######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0007361 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: أبو الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم العمراني اليمني الشافعي (المتوفى: 558هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 558 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: الانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: العقيدة #META# 022.BookVOLS :: 3 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0007361 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-7361 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/7361 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: سعود بن عبد العزيز الخلف #META# 041.EdNUMBER :: الأولى، 1419هـ/1999م #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: أضواء السلف، الرياض، المملكة العربية السعودية #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### | المجلد الأول ### | مقدمة # ... # الانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار # تأليف: يحي بن أبي الخير العمراني # تحقيق: سعود بن عبد العزيز الخلف # مقدمة # إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونعوذ بالله من شرور ~~أنفسنا وسيآت أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد ~~أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله - صلى ~~الله عليه وسلم- وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا، أما بعد: # فإن الله عزوجل قد امتن على هذه الأمة بمنة عظيمة إذ أرسل فيها هذا النبي ~~الكريم وأنزل عليه هذا الكتاب العظيم وتكفل جل وعلا بحفظ كتابه ودينه، فسلم ~~لهذه الأمة مصدر الخير والنور والهداية، كتاب الله عزوجل وسنة نبيه محمد - ~~صلى الله عليه وسلم-، فتمسك بها أهل القرون الأولى من هذه الأمة تمسك ~~الغريق بحبل النجاة وقارب السلامة، وقد أدركوا أن ذلك المصدر هو حبل الله ~~المتين وطريقه القويم الذي لا يزيغ عنه إلا هالك، فكانوا منه ينهلون وعليه ~~يعولون وإليه يفزعون كلما حزبهم أمر أو اختلطت عليهم واقعة، فيجدون فيه فصل ~~أمرهم وحكم ما بينهم. # فيثوبون منه إلى الحق وحلاوته والاجتماع وقوته وسلامة الصدر وراحته، وقد ~~أدرك أعداء هذا الدين ما لهذا المصدر من الأثر العظيم وأن هذه الأمة لا ~~تهلك وفيها كتاب ربها وسنة نبيها - صلى الله عليه وسلم- يحكمان في الصغيرة ~~والكبيرة والدقيقة والجليلة. وقد أيقنوا أن لا سبيل إلى الوصول إلى كتاب ~~الله وسنة النبي - صلى الله عليه وسلم- بالتحريف أو التمزيق، وقد تكفل الله ~~لوحيه بالحفظ والبقاء. # فأعملوا فكرهم واستحثوا عقولهم كيف يحجبون المسلمين عن مصدر عزهم ومعدن ~~فلاحهم؟ فوقعوا على داء الأمم قبلنا ومفرق الجموع إلى شيع وأحزاب مختلفة ~~متناحرة، ألا وهو الجدل والكلام الذي أخبر عنه # PageV01P005 # النبي - صلى الله عليه وسلم- بقوله تحذيرا وتنبيها: "ما ضل قوم بعدي هدى ~~كانوا عليه إلا أوتوا الجدل" ثم قرأ {ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم ~~خصمون} 1. # وقوله عليه الصلاة والسلام: "ذروني ما تركتكم ms001 فإنما أهلك من كان قبلكم ~~كثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم فما نهيتكم عنه فاجتنبوه وما أمرتكم به ~~فأتوا منه ما استطعتم" 2. # فألقى هؤلاء الأعداء هذا الداء بين المسلمين، فتلقفه من لم يكن له في ~~الإسلام سابقة ولا قدم في العلم راسخة، ونشره بين المسلمين فعطل به كتاب ~~الله عزوجل وردت سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم- وظهر بسببه القيل ~~والقال، وكثر التنقيب والتدقيق والسؤال، وقفا الناس به ما لا علم لهم به ~~ولا سبيل لهم إليه إلا بالوحي الإلهي والنور الرباني، فجادلوا في الحق ~~وتخرصوا بالباطل وجعلوا كتاب الله وراءهم ظهريا، وهم في ذلك كله يحسبون ~~أنهم يحسنون صنعا وأنهم لدين الله نصروا، ولعدوه كسروا، وهم في الحقيقة لم ~~يكسروا إلا دينهم ولم يغلوا إلا قناة جماعتهم، ففاء المسلمون من هذا البلاء ~~بالتحزب والتشيع والفرقة التي أوصلتهم إلى التباغض والتكفير والتلاعن كما ~~فعل الذين من قبلهم. # هذا كله حدث وكتاب الله يتلى بين ظهرانيهم، وسنة نبيه محمد - صلى الله ~~عليه وسلم- بأيديهم إلا أنهما معطلان عن أن يحكما في عقيدة أو شريعة، وقد ~~أصاب الأعداء بذلك من المسلمين مقتلا أفرز ما هو ظاهر من حال المسلمين لا ~~يخفى على ذي عينين، ولولا أن الله قد تكفل من رحمته ولطفه وكرمه أن لا ~~تستباح بيضة المسلمين وأن لا يطمس الحق والنور فيهم ببقاء طائفة على الحق ~~ظاهرة وله محكمة لحاق بالأمة الإسلامية ما حاق بالأمم قبلها من اندثار الحق ~~واندراس آثاره، وعموم الضلالة PageV01P006 # وتنكب طريق الهداية حتى لا يستطيع أحد منهم أن يتوصل إلى النور الإلهي ~~والهدي الرباني بما عندهم من كتاب، لتحريف الكتب الإلهية وانقراض أهل الحق ~~فيهم، وإجماعهم على الضلالة والغواية. # فلولا هذا اللطف منه جل وعلا لضللنا جميعا كما ضلوا، وقد كان ضلال أهل ~~الكتاب ومجرموهم أول من أدخل هذا الشر على المسلمين، فبدعة التشيع أول من ~~دعى إليها عبد الله بن سبأ اليهودي،1 وبدعة القدر تعزى إلى رجل نصراني في ~~البصرة يقال له سوسن 2، وبدعة نفي الصفات أخذت ms002 عن بيان بن سمعان عن طالوت ~~ابن أخت لبيد بن أعصم وزوج ابنته وأخذها لبيد بن أعصم الساحر عن يهودي من ~~اليمن 3، ثم إن هذه البدع والانحرافات بدأت تجد من مرضى القلوب والاعتقاد ~~أذنا صاغية، حتى وجدت أتباعا وأنصارا كمنوا على بدعتهم وقت ظهور السنة ~~وسيادتها على المجتمع الإسلامي في زمن أواخر الصحابة وأوائل عهد بني أمية ~~إلى أواسط العهد العباسي الأول حيث ترجمت كتب اليونان وتلقفها هؤلاء المرضى ~~فدعموا شبههم بالكلام والجدل، حتى فتنوا كثيرا من المسلمين عن الحق ~~بتأويلات ما أنزل الله بها من سلطان، ولم يأت عليها منه برهان، وإنما هي ~~شبه لبست على مرضى القلوب وضعاف الإيمان. # وكان عسكر الإيمان وجند الرحمن ينافحون عن الحق وله يناصرون، يسرون بذلك ~~ويعلنون لتستبين السبيل وتتضح المحجة لمن أراد الله سلامته وهدايته، ~~فأقاموا الدروس والحلقات، ونادوا على المنابر بالآيات البينات فبينوا ~~ووضحوا طريقة الرسول وشريعة الإسلام، وكتبوا وألفوا وردوا على أهل الباطل ~~في كل ميدان، فأقاموا الحجة على الناس ليحيا من حي عن بينة ويهلك من هلك عن ~~بينة، وكان لهم على كل بدعة جولة بالحق يدمغون بها الباطل فإذا هو زاهق، ~~وكان رابع الخلفاء الراشدين PageV01P007 # أبو السبطين علي - رضي الله عنه - أول من واجه هذه الانحرافات بعد بروزها ~~واضحة في المجتمع الإسلامي، فجالد الخارجين بسنانه وبيانه، فأظهره الله ~~عليهم في الحالين، ثم من بعده الصحابة الذين أدركوا هذه الفتن كجابر وابن ~~عباس وابن عمر وغيرهم - رضي الله عنهم-، ثم كبار التابعين، ثم تابعيهم إلى ~~الأئمة الأربعة، ثم كبار تلاميذهم، ثم بدأت الفتنة تأتي على أتباع الأئمة ~~ممن لم يستنر بنور الكتاب والسنة ولم يعتمد عليهما الاعتماد الواجب من ~~أمثالهم، حتى أصبح كثير منهم له إمام في الفقه وإمام من المتكلمين في ~~العقائد، فعم البلاء وانتشر الداء، وثبتت الفئة التي على كتاب الله اعتمدت ~~ولسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم- نصرت وهي التي تكفل الله ببقائها، فمضت ~~في طريقها توضح السبيل وتنير الطريق في كل مكان وزمان، وهذا من عظيم ms003 منن ~~الله عزوجل وفضله على هذه الأمة إذ لا تجتمع على ضلالة، ولا يندرس فيها ~~الحق وتذهب آثاره بحيث يخفى على جميع الأمة. # وكان ممن نصر الحق وأبانه ونصح لله ودينه الإمام يحيى بن أبي الخير ~~العمراني، إمام الشافعية في بلاد اليمن فأقام الحجة وأظهر المحجة ودعى إلى ~~نبذ البدعة والكلام والالتزام بالكتاب وسنة سيد الأنام في العقائد وفي ~~الأحكام، فنفع الله به خلقا كثيرا، اعتصموا بكتاب الله بدعوته، واهتدوا إلى ~~الالتزام بسنة النبي - صلى الله عليه وسلم- في العقائد والأحكام ببيانه ~~ومنهجه، وقد كتب في هذا ثلاثة كتب هي: (مختصرة في مسألة الكلام) رد فيه على ~~الأشعرية والمعتزلة و (رسالة في المعتقد على مذهب أهل الحديث) وكتابه ~~الكبير (الانتصار) الذي نصر به الحق ودحض به الباطل وأقام به الحجة على كل ~~مبتدع، وقد وفقني الله عزوجل إلى الاطلاع عليه فاجتهدت في تحقيق نصه ~~والتعليق عليه لعلي أكون بذلك مشاركا لمؤلفه في الدعوة إلى الكتاب والسنة ~~على نهج السلف لعل الله عزوجل يذكر به غافلا أو يعلم به جاهلا أو يهدي به ~~من فضله وكرمه مبتدعا. وقد قسمت عملي في الكتاب إلى قسمين: # القسم الأول: الدراسة للمؤلف والكتاب. # القسم الثاني: تحقيق النص والتعليق عليه. # PageV01P011 ### | الباب الأول: الدراسة للمؤلف والكتاب ### | الفصل الأول: التعريف بالمؤلف ### | المبحث الأول: حياته الشخصية # ... # المبحث الأول: حياته الشخصية # أولا: اسمه: # يحيى بن أبي الخير بن سالم بن أسعد بن عبد الله بن محمد بن موسى ابن ~~عمران العمراني. # هكذا سماه الجعدي في طبقاته - ص (174) وهو أقرب من كتب عنه لأنه تلميذ ~~ابنه طاهر بن يحيى بن أبي الخير. # وذكره النووي في تهذيب الأسماء واللغات (2/278) فقال: "يحيى بن أبي الخير ~~سالم بن أسعد بن يحيى العمراني بن عمران". # والسبكي في طبقاته (7/336) قال: "يحيى بن أبي الخير بن سالم بن سعيد بن ~~عبد الله بن محمد بن موسى بن عمران العمراني". # وابن قاضي شهبة في طبقاته (1/372) قال: "يحيى بن أبي الخير بن سالم بن ~~أسعد بن يحيى". ms004 # فنخلص من هذا إلى أن المؤلفين اتفقوا على اسمه، واختلفوا في اسم أبيه ~~وجده الأول والثاني وهو اختلاف قريب، ما عدا تسمية جده الثاني يحيى عند ~~النووي وابن قاضي شهبة، وأقربهم إلى الصواب تلميذ تلاميذه ابن سمرة، الجعدي ~~لقرب عهده منه ولأن من كتب عن العمراني اعتمد على ابن سمرة، وقد تكون تلك ~~الاختلافات تصحيفا أو تحريفا من النساخ والله أعلم. # ثانيا: نسبته: # العمراني: وهي نسبة إلى عمران بن ربيعة بن عبس بن زهرة بن غالب ابن عبد ~~الله بن عك بن عدنان، هكذا ذكره ابن سمرة الجعدي. # ونسبه الحموي في معجم البلدان (3/296) بقوله (السيري ثم العمراني) وهي ~~نسبة إلى البلدة التي ولد فيها. # PageV01P011 # ثالثا: كنيته: # أبو الحسين وكناه النووي وابن قاضي شهبة بأبي الخير. # رابعا: مولده: # ولد الشيخ يحيى - رحمه الله - في مصنعة سير1 في اليمن سنة تسع وثمانين ~~وأربعمائة من الهجرة. # خامسا: موطن نشأته: # ولد العمراني - رحمه الله - في اليمن وعاش فيها ومات فيها ولم يخرج منها ~~إلا إلى مكة والمدينة حاجا وزائرا، وكانت اليمن في الفترة التي عاش فيها ~~الشيخ العمراني تموج بالفتن والحروب والمذاهب المنحرفة، فقد كان فيها ~~الشيعة الزيدية في صعده2 وما حولها إلى نجران، والإسماعيلية الباطنية ~~ويمثلهم الصلحيون3 وكانوا تغلبوا على عموم اليمن ثم انحسر ملكهم إلى جبله4 ~~وحصن أشيح5 وبعض الحصون الأخرى. # ومنهم الزريعيون في عدن وأبين6 وتعز وكانوا تابعين للصليحيين ثم استقلوا ~~بالحكم. ومنهم الياميون أبناء علي بن حاتم اليامي وكانوا في صنعاء ~~وأعمالها. والدولة السنية التي كانت موجودة هي دولة بني نجاح الأحباش في ~~زبيد PageV01P012 # وتهامة وهي امتداد لدولة بني زياد، وقد قضى على هذه الدولة بنو مهدي ~~الذين انتحلوا مذهب الخوارج وفتكوا بالناس وأهلكوا الحرث والنسل واستمرت ~~دولتهم خمسة عشر عاما، وكان بين تلك الإمارات وأولئك الحكام حروب دائمة ~~متصلة تنشر الدمار والخراب في كل مكان، وفي كثير من الأحيان كانت الدولة ~~تنقسم على نفسها ويبرز فيها طامعون إلى أن قضى على جميع هؤلاء الدولة ~~الأيوبية سنة (569?) 1. # سادسا: أولاده: ms005 # لم يذكر للشيخ من الأولاد سوى ابنه طاهر وبنتين، تزوج الفقيه عمرو بن عبد ~~الله بن سليمان إحداهما فتوفيت في نفاسها فتزوج الأخرى. # سابعا: وفاته: # توفي العمراني - رحمه الله - في ذي السفال2 مبطونا شهيدا قبيل الفجر من ~~ليلة الأحد لست وعشرين من ربيع الآخر سنة ثمان وخمسين وخمسمائة من الهجرة ~~وله تسع وستون سنة، وكان نزعه ليلتين ويوما بينهما. # ولم يترك صلاة في مرضه، يسأل عن وقت كل صلاة بالإيماء لأنه اعتقل لسانه، ~~وكان كثير التهليل يعرف منه بالإشارة بالمسبحة3. PageV01P013 ### | المبحث الثاني: حياته العلمية وآثاره # أولا: طلبه للعلم ورحلاته فيه: # الشيخ العمراني - رحمه الله - أوقف حياته للعلم تعلما وتعليما وتأليفا، ~~لهذا نجده - رحمه الله - قوي العزيمة في تحصيل العلم جاد الرغبة، فيه تنقل ~~بين بلدان اليمن طلبا للعلم. # وله تخصص بالفقه الشافعي مع المشاركة في علوم اللغة والعقيدة، وكان خاله ~~أبو الفتوح بن عثمان بن أسعد بن عبد الله بن محمد بن موسى بن عمران أول من ~~أخذ عنه من الشيوخ، فقد أخذ عنه كتاب (كافي الفرائض في المواريث) للصردفي. # وارتحل - رحمه الله - إلى ذي الحفر1 وقرأ كتاب (التنبيه) للشيرازي، وأخذ ~~عن الشيخ الفقيه عبد الله بن أحمد بن محمد بن أبي عبد الله الهمداني ~~(المهذب) وحفظه عنه و (اللمع) كلاهما لأبي إسحاق، و (الملخص) و (إرشاد ابن ~~عبدويه) ، و (كافي الفرائض) للصردفي أيضا. # ثم ارتحل إلى أحاظه2 فقرأ على الشيخ زيد بن الحسن الفايشي فأعاد عنده ~~(المهذب) ، وأخذ عنه تعليق الشيخ أبي إسحاق في أصول الفقه، و (غريب الحديث) ~~لأبي عبيد في اللغة، و (مختصر العين) للخوافي، و (نظام الغريب) للربعي ~~وكتاب (التبصرة في أصول الدين) تصنيف أبي الفتوح على مذهب السلف، وأخذ عن ~~خبيره3 عمر بن إسماعيل الجماعي الخولاني كتابي (الكافي) للصفار في النحو و ~~(الجمل) للزجاجي. PageV01P014 # ولما وصل الفقيه زيد بن عبد الله اليفاعي سنة (512?) إلى الجند1 قادما من ~~مكة جاءه جماعة من الفقهاء ومن ضمنهم الشيخ العمراني فقرأ عليه (النكت) وهو ~~في المسائل المختلف فيها بين ms006 الإمامين الشافعي وأبي حنيفة تصنيف أبي إسحاق ~~الشيرازي، كما سمع (المنهاج) للقاضي أبي الطيب الطبري ودرس كتاب (التعليق ~~في الخلاف) للشيخ أبي إسحاق و (التبصرة في أصول الدين) لأبي الفتوح مرة ~~أخرى وكتبا أخرى، وبقي عند الشيخ اليفاعي إلى أن توفي سنة (514?) 