خبره ، فقلق له وتخوفه ، ثم PageV01P143 # علا ذكره وظهر أمره وكثرت عدته وعدته ، وقويت شوكته ، وجرت له وقائع مع ~~العرب يستظهر فيها عليهم ويثخن فيهم ، فكبر بذلك شأنه ، ثم حسد وسعي فيه ~~إلى الحضرة ، وكوتب الوزير حسن بن صالح في بابه بأمر قرره حسان (47 ظ) بن ~~مفرج بن الجراح ونسب إليه كل قبيح ومحال ، فاستؤذن في القبض عليه ، فأذن له ~~في ذلك ، فقبض عليه بعسقلان بحيلة دبرت له في سنة سبع عشرة وأربعمائة ، ~~وسأل فيه سعد السعداء فأجيب سؤاله ، لجلالة مكانه ، وأطلق من الاعتقال ، ~~ووصل إلى الحضرة ، وحسنت حالته ، وظهرت هيبته ، وظهرت هيئة إقطاعه وغلمانه ~~ودوابه ، وهو مع ذلك ينفذ رسله إلى الشام وسائر الأعمال ، وتأتيه بالأخبار ~~ويطالع بها ، فكثر تعجب الوزير من يقظته ، ومضاء همته وعزيمته. # وكانت العرب بعده قد استولت على الأعمال ، وأفسدت الشام ، وملك حسان ~~أملاك الملاك ، واتفق الخلف الجاري بين أرباب الدولة عقيب وفاة الحاكم ، ~~وترافع القواد ms086 والولاة إلى أن تقررت الحال على صرف الوزير ، وتقليد الوزارة ~~لنجيب الدولة علي بن أحمد الجرجرائي ، فنظر في الأعمال وهذب ما كان مستوليا ~~عليها من الإضاعة والاهمال ، واقتضت الآراء وصواب التدبير تجريد العساكر ~~المصرية إلى الشام ، ووقع الاختيار في ذلك على الأمير منتجب الدولة ، ~~فاستدعاه الوزير علي ابن أحمد الجرجرائي ، وقال له : ما تحتاج إليه لخروجك ~~إلى الشام ودمشق؟ فقال : فرسي البرذعية وخيمة أستظل بها ، فعجب الوزير من ~~مقاله ، واستعاد فرسه المذكورة من سعد السعداء ، وردها إليه وأطلق له خمسة ~~آلاف دينار ، وأصحبه صدقة بن يوسف الفلاحي ناظرا في الأموال ونفقة الرجال ، ~~وجردت العساكر معه ، ولقب بالأمير مظفر منتجب الدولة ، وخلع عليه وخرج إلى ~~مخيمه ، وجملة من جرد معه سبعة آلاف فارس وراجل سوى العرب ، وسار في ذي ~~القعدة [سنة تسع] PageV01P144 # [عشرة وأربعمائة] (1) وودعه الامام الظاهر لإعزاز دين الله ، وعيد ~~بالرملة عيد النحر ، وسار إلى بيت المقدس ، وجمع العسكر ، وقصد صالح بن ~~مرداس وحسان بن مفرج ، وجموع العرب عند معرفته بتجميعهم ، ووقع اللقاء في ~~الأقحوانة (2)، والتقى الفريقان فهزمت جموع العرب ، وأخذتهم السيوف ، ~~وتحكمت فيهم ، وكان صالح بن مرداس على فرسه المشهور ، فوقف به من كد ~~الهزيمة ، ولم ينهض به ، فلحقه رجل من العرب يعرف بطريف من فزارة ، فضربه ~~بالسيف في رأسه وكان مكشوفا (47 ظ) فصاح ووقع ولم يعرفه ، وتم في طلب فرسه ~~، فمر به رجل من البادية فعرفه فقطع رأسه وعاد يرقص به ، فلقيه الأمير عز ~~الدولة رافع (3) فأخذه منه ، وجاء به إلى الأمير المظفر ، فلما رآه نزل عن ~~فرسه وسجد لله شكرا على ما أولاه من الظفر ، وركب وأخذه بيده ، وجعله على ~~ركبته وأطلق للزبيدي (4) الذي جاء به ألف دينار ، ولعز الدولة رافع خمسة ~~آلاف دينار ، وأطلق لطريف الذي ضربه بالسيف فرسه وجوشنه وألف دينار ، وأخذ ~~الغلمان الأتراك الذي لصالح نفسه ، وأحسن إليهم ، وتقدم بجمع الرؤوس وأنفذ ~~جثة صالح إلى صيدا لتصلب على بابها ، وأوصل رأسه إلى الحضرة ، وخلع على ~~الواصلين به ، وأعيدوا ومعهم الخلع ، وزيادة الألقاب للأمير ms087 المنتجب ، ~~وقرىء سجله عليه ، وصار يكاتب ويخاطب بالأمير المظفر سيف الإمام ، وعدة ~~الخلافة ، مصطفى الملك ، منتجب الدولة. PageV01P145 # وقال فيه الأمير أبو الفتيان محمد بن سلطان بن محمد بن حيوس من قصيدة ~~امتدحه بها # فكم ليلة نام عني الرقيب %~% ونبهني القمر المرتقب جمعت بها بين ماء الغمام %~% وماء الرضاب وماء العنب كجود المظفر سيف الامام %~% وعدته المصطفى المنتجب (1) # ولما توجه عقيب ذلك إلى حلب ، ونزل عليها ظفر بشبل الدولة نصر ابن صالح ~~(2)، وكان قد انهزم ولحقه رجل فرماه بخشت في كتفه فأنفذه ، ووقع عن فرسه ، ~~ومر به أحد الأتراك فقطع رأسه وسلمه إلى رافع ، وأنفذ من يسلم جثته إلى ~~حماة ، فصلبت على الحصن وأمر أمير الجيوش بعد ذاك بإنفاذ ثياب وطيب وتكفين ~~الجثة في تابوت ، ودفنها في المسجد ، وبقيت فيه إلى سنة تسع وثلاثين ~~وأربعمائة ونقلها مقلد بن كامل (3) لما ملك حماة إلى قلعة حلب ، وأنفذ ~~الرأس والتركي والبدوي مع الشريف الزيدي إلى الحضرة ، في نصف شعبان سنة تسع ~~وعشرين وأربعمائة ، وعاد أمير الجيوش إلى دمشق ، ونزل في القصر ، وأقام ~~فيها ما أقام ، وسار منها إلى حلب ونزل على السعدي (4) وفتحت له أبواب PageV01P146 # البلد ، ودخله وأحسن إلى أهله ، ورد ما كان صالح اغتصبه من الأملاك إلى ~~أربابها (1)، وأمر بقتال القلعة فقوتلت وهو قائم ، وراسله مقلد بن كامل ~~المقيم بها ، وسلمها إليه وأقطعه (48 و) عدة مواضع ، وسكن في دار عزيز ~~الدولة ، وتزوج بنت الأمير منصور بن زغيب ، ووصله السجل من الحضرة بإقطاعه ~~حلب ، وعاد إلى دمشق وشرع في عمارة الدار بالقصر ، ثم بلغه عن الوزير علي ~~بن أحمد الجرجرائي ، وعن الظاهر ما أوجب الاستيحاش منه والنفور عنه ، فعزم ~~على العود إلى حلب ، فظهر له من أجناده ما أنكره ، فهموا بالقيام عليه ، ~~فسار من القصر بعد أن أمر الغلمان بنهب ما في القصر (2) ووصل إلى حلب ، ~~ودخلها في يوم الاثنين لأربع خلون من شهر ربيع الآخر ، ونزل في دار سعد ~~الدولة ، واجتمع بزوجته وابنته الواصلين من مصر ولازم الشراب ، وصخ عليه ~~جسمه ms088 (3) وبلغه وصول سجل من مصر إلى دمشق عن الحضرة قرىء على المنبر يقال فيه : # أما بعد فإنه قد علم الحاضر ، والبادي والموالف والمعادي ، حال أنوشتكين ~~الدزبري الخائن ، وأنه كان مملوكا لدزبر بن أونيم الحاكمي وأهداه إلى أمير ~~المؤمنين الحاكم بأمر الله ، فنقله إلى المراتب إلى أن انتهى أمره إلى ما ~~انتهى إليه ، فلما تغيرت نيته ، سلبه الله تعالى نعمته لقوله تعالى : # ( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ) (4). # فشق هذا الأمر عليه ، وضاق صدره لإسقاط نعوته ، وقلق لذلك ، PageV01P147 # وأيس من العود إلى دمشق ، وقد كان عازما على العود ، ثم وصله السجل عن ~~الحضرة صحبة بعض العرب نسخته : ### || * بسم الله الرحمن الرحيم # من عبد الله ووليه الإمام معد أبي تميم ، المستنصر بالله أمير المؤمنين ، ~~إلى أنوشتكين مولى دزبر بن أونيم الديلمي. # أما بعد فإن الله بقضيته العادلة ، ومشيئته البالغة لم يك مغيرا ( ~~ ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد ~~له وما لهم من دونه من وال ) (1) مع ما أنك أجرمت على نفسك في يومك وأمسك ، ~~واستوجبت بذلك مقام الحلول من نحسك ، فلا تعجل بعذاب الله عند ما أسرفت ، ~~ووبيل عقابه ، عند ما خالفت ، فإن الله تعالى يقول مخاطبا لذوي العقول ~~«فمهل الكافرين أمهلهم رويدا» (2) وتالله لقد جددت بمسيرك إلى حلب ، لبعد ~~أملك وانقطاع أجلك ، وإنما بقي لك إلا أيام قلائل ، ويكثر لك الندم وتحل بك ~~النقم ( إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها ) (3) ~~وإن مثلك مثل شاة عطشانة ولهانة ضائعة جائعة ، نزلت في مرج أفيح ، غزير ~~ماءه ، كثر عشبه (48 ظ) ومرعاه ، فشربت ماء ، وأكلت عشبا ، فرويت بعد ~~ظمائها ، وشبعت بعد جوعها ، واستحسنت بعد قبحها ، فلما تكامل حسنها ، ذبحت ~~( ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون ) (4) وإن أمير المؤمنين ~~يضرب لك مثلا عن جده المصطفى صلى الله عليه وسلم ، لما أنزل عليه ( ~~والضحى. والليل إذا سجى. ما ودعك ربك وما قلى ) إلى قوله عز وجل : ( ~~ألم يجدك يتيما فآوى ms089 ، ووجدك ضالا فهدى PageV01P148 # ووجدك عائلا فأغنى ) (1)، فبدلت النعمة كفرا ، ووضعت موضع الخير ~~شرا ، وقد انتهى إلى حضرة أمير المؤمنين افتخارك بجمع الأموال واكتنازك لها ~~لأمر يدهمك ، أو ليوم ينفعك (2)، أفما قرأت القرآن العظيم ، أما تدبرت قول ~~الملك الرحيم في قصة قارون لما بغى واعتدى ، وازداد في الطغيان ، حيث يقول ~~جل وعلا : # ( فخسفنا به وبداره الأرض فما كان له من فئة ينصرونه من دون ~~الله وما كان من المنتصرين ) (3) أما رأيت الأمم الماضية الذين عادوا ~~الدولة ، ونصبوا لها العداوة الشديدة ، انظر إلى ديارهم كيف قل فيها ~~الساكنون ، وكثر عليها الباكون ، قال تعالى : ( فتلك بيوتهم خاوية ~~بما ظلموا إن في ذلك لآية لقوم يعلمون ) (4) فاشتغل عن إصلاح العين ، وعن ~~خطرك في حساب الفرقدين ، وافتكر في رب المشرقين ورب المغربين ، حيث يقول جل ~~جلاله : ( ألم نجعل له عينين. ولسانا وشفتين. وهديناه النجدين ) ~~(5) وقد عرف أمير المؤمنين بكتاب الله الأعلى ، الذي نزل على خاتم الأنبياء ~~حيث يقول : ( وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون ) (6). # فلما سمع ما اشتمل عليه هذا السجل من الإنكار والوعظ بالآيات والتخويف ، ~~عظم الأمر عليه وضاق صدره لتغير النية فيه ، ورأى من الصواب إعادة الجواب ~~بالتلطف والتنصل مما ظن به ، والاعتذار والترفق في المقال ، والاعتراف بما ~~شمله قديما وحديثا من الاحسان والافضال ، فكتب بعد البسملة : PageV01P149 # كتب عبد الدولة العلوية والإمامية الفاطمية ، والخلافة المهدية ، عن ~~سلامة تحت ظلها ، ونعمة منوطة بكفلها ، وهو متبرىء إليها من ذنوبه الموبقة ~~، واسائته المرهقة ، لائذ بعفو أمير المؤمنين ، متنصل أن يكون في جملة ~~المجرمين المذنبين ، عن غير إساءة إقترفها ، ولا جناية احتقبها ، عائذ ~~بكرمها ، صابر لحكمها ، لقوله تعالى : ( وبشر الصابرين ) (1) وهو ~~تحت خوف ورجاء ، وتضرع ودعاء ، قد ذلت نفسه (49 ظ) بعد عزها ، وخافت بعد ~~أمنها ، ورسخت بعد رفعتها ، ( ومن يضلل الله فما له من هاد ) (2) ~~وأي قرب لمن أبعدته ، وأي رفعة لمن حططته ، والعبد بفخرها شمخ ، وبجدها طال ~~وبذخ ، فزكت نصبته ، وطابت أرومته ، وسمت فروعه ، وكان كقوله تعالى : ( ~~ ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ms090 ثابت وفرعها في السماء ~~تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ) (3) فلما أنكرت الدولة حاله ، وقبحت أفعاله ~~، وأزرت عليه ، خذله الأنصار ، وقل بعد الإكثار ، فصار كقول الملك الجبار ( ~~ ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار ) ~~(4)، غير أن العبد يتوسل بوكيد خدمته ، وقديم نصيحته ، ومجاهدته لأعداء ~~الدولة مذكرا قول الله تعالى : ( والذين قتلوا في سبيل الله فلن ~~يضل أعمالهم سيهديهم. ويصلح بالهم ) (5)، وهو مع ذلك معترف بذنوب ما جناها ~~، وإساءة ما أتاها ، ذاكرا ما نزل الله في كتابه المبين على سيد المرسلين ( ~~ وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن ~~يتوب عليهم إن الله غفور رحيم ) (6) عفا الله عن أمير المؤمنين ، أهل بيت العفو PageV01P150 # والكرامة لجميع الأمم ، وفيهم نزلت الآيات والحكم ، قال الله تعالى : ( ~~ وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم ) (1) وليس مسير ~~العبد إلى حلب ينجيه من سطوات مواليه ، لقوله تعالى : ( قل [متاع ~~الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا. أينما تكونوا يدرككم ~~الموت] ولو كنتم في بروج مشيدة ) (2) والذين كتب عليهم القتل [يدركهم] (3) ~~إلى مضاجعهم ، لكنه بعد توسله واعترافه بجرائره وذنوبه ، وتنصله يرجو قبول ~~توبته ، وتمهيد عذره في إنابته و ( لله الأمر من قبل ومن بعد ) (4) ~~ولأمير المؤمنين في كل قول وحد ، فقد وعد الله المسرفين على أنفسهم فقال ~~تعالى : ( قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة ~~الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم ) (5). # وأما ما رقي إلى الحضرة المطهرة عن العبد في كثرة الأموال وجمعها ، فذلك ~~طباع ولد آدم في حب اللجين والعسجد ، وما عليه في الدنيا يعتمد ، نعوذ ~~بالله أن يكون ذلك لمضادة أو مقاومة أو مكاثرة أو مقابلة ، لكنها معدة ~~للجهاد في أعداء أمير المؤمنين ، ومبذولة في نصرة (49 ظ) أوليائه المخلصين ~~، إذ يقول تعالى ، وله ( المثل الأعلى ) (6): ( وأعدوا ~~لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم ) (7) ~~ولقد قرىء على العبد القرآن العظيم ms091 فوجده منوطا بطاعة إمام الزمان ، وهو ~~ولي العفو والغفران عن أهل الإساءة PageV01P151 # والعدوان ، مكررا لقول الملك الديان : ( والكاظمين الغيظ ~~والعافين عن الناس والله يحب المحسنين ) (1). # وأنفذ هو الجواب صحبة الرسول الواصل بعد إكرامه ، وطلع عقيب ذلك إلى قلعة ~~حلب في يوم الأربعاء لعشر خلون من جمادى الأولى ، وبات ليلة الجمعة ، ~~واقشعر جسمه وقت صلاة الظهر ، واشتدت به الحمى ، فأحضر طبيبا من حلب ، وشرح ~~له حاله ، فوصف له مسهلا ، فلما حضر لم تطب نفسه لشربه ، ولحقه فالج في يده ~~اليمنى ورجلة اليمنى ، وزاد قلقه ، وقضى نحبه في الثلث الأخير من ليلة ~~الأحد لأربع عشرة ليلة خلت من جمادى الأولى سنة ست وثلاثين وأربعمائة. # وله أخبار محمودة في حسن السيرة والعدل والنصفة والذكاء والمعرفة ، وذكر ~~المال الذي خلفه بقلعة حلب بعد وفاته ستمائة ألف دينار سوى الآلات والعروض ~~، وقيمة الغلات مائة ألف دينار ، وأخذ له من دمشق وفلسطين مائتا ألف دينار ~~، وكان له مع التجار خمسون ألف دينار ، ونهب له من القصر بدمشق مائتا ألف ~~دينار ، خلف من الأولاد هبة الله من بنت وهب بن حسان ، ماتت أمه وعمره ~~أربعون يوما ، وأبوه وله شهران وسنة ، وأربع بنات إحداهن من بنت الأمير ~~حسام الدولة البجناكي ، وابنه من بنت عزيز الدولة رافع بن أبي الليل ، ~~وابنتان من جاريتين وهبهما في القصر ، فأما هبة الله فإنه حمل إلى الحضرة ~~وأكرم بها وكفله رضي الدولة غلامه ، وعاش ست سنين ، وسقط عن فرسه فمات ، ~~والبنت من بنت حسام الدولة تزوجها الأمير صارم الدولة ذو الفضيلتين ، ~~والبنت من بنت رافع نقلت إلى حلة أخوالها من بني كلب. # ثم رأت الحضرة في سنة ثمان وأربعين وأربعمائة نقل أمير الجيوش من تربته ~~بحلب إلى تربته ببيت المقدس ، فأمرت بنقله في تابوت على طريق PageV01P152 # الساحل ، فكان يحط بخيمة ، وما يمر ببلد إلا كان وصوله يوما مشهودا ، ~~وأخرجت الحضرة ثيابا حسنة وطيبا كثيرا وأمرت الشريف (50 و) أثير الدولة ابن ~~الكوفي أن يتولى تكفينه ودفنه ، وأن يأمر من بالرملة من غلمانه بالتحفي ms092 ~~والمشي خلف جنازته ، وأن ينادي بألقابه ، فنودي بها ، ودفن في التربة التي ~~له في بيت المقدس ، فسبحان من لا يزول ملكه ، ولا يخيب من عمل بطاعته ، ~~المجازي عن إحسان السيرة بالإحسان ، وعن السيئات في العقبى والمآل ، ذو ~~الجلال والكمال الغفور الرحيم. # ولما زاد أمر الحاكم بأمر الله في عسف الناس ، وما ارتكبه من سفك الدماء ~~، وافاظة النفوس (1)، وأخذ الأموال ، وقتل الكتاب والعمال ، والفتك ~~بالمقديمين من الوزارء والقواد ، وأكابر الأجناد ، وعدل عن حسن السياسة ~~والسداد ، وزاد خوف خدمه وخواصه منه ، واستوحشوا من فعله ، وشكا المقدمون ~~والوجوه إلى أخته ست الملك بنت العزيز بالله ، هذه الأحوال فأنكرت ما ~~أنكروه ، وأكبرت ما أكبروه ، واعترفت بصحة ما شكوه ، وحقيقة ما كرهوه ، ~~ووعدتهم إحسان التدبير في كشف شره ، وإجمال النظر في أمورهم وأمره ، ولم ~~تجد فيه حيلة يحسم بها داؤه إلا العمل على إهلاكه ، وكف أذاه بعدمه ، ~~وأعملت الرأي في ذلك وأسرته في النفس ، إلى أن وجدت الفرصة مستهلة ، ~~فابتدرتها والغرة بادية فاهتبلتها ، ورتبت له من اغتاله في بعض مقاصده ، ~~وأخفى مظانه فأتى عليه ، وأخفي أمره إلى أن ظهر في عيد النحر من سنة إحدى ~~عشرة وأربعمائة وقال المغالون في المذهب إنه غائب في سره (2) ولابد أن يؤوب ~~، ومستتر في غيبه ولابد أن يرجع إلى منصبه ويثوب ، وكان مولده PageV01P153 # بالقاهرة ليلة الخميس الثالث والعشرين من شهر ربيع الأول سنة خمس وسبعين ~~وثلاثمائة ، وولي الأمر وعمره عشر سنين وستة أشهر وستة أيام ، وفقد في ~~العشر الأول من شوال سنة إحدى عشر وأربعمائة ، وعمره ست وثلاثون سنة ومدة ~~أيامه خمس وعشرون سنة وشهران وأيام ، ونقش خاتمه «بنصر الإله العلي ينتصر ~~الإمام أبو علي» ، وكان غليظ الطبع ، قاسي القلب ، سفاكا للدماء ، قبيح ~~السيرة ، مذموم السياسة ، شديد التعجرف والاقدام على القتل غير محافظ على ~~حرمة خادم ناصح ولا صاحب مناصح. # وقام في الأمر بعده ولده أبو الحسن علي الظاهر لإعزاز دين الله ، وأخذت ~~له البيعة (50 ظ) بعد أبيه في يوم النحر من سنة إحدى عشر وأربعمائة ~~واستقامت الأمور ms093 بعد ميلها ، وأمنت النفوس بعد وجلها ، وحسنت السيرة بعد ~~قبحها ، وارتضيت السياسة بعد النفور عنها. # ورد تدبير الأعمال فيها وتسديد الأحوال ، ولم ما تشعث منها إلى الوزير ~~صفي أمير المؤمنين وخالصته أبي القاسم علي بن أحمد الجرجرائي ، وكتب له ~~السجل بالتقليد من إنشاء ولي الدولة أبي علي بن خيران متولي الانشاء ، ~~وقرىء بالحضرة على القواد والمقدمين في ذي الحجة سنة ثمان عشرة وأربعمائة ~~ونسخته بعد البسملة : # أما بعد ، فالحمد لله مطلق الألسن بذكره ، ومجزل النعم بشكره ، ومصرف ~~الأمور على حكم إرادته ، وأمره الذي استحمد بالطول والنعماء ، وتمجد ~~بالحكمة والسناء ، وملك ملكوت الأرض والسماء واستغنى عن الظهراء والوزراء ، ~~وأكرم عباده بأن جعل تذكرته لهم ( في صحف مكرمة. مرفوعة مطهرة ، ~~بأيدي سفرة كرام بررة ) (1) فسبحان من نظر لخلقه فأحسن وأنعم ، و ( ~~علم بالقلم. علم الإنسان ما لم PageV01P154 # يعلم ) (1) يحمده أمير المؤمنين حمد مخلص في الحمد والشكر ، ~~متخصص بشرف الإمامة ونفاذ النهي والأمر ، ويرغب إليه تعالى في الصلاة على ~~نبيه محمد الذي نزل عليه الفرقان ، ليكون للعالمين نذيرا ، وأعز به الإيمان ~~آية وجعل له من لدنه سلطانا نصيرا (2) وانتخب أبانا عليا أمير المؤمنين أخا ~~ووزيرا ، وصيره على أمر الدين والدنيا منجدا له وظهيرا ، صلى الله عليهما ، ~~وسلم على العترة الزاكية من سلالتهما سلاما دائما كثيرا. # وإن أحق من عول عليه في الوزارة ، وأسند إليه أمر السفارة ، ونصب لحفظ ~~الأموال وتمييزها ، وسياسة الأعمال وتدبيرها وإيالة طوائف الرجال كبيرها ~~وصغيرها ، من كان حفيظا لما يستحفظ من الأمور ، قؤوما بمصالح الجمهور ، ~~عليما بمجاري السياسة والتدبير ، ولذاك قال يوسف الصديق عليه السلام : ( ~~ اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم ) (3) ولو استغنى أحد من ~~رعاة العباد عن وزير وظهير ، يكاتفه على أمره ، ويظاهره ، لكان كليم الله ~~موسى صلى الله عليه ، وهو القوي الأمين ، عنه مستغنيا ، ولم يكن له من الله ~~جل جلاله طالبا مستدعيا ، وقد ( قال رب اشرح لي صدري. ويسر لي ~~أمري. واحلل عقدة من لساني. يفقهوا قولي. واجعل لي وزيرا من أهلي. ) (51 و) ~~( هارون أخي. ms094 اشدد به أزري. وأشركه في أمري. كي نسبحك كثيرا. ~~ونذكرك كثيرا ) (4). # ولما كنت بالأمانة والكفاية علما ، وعند أهل المعرفة والدراية مقدما ، ~~وكان الكتاب على اختلاف طبقاتهم ، وتفاوت درجاتهم يسلمون إليك في الكتابة ~~ويقتدون بك في الإصابة ، ويشهدون لك بالتقدم في الغناء ، PageV01P155 # ويهتدون بحلمك اهتداء السفر بالنجم في الليلة الظلماء ، ولا يتناكرون ~~الانحطاط عن درجتك في الفضل لتفاوتها في الارتفاع ، ولا يرد ذلك راد من ~~الناس أجمعين إلا خصمه وقوع الاجماع هذا ، مع المعروف من استقلالك بالسياسة ~~، واستكمالك لأدوات الرئاسة وتدبيرك أمور المملكة ، وما ألف برشد وساطتك من ~~سمو اليمن والبركة ، رأى أمير المؤمنين ، بالله توفيقه ، أن يستكفيك أمر ~~وزارته ، وينزلك أعلى منازل الاصطفاء بخاص إثرته ، ويرفعك على جميع الأكفاء ~~بتام تكرمته ، وينوه باسمك تنويها لم يكن لأحد قبلك من الظهراء في دولته ، ~~فسماك بالوزير لمؤازرته على حمل الأعباء ، ووكد هذا الاسم «بالأجل» لأنك ~~أجل الوزراء ، وعزز ذلك «بصفي أمير المؤمنين وخالصته» إذ كنت أعز الخلصاء ~~والأصفياء ، وشرفك بالتكنية تسميقا بك في العلياء ، ودعا لك بأن يمتعه الله ~~بك ويؤيدك ويعضدك ، دعاء يجيبه رب السماء ، فأنت «الوزير الأجل ، صفي أمير ~~المؤمنين ، وخالصته المحبو بالمن الجسيم ( ذلك فضل الله يؤتيه من ~~يشاء والله ذو الفضل العظيم ) (1)، وأمر أمير المؤمنين بأن تدعى بهذه ~~الأسماء ، وتخاطب ، وتكتب بها عن نفسك وتكاتب ، ورسم ذكر ذلك فيما يجري من ~~المحاورات ، واثباته في ضروب المكاتبات ، ليثبت ثبوت الاستقرار ويبقى رسمه ~~على مر الليالي والنهار ، فاحمد الله تبارك وتعالى على تمييز أمير المؤمنين ~~لك بتشريفه واختصاصه ، وإحلاله إياك أعلى محال خواصه ، واجر على سننك ~~الحميد في خدمته ، ومذهبك الرشيد في مناصحته ، إذ كان قد فوض إليك أمر ~~وزارته وجعلك الوسيط بينه وبين أوليائه وأنصار دعوته ، وولاة أعمال مملكته ~~، وكتاب دواوينه ، وسائر عبيده ورعيته شرقا وغربا وقربا وبعدا (2) وأمضى ~~توقيع من تنصبه للتوقيع عن أمير المؤمنين في الإخراج والإنفاق والإيجاب ~~والإطلاق ، وناط بك أزمة الحل والعقد والإبرام (51 PageV01P156 # ظ) والنقض والقبض ، والبسط والاثبات ، والحط والتصريف والصرف ، تفويضا ~~إلى أمانتك ms095 التي لا يقدح فيها معاب ، وسكونا إلى ثقتك التي لا يلم بها ~~ارتياب ، وعلما بأنك تورد وتصدر عن علم وحزم ، تفوق فيهما كل مقاوم ، ولا ~~تأخذك في المناصحة لأمير المؤمنين ، والاحتياط له «لومة لائم» ، وجميع ما ~~يوصي به غيرك ليكون له تذكرة ، وعليه حجة ، فهو مستغنى عنه معك ، لأنك تغني ~~بفرط معرفتك عن التعريف ، ولا تحتاج مع وقوفك على الصواب وعلمك به إلى ~~توقيف ، غير أن أمير المؤمنين يؤكد عليك الأمر بحسن النظر لرجال دولته ~~دانيهم وقاصيهم ، بارك الله فيهم ، وأن يتوفر على ما تعود بصلاح أحوالهم ~~وانفساح آمالهم ، وانشراح صدورهم ، وانتظام أمورهم. إذ كانوا كتائب الاسلام ~~ومعاقل الأنام ، وأنصار أمير المؤمنين المحفوفين بالإحسان والإنعام ، حتى ~~تحسن أحوالهم بجميل نظرك ، ويزول سوء الأثر فيهم بحسن أثرك ، وكذلك الرعايا ~~بالحضرة ، وأعمال الدولة ، فأمرهم من المعني به ، والمسؤول عنه ، وأمير ~~المؤمنين يأمرك بأن تستشف خيرة الولاية فيهم ، فمن ألفيته من الرعية مظلوما ~~أو عزت بنصفته ، ومن صادفته من الولاة ظلوما ، تقدمت بصرفه وحسم مضرته ~~ومعرته. # فأما الناظرون في الأموال من ولاة الدواوين والعمال ، فقد أقام أمير ~~المؤمنين عليهم منك المنقى الزكاء طبا بالأدواء ، لا يصانع ولا تطيبه ~~المطامع ، ولا ينفق عليه المنافق ، لا يعتصم منه الخؤون السارق ، كما أنه ~~لا يخاف لديه الثقة الناصح ، ولا يخشى عاديته الأمين في خدمته المجتهد ~~الكادح ، والذي يدعو المتصرف إلى أن يحمل نفسه على الخطة النكراء في ~~الاحتجان والارتشاء أحد أمرين : إما حاجة تضطره إلى ذلك ، أو جهالة تورده ~~المهالك ، فإن كان محتاجا سد رزق الخدمة فاقته ، ورجا الراجون برءه من مرض ~~الاسفاف وإفاقته ، وإن كان جاهلا فالجاهل لا يبالي على ما أقدم عليه ، ولا ~~يفكر في عاقبة ما يصير أمره إليه ، ومن جمع هذين PageV01P157 # القسمين كانت نفسه أبدا تسف ولا تعف ، ويده تكف ولا تكف ، ووطأته تثقل ~~ولا تخف ، فلا ترب من تنزه وعف ، ولا أثرى ، من رضي لنفسه بدنيء المكسب ~~وأسف ، وما (52 و) يستزيدك أمير المؤمنين على ما عندك من حسن التأني ، ~~والاجتهاد ms096 في إصلاح الفاسد ، واستصلاح المعاند ، واستفاءة الشارد بالمعصية ~~إلى طاعته ، وإعطاء رجال الدولة ما توجب لها حقوق الخدمة من فضل نعمته ، ~~وأمير المؤمنين يقول بعد ذلك قولا يؤثر عنده (1) في المشرق والمغرب ، ويصل ~~إلى الأبعد والأقرب : # «إن أكثر من وقع عليه اسم الوزارة قبلك إنما تهيأ له ذلك بالحظ والاتفاق» ~~، ولم يوقع إسمها عليك ، ويعذق (2) بك أمرها إلا باستيجاب واستحقاق لأنها ~~احتاجت إليك حاجة الرمح إلى عامله ، والعبء إلى حامله ، والمكفول إلى كافله ~~، وكم أفرجت عن الطريق إليها لسواك ، واجتهدت أن يعدوك مقامها إكبارا له ~~فما عداك ، والله يكبت بجميل رأي المؤمنين حسدتك وعداك ، ويتولاك بالمعونة ~~على ما قلدك وولاك ، ويمتعه ببقائك كما امتعه بكفايتك وغنائك ، ويخير له في ~~استيزارك كما خار له من قبل في اصطناعك وإيثارك ، بمنه وكرمه ، والسلام ~~عليك ورحمة الله ، وكتب يوم الجمعة لإثنتي عشرة ليلة خلت من ذي الحجة سنة ~~ثماني عشرة وأربعمائة. PageV01P158 ### | * ولاية القائد ناصر الدولة أبي محمد الحسن بن الحسين بن حمدان لدمشق في سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة بعد أمير الجيوش أنوشتكين الدزبري # وصل الأمير المظفر ، ناصر الدولة ، وسيفها ، ذو المجدين أبو محمد الحسن ~~بن الحسين بن حمدان ، إلى دمشق واليا في جمادى الآخرة سنة ثلاث وثلاثين ~~وأربعمائة في يوم الأربعاء السادس عشر منه ، وقرىء سجله بالولاية بألقابه ، ~~والدعاء له ، فيه : «سلمه الله وحفظه» ووصل معه الشريف فخر الدولة نقيب ~~الطالبيين أبو يعلى حمزة بن الحسين بن العباس بن الحسن بن الحسين بن أبي ~~الجن بن علي بن محمد بن علي بن اسماعيل ، بن جعفر الصادق عليه السلام ، ~~فأقام في الولاية آمرا ناهيا إلى أن وصل من مصر من قبض عليه بدمشق ، وسيره ~~معه إلى مصر في يوم الجمعة مستهل رجب سنة أربعين (52 ظ) وأربعمائة. # وفي سنة ست وثلاثين وردت الأخبار من ناحية العراق بظهور راية السلطان ركن ~~الدنيا والدين طغرلبك محمد بن ميكائيل بن سلجق ، وقوة شوكة الأتراك ، ~~وابتداء دولتهم واستيلائهم على الأعمال ، وضعف أركان الدولة البويهية ~~واضطراب أحوال مقدميها وأمرائها ms097 (1). # وفي سنة سبع وعشرين وأربعمائة وردت الأخبار من ناحية مصر بوفاة الإمام ~~الظاهر لإعزاز دين الله أبي الحسن علي بن الحاكم بأمر الله بالاستسقاء ، في ~~ليلة الأحد النصف من شعبان سنة سبع وعشرين وأربعمائة ، وعمره إثنتان ~~وثلاثون سنة ، ومولده بالقاهرة في شهر رمضان سنة خمس وتسعين وثلاثمائة ومدة ~~أيامه خمس عشرة سنة وثمانية أشهر وخمسة أيام ، ونقش خاتمه «بنصر ذي الجود ~~والمنن ينتصر الإمام أبو الحسن» ، وكان جميل السيرة ، حسن السياسة ، منصفا ~~للرعية ، إلا أنه PageV01P159 # متشاغل باللذة ، محب للدعة والراحة ، معتمد في إصلاح الأعمال ، وتدبير ~~العمال ، وحفظ الأموال ، وسياسة الأجناد ، وعمارة البلاد على الوزير أبي ~~القاسم بن أحمد الجرجرائي ، لسكونه إلى كفايته ، وثقته بغنائه ونهضته. # ثم تولى الأمر بعده ولده أبو تميم معد المستنصر بالله أمير المؤمنين ، ~~وعمره سبع سنين وشهران ، وأخذت البيعة له بعد أبيه في شعبان سنة سبع وعشرين ~~وأربعمائة ، وفي أيامه ثارت الفتن من بني حمدان وأكابر القواد ، ووجوه ~~العسكرية والأجناد ، وغليت الأسعار ، وقلت الأقوات واضطربت الأحوال ، ~~واختلت الأعمال وحصر في قصره ، وطمح في خلعه لضعف أمره ، ولم يزل الأمر على ~~هذه الحال إلى أن استدعى أمير الجيوش بدر الجمالي من عكا إلى مصر في سنة ~~خمس وستين وأربعمائة ، فاستولى على الوزارة والتدبير بمصر ، وقتل من قتل من ~~المقدمين والأجناد ، وطالبي الفساد ، وتمهدت الأمور وسكنت الدهماء ، وألزم ~~المستنصر بالله القصر ، ولم يبق له نهي ولا أمر إلا الركوب في العيدين ، ~~ولم يزل كذلك إلى أن توفي أمير الجيوش وانتصب مكانه ولده الأفضل أبو القاسم ~~شاهنشاه (1). PageV01P160 ### | * ولاية القائد طارق الصقلبي المستنصري لدمشق في سنة أربعين وأربعمائة (53 و) # وصل الأمير الأمير بهاء الدولة وصارمها طارق المستنصري إلى دمشق ، واليا ~~عليها في يوم الجمعة مستهل رجب سنة أربعين وأربعمائة وقرىء سجل ولايته ~~والدعاء له «سلمه الله وحفظه» ، وعند دخوله وقع القبض على الأمير ناصر ~~الدولة بن حمدان الوالي المقدم ذكره وسير إلى مصر ، وتسلم الأمير طارق ~~الولاية يأمر فيها. # ووردت الأخبار من ناحية مصر في سنة ست وثلاثين وأربعمائة ms098 ، بوفاة الوزير ~~أبي القاسم علي بن أحمد الجرجرائي (1) وزير المستنصر بالله ، في داره آخر ~~نهار الأربعاء السادس من شهر رمضان بعلة الاستسقاء وصلى عليه المستنصر ~~بالله في القصر ، ودفن في دار تجاور دار الوزارة ، وقلد مكانه الوزير أبو ~~نصر صدقة بن يوسف الفلاحي وخلع عليه في يوم الثلاثاء الحادي عشر من شهر ~~رمضان من السنة ، وقبض على أبي علي بن الأنباري صاحب الوزير أبي القاسم علي ~~بن أحمد ، وحمله إلى خزانة البنود وسعى في قتله فيها ودفنه ، وما مضى إلا ~~القليل ، وقبض على الوزير أبي نصر بن يوسف الفلاحي ، وحمل إلى خزانة البنود ~~في يوم الاثنين الخامس من المحرم سنة أربعين وأربعمائة ، وقتل سحرة يوم ~~الاثنين في المكان الذي قتل فيه ابن الأنباري (2)، وقيل أنه دفن معه في قبره. PageV01P161 # ونظر في الوزارة أبو البركات ابن أخي الوزير علي بن أحمد الجرجرائي ، ~~وقبض عليه بعد ذلك في ليلة يوم الاثنين النصف من شوال سنة إحدى وأربعين ~~وأربعمائة ، وفترت الأمور إلى أن استقرت الوزارة لقاضي القضاة أبي محمد ~~الحسن بن عبد الرحمن اليازوري ، ووردت الأخبار من مصر بأن المستنصر بالله ~~خلع على وزيره قاضي القضاة أبي محمد اليازوري في الرابع من ذي القعدة سنة ~~ثلاث وأربعين وأربعمائة ، خلعا فاخرة كانت : غلالة قصبا ، وطاقا ، وقميصا ~~دبيقيا ، وطيلسانا ، وعمامة قصبا ، وحمله على فرس رائع بمركب من ذهب وزنه ~~ألف مثقال ، وقاد بين يديه خمسة وعشرين فرسا وبغلا بمراكب ذهب وفضة ، وحمل ~~معه خمسون سفطا ثيابا أصنافا ، وزاد في نعوته وألقابه ، وخلع على أولاده ~~خلعا تليق بهم ، وكتب له سجل التقليد بانشاء ولي الدولة أبي علي بن خيران ~~(1)، وبالغ في إحسان وصفه وتقريظه وإطرائه وإحماد رأيه ، وما اقتضاه الرأي ~~من (53 ظ) اصطفائه للوزارة واحتبائه ، وقرىء بحضرة المستنصر بالله بين ~~قواده وخدمه ووجوه أجناده ، وقيل إن هذا الإكرام مقابلة على ما كان منه في ~~التدبير على العرب المفسدين من بني قرة في فلهم ، والنكاية فيهم ، وحسم ~~أسباب شرهم وتشتيت شملهم ، ونسخة هذا السجل المذكور بعد ms099 البسملة (2). PageV01P162 ### | * ولاية رفق المستنصري لدمشق في سنة إحدى وأربعين وأربعمائة # وصل الأمير عدة الدولة أمير الأمراء رفق المستنصري إلى دمشق ، واليا ~~عليها في يوم الخميس الثاني عشر من المحرم سنة إحدى وأربعين وأربعمائة في ~~عدة وافرة من الرجال ، وثروة وافرة من العدد والمال ، وقرىء سجله بالولاية ~~وأقام بها مدة يأمر فيها وينهى ، ويحل ويعقد ، ويصدر في الأمور ويورد ، ثم ~~وصله الأمر من مصر بمسيره إلى حلب لأمر اقتضته الآراء المستنصرية من صرفه ~~عنها ، وتوليتها للأمير المؤيد ، فسار منها وتوجه إلى حلب في يوم الخميس ~~السادس من صفر من السنة (1). PageV01P163 ### | * ولاية الأمير المؤيد عدة الامام في سنة إحدى وأربعين وأربعمائة بعد الأمير رفق # وصل الأمير المؤيد عدة الإمام ، مصطفى الملك ، معين الدولة ، ذو ~~الرئاستين ، حيدرة ابن الأمير عضب الدولة حسين بن مفلح ، إلى دمشق واليا ~~عليها في مستهل رجب سنة إحدى وأربعين وأربعمائة وحمل معه سديد الدولة ذو ~~الكفايتين أبو محمد الحسين بن حسن الماشكي ناظرا في الشام جمعية : حربه ~~وخراجه ، وقرى منشور الولاية والدعاء له «سلمه الله وحفظه» ، فتسلم الولاية ~~في سنة اثنتين وأربعمائة يأمر فيها وينهى على عادة الولاة ، واستقامت أمور ~~الولاية على ما يؤثره ويهواه وأحسن السيرة في العسكرية والرعية ، فحمدت ~~طريقته ، وارتضيت إيالته ، واستمرت عليه الأيام في الولاية إلى سنة ثمان ~~وأربعين وأربعمائة التي بني هذا المذيل عليها ، وعادت سياقة الحوادث منها ، ~~وإيراد ما فيها ، وتجدد بعدها. PageV01P164 ### | * سنة ثمان وأربعين وأربعمائة # (54 و) فيها وردت الأخبار من ناحية العراق بانعقاد أمر الوصلة (1) بين ~~الإمام القائم بأمر الله ، وبين بنت الملك داود أخي السلطان ركن الدنيا ~~والدين طغرلبك ، وكان العقد أولا لولده ذخيرة الدين ، فلما قضى الله عليه ~~بالوفاة ، نقل العقد إلى الخليفة القائم بأمر الله في يوم الأربعاء لسبع ~~بقين من المحرم من السنة ، ووصلت البنت المذكورة من مدينة الري إلى بغداد ~~في الثالث والعشرين من شهر ربيع الأول من السنة (2). # وفيها وردت الأخبار من مصر بقلة الأقوات وغلاء الأسعار ، واشتداد الأمر ~~في ذلك إلى أوان زيادة ms100 النيل ، فظهر من القوت ووجوده ما طابت به النفوس ~~وصلحت معه الأحوال. ### | * سنة تسع وأربعين وأربعمائة # في هذه السنة وردت الأخبار بتسلم الأمير مكين الدولة قلعة حلب من معز ~~الدولة (3)، وحصل فيها في يوم الخميس لثلاث بقين من ذي PageV01P165 # القعدة منها ، وأقام بها مدة أربع سنين يخطب فيها للمستنصر بالله صاحب مصر. # وفيها توفي القاضي أبو الحسين عبد الوهاب بن أحمد بن هرون. ### | * سنة خمسين وأربعمائة # فيها وصل الأمير ناصر الدولة ، وسيفها ذو المجدين أبو محمد الحسن بن ~~الحسين بن حمدان إلى دمشق واليا عليها ، دفعة ثانية بعد أولى في يوم ~~الاثنين النصف من رجب منها ، وأقام يسوس أحوالها ويستخرج أموالها ، إلى أن ~~ورد عليه الأمر من الحضرة بمصر بالمسير في العسكر إلى حلب فتوجه إليها في ~~العسكر في السادس عشر من شهر ربيع الأول سنة اثنتين وخمسين وأربعمائة ~~واتفقت الوقعة المشهورة المعروفة بوقعة الفنيدق بظاهر حلب في يوم الاثنين ~~مستهل شعبان من السنة بين ناصر الدولة المذكور وعسكره ، وبين جميع العرب ~~الكلابيين ومن انضم إليهم ، فكسرت العرب عسكر (1) ناصر الدولة واستولوا ~~عليهم ونكوا فيهم ، وأفلت ناصر الدولة منهزما مفلولا وعاد إلى مصر. # ولم تزل الأخبار متواترة من ناحية العراق بظهور (54 ظ) المظفر أبي الحارث ~~أرسلان الفساسيري (2)، وقوة شوكته ، وكثرة عدته وغلبة أمره على الإمام ~~القائم بأمر الله أمير المؤمنين ، وقهر نوابه وامتهان خاصته وأصحابه ، ~~وخوفهم من شره حتى أفضى أمره إلى أن يأخذ الجاني من حرم الخلافة ، ويفعل ما ~~يشاء ، ولا يمانع له ، ولا يدافع عنه. PageV01P166 # وقد شرح الخطيب أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت البغدادي (1)، رحمه الله في ~~أخبار أهل بغداد ، ما قال فيه : ولم يزل أمر القائم بأمر الله أمير ~~المؤمنين مستقيما إلى أن قبض عليه أرسلان الفساسيري في سنة خمسين وأربعمائة ~~، وهو واحد من الغلمان الأتراك عظم أمره (2)، واستفحل شأنه ، لعدم نظرائه ~~من الغلمان الأتراك والمقدمين والأسفهسلارية ، إلا أنه استولى على العباد ~~والأعمال ، ومد يده في جباية الأمول ، وشاع بالهيبة أمره ، وانتشر بالقهر ~~ذكره ms101 ، وتهيبته العرب والعجم ، ودعي له على كثير من منابر الأعمال العراقية ~~(3)، وبالأهواز ونواحيها ، ولم يكن القائم بأمر الله يقطع أمرا دونه ، ولا ~~يمضي رأيا إلا بعد إذنه ورأيه. # ثم صح عنده سوء عقيدته ، وخبث نيته (4)، وانتهى ذلك إليه من ثقات ~~الأتراك لا يشك في قولهم ولا يرتاب ، وانتهى إليه أنه بواسط قد عزم على نهب ~~دار الخلافة ، والقبض على الخليفة ، فكاتب السلطان طغرلبك أبا طالب (5) ~~محمد بن ميكائيل وهو بنواحي الري يعرفه PageV01P167 # صورة حال الفساسيري ، ويبعثه على الغدو (1) إلى العراق ويدرك أمر هذا ~~الخارجي قبل تزايد طمعه ، وإعضال خطبه. # وعاد الفساسيري وقصد دار الخلافة في بغداد ، وهي بالجانب الغربي في ~~الموضع المعروف بدار اسحق ، فهجمها ونهبها وأحرقها ونقض أبنيتها (2)، ~~واستولى على كل ما فيها. # ووصل السلطان طغرلبك إلى بغداد في شهر رمضان سنة سبع وأربعين وأربعمائة ~~وتوجه الفساسيري إلى الرحبة حين عرف وصول طغرلبك على الفرات ، وكاتب ~~المستنصر بأمر الله صاحب مصر ، يذكر له كونه في طاعته ، واخلاصه في موالاته ~~، وعزمه على إقامة الدعوة له في العراق ، وأنه قادر على ذلك ، وغير عاجز ~~عنه ، فأنجده وساعده بالأموال ، وكتب له بولاية الرحبة. # وأقام السلطان طغرلبك ببغداد سنة كاملة ، وسار منها إلى ناحية الموصل ، ~~وأوقع بأهل سنجار ، وعاد منها (55 و) إلى بغداد فأقام برهة ، ثم عاد إلى ~~الموصل ، وخرج منها متوجها إلى نصيبين (3) ومعه أخوه إبراهيم ينال وذلك في ~~سنة خمسين وأربعمائة ، وحدث بين السلطان طغرلبك وأخيه إبراهيم خلف أوجب ~~انفصاله عنه بجيش عظيم ، وقصد ناحية الري ، وقد كان الفساسيري كاتب إبراهيم ~~ينال أخا السلطان طغرلبك يبعثه على العصيان لأخيه ، ويطمعه في الملك ، ~~والتفرد به ، ويعده المعاضدة عليه ، والمؤازرة والمرافدة والشد منه ، وسار طغرلبك PageV01P168 # في إثر أخيه (1) مجدا ، وترك عساكره من ورائه ، فتفرقت غير أن وزيره عميد ~~الملك الكندري وربيبه أنوشروان وزوجته خاتون وصلوا بغداد في من بقي معهم من ~~العسكر في شوال سنة خمسين وأربعمائة ، واتصلت الأخبار بلقاء طغرلبك وأخيه ~~إبراهيم بناحية همذان ، وورد الخبر بذاك على خاتون وولدها والوزير ms102 ، وأن ~~إبراهيم استظهر عليه وحصره في همذان ، فعند ذلك عزموا على المسير إلى همذان ~~لإنجاد السلطان ، فحين شاع الخبر بذاك اضطرب أمر بغداد اضطرابا شديدا ، ~~وخاف من بها ، وكثرت الأراجيف باقتراب أرسلان الفساسيري. # وتوقف الكندري الوزير عن المسير فأنكرت خاتون ذلك عليه ، وهمت بالإيقاع ~~به وتوقف ابنها لتوقفها عن المسير والانجاد للسلطان طغرلبك ، فنهضا للجانب ~~الغربي من بغداد ، وقطعا الجسور من ورائهما وانتهبت دورهما (2) واستولى من ~~كان مع الخاتون من الغز على ما فيها من الأموال والأمتعة والأثاث والسلاح ، ~~وتوجهت خاتون في العسكر إلى ناحية همذان ، وتوجه الوزير الكندري على طريق ~~الأهواز. # فلما كان يوم الجمعة السادس من ذي القعدة ورد الخبر بأن أرسلان الفساسيري ~~بالأنبار ، وسعى الناس إلى صلاة الجمعة بجامع المنصور ، فلم يحضر الإمام ~~وأذن المؤذن في المنارة ، ونزل منها ، وأعلم الناس أنه رأى العسكر عسكر ~~الفساسيري بإزاء شارع دار الرقيق فبادرت (3) إلى أبواب PageV01P169 # الجامع ، وشاهدت قوما من أصحاب الفساسيري يسكنون الناس ، بحيث صلوا في ~~هذا المكان في جامع المنصور الظهر أربعا من غير خطبة ، وفي يوم السبت تاليه ~~وصل نفر من عسكر الفساسيري ، وفي غدوة يوم الاحد (55 ظ) دخل الفساسيري ~~بغداد ومعه الرايات المصرية (1)، فضرب مضاربه على شاطىء دجلة ، واجتمع أهل ~~الكرخ والعوام من أهل الجانب الغربي على مضافرة الفساسيري ، وكان قد جمع ~~العيار وأهل الفساد وأطمعهم في نهب دار الخلافة ، والناس إذ ذاك في ضر وجهد ~~، وقد توالى عليهم الجدب ، وغلاء السعر وعزت الأقوات وأقام الفساسيري ~~بمكانه ، والقتال في كل يوم متصل بين الفريقين في السفن بدجلة. # فلما كان يوم الجمعة الثاني (2) دعي للمستنصر بالله صاحب مصر على المنبر ~~بجامع المنصور ، وزيد في الأذان «حي على خير العمل» وشرع في بناء الجسر ~~بعقد باب الطاق (3) وكف الناس عن المحاربة أياما ، وحضر يوم الجمعة الثاني ~~من الخطبة ، فدعي لصاحب مصر في جامع الرصافة ، وخندق الخليفة القائم بأمر ~~الله حول داره ، ورم ما تشعث منها ، ومن أسوار المدينة ، فلما كان يوم ~~الأحد لليلتين بقيتا من ذي القعدة ms103 حشد الفساسيري أهل الجانب الغربي والكرخ ~~(4)، ونهض بهم إلى محاربة الخليفة ونشبت الحرب بين الفريقين يومين ، وقتل ~~منهما الخلق الكثير. # وأهل هلال ذي الحجة ، فزحف الفساسيري إلى ناحية دار القائم الخليفة ، ~~فأضرم النار من الأسواق بنهر معلى وما يليه ، وعبر الناس لانتهاب دار ~~الخليفة ، فنهب منها ما لا يحصى كثرة وعظما ، ونفذ الخليفة PageV01P170 # إلى قريش بن بدران العقيلي (1)، وكان قد ظاهر الفساسيري ، فأذم للخليفة ~~في نفسه ، ولقيه قريش أمير بني عقيل ، فقبل الأرض دفعات ، وخرج الخليفة من ~~الدار راكبا ، وبين يديه راية سوداء وعليه قباء أسود وسيف ومنطقة ، وعلى ~~رأسه عمامة تحتها قلنسوة والأتراك [في] (2) أعراضه وبين يديه ، وضرب له ~~قريش خيمة في الجانب الغربي فدخلها وأحدق به خدمه. # وماشى الوزير رئيس الرؤساء أبا القاسم بن المسلمة الفساسيري ويده قابضة ~~على يده وكمه ، وقبض على قاضي القضاة الدامغاني ، وجماعة معه ، وحملوا إلى ~~الحريم الطاهري ، وقيد الوزير والقاضي ، فلما كان يوم الجمعة الرابع (3) من ~~ذي الحجة ، لم يخطب بجامع الخليفة ، وخطب في سائر الجوامع للمستنصر صاحب ~~مصر ، وفي هذا اليوم انقطعت الدعوة لبني العباس في بغداد. # ولما كان (56 و) اليوم التاسع من ذي الحجة ، وهو يوم عرفة أخرج الخليفة ~~القائم بأمر الله من الموضع الذي كان فيه ، وحمل إلى الأنبار ومنها إلى ~~حديثة عانة على الفرات ، فحبس هناك ، وكان صاحب الحديثة الأمير مهارش هو ~~المتولي لخدمة الخليفة فيها بنفسه ، وكان حسن الطريقة. # ولما كان يوم الاثنين من ذي الحجة شهر الوزير رئيس الرؤساء وزير الخليفة ~~على جمل ، وطيف به في محال الجانب الغربي ، ثم صلب [حيا] (4) بباب الطاق ~~وخراسان وجعل على فكيه كلابان من حديد [وعلق] (5) على جذع ، فمات رحمه الله ~~بعد صلاة العصر ، وأطلق القاضي الدامغاني بمال قرر عليه. PageV01P171 # قال أبو بكر الخطيب رحمه الله : ثم خرجت يوم النصف من صفر سنة إحدى وخمسين ~~وأربعمائة من بغداد ، ولم يزل الخليفة في محبسه بالحديثة إلى أن عاد ~~السلطان طغرلبك من ناحية الري إلى بغداد بعد أن ظفر بأخيه إبراهيم ينال ms104 ~~وكسره وقتله ، ثم كاتب الأمير قريشا بإطلاق الخليفة [وإعادته] (1) إلى داره. # وذكر أن الفساسيري عزم على ذلك لما بلغه أن طغرلبك متوجها إلى ناحية ~~العراق وأطلع الفساسيري أبا منصور عبد الملك بن محمد بن يوسف (2) على ذلك ، ~~وجعله السفير بينه وبين الخليفة فيه ، وشرط أن يضمن الخليفة للفساسيري صرف ~~طغرلبك عن وجهته. # وكاتب طغرلبك مهارشا في أمر الخليفة وإخراجه من محبسه ، فأخرجه وعبر به ~~الفرات ، وقصد به تكريت في نفر من بني عمه ، وقد بلغه أن طغرلبك بشهرزور ، ~~فلما قطع الطريق عرف أن طغرلبك قد حصل ببغداد ، فعاد راجعا حتى وصل ~~النهروان ، فأقام الخليفة هناك ، ووجه طغرلبك مضارب في الحال وفروشا برسم ~~الخليفة ، ثم خرج لتلقيه بنفسه ، وحصل الخليفة في داره ، ونهض طغرلبك في ~~عسكر نحو الفساسيري وهو بسقي الفرات ، فحاربه إلى أن أظفره الله به ، وقتله ~~وحمل رأسه إلى بغداد ، وطيف به فيها ، وعلق بإزاء دار الخلافة (3). ### | * سنة إحدى وخمسين وأربعمائة # في هذه السنة كان هلاك أرسلان الفساسيري ، وعود الخليفة القائم بأمر الله ~~أمير المؤمنين إلى داره على ما تقدم شرحه من أمره. # وفيها أيضا كان ظفر السلطان طغرلبك بأخيه إبراهيم ينال ، على باب همذان. PageV01P172 ### | * سنة اثنتين وخمسين وأربعمائة # (56 ظ) فيها وصل الأمير المقدم تمام الدولة ، قوام الملك ، ذو الرئاستين ~~، سبكتكين المستنصري إلى دمشق ، وبقي فيها غير وال عليها إلى أن وصل القائد ~~موفق الدولة جوهر الصقلبي من مصر في يوم الأربعاء الثاني من ذي الحجة سنة ~~اثنتين وخمسين أربعمائة ، ومعه الخلع وسجل الولاية لدمشق بألقابه والدعاء ~~له : «سلمه الله ووفقه» ، والناظر في الأعمال ، وحفظ الأموال سديد الدولة ~~أبو عبد الله محمد ابن حسن الماشكي ، على ما كان عليه سبكتين [فأقام] (1) ~~واليا على دمشق إلى أن توفي بها في ليلة الاثنين الثالث والعشرين من شهر ~~ربيع الأول سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة ، فكانت ولايته ثلاث شهور وسبعة أيام. # وفي هذه السنة نزل الأمير محمود بن شبل الدولة بن صالح بن مرداس على حلب ~~محاصرا لها ، ومضيقا عليها ، وطامعا في ms105 تملكها ، ومعه منيع بن سيف الدولة ~~(2)، فأقام عليها مدة فلم يتسهل له فيها أرب ولا تيسر طلب ، فرحل عنها ، ~~ثم حشد بعد مدة وجمع وعاد منازلا لها ومضايقا لأهلها ومراسلا لهم ، وتكررت ~~المراسلات منهم إلى أن تسهل أمرها ، وتيسر خطبها ، فتسلمها في يوم الاثنين ~~مستهل جمادى (3) الاخرة ، وضايق القلعة إلى أن عرف وصول الأمير ناصر الدولة ~~بن حمدان في العساكر المصرية لإنجادها ، فخرج منها في رجب سنة اثنتين ونهبت ~~حلب بعسكر ناصر الدولة (4) واتفقت وقعة الفنيدق المشهورة ، وانفلال ناصر PageV01P173 # الدولة وعوده إلى مصر منهزما مخذولا (1) فعاد محمود بجمعه إلى حلب وحصل ~~بها ، وأقبل عمه معز الدولة (2) واستقام أمره فيها. # وفي هذه السنة قصد الأمير عطية فيمن جمعه وحشده مدينة الرحبة ، ولم يزل ~~نازلا عليها ومضايقا لأهلها ومراسلا لهم إلى أن تسهل الأمر فيها ، وسلمت ~~إليه ، وحصل بها في صفر من السنة. ### | * سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة # في هذه السنة وصل الأمير حسام الدولة ابن البجناكي إلى دمشق ، واليا ~~عليها في يوم الجمعة الثاني والعشرين من جمادى الأولى منها ، ونزل في المزة ~~، وأقام مدة ، وورد الكتاب بعزله ، فانصرف عن الولاية ، وتوجه نحو حلب في ~~شهر رمضان من السنة. # ثم وصل بعد ذلك عدة الدين والدولة ناصر الدولة (3) (57 و) بن حمدان إلى ~~دمشق واليا عليها في يوم الجمعة الثامن عشر من رمضان من السنة ، وحصل بها ~~وقرىء سجل ولايته وأمر فيها ونهى. # وفي هذه السنة استقر الصلح والموادعة بين معز الدولة صاحب حلب وابن أخيه ~~محمود بن شبل الدولة. # وفيها ندب أبو محمد بن سعيد بن سنان الخفاجي الشاعر للمسير من حلب إلى ~~القسطنطينية رسولا في المحرم منها. PageV01P174 # وفيها توفي الأمير معز الدولة بحلب في يوم الجمعة لسبع بقين من ذي القعدة ~~، ودفن في المسجد بالقلعة ، وملكها أخوه عطية (1). # وفي هذه السنة وصل الأمير المؤيد معتز الدولة حيدرة بن عضب الدولة إلى ~~دمشق واليا عليها دفعة ثانية بعد أولى ، في يوم الاثنين الثامن عشر من ذي ~~القعدة منها ، ونزل في أرض المزة ms106 ، وفي هذا اليوم سار عدة الدولة ابن حمدان ~~عن الولاية منصرفا إلى مصر ، وأقام المؤيد بها في الولاية ما أقام وانصرف ~~عنها معزولا في شهر ربيع الآخر سنة خمس وخمسين وأربعمائة. ### | * سنة أربع وخمسين وأربعمائة # في المحرم منها قلد الأمير مكين الدولة طبرية وثغر عكا ، من قبل الامام ~~المستنصر بالله وأمر على جماعة بني سليم وبني فزارة ، وفيها توفي القاضي ~~الشريف مستخص الدولة أبو الحسين ابراهيم بن العباس ابن الحسن الحسيني بدمشق ~~يوم السبت التاسع والعشرين من شعبان رحمه الله . # وفيها وردت الأخبار من ناحية العراق بوفاة السلطان طغرلبك وقيام ولد (2) ~~[أخيه] ألب أرسلان في المملكة بعده في مدينة الري (3). PageV01P175 ### | * سنة خمس وخمسين وأربعمائة وفيها ولاية أمير الجيوش بدر لدمشق # وصل الأمير تاج الأمراء المظفر ، مقدم الجيوش شرف الملك ، عدة الامام ، ~~ثقة الدولة ، بدر إلى دمشق واليا عليها في يوم الأربعاء الثالث والعشرين من ~~شهر ربيع الآخر من السنة ، ونزل بأرض المزة ، ومعه الشريف القاضي ثقة ~~الدولة ذو الجلالين أبو الحسن يحيى بن زيد الزيدي ناظرا في الأعمال ونفقات ~~الأموال ، وأقام بها مدة مدبرا لها وآمرا وناهيا فيها ، ثم حدث من أمره بها ~~والخلف الجاري بينه وبين عسكريتها ورعيتها ، ووقعت بينهما محاربات عرف معها ~~عجزه عن المقام بينهم ، والثبات معهم (57 ظ) وخاف على نفسه منهم ، فسار ~~عنها كالهارب منها ليلة الثلاثاء لأربع عشرة ليلة خلت من رجب سنة ست وخمسين (1). # وفي هذه السنة نزل الأمير محمود بن شبل الدولة بن صالح على حلب ، وحصر ~~عمه عطية فيها ، في النصف من شعبان ، وقتل منيع بن كامل بحجر المنجنيق ، ~~ولم يتمكن من غرضه فيها ، ولا تسهل له أرب منها فرحل عنها. PageV01P176 ### | * سنة ست وخمسين وأربعمائة وفيها ولاية الأمير حيدرة بن منزو # لما انصرف أمير الجيوش بدر عن ولاية دمشق هاربا ، ندب لولايتها الأمير ~~حصن الدولة حيدرة بن منزو بن النعمان ، واليا عليها ، ووصل إليها في شهر ~~رمضان من السنة ، وأقام بها ، وأمرونها على عادة أمثاله من الولاة بها. # ثم اقتضى الرأي ms107 المستنصري صرفه عنها بشهاب الدولة دري المستنصري ووصل ~~إليها وتولى الولاية فيها. # وفي هذه السنة عاد محمود بن شبل الدولة بن صالح إلى حلب مضايقا لها ~~ولعطية عمه ، فاستصرخ (1) بالأمير ابن خان التركي ، فأنجده عليه فلما أحس ~~(2) بوصوله ، رحل عنها منهزما ثم خاف عطية من الأمير ابن خان ، فأمر أحداث ~~حلب بنهب عسكره فنهبوه ، ورحل ابن خان منهزما ، وأنفذ إلى الأمير محمود ~~يعتذر إليه من المساعدة عليه ، وتوجه معه إلى طرابلس ، وعاد معه إلى حلب ~~لحصرها في هذه السنة. # وفيها وصل الأمير شهاب الدولة دري المستنصري إلى دمشق واليا في العشر ~~الأخير من ذي القعدة من السنة ، ثم تجدد الرأي في صرفه ، فانصرف وتوجه إلى ~~الرملة لأن سجل ولايته لها ورد عليه ، وأقام بها آمرا وناهيا إلى أن قتل ~~بها في شهر ربيع الآخر سنة ستين وأربعمائة وأقامت دمشق خالية من الولاة إلى ~~أن وصل إليها أمير الجيوش بدر واليا عليها دفعة ثانية في سنة ثمان وخمسين ~~وأربعمائة. PageV01P177 ### | * سنة سبع وخمسين وأربعمائة # في هذه السنة نزل الأمير محمود بن شبل الدولة بن صالح على حلب ثالث دفعة ~~، ومعه الأمير ابن خان التركي ، وأقام عليها إلى انتصاف شهر رمضان ، ولم ~~يزل مضايقا (58 و) لها إلى أن تسهل أمرها ، وملكها ، فلما حصل بها فارقه ~~ابن خان بعسكره نحو العراق ، ولم يدخلها اشفاقا من أحداث حلب ، لما فعلوه ~~في تلك النوبة من القيام عليه ، والنهب لأصحابه. PageV01P178 ### | * سنة ثمان وخمسين وأربعمائة وفيها ولاية أمير الجيوش بدر الثانية # وصل أمير الجيوش سيف الاسلام بدر إلى دمشق واليا ثانية ، وعلى الشام ~~بأسره في يوم الأحد السادس من شعبان منها ونزل في مرج باب الحديد أياما ، ~~وبلغه قتل ولده بعسقلان ، فدخل القصر وأقام فيه إلى أن تحركت الفتنة ~~الثائرة بينه وبين عسكرية دمشق وأهلها ، واستيحاش كل منهم من صاحبه ، فخرج ~~من القصر ، ونشبت الحرب بينهم في يوم الجمعة التاسع والعشرين من جمادى ~~الأولى سنة ستين وأربعمائة وقد كان القصر أخرب بعضه في تلك النوبة الحادثة ~~الأولى ms108 ، ونهب ما كان فيه ، فلما عاد بعد ذلك في هذه النوبة ، ومعه العساكر ~~الجمة من العرب وسائر الطوائف ، ونزل على مسجد القدم في رمضان سنة ستين ، ~~واتفق رحيله عنها ، فخرج من في البلد من العسكرية والأحداث إلى القصر ~~فأحرقوا ما كان سالما منه ونقضوا أخشابه بحيث شمله الخراب من كل جهاته. # وفي هذه السنة فادى الأمير محمود بن شبل الدولة بن صالح نساء بني حماد ~~والنمريين من أسر الروم ، ولم يزل مبالغا في ذلك ومجتهدا فيه إلى أن حصلوا ~~في حلب. ### | * سنة تسع وخمسين وأربعمائة # فيها وردت الأخبار من ناحية مصر باجتماع العبيد في الصعيد ، وكبسهم عسكر ~~الأمير ناصر الدولة أبي علي الحسن بن حمدان ، وانفلال العرب المجتمعة معه ، ~~واستظهار العبيد على جانب من عسكره نهبوه ، واستولوا عليه ، ثم عادوا ~~واستعادوا ما أخذ لهم وزيادة عليه ، وقتل جماعة منهم. # وفيها سأل الأمير ناصر الدولة المستنصر بالله في حميد بن محمود بن جراح ، ~~وحازم بن علي بن جراح فأطلقهما من خزانة البنود ، وخلى سلبيهما (58 ظ) PageV01P179 ### | * سنة ستين وأربعمائة* وفيها ولاية الأمير بارزطغان لدمشق # وصل الأمير قطب الدولة بارزطغان إلى دمشق واليا عليها في شعبان منها ، ~~ووصل معه الشريف السيد أبو طاهر حيدرة بن مستخص الدولة أبي الحسين ، ونزل ~~قطب الدولة في دار العقيقي (1) وأقام مدة ثم خرج منها ومعه الشريف المذكور ~~في شهر ربيع الأول سنة إحدى وستين وأربعمائة. # وورد الخبر بأن أمير الجيوش بدر ظفر بالشريف المذكور ، وكان بينهما إحن ~~بعثته على الاجتهاد في طلبه والارصاد له إلى أن اقتنصه ، فلما حصل في يده ~~قتله سلخا ، فعظم ذلك على كافة الناس ، وأكبروا هذا الفعل واستبشعوه في حق ~~مثله (2). # وفي يوم الثلاثاء العاشر من جمادى الأولى من السنة جاءت زلزلة عظيمة ~~بفلسطين ، هدمت دور الرملة وسورها ، وتضعضع جامعها ، ومات أكثر أهلها تحت ~~الردم ، وحكي أن معلما كان في مكتبه به تقدير # وقال محمد بن هلال الصابىء لما خرج الشريف وبارز طغان من دمشق يريدان مصر ~~، أشار عليه بارز طغان أن ms109 لا يظهر بعمان البلقاء ، لأن بها بدر بن حازم ، ~~وأن يسير في الليل ، فلم يقبل ، وسار بارز طغان إلى حلة بدر بن حازم وقال : ~~جئنا لتذم لنا ولمن معنا ، فقال : ومن معكم؟ قالوا : الشريف ابن أبي الجن ، ~~فقال : ذم الله لكم إلا الشريف فانه لابد من حمله إلى أمير المؤمنين ، وسار ~~إليه وقبض عليه ، ومضى به إلى عكا ، فباعه بذهب وخلع واقطاع ، فأركبه أمير ~~الجيوش جملا وقتله أقبح قتلة ، ثم سلخ جلده ، وقيل سلخه حيا ، وصلبه. ولعن ~~أهل الشام بدر بن حازم والعرب ، وقالوا : ما هذه عادتهم ولقد كان الشريف من ~~أهل الديانة والصيانة والعفة والأمانة ، محبا لأهل العلم ، واصطناع ~~المعروف». PageV01P180 # مائتي صبي وقع المكتب عليهم ، فما سأل أحد عنهم لهلاك أهليهم ، وإن الماء ~~طلع من أفواه الآبار لعظم الزلزلة ، وهلك في بانياس تحت الردم نحو من مائة ~~نفس ، وكذلك في بيت المقدس ، وسمع في أيار من هذه السنة رعدة هائلة ما سمع ~~بأعظم منها ولا بأهول من صوتها ، فغشي على جماعة من الرجال والنسوان ~~والصبيان ، وطلع في إثرها سحاب هائل ، ووقع منه برد شديد الوقع أهلك كثيرا ~~من الشجر ، وجاء معه سيل عظيم في بلد الشام قلع ما مر به من الشجر والصخر ، ~~حكي أن ارتفاعه بوادي بني عليم (1) نحوا من ثلاثين ذراعا ، وأنه سحب صخرة ~~عظيمة لا يقلها خمسون رجلا ذهب بها ، فلم يعرف مستقرها. # وفيها ورد الخبر بقيام ناصر الدولة أبي علي الحسن بن حمدان في جماعة من ~~قواد الأتراك وأمراء مصر على المستنصر بالله بمصر ، وأخذهم شيئا كثيرا من ~~المال اقتسموه ، وكان أمير الجيوش بدر في مبدأ أمره مقيما بالشام ، مظهرا ~~لطاعة المستنصر بالله ، والموالاة له ، والميل إليه ، إلا أنه لا يتمكن من ~~نصرته ، ولا يجد سبيلا إلى مؤازرته ومعاضدته ، وزحف المذكورون إلى دار ~~وزيره المعروف بابن كدينة فطالبوه بالمال ، فقال لهم : وأي مال بقي بعد ~~نهبكم (59 و) الأموال واقتسامكم الأعمال؟ فألحوا عليه وقالوا : لابد من ~~انفاذك إلى المستنصر بالله وبعثك له على اخراج المال ms110 ، وتعريفه في ذلك صورة ~~الحال ، فكتب إليه رقعة بشرح القصة ، وخرج الجواب عنها بخطة ، يقول فيه : # أصبحت لا أرجو ولا أتقي %~% إلا إلهي وله الفضل جدي نبيي وإمامي أبي %~% وقولي التوحيد والعدل # المال مال الله ، والعبيد عبيد الله ، والإعطاء خير من المنع ، ( ~~وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون ) (2) # وفي هذه السنة خرج متملك الروم من القسطنطينية إلى الثغور (3). PageV01P181 ### | * سنة إحدى وستين وأربعمائة* وفيها كانت ولاية معلى بن حيدرة بن منزو لدمشق # الأمير حصن الدولة معلى بن حيدرة بن منزو الكتامي ، ولي دمشق قهرا وغلبة ~~وقسرا ، من غير تقليد في يوم الخميس الثامن من شوال سنة إحدى وستين ~~وأربعمائة ، بحيل نمقها ومحالات اختلقها ولفقها ، وذكر أن التقليد بعد ذلك ~~وافاه ، فبالغ في المصادرات حينئذ وارتكب من الظلم ومصادرة المستورين ~~الأخيار ما هو مشهور ، ومن العيث والجور ما هو شائع بين الأنام مذكور ، ولم ~~يلق أهل البلد من التعجرف والظلم والعسف بعد جيش بن الصمصامة (1) في ولايته ~~، مالقوه من ظلمه ، وسوء فعله وقاسوه من اعتدائه ولؤم أصله ، ولم تزل هذه ~~أفعاله إلى أن خربت أعمالها ، وجلا عنها أهلها ، وهان عليهم مفارقة أملاكهم ~~، وسلوهم عن أوطانهم بما عانوه من ظلمه ، ولا بسوه من تعديه وغشمه ، وخلت ~~الأماكن من قاطنيها ، والغوطة من فلاحيها ، وما برح لقاه الله على هذه ~~القضية المنكرة ، والطريقة المكروهة إلى أجاب الله وله الحمد والشكر دعاء ~~المظلومين ، ولقاه عاقبة الظالمين ، وحقق الأمل فيه بالراحة منه ، وأوقع ~~بينه وبين العسكرية بدمشق الشحناء والبغضاء ، فخاف على نفسه الهلاك والبوار ~~، فاستشعر الوبال والدمار ، فلم يكن له إلا الهرب منهم ، والنجاة من فتكهم ~~، لأنهم عزموا على الايقاع به ، والنكاية فيه ، وقصد ناحية بانياس (2) (59 ~~ظ) فحصل فيها في يوم الجمعة الثاني والعشرين من ذي الحجة سنة سبع وستين ~~وأربعمائة فأقام بها وعمر ما عمره من الحمام وغيره فيها ، ثم خرج منها في ~~أوائل سنة اثنتين وسبعين وأربعمائة خوفا من العسكر المصري أن يدركه فيها ، ~~فيأخذه منها ، وحصل بثغر صور عند ابن أبي عقيل القاضي ms111 PageV01P182 # المستولي عليها ، ثم صار من صور إلى طرابلس ، وأقام بها عند زوج أخته ~~جلال الملك ابن عمار (1) مدة ، وأطلع إلى مصر فهلك في الاعتقال قتلا ~~بالنعال في سنة إحدى وثمانين وأربعمائة وذلك جزاء الظالمين ، ( وما ~~الله بغافل عما يعملون ) (2). # وفي هذه السنة وقع الخلف بدمشق بين العسكرية ، وبين أهلها ، وطرحت النار ~~في جانب منها فاحترقت ، واتصلت النار منه بالمسجد الجامع من غربيه فاحترق ~~في ليلة يوم الاثنين انتصاف شعبان من السنة ، فقلق الناس لهذا الحادث ~~والملم المؤلم الكارث ، وأسف القاصي والداني لاحتراق مثل هذا الجامع الجامع ~~للمحاسن والغرائب ، المعدود من إحدى العجائب حسنا وبهاء ورونقا وسناء ، ~~وكيف أصابت مثله العيون الصوائب وعدت عليه عادية النوائب (3). # ط. الاسكندرية : 1967 ص : 98 70. PageV01P183 # وفيها وردت الأخبار من مصر بغلاء الأسعار فيها ، وقلة الأقوات في أعمالها ~~واشتداد الحال في ذلك ، واضطرارهم إلى أكل الميتة ، وأكل الناس بعضهم بعضا ~~من شدة الجوع ، وقتل من يظفر به ، وأخذ ماله واستغراق حاله ، ومن سلم هلك ، ~~واحتاج الأمير والوزير والكبير إلى المسألة. # وبعث بدر الجمالي إلى دمشق علويا يعرف بابن أبي شوية من أهل قيسارية ~~وأمره بمصادرة الشريف أبي الفضل بن أبي الجن أخي المقتول ، وجماعة من مقدمي ~~دمشق ، وعلم أهل دمشق ، فثاروا على ابن أبي شوية وأخرجوه ، ولعنوا أمير ~~الجيوش ووافقهم العسكر ، وبعثوا إلى مسمار بن سنان ، وحازم بن نبهان ابن ~~القرمطي (*) أمير بني كلب ، وبذلوا إليهما تسليم البلد فبعث إليهم مسمار ~~يقول : لا يمكنني الدخول إلى البلد وتملكه والعسكر جميعه فيه والمغاربة ~~والمشارقة ويجب أن تخالفوا بينهم وتخرجوا المشارقة ، ففعلوا وصاروا أحزابا ~~، وكان القتال في غربي الجامع ورمى المشارقة وأهل البلد بالنشاب من دار ~~قريبة من الجامع ، فضربت الدار بالنار فاحترقت ، وثارت النار منها إلى ~~الجامع فأحرقته ليلة نصف شعبان هذه السنة ، ولما رأى العوام ذلك تركوا ~~القتال وقصدوا الجامع طمعا في تلافيه ليتداركوا ما حدث فيه ، ففات الأمر ~~فرموا سلاحهم ، ولطموا واستغاثوا إلى الله تعالى وتضرعوا ، وقالوا : كم ~~نحلف ونكذب ونعد ونحنث ، ونعاهد وننكث ، والنار ms112 تعمل إلى الصباح ، فأصبح ~~الجامع ، ولم يبق منه إلا حيطانه الأربعة ، وصاروا أيام الجماعات يصلون فيه ~~على التلال ، وهم يبكون ، وانهزموا بعد ذلك ، PageV01P184 # وفيها نزل الروم على حصن أسفونا (1)، وملكوه. ### | * سنة اثنتين وستين وأربعمائة # فيها نزل أمير الجيوش سيف الاسلام بدر المستنصري في العسكر المصري على ~~ثغر صور ، محاصرا لعين الدولة ابن أبي عقيل القاضي ، الغالب عليه ، فلما ~~أقام على المضايقة له والاضرار به ، كاتب القاضي ابن أبي عقيل الأمير قرلو ~~مقدم الأتراك (2) المقيمين بالشام مستصرخا له ومستنجدا به ، فأجابه إلى ~~طلبه وأسعفه بأربه ، وسار بعسكره منجدا له ومساعدا ، ووصل إلى ثغر صيدا ، ~~ونزل عليه في ستة آلاف ، فحصره وضيق عليه وعلى من فيه ، وكان في جملة ولاية ~~أمير الجيوش المذكور ، فحين عرف أمير الجيوش صورة الحال ، ووصول الأتراك ~~لانجاد من بصور واسعاده ، قادته (60 و) الضرورة إلى الرحيل عن صور بعد أن ~~استفسد كثيرا من أهلها والعسكرية بها ، بحيث قويت بهم شوكته ، وزادت بهم ~~عدته ، وتلوم عنها قليلا ، ثم عاود النزول عليها والمضايقة لها ، وأقام ~~عليها في البر والبحر مدة سنة # ومضى سنان الدولة ولد ابن منزو إلى أمير الجيوش وصالحه وصاهره على أخته ، ~~وعاد إلى دمشق واليا عليها من قبل أمير الجيوش وأطاعته المغاربة ، وسلموها ~~إليه فدخلها ... # وفيها استولى القاضي مختص الدولة ابن أبي الجن أخو حيدرة المقتول على ~~دمشق وطرد نواب أمير الجيوش ، واستولى على صور ابن أبي عقيل ، وعلى طرابلس ~~قاضيها ابن عمار ، وعلى الرملة والساحل ابن حمدان ، ولم يبق لأمير الجيوش ~~غير عكا وصيدا. PageV01P185 # احتاج أهلها مع ذلك إلى أكل الخبز الرطل بنصف دينار ، ولم يتم له أمر ~~فيها ، لاختلاف الأتراك في الشام فرحل عنها. # وفي هذه السنة مرض الأمير محمود بن صالح في حلب مرضا شديدا ، وخطب للإمام ~~القائم لأمر الله على منبر حلب ، وقطع الدعوة المستنصرية في تاسع عشر شوال (1). # وفيها فتح ملك الروم ثغر منبج وأحرقه ، وعاد تقدم بعمارته (2) ورحل عنه ~~إلى ناحية منازجرد (3) فعاث في أطرافها إلى أطراف خراسان وبقيت منبج ms113 في ~~ملكة هذا الملك ، واسمه على ما ذكر رومانوس دوجانس (4)، سبع سنين ، ودام ~~في الملك على ما حكي ثلاثين سنة. ### | * سنة ثلاث وستين وأربعمائة # فيها جمع أتسز بن أوق مقدم الأتراك الغز بالشام (5) واحتشد PageV01P186 # وقصد أرض فلسطين ، فافتتح الرملة ، وبيت المقدس ، وضايق دمشق ، وواصل ~~الغارات عليها وعلى أعمالها ، وقطع الميرة عنها ، ورعى زرعها عدة سنين في ~~كل ربيع لمضايقتها والطمع في ملكتها ، ولم يزل مترددا إلى أن اضطرب أمرها ، ~~وخربت المنازل بها ، وزاد غلاء الأسعار فيها ، وعدم تواصل الأقوات إليها ~~وجلا أكثر أهلها عنها ، واستحكم الخلف بين العسكرية المصامدة (1) والأحداث ~~من أهلها ، وكون معلى بن منزو لعنه الله قد هرب عنها ، ولم يبق فيها من ~~المقدمين على الأجناد غير الأمير زين الدولة زمام المصامدة بها. # وفي هذه السنة نزل السلطان العادل ألب أرسلان بن داود أخي السلطان طغرلبك ~~بن سلجوق رحمه الله على حلب محاصرا وبها محمود بن صالح يوم الثلاثاء سابع ~~عشر جمادى الآخرة ، وضايقها إلى أن ملكها بالأمان ، فخرج محمود إليه فأمنه ~~وأنعم عليه وولاه البلد ، ورحل عنه ثالث وعشرين رجب قاصدا إلى بلاد الروم ~~طالبا ملكهم ، وقد توجه إلى منازكجرد فلحقه وأوقع به وهزمه ، وكان عسكره ~~على ما حكى تقدير ستمائة ألف من الروم وما انضاف إليهم من سائر الطوائف ~~وعسكر (90 ظ) الاسلام على ما ذكر تقدير أربع مائة ألف من الأتراك وجميع ~~الطوائف ، وقتل من عسكر الروم الخلق الكثير بحيث امتلأ واد هناك عند التقاء ~~الصفين ، وحصل الملك في أيدي المسلمين أسيرا ، وامتلأت الأيدي من سوادهم ~~وأموالهم وآلاتهم وكراعهم ولم تزل المراسلات مترددة بين السلطان ألب أرسلان ~~وبين ملك الروم المأسور إلى أن تقرر اطلاقه والمن عليه بنفسه بعد أخذ ~~العهود عليه والمواثيق بترك التعرض لشيء من أعمال الاسلام ، وإطلاق الاسارى ~~، وأطلق وسير إلى بلده ، PageV01P187 # وأهل مملكته ، فيقال أنهم اغتالوه وسملوه (1) وأقاموا غيره مكانه لأشياء ~~أنكروها عليه ، ونسبوها إليه (2). ### | * سنة أربع وستين وأربعمائة # في المحرم منها قتل الأمير جعبر صاحب قلعة دوسر ، فيها بمكيدة نصبت ms114 (3) ~~له وحيلة تمت عليه وغفلة استمرت به. # وفيها ملكت الرقة واستولي عليها ، وفيها نهض محمود بن صالح من حلب فيمن ~~حشد من العرب وقصد ناحية اعزاز في يوم السبت الثاني والعشرين من رجب للقاء ~~الروم ، فاندفعت الروم بين أيدي العرب ، والعرب في عدة قليلة تناهز ألف ~~فارس وقصدوا أنطاكية ، واجتمعوا بها ، وعادت العرب إلى حلب (4). # وفيها ورد الخبر من بغداد في شهر ربيع الأول منها بأن الامام الحافظ أبا ~~بكر أحمد بن علي بن ثابت البغدادي الخطيب رحمه الله توفي يوم الاثنين السابق ~~من ذي الحجة منها ، وحمل إلى الجانب الغربي من بغداد وصلي عليه ، ودفن ~~بالقرب من قبة أحمد بن حنبل رحمه الله (5). PageV01P188 ### | * سنة خمس وستين وأربعمائة # فيها هرب الأمير أبو الجيوش علي بن المقلد بن منقذ من حلب خوفا من صاحبها ~~الأمير محمود بن صالح ، حين عرف عزمه على القبض عليه ، وقصد المعرة ، ثم ~~قصد كفر طاب (1). # وفيها ورد نعي الأمير عطية (2) عم الأمير محمود بن صالح من القسطنطينية ~~في ذي الحجة. # وفيها ورد : سار الأمير محمود بن صالح من حلب فيمن جمعه وحشده من عسكره ~~إلى الرحبة. # وفي هذه السنة : وردت الأخبار باستشهاد السلطان العادل ألب أرسلان بن ~~داود (3) أخي السلطان طغرلبك ، ملك الترك ، على نهر جيحون ، عند حصن هناك ~~بيد من اغتاله من الباطنية ، المتزيين بطريقة الزهاد المتصوفة على القضية ~~المشهورة (61 و) والسجية المذكورة (4). # انظر زبدة الحلب : 2 / 34 35. مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية : 186 188. PageV01P189 ### | * سنة ست وستين وأربعمائة # فيها فتح الأمير محمود بن صالح قلعة السن (1) في يوم الخميس تاسع شهر ~~ربيع الآخر. # وفيها وردت الأخبار من بغداد بزيادة مد دجلة ، حتى غرق بها عدة أماكن ، ~~وهدم عدة مساكن. # وفيها وردت الأخبار من ناحية العراق بانتصاب السلطان العادل ملك شاه ، ~~ابن أبي الفتح محمد السلطان ألب أرسلان في المملكة بعد أبيه ، وجلوسه على ~~سرير الملك ، بعد أخذ البيعة له على أمراء الأجناد ، وكافة ولاة الأعمال ~~والبلاد ، فاستقامت له الأمور ، وانتظمت به الأحوال على المراد ms115 والمأثور ، ~~واستمر التدبير على نهج الصلاح وسنن النجاح ، وسلك في العدل والانصاف ، ~~مسلك أبيه ، العادل عن طريقة الجور والاعتساف ، ورتب النواب في الأعمال ~~والثقات في حفظ الأموال. # وفيها توفي أبو علي الحسين بن سعيد بن محمد بن سعيد العطار بدمشق ، في ~~يوم الجمعة من صفر ، وكان من أعيان شهودها ، وحدث عن جماعة. ### | * سنة سبع وستين وأربعمائة # فيها وردت الأخبار من ناحية العراق بوفاة القائم بأمر الله أبي جعفر عبد ~~الله بن الإمام القادر بالله في يوم الخميس الثالث عشر من شعبان ، وأمه أم ~~ولد تسمى قطر الندى رومية ، وأدركت خلافته وماتت في رجب سنة اثنتين وخمسين ~~وأربعمائة ، وكان مولده في الساعة الثالثة من نهار يوم الخميس ، وقيل ~~الجمعة الثامن عشر من ذي القعدة سنة إحدى وتسعين وثلاثمائة وتولى الأمر بعد ~~أبيه وعمره إحدى وثلاثون سنة في يوم الاثنين PageV01P190 # الحادي عشر من ذي الحجة سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة ، (ومات) (1) وعمره ~~ست وسبعون سنة ، وكانت أيامه أربعا وأربعين سنة وتسعة أشهر وأياما ، وكان ~~جميلا مليح الوجه أبيض اللون مشربا حمرة ، حسن الجسم أبيض الرأس واللحية ، ~~ورعا متدينا زاهدا عالما (2)، وكان رحمه الله قد بلي من أرسلان الفساسيري ~~بما بلي إلى أن أهلكه الله وأراح ، بالعزائم السلطانية ، حسب ما تقدم به ~~شرح الحال. # وروي عنه أنه لما اعتقل في الحديثة كتب رقعة ، وأنفذها إلى مكة حرسها ~~الله تعالى مستعديا (61 ظ) إلى الله تعالى على الفساسيري ، وعلقت على ~~الكعبة ، ولم تحط عنها إلى أن ورد الخبر بخروجه من الاعتقال من الحديثة ~~وعوده إلى داره ، وهلاك عدوه الفساسيري ، وعنوانها : # «إلى الله العظيم ، من المسكين عبده». ونسخة الاستغاثة (3): ### || * «بسم الله الرحمن الرحيم» # اللهم إنك العالم بالسرائر ، والمطلع على مكنون الضمائر ، اللهم إنك غني ~~بعلمك واطلاعك على خلقك عن إعلامي (4)، هذا عبد من عبيدك قد كفر نعمتك وما ~~شكرها ، وألغى العواقب وما ذكرها ، أطغاه حلمك وتجبر بأناتك حتى تعدى علينا ~~بغيا ، وأساء إلينا عتوا وعدوانا. # اللهم قل الناصر ، واعتز الظالم ، وأنت المطلع العالم والمنصف الحاكم ، ~~بك ms116 نعتز عليه ، وإليك نهرب من [بين] (5) يديه ، فقد تعزز علينا بالمخلوقين ~~، ونحن نعتز بك يا رب العالمين. PageV01P191 # اللهم إنا حاكمناه إليك ، وتوكلنا في انصافنا منه عليك ، ورفعنا ظلامتنا ~~هذه إلى حرمك ، ووثقنا في (1) كشفها بكرمك ، فاحكم بيننا بالحق وأنت خير ~~الحاكمين ، وأظهر اللهم قدرتك فيه ، وأرنا ما نرتجيه فقد أخذته العزة ~~بالإثم. # اللهم فاسلبه عزه ، وملكنا بقدرتك ناصيته يا أرحم الراحمين ، وصل يا رب ~~على محمد وسلم وكرم». # وتولى بعده الأمر ولد ولده الإمام أبو القاسم عبد الله (2) ابن ذخيرة ~~الدين [بن] (3) القائم بأمر الله أمير المؤمنين ، وكان ذخيرة الدين ، ولي ~~العهد ، فتوفي في حياة أبيه القائم بأمر الله ، فعقد الأمر لابنه أبي ~~القاسم عبد الله ، ولقبه المقتدي بالله ، وأخذت له البيعة في شعبان سنة سبع ~~وسبعين وأربعمائة ، وعمره تسع عشرة سنة وثلاثة أشهر وأيام. # وفي هذه السنة وردت الأخبار من ناحية حلب بوفاة صاحبها الأمير محمود بن ~~شبل الدولة بن صالح ، بحلب في جمادى الأولى ، وقام في منصبه ولده الأمير ~~نصر بن محمود (4)، وهنأه بعد التعزية الأمير أبو الفتيان بن حيوس بالقصيدة ~~الألفية المشهورة التي يقول فيها : # وقد جاد محمود بألف تصرمت %~% وإني سأرجو أن سيخلفها نصر (5) # فأطلق له ألف دينار ، وقال له : لو كنت قلت «سيضعفها نصر» لفعلت. PageV01P192 ### | * سنة ثمان وستين وأربعمائة وفيها :* ولاية الأمير رزين الدولة لدمشق # (62 و) لما هرب معلى بن حيدرة بن منزو (1) لعنه الله من ولاية دمشق على ~~القضية [التي سبق] (2) ذكرها اجتمعت المصامدة إلى الأمير رزين الدولة ~~انتصار بن يحيى ، زمامهم والمقدم عليهم واتفق رأيهم على تقديمه في ولاية ~~دمشق ، وتقوية نفسه على الاستيلاء عليها ، ودفع من ينازعه فيها ، ووقع ذلك ~~من أكثر الناس أجمل موقع ، وأحسن موضع ، وارتضوا به ، ومالوا إليه لسداد ~~طريقته ، وحميد سيرته ، وكونه أحسن فعلا ممن تقدمه ، وأجمل قصدا ممن كان ~~قبله ، فاستقر الأمر على هذه القضية ، والسجية المرضية في يوم الأحد مستهل ~~المحرم من السنة. # وفي هذه السنة اشتد غلاء الأسعار في دمشق ، وعدمت الأقوات ، ونفدت الغلات ms117 ~~منها ، واضطر الناس إلى أكل الميتات ، وأكل بعضهم بعضا ، ووقع الخلف بين ~~المصامدة وأحداث البلد ، وعرف الملك أتسز ابن أوق مقدم الأتراك [ذلك] (3) ~~وما آلت إليه الحال ، وكان متوقعا لمثل ذلك ، فنزل عليها ، وبالغ في ~~المضايقة لها ، إلى أن اقتضت الصورة ، وقادت الضرورة إلى تسليمها إليه ~~بالأمان ، وتوثق منه بوكيد الأيمان. # فلما دخلها في ذي القعدة سنة ثمان وستين وأربعمائة وحصل بها ، نزل بأهلها ~~منه قوارع البلاء ، بعد ما عانوه من ابن منزو لعنه الله ، واشتداد البلاء ~~من إنزال دورهم وإخراجهم منها ، واغتصاب أملاكهم والقبض لها ، واستعمال سوء ~~السيرة وخبث النية والسريرة ، وتواصلت الدعوات PageV01P193 # عليه من سائر الناس ، وعلى أصحابه وأتباعه في جميع الأوقات ، وأعقاب ~~الصلوات والرغبة إلى الله تعالى ذكره باهلاكه وتعفية آثاره (1). # وفي هذه السنة وردت الأخبار من حلب بأن الأمير نصر بن محمود ابن صالح ~~صاحبها ، قتل بها في يوم الأحد عيد الفطر ، قتله قوم من أتراك الحاضر (2)، ~~وذاك أنه قبض على مقدمتهم المعروف بالأمير أحمد شاه ، وخرج إليهم لينهبهم ، ~~فرماه أحدهم بسهم فقتله ، وقام في منصبه من بعده أخوه سابق بن محمود بن ~~صالح (3). # وفي هذه السنة خطب للإمام المقتدي بالله أبي القاسم عبد الله بن الذخيرة ~~بن القائم بأمر الله على منبر دمشق ، وقطعت الخطبة المستنصرية (62 و)، ~~ونظر الملك أتسز ابن أوق في أمور دمشق وأحوالها بما يعود بصلاح أعمالها ~~ووفور استغلالها ، وأطلق لفلاحي المرج والغوطة الغلات للزراعات ، وألزمهم ~~الاشتغال بالعمارات والفلاحات ، فصلحت الأحوال وتواصلت من سائر الجهات ~~الغلات ، ورخصت الأسعار ، وتضاعف الجذل بذلك والاستيثار ، وطابت نفوس ~~الرعية وأيقنوا بزوال البؤس والبلية ، وبرز أتسز في عسكره إلى نواحي الساحل ~~عازما على قصد مصر وطامعا في تملكها. PageV01P194 ### | * سنة تسع وستين وأربعمائة # فيها جمع الملك أتسز واحتشد ، وبرز من دمشق ، ونهض في جمع عظيم إلى ناحية ~~الساحل ، ثم منها إلى ناحية مصر طامعا في ملكتها ، ومجتهدا في الاستيلاء ~~عليها ، والدعاء عليه من أهل دمشق متواصل ، واللعن له متتابع متصل (1). # فلما قرب من مصر وأطلت خيله عليها ms118 ، برز إليه أمير الجيوش بدر في من حشده ~~من العساكر ، ومن انضاف إليها من الطوائف والعرب ، وكان قد وصل إليها ~~واستولى على الوزارة (2) وعرف ما عزم عليه # فلما بلغه الكتاب قال : لبيك ، وكررها ثلاثا ، وكتب إلى المستنصر يشترط ~~عليه أن لا يقدم إلا بعسكر معه ، وأنه لا يبقي على أحد من عساكر مصر ، ~~فأنعم له بذلك ، فسار من عكا بمائة مركب مشحونة بالأرمن وغيرهم من العسكر ، ~~فنهاه الناس عن ركوب البحر من أجل أن الوقت شتاء في كانون الأول ، فأبى ~~ونزل على دمياط بعد يومين من اقلاعه ، فزعم البحرية أنهم لم يعرفوا صحوة ~~تمادت أربعين يوما في الكوانين إلا هذه ، فكان هذا الأمر بدء سعادته ، ~~واستدعى تجار تنيس واقترض منهم مالا ، وأقام له سليمان اللواتي بالعليق ~~وغيرهم من الضيافة ، وسار إلى ظاهر قليوب ، وبعث إلى المستنصر يقول له : لا ~~أدخل القاهرة ما لم تقبض على يلدكوز ، فأمسكه ، PageV01P195 # أتسز (1)، فاستعد وتأهب لدفع قصده واعتدائه ، وجد في الايقاع به (2)، ~~وحصلت العرب وأكثر العساكر من ورائه ، وصدقوا الحملة PageV01P196 # عليه فكسروه وهزموه ، ووضعوا السيوف في عسكره قتلا وأسرا ونهبا ، وأفلت ~~هزيما بنفسه في نفر يسير من أصحابه ، ووصل إلى الرملة وقد قتل أخوه. PageV01P197 # وقطعت يد أخيه الآخر ، ووصل بعد الفل إلى دمشق ، فسرت نفوس الناس بمصابه ~~وتحكم السيوف في أتباعه وأصحابه ، وأملوا مع هذه الحادثة سرعة هلاكه ~~وذهابه. # وفي هذه السنة توفي أبو الحسن أحمد بن عبد الواحد بن محمد بن عثمان بن ~~الوليد بن الحكم بن سليمان بن أبي الحديد السلمي ، رحمه الله . ### | * سنة سبعين وأربعمائة # فيها وردت الأخبار بوصول السلطان تاج الدولة أبي سعيد تتش بن السلطان ~~العادل ألب أرسلان أخي السلطان ملك شاه أبي الفتح ، إلى الشام ، واجتماع ~~العرب من بني كلاب إليه ، ووصول شرف الدولة PageV01P198 # مسلم بن قريش إليه من عند أخيه السلطان العادل ملك شاه لمعونته على ~~افتتاح الشام بأمره له في ذلك (1). # وفيها توفي أبو نصر الحسين بن محمد (63 و) بن أحمد بن طلاب الخطيب ~~رحمه الله ms119 . # وفي هذه السنة نزل عسكر مصر على دمشق مع ناصر الدولة الجيوشي ، وأقام ~~عليها مدة يسيرة ، ولم يتم له فيها مراد ، فرحل عنها عائدا إلى مصر. # وفيها نزل تاج الدولة أخو السلطان على حلب ، ومعه وثاب وشبيب ابنا محمود ~~بن صالح ، ومبارك بن شبل ، ورحل عنها في ذي القعدة ، ثم نزل عليها ثانية ~~ولم يتم له فيها مراد ، فرحل عنها. ### | * سنة إحدى وسبعين وأربعمائة # في هذه السنة خرج من مصر عسكر كبير مع ناصر الدولة الجيوشي ، ونزل على ~~دمشق محاصرا لها ومضيقا عليها (2)، واستولى على أعمالها وأعمال فلسطين ، ~~وأقام عليها مدة مضايقا لها ، وطامعا في تملكها ، وأصر على منازلتها إصرارا ~~اضطر أتسز صاحبها إلى مراسلة تاج الدولة يستنجده ، ويستصرخ به ، ويعده ~~بتسليم دمشق إليه ويكون في الخدمة PageV01P199 # بين يديه ، فتوجه نحوه في عسكره ، فلما عرف ناصر الدولة الخبر ، وصح عنده ~~قربه منه رحل عنها مجفلا ، وقصد ناحية الساحل ، وكان ثغرا صور وطرابلس في ~~أيدي قضاتهما (1) قد تغلبا عليهما ، ولا طاعة عندهما لأمير الجيوش ، بل ~~يصانعان الأتراك بالهدايا والملاطفات ، ووصل السلطان تاج الدولة إلى عذراء ~~في عسكره لإنجاد دمشق وخرج أتسز إليه وخدمه ، وبذل له الطاعة والمناصحة ، ~~وسلم إليه البلد ، فدخلها وأقام بها مديدة ، ثم حدثته نفسه بالغدر بأتسز ، ~~ولاحت له منه أمارات استوحش بها منه مستهله ، فقبض عليه في شهر ربيع الأول ~~منها ، وقتل أخاه أولا ، ثم أمر بخنقه بوتر في المكان المعتقل فيه ، وملك ~~تاج الدولة دمشق ، واستقام له الأمر فيها ، وأحسن السيرة في أهلها وفعل ~~بالضد من فعل أتسز فيها ، وملك أعمال فلسطين. # وفي هذه السنة قتل أحمد شاه مقدم الأتراك في الشام (2). # وفيها برز تاج الدولة من دمشق ، وقصد حلب في عساكره ، ونزل عليها ، وأقام ~~عليها أياما ، ورحل عنها في شهر ربيع الأول ، وعبر الفرات مشرقا ، ثم عاد ~~إلى الشام بعد أن وصل إلى ديار بكر في ذي الحجة ، وملك حصن بزاعة والبيرة ~~(3) وأحرق ربض اعزاز ، ورحل عنها عائدا إلى دمشق. # هذا وقد أورد ابن العديم في ms120 زبدة الحلب هذا الخبر فقال بأن تتش أخذ منبج ~~وحصن الفايا وحصن الدير ، ثم هاجم عزاز الزبدة : 2 / 61 62. PageV01P200 ### | * سنة اثنتين وسبعين وأربعمائة # (63 ظ) فيها تسلم شرف الدولة مسلم بن قريش حلب (1)، وفيها رخصت الأسعار ~~في الشام بأسره ، وفيها هلكت فرقة من الأتراك ببلاد الروم كانوا غزاة ، فلم ~~يفلت منهم أحد. ### | * سنة أربع وسبعين وأربعمائة (2) # فيها ملك الأمير أبو الحسن علي بن المقلد بن منقذ حصن شيزر ، في يوم ~~السبت السابع والعشرين من رجب من الأسقف (3) الذي كان فيه بمال بذله له ~~وأرغبه فيه إلى أن حصل في يده ، وشرع في عمارته وتحصينه والممانعة عنه ، ~~إلى أن تمكنت حاله فيه فقويت نفسه في حمايته والمراماة دونه (4). # إني نظرت إلى هذا الحصن ، ورأيت أمرا يذهل الألباب ، ويطيش العقول يسع ~~ألف رجل ، ليس عليه حصار ، ولا فيه حيلة لمحتال ، فعمدت إلى تل منه قريب ~~يعرف بتل الحسن ، فعمرته حصنا ، وجعلت فيه عشيرتي وأهلي ، وكان بين التل ~~وشيزر حصن يعرف بالخراص ، فوثبت عليه وأخذته بالسيف. # وحين ملكته أحسنت إلى أهله ولم أكلفهم إلى ما يعجزون عنه ، وخلطت ~~خنازيرهم بغنمي ، ونواقيسهم بأصوات المؤذنين عندي ، وصرنا مثل الأهل ~~مختلطين ، فحين رأى أهل شيزر فعلي مع الروم أنسوا بي ، وصاروا يجيئوني من ~~واحد وإثنين إلى أن حصل عندي نصفهم ، فأجريت عليهم الجرايات ، ومزجتهم ~~بأهلي وحريمهم بحريمي وأولادهم مع أولادي ، وأي من قصد PageV01P201 ### | * سنة خمس وسبعين وأربعمائة # فيها توجه السلطان تاج الدولة إلى ناحية الشام (1) من دمشق ، ومعه في ~~خدمته الأمير وثاب بن محمود بن صالح ، ومنصور بن كامل ، وقصد ناحية الروم ~~وأقام هناك مدة ، واتصل به خبر شرف الدولة مسلم بن قريش ، وما هو عليه من ~~الجمع والاحتشاد والتأهب والاستعداد ، واجتماع العرب إليه من بني نمير ~~وعقيل ، والأكراد والمولدة وبني شيبان للنزول على دمشق والمضايقة لها ، ~~والطمع في تملكها ، فعاد تاج الدولة منكفئا إلى دمشق لما عرف هذا العزم (2) ~~ووصل إليها في أوائل المحرم سنة ست # وسمع بذلك أهل برزية وعين تاب وحصون الروم فجاءتني ms121 رسلهم ورغب كلهم في ~~التسليم إلي ، فبينا أنا على تلك الحال ، إذ شنت علي الغارات ، وجيشت نحوي ~~الجيوش من ناحية مسلم ابن قريش غيظا منه ، لم تسلمت حصن شيزر ، بعد أن حلف ~~لي قبل ذلك ، أنني إذا أخذت حصن شيزر ، أنه لا يقود إلي فرسا ، ولا يبعث ~~جيشا ، وبالله أقسم لئن لم ينته عني لأعيدنه إلى الروم ، ولا أسلمه إليه ، ~~ولا إلى غيره أبدا». PageV01P202 # وسبعين وأربعمائة ، وورد الخبر بوصول شرف الدولة في حشده إلى بالس أيضا ~~في المحرم ، ووصله جماعة من بني كلاب ، ونهض بالعسكر مسرعا في السير إلى أن ~~نزل على دمشق ، ووصل إليه جماعة من عرب قيس واليمن ، وقاتل أهل دمشق في بعض ~~الأيام ، وخرج إليه عسكر تاج الدولة من دمشق ، وحمل على عسكره حملة صادقة ~~فانكشف وتضعضع عسكره ، وعاد كل فريق إلى مكانه ، وعاد عليهم بحملة أخرى ، ~~وانهزمت العرب وثبت شرف الدولة مكانه وأشرف على الأسر ، وتراجع أصحابه ، ~~وكان شرف الدولة قد اعتمد على معونة عسكر المصريين على دمشق ، ومعاضدته ~~بالعسكر المصري على أخذها ، فوقع التثاقل عليه بالانجاد والتقاعد عنه ~~بالاسعاد اشفاقا من ميل الناس إليه ، وعظم شأنه بتواصلهم ووفودهم عليه فلما ~~وقع يأسه مما أمله ورجاه وخاب ما تمناه ، وورد عليه من أعماله ما شغل خاطره ~~في تدبيره واعماله (1)، وتواترت الأخبار بما أزعجه (64 و) وأقلقه ، رأى أن ~~رحيله عن دمشق إلى بلاده وعوده إلى ولايته لتسديد أحوالها وإصلاح اختلالها ~~أصوب من مقامه على دمشق ، وأوفق من شأنه ، فأوهم أنه سائر مقتبلا لأمر مهم ~~عليه ، وأرب مطلوب نهد إليه ، فرحل عن دمشق ، ونزل مرج الصفر وعرف من بدمشق ~~ذلك ، فقلقوا لذلك واضطربوا ثم رحل مشرقا في البرية وجلا ، وجد في سيره ~~مجفلا وواصل السير ليلا ونهارا فهلك من المواشي والدواب للعرب ما لا يحصيه ~~عدد ، ولا يحصره كثرة من العطش ، وتلف وانقطع من الناس خلق كثير ، وخرجت به ~~الطريق إلى وادي بني حصين قريبا من سلمية ، فأنفذ وزيره أبا العز (بن) صدقة ~~إلى خلف بن ملاعب ms122 المقيم بحمص ليجعله بين الشام وبين السلطان تاج الدولة ~~لما يعلمه من نكايته في الأتراك وفتكه بمن يظفر # انظر كتابي مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية : 190 192. PageV01P203 # به من أبطالهم الفتاك ، فأقام أبو العز الوزير بحمص إلى حين عوده فخلع ~~عليه شرف الدولة ، وأكرمه وقرر معه (1) حفظ الشام ، وطيب نفسه. # وسار بعد ذلك السلطان تاج الدولة إلى ناحية طرابلس ، وافتتح انطرطوس ، ~~وبعض الحصون ، وعاد إلى دمشق. # وورد الخبر بنزول السلطان العادل ملك شاه أبي الفتح بن ألب أرسلان على ~~حلب في يوم الأربعاء الثاني والعشرين من شعبان من السنة ، وضايقها إلى أن ~~ملكها مع القلعة (2). # وفي يوم الخميس الثاني من المحرم توجه شرف الدولة إلى بلد أنطاكية للقاء ~~الفردوس ملك الروم (3). # وفيها وصل الأمير شمس الدولة سالم بن مالك (4) بالخلع السلطانية إلى شرف ~~الدولة إلى حلب (5). PageV01P204 # وتقرر (1) الصلح بين شرف الدولة وابن ملاعب بحمص ، وفيها وصل أبو العز بن ~~صدقة ، وزير شرف الدولة ، في عسكر كثيف ، لإنجاد حلب على تاج الدولة ، فلما ~~وصل إليها رحل تاج الدولة ، في الحال عنها (2). ### | * سنة ست وسبعين وأربعمائة # فيها عمل على مدينة حران ، وأخذت من ملكة شرف الدولة مسلم ابن قريش في ~~سابع صفر ، وعاد إليها حين عرف خبرها ، فنزل عليها في عسكره ، وضايقها ~~وواظبها إلى أن افتتحها ، وملكها ، ورتب أمرها واحتاط عليها ، واعتمد على ~~الثقات في حفظها (3). PageV01P205 # وفي هذه السنة تنكر شرف الدولة على وزيره أبي العز بن صدقة (64 ظ) لأسباب ~~أنكرها منه ، وأحوال بلغته عنه ، فقبض عليه واعتقله ، وأقام أياما ، وقرر ~~أمره وأطلقه وطيب نفسه. ### | * سنة سبع وسبعين وأربعمائة # في هذه السنة شرع سليمان بن قتلش (1) في العمل على مدينة أنطاكية ، ~~والتدبير لأمرها والاجتهاد في أخذها والتملك لها ولم يزل على هذه القضية ~~إلى أن تم له ما أراد فيها ، وملكها سرقة في يوم الأحد العاشر من شعبان ، ~~ورتب أمرها بمن اعتمد عليه في حفظها من ثقات ولاته (2). |السيف أصدق أنباء من الكتب||................. | # فتقدم إلى العرب بالدخول إلى الفتحة ، فما منهم من ms123 أقدم ، فجمع عبيده ~~وخواصه فهجمها ، وتبعته العرب حينئذ ، فدخل البلد ، وصعد ولد ايتكين ~~السليماني ، ونزل من السور ، وفتح الباب فأقطعه قرقيسياء ، ثم طلب القاضي ~~فوجد في كندوج فيه قطن ، فأخذ وولداه ، فقبض على أعيان أهل حران ، ونهب ~~البلد إلى آخر النهار ، ثم رفع النهب وصلب القاضي وولديه ، وأعيان ~~الحرانيين على السور ، وقتل خلقا من العوام ، وعاد إلى منازله بأرض الموصل. PageV01P206 # وفي شهر ربيع الأول من السنة ، كانت وقعة بين عسكر شرف الدولة ، وعسكر ~~الأتراك بأرض آمد من ديار بكر ، واستظهر الأتراك على عسكر شرف الدولة ~~فهزموه. # وفي رجب منها توجه شرف الدولة مسلم بن قريش إلى دركاه السلطان العادل ملك ~~شاه بن ألب أرسلان ودخل عليه ووطىء بساطه ، فأكرمه واحترمه ، وخلع عليه ~~وقرر أمره على ما يهوى من إصلاح أحواله ، والإقرار على أعماله ، وإزالة ما ~~كان يخشاه ، وعاد مسرورا بما لقي ، ومحبورا بنيل مبتغاه (1). ### | * سنة ثمان وسبعين وأربعمائة # في هذه السنة كان مصاف الحرب بين الملك سليمان بن قتلمش وبين الأمير شرف ~~الدولة مسلم بن قريش في اليوم الرابع والعشرين من صفر PageV01P207 # على نهر عفرين (1) في موضع يقال له قرزاحل فكسر عسكر شرف الدولة ، وقتل ، ~~ورحل سليمان بعد ذلك في جمعه ونزل على حلب محاصرا لها ومضايقا عليها في ~~مستهل شهر ربيع الأول وأقام منازلا لها مدة ، ولم يتهيأ له ما أراده فيها ، ~~فرحل عنها في الخامس من شهر ربيع الآخر منكفئا إلى بلاده (2). # وفيها شرع في عمارة قلعة الشريف بحلب ، وترميم ما كان هدم منها ، ~~وإعادتها إلى ما كانت عليه في حال عمارتها (3). # وفيها وردت الأخبار من ناحية المغرب بأن الأفرنج استولوا على بلاد ~~الأندلس ، وتملكوها ، وفتكوا بأهلها ، وأن صاحب طليطلة (4) استصرخ ~~بالملثمين واستنجد بهم على الأفرنج ، فأجابوه إلى الإنجاد ، # زبدة الحلب : 1 / 91. مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية : 200. # فعندما قتل مسلم بن قريش كان ابن عمه سالم بن مالك مقيما في قلعة المدينة ~~متحكما بها ، وفي الوقت نفسه كانت أمور المدينة بيد الأحداث ، الذين كان ~~زعيمهم الشريف حسن بن ms124 هبة الله الحتيتي ، وبعد مقتل مسلم لما لم يكن ~~للحتيتي سيطرة على قلعة حلب ، وكان بحاجة إلى موقع دفاعي حصين ، يتخذه مقرا ~~له ، قام ببناء أو اعادة بناء قلعة لنفسه وأحداثه داخل المدينة ، ولا يزال ~~موقع هذه القلعة معروفا ، فأحد أحياء حلب الواقعة جنوبي القلعة الكبيرة ~~يعرف الآن باسم «قلعة الشريف». مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية : 201. PageV01P208 # ونهضوا للإغائة والإسعاد ، وطلب الجهاد ، ووصلوا إليه في خلق عظيم ، وجيش ~~كثيف ، وصاففوا الأفرنج وهم في الأعداد الدثرة ، والعدد الغاية في الكثرة ، ~~فكسروا عسكر الأفرنج كسرة عظيمة أجلت عن قتل الأكثر منهم ، ولم يفلت إلا من ~~سبق جواده ، وأخر في أجله بحيث أحصي القتلى فكانوا (65 و) عشرين ألفا ، ~~فجمعت رؤوسهم وبني بها أربع منائر للتأذين في غاية الارتفاع ، وأذن ~~المسلمون فيها ، وعاد عسكر الملثمين إلى بلادهم سالمين ظافرين مسرورين ~~مأجورين ، وامتنعوا من استخلاص ما كان ملكه الأفرنج من بلاد الأندلس ، وبقي ~~في أيديهم على حاله. ### | * سنة تسع وسبعين وأربعمائة # فيها تقدم السلطان العادل ملك شاه أبو الفتح بن السلطان ألب أرسلان ~~رحمه الله بإبطال أخذ الكوس من سائر التجار عن جميع البضائع في العراق ~~وخراسان ، وحظر تناول شيء منها في بلد من البلاد الجارية في مملكته ، فكثر ~~الدعاء له من كافة الناس في سائر الأعمال وتضاعف الثناء عليه من الخاص ~~والعام (1). # وفيها وردت الأخبار من ناحية المغرب بوصول الانبرت ابن ملك الافرنج في ~~عسكره إلى مدينة المهدية ، ونزوله عليها ومضايقته لها إلى أن ملكها بالسيف ~~قهرا ، وقتل رجالها وسبى كافة من كان بها من أهلها (2). PageV01P209 # وفيها جمع الملك سليمان شاه بن قتلمش (1) وحشد وقصد بلد حلب ، ونزل عليها ~~محاصرا لها ومضايقا عليها وطامعا في تملكها ، فوردت عليه أخبار السلطان تاج ~~الدولة تتش بن ألب أرسلان باحتشاده ، وتأهبه لقصدها ، واستعداده فرحل عنها ~~، والتقى عسكره وعسكر تاج الدولة في موضع يعرف بعين سيلم (2) في يوم ~~الأربعاء الثامن عشر من صفر ، فكسر عسكر تاج الدولة عسكر سليمان ، فقتل في ~~الهزيمة ، وملك تاج الدولة عسكره وسواده ، ونزل ms125 على حلب ، وضيق عليها إلى ~~أن تسلمها في شهر ربيع الأول ، سلمها إليه المعروف بابن البرعوني الحلبي (3). # وفيها وصل السلطان العادل ملك شاه أبو الفتح إلى الشام ، وانهزم تاج ~~الدولة من حلب ، وملكها السلطان العادل ودخلها في شهر رمضان ، وخرج منها ، ~~وقصد أنطاكية ، وملكها وخيم على ساحل البحر أياما ، وعاد إلى حلب وعيد بها ~~عيد الفطر ، ورحل عنها وقصد الرها ، ونزل عليها وضايقها وملكها. PageV01P210 ### | * سنة ثمانين وأربعمائة (1) # في هذه السنة تقررت ولاية حلب للأمير قسيم الدولة أق سنقر من قبل السلطان ~~ملك شاه أبي الفتح ، ووصل إليها وأحسن السيرة فيها ، وبسط العدل في أهليها ~~، وحمى السابلة المترددين فيها ، وأقام (65 ظ) الهيبة ، وأنصف الرعية ، ~~وتتبع المفسدين فأبادهم ، وقصد أهل الشر فأبعدهم ، وحصل له بذلك من الصيت ، ~~وحسن الذكر ، وتضاعف الثناء والشكر ما أخباره مذكور ، وأجاره فيه منشور ، ~~فعمرت السابلة للمترددين من السفار ، وزاد ارتفاع البلد بالواردين بالبضائع ~~من جميع الجهات والأقطار. # في هذه السنة توجه السلطان العادل ملك شاه أبو الفتح إلى سمرقند طمعا في ~~ملكتها بعد فراغ قلبه من الشام ، وبلاد الروم ، والجزيرة ، والرها ، وديار ~~بكر ، وديار بني عقيل. # وفيها خرج الأمير قسيم الدولة آق سنقر من حلب لتوديع تابوت زوجته خاتون ، ~~داية السلطان ملك شاه ، وقيل أنها كانت جالسة معه في داره بحلب ، وفي يده ~~سكين فأومى بها إليها على سبيل المداعبة والمزاح ، فوقعت في مقتلها للقضاء ~~المكتوب عليها ، غير متعمد ، فماتت وحزن عليها حزنا شديدا ، وتأسف لفقدها ~~على هذه الحال ، وحملها إلى الشرق لتدفن في مقابر لها هناك في مستهل جمادى ~~الآخرة (2). # وفي يوم الثلاثاء ، مستهل رجل نزل قسيم الدولة على شيزر وحصرها PageV01P211 # ونهب ربضها ، وضايقها إلى أن تقرر أمرها والموادعة بينه وبين صاحبها (1) ~~ورحل عنها عائدا إلى حلب. ### | * سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة # في هذه السنة وردت الأخبار من ناحية الشرق بافتتاح السلطان ملك شاه مدينة ~~سمرقند وأسر ملكها (2)، وكانت أخته مع السلطان ملك شاه وله منها ثلاثة ~~أولاد ، فجعل الولاية بها لأحدهم وهو الملك أحمد ، وأمر ms126 بالخطبة له على ~~المنابر ، وذكر أن الملك أحمد المذكور توفي في سنة أربع وثمانين وأربعمائة ~~، والابنة منهم زوجها للإمام الخليفة المقتدي بأمر الله. # وفيها خرج عسكر مصر منها مع مقدميه ، وقصد الساحل ، وفتح ثغري صور وصيدا ~~، وكان في صور أولاد القاضي عين الدولة (ابن) أبي عقيل بعد موته ، ولم يكن ~~قوة لهم تدفع ، ولا هيبة تمنع ، فسلموها ، وكذلك صيدا ، وقرروا أمرهما ، ثم ~~رحل العسكر عنها ونزل على ثغري جبيل وعكا فافتتحهما. # وفيها عمرت منارة الجامع بحلب (3)، وفيها نهض قسيم الدولة صاحب حلب في ~~أثر الحرامية قطاع الطريق ، ومخيفي السبيل ، فأوقع بهم واستأصل شأفتهم قتلا ~~وأسرا (66 و) فأمنت السابلة ، واطمأنت السافرة ، وكتب إلى سائر الأطراف ~~والأعمال بتتبع المفسدين ، وحماية المسافرين ، وبالغ في ذلك مبالغة حسن ~~ذكره بها ، وعظمت هيبته بسببها ، # مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية : 290. PageV01P212 # وشاع له الصيت باعتمادها ، واحترز كل من كان في ضيعة أو معقل من أن يتم ~~على أحد من المجتازين به أمر يؤخذ به ، ويهلك بسببه (1). ### | * سنة ثلاث وثمانين وأربعمائة # في هذه السنة نزل السلطان تاج الدولة على حمص ، في عسكره ومعه الأمير ~~قسيم الدولة صاحب حلب في عسكره ، والأمير بوزان صاحب أنطاكية وفيها خلف بن ~~ملاعب فضايقوها وصابروها إلى أن ملكوها بالأمان ، وخرج ابن ملاعب منها ، ~~وسلمها ووفوا له بما قرروه معه ، وأطلقوا سراحه فتوجه إلى مصر ، فأقام بها ~~مدة ، وعاد إلى الشام ، وأعمل الحيلة والتدبير على حصن أفامية إلى أن ملكه ~~، وحصل بيده (2). ### | * سنة أربع وثمانين وأربعمائة # في ليلة الثلاثاء التاسع من شعبان من السنة حدث في الشام زلزلة عظيمة ~~هائلة ، لم يسمع بمثلها ووافق هذا اليوم كونه من تشرين الأول ، وخرج الناس ~~من دورهم خوفا من عودها ، وحكي أن دورا كثيرة خربت بأنطاكية ، واضطربت ~~كنيسة السيدة فيها ، وهلك خلق كثير # مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية : 217 ، 280. PageV01P213 # بالردم ، وانهدم بها تقدير سبعين برجا من سورها ، وبقيت على حالها إلى أن ~~أمر السلطان ملك شاه بعمارتها ، ولم ما تشعث منها. # وفيها نزل الأمير قسيم الدولة ms127 صاحب حلب على حصن أفامية ، فملكه ، وأبعد ~~خلف بن ملاعب عنها ، ورتب نائبه في حفظها ، في ثالث رجب ، وعاد إلى حلب (1). # وفيها وردت الأخبار من المشرق بوفاة الملك أحمد بن السلطان ملك شاه ~~المرتب في مملكة جدة في سمرقند ، وخطب له على المنابر حسب ما تقدم ذكره ، ~~فعاجله القضاء الذي لا يدافع ، والمحتوم الذي لا يمانع. ### | * سنة خمس وثمانين وأربعمائة # في هذه السنة اقترن المريخ وزحل في برج السرطان ، وقت الظهر من يوم ~~الإثنين النصف من شهر ربيع الأول وهو السادس والعشرون من نيسان ، وذكر أهل ~~المعرفة من أهل صناعة النجوم أن هذا القران لم يحدث مثله في هذا البرج منذ ~~مبعث النبي صلى الله عليه وسلم وإلى هذه الغاية. # وفيها توجه السلطان العادل (66 ظ) ملك شاه من أصفهان إلى بغداد معولا على ~~قصد مصر لتملكها ، فلما وصل إلى همذان وثب رجل ديلمي من الباطنية على وزيره ~~خواجه بزرك نظام الملك أبي علي الحسن ابن اسحق الطوسي ، فقتله رحمه الله (2) ~~، وهرب من ساعته ، فطلب فلم يوجد ولا ظهر له خبر ولا بان له أثر ، فأسف ~~الناس ، وتألموا لمصابه PageV01P214 # وتضاعف حزنهم لفقد مثله ، لما كان عليه من حسن الطريقة ، وإيثار العدل ~~والنصفة والاحسان إلى أهل الدين والفقه والقرآن العلم ، وحب الخير ، وحميد ~~السياسة ، وكان قد أثر الآثارات الحسنة في البلاد من المدارس والرباطات ~~بالعراق وبلاد العجم ، بحيث كان رزقه يجري على اثني عشر ألف انسان من فقيه ~~إلى غيره ، وحزن السلطان ملك شاه عليه ، وأسف لفقده ، وأسرع السير إلى أن ~~وصل إلى بغداد في أيام قلائل من شوال من السنة ، وأقام مديدة ، وخرج إلى ~~المتصيد ، وعاد منه وقد وجد فتورا في جسمه ، واشتد به المرض الحاد ، فتوفي ~~رحمه الله في ليلة الأربعاء السادس من شوال من السنة ، وكان بين وفاته ، ~~ومقتل خواجه بزرك ثلاثة وثلاثون يوما ، وأقام مقامه في المملكة ولده ~~السلطان بركيارق ، وانتصب في منصبه ، وأخذت له البيعة ، ودعي على المنابر ~~باسمه ، واستقام أمره وانتظمت الحال على مراده. # وكان ms128 السلطان تاج الدولة تتش قد توجه من دمشق إلى بغداد ، للقاء أخيه ~~السلطان ملك شاه ، والخدمة له ، والتقرب إليه ، وورد الخبر عليه بوفاته ، ~~فانكفأ راجعا ، ونزل على الرحبة وضايقها ، وراسل المقيم بها يلتمس تسليمها ~~إليه فلم يتم له فيها أمر ولا مراد ، فرحل عنها إلى دمشق ، وجمع وحشد وعاد ~~في العسكر إلى الرحبة (1)، وقد كان كاتب قسيم الدولة صاحب حلب ، ومؤيد ~~الدولة يغي سغان (2) صاحب أنطاكية يستدعي منهما المساعدة ، ويبعثهما على ~~المؤازرة والمرافدة ، فسارا نحوه ، واجتمعا معه ، فقوي أمره بهما ، واستظهر ~~بعسكرهما ، ونزل على الرحبة وضايقها إلى أن ملكها بالأمان ، وأحسن إلى ~~أهلها وأجمل السيرة فيها ، وكان قد نذر على نفسه أنه متى ملكها بالأمان ~~والقهر شهر فيها # ط. بيروت : 1982 ص : 332 335. PageV01P215 # السيف ، فعند ذاك شهر سيفه عند دخوله إليها ، وأغمده عند استقرار أمرها ، ~~ووفى بنذره ، ورحل عنها بعد أن قرر أمرها ، ورتب المستحفظين من قبله فيها ~~قاصدا ناحية (67 و) نصيبين. # وقد كان بعد وفاة السلطان ملك شاه قد رجع إبراهيم بن قريش إلى بلاده ، ~~وتسلم الموصل وأعمالها ، وجمع العرب الأكراد ونزل في بلاد بني عقيل الموصل ~~وما والاها ، وغلب ولد أخيه شرف الدولة محمدا ، وأبعده عن الولاية ، ولما ~~وصل تاج الدولة إلى نصيبين وصل إليه الأمير بوزان صاحب الرها ، وخرج إليه ~~والي نصيبين يبذل الطاعة له والمناصحة في الخدمة ، فامتنع أهل البلد من ~~الجند الذين بها من أصحاب إبراهيم بن قريش ، فقاتلها وهدم بعض سورها ، ~~وملكها بالسيف ، وقتل فيها تقدير ألفي رجل ، وقتل كل من التجأ إلى جامعها ~~ومساجدها ، وأخذت الحرم ، وهتكت البنات وعوقبوا بأنواع العقوبات ، إلى أن ~~أظهرن كل مذخور ، وأبرزن كل مستور ، وفعل في أمرهم مالا يستحله مسلم ، ولا ~~يستحسنه كافر ، وأطلق بعد ذلك من كان في الأسر من الرجال والنسوان إلا من ~~بقي في أيدي الأتراك ، وذلك في صفر سنة ست وثمانين وأربعمائة ، وحكى بعض من ~~حضر هذه الكائنة القبيحة أنه شاهد امرأة تحت [واحد من] (1) الأتراك يطلب ~~منها الفاحشة ، وهي تصيح وتستغيث وتتمنع ms129 أشد التمنع «فجئته وحاولت تخليصها ~~منه فلم يفعل ، فجرحته فتخلى عنها وإذا بها امرأة من وجوه الأشراف ، ~~وأخرجتها إلى المخيم إلى أن سكنت الفتنة ، وأعدتها سالمة إلى دارها دون كل ~~بنت هتكت ، وأحرزت ثوابها ، وحسن الذكر بين أشراف نصيبين». ### | * سنة ست وثمانين وأربعمائة # في هذه السنة عاد السلطان تاج الدولة عن نصيبين بعد ما جرى فيها طالبا ~~لإبراهيم بن قريش ، فلما عرف خبره ، جمع وحشد واستصرخ PageV01P216 # واستنجد ، وحصل في خلق عظيم ونزل بها في المنزل المعروف بشرقي الهرماس ، ~~ونزل السلطان تاج الدولة على دارا (1)، فلما كان يوم الاثنين الثاني من ~~شهر ربيع الأول من السنة التقى الجيشان على نهر الهرماس (2)، واختلط ~~الفريقان واشتد القتال ، وانكشفت الوقعة عن قتل جماعة من الأتراك والعرب ، ~~وعاد كل فريق منهما إلى مكانه ، فلما استقر بالعرب المنزل ، عاد عسكر تاج ~~الدولة إليهم وهم غارون ، وحمل عليهم وهم غافلون ، فانهزمت العرب ، وأخذهم ~~السيف ، فقتل منهم (67 ظ) العدد الكثير ، والأكثر من الرجالة المقيمين في ~~المخيم ، وقتل الأمير إبراهيم بن قريش وجماعة من الأمراء ، والمقدمين من ~~بني عقيل وغيرهم ، وقيل إن تقدير القتلى من الفريقين عشرة آلاف رجل ، ~~واستولى النهب والسلب والسبي على من وجد في المخيم وامتلأت الأيدي من ~~الغنائم والسواد والمواشي والكراع ، بحيث بيع الجمل بدينار واحد والمائة ~~شاة بدينار واحد ، ولم يشاهد أبشع من هذه الوقعة ، ولا أشنع منها في هذا ~~الزمان ، وقتل بعض النسوان العرب أنفسهن اشفاقا من الهتيكة والسبي ، ولما ~~عادوا بالأسرى والسبي ، وحصلوا بشاطىء الفرات ألقى جماعة من الأسرى أنفسهم ~~في الفرات فهلكوا (3). # وقصد السلطان تاج الدولة ديار بكر ، ونزل على آمد وضايقها وملكها من ملكة ~~ابن جهير المقيم بها مع الجزيرة ، وولا [5] نصيبين عوضا عن الجزيرة وملك ~~آمد من ابن مروان وتسلم ميافارقين وأعمالها وقرر أمرها (4) وانفذ ولاته إلى ~~الموصل وسنجار ، وملك الأعمال PageV01P217 # وانهزم بنو عقيل من منازلهم وبلادهم ، وتوجهوا نحو السلطان بركيارق ابن ~~ملك شاه ، وكان علي بن شرف الدولة مسلم بن قريش ووالدته خاتون بنت السلطان ~~محمد بن ms130 داود (1) عمة السلطان ملك شاه يشكون ما نزل بهما من السلطان تاج ~~الدولة. # ولما تهيأ لتاج الدولة ما تهيأ ، وما أمله من ملكة البلاد وطاعة العباد ، ~~قويت شوكته وكثرت عدته وعدته ، وحدث نفسه بالسلطنة ، وتوجه إلى ناحية ~~خراسان ، وليس يمر ببلد ولا معقل من المعاقل إلا خرج إليه أهله ، وبذلوا له ~~الطاعة والمناصحة في الخدمة ، وأمره يستفحل وشأنه يعظم. # وفصل عنه قسيم الدولة صاحب حلب ، وعماد الدولة بزان صاحب الرها مغاضبين ، ~~وقصدا ناحية السلطان بركيارق بن ملك شاه مخالفين له وعاصيين عليه ، واقتضت ~~الحال عود تاج الدولة إلى ديار بكر ، ونزل على مدينة سروج (2) فملكها وولى ~~فيها ، وفي الجزيرة من ارتضاه من ثقات خواصه ، واتصل به خبر وصول الأمير ~~قسيم الدولة آق سنقر صاحب حلب ، ومؤيد الدولة ابن صاحب الرها اللذين (3) ~~كانا فارقاه إلى السلطان بركيارق ، ودخولهما عليه وإكرامه لهما وحسن موقع ~~وصولهما منه وسروره بمقدمهما عليه ، وأنهما شرعا في الوقوع في ناحية تاج ~~الدولة والتحذير من (68 و) الاهمال لأمره ، والتحريض على معاجلته قبل إعضال ~~خطبه ، وتمكنه من الغلبة على السلطنة والإستيلاء على أعمال المملكة ، ~~وأشارا عليه بالمسير في هذا الوقت ، وطلبا منه من يسير معهما لإيصالهما إلى ~~بلديهما حلب والرها ، فسار معهما لإيصالهما إلى الموصل ، ورد بني عقيل ~~إليهم وقدم عليا بن شرف الدولة مسلم بن قريش PageV01P218 # عليهم ، ولقبه سعد الدولة ، فوصل قسيم الدولة إلى حلب في شوال سنة ست ~~وثمانين وأربعمائة ومعه جماعة من بني عقيل ، وبعض عسكر السلطان بركيارق ~~بحيث وصل إلى حلب ، وانتهى الخبر بذاك إلى تاج الدولة ، فنهض في العسكر من ~~ناحية الرحبة إلى الفرات ، وقصد بلد أنطاكية وأقام بها ، وورد عليه الخبر ~~بانكفاء السلطان من الرحبة إلى بغداد ، وأن عزمه أن يشتو بها ، وأقام تاج ~~الدولة بأنطاكية مدة فقلت الأقوات وارتفعت الأسعار ، وخوطب في العود إلى ~~الشام ، فلم يفعل ، وعاد إلى دمشق آخر ذي الحجة من السنة ، وفي جملته ~~الأمير وثاب بن محمود بن صالح وبنو كامل وجماعة من العرب لم يجسروا على ms131 ~~الإقامة بالشام خوفا من قسيم الدولة صاحب حلب. # وفي هذه السنة خرج من مصر عسكر كبير إلى ثغر صور لما عصى واليها الأمير ~~منير الدولة الجيوشي ، وقد كان أهل صور أنكروا عصيانه ، وكرهوا خلفه ~~لسلطانه أمير الجيوش بدر ، وعرف ذلك من نياتهم ، فحين اشتد القتال عليها ~~نادوا بشعار المستنصر بالله وأمير الجيوش ، فهجم العسكر المصري على البلد ، ~~ولم يدافع عنه مدافع ، ولا مانع دونه ممانع ، ونهب وأسر الخلق الكثير ، ~~وأخذ في الجملة منير الدولة الوالي وخواصه وأجناده وحملوا إلى مصر في يوم ~~الرابع عشر من جمادى (1) سنة ست وثمانين وأربعمائة وقطع على أهل البلد ستون ~~ألف دينار أجحفت بأحوالهم ، واستغرقت جل أموالهم ، ولما وصل الوالي منير ~~الدولة ومن معه من أجناده وأصحابه ، تقدم أمير الجيوش بضرب أعناقهم ففعل ~~ذلك ، ولم يعف عن واحد منهم. # وفي هذه السنة وردت الأخبار من العراق بابطال مسير الحاج لأسباب دعت إلى ~~ذاك ، والخوف عليهم في مسيرهم ، وسار الحاج من دمشق والشام في هذه السنة ~~صحبة الأمير الخاني أحد مقدمي أتراك PageV01P219 # السلطان (68 ظ) تاج الدولة بعد العقد له بولايته ، وتأكيد خطابه بحمايتهم ~~ووصيته ، فلما وصلوا وقصدوا مناسكهم وفروض حجهم ، تلوموا عن الانكفاء أياما ~~خوفا من أمير الحرم ابن أبي شيبة (1) إذ لم يصل إليه من جهتهم ما يرضيه ، ~~فلما رحلوا من مكة تبعهم في رجاله ، ونهبهم قريبا من مكة ، فعادوا إلى مكة ~~، وشكوا إليه وتضوروا لديه مما نزل بهم مع بعد دارهم ، فرد عليهم البعض من ~~جمالهم ، وقتل في الوقعة أخو الأمير الخاني المقدم ، فلما أيسوا من رد ~~المأخوذ لهم ساروا من مكة عائدين على أقبح صفة ، فحين بعدوا عنها ظهر عليهم ~~قوم من العرب من عدة جهات ، فأحاطوا بهم فصانعوهم على ما دفعوه إليهم ، هذا ~~بعد أن قتل من الحجاج جماعة وافرة ، وهلك قوم بالضعف والانقطاع ، وجرى ~~عليهم من العرب المكروه ، وعاد السالم منهم على أقبح حال ، وأكسف بال. # وفيها توفي الإمام أبو الفرج عبد الواحد بن محمد بن الحنبلي رحمه الله ، ~~في ms132 يوم الأحد الثامن والعشرين من ذي الحجة بدمشق ، وكان وافر العلم متين ~~الدين حسن الوعظ ، محمود السمت (2). ### | * سنة سبع وثمانين وأربعمائة # في هذه السنة ورد الخبر من العراق بوفاة الخليفة الإمام المقتدي بأمر ~~الله ، أبي القاسم عبد الله بن الذخيرة بن القائم بأمر الله ، أمير ~~المؤمنين ، فجأة في ليلة السبت انتصاف المحرم ، وعمره ثمان وثلاثون سنة ~~وتسعة أشهر وأيام ، مولدة يوم الأربعاء الثاني ، ويقال الثامن من جمادى ~~الأولى ستة ثمان وأربعين وأربعمائة ، وكانت مدة خلافته تسع PageV01P220 # عشرة (1) سنة ، وخمسة أشهر ، وكان حسن السيرة ، جميل السريرة ، وولي بعده ~~ولي عهده ولده أبو العباس أحمد المستظهر بالله أمير المؤمنين بن المقتدي ~~بالله أمير المؤمنين ، وبويع له بالخلافة بعد أبيه في يوم الثلاثاء الثامن ~~عشر من المحرم من السنة ، واستقام له الأمر ، وانتظمت بتدبيره الأحوال على ~~قبض السداد ، وكنه المراد ، وعند ذلك قبض على إخوته واعتقلهم عنده ، وكان ~~السلطان بركيارق عند وفاة المقتدي بالله رحمه الله مقيما ببغداد ، وبقي فيها ~~مقيما إلى آخر السنة. # وفي شهر ربيع الآخر منها برز السلطان تاج الدولة من دمشق في العسكر ، ~~وتوجه إلى الشام ، وقطع العاصي في شهر ربيع الآخر (69 و)، وتقدم إلى ~~العسكرية برعي الزراعات ، ونهب المواشي والعوامل ، ولما اتصل الخبر بذاك ~~إلى قسيم الدولة صاحب حلب ، شرع في الجمع والاحتشاد ، والتأهب لدفعه ~~والاستعداد ، وأجمع على لقائه ، وانتهى الخبر إلى تاج الدولة بذاك ، ووصول ~~بزان صاحب الرها إليه في عسكره ، لإسعاده عليه ، وانجاده ، وكذلك وصول ~~كربوقا صاحب الموصل ويوسف [بن آبق] (2) صاحب الرحبة في ألفين وخمسمائة فارس ~~، وحصول الجميع في حلب لمعونته ومؤازرته ، فرحل من منزله بكفر حمار (3) إلى ~~الحانوته ، ثم منها إلى الناعورة ، وغارت الخيل على المواشي PageV01P221 # بها ، وأحرقوا بعض زرعها ، ورحل منها إلى ناحية الوادي [وادي بزاعا] (1) ~~ورحل قسيم الدولة في جمعه من العسكر ، وتقديره نحو من عشرين ألفا ، وزيادة ~~على ذلك ، لكنهم (2) في أحسن زي وهيئة ، وأتم آلة وعدة وقطع سواقي نهر ~~سبعين (3) قاصدا عسكر تاج الدولة ، وكان بروزه من حلب في ms133 يوم الجمعة الثامن ~~من جمادى الأولى من السنة ، التقى الفريقان غداة يوم السبت تاليه عقيب ~~اقتران المريخ وزحل في برج الأسد ، المقدم ذكره بخمسة أيام ، وكان عسكرا ~~كربوقا وبزان لم يتمكنوا من قطع بعض السواقي ، فأقاموا على حالهم (4)، ولم ~~يثق بمن كان معه من العرب ، فنقلهم في وقت المصاف من الميمنة إلى الميسرة ، ~~ثم جعلهم في القلب فلم يغنوا شيئا ، فنصر الله تعالى تاج الدولة وعسكره ~~عليهم ، فانهزمت العرب وعسكر كربوقا وبزان عند الحملة وعسكر يوسف ، وتحكمت ~~السيوف فيهم ، وأسر قسيم الدولة آق سنقر صاحب حلب وأكثر أصحابه ، وحين ~~أحضروا بين يدي السلطان تاج الدولة (5)، فأمر بضرب عنق قسيم الدولة ومن ~~اتفق من أصحابه فقتلوا وتوجه أكثر الفل إلى حلب ، واجتمعوا بأهل البلد ~~والأحداث ، وتقرر بينهم الاعتصام بحلب ، والاستنجاد بالسلطان بركيارق ، ~~فوصل تاج الدولة في الحال إلى حلب ، وقد اختلفت الآراء فيها بينهم ، وحاروا ~~فيما يعملون عليه ، فوثب جماعة PageV01P222 # منهم لم يوبه لهم ، وكسروا باب البلد ، ونادوا بشعار تاج الدولة ، فدخل ~~الأمير وثاب بن محمود بن صالح البلد في مقدمته ، وبادر الوالي (1) المقيم ~~بقلعة الشريف التي قبلي حلب ، بالظهور إلى تاج الدولة ، ومن باب منها دخل ~~تاج الدولة ، ونزل إليه رسول الأمير نوح صاحب (69 ظ) قلعة حلب وزوجته ، ~~وتوثقا منه وأخذا الأمان له من تاج الدولة ، وعادا إليه وأعلماه بما كان من ~~تقرير الحال ، وأخذ الأمان ، فسلمها إليه ، وحصل بها في يوم الاثنين الحادي ~~عشر من جمادى الأولى ، وسلمت جميع الحصون إليه من الشام ، وكان بزان صاحب ~~الرها في جملة من أسر في الوقعة ، فتقدم تاج الدولة بقتله ، فضربت عنقه ~~صبرا ، وكذلك الأمير كربوقا صاحب الموصل ، كان قد أسر في الوقعة فاعتقل ~~بحلب إلى أن تقرر أمر حلب ورتبت النواب والمستحفظون فيها وقرر أمره. # ورحل السلطان تاج الدولة عن حلب في العسكر إلى ناحية الفرات ، وقطعه وقصد ~~حران فاستعادها ، وكذلك سروج والرها ، وقصد ديار بكر ، وعدل عن طريق ~~السلطان بركيارق ، لأنه كان نازلا بأرض الموصل ، طالبا لخاتون زوج السلطان ms134 ~~ملك شاه والدة أخيه محمود ، وكانت مستولية على أصفهان وجميع الأموال ، ~~لمكاتبات ومراسلات ترددت بينهما في معنى الوصلة بينها وبينه ، واستقر الملك ~~له ولها ، وكانت قد منعت السلطان بركيارق التصرف في تلك الأعمال والتقود بها. # في هذا الوقت حدثت زلازل في يوم وليلة دفعات لم يسمع بمثلها ، في كل ~~زلزلة منها تقيم وتطول بخلاف ما جرت بمثله العادة. # ورحل تاج الدولة عقيب ذلك ، ولم يتمكن من الاتمام على سمته ، وعرفت خاتون ~~الخبر ، فخرجت من أصفهان في عسكرها للقاء تاج الدولة ، فعرض لها في طريقها ~~مرض حاد ، فتوفيت وتفرق عسكرها إلى PageV01P223 # جهة السلطان بركيارق وإلى غيره ، وحين عرف بركيارق ذاك سار في الحال إلى ~~أصفهان ، فدخلها وملكها ، وقد كان أهلها أشرفوا على الهلاك لفرط الغلاء بها ~~وعدم الأقوات فيها ، ووصل من عسكر خاتون إلى تاج الدولة خلق كثير ، وكذلك ~~من عسكر بركيارق ، فتضاعفت عدته ، وقويت شوكته ودعي له على منابر بغداد ، ~~ووصل إلى همذان ، وكاتب ولده فخر الملوك رضوان بدمشق يأمره بالمسير إليه في ~~من بقي من الأجناد في الشام ، فسار إلى حلب ، ومن حلب إلى العراق ، ومعه ~~الأمير نجم الدين ايل غازي بن أرتق ، والأمير وثاب بن محمود بن صالح ، ~~وجماعة من أمراء العرب وأتراك حلب القسيمية (1)، وتوجه صوب بغداد على ~~الرحبة في أول سنة سبع وثمانين وأربعمائة. # وفي هذه (70 و) السنة وردت الأخبار من ناحية مصر بمرض أمير الجيوش بدر ، ~~المستولي على أمرها ، وأنه أسكت في مرضه هذا ، ودام به إلى أن اشتد في ~~جمادى الأولى منها ، وتوفي في العشر الأول منه ، وقد كان الأمر تمهد لولده ~~الأفضل ، واستقامت حاله مع المقدمين وسائر الأجناد والعساكرية قبل وفاته ، ~~وأطاعوا أمره ، وعملوا برأيه ، وقيل أن وفاة أمير الجيوش كانت في جمادى ~~الأولى. # وفي هذه السنة أيضا وردت الأخبار من ناحية مصر بمرض الامام المستنصر ~~بالله أمير المؤمنين في العشر الثاني من ذي الحجة ، وإن المرض اشتد به ، ~~وتوفي إلى رحمة الله في ليلة عيد الغدير ، الثامن عشر من ذي الحجة ms135 سنة سبع ~~وثمانين وأربعمائة (2)، وعمره سبع وستون سنة وستة PageV01P224 # أشهر ، ومولدة سنة عشرين وأربعمائة ، ونقش خاتمه «بنصر السميع العليم ~~ينتصر الامام أبو تميم» ومدة أيام دولته ستون سنة وأربعة أشهر ، وكان حسن ~~السيرة ، جميل السريرة ، محبا للعدل والانصاف ، ومني في أكثر عمره من ~~الأجناد بالعناد والاختلاف ، وولي الأمر بعده ولده أبو القاسم أحمد بن ~~المستنصر بالله ، ولقب بالمستعلي بالله أمير المؤمنين ، وأخذ له البيعة على ~~الأمراء والمقدمين من الأجناد والعسكرية ، وأعيان الرعية ، الأفضل أبو ~~القاسم شاهنشاه بن أمير الجيوش ، ونصبه في منصب أبيه المستنصر بالله ، ~~واستقامت به الأحوال وانتظمت على غاية الايثار والآمال. # وخرج أخواه من مصر خفية : عبد الله ونزار ابنا المستنصر بالله ، فقصد ~~نزار منهما الاسكندرية ، وحصل مع نصر الدولة واليها ، وكان من أكابر ~~الغلمان الجيوشية ، الذين عول عليهم أمير الجيوش على إقامته في الأمر من ~~بعده دون ولده. # فاستحكم الخلف بينه وبين الأفضل ، وجرت بينهما حروب ووقائع ، أسفرت عن ~~ظفر الأفضل به ، واستقام له الأمر من بعده ، وصلحت أحوال مصر وأعمالها ، ~~واستقامت بعد اضطرابها واختلالها. # وأما ما يتعلق بمعرفة أحوال السلطان تاج الدولة ، فإنه تم في رحيله إلى ~~مدينة الري ، فنزل عليها وضايقها وملكها ، واستولى على البلاد والأعمال ~~والمعاقل من الشام وإلى الري ، وكان قد أنهض عسكرا من بني عقيل ونمير إلى ~~أعمال بني عقيل ، فاستولوا عليها ما خلا الموصل ، وساءت سيرة الأتراك في ~~الأعمال (75 ظ) وشملها منهم ما عاد عليها بالفساد وسوء الحال ، وأنفذوا ~~مواشي أهلها وأموالهم ، واستغرقوا بالنهب وارتكاب الظلم أحوالهم وأجلوهم عن ~~منازلهم في زمن الشتاء وشدة البرد وسقوط الجليد. PageV01P225 # وبرز السلطان بركيارق من أصفهان في العسكر ، وقصد جهة عمه السلطان تاج ~~الدولة ، وخاف تاج الدولة من أهل الري أن يخامروا عليه إن أقام ، فرحل عنها ~~، ونزل في منزله على أربعة فراسخ منها ، ووصل السلطان بركيارق في عساكره ~~وخيم بإزاءه ، وحالت بينهما طوالع الفريقين ، وتأهب كل منهما للقاء صاحبه ، ~~ورتبت المصافات للحرب ، والتقى الفريقان في اليوم السابع عشر من صفر سنة ~~ثمان وثمانين ms136 وأربعمائة ، فانفل ، عسكر السلطان تاج الدولة ، وتفرق ونهب ~~سواده وأثقاله ، وأسر أكثره ، وقتل منه الخلق الكثير واستشهد تاج الدولة ~~رحمه الله في الجملة ، وقتله (1) بعض أصحاب قسيم الدولة آق سنقر ، صاحب حلب ~~، بعد اصطناعه إياه وتقريبه له ، وحمل رأسه وطيف به في العسكر ، ثم حمل إلى ~~بغداد ، وطيف به فيها. ### | * سنة ثمان وثمانين وأربعمائة # فيها ورد الخبر إلى الملك فخر الملوك رضوان بن تاج الدولة باستشهاد أبيه ~~تاج الدولة ، وانفلال عسكره ، وهو نازل في عانة على الفرات في عسكره يريد ~~الإتمام إلى بغداد ، ثم المصير إلى أبيه تاج الدولة ، حين استدعاه إلى ~~الوصول إليه ، فاضطرب لذاك وقلق ، وخاف من وصول من يطلبه ، فحط مضاربه في ~~الحال ، وقوضت خيام العسكر في الوقت ، ورحل مجدا في سيره في نفر من سرعان ~~خيله وغلمانه ، وترك باقي عسكره من ورائه ، ولم يزل مغذا في قصده إلى أن ~~دخل حلب ، وفتح الوزير أبو القاسم (2) النائب في القلعة أبوابها ، وأصعده ~~إليها ، وأخذوا الأهبة لمن يقصدها. PageV01P226 # ووصل إليه من الفل أخوه شمس الملوك دقاق (1) ابن السلطان تاج الدولة ، من ~~ناحية ديار بكر ، وجماعة من خواص عسكره المفلول ، وأقام بحلب مدة يسيرة ، ~~وراسله الأمير ساوتكين الخادم المستناب في القلعة والبلد ، وقرر له ملكة ~~دمشق سرا ، فخرج في الحال من حلب من غير أن يعلم به أحد ، وجد في سيره ليله ~~ونهاره ، فلما عرف الملك فخر الملوك خبره (71 و) أنهض عدة من الخيل في إثره ~~، ففاتهم ولم يعرفوا له خبرا ، ولا وجدوا له أثرا ، ووصل إلى دمشق وحصل بها ~~وأجلسه ساوتكين في منصب أبيه السلطان تاج الدولة ، وأخذ له العهد على ~~الأجناد والعسكرية ، واستقام له الأمر ، واستمرت (2) على السداد الأحوال. # وفي هذه السنة وردت الأخبار من ناحية الحجاز بأن الأمير أصفهذ وصل إلى ~~مكة في أربعمائة فارس من التركمانية ، فقاتل أهلها فقهرهم ، وملكها وقتل ~~خلقا كثيرا من حرابتها من أصحاب ابن أبي شيبة ، وانهزم ابن أبي شيبة ، ~~وجميع الأشراف من مكة ، وحصل بها وأقام بها مديدة يسيرة ورحل ms137 عنها. # وفي هذه السنة وردت الأخبار بخلاص الأمير ظهير الدولة طغتكين أتابك من ~~اعتقاله عقيب الكسرة التاجية ، وتوجه عائدا إلى دمشق ، وخرج صاحبه السلار ~~حصن الدولة بختيار شحنة دمشق نحوه لتلقيه والعود في خدمته ، وقد كان هذا ~~الأمير المذكور في حداثة سنة ونضارة غصنه ، قد حظي عند السلطان الشهيد تاج ~~الدولة ، ورشحه يحجبه وقدمه على أبناء جنسه من خواصه وبطانته ، وسكن إلى ~~شهامته وصرامته وسداد طريقته ، ورد إليه بعد ذلك ما أنس منه الرشد وحسن # وهذا صحيح فالاسم أصلا بالتركية يلفظ أولا بحرف وسط بين التاء والدال ، ~~لذلك وجد من عربه بدال ومن عربه بتاء ، وهذه الحال نجدها في غالبية ~~المصادر. PageV01P227 # التدبير في الصدر والورد ، والاسفهسلارية على عسكريته واستنابه في تدبير ~~أمر دمشق ، وحفظها أيام غيبته ، فأحسن السيرة فيها ، وأنصف الرعية من أهلها ~~، وبسط المعدلة في كافة من بها ، فكثر الدعاء له والثناء عليه ، فعلت ~~منزلته وامتثلت أوامره وأمثلته ، ولم يلبث أن شاع ذكره بنجابته ، وأشفقت ~~النفوس من هيبته ، فولاه ميافارقين من ديار بكر وهي أول ولايته (1) وسلم ~~إليه ولده الملك شمس الملوك دقاق ، واعتمد عليه في تربيته وكفالته ، فساس ~~أمرها بالهيبة والتدبير ، وأصلح فاسدها في أقرب أوان ومدة ، ونكا في جماعة ~~من مقدميها ، ووجود أهلها حين عرف منهم خيانة ومخامرة نكاية قامت بها ~~الهيبة ، واستقامت معها أمور الرعية ، وتنقلت به الأحوال إلى أن توجه مع ~~السلطان تاج الدولة إلى الري ، وشهد الوقعة التي استشهد فيها تاج الدولة ، ~~وحصل في قبضة الاعتقال ، مع من أسر من المقدمين وأقام مدة إلى أن أذن الله ~~في الخلاص (71 ظ) وصل إلى دمشق في سنة ثمان وثمانين وأربعمائة ، فتلقاه ~~الملك شمس الدولة دقاق وعسكره وأرباب دولته ، وبولغ في إكرامه واحترامه ، ~~ورد إليه النظر في الاسفهسلارية ، واعتمد عليه في تدبير المملكة وسياسة ~~البيضة ، واقتضت الحال فيها بينه وبين الملك وأمراء الدولة العمل على ~~الأمير ساوتكين ، والايقاع به ، وتمم عليه الأمر ، وقتل وعقدت الوصلة بينه ~~وبين ظهير الدين أتابك وبين الخاتون صفوة الملك والدة شمس ms138 الملوك دقاق ، ~~ودخل بها ، واستقامت له الحال بدمشق ، وأحسن السيرة فيها ، وأجمل في تدبير ~~أهليها ، وبالغ في الذب عنها ، والمراماة دونها ، وسكنت نفس الملك شمس ~~الملوك إليه ، واعتمد في التدبير عليه. # وقد كان الملك فخر الملوك رضوان بن تاج الدولة صاحب حلب مائلا إلى دمشق ، ~~ومحبا لها ، ومؤثرا للعود إليها ، ولا يختار عليها سواها ، لمعرفته ~~بمحاسنها ، وترعرعه فيها ، فجمع وحشد واستنجد PageV01P228 # بالأمير سكمان بن أرتق ، وبرز طالبا لدمشق والنزول عليها ، وانتهاز ~~الفرصة فيها. # وقد كان الملك شمس الملوك دقاق والعسكر مع الأمير يغي سغان ، والأمير نجم ~~الدين ايل غازي قد غابوا عن دمشق في هذا الوقت ، فوصل الملك فخر الملوك ~~رضوان صاحب حلب في عسكره ، ونزل بظاهر البلد في سنة تسع وثمانين وأربعمائة ~~وزحف في العسكر لقتالها ، وكان في البلد وزير الملك شمس الملوك زين الدولة ~~محمد بن الوزير أبي القاسم ، ونفر قليل من العسكرية ، وانضاف إليهم جماعة ~~من الأجناد وأهل البلد ، وأغلقت الأبواب وارتكبت الأسوار ، وصاحوا ورشقوهم ~~بالسهام ، وكانوا قد بلغوا في الزحف إلى سوق الغنم ، وقربوا من السور وباب ~~الصغير ، وطلب جماعة من العسكرية وأحداث البلد الخروج إليهم ، والدفع لهم ~~عن البلد ، فمنعهم السلار بختيار شحنة البلد ، والرئيس أمين الدولة أبو ~~محمد بن الصوفي رئيس البلد من الخروج ، وقاتلوهم على الأسوار ومنعوهم من ~~الوصول إليها ، واتفق الأمر المقتضى أن حجر المنجنيق وقع في رأس حاجب الملك ~~رضوان وهو قائم يحرض على الحرب فقتله ، فسكنت الحرب واشتغلوا بأمره ، ~~وعادوا إلى مخيمهم لأجله ، ولم يتم لهم أمر ، ولا تسهل لهم غرض ، وبلغهم أن ~~الملك شمس الملوك عائد (72 و) في العسكر إلى دمشق ، فرحل في العسكر عائدا ~~إلى حلب ، خائبا في الأمر الذي طلب ، وطلب في رحيله ناحية مرج الصفر ، وطلب ~~حوران ، فعاث العسكر في أطرافها ، وطلب التوجه إلى بيت المقدس ، وعاد شمس ~~الملوك دقاق لما انتهى إليه الخبر في العسكر ، ووصل إلى دمشق ، وتبع عسكر ~~الملك رضوان على إثره ، فوصل وتقارب المدى بين الفريقين ، وفصل الملك رضوان ~~منكفئا إلى ms139 حلب ، فوصل إليها في آخر ذي الحجة من السنة. PageV01P229 ### | * سنة تسع وثمانين وأربعمائة # فيها وصل خلف بن ملاعب ، الذي كان السلطان ملك شاه أبو الفتح أخذه من حمص ~~، عند أخذها منه ، واعتقله بأصفهان (1)، وأطلق عند وفاة السلطان المذكور ، ~~وتوجه إلى مصر. # وفيها ورد الخبر بوفاة أبي مسلم وادع بن سليمان ، قاضي معرة النعمان ، ~~والمستولي عليها في آخر صفر منها ، وكان له همة مشهورة ، وطريقة في اليقظة ~~مشكورة. # وفيها انكفأ الأمير يغي سيان منفصلا عن الملك شمس الملوك دقاق إلى بلدة ~~أنطاكية ، في المحرم منها. ### | * سنة تسعين وأربعمائة # في مستهل شهر ربيع الأول منها اجتمع ستة كواكب في برج الحوت وهي : الشمس ~~، والقمر ، والمشتري ، والزهرة ، والمريخ ، وعطارد ، وذكر أهل صناعة النجوم ~~أنهم لم يعرفوا اجتماع هذه الكواكب في برج ، في قديم الزمان وحديثه ، ولا ~~سمعوا ذاك. # وفي شعبان منها ورد الخبر بأن الأمير جناح الدولة حسين أتابك الملك فخر ~~الملوك رضوان بحلب ، استوحش من الملك استيحاشا خاف معه على نفسه ، وكان زوج ~~والدته ، ففصل عن حلب منكرا لما تم في أمره ، وكان أمر التدبير إليه ~~والمعتمد في الحل والعقد فيها عليه ، ووصل إلى حمص في عسكره وخواصه ، وكان ~~قراجة نائبه فيها ، فسلمها إليه ، وحصل بها ، وشرع في تحصينها ، والإحكام ~~لجهات قلعتها ، ونقل أهله إليها ، وأمن على نفسه باستقراره بها (2)، ووصل ~~عقيب انفصاله الأمير PageV01P230 # يغي سغان من أنطاكية إلى حلب وشرع في التدبير والتقرير بها ، والأمر ~~والنهي في عسكريتها وأهليها ، وبرز الملك رضوان ويغي سغان من حلب في (72 ظ) ~~العسكر إلى ناحية شيزر ، عازما على الاحتشاد ، والتأهب والاستعداد لمعاودة ~~النزول على دمشق ، فأقاموا على شيزر تقدير شهر ، ووقع الخلف بين مقدمي ~~العسكر ، فتفرقوا وعاد كل منهم إلى مكانه ، وعاد الملك إلى حلب. # وفي هذه السنة ورد على فخر الملوك رضوان كتاب المستعلي بالله صاحب مصر مع ~~رسوله ، يلتمس منه الدخول في طاعته ، وإقامة الدعوة لدولته ، وكذلك كتاب ~~الأفضل يتضمن مثل هذه الحال ، فأجابهما إلى ما التمساه ، وأمر بأن يدعى ~~للمستعلي على ms140 المنبر ، وللأفضل بعده ، ولنفسه بعده ، وأقامت الخطبة على هذه ~~القضية تقدير أربع جمع ، وكان الملك رضوان قد بنى الأمر في ذلك على ~~الاجتماع مع العسكر المصري ، والنزول على دمشق لأخذها من أخيه الملك دقاق ، ~~فوصل الأمير سكمان (1) بن أرتق ويغي سغان صاحب أنطاكية إلى حلب ، وأنكرا ~~على الملك الدخول في هذا الأمر ، واستبدعاه من فعله ، وأشارا عليه بإبطاله ~~وإطراح العمل به ، فقبل ما أشير به إليه وأعاد الخطبة إلى ما كانت عليه. # وفي أول شهر ربيع الأول من السنة ، وردت الأخبار بخروج العسكر المصري من ~~مصر ، ونزوله على ثغر صور عند ظهور عصيان واليه المعروف بالكتيلة ، وخروجه ~~عن الطاعة ، والايثار للخلف والعدول عن المخالصة في الخدمة والعود للمبايعة ~~، ولم يزل العسكر منازلها ومضيقا عليها إلى أن افتتحها بالسيف قهرا ، وقتل ~~فيها الخلق الكثير ، ونهب منها المال الجزيل ، وأخذ الوالي أسيرا من غير ~~أمان ولا عهد ، وحمل إلى مصر ، فقتل بها. # وفي هذه السنة كان مبدأ تواصل الأخبار بظهور عساكر الأفرنج من PageV01P231 # بحر القسطنطينية ، في عالم لا يحصى عدده كثرة ، وتتابعت الأنباء بذلك ، ~~فقلق الناس لسماعها وانزعجوا لاشتهارها ، وصحت الأخبار بذاك عند الملك (قلج ~~أرسلان بن) سليمان بن قتلمش وكان أقربهم إليهم دارا ، فشرع في الجمع ~~والاحتشاد ، وإقامة مفروض الجهاد ، واستدعى من أمكنة من التركمان للاسعاد ~~عليهم والانجاد ، فوافاه منهم مع عسكر أخيه العدد الكثير ، وقويت بذاك نفسه ~~، واشتدت شوكته فزحف إلى معابرهم ومسالكهم وسبلهم (73 و) فأوقع بكل من ظفر ~~به منهم ، بحيث قتل خلقا كثيرا ، وعادوا إليه ، واستظهروا عليه ، وكسروا ~~عسكره ، فقتلوا منهم وأسروا ونهبوا وسبوا ، وانهزم التركمان بعد أن أخذ ~~أكثر دوابهم ، واشترى ملك الروم من السبي خلقا كثيرا ، وحملهم إلى ~~القسطنطينية ، وتواصلت الأخبار بهذه النوبة المستبشعة في حق الاسلام ، فعظم ~~القلق ، وزاد الخوف والفرق ، وكانت هذه الوقعة لعشر بقين من رجب. # وفي النصف من شعبان توجه الأمير يغي سغان صاحب أنطاكية والأمير سكمان بن ~~أرتق والأمير كربوقا في العسكر إلى أنطاكية ، وقد وردت الأخبار بقرب ~~الأفرنج منها ms141 ، ونزولهم البلانة (1) وخف يغي سغان إلى أنطاكية ، وسير ولده ~~إلى دمشق إلى الملك دقاق ، وإلى جناح الدولة بحمص ، وإلى سائر البلاد ~~والأطراف بالاستصراخ والاستنجاد ، والبعث على الخفوف إلى الجهاد ، وقصد ~~تحصين أنطاكية ، وإخراج النصارى منها. # وفي اليوم الثاني من شوال نزلت عساكر الأفرنج على بغراس وأغاروا (2) على ~~أعمال أنطاكية ، فعند ذلك عصى من كان في الحصون والمعاقل المجاورة لأنطاكية ~~(3)، وقتلوا من كان فيها وهرب من هرب PageV01P232 # منها وفعل أهل ارتاح (1) مثل ذلك ، واستدعوا المدد من الأفرنج ، وفي ~~شعبان ظهر الكوكب ذو الذؤابة من الغرب وأقام طلوعه تقدير عشرين يوما ، ثم ~~غاب ، فلم يظهر ، وكان قد نهض من عسكر الأفرنج فريق وافر يناهز ثلاثين ألفا ~~، فعاثوا في الأطراف ووصلوا إلى البارة (2) وقتلوا فيها تقدير خمسين رجلا ، ~~وكان عسكر دمشق وصل إلى ناحية شيزر لانجاد يغي سغان ، فلما نزلت هذه الفرقة ~~المذكورة على البارة ، نهضوا نحوهم ، وتطاردوا وقتل منهم جماعة ، وعاد ~~الأفرنج إلى الروج (3)، وتوجهوا إلى أنطاكية ، وغلا سعر الزيت والملح ، ~~وغير ذلك وعدم في أنطاكية ، وتواصل ذلك إليها سرقة ، فرخص فيها ، وجعل ~~الأفرنج بينهم وبين أنطاكية خندقا لكثرة الغارات عليهم من عسكر أنطاكية ، ~~وقد كان الأفرنج عند ظهورهم عاهدوا ملك الروم ووعدوه بأن يسلموا إليه أول ~~بلد يفتحونه ، ففتحوا نيقية وهي أول مكان فتحوا ، فلم يفوا له بذلك ولا ~~سلموها إليه على الشرط (4)، وافتتحوا في طريقهم بعض الثغور والدروب. # وفي هذه السنة وردت الأخبار من (73 ظ) ناحية حلب بفساد حال رئيسها ~~المعروف بالمجن لما كان عليه من التمكن والغلبة على الأمر ، وارتكاب الظلم ~~، بحيث قبض عليه ، ونهبت داره ، وقتل مع من قتل من أولاده ، واستؤصلت شأفته ~~، وذلك مجازاة الساعي في PageV01P233 # قتل النفوس ، وسفك الدماء ، وما هي من الظالمين ببعيد ، وذلك في ذي ~~القعدة (1). # وفي هذه السنة استوزر الملك رضوان أبا الفضل بن الموصول (2)، ولقب مشيد ~~الدين ، بحلب. ### | * سنة إحدى وتسعين وأربعمائة # في آخر جمادى الأولى منها ورد الخبر بأن قوما من أهل أنطاكية من جملة ~~الأمير يغي سيان من الزرادين ms142 عملوا على أنطاكية وواطوا الافرنج على تسليمها ~~إليهم لإساءة تقدمت منه في حقهم ومصادرتهم ، ووجدوا الفرصة في برج من أبراج ~~البلد ، مما يلي الجبل باعوه للأفرنج ، وأطلعوهم إلى البلد منه في الليل ~~(3)، وصاحوا عند الفجر ، فانهزم يغي سيان ، وخرج في خلق عظيم ، فلم يسلم ~~منهم شخص ، ولما حصل بالقرب من أرمناز ، ضيعة قرب من معرة مصرين ، سقط عن ~~فرسه على الأرض ، فحمله بعض أصحابه وأركبه ، فلم يثبت على ظهر الفرس ، ~~وعاود سقط ، فمات رحمه الله . # وأما أنطاكية ، فقتل منها وأسر وسبي من الرجال والنسوان والأطفال ما لا ~~يدركه حصر ، وهرب إلى القلعة تقدير ثلاثة آلاف تحصنوا بها ، وسلم من كتب ~~الله سلامته. # وفي شعبان منها وردت الأخبار بخروج الأفضل أمير الجيوش من مصر ، في عسكر ~~كبير إلى ناحية الشام ، ونزل على بيت المقدس ، وفيه الأميران سكمان وأيل ~~غازي ابنا أرتق ، وجماعة من أقاربهما ورجالهما ، PageV01P234 # وخلق كثير من الأتراك فراسلهما يلتمس منهما تسلم بيت المقدس إليه ، من ~~غير حرب ولا سفك دم ، فلم يجيباه إلى ذلك ، فقاتل البلد ، ونصب عليه ~~المناجيق ، فهدمت ثلمة من سوره ، وملكه وتسلم محراب [برج] داود من سكمان ، ~~ولما حصل فيه أحسن إليهما ، وأنعم عليهما وأطلقهما ومن معهما ووصلوا إلى ~~دمشق في العشر الأول من شوال ، وعاد الأفضل في عسكره إلى مصر. # وفيها توجه الأفرنج إلى معرة النعمان بأسرهم ، ونزلوا عليها في اليوم ~~التاسع والعشرين من ذي الحجة ، وقاتلوها ونصبوا عليها البرج والسلالم ، ~~وبعد افتتاح الأفرنج بلد (74 و) أنطاكية بتدبير الزراد ، وهو رجل أرمني ~~اسمه نيروز (1) في ليلة الجمعة مستهل رجب ، تواصلت الأخبار بصحة ذلك فتجمعت ~~عساكر الشام في العدد الذي لا يدركه حصر ولا حرز ، وقصدوا عمل أنطاكية ~~للإيقاع بعسكر الأفرنج ، فحصروهم حتى عدم القوت عندهم حتى أكلوا الميتة ، ~~ثم زحفوا وهم في غاية من الضعف إلى عساكر الإسلام وهم في الغاية من القوة ~~والكثرة ، فكسروا المسلمين ، وفرقوا جموعهم ، وانهزم أصحاب الجرد السبق ، ~~ووقع السيف في الرجال المتطوعين والمجاهدين والمغالبين في الرغبة في الجهاد ~~، وحماية ms143 المسلمين ، في ذلك ، في يوم الثلاثاء السادس من رجب في السنة (2). ### | * وأهلت سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة # في المحرم منها زحف الأفرنج إلى سور معرة النعمان من الناحية الشرقية ~~والشمالية ، وأسندوا البرج إلى سورها ، وهو أعلى منه ، فكشفوا المسلمين عن ~~السور ، ولم تزل الحرب عليه إلى وقت المغرب من اليوم PageV01P235 # الرابع عشر من محرم ، وصعدوا السور ، وانكشف أهل البلد عنه ، وانهزموا ~~بعد أن ترددت إليهم رسل الأفرنج في التماس التقرير والتسليم وإعطاء الأمان ~~على نفوسهم وأموالهم ، ودخول الشحنة إليهم ، فمنع من ذلك الخلف بين أهلها ~~وما قضاه الله تعالى وحكم به ، وملكوا البلد بعد صلاة المغرب ، وقتل فيه ~~خلق كثير من الفريقين ، وانهزم الناس إلى دور المعرة للاحتماء بها ، فأمنهم ~~الأفرنج وغدروا بهم ، ورفعوا الصلبان فوق البلد ، وقطعوا على أهل البلد ~~القطائع ، ولم يفوا بشيء مما قرروه ، ونهبوا ما وجدوه ، وطالبوا الناس بما ~~لا طاقة لهم به ، ورحلوا يوم الخميس السابع عشر من صفر إلى كفر طاب. # ثم قصدوا بعد ذلك ناحية بيت المقدس آخر رجب من السنة ، وأجفل الناس منهم ~~من أماكنهم ، ونزلوا أولا على الرملة فملكوها عند إدراك الغلة ، وانتقلوا ~~إلى بيت المقدس ، فقاتلوا أهله ، وضيقوا عليهم ، ونصبوا عليه البرج وأسندوه ~~إلى السور ، وانتهى إليهم خروج الأفضل من مصر في العساكر الدثرة ، لجهادهم ~~والايقاع بهم ، وإنجاد البلد عليهم وحمايته منهم ، فشدوا في قتاله ، ~~ولازموا حربه إلى آخر نهار ذلك اليوم ، وانصرفوا عنه ، وواعدهم الزحف إليهم ~~من الغد ، ونزل الناس عن السور وقت المغرب ، (74 ظ) فعاود الأفرنج الزحف ~~إليه ، وطلعوا البرج ، وركبوا سور البلد ، فانهزم الناس عنه ، وهجموا البلد ~~فملكوه ، وانهزم بعض أهله إلى المحراب ، وقتل خلق كثير وجمع اليهود في ~~الكنيسة وأحرقوها عليهم ، وتسلموا المحراب بالأمان في الثاني والعشرين من ~~شعبان من السنة ، وهدموا المشاهد وقبر الخليل عليه السلام . # ووصل الأفضل في العساكر المصرية وقد فات الأمر ، فانضاف إليه عساكر ~~الساحل ، ونزل بظاهر عسقلان في رابع عشر شهر رمضان ، منتظرا لوصول الإسطول ~~في البحر والعرب ، فنهض عسكر الأفرنج ms144 إليه ، وهجموا عليه في خلق عظيم ، ~~فانهزم العسكر المصري إلى ناحية PageV01P236 # عسقلان ، ودخل الأفضل إليها ، وتمكنت سيوف الأفرنج من المسلمين ، فأتى ~~القتل على الراجل والمطوعة وأهل البلد ، وكانوا زهاء عشرة آلاف نفس ، ونهب ~~العسكر ، وتوجه الأفضل في خواصه إلى مصر ، وضايقوا عسقلان إلى أن قرروا ~~عليها بعده للأفرنج عشرين ألف دينار ، تحمل إليهم ، وشرعوا في جبايتها من ~~أهل البلد ، فاتفق حدوث الخلف بين المقدمين ، فرحلوا ولم يقبضوا من المال ~~شيئا ، وحكي أن الذين قتلوا في هذه الوقعة من أهل عسقلان من شهودها وتنائها ~~وتجارها وأحداثها ، سوى أجنادها ألفان وسبعمائة نفس. ### | * سنة ثلاث وتسعين وأربعمائة # في صفر منها ورد الخبر بوصول السلطان بركيارق إلى بغداد ، بعد أن جرى ~~بينه وبين أخيه السلطان محمد تبر خلف وحرب ، استظهر فيها عليه ، وغلبه على ~~مدينة أصفهان وحصل بها. # وتوجه الملك شمس الملوك دقاق بن تاج الدولة من دمشق في عسكره إلى ديار ~~بكر لتسلمها من المستولي عليها ، ووصل إلى الرحبة في البرية ، ووصل إلى ~~ديار بكر وتسلم ميافارقين ، ورتب فيها من يحفظها ويذب عنها. # وفي رجب منها خرج بيمند ملك الأفرنج صاحب أنطاكية إلى حصن أفامية ، ونزل ~~عليه ، وأقام أياما وأتلف زرعه ووصل الخبر بوصول الدانشمند (1) إلى ملطية ~~في عسكره من الأتراك ، في خلق عظيم ومن عسكر (قلج أرسلان بن) سليمان بن ~~قتلمش ، فعاد بيمند ، عند معرفة ذاك إلى أنطاكية ، وجمع وحشد ، وقصد عسكر ~~المسلمين ، فنصر الله تعالى المسلمين عليه ، وقتلوا من حزبه خلقا كثيرا (75 ~~و) وحصل في قبضة PageV01P237 # الأسر مع نفر من أصحابه ، ونفذت الرسل إلى نوابه بأنطاكية يلتمسون ~~تسليمها ، في العشر الثاني من شهر صفر سنة ثلاث وتسعين وأربعمائة. # وفيها وردت الأخبار بأن الآبار غارت في عدة جهات من أعمال الشمال ، ~~والمنابع في أكثر المعاقل ، وقلت وتقلصت الأسعار فيها. ### | * سنة أربع وتسعين وأربعمائة # فيها جمع الأمير سكمان بن أرتق خلقا كثيرا من التركمان ، وزحف بهم إلى ~~أفرنج الرها وسروج ، في شهر ربيع الأول وتسلم سروج واجتمع إليه خلق كثير ، ~~وحشد الأفرنج ms145 أيضا ، والتقى الفريقان ، وقد كان المسلمون مشرفين على النصر ~~عليهم ، والقهر لهم ، فاتفق هروب جماعة من التركمان ، فضعفت نفسه وانهزم ، ~~ووصل الأفرنج إلى سروج ، فتسلموها وقتلوا أهلها وسبوهم ، إلا من أفلت منهم هزيما. # (و) في هذه السنة توفي القاضي الفقيه الإمام أبو اسحق إبراهيم بن محمد بن ~~عقيل بن زيد الشهرزوري الواعظ ، رحمه الله ، يوم الإثنين السابع من المحرم منها. # وفي هذه السنة وصل كندفري صاحب بيت المقدس إلى ثغر عكا ، وأغار عليه ~~فأصابه سهم فقتله ، وكان قد عمر يافا وسلمها إلى طنكري ، فلما قتل كندفري ~~سار أخوه بغدوين القمص صاحب الرها إلى بيت المقدس ، في خمسمائة فارس وراجل ~~، فجمع شمس الملوك دقاق عند معرفته خبر عبوره ، ونهض إليه معه الأمير جناح ~~الدولة صاحب حمص ، فلقوه بالقرب من ثغر بيروت ، فسارع نحوه جناح الدولة في ~~عسكره فظفر به وقتل بعض أصحابه. # وفيها افتتح الأفرنج حيفا ، على ساحل البحر بالسيف ، وأرسوف بالأمان ، ~~وأخرجوا أهلها منها ، وفي آخر رجب منها فتحوا قيسارية بالسيف ، وقتلوا ~~أهلها ، ونهبوا ما فيها ، وأعانهم الجنويون عليها. PageV01P238 # وفيها ورد الخبر بقرب السلطان بركيارق من بغداد في عسكره ، طالبا للقاء ~~أخيه محمد (1)، فأسر وقتل وأخذ وزيره وجماعة من مقدميه ، وأمر بقتلهم ، ~~وتوجه من وقته إلى ناحية أصفهان ، فنزل عليها عند وصوله إليها ، وتقرر ~~أمرها بحيث ملكها ، وحصل فيها وهي دار السلطنة واستقام (75 ظ) له الأمر بها. # وفيها تقدم الخليفة المستظهر بالله أمير المؤمنين ببغداد بالقبض على عميد ~~الدولة محمد بن محمد بن جهير وزيره ، وعلى نوابه وأسبابه ومصادرتهم ، ~~وقتلهم لأشياء نقمها عليه (2)، ومنكرات عزيت إليه. # وفي شعبان منها أرسل القاضي ابن صليحة المتغلب على ثغر جبلة إلى الأمير ~~ظهير الدين أتابك ، يلتمس منه انفاذ من يراه من ثقاته ليسلم إليه ثغر جبلة ~~، ويصل إلى دمشق بماله وحاله ، ويسيره إلى بغداد تحت الحوطة والأمان ~~والحماية ، وجميل الرعاية ، فأجابه إلى ما اقترحه ، ووعده بتحقيق أمله ، ~~وندب لولاية الثغر المذكور ولده الأمير تاج الملوك بوري ، وكان الملك شمس ~~الملوك دقاق غائبا ms146 عن دمشق في ديار بكر ، فعاد عنها ، ودخل إلى دمشق في أول ~~شوال من السنة ، وتقررت الحال على ما التمس ابن صليحة ، وتوجه تاج الملوك ~~في أصحابه إلى جبلة ، فتسلمها ، وانفصل ابن صليحة عنها ، ووصل دمشق بأصحابه ~~وأسبابه وكراعه ودوابه وكل ما تحويه يده من مال وأثاث وحال ، فأكرم مثواه ، ~~وأحسن لقياه ، وأقام ما أقام بدمشق وسير إلى بغداد مع فرقة وافرة من ~~الأجناد ، PageV01P239 # بجميع ما يملكه ، وحصل بها ، واتفق له من وشى بماله ، وعظم سعة حاله إلى ~~السلطان ، فنهب واشتمل على ما كان يملك. # وأما تاج الملوك فإنه لما ملك ثغر جبلة ، وتمكن هو وأصحابه فيها أساؤوا ~~إلى أهله ، وقبحوا السيرة فيهم ، وجروا على غير العادة المرضية من العدل ~~والإنصاف ، فشكوا حالهم فيما نزل بهم إلى القاضي فخر الملك أبي علي عمار بن ~~محمد بن عمار المتغلب على ثغر طرابلس لقربها منهم ، فوعدهم المعونة على ~~مرادهم وإسعادهم بالانقاذ لهم ، وأنهض إليهم عدة وافرة من عسكره فدخلت ~~الثغر ، واجتمعت مع أهله على الأتراك ، فقهروهم وأخرجوهم منه ، وملكوه ~~وقبضوا تاج الملوك ، وحملوه إلى طرابلس ، فأكرمه فخر الملك وأحسن إليه ، ~~وسيره إلى دمشق ، وكتب إلى والده أتابك يعرفه صورة الحال ، ويعتذر إليه مما جرى. # وفيها قبض الملك شمس الملوك دقاق على أمين الدولة أبي محمد الصوفي ، رئيس ~~دمشق وصالحه على جملة من المال يحملها إلى خزانته ، وأطلقه من الاعتقال ، ~~وأقره على رئاسته. # وفي هذه السنة خرج من مصر عسكر كثيف مع الأمير سعد الدولة المعروف ~~بالعواسي ووصل إلى (76 و) عسقلان لجهاد الأفرنج في أول شهر رمضان ، وأقام ~~بحيث هو إلى ذي الحجة منها ، ورحل من عسقلان ، ونهض إليه من الأفرنج ألف ~~فارس وعشرة آلاف راجل ، والتقى الفريقان فكسرت ميمنة المسلمين وميسرتهم ~~وتبعوهم ، وبقي سعد الدولة المقدم في نفر يسير من عسكره في القلب ، فحمل ~~الأفرنج عليه ، وطلب الثبات ، فعاجله القضاء ، وكبا به جواده ، وسقط عنه ~~إلى الأرض ، فاستشهد مكانه رحمه الله ، ومضى شهيدا مأجورا ، وعاد المسلمون ~~على الأفرنج ، وتذامروا عليهم ، وبذلوا ms147 النفوس في الكرة إليهم ، فهزموهم ~~إلى يافا ، وقتلوا منهم وأسروا ، وغنموا وكانت العقبى الحسنة لهم ، ولم ~~يفقد إلا نفر يسير منهم. PageV01P240 # وفيها انكفأ الأمير كربوقا صاحب الموصل والجزيرة عن السلطان بركيارق ~~لمشاهدة أحوال ولايته ، واستعادة المخالفين إلى طاعته ، فلما وصل إلى مراغة ~~عرض له مرض الموت ، واشتد به ، وتوفي هناك ، وسار إلى ربه. # وفي هذه السنة وصل السلطان بركيارق بن ملك شاه إلى بغداد ، منهزما من ~~أخيه السلطان محمد في آخرها (1). ### | * سنة خمس وتسعين وأربعمائة # وفي هذه السنة وردت الأخبار بما أهل خراسان والعراق والشام عليه ، من ~~الخلاف المستمر والشحناء والحروب والفساد ، وخوف بعضهم من بعض ، لاشتغال ~~الولاة عنهم والنظر في أحوالهم بالخلف والمحاربة. # وفيها وصل قمص (2) الرها ، مقدم الأفرنج في عسكره المخذول إلى ثغر بيروت ~~، فنزل عليه طامعا في افتتاحه ، وحاربه وضايقه وطال مقامه عليه ، ولم يتهيأ ~~فيه مراد فرحل عنه. # ووردت مكاتبات فخر الملك بن عمار صاحب طرابلس يلتمس فيها المعونة على دفع ~~ابن صنجيل النازل في عسكره من الأفرنج على طرابلس ، ويستصرخ بالعسكر ~~الدمشقي ، ويستغيث بهم ، فأجيب إلى ما التمس ، ونهض العسكر نحوه ، فاجتمعوا ~~في عدد دثر وقصدوا ناحية أنطرطوس ، ونهد الأفرنج إليهم في جمعهم وحشدهم ، ~~وتقارب الجيشان والتقيا هناك ، فانفل عسكر المسلمين من عساكر المشركين ، ~~وقتل منهم PageV01P241 # الخلق الكثير ، وقفل من سلم إلى دمشق وحمص بعد فقد من (76 ظ) فقد منهم ، ~~ووصلوا في الثاني والعشرين من جمادى الآخرة. # وفيها وردت الأخبار من ناحية مصر بوفاة المستعلي بالله أمير المؤمنين ابن ~~المستنصر بالله صاحب مصر ، في صفر منها ، وعمره سبع وعشرون سنة ، ومولده ~~سنة ثمان وستين وأربعمائة ، وكانت مدة أيامه سبع سنين وشهرين ، ونقش خاتمه ~~«الإمام المستعلي بالله أمير المؤمنين» ، وكان حسن الطريقة ، جميل السيرة ~~في كافة الأجناد والعسكرية ، وسائر الرعية ، لازما قصره كعادة أبيه ~~المستنصر بالله منكفيا بالافضل سيف الاسلام ابن أمير الجيوش ، فيما يريده ، ~~بأصالة رأيه وصواب تقديره وامضائه ، وقام في الأمر بعده ولده أبو علي ~~المنصور بن المستعلي بالله أبي القاسم أحمد ، وأخذ ms148 له البيعة على الأجناد ~~والأمراء ، وكافة الرعايا والخدم والأولياء ، الأفضل السيد أبو القاسم ~~شاهنشاه ابن أمير الجيوش ، وأجلسه في منصب أبيه عقيب وفاته ، ولقب بالآمر ~~بأحكام الله ، واستقام له الأمر بحسن تدبير الأفضل ، وانتظمت به الأحوال ~~على غاية المباغي والآمال. # وفي هذه السنة خرجت العساكر المصرية من مصر ، لإنجاد ولاة الساحل في ~~الثغور الباقية في أيديهم منها على منازليهم من أحزاب الأفرنج ، ووصلت إلى ~~عسقلان في رجب ، ولما عرف بغدوين قمص بيت المقدس وصولهم ، نهض نحوهم في ~~جمعه من الأفرنج في تقدير سبعمائة فارس وراجل ، اختارهم ، فهجم بهم على ~~العسكر المصري ، فنصره الله على حزبه المفلول ، وقتلوا أكثر خيله ورجالته ، ~~وانهزم إلى الرملة في ثلاثة نفر ، وتبعوه وأحاطوا به ، فتنكر وخرج في غفلة ~~منهم ، وقصد يافا ، وأفلت منهم ، فكان قد اختفى في أجمة قصب حين تبع ، ~~وأحرقت تلك الأجمة ، ولحقت النار بعض جسده ونجا منها ، وحصل بيافا ، فأوقع ~~السيف في أصحابه وقتل وأسر من ظفر به في الرملة من رجاله وأبطاله ، وحملوا ~~إلى مصر في آخر رجب من السنة. PageV01P242 # وفي هذا الوقت وصلت مراكب الأفرنج في البحر ، تقدير أربعين مركبا ، ووردت ~~الأخبار بأن البحر هاج بها ، واختلفت أرياحه عليها ، فعطب أكثرها ، ولم ~~يسلم منها إلا القليل ، وكانت مشحنة بالرجال والمال. ### | * سنة ست وتسعين وأربعمائة # (77 و) فيها برز الملك شمس الملوك دقاق وظهير الدين أتابك من دمشق ، في ~~العسكر ، وقصد الرحبة ، ونزل عليها ، وضايق من بها ، وقطع أسباب الميرة ~~عنها ، وأصر بالمضايقة إلى أن اضطر المقيم بها إلى طلب الأمان له ولأهل ~~البلد ، فأمنوا ، وسلمت إليه بعد القتال الشديد ، والحرب المتصلة في جمادى ~~الآخرة منها ، ورتب أمرها ، وندب من رآه من الثقات لحفظها ، وقرر أحوال من ~~بها ، ورحل عنها في يوم الجمعة الثاني والعشرين منها ، منكفئا إلى دمشق. # وفيها ورد الخبر من حمص ، بأن صاحبها الأمير جناح الدولة حسين أتابك ، ~~نزل من القلعة إلى الجامع ، لصلاة الجمعة وحوله خواص أصحابه بالسلاح التام ~~، فلما حصل بموضع مصلاه على رسمه ، وثب عليه ms149 ثلاثة نفر عجم من الباطنية ~~ومعهم شيخ ، يدعون له ويستميحونه ، في زي الزهاد ، فوعدهم ، فضربوه (1) ~~بسكاكينهم ، وقتلوه وقتلوا معه جماعة من أصحابه ، وكان في الجامع عشرة نفر ~~من متصوفة العجم وغيرهم ، فاتهموا ، وقتلوا صبرا مظلومين في الوقت عن آخرهم. # وانزعج أهل حمص لهذا الحادث وأجفلوا في الحال ، وهرب أكثر سكانها من ~~الأتراك إلى دمشق ، واضطربت الأحوال بها ، وراسلوا الملك شمس الملوك بدمشق ~~يلتمسون إنفاذ من يتسلم حمص ، ويعتمد عليه في حمايتها ، والذب عنها قبل ~~انتهاء الخبر إلى الافرنج ، وامتداد أطماعهم PageV01P243 # فيها ، فسار الملك شمس الملوك وظهير الدين أتابك في العسكر من دمشق ، ~~ووصل إلى حمص ، وتسلمها ، وحصل في قلعتها ، ووافق ذلك وصول الأفرنج إليها ، ~~ونزولهم على الرستن لمضايقتها ومنازلتها ، فحين عرفوا ذلك أحجموا عن القرب ~~إليها والدنو منها ، ورحلوا عنها. # وقد كان المعروف بالحكيم المنجم الباطني ، صاحب الملك فخر الملوك رضوان ~~صاحب حلب أول من أظهر مذهب الباطنية في حلب والشام ، وهو الذي ندب الثلاثة ~~النفر لقتل جناح الدولة بحمص ، وورد الخبر بهلاكه بعد الحادثة بأربعة عشر ~~(1) يوما. # ولما رتب شمس الملوك أمر حمص ، وقرر أحوالها ، وانكفأ عائدا إلى دمشق في ~~أول شهر رمضان ، خرجت العساكر المصرية من مصر إلى البر ، والاسطول في البحر ~~مع شرف المعالي ولد الأفضل شاهنشاه ، وكتب في استدعاء المعونة على (77 ظ) ~~الجهاد ، وبنصرة العباد والبلاد ، بإنفاذ العسكر الدمشقي ، فأجيب إلى ذلك ، ~~وعاقت عن مسيره أسباب حدثت ، وصوادف صدفت ، ووصل اسطول البحر ، نزل على ~~يافا آخر شوال ، وأقام أياما وتفرق الاسطول والعساكر إلى الساحل وكانت ~~الأسعار بها قد ارتفعت ، والأقوات قد قلت ، فصلحت بما وصل من الاسطول من ~~الغلة ورخص الأسعار ، إلا أن غارات الأفرنج متصلة عليها. # وفي ذي القعدة من السنة تواترت الأخبار بخروج قلج أرسلان بن سليمان بن ~~قتلمش ، من بلاد الروم طالبا أنطاكية ، ووصوله إلى قريب من مرعش ، وجرى ~~بينه وبين الأمير الدانشمند صاحب ملطية خلف ومنازعة ، أوجبت عوده عليه ، ~~وايقاعه به ، وفل عسكره ، والفتك برجاله ، ولما انكفأ يعد ذلك قيل إنه ms150 وصل ~~إلى الشام ، وأرسل رسوله إلى حلب يلتمس الأذن للسفار بالوصول إلى عسكره ~~بالمير والأزواد ، وما يحتاج إليه سائر العسكرية والأجناد ، فسر الناس بذلك ~~وتباشروا به. # مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية : 378. PageV01P244 ### | * سنة سبع وتسعين وأربعمائة # في رجب منها وردت الأخبار بوصول مراكب الأفرنج في البحر من بلادهم إلى ~~ظاهر اللاذقية مشحونة بالتجار والأجناد والحجاج ، وغير ذلك ، وأن صنجيل ~~المنازل لطرابلس استنجد بهم على طرابلس ، في مضايقتها والمعونة على ملكتها ~~، وأنهم وصلوا إليه فاجتمعوا معه على منازلتها ومضايقتها ، فقاتلوها أياما ~~ورحلوا عنها ، ونزلوا على ثغر جبيل فقاتلوه وضايقوه وملكوه بالأمان ، فلما ~~حصل في ملكتهم ، غدروا بأهله ، ولم يفوا بما بذلوه من الأمان وصادروهم ، ~~واستنفدوا أحوالهم وأموالهم بالعقوبات وأنواع العذاب. # وورد الخبر باجتماع الأميرين : سكمان بن أرتق ، وجكرمش صاحب الموصل في ~~عسكرهما [وأنهما] تعاهدا وتعاقدا على المجاهدة في أعداء الله الأفرنج ، ~~وبذل الطاقة والاستطاعة في حربهم ، ونزلا في أوائل شعبان من السنة برأس ~~العين ، ونهض بيمند وطنكري في عسكريهما من ناحية أنطاكية إلى الرها لإنجاد ~~صاحبها على الأميرين المذكورين ، فلما قربا من عسكر المسلمين النازلين على ~~الرها ، تأهب كل من الفريقين للقاء صاحبه ، فالتقوا في تاسع شعبان فنصر ~~الله المسلمين عليهم ، وهزموهم وقتلوا منهم (78 و) مقتلة كبيرة ، وكانت ~~عدتهم تزيد على عشرة آلاف فارس وراجل سوى السواد والأتباع ، وانهزم بيمند ~~وطنكري في نفر يسير ، وكان نصرا حسنا للمسلمين لم يتهيأ مثله وضعفت نفوس ~~الأفرنج ، وقلت عدتهم ، وفلت شوكتهم وشكتهم وقويت نفوس المسلمين وأرهفت (1) ~~عزائمهم في نصرة الدين ، ومجاهدة الملحدين ، وتباشر الناس بالنصر عليهم ، ~~وأيقنوا بالنكاية فيهم ، والإدالة منهم. # وفي هذا الشهر ورد الخبر بنزول بغدوين ملك الأفرنج ، صاحب بيت المقدس ، ~~في عسكره على ثغر عكا ، ومعه الجنويون في المراكب في PageV01P245 # البحر والبر ، وهم الذين كانوا ملكوا ثغر جبيل في نيف وتسعين مركبا ، ~~فحصروه من جهاته وضايقوه من جوانبه ، ولازموه بالقتال إلى أن عجز واليه ~~ورجاله عن حربهم ، وضعف أهله عن المقاتلة لهم ، وملكوه بالسيف قهرا ، وكان ~~الوالي به الأمير زهر الدولة ms151 نبأ (1) الجيوشي قد خرج منه لعجزه عن حمايته ، ~~وضعفه عن المراماة دونه ، وأنفذ يلتمس منهم الأمان له ولأهل الثغر ، ليأسه ~~من وصول نجدة أو معونة ، فلما ملك الثغر تم على حاله منهزما إلى دمشق ، ~~فدخلها وأكرمه ظهير الدين أتابك ، وأحسن تلقيه ، وكان وصوله إلى دمشق يوم ~~الخميس لثلاث بقين من شعبان ، وتقدم شمس الملوك دقاق وظهير الدين أتابك في ~~حقه ، بما طيب نفسه وأكد أنسه ، وأقام بدمشق إلى أن تسهلت له السبيل في ~~العود إلى مصر ، فتوجه إليها عائدا ، ووصل إليها سالما ، وأوضح عذره فيما ~~تم عليه من الغلبة ، فقبل عذره بعد الإنكار عليه ، والغيظ من فعله. # وفي هذه السنة عرض للملك شمس الملوك دقاق ابن السلطان تاج الدولة ، صاحب ~~دمشق ، مرض تطاول ، ووقع معه تخليط الغذاء ، أوجب انتقاله إلى علة الدق ، ~~فلم يزل به وهو كل يوم في ضعف ونقص ، فلما أشفى ووقع اليأس من برءه ، ~~وانقطع الرجاء من عافيته (2)، تقدمت إليه والدته الخاتون صفوة الملك بأن ~~يوصي بما في نفسه ، ولا يترك أمر الدولة وولده سدى ، فعند ذلك نص على ~~الأمير ظهير الدين أتابك في الولاية بدمشق من بعده ، والحضانة لولده الصغير ~~تتش بن دقاق بن تاج # مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية 386. PageV01P246 # الدولة إلى حين يكبر ، وإحسان تربيته ، وألقى إليه ما كان في نفسه ، ~~وتوفي إلى جنة الله في اليوم الثاني عشر من شهر رمضان من السنة (1). # وقد (78 ظ) كان ظهير الدين أتابك قبل هذه الحال في عقابيل مرض أشفى منه ، ~~وتداركه من الله تعالى العافية ، وأبل من مرضه ، وشرع في إحسان السيرة في ~~العسكرية والرعية ، وأحسن إلى الأمراء والمقدمين من الدولة ، وأطلق يده من ~~الخزانة في الخلع والتشريفات والصلات والهبات ، وأمر بالمعروف ، ونهى عن ~~المنكر ، وأقام الهيبة على المفسدين المسيئين ، وبالغ في الإحسان إلى ~~المطيعين والمحسنين ، وتألف القلوب بالعطاء ، واستمال الجانح بالتودد ~~والحباء ، واستقامت له الأمور ، وأجمع على طاعته الجمهور ، وقد كان الملك ~~شمس الملوك قد حمل على الرئيس أبي محمد بن الصوفي رئيس دمشق ، إلى ms152 أن قبض ~~عليه في سنة ست وتسعين وأربعمائة ، وبقي معتقلا إلى أن قررت عليه مصالحه ~~نهض فيها ، وقام بها ، وبعد ذلك عرض له مرض قضى فيه محتوم نحبه ، وصار منه ~~إلى ربه وقام بعده في منصبه ولده أبو المجلي سيف وأخوه أبو الذواد المفرج ، ~~وكتب لهما المنشور في الاشتراك في الرئاسة ، وأحضرهما ظهير الدين أتابك ، ~~عقيب وفاة شمس الملوك ، وطيب نفسيهما ، ووكد الوصية عليهما في استعمال ~~النهضة في سياسة الرعايا ، وإنهاء أحوالها فيما يستمر من صلاح وفساد ، ~~ليقابل المحسن إليها بالإحسان ، والجاني عليها بالتأديب والهوان ، فامتثلا ~~أوامره وعملا بأحكامه. # وكان الملك شمس الملوك رحمه الله ، قبل وفاته قد سير أخاه الملك أرتاش ابن ~~السلطان تاج الدولة إلى حصن بعلبك ، ليكون به معتقلا عند واليه فخر الدولة ~~خادم أبيه كمشتكين التاجي ، فرأى ظهير PageV01P247 # الدين أتابك في حكم ما يلزمه لأولاد تاج الدولة أن يراسل (1) الخادم ~~المذكور في إطلاقه وإحضاره إلى دمشق ، فوصل إليها ، وتلقاه وأكرمه وبجله ~~وخدمه ، وأقامه في منصب أخيه شمس الملوك ، وتقدم إلى الأمراء والمقدمين ~~والأجناد بالطاعة لأمره ، والمناصحة في خدمته ، وأجلسه في دست المملكة ، في ~~يوم السبت لخمس بقين من ذي الحجة سنة سبع وتسعين وأربعمائة فاستقامت بذلك ~~الأمور وسكنت إليه نفوس الجمهور. # واتفق للأمر المقضي الذي لا يدافع ، والمحتوم الذي لا يمانع ، من سعى في ~~إفساد هذا التدبير ، ونقض هذا التقرير ، فأوحش الملك محيي الدين أرتاش من ~~ظهير الدين أتابك ، (79 و) ومن الخاتون صفوة الملك والدة شمس الملوك ، ~~وأوقعت أمه في نفسه الخوف منهما ، وأوهمته أنهما ربما عملا عليه فقتلاه ، ~~والأمر بالضد مما نقله الواشي إليه وألقاه ، فخاف منهما وحسن له الخروج من ~~دمشق ومملكتها ، والعود إلى بعلبك لتجتمع إليه الرجال والعسكرية ، فخرج ~~منها سرا في صفر سنة ثمان وتسعين وأربعمائة وخرج ايتكين الحلبي صاحب بصرى ~~هاربا ، لتقرير كان بينهما في هذا الفساد ، فعاثا في ناحية حوران ، وراسلا ~~بغدوين ملك الأفرنج بالاستنجاد به ، وتوجها نحوه ، وأقاما عنده مدة بين ~~الافرنج بحرضانه على المسير إلى دمشق ، ويبعثانه ms153 على الإفساد في أعمالها ، ~~فلم يحصلا منه على حاصل ، ولا ظفرا بطائل ، فحين يئسا من المعونة ، وخاب ~~أملهما في الإجابة ، توجها إلى ناحية الرحبة في البرية (2)، واستقام الأمر بعدهما PageV01P248 # لظهير الدين أتابك ، وتفرد بالأمر ، واستبد بالرأي ، وحسنت أحوال دمشق ~~وأعمالها بأيالته ، وعمرت بجميل سياسته ، وقضى الله تعالى بوفاة تتش ولد ~~الملك شمس الملوك دقاق المقدم ذكره في هذه الأيام واتفق أن الأسعار رخصت ، ~~والغلات ظهرت ، وانبسطت الرعية في عمارة الأملاك في باطن دمشق ، وظاهرها ~~لإحسان سيرته وإجمال معاملته ، وبث العدل فيهم ، وكف أسباب الظلم عنهم. # وفي هذه السنة ورد الخبر من ناحية طرابلس بظهور فخر الملك ابن عمار ، ~~صاحبها في عسكره وأهل البلد ، وقصدهم الحصن الذي بناه صنجيل عليهم (1) ~~وأنهم هجموا عليه على غرة ممن فيه ، فقتل من به ونهب ما فيه ، وأحرق ، ~~وأخرب ، وأخذ منه السلاح والمال والديباج والفضة الشيء الكثير ، وعاد إلى ~~طرابلس سالما غانما ، في التاسع عشر من ذي الحجة ، وقيل ان بيمند صاحب ~~أنطاكية ركب في البحر ، ومضى إلى الأفرنج يستصرخهم ، ويستنجد بهم على ~~المسلمين في الشام ، وأقام مدة ، وعاد منهم منكفئا إلى أنطاكية. ### | * سنة ثمان وتسعين وأربعمائة # فيها عرض لظهير الدين أتابك مرض اشتد به ، ولازمه ، وخاف منه على نفسه ، ~~وأشفق على أهله وولده وأصحابه ورعيته إن تم عليه أمر ، وتواصلت مكاتبات فخر ~~الملك ابن عمار (79 ظ) ورسله من طرابلس بالاستصراخ والاستنجاد على الأفرنج ~~النازلين عليها ، والبعث على تعجيل إعانته بمن يصل إليه من العساكر ، لكشف ~~غمته ، وتفريج كربته ، وقد كان الأمير سكمان بن أرتق ، والأمير جكرمش صاحب ~~الموصل ، قد اتفقا على الجهاد في المشركين ، ونصرة المسلمين ، فنتج لظهير ~~الدين فكرة ، ورأى (2) فيما نزل به من المرض المخوف أن يرسل [إلى] الأمير ~~سكمان بن PageV01P249 # أرتق ، يستدعي وصوله إلى دمشق في عسكره ، ليوصي إليه ، ويعتمد في حماية ~~دمشق عليه ، ونفذت إليه أيضا مكاتبة ابن عمار ، بتحريضه على المسارعة إلى ~~ذلك ، والقصد لنصرته ، وبذل له مالا جزيلا على معونته ونصرته ، فحين وقف ~~على مضمون المكاتبات أجاب ms154 إلى المقترح عليه ، وسارع إليه ، وثنى عنانه إلى ~~دمشق مغذا في سيره ، مواصلا لجده وتشميره ، وقطع الفرات إلى ما حض عليه ~~والمغارات ، فلما وصل إلى القريتين ، واتصل خبره إلى أتابك ، لامه أصحابه ~~وخواصه على ما فرط في تدبيره ، وعنفوا رأيه فيما استدعاه ، وخوفوه عاقبة ما ~~أتاه ، وقالوا له : وليت الأمير سكمان بن أرتق دمشق ، وأخرجتها من يدك ، ~~كيف يكون حالك وأحوالنا ، أو ليس قد عرفت نوبة أتسز ، لما استدعى السلطان ~~تاج الدولة ابن ألب أرسلان ، وسلم إليه دمشق ، وكيف بادر بإهلاكه ولم يمهله ~~ولا أهله فعند ذلك أفاق لغلطته ، وتنبه لغفلته ، وندم ندامة الكسعي (1) ~~وزاده هذا الأمر مرض الفؤاد مع مرض الجسم ، وبينما هو وأصحابه من التفكير ~~فيما يعتمد من أمره ويدبر به حاله عند وصوله (2)، والخبر ورد من القريتين ~~بأن الأمير سكمان ساعة وصوله في عسكره إلى القريتين ، ونزوله ، لحقه مرض ~~شديد ، وقضى منه محتوم نحبه ، وصار إلى رحمة ربه ، وحمله أصحابه في الحال ، ~~ورحلوا عائدين به ، فسر أتابك بهذا الحال سرورا زائدا ، كان معه بدء سعادته ~~، وعود برئه إلى جسمه وعافيته ، فسبحان مدبر الخلق بحكمته ومسبب الأسباب ~~بقدرته ، وقصدوا ناحية الجزيرة ، وذلك في أول صفر من السنة. # وفي هذه السنة وردت الأخبار بهلاك صنجيل مقدم الأفرنج النازلين على ثغر ~~طرابلس ، في رابع جمادى الأولى ، بعد أن كان الأمر استقر بينه PageV01P250 # وبين فخر الملك ابن عمار ، صاحب طرابلس من المهادنة ، على أن يكون ظاهر ~~طرابلس لصنجيل بحيث لا (80 و) يقطع الميرة عنها ، ولا يمنع المسافرين منها. # وفي أول السنة ورد الخبر بوصول السلطان محمد تبر بن ملك شاه إلى الموصل ، ~~ونزوله عليها وخروج الأمير جكرمش صاحبها إليه ، باذلا له الطاعة ، وشروط ~~الخدمة ، ورحل عنها. # وفي هذه السنة وردت الأخبار من ناحية العراق بوفاة السلطان بركيارق بن ~~السلطان ملك شاه رحمه الله ، بنهاوند ، بعد أن تقررت الحال بينه وبين أخيه ، ~~بحيث تكون مملكة خراسان بأسرها للسلطان أبي الحارث سنجار وأصفهان وأعمالها ~~، وبغداد وما والاها برسم السلطان بركيارق ، والسلطنة له ms155 ، وأرمينية ~~وأذربيجان وديار بكر والموصل والجزيرة والشام وما يليها للسلطان محمد تبر. # وتوجهت عساكر السلطان بركيارق بعد وفاته إلى بغداد ، ومقدمها الأمير إياز ~~معه الأمير صدقة بن مزيد بن دبيس ، وتوجه السلطان محمد إلى بغداد أيضا ، ~~فلما عرف الأمير إياز خبره خاف منه على نفسه ، فهرب منه ومعه ولد السلطان ~~بركيارق ، ودخل السلطان محمد بغداد ، ووصل إليه الأمير سيف الدولة صدقة بن ~~مزيد الأسدي ، واستقر أمره معه ، وعرف إياز أن حاله لا تستقر إلا بالعود ~~إلى طاعة السلطان محمد ، والدخول في جملته ، والكون في خدمته ، فراسله ~~والتمس الأمان منه ، والتوثقة باستحلافه على الوفاء بما عاهده عليه ، ~~فأجابه إلى ما رامه منه ، ووصل إليه في العسكر مع ولد السلطان بركيارق ، ~~وكان طفلا صغيرا ، فانضاف في جملته مع عسكره ، فلما كان بعد أيام غدر بإياز ~~، ونكث عهده ، وأخلف وعده ، وقبض عليه وهو آمن مطمئن بما توثق به من إيمانه ~~وقتله ، وجعل سبب هذا الفعل أمورا أسرها في نفسه ، وأوردها واحتج بأمور ~~أضمرها وعددها ، ليعذر في فعله ، وما هو بمعذور في فعله ولا بمشكور. PageV01P251 # وفي أول شعبان توجه ظهير الدين أتابك إلى بعلبك في العسكر ، ونزل عليها ~~متنكرا على كمشتكين الخادم التاجي واليها ، لأسباب انتهت إليه عنه فأنكرها ~~منه ، فلما نزل عليه وضايقه وعرف ما في نفسه ، أنفذ إليه يبذل الطاعة ~~والخدمة ، والانكار لما افتري به عليه ، والتنصل مما نسب إليه والحلف على ~~البراءة مما اختلق من المحال عليه ، فصفح له عن ذلك ، ورضي عنه ، وقرر (80 ~~ظ) أمره ، وأوعز بكف الأذية عن ناحيته ، ورحل عنها متوجها إلى ناحية حمص ، ~~وقصد رفنية ، ونزل عليها ، ووفد عليه خلق كثير من جبل بهراء (1)، فهجموا ~~رفنية على حين غفلة من أهلها ، وغرة من مستحفظها ، وقتلوا من بها ، ~~وبأعمالها ، والحصن المحدث عليها من الأفرنج ، وأحرق ما أمكن إحراقه في ~~الحصن وغيره ، وهدم الحصن ، وملكت أبراج رفنية ، وقتل من كان فيها ، وعاد ~~العسكر إلى حمص. # وفي رجب خرج الملك فخر الملوك رضوان صاحب حلب ، وجمع خلقا كثيرا ، وعزم ms156 ~~على قصد طرابلس لمعونة فخر الملك بن عمار على الأفرنج النازلين عليه ، وكان ~~الأرمن الذين في حصن أرتاح قد سلموا إليه الحصن ، لما شملهم من جور الأفرنج ~~، وتزايد ظلمهم ، فلما عرف طنكري ذلك ، خرج من أنطاكية لقصد أرتاح ، ~~واستعادتها ، وجمع من في أعماله من الأفرنج ، ونزل عليها ، وتوجه نحو فخر ~~الملوك في عسكره لإبعاده عنها ، وقد جمع وحشد من أمكنة من عمل حلب ، ~~والأحداث الحلبيين ، لقصد الجهاد ، فلما تقاربا نشبت الحرب بين الفريقين ، ~~فثبت راجل المسلمين ، وانهزمت الخيل ، ووقع القتل في الرجالة ، ولم يسلم ~~منهم إلا من كتب الله سلامته ، ووصل الفل إلى حلب وأحصي المفقود من الخيل ~~والرجل ، فكان تقدير ثلاثة آلاف نفس ، وحين عرف ذلك من كان في أرتاح من ~~المسلمين ، هربوا بأسرهم منها ، وقصد الأفرنج PageV01P252 # بلد حلب ، فأجفل أهله منه ، ونهب من نهب ، وسبي من سبي ، وذلك في الثالث ~~من شعبان ، واضطربت أحوال من بالشام بعد الأمن والسكون (1). # وفي هذه السنة خرج من مصر عسكر كثيف يزيد على عشرة آلاف فارس وراجل مع ~~الأمير شرف المعالي ولد الأفضل ، وكوتب ظهير الدين أتابك بالاستدعاء ~~للمعونة والاعتضاد إلى جهاد الكفرة والأضداد ، فلم يتمكن من الإجابة إلى ~~المراد ، لأسباب عاقته عن المعونة والاسعاد ، وتوجه في العسكر إلى بصرى ، ~~فنزل عليها عازما على مضايقتها ، وفيها الملك أرتاش بن تاج الدولة وايتكين ~~الحلبي ، لأنهما كانا عند الأفرنج على ما شرح من أمرهما أولا ، ثم استدرك ~~الرأي واستصوب المسير إلى العسكر المصري للاعتضاد على الجهاد ، فسار إليه ~~ووصل (81 و) إلى ظاهر عسقلان ، ونزل قريبا منه ، وعرف الأفرنج الخبر ، ~~فتجمعوا ، وقصدوا عسقلان ، والتقى الفريقان في رابع عشر ذي الحجة من السنة ~~، فيما بين يافا وعسقلان ، فاستظهر الأفرنج على المسلمين ، وقتلوا والي ~~عسقلان ، وأسروا بعض المقدمين ، وانهزم عسكر مصر إلى عسقلان ، وعسكر دمشق ~~إلى بصرى ، وقيل ان الذين قتلوا من المسلمين بإزاء الذين قتلوا من المشركين ~~، ولما عاد ظهير الدين والعسكر إلى بصرى ، وجد الملك أرتاش وايتكين الحلبي ~~لما يئسا من نصرة الأفرنج لهما ms157 ، قد قصدا ناحية الرحبة ، وأقاما بها مدة ، ~~وتفرقا ، وراسل المقيمان ببصرى : أنوشتكين وفلوا من (2) ظهير الدين يطلبان ~~الأمان ، والمهلة لهما بالتسليم مدة اقتراحهما ، فأجاب إلى ما التمساه منه ~~، ورحل عنهما ، ولما بلغ الأجل منتهاه ، والوعد مداه ، سلما بصرى إليه ، وخرجا PageV01P253 # منها ، ووفى لهما بما وعدهما من الأمان والاقطاع ، وزاد على ذلك ، وأقاما ~~عليه مدة أيامه. ### | * سنة تسع وتسعين وأربعمائة # فيها خرج الأفرنج إلى سواد طبرية وشرعوا في عمارة حصن علعال (1) فيما بين ~~السواد والبثنية ، وكان من الحصون الموصوفة بالمنعة والحصانة ، فلما عرف ~~ظهير الدين أتابك هذا العزم منهم ، أشفق من إتمام الأمر فيه ، فيصعب تدارك ~~الأمر وتلافيه ، فنهض في العسكر ، وقصدهم وهم على غفلة مما دهمهم ، فأوقع ~~بهم ، وقتلهم بأسرهم ، وملك الحصن بما فيه من آلاتهم وكراعهم وأثاثهم ، ~~وعاد إلى دمشق برؤوسهم وأسرائهم وغنائمهم ، وهي على غاية الكثرة ، في يوم ~~الأحد النصف من شهر ربيع الآخر. # وفي هذا الشهر ظهر في السماء من الغرب كوكب له ذؤابة ، كقوس قزح ، أخذ من ~~المغرب إلى وسط السماء ، وقد كان رؤي قريبا من الشمس نهارا قبل ظهوره في ~~الليل ، وأقام عدة ليال وغاب. # وفي السادس والعشرين من جمادى الأولى ورد الخبر بقتل خلف بن ملاعب ، صاحب ~~أفامية قتله قوم من الباطنية نفذهم إليه المعروف بأبي طاهر الصائغ العجمي ، ~~من حلب ، وهو الذي قام للباطنية مقام الحكيم المنجم الباطني ، بعد هلاكه ، ~~بموافقة رجل (81 ظ) من دعاتهم يعرف بابن القنج (2) السرميني ، كان مقيما ~~بأفامية ، وقد قرر ذلك مع أهلها ، فنقبوا نقبا في السور حتى تمكنوا من ~~الوصول إليه ، فلما قربوا منه ، PageV01P254 # وأحس بهم لقيهم فوثب إليه بعضهم فطعنه في جوفه فرمى بنفسه في القلة يريد ~~بعض دور أولاده (1) فطعنه آخر طعنة ثانية فعاش ساعة ومات ، وصاح الصائح على ~~القلة ، و[حين] نادوا بشعار الملك رضوان نجا أولاده وخاصته من (2) السور ، ~~وملكوا عليهم الموضع وقتلوا من قتلوا ، وسلم ولده مصبح بن خلف بن ملاعب ، ~~وتوجه إلى شيزر ، وأقام هناك مدة ، فأطلق منها. # ووصل طنكري إلى أفامية ms158 عقيب هذه الكائنة طامعا فيها ، ومعه أخ كان لابن ~~القنج الداعي السرميني كان مأسورا في يده ، فقرر له شيئا دفعه إليه ، فرحل عنه. # وفي هذه السنة وصل قلج أرسلان بن سليمان بن قتلمش ، في عسكر كثير ، وقصد ~~الرها ، ونزل قريبا منها ، فأنفذ أصحاب جكرمش المقيمون بحران يستدعونه ~~لتسليمها إليه ، فوصل إليهم وتسلمها منهم ، واستبشر الناس بوصوله إلى ~~الجهاد ، وأقام أياما ومرض مرضا أوجب له العود إلى ملطية ، وأقام أصحابه بحران. # وورد الخبر بأن مصبح بن ملاعب الذي أفلت من نوبة أفامية التجأ إلى طنكري ~~صاحب أنطاكية ، وحرضه على العود إلى أفامية ، وأطمعه في أخذها لقلة القوت ~~بها ، فنهض إليها ، ونزل عليها ، وضايقها إلى أن تسلمها بالأمان في الثالث ~~عشر من المحرم سنة خمسمائة ، فلما حصل ابن القنج السرميني الباطني في يده ~~قتله بالعقوبة ، وحمل أبا طاهر الصائغ معه وأصحابه أسرى ، ولم يف لهم بما ~~بذل من الأمان ، وكان القوت قد نفد من أفامية ، ولم تزل الأسرى في يده إلى ~~أن فدوا نفوسهم بمال بذلوه له فأطلقهم ووصلوا إلى حلب. PageV01P255 # وفي هذه السنة نهض ظهير الدين أتابك في العسكر إلى بصرى لمشاهدتها عند ~~تسلمها من أيدي المقيمين بها عند انقضاء الأجل المضروب لها ، وكان قد خلع ~~على كافة الأمراء والمقدمين وأماثل العسكر الخلع المكملة من الثياب والخيول ~~والمراكب ، بحيث تضاعف الثناء عليه (82 و) والاعتراف بأياديه ، وشاع الخبر ~~بذاك ، وتضاعفت رغبة الأجناد في خدمته ، والميل إلى طاعته والحصول في جملته ~~، فلما حصل على بصرى ، (اقطع المقيمن بها (1)) اقطاعا يكفيها ورجالها ~~وأجابهما إلى ذلك ، ووفى لهما بما قرره معهما حسب ما تقدم به الشرح. ### | * سنة خمسمائة # فيها تزايد فساد الأفرنج في أعمال السواد وحوران وجبل عوف ، وانتهت ~~الأخبار بذلك وشكا أهلها إلى ظهير الدين أتابك فجمع العسكر ، ومن انضاف ~~إليه من التركمان ، ونهض بهم وخيم في السواد ، وكان الأمير عز الملك الوالي ~~بصور قد نهض منها في عسكره إلى حصن تبنين (2) من عمل الأفرنج ، فهجم ربضه ، ~~وقتل من كان فيه ونهب وغنم ms159 ، واتصل الخبر ببغدوين ملك الأفرنج ، فنهض إليه ~~من طبرية ، ونهض أتابك إلى حصن بالقرب من طبرية فيه جماعة من فرسان ~~الأفرنجية ، فقاتله وملكه ، وقتل من كان فيه وانكفأ إلى المدان (3) وعاد ~~الأفرنج إليه ، فلما قربوا منه اندفع العسكر إلى ناحية زرا (4)، وتلاقت ~~طلائع الفريقين وعزموا على المصاف والالتقاء ، وقد قويت نفوس المسلمين ، ~~فلما كان من غد ذلك اليوم ، ركب العسكر ، وقد تأهب للقاء PageV01P256 # على تلك النية وزحفوا إلى موضع مخيمهم ، فصادفوهم وقد رحلوا عائدين إلى ~~طبرية ، ثم منها إلى عكا ، فعاد ظهير الدين عند ذلك في العسكر إلى دمشق. # وكانت الأخبار متناصرة في هذه السنة باهتمام السلطان غياث الدنيا والدين ~~محمد بن ملك شاه بمحاصرة قلعة الباطنية المعروفة بشاه دز المجاورة لأصفهان ~~، والجد في افتتاحها ، وحسم أسباب الفساد المتوجه على البلاد من المقيمين ~~بها ، وتوجه إليها (1) في عساكره الدثرة المتناهية في القوة والكثرة ، ولم ~~يزل منازلها ومضايقها ، إلى أن منحه الله تعالى افتتاحها والاظهار على من ~~فيها ، وملكها بالسيف قهرا ، وقتل من كان فيها من الباطنية قسرا ، وهدمها ~~وأراح العالم من الشر المتصل منها ، والبلاء المبثوث من أهلها (2)، وأنشأ ~~كتاب الفتح بوصف الحال فيها إلى سائر أعمال المملكة ليقرأ على (82 ظ) ~~المنابر ويستنزل في معرفة كل باد وحاضر أمير الكتاب أبو نصر بن عمر ~~الأصفهاني ، كاتب السلطان ، وبلاغته في الكتابة معروفة مذكورة ، وفصاحته في ~~إنشائه موصوفة مشهورة ، وذكرت مضمونه في هذا الموضع ، ليعلم من يقف عليه ~~شرح حال هذه القلعة ، وما من الله به على أهل تلك البلاد من الراحة من شر ~~أهلها ، وأذية المقيمين بها ونسخته بعد العنوان والطغراء : ### || * بسم الله الرحمن الرحيم # وهو [إلى] الوزير الأجل مجد الدين شرف الاسلام ظهير الدولة زعيم الملة ~~بهاء الأمة فخر الوزراء أبو المعالي هبة الله بن محمد بن المطلب رضي أمير ~~المؤمنين. PageV01P257 # أما بعد أطال الله بقاء الوزير وألقابه (1)، وأدام تأييده وتمهيده ، ~~وأحسن من عوائده مريده ، فإن الله تعالى يقول وقوله الحق : ( يا ~~أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن ms160 دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه ~~أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة ~~لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم ) (2) ولقد آتانا الله ~~وله الحمد من هذا الفضل ، ما صرنا به أطول الملوك في الاسلام باعا ، وأعزهم ~~في الذب عن حريمه أشياعا وأتباعا ، وأشدهم عند الحفيظة له بأسا ، وأطهرهم ~~من درن الشبهة فيه لباسا ، وأقصدهم في اقتفاء الحق المبين أنحاء ، وأثقلهم ~~على أعداء الله وأعداء الدين المنير وطأة وانحاء ، فلا تتجه عزائمنا لمهم ~~في ذلك إلا حققنا الفيصل ، وطبقنا المفصل ، وفرينا الفري ، واقتدحنا من ~~الزناد الوري ، وأعدنا الحق جذعا ، وانف الباطل مجدعا ، نعمة من الله تعالى ~~اختصنا بها من دون سائر الأنام ، وأحلنا من التفرد بمزاياها في الذروة ~~والسنام ، فالحمد لله على ذلك حمدا يوازي قدر نعمه ، ويمترى المزيد من مواد ~~كرمه ، ثم الحمد لله على ما يسرنا له من إعزاز الدين ، ورفع عماده ، وقمع ~~اضداده ، واستئصال شأفة الباطنية الناهضين لعناده ، الذين استركوا العقول ~~الفاسدة فاستغووها بأباطيلهم ، واستهووها بأضاليلهم ، واتخذوا دين (83 و) ~~الله هزوءا ولعبا (3)، بما لفقوه من زخارف أقاويلهم ، سيما ما سنى الله من ~~فتح الفتوح ، وهيأ أسبابه من النصر الممنوح بأخذ قلعة شاه دز التي شمخ بها ~~الجبل وبذخ ، وكان الباطل باض فيها وفرخ ، وكانت قذى في عيون الممالك وسببا ~~إلى التورط بالمسلمين في المهاوي والمهالك ، ومرصدا عليهم بالشرارة ~~والنكارة ، حيثما ينحونه من المسالك ، وفيها ابن عطاش الذي طار عقله في ~~مدرج الضلال وطاش ، PageV01P258 # وكان يري الناس نهج الهدى مضلة ، ويتخذ السفر المشحون بالأكاذيب مجلة ، ~~ويستبيح دماء المسلمين هدرا ، ويستحل أموالهم غررا ، فكم من دماء سفكت ، ~~وحرم انتهكت ، وأموال استهلكت ، وترات تجرعتها النفوس فما استدركت ، ولو لم ~~يكن منهم إلا ما كان عند حدثان أمرهم بأصفهان من اقتناص الناس غيلة ، ~~واستدراجهم خديعة ، وقتلهم إياهم بأنواع العقوبات قتلة شنيعة ، ثم فتكهم ~~عودا على بدء بأعيان الحشم وخيار العلماء ، وإراقتهم ما لا يعد ولا يحصى من ~~محرمات الدماء ، إلى ms161 غير ذلك من هنات يمتعض الاسلام لها أي امتعاض ، وما ~~الله عن المسلم أن يتميز لها براض ، لكن حقا علينا أن نناضل عن حمى الدين ، ~~ونركب الصعب والذلول في مجاهدتها ولو إلى الصين. # وهذه القلعة كانت من أمهات القلاع ، التي انقطع إليها رؤوس الباطنية كل ~~الانقطاع ، فكان تبث الحبائل منها في سائر الجهات والأقطار ، وترجع إليها ~~نتائج الفساد رجوع الطير إلى الأوكار في العزة والمنعة مثل مناط الشمس التي ~~(تنال) (1) منها حاسة البصر دون حاسة اللمس ، ترد الطرف كليلا ، وتعد العدد ~~الدثر في محاصرتها كليلا ، وكأنها وهي أعلى شاهق نزلت على الجبل من حالق ، ~~فهي بهذه الصفة مقابلة لبلد أصفهان ، التي هي مقر الملك ، ودار الثواء ، ~~وأولى البلاد بتطهيرها من اهتياج الفتن واختلاف الأهواء ، ونحن نقيم بها ~~طول هذه المدة المديدة ، وندبر أمرها إلى ما يصوبه الرأي من الحيلة ~~والمكيدة ، وأمامنا من المستخدمين وأصحاب (83 ظ) الدواوين نفر تصغي إليهم ~~أفئدتهم ، فيما كانوا عليه من مخالفة الدين ، يتوصلون بمكرهم إلى نقض ما ~~يبرم ، وتأخير ما تقدم ، ويوهمون أنها من النصائح التي تقبل وتلزم ، حتى ~~تطاول دون ذلك الأمد ، وبان من القوم المعتقد ، واتضح لنا من مصائب التدبير ~~ما يعتمد ، وكنا في خلال هذه الأحوال لم نخل هذه القلعة من PageV01P259 # طائفة تهزهم حمية الدين من الجند ، ينتهون من التضييق عليها إلى غاية من ~~الجد ، فيتوفرون على محاصرتهم ومصابرتهم ، ويتشمرون لمزاولتهم ومصاولتهم ، ~~ويقعدون لهم بكل مرصد ، ويسدون كل متنزل ومصعد ، حتى انقطعت عنهم المواد ، ~~وخانتهم المير والأزواد ، واضطروا إلى أن نزل بعضهم على حكم الأمان بعد ~~الاستئمار والاستئذان ، فأمرنا بتخلية سربهم ، وإيمان سربهم ، وسلم الشطر ~~من القلعة لخلوه من الفئة النازلة ، واعتصم ابن عطاش بقلة أخرى تسمى دالان ~~، مع نخب أصحابه من المقاتلة ، وهذه القلة هي أمنع المواضع من القلعة ~~وأحصنها وأوعرها مسلكا وأحزنها ، فقد نقل إليها ما كان بقي لهم من الميرة ، ~~وسائر ما يستظهر به من السلاح والذخيرة على أن يلبثوا بها أياما معدودة ، ~~فينزلوا ويبذل لهم الأمان مثل ما ms162 بذل للأولين ، فيتخولوا كل ذلك بوساطة من ~~قدمنا ذكرهم من المستخدمين في الدواوين ، وفي باطن الأمر خلاف ما يتوهم من ~~الإعلان ، وذلك أنهم قدروا أن ما سلم من القلعة يترك على عمارته ومكانته ، ~~وما امتنع به من القلة لا يقدر عليه لمنعته وحصانته ، فهو يتوصلون بتمكنهم ~~من ذلك الجبل ، إلى سرقة ما سلموه آنفا ببعض الحيل ، هذا وقد كفوا مؤن من ~~نزل من الأكلة ، وعندهم الكفاف لمن بقي من العملة ، ففطنا لما عمدوا وعليه ~~اعتمدوا ، وأمرنا في الحال بالقلعة المسلمة فنسفت نسفا ، وخسفت بها خسفا ، ~~وصير سفلها علوا ، كما كان علوها خلوا ، ثم انتقمنا من المستخدمين الغادرين ~~بالملك والدين ، حتى ساقهم الحين المتاح إلى حين. # فلم يفلت منهم صاحب ولا مصحوب %~% إن الشقاء على الأشقين مصبوب # ووافق ذلك حلول الموعد لنزول باقي القوم من دالان ، فأبوا إلا المطل ~~والليان ، فلما مضت أيام على ذلك ، أظهروا التمرد والعصيان ، فصاروا كما ~~قال الله تعالى ( ومن ) (84 و) ( يرد الله فتنته فلن تملك ~~له من الله شيئا أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم لهم في الدنيا خزي PageV01P260 # ولهم في الآخرة عذاب عظيم ) (1) فعند ذلك استخرنا بالله تعالى ~~تجريد العزائم لهذا الجهاد ، الذي هو عندنا من أنفس العزائم ، ولا نخاف ~~فيها لومة لائم ، وأهبنا بمن حضرنا من العساكر المنصورة إلى الإحداق ~~بالقلعة المذكورة يوم الثلاثاء ثاني ذي الحجة ، فنزلوا لفنائها محتشدين ~~ولصدق اللقاء متشمرين متجردين ، وجرت مناوشة عشية هذا اليوم أثخنت عدة من ~~أولئك القوم ، وبات المسلمون ليلتهم تلك على أضم ، والملحدون لحما على وضم ~~، فلما تنفس الصبح وغردت الديوك الصدح ، وطوى الليل رداءه ، ورفع الفجر ~~لواءه ، نصر الله الحق وأدال الدين ، ( فساء صباح المنذرين ) (2)، ~~وعدت جيوش النصر يدا واحدة ، وكلمة على التظافر والتظاهر مساعدة ، تسطو ~~بالفئة المتحصنة بالقلعة ، سطوة الليث الهصور ، وكأنهم طاروا بأجنحة الصقور ~~، على صم الصخور ، فلم يلبثوا قبل ذرور الشمس بقرنها ، وأخذها الناصع من ~~لونها ، أن أخذوا القلعة عنوة وقهرا ، وأجروا من دماء الباطنية الملحدة ~~نهرا ، فلم يئل ms163 منهم وائل ، ولا أخطأهم من السيوف البواتر وائل ، وأمرنا في ~~الحال بهدمها ، والتعفية على ردمها ، فلم يبق بها نافخ ضرمه ، ولا أثر من ~~نسمة ، ولا مدر على أكمه ، وأسر ابن عطاش رأس الجالوت ، وولي الطاغوت ، ~~الذي كان ممن قال الله تعالى فيه : ( وجعلناهم أئمة يدعون إلى ~~النار ) (3) فجعلناه وولده المقرون به مثلة للنظار ، وعبرة لأولي الأبصار ، ~~( فقطع دابر القوم الذين ظلموا ، والحمد لله رب العالمين ) (4) هذا ~~الفتح المبين ، والعزة التي يتلألأ بها من الدهر الحين ، والنعمة التي تمت ~~وعمت وأخنت بالنقمة على أعداء الله ورسوله وطمت ، وما ذاك إلا من بركات ~~عقائدنا الناصعة ، في موالاة الدولة PageV01P261 # العباسية ، ظاهر الله مجدها ، وما يلتزمه في فرضها من فضل المناصحة ~~والمشايعة فيها ، نحن نسطو بالأعادي ، ونكفي من اعتراض النوائب كل العوادي ~~، ونسوس الدهماء من الحواضر والبوادي. # وهذه البشرى ، التي يهنأ بها الإسلام وترفع بها من الاشادة بذكرها في ~~الخافقين الأعلام (384) أمرنا بنشرها في الأقصى والأدنى لا سيما الدار ~~العزيزة (1) ظاهر الله مجدها فإنها أولى من يبشر بمثلها ، ويهنأ ، وأهبنا ~~بالأمير عز الدولة إلى إيصال هذه البشارة إلى الديوان العزيز النبوي ، أعلى ~~الله جده ، فندب من قبله من يقوم بهذه الخدمة ، ويعلمه ما نحن بصدده من ~~الاعتراف بقدر هذه النعمة ، وهذا الأمير كان من المندوبين أولا وآخرا ، ~~لمحاصرة هذه القلعة فأبلى فيها بلاء حسنا جميلا ، وأغنى غناء لم نجد له فيه ~~عديلا ، ولذلك ما اختصصناه بهذه المزية ، وآثرناه بإبلاغ هذه البشرى الهنية ~~، والمعول تام على الاهتمام الوزيري ، في إلقائها إلى المقار المعظمة ~~النبوية ، ليعلم من صدق نهضتها بالخدمات ، وعدنا المسعاة في إعزاز الدين من ~~أوجب المهمات ، ما يزلفنا من شريف المراضي ، ويفرض لنا من المحامد والمآثر ~~التامة على الأبد أكرم الأحاظي ، وان يتقدم في حق المبشر ما هو على الدولة ~~ثبتها الله متعين ، حتى يعود ولما يستحسن من موقع هذه البشارة عليه أثر بين ~~، والوزير أولى من اغتنم هذه المكرمة فاعتنقها ، وتمكن من عصمة الرأي ~~السديد فاعتقلها ، واستحمد إلينا بما يتكلفه من جميل مساعيه ms164 ، ويتكفله ~~بالاهتزاز والاهتمام فيه من سائر ما يلاحظه من الأمور ويراعيه ، إن شاء ~~الله تعالى. # وكتب بالأمر العالي شفاها في ذي القعدة سنة خمسمائة. # وفي هذه السنة تتابعت المكاتبات إلى السلطان غياث الدنيا والدين محمد بن ~~ملك شاه ، من ظهير الدين أتابك ، وفخر الملك بن عمار ، صاحب طرابلس بعظيم ~~ما ارتكبه الأفرنج من الفساد في البلاد ، وتملك PageV01P262 # المعاقل والحصون بالشام والساحل ، والفتك في المسلمين ، ومضايقة ثغر ~~طرابلس ، والاستغاثة إليه ، والاستصراخ والحض على تدراك الناس بالمعونة ، ~~فندب السلطان لما عرف هذه الحال الأمير جاولي سقاوه ، وأمير من مقدمي عسكره ~~كبيرا في عسكر كثيف من الأتراك ، وكتب إلى بغداد ، وإلى الأمير سيف الدولة ~~صدقة بن مزيد ، وإلى جكرمش صاحب الموصل بتقويته بالمال والرجال على الجهاد ~~، والمبالغة في إسعاده وإنجاده ، وأقطعه الرحبة وما على الفرات ، فثقل أمره ~~على المكاتبين ، فدافعه ابن مزيد ، وسار نحو الموصل يلتمس من جكرمش ما وقع ~~به عليه ، فتوقف عنه فنزل (85 و) على قلعة السن (1) ونهبها ، واجتمع إليه ~~خلق كثير ، وخرج جكرمش إلى لقائه فظفر به جاولي سقاوه واستباح عسكره ، ~~وانهزم ولده إلى الموصل ، فضبطها ، وتوجه وراءه ، وقتل جكرمش أباه ، وأنفذ ~~رأسه إلى الموصل ، فلما عرف ولده ذاك كاتب قلج أرسلان بن قتلمش يستنجده من ~~ملطية ، ويبذل له تسليم البلاد والأعمال التي في يده إليه ، وكان جكرمش قد ~~جمع مالا عظيما من الجزيرة والموصل ، وكان جميل السيرة ، (2) في الرعية ، ~~عادلا في ولايته ، مشهورا بالانصاف في أعمال إيالته ، فلما عرف قلج أرسلان ~~بن سليمان ما كتب به إليه ولد جكرمش ، أجابه إلى ملتمسه ، وسار نحوه في ~~عسكره ، ووصل إلى نصيبين ، واستدعى ابن جكرمش من الموصل ، فسار إليه ، ودخل ~~قلج أرسلان إلى نصيبين ، لأنه كان في بعض عسكره وباقيه في بلاد الروم ~~لإنجاد ملك القسطنطينية على الأفرنج ، ولما تقارب عسكر قلج من عسكر جاولي ~~سقاوه ، والتقت طلائع الفريقين ظفر قوم من أصحاب قلج بقوم من أصحاب جاولي ~~فقتلوا بعضا ، وأسروا بعضا ، فرحل جاولي # تقويم البلدان : 288 289. PageV01P263 # يطلب عسكر قلج ، وقد ms165 عرف أنه قد أنفذ يستدعي بقية عسكره من بلاد الروم ، ~~وأنه في قل ، وطلب ناحية الخابور ، وتوجه منها إلى الرحبة ، ونزل عليها ~~وضايقها ، وراسل محمدا واليها من قبل الملك شمس الملوك دقاق صاحب دمشق ~~وعنده الملك أرتاش بن تاج الدولة الهارب من دمشق بعد وفاة الملك دقاق أخيه ~~مقيما بالتسليم ، إليه ، فلم يحفل بمراسلته ، وآيسه من طلبته ، فأقام عليها ~~مضايقا لها مدة. # ووصل إليه الأمير نجم الدين ايل غازي بن أرتق ، في جماعة وافرة من عسكره ~~التركمان ، واستنجد عليها بالملك فخر الملوك رضوان ، فوصل إليه في عسكره ~~بعد أن هادن طنكري صاحب أنطاكية ، فلما فصل عن حلب ، وعرف جوسلين صاحب تل ~~باشر بعده عن حلب ، واصل الغارات على أعمالها من جميع جهاتها ، ولم يزل ~~جاولي مقيما على الرحبة منذ أول رجب وإلى الثاني والعشرين من شهر رمضان ، ~~وزاد الفرات زيادته المعروفة ، فركب أصحاب جاولي الزواريق وصعدوا (85 ظ) ~~طالبين سور البلد بمواطأة من بعض أهل البلد ، فلم يتهيأ لهم أمر مع من ~~واطأهم ، بل هجموا السور ، وملكوا البلد ونهبوه ، وصادروا جماعة من أهله ، ~~واستخرجوا ذخائرهم بالعقوبة ، ثم أمر جاولي برفع النهب ، وأمن الناس وردهم ~~إلى منازلهم ، وتسلم القلعة بعد خمسة أيام ، في الثامن والعشرين من شهر ~~رمضان ، وأقر إقطاع محمد واليها عليه واستخلفه ، وقبض عليه بعد أيام لأمر ~~بلغه عنه ، فأنكره منه ، واعتقله في القلعة ، وحصل الملك أرتاش في جملة ~~سقاوة ، ولم يتمكن من التصرف في نفسه ، وكان محمد هذا الوالي قد راسل قلج ~~أرسلان بن سليمان أولا بالاستصراخ به ، وطلب المعونة على دفع جاولي عن ~~البلد ، فتوجه نحو الرحبة في عسكره ، وبلغه خبر فتحها ، فعاد ونزل على ~~الشمسانية (1) ولم PageV01P264 # يكن في نيته لقاء جاولي ، ورحل جاولي ونزل ماكسين (1) وعزم على التوجه ~~إلى ناحية الموصل ، ومعه فخر الملوك رضوان فاتفق أنهم قصدوا عسكر قلج ، ~~فالتقى الفريقان في يوم الخميس التاسع من شوال ، وكان الزمان صيفا واشتدت ~~وقدة الحر ، وحميت الرمضاء ، فهلك أكثر خيل الفريقين ، وحمل عسكر قلج ~~أرسلان على عسكر ms166 جاولي ، وقصد جاولي قلج أرسلان في الحملة وضربه بالسيف عدة ~~ضربات ، فلم تؤثر فيه ، وانهزم عسكر قلج أرسلان ، وفصل عنه صاحب آمد وقت ~~الحرب ، مع صاحب ميافارقين ، وانهزم الباقون ، ووقع السيف في أصحاب قلج ~~أرسلان ، وسقط قلج مع الهزيمة في الخابور فهلك في الماء ، ولم يظهر ، وبعد ~~أيام وجد هالكا (2). # وعاد جاولي إلى الموصل (3)، وعاد عنه الملك فخر الملوك رضوان إلى PageV01P265 # حلب خوفا منه ، وأخذ جاولي نجم الدين ايل غازي بن أرتق ، وطالبه بالمال ~~الذي أنفقه في التركمان ، فصالحه على جملة يدفعها إليه ، وأخذ رهائنه عليها ~~إلى أن يؤديها ، وأقام به بها فيما بعد. # وقد كان قلج أرسلان أنفذ بعض مقدمي أصحابه إلى بلاد الروم ، في خلق كثير ~~من التركمان ، لإنجاد ملك القسطنطينية على بيمند ومن معه من الأفرنج ~~الواصلين إلى الشام ، فانضافوا إلى ملك الروم وما حشده من عساكر الروم ، ~~فلما اجتمع للفريقين ما اجتمع رتبوا (86 و) المصاف ، والتقوا فاستظهر الروم ~~على الأفرنج ، وكسروهم كسرة شنيعة أتت على أكثرهم بالقتل والأسر ، وتفرق ~~السالم الباقي منهم عائدين إلى بلادهم ، وفصل أصحاب قلج أرسلان الأتراك إلى ~~أماكنهم ، بعد أن أكرمهم ، وخلع عليهم ، وأحسن إليهم. # ولما عاد جاولي سقاوه ، عن الرحبة ، ونزل على الموصل ، راسل أهلها والجند ~~بها ، فلم يمكنهم المدافعة له عنها ، ولا المراماة دونها ، فسلموها إليه ~~بعد أخذ الأمان منه على من حوته ، وكان ولد قلج قد دخلها ، فقبض عليه وسيره ~~إلى السلطان محمد ، ولم يزل مقيما عنده إلى أن هرب من المعسكر في أوائل سنة ~~ثلاث وخمسمائة ، وعاد إلى مملكة أبيه ببلاد الروم ، ويقال أنه لما وصل ~~إليها عمل على ابن عمه ، وقتله واستقام له أمر المملكة بعده. # وفي هذه السنة وصل إلى دمشق الأمير الأصفهبذ التركماني من ناحية عمله ، ~~فأكرمه ظهير الدين ، وأحسن تلقيه ، وأقطعه وادي موسى ومآب والشراة والجبال ~~والبلقاء ، وتوجه إليها في عسكره ، وكان الأفرنج قد PageV01P266 # نهضوا إلى هذه الأعمال ، وقتلوا فيها وسبوا ونهبوا ما قدروا عليه منها ، ~~فلما وصل إليها وجد أهلها على غاية ms167 من الخوف ، وسوء الحال عما جرى عليهم من ~~الأفرنج فأقام بها. # ونهض الأفرنج إليه لما عرفوا خبره من ناحية البرية ، ونزلوا بإزاء المكان ~~الذي هو نازل به ، وأهملوه إلى أن وجدوا الفرصة فيه فكبسوه على غرة ، ~~فانهزم في أكثر عسكره ، وهلك باقيه ، واستولوا على سواده ، ووصل إلى عين ~~الكتيبة من ناحية حوران ، والعسكر الدمشقي نازل عليها ، فتلقاه ظهير الدين ~~متوجعا بما جرى عليه ، ومسليا عما ذهب منه وعوضه ، وأطلق له ما صلحت به الحال. ### | * سنة إحدى وخمسمائة # فيها جمع ملك الأفرنج بغدوين حزبه المفلول ، وعسكره المخذول ، وقصد ثغر ~~صور ، ونزل بإزائه ، وشرع في عمارة حصن بظاهرها على تل المعشوقة ، وأقام ~~شهرا ، وصانعه واليه على سبعة آلاف دينار ، فقبضها منه ورحل عنه. # وفيها وردت الأخبار بوصول عسكر السلطان غياث الدنيا والدين محمد إلى ~~بغداد في آخر (86 ظ) شهر ربيع الآخر منها ، وأعلن الأمير سيف الدولة صدقة ~~بن مزيد العصيان عليه ، خوفا لما بلغه من إفساد شحنة بغداد ، (وعميدها حاله ~~معه ، ولم يزل السلطان مقيما ببغداد (1)) إلى العشرين من رجب فاجتمع إليه ~~تقدير ثلاثين ألف فارس ، واجتمع مع صدقة تقدير عشرين ألفا في الحلة ، ~~وبينهما أنهار ومواحل في الحلة ، فآثر السلطان مراسلته في تقرير أمره ، ~~والصفح [عنه] (2) وايقاع مهادنة وموادعة تستقيم معها الأحوال ، وتصلح بها ~~الأعمال ، فأبى ذلك كافة PageV01P267 # الأمراء والمقدمين ، وامتنعوا عن الإهمال لأمره ، ونهضوا إليه ، فلما عرف ~~الحال قطع الأنهار ، ووصل في جمعه حتى صار بإزائهم ، وحمل بعض الفريقين على ~~بعض ، ونشبت الحرب بينهم ، وكان منزل صدقة بن مزيد كثير الوحل عسر المجال ، ~~فترجل الأتراك عن خيلهم ، [وجثوا على ركبهم] (1) وحبوا عليها ، وأطلقوا ~~السهام ، وشهروا الصفاح ، وشرعوا الرماح ، وفعل مثل ذلك أصحاب صدقة ، ~~والتقى الجيشان ، ونظر صدقة إلى أصحابه والسهام قد شكت خيولهم ، وقد أشرفوا ~~على الهلاك ، وظن الأتراك أنهم قد انهزموا ، فركبوا أكتافهم رشقا بالسهام ، ~~وضربا بالسيوف ، وطعنا بالرماح ، فقتلوا منهم خلقا كثيرا ، وقتل الأمير ~~صدقة ابن مزيد في الجملة ، ووجوه رجاله ، ولم يفلت منهم إلا اليسير ممن ms168 ~~حماه الأجل ، واستطار قلبه الخوف والوجل ، وكان السلطان قد اعتمد في تدبير ~~الجيش وترتيب الحرب على الأمير مودود المستشهد بيد الباطنية في جامع دمشق ~~(2) ووصل السلطان غد يوم الوقعة ونزل الحلة. # ولم يكن للعرب صدقة مثله في البيت والتقدم ، وإحسان السيرة فيهم ، ~~والانصاف لهم ، والإنعام عليهم ، وكرم النفس ، وجزيل العطاء ، وحسن الوفاء ~~، والصفح عن الجرائر ، والتجاوز عن الجرائم والكبائر ، والتعفف عن أموال ~~الرعية ، وإحسان النية للعسكرية ، غير أنه كان مع هذه الخلال الجميلة ~~والمآثر الحميدة ، مطرحا لفرائض الشريعة ، متغافلا عن ارتكاب المحارم ~~الشنيعة ، مستحسنا لسب الصحابة رضياللهعنهم ، فكان ما نزل به عليه عاقبة ~~هذه الأفعال الذميمة ، ( وما ربك بغافل عما يعملون ) (3). # وتوجه السلطان بعد تقرير أمر الحلة عائدا إلى أصفهان (87 و) في أوائل ~~شوال من السنة ، وقد قرر مع الأمير مودود والعسكر قصد PageV01P268 # الموصل ، ومنازلتها والتضييق عليها ، والتملك لها ، فرحل مودود والعسكر ، ~~ونزل على الموصل ، وكان جاولي صاحبها قد أخرج أكثر أهلها منها ، وأساء ~~أصحابه السيرة فيها ، وارتكبوا كل محرم منها ، ومضى إلى الرحبة واستناب ~~فيها من وثق به من أصحابه ، في حفظها ، وأقام العسكر السلطاني عليها مدة ، ~~وعمد سبعة نفر من أهلها على الموطأة عليها ، وفتحوا بابا من أبوابها ، ~~وسلموها إلى مودود ، ودخلها وقتل مقتلة كبيرة من أصحاب جاولي ، وأمن من كان ~~في القلعة ، وحملهم وما كان معهم إلى السلطان. # وفي شعبان من هذه السنة اشتد الأمر بفخر الملك بن عمار بطرابلس ، من حصار ~~الأفرنج ، وتطاول أيامه ، وتمادي الترقب لوصول الإنجاد ، وتمادي تأخر ~~الإسعاد ، فأنفذ إلى دمشق يستدعي وصول الأمير أرتق بن عبد الرزاق ، أحد ~~أمراء دمشق إليه ، ليتحدث معه بما في نفسه ، فأجابه إلى ذلك ، واستأذن ظهير ~~الدين في ذلك ، فأذن له ، وتوجه نحوه وقد كان فخر الملك خرج من طرابلس في ~~البر في تقدير خمسمائة فارس وراجل ، ومعه هدايا وتحف أعدها للسلطان عند ~~مضيه إليه إلى بغداد ، فلما وصل أرتق إليه واجتمع معه ، تقررت الحال بينهما ~~على وصوله إلى دمشق في صحبته ، فوصل إليها وأنزل في ms169 مرج باب الحديد بظاهرها ~~، وبالغ ظهير الدين في إكرامه ، وتناهى في احترامه ، وحمل إليه أمراء ~~العسكرية ومقدموه من الخيل والبغال والجمال وغير ذلك ما أمكنهم حمله ~~واتحافه به ، وكان فخر الملك المذكور قد استناب عنه في حفظها أبا المناقب ~~ابن عمه ، ووجوه أصحابه وغلمانه ، وأطلق لهم واجب ستة أشهر ، واستحلفهم ~~وتوثق منهم ، فأظهر ابن عمه الخلاف له والعصيان عليه ، ونادى بشعار الأفضل ~~بن أمير الجيوش بمصر ، فلما عرف فخر الملك ما بدا منه كتب إلى أصحابه ~~يأمرهم بالقبض عليه ، وحمل إلى حصن الخوابي (1)، ففعل PageV01P269 # ذلك ، وتوجه فخر الملك إلى بغداد ، ومعه تاج الملوك بوري بن ظهير الدين ~~أتابك ، وقد كان أتابك عرف أن جماعة ممن يحسده في باب (87 ظ) السلطان ، ~~ويقع فيه بالسعاية ، ويقصده بالأذية وإفساد الحال عند السلطان ، فأصحب ولده ~~المذكور من الهدايا والتحف من الخيول ، والثياب ، وغير ذلك مما يحسن إنفاذ ~~مثله ، واستوزر له أبا النجم هبة الله ابن محمد بن بديع ، الذي كان مستوفيا ~~للسلطان الشهيد تاج الدولة ، وجعله مدبرا لأمره ، وسفيرا بينه وبين من أنفذ ~~إليه ، وتوجه في الثامن من شهر رمضان سنة إحدى وخمسمائة ، فلما وصلا إلى ~~بغداد لقي فخر الملك من السلطان الإكرم والاحترام ما زاد على أمله ، وتقدم ~~إلى جماعة من أكابر الأمراء بالمسير معه لمعونته وإنجاده على طرد محاصري ~~بلده ، والايقاع بهم ، والابعاد لهم ، وقرر مع العسكر المجرد معه الإلمام ~~بالموصل ، وانتزاعها من يدي جاولي سقاوة ، ثم المصير بعد ذلك إلى طرابلس ، ~~فجرى ما تقدم به الشرح من ذلك ، وطال مقام فخر الملك ، طولا ضجر معه ، وعاد ~~إلى دمشق في نصف المحرم سنة اثنتين وخمسمائة. # فأما تاج الملوك بن ظهير الدين فجرى أمره ، فيما نفذ لأجله ، على غاية ~~مراده ونهاية محابه ، وصادف من السلطان في حق أبيه وحقه ما سره ، وعاد ~~منكفئا إلى دمشق بعد ما شرف به من الخلع السنية الإمامية والسلطانية ، ووصل ~~إلى دمشق آخر ذي الحجة من السنة. # وأقام فخر الملك بن عمار في دمشق بعد وصوله إليها ms170 أياما ، وتوجه منها مع ~~خيل من عسكر دمشق جردت معه إلى جبلة ، فدخلها وأطاعه أهلها ، وأنفذ أهل ~~طرابلس إلى الأفضل بمصر يلتمسون منه إنفاذ وال يصل إليهم في البحر ، ومعه ~~الغلة والميرة في المراكب لتسلم إليه البلد ، فوصل إليهم شرف الدولة بن أبي ~~الطيب واليا من قبل الأفضل ، ومعه الغلة فلما وصل إليها ، وحصل فيها ، قبض ~~على جماعة أهل فخر الملك بن عمار وأصحابه ، وذخائره وآلاته وأثاثه ، وحمل ~~الجميع إلى مصر في البحر. PageV01P270 # وفي هذه السنة أسرى ظهير الدين أتابك في عسكره إلى طبرية ، وفرق عسكره ~~فرقتين نفذ إحداهما إلى أرض فلسطين ، والأخرى غار بها على طبرية ، فخرج ~~إليه صاحبها في رجاله المعروف بجر فاس ، وهو من مقدمي الأفرنج المشهورين ~~بالفروسية والشجاعة (88 و) والبسالة ، وشد المراس ، يجري مجرى الملك بغدوين ~~في التقدم على الأفرنج ، فالتقاه وأحاطت خيل الأتراك به وبأصحابه ، فقتل ~~أكثرهم وأسر هو وجماعة معه ، وحملوا إلى دمشق (1)، فأنفذ بعضهم هدية إلى ~~السلطان وقتل جرفاس ومن كان معه في الأسر من أصحابه بعد أن بذلوا في ~~إطلاقهم جملة من المال فلم يقبلها. # وفيها تقدم السلطان غياث الدنيا والدين محمد عند وصوله إلى بغداد برفع ~~المكوس ، وإبطال رسمها عن التجار والمسافرين في جميع بلاده ، وحظر تناول ~~اليسير منها ، فلما عاد إلى أصفهان منها ، طمع في التجار ، وأخذ منهم المكس ~~على سبيل الخلاف لما أمر ، فلما عاد إلى بغداد وانتهى الأمر إليه أنكر ما ~~جرى في مخالفة أمره ، ووكد الأمر في إبطال ذلك ، وحذر من المخالفة له في ~~سائر البلاد. # وفيها وردت الأخبار من بغداد بوقوع النار في الجانب الشرقي منها ، فأحرقت ~~ما يزيد على خمسمائة دار وافتقر أهلها. # وفيها تناصرت أخبار الباطنية بقلعة ألموت والحصون المجاورة لها في ~~إيغالهم في الفساد ، وإفاظة النفوس بالعدوان والإلحاد ، فأنهض السلطان ~~وزيره أحمد بن نظام الملك خواجه بزرك ، ومعه جاولي سقاوه ، في عسكر PageV01P271 # كثيف ، فأظفره الله بهم ، ونصره عليهم ، وقتل منهم مقتلة عظيمة ، وخرب ~~منازلهم وقلاعهم (1). # وفي هذه السنة نهض بغدوين في عسكره ms171 المخذول من الأفرنج نحو ثغر صيدا ، ~~فنزل عليه في البحر والبر ، ونصب البرج الخشب عليه ، ووصل الأسطول المصري ~~للدفع عنه ، والحماية له فظهروا على مراكب الجنوية ، وعسكر البر ، واتصل ~~بهم نهوض العسكر الدمشقي لحماية صيدا ، والذب عنها ، فرحلوا عنها عائدين ~~إلى أماكنهم. ### | * سنة إثنتين وخمسمائة # فيها أنفذ صاحب عرقة (2) إلى ظهير الدين أتابك رسوله ، يلتمس منه المعونة ~~على دفع الأفرنج عنها ، وإنفاذ من يتسلمها ، فندب بعض ثقاته فتسلمها وأقام ~~واليها (3)، منتظرا وصول العسكر إليها ، والوفاء بما وعد به من الخلع عليه ~~، والاحسان إليه ، فحدث في (88 ظ) الوقت من الثلوج والأمطار ما عاق المسير ~~إليها ، وقل القوت بها ، وانقطعت الميرة عنها ، فبادر الأفرنج بالنزول ~~عليها ، وتوجه ظهير الدين عند ذاك إليها ، فصادفهم قد أحاطوا بها ، ولم ~~يتمكن من دفعهم عنها ، وعاد إلى حصن الأكمة (4)، ونزل عليه وقاتله فلما ~~عرف الأفرنج ذلك ، نهضوا إليه في PageV01P272 # تقدير ثلاثمائة فارس لانجاد من بالأكمة ، فوصلوا إليهم ليلا ، فقويت ~~نفوسهم ، واقتضى رأي أتابك الرحيل عنها بحكم من صار فيها منهم ، فرحل ~~كالمنهزم ، وطمع فيه ، وتتبع العسكر ، فغنم من الخيل والكراع غنيمة كبيرة ~~وتفرق العسكر في الشجر والجبال ، ووصلوا إلى حمص على أقبح صفة ، وأشنع صورة ~~، من غير لقاء ولا محاربة ، وعاد الأفرنج إلى عرقة ، وعدم القوت فيها ، ~~فملكوها بالأمان. # وفيها استوزر ظهير الدين أبا نجم هبة الله بن محمد بن بديع الأصفهاني ~~الذي كان مستوفيا للسلطان تاج الدولة ، وكان قد وزر بعده لولده الملك رضوان ~~بحلب ، وبقي في الوزارة مدة ، في أوائل سنة اثنتين وخمسمائة ، وأفسد قلب ~~ظهير الدين أتابك عليه مع ما كان في قلبه في الأيام التاجية ، فأمر بالقبض ~~عليه واعتقاله في القلعة ، وحمل ما كان في داره ، وقبض أملاكه ، وأقام ~~أياما في الاعتقال ، ثم أمر بخنقه ، فخنق ورمي في جب بالقلعة ، ثم أخرج ~~ودفن في المقابر. # وفي شعبان من هذه السنة وصل ريمند بن صنجيل ، الذي كان نازلا على طرابلس ~~، من بلاد الافرنج في جملة ستين مركبا في البحر ، مشحونة بالأفرنج ~~والجنويين ms172 ، فنزل على طرابلس ، ووقع بينه وبين السرداني ابن أخت صنجيل ~~مشاجرة ، ووصل طنكري صاحب أنطاكية إليه لمعونة السرداني (1)، ووصل الملك ~~بغدوين صاحب بيت المقدس في عسكره فأصلح بينهم ، وعاد السرداني إلى عرقة ، ~~ووجد بعض الأفرنج في زرعها ، فأراد ضربه فضربه الافرنجي فقتله ، ولما بلغ ~~الخبر ريمند بن صنجيل ، وجه من تسلم عرقة من أصحابه. # ونزل الأفرنج بجموعهم وحشدهم على طرابلس ، وشرعوا في قتالها ومضايقة ~~أهلها منذ أول شعبان إلى الحادي عشر من ذي الحجة (89 و) PageV01P273 # من السنة ، وأسندوا أبراجهم إلى السور ، فلما شاهد الجند والمقاتلة وأهل ~~البلد سقط في أيديهم ، وأيقنوا بالهلاك وذلت نفوسهم لا سيما مع اليأس من ~~تأخر وصول الاسطول المصري في البحر بالميرة والنجدة ، وقد كانت علة الأسطول ~~أزيحت ، وسير والريح ترده ، لما يريد الله تعالى من نفاذ الأمر المقضي ، ~~فشد الأفرنج القتال عليها وهجموها من الأبراج ، فملوكها بالسيف في يوم ~~الاثنين لإحدى عشرة ليلة خلت من ذي الحجة من السنة ، ونهبوا ما فيها ، ~~وأسروا رجالها ، وسبوا نساءها وأطفالها ، وحصل في أيديهم من أمتعتها ~~وذخائرها ودفاتر دار علمها ، وما كان منها في خزائن أربابها ما لا يحد عدده ~~، ولا يحصر فيذكر ، وسلم الوالي بها وجماعة من جنده ، كانوا التمسوا الأمان ~~قبل فتحها ، فلما ملكت أطلقوا ، ووصلوا إلى دمشق بعد أيام من فتحها ، وعوقب ~~أهلها واستصفيت أموالها ، واستثيرت ذخائرهم من مكامنها ، ونزل بهم أشد ~~البلاء ، ومؤلم العذاب (1). # وتقرر بين الأفرنج والجنويين على أن يكون للجنويين الثلث من البلد ، وما ~~نهب منه ، والثلثان لريمند بن صنجيل ، وأفردوا للملك بغدوين من الوسط ما ~~رضي به ، وكان طنكري لما لم ينل ما أراد من نصرة السرداني ، قد عاد ونزل ~~على بانياس وافتتحها وأمن أهلها في شوال من السنة ، ونزل على ثغر جبيل وفيه ~~فخر الملك بن عمار ، والقوت فيه نزر قليل ، فلم يزل مضايقا له ولأهله إلى ~~يوم الجمعة الثاني والعشرين من ذي الحجة ، فراسلهم وبذل لهم الأمان ، ~~فأجابوه إلى ذلك ، فتسلمه بالأمان ، وخرج منه فخر الملك بن عمار سالما ms173 ، ~~وقد وعده بإحسان النظر والإقطاع. # ووصل عقيب ذلك الاسطول المصري ، ولم يكن خرج للمصريين فيما تقدم مثله ~~كثرة رجال ومراكب وعدد وغلال لحماية طرابلس ، وتقويتها PageV01P274 # بالغلة الكثيرة والرجال والمال لمدة سنة ، مع تقوية ما في المملكة ~~المصرية من ثغور الساحل وأهله ، ووصل إلى صور في يوم الثامن من فتح طرابلس ~~، وقد فات الأمر فيها للقضاء النازل بأهلها ، وأقام بالساحل مدة وفرقت ~~الغلة في جهاتها ، وتمسك به أهل صور وصيدا (89 ظ) وبيروت ، وشكوا أحوالهم ~~وضعفها عن محاربة الأفرنج ، ولم يمكن الاسطول المقام ، فأقلع عائدا عند ~~استقامة الريح إلى مصر. # وفي شوال من هذه السنة وردت الأخبار بتملك الأمير سكمان القطبي مدينة ~~ميافارقين بالأمان بعد الحصر لها والمضايقة لأهلها عدة شهور ، بعد أن عدم ~~القوت بها ، واشتد الجوع بأهلها. # وفيها وصل بيمند صاحب أنطاكية من بلاد الأفرنج ، عائدا إلى مملكته في خلق ~~كثير ، ونزل بالقرب من قسطنطينية ، وخرج ملكها إليه ومعه خلق كثير من ~~التركمان المجاورين له فاقتتلوا أياما ، وطلب الروم تقبيحهم بكل نوع إلى أن ~~تفرقوا وتبددوا في البلاد ، وأصلح بيمند أمره مع الملك ، ودخل عليه ووطىء ~~بساطه ، ومن معه وكفى الله ، وله الحمد ، أمرهم ، وصرف عن الاسلام شرهم. # وفي هذه السنة توفي الأمير أرتق بن عبد الرزاق أحد مقدمي أمراء دمشق بمرض ~~طال به ، وكثر ألمه بسببه ، إلى أن قضى نحبه ليلة عيد النحر من سنة اثنتين ~~وخمسمائة. # وفيها ترددت رسل الملك بغدوين إلى ظهير الدين في التماس المهادنة ~~والموادعة ، فاستقر الأمر بينهما ، على أن يكون السواد وجبل عوف أثلاثا : ~~للأتراك الثلث ، وللأفرنج والفلاحين الثلثان ، فانعقد الأمر على هذه القضية ~~، وكتب الشرط على هذه النية. # وكان فخر الملك بن عمار ، لما ملك الأفرنج جبيل ، خرج منها وتوجه إلى ~~شيزر ، فأكرمه صاحبها سلطان بن علي بن المقلد بن منقذ الكناني ، PageV01P275 # واحترمه ، وجماعته ، وعرض عليه المقام عنده ، فلم يفعل ، وتوجه إلى دمشق ~~عائدا إلى ظهير الدين أتابك ، فأكرمه وأنزله في دار ، وأقطعه الزبداني ~~وأعمالها في المحرم سنة ثلاث وخمسمائة. ### | * سنة ثلاث ms174 وخمسمائة # لما فرغ الافرنج من طرابلس بعد افتتاحها ، وتدبير أعمالها ، وتقرير ~~أحوالها ، نهضوا إلى رفنية وعرف ظهير الدين ذاك من قصدهم ، فنهض في العسكر ~~نحوها لحمايتها ، وخيم بإزائهم بحمص ، فلم يتمكن الأفرنج من منازلتها ~~ومضايقتها ، وترددت بينه وبينهم مراسلات ومخاطبات ، أفضت إلى أن أجاب كل ~~واحد من الفريقين (90 و) إلى تقرير الموادعة على الأعمال ، والمسالمة ، ~~واستقر الأمر في ذلك على أن يكون للأفرنج الثلث من استغلال البقاع ، ويسلم ~~إليهم حصن المنيطرة (1) وحصن ابن عكار (2)، ويكفوا عن العيث والفساد في ~~الأعمال والأطراف ، وأن يكون حصن مصيات (3) وحصن الطوبان (4) وحصن الأكراد ~~(5) داخلا في شروط الموادعة ، ويحمل أهلها عنها مالا معينا في كل سنة إلى ~~الأفرنج فأقاموا على ذلك مدة يسيرة ، فلم يلبثوا على ما تقرر ، وعادوا إلى ~~رسمهم في الفساد والعناد. # وفيها توفي الشريف القاضي المكين فخر الملك أبو الفضل إسماعيل PageV01P276 # ابن إبراهيم بن العباس الحسيني ليلة الخميس الخامس والعشرين من صفر منها ~~بدمشق ، رحمه الله . # وفي جمادى الأولى من هذه السنة وردت الأخبار من ناحية العراق بوصول ~~السلطان ركن الدنيا والدين محمد بن ملك شاه إلى بغداد ، وانفاذ كتبه إلى ~~سائر البلاد معلما فيها بما هو عليه من قوة العزم على قصد الجهاد ، والأمر ~~لظهير الدين أتابك بالمقام بحيث هو إلى حين ترد العساكر إلى الشام ، وينضاف ~~إليها ويدبر أمرها ، لأنه كان تابع كتبه بالاستصراخ والاستنجاد على الكفرة ~~الأضداد ، فعرضت عوائق عن ذلك عاقت ، وموانع عن المراد صدت ، وطالت مدة ~~الانتظار ، وتزايد طمع الكفار بتأخر العسكر السلطانية ، فحملت ظهير الدين ~~أتابك ، الحمية الاسلامية ، والعزيمة التركية على التأهب للمسير بنفسه إلى ~~بغداد لخدمة الدار العزيزة النبوية المستظهرية ، والمواقف السلطانية ~~الغياثية ، والمثول بها ، والشكوى لما نزل بالمسلمين في الأعمال إليها ، من ~~تملك البلاد ، وقتل الرجال ، وسبي النساء والأطفال ، وحديثهم بينهم بالطمع ~~في الإمتداد إلى تملك الأعمال الجزرية والعراقية ، وتأهب للمسير ، واستصحب ~~معه فخر الملك بن عمار صاحب طرابلس ، وخواص أصحابه ، وما أمكنه من الخيول ~~العربية السبق ، وطرف مصر من أجناس اللباس ، وما ms175 يصلح لتلك الجهات من التحف ~~والهدايا من كل فن له قيمة وافرة وتوجه في البرية على طريق السماوة واستناب ~~في دمشق ولده تاج الملوك بوري ، ووصاه بما يجب عمله من استعمال اليقظة (90 ~~ظ) في الذب والحماية وإحسان السيرة في الرعية ، والمغالظة للأفرنج ، ~~والثبات على الموادعة المستقرة معهم إلى حين العود. # فلما سار ، وحصل في الوادي المعروف بوادي المياه من البرية ، وافى الخبر ~~بما شاع من المرجفين ببغداد ، من الحديث بتقليد السلطان بلاد الشام لأمراء ~~عين عليهم ، ووقعت الإشارة في ذلك إليهم ، فأحدث هذا الخبر PageV01P277 # وحشة أوجبت عوده عن طريقه ، واعتمد على فخر الملك بن عمار ، ومن عول عليه ~~من ثقاته في الإتمام إلى بغداد بما صحبه من التحف والهدايا ، والمناب عنه ~~في إنهاء ما دعاه إلى العود من طريقه ، فوصل فخر الملك إلى بغداد بما صحبه ~~، فصادف من الابتهاج بمقدمه والتأسف على عود أتابك ، ولم يصل ويشاهد ما زاد ~~على الأمل ، وظهور بطلان تلك الأراجيف بالمحال الذي لا حقيقة له ، وتواصلت ~~الأجوبة عن ذلك بما سر النفوس ، وشرح الصدور والاعتذار من إشاعة المحال ، ~~وأكاذيب الأخبار. # وقد كان ظهير الدين أتابك في عوده من وادي المياه ، قد اتصل به أن ~~كمشتكين الخادم التاجي ، الوالي ببعلبك قد راسل الأفرنج بالتماس المصافاة ~~منهم ، وبعثهم على شن الغارات على الأطراف ، وأنه قد سير أخاه بايتكين ~~الخادم التاجي إلى السلطان ، للتوصل بالمحال إلى إفساد الحال ، فحين سمع ~~ظهير الدين هذا الخبر ونفوذه ، ندب جماعة من العسكر ، وقرر معهم المصير إلى ~~المسالك والطرقات التي لابد من عبوره فيها ، لمسكه وحمله إليه ، فلم يقف ~~لبايتكين المذكور على خبر ، وسار ظهير الدين في العسكر من طريقه ، وكتب إلى ~~تاج الملوك يأمره بالخروج في العسكر إلى بعلبك ، والنزول عليها ، فسارع إلى ~~امتثال أمره ، وسار إليها ونزل عليها على غفلة من أهلها وغرة ممن بها ، ثم ~~أرسل إلى الخادم المذكور يلتمس منه الدخول في الطاعة ، وتسليم الموضع إليه ~~، ويحذره من الاستمرار على المخالفة والعصيان ، ويخوفه الإقامة على ما يفضي ms176 ~~إلى سفك الدماء ، وبالغ في الاعذار له والإنذار ، فلم يجب المراد والايثار ~~، وأصر على الخلف والانكار ، ووافى عقيب ذلك ظهير الدين في العسكر ، ومن ~~جمعه من الرجالة ، وزحف إلى بعلبك مقاتلا لها ، ونصب عليها المناجيق ، وشرع ~~في عمل آلة الحرب والنقوب لقصد الأماكن المستضعفة منها لانتهاز الفرصة فيها ~~(91 و) وترامى إليه من أحداث أهلها وأجنادها جماعة أحسن إليهم ، وخلع عليهم ~~، وزحف إلى سورها ، وقاتل PageV01P278 # من عليه ، فقتل جماعة منهم ، فحين شاهدوا الجد في القتال ، والصبر على ~~النزال ، جنحوا إلى الدخول في الطاعة ، والتمس الخادم الإقالة ، وبذل تسليم ~~البلد والحصن على شرط اشترطه ، واقطاع عينه ، وطلب بعض المقدمين للحديث معه ~~والتوثق لنفسه ، فنفذ إليه الأمير بلتاش لمحله من الدولة ، فتقررت الحال ~~على ما اقترحه وسلم البلد والحصن الذي هو غاية في المنعة والحصانة ، ومن ~~العجائب المذكورة ، والقلاع المشهورة ، وخرج إليه ، وجرى على عادته الجميلة ~~في الصفح عمن أساء إليه ، وأظهر العصيان عليه ، وعوضه عن بعلبك حصن صرخد ، ~~وهو مشهور بالحصانة والمنعة أيضا (1)، وأعاد إليه ما كان قبض عنه من ملك ~~وإقطاع (2)، وسلم ظهير الدين أتابك ، بعلبك إلى ولده تاج الملوك بوري ، ~~فرتب فيها من ثقات أصحابه من اعتمد عليه في حفظها ، وقرر أحوالها ، وكانت ~~مدة المقام في منازلتها خمسة وثلاثين يوما وسلمت وتسلمت في اليوم الثاني ~~والعشرين من شهر رمضان سنة ثلاث وخمسمائة وأمر ظهير الدين بإزالة حوادث ~~الظلم عن أهل بعلبك ، وتسويغ بعض خراجها (3) أهلها ، وأعاد عليهم أملاكا ~~كانت قد اغتصبت في قديم الزمان ، وكثر له الدعاء ، وتواصل عليه الثناء وعاد ~~منكفيا إلى دمشق ، وورد عليه الخبر بعود السلطان من بغداد إلى أصفهان في ~~شوال من السنة. # وورد الخبر بوفاة الأمير ابراهيم ينال صاحب آمد ، وكان قبيح السيرة PageV01P279 # فيها ، مذكورا بالظلم في أهلها ، وكان جماعة من أهلها قد جلوا عنها لأجل ~~[ظلمه] المستمر عليهم ، واساءته إليهم ، فسرت النفوس بفقده ، وأمل من بعده ~~الصلاح وقام مقامه ولده ، فكان أصلح منه سريرة ، وأحسن طريقة. # وفي هذه السنة خرج طنكري من أنطاكية ms177 في حشده ولفيفه المخذول ، إلى الثغور ~~الشامية فملك طرسوس وما والاها ، وأخرج صاحب ملك الروم منها ، وعاد إلى ~~أنطاكية ، ثم خرج إلى شيزر وقرر عليها عشرة آلاف دينار ، مقاطعة تحمل إليه ~~بعد أن عاث في عملها ، ونزل على حصن (91 ظ) الأكراد فتسمله من أهلها وتوجه ~~إلى عرقه ، وكان الملك بغدوين وابن صنجيل قد نزلا على ثغر بيروت برا وبحرا ~~، فعاد طنكري إلى أنطاكية ، وسار جوسلين صاحب تل باشر (1) إلى ثغر بيروت ~~لمعاونة النازلين عليه من الأفرنج ، ويستنجد بهم على عسكر الأمير مودود ~~النازلين على الرها ، وشرع الأفرنج في عمل البرج ، ونصبه على سور بيروت ، ~~فحين نجز وزحفوا به كسر بحجارة المناجيق وأفسد ، فشرعوا في عمل غيره ، وعمل ~~ابن صنجيل برجا آخر ، ووصل في الوقت من اسطول مصر في البحر تسعة عشر مركبا ~~حربية ، فظهروا على مراكب الأفرنج وملكوا بعضها ، ودخلوا بالميرة إلى بيروت ~~، فقويت بها نفوس من فيها من الرعية ، وأنفذ الملك إلى السويدية يستنجد بمن ~~فيها من الجنوية في مراكبهم ، فوصل منها إلى بيروت أربعون مركبا مشحنة ~~بالمقاتلة ، فزحف الأفرنج في البر والبحر إليها بأسرهم في يوم الجمعة ~~الحادي والعشرين من شوال ، ونصبوا على السور برجين اشتدوا في القتال ، فقتل ~~مقدم الاسطول المصري ، وخلق كثير من المسلمين ، ولم ير الأفرنج من ما تقدم ~~وتأخر أشد من حرب هذا ، وانخذل الناس في البلد PageV01P280 # وأيقنوا بالهلكة ، فهجم الأفرنج على البلد آخر نهار هذا اليوم ، فملكوه ~~بالسيف قهرا وغلبة وهرب الوالي الذي كان فيه في جماعة من أصحابه [ثم أمسك] ~~(1) وحمل إلى الأفرنج فقتل ومن كان معه ، وغنموا ما كان استصحبه من المال ، ~~ونهب البلد وسبي من كان فيه ، وأسر واستصفيت أموالهم وذخائرهم ، ووصل عقيب ~~ذلك من مصر ثلاثمائة فارس نجدة لبيروت ، فحين حصلوا بالأردن خرجت عليهم ~~فرقة من الأفرنج يسيرة العدد ، فانهزموا منهم إلى الجبال ، فهلك منهم جماعة. # فلما تقرر أمر بيروت رحل الملك بغدوين في الأفرنج ، ونزل على ثغر صيدا ، ~~وراسل أهله يلتمس تسليمه ، فاستمهلوه مدة عينوها ، فأجابهم إلى ms178 المهلة بعد ~~أن قرر عليهم ستة آلاف دينار تحمل إليه مقاطعة ، وكانت قبل ذلك ألفي دينار ~~، ورحل عنها إلى بيت المقدس للحج. # وفي هذه السنة وردت الأخبار بظهور الكرج على بلاد (2) كنجة (92 و) وما ~~قاربها ، وأكثروا العيث والفساد في نواحيها ، وانتهى الخبر بذلك إلى ~~السلطان غياث الدنيا والدين محمد بن ملك شاه ، فأنهض عسكرا وافر العدد ، ~~فأوقع بهم وشردهم ، وعن الفساد والعيث أبعدهم بالفتك فيهم ، وطردهم ودوخ ~~بلادهم ، وأخرب أعمالهم ، فأمن أهل بلاد كنجة من شرهم ، وقامت الهيبة ~~بإهلاكهم ، وعاد العسكر السلطاني ظافرا غانما. # وفي هذه السنة وردت الأخبار بظهور قوم من كافر ترك على من صادفوه في ~~الأعمال ، ووصلوا إلى جيحون فأفسدوا تلك الأعمال ، وأعاثوا فيها ، واتصل ~~الخبر بالسلطان المعظم أبي الحارث سنجر بن ملك شاه ، سلطان خراسان ، فأنهض ~~إليهم أميرا كبيرا من مقدمي عساكر # تقويم البلدان : 404 405. PageV01P281 # خراسان ، في عدد دثر من الأتراك ، فظفر بهم وكسرهم ، وقتل منهم خلقا ~~كثيرا [فأقبلوا] (1) عائدين خاسرين مفلولين. # وفي ثامن ذي القعدة من السنة ظهر في السماء كوكب من الشرق له ذؤابة ممتدة ~~إلى القبلة ، وأقام إلى آخر ذي الحجة ، ثم غاب. # وفيها كاتب السلطان غياث الدنيا والدين الأمير سكمان القطبي ، صاحب ~~أرمينية وميافارقين ، وشرف الدين مودود صاحب الموصل يأمرهما بالمسير في ~~العساكر إلى جهاد الأفرنج ، وحماية بلاد الموصل ، فجمعا واحتشدا ، ونهضا ~~ونزلا بجزيرة بني نمير إلى أن تكامل وصول ولاة الأطراف إليهما ، وخلق كثير ~~من المتطوعة ، ووصل إليهما أيضا الأمير نجم الدين ايل غازي بن أرتق في خلق ~~كثير من التركمان ، واجتمع المسلمون في عدد لا يقوم بلقائه جميع الأفرنج ، ~~واتفقت الآراء على افتتاح الجهاد بقصد الرها ومضايقتها ، إلى أن يسهل الله ~~افتتاحها بحكم حصانتها ومنعتها. # فرحلوا بأسرهم ونزلوا عليها في العشر الثاني من شوال ، وأحاطوا بها من ~~جهاتها كالنطاق ، ومنعوا الداخل والخارج بالمسير إليها ، وكان القوت بها ~~قليلا ، فأشرف من بها على الهلاك ، وغلا بها السعر ، وطالت مدة الحصر لها ~~والتضييق عليها ، وحين عرف الأفرنج صورة هذه الحال ، شرعوا ms179 في الجمع ~~والإحتشاد ، والتأهب للذب عنها ، والاستعداد ، واتفقت الكلمة بينهم على هذه ~~الحال ، واجتمع (92 ظ) طنكري صاحب أنطاكية وابن صنجيل صاحب طرابلس ، والملك ~~بغدوين ومقدمو ولاة الأعمال من الأفرنج ، وتعاهدوا وتعاقدوا على الثبات في ~~الحرب والمصابرة واللباث ، فلما استقرت الأحوال بينهم على البينة رحلوا ~~بأسرهم إلى ناحية الرها. PageV01P282 # واتصلت الأخبار بظهير الدين أتابك ، وعرف صورة الحال فيما تقرر بينهم ، ~~فسار من دمشق في العسكر وخيم على سلمية ، وعرف أن الافرنج قد قصدوا في ~~طريقهم رفنية ، وفيها الأمير شمس الخواص واليها ، وأنهم لما نزلوا عليها ~~ظهر إليهم في خيله وقتل منهم جماعة ، ووصل إلى المخيم بسلمية ، واجتمع إليه ~~خلق كثير من الشام ، ووصل الخبر بحصول الأفرنج على الفرات عازمين على قطعه ~~(قصد) الرها ، فرحل أتابك في الحال وتوجه إلى ناحية الرقة وقلعة جعبر ، ~~وقطع الفرات وتلوم هناك إلى أن عرف خبر الأفرنج ، أنهم قد أحجموا عن العبور ~~لتفرق سرايا العساكر الاسلامية وطلائعهم في سائر الجهات والمسالك إلى ~~الفرات. # ولما عرف المسلمون قرب الأفرنج منهم ، اتفقت الآراء فيما بينهم على ~~الإفراج لهم ليتمكنوا من لقائهم في الفضاء من شرقي الفرات ، ورحلوا عن ~~الرها في آخر ذي الحجة منها ، ونزلوا أرض حران على سبيل الخديعة والمكر ، ~~وكانت حران قد حصلت للأمير مودود ، وسلمها إلى نجم الدين ايل غازي بن أرتق ~~، وتوقف المسلمون عن لقاء الأفرنج إلى أن يقربوا منهم ، ويصل إليهم عسكر ~~دمشق ، وفطن الأفرنج لهذا التدبير والاتفاق عليه ، فخافوا واستشعروا الهلاك ~~والخذلان ، وأجفلوا ناكصين على الأعقاب إلى شاطىء الفرات ، وبلغ المسلمين ~~خبرهم ، فنهضوا في إثرهم وأدركهم سرعان الخيل وقد قطع الفرات بعضهم من ~~مقدميهم ، فغنم المسلمون سوادهم وأثقالهم ، وأتوا على العدد الدثر من ~~أتباعهم قتلا وأسرا وتغريقا في الفرات ، وامتلأت الأيدي من الغنائم ~~والأسلاب والسبي والدواب ، ولم يتمكن المسلمون من قطع الفرات للحاق بهم ~~بحكم اشتغالهم بأمر الرها ، والعود إليها ، وكانوا قد أخرجوا منها كل ضعيف ~~الحال ، ورتبوا جماعة من الأرمن لحفظها ، وحملوا إليها ما صحب العسكر ~~الواصل من الأقوات تقوية ms180 لها ، وخرج بغدوين PageV01P283 # الرويس (93 و) صاحبها عنها ، وتوجه صحبة الأفرنج المنهزمين ، وأقام عسكر ~~الإسلام على الفرات أياما نازلا بإزائهم ، ورحل طالبا للعود إلى منازلة ~~الرها ، وعرف ظهير الدين أتابك خبر عودهم على تلك الصفة ، فعاد منكفئا إلى ~~عمله لحمايته منهم ، بعد أن نفذ شطرا وافرا من معسكره إلى النازلين على ~~الرها لمعونتهم ، ووصل إلى دمشق وأقام من كان أنهضه من عسكره إلى الرها إلى ~~أن خلت البلاد منهم وأذن لهم في العود إلى أماكنهم بعد إكرامهم والإحسان ~~إليهم (1). # وترددت بين أتابك ظهير الدين ، وبين الأمير شرف الدين مودود مراسلات ، ~~أفضت إلى استحكام المودة بينهما ، واتفاق الكلمة ، وتأكيد أسباب الإلفة ، ~~فطال مقام عسكر الاسلام على الرها لامتناعها وحصانتها ، وقل تواصل الميرة ~~إلى المخيم ، وعدم وجودها ، فدعتهم الحاجة إلى العود عنها ، فتفرقوا بعد أن ~~رتبوا من يقيم على حران لحصر الرها. # وحدث لنجم الدين ايل غازي بن أرتق استيحاش من سكمان القطبي لأمر تجدد ~~بينهما ، فأجفل من حران إلى ماردين ، فقبض سكمان على ابن أخيه بلك ، وحمله ~~معه إلى بلده مقيما. # وبعد تفرق العساكر الاسلامية عن الرها عاد إليها بغدوين الرويس صاحبها ، ~~وحصل بها ، والغارات متواصلة على أطرافها ، وقد كان الملك فخر الملوك رضوان ~~صاحب حلب لما عرف هزيمة الأفرنج خرج إلى أعمال حلب ، واستعاد ما كان غلب ~~الأفرنج عليه منها ، وغار على عمل أنطاكية ، وغنم منه غنيمة وافرة ، ولما ~~عرف خبر عودهم عاد إلى حلب ، ووصل الأفرنج عقيب ذلك فأفسدوا في عمل حلب ، ~~وقتلوا وأسروا خلقا كثيرا ، وعاد طنكري ونزل على الأثارب (2)، وملكها بعد طول # بيروت : 1980. PageV01P284 # حصرها والمضايقة لها ، وذلك في جمادى الآخرة من السنة ، وآمن أهلها ، ~~وخرج منها من أراد الخروج ، وأقام من آثر المقام ، واستقرت الموادعة بعد ~~ذلك بين الملك فخر الملوك رضوان وبين طنكري ، على أن يحمل إليه الملك من ~~مال حلب في كل سنة عشرين ألف دينار مقاطعة ، وعشرة أرؤس خيلا ، وفكاك ~~الأسرى ، واستقرت على هذه القضية. # وفيها وصل الملك بغدوين صاحب (93 ظ) بيت المقدس ms181 إلى ناحية بعلبك وعزم ~~العيث والإفساد في ناحية البقاع ، وترددت المراسلة بينه وبين ظهير الدين ~~أتابك في هذا المعنى ، إلى أن تقررت الموادعة بينهما على أن يكون الثلث من ~~استغلال البقاع للأفرنج ، والثلثان للمسلمين والفلاحين ، وكتبت بينهما ~~المواصفة بهذا الشرح في صفر من السنة ، ورحل عائدا إلى عمله ، وقد فاز بما ~~حصل في يده وأيدي عسكره من غنائم بعلبك ، والبقاع. # ووردت الأخبار فيها بوصول بعض ملوك الأفرنج في البحر ، ومعه نيف وستون ~~مركبا مشحونة بالرجال لقصد الحج والغزو في بلاد الإسلام ، فقصد بيت المقدس ~~، وتوجه إليه بغدوين واجتمع معه ، وتقرر بينهما قصد البلاد ، فلما عادا من ~~بيت المقدس نزلا على ثغر صيدا في ثالث شهر ربيع الآخر سنة أربع وخمسمائة ~~وضايقوه برا وبحرا ، وكان الاصطول المصري مقيما على ثغر صور ، ولم يتمكن من ~~إنجاد صيدا ، فعملوا البرج وزحفوا به إليها ، وهو ملبس بحطب الكرم والبسط ~~وجلود البقر الطرية ، ليمنع من الحجارة والنفط ، وكانوا إذا أحكموه على هذه ~~الصورة نقلوه على بكر تركب تحته في عدة أيام متفرقة ، فإذا كان يوم الحرب ~~وقرب من السور ، زحفوا به وفيه الماء والخل لطفي النار ، وآلة الحرب. # فلما عاين من بصيدا هذا الأمر ، ضعفت نفوسهم ، وأشفقوا من مثل نوبة بيروت ~~، فأخرج إليهما قاضيها وجماعة من شيوخها ، وطلبوا من PageV01P285 # بغدوين الأمان ، فأجابهم إلى ذلك ، وأمنهم والعسكرية معهم على النفوس ~~والأموال ، وإطلاق من أراد الخروج منها إلى دمشق ، واستحلفوه على ذلك ~~وتوثقوا منه وخرج الوالي والزمام وجميع الأجناد والعسكرية ، وخلق كثير من ~~أهل البلد ، وتوجهوا إلى دمشق لعشرين بقين من جمادى [الأولى] (1) لسنة أربع ~~وخمسمائة ، وكانت مدة الحصار سبعة وأربعين يوما ، ورتب بغدوين الأحوال بها ~~والحافظين لها ، وعاد إلى بيت المقدس ، ثم عاد بعد مدة يسيرة إلى صيدا ، ~~فقرر على من أقام بها نيفا وعشرين ألف دينار ، فأفقرهم واستغرق أحوالهم ، ~~وصادر من علم أن له تنبه منهم. ### | * سنة أربع وخمسمائة # (94 و) في هذه السنة وردت الأخبار بأن جماعة من التجار المسافرين خرجت من ~~تنيس (2) ودمياط ms182 ومصر ببضائع وأموال جمة ، كانوا قد ضجروا وملوا طول المقام ~~، وتعذر مسير الاسطول في البحر ، وحملوا نفوسهم على الخطر ، وأقلعوا في ~~البحر ، فصادفتهم مراكب الأفرنج ، فأخذتهم وحصل في أيديهم من الأمتعة ~~والمال ما يزيد على مائة ألف دينار ، وأسروهم وعاقبوهم ، واشتروا أنفسهم ~~بما بقي لهم من الذخائر في دمشق وغيرها. # وأما بغدوين فإنه لما عاد من صيدا ، قصد عسقلان ، وغار عليها ، وكان ~~واليها المعروف بشمس الخلافة يراسل بغدوين ، فاستقرت الحال بينهما على مال ~~يحمله إليه ، ويرحل عنه ويكف الأذية عن عسقلان ، وكان شمس الخلافة أرغب في ~~التجارة من المحاربة ، ومال إلى الموادعة والمسالمة وإيمان السابلة ، وقرر ~~على أهل صور سبعة آلاف دينار تحمل PageV01P286 # إليه في مدة سنة وثلاثة شهور ، وانتهى الخبر بذلك إلى الأفضل صاحب مصر في ~~شوال ، فأنكر هذه الحال ، وأسرها في نفسه ، ولم يبدها لأحد من خاصته ، وجهز ~~عسكرا كثيفا إلى عسقلان مع وال يكون مكان شمس الخلافة ، فلما قرب من عسقلان ~~وعرف شمس الخلافة ذاك أظهر الخلاف على الأفضل ، وجاهر بالعصيان عليه ، ~~وأخرج من كان عنده من العسكرية لخوفه من تدبيرهم عليه من الأفضل لما يعلمه ~~من الأمور التي أنكرها عليه ، ونقمها منه ، ومراسلته لبغدوين يلتمس منه ~~المصافاة والمعونة بالرجال والغلال ، وإن دهمه أمر ، وحزبه خطب ، سلم إليه ~~عسقلان فطلب منه العوض عنها ، فلما عرف الأفضل ذلك أشفق من تمام هذا الأمر ~~، فكاتبه بما يطيب نفسه ، وغالطه وأقطعه عسقلان وأقر إقطاعه بمصر عليه ، ~~وأزال الاعتراض لشيء من ماله في ديار مصر من خيل وتجارة وأثاث ، وخاف شمس ~~الخلافة من أهل البلد ، فاستدعى جماعة من الأرمن فأثبتهم في عسقلان ، ولم ~~يزل على هذه الحال إلى آخر سنة أربع وخمسمائة ، فأنكر أمره أهل البلد ، ~~ووثب عليه قوم من كتامة وهو راكب فجرحوه ، وانهزم إلى داره فتبعوه وأجهزوا ~~عليه ، ونهبوا داره وماله ، وتخطفوا بعض دور (94 ظ) الشهود والعامة ، ~~وانتهى الخبر إلى صاحب السيارة فبادر إلى البلد ، فأطاع أمره من به ، ~~وأنفذوا رأسه إلى الأفضل إلى مصر ، وأنهوا جلية حاله ms183 ، فحسن موضع ذلك منه ~~وموقعه ، وأحسن إلى الواردين بهذه البشرى ، ثم تقدم بمطالبة القوم القاتلين ~~بما نهبوه من داره ، واستولوا عليه من ماله ، ومال أهل البلد ، واعتقالهم ، ~~وقبض جماعة من أهل البلد ، وحملهم إلى مصر ، ولما وصلوا اعتقلوا فيها. # وفي هذه السنة هبت بمصر وأعمالها ريح سوداء ، وطلع سحاب أسود أخذ ~~بالأنفاس وأظلمت منه الدنيا ، حتى لم يبصر أحد يده ، والريح تسفي الرمل في ~~مقل الناس ووجوههم ، حتى يئسوا من الحياة ، وأيقنوا بالبوار لهول ما عاينوه ~~، والخوف مما نزل بهم ، ولما تجلى ذلك السواد ، عاد إلى الصفرة ، والريح ~~بحالها ، ثم انجلت الصفرة ، وظهرت للناس PageV01P287 # الكواكب ، وظن أهل تلك الأعمال بأن القيامة قد قامت ، وخرج الناس من ~~منازلهم وأسواقهم إلى الصحراء ، وركدت الريح ، وأقلع السحاب ، وعاد الناس ~~إلى منازلهم سالمين من الأذى ، وكانت مدة هذه الشدة منذ صلاة العصر إلى ~~صلاة المغرب. # وفيها وصل السلطان غياث الدين محمد بن ملك شاه من همذان إلى بغداد ، في ~~جمادى الأولى منها ، ووردت الكتب والرسل إليه من الشام بإنهاء الحال ، وما ~~جرى من الأفرنج بعد عودهم عن الفرات ، ونوبة صيدا والأثارب وأعمال حلب. # ولما كان أول جمعة من شعبان حضر رجل من الأشراف الهاشميين من أهل حلب ، ~~وجماعة من الصوفية والتجار والفقهاء إلى جامع السلطان ببغداد ، فاستغاثوا ~~وأنزلوا الخطيب عن المنبر ، وكسروه ، وصاحوا وبكوا لما لحق الإسلام من ~~الأفرنج ، وقتل الرجال وسبي النساء والأطفال ، ومنعوا الناس من الصلاة ، ~~والخدم والمقدمون يعدونهم عن السلطان بما يسكنهم من إنفاذ العساكر ، ~~والانتصار للإسلام من الأفرنج والكفار ، وعاودوا في الجمعة الثانية المصير ~~إلى جامع الخليفة ، وفعلوا مثل ذلك من كثرة البكاء والضجيج والاستغاثة ~~والنحيب. # ووصلت عقيب ذلك الخاتون السيدة ، أخت السلطان ، وزوجة الخليفة إلى بغداد ~~من أصفهان ، ومعها من التجمل والجواهر والأموال والآلات ، وأصناف المراكب ~~والدواب والأثاث (95 و) وأنواع الملابس الفاخرة ، والخدم والغلمان والجواري ~~والحواشي ، مالا يدركه حزر فيحصر ، ولا عد فيذكر ، واتفقت هذه الاستغاثة ، ~~فتكدر ما كان صافيا من الحال والسرور بمقدمها ، وأنكر الخليفة المستظهر ~~بالله ms184 أمير المؤمنين ما جرى ، وعزم على طلب من كان الأصل والسبب ليوقع به ~~المكروه ، فمنعه السلطان من ذلك ، وعذر الناس فيما فعلوه ، وأوعز إلى ~~الأمراء والمقدمين بالعود إلى أعمالهم ، والتأهب للمسير إلى جهاد أعداء ~~الله الكفار. PageV01P288 # وفي جمادى الآخرة منها ، وصل رسول متملك الروم بهدايا وتحف ومراسلات ، ~~مضمونها البعث على قصد الأفرنج ، والإيقاع بهم والاجتماع على طردهم من هذه ~~الأعمال ، وترك التراخي في أمرهم ، واستعمال الجد والاجتهاد في الفتك بهم ~~قبل إعضال خطبهم واستفحال شرهم ، ويقول إنه قد منعهم من العبور إلى بلاد ~~المسلمين ، وحاربهم ، فإن طمعوا فيها ، بحيث تتواصل عساكرهم وإمدادهم إلى ~~البلاد الإسلامية احتاج إلى مداراتهم وإطلاق عبورهم ومساعدتهم على مقاصدهم ~~وأغراضهم ، للضرورات القائدة إلى ذلك ، ويبالغ في الحث والتحريض على ~~الاجتماع على حربهم ، وقلعهم من هذه الديار بالاتفاق عليهم. # وفي هذه السنة نقض الملك بغدوين صاحب بيت المقدس الهدنة المستقرة بين ~~أتابك وبينه ، وكتب إلى ابن صنجيل صاحب طرابلس يلتمس منه الوصول إليه في ~~عسكره ، ليجتمع معه في طبرية ، وجمع وحشد ، ورحل إلى ناحية بيت المقدس ~~لتقرير أمر كان في نفسه ، فحدث له في طريقه مرض أقام به أياما ، ثم أبل منه ~~وأفاق ، وقصد في حشده ناحية البثنية من حوران ، وقد أطرح كل من في الشام ، ~~ولم يبق في عينه منهم أمر يحفل به من جهتهم ، فنهض ظهير الدين أتابك عند ~~معرفته قصده في عسكره ، ونزل في المنزل المعروف برأس الماء (1)، ثم رحل ~~عنه إلى اللجاة ، ونهض الأفرنج في إثره إلى الصنمين (2)، ففرق أتابك ~~العسكر عليهم من عدة جهات ، وبث في المعابر والمسالك خيلا تمنع من حمل ~~الميرة إليهم ، وضايقهم مضايقة ألجأتهم إلى الدخول في حكم المسالمة ~~والموادعة ، وترددت المراسلات في ذلك (95 ظ) إلى أن استقرت الحال بينهما ~~على أن يكون لبغدوين النصف من ارتفاع جبل عوف والسواد PageV01P289 # والحيانية مضافا إلى ما في يده ، ومن هذه الأعمال التي يليها في أيدي ~~العرب من آل جراح ، وكتب بينهما هذا الشرط ، ورحل كل منهما منكفئا إلى عمله ~~في ms185 آخر ذي الحجة منها. # وقد كان الأمر تقرر مع السلطان غياث الدنيا والدين على إنهاض العساكر ~~عقيب تلك الاستغاثة المقدم شرحها ببغداد ، والتقدم إلى الأمراء بالتأهب ~~للمسير إلى الجهاد ، فتأهبوا لذلك ، وكان أول من نهض منهم إلى أعمال ~~الأفرنج الأمير الاسفهسلار شرف الدين مودود ، صاحب الموصل ، في عسكره إلى ~~شبختان (1)، فافتتح تل قراد (2) وعدة حصون هناك بالسيف والأمان ووصل إليه ~~الأمير أحمديل (3) في عسكر كثيف الجمع ، وكذلك تلاه الأمير قطب الدين سكمان ~~القطبي من بلاد أرمينية وديار بكر ، فاجتمعوا في أرض حران ، وكتب إليهم ~~سلطان بن علي بن منقذ صاحب شيزر يعلمهم نزول طنكري صاحب أنطاكية أرض شيزر ، ~~وشروعه في بناء تل ابن معشر في مقابلة شيزر ، وحمل الغلال إليه ، ويستصرخهم ~~ويبعثهم على الوصول إلى جهته ، فحين عرفوا ذاك رحلوا إلى الشام ، وقطعوا ~~الفرات في النصف من المحرم سنة خمس وخمسمائة ، ونزلوا على تل باشر في ~~التاسع عشر من المحرم ، وأقاموا عليه منتظرين وصول الأمير برسق بن برسق ~~صاحب همذان ، وكان قد أمر من السلطان بالتقدم عليهم ، فوصل إليهم في بعض ~~عسكره ، وبه مرض من علة النقرس ، وسكمان القطبي أيضا مريض ، والآراء بينهما ~~مختلفة ، وقاتل PageV01P290 # المطوعة والسوقة هذا الحصن ونقبوه ، فأنفذ جوسلين صاحب تل باشر إلى ~~الأمير أحمديل الكردي يلاطفه بمال وهدية ، ويبذل له الكون معه ، والميل ~~إليه ، وكان أكثر العسكر مع أحمديل ، وسأله الرحيل عن الحصن وينزل إليه ، ~~فأجابه إلى ذلك ، على كراهية من باقي الأمراء ، واشتد مرض سكمان القطبي ، ~~وعزم أحمديل على العود طمعا منه في أن السلطان يقطعه بلاد سكمان ، وكان قد ~~عقد بينهما وصلة وصهر ، فعادوا عن تل باشر إلى حلب ، ونزلوا عليها ، وعاثوا ~~في أعمالها وفعلوا أقبح من فعل الأفرنج في الفساد ، وتوقعوا خروج (96 و) ~~الملك فخر الملوك رضوان صاحب حلب إليهم ، أو خدمة ينفذها لهم ، فلم يلتفت ~~إلى أحد منهم ، وأغلق أبواب حلب ، وأخذ رهائن أهلها إلى القلعة ، ورتب ~~الجند وأحداث الباطنية والطائعين لحفظ الأسوار ، ومنع الحلبيين من الصعود ~~إلى السور ، وأطلق الحرامية ms186 في أخذ من يظفرون به من أطراف العسكر (1). # وقد كان ظهير الدين أتابك عند اجتماع هؤلاء الأمراء ، وعبورهم الفرات قد ~~كاتبوه بالوصول إليهم ، ورد التدبير فيما يعتمدونه عليه إليه ، ووصل إليه ~~كتاب السلطان بمثل هذه الحال ، فاقتضت الصورة ، وصائب الرأي أن ينهض في ~~العسكر نحوهم للاعتضاد على الجهاد ، وتقوية النفوس على حماية هذه البلاد من ~~أهل الشرك والإلحاد ، وجمع من أمكنة من رجال حمص وحماة ورفنية وسائر ~~المعاقل الشامية ، وسار إليهم ووصلهم على ظاهر حلب ، فتلقوه بالإكرام ~~والمزيد من الاحترام ، وقويت بوصوله النفوس ، واشتدت الظهور ، وسروا بحصوله ~~عندهم سرورا ، ظهر منهم وشاع منهم ، فلم ير منهم عزيمة صادقة في جهاد ، ولا ~~حماية بلاد. # وأما سكمان القطبي فإن المرض اشتد به ، وأشفي منه ففصل عنهم PageV01P291 # وعاد إلى بلده (1)، وورد الخبر بوفاته في طريقه قبل وصوله الفرات (2)، # وفي سنة أربع وخمسمائة نزل الأمير سكمان إلى ميافارقين ، وقصد الرها ومعه ~~عساكر عظيمة فمات هناك ، ووصل تابوته إلى ميافارقين ، وحمل إلى أخلاط ودفن ~~بها .. وفي سنة ست وخمسمائة وصلت خاتون زوجة الأمير سكمان ، وولده الأمير ~~إبراهيم إلى ميافارقين ، وعزل غزغلي عن الولاية ، وولي السديد أبو سعد ~~الحويلي الوزارة ، وولى ميافارقين أخوه أبو منصور المعين ، واستقر متوليا ~~.. وفي سنة سبع وخمسمائة قتل الأمير إبراهيم بن سكمان الوزير السديد في ~~ولاية منازجرد ، وأظهر أخوه المعين العصيان بميافارقين وبقي مدة متحكما في ~~البلد .. وفي آخر سنة ثمان وخمسمائة وصل قراجا الساقي مملوك السلطان محمد ~~إلى باب ميافارقين ، ونزل على الروابي ، وبقي مدة ، والمعين متولي البلد ~~وهو لا يظهر إلا أنه عابر وهو ينتظر من يلحقه من أصحابه ، ولا يراسل المعين ~~ولا يكلمه ، وأخرج له المعين الإقامة والضيافة ، وكان كل يوم يركب إلى ~~الصيد ، ويعبر على باب البلد ، فعبر ذات يوم كعادته على باب المدينة بباب ~~الحوش ، وهجم على الباب ، وقطع بسيف كان بيده السلسلة ، ودخل فوثب إليه بعض ~~الخراسانية فجذب سيفه ، وصاح فيه الأمير فدخل إلى داخل البلد ، ومعه جماعة ~~فوقف داخل الباب ، فوثب إلى بين يديه ms187 رجل حداد ، ومشى بين يديه إلى باب ~~القصر ، ووقعت الصيحة ، وغلق باب القصر ، واجتمع الناس ، وبقوا ساعة ، ففتح ~~المعين باب القصر ، ودخل عز الدين قراجة إلى ميافارقين في آخر سنة ثمان ~~وخمسمائة ونزل المعين إلى دار العجمية ، وملك قراجا البلد ، ودخل أصحابه ~~ورحله وثقله وزوجته ، وكانت جارية للسلطان محمد ، وكان معها ابنة السلطان ~~تسمى فاطمة خاتون صغيرة ، وهي التي تزوجها الخليفة المقتفي في سنة أربع ~~وثلاثين وخمسمائة ، ولقد حضرت لما دخلت إليه دار الخلافة في سنة أربع ~~وثلاثين وخمسمائة ببغداد .. # وبقي قراجا ثلاثة أيام ، واستوزر المعين ، وخلع عليه ورد الأمور إليه .. # ثم إن السلطان نفذ طلبه واستدعاه ، فمضى إليه وأعطاه ولاية فارس وشيراز ~~والمعين معه وزيره ، فنفذ السلطان واليا اسمه الرزبيكي فدخل ميافارقين ~~وبلدها وأخذوا منه من كل جانب وخرب أكثره ، وكان قد أخذ منه في ولاية أتابك ~~خمرتاش مواضع كثيرة فأخذ منه الأمير سكمان بن أرتق بلد حزة لحصن كيفا من ~~قاطع شط ساتيدما إلى باب الشعب إلى شط أرزن مقدار مائة ضيعة ، وأخذ لماردين ~~نجم الدين إيلغازي بلد الحناضلة من قاطع دجلة إلى جبل الصور PageV01P292 # وأما برسق فإنه كان يحمل في المحفة ولا يتمكن من فعل ولا قول ، أما ~~أحمديل فإن عزمه قوي على العود بسبب بلاد سكمان وطمعه في اقتطاعها من ~~السلطان فاستجرهم ظهير الدين أتابك إلى الشام ، فرحلوا في آخر صفر ونزلوا ~~معرة النعمان ، فأقاموا على ذلك المنهاج الأول ، وامتار العسكر من عملها ما ~~كفاهم ، وقصروا عن جملة من العلوفات والأقوات ، وظهر لظهير الدين من سوء ~~نية المقدمين فيه ما أوحشه منهم ، ونفر قلبه من المقام بينهم ، وذكر له أن ~~الملك فخر الملوك رضوان راسل بعض الأمراء في العمل عليه ، والإيقاع به ، ~~فاتفق مع الأمير شرف الدين مودود ، وتأكدت المصافاة والمعاهدة بينهما ، ~~وحمل إلى بقية الأمراء ما كان صحبه من الهدايا لهم والتحف ، والحصن العربية ~~السبق ، والأعلاق المصرية (96 ظ) وقوبل ذلك منه بالاستكثار له والاستطراف ~~والشكر والاعتراف ، ووفى له مودود بما بذله ، وثبت على المودة ms188 ، وجعل أتابك ~~يحرضهم على قصد طرابلس ، ويعدهم حمل ما يحتاجونه إليه من المير من دمشق ~~وعملها ، وإن أدركهم الشتاء أنزلهم في بلاده ، فلم يفعلوا وتفرقوا أيدي سبأ ~~، وعاد برسق بن برسق وأحمديل ، وتبعوا عسكر سكمان القطبي ، وتخلف منهم ~~الأمير مودود مع أتابك ، فرحلا عن المعرة ونزلا على العاصي. # ولما عرف الأفرنج رحيل العساكر ، وتفرقهم اجتمعوا ، ونزلوا # وقال أيضا : إن في اثنتي عشرة وخمسمائة نفذ السلطان إلى الرزبيكي رسولا ~~يأمره أن يسلم ميافارقين إلى نجم الدين إيلغازي ، فحضر وسلمها إليه ، ~~وملكها وخرج الرزبيكي ونزل على الروابي ، وأقام ثلاثة أيام ، فلما كان ~~اليوم الرابع وصله رسول من السلطان يأمره أن لا يسلم ، فوجد الأمر قد فات ، ~~واستقر نجم الدين بميافارقين ، وأظهر العدل والإنصاف والإحسان إلى الناس. PageV01P293 # أفامية بأسرهم : بغدوين ، وطنكري ، وابن صنجيل ، بعد التباين والمنافرة ~~والخلف ، وصاروا يدا واحدة وكلمة متفقة على الإسلام وأهله ، وساروا لقصدهم ~~، فخرج سلطان بن منقذ من شيزر بنفسه وجماعته ، واجتمع مع أتابك ومودود ، ~~وحرضهما على الجهاد ، وهون عليهما أمر الأفرنج ، فرحلوا وقطعوا العاصي ، ~~ونزلوا في قبلي شيزر ، وصار سوق العسكر في سوق شيزر ، ونزل عسكر مودود حول ~~شيزر ، وبالغ ابن منقذ وجماعته في الخدمة والمواصلة بالميرة ، وأصعد أتابك ~~ومودود وخواصهما إلى حصن شيزر ، وباشر خدمتهما بنفسه وأسرته ، ونزل الأفرنج ~~شمالي تل ابن معشر ودبر أمر العسكر أحسن تدبير ، وبثت الخيل من جميع جهاتهم ~~تطوف حولهم ، وتجول عليهم ، وتمنع من الوصول إليهم ، وضيقوا عليهم وحلأوهم ~~عن (1) الماء وذادوهم عن العاصي لكثرة الرماة على شطوطه وجوانبه من قبليه ، ~~فما يدنو منه من الأفرنج شخص إلا وقد قتل ، وطمع الأتراك فيهم وسهل أمرهم ~~عليهم ، وكانت خيل المسلمين مثل خيل الأفرنج إلا أن راجلهم أكثر ، وزحف ~~الأتراك إليهم فنزلوا للحرب عن تل كانوا عليه ، فهجمت الأتراك عليهم من ~~غربيهم ونهبوا جانبا من عسكرهم ، وملكوا عدة من خيامهم وأثقالهم ، وجالوا ~~حولهم ، فعادوا إلى مكانهم الذي كانوا به ، ورجعوا منه ، وذلك في شهر ربيع ~~الأول ، واشتد خوف الأفرنج من الأتراك ، وأقاموا ثلاثة أيام ms189 لا يظهر أحد ~~منهم ، ولا يصل إليهم شخص ، وعاد المسلمون لصلاة الجمعة في جامع شيزر ، ~~فرحل الأفرنج إلى أفامية ولم ينزلوا فيها ، بل تعدوها ، وتبعهم المسلمون ~~عند معرفة (97 و) رحيلهم ، وتخطفوا أطرافهم ، ومن ظفروا به سائرا على ~~آثارهم ، وعادوا إلى شيزر ، ورحلوا إلى حماة ، واستبشر الناس بعود الأفرنج ~~على هذه الحال. PageV01P294 ### | * سنة خمس وخمسمائة # و[فيها] استحكمت المودة بين ظهير الدين أتابك ، وبين الأمير مودود. # وفي هذه السنة جمع بغدوين الملك من أمكنه جمعه من الأفرنج ، وقصد ثغر صور ~~، فبادر عز الملك واليه وأهل البلد بمراسلة ظهير الدين أتابك بدمشق ~~يستصرخون به ويستنجدونه ، ويبذلون تسليم البلد إليه ، ويسألونه المبادرة ~~والتعجيل بإنفاذ عدة وافرة من الأتراك تصل إليهم سرعة لمعونتهم وتقويتهم ، ~~وإن تأخرت المعونة عنهم قادتهم الضرورة إلى تسليمه إلى الأفرنج ، ليأسهم من ~~نصرة الأفضل صاحب أمر مصر ، فبادر أتابك بإنفاذ جماعة وافرة من الأتراك ~~بالعدد الكاملة تزيد على المائتين فرسانا رماة أبطالا ، فوصلت إليهم ، وأتت ~~أهل صور رجالة كثيرة من صور وجبل عاملة رغبوا في ذلك مع رجالة من دمشق ، ~~وصلوا إليهم ، وحصلوا عندهم ، وشرع أتابك في إنفاذه عدة أخرى ، فحين عرف ~~بغدوين ما تقرر بين أتابك وأهل صور ، بادر النزول عليها فيمن جمعه وحشده في ~~اليوم الخامس وعشرين من جمادى الأولى سنة خمس وخمسمائة ، وتقدم بقطع الشجر ~~والنخل ، وبنى بيوت الإقامة عليها ، وزحف إليها ، فقاتلها عدة دفعات ، ~~ويعود خاسرا لم ينل منها غرضا ، وقيل إن أهل صور رشقوا في بعض أيام ~~مقاتلتها في يوم واحد بعشرين ألف سهم. # وخرج ظهير الدين من دمشق حين عرف نزولهم على صور ، وخيم ببانياس وبث ~~سراياه ورجالة الحرامية في أعمال الأفرنج ، وأطلق لهم النهب والقتل والسلب ~~والإخراب والحرق طلبا لإزعاجهم وترحيلهم عنها ، فتدخل العدة الثانية إلى ~~صور ، فلم يتمكن من الدخول ، ونهض ظهير الدين إلى الحبيس (1) الذي في ~~السواد وهو حصن منيع لا يرام ، فشد PageV01P295 # القتال عليه ، وملكه بالسيف قهرا ، وقتل من كان فيه قسرا ، وشرع الأفرنج ~~في عمل برجي خشب للزحف بهما ms190 إلى سور صور ، وزحف ظهير الدين إليهم عدة دفعات ~~ليشغلهم بحيث يخرج (97 ظ) عسكر صور فيحرق البرجين ، وعرف الأفرنج قصده في ~~ذلك ، وخندقوا عليهم من جميع الجهات ، ورتبوا على الخندق الرجال بالسلاح ~~لحفظه ، وحفظ الأبراج ، ولم يحفلوا بما يفعل وما يجري على أعمالهم من ~~الغارات عليها ، والفتك بمن فيها ، وهجم الشتاء فلم يضر بالأفرنج لأنهم ~~كانوا نزولا في أرض رملة صلبة ، والأتراك بالضد من ذلك قد كابدوا من مقامهم ~~شدة عظيمة ، ومشقة مؤلمة ، إلا أنهم لا يخلون من غارة وفائدة ، وقطع ميرة ~~عن الأفرنج ومادة ، وأخذ ما يحمل إليهم. # وقطع الأتراك الجسر الذي كان يعبر عليه إلى صيدا لتقطع المادة أيضا عنهم ~~فعدلوا عند ذلك إلى استدعاء الميرة في البحر من جميع الجهات ، ففطن ظهير ~~الدين لذلك ، ونهض في فريق من العسكر إلى ناحية صيدا ، وغار على ظاهرها ، ~~فقتل جماعة من البحرية ، وأحرق تقدير عشرين مركبا على الشط ، وهو مع ذلك لا ~~يهمل إصدار الكتب إلى أهل صور بتقوية قلوبهم ، وتحريضهم على استعمال ~~المصابرة للأفرنج ، والجد في قتالهم. # وتم عمل البرجين وكباشهما التي تكون فيهما في تقدير خمسة وسبعين يوما ، ~~وشرع في تقديمهما ، والزحف بهما في عاشر شعبان ، وقربا من سور البلد ، ~~واشتد القتال عليهما ، وكان طول البرج الصغير منهما نيفا وأربعين ذراعا ، ~~والكبير يزيد على الخمسين ذراعا. # ولما كان أول شهر رمضان خرج أهل صور من الأبراج بالنفط والحطب والقطران ~~وآلة الحرق ، فلم يتمكنوا من الوصول إلى شيء منهما ، فألقوا النار قريبا من ~~البرج الصغير بحيث لم يتمكن الأفرنج من دفعها فهبت ريح ، وألقت النار على ~~البرج الصغير ، فاحترق بعد المحاربة الشديدة عليه ، والمكافحة العظيمة عنه ~~، ونهب منه زرديات كثيرة PageV01P296 # وطوارق وغير ذلك ، واتصلت النار بالبرج الكبير ، واتصل الخبر بالمسلمين ~~بأن الأفرنج قد هجموا خربة البلد ، للاشتغال بحريق البرج ، فانثنوا عن ~~المقاتلة على الأبراج ، وشد الأفرنج عليهم وكشفوهم عن البرج ، وأطفأوا ما ~~علق به من النار ، وربتوا عدة وافرة من أبطالهم لحفظ البرج والمنجنيقات من ~~جميع الجهات (98 ms191 و)، وواظبوا الزحف إليها إلى آخر شهر رمضان ، وقربوا ~~البرج إلى بعض أبراج البلد ، وطموا الثلاثة الخنادق التي أمامه ، وعمد أهل ~~البلد إلى تعليق حائط البرج الذي بإزاء برج الأفرنج ، وأطلقوا النار فيه ، ~~فاحترق التعليق ، وسقط وجه الحائط في وجه البرج فمنع من تقديمه إلى السور ~~والزحف به ، وصار الموضع الذي قصدوه قصيرا وأبراج البلد تحكم عليه ، وبطل ~~تقديمه من ذلك الوجه ، وكشف الأفرنج الردم وجروه إلى برج آخر من أبراج ~~البلد ، ودفعوه إليه ، وقربوه من سور البلد ، وصدموا بالكباش التي فيه ~~السور ، فزعزعوه ووقع منه شيء من الحجارة ، وأشرف أهل البلد على الهلاك ، ~~فعمد رجل من مقدمي البحرية عارف بالصندقة (1) من أهل طرابلس له فهم ومعرفة ~~بأحوال الحرب إلى عمل كلاليب حديد لمسك الكبش ، إذا نطح به السور من رأسه ~~ومن جانبه بحبال يجذبها الرجال حتى يكاد البرج الخشب يميل من شدة جذبهم بها ~~، فتارة تكسره الأفرنج خوفا على البرج ، وتارة يميل أو يفسد ، وتارة ينكسر ~~بصرختين تلقيان عليه من البلد مشدودة إحداهما إلى الأخرى ، فعملوا عدة من ~~الكباش ، وهي تكسر على هذه الصفة واحدا بعد واحد ، وكان طول كل واحد منها ~~ستين ذراعا معلقا في البرج الخشب بحبال في رأس كل واحد من PageV01P297 # الكباش حديد يزيد وزنه على عشرين رطلا ، فلما طال تجديد الكباش ، وقربوا ~~البرج من السور ، عمد هذا الرجل البحري المقدم ذكره إلى خشبة طويلة جافية ~~قوية أقامها في برج البلد الذي بإزاء برج الأفرنج ، وفي رأسها خشبة على شكل ~~الصليب طولها أربعون ذراعا تدور على بكر بلولب كيف ما أراد متوليها ، على ~~مثال ما يكون في الصواري البحرية ، وفي طرف الخشبة التي تدور سهم حديد ، ~~وفي طرفها الآخر حبال مدارة بها على ما يريد متوليها ، وكان يرفع فيها جرار ~~القذر والنجاسة ، ليشغلهم بطرح ذلك عليهم في البرج عن الكباش ، وضاق الأمر ~~بالناس ، وشغلهم ذلك عن أمورهم وأشغالهم ، وعمد البحري المذكور إلى سلال ~~العنب والقفاف ، فيجعل فيها الزيت والقير (98 ظ) والسراقة (1) والقلفونية ~~وقشر القصب ، ويطلق ms192 فيها النار ، فإذا علقت بذلك وقع ذلك في الآلة المذكورة ~~حتى يوازي برج الأفرنج ، فتقع النار في أعلى البرج ، فيبادروا بإطفائها ~~بالخل والماء ، فيبادر برفع أخرى ، ومع هذا يرمي أيضا بالزيت المغلي في ~~قدور صغار على البرج ، فيعظم الوقيد ، فلما كثرت النار ، وحمل بعضها بعضا ، ~~وقويت قهرت الرجلين المتولين لرأس البرج ، وقتل أحدهما وانهزم الآخر ، ونزل ~~منه فتمكنت النار من رأسه ، ونزلت إلى الطبقة الثانية من رأسه ، ثم إلى ~~الوسطى ، وعملت في الخشب ، وقهرت من كان حوله في الطبقات ، وعجزوا عن ~~إطفائها ، وهرب كل من فيه وحوله من الأفرنج ، وخرج أهل صور إليه ، فنهبوا ~~ما فيه ، وغنموا من السلاح والآلات والعدد ما لا يحده وصف. # فعند ذلك وقع يأس الأفرنج منه ، وشرعوا في الرحيل عنه ، وأحرقوا البيوت ~~التي كانت قد عمروها في المنزل لسكناهم ، وأحرقوا كثيرا من المراكب التي ~~كانت لهم على الساحل ، لأنهم كانوا أخذوا صواريها وأرجلها وآلاتها للأبراج ~~، وكانت عدتها تقدير مائتي مركب PageV01P298 # كبارا وصغارا ، منها تقدير ثلاثين مركبا حربية ، وحملوا في بعضها ما خف ~~من أثقالهم ، ورحلوا في العاشر من شوال من السنة ، وكانت مدة إقامتهم على ~~محاصرة صور أربعة أشهر ونصف شهر ، وقصدوا عكا وتفرقوا إلى أعمالهم. # وخرج أهل صور وغنموا ما ظفروا به منهم ، وعادت الأتراك المندوبون ~~لإسعادهم إلى دمشق ، وقد فقد منهم في الحرب نحو عشرين رجلا ، وكان لهم فيها ~~الجراية والواجب في كل شهر ، ولم يتم على برج من أبراج الأفرنج في القديم ~~والحديث مثل ما تم على هذا البرج من إحراقه من رأسه إلى أسفله ، والذي أعان ~~على هذا هو تساوي البرجين في الارتفاع ، ولو طال أحدهما على الآخر لهلك ~~أقصرهما ، وكان عدد المفقودين من أهل صور أربعمائة نفس ، ومن الأفرنج في ~~الحرب أيضا على ما حكى الحاكي العارف تقدير ألفي نفس ولم يف أهل صور بما ~~كانوا بذلوه لظهير الدين أتابك من تسليم البلد إليه ، ولم يظهر لهم في ذلك ~~قولا ، وقال : إنما فعلت ما فعلت لله تعالى ، وللمسلمين ، لا لرغبة ms193 (99 و) ~~في مال ولا مملكة ، فكثر الدعاء له ، والشكر بحسن فعله ، ووعدهم أنه متى ~~دهمهم خطب مثل هذا سارع إليه ، وبالغ في المعونة عليه ، وعاد إلى دمشق بعد ~~مكابدة المشقة في مقابلة الأفرنج ، إلى أن فرج الله عن أهل صور ، وشرع أهل ~~صور في ترميم ما شعثه الأفرنج من سورها ، وأعادوا الخنادق إلى حالها ، ~~ورسمها بعد طمها ، وحصنوا البلد ، وتفرق من كان فيه من الرجالة. # وفي الثاني من شعبان ورد الخبر بهلاك بدران بن صنجيل (1) صاحب طرابلس ~~بعلة لحقته ، وأقام ابنه في الأمر من بعده ، وهو طفل صغير PageV01P299 # كفله أصحابه ، ودبروا أمره مع طنكري صاحب أنطاكية ، وجعلوه من خيله (1) ~~وأقطعه انطرطوس وصافيتا ، ومرقية (2) وحصن الأكراد. # وفي هذه السنة حدث بمصر الوباء المفرط ، بحيث هلك به خلق كثير ، يقال ~~تقدير ستين ألف نفس. # وفيها ورد الخبر من ناحية العراق بوصول السلطان غياث الدنيا والدين محمد ~~بن ملكشاه (3) إلى بغداد في جمادى الأولى منها ، وأقام بها مدة ثقل فيها ~~على أهلها ، وارتفع معها السعر إلى أن رحل عنها ، فصلحت الحال ، ورخص السعر. # وفيها وردت الأخبار بوصول الأمير شرف الدين مودود صاحب الموصل في عسكره ، ~~ونزوله على الرها ورعيه لزرعها في ذي القعدة منها وأقام عليها إلى المحرم ~~سنة ست وخمسمائة ، ورحل عنها إلى سروج ورعى زرعها ، وهو في غفلة غير متحفظ ~~من عدو يطرق ومسلم يرهق ، ولم يشعر إلا وجوسلين صاحب تل باشر في خيله من ~~الأفرنج ، ودواب العسكر منتشرة في المرعى ، هجم عليها من ناحية سروج ، على ~~حين غفلة من مودود وأصحابه ، فقتلوا منهم جماعة ، واستاقوا أكثر كراعهم ، ~~وقتل بعض المقدمين ، واستيقظ من كان من المسلمين غافلا ، وتأهبوا للقائه ، ~~فعاد إلى حصن سروج. # وفي هذه السنة انتقل تاج الملوك بوري ابن أتابك إلى دار الملك شمس الملوك ~~دقاق في قلعة دمشق في المحرم منها. # وفيها ورد الخبر بوفاة قراجه الوالي بحمص بعلة طالت به ، وكان PageV01P300 # فيها هلاكه ، وقد كان مؤثرا للظلم ، مشاركا للحرامية وقطاع الطريق ، ~~وأقيم في مكانه (99 ظ) ms194 ولده خيرخان بن قراجه ، تابعا في الظلم لأفعاله ، ~~ناسجا في العدوان والجور على منواله. ### | * سنة ست وخمسمائة # فيها اشتد خوف أهل صور من عود الأفرنج إلى منازلتهم ، فأجمعوا أمرهم مع ~~عز الملك أنوشتكين الأفضلي الوالي بها ، على تسليمها إلى ظهير الدين أتابك ~~، بحكم ما سبق من نصرته لهم في تلك النوبة ، ومعاضدته إياهم في تلك الشدة ، ~~وندبوا رسولا وثقوا به وسكنوا إليه في الحديث مع ظهير الدين أتابك في هذا ~~الباب ، ووصل إلى بانياس وواليها الأمير سيف الدولة مسعود ، فتحدث معه ، ~~وسار الأمير مسعود مع الرسول إلى دمشق لتقرير الحال بمحضر منه ، فصادف ظهير ~~الدين أتابك قد توجه إلى ناحية حماة ، لتقرير الحال فيما بينه وبين فخر ~~الملوك رضوان ، صاحب حلب ، فأشفق الأمير مسعود أن يتأخر الأمر إلى حين عود ~~ظهير الدين من حماة ، فيبادر بغدوين بالنزول على صور ، ويفوت الغرض المطلوب ~~فيها ، فقرر مع ولده تاج الملوك بوري النائب عنه في دمشق ، المصير معه إلى ~~بانياس ، وانتهاز الفرصة في تسليم صور إليه ، فأجاب إلى ذلك ، وتوجه معه ~~إلى بانياس ، وتم مسعود إلى صور ، ومعه من يعتمد عليه من العسكر ، ولم ~~ينتظر وصول أتابك ، ووصل إليها وحصل بها ، وانتهت الحال في ذلك إلى أتابك ، ~~فأنهض فرقة وافرة من الأتراك إلى صور تقوية لها ، فوصلت إليها وحصلت بها ، ~~واستقر أمر الأتراك فيها ، وحمل إليها من دمشق ما أنفق فيهم ، وطيب نفوس ~~أهل البلد وأجروا على الرسم في إقامة الدعوة والسكة على ما كانت عليه لصاحب ~~مصر ، ولم يغير لهم رسم. # وكتب ظهير الدين أتابك إلى الأفضل بمصر يعلمه : «إن بغدوين قد جمع وحشد ~~للنزول على صور ، وإن أهلها استنجدوا بي عليه ، والتمسوا PageV01P301 # مني دفعه عنهم ، فبادرت بإنهاض من أثق بشهامته لحمايتها ، والمراماة ~~دونها إليه ، وحصلوا فيها ، ومتى وصل إليها من مصر من يتولى أمرها ، ويذب ~~عنها ، ويحميها بادرت بتسليمها إليه ، وخروج نوابي منها ، وأنا أرجو أن لا ~~يهمل أمرها ، وإنفاذ الاصطول بالغلة إليها ، والتقوية لها». # وحين عرف بغدوين هذا الخبر رحل ms195 في (100 و) الحال من بيت المقدس إلى عكا ، ~~فوجد الأمر قد فات ، وحصل بها الأتراك ، فأقام بعكا ووصل إليه من العرب ~~الزريقيين من بلد عسقلان رجل يعلمه «إن القافلة الدمشقية قد رحلت من بصرى ~~إلى ديار مصر ، وفيها المال العظيم ، وأنا دليلك إليها ، وتطلق لي من أسر ~~من أهلي» ، فنهض بغدوين من وقته عن عكا في طلب القافلة ، واتفق أن بعض بني ~~هوبر تخطف بعضها ، وخلصت منهم ، ووصلت إلى حلة بني ربيعة ، فمسكوها أياما ~~وأطلقوها بعد ذلك ، وخرجت من نقب عازب (1) وبينه وبين بيت المقدس مسافة ~~يومين للفارس ، فلما حصلت بالوادي أشرفت الأفرنج عليها ، فهرب من كان بها ، ~~فالذي صعد منها الجبل سلم ، وأخذ ماله ، وأخذت العرب أكثر الناس ، فاشتمل ~~الأفرنج على ما فيها من الأمتعة والبضائع ، وتتبعت العرب من أفلت منهم ~~فأخذوه ، وحصل لبغدوين منها ما يزيد على خمسين ألف دينار وثلاثمائة أسير ، ~~وعاد إلى عكا ، ولم يبق بلد من البلاد إلا وقد أصيب بعض تجاره في هذه ~~القافلة. # وفيها توفي القاضي أبو عبد الله محمد بن موسى البلاساغوني التركي ، في ~~يوم الجمعة الثالث عشر من جمادى الآخرة بدمشق ، رحمه الله ، وهو معزول عن ~~قضائها ، ولازم منزله (2). # وفي هذه السنة وصل ابن الملك تكش ابن السلطان ألب أرسلان PageV01P302 # أخي السلطان العادل ملك شاه ، إلى حمص هاربا من ابن عمه السلطان غياث ~~الدنيا والدين محمد ، ولم يمكنه المقام بحمص ولا حماة فتوجه إلى حلب ، وكان ~~فخر الملوك رضوان صاحب حلب في الدركاه السلطانية ، فأشفق من المقام بحلب ، ~~فتوجه إلى طنكري صاحب أنطاكية فاستجاره فأجاره ، وأكرمه وأحسن إليه ، ~~واجتمع إليه جماعة من الأتراك الذين مع طنكري ، فأقام عنده ، وخرج طنكري من ~~أنطاكية في أول جمادى الآخرة إلى ناحية كريسيل (1)، مقدم الأرمن وكان قد ~~هلك طمعا في تملك بلاده ، فعرض له مرض في طريقه أوجب عوده إلى أنطاكية ، ~~فاشتد به المرض ، فهلك في يوم الأربعاء الثامن من جمادى الآخرة ، وقام في ~~الأمر بعده ابن أخيه سير رجال (2) فتسلم أنطاكية وأعمالها ، واستقام ms196 له ~~(100 ظ) الأمر فيها ، بعد أن جرى بين الأفرنج خلف بسببه إلى أن أصلح بينهم ~~القسوس ، وطلب من الملك رضوان مقاطعة حلب المستقرة ، فأجابه إلى ذلك ، ~~ومبلغها عشرون ألف دينار ، والخيل ، وطلب مقاطعة شيزر ، فأجاب صاحبها إليها ~~، وهي عشرة آلاف دينار ، وتواترت غارات بغدوين على عمل البثنية من أعمال ~~دمشق ، وانقطعت الطريق ، وقلت الأقوات بها وغلا السعر فيها ، وتتابعت كتب ~~ظهير الدين أتابك إلى الأمير شرف الدين مودود صاحب الموصل بشرح هذه الأحوال ~~في هذه الأعمال ، وبعثه على الوصول إليه للاعتضاد على دفع المردة الأضداد ، ~~والفوز بفضيلة الجهاد ، وكان مودود قد شنع عليه عند السلطان غياث الدنيا ~~والدين ، بشناعات من المحال لفقها الحسدة الأعداء ، أوجبت استيحاشه منه ~~وبعده عنه ، قيل في جملتها أنه عازم على PageV01P303 # الخلاف والعصيان ، وأن يده ويد أتابك قد صارت يدا واحدة ، وآراؤهما ~~متوافقة ، وأهواؤهما متوافقة ، فلما عرف ذلك سير ولده وزوجته إلى باب ~~السلطان بأصفهان للتنصل والاعتذار ، وإبطال ما رقي إليه من المحال ، ~~والتبرىء مما أفتري عليه وعزي إليه ، والاستعطاف له ، والإعلام بأنه جار ~~على ما ألف منه على إخلاص الطاعة والعبودية والمناصحة في الخدمة ، ~~والاهتمام بالجهاد. # ثم جمع عسكره من الأتراك والأكراد ومن أمكنه ، وتوجه إلى الشام ، وقطع ~~الفرات في ذي القعدة من السنة ، فحين اتصل خبره ببغدوين الملك قلق لذلك ، ~~وانزعج لخبره ، وكان جوسلين صاحب تل باشر قد اختلف هو وخاله بغدوين الرويس ~~، صاحب الرها ، وصار مع بغدوين صاحب بيت المقدس ، وأقطعه طبرية ، واتفقا ~~على أن راسل جوسلين لظهير الدين أتابك يبذل المصافاة والمودة ، ويرغبه في ~~الموادعة والمسالمة ، ويسلم إليه حصن تبنين المجاور لحصن هونين (1) وجبل ~~عاملة ، ويتعوض عن ذلك بحصن الحبيس الذي في السواد ، ونصف السواد ، ويضمن ~~عن بغدوين الوفاء بذلك ، والثبات على المودة ، والمصافاة وترك التعرض لشيء ~~من أعمال دمشق ، ولا يعرض هو لشيء من أعمال الأفرنج ، فلم يجب إلى ذلك ، ~~ونهض من دمشق في المعسكر للقاء الأمير مودود ، والاجتماع به ، على الجهاد ، ~~فاجتمعا بمرج سلمية ، واتفق رأيهما على قصد بغدوين ms197 (101 و) وسارا وقد ~~استصحب أتابك جميع العسكر ، PageV01P304 # ومن كان بحمص وحماة ورفنية ، ونزلا يوم عيد النحر بقدس (1) ورحلا منها ~~إلى عين (2) الجر بالبقاع ثم منها إلى وادي التيم ، ثم نزلا بانياس ، ونهضت ~~فرقة من العسكر فقصدت ناحية تبنين (3) فلم تظفر منها بمراد وعادت. # ووصل إليها بغدوين ، وقد كان لما يئس من إجابة أتابك إلى الموادعة ، واصل ~~الغارات والفساد في الشام إلى أن وصل عسكر المسلمين إلى عمله ، وبالغ أتابك ~~فيما حمله إلى الأمير مودود وإعظامه وإكرامه ، وما حمله إليه وإلى مقدمي ~~عسكره ، وخواصه من أنواع الملبوس ، والمأكول ، والمركوب ، ثم نهضوا معلمين ~~على النزول على الإقحوانة ، ووصل إلى بغدوين سير رجال صاحب أنطاكية ، وصاحب ~~طرابلس ، وأجمعوا رأيهم على النزول غربي جسر الصنبرة (4)، ثم يقطعون إلى ~~الإقحوانة للقاء المسلمين ، وقد احتاطوا على أثقالهم وراء الجسر ، ~~والمسلمون لا يعلمون بذلك ، وأنهم عارضوهم في المسير إلى هذا المنزل ، فسبق ~~الأتراك إلى نزولهم في الإقحوانة ، وقطع بعض عسكر الأتراك الجسر لطلب ~~العلوفات والزرع ، فصادفوا الأفرنج قد ضربوا خيامهم ، وقد تقدم بغدوين ~~للسبق إلى هذا المنزل ، ونزل صاحب أنطاكية وصاحب طرابلس وراءه يتبعونه إليه. # ونشبت الحرب بين المتعلفة وبين الأفرنج ، وصاح الصائح ، ونفر الناس ، ~~وقطعوا الجسر ، وهم يظنون أنه جوسلين لأنه صاحب طبرية ، فوقف أتابك على ~~الجسر ، وتسرع خلق كثير من العسكر إلى قطع الجسر ، وقطع الأمير تميراك بن ~~أرسلانتاش في فريق وافر من العسكر ، ونشبت الحرب بين الفريقين من غير تأهب ~~للقاء ، ولا ضرب خيام ولا استقرار PageV01P305 # في منزل ، ولا مجال ، واختلط الفريقان ، فمنح الله الكريم ، وله الحمد ، ~~المسلمين النصر على المشركين بعد ثلاث كرات ، فقتل فيها من الأفرنج تقدير ~~ألفي رجل من الأعيان ، ووجوه الأبطال والشجعان ، وملكوا ما كان نصب من ~~خيامهم ، والكنيسة المشهورة (1)، وأفلت بغدوين بعد ما قبض ، وأخذ سلاحه ، ~~وملكت دواب الرجالة ، وما كان لهم ، وغرق منهم خلق كثير في البحيرة (2)، ~~واختلط الدم والماء ، وامتنع الناس من الشرب منها أياما حتى صفت منه ، ~~وراقت ، والتجأ من نجا من الأفرنج (101 ظ) ms198 إلى طبرية ، وأكثرهم جرحى ، وذلك ~~في يوم السبت الحادي عشر من المحرم سنة سبع وخمسمائة ، وبعد انفصال الأمر ~~وصل باقي الأفرنج أصحاب طنكري وابن صنجيل ، فلاموه على التسرع وفندوا رأيه ~~، ونصبوا ما كان سلم من خيامهم على طبرية ، وفي غد يوم الواقعة نهض فريق من ~~عسكر الأتراك إلى ناحية طبرية ، وأشرفوا على الأفرنج بناحية طبرية وعزموا ~~على النزول إليهم والإيقاع بهم ، فخافهم الأفرنج وأيقنوا بالهلاك وأقام ~~الأتراك على الجبل عامة نهارهم ، وانكفأوا إلى معسكرهم ، وطلع الأفرنج إلى ~~الجبل وتحصنوا به لصعوبة مرتقاه ، وهو من غربي طبرية ، والماء ممتنع على من ~~يكون فيه ، فعزم المسلمون على الصعود إليه ومواقعتهم ، واستدعى أتابك العرب ~~الطائيين والكلابيين (3) والخفاجيين ، فوصلوا في خلق كثير بالزادات ~~والروايا والإبل لحمل الماء ، وصعدت الطلائع إلى الجبل من شماله ، وعرفوا ~~أن هذا الجبل لا يمكن الحرب فيه لصعوبته على الفارس والراجل ، وعلم ~~المسلمون أن الظفر قد لاحت دلائله وأماراته ، والعدو قد ذل وانخزل (4) وفل ~~وانخذل ، وسرايا الإسلام قد بلغت في النهيض إلى PageV01P306 # أرض بيت المقدس ويافا وأخرجت أعمالهم ودوختها ، واستاقت عواملها ومواشيها ~~، وغنمت ما وجدته فيها فانثنى الرأي عن الصعود ، ودامت الحال على هذه ~~القضية إلى آخر صفر. # وعقيب هذه النوبة ، وصل من حلب من عسكر الملك فخر الملوك رضوان مائة فارس ~~على سبيل المعونة ، خلاف ما كان قرره ، وبذله فأنكر ظهير الدين أتابك وشرف ~~الدين مودود ذلك منه ، وأبطلا العمل بما كانا عزما عليه من الميل إليه ، ~~وإقامة الخطبة له ، وذلك في أول شهر ربيع الأول سنة سبع وخمسمائة ، وسيرا ~~رسولا إلى السلطان غياث الدنيا والدين إلى مدينة أصفهان ، بالبشارة بهذا ~~الفتح ، ومعه جماعة من أسارى الأفرنج ، ورؤوسهم وخيولهم وطوارقهم ، ~~ومضاربهم ، وأنواع سلاحهم. # ثم إن العسكر رحل من المنزل إلى وادي المقتول (1) ونزل الأفرنج عند ذلك ~~عن الجبل إلى منزلهم ، والتجأوا إلى جبل في المنزل ، وتواصلت إليهم ميرهم ~~وأزوادهم وإمدادهم من أعمالهم ، فعاد إليهم عسكر الأتراك من منزلهم جرائد ~~في بضع عشرة كردوسا ، ولزموا أياما يرومون أن يخرجوا إليهم ms199 ، فلم يظهروا ~~للحرب ، ولازم بعضهم (102 و) بعضا الفارس والراجل في مكان واحد ، لا يظهر ~~منهم شخص ، وجعل الأتراك يحملون عليهم فيصيبون منهم بالنشاب ما يقرب منهم ، ~~ويمنعون الميرة والعلوفة عنهم ، وقد أحدقوا بهم كالنطاق أو هالة بدر الآفاق ~~، فاشتد الأمر بهم فرحلوا عن منزلهم في ثلاثة أيام تقدير فرسخ عائدين ، ~~فلما كان الليل قصدوا الجبل الذي كانوا أولا