######OpenITI# #META# comp: 1 #META# max: 114 #META# Shamela_short_metadata_record: #META# الكتاب: الجوهر المقتصر لأبي بكر أحمد بن عبد الله الكندي ¶ ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع #META# comments: ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع #META# bk: الجوهر المقتصر لأبي بكر أحمد بن عبد الله الكندي #META# bkord: 31 #META# archive: 1 #META# الكتاب: الجوهر المقتصر لأبي بكر أحمد بن عبد الله الكندي #META# cat: العقيدة #META# iso: الجوهر المقتصر لابي بكر احمد بن عبد الله الكندي #META# bkid: 475 #META# ScrapeDate: 13-03-2020 #META# ScrapedFrom: ShamelaIbadiyya #META#Header#End# # [1] بسم الله الرحمن الرحيم PageV01P006 الحمد لله القديم الأولى، الدائم ~~الأبدي، الباقي الأزلي، المتوحد العلي، المنفرد القوي، المتفضل القوي، ~~المتطول الولي، القادر على كل شيء، المقدس عن الصاحبة والأولاد، البريء من ~~الأشباه والأنداد، الطاهر من صفات أهل الشرك والإلحاد، المتعالي عن درك ~~النواظر، وتحصيل الأوهام والخواطر، الشاهد له بالربوبية والالهوت، ~~والوحدانية والملكوت، والقدرة والجبروت، وأنه الحي الذي يموت، أنواع ما ~~أظهر في العالم المبتدع، المحدث المخترع، من دلائل القدرة وأعلام الخلقة ~~والفطرة، في تضمين (1) أجناس الأجرام الحسية، والأجسام المميتة والنفسية، ~~والعناصر الأربعة المختلفة، والجواهر المفردة والمؤتلفة، من عجائب الصور ~~والتقدير، ودقائق الحكم والتدبير، والتي بهرت قلوب الزنادقة الجاحدين، ~~وحيرت عقول الكفرة الملحدين، وانشرحت لها صدور البررة المهتدين، فأشرقت ~~بنورها مهج العابدين، الذين أبصروا بالعقول القريرية (2)، ونظروا بالعلوم ~~المكتسبة والضرورية، والأفكار الصافية الهندسية، والاعتبارات الصحيحة ~~القياسية، نور الحق ساطعا يزهر، وبهاء الدين طالعا يبهر، وبرهان العدل ~~قاطعا يقهر، فسلكوا أقوم الطريق، ودانوا بالوحدانية والتحقيق. وتمسكوا بعرى ~~الحبل الوثيق، فطوبى لهم وحسن مآب، وتعسا لأولئك الزائغين عن الصواب، وأشهد ~~أن لا إله الله وحده لا شريك له الذي شرع الذين الواضح منهاجه، الظاهر ~~إبلاجه، المتوقد سراجه، المضيئة أنواره، المشرقة أقماره، وأيده بالرهان ~~الساطع، والدليل القاطع، والاحتجاج القاهر، المقال الباهر، والخطاب الموجز ~~والكتاب المعجز، والفرقان الناطق، والرسول الصادق المنتخب، من أفضل الشعب ~~وأشرف قبائل العرب، محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، صلى الله عليه وسلم، ~~وعلى آله البررة وكرم. PageV01P007 # أما بعد، فقد جلت الرزية، وعظمت المحنة والبلية، لفقد أعلام المسلمين ~~والفقهاء المتقدمين والأخيار المؤمنين، والأفضل الأ كرمين، أولى الورع ~~والنزاهة والعقل والنباهة، والإخلاص والديانة [2] ولأدب والرزانة، والخضوع ~~والكلفة والتحرج والصيانة، والصلاح والأمانة، ذوى الألباب والعلوم، والتبحر ~~في العلوم، والقيام بدين الحي القيوم، الذين طلبوا العلم للآخرة، وصانوه عن ~~المفاخرة، نزهوه من لأدناس، وأضحوه من الإلباس، ولم يتقربوا به إلى الناس، ~~فهل من باك، للدمع سفاك، بقلب جزوع، ولب هلوع، وكبد فجوع، ودمع هموع (3)، ~~على ذهاب الأعلام وانقراض الكلام، ودثور الأحكام، وغربة الإسلام، ودروس ms01 ~~الآثار، وطموس نتيجات الأفكار، لموت الفقهاء الأخيار، ولا سيما المنافسين ~~في قواعد الدين وحقائقه، المتغلغلين في غرامضه ودقائقه، التي قد صارت عند ~~هذا الجيل مثلبة لمن طلبها وتعلمها، وعيبا لمن نافس فيها وتوسمها، ونقيصة ~~عندهم على من تصفحها وتفهمها، فإنا لله وإنا إليه راجعون، صبرا على ما قدره ~~العليم، ورضا بما قضاه الحكيم، ولا حول ولا قوة إلا بلله العلي العظيم،. ~~وصلى الله على رسوله النبي الكريم، محمد واله أهل الكرامة والتقديم وخصهم ~~بالتشريف والتسليم. # الباب الأول # باب بيان ما أوردنا هو جعلنا له الكتاب وقصدناه PageV01P008 ثم إنا ~~نعلمكم معاشر المسلمين انا نوزعنا فبي مسألتين من الدين، خولف فيه ما ~~وجدناه عن الأئمة المهتدين، إحداهما في السؤال عن القدرة على قسم الجوهر، ~~والأخرى في الشهادة لمن مات على الدين الإباضي (1) الأطهر، وإنما صدرنا منا ~~على الرفيعة والوجدان، في حلبة المذاكرة لبعض الأخوان، ممن لا يتهم باعتماد ~~زيادة ولا نقصان، فقضى علينا في الإباضية إحداهما بالتخطئة والهلاك، وأخلق ~~علينا في الجوهرية بالكفر والإشراك، فلما أن عظم فيهما المقال، وكثر في ~~معناهما القيل والقال، ولحظتنا بذلك زمرات (2) الأعين، وخرقت أعراضنا أسنة ~~الألسن، نقلنا لهم المسألة الموجودة من الأثر لينعموا (3) في معانيها أكيد ~~النظر، فستر ذلك الفضل ودفن. ثم ثنينا بكتاب آخر مستفتين فما أجيب عنه ولا ~~أعلن، وليس هذا من آداب المسلمين، ولا أخلاق العلماء بالرفق في المتعلمين، ~~أن يخلفوا عليهم بالكفر حيث يحب إنزال العذر. ثم تعرضوا [3] فيهم في ~~مجالسهم في المقال، ويعرضوا عن إجابتهم عند السؤال، لأنه إما باطل ظهر لهم ~~فيقهرونه، وإما حق صح عندهم فينصرونه، إذا لا فضل خلاف ذلك ن ولا منزلة ~~ثالثة هناك، اللهم إلا أن يقع جهل بالجواب، وذهول عن وجه الصواب، فلا شرف ~~أشرف من رد العلم إلى العلام، ولا فخر إلا كما قالت الملائكة عليهم السلام. ~~فعند ذلك استضقنا الوقوف بعد ما سمعناه وخفنا إثم السكون عن إيضاح ما ~~عرفناه، خوفا على ضعفاء المسلمين، ومن هو مثلنا من الإخوة المتعلمين، أن ~~يميلوا إلى ms02 التقليد بلا بيان، ولا حجة واضحة ولا برهان، فيقعوا في أعظم ~~المهالك، ويتولجوا أوعر السالك، فكفى بحجج الله القوية، وأدلته المضيئة، ~~لمن أراد الله هداه، ووقاه مهالك هواه، وقد قال الله عز وجل: (بل الإنسان ~~على نفسه بصيرة) (4)، وقال تعالى: (فاعتبروا يا أولى الأنصار) (5). فألفت ~~على كلالة فربحي، وركاكة فهمي وبصيرتي، هذا الكتاب المختصر، وسميته (( ~~PageV01P009 الجوهر المقتصر))، مستعينا بالله عليه، وداعيا له أن يجعله ~~وسيلة إليه، إن شاء الله. فاحذروا أيها الإخوان أن تقلدوا في أصول الدين، ~~أو ترغيوا عن آثار أئمتكم المهتدين، فشر طنا عليكم أن لا تعجلو علينا ~~بالملام، ولا تولونا هجر الكلام، قبل تصفح كتابنا، وتأمل ما أوضحناه في ~~خطابنا، فنحن إن شاء الله مبينون وجه العدل فيما قلناه، ومبرهنوه بالأدلة ~~الشاهدة بصواب ما أصلناه، (ولينصرن الله من ينصر إنا الله لقوى عزيز) (6)، ~~ليعلم شارعو أسنة الطعن علينا. ومفوقو سهام التخطئة إلينا، أينا أصح حكما ~~وأقوم قيلا، وأينا أهي عمى وأضل سبيلا، لأن الحق كلما امتحن ابلولج واتسع ~~مضيقه، والباطل كلما فتش بان سقمة وادهمت ظلمه. والعياذ بالله أن نمنى ~~بحسود يتصدى لدخض الحق، وتحمله ما قد كبر في نفسه من أمرنا على مخالفة أهل ~~الصدق، والله كفانا كل شر، الواقى كل مكروه يحذر وضر، وهو القوى المعين. # الباب الثاني # باب صفة المسألة الجوهرية ومعانيها # وبيان الاختلاف والتنازع الواقع فيها # أما المسألة الجوهرية فهي أن قول القائل أيقدر الباري سبحانه وتعالى أن ~~يقسم [4] الجوهر أم لا؟ سؤال صحيح أو مجال؟ وأما الاختلاف الواقع فيها ~~فإنما هو نفس سؤال أته صحيح أم لا؟ ليس في القدرة نفسها، فإن القدرة ليس ~~فيها اختلاف ولا تنازع، فإنما التنازع في إضافة القدرة إلى قسم الجوهر، ~~وإنما يكون اختلافا في القدرة لو اتفقنا على أنه تصح إضافة القدرة إلى قسم ~~الجوهر واختلفنا في أنه يقدر أو لا يقدر، فيقول قائل: إنه قادر على ذلك، ~~ويقول غيره إنه لا يقدر، فهذا هو الاختلاف في القدرة. وإنما نحن فنقول يصح ~~هذا السؤال أم لا؟ ms03 غير أن جملة الكلام في هذا المسألة مقصورة على ثلاثة فصول: # الأول: في بيان أقسام السؤال وإثبات الصحيح منه وإفساد الحال. # الثاني: قي بيان حقائق الأشياء الدالة على المعاني المتعلقة بهذه ~~المسألة. PageV01P010 # الثالث: في بيان وجه الاستحالة فيها واختلال الألفاظ الموضوعة لمعانيها. # فمتى ثبت أن بعض الأسئلة محال وتقرر وجه الاستحالة في المسألة الجوهرية ~~على كل حال ارتفع الجدل والنزاع ولزمه بالضرورة التسليم لموجب العقل ~~والإجماع وبالله التوفيق. # مقالتنا: وقولنا في هذا السؤال على ما عرفنا في الأثر ووجدنا عن أهل ~~البصر إن الله تعالى على كل شيء قدير لا يعجزه شيء أبدا وأن هذا سؤال محال ~~فاسد متناف ينقض بعضه بعضا من حيث إنه سؤال عن القدرة على قسم الجوهر لا ~~على الجوهر نفسه. وقسم الجوهر لا شيء، والقدرة لا تقع إلا على شيء. لأن ~~قوله أيقدر أن يقسم الجوهر. أي يقدر أ، يعدم منه الإجماع الحال فيه ويوجد ~~فيه الافتراق المعدوم منه، فإن معنى قسم الشيء تفويق أجرائه لا غير ذلك ~~فلما أن قال يقدر يقسم الجوهر أي يذهب الاجتماع منه وبعدمه، والجوهر في ~~الحقيقة في المسلمين هو الجزء الواحد الذي لا يتجزأ ولا ينقسم إذ لا اجتماع ~~فيه، انتقي سؤاله وفسد واستحال لأن ما لا يتجزأ في الحقيقة فمعناه لا ~~ينقسم، وما لا ينقسم في الحقيقة فلا قسم له، وما لا قسم له فكيف يصح أن ~~يقال يقدر على قسمه وقسمه لا شيء. كما لو سأل سائل فقال أيقدر أن يعمى ~~الأعمى أم لا؟ لكان الجواب أن الله على كل شيء قدير وأن هذا سؤال فاسد محال ~~من حيث انه سؤال [5] عن القدرة على إعماء الأعمى وهو إذهاب بصره، لا على ~~الأعمى نفسه، الأعمى لا بصر له فيصح أن يقال أن يقدر أن يذهب بصره إذ لا ~~بصر له. PageV01P011 # مسألة: وإنما يصل إلى حقيقة هذا المعنى من اهتدى للفرق بين الجوهر وبين ~~قسمه وعرف أن قسم الجوهر معنى غير الجوهر وعرف أن قوله القائل أيقدر البارئ ~~أن ms04 يقسم الجوهر؟ سؤال عن القدرة على قسم الجوهر لا عن القدرة على الجوهر ~~نفسه، فمتى عرف ذلك وعرف أن حقيقة الجوهر هو الجزء الذي لا يتجزأ ولا ينقسم ~~وأنه لا قسم له كما أن الأعمى في الحقيقة هو الروحاني الذي لا يبصر، ما ر ~~يبصر في الحقيقة فلا بصر له، عرف أنه لا يصح ولا يستقم أن يقال يقدر على أن ~~يقسم الجوهر وعلى أن يعمى الأعمى، وإنما يلزم هذا من أقر بأن الجوهر لا ~~ينقسم في علم الله إذا لا معنى للحقائق إلا ما علمه الله. فإن الأشياء عند ~~الله في علمه قسمان: قسم منها قد علم أنه ينقسم فذلك هو الموصوف بالانقسام، ~~وقسم منها قد علم أنه لا ينقسم فلا تصح إضافة القدرة إلى قسمه. كما أن جميع ~~الأشياء على ضربين: ضرب يبصر وضرب لا يبصر، وضرب حي، وضرب غير حي، وضرب ~~عاقل، ضرب غير عاقل، فلو صح أن يقال يقدر على من لا بصر له أو على إعدام من ~~ليس بموجود، وسنستقصي إن شاء الله على شرح هذه المسألة وإيضاحها وبالله ~~التوفيق. PageV01P012 # مقالة المنازع لنا: وأما المنازع فمقاله يدل على زعمه بأن هذا السؤال ~~صحيح تلزم الإجابة عنه بأن يقال له نعم يقدر على ذلك. ورفع إلينا عنه أنه ~~قال من لم يقل ذلك أو من قال انه سؤال محال فهو مشرك. ووجدنا عنه في مسألة ~~ذات جواب ردا خارجا عن وجه الصواب، وهى فإن قال قائل هل يقدر الباري جلت ~~عظمته أن يجمع الأضداد، فكان الجواب: قلنا إن الله على كل شيء قدير لا ~~يعجزه شيء ولا يفعل إلا الحكمة، فرد المنازع قلنا نعم إنه قادر على ذلك لا ~~يعجزه شيء في الخصوص ولا في العموم ولو شاء لجعل الأرض سماء والسماء أرضا ~~والبحر برا والبر بحرا، وهذا مطرد في جميع الأضداد كلها. فانظروا معاشر ~~المسلمين إلى هذا الرد المتعارض والترتيب المتناقض الدال أنه صدر عن جهل ~~بالجوهر وحقيقته والشيء ونعته والمحال وصفته. وهكذا من اشتغل ms05 [6] بالألفاظ ~~عن المعاني وتعسف المعارضات على جهل بالمثاني. فقد حكى أن شاعرا أشيد ~~الرشيد شعرا في وصف الفرس بين العلماء والفصحاء فقال: # كأن أذنيه إذا تشوفا قادمة أو قلما محرفا # فاشتغل الجماعة بحسن التشبيه عن اللحن فقال الرشيد: # تخال أذنيه عرفها بالذكاء الحاضر # وحكى أيضا أن الرمة امتدح بلال بن أبى أوفى، فأنشده: # رأين الناس ينتجعون غيثا ... فقلت لصيدح (1) انتجعي بلال # تناجى عند خير فتى يمان ... إذا النكباء ناوحت الشمالا # فقال بلال: يا غلام جب لها تبنا وفتا لأنه استماح للناقة لا لنفسه، وهذا ~~جمل باتساع اللغة. # ولو عرف هذا المنازع لنا أن الجوهر في الحقيقة الجزء الواحد الذي لا ~~يتجزأ وعرف الفرق بين الشيء ولا شيء، أن تجرئه ما يتجزأ شيء تجزئة ما لا ~~يتجزأ ليس بشيء، وعرف معنى المحال من الكلام أنه ما لا يعتد به ولا يمكن ~~كونه بحال البتة. # وعرف أن القدرة إنما توقع غلى الشيء لا على شيء تبين له لطه وبأن له خطؤه ~~وسقطه، فإن معنى هذا السؤال راجع إلى أن الله يقدر على لاشيء أم لا؟ PageV01P013 # لأن قسم الجوهر ليس بشيء كما أن بصر الأعمى ليس بشيء. # وفي هذه الثلاث المسائل كفاية لمن كان له بصر وهداية، غير أنا سنستقصي ~~شرح ما تعلق بهذه المسائل وتوضح طرقها ونكتفي بالآثار الشاهرة مع بيان ~~مستغلقها. # وتقدم ها هنا أدب المفتى وأقسام السؤال ثم نتبعه بشرح المسائل الكافية ~~بأرجح الاعتلال وبالله التوفيق. # الباب الثالث # باب أدب الفتى عند السؤال # وما يجب عليه عند الفتوى من المقال # قال أبو المنذر سلمة بن مسلم في كتاب الضياء: # وينبغي للمفتى أن يتأمل المسألة تأملا شافيا كلمة بعد كلمة وتكون عنايته ~~بآخرها أثم من أولها فإن الجواب يتقيد بآخر الكلام. # قال التأمل: انظر كيف قال إن الجواب يتقيد بآخر المسألة فإذا كان آخرها ~~ينفى أولها، فكيف يتقيد بها جواب أم كيف يكون سؤالها صحيحا؟ # مسألة: فإن مرت به غريبة سأل عنها. # وينبغي للعالم إذا سئل أن لا يعجل في الجواب ms06 وأن كان حافظا حتى يعرفه ~~معرفة صحيحة فيجيب بعلم ويقين ز فإن من أدب العلماء وصفاتهم. # [7] مسألة: قال وإذا سئل عمن قال أنا أصدق من النبي صلى الله عليه وسلم، ~~أو قال الصلاة لعب أو لغو وعيب، أو قال قصيدة النابغة أحسن من سورة آل ~~عمران، فلا يبادر أن يقول هذا حلال الدم أو مباح النفس أو عليه القتل أو ~~يقتل. بل يقول إذا صح ذلك بالبينة عليه أو باقرار، استتيب فإن تاب فبلت ~~توبته، إن لم يتب فعل به كذا وكذا. وهذا المنازع لنا بادر في الحال على ما ~~رفع إلينا، أن أوجب على القائل باستحالة هذا السؤال حكم الشرك في تحريم ~~الزوجة وتنجيس الطهارة ونقض صلاة الجماعة. # وقيل عنه إنه قال: أن قال ذلك بحضرتي أهدرت دمه. # فأين هذا مما قال أبو المنذر سلمة (1) إذ لو وقف ونظر وتأمل وتدبر وأغمض ~~في الجواب الصادر منا في هذا السؤال لما فاه، فإنه موافق على الشرك لا يلحق ~~في الحدث من غير التوحيد، وهذا حدث في كلام السائل في التأويل أنه صحيح أو ~~متناف، لا في القدرة أنها تقع أو لا تقع. PageV01P014 # فنسأل الله أن يعصنا من الزلل ويقينا موبقات الخطل. # مسألة: قال وليس وقوف العلماء عما يسألونه بغيب إذا لم يعلموا فقد وقفت ~~الملائكة الكرام وفعل ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا (سبحانك لا علم ~~لنا إلا ما علمتنا). (2) # قال الحسن (3) إن ابن آدم لو أصاب في كل شيء جن. # فضل # فمن لم يتسع صدره لتأمل المعاني النظرية والاعتبارات الهندسية ضاقت ~~حوصلته عن عرفان الحقائق، انسدت عن عينه مناهج الطرائق وفاته البلوغ إلى ~~تحصيل الدقائق. # فمتى اقتحم غوامض الأمور وركب لجج تلك البحور على جهل بمعاني ألفاظ ~~السؤال وفحوى المقال وحد الجدال، لم ينكر منه التصدي للاعتراض والتشوف ~~للأغراض، مثل هذا الخلاف المقارق للأسلاف، المنحرف عن الإنصاف، الصادر عن ~~غير نظر وأفكار، وتدبر واعتبار وتأمل واختيار، وتعرف للحدود والحقائق ~~والناهج والطرائق والنقائض والوثاثق والحجج والدليل والبرهان والتعليل ~~والتفريع ms07 والتأصيل والتسبيب والتحصيل والتأليف والتفصيل وما أشبه [8] ذلك ~~من قواعد المذاكرات وشروط الجدل والمناظرات، وبالله التوفيق. # الباب الرابع # باب بيان معنى السؤال وحقيقته وذكر قواعده ومعرفته # أما السؤال فهو على معان والذي قصدناه منها هاهنا فهو عبارة عن جملة ~~متركبة من ثلاثة ألفاظ لا تتم إلا باجتماعها. # الأول: لفظ يراد به الاستفهام ينبغي تقديمه أمام الكلام ليستدعى من ~~المخاطب الجواب ويتميز به من معاني الخطاب، وحق الاستفهام أن تدخل على كلام ~~قد عمل بعضه في بعض وتمت به القائدة ولا يكون إلا بالحروف التي أمامها ~~الهمزة، تم هل، وما صار عنها من الكلام الذي ينوب عن حرف الاستفهام وعن ~~الاسم المستخبر عنه، كمتى المتضمنة معنى الاستفهام ومعنى الوقت المستخبر عن ~~إبانة حينه، أين المتضمنة معنى الاستفهام عن الحال. # ومن المتضمنة معنى الاستفهام عن الحيوان العقلي، وما المتضمنة معنى ~~الاستفهام عن المائية وهى الجنس وما أشبه ذلك. PageV01P015 # الثاني: لفظ يبين تفسير الخير المطلوب ليتميز به من بين الأخبار الخارجة ~~عن حد النهاية لأن كل شيء مخبر عنه أخبار كثيرة وصفات شتى. # الثالث: لفظ يتعين به المستخبر عن خبره من بين الأشياء المخبر عنها إذ ~~الخبر المطلوب يخبر به عن أشياء كثيرة. # فهذه قواعد السؤال التي لا تتم إلا باجتماعها فمتى نقض أحد الثلاثة أو ~~اختل، بطل أن يكون صحيحا والله أعلم. # مثال ذلك: في تركيب الثلاثة الألفاظ، كقول القائل: أيجب جهاد المشركين؟ ~~فالألف، لفظ حرف الاستفهام ويجب لفظ الخبر المطلوب المستخبر عنه. # وجهاد المشركين لفظ الشيء المطلوب خبره. # فمتى سقط أحد هذه الألفاظ فلا سؤال. # مسألة: فإن قال: أيجب؟ تم سكت، أو قال: جهاد المشركين؟ تم سكت، أو قال ~~يجب جهاد المشركين، لما كان هذا الكلام سؤال. # لأن في قوله: أيجب، لفظ الاستفهام ولفظ الخبر المطلوب المخبر به عن أشياء ~~كثيرة تجب أو لا تجب، فيجب تعببنها لتخنص بنفي أو إثبات. # وكذلك فوله: أجهاد المشركين؟ فيه لفظ الاستفهام ولفظ نستخبر عنه يخبر عنه ~~بأشياء كثيرة فلما لم [9] يذكر الخبر المطلوب من ms08 أحد أخبار هذا المخبر عنه ~~بطل أن يكون سؤال صحيحا. وكذلك قوله: يجب جهاد المشركين، فيه لفظ ومخبر عنه ~~وهذه صيغة لفظ الخبر لا يكون سؤالا غلا بمعنى اقتران الاستفهام به وإلا فلا سؤالا. # مسألة: فإن وقع في موضع الاستفهام لفظ ينوب عن الاستفهام ولفظ الخبر، ~~اكتفى به مع لفظ المخبر عنه كمتى، أين وكيف، وما، ومن، وما أشبه ذلك مما ~~تقدم تفسيره. # مثال ذلك أن يقول: متى جهاد المشركين؟ وكيف صيام شهر رمضان؟ وأين الكعبة؟ # ففي قوله: متى؟ معنى الاستفهام عن الوقت المطلوب إبانة. # وفي قوله: جهاد المشركين، لفظ المخير عنه وما سوى ذلك فهو مثله واله اعلم ~~وبه التوفيق. # مسألة: وأما شرط صحة السؤال فهو مطابقة الحكم المطلوب المخبر به، وذلك أن ~~يكون ذلك الخبر يخبر به عن ذلك الشيء المذكور في السؤال وينصف منه. PageV01P016 # مثال ذلك أن يقول السائل: كم أساطين المسجد الحرام؟ ففي كم معنيان ~~استفهام عن عدد، وفي أساطين لفظ مخبر عنه يتصف بالتعدد ومتى لم يكن الحكم ~~المطلوب من أخبار المستخبر عنه بطل أن يكون صحيحا، كما لو قالوا: أيحب ~~أساطين المسجد الحرام؟ لكان سؤالا محالا متنافيا فاسدا، لأن الأساطين لا ~~يتصف بالوجوب إذ هي أجسام والأجسام لا يخبر عنها بالوجوب وإنما يخبر عن ~~الأعراض، فان اخبر عن الأجسام بالوجوب فانه مجاز وفي الحقيقة راجع إلى ~~الفعل بها والله أعلم. # وإنما سمى هذا سؤال لدخول الاستفهام فيه، وسمى محالا لاستحالة آخره عن ~~مقتضى أوله، لأنه حين قال: أيجب، وجب أن يذكر الأعراض فلما أن ذكر الأجسام ~~وأول لفظه يقتضي الأعراض استحال فسمى محالا، وسمى هذا الضرب فاسدا ومتنافيا ~~متناقضا من هذا المعنى وسيأتي بيانه في هذا الباب إن شاء الله. # الباب الخامس # باب بيان السؤال وأقسامه وصفة صروفه وأحكامه # فالسؤال ينقسم على ثلاثة أقسام: # فسؤال صحيح ن سؤال فاسد، سؤال محتمل. # فأما السؤال الصحيح فحده الاستخبار عن خبر ممكن، فالجواب عنه واجب على ~~مقتضى استفهامه وهذا لا خلاف فيه ولا منا كرة فيحتاج إلى ms09 شرح [10] ومناظرة ~~وهو ملا يحصى وقد قدمنا من ذكره ما يكتفي بفهمه إن شاء الله. # على أنا لو أخذنا في بسط وجوهه وبيات معانيه وأجوبته المقتضاة بحروفه لا ~~حتجنا إلى كثرة القرطاس ولم نا من فيه ملل الناس. # مسألة: وأما السؤال الفاسد فهو الذي لا مطابقة بين خبره المطلوب والمخبر ~~عنه وحده الاستفهام عن خبر غير ممكن وجحد (1) هذا الجنس على قلة استعماله ~~ومع العيار. (2) # مثال ذلك: أن يقول القائل: الثوب النجس من غير ملاقاة نجاسة تجوز به ~~الصلاة أم لا؟ # ابنا عم أحدهما أخ خالص لأب: كيف الميراث بينهما؟ # زوجة وأبوان وزوج .. كيف القسم بينهم؟ # وهذا عين المحال، كما قلنا إن المحال ما المحال ما لا يكون، وهذا ما لا يكون. PageV01P017 # بيان ذلك أن قوله: الثوب النجس قد دل على ثوب لاقى نجاسة أو لاقته إذا لا ~~ينجس طاهر إلا بملاقاة نجاسة. # وقوله: من غير ملاقاة نجاسة نقض لما دل عليه أول الكلام. # تقديره: الثوب النجس الذي ليس بنجس وهذا محال. # وأما قوله: ابنا عم، دليل على ابني أخوة للهالك. # وقوله: أحدهما أخ خالص لأب، نقض لقوله الأول، لأن الأخ للأب لا يكون ابن ~~عم، فكأنه قال أحدهما ليس بابن عم وهذا محال. # فإن قال قائل: هذا ممكن أن يكونا جميعا وطئا في ظهر واحد أمة لهما، فقد ~~اختلف المسلمون في الولد، فقيل إنه للأول، وقيل يلحقهما جميعا ويكون ابنا ~~لهما جميعا في الحكم. # واختلف في ميراثه من كل واحد منهما فقيل نصف ميراث وقيل ميراث تام، قال ~~هذا حكم الظاهر وهو في الحقيقة ابن أحدهما أو غير ولا يكون ولد من نطفتي ~~رجلين لاستحالة الوطء من اثنين قي وقت واحد وهذا معروف عند العقلاء ن غير ~~انا نحن قد احترزنا من هذه المعارضة بقولنا أخ خالص لأب. # وقوله زوجة: قد دل به على أن الهالك رجل، ويقوله زوج يدل على أن الهالك ~~امرأة وهذا خلاف ذلك. # فكأنه قال: رجل مات وهو امرأة، وهذا محال، فإن فرضت في خنثي ms10 لم يصح، إذ ~~الخنثي فد اختلف في جواز التزويج له مع الاتفاق على منعه عن التزويج برجل ~~وامرأة فيما عرفناه، فقيل لا يتزوج ألبته للإشكال الداخل عليه، وقيل بل ~~يتزوج بامرأة [11] والله أعلم. على أنة في الحقيقة إما ذكر إما أنثى، وإما ~~جنس ثالث قد تميز منهما جميعا ومحال أن يكون ذكرا أنثى لأنه معلوم أن ~~الذكوربة ضد الأنوثية والأضداد لا تجتمع. # فإن قيل: ما أنكرتم أن يكون ذكرا أنثى؟ # فلنا: أنكرنا ذلك من قبل أنه لو جاز أن يكون ذكرا أنثى، لجاز أن يكون لا ~~ذكر من حيث انه أنثى ولا أنثى من حيث انه ذكر، فيكون على هذا لا ذكر ولا أنثى. PageV01P018 # وسيأتي فساد هذا المعنى في باب الأضداد إن شاء الله. ولا جواب لما كان من ~~هذا الجنس إلا الطعن فيه والتنبيه على فساده والمطالبة بتصحيحه لأن الفائدة ~~في إفساد هذا الجنس الذي يقتضيها الاستفهام يشا كل الفائدة في الجواب عن ~~السؤال الصحيح من حيث انها حكمة، لأن إفساد الفاسد حكمة كما تصحيح الصحيح ~~حكمة لا خلاف في ذلك وبالله التوفيق. # فالقسم الثالث: وأما السؤال المحتمل وهو أن لفظ الخبر المطلوب أو لفظ ~~الشيء المطلوب خبره يشتمل على معنيين أحدهما يطابق ولآخر ينافى وإنما قلنا: ~~ينافى محتمل لاحتمال الصحة والفساد فيه. # مثاله كقول القائل: أمؤد للفرض من صلى نائما؟ أيسقط فرض الظهر في وقتها ~~قبل زوال الشمس؟ # كيف الميراث إبني عم أحدهما أخ؟ # فهذا للجنس محتمل للصحة من وجه، فاسد من وجه. # بيان ذلك أن قوله: أمؤد للفرض من صلى نائما؟ إن أراد النوم المجازى، وهو ~~الاضطجاع من غير سنة فالسؤال صحيح: والجواب لازم بأنه إذا لم يقدر إلا كذلك ~~فهو مؤد والله أعلم # إن أراد النوم الحقيقي وهو ضد اليقظة فالسؤال محال لأنه متى يصلى وهو ~~مستوسن نائم؟ فإن قيل: أليس قد يعرض للمصلى النعاس؟ قلنا: بلى ولكنه في حال ~~نعاسه لا يصلى بل واقف عن الصلاة وليس ذلك الذي أردناه بل الذي فلنا مفهوم ~~وبالله ms11 التوفيق # وأما قوله: أيسقط فرض مصلى الظهر في قبل زوال الشمس؟ فإن أراد في أول ~~وجبت فيه، فالسؤال محال لأن في اليوم الذي وجبت فيه وقتها بعد الزوال. # وأن أراد بعد ذلك، فهو وقت الناسي والمتعمد التائب، الاخذ في البدل والله ~~أعلم وبه التوفيق. # وأما قوله: كيف الميراث بين ابني هم أحدهما أخ؟ فإن أراد من أم فالسؤال ~~صحيح والجواب أنه مختلف فيه فقيل المال للأخ لأنه [12] يدلى بسببين. وقبل ~~للأخ السدس ونصف الباقي، والنصف الباقي لابن العم. PageV01P019 # وأن أراد من أب، فالسؤال محال ما بينا في السؤال المحال. فالاحتراز من ~~المعارضات في الجواب عن هذا الجنس بالوجهين جميعا، والاقتصار على الأغلب من ~~الوجهين بعد الشرط، أرجو أنه كاف لاستحالة السؤال في الوجه المحال. فقد ~~استقصينا طرفا من شرح المعاني المتعلقة بالسؤال ونبهنا على صحة الصحيح منه ~~وفساد المحال. # فنأخذ الآن في الفصل الثاني وهو ما تعلق بهذه المسألة من المعاني الدالة ~~على حقائقها وبالله التوفيق. # ثم الفصل الأول وهذا ابتداء الفصل الثاني إن شاء الله تعالى. # ينبغي الآن أن نقتصر في شرح هذا الفصل على الآثار الشاهرة المسنودة ~~والمسائل الظاهرة الموجودة التي أيدها المسلمون وحكم فيها الأئمة المتقدمون ~~الدالة على تحقيق ما قلناه وتصديق ما حكمنا به وأوردناه لأن هذه المسألة ~~عظيم خطرها جليل قدرها تستبشع النفوس الوقوف عن جوابها قبل النظر في خطابها ~~وتستفظع القلوب الليل إلى التفكر فيها والتأمل لمعانيها خوفا الشك ونفورا ~~من الحصول في الخطأ والشرك. # أو ليس الله تعالى يقول: (ولا تقف ما ليس لك به علم) # وقد فيل: من أفتى بلا علم لعنته ملائكة السماء. فكيف يؤثر من له عقل ~~يحجزه عن محارم الله المبادرة إلى الكلام فيما لا يعلم عن التفكر والنظر ~~وتصفح ما لا يفهم بلا شيء يوجد في الأثر ن فنعوذ بالله من غلبة الأهواء أو ~~مسامحة الآراء. # ومتى أوردنا المسائل المأثورة، واستشهدنا بالأصول المتهورة عن الأئمة ~~الأبرار والعلماء الأخيار ارتفع النزاع وانقطع، واستنار الحق وسطع. # وإنما نحن متبعون غير ms12 مبتدعين ومقتدون غير مقلدين، وسنوصلها بما اتضح لنا ~~عرفانه من حجج العقل، ونبرهنها بما لاح لنا برهانه من دلائل النقل بمهونة ~~البارئ الكريم وتأييده الكافي العميم إن شاء الله عز وجل. # الباب السادس # باب بيان العالم وحقيقة العلم به والقدرة عليه والتحديد لأجزائه # من كلام أبي المنذر بشير بن محمد بن محبوب رحمهم الله PageV01P020 قال ~~الشيخ بشير بن محمد بن محبوب رحمهم الله في صدر كتابه ((المحاربة)) وبعد ~~هذا بيان في [13] حدوث العالم وأجزائه بتعاور (1) الحوادث له ولها فيه ~~واحتياله وأجزائه لها ووجوده بها غير منفكة منه ولا منفك منها، فهو أجزاؤه ~~وجزاؤه هو بها، تفرقا مرة له وتأليفا أخرى بحلها فالحال يضمنها والوقت يجرى ~~عليها ن والأماكن محلها ومنهي لها تجاورا فيها بأعراضها وعلى غير التداخل ~~منها بها. # فإذا ارتفع التأليف عنها ثبت الجزء الذي لا يتجرأ منها وسقط العدد منه ~~والعرضان المتضادان (2) عنه لأنهما يتنافيان السكون فيه لشغل أحدهما له، ~~ولا فضل فيه عنه. # ولا تقوم في فهم ولا عقل أن يكون المدخول فيه داخلا في الداخل فيه داخلا ~~في الداخل فيه. # فلدلالة حدث الجزء احتمال أن يزاد إليه مثله أن يتجسم بحدوث الأقدار ~~الثلاثة له، والله أعلم بعدد أجزاء الخلق كلها وقادر على تفريق ما جمع منها ~~حتى لا يبقى اجتماع فيها، وفي ذلك إثبات الجزء الذي لا يتجزأ منها وصحة ~~النهاية فيها ومن كل طرف وما يلاقى الأجسام من نواحيها وجهاتها، من أية شئت ~~ابتدأت عددا منها وإلى أية شئت به أمدا إليه فيها وأية أقمت في وهمك قام ~~محدودا وأية صورت في خلدك تصور بهيئة عيانك له مشاهدا منها. # فقيما ظهر للعيان من تناهى الجسم من وجومه الشبه إلى الجهات المتناهية ~~إليها من الهواء أعدادها ما يصح به تناهى عدد أجزائه لاستحالة إحاطة الهواء ~~بما لا نهاية له لأن ما لا نهاية له لا يتوهم له نهاية من جهة فحكم ما ~~أدركنا من نهاية الخلق الملاقية لنا حكم غاب عنا من الخلق في النهاية ~~والتجزئة، ms13 وأن العدد يبتدأ به من حد النهاية فيه من واحد إلى ما بعده من ~~الأجزاء. # ولما كان للعدد أول يبتدأ به كان آخر إليه ينتهي في حدوث بارز الصفحة ~~مكشوف القناع من كل جهة والحمد لله على ما وفق له. # فصل PageV01P021 قال المتأمل: قول الشيخ أبي المنذر هذا كاف في تعرف الحق ~~المسألة الجوهرية غير أن فيه معاني دقيقة ومقاصد عميقة يقصر عن دركها أكثر ~~عقلاء أهل دهرنا وينبو عن التواصل إلى غوامضها أفهام أهل عصرنا [14] إلا من ~~مده الله بنور مبين وعقل راجح وهدى ويقين، وذلك لقلة منافستهم في تعليم ~~الأصول واستهجانهم التغلغل على مثل هذه الفصول. فنحب الآن أن نوضح ما قبين ~~لنا عرفانه من طرقها ونكشف ما ظهر لنا من خفي مستغلقها، شكر الله تعالى على ~~ما أنعم فهدى إليه من الدين وفهم، لا اجتراء على المسلمين وآثار، ولا ادعاء ~~للحوق منارهم، فقد قيل على دين أن يدين لله بكتمانه، ما لم يحتج إليه وهذا ~~موضع الحاجة الداعية لظهور الحادثة الداهية. # وتقتصر على بعض الشروح اكتفاء عن التطويل وتوضح شيئا مقنعا عن التفريع ~~والتأصيل، إذ لو استقصينا مقتضى كلمات الشيخ أبي المنذر هذه لا حتاجت إلى ~~مصنفات كثيرة كان تحت كل نقطة منه تحتج إلى أبواب كثيرة، ذلك ما لا نبلغ ~~نحن إليه فنبدأ فيه بفصل فصل ولأصل لننتهي إلى نفس المسألة الجوهرية إذ ~~الكلام فيما لا يفهم هذيان والمسامحة في الدين عدوان والله القوى وهو ~~المستعان وبه التوفيق. # الباب السابع # باب بيان حدوث العالم من كلام # الشيخ أبي المنذر بشير بن محمد بن محبوب # قال التأمل: أما قوله: وبعد بيان في حدوث العالم فإن البيان هو إخراج ~~الشيء من حيز الإشكال إلى حيز الوضوح والعالم عبارة عن كل محدث. # وفي كتاب ((الأكلة)) قال بعض العلماء: وهو من قولهم علم الشيء، أي دليله ~~يقال علم الصحة كيت وكيت، يريدون ما يدل عليه على ما هو به. قالوا: فلما لم ~~يكن من المخلوقات إلا ما يدل على أن ms14 له خالقا صانعا سمى الجمع عالما ~~لدلالته على صانعه، فالعال هو المحدث والمحدث هو العالم. # مسألة: والعالم يقسم قسمين لا ثالث لهما، وهى الجواهر والأعراض. PageV01P022 # فالجواهر: يراد بها الموصوفات، والعرض: يراد به صفة الموصوفات من ~~المخلوقات، كما تقول: الجوهر متحرك وصفته التي هي الحركة عرض. # وقال في كتاب ((الأكلة)): ولا يوصف القديم بالقدرة على غير هذين الجنسين ~~وهما الجواهر والعرض، لأن ما عدا هذين الجنسين هو القديم سبحانه وصفاته ولا ~~توصف بالقدرة في ذاته، قال المتأمل: في فوله القديم وصفاته نظر والله أعلم. # قال الناظر: أحسبنه القاضي أبا محمد نجاد لأنه مؤلف كتاب ((الأكلة)) ~~والذي يوجبه النظر عندي أن هذه المسائل من مسائل المحال، كما أن سائلا لو ~~سأل: هل [15] يقدر الله أن يخلق مثله؟ كان الجواب مثل الأول ولا فرق في ذلك ~~عندي والله أعلم. # قال المتأمل: انظروا أيها المسلمون إلى هذا الأثر فإنه يؤيد قولنا لأن كل ~~مخلوق ما فلا بد أن يكون صفة أو موصوفا فكل موصوف جوهر وكل صفة عرض. # ولم تكن الحركة عرضا لأنها حركة ولا السكون، بل لأنهما محدثان لا يقومان ~~بأنفسهما، فكل محدث لا يقدم بنفسه فهو عرض. كذلك لم يكن الحديد جوهرا لأنه ~~حديد ولا الخشب جوهرا لأنه خشب ولا القطن جوهرا لأنه قطن، بل لأنه محدث ~~متحيز، إذ لو صح أن يكون الحركة عرضا لأنها حركة لبطل أن يكون السكون عرضا، ~~كذلك لو كان الحديد جوهرا لأنه حديد لبطل أن يكون الخشب جوهرا وكذلك ما أشبهه. # وسيأتي بيان الجوهر والعرض في موضعه إن شاء الله عز وجل. # وفي هذا بيان أن جمع ما في السموات والأرض وما بينهما من الحيوان والموات ~~(1) والجماد عالم بحدوثه والله أعلم. # مسألة: أما حدوث العالم فوجوده بعد عدم وحدوثه إيجاده بعد عدمه. قد ~~اختلفت عباراتهم في حد المحدث فقيل: المحدث ما لو جوده أول، أو الموجود بعد ~~أن لم يكن. وقيل: الكائن بعد أن لم يكن، وقيل ما لم يكن ثم كان. وفي ذلك ~~أقاويل أخرى ms15 كثيرة تركتها. قال بعض وهذه كلها حدود صحيحة لا طرادها ~~وانعكاسها والله أعلم PageV01P023 الطرد والعكس: والذي عندي أن اطرادها فهو ~~قولك كل ما لوجوده أول وهو محدث، وكل محدث فلوجوده أول، وكذلك سائر ما ذكر ~~من الحدود. وأما انعكاسها فنحو قولك كل ما لا أول لوجوده فليس بمحدث وكل ما ~~ليس بمحدث فلا أول لوجوده، وكذلك سائر هذه الحدود والله أعلم. # مسألة: ووجدت أن الإحداث هو جعل ما لم يكن فكان، وعلى هذا فالجوهر ~~والأعراض والأجسام لم تكن ثم كانت. والأحداث بمعنى الاختراع والإبداع. ~~ووجدت أن الإحداث والخلق والاختراع والجعل والفعل والابتداع والإنشاء بمعنى ~~واحد ولا فرق بينهن. وعندي أن في الجعل نظرا والله أعلم. # لأن الجعل خلق وغبر خلق، وقد يكون بمعنى التصيير. ولهذا قال أصحابنا: أن ~~القرآن غير مخلوق وأن لا دليل على خلقه في جعل الله إياه. # قال المتأمل: وأما [16] قوله وأجزاؤه، فالأجزاء جمع جزء، والجزء الطائفة ~~من الشيء، أجزاء العالم جواهره وواحد الجواهر جوهر، وواحد الأجزاء جزء. # مسألة: الجواهر في كلام العرب الأصول ومنه يقال جوهر حسن أي أصله حسن. ~~بيان ذلك أن جوهر ثياب القطن هو القطن نفسه، وجوهر ثياب الكتان هو الكتان ~~نفسه، وجوهر ثياب الإبريسم # (2) هو الإبريسم نفسه، وجوهر السيوف وما أشبهه من السلاح وغيره من آلات ~~الحديد هو الحديد نفسه، وما أشبهه ذلك من المتحيرات القائمة بأنفسها ~~فجوهرها هو نفس ذاتها والله أعلم. # مسألة: في حد الجوهر: وقد اختلفت عبارات المتكلمين في حد الجوهر فقال ~~بعضهم: هو الجرم المتحيز والمراد بالتحيز الشاغل للجهة الحاصل فيها عن حصول ~~جوهر آخر فيها، لأنه لا يصح حصول اجتماع جوهرين في جهة واحد. فصار لذلك ~~حائزا للجهة التي فيها، قد اختص بها وحصل فيها. والحيز هو الجهة والجهة ~~المكان، والله أعلم. # وقال بعض: حد الجوهر أن يكون أصلا للجسم، قالوا: ولذلك قال العرب: فعل ~~فلان يدل على جوهرية فيه، وجوهر هذا السيف جوهر حسن وهو صحيح. PageV01P024 # وقيل: الجوهر ما يعرض فيه العرض ويتغير به من حال ms16 وهذا صحيح. وقيل الجوهر ~~ما كان أقل قليل وأصغر صغير حجما. قال بعض: وهذا أشد العبارات في معنى ~~الجوهر لأنه جامع مانع شديد لأن العدم لا يدخل فيه إذ العدم لا حجم له (3) ~~والقديم لا يدخل فيه لأن القديم لا حجم له. # والجسم لا يدخل فيه لأنه ليس بأصغر صغير حجما فصارت هذه العبارات عبارة ~~شديد في تحديد الجوهر مقصورة عليه يجمع ما في مهنا ويمنع أن يدخل فيه ما ~~ليس في معناه وهذا حسن. # قال بعض: حقيقة الجوهر الواحد عند أصحاب الأصول هو الجزء الذي لا يتجزأ. ~~قال القاضي أبو زكريا يحيى بن سعيد (4) في جوابه غلى الإمام الخليل ابن ~~شاذان (5)، قال بشير بن محمد بن محبوب: هو الجزء الذي لا يتجزأ وهذا عندي ~~هو الصحيح، ذلك أن كل شيء يتجزأ فأقله شيئان لنه إن كان شيئا من جهة فهو ~~شيئان من جهة [17] الجوهرية والجوهر فلفظه لفظ الواحد، والواحد في الحقيقة ~~هو الذي لا يتجزأ. بيان ذلك أن الجسم قد يقع على أقل طويل عريض عميق فهو من ~~حيث الجسمية شيء واحد حيث الجوهرية أشياء. # الدليل على ذلك: أنه متى فارفه أحد أجزائه، التي بها كملت أوصافه وهي ~~الطول والعرض والعمق، ارتفعت الجسمية منه ولم ترتفع الجوهرية لأنها هي ~~الأعيان المرئية، والأعيان المرئية لا تزول إلا بزوال ذواتها فصح أن التجزؤ ~~إنما يقع على اجتماع الجوهر، فما كان الشيء جوهرين إلى ما فوق ذلك فهو ~~يتجزأ لعلة اجتماع الجوهرين. فأما إذا كان جوهرا واحدا فكيف يتجزأ؟ وهذا ~~بين عند العقلاء، وسيأتي شرح التجزؤ ومعناه فيما بعد إن شاء الله. فإذا ثبت ~~أن حقيقة الجوهر ما لا يتجزأ كان الكلام في إضافة القدرة إلى لا شيء وسيأتي ~~ذلك إن شاء الله. PageV01P025 # مسألة: ووجدت عن القاضي أبي زكريا يحيى بن سعيد في جوابه إلى الخليل ابن ~~شاذان أن الجواهر ليست أجناسا مختلفة بل كلها متماثلة في أنفسها فإنما ~~تختلف أحوالها التي لا يرجع غلى ذواتها، وسبب الاختلاف يكون راجعا إلى ما ms17 ~~يحل فيها من لأعراض فإذا اختص بعضها بالسكون ببعض الأعراض كانت ساكنة، فإذا ~~اختص ببعض آخر وصفت بأنها مجتمعة، فإذا وصفت بشيء آخر وصفت بأنها متفرقة. ~~كذلك الأسماء تختلف عليها باختلاف ما يختص من الألوان. فما اختص بالسواد ~~بأنه أسود إلى غير ذلك من سائر الأشياء فإذا (6) ... # الباب الثامن # باب بيان الأعراض وضروبها من كلام # الشيخ أبي المنذر بشير بن محمد ين محبوب # قال المتأمل: وأما قوله بتعاور الحوادث له ولها فيه، فالتعاور بمعنى ~~التعاقب. يقول: تعاور القوم فلانا فاعتوروه، إذا تعاونوا عليه، وكلما كف ~~عنه واحد ضرب آخر، وتعاورت الرياح، رسمها حتى عفته أي تواطبت عليه: قال ~~الأعشى: # دمنة قفرة تعاورها الصيف ... بريحين من صبا وشمال # مسألة: الحوادث جمع حادث وهو ما يحدث في الجواهر من الأعراض وقد تقدم ذكر ~~الحدث وفروعه في باب [18] بيان العالم، إنما سمى العرض عرضا لأنه يغرض في ~~الجواهر أي يوجد فيها: لأنه يستحيل بقاؤه. # مسألة: وأما حد العرض فقد اختلف الناس فيه اختلافا كثيرا فقال قوم: ما ~~عرض في الجوهر، قالوا: فهذا صحيح لأن كل ما عرض في الجوهر فهو عرض وما لا ~~يعرض في الجوهر فليس بعرض. وقيل: العرض ما قام الجوهر: قال بعضهم: هذا صحيح ~~لأنه لا يقدم بالجوهر إلا ما كان عرضا، وقيل: العرض ما لا يستغني عن محل ~~يحله. وقيل ما لا يصح بقاؤه وقتين. وقال بعض: الأول أصح لأن الحدود لا تضرب ~~بلفظ النفي وكل حد بلفظ الإثبات فهو أصح مما هو بلفظ النفي، وقيل: العرض ما ~~تغير به الجوهر من حال على حال. PageV01P026 # وقيل: ما يستحيل وجوده في غير حال حدوثه، وحد العرض عند الأشعري ما لا ~~يبقي وقتين، وله ذلك علة منقوضة عليه في كتاب ((الأكلة)) بالعكس تركنا ~~ذكرها احترازا من الإطالة. وعندي أن بقاء الألوان مع كونها عرضا كاف في ~~بطلان فوله إن شاء الله. # مسألة: قال القاضي أبو زكريا يحيى بن سعيد في جوابه إلى الخليل بن شاذان ~~أن الأعراض ليست بخنس واحد، بل ms18 هي أجناس كثيرة ففيها المتماثل وفيها ~~المختلف وفيها المتضاد وهكذا وجدت في كتاب ((الأكلة)) وغيره، ووجدت أن جميع ~~الأعراض متغايرة. # تفسير ذلك من كتاب ((الأكلة)): المثلان ما سد أحدهما مسد صاحبه وناب ~~منابة في جميع الصفات والأحكام، وقيل ما جاز على أحدهما جميع ما يجوز على ~~الآخر، مثاله السوادان والبياضان والعلمان والقدرتان. # الخلافان: وأما الخلافان فما خالف أحدهما الآخر في وصف واحد، قال: وهذا ~~صحيح لاطراده وانعكاسه. # قال المتأمل: وعندي أن ما خالف أحدهما الآخر في وصف ما أصح، لأنه إذا قال ~~ما خالف أحدهما الآخر في وصف واحد ففيه إشكال أن يكون إذا خالفه في وصفين ~~يصح أولا، وأما إذا قال في وصف ما دخل فيه الاثنان وأكثر والله أعلم. # وقيل الخلافان: ما لم يسد واحد منها مسد صاحبه ولا ينوب منابة في جميع ~~صفاته وأحكامه. فال بعض، والأول أصح لأنه بلفظ الإثبات [19] وهذا بلفظ ~~النفي، وقيل، الخلافان هما الغيران اللذان اجمتاعهما في ذات واحدة ويفيد كل ~~واحد منها غير ما يفيد الآخر. # مثاله: العلم والقدرة والحياة والإرادة والسمع والبصر وما أشبه ذلك. # الضدان: أما الضدان فهما الذاتان اللتان لا يجوز اجتماعهما في محا واحد ~~كالسودا والبياض يتضادان لأنه لا يجوز تقرير وجودهما في محل واحد حتى تكون ~~الذات الواحدة سوداء بيضاء في حال واحدة، أو متحركا عن مكان ساكنا فيه في ~~حال واحدة، أو مجتمعا مع شيء مفارقا في حال واحد. PageV01P027 # مسألة: قال المتأمل وعندي أن الضدين هما اللذان ليس في نفي أحدهما مما ~~يتصف بهما من الجواهر معنى زائد على إثبات الآخر فيه، ولا في إثبات أحدهما ~~فيما يتصف بهما من الجواهر معنى زائد على نفي الآخر، إذ نفي أحدهما يقتضي ~~الآخر إثبات أحدهما يقتضي نفي الآخر. # بيان ذلك: إنا متى قلنا زيد حي، وهو قولنا زيد ليس بميت سواء في المعنى، ~~إن اختلف اللفظ في النفي والإثبات فصار قولنا ميت أي أنه حي وقولنا، ليس ~~يساكن أي أنه متحرك فيما فعم بلفظ كيف نفهم به عقله ms19 صحة إضافة القدرة إلى ~~اجتماع الأضداد وسيأتي بيان ذلك فيما بعد إن شاء الله. # مسألة: واختلف في أن العرضين من جنس واحد يتضادان في المحل الواحد فقال ~~أكثرهم: إنهما يتضادان ولا يجوز أن يكون في يكون المحل الواحد إلا سواد ~~واحد والثاني يضاده فلا يجوز اجتماعهما في ذات واحد. # ومن العلماء من قال: إن العرضين من جنس واحد لا يتضادان، و إنا إذا رأينا ~~جوهرا أشد سوادا من جوهر آخر فإنما ذلك لاجتماع سوادين وأجزاء من السود ~~فيه، كذلك القول في المتحرك، قال، والأول أصح وأشد. # مسألة: كل مثلين غيران، وليس كل غيرين مثلين لأن الضدين والمختلفين غيران ~~وليسا مثلين. # مثاله: أن الحركة والسكون غيران وليسا مثلين، كذلك الحياء والقدرة غيران ~~وليسا مثلين. # مسألة: وكل الضدين فهما مختلفان غيران وليس كل مختلفين ضدين. # جوابه: أن الحركة والسكون [20] ضدان وهما مختلفان غيران، والإرادة والعلم ~~مختلفان غيران، والإدارة والعالم مختلفان وليسا ضدين فافهم ذلك وبالله ~~التوفيق. # الباب التاسع # باب بيان مراتب الجوهر والأعراض # من كلام الشيخ أبي المنذر بشير بن محمد بن محبوب PageV01P028 قال ~~المتأمل: وأما قوله واختياله يعنى العالم، وقوله وأجزاؤه يعنى جواهره التي ~~تركب منها على اختلاف أجناسه لاختلاف تركيبه، وقوله لها يعنى لأجل الحوادث ~~التي هي الأعراض، يقول إن العالم وأجزاؤه يختال لأجل الأعراض التي تعتوره ~~أي تتغير من حال إلى حال. # مسألة: فأول الجواهر: الجوهر الواحد ن وهو عند العلماء بمنزلة النقطة ~~التي لا طول لها ولا عرض ولا عمق، فإذا انضاف إليه جوهر ثان حدث لهما طول ~~وسمى خطا، من هاهنا أول رتبة الاجتماع فإن الاجتماع محال أن يكون في أقل من ~~اثنين، الواحد فلا يقال له مجتمع ولا مفترق وسيأتي بيان ذلك أن شاء الله. ~~فإذا انضاف إلى الجوهرين جوهران صار على قول بعضهم خطين، والخطان إذا اتصلا ~~فهما سطح لهما طول وعرض ولا عمق لهما. فإذا اتصل بالسطح سطح من أعلاه صار ~~طويلا للخط الأول عريضا للخط الثاني عميقا لاتصال سطح بسطح، وهذا هو الجسم، ms20 ~~سيأتي زيادة بيانه فيما بعد غن شاء الله عز وجل. ثم تتفرع الجسام إلى فروع ~~كثيرة قد بينا طرفا منها في الشجرة التي مثلناها في كتاب ((لذخيرة)) وإنما ~~تفرعت للأعراض التي تحدث فيها، وتغيرها من حال إلى حال والله أعلم وبه ~~التوفيق. # مسألة: ثم إن الأعراض وأن تضادت واختلفت فلا يتصف (1) كل محدث من الجواهر ~~بجميعها بل منازل كثيرة ومعان دقيقة غزيرة وسنقتصر منها على أربع رتب: # الرتبة الأولى: رتبة الحركة وهى مختصة بالجوهر الواحد فصاعدا لتحيزه، إن ~~حد الحركة الانتقال من مكان، والجوهر فلا يخلو قط من مكان ولزوم الحركة ~~الطافته. # مسألة: وأما السكون فحده الليث في مكان ما وشرطه الكثافة التي توجب ~~الرسو، ولا كثافة غلا في الأجسام، أما الجواهر والخطوط والبسائط فلا كثافة ~~فيها والله أعلم. # الرتبة الثانية: في الأعراض [21] المختصة بالجوهرين فصاعدا ونقتصر منها ~~على الاجتماع والافتراق، فهذان العرضان لا يتصف بهما إلا الجوهران فصاعدا. PageV01P029 # حقيقة الاجتماع: لأن حقيقة الاجتماع انضمام شيء إلى شيء، والانضمام عرض ~~والعرض لا يقوم إلا يقوم إلا بالجوهر، فبان وصح أن الاجتماع هو انضمام جوهر ~~إلى جوهر أو إلى جوهر، والجوهر الواحد لا ينضم إلى نفسه، فيجوز أن يفارقه، ~~ومن هاهنا استحال التجزؤ والانقسام في الجوهر، إذ التجزؤ هو الانقسام ن ~~والانقسام والافتراق بمعنى ولا يكونان إلا بعد الاجتماع ولا اجتماع في ~~الواحد لأنه من حيث سمى مجتمعا فليس هو شيئا واحدا، بل شيئا، ومن حيث سمى ~~واحدا فليس مجتمع. # مثال ذلك: إنا إذا فلنا الإنسان ينقسم فليس تعنى أنه ينقسم من حيث ~~الإنسانية إذ الإنسانية ليست مجتمعة فتنقسم وتفترق، بل من حيث الجوهرية، ~~لأن فيه أجزاء مجتمعة أقل جزء منها جوهر واحد، فما كان في أجزائه جزء يتصف ~~بالانقسام، فليس بجوهر واحد، بل جواهر، وإذا انفرد أقل جزء منه فهو الذي ~~معلوم أنه جوهر واحد، غذ لو كان ينقسم من حيث الإنسانية لجاز أن يكون ~~إنسانين وثلاثة وعشرة إلى ما أمكن انقسامه، فيكون كل جزء منه إنسان ولا ~~ينكر أن ms21 بنى آدم أصغر مخلوق منهم لو قرض بالمقاريض لتجزأ على ألوف أجزاء لا ~~يحصيها إلا الله تعالى، فتكون هنالك أناسي كثيرا وهذا واضح البطلان ظاهر ~~الفساد. والله أعلم وبه التوفيق. # الرتبة الثالثة: في الأعراض المختصة بالجسم ويقتصر منها على الحياة، فلا ~~يجوز أن يوصف بهذا العرض إلا الأجسام فحسب، لأن من شرط الحياة والروح ~~التخلخل والتخويف للروح ولا تكون بهذا المثابة إلا الأجسام. وليس الجسم ~~الحي حيا لأنه جسم، إذ لو صح ذلك لما وجد جسم ما إلا وهو حي وفي وجودنا من ~~الجسام ما ليس بحي بطلان ذلك، بل لأن فيه حياة وقي هذا المعنى فرق بين ~~العلة والشرط، فالشرط هو وجو الحياة في تسمية الحي حيا، والجسمية شرط في ~~وجود الحياة، فحي محدث ليس بحسم محال، وحي محدث لا حياة له محال، الله أعلم. PageV01P030 # الرتبة الرابعة: في الأعراض المختصة بالجسم مع وجود الحياة [22] والعقل ~~ونقتصر منها على الجهل والعلم فلا يتصف بهذين العرضين إلا كل الجسم حي عاقل. # الذليل على ذلك: أن حقيقة العلم والجهل إثبات الشيء على وجه ما، فالعلم ~~إثبات المعلوم على ما هو به عند الله. والجهل إثباته على خلاف ما هو به عند ~~الله. والإثبات لا يكون إلا من مثبت عاقل ولا عقل إلا مع حياة، ولا حياة ~~إلا في جسم. # فالجسمية شرط الحياة على ما قدمنا في الرتبة الثالثة، والحياة شرط العقل ~~والعقل شرط العلم، إذا ثبت أن حيا ليس بجسم محال فاستحالة عاقل ليس بحي، أو ~~عالم ليس بعاقل أجدر. والله أعلم. # الباب العاشر # باب بيان المجاورة والمداخلة من تفسير كلام # الشيخ أبي المنذر بشير بن محمد محبوب رحمهما الله # قال المتأمل: وأما فوله، تجاورا فيها بأعراضها وعلى غير التداخل منها، ~~يقول: هذه الأجزاء في حال تآلفها متجاورة لا متداخلة غذ لو جاز تداخلها ~~لوجب أن يكون المدخول فيه داخلا في الداخل فيه منها، ذلك محال أن يكون ~~الفاعل مفعول مفعوله، والمفعول فاعل فاعله. # مسألة: اختلف الناس في المجاورة والمداخلة على قولين، ms22 فقال إبراهيم ~~النظام (1)، وهشام بن الحكم (2): بالمداخلة وهو يكون الجسمان في مكان واحد. # الذليل على ذلك: أنهم لما نظروا إلى التفاحة طويلة عريضة، واللون منها ~~طويل عريض، فمن حيث وجدت اللون وجدت الطعم، ووجدت الرائحة كانا في مكان ~~واحد، ولو كانا ليس خبرهما واحدا كنت من حيث وحدت اللون لا تجد الطعم. # قال المتأمل: ذا السؤال ظاهر الفساد. الدليل على ذلك: ما ذكرناه عن الشيخ ~~أبي المنذر-رحمه الله- وهو كاف إن شاء الله. PageV01P031 # دليل ثان: أن هذين الجسمين لا يخلوان إذا تداخلا من أن يكونا محتاجين إلى ~~مكان أوسع من مكان أحدهما أم لا!! فإن يل، لا يحتاجان إلى مكان أوسع من ~~مكان أحدهما فإذا لا زيادة على حرم أحدهما وهذا باطل من قبل أنه معلوم أن ~~الجسم، والجسمان أكبر من جسم، والأكبر محتاج إلى جهة أوسع من جهة الأصغر، ~~وأن قالوا: إنهما محتاجان إلى مكان أوسع من مكان أحدهما [23] رجعوا إلى ~~الحق لو لزمهم القول بالمجاورة وأنهما في مكانين لا في مكان واحد. وأنه متى ~~دخل أحد الجسمين في الآخر ذهب المدخول فيه في الجهات. # بيان ذلك: أنك إذا أدخلت جسما في الماء ارتفع الماء وذهب في جهة العلو، ~~وكذلك إذا ألقيت الماء على أخذ في جهة العلو فلذلك صح أنهما متجاوران (3) ~~كل واحد منها محتاج إلى مكان. والله أعلم. # الباب الحادي عشر # باب بيان الجزء الذي لا يتجزأ وهو الجوهر # من كلام الشيخ أبي المنذر بشير بن محمد بن محبوب رحمهما الله # قال المتأمل: فأما قوله: فإذا ارتفع التأليف عنها ثبت الجزء الذي لا ~~يتجزأ منها يقول: إن ما في العالم من الجسام التي ذكرناه أجزاء متآلفة على ~~معنى المجاور لا التداخل إذا رفع الله منها التأليف الذي لأجله سميت ~~أجزاؤها مؤتلفة صارت متفرقة متجزئة، وصار كل جزء منها حال تفرقها لا تتجزأ ~~ولا تنقسم ولا تفترق ن والله اعلم. # مسألة: وإنما يتوصل إلى علم ذلك بمعرفة الفرق بين التأليف والمؤتلف وبين ~~الاجتماع والمجتمع، وبين الافتراق والمفترق وما أشبه ms23 ذلك من الجواهر ~~والأعراض. فمتى تحقق الفرق بينهما صعب عليه جحد الجزء الذي لا يتجزأ ~~واطمأنت نفسه إلى تحقيق ذلك، فإنه متى عرف الفرق بينهما وأن كلا منهما غير ~~الآخر، لم يحكم بارتفاع بعض الأعراض. PageV01P032 # مسألة: فأما التأليف فهو العرض الحال في الجواهر ن وأما المؤتلف فهو ~~الجواهر الحال فيها التأليف، وكل واحد منها غير الآخر. ومعنى التأليف ضم ~~شيء إلى شيء، بمعنى الاجتماع المتولد من المجاورة على ما بينا في رتب ~~الأعراض، فليس في التأليف ذهاب الجواهر، بل في ارتفاع التأليف حصول ~~الانقسام وكذلك في ارتفاع الاجتماع حصول الافتراق ومعناهما قريب من معنى ~~الأول: فأبى رأيت كثيرا من ضعفاء المسلمين لا يهتدي للفرق بينهما فقد سمعت ~~بعضهم يقول: أن الله قادر أن يقسم الجوهر حتى لا يبقى منه شيء، يعنى من ~~الجوهر، وهذا ذليل على أنه لا يفرق بينهما، إذ لو اهتدى للفرق بينهما لما ~~توهم أن يقسم الجوهر ذهاب عينه، وإنما كان يجب أن يقول، إن الله قادر على ~~أن يقسم الجوهر حتى لا يبقى فيه تأليف، وأن معنى القسم ذهاب التأليف لا ~~ذهاب المؤتلف، وكذلك الافتراق يقتضي ذهاب الاجتماع لا ذهاب المجتمع، فإذا ~~رفع الله التأليف والاجتماع من الجسم ثبت ضداهما وهو الانقسام والافتراق ~~[24]، لا ما كانا حالين فيه، وسنبين ذلك إن شاء الله. # مسألة: يقال له: أخبرنا عن التأليف هو المؤتلف أو غيره؟ فإن قال: هو ~~المؤتلف، فقد فارق الإجماع ودخل في مذهب هشام وأبي بكر الأصم ن فهو شيوخ ~~المعتزلة على ما وجدت في كتاب ((الضياء)) فإنهما كانا يقولان بنفي الأعراض، ~~يقولان ليس في العالم عرض لأنه لا يعقل الجسم إلا الطويل العريض الشاغل ~~للمكان، ومحال أن يكون ليس بشاغل. PageV01P033 # قال المتأمل: لا يبين لي هاهنا علة تدل على نفي الأعراض فأحتاج إلى ~~نقضها، لكنى وحدت عن أبي الهذيل في بعض الكتب أنه سأل أبا بكر الأصم فقال ~~له: اخبرني كم جلد القاذف؟ قال: ثمانون جلدة. قال: فكم جلد الزاني؟ قال: ~~مائة جلدة. فقال جلد ms24 الزاني أكثر من جلد القاذف بعشرين؟ قال: نعم. قال: ~~أخبرني عن الجلد هو السوط نفسه؟ قال: لا. قال: فهو يد الجلاد؟ قال: لا. ~~قال: فهو ظهر المجلود؟ قال: لا. قال: فالجلد شيء آخر غير ذلك؟ قال: لا. ~~قال: فإذا لا شيء أكبر من لا شيء بعشرين. هذا كاف في دحض مقالهم وفسخ ~~تعاليلهم إبطالهم على أن الحجج عليهم كثيرة، ولولا أنا قصدنا في هذا الكتاب ~~من يوافق على وجود الأعراض وأنها غير الجواهر لأسبغنا فيه القول، وبالله ~~القوة والحول (1) ... # وإن قال: إن التأليف غير المؤتلف؟ قيل له: فإذا رفع الله تعالى التأليف ~~الحال في المؤتلف أم لا؟ فإن قال: إنه يرتفع بارتفاع التأليف فقد رجع إلى ~~الأول، وإن قال: لا يرتفع بارتفاع. قيل له: فعل للتأليف غاية ونهاية أم لا؟ ~~فإن قالوا: لا، دخلوا في مذهب الزنادقة فكفاهم ذلك انقطاعا، وإن قال: إن ~~للتأليف غاية ونهاية. قلنا: فإذا رفعه الله تعالى من المؤتلف فهل يبقى شيء ~~مؤتلف؟ فإن قال نعم، فقد عجز الله تعالى. وإن قال لا، قيل له: فإذا لم يبق ~~في شيء من الأجزاء تأليف فتلك الأجزاء كل جزء منها على الانفراد في ذاته ~~يمكن أن يتجزأ أم لا؟ فإن قال: يمكن أن يتجزأ، رجع إلى أن لا غاية للتأليف، ~~وأن قال: لا يمكن ذلك، قيل له: فتجزئيه محال أم لا؟ فإن قال: نعم، فهو ~~الحق، بالله التوفيق. PageV01P034 # بيان ذلك: إنا لو اعتبرتا بعين العقل حبة خردل هل هي أجزاء متآلفة أم لا، ~~لاضطررنا إلى القطع بالشهادة أنها أجزاء متآلفة وأن لأجزائها وتآلف أجزائها ~~حدا وغاية ونهاية [25] فإذا تحققنا أن لأجزائها نهاية، استحال في عقولنا أن ~~تكون أجزائها عند الله أكثر مما هي عليه عنده، واستحال أقسام أقل جزء من ~~أجزائها، فأين المحيد من الإقرار باستحالة السؤال عن القدرة على تجزئة ما ~~تجزئته محال مع ما سنبيته من معاني القدرة إن شاء الله، غذ لو أمكن ذلك في ~~أقل جزء منها لكانت هذه هي الزندقة بعينها، إذ يذهبون ms25 إلى أن هذه الدينا ~~وما فيها من الأشياء لا نهاية له ولا آخر على ما سمعت. ولا ملجأ لمن اعتصم ~~بهذا المذهب إن دارت به قواطع الأدلة إلا التعلق بمذهب الفرقة المعروقة ~~باللاأدرية من النافين لحقائق الأشياء، فليس جواب أحدهم على ما سمعت في كل ~~ما يسأل عنه إلا، لا أدرى. فإن قيل لهم أنكم لا تدرون؟ قالوا: لا ندرى. وإن ~~قيل لهم: أفتعلمون أنكم لا كلاب ولا خنازير؟ قالوا: لا ندرى. فلا يحتج ~~هؤلاء في نص مقالتهم بحجة، ولا يعتلون بعلة اكثر مما حكى عنهم. # فإن حبة الخردل مثلا لو علم القادر سبحانه وجل أن أجزاءها لو فرقها على ~~الغاية لكان جميع ما فيها مائة جزء لما أمكن أن يكون فيها أكثر من ذلك فلو ~~دخل الإمكان على أجزائها أن تكون أكثر من مائة جزء لدخل ذلك على تجهيل ~~الباري سبحانه حيث علم أن ليس فيها إلا مائة جزء، وقد يمكن أن يكون أكثر، ~~ودخل التعجيز على القدير من حيث أنه لو قدر على تجزئتها حتى يفرد أقل كل ~~جزء منها عن الأجزاء لما تجزأ شيء منها، إذ كل جزء كان يتجزأ فليس بأقل جزء ~~فيها، فلا بد هاهنا من أحد ثلاثة أحوال: # الأول: إبطال النهاية فيها. # الثاني: القول في إن تجزئتها ذهاب عينها وذلك نفى الأعراض على ما بينا. PageV01P035 # الثالث: الإقرار باستحالة تجزئة جزء لا يتجزأ منها وإلا وجب تعجيز القدير ~~أو تجهيله، هذا شرك بالله العظيم، الله أعلم، وبه التوفيق. # وسيأتي الكشف البالغ في باب بيان القول في المسألة الجوهرية إن شاء الله. # الباب الثاني عشر # باب بيان ارتفاع الضدين من الجوهر من تفسير (1) # كلام أبي المنذر بشير بن محمد بن محبوب # رحمهما الله # فال المتأمل: وأما قوله ((وسقط العدد منه)) يقول: لم يبق في هذا الجزء ~~الذي لا يتجزأ أجزاء بتعدد الأجزاء، واحد لا ثاني له، إذ لو كان متعددا ~~لكان زائدا على الواحد وليس يريد بذلك نفى دخول هذا الجزء في العدد وأنه ~~[26] ليس بمعدود، ms26 فقد وجدت في بعض الآثار أن العدد يقع على الواحد ولا مخرج ~~له منه، بل إنما أدار أبو المنذر بقوله: ((وسقط العدد)) أي سقط منه عند ~~مفارقته كل متآلف إليه مراتب العدد إلا ما اختص بالواحد هكذا يبين لي والله أعلم. # مسألة: وأما قوله: والعرضان المتضادان عنه لأنهما يتنافيان الكون فيه ~~لشغل أحدهما له ولا فضل فيه عنه، فإنه يعنى بالعرضين الاجتماع والافتراق ~~متولدان من تجاور الاثنين وتباعدهما، وما كان مختصا بالاثنين لم يوصف به ~~الواحد، وإنما يقال للواحد مجامع مفارق، ولا يقال له مجتمع مفترق، لأن ~~قولنا مجتمع مفترق فعل لازم لا يتعدى، والفعل اللازم إنما يوصف به الواحد ~~إذا كان يصح منه وحده، وأما إذا كان لا يصح إلا من اثنين، لم يوصف به إلا ~~بمجامعة الآخر معه. # بيان ذلك أنك تقول في الفعل إذا كان يصح من واحد: ((قتل زيد)) (2)، ((سار ~~عمرو)) فالقتل يصح من الواحد وكذلك السير. # وتقول في الفعل الذي لا يصح إلا من اثنين: تقاتل الزيدان، وتساير العمران ~~فقد جعل الباري سبحانه لكل معنى لفظا يعبر به عنه فلا يجوز أن يعبر عن معنى ~~يلفظ يدل على غيره، فلو قلت: تقاتل زيد، أو تساير، لكنت محيلا، تقولك مجتمع ~~متفرق دليل بلفظه، على جماعة أقلهم اثنان. PageV01P036 # وفي هذه النكتة دليل على أن الاثنين جماعة، قولك ((مجامع ومفارق)) لفظ ~~يدل على الواحد، إن كان يقتضي مفعولا لأنه فعل متعد فلا يقتضي فاعلين البتة ~~ن ومفترق يقتضي فاعلين والله أعلم. فقد صح ارتفاع الضدين وهما الاجتماع ~~والافتراق والانقسام والتأليف من الجزء الواحد الذي لا يتجزأ وبالله ~~التوفيق. # الباب الثالث عشر # باب بيان اختلاف الناس في الجزء الذي لا يتجزأ # اختلف الناس في الجزء الذي لا يتجزأ. فقال النظام (1) وهشام: إن الجزء ~~يتجزأ أبدا ولا آخر له في التجزئة. ولكن له آخر من جهة المساحة، فاستدلوا ~~على ذلك بأنه لو كان فول من قال: إن الجزء لا يتجزأ صحيحا كان في نفسه لا ~~طول له، فإذا حدث جزء ms27 ثان حدث لهما الطول، ولن يعدو أن يكون الواحد دون ~~الآخر ولكل واحد. # قال المتأمل: لعله أراد ولكل واحد بسطة من الطول. فإن كان لواحد فهو ~~ينقسم في ((حال واحدة)) وهذا محال، وإن كان طول لهما فكل واحد في نفسه له ~~طول وما كان له طول فهو ينقسم استحال ذلك تبينا أن الجزء محال لا يتجزأ. # ومن دلائله: انه وجد الله تعالى واحد في المعنى والذات وكان [27] في نفسه ~~ليس بمقسم ولا متجزئ، ولا طول له ولا عرض، كان نحالا أن يكون شيء من حلقه بصفته. # قال المتأمل: أما احتاجهم بطول الجزأين انه يدل على أنهما يقولان بأن ~~الجزء الواحد في نفسه طولا، لأنه جعل عله وجوب التجزئة وجود الطول، وإنما ~~راد التثنية على طول الواحد لتصح التجزئة فيه، إذ لو كان عنده أن لا طول ~~للواحد لما جعله علة لتجزئته وهو يقول أنه يتجزأ أبدا، وقد قدمنا من الأدلة ~~على صحة الجزء الذي لا يتجزأ ما يكفي عن إعادته. # ولا بد ترسم هاهنا بعض ما لم نذكر هناك ونقتصر على ثلاث مسائل: PageV01P037 # مسألة: أما قوله: فإن كان الطول الواحد وهو ينقسم لا أنه ينقسم، فالذي ~~عندنا أن الجزء الواحد لا طوله فينبغي لنا نحن أن نبطله من حيث أوجبه هو، ~~وهو في الاثنين، فنقول: اخبرنا عن طول الاثنين هو هما أو غيرهما. فإن قال: ~~هو هما، فقد نفى العرض ودخل في مذهب هشام وأبي بكر الأصم، وقد بينا الرد ~~عليهما. وأن قال: هو غيرها. قلنا: فإذا رفعه الله منهما يرتفعان أم لا؟ فإن ~~قال: إنهما يرتفعان. فقد رجع إلى قوله في نفى الأعراض، إن قال: لا يرتفعان، ~~فلنا: لا يرفع طولهما إلا بافتراقهما، فإذا رفعه الله عنهما بافتراقهما ليس ~~كل واحد منها في نفسه لا طول له فلا يد من نعم، فيجب هنالك أن يكون كل جزء ~~في نفسه لا يتجزأ لعدم شرط التجزئة وهو الطول. # مسألة: وأما قوله: فإن كان الطول لهما فكل واحد في نفسه له طول، ms28 وما كان ~~له طول فهو ينقسم، فيجب أن تعتبر العلة الموجبة للطول ثم تنظر هل هي في ~~الواحد، ولا معنى للطول إلا بسط خط ما، وقد فلنا إن الخط لا يكون إلا ~~للجزأين إذا اتصلا فما كان للاثنين بشرط الاتصال لم يجز أن يكون لأحدهما ~~فيه ما لهما جميعا وأن كان في كل واحد منهما معنى بعض الطول فليس بطول إلا ~~بمجامعة مثله فليس بطول، وقدمنا في مثل هذا وهو الاجتماع والافتراق ما يدل ~~على هذا إن شاء الله. # مسألة: وأما احتجاجهم بأن في نفى التجزؤ تشبيها بين الجزء الثاني، فلو ~~وجب ذلك جاز أن يوصف المخلوق بأنه عالم بشيء ما على الحقيقة فيكون مشبها ~~بعلام الغيوب في علمه بذلك، بل الشيء الذي فرق يسن هذين المعنيين قد فرق ~~بين ذانك المعنيين، فالله تعالى عالم بنفسه لا يجوز عليه الجهل، المخلوق ~~عالم بعلم غيره وقد يجوز عليه الجهل، كذلك الله [28] تعالى واحد لا يتجزأ، ~~غير محدود ولا في مكان، ولا بتغير ولا تحله الحوداث. # والجوهر واحد لا يتجزأ، محدود، محيز، تجرى عليه الحوداث، فمن هاهنا ~~افترقت الصفتان لا فتراق المعنيين، والله أعلم. PageV01P038 # القول الثاني: وقال أبو الهذيل ومن بقوله: الجزء الذي لا يتجزأ صحيح وأنه ~~يلقى مثله من الأرض وأن فيه عرض افتراق إذا كان وحده. # الدليل على ذلك: انه لما نظر إلى الجسم متحركا ساكنا متغيرا عليه، علم أن ~~تغيرهما لمعنى غيرهما ولون طبيعة دورتها ثم طولتها فاختلفت في النظر، كان ~~اختلافها لعلة الطول، فإذا ثبت الطول ثم يطل آخر لا يتجزأ فمن أجل ذلك ~~أنكرت الجزء وله طول. # قال المتأمل: وهذا يوافق ما ذكرناه عن أبي المنذر، والله أعلم. # القول الثالث: قال معمر: إن الجزء الذي لا يتجزأ هو الحق، وإنه في العالم ~~مدبر وليس في العالم بمجزئ. # ودليل على ذلك: لما استحال أن يكون الفعل من فاعلين ثم وجد الحركة كان ~~لكل جزء في نفسه حركة لاستحالة الفعل من فاعلين، ومحال أن يكون في مكان ~~شاغلا له، ms29 لآن التشاغل جسم ومحال أن يكون جسما. # قال المتأمل: أما إثباته الجزء الذي لا يتجزأ فقد وافق فيه، وأما بقية ~~كون الجسم لا في مكان فهو خلاف ما نقوله، والجزء فلا ينفك مع وجوده من ~~المكان. # الدليل على ذلك: أن الجزء لا يخلو أن يكون متحركا أو ساكنا، فإن كان ~~ساكنا فلا ساكن إلا في مكان، إذ لا معنى للسكون إلا اللبث في مكان على ما ~~بينا. وأن كان متحركا فلا معنى للحركة إلا النقلة من مكان إلى مكان فلم يخل ~~في هاتين الحالين من لزوم المكان، والله أعلم. # القول الرابع: وقال ضرار (2): الجزء لا يتجزأ وهو نفسه له ست جهات. # قال المتأمل: وهذا قولنا غن شاء الله، وفال بشير بن المعتمر (3): إنا نقف ~~ولا ندرى يتجزأ أم لا لفساد المعنيين جميعا، عالم ذلك عند الله عز وجل. # الباب الرابع عشر # باب بيان الدليل على حدث الجزء وهو الجوهر # من تفسير كلام أبي المنذر بشير بن محمد بن محبوب رحمهما الله PageV01P039 ~~قال المتأمل: أما قوله فدلالة حدث الجزء واحتماله أن يزاد إليه مثله إلى أن ~~يتجسم، يقول، إن الدليل على هذا الجزء الذي لا يتجزأ محدث مخلوق، وهو أنه ~~محتمل لأن يزاد إليه مثله؛ فإن في احتماله لذلك دلالة على عجزه عن منع نفسه ~~من أن يضاف إليه ما يغيره عن حاله، لأن في إضافة مثله إليه حدوث عرض [29] ~~حادث يحله وهو الاجتماع، وكل ما كان محلا للحوادث كان متغيرا بها وما كان ~~متغيرا فعاجز، والعاجز محتاج إلى محدث يحدثه، ولا محدث إلا الله الخالق ~~البارئ المصور سبحانه وتعالى عما يصفون. # ولا بد من رسم جملة يتضح بها البرهان القطعي على حدث العالم ومبتدعه ~~ومقدرة لا من شيء ومخترعه، ونقتصر في ذلك على دليلين: أحدهما يدل على أن ~~العالم محدث، والآخر يدل على أن المحدث هو الله. # مسألة: فأما الدليل على أن العالم محدث هو نشاهده من التغيير والانتقال ~~وتقلب الأشياء من حال إلى حال، فإن من نظر إلى الأرضين ms30 والسموات وما فيهما ~~من الأشجار والنبات والأفلاك الدائرات، والنجوم السائرات، والبحار الزاخرات ~~وما في كل شيء منها من العجائب والعبر والتصاريف والغير، علم أنها لو كانت ~~قديمة لما تغيرت ولا تقلبت أحوالها ولا تفكرت؛ فغن القديم لا يزول ولا ~~يتغير ولا يحول بل المتغير مبدوع والمتقلب مصنوع. # مسألة: قال الشيخ أبو الحسن (1) رحمه الله: الدليل على حدث الخلق انا ~~وحدنا العالم أجساما وجواهر وأعرضا لا تنفك من الاجتماع والافتراق محدثان ~~كانا بعد أن لم يكونا. فما لم ينفك من الحوادث محدث ولا يتوهم الجسم خاليا ~~منها. وقد صح وثبت أن الاجتماع والافتراق معنيان بهما اجتمع المجتمع ~~وافتراق المفترق، وهما مجتمعان لجامع جمعهما، ومفرق فرقهما فدلك بذلك على ~~حدثهما، وقد قال الله تعالى: (إنا كل شيء خلقناه بقدر) (2) مع