2 فانتقل ~~إلى سهفنة3 فأخذ عن القاضي مسلم بن أبي بكر بن أحمد الصعبي كتاب (الحروف ~~السبعة في الرد على المعتزلة وغيرهم من أهل الزيغ والبدعة) للشيخ حسين بن ~~جعفر المراغي4. # ثم انتقل إلى ذي أشرق5سنة (517?) فسمع (الجامع للسنن) للترمذي على الشيخ ~~سالم بن عبد الله بن محمد بن سالم بن عبد الله. # كما طالع بذي أشرق شروح المزني وكتبا أخرى (كالمجموع) للمحاملي و ~~(الشامل) لابن الصباغ وكتاب (الفروع) لسليم و (شرح المولدات) للقاضي أبي ~~الطيب و (العدة) للقاضي حسين بن علي الطبري. # وقد حج - رحمه الله - وزار مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم- وقبر النبي ~~- صلى الله عليه وسلم- في المدينة سنة (521?) . # ولقي في مكة الفقيه الواعظ محمد بن أحمد العثماني الديباجي فتناظرا ~~PageV01P015 # وتذاكرا في مسائل الفقه والأصول وكان الديباجي أشعريا فنصر العمراني - ~~رحمه الله - مذهب السلف في أن القراءة هي المقروء1 واحتج على الديباجي ~~بقوله تعالى: {إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم} 2 وأن الإشارة بهذا إلى ~~المتلو المقروء إلى أن سكب الديباجي العرق عن وجهه. # ثم عاد - رحمه الله - إلى بلده مصنعة سير وبقي فيها يصنف ويدرس إلى سنة ~~(549?) حيث تعذر سكنى سير بسبب حروب وفتن جرت بين أهلها فانتقل إلى ذي ~~السفال، ثم إلى ذي أشرق ومكث فيها سبع سنين وكسرا انشغل خلالها بالتدريس ~~والإقراء والتصنيف كما سمع خلالها عام (555?) (صحيح البخاري) و (سنن أبي ~~داود) من الشيخ الحافظ علي بن أبي بكر الهمداني. # ثم ظهر ابن مهدي الخارجي واستولى على زبيد وتهامة ثم خلفه بعد موته ابنه ~~مهدي بن علي فأغار على الجند وبواديها، فجعل الشيخ العمراني - رحمه الله - ~~خوف ابن مهدي سبيلا للخروج من ذي أشرق فقد كان كره البقاء فيها بسبب فتن ms007 ~~وقعت بين فقهاء ذي أشرق وفقهاء زبيد تسببت بالتباغض والتحاسد والتكفير، ~~فتوجه الشيخ بعد خروجه في شوال سنة (557?) إلى ضراس3 ثم إلى ذي السفال ~~واستقر بها إلى أن توفي - رحمه الله - في ربيع الآخر سنة (558?) كما سبق ~~ذكره4. PageV01P016 # ثانيا: شيوخه # ذكرنا فيما تقدم رحلات العمراني - رحمه الله - وطلبه للعلم وقد أخذ في ~~رحلاته تلك عن شيوخ اليمن في وقته، وهم: ### | 1- # خاله أبو الفتوح بن عثمان بن أسعد بن عبد الله بن محمد بن موسى ابن ~~عمران1. ### | 2- # الشيخ موسى بن علي الصعبي قال عنه الجعدي: سكن ذي الحفر في نعيمه تفقه ~~بمقبل بن زهير وكان مدرسا في ذي الحفر توفي سنة (450?) 2. ### | 3- # الشيخ عبد الله بن أحمد بن محمد بن أبي عبد الله الهمداني سكن زبران من ~~بادية الجند وتوفي سنة (518?) تفقه بشيوخ منهم الفقيه أبو بكر بن جعفر بن ~~عبد الرحمن المخائي وزيد بن عبد الله اليفاعي وأكثر أخذه عنه، وقرأ على ابن ~~عبدويه (الإرشاد) في أصول الفقه والجدل له وسمع عليه قراءة المهذب وكان ~~زاهدا ورعا3. ### | 4- # الشيخ الفقيه عبد الله بن عمير العريفي تفقه بزيد بن عبد الله اليفاعي4. ### | 5- # الشيخ زيد بن الحسن بن محمد الفايشي ولد سنة (458?) وتوفي سنة (528?) ~~تفقه بشيوخ كثير وكان عالما بعلوم كثيرة، منها علم القراءت من طريق أبي ~~معشر الطبري حيث قرأ عليه بمكة ومنها التفسير والحديث PageV01P017 # واللغة والنحو والفقه والخلاف وأصول الفقه وعلم الكلام في التوحيد وكان ~~كثير الحج وربما جاور في مكة وكان رحالا في طلب العلم فبذلك كثرت علومه ~~وظهرت فضائله وكان قواما بالليل يصلي بالسبع من القرآن كل ليلة في غالب ~~أحواله وأكثر زمانه، وصنف في مذهب الشافعي مختصرا مليحا سماه كتاب ~~(التهذيب) وتفقه به خلق كثير1. ### | 6- # عمرو بن بيشى وهو من ترب الشيخ العمراني أخذ عنه كتاب (كافي النحو) لأبي ~~جعفر الصفار و (الجمل) للزجاجي2. ### | 7- # الإمام زيد بن عبد الله بن جعفر بن إبراهيم اليفاعي من أعيان علماء اليمن ~~وأشياخ فقهاء الزمن أستاذ الأستاذين وشيخ المصنفين أخذ عن جلة علماء ms008 اليمن ~~ثم ارتحل إلى مكة فقرأ على تلاميذ أبي إسحاق الشيرازي ثم عاد إلى اليمن ~~فاجتمع الناس إليه للتدريس، وخاف الأمير مفضل بن أبي البركات بن الوليد ~~الحميري القرمطي من تجمعهم أن يخرجوا عليه فأمر خاصته بإحداث فتنة بين هذا ~~الشيخ والشيخ أبي بكر بن جعفر بن عبد الرحمن المخائي وبالفعل تمت الفتنة ~~بينهما وتشتت أتباع الشيخين فهاجر الشيخ زيد اليفاعي مرة أخرى إلى مكة ~~وجاور فيها ثنتي عشرة سنة يدرس ويفتي، ثم عاد إلى اليمن بعد هلاك الأمير ~~المفضل بن أبي البركات سنة (513?) ، فسكن الفقيه زيد الجند واجتمع عليه جلة ~~فقهاء اليمن يقرؤون عليه ويسمعون منه حتى توفي - رحمه الله - سنة (515?) 3. ### | 8- # القاضي مسلم بن أبي بكر بن أحمد بن عبد الله الصعبي كان عالما بعلم ~~الكلام محجاجا ظريفا ماهرا في الأصول مع تبريزه في الفقه وقد بيض الجعدي ~~تاريخ ولادته ووفاته4. PageV01P018 ### | 9- # الشيخ سالم بن عبد الله بن محمد بن سالم ولد في رمضان سنة (451?) ، وتوفي ~~في ذي الحجة سنة (532?) في ذي أشرق، وكان إمام جامعها تفقه بأبيه وأخذ عن ~~أبيه كتاب جامع الترمذي وعنه أخذه العمراني - رحمه الله -1. ### | 10- # الشيخ سراج الدين شيخ المحدثين الحافظ أبو الحسن علي بن أبي بكر ابن حمير ~~بن الهمداني العرشاني، روى عنه الشيخ العمراني (صحيح البخاري) و (سنن أبي ~~داود) ، وقال الجعدي: كان إماما في الحديث متقنا للرواة عالما بصحيحه ~~ومعلوله وله تصنيف مليح محقق يعرف بكتاب (الزلازل والأشراط) وتوفي سنة ~~(557?) 2. # ثالثا: تلاميذه: # قال ابن سمرة الجعدي عن العمراني: "وانتشر علمه في الأجانب والقرباء، ~~وأجاب عن المعضلات، وأوضح المشكلات وقسم الأوصاف والاحترازات وطبق الأرض ~~بالأصحاب فما أعلم في أكثر هذا المخلاف فقيها مجودا ومناظرا مجتهدا إلا من ~~أصحابه أو أصحاب أصحابه"3. # وقد أقام - رحمه الله - كما سبق ذكره في بلده مصنعة سير بعد عودته من ~~الحج سنة (521?) يدرس إلى سنة (549?) ثم انتقل إلى ذي أشرق واستمر في ~~التصنيف والتدريس إلى سنة (557?) قبل وفاته ببضعة أشهر وكان - رحمه الله - ~~كما ذكر عنه ابن سمرة الجعدي ms009 والسبكي: من أحسن العلماء تعليما وتدريسا ~~وطريقته كما ذكرها الجعدي بقوله: "وكان - رحمه الله - إذا درس من يعلم فهمه ~~فإنه بعد فراغ القارئ من الفصل يعيده هو بنفسه PageV01P019 # عليه حفظا مع تنبيهه له على خلاف الإمام مالك وأبي حنيفة خاصة، وقد يذكر ~~معهما غيرهما في بعض المسائل، ثم يذاكره باحتراز الأقيسة والوجوه في ~~أصولها. لم خصت بجعلها أصولا؟ وذلك إما من جهة النص عليها في الكتاب ~~والسنة، أو تسليم المخالف في حكم المسألة المقيسة، وإن كان في عبارة الكتاب ~~استغلاق أو قصر فهم القارئ أبدلها له بعبارة أخرى إلى أن يتصور القارئ ~~الفصل ويفهمه، ومن كان من الطلبة غير فاهم لم يسلك به هذا المسلك بل يجيبه ~~عما سأل عنه لا غير مع رده عليه التصحيف"1. # فلا غرو بعد هذا أن يكون الشيخ - رحمه الله - إمام الشافعية باليمن وجميع ~~من جاءوا بعده ممن ترجم لهم ابن سمرة الجعدي هم تلاميذه أو من المستفيدين ~~من علمه والغارفين من بحره، ونقتصر في الترجمة لبعضهم وهم: ### | 1- # ابن عمه محمد بن موسى بن الحسين بن أسعد العمراني وهو أقدم أصحابه قراءة ~~عليه وأعلاهم رتبة وأرفعهم درجة، كان حافظا مجودا جمع بين الفقه والزهد ~~والعبادة والورع، ومع ذلك حسن الخلق توفي سنة (568?) في مصنعة سير أفتى ~~ودرس في حياة شيخه العمراني وكان يثني عليه ويمدحه2. ### | 2- # ابنه طاهر بن يحيى بن أبي الخير أبو الطيب العمراني ولد في ذي الحجة سنة ~~(518?) تفقه بأبيه وخلفه في حلقته ومجلسه وأجاب على المشكلات في حياته، ~~جالس العلماء وروى عنهم، وأخذ عن غير واحد وجاور في مكة وهاجر إليها ~~بأولاده الرجال والنساء لعموم فتنة ابن PageV01P020 # مهدي1 في مخاليف اليمن. وأقام سبع سنين روى عن كبار المحدثين في الحرم، ~~ثم عاد إلى اليمن سنة (566?) وولي قضاء ذي جبلة وأعمالها وله مصنفات منها: ~~(مقاصد اللمع) و (كسر قناة القدرية) وكتاب في (مناقب الإمامين الشافعي ~~والإمام أحمد رحمهما الله) وكتاب (معونة الطلاب بفقه معاني كلم الشهاب) ~~وجمع بين علم القراءات والحديث والفقه وغلب ms010 عليه الكلام وتوفي - رحمه الله ~~- سنة (587?) 2. # وذكر الجعدي أن الشيخ العمراني جمع أحبابه وأصحابه وأمر ابنه طاهرا أن ~~يصعد المنبر في ذي أشرق سنة (554?) وسأله أبوه عن اعتقاده وذلك لما شاع أنه ~~على خلاف عقيدة أبيه فأجاب الابن بما كذب كل حاسد وأدحض تلبيس كل بغيض ~~ومعاند، فالتقاه والده عند أسفل المنبر وقال: هل أنكر الإخوان من هذا شيء3. # وهذا يرد على ادعاء يحيى العامري في كتابه غربال الزمان ص (437) أن طاهر ~~بن الشيخ يحيى العمراني كان أشعريا وأنه كان ينكر على والده ويرد عليه ~~عقيدته، لأن الجعدي تلميذ طاهر بن يحيى ونقله عنه أثبت وأدق، ولعل الذي بلغ ~~العامري فحكاه في كتابه هو من الشائعات التي كانت بلغت العمراني - رحمه ~~الله - فطلب من ابنه أن يفصح عن عقيدته على المنبر أمام الناس. وهي قوة في ~~الحق. ### | 3- # الفقيه أحمد بن عبد الله بن مسعود بن أسلم البريهي ثم السكسكي ثم الكندي ~~سيف السنة زين الحنبلية سكن في إب4 وأفضت إليه الرئاسة فيها، جمع بين الزهد ~~والورع والعلم والحديث، وارتحل إلى مكة وسمع فيها صحيح مسلم في سنة (580?) ~~ورجع إلى مدينة إب ثم نزل الجند PageV01P021 # واجتمع إليه الأصحاب من ظبا1 وذي أشرق والشعبانية وأعمال الجند وغير ذلك ~~فأسمعهم إياه في رجب بمدينة الجند سنة (581?) 2. # هؤلاء هم كبار تلاميذ العمراني وله تلاميذ آخرون ذكرهم ابن سمرة الجعدي. # وقال: "وصحب الإمام يحيى بن أبي الخير خلق كثير ممن استحق بالحفظ والنظر ~~درجة الفتوى وممن لم يستحق، وسأذكر عدد من يحضرني معرفته مع من قدمت ذكره ~~من المشهورين بالفتوى والتدريس". # ثم ذكر مجموعة أخرى من التلاميذ نحيل فيها إلى كتاب ابن سمرة من ص ~~(198-210) . # رابعا: عقيدته: # العمراني - رحمه الله - سلفي العقيدة وداعية إلى هذه العقيدة ومنافح عنها ~~وهو في هذا الشأن من علماء اليمن الكبار وكان وقع له - رحمه الله - كتاب ~~الشريعة للآجري عن طريق تلاميذ خير بن يحيى الملامس عن أبي بكر البزار عن ~~الآجري - رحمه الله -. # كما أنه اخذ عن القاضي ms011 مسلم الصعبي (كتاب الحروف السبعة في الرد على ~~المعتزلة وغيرهم من أهل الضلالة والبدعة) لمصنفه الشيخ الحسين بن جعفر ~~المراغي. # كما استفاد - رحمه الله - فائدة واسعة من كتاب شرح أصول اعتقاد أهل السنة ~~للحافظ اللالكائي حيث اعتمد عليه في كتابه الانتصار مع الشريعة للآجري ~~وصحيح البخاري وجامع الترمذي، وكان قد ألف كتابه (الانتصار) انتصارا ~~للعقيدة السلفية لما طعن فيها القاضي جعفر بن عبد السلام الزيدي المعتزلي ~~وذلك حين رد على رسالة سابقة للعمراني في بيان عقيدة PageV01P022 # أصحاب الحديث في القدر بكتاب سماه (الدامغ للباطل من مذهب الحنابل) 1 ~~فانبرى له الشيخ بهذا الكتاب المطول شرح فيه عقيدة السلف وأظهر فساد مذهب ~~المعتزلة، كما رد فيه على الأشاعرة وأظهر انحرافهم في مسائل في الصفات ~~وغيرها، وقد استفاد العلماء من هذا الكتاب وفرحوا به وانتسخوه ودانوا الله ~~به واعتقدوه. # كما ناظر - رحمه الله - في مكة الواعظ محمد بن أحمد العثماني الديباجي ~~الأشعري ونصر مذهب الحنابلة وأهل السنة في أن المقروء هو كلام الله عزوجل ~~الذي تكلم الله به واحتج على الديباجي بقوله تعالى: {إن هذا القرآن يهدي ~~للتي هي أقوم} وأن الإشارة بهذا إلى المتلو المقروء إلى أن سكب الديباجي ~~العرق من وجهه2. # وكان - رحمه الله - مع ذلك يكره الخوض في الكلام فقد ذكر عنه الجعدي أنه ~~كان يحب طلبة العلم والفقه واجتماعهم ويكره لهم الخوض في الكلام3. # وكتابه الانتصار يدل على سعة علمه وتمسكه بعقيدة السلف إلا أنه يؤخذ عليه ~~- رحمه الله - استخدامه لبعض تعبيرات المتكلمين وتأثره بهم في المسائل ~~الدقيقة من العقيدة كمسألة الحكمة والتعليل والاستطاعة وغيرها، وسيأتي بيان ~~ذلك عند الحديث عن المآخذ على الكتاب. # خامسا: مذهبه الفقهي # العمراني - رحمه الله - إمام من أئمة الشافعية في اليمن وقد ذكر الجعدي ~~أن اليمن كان الغالب فيه مذهب الإمام مالك وأبي حنيفة - رحمهما الله - إلى ~~نهاية القرن الثالث الهجري4، وأول من أظهر المذهب الشافعي في اليمن الفقيه ~~موسى بن عمران المعافري5، وأول من انتشر عنه المذهب الشافعي PageV01P023 # وظهر إمام الشافعية في ms012 صنعاء وعدن الشيخ القاسم بن محمد الجمحي القرشي ~~المتوفى سنة (437?) في سهفنة فقد انتشر عنه المذهب في مخلاف الجند وصنعاء ~~وعدن ومنه استفاد فقهاء هذا المذهب في تلك البلاد، وكانت مدرسته في سهفنة ~~فأخذ عنه شافعية المعافر1 ولحج2 وأبين وأهل الجند والسحول3 وأحاظه وعنه4 ~~ووادي