عليه ملتجئين إليه ومحتمين به ~~، وواظب المسلمون قصدهم والتلهف على ما يفوت منهم ، ومن غنائمهم بالاستمرار ~~على الإحجام عن ظهورهم ، على أن مقدمي العسكر يمنعوهم من التسرع إليهم ~~والإقدام في منزلهم عليهم ، ويعدونهم بفرصة تنتهز فيهم ، فطال أمد المقام ، ~~وضاقت صدور أصحاب مودود لبعد PageV01P307 # ديارهم ، وتأخر عودهم ، وتعذر أوطارهم ، فتفرق أكثرهم وعادوا إلى بلادهم ~~، فاستأذن آخرون في العود فأذن لهم ، وعزم مودود على المقام بالشام ، ~~والقرب من العدو ينتظر ما يصله من الأمر السلطاني ، والجواب عما أنهاه ~~وطالع به ، فيعمل بحسبه ، ولم يبق في بلاد الأفرنج مسلم ، إلا وأنفذ يلتمس ~~الأمان من أتابك ، وتقرير حاله ، ووصل إليه بعض ارتفاع نابلس ، ونهبت بيسان ~~، ولم يبق بين عكا والقدس ضيعة عامرة ، والأفرنج على حالهم في التضييق ~~عليهم ، والحصر على الجبل. # واقتضى الرأي عود أتابك ومودود ، فعادا إلى دمشق في الحادي والعشرين من ~~شهر ربيع الأول سنة سبع وخمسمائة ، ونزل مودود في حجرة الميدان الأخضر ، ~~وبالغ أتابك في إكرامه واحترامه وإعظامه ، بما يجد إليه السبيل ، وتأكدت ~~المودة بينهما والمصافاة ، وتولى خدمته بنفسه وخاصته ، وواصلا صلاة الجمعة ~~جميعا في مسجد الجامع بدمشق ، والتبرك بنظر المصحف الكريم الذي كان حمله ~~عثمان بن عفان رضياللهعنه من المدينة إلى طبرية ، وحمله أتابك من طبرية إلى ~~جامع دمشق (1). ### | * سنة سبع وخمسمائة # قد ذكرنا ما ذكرناه من الحوادث في سنة ست وخمسمائة وسياقة الأمر إلى ~~أوائل سنة سبع وخمسمائة رغبة في صلة الحديث ، ورغبة عن قطعه ، ولما كان يوم ~~الجمعة الأخيرة من شهر ربيع الآخر سنة سبع وخمسمائة دخل (102 ظ) الأمير ~~مودود من مخيمه بمرج باب الحديد إلى الجامع ms200 ، على رسمه ، ومعه أتابك ، فلما ~~قضيت الصلاة ، وتنفل بعدها مودود ، وعادا جميعا وأتابك أمامه على سبيل ~~الإكرام له ، وحولهما من الديلم والأتراك والخراسانية والأحداث والسلاحية ~~بأنواع السلاح من الصوارم المرهفة والصمصامات الماضية ، والنواجح المختلفة ~~والخناجر PageV01P308 # المجردة ما شاكل الأجمة المشتبكة ، والغيضة الآشبة ، والناس حولهما ~~لمشاهدة زيهما وكبر شأنهما ، فلما حصلا في صحن الجامع ، وثب رجل من بين ~~الناس لا يؤبه له ، ولا يحفل به فقرب من الأمير مودود ، كأنه يدعو له ، ~~ويتصدق منه فقبض ببند قبائه بسرعة وضربه بخنجره أسفل سرته ضربتين إحداهما ~~نفذت إلى خاصرته ، والأخرى إلى فخذه ، هذا والسيوف تأخذه من كل جهة ، وضرب ~~بكل سلاح وقطع رأسه ليعرف شخصه ، فما عرف ، وأضرمت له نار فألقي فيها ، ~~وعدا أتابك خطوات وقت الكائنة ، وأحاط به أصحابه ، ومودود متماسك يمشي إلى ~~أن قرب من الباب الشمالي من الجامع ، ووقع فحمل إلى الدار الأتابكية ، ~~وأتابك معه ماش ، واضطرب الناس اضطرابا شديدا ، وماجوا واختلفوا ثم سكنوا ~~بمشاهدتهم له يمشي ، وظنوا به السلامة ، وأحضر الجرائحي فخاط البعض ، وتوفي ~~رحمه الله بعد ساعات يسيرة في اليوم المذكور ، فقلق أتابك لوفاته على هذه ~~القضية ، وتزايد حزنه وأسفه وانزعاجه (1)، وكذلك سائر الأجناد والرعية ، ~~وتألموا لمصابه ، وزاد التأسف والتلهف عليه ، وكفن ودفن وقت صلاة العصر من ~~اليوم في مشهد داخل باب الفراديس من دمشق ، وكل عين تشاهده باكية ، ~~والمدامع على الوجنات جارية ، وشرع أصحابه في التأهب للعود إلى أماكنهم من ~~الموصل وغيرها من البلاد ، وتقدم أتابك بإطلاق ما يستدعونه لسفرهم ، ~~واستصحبوا معهم أثقاله وجواريه (2) وماله. # وقد كانت سيرته في ولايته جائرة ، وطريقته في رعية الموصل غير حميدة ، ~~وهرب خلق كثير من ولايته لجوره ، فلما بلغه تغير نية السلطان فيه ، عاد عن ~~تلك الطريقة وحسنت أفعاله ، وظهر عدله وإنصافه ، واستأنف PageV01P309 # ضد ما عرف منه وسمع (103 و) عنه ، ولزم التدين والصدقات ، والأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر المكروه ، فشاعت بالجميل أخباره ، وبحسن ~~الارتضاء آثاره ، ثم توفي سعيدا مقتولا شهيدا ، ولم يزل مدفونا في ذلك ~~المشهد مخدوم القبر بالقومة والقراءة ms201 إلى آخر شهر رمضان من السنة ، ووصل من ~~عند ولده وزوجته من حمل تابوته إليهما (1). # وفي هذه السنة ورد الخبر من بغداد بوفاة الفقيه الإمام أبي بكر محمد ابن ~~أحمد الشاشي ، رحمه الله ببغداد يوم السبت الخامس والعشرين من شوال منها ، ~~وقد انتهت الرئاسة إليه على أصحاب الشافعي ، ودفن في تربة شيخه أبي اسحق ~~الشيرازي ، رحمه الله (2). # وقد تقدم من ذكرنا ما كان من نوبة صور ، وانتقال ولايتها إلى ظهير أتابك ~~، واستنابته مسعودا في حفظها وحمايتها ، وتدبير أمرها وإنفاذ رسوله إلى ~~الأفضل بشرح حالها ، ولم يزل الرسول المسير إلى مصر مقيما بها إلى ذي الحجة ~~من سنة ست وخمسمائة وظهر للأفضل صورة الحال فيها ، وجلية الأمر بها ، وأعاد ~~الرسول بالجواب الجميل ، وإن «هذا أمر وقع منا أجمل موقع ، وأحسن موضع» ، ~~واستصواب رأي ظهير الدين فيما اعتمده وإحماد ما قصده ، وتقدم بتجهيز ~~الأسطول إليها بالغلة والميرة ، ومال النفقة في الأجناد والعسكرية ، وما ~~يباع على الرعية من الغلات ، ووصل الأسطول بذلك إلى صور ومقدمه شرف الدولة ~~بدر بن أبي الطيب الدمشقي ، الوالي كان بطرابلس عند تملك الأفرنج لها في ~~آخر صفر سنة سبع وخمسمائة ، بكل ما يحتاج إليه ، فرخصت الأسعار بها ، وحسنت ~~حالها ، واستقام أمرها ، وزال طمع الأفرنج فيها ، ووصل في جملته خلع فاخرة ~~من طرف مصر ، برسم ظهير الدين وولده تاج الملوك بوري وخواصه ، PageV01P310 # ولمسعود الوالي المستناب بها ، وأقام الأسطول عليها إلى أن استقام الريح ~~له ، فأقلع عنها في العشر الأخير من شهر ربيع الأول منها. # وأرسل بغدوين الملك إلى الأمير مسعود واليها يلتمس منه المهادنة ~~والموادعة والمسالمة ، لتحسم أسباب الأذية عن الجانبين ، فأجابه إلى ذلك ، ~~وانعقد الأمر بينهما على السداد ، واستقامت الأحوال على المراد ، وأمنت ~~السابلة للمترددين والتجار والسفار الواردين من جميع (103 ظ) الأقطار ، ~~وتوفي رحمه الله في عاشر شوال سنة سبع وخمسمائة وقد كان صاحب أنطاكية لما ~~فصل عن الملك بغدوين بعسكره عائدا إلى أنطاكية فسخ عنه ولد الملك تكش بن ~~السلطان ألب أرسلان ، وقصد صور ، وأنفذ إلى ms202 ظهير الدين أتابك في الوصول إلى ~~دمشق ، فأجابه بالاعتذار الجميل والاحتجاج المقبول ، ودفعه أحسن دفع ، فلما ~~أيسه توجه إلى مصر ، ولقي من الأفضل ما أحب من الإكرام والمزيد من الاحترام ~~والإنعام وإطلاق ما يعود إليه بصالح الحال ، وتحقيق الآمال. # وفي جمادى الآخرة وردت الأخبار من ناحية حلب بمرض عرض للملك فخر الملك ~~رضوان صاحبها ، وأنه أقام به ، واشتد عليه ، وتوفي رحمه الله في الثامن ~~والعشرين من الشهر ، فاضطرب أمر حلب لوفاته ، وتأسف أصحابه لفقده ، وقيل ~~أنه خلف في خزانته من العين والعروض والآلات والأواني تقدير ستمائة ألف ~~دينار ، وتقرر الأمر بعده لولدة ألب أرسلان وعمره ست عشرة سنة ، وفي كلامه ~~حبسة وتمتمة ، وأمه بنت الأمير يغي سيان صاحب أنطاكية ، وقبض على جماعة من ~~خواص أبيه ، فقتل بعضا ، وأخذ مال بعض ، ودبر الأمر معه خادم أبيه لؤلؤ ، ~~فأساء كل واحد منهما التدبير ، وقبض على أخويه ملك شاه من أمه وأبيه ، ~~ومبارك من أبيه وجارية ، وقتلهما (1). PageV01P311 # وقد كان أبوه الملك رضوان في مبدأ أمره فعل مثل فعله بقتل أخويه من تاج ~~الدولة : أبي طالب وبهرام شاه ، وكانا على غاية من حسن الصورة ، فلما توفي ~~كان ما فعل بولديه مكافأة عما اعتمده في أخويه. # وكان أمر الباطنية قد قوي بحلب ، واشتدت شوكتهم بها ، وخاف ابن بديع رئيس ~~الأحداث بحلب وأعيان البلد منهم ، لكثرتهم وشد بعضهم من بعض ، وحماية من ~~يلجأ إليهم منهم لكثرتهم ، وكان الحكيم المنجم وأبو طاهر الصائغ أول من ~~أظهر هذا المذهب الخبيث بالشام ، في أيام الملك رضوان ، واستمالا إليه ~~بالخدع والمحاولات ، ومال إليهم خلق كثير من الإسماعيلية بسرمين (1) والجزر ~~وجبل السماق وبني عليم ، فشرع ابن بديع رئيس حلب في الحديث مع الملك ألب ~~أرسلان بن رضوان في أمرهم ، وقرر الأمر معه على الإيقاع بهم ، والنكاية ~~فيهم ، فقبض على أبي طاهر (104 و) الصائغ ، وعلى كل من دخل في هذا المذهب ، ~~وهم زهاء مائتي نفس ، وقتل في الحال أبو طاهر الصائغ ، واسماعيل الداعي ، ~~وأخو الحكيم المنجم والأعيان المشار إليهم منهم ، وحبس ms203 الباقون واستصفيت ~~أموالهم ، وشفع في بعضهم ، فمنهم من أطلق ، ومنهم من رمي من أعلى القلعة ، ~~ومنهم من قتل ، وهرب جماعة أفلتوا إلى الأفرنج ، وتفرقوا في البلاد. # ودعت الملك ألب أرسلان الحاجة إلى من يدبر أمره ، ويثقف أوده ، فوقع ~~اختياره على ظهير الدين أتابك ، صاحب دمشق ، فراسله في ذلك ، وألقى مقاليده ~~إليه واعتمد في صلاح أحواله عليه ، وسأله الوصول إلى حلب ، والنظر في ~~مصالحها ، وأوجبت الصورة أن خرج الملك نفسه في خواصه ، وقصد أتابك في دمشق ~~ليجتمع معه ، ويؤكد الأمر بينه وبينه PageV01P312 # فوصل إليه في النصف من شهر رمضان من السنة ، فلقيه أتابك بما يجب لمثله ~~من تعظيم مقدمه ، وإجلال محله ، وأدخله إلى قلعة دمشق ، وأجلسه في دست عمه ~~شمس الملوك دقاق بن تاج الدولة ، وقام هو والخواص في خدمته ، وحمل إليه ما ~~أمكن حمله من تحف وألطاف تصلح لمثله ، وكذلك لجميع من وصل في صحبته ، وأقام ~~أياما على هذه الحال ، وتوجه عائدا إلى حلب في أول شوال من السنة ومعه ظهير ~~الدين أتابك في أكثر عسكره ، ووصل إلى حلب ، وأقام أياما ، وأشار عليه قوم ~~من أصحابه بالقبض على جماعة من أعيان عسكره ، وعلى وزيره أبي الفضل بن ~~الموصول ، وكان حميد الطريقة مشهورا بفعل الخير ، وتجنب الشر ، ففعل ذلك ، ~~واستخلص ظهير الدين أتابك من جملتهم الأمير كمشتكين البعلبكي مقدم عسكره ، ~~وخالف ما في نفس أتابك من صائب الرأي ، ومحمود التدبير ، فحين شاهد الأمر ~~على غير السداد والصواب ، وبان له فساد التدبير ، واختلال التقدير ، رأى أن ~~الانكفاء إلى دمشق أصوب ما قصد ، وأحسم ما أعتمد ، وفي صحبته والدة الملك ~~رضوان لرغبتها في ذلك ، وإيثارها له (1). # ولما حصل في دمشق اتصلت المراسلة بينه وبين بغدوين ملك الأفرنج في إيقاع ~~المهادنة والموادعة والمسالمة ، لتعمر الأعمال بعد الإخراب ، وتأمن (104 ظ) ~~السوابل من شر المفسدين والخراب ، فاستقرت هذه الحال بينهما ، واستحلف كل ~~منهما صاحبه على الثبات والوفاء وإخلاص المودة والصفاء ، وأمنت المسالك ~~والأعمال ، وصلحت الأحوال وتوفر الاستغلال. # وفي هذه السنة ورد الخبر من شيزر بأن ms204 جماعة من الباطنية من أهل أفامية ~~وسرمين ومعرة النعمان (ومعرة) مصرين في فصح النصارى ، وثبوا في حصن شيزر ~~على غفلة من أهله في مائة راجل ، فملكوه PageV01P313 # وأخرجوا جماعة ، وأغلقوا باب الحصن ، وصعدوا إلى القلعة فملكوها وأبراجها ~~، وكان بنو منقذ أصحابها قد خرجوا لمشاهدة عيد النصارى ، وكان هذا أمر قد ~~رتب في المدة الطويلة ، وقد كانوا أحسنوا إلى هؤلاء المقدمين على الفساد كل ~~الإحسان ، فبادر أهل شيزر قبل وصولهم إلى الباشورة ، ورفع الحرم [الرجال] ~~(1) بالحبال من الطاقات وصاروا معهم ، وأدركهم الأمراء بنو منقذ أصحاب ~~الحصن ، وصعدوا إليهم ، وكبروا عليهم ، وقاتلوهم حتى ألجأوهم إلى القلعة ، ~~فخذلوا وهجموا إليهم وتكاثروا عليهم ، وتحكمت سيوفهم فيهم ، فقتلوهم بأسرهم ~~، وقتل كل من كان على رأيهم في البلد من الباطنية ، ووقع التحرز من مثل هذه الحال. ### | * سنة ثمان وخمسمائة # في هذه السنة ورد الخبر من ناحية حلب بأن يايا المعروف بلؤلؤ الخادم ، ~~أتابك الملك تاج الدولة ألب أرسلان ولد الملك رضوان صاحب حلب ، عمل عليه ~~وواطأ جماعة من أصحابه على الإيقاع به والفتك به عند وجود الفرصة مستهلة ~~فيه ، وحين لاحت لهم وثبوا عليه فقتلوه في داره بقلعة حلب ، واضطرب الأمر ~~بعده ، وقد كان تدبيره لنفسه وعسكريته ورعيته سيئا فاسدا لا يرجى له صلاح ~~ولا إصلاح ، فمضى لسبيله غير مأسوف عليه ، ولا محزون لفقده (2). # مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية : 296. PageV01P314 # وفيها توفي الشريف نسيب الدولة أبو القاسم علي بن ابراهيم بن العباس بن ~~الحسن الحسيني ، رحمه الله ، في ليلة الأحد الرابع والعشرين من شهر ربيع ~~الآخر ، ودفن بعد صلاة الظهر في التربة الفخرية بدمشق (1) (105 و). # وفي هذه السنة حدثت زلزلة بالشام عظيمة ، وارتجت لها الأرض ، وأشفق الناس ~~، وسكنت لها النفوس بعد الوجيب والقلق ، وقرت القلوب بعد الانزعاج والفرق. # وفي هذه السنة نزل الأمير نجم الدين إيل غازي بن أرتق على حمص ، وفيها ~~خيرخان بن قراجا ، وكان عادة نجم الدين إذا شرب الخمر ، وتمكن منه أقام منه ~~عدة أيام مخمورا ، لا يفيق لتدبير ، ولا يستأمر في أمر ولا ms205 تقرير ، وقد عرف ~~خيرخان منه هذه العادة المستبشعة ، والغفلة المستبدعة ، فحين عرف أنه على ~~تلك القضية ، خرج من قلعة حمص في رجاله ، وكبسه في مخيمه ، وانتهز الفرصة ~~فيه ، وقبض عليه ، وحمله إلى حمص ، وذلك في شعبان منها ، وضاق صدر ظهير ~~الدين أتابك لما انتهى الخبر بذلك إليه ، وكاتب خيرخان بالإنكار عليه ، ~~والإكبار لما أجرى عليه ، وتغيرت نيته فيه ، وأقام أياما في اعتقاله إلى أن ~~أطلقه ، وخلى سبيله. # وفيها وردت الأخبار من ناحية الأفرنج بهلاك ملكهم بغدوين بعلة هجمت عليه ~~، مع انتقاض جرح كان أصابه في الوقعة الكائنة بينه وبين المصريين ، فهلك ~~بها ، وقام مقامه من بعده من ارتضى به (2). # انظر حول هذا كله تاريخ وليم الصوري بالانكليزية : 1 / 514 522. # الكامل لابن الأثير : 8 / 284. PageV01P315 # وفيها توفي الشيخ أبو الوحش سبيع بن مسلم الضرير ، المعروف بابن قيراط ~~المقرىء المجود بالسبعة رحمه الله ، في يوم السبت الحادي عشر من شعبان منها ~~، ودفن بباب الصغير ، بين قبور الشهداء رضياللهعنهم ، وكان ملازما لجامع ~~دمشق يقرأ إلى أن توفي على أحسن طريقة (1). ### | * سنة تسع وخمسمائة # في هذه السنة قويت شوكة الأفرنج في رفنية ، وبالغوا في تحصينها وشحنها ~~بالرجال ، وشرعوا في الفساد والتناهي في العناد ، فصرف ظهير الدين همه إلى ~~الكشف عن أحوالهم والبحث عن مقاصدهم في أعمالهم ، وترقب الفرصة فيهم ، ~~ومعرفة الغرة منهم ، وتقدم إلى وجوه العسكر ومقدميه بالتأهب والاستعداد ، ~~لقصد بعض الجهات لإحراز فضيلة الجهاد ، والنهوض (105 ظ) لأمر من المهمات ، ~~ثم أسرى إليهم مغذا ، حتى أدركهم وهم في مجاثمهم غارون ، فلم يشعروا إلا ~~والبلاء قد أحاط بهم من جميع جهاتهم ، فهجمت الأتراك عليهم البلد ، فملكوه ~~وحصل كل من كان فيه في قبضة الأسر ، وربقة الذل والقهر ، فقتل من قتل ، ~~وأسر من أسر ، وغنم منهم المسلمون سوادهم وكراعهم وأثاثهم ما امتلأت به ~~الأيدي ، وسرت به النفوس ، وقويت بمثله القلوب ، وذلك في يوم الخميس لليلة ~~خلت من جمادى الآخرة من السنة ، وانكفأ المسلمون إلى دمشق ظافرين مسرورين ~~غانمين لم يفقد منهم بشر ، ولا عدم شخص ، ومعهم ms206 الأسرى ورؤوس القتلى ، ~~فأطيف بهم في البلد بحيث تضاعف بمشاهدتهم السرور ، وانشرحت الصدور ، وقويت ~~من الجند في الجهاد والغزو الظهور. # ولما شاع ذكر ظهير الدين أتابك في الأعمال العراقية ، والدركاه السلطانية ~~بما أعطاه الله من شدة البأس في محاربة الأفرنج الأرجاس ، # تهذيب تاريخ دمشق الكبير للشيخ عبد القادر بدران. ط بيروت 1979 : 6 / 66. PageV01P316 # ومنحه من النصر عليهم ، والنكاية فيهم ، والذب عن أهل الشام ومراماته ~~دونهم ، ومحاماته عنهم وإحسان السيرة فيهم ، بحيث دعي له في محافل الرعايا ~~والتجار ، وشكر بين الرفق من سفار الأقطار ، فحسده قوم من مقدمي الدركاه ~~السلطانية الغياثية ، وراموا القدح فيه والطعن عليه ، طلبا لإفساد حاله ، ~~واعتمادا لعكس آماله ، وحطا لرتبته بالحضرة السلطانية ، وتشعيث الآراء ~~الجميلة الغياثية ، وظهر الأمر بذاك وانتشر ، وشاع من كل صوب واشتهر ، وكتب ~~إليه بذلك من يؤثر صلاحه من الأصدقاء ، ويشفق عليه ، فأحدث ذاك له استيحاشا ~~دعاه إلى التأهب والاستعداد لتوجه ركابه إلى الباب الإمامي المستظهري ، ~~والباب السلطاني الغياثي بمدينة السلام بغداد للمثول بهما ، والخدمة لهما ، ~~والتقرب بالسعي إليهما ، وإنهاء حاله إليهما ، وإزالة ما وقع في النفوس ظنة ~~بالقدوم عليهما ، وأشير عليه بترك ذلك وإهماله ، وحذر منه وبعث على إغفاله ~~، فلم يصخ إلى هذا المقال ، ولا أعاد على أحد جواب سؤال ، بل تأهب للمسير ، ~~وبالغ في الجد فيه (106 و) والتشمير ، وأعد ما يصحبه من أنواع التحف ~~المستحسنة من أواني البلور والمصاغ ، وأجناس الثياب المصرية ، والخيول ~~السبق العربية ، مما يصلح أن يتقرب بمثله إلى تلك المناصب العلية ، وسار في ~~خواصه ، وأهل ثقته من غلمانه ، في يوم الأحد لست بقين من ذي القعدة من السنة. # فلما قرب من بغداد ، وأنهي خبر وصوله تلقاه من خواص الدار العزيزة ~~النبوية المستظهرية ، والدركاه السلطانية الغياثية ، ووجوه الدولة وأعيان ~~الرعية ، من بالغ في إكرامه وتناهى في احترامه ، وقوبل من ذاك ما زاد في ~~مسرة أوليائه ، والفت في أعضاد حساده وأعدائه ، وأوضح حاله فيما قصد لأجله ~~، فما سمع إلا ما عاد ببسط عذره ، وإحماد فعله ، وإطراء أمره ، وتطييب نفسه ~~، وإبعاد ms207 استيحاشه ، وتأكيد أنسه ، وحين عزم على الانكفاء إلى دمشق ، وأذن ~~له في ذلك ، شرف بالخلع السنية ، والكرامات PageV01P317 # الهنية ، وكتب له المنشور العالي السلطاني الغياثي بولاية الشام حربا ~~وخراجا ، وإطلاق يده في ارتفاعه على إيثاره واختياره بإنشاء الطغرائي أبي ~~اسماعيل الأصفهاني (1) وهو إذ ذاك فريد زمانه في الكتابة والبلاغة ، ووحيد ~~عصره في الآداب والبراعة ، وقد أثبت نسخته في هذا المكان ، ليعرف الواقف ~~عليه فضل منشئه ، وعلو مرتبة من كتب له ، وأحسن وصفه فيه وهو : ### || * بسم الله الرحمن الرحيم # هذا منشور أمر بإنشائه السلطان المعظم غياث الدنيا والدين ، أطال الله ~~بقاءه ، وأعز أولياءه ، ونصر لواءه : للأمير الأصفهسلار الأجل ، الكبير ، ~~ظهير الدين أتابك ، أدام الله تأييده ، لما بان تمسكه من الطاعة بأحكم ~~علائقها ، واعتصامه من الخدمة بأوكد وثائقها ، وانتهاجه من المشايعة أقوم ~~مسالكها ، واعتماده أفضل طرائقها ، وأجلت التجارب منه عين الناصح الأريب ، ~~والمهذب اللبيب ، المتدرج في مراقي الرتب السنية ، بالمساعي الرضية ، ~~والمحرز أحاظي القرب الخطيرة بالآثار الشهيرة ، المشهودة موافقة في قود ~~الجماهير العظام ، والذب عن حوزة الإسلام ، والتجرد لمظافرة الأولياء ، ~~ومقارعة الأعداء والاستقلال (106 ظ) بمعضلات الأعباء ، الجامع إلى خصائص ~~هذه الأسباب والإلمام بخدمة الأبواب ، والتحقق بزمر الحشم والأصحاب ، ~~المستقل بنصحه ، المنخول بدلائه المقبول ، ووسائله المشفوعة توالدها ~~بالطوارف ، وشوافعه المنصورة سوالفها بالأوانف ، أن يزاد في الإنافة بقدره ~~، والإشادة بذكره ، ويستخلص تخلية صدره ، بتفخيم أمره ، وتجدد الصنيعة عنده ~~بما يكون لواجب حقوقه قضاء ، ولمصالح مساعيه كفاء ، ولمحله المرموق لائقا ، ~~ولموضعه من الدولة مضاهيا مطابقا ، فرأيناه أحق من أفيضت عليه PageV01P318 # ملابس الإنعام ، وحبي من الكرامة بأوفر الأقسام ، ورفع من مراتب الاحتباء ~~والاختصاص إلى الذروة والسنام ، ورشح لكفاية المهام ، وتدبير الأمور الجسام ~~، وأوطىء عقبة الكماة الأنجاد ، ورد إلى إيالته الأمصار والأجناد ، رسمنا ~~أن نجدد له هذا المنشور بإمارة الشام ، ونقرر عليه جميع ما دلت عليه ~~المناشير المنشأة المتضمنة لأسامي البلاد الموجبة له ، صارت رسمه مهما يجري ~~معها ، ويضاف إليها من النواحي والضياع والحصون والقلاع ، حسب ما أورد ذكره ~~مفصلا في هذا المثال ، وجعلناها نعمة مصونة من ms208 الارتجاع ، وطعمه محمية من ~~الانتزاع ، قلدناه في عامة تلك البقاع : أعمال الحرب ، والمعاون ، والأحداث ~~(1)، والأخرجة والأعشار ، وسائر وجوه الجبايات (2) والعروض والإعطاء ، ~~والنفقة في الأولياء ، والمظالم والأحكام ، وسائر المستظهر عليه بنظر ~~الولاة والكفاة ، والنصحاء الثقاة ، رعاية لحقوقه اللازمة ، ومحافظة على ~~أذمته المتقادمة ، وثقة منه باستدامة النعمة ، وارتباطها بالتوفر على شرائط ~~الخدمة ، واستدعاء مزيد الإحسان ، واستيفاء عوائد الاصطناع بدوام النصح ، ~~وفضل الاستقلال والاضطلاع ، والله تعالى يجزينا على أحسن عوائده ، بإصابة ~~شاكلة الصواب في اختيار الأولياء ، ويلهمنا الرشد في مرامي الأفكار ، ~~ومواقع الآراء ، ولا يخلينا في اصطفاء من نصطفيه واجتباء من نجتبيه من ~~مساوقة التوفيق لما نرتاده ونرتئيه. # أمرناه بتقوى الله وطاعته ، واستشعار خيفته ومراقبته (107 و) والالتجاء ~~منها إلى الحصن الأمنع ، والظل الأمتع ، والاستظهار منها بالذخر الأتقى ، ~~والحرز الأوقى ، والاحتراس من هواجس الهوى باعتلاق عروتها الوثقى ، وإدراع ~~شعارها الأتقى ، قال الله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا ~~الله يجعل لكم فرقانا ويكفر عنكم سيئاتكم PageV01P319 # ويغفر لكم والله ذو الفضل العظيم ) (1) وأمرناه أن يسير فيمن ~~قبله من الأولياء والحشم أجمل سيرة ، ويحملهم بحسن السياسة على أفضل وتيرة ~~، ويسلكهم مسلكا وسطا بين اللين والخشونة ، والسهولة والوعورة ، ويشعر ~~قلوبهم من الهيبة ما يقبض المتبسط ، ويردع المتسلط ، ويرد غرب الجامع ، ~~ويقيم صعر الجانح ، ويخص منهم ذوي الرأي والحنكة والثبات والمسكة بالمشاورة ~~والمباحثة ، ويستخلص نخائل صدورهم ، عند طروق الحوادث بالمفاوضة والمنافثة ~~(2)، ويستعين بثمار ألبابهم ، ونتائج أفكارهم على دفاع الملم ، وكفاية ~~المهم ، ويتناول سفهاءهم وذوي العيث والفساد منهم بالتقويم والتهذيب ، ~~والتعريك والتأديب ، ويردهم عن غلوائهم بالقول ما كفى ، وإحراز النصح ما ~~أجدى وأغنى ، ومن زاده الأناة والحلم والاحتمال والكظم تماديا في العدوان ، ~~وتتابعا في الطغيان عركه عرك الأديم ، وتجاوز به حد التقويم إلى التحطيم ، ~~متيقنا أن إعطاء كل طبقة ممن تشمله رعايته ، وتكنفه إيالته حقها من قوانين ~~السياسة إرهاقا لبصيرة القارح المتماسك وكفا لغرب الحرج المتهالك ، قال ~~الله تعالى : ( وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن ~~الله لا يحب الخائنين ) (3). # وأمرناه أن يوكل بأمر ms209 الثغور المتاخمة لأعماله والمصاقبة لبلاده عينا ~~كالئة ، وأذنا واعية ، وهمة للصغير والكبير في مصالحها مراعية ، فيشحنها ~~بذوي البأس والنجدة المذكورين بالبسالة والشدة المعروفين بالصريمة والغناء ~~، والصبر عند اللقاء ، والبصيرة بمكابدة الأعداء ، ويستظهر لهم باستجادة ~~الأسلحة والآلات والاستكثار من المير والأقوات ، ويناوب بينهم في مقارهم ، ~~مناوبة تجم المكدود ، وتريح المجهود ، وتدر عليهم PageV01P320 # الأرزاق عند (107 ظ) الوجوب والاستحقاق ، ليقوم أودهم ، ويقل لددهم ، ~~وتحسن طاعتهم ، وتلين مقادتهم ، ويكثف عددهم وعدتهم ، وتشتد على الأعداء ~~شوكتهم ، ويغيظ الكفار زيهم وشارتهم ، قال الله تعالى : « ( أعدوا ~~لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم ) (1). # وأمرناه أن يأخذ نفسه وأصحابه بالثبات والصبر عند قراع السيوف بالسيوف ، ~~وذلوف الزحوف بالحروف ، ويرخصوا أنفسهم في ابتغاء مرضاة الله والذب عن حوزة ~~الدين ، والمحاماة عن بيضة الإسلام والمسلمين ، ويحتاط مع ذلك لنفسه ~~وأصحابه ، ولا يقدم بهم على غرر ، ولا يفسح لهم في ركوب خطر إلا بعد الأخذ ~~بالحزم ، واستعمال الرفق في الحذر ، ويكون إقدامهم على بصيرة تامة ، لا ~~يقتحم معها غرة ، ولا تضاع فرصة ، ولا يحجمون إذا أحمز البأس ، واشتد ~~المراس عن تورد المعركة ، ولا يلقون بأنفسهم إذا حمي الوطيس ، والتقى ~~الخميس بالخميس إلى التهلكة ، قال الله جل وعلا : ( وجاهدوا في ~~الله حق جهاده ) (2). # وأمرناه أن يصل جناح ضمانه بالوفاء ، ويشد أركان عهده بالثبات ، ويصون ~~ذمته عما يخفرها ، ويشفق عليها مما يحيلها ويغيرها ، ويذهب مع دواعي الصدق ~~، ويصبر على تكاليف الحق ، ولا يروع لهم سربا أمنه ، ولا ينقض شرطا ضمنه ، ~~ولا ينكث عهدا أبرمه ، ولا يخلف وعدا قدمه ، ولا يتجافى عمن يلوذ بعقوته ، ~~ولا يأبى قبول السلم ممن اتقى بصفحته ، قال الله تعالى : ( وأوفوا ~~بالعهد إن العهد كان مسؤلا ) (3). وقال جل من قائل : ( وإن جنحوا ~~للسلم فاجنح لها ) (4). PageV01P321 # وأمرناه أن يعم رعاياه القارة والمارة بالأمن العائد عليهم بسكون الجأش ، ~~وسعة المعاش ، ويحوطهم في متوجهاتهم ومتصرفاتهم ، حياطة تكنفهم من جميع ~~جهاتهم ، ويحمي نفوسهم وذراريهم وأموالهم ، ومعائشهم ، حماية ترد كيد ~~الظالم ، وتقبض يد الغارم ، وتخرج ذوي الريب من ms210 مظانهم ، وتحول بينهم وبين ~~عدوانهم ، وتجري حكم الله فيهم ، وتقيم حده على من سفك فيهم دما ، وانتهك ~~محرما ، أو أظهر شقاقا وعنادا ، أو سعى في الأرض فسادا ، قال الله تعالى : ~~( إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن ~~يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من ) (108 و) ( خلاف أو ~~ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم ) (1). # وأمرناه أن ينظر في أحوال الرعايا أتم نظر وأوفاه ، ويسأل عن ظلاماتهم ~~أبلغ سؤال وأحفاه ، ويستن بالسنة العادلة فيهم ، ويمنع أقوياءهم عن تهضم ~~مستضعفيهم ، ويحمل من تحت يده على التعادل والتناصف ، ويصدهم عن التغاضب ~~والتظالم ، ويقر الحقوق مقارها ، عند وضوح الحجة ، وارتفاع الشبهة ، ويختار ~~لهم من العمال والولاة أسدهم طرائق ، وأقومهم مذاهب ، وأحمدهم خلائق ، ~~ويأمر كلا منهم أن لا يغير عليهم رسما ، ولا يتوي (2) لهم حقا ، ولا يسومهم ~~في معاملاتهم خسفا ، ولا يحدث عليهم من يدع الجور رسما ، ولا يرتكب منهم ~~ظلما ، ولا يأخذ منهم برا بأثيم ، ولا بريئا بسقيم ، ويقنع منهم في ~~إخراجاتهم ومقاساتهم وقسوطهم ومقاطعاتهم بالحقوق المستمرة ، ويحملهم في ~~العدل على القواعد المستقرة ، ويستقرىء آثار الولاة قبله ، فما طاب منها ، ~~وحسن اقتفاؤه اقتفره (3)، وما ذم منها واستنكره أماطه وغيره. # ويعتقد أنه مسؤول عما اكتسب واجترح ، ومحاسب على ما أفسد PageV01P322 # وأصلح ، قال الله تعالى : ( وأن ليس للإنسان إلا ما سعى. وأن ~~سعيه سوف يرى. ثم يجزاه الجزاء الأوفى ) (1) فيلتلقى هذه النعمة الكبيرة ، ~~والعارفة الخطيرة بإعظام قدرها ، والقيام بواجب شكرها ، وليتحقق أنها قاطنة ~~بفنائه ما أحسن جوارها بخالصة نصحه وولائه ، وباقية عليه وعلى عقبه ما ~~عملوا بأحكام هذا العهد ، وعنوا بتأكيد أسبابه ، وأعلنوا بشعار الدولة ، ~~واستمروا على السنة المألوفة في إقامة الخطبة والسكة ، وتمسكوا بولاء ~~الدولة العباسية التي هي سنة متبعة ، وما عداها ضلالة مبتدعة ، ( ~~وجاهدوا في الله حق جهاده ) (2) وأحسنوا السيرة في عباده وبلاده ، والله ~~تعالى يمدنا وإياه في هذا الرأي الذي رأيناه ، ويزلف من رضاه ويحمد فاتحته ~~وعقباه ، إن شاء الله تعالى. ms211 # وكتب في المحرم سنة عشر وخمسمائة # وتوجه منكفئا إلى دمشق ، على أجمل صفة وأحسن قضية في سلامة النفس والجملة ~~، وتزايد العز والحرمة ، ودخلها في يوم الاثنين (108 ظ) لثلاث عشرة ليلة ~~بقيت من ربيع الأول سنة عشر وخمسمائة. ### | * سنة عشر وخمسمائة # في هذه السنة ورد الخبر بأن بدران بن صنجيل (3)، صاحب طرابلس ، قد جمع ~~وحشد ، وبالغ واجتهد ، ونهض إلى ناحية البقاع لإخرابه بالعيث والفساد ~~والإضرار والعناد ، وكان الاصفهسلار سيف الدين البرسقي ، صاحب الموصل ، قد ~~وصل إلى دمشق في بعض عسكره ، لمعونة ظهير الدين أتابك على الأفرنج ، والغزو ~~فيهم ، وبالغ أتابك في الإكرام له والتعظيم لمحله ، وصادف ورود هذا الخبر بنهضة PageV01P323 # الأفرنج إلى البقاع ، فاجتمع رأيهما على القصد لهما جميعا ، وأغذا السير ~~ليلا ونهارا ، بحيث هجموا عليهم ، وهم غارون ، في مخيمهم قارون ، لا يشعرون ~~فأرهقهم العسكر ، فلم يتمكنوا من ركوب خيلهم ، ولا أخذ سلاحهم ، فمنحهم ~~الله النصر عليهم ، وأطلقوا السيف فيهم قتلا وأسرا ونهبا ، فأتوا على ~~الراجل وهم خلق كثير ، قد جمعوا من أعمالهم ، وأسروا وجوه فرسانهم ومقدميهم ~~، وأعيان شجعانهم ، وقتلوا الباقين منهم ، ولم يفلت منهم غير مقدمهم بدران ~~بن صنجيل والمقدم كند اصطبل ، ونفر يسير معهما ، ممن نجا به جواده ، وحماه ~~أجله ، واستولى الأتراك على العدد الجمة ، والخيول والكراع والسواد ، وذكر ~~الحاكي المشاهد العارف أن المفقود المقتول من الأفرنج الخيالة والسرجندية ~~(1) الرجالة ، والنصارى الخيالة والرجالة في هذه الوقعة ما يزيد على ثلاثة ~~آلاف نفس. # وعاد ظهير الدين أتابك ، وسيف الدين (آق) سنقر البرسقي في عسكريهما إلى ~~دمشق مسرورين بالظفر السني ، والنصر الهني ، والغنائم الوافرة ، والنعم ~~المتوافرة ، فلم يفقد من العسكريين بشر ، ولا أصابهم بؤس ولا ضرر ، ووصلا ~~البلد بالأسرى ورؤوس القتلى ، وخرج الناس من البلد لمشاهدتهم ، واستبشروا ~~بمعاينتهم ، وسروا بنظرهم سرورا ، واصلوا معه حمد الله مولي النصر ، ومانح ~~القهر ، وشكروه تعالى على ما سناه من الاستظهار المبين بالاستعلاء المشرق ~~الجبين ، وأقام آق سنقر البرسقي أياما بعد ذلك وتوجه (109 و) عائدا إلى ~~بلده بعد استحكام المودة بينه ، وبين ظهير الدين ms212 ، والمصافاة والموافقة على ~~الاعتضاد في الجهاد ، متى حدث أمر أو حزب خطب. PageV01P324 # وقد كان في هذه السنة وردت الأخبار قبل عود ظهير الدين من العراق ، ~~بالكائنة الحادثة من الباطنية في الدركاه السلطانية ، وقتلهم الأمير أحمديل ~~فيها ، في المحرم منها ، مع وجاهته ، وتزايد حشمته ، ووفور عدته ، وأكثر ~~الناس التعجب من هذا الإقدام المشهور ، والفعل المذكور ، ولله عاقبة الأمور (1). # وفيها وردت الأخبار من ناحية حلب ، بقتل لؤلؤ الخادم ، الذي كان غلب أمره ~~فيها ، وعمل على قتل ولده مولاه الملك ألب أرسلان بن رضوان ، في ذي الحجة ~~منها ، بأمر دبره عليه أصحاب الملك المذكور (2). ### | * سنة إحدى عشرة وخمسمائة # في هذه السنة توفي السلار بختيار شحنة دمشق ، ونائب ظهير الدين في تولي ~~أمر البلد ، وسياسة الرعية ، بعلل اختلفت عليه ، وطالت به إلى أن قضى نحبه ~~رحمه الله في ليلة النصف من شعبان منها ، فأحزن ظهير الدين فقده ، وأهمه ~~المصاب به ، وتأسف أكثر الناس عليه ، لأنه كان عفيفا في أفعاله غير معترض ~~لخمر ، غني الحال والنفس ، معينا لمن يقصده في دفع مظلمة ، وإنقاذ من شدة ، ~~جميل المناب فيما يعود بصلاح الرعية ، والبعث على العمل بالعدل والسوية ، ~~وأقيم ولده السلار عمر في منصبه ، فاقتفى آثاره في أشغاله ، وحذا مثاله في ~~أعماله. # وفيها وردت الأخبار من ناحية العراق ، بوفاة السلطان غياث الدنيا والدين ~~محمد بن ملك شاه بأصفهان ، رحمه الله ، بعلة حدثت به ، وطال PageV01P325 # مقامها عليه ، إلى أن توفي في الحادي عشر من ذي الحجة منها ، وقام مقامه ~~في السلطنة ولده محمود ، واستقام له الأمر ، واستقرت على صلاح الحال. # وفيها وردت الأخبار من ناحية حلب ، بأن الاصفهسلار يارقتاش الخادم ، ~~متولي اصفهسلارية حلب ، هادن الأفرنج ووادعهم ، وسلم إليهم حصن القبة (1). # وقيل إن الأمير آق سنقر البرسقي ، خرج من الرحبة في عسكره ، وقصد حلب ، ~~ونزل عليها طامعا في تملكها ، فلم يتسهل له ما أمل ورحل (109 ظ) عنها عائدا ~~إلى الموصل. # وورد الخبر أيضا بأن الاصفهسلار يارقتاش المقدم ذكره أخرج من قلعة حلب ، ~~ورد أمر الاصفهسلارية والنظر في الأموال ms213 إلى الأمير أبي المعالي (المحسن) ~~(2) ابن الملحي العارض الدمشقي ، ودبر الأشغال بها والأعمال فيها. # وفي النصف من المحرم منها هجمت الأفرنج على ربض حماة ، في ليلة خسوف ~~القمر ، وقتلوا من أهلها تقدير مائة وعشرين رجلا. # وورد الخبر بهلاك دوقس أنطاكية (3). # وفي المحرم منها وصل الأمير نجم الدين إيل غازي بن أرتق في عسكره إلى حلب ~~، وتولى تدبير أمرها مدة صفر ، وفسد عليه ما أراده ، فخرج منها ، وبقي ولده ~~حسام الدين تمرتاش. # وفيها وردت الأخبار من القسطنطينية بموت متملك الروم PageV01P326 # الكرانكس (1) وقام في الملك بعده ولده يوحنا ، واستقام له الأمر ، وعمل ~~بسيرة أبيه ، وفيها وردت الأخبار بموت بغدوين ملك الأفرنج صاحب بيت المقدس ~~بعلة طالت به وكانت سبب هلاكه في ذي الحجة منها ، وقام بعده في الأمر كند ~~هو [الذي كان] الملك [بالرها] (2). ### | * سنة إثنتي عشرة وخمسمائة # في هذه السنة شاعت الآثار والأخبار من ناحية الأفرنج ، بطمعهم في المعاقل ~~والبلاد ، وإجماعهم على قصدها بالعيث والإفساد ، لغفلة الإسلام عن قصدهم ~~بالغزو والجهاد ، وأنهم قد شرعوا في التأهب لهذه الحال ، والاستعداد وكاتب ~~ظهير الدين أتابك أرباب الجهات والمناصب ، وبعثهم على التعاون على دفع شر ~~الملاعين ، بالتوازر والتواظب. # وورد الخبر بتوجه الأمير نجم الدين إيل غازي إلى دمشق ، في عسكره ، ~~للاجتماع مع ظهير الدين أتابك على إعمال الرأي في التدبير والتشاور في ~~العمل والتقرير ، هذا بعد أن راسل طوائف التركمان بالاستدعاء لأداء فريضة ~~الجهاد والتحريض على الباعث لذاك والاحتشاد. # ووصل الأمير المذكور إلى دمشق من حلب ، في بعض أصحابه وخواصه ، واجتمعا ~~وتعاهدا على بذل المكنة والاجتهاد في مجاهدة الكفرة الأضداد ، وطردهم عن ~~الإفساد في هذه المعاقل والبلاد ، ووقع الاتفاق بينهما على [مصير] (3) ~~الأمير (110 و) نجم الدين إيل غازي بن أرتق إلى ماردين لإنجاز أمره ، وجمع ~~التركمان من الأعمال ، وحضهم على النكاية في أحزاب الشرك والضلال ، واقتضت ~~الآراء مصير الأمير ظهير الدين معه لتأكيد الحال ، وتسهيل الآمال ، وسارا ~~في العشر الأول من PageV01P327 # شهر رمضان سنة إثنتي عشرة وخمسمائة ، وعاد ظهير الدين عنه بعد أن ms214 قررا مع ~~طوائف التركمان إصلاح أحوالهم والتأهب للوصول إلى الشام بجموعهم الموفورة ، ~~وعزائمهم المنصورة في صفر سنة ثلاث عشرة وخمسمائة ليقع الاجتماع على نصرة ~~الدين واصطلام المردة الملحدين ، وأقام ظهير الدين بدمشق إلى حين قرب الأجل ~~المضروب ، والوقت المرقوب ، وسار إلى ناحية حلب في أول شهر ربيع الأول سنة ~~ثلاث عشرة وخمسمائة. # ووردت الأخبار من ناحية العراق بوفاة الخليفة الإمام المستظهر بالله أمير ~~المؤمنين ، ابن الإمام المقتدي بالله أمير المؤمنين ، بعلة عرضت له ، ~~واستمرت به إلى أن قضى نحبه ، إلى رحمة ربه في ليلة الخميس الرابع عشر من ~~شهر ربيع الآخر سنة اثنتي عشرة وخمسمائة ، وكانت مدة خلافته ستا وعشرين سنة ~~وشهرين وأياما ، وكان جميل السيرة ، محبا للعدل والإنصاف ، ناهيا عن قصد ~~الجور والاعتساف ، وولي الأمر من بعده ولده ولي العهد أبو منصور الفضل ، ~~المسترشد بالله أمير المؤمنين ابن أبي العباس أحمد المستظهر بالله أمير ~~المؤمنين ، وجدد له أخذ البيعة ، واستقام له الأمر ، ونفذت المكاتبات إلى ~~سائر الأعمال بالتعزية عن الإمام الماضي ، والتهنئة بالإمام الباقي. ### | * ودخلت سنة ثلاث عشرة وخمسمائة # ولما وصل ظهير الدين أتابك إلى حلب للاجتماع مع نجم الدين على الأمر ~~المقرر بينهما ، بعد مضي الأجل المعين بتدبيرها ، وجد التركمان قد اجتمعوا ~~إليه من كل فج ، وكل صوب في الأعداد الدثرة الوافرة ، والقوة الظاهرة ، ~~كأنهم الأسود تطلب فرائسها ، والشواهين إذا حامت على مكاسرها ، ووردت ~~الأخبار ببروز روجير صاحب أنطاكية منها ، في من جمعه ، وحشده من طوائف ~~الأفرنج (110 ظ) ورجالة الأرمن من سائر أعمالهم وأطرافهم ، بحيث يزيد عددهم ~~على العشرين ألف فارس PageV01P328 # وراجل ، سوى الأتباع ، وهم العدد الكثير ، في أتم عدة ، وأكمل شكة ، ~~وأنهم قد نزلوا في الموضع المعروف بسرمدا وقيل دانيث البقل بين أنطاكية ~~وحلب ، فحين عرف المسلمون ذلك طاروا إليهم بأجنحة الصقور إلى حماية الوكور ~~، فما كان بأسرع من وقوع العين على العين ، وتقارب الفريقين حتى حمل ~~المسلمون عليهم ، وأحاطوا بهم من جميع الجهات ، وسائر الجنبات ضربا بالسيوف ~~، ورشقا بالسهام ، ومنح الله تعالى ، وله الحمد ، حزب ms215 الإسلام النصر على ~~المردة الطغام ، ولم تمض ساعة من نهار يوم السبت السابع من شهر ربيع الأول ~~، من سنة ثلاثة عشرة وخمسمائة ، إلا والفرنج ، على الأرض سطحة واحدة ، ~~فارسهم وراجلهم ، بخيلهم وسلاحهم ، بحيث لم يفلت منهم شخص يخبر خبرهم ، ~~ووجد مقدمهم روجير (1) صريعا بين القتلى ، ولقد حكى جماعة من المشاهدين ~~لهذه الوقعة ، أنهم طافوا في مكان هذه المعركة ، لينظروا آية الله تعالى ~~الباهرة ، وأنهم شاهدوا بعض الخيول مصرعة كالقنافذ من كثرة النشاب الواقع ~~فيها ، وكان هذا الفتح من أحسن الفتوح ، والنصر الممنوح ، لم يتفق مثله ~~للإسلام ، في سالف الأعوام ، ولا الآنف من الأيام ، وبقيت أنطاكية شاغرة ~~خالية من حماتها ، ورجالها ، خاوية من كماتها ، وأبطالها ، فريسة الواثب ، ~~نهزة الطالب ، فوقع التغافل عنها ، لغيبة ظهير الدين أتابك عن هذه الوقعة ، ~~لتسرع التركمان إليها ، من غير تأهب لها ، للأمر النافذ ، والقدر النازل ، ~~واشتغال الناس بإحراز الغنائم ، التي امتلأت بها الأيدي ، وقويت بها النفوس ~~، وسرت بحسنها القلوب ، فتلك بيوتهم خاوية ، والحمد لله رب العالمين. # وعاد ظهير الدين أتابك منكفيا إلى دمشق ، عقيب هذا الظفر ، ودخلها يوم ~~السبت لليلة بقيت من جمادى الأولى سنة ثلاث عشرة PageV01P329 # فصادف الخاتون صفوة الملك ، والدة الملك شمس الملوك دقاق ابن السلطان تاج ~~الدولة تتش ابن السلطان ألب أرسلان ، قد نهكها المرض ، وطال بها ، وقد أشفت ~~على الموت (111 و)، وكانت لقدومه متوقعة ، وإلى مشاهدته متطلعة ، فأدركها ~~وسمع مقالها ، وقبل وصيتها ، وأقامت القليل ، وتوفيت إلى رحمة الله ومغفرته ~~ورضوانه ، بين صلاتي الظهر والعصر ، من يوم الأحد آخر جمادى الأولى سنة ~~ثلاث عشر وخمسمائة ، ودفنت عند ولدها في القبة التي بنتها على القلعة ~~المطلة على الميدان الأخضر ، فلقد كانت من النساء المصونات ، المحبة للدين ~~والصدقات ، والتنزه عن الظلم ، بطلب الخيرات ، مع قوة النفس وشدة الهيبة ، ~~ومعرفة التدبير فيما توخته في حق ظهير الدين ، عند وفاة ولدها الملك شمس ~~الملوك ، إلى أن استقام له الأمر ، واستقرت في المملكة والدولة الحال ، ~~وتسهلت له المطالب برأيها وهيبتها وسياستها والآمال ، فقلق ظهير الدين ~~لفقدها ، وتضاعف ms216 عليها حزنه وأسفه ، وتسلم ما خلفته ، واستخرج ما ذخرته ~~وأودعته ، وعمل بوصيتها. # وفي رجب من هذه السنة توفي الأمير حارق بن كمشتكين العراقي في رجب منها ~~وكان من مقدمي الدولة ووجوه أمرائها. # وفيها وردت الأخبار من العراق بأن السلطان محمود بن السلطان غياث الدنيا ~~والدين محمد بن ملك شاه توجه إلى عمه السلطان سنجر بن ملك شاه إلى خراسان ، ~~ودخل عليه ، ووطىء بساطه ، بعد ما جرى بينهما من الوقائع والحروب ، فأكرمه ~~واحترامه وأحمده ، وقرر أحواله على ما فيه صلاح أمره واستقامة حاله ، ووصله ~~بابنته ، وأقره على مملكته ، وشرفه بخلعه وتكرمته ، وعاد منكفيا إلى أصفهان ~~بلدته ظافرا (1) بأمله وبغيته. # وفي هذه السنة حكى من ورد من بيت المقدس ، ظهور قبور الخليل PageV01P330 # وولديه اسحق ويعقوب الأنبياء عليهم الصلاة من الله والسلام ، وهم مجتمعون ~~في مغارة بأرض بيت المقدس ، وكأنهم كالأحياء ، لم يبل لهم جسد ، ولا رم عظم ~~، وعليهم في المغارة قناديل معلقة من الذهب والفضة ، وأعيدت القبور إلى ~~حالها التي كانت عليه. هذه صورة ما حكاه الحاكي ، والله أعلم بالصحيح من غيره. ### | * سنة أربع عشرة وخمسمائة # (111 ظ) فيها ورد الخبر من ناحية حلب بأن الأمير نجم الدين إيل غازي بن ~~أرتق ، رفع المكوس عن أهل حلب والمؤن والكلف ، وأبطل ما جدده الظلمة من ~~الجور والرسوم المكروهة ، وقوبل ذلك منه بالشكر والثناء ، والاعتداد ~~والدعاء ، وحكي عن ماردين أنها وقع عليها برد عظيم لم تجر بمثله عادة ، ولا ~~بصر أكثر منها ماء ، أهلك المواشي وأتلف أكثر النبات والشجر. # وفيها هدم نجم الدين زردنا (1)، وفيها كسر الأمير بلك بن أرتق عفراس ~~الرومي ، وقتل من الروم تقدير خمسة آلاف على قلعة سريان من بلد أندكان ، ~~وأسر مقدمهم عفراس. # وفيها ورد الخبر بأن السلطان محمود كسر عسكر أخيه مسعود ، بباب همذان ، ~~تحت الزعفراني. # وفيها وردت الأخبار بوصول الكند (2)، هو ملك الأفرنج ، في المراكب ~~البحرية ، وملك أكثر المعاقل. PageV01P331 # وفيها وقعت المهادنة بين نجم الدين إيل غازي بن أرتق صاحب حلب ، وبين ~~الأفرنج ، وتقررت الموادعة والمسالمة ، وكف كل ms217 جهة من الفريقين الأذية عن الآخر. # وفيها وردت الأخبار بأن السلطان محمود قصد حلة دبيس بن صدقة ابن مزيد في ~~عسكره ، ونهبها وهزم عسكرها ، وانهزم دبيس إلى قلعة جعبر مستجيرا بصاحبها ~~الأمير شهاب الدين مالك بن سالم بن مالك ، فأجاره وأكرمه واحترمه ، وقيل ~~أنه انعقد بينهما صهرة. # وقيل إن في ذي الحجة من السنة ، هبت ريح شديدة هائلة منكرة ، بنواحي ~~الجزر ، فخرب بها كنائس ومعاقل وقلعت كثيرا من شجر الزيتون ، وقيل إن ~~جوسلين غار على العرب والتركمان النازلين بصفين ، وغنم منهم ، ومن مواشيهم ~~بشاطىء الفرات ، وفي عوده خرب حصن بزاعة (1). ### | * سنة خمس عشرة وخمسمائة # في هذه السنة وردت الأخبار بقتل الأفضل بن أمير الجيوش ، صاحب الآمر (2) ~~بمصر رحمه الله ثاني عيد الفطر ، بأمر رتب له ، وعمل فيه عليه ، إلى حين ~~أمكنت الفرصة فيه ، فانتهزت الفرصة ، وصودف راكبا في موكبه ، مجتازا في بعض ~~أسواق القاهرة ، وقد كان على غاية من التحرز والتحفظ واستعمال الاحتراس ~~والتيقظ ، لا سيما من الطائفة الباطنية ، والاحتياط منهم بأنواع السلاح ، ~~ووافر الغلمان ، (112 و) والخدم والعبيد ، والعدد المختلفة ، والسيوف ~~الماضية ، وكان المرتب لقتله والمرصد له جماعة ، فوثب عليه رجل من بعض ~~الشوارع ، بحيث شغل أصحاب الركاب ، ووثب PageV01P332 # الآخر بين يديه فضربه ضربات سقط بها عن ظهر جواده إلى الأرض ، وقتلا في ~~الحال ، وحمل إلى داره وبه رمق ، وتوفي رحمه الله من يومه ، وادعي أن ~~الباطنية تولوا قتله ، وليس ذلك صحيحا ، بل ذلك ادعاء باطل ، ومحال زائل ، ~~وإنما السبب الذي اجتمعت عليه الروايات الصحيحة التي لا تشك في هذا الأمر ، ~~فساد ما بينه وبين مولاه الآمر بأحكام الله أمير المؤمنين ، لتضييقه عليه ، ~~ومنعه مما تميل نفسه إليه ، ومنافرته إياه في بعض الأوقات ، وقد كان هذا ~~الخلف المستمر بينهما ، قد ظهر بمصر لكثير من أهلها ، وتحدثوا فيه ، وكان ~~الآمر قد عزم على اغتياله إذا دخل عليه في قصره ، للسلام عليه ، أو في أيام ~~الأعياد ، وقويت نفسه على إتمام هذا الأمر ، فمنعه من ذلك الأمير أبو ~~الميمون عبد المجيد ، وقال ms218 له : إن هذا الأمر إذا تم على هذه القضية ، كان ~~فيه شناعة وسوء سمعة ، لأن هذا وأباه في خدمتنا منذ خمسين سنة ، لا يعرف ~~الناس في سائر أقطار البلاد غير هذا ، فما يقال في مثل هذه الحال في ~~مجازاتنا لمن هذه صفته ، هذه المجازاة الشنيعة ، والمكافأة الفظيعة ، وما ~~العذر في ذاك إلى الناس ، وهم لا يعلمون ما في نفوسنا له ، وما ننقم عليه ~~بسببه ، وما يعرفون منه في ظاهر الأمر إلا الموالاة الخالصة ، والطاعة ~~الصادقة ، والذب عن الدولة ، والمحاماة عنها ، ولا بد أن تدعو الضرورة إلى ~~إقامة غيره في مكانه ، والاعتماد عليه في منصبه ، فيتمكن كتمكنه أو بعضه ، ~~فيحذر من الدخول إلى قصرنا خوفا على نفسه ، مما جرى على غيره ، وإن دخل ~~علينا كان خائفا معدا ، وإن خرج عنا خرج وجلا مستعدا ، وفي هذا الفعل ما ~~يؤكد الوحشة ، ويدل على فساد التدبير في اليوم وفيما بعد ، بل الصواب في ~~التدبير أن تستميل أبا عبد الله (محمد) بن البطائحي (1)، الغالب على أمره PageV01P333 # المطلع على سره وجهره ، وتراسله وتعده وتمنيه ، وتطمعه في منصبه ، فإنه ~~يجيب إلى ذلك ، ويعين عليه (112 ظ) لأمرين أحدهما دينا ، لأن مذهبه مذهبنا ~~واعتقاده موالاتنا ومحبتنا ، والثاني للدنيا وحبها ، وكونه يصير في منصبه ~~فيها ، ويدبر الأمر عليه بمن لا يعرف ولا يؤبه به ، ولا يلتفت إليه ، ممن ~~يغتاله إذا ركب ، فإذا ظفرنا بمن قتله قتلناه ، وأظهرنا الطلب بدمه والحزن ~~عليه ، والأسف لفقده فيكون عذرنا عند كافة الرعية مبسوطا ، ويزول عنا قبح ~~القالة ، وسوء السمعة. # فاستقر الأمر على هذه القضية ، وشرع في إتمامه ، والحال فيه ظاهرة ، وقضى ~~الله عليه قضاءه المحتوم ، وسر بمقتله سرورا غير مستور عن كافة الخاص بمصر ~~والقاهرة ، وقيل إن الموضع الذي قتل فيه بمصر عند كرسي الجسر (1)، في رأس ~~السويقتين ، في يوم الأحد سلخ شهر رمضان سنة خمس وخمسمائة وعمره إذ ذاك سبع ~~وخمسون سنة ، لأن مولده كان بعكا سنة ثمان وخمسين وأربعمائة ، وكان حسن ~~الاعتقاد في مذهب السنة ، جميل السيرة مؤثرا للعدل في العسكرية ms219 والرعية ، ~~صائب الرأي والتدبير ، عالي الهمة ، ماضي العزمة ، ثاقب المعرفة ، صافي ~~الحس ، كريم النفس ، صادق الحدس ، عادلا عن الجور ، حائدا عن مذاهب الظلم ، ~~فبكته العيون ، وحزنت له القلوب ، ولم يأت الزمان بعده بمثله ، ولا حمد ~~التدبير عند فقده ، وانتقل الأمر بعده إلى صاحبه الآمر بأحكام الله أمير ~~المؤمنين ، واشتمل على خزائنه وأمواله وذخائره وكراعه وأثاثه ، وهو الغاية ~~في الكثرة والوفور ، وانتظمت للآمر (2) الأمور على المأثور ، وأقام أبا عبد ~~الله بن البطائحي ، ووفى له بوعده ، ولقبه بالمأمون ، وبسط يده في البرم ~~والنقض والرفع والخفض. PageV01P334 # ووردت الأخبار في هذه السنة بظهور الكرج من الدروب ، وقصدهم بلاد الملك ~~طغرل ، فاستنجد بالأمير نجم الدين إيل غازي بن أرتق ، صاحب حلب ، ~~وبالتركمان وبالأمير دبيس بن صدقة بن مزيد ، فأجابوا إلى ما دعاهم إليه ، ~~وبعثهم عليه ، وتوجهوا نحوه في خلق عظيم ، فانهزم جمع الكرج خوفا ، وعاد ~~فرقا ، وضايقهم المسلمون ، وضايقوهم في الدروب ، فعادوا على المسلمين ، ~~فهزموهم وقتلوا منهم مقتلة عظيمة ، وقصدوا مدينة تفليس ، فافتتحوها بالسيف ~~وقتلوا من كان فيها (1). # ولقيمة هذا النص أثبته في الحاشية ، حيث قال : وفي سنة خمس عشرة وخمسمائة ~~نفذ أهل تفليس إلى نجم الدين إيل غازي يستدعونه ليسلموا إليه تفليس وكان ~~لها بيد أهلها مقدار أربعين سنة ، وكان ملكها قوم من أهلها يسمون بني جعفر ~~، من مقدار مائتي سنة ثم انقرض كبارهم واضمحلوا ، فعاد أمرهم إلى أهلها ، ~~وكان كل شهر يلي أمرهم منهم واحد ، وبقوا كذلك مدة أربعين سنة ، وكان الملك ~~داود ملك الأبخاز والكرج قد ضايقها مضايقة شديدة واضمحلت ، وكان قد نفذوا ~~إلى السلطان طغرل بك ابن السلطان محمد ، وكان ملك جتري وأران ، فنفذ لهم ~~شحنة ، وزادت مضايقة ملك الكرج لهم ، وبقوا على هذا مدة فاتفقوا أن يحملوا ~~له في كل سنة عشرة آلاف دنيار ، ويكون عندهم شحنة معه عشرة فوارس ، فبقوا ~~على ذلك مدة. # ونفذوا إلى نجم الدين يستدعونه ، فسار ومعه عساكر عظيمة ، ومعه دبيس بن ~~صدقة ملك العرب وكان صهر نجم الدين على ابنته جهان خاتون ، وكان قد وصل ms220 ~~إليه في تلك السنة ، فسار بالعساكر ، ونفذ إلى شمس الدولة طغان أرسلان صاحب ~~أرزن وبدليس ، وكان له مدينة دوين ، وأمره أن يدخل من شرقي تفليس ، وسار ~~وأخذ معه القاضي علم الدين ابن نباتة ، ومعه ولده القاضي علم الدين أبو ~~الفتح الكبير ، هو الآن (يعني سنة 572) قاضي ماردين ، والوزير أبو تمام بن ~~عبدون وسار معه ، فوصلوا إلى أرزن الروم ، وتخلف القاضي والوزير بأرزن ~~الروم ، ودخل بالعساكر من ولاية الفرس ، وطريق بر ياليث ، واتفقوا أن تجمع ~~العساكر أجمع على باب تفليس ، وتجهز السلطان طغرلبك من ناحية جنزى ، وسار ~~طغان أرسلان الأحدب من دوين ، ووصل نجم الدين إلى أن بقي بينه وبين تفليس ~~الجبل مقدار نصف يوم. # وخرج الملك داود ، ومعه ولده ديميطري من جنب الغرب ، في عساكر عظيمة وكان ~~يحدر عليهم من الجبل ، وهم في لحفة ، ولم تكن وصلت عساكر السلطان طغرلبك ~~ولا شمس الدولة الأحدب بمن معه ، وتقاتلوا قتالا عظيما ، وكسر نجم الدين ، ~~وقتل منه خلقا كثيرا ، وغنم الكفار منهم غنيمة عظيمة ، وخرج نجم الدين ، ~~ودبيس في نفر يسير بحيث أن بقي عندهم من الأسرى إلى زماننا. # ولقد رأيت موضع الوقعة حيث دخلت إلى تفليس في سنة ثمان وأربعين وخمسمائة فأقمت PageV01P335 # وفي هذه السنة هبت بمصر ريح سوداء (113 ظ) ثلاثة أيام ، فأهلكت شيئا ~~كثيرا من الناس والحيوان. ### | * سنة ست عشرة وخمسمائة # في هذه السنة وردت الأخبار من ناحية بغداد ، بأن الأمير دبيس بن صدقة بن ~~مزيد ، جمع واحتشد ، وقصد بغداد في حشده ، وعاث في أطرافها وأفسد في ~~أكنافها ، فخرج الإمام الخليفة المسترشد بالله أمير المؤمنين من دار ~~الخلافة ، واجتمعت إليه الأجناد ، وظهر إليه ، وحمل # وأحسن إلى المسلممين غاية الإحسان ، وجعل لأهل العلم والدين والصوفية ~~أكرم المنازل ، وما ليس لهم عند المسلمين ، ولقد رأيت هذه الشروط كلها لما ~~دخلت إلى تفليس في سنة ثمان وأربعين وخمسمائة ، ولقد رأيت ملك الأبخاز ~~ديميرطي الذي كنت في خدمته ، وقد نزل إلى تفليس ، وأقام بها أياما ، ونزل ~~ذات يوم جمعة إلى الجامع ، وجلس على دكة ms221 تقابل الخطيب ، فوقف موضعه حتى خطب ~~الخطيب ، وكل الناس يسمع الخطبة جميعها ، ثم خرج وأطلق برسم الجامع مائتي ~~دينار أحمر وكنت أرى العلماء والوعاظ والأشراف والصوفية ، والذين يصلون ~~يكرمهم ويعطيهم ويحترمهم ، ويعتمد معهم ما ليس بمثله ، ولقد كنت أرى ~~لاحترامه للمسلمين ما لو أنهم ببغداد ما احترموا تلك الحرمة». PageV01P336 # عليه ، فهزمه وتم إلى الحلة فنهبها ، ونهبت مقابر قريش ببغداد وما بها من ~~القناديل الفضة والستور والديباج ، وعاد إلى بغداد ودخلها في المحرم سنة ~~سبع عشرة وخمسمائة. # وورد الخبر فيها بأن السلطان محمود سخط على وزيره (1) لأشياء نقمها عليه ~~وأنكرها منه وأمر بالقبض عليه ، ثم تقدم بقتله فقتل. # وفي صفر منها توجه عائدا إلى مدينة أصفهان. # وفي صفر ورد الخبر من ناحية حلب أن أبا الفضل بن الموصول وزير الملك ~~رضوان توفي بحلب في الشهر ، وكان حسن الطريقة يميل إلى فعل الخير و[يسكت] ~~(2) عن قصد الشر. # وفيها جاء سيل عظيم حتى دخل إلى ربض قلعة جعبر ، فغرق أكثر دورها ~~ومساكنها ، وهدمها وأخرج منها فرسا حمله من الربض حتى رمى به من أعلى السور ~~في الفرات ، وقيل إن عدة الدور الهالكة بهذا السيل الجارف ثمانمائة مكان. # وقيل إن الأمير نجم الدين بن أرتق خرج من حلب في عسكره ، وقطع الفرات ، ~~وصادف الأفرنج ، فلم يلقوه فأتلف ما ظفر به في أعمالهم ، وعاد منكفئا إلى ~~الفنيدق ، بظاهر حلب. # وفي هذه السنة وصل الأصطول المصري إلى صور ، وهو مشحن بالرجالة البحرية ، ~~وطائفة من العساكر ، وفي نفس الوالي ، العمل على PageV01P337 # الأمير سيف الدولة مسعود ، الوالي بصور من قبل الأمير ظهير الدين أتابك ، ~~فلما خرج للسلام على والي الأصطول ، سألوه النزول فلما حصل في مركب المقدم ~~، اعتقله وتمت عليه المكيدة ، وحصل البلد في أيديهم ، ولما أقلع الأصطول ، ~~ووصل إلى مصر ، وفيه الأمير مسعود ، أكرم وأنزل في دار ، وأطلع له ما يحتاج ~~إليه ، والسبب كان في هذا التدبير أن شكاوي أهل صور تتابعت (113 ظ) إلى ~~الآمر بأحكام الله ، فاقتضت الآراء التدبير عليه ، وإزالة ما كان من ~~الولاية ms222 إليه ، وكانت عاقبة خروجه منها ، وسوء التدبير فيها ، خروجها إلى ~~الأفرنج ، وحصولها في ملكتهم. # وفي هذه السنة ورد الخبر ، بأن الأمير نور الدولة بلك بن أرتق ، نهض في ~~عسكره في أيام من رجب ، وقصد الأفرنج بالرها ، وأوقع بهم ، وكسرهم وأسر ~~مقدمهم جوسلين وابن خالته كليان (1)، وجماعة من مقدميهم عند سروج. # وورد الخبر بوفاة الأمير نجم الدين إيل غازي بن أرتق بعلة عرضت له ، وهو ~~نازل في قرية تعرف بالفحول (2) من عمل ميافارقين ، من ديار بكر ، في السادس ~~من شهر رمضان من السنة ، وقام في منصبه بعده ولده شمس الدولة سليمان وأخوه ~~تمرتاش أبناء نجم الدين ، وملكا ماردين ، وأقاما مدة متفقين وجرى بينهما ~~خلف استمر من كل منهما (3). PageV01P338 # وفيها توفي الحاجب فيروز ، شحنة دمشق ، في آخر ربيع الآخر منها. ### | * سنة سبع عشرة وخمسمائة # فيها وردت الأخبار من ناحية بغداد ببروز الإمام المسترشد بالله ، أمير ~~المؤمنين ، وفي جملته الأمير (آق) سنقر البرسقي ، عازما على قصد الأمير ~~دبيس بن صدقة بن مزيد ، لما هو عليه من الخلاف والمجاهرة بالعصيان والفساد ~~في الأعمال ، وقصدوا الحلة فانتهبوها ، وارتفع السعر ببغداد ، حتى بلغ ~~الخبز ستة أرطال بدينار ، وورد الخبر من ناحية حلب باستقرار المهادنة بين ~~الأمير بدر الدولة [سليمان بن عبد الجبار] بن أرتق (1) صاحب حلب ، وبين ~~الأفرنج على تسليم قلعة الأثارب إلى الأفرنج فتسلموها ، وحصلت في أيديهم ، ~~واستمرت الموادعة على هذا ، واستقامت أحوال الأعمال من الجانبين ، وأمنت ~~السابلة للمترددين فيها بين العملين ، في صفر من السنة. # وفيها ورد الخبر بنهيض بغدوين ملك الأفرنج في عسكره إلى ناحية حلب ، إلى ~~الأمير بلك بن أرتق ، في تاسع صفر منها ، وهو منازل لحصن # وكان نجم الدين إيل غازي قد تزوج بفرخندا خاتون ، بنت الملك رضوان ، لما ~~ملك حلب ، وحقد عليها ، ولم يدخل بها ولا رآها ، ومات ولم يرها وتزوجها ~~بعده الأمير بلك بن بهرام بن أرتق. # قيل : واستقر شمس الدولة بميافارقين واستوزر الوزير عبد الملك بن ثابت ، ~~ورد الأمور إليه ، وأخذ خرتبرت من الأمير بلك ، وبقيت معه إلى ms223 أن مات وأخذ ~~الأمير داود وأخذ بلد حزة من الأمير داود ، وأخذ الضياع التي أخذها حسام ~~الدين (قرقي بن الأحدب) صاحب أرزن من بلد ميافارقين .. ودخل [حسام الدين ~~تمرتاش] البلد في شوال سنة ثمان عشرة وخمسمائة واستوزر عبد الملك ، واستقر ~~حاله ، وحصل له جميع ما كان لأبيه نجم الدين ، وأحسن إلى الناس ، وأحبوه ، ~~واستبد بالملك». PageV01P339 # الكركر (1) فنهض إليه والتقيا بالقرب من قنطرة [سنجة] (2) فكسره وأسره ، ~~وحصل في يده أسيرا (114 و) مع جماعة من وجوه عسكره ، فاعتقله في جب في قلعة ~~خرتبرت مع جوسلين ومقدمي الأفرنج. # وفي آخر صفر نهض ظهير الدين أتابك في العسكر ، فهجم ربض حمص ونهبه وأحرقه ~~، وبعض دوره ، وكان طغان أرسلان بن حسام الدولة قد وصل إلى حمص لمعونة ~~خيرخان صاحبها ، فعاد ظهير الدين عنها إلى دمشق. # وورد الخبر من ناحية حلب بنزول الأمير بلك بن أرتق عليها في ربيع الأول ~~منها ، وأحرق زرعها ، وضايقها إلى أن تسلمها بالأمان في يوم الثلاثاء غرة ~~جمادى الأولى ، من بدر الدولة ابن عمه عبد الجبار (3) ابن أرتق وقد كان قبل ~~ذلك تسلم مدينة حران في شهر ربيع الأول. # وفيها وردت الأخبار بوصول فريق كثير من عسكر لواتة (4) من ناحية الغرب ~~إلى مصر ، وأفسدوا في أعمالها ، وظهر إليهم المأمون أبو عبد الله بن ~~البطائحي ، المقام في مقام الأفضل الشهيد بن أمير الجيوش ، في عسكر مصر ~~بأمر صاحبه الإمام الآمر بأحكام الله بن المستعلي بالله ، ولقيهم فكسرهم ، ~~وقتل وأسر منهم خلقا كثيرا ، وقرر عليهم خرجا معلوما يقومون به في كل سنة ، ~~وعادوا إلى أماكنهم ، وعاد المأمون إلى مصر غانما منصورا ، وبحسن الظفر ~~مسرورا. PageV01P340 # وفيها ورد الخبر بأن اسطول مصر لقي اسطول البنادقة في البحر ، فتحاربا ~~فظفر به أسطول البنادقة ، وأخذ منه عدة (1) قطع. # وفي العشر الأول من شهر ربيع الأول منها ، ملك الأمير بلك بن أرتق ، حصن ~~البارة وأسر أسقفها. # وفي هذه السنة ورد الخبر من ناحية خرتبرت بأن الملك بغدوين الرويس ~~وجوسلين مقدمي الأفرنج ، وغيرهم من الأسرى الذين كانوا في ms224 أسر الأمير بلك ، ~~المعتقلين في قلعة خرتبرت عملوا الحيلة فيما بينهم وملكوا القلعة وهربوا ~~(2).... الملك بغدوين ونجا ولم يظفروا به وهرب في ذلك اليوم أيضا أسقف ~~البارة من اعتقاله. # وعند ما ذهب لإخبار الشحنة عمد الرجال لاختطاف السيوف المعلقة بين ~~البوابات وقتلوا البواب وكل من وجدوه هناك ، ثم دعوا رفاقهم الذين كانوا ~~بانتظارهم في الخارج ، وانضم هؤلاء إليهم وفتحوا الأبواب ، واندفعوا وقتلوا ~~جميع الضباط الذين كانوا يشتركون في الوليمة بدون استثناء ، ثم فكوا أسار ~~الأسرى ، واحتلوا القلعة ، وساعدهم جميع الأرمن الذين كانوا داخل المدينة. # وحالما انتشر خبر هذه الواقعة ، أرسل الخبر إلى بلك في حلب ، كما تجمع ~~الأتراك من كل حدب وصوب وأحاطوا بالقلعة ، وراقبوها عن كثب حتى لا يخرج ~~منها أحد أو يدخلها إنسان ، وعمد جوسلين في الليلة الأولى ومعه اثنان أو ~~ثلاثة آخرون ، إلى الهرب بشجاعة ، واخترقوا الحصار ونجوا ، وكان جوسلين قد ~~وعد الملك بألا يرتاح حتى يصل إلى القدس ويجلب جيشا PageV01P341 # وفي الشهر المذكور توجه الأمير نور الدولة بلك في عسكره إلى خرتبرت ، ~~وضايق قلعتها إلى أن استعادها من الأفرنج الواثبين عليها ، ورتب فيها من ~~يحفظها ويتيقظ فيها. # وفي هذه السنة ورد الخبر بأن محمود بن قراجة (114 ظ) والي حماة خرج في ~~رجاله ، وقصد ناحية أفامية ، وهجم ربضها فأصابه سهم من الحصن في يده ، ولما ~~قلع منه عملت عليه وتزايد أمرها ، فمات منه ، وكان عاهرا ظالما متمردا ، ~~وقتل جماعة من أعيان حماة ظلما وتعديا بسعاية بعضهم على بعض ، ولما عرف ~~ظهير الدين ذلك أنهض إلى حماة من تسلمها ، وتولى أمرها من ثقاته. # وفيها ورد الخبر بالنوبة الكائنة بين السلطان مغيث الدنيا والدين محمود ~~وبين أخيه طغرل ابني السلطان محمد ، وأن السلطان محمود صافه وكسره ، وهزمه ~~وملك عسكره ، وأن طغرل استعان بالأمير دبيس بن صدقة بن مزيد ، واستنجد به ~~عليه ، وأجيب إلى ذلك. # وفي هذه السنة كانت النوبة الكائنة بين عسكري ظهير الدين أتابك الدمشقي ، ~~وسيف الدين آق سنقر البرسقي ، حين تجمعوا ونزلوا على أعزاز من عمل ms225 حلب ، ~~ومضايقتها بالنقوب والحروب ، إلى أن سهل # وزاد فرح الفرنجة لدى سماعهم أن بلدوين وجاليران [أسقف البارة] قد أطلق ~~سراحهما ، وأن قلعة زياد قد سقطت ، إنما عند ما سمع بلك بخبر ما حدث في ~~قلعة الحصينة ، عاصمة ملكه ، وبيت ماله ، ومخزن ثروته ، بدأ بالتحرك حالا ~~مع فرق جيشه ، ووصل إلى قلعة زياد في مدة أربعة أيام ، أي بعد عشرة أيام من ~~حدوث الواقعة ، وهاجم القلعة بضراوة ، ونصب آلات الحصار التي قذفت السور ~~برماياتها دون توقف دقيقة واحدة ، خشية أن يحضر الفرنجة لنجدتها ، وفي بضعة ~~أيام فتحوا ثلمة في السور ، وطلب بلك تسليم الحامية ، ووعدها أن يحفظ حياة ~~أفرادها ، لأنه لم يرغب في مهاجمة القلعة ، فيدمر موطن سمعته وشرفه ، ~~وأثناء هذا تمكن من هدم برج آخر مقاما فوق صهريج الماء ، وعند ما حدث هذا ، ~~فقد المحاصرون كل أمل ، وخرج جاليران بنفسه إليه ليطلب كلمة الشرف ويتوثق ~~من بلك بحفظ حياتهم ، وأعطاه بلك ذلك ووعد بحفظ حياتهم ، فسلموا له القلعة ~~، فدخلها ، وقام بتعذيب الأرمن وسلخ أجسادهم أحياء ، وأعاد الملك بلدوين ~~وجاليران إلى سجنهم الماضي [16 أيلول 1123 م]. PageV01P342 # أمرها ، فتجمع الأفرنج من كل صوب ، وقصدوا ترحيل العسكر عنها ، والتقى ~~الجيشان ، وانفل جيش المسلمين ، وتفرقوا بعد قتل من قتل وأسر من أسر ، وعاد ~~ظهير الدين أتابك إلى دمشق في جمادى الأولى من السنة. # وفي شهر رمضان من السنة توجه الحاجب علي بن حامد إلى مصر ، رسولا عن ظهير ~~الدين أتابك. ### | * سنة ثماني عشرة وخمسمائة # في هذه السنة ورد الخبر من ناحية العراق بأن القاضي ، قاضي القضاة زين ~~الإسلام ، أبا سعد محمد بن نصر بن منصور الهروي ، كان قافلا من ناحية ~~خراسان بجواب السلطان سنجر عما صدر على يده إليه ، وأنه لما نزل بهمذان في ~~جامعها ، وثب عليه على حين غفلة منه ، قوم رتبوا له من الباطنية ، فضربوه ~~بسكاكينهم ، فقتلوه وهربوا في الحال ، ولم يظهر لهم خبر ولا بان منهم أثر ، ~~ولا تبعهم شخص للخوف منهم ، فمضى لسبيله شهيدا إلى رحمة الله ، وذلك للقضاء ms226 ~~النازل الذي لا يدافع ، والقدر الحال الذي لا يمانع ، وذلك في رجب منها. # وفيها ملك الأفرنج ثغر صور بالأمان ، وشرح الحال في ذلك : كان قد مضى من ~~ذكر الذي أوجب إخراج الأمير (115 و) سيف الدولة مسعود واليها منها ، وحمله ~~في الأسطول إلى مصر ما لا يحتاج إلى الإعادة له ، والإطالة بذكره ، ولما ~~حصل بها الوالي المندوب من مصر بعد مسعود ، طيب نفوس أهله ، وكاتب ظهير ~~الدين بصورة الحال ، فأعاد الجواب بأن الأمر في ذلك لمن دبره ، والمرجوع ~~إلى ما رتبه وقرره ، واتفق أن الأفرنج لما عرفوا هذا الأمر ، وانصراف مسعود ~~عن ولاية صور ، تحرك طمعهم فيها ، وحدثوا نفوسهم بتملكها ، وشرعوا في الجمع ~~والتأهب للنزول عليها ، والمضايقة لها ، واتصل بالوالي صورة الأمر ، وأنه ~~لا طاقة له بالأفرنج ، ولا ثبات على محاصرتهم ، لقلة من بها من الجند PageV01P343 # والميرة ، فطالع الآمر بأحكام الله صاحب مصر بذلك ، فاقتضى الرأي أن ترد ~~ولاية صور إلى ظهير الدين أتابك ، ليتولى حمايتها والذب عنها والمراماة ~~دونها ، على ما جرى رسمه فيها ، وكتب منشور الولاية باسمه ، فندب لتوليها ~~جماعة لا غناء لهم ، ولا كفاية فيهم ولا شهامة ، ففسد أمرها بذاك ، وتوجه ~~طمع الأفرنج حولها لأجله ، وشرعوا في النزول والتأهب للمضايقة لها ، ونزلوا ~~بظاهرها في شهر ربيع الأول من السنة ، وضايقوها بالقتال والحصار ، إلى أن ~~خفت الأقوات فيها ، وعدمت الميرة ، وتوجه ظهير الدين في العسكر إلى بانياس ~~للذب عن صور. # ونفذت المكاتبات إلى مصر باستدعاء المعونة لها ، وتمادت الأيام بذلك إلى ~~أن ضعفت النفوس ، وأشرف أهلها على الهلاك ، وعرف أتابك جلية [الأمر] (1) ~~وتعذر تلافيها ، ووقع اليأس من المعونة لها ، فراسل الأفرنج بالملاطفة ~~والمداهنة ، والإرهاب والإرغاب إلى أن تقررت الحال على تسليمها إليهم ، ~~بحيث يؤمن كل من بها ، ويخرج من أراد الخروج من العسكرية والرعية ، بما ~~يقدرون عليه من أحوالهم ، ويقيم من أراد الإقامة. # ووقف أتابك في عسكره بإزاء الأفرنج ، وفتح باب البلد ، وأذن للناس في ~~الخروج ، فحمل كل منهم ما خف عليه ، وأطاق حمله ، وترك ما ثقل عليه ms227 ، وهم ~~يخرجون بين الصفين ، وليس أحد من الأفرنج يعرض لأحد منهم ، بحيث خرج كافة ~~العسكرية والرعية ، ولم يبق منهم إلا ضعيف (115 ظ) لا يطيق الخروج ، فوصل ~~بعضهم إلى دمشق ، وتفرقوا في البلاد ، وذلك في اليوم الثالث والعشرين من ~~جمادى الأولى سنة ثماني عشرة وخمسمائة. # وفيها ورد الخبر باجتماع الأفرنج من أعمالهم ، ونزولهم على حلب ، وشروعهم ~~في قتال من بها ، والمضايقة ، وتمادى الأمر في ذلك إلى أن قلت الأقوات فيها ~~، وأشرف على الهلاك أهلها ، فلما ضاق بهم الأمر ، وعدم PageV01P344 # الصبر راسلوا الأمير سيف الدين (أق) سنقر البرسقي ، صاحب الموصل بشكوى ~~أحوالهم ، وشرح ما نزل بهم ، والسؤال له في إنجادهم على الأفرنج ، وإنقاذهم ~~من أيدي الكافرين ، فضاق لذلك صدره ، وتوزع سره ، وتأهب في الحال للمصير ~~إليهم ، وصرف الاهتمام إلى الذب عنهم. # فلما وصل إليهم في ذي الحجة من السنة ، وعرف الأفرنج خبره ، وحصوله قريبا ~~منهم ، وما هو عليه من القوة وشدة الشوكة ، أجفلوا مولين ، ورحلوا منهزمين ~~، وتبعهم سرعان الخيول يتلقطون من يظفرون به في أعناقهم ، ولم يلو منهم ~~منهزم على متلوم ، إلى أن حصلوا بأنطاكية ، وكانوا قد ابتنوا في منزلهم ~~مساكن وبيوتا تقيهم الحر والبرد ، وأصروا على المقام ، ولطف الله تعالى ، ~~وله الحمد بأهل حلب ، وخلصهم من البلاء ، وانتاشهم من اللأواء ، وكسب آق ~~سنقر البرسقي بهذا الفعل الجميل جزيل الأجر والثناء ، ودخل حلب وأحسن ~~السيرة فيها ، وأجمل المعاملة لأهليها ، واجتهد في الحماية لها ، والمراماة ~~دونها ، بحيث صلحت أحوالها ، وعمرت أعمالها ، وأمنت سابلتها ، وتواصلت ~~الرفق إليها ببضائعها وتجارتها. # وفي شتوة هذه السنة احتبس الغيث بأرض الشام ، في كانون وكانون وأكثر شباط ~~، وتلف الزرع ، وغلا السعر ، وعم القحط أكثر البلاد الشامية ، ثم تدارك ~~الله عبيده بالرحمة ، وأنزل الغيث بعد القنوط ، فأحيا به الأرض بعد موتها ، ~~وانتاش الزراعات بعد فوتها ، وطابت النفوس ، وزال عنها الهم والبؤس ، ~~وارتفعت الأسعار في هذه السنة في حلب ودمشق وأعمالها إلى الرحبة والقلعة ~~والموصل ، وبقي إلى سنة تسع عشرة وهلك كثير من ضعفاء الناس بالجوع. ### | * سنة تسع عشرة وخمسمائة ms228 # (116 و) في هذه السنة وردت الأخبار من مصر ، بتقدم الآمر بأحكام الله ~~بالقبض على المأمون أبي عبد الله ، وأخيه المؤتمن ابني البطائحي ، PageV01P345 # غلامي الأفضل ، اللذين كانا عملا على قتله وأعانا على إتلافه ، ~~واعتقالهما في شعبان والاستيلاء على أموالهما وذخائرهما ، للأسباب التي نقم ~~بها عليهما ، والمنكرات التي اتصلت به عنهما (1). # وفيها اتصلت الأخبار من ناحية بغدوين ملك الأفرنج صاحب بيت المقدس ، ~~بالاحتشاد والتأهب والاستعداد لقصد ناحية حوران من عمل دمشق ، للعيث فيها ~~والإفساد ، وشرع في شن الغارات على الجهات القريبة من دمشق ، والمضايقة لها ~~، وقطع الطرقات على الواردين إليها ، فعند المعرفة بذاك والتحقق له ، شرع ~~ظهير الدين أتابك في الاستعداد للقائه ، والاجتماع على جهاده ، وكاتب أمراء ~~التركمان ومقدميهم وأعيانهم ، بإعلامهم صورة الحال ، ويستنجد بهم عليهم ، ~~ويبذل لهم الإحسان والإنعام ، وبرز في عسكره وقد ورد عليه خبر قربهم من ~~طبرية ، قاصدين أعمال البلد من مرج الصفر وشرخوب (2)، وخيم به ، وكاتب ~~ولاة الأطراف بإمداده بالرجالة ، واتفق وصول التركمان في ألفي فارس أولي ~~بأس شديد ، ورغبة في الجهاد ، ومسابقة إلى الكفاح والجلاد ، فاجتمع إليه ~~خلق كثير ، وكان الأفرنج حيث عرفوا نزول أتابك والعسكر بمرج صفر ، رحلوا ~~إليه ، وخيموا بإزائه ، ووقعت العين على العين ، وتطاردت طلائع الفريقين ، ~~فلما كان يوم الاثنين السابع والعشرين من ذي الحجة من السنة ، اجتمع للقضاء ~~المقضي ، والحكم النافذ من أحداث دمشق والشباب الأغرار ، ورجال الغوطة ~~والمرج والأطراف ، وأحداث الباطنية المعروفين بالشهامة والبسالة من حمص ~~وغيرها والعقبة وقصر حجاج والشاغور خلق كثير ، رجالة وخيالة بالسلاح التام ~~، والناهض مع المتطوعة والمتدينين ، وشرعوا بالمصير للحاق المصاف قبل ~~اللقاء ، وقد شاع الخبر بقوة عسكر الإسلام ، وكثرته واستظهاره على حرب ~~الأفرنج ، وشدة PageV01P346 # شوكته ، ولم يشك أحد في هلاك الأفرنج في هذا اليوم وبوارهم ، وكونهم طعمة ~~للمسلمين متسهلة ، (166 ظ) واتفق أن فرقة وافرة من عسكر التركمان ، غارت ~~على أطراف الأفرنج ونالت منهم ، واستظهرت عليهم ، وخاف الأفرنج ، وعلموا ~~أنه لا طاقة لهم بهذا الجمع ، وأيقنوا بالهلكة ، ورحلوا بأسرهم من منزلهم ~~الذي كانوا فيه ، عائدين إلى ms229 أعمالهم على غاية من الخوف والوجل ، ونهاية من ~~الذل والوهل ، ونشبت فرقة من التركمان في فريق منهم ، وهو راحلون فغنمت من ~~أثقالهم ودوابهم غنيمة وافرة ، وظفرت بالكنيسة المشهورة التي لهم في مخيمهم ~~، وطمع العسكر عند ذاك فيهم وحملوا عليهم ، وهم مولون لا يلوون على تابع ~~ولا يقفون على مقصر لاحق ، وقد شملهم الرعب وضايقوهم مضايقة ألجأتهم إلى ~~رمي نفوسهم عليهم ، إما لهم وإما عليهم ، فتجمعوا وعادوا على العسكر ~~الإسلامي ، وحملوا عليه حملتهم المعروفة ، فكسروهم وهزموهم ، وقتلوا من ~~أعقابهم من ثبطه الوجل ، وخانه الأجل ، وتم العسكر في الهزيمة على حاله ، ~~وعادوا على جميع الرجالة ، وهم العدد الكثير والجم الغفير ، وأطلقوا السيف ~~فيهم حتى أتوا عليهم ، وتتبعوا المنهزمين بالقتل حتى وصلوا إلى عقبة سحورا ~~(1) وقربوا من البلد من شرخوب مع بعد المدى والمسافة ، وصبر خيولهم. # ووصل ظهير الدين أتابك والعسكر إلى دمشق آخر نهار هذا اليوم ، وبنوا ~~الأمر بينهم على مباكرتهم في غد للإيقاع بهم ، فصادفوهم قد رحلوا عائدين ~~إلى عملهم ، خوفا مما عزم عليه من قصدهم ، وتتبعهم ، والله يحكم ما يشاء. ### | * سنة عشرين وخمسمائة # في هذه السنة ورد الخبر من ناحية الموصل باستشهاد الأمير الاصفهسلار سيف ~~الدين آق سنقر البرسقي صاحبها ، بيد الباطنية رحمه PageV01P347 # الله ، في مسجد الجامع بها في ذي القعدة منها ، وكان الذي وثب عليه جماعة ~~، قد رتبت لمراصدته ، وطلب غرته حتى حان الحين ، ونفذ الأجل ، وقد كان على ~~غاية من التيقظ لهم والتحفظ منهم بالاستكثار من السلاحية والجاندارية ~~والسلاح الشاك ، لكن القضاء النازل لا يدافع ، والقدر النافذ لا يمانع ، ~~وعليه مع هذا من (117 و) لباس الحديد ما لا تعمل فيه مواضي السيوف ، ~~ومرهفات الخناجر ، وحوله من الغلمان الأتراك والديلم والخراسانية بأنواع ~~السلاح عدد ، فلما حصل بالجامع على عادته ، لقضاء فريضة الجمعة ، والنفل ~~على رسمه ، وصادف هذه الجماعة الخبيثة في زي الصوفية ، يصلون في جنب المشهد ~~، لم يؤبه لهم ، ولا ارتيب بهم ، فلما بدأ بالصلاة ، وثبوا عليه بسكاكينهم ~~، فضربوه عدة ضربات لم تؤثر في لبس الحديد الذي عليه ms230 ، وقد غفل أصحابه عنه ~~، وانتضى سيفا كان معه وضرب أحدهم فقتله ، وصاح واحد منهم حين رأوا ~~السكاكين لا تعمل فيه شيئا : ويلكم اطلبوا رأسه وأعلاه ، وقصدوا حلقه ~~بضرباتهم فأثخنوه ، إلى حين أدركه أصحابه وحماته ، فقضي عليه ، وقتل شهيدا ~~، وقتلوا جميع من كان وثب عليه. # وقد كان هذا الأمير رحمه الله سديد الطريقة ، جميل الأفعال ، حميد الخلال ~~، مؤثرا للعدل ، والإنصاف ، كثير التدين محمود المقاصد محبا للخير وأهله ، ~~مكرما للفقهاء والصالحين ، فحزن الناس عليه ، وأسفوا لفقده على هذه الحال ، ~~ولما عرف ظهير الدين أتابك هذا ، قلق له وضاق صدره لسماعه ، وقام في الأمر ~~بعده ولده الأمير مسعود ، وهو مشهور بالنجابة والذكاء ، معروف بالشهامة ~~والعناء ، فاجتمع إليه خواص أبيه ووزيره وكتابه وسلك منهاجه المحمود ، وقصد ~~قصده المشكور ، فاستقام له الأمر ، وانتظمت على السداد والمراد أحواله. # وفي هذه السنة نهض ظهير الدين نحو تدمر ، ولم يزل حتى استعادها من أيدي ~~العاملين عليها الواثبين على ابن أخيه ، الوالي كان بها ، في يوم PageV01P348 # الخميس لإثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الآخر منها ، واستقر الأمر على ~~أن تجعل برسم الأمير شهاب الدين محمود بن تاج الملوك بوري بن ظهير الدين ~~أتابك ، وسلمت إليه وخرج إليها ومعه من رتب لحفظه وحفظها من الثقات. # وفي هذه السنة عاد ظهير الدين من حلب ، وقد بدا له من المرض ، ودخل دمشق ~~في شعبان منها ، ووصل إليه أمير الدولة كمشتكين والي بصرى من مصر بجواب ~~الرسالة التي كان نفذ لأجلها ، ومعه الأمير المنتضى (117 ظ) ابن مسافر ~~الغنوي ، رسول الآمر بأحكام الله صاحب مصر ، وعلى يده خلع سنية وتحف مصرية ~~، في الشهر المذكور. # وفي هذه السنة استفحل أمر بهرام داعي الباطنية ، وعظم خطبه في حلب والشام ~~، وهو على غاية من الاستتار والاختفاء وتغيير الزي واللباس ، بحيث يطوف ~~البلاد والمعاقل ، ولا يعرف أحد شخصه ، إلى أن حصل في دمشق بتقرير قرره نجم ~~الدين إيل غازي بن أرتق مع الأمير ظهير الدين أتابك ، وخطاب وكده بسببه ، ~~فأكرم لإتقاء شره ، وشر جماعته ، وأجملت له ms231 الرعاية ، وتأكدت به العناية ~~بعد أن تقلبت به الأحوال ، وتنقل من مكان إلى مكان ، وتبعه من جهلة الناس ، ~~وسفهاء العوام ، وسفساف الفلاحين الطغام ، من لا عقل له ، ولا ديانة فيه ، ~~احتماء به ، وطلبا للشر بحزبه ، ووافقه الوزير أبو علي طاهر بن سعد ~~المزدقاني وإن لم يكن على مذهبه على أمره ، وساعده على بث حبال شره ، ~~وإظهار خافي سره ، فلما ظهر أمره وشاع ، وطاوعه وزير ظهير الدين المذكور ، ~~ليكون عونا له على فعله ، وتقوية يده في شغله ، التمس من ظهير الدين أتابك ~~حصنا يأوي إليه ، ومعقلا يحتمي به ، ويعتمد عليه ، فسلم له ثغر بانياس في ~~ذي القعدة سنة عشرين وخمسمائة فلما حصل فيه اجتمع إليه أوباشه من : الرعاع ~~، والسفهاء والفلاحين ، والعوام ، وغوغاء الطغام ، الذين استغواهم بمحاله ~~وأباطيله ، واستمالهم PageV01P349 # بخدعه وأضاليله ، فعظمت المصيبة بهم ، وجلت المحنة بظهور أمرهم وشينهم ، ~~وضاقت صدور الفقهاء والمتدينين ، والعلماء ، وأهل السنة ، والمقدمين ، ~~و[أهل] الستر والسلامة من الأخيار المؤمنين ، وأحجم كل منهم عن الكلام فيهم ~~، والشكوى لواحد منهم ، دفعا لشرهم ، وارتقابا لدائرة السوء عليهم ، لأنهم ~~شرعوا في قتل من يعاندهم ، ومعاضدة من يؤازرهم على الضلال ، ويرافدهم بحيث ~~لا ينكر عليهم سلطان ولا وزير ، ولا يفل حد شرهم مقدم ولا أمير. # وفي هذه السنة ورد الخبر بوصول السلطان مغيث الدنيا والدين محمود ابن ~~السلطان محمد بن ملك شاه (118 و) إلى بغداد ، وجرى بينه وبين الخليفة ~~الإمام المسترشد بالله أمير المؤمنين مراسلات ومخاطبات ، أوجبت تشعيث الحال ~~بينهما ، والمنافرة من كل منهما ، وتفاقم الأمر إلى أن أوجب زحف السلطان في ~~عسكره إلى دار الخلافة ، ومحل الإمامة ، ومحاربته في قصره ، والطلبة لغلبته ~~وقهره ، ولم تزل الشحناء مستمرة ، والفتنة على غير الإيثار مستقرة ، إلى أن ~~زالت أسباب الخلف والنفار ، وعادت الحال إلى ما أنتفيت من شوائب الأكدار ، ~~بحسن سفارة الوزير جلال الدين بن صدقة ، وزير الخلافة ، وجميل وساطته ، ~~وسديد نيابته ، وعاد السلطان مع ذلك إلى المألوف من طاعته ، والمعروف من ~~مناصحته ، والتصرف على أوامر أمير المؤمنين وأمثلته وذلك في العشر الأخير ~~من ms232 ذي الحجة سنة عشرين وخمسمائة ، وقيل في أول المحرم سنة إحدى وعشرين ~~وخمسمائة (1). # وفي رجب من هذه السنة ، توفي الأمير طرخان بن محمود الشيباني ، أحد أمراء ~~دمشق بعلة حادة ، هجمت عليه ، فأردته. # وفيها قصدت الأفرنج رفنية ، وضايقوها ، واستعادوها من ملكة المسلمين. PageV01P350 ### | * سنة إحدى وعشرين وخمسمائة # فيها ورد الخبر من ناحية العراق بقتل المعين وزير السلطان سنجر بن ~~السلطان ملك شاه صاحب خراسان ، بتدبير الباطنية في شهر ربيع الآخر منها ، ~~ذكر أنه كان فتك بجماعة منهم ، ومحرضا للسلطان على النكاية فيهم ، وتطهير ~~الأرض منهم ، فرتبوا له قوما من سفهائهم للأرصاد لفرصة تلوح فيه ، وغرة ~~تظهر منه (1) فلم يتم لهم في ذلك نيل طلب ، ولا تسهل لهم إدراك أرب ، ~~فأفردوا منهم سفيها ، ولم يزل يتحيل إلى أن خدم في أسطبل دوابه ، سائسا ~~لبغاله ، وقام في خدمته إلى أن وجد الفرصة متسهلة عند حضوره لمشاهدة كراعه ~~، فوثب عليه ، وهو غافل مطمئن ، فقتله ومسك فقتل من بعده ، وكان هذا الوزير ~~موصوفا بجميل الأفعال ، وحميد الفعال ، ومتانة الدين (118 ظ) وحسن اليقين ، ~~والإنصاف في أعماله ، والتسدد في أقواله ، ومضى لحال سبيله شهيدا ، وانتقل ~~إلى ربه مرضيا حميدا عند نفاد المدة ، وانقضاء العدة ، ولله عاقبة الأمر ، ~~وبيده محتوم النفع والضر. # وقد تقدم من شرح حال الأمير سيف الدين آق سنقر البرسقي ، صاحب الموصل في ~~استشهاده بيد الباطنية في جامعها ، رحمه الله ، وقيام ولده الأمير مسعود في ~~الأمر من بعده ما فيه الكفاية ، فلما استتب أمره ، وقويت شوكته ، واستقامت ~~ولايته ، شمخ بأنفه ، ونفخت حداثة السن في سحره ، وحدثته نفسه بمنازلة ~~البلاد الشامية ، والطمع في تملك المعاقل الإسلامية ، والاطراح لمجاهدة ~~العصب الأفرنجية ، بالضد من أولي الحزامة والسداد ، وذوي البأس والبسالة في ~~إحراز فضيلة الغزو والجهاد ، ونمي الخبر عنه إلى ظهير الدين أتابك بحكايات ~~تدل على حسده له ، بما أوتي من الهيبة ، وحسن الصيت وجميل الذكر ، وكبر ~~الشأن والأمر ، وأنه عازم على التأهب والاحتشاد لقصد أعمال الشام ، والعيث PageV01P351 # فيها والإفساد ، فعزم ظهير الدين أتابك ، عند معرفته هذه الأحوال ، التي ms233 ~~لا يصدر مثلها عن أريب ، ولا يبدو شبهها عن حازم في رأيه لبيب ، على ~~الاستعداد لقصده في عسكره ، حين يدنو من الأعمال الشامية ، فيوقع بعسكره ، ~~ويشفي غليله بالفتك بحزبه ، فما كان بعد ذلك إلا الأيام القلائل حتى انفصمت ~~عرى شبابه ، ونزل محتوم القضاء به ، بهجوم مرض حاد عليه بظاهر الرحبة ، أتى ~~عليه وأصاره إلى المحتوم ، الذي لابد له عنه ، ولا مجير له منه ، فانفل حده ~~، وخذله أنصاره وجنده ، وأسلمته للقضاء حماته ، وتفرقت عنه خواصه وثقاته ، ~~وهلك في الحال وزيره وشريكه في الوزر ومشيره ، بعلة شديدة أعجلته ، في ~~إشراك المنية أوبقته ، وهرب جماعة من خواص غلمان أبيه الأتراك بأعلامه التي ~~كانت قد استعملها على مراده وإيثاره ، وتناهى في إحكامها على قضية اقتراحه ~~واختياره ، ووصلوا بها إلى ظهير الدين أتابك متحفين له بها ، ومتقربين إليه ~~بإهدائها ، فأحسن إليهم وبالغ في الإكرام لهم ، والإنعام عليهم ، واصطفاهم ~~لنفسه ، وضمهم إلى ثقاته وأهل أنسه ، وقابلهم على وفودهم عليه (119 و) ~~وبالفعل الجميل والعطاء الجزيل (1). PageV01P352 # وفي هذه السنة وردت الأخبار من ناحية العراق ، بمسير السلطان مغيث الدنيا ~~والدين محمود ، وقد عبث به مرض خاف منه على نفسه ، محمولا في محفة نحو ~~همذان ، واجتاز عند ذلك بدار الخلافة ، وراسل الإمام المسترشد بالله أمير ~~المؤمنين ، يسأله المسامحة بما سبق منه في تلك النوبة بينهما ، وأن يحلله ~~ويدعو له ، ولا يدعو عليه ، فخرج إليه جواب الرسالة بأجمل جواب ، وألطف ~~خطاب ، طابت بها نفسه وزاد في استماعها أمله في البر وأنسه ، ثم إنه أفاق ~~من مرضه هذا وعاوده نشاطه بعد الكسل والفتور وعاد إلى الغرض المأثور ، وكان ~~قد أنكر على وزيره شمس الملوك خواجه بزرك أمورا ، دعته إلى الأمر بالقبض ~~عليه ، وتسليمه إلى حاجبه فقتله ، وقيل إنه شرب الخمر في قحف رأسه. # وفي شعبان من هذه السنة قصد بغدوين ملك الأفرنج ، صاحب بيت المقدس ، في ~~عسكره وادي موسى ، فنهب أهله وسباهم وشرد بهم ، وعاد عنهم. # وفي جمادى الآخرة منها ورد الخبر بأن الأمير ختلغ آبه السلطاني ولي مدينة ~~حلب ، وحصل ms234 في قلعتها بطالع اختير له ، ولم يقم إلا القليل حتى فسد أمره ~~واضطرب حاله ، ووقع بينه وبين أحداث الحلبيين ، فحصروه في القلعة إلى أن ~~وصل إلى حلب عسكر الأمير عماد الدين أتابك فتسلمه من القلعة ، واعتقل ~~واستؤذن في أمره ، فأذن في سمل عينيه ، فسملتا. PageV01P353 ### | * سنة إثنتين وعشرين وخمسمائة # في هذه السنة اشتد المرض بظهير الدين أتابك ، وطال به طولا أنهك قوته ، ~~وأنحل جسمه ، وأضعف منته ، وأشفى منه على نزول ما لا يدفع بحيلة ، ولا يمنع ~~بقوة ، فأحضر ولده الأمير تاج الملوك ، وأمراء دولته وخواصه ، وأهل ثقته ، ~~وأعيان عسكريته ، وأعلمهم بأنه قد أحس من نفسه بانقطاع الأجل ، وفراغ المهل ~~، وخيبة الرجاء من البقاء والأمل ، «ولم يبق غير الوصية بما يعمل عليه ، ~~ويدبر به الأمر بعدي ، وينتهي إليه ، وهذا ولدي تاج الملوك بوري ، هو أكبر ~~ولدي والمترشح للانتصاب مكاني من بعدي ، والمأمول لسد ثلمة فقدي ، ولا أشك ~~في (119 ظ) سداد طريقته وإيثاره لفعل الخير ومحبته ، وأن يكون مقتفيا ~~لآثاري في حفظ قلوب الأمراء والعسكرية ، وعاملا على مثالي في إنصاف الأعيان ~~والرعية ، فإن قبل وصيتي هذه ، ونهج السبيل المرضية في بسط المعدلة والنصفة ~~، في الكافة ، وأزال بحسن سياسته عنهم أسباب الوجل والمخافة ، فذاك الظن في ~~مثله ، والمرجو من سداده ، وجميل فعله ، وإن عدل عن ذلك إلى غيره ، وحاد عن ~~ما يؤثر من السداد في سره وجهره ، فها هو مشاهد لهذه الحال ، ومتوقع لمثل ~~هذا المآل» ، فقال : بل أوفي على المراد ، ولا أتعدى سبيل السداد والرشاد ، ~~فوكد الأمر عليه في ذلك تأكيدا ، فهمه منه وقبله عنه. # ثم توفي إلى رحمة الله ، ضحى نهار السبت لثمان خلون من صفر من السنة ، ~~فأبكى العيون ، وانكأ القلوب ، وفت في الأعضاد ، وفتت الأكباد ، واشتد ~~الأسف لفقده ، والجزع عليه ، ولم يسمع إلا متفجع له ، وذاكر لجميل أفعاله ، ~~وشاكر لأيامه. # وقام ولده تاج الملوك بوري بالأمر من بعده ، وأحسن السيرة في خاصه ورعيته ~~وجنده ، فلو كانت مجاري الأقدار تدفع إليه عن ذوي المناصب والأخطار ، لكان ~~هذا الأمير السعيد الفقيد ms235 أحق من تخطأته PageV01P354 # المنايا ، ولم تلم بساحته الرزايا ، وأبقته الأيام لها رتبة تتباهى بها ، ~~وحلية تنافس بها ، إلا أن الله تعالى لا يغالب أمره ، ولا يدافع حكمه ، ~~ولابد من تمام ما سبق به علمه ، وحدوث ما تقرر نفاذه في خلقه ، لأن الموت ~~غاية الحيوان ، ونهاية ما يكون من مصير الإنسان ، وقد كان هذا الأمير ~~السعيد قد بالغ في استعمال العدل ، والكف عن الظلم ، وأعاد على جماعة من ~~الرعية أملاكا في ظاهر البلد جمة داثرة ، أغتصبت منهم في زمن الولاة ~~الظالمة ، وقبضت عنهم في زمن العتاة الجبابرة ، وجرت عليهما أحكام المقاسمة ~~وعتت الأيدي العادية الغاشمة ، فأعادها إلى خراجها القديم المستقر ، ورسمها ~~السالف المستمر ، ورفع عنها مواد الجور والعدوان ، وحسم عن مالكيها أسباب ~~التأول في كل مكان وأوان ، فأحرز بذاك صالح الدعاء ، وجميل الشكر والثناء. # ثم رفع إلى أمير المؤمنين الخليفة المسترشد بالله ، رقعة عند مصيره إلى ~~بغداد ، (120 و) ومهاجرته إلى الباب الإمامي المسترشدي ، والسلطاني الغياثي ~~، يذكر فيها حال مواضع داثرة في عمل دمشق ، وحصص عامرة ، وأرض معطلة لا ~~مالك لها ولا فائدة في عطلتها ، ولا انتفاع لخاصي ولا عامي بشيء منها ، ~~لدثورها ودروس معالمها ورسومها ، واستأذنه في بيعها ممن رغب فيها ، ويؤثر ~~عمارتها للانتفاع بريعها وغلتها ، وصرف ما يحصل من ثمنها في الأجناد ~~المرتبين للجهاد ، فأذن له في ذلك أذنا تاما ، مؤكدا إباحه له ، وأمضاه لمن ~~يملكه بالابتياع منه ، وأحله وأطلقه ، ووقع بذاك على ظهر الرقعة بالإمضاء ، ~~وإبطال التأول فيه ، والتحذر من إبطال شيء من حكمه ، أو التجاوز لرسمه ، ~~ووكد بالعلامة الشريفة الإمامية المسترشدية بخطه الكريم ، ووكل في بيع ذلك ~~من ارتضاه من ثقات الأمناء ، الوكالة الصحيحة التي قبلها منه ، وتقلدها عنه ~~وأشهد عليه الشهود المعدلين ، وأمضى البيع في ذلك لمن رغب فيه ، فعمرت عدة ~~ضياع يبابا خالية ، وعلى عروشها خاوية ، وأرض عافية لا انتفاع بها ولا PageV01P355 # فائدة لأحد بها ، فأجريت عيون مياهها ، وأعيدت إلى أجمل عاداتها ، وظهرت ~~منها الخيرات ، وعمت بذلك الميامن والبركات ، ودامت له الدولة ، ولمن بعده ~~ببركات ms236 هذه الأفعال الحميدة ، والنية الجميلة ، وحسنت لهم العقبى في الولد ~~والأسرة ، والأهل والجملة وحصل له الذكر الجميل في الآفاق والأقطار ~~والأمصار ، والثناء الطيب الحسن الآثار ، ومضى لشأنه سعيدا عزيزا حميدا ، ~~على ظهر فراشه لا يرد له أمر ، ولا يخالف له قول ولا يتجاوز له حكم ، ( ~~ ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم ) (1). PageV01P356 ### || * ذكر تاج الملوك بوري بن أتابك عند توليه الأمر بعد أبيه ظهير* الدين أتابك وأخباره وما جرى في أيامه من نوبة الباطنية والأحداث المتجددة وما جرى مع الأفرنج إلى أن مضى سبيله* شرح ذلك # لما نفذ القضاء في ظهير الدين أتابك رحمه الله ، قام ولده الأمير تاج ~~الملوك (120 ظ) بالأمر من بعده ، إذ كان نجله وولي عهده ، فعمل بما كان ~~ألقاه إليه ، واعتمد على ما وكده في وصيته عليه ، من