أن المحدث ما ~~لم يكن يكون، وبالله التوفيق. PageV01P040 # مسألة: وأما الدليل على أن العالم محدثه غيره، هو أنا إذا علمنا بالضرورة ~~أنه محدث فلا يجوز أن يكون أحدث نفسه، أو إحداثه غيره، فأما حدثه نفسه ~~فباطل محال من قبل أنه لا يجلو أن يكون أحدث نفسه في حال وجوده أو حال ~~عدمه. فإن يكن أحدث نفسه في حال وجوده فالموجود مستغنى عن الإيجاد ويرجع ~~الكلام في موحد الإيجاد، وإن يكن أحدثه في حال عدمه فهو محال غذ المعدوم ~~ليس بشيء (3) ينتفع به. قال الله تعالى: (أو لا يذكر الإنسان أنا خلقناه من ~~قبل ولم يك شيئا) (4)، أي شيئا ينتفع به لا على النفي للشيء، فما ليس بشيء ~~ينتفع به كيف يوجد نفسه! ثم إن عجزه عن دفع الآفات التي تحله أوضح دليل على ~~عجزه عن [30] الإيجاد نفسه في حال عدمه، فإن من كان عاجزا في حال وجوده فهو ~~في حال عدمه أعجز، فلم يبق إلا أن له محدثا أحدثه وقدره، وبارئا سواه وصوره ~~وهو الله القديم الواحد الحكيم الغنى الكريم السميع العليم الغفور الرحيم. # وليل ثان: وهو أن نطفة لو وضعت بين يدي الخلائق لما قدروا أن يخلقوا منها ~~ذبابا، ثم وجدناها ms31 وقد خلق منها بشر سوى ذو سمع وبصر وعقل ونظر وخصام وبيان ~~وكلام ولسان فعلمنا أن له أنشأه وبارئا قدره وسواه وهو الله رب العالمين. PageV01P041 # ودليل ثالث: وهو أنا وجدنا المحدث في الشاهد لا يكون إلا من محدث، ~~كالبناء لا يكون إلا من بان والصورة لا يكون إلا من مصور، والكتابة لا يكون ~~إلا من كاتب، ولم نجد شيئا من هذه الأشياء توجد نفسها ولا يوجد إلا كذلك ~~علمنا أن لنا محدثا أحدثنا وهو الله الذي (ليس كمثله شيء هو السميع البصير) ~~(5) فإن تجاسر متجاسر فزعم أنه قد يجوز وجود مجتمع لا جامع له وبناء لا ~~باني له، وكتاب لا كاتب له لزمه أن يجيز وجود سفينة اجتمعت أجزاؤها حتى ~~اعتدلت وتماسكت وداخل بعضها بعضا، وقربت من الساحل بغير من يريد العبور، ~~كلما عبرت بواحد راجعت لتعبر بآخر من غير أن يجتمعا جامع ويخدمها صانع أو ~~يقربها من الساحل مقرب، فصح ما قلناه، وبالله التوفيق. # مسألة: فهذان الدليلان على كل شيء من الجواهر والأعراض والأجسام، فإن ~~حدوث الأعراض مشاهد وهو الدليل على حدث الجواهر، والجواهر اصل الجسام فيما ~~اصله محدث، فهو محدث ن كيف والدليل الذي دل على حدث الجوهر دال على حدث ~~الجسم، وبالله التوفيق. # الباب الخامس عشر # باب بيان صفة الجسم ومعانيه وحده واختلاف الناس فيه # من كلام أبي المنذر بشير بن محمد بن محبوب # رحمهما الله PageV01P042 قال المتأمل: وأما قواه: إلى يتجسم أي إلى أن ~~يصير جسما، والجسم عبارة عن جواهر مجتمعة اجتماعا يوجد قيه الطول والعرض ~~والعمق خلافا للأشعرى فإنه زعم أن حده المؤتلف، وهذا حد الجسم أنه الطويل ~~العريض العميق، إذ لا تعقل العرب الجسم إلا ما كان على هذه الصفة، لأنهم ~~يقولون: هذا الجسم أجسم من هذا، أي اكبر ذهابا في الجهات من هذا، ولا يكون ~~أكبر ذهابا في الجهات إلا بزيادة الخاصية [31] اللازمة لهما الجهة ن ولا ~~ذات يقتضيها قولهم أجسم إلا الجوهر، وأجسم هي من باب أفعل؛ وأفعل إنما وضعت ~~لتفضيل شيء ms32 على شيء، ولا فصل في الجسمية إلا بزيادة الجواهر الشاغلة ~~للجهات، فزيادة الجواهر في الجسم زيادة بجسمه إذ لم يكن الجسم جسما إلا ~~بتآلفه من الجواهر تآلفا يوجد فيه الطول والعرض والعمق. وقد فدمنا في باب ~~بيات حدوث العالم، أن العالم عبارة عن كل محدث ولا محدث إلا شيئان لا ثالث ~~لهما، وهما الجوهر والعرض. # مسألة: وأما قوله بحدوث الأقدار الثلاثة له، فالذي عندي أنه إنما أراد ~~بالأقدار الثلاثة الطول والعرض والعمق، والله أعلم. # مسألة: فأما الطول فلا يكون في خط ما، والخط لا يكون باجتماع جوهرين، إذ ~~الجوهر الواحد معلوم أنه الجزء الذي لا يتجزأ، فصح أن لا طول في الجوهر ~~الواحد لأنه لو وجد فيه لصحت التجزئة، فلما وقع الصحيح أنه لا يتجزأ، صح أن ~~الخاصية ليست موجودة (1)،ثم وقد بينا ذلك ودللنا عليه فيما مضى. # مسالة: وأما العرض فلا يكون إلا في خطين محاذيين على التلاصق ثم لا يكون ~~عرض إلا مع طول، كما لا عقل إلا مع حياة، فعرض بلا طول محال، كما لا عقل ~~بلا محال، إذ القدر الذي به تم العرض مع القدر الذي هو الطول لو انفرد عن ~~الطول لكان راجعا إلى الطول لا العرض، والخطان إذا اجتمعا على التحاذي صار ~~بسيطا. ولا يكون طول وغرض إلا في بسيط على معنى ما وجدت في الآثار، والله أعلم. PageV01P043 # مسالة: وأما العمق فلا يكون إلا في سطحين متلاصقين أحدهما على الارض، ولا ~~يجتمع الطول والعرض والعمق إلا باتصال سطح مع سطح، وهذه صفة الجسم على ~~موضوع أهل اللغة، ولا يصح عمق إلا مع طول وعرض، كما لا يصح علم إلا مع عقل ~~وحياة، فالحياة شرط العقل. والعقل شرط العلم، فعالم ليس بعاقل محال، وعاقل ~~ليس بحي محال، وكذلك عمق بلا طول وعرض محال، وعرض بلا طول محال. # مسالة: واعلم أنا متى شاهدنا طويلا عريضا ليس بعميق علمنا أنه ليس بجسم، ~~ومتى شاهدنا طويلا عريضا عميقا علمنا أنه جسم، فهذا حقيقة الجسم ومعنى ~~الأقدار الثلاثة التي ms33 يتجسم الجسم، والله أعلم. # ولو أخذت في مساعدة ما [32] تدعوني الهمة إليه من إسباغ القول في الأدلة ~~القياسية ودقائق الفكر الهندسية وغرامض العلل الفلسفية لظهر للسامعين ما ~~يهيمون فيه ويتحيرون دون التوصل إلى حقائق معانيه. وفي الذي ذكرناه غنى عن ~~التطويل وكفاية لمن من الله عليه بالهداية إلى أقوم سبيل، وبالله التوفيق. # الباب السادس عشر # باب بيان اختلاف الناس في الجسم وأجزائه # اختلف الناس في أقل ما يتركب منه الجسم من الأجزاء فقال قوم: من جوهرين ~~فصاعدا. # قال المتأمل: ولعل هذا قول الأشعري لأن حد الجسم عنده المؤتلف. وقال قوم: ~~من سنة أجزاء، وذلك باطل؛ لأن الجسم هو الطويل العريض العميق، والمركب من ~~سنة أجزاء لا يختص جميعه بالطول والعرض والعمق. # فال المتأمل: والذي يبين لي أن الصحيح ما ذكرته وأنه لا يتركب إلا من ~~ثمانية أجزاء، والله أعلم. # مسألة: ومن كتاب ((المقالات)) عن البلخى، اختلف الناس في الجسم كيف وهم ~~أربعة أصناف؟ # القول الأول: فقال أبو الهذيل، ثلاث وهى ستة أجزاء إذا اجتمعت فبلت ~~الأعراض فصارت جسما من قبل أن الجسم لن ينفك من الطول والعمق، والجهات، ~~يمنة ويسرة، وأعلى وأسفل، وقدام وخلف ولن تكون تلك إلا ستة أجزاء. PageV01P044 # قال المتأمل: وهذا قول قد يسوغ في النفس من حيث انضمام جوهر إلى جوهر ~~يحدث به الطول فقط. ثم إن انضم إليهما جوهر ثالث في أحد جهاتهما المحيطة ~~بمها سوى جهتي الطول فلن يخلو من زيادة عرض حادث فيه آخر غير الطول إما عرض ~~وإما عمق، ولا عمق إلا بعد طول وعرض على ما بينا بالباب المنقضي لحصوله في ~~جهتي الطول، فإن للطول جهتين وهما خلف وأمام، وللعرض جهتين وهما يمين ~~وشمال، للعمق جهتين أعلى وأسفل. فلما استحال حصول عمق فيل رتبة العرض ولم ~~تحصل في جهتي الطول فتكون زيادة في الطول في الطول، لم يبق إلا العرض، فإذا ~~صح كون سطح من ثلاثة جواهر صح وجود جسم من سنة جواهر، غير أن [33] هذا ~~القول إن استقام لهذا العلة وهى ms34 وجوب حصول عرض حادث غذ محال أن عمقا لتقدم ~~رتبة العرض على العمق أو يكون طولا لحصول في غير جهتي الطول لزم أن يكون ~~بانضمام جوهر رابع إلى الثلاثة من جهة أعلى أسفل يتجسم، إذ ليس هو في أحد ~~جهتي الطول فتكون زيادة في الطول، ولا في إحدى جهتي العرض فتكون زيادة في ~~العرض، ولم يبق بد من حدوث عرض مستفاد بانضمامه إلى الثلاثة ولم يبق إلا ~~العمق. فمتى صح بذلك العمق حصل الجسم من أربعة والله أعلم. # القول الثاني: وقال معمر (1) الجسم ثمانية أجزاء إذا اجتمعت فبلت ~~الأعراض، لأن الجسم لن ينفك من أن يكون طويلا عريضا عميقا، بد من يمنة ~~ويسرة وأعلى وأسفل، فإذا كانت أربعة أجزاء لم يكن لها عمق حتى تطبق على ~~أربعة أجزاء فيصير طويلا عريضا عميقا وأنه لا يتجزأ. # قال المتأمل: وهذا على ما بيناه في الباب السالف. # القول الثالث: وقال النظام (2) وهشام ومن نفى الجزء، أجسم طويل عريض عميق ~~وأنه لا يتجزأ. # قال المتأمل: قول أصحاب هذين القولين أنه لا يتجزأ، أحسبهم إنما أرادوا ~~نفى تجزئة الجسمية لا الجواهر على ما كنا بينا من أن الإنسان لا يتجزأ من ~~جهة الإنسانية، بل من جهة الجوهرية، والله أعلم. PageV01P045 # القول الرابع: وقالت المرجئة: الجزء الجسم ولا يتجزأ، وأن اللون والطعم ~~والرائحة والطول والعرض والحرارة واللين والخشونة إبغاضه، وهى أعراض. فإذا ~~جمعها الله صارت جسما، كل جسم فهذا حمكه. # قال المتأمل: قد بينا في متقدم كتابنا هذا من حقيقة الجزء ومعناه وصفة ~~الجسم ومنتها، وكل واحد منهما في بابه مالا يحتاج إلى دكره والرد على ما ~~بينا في هذا. # مسألة: وقع رفع لنا الثقة انه سأل المنازع عن ثوب هو لا بسه الله أعلم ~~كتان أم قطن؟ فقال له: أخبرني عن هذا الثوب جسم هو أم لا؟ قال: فقال، هو ~~جوهر لا يبين لي أنه جسم، أو قال: ليس بجسم طويل بل عريض عميق وهذا طويل ~~عريض لا عمق له فيه، فمن لا يعرف العمق فكيف ms35 يجوز له أن ينفيه؟ فليت شعري ~~ما توهم العمق حتى نفاه، ولعله وظن أن العمق فكيف هو الذي تتوهمه العامة ~~طول تجويف ما أو ارتفاع إلى ما أكثر. # مسألة: وفي كتاب: النهار [34] والليل، والماء والنار، والرياح كلها أجسام ~~ميتة قيل: تحركها القدرة، والريح من ابن آدم عرض، والرماد جسم، والسحاب ~~والنجوم والشمس والقمر والسماء والأرض والجبال أجسام وهى مسخرة، والنجاسات ~~أجسام، والهوى جسم. # قيل لأبي الحسن: فما هو؟ قال: لا أدرى. العلم علمان والعقل عقلان وكلاهما ~~عرض والظل وظلام الليل وضوء النهار، والحركات في الإنسان، والشجر والمرض ~~والعقل والقوة والضعف والنوم والخدمة والأعمال كل هذا أعراض، وكل ما كان من ~~أحداث الدهر فهو عرض مثل الموت والأمراض وما يشبه ذلك. وأجمعوا أن الشهوة ~~مخلوق فهي عرض، والله أعلم. # انقضى. ففي هذا ما يدل على خلاف قول من زعم بأن الثوب ليس بجسم أو أن ~~الجسم لا يكون إلا الذي روح، وقد رفع لي ذلك عن بعضهم. فقف على ذلك. وبالله ~~التوفيق. # الباب السابع عشر # باب بيان العلم والعالم وعدد أجزائه والقدرة على قسمه # من تفسير كلام أبي المنذر بشير بن محمد بن محبوب رحمهما الله PageV01P046 ~~قال المتأمل: وأما قول الشيخ أبي المنذر بشير بن محمد بن محبوب رحمه الله: ~~والله أعلم بعدد أجزاء الخلق كلها وقادر على تفريق ما جمع منها حتى لا يبقى ~~اجتماع فيها، وكذلك جمع متفرقها. وفي ذلك إثبات الجزء الذي لا يتجزأ منها ~~وصحة النهاية فيها، فتأملوه، فإن فيه معنيين مبينين وفصلين مبرهنين هما أو ~~ضح دليل اعتدناه وأشد سبيل قصدناه. # مسألة: فأما قوله: الله عالم بعدد أجزاء الخلق كلها فقد به على معنيين: ~~أحدهما أن للخلق أجزاء وهى جواهر التي خلقها الله تعالى، لا من شيء بل ~~ابتدأها مبتدعا، كون مخترعا فجعلها أصل الخطوط والسطوح والأجسام مع ما قام ~~بها من الحوادث التي قلنا إنها الأعراض اللازمة على التعاقب لها من ~~الاجتماع والافتراق والحركات والسكون وما أشبه ذلك مما اختلفت به تراكيبها، ~~وتصنفت به أجناسها ms36 وتراتيبها والثاني أن هذه الأجزاء التي هي أصل كل محدث ~~متحيز متناهية محدودة محصاه معدودة، لها غاية في العد، و نهاية في الأمد ن ~~فهي في حال افتراقها مفترقة محدودة، وفي حال اجتماعها مجتمعة معدودة. حال ~~[35] أن يكون أجزاء كل مجتمع منها أكثر مما هي، وقد بينا ذلك فيما مضى من ~~بيان الجزء الذي لا يتجزأ، والله أعلم بغاية أمدها، محص لعدها في حال ~~اجتماعها وافتراقها، لا سبيل لإمكان الزيادة في كميتها، ولا احتمال لذلك في ~~كيفيتها. إذ لو صح إيقاع القدرة على قسم جزء منها لاقتضى ذلك إمكان تجزئه ~~كل جزء منها، وإمكان التجزؤ فيه منها قادح في علم عددها؛ فإن القدرة على ~~قسم كل جزء منها لا إلى نهاية موجب لاستحالة التحديد منها وبالعلم بحدها، ~~وهذا راجع إلى بطلان الحقائق وتجهيل للعليم بالخلائق، هذا خروج من التوحيد ~~وإلحاد في صفة المجيد (قل الله أذن لكم أم على الله تفترون. وما ظن الذين ~~يفترون على الله الكذب يوم القيامة إن الله لذو فصل على الناس ولكن أكثرهم ~~لا يشكرون) (1). PageV01P047 # مسألة: وأما قوله: قادر على تفريق ما جمع منها، فقد دل به على أن القدرة ~~على التفريق إنما يوقع على المجتمع، وكذلك القدرة على الجمع إنما يوقع على ~~المفترق. # وإنما يعرف هذا الفصل ويفهم بمعرفة التفرق بين الاجتماع والمجتمع وإتقان ~~الغيرية بينها، كما بينا ذلك في متقدم كلا منا، فقد قلنا إن من عرف أن ~~الاجتماع غير المجتمع والافتراق غير المفترق، الانقسام غير المنقسم، ~~التجزئة غير المتجزئة، وما أشبه ذلك من الجواهر والأعراض، علم أن الجوهر لا ~~يرتفع بارتفاع العرض لا القدرة على تفريق المجتمع يمكن من رفع الاجتماع لا ~~المجتمع، فالاجتماع هو العرض الحال في المجتمع الذي به كان المجتمع مجتمعا، ~~وليس إذا رفع الله الاجتماع كله من المجتمع وتذهب عينه، بل تفترق مع ~~وجودها، وكذلك انقسام الشيء وتجزئته قريب من معنى ذلك وإن اختلف اللفظ. # ألا تري أبا المنذر يقول: وقادر على تفريق ما جمع منها حتى لا ms37 يبقى ~~اجتماع فيها ولم يقل حتى لا يبقى مجتمع منها. فبين ذلك فرق بعيد وبون شديد. ~~وقوله: ((حتى لا يبقى اجتماع فيها)) دليل على الغاية الداخلة عليها. PageV01P048 # فإن قال قائل: هذا كفر بالله أن جعلتم للقدرة غاية وأنتم تنكرون القول ~~بتخصيص القدرة وتعتقدون (2) أن عمومها بالمقدروات كلها. قلنا: لسنا نريد ~~بهذه الغية في صفة القدرة [36] وإنما نريد بها غاية في نهابة المقدور، ~~وإنما كان يجب التخصيص أن لو قلنا إن الله قادر على تفريق بعض المجتمعات أو ~~على قسم بعض المؤتلفات. فأما إذا قلتا إن الله قادر على تفريق كل مجتمع حتى ~~لا يبقى اجتماع فيه وعلى قسم كل متآلف وتجزئته حتى لا يبق فيه تأليف فأين ~~وجه التخصيص في القدرة؟ فمن اتسع عقله الجواز الوصف للبارئ جلت عظمته ~~بالقدرة على قسم الجوهر مع علمه أن الجوهر في الحقيقة عند الله الجزء الذي ~~لا يتجزأ، وأن القسم والتجزؤ إنما هو رفع تأليف ما، ولا تأليف في الجوهر، ~~لزمه أن يصف الجوهر بالتجزؤ، والأعمى بالصبر، والميت بالحياة، المتحرك ~~بالسكون، فإن متى سئل هل يقدر أن يعمى الأعمى الذي لا بصر له، أو بميت من ~~ليس بحي، أو تحرك غير ساكن، لزمه على أصله أن يقول نم يقدر على ذلك. # فإن قوله: يجزئ الجوهر وهولا يتجزأ، ويعمى الأعمى وهو لا يبصر، ويذهب ~~حركة الساكن وهو ليس بمتحرك، سواء لا فرق بين ذلك ولا معنى مختلف هنالك، ~~غير أنا نسلك طريف الكشف البالغ في الفصل الثالث، ونقتصر فيه على ثلاثة أسباب: # الأول: في بيان القدرة والمقدور. # الثاني: في المسائل المشهورة عن أصحابنا في هذا المعنى. # الثالث: في وجه الاستحالة في المسألة الجوهرية واجتماع الأضداد، والله ~~ولى التوفيق والإرشاد والهداية والسداد. # الباب الثامن عشر # باب بيان القدرة وتأثيرها في المقدورات # اعلم أن أسماء الله وصفاته على ضربين: ضب مآثر، وضرب مقصور. PageV01P049 # فالمقصور: هو الموصوف بها ذات البارئ سبحانه وجل لا يقتصر غيرا موجودة ~~ولا معدوما ممكنا، كقولنا في صفه الله تعالى بأنه واحد، وأنه ms38 حي، وأنه ~~قديم، وأنه باق أزلي، وأنه عزيز، وأنه دائم وما أشبه ذلك، فليس في قولنا: ~~أنه حي معنى يقتضي مفعولا ن وكذلك قولنا واحد قديم باق دائم، ليس في ذلك ~~معنى غير الموصوف. # مسألة: وأما المآثر فكقولنا حين نصفه بأنه عالم وأنه راحم، وأنه مريد ~~وأنه خالق، فهذه الأسماء تقتضي فاعلا ومفعولا، وتتعدى إلى غير الموصوف من ~~موجودة أو معدوم ممكن وما أشبه ذلك. فيجب أن يعتبر قولنا غن الله قادر من ~~الصفات المقصورة على الذات، أو من الصفات المتضمنة مفعولا [37] يمكن كونه ~~بهذه الصفة، ولا سبيل مع ضرورة العقل إلى جحد تأثير هذه الصفة وتضمنها ~~مفعولا واقتضائها مقدورا سيكون، فكما أن العالم إنما يعلم معلوما لا بد ~~منه، والخالق إنما يخلق مخلوقا لا بد منه، الراحم إنما يرحم مرحوما لا بد ~~منه، والمريد إنما يريد مرادا لا بد منه، ومحال أن يعلم العالم غير معلوم، ~~يريد المريد غير مراد، وكذلك يستحيل أن يقدر القادر على غير مقدور، فصح أن ~~القادر يقتضي قدرة على شيء لا على لاشيء، والله أعلم، وبه التوفيق للصواب. # مسألة: فأما الشيء المقدور فإنه على ضربين لا يعدوهما إلى ثالث البتة: ~~وهما الجوهر العرض، ولا نعلم شيئا مقدورا قط غير هذين الشيئين. فأما الجسم ~~فقد قلنا إنه في الحقيقة عبارة عن جواهر مجتمعة اجتماعا يوجب الطول والعرض ~~والعمق، فلم يخل الجسم من جوهر وعرض، فكل مقدور إما جوهر وإما عرض، وكل ~~جوهر أو عرض فهو شيء مقدور. # فإذا صح أن الشيء المقدور على ضربين: جوهر وعرض، كان القول في تأثير ~~القدرة في المقدور فلا يعدو معنيين: إيجاد معدوم، أو إعدام موجود، لا نعلم ~~ثالثا تؤثره في جوهر أو عرض غير هذين المعنيين. PageV01P050 # فإذا أوقعت القدرة على الجوهر فلا يخلو حين إيجادك القدرة عليه أن يكون ~~موجودا أو معدوما، فإن كان معدوما اقتضت القدرة إيجاده لا غير ذلك. وأن كان ~~موجودا لم تقتض القدرة إلا إعدامه، وكذلك إذا أوقعت على العرض لم يخل أن ~~يكون موجودا ms39 أو معدوما، فإن كان موجودا اقتضت إعدامه، وأن كان معدوما لم ~~تقتض إلا إيجاده. وأن أوقعت على ما تشتمل على الجوهر والعرض في حال وجودهما ~~لم تقتض إلا إعدامه بكليته أو إعدام بعض أجزائه التي هي جواهر جسمية الذي ~~تركب منها، أو إعدام بعض الأعراض القائمة به، وفي ذلك إيجاد أضدادها. وهذا ~~ظاهر العيان قائم البرهان لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد. # بيان ذلك: إنا إذا قلنا أن الله قادر على عبده فلان، فليس نريد إلا أن ~~تذهب عينه فيعدمه بكليته أو يميته إن كان حيا، وقي ذلك إعدام عرض موجود وهو ~~الحياة، وإيجاد عرض معدوم وهو الموت، أو يمرضه، ففي ذلك إعدام عرض موجود ~~وهو الصحة، أو يجاد عرض معدوم وهو المرض، كذلك [38] تفريق جسمه وتقصيره ~~وتطويله وتحريكه وتسكينه وغير ذلك من جميع الأعراض القائمة به التي بها ~~تميز بالإنسانية من جميع الحيوانية. وهذا إذا أوقعت القدرة على جملة يجمع ~~أشياء شيء فأبهمتها ولم تخص بها شيئا معلوما من تلك الجملة. وباله التوفيق. # مسألة: وأما إذا عينت المراد بعينه فأوقعت القدرة عليه كان النظر في ~~المعين هل هو واجب أو ممكن أو محال؟ فإنه لا يعدو كل منطوق به أن يكون ~~متطوعا بكون لما قامت الدلالة عليه بأنه كائن من العقل أو السمع من الكتاب ~~أو السنة أو الإجماع، كيوم البعث والحساب والثواب والعقاب وما أشبه ذلك، ~~فقد سمى المتكلمون ما كان بهذه الصفة واجبا، أي مقطوعا بكون لا يدخل ~~الإمكان على غير كونه، أو يكون مقطوعا بأنه لا يكون البتة، وهو تضربان: # أحدهما: محال من طريق العقل كاجتماع الأضداد. PageV01P051 # الثاني: محال كونه من طريق السمع من الكتاب أو السنة أو الإجماع كخروج ~~أهل الجنة أو النار منها، وكبعث نبي بهد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وما ~~أشبه ذلك، فهذان الضربان قد سما هما المتكلمون محالا أي كونه محال. # الثالث: أن يكون مجهولا فقد خفي علينا أنه يمون أو لا يكون إذا لم تقض ~~الدلالة ms40 من الكتاب ولا السنة ولا من الإجماع بأنه يكون أو لا يكون، مع ~~إمكان كونه من طريق العقل، فهذا ضرب يسميه المتكلمون ممكنا، وهو أنه يجوز ~~أ، يكون، ويجوز أن يكون، و يجوز أن لا يكون. # فأنا الواجب فإضافة القدرة إليه واجبة والعالم بكونه واجبا عند قيام ~~الحجة. وأما الممكن فإضافة القدرة إليه واجب. # وأما كونه فشروط الإرادة وهو إن أراده البارئ فهو كائن، وأن لم يرده لم يكن. # وأما المحال الذي علم استحالته من طريق السمع فالقدرة إليه متطوعا ~~وإيقاعها عليه واجب. # وأما كونه فتابع للإرادة، والله أعلم. # وأما المحال الذي علم استحالته قبل العقل فإيقاع القدرة عليه محال في ~~العقل، فإن معنى المحال ما أحيل عن وضعه في الحكمة، ولا يكون في العقل بحال ~~ولا يمكن فليس بشيء، وما ليس بشيء فلا يصح إيقاع القدرة على إعدامه وهو ~~معدوم، ولولا أن ذلك كذلك لمل كان للحقائق فضيلة. وسيأني بيان ذلك فيما بعد ~~غن شاء الله. # الباب التاسع عشر # باب مسائل المحال المأثورة الموجودة # في آثار المسلمين المشمين المشهورة # فمن ذلك [39] ما وجدته مضافا إلى مختصر الشيخ أبي الحسن رحمه الله، وأرجو ~~أنه عنه ولا تنازع في صحته، وهو قوله: وذكرت أن نباحيتكم رجلا يلقى عليكم ~~مسائل وعلى الضعفاء، وخفتم أن يضيق عليكم جهلها ويلزمكم علمها فكان من ~~مسائل أن قال: هل يقدر الله تعالى أن يخلق مثله؟ وما يكون الاعتقاد والجواب ~~لقائله؟ # فأما الاعتقاد فإنه يعتقد إذا سمع ذلك أن الله تعالى لا مثل له، وأنه ~~(ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) (1). PageV01P052 # وأما الجواب له أن يقال له: إن الله تبارك وتعالى ليس له مثل، وهذا سؤال ~~محال فاسد. ولا يجوز أن يقال: هل يقدر الله أن يخلق مثله؟ فأحال في مسألته ~~إذ شبه الخالق بالمخلوق والله تعالى لم يزل ثم أحدث الأشياء وهو القديم فبل ~~كل شيء وهو الخالق لكل مخلوق، ولا يجوز أن يقال ذلك لأنه كأنه قال يقدر ~~يخلق من لم يزل، وهذا محال لآن ms41 الله لم يزل والذي يكون مخلوقا محدثا، ولا ~~يشبه المحدث بمن لم يزل ولا المخلوق بالخالق، فالسؤال فاسد لا يجوز لقائله؛ ~~لأن الأشياء محدثة ولا يشبه المحدث بالقديم الذي لم يزل. # وقوله: هل الله أن يخلق مثله قديما في الأزل؟ فيكونا قديمين؟ وهذا فاسد ~~أن يكون يحدث قديما في الأزل، فهذا فاسد أن يكون يخلق خالقا مثله، فهذا ~~محال فاسد لا يصح من المعقول، ولا يجوز أن يوصف الله تعالى بذلك. # قال المتأمل: الواجب أن تعتبر العلة التي من أجلها قضى على هذا السؤال ~~بحكم الفساد والمحال كل الاعتبار ويتأمل غاية التأمل بصادق الأفكار، ثم ~~ينظر فيها هل هي موجودة في المسألة الجوهرية واجتماع الأضداد أم لا، فإن ~~وجدت هنالك فما الفرق بينهما؟! # مسألة: والذي عندي أن العلة هاهنا الموجبة لفساد هذا السؤال واستحالته هي ~~تنافى أول السؤال عن آخر ومخالفته له، وإنما يصح السؤال أن يكون آخره ~~موافقا لأوله على ما بينا في شرط صحة السؤال وفساده. PageV01P053 # الدليل على ذلك: أنه لما قال: هل يقدر؟ وجب عليه أن يذكر شيئا موجودا ~~فتقتصي القدرة إعدامه، أو يذكر شيئا معدوما فتقتضي القدرة إيجاده. فلما ~~قال: ((يخلق)) دل به على أنه يسأل عن إيجاد معدوم ممكن وجوده في القدرة ~~ليصح [40] السؤال عن قدرته، أن قدرته نافذة في ذلك أم قاصرة عنه موجبة ~~لعجزه؛ لأن العاجز لا يحكم عليه بالعجز إلا إذا أعجزه شيء يقدر عليه، ولا ~~يحكم له القدرة إلا إذا كان قادرا على شيء، وأما أن يحكم له القدرة على غير ~~شيء فهذا عبث من القول وخروج عن الحكمة، ثم إن وصف به البارئ كان دخولا في ~~الخطأ، وأخاف أن يكون إيجادا إلا ممن وصف الله تعالى بالقدرة على غير شيء، ~~فأخاف أن يكون قد عجز الله، تعالى عن الغلبة والعجز علوا كبيرا!! # فلما أن قال: ((مثل)) وجب أن يضيف هذه الكلمة لأن ((مثل)) كلمة نكرة ولا ~~تقع في الكلام إلا مضافة، فلو جردت عن الإضافة في اللفظ لنقضت الإضافة في ms42 ~~المعنى، ولا نحب أن يكون إضافتها إلا إلى ماله مثل، لأن المثل لا يكون إلا ~~لشيء له مثل. فلما أن أضافها إلى ما لا مثل له، انتقض السؤال وفسد واختلف ~~معنى الكلام في موضعه فاستحال، فهذه هي العلة الموجبة لفساد هذا السؤال. ~~فيجب أن يحكم على كل سؤال وجدت فيه هذه العلة بالفساد والاستحالة، فمن ادعى ~~غير ذلك فعليه إقامة الدليل. والله التوفيق. # مسألة: فإن قال قائل: ما تنكر أن يكون فساد هذا السؤال واستحالته من قبل ~~أن صحته وجوازه موجب لإمكان مثل الله تعالى وهذا صائر إلى الشرك لا ما ذهنت إليه. PageV01P054 # فالجواب: أنا أنكرنا ذلك من قبل أن ليس في الجواب ما يدل على ما ذكرت. ~~وإنما تؤخذ المعاني من الألفاظ والإشارات الدالة عليها والقرائن المتصلة ~~بها. وليس في هذا الجواب إشارة ولا قرينة تدل إلا على ما فلناه، ولو كان ~~ذلك كذلك لكان يجب الاقتصار في الجواب على أن هذا السؤال محال، لأن في ~~جوازه وصحته تجويز مثل الله تعالى، فلما لم يقل لم نقل ذلك ولا أشار إليه، ~~علمنا أن العلة ما قلناه. # الدليل على ذلك أنه قال ((لأنه)) كأنه قال: يقدر يخلق من لم يزل وهذا ~~محال لأن الله لم يزل، والذي يكون مخلوقا محدثا ولا يشبه المحدث بمن لم ~~يزل، ولا المخلوق بالخالق، وهذا السؤال فاسد، وانظر كيف أفسده من قبل ~~اختلاف معنى أوله ومعنى آخر. على أن السؤال نفسه أو [41] أسقط منه لفظ ~~((مثله)) وجعل موضعه ((غيره)) مثل أن يقول: يقدر أن يحلق شيئا لم يزل أو ~~شيئا لا أول لحدوثه، أو قادرا لا يعجزه شيء، لم يكن بد من الحكم عليه ~~بالمحال، فيكون ذلك نقضا لمن ادعى أن العلة تجويز المثل أو تصحيح السؤال ~~ونفض لعلة السؤال الأول، حيث قال: لأن الله لم يزل والمخلوق محدث، وكذلك ~~العلة في هذا السؤال أن المخلوق لابد له من أول والذي لا أول له لا يكون ~~مخلوقا. # وكذلك إذا قال: يقدر يخلق قادرا لا يعجزه ms43 شيء؟ فالمخلوق مقدور عليه، ~~والمقدور عليه عاجز، والقادر الذي لا يعجزه شيء لا يكون مخلوقا مقدورا عليه ~~وهذه صفة القدير وهو الله الواحد القهار المتعالي عن صفة فاسدة. # مسألة: ثم لو اعتبرنا موضوع القدرة واقتضائها وحقيقة هذا اللفظ أنه شيء ~~أو لا شيء لتبين التنافي غير أنا سنبين وجه ذلك في المسألة الجوهرية إن شاء ~~الله وبه التوفيق. PageV01P055 # مسألة: ومن ذلك ما وجدناه في كتاب ((الأكلة (2) وحقائق الأدلة)) الذي ~~ألفه القاضي أبو محمد نجاد بن موسى (3) إن سأل سائل فقال، أخرونا أيقدر ~~البارئ أن يخلق نفسه؟ قيل له جوابك ينقض بعضه بعضا؛ لأنك بقولك ((أيقدر أن ~~يخلق)) قد ثبت المقدور مخلوقا، وبقولك ((نفسه)) فد أوجبت أنه قديم، لأن ~~نفسه لم تزل كائنة لا إلى أول، فكأنك قلت: يقدر أن يكون الشيء مخلوقا لم ~~يكون كان وهو لم يزل كائنا. # قال المتأمل: انظر كيف استدل على فساده وانتقاضه من حيث إن أوله مخالف ~~لآخره. ألا تراه يقول، لأنك بقولك أيقدر أن يخلق؟ قد ثبت المقدور مخلوقا أي ~~قد دل به على سؤال عن القدرة على مخلوق؛ لأنه متى قال ((يقدر أن يخلق)) وجب ~~عليه في إتمام فائدة لفظه أن يأتي بشيء يخلق ليعلم أنه يقدر على ذلك أم لا. # أما قوله، وبقولك نفسه قد أوجبت أنه قديم؛ لأن نفسه لم تزل كائنة لا إلى ~~أول، أي أنه أوصل كلامه بما لا يطابقه بل يخالفه وهذه هي العلة التي قلنا ~~إنها هي التي أوجبت فساد [42] السؤال # الأول، وهي مخالفة معنى آخر السؤال لمعنى أوله ومنافاته لا غير ذلك وذلك ~~أن قوله ((يقدر يخلق)) كلام يقتضي إيجاد معدوم قبل أن يخلق. # وقوله ((نفسه)) فدل علي موجود والموجود مستغنى عن الإيجاد، فكأنه قال ~~يقدر يوجد موجودا في حال وجوده فبطل ذلك. # مسالة: من كتاب ((الأكلة)) فإن قال، أيقدر أن يخلق مثله؟ قيل له: ناقضت ~~في سؤالك؛ لأنك إذا قلت يقدر أن يخلق فقد أوجبت أن المقدور لا يمنع أن يكون ~~مخلوقا، وبقولك ((مثله)) قد ms44 أوجبت قديما؛ لأن مثل القديم لا يكون إلا ~~قديما، فكأنك قلت ((يقدر أن يكون المخلوق لا مخلوقا)) وقد بينا فساد ذلك آنفا. # قال المتأمل: انظر كيف اقتصر في الدليل على فساده بتناقضه ومخالفة أوله ~~لآخر على ما بينا وهو الحق، وبالله التوفيق. PageV01P056 # مسألة من الكتاب: فإن قال، أيقدر أن يجعل الدنيا في بيضة والدنيا على ما ~~هي عليه من العظم والبيضة على ما هي عليه من الصغر؟ قيل له: نقضت في سؤالك ~~لأنك بقولك يقدر أن يجعل الدنيا في بيضة قد دللت به على أن الدنيا أصغر من ~~البيضة والبيضة أوسع منها، يقوله ((والبيضة على ما هي عليه)) قد أوجبت أن ~~الدنيا أوسع فكأنك قلت: يقدر يجعل البيضة واسعة في حال. # فجوابنا: أنه على شيء قدير وأنك لم تسألنا عن شيء يقدر عليه، وإنما نقضت ~~ببعض كلامك بعضا، وكذلك الجواب عن قولهم يقدر يجعلنا قياما قعودا في حال ~~وأن يجمع المتضادات. # قال المتأمل: انظر كيف قال إن الجواب في السؤال عن القدرة على جمع ~~الأضداد أنه فاسد وأنه نفض أوله بآخره ولم نقل نعم يقدر على ذلك. # وانظروا معاشر مسلمين إلى أجوبة العلماء بالتوحيد ومقالات الفقهاء ~~المنافسين في مدائح الله المجيد. كيف لم تستزلهم وساوس الشيطان المريد في ~~مثل هذا الموقف الخطر الشديد عن تصفح معاني الألفاظ الموضوعة التي جعلها ~~البارئ سبحانه دليلا على الإرادات وإعلاما على المقاصد والإرشادات، وقضى ~~عليها بالثبوت غاية الأبد لا تستحيل موضوعاتها [43] إلى حد، ولا إلى أمد، ~~فلم يلتفتوا إلى خوف ما يدخل على الضعفاء عند الوقوف عن الحكم بالقدرة على ~~المحال عند تحققهم أن في القول بالقدرة عليه فساد الحكم المستفادة من معاني ~~الألفاظ، وأن فساد معاني الألفاظ التي جعلها الله دالة على الإرادات هجر من ~~الكلام وفحش من القول في الأحكام. فأولئك الذي تغلغلوا على الدقائق واطمأنت ~~أنفسهم إلى الحقائق، فقلوبهم ترعى بأرض الاعتبار وترد مشارع التدبر ~~والأفكار، فمهجهم تترقرق، وأنوار خواطرهم مضيئة تتألق، أنار الله قلوبنا ~~بحكمته ومن علينا بمجاورتهم في جنته ms45 إنه واسع المنة والرحمة. PageV01P057 # ولو كانت الألفاظ إذا اختلفت مقتضياتها عن أوجب موضوعاتها يسوغ تجويزها، ~~لما شاع الاشتعال بالجواب عن هذا المسائل وما جانسها بالتنبيه على تناقضها ~~والإضراب عن إجابة متقدمها، ولوجب أن يقال نعم يقدر على ذلك وإلا وقع الشك ~~في قدرة الله وليس الأمر كذلك، بل الواجب أن لا يجاب عن سؤال إلا بعد معرفة ~~صحته وسلامته من آفات الفساد إلا كان القدح فيه جوابا للسائل عنه، فإنه متى ~~أجيب عن السؤال الصحيح وقعت النسوية بين الفاسد والصحيح فدخل على محال الذي ~~لا يحتمل حكم الاحتمال، وهذا إبطال للحقائق، وإفساد للحكمة. والله أعلم وبه ~~التوفيق. # قال المتأمل: والجواب المحكوم فيه على مسألة البيضة بالفساد مقصور على ~~المعنى الذي ذكرناه والأفضل الذي قدمناه وهو مخالفة آخر السؤال المقتضى ~~أوله لا غير ذلك. PageV01P058 # وقوله: وكذلك الجواب عن قولهم، يقدر يجعلنا قياما وقعودا في حال واحدة ~~وأن يجمع المتضادات فهذه هي اجتماع الأضداد التي قال المنازع لنا: إنه يقال ~~للسائل عنها نعم يقدر أن يجمع الأضداد، وأنكر علينا الحكم فيها بالفساد ~~والاستحالة. والذي احسب أن هذا المنازع لم يقل ذلك بأثر وجده ولا عن أحد ~~أسنده، وإنما قال لعله على سبيل الغلط في النظر. وقد كنت كتبت إليه أسأله ~~عن جواب مسألة ((البيضة)) ومسألة ((جمع الأضداد)) بالشرط المقدم فيها على ~~الحكاية إن سأل سائل فقال كذا وكذا، وأن هذا السؤال على غير الحكاية يسع أم ~~يسع؟ فبلغني أنه ومن حضر من جلسائه عظم ذلك في نفوسهم واستبشعوه وكبر عندهم ~~فنادوا بع في النوادي [44] وشيعوه على معنى الأفكار له والنقد على الحاكي ~~لمعانيه. ولعل هذا إغفال وقع منهم على وجه الحكاية لتراكم الكدورات المحلية ~~بالخواطر إلى مواقع النكاية، ثم مع ذلك أضرب عن الجواب ولم يكتب بخطأ ولا ~~صواب، غير ما قلنا إنا وجدناه مقيدا عنه في بعض المسائل الموضوعة عليه، ~~وهذا الأثر قاض بيننا وبينه عند الإنصاف فيما وقع بيننا وبينه فيها من ~~التنازع والاختلاف. # فإن كان قال ذلك بنظر فقد ms46 وجدنا أنه إذا تعارض الأثر والنظر كان الحكم ~~للأثر وسقط اعتبار النظر. فهذا فيما يخرج مخرج الرأي، فيكف في هذا الذي ~~أخاف أن يكون من الدين الذي لا يحتمل فيه الخلاف، ولا يجوز فيه الرأي. فكان ~~يجب عليه إذا لم يعرف هذا المسألة أن يقف عن الجواب فيها، فكان الوقوف عما ~~لا يعلم أولى بالمرء وأسلم من القول بما لا علم عنده. ونحن ما تجرأنا على ~~الكلام في هذه المسائل إلا بعد الخوض فيها والتأمل لمعانيها ووجودها في ~~آثار المسلمين والله يهدى من شاء إلى صراط مستقيم. PageV01P059 # أن كان هذا المنازع لنا قد وجد هذا الفصل مفسرا وعن الأعلام مؤثرا ~~فليرفعه إلينا حتى نقف عليه ونعرف الذي ينسب إليه، وإلا فليقبل ما قدر ~~فعناه عن المسلمين ووجدناه في آثار المتقدمين، فإن الرجوع إلى الحق خير من ~~التمادي في الباطل. # فصل # وربما تجرأ المنازع لنا، فقال: هذا عن قومنا لا عن أصحابنا، يضعف بذلك ~~آثار المسلمين، ويدخل عليها الطعن والتوهين بلا حجة في أثر يوضحها ولا ~~دلالة عن الفقهاء بشرحها فاحذورا معارضته من هذا الجهة واعلموا أن هذا ~~معارضة المتحير في أمره المبلس من الحجة إياسا من عذره. # كما قال المتمثل: # كالثعلب المحتال لما لم ينل ... عنقود خمر قال هذا حامض # فلو خاض بحور الأصول الجمة وسما به إلى ذلك صادق الهمة لكابد أمواجا ~~متلاطمة، وجبالا متراكمة، ثم إن وفق وأرشد وسدد وأسعد حتى يتضح فيها متأملا ~~لمعانيها فاز وربح وأفلج بالحجة وفرح، وإلا فالخيبة والخسران، والشقوة ~~والخذلان، أعاذنا الله وجميع عباده المسلمين من الخزي في الدنيا والعذاب ~~المهين. # مسألة: رجع إلى كتاب ((الأكلة)). فإن قال: فهل يقدر أن يقدر أن يخلق شيئا ~~لا أول له؟ قيل له، نافضت في سؤالك، لأن القدرة إنما هي قدرة على [45] ~~إحداث الشيء واستئنافه وابتدائه، وقولك لا أول لأه، يناقض الابتداء ~~والاستئناف والأولية. وإذا نافضت في سؤالك فجوابنا أن الله عز وجل على كل ~~شيء قديد وأنك لم تسألنا عن شيء يقال فيه يقدر أو ms47 يعجز. # قال المتأمل: انظر كيف قال له: ناقضت في سؤالك ولم تقل نعم يقدر على ذك، ~~وإنما اقتصرنا على العلة التي قلنا إنها موجبة لفساد السؤال وهى مخالفة ~~معنى آخر السؤال لمعنى أوله لا غير ذلك، وهذا مطرد فيما كان من هذا الجنس ~~فلا سبيل للمنازع لنا إلى رد هذه الآثار بنظره ورأيه فيما لا يعرف حقيقته، ~~والله أعلم. PageV01P060 # قال المتأمل: من كتاب ((الأكلة)): ثم ليس من لم يوصف بالقدرة على الشيء ~~يوصف بالعجز عنه، لأنا جميعا نصف الحادث بأنه غير قادر ولا نصفه بأنه عاجز. # قال المتأمل: أحسبه يعنى بالحادث العرض يريد أنه لا يوصف بالقدرة وليس في ~~ذلك إيجاب الوصف له العجز، كما أن لم يوصف الجماد بالعلم وليس في ذلك إيجاب ~~وصفه بالجهل، ولو كان كل من لم يوصف بصفة لزم أن يوصف للزم أن نصف النخلة ~~بالجهل حيث لم نصفها بالعلم. # فإن قال قائل: أليس قلتم أن من صفة الضدين أن يكون في ارتفاع أحدهما وجوب الآخر؟ # فلنا له: بلى، ولكن لذلك شرط جهلته ومعنى أغفلته وهو أن ذلك إنما هو فيما ~~يتصف بهما، فأما لا يتصف بهما فلا يجب ذلك، وقد تقدم ذكر ذلك في باب رتب ~~الجواهر والأعراض ما أرجو أن فيه كفاية لمن كان له بصر وهداية. # فإن قال: هذا يلزمكم ومعناه راجع عليكم إذ الله موصوف بالقدر على كل شيء، ~~وأنتم فلم تصفوه بالقدرة على قسم الجوهر وجمع والأضداد فلزمكم الوصف له ~~بالعجز. قلنا ليس الأمر ما ذهبتم معانيه وذلك إنا مقرون بأن الله على كل ~~شيء قدير، ولا يعجز شيء، وإنما قلنا إنه لا يوصف بالقدرة على قسم الجوهر من ~~قبل أن قسم الجوهر ليس بشيء والله تعالى إنما يوصف بالقدرة على شيء. # ثم إن بين قول القائل، لا يقدر على ذلك وبين قوله لا يوصف بالقدرة على ~~ذلك، فرق بين لأنه إذا قال لا يقدر، فقد أخبر بأنه يعجز. فإذا قال لا يوصف ~~بذلك مع إقراره بأنه قادر على كل ms48 شيء فقد نفى أن يكون ذلك [46] المذكور من ~~جنس المقدورات، فلذلك لم يلزمنا ما قلتم، وإنما كان يلزمنا ذلك لو كان هذا ~~المذكور تتعلق به قدرة ما، يتكون من قصرت قدرته عنه من حيث هو مقدور كان ~~عاجزا، وسيأتي زيادة الكشف والإيضاح فيما بعد من الكتاب إن شاء الله. # الباب العشرون # باب بيان المسألة الجوهرية وإيضاح استحالتها # بالدلائل النظرية PageV01P061 فال المتأمل: هذه مسألة وجدتها في الأثر، ~~يقال لهم: أتقولون إن الله قادر على أن يقسم الجوهر أم لا؟ # فإن قالوا: لا، فقد عجزوا الله تعالى، وإن قالوا: نعم، فقد خرقوا ~~الإجماع. # الجواب: أتقولون إن الله قادر على أن لا يقسم الجوهر أم لا، فإن قالوا لا ~~فقد عجزوه وإن قالوا نعم خرقوا الإجماع. # وجواب آخر: يقال لهم إن المسألة محال لأن الله لا يوصف بالقدرة على محال. # مثال ذلك، أنه لو قال قائل إن الله قادر أن يخلق مثله!! فإن قال لا، فقد ~~عجزه، وإن قال نعم، فقد كفى، فهذا أثر وجدناه. وعند المذاكرة أسندنا لم ~~نختلقه من أنسنا ولم نفتعله من حسنا، بل لما وجدناه في الأثر وشهد بصحته ~~عندنا صحيح النظر، حكمنا به عند المذكرة، واحتججنا به عند الناظرة، فبلغنا ~~أن المنازع لنا حين رفع إليه، بادر إلى تضعيفه والطعن فيه، وذلك يدل على ~~جهله بحقيقة القدرة والمقدور، فوقع في الخطأ بخلافه للمسلمين من حيث أراد ~~المدح لله، كما أخطأت القدرية في نفيهم خلق الله لأفعال العباد، وإرادته ~~لها، والقدرة له عليها، من حيث أرادوا تنزه الله. # ثم لم يرض هذا المنازع لنا لنفسه بالخطأ من وجه حتى اقتحم إلى وجه أوحش ~~منه مما وافق فيه الأزارقة لأنه أوجب على الحاكم باستحالة هذه المسألة ~~بالشرك بالله، كما حكمت الخوارج بتشريك من خالقهم من أهل القبلة في الهجرة، ~~وما أشبهها عندهم فواعجبا ممن أخذ هذا!! وأين وجده؟ وليت شعري من حمله ~~عليه!! وإلى من يسنده ويستبين وجه موافقته لها من الفرقتين عند الفراغ من ~~إيضاح ما قلناه، وبيان فساد ms49 قول من نازعنا فيها أصلناه، والله القوى المعين ~~وهو الهادي إلى الرشد واليقين وبالله التوفيق. # تفسير المسألة: أما قوله فإن قالوا لا فقد عجزوه فلأنهم [47] إذا قالوا ~~إنه لا يقدر ذلك، فقد ائبتوا له العجز عنه، لأن كل شيء ثبت أنه مقدور عليه، ~~ثم وصف أحد بأنه لا يقدر عليه فقد وصف بالعجز عما عليه يقدر، وهذا واضح إن ~~شاء الله. PageV01P062 # وأما قوله: وغن قالوا نعم، فقد خرفوا الإجماع، فلأن عنده أن الجوهر في ~~الحقيقة هو الذي لا ينقسم بإجماع وما لا ينقسم بإجماع فمن وصفه بأنه مقدور ~~على قسمه فقد خرق الإجماع أي أبطله، والله أعلم. # مسألة: وأما قوله إن المسألة محال فوجه استحالتها فقد بيناه في الباب ~~الثاني من هذا الكتاب. # وأما قوله: إن الله لا يوصف بالقدرة على المحال ما لا يمكن في العقل كزنه ~~ليس بشيء والله تعالى كل مقدور له، فهو ممكن كونه في العقل إلا أخبرنا ~~سبحانه أنه لا يكون، فإن استحالة كون إنما اكتسابا لا ضرورة، فهو في ~~الضرورة شيء لو لم يرد السمع باستحالته، فلهذا جاز أن يوصف بالقدرة على كل ~~ممكن في العقل لأن العقل هو الذي به عرفنا أنه قادر سبحانه وبه عرفنا ~~استحالة كون ما لا يكون فلا يستقيم في العقل أن يوصف بالقدرة على ما لا ~~يمكن كونه في العقل، والله أعلم وبه التوفيق. # مسألة: وأول ما نبتدئ به من الكشف في هذه المسألة الجوهرية، أنا نشهد ~~الله وملائكته على هذا المنازع لنا، ليس نعلم ونتحقق أن قول القائل هل يقدر ~~الله أن يقسم، معناه أن يفرق. فإن قال لا، فقد كابر عقله وكفاه ذلك ~~انقطاعا. وإن قال بلى، قلنا أليس معنى التفريق إبانة شيء بمعنى الانفصال؟ ~~فإذا قال بلى قلنا فذلك الشيء أليس يجب أن يكون مجتمعا مؤتلفا لا محلة؟ فلا ~~بدله من نعم وإلا حجد صورة العقل. فحينئذ تقول له: فقد صح أن معنى يقسم لا ~~يقتضي إلا تفريق مجتمع، ومعلوم أن أقل المجتمع اثنان فصاعدا، ms50 فإذا قال نعم ~~قلنا أليس الجوهر لفظه لفظ الواحد، فلا بدله من نعم، فإذا أقر بذلك، قلنا ~~فالجوهر مؤتلف أو غير مؤتلف؟ فإن قال إنه مؤتلف، قلنا: هو مؤتلف إلى نفسه ~~أم إلى غيره [48]؟ فإن قال إلى نفسه ليست غيره وليست هي هو. PageV01P063 # وإن قال ((إلى غير)) فقد كابر عقله، فإن الموجود في آثار المسلمين أن ~~الجوهر في الحقيقة هو الجزء الذي لا يتجزأ، وما لا يتجزأ فلا يأتلف؛ إذ لا ~~معنى لقولنا يتجزأ إلا أنه يرتفع تأليفه. إن هذا الاختلاف، والجزء في ~~الحقيقة لا يكون جزأين في الحقيقة، ونحن إنما نريد بالجوهر أقل جزء لقسم ~~يقتضي حدثا في شيئين مؤتلفين، فلهذا قلنا إن السؤال محال إذا خالف آخر ~~السؤال أوله لأنه حيث قال: هل يقدر؟! وجب عليه أن يذكر إعدام موجود وإيجاد ~~معدوم فلما قال يقسم، وجب أن يذكر شيئا موجود مجتمعا. # فلما أن ذكر الجوهر وهو في الحقيقة غير مجتمع انتقض سؤاله وفسدوا ستحال ~~من حيث خالف آخر مقتضى أوله، وهذا ما لا يدفعه ذو عقل ولا يجحده ذو فضل، ~~ولا يرده أو لو نقل، ولا ينساغ جحده البتة إلا لاثنين، واحد يقول بأن ~~الجوهر ينقسم. وآخر يقول إن الله يوصف بالقدرة على المحال. فأما من يقول ~~بأن الجوهر ينقسم، فقد شرحنا الحجة عليه، وبينا جملة معانيه في غير موضع من ~~كتابنا هذا عن الشيخ أبي المنذر بشير بن محمد بن محبوب رحمهم الله، فإن ~~كابر على دفعه فلا حاجة لنا إلى مناظرته على موافقته للنظام وهشام، ومخالفة ~~أبي المنذر وبالله التوفيق. # وأما من يقول بالقدرة على المحال فسنأتي ببيان الأدلة عليه إن شاء الله. # مسألة: ويقال لمن زعم إن الله يوصف على بالقدرة على قسم الجوهر، ما تقول ~~في قول القائل: هل يقدر البارئ على قسم الجوهر، وقوله: يقدر أن يقسم ~~الجوهر؟ هل بينهما فرق في المعنى؟ فإن قال إن بينهما فرقا صعب عليه إقامة ~~الدليل على ذلك. # وإن قال: لا فرق بينهما، قلنا: ليس معنى يقدر ms51 يقسم الجوهر ن ويقدر على ~~قسم الجوهر سواء. # فإذا قال: بلى، قلنا: فأخبرنا عن الجوهر له قسم أم لا؟. PageV01P064 # فإن قال: له قسم، أوجب أنه ينقسم وخالف من قال إن حقيقة الجزء الذي لا ~~يتجزأ، إذ معلوم أن معنى لا يتجزأ لا ينقسم، وهذا دخول في قول هشام الذي ~~دللنا على فساده وهو خروج من قول المسلمين. لا، لا نعلم شيئا له قسم إلا ~~وهو موصوف بأنه ينقسم كما انا نعرف شيئا له بصر إلا وهو موصوف بأنه يبصر ~~[49] ولا شيئا له حياة إلا وهو موصوف بأنه حي. وهذا مطرد في جميع الأعراض ~~اللازمة للجواهر على التعاقب الموصوف كل جوهر بما حله منها أعنى من ~~الأعراض. # فهذا بين لمن أراد الله إرشاده وتوفيقه. # وإذا جاز ولزم وصح أن يوصف الجوهر بأن له قسما لزم أن يوصف بأنه ينقسم ~~ووجب بطلان ما قاله الشيخ أبو المنذر وغير ه، ممن حكينا أقاويلهم وهذا مفضض ~~إلى بطلان الحد في الأجسام وإفساد النهاية فيها والجهات المحيطة بنواحيها، ~~وهو ما شهد العقل بفساده، أعاذنا الله وجميع المسلمين من عقل لا ينفع، وقلب ~~لا يخشع، وأذن لا تسمع، وبه التوفيق. # مسألة: وأن رجع هذا المنازع لنا إلى الحق وأقر أن لا قسم للجوهر قلنا: ~~فإذا قسم الجوهر أم لا؟ # فإن قال: إنه شيء فقد أثبت أن له قسما ورجع إلى قوله الأول إذ لا معنى ~~للشيء إلا صحة المذكور وجوبه. فلا معنى للشيء إلا نفيه. فمتى صح أن قسم ~~الجوهر شيء وهو الحقيقة لا يقسم ثبت وإن بصر الأعمى في حال عماه شيء وأن ~~حياة الميت في حال موته شيء، ومتى صح ذلك وجاز وثبت، جاز أن يوصف الأعمى في ~~حال عماه بالبصر إذ بصره شيء، وأن يوصف الميت بالحياة في حال موته إذ حياته شيء. # مسألة: وإن قال: إن قسم الجوهر لا شيء، قلنا: فإذا كان قسم الجوهر لا شئ ~~فيجوز أن يوصف القدير بالقدرة على لا شيء. فإن قال نعم فقد خصم نفسه، ~~وكفينا ms52 مؤونته. وإن إطلاق القدرة على لا شيء عبث من القول لا فائدة فيه ولا ~~حكمة تدل عليه. # مسألة: ويقال لمن قال: إن قسم الجوهر الواحد شيء، إذا قلت إنه شيء ~~فأخبرنا عنه أهو شيء موجود فيه أم معدوم منه، فإن قال (1) ... PageV01P065 # مسألة: وإذا جاز وصح ولزم أن يوصف الله بأنه قادر على أن قسم الجوهر، لزم ~~وصح أن يوصف بأنه قادر على أن الأعمى الذي ويحيى الحي لأن حقيقة الجوهر ~~الواحد أنه لا يتجزأ، كما أن حقيقة الأعمى الذي لا يبصر وحقيقة الحي الذي ~~ليس بميت. فإن قال قائل: إذا شبهتم الجوهر بالأعمى لزمكم أن تجيزوا طرق ~~التجزئة عليه ن كما تجيزون طرق البصر على الأعمى. # فلنا هذه المعارضة تنقلب عليكم من حيث إن شرط البصر يرفع العمى كما أن ~~شرط التجزئة [50] ترفع حقيقة الجوهر الواحد، ذلك أن شرط نور الحدقة، ومن ~~بهذه المثابة فليس بأعمى، وكذلك شرط التجزئة اجتماع جزأين فصاعدا، وما هذا ~~صفته فليس بجوهر واحد، بل جوهران أو أكثر. # وهكذا جميع الحقائق التي لا تستحيل إلا باستحالة أعيانها والله أعلم. # مسألة: ويقال ما تقول في الجوهر الواحد يتجزأ أم لا يتجزأ؟ # فإن قال: يتجزأ، فقد وافق هشام وإبراهيم النظام، كفينا مؤنته في مخالفة ~~آثار المسلمين، وقد تقدم الرد عليه في باب اختلاف الناس في الجزء الذي لا ~~يتجزأ، وإن قال لا يتجزأ، قلنا، قولك يتجزأ حقيقته أم مجاز؟ فإن قال مجاز ~~فحقيقته أنه يتجزأ أم لا؟ فإن قال حقيقته أنه يتجزأ، رفع إلى قوله إذ لا ~~معنى لهشام والنظام إلا أنه يتجزأ في الحقيقة وقد قدمنا بيان فساد ذلك. # فأن قال حقيقته أنه لا يتجزأ، قلنا: عند الله، أم عندنا لا عند الله؟ فإن ~~قال: عندنا ن وأما عند الله فهو يتجزأ، فهذا تناقص في القول إذ لا معنى ~~للشيء في الحقيقة إلا ما بينه عند الله على ما هو به، فكيف يقول حقيقته، أي ~~هو عند الله في الحقيقة، أنه يتجزأ عندنا وأما عند الله فلا. ms53 PageV01P066 # مسألة: ويقال له أخبرنا هن الإيمان في الحقيقة ما هو؟ فإن قال: طاعة الله ~~فيما أمر ونهى. قلنا فهذه الحقيقة عندنا وعند الله أم عندنا لا عند الله؟! ~~فإن قال: عندنا لا عند الله، قلنا: فما حقيقته عند الله؟ فنا يحد محيصا عن ~~الإقرار بان إنما هي عند الله في علمه وعلم من علمه الله. وأن قال: عندن ~~وعند الله، قلنا: هذا هو الحق وكذلك جميع الحقائق ولزمه حينئذ الإقرار بأن ~~الجوهر لا يتجزأ عند الله بمعنى أنه سبحانه قدرة في ذاته واحدا لا يتجزأ ~~فإذا أقر بذلك، قلنا: فإذا كان عند الله لا يتجزأ ثم أجزت أنت وصف البارئ ~~بالقدرة على تجزئته أليس ذلك موجبا الإبطال حقيقته عنده وفي ذلك إيجاب أن ~~لا ثبوت للحقائق ولا معنى لها. # مسألة: ويقال له: أيقدر البارئ سبحانه أن يقسم الجسم حتى لا يبقى في شيء ~~من أجزائه انقسام؟ فمن قوله نعم. قلنا: فإذا قسمه حتى لا يبقى في شيء من ~~أجزائه انقسام فتلك [51] الأجزاء كل جزء منها هو الجوهر الواحد الذي تعرفه ~~العقلاء من أهل الكلام. # أرأيت إن قال قاتل: أيقدر بعد أن قسمه حتى لا يبقى شيء من أجزائه ينقسم ~~أن يقسم جزءا من تلك الجزاء أم لا؟ # فإن قال نعم، فقد عجزه من حيث إنه لم يقدر أن يقسمه حتى لا يبقى شيء من ~~أجزائه ينقسم، إذ لو قسمه حتى لا يبقى شيء من أجزائه ينقسم، ثم غن هذا ~~الوصف راجع إلى القدرة على تعجيزه سبحانه وتعالى. # وإن قال لا يقدر، فقد عجزه الآن حيث لم يقدر فكل من لم يقدر فهو ممن يوصف ~~بالقدرة فهو عاجز، فإن قيل: فما الجواب عندكم؟ PageV01P067 # قلنا: الجواب عندنا أن الله على شيء قدير، وهذا السؤال فاسد منتقض ينفى ~~بعضه لأنه لما قال يقدر يقسمه دل على أنه أراد يقدر يفرقه فيذهب باجتماعه، ~~والتأليف الحال فيه. فلما أن قال بعد قسمه حتى لم يبق شيء من أجزائه ينقسم ~~فدل على أنه أراد بعد أن ms54 لا يبقى في شيء من أجزائه تأليف ولا اجتماع، فكأنه ~~قال: يقدر يذهب باجتماع ما ليس بمجتمع أي يعدم ما هو معدوم؟! فهذا هو ~~التنافي فافهم ذلك، والله أعلم وبه التوفيق للحق والصواب. # مسألة: ويقال إن كابر على إثبات قسم الجوهر الواحد اخبرنا أيها المنازع ~~لنا المخالف لأصلنا، أليس الله تعالى أن يخلق شيئا ما، لا متحيزا يتجزأ ولا ~~ينقسم في الحقيقة عنده أن يكون ذاته ذاتا لا تنقسم، فإن قال لا فقد كفر. ~~وإن قال بلى وهو الحق، قلنا فذلك هو الذي قلنا إنه جوهر عند العلماء ~~بالحقائق ولا يعلم بهذه المثابة يكون شيء غيره. # قلنا: فإذا خلق سبحانه هذا الذي هو سبحانه قسمه وتجزئته أم لا، فما يكون ~~الجواب؟ # فإن قال: إنه قادر على تجزئته وقسمه فقد عجزه سبحانه من حيث إنه خلق شيئا ~~لا ينقسم في الحقيقة عنده إذ لو قدر على ذلك لما كان ينقسم البتة. # وإن قال: إنه لا يقدر على ذلك فقد عجزه الآن، وهذا كفر بالله العظيم ~~وخروج من التوحيد. فإن قال: ما الجواب عندكم؟، قلنا: الجواب أن الله تعالى ~~على كل شيء قدير، وأنت فقد ناقضت في سؤالك وخالفت أوله آخره على ما بينا في ~~المسألة المتقدمة فقد اتضح بحمد الله السبيل وقامت الحجة والدليل على [52] ~~باطل قول من نازعنا وكابرنا بلا بيان ودافعنا. والحمد الله رب العالمين ~~وصلى الله على رسول الأمين محمد وآله أجمعين وسلم تسليما. # الباب الحادي والعشرون # باب بيان حقيقة الأضداد والرد على المنازع لنا فيما # جانب الإرشاد PageV01P068 اعلم أنا قد بينا معنى الأضداد وحقيقتها وأن ~~الضدين هما الذاتان اللتان لا تجتمعان في محل واحد كالحركة والسكون، ~~والاجتماع والافتراق، والحياة والموت، والعلم والجهل، والحق والباطل، ~~والطاعة والمعصية، وما أشبه ذلك، وقد رفعنا ما وجدناه في كتاب ((الأكلة)) ~~من الجواب لمن سأل فقال: هل يقدر أن يجمع الأضداد؟ وأن جوابه كجواب السائل ~~عن القدرة على إدخال الدينا على ما هي عليه من العظم في البيضة على عليه من الصغر. ms55 # وقد قال: أن السائل عن هذا المسألة يقال له: ناقضت في سؤالك. # وجوابنا، أن الله على كل شيء قدير، أنلك لم تسألنا عن شيء يقدر عليه إنما ~~نقضت ببعض كلامك بعضا، وهذا الذي هو عندنا. # وقد وجدنا في آثار المسلمين ولا نعلم في ذلك اختلافا أن اجتماع الأضداد ~~محال، وأن الله تعالى لا يوصف بالقدرة على المحال، وسنذكر الدليل على ذلك ~~بعد فراغنا من هذا الباب بعون الله الوهاب. # مسألة فأما وجدنا من رد المنازع لنا في مسألة اجتماع الأضداد من قوله: إن ~~الله قادر على ذلك ن فإنه يدل على جهل تحقيقه معنى القدرة وحقيقة معنى ~~الأضداد ن وذلك إنما هو عند الله في الحقيقة لا تجتمع، كيف يوصف بالقدرة ~~على جمعه وجمعه لا شيء لأن اجتماعهما محال أي معدوم لا يوجد البتة ن ولا ~~يكون وما لا يكون فليس بشيء، أم كيف وصف بالقدرة على أن يجمعه وهو مما هو ~~في الحقيقة لا يجتمع. ومن شرط أنه لا يجتمع، إن ما أمكن أن يجتمع فليس ~~بأضداد. PageV01P069 # ألا ترى أن ما عقب به من رده من الكلام دليل على جهله بما ذكرنا، فإنه ~~قال على أثر ذلك، ولو شاء لجعل السماء أرضا والأرض سماءا والبحر برا والبر ~~بحرا، ثم قال، وهذا مطرد في جميع الأضداد. فانظر كيف عارض بذكر المشيئة على ~~إثبات القدرة، انظر كيف جعل السماء ضدا للأرض، والبحر ضدا للبر، ونظر كيف ~~فلب الصور بمنزلة اجتماع الأضداد، فقد كان يجب عليه إذا أراد المعارضة أن ~~يتأكد للمناقضة فإنه بها بدأ ولها تعرض، وعليها اعتمد [53] تصريحا وما عرض، ~~فلو لم يقل في آخر رده: ((وهذا مطرد في جميع الأضداد)) لاحتمل أنه لم يرد ~~بذلك معنى الأضداد وإنما أضاف ذلك إلى هذا المعنى آخر، فلما أن قال: وهذا ~~مطرد في جميع الأضداد دل على ما قلنا. # مسألة: فأما قوله: ((نعم يقدر على جمع الأضداد ولو شاء لجعل السماء ~~أرضا)) فإن كان أراد بقوله: لو شاء لجعل، أي لقدر فإني ms56 أخاف أن هذا لا يجوز. # الدليل على ذلك: أن لو إنما تدل على امتناع الشيء لامتناع غيره فيكون على ~~هذا لو شاء لقدر، أي لم يقدر إذا لم يشأ وهذا تقض لقوله، لأنه قال نعم هو ~~قادر على ذلك، ولو شاء لقدر مكأنه قال: هو قادر ولا يقدر، إذا لم يشأ ذلك. # بيان ذلك: انك تقول لو جاء زيد لأكرمته، أي لم أكرمه إذ لم يأت وهذا إن: ~~أن أراد بقوله لو شاء لقدر ن لجعل معنى لو شاء لقدر، ولسنا نقطع عليه أنه ~~أراد ذلك إذ ليس في لفظ رده لجعل دليل على أنه لقدر، وإنما قلنا هذا حيث ~~أجاب على سؤال السائل عن القدرة بذلك، فجفنا أن يكون أراد ذلك وإن كان لم ~~يرد ذلك، وإنما أراد بقوله: لو شاء لجعل، أي لو شاء لفعل، فهذا جواب يقتضيه ~~من سأل فقال: لم لم يجعل الله السماء أرضا؟ فيقال له، لو شاء لجعل، أي إنما ~~لم يجعل ذلك إذ لم يشأه. وليس هذا من جواب السائل عن القدرة في شيء وهو حشو ~~(1) من الكلام وضع في غير موضعه. PageV01P070 # مسألة: وإنما قال الله تعالى ((ولو شاء لجعلكم أمة واحدة)) (2) و (لو ~~يشاء الله الهدى الناس جميعا) (3) وما أشبه ذلك من الآيات. فإنما نفى كون ~~الشيء إذ لم يشأ، أي إنما لم نجعل الناس أمة واحدة إذ لم يشأ ذلك وشاء أن ~~يكونوا مختلفين، فلذلك اختلفوا وكذلك لم يهد الله الناس جميعا، أي لم يشأ ~~هدايتهم جميعا، فإنما ضل من منهم حيث لم يشأ هدايتهم، وشاء ضلالته وأرادها ~~وكذلك إنما اهتدي منهم من اهتدى حيث شاء الله هدايته ولم يشأ ضلالته. # الدليل على ذلك: أن المسلمين يحتجون بهذه الآيات على القدرية النافين ~~لخلق الأفعال القائلين بأن الله لم يرد أفعال العباد ولم يخلقها، وان ~~العباد فعلوا ما لم يرد الله. ولا يجوز أن يضاف إلى المسلمين انهم أرادوا ~~بذلك الدلالة على القدرة فيكون معنى قوله تعالى: (لو يشاء الله لهدى الناس) ms57 ~~(4) أي لو [54] شاء لقدر على هدايتهم. فإن هذا يرجع معناه إلى نفى القدرة ~~لأنه متى جاز أن يقال إن معنى لو شاء لهداهم، لو شاء لقدر على هدايتهم، ~~فإذا لا يقدر على هدايتهم جميعا، وهذا سوء تأويل فاحش، بل الله قادر على ~~ذلك شاء أو لم يشاء، والله أعلم وبه التوفيق. # مسألة: ويقال لهذا المعارض بالمشيئة على سؤال القدرة: ما الجواب عندي لمن ~~سال فقال أيقدر الله تعالى أن يتخذ ولدا أم لا؟ فإن قال: إن الجواب له أنه ~~يقدر على ذلك، فقد كفر من حيث إنه لا يصح له ولد إلا ولده والله متعال عن ~~هذه الصفة علوا كبيرا. # وأن قال الجواب أنه لا يقدر فقد عجزه، وإن قال الجواب هذا السؤال محال، ~~قلنا فقد قال الله: (لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء ~~سبحانه) (5) في هذا دلالة على وجوب القدرة ن فغن قال نعم فقد رجع عن قوله ~~إن السؤال محال، وإن قال لا، قلنا: فما وجه ذلك (6) بذكر المشيئة في مسالة ~~اجتماع الأضداد؟! وهذا كاف في دحض حجته إن شاء الله وبه التوفيق. PageV01P071 # مسألة: وأما جعله السماء ضدا للأرض، والبحر ضدا للبر من جهة الجوهرية. ~~فهذا غلط بين لأن بالإجماع أن السماء جسم والأرض جسم والبر جسم والبحر جسم ~~والأجسام لا تتضاد من حيث الجسمية بل من حيث اشتعالها للمكان عن حلول مثلها ~~فيه ما كانت هي حالة فيه، وعلى هذا فليس السماء ضدا للأرض من حيث إنها سماء ~~وأرض، بل من حيث اشتغالهما للمكان عن بعضهما بعض فيكون حينئذ كل جسم ضدا ~~لخلافه من الأجسام، وكذلك كل جوهر ضد لغيره من الجواهر وعلى هذا فالسماء ضد ~~للأرض وللبر وللبحر وغير ذلك من الأجسام من حيث إنها حيث حلت شغلت الجهة من ~~غيرها من الأجسام. # وقد قلنا فيما تقدم عن القاضي أبي زكريا يحيى بن سعيد في جوابه إلى ~~الخليل بن شاذان أن الجوهر ليست أجناسا مختلفة وجميعها متماثل فالمتماثل لا ~~تتضاد، فيجب ms58 أن يعتبر وجه مماثلته أهي في اللون أم في الجرم. والنظر يوجب ~~أنها في الجرم والأصلية لا في اللون، فإن اللون مختلف [55] وجوبه في الجوهر ~~فأثبته بعضهم ونفاه آخرون. على أنه لو اتفق على إثباته فيه لما صح أن يتوجه ~~هذا الخطاب إليه من قبل أنه خاطب في الجوهر دون العرض، اللون فعرض والله أعلم. # وإذا كانت الجواهر متماثلة فإنها إنما تختلف للأعراض القائمة بها فما ~~اختص منها بالبياض سمى أبيض، وما اختص منها بالسواد سمى أسود، وما حلته ~~الحركة سمى متحركا، وما حله السكون سمى ساكنا. وعلى هذا فليس الأبيض ضد ~~للأسود بل البياض ضد السواد على ما وجدت، وكذلك المتحرك لا يكون ضد الساكن ~~بل الحركة ضد السكون، لأن الأبيض والأسود والمتحرك والساكن إنما هي الجواهر ~~الموصوفة بما قام بها له من الأعراض، والبياض السواد والحركة والسكون هي ~~الأعراض الموصوف بها ما قامت به من الجواهر، الله أعلم. # مسألة: وأما جعله الصور فلب الصور اجتماعا للأضداد فهو من أو ضح دليل على ~~جهله بالأضداد وحقيقتها. PageV01P072 # ألا تراه قول ((لجعل السماء أرضا والبحر برا)) ثم قال: ((وهذا مطرد في ~~جميع الأضداد)) فأي اجتماع أضداد دل عليه حتى يطرد القول فيه، لأنه لو جعل ~~البر بجرا أليس يصير بحرا لا يبقى برا. وإنما اجتماع الأضداد لو كان الشيء ~~وجده برا بحرا من جهة واحدة، أو يكون سماء أرضا من جهة واحدة، وهذا محال ~~وهو الذي قال المسلمون إنه اجتماع الأضداد. # فانظروا معاشر المسلمين إلى معارضة من عارضنا إلى مبلغ علمه هذه الدقائق ~~فما نحن وهذا المنازع إلا كرجلين تنازعا في طعم السكر، فقال أحدهما: إنه ~~حلو وزعم الآخر أنه حامض، وتكابرا على ذلك فحلف كل واحد منهما على صدق قول ~~نفسه، فطلب منهما تصديق ذلك فأحضر القائل بأنه حلو السكر بعينه، وقال ~~أطعموه، وأحضر الآخر رمانا حامضا وقال الآن قد حضر الكسر فأطعموه لتعرفوا ~~أنه حامض أم لا!! فهذا حماقة وتجاهل على أهل اللغة فأي شيء هذا المتعلل ~~بحموضة الرمان ms59 علة طعم الكسر لأن عنده أن السكر هو الرمان!! # الواجب أن يؤخذ بيد هذا الإنسان ويرفق به وينبه على غلطه وسوء فهمه ويعلم ~~أن المعروف عند أهل العقل أن هذا الذي أحضرته ليس بسكر وإنما هو رمان، فإن ~~قيل الحق وإلا أنزل حيث نزل وحكم عليه بما قال وفعل، وبالله التوفيق. # مسألة: وقد رفع لنا الثقة أنه أومأ له إلى فحل من النخل ليريه إياه وقال ~~أخبرني عن ورق هذه النخلة ألست تعاينه حيا وتراه رطبا؟ [56] قال: قلت له ~~بلى!! قال: فقال ألا ترى إلى كربه ميتا، قال: فقال إلا ترى إلى الأضداد كيف ~~اجتمعت؟ فسبحانه الله العظيم ما أوهن عقل من ظن ذلك وما أقربه من الجهل!! ~~فأي ضدين اجتمعا هاهنا فهذا الورق الحي ليس بميت، وذلك الكرب الميت ليس ~~بحي، فإن كان ظن أن هكذا اجتماع الأضداد فقد ظن غلطا وحكم بالخطأ وإنما ~~اجتماع الأضداد أن تكون الورق نفسها حية ميتة في حال واحدة، والكربة ميتة ~~حية في حال واحدة فهذا هو اجتماع الأضداد المحال المعروف عند أهل العقل ~~والعلم. PageV01P073 # مسألة: ورفع لي الثقة أيضا أن من دلائله على الوصف بالقدرة على جمع ~~الأضداد، ووجدنا ذلك مقيدا عنه، أن الله تعالى خلق ملكا من الملائكة نصفه ~~ثلج ونصفه نار، قال: فقال انظروا إلى اجتماع الأضداد وليس هذا بأعظم من ~~الأول؟ وأين هو من اجتماع الأضداد؟ وكم بين هذا وذاك؟ وذلك أن النصف الذي ~~هو ثلج ليس بنار والنصف الذي هو نار ليس بثلج وكل واحد منهما غير الآخر. ~~وإنما اجتماع الأضداد لو كان هذا الملك نارا ثلجا وهذا محال لا يكون. # فإن تجاسر وزعم ذلك فقد لزمه أن تصدق من حلف بطلاق زوجته أن ذلك الملك ~~الموصوف بأنه ثلج نار أنه نار. ومن حلف أنه نار ثلج ن ومن حلف أنه لا نار ~~من فبل أنه ثلج من قبل أنه نار، وهذا بين لاستحالة ظاهر الفساد وبالله ~~التوفيق. # فإن عارض معارض واحتج محتج بالخنثي فقال ليس قد اجتمع ms60 فيها خلق الذكر ~~وخلف الأنثى ليس ذلك اجتماع الأضداد من حيث إنه من خلق الذكر ليس بأنثى ومن ~~حيث الأنثى ليس بذكر، وإنما حقيقة اجتماع الأضداد أن لو خلق الأنثى ويكون ~~على هذه الصفة ذكر أنثى وليس الخنثي كذلك. # الدليل على ذلك: أنه سمى مشكلا أي يحتمل أن يكون ذكرا لا أنثى وأن يكون ~~أنثى لا ذكرا، ليس أنه ذكر أنثى، ألا تراه جعل له نصف ميراث ذكر ونصف ميراث ~~أنثى ولو كان ذكرا أنثى لجعل له ميراث ذكر تام وميراث أنثى تام، وهذا منكشف ~~القناع بين عند الجدل والنزاع، ظاهر السبيل واضح الحجة والدليل، والله ~~الحمد والمنة وهو المعين وبه التوفيق. # الباب الثاني والعشرون # باب بيان الحق والاعتقاد # والدليل على استحالة الوصف بالقدرة على جمع الأضداد PageV01P074 وأما ~~الدليل على خطأ من وصف الله تعالى بالقدرة على جمع الأضداد فإنه من ثلاثة ~~أوجه: أحدها ن رد الإجماع، والثاني، بطلان الفرق بين الصدق والكذب، ~~والثالث، إفضاؤه إلي [57] تعجيز البارئ جلت عظمته، فإن الوصف لله بالقدرة ~~على كونه دليل على إمكانه وأنه يحتمل كونه إذ لا يخلو المنازع لنا أن يكون ~~المعتقد أنه ممكن، يحتمل أن يكون، أو محال لا يكون البتة. # وكلامه يدل على أنه ممكن، وقد وقع الإجماع على أنه محال في العقل وأن ~~المال في العقل غير ممكن فهذا رد الإجماع والراد للإجماع مخطئ ل شك في ذلك ~~وهذا وجه. # مسالة: ثم إنا لو جاز لنا تسليم هذا لوجه لبطل الفرق بين الصدق والكذب ~~اللذين هما من الأضداد التي لا تجتمع بالكتاب والسنة والإجماع لا خلف في ~~ذلك بين الأمة، لأنه إذا أمكن مثلا حياة زيد وموته في حال واحدة ثم سمعنا ~~متنازعين قد اختلفا في ذلك، أحدهما يقول: أنه رأى زيدا يوم كذا حيا، والآخر ~~يقول: إنه رآه وعانيه في ذلك الوقت الذي زعم الأول أنه فيه حيا ميتا، فكيف ~~يجوز أن يحكم لأحدهما بالصدق والآخر بالكذب بل يجب على هذا أن يكونا ~~صادقين. ثم لو ساغ ذلك ms61 لما جاز لنا أن نكذب من زعم أن هذا الشخص الذي يراه ~~حيا ميتا لا يمكن ذلك لأن الله بزعمهم قادر أن يخلق شخصا حيا فيه روح، ميتا ~~لا روح فيه، ثم حلف رجل بطلاق زوجته أنه رأى شخصا ما متحركا ساكنا في حال ~~واحدة، هل كان يمكن القائل بصحة الوصف لله بالقدرة على جمع الأضداد أن يحكم ~~علبه بطلاق زوجته إذا أخبر بما هو ممكن عنده في قدرة الله تعالى. وتجويز ~~مثل هذا حماقة عظيمة وجحد لحجة العقل لا يحتاج إلى إطناب وكثرة شرح وإسهاب، ~~فإن الخوض في الواضحات يزيدها غموضا. PageV01P075 # مسالة أنا لو سلمنا هذا الوجه لآل إلى تعجيز القدير وبطلان إرادته، فإن ~~الإجماع الذي لا منا كرة فيه أن يكون شيء قط إلا بإرادة الله تعالى ~~والإجماع من أهل الحق إرادة الله صفة من صفات ذاته فإذا ثبت أنها من صفات ~~ذاته سقط منها التعدد، ووجب أن تكون إرادة ذاتية متعلقة بجميع المحدثات لأن ~~الذات واحدة، فإذا ثبت ذلك فلا يد إذا جاز أن يقال إن الله قادر على جمع ~~الأضداد وإن جمع الأضداد ممكن ليس بمحال، أن يكون البارئ سبحانه إذا أراد ~~فعل ذلك أن يكون مريدا للشيء # لا مريدا له، فلا بد إلا من تعجيز وبطلان إرادته على مذهبهم الشنيع، فإن ~~إذا أراد كون الشيء فقد أراد [58] أن لا يكون ضده، فإذا أدار كون ضده فقد ~~أراد أن لا يكون هو لا يخلو على هذه الصفة أن يكون أو لا يكون، فإن يكن كان ~~ما لم يرد وإن لم يكن لم تنفذ إرادته. # بيان ذلك أنا إذا قلنا: إنه قادر على أن يجمع الحركة والسكون في محل ~~واحد، وأن ذلك ممكن أن يفعله، فلو أراد فعله فلا بد أن يكون مريدا لسكون ~~الحركة لا مريدا لها لإرادته كون الشيء مربدا لكون السكون لا مريدا له ~~لإرادته كون الحركة فإنه إذا قال له مثلا اسكن فقد أراد أن يتحرك، وإذا قال ~~له تحرك، فقد أراد أن ms62 لا يسكن فلا بد من بطلان إحدى الإرادتين، وذلك تعجيز ~~للموصوف بالقدرة على هذه الصفة سبحان الله تعالى عما يصفون!! لأنه متى تحرك ~~فقد ترك السكون، ومتى سكن فقد ترك الحركة، والله أعلم، وبه التوفيق. # وإذا قال له تحرك اسكن في اسكن في حال واحدة، فهذا خروج عن الحكمة، لأنه ~~إذا قال له تحرك اسكن في حال واحدة، فكأنه قال له لا تسكن لا تتحرك في حال ~~واحد، من حيث إن قوله تحرك، أي تحرك من مكانك الذي أنت شاغل له ولا تلبث فيه. # وقوله له: اسكن في حال حركتك أي البث في مكانك في حال نقلتك منه ولا تبرح ~~عنه في حال خروجك. PageV01P076 # على انه إن اتسع عقل لقبول هذا أن يكون متحركا ساكنا، لم ينكر أن يكون لا ~~متحركا من قبل أنه ساكن ولا ساكنا من قبل أنه متحرك ساكن لا متحرك ولا ~~ساكن، وما ليس بمتحرك ولا ساكن فليس بشيء إلا الله سبحانه المتعالي عن حلول ~~الحوادث فيه وطرق الإعراض عليه جل عن كل ما لا يليق به من الصفات وعلا علوا ~~كبيرا!! # مسألة: وأن قال هذا المنازع لنا، إن اجتماع الأضداد محال لا يمكن كونه ~~البتة، قلنا له، فما الفائدة في وصفه بالقدرة على المحال الذي لا يكون. فإن ~~قال، الفائدة في ذلك البراءة من تعجيزه والإقرار بقدرته على العموم لا على ~~الخصوص. قلنا، وأي تخصيص في قولنا إنه سؤال محال وأي دليل على تعجيزه ونحن ~~لا نقول إنه يعجزه ذلك ولا نقول إنه يقدر عليه، وإنما نقول إنه سؤال محال ~~فاسد متناقض ينفى بعضه بعضا. فإن قال، إذا لم تقولوا، يقدر على ذلك، فقد ~~عجز تموه ونفيتم قدرته على ذلك، قلنا، فهلا قلتم ذلك لمن قال هل يقدر أن ~~يخلق مثله، فأنتم تقولون إنه سؤال محال. فإن قيل هذا لا يجوز [59] من قبل ~~أن الله تعالى لا مثل له، ومتى جاز ذلك وقع التشبيه، قيل له: أما قولك: إن ~~الله لا مثل له فكذلك الأضداد ms63 لا جمع لها ولا اجتماع وهذا بالإجماع، كما أن ~~ذلك بالكتاب وكلاهما حجة، وقولك في جواز ذلك وقوع التشبيه، فلم يتقدم في ~~الجواب الاعتلال بذلك وإنما وقع الاعتلال بمخالفة معنى آخر السؤال بمعنى ~~أوله، وهذه العلة قد دللنا على وجودها في اجتماع الأضداد. ولو وقع الاعتلال ~~بالتشبيه لبطلت هذه العلة باستحالة السؤال عن القدرة على خلق قديم لا أول ~~له. فإن قال في ذلك إيجاب الأزل وذلك راجع إلى التشبيه، قلنا، قد وقع ~~الإجماع أن الله عالم والمخلوق عالم وليس في ذلك تشبيه غير هذا المنازع لنا ~~لا ينكر أن العلة اختلاف معاني السؤال، ومع إقراره بذلك لزوم ما قلناه وصحة ~~ما أجبناه به وبرهنا، والله أعلم وأحكم. # الباب الثالث والعشرون PageV01P077 باب المسألة الإباضية وصفة التنازع في ~~معانيها بالدلائل المضية # وأما المسألة الإباضية فهي أن كان من مات على الدين الإباضي متطوع بأنه ~~من أهل الجنة أم لا؟ # مقالتنا فقولنا في هذه المسألة إنا لا نشك في ذلك ولا نرتاب فيه، وأن هذا ~~لازم القطع به وإن لم يقطع به فقد شك في الدين الإباضي انه دين الله تعالى ~~أم لا؟ فلا يخلو الشاك فيه أن يكون عارفا بمقتضاه ن وما هو من معناه أو غير ~~عارف به من جهة هذه العبارة. فإن كان عارفا بمعنى الدين الإباضي وأنه هو ~~الدين الذي نحن دائنون لله به فقد شك في الحق اللازم اتباعه وارتاب في ~~القطع بالثواب لمن عمل به. والشاك في ثواب العاملين بطاعة الله وعقاب ~~المخالفين له بعد قيام الحجة عليه هالك. # مسألة: وإن كان غير عارف بمعنى ما أردناه وهو دائن لله بأن من مات على ما ~~هو موافق لنا على تصويبه فهو من أهل الجنة قطعا ... اللهم إلا أن يخطئنا ~~فيها قلنا على جهل منه بمعناه أو توهم منه فيما أوردناه فلا سلامة له عندنا ~~من الهلاك وبالله التوفيق. # وكذلك إن كان شاكا في القطع لمن مات على ما هو موافق [60] لنا في حقه فلا ~~مخرج له ms64 من الشك، الله أعلم وأحكم. # مقالة منازعنا: وأما المنازع لنا فبلغنا أنه هذه المقالة وأي بزعمه أن ~~هذه شهادة غيب لا يسع القطع بها وإنما يجوز ذلك على معنى الرجاء لمن مات ~~على الدين الإباضي أو على دين عبد الله بن أباض رحمه الله الظاهر بالجنة ~~... قالوا ولو جاز هذا لجاز أن يشهد لعبد الله بن أباض وجابر بن زيد ومحمد ~~بن محبوب وأمثالهم من المسلمين بالجنة قطعا. # وهذا يدل على جهل المنازع لنا لما أردناه وقلة علمه بمعنى (1) ما قصدناه ~~فمن لم يفهم المعاني بالكلام لم يعد من ذوى الأحلام ولم يلم فيما أسرع إليه ~~من الملام والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. PageV01P078 # مسألة: فإن قال لم خطأت المنازع في المسألة الجوهرية من حيث اعتماده على ~~ألفاظ الكلام، وفي هذه المسألة الإباضية عنفته على تركه مقتضى الكلام قلنا ~~كلا القصدين منا واحد ذلك أن للمخاطبات مقاصد ومقدمات وإشارات وإرادات. فمن ~~عدل عن موجباتها وسارع إلى تخطئة محتملها لم يسلم عند أولى الفهم وأن ~~الواجب أن لا يقطع في محتمل للحق والصواب بأحدهما، ولا بحال غير المحتمل عن ~~موجبه فمن فعل إحدى هاتين فقد تساوى خطؤه وشاع تعنيفه ولومه، والله أعلم ~~وبه التوفيق. # فصل # فأما القول في بيان هذه المسألة فإنه يشتمل ثلاثة فصول: الفصل الأول في ~~بيان درجات المختلفين من الأهم المكلفين وهو أربع درجات، الفصل الثاني في ~~بيان قواعد الدين الثلاث، وشرح مراتب المدينين، الفصل الثالث في حل ~~الإشكالات المعترضة في المسألة وهي ثلاثة إشكالات والله القوى المعين. # الباب الرابع العشرون # باب بيان درجات أهل الشرك # فالدرجة الأولى من درجات أهل الكفر الجاحدين بدين الله أصلا المثبتين ~~لقدم العالم وهم ... الدهرية والزنادقة والثنوية ومن وافقهم على ذلك من ~~البراهمة الغوية (1) ولأهل هذه الدرجة أقاويل مختلفة متناقضة وحجج عند أهل ~~الحق داحضة يجمعهم الجحد بالربوبية والرسالة النبوية، ونحن نشهد لمن مات ~~منهم على ذلك بالنار [61] وسخط الجبار، ولقصدنا إلى غيرهم نضرب صفحا عن ذكر ~~صنوفهم وتفسيرهم # مسألة: والحجة ms65 على هؤلاء في الجحد بالربوبية فيما قدمنا ذكره في المسألة ~~الجوهرية من الدلالة على حدث الجزء الذي لا يتجزأ وهو الجوهر الذي هو أصل ~~كل الجسم كفاية ولمعارضاتهم وتعاليلهم رد لأهل التوحيد ن والله أعلم. # مسألة: والحجة عليهم في الرسالة النبوية فمن وجهين، عقلي، وسمى. # فالعقلي: وجوب التعبد فيما لا يوصل إلى بيانه إلا من رسول الله تعالى ~~يعبر لعباه أوامر ونواهيه فهنالك يجب القطع بأنه سبحانه حكيم ن فإن الحكيم ~~لا يبعث رسولا إلا صادقا فهذا. PageV01P079 # وأما السمعي، ففيما يظهرونه لكافة الخلق من المعجزات الخارقة للعادات ~~المعجزة للأمم التي بعث فيها الرسل أن يأتوا بمثلها من كتب الله وآياته، ~~وتصورهم عن معارضتهم بشكلها وكفى بقصور العرب الذين بعث فيهم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عن معارضة ما جاء به من كتاب ربه مع فصاحتهم وأنفتهم ~~وحميتهم في نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وهذا كاف وبالله التوفيق. # مسألة: وأما الدرجة الثانية فهي درجة المقرين ببعض دين الله وهم الجاحدون ~~بنبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به مع إقرارهم بالربوبية ~~وتصديقهم للرسالة النبوية وهؤلاء اليهود والنصارى، ومن وافقهم على ذلك من ~~الملحدة الحيارى كالحرمدينية (2) من المجوس القائلين بنبوة زرا دشت ومن كاد ~~أن يلحق بهم. # ولهذا الدرجة مقالات مختلفة واعتلالات عن الحق منحرفة، يجمعهم جميعا ~~الجحد بنبوة محمد خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم وعلى آله أجمعين. نحن ~~نشهد لمن مات من هؤلاء على ذلك بالخزي العظيم والعذاب لأعظم القيم، ولا ~~حاجة بنا في هذا المقام إلى وصف مراتبهم وشرح مذاهبهم فللمسلمين في دحض ~~أباطيلهم ونقض حججهم وتعاليلهم [62] كتب مصنفة وآثار مؤلفة، فمن شاء تعلمها ~~فليرق سلمها (3)، وبالله التوفيق. # مسألة: وأما الاقتصار في الحجة عليهم ففي معجز الكتاب الذي جاء به وهو ~~القرآن فإنه الدليل القاطع والنور الساطع والسلطان لقاهر، والضياء الباهر ~~والحجة العظيمة والفضيلة الكريمة والخاصية العميمة التي لا يقدر متنبئ على ~~الإتيان بمثلها ولا بتمكن متراسل على مقابلتها بسلكها، وبالله التوفيق. # الباب الخامس ms66 والعشرون # باب بيان الدرجة والكفر في أهل القبلة # وأما الدرجة الثالثة من درجات أهل الكفر فهي درجة الخارجين من الحق ~~بعدولهم عن الصواب وسوء تأويلهم للسنة والكتاب مع إقرارهم بالدين وتصديقهم ~~بنبوة نبينا محمد خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم أجمعين. PageV01P080 # وهؤلاء هم فرق أهل القبلة الجاري عليهم حكم الملة وهم اثنان وسبعون فرقة ~~إلا من كاد منهم أن يلحق بأهل الدرجة الثانية. # وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة ~~كلها في النار إلا فرقة واحدة)). قال أصحابنا: ونحن تلك الفرقة، والحق ~~عندنا غير دارس ولا مجهول، ولأهل هذه الدرجة مقالات معروفة ومذهب موصوفة ~~يطول بذكرها الكتاب ويتسع باستيعاب شرحها الخطاب. # ونحن نشهد لمن مات من هؤلاء مصرا (1) على خلاف ما دانت به الإباضية ~~بالخزي والصغار والخلود في النار. ولقلة معرفتنا بتعينهم وصفهم وضعف ~~معرفتنا ببعض جملتهم سنقتصر على مقتضى أربنا، ونجعل ذكر من حاد منهم عن ~~مذهبنا في ثلاثة أصناف. # مسألة: فالصنف الأول في الروافض ... المضاهى بهم في سنة الرسول أهل البيع ~~بقوله صلى الله عليه وسلم: ((الرافضة نصارى هذه الأمة)) وهم فرق كثيرة ولا ~~غرض لنا في صف فرقهم وما تباينوا فيه من إفك مختلفهم، وإنما الغرض تخليص ~~أهل الحق منهم وإبانهم في التدين بالحق عنهم فمتى وضح تكفيرهم فاز بالحق ~~غيرهم، وتكفير كل فرق الأمة، ولو في مسألة واحدة كاف عن إسباغ القول في شرح ~~ضلالاتهم ووصف الرد على حججهم ودلالاتهم، وبالله [63] التوفيق. # مسألة: فأهل هذه الدرجة إلا من شاء الله منهم مجتمعون على القول بالوصاية ~~إلى على بن أبي طالب ويدين أكثرهم إلا من شاء الله بالبراءة من الخليفتين ~~الصالحين أبي بكر وعمر رحمهما الله. # وقد أوردنا طرفا من الرد عليهم في أمر الوصاية إلى على في الكتاب الذي ~~كتبناه لأصحابنا الخضارم (2) والله أعلم. وبه التوفيق. # مسألة: وأما الصنف الثاني فهم المرجئة والشكاك المساوون في حكم الآخرة ~~بين الصالحين والأفاك، ولأهل هذه الدرجة أسماء وألقاب وتنازع في مذاهبهم ~~وأسباب، وأظنهم ms67 يجمعهم الشك في وعيد الله لمن مات مصرا والدينونة بطاعة ~~الجبابرة أعداء الله. PageV01P081 # وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ((المرجئة يهود هذه ~~الأمة)). ولا حاجة لنا إلى ذكرهم بالتعيين والرد على صنوف مذاهبهم بالإيضاح ~~والتبيين، فغنما قصدنا بهذا الكتاب من يوافق على تخطئتهم على أن في ~~اجتماعهم على الشك في وعيد الله لمن مات مصرا على معصيته وننفى الخلود في ~~النار لبعض أعداء الله مع قول الله تعالى: (ما يبدل القول لدى) (3)، وقوله: ~~(إن الله لا يخلف الميعاد) (4) ن وقوله: (ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من ~~خشيته مشفقون) (5)، والله في إيجاب وعيد الله وأبطال الشفاعة لأعداء الله، ~~وقوله في تخليد كل عاض: (ومن يعض الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا ~~فيها وله عذاب مهين) (6) كفاية في عرفان كفرهم وعلم مفارقتهم لأهل الحق ~~وكرهم، وبالله التوفيق. PageV01P082 # مسألة: وأما الصنف الثالث فهم المعتزلة والقدرية والمجبرة الأخسرية فقد ~~روى ((أن القدرية مجوس هذه الأمة)) وهم أحزاب متباغضون وأضداد متناقضون فهم ~~بين قائل، وإن الله لم يخلق أفعال ولم يردها، وأن العباد مفوضة إليهم ~~الأمور يفعلوا (7) ما شاوا [64] من خير أو شر، وليس لله في أفعالهم مشيئة، ~~وهؤلاء هم القدرية، على أنهم مفترقون في المعنى وفي القول به، وبين قائل، ~~إن الله تعالى جبر العباد على الطاعة والمعصية وأنه سبحانه يعذبهم على فعله ~~بهم لا على أفعالهم، ولم نقصد إلى ذكر الرد عليهم؛ فإن في النفوس من ~~استبشاع هذين المعنيين ما يغنى عن ذكر الرد عليهم فقول المسلمين أهل الحق ~~المبين غن الله تعالى خلق فعل الطاعة من المطيع له طاعة حسنة وخلق فعل ~~المعصية من فاعلها معصية قبيحة بعمل العبد ما سبق في علم الله أن سيخلقه ~~طاعة حسنة مثابا عليها فاعلها فأطاع وعمل ما سبق في عمله سبحانه أن سيخلفه ~~من فعله معصية قبيحة مذمومة معاقبا عليها فاعلها فعصى، وإنما عذب العبد على ~~فعله المعصية التي خلقها الله وشاءها وأرادها معصية من كبسه لا على خلقه ms68 ~~كسب عبده معصيته وإرادته، وهذا فرق بين فعل الله وفعل العبد ن بالله ~~التوفيق. # وقد برأ المسلمون من هذا الصنف وفارقوهم عليه، ونحن موافقو المسلمين على ~~براءتهم منهم، ونشهد لكل من مات منهم على ذلك المذهب بالنار التي أعدها ~~الله عقابا للكفار لا شك عندنا في ذلك ولا ريب، وبالله التوفيق. PageV01P083 # مسألة: وأما الصنف الرابع فهم الخوارج المارقة المعروفون بالأزارقة ~~وجماعة صنوفهم المنتحلين للهجرة وتشريك من خالفهم من أهل القبلة، ~~واستحلالهم الاستعراض للناس بالسيف وسبى ذراريهم وغنيمة أموالهم، وهم أحزاب ~~وفرق كثيرة، تجمعهم البراءة والمفارقة للعلم في الدين، والإمام للمهتدين، ~~والحجة للمسلمين عبد الله بن أباض رحمه الله، على خلافه لهم فيما دانوا من ~~الخطأ والضلال ونحن نشهد لكل من مات على دين هؤلاء بالنار المعدة الفجار، ~~ولا حاجة لنا إلى الرد عليهم فيما ذهبوا إليه، وفارقهم المسلمون عليه، ~~لقصدنا إلى غير ذلك وغرضنا في غير أولئك وبالله التوفيق. # فصل # وهذا جملة فرق أهل الضلال والكفر التي ظهرت قبل عبد الله بن أباض رحمه ~~الله [65] وقد لحق بهؤلاء في الضلال والكفر قوم ادعوا مذهب الإباضية، ~~وتسموا باسم النحلة المرضية، حدثوا بعد عبد الله بن أباض رحمه الله (8) وهم ~~فرق معروفة ولهم مقالات موصوفة تجمعهم التخطئة لمحبوب ابن الرحيل رحمه ~~الله. قال الله تعالى: ((فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون)) (9). # الباب السادس والعشرون # باب بيان الدرجة العليا وبيان أهل الحق # وأما الدرجة العليا فهي درجة أهل الحق والصواب المتمسكين بالسنة والكتاب ~~وهو الأخيار الأباضيون والأفاضل المرضيون المفارقون لأهل الجحود والشرك، ~~الخالعون لأهل الضلال والإفك، المتبرئون من أهل الإرجاء والشك، والمتمسكون ~~بحقائق الدين السالكون سبيل المهتدين، فهم الدين حكموا بالحق فعدلوا ومضوا ~~على سنة الرسول فما بدلوا، أهل الشراء والتحكيم، والقول الأعدل المستقيم ن ~~فهم أهل الولاية والرضوان ن والروح والرحمة والغفران، أولئك مع الذين أنعم ~~الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا. # فصل PageV01P084 فهذه الدرجات الأربع بصنوفها لا انفكاك لكل متعبد من ~~أحد، لعله درجات موصوفها، قد ms69 أجملناها في تصنيف المقال، واكتفينا فيها به ~~عن شرح ونقض الاعتلال إذ المنازع لنا يعترف بها وأن أشكلت عليه دقائق كل ~~درجة وسببها، فلنأخذ الآن في الفصل المقصور على إثبات الدين وما تعبد به رب ~~العالمين القادر على شيء القوى المعين. # الفصل الثاني # الباب السابع والعشرون # باب بيان قواعد الدين ومعانيه # وأما هذا الفصل المقصور على بيان الدين والمتدينين به فإنه يحتوى على ~~ثلاث قواعد: # القاعدة الأولى أربع مسائل: # الأولى: في أن الله تعالى دينا تعبد به المكلفين من عباده على السن ~~أنبيائه [66] عليهم السلام. # الدليل على ذلك قول الله تعالى (إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا ~~وأنتم مسلمون) (1)، وقوله سبحانه: (ألا لله الدين الخالص) (2)، وقوله جل ~~ذكره: (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء) (3)، وقوله عز ~~وجل: (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره ~~المشركون) (4)، وغير ذلك من الآيات الدالة على ما ذكرناه. # المسألة الثانية: أن معنى دين الله الذي تعبد به، طاعته سبحانه فيما أمر ~~به ونهى، والدليل على ذلك قول الله سبحانه: (إن الدين عند الله الإسلام) ~~(5) والإسلام في اللغة الاستسلام والانقياد وهو الحقيقة الطاعة لقول الله ~~تعالى (وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له) (6) أي انقادوا له بالطاعة. # وإن كان اسم ((الدين)) في اللغة يشتمل على غير معنى الطاعة نفسها، ~~كالجزاء والحساب والعادة والذات، ففي قولنا الذي تعبد به احتراز من جميع ~~ذلك، والله أعلم. # ولا جاهد المسألة أو شاك فيها إلا داخل أهل الدرجة الأولى التي وصفناها ~~بجحد الدين أصلا من .... والدهرية والزنادقة والثنوية، والله أعلم وبه ~~التوفيق. PageV01P085 # المسألة الثالثة: في أن الدين الذي تعبد الله به عباده لا تخلو أرض الله ~~من قائم به مطيع فيه لربه داع للمكلفين إلى موجبة فهو الحجة فيه على جميع ~~مخالفيه. # الدليل على ذلك قول الله تعالى عز من قائل: (يأيها الذين آمنوا أطيعوا ~~الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم) (7). فلم يخاطب الله سبحانه بطاعته ~~أولى الأمر إلا مع عدم ms70 الرسول ووجود أولى الأمر. وقال أيضا: (يأيها الذين ~~آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين) (8)، فلم يخاطب سبحانه بالكون مع ~~الصادقين إلا وهم موجود دون مع وجود الخطاب. ومن هاهنا أوجب المسلمون على ~~ناس وجد أهل عصره مختلفين متضادين يخطئ بعضهم بعصا أن يبحث عن أهل الحق ~~ليكون معهم ومنهم فيكون متبعا لحجة الله عارفا بها مصدقا لها لأن أهل العصر ~~لا بد أن يكونوا مختلفين. # الدليل على ذلك قول الله تعالى: (ولا يزالون مختلفين. إلا من رحم ربك) ~~(9)، وهذا الاختلاف ينبغي أن يكون اختلاف تضاد، واختلاف التضاد بيناه في ~~كتاب ((الاهتداء)) (10). والمتضادون متى كان بعضهم مبطلا كان الآخرون ~~محقين، قال الله تعالى: (فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون) (11) [67] ~~فلا يكون شيء ما حقا بالدين وهذا محال. وهو اجتماع الأضداد وقد ذكرنا وجه ~~استحالته فيما مضى من الكتاب، وبالله التوفيق. # المسألة الرابعة: في أن القائمين بدين الله تعالى العاملين به الداعين له ~~من هؤلاء المتضادين مستوجبون لرضا الله ورحمته وثوابه وكرامته، وهى الجنة قطعا. # الدليل على ذلك قول الله تعالى: (ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات يجرى من ~~تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم) (12). # وأنهم مستحقون لجميع الأسماء الحسنة المسمى بها بما اشتقت منه دين الله ~~كالمؤمنين والصالحين والمتقين وما أشبه ذلك. # وكل مطيع الله تعالى فهو مستحق في الحقيقة لجميع تلك الأسماء وما أشبهها ~~من دين الله مستحق لجنة الله وهو من أهلها. PageV01P086 # ولا يكون العبد مطيعا الله تعالى إلا بالقيام بجميع دينه الذي قلنا إنه ~~طاعته فيما أمر ونهى فهو من أهل الجنة. والله أعلم وبه التوفيق. # مسألة: وان المخالفين لدين الله تعالى العاملين بمعصيته مستحقون لسخط ~~الله وعقوبته وهي النار. # الدليل على ذلك قول الله تعالى: (ومن يعص الله ورسول ويتعد حدوده يدخله ~~نارا خالدا فيها وله عذاب مهين) (13) وفي هذا الآية دليل على تخليد كل عاص ~~الله تعالى والمدعى للتخصيص عليه إقامة الدليل. # وانهم مستحقون لجميع الأسماء القبيحة المسمى بها معصية الله كالمجرمين ~~والكافرين والفاسقين ms71 والفاجرين وما أشبه ذلك، ما سوى الشرك والنفاق فلا ~~يجوز جمعهما في تسمية عاص البتة. فإن ((الشرك)) اسم تفرد به أهل الدرجتين ~~الأوليين من درجات أهل الكفر، و ((النفاق)) اسم تفرد به أهل الدرجة الثالثة ~~بصنوفهم ومن الحق بهم في موجبه من المنهكين لما يدينون بتحريمه، وقد كنا ~~بينا الأدلة على أحكام هذه المعاني في الكتاب الذي كنا أخذنا في إنشائه ~~لأصحابنا الخضارم ولا حاجة بنا هاهنا إلى إعادة ذلك إذ لا منازع لنا الآن ~~في ذلك وبالله التوفيق. # فغن معصية الله يقع عليها اسم الكفر والفسق والفجور والإجرام وما أشبه ~~ذلك، وقد بينا ذلك في الكتاب الذي ذكرناه [68] فكل من عصى الله ولم يتب من ~~معصيته ومات مصرا على خطيئته فهو من أهل النار خلافا للمرجئة والشكاك ~~الزاعمين بأن أهل الكبائر يدخلون الجنة بالشفاعة، وأن القاتل والمقتول ظلما ~~في الجنة. PageV01P087 # الدليل على ذلك قول الله تعالى: (وقد خاب من حمل ظلما) (14) أي من مات ~~مصرا إلا من تاب من ظلمه توبة صحيحة. فمحال أن يكون حاملا للظلم وقد قال ~~الله تعالى: (والذي إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما * ~~والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا ~~بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما) (15) إلى قوله: (إلا من تاب وآمن ~~وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحميا) ~~(16) ومن يبدل الله سيئاته حسنات فمحال أن يكون حاملا للظلم. وقال: (إلا ~~الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم الله فأولئك مع المؤمنين ~~وسوف يؤب الله المؤمنين أجرا عظيما) (17)، وفي هذه الآيات الدالة على ذلك ~~كثير، والله أعلم. # الباب الثامن والعشرون # باب القاعدة الثانية وبيان حكم دين رسول الله # صلى الله عليه وسلم # وأما القاعدة الثانية فهي في الدين الذي كان عليه نبينا محمد صلى الله ~~عليه وسلم قائما. وداعيا إليه، وعاملا به، حتى مات، هو دين الله تعالى الذي ~~ذكرناه في القاعدة الأولى بعينه حقيقة لا ms72 شك عندنا في ذلك وأن قولنا، كل من ~~مات على دين رسول الله صلى الله عليه وسلم من أمته فهو من أهل الحنة مستحق ~~لجميع تلك الأسماء التي ذكرناها، من مات على غير دينه أمته فهو من أهل ~~النار مستحق لجميع تلك الأسماء القبيحة التي ذكرناها، غير المشتقة من ~~الأفعال كالزاني والسارق والمرابي وما أشبه ذلك، فلا يسمى بهذه الأسماء إلا ~~فاعلوها. # فقولنا من مات على غير دين الله أو على غير طاعة الله فهو من أهل النار ~~لا فرق في ذلك إذ دين محمد صلى الله عليه وسلم هو دين الله بغينه حقيقة. PageV01P088 # وعلى جحد هذه القاعدة استحق أهل الدرجة الثانية التي ذكرناها في صدر هذا ~~الكتاب من اليهود والنصارى، ومن وافقهم على ذلك اسم الشرك. كان بأهل الدرجة ~~الأولى أليق والجحدهم بجميع دين الله [69] أصلا الحق، فهم معنا مشركون ~~جاحدون في أحكام الآخرة من أهل النار خالدون، أعاذنا الله وجميع المسلمين ~~من كل فتنة، ونجانا من كل ضلالة ومحنة، وبه التوفيق إن شاء الله. # الباب التاسع والعشرون # باب القاعدة الثالثة في حكم من مات على ما دان به المسلمون # وأما القاعدة الثالثة فإنها تحتوى على ثلاث رتب: # الرتبة الأولى: في أن الدين الذي كان عليه أبو بكر وعمر رحمهما الله في ~~حكم الظاهر هو دين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بغينه، وهو دين الله ~~الذي ذكرناه بنفسه فإن قولنا من مات على دين أبي بكر وعمر - رحمهما الله - ~~الذي ماتا عليه في حكم الظاهر من أمه محمد، فهو من أهل الجنة قطعا، مستق ~~لتلك الأسماء الحسنة التي ذكرناها، وفي القاعدة الأولى شرحناها، ومن مات ~~على خلاف دين أبي بكر وعمر من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فهو من أهل ~~النار قطعا. مستحق لتلك الأسماء القبيحة التي ذكرناها أيضا، بمنزل قولنا من ~~مات على دين رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فهو من أهل الجنة قطعا، ومن ~~مات على غيره فهو من أهل النار قطعا. إذ الدين الذي كان ms73 عليه أبو بكر وعمر ~~في حكم الظاهر هو دين رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وهو دين الله حقيقة. # وعلى جحد هذه القاعدة فارق المسلمون الروافض وخالفوهم وشهدوا عليهم ~~بالكفر، كفر نفاق لا كفر شرك، إذ هم مخطئون في التأويل لا التنزيل، ونحن من ~~جميع أولئك براء وبالله التوفيق. PageV01P089 # مسألة: غير أن هاهنا شبهة واحدة وهى ربما سبق إلى الضعيف بون ما بين ~~القطع على من مات دين رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وبين القطع على من ~~مات على غير دين أبي بكر وعمر رضى الله عنهما. فتقول: هناك نص من الكتاب ~~بقول الله تعالى: (من يطع الرسول فقد أطاع الله) (1) ولا نص على بين أبي ~~بكر عمر. # الجواب: إن النص يقابله النص، بقوله: (ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما ~~تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا) (2) وقوله: (أطيعوا الله أطيعوا الرسول وأولى ~~الأمر منكم) (3)، فقد أمر بطاعة أولى الأمر، كما أمر بطاعة الرسول صلى الله ~~عليه وسلم وفد قيل ((العلماء ورثة الأنبياء)). # وأما التعيين [70] على أبى بكر وعمر فقد صح من الشهرة التي أجيزت بإجماع ~~الأمة من المهاجرين والأنصار على تقديمهما، ووجوب طاعتهما، وكفى به حجة ~~بالإضافة إلى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لا شك فيه حيث يقول: ((أمتي ~~لا تجتمع على خطأ)) أو قال (0على ضلال)) فإذن يحب أنها لا يجتمع إلا على ~~الحق والهدى والصواب متبع لحجة الله تعالى وحجة رسوله- صلى الله عليه وسلم- ~~وهو من أهل الجنة إن مات على ذلك وموقع ما أصحته الشهرة موقع ما أخبر به ~~الكتاب والسنة للإجماع على ذلك. # مسألة: وزيادة الإيضاح في ذلك أن يقال للمنازع، أخبرنا عن الدين الذي صح ~~عندك أن أبا بكر وعمر كانا عليه في حكم الظاهر هو دين الله تعالى الذي تعبد ~~به أم خلافه. # فإن قال الخلافة فقد وافق الروافض ولزمه البراءة منهم إذ زعموا أنهم على ~~دين الله وكفاهم ذلك سقوطا عند أهل العدل من المسلمين. وإن قال إنه دين ~~الله، فلنا: أفليس من مات على دين ms74 الله فهو من أهل الجنة، وإن قال لا، كفر ~~بدين الله. PageV01P090 # قلنا: فإذا كان دين أبي بكر وعمر رحمهما الله الذي صح معنا ومعك أنهما ~~كانا في حكم الظاهر عليه، هو دين الله، وقد صح أن من مات على دين الله فهو ~~من أهل الجنة، فما المانع من القطع بالشهادة لمن مات على دين أبي بكر وعمر ~~لأجل اسم أبي بكر وعمر أم لغير ذلك فلا يجد بدا من ذلك. # وسنزيد هذه المسألة بيانا فيما بعد إن شاء الله. # مسألة: فإن قال قائل: أفتشهدون لأبي بكر وعمر بالجنة قطعا، قلنا: حاش لله ~~أن نشهد بالغيب وندخل في الشك والريب، وإنما نتولاهما بحكم الظاهر ونشهد ~~بالحقيقة أنها إن كانا قد ماتا في سرير نهما على الدين الذي كانا في حكم ~~الظاهر عليه، فهما من أهل الجنة، ونحن نرجو لهما ذلك إن شاء الله. # فإن قال، فكيف شهدتم لمن مات على دينهما بالجنة ولم تشهدوا لهما هما ~~بالجنة؟! # فالجواب يأتي في بيان الإشكال الثالث من هذا الكتاب، وبالله التوفيق. # الباب الثلاثون # باب الرتبة الثانية: في حكم من مات على ما دان به أهل النهروان # رحمهم الله تعالى # [71] وهو أن الدين الذي مضى أهل النهروان (1) رحمهم الله، فهم: المحكمة ~~(2)، والشراة (3)، في حكم الظاهر هو دين أبي بكر وعمر ماتا عليه في حكم ~~الظاهر بعينه، وهو دين رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي مات عليه سرا ~~وجهرا، وهو دين الله تعالى الذي ذكرناه حقيقة. # وإن قولنا من مات على دين المحكمة والشراة فهو من أهل الجنة. # ومن مات على خلافة من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فهو من أهل النار، هو ~~بمنزلة قولنا من مات على دين أبي بكر وعمر وعلى دين رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، أو على دين الله فهو من أهل الجنة سواء لا فرق في ذلك ولا شك في ~~دين أولئك ولا شبهة هاهنا إلا الشبهة التي ذكرناه في رتبة أبي بكر وعمر ~~رحمهما الله. PageV01P091 # والجواب عنهما ms75 كذلك، إذ الإجماع قاطع أن حجة الله قائمة ممن بها لا يخلو ~~أرض الله منها حجة على من خالفها. فالمتبع لها من أهل الجنة والمخالف لها ~~من أهل النار، فلا يخلو أن يخلو أن يكون أهل الحق المتمسكون به القائمون ~~بحجة الله هم أهل النهروان، ومن برئ منهم وخالفهم وحاربهم على دين الله، ~~فإن كانوا هم أهل الحق وجب الذي قلناه، وثبت الذي أصلناه، وإن كان أهل الحق ~~الذين خالفوهم فيما كانوا جميعا عليه محقين فيجب على هذا البراءة والشهادة ~~وبالنار لمن مات على سبيلهم ودينهم، حاش لهم من ذلك!! فهذا ظاهر البطلان من ~~حيث إنهم هم الذين ثبتوا على ما كانوا هم ومخالفوهم فيه محقين، وإن ~~مخالفيهم هم الذين خالفوا الذين الذي كانوا مجاهدين عليه بحكم الله تعالى، ~~حيث يقول: (فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله) (4) إلى حكم الله، لا ~~إلى حكم الرجال الفسقة الجهال. ولا منازع في هذا الذي قلنا إلا الحشوية (5) ~~والشكاك، ونخن وجميع المسلمين منهم نخلفهم ونشهد لمن مات منهم على ذلك ~~بالنار وغضب الجبار. # فنعوذ بالله بالشك في أهل الضلال أو الارتياب في شيء من ديننا في حال من ~~حال، وبالله التوفيق. # الباب الحادي والثلاثون # باب المرتبة الثالثة: في من مات على الدين الإباضي # وهو أن الدين الذي ظهر إلينا وصح لدينا أن عبد الله بن أباض رحمه الله ~~كان عليه حتى مات في حكم الظاهر، وهو حكم المحكمة والشراة، وهم أهل النهر ~~(1)، ومن كان على سبيلهم وهو دين أبي بكر وعمر رحمهما الله، ومن كان على ~~سبيلهما وهو دين رسول الله صلى [72] الله عليه وسلم، الذي ذكرناه، وأن ~~قولنا من مات على دين عبد الله بن أباض رحمه الله، فهو من أهل الجنة، ومن ~~مات على خلافه فهو من أهل النار، بمنزلة قولنا من مات على أبي بكر وعمر أو ~~على دين رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا فرق في ذلك. PageV01P092 # وهذه المرتبة هي التي عورضنا فيها بالنزاع والتعنيف، وفوقت في ms76 حكمنا ~~بالحق فيها سهام الوهن والتضعيف، ونحن (2) نعوذ بالله أن نعبده على الشك ~~فيما دناه أو ندين له على خوف عقوبتنا فيما أمرنا به فاعتقدناه. # نسبحان الله العظيم كيف ينساغ لمن قال إني أدين الله تعالى بالدين الذي ~~كان عليه عبد الله بن أباض، فإذا قيل له هو عندك دين الله تعالى الذي تعبد ~~به عباده، قال نعم حتى إذا حتى إذا قيل له أفمن مات عليه دخل الجنة غذ هو ~~الحق لا غيره، ومن مات على خلافة دخل النار، غذ هو باطل ضد الحق قال أرجو ذلك. # فما لمن اعتصم بهذا ركن يستند إليه إلا الشك في نفسه والارتياب في دينه. # مسألة: ويقال له أيها الراجي لمن مات على دين الإباضي الجنة؟ أعندك عليه ~~خوف أم لا؟ # فإن قال: لا، قيل له، فما المانع عليه بذلك؟ فلا يجد عن ذلك بدا. # وأن قال: نعم، قيل له: فخوفك عليه أن يعذب أم غير ذلك؟ فلا يمكنه إلا ذلك ~~إذ ليس إلا الجنة أو النار. # فإذا قال ذلك، قيل له: أخوفك عليه أن يعذب على كونه على هذا الدين أم لا؟ ~~فإن قال بلى، قيل له: فتخاف إذا أن يعذب عليه إذ هو حق أم تخاف أن يكون ~~باطلا؟ فإن قال: هو حق، وهذا رد على الله حيث يقول (من يطع الله ورسوله ~~يدخله جنات تجرى من تحتها الأنهار (3) خالدين فيها وذلك الفوز العظيم) (4) ~~وهذا راجع إلى التكذيب وحاش الله يعذب على فعل الحق. # وإن فال: أخاف أن يكون غير حق، فهذا هو الشك فيما فإن دان به، قال الله ~~تعالى: (ومن الناس من يعبد الله على حرف) (5) أي على شك فإن أصابه خير ~~اطمأن به، وإن أصابته فتنه انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو ~~الخسران المبين. # وإن قال: أخاف أن يكون مات مصرا على شيء من معاصي الله تعالى بقول أو فعل ~~أو نية!! PageV01P093 # قيل له: هذا خلاف ما قلناه فإن من مات على شيء من هذا فخارج ms77 من الصفة ~~التي وفتا وليس بميت على الدين الإباضي ونحن إنما قلنا من مات على الدين ~~الإباضي ولا يمون على الدين الإباضي (6) إلا ولى الله تعالى مخلصا الله ~~قوله [73] وفعله ونيته، ومن هذا صفته فلا شك أنه من أهل الجنة، ومن لم يمت ~~على هذه الصفة فقد مات على ضدها ومن مات على ضدها فهو لا شك عندنا أنه من ~~أهل النار، والله أعلم بالحق التوفيق. # الفصل الثالث # الباب الثاني والثلاثون # باب بيان حل الإشكال المعترض # وإما الإشكال المعترض في هذا المسألة وهى ثلاثة أشكال: # الإشكال الأول: وهو ربما يكون إنما قصر بالمنازع لنا هذه مستحقا له ويلزم ~~الحكم له به. أرأيتم لو سمى نفسه مطيعا الله وهو عامل بمعصيته، أهو مطيع ~~الله؟ وكذلك أن يسمى سعيدا وبرا وصالحا. وقد وقع الإجماع من الكتاب والسنة ~~والإجماع أن كل مطيع الله أو كل تقي أو مؤمن أو صالح، فهو من أهل الجنة، ~~وهل يدخل في هذا الحكم المتسمون بذلك وهذا ظاهر الفساد وكفى في ذلك أن ~~الحشوية قد اتسموا بالسنة والجماعة، وشهر هذا الاسم فيهم حتى كاد أن يطبق ~~عليهم (1). # وقد قال المسلمون إنهم كذبوا في ذلك وليسوا بأهل السنة والجماعة بل هم ~~أهم البدعة والفرقة والله أعلم. # فلو كان المتسمى بالاسم يكون مستوجبا لحكمه لكنا مخطئين في قولنا، من مات ~~على السنة والجماعة فهو من أهل الجنة من قبل تخطئتنا لهؤلاء المتسمين بهذا الاسم. # مسألة: فإن قال يقع عليهم على المجاز، قلنا: فمن يستحقه على حقيقة ~~المراد؟ فإن قال: لا يستحقه أحد، قلنا: فهل تجدون اسم ما لا يقع على شيء ~~حقيقة فلا يجدون ذلك أبدا، إذ الأسماء ما جعلها الله تعالى إلا أسماء ~~بأشياء. # وأن قال: يقع على أهل الحق حقيقة وعلى خلافهم من الداعين له مجازا. PageV01P094 # قلنا: فإذا المخالفون عندكم حقيقة لا يقع عليهم اسم الدين الإباضي وإنما ~~يقع على أهل الحق. فإن قال نعم، قلنا: فهذا الذي أردناه ودعونا إلى الحكم ~~به وقصدناه فارجعوا إلى الحق، وقولوا ms78 إنه من مات على الدين الإباضي فهو من ~~أهل الجنة قطعا، فإن المجاز لا ينتفض الحقائق. # مسألة: والذي عندنا أن هذا الفرق التي حدثت بعد عبد الله بن أباض ليسوا ~~أباضيين ولا أهلا للدين الإباضي فإن كل من خالف الحق بدين أو رأى أو قول أو ~~فعل حتى مات على ذلك فقد مات غير الدين الإباضي [74] في الحقيقة، والله ~~أعلم وبه التوفيق. # الأشكال الثاني: وهو ربما أن يكون هذا المنازع لنا إنما جبن عن القطع ~~بذلك خوفا أن يكون حكما بالغيب، فيقول: هذا قطع في أحكام الآخرة، وليس لنا ~~تعاطى ذلك فنشهد بالغيب. # فالجواب إن كشف هذا الإشكال هذا واضح بملاحظة (2) شيئين: # أحدهما، تعرف وجهي ولاية الحقيقة اللذين أحدهما بالصفة كولايتنا للصالحين ~~والمؤمنين والمتقين بالحقيقة التي مرجعها إلى الشهادة بالجنة. # والآخر، المسألة عن القطع في ذلك اشتمال اسم الإباضي على كل مدع له من ~~الفرق المتشعبة فيه، فيقول، تم فرق شتى كل فرق تدعيه دون غبرها فهاهنا ~~إشكال ولا يجب القطع بلفظ مشكل. PageV01P095 # فالجواب، إن دفع هذا الإشكال جلى عند من تأمل السبب المولد له فاقتصر على ~~حقيقته فإنه متى فعل ذلك اندفع عن الإشكال من هذا الوجه. وتقربيه أن نقول ~~سبب هذا الإشكال الغفول (3) عن الفضل بين من يستحق معنى هذا الاسم حقيقة ~~وبين من يدعيه، فإنه متى تأمل هذا السبب تحقق أن المستحق لهذا الاسم حقيقة ~~هم طائفة أهل الحق المتمسكين به من بين لفرق فقط. لأن المعروف عند الأمة أن ~~المراد بالإباضي كل من كان على ما كان عليه عبد الله بن أباض رحمه الله من ~~الدين، إذ قد بينا درجات المختلفين من الأمم المكلفين الأربع التي درجة أهل ~~الحق العليا منهم واحدة، وهم اليوم عندنا المتمسكون بدين عبد الله بن أباض ~~الذي قلنا إنه دين الله، وإنما يقتصر على هذا السبيل عند من وافقنا على حق ~~الدين الذي كان عليه عبد الله بن أباض. الذي عندنا هذا المنازع لنا أنه ~~موافق في ذلك. # مسألة: ويقال له ms79 من أين أنكرت أن لا تجوز الشهادة قطعا لمن مات على الدين ~~الإباضي بالجنة؟ فإن قال، لاشتراك الفرق المتشعبة في ادعائه كالطريفية (4) ~~والشعبية (5) والهارونية، والصفرية، وما أشبهم. قلنا فجميع هذه الفرق هم ~~عليه أم لا؟ فإن قال: نعم، قلنا: وهم مع ذلك متضادون يبرأ بعضهم من بعض. ~~فإن قال لا، أنكروا المعقول المعروف، وإن قالوا نعم، قلنا هذا محال أن يكون ~~للضدين معنى الاسم الواحد وهذا [75] مكابرة العقل. وإن قال: ليس الجميع ~~عليه قلنا: أفليس إنما عليه طائفة الحق خاصة دون غيرهم؟ فإن قال نهم قلنا ~~فقد خرج من سواهم عنه أم لا؟ فإن قال بلى، قلنا: فخرجوا في الاسم في الاسم ~~عندكم والمعنى أم في المعنى دون الاسم؟ فإن قال: في المعنى دون الاسم، ~~قلنا، فهم مستحقون هذا الاسم عندكم؟ فإن قال نعم، قلنا، بم استحقوه وهم ~~عندكم على خلافه؟ فإن قال، بتسميهم به، قلنا فكل متسم باسم يكون، فقد حكمتم ~~لهم قطعا بالدين الذي من مات عليه دخل الجنة لإضافتكم إياه إليهم. PageV01P096 # قلنا: إنما قلنا دينهم الذي ظهر إلينا عنهم وصح معنا أنهم كانوا في حكم ~~الظاهر عليه فليس من ظهر له عمل صالح حكم له بالجنة، بل إن من مات في ~~السريرة عليه ولم يخالف الحق فيه بقول أو عمل. فإن من دان بشيء من الضلال ~~في سر أو علانية، فهو على غير دين الله، ولو كانت أعماله كلها موافقة للحق ~~إلا ذلك فقد مات على غير دين الحق، وكذلك من دان بالحق ولم يخالف في تدينه ~~شيئا منه غير أن شيئا من أعماله مخالفا للحق ومات على ذلك فقد مات على غير ~~دين الحق. # مسألة: ونحن نقول إن هؤلاء الذين قلنا إن من مات على دينهم الظاهر إلينا ~~عنهم فهو من أهل الجنة، إن كانت سرائرهم التي ماتوا عليها موافقة لظواهرهم ~~التي صحت عندنا فهم من أهل الجنة. # مسألة: وقد قال محمد بن روح بن عربي في سيرة تنسب إليه، ولا تحل لنا ~~الشهادة بالغيب ولكن ms80 نشهد الله شهادة لا يخالجنا فيها شك أن عبد الله ابن ~~يحيى رحمه الله إن كانت سريرته موافقة لعلانيته ومات على ما علمنا منه فإنا ~~نشهد بلا شك يخالجنا في شهادتنا بأنه على هذه الشريطة من أهل الجنة، وكذلك ~~إن مات قطري بن الفجاءة (6) على توبة عما ظهر منه في الدار فإنا نشهد على ~~هذه الشريطة أنه من أهل النار. # وقال في سيرة له أخرى بعد نسبه أئمة المسلمين وولايتهم، هذا ديننا الذي ~~ندين به لربنا لا شك فيه ولا ريب ونشهد على من خالفنا في شيء منه بالنار ~~إلا من تاب عنا خالفنا في ذلك. انفضي. PageV01P097 # مسألة: فإن قال قائل فإذا شهدتم لمن [76] مات على دين رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بالجنة قطعا وشهدتم له هو بالجنة قطعا فلم لا تشهدون لأبى بكر ~~وعمر رحمهما الله ومن ذكرتموهم إلى عبد الله بن أباض رحمه الله بالجنة كما ~~شهدتم لمن مات على دينهم؟ قلنا: إنا لم نشهد لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بالجنة قطعا لأجل أن دينه في حكم الظاهر دين الله تعالى سوابل (7)، لما ~~أعلمنا الله بالتعيين لمن جاء فيه الكتاب والسنة بأنه مؤمن أو صالح أو تقي ~~أو من أهل الجنة أو الرضا أو الرحمة، وهو راجع إلى الشهادة له بالجنة قطعا، ~~هل هذان الوجهان جائزان لازمان، واجب الدينونة الله تعالى بهما ولا يسع ~~جهلهما من قامت عليه الحجة بهما أم لا؟ والحق الذي لا تنازع فيه أنهما واجب ~~الدينونة الله تعالى بهما ولا سبيل للمنازع لنا جحد ذلك. وأحدهما تأمل ~~قولنا، من مات على الدين الإباضي فهو من أهل قطعا، هل هو صفة أو تعيين؟ ولا ~~سبيل إلى القول بأنه تعيين، بل لا حق بالصفة فإن التعيين لو قلنا، فلان ~~الإباضي من أهل الجنة، ونحن لا نقول ذلك. # تعليق المستخدم: تنبيه:"سوابل" هنا تعني "الطرق المسلوكة" كما أشار ~~المحقق في الهامش، ولكني أرى أن المعنى لا يستقيم هكذا بل أراه تصحيفا عن ~~سواء بل: فهما كلمتان ms81 الأولى "سواء" والثانية "بل" ... فليتأمل. والله أعلم وأحكم # تم لا سبيل لمن أقر بأنه صفة لا حق بقولنا من مات على دين الله أو على ~~طاعة الله أو على دين رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو من أهل الجنة قطعا ~~إلى جحد ذلك ولا الشك فيه إلا أن يزعم بأنه ليس هو دين الله، فعند ذلك خرج ~~من الإباضية أو يدعى التعبد الله على الشك، فقد اندفع بحمد الله هذا ~~الإشكال من هذا الوجه ولم يبق إلا إشكال وحد خارج مخرج الطن وبالله ~~التوفيق. PageV01P098 # الإشكال الثالث: وهو أنه ربما ظن ظان أن قولنا من مات على الدين الإباضي ~~أو على دين عبد الله بن أباض فهو من أهل الجنة قطعا يرجع إلى الشهادة لعبد ~~بن أباض رحمه الله بالجنة قطعا، ونريد نحن ذلك. # الجواب: أن هذا ذهول عن وجه الخطاب وتخليق علينا بغير الصواب، والمعاني ~~إنما تؤخذ من الألفاظ. فاعتبروا معاشر المسلمين قولنا من مات على دين أبى ~~بكر وعمر، وعلى دين المحكمة والشراة وهم أهل النهر أو على دين الإباضي أو ~~دين عبد الله بن أباض الذي ظهر إلينا فهو من أهل الجنة، هل فيه دلالة على ~~الشهادة لهؤلاء بالجنة؟ ثم إنا نحن لا نؤيد ذلك من قبل أن هؤلاء الذين ~~ذكرناهم يمكن في علم الله تعالى أن يكون سرائرهم التي ماتوا عليها [77] ~~وختم لهم بها غير الذي كان ظاهرا منهم، ونحن على حسن الظن بهم نحاشيهم عن ~~ذلك ولا نحكم بحسن الظن. PageV01P099 # فإن قال قائل: إذا قلتم من مات على دينهم فهو من أهل الجنة. أنه لن يموت ~~إلا عليه، إذ الأنبياء معصومون من الإصرار على الذنوب مقطوع عليهم بأنهم لا ~~يموتون إلا على دين الله، وهؤلاء الذين ذكرنا لم يعلمنا الله تعالى منهم ~~ولا أحد منهم بعينه واسمه أنه لا يموت إلا على ذلك فيجب علينا القطع ~~بالشهادة له، وإنما كان يلزمنا ما قلته لو كنا إنما شهدنا لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بالجنة قطعا ms82 لأجل ما علمنا من ظاهره فيحل أن كل من صح منه ~~في الظاهر الموافقة في القول والعمل حكم له بالجنة، ولو وجب ذلك لما وجب ~~إلا الولاية بالحقيقة أو الوقوف لما كان الولاية الحكم بالظاهر معنى يجب ~~الحكم بالظاهر به. وهذا ظاهر التناقض والحمد لله فقد اتضح الحق وبان العدل، ~~وانكشف الصواب، وظهرت البينات، واندفعت الإشكالات ولزم الموافقة لنا على أن ~~كل من مات على الدين الإباضي أو على دين عبد الله بن أباض رحمه الله الذي ~~ظهر إلينا أو على دين المحكمة والشراة أو على دين أبي بكر وعمر رحمهما الله ~~الذي ظهر إلينا فهو من أهل الجنة، ومن مات اليوم على خلافه فهو من أهل ~~النار، أو الفول بضد ذلك إذ لا منزلة أخرى بين ذلك ولا دين ثالث هناك. # وفقنا الله وجميع المسلمين لما يحبه ويرضاه، ووقانا شر ما قدره وقضاه ~~والحمد الله وصلى الله على رسوله محمد النبي وأله أجمعين وسلم تسليما. # تم الكتاب ((الجوهري)) تأليف الشيخ الأجل الفقيه العالم الأفضل أبي بكر ~~أحمد بن عبد الله بن موسى الكندي النزواني الإباضي المحبوبي قدوة الطائفة ~~الرستاقية. ms83