ظبا5. # وعن تلاميذ القاسم بن محمد انتشر المذهب الشافعي حتى وصل إلى الشيخ أبي ~~الحسين يحيى بن أبي الخير العمراني فانتشر عنه المذهب إلى سائر البلدان ~~وصنف فيه وألف الكتب الكثيرة وأظهرها كتاب (البيان) وهو معدود من كتب ~~الشافعية الكبار ويحيل عليه كثيرا السبكي في طبقاته ويذكر ترجيحاته ومسائله ~~في مواطن كثيرة من كتابه مما يدل على قيمته وقدره عند الشافعية. # وسيأتي ذكر بقية مصنفاته في المذهب في فصل خاص فهو إمام من أئمة ~~الشافعية6 وقد قال عنه الجعدي: (فما أعلم في أكثر هذا المخلاف فقيها مجودا ~~ومناظرا مجتهدا إلا من أصحابه أو أصحاب أصحابه) 7. # سادسا: مصنفاته # أتحف العمراني - رحمه الله - المكتبة الإسلامية وطلاب العلم بمصنفات ~~عديدة جلها في المذهب الشافعي وهي: PageV01P024 # أولا: الزوائد على المهذب للشيرازي الشافعي وقد ابتدأ تصنيفه سنة (517?) ~~حيث استشار شيخه زيد بن عبد الله في جمع ما زاد على المهذب من مسائل فأشار ~~عليه شيخه بذلك واستغرق منه ذلك أربع سنين حيث انتهى منه آخر سنة (520?) ~~وهو يقع في مجلدين1. # ثانيا: مؤلف في الدور استخرجه من كتاب ابن اللبان وغيره. # ثالثا: البيان: وهو من كتب الشافعية الكبار جمع فيه بين الزوائد والمهذب ~~ومسائل الدور ومذاهب المخالفين وشرح فيه ما أشكل من مسائل المهذب ورتبه على ~~ترتيب المهذب قال الجعدي عن البيان: كاسمه بيانا وللعلماء هدى وتبيانا ~~وأنبابه - رحمه الله - البعداء وانتشر علمه في الأجانب والقرباء وأجاب عن ~~المعضلات وأوضح المشكلات وقسم الأوصاف والاحترازات - ثم قال -: لأنه - رحمه ~~الله - انتحل الشروح الكثيرة والدلائل المشهورة والمسائل المفيدة والأقيسة ~~السديدة إلى بيانه وضمنه النكت الحسنة والمعاني المتقنة جمع فيه بين تحقيق ~~البغداديين وتدقيق الخراسانيين، فإذا تأمله الحاذق الناظر وكد في جواهره ~~الخاطر إلى ms013 أن يستدر الناظر وسعه كفاه واستغنى به عما سواه2. # وقال الجندي كما نقل عنه صاحب كتاب (مصادر الفكر الإسلامي في اليمن) : ~~"انتفع به الإنس والجان، ولما قدم بغداد جعل في أطباق الذهب وطيف به مرفوعا ~~وقد أجاب فيه عن المعضلات وأوضح فيه المشكلات وقسم به الأوصاف والاحترازات ~~وجمع فيه بين تحقيقات أهل العراق وتدقيقات الخراسانيين"3. PageV01P025 # وكان ابتداء تصنيفه - رحمه الله - سنة (528?) وانتهى منه سنة (533?) في ~~مدينته مصنعة سير وقد نقل عنه السبكي في مواطن كثيرة في كتابه (طبقات ~~الشافعية) ويقابل بين أقواله وأقوال الشافعية الأخرى في العديد من المسائل، ~~وذكر الأكوع في كتابه (المدارس الإسلامية في اليمن) ص (9) أن البيان للشيخ ~~العمراني كان من الكتب المعتمد تدريسها في مدارس الشافعية زمن دولة بني ~~رسول وبني طاهر. # وقد ذكر فؤاد سيد في تحقيقه لكتاب (طبقات فقهاء اليمن) أن الكتاب يقع في ~~عشر مجلدات ومنه نسخة بدار الكتب المصرية برقم (25) فقه شافعي، وأخرى في ~~مكتبة أحمد الثالث باستانبول برقم (671) . # وذكر الحبشي في كتابه (مصادر الفكر الإسلامي في اليمن) ص (193) أنه يوجد ~~منه نسخة في جامع تريم1 في أربعة مجلدات، ونسخة أخرى في جامع صنعاء كتبت ~~سنة (810?) وسنة (707) في ستة مجلدات برقم (479) كما يوجد مجلد منه في جامع ~~المظفر بتعز ومجلد في مكتبة محمد بن يحيى الحداد في بيته في إب. # رابعا: المشكل: وهو عن المسائل المشكلة في كتاب المهذب وقد ألف - رحمه ~~الله - لما طلب منه تلميذه وصاحبه محمد بن مفلح الحضرمي استخراج المسائل ~~المشكلة في المهذب. # خامسا: الانتصار في الرد على القدرية - وهو الكتاب المحقق في هذه الرسالة ~~وسيأتي التعريف به. # سادسا: غرائب الوسيط صنفه بذي أشرق. # سابعا: مختصر إحياء علوم الدين. PageV01P026 # ذكر هذه الكتب الجعدي في طبقات فقهاء اليمن والحبشي وغيرهما ولم يشر أحد ~~إلى وجود شيء منها سوى كتاب البيان وكتاب الانتصار. # ثامنا: رسالة في المعتقد على مذهب أهل الحديث، وهي الرسالة التي أنشأها ~~للرد أولا على القاضي جعفر الزيدي وأبان فيها عقيدة السلف في القدر وغيره ~~من المسائل ms014 وتعتبر أصلا لكتاب الانتصار لأنه كان ينقل منها المسائل وهي ~~التي يشير إليها بقوله: "ذكرت في الرسالة، واستدللت في الرسالة"، ونحو ذلك. # كما أنه بعد أن يذكر قوله في الرسالة يذكر اعتراض الزيدي ويرد عليه، ولعل ~~هذه الرسالة هي التي وقعت لابن القيم - رحمه الله - ونقل منها في كتابه ~~اجتماع الجيوش الإسلامية ص (710) حيث قال: "قول أبي الحسين العمراني صاحب ~~البيان فقيه الشافعية ببلاد اليمن - رحمه الله تعالى - له كتاب لطيف في ~~السنة على مذهب أهل الحديث صرح فيه بمسألة الفوقية والعلو والاستواء حقيقة ~~وتكلم الله عزوجل بهذا القرآن العربي المسموع بالآذان حقيقة وأن جبرائيل ~~عليه الصلاة والسلام سمعه من الله سبحانه حقيقة وصرح فيه بإثبات الصفات ~~الخبرية واحتج بذلك ونصره وصرح بمخالفة الجهمية والنفاة" انتهى. # تاسعا: كتاب مختصر في الرد على الأشعرية والقدرية في مسألة الكلام، وذكره ~~- رحمه الله - في كتاب الانتصار عند حديثه عن صفة الكلام، والرد على ~~المعتزلة والأشعرية. # عاشرا: الفتاوى ذكره ابن قاضي شهبة في طبقات الشافعية (1/373) . # الحادي عشر: الأحداث. # الثاني عشر: مناقب الشافعي. # الثالث عشر: مقاصد اللمع. # PageV01P027 # ذكر الكتب الثلاثة الأخيرة الزركلي في الأعلام (8/146) ومحقق كتاب طبقات ~~الشافعية للأسنوي (1/212) ولم أر من ذكرها غيرهما. # سابعا: مكانته وثناء العلماء عليه # العمراني - رحمه الله - تبوأ مكانة عالية بين علماء زمانه، كما كان له ~~جاه كبير في اليمن ويكفي في بيان مكانته العالية أن الشافعية في اليمن بعده ~~معتمدون عليه وعلى تلاميذه وكتبه كما قال ابن سمرة الجعدي: "وطبق الأرض ~~بالأصحاب فما أعلم في أكثر هذا المخلاف فقيها مجودا ومناظرا مجتهدا إلا من ~~أصحابه أو أصحاب أصحابه"1. # كما أثنى عليه ثناءا بالغا في أول ترجمته حيث قال عنه: "الذي انتشر عنه ~~الفقه في البلدان وجاوز علمه البحر مع السودان وسارت بتصانيفه الركبان في ~~اليمن والشام وهو الفقيه جمال الإسلام شمس الشريعة يحيى بن أبي الخير"، ثم ~~ساق نسبه إلى آدم عليه السلام. # كما أثنى عليه - رحمه الله - شيخه زيد بن الحسن الفايشي2، فقال: "يحيى ~~ابن ms015 أبي الخير فقيه يصلح للفتوى" وأمر بعض أصحابه وهو عمرو بن عبد الله ~~بالدرس عليه، وقال الجعدي: "وكان هذا لا شك في أول أمر الإمام يحيى بن أبي ~~الخير فلو عاش إلى تصنيفه البيان لرأى عجبا"3. # وكان شيخه القاضي أبو بكر بن محمد بن عبد الله اليافعي إذا تنازعت عنده ~~الخصوم يقول: "ما قال القمران في هذه الحكومة"، وتارة يقول: "هاتوا جواب ~~القمرين يعني الإمامين عبد الله بن يحيى الصعبي ويحيى بن أبي الخير ~~العمراني"4 PageV01P028 # كما أثنى عليه تلميذ تلاميذه ابن أبي لحب فقال: # أجل ما العلا إلا لسيدها الحبر ... وما العلم إلا إرث آل أبي الخير # نفيل أبي يحيى طاهر في فعاله ... وثاني صنوف الخير من معدن الخير1 # وقال عنه السبكي: "شيخ الشافعيين بإقليم اليمن صاحب البيان وغيره من ~~المصنفات الشهيرة ### | … # ثم قال: وكان إماما زاهدا خيرا مشهور الاسم بعيد الصيت عارفا بالفقه ~~والأصول والكلام والنحو أعرف أهل الأرض بتصانيف أبي إسحاق الشيرازي الفقه ~~والأصول والخلاف: يحفظ (المهذب) عن ظهر قلب، وقيل كان يقرؤه في ليلة ~~واحدة"2. # وقال النووي: "كان يحفظ المهذب وشرحه بالبيان، نشر العلم ببلاد اليمن ~~ورحل إليه"3. # ومثله قال الأسنوي في طبقات الشافعية4. # وذكر ابن سمرة الجعدي شعرا في الثناء على الشيخ العمراني ولم يذكر قائله ~~وهو: # لله شيخ من بني عمران ... مذ كان شاد العلم لأركان # يحيى لقد أحيا الشريعة هاديا ... بزوائد وغرائب وبيان # هو درة اليمن الذي ما مثله ... من أول في عصرنا أو ثان5 PageV01P029 ### | الفصل الثاني: التعريف بالكتاب ### | المبحث الأول: اسم الكتاب # ... # المبحث الأول: اسم الكتاب # ورد اسم الكتاب في المخطوط هكذا: (الانتصار في الرد على المعتزلة القدرية ~~الأشرار) وقد كتب فوق كلمة المعتزلة (صح) مما يدل على إضافتها في حال ~~مقابلة أو نحوها. وذكره الجعدي باسم: (الانتصار في الرد على القدرية ~~الأشرار) . # وذكره السبكي باسم: (الانتصار في الرد على القدرية) . # PageV01P033 ### | المبحث الثاني: توثيق نسبة الكتاب إلى المؤلف # عزا الكتاب إلى المؤلف كما مر كل من ترجم له مثل ابن سمرة والسبكي ~~والأسنوي ms016 وابن قاضي شهبة وياقوت الحموي ويحيى بن أبي بكر العامري صاحب كتاب ~~غربال الزمان والزركلي في الأعلام وكذلك هو في كتاب مصادر الفكر الإسلامي ~~في اليمن ص (193) وفي فهرست دار الكتب المصرية. # كما دون على الكتاب اسمه واضحا وهي نسخة دار الكتب، أما النسخة اليمانية ~~المرموز لها ? - ح - فإنها ناقصة من أولها. # وقد ذكر اسمه في أول الكتاب حيث قال: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله ~~وحده، قال الشيخ الإمام الأوحد وجمال الدين مبطل حجج الزائغين يحيى بن أبي ~~الخير بن أسعد العمراني اليماني قدس الله - روحه -. # PageV01P033 ### | المبحث الثالث: سبب تأليف الكتاب # ذكر العمراني - رحمه الله - في مقدمة كتابه أنه ألفه ردا على القاضي جعفر ~~بن أحمد بن عبد السلام الزيدي1 الذي كان قاضيا لصنعاء وقدم إب وأظهر فيها ~~الاعتزال، فكتب الشيخ العمراني رسالة فيها معتقد أهل # 1 من كبار علماء الزيدية في اليمن وهو الذي جلب كتب المعتزلة من العراق ~~إلى اليمن بإيعاز من المتوكل علي بن أحمد بن سليمان وقد تولى للإمام ~~المذكور القضاء في صنعاء، قال عنه الجعدي: "إنه سأل المناظرة من علماء ~~السنة فبعث إليه الإمام يحيى بن أبي الخير الفقيه علي بن عبد الله بن عبد ~~الله بن عيسى الهرمي فاجتمعوا في حصن شواحط وكان لهم فيه محفل عظيم مشهور ~~سنة (554?) "، انظر: طبقات فقهاء اليمن ص 180، تاريخ اليمن الإسلامي لأحمد ~~المطاع ص 323، وانظر: كتاب الصلة بين الزيدية والمعتزلة ص 71. # PageV01P033 # الحديث نصيحة للمسلمين وتحذيرا من الوقوع في الضلال فرد عليه المعتزلي في ~~كتاب سماه (الدامغ للباطل من مذهب الحنابل) 1 فرد عليه العمراني - رحمه ~~الله - بهذا الكتاب المطول وأضاف إليه الرد على أصناف المبتدعة المخالفين ~~لعقيدة أهل الحديث. PageV01P034 ### | المبحث الرابع: منهج المؤلف في الكتاب # ويلخص لنا الإمام العمراني - رحمه الله - منهجه في كتابه بعد ذكره ~~المعتزلة وتلبيسهم على العوام ومن لا خبرة له بمذهبهم بقوله: "فاستخرت الله ~~سبحانه على كشف تلبيسهم وإظهار تدليسهم بهذا الكتاب وجعلته فصولا كل فصل ~~فيه يشتمل على ذكر فائدة منفردة ليقرب ms017 على قارئه أخذ الفائدة منه وقدمت ذكر ~~مذهب أصحاب الحديث جملة ثم الأصول التي بنى أصحاب الحديث أقوالهم عليها فقد ~~ذكرت الآيات والأدلة التي استدللت بها1 على خلق الله لأفعال العباد وعلى ~~الإرادة والتعديل والتجويز وما أورده هذا المعترض عليها بدامغه2 فأجبت عما ~~ذكر من الأدلة وتركت من كلامه ما لا فائدة تحته إلا الأذية وقدمت الأهم ~~فالأهم، ثم ذكرت بعد ذلك المسائل التي وقع فيها الخلاف بين أصحاب الحديث ~~والمعتزلة والقدرية والأشعرية وما حضرني من الأدلة من الكتاب والسنة التي ~~نقلها أئمة الحديث في أصولهم المشهورة كالإمام البخاري والترمذي ومحمد بن ~~الحسين الآجري واللالكائي وغيرهم PageV01P034 # وحذفت ذكر الأسانيد طلبا للإيجاز ليخف حمله ويسهل حفظه لمن أراد ~~مطالعته". # PageV01P035 ### | المبحث الخامس: مصادر الكتاب # اعتمد المصنف - رحمه الله - في كتابه على القرآن الكريم وعلى صحيح ~~البخاري والترمذي وكتاب الشريعة للآجري وكتاب شرح اعتقاد أهل السنة ~~للالكائي، وقد ذكر ذلك في مقدمة الكتاب، وقد نقل عن اللالكائي أكثر النصوص ~~والآثار واعتماده عليه أكثر من اعتماده على الشريعة للآجري، وهذا ظاهر من ~~تخريج الآثار، ونقل عن إحياء علوم الدين للغزالي عدة نقول منها روايات عن ~~الأئمة في التحذير من الكلام وذم المتكلمين وكذلك روايات في فضل العقل، ~~ونقل عن غريب الحديث لأبي عبيد عدة نقول. # PageV01P035 ### | المبحث السادس: المآخذ على الكتاب # لا يكاد يكتب كاتب أو يؤلف مؤلف إلا ويستدرك عليه وهذا من لوازم النقص ~~البشري، والشيخ العمراني - رحمه الله - يؤخذ عليه في كتابه هذا عدة مآخذ ~~ظهرت من خلال التحقيق. # بعض هذه المآخذ تتعلق بالترتيب وبعضها تتعلق بالناحية العلمية: # أولا: الترتيب # سلك المصنف - رحمه الله - في كتابه تقسيمه إلى فصول وقد بلغت فصوله خمسة ~~وعشرين ومائة فصل يفرد لكل معلومة جديدة فصلا مستقلا وهذا جعل الكتاب غير ~~مقسم تقسيما موضوعيا بحيث يكون كل موضوع وحدة كاملة على طريقة الأبواب ثم ~~الفصول. # ومما يؤخذ عليه أيضا أنه لم يجعل لهذه الفصول عناوين يعرف منها مضمون ~~الفصل، ثم إن المصنف أقحم فصلا في المعرفة بعد الكلام ms018 على # PageV01P035 # الدجال وما ورد فيه وقبل الكلام على مسائل الإمامة، ولم يظهر لي وجه ~~إقحامه ذلك الفصل في ذلك المكان ص (810) . # ثانيا: النواحي العلمية # يلاحظ على المصنف ملاحظات عديدة في النواحي العلمية وهي نوعان: # أولا: الناحية العقائدية # المصنف - رحمه الله - سلفي العقيدة، ومصادره هي كتب السلف - رحمهم الله - ~~كما سبق ذكره، إلا أنه في بعض المسائل لم يتبين له قول السلف خاصة في ~~المسائل الدقيقة فيأخذ بقول الأشعرية فيها وذلك في المواضع التالية: ### | 1- # قوله في الاستطاعة بأنها تكون مع الفعل وعزا ذلك إلى أهل الحديث حيث قال: ~~ص (166) "وأهل الحديث