حسن السيرة في جميع من ~~حوته دمشق من الأجناد والعسكرية ، وكافة الأتباع والرعية ، وزاد على ذلك ، ~~وبالغ في الذب عنهم والمراماة دونهم ، وجرى على منهاج أبيه في بسط المعدلة ~~، واعتماد النصفة للأجناد ، وثقل الوطأة على الأعداء والأضداد ، وإنصاف ~~المتظلمين ، وردع الظالمين ، وحماية السفار والمترددين ، والتبليغ بالنكاية ~~للمفسدين ، بحيث اجتمعت القلوب على حب دولته ، وانطلقت الألسن بالدعاء ~~الصالح بإدامة أيامه ، وإطالة مدته ، وأقر وزير أبيه أبا علي طاهر بن سعد ~~المزدقاني على وزارته ، وأجراه على رسمه في سفارته ، ولم يصرف أحدا من ~~نوابه المعروفين بخدمته عن رسمه وعادته ، ولا أزاله عن معيشته ، بل زاد في ~~أرزاقهم ، وخلع عليهم ، وأحسن إليهم ، وأقر الإقطاعات على أربابها ، ~~والجامكيات على أصحابها ، فكثر الدعاء له والثناء عليه ، وأحسن إلى وزيره ~~المقدم ذكره ، وأطلق له عشر ارتفاعه ، مع حقوق العرض عن الإقطاعات ~~والواجبات والنفقات ، وقد كان أسر في نفسه من أمر الباطنية ، ما لم يبده ~~لأحد من خواصه ، وثقات بطانته ، عند ما قويت شوكتهم ، وتضاعفت مضرتهم ، ~~اتباعا لما كان عليه أبوه من إظهار الرعاية لهم ، والمداراة لدفع شرهم ، ~~فلما مكنه الله منهم ، وأقدره عليهم ، افتتح أمره بالتدبير عليهم ، ~~والإيقاع بهم ، فكان ms237 منه في أمرهم ما سيأتي مشروحا في مكانه. PageV01P357 ### || * ذكر ما حدث من الباطنية بدمشق وأعمالها وما آلت إليه أحوالهم* من البوار وتعفية الآثار في بقية سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة * شرح الأمر والسبب في ذلك # قد تقدم من ذكر بهرام ، داعي الباطنية ، والسبب الذي أوجب تسليم ثغر ~~بانياس إليه ما فيه الكفاية ، عن تكرير الذكر له ، ولما حصل في بانياس شرع ~~في تحصينها ، وترميم ما استرم وتشعث منها ، وبث دعاته في سائر الجهات ، ~~فاستغووا خلقا كثيرا من جهال الأعمال ، وسفساف الفلاحين من الضياع ، وغوغاء ~~الرعاع ممن لا (121 و) لب له يصده عن الفساد ويردعه ، ولا تقيه تصدفه عن ~~المنكر وتمنعه ، فقوي شرهم ، وظهر بقبح الاعتقاد سرهم ، وامتدت أيديهم ~~وألسنتهم إلى الخيار من الرعية بالثلب والسب ، وإلى المنفردين في المسالك ~~بالطمع والسلب ، وأخذهم قسرا ، وتناولهم بالمكروه قهرا ، وقتل من يقتل من ~~الناس تعديا وظلما ، وأعانهم على الإيغال في هذا الضلال أبو علي طاهر بن ~~سعد المزدقاني الوزير ، معونة بالغ فيها ، وحصل له وخيم عاقبتها وذميم ~~مغبتها ، لما تقرر بينه وبين بهرام الداعي المقدم ، من المؤازرة والمعاضدة ~~والمظافرة والمرافدة ، موافقة في غير ذات الله ، ولا طاعته ، طلبا لأن تكون ~~الأيدي واحدة على من يقصدهما بمكروه ، والنيات مترادفة على من ينوي لهم شرا ~~، وتاج الملوك غير راض بذاك ، ولا مؤثر له ، بل تبعثه السياسة السديدة ، ~~والحلم الوافر ، والمعرفة الثاقبة على الاغضاء منهم على القذى ، والصبر على ~~مؤلم الأذى ، وهو يسر في نفسه ما لم يظهره ويطوي من أمرهم ما لم ينشره إلى ~~حين يجد الفرصة متسهلة المرام ، والمكنة من أعداء الله بادية الأعلام ، ~~فعند ذاك تنتهز الفرصة ، وتقتنص الفريسة ، واتفق أن بهرام الداعي ، لما ~~يريد الله تعالى من بواره ، ويحل به من هلكه ودماره ، حدثته نفسه بقتل برق ~~بن جندل أحد مقدمي وادي التيم ، لغير سبب حمله عليه ، ولا جناية دعته إليه ~~بل اغترار بعاقبة الظالمين ، في PageV01P358 # سفك الدماء المحرمة ، وإفاظة النفوس المحظورة ، وجهلا بما حذر الله تعالى ~~من يقصد ذاك ، ويقدم عليه ms238 بقوله عز وجل : ( ومن يقتل مؤمنا متعمدا ~~فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما ) (1)، ~~فخدعه إلى أن حصل في يده ، فاعتقله وقتله صبرا ، فتألم لقتل مثله ، على هذه ~~، مع حداثة سنه وشهامته وحسن صورته ، وأعلنوا بلعن قاتله في المحافل ~~والمشاهد ، وذمه من كل غائب ومشاهد ، فحملت أخاه الضحاك بن جندل ، وجماعته ~~وأسرته الحمية الإسلامية ، والحرقة الأهلية على الطلب بدمه ، والأخذ بثأره ~~، فتجمعوا وتعاهدوا ، وتحالفوا على المصابرة على لقاء أعدائهم ، والإيغال ~~في الطلب لدمائهم ، وبذل المهج والنفوس (121 ظ) في إدراك ثأرهم ، وشرعوا في ~~التأهب لهذه الحال صابرين ، وللفرصة متوقعين إلى أن ساق بهرام ولفيفه الحين ~~المتاح ، وقضى الله عليهم بالاصطلام والاجتياح ، فتجمعوا من كل ناحية ، ~~وتهافتوا من كل صوب وجهة ، وظهر بهم من بانياس في سنة اثنتين وعشرين ~~وخمسمائة وقصد ناحية وادي التيم ، للإيقاع بالمذكورين ، وكانوا مستعدين ~~للقائه ، مترقبين لحربه ، فلما أحسوا بقربه منهم ، نهضوا بأجمعهم إليه نهوض ~~الليوث من غابها للمحاماة على أشبالها ، وطاروا نحوهم مطار صقور الجبال إلى ~~يعاقيبها وأحجالها ، فحين دنوا من حزبه المفلول وحشده المخذول ، هجموا ~~عليهم وهم في مخيمهم غارون ، وبهم مغترون ، وصاح صائحهم ، وهم غافلون ، ~~وبما نزل بهم من البلاء ذاهلون ، وإلى أن يتمكن فارسهم من امتطاء جواده ، ~~وراجلهم من تناول عدته وعتاده ، أتى القتل على أكثرهم ضربا بالسيوف ووجيا ~~بخناجر الحتوف ، ورشقا بسهام البلاء ، ورجما بأحجار الأقدار والقضاء. # وكان بهرام في خيمته ، وحوله جماعة من شركائه في جهله وضلالته ، غافلا ~~عما أحاط به وبطائفته ، وقد وثبوا عند سماع الضوضاء ، والصياح PageV01P359 # إلى أخذ آلة السلاح ، فأرهقوهم بسيوفهم الماضية ، وخناجرهم المبيرة ~~القاضية ، حتى أتوا على الجميع ، وقطع رأس بهرام ويده بعد تقطيعه بالسيوف ~~والسكاكين ، وأخذهما واحد مع خاتمه من الرجال القاتلين ، ومضى بهما إلى مصر ~~مبشرا بهلاكه ، ومهنئا ببواره ، فخلع عليه وأحسن إليه ، وشاعت بذلك الأخبار ~~، وعم الكافة الجذل بملكهم ، والاستبشار ، وأخذ الناس من السرور بهذا الفتح ~~بأوفر السهام ، وأكمل الأقسام ، فقلت عدتهم ، وانقصفت شوكتهم ، وانفلت شكتهم. # وقام بعد بهرام ms239 صاحبه اسماعيل العجمي رفيقه في الضلال والعدوان ، وشريكه ~~في المحال والطغيان ، مقامه ، وأخذ في الاستغواء للسفساف مثاله ، وزاد في ~~الجهل زيادة أظهرت سخف عقله ومحاله ، وتجمع إليه بقايا الطائفة الخبيثة من ~~النواحي والأصقاع ، ومن كان منهم متفرقا في النواحي والبقاع وجرى أبو علي ~~طاهر بن سعد المزدقاني الوزير على الحال التي سلكها مع بهرام في حق اسماعيل ~~، في المساعدة على مراده (122) والمعاضدة على أغراضه ، لتحرزه من الشر ، ~~ورغبته في السلامة ، ولم يعلم أن عقبى هذه الأفعال عين الندامة ، والبعد عن ~~طريق السلامة ، فقد قيل «رب مستسلم نجت به سلامته ، ومتحرز من الشر كانت ~~فيه آفته» ولم تزل شكوى الناس من الخاصة والعامة ، تتضاعف ، والأضرار بهم ~~من المخذولين تتوالى وتترادف إلى أن صرف تاج الملوك ابن ظهير الدين أتابك ~~إلى الفتك بهم ، والاجتياح لهم همته ، وأرهف لتطهير الأعمال منهم عزيمته ، ~~ورأى أن إصلاح الأمر فيما يقتضيه التدبير ، فيما يراد ، والتقرير الإيقاع ~~بأبي علي الوزير أولا فإنه أصوب ما اعتمد ، وأولى ما قصد ، فرتب لقتله من ~~خواصه من اعتمد عليه ، وسكن في أمره إليه ، وقرر معه أن يضرب رأسه بالسيف ~~متى أشار إليه ، فلما كان يوم الأربعاء السابع عشر من شهر رمضان سنة ثلاث ~~وعشرين وخمسمائة حضر مع جماعة الأمراء والمقدمين على الرسم ، في قبة الورد PageV01P360 # من دار القلعة بدمشق ، وجرى في المجلس أمور ومخاطبات مع تاج الملوك ~~والحضور ، انتهى الأمر فيها إلى الانصراف إلى منازلهم ، والعود إلى دورهم ، ~~ونهض الوزير المذكور منصرفا بعدهم على رسمه ، فأشار تاج الملوك إلى خصمه ~~فضرب رأسه بالسيف ضربات أتت عليه ، وقطع رأسه ، وحمل مع جثته إلى رمادة باب ~~الحديد ، فألقيت عليها ينظر الكافة إلى صنع الله تعالى بمن مكر ، واتخذ ~~معينا سواه ، وبغيره انتصر ، وأحرقت جثته بعد أيام بالنار ، وصارت رمادا ~~تذروه الرياح ، ذلك بما قدمت يداه ، وما الله بظلام للعبيد (1). # وشاع الخبر بذاك في الحال ، فثارت الأحداث بدمشق ، والغوغاء والأوباش ~~بالسيوف والخناجر المجردة ، فقتلوا من ظفروا به من الباطنية وأسبابهم ، وكل ~~ما متعلق بهم ms240 ، ومنتم إليهم ، وتتبعوهم في أماكنهم ، واستخرجوهم من مكامنهم ~~، وأفنوهم جميعا تقطيعا بالسيوف ، وذبحا بالخناجر ، وجعلوا مصرعين على ~~المزابل كالجيف الملقاة ، والميتة المجتواة ، وقبض منهم نفر كثير التجأوا ~~إلى جهات يحتمون بها ، وأملوا السلامة بالشفاعة منها قهرا ، وأريقت دماؤهم ~~هدرا وأصبحت النواحي والشوارع منهم خالية ، والكلاب على أشلائهم وجيفهم ~~متهاوشة عاوية إن في (122 ظ) ذلك لآية لأولي الألباب. PageV01P361 # وكان قد أخذ في الجملة المعروف بشاذي الخادم ، تربية أبي طاهر الصائغ ~~الباطني ، الذي كان بحلب ، وهذا اللعين الخادم كان أصل البلاء والشر ، ~~فعوقب شر عقوبة ، شفت قلوب كثير من المؤمنين ، وصلب ومعه نفر منهم على ~~شرفات سور دمشق ، ليشاهد فعل الله بالظالمين ونكاله بالكافرين ، وكان ~~الحاجب يوسف بن فيروز شحنة البلد ، ورئيسه الوجيه ثقة الملك أبو الذواد ~~مفرج بن الحسن الصوفي ، قد بالغا في التحريض على هلاك هذه الطائفة الخبيثة ~~، فأخذا في التحرز والاحتياط من اغتيال من يندب إليهما من باطنية ألموت (1) ~~مقر الباطنية ، بلبس الحديد والاستكثار من الحفظة حولهما ، بالسلاح الوافر ~~العتيد ، فحصل الشقاء لمن أساء وكفر ، والسعادة لمن أحسن واعتبر. # وأما اسماعيل الداعي المقيم ببانياس ، ومن معه فإنهم لما سمعوا ما حدث من ~~هذه الكائنة سقط في أيديهم ، وانخذلوا وذلوا ، وأقبل بعضهم على بعض ~~يتلاومون ، وتفرق شملهم في البلاد وعلم اسماعيل أن البلاء محيط به إن أقام ~~ببانياس ، ولم يكن له صبر على الثبات ، فأنفذ إلى الأفرنج يبذل لهم تسليم ~~بانياس إليهم ، ليأمن بهم ، فسلمها إليهم ، وحصل هو وجماعته في أيديهم ، ~~فتسللوا من بانياس إلى الأعمال الأفرنجية على غاية من الذلة ، ونهاية من ~~القلة ، وعرض لإسماعيل علة الذرب ، فهلك بها ، وقبر في بانياس في أوائل سنة ~~أربع وعشرين وخمسمائة ، فخلت منهم تلك الناحية ، وتطهرت من رجسهم. # وفي سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة ورد الخبر من بغداد بوفاة الوزير جلال ~~الدين أبي علي الحسن بن علي بن صدقة ، وزير الخليفة رحمه الله ، في جمادى ~~الآخرة منها ، وكان حسن السيرة ، محمود الطريقة ، كاتبا فاضلا ، بليغا ~~محبوبا من الخاصة والعامة ، سديد الرأي ، حميد ms241 التدبير ، صادق PageV01P362 # العزم ، صافي الحس ، كريم النفس ، فكثر الأسف عليه ، والتوجع لفقده ، ~~واستوزر بعده نقيب النقباء شرف الدين أبو القاسم علي بن طراد الزينبي ، في ~~جمادى الأولى منها ، وهو من جلالة القدر ، وشرف الأصل ، ونباهة الذكر ، ~~والمنزلة المشهورة ، والرتبة المعروفة ، والمكان المشتهر. # وفي جمادى الأولى سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة ، توفيت الخاتون ، شرف ~~النساء ، والدة تاج الملوك رضياللهعنها (123 و) وقبرت في قبتها المبنية ~~برسمها ، خارج باب الفراديس. ### | * سنة ثلاث وعشرين وخمسمائة # قد مضى ذكر نوبة الباطنية وغيرهم ، لما اقتضى سوق الكلام فيه في سنة ~~اثنتين وثلاث ، ولما انتهى إلى الأفرنج خبر الكائنة في الباطنية ، وانتقال ~~بانياس عنهم ، إليهم ، أحدث ذلك لهم طمعا في دمشق وأعمالها ، وأكثروا ~~الحديث في قصدها ، وبثوا رسلهم إلى الأعمال في جمع الرجال والاحتشاد ، ~~فاجتمع إليهم سائر من حوته بلادهم ، من : الرها ، وأنطاكية ، وطرابلس ، ~~والساحل ، ووصلهم في البحر ملك كند ، هو الذي (1) قام مقام بغدوين الهالك ~~في الأفرنج ، ومعه خلق كثير ، فاجتمعوا ونزلوا على بانياس ، وخيموا عليها ، ~~وشرعوا في تحصيل المير والأزواد للإقامة ، وتواترت الحكايات عنهم ، ممن ~~شاهدهم وأحصى عددهم ، أنهم يزيدون على ستين ألفا فارسا وراجلا ، وأكثرهم ~~الرجالة. # فلما عرف تاج الملوك ذلك من عزمهم ، تأهب لهذا الأمر وصرف همه إلى ~~الاستكثار من العدد والسلاح ، وآلة الحرب ، وما يحتاج إليه من الآلات التي ~~يحتاج إليها لتذليل كل صعب ، وكاتب أمراء التركمان على أيدي رسله المندوبين ~~إليهم بالاستنجاد والاستغاثة بهم ، وبذل من المال PageV01P363 # والغلال ما بعثهم على المبادرة إلى إجابة ندائه ، والسرعة إلى دعائه ، ~~ووصل إليه من طوائفهم المختلفة الأجناس ، كل ذي بسالة ، وشدة مراس ، راغبين ~~في أداء فريضة الجهاد ، ومسارعين إلى الكفرة الأضداد ، وأطلق ما يحتاجون ~~إليه لقوتهم ، وقضيم خيولهم. # ورحل الملاعين عن بانياس طالبين دمشق ، على أناة وترتيب ، ونزلوا على جسر ~~الخشب والميدان المعروف المجاور له في (1).... من ذي القعدة سنة ثلاث ~~وعشرين وخمسمائة ، وخيموا هناك وأصبح العسكر ، خرج من دمشق وانضم إليه ~~التركمان من منازلهم حول البلد ، والأمير مرى بن ربيعة في العرب الواصلين ms242 ~~معه ، وتفرقوا كراديس في عدة جهات ، ووقفوا بإزائهم لتخرج منهم فرقة ~~فيسارعوا إليها ، ويزحفوا فيبادروا إلى لقائهم ، فلم يخرج منهم فارس ، ولا ~~ظهر راجل ، بل ضموا أطرافهم ، ولزموا مخيمهم وأقام الناس على هذه الصورة ~~أياما (123 ظ) يتوقعون زحفهم إلى البلد ، فلا يشاهد منهم إلا تجمعهم ~~وإطافتهم حول مخيمهم ، وبريق بيضهم وسلاحهم ، وكشف خبرهم وما الذي أوجب ~~تأخرهم عن الزحف وتلومهم ، فقيل إنهم قد جردوا أبطال خيلهم وشجعان رجالهم ~~للمصير مع البغال إلى حوران ، لجمع المير والغلال ، التي يستعان بمثلها على ~~الإقامة والنزال ، وأنهم لا حركة لهم ، ولا قوة بهم ، إلى عودة المذكورين. # فلما عرف تاج الملوك هذه الحال ، بادر بتجريد الأبطال من الأتراك ~~الدمشقيين ، والتركمان الواصلين ، والعرب القادمين مع الأمير مرى ، وأضاف ~~إليهم الأمير سيف الدولة سوار في عسكر حماة ، وقرر معهم نهوضهم آخر يومهم ، ~~والجد في السير عامة الليل ، ووصلوهم عند PageV01P364 # الصباح إلى ناحية براق (1)، لأن تقدير وصول الملاعين عند عودهم من حوران ~~إلى ذلك المكان ، فسارعوا إلى العمل بما مثل لهم ، وأصبحوا في ذلك المكان ، ~~وهم على غاية من الكثرة والمنعة ، ومعهم سواد عسكرهم بأسره ، في عدد لا ~~يحصى كثرة ، فهجموا عليهم فلم يتكامل ركوبهم إلا وقد قتل منهم جماعة ~~بالنشاب ، وضربوا مصافا ، ووقفوا قطعة واحدة ، وحمل عليهم المسلمون ، ~~فثبتوا ، ولم يزل عسكر الإسلام يكر عليهم ويفتك بهم ، إلى أن فشلوا ~~وانخذلوا ، وأيقنوا بالبوار ، وحلول الدمار ، وولى كليام (2) دبور مقدمهم ~~وشجاعهم في فريق من الخيالة منهزمين ، وحمل الأتراك والعرب حملة هائلة ، ~~وأحدقوا بهم ضربا بالسيوف ، وطعنا بالرماح ورشقا بالسهام ، فما كان إلا بعض ~~النهار ، حتى صاروا على وجه الأرض مصرعين ، وبين أرجل الخيل معفرين ، ~~وغنموا منهم الغنيمة التي امتلأت أيديهم بها ، من : الكراع ، والسلاح ، ~~والأسرى ، والغلمان ، وأنواع البغال ، وهو شيء لا يحصر فيذكر ، ولا يحد ~~فيعد ، ولم يسلم منهم إلى معسكرهم إلا القليل من الخيالة ، الذين نجت بهم ~~سوابقهم المضمرة ، وعاد الأتراك والعرب إلى دمشق ظافرين غانمين منصورين ~~مسرورين ، آخر نهار ذلك اليوم المذكور ، فابتهج الناس بهذا ms243 اليوم السعيد ، ~~والنصر الحميد ، وقويت به النفوس ، وانشرحت به الصدور ، وعزم العسكر على ~~مباكرتهم بالزحف إلى مخيمهم ، عند تكامل PageV01P365 # وصوله (124 و) وتسرع إليهم جماعة من الخيل وافرة ، وهم ينظرون إلى كثرة ~~النار ، وارتفاع الدخان ، وهم يظنون أنهم مقيمون ، فلما دنوا من المنزل ~~صادفوهم ، وقد رحلوا آخر تلك الليلة ، عند ما جاءهم الخبر ، وقد أحرقوا ~~أثقالهم وآلاتهم ، وعددهم وسلاحهم ، إذ لم يبق لهم ظهر يحملون عليه ، عند ~~ما عرفوه من حقيقة الأمر ، الذي لا يمكن معه المقام ، مع معرفتهم بكثرة ~~عسكر الأتراك ، ولا طاقة لهم به ، ولم يتمالكوا أن رحلوا لا يلوون على ~~منقطع ، ولا يقفون على مقصر ، وخرجوا إلى منزلهم فغنموا منه الشيء الكثير ~~من أثاثهم وزادهم ، وصادفوا جماعة من الجرحى في الوقعة ، قد هلكوا مع ~~وصولهم ، ودفنوا في أماكنهم ، وخيولهم مصرعة من الجراح والكد ، ولحق ~~أواخرهم العسكر ، فقتلوا جماعة من المنقطعين ، وأغذوا سيرهم في هزيمتهم ~~خوفا من لحاق المسلمين لهم ، وأمن الناس وخرجوا إلى ضياعهم ، وانتشروا في ~~أماكنهم ومعايشهم ، وانفرجت عنهم الكربة ، وانكشفت الغمة ، وجاءهم من لطف ~~الله تعالى وجميل صنعه ما لم يكن في حساب ، ولا خطر في بال ، فلله الحمد ~~والشكر على هذه النعمة السابغة ، والموهبة الكاملة ، حمدا يستديم جزيل نعمه ~~، ويستمد المزيد من منائحه وقسمه. # وعاد التركمان إلى أماكنهم بالغنائم الوافرة ، والخلع الفاخرة ، وتفرق ~~جمع الكفرة إلى معاقلهم ، على أقبح صفة من المذلة ، وعدم الكراع ، وذهاب ~~الأثقال ، وفقد أبطال الرجال ، وسكنت القلوب بعد الوجل ، وأمنت بعد الخوف ~~والوهل ، وأيقنت النفوس بأن الكفرة لا يكاد يجتمع لهم بعد هذه الكائنة شمل ~~، بعد فناء أبطالهم ، واجتياح رجالهم ، وذهاب أثقالهم. ### | * سنة أربع وعشرين وخمسمائة # في المحرم أول هذه السنة ، توفي الشيخ الأمين ، جمال الأمناء ، أبو محمد ~~هبة الله بن أحمد الأكفاني ، رحمه الله ، وكان موصوفا بالكفاية ، PageV01P366 # والأمانة معروفا بالصيانة والديانة ، ولم يقم من الشهود بعده مثله ، في ~~الذكاء والأمانة والغناء. # لما خلا ديوان الوزارة بدمشق ، بعد قتل أبي طاهر المزدقاني الوزير من ~~عارف ينظم حساباته ، ويسدد أمور معاملاته ms244 ، وارتاد تاج الملوك كافيا يرد ~~الأمر في ذلك (124 و) إليه ، ويعتمد فيه عليه ، ويسكن إلى نهضته في تهذيب ~~أحواله ، وترتيب أعماله ، وحفظ أبواب ماله ، فلم يتسهل له بلوغ المقصود ، ~~ولا تيسر لارتياده نيل الغرض المنشود ، فوقع تعويله على الرئيس الوجيه ثقة ~~الملك أبي الذواد المفرج بن الحسن الصوفي ، رئيس دمشق ، فرد الأمر في ذلك ~~إليه ، وقلده منصب الوزارة ، واعتمد فيه عليه ، ووجده أكفى من وقعت إليه ~~الإشارة من كتابه ومتصرفيه ، وإن كان ضعيف الصناعة في الكتابة ، خفيف ~~البضاعة من البلاغة ، فإن رأيه سديد ، ومذهبه في التنزه والأمانة حميد ، ~~وله معرفة بسياسة المعاملين في المعاملات ، ويد في الحل ، والضبط في ~~استدعاء الحسبانات ، وحفظ الإخراجات ، ولم يجد له محيدا عنه ، ولا بدلا منه ~~، فقلده هذا المنصب ، واثقا بحسن سفارته ، ومرضي مؤازرته ، وخلع عليه ، ~~وزاد في إحسانه إليه ، وأجلسه مجلسه من الديوان ، تأكيدا لأمره ، ورفعا ~~لقدره ، فأحسن السياسة ، وسدد أحوال الرئاسة ، واستعمل العدل في أعماله ~~والإنصاف لمعاملته ، وعماله ، ونظر في الأعمال ، واعتمد على الكفاة الثقات ~~من العمال ، وجرت الأحوال في ذلك على السداد ، واطردت على الاستقامة أحسن إطراد. # (و) في هذه السنة ورد الخبر بوصول الأمير عماد الدين أتابك زنكي ابن أق ~~سنقر ، صاحب الموصل إلى حلب في عسكره ، عازما على الجهاد ، وأرسل تاج ~~الملوك بوري بن ظهير الدين أتابك ، يلتمس منه المعونة ، والإسعاد على ~~محاربة الأفرنج الأضداد ، وترددت الرسل بينهما في ذلك إلى أن أجاب إلى ~~المراد ، وأنفذ إليه من استحلفه على المصافاة والوداد ، وتوثق منه على ~~الوفاء وجميل الاعتقاد ، وأكد الأمر في هذه الحالة تأكيدا ، PageV01P367 # سكن إليه ووثق به ، واعتمد عليه ، وبادر بتجريد وجوه عسكره في خمسمائة ~~فارس ، وكتب إلى ولده بهاء الدين سونج بحماة يأمره بالخروج في عسكره ، ~~والاختلاط بالعسكر الدمشقي ، ومقدمه الأمير شمس الأمراء الخواص ، وعدة من ~~الأمراء والمقدمين (125 و)، فامتثل الأمر ، وخرج من حماة في رجاله وتجمله ~~، وتوجهوا جميعا إلى مخيم عماد الدين أتابك ، فأحسن لقاءهم ، وبالغ في ~~الإكرام لهم ، وأغفلهم أياما ، وعمل عليهم ، وغدر بهم ms245 وقبض على سونج ولد ~~تاج الملوك ، وعلى جماعة المقدمين ، ونهب خيامهم وأثقالهم ، وكراعهم ، فهرب ~~منهم من هرب ، واعتقل الباقين ، وحملهم إلى حلب وأمر بحفظهم فيها. # وزحف من يومه إلى حماة ، وهي خالية من الرجال الحماة ، فملكها واستولى ~~على ما فيها ، ورحل عنها إلى حمص ، وكان صاحبها خيرخان ابن قراجة معه ، ~~بعسكره ، ومناصح في خدمته ، وعامل بطاعته ، وكان المعين له ، والمحرض على ~~الغدر بسونج ، وقبضه ، فحين نزل عليها غدر بخير خان صاحبها واعتقله ، ونهب ~~خيامه وأثقاله ، وتوثق منه ، وطلب تسليم حمص إليه ، فراسل نوابه فيها ، ~~وولده بذاك ، فلم يلتفتوا إلى مقاله ، ولا وقعت منهم إجابة إلى سؤاله ، ~~فأقام عليهم مدة طويلة ، يبالغ في المحاربة لأهلها ، والمضايقة لها ، فلم ~~يتهيأ له فيها مطلب ، ولا تيسر مأرب ، فرحل عنها إلى الموصل ، واستصحب معه ~~سونج بن تاج الملوك ، والمقدمين من عسكر دمشق ، وأقر الباقين في حلب ، ~~وترددت المراسلات في إطلاق المعتقلين ، فلم يفعل ، والتمس عنهم خمسين ألف ~~دينار ، أجاب تاج الملوك إلى تحصيلها ، والقيام بها. # وفي هذه السنة وردت الأخبار من ناحية مصر ، بقتل الآمر بأحكام الله ~~صاحبها ، في آخرها ، تدبيرا دبر له ، وعمل فيه عليه ، لأمور منكرة ارتكبها ~~، وأحوال قبيحة اعتمدها ، ودعت إلى قتله ، وأوجبت الفتك به ، لأنه بالغ في ~~ظلم الرعية ، وأخذ أموالهم ، واغتصاب أملاكهم ، وسفك PageV01P368 # الدماء ، وأساء السيرة ، وارتكب المحذورات ، واستحسن القبائح من ~~المحظورات ، فابتهج الخاص والعام بالحادث فيه ، والراحة منه في يوم ~~الثلاثاء الثاني من ذي القعدة سنة أربع وعشرين وخمسمائة ، وعمره أربع ~~وثلاثون سنة ، ومولده بالقاهرة سنة تسعين وأربعمائة ، وأيام دولته أربع ~~وعشرون سنة ، ونقش خاتمه «الإمام الآمر بأحكام الله أمير المؤمنين» (1)، ~~وقام بعده ابن عمه أبو الميمون عبد المجيد ابن الأمير أبي القاسم بن الإمام ~~المستنصر بالله أمير المؤمنين ، وأخذت له البيعة على الرسم (125 ظ) فيها ، ~~ونعت بالحافظ لدين الله ، أمير المؤمنين ، فاستقام له الأمر ، واستتب برأيه ~~التدبير (2) وقلد الأمر أبا علي ، أحمد بن الأفضل أمير الجيوش ، وزارة ~~الدولة ، وتدبير المملكة ، فساس الكافة أعدل سياسة ، ودبر الأعمال ms246 أجمل ~~تدبير ، وجرى على منهاج أبيه الأفضل ، رحمه الله في حب العدل وإيثاره ، ~~واجتواء (3) الجور وإخماد ناره ، وأعاد على التناء والتجار ما اغتصب من ~~أموالهم ، وقبض من أملاكهم ، وأمن البر التقي ، وأخاف المفسد الشقي ، وبالغ ~~في ذلك مبالغة أحرز بها شكر القريب والبعيد ، وحاز بها أجر الموفق السعيد. # ولم يزل على المذهب الحميد مواظبا ، ولهذا المنهاج السديد مداوما إلى أن ~~نجم له من مقدمي الدولة ، حسدة حسدوه على ما ألهمه الله من أفعال الخيرات ، ~~واقتناء الصالحات ، تجمعوا على إفساد أحواله ، ولفقوا PageV01P369 # المحال في الطعن في أعماله ، وسعوا في العمل بأنواع من الكذب جمعوها ، ~~وألفاظ من الباطل نمقوها ، وقرر ذلك مع العسكرية دون الأعيان ، والأماثل من ~~الرعية ، وأغفل إلى أن وجدت الفرصة فيه مستهلة ، والغرة منه بادية ، وحصل ~~في جانب من الميدان خاليا من العدة والعدة والأعوان ، والنجدة ، لا يشعر ~~بما قد رتب له ، ودبر عليه ، فوثبوا عليه ، وقتلوه رحمه الله ، وانفرد به ، ~~وأدركه أصحابه ، وقد قضى ، فقتلوا الجناة ، وحملوه إلى تربته فدفنوه بها (1). ### | * سنة خمس وعشرين وخمسمائة # في هذه السنة انتهى إلى تاج الملوك ، عن الرئيس المقلد أمر الوزارة محال ~~غير قلبه عليه ، وقدح في منزلته ، وأفسد ما كان جميلا فيه من رأيه ، وأمر ~~باعتقاله مع بعض أقاربه اعتقالا جميلا ، وعزله عن الوزارة والرئاسة ، في ~~شهر ربيع الأول منها ، وعول في تقليد مكان الوزارة على كريم الملك أبي ~~الفضل أحمد بن عبد الرزاق المزدقاني ، ابن عم الوزير أبي علي المزدقاني ~~المقدم ذكره ، فرد الأمر في ذلك إليه ، وعول في الوزارة والسفارة عليه ، ~~واستقام له الأمر ، ومشت الأحوال به ، واستبشر أكثر PageV01P370 # المتصرفين والعمال ، لأنه كان حسن الطريقة ، قد تهذب في النيابة عن ~~الوزارة في الديوان ، وعرف سياسة (126 و) الأعمال في كل عصر وأوان ، فصيح ~~اللسان بالفارسية والعربية ، ولم يزل مستمر الأمر إلى أن حدث ما تغيرت به ~~حاله ، لأن الباطنية لما جرى عليهم ما قضاه الله من البوار ، وأحله بهم من ~~الهلاك والدمار ، انتهى خبر ذاك إلى رفقائهم بألموت ، فأسفوا ms247 عليهم ، ~~وقلقوا لما نزل بهم ، وشرعوا في بث حبائل شرهم ، ونصب أشراك خترهم ومكرهم ، ~~وندبوا لتاج الملوك من يغتاله ، ويوقع به من جهال أخوانهم ، وفتاك أقرانهم ~~، ووقع اختيارهم على جاهلين من الخراسانية قرروا معهما التحيل في أمر تاج ~~الملوك ، والطلب له ، والفتك به ، في داره ، عند إمكان الفرصة فيه ، ووصل ~~هذان الرجلان إلى دمشق في زي الأتراك بالقباء والشربوش ، وحضرا إلى معارف ~~لهما من الأتراك ، وسألوهما الوساطة في اسخدامهما ، وتقرير الواجب لهما ، ~~وخدعاهم ، ولم يرتابوا بهما ، وتدرجا بالحيلة والمكر إلى أن صاروا في ~~الجملة من الخراسانية المرتبين لحفظ ركاب تاج الملوك ، وتمكنا ، وسكنت ~~القلوب إليهما لأنهما ضمنا ، ورقبا الفرصة في تاج الملوك إلى أن دخل الحمام ~~، وعاد منه ، ووصل إلى باب داره من القلعة بدمشق ، وتفرق عنه من كان في ~~ركابه من الخراسانية ، والديلم ، والأحداث ، الحفظة له ، فوثبا عليه في يوم ~~الخميس لخمس خلون من جمادى الآخرة سنة خمس وعشرين وخمسمائة ، وضربه أحدهما ~~بالسيف طالبا لرأسه ، فجرحه في رقبته جرحا لم يتمكن منه ، وضربه بسكين عند ~~خاصرته نفذت بين اللحم والجلد ، ورمى بنفسه في الحال عن فرسه سليما ، ~~وتكاثرت الرجال عليهما ، فقطعوهما بالسيوف ، وأحضر أهل الخبرة بمداواة ~~الجراح من الأطباء والجراحيين ، وعولجا فبرأ إحدهما الذي عند الرأس ، وتنسر ~~الذي في الخاصرة ، وصلحت الحال في ذلك ، وركب وأقام مدة يحضر مجلسه الخواص ~~والعسكرية والأجناد ، للسلام والشراب على الرسم المعتاد. PageV01P371 # وفيها ورد الخبر من بغداد بوفاة السلطان مغيث الدنيا والدين محمود ابن ~~السلطان غياث الدنيا والدين محمد بن ملك شاه بن ألب أرسلان رحمه الله في ~~شوال سنة خمس وعشرين وخمسمائة ، بمرض حدث به ، كان معه نفاذ أجله ، وفراغ ~~مهله ، وتقررت السلطنة بعده لأخيه السلطان أبي الفتح مسعود بن محمد (126 ظ) ~~بن ملك شاه بن ألب أرسلان ، وتكون ولاية العهد من بعده لابنه داود بن محمود ~~، ثم لأخيه السلطان طغرل بن محمد ، وسيأتي ذكر كل واحد منهم في موضعه. # وفيها ورد الخبر من حلة مكتوم بن حسان بن مسمار (1) بأن الأمير ms248 دبيس بن ~~صدفة بن مزيد اجتاز بالحلة ، وكان قد انهزم من العراق في خواص أصحابه ~~وغلمانه خوفا من الخليفة المسترشد بالله أمير المؤمنين ، وضل في الطريق ، ~~ولم يكن معه دليل عارف بالمسالك والمناهل ، وكان قصده حلة مرى بن ربيعة ، ~~فهلك أكثر من كان معه ، وتفرق أصحابه بعد موت من مات بالعطش وقد حصل في ~~الحلة كالمنقطع الوحيد ، في نفر يسير من أصحابه ، فأنهض تاج الملوك ، فرقة ~~من الخيل نحوه ، لإحضاره فأحضرته إلى القلعة بدمشق في ليلة يوم الاثنين ، ~~لست خلون من شعبان سنة خمس وعشرين وخمسمائة فتقدم تاج الملوك بإنزاله في ~~دار القلعة ، وإكرامه واحترامه ، والتنوق في شرابه وطعامه ، وحمل إليه من ~~الملبوس والمفروض ما يقتضيه محله الرفيع ، ومكانه المكين الوجيه ، واعتقله ~~اعتقال كرامة ، لا اعتقال إهانة ، وأنهى الحال في ذلك إلى الدار العزيزة ~~الإمامية المسترشدية ، فورد الجواب إليه بالتوثق منه ، والاحتياط عليه ، ~~إلى حين يصل إليه من يتسلمه ، ويحمله إلى بغداد. # ولما عرف عماد الدين أتابك زنكي صاحب الموصل هذه الحال ، نفذ رسولا إلى ~~تاج الملوك ، يلتمس منه تسليمه ، ويكون الجزاء عنه الخمسين PageV01P372 # الألف الدينار المقررة على ولده سونج ، وبقية العسكر الدمشقي المعتقلين ~~فأجابه تاج الملوك إلى ذلك ، وتقرر الشرط عليه ، وأن يصل عسكره إلى ناحية ~~قارا ، ومعه المعتقلون ، ويخرج الأمير دبيس مع عسكر دمشق ، إلى هناك ، فإذا ~~تسلم المعتقلين سلموا دبيسا إلى أصحابه ، فتوجهوا به من دمشق ، ووصلوا به ~~إلى قارا فتسلموا المعتقلين منهم ، وسلموا إليهم دبيسا في يوم الخميس ~~الثامن من ذي القعدة من السنة ، وعاد كل من العسكريين إلى مكانه ، ووصل ~~سونج إلى دمشق هو والجماعة ، فسر تاج الملوك بهم ، وزال شغل قلبه (127 و) ~~بوصولهم ، فعند ذلك خوطب تاج الملوك في الرئيس وأهله المعتقلين ، وسئل في ~~إطلاقهم ، والمن عليهم بتخلية سبيلهم ، فأجاب إلى ذلك بعد أن قرر عليه ~~مصالحة ، يقوم بها وأطلق وأعيد إلى رئاسته دون وزارته ، وخلع عليه ، وعلى ~~الوزير كمال الدين كريم الملك أبي الفضل أحمد بن عبد الرزاق المزدقاني ، في ~~مستهل رمضان ms249 من السنة. # وفي هذه السنة ورد الخبر من صرخد بوفاة واليها فخر الدولة كمشتكين الخادم ~~التاجي ، في جمادى الآخرة منها ، وكان حسن الطريقة ، جميل الذكر ، كثير ~~التدين ، مشكور المقاصد. # وفيها وصل سديد الدولة ابن الأنباري ، كاتب الخليفة ، الإمام المسترشد ~~بالله أمير المؤمنين ، رسولا منه في أمور وأسباب اقتضتها ، في آخر ذي ~~القعدة منها ، ويبعث على تسليم الأمير دبيس إلى من يحمله إلى بغداد ، وقد ~~فات الأمر فيه ، فأكرم مثواه ، وسر بمقدمه ، وأجيب عن رسائله ، وتوجه عائدا ~~بعد أن حمل إليه ما يقتضيه محله ويوجبه مكانه ، وصادفه في طريقه بناحية ~~الرحبة خيل الأمير عماد الدين ، فقبضت عليه ، ونهبت ما كان معه ، وقتلت بعض ~~غلمانه ، ولقي شدة عظيمة من الاعتقال والإعنات ، إلى أن خلص وأطلق سراحه ، ~~وعاد إلى بغداد (1). PageV01P373 # وفي يوم الخميس لثلاث ليال خلت من جمادى الآخرة منها ، جمع تاج الملوك ~~جماعة من الأمراء والمقدمين والخواص ، وأعيان الأجناد والكتاب والفقهاء ~~وأماثل الرعية ، في مجلسه ، وقال لهم : إنني قد انتهت بي الحال بسبب هذا ~~الجرح الذي قد طال ألمه ، وتعذر اندماله ، ما قد أيقنت معه الحلول بالأمر ~~المقضي الذي لا بد منه ولا مندوحة للخلق عنه ، وقد يئست من روح الحياة ، ~~واستشعرت قرب الوفاة ، وهذا ولدي أبو الفتح اسماعيل قد لاحت لي منه أمارة ~~الشهامة والنجابة ، وبانت لي فيه مخايل الكفاية واللبابة ، وهو أكبر ولدي ، ~~والمرجو لسد ثلمة فقدي ، وقد رأيت أن أجعله ولي عهدي ، والمرشح لتولي الأمر ~~بعدي ، ثقة بسداده ، وحسن تأتيه مع حداثة سنه ، وحميد اقتصاده ، فإن سلك ~~منهاج الخير ، واقتفاه ، وقصد سبيل العدل والإنصاف ، وتوخاه ، فذاك المراد ~~منه ، والمأمول فيه ، وإن عدل عن المطلوب المشار إليه ، وخالف (127 ظ) ~~الأمر المنصوص عليه ، كان المعول عليكم في تنبهه من نومته ، وإيقاظه من ~~فتور غفلته ، فإن الحازم اللبيب والسديد الأريب إذا ذكر ذكر ، وإذا نهي عن ~~المنكر أعرض عنه واقتصر ، فقالوا : الأمر أمرك الذي لا يخالف ، ولا يعدل ~~عنه ، والحكم حكمك ، الذي لا خروج لنا منه ، وطاعتنا لك في حياتك ، كطاعتنا ms250 ~~لولدك بعد وفاتك ، والله يمد لك في العمر ، ويمن عليك بالعافية الشافية ، ~~وتعجيل السلامة والبر ، فسر بمقالهم ، وشكر ما بدا منهم من الحوادث الدالة ~~على حميد خلالهم ، ثم نص في الأمر عليه ، وأشار في ولاية العهد من بعده ~~إليه ، وقرر معهم العمل بطاعته ، والانتهاء إلى إشارته ، وخلع عليه خلعا ~~سنية ، تليق بمثله ، وتضاهي شرف مثله ، وركب فيها إلى داره من القلعة بين ~~الأمراء والمقدمين PageV01P374 # والأتباع ، من : الخراسانية ، والغلمان والسلاحية والقزاغندية (1) ~~والجاووشية في اليوم المذكور ، والمحفل المحضور ، وتضاعف بذاك منهم الجذل ~~والسرور ، ومالت كافة الأصحاب إليه ، واجتمعوا عليه ، وواظبوا الخدمة له في ~~كل يوم والتسليم عليه. ### | * سنة ست وعشرين وخمسمائة # في هذه السنة ، ورد الخبر من ناحية الأفرنج بهلاك بغدوين الرويس ملك ~~الأفرنج ، صاحب بيت المقدس بعكا ، في يوم الخميس الخامس والعشرين من شهر ~~رمضان منها ، وكان شيخا قد عركه الزمان بحوادثه ، وعانى الشدائد من نوائبه ~~وكوارثه ، ووقع في أيدي المسلمين عدة دفعات أسيرا في محارباته ومصافاته ، ~~وهو يتخلص منهم ، بحيله المشهورة ، وخدعه المخبورة ، ولم يخلف بعده فيهم ~~صاحب رأي صائب ، ولا تدبير صالح ، وقام فيهم بعده الملك القومص الجديد ~~الكند انجور (2)، الواصل إليهم في البحر من بلادهم ، فلم يتسدد في رأيه ، ~~ولا أصاب في تدبيره ، فاضطربوا لفقده ، واختلفوا من بعده. # وفيها اشتد مرض الجرح بتاج الملوك ، ووقع اليأس من برئه وصلاحه ، فطال ~~الأمر به طولا ، سئم معه الحياة ، وأحب الوفاة ، وتزايد الضعف به ، والذبول ~~في جسمه ، وقوته ، وقرب أجله وخاب في الصحة أمله (128 و) وتوفي إلى رحمة ~~الله ومغفرته ، وتجاوزه ، على مضي ساعة من نهار يوم الاثنين الحادي ~~والعشرين من رجب منها ، فتألمت القلوب لمصابه ، وأفيضت الدموع للنازل به. PageV01P375 وإذا المنية أنشبت أظفارها %~% ألفيت كل تميمة لا تنفع # ولكن قضاء الله تعالى لا يغالب ، وحكمه لا يدافع ، لأن هذه الدنيا دار ~~سوء لم يدم فرح لامرىء فيها ، ولا حزن ، الأنفاس فيها محصاة معدودة ، ~~والآجال محصورة محدودة ، والليل والنهار يقطعان الأعمار ، ويفنيان المدة ، ~~وما فهم مواعظ الزمان من سكن إلى ms251 خدم الأيام ، ولقد أنشد عند فقده قول ~~الشريف الرضي : # بعدا ليومك في الزمان فإنه %~% أقذى العيون وفت في الأعضاد # لولا ما من الله من قيام نجله في الأمر من بعده ، ونصه عليه في ولاية ~~عهده ، شمس الملوك ، فأزال الروعة ، وخفف اللوعة ، فاشتغل الناس بالتهنئة ~~بالأمير الموجود عن التعزية بالشهيد المفقود ، وقد كان لتاج الملوك ~~رحمه الله من : المحاسن ، والمآثر ، والمناقب ، ما يذكر في المحافل ، وينشر ~~في الأندية والمحاضر ، ونظمت مدائحه الشعراء ، ونشرت فضائله الفصحاء ~~البلغاء ، وكان الأديب الفاضل أبو عبد الله محمد بن الخياط الشاعر الدمشقي ~~رحمه الله ، وهو طرفة شعراء الشام ، والمشهور بمحاسن الفنون من المديح وغيره ~~بينهم ، قد نظم في تاج الملوك عدة قصائد ، بالغ في تهذيبها وتحريرها ~~وتحبيكها ، فذكرت من جملة أبياتها المعربة عن صفات معاليه ، ما يستدل به ~~على استحقاقه ، ما بالغ فيه من مدح مقاصده ومساعيه ، فمن أبيات قصيدة أولها : # لقد كرم الله ابن دهر تسوده %~% وشرف يا تاج الملوك بك الدهرا ومن على هذا الزمان وأهله %~% بأروع لا يعصي الزمان له أمرا حسام أمير المؤمنين ومن يكن %~% حساما له فليقتل الخوف والفقرا إذا قلت في تاج الملوك قصيدة %~% من الشعر قالوا قد مدحت به الشعرا (1) PageV01P376 # وقال من أخرى : # ألم تك للملوك الغر تاجا %~% وللدنيا وعالمها سراجا لقد شرف الزمان بك افتخارا %~% كما سعد الأنام بك ابتهاجا مددت إلى اقتناء الحمد كفا %~% طمى بحر السماح بها وماجا وغادرت المعالي بالعوالي %~% كخيس الليث عزبه ولاجا (1) PageV01P377 ### || * ذكر أيام شمس الملوك أبي الفتح اسماعيل بن تاج الملوك بوري بن* ظهير الدين أتابك ، وشرح حاله في ابتداء أمره إلى انقضائه ، وما كان في خلال ذلك من الحوادث المتجددة ، ومعرفة تواريخها* وأوقاتها وأحوالها # لما مضى الأمير تاج الملوك بوري بن أتابك ي رحمه الله ، من هذه الدنيا ~~الفانية ، إلى الدار الباقية سعيدا حميدا شهيدا ، أقام ولده شمس الملوك أبو ~~الفتح اسماعيل مقامه في المملكة ، حسب ما كان عهد به إليه في حياته ، وأوصى ~~بما يعمل به بعد وفاته ، حسن السياسة ms252 والسيرة ، وأخلص النية في أعماله ~~والسريرة ، وبسط العدل في الرعية ، وأفاض إحسانه على كافة الأجناد ~~والعسكرية ، وأقر الإقطاعات على أربابها ، والجامكيات على أصحابها ، وزاد ~~في الواجبات ولم ينقصها ، وأقر وزير أبيه على وزارته ، ورتب العمال ~~والمتصرفين على ما كانوا عليه ، ورد أمر التقرير والتدبير إلى الحاجب يوسف ~~بن فيروز ، شحنة دمشق ، واعتمد عليه في مهمات أمره ، وسكن إليه في جهره ~~وسره ، وافتتح أمر السياسة بالنظر في أمر الرعية والمتعيشين ، بأن رفع عنهم ~~ما كان يستخرج منهم في كل سنة من أقساط الفيئة ، وأبطل رسمها ، وحظر ~~تناولها ، وأزال حكمها ، وعوض أرباب الحوالات عليها بجهات غيرها ، فكثر له ~~الدعاء ، واتصل عليه الثناء ، وذلك في رجب سنة ست وعشرين وخمسمائة ، وظهر ~~من شهامته وشدة بأسه وشجاعته وإقدامه وبسالته ومضاء عزيمته ما لم يقع في ~~وهم ، ولا خطر في بال وفهم ، وسنذكر من ذلك في أماكنه ما يقوم مقام العيان ~~دون الحكاية بالمقال. # فمن ذلك أولا افتتاحه حصن اللبوة (1) والرأس (129 و) وكانا في يدي ~~المندوبين لحفظهما من قبل تاج الملوك أبيه ، وكانا قد أقرا على رسمهما ، ~~فانتهى إلى شمس الملوك أن أخاه شمس الدولة محمد بن تاج PageV01P378 # الملوك صاحب بعلبك قد عمل عليهما ، حتى استنزلهما على حكمه من حصنيهما ~~المذكورين ، وندب لهما من رآه من ثقاته ونوابه لحفظهما ، فأنكر مثل هذا ~~الفعل عليه ، وامتعض منه ، وراسل أخاه المذكور بالمعاتبة على ما قصده ، ~~ويهجن رأيه فيما اعتمده ، ويسأله النزول عليهما (1)، وإعادتهما إلى ما ~~كانا عليه ، فامتنع من الإجابة إلى ما طلب ، والقبول لما التمس ، فأهمل ~~الأمر فيه ، وفي الحديث في معناه مدة يسيرة ، ثم نهض في العسكر وآلات الحرب ~~من دمشق ، موهما أنه يطلب ناحية الشمال في آخر ذي القعدة من السنة ، ثم عاد ~~في طريق أخرى مغربا بعد تشريقه ، فلم يشعر من بحصن اللبوة إلا وقد نزل عليه ~~، وزحف من وقته إليه بعزيمة لا تدافع ، وشدة لا تمانع ، فلما أحس من فيه ~~بالبلاء ، لما شاهده من شدة القتال ، ولم يجد له مخلصا بحال ms253 من الأحوال طلب ~~الأمان من يومه ، فأجيب إلى ما سأل ، وأسعف بما أمل ، ونزل من الحصن ، ~~وسلمه إليه ، فقرر أمره واستناب في حفظه من اعتمد على كفايته ونهضته ، ثم ~~رحل عنه عند الفراغ منه إلى حصن الرأس ، فجرى أمر من فيه على تلك القضية ~~فتسلمه ، وولاه لمن يحفظه ، ثم رحل عنه ، ونزل على بعلبك ، وقد استعد أخوه ~~، صاحبها ، واحتشد واجتمع إليه خلق كثير من فلاحي البقاع والجبال ، وغير ~~ذلك من الحرامية المفسدين ، فحصرهم فيها ، وضايقهم ، وزحف إليهم في الفارس ~~والراجل ، وخرج من بعلبك من المقاتلة جماعة ، فقتل منهم وجرح نفر كثير وعلى ~~السور أيضا. # ثم زحف بعد أيام إلى البلد البراني ، وقد حصنوه بالرجال ، فشدد عليهم ~~القتال ، وفرق العسكر عليه من عدة جهات ، فملكه وحصل العسكر فيه ، بعد أن ~~قتل وجرح الخلق الكثير ممن كان فيه ، ونصب المناجيق على البلد والحصن ، ~~وواظب الزحف إليهما والشد عليهما ، فلما عاين صاحبها شدة الأمر والاستمرار ~~على الإقامة (129 ظ) والمصابرة ، PageV01P379 # راسل في بذل الطاعة والمناصحة ، والسؤال في إقراره على ما كان عليه في ~~أيام أبيه ، فحملته عاطفة القربى على احتمال ما جرى ، والإغضاء عما سلف ، ~~وأجاب إلى ما التمس ، ونزل على إيثاره ما طلب ، وتقرر الأمر بينهما على ما ~~اقترح ، وعاد شمس الملوك في العسكر إلى دمشق ظافرا مسرورا في أوائل المحرم منها. ### | * سنة سبع وعشرين وخمسمائة # في المحرم منها وردت الأخبار من ناحية الأفرنج بوقوع الخلف بينهم ، من ~~غير عادة جارية لهم بذلك ، ونشبت المحاربة بينهم ، وقتل منهم جماعة. # وفيها صادف جماعة من التركمان صاحب زردنا (1) في خيله ، فظفروا به وقتلوه ~~، ومن معه ، واشتملوا على خيولهم وكراعهم ، وقيل إن ابن الدانشمند (2) ظفر ~~بفريق وافر خرج من القسطنطينية ، فأوقع به ، وقتل من كان فيه من الروم ~~وغيرهم. # وفي سابع عشر جمادى الآخرة غار الأمير سوار (3) من حلب في خيله على تل ~~باشر ، فخرج من فيه من أبطال الأفرنج إليه ، فقتل منهم تقدير ألف فارس ، ~~وراجل ، وحمل رؤوسهم إلى حلب. # وفي رجب منها قبض ms254 شمس الملوك على مرى بن ربيعة ، فاعتقله وعلى PageV01P380 # أسامة بن المبارك ، وصانعه على مصالحة قام بها ، وأطلقه ، وأقام مرى على ~~حاله ، وتردد فيه خطاب ، انتهى آخره إلى قتله ، وهذا مكافأة ما أسلفه من ~~قبيح الأفعال ، ومذموم الأعمال ، والظلم الذي ارتكبه في سائر الأحوال. # ولما عاد شمس الملوك من ناحية بعلبك ، بعد المقرر بينه وبين أخيه صاحبها ~~، مما تقدم ذكره وشرحه ، انتهى إليه من ناحية الإفرنج ما هم عليه من فساد ~~النية والعزم على نقض الموادعة المستقرة ، وشكا إليه بعض التجار الدمشقيين ~~أن صاحب بيروت ، قد أخذ منهم عدة أحمال كتان ، قيمتها جملة وافرة من المال ~~، فكتب إلى مقدم الأفرنج في رد ذلك على أربابه وإعادته على من هو أولى به ، ~~وترددت المكاتبات في ذلك ، فلم تسفر عن نيل مراد ، ولا نيل طلاب ، فحمله ~~الغيظ والحنق على مقابلة هذا الفعل بمثله ، وأسر ذلك في نفسه ، ولم يبده ~~لأحد من خاصته وثقات بطانته ، وصرف همه وعزمه إلى التأهب لمنازلة بانياس ~~(130 و) وانتزاعها من أيدي الملاعين المتغلبين عليها ، ونهض إليها في أواخر ~~المحرم من السنة ، ونزل عليها في يوم الأحد غرة صفر منها ، وزحف في عسكر ~~إليها ، وفيها جماعة وافرة من الخيالة والرجالة ، فارتاعوا لما أتاهم فجأة ~~، وذلوا وانخذلوا ، وقرب من سورهم بالدرق الجفتيات والخراسانيين والنقابين ~~، وترجل عن جواده ، وترجل الأتراك بأسرهم لترجله ، ورشقوا من على السور ~~بالنشاب ، فاستتروا ولم يبق أحد يظهر برأسه عليه لكثرة الرماة ، وألزق ~~الجفتيات إلى مكان من السور استرقه فنقبوه إلى أن تمكنوا منه ، ثم هجموه ، ~~وتكاثروا في البلد ، والتجأ من كان فيه من الأفرنج إلى القلعة والأبراج ، ~~وتحصنوا بها ومانعوا عن نفوسهم فيها ، وملك البلد ، وفتح بابه ، وقتل كل من ~~صودف فيه من الأفرنج وأسر ، ولما رأى من بالقلعة والأبراج من المنهزمين ما ~~نزل بهم من تملك البلد ، والقصد لهم بالقتال ، ولا ناصر لهم ، ولا ممانع ~~عنهم ، التمسوا الأمان ، فأجيبوا إليه ، ونزلوا ، فأسروا جميعا ، ونهب ما ~~كان في البلد ، وقرر فيه من الرجال الأجلاد من PageV01P381 # يحفظه ms255 ، ويذب عنه ، ورحل عنه في العسكر ، ومعه الأسرى ، ورؤوس القتلى ، ~~وحرم الوالي الذي كان به ، وأولاده والعدد الكثيرة ، ووصل إلى دمشق في يوم ~~الخميس لست ليال خلت من صفر من السنة ، وخرج الناس من البلد للقائه ، ~~ومشاهدة الأسرى في الحبال ، والرؤوس في القصب ، وهم الشيء الكثير ، والجم ~~الغفير ، فرأى الناس من ذلك ما أقر عيونهم ، وسر قلوبهم ، وشد متنهم ، ~~وابتهجوا له ، وأكثروا من شكر الله تعالى على ما سناه من هذا النصر العزيز ~~، والفتح المبين ، وشاعت الأخبار بذلك في الأفرنج ، فهالهم سماعه ، ~~وارتاعوا لحدوث مثله ، وامتلأت قلوبهم رعبا ووجلا ، وأكثروا التعجب من تسهل ~~الأمر في بانياس مع حصانتها ، وكثرة الرجال فيها في أقرب مدة ، وأسهل مرام ~~، وأسفوا على ما قتل من الخيالة الفرسان والرجالة. # وفي هذه السنة وردت الأخبار من ناحية العراق ، بوصول السلطان مسعود بن ~~السلطان محمد (1) إلى بغداد ، ونزوله في الجانب الغربي منها ، وأقام بها ~~أياما قلائل لتقرير الحال ، وكتب تذكرة بأشياء اقترحها ، والتمس إضافة ~~الشام إلى العراق (130 ظ) ووصل إليه قاضي القضاة والأعيان والأماثل ، ~~واستحلفوه على ما تضمنه المشروح المقترح في التذكرة ، وطولع بما جرى ، فخرج ~~الأمر السامي الإمامي المسترشدي بالإذن له في نزوله في دار السلطنة ، ~~وكتابة ألقابه ، وإقامة الدعوة له ، وحمل إليه ما يحتاج إلى مثله من الفرش ~~وغيره ، وخطب له آخر جمعة من المحرم ، وكتب بتقرير أمر السلطنة ، وكتابة ~~ألقابه ، وإقامة الدعوة له ، وحمل إليه ما يحتاج إلى مثله من الدار العزيزة ~~المسترشدية ، وناب الوزير شرف الدين أنوشروان بن خالد وزير الخليفة عنه ، ~~في إيصال سلامه ودعائه أحسن مناب ، وخوطب بأجمل جواب ، وأفيضت الخلع عليه في PageV01P382 # يوم الأحد لخمس خلون من شهر ربيع الأول من السنة ، وقد جلس الإمام ~~الخليفة المسترشد بالله أمير المؤمنين ، فحضر بين يديه ، وخدم كما جرت ~~العادة لمثله ، فقال له أمير المؤمنين في مبدأ خطابه : # تلق هذه النعمة بشكرك ، واتق الله تعالى في سرك وجهرك ، وكان هذا التشريف ~~: سبع دراريع مختلفات الأجناس ، والسابعة منها سوداء ، وتاجا مرصعا ، ~~وسوارين ، وطوق ms256 ذهب ، ولما جلس على الكرسي المعد له ، وقبل الأرض ، قال له ~~أمير المؤمنين : من لم يحسن سياسة نفسه ، لم يصلح لسياسة غيره ، قال الله ~~تعالى ذكره : ( فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره. ومن يعمل مثقال ذرة ~~شرا يره ) (1)، فأعاد الوزير عليه ذلك بالفارسية ، فأكثر من الدعاء له ، ~~والثناء عليه ، واستدعى أمير المؤمنين السيفين المعدين له ، فقلده بهما ، ~~واللوائين ، فعقدهما له بيده ، وسلم إليه السلطان داود بن محمود ابن أخيه ~~(2)، وأتابكه آق سنقر ، وأكد الوصية عليه في بابهما ، وإجمال الرعاية لهما ~~، واستحلفه على الوفاء بما قرره في بابهما ، وقال أمير المؤمنين : انهض وخذ ~~ما آتيتك [بقوة] (3) وكن من الشاكرين ، وتوجه السلطان مسعود بعد ذلك إلى ~~ناحية أذربيجان في أول شهر ربيع الآخر من السنة ، وقد انضم إليه (آق) سنقر ~~الأحمديلي (4) وخلق كثير من الأتراك. # ووردت الأخبار إلى بغداد بأن عسكر السلطان مسعود كسر عسكر السلطان طغرل ~~بن محمد (5) بناحية همذان في ثامن عشر رجب من PageV01P383 # السنة ، وتفرق عسكره في البلاد ، وعاد السلطان مسعود إلى (131 و) منزله ، ~~وخطب له في جامع همذان. # وفي هذه السنة عزم شمس الملوك اسماعيل بن تاج الملوك على قصد حماة ~~لمنازلتها ، واستعادتها من أيدي الغالبين عليها ، وملكتها ، وقد كان أخفى ~~هذا العزم في نفسه ، ولم يظهر عليه غيره ، وشرع في التأهب لذاك والاستعداد ~~للمصير إليها ، وقد كانت الأخبار انتهت إلى الحافظ لها بهذا الاعتزام ، ~~فبالغ في التحصين لها ، والتأهب للذب عنها ، والمراماة دونها ، وأعد لذلك ~~كل آلة يحتاج إليها ، ويعتمد عليها ، وانتهى الخبر بهذه الحال إلى شمس ~~الملوك ، فلم يحفل بهذا الأمر ولا ثبطه عنه ، بل برز في العشر الأخير من ~~شهر رمضان سنة سبع وعشرين. # ولم يبق من مقدمي أمرائه وخواصه إلا من أشار عليه بإبطال هذه الحركة ، ~~واستوقف عزمه عنها ، وهو لا يحفل بمقال ، ولم يسمع منه جواب خطاب ، وقيل له ~~: تمهل هذا إلى فراغ صوم هذه الأيام القلائل من هذا الشهر المبارك ، وتقضي ~~سنة العيد ، ويكون التوجه بعده إلى ذلك المكان ، فلم يصغ ms257 إلى أحد في هذا ~~الرأي ، ولا عمل بمشورة إنسان ، وبنى أمره على قصدها ، وأهلها غارون ، ومن ~~بها من الحماة غافلون ، لتحققهم أنه لا ينهض أحد في هذا الأيام إلا بعد ~~العيد وترفيه الجند ، ثم إنه رحل في الحال إليها ، وأغذ السير حتى نزل ~~عليها ، وهجم في يوم العيد على من فيها ، فراعهم ما أحاط من البلاء بهم ، ~~وزحف إليهم من وقته في أوفر عدة ، وأكمل عدة ، فتحصنوا بالدروب والرحال ، ~~وصبروا على الرشق بالسهام والنبال ، وعاد العسكر في ذلك اليوم ، وقد نكا ~~فيهم نكاية ظاهرة من القتل والجرح والنهب والسلب ، وباكرهم من غده في ~~الفارس والراجل ، وفرقهم حول البلد من جميع نواحيه ، ثم زحف في خواصه من ~~الغلمان الأتراك ، وجماعة وافرة من الرجالة والخيالة الفتاك ، واسترق موضعا ~~من حماة ، قصد إليه وعول في هجم البلد عليه ، وشد PageV01P384 # على من به من الحماة ، والرماة ، فاندفعوا بين يديه ، وهجم البلد نفسه من ~~ذلك المكان ، ولاذ من بها بالأمان ، وترامى إليه جماعة من حماتها مستأمنين ~~، فأمنهم ، وخلع عليهم ، وأحسن إليهم ، ونادى بالكف عنهم ، ورفع الأذية عن ~~كافتهم ، ورد ما نهب عليهم ، فخرج إليه أكثر رجال القلعة طالبين الأمان ، ~~فخلع عليهم (131 ظ) وأمنهم ، فحين رأى الوالي ذلك ، وعرف عجزه عن المصابرة ~~، طلب إيمانه فأمنه ، وسلم القلعة بما فيها إليه ، وحصلت مع البلد في يديه ~~بأسهل أمر وأسرع وقت ، فرتب لولايتها من اعتمد عليه ، وسكن في حفظها إليه ، ~~ورحل عنها وقصد شيزر ، ونزل عليها ، وأمر بالعيث والفساد في نواحيها ، ولم ~~يزل على هذه الحال ، إلى أن لوطف واستعطف بما حمل إليه ، ورحل عائدا إلى ~~دمشق ، ودخلها مسرورا ظافرا ، في ذي القعدة من السنة. # ومن اقتراحات شمس الملوك ، الدالة على قوة عزيمته ، ومضاء همته ، ومستحسن ~~ابتدائه ، ما أحدثه من البابين المستجدين ، خارج باب الحديد من القلعة ~~بدمشق : الأوسط منها وباب جسر الخندق منها ، وهو الثالث لها ، أنشأهم في ~~سنة سبع وعشرين وخمسمائة ، مع دار المسرة بالقلعة ، والحمام المحدثة من ~~شامها ، على قضية اخترعها ، وبنية اقترحها ، وصفة ms258 آثرها ، فجاءت في نهاية ~~الحسن والطيبة والتكوين والاعتدال ، وفرغ منها في أوائل سنة ثمان وعشرين ~~وخمسمائة. # وفيها [ورد] (1) الأمير المنتضى أبو الفوارس وثاب بن مسافر الغنوي ، ~~رسولا من مصر في يوم السبت لأربع بقين من ذي القعدة منها ، بجواب ما كان ~~صدر من مكاتبة شمس الملوك ، وأوصل ما صحبه من الخلع السنية ، وأسفاط الثياب ~~المصرية ، والخيل والمال ، وقرىء الكتاب الوارد على يده ، ولم يزل مقيما ~~إلى أن تسهل مسيره ، فعاد منكفئا سنة سبع وعشرين في يوم السبت لليلتين ~~بقيتا من شهر ربيع الأول منها. PageV01P385 # وفي ذي الحجة منها وردت الأخبار بوصول عسكر وافر من التركمان إلى ناحية ~~الشمال ، وأنهم غاروا على طرابلس ، وأعمالها من معاقل الأفرنج ، فظفروا ~~بخلق كثير منهم قتلا وأسرا ، وحصل لهم من الغنائم والدواب الشيء الكثير ، ~~وأن صاحب طرابلس بنص طلولا بن (1) بدران الصنجيلي خرج إليهم فيمن حشده من ~~أعماله ، ولقي عسكر التركمان فكسروه ، وأظفرهم الله بحشده المفلول ، وجمعه ~~المخذول ، وقتل أكثر رجاله وجل حماته وأبطاله ، وانهزم في نفر قليل من ~~[أصحابه إلى] (2) الحصن المعروف ببعرين (3)، فالتجأوا إليه ، وتحصنوا به ، ~~ونزل عسكر الأتراك عليه ، وأقاموا محاصرين له أياما كثيرة ، حتى نفد ما فيه ~~من القوت (132 و) والماء بحيث هلك منهم ، ومن خيلهم الأكثر ، فأعملوا ~~الحيلة ، واستغنموا الغفلة ، وانتهزوا الفرصة ، وخرجوا في تقدير عشرين ، مع ~~المقدم ، فنجوا ووصلوا إلى طرابلس ، وكاتب ملك بنص طلولا صاحبها ، ملك ~~الأفرنج بعكا يستصرخ به وبمن في أعماله ، ويبعثهم على نصرته ، فاجتمع إليه ~~من الأفرنج خلق كثير ، ونهضوا إلى التركمان لترحيلهم عن حصن بعرين ، ~~واستنقاذ من بقي فيه منهم ، فلما عرفوا عزمهم وقصدهم ، زحفوا إلى لقائهم ~~فقتلوا منهم جمعا كثيرا ، وأشرف التركمان على الظفر بهم والنكاية فيهم ، ~~لولا أنهم اندفعوا إلى ناحية رفنية ، فاتصل بهم رحيلهم عنها ، وعودهم على ~~طريق الساحل ، فشق ذلك عليهم ، وأسفوا على ما فاتهم من غنائمهم ، وتفرقوا ~~في أعمالهم. # وفي هذه السنة ، عرض لكريم الملك أبي الفضل أحمد بن عبد الرزاق ، وزير ~~شمس الملوك ، مرض حاد ، لم يزل ms259 به إلى أن توفي إلى رحمة الله في يوم الأحد ~~الحادي والعشرين من ذي الحجة منها ، فحزن له الناس وتفجعوا PageV01P386 # بوفاته ، وتأسفوا عليه لحسن طريقته ، ومشكور أفعاله ، وحميد خلاله ، وكان ~~محبا للخير متمسكا بالدين ، مواظبا على تلاوة القرآن الكريم. # وفي صفر من السنة نهض صاحب بيت المقدس ملك الأفرنج في خيله ، إلى أطراف ~~أعمال حلب ، ووصل إلى موضع يعرف بنواز (1)، فنهض إليه الأمير سوار النائب ~~في حلب في عسكر حلب ، وما انضاف إليه من التركمان ، فالتقوا وتحاربوا أياما ~~، وتطاردوا إلى أن وصلوا إلى أرض قنسرين ، فحمل الأفرنج عليهم فكسروهم كسرة ~~عظيمة ، قتلوا فيها من المسلمين تقدير مائة فارس ، فيهم جماعة من المقدمين ~~المشهورين المذكورين (2)، وقتل من الأفرنج أكثر من ذلك ، ووصل الفل إلى ~~حلب ، وتم الأفرنج إلى قنسرين ، ثم إلى المقاومة (3) ثم إلى نقرة الأحرين ~~(4) فعاود الأمير سوار النهوض إليهم من حلب في من بقي من العسكر والأتراك ~~فلقوا فريقا من الأفرنج فأوقعوا به وكسروه وقتلوا منه تقدير مائة فارس ~~فانكفأت الأفرنج هزيما نحو بلادهم وعاد المسلمون برؤوس القتلى والقلائع إلى ~~حلب فانجلت تلك الغمة بتسهل هذه النعمة ، ووصل الملك إلى أنطاكية. # وانتهى إلى (132 ظ) سوار خبر [غارة] (5) خيل الرها ، فنهض الأمير سوار ~~وحسان البعلبكي ، فأوقعوا بهم وقتلوهم عن آخرهم في بلد الشمال ، وأسروا من ~~وقع في أيديهم حيا ، وعادوا إلى حلب ظافرين سالمين ، ومعهم الأسرى والرؤوس. PageV01P387 ### | * سنة ثمان وعشرين وخمسمائة # وفي هذه السنة نهض شمس الملوك اسماعيل بن تاج الملوك في عسكره إلى شقيف ~~تيرون (1) الذي في الجبل المطل على ثغر بيروت وصيدا ، فملكه وانتزعه من يد ~~الضحاك بن جندل التيمي ، المتغلب عليه في يوم الجمعة لست بقين من المحرم منها. # وفي هذه السنة خرج شمس الملوك إلى المتصيد ، أواخر شهر ربيع الآخر ، ~~بناحية صيدنايا (2) وعسال ، فلما كان يوم الثلاثاء التاسع منه ، وقد انفرد ~~من غلمانه وخواصه ، وثب عليه أحد مماليك جده ظهير الدين أتابك ، من الأتراك ~~يعرف بايلبا ، وقد وجد منه خلوة وفرصة بالسيف وضربه ضربة هائلة ms260 يريد بها ~~قطع رأسه ، فقضى الله تعالى بالسلامة ، فانقلب السيف في يده ولم يعمل شيئا ~~، ورمى بنفسه إلى الأرض في الحال ، وضربه ثانية فوقعت في عنق الفرس ، ~~فأتلفه ، وحال بينه وبينه الفرس إلى أن تكاثر عليه الغلمان ، وتوافوا إليه ~~فانهزم وأنهض في إثره من الخيل من يقفوه ويطلبه ويتوثق منه ، وعاد إلى ~~البلد ، وقد اضطرب الأمر فيه عند إشاعة هذه الكائنة ، فسكنت النفوس بسلامته ~~، وجد المنهضون في طلبه من الخيل والغلمان ، والبحث عنه في الجبال والطرقات ~~والمسالك ، إلى أن لحقوه ، فجرح جماعة بالنشاب إلى أن أمسكوه ، فلما أحضروه ~~إلى شمس الملوك ، وقرره وسأله : ما الذي حملك على هذا الفعل؟ فقال : لم ~~أفعله إلا تقربا إلى الله تعالى بقتلك ، وراحة الناس منك ، لأنك قد ظلمت ~~المساكين والضعفاء من الناس ، والصناع والمتعيشين والفلاحين ، وامتهنت ~~العسكرية والرعية ، وذكر PageV01P388 # جماعة من الغلمان أبرياء ، أوقعهم في التهمة ، بأنهم وافقوه على هذا ، ~~فقبض عليهم وأضافهم إليه ، وقتل الجميع في الحال صبرا ، ولامه الناس على ~~ذلك [حيث قتل (1) ] هؤلاء الغلمان بقول هذا الجاني من غير بينة قامت (133 ~~و) ولا دلالة ظهرت ، ولم يكفه قتل من قتل ظلما ، حتى اتهم أخاه سونج بن تاج ~~الملوك ، فقتله ، وهو كبيره ، أشنع قتله بالجوع في بيت (2) وبالغ في هذه ~~الأفعال القبيحة ، والظلم ، ولم يقف عند حد. # وفي يوم السبت الرابع من جمادى الأولى ، من السنة ، وصل أثير الملك أبو ~~علي الحسن بن أقش رسولا من الدار العزيزة النبوية المسترشدية ، وعلى يده ~~برسم شمس الملوك التشريف الإمامي المندوب لإيصاله إليه ، وإفاضته عليه ، ~~ووردت المكاتبات على يده عن الوزير شرف الدين أبي القاسم علي بن طراد ~~النقيب الزينبي ، وزير الخليفة ، وكان معزولا عن الوزارة ، فأعيد إليها في ~~شهر ربيع الأول سنة ثمان وخمسمائة ، وصرف عنها الوزير شرف الدين أنوشروان ~~بن خالد صرفا جميلا. # وفي هذه السنة وردت الأخبار من ناحية مصر ، بالخلف الحادث بين ولدي ~~الإمام الحافظ لدين الله أبي الميمون عبد المجيد أمير المؤمنين : أبي علي ~~الحسن ولي عهد المسلمين ، وأخيه ms261 أبي تراب حيدرة ابني الحافظ ، واقتسام ~~الأجناد فرقتين إحداهما مائلة إلى مذهب السنة وأهله ، والأخرى إلى مذهب ~~الاسماعيلية وحزبه ، واستعار نار الحرب بينهما ، واستظهار حزب السنة على ~~حزب الاسماعيلية ، بحيث قتل منهم خلق كثير ، وكان أكثر القتل في الريحانية ~~السودان ، واستقام الأمر بعده لأبي علي الحسن ، وتتبع من كان ينصر مذهب ~~الاسماعيلية من المقدمين والدعاة ، ومن يجري مجراهم ، فأبادهم بالقتل ~~والتشريد ، وصلحت PageV01P389 # الأحوال ، واستقامت أمور الأعمال ، بعد الاضطراب والاختلال ، وورد كتاب ~~الحافظ لدين الله إلى شمس الملوك بهذه الحال ، في أواخر ذي الحجة من السنة ~~، بما تجدد عنده من هذه النعمة (1). # وفي ذي القعدة من السنة انتهت الأخبار إلى شمس الملوك ، من ناحية الأفرنج ~~باعتزامهم على نقض المستقر من الهدنة ، وقبيح الموادعة المستمرة ، وتأهبهم ~~للجمع والاحتشاد ، وقصد الأعمال الدمشقية بالعيث والفساد ، فحين عرف شمس ~~الملوك هذه الحال ، شرع في جمع الرجال ، واستدعى التركمان من جميع الأعمال ~~، واتصل به نهوض الأفرنج إلى ناحية حوران فبرز في (133 ظ) العسكر ، وتوجه ~~إليهم ، وخيم بإزائهم ، وشرعوا في إخراب أمهات الضياع الحورانية ، ووقع ~~التطارد بين الفريقين ، وكان الأفرنج في جمع كثيف من الخيل والرجل ، بحيث ~~حصروهم في منزلهم ، لا يخرج منهم فارس ولا راجل ، إلا رشقته السهام ، ~~واختطفه الحمام ، وأقامت المناوشة بين الفريقين عدة أيام ، ثم أغفلهم شمس ~~الملوك ، ونهض في فريق وافر من العسكر ، وهم لا يشعرون ، وقصد بلادهم : عكا ~~والناصرة وما جاورهما ، وطبرية وما والاها ، فظفر بما لا يحصى كثرة من ~~المواشي والعوامل ، والنسوان والصبيان والرجال ، وقتل من صادفه وسبى من ظهر ~~له ، وأحرق ما وجده ، وامتلأت أيدي التركمان من غنائمهم ، واتصل الخبر ~~بالأفرنج ، فانخذلوا وقلقوا وانزعجوا ، وأجفلوا في الحال من منزلهم طالبين ~~أعمالهم ، وعرف شمس الملوك ذاك ، فانكفأ إلى مخيمه على طريق الشعراء سالما ~~في نفسه وجملته ، ظافرا غانما ووصل الأفرنج إلى أعمالهم ، فشاهدوا ما حل ~~بها ونزل بأهلها من البلاء ، فساءهم ذاك وفت في أعضادهم وانفلت شكتهم ، ~~وانقضت شوكتهم ، وتفرق شملهم ، وذلوا وطلبوا تقرير الصلح بينهم ، وعاد شمس ~~الملوك إلى ms262 دمشق مسرورا في آخر ذي الحجة من السنة. PageV01P390 # وفيها وردت الأخبار باجتماع الأمير عماد الدين أتابك ، والأمير حسام ~~الدين تمرتاش بن إيل غازي بن أرتق على بلاد الأمير داود بن سكمان بن أرتق ، ~~ونهض إليهما في عسكره ، والتقى الفريقان على باب آمد ، فانهزم داود ، وانفل ~~عسكره ، وأسر بعض أولاده وقتل جماعة من أصحابه ، وذلك في يوم الجمعة سلخ ~~جمادى الآخرة ، ونزل على آمد وحصرها ، وقطع شجرها ، ولم يحصل منها على طائل ~~، فرحل عنها. # ووردت الأخبار بأن عماد الدين أتابك ، نزل على القلعة المعروفة بالصور ~~(1) وضايقها وافتتحها في رجب من السنة. # وفيها ورد الخبر من ناحية بغداد بوقوع النار في بعض محالها ، فاحترق ~~الخان المشهور بمخازن التجار ، وكثير من الأسواق ، وتلف للتجار الحاضرين ~~والغائبين من جميع الجهات ما لا يحصى من أموالهم وبضائعهم. # وفيها ورد الخبر بأن عماد الدين أتابك استوزر ضياء الدين (134 و) أبا ~~سعيد الكفرتوثي ، وهو مشهور بحسن الطريقة والكفاية ، وحب الخير والمقاصد ~~السديدة ، والمذاهب الحميدة. # وفيها وردت الأخبار من ناحية العراق بوفاة السلطان طغرل ابن السلطان محمد ~~بن ملك شاه رحمه الله . # وفيها تواصلت الأخبار من ناحية الأمير عماد الدين أتابك ، باعتزامه على ~~التأهب لقصد مدينة دمشق لمنازلتها ومحاصرتها ، وأنه منصرف الهمة إلى ~~الاستعداد لذلك (2). PageV01P391 ### | * سنة تسع وعشرين وخمسمائة # في أول من المحرم هرب الحاجب يوسف بن فيروز شحنة دمشق ، إلى تدمر خوفا من ~~شمس الملوك اسماعيل بن تاج الملوك بوري. # كان الحاجب المذكور في حياة (1) تاج الملوك متمكن الرتبة عنده ، مقبول ~~الرأي فيما يرومه ، وقد صرف همه ، ووكده إلى تطلب معقل حصين يعده لنائبه ~~تنوب ، وخطب من خطوب الزمان يتجدد ، واتفق أن الأمير شهاب الدين محمود بن ~~تاج الملوك المقيم بتدمر ، قد سئم المقام بها ، وضجر من كونه فيها ، ~~وارتاحت نفسه إلى دمشق والإقامة فيها ، وجعل يراسل أباه تاج الملوك ، ~~ويسأله نقله عنها ، ولم يزل إلى أن أجيب إلى مقترحه وأسعف بمطلبه ، فوجد ~~يوسف بن فيروز الغرض الذي يتطلبه ، قد تسهلت أسبابه ، فشرع في الحديث فيه ms263 ، ~~والخطاب بسببه ، والاستعانة بمن يعينه على ذلك من المقدمين والوجوه ، إلى ~~أن تسهل الأمر ، وأجيب إليه وعول في تولي أمر تدمر عليه ، وتسلمها وحصلت في ~~ولايته ، ورتب فيها ولده مع من وثق به في حفظها ، والذب عنها من ثقات ~~أصحابه وأمناء نوابه ، وشرع في تحصينها ورمرمتها ، ولم شعثها وشحنها بالغلة ~~والعدد ، وحصل فيها كل ما يحتاج مثلها إلى مثله ، فلما عرف من شمس الملوك ~~التنكر عليه ، وظهر له فساد نيته فيه ، وبان ذلك له من ثقات يسكن إليهم ، ~~ولا يشك فيهم ، وحمله الخوف من العاجلة له ، والإيقاع (2) به ، فهم بالهروب ~~إلى تدمر ، وترقب الفرصة في ذلك إلى أن اتفق لشمس الملوك في بعض الجهات ~~خروج ، فخرج من البلد آخر النهار ، وسره مكتوم عن الخل والجار ، وقصد ضيعته ~~لمشاهدتها ، (134 ظ) وقد استصحب خواص أصحابه وغلمانه ، ثم تم على حاله مغذا ~~في سيره ، مجدا في قصده إلى أن حصل بتدمر ، آمنا مما توقاه ، ظافرا بما ~~رجاه ، وظهر خبره PageV01P392 # في غد ذلك اليوم ، فحين عرف شمس الملوك جلية حاله ، ضاق صدره لإفلاته من ~~يده ، وتضاعف ندمه لفوات الأمر فيه ، وكاتبه بما يطيب نفسه ، ويؤنسه بعد ~~استيحاشه ، فلم يصغ إلى ذلك ، بل أجابه جواب الخاضع ، والطائع ، والعبد ~~الناصح ، والمستخدم المخلص ، ويقول : «إنني في هذا المكان خادم في حفظه ، ~~والذب عنه» ، فلما وقع اليأس ، وعلم أن المقال لا ينجع ، حنق عليه ، وذكره ~~بكل قبيح ، وأظهر ما يسره في نفسه ، ولم يعرض لشيء من ملكه وداره ، وإقطاعه ~~وأهله وأسبابه ، وتجدد بعد ذلك ما يذكر في موضعه ، وكان هروبه في ليلة ~~الجمعة لليلة خلت من المحرم سنة تسع وعشرين وخمسمائة ، من الضيعة الجارية ~~في إقطاعه ، المعروفة بالمنيحة (1) من الغوطة. # وفي هذه السنة شاعت الأخبار في دمشق بين خاصتها وعامتها ، عن صاحبها ~~الأمير شمس الملوك أبي الفتح اسماعيل بن تاج الملوك بوري ابن ظهير الدين ~~أتابك ، بتناهيه في ارتكاب القبائح المنكرات ، وإيغاله في اكتساب المآثر ~~المحظورات ، الدالة على فساد التصور والعقل ، وصداء الحس وظهور الجهل ، ~~وتبلد الفهم ms264 ، وحب الظلم ، وعدوله عما عرف فيه من مضاء العزيمة في مصالح ~~الدين ، والمسارعة إلى الجهاد في الأعداء الملحدين ، وشرع في مصادرات ~~المتصرفين ، والعمال ، وتأول المحال على المستخدمين في الأعمال ، واستخدم ~~بين يديه كرديا ، جاءه من ناحية حمص ، يعرف ببدران الكافر ، لا يعرف ~~الإسلام ، ولا قوانينه ، ولا الدين وشروطه ، ولا يرقب في مؤمن ولا ذمة ، ~~ونصبه لاستخراج مال المصادرين من المتصرفين ، والأخيار المستورين بفنون ~~قبيحة اخترعها في العقوبات ، وأنواع مستبشعة في التهديد لهم والمخاطبات ~~وظهر من شمس الملوك ، مع هذه الحال القبيحة ، والأفعال الشنيعة ، بخل زائد ~~واسفاف نفس إلى الدنايا متواصل ، بحيث لا يأنف من تناول الخسيس PageV01P393 # الحقير بالعدوان ، وأخذه من غير وجهه بالعتو والطغيان ، وأشياء من هذا ~~الباب لا حاجة إلى ذكرها لإشاعتها ، واشتهار أمرها ، بحيث أنكرت من أفعاله ~~، واستبشعت (135 و) من أمثاله ، ولم يكفه ما هو عليه من هذه الأفعال ~~الذميمة ، والخصال المكروهة ، حتى أسر في نفسه مصادرة كفاته من الكتاب ، ~~وخواصه من الأمراء والحجاب ، وعزم على الابتداء أولا بالحاجب سيف الدولة ~~يوسف بن فيروز ، أحظى من كان عند أبيه أولا ، وعنده ثانيا واشتهر عنه حتى ~~هرب إلى تدمر منه ، ورأى الغنيمة الكبرى ببعده من شره ، وراحته من نظره ، ~~وكاتب في أثناء هذا الاختلال والاضطراب الأمير عماد الدين أتابك ، حين عرف ~~اعتزامه على قصد دمشق ، لمنازلتها ومضايقتها ، والطمع في ملكتها ، يبعثه ~~على سرعة الوصول إليها ، ليسلمها إليه طائعا ، ويمكنه من الانتقام من كل من ~~يكرهه من المقدمين والأمراء والأعيان بإهلاكهم وأخذ أموالهم ، وإخراجهم من ~~منازلهم ، لأمر تصوره ، وهذيان في نفسه قرره ، وتابع الكتب إليه بالمسألة ~~في الإسراع والبدار ، وترك التلوم والانتظار ، ويقول له في أثناء هذا ~~المقال : «وان اتفق إهمال لهذا الأمر ، وإغفال أو إمهال ، أحوجت إلى ~~استدعاء الأفرنج من بلادهم ، وسلمت إليهم دمشق بما فيها ، وكان إثم دم من ~~بها في رقبته» ، وأسر ذلك في نفسه ، ولم يبده لأحد من وجوه دولته ، وأهل ~~بطانته ، وكانت كتبه بذلك ، بخط يده ، وشرع في نقل المال والأواني ، ~~والثياب من خزانته ms265 إلى حصن صرخد ، حتى حصل الجميع به ، ظنا منه أنه يفوز به ~~، ويهلك جميع الناس من بعده. # فلما بدأ هذا الأمر يظهر ، والسر فيه ينتشر ، شرع في القبض على أصحابه ~~وكتابه وعماله ، وغيرهم من أهل دمشق ، ومقدمي الضياع ، وامتعض الأمراء ~~والمقدمون ووجوه الغلمان الأتابكية ، وكافة العسكرية والرعية ، من هذا ~~الفعل ، وأشفقوا من الهلاك والبوار إن تم هذا التدبير المذموم ، لما يعلمون ~~من أفعال عماد الدين أتابك إذا ملك البلد ، فأجروا PageV01P394 # الحديث فيما بينهم سرا ، وأنهوا الحال فيه إلى والدته الخاتون صفوة الملك ~~، فقلقت لذاك ، وامتعضت منه ، واستدعته وأنكرته واستبشعته ، وحملها فعل ~~الجميل ، ودينها القويم وعقلها الرصين على النظر في هذا الأمر ، بما يحسم ~~داءه ، ويعود بصلاح دمشق ومن حوته ، وتأملت الأمر في ذلك تأمل الحازم ~~الأريب ، والمرتأي (135 ظ) المصيب ، فلم تجد لدائه دواء ، ولا لنفسه شفاء ~~إلا بالراحة منه ، وحسم أسباب الفساد المتزايد عنه ، وأشار عليها وجوه ~~الغلمان وأكابرهم بذاك واستصوبوا رأيها فيه ، وبعثوها على العاجلة له ، قبل ~~ظهور الشر ، وفوات الأمر ، وأنه لا ينفع فيه أمر ، ولا ينجع معه وعظ ، ~~فصرفت الهمة إلى مناجزته ، وارتقبت الفرصة في خلوته إلى أن تسهل الأمر ~~المطلوب ، عند خلوته من غلمانه ، وسلاحيته ، فأمرت غلمانها بقتله ، وترك ~~الإمهال له ، غير راحمة له ، ولا متألمة لفقده ، لما عرف من قبيح فعله ، ~~وفساد عقله ، وسوء سيرته ، ومذموم طريقته ، وأوعزت بإخراجه حين قتل ، ~~وإلقائه في موضع من الدار ، ليشاهده غلمانه وأصحابه ، وكل سر بمصرعه ، ~~وابتهج بالراحة منه ، وبالغ في شكر الله تعالى على ما سهله فيه ، وأكثر ~~الدعاء لها ، والثناء عليها ، وذلك ضحى نهار يوم الأربعاء الرابع عشر من ~~ربيع الآخر سنة تسع وعشرين وخمسمائة ، وقد كان مولده ليلة الخميس السابع ~~بالعدد من جمادى الآخرة سنة ست وخمسمائة في الساعة الثانية منها ، والطالع ~~برج السرطان أو المشتري فيه كمح مح والمريخ في السنبلة ، والزهرة في الخامس ~~، والعقرب والشمس في السادس من القوس ، والقمر وزحل في التاسع ، وسهم ~~السعادة في العاشر. # وقد كان المعروف ببدران الكافر ، لعنه ms266 الله في يوم الثلاثاء المتقدم ليوم ~~الأربعاء ، الذي قتل فيه ، قد راح من بين يديه بعد أن أسر إليه بشر يعمل ~~عليه ، فلما حصل في بيته وقت الظهر من يومه المذكور ، أرسل الله تعالى ذكره ~~، عليه آفة عظيمة ، أخذت بأنفاسه وربا لسانه حتى ملأ فاه ، PageV01P395 # وهلك من وقته ، وكانت الكائنة في غده فبالغ الكافة في حمد الله تعالى ، ~~وشكره على هذه الآية الباهرة ، والقدرة الظاهرة ، وواصلوا تسبيحه وتقديسه ~~وتمجيده ، فسبحان مالك الأمر ومدبر الخلق ، تعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا. # وفي الوقت نودي بشعار أخيه الأمير شهاب الدين محمود بن تاج الملوك ابن ~~أتابك ، وجلس في منصبه ، بمحضر من والدته خاتون صفوة الملك ، وحضر الأمراء ~~وأماثل الأجناد ، وأعيان الرعية ، فسلموا عليه بالإمرة ، واستحلفوا على ~~الطاعة (136 و) له ولوالدته ، والمناصحة في خدمتهما ، والنصرة لأوليائهما ، ~~والمجاهدة في أعدائهما ، وحلف كل منهم بانشراح من صدره ، وانفساح من أمله ، ~~وظهر من سرور الكافة خاصيها وعاميها ، بهذه النوبة السعيدة ، والأفعال ~~الحميدة ، ما يزيد على الوصف ، وأيقنوا بالخلاص من المكروه الذي أشرفوا ~~عليه ، واستقامت الأحوال ، وتحققت الآمال. # وتتابعت المكاتبات في أثناء ذلك ، من سائر الجهات ، بوصول عماد الدين ، ~~في عسكره ، وقطعه الفرات مجدا لتسلم دمشق ، من شمس الملوك صاحبها ، ووصلت ~~رسله لتقرير الأمر ، فصادفوا الحال بالضد ، والتدبير بالعكس ، إلا أنهم ~~أكرموا وبجلوا ، وأحسن إليهم ، وأعيدوا بأجمل جواب ، وألطف خطاب ، وأعلم ~~عماد الدين جلية الحال ، واتفاق الكلمة في حفظ الدولة والذب عن الحوزة ، ~~والبعث على إجمال الرعاية ، والعود على أحسن نية. # فلما انتهى إليه الجواب ، ووقف عليه ، لم يحفل به ، ولا أصاخ إلى استماعه ~~، فأوهمته نفسه بالطمع في ملكة دمشق ، ظنا منه بأن الخلف يقع بين الأمراء ~~والمقدمين من الغلمان ، فكان الأمر بخلاف ما ظن ، وواصل الرحيل واغذاذ ~~السير إلى أن وصل إلى ظاهر دمشق ، وخيم بأرض عذراء إلى أرض القصير ، في ~~عسكر كثيف الجمع ، عظيم السواد ، في أوائل جمادى الأولى من سنة تسع وعشرين ~~وخمسمائة ، وقد كان التأهب له مستعملا عند PageV01P396 # ورود أخبار عزيمته ، وأجفلت ms267 الضياع ، وحصل أهلها في البلد ، ووقع ~~الاستعداد لمحاربته واللقاء عند منازلته ، والاجتماع على صده ، ودفعه ، ولم ~~تزل الحال على هذه القضية ، والانتصاب بإزائه على هذه السجية ، وقد أشعرت ~~النفوس من شدة البأس ، والصبر على المراس ، للقائه والتأهب لزحفه ، ودنوه ~~من البلد ، وقربه ، وقد كان رحل عن عذراء ونزل تحت العقبة القبلية ، وكان ~~يزحف في عسكره ، وقد فرقه في عدة مواضع كالمراكب ، حتى تقرب من البلد ، ~~فيشاهد كثرة من يخرج من البلد والعسكرية ، وأحداث الرعية بالسلاح الشاك ، ~~وامتلأ المصلى وسائر الأماكن ، والكمناء في جميع المسالك ما يروعه ويصده عن ~~الزحف ، وفي كل يوم يصل من مستأمني عسكره جملة وافرة ، مع ما ينهب من ~~خيولهم ، ويقلع من فوارسهم (136 ظ) فلما طالت الأيام عليه ، ولم يحصل على ~~طائل مما حاول ، ولا مرام ، راسل في طلب الصلح ، والدخول في طاعته ، والتمس ~~خروج الأمير شهاب الدين محمود بن تاج الملوك إليه لوطء بساط ولد السلطان ~~الواصل معه ، ويخلع عليه ، ويعيده إلى بلده ، وأجمل الخطاب في ذلك والوعد ، ~~فلم يجب إلى خروج شهاب الدين ، وتقررت الحال على خروج أخيه تاج الملوك ~~بهرام شاه بن تاج الملوك ، ووافق ذلك وصول الرئيس بشر بن كريم بن بشر ، ~~رسولا من الإمام المسترشد بالله أمير المؤمنين إلى عماد الدين أتابك ، بخلع ~~أعدت له ، والأمر بالرحيل عن دمشق ، وترك التعرض لها ، والوصول إلى العراق ~~لتولي أمره ، والتدبير له ، وأن يخطب للسلطان ألب أرسلان المقيم بالموصل. # ودخل الرسول المذكور ، والقاضي بهاء الدين بن الشهرزوري إلى دمشق ، ~~لتقرير الأمر ولإحكام القاعدة في الجمعة ، في الثامن والعشرين من جمادى ~~الأولى ، فتقرر الأمر ، ووكدت الأيمان ، وحضرا الجامع لصلاة الجمعة ، وخطب ~~للسلطان ألب أرسلان على المنبر ، بأمر أمير المؤمنين ، وعادا إلى العسكر ~~الأتابكي ، وخرج بهرام شاه فأكرمه وأعاده على أجمل قضية ، ورحل في يوم ~~السبت غد ذلك اليوم ، منكفئا والقلوب قد أمنت PageV01P397 # بعد الوجل ، والنفوس قد سكنت بعد الاضطراب والوهل ، والشكر له متواصل ، ~~والثناء عليه متكامل ، فلما حصل بحماة أنكر على شمس أمراء الخواص واليها ms268 ~~أمرا ، ظهر له منه ، وتزايد شكوى أهلها لأصحابه ونوابه ، فعزله عنها ، وقرر ~~من رآه في ولايتها ، وقد كان ظهر من الأمير ابن شجاع الدولة بزواج ، ومعين ~~الدين أنر من حسن السياسة في تدبير العسكرية والأجناد عند الترتيب في الحرب ~~، ما وافق الأغراض ، وطابق الإصابة والسداد ، بحيث شكرا ، وحمدت مقاصدهما. # وفي ذي القعدة منها ، وردت الأخبار من العراق باستشهاد الإمام الخليفة ~~المسترشد بالله أبي منصور الفضل بن المستظهر بالله أمير المؤمنين ، رحمة ~~الله عليه ورضوانه. # وقد مضى ذكر ما كان من الخليفة المفقود ، في معنى السلطان مسعود ابن ~~السلطان محمد (1) بن ملك شاه (137 و) من تقرير السلطنة له ، ورد تدبير ~~الأعمال والأمر بالدعاء له ، على منابر البلاد ، وتشريفه بالخلع والحملان ~~الكامل ، وعقيب هذا الفعل الجميل ظهر لأمير المؤمنين المسترشد بالله أمور ~~أنكرها ، وبلغته أسباب امتعض منها ، وبدت منه أفعال أكبرها ، فرام استعطافه ~~واستعادته إلى الواجب المألوف في طاعة الخلفاء ، فامتنع وحاول استمالته إلى ~~الصواب المعروف في المناصحة ، وحسن الوفاء فلم ينفع ، وبعثه على الحق الذي ~~هو خير من التمادي في الباطل ، فلم يقبل ، فأفضت الحال صرف الهمة العلية ~~المسترشدية إلى مداواة هذا الداء ، والاستعداد له ، إلى أن أعضل بالدواء ، ~~ولم ير فيه أنجع من التأهب لقصده ، والاحتشاد للإيقاع به وصده ، لأن أخباره ~~كانت متناصرة بعزمه على قصد بغداد ، والإخراب لها ، والإعاثة في نواحيها ، ~~فرأى الصواب في معاجلته ، ومقابلة فعله بمثله. # واتفق وصول جماعة من وجوه عسكره ، ومقدمي جنده ، لخدمة PageV01P398 # الخليفة ، والمعاضدة له على محاربة عدوه ، وشرعوا في تحريضه على البروز ~~إليه ، والمسارعة بالإطلال عليه ، فتوجه نحوه في تجمل يعجز عنه الوصف ، ~~ويقصر دونه النعت ، وقد اجتمع إليه من أصحاب الأطراف ، وأصناف الأجناد ، ~~الخلق الكثير ، والجم الغفير ، الذي بمثله قويت نفسه ، واشتد بأسه ، ولم ~~يشك أحد في أنه الظافر به ، والمستولي على حزبه ، فلما قرب من مخيمه بناحية ~~همذان ، ووقع العيان على العيان ، زحف إليه في عسكره ، والتقى الجمعان ، ~~واتفق للقضاء المكتوب ، والقدر المحجوب أن أمراء الأتراك الواصلين لخدمة ~~الخليفة ، في ms269 عسكره خامروا عليه ، بمواطأة كانت ، وتقريرات تقررت وبانت ، ~~فانقلبوا عنه وأسلموه ، وعملوا عليه وأغنموه ، بحيث تفرقت عنه حماته ، ~~وخذله أبطاله وكماته ، وثبت هو وخواصه في المصاف ، يقاتلون ولا يولون إلى ~~أن انفل عنه حزبه ، وضعف أمره ، وغلب على نفسه ، فأخذوه ووزيره النقيب ، ~~وكاتبه سديد الدولة ابن الأنباري ، وصاحب مخزنه وخدمه وخاصته ، وحملوه مع ~~أصحابه المذكورين إلى خيمة ، ووكل بجماعة من يحفظهم ، ويتوثق منهم ، (137 ~~ظ) ويحتاط عليهم. # وكتبت المطالعات إلى السلطان سنجر بن ملك شاه ، صاحب خراسان بصورة الحال ~~، والاستئذان بما يعتمد في بابه ، ووعد السلطان مسعود الخليفة ومن معه ~~بالإطلاق ، وإعادتهم إلى بغداد ، وتقرير أمر الخلافة على ما جرى به الرسم ~~قديما ، فلما عاد الجواب من السلطان سنجر في هذا الباب ، وتقرير ما اقتضاه ~~الرأي في أمر الخلافة بين السلطانين المذكورين ، ندب عدة من الرجال ، تقدير ~~أربعة عشر رجلا ، نسبوا إلى أنهم من الباطنية ، فقصدوا الخليفة في خيمته ، ~~وهو مطمئن لا يشعر بما نزل به من البلاء ، وأحاط به من محتوم القضاء ، ~~وهجموا عليه ، فقتلوه في يوم الخميس الثامن عشر من ذي القعدة سنة تسع ~~وعشرين وخمسمائة ، صبرا وقتلوا معه من أصحابه وفراشيه من دافع عنه ومانع ~~دونه ، وشاع الخبر بذاك بناحية مراغة على مرحلتين منها ، ودفن بها ، ~~واستبشع الناس هذا PageV01P399 # الفعل الشنيع ، والقصد الفظيع ، في حق خليفة الزمان ، وابن عم رسول الله ~~، عليه أفضل الصلاة والرضوان ، وأكبروا الجرأة على الله ، والإقدام على هذا ~~المنكر في الإسلام ، والدم الحرام ، وأطلقوا الألسنة بالدعاء ، والذم على ~~من استحسن هذا الفعل القبيح ، ودبر هذا الخطب الشنيع ، وتيقن كل إنسان من ~~الخاص والعام أن الله تعالى لا يمهل المقدم ، ولا يغفل (عن) المجرى إليه ، ~~لأنه جلت قدرته لا يصلح عمل المفسدين ، ولا يهدي كيد الخائنين ، ولا يهمل ~~عقوبة الظالمين. # ولما انتهى هذا الخبر إلى ولده ، ولي عهده ، تقدم بتحصين بغداد ، والتأهب ~~لدفع من يقصدها بسوء من الأعداء والمخالفين ، وبويع بالخلافة في يوم السبت ~~السابع والعشرين من ذي القعدة سنة تسع وعشرين وخمسمائة ، ولقب ms270 بالراشد ~~بالله أبي جعفر المنصور ابن المسترشد بالله أمير المؤمنين ، وجلس في منصب ~~الخلافة في ذي الحجة سنة تسع وعشرين وخمسمائة ، واستقام له الأمر وتوكدت له ~~البيعة على الرسم ، ووعد كافة الأجناد والعسكرية ، وأماثل الرعية بما طيب ~~نفوسهم ، وشرح صدورهم ، وأطلق مال النفقات والواجبات على جاري العادة ، ~~فكثر الدعاء له ، والثناء عليه ، وسكنت الدهماء (1) (138 ظ). # ولقد سألت السعيد مؤيد الدين أبا عبد الله محمد بن عبد الكريم الأنباري ، ~~رحمه الله ، في سنة أربع وثلاثين وخمسمائة ببغداد ، حين نزلت إليه في أيام ~~السلطان محمود عن حال المسترشد وما جرى ، فقال رضياللهعنه : كان قد وقع بين ~~السلطان والخليفة في أيام السلطان محمود ، وخرج وأسره مرتين ، فلما ولي ~~مسعود استطال نوابه على العراق ، وعارضوا الخليفة في أملاكه ، فوقعت الوحشة ~~، وتجهز المسترشد وعزم على الخروج ، وجد في ذلك ، واتفق أن بعض الأيام دخل ~~الوزير شرف الدين الزينبي على بن طراد على الخليفة ، وأنا معه وجمال الدين ~~طلحة صاحب المخزن ، PageV01P400 ### | * سنة ثلاثين وخمسمائة # في المحرم منها وردت الأخبار من ناحية العراق ، بقتل الأمير دبيس بن صدقة ~~بن مزيد ، قتله السلطان مسعود بن محمد ، لأمور أنكرها ، وأسباب |وإذا لم يكن من الموت بد||فمن الغبن أن تموت جبانا| # قال مؤيد الدين : لما قتل المسترشد جاء السلطان مسعود ونفذ أحضرنا عنده ، ~~فحضر الوزير شرف الدين ، وجمال الدين صاحب المخزن ، وأنا ، فلما حضرنا عنده ~~، قال : ما الرأي وما التدبير في أمر الخلافة ، من ترون؟ فقال الوزير : يا ~~مولانا الخلافة لولي العهد ، وقد بايعه الناس ، وجلس واستقر ، وقد بويع له ~~بولاية العهد ، والآن بعد قتل أبيه ، فقال : ما إلى هذا سبيل أبدا ولا أقره ~~عليها فإنه يحدث نفسه بالخروج مثل أبيه ، ونحن كل يوم من حيث ولي المسترشد ~~لم يزل يخرج علينا وكان خرج على أخي محمود مرتين ، وعلي مرة ، وهذه أخرى ثم ~~تم عليه ما تم ، وبقيت علينا شناعة عظيمة وسبة إلى آخر الدهر ، ويقولون : ~~قتلوا الخليفة ، وهم كانوا السبب في عود الخلافة إلى هذا البيت ، لا ms271 أريد ~~يجلس إلا من لا يداخل نفسه في غير أمور الدين ، ولا يتخذ ولا يجمع ولا يخرج ~~علي ولا على أهل بيتي ، وفي الدار جماعة ، فاعتمدوا على شيخ منهم ، صاحب ~~عقل ورأي وتدبير ، ويلزم نفسه ما يجب من طاعتنا ، ولا يخرج من داره ، ولا ~~تعرجوا عن هارون ابن المقتدي ، فهو شيخ كبير ، ولا يرى الفتنة ، وقد أشار ~~به عمي سنجر ، وكان في الدار في ذلك الوقت سبعة أخوة من أولاد المقتدي ، ~~ولهم أولاد وأولاد أولاد ... ومن أولاد المستظهر سبعة أخوة ... وكان ~~للمسترشد أولاد جماعة وللراشد ، وله مقدار نيف وعشرين ولدا ... # وقال المؤرخ أيضا : قيل ونفذ السلطان مسعود إلى عمه سنجر ، يأخذ أذنه ~~فيمن يولي ، فنفذ إليه يقول : لا تول إلا من يقع عليه رأي الوزير ، وصاحب ~~المخزن ، وابن الأنباري ، فاجتمع السلطان بهم ، وشاورهم ، وأشار بهرون ، ~~وعرفهم ما أمرهم السلطان سنجر ، وقال الوزير : إذا كان هذا الأمر يلزمنا ~~فنحن نولي من نراه ، وهو الزاهد العابد الدين الذي ليس في الدار مثله ، قال ~~السلطان : من هو؟ قال : الأمير أبو عبد الله بن المستظهر ، فقال : وتضمنون ~~ما يجري منه؟ فقال الوزير : نعم ، وكان الأمير أبو عبد الله صهر الوزير شرف ~~الدين على ابنته ، فإنها دخلت ذات يوم في الدار ، في زمن المستظهر ، فرآها ~~الأمير أبو عبد الله ، فطلبها من أبيه فزوجه إياها ، وكان شرف الدين إذ ذاك ~~نقيب النقباء ، ودخل بها ، وبقيت عنده مدة ، وماتت عنده ، فقال السلطان : ~~ذاك إليكم ، واكتموا الحال لئلا ينمو الأمر فيقتل ، ثم رحل السلطان يطلب ~~بغداد والوزير والجماعة إلى بغداد والوزير ونحن أجمع في صحبته ... PageV01P401 # امتعض منها ، نسبت إليه ، وقيل إن هذا مكافأة من الله تعالى له ، عما كان ~~منه في عصيان الخليفة الإمام المسترشد بالله أمير المؤمنين ، والسعاية في ~~دمه ، وكان هذا الخليفة المسترشد بالله أمير المؤمنين رحمه الله ، عالما ~~تقيا فاضلا ، حسن الخط ، بليغا نافذا في أكثر العلوم ، عارفا بالفتوى ، ~~واختلاف الفقهاء ، فيها ، أشقر الشعر أشهل العينين ، بوجهه نمش ، وكانت مدة ~~خلافته سبع عشرة سنة ، وما ms272 الله بغافل عما يعمل الظالمون. # وفي شهر ربيع الأول منها تسلم الأمير شهاب الدين محمود بن تاج الملوك ، ~~مدينة حمص ، وقلعتها. ### || * شرح الحال في ذلك # لما عرف من كان بحمص وقلعتها من أولاد خير خان بن قراجة ، وخمارتاش ~~الوالي من قبلهم فيها ، ما استمر عليها ، من مضايقة الأمير عماد الدين ~~أتابك لها ، وبذل جهده ، وحرصه في تملكها وأخذها ، وأخذه حماة المجاورة لها ~~، وجده في طلبها ، وإضعاف أهلها ، ومواصلة الغارات عليها ، وأنهم لا طاقة ~~لهم بضبطها ، لقلة القوت بها ، وعدم الميرة فيها ، أنفذوا رسلهم إلى شهاب ~~الدين يلتمسون منه إنفاذ من يراه ، لتسلم حمص وقلعتها ، ويعوضهم عنها بما ~~يتفق عليه الرأي ، وتوسط الحاجب سيف الدولة يوسف بن فيروز المقيم بتدمر ~~الأمر في ذلك طمعا في الكون بها ، والانتقال من تدمر إليها ، لكونها من ~~الأماكن الحصينة ، والقلاع المنيعة ، واستأذن في الوصول إلى دمشق للحديث ، ~~وتقرير الحال في ذلك ، فأذن له ، ووصل إلى دمشق ، وجرى في ذلك خطاب طويل ، ~~أفضى آخره إلى أن تسلم حمص وقلعتها إلى شهاب الدين ، وتسلم إلى خمارتاش ~~تدمر عوضا عنها ، ووقع الشرط واليمين على هذه الصفة ، وبرز شهاب الدين من ~~دمشق في العسكر ، وتوجه إليها ، فحين حصل بها نزل خمارتاش من القلعة وأولاد ~~خيرخان وأهله بما يخصهم ، وسلموها إليه فتسلمها يوم الأحد الثاني والعشرين ~~من شهر ربيع الأول PageV01P402 # سنة ثلاثين وخمسمائة وحصل بها ورتب أمرها [138 ظ] وقرر ولايتها للحاجب ~~يوسف بن فيروز ، وأن يكون فيها نائبا عن الأمير معين الدين أنر الأتابكي ، ~~حسب ما تقرر ، وكتب إلى الجهات والأطراف بحمل الأقوات إليها ، والتقوية لها ~~بالميرة ، وعاد شهاب الدين عنها بعد تقرير أمرها منكفئا إلى دمشق ، وشرع ~~الأمير سوار النائب عن عماد الدين في حلب ، ومن بحماة من قبله في الغارات ~~على أعمال حمص ، ورعي زرعها ، وجرى في ذلك مراسلات ومخاطبات ، أسفرت عن ~~المهادنة والموادعة ، والمسالمة إلى أمد معلوم ، وأجل مفهوم ، بحيث انحسمت ~~أسباب الفساد عن الجهتين ، واستقامت أحوال الجانبين. # وفي يوم الأحد الرابع والعشرين من جمادى الأولى ms273 من السنة ، خلع شهاب ~~الدين على أمين الدولة كمشتكين الأتابكي ، والي صرخد وبصرى الخلع التامة ، ~~ورد إليه أسفهسلارية العسكرية ، وخوطب بالأتابكية ، وأنزل في الدار الكبيرة ~~الأتابكية بدمشق ، وحضر الناس لهنائه فيها ، وأوعز إلى الكافة باتباع رأيه ~~، والامتثال لأمره. # وفي يوم الأربعاء السابع والعشرين من جمادى الآخرة من هذه السنة ، قتل ~~الحاجب يوسف بن فيروز ، في ميدان المصلى بدمشق. ### || * شرح السبب في ذلك # كان الحاجب يوسف بن فيروز المقدم ذكره ، عند كونه في خدمة شمس الملوك ~~اسماعيل بن تاج الملوك ، وتمكنه عنده ، وارتفاع طبقته لديه ، قد اعتمد في ~~حق مقدمي الغلمان الأتابكية ما أوحشهم منه ، وبلغهم ما ضيق صدورهم عنه ، ~~وأسروا ذلك في نفوسهم ، وأخفوه في قلوبهم ، لا سيما ما قصده في نوبة ~~الغلمان الذين قتلهم شمس الملوك مع أخيه سونج بن تاج الملوك ، بسبب اتهامهم ~~بكونهم مع إيلبا الغلام التركي الذي كان وثب على شمس الملوك ، وضربه بالسيف طالبا PageV01P403 # قتله ، فسلمه الله ونجاه ، حسب ما تقدم به الشرح وكونه أكبر السعاة عليهم ~~، والسبب في قتلهم ، على عادة قد ألفيت من فعله ، وطريقة قد عرفت من طبعه ، ~~وقد كان حصل بتدمر ، وأهمل أمره ، ونسي ما سبق به شره ، فلما راسل من تدمر ~~(1) يطلب الأذن في الوصول إلى دمشق ، لتقرير أمر حمص ، وأجيب إلى الأذن في ~~ذلك ، أنكر الأمير شجاع الدولة بزواج ، والحاجب سنقر ، وأكابر الغلمان ~~الأتابكية الأذن له في ذلك ، وامتعضوا من وصوله كل الامتعاض (139 و)، لما ~~عرفوا من سوء فعله ، ومشهور سعيه ، وختله ، وأشاعوا بينهم ما هم عازمون ~~عليه من العمل على قتله ، ونصحه أهل وده ، والإشفاق عليه ، والمتقربين إليه ~~بذاك ، فأبى القبول منهم ، وأخذ النصح منهم ، وقويت نفسه على التغرير بها ، ~~والمخاطرة باتباع هواها ، وتمسك بمدافعة الأمير معين الدين عنه ، والمنع ~~منه ، لصداقة كانت بينهما ، قد استحكمت قواها ، ووصلة انعقدت وأحكمت عراها ~~، ولما وصل إلى دمشق توثق لنفسه من الجماعة بأيمان سكنت إليها نفسه ، وتوكد ~~معها أنسه ، وقرر معه أنه يكون يحضر للسلام في كل يوم ، ويعود إلى ms274 داره ، ~~ويقنع بالكون في ملكة دمشق ، والتنقل منها إلى حمص ، ولا يداخل نفسه في أمر ~~غير ذلك. # فما هو إلا أن حصل بها ، وجعل يدبر أمرا غير خاف ، ويقرر تقريرا غير ~~مكتوم ولا مستتر ، فأثار بذلك ما كان في نفوس الغلمان كامنا ، وحرك ما كان ~~في القلوب ساكنا ، ووجد الأمير بزواج (2) والغلمان السبيل إلى نقض ما ~~عوهدوا عليه ، باعتماده المخالفة لما قرره معه ، وسكنوا إليه ولاحت الفرصة ~~لهم فيه ، ولما كان في اليوم المقدم ذكره ، وقد تقرر الأمر بينهم على الفتك ~~به ، صادفه شجاع بزواج ، المقدم ذكره في الميدان المجاور للمصلى بظاهر دمشق ~~فماشاه ساعة بالحديث وقد خلا PageV01P404 # من أصحابه وأغفله وجرد سيفه وضربه به ، ضربة عظيمة في وجهه إلى رأسه ، ~~وثنى بأخرى فسقط إلى الأرض ، وأجهز عليه آخر من الغلمان ، ولم يتجاسر أحد ~~من أصحابه من الدنو منه ، ولا الدفع عنه لقوة شوكة الغلمان ، واتفاق كلمتهم ~~على قتله. # وانهزم شهاب الدين وأصحابه من الميدان إلى داره ، وبقي ساعة مطروحا على ~~الأرض في الميدان ، يشاهد مصرعه ، ويعتبر اللبيب بمنظره ، ثم حمل إلى ~~المسجد الذي بناه فيروز أبوه بالعقيبة ، فدفن عند قبره في يومه في تربته ، ~~وأنفذ بزواج وسنقر وجماعة الغلمان إلى شهاب الدين ووالدته الخاتون مراسلات ~~ومعاتبات ، على ما اعتمداه من الأذن له في العود إلى دمشق ، بعد ما كان من ~~فعله في حق من قتل بسعيه من الغلمان ، واشترطوا أمورا وقع الإباء لها ~~والاستيحاش منها ، ومن طلب مثلها ، وامتنع الغلمان ، وأكثر الأتراك من ~~الدخول إلى البلد و[رفضوا] (1) العود إلى دورهم إلا بعد تقرير أمر بزواج ~~(139 ظ) وجماعة الغلمان ، والدخول فيما راموه ، وتطيب نفوسهم بالإجابة إلى ~~ما حاولوه. # واندفعوا إلى ناحية المرج ، فنزلوا فيه وخيموا في ناحية من نواحيه ، ~~وترددت بينهم مراسلات لم تسفر عن سداد ، ولا نيل مراد ، فأظهروا الخلاف ، ~~وكاشفوا بالعصيان والانحراف ، وعمدوا إلى خيل الجشار (2) فاستاقوها ، ~~واشتملوا على جميعها ، وهي العدد الكثير لسائر الأمراء والعسكرية والرعية ~~من أنواع الدواب ، ولها قيما عظيمة ، وتوجهوا بها في يوم ms275 الجمعة السابع ~~والعشرين من جمادى الأولى من السنة من تل راهط (3) إلى ناحية المرج ، وخرج ~~إليهم من بقي في البلد من العسكر مع PageV01P405 # الأمراء ، والمقدمين ، وهم منهم أكثر عددا وأتم عددا ، طلبا للإيقاع بهم ~~، وتخليص الجشار من أيديهم ، فما أغنوا فتيلا ولا أعادوا مما أخذوا كثيرا ~~ولا قليلا ، ورحلوا به إلى صوب بعلبك ، فخرج إليهم الأمير شمس الدولة محمد ~~بن تاج الملوك صاحبها ، ووقعت الموافقة والمعاهدة بينهم ، على إقامته ~~والدخول في طاعته ، والمناصحة في خدمته ، واجتمع إليه خلق كثير من التركمان ~~، فأخافوا السبيل ، وشرعوا في العيث والفساد ، واقتضت الحال مراسلتهم ~~بالملاطفة ، ودعاهم إلى الطاعة ، وترك المخالفة ، وتطييب نفوسهم ، وبعثهم ~~على العود إلى ما كانوا عليه ، والإجابة إلى ما اقترحوا وأشاروا إليه ~~واستقرت الحال على مرادهم ، وأخذت الأيمان المؤكدة عليهم ولهم بالوفاء ، ~~واستعمال الإخلاص والصفاء ، وأذن لهم في العود ، فعادوا إلى البلد ، وخيم ~~بزواج وجماعته بجسر الخشب ، وامتنع من الدخول إلى داره لما رآه وجال في ~~نفسه ، واتفق الرأي على خروج شهاب الدين في العسكر إلى ناحية حوران على ~~الرسم في ذلك ، والاجتماع هناك ، وتقرير ما يجب تقريره من الأحوال ، وابعث ~~على تحصيل الغلال ، واتفق الرأي في أوائل شعبان على تقديم بزواج على سائر ~~الأجناد والغلمان ، ورد إليه الاسفهسلارية ، وخوطب بالأتابكية ، ولقب بجمال ~~الدين مضافا إلى ألقابه ، فاستقام له الأمر ، ونفذ في النفع والضر. # وفي العشر الأول من رجب من السنة ، خرج أمين الدولة كمشتكين الأتابكي ~~والي صرخد من دمشق ، مظهرا قصد الصيد (140 ظ) والإشراف على ضياعه لأجل ~~الجراد الظاهر بها ، في خواصه وثقله ، وفي النفس ضد ذاك ، فلما توارى عن ~~البلد ، أغذ السير قاصدا سمت صرخد ، ومفارقا لما كان فيه ، خوفا على نفسه ~~من الغلمان ، بحيث حصل بها ، وسكنت نفسه من الخوف فيها ، ثم روسل ~~بالاستعطاف والتلطف في العود إلى داره ومنزلته ، والانكفاء إلى رتبته ، ~~فأبى واحتج بأسباب ذكرها ، وأحوال شرحها ، ونشرها ، فوقع السلو عنه ، ~~واليأس منه. PageV01P406 # وفي يوم السبت الثالث عشر من شعبان سنة ثلاثين وخمسمائة وردت الأخبار ms276 من ~~ناحية الشمال ، بنهوض الأمير مسعود سوار من حلب ، فيمن انضم إليه من ~~التركمان إلى الأعمال الأفرنجية فاستولوا على أكثرها ، وامتلأت أيديهم بما ~~حازوه من غنائمها ، وتناصرت الأخبار بهذا الظفر من جميع الجهات ، ~~والاستكثار لذلك ، والتعظيم له ، ولقد ورد كتاب من شيزر يتضمن البشرى بهذه ~~النوبة ، ويشرحها على جليتها ، فأثبت مضمونه في هذا الموضع ، تأكيدا للخبر ~~، وتصديقا لما وصف وذكر ، وهو : # إن المتجدد عندنا بهذه الناحية ، ما يجب علينا من حيث الدين أن نذيعه ، ~~ونبشر به كافة المسلمين ، فإن التركمان كثرهم الله ، ونصرهم اجتمعوا في ~~ثلاثة آلاف فارس جريدة معدة ، ونهضوا إلى بلاد اللاذقية وأعمالها بغتة بعد ~~اليأس منهم ، وقلة الاحتراز من غارتهم ، وعادوا من هذه الغزاة إلى شيزر يوم ~~الأربعاء حادي عشر رجب ، ومعهم زيادة عن سبعة آلاف أسير ، ما بين رجل ~~وامرأة وصبي وصبية ، ومائة ألف رأس دواب ، ما بين بقر وغنم وحمر ، والذي ~~حازوه واجتاحوه يزيد عن مائة قرية كبار وصغار ، وهم متواصلون ، بحيث قد ~~امتلأت الشام من الأسارى والدواب ، وهذه نكبة ما مني الأفرنج الشماليون ~~بمثلها ، وبعد هذا ما يبع منهم أسير إلا بثمنه ، ولا نقص السعر الأول ، وهم ~~سائرون بهم إلى حلب ، وديار بكر والجزيرة. # وفي آخر نهار يوم الأربعاء الرابع وعشرين من أيار ، طلع على دمشق سحاب ~~أسود أظلمت الدنيا له ، وصار الجو كالليل ، ثم طلع بعد ذلك سحاب أحمر أضاءت ~~الدنيا منه ، وصار الناظر إليه يظن أنه نار موقدة ، وكان (104 ظ) قد هب قبل ~~ذلك ريح عاصف شديدة آذت كثيرا من الشجر ، وقيل إنه في هذا الوقت والساعة ~~جاء في حوران برد كبار ومطر شديد بحيث جرت منهما الأودية ، وجاء في الليلة ~~مطر عظيم ، زاد منه بردى زيادة لم ير مثلها عظما. PageV01P407 # وفي المحرم من هذه السنة ، في الثالث عشر منه أرسل الله تعالى من الغيث ~~ما طبق الأعمال الدمشقية ، بحيث سالت به الأودية والشعاب ، وزاد المد في ~~الأنهار بحيث اختلطت ، وانكسر نهر يزيد ، ونهر بانياس والقنوات ، والتقت ~~المياه ، وبطلت الأرحية ، ودخل ms277 الماء إلى بعض بيوت العقيبة ، وذكر جماعة من ~~الشيوخ المعمرين أنهم لم يشاهدوا في مثل هذا الوقت مثل ذلك. # وفي شعبان من هذه السنة ، وردت الأخبار من ناحية العراق ، بأن السلطان ~~مسعود بن محمد (1) بن ملك شاه حصر بغداد ، وضايق الإمام الخليفة الراشد ~~بالله بن الإمام المسترشد بالله أمير المؤمنين ، ومعه السلطان داود ابن ~~أخيه ، والأمير عماد الدين أتابك زنكي بن آق سنقر ، واقتضى التدبير حين لم ~~ينل منها غرض ، ولم يظفر بمراد ، ولابد من اللقاء والمحاربة ، العود عنها ، ~~فعاد السلطان داود إلى بلاده ، وعماد الدين أتابك إلى الموصل ، وأقام ~~السلطان مسعود على رسمه في بغداد ، وحين رأى الإمام الراشد بالله إقامة ~~السلطان على الاستيحاش منه ، زادت وحشته ، وعلم أنه لا طاقة له بالمقام معه ~~، وخاف على نفسه ، فتبع عماد الدين إلى الموصل ، ونزل بظاهرها وخيم به ، ~~كالمستجير والعائذ به ، وحين خلت بغداد من الخليفة وتدبيره ، تمكن من كل ما ~~يريد فعله ويروم قصده ، فأقام في منصب الخلافة أبا عبد الله محمد أخا ~~المسترشد بالله ، ولقبه المقتفي لأمر الله ، وعمره أربعون سنة ، وأخذ ~~البيعة له على جاري الرسم ، وخطب له على المنابر في بلاده فقط ، في ذي ~~القعدة سنة ثلاثين وخمسمائة ، وبقي الأمر واقفا إلى أن تقرر الصلح بين ~~السلطان مسعود ، وبين عماد الدين أتابك في سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة ، ~~فخطب له وللسلطان في الموصل ، وسائر الأعمال ، وسيأتي ذكر ذلك مشروحا في موضعه. PageV01P408 # وفي هذه السنة ، سنة ثلاثين وخمسمائة تشتى السلطان مسعود ببغداد ، وأتابك ~~عماد الدين (141 و) والإمام الراشد بالله ، ووزيره جلال الدين أبو الرضا بن ~~صدقة بظاهر الموصل. # وفيها وردت الأخبار في ذي القعدة منها ، بظهور متملك الروم من ~~القسطنطينية (1)، وحكي أن طالع ظهوره كان عشر درج من الميزان ، وأن الزهرة ~~والمشتري في العاشر والشمس في الأسد والمريخ في السابع ، والله أعلم ~~بالغيب. # وفي يوم الجمعة السابع عشر من رمضان من السنة ، قتل الرئيس محيي الدين ~~أبو الذواد المفرج بن الحسن بن الحسين الصوفي ، رئيس دمشق بظاهر المسجد ms278 ~~الجديد ، قبلي المصلى في اليوم المذكور ، والسبب في ذلك أن الأمير شهاب ~~الدين محمود بن تاج الملوك ، صاحب دمشق ، والأمير بزواج ، والحاجب سنقر ، ~~كانوا قد أنكروا عليه أمورا بلغتهم عنه ، وأحوالا استوحشوا بسببها منه ، ~~فشرعوا في إفساد حاله ، وتحدثوا في أخذ ماله ، وتقررت الحال فيما بينهم على ~~هذه الصورة في المخيم بحوران ، وكان الرئيس المذكور قد فارقهم من حوران ، ~~وعاد إلى البلد لمداواة مرض عرض له ، فلما استقر الأمر بينهم على هذه ~~القضية ، وعادوا إلى البلد ، وخرج الرئيس المذكور في جماعة لتلقيهم ، فحين ~~سلم عليهم وافق ذاك حديث جرى بينهم في معنى المعاملات ، أجاب عنه جوابا غلظ ~~عليهم وأنكروه منه ، فعادوا لذاك عن القبض عليه إلى القتل له ، وقد كان ~~بلغه اعتزامهم على إفساد حاله بأخذ ماله ، وأشير عليه بالاحتياط على نفسه ، ~~والتحيل في دفع الضرر عنها ، فلم يقبل للأمر المقضي ، والقدر النازل ، فقتل ~~مظلوما رحمه الله ، بغير استحقاق للقتل ، PageV01P409 # ومضى شهيدا واعتقل باقي أقاربه ، والتمسوا الأذن لهم بعد أيام في التوجه ~~إلى صرخد ، دفعا للشر ، وإخمادا لنار الفتنة ، فأذن لهم في ذلك ، فتوجه من ~~توجه منهم إليها. # وفي هذه السنة في أواخرها حضر المعروف بالأصمعي الديوان الشهابي ، والتمس ~~الأذن له في ضرب الدينار في دمشق ، على أن يكون عياره نصف وربع وثمن دينار ~~خلاصا ، والباقي من الفضة والنحاس ، وكرر الخطاب إلى أن أجيب إلى ما طلب ، ~~وتقرر ضربه على هذه السجية ، وأن تنقش السكة باسم الإمام الراشد بالله أمير ~~المؤمنين ، والسلطان (141 ظ) المعظم مسعود ، وشهاب الدين ، ولما وردت ~~الأخبار بأخذ السلطان البيعة للإمام المتقي لأمر الله ، وتوجه الراشد بالله ~~إلى ناحية الموصل ، وأظهر السلطان رقعة بخط الراشد بالله تتضمن أنه متى خرج ~~من داره ، وقصد محاربة السلطان ، أو أباح دما محرما ، بغير واجب ، أو مد ~~يدا إلى أخذ مال من غير محله ، ولا جهته ، كانت بيعته باطلة ، وخرج من عهدة ~~الخلافة ، وكان متعديا للواجب ، وبذاك أشهد على نفسه القضاة والفقهاء ~~والأعيان ، فكان ذلك أوكد الحجة في خلعه ، ونقض ms279 أمره. ### | * سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة # في هذه السنة وردت الأخبار بظهور متملك الروم كيالياني (1) من ~~القسطنطينية ، في ذي القعدة سنة ثلاثين وقيل ، بل أول المحرم سنة إحدى ~~وثلاثين وخمسمائة ووصل إلى جزيرة أنطاكية ، وأقام بها إلى أن وصلت مراكبه ~~البحرية بالأثقال والميرة والمال والعدد ، في عاشر نيسان ، ونزل على نيقية ~~فملكها ، وقيل بل هادنه عليها أهلها ، ووصل إلى الثغور ، وتسلم أذنه ~~والمصيصة وغيرهما ، وحاصر عين زربة وملكها عنوة ، وقيل في التاريخ إن أمير ~~المؤمنين المأمون بالله بن الرشيد بالله ، PageV01P410 # كان عمر عين زربة عند الاجتياز بها ، لما ورد إلى هذه الجهات ، وأنفق على ~~عمارتها مائة وسبعين ألف دينار ، مع جاه الخلافة والسلطنة والقدرة ، وكان ~~يعمل فيها كل يوم أربعون ألف فاعل ، سوى البنائين والحدادين والنجارين ، ~~وملك تل حمدون وحمل أهله إلى جزيرة قبرص ، وكان صاحبه ابن هيثم (1) الأرمني ~~، ثم عمر ميناء الاسكندرية ، ثم خرج إلى أنطاكية ، ونزل عليها ، وضايق ~~أهلها في سلخ ذي القعدة ، وجرى بينه وبين صاحبها ريمند بن بيدقين (2) ~~مصالحة ، ورحل عائدا إلى الدروب ، فافتتح ما بقي في يد ابن ليون الأرمني من ~~الحصون ، وشتى بها. # وفي رجب من السنة نهض الأمير في فريق وافر من العسكر الدمشقي ، من ~~التركمان ، إلى ناحية طرابلس ، فظهر إليه قومصها في عسكر ، والتقيا فكسره ~~بزواج ، وقتل منهم جماعة وافرة ، وملك حصن وادي ابن الأحمر (3) وغيره. # وفي رجب أيضا نهض ابن صلاح والي حماة في رجاله إلى (142 و) حصن الخربة فملكه. # وفي شعبان منها ورد الخبر بأن عماد الدين أتابك بن أق سنقر ، توجه في ~~عسكره من ناحية الموصل ، وقطع الفرات في العشر الأول منه ، ووصل إلى حمص ، ~~وكان قد تقدمه إليها صلاح الدين (4) في أوائل العسكر ، ونزلا عليها ~~وضايقاها ، وفيها الأمير معين الدين أنر واليها ، فراسله في تسليمها ، ~~فاحتج عليه بأنها للأمير شهاب الدين ، وأنه نائبه فيها ، فنصب الحرب عليها ~~والمضايقة لها أياما ، ولم يحظ منها بطائل ، PageV01P411 # فرحل عنها في العشرين من شوال من السنة ونزل على الحصن المعروف ببعرين ~~لينتزعه ms280 من أيدي الأفرنج ، فلما عرفوا ذاك تجمعوا ونزلوا قريبا لحمايته ~~ومعونة من فيه منهم ، فحين عرف عماد الدين خبرها كمن لهم كمينا ، والتقى ~~الجمعان ، فانهزم فريق من الأتراك بين أيدي الأفرنج (1)، وقتلوا منهم ~~جماعة وافرة عند عودهم إلى منزل مخيمهم ، وظهر عليهم عماد الدين في من كمن ~~لهم من الكمناء ، وأوقع بالرجالة ، وملك الأثقال والسواد ، وحين قربوا من ~~المخيم وشاهدوا ما نزل عليهم ، وحل بهم انخذلوا وفشلوا ، وحمل عليهم عسكر ~~عماد الدين ، فكسرهم ومحقهم قتلا وأسرا ، وحصل لهم من الغنائم الشيء الكثير ~~من الكراع ، والسواد ، والأثاث وعاد عماد الدين إلى حصن بعرين ، وقد انهزم ~~إليه ملكهم كند اياجور (2) ومن نجا معه من مقدمي الأفرنج ، وهم على غاية من ~~الضعف والخوف ، فنزل عليهم وحصرهم في الحصن المذكور ، ولم يزالوا على هذه ~~الحال في المضايقة والمحاربة إلى أن نفد ما عندهم من القوت ، فأكلوا خيلهم ~~، وتجمع من بقي من الأفرنج في بلادهم ومعاقلهم وانضموا إلى ابن جوسلين ، ~~وصاحب أنطاكية واحتشدوا ، وساروا طالبين نصرة المخذولين المحصورين في حصن ~~بعرين ، وتخليصهم مما هم فيه من الشدة والخوف والهلاك ، فحين قربوا من عسكر ~~أتابك ، وصح الخبر عنده بذاك ، اقتضت الحال أن أمنهم وعاهدهم على ما اقترحه ~~عليهم من طاعته ، وقرر عليهم خمسين ألف دينار يحملونها إليه ، وأطلقهم ~~وتسلم الحصن منهم ، وعاد من كان اجتمع لنصرتهم (3). # وفي شهر رمضان منها ورد الخبر بأن الإمام (142 ظ) الخليفة الراشد بالله ~~أمير المؤمنين ابن المسترشد بالله ، كان قد فصل عن الموصل PageV01P412 # قاصدا إلى مراغة ، وأنه اجتمع بالسلطان داود بن محمود ، وجرى بينهما ~~أحاديث وتقريرات قررها كل واحد منهما مع الآخر (1). # ولقد حدثني زين الدولة أبو القاسم علي بن الصاحب ، وكان هو حاجب الباب هو ~~وأبوه وجده ، وكان بين يدي الراشد ، قال : لما جمع الراشد الأمراء في ~~السرداب ، وقال : يا علي خذ هذا السيف وكان بيده سيفا وقال : احذر أن يسبق ~~سيفي سيفك ، فإني أريد أخرج كل من في السرداب ، وأقتل الجميع ، حتى لا يبقى ~~من يصلح للخلافة ، فإن ms281 هؤلاء ربما دخلوا وغيروا وولوا غيري ، ثم أمر بفتح ~~السرداب ، والصائح جاءه ، فقال : ما الخبر؟ فقال : إن أتابك زنكي نهب ~~الحريم الطاهري ، وطلب الموصل (في ذي القعدة) وأما السلطان فوصل وعبر ~~النهروان ، ولما حقق أتابك نزول السلطان بالنهروان انهزم ، فرمى السيف من ~~يده ، ودخل إلى الدار وأخذ معه من الجواهر ما لا يعرف له قيمة ، وأعطاني ~~منه مثل ذلك وخرج ، وأخرج معه قاضي القضاة الزينبي ، وكان قد استوزر جلال ~~الدين أبا الرضا (بن) صدقة ، فخرج وخرجنا ، ولحق أتابك زنكي على طريق ~~الموصل. # قال السعيد مؤيد الدين رحمه الله : فلما كان بكرة ذلك اليوم ، دخل السلطان ~~بغداد ، ودخلنا معه ، فنزل في داره ، ونزلنا نحن في دورنا ، وكان دخولنا ~~عاشر ذي القعدة سنة ثلاثين وخمسمائة فلما كان من الغد مضى الوزير إلى دار ~~السلطنة ، ونحن معه ، واستأذن فيما يفعل ، فأخذ خطه وخطوطنا بالضمان ، ثم ~~عدنا إلى دورنا وأصبحنا يوم الاثنين سابع عشر ذي القعدة سنة ثلاثين ~~وخمسمائة وحضرنا عند الأمير أبي عبد الله ، وتحدث الوزير معه ، وتحدثنا معه ~~، وشرط عليه القيام بأمر الخلافة ، وطاعة السلطان ، وأعلمناه «أننا قد ضمنا ~~ذلك من السلطان جميع ما اقترحه عليك» ، فرضي بذلك ، وانفصلنا عنه ، ومضينا ~~إلى السلطان وأعلمناه ما جرى ، وأنه رضي بما شرطت عليه ، فقال السلطان : ~~إذا كان من الغد فبايعوه ، فلما أصبحنا صعدنا إلى الدار ، وأخرجنا من الدار ~~أشياء من الآلات التي تصلح للغناء ، وأشياء لا تليق ، وشهد جماعة من أهل ~~الدار أنه شرب الخمر ، فأفتى العلماء بخلعه واعتنق ذلك القاضي عماد الدين ~~شرف القضاة أبو طاهر أحمد بن الكرخي المحتسب ، وكان قاضي أصحاب الشافعي ~~رحمه الله ، واجتمع العلماء والأكابر ، فخلعوه. # ودخل إليه الوزير ، وصاحب المخزن ، وأنا ، وتحدثنا وناولته رقعة فيها ما ~~يسمى به من اللقب ، وكان فيها المقتفي لأمر الله ، والمستضيء بأمر الله ، ~~والمستنجد بالله ، فقال : ذلك PageV01P413 # ووردت الأخبار من ناحية الشمال بأن الأمير عماد الدين أتابك رحل في عسكره ~~عن حلب ، في يوم الجمعة السادس عشر من شهر رمضان من السنة ، ونزل ms282 على حمص ، ~~وخيم بها وقاتلها ووصل إليه رسول متملك الروم. # ووردت الأخبار من ناحية العراق بالتقاء عسكري السلطان مسعود و[ابن] أخيه ~~داود ، وأن عسكر السلطان مسعود ظهر على عسكر السلطان داود ، وكسره وقتل من ~~مقدميه وأجناده جماعة وافرة من السنة (1). # وفي سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة ترددت المراسلات من الأمير شجاع الدولة ~~أبي الفوارس المسيب بن علي بن الحسين الصوفي وجماعة المقيمين بصرخد ، وكتب ~~الأمير أمين الدولة كمشتكين الأتابكي الوالي بصرخد إلى PageV01P414 # الأمير شهاب الدين محمود بن تاج الملوك ، وإلى الأمير شجاع الدولة بزواج ~~، والحاجب أسد الدين أكز في التماس الأذن لهم في العود إلى دمشق ، والسؤال ~~في إعادة ما قبض من أملاكهم إليهم ، وإعادة كل مغصوب منها عليهم ، ولم تزل ~~المراسلات في هذا الباب متناصرة ، والكتب في طلبه متواترة إلى أن تقررت ~~الحال في ذلك ، والإجابة إليه على مصالحة معينة مقسطة برسم واجبات الأجناد ~~يقومون بها في أنجمها المعينة ، وأوقاتها المبينة ، تصلح الأحوال بتأديتها ~~، وتتحق الآمال بتملكها ، وأن يرد أمر الرئاسة في البلد إلى الأمير المقدم ~~ذكره ، وكتب له المنشور بالرئاسة ، ونعت فيه مع أوصافه بالأمير الرئيس ~~الأجل ، مؤيد الدين ، ممهد الإسلام ، مضافا إلى ألقابه ونعوته المتقدمة ، ~~وأن يكون الرسم في الرئاسة جاريا على العادة المستمرة ، والقاعدة المقيمة ~~المستقرة في الحمايات والواجبات ، والرسوم الجاريات في دار الوكالة ، وسائر ~~العراص ، ونفذت الكتب إليهم بالإجابة إلى ما التمسوه ، والإسعاف بما ~~اقترحوه ، والأذن لهم في العود إلى البلد واثقين بما يقدمون عليه ، من حفظ ~~الحرمة ، وحراسة الحشمة ، والتطيب بالنفس ، وتأكيد (143 و) الأنس. # فعند الوقوف على ما صدر إليهم من هذه الحال سرت به نفوسهم ، وابتهجت ~~بمعرفته قلوبهم وشرعوا في التأهب للعود بصدور منشرحة ، وآمال منفسحة ، ~~وعادوا بأسرهم ، وحين قربوا من البلد خرج كل من فيه من خاص وعام ، لتلقيهم ~~وإظهار السرور والاستبشار بعودهم ، والاغتباط والابتهاج بمقدمهم ، ودخلوا ~~البلد في العشر الأول من رجب من السنة المذكورة فاستقامت أحوالهم على منهج ~~السداد ، واستمرت على قضية الإيثار والمراد ، وأعيد عليهم جميع ما اعترض ~~لهم ms283 من ملك وغيره ، وأجروا على كل رسم جميل وإكرام وتبجيل ، فكم من شدة ~~فرجها الله تعالى ذكره بعد اشتدادها ، وغمة كشفها بلطفه بعد إظلامها. # ربما تجزع النفوس من الأم %~% ر له فرجة كحل العقل PageV01P415 # وفي هذه السنة ورد الخبر من ناحية مصر ، بأن مقدم الأرمن (1) بها ، قام ~~في حزبه على صاحبها الإمام الحافظ لدين الله أبي الميمون عبد المجيد ، وزحف ~~إليه في قصره ، وأقام عليه كالمحاصر له ، فعاد أكثر الجند عنه خوفا وقتلا ، ~~فانخذل وانهزم ، وقيل إن السبب في ذلك كون أخ لمقدم الأرمن في الصعيد ، ورد ~~عليه خبر قتله ، فغلظ هذا الأمر عليه ، وحمله على ما كان منه ، ثم إنه تلطف ~~أمره بحيث عفي عنه ، ولزم داره خائفا مروعا. # وفي رجب من السنة نهض الأمير بزواج في العسكر ، ومن حشده وجمعه من ~~التركمان إلى ناحية طرابلس في الرابع منه ، فظهر إليه صاحبها في خيله من ~~الأفرنج ، فكمن لهم في عدة مواضع ، فلما حصلوا بالموضع المعروف بالكورة (2) ~~ظهرت عليهم الكمناء ، فهزموهم ، ووقع السيف في أكثرهم ، ولم يفلت منهم إلا ~~اليسير ، وهجم على الحصن الذي هناك فنهبه ، وقتل من فيه من المقدمين ~~والأتباع ، وأسر من بذل في نفسه المال الكثير ، وحصل له ولعسكره القيمة ~~الكثيرة. # وفي شوال من السنة تقررت المهادنة والموادعة بين عماد الدين ، وبين شهاب ~~الدين صاحب دمشق ، على قاعدة أحكمت. # وفي ذي الحجة منها ، ورد الخبر بعود متملك الروم في عسكره عن أنطاكية إلى ~~ناحية بعرين (3) من عملها في الثاني والعشرين منه ، (143 ظ) وأنفذ رسوله ~~إلى عماد الدين أتابك ، وظفر الأمير سوار النائب عنه في حلب بسرية وافرة ~~العدد من عسكر الروم ، فقتل بعضا ، وأسر بعضا ، ودخل بهم إلى حلب. PageV01P416 # وورد الخبر بأن حسام الدين تمرتاش بن إيل غازي بن أرتق ملك قلعة الهتاخ ~~(1) من بقية آل مروان وما كان بقي في أيديهم غيرها ، بعد البلاد والمعاقل ~~ملكها بحيلة أعملها عليهم ، ومكيدة نصبها لهم ، وهي على غاية من الحصانة ~~والمنعة. # وفيها شرع أهل حلب في تحصينها ، وحفر ms284 خنادقها ، والتحصن من الروم بها ، ~~لقربهم منها. # وورد الخبر بأن عماد الدين أتابك عزل وزيره أبا المحاسن علي بن أبي طالب ~~العجمي ، وقبض عليه ، واعتقله بسبب مال وافر ، وانكسر عليه من المعاملات ما ~~عجز عن القيام به ، والخلاص بتأديته ، وبقي معتقلا في القلعة بحلب بسببه. ### | * سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة # أولها يوم الاثنين مستهل المحرم ، وهو العشرون من أيلول ، وفيه وصل ~~الحاجب حسن الذي كان أرسل إلى متملك الروم ، ومعه رسول الملك عماد الدين أتابك. # وفي رابع عشر المحرم وصل أتابك في عسكره إلى حماة ، ورحل عنها متوجها إلى ~~ناحية البقاع ، فملك حصن المجدل (2) من أيدي الدمشقيين ، ودخل في طاعته ~~ابراهيم بن طرغت والي بانياس من عمل دمشق. # وورد الخبر في صفر بأن زلزلة عظيمة جاءت بالجزيرة وأعمال الموصل ، وقيل ~~إنها أهلكت عدة مواضع من الأرض ، وهلك فيها خلق كثير وافر من أهلها في ~~أوائل شهر ربيع الأول من السنة ، وقيل إن PageV01P417 # رسول السلطان مسعود ابن السلطان محمد ، وصل إلى الموصل بالتشريف الكامل ~~لعماد الدين أتابك ، ووصلت كتب نصير الدين نائبه فيها شرح حالها. # وورد الخبر بأن صاحب أنطاكية قبض على بطركها الأفرنجي ، ونهب داره ، وذكر ~~أن السبب في ذلك أن ملك الروم لما تقرر الصلح بينه وبين ريمند صاحب أنطاكية ~~، شرط في جملة الشروط أن ينصب بأنطاكية بطركا من قبل الروم على ما جرى ~~بمثله الرسم قديما ، ثم انتقض هذا الرسم فيما بعد ، وخرج ريمند صاحب ~~أنطاكية إلى متملك الروم وهو مخيم في (144 و) عسكره بمرج الديباج ، وقرر ~~معه الهدنة والموادعة ، وعاد إلى أنطاكية. # وفيها عاد عماد الدين أتابك عن دمشق إلى حماة في شهر ربيع الآخر ، ونزل ~~عليها ، ورحل عنها إلى حمص ، فنزل عليها محاصرا لها. # وفي هذه السنة نقض الأفرنج الهدنة المستقرة بين عماد الدين أتابك وبينهم ~~، وأظهروا الشقاق والعناد ، وشرعوا في العيث والفساد بعد اصطناعه لمقدميهم ~~، والكف عنهم ، حين أظهره الله عليهم ، وقبضوا بأنطاكية وثغور الساحل جماعة ~~من تجار المسلمين وأهل حلب والسفار ، تقدير خمسمائة رجل ms285 في جمادى الآخرة. # وفيها شتى السلطان مسعود ببغداد ، ووصل رسوله إلى أتابك بحمص وشتى ملك ~~الروم بالثغور والدروب ، وخيم بمرج الديباج. # وفي يوم الأحد النصف من جمادى ، نهض الأمير بزواج من دمشق في عسكره إلى ~~ناحية الأفرنج ، وقد أفسد أمره مع شهاب الدين صاحب دمشق لعجرفة فيه وإقدام ~~على استعمال الشر ، ونودي عليه بفساد أمره ، وظهور غدره ومكره ، وكثرة جهله ~~، وتناهيه في سوء فعله ، وأقام بظاهر البلد مدة ، وعاد أمره انصلح ، ودخل ~~البلد ، وأقام فيه مستقيم الحال PageV01P418 # مبلغا غاية الآمال فعمل عليه شهاب الدين ، وقتله بقلعة دمشق بأيدي ~~الشمسية ، في يوم الاثنين السادس من شعبان من السنة ، والسبب في ذلك أن ~~شهاب الدين كان قد نقم عليه أمورا أنكرها ، واستوحش منه لأجلها ، وعبث بمال ~~الارتفاع يفرقه في النفقات والإطلاقات ، فأعمل الحيلة في قتله ، وآنسه ~~وطمنه إلى حين وجد الفرصة فيه مستهلة ، وحصل عنده بقبة الورد في داره ~~بالقلعة ، وقد رتب له جماعة من الأرمن الشمسية ، أصحاب ركابه ، وقرر معهم ~~قتله ، فحين تمكنوا منه بخلوة من أصحابه قتلوه ، وأخرجوه ملفوفا في كساء ~~إلى المقبرة المبنية لزوجته ، فدفن بها. # وفي يوم الأحد السابع عشر من شعبان من السنة ، خلع شهاب الدين على الأمير ~~معين الدين أنر ، وقرر له أمر الأسفهسلارية ، وخوطب بالأتابكية ، ورد أمر ~~الحجبة إلى الأمير الحاجب أسد الدين أكز ، وطيب بنفسيهما ، ورد التدبير ~~والتقرير في سائر الأعمال ، وعامة الأحوال إليهما. # وفي هذا (144 ط) الشهر وردت الأخبار من ناحية الشمال ، بنزول ملك الروم ~~في عسكره على شيزر ، محاصرا لها ، ومضايقا عليها ، ونصب عليها عدة من ~~المناجيق ، واشتدت الحرب بينه وبين أهلها ، وقتل فيها جماعة من المسلمين ~~بحيث أشرفت على الهلاك ، مع مبالغة الأمير عماد الدين أتابك في إمدادها ~~بالرجالة والسلاح وآلات الحرب ، وكونه بإزاء الروم يجول بخيله على أطرافهم ~~، ويفتك بمن يظفر به منهم ، ولم يزالوا على هذه القضية إلى أن سئموا المقام ~~عليها ، ويئسوا من بلوغ الغرض فيها ، ولطف الله تعالى بأهل الشام ، ~~وتداركهم برحمته ، وورد خبر رحيلهم عن ms286 شيزر إلى أنطاكية ، واستبشر الناس ~~برحيلهم ، وعودهم خاسرين ، غير ظافرين ، ومفلولين غير فالين ، فلله تعالى ~~الحمد على هذه النعمة دائما ، والشكر متواصلا متتابعا. # قد مضى من ذكر الروم فيما اعتمدوه في هذه الأيام ، ما قد عرف ، PageV01P419 # ونذكر بعد ذلك ، مبدأ أحوالهم وخروجهم وأفعالهم ، وذلك أنهم ظهروا من ~~ناحية مدينة البلاط في يوم الخميس الكبير من صومهم ، ونزلوا غفلة على حصن ~~بزاعة بالوادي في يوم الأحد عيدهم ، وغارت خيلهم على أطراف حلب في تاسع عشر ~~رجب من السنة ، واستأمن منهم إلى حلب جماعة من كافر ترك (1)، وأنذروا من ~~بحلب بالروم ، فحذروا وضموا أطرافهم وتحرزوا وتحفظوا ، واستعدوا ، وتيقظوا ~~قبل الإغارة بليلة ، وكان هذا الإنذار من المستأمنة لطفا من الله تعالى ~~ورحمة ، وبعد هذا التحرز والاحتياط ، اشتمل الروم في عادتهم على جملة وافرة ~~من أهل حلب وضواحيها ، وأنفذ أهل حلب من أعيانهم من مضى إلى عماد الدين ~~أتابك مستصرخا به وهو مخيم على حمص ، فأنهض إليهم من أمكنه من الخيالة ~~والرجالة والناشبة والنبالة ، والعدد الوافرة ، وحصل الجميع [بحلب] (2) في ~~السابع وعشرين من رجب من السنة. # ووردت الأخبار بتملك [ملك] الروم المذكور حصن بزاعة ، بعد حصره ومضايقته ~~، ومحاربته بالمنجنيقات في يوم السبت الخامس والعشرين من رجب بالأمان ، ~~وغدر بأهله بعد تسلمه وإيمانهم ، وجمع من غدر بهم وأحصاهم ، وقيل إنهم ~~كانوا خمسة آلاف وثمانمائة نفس ، وتنصر قاضي بزاعة وجماعة من الشهود (145 ~~و) وغيرهم ، تقدير أربعمائة نفس ، وأقام الملك بعد ذلك بمكانه عشرة أيام ، ~~يدخن على مغارات اختفى فيها جماعة ، فملكوا بالدخان. # وفي يوم الأربعاء الخامس من شعبان نزل الروم أرض الناعوة ، ورحلوا عنها ~~في يوم الخميس ثامنه ، واجتازوا بحلب ، ومعهم عسكر أنطاكية ومقدمهم ريمند ~~صاحبها ، وابن جوسلين ، فنزلوا على حلب ، ونصبوا خيامهم على نهر قويق وأرض ~~السعدي ، وزحف الملك من غده PageV01P420 # في خيله ورجله من قبلي حلب وغربيها من ناحية قرنة برج الغنم ، وخرج إليهم ~~فرقة واحدة من أحداث حلب ، فقاتلتهم وظهرت عليهم ، فقتلوا فيهم وجرحوا ، ~~وأصيب من الروم مقدم مذكور ، وانكفوا خائبين إلى ms287 مخيمهم ، وأقاموا على حلب ~~أياما قلائل ، ورحلوا عنها غداة يوم الأربعاء ثامن شعبان مقتبلين إلى أرض ~~صلدع ، وخاف من بقلعة الأثارب ، فهربوا منها يوم الخميس تاسع شعبان ، ~~وطرحوا النار في خزائنها ، وعرف الروم ذلك ، فنهضت منهم طائفة إلى القلعة ، ~~ونزلت عليها وملكتها ، وحازوا ما فيها ، وألجأوا السبايا والأسرى الذين في ~~أيديهم من حصن بزاعة إلى ربض الأثارب وخندقها ، بحيث عرف الأمير سوار ~~النائب بحلب ذاك ، وانعزال الروم عنها ، نهض في عسكر حلب وأدركهم بالأثارب ~~، فأوقع بهم وقهرهم ، واستخلص المأسورين والمسبيين إلا اليسير منهم ، وذلك ~~في يوم السبت الحادي عشر من شعبان ، وسر أهل حلب بهذه النوبة ، سرورا عظيما. # وفي يوم الخميس التاسع من الشهر ، رحل عماد الدين أتابك عن حماة إلى ~~سلمية ، وسير ثقله إلى الرقة ، وبقي في خيله جريدة مخفا. # وفي يوم الاثنين رحل ملك الروم عن بلد المعرة ، فهرب من كان مقيما في كفر ~~طاب من الجند ، خوفا على نفوسهم ، وتناصرت الأخبار بعبور عسكر التركمان ~~الفرات مع ولد الأمير داود بن أرتق إلى ناحية حلب ، للغزو في الروم ، ~~ونزلوا بمجمع المروج ، ونهض فريق وافر من عسكر دمشق للغزاة أيضا في خدمة ~~عماد الدين أتابك ، وكان سبب رحيل الروم عن شيزر ، ما انتهى إليهم من وصول ~~التركمان ، وتجمع العساكر حاشرين ، وكانت مدة إقامتهم عليها ثلاثة وعشرين ~~يوما ، ووصول ملك الروم إلى أنطاكية في عوده يوم الأحد (145 ظ) الثامن من ~~شهر رمضان من السنة ، وتواصلت الأخبار بإتمام الروم في رحيلهم إلى بلادهم ، ~~وسكنت القلوب بعد انزعاجها وقلقها منهم ووجلها. PageV01P421 # وورد الخبر من ناحية حلب بوفاة القاضي بهاء الدين بن الشهرزوري بها ، في ~~يوم السبت السادس عشر من شهر رمضان من السنة ، وحمل إلى مشهد صفين ، ودفن ~~به وكان صاحب عزيمة ماضية ، وهمة نافذة ويقظة ثاقبة (1). # وفي هذه السنة توفي القاضي الأعز أبو الفتح محمد بن هبة الله بن خلف ~~التميمي رحمه الله ، في ليلة الجمعة النصف من شهر رمضان ، وكان من المتخصصين ~~ذوي المروءة ، وكرم النفس. # وفي هذه السنة ms288 ترددت المراسلات من الأمير عماد الدين أتابك ، إلى الأمير ~~شهاب الدين ، في التماس انعقاد الوصلة بينه وبين والدته الخاتون صفوة الملك ~~زمرد ابنة الأمير جاولي ، إلى أن أجيب إلى ذلك ، واستقر الأمر فيه ، وندب ~~من دمشق من تولى لها العقد في مخيمه بحمص ، في يوم الاثنين السابع عشر من ~~شهر رمضان من السنة ، وتقررت الحال على تسليم حمص إليه ، فتسلمها مع القلعة ~~وعوض عنها لواليها الأمير معين الدين أنر حصن بعرين (2)، وتوجهت الخاتون ~~صفوة الملك والدة شهاب الدين من دارها إلى عسكر عماد الدين أتابك بناحية ~~حمص وحماة ، مع أصحاب عماد الدين المندوبين لإيصالها إليه ، في أواخر شهر ~~رمضان منها. # الباهر : 57. PageV01P422 # ووردت الأخبار من ناحية العراق بأن الإمام الراشد بالله أمير المؤمنين. ~~كان قد فصل عن الموصل ، وتوجه إلى ناحية الجبل ، فقضى الله تعالى للقدر ~~النازل ، والحكم النافذ استشهاده على باب أصفهان ، بأمر قرر له ، وعمل عمل ~~عليه ، فصار إلى رحمة ربه سعيدا مأجورا شهيدا ، في يوم الثلاثاء السادس ~~والعشرين من شهر رمضان من السنة ، فكانت خلافته إلى أن استشهد سنتين وعشرة ~~أشهر (1). # وفي هذه السنة ورد الخبر بوفاة الأمير طغان (أرسلان) (2) بن حسام الدولة ~~ببدليس ، وانتصب في مكانه ولده الأمير قرتي بن طغان أرسلان ، واستقام له ~~الأمر ، وحكي عنه حكايات في الظلم والتعجرف والتجبر والجور ، تنكرها النفوس ~~، وتنفر من سماعها القلوب. ### | * سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة # (146 و) أول هذه السنة يوم الجمعة بالرؤيا ، مستهل المحرم ، وفيه اجتمع ~~الأمير عماد الدين أتابك بالخاتون صفوة الملك والدة الأمير شهاب الدين ، ~~بظاهر حمص ، وقد اجتمع عنده جماعة وافرة من رسل الخليفة والسلطان ومصر ~~والروم ودمشق وغير ذلك. # وذكر العماد الكاتب في الخريدة ما يدل على هذا ، فإنه قال : تنقل الراشد ~~في البلاد ، وديار بكر وأذربيجان ومازندران ، وعاد إلى أصبهان فأقام مع ~~السلطان داود بن محمود ، والبلد محاصر ، وهناك قحط عظيم ، وضر عميم. # قال العماد : أذكر ونحن أطفال وقد خرجنا من البلد يعني أصبهان ، وأقمنا ~~بالربط عند المصلى ، والعسكر قريب منا فسمعنا أصواتا ms289 هائلة وقت القائلة من ~~يوم الثلاثاء سادس عشرين رمضان من هذه السنة ، فقلنا : ما الخبر؟ فقالوا : ~~الخليفة قد فتكت به الملاحدة لعنهم الله ، وخرج أهل أصبهان حفاة حاسرين ، ~~وشيعوا جنازته إلى مدينة جي ، ولطموا وبكوا ودفنوه بالجامع». PageV01P423 # وفي هذا الشهر غارت الأفرنج على ناحية بانياس ونهض شهاب الدين في العسكر ~~في إثرهم فلم يدركهم وعاد إلى البلد. # وفي يوم الثلاثاء الرابع من صفر جاءت في دمشق زلزلة هائلة بعد الظهر ، ~~اهتزت بها الأرض ثلاث مرات ، وتلاها في ليلة الجمعة وقت عشاء الآخرة ثانية ~~اهتزت بها الأرض عدة مرات ، وفي ليلة الاثنين التاسع عشر من صفر عادت ~~الزلزلة في الثلث منها ثلاث مرات ، فتبارك رب هذه القدرة الباهرة ، والآية ~~الظاهرة ، وعادت في ليلة الأربعاء تتلوها في الربع الأخير من ليلة الجمعة ، ~~وتناصرت الأخبار من الثقات السفار ، والواردين من ناحية الشمال بصفة هذه ~~الرجفات المذكورات ، وأنها كانت في حلب ، وما والاها من البلاد والمعاقل ~~والأعمال أشد ما يكون ، بحيث انهدم في حلب الكثير من الدور ، وتشعث السور ، ~~واضطربت جدران القلعة ، وظهر أهل حلب من دورهم إلى ظاهره من خوفهم على ~~نفوسهم ، ويقول المكثر من الحاكي أن الزلزلة جاءت تقدير مائة مرة ، وقوم ~~يحققون أنها ثمانون مرة ، والله أعلم بالغيب والصواب ، تبارك الله رب ~~العالمين ، القادر على كل شيء. # وفي يوم السبت السابع عشر من شعبان الموافق للتاسع من نيسان جاء رعد هائل ~~مختلف من عدة جهات ، وبرق زائد ، وجلبات هائلة قبل الظهر ، ثم جاء مع ذلك ~~مطر شديد الوقع ، وبرد هائل ، حكى بعض الثقات أنه وزن واحدة من كبار البرد ~~، فكان وزنها في ناحية الغوطة والمرج ثمانية دراهم ، وقال آخرون وزنوا ~~واحدة ، فكانت سبعة عشر درهما ، وقتل كثيرا من الطير ، وأتلف كثيرا من ~~الشجر والزرع والثمار. # وفي يوم الأربعاء النصف من شوال ، وردت الأخبار من ناحية مصر ، بالحادثة ~~الكائنة بمصر بين الأجناد (1) بها ، بحيث قتل بينهم من الفريقين الخلق ~~الكثير ، من : الخيالة ، والرجالة. PageV01P424 # وعلى مضي ست ساعات من (146 ظ) نهار يوم ms290 الأربعاء ، الحادي والعشرين من ~~شوال ، جاءت رجفة هائلة ، ارتاعت لها القلوب ، ورجفت بها الصدور. # وفي يوم الجمعة الثالث والعشرين من شوال من السنة في غداته ، ظهرت ~~الحادثة المدبرة على الأمير شهاب الدين محمود بن تاج الملوك بن ظهير الدين ~~أتابك ، وقتله في فراشه ، وهو في نومه في ليلة الجمعة المذكورة ، بيد ~~غلمانه الملاعين : البغش الأرمني الذي اصطنعه وقربه إليه واعتمد في أشغاله ~~عليه ، ويوسف الخادم الذي وثق به في نومه لديه ، والخركاوي الفراش الراقد ~~حواليه ، ووقوع الزحف عند اشتهار هذا الخبر إلى كاتبه النفيس أبي طالب عقيل ~~بن حيدرة ، مستوفي ديوان المعاملات ، وقتله في الطريق ، عند أخذه من الدار ~~التي لجأ إليها واختفى عند هروبه فيها ، وكان هؤلاء الثلاثة النفر الجناة ~~الملاعين يبيتون حول سريره ، فلما قرر معهم هذا الأمر ، رقدوا في أماكنهم ~~على جاري عادتهم ، فلما انتصف الليل وتحققوا نومه ، وثبوا عليه ، فقتلوه في ~~فراشه على سريره ، وصاح فراش آخر كان معهم ، فقتلوه أيضا ، ودبروا أمرهم ~~بينهم ، وأخفوا سرهم ، بحيث خرجوا من القلعة ، وظهر الأمر ، وطلب البغش ~~لعنه الله ، فهرب ونهب بيته ومسك الآخران (1)، فصلبا على سور باب الجابية. # وكتب إلى الأمير جمال الدين محمد بن تاج الملوك أخيه ، صاحب بعلبك ، ~~بصورة الحال ، فبادر بالوصول إلى دمشق في أسرع وقت ، وأقرب أوان ، فجلس في ~~منصبه ، وعقد الأمر له واستحلف الأمراء والمقدمين والأعيان على الطاعة ~~والمناصحة في خدمته ، فتقررت الحال ، وسكنت الدهماء ، وظهرت الكائنة ، ~~وانكشفت الغماء. # وحين انتهى (الخبر) (2) إلى الخاتون صفوة الملك والدة الأمير شهاب PageV01P425 # الدين رحمه الله ، قلقت وانزعجت وحزنت عليه ، وأسفت وأكبرت هذا الأمر ، ~~وحدوث مثله ، على ولدها ، وراسلت الأمير عماد الدين أتابك ، وهو بناحية ~~الموصل ، معلمة له بصورة الحال ، وباعثة لهمته على النهوض لطلب الثأر ، من ~~غير تلوم ولا إغفال ، فحين وقف على الخبر ، امتعض له ، أشد الامتعاض ولم ~~يكن باستمرار مثله بالراضي ، وصرف الاهتمام إلى التأهب لما حرضته عليه ، ~~وأشارت إليه ، والاستعداد له ، والاحتشاد لقصده وثنى أعنة (147 و) الاعتزام ~~إلى ناحية الشام ، مجدا في ms291 قصد دمشق لبلوغ كل مطلب ينحوه ، ومرام ، وتناصرت ~~الأخبار بهذه العزيمة إلى دمشق ، فوقع الاحتياط ، والتحرز من جانبه ~~والاستعداد ، ثم تلا ذلك ورود الخبر بنزوله على بعلبك في يوم الخميس ~~العشرين من ذي الحجة من السنة ، في عسكر كثيف ، وجم غفير ، وقد كانت قبل ~~نزوله عليها قد شحنت بالرجال المقاتلة ، والعدد الكاملة ، ورد أمر الولاية ~~فيها إلى معين الدين أنر ، وقد تمكنت حالته ، وارتفعت رتبته ، ونفذت أوامره ~~في الدولة ، وأمثلته ، فنصب عليها عدة من المناجيق ، وواصل المحاربة لأهلها ~~وبالغ في المضايقة لها ، وقيل إن عدة المنجنيقات المنصوبة عليها أربعة عشر ~~منجنيقا ، يرمي عليها بالنوبة ليلا ونهارا ، بحيث أشرف من بها على الهلاك ، ~~ولم تزل هذه حالها إلى أن ورد الخبر بافتتاحها بالأمان ، لشدة ما نزل ~~بأهلها من البلاء والمضايقة والنقوب ، وبقيت القلة (1) وفيها جماعة من ~~شجعان الأتراك المندوبين لحمايتها ، والذب عنها ، فلما أيسوا من معين ~~يأتيهم من المعين ، ووصول من ينقذهم من البلاء المحيط ، سلموها إلى عماد ~~الدين أتابك ، بعد أخذ أمانه ، والتوثق منه ، فلما حصلت في ملكته ، نكث ~~عهده ، ونقض أمانه لحنق أسره ، وغيظ على من كان فيها أكنه ، فأمر بصلبهم ، ~~ولم يفلت منهم إلا من حماه أجله ، فاستبشع الناس ذلك من فعله ، واستبدعوه ~~من نكثه. PageV01P426 # وقد كان الخبر ورد قبل ذلك بافتتاح عماد الدين أتابك قلعة الأثارب ، في ~~يوم الجمعة أول صفر من السنة المقدم ذكرها. # ووردت الأخبار بأن رجفة عظيمة ، حدثت في الشام ، بعد ما تقدم ذكره ، في ~~ليلة الجمعة الثامن من صفر منها. # وفي شهر رمضان منها ، ورد الخبر بأن الأمير الأفضل رضوان بن ولخشي ، صاحب ~~الأمر بمصر ، خرج منها لأمر خاف معه من صاحبه الإمام الحافظ لدين الله أمير ~~المؤمنين ، ووصل إلى صرخد ، وأن أمين الدولة كمشتكين الأتابكي واليها ، ~~تلقاه بالإكرام ومزيد الإعظام والاحترام ، وأقام في ضيافته وكرامته ، مدة ~~ثم عاد من عنده طالبا لمصر لأمر كان دبره ، وسبب قرره ، فلما وصل إليها فسد ~~ذلك التدبير عليه ، ولم ينل ما كان صرف همه إليه ، فاعتقل ms292 في القصر مكرما ، ~~ومبجلا محترما (1). # (147 ظ) وفيها توفي النقيب الإمام ، جمال الإسلام ، أبو الحسن علي ابن ~~محمد بن الفتح السلمي الشافعي ، متولي المدرسة الأمينية ، في يوم الأربعاء ~~الثالث عشر من ذي القعدة منها ، وهو ساجد في صلاة الغداة رحمه الله ، وكان ~~مشهورا بوفور العلم في التفقه ، وقوة الفرائض والوعظ والدين والأمانة ، ~~بحيث وقع التألم لفقده ، وافتقر إلى مثله من بعده (2). ### | * سنة أربع وثلاثين وخمسمائة # أول هذه السنة المباركة يوم الثلاثاء بالرؤية مستهل المحرم ، وفيه ورد ~~الخبر بفراغ عماد الدين أتابك من ترتيب أمر بعلبك ، وقلتها وترميم ما # مرآة الزمان : 1 / 170 171 ، منادمة الأطلال : 86. PageV01P427 # تشعث منها ، وشروعه في التأهب للنزول على مدينة دمشق لمضايقتها ، وورد ~~عقيب ذلك الخبر برحيله عنها في العسكر ، ونزوله في البقاع في شهر ربيع ~~الأول منها ، وأنفذ رسوله إلى الأمير جمال الدين محمد بن تاج الملوك بوري ~~ابن أتابك صاحبها ، في التماس تسليم البلد إليه ، ويعوض عنه بما يقع ~~الاختيار والاقتراح عليه ، فلم يجب إلى ما رغب فيه ، فرحل عن البقاع ، ونزل ~~على داريا ظاهر دمشق في يوم الأربعاء ثالث عشر ربيع الآخر منها ، وكان عند ~~نزوله على داريا قد التقت الطلائع فظفر بجماعة وانهزم الباقون إلى البلد ، ~~وزحف بعد ذلك إلى البلد في عسكر من ناحية المصلى في يوم الجمعة الثامن ~~وعشرين من شهر ربيع الآخر من السنة ، فظفر بجماعة وافرة من أحداث البلد ، ~~والغوطة ، وأطلق السيف فيهم ، فمنهم من مضى قتيلا وأسيرا ، ومنهم من عاد ~~إلى البلد سالما وجريحا ، وأشرف البلد في هذا اليوم على الهلاك لو لا لطف ~~الله تعالى ، وعاد إلى مخيمه بمن أسر بعد من قتل ، وأمسك أياما عن الحرب ، ~~وتابع المراسلة والتلطف في تسليم البلد ، وأخذ العوض عنه بعلبك وحمص ، وما ~~يقترح معهما ، فآثر جمال الدين محمد بن تاج الملوك الدخول في هذا الأمر ، ~~لما فيه من الصلاح وحقن الدماء ، وعمارة الأعمال ، وسكون الدهماء ، وأباه ~~عند الاستشارة فيه ، وجعل يزحف بعسكره في أيام متفرقة ، بحيث لم يصدق في ~~القتال ms293 ، ولا بالغ في التضييق والنزال ، إشفاقا من سفك الدماء ، كالكاف ~~المسالم ، والمتأني في الوقائع والمغانم ، وابتدأ بجمال الدين (148 و) محمد ~~ابن تاج الملوك مرض اتصل به في جمادى الأولى من السنة ، فصار يخف تارة ، ~~ويثقل ويمضي ويعود ويقل ويزيد إلى أن اشتد به اشتدادا ، وقع اليأس معه منه ~~، ولم يكن له فيه طب ولا راق ، ولم يزل على هذه الحال إلى أن قضى محتوم ~~نحبه ، وصار إلى رحمة ربه في ليلة الجمعة الثامن من شعبان منها ، في الوقت ~~الذي أصيب فيه أخوه شهاب الدين محمود بن تاج الملوك رحمهما الله ، فعجب ~~الناس من ذلك ، واتفاق الوقت والساعة ، وسبحوا الله وقدسوه ، وجهز ودفن في ~~تربة جدته بالفراديس. PageV01P428 # واجتمع رأي المقدمين وأصحاب الأمر من بعده ، على سد ثلمة فقده ، بنصب ~~ولده الأمير عضل الدولة أبي سعيد آبق بن جمال الدين محمد في مكانه ، وأخذت ~~له بذلك العهود المؤكدة بالأيمان المشددة ، على الإخلاص في الطاعة ، والصدق ~~في الخدمة والمناصحة ، فاستقام الأمر ، وصلح التدبير ، وزال الخلف ، وسكنت ~~الأمور بعد اضطرابها ، وقرت النفوس بعد استيحاشها ، وحين عرف عماد الدين ~~أتابك هذه القضية ، زحف في عسكره إلى البلد طامعا في خلف يجري بين المقدمين ~~بوفاته ، فينال به بعض طلباته ، فكان الأمر بالضد مما أمل ، والحال بالعكس ~~فيما ظن ، ولم يصادف من أجناد دمشق وأحداثها إلا الثبات على القراع ، ~~والصبر على المناوشة والمصاع (1)، فعاد منكفئا إلى عسكره ، وقد ضعفت نفسه ~~، وضاق لهذا الأمر صدره ، وقد كان تقرر الأمر مع الأفرنج على الاتفاق ~~والاعتضاد والمؤازرة والإسعاد والامتزاج في دفعه ، والاختلاط في صده عن ~~مراده ومنعه ، ووقعت المعاهدة على ذلك بالأيمان المؤكدة ، والضمان للوفاء ~~بما بذلوه ، والتمسوا على ذلك مالا معينا ، يحمل إليهم ليكون عونا لهم على ~~ما يحاولونه ، وقوة ورهانا تسكن بها نفوسهم وأجيبوا إلى ذلك ، وحمل إليهم ~~المال والرهائن من أقارب المقدمين ، وشرعوا في التأهب للإنجاد ، والاستعداد ~~للمؤازرة والإسعاد ، وكاتب بعضهم بعضا بالبعث على الاجتماع من سائر المعاقل ~~والبلاد ، على إبعاد أتابك ، وصده عن نيل الأرب ms294 من دمشق والمراد ، قبل ~~استفحال أمره ، وإعضال خطبه ، وقوة شوكته ، واستظهاره على عصب الأفرنج وقصد ~~بلادهم. # فحين تيقن صورة الحال في هذا العزم (148 ظ) وتجمعهم لقصده مع عسكر دمشق ، ~~رحل عن منزله بداريا في يوم الأحد الخامس من شهر رمضان ، طالبا ناحية حوران ~~، للقاء الأفرنج إن قربوا منه ، وطلبهم إن بعدوا عنه ، وأقام على هذا ~~الاعتزام مدة ثم عاد إلى ناحية غوطة دمشق ، PageV01P429 # ونزل بعذراء يوم الأربعاء لست بقين من شوال ، فأحرق عدة ضياع من المرج ~~والغوطة إلى حرستا التين ، ورحل يوم السبت تاليه متشاملا ، حين تحقق نزول ~~الأفرنج بالميدان في جموعهم ، وكان الشرط مع الأفرنج أن يكون في جملة ~~المبذول لهم انتزاع ثغر بانياس من يد إبراهيم بن طرغت ، وتسليمها إليهم ~~فاتفق أن إبراهيم بن طرغت واليه ، كان قد نهض في أصحابه إلى ناحية صور ، ~~للإغارة عليها ، فصادفه ريمند صاحب أنطاكية في قصده واصلا إلى إسعاد ~~الأفرنج على إنجاد أهل دمشق ، فالتقيا فكسره ، وقتل في الوقعة ومعه نفر ~~يسير من أصحابه ، وعاد من بقي منهم إلى بانياس ، فتحصنوا بها ، وجمعوا ~~إليها رجال وادي التيم ، وغيرهم ، ومن أمكن جمعه من الرجال ، للذب عنها ~~والمراماة دونها ، فنهض إليها الأمير معين الدين في عسكر دمشق ، ونزل عليها ~~، ولم يزل محاربا بالمنجنيقات ، ومضايقا لها بأنواع المحارب ، ومعه فريق ~~وافر من عسكر الأفرنج عامة شوال. # وورد الخبر بأن الأمير عماد الدين أتابك قد نزل على بعلبك ، وأنفذ يستدعي ~~التركمان من مظانهم ، في شوال لقصد بانياس ، ودفع المنازلين لها عنها ، ولم ~~تزل الحالة جارية على هذه القضية إلى آخر ذي الحجة من السنة. # ووردت الأخبار من ناحية مصر ، بأن الأفضل بن ولخشي ، لما فصل عن صرخد ، ~~ووصل إلى ظاهر مصر ، أن الأتراك الذين انضموا إليه ، عملوا عليه وغدروا به ~~، وانتهبوا ما كان معه من كراع وسواد ، فحين وجدوا منه الغرة والغفلة لم ~~يبقوا على أي شيء مما صحبه ، وتفرقت عنه أصحابه ورجاله ، وبقي فريدا ، فحصل ~~في أيدي الحافظية أسيرا ، ووصل به من يحفظه ويحتاط ms295 عليه ، وهذا الأفضل ~~المقدم موصوف بالشجاعة والفروسية وعلو الهمة ومضاء العزمة والبسالة ، وحسن ~~السياسة ، وذكاء الحس ، ولكن المقادير لا تغالب ، والأقضية لا تدافع ، ~~والله يفعل ما يشاء ويختار. PageV01P430 # ولم تزل بانياس على حالها في المضايقة والمحاصرة ، إلى أن نفدت منها ~~الميرة ، وقل قوت المقاتلة فسلمت (149 و) إلى معين الدين ، وعوض عنها ~~الوالي الذي كان بها بما أرضاه من الإقطاع والإحسان ، وسلمها إلى الأفرنج ، ~~ووفى لهم بالشرط ، ورحل عنها منكفئا إلى دمشق ظافرا بأمله حامدا لعمله في ~~أواخر شهر شوال. # وفي صبيحة يوم السبت السابع من ذي القعدة من السنة ، حصل عماد الدين ~~أتابك بعسكره جريدة بظاهر دمشق ، ووصل المصلى ، وقرب من سور البلد ، ولم ~~يشعر به أحد لكون الناس في أعقاب نومهم ، فلما تبلج الصباح ، وعرف خبره ، ~~علت الجلبة والصياح ، ونفر الناس ، واجتمعوا إلى الأسوار ، وفتح الباب ، ~~وخرجت الخيل والرجالة ، وكان قد فرق عسكره إلى حوران والغوطة والمرج وسائر ~~الأطراف للغارة ، ووقف هو في خواصه بإزاء عسكر دمشق ، بحيث لا يمكن أحدا من ~~أصحابه في اتباع أحد من خيله المغيرة ، ونشبت الحرب بينه وبين عسكر دمشق ، ~~وجرح من الفريقين جملة وافرة ، وأحجم عنهم لاشتغاله بمن بثه من سراياه في ~~الغارات ، وحصل في أيديهم من خيول الجشار والأغنام والأحمال والأبقار ~~والأثاث ما لا يحصى كثرة لأنهم جاؤوا على غفلة ، وغرة ، ونزل من يومه بمرج ~~راهط ، إلى أن اجتمعت الرجال والغنائم ، وسار عائدا على الطريق الشمالية ~~بالغنائم الدثرة المتناهية في الكثرة. # ووردت الأخبار من ناحية بغداد بعزل الوزير شرف الدين علي بن طراد الزينبي ~~، عن وزارة الإمام المقتفي بأمر الله ، وتقليدها الوزير نظام الدين بن جهير. ### | * سنة خمس وثلاثين وخمسمائة # في شهر رمضان منها ورد الخبر بظهور عسكرية عسقلان ، على خيل الأفرنج ~~الغائرين عليها ، وقتل جماعة منهم وعودهم مفلولين خاسرين. PageV01P431 # وفيها ورد الخبر من ناحية الشمال بتملك الباطنية حصن مصيات بحيلة دبرت ~~عليه ، ومكيدة نصبت له. # وفيها توفي البدليسي (1) إمام المسجد الجامع بدمشق ، في ثالث ذي الحجة ~~منها رحمه الله ، وكان ms296 حسن الطريقة قليل التبذل ، جيد الحفظ والقراءة ، ~~والتصون ، ووقع الاختيار على الشيخ الإمام أبي محمد بن طاووس في إقامته ~~مكانه ، لما فيه من حسن الطريقة والتصون والتدين ، والقيام بقراءة السبعة ~~المشهورة (149 ظ). ### | * سنة ست وثلاثين وخمسمائة # فيها ورد الخبر من ناحية الشمال بإغارة الأمير لجه التركي ، النازح عن ~~دمشق إلى خدمة الأمير عماد الدين أتابك ، على بلد الأفرنج وظفره بخيلهم ، ~~وفتكه بهم ، بحيث ذكر أن عدة المقتولين منهم تقدير سبعمائة رجل. # وفيها ورد الخبر من ناحية العراق ، بإيقاع عسكر السلطان غياث الدنيا ~~والدين ، ركن الإسلام والمسلمين ، مسعود بن محمد ، بحلة بني خفاجة ونهبها ~~وقتل من ظفر به ، لكثرة فسادهم ، وتزايد عنادهم وإخافتهم السابلة ، وأخذهم ~~كل رفقة من التجار الصادرة والقافلة ، وعوده إلى بغداد ظافرا غانما. # وفيها توفي النقيب الإمام أبو القاسم عبد الوهاب بن عبد الواحد الحنبلي ~~رحمه الله [ليلة الأحد سابع عشر صفر سنة ست وثلاثين PageV01P432 # وخمسمائة (1) ] بمرض حاد عرض له ، فأضعفه وقضى فيه نحبه ، وكان على ~~الطريقة المرضية ، والخلال الرضية ، ووفور العلم وحسن الوعظ ، وقوة الدين ، ~~والتنزه مما يقدح في أفعال غيره من المتفقهين ، وكان يوم دفنه يوما مشهورا ~~من كثرة المشيعين له ، والباكين حوله ، والمؤبنين لأفعاله ، والمتأسفين عليه. # وفي هذه السنة وردت الأخبار من ناحية العراق ، بالوقعة الهائلة بين ~~السلطان الأعظم شاهنشاه المعظم معز الدنيا والدين أبي الحارث (2) سنجر بن ~~ملك شاه سلطان الشرق ، وبين كافر ترك الواصل من ناحية الصين عند ما وراء ~~النهر ، وكان في عسكر لا يحصى عددا ، وقصده السلطان سنجر في عسكر يناهزه ، ~~والتقى الجمعان فظهر عسكر كافر ترك على عسكر السلطان سنجر فكسره وهزمه ، ~~وقتل أكثره إلا اليسير ممن حماه أجله ، واشتمل على ما حواه من الأموال ~~والحرم والكراع والسواد ، وهو شيء لا يحيط به وصف فيوصف ويحصر ، ولا يدركه ~~نعت فيذكر ، وعاد السلطان منهزما إلى بلخ (3). # وفيها ورد الخبر بوفاة ضياء الدين أبي سعيد بن الكفرتوثي ، وزير الأمير ~~عماد الدين أتابك في خامس من شعبان ، وكان على ما حكي عنه ms297 حسن الطريقة ، ~~جميل الفعل ، كريم النفس ، مرضي السياسة ، مشهور النفاسة والرياسة. # ط. القاهرة : 1952 : 1 / 198 201 ، وقد نقل ابن رجب عن ابن القلانسي. # «أخذ الله للمسترشد بالثأر وأحل به الهلاك والبوار ، إن في ذلك عبرة ~~لأولي الأبصار». انظر الكامل لابن الأثير : 9 / 502. راحة الصدور : 262. ~~مرآة الزمان : 1 / 180. PageV01P433 # وفيها ورد الخبر بوفاة الأمير سعد الدولة ، صاحب آمد ، وجلوس ولده محمود ~~(1) في منصبه من بعده (150 و) فانتظم له الأمر من بعد فقده. # وفيها ورد الخبر بوفاة الأمير ولد الدانشمند رحمه الله ، وانتصاب ولده في ~~منصبه من بعده واستقام له الأمر. # وفيها توفي الشيخ أبو محمد بن طاووس ، إمام المسجد الجامع بدمشق ، في يوم ~~الجمعة سابع عشر من المحرم من السنة (2). ### | * سنة سبع وثلاثين وخمسمائة # فيها وردت الأخبار من ناحية مصر بعظم الوباء في الاسكندرية والديار ~~المصرية ، بحيث هلك هناك الخلق العظيم ، والجم الغفير. # وفي يوم الأحد ، السابع والعشرين من شهر ربيع الأول ، توفي القاضي بهجة ~~الملك أبو طالب علي بن عبد الرحمن بن أبي عقيل ، بمرض صعب ، كان فيه قضاء ~~نحبه ، وانتقاله إلى رحمة ربه ، وهو من جلالة القدر ، وجميل الذكر على ~~الطريقة المرضية المشهورة ، والسجية المستحسنة المشكورة. # وفيها ورد الخبر بظهور صاحب أنطاكية إلى ناحية بزاعة ، وأن الأمير سوار ، ~~النائب في حفظ حلب ثناه عنها وحال بينه وبينها (3). # وفيها وردت الأخبار بظهور متملك الروم إلى الثغور دفعة ثانية بعد PageV01P434 # أولى ، وبرز إليه صاحب أنطاكية ، وخدمه وأصلح أمره معه ، وطيب نفسه ، ~~وعاد عنه إلى أنطاكية (1). # وفيها وردت الأخبار بأن الأمير عماد الدين أتابك ، استوزر الأجل أبا ~~الرضا ولد أخي جلال الدين بن صدقة ، وزير الخليفة ، وفيها ورد الخبر بأن ~~الأمير عماد الدين أتابك افتتح قلعة أشب (2)، المشهورة بالمنعة والحصانة. # وفي شهر رمضان منها ورد الخبر بموت متملك الروم. # وفيها توفي القاضي المنتجب أبو المعالي محمد بن يحيى ، في يوم الأربعاء ~~النصف من شهر ربيع الأول منها ، ودفن بمسجد القدم رحمه الله ، وتولى بعده ~~القضاء ولده القاضي أبو الحسن علي بن ms298 محمد القرشي ، وكتب له منشور القضاء ~~من قاضي القضاة ببغداد. ### | * سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة # فيها وردت الأخبار من ناحية العراق ، بأن الخبر ورد إليها بهلاك ملك كافر ~~ترك من ناحية الصين ، الذي كان ظفر بعسكر السلطان سنجر ، في تلك الوقعة ~~المقدم ذكرها. # وفيها ورد الخبر بافتتاح الأمير عماد الدين قلعة حيزان (3). PageV01P435 # وفي شهر رمضان منها (150 ظ) وردت الأخبار من ناحية العراق ، بقتل السلطان ~~داود بن السلطان محمود بن محمد بن ملك شاه بيد نفر ندبوا لقتله فاغتالوه ~~وقتلوه ، ولم يعرف لهم أصل ولا جهة ، ولا علم مستقرهم (1). # وفي ثالث جمادى الأولى منها قبض على الأمير الحاجب أسد الدين أكز ، وأخذ ~~ماله ، وسملت عيناه ، واعتقل ، وتفرق عنه أصحابه. وفيها ورد الخبر من ناحية ~~الأفرنج بهلاك ملكهم الكند أياجور (2) ملك بيت المقدس ، بعلة عرضت له كان ~~فيها إتلاف نفسه ، وأقيم ولده الصغير ، وأمه مقامه في الملك ، ورضي الأفرنج ~~بذلك ، واستقامت الحال عليه. # وفي رمضان منها عزل أبو الكرام عن وزارته [في] ديوان دمشق لأسباب أنكرت ~~عليه ، وأشياء قبيحة عزيت إليه. # وفيها ورد الخبر بعزل عماد الدين أتابك وزيره أبا الرضا بن صدقة ، لأسباب ~~أوجبت ذاك ودعت إليه ، وأغراض بعثت عليه ، واستوزر مكانه (3). ### | * سنة تسع وثلاثين وخمسمائة # في يوم الخميس الحادي عشر من المحرم منها توجه الأمير الرئيس مؤيد الدين ~~رئيس دمشق إلى ناحية صرخد ، مستوحشا من أحوال بلغته عن أبي الكرام المستناب ~~في وزارة ديوان دمشق ، وعن الأمير مؤيد الدولة أسامة بن مرشد بن علي بن ~~منقذ ، أنكرها من سعيهما ، واستبشعها من قصدهما ، فسار عن البلد ممتعضا من ~~أقدامهما على ما PageV01P436 # يخالف أمره ، ويضيق صدره ، ووصل إليها وتلقاه واليها بالإكرام لمثواه ، ~~وإحسان لقياه ، وترددت المراسلات بينه وبين الأمير معين الدين أتابك ، صاحب ~~الأمر والتدبير بدمشق في هذا الباب ، وتكرر المقال بينهما بالاعتذار من كل ~~واحد منهما والعتاب ، ولم تزل هذه الحال مترددة بينهما إلى أن أسفرت عن ~~تقرير عوده إلى داره ، وإخراج أبي الكرام الوزير وأسامة بن منقذ إلى ناحية ~~مصر ms299 بأهليهما ومالهما وأسبابهما ، فسارا من دمشق إلى ناحية مصر ، بعد ~~استئذان صاحبها في أمرهما ، وخروج أذنه بوصولهما في يوم الخميس السابع من ~~جمادى الأولى من السنة ، على سبيل المداراة والمصانعة ، وقيل أنهما لقيا من ~~إحسان تلك الدولة السعيدة ، من الإحسان وجزيل الإنعام ما جرت به عادتها ~~المستحسنة في حق من يلجأ إلى ظلها ، وسابغ عدلها. # وفي يوم الجمعة (151 و) الثالث عشر من جمادى الأولى ، عاد الأمير مؤيد ~~الدين إلى دمشق من صرخد ، وخرج أهل البلد لتلقيه ، وإظهار السرور به ، ~~والاستبشار بعوده ، وطابت نفسه ببلوغ أمانيه ، ومضي أعاديه الساعين فيه. # وفي شهر ربيع الآخر ورد الخبر بخروج عسكر إلى فرقة وافرة من الأفرنج ، ~~وصلت إلى ناحية بعلبك ، للعيث فيها ، وشن الإغارات فالتقيا فأظفر الله ~~المسلمين بهم ، وأظهرهم عليهم ، فقتلوا أكثرهم ، واستولوا على ما كان معهم ~~، وامتلأت أيدي المسلمين بغنائمهم ، وعادوا إلى بعلبك سالمين مسرورين ~~غانمين ، وعاد الباقون من الأفرنج إلى مكانهم مفلولين محزونين خاسرين. # وفي جمادى الأولى منها ، ورد الخبر من ناحية الشمال بأن عسكر حلب ظفر ~~بفرقة كبيرة من التجار والأجناد ، وغيرهم ، خرجت من أنطاكية تريد بلاد ~~الأفرنج ، ومعها مال كثير ودواب ومتاع وأثاث ، فأقعوا بها ، واشتملوا على ~~ما كان فيها ، وقتلوا من كان معها من PageV01P437 # خيالة الأفرنج لحمايتها والذب عنها ، وعاد إلى حلب بالمال والسبي والأسرى ~~والدواب (1). # وفي يوم السبت الثالث عشر من رجب من السنة ، توفي الأخ الأمين أبو عبد ~~الله محمد بن أسد بن علي بن محمد التميمي عن أربع وثمانين سنة ، بعلة الذرب ~~، ودفن بتربة اقترحها ، خارج باب الصغير من دمشق ، وكان على الطريقة ~~المرضية من حسن الأمانة والتصون والديانة ، ولزوم داره والتنزه عن كل ما ~~يوتغ (2) الدين ، ويكره بين خيار المسلمين ، غير مكاثر الناس ، ولا معاشر ~~لهم ، ولا متخلط بهم. # وفي هذه السنة وردت الأخبار من ناحية الشمال بأن الأمير عماد الدين أتابك ~~افتتح مدينة الرها بالسيف ، مع ما هي عليه من القوة والحصانة والامتناع على ~~قاصديها ، والحماية على طالبيها من العساكر الجمة ومنازليها ms300 ، وإن السبب في ~~ذلك أن الأمير عماد الدين أتابك ، لم يزل لها طالبا ، وفي تملكها راغبا ، ~~ولانتهاز الفرصة فيها مترقبا ، لا يبرح ذكرها جائلا في خلده وسره ، وأمرها ~~ماثلا في خاطره وقلبه ، إلى أن عرف أن جوسلين صاحبها ، قد خرج منها في جل ~~رجاله وأعيان حماته وأبطاله لأمر اقتضاه ، وسبب من الأسباب إلى البعد عنها ~~دعاه ، للأمر المقضي والقدر النازل ، فحين تحقق (151 ظ) ذاك بادر بقصدها ، ~~وسارع إلى النزول في العسكر الدثر عليها لمضايقتها ، والحصر لمن فيها ، ~~وكاتب طوائف التركمان بالاستدعاء لهم للمعونة عليها ، والإسعاد وأداء فريضة ~~الجهاد ، فوصل إليه منهم الخلق الكثير ، والجم الغفير بحيث أحاطوا بها من ~~جميع الجهات ، وحالوا بينها وبين ما يصل إليها من المير والأقوات ، والطائر ~~لا يكاد يقرب منها خوفا على نفسه من صوائب سهام منازليها ، ويقظة المضيقين ~~عليها ، ونصب على أسوارها المناجيق ، ترمي عليها دائما ، PageV01P438 # والمحاربة لأهلها مصرا ومواظبا ، وشرع الخراسانيون والحلبيون العارفون ~~بمواضع النقوب ، الماضون فيها ، فنقبوا في عدة مواضع عرفوا أمرها ، وتيقنوا ~~نفعها وضرها ، ولم يزالوا على هذه الحال في الإيغال في النقب ، والتمادي في ~~بطن الأرض إلى أن وصلوا إلى تحت أساس أبراج السور ، فعلقوه بالأخشاب ~~المحكمة ، والآلات المنتخبة ، وفرغوا من ذلك ، ولم يبق غير إطلاق النار ~~فيها ، فاستأذنوا عماد الدين أتابك في ذلك ، فأذن لهم بعد أن دخل في النقب ~~، وشاهد حاله ، واستعظم كونه وهاله ، فلما أطلقت النار في تعليق النقوب ~~تمكنت من أخشابها وأبادتها ، فوقع السور في الحال ، وهجم المسلمون البلد ~~بعد أن قتل من الجهتين الخلق الكثير على الهدم ، وقتل من الأفرنج والأرمن ~~وجرح ما أوجب هزيمتهم عنه ، وملك البلد بالسيف في يوم السبت السادس وعشرين ~~من جمادى الآخرة منها ، ضحوة النهار (1)، وشرع في النهب والغنائم والسبي ، ~~ما سرت به النفوس ، وابتهجت بكثرته القلوب ، وشرع عماد الدين أتابك بعد أن ~~أمر برفع السيف والنهب في عمارة ما انهدم ، وترميم ما تشعث ، ورتب من رآه ~~لتدبير أمرها (2) وحفظها ، والاجتهاد في مصالحها ، وطيب بنفوس أهلها ، ~~ووعدهم بإجمال السيرة ms301 فيهم ، وبسط المعدلة في أقاصيهم وأدانيهم ، ورحل عنها ~~وقصد سروج ، وقد هرب الأفرنج منها ، فملكها وجعل لا يمر بعمل من أعمالها ، ~~ولا معقل من معاقلها ، فينزل عليه إلا سلم إليه في الحال (152 و). # وتوجه إلى حصن البيرة من تلك الأعمال ، وهو غاية في الامتناع على طالبه ، ~~والصعوبة على قاصده ، فنزل عليه وشرع في محاربته ومضايقته ، PageV01P439 # وقطع عنه سائر من يصل إليه بالقوت والميرة والمعونة والنصرة ، ولم يزل ~~محاصرا له ومحاربا ومضيقا إلى أن ضعف أمره ، وعدمت الميرة فيه ، وورد على ~~عماد الدين وقد أشرف على ملكته من خبر نائبه في الموصل الأمير جقر بن يعقوب ~~، في الوثوب عليه وقتله ، ما أزعجه وأقلقه ، ورحله عنها لكشف الحال الحادثة ~~بالموصل (1)، مما يأتي شرح ذلك في موضعه. # وفي جمادى الأولى منها ورد الخبر بأن الأمير عماد الدين أتابك انتهى إليه ~~أن أهل حديثه (2) عانة قد خالفوا أمره ، وعصوا عليه ، فأنهض إليها من عسكره ~~فريقا وافرا ، فقصدها ونزل عليها وحاربها وضايقها ، وملكها بالسيف وقتل ~~أكثر أهلها ونهبها ، وبالغ في إهلاك من بها. # وفي شهر رمضان منها ورد الخبر من ناحية الشمال بأن عسكر الأفرنج المجتمع ~~بناحية أنطاكية لإنجاد أهل الرها من جميع أعمالها ومعاقلها (3).... وكان ~~عماد الدين أتابك قد أنهض إليه جيشا وافر العدد ، من طوائف التركمان ~~والأجناد ، فهجموا عليه بغتة وأوقعوا بمن وجدوه في أطرافه ونواحيه ، وفتكوا ~~به ، فرحل في الحال وقد استولوا على كثير من الأفرنج قتلا وأسرا ، واشتملوا ~~على جملة وافرة من كراعهم ، وتحكم السيف في أكثر الراجل ، وتفرقوا في ~~أعمالهم ومعاقلهم مفلولين مخذولين خاسرين. # وفيها كانت الحادثة على الأمير نصير الدين جقر بن يعقوب ، النائب عن ~~الأمير عماد الدين في ولاية الموصل. PageV01P440 ### || * شرح الحال في ذلك # كان الملك فرخانشاه (الخفاجي) بن السلطان محمود بن محمد بن (1) ملك شاه ~~قد حدث نفسه على العمل على الأمير نصير الدين ، الوالي بالموصل ، والفتك به ~~، وملكه الموصل ، وبالتفرد بالأمر ، واشتمال جماعة من غلمان الأمير عماد ~~الدين أتابك ، تقدير أربعين غلاما ، من وجوه الغلمان ms302 مع أصحابه وخواصه ، ~~ورقب الفرصة فيه والغفلة منه ، مع شدة تيقظه ، ومشهور احتراسه وتحفظه ، إلى ~~أن اتفق ركوبه (152 ظ) في بعض الأيام للتسليم على الخاتون في دارها ، وقد ~~خلا من حماته ووجوه أصحابه ، ورصدوه ، فلما حصل في دهليز الدار ، وثبوا ~~عليه فقتلوه ، وأدركه أصحابه ، ومن في البلد من أصحاب عماد الدين ، فهرب من ~~هرب ، ومسكوا الملك ابن السلطان ، فمانع فجرح ، وأخذ واعتقل معه أكثر ~~الغلمان المشاركين في دمه ، وتوثق منهم بالاعتقال لهم والاحتياط عليهم ، ~~وذلك في يوم [الثامن من ذي القعدة سنة تسع وثلاثين وخمسمائة] (2) وكتب إلى ~~عماد الدين بصورة هذه الحال وهو منازل لقلعة البيرة في عسكره ، وأقلقه سماع ~~هذا الخبر الشنيع ، والرزء الفظيع ، ورحل في الحال عن البيرة ، وقد شارف ~~افتتاحها والاستيلاء عليها ، وهو متفجع بهذا المصاب ، متأسف على ما أصيب به ~~متيقن أنه لا يجد بعده من يقوم مقامه ولا يسد مسده ، وارتاد من يقيمه في ~~موضعه وينصبه في منصبه ، فوقع اختياره على الأمير علي كوجك لعلمه بشهامته ~~ومضائه في الأمور ، وبسالته ، وولاه مكانه ، وعهد إليه أن يقتفي آثاره في ~~الاحتياط والتحفظ ، ويتبع أفعاله في التحرز والتيقظ ، وإن كان لا يغني ~~غناءه ، ولا PageV01P441 # يضاهي كفايته ومضاءه ، فتوجه نحوها ، وحصل بها ، وساس أمورها سياسة سكنت ~~معها نفوس أهلها ، واطمأنت معها قلوب المقيمين فيها ، وبذل جهده في حماية ~~المسالك ، وأمن السوابل ، وقضاء حوائج ذوي الحاجات ، ونصرة أرباب الظلامات ~~، فاستقام له الأمر ، وحسنت بتدبيره الأحوال ، وتحققت بيقظته في أعماله ~~الآمال ، وقد كان لنصير الدين هذا المقصود أخبار في العدل والإنصاف وتجنب ~~الجور والاعتساف متداولة بين التجار والمسافرين ، ومتناقلة بين الواردين ~~والصادرين من السفار ، وقد كان دأبه جمع الأموال من غير جهة من حرام وحلال ~~، لكنه يتناولها بألطف مقال وأحسن فعال ، وأرفق توصل واحتيال ، وهذا فن ~~محمود من ولاة الأمور وقصد سديد في سياسة الجمهور ، وهذه هي الغاية في مرضي ~~السياسة ، والنهاية في قوانين الرئاسة. # وفي أواخر هذه السنة فرغ من عمارة المسجد ، الذي تولى عمارته واختيار ~~بقعته الأمير مجاهد ms303 الدين بزان بن مامين (153 و) مقدم الأكراد بظاهر باب ~~الفراديس من دمشق ، بعقب الجسر القبلي ، وكان مكانه أولا مستقبح المنظر ، ~~وأجمع الناس على استحسان بقعته ، واقتراح هيئته بعد أن أنفق عليه المبلغ ~~الوافر ، من ماله ، مع جاهه ، رغبة في حسن الذكر في الدنيا ، ووفور الثواب ~~والأجر في الأخرى ، إن الله لا يضيع أجر المحسنين. ### | * سنة أربعين وخمسمائة # في جمادى الأولى منها ، تناصرت الأنباء من ناحية الأمير عماد الدين أتابك ~~، بصرف الاهتمام إلى التأهب والاستعداد والجمع والاحتشاد ، لقصد الغزو ~~والجهاد ، وشاعت عنه الأنباء بأنه ربما قصد الأعمال الدمشقية ، والنزول ~~عليها ، ولم تزل أخباره بذلك متصلة ، وما هو عليه بالاستكثار من عمل ~~المناجيق وآلة الحرب ، وما يحتاج إليه لتذليل كل ممتنع صعب إلى أوائل شعبان ~~، ووردت الأخبار عنه بأن عزيمته عن ذلك قد انحرفت ، وأعنة رأيه إلى غيره قد ~~ثنيت ، وأعيدت المناجيق إلى PageV01P442 # ناحية حمص من بعلبك ، وقيل إن الخبر وافاه من جهة الرها بأن جماعة من ~~الأرمن عملوا عليها ، وأرادوا الإيقاع بمن فيها من مستحفظيها ، وأن مكتوم ~~سرهم ظهر ، ومخفي أمرهم بدا وانتشر ، وأن الجناة أخذوا وتتبعوا ، وقوبلوا ~~على ذلك بما يقابل به من يسعى في الأرض بالفساد ، من : القتل ، والصلب ، ~~والتشريد في البلاد. # وفي أوائل شعبان من السنة وردت الأخبار من ناحية بغداد ، بوصول السلطان ~~غياث الدنيا والدين مسعود بن محمد (1) بن ملك شاه إلى بغداد ، وقيل أنه وجل ~~من أخيه السلطان طغرل بن محمد (2)، لأنه قد جمع ، واجتهد فيما حشد ، وهو ~~عازم على لقائه والإيقاع بعسكره. # وفي هذه السنة وردت الأخبار من ناحية مصر بوفاة الأمير المعظم أبي المظفر ~~خمارتاش الحافظي ، صاحب باب الإمام الحافظ لدين الله أمير المؤمنين ، صاحب ~~مصر بعلة عرضت له وقضى فيها نحبه ، وقيل إنه كان حسن الطريقة جميل الفعل ، ~~مشكور القصد. # قال الرئيس الأجل مجد الرؤساء أبو يعلى حمزة بن أسد بن محمد التميمي : قد ~~انتهيت في شرح ما شرحته من (153 ظ) هذا التاريخ ورتبته وتحفظت من الخطأ ~~والخطل والزلل فيما علقته ms304 ، من أفواه الثقات ونقلته وأكدت الحال فيه ~~بالاستقصاء والبحث إلى أن صححته إلى هذه السنة المباركة ، وهي سنة أربعين ~~وخمسمائة ، وكنت قد منيت منذ سنة خمس وثلاثين وخمسمائة وإلى هذه الغاية بما ~~شغل الخاطر عن الاستقصاء عما يجب إثباته في هذا الكتاب ، من الحوادث ~~المتجددة في الأعمال ، والبحث عن الصحيح منها ، في جميع الأحوال ، فتركت ~~بين كل سنتين من السنين بياضا في الأوراق ليثبت فيه ما يعرف صحته من ~~الأخبار ، وتعلم حقيقته من الحوادث والآثار ، وأهملت فيما ذكرته من أحوال PageV01P443 # سلاطين الزمان فيما تقدم ، وفي هذا الأوان استيفاء ذكر نعوتهم المقررة ~~وألقابهم المحررة ، تجنبا لتكريرها بأسرها ، والإطالة بذكرها ، ولم تجر ~~بذلك عادة قديمة ، ولا سنة سالفة في تاريخ يصنف ، ولا كتاب يؤلف ، وإنما ~~كان الرسم جاريا في القديم بإطراح الألقاب والإنكار لها ، بين يدي ذوي ~~العلوم والآداب ، فلما ظهرت الدولة البويهية الديلمية ، ولقب أول مسعود نبغ ~~فيها بعماد الدولة بن بويه ثم أخوه وتاليه في الولادة والسعادة بركن الدولة ~~أبي علي ، ثم أخوهما بمعز الدولة أبي الحسين وكل منهم قد بلغ من علو ~~المرتبة والمملكة ، ونفاذ الأمر في العراق وخراسان والشام إلى أوائل المغرب ~~ما هو مشهور وذكره في الآفاق منشور ، ولما علا قدر الملك عضد الدولة ~~فناخسره بن ركن الدولة أبي علي بن بويه بعدهم ، وظهر سلطانه ، وعلا شأنه ، ~~وملك العراق بأسره وما والاه من البلاد والمعاقل ، وخطب له على المنابر ، ~~زيد في نعوته في أيام المطيع لله أمير المؤمنين رحمه الله : تاج الملة ، ولم ~~يزد أحد من إخوته : مؤيد الدولة ، صاحب أصفهان ، وفخر الدولة ، صاحب الري ~~وما والاهما ، وانضاف إليهما على اللقب الواحد. # ولم يزل الأمر على ذلك مستمرا إلى أن ظهر أمر السلطان ركن الدنيا والدين ~~طغرلبك محمد بن ميكال بن سلجق ، وقويت شوكة الترك ، وانخفضت الدولة ~~البويهية واضمحلت وانقرضت ، ولقب السلطان طغرلبك لما ظهر أمره في العراق ، ~~واجتاح شأفة أبي الحارث أرسلان الفساسيري في أيام (154 و) الإمام الخليفة ~~القائم بأمر الله أمير المؤمنين رحمه الله ms305 ب : «السلطان المعظم ، شاهنشاه ~~الأعظم ، ركن [الدنيا و] الدين ، غياث المسلمين ، بهاء دين الله ، وسلطان ~~بلاد الله ، ومغيث عباد الله ، يمين خليفة الله طغرلبك». # ثم زاد الأمر في ذلك إلى أن أضيف إلى ألقاب ولاة الأطراف : الدين ، ~~والإسلام ، والأنام ، والملة ، والأمة ، وغير ذلك ، بحيث اشترك في هذا PageV01P444 # الفن الخاص والعام ، لا سيما في هذا الأوان وألقاب سلاطينه ، لأن منهم : ~~سلطان خراسان ، السلطان المعظم شاهنشاه الأعظم مالك رقاب الأمم ، سيد ~~سلاطين العرب والعجم ، ناصر دين الله ، مالك عباد الله ، الحافظ بلاد الله ~~، سلطان أرض الله ، معين خليفة الله ، معز الدنيا والدين ، كهف الإسلام ~~والمسلمين ، عضد الدولة القاهرة ، تاج الملة الظاهرة ، وغياث الأمم الباهرة ~~أبو الحارث سنجر بن ملك شاه ، برهان أمير المؤمنين ، وسلطان العراق : ~~السلطان المعظم شاهنشاه الأعظم ، مالك رقاب الأمم ، مولى العرب والعجم جلال ~~دين الله ، سلطان أرض الله ، ناصر عباد الله ، ظهير خليفة الله ، غياث ~~الدنيا والدين ، ركن الإسلام والمسلمين ، عضد الدولة القاهرة ، ومغيث الأمم ~~الباهرة ، أبو الفتح مسعود بن محمد (1) بن ملك شاه قسيم أمير المؤمنين. # وسلطان الشام وغيره : الأمير الأسفهسلار الكبير ، العادل المؤيد ، المظفر ~~، المنصور ، الأوحد ، عماد الدين ، ركن الإسلام ، ظهير الأنام ، قسيم ~~الدولة ، معين الملة ، جلالة الأمة ، شرف الملوك ، عمدة السلاطين ، قاهر ~~الكفرة والمتمردين ، قامع الملحدين والمشركين ، زعيم جيوش المسلمين ، ملك ~~الأمراء ، شمس المعالي ، أمير العراقين والشام بهلوان جهان ، ألب غازي ~~إيران ، اينانج قتلغ طغرلبك أتابك أبو سعيد زنكي بن آق سنقر ، نصير أمير ~~المؤمنين. # وصاحب دمشق : الأمير الأسفهسلار الكبير ، العادل المؤيد ، المظفر ، ~~المنصور ، ظهير الدين ، عضد الإسلام ، ناصر الإمام ، تاج الدولة سيف الملة ~~، محيي الأمة ، شرف الملوك ، عماد الأمراء ، كهف المجاهدين ، زعيم جيوش ~~المسلمين ، أبو سعيد آبق بن محمد بن بوري أتابك ، سيف أمير المؤمنين. PageV01P445 ### | * سنة إحدى وأربعين وخمسمائة # (154 ظ) قد تقدم من ذكر عماد الدين أتابك زنكي ، في أواخر سنة أربعين ~~وخمسمائة ، في نزوله على قلعة دوسر (1) على غرة من أهلها ، وهجمه على ربضها ~~ونهبه ، وأخذ أهله ما لا حاجة إلى إعادة ذكره ms306 ، وشرح أمره ، ولم يزل مضايقا ~~لها ، ومحاربا لأهلها في شهر ربيع الآخر من سنة إحدى وأربعين وخمسمائة ، ~~حتى وردت الأخبار بأن أحد خدمه ، ومن كان يهواه ويأنس به ، يعرف بيرنقش ~~وأصله افرنجي ، وكان في نفسه حقد عليه لإساءة تقدمت منه إليه فأسرها في ~~نفسه ، فلما وجد منه غفلة في سكره ، ووافقه بعض الخدم من رفقته على أمره ، ~~فاغتالوه عند نومه في ليلة الأحد السادس من شهر ربيع الآخر من السنة ، وهو ~~على الغاية من الاحتياط بالرجال والعدد ، والحرس الوافر العدد حول سرادقة ، ~~فذبحه على فراشه بعدة ضربات تمكنت من مقاتله ، ولم يشعر بهم أحد ، حتى هرب ~~الخادم القاتل إلى قلعة دوسر المعروفة حينئذ بجعبر ، وفيها صاحبها الأمير ~~عز الدين علي بن مالك بن سالم بن مالك ، فبشره بهلاكه ، فلم يصدقه ، وآواه ~~إلى القلعة وأكرمه ، وعرف حقيقة الأمر ، فسر بذلك ، واستبشر بما آتاه الله ~~من الفرج بعد الشدة الشديدة ، والإشفاء على الهلكة ، بتطاول المحاصرة ~~والمصابرة ، وإرسال خواصه وثقاته إليه بما استدعاه منه ، واقترحه عليه من ~~آلات فاخرة ، وذخائر وافرة أشار إليها ، وعين عليها ، ووعده إذا حصلت عنده ~~بالإفراج عنه ، فعند حصول ذلك لديه مع أصحابه ، غدر بهم ، وعزم على الإساءة ~~إليهم ، فأتاه من القضاء النازل ، الذي لا دافع له ولا مانع عنه ، ما صار ~~به عبرة لأولي الأبصار ، وعبرة لذوي العقول والأفكار ، وتفرقت PageV01P446 # جيوشه أيدي سبأ ، ونهبت أمواله الجمة ، وخزائنه الدثرة ، وقبر هناك بغير ~~تكفين إلى أن نقل كما حكي إلى مشهد علي [في] (1) الرقة. # وتوجه الملك ولد السلطان المقيم كان معه فيمن صحبه ، وانضم إليه ، إلى ~~ناحية (2) الموصل ، ومعه سيف الدين غازي بن عماد الدين أتابك ، رحمه الله ، ~~وامتنع عليهم الوالي بالموصل على كوجك أياما إلى حين تقررت الحال بينهم ، ~~ثم فتح الباب ، ودخل ولده واستقام له الأمر (155 و) وانتصب منصبه. # وعاد الأمير سيف الدولة سوار وصلاح الدين في تلك الحال إلى ناحية حلب ، ~~ومعهم الأمير نور الدين محمود بن عماد الدين أتابك ، وحصل بها ، وشرع في ~~جمع العساكر ms307 وإنفاق المال فيها ، واستقام له الأمر وسكنت الدهماء وفصل عنه ~~الأمير صلاح الدين (3) وحصل بحماة # ونقل الفارقي في تاريخه رواية وثائقية حول مقتل زنكي ووصف الحال من بعده ~~حيث قال : «ولقد سألت الوالي الصدر الكامل قاضي القضاة كمال الدين أبو ~~الفضل محمد بن عبد الله الشهرزوري ، أدام الله ظله في سنة أربع وأربعين ~~وخمسمائة بالموصل عن قتل أتابك وما جرى ، فقال : كنا نازلنا القلعة مدة ، ~~فلما كان بعض الأيام خرج الأمير حسام الدين المنبجي وصاح : أريد أكلم ~~الأمير علي وهو سيف الدولة أبو الحسن علي بن مالك فتراءى له من على السور ، ~~وقال له : تعلم ما بيني وبينك من الصداقة ، وأنت تعرف أتابك وما هو عليه ، ~~ومالك من تلتجىء إليه ولا من يصرفه عنك ، والرأي أن تسلم وإلا إن أخذها ~~بالسيف يجري ما لا تقدر على دفعه ، وبعد هذا إيش تنتظر؟ فقال له : يا أمير ~~حسان انتظر الفرج من الله تعالى ، وما انتظرت على منبج لما حاصرها الأمير ~~بلك ، وكفاك الله أمره. # فقال جمال الدين : والله ما كان إلا تلك الليلة نصف الليل ، وكان ذلك ~~اليوم الأربعاء PageV01P447 # ولايته ، على سبيل الاستيحاش ، والخوف على نفسه ، من أمر يدبر عليه على ~~أن الأعمال كانت قد اضطربت ، والمسالك قد اختلت بعد الهيبة المشهورة ، ~~والأمنة المشكورة ، وانطلقت أيدي التركمان والحرامية في الإفساد في الأطراف ~~، والعيث في سائر النواحي والأكناف ، ونظمت في صفة هذه الحال أبيات من ~~الشعر ، تنطق بذكرها ، وتعرب بالاختصار عن جلية أمرها ، فمنها من جملة ~~قصيدة يطول شرحها بتشبيبها : # كذاك عماد الدين زنكي تنافرت %~% سعادته عنه وخرت دعائمه وكم بيت مال من نضار وجوهر %~% وأنواع ديباج خوتها مخاتمه وأضحت بأعلى كل حصن مصونة %~% يحامي عليها جنده وخوادمه ومن صافنات الخيل كل مطهم %~% تروع الأعادي حلبه وبراجمه ولو رامت الكتاب وصف شياتها %~% بإقلامها ما أدرك الوصف ناظمه # ولتوضيح بعض ما جاء في نص الفارقي روى ابن العديم في ترجمة زنكي قال : ~~«أخبرني الأمير بدران بن جناح الدولة حسين بن مالك بن سالم بن ms308 مالك العقيلي ~~قال : لما طال حصار أتابك زنكي لعمي علي بن مالك على قلعة جعبر تقدم حسان ~~البعلبكي صاحب منبج إلى عمي وقال له من تحت القلعة : يا أمير علي ايش بقي ~~يخلصك من أتابك ، فقال له : يا عاقل يخلصني الذي خلصك من جب خرتبرت ، فذبح ~~أتابك في تلك الليلة ، وكان حسان قد قبض عليه بلك بن بهرام بن أرتق ، وطلب ~~منه أن يسلم إليه منبج فلم يفعل فسيره إلى خرتبرت وحبسه في جب بها ، وحاصر ~~منبج ، فجاءه سهم فقتله عليها ، وخلص حسان ، وعاد إلى منبج». PageV01P448 وكم معقل قد رامه بسيوفه %~% وشامخ حصن لم تفته غنائمه ودانت ولاة الأرض فيها لأمره %~% وقد أمنتهم كتبه وخواتمه وأمن من في كل قطر بهيبة %~% تراع بها أعرابه وأعاجمه وظالم قوم حين يذكر عدله %~% فقد زال عنهم ظلمه وخصائمه وأصبح سلطان البلاد بسيفه %~% وليس له فيها نظير يزاحمه وكم قد بنى دارا يباهي بحسنها %~% جنان خلود أحكمتها عزائمه مزخرفة بالتبر من كل جانب %~% وأغصان بقش قد تحلت حمائمه وزاد على الأملاك بأسا وسطوة %~% ولم يبق في الأملاك ملك يقاومه فلما تناهى ملكه وجلاله %~% وراعت ولاة الأرض منه لوائمه (155 ظ ) أتاه قضاء لا يرد سهامه %~% فلم ينجه أمواله ومغانمه وأدركه للحين منها حمامه %~% وحامت عليه بالمنون حوائمه وأضحى على ظهر الفراش مجدلا %~% صريعا تولى ذبحه فيه خادمه وقد كان في الجيش اللهام مبيته %~% ومن حوله أبطاله وصوارمه وسمر العوالي حوله بأكفهم %~% تذود الردى عنه وقد نام نائمه || ومن دون هذا عصبة قد ترتبت %~% بأسهمها بردى من الطير حائمه وكم رام في الأيام راحة سره %~% وهمته تعلو وتقوى شكائمه فأودى ولم ينفعه مال وقدرة %~% ولا عنه رامت للقضاء مخاذمه وأضحت بيوت المال نهبى لغيره %~% يمزقها أبناؤه ومظالمه وكم مسلك للسفر أمن سبله %~% ومسرح حي أن تراع سوائمه وكم ثغر إسلام حماه بسيفه %~% من الروم لما أدركته مراحمه فلما تولى قام كل مخالف %~% وشام حساما لم يجد وهو شائمه وأطلق من في أسره وحبوسه %~% وفكت عن ms309 الإقدام منه أداهمه وعاد إلى أوطانه بعد خوفه %~% وطابت له بعد السغوب مطاعمه وفرت وحوش الأرض حين تمزقت %~% كواسره عنها وفلت سواهمه ولم يبق جان بعده يحذر الردى %~% ولا داعر يخشى عليه مناقمه فمن ذا الذي يأتي بهيبة مثله %~% وتنفذ في أقصى البلاد مراسمه فلو رقيت في كل مصر بذكره %~% أراقمه ذلت هناك أراقمه PageV01P449 ومن ذا الذي ينجو من الدهر سالما %~% إذا ما أتاه الأمر والله حاتمه ومن رام صفوا في الحياة فما يرى %~% له صفوة عيش والحمام يحاومه فإياك لا تغبط مليكا بملكه %~% ودعه فإن الدهر لا شك قاصمه فإن كان ذا عدل وأمن لخائف %~% فلا شك أن الله بالعدل راحمه وقل للذي يبني الحصون لحفظه %~% رويدك ما تبني فدهرك هادمه (156 و ) فكم ملك قد شاد قصرا مزخرفا %~% وفارق ما قد شاده وهو عادمه وأصبح ذاك القصر من بعد بهجة %~% وقد درست آثاره ومعالمه وفي مثل هذا عبرة ومواعظ %~% بها يتناسى المرء ما هو عازمه # وهذه صفاته فيما ملكه من البلاد والثغور والمعاقل ، وحازه من الأموال ~~والقلاع والأعمال ، ونفوذ أوامره في سائر الأطراف والأكناف ، ثم أتاه ~~القضاء الذي لا يدافع ، والقدر الذي لا يمانع ، وحين اتصل هذا الخبر اليقين ~~إلى معين الدين ، وعرف صورة الحال ، شرع في التأهب والاستعداد لقصد بعلبك ، ~~وانتهاز الفرصة بآلات الحرب والمنجنيقات ، ونهد إليها ونزل عليها وضايقها ، ~~ونصب الحرب على مستحفظيها ، ولم يمض إلا الأيام القلائل حتى قل الماء فيها ~~قلة ، دعتهم إلى النزول على حكمه ، وكان الوالي بها (1) ذا حزم وعقل ومعرفة ~~بالأمور ، فاشترط ما قام له به من إقطاع وغيره ، وسلم البلدة والقلعة إليه ~~، ووفى له بما قرر الأمر عليه ، وتسلم ما فيه من غلة وآلة في أيام من جمادى ~~الأولى من السنة ، وراسل معين الدين الوالي بحمص ، وتقررت بينه وبينه ~~مهادنة وموادعة يعودان بصلاح الأحوال وعمارة الأعمال ، ووقعت المراسلة فيما ~~بينه وبين صلاح الدين بحماة ، وتقرر بينهما مثل ذلك ، ثم انكفأ بعد ذلك إلى ~~البلد عقيب فراغه من بعلبك ، وترتيب من ms310 رتبه لحفظها والإقامة فيها ، في يوم ~~السبت الثامن عشر من جمادى الآخرة من السنة ، وصادف الخادم يرنقش القاتل ~~لعماد الدين أتابك رحمه الله ، قد فصل PageV01P450 # عن قلعة جعبر لخوف صاحبها من طلبه منه ، ووصل إلى دمشق متيقنا أنه قد أمن ~~بها ، ومدلا بما فعله ، وظنا منه أن الحال على ما توهمه ، فقبض عليه ، ~~وأنفذ إلى حلب صحبة من حفظه وأوصله إليها ، فأقام بها أياما ، ثم حمل إلى ~~الموصل ، وذكر أنه قتل بها. # ووردت الأخبار في أثناء ذلك في أيام من جمادى الآخرة من السنة بأن ابن ~~جوسلين جمع الأفرنج من كل ناحية ، وقصد مدينة الرها على غفلة بموافقة من ~~النصارى المقيمين فيها فدخلها واستولى عليها ، وقتل من فيها (156 ظ) من ~~المسلمين فضاقت الصدور باستماع هذا الخبر المكروه ، ووردت الأخبار مع ذلك ، ~~بأن الأمير نور الدين صاحب حلب نهض في عسكره ، ومن انضاف إليه من التركمان ~~عند وقوعه على الخبر ، وتقدمه سيف الدولة سوار ، وأغذوا السير ليلا ونهارا ~~وغدوا وابتكارا ، مع من اجتمع من الجهات ، وهم الخلق الكثير ، والجم الغفير ~~زهاء عشرة آلاف فارس ، ووقفت الدواب في الطرقات من شدة السير ووافوا البلد ~~، وقد حصل ابن جوسلين وأصحابه فيه ، فهجموا عليهم ووقع السيف فيهم ، وقتل ~~من أرمن الرها والنصارى من قتل ، وانهزم [من انهزم] إلى برج يقال له برج ~~الماء ، فحصل ابن جوسلين في تقدير عشرين فارسا من أبطال أصحابه ، وأحدق بهم ~~المسلمون من جهاته ، وشرعوا في النقب عليهم ، وما كان إلا بقدر كلا ولا ، ~~حتى تعرقب البرج ، وانهزم ابن جوسلين ، وأفلت منه في الخفية مع أصحابه ، ~~وأخذ الباقون ، ومحق السيف كل من ظفر به من نصارى الرها ، واستخلص من كان ~~أسر من المسلمين ، ونهب منها الشيء الكثير من المال والأثاث والسبي ، وسرت ~~النفوس بهذا النصر بعد الحزن والإنخزال ، وقويت القلوب بعد الفشل والانخذال ~~، وانكفأ المسلمون بالغنائم والسبي إلى حلب وسائر الأطراف. # وفي شوال من هذه السنة ، ترددت الرسل والمراسلات بين الأميرين نور الدين ~~محمود ابن عماد الدين أتابك صاحب ms311 حلب ، ومعين الدين أنر PageV01P451 # إلى أن استقرت الحال بينهما على أجمل صفة ، وأحسن قضية ، وانعقدت الوصلة ~~بين نور الدين وبين ابنة معين الدين ، وتأكدت الأمور على ما اقترح كل منهما ~~، وكتب كتاب العقد في دمشق بمحضر من رسل نور الدين ، في الخميس الثالث ~~والعشرين من شوال سنة إحدى وأربعين وخمسمائة ، وشرع في تحصيل الجهاز ، وعند ~~الفراغ منه توجهت الرسل عائدة إلى حلب ، وفي صحبتهم ابنة معين الدين ومن في ~~جملتها من خواص الأصحاب في يوم الخميس النصف من ذي القعدة من السنة. # وكان معين الدين قد حصل آلات الحرب والمنجنيقات ، وجمع من أمكنه جمعه من ~~الخيل والرجل ، وتوجه إلى ناحية صرخد وبصرى بعد أن أخفى عزيمته ، وستر نيته ~~استظهارا لبلوغ طلبه ، وتسهيل أربه (157 و) ونزل غفلة على صرخد ، وكان ~~المعروف بها بألتونتاش غلام أمين الدولة كمشتكين الأتابكي ، الذي كان ~~واليها أولا ، وكانت نفسه قد حدثته بجهله ، أنه يقاوم من يكون مستوليا على ~~مدينة دمشق ، وأن الأفرنج يعينونه على مراده وما يلتمسه من إنجاده وإسعاده ~~، ويكونون معه على ما نواه من عيثه وإفساده ، وكان قد خرج للأمر المقضي من ~~حصن صرخد إلى ناحية الأفرنج للاستنصار بهم ، وتقرير أحوال الفساد معهم ، ~~ولم يعلم أن الله لا يصلح عمل المفسدين ، ولم يشعر بما نواه معين الدين من ~~إرهاقه بالمعاجلة ، وعكس آماله بالمنازلة فحال بينه وبين العود إلى أحد ~~الحصنين المذكورين ، ولم تزل المحاربة بين من في صرخد والمنازلين متصلة ، ~~والنقوب مستعملة ، والمراسلات مترددة ، والتهديد ، إن لم يجب إلى المطلوب ، ~~ومعين الدين لا يعدل عن المغالطة والمدافعة ، وكان قد عرف تجمعهم وتأهبهم ~~للنهوض إليه وإزعاجه وترحيله (1) عنها ، فأوجبت هذه الحال أن راسل نور ~~الدين صاحب حلب يسأله الإنجاد على الكفرة الأضداد بنفسه وعسكره ، فأجابه ~~إلى ذلك ، وكان لاتفاق الصلاح مبرزا بظاهر حلب في PageV01P452 # عسكره ، فثنى إليه الأعنة ، وأغذ السير ، ووصل إلى دمشق في يوم الأربعاء ~~السابع وعشرين من ذي الحجة من السنة ، وخيم بعين شواقة (1)، وأقام أياما ~~يسيرة ، وتوجه نحو صرخد ، ولم يشاهد ms312 أحسن من عسكره وهيئته وعدته ، ووفور عدته. # واجتمع العسكران وأرسل من بصرخد إليهما يلتمس الأمان ، والمهلة أياما ، ~~ويسلم المكان ، وكان ذاك منهم على سبيل المغالطة والمخاتلة ، إلى حين يصل ~~عسكر الأفرنج لترحيل النازلين عليهم ، وقضى الله تعالى للخيرة التامة ~~للمسلمين ، والمصلحة الشاملة لأهل الدين وصول من أخبر بتجمع الأفرنج ~~واحتشادهم ونهوضهم في فارسهم وراجلهم مجدين السير إلى ناحية بصرى ، وعليها ~~فرقة وافرة من العسكر محاصرة لها ، فنهض العسكر في الحال والساعة عند ~~المعرفة بذاك إلى ناحية بصرى ، كالشواهين إلى صيدها والبزاة (157 ظ) إلى ~~حجلها ، بحيث سبقوا الأفرنج إلى بصرى ، فحالوا بينهم وبينها ، ووقعت العين ~~على العين ، وقربت المسافة بين الفريقين ، واستظهر عسكر المسلمين على ~~المشركين ، ملكوا عليهم المشرب والمسرب وضايقوهم برشق السهام وإرسال نبل ~~الحمام ، وأكثروا فيهم القتل والجراح وإضرام النيران في هشيم النبات في ~~طرقهم ومسالكهم ، وأشرفوا على الهلاك والدمار ، وحلول البوار ، وولوا ~~الأدبار ، وتسهلت الفرصة في إهلاكهم ، وتسرعت الفوارس والأبطال إلى الفتك ~~بهم ، والمجاهدة فيهم. # وجعل معين الدين يكف المسلمين عنهم ، ويصدهم عن قصدهم ، والتتبع لهم في ~~انهزامهم ، إشفاقا من كرة تكون لهم ، وراجعة عليهم ، بحيث عادوا على ~~أعقابهم ناكصين ، وبالخذلان منهم منهزمين ، قد شملهم الفناء ، وأحاط بهم ~~البلاء ، ووقع اليأس من فلاحهم ، وسلمت بصرى إلى معين الدين بعد تقرير أمر ~~من بها ، وإجابتهم على ما اقترحوه PageV01P453 # من إقطاعاتهم ، ورحل عنها عائدا إلى صرخد ، وجرى الأمر في تسليمها إلى ~~معين الدين على هذه القضية ، وعاد العسكران إلى دمشق ووصلاها في يوم الأحد ~~السابع والعشرين من المحرم سنة اثنتين وأربعين ، وأقام نور الدين في الدار ~~الأتابكية ، وتوجه عائدا إلى حلب في يوم الأربعاء انسلاخ المحرم من السنة ~~المذكورة. # وفي هذا الوقت وصل ألتونتاش ، الذي خرج من صرخد إلى الأفرنج بجهله وسخافة ~~عقله ، إلى دمشق من بلاد الأفرنج ، بغير أمان ولا تقرير واستئذان ، توهما ~~منه أنه يكرم ويصطنع بعد الإساءة القبيحة ، والارتداد عن الإسلام فاعتقل في ~~الحال ، وطالبه أخوه خطلخ ، بما جناه عليه من سمل عينيه ، وعقد لهما مجلس ms313 ~~حضره القضاة والفقهاء ، وأوجبوا عليه القصاص ، فسمل كما سمل أخاه ، وأطلق ~~إلى دار له بدمشق فأقام بها. # وفي ذي الحجة من سنة إحدى وأربعين ورد الخبر بأن السلطان شاهنشاه مسعودا ~~عمل رأيه وتدبيره على تطييب نفس الأمير عباس ، فسكن إلى ذلك بعد التوثقة ~~بالأيمان المؤكدة والعهود المشددة ووصل إليه إلى بغداد ساكنا إلى ما كان ~~تأكد من إيمانه على نفسه وجماعته ، وكان السلطان قد تمكن في نفسه من الرعب ~~منه ، والخوف على عسكره من قوة شوكته ، ومشهور هيبته ، وكثرة عدده (158 و) ~~وعدته ما لم يمكنه ترك الفرصة فيه ، وقد أمكنت ، والغرة قد تسهلت وتيسرت ، ~~فرتب له جماعة للفتك به عند دخوله عليه ، فعوجل عليه بالقتل (1) ونهبت ~~خزائن أمواله وآلاته وكراعه ، وامتلأت أيدي جماعة من نهبها ، وتفرق عسكره ~~في البلاد والأعمال ، وكان له الذكر الحسن والفعل المستحسن ، والأجر الوافر ~~، والمدح السائر بما كان له في مجاهرة أحزاب الباطنية ، والفتك بهم ، ~~والقمع لهم والحصر في معاقلهم ، والكف لشرهم ، ولكن الأقدار لا تغالب ، ~~والأقضية لا تدافع. PageV01P454 # وأما أخبار المغرب ، والحوادث فيه ، فلم تسكن النفس إلى إثبات شيء من ~~طوائح أخباره ، وما يؤخذ من أفواه تجاره ، وقد أفردت من أحوال الخوارج فيه ~~، والفتن المتصلة بين أهليه من الحروب المتصلة ، وسفك الدماء ما لا تثق ~~النفس به ، لاختلاف الروايات وتباين الحكايات ، وكان قد ورد من فقهاء ~~المغاربة من وثقت النفس بما أورده ، وسكنت إلى ما شرحه ، وعدده ، وحضرت كتب ~~من أهل المغرب إلى أقاربهم ببعض الشرح ، ووافق ورود ذلك في سنة إحدى ~~وأربعين وخمسمائة بالتواريخ المتقدمة والحكايات المختلفة ، فرأيت ذكر ذلك ~~وشرحه في هذا المكان : فمن ذلك ظهور المعروف بالفقيه السوسي ، الخارج ~~بالمغرب ، وما آل إليه أمره ، إلى أن هلك ، ومن قام بعده واستمر على مذهبه ~~، وما اعتمده من الفساد ، وسفك الدماء ، ومخالفة الشريعة الإسلامية ، ومبدأ ~~ذلك على ما حكي ظهور المعروف بالفقيه أبي [عبد الله] (1) محمد بن تومرت من ~~جبل السوس ، ومولده به ، وأصله مصمودي ، وكان غاية في التفقه والدين ، ~~مشهورا بالورع والزهد ms314 ، وكان قد سافر إلى العراق وجال في تلك الأعمال ، ~~ومهر في المناظرة والجدال ، واجتمع بأئمة الفقهاء ، وأخذ عنهم ، وسمع منهم ~~، وعاد إلى ناحية مصر وما والاها ، واجتمع مع علمائها ، وقرأ عليهم ، ثم ~~عاد إلى المغرب ودعا إلى مذهب الفكر ، وابتداء ظهوره في سنة اثنتي عشرة ~~وخمسمائة في مدينة تعرف بدرن (2) في جبل أوله في البحر المحيط وآخره في بحر ~~الاسكندرية في رأس أوثان ، وغلب على جبل السوس ، واجتمع إليه خلق كثير من ~~قبائل المصامدة بجبل درن ، وقيل إنه وصل إلى المهدية وأمر أهلها أن يبنوا ~~قصرا على نية الفكرة ، (158 ظ) وأن يعبدوا الله فيه بالفكرة ، فاجتمع مشايخ ~~أهل المهدية وفقهاؤها ، وعزموا على بناء ما أمرهم به ، والعبادة لله تعالى فيه ، # الدار البيضاء : 1979 ص : 130. PageV01P455 # فقام رجل من كبار الفقهاء ، وقال : نقيم ما أقمنا بالمهدية ، ويجيء إليكم ~~رجل بربري مصمودي ، يأمركم بالعبادة بالفكرة فتجيبون إلى ما أمركم به ، ~~وتسارعون إلى قبول ما ذكره لكم؟ وأنكر هذا الأمر إنكارا شديدا ، حتى عادوا ~~عنه ، وأبطلوه ، واقتضت هذه الحال خروج الخارجي من المهدية ، إذ لم يتم له ~~فيها أمر ، ولا بلغ غرضا ، وقصد بلدا في الغرب يعرف ببجاية (1) في أيدي بني ~~حماد من صنهاجة ، وشرع في الإنكار على أهله شرب الخمور ، وجعل يكسر الأواني ~~إلى أن منع من شربها ، وساعده على ذلك ابن حماد (2) مقدم هذا البلد وحمل ~~إليه مالا ، فامتنع من أخذه ، وتعفف عنه لما أظهره من الزهد في الدنيا ، ~~والتفقه والورع ، ثم خرج من هذا البلد وقصد مدينة أغمات ، فأظهر فيها الزهد ~~وتدريس الفقه ، وصار معه من أتباعه تقدير أربعمائة رجل من المصامدة ، ثم ~~ارتفع أمره ، وظهر شره ، واتصل خبره إلى الأمير ابن يوسف بن تاشفين (3) وما ~~هو عليه وما يظهره ويطلقه من إباحة دمه ودم أصحابه ، وأهل مملكته ، ~~فاستدعاه الأمير المذكور إلى حضرته ، وجمع له وجوه الفقهاء والمقدمين ، إلى ~~مجلس حفل ووقع الاختيار من الجماعة على فقيه يعرف بأبي عبد الله محمد بن ~~مالك بن وهيب الأندلسي (4)، لمناظرته فناظره في ms315 هذا المحفل ، فاستظهر عليه ~~في المناظرة ، وقهره وغلبه ، فقال الخارجي السوسي المناظر له : انظرني ، ~~فأجابه إلى ما طلب ، ثم قال لابن يوسف بن # أعمال الأعلام للسان الدين بن الخطيب ط. الدار البيضاء 1964 : 3 / 99. # القاهرة 1949. أخبار المهدي : 27. الحلل الموشية : 100. PageV01P456 # تاشفين ، المقدم : ينبغي أن يأمر الأمير بحبس هذا المفتن ليكشف سره ، ~~ويحقق أمره ، ويظهر لكافة المسلمين صحة خبره ، فإنه لا يريد غير الدنيا ~~والسلطنة والفساد في الأرض ، وقتل النفوس ، فما حفل بكلامه ، ولا أصغى إلى ~~إشارته ، وتغافل عنه للأمر المقضي ، وأعان هذا الخارجي قوم من المقدمين على ~~مرامه وحامى عنه (1). # ثم عاد إلى السوس إلى جبل درن ، وكان يقول للناس : كلما قربتم من ~~المرابطين وملتم إليهم ، كانوا مطاياكم إلى الجنة ، لأنهم حماة الدين ~~والذابون عن المسلمين ، ثم حمل المرابطين والملثمين ، وقد مال معه منهم ~~الخلق الكثير والجم الغفير على محاربة الأمير علي بن يوسف بن تاشفين (2) ~~وجمع عليه وحشد ، وقويت نفسه (159 و) ونفوس من معه على اللقاء ، ومعهم ~~أصحاب القوة والبسالة ، وشدة البأس والشجاعة ونشبت الحرب بين الفريقين ، ~~وأريقت الدماء بين الجهتين ، ولم تزل رحى الحرب دائرة بينهم إلى أن كان ~~بينهم في عدة سنين متوالية أربعة مصافات هائلة منكرة ، وقتل فيها من ~~الفريقين ما قدر وحزر تقدير مائتي ألف نفس ، ولم تزل الحرب على هذه القضية ~~الشنيعة ، والصفة الفظيعة إلى أن أهلكه الله تعالى بمدينة درن في سنة ~~اثنتين وعشرين وخمسمائة (3)، وخلف جماعة من تلامذته وأصحابه ، سلكوا سبيله ~~، وبنوا على بنائه ، وسلكوا مذهبه في الفساد ، وتولد بينهم مذهب سموه ~~«تكفير الذنب» (4)، هذا ما أورده وحكاه وشاهده ، واستقصاه الفقيه أبو عبد ~~الله محمد بن عبد الجبار الصقلي بإملائه من لسانه. PageV01P457 # ثم تناصرت الأخبار بعد ذلك من ناحية المغرب ، بظهور أحد تلامذة المذكور ~~يعرف بالفقيه عبد المؤمن ، فلقب بالمهدي ، أمير المؤمنين وخليفة المهدي إلى ~~سبيل الموحدين (1)، واجتمع إليه مع من كان في حزبه من طوائف السوس ، ~~والبربر ، والمصامدة ، والمرابطين ، والملثمين ما لا يحصى له عدد ، ولا ~~يدركه أمر ، وشرع في سفك ms316 الدماء ، وافتتاح البلاد المغربية بالسيف والقتل ~~لمن بها من الرجال والحرم والأطفال ، ما شاعت به الأخبار وانتشر ذكره في ~~سائر الأقطار ، ووردت مكاتبات السفار والتجار ، ومن جملتها كتاب وقفت عليه ~~من هذا الخارجي ما نسخة عنوانه : # من أمير المؤمنين ، خليفة المهدي إلى سبيل الموحدين إلى أهلية (2). # بسم الله الرحمن وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين. # أما بعد : يا عضد الفجار ، وعناد الفساق الأشرار ، فقد كاتبناكم بالبنان ~~، وخاطبناكم بالبيان ، حتى سار كالبدر ، واستمر مرور الدهر ، فلم تجيبوا ، ~~ولا أطعتم ، بل تثاقلتم عن الحق ، وعصيتم ، وإن الله سينتقم منكم لأوليائه ~~نقمة من كان قبلكم من الأمم الجاحدة ، والفرق المعاندة ، فانتظروا سيف الدم ~~ينهلكم ، وحجارة المدر تدمغكم ، ثم لا يكون لكم استرجاع ، ولا يقبل فيكم ~~استشفاع ، وهذه خيل الله قد أظلتكم وبلها ، وطمى عليكم سبيلها ، فتأهبوا ~~للموت ، والسلام على من اتبع (159) الهدى هداه ، ولم يغلب عليه هواه ورحمة ~~الله وبركاته. PageV01P458 ### | * سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة # في صفر منها عاد الحاجب محمود الكاتب من بغداد ، بجواب ما صدر على يده من ~~المكاتبات المعينة ، ومعه رسولا للخليفة والسلطان وعلى أيديهما التشريف ~~برسم ظهير الدين ومعينه ، ولبساه وظهرا فيه في يوم السبت الثامن عشر من ~~ربيع الآخر ، وأقاما أياما وعادا بجواب ما وصل معهما. # وورد الخبر عقيب ذلك من بغداد بأن السلطان كان قد توجه منها بعد قتل ~~الأمير عباس ، في العسكر إلى ناحية همذان ، عند انتهاء الأخبار إليه بأن ~~الأمير [ابن] عباس ، وعسكره قد انضاف إلى الأمير بوزبه ، وصارا يدا واحدة ، ~~في خلق عظيم ، وقصدا ناحية أصفهان ، ونزلا عليها وضايقاها إلى أن أسلمت إلى ~~بوزبه بأسباب اقتضت ذلك ، ولما حصل السلطان بظاهر همذان تواصلت العساكر من ~~كل جهة إليه ، وصار في خلق كثير. # ووردت الأخبار إلى بغداد بأن السلطان لما كثف جمعه ، وقويت نفسه ، وقصد ~~المذكورين ، وقصدوه ، وترتب المصاف بينهم ، والتقى المصافان ، ومنح الله ~~السلطان النصر عليهم ، وكسرهم ، وقتل بوزبه وابن عباس ، واستولى عسكر ~~السلطان على الفل والسواد ، وحكى الحاكي المشاهد لهذه الوقعة في كتابه ms317 ~~بشرحها ، ما ذكر فيه أن مبدأ الفتح أن السلطان كان في مخيمه بباب همذان في ~~تقدير ثلاثة آلاف فارس ، وبوزبه في عسكره على باب أصفهان في خلق عظيم ، وأن ~~بوزبه لما عرف ذلك طمع فيه ونهض في عسكره إليه وقطع مسافة ثلاثين فرسخا في ~~يوم وليلة ووصل إلى قراتكين (1) وقد كلت الخيل ونزل هناك ، فلما عرف ~~السلطان ذلك التجأ # الكامل : 9 / 16. PageV01P459 # إلى بساتين همذان ، وجعلها ظهره مع جبلين هناك ، ووصل إليه الأمير جندار ~~صاحب أذربيجان (1) في ألف فارس ، ووصله الأمير ايلدكز (2) في خمسة آلاف ~~فارس ، ووصله خاصبك بلنكري (3) في إثني عشر ألفا ، قويت بهم شوكته ، ونهض ~~إلى جهة بوزبه عند ذلك ، وعبأ كل فريق منهما مصافه في يوم السبت من شهر (4) ~~.... منذ غداته إلى وقت العصر منه ، وكسرت الميمنة السلطانية ، وفيها ~~الأمير (5) جندار (160 و) والميسرة فيها الأمير تبر ، وبقي السلطان في ~~القلب ، وعرف أن بوزبه يقصده ، فقال للأمير جندار : أنا المطلوب أقم أنت ~~مكاني تحت الشمسة ، فإن بوزبه يطلبها لقصدي ، ففعل ونهض السلطان في جملة ~~وافرة من العسكر ، وجاء من وراء عسكر بوزبه ، وحمل بوزبه وقصد مكان السلطان ~~تحت الشمسة ، فلما قرب بوزبه في حملته من الشمسة كبا به جواده ، وسقط إلى ~~الأرض ، فانفل عسكره ، وأدركته الخيل ، فأخذ هو وخواصه وابن عباس ، ووزير ~~بوزبه يقال له صدر الدين بن الخوجندي وكان قد أعان بوزبه على تسلم أصفهان ، ~~فجازاه على ذلك باستيزاره (6). # وفي يوم الخميس الحادي والعشرين من شهر ربيع الآخر ، وصل رسول مصر إلى ~~دمشق بما صحبه من تشريف وقود ومال برسم ظهير الدين ومعينه ، على جاري الرسم ~~في مثل ذلك. PageV01P460 # وفي ليلة الجمعة الثالث من شهر ربيع الأول من السنة توفي الفقيه شيخ ~~الإسلام أبو الفتح ، نصر الله بن محمد بن عبد القوي المصيصي ، بدمشق ~~رحمه الله ، وكان بقية الفقهاء المقيمين على مذهب الشافعي رحمه الله ولم يخلف ~~مثله بعده (1). # وفي جمادى الآخرة منها ، تقررت ولاية حصن صرخد للأمير مجاهد الدين بزان ~~بن مامين ، على مبلغ من المال ms318 والغلة ، وشروط وأيمان دخل فيها ، وقام بها ، ~~وتوجه إليه ، وحصل به في النصف من الشهر المذكور ، واستبشر من بتلك الناحية ~~من حصوله فيه ، لما هو عليه من حب الخبر والصلاح والتدين والعفاف ، عقيب من ~~كان قبله ، ممن لا يدين لله بدين ولا صلاة ، ولا إنصاف ولا نزاهة نفس ، ولا ~~جميل فعل. # وفي هذه السنة وردت الأخبار من ناحية مصر بأن رضوان بن ولخشي ، المنعوت ~~كان بالأفضل ، وزير صاحب مصر ، الذي كان معتقلا بالقصر ، وقد تقدم ذكره ~~فيما مضى ، نقب من المكان الذي كان فيه إلى مكان ظاهر القصر ، نقبا يكون ~~تقدير طوله أربعون ذراعا ، واجتمع إليه خلق كثير من العسكرية ، ممن كان ~~يهواه ، ويتولاه في العشر الأخير من ذي القعدة سنة اثنتين وأربعين وأنه ~~راسل سلطان مصر يلتمس منه إعادته إلى منصبه وإخراج المال لينفق على ~~العسكرية والأجناد والمدافعة ، إلى حين دبر الأمر عليه ، ورتب له من الرجال ~~الأجلاد وأبطال الأجناد والأنجاد من هجم عليه في مكانه ، ومجتمع أعوانه ، ~~فقتل وقتل معه من دنا منه وتابعه ، وورد بشرح قصته السجل # وبالأنبار ... ثم سكن دمشق ودرس بالزاوية الغربية وهي الغزالية .. وبه ~~كثرت أوقافها ، لأن كثيرا من الناس وقفوا بعده عليها ، ومنهم من وقف عليها ~~ابتداء بواسطته ، وهو أيضا وقف شيئا جيدا». PageV01P461 # من سلطان مصر إلى ثغر عسقلان ، وقرىء على منبرها ومضمونه : بسم الله ~~الرحمن الرحيم (1).. # وفي يوم الخميس الحادي والعشرين من شوال سنة اثنتين وأربعين ، وهو مستهل ~~نيسان ، أظلم الجو ، ونزل غيث ساكن ، ثم أظلمت الأرض في وقت صلاة العصر ~~ظلاما شديدا ، بحيث كان ذلك كالغدوة بين العشائين ، وبقيت السماء في عين ~~الناظر إليها كصفورة الورس ، وكذلك الجبال وأشجار الغوطة ، وكل ما ينظر ~~إليه من حيوان وجماد ونبات ، ثم جاء في إثر ذلك من الرعد القاصف والبرق ~~الخاطف ، والهدات المزعجة والزحفات المفزعة ما ارتاع لها الشيب والشبان ، ~~فكيف الولدان والنسوان ، وقلقت لذلك الخيول في مرابطها ، وأجفلت من هولها ، ~~وبقي الأمر على هذه الحال إلى حين وقت العشاء الآخرة ، ثم سكن ذلك ms319 بقدرة ~~الله تعالى ، وأصبح الناس غد ذلك اليوم ينظرون في أعقاب ذلك المطر ، فإذا ~~على الأرض والأشجار وسائر النبات غبار في رقة الهواء ، بين البياض والغبرة ~~بحيث يكون إذا جرد عنها الشيء الكثير ، ويلوح فيه بريق لا يدرى ما لونه ولا ~~جسمه من نعومته ، فعجب الناس من هذه القدرة التي لا يعلم ما أصلها ، ولا ~~شبيه لها ، بل نزلت في جملة المطر ، ممتزجة به كامتزاج الماء بالماء ، ~~والهواء بالهواء. # وفي هذه السنة تواصلت الأخبار من ناحية القسطنطينية ، وبلاد الأفرنج ~~والروم وما والاها ، بظهور ملوك الأفرنج من بلادهم منهم ألمان والفنش ، ~~وجماعة من كبارهم في العدد الذي لا يحصر ، والعدد التي لا تحرز ، لقصد بلاد ~~الإسلام ، بعد أن نادوا في سائر بلادهم ومعاقلهم بالنفير إليها ، والإسراع ~~نحوها ، وتخلية بلادهم وأعمالهم خالية ، شاغرة من حماتها ، والحفظة لها ، ~~واستصبحوا من أموالهم وذخائرهم وعددهم PageV01P462 # الشيء الكثير ، الذي لا يحصى ، بحيث يقال إن عدتهم ألف ألف عنان ، من ~~الرجالة والفرسان ، وقيل أكثر (161 و) من ذلك وغلبوا ، على أعمال ~~القسطنطينية ، واحتاج ملكها إلى الدخول في مداراتهم ، ومسالمتهم ، والنزول ~~على أحكامهم ، وحين شاع خبرهم ، واشتهر أمرهم ، شرعت ولاة الأعمال المصاقبة ~~لهم ، والأطراف الإسلامية القريبة منهم ، في التأهب للمدافعة لهم ، ~~والاحتشاد على المجاهدة فيهم ، وقصدوا منافذهم ، ودروب معابرهم التي تمنعهم ~~من العبور والنفوذ إلى بلاد الإسلام وواصلوا شن الغارات على أطرافهم ، ~~واشتجر القتل فيهم ، والفتك بهم ، إلى أن هلك منهم العدد الكثير ، وحل بهم ~~من عدم القوت والعلوفات والمير ، وغلاء السعر إذا وجد ، ما أفنى الكثير ~~منهم بموت الجوع والمرض ، ولم تزل أخبارهم تتواصل بهلاكهم ، وفناء أعدادهم ~~إلى أواخر سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة بحيث سكنت النفوس بعض السكون ، ~~وركنت إلى فساد أحوالهم بعض الركون ، وخف ما كان من الانزعاج ، والفرق مع ~~تواصل أخبارهم (1). ### | * ثم دخلت سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة # وأولها يوم الجمعة الحادي وعشرين من أيار ، والشمس في الجوزاء ، وفي ~~أوائلها تواترت الأخبار من سائر الجهات بوصول مراكب الأفرنج ، المقدم ذكرهم ~~إلى ساحل البحر ، وحصولهم على سواحل ms320 الثغور الساحلية صور وعكا واجتماعهم مع ~~من كان بها من الأفرنج ، ويقال أنهم بعد ما فني منهم بالقتل والمرض والجوع ~~تقدير مائة ألف عنان ، قصدوا بيت المقدس ، وقضوا مفروض حجهم ، وعاد بعد ذلك ~~من عاد إلى بلادهم ، في البحر ، وقد هلك منهم بالموت والمرض الخلق العظيم ، ~~وهلك من PageV01P463 # ملوكهم من هلك ، وبقي ألمان أكبر ملوكهم ، ومن هو دونه ، واختلفت الآراء ~~بينهم فيما يقصدون منازلته من البلاد الإسلامية ، والأعمال الشامية إلى أن ~~استقرت الحال بينهم على منازلة مدينة دمشق ، وحدثتهم نفوسهم الخبيثة ~~بملكتها ، وتبايعوا ضياعها وجهاتها ، وتواصلت الأخبار بذلك ، وشرع متولي ~~أمرها الأمير معين الدين أنر في التأهب والاستعداد لحربهم ، ودفع شرهم ، ~~وتحصين ما يخشى من الجهات ، وترتيب الرجال في المسالك والمنافذ ، وقطع ~~مجاري المياه (161 ظ) إلى منالهم وطم الآبار ، وعفى المناهل ، وصرفوا ~~أعنتهم إلى ناحية دمشق في حشدهم وحدهم وحديدهم ، في الخلق الكثير على ما ~~يقال ، تقدير الخمسين ألف من الخيل والرجل ، ومعهم من السواد والجمال ~~والأبقار ما كثروا به العدد الكثير ، ودنوا من البلد ، وقصدوا المنزل ~~المعروف بمنازل العساكر (1) فصادفوا الماء معدوما فيه ، مقطوعا عنه ، ~~فقصدوا ناحية المزة ، فخيموا عليها لقربها من الماء ، وزحفوا إليه بخيلهم ~~ورجلهم ، ووقف المسلمون بإزائهم في يوم السبت السادس من شهر ربيع الأول سنة ~~ثلاث وأربعين ، ونشبت الحرب بين الفريقين ، واجتمع عليهم من الأجناد ~~والأتراك الفتاك ، وأحداث البلد والمطوعة بكثرة الأعداد والعدد ، وغلبوا ~~على الماء ، وانتشروا في البساتين ، وخيموا فيها ، وقربوا من البلد ، ~~وحصلوا منه بمكان لم يتمكن أحد من العساكر قديما ولا حديثا منه ، واستشهد ~~في هذا اليوم الفقيه الإمام يوسف الفندلاوي المالكي (2) رحمه الله ، قريب ~~الربوة على الماء ، لوقوفه في وجوههم ، وترك الرجوع عنهم ، اتباعا لأوامر ~~الله تعالى في كتابه الكريم ، وكذلك عبد الرحمن الحلحولي الزاهد رحمه الله ~~جرى أمره هذا المجرى. PageV01P464 # وشرعوا في قطع الأشجار والتحصين بها ، وهدم الفطائر (1) وباتوا تلك ~~الليلة على هذه الحال ، وقد لحق الناس من الارتياع لهول ما شاهدوه ، والروع ~~بما عاينوه ، ما ضعفت به القلوب ms321 ، وحرجت معه الصدور ، وباكروا إليهم في غد ~~ذلك اليوم ، وهو يوم الأحد تاليه ، وزحفوا إليهم ، ووقع الطراد بينهم ، ~~واستظهر المسلمون عليهم ، وأكثروا القتل والجراح فيهم ، وأبلى الأمير معين ~~الدين في حربهم بلاء حسنا ، وظهر من شجاعته وصبره وبسالته ما لم يشاهد في ~~غيره ، بحيث لا يني في ذيادتهم ولا ينثني عن جهادهم ، ولم تزل رحى الحرب ~~دائرة بينهم ، وخيل الكفار محجمة عن الحملة المعروفة لهم ، إلى أن تتهيأ ~~الفرصة لهم إلى أن مالت الشمس إلى الغروب ، وأقبل الليل ، وطلبت النفوس ~~الراحة ، وعاد كل منهم إلى مكانه ، وبات الجند (162 و) بإزائهم ، وأهل ~~البلد على أسوارهم للحرس والاحتياط ، وهم يشاهدون أعداءهم بالقرب منهم. # وكانت المكاتبات قد نفذت إلى ولاة الأطراف ، بالاستصراخ والاستنجاد ، ~~وجعلت خيل التركمان تتواصل ، ورجالة الأطراف تتابع ، وباكرهم المسلمون ، ~~وقد قويت نفوسهم ، وزال روعهم ، وثبتوا بإزائهم ، وأطلقوا فيهم السهام ، ~~ونبل الجرخ (2) بحيث تنتع في مخيمهم في راجل ، أو فارس ، أو فرس ، أو جمل. # ووصل في هذا اليوم من ناحية البقاع وغيرها ، رجالة كثيرة من الرماة ، ~~فزادت بهم العدة ، وتضاعفت العدة ، وانفصل كل فريق إلى مستقره هذا اليوم ~~وباكروهم من غده يوم الثلاثاء كالبزاة إلى PageV01P465 # يعاقيب (1) الجبل ، والشواهين إلى مطار الحجل ، وأحاطوا بهم في مخيمهم ، ~~وحول مجثمهم ، وقد تحصنوا بأشجار الزيتون ، وأفسدوها رشقا بالنشاب ، وحذفا ~~بالأحجار ، وقد أحجموا عن البروز ، وخافوا وفسلوا ، ولم يظهر منهم أحد ، ~~وظن بهم أنهم يعملون مكيدة ، ويدبرون حيلة ، ولم يظهر منهم إلا النفر ~~اليسير من الخيل والرجل على سبيل المطاردة والمناوشة ، خوفا من المهاجنة ، ~~إلى أن يجدوا لحملتهم مجالا ، أو يجدون الغرة احتيالا ، وليس يدنو منهم أحد ~~إلا صرع برشقة أو طعنة ، وطمع فيهم نفر كثير من رجاله الأحداث والضياع ، ~~وجعلوا يرصدونهم في المسالك وقد أينوا (2) فيقتلون من ظفروا به ، ويحضرون ~~رؤوسهم لطلب الجوائز عنها ، وحصل من رؤوسهم العدد الكثير. # وتواترت إليهم أخبار العساكر الإسلامية ، بالخفوف إلى جهادهم ، والمسارعة ~~إلى استئصالهم ، فأيقنوا بالهلاك والبوار ، وحلول الدمار ، وأعملوا الآراء ~~بينهم ، فلم يجدوا لنفوسهم خلاصا من الشبكة ms322 التي حصلوا فيها ، والهوة التي ~~ألقوا بنفوسهم إليها ، غير الرحيل سحر يوم الأربعاء التالي مجفلين ، والهرب ~~مخذولين مفلولين (3)، وحين عرف # وفتح المسلمون الأبواب ، واستسلموا للموت ، وغاروا للإسلام ، وحملوا حملة ~~رجل واحد ، وكان يوما لم ير في الجاهلية والإسلام مثله ، وقصد واحد من ~~أحداث دمشق القسيس ، وهو في أول القوم ، فضربه فأبان رأسه ، وقتل حماره ، ~~وحمل الباقون ، فانهزم الفرنج ، وقتلوا منهم عشرة آلاف ، وأحرقوا الصلبان ~~والخيالة بالنفط ، وتبعوهم إلى الخيام ، وحال بينهم الليل ، فأصبحوا قد ~~رحلوا ، ولم يبق لهم أثر». مرآة الزمان / 2 / 198 199. PageV01P466 # المسلمون ذلك ، وبانت لهم آثارهم في الرحيل ، برزوا لهم في بكرة هذا ~~اليوم ، وسارعوا نحوهم في آثارهم بالسهام ، بحيث قتلوا في أعقابهم من ~~الرجال والخيول والدواب العدد الكثير ، ووجد في آثار منازلهم وطرقاتهم من ~~دفائن قتلاهم ، وفاخر خيولهم ما لا (162 ظ) عدد له ولا حصر يلحقه ، بحيث ~~لها أرائح من جيفهم ، تكاد تصرع الطيور في الجو ، وكانوا قد أحرقوا الربوة ~~والقبة الممدودة في تلك الليلة ، واستبشر الناس بهذه النعمة التي أسبغها ~~الله عليهم ، وأكثروا من الشكر له تعالى ما أولاهم من إجابة دعائهم ، الذي ~~واصلوه في أيام هذه الشدة ، فلله على ذلك الحمد والشكر. # واتفق عقيب هذه الرحمة ، اجتماع معين الدين مع نور الدين صاحب حلب ، عند ~~قربه من دمشق للإنجاد لها في أواخر شهر ربيع الآخر من السنة ، وأنهما قصدا ~~الحصن المجاور لطرابلس المعروف [بالعريمة] (1) وفيه ولد الملك ألفنش أحد ~~ملوك الأفرنج المقدم ذكرهم ، كان هلك بناحية عكا ، ومعه والدته ، وجماعة ~~وافرة من خواصه وأبطاله ، ووجوه رجاله ، فأحاطوا به ، وهجموا عليه ، وقد ~~كان وصل إلى العسكرين النوري والمعيني فرقة تناهز الألف فارس ، من عسكر سيف ~~الدين غازي بن أتابك ، ونشبت الحرب بينهم فقتل أكثر من كان فيه ، وأسر ، ~~وأخذ ولد الملك المذكور وأمه ، ونهب ما فيه من العدد والخيول والأثاث ، ~~وعاد عسكر سيف الدين (2) إلى مخيمه بحمص ، ونور الدين PageV01P467 # عائدا إلى حلب ومعه ولد الملك وأمه ومن أسر معهما وانكفأ معين الدين إلى دمشق. # وقد ms323 كان ورد إلى دمشق الشريف الأمير شمس الدين ، ناصح الإسلام ، أبو عبد ~~الله محمد بن محمد بن عبيد الله الحسيني النقيب ، من ناحية سيف الدين غازي ~~بن أتابك ، لأنه كان قد ندب رسولا من الخلافة إلى سائر الولاة ، وطوائف ~~التركمان لبعثهم على نصرة المسلمين ، ومجاهدة المشركين ، وكان ذلك السبب في ~~خوف الأفرنج من تواصل الإمداد إليهم ، والاجتماع عليهم ورحيلهم على القضية ~~المشروحة ، وهذا الشريف المذكور من بيت كبير في الشرف والفضل والأدب ، ~~وأخوه ضياء الدين نقيب الأشراف في الموصل ، مشهور بالعلم والأدب والفهم ، ~~وكذا ابن عمه الشريف نقيب العلويين ببغداد ، وابن عمه نقيب خراسان ، وأقام ~~بدمشق ما أقام ، وظهر من حسن تأتيه في مقاصده ، وسداده في مصادره وموارده ، ~~ما أحرز به جميل الذكر ، ووافر الشكر ، وعاد منكفئا إلى بغداد بجواب ما وصل ~~(163 و) فيه يوم الأربعاء الحادي عشر من رجب سنة ثلاث وأربعين. # وفي رجب في هذه السنة ورد الخبر من ناحية حلب بأن صاحبها نور الدين أتابك ~~، أمر بإبطال «حي على خير العمل» في أواخر تأذين الغداة ، والتظاهر بسب ~~الصحابة رضياللهعنهم ، وأنكر ذلك إنكارا شديدا ، وحظر المعاودة إلى شيء من ~~هذا المنكر ، وساعده على ذلك الفقيه الإمام برهان أبو الحسن علي الحنفي ~~وجماعة من السنة بحلب ، وعظم هذا الأمر على الإسماعيلية ، وأهل الشيع ، ~~وضاقت له صدورهم ، وهاجوا له وماجوا ، ثم سكنوا ، وأحجموا بالخوف من السطوة ~~النورية المشهورة ، والهيبة المحذورة (1). PageV01P468 # وفي رجب من هذه السنة أذن لمن يتعاطى الوعظ بالتكلم في الجامع المعمور ~~بدمشق ، على جاري العادة والرسم ، فبدا من اختلافهم في أحوالهم وأغراضهم ، ~~والخوض فيما لا حاجة إليه من المذاهب ، ما أوجب صرفهم عن هذه الحال ، ~~وإبطال الوعظ لما يتوجه معه من الفساد ، وطمع سفهاء الأوغاد ، وذلك في ~~أواخر شعبان منها. # وفي جمادى الآخرة منها ، وردت الأخبار من بغداد باضطراب الأحوال فيها ، ~~وظهور العيث والفساد في نواحيها وضواحيها ، وأن الأمير بوزبه ، والأمير قيس ~~، والأمير علي بن دبيس بن صدقة اجتمعوا ، وتوافقوا في تقدير خمسة آلاف فارس ~~، ووصلوا إلى ms324 بغداد على حين غفلة من أهلها ، وهجموها وحصلوا بدار السلطان ، ~~وتناهوا في الفساد والعناد ، بحيث وقعت الحرب بينهم ، وقتل من النظار ~~وغيرهم نحو خمسمائة إنسان في الطرقات ، وأن أمير المؤمنين المقتفي لأمر ~~الله ، رتب الأجناد والعسكرية بإزائهم ، بحيث هزموهم وأخرجوهم من بغداد ، ~~وطلبوا ناحية النهروان ، وتناهوا في العيث والإفساد في الأعمال والاستيلاء ~~على الغلال ، وخرج أمر الخلافة بالشروع في عمارة سور بغداد ، وحفر الخنادق ~~، وتحصينها ، وإلزام الأماثل والتناء والتجار وأعيان الرعايا القيام بما ~~ينفق على العمارات من أموالهم ، على سبيل القرض والمعونة ، ولحق الناس من ~~ذلك المشقة والكلفة المؤلمة (1). # وذكر أن السلطان ركن الدين مسعود مقيم بهمذان ، وأن أمره قد ضعف عما كان ~~، والأقوات قد قلت ، والسعر قد غلا ، والفتن (163 ظ) قد ثارت ، والفساد في ~~الأعمال قد انتشر ، وأن العدوان في أعمال خراسان قد زاد ، وظهر ، والفناء ~~قد كثر. # وفي هذه السنة وردت الأخبار من ديار مصر ، بظهور بعض أولاد نزار ، واجتمع ~~إليه خلق كثير من المغاربة وكتامة وغيرهم ، وقربوا من PageV01P469 # الاسكندرية في عالم عظيم ، وأن إمام مصر الحافظ أنهض إليهم العساكر ~~المصرية ، ونشبت الحرب بينهم ، وقتل من الفريقين العدد الكثير من الفرسان ~~والرجالة ، وكان الظهور لعساكر الحافظية على النزارية ، بحيث هزموهم ، ~~وأثخنوا القتل فيهم ، وأجلت الوقعة عن قتل ولد نزار المقدم ، ومعه جماعة من ~~خواصه وأسبابه ، وانهزم من ثبطه الأجل ، وأطار قلبه الوجل ، وخمدت عقيب هذه ~~النوبة النائرة ، وزالت تلك الفتنة الثائرة ، وسكنت النفوس ، وزال عن مصر ~~الخوف والبؤس (1). # ووردت الأخبار في رجب منها من ناحية حلب ، بأن نور الدين صاحبها ، كان قد ~~توجه في عسكره إلى ناحية الأعمال الأفرنجية ، وظفر بعدة وافرة من الأفرنج ، ~~وأن صاحب أنطاكية جمع الأفرنج ، وقصده على حين غفلة منه ، فنال من عسكره ~~وأثقاله وكراعه ما أوجبته الأقدار النازلة ، وانهزم بنفسه وعسكره ، وعاد ~~إلى حلب سالما في عسكره لم يفقد منه إلا النفر اليسير بعد قتل جماعة وافرة ~~من الأفرنج ، وأقام بحلب أياما (2)، بحيث جدد ما ذهب له من اليزك (3)، ~~وما يحتاج إليه ms325 من آلات العسكر ، وعاد إلى منزله ، وقيل لم يعد. # وكان الغيث أمسك عن الأعمال الحورانية والغوطية والبقاعية ، بحيث امتنع ~~الناس من الفلاحة الزراعية وقنطوا ويئسوا من نزول الغيث ، فلما كان في أيام ~~من شعبان في نوء الهنعة (4) أرسل الله تعالى ، وله الحمد والشكر ، على ~~الأعمال من الأمطار المتداركة ما PageV01P470 # رويت به الأراضي والآكام والوهاد ، وانشرحت الصدور ، ولحقوا معه أوان ~~الزراعة ، فاستكثروا منها ، وزادوا في الفلاحة ، والعمارة وذلك من شعبان. # وقد كان تقدم من شرح نوبة قتل برق بن جندل التيمي بيد الاسماعيلية وجمع ~~أخيه ضحاك بن جندل لبني عمه وأسرته وقومه ورجاله ، وكبسه لجماعة خصومه ~~وقتلهم مع رأس طغيانهم ، (164 و) بهرام الداعي ، ما قد شرح في موضعه من هذا ~~التاريخ ، وعرف ، وورد الخبر في شعبان من هذه السنة بأن المذكورين ندبوا ~~لقتل ضحاك المذكور ، رجلين أحدهما قواسا ، والآخر نشابيا ، فوصلا إليه ~~وتقربا بصنعتهما إليه ، وأقاما عنده برهة من الزمان طويلة إلى أن وجدوا فيه ~~الفرصة مستهلة ، وذاك أن ضحاك بن جندل كان راكبا مسيرا حول ضيعه له ، تعرف ~~ببيت لهيا من وادي التيم ، فلما عاد منها ، وافق اجتيازه بمنزل هذين ~~المفسدين ، فلقياه وسألاه النزول عندهما للراحة ، وألحا عليه في السؤال ، ~~فنزل والقدر منازله ، والبلاء معادله ، فلما جلس أتياه بمأكول حضرهما ، ~~فحين شرع في الأكل مع الخلوة ، وثبا عليه فقتلاه ، وأجفلا فأدركهما رجاله ، ~~فأخذوهما وأتوا بهما إلى ضحاك وقد بقي فيه رمق ، فلما رآهما أمر بقتلهما ، ~~بحيث شاهدهما ثم فاظت نفسه في الحال ، وقام مقامه ولده في إمارة وادي التيم ~~، وبهذا الشرح وصل كتابه ، وعلى هيئته أوردته. # وفي ذي الحجة ورد الخبر من ناحية بغداد بوفاة القاضي ، قاضي القضاة ~~الأكمل فخر الدين عز الإسلام أبي القاسم علي بن الحسين بن محمد الزينبي ~~رحمه الله ، بيوم النحر من سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة ، وصلى عليه الإمام ~~المقتفي لأمر الله أمير المؤمنين ، وصلى الله عليه بعده نقيب النقباء ، ~~ودفن على والده نور الهدى في تربة الإمام أبي حنيفة ، رحمه الله ، وولي أمر ~~القضاء ms326 بعده القاضي أبو الحسن علي بن الدامغاني. PageV01P471 ### | * ودخلت سنة أربع وأربعين وخمسمائة # وأولها يوم الأربعاء الحادي عشر من أيار ، قد كان كثر فساد الأفرنج ~~المقيمين بصور وعكا والثغور الساحلية ، بعد رحيلهم عن دمشق ، وفساد شرائط ~~الهدنة المستقرة بين معين الدين وبينهم ، بحيث شرعوا في الفساد في الأعمال ~~الدمشقية ، فاقتضت الحال نهوض الأمير معين الدين في العسكر الدمشقي إلى ~~أعمالها ، مغيرا عليها وعائثا فيها ، وخيم في ناحية حوران بالعسكر ، وكاتب ~~العرب في أواخر سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة ، ولم يزل مواصلا للغارات وشنها ~~على (164 ظ) بلادهم وأطرافهم مع الأيام وتقضيها ، والساعات وتصرمها ، ~~واستدعى جماعة وافرة من التركمان ، وأطلق أيديهم في نهب أعمالهم ، والفتك ~~بمن يظفر به في أطرافهم : الحرامية ، وأهل الفساد ، والإخراب ، ولم يزل على ~~هذه القضية لهم محاصرا ، وعلى النكاية فيهم والمضايقة لهم مصابرا ، إلى أن ~~ألجأهم إلى طلب المصالحة ، وتجديد عقد المهادنة ، والمسامحة ببعض المقاطعة ~~، وترددت المراسلات في تقرير هذا الأمر ، وإحكام مشروطه وأخذ الأيمان ~~بالوفاء بشروطه في المحرم سنة أربع وأربعين وخمسمائة ، وتقررت حال الموادعة ~~مدة سنتين ووقعت الأيمان على ذلك ، وزال الخلف ، واطمأنت النفوس من أهل ~~العملين بذلك ، وسكنت إلى تمامه ، وسرت بأحكامه. # ووافق ذلك تواصل كتب نور الدين صاحب حلب إلى معين الدين ، يعلمه أن صاحب ~~أنطاكية جمع أفرنج بلاده ، وظهر يطلب بهم الإفساد في الأعمال الحلبية ، ~~وأنه قد برز في عسكره إلى ظاهر حلب للقائه ، وكف شره عن الأعمال ، وأن ~~الحاجة ماسة إلى معاضدته بمسيره بنفسه وعسكره إليه ، ليتفقا بالعسكرين عليه ~~، فاقتضت الحال أن ندب الأمير معين الدين ، الأمير مجاهد الدين بزان بن ~~مامين ، في فريق وافر من العسكر الدمشقي ، للمصير إلى جهته ، وبذل المجهود ~~في طاعته PageV01P472 # ومناصحته ، وتوجه في يوم [السبت] (1) من العشر الأول من صفر من السنة ، ~~وبقي معين الدين في باقي العسكر بناحية حوران ، لإيناس حلل العرب ، وحفظ ~~أطرافهم ، وتطييب نفوسهم لنقل الغلال على جمالهم إلى دمشق ، على جاري ~~العادة ، وحفظها والاحتياط عليها. # وفي صفر من السنة وردت البشائر من جهة نور ms327 الدين ، صاحب حلب ، بما أولاه ~~الله وله الحمد من الظهور على حشد الأفرنج المخذول ، وجمعهم المفلول ، بحيث ~~لم يفلت منهم إلا من خبر ببوارهم ، وتعجيل دمارهم ، وذلك أن نور الدين لما ~~اجتمع إليه ما استدعاه من خيل التركمان والأطراف ، ومن وصل إليه من عسكر ~~دمشق مع الأمير مجاهد الدين (165 و) بزان قويت بذلك نفسه ، واشتدت شوكته ، ~~وكثف جمعه ، ورحل إلى ناحية الأفرنج بعمل أنطاكية ، بحيث صار عسكره يناهز ~~الستة آلاف فارس مقاتلة ، سوى الأتباع والسواد والأفرنج في زهاء أربعمائة ~~فارس طعانة ، وألف راجل مقاتلة ، سوى الأتباع ، فلما حصلوا بالموضع المعروف ~~بإنب (2) نهض نور الدين في العسكر المنصور نحوهم ، ولما وقعت العين على ~~العين حمل الكفرة على المسلمين حملتهم المشهورة ، وتفرق المسلمون عليهم من ~~عدة جهات ، ثم أطبقوا عليهم واختلط الفريقان ، وانعقد العجاج عليهم ، ~~وتحكمت سيوف الإسلام فيهم ، ثم انقشع القتام ، وقد منح الله ، وله الحمد ~~والشكر المسلمين النصر على المشركين ، وقد صاروا على الصعيد مصرعين وبه ~~معفرين وبحربهم مخذولين ، بحيث لم ينج منهم إلا النفر اليسير ممن ثبطه ~~الأجل ، وأطار قلبه الوجل ، بحيث يخبرون بهلاكهم واحتناكهم ، وشرع المسلمون ~~في إسلابهم ، والاشتمال على سوادهم ، وامتلأت الأيدي من غنائمهم وكراعهم ، ~~ووجد اللعين البلنس PageV01P473 # مقدمهم (1) صريعا بين حماته وأبطاله ، فعرف ، وقطع رأسه ، وحمل إلى نور ~~الدين ، فوصل حامله بأحسن صلة ، وكان هذا اللعين من أبطال الأفرنج ~~المشهورين بالفروسية ، وشدة البأس ، وقوة الحيل ، وعظم الخلقة ، مع اشتهار ~~الهيبة ، وكبر السطوة ، والتناهي في الشر ، وذلك في يوم الأربعاء الحادي ~~والعشرين من صفر سنة أربع وأربعين ، ثم نزل نور الدين في العسكر على باب ~~أنطاكية ، وقد خلت من حماتها والذابين عنها ، ولم يبق فيها غير أهلها مع ~~كثرة أعدادهم ، وحصانة بلدهم ، وترددت المراسلات بين نور الدين وبينهم في ~~طلب التسليم إلى نور الدين ، وإيمانهم وصيانة أحوالهم ، فوقع الاحتجاج منهم ~~بأن هذا الأمر لا يمكنهم الدخول فيه إلا بعد انقطاع آمالهم من الناصر لهم ~~والمعين على من يقصدهم ، فحملوا ما أمكنهم من التحف والمال ، واستمهلوا ~~فأمهلوا ms328 وأجيبوا إلى ما فيه سألوا ، ثم رتب بعض العسكر للإقامة عليها ، ~~والمنع لمن يصل إليها. # ونهض نور الدين في بقية (165 ظ) العسكر إلى ناحية أفامية ، وقد كان رتب ~~الأمير صلاح الدين في فريق وافر من العسكر لمنازلتها ومضايقتها ومحاربتها ، ~~فحين علم من فيها من المستحفظين هلاك الأفرنج ، وانقطع أملهم من مواد ~~الإنجاد وأسباب الإسعاد ، التمسوا الأمان ، فأمنوا على نفوسهم ، وسلموا ~~البلد ، ووفى لهم بالشرط ، فرتب فيها من رآه كافيا في حفظها والذب عنها ، ~~وذلك في الثامن عشر من شهر ربيع الأول من السنة. # وانكفأ نور الدين في عسكره إلى ناحية [أنطاكية ، وقد انتهى الخبر بنهوض ~~الفرنج من ناحية] (2) الساحل إلى صوب أنطاكية ، لإنجاد من PageV01P474 # بها وطلب نور الدين تسهل الفرصة في قصدهم للإيقاع بهم ، فأحجموا عن ~~الإقدام على التقرب منه ، وتشاغلوا عنه ، واقتضت الحال مهادنة من في ~~أنطاكية وموادعتهم ، وتقرير أن يكون ما قرب من الأعمال الحلبية له ، وما ~~قرب من أنطاكية لهم ، ورحل عنها إلى جهة غيرهم ، بحيث قد كان في هذه النوبة ~~قد ملك ما حول أنطاكية من الحصون والقلاع والمعاقل ، وغنم منها الغنائم ~~الجمة ، وفصل عنه الأمير مجاهد الدين بزان في العسكر الدمشقي ، وقد كان له ~~في هذه الوقعة ولمن في جملته البلاء المشهور ، والذكر المشكور ، لما هو ~~موصوف به من الشهامة والبسالة وأصالة الرأي ، والمعرفة بمواقف الحروب ، ~~ووصل إلى دمشق سالما في نفسه وجملته في يوم الثلاثاء رابع شهر ربيع الآخر ~~من السنة ، ومن لفظه وصفته ، هذا الشرح معتمدا فيه على الاختصار دون ~~الإكثار ، وفيه من تقوية أركان الدين وإذلال ما بقي من الكفرة الملحدين ما ~~هو مشهور بين العباد ، وسائر البلاد ، مشكور مذكور ، والله تعالى اسمه ، ~~عليه المحمود المشكور. # وقد مضى من ذكر معين الدين أنر فيما كان أنهضه من عسكره إلى ناحية حلب ، ~~لإعانة نور الدين صاحبها ، على ملاقاة الأفرنج المجتمعين من أنطاكية ~~وأعمالها للإفساد في الأعمال الشامية ، وما منح الله تعالى ، وله الحمد ، ~~من الظفر بهم والنصر عليهم ، ما أغنى عن ذكر ms329 شيء منه ، واتفق أن معين الدين ~~فصل عن عسكره بحوران ، ووصل إلى دمشق في أيام من آخر شهر ربيع الأول سنة ~~أربع وأربعين وخمسمائة ، لأمر أوجب ذاك ، ودعا إليه ، وأمعن في الأمل لعادة ~~جرت (166 و) له فلحقه عقيب ذلك انطلاق تمادى به ، وحمله اجتهاده فيما يدبره ~~على العود إلى العسكر بناحية حوران ، وهو على هذه الصفة من الانطلاق ، وقد ~~زاد به ، وضعفت قوته ، وتولد معه المرض المعروف بدوسنطريا (1) وعمله في PageV01P475 # الكبد ، وهو مخوف لا يكاد يسلم صاحبه منه ، وأرجف به وضعفت قوته ، فأوجبت ~~الحال عوده إلى دمشق في محفة لمداواته ، فوصل في يوم السبت السابع من شهر ~~ربيع الآخر من السنة ، فزاد به المرض والإرجاف بموته ، وسقطت قوته ، وقضى ~~نحبه في الليلة التي صبيحتها يوم الاثنين الثالث والعشرين من ربيع الآخر من ~~السنة ، ودفن في إيوان الدار الأتابكية التي كان يسكنها ، ثم نقل بعد ذلك ~~إلى المدرسة التي عمرها ، ولما دفن في قبره وفرغ من أمره ، اجتمع حسام ~~الدين بلاق ، ومؤيد الدين الرئيس ، ومجاهد الدين بزان ، وأعيان الأجناد في ~~مجلس مجير الدين بالقلعة ، وإليه الأمر والتقدم ، وتقررت الحال بينهم على ~~ما اتفق من صلاح الحال. # وفي مستهل جمادى الأولى من السنة توفي أبو عبد الله البسطامي المقرىء ~~المصلي في مشهد زين العابدين رحمه الله . # وورد الخبر من ناحية الموصل بوفاة الأمير سيف الدين غازي بن عماد الدين ~~أتابك رحمه الله ، بعلة قولنجية دامت به ، في أوائل جمادى الأولى من السنة ~~وأنه قرر الأمر لأخيه مودود بن عماد الدين ، والنظر في أمره للأمير علي ~~كوجك ، والوزارة لجمال الدين. # وفي يوم الجمعة التاسع من رجب سنة أربع وأربعين وخمسمائة قرىء المنشور ~~المنشأ عن مجير الدين بعد الصلاة على المنبر بإبطال الفيئة المستخرجة من ~~الرعية وإزالة حكمها ، وتعفية رسمها ، وإبطال دار الضرب ، فكثر دعاء الناس ~~له وشكرهم. # وحدث عقيب هذه الحال استيحاش مؤيد الدين الرئيس ، من مجير الدين استيحاشا ~~أوجب جمع من أمكنه من سفهاء الأحداث والغوغاء وحملة السلاح من الجهلة ~~العوام ms330 ، وترتيبهم حول داره ودار أخيه زين الدولة حيدرة للاحتماء بهم من ~~مكروه يتم عليهما ، وذلك في يوم PageV01P476 # الأربعاء الثالث وعشرين من رجب ، ووقعت المراسلات من مجير الدين بما ~~يسكنهما ، ويطيب قلوبهما ، فما وثقا بذلك ، وجدا في الجمع والاحتشاد من ~~العوام ، وبعض الأجناد (166 ظ) وأثارا الفتنة في ليلة الخميس تالي اليوم ~~المذكور ، وقصدوا (1) باب السجن ، وكسروا أغلاقه ، وأطلقوا من فيه ، ~~واستنفروا جماعة من أهل الشاغور وغيرهم ، وقصدوا الباب الشرقي (2)، وفعلوا ~~مثل ذلك ، وحصلوا في جمع كثير ، وامتلأت بهم الأزقة والدروب فحين عرف مجير ~~الدين وأصحابه هذه الصورة ، اجتمعوا في القلعة بالسلاح الشاك ، فأخرج ما في ~~خزائنه من السلاح والعدد ، وفرقت على العسكرية ، وعزموا على الزحف إلى جمع ~~الأوباش ، والإيقاع بهم ، والنكاية فيهم ، فسأل جماعة من المقدمين التمهل ~~في هذا الأمر ، وترك العجلة بحيث تحقن الدماء ، وتسلم البلد من النهب ~~والحريق ، وألحوا عليه إلى أن أجاب سؤالهم ، ووقعت المراسلة والتلطف في ~~إصلاح ذات البين ، فاشترط الرئيس وأخوه شروطا أجيبا إلى بعضها ، وأعرض عن ~~بعض ، بحيث يكون ملازما لداره ، ويكون ولده وولد أخيه في الخدمة في الديوان ~~ولا يركب إلى القلعة إلا مستدعيا إليها ، وتقررت الحال على ذلك ، وسكنت ~~الدهماء ، ثم حدث بعد هذا التقرير عود الحال إلى ما كانت عليه من العناد ، ~~وإثارة الفساد ، وجمع الجمع الكثير من الأجناد والمقدمين والرعاع والفلاحين ~~، واتفقوا على الزحف إلى القلعة وحصر من بها وطلب من عين عليه من الأعداء ~~والأعيان ، في أواخر رجب ، ونشبت الحرب بين الفريقين ، وجرح وقتل بينهم نفر ~~يسير ، وعاد كل فريق منهم إلى مكانه. # ووافق ذلك هروب السلار زين الدين اسماعيل الشحنة ، وأخيه إلى ناحية بعلبك ~~، ولم تزل الفتنة ثائرة ، والمحاربة متصلة ، إلى أن اقتضت PageV01P477 # الصورة إبعاد من التمس إبعاده من خواص مجير الدين ، وسكنت الفتنة ، ~~وأطلقت أيدي النهابة في دور السلار زين الدين وأخيه وأصحابهما ، وعمهما ~~النهب والإخراب ، ودعت الصورة إلى تطييب نفس الرئيس وأخيه ، والخلع عليهما ~~بعد أيمان حلف بها ، وإعادة الرئيس إلى الوزارة والرئاسة ، بحيث لا يكون ms331 له ~~في ذلك معترض ولا مشارك. # وورد الخبر بظهور الأفرنج إلى الأعمال للعيث فيها والإفساد ، وشرعوا في ~~التأهب لدفع شرهم. # وورد الخبر من ناحية مصر بوفاة صاحبها الإمام الحافظ بأمر الله أمير ~~المؤمنين عبد المجيد ابن الأمير أبي القاسم بن المستنصر بالله ، في الخامس ~~(167 و) من جمادى الآخرة سنة أربع وأربعين ، وولي الأمر من بعده ولده ~~الأصغر أبو منصور اسماعيل بن عبد المجيد الحافظ ، ولقب بالظافر بالله ، ~~وولي الوزارة أمير الجيوش أبو الفتح بن مصال المغربي ، فأحسن السيرة ، ~~وأجمل السياسة ، واستقامت بتدبيره الأعمال ، وصلحت الأحوال ، ثم حدث من بعد ~~ذلك من اضطراب الأمور ، والخلف المكروه بين السودان والريحانية ، بحيث قتل ~~بين الفريقين الخلق الكثير ، وسكنت الفتنة بعد ذلك ، وانتشر الأمن بعد ~~الخوف ، وقد كان الحافظ رحمه الله ولي الأمر أولا في المحرم سنة ست وعشرين ~~وخمسمائة ، بحيث كانت مدة إقامته فيه ثماني عشرة سنة وخمسة أشهر وخمسة ~~وعشرين يوما ، وكان أول زمانه حسن الأفعال والسيرة ، وبث الإحسان في ~~العسكرية والرعية (1). # وقد كان الخبر اتصل بنور الدين بإفساد الأفرنج في الأعمال الحورانية ~~بالنهب والسبي ، فعزم على التأهب لقصدهم ، وكتب إلى من في دمشق يعلمهم ما ~~عزم عليه من الجهاد ، ويستدعي منهم المعونة على ذلك بألف PageV01P478 # فارس ، تصل إليه مع مقدم يعول عليه ، وقد كانوا عاهدوا الأفرنج أن يكونوا ~~يدا واحدة على من يقصدهم من عساكر المسلمين ، فاحتج عليه ، وغولط ، فلما ~~عرف ذلك رحل ونزل بمرج يبوس وبعض العسكرية (1) بيعفور ، فلما قرب من دمشق ، ~~وعرف ما بها خبره ، ولم يعلموا أين مقصده ، وقد راسلوا الأفرنج بخبره ~~وقرروا معهم (2) الإنجاد عليه ، وكانوا قد نهضوا إلى ناحية عسقلان لعمارة ~~غزة ، ووصلت أوائلهم إلى بانياس ، وعرف نور الدين خبرهم ، فلم يحفل بهم ، ~~وقال : لا أنحرف عن جهادهم ، وهو مع ذلك كاف أيدي أصحابه عن العيث والإفساد ~~في الضياع ، وإحسان الرأي في الفلاحين والتخفيف ، والدعاء له مع ذلك متواصل ~~من أهل دمشق وأعمالها ، وسائر البلاد وأطرافها ، وكان الغيث قد انحبس عن ~~حوران والغوطة والمرج حتى ms332 نزح أكثر أهل حوران عنها للمحل واشتداد الأمر ، ~~وترويع سربهم ، وعدم شربهم ، فلما وصل إلى بعلبك اتفق للقضاء المقدر ، ~~والرحمة النازلة أن السماء أرسلت عزاليها ، بل وابل وطل وانسكاب وهطل ، ~~بحيث أقام ذلك منذ الثلاثاء الثالث من ذي الحجة سنة أربع وأربعين إلى مثله ~~(167 ظ) وزادت الأنهار ، وامتلأت ، برك حوران ، ودارت أرحيتها ، وعاد ما ~~صوح (3) من الزرع والنبات غضا طريا ، وضج الناس بالدعاء لنور الدين ، ~~وقالوا : هذا ببركته وحسن معدلته وسيرته. # ثم رحل من منزله بالأعوج ونزل على جسر الخشب المعروف بمنازل العساكر (4) ~~في يوم الثلاثاء السادس والعشرين من ذي الحجة سنة أربع وأربعين ، وراسل ~~مجير الدين والرئيس ، بما قال فيه : إنني ما قصدت بنزولي هذا المنزل طالبا ~~لمحاربتكم ، ولا منازلتكم ، وإنما دعاني إلى هذا PageV01P479 # الأمر كثرة شكاية المسلمين من أهل حوران والعربان ، بأن الفلاحين الذين ~~أخذت أموالهم وشتتت نساؤهم وأطفالهم ، بيد الأفرنج ، وعدم الناصر لهم ، ولا ~~يسعني مع ما أعطاني الله وله الحمد من الاقتدار على نصرة المسلمين ، وجهاد ~~المشركين ، وكثرة المال والرجال ، ولا يحل لي ، القعود عنهم ، والانتصار ~~لهم ، مع معرفتي بعجزكم عن حفظ أعمالكم ، والذب عنها ، والتقصير الذي دعاكم ~~إلى الاستصراخ بالأفرنج على محاربتي ، وبذلكم لهم أموال الضعفاء والمساكين ~~من الرعية ، ظلما لهم وتعديا عليهم ، وهذا ما لا يرضي الله تعالى ، ولا أحد ~~من المسلمين ، ولابد من المعونة بألف فارس مزاحي العلة ، تجرد مع من يوثق ~~بشجاعته من المقدمين لتخليص ثغر عسقلان وغيره. # فكان الجواب عن هذه الرسالة : ليس بيننا وبينك إلا السيف ، وسيوافينا من ~~الأفرنج ما يعيننا على دفعك إن قصدتنا ، ونزلت علينا ، فلما عاد الرسول ~~بهذا الجواب ، ووقف عليه ، أكثر التعجب منه ، والإنكار له ، وعزم على الزحف ~~إلى البلد ، ومحاربته في غد ذلك اليوم ، وهو يوم الأربعاء الخامس والعشرون ~~من نيسان ، فأرسل الله تعالى من الأمطار وتداركها ودوامها ، ما منعه من ذلك ~~، وصرفه عنه. ### | * ودخلت سنة خمس وأربعين وخمسمائة # أولها يوم الاثنين مستهل المحرم ، وفيه تقرر الصلح بين نور الدين وأرباب ~~دمشق ، والسبب في ms333 ذلك أن نور الدين أشفق من سفك دماء المسلمين إن أقام على ~~حربها والمضايقة لها ، مع ما اتصل به من أخبار دعته إلى ذلك ، واتفق أنهم ~~(168 و) بذلوا له الطاعة ، وإقامة الخطبة له على منبر دمشق ، بعد الخليفة ~~والسلطان والسكة ، ووقعت الأيمان على ذلك ، وخلع نور الدين على مجير الدين ~~خلعة كاملة بالطوق ، وأعاده مكرما محترما ، وخطب له على منبر دمشق يوم ~~الجمعة رابع عشر المحرم ، ثم استدعى الرئيس إلى المخيم ، وخلع عليه خلعة ~~مكملة أيضا ، وأعاده PageV01P480 # إلى البلد ، وخرج إليه جماعة من الأجناد والخواص إلى المخيم ، واختلطوا ~~به ، فوصل من استماحه من الطلاب والفقراء والضعفاء ، بحيث ما خاب قاصده ، ~~ولا أكدى من سأله ، ورحل عن مخيمه ليلة الأحد عائدا إلى حلب ، بعد إحكام ما ~~قرر ، وتكميل ما دبر. # وورد الخبر في الخامس من المحرم من ناحية حلب بأن عسكرها من التركمان ظفر ~~بابن جوسلين صاحب أعزاز وأصحابه ، وحصوله في قبضة الأسر في قلعة حلب ، فسر ~~بهذا الفتح كافة الناس. # وورد الخبر بأن الملك (1) مسعود وصل في عسكره طالبا أنطاكية ، ونزل على ~~تل باشر ، وضايقها في أيام من المحرم. # وفي أيام من المحرم وصل إلى دمشق جماعة من حجاج العراق وخراسان المأخوذين ~~في طريق الحج عند عودهم ، لجماعة من كفار العربان وزطهم وأوباشهم ، تجمعوا ~~في عدد دثر ، وحكوا مصيبة ما نزل مثلها بأحد في السنين الخالية ، ولا يكون ~~أشنع منها ، وذكر أنه كان في هذا الحج من وجوه خراسان وتنائها وفقهائها ~~وعلمائها وقضاتها ، وخواتين أمراء العسكر السلطانية والحرم العدد الكثير ، ~~والأموال الجمة ، والأمتعة الوافرة ، فأخذ جميع ذلك وقتل الأكثر ، وسلم ~~الأقل إلا نزر ، وهتكت النساء ، وسلبوا ، وهلك من هلك بالجوع والعطش ، ~~فضاقت الصدور لهذه النازلة الفادحة ، والرزيئة الحادثة ، فكسا العاري منهم ~~، وأطلق لهم ما استعانوا بقدره على عودهم إلى أوطانهم ، من أصحاب المروءة ~~والمقدمين بدمشق ، وذلك بتقدير الحكيم القدير (2). # وقد كان نور الدين عقيب رحيله عن دمشق ، وحصول ابن جوسلين PageV01P481 # في قلعة حلب أسيرا ، توجه في عسكره إلى اعزاز ms334 بلد ابن جوسلين ، ونزل ~~عليها ، وضايقها وواظب قتالها ، إلى أن سهل الله تعالى ملكتها بالأمان ، ~~وهي على غاية من الحصانة والمنعة والرفعة ، فلما تسلمها رتب فيها من ثقاته ~~من وثق به ، ورحل (168 ظ) عنها ظافرا مسرورا ، عائدا إلى حلب ، في أيام من ~~شهر ربيع الأول من السنة. # وورد الخبر بعد المضايقة والمحاربة عن تل باشر ، في يوم الجمعة مستهل ~~ربيع الآخر برحيل الملك مسعود ، ووصل أكثر حماتها ، لأسباب أوجبت ذاك ودعت ~~إليه ، وكان مجاهد الدين بزان قد توجه إلى حصنه صرخد ، لتفقد أمواله ، ~~وترتيب أحواله وأحوال ولده النائب عنه في حفظه ، وتقرير أموره ، وعرضت بعده ~~نفرة بين مجير الدين والرئيس بسعايات أصحاب الأغراض والفساد ، واقتضت الحال ~~استدعاء مجاهد الدين لإصلاح الحال ، فوصل وتم ذلك بوساطته على شرط إبعاد ~~الحاجب يوسف ، حاجب مجير الدين ، عن البلد مع أصحابه ، وتوجهوا ، ولم يعرض ~~لشيء من أموالهم ، وقصد بعلبك فأكرمه عطاء واليها. # وقد كانت الأخبار متناصرة من ناحية مصر بالخلف المستمر بين وزيرها ابن ~~مصال ، وبين الأمير المظفر بن سلار ، وجميع العسكرية ، ووقوع الحرب منهم ، ~~وسفك الدماء إلى أن أسفرت عن قتل ابن مصال الوزير ، وظفر ابن سلار به ، ~~وغلبته على الأمر ، وانتصابه في الوزارة ، وسعى في الصلاح وترتيب الأجناد ، ~~وإطلاق واجباتهم ، وهدأت النائرة (1) وسكنت الفتنة الثائرة (2). # وورد الخبر بوصول منكوبرس (3) في جماعة من الأتراك والتركمان إلى ناحية ~~حوران ، واجتماعه مع الأمير سرخاك والي بصرى على العيث PageV01P482 # والفساد في ضياع حوران ، وقيل إن ذاك بإذن نور الدين ، وقصدوا عمل صرخد ~~بالإفساد والإخراب والمضايقة لها ، ورحلوا بعد ذلك إلى غيرها للإفساد ، ~~ومنع الفلاحين من الزرع. # وفي يوم الاثنين السابع عشر من رجب من السنة توفي القاضي بهاء الدين عبد ~~الملك بن الفقيه عبد الوهاب الحنبلي رحمه الله ، وكان إماما فاضلا مناظرا ~~مستقلا مفتيا على مذهب الإمامين أحمد وأبي حنيفة ، رحمهما الله ، بحكم ما ~~كان عليه عند إقامته بخراسان لطلب العلم والتقدم وكان (يعرف) (1) اللسان ~~بالعربية والفارسية ، حسن الحديث في الجد والهزل ، وكان له يوم ms335 دفنه في ~~جوار أبيه وجده في مقابر الشهداء (2) رحمهما الله ، مشهود بكثرة العالم ~~والباكين حول سريره ، والمؤمنين له والمتأسفين عليه (169 و). # وتوفي أيضا عقيب وفاته الشريف القاضي النقيب أبو الحسين ، فخر الدولة ابن ~~القاضي ابن أبي الجن رحمه الله ، في يوم الخميس العشرين من رجب ، من السنة ، ~~ودفن في مقابر فخر الدولة جده رحمه الله ، وتفجع الناس له ، لخيريته وشرف بيته. # وفي رجب من السنة وردت الأخبار من ناحية نور الدين بظفره بعسكر الأفرنج ~~النازلين بإزائه قريبا من تل باشر ، وعظم النكاية فيهم ، والفتك بهم ، ~~وامتلأت الأيدي من غنائمهم وسبيهم ، واستيلائه على حصن (3) [تل] خالد ، ~~الذي كان مضايقه ومنازله. # وفي العشر الأخير من رجب ورد الخبر من حوران ، بأن الأمير PageV01P483 # منكوبرس إلتقى في المعروف بالنويسه (1) الحاجي ورجاله من عسكر دمشق ، ~~فهزمه وجرحه جرحا تمكن منه ، وحمل إلى البلد ، فمات في الطريق ، ووصل وقبر ~~في مقابر الفراديس في يوم الاثنين السادس من شعبان من السنة. # وفي يوم الأربعاء الرابع عشر من شهر رمضان أرسلت السماء عزاليها بثلج لم ~~ير في السنين الخالية مثله ، وتمادت به الأيام ، بحيث عم كثيرا من أقطار ~~الأرض : حوران والبقاع والبرية ، وقيل إن أقصاه من بلاد الشمال إلى قلعة ~~جعبر ، وجرت أودية حوران ، ودارت أرحيتها ، وامتلأت بركها ، وفاضت آبارها ، ~~واستبشر الناس بهذه النعمة العامة ، وشكروا موليها ، والمنعم بها ، وزادت ~~أنهار بردى والعيون عقيب ذلك زيادة وافرة ، وسرت النفوس وتتابع بعد ذلك غيث ~~كانون الثاني ، وروى الزراعات ، ومنابت العشب. # وفي يوم السبت الثالث من ذي الحجة من السنة ، توفي القاضي المكين أبو ~~البركات محفوظ ابن القاضي أبي محمد الحسن بن صصرى رحمه الله ، بعلة طالت به ~~، وهو في أواخر الثمانين ، وكان مشهورا بالخير ، والعفاف وسلامة الطبع. # وورد الخبر من ناحية مصر بالخلف المستمر بين وزيرها العادل بن سلار ، ~~وأجنادها بحيث الدماء بينهم مسفوحة ، وأبواب الشر والعناد مفتوحة (2). ### | * ودخلت سنة ست وأربعين وخمسمائة # وأولها يوم الجمعة مستهل المحرم ، وفي يوم الأربعاء العاشر من المحرم من ~~هذه السنة المباركة ms336 نزل أوائل عسكر نور الدين على أرض PageV01P484 # عذراء من عمل دمشق وما والاها ، (169 ظ) وفي يوم الخميس تاليه قصد فريق ~~وافر منهم ناحية السهم (1) والنيرب ، وكمنوا عند الجبل لعسكر دمشق ، فلما ~~خرج منها إليها أسرع النذير إليهم ، فحذرهم ، وقد ظهر الكمين فانهزموا إلى ~~البلد ، وخرج من أعقابهم ، وسلموا من الإيقاع بهم ، وفي يوم الجمعة تاليه ~~وصل نور الدين في عسكره ، ونزل على عيون فاسريا (2) ما بين عذراء ودومة ، ~~وامتدوا إلى تلك الجهات ، وفي يوم السبت التالي له رحلوا من ذلك المكان ~~ونزلوا في أراضي حجيرا وراوية (3)، وتلك الجهات في الخلق الكثير ، والجم ~~الغفير ، وانبثت أيدي المفسدين في العسكر الدمشقي والأوباش من أهل العيث ~~والإفساد في زروع الناس ، فحصدوها واستأصلوها وفي الثمار فأفنوها بلا مانع ~~ولا دافع ، وضر ذلك بأصحابها الضر الزائد ، وتحرك السعر وانقطعت السابلة ، ~~وضاقت الصدور ، ووقع التأهب والاستعداد لحفظ البلد والسور ، ووافت رسل نور ~~الدين إلى ولاة أمر البلد ، تقول : أنا ما أوثر إلا صلاح المسلمين ، وجهاد ~~المشركين ، وخلاص من في أيديهم من الأسارى فإن ظهرتم معي في عسكر دمشق ، ~~وتعاضدنا على الجهاد ، وجرى الأمر على الوفاق والسداد ، فذلك غاية الإيثار ~~والمراد ، فلم يعد الجواب إليه بما يرضاه ويوافق مبتغاه. # وفي يوم السبت الثالث والعشرين منه رحل نور الدين في عساكره عن ذلك ~~المنزل ، بحيث نزل في أرض مسجد القدم وما والاه من الشرق والغرب ، ومبلغ ~~منتهى الخيم إلى المسجد الجديد قبلي البلد ، وهذا منزل ما نزله أحد من ~~مقدمي العساكر فيما سلف من السنين ، وجرى بين أوائل العسكر ، وبين من ظهر ~~إليه من البلد مناوشات ، ثم عاد كل PageV01P485 # إلى مكانه ، ولم تزل الحال مستمرة من العسكر النوري على إهمال الزحف إلى ~~البلد ، ومحاربة من فيه إشفاقا من قتل النفوس ، وإثخان الجراح في مقاتلة ~~الجهتين ، بحيث انطلقت أيدي المفسدين من الفريقين في الفساد ، وحصد زراعات ~~المرج والغوطة ، وضواحي البلد ، وخراب مساكن القرى ، ونقل أنقاضها إلى ~~البلد والعسكر ، وزاد الأضرار بأربابها من التناء والفلاحين وتزايد طمع ~~الرعاع والأوباش ms337 في التناهي في الفساد بلا رادع لهم ولا مانع وعدم التبن ~~لعلف الكراع في جميع الجهات وارتفع السعر وعظم (170 و) الخطب وصعب الأمر ، ~~والأخبار تتناصر باحتشاد الأفرنج واجتماعهم للإنجاد لأهل دمشق والإسعاد ، ~~وقد ضاقت صدور أهل الدين والصلاح ، وزاد إنكارهم لمثل هذه الأحوال المنكرة ~~والأسباب المستبشعة ، ولم تزل الحال على هذه القضية المكروهة ، والمناوشات ~~في كل يوم متصلة من غير مزاحفة ولا محاربة إلى يوم الخميس الثالث عشر من ~~صفر من السنة. # ثم رحل العسكر النوري من هذه المنازل ونزل في أراضي فذايا وحلقبلتين ~~والخامسين (1) المصاقبة للبلد ، وما عرف في قديم الزمان من أقدم من الجيوش ~~على الدنو منها ، ونشبت المطاردة في اليوم المذكور ، وكثر الجراح في خيالة ~~البلد ورجالته ، وملك مواشي الفلاحين والضعفاء ودواب المتعلقة من البلد ، ~~وما يخص فلاحي الغوطة والمرج والضواحي ، ثم رحل في يوم الخميس لعشر بقين من ~~صفر عائدا إلى ناحية داريا ، لتواصل الأرجاف بقرب عسكر الأفرنج من البلد ~~للإنجاد ، ليكون قريبا من معابرهم لقوة العزائم على لقائهم ، والاستعداد ~~لحربهم ، لأن العسكر النوري قد صار في عدد لا يحصى كثرة ، وقوة ، وفي كل ~~يوم زيادة بما يتواصل من الجهات وطوائف التركمان ، ونور الدين مع هذه الحال لا PageV01P486 # يأذن لأحد من عسكره في التسرع إلى قتال أحد من المسلمين من رجال البلد ~~وعوامه ، تحرجا من إراقة الدم فيما لا يجدي نفعا ، إذ كانوا يحملهم الجهل ~~والغرور على التسرع والظهور ، ولا يعودون إلا خاسرين مفلولين ، وأقام على ~~هذه الصورة ، ثم رحل إلى ناحية الأعوج لقرب عسكر الأفرنج ، وعزمهم على قصده ~~، واقتضى رأيه الرحيل إلى ناحية الزبداني استجرارا لهم ، ليكونوا في أعمال ~~حوران مع العرب ، لقصد الأفرنج ولقائهم وترقبا لوصولهم ، وخروج العسكر ~~الدمشقي إليهم ، واجتماعهم [بهم] ثم يقاطع عليهم (1). # واتفق أن عسكر الأفرنج وصل عقيب رحيله إلى الأعوج ونزل به في اليوم ~~الثالث من شهر ربيع الأول سنة ست وأربعين ووصل منهم خلق كثير إلى البلد ، ~~لقضاء حوائجهم ، وخرج مجير الدين ومؤيده في خواصهما ، وجماعة وافرة من ms338 ~~الرعية ، واجتمعا بملكهم وخواصه وما (170 ظ) صادفوا عندهم شيئا مما هجس في ~~النفوس من كثرة ، ولا قوة ، وتقرر بينهم النزول بالعسكرين على حصن بصرى ، ~~لتملكه ، واستغلال أعماله. # ثم رحل عسكر الأفرنج إلى رأس الماء ، ولم يتهيأ خروج العسكر الدمشقي ~~إليهم لعجزهم واختلافهم ، وقصد من كان بحوران من العسكر النوري ، ومن انضاف ~~إليهم من العرب في خلق كثير ، ناحية الأفرنج ، للإيقاع بهم والنكاية فيهم ، ~~والتجأ عسكر الأفرنج إلى لجاة حوران للاعتصام بها ، وانتهى الخبر إلى نور ~~الدين ، فرحل ونزل على عين الجر ، من البقاع ، عائدا إلى دمشق ، وطالبا قصد ~~الأفرنج ، والعسكر الدمشقي ، وكان الأفرنج حين اجتمعوا مع العسكر الدمشقي ، ~~قد قصدوا بصرى لمنازلتها ومضايقتها ومحاربتها فلم يتهيأ PageV01P487 # ذلك لهم ، وظهر إليهم سرخاك واليها في رجاله ، وعادوا عنه خاسرين ، ~~وانكفأ عسكر الأفرنج إلى أعماله في العشر الأوسط من شهر ربيع الأول من ~~السنة ، وراسلوا مجير الدين ومؤيده ، يلتمسون باقي المقاطعة المبذولة لهم ~~على ترحيل نور الدين عن دمشق ، وقالوا : لو لا نحن ندفعه ما رحل عنكم. # وفي هذه الأيام ورد الخبر بوصول الأسطول المصري إلى ثغور الساحل في غاية ~~من القوة ، وكثرة العدة والعدة ، وذكر أن عدة مراكبه سبعون مركبا حربية ~~مشحنة بالرجال ، ولم يخرج مثله في السنين الخالية ، وقد أنفق عليه ما حكي ~~وقرب ثلاثمائة ألف دينار ، وقرب من يافا من ثغور الأفرنج فقتلوا وأسروا ~~وأحرقوا ما ظفروا به ، واستولوا على عدة وافرة من مراكب الروم والأفرنج ، ~~ثم قصدوا ثغر عكا ، وفعلوا فيه مثل ذلك ، وحصل في أيديهم عدة وافرة من ~~المراكب الحربية الأفرنجية ، وقتلوا من حجاج [الأفرنج] وغيرهم خلقا عظيما ، ~~وأنفذوا ما أمكن إلى ناحية مصر ، وقصدوا ثغر صيدا وبيروت وطرابلس ، وفعلوا ~~فيها مثل ذلك. # ووعد نور الدين بمسيره إلى ناحية الأسطول المذكور لإعانته على تدويخ ~~الأفرنجية ، واتفق اشتغاله بأمر دمشق ، وعوده إليها لمضايقتها ، وحدث نفسه ~~بملكتها لعلمه بضعفها ، وميل الأجناد والرعية إليه ، وإشارتهم لولايته ~~وعدله ، وذكر أن نور الدين أمر بعرض عسكره وحصره ، فذكر أنه بلغ كمال ~~ثلاثين ms339 ألف مقاتلة ، ثم رحل ونزل بالدلهمية من عمل البقاع ، ثم رحل منها ~~طالبا نحو دمشق ، ونزل في (171 و) أرض كوكبا من غربي داريا في يوم السبت ~~الحادي والعشرين من ربيع الأول ، وغارت الخيل على طريق حوران إلى دمشق ، ~~فاشتملت على الشيء الكثير من الجمال والغلة والمواشي ، وغاروا على ناحية ~~الغوطة والمرج ، واستاقوا ما صادفوا من المواشي ، ثم رحل عن هذا المنزل في ~~يوم الاثنين ، ونزل من أرض داريا إلى جسر الخشب ، PageV01P488 # ونودي في البلد بخروج الأجناد والأحداث إليه ، فلم يظهر منهم إلا اليسير ~~ممن كان يخرج أولا (1). # وفي يوم الأربعاء الرابع والعشرين من الشهر ، رحل من هذا المنزل ، ونزل ~~في أرض القطيعة (2) وما والاها ، ودنا منها بحيث قرب من البلد ، ووقعت ~~المناوشة بين الفريقين من غير زحف ، ولا شد في محاربة. # وورد الخبر إلى نور الدين بتسليم نائبه الأمير حسان (3) المنبجي مدينة تل ~~باشر بالأمان في يوم الخميس الخامس وعشرين من شهر ربيع الأول سنة ست ~~وأربعين ، وضربت في عسكره الطبول والكوسات والبوقات بالبشارة ، وورد مع ~~البشير جماعة من أعيان تل باشر ، لتقرير الأحوال. # واستمر رأي نور الدين على [وقف] (4) الزحف إلى البلد ، ومحاربة أهله ~~وعسكريته تحرجا من قتل المسلمين ، وقال : لا حاجة إلى قتل المسلمين بأيدي ~~بعضهم بعضا ، وأنا أرفههم ليكون بذل نفوسهم في مجاهدة المشركين ، وحدثت مع ~~هذه النية تردد المراسلات في عقد الصلح في أيام من شهر ربيع الآخر على شروط ~~أشير إليها ، واقتراحات عين عليها ، وتردد فيها الفقيه برهان الدين البلخي ~~، والأمير أسد الدين شيركوه ، وأخوه نجم الدين أيوب ، وتقارب الأمر في ذلك ~~، وترددت المراسلات إلى أن استقرت الحال على قبول الشروط المقترحة ، ووقعت ~~الأيمان من الجهتين على ذلك ، والرضا به في يوم الخميس العاشر من شهر ربيع ~~الآخر من السنة. PageV01P489 # ورحل نور الدين في عسكره في يوم الجمعة غد اليوم المذكور ، طالبا ناحية ~~بصرى ، للنزول عليها ، والمضايقة لها ، والتمس من دمشق ما تدعو إليه الحاجة ~~من آلات الحرب والمناجيق ، لأن سرخاك الوالي المذكور ، كان ms340 بها ، كان شاع ~~عصيانه وخلافه ، ومال إلى الأفرنج ، واعتضدهم ، فأنكر نور الدين ذلك عليه ، ~~وأنهض فريقا وافرا من عسكره إليه. # وورد الخبر من ناحية قلعة جعبر في يوم السبت الثالث عشر من (171 ظ) شهر ~~ربيع الآخر بأن صاحبها الأمير عز الدين علي بن مالك ابن سالم بن مالك ، خرج ~~في أصحابه إلى عسكر الرقة ، وقد غار على أطراف أعماله لتخليص ما استاقوا ~~منه ، فالتقى الفريقان ، وسبق إليه سهم من كمين ظهر عليهم قضى عليه ، وعاد ~~به أصحابه إلى قلعة جعبر ، وجلس ولده مالك بن علي في منصبه ، واجتمع عليه ~~جماعة أسرته ، واستقام له الأمر من بعده. # ووردت الأخبار في سنة ست وأربعين من ناحية مصر بأن أهل دمياط ، حدث فيهم ~~فناء عظيم ما عهد مثله في قديم ولا حديث ، بحيث أحصي المفقود منهم في سنة ~~خمس وأربعين وخمسمائة ، سبعة آلاف شخص ، وفي سنة ست وأربعين مثلهم سبعة ~~آلاف بحيث يكون الجميع أربعة عشر ألفا ، وخلت دور كثيرة من أهلها ، وبقيت ~~مغلقة ، ولا ساكن فيها ، ولا طالب لها. # وفي يوم السبت الثاني من جمادى الآخرة سنة ست وأربعين توفي القاضي السديد ~~الخطيب أبو الحسين بن أبي الحديد خطيب (1) دمشق رحمه الله وكان خطيبا سديدا ~~مبلغا متصونا عفيفا ، ولم يكن له من يقوم مقامه PageV01P490 # في منصبه ، سوى أبي الحسن الفضل ولد ولده [وهو] (1) حدث السن ، فنصب ~~مكانه ، وخطب وصلى بالناس ، واستمر الأمر له ومضى فيه. # ووردت الحكايات بحدوث زلزلة ، وافت في الليلة الثالثة عشر من جمادى ~~الآخرة سنة ست وأربعين اهتزت الأرض لها ثلاث رجفات ، في أعمال بصرى وحوران ~~، وسكنت ، وما والاها من سائر الجهات ، وهدمت عدة وافرة من حيطان المنازل ~~ببصرى وغيرها ، ثم سكنت بقدرة من حركها وسكنها ، سبحانه وتعالى ، إنه على ~~كل شيء قدير. # وفي يوم الخميس الثاني عشر من رجب سنة ست وأربعين توجه مجير الدين صاحب ~~دمشق إلى حلب في خواصه ، ووصل إليها ، ودخل على نور الدين صاحبها ، وأكرمه ~~وبالغ في الفعل الجميل في حقه ، وقرر معه ms341 تقريرات اقترحها عليه ، بعد أن ~~بذل له الطاعة ، وحسن النيابة عنه في دمشق ، وانكفأ عنه مسرورا بما قصده في ~~حقه من الإكرام ، وحسن الاحترام ، ووصل إلى دمشق في يوم الثلاثاء السادس من ~~شعبان من السنة. # وفي آخر شعبان ورد الخبر من ناحية بانياس بأن فريقا وافرا (172 و) من ~~التركمان غاروا على ظاهرها ، وخرج إليهم واليها من الأفرنج في أصحابه ، ~~ووافقهم ، فظهر التركمان عليهم ، وقتلوا منهم وأسروا ، ولم يفلت منهم غير ~~الوالي ، ونفر يسير ، واتصل الخبر بمن في دمشق ، فأنكر مثل هذا الفعل بحكم ~~انعقاد الهدنة والموادعة ، وأنهض إليهم من العسكر الدمشقي من صادف بعض ~~التركمان متخلفا عن رفقتهم ، فحصلوا منهم ما كان في أيديهم وعادوا بثلاثة ~~نفر منهم. # وفي أيام من أوائل رمضان من السنة ، ورد الخبر بأن أكثر عسكر الأفرنج ~~قصدوا ناحية البقاع ، على غرة من أهلها ، وغاروا على عدة وافرة من الضياع ، ~~فاستباحوا ما بها من رجال ونسوان وشيوخ وأطفال ، PageV01P491 # واستاقوا عواملها ومواشيها ودوابها ، واتصل الخبر بوالي بعلبك ، فأنهض ~~إليهم رجاله ، واجتمع إليهم خلق كثير من رجال البقاع ، وأسرعوا نحوهم القصد ~~، ولحقوهم وقد أرسل الله تعالى عليهم من الثلوج المتداركة ما ثبطهم وحيرهم ~~فقتلوا من رجالتهم الأكثر ، واستخلصوا من الأسرى والمواشي ما سلم من الهلاك ~~بالثلج ، وهو الأقل ، وعادوا على أقبح صفة من الخذلان وسوء الحال ، بحمد ~~الله ، ونصره المسلمين (1). # وفي يوم السبت الثاني والعشرين من شوال من السنة ، وهو اليوم الثالث من ~~شباط وافت قبيل الظهر زلزلة اهتزت لها الأرض ثلاث هزات هائلة ، وتحركت ~~الدور والجدران ، ثم سكنت بقدرة الله تعالى ذكره. ### | * ودخلت سنة سبع وأربعين وخمسمائة # وأولها يوم الثلاثاء مستهل المحرم ، وفي المحرم منها ورد الخبر من ناحية ~~نور الدين بنزوله على حصن انطرطوس في عسكره ، وافتتاحه له ، وقتل من كان ~~فيه من الأفرنج ، وطلب الباقون الأمان على النفوس ، فأجيبوا إلى ذلك ورتب ~~فيه الحفظة وعاد (2) عنه ، وملك عدة من الحصون ، بالسيف والسبي والإخراب ، ~~والحرق والأمان. # ووردت الأخبار من ناحية عسقلان ، في يوم الخميس العاشر ms342 من المحرم بظفر ~~رجال عسقلان بالأفرنج المجاورين لهم ، بغزة بحيث هلك منهم العدد الكثير ، ~~وانهزم الباقون. # وفي ليلة الثلاثاء الثاني والعشرين من المحرم من أواخر نيسان أرسل الله ~~تعالى غيثا (172 ظ) هطالا مجللا بالرعود والبروق المتتابعة ما زادت PageV01P492 # معه مياه بردى زيادة وافرة ، وتصندل لون مائها بمسايل الأودية والجبال ، ~~وانتفعت به زراعات السقي والبعول نفعا ظاهرا. # وفي النصف من شهر أيار من صفر سنة سبع وأربعين كان من زمجرة الرعود ~~وتتابع البروق والأمطار في عدة جهات ما زادت به الأنهار ، وسالت معه شعاب ~~الجبال والأودية ، وفي وقت العصر من يوم الأحد الثاني والعشرين من أيار ~~والعشرين من صفر من السنة ، نشأت غمامة برعود مجلجلة هائلة متتابعة لا تفتر ~~مزعجة ، ثم انهلت بوابل هطال جود بالمطر إلى آخر النهار ، ثم أقبلت بردى ~~بالليل بالسيل الزائد المتغير اللون ، بماء الجبال المختلف ، بحيث أفعمت ~~الأنهار والسواقي والمجاري ، واحمرت أماكنها ، وصادفت طرحات الزرع وأكداسة ~~، فغيرت الشعير وصفرته ، وسكنت بقدرة الله ، ونفع من نشأتها ، ثم حضر من ~~شاهد هذا العارض ، وحكى أنه كان من البرد الكبار ما لا حد له بحيث أفسد من ~~المواشي الكثير ، وهدم بعض دور الغوطة ، وصار الماء في الحقول راكدا وسائحا ~~بالأنهار المغدقة ، وحكى الحاكي أن هذا لم ير مثله في الأزمان. # وفي أواخر صفر سنة سبع وأربعين توجه مجير الدين في العسكر ، ومعه مؤيد ~~الدين الوزير إلى ناحية حصن بصرى ، ونزل عليه محاصرا لسرخاك واليه ، ~~ومضايقا لأهليه لمخالفته لأوامره ونواهيه ، وجوره على أهل الضياع الحورانية ~~، واعتدائه عليهم وإلزامهم ما لا طاقة لهم به ، واستدعى المنجنيقات وآلة ~~الحرب لمنازلتها ، واتفق لمجير الدين المصير إلى صرخد لمشاهدته ، واستأذن ~~مجاهد الدين واليه في ذلك ، فقال له : هذا المكان بحكمك وأنا فيه من قبلك ، ~~وأنفذ إلى ولده سيف الدين محمد ، النائب فيه باعتداد ما يحتاج إليه ، وتلقى ~~مجير الدين بما يجب له ، فخرج إليه في بعض أصحابه ، ومعه المفاتيح ، فوفاه ~~ما يجب له من الإعظام ، وأخلى الحصن من الرجال ، ودخل إليه في خواصه ms343 ، فسر ~~بذلك ، وتعجب من فعل مجاهد الدين ، وشكره على ذلك ، وقدم إليه ما أعده PageV01P493 # من القود والتحف ، وعاد عنه شاكرا إلى مخيمه على بصرى وحاربها عدة أيام ~~إلى أن استقر (173 و) الصلح ، والدخول فيما أراد وعاد إلى البلد. # وفي أوائل شعبان من السنة ، وردت الأخبار بوفاة السلطان غياث الدنيا ~~والدين مسعود بن السلطان محمد. # وفي العشر الأول من شوال من السنة ، الموافق للعشر الأول من تشرين الثاني ~~، تغير الماء والهواء في دمشق ، وعرض لأهلها الحمى والسعال ، بحيث عم الخاص ~~والعام ، والشيوخ والشباب والأطفال ، بحيث وقع الزحام على حوانيت العطارين ~~لتحصيل المغلي ، وحكى الحاكي أن بعض العطارين أحصى ما باعه في يوم ، فكان ~~ثلاثمائة وثمانين صفة ، والسالم منه والمعافى الأكثر ، وما يقيم هذا المرض ~~بالإنسان أكثر من الأسبوع ودونه ، ويمضي من قضى أجله ، وصعب أمر المغسلين ~~والحفارين ، واحتيج إليهم لكثرة الموتى. # وفي يوم السبت الرابع وعشرين من شوال من السنة ، توفي الأمير سعد الدولة ~~أبو عبد الله محمد بن المحسن بن الملحي رحمه الله ، ودفن في مقابر الكهف (1) ~~وكان فيه أدب وافر ، وكتابة حسنة ، ونظم جيد ، وتقدم والده في حلب في ~~التدبير والسياسة ، وعرض الأجناد. ### | * ودخلت سنة ثمان وأربعين وخمسمائة # أولها يوم الأحد ، والشمس في برج الحمل ، والطالع الجدي ، وفي سادس ~~وعشرين من المحرم منها ورد الخبر من ناحية مصر بأن العادل المعروف بابن ~~سلار ، الذي كانت رتبته قد علت ، ومنزلته في الوزارة قد تمكنت ، ونفذ أمره ~~في البسط والقبض ، وحكمه في الإبرام والنقض ، وأنه كان قد جلس للإنفاق في ~~رجال الأسطول ، ليجهزه في البحر إلى ناحية عسقلان بالميرة ، لتقوية من بها ~~على النازلين عليها من الأفرنج ، PageV01P494 # والمضايقين لها ، وهم في الجمع الكثير والجم الغفير ، بالمال والرجال ~~والغلال ، وإشراف أهلها على الخطر ، وأنه نهض من المجلس على العادة للراحة ~~من النصب ، والهجعة عقيب التعب ، وكان لزوجته ولد يعرف بالأمير عباس ، وقد ~~قدمه واعتمد عليه في الأعمال ، ولعباس هذا ولد قدمه الوزير وأنعم عليه ، ~~وأذن له في الدخول بغير إذن إليه ms344 ، فدخل عليه وهو نائم في فرشته على (173 ~~ظ) العادة ، فأخذ سيفه وضربه به فقطع رأسه وخرج به بين أثوابه ، ولم يشعر ~~أحد ، وأتى به إلى باب القصر في يوم الأحد الثاني عشر من المحرم ، وقال ~~لخدم الإمام الظافر بالله : هذا رأس المنافق ، فقيل له : ما كان منافقا ، ~~وكان جماعة من الأتراك قد اصطنعهم الوزير المقتول لنفسه ، فتجمعوا في زهاء ~~ثلاثمائة فارس ، وأنهم طلبوا ليقتلوا ، فحموا نفوسهم بالسهام ، وحصلوا ~~بظاهر القاهرة ، وصادفهم عباس عائدا من بلبيس حين وافاه الخبر ، فوعدهم ~~الجميل ، وإقرارهم على واجباتهم ، فلم يثقوا به ، وتفرقوا على أقبح حال ، ~~ووصلوا إلى دمشق في أواخر المحرم ، وقيل إن عباسا المذكور حصل في منصب ~~العادل المذكور ، واستقام له الأمر ، وتمكن في الأعمال ، وقيل إن العادل ~~كان قد قتل [كثيرا] من الحجرية والريحانية وأصناف الأجناد حتى استقام له ~~الأمر ، وتمكن في الأعمال. # وتواصلت الأخبار من ناحية نور الدين سلطان حلب والشام ، بقوة عزمه على ~~جمع العساكر والتركمان من سائر الأعمال والبلدان ، للغزو في أحزاب الشرك ~~والطغيان ، وبنصرة أهل عسقلان على النازلين عليها من الأفرنج ، وقد ضايقوها ~~بالزحف إليها بالبرج المخذول ، وهو في الجمع الكثير ، والله يحرسها من شرهم ~~، واقتضت الحال توجه مجير الدين صاحب دمشق إلى نور الدين ، في جمهور عسكره ~~، للتعاضد على الجهاد ، في يوم السبت الثالث عشر من المحرم ، واجتمع معه في ~~ناحية الشمال ، واتفق بينهما وجماعة المقدمين من أمراء الأعمال والتركمان ، ~~وهم في العدد PageV01P495 # الدثر ، وقد ملك نور الدين الحصن المعروف بأفلس (1) بالسيف بأمر قضاه ~~الله وسهله ويسره وعجله ، وهو في غاية المنعة والحصانة ، وقتل من كان فيه ~~من الأفرنج والأرمن ، وحصل للعسكر من المال والسبي الشيء الكثير. # ونهضوا طالبين ثغر بانياس ، ونزلوا عليه في يوم السبت تاسع وعشرين صفر ، ~~وقد خلا من حماته وتسهلت أسباب ملكته ، وقد تواصلت استغاثة أهل عسقلان ~~واستنصارهم بنور الدين ، فقضى الله تعالى بالخلف بينهم ، والقتل ، وهم في ~~تقدير عشرة آلاف فارس وراجل ، فأجفلوا عنها من غير طارق من الأفرنج طرقهم ~~ولا عسكر ms345 (174 و) منهم أرهقهم ، ونزلوا على المنزل المعروف بالأعوج ، ~~وعزموا على معاودة النزول على بانياس وأخذها ، ثم أحجموا عن ذلك من غير سبب ~~ولا موجب وتفرقوا ، وعاد مجير الدين إلى دمشق ودخلها سالما في نفسه وجملته ~~، في يوم الاثنين الحادي عشر من شهر ربيع الأول من السنة ، وعاد نور الدين ~~إلى حمص ، ونزل بها في عسكره. # ووردت الأخبار بوصول أسطول مصر إلى عسقلان ، وقويت نفوس من بها بالمال ~~والرجال والغلال ، وظفروا بعدة وافرة من مراكب الأفرنج في البحر ، وهم على ~~حالها في محاصرتها ومضايقتها ، والزحف بالبرج إليها. # وقد تقدم من شرح الحال للرئيس في تمكنه من منصب الوزارة ، بنفيه من نفاه ~~من المعاندين له ، بحيث طابت نفسه ، وتوكد أنسه ، فعرض بينه وبين أخويه عز ~~الدولة وزينها مشاحنات ومشاجرات ، اقتضت المساعدة إلى مجير الدين ، في ~~جمادى الأولى من السنة ، وأنفذ مجير الدين إلى الرئيس يستدعيه للإصلاح ~~بينهم في القلعة ، فامتنع من ذلك ، وجلس في داره ، وهم بالتحصن عنه بأحداث ~~البلد والغوغاء ، وآلت الحال إلى تمكن زين PageV01P496 # الدين منه بمعاونة مجير الدين عليه لأسباب تقدمت ، وتقرر بينهما إخراج ~~الرئيس من البلد وجماعته إلى حصن صرخد مع مجاهد الدين بزان واليه في يوم ~~الثلاثاء التاسع عشر من جمادى الأولى ، بعد أن قرر بقاء داره وبستانه وما ~~يخصه ويخص أصحابه ، وتقلد أخوه زين الدين له مكانه ، وخلع عليه ، وأمر ونهى ~~، ونفذ الأشغال على عادته في العجز والتقصير وسوء الأفعال والتماس الرشاء ~~على أقل الأعمال ، ورأى مجير الدين عقيب ذلك التوجه إلى بعلبك لتطييب نفس ~~واليها عطاء الخادم ، واستصحابه معه إلى دمشق لينوب عنه في تدبير الأمور ، ~~والمعونة على مصالح الأحوال ، وعاد وهو معه ، واستشعر مجاهد الدين أن نية ~~مجير الدين قد تغيرت فيه ، فاستوحش من عوده إلى البلد عن غير يمين يحلف له ~~بها على إيمانه على نفسه ، فوعد بالإجابة إلى ما رغب فيه ، وبقي الأمر ~~موقوفا لأسباب اقتضت التوقف. # ووردت الأخبار في أثناء ذلك بأن الأفرنج النازلين على عسقلان قد (174 ظ) ~~ضايقوها ms346 بمغاداة القتال ومراوحته ، إلى أن تسهلت لهم أسباب الهجوم عليها من ~~بعض جوانب سورها ، فهدموه وهجموا البلد ، وقتل بين الفريقين الخلق الكثير ، ~~وألجأت الضرورة والغلبة إلى طلب الأمان ، فأجيبوا إليه ، وخرج منها من ~~أمكنه الخروج في البر والبحر إلى ناحية مصر وغيرها ، وقيل إن في هذا الثغر ~~المفتتح من العدد الحربية والأموال ، والميرة والغلال ما لا يحصر فيذكر ، ~~ولما شاع هذا الخبر في الأقطار ساء سماعه ، وضاقت الصدور ، وتضاعفت الأفكار ~~بحدوث مثله ، فسبحان من لا يرد نافذ قضائه ، ولا يدفع محتوم أمره عند نفوذه ~~ومضائه. # وورد الخبر من ناحية حلب بوفاة الأديب أبي الحسين أحمد بن منير الشاعر ، ~~في أيام من جمادى الآخرة سنة ثمان وأربعين وخمسمائة ، بعلة هجمت عليه ، ربا ~~فيها لسانه ، بحيث قضى نحبه وكان أديبا شاعرا عارفا بفنون اللغة ، وأوزان ~~العروض ، لكنه مرهوب اللسان ، خبيث PageV01P497 # الهجاء مجيد فيه ، لا يكاد يسلم من مقاطيع هجائه : منعم عليه ، ولا مسيء ~~إليه ، وكان طبعه في الذم أخف منه في المدح وكان يصل بهجائه ، لا بمدحه ~~وثنائه. # ووصل إلى دمشق الأديب أبو عبد الله محمد بن [نصر بن] (1) صغير القيسراني ~~الشاعر من حلب يوم الأحد الثاني عشر من شعبان سنة ثمان وأربعين باستدعاء ~~مجير الدين له ، وحضر مجلسه وأنشده قصيدة حبرها يائية ، مقيدة حسنة المعاني ~~والمقاصد ، فاستحسنها السامعون واستجادها ، وشفعها بغيرها ووصله أحسن صلة ~~واتفق عوده إلى منزله ، فعرضت له حمى حادة ، وجاء معها إسهال مفرط قضى نحبه ~~في يوم الأربعاء الثاني والعشرين من شعبان من السنة ، وكان أديبا شاعرا ~~مترسلا فاضلا ، بليغ النظر ، مليح المعاني ، كثير التطبيق والتجنيس ، وله ~~يد قوية في علم النجوم والأحكام والهيئة ، وحفظ الأخبار والتواريخ ، وكان ~~بينه وبين أبي الحسين أحمد بن منير على قديم الزمان مشاحنات ، حرص معها على ~~الإصلاح بينهما فما تهيأ ذلك لمن رامه ، وكان بينهما هذه المدة اليسيرة. # وكان قد ورد من بغداد إلى دمشق في أوائل سنة ثمان وأربعين وخمسمائة الشيخ ~~الإمام الفيلسوف أبو الفتح ابن الصلاح ، وكان غاية في الذكاء ms347 ، وصفاء الحس ~~، والنفاذ في العلوم الرياضية : (175 و) الطب والهندسة والمنطق والحساب ، ~~وفنون النجوم والأحكام والمواليد ، والفقه وما يتصل به ، وتواريخ الأخبار ~~والسير والآداب ، بحيث وقع الإجماع عليه ، بأنه لم ير مثله في جميع العلوم ~~، وحسن الخلق ، ونزاهة النفس ، بحيث لا يقبل من أحد من الولاة صلة قلت أو ~~كثرت ، واتفق للحين المقضي أنه عرض له مرض حاد ، ومعه إسهال مفرط أضعف قوته ، أقام PageV01P498 # به أياما وتوفي رحمه الله في دمشق يوم الأحد السادس والعشرين من شعبان من ~~السنة ، وقيل إنه من بيت كبير في العلم والأصل ، ونظم فيه هذه الأبيات بصفة ~~حاله في هذا الموضع ، ليعرف محله : # سررت أبا الفتوح نفوس قوم %~% رأوك وحيد فضلك في الزمان حويت علوم أهل الأرض طرا %~% وبينت الجلي من البيان دعيت الفيلسوف وذاك حق %~% بما أوضحت من غرر المعاني ووافاك القضاء بعيد دار %~% غريبا ما له في الفضل ثان فأودعت القلوب عليك حزنا %~% يعض عليه أطراف البنان لئن بخل الزمان علي ظلما %~% بأني لا أراك ولن تراني فقد قامت صفاتك عند مثلي %~% مقام السمع مني والعيان سقى جدثا به أصبحت فردا %~% ملث الغيث بهمي غير وان # وفي أيام من تشرين الثاني الموافق لأيام من شعبان سنة ثمان وأربعين أرسل ~~الله تعالى ، وله الحمد والشكر ، من الغيث المتدارك الهطال ما أحيا به ~~الأرض بعد القحط والجدب ، وأجرى أودية حوران وأفعم بركها بعد جفافها ، وقيل ~~إن هذا الغيث لم ير مثله في هذا الوقت في السنين الماضية ، وأنه أفرط في ~~أعمال طبرية ، بحيث حدث منه سيل جارف هدم عدة من مساكنها ، ورماها إلى ~~البحيرة ، فسبحان محيي عباده ، ومغيث بلاده. # وفي يوم الخميس انسلاخ شعبان من السنة توفي الإمام الفقيه برهان الدين ~~أبو الحسن علي البلخي ، رئيس الحنفية رحمه الله ، ودفن في مقابر باب الصغير ~~المجاور لقبور الشهداء ، رضياللهعنهم ، وكان من التفقه على مذهب الإمام أبي ~~حنيفة (175 ظ) رحمه الله ، ما هو مشهور شائع ، مع الورع والدين والعفاف ~~والتصون ، وحفظ ناموس الدين ، والعلم والتواضع والتردد ms348 إلى الناس على طريقة ~~مرضية ، وسجية محمودة ، لم يشاركه فيها غيره ، ووقع الأسف عليه من جميع ~~الخاص والعام ، والتأبين له ، والحزن عليه. PageV01P499 # قد مضى من ذكر الرئيس المسيب في حصوله بصرخد ، وتقرر بعد ذلك تطييب نفس ~~مجاهد الدين ، والحلف له على إزالة ما خامره من الاستيحاش والنفار ما سكن ~~إليه ، واعتمد عليه ، وعاد إلى داره بدمشق أواخر شعبان وصام رمضان فيها ، ~~ثم هجس في خاطره من مجير الدين وخواصه ما أوحشه منهم ، ودعاه ذلك إلى ~~الخروج من البلد سرا في يوم الثلاثاء الثاني عشر من شوال طالبا صرخد ، فحين ~~عرف خبره ، نهض في طلبه وقص أثره جماعة من الخيل ، فأدركوه وقد قرب من صرخد ~~، فقبض عليه ، وأعيد إلى القلعة بدمشق واعتقل بها اعتقالا جميلا. # وحدث في هذه الأيام من تتابع الأمطار في الأماكن والثلوج في الجبال ~~والأعمال البقاعية ، ما لم ير مثله ، ثم ذاب الثلج ، وسالت بمائه الأودية ~~والشعاب ، وساح على الأرض كالسيل الجارف ، وامتلأت به الأنهار ، والتقت ~~الشطط ، وأفسد ما مر به من الأراضي المنخفضة ، ووصل المد إلى بردى ، وما ~~قرب منها ، ورؤي من كثرته وعظمه وتغير لونه ما كثر التعجب منه ، والاستعظام ~~له ، فسبحان مالك الملك ، منزل الغيث من بعد القنوط ، إنه على كل شيء قدير. # ثم تجدد عقيب ذلك من الرئيس الوزير حيدرة المقدم ذكره أشياء ظهرت عنه ، ~~مع ما في نفس الملك مجير الدين منه ، ومن أخيه المسيب ، والمعرفة بالسعي ~~والفساد ما اقتضت الحال استدعاءه إلى القلعة ، على حين غفلة منه ، وعن ~~القضاء النازل به ، لسوء أفعاله ، وقبح ظلمه وخبثه ، ثم عدلت به الجندراية ~~إلى الحمام بالقلعة ، في يوم الأحد مستهل ذي القعدة من السنة ، وضربت عنقه ~~صبرا ، وأخرج رأسه ونصب على حافة الخندق ، ثم طيف به والناس يلعنونه ويصفون ~~أنواع ظلمه وتفننه في الأدعية والفساد ، ومقاسمة اللصوص ، وقطاع الطريق على ~~أموال الناس المستباحة بتقريره ، وحمايته ، وكثر السرور بمصرعه ، وابتهج ~~بالراحة منه ، ثم رجعت العامة والغوغاء ، ومن كان من أعوانه على الفساد من ~~أهل العيث PageV01P500 # والإفساد ms349 إلى منازله وخزائنه ، ومخازن غلته وأثاثه وذخائره ، فانتهبوا ~~منها ما لا يحصى ، وغلبوا أعوان السلطان وجنده عليها بالكثرة ، ولم يحصل ~~للسلطان من ذلك إلا النزر (176 و) اليسير ، ورد أمر الرئاسة والنظر في ~~البلد في اليوم المقدم ذكره إلى الرئيس رضي الدين أبي غالب عبد المنعم بن ~~محمد بن أسد بن علي التميمي ، وطاف في البلد مع أقاربه ، وسكن أهله ، وسكنت ~~الدهماء ، ولم يغلق في البلد حانوت ولا اضطرب أحد ، واستبشر الناس قاطبة من ~~الخاص والعام والعسكرية ، وعامة الرعية ، وبولغ في إخراب منازل الظالم ، ~~ونقل أخشابها ، وهذه عادة الباري تعالى في الظالمين ، والفسقة المفسدين ، ( ~~ وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد ) (1). # وفي ذي القعدة سنة ثمان وأربعين وردت الأخبار من ناحية بغداد ، بورود ~~الأخبار إليها من ناحية الشرق باضطراب الأحوال في الأعمال الخراسانية ، ~~وانفلال عسكر السلطان سنجر ، والاستيلاء عليه والقهر ، والاستظهار ، وحصره ~~في دار مملكته بلخ ، والتضييق عليه ، واستدعاء ما في خزائنه من الأموال ، ~~والآلات والذخائر والأمتعة ، والجواهر بخلق عظيم من الغز والتركمان ، ~~تجمعوا من أماكنهم ومعاقلهم ، وحللهم في الأعداد الدثرة ، والتناهي في ~~الاحتشاد والكثرة ، ولم يكن للسلطان سنجر مع كثرة عساكره وأجناده [بهم] ~~طاقة ، ولا لدفعهم (2) قوة ، فقهروه وغلبوه وحصروه ، وقيل إن نيسابور (3) ~~وتلك الأعمال حدث فيها من الفساد والخلف ، والقتل والنهب ، والسلب ما ترتاع ~~النفوس باستماع مثله ، وتفرق من قبح فعله ، ونهبت بلخ بالمذكورين المقدم ~~ذكرهم أشنع نهب ، وأبشع سلب ، فسبحان مدبر بلاده وعباده ، كما يشاء ، إنه ~~على كل شيء قدير. PageV01P501 # وفي الشهر المذكور حدث بمدينة دمشق ارتفاع السعر ، لعدم الواصلين إليها ~~بالغلات في بلاد الشمال ، على جاري العادة ، بتقدم نور الدين صاحب حلب ، ~~بالمنع من ذلك ، وحظره ، فأضر ذلك بأهلها من المستورين والضعفاء والمساكين ~~، وبلغ سعر الغرارة الحنطة خمسة وعشرين دينارا ، وزاد على ذلك ، وخلا من ~~البلد الخلق الكثير ، ولقوا من البؤس والشدة والضعف ما أوجب موت جماعة ~~وافرة في الطرقات ، وانقطعت الميرة من كل الجهات ، وذكر أن نور الدين عازم ~~على ms350 قصد دمشق بمنازلتها ، والطمع لهذه الحال في مملكتها ، وذلك مستصعب عليه ~~لقوة سلطانها ، وكثرة أجنادها (176 ظ) وأعوانها ، والله تعالى المرجو لقرب ~~الفرج ، وحسن النظر بخلقه بالرأفة والرحمة ، كما جرت عوائد إحسانه وفضله ~~فيما تقدم. # وفي أواخر ذي القعدة استدعي الرئيس رضي الدين إلى القلعة المحروسة ، وشرف ~~بالخلع المكملة ، والمركوب بالسخت والسيف المحلى ، والترس ، وركب معه ~~الخواص وأصحاب الركاب إلى داره ، وكتب له المنشور بالتقليد والإقطاع ، ولقب ~~بالرئيس الأجل رضي الدين وجيه الدولة ، سديد الملك ، فخر الكفاة ، عز ~~المعالي شرف الرؤساء ، وكان عطاء الخادم ، المقدم ذكره ، قد استبد بتدبير ~~الأمور ، ومد يده في الظلم ، وأطلق لسانه بالهجر ، وأفرط في الاحتجاب عن ~~الشاكي والمشتكي ، بالغلمان والحجاب ، وقصر في قضاء الحوائج تقصيرا منكرا ، ~~واتفق للأقضية المقدرة والمكافأة المقررة ، أن تقدم مجير الدين باعتقاله ~~وتقييده ، والاستيلاء على ما في داره ، ومطالبته بتسليم بعلبك ، وما فيها ~~من مال ، وغلال ، وسرت بمصرعه النفوس ، ونهب العوام والغوغاء بيوت أصحابه ~~وأسبابه ، وأرسل اله تعالى الغيث المتدارك ، بحيث افترت الأرض عن نضارتها ، ~~وأبانت عن اخضرارها وغضارتها. # ولما كان في يوم الاثنين الخامس والعشرين من ذي الحجة من السنة ، PageV01P502 # أمر مجير الدين بضرب عنق عطاء الخادم المذكور ، لأسباب أوجبت ذاك ودعت إليه. # وفي يوم الأربعاء السابع وعشرين من ذي الحجة ، استدعى مجير الدين أبا ~~الفضل ، ولد نفيس الملك ، المستوفي لجده تاج الملوك رحمه الله ، ورد إليه ~~استيفاء ديوانه على عادة أبيه ، ولقبه لقب أبيه وجيه الدين نفيس الملك ، ~~وتقرر إشراف الديوان للعميد سعد الدولة أبي الحسن علي ابن طاهر الوزير ~~المزدقاني. PageV01P503 ### | * ودخلت سنة تسع وأربعين وخمسمائة # أولها يوم الأربعاء ، مستهل المحرم ، والطالع للعالم الجوزاء ، وفي العشر ~~الثاني من المحرم منها وصل الأمير الأسفهلار أسد الدين شيركوه ، رسولا من ~~نور الدين صاحب حلب ، إلى ظاهر دمشق ، وخيم بناحية القصب من المرج ، في ~~عسكر يناهز الألف ، فأنكر ذاك ، ووقع الاستيحاش منه ، وإهمال الخروج إليه ، ~~لتلقيه والاختلاط به ، وتكررت المراسلات فيما اقتضته الحال ، ولم تسفر عن ~~سداد ولا نيل مراد. # وغلا سعر ms351 الأقوات (177 و) لانقطاع الواصلين بالغلات ، ووصل نور الدين في ~~عسكره إلى شيركوه في يوم الأحد الثالث من صفر ، وخيم بعيون الفاسريا عند ~~دومة ، ورحل في الغد ، ونزل بأرض الضيعة المعروفة ببيت الآبار (1) من ~~الغوطة ، وزحف إلى البلد من شرقيه ، وخرج إليه من عسكريته وأحداثه الخلق ~~الكثير ، ووقع الطراد بينهم ، ثم عاد كل من الفريقين إلى مكانه ، ثم زحف ~~يوما بعد يوم ، فلما كان يوم الأحد العاشر من صفر ، للأمر المقدر المقضي ، ~~والأمر الماضي ، وسعادة نور الدين الملك ، وأهل دمشق ، وكافة الناس أجمعين ~~، باكر الزحف ، وقد احتشد ، وتهيأ لصدق الحرب ، وظهر إليه العسكر الدمشقي ~~على العادة ، ووقع الطراد بينهم ، وحملوا من الجهة الشرقية من عدة أماكن ، ~~فاندفعوا بين أيديهم حتى قربوا من سور باب كيسان والدباغة من قبلي البلد ، ~~وليس على السور نافخ ضرمة من العسكرية والبلدية ، لسوء تدبير صاحب الأمر ، ~~والأقدار المقدرة ، غير نفر يسير من الأتراك المستحفظين ، لا يؤبه لهم ، ~~ولا يعول عليهم في أحد الأبراج ، وتسرع بعض الرجالة إلى السور ، وعليه ~~امرأة يهودية ، فأرسلت إليه حبلا ، فصعد فيه ، وحصل على السور ، ولم يشعر ~~به أحد ، PageV01P504 # وتبعه من تبعه ، واطلعوا علما نصبوه على السور ، وصاحوا : نور الدين يا ~~منصور ، وامتنع الأجناد والرعية من الممانعة ، لما هم عليه من المحبة لنور ~~الدين ، وعدله ، وحسن ذكره ، وبادر بعض قطاعي الخشب بفأسه إلى الباب الشرقي ~~، فكسر أغلاقه ، وفتح فدخل منه العسكر على رعب ، وسعوا في الطرقات ولم يقف ~~أحد بين أيديهم ، وفتح باب توما أيضا ، ودخل الناس منه ثم دخل الملك نور ~~الدين وخواصه ، وسر كافة الناس ومن الأجناد والعسكرية لما هم عليه من الجوع ~~وغلاء الأسعار ، والخوف من منازلة الأفرنج الكفار. # وكان مجير الدين لما أحس بالغلبة والقهر ، قد انهزم في خواصه إلى القلعة ~~، وأنفذ إليه وأومن على نفسه وماله ، وخرج إلى نور الدين ، فطيب نفسه ، ~~ووعده الجميل ، ودخل القلعة في يوم الأحد المقدم ذكره ، وقد أمر نور الدين ~~في الحال بالمناداة بالأمان للرعية ، والمنع من انتهاب شيء من دورهم ms352 ، ~~وتسرع قوم من الرعاع والأوباش إلى سوق علي (1) وغيره ، فعاثوا ونهبوا ، ~~وأنفذ المولى الملك نور الدين إلى أهل البلد بما طيب (177 ظ) نفوسهم ، ~~وأزال نفرتهم ، وأخرج مجير الدين ما كان له في دوره بالقلعة والخزائن من ~~المال ، والآلات ، والأثاث على كثرته إلى الدار الأتابكية ، دار جده ، ~~وأقام أياما ، ثم تقدم إليه بالمسير إلى حمص في خواصه ، ومن أراد الكون معه ~~من أسبابه وأتباعه ، بعد أن كتب له المنشور بإقطاعه عدة ضياع بأعمال حمص ~~برسمه ، ورسم جنده وتوجه إلى حمص على القضية المقدرة (2)، ثم أحضر بعد ذلك ~~اليوم أماثل PageV01P505 # الرعية من الفقهاء ، والتجار ، وخوطبوا بما زاد في إيناسهم ، وسرور ~~نفوسهم ، وحسن النظر لهم بما يعود بصلاح أحوالهم ، وتحقيق آمالهم ، فأكثر ~~الدعاء له ، والثناء عليه ، والشكر لله على ما أصاروه إليه ، ثم تلا ذلك ~~إبطال حقوق دار البطيخ ، وسوق البقل وضمان الأنهار ، وأنشأ بذلك المنشور ، ~~وقرىء على المنبر بعد صلاة الجمعة ، فاستبشر الناس بصلاح الحال ، وأعلن ~~الناس من التناء والفلاحين ، والحرم والمتعيشين برفع الدعاء إلى الله تعالى ~~بدوام أيامه ، ونصرة أعلامه ، والله سبحانه ولي الإجابة بمنه وفضله. # وقد كان مجاهد الدين بزان قد أطلق يوم الفتح من الاعتقال ، وأعيد إلى ~~داره ، ووصل الرئيس مؤيد الدين المسيب إلى دمشق مع ولده النائب عنه في صرخد ~~إلى داره ، معلولا على لزومها ، وترك التعرض لشيء من التصرفات والأعمال ، ~~فبدا منه من الأسباب المعربة عن إضمار الفساد ، والعدول عن مناهج السداد ~~والرشاد ، ما كان داعيا إلى فساد النية فيه ، وكان في إحدى رجليه فتح قد ~~طال به ونسر ، ثم لحقه معه مرض وانطلاق متدارك أفرط عليه ، وأسقط قوته مع ~~فهاق متصل ، وقلاع في فيه زائد ، فقضى نحبه في الليلة التي صبيحتها يوم ~~الأربعاء الرابع من شهر ربيع الأول سنة تسع وأربعين ودفن في داره ، واستبشر ~~الناس بمهلكه ، والراحة منه ، ومن سوء أفعاله ، بحيث لو عدت مخازيه مع ~~جنونه واختلاله ، لطال بها الشرح ، وعجز عنها الوصف. # وفي أواخر المحرم من السنة ، ورد الخبر من ناحية ماردين ms353 ، بوفاة صاحبها ~~الأمير حسام الدين بن إيل غازي بن أرتق ، رحمه الله ، في أول المحرم ، وكان ~~مع شرف قدره في التركمان ، ذكيا محبا لأهل العلم والأدب ، مميزا عن أمثاله ~~بالفضيلة. # وفي شهر ربيع الأول من السنة وردت الأخبار من ناحية مصر ، بأن الإمام ~~الظافر بالله أمير المؤمنين (178 و) صاحبها ، كان ركن إلى PageV01P506 # أخويه يوسف وجبريل ، وإلى ابن عمهم صالح بن حسن ، وأنس بهم في أوقات ~~مسراته ، فعملوا عليه ، واغتالوه وقتلوه ، وأخفوا أمره في يوم الخميس ~~انسلاخ صفر سنة تسع وأربعين وحضر الإمام ، العادل عباس الوزير ، وولده ناصر ~~الدين ، وجماعة من الأمراء والمقدمين للسلام على الرسم ، فقيل له : إن أمير ~~المؤمنين ملتاث الجسم ، فطلبوا الدخول عليه لعيادته فاحتج عليهم ، فلم ~~يقبلوا ، وألحوا في الطلب ، فظهر الأمر وانكشف ، واقتضت الحال المسارعة إلى ~~قتل الجناة في الوقت والساعة ، وإقامة ولد الظافر عيسى ، وهو صغير يناهز ~~ثلاث سنين ، ولقبوه الفائز بنصر الله ، وأخذ البيعة على الأجناد والعسكرية ~~وأعيان الرعية على جاري العادة ، والعادل عباس الوزير ، وإليه تدبير الأمور ~~، واستمرت الأحوال على المنهاج (1). # ثم ورد الخبر بعد ذلك بأن الأمير فارس المسلمين ، طلائع بن رزيك ، وهو من ~~أكابر الأمراء والمقدمين ، والشجعان المذكورين ، لما انتهى إليه الخبر ، ~~وهو غائب عن مصر ، قلق لذاك ، وامتعض ، وجمع واحتشد ، وقصد العود إلى مصر ، ~~فلما عرف عباس الوزير بما جمع ، خاف الغلبة والإقدام على الهلكة ، إذ لا ~~طاقة له بملاقاته في حشده الكثير ، ولم يمكنه المقام على الخطار بالنفس ، ~~فتأهب للهرب في خواصه وأسبابه ، وحرمه ووجوه أصحابه ، وما تهيأ من ماله ~~وتجمله وكراعه ، وسار مغذا ، فلما قرب من أعمال عسقلان وغزة ظهر إليه جماعة ~~من خيالة الأفرنج ، فاغتر بكثرة من معه ، وقلة من قصده ، فلما حملوا عليه ~~قتل أصحابه وأعانوا عليه ، وانهزم أقبح هزيمة هو وولد له صغير ، وأسر ابنه ~~الكبير الذي قتل ابن السلار مع ولده وحرمه وماله وكراعه ، وحصلوا في أيدي ~~الأفرنج ، ومن هرب لقي من الجوع والعطش ، ومات العدد الكثير من الناس ~~والدواب ، ووصل إلى دمشق ms354 منهم من نجاه الهرب ، على أشنع صفة من العدم ~~والعري والفقر ، في أواخر شهر ربيع الآخر من السنة ، PageV01P507 # وضاقت صدور المسلمين بهذه المصيبة المقضية بيد الأفرنج ، فسبحان من لا ~~يرد له قضاء ، ولا محتوم أمر (1). # وفي آخر شهر ربيع الأول ، وصل الأمير الأسفهسلار مجد الدين أبو بكر (2) ~~محمد نائب المولى (178 ظ) الملك نور الدين في حلب إلى دمشق ، عقيب عوده من ~~الحج ، وأقام أياما وعاد منكفئا إلى منصبه في حلب ، وتدبير أعمالها وتسديد ~~أحوالها. # وفي شهر ربيع الآخر سنة تسع وأربعين وخمسمائة ، ثار في دمشق مرض مختلف ~~الحميات منه ما يقصر ومنه ما يطول ، وأعقبه بعد ذلك موت في الشيوخ والشباب ~~والصبيان ، ثم تقاصر ذلك. # وفي أيام من جمادى الأولى من السنة ورد الخبر من ناحية مصر ، بأن عدة ~~وافرة من مراكب الأفرنج ، من صقلية وصلت إلى مدينة تنيس ، على حين غفلة من ~~أهلها فهجمت عليها ، وقتلت وأسرت وسبت وانتهبت ، وعادت بالغنائم بعد ثلاثة ~~أيام وتركتها صفرا (3) وبعد ذلك عاد من كان هرب منها في البحر بعد الحادثة ~~، ومن سلم ، واختفى ، وضاقت الصدور ، عند استماع هذا الخبر المكروه. # وفي شهر رمضان ورد الخبر من ناحية حلب ، بوفاة القاضي فخر الدين أبي ~~منصور محمد بن عبد الصمد الطرسوسي ، رحمه الله ، وكان ذا همة ماضية ، ويقظة ~~مضيئة ، ومروءة ظاهرة في داره وولده ومن يلم به PageV01P508 # من غريب ووافد ، وقد نفذ أمره وتصرفه في أعمال حلب في أيام الملكية ~~النورية ، وأثر في الوقوف أثرا حسنا ، توفر به ارتفاعه ثم انعزل عن ذلك ~~أجمل اعتزال. # وفي يوم الثلاثاء الثامن من شهر رمضان سنة تسع وأربعين وخمسمائة ، توفي ~~الحكيم أبو محمد بن حسين الطبيب المعري ، رحمه الله ، وكان حسن الطريقة ~~والصناعة ، كثير التجربة ، ثاقب المعرفة ، فكثر التأسف عليه ، وعند فقد مثله. ### | * ودخلت سنة خمسين وخمسمائة # وأولها يوم الاثنين مستهل المحرم ، والطالع العقرب عشرون درجة وثلاثون ~~دقيقة وثمان وأربعون ثانية ، وفي اليوم الرابع والعشرين من ربيع الأول من ~~السنة ، تقررت أسباب الموادعة بين الملك العادل ms355 نور الدين ، صاحب دمشق ، ~~وبين ملك الأفرنج تقدير السنة ، وتمهدت القاعدة على هذه الحال إلى آخر ~~المدة المستقرة ، وبعد أيام قلائل من ذلك خرج الأمر الملكي النوري بالقبض ~~على ضحاك والي بعلبك ، وطلب منه تسليمها ، فأجاب إلى ذلك ورحل العسكر ~~المنصور إليها لتسلمها ، وفي يوم الخميس السابع من (179 و) شهر ربيع الأول ~~من السنة كان تسليمها (1)، ورتب فيها من سلمت إليه ، واعتمد في حفظها عليه ~~، وفي يوم الاثنين الحادي وعشرين من رجب من السنة توجه الأمير أسد الدين ~~شيركوه إلى حلب ، عند استدعاء الملك العادل نور الدين له. # وفي أيام من شعبان من السنة ، ورد الخبر من ناحية مصر بأن المنتصب في ~~الوزارة فارس الإسلام ابن رزيك ، لما استقام له الأمر عزم على مصالحة ~~الأفرنج وموادعتهم ، واستكفاف شرهم ، ومصانعتهم بمال يحمل إليهم من PageV01P509 # الخزانة ، وما يفرض على إقطاع المقدمين من الأجناد ، فحين شاورهم في ذلك ~~أنكروه ، ونفروا منه ، وعزموا على عزله والاستبدال به من يرتضون به ~~واختاروا مقدما يعرف بالأمير ... (1) مشهورا بالشهامة والبسالة وحسن ~~السياسة ، وارتضى لتولية الأسطول المصري مقدما من البحرية شديد البأس ، ~~بصيرا بأشغال البحر ، فاختار جماعة من رجال البحر يتكلمون بلسان الأفرنج ، ~~وألبسهم لباس الأفرنج ، وأنهضهم في عدة من المراكب الأسطولية ، وأقلع في ~~البحر لكشف الأماكن والمكامن والمسالك المعروفة بمراكب الروم ، وتعرف ~~أحوالها ، ثم قصد ميناء صور ، وقد ذكر له أن فيه شختورة رومية كبيرة ، فيها ~~رجال ، ومال كبير وافر ، فهجم عليها وملكها ، وقتل من فيها ، واستولى على ~~ما حوته ، وأقام ثلاثة أيام ثم أحرقها ، وعاد عنها في البحر ، فظفر بمراكب ~~حجاج أفرنج ، فقتل وأسر وانتهب ، وعاد منكفئا إلى مصر بالغنائم والأسرى. # وفي الشهر المذكور ، ورد الخبر من ناحية حلب ، بوقوع الخلف بين أولاد ~~الملك مسعود بعد وفاته ، وبين أولاد قتلمش ، وبين أولاد قلج أرسلان ، وأن ~~الملك العادل نور الدين صاحب دمشق وحلب دخل بينهم للصلح والإصلاح ، ~~والتحذير من الخلف المقوي للأعداء من الروم والأفرنج ، وطمعهم في المعاقل ~~الإسلامية ، وبالغ في ذلك بأحسن توسط ، وبذل التحف ms356 والملاطفات ، وصلحت ~~بينهم الأحوال. # وتناصرت الأخبار في هذا الأوان من ناحية العراق بأن الإمام المقتفي لأمر ~~الله أمير المؤمنين ، قد اشتدت شوكته ، وظهر واستظهر على كل مخالف له وعادل ~~عن حكمه ، ولم يبق له مخالف مشاقق ولا عدو منافق ، وأنه مجمع على قصد (179 ~~ظ) الجهات المخالفة لأمره. # وفي يوم الجمعة العاشر من ذي الحجة سنة خمسين وخمسمائة عاد PageV01P510 # الملك العادل نور الدين إلى دمشق من حلب ، وقد كان ورد الخبر قبل ذلك بأن ~~الأمير قرا أرسلان بن داود بن سكمان بن أرتق (1) ورد على الملك العادل نور ~~الدين ، وهو بأعمال حلب ، فبالغ في الإكرام له ، والسرور بمقدمه ، ولا طفه ~~وألطفه بما جل قدره ، وعظم أمره من التحف والعطاء ، ثم عاد عنه إلى عمله ، ~~مسرورا شاكرا. # وورد الخبر أيضا في شهر رمضان سنة خمسين بأن الملك العادل نور الدين نزل ~~في عسكره بالأعمال المختصة بالملك قلج أرسلان ابن الملك مسعود بن سليمان بن ~~قتلمش ملك قونية ، وما والاها ، فملك عدة من قلاعها وحصونها بالسيف والأمان ~~، وكان الملك قلج أرسلان وأخواه : ذو النون ، ودولات مشتغلين بمحاربة أولاد ~~الدانشمند ، واتفق أن أولاد الملك مسعود رزقوا النصر على أولاد الدانشمند ~~والإظهار على عسكره في وقعة كانت على موضع يعرف بأقصرا في شعبان سنة خمسين ~~وخمسمائة ، فلما عاد قلج أرسلان ، وعرف ما كان من العادل نور الدين في ~~بلاده ، عظم عليه هذا الأمر ، واستبشعه مع ما بينهما من الموادعة والمهادنة ~~والصهر ، وراسله بالمعاتبة والإنكار عليه ، والوعيد والتهديد ، وأجابه بحسن ~~الاعتذار وجميل المقال ، وبقي الأمر بينهما مستمرا على هذه الحال. ### | * ودخلت سنة إحدى وخمسين وخمسمائة # وأولها يوم الجمعة مستهل المحرم ، والطالع الدلو خمس عشرة درجة ، وستة ~~عشرن دقيقة [وبعد] (2) وصول الحجاج يوم الجمعة السادس من صفر من السنة توجه ~~الملك العادل نور الدين إلى ناحية حلب ، في بعض عسكره في يوم الثلاثاء ~~الرابع والعشرين من صفر من السنة ، عند انتهاء PageV01P511 # خبر الأفرنج إليه بعيثهم في أعمال حلب ، وإفسادهم ، وصادفه في طريقة ~~المبشر بظفر عسكره في ms357 حلب بالأفرنج المفسدين على حارم ، وقتلهم جماعة منهم ~~وأسرهم ، ووصل مع المبشر عدة وافرة من رؤوس الأفرنج المذكورين ، وطيف بها ~~في دمشق. # وفي يوم الثلاثاء الثالث من شهر ربيع الأول من السنة توفي الشيخ الفقيه ~~الزاهد أبو البيان نبا بن محمد المعروف بابن الحوراني رحمه الله وكان حسن ~~الطريقة مذ نشأ (180 و) صيتا إلى أن قضى ، مدينا ثقة عفيفا ، محبا للعلم ~~والأدب ، والمطالعة للغة العرب ، وكان له عند خروج سريره لقبره في مقابر ~~الباب الصغير المجاورة لقبور الصحابة من الشهداء رضياللهعنهم ، يوم مشهود ~~من كثرة المتأسفين له والمتأسفين عليه (1). # وورد الخبر من ناحية حلب بوفاة الشريف السيد بهاء الدين أبي الحسن الهادي ~~بن المهدي بن محمد الحسيني الموسوي ، رحمه الله ، في اليوم السابع عشر من ~~رجب سنة إحدى وخمسين وخمسمائة ، وكان حسن الصورة فصيح اللسان بالعربية ~~والفارسية ، جميل الأخلاق والخلال ، مشكور الأفعال ، كريم النفس ، مليح ~~الحديث ، واسع الصدر ، مكين المحل من الملك العادل نور الدين ، ركن الإسلام ~~والمسلمين ، سلطان الشام أدام الله علاه ، وناله من الحزن لفقده والتأسف ~~عليه ما يقتضيه مكانه المكين عنده ، ونظم فيه هذه الأبيات رثاه بها من كان ~~بينه وبينه مودة مستحكمة أوجبت ذاك أن رأيت إثباتها في هذا الموضع ، مع ~~ذكره وهي : PageV01P512 نعى الناعي بهاء الدين لما %~% أتاه نازل القدر المتاح فروع كل ذي علم وفضل %~% من الأدباء والعرب الفصاح بكته غزالة الآفاق حزنا %~% وأظلم رزؤه ضوء الصباح واسيلت العيون دما عليه %~% كذلك عادة المقل الصحاح فكم متفجع يبكي عليه %~% بحرقة موجع دامي الجراح وينشر فضله في كل ناد %~% بألفاظ محبرة فصاح على حسناته تبكي المعالي %~% بدمعة ثاكل خور رداح فلو رام البليغ لها صفات %~% لقصر عن مراث وامتداح له خلق صحيح لا يضاهى %~% ووجه مشرق الأرجاء صاح وكف جودها كالغيث يهمي %~% على العافين كالجود المباح له شرفان في عرب وفرس %~% وقد صالا بمرهفه الصفاح فأضحى لا يساجل في جلال %~% ولا شرف ينير ولا سماح على أمثاله عند الرزايا %~% تقط جيوب أرباب البطاح (180 ms358 ظ ) ومن كان الحسين أباه قدما %~% فقد نال المعلى في القداح لئن واراه في حلب ضريح %~% بعيد عن مواطنه الفساح وأصبح فيه منفردا غريبا %~% عن الأهلين في غلس وضاح فهذا الرسم جار في البرايا %~% بلا قصد يكون ولا اقتراح فلا برحت غمائم كل نوء %~% تروضه بأنوار الأقاحي ورحمة محيي الأموات تسري %~% عليه في الغدو وفي الرواح صدى الأيام ما ناحت هتوف %~% ولاح بقفره بيض الأداحي # وفي اليوم الخامس والعشرين توفي الشيخ أبو طالب شيخ الصوفية بدمشق ~~رحمه الله ، وكان خيرا تقيا عفيفا ، حسن الطريقة ، مشكور الخلال. PageV01P513 ### || * شرح الزلازل الحادثة في هذه السنة المباركة وتواليها # في لية الخميس التاسع من شعبان سنة إحدى وخمسين وخمسمائة ، الموافق لليوم ~~السابع والعشرين من أيلول ، في الساعة الثانية منها ، وافت زلزلة عظيمة ، ~~رجفت بها الأرض ثلاث أو أربع مرات ، ثم سكنت بقدرة من حركها وسكنها ، ~~سبحانه وتعالى من مليك قادر قاهر ، ثم وافى بعد ذلك ليلة الأربعاء الثاني ~~وعشرين من شعبان المذكور ، زلزلة هائلة وجاءت قبلها وبعدها مثلها في النهار ~~وفي الليل ، ثم جاء بعد ذلك ثلاث دونهن ، بحيث أحصين ست مرات ، وفي ليلة ~~السبت الخامس وعشرين من الشهر المذكور ، جاءت زلزلة إرتاع الناس منها ، في ~~أول النهار وآخره ، ثم سكنت بقدرة محركها ، سبحانه وتعالى. # وتواصلت الأخبار من ناحية حلب وحماة ، بانهدام مواضع كثيرة ، وانهدام برج ~~من أبراج أفامية بهذه الزلازل الهائلة (1)، وذكر أن الذي أحصي عدده منها ~~تقدير الأربعين ، على ما حكي والله تعالى أعلم ، وما عرف مثل ذلك في السنين ~~الماضية ، والأعصر الخالية ، وفي يوم الأربعاء التاسع وعشرين من الشهر ~~بعينه شعبان وافت زلزلة تتلو ما تقدم ذكره آخر النهار ، وجاءت في الليل ~~ثانية في آخره ، ثم وافى في يوم الاثنين أول شهر رمضان من السنة زلزلة ~~مروعة للقلوب ، وعاودت ثانية ، وثالثة ، ثم (181 و) وافى بعد ذلك في يوم ~~الثلاثاء ثلاث زلازل ، إحداهن في أوله هائلة ، والثانية والثالثة دون ~~الأولى ، وأخرى في وقت الظهر مشاكلة لهن ، ووافى بعد ذلك أخرى هائلة ، ~~أيقظت ms359 النيام ، وروعت القلوب ، انتصاف الليل ، فسبحان القادر على ذلك ، ثم ~~وافى بعد ذلك في الساعة التاسعة من ليلة الجمعة النصف من شهر رمضان من ~~السنة زلزلة عظيمة هائلة أعظم مما سبق ، ولما كان عند الصباح من الليلة ~~المذكورة ، وافت أخرى دونها ، وتلا ما تقدم في ليلة السبت أولها ، وجاءت ~~أخرى آخرها ، ثم تلا ذلك في PageV01P514 # يوم الاثنين زلزلة هائلة ، وتلا ذلك في ليلة الجمعة الثالث والعشرين من ~~شهر رمضان في الثلث الأول منها زلزلة عظيمة مزعجة ، وفي غداة يوم الأحد ~~ثاني شوال من السنة تالي ما تقدم ذكره ، وافت زلزلة أعظم مما تقدم ، روعت ~~الناس وأزعجتهم وفي يوم الخميس سابع شوال المذكور ، وافت زلزلة هائلة ، في ~~وقت صلاة الغداة ، وفي يوم الأحد الثالث عشر منه ، وافت زلزلة هائلة ، في ~~وقت صلاة الغداة ، وفي يوم الاثنين تلوه وافت زلزلة أخرى مثلها ، ثم أخرى ~~بعدها دونها ، ثم ثالثة ، ثم رابعة ، وفي ليلة الأحد الثاني والعشرين من ~~شوال ، وافت زلزلة عظيمة روعت النفوس ، ثم وافى عقيب ذاك ما أهمل ذكره ~~لكثرته ، ودفع الله تعالى عن دمشق ، وضواحيها ما خاف أهلها من توالي ذلك ~~وتتابعه ، برأفته بهم ، ورحمته لهم ، فله الحمد والشكر ، لكن وردت الأخبار ~~من ناحية حلب بكثرة ذلك فيها ، وانهدام بعض مساكنها ، إلا شيزر فإن الكثير ~~من مساكنها انهدم على سكانها ، بحيث قتل منهم العدد الكثير ، وأما كفر طاب ~~فهرب أهلها منها خوفا على أرواحهم ، وأما حماة فكانت كذلك ، وأما باقي ~~الأعمال الشامية فما عرف ما حدث فيها من هذه القدرة الباهرة (1). # وفي يوم الأربعاء الحادي والعشرين من شهر رمضان سنة إحدى وخمسين وخمسمائة ~~، وصل المولى الملك نور الدين أعز الله نصره إلى بلده دمشق ، عائدا من ~~ناحية حلب وأعمال الشام بعد تهذيبها وتفقد أحوالها سالما في النفس والجملة ~~، بعد استقرار الموادعة بينه وبين ولد السلطان مسعود صاحب قونية (181 ظ) ~~وزوال ما كان حدث بينهما. # وفي شوال تقررت الموادعة والمهادنة بينه وبين ملك الأفرنج مدة سنة كاملة ~~أولها شعبان ، وأن المقاطعة ms360 المحمولة إليهم من دمشق ثمانية آلاف دينار ~~صورية ، وكتبت المواصفة بذلك بعد تأكيدها بالأيمان بالمواثيق المشددة ، ~~وكان المعروف بأبي سالم بن همام الحلبي قد ولي مشارفة الديوان PageV01P515 # بدمشق ، بعناية الأمير أسد الدين النائب عن الملك العادل نور الدين ، ~~فظهر منه خيانات اعتمدها ، وتفريطات قصدها بجهله وسخافة عقله وتقصيره ، ~~فأظهرها قوم من المتصرفين عند الكشف عنها ، والتحقيق لها ، فاقتضت الحال ~~القبض عليه والاعتقال له إلى أن يقوم بما وجب عليه ، فلما كان في يوم الأحد ~~السادس عشر من شوال سنة إحدى وخمسين وخمسمائة خرج الأمر السامي النوري ~~بالكشف عن سعاياته في فضول كان غنيا عنها ، فاقتضت الحال بأن تحلق لحيته ~~ويركب حمارا مقلوبا ، وخلفه من يعلوه بالدرة ، وأن يطاف به في أسواق دمشق ~~بعد سخام وجهه ، وينادي عليه : «هذا جزاء كل خائن ونمام» ثم أقام بعد ذلك ~~في الاعتقال أياما ، ثم أمر بنفيه إلى حلب بشفاعة من شفع فيه من مقدمي ~~الدولة السعيدة ، فمضى على أقبح صفة من لعن الناس ، ونشر مخازيه ، وتعديد ~~مساويه. # وفي شعبان من السنة وردت الأخبار من ناحية مصر بارتفاع أسعار الغلة بها ، ~~وقلة وجودها ، وشدة إضرارها بالضعفاء والمساكين وغيرهم ، وأمر المتولي ~~لأمرها التناء والمحتكرين لها ببيع الزائد على أقواتهم على المقلين ~~والمحتاجين ، ووكد الخطاب في ذلك ، وما زادت الحال إلا شدة مع ما ذكر من ~~توفية النيل في السنة. # وفي شعبان وردت الأخبار من ناحية العراق ، بخلاص السلطان سنجر ابن ~~السلطان العادل من ضيق الاعتقال المتطاول به ، بتدبير أعمل على الموكلين به ~~، ووعود وافية ، بحيث أجابوا إلى ذلك ، وعاد إلى مكانه من السلطنة ، ووفى ~~بما وعد المساعدين له على الخلاص ، وقويت شوكته ، واستقامت مملكته (1). # وفي شهر رمضان وردت الأخبار من ناحية الموصل ، بأن السلطان سليمان شاه بن ~~السلطان محمد (2) عزم على العبور في عسكره إلى أعمال PageV01P516 # الموصل ، فأنفذ إليه واليها ومدبرها الأمير زين الدين على كوجك ، يقول له ~~: إنك فعلت وأضررت بالأعمال ، وآذيت أهلها ، وسأله (183 و) فلم يقبل ، ونهض ~~إليه في عسكره من الموصل ، ومن ms361 انضاف إليه وصاففه ، فرزق النصر عليه ، وهزم ~~عسكره أقبح هزيمة ، واستولى على سواده ، وعاد به إلى الموصل ظافرا منصورا. # وفي العشر الأخير من ذي الحجة من السنة غدر الكفرة الأفرنج ، ونقضوا ما ~~كان استقر من الموادعة والمهادنة ، بحكم وصول عدة وافرة من الأفرنج في ~~البحر ، وقوة شوكتهم بهم ، ونهضوا إلى ناحية الشعراء المجاورة لبانياس ، ~~وقد اجتمع فيها من جشارات خيول العسكرية والرعية وعوامل الفلاحين ، فلاحي ~~الضياع ومواشي الجلابين والعرب الفلاحين الشيء الكثير ، الذي لا يحصى ، ~~فيذكر ، للحاجة إلى الرعي بها ، والسكون إلى الهدنة المستقرة ، ووقع من ~~المندوبين لحفظهم من الأتراك تقصير ، فانتهزوا الفرصة ، واستاقوا جميع ما ~~وجدوه وأفقروا أهله منه ، مع ما أسروه من تركمان وغيرهم ، وعادوا ظافرين ~~غانمين آثمين ، والله تعالى في حكمه يتولى المكافأة لهم ، والإدالة منهم ، ~~وما ذلك عليه بعزيز. ### | * ودخلت سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة # أولها يوم الأربعاء مستهل المحرم ، والطالع برج الدلو اثنتين وعشرين درجة ~~وثماني عشرة دقيقة ، وقد تقدم شرح ما حدث من الزلازل إلى أواخر سنة إحدى ~~وخمسين ، ما يغني عن ذكره ، ولما كانت ليلة الأربعاء التاسع عشر من صفر سنة ~~اثنتين وخمسين وخمسمائة ، وافت زلزلة عظيمة عند انبلاج الصباح ، فروعت ~~وأزعجت ، ثم سكنها محركها بلطفه ورأفته بعباده ، ثم تلا ذلك أخرى دونها إلى ~~ليلة الخميس تاليه ، بعد مضي ساعات منها ، ووافت بعدهما أخرى بعد صلاة ~~الجمعة تاليه ، وتواصلت الأخبار من ناحية الشمال بعظم تأثير هذه الزلازل ~~الأول منها والآخر ، PageV01P517 # في مدينة شيزر وحماة ، وكفرطاب وأفامية ، وما والاها إلى مواضع من حلب ، ~~والله تعالى ذكره وعز اسمه أعلم وأرحم لخلقه. # وفي العشر الأخير من صفر ورد كتاب السلطان غياث الدنيا والدين أبي الحارث ~~سنجر بن السلطان العادل أبي الفتح بن السلطان ألب أرسلان ، أعز الله نصره ~~إلى الملك العادل نور الدين ، أدام الله أيامه ، بالتشوق إليه والإحماد ~~(183 ظ) بخلاله ، وما ينتهي إليه من جميع أفعاله ، وإعلامه ما من الله عليه ~~به من خلاصه من الشدة التي وقع فيها ، والأسر الذي بلي به في ms362 أيدي الأعداء ~~الكفرة من ملوك التركمان ، بحيلة دبرها وسياسة أحكمها وقررها ، بحيث عاد ~~إلى منصبه من السلطنة المشهورة ، واجتماع العساكر المتفرقة عنه إليه ، ~~وإذعانها بطاعته ، وامتثالها لأوامره وأمثلته ، وإحسان وعده لكافة المسلمين ~~بنصره على أحزاب الضلال من الأفرنج الملاعين. # وتواصلت مع ذلك إلى نور الدين رسل أرباب الأعمال والمعاقل والولايات ، ~~بالاستعداد للخفوف إلى أعداء الله الملاعين ، وغزو من بإزائه من المشركين ، ~~الأضداد المفسدين في البلاد ، والناكثين أيمانهم الموكدة في الموادعة ~~والمهادنة ، فعند ذلك أمر المولى نور الدين بزينة البلد المحروس سرورا بهذه ~~الأحوال ، وفعل في ذلك ما لم تجر عادة فيما تقدم في أيام الولاة الخالية ، ~~وأمر مع ذلك بزينة قلعته ودار مملكته بحيث جلل أسوارها بالآلات الحربية من ~~الجواشن والدروع والتراس والسيوف والرماح والطوارق الأفرنجية ، والقنطارات ~~والأعلام والمنجوقات والطبول والبوقات ، وأنواع الملاهي المختلفات ، وهرعت ~~الأجناد والرعايا وغرباء البلاد من المسافرين لمشاهدة الحال فشاهدوا ما ~~استحسن منه ، مدة سبعة أيام فالله تعالى يقرن ذلك بالتوفيق والإقبال ، ~~وتحقيق الآمال في إهمال الكفرة أولي الأفك والضلال ، بمنه وفضله. # وفي يوم الثلاثاء الثالث عشر من ربيع الأول ، توجه المولى نور الدين PageV01P518 # أدام الله أيامه إلى ناحية بعلبك ، لتفقد أحوالها وتقرير أمر المستحفظين ~~لها ، وتواصلت الأخبار إليه من ناحية حمص وحماة بإغارة الأفرنج الملاعين ~~على تلك الأعمال ، وإطلاقهم فيها أيدي العيث والفساد ، والله تعالى يحسن ~~الإدالة منهم ويعجل البوار عليهم ، والإهلاك لهم. # وفي يوم الاثنين الثاني عشر من شهر ربيع الأول ، توجه زين الحجاج كتب ~~الله سلامته ، إلى ناحية مصر رسولا من المولى نور الدين ، لإيصال ما صحبه ~~من المطالعات إلى صاحب الأمر فيها ، وصحبته أيضا الرسول الواصل منها. # وفي يوم الأحد الخامس عشر من شهر ربيع الأول ، ورد المبشر من المعسكر ~~المنصور برأس الماء ، بأن نصرة الدين أمير ميران ، لما انتهى إليه خبر ~~الأفرنج الملاعين بأنهم قد أنهضوا سرية وافرة من العدد من أبطالهم (184 و) ~~الموفورة العدد إلى ناحية بانياس لتوليها وتقويتها بالسلاح والمال ، أسرع ~~النهضة إليهم في العسكر المنصور ، وقد ذكر ms363 أن عدتهم سبعمائة فارس من أبطال ~~الاسبتارية والسرجندية والداوية ، سوى الرجالة ، فأدركهم قبل الوصول إلى ~~بانياس ، وقد خرج إليهم من كان فيها من حماتها ، فأوقع بهم ، وقد كان كمن ~~لهم في مواضع كمناء من شجعان الأتراك ، وجالت الحرب بينهم ، واتفق اندفاع ~~المسلمين بين أيديهم في أول المجال ، وظهر عليهم الكمناء ، فأنزل الله نصره ~~على المسلمين وخذلانه على المشركين ، فتحكمت من رؤوسهم ورقابهم مرهفات ~~السيوف ، بقوارع الحمام والحتوف ، وتمكنت من أجسادهم مشرعات الرماح وصوارم ~~السهام ، بحيث لم ينج منهم إلا القليل ممن ثبطه الأجل ، وأطار قلبه الوجل ، ~~وصاروا بأجمعهم بين قتيل وجريح ومسلوب وأسير وطريح ، وحصل في أيدي المسلمين ~~من خيولهم وعدد سلاحهم وكراعهم وأموالهم وقراطيسهم وأسراهم ، ورؤوس قتلاهم ~~، ما لا يحد كثرة ، ومحقت السيوف عامة رجالتهم من الأفرنج ، ومسلمي جبل ~~عاملة المضافين إليهم ، وكان PageV01P519 # ذلك يوم الجمعة الثالث عشر من شهر ربيع الأول ، ووصلت الأسرى والرؤوس من ~~القتلى والعدد إلى البلد المحروس ، في يوم الاثنين تاليه ، وأطيف بهم البلد ~~، وقد اجتمع لمشاهدتهم الخلق الكثير ، والجم الغفير ، وكان يوما مشهودا ~~مستحسنا ، سرت به قلوب المؤمنين ، وأحزاب المسلمين ، وكان ذلك من الله ~~تعالى ذكره وجل اسمه ، مكافأة على ما كان من بغي المشركين ، وإقدامهم على ~~نكث أيمان المهادنة مع المولى نور الدين ، أعز الله نصره ، ونقض عهود ~~الموادعة ، وإغارتهم على الجشارات ومواشي الجلابين والفلاحين المضطرين إلى ~~المرعى في الشعراء ، لسكونهم إلى الأمن بالمهادنة ، والاغترار بتأكيد ~~الموادعة ، وكان قد أنفذ المولى نور الدين إلى بعلبك جماعة من أسرى ~~المشركين ، فأمر بضرب أعناقهم صبرا ( ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم ~~في الآخرة عذاب عظيم ) (1) ( وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون ~~) (2). # وتبع هذا الفتح المبين ، ورود البشرى الثانية من أسد الدين ، باجتماع ~~العدد الكثير إليه من شجعان التركمان ، وأنه قد ظفر من المشركين بسرية ~~وافرة ، ظهرت من معاقلهم من ناحية الشمال ، فانهزمت ، وتخطف التركمان منهم ~~من ظفروا به ، ووصل أسد الدين إلى بعلبك في العسكر (184 ظ) من مقدمي ~~التركمان وأبطالهم للجهاد في أعداء الله ms364 المشركين ، وهم في العدد الكثير ، ~~والجم الغفير ، واجتمع بالملك العادل نور الدين في يوم الاثنين الخامس ~~والعشرين من شهر ربيع الأول ، من السنة ، وتقررت الحال على قصد بلاد ~~المشركين لتدويخها ، وإقامة فرض الغزو والجهاد لمن بها ، والابتداء بالنزول ~~على بانياس ، والمضايقة لها ، والجهاد في افتتاحها ، والله يسهل ذلك بلطفه ~~ويعجله بمعونته. # ووصل نور الدين إلى البلد المحروس في يوم الخميس السابع PageV01P520 # والعشرين من شهر ربيع الأول ، لتقرير الأمر في إخراج آلات الحرب ، ~~وتجهيزها إلى العسكر ، بحيث يقيم أياما يسيرة ، ويتوجه في الحال إلى ناحية ~~العساكر المجتمعة من التركمان والعرب للجهاد في الكفرة الأضداد ، والله ~~يسهل أسباب الإدالة منهم ، ويعجل البوار والهلاك لهم ، إن شاء الله تعالى. # وفي وقت وصوله شرع في إنجاز ما وصل لأجله ، وأمر بتجهيز ما يحتاج إليه من ~~المناجيق والسلاح إلى العسكر المنصور ، بالنداء في البلد المحروس ، في ~~الغزاة والمجاهدين ، والأحداث والمتطوعة من فتيان البلد والغرباء ، بالتأهب ~~والاستعداد لمجاهدة الأفرنج أولي الشرك والإلحاد ، وبادر بالمسير في الحال ~~إلى عسكره المنصور ، مغذا غير متلوم ، ولا متريث في يوم السبت انسلاخ شهر ~~ربيع الأول ، وتبعه من الأحداث والمتطوعة والفقهاء والصوفية والمتدينين ~~العدد الكثير الدثر المباهي في الوفور ، والكثرة فالله تعالى يقرن آراءه ~~وعزماته بالنصر المشرق المنار ، والظفر بإخراب المردة الكفار ، ويعجل لهم ~~أسباب الهلاك والبوار ، بحيث لا تبقى لهم باقية ، ولا يرى لهم رائحة ، ولا ~~غادية ، وما ذلك على الله تعالى القادر بعزيز. # ولما كان يوم السبت السابع من شهر ربيع الآخر ، تالي اليوم المقدم ذكره ، ~~عقيب نزول الملك العادل نور الدين على بانياس في عسكره المنصور ، ومضايقته ~~لها بالمنجنيقات والحرب ، سقط الطائر من العسكر المنصور بظاهر بانياس ، ~~يتضمن كتابه الإعلان بورود المبشر من معسكر أسد الدين بناحية هونين في ~~التركمان والعرب ، بأن الأفرنج خذلهم الله أنهضوا سرية من أعيان مقدميهم ~~وأبطالهم ، تزيد على مائة فارس سوى أتباعهم ، لكبس المذكورين ظنا منهم أنهم ~~في قل ، ولم يعلموا أنهم في ألوف ، فلما دنوا منهم وثبوا إليهم كالليوث إلى ~~فرائسها ، فأطبقوا ms365 عليهم بالقتل والأسر والسلب ، ولم يفلت (185 و) منهم إلا ~~اليسير ، ووصلت PageV01P521 # الأسرى ، ورؤوس القتلى ، وعددهم من الخيول المنتخبة والطوارق والقنطاريات ~~إلى البلد في اليوم الاثنين تالي اليوم المذكور ، وطيف بهم فيه فسرت القلوب ~~بمشاهدتهم ، وأكثروا الشكر لله على هذه النعمة المستهلة بعد الأولى ~~المتكملة ، والله المأمول لتعجيل هلاكهم وبوارهم ، وما ذلك على الله بعزيز ~~، وتتلو هذه الموهبة المجددة سقوط الطائر من المعسكر المحروس ببانياس في ~~يوم الثلاثاء يتلو المذكور ، بذكر افتتاح تناهي النقب ، وإطلاق النار فيه ، ~~وسقوط البرج المنقوب ، وهجوم الرجال فيه ، وبذل السيف في قتل من فيه ، ونهب ~~ما حواه ، وانهزام من سلم إلى القلعة وانحصارهم بها ، وأن أخذهم بمشيئة ~~الله تعالى لا يبطىء ، والله يسهله ويعجله. # واتفق بعد ذلك للأقضية المقدرة أن الأفرنج تجمعوا من معاقلهم ، عازمين ~~على استنقاذ الهنفري ، صاحب بانياس ، ومن معه من أصحابه الأفرنج المحصورين ~~بقلعة بانياس ، وقد أشرفوا على الهلاك ، وبالغوا في السؤال للأمان للمولى ~~نور الدين ، ويسلمون ما في أيديهم من القلعة ، وما حوته لينجو سالمين ، فلم ~~يجبهم إلى ما سألوه ورغبوا فيه ، فلما وصل ملك الأفرنج في جمعه من الفارس ~~والراجل من ناحية الجبل على حين غفلة من العسكرين النازلين : على بانياس ~~لحصارها ، والنازل على الطريق لمنع الواصل إليها ، اقتضت السياسة الاندفاع ~~عنها ، بحيث وصلوا إليها واستخلصوا من كان فيها ، فحين شاهدوا ما عم بانياس ~~من خراب سورها ، ومنازل سكانها ، يئسوا من عمارتها بعد خرابها ، وذلك في ~~أيام من العشر الأخير من شهر ربيع الآخر. # وفي يوم الأربعاء التاسع من جمادى الأولى سقطت الأطيار بالكتب من المعسكر ~~المحروس النوري ، تتضمن الإعلام بأن الملك العادل نور الدين ، أعز الله ~~نصره ، لما عرف أن معسكر الكفرة الأفرنج على الملاحة بين طبرية وبانياس ، ~~نهض في عسكره المنصور من الأتراك والعرب ، PageV01P522 # وجد في السير ، فلما شارفهم ، وهم غارون ، وشاهدوا راياته قد أظلتهم ، ~~بادروا بلبس السلاح والركوب ، وافترقوا أربع فرق ، وحملوا على المسلمين ، ~~فعند ذلك ترجل (185 ظ) الملك نور الدين ، وترجلت معه الأبطال ، وأرهقوهم ~~بالسهام ms366 وخرصان الرماح ، فما كان إلا كلا ولا ، حتى تزلزلت بهم الأقدام ، ~~ودهمهم البوار والحمام ، وأنزل الله العزيز القهار نصره على الأولياء ~~الأبرار ، وخذلانه على المردة الكفار ، وتمكنا من فرسانهم قتلا وأسرا ، ~~واستأصلت السيوف الرجالة ، وهم العدد الكثير ، والجم الغفير ، ولم يفلت ~~منهم على ما حكاه الخبير الصادق غير عشرة نفر ، ممن ثبطه الأجل ، وأطار ~~قلبه الوجل ، وقيل إن ملكهم لعنهم الله فيهم ، وقيل إنه في جملة القتلى ، ~~ولم يعرف له خبر ، والطلب مجد له ، والله المعين على الإظفار به ، ولم يفقد ~~من عسكر الإسلام سوى رجلين أحدهما من الأبطال المذكورين ، قتل أربعة من ~~شجعان الكفرة ، وقتل عند حضور أجله ، وانتهاء مهله ، والآخر غريب لا يعرف ، ~~فكل منهما مضى شهيدا ، مثابا مأجورا ، رحمهما الله ، وامتلأت أيدي العسكرية ~~من خيولهم ، وعددهم وكراعهم ، وأثاث سوادهم الشيء الذي لا يحصى كثرة ، ~~وحصلت كنيستهم في يد الملك نور الدين بآلاتها المشهورة ، وكان فتحا من الله ~~القادر الناصر عزيزا ، ونصرا مبينا ، أعز الله بهما الإسلام وأهله ، وأذل ~~الشرك وحزبه. # ووصلت الأسرى ورؤوس القتلى إلى دمشق ، في يوم الأحد تالي يوم الفتح ، وقد ~~رتبوا على كل جمل فارسين من أبطالهم ، ومعهما راية من راياتهم منشورة ، ~~وفيها من جلود رؤوسهم بشعرها عدة ، والمقدمون منهم ، وولاة المعاقل ~~والأعمال ، كل واحد منهم على فرس ، وعليه الزردية والخوذة ، وفي يده راية ، ~~والرجالة من السرجندية والدركبولية (1) كل ثلاثة وأربعة وأقل وأكثر في حبل ~~، وخرج من أهل البلد الخلق الذي لا يحصى PageV01P523 # لهم عدد ، من الشيوخ والشبان والنسوان والصبيان ، لمشاهدة ما منح الله ~~تعالى ذكره ، كافة المسلمين ، من هذا النصر المشرق الأعلام ، وأكثروا من ~~التسبيح ، ومواصلة التقديس لله تعالى مولي النصر لأوليائه ، ومديلهم من ~~أعدائه ، وواصلوا الدعاء الخالص للملك العادل نور الدين ، المحامي عنهم ، ~~والمرامي دونهم ، والثناء على مكارمه ، والوصف لمحاسنه ، ونظم في ذلك أبيات ~~في هذا المعنى وهي : (186 و). # مثل يوم الفرنج حين علتهم %~% ذلة الأسر والبلا والشقا وبراياتهم على العيس زفوا %~% بين ذل وحسرة وعناء بعد عز لهم وهيبة ذكر ms367 %~% في مصاف الحروب والهيجاء هكذا هكذا هلاك الأعادي %~% عند شن الإغارة الشعواء شؤم أخذ الجشار كان وبالا %~% عمهم في صباحهم والمساء نقضوا هدنة الصلاح بجهل %~% بعد تأكيدها بحسن الوفاء فلقوا بغيهم بما كان فيه %~% من فساد بجهلهم واعتداء لا حمى الله شملهم من شتات %~% بمواض تفوق حد المضاء فجزاء الكفور قتل وأسر %~% وجزاء الشكور خير الجزاء فلرب العباد حمد وشكر %~% دائم مع تواصل النعماء # وشرع في قصد أعمالهم لتملكها وتدويخها ، والله المعين والموفق لذلك بمنه ~~ولطفه ومشيئته. # وفي يوم الخميس الخامس والعشرين من جمادى الأولى وافت زلزلة عظيمة بعد ~~مضي ثلاث ساعات منه اهتزت لها الأرض هزات ، ثم وافت بعدها ثانية قريب بعد ~~مضي ست ساعات من اليوم ، ثم بعد مضي ثماني ساعات من هذا اليوم المذكور ، ~~وافت ثالثة أشد من الأوليين ، وأزعج ، فسبحان محركهن بقدرته ، ومسكنهن ~~بحكمته ، تعالى علوا كبيرا. # وفي آخر هذا اليوم وافت زلزلة رابعة لما تقدم بين العشائين من ليلته PageV01P524 # مروعة هائلة ، أزعجت وأقلقت ، وضج الناس بالتهليل والتسبيح والتقديس ، ~~وفي ليلة الأحد الرابع من جمادى الآخرة من السنة في آخرها عند صلاة الغداة ~~، وافت زلزلة هائلة ، وجاء بعدها أخرى دونها ، وتواصلت الأخبار من ناحية ~~الشمال ، بأن هذه الزلازل أثرت في حلب تأثيرا أزعج أهلها وأقلقهم ، وكذلك ~~في حمص ، وهدمت مواضع فيها وفي حماة وكفر طاب وأفامية ، وهدمت فيها ما كان ~~من هدم ما بني من المهدوم بالزلازل الأول ، وحكي عن تيماء ان هذه الزلازل ~~أثرت في مساكنها ، تأثيرا مهولا. # وفي العشر الثاني من جمادى الآخرة تواصلت (186 ظ) الأخبار بوصول ولد ~~السلطان مسعود في خلق كثير للنزول على أنطاكية ، وأوجبت الصورة تقرير ~~المهادنة بين الملك العادل نور الدين وملك الأفرنج ، وتكررت المراسلات ~~بينهما ، والاقتراحات والمشاجرات ، بحيث فسد الأمر ، ولم يسفر على ما يؤثر ~~من الصلاح ، ومرضي الاقتراح المقرون بالنجاح ، ووصل الملك العادل نور الدين ~~، أعز الله نصره إلى مقر عزه ، في بعض عسكره ، في يوم السبت الخامس ~~والعشرين من جمادى الآخرة من السنة ، وأقر بقية عسكره ms368 ومقدميه مع العرب ، ~~بإزاء أعمال المشركين ، خذلهم الله. # وكانت الأخبار تناصرت من بغداد ، بإظهار أمير المؤمنين المقتفي لأمر الله ~~أعز الله نصره على عسكر السلطان [محمد شاه] (1) المخالف لأمره ، ومن انضم ~~إليه من عسكر الموصل وغيره ، بحيث قتل منهم العدد الكثير ، والجم الغفير ، ~~ورحلوا عن بغداد مفرقين مفلولين خاسرين ، بعد المضايقة والتناهي في ~~المحاصرة والمصابرة. # وفي يوم الأحد الثالث من رجب توجه الملك العادل نور الدين إلى ناحية حلب ~~وأعمالها ، لتجديد مشاهدتها ، والنظر في حمايتها ، بحيث عبث PageV01P525 # المشركون فيها ، وقرب عساكر الملك ابن مسعود منها ، والله الموفق له فيما ~~يراه ، ويقصده ويتوخاه. # وفي الساعة التاسعة من يوم الاثنين الرابع من رجب سنة اثنتين وخمسين وافت ~~زلزلة عظيمة في دمشق لم ير مثلها فيما تقدم ، ودامت وجفاتها حتى خاف الناس ~~على أنفسهم ومنازلهم ، وهربوا من الدور والحوانيت والسقايف ، وانزعجوا ~~وأثرت في مواضع كثيرة ، ورمت من فص الجامع الكثير الذي يعجز عن إعادة مثله ~~، ثم وافت عقيبها زلزلة في الحال ، ثم سكنتا بقدرة من حركهما ، وسكنت نفوس ~~الناس من الروعة والخوف برحمة خالقهم ورازقهم ، لا إله إلا هو الرؤوف ~~الرحيم ، ثم تبع ذلك في أول ليلة اليوم المذكور زلزلة ، وفي وسطه زلزلة ، ~~وفي آخره زلزلة أخف من الأولى ، والله تبارك وتعالى لطيف بعباده وبلاده ، ~~وله الحمد والشكر ، رب العالمين ، وتلا ذلك في يوم الجمعة الثامن من رجب ~~زلزلة مهولة أزعجت الناس ، وتلاها في النصف منها ثانية ، وعند انبلاج ~~الصباح ثالثة ، وكذلك (187 و) في ليلة السبت ، وليلة الأحد ، وليلة الاثنين ~~، وتتابعت بعد ذلك بما يطول به الشرح. # ووردت الأخبار من ناحية الشمال ، بما يسوء سماعه ويرعب النفوس ذكره ، ~~بحيث انهدمت حماة وقلعتها ، وسائر دورها ومنازلها على أهلها ، من الشيوخ ~~والشبان والأطفال والنسوان ، وهم العدد الكثير ، والجم الغفير ، بحيث لم ~~يسلم منهم إلا القليل اليسير. # وأما شيزر فإن ربضها سلم ، إلا ما كان خرب أولا ، وأما حصنها المشهور ~~فإنه انهدم على واليها تاج الدولة بن أبي العساكر بن منقذ رحمه الله ومن ~~تبعه ms369 ، إلا اليسير ممن كان خارجا ، وأما حمص فإن أهلها كانوا قد أجفلوا ~~منها إلى ظاهرها ، وسلموا وتلفت مساكنهم ، وتلفت قلعتها ، وأما حلب فهدمت ~~بعض دورها ، وخرج أهلها و (أما ما) بعد عنها من الحصون والمعاقل إلى جبلة ~~وجبيل فأثرت فيها الآ (ثار) المستبشعة ، PageV01P526 # وأتلفت سلمية وما اتصلت بها إلى ناحية الرحبة ، وما جاورها ولو لم تدرك ~~العباد والبلاد رحمة الله تعالى ولطفه ورحمته ورأفته ، لكان الخطب الخطير ، ~~والأمر الفظيع المزعج بحيث نظم في ذلك من قال : # روعتنا زلازل حادثات %~% بقضاء قضاه رب السماء هدمت حصن شيزر وحماة %~% أهلكت أهلها بسوء القضاء وبلادا كثيرة وحصونا %~% وثغورا موثقات البناء وإذا ما رنت عيون إليها %~% أجرت الدمع عندها بالدماء وإذا ما قضى من الله أمر %~% سابق في عباده بالمضاء حار قلب اللبيب فيه ومن ك %~% ان له فطنة وحسن ذكاء وتراه مسبحا باكي العين %~% مروعا من سخطه وبلاء جل ربي في ملكه وتعالى %~% عن مقال الجهال والسفهاء # وأما أهل دمشق ، فلما وافتهم الزلزلة من هولها ، أجفلوا من منازلهم ~~والمسقف إلى الجامع والأماكن الخالية من البنيان ، خوفا على نفوسهم ووافت ~~بعد ذلك أخرى ، وفتح باب البلد ، وخرج الناس إلى ظاهره والبساتين ، ~~والصحراء ، وأقاموا عدة ليال (187 ظ) وأيام على الخوف # والجزع .. يسبحون ويهللون ، ويرغبون إلى خالقهم ورازقهم في العفو عنهم ، ~~واللطف بهم ، والله تعالى ولي الإجابة ، وقبول الرغبة والإنابة. # ووردت الأخبار مع ذلك من ناحية العراق في أوائل رجب سنة اثنتين وخمسين ~~وخمسمائة بوفاة السلطان غياث الدنيا والدين أبي الحارث سنجر ابن السلطان ~~العادل أبي الفتح ابن السلطان ألب أرسلان ، وهو سلطان خراسان ، عقيب خلاصه ~~من الشدة التي وقع فيها ، والأسر الذي حصل فيه وكان يحب العدل والإنصاف ~~للرعايا ، حسن الفعل ، جميل السيرة ، وقد علت سنه وطال عمره ، وتولاه الله ~~برحمته وسابغ مغفرته بفضله ورأفته. PageV01P527 # وفي شهر رمضان من السنة ورد الخبر من ناحية حلب ، بوفاة الشيخ الأمين ~~مخلص الدين أبي البركات عبد القاهر بن علي بن أبي جرادة رحمه الله في العشر ~~الثاني ms370 منه ، بمرض عرض له ، وهو الأمين على خزائن مال الملك العادل نور ~~الدين سلطان الشام ، فراعني فقده ، والمصاب بمثله ، لأنه كان خيرا كاتبا ~~بليغا ، حسن البلاغة نظما ونثرا ، مستحسن الفنون من التذهيب البديع ، وحسن ~~الخط المحرر على الأصول القديمة المستظرفة ، مع صفاء الذهن ، وتوقد الفطنة ~~والذكاء ، وكان بيني وبينه مودة محصدة (1) الأسباب في أيام الصبى وبعدها ~~بحكم تردده من حلب إلى دمشق ، وأوجبت هذه الحال تفجعي به ، وتأسفي على مثله ~~، نظم هذه الأبيات أرثيه بها وأصف محاسنه فيها ، وهي : # فجعت بخل كان يونس وحشتي %~% تذكره في غيبة وحضور فتى كان ذا فضل يصول بفضله %~% وليس له من مشبه ونظير وقد كان ذا فضل وحسن بلاغة %~% ونظم كدر في قلائد حور يفوق بحسن اللفظ كل فصاحة %~% وخط بديع في الطروس منير وقد كنت ذا شوق إليه إذا نأى %~% فقد صرت ذا حزن بغير سرور سأشكو زمانا روعتني صروفه %~% بفقدي من أهوى بغير مجير وما نافعي شكوى الزمان وقد غدا %~% على كل ملك في الزمان خطير وأجناده بالمرهفات تحوطه %~% وكل شجاع فاتك ونصير (188 و ) سقى الله قبرا ضمه بمجلجل %~% بكل أصيل حادث وبكور ليصبح كالروض الأنيق إذا بدا %~% بزهر يروق الناظرين نضير برحمة من يرجى لرحمة مثله %~% وغفران رب للعباد غفور # وفي يوم الأربعاء الرابع والعشرين من شهر رمضان من السنة ، وافت في دمشق ~~زلزلة روعت الناس وأزعجتهم لما قد وقع في نفوسهم ، مما قد PageV01P528 # جرى على بلاد الشام من تتابع الزلازل فيها ، وهدم ما هدمت منها ، ووافت ~~الأخبار من ناحية حلب بأن هذه الزلزلة المذكورة جاءت في حلب هائلة قلقلت من ~~دورها وجدرانها العدد الكثير ، وأجفل منها أهلها إلى ظاهرها خوفا على ~~نفوسهم ، وأنها كانت بحماة أعظم ما كانت في غيرها ، وأنها هدمت ما كان عمر ~~فيها من بيوت يلتجأ إليها ، وأنها دامت فيها أياما كثيرة في كل يوم عدة ~~وافرة من الرجفات الهائلة ، وتتبعها صيحات مختلفات توفي على أصوات الرعود ~~القاصفة المزعجة ، فسبحان من له الحكم والأمر ، ومنه تؤمل ms371 الرحمة واللطف ، ~~وهو على كل شيء قدير ، وتلا بعد ذلك رجفات متوالية ، أخف من غيرهن ، فلما ~~كان في ليلة السبت العاشر من شوال وافت زلزلة هائلة بعد صلاة العشاء الآخرة ~~أزعجت وأقلقت ، وتلاها في إثرها هزة خفيفة ، ثم سكنهما محركهما بقدرته ~~ورأفته بأهل دمشق ورحمته فله الحمد والشكر رب العالمين. # وفي يوم الثلاثاء الرابع عشر من شوال من السنة ورد الخبر من ناحية بصرى ، ~~باستشهاد واليها فخر الدين سرخاك غيلة في مقره من حصنها ، بتدبير تقرر بين ~~الأمير علي بن جولة زوج ابنته ، ومن وافقه من أعيان خاصته وأماثل بطانته ، ~~وكان فيه إفراط من التحرز واستعمال التيقظ ولكن القضاء لا يغالب ولا يدافع ~~، والمحتوم النافذ لا يمانع. # وفي أول ليلة الأحد العشرين من شوال من السنة ، توفي الشيخ أبو محمد عبد ~~الرحمن بن أحمد بن سلامة السكوني بمرض عرض له ، وقد علت سنه ، وبلغ سبعا ~~وتسعين سنة ، المعروف بابن الحراسي ، وكان شيخا ظريفا ، حسن الهيئة ، نظيف ~~اللبسة ، أديبا فاضلا حسن المحاضرة عند (188 ظ) المباثثة والمذاكرة ، وكان ~~أكثر زمانه مقيما بشيزر بين آل منقذ مكرما محترما رحمه الله . # وفي ليلة السبت العاشر من ذي القعدة من السنة ، وافت أولها زلزلة ، PageV01P529 # رجفت لها الأرض ، ووجلت لها القلوب ، وتبعها عدة أخف من الأولى ، وفي غد ~~هذا اليوم بعد مضي تقدير ساعتين منه ، وافت زلزلة وأخرى في إثرها ، وسكنهن ~~المحرك لهن بقدرته وحكمته ، وسلم منهن برحمته ورأفته ، سبحانه وتعالى ~~الرؤوف الرحيم. # وكان الغيث قد احتبس وسميه عن العادة المعروفة ، واحتاج ما بذر من الغلال ~~إلى سقيه ، وضاقت الصدور لذلك ، وقنطت النفوس ، ثم بعث الله برحمته لخلقه ، ~~في أول ذي القعدة منه ما روى الوهاد والآكام ، وعم حوران وسائر البقاع ، ~~وسرت بذلك النفوس ، وانحط سعر الغلة بعد ارتفاعه ، فلله الحمد على إنعامه ~~على عبيده ، وله الشكر. # وفي ليلة الجمعة الثالث والعشرين من ذي القعدة التالي لما تقدم بعد مضي ~~ساعة منها ، وافت زلزلة روعت القلوب ، وهزت المنازل والمساكن ، ثم سكنها ~~محركها بقدرته القاهرة ، ورحمته ms372 الواسعة ، فله الحمد والشكر رب العالمين. # وفي ليلة الأحد الخامس والعشرين من الشهر المذكور ، التالي ليوم الجمعة ~~المقدم ذكره وافت في أوائلها زلزلة أزعجت وأقلقت ، ثم تلاها ثانية عند ~~انتصافها أعظم منها ، نفر الناس من هولها إلى الجامع والأماكن المنكشفة ، ~~وضجوا بالتكبير والتهليل والتسبيح والدعاء إلى الله تعالى والتضرع إليه ، ~~ثم وافى بعد تلك الثانية ثالثة دونها ، عند تصرم الليل ، ثم وافى بعد ~~الثالثة رابعة دونها ، ثم خامسة ، وسادسة ، ثم سكنت بقدرة محركها ، ولم ~~تؤثر أثرا منكرا في البلد ، فلله الحمد تعالى أمره ، وعظم شأنه. # وفي أوائل ذي القعدة من هذه السنة ، ورد الخبر من حمص ، بوفاة واليها ~~الأمير الملقب بصلاح الدين ، وكان في أيام شبوبيته قد حظي في خدمة عماد ~~الدين أتابك زنكي صاحب حلب والشام ، رحمه الله ، وتقدم عنده بالمناصحة وسداد ~~التدبير ، وحسن السفارة وصواب الرأي ، ولما PageV01P530 # علت سنه ضعفت قوته وآلته عن السعي إلا في ركوب الخيل ، وألجأته الضرورة ~~إلى الحمل في المحفة لتقرير الأحوال ، والنظر في (189 و) الأعمال ، ولم ~~ينقص من حسه وفهمه ما ينكر عليه إلى حين وفاته ، وخلفه من بعده أولاده في ~~منصبه وولايته. # وفي يوم الجمعة انسلاخ ذي القعدة من السنة ، بعد مضي تقدير ساعتين منه ، ~~وافت زلزلة رجفت بها الأرض ، وانزعج الناس لها ، ثم سكنت بقدرة المحرك لها ~~، وحكمته البالغة ، فله الحمد على لطفه بعباده ، تبارك الله رب العالمين. # وفي أيام من شوال سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة ، ورد إلى دمشق أمير من ~~أئمة فقهاء بلخ ، في عنفوان شبابه ، وغضارة عوده ، ما رأيت أفصح من لسانه ~~ببلاغته العربية والفارسية ، ولا أسرع من جوابه ببراعته ، ولا أطيش من قلمه ~~في كتابته ، فقلت ما ينبغي أن يهمل إثبات اسم هذا الأمير الإمام في هذا ~~التاريخ المصنف لأنني ما رأيت مثله ، ولا شاهدت شبيها له ، فالتمست نعوته ~~التي بها يعرف ، وإليه تنسب فأنفذ إلي كتابا قد كتب عن السلطان غياث الدنيا ~~والدين أبي شجاع محمود بن محمد ابن ممدود قسيم أمير المؤمنين في الطغراء ، ~~وكتاب ms373 وزيره محمود بن سعد ابن عبد الواحد مخلص أمير المؤمنين إلى الملك ~~العادل نور الدين ملك الشام ، وكلاهما ينطق بحسن صفاته ، واحترامه ، ~~والوصية المؤكدة بإكرامه ووصفه بنعوته المكملة ، وهي : الأمير الإمام الأجل ~~العالم المحترم الأخص ، الحميد الأعز ، نظام الدين ، عماد الإسلام ، تاج ~~الملوك والسلاطين ، ملك الكلام ، بستان العالم ، أفصح العرب والعجم ، ~~أعجوبة الدهر ، كريم الأطراف ، فخر الأسلاف ، افتخار ما وراء النهر ، تاج ~~العراق ، سراج الحرمين ، مقتدى الأئمة ، مرتضى الخلافة ، رئيس الأصحاب شرقا ~~وغربا ، مهذب الأئمة والأفاضل ذو المناقب والفضائل ، نادر الزمان ، نسيب ~~خراسان ، أبو الحياة محمد بن أبي القاسم PageV01P531 # ابن عمر البلخي ، (ووعظ) (1) في جامع دمشق عدة أيام ، والناس يستحسنون ~~وعظه ، ويستطرفون فنه ، وسلاطة لسانه ، وسرعة جوابه ، وحدة خاطره ، وصفاء ~~حسه ، ونظمت في صفاته هذه الأبيات : # نظام الدين أفضل من رأينا %~% من العلماء في عرب وعجم وأبهى منهم لفظا وخطا %~% بحسن بلاغة وصفاء فهم (189 ظ ) يفوق فصاحة قسا ويوفي %~% عليه عند منثور ونظم إذا رام البديع من المعاني %~% أتاه مسرعا كالغيث يهمي فليس له مجار في فنون %~% حوى إحسانها من كل علم إذا وعظ الإمام سمعت وعظا %~% يحط العصم من قال الأشم ويخرق حسن منطقه إذا ما %~% تكرر حسنه سمع الأصم له الشرف الرفيع إذا تناهت %~% مفاخرة الشراف بكل قرم وما ألفيت من يحظى بمدح %~% سواه إذا مضى في المدح عزمي وما سمحت لغير علاه نفسي %~% على ضني به عن كل فدم فلا زالت مطايا المدح تسري %~% إليه وقد خلا من كل ذم مدى الأيام ما هتفت هتوف %~% على غصن بغض النور ينمي # قد تقدم من ذكر الملك العادل نور الدين في نهوضه من دمشق في عساكره إلى ~~بلاد الشام ، عند انتهاء الخبر إليه ، بتجمع أحزاب الأفرنج خذلهم الله ، ~~وقصدهم لها ، وطمعهم فيها ، بحكم ما حدث من الزلازل والرجفات المتتابعة بها ~~، وما هدمت من الحصون والقلاع والمنازل في أعمالها وثغورها ، لحمايتها ، ~~والذب عنها ، وإيناس من سلم من أهل حمص وشيزر ، وكفرطاب ، وحماة وغيرها ، ~~بحيث اجتمع إليه الخلق الكثير ، والجم ms374 الغفير ، من رجال المعاقل والأعمال ، ~~والتركمان ، وخيم بهم بإزاء جمع الأفرنج في الأعداد الدثرة ، والتناهي في ~~الكثرة بالقرب من أنطاكية ، وحصرهم بحيث لم يقدر فارس منهم على الإقدام على ~~الإفساد. PageV01P532 # فلما مضت أيام من شهر رمضان من سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة عرض للملك ~~العادل نور الدين ابتداء مرض حاد ، فلما اشتد به ، وخاف منه على نفسه ، ~~استدعى أخاه نصرة الدين أمير ميران ، وأسد الدين شيركوه ، وأعيان الأمراء ، ~~والمقدمين ، وأوصى إليهم ما اقتضاه رأيه واستصوبه ، وقرر معهم كون أخيه ~~نصرة الدين القائم في منصبه من بعده ، والساد لثلمة فقده لاشتهاره بالشهامة ~~وشدة البأس ، ويكون مقيما بحلب ، ويكون أسد الدين في دمشق في نيابة (190 و) ~~نصرة الدين ، واستحلف الجماعة على هذه القاعدة ، فلما تقررت هذه القاعدة ، ~~اشتد به المرض ، فتوجه في المحفة إلى حلب ، وحصل في قلعتها ، وتوجه أسد ~~الدين إلى دمشق لحفظ أعمالها من فساد الأفرنج ، وقصد أعمال الملاعين في ~~أواخر شوال من السنة ، وتواصلت عقيب هذه الحال الأراجيف بالملك نور الدين ، ~~فقلقت النفوس ، وانزعجت القلوب ، فتفرقت جموع المسلمين ، واضطربت الأعمال ، ~~وطمع الأفرنج ، فقصدوا مدينة شيزر ، وهجموها وحصلوا فيها فقتلوا وأسروا ، ~~وانتهبوا ، وتجمع من عدة جهات خلق كثير من رجال الاسماعيلية وغيرهم ، ~~فاستظهروا عليهم ، وقتلوا منهم ، وأخرجوهم من شيزر. # واتفق وصول نصرة الدين إلى حلب ، فأغلق والي القلعة مجد الدين في وجهه ~~الأبواب ، وعصى عليه فثارت أحداث حلب ، وقالوا : هذا صاحبنا وملكنا بعد ~~أخيه ، وزحفوا في السلاح إلى باب البلد ، فكسروا أغلاقه ، ودخل نصرة الدين ~~في أصحابه ، وحصل في البلد ، وقامت الأحداث على والي القلعة باللوم ~~والإنكار والوعيد ، واقترحوا على نصرة الدين اقتراحات من جملتها إعادة ~~رسمهم ، في التأذين «بحي على خير العمل ، محمد وعلي خير البشر» ، فأجابهم ~~إلى ما رغبوا فيه ، وأحسن القول لهم ، والوعد ، ونزل في داره ، وأنفذ والي ~~القلعة إلى نصرة الدين والحلبيين ، يقول : مولانا الملك العادل نور الدين ~~حي في نفسه ، مقيم في PageV01P533 # مرضه ، وما كان إلى ما فعل حاجة تدعو إلى ما كان ، فقيل الذنب ms375 في ذاك إلى ~~الوالي ، وكتم الحال ، وصعد إلى القلعة من شاهد نور الدين حيا يفهم ما يقول ~~، وما يقال له ، فأنكر ما جرى ، وقال : الآن أنا أصفح للأحداث عن هذا الخطل ~~، ولا أواخذهم بالزلل ، وما طلبوا إلا صلاح حال أخي ، وولي عهدي من بعدي. # وشاعت الأخبار وانتشرت البشارات في الأقطار ، بعافية الملك نور الدين ، ~~فأنست القلوب بعد الاستيحاش ، وابتهجت النفوس بعد القلق والانزعاج ، ~~وتزايدت العافية ، وصرفت الهمم إلى مكاتبات المقدمين بالعدو إلى جهاد ~~الملاعين ، وكان نصرة الدين قد ولي مدينة حران وأضيف إليها ، وتوجه نحوها ، ~~وكان الغيث قد أمسك عن أعمال حوران ، وعزم أهلها على (190 ظ) النزوح من ~~ضياعها لعدم ماء شربهم ، وبعده عنهم ، وكذلك سائر الأعمال ، فلطف الله ~~تعالى بعباده وبلاده ، فأرسل عليهم في العشر الآخر من كانون الثاني من ~~السنة الشمسية ، والموافق للعشر الآخر من ذي الحجة من السنة القمرية ، سنة ~~اثنتين وخمسين وخمسمائة من الغيث الهطال المتدارك ، والثلج المتتابع ، ما ~~روى الوهاد والآكاد ، وجرت به أودية حوران ، ودارت أرحيتها ، وانتعشت ~~زروعها ، وأنبتت بالغيث سباخها ، فلله تعالى الحمد على هذه النعمة التي لا ~~يحصى لها عدد ، ولا يحصر لها أمد. # ولما تناصرت الأخبار بالبشائر إلى أسد الدين بدمشق بعافية الملك العادل ~~نور الدين ، واعتزامه على استدعاء عساكر الإسلام لجهاد أعداء الله ~~والمقيمين بالشام ، سارع بالنهوض من دمشق إلى ناحية حلب ، ووصل إليها في ~~خيله ، واجتمع مع الملك العادل نور الدين ، فأكرم لقياه ، وشكر مسعاه ، ~~وشرعوا في حماية الأعمال من شر عصب الكفر والضلال ، بما يعود بصلاح الأحوال ~~، والله المسهل لنيل المباغي والآمال ، بمنه وفضله ، ونظمت هذه الأبيات في ~~هذا المعنى : PageV01P534 لقد حسنت صفاتك يا زماني %~% وفزت بما رجوت من الأماني فكم أصبحت مرعوبا مخوفا %~% فبدلت المخافة بالأمان فكم من وحشة وافت وزالت %~% وهدمت الرفيع من المباني وجاءتنا أراجيف بملك %~% عظيم الشأن مسعود الزمان فروعت القلوب من البرايا %~% وصار شجاعها مثل الجبان وثارت فتنة يخشى أذاها %~% على الإسلام في قاص ودان ووافى بعد ذاك بشير صدق %~% بعافية المليك ms376 مع التهاني فولى الخوف مهدوم المباني %~% وعاد الأمن معمور المغاني ### | * ودخلت سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة # وأولها يوم الاثنين أول المحرم ، والطالع الجدي ، وفي أوائله تناصرت ~~الأخبار من ناحية الأفرنج خذلهم الله المقيمين في الشام ، في مضايقتهم لحصن ~~حارم ، ومواظبتهم على رميه (191 و) بحجارة المناجيق إلى أن أضعف ، وملك ~~بالسيف ، وتزايد طمعهم في شن الغارات في الأعمال الشامية ، وإطلاق الأيدي ~~في العيث والفساد ، في معاقلها وضياعها ، بحكم تفرق العساكر الإسلامية ~~والخلف الواقع بينهم باشتغال الملك بعقابيل المرض العارض له ، ولله المشيئة ~~التي لا تدافع ، والأقضية التي لا تمانع. # وفي صفر منها ورد الخبر والمبشر ببروز الملك العادل نور الدين من حلب ~~للتوجه إلى دمشق ، واتفق للكفرة الملاعين متواتر الطمع ، في شن الغارات على ~~أعمال حوران والإقليم ، وإطلاق أيدي الفساد والعيث والإحراق والإخراب في ~~الضياع ، والنهب والأسر والسبي ، وقصد داريا ، والنزول عليها في يوم ~~الثلاثاء ، انسلاخ صفر من السنة ، وإحراق منازلها وجامعها ، والتناهي في ~~إخرابها ، وظهر إليهم من العسكرية والأحداث العدد الكثير ، وهموا بقصدهم ~~والإسراع إلى لقائهم ، وكفهم ، فمنعوا من PageV01P535 # ذلك ، بعد أن قربوا منهم ، وحين شاهد الكفار ، خذلهم الله ، كثرة العدد ~~الظاهرة إليهم ، رحلوا في آخر النهار المذكور إلى ناحية الإقليم. # ووصل الملك نور الدين إلى دمشق ، وحصل في قلعتها ، غرة يوم الاثنين ~~السادس من شهر ربيع الأول سالما في نفسه وجملته ، ولقي بأحسن زي ، وترتيب ، ~~وتجمل ، واستبشر العالم بمقدمه المسعود ، وابتهجوا ، وبالغوا في شكر الله ~~تعالى على سلامته وعافيته ، والدعاء له ، بدوام أيامه ، ونصر أعلامه ، وشرع ~~في تدبير أمر الأجناد ، والتأهب للجهاد ، والله تعالى يمده بالنصر ، وإدراك ~~كل بغية ومراد. # وفي أوائل ربيع الأول من سنة ثلاث وخمسين ورد الخبر من ناحية مصر ، بخروج ~~فريق وافر من عسكرها إلى غزة وعسقلان ، وأغاروا على أعمالها ، وخرج إليها ~~من كان بها من الأفرنج الملاعين ، فأظهر الله المسلمين عليهم قتلا وأسرا ، ~~بحيث لم يفلت منهم إلا اليسير ، وغنموا ما ظفروا ، وعادوا سالمين ظافرين ، ~~وقيل إن مقدم الغزاة في البحر ظفر بعدة من ms377 مراكب المشركين ، وهي مشحنة ~~بالأفرنج ، فقتل وأسر منهم العدد الكثير ، والجم الغفير ، وحاز من أموالهم ~~وعددهم وأثاثهم ما لا يكاد يحصى ، وعاد ظافرا غانما. # وورد الخبر في الخامس عشر (191 ظ) من شهر ربيع الأول من السنة من ناحية ~~حلب ، بحدوث زلزلة هائلة روعت أهلها ، وأزعجتهم ، وزعزعت مواضع من مساكنها ~~، ثم سكنت بقدرة محركها ، سبحانه وتعالى ذكره ، وفي ليلة السبت الخامس ~~والعشرين من ربيع الأول من السنة ، وافت زلزلة بدمشق ، روعت وأقلقت ، ثم ~~سكنت بقدرة محركها تعالى ذكره. # وفي يوم الأحد التاسع من شهر ربيع الآخر من السنة ، برز الملك PageV01P536 # العادل نور الدين من دمشق إلى جسر الخشب في العسكر المنصور بآلات الحرب ، ~~مجدا في جهاد الكفرة المشركين ، وقد كان أسد الدين قبل ذلك عند وصوله في من ~~جمعة من فرسان التركمان غار بهم على أعمال صيدا وما قرب منها ، فغنموا أحسن ~~غنيمة وأوفرها ، وخرج إليهم ما كان بها من خيالة الأفرنج ورجالتها ، وقد ~~كمنوا لهم فغنموهم ، وقتل أكثرهم ، وأسر الباقون ، وفيهم ولد المقدم المولى ~~حصن حارم ، وعادوا سالمين بالأسرى ، ورؤوس القتلى ، والغنيمة لم يصب منهم ~~غير فارس واحد فقد ، ولله الحمد على ذلك والشكر. # وفي يوم الثلاثاء أول شهر تموز الموافق لأول جمادى الآخرة من السنة ، ~~وافى في البقاع مطر هطال ، بحيث حدث منه سيل أحمر ، كما جرت به العادة في ~~تنبوك (1) الشتاء ، ووصل إلى بردى ، ووصل إلى دمشق ، فكثر التعجب من قدرة ~~الله سبحانه وتعالى حدوث مثل ذلك ، في مثل هذا الوقت. # وفي آخر ليلة الأربعاء الثالث والعشرين من رجب من السنة ، وافت زلزلة عند ~~تأذين الغداة ، روعت القلوب ، وأزعجت النفوس ، ثم سكنت بقدرة الله الرؤوف ~~الرحيم ، ثم وافت أخرى عقيب الماضية ، في ليلة الخميس وقت صلاة الغداة ، ثم ~~سكنت بقدرة الله تعالى. # وورد الخبر من العسكر المحروس بأن الأفرنج خذلهم الله ، تجمعوا ، وزحفوا ~~إلى العسكر المنصور ، وأن المولى نور الدين نهض في الحال في العسكر ، ~~والتقى الجمعان ، واتفق أن عسكر الإسلام حدث [فيه] (2) لبعض المقدمين فشل ، ~~فاندفعوا ms378 وتفرقوا بعد الاجتماع ، وبقي نور الدين ثابتا بمكانه ، في عدة ~~يسيرة من شجعان غلمانه ، وأبطال خواصه ، في وجوه الأفرنج ، وأطلقوا فيهم ~~السهام ، فقتلوا منهم ، ومن خيولهم العدد PageV01P537 # الكثير ، ثم ولوا منهزمين خوفا من (192 و) كمين يظهر عليهم من عسكر ~~الإسلام ، ونجى الله وله الحمد نور الدين من بأسهم ، بمعونة الله تعالى له ~~، وشدة بأسه ، وثبات جأشه ، ومشهور شجاعته ، وعاد إلى مخيمه سالما في ~~جماعته ، ولام من كان السبب في اندفاعه بين يدي الأفرنج ، وتفرق جمع ~~الأفرنج إلى أعمالهم. # وراسل ملك الأفرنج في طلب الصلح والمهادنة ، وحرص على ذلك ، وترددت ~~المراسلات بين الفريقين ، ولم يستقر حال بينهما ، وأقام العسكر المنصور بعد ~~ذلك مدة ، ثم اقتضى الرأي السعيد الملكي النوري ، الانكفاء إلى البلد ~~المحروس ، فوصل إليه في يوم .. (1) من شعبان من السنة. # ولما كان في أواخر أيام من رجب سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة ، تجمع قوم من ~~سفهاء العوام ، وعزموا على التحريض للملك العادل نور الدين على إعادة ما ~~كان أبطله ، وسامح به أهل دمشق من رسوم دار البطيخ ، وعرصة البقل والأنهار ~~، وصانهم من إعنات شر الضمان ، وحوالة الأجناد ، وكرروا بسخف عقولهم الخطاب ~~، وضمنوا القيام بعشرة آلاف دينار بيضاء ، وكتبوا بذلك ، حتى أجيبوا إلى ما ~~راموه ، فشرعوا في فرضها على أرباب الأملاك من المقدمين والأعيان والرعايا ~~، فما اهتدوا إلى صواب ، ولا نجح لهم رأي في خطاب ولا جواب ، وعسفوا الناس ~~بجهلهم ، بحيث تألموا ، وأكثروا الضجيج ، والاستغاثة إلى الملك العادل نور ~~الدين ، فصرف همه إلى النظر في هذا الأمر ، فنتجت له السعادة ، وإيثار ~~العدل في الرعية في إعادة ما أشكل إلى ما كان عليه ، فلما كان يوم الاثنين ~~العاشر من شهر رمضان أمر بإعادة الرسوم المعتادة إلى ما كانت من إماتتها ~~وتعفية أثرها ، وأضاف إلى ذلك تبرعا من نفسه إبطال ضمان الهريسة والجبن ~~واللبن ، ورسم بكتب منشور يقرأ على كافة الناس PageV01P538 # بإبطال هذه الرسوم جميعها ، وتعفيه ذكرها ، فبالغ العالم في ذلك من ~~مواصلة الأدعية للملك العادل ، والثناء عليه ، والنشر لمحاسنه ، فالله ~~تعالى يستجيب ms379 منهم ، ويديم أيامه ويقرن أيامه بالسعادة والنصر ، لأوليائه ~~وأعلامه. # وفي يوم الثلاثاء الحادي والعشرين من شهر رمضان من السنة ، وصل الحاجب ~~محمود المسترشدي (1) من ناحية مصر بجواب ما تحمله من المراسلات من الملك ~~الصالح متولي أمرها (192 ظ)، ومعه رسول من مقدمي أمرائها ، ومعه المال ~~المنفذ برسم الخزانة الملكية النورية ، وأنواع الأثواب المصرية والجياد ~~العربية ، وكانت فرقة من الأفرنج خذلهم الله قد ضربوا لهم في المعابر ، ~~فأظفر الله بهم ، بحيث لم يفلت منهم إلا القليل النزر ، ثم تلا ذلك ورود ~~الخبر من العسكر المصري ، بظفره بجملة وافرة من الأفرنج والعرب تناهز ~~أربعمائة فارس ، وتزيد على ذلك ، في ناحية العريش من الجفار ، بحيث استولى ~~عليهم القتل والأسر والسلب ، وكان فتحا حسنا ، وظفرا مستحسنا ، والله ~~المحمود على ذلك المشكور. # وفي يوم الثلاثاء ثالث شوال من السنة توفي المنتجب أبو سالم بن عبد ~~الرحمن الحلبي ، متولي كتابة الجيش ، وعرض الأجناد في ديوان الملك العادل ~~نور الدين رحمه الله ، وكان خيرا حسن الطريقة ، مجمعا (2) على شكره والتأسف ~~على فقد مثله ، وتلا مصابه وفاة المهذب أبي عبد الله بن نوفل الحلبي ، في ~~دمشق أيضا ، رحمه الله في يوم الجمعة السادس والعشرين من ذي القعدة من السنة ~~، وكان كاتبا للأمير الاسفهسلار PageV01P539 # أسد الدين ، ووزيره ، وهو موصوف بالخيرية ، محمود الأفعال ، مشكور ~~المقاصد ، في جميع الأحوال والخلال ، واستخدم ولده في منصبه. # وتلا ذلك ورود الخبر من ناحية حماة في العشر الأخير من ذي الحجة من السنة ~~، بوفاة رضي الدين أبي المجد مرشد بن علي بن عبد اللطيف المعري بحماة ، ~~رحمه الله ، وكان من الرجال الأسداء الكفاة ، فيما كان يستنهض فيه في الأيام ~~الأتابكية ، وكذلك في الأيام النورية ، وكان مع ذلك موصوفا بالخيرية ، ~~وسلامة الطبع ، مستمرا في ذلك على منهاج أسرته. # وكانت الأخبار قد تناصرت من ناحية القسطنطينية ، في ذي الحجة من السنة ، ~~ببروز ملك الروم منها ، في العدد الكثير ، والجم الغفير ، لقصد الأعمال ~~والمعاقل الإسلامية ، ووصوله إلى مرج الديباج ، وتخييمه فيها ، وبث سراياه ~~للإغارة على الأعمال الأنطاكية وما ms380 والاها ، وأن قوما من التركمان ظفروا ~~بجماعة منهم ، هذا بعد أن افتتح من أعمال (1) لاوين ملك الأرمن عدة من ~~حصونه ومعاقله ، ولما عرف الملك العادل نور الدين هذا ، شرع في مكاتبة ولاة ~~الأعمال والمعاقل ، بإعلامهم ما حدث من (193 و) الروم ويبعثهم على استعمال ~~التيقظ ، والتأهب للجهاد فيهم ، والاستعداد للنكاية بمن يظفر منهم ، والله ~~تعالى ولي النصر عليهم ، والإظفار بهم ، كما جرت عوائده الجميلة في خذلانهم ~~، والإظهار عليهم ، ورد بأسهم في نحورهم ، وهو تعالى على ذلك قدير. # وقد اتفق في هذه السنة السعيدة التي هي سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة ، منذ ~~ابتداء تشرين الثاني الكائن فيها إلى أوائل شباط أن السماء ، بأمر خالقها ، ~~أرسلت عزاليها ، بتدارك الثلوج والأمطار ، مع توالي الليل والنهار ، بحيث ~~عمت الأقطار ، وروت الوهاد والأغوار ، والبراري والقفار ، وجرت الأودية ~~وتتابعت السيول بمائها المصندل PageV01P540 # واللبني والبنكي ، واكتست الأراضي المنخفضة والبقاع ، بخضرة الزرع ، وعشب ~~النبات ، وأشبعت السائمة بعد الضعف والسغب ، وأراحتها من كلفة العناء ~~والتعب ، وكذلك سائر المواشي الراعية ، والوحوش القاصية والدانية ، وتناصرت ~~الأخبار من سائر الجهات ، بعموم هذه النعمة ، وذكر الشيوخ أنهم لم يشاهدوا ~~مثل ذلك في السنين الخالية ، فلله على (نعمته) (1) خالص الحمد ، ودائم الشكر. ### | * ودخلت سنة أربع وخمسين وخمسمائة # أولها يوم الجمعة مستهل المحرم منها ، وفي هذا اليوم وافت زلزلة عظيمة ~~ضحى نهاره ، وسكنها محركها بقدرته ورحمته ، وتلاها في يومها ثنتان دونها. # وكان في أوائل أيام من ذي الحجة سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة ، قد عرض للملك ~~العادل نور الدين مرض تزايد به ، بحيث أضعف قوته ، ووقع الإرجاف به من حساد ~~دولته ، والمفسدين من عوام رعيته ، وارتاعت الرعايا ، وأعوان الأجناد ، ~~وضاقت صدور قطان الثغور والبلاد ، خوفا عليه ، وإشفاقا من سوء يصل إليه ، ~~لا سيما مع أخبار الروم ، والخبر من الفرنج ، خذلهم الله ، ولما أحس من ~~نفسه بالضعف ، تقدم إلى خواص أصحابه ، وقال لهم : إنني قد عزمت على وصية ~~إليكم بما قد وقع في نفسي ، فكونوا لها سامعين مطيعين ، وبشروطها عاملين ، ~~فقالوا : السمع والطاعة لأمرك ، وما تقرره من رأيك ms381 وحكمك ، فإنا له قابلون ~~، وبه عاملون ، فقال : إني مشفق على الرعايا وكافة (193 ظ) المسلمين ممن ~~يكون بعدي من الولاة الجاهلين ، والظلمة الجائرين ، وإن أخي نصرة الدين ~~أمير ميران أعرف من أخلاقه ، وسوء أفعاله ما لا أرتضي معه بتوليته أمرا من ~~أمور المسلمين ، وقد وقع اختياري على أخي الأمير قطب الدين مودود بن عماد ~~الدين ، متولي الموصل ، وخواصه ، لما PageV01P541 # يرجع إليه من عقل وسداد ودين ، وصحة اعتقاد بأن يكون في منصبي بعدي ، ~~والساد لثلمة فقدي ، فكونوا لأمره بعدي طائعين ، ولحكمه سامعين ، واحلفوا ~~له بصحة من نياتكم وسرائركم ، وإخلاص من عقائدكم وضمائركم ، فقالوا : أمرك ~~المطاع ، وحكمك المتبع ، فحلفوا الأيمان المؤكدة على العمل بشروطها ، ~~واتباع رسومها مسرعا ، ثم تفضل الله تعالى عليه ، وعلى كافة المسلمين ببدوء ~~الإبلال من المرض ، وتزايد القوة في النفس والجسم وجلس للدخول إليه ، ~~والسلام عليه ، فسرت النفوس بهذه النعمة ، وقويت بتجديدها. # وكان الأمير مجد الدين ، النائب في حلب ، قد رتب في الطرقات ، من يحفظ ~~السالكين فيها ، فظفر المقيم في منبج برجل حمال من أهل دمشق ، يعرف بابن ~~مغزو ، معه كتب ، فأنفذه بها إلى مجاهد الدين ، متولي حلب ، فلما وقف عليها ~~أمر بصلب متحملها ، وأنفذها في الحال إلى الملك العادل نور الدين ، فلما ~~وقف عليها في يوم الخميس من العشر الثاني من المحرم من السنة الجديدة ، ~~وجدها من أمين الدين زين الحاج أبي القاسم ، متولي ديوانه ، ومن عز الدين ~~متولي ولاية القلعة مملوكه ، ومن محمد جغري أحد حجابه ، إلى أخيه نصرة ~~الدين أمير ميران ، صاحب حران ، بإعلامه بوقوع اليأس من أخيه الملك العادل ~~، ويحضونه على المبادرة والإسراع إلى دمشق ، لتسلم إليه ، فلما عرف ذلك ، ~~عرض الكتب على أربابها ، فاعترفوا باعتقالهم ، وكان في جملتهم الرابع لهم ~~سعد الدين عثمان ، وكان قد خاف ، فهرب قبل ذلك بيومين ، وورد في الحال كتاب ~~صاحب قلعة جعبر يخبر بقطع نصرة الدين مجدا إلى دمشق ، فأنهض أسد الدين في ~~العسكر المنصور ، لرده ومنعه من الوصول ، فاتصل به خبر عوده إلى مقره ، عند ~~معرفته بعافية الملك ms382 العادل أخيه ، فعاد أسد الدين في العسكر إلى البلد. # ووصلت رسل الملك من (194 و) ناحية الموصل بجواب ما تحملوه PageV01P542 # إلى أخيه قطب الدين ، وفارقوه ، وقد برز في عسكره ، متوجها إلى ناحية ~~دمشق ، فلما فصل عن الموصل ، اتصل به خبر عافية الملك نور الدين ، فأقام ~~بحيث هو ، ونفذ الوزير جمال الدين أبا جعفر محمد بن علي ، لكشف الحال ، ~~فوصل إلى دمشق في يوم السبت الثامن من صفر سنة أربع وخمسين وخمسمائة ، في ~~أحسن زي ، وأبهى تجمل ، وخرج إلى لقائه الخلق الكثير ، وهذا الوزير قد ~~ألهمه الله تعالى من جميل الأفعال ، وحميد الأخلاق ، وكرم النفس وإنفاق ~~ماله في أبواب البر والصلات والصدقات ، ومستحسن الآثار في مدينة الرسول ~~صلى الله عليه وسلم ومكة والحرم والبيت [المعظم شرفه الله تعالى] (1) ما قد ~~شاع ذكره ، وتضاعف عليه مدحه وشكره ، واجتمع مع الملك العادل نور الدين ، ~~وجرى بينهما من المفاوضات والتقريرات ، ما انتهى عوده إلى جهته ، بعد ~~الإكرام له ، وتوفيته حقه من الاحترام ، وأصحبه برسم قطب الدين أخيه ، ~~وخواصه من الملاطفة ، ما اقتضته الحال الحاضرة ، وتوجه معه الأمير ~~الأسفهسلار أسد الدين شيركوه ، في خواصه يوم السبت النصف من صفر ، من السنة ~~المذكورة. # وقد كان وصل من ملك الروم رسول من معسكره ، ومعه هدية أتحف بها الملك ~~العادل ، من أثواب ديباج ، وغير ذلك ، وجميل خطاب ، وفعال (2) وقوبل بمثل ~~ذلك ، وعاد إليه في أواخر صفر من السنة ، وحكي عن ملك الأفرنج خذله الله أن ~~المصالحة بينه وبين ملك الروم ، تقررت ، والمهادنة انعقدت ، والله يرد بأس ~~كل واحد منهما إلى نحره ، ويذيقه عاقبة غدره ومكره ، وما ذلك على الله بعزيز. # وفي العشر الثاني من صفر من السنة توجه الحاجب محمود المسترشدي إلى مصر ~~عائدا مع رسلها ، كتب الله سلامتهم ، بجرايات ما PageV01P543 # كان ورد معهم من مكاتبات الملك العادل الصالح ، متولي أمرها عن الملك ~~العادل نور الدين أعز الله نصره. # ووردت الأخبار من ناحية ملك الروم باعتزامه على أنطاكية ، وقصد المعاقل ~~الإسلامية ، فبادر الملك العادل نور الدين بالتوجه إلى ms383 البلاد الشامية ، ~~لإيناس أهلها من استيحاشهم من شر الروم والأفرنج ، خذلهم الله ، فسار في ~~العسكر المنصور ، صوب حمص وحماة وشيزر ، والاتمام إلى حلب إلى أن اقتضت ~~الحال ذلك ، في يوم الخميس الثالث من شهر ربيع الأول من السنة (194 ظ) وفي ~~ليلة الأحد الثاني والعشرين من شهر ربيع الأول من السنة ، وافت في انتصافه ~~زلزلة هائلة ماجت أربع موجات ، أيقظت النيام ، وأزعجت اليقظى ، وخاف كل ذي ~~مسكن مضطرب على نفسه ، وعلى مسكنه ، ثم سكنها محركها بلطفه ورحمته ، فله ~~الحمد الرؤوف بعباده ، الرحيم ، ولم يعلم تأثيرها في الأماكن النائية ، ~~فسبحان القادر على ما يشاء العليم الحكيم. # وفي العشر الأول من شهر ربيع الآخر من السنة ، ورد الخبر من ناحية حلب ~~بوفاة أبي الفضل اسماعيل بن وقار الطبيب ، في يوم الجمعة آخر شهر ربيع ~~الأول ، رحمه الله ، وكان في خدمة الملك العادل نور الدين ، أعز الله أنصاره ~~، وكان قد حظي عنده بإصابات في صنائعه وقرب سعادته ، مع ذكاء فيه ، ومعرفة ~~، بكونه سافر إلى بغداد من دمشق ، واجتمع بجماعة من فضلائها ، وقرأ عليهم ، ~~وأخذ عنهم هذا مع خبرته ، وحميد طريقته ، واجتماع الناس على إحماده ، ~~والتأسف على فقد مثله ، في حسن فعله ، لكن القضاء لا يدافع ، والمقدور لا يمانع. # وفي يوم الجمعة التاسع من جمادى الأولى ، من السنة ، هبت ريح شديدة ، ~~أقامت يومها وليلتها فأتلفت أكثر الثمار صيفيها وشتويها ، وأفسدت بعض ~~الأشجار ، ثم وافت آخر الليل زلزلة هائلة ، ماجت موجتين أزعجت وأقلقت ، ~~وسكنها محركها ، وحرس المساكين مثبتها برحمته وقدرته ، فله الحمد والشكر ، ~~رب العالمين. PageV01P544 # وفي جمادى الأولى من السنة ، في أوله تناصرت الأخبار المبهجة ، من ناحية ~~العسكر المنصور الملكي النوري بأعمال حلب ، بتواصل الأمراء المقدمين ، ولاة ~~الأعمال ، المجاهدة في أحزاب الكفرة الضلال من الروم والأفرنج ، لقصد ~~الأعمال الإسلامية ، والطمع في تملكها ، والإفساد فيها ، والحماية لها من ~~شرهم ، والذب عنها من مكرهم ، في التناهي في الكثرة ، والأعداد الدثرة ، ~~فقضى الله بحسن لطفه بعباده ، ورحمته ، ورأفته ببلاده ، أن سهل للعزائم ~~المنصورة الملكية النورية ، من صائب الرأي ms384 والتدبير ، وحسن السياسة ~~والتقرير ، وخلوص النية لله تعالى ، وحسن السريرة ، بحيث المهادنة المؤكدة ~~، والموادعة المستحكمة بين الملك العادل نور الدين وملك الروم ، ما لم يكن ~~في الحساب ، ولا خطر ببال ، بحيث انتظمت الحال في ذلك ، في عقد السداد ، ~~وكنه المراد ، بحسن رأي ملك الروم ، ومعرفته بما تؤول إليه عواقب الحروب ، ~~وتيسر الأمل المطلوب ، بعد تكرر المراسلات ، والاقتراحات في (195 و) ~~التقريرات ، وأجيب ملك الروم إلى ما التمسه من إطلاق مقدمي الأفرنج ~~المقيمين في حبس الملك نور الدين ، وأنفذهم بأسرهم ، وما اقترحه إليه ، ~~وحصولهم لديه ، وقابل ملك الروم هذا الفضل ، بما يضاهيه ، أفعال عظماء ~~الملوك الأسداء ، من الاتحاف بالأثواب الديباج الفاخرة ، المختلفة الأجناس ~~، الوافرة العدد ، ومن جوهر نفيس ، وخيمة من الديباج ، لها قيمة وافرة ، ~~وما استحسن من الخيول الجبلية ، ثم رحل عقيب ذلك في عسكره من منزله ، عائدا ~~إلى بلاده ، مشكورا محمودا ، ولم يؤذ أحدا من المسلمين ، في العشر الأوسط ~~من جمادى الأولى سنة أربع وخمسين وخمسمائة ، فاطمأنت القلوب بعد انزعاجها ~~وقلقها ، وأمنت عقيب خوفها وفرقها ، فلله الحمد على هذه النعمة حمد ~~الشاكرين. # وورد الخبر بعد ذلك بأن الملك العادل نور الدين ، صنع لأخيه قطب الدين ~~ولعسكره ، ولمن ورد معه من المقدمين والولاة PageV01P545 # وأصحابهم الواردين ، لجهاد الروم والأفرنج ، في يوم الجمعة السابع عشر من ~~جمادى الأولى من السنة ، سماطا عظيما هائلا تناهى فيه بالاستكثار من ذبح ~~الخيول والأبقار والأغنام ، وما يحتاج إليه في ذلك ، مما لا يشاهد مثله ، ~~ولا شبه له ، مما قام بجملة كبيرة من الغرامة ، وفرق من الحصن العربية ، ~~والخيول ، والبغال العدد الكثير ، ومن الخلع وأنواع الديباج المختلفة وغيره ~~والتحوف الذهب الشيء الكثير ، الزائد على الكثرة ، وكان يوما مشهودا في ~~الحسن والتجمل ، واتفق أن جماعة من غرباء التركمان ، وجدوا من الناس غفلة ~~باشتغالهم بالسماط وانتهابه فغاروا على العرب من بني أسامة وغيرهم ، ~~واستاقوا مواشيهم ، فلما ورد الخبر بذلك ، أنهض في إثرهم فريق وافر من ~~العسكر المنصور ، فأدركوهم ، واستخلصوا منهم جميع ما أخذوه ، وأعيد إلى ~~أربابه ، وسكنت النفوس بعد انزعاجها ms385 ، والله المحمود المشكور. # ثم تقرر الرأي الملكي النوري ، أعلاه الله ، على التوجه إلى مدينة حران ~~لمنازلتها واستعادتها من أخيه نصرة الدين ، حسبما رآه في ذلك من الصلاح ، ~~ورحل في العسكر المنصور ، في أول جمادى الآخرة ، فلما نزل عليها ، وأحاط ~~بها ، وقعت المراسلات والاقتراحات والممانعات ، والمحاربات ، إلى أن تقررت ~~الحال على إيمان (195 ظ) من بها ، وتسلمت في يوم السبت الثالث والعشرين من ~~جمادى الآخرة المذكور ، وقررت أحوالها ، وأحسن النظر إليها في أحوال أهليها ~~، وسلمت إلى الأمير الأجل الأسفهسلار ، زين الدين ، على سبيل الاقطاع له ، ~~وفوض إليه تدبير أمورها. ### | * ودخلت سنة خمس وخمسين وخمسمائة # وأولها يوم الثلاثاء مستهل المحرم ، والشمس في كح درجة وكح دقيقة من ~~الجدي ، والثاني عشر من كانون الثاني ، والطالع القوس سبع PageV01P546 # عشرة درجة وخمس دقائق ، وفي ليلة الجمعة من صفر من هذه السنة توفي الأمير ~~مجاهد الدين بزان بن مامين (1) أحد مقدمي أمراء الأكراد ، والوجاهة في ~~الدولة ، رحمه الله ، موصوف بالشجاعة ، والبسالة والسماحة ، مواظب على بث ~~الصلات والصدقات ، في المساكين والضعفاء والفقراء ، مع الزمان ، وكل عصر ~~ينقضي وأوان ، جميل المحيا ، حسن البشر في اللقاء ، وحمل من داره بباب ~~الفراديس إلى الجامع للصلاة ، ثم إلى المدرسة المشهورة (2) باسمه ، فدفن ~~فيها في اليوم ، ولم يخل من باك عليه ومؤبن له ، ومتأسف على فقده بجميل ~~أفعاله وحميد خلاله ، ورثي بهذه الأبيات المختصرة وهي : # كم غافل وسهام الموت مصمية %~% تصميه في غفلة منه ونيسان بينا تراه سريع الخطو في وطر %~% حتى تراه صريعا بين أكفان كذاك كان بزان في إمارته %~% ما بين جند وأنصار وأعوان هبت رياح الرزايا في منازله %~% فغادرتها بلا أنس وجيران أمسى بقبر وحيدا جنب مدرسة %~% بلا رفيق ولا خل وإخوان ما عاينت نعشه عين مؤرقة %~% إلا بكته بأنواء وتهتان فرحمة الله لا تنفك زائرة %~% لحدا حوى جسمه منه بغفران ولا اغبت ثراه كل مرعدة %~% تهمي عليه بغيث ليس بالواني حتى تروضه منها بصيبها %~% بكل زهر غضيض ليس بالفاني ما دامت الشهب في الأفلاك دائرة %~% وناحت الورق ليلا ms386 بين أغصان (196 و ) من يفعل الخير في الدنيا فقد ظفرت %~% يداه بالحمد من قاص ومن دان # وفي يوم الخميس مستهل صفر من السنة ، رفع القاضي زكي الدين PageV01P547 # أبو الحسن علي بن محمد بن يحيى بن علي ، قاضي دمشق إلى الملك العادل نور ~~الدين رقعة يسأله فيها الإعفاء من القضاة والاستبدال به ، فأجاب سؤاله ، ~~وولى قضاء دمشق القاضي الأجل الإمام كمال الدين بن الشهرزوري ، وهو المشهور ~~بالتقدم ، ووفور العلم ، وصفاء الفهم ، والمعرفة بقوانين الأحكام ، وشروط ~~استعمال الإنصاف ، والعدل ، والنزاهة عن الإسفاف ، وتجنب الهوى والظلم ، ~~وحكم بين الرعايا بأحسن أفصال في الحكم ، وكتب له المنشور بذلك بنعوته ~~المكملة ، وصفاته المستحسنة ، ووصاياه البليغة المتقنة ، واستقام له الأمر ~~على ما يهواه ويؤثره ويرضاه، على أن القضاء من بعض أدواته ، واستقر أن [يكون] ~~(1) النائب عنه عند اشتغاله ولده (2). ### |PARATEXT| # هذا آخر ما وجد من مذيل التاريخ الدمشقي ، والحمد لله وحده ، # وصلواته على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا # وكان الفراغ من كتابته سلخ ربيع الآخر سنة تسع وعشرين وستمائة ، كتبه # أسير ذنبه الراجي عفو ربه محمد بن أبي بكر بن اسماعيل بن الشيرجي # الموصلي ، غفر الله له زلله وخطأه وخطله ، ولجميع المسلمين. PageV01P548 ms387