يقولون: إن الاستطاعة لا توجد في الفاعل إلا في حال ~~الفعل ولا يوصف بالقدرة عليه قبل الفعل"، وهذا القول غير صحيح لأن الصواب ~~كما سيأتي بيانه في مكانه أن الاستطاعة تكون قبل الفعل ومعه. ### | 2- # قوله بأن الرسل لا يعرف صدقهم إلا بالمعجزات وذلك ص (118) حيث قال: "ولكن ~~لما أرسل الله الرسل لم نعلم صدقهم إلا بالنظر في معجزاتهم" والصواب أنه ~~يمكن معرفة صدق الرسل بغير المعجزات أيضا كدلالة الحال وما يدعو إليه، إلى ~~غير ذلك من الأمور الأخرى التي بيانها في التعليق على كلامه في مكانه. ### | 3- # كلام المصنف عن الحكمة والعدل والظلم المنفي عن الله عزوجل وافق فيه ~~الأشعرية في نفي الحكمة، وأن الله لا يتصور منه الظلم مهما فعل لأنه المالك ~~المتصرف ومن كان كذلك فلا يتصور منه الظلم، وهذا في مواطن عديدة من كتابه ~~منها قوله ص (175) : "ولو جعل ألوانهم سببا أو علما للثواب والعقاب بأن ~~يقول: من خلقته أبيض فهو علم على أنه من # PageV01P036 # أهل الجنة ومن خلقته أسود فهو علم على أنه من أهل النار لم يخرجه ذلك عن ~~الحكمة" وقوله ص (213) : "ولوخلقهم وعذبهم ابتداءا من غير عمل منهم لم يكن ~~ظالما لهم ولا مستحقا اسم الجور ولا خارجا عن الحكمة" ثم قال في تعليل ذلك ~~"ولكنه محكم في مماليكه وعبيده ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون". # وقوله ص (251) : "ولو عاقب على الأفعال الضرورية لم يخرج ms019 بذلك عن كونه ~~عدلا حكيما..". # وقوله ص (0456) : "ولو لم يثب المطيعين وأثاب العاصين لم يكن ظالما". # وقوله ص (459) : "فاستحقاقه الحكمة لذاته لا لفعله الحكمة" # وقوله (467) : "ولو كان فعل الله الشيء لعلة لاقتضى وجود تلك العلة علة ~~أخرى إلى ما يتسلسل فبطل أن أفعال الله لعلة مقتضية منه وجود الفعل منه". # وهذا كله غير صحيح بل الحق أن الله موصوف بالحكمة وأنه حكيم في فعله ~~وأمره، ولا معنى لوصفه نفسه بالحكمة إلا أنه لا يصدر عنه إلا ما هو غاية في ~~الحكمة، وكذلك الظلم المنفي عنه عزوجل قد دلت الأدلة من القرآن على خلاف ~~كلام المصنف وذلك كقوله تعالى: {أفنجعل المسلمين كالمجرمين} وغير ذلك من ~~الآيات التي ذكرت بالتفصيل لبيان الحق في مواضعها من تحقيق الكتاب. ### | 4- # عزوه لأهل الحديث القول بأن الحسن والقبح لم يعرف إلا بالشرع، حيث قال ص ~~(210) : "فذلك المعنى الذي سماها معاصي وخبائث وقبائح هو الشرع، هذا مذهب ~~أهل التوحيد أن القبيح ما قبحه الشرع والحسن ما حسنه الشرع" وقال ص (267) : ~~"فالشرع هو الذي قبح القبيح وحسن الحسن وليس فوق الله سبحانه من يأمره ~~وينهاه.. ". # PageV01P037 # ثم قال: "وقد وجدنا الزنا قبل ورود الشرع لا يسمى قبيحا إلا بعد ورود ~~الشرع بتحريمه وتقبيحه وكذلك تزويج الأمهات والأخوات وذاوت المحارم غير ~~قبيح في العقل.. ". # وهذا كله كلام باطل وهو قول الأشعرية، والصواب أن الحسن والقبح منه ما ~~يعرف بالعقل ومنه ما يعرف بالشرع وقد دلت الأدلة الشرعية على ذلك، وقد تم ~~التعليق على ذلك في موضعه. ### | 5- # عبر المصنف - رحمه الله - في عدة مواطن من كتابه بعبارات المتكلمين التي ~~تحتمل الحق والباطل مثال ذلك قوله في وصف الله عزوجل ص (98) : "ليس بجوهر ~~ولا جسم ولا عرض ولا بمحل الأعراض والجواهر والأجسام ولا يحلها". وقوله ص ~~(266) : "والله ليس بمحل للحوادث". "وهو ليس بمحل للحوادث". # وقوله ص (635) عن الصفات: "فإن العقول تقصر عن معرفة المراد بها". وهذه ~~كلها عبارات المتكلمين ولم ترد في الشرع فاطراحها ونبذها أولى إلا أن تذكر ~~ويبين المراد بها ms020 فإن كانت حقا قبل، وإن كانت خلاف ذلك رد، وقد تم التعليق ~~عليها في مواضعها. ### | 6- # قوله ص (111) : "القرآن الذي هو كلام الله القديم" فوصف القرآن بأنه قديم ~~ليس من كلام السلف كما وضح في مكانه. # وكذلك قوله ص (541) : "فإن كلام الله هو القرآن" والعبارة فيها قصور لأن ~~القرآن من كلام الله. ### | 7- # تأويله صفة الساق بأنها الشدة ص (471) والصواب أن الساق صفة لله عزوجل ~~بدليل ما رواه البخاري في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - ~~فينظر التعليق على ذلك في موضعه. # PageV01P038 ### | 8- # قال المصنف - رحمه الله - ص (346) : "ولا يوصف بالاقتدار على نفسه" يعني ~~بذلك الله عزوجل وهي عبارة لا يليق ذكرها عن الله سبحانه وتعالى وقد بين ~~ذلك في موضعه. ### | 9- # كلامه في الفرق بين الإسلام والإيمان فيه ارتباك وعدم وضوح وذلك أنه قال ~~في أول الرسالة ص (99) : "وأن الإيمان أعلى رتبة من الإسلام والإسلام بعض ~~الإيمان". وهو قول صحيح، إلا أنه في التفصيل قال ص (737) : "والإسلام عام ~~والإيمان خاص، والإيمان بعض الإسلام وهو أشرف أجزائه.. " وهو قول لا يتفق ~~مع الحق في هذه الألفاظ ولا مع ما تقدم من كلامه، وقد تم التعليق على ذلك ~~في موضعه. # ثانيا: الناحية الحديثية: # مما يؤخذ على المصنف - رحمه الله - في كتابه الناحية الحديثية حيث أورد ~~فيه عدة أحاديث ضعيفة وموضوعة مستدلا بها، نذكر بعضا منها: # حديث: "أصحابي كالنجوم" ص (106) . # حديث: "لعن الله أربعة على لسان سبعين نبيا أنا آخرهم.." ص (151) . # حديث: "القرآن كلام الله منزل غير مخلوق ومنه بدأ وإليه يعود" ص (548) . # حديث: "يا معاذ العرش والكرسي وحملتهما.." ص (548) . # حديث: "إن الله تعالى قرأ سورة طه ويس قبل أن يخلق الخلق بألفي عام.." ص ~~(598) . # حديث الطير في فضل علي ص (896) . # PageV01P039 # حديث: "أنا دار الحكمة وعلي بابها" ص (897) وغير ذلك من الأحاديث التي تم ~~التعليق عليها في موضعها. ويؤخذ عليه أيضا رفعه أثرا عن علي إلى النبي - ~~صلى الله عليه وسلم- وهو موقوف وذلك قوله ص (92) : "لا يخلو عصر من قائم ~~لله بحجة" وذلك ms021 إن ثبت عن علي - رضي الله عنه -. # وكذلك رفعه ما ليس بحديث إلى النبي - صلى الله عليه وسلم- وإنما هو من ~~كلام العلماء، وذلك ص (399) حيث قال: وقوله - صلى الله عليه وسلم: "الأخوات ~~مع البنات عصبة" وقد بين في موضعه. # قوله في عدة مواطن: (وهو في الصحاح) "وهو مروي في الصحاح". انظر: ص (147) ~~و (151) وذلك عن أحاديث ضعيفة أو موضوعة كما بين في موضعه وهو تجوز منه - ~~رحمه الله - وتساهل. # وأنه ذكر بعض الأحاديث الصحيحة بصيغة التمريض (روي) مثل قوله ص (92) : ~~"روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال: "إن الله لا ينزع العلم من صدور ~~الرجال.." الحديث، وقوله ص (93) : "وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم- ~~أنه قال: "نضر الله امرأ سمع مقالتي.." الحديث. # وقوله: ص (95) : "وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال: "لا عدوى ولا ~~هامة ولا صفر.." الحديث. # كما أنه لا يعزو الأحاديث إلى مصادرها وفي بعض الأحيان لا يذكر راوي ~~الحديث من الصحابة. # وهذا كله يدل على أن بضاعته في الحديث مزجاة مع أن ذلك لا يقلل من قيمة ~~الكتاب فقد اشتمل الكتاب على أكثر من أربعمائة حديث عدا الآثار عن الصحابة ~~وغيرهم. # PageV01P040 ### | المبحث السابع: قيمته العلمية # كتاب الانتصار ذكر عنه الجعدي أن الفقهاء في تلك المنطقة فرحوا به ~~وانتسخوه ودانوا الله به واعتقدوه1. # وذكر أيضا في ص (203) أنه مر على قرية ألخ2 سنة (561?) ? عيسى بن مفلح ~~وأحمد بن سليمان وموفق بن مبارك وهم ينسخون كتاب الانتصار. # وانتشار كتاب الانتصار بين فقهاء تلك المنطقة لما تضمنه من إفحام الطائفة ~~القدرية التي كان الزيدية في ذلك الوقت هم دعاتها وكانت لهم دولة في ذلك ~~الزمان، كما تضمن ردا وإفحاما للأشعرية الذين يزعمون أنهم ينتصرون لعقيدة ~~أهل السنة ويردون على المعتزلة وهم يقولون في الواقع بقول المعتزلة في ~~مسائل عديدة - وقد ذكر العامري في غربال الزمان ص (438) أن فقهاء الجبال في ~~اليمن في ذلك الوقت شافعية وكانوا على عقيدة السلف وكانوا مولعين بكتاب ~~الشريعة للآجري - رحمه الله - وكانوا يقدحون في عقيدة ms022 الغزالي المخالفة ~~لعقيدة السلف3. # فعليه سيفرحون أشد الفرح بكتاب مثل كتاب الانتصار ويكون له أبعد الأثر ~~فيهم. PageV01P041 ### | المبحث الثامن: موضوع الكتاب # موضوع الكتاب هو الانتصار لعقيدة السلف وإثباتها بإظهار أدلتها والرد على ~~المخالفين المبتدعة وقد شغل إثبات القدر النصف الأول من الكتاب، حيث ذكر ~~أدلة إثباته من القرآن والسنة وأقوال الصحابة ورد على المعتزلي القدري فيما ~~اعترض به على الآيات والنصوص الشرعية بالوجوه العديدة المفيدة مما جعل ~~الكتاب في استيعابه للنصوص الشرعية في القدر واستيعاب أوجه الرد على ~~اعتراضات وشبه القدرية فريدا في بابه. # وعقب على ذلك بإثبات الصفات والرد على منكريها من الجهمية والمعتزلة ~~وكذلك الرد على الأشعرية فيما أنكروه أو تأولوه من الصفات كالكلام بحرف ~~وصوت والاستواء وغيرها. # وذكر أيضا رؤية الله عزوجل بالأبصار يوم القيامة ورد على منكريها. # ثم ذكر مذهب السلف في الإيمان ومرتكبي الكبائر والشفاعة ورد على المرجئة ~~والخوارج والمعتزلة المخالفين للحق في ذلك، ثم ذكر الميزان والصراط والحوض ~~والجنة والنار والدجال والإمامة ورد على طوائف المبتدعة في ذلك وأطال في ~~ذكر الخلافة ورد على الرافضة المنكرين لخلافة الخلفاء الراشدين الثلاثة وبه ~~انتهى الكتاب. # PageV01P042 ### | المبحث التاسع: دراسة لأهم موضوعات الكتاب ### | المطلب الأول: تعريف القدر لغة # ... # الكتاب كما تقدم بيانه ص (33) هو رد على القاضي القدري الزيدي جعفر بن ~~أحمد بن عبد السلام قاضي صنعاء الذي اعترض على كتاب كتبه الشيخ العمراني في ~~بيان عقيدة أهل الحديث بكتاب ألفه لهذا الغرض في نصرة عقيدة المعتزلة ~~القدرية في القدر وغيره. # فاستقصى المؤلف العمراني - رحمه الله - بهذا الكتاب الأدلة لمذهب السلف ~~في القدر التي ذكرها في الرسالة الأولى، وذكر اعتراضات القدري عليها ورد ~~عليها بإجابات مطولة وأضاف إلى ذلك مسائل العقيدة الأخرى كالكلام والرؤية ~~وإثبات الصفات وغيرها. # PageV01P042 # وبين مذاهب المنحرفين عنها من المعتزلة والأشعرية والخوارج والروافض ورد ~~عليهم. # ولأن القدر والقدرية قد شغلوا الجزء الأكبر من الكتاب ولتعلق عنوان ~~الكتاب بذلك فلا بد من دراسة موضحة مختصرة للقدر والقدرية تجمع ما تفرق من ~~كلام الشيخ في الكتاب مع ms023 بعض الإضافات المهمة في الموضوع وذلك كله في أربعة ~~مطالب وهي: # المطلب الأول: تعريف القدر لغة. # المطلب الثاني: الإيمان بالقدر عند السلف. # المطلب الثالث: نشأة الخلاف في القدر. # المطلب الرابع التعريف بالقدرية # PageV01P043 # المطلب الأول: تعريف القدر لغة # القدر لغة: بسكون الدال وفتحها القضاء والحكم وهو ما يقدره الله عزوجل من ~~القضاء ويحكم به من الأمور قال تعالى: {إنا أنزلناه في ليلة القدر} 1. أي ~~الحكم أو التي تقدر فيها الأرزاق وتقضى، وقدر الله عليه ذلك: بفتح الدال ~~مخففة ومشددة كتبه عليه، والقدرة: بفتح القاف وسكون الدال، والقدرة: بضم ~~القاف وسكون الدال والمقدار: القوة. # وقدر عليه الشيء: بفتح القاف والدال ضيقه، وقدرت الشيء بفتح القاف والدال ~~مشددة ومخففة من التقدير. # والتقدير يأتي على معان أحدها: التروية والتفكير في تسوية أمر وتهيئته. ~~والثاني: تقديره بعلامات يقطعه عليها، والثالث: أن تنوي أمرا بعقدك تقول ~~قدرت أمر كذا وكذا أي نويته وعقدت عليه2. PageV01P044 ### | المطلب الثاني: الإيمان بالقدر عند السلف # وفيه ثلاث نقاط: # أولا: الإيمان بالقدر إجمالا: وأدلته: # السلف - رحمهم الله - يؤمنون بأن كل شيء بقضاء من الله وقدر سبق صغيرا أو ~~كبيرا حقيرا أو جليلا خيرا أو شرا حلوا أو مرا طاعة أو معصية والأدلة على ~~ذلك بحمد الله ظاهرة وكثيرة منها قوله عزوجل: {إنا كل شيء خلقناه بقدر} 1 و ~~{وكان أمر الله قدرا مقدورا} 2 {وكان أمر الله مفعولا} 3 {ما أصاب من مصيبة ~~إلا بإذن الله} 4 {وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله} 5 PageV01P044 # ومن السنة حديث جبريل وفيه: "وتؤمن بالقدر خيره وشره"1 وحديث طاووس قال: ~~"أدركت ناسا من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم- يقولون كل شيء بقدر" ~~قال: "وسمعت عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - يقول: قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم: "كل شيء بقدر حتى العجز والكيس"2. # وحديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم: "لا يأتي ابن آدم النذر بشيء لم يكن قدر له ولكن يلقيه النذر إلى ~~القدر ms024 قد قدر له فيستخرج الله تعالى به من البخيل، فيؤتى عليه ما لم يكن ~~يؤتى عليه من قبل" 3. # وحديث أبي هريرة أيضا قال: قال رسول اله - صلى الله عليه وسلم: "المؤمن ~~القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير احرص على ما ينفعك ~~واستعن بالله ولا تعجز وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كان كذا وكذا ~~ولكن قل قدر الله وما شاء فعل فإن لو تفتح عمل الشيطان" 4. # فهذه الأدلة كافية في بيان المراد من إثبات الإيمان بالقدر وأن كل شيء ~~بقضاء وقدر. # ثانيا: مراتب الإيمان بالقدر وأدلتها: # الإيمان بالقدر لا يقوم ولا يتم إلا بالإيمان بأربع مراتب قامت عليها ~~الأدلة من كتاب الله وسنة النبي - صلى الله عليه وسلم- وهي:- PageV01P045 # المرتبة الأولى: # الإيمان بعلم الله السابق بكل شيء فعلم جل وعلا ما كان وما سيكون وما لم ~~يكن لو كان كيف سيكون، وعلم طاعات العباد ومعاصيهم وكل دقيق وجليل من ~~أحوالهم علما تاما لا يغيب عنه جل وعلا منه شيء صغر أو كبر. وهذا مقتضى ~~وصفه جل وعلا بالعلم وأنه العليم قال عزوجل: {والله بكل شيء عليم} 1 {وهو ~~العليم الحكيم} 2 {هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة} 3 ~~{لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما} 4 {وأحاط ~~بما لديهم وأحصى كل شيء عددا} 5 {عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة في ~~السماوات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر} 6 {هو أعلم بكم إذ أنشأكم ~~من الأرض وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم} 7. # وفي حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: "سئل النبي - صلى الله عليه ~~وسلم- عن ذراري المشركين، فقال: "الله أعلم بما كانوا عاملين" 8. # وعلى هذا فإن الله عزوجل علم أهل الجنة وأهل النار وخلقهم وهو عالم بما ~~يصيرون إليه، وهم سيصيرون إلى علمه بهم جل وعلا يؤكد هذا ويوضحه حديث عمران ~~بن الحصين - رضي الله عنه - قال: "قال رجل: ms025 "يا رسول الله أعلم أهل الجنة ~~من أهل النار قال: نعم قال: ففيم يعمل العاملون؟ قال: كل ميسر لما خلق له" ~~9. PageV01P046 # المرتبة الثانية: # الإيمان بأن الله عزوجل قد كتب كل ما هو كائن إلى يوم القيامة الصغير ~~والكبير والحقير والجليل من أحوال بني آدم وأعمالهم، فهم يصدون عن شيء قد ~~كتب عليهم وسجل قبل خلقهم ووجودهم، ويردون إلى شيء قد سجل عليهم وخط به ~~القلم، فكتبت طاعاتهم ومعاصيهم وكتب أهل الجنة وأهل النار وهم لن يتعدوا ما ~~كتب لهم وعليهم. # والدليل على ذلك قوله عزوجل: {وكل شيء أحصيناه في إمام مبين} 1 {وكل شيء ~~فعلوه في الزبر وكل صغير وكبير مستطر} 2 {ألم تعلم أن الله يعلم ما في ~~السماء والأرض إن ذلك في كتاب إن ذلك على الله يسير} 3 {وما تكون في شأن ~~وما تتلو منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه ~~وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا ~~أكبر إلا في كتاب مبين} 4 {وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه وما يعمر من ~~معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب إن ذلك على الله يسير} 5 # ومن السنة حديث عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما - قال: سمعت ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم- يقول: "كتب الله مقادير الخلائق قبل أن ~~يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، قال: وعرشه على الماء" 6 وحديث عمران ~~بن الحصين قال إني عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم- إذ جاءه قوم من بني ~~تميم، فقال: اقبلوا البشرى يا بني تميم فقالوا: بشرتنا فأعطنا، فدخل ناس من ~~أهل اليمن فقال اقبلوا البشرى يا أهل اليمن إذ لم يقبلها بنو تميم قالوا: ~~قبلنا PageV01P047 # جئناك لنتفقه في الدين ونسألك عن أول هذا الأمر قال: "كان الله ولم يكن ~~شيء قبله وكان عرشه على الماء ثم خلق السموات والأرض وكتب في الذكر كل شيء" ms026 ~~1. # فكل شيء قد كتب ومضى به القدر وعرف أهل الجنة وأهل النار يقول علي بن أبي ~~طالب - رضي الله عنه: "كنا في جنازة في بقيع الغرقد فأتانا رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم- فقعد وقعدنا حوله ومعه مخصرة فنكس فجعل ينكت بمخصرته ثم ~~قال: "ما منكم من أحد، ما من نفس منفوسة إلا وقد كتب الله تعالى مكانها من ~~الجنة والنار وإلا وقد كتبت شقية أو سعيدة" قال: فقال رجل: يا رسول الله ~~أفلا نمكث على كتابنا وندع العمل؟ فقال: "من كان من أهل السعادة فسيصير إلى ~~عمل أهل السعادة ومن كان من أهل الشقاوة فسيصير إلى عمل أهل الشقاوة فقال: ~~اعملوا فكل ميسر أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل ~~الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة ثم قرأ:- {فأما من أعطى واتقى وصدق ~~بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى} ~~2. # المرتبة الثالثة: # الإيمان بعموم مشيئة الله عزوجل وأنها الموجبة لكل ما في الوجود فما وقع ~~في الوجود من عمل فإنما وقع بمشيئة الله، وما لم يقع إنما لم يقع لأن الله ~~عزوجل لم يشأ وقوعه ولو شاء وقوعه لوقع، وهذا معنى قول المسلمين:- ما شاء ~~الله كان وما لم يشأ لم يكن قال عزوجل: {وما تشاءون إلا أن يشاء الله إن ~~الله} 3 {وما يذكرون إلا أن يشاء الله} 4 {ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها} 5 ~~{إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء} 6 PageV01P048 # {قال ستجدني إن شاء الله صابرا} 1 {قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما ~~شاء الله} 2 {قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء ~~وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير} 3 وعن أبي موسى ~~الأشعري - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال: "اشفعوا ~~فلتؤجروا ويقضي الله على لسان رسوله ما شاء" 4. # وفي قصة نومهم في الوادي قال - صلى الله عليه وسلم: "إن ms027 الله قبض أرواحكم ~~حين شاء وردها حين شاء" 5. # وغير ذلك من الأدلة التي تدل على أن الله عزوجل له المشيئة النافذة في ~~خلقه فكل صلاح وخير وطاعة وإيمان وقعت في هذه الحياة إنما وقعت بمشيئته جل ~~وعلا ولو شاء لم تقع قال تعالى: {قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم ~~به} 6. # وكل فساد وانحراف ومعصية وكفر وقع في هذه الحياة إنما وقع بمشيئة الله ~~عزوجل ولو شاء لم يقع قال تعالى: {ولو شاء الله ما اقتتلوا} 7 {ولو شاء ربك ~~ما فعلوه} 8 {قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين} 9 {ولو شئنا ~~لآتينا كل نفس هداها} 10. # ويعتقد السلف أن الله عزوجل يهدي من يشاء بفضله ويضل من يشاء بعدله. ~~PageV01P049 # وقد دلت الآيات الكثيرة على هذا منها قوله عزوجل: {إن هي إلا فتنتك تضل ~~بها من تشاء وتهدي من تشاء} 1 {قل إن الله يضل من يشاء ويهدي إليه من أناب} ~~2 {ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء} 3 {من يهد الله فهو المهتد ومن ~~يضلل فلن تجد له وليا مرشدا} 4 {من يشأ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط ~~مستقيم} 5. # ولا بد أن يعلم هنا أن الله عزوجل أعلم بخقله وأخبر وأنه جل وعلا الرحيم ~~الحكيم المحمود على كل فعل فمن هداه الله عزوجل فذلك محض تكرم وتفضل منه ~~سبحانه من غير استحقاق من العبد لذلك، قال عزوجل: {قل لا تمنوا علي إسلامكم ~~بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان} 6 وقال أهل الجنة: {الحمد لله الذي ~~هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله} 7. # وقال - صلى الله عليه وسلم- يرتجز ومعه المسلمون في حفر الخندق: "والله ~~لولا الله ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا" 8 # قال تعالى: {كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم فتبينوا} 9 الآية. # وله سبحانه وتعالى الحكمة البالغة فيمن هدى وأضل لأن الحكمة هي وضع الشيء ~~في موضعه المناسب. PageV01P050 # فهدايته جل وعلا مع أنه تفضل منه فهو أيضا وضع ms028 لها في الموضع المناسب إذ ~~هذا مقتضى وصفه جل وعلا بالحكمة قال سبحانه: {أليس الله بأعلم بالشاكرين} ~~1. # ومن ضل فإن الله سبحانه لم يظلمه شيئا ولم يبخسه حقه إنما منعه فضله ~~وهدايته، وذلك أيضا لحكمة بالغة فإن الضال ليس بمحل للهداية فهدايته وضع ~~لها في غير موضعها قال عزوجل: {ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم ~~لتولوا وهم معرضون} 2. # فكل من ضل عن الحق فإنه من هذا الصنف الذين علم الله عزوجل أنه لا خير ~~فيهم ولو علم فيهم خيرا لهداهم. # بقي هنا مسألة تتعلق بالمشيئة وهي: أنه لا تلازم بين المشيئة والمحبة ~~وذلك أن المشيئة لا تأتي إلا بمعنى الإرادة الكونية القدرية حيث الإرادة ~~تنقسم إلى نوعين: # النوع الأول: الإرادة الكونية القدرية مثل قوله تعالى: {إن ربك فعال لما ~~يريد} 3 {ولكن الله يفعل ما يريد} 4 {ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا ~~كأنما يصعد في السماء} 5. وغير ذلك من الآيات، وهذا النوع من الإرادة بمعنى ~~المشيئة إذ لابد من وقوعه لأنه يتعلق بالقضاء والأمر الكوني القدري. # النوع الثاني: الإرادة الدينية الشرعية مثل قوله تعالى: {يريد الله ليبين ~~لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم والله يريد أن ~~PageV01P051 # يتوب عليكم} 1 الآية {ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم} 2 {إنما يريد ~~الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا} 3. # فهذا النوع من الإرادة ليس بمعنى المشيئة وإنما تعلقه بما يحب الله ويرضى ~~فقد يقع وقد لا يقع فلا تلازم بينه وبين المشيئة4. # المرتبة الرابعة: # الإيمان بأن الله خالق كل شيء ومن ذلك العباد وأفعالهم فلا يخرج شيء في ~~هذا الوجود عن ملكه وخلقه فهو خالق كل عامل وعمله وكل صانع وصنعته، وما من ~~حركة ولا سكون في هذا الكون إلا وهو خالقه وربه لا يشركه في ذلك أحد بل هو ~~المتفرد سبحانه بالخلق وحده. قال عزوجل: {الله خالق كل شيء وهو على كل شيء ~~وكيل} 5. # وقال: {والله خلقكم وما تعملون} 6. وقال - صلى ms029 الله عليه وسلم: "إن الله ~~خالق كل صانع وصنعته" 7. # فهذا أربع مراتب يؤمن بها السلف ويثبتونها للباري جل وعلا، فمن أثبتها ~~وآمن بها فقد آمن بالقدر ومن أنكرها أو أنكر شيئا منها فقد كفر بالقدر8. # ثالثا: مسائل تتعلق بالإيمان بالقدر # أولا: قيام الحجة على الخلق: # مع ما تقدم من بيان مراتب الإيمان بالقدر فإن السلف يعتقدون أن الله ~~عزوجل له الحجة البالغة على خلقه ويتضح ذلك بأمور: PageV01P052 ### | 1- # أن الله خلق للعباد قدرة وإرادة ومشيئة وفعلا، فبالقدرة يستطيعون القيام ~~بالتكاليف المناطة بهم، وبالإرادة والمشيئة يصح توجيه الخطاب إليهم ~~بالأوامر والنواهي. # وعلى الفعل يقع الجزاء على الخير خيرا وعلى الشر شرا، إلا أن يعفو الله ~~جل وعلا فأثبت السلف رحمهم الله: أن الله له مع ما تقدم من تقديره السابق ~~الحجة البالغة على خلقه بأن خلقهم على الهيئة الصالحة للتكليف والخلقة ~~المناسبة لمخاطبتهم بالأوامر والنواهي1 وقد دل على ذلك الأدلة. قال عزوجل: ~~في إثبات القدرة للعبد: {ألم نجعل له عينين ولسانا وشفتين وهديناه النجدين} ~~2 {الذي خلق فسوى} 3 {الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل ~~من بعد قوة ضعفا وشيبة} 4. # وفي إثبات المشيئة والإرادة للعبد قال عزوجل: {وما تشاءون إلا أن يشاء ~~الله} 5 {لمن شاء منكم أن يستقيم} 6 {قل ما أسألكم عليه من أجر إلا من شاء ~~أن يتخذ إلى ربه سبيلا} 7 {لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر} 8 {كلا إنه ~~تذكرة فمن شاء ذكره } 9 {لو شئت لاتخذت عليه أجرا} 10. # وقال: {ومن يرد فيه بإلحاد بظلم} 11 {من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها} ~~12 {قال إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين} 13 {وإن كنتن تردن الله ~~ورسوله PageV01P053 # والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما} 1 {وما آتيتم من ~~زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون} 2. # إلى غير ذلك من الآيات المثبتة أن للعبد إرادة. # وقال عزوجل إثبات الفعل للعبد ومؤاخذته بفعله: {كل نفس بما كسبت رهينة} 3 ms030 ~~{بما كنتم تعملون} 4 {إن الله يعلم ما تفعلون} 5 {ومن يتق الله يجعل له ~~مخرجا} 6 {ومن يقتل مؤمنا متعمدا} 7 وفي إثبات القدرة والمشيئة والإرادة ~~والفعل للعبد كما أنه ظاهر من الشرع فهو ظاهر من حال الإنسان، حيث يدرك ذلك ~~تمام الإدراك من حاله وأحواله مع الأمور في الأخذ أو الترك والفعل أو عدمه ~~والإرادة وعدمها، ومن أنكر ذلك فقد أنكر أظهر الأمور وأوضحها وأجلاها، ~~فالسلف يثبتون هذه الأمور مع إثباتهم للقدر بمراتبه الأربع المتقدم ذكرها، ~~فتكون قدرة العبد هي من إقدار الله عزوجل له، وإرادته ومشيئته تابعة لمشيئة ~~الله وإرادته لا يخرج عنها، كما قال عزوجل: {وما تشاءون إلا أن يشاء الله} ~~. # وكذلك فعل العبد إنما وقع بإقدار الله له على هذا الفعل ومشيئته وخلقه جل ~~وعلا لفعل العبد على ما تقدم بيانه في خلق الأعمال. ### | 2- # إرسال الرسل وإنزال الكتب والشرائع وترتيب الجزاء عليه. # يعتقد السلف أن الله عزوجل مع خلقه للعباد الإرادة والمشيئة والقدرة على ~~الفعل أرسل إليهم الرسل مبشرين ومنذرين، فدعوا العباد إلى الله عزوجل ~~ووضحوا وبينوا طريق النجاة والفلاح، وجاهدوا في الله حق PageV01P054 # جهاده حتى يحيا من حي عن بينة ويهلك من هلك عن بينة وتقوم الحجة على ~~الخلق بالتكليف، قال تعالى: {رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله ~~حجة بعد الرسل} 12 ### | 3- # عدم التكليف بما لا يطاق. # يعتقد السلف مع ما تقدم أن الله من فضله ورحمته بخلقه لم يكلفهم إلا ما ~~هو في طاقتهم، فلم يكلفهم ما يشق ويثقل عليهم فعله وإن كانوا مستطيعين لذلك ~~رحمة منه وتفضلا قال جل وعلا: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} 3 {لا نكلف ~~نفسا إلا وسعها} 4 قال ابن جرير: "يعني بذلك فيتعبدها إلا بما يسعها فلا ~~يضيق عليها ولا يجهدها"5 # وهو تحقيق لقوله عزوجل: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} 6 {وما ~~جعل عليكم في الدين من حرج} 78. # ثانيا: تنزه الله جل وعلا عن الظلم: # ويعتقد السلف أن الله عزوجل له ms031 القدرة المطلقة والسيادة المطلقة، وأنه جل ~~وعلا منزه عن الظلم، فقد حرم الظلم على نفسه مع قدرته جل وعلا على كل شيء، ~~فقال جل وعلا: {وما كنا ظالمين} 9 وقال: {وما ربك بظلام للعبيد} 10 {والله ~~لا يحب الظالمين} 11 {إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة PageV01P055 # يضاعفها} 1 {ووفيت كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون} 2 {فأولئك يدخلون الجنة ~~ولا يظلمون نقيرا} 3 {اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم} 4 {ومن ~~يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما} 5. # وقال عليه الصلاة والسلام فيما يروي عن ربه عزوجل: "يا عبادي إني حرمت ~~الظلم على نفسي وجلته بينكم محرما فلا تظالموا"6. # وغناه جل وعلا وقدرته وربوبيته أمور تجعل الظلم منتفيا عنه سبحانه والظلم ~~عند السلف هو: وضع الشيء في غير موضعه وهذا منتف عنه، إذ هو العدل الحكيم ~~فلا يظلم الناس شيئا، ومن ذلك أنه لا يحمل العباد في القيامة سيئات لم ~~يعملوها ولا ينقص من حسناتهم7 - كما دلت عليه الآيات السابقة. # ثالثا: إثبات الحكمة له جل وعلا في فعله وأمره: # يعتقد السلف أن الله عزوجل حكيم في فعله وأمره قال عزوجل فيما حكاه الله ~~عزوجل عن ملائكته: {قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم ~~الحكيم} 8 وقال: {شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما ~~بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم} 9 {عالم الغيب والشهادة وهو الحكيم ~~الخبير} 10 {إن ربي لطيف لما يشاء إنه هو العليم الحكيم} 11 إلى غير ذلك من ~~PageV01P056 # الآيات الكثيرة التي تدل على إثبات الحكمة له جل وعلا صفة من صفات ذاته ~~لا تنفك عن فعله وأمره جل وعلا، ومن نظر في نفسه وما حوله من خلق الله أدرك ~~أنه صدر عن حكيم خبير، وأنه إنما خلق لغاية وحكمة، وكذلك أمره جل وعلا ~~وشرعه فيه دلالة واضحة على حكمة المشرع جل وعلا. # ويعتقد السلف أن الله إنما خلق ms032 الجن والإنس لغاية وحكمة وهي عبادته جل ~~وعلا فلم يخلقهم عبثا ولم يكلفهم شططا. # وله جل وعلا الحكمة البالغة في قدره وقضائه الذي قضاه على العباد وقد ~~تعلم هذه الحكمة وتظهر وقد لا تعلم ولا يضر عدم العلم بها إذ المراد هو ~~الإيمان بأنه الحكيم جل وعلا في فعله وأمره1. # رابعا: التلازم بين الإيمان بالقدر والتوحيد: # يقول ابن عباس - رضي الله عنه -: "الإيمان بالقدر نظام التوحيد فمن كذب ~~بالقدر نقض تكذيبه بالقدر توحيده"2، كيف صار الإيمان بالقدر ينظم التوحيد ~~والتكذيب بالقدر ينقض التوحيد؟ الجواب عن ذلك أن الإيمان بالقدر على ضوء ما ~~تقدم هو اعتراف بالسيادة الكاملة للباري جل وعلا على ملكه، والتكذيب بالقدر ~~وصف للباري جل وعلا بالعجز وخروج أمور كثيرة عن ملكه. # وذلك أن الإيمان بالقدر إيمان بعموم علم الله عزوجل وأنه لا يغيب عنه ~~مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، ولا يغيب ~~عنه الظاهر ولا الخفي، ولا الجزء ولا الكل كل ذلك في علمه، والتكذيب بذلك ~~وصف له جل وعلا بالجهل وعدم الإحاطة، والجاهل PageV01P057 # وعديم الإحاطة لا يكون ربا ولا إلها تعالى ربنا عن ذلك. أما الكتابة ~~فإنها تأكيد للعلم وتأكيد للسيادة على الكون في انتظامه على ما هو مكتوب لا ~~يخرج عنه قيد شعرة، فالكتابة دليل على عظمة هذه السيادة والربوبية. # أما المشيئة فشأنها عظيم، فإثباتها إثبات لربوبية الله عزوجل وسيادته ~~السيادة الكاملة والمباشرة على خلقه، فإرادته جل وعلا ومشيئته نافذة فيهم ~~في الصغير والكبير والحقير والجليل، ومن أنكرها فقد طعن في هذه الربوبية ~~المطلقة على الخلق، لأن إنكارها معناه أنه يوجد في هذا الوجود شيء لا يريده ~~الله ولا يشاؤه، وقد يشاء أمرا فلا يقع، فأي طعن في ربوبية الله عزوجل أعظم ~~من هذا الطعن، وأي تنقص للرب جل وعلا أعظم من هذا التنقص؟ وهو كاف في نقض ~~التوحيد وانهدام أركانه، لأنه إذا كانت مشيئته غير نافذة فملكه ناقص وعجزه ~~ظاهر، ومن هذه صفته لا يصلح للربوبية ولا ms033 أن يكون معبودا تعالى الله عن ~~ذلك. # ومعلوم من حال ملوك البشر أن الملك الذي يصدر شعبه عن رغبته وينصاع لأمره ~~وإرادته فيهم أعظم ملكا من الملك الذي يأمر ولا يطاع ويريد ولا تنفذ ~~إرادته، بل هذا الأخير ليس له من الملك في الحقيقة إلا اسمه، فالله عزوجل ~~أحق بإثبات الحال الأكمل، وملكه وسيادته وربوبيته أعلى وأظهر من كل ملك ~~وسيادة، والأمور جميعها منوطة به جل وعلا، قال سبحانه: {قل اللهم مالك ~~الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء ~~بيدك الخير إنك على كل شيء قدير} 1 # أما خلق الأعمال فهو إثبات بأن الخالق واحد ولا شريك له في ذلك، وأن جميع ~~ما في الوجود من متحرك وساكن هو خلق له سبحانه فإثباته إثبات لعموم الخلق ~~الذي هو من لوازم الربوبية قال عزوجل: {قال أتعبدون PageV01P058 # ما تنحتون والله خلقكم وما تعملون} 1 {قل أرأيتم شركاءكم الذين تدعون من ~~دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السماوات} 2 فعاب على ~~هؤلاء أن عبدوا ما لا خلق له، بل جعل الله من يخلق هو المستحق للعباد فقال: ~~{أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون} 3. # فمن أنكر خلق أفعال العباد فقد زعم أنه يوجد خالق آخر مع الله أو من دون ~~الله وهذا هو الكفر، لهذا ثبت عن كثير من السلف وصف القدرية المنكرين لخلق ~~أفعال العباد بأنهم مجوس هذه الأمة4 حيث زعموا مع الله خالقين وهم العباد ~~الذين يخلقون أفعالهم. # فثبت بهذا كله أن الإيمان بالقدر بمراتبه الأربع بينه وبين التوحيد تلازم ~~فينتقض التوحيد بالتكذيب بالقدر. # خامسا: فوائد الإيمان بالقدر: # تقدم بيان أن الله حكيم في خلقه وأمره جل وعلا وهو إذ جعل الإيمان بالقدر ~~ركن من أركان الإيمان، فله في ذلك الحكمة البالغة فإن للإيمان فوائد عديدة: # أولا: تعظيم الرب عزوجل التعظيم الواجب له سبحانه باعتقاد شمول علمه ~~ونفوذ مشيئته وعموم خلقه جل وعلا لكل شيء5. # ثانيا: تنشيط النفوس ms034 الصالحة إلى العمل وتخويف النفوس المفرطة لعلها تتوب ~~وترجع إلى ربها، وذلك على ضوء قوله - صلى الله عليه وسلم-: "اعملوا فكل ~~ميسر لما PageV01P059 # خلق له، فأما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة ~~فييسرون لعمل أهل الشقاوة"1. # فإن السائر على طريق الخير يزداد نشاطه في الخير لتوقعه أن يكون قد سلك ~~الله به طريق أهل السعادة فإن من علامة ذلك كونه على الطريق، وكذلك المنحرف ~~عن طريق أهل السعادة فإن ذلك يخيفه من أن يكون قد سلك به طريق أهل الشقاوة ~~فيختم له به فينتبه ويفيق ويرجع إلى ربه جل وعلا لعله يسلم ويسلك طريق ~~النجاة، وما عند الله جل وعلا لا يحصل إلا بالعمل. يوضح ذلك أن الإنسان إذا ~~أراد أن يكون صانعا أو تاجرا أو عالما فإنه لا يمكن أن يكون كذلك بدون عمل، ~~فإذا كان ماهرا بالصناعة يدرك أنه سيكون في المستقبل صانعا، وكذلك إذا كان ~~ماهرا في التجارة فإنه سيكون في المستقبل تاجرا، فإذا كان راغبا في هذه ~~الوجهة فإنه يضاعف من جهده حتى يحسن العمل ويصل إلى غايته بأكمل ما يكون من ~~العدة والاستعداد. # وكذلك إذا كان يأمل أن يكون من العلماء ويرى نفسه مهتما بالتجارة فلا شك ~~أنه سيجتهد في صرف نفسه عن التجارة، ويجتهد في العلم حتى يبلغ الغاية التي ~~يأملها ويتمناها، فكذلك من أيقن أن الله قد يسر كل إنسان لما خلق له فإنه ~~إن رأى نفسه على الطريق فرح بذلك واستبشر وزادت همته ونشاطه بدافع الحرص ~~والوصول إلى أسمى المراتب. # وإذا رأى نفسه قد تنكب الصراط فإنه يخاف أن يكون قد سلك به طريق الهالكين ~~فيحزم ويعزم حتى يسلك سيبل السعادة لعله يكون من أهلها وهذا ظاهر بحمد ~~الله2. PageV01P060 # ثالثا: أن الإيمان بأن الله قد كتب كل شيء وأن ما كتب سيكون لا محالة ~~يدفع النفوس إلى الإقدام والعمل والجد والاجتهاد وكسر طوق الخوف من الفشل ~~والهزيمة الذي كثيرا ما يستولي على السالك أو الراغب في أمر فيثنيه عن ms035 أمره ~~ووجهته، لهذا قال - صلى الله عليه وسلم- في حديث أبي هريرة: "احرص على ما ~~ينفعك واستعن بالله ولا تعجز وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كذا ولكن ~~قل قدر الله وما شاء فعل". # ويروى عن علي - رضي الله عنه - أنه قال: "حرس أمرا أجله"1 وهذا حق فإن ~~الإنسان إذا كان لن يموت إلا في يومه الذي قدر له، فإنه محروس محفوظ إلى ~~حين الأجل وهذا يدفعه إلى الإقدام والشجاعة. # رابعا: أن المسلم إذا آمن بالقدر على ضوء حديث النبي - صلى الله عليه ~~وسلم- "حتى تؤمن بالقدر وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وأن ما أخطأك لم ~~يكن ليصيبك" 2، أيقن بأن المقدر لا بد أن يكون فتهون عليه المصيبة إذا وقعت ~~ووجد في احتساب الأجر فيها عند الله أعظم العزاء. # كما أن الإنسان العاصي بعد توبته وإقلاعه عن ذنبه يجد في القدر عزاء ~~لنفسه فيقل من لومها وعتابها، فإن اللوم وعتاب النفس إذا تعدى حده قد يوصل ~~إلى اليأس أو يشغل عما ما هو أولى من الطاعة والعبادة3. # النافع الضار وأن كل خير بيده وأن كل شر لا يدفعه إلا هو جل وعلا، وأنه ~~يهدي من يشاء ويضل من يشاء، وأن مشيئته هي الموجبة لكل ما يقع في هذه ~~الحياة، فإن المسلم تزداد رغبته في PageV01P061 # الله جل وعلا رجاء النفع ورجاء دفع الضر فيدعوه ويلتجئ إليه، وهذا الدعاء ~~واللجوء إليه جل وعلا هو أعظم المنة وغاية الرحمة فإنه العبادة التي من ~~أجلها خلق الإنسان، والدعاء هو: العبادة، فلا أعظم بركة من الأمر الذي يوصل ~~أو يشد إلى هذه الغاية التي خاتمتها مستقر رحمة الله ورضوانه، وأما من لم ~~يؤمن بهذا فإنه لا يجد في نفسه التعظيم الواجب للباري وتقل رغبته فيه جل ~~وعلا، إذ لا خير يرجى جلبه ولا شر يرجى دفعه، فبالتالي لا يسأل الله عزوجل ~~ولا يدعوه ولا يرغب إليه، وأي شيء على الإنسان أعظم من إحساسه بالاستغناء ~~عن ربه وسيده ومن بيده خير الدنيا والآخرة1. PageV01P062 ### | المطلب ms036 الثالث: نشأة الخلاف في القدر وأول من قال بذلك # الإيمان بالقدر ركن من أركان الإيمان وقد ورد بيانه وتوضيحه في القرآن ~~الكريم وفي السنة المطهرة. وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم متبعين لا ~~مبتدعين، يقفون الأثر وينشطون في العمل ويعرضون عن الجدل ولم يعرف منهم ~~رضوان الله عليهم من دخل في بدعة. # وكان أول البدع ظهورا بدعة الخوارج، وكما هو معروف فإن أول ظهورهم كان في ~~زمن الخليفة الراشد علي - رضي الله عنه -، ثم ظهرت بعدهم الشيعة في زمنه ~~أيضا - رضي الله عنه -، ثم ظهر نفاة القدر وذلك أواخر عهد الصحابة بعد موت ~~الخليفة معاوية بن أبي سفيان - رضي الله عنه -، وقد سئل عنهم ابن عمر وابن ~~عباس وغيرهم ممن تأخرت وفاتهم. # وكان أول ظهورهم بالبصرة في العراق على يد رجل ينسب إلى الزهد يقال له ~~معبد الجهني. # وقد روى الآجري واللالكائي بإسناد جيد عن الأوزاعي أنه قال: "أول من # PageV01P062 # نطق في القدر رجل من أهل العراق يقال له: سوسن كان نصرانيا فأسلم، ثم ~~تنصر فأخذ عنه معبد الجهني وأخذ غيلان عن معبد"1. # ومعبد هذا كان ينسب إلى الزهد، وهو الذي أظهر القول بنفي القدر وخرج إلى ~~المدينة وأفسد بها أناسا، وقد حذر منه الأئمة كطاووس والحسن وابن عون2 وقد ~~قتله الحجاج صبرا مع ابن الأشعث، وقيل إن عبد الملك بن مروان الذي صلبه ثم ~~قتله سنة (80?) 3 وقد بلغ خبر إنكارهم للقدر عبد الله بن عمر كما في صحيح ~~مسلم عن يحيى بن يعمر قال: "كان أول من قال في القدر بالبصرة معبد الجهني، ~~فانطلقت أنا وحميد الحميري حاجين أو معتمرين فقلنا: لو لقينا أحدا من أصحاب ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم- فسألناه عما يقول هؤلاء في القدر، فوفق ~~لنا عبد الله بن عمر بن الخطاب داخلا المسجد فاكتنفته أنا وصاحبي أحدنا عن ~~يمينه والآخر عن شماله، فظننت أن صاحبي سيكل الكلام إلي فقلت: أبا عبد ~~الرحمن إنه ظهر قبلنا ناس يقرؤون القرآن ويتقفرون العلم وذكر من شأنهم، ~~وأنهم ms037 يزعمون أن لا قدر وأن الأمر أنف، قال: فإذا لقيت أولئك فأخبرهم أني ~~بريئ منهم وأنهم برآء مني، والذي يحلف به عبد الله بن عمر لو أن لأحدهم مثل ~~أحد ذهبا فأنفقه ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر، ثم فال: حدثني عمر بن ~~الخطاب قال: بينما نحن عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم- فذكر حديث ~~جبريل4. ثم إن معبدا هذا أخذ عنه غيلان بن مسلم 5 القدري وقد رفع أمره إلى ~~عمر بن عبد العزيز - رحمه الله - فأتي به واستتابه فأظهر توبته فأطلقه فلم ~~يتكلم بنفي القدر زمن عمر بن عبد العزيز، فلما توفي وتولى يزيد بن عبد ~~الملك تكلم غيلان بنفي PageV01P063 # القدر وكان يزيد لا يهتم بهذا الأمر، فلما ولي هشام بن عبد الملك أحضر ~~غيلان وذكره بتوبته أمام عمر بن عبد العزيز، فقال غيلان: أقلني يا أمير ~~المؤمنين فوالله لا أعود، قال هشام: لا أقالني الله إن أقلتك هل تقرأ فاتحة ~~الكتاب قال: نعم، قال: اقرأ الحمد لله رب العالمين، فقرأ {الحمد لله رب ~~العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين إياك نعبد وإياك نستعين} قال قف على ~~ما استعنته؟ على أمر بيده لا تستطيعه أو على أمر في يدك. اذهبا فاقطعا يديه ~~ورجليه واضربا عنقه واصلباه1. ثم لما اعتزلت المعتزلة بقول واصل بن عطاء2 ~~في مرتكب الكبيرة بأنه في منزلة بين المنزلتين انضم إليه عمرو بن عبيد3 ~~فضموا إلى بدعتهم في الإيمان وإنكارهم خروج أحد من النار وخلود أهل الكبائر ~~في النار وإنفاذ الوعيد إنكارهم للقدر. # ونفي القدر كانت له مرحلتان: المرحلة الأولى إنكار العلم السابق وكان على ~~هذا معبد الجهني وبعض القدرية وقد كفرهم الأئمة بهذا، ثم إنهم رجعوا عن هذا ~~وأنكروا المشيئة وخلق الأعمال وعموم القدرة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية عن ~~نفيهم العلم والكتابة السابقة: # "وهذا القول أول ما حدث في الإسلام بعد انقراض عصر الخلفاء الراشدين، ~~وبعد إمارة معاوية بن أبي سفيان في زمن الفتنة التي كانت بين ابن الزبير ~~وبين بني أمية ms038 في أواخر عصر عبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس وغيرهما من ~~الصحابة، وكان أول من ظهر عنه ذلك بالبصرة معبد الجهني، فلما بلغ الصحابة ~~قول هؤلاء تبرؤا منه وأنكروا مقالتهم كما قال PageV01P064 # عبد الله بن عمر ### | … # وكذلك كلام ابن عباس وجابر بن عبد الله وواثلة بن الأسقع وغيرهم من ~~الصحابة والتابعين لهم بإحسان وسائر أئمة المسلمين فيهم كثير، حتى قال ~~الأئمة كمالك والشافعي وأحمد وغيرهم فيهم: إن المنكرين لعلم الله المتقدم ~~يكفرون. # ثم كثر خوض الناس في القدر فصار جمهورهم يقر بالعلم المتقدم والكتاب ~~السابق، إلا أنهم ينكرون عموم مشيئة الله وعموم خلقه وقدرته ويظنون أنه لا ~~معنى لمشيئته إلا أمره فما شاء فقد أمر به وما لم يشأ لم يأمر1 به. ثم إن ~~المعتزلة قعدوا لأنفسهم قواعد تتفق مع مخالفتهم التي انحرفوا بها عن الشرع. # وأول هذه القواعد زعمهم: أن العقل مقدم على الشرع وحاكم عليه، وأن الشرع ~~متى ما خالف العقل في زعمهم فإنه يجب اطراحه أو تأويله قال عبد الجبار ~~المعتزلي: "اعلم أن الدلالة أربعة: حجة العقل والكتاب والسنة والإجماع ~~ومعرفة الله لا تنال إلا بحجة العقل". # ثم قال: "الكلام في أن معرفة الله لا تنال إلا بحجة العقل، فلأن ما عداها ~~فرع على معرفة الله تعالى بتوحيده وعدله، فلو استدللنا بشيء منها على الله ~~ولحال هذه كنا مستدلين بفرع للشيء على أصله وذلك لا يجوز"2. ومراده هنا ~~بقوله معرفة الله أي من ناحية صفاته جل وعلا وأفعاله، فقدموا هنا حجة العقل ~~على الشرع ليردوا الشرع الصريح الواضح في إثبات ما يخالف مذهبهم بهذا ~~الزعم. # وهذا القول منهم قلب للحق على مقتضى العقل، لأن الله عزوجل بصفاته ~~وأفعاله لا يمكن للعقل الوصول إلى العلم به إلا على وجه الإجمال، وإن كان ~~الإنسان مفطورا على الإيمان بالله والإقرار له بالربوبية، PageV01P065 # ولكن هذا الإقرار لا يعطي الإنسان علما وافيا عن الله عزوجل، ولا يمكن ~~بأي حال من الأحوال الوصول إلى معرفة الله على التفصيل إلا منه جل ms039 وعلا ~~وذلك بطريق الوحي. # لهذا تخبط المعتزلة في كلامهم عن الله عزوجل وضلوا فيه جل وعلا ضلالا ~~بعيدا سواء في صفاته أو في الكلام على أفعاله سبحانه وتعالى. # بعد هذا قعد المعتزلة أصل (العدل) وهو الأصل الثاني من أصولهم وينسبون ~~أنفسهم إليه بقولهم: (أهل العدل) وقد نمقوا بيانهم للمراد بالعدل بألفاظ ~~ظاهرها التنزيه والتعظيم لله عزوجل، وباطنها تعجيز الله والحد من قدرته ~~وسيادته والرد لشرعه ودينه. # فقال عبد الجبار المعتزلي في تعريفه للعدل: هو توقير حق الغير واستيفاء ~~الحق منه، ثم قال في تطبيق هذا التعريف على عدل الله "وأما علوم العدل فهو ~~أن يعلم أن أفعال الله تعالى كلها حسنة وأنه لا يفعل القبيح ولا يخل بما هو ~~واجب عليه وأنه لا يكذب في خبره ولا يجور في حكمه"1. # فهذه العبارات من سمعها ظن أن المراد بها حق، فإن قولهم: إن أفعال الله ~~تعالى كلها حسنة وأنه لا يفعل القبيح ولا يخل بما هو واجب عليه، يدخل تحتها ~~أمور عديدة: # أولها: أن الحسن والقبح إنما يعرف بالعقل وما حسن في العقل من الإنسان ~~حسن من الله عزوجل وما قبح في العقل من الإنسان قبح من الله عزوجل، فهذا ~~فيه تشبيه وتحكم في أفعال الله عزوجل بميزان النظر البشري. # ثانيها: أن ما حسن يجب على الله أن يفعله، وما قبح لا يجوز له فعله، ~~فهذان الأصلان جعلهما المعتزلة في كلامهم ميزان العدل الإلهي، فكل فعل ~~أردوا إثباته أو نفيه عرضوه على هذا الميزان، فإن كان موافقا لهذا الميزان ~~PageV01P066 # قبلوه وقالوا به، وإن خالف هذا الميزان ردوه ولم يقبلوه ولو قامت الأدلة ~~الشرعية الصحيحة على إثباته، وزعموا في ردهم له أنه يخالف عدل الله وحكمته، ~~وما لم يعلم أن الله عدل حكيم لا يمكن أن تعرف صحة الشرع. # وهذا الميزان الجائر قد ردت به أمور قطعية ورد الشرع بها، وأثبت به أمور ~~لم ترد في الشرع بل الدليل الشرعي على خلافها وهذه الأمور هي: # أولا: زعموا أن الله خلق الخلق لينفعهم ms040 وهذا لم يرد في الشرع بل الذي ورد ~~قوله تعالى: {وما خلقت الجن والأنس إلا ليعبدون} 1. # ثانيا: زعموا أن الله لا يضل أحدا، وأنه لم يختم على قلوب الكفار لأن هذا ~~عندهم قبيح ينزه الله عنه، وهذا باطل فقولهم قبيح ينزه الله عنه غير صحيح ~~لوجهين: ### | 1- # أن هذا ثبت في الشرع وهو الحاكم على كل شيء. ### | 2- # أن الله ثبت أنه عدل حكيم، فإضلاله لمن ضل إنما بمقتضى عدله جل وعلا ~~وحكمته، وليس باللزوم أن يظهر لنا وجه هذا العدل وهذه الحكمة. # ثالثا: زعموا أن الله لم يقدر على العباد المعاصي فردوا بذلك ما ثبت في ~~السنة من أن الإيمان بأن الله يقدر الخير والشر ركن من أركان الإيمان. # رابعا: زعموا أن الله لا مشيئة له نافذة في خلقه لأن هذا إجبار وهو قبيح ~~ينزه الله عنه، فردوا بذلك الأدلة الثابتة في الشرع مع أن هذا ليس جبرا لأن ~~العباد لهم مشيئة أيضا وقد جاءهم الشرع، وقد تقدم بيان قول السلف في القدر ~~بالتفصيل. # خامسا: أنكروا خلق أفعال العباد، وزعموا أن هذا فيه نسبة فعل القبائح إلى ~~الله عزوجل، وهذا قبيح. PageV01P067 # وأهل السنة لا يقولون إن الله يفعل القبائح بل هو منزه جل وعلا عن ذلك، ~~لأن المنسوب إلى الله هو الخلق للفعل على مقتضى الدلالة الشرعية وكمال ~~الربوبية، أما الفعل فهو فعل العبد على ما تقدم بيانه في مذهب أهل السنة. # سادسا: أن الله يجب عليه فعل الأصلح لعباده، فأوجبوا على الله ما لم ~~يوجبه جل وعلا على نفسه افتراء عليه. # وهكذا نرى أن نفي القدر مر بعدة مراحل، أولها نفي العلم الإلهي السابق ~~لأفعال العباد وتبعه إنكار الكتابة وعموم المشيئة وخلق أفعال العباد، ثم إن ~~نفي القدر خف بفعل إنكار السلف وتكفيرهم للقائلين بهذا وقوة الشرع والسنة ~~وارتباط الناس بها إلى إثبات العلم والكتابة وإنكار المشيئة والخلق، ثم إن ~~المتكلمين المعتزلة صاغوا هذا النفي وقعدوه بقواعد يلتزمون بأصولها ~~ويختلفون كثيرا في فروعها، إذ مناطها العقل، والعقول مختلفة فلا تجدهم ms041 ~~يتفقون على فرع، وهذه القواعد أدت إلى توسيع الدائرة في نفي القدر وإلى ~~القول على الله بغير علم. # PageV01P068 ### | المطلب الرابع: التعريف بالقدرية # القدرية اسم يطلق على من نفى القدر وقد سبق بيان أن المعتزلة تبنوا نفي ~~القدر وضموه إلى بدعهم الأخرى، فنعرف هنا بالمعتزلة وبالزيدية الذين تبنوا ~~مذهب المعتزلة وهم المعنيون برد المصنف في هذا الكتاب: # أولا: المعتزلة: # هم أتباع واصل بن عطاء الغزال تلميذ الحسن البصري، وكان زمنه بين أيام ~~عبد الملك بن مروان وأولاده الثلاثة وعمر بن عبد العزيز، وكان اعتزل الحسن ~~البصري بسبب قوله في مرتكب الكبيرة، وذلك أنه جاء رجل إلى حلقة الحسن ~~البصري فقال: يا إمام الدين لقد ظهرت في زماننا جماعة # PageV01P068 # يكفرون أصحاب الكبائر وجماعة يرجئونهم فلا تضر مع الإيمان عندهم كبيرة، ~~كما لا ينفع مع الكفر طاعة، فكيف تحكم لنا في ذلك اعتقادا؟ فتفكر الحسن في ~~ذلك وقبل أن يجيب قال واصل بن عطاء: أنا لا أقول إن صاحب الكبيرة مؤمن ولا ~~كافر بل هو في منزلة بين المنزلتين، ثم قام واعتزل إلى أسطوانة المسجد يقرر ~~ما أجاب عن هذه المسألة. # فقال الحسن البصري: "اعتزل عنا واصل، فسمي هو وأصحابه معتزلة، ثم استقر ~~مذهب الاعتزال بعد ذلك على خمسة أصول وهي: # أولا: التوحيد، وهو عندهم نفي صفات الباري جل وعلا، وإثبات أسماء لا ~~معاني لها كقولهم عالم بلا علم قادر بلا قدرة. # ثانيا: العدل، وحقيقته عندهم نفي قدر الله عزوجل ومشيئته النافذة على ~~خلقه، وأن العباد خالقون لأفعالهم، فسموا لذلك مجوس هذه الأمة، وسموا قدرية ~~لنفيهم القدر، وهم يلقبون أنفسهم أهل العدل والتوحيد. # ثالثا: إنفاذ الوعيد، وهو أن مرتكب الكبيرة عندهم إذا لم يتب فهو من ~~الخالدين في النار. # رابعا: المنزلة بين المنزلتين، وهو قولهم إن الفاسق في الدنيا لا يسمى ~~مؤمنا ولا كافرا. # خامسا: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومنه جواز الخروج على الأئمة ~~عندهم وقتالهم بالسيف. # وعلى هذه الأصول الخمسة يقوم مذهب الاعتزال، وهم ينقسمون إلى إحدى وعشرين ~~فرقة، ذكرها أصحاب ms042 كتب المقالات1. PageV01P069 # ثانيا: الزيدية: ### | 1- # نشأتها: # الزيدية إحدى الفرق التي تنسب إلى التشيع، وهم ينتسبون إلى زيد ابن علي ~~بن الحسين بن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -، وكانت ولادته حوالي ثمانين ~~من الهجرة، وقتل سنة اثنتين وعشرين ومائة للهجرة النبوية، وكان من خبره: ~~أنه التف عليه طائفة من الشيعة وكانوا نحوا من أربعين ألفا، فنهاه النصحاء ~~عن الخروج، وقال له محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب: إن جدك خير منك وقد ~~التف على بيعته من أهل العراق ثمانون ألفا ثم خانوه أحوج ما كان إليهم وإني ~~أحذرك من أهل العراق، فلم يقبل بل استمر يبايع الناس في الباطن في الكوفة ~~على كتاب الله وسنة رسوله، حتى استفحل أمره بها في الباطن وهو يتجول من ~~منزل إلى منزل، وما زال كذلك حتى دخلت سنة ثنتين وعشرين ومائة فأمرهم أن ~~يتأهبوا للخروج أول هذه السنة، فشرعوا في أخذ الأهبة لذلك، فانطلق رجل يقال ~~له: سليمان بن سراقة إلى يوسف بن عمر نائب العراق فأخبره وهو بالحيرة يومئذ ~~خبر زيد ومن معه من أهل الكوفة، فأرسل يوسف بن عمر يتطلبه ويلح بطلبه، فلما ~~علمت الشيعة ذلك اجتمعوا عند زيد بن علي فقالوا له: ما قولك يرحمك الله، في ~~أبي بكر وعمر؟ فقال: غفر الله لهما، ما سمعت أحدا من أهل بيتي تبرأ منهما، ~~وأنا لا أقول فيهما إلا خيرا، قالوا: فلم تطلب إذا بدم أهل البيت؟ فقال: ~~إنا كنا أحق الناس بهذا الأمر، ولكن القوم استأثروا علينا به ودفعونا عنه ~~ولم يبلغ ذلك عندنا بهم كفرا قد ولوا فعدلوا، وعملوا بالكتاب والسنة 1، ~~فقالوا: فلم تقاتل هؤلاء إذا؟ PageV01P070 # قال: إن هؤلاء ليسوا كأولئك، إن هؤلاء ظلموا الناس وظلموا أنفسهم وإني ~~أدعو إلى كتاب الله وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم- وإحياء السنة وإماتة ~~البدع، فإن تسمعوا يكن خيرا لكم ولي، وإن تأبوا فلست عليكم بوكيل، فرفضوه ~~وانصرفوا عنه ونقضوا بيعته وتركوه فلهذا سموا الرافضة من يومئذ ومن تابعه ~~من الناس على قوله ms043 سموا الزيدية. # ثم إن زيدا عزم على الخروج بمن بقي معه من أصحابه فواعدهم ليلة الأربعاء ~~من مستهل صفر من تلك السنة، فبلغ ذلك يوسف بن عمر فكتب إلى نائبه على ~~الكوفة، وهو الحكم بن الصلت، يأمره بجمع الناس كلهم في المسجد الجامع فجمع ~~الناس لذلك يوم الثلاثاء سلخ المحرم، قبل خروج زيد بيوم، وخرج زيد ليلة ~~الأربعاء في برد شديد ورفع أصحابه النيران وجعلوا ينادون: يا منصور يا ~~منصور فلما طلع الفجر إذا قد اجتمع معه مائتان وثمانية عشر رجلا، فجعل ~~يقول: سبحان الله أين الناس؟ فقيل: هم في المسجد محصورون، وكتب الحكم إلى ~~يوسف يعلمه بخروج زيد ابن علي فبعث إليه بسرية إلى الكوفة، وركبت الجيوش مع ~~نائب الكوفة، وتقاتل الفريقان في اليوم الأول إلى المساء، وفي اليوم الثاني ~~إلى المساء حيث أصيب زيد بسهم في جبهته نفذ إلى دماغه فلما أخرج منه مات ~~لساعته ودفن من ليلته وتفرق بعده أصحابه، ثم أخرج يوسف بن عمر جثته وصلبه1. # فالزيدية تنتسب إلى زيد هذا ويعدونه الإمام الرابع لهم، وأول الأئمة ~~لديهم علي بن أبي طالب، ثم الحسن ثم الحسين ثم زيد بن علي ثم كل من قام ~~ودعا إلى نفسه وكان موصوفا بالعدل والأمانة وهو من أولاد فاطمة. # وقد قامت لهم دولة في اليمن في أواخر القرن الثالث الهجري على يد يحيى بن ~~الحسين بن القاسم الملقب بالهادي واستمرت دولتهم بين مد وجزر وظهور وكمون ~~إلى عام (1382?) . PageV01P071 ### | 2- # تبني الزيدية لمذهب المعتزلة: # الزيدية تميزت في أول ظهورها بمسألة الإمامة وأنهم يرونها كما تراها ~~الشيعة الاثنى عشرية في علي بن أبي طالب ثم الحسن ثم الحسين بن علي، ثم ~~يختلفون عن الاثنى عشرية بأن الإمامة تثبت لكل من قام ودعا الخلق إلى طاعة ~~الله تعالى وكان من ولد الحسن أو الحسين وهو جامع لخصال العدل والعلم فلهذا ~~قالوا: بإمامة زيد بن علي بعد الحسين ولم يعدوا أباه زين العابدين ولا أخاه ~~محمد الباقر ولا ابن أخيه جعفر الصادق من أئمتهم لأنهم ms044 لم يخرجوا ولم يدعوا ~~لأنفسهم. # هذا ما تميز به الزيدية من الأقوال، وأما بقية أقوالهم في مسائل الاعتقاد ~~فإنها مبنية على مذهب المعتزلة. # وعلاقة الزيدية بالمعتزلة ذكر أنها قديمة من أيام زيد بن علي، فقد ذكر ~~الشهرستاني في الملل والنحل أن زيد بن علي أخذ الاعتزال عن واصل بن عطاء ~~الغزال رأس المعتزلة. # وهذا لم ينقل عن زيد بن علي بسند يطمأن إليه، كما أن الشهرستاني ذكر أن ~~محمد الباقر اعترض على أخيه زيد في أخذه عن واصل لأن واصلا يرى أن عليا ~~أخطأ في قتاله أهل الجمل وصفين وأن كلا الفريقين على خطأ. # وهذا وإن لم ينقل بسند صحيح فإن فيه دلالة على مانع صحيح يمنع زيدا من ~~الأخذ عن واصل، والله أعلم. # ويظهر بعد هذا الالتقاء بين الزيدية والمعتزلة حيث ذكر الأشعري في ~~مقالاته (1/154) خروج إبراهيم بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي ~~طالب - رضي الله عنه - في البصرة سنة خمس وأربعين ومائة أيام المنصور قال: ~~وشخص عن البصرة في المعتزلة وغيرهم من الزيدية يريد محاربة المنصور ومعه ~~عيسى بن زيد بن علي، فبعث إليه أبو جعفر بعيسى ابن موسى وسعد بن سلم ~~فحاربهما إبراهيم حتى قتل، وقتلت المعتزلة بين يديه. # PageV01P072 # فهذا يدل على الالتقاء بين الزيدية والمعتزلة، ولعل ما يقرب بينهما هو ~~الخروج وذلك أن الزيدية يرون أنهم أحق بالإمامة، والمعتزلة يرون الخروج على ~~الأئمة إذا جاروا. # ثم يظهر الالتقاء واضحا أكثر مع القاسم بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم ~~بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب المتوفى عام (240?) ، وذلك أنه أخذ ~~الفقه عن علماء المذهب الحنفي، وأخذ عن شيوخ المعتزلة في وقته في الأصول، ~~وله مؤلفات منها العدل والتوحيد (الصغير) والعدل والتوحيد (الكبير) ، ~~الأساس في علم الكلام وغير ذلك من الكتب1. ثم جاء بعد القاسم حفيده يحيى بن ~~الحسين الملقب بالهادي، الذي استولى على اليمن وهو معتزلي كتب في الاعتزال ~~كتبا كثيرة2 فصار بعده الزيدية معتزلة لا يختلفون عن ms045 المعتزلة إلا في ~~الإمامة. # قال الشيخ صالح المقبلي "كالزيدية في هذا الجبل من اليمن هم معتزلة في كل ~~الموارد إلا في شيء من مسائل الإمامة وهي مسألة فقهية وإنما عدها المتكلمون ~~من فنهم لشدة الخصام كوضع بعض الأشاعرة المسح على الخفين في مسائل الكلام ### | … # والمخالف في مثل هذه المسائل لا ينبغي أن يعد فرقة كما قال السيد الهادي ~~بن إبراهيم الوزير - رحمه الله تعالى - وهو من أشد الناس شكيمة في مذهب ~~الزيدية والتعصب لهم والرد على مخالفيهم فقال فيهم وفي المعتزلة: "وإنهما ~~فرقة واحدة في التحقيق إذ لم يختلفوا فيما يوجب الإكفار والتفسيق) ذكر هذا ~~في خطبة منظومتة التي سماها (رياض الأبصار) عدد فيها أئمة الدعاة من ~~الزيدية وعلماءها وعلماء المعتزلة متوسلا بهم، فذكر الأئمة الدعاة من ~~الزيدية، ثم علماء المعتزلة ثم علماء الزيدية PageV01P073 # من أهل البيت ثم من شيعتهم واعتذر عن تقديم المعتزلة على الزيدية بما ~~لفظه: (وأما المعتزلة فقد ذكرت بعض أكابرهم وكراسي منابرهم، مع إجمال ~~وإهمال إذ هم الأعداد الكثيرة والطبقات الشهيرة، ورأيت تقديمهم على ~~الزيدية؛ لأنهم سادتها وعلماؤها فألحقت سمطهم بسمط الأئمة وذلك لتقدمهم في ~~الرتبات، ولأنهم مشايخ سادتنا وعلماءنا القادات، وهذا الذي قال هو حقيقة ~~الأمر في اتحاد هاتين الفريقتين كما لا يخفى على من صح أن يعد من أهل هذا ~~الشأن، هذه كتبهم شاهدة بذلك، وإنما بعضهم يوافق هذا وبعضهم يوافق ذاك. ~~فانظر كلام الإمام المنصور بالله في كتبه كلها، وكلام الإمام المهدي في ~~كتبه، وكلام أبي طالب في كتبه كشرح البالغ المدرك والسيد ما نكديم والمؤيد ~~بالله تجدها كلمات الجبائية بأعيانها مع تصريحهم بقولهم؛ المختار كلام ~~شيخنا أبي علي أو أبي هاشم أو أبي رشيد أو غير ذلك، وكذلك كلام الهادي ~~غالبه كلام أبي القاسم الكعبي وكذلك كلام يحيى بن حمزة موافق غالب أمره ~~لأبي الحسين البصري ساير بسيره"1 انتهى. وبه ينتهي المراد من بيان تبني ~~الزيدية لمذهب المعتزلة، وينتهي المراد من هذه الدراسة في هذا الفصل حيث ~~تحدثنا فيه عن القدر والقدرية، ms046 وهما اللذان تعلق بهما عنوان الكتاب وأهم ~~وأطول موضوعاته. PageV01P074 ### | الفصل الثالث: التعريف بالنسخ المخطوطة ومنهج التحقيق ### | المبحث الأول: التعريف بالمخطوط # ... # المبحث الأول: التعريف بالمخطوط # أولا: عدد النسخ: # يوجد لكتاب الانتصار ثلاث نسخ: # النسخة الأولى: نسخة دار الكتب المصرية بالقاهرة برقم (818) كلام. # النسخة الثانية: نسخة الأستاذ محمد بن يحيى الحداد - رحمه الله - في ~~مدينة إب في اليمن في مكتبته الخاصة في بيته. # النسخة الثالثة: نسخة دار الكتب المصرية بالقاهرة برقم (835) علم الكلام. # ثانيا: وصف النسخ: # النسخة الأولى: نسخة دار الكتب المصرية رقم (818) كلام: # نسخة كاملة واضحة الخط، تم الانتهاء من نسخها في ثامن عشر من شهر ربيع ~~الآخر سنة سبع وسبعمائة من الهجرة النبوية، ولم يتبين اسم كاتبها حيث لم ~~يدون عليها اسمه، وهي نسخة مقابلة على النسخة التي نقلت عنها بدليل ذكره في ~~مواضع عديدة في الحاشية جملة (بلغ مقابله) ولم يشر الناسخ إلى النسخة التي ~~نقلت عنها هذه النسخة. ويبلغ عدد أوراقها (92) ورقة من القطع الكبير وعدد ~~الأسطر في الصفحة ما بين (35) إلى (38) سطرا، وعدد الكلمات تتراوح ما بين ~~(14) إلى (15) كلمة في السطر، ومقاسها (18× 27) سم، وقد اعتبرت هذه النسخة ~~الأصل لأنها أقدم النسخ وأكملها، وأرمز إليها بقولي (في الأصل) . # النسخة الثانية: نسخة الأستاذ محمد بن يحيى الحداد - رحمه الله - في ~~مدينة إب في اليمن. # هي نسخة ناقصة من أولها وتبتدئ من بداية الفصل رقم (26) من نسخة دار ~~الكتب، ورقة (15/أ) وهي بخط واضح مشكول، وكان الفراغ # PageV01P077 # من نسخها نهار الجمعة تاسع عشرة من شعبان سنة ست بعد الألف من الهجرة ~~النبوية بخط عبد القادر بن أحمد الفناضي. # وقد قوبلت على الأصل المنقول عنه، وانتهت المقابلة خامس عشر شهر شوال في ~~سنة ست بعد الألف من الهجرة ولم يذكر الأصل الذي نقلت عنه. # وعدد أوراق الموجود منها (195) ورقة من القطع المتوسط حيث عدد الأسطر ~~(21) سطرا، وعدد الكلمات في السطر الواحد ما بين (11-13) كلمة ومسطرتها ~~(14× 21) سم، وقد أثبت على الحواشي فيها تعليقات عديدة منقولة من بعض الكتب ~~توضيحا لمفردة أو ms047 معلومة تتعلق بما هو وارد في الكتاب بخط مغاير للمخطوط. # وقد رمزت لهذه النسخة بحرف -ح- نسبة إلى صاحبها الأستاذ محمد يحيى ~~الحداد، رحمه الله. # النسخة الثالثة: نسخة دار الكتب المصرية في القاهرة رقم (835) علم ~~الكلام: وهي نسخة كاملة وواضحة حديثة النسخ، تم الفراغ من نسخها يوم الخميس ~~ثلاثين من شهر رجب سنة ست وعشرين وثلاثمائة وألف من الهجرة النبوية. # بقلم محمود بن محمد بن أحمد الصياد المرصفي، وهي منقولة عن النسخة الأولى ~~ذات الرقم (818) بدار الكتب حيث التزم الكاتب عدد أسطر الأصل وعدد الكلمات ~~فيه ونهاية كل صفحة تقريبا وحتى الأخطاء الواردة فيها هي نفس الأخطاء وإذا ~~تعسرت عليه كلمة فإنه يرسمها حسب ما يظهر له من قراءتها. # وعدد أوراقها (92) ورقة وعدد أسطر الصفحة ما بين (35-38) سطرا وعدد ~~الكلمات في السطر ما بين (13-15) كلمة. # ولهذا لم أعتبر هذه النسخة ولم أقابل بينها وبين النسخ الأخرى لعدم ~~الفائدة من ذلك. # PageV01P078 ### | المبحث الثاني: منهج التحقيق # انحصر عملي في الكتاب فيما يلي: ### | 1- # نسخ الكتاب وكتابته على طريقة الإملاء الحديثة. ### | 2- # عزو الآيات القرآنية إلى السور وبيان السورة ورقم الآية. ### | 3- # تخريج الأحاديث النبوية وأكتفي بالعزو إلى البخاري ومسلم إذا ورد فيهما ~~أو في أحدهما في الغالب ولا أتجاوزهما إلى غيرهما، فإذا لم يوجد فيهما أعزو ~~إلى السنن والكتب المشهورة من كتب الحديث، وإذا لم يكن الحديث في الصحيحين ~~أذكر درجة الحديث من حيث الصحة وعدمها من كلام العلماء، فإذا لم أجده أجتهد ~~فيها في الغالب وأبين الحكم أو اكتفي بذكر حال الراوي المتكلم فيه من رجال ~~الإسناد. ### | 4- # تخريج الآثار وعزوها إلى مصادرها. ### | 5- # ترتيب فصول الكتاب بالتسلسل. ### | 6- # عزو الأبيات الشعرية إلى قائليها ومصادرها. ### | 7- # الترجمة للأعلام المذكورين ما عدا الصحابة فلا أترجم لهم خشية الإطالة، ~~ومن أترجم له تكون ترجمته في أول موضع يرد ذكر اسمه فيه ولا أحيل على ذلك. ### | 8- # شرح الأمثال وعزوها إلى كتب الأمثال وبيان مضرب المثل. ### | 9- # شرح المفردات الغريبة من كتب اللغة. ### | 10- # توضيح ما يكون من عبارة المصنف غير واضح ويحتمل ms048 أكثر من معنى. ### | 11- # عرفت بالفرق الوارد ذكرها ويكون التعريف أول موضع ترد فيه. ### | 12- # علقت على المسائل العقدية التي يذكرها المصنف مما رأيت أنه يحتاج إلى ~~توضيح. # PageV01P079 ### | 13- # بينت الحق في المسائل التي خالف المصنف فيها مذهب السلف وذكرت الأدلة على ~~ذلك معتمدا على القرآن والسنة وكلام السلف. ### | 14- # أثبت الاختلاف بين نسختي الكتاب، وقد اعتمدت نسخة دار الكتب أصلا، لهذا ~~لا أثبت في الغالب من الاختلاف في نسخة -ح- إلا ما كان فيه تغيير للمعنى ~~خوفا من الإطالة ولكثرة الاختلافات. # وأثبت ما في -ح- في المتن إذا كان أصح مما في الأصل وأشير إلى ذلك في ~~الحاشية. # الرموز المستخدمة في الرسالة: # استخدمت في الرسالة الرموز بدل صريح اسم الكتاب وذلك طلبا للاختصار وهي ~~كما يلي: # خ- صحيح البخاري. # م- صحيح مسلم. واعتمد فيه على تسمية النووي للأبواب. # د- سنن أبي داود. # ت- سنن الترمذي. # ن- سنن النسائي. # جه- سنن ابن ماجه. # دي- سنن الدارمي. # حم- مسند الإمام أحمد. # وما عدا ذلك فإني أذكره باسمه. # كما أرمز بحرف (ب) للباب الذي ورد فيه الحديث من كتب الحديث. # PageV01P080 ### | الباب الثاني: النص المحقق # ... # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله وحده # قال الشيخ الإمام الأوحد جمال الدين، مبطل حجج الزائغين، يحيى بن أبي ~~الخير بن أسعد العمراني اليماني - قدس الله روحه - الحمد لله خالق الأشياء ~~ومحكمها وموجد البرايا ومعدمها، وناقض العزائم ومبرمها، ولا شريك له في ~~الخلق والتصوير، ولا شبه له في الفعل والتقدير، وسابق الأشياء في القدم، ~~المنزه عن الخرس والصمم، وهادي المهتدين بفضله، وخاذل الضالين بعدله، ~~والعالم بكل مظهر ومكنون، الذي إذا أراد شيئا قال له كن فيكون، لا يسأل عما ~~يفعل وهم يسألون، الواحد الملك التواب غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب، ~~الموصوف بأكمل الصفات، المتعالي عن الوصف بالآفات. أحمده على إفضاله ~~وإنعامه، وأشكره على نواله وإلهامه. # وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله للحق داعيا، وإلى الجنة هاديا، ختم به ~~النبيين وأنزل عليه قوله الحق المبين، وجعله معجزة له في الأولين والآخرين، ~~وشفى به صدور المؤمنين وجعله حجة على الضالين، فقال تعالى: {وننزل ms049 من ~~القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين} 1. # صلى الله عليه وعلى أهل بيته الأكرمين، وعلى صحابته وخلفائه الراشدين ~~وسلم وكرم وشرف وعظم، وبعد. # فانتهى إلي العلم بأنه قدم إلى قرية إب2 رجل من ولاة القضاء بصنعاء ينتحل ~~مذهب الزيدية والقدرية، لقبه أهله شمس الدين3. فأظهر القول PageV01P089 # هنالك بأن العباد يخلقون أفعالهم وأن القرآن مخلوق، وغير ذلك من مذاهبهم، ~~ودعا الناس إلى ذلك وسأل الناس المناظرة من أهل السنة. # فرأيت من الحق الواجب والفرض اللازب إنشاء رسالة ونصيحة إلى أهل السنة، ~~فيها بيان مذهب أهل الحديث بخلق الأفعال وإثبات الإرادة وما تشعب عليهما، ~~وجعلت افتتاحها ذكر الأخبار المروية عن النبي - صلى الله عليه وسلم- ~~بالتحذير عن القدرية، فلما وقف عليها هذا الرجل عبس وبسر، وغضب من ذلك ~~ونفر، وصنف في الرد على ذلك كتابا سماه (الدامغ للباطل من مذاهب الحنابل) ~~1، أبان فيه خفي مقاتله بما ذكر من حججه ودلائله. # فقد قيل: من لم يطلع على دلائل خصمه لم يقدر على قطعه وقصمه. ومن نظر من ~~المحققين في كتاب هذا القائل وتبين في معناه الحاصل سماه (الدامغ الباطل) ، ~~لأنه جعل كلامه فيه الأذى والشتيمة والجفاء، ولم يراع بنفسه منصب القضاء، ~~ولا تأدب بآداب العلماء، الذين صنفوا الكتب الموضوعة للمخالفين في كل فن من ~~العلوم أصولها وفروعها، فاعتمدوا فيها على ذكر المعاني الدقيقة بالألفاظ ~~الحسنة الأنيفة، ولو كان له بصر بالقرآن لتأدب بما أدب الله به أنبياءه، ~~قال تعالى: {وجادلهم بالتي هي أحسن} 2 وقال لموسى وهارون عليهما السلام: ~~{اذهبا إلى فرعون إنه طغى فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى} 3. # لكنه سلك طريق أسلافه وأئمته من المعتزلة والقدرية4 في الوقيعة والشتيمة ~~لمن هو مبرأ مما رموهم به وهم الصحابة - رضي الله عنهم - وأصحاب الحديث فهم ~~الداخلون تحت قوله تعالى: {لن يضروكم إلا أذى} 5 PageV01P090 # وتحت قوله تعالى: {إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا ~~والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما ~~اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما ms050 مبينا} 1. # ولا يلزم على قولي هذا افتتاحي الرسالة بذكر الأخبار المروية عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم- في القدرية ولا في الرد عليهم، فإن تلك مذمة واردة عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم- وعن الصحابة والعلماء ولقب لهذه الفرقة لا يسع ~~أحد إنكارها2، بل كل فريق يرد ذلك عن نفسه بما أمكنه من التأويل، والله ~~يعلم المفسد من المصلح. # وما أورده من الكلام السخف يدل على انقطاعه وقلة علمه بلا شك ولا ريب عند ~~المحققين من أهل النظر، ولولا خشية دخول الشك والارتياب على من اطلع على ~~كلامه أو بلغه ممن لا خبرة له بمذهب القدرية من أهل السنة لكان الإعراض عن ~~الجواب من الصواب. # فقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "لا أخاف على أمتي ~~مؤمنا ولا كافرا أما المؤمن فيحجزه إيمانه وأما الكافر فيقمعه كفره، وإنما ~~أخاف عليهم منافقا عليم اللسان يقول ما تعرفون ويفعل ما تنكرون "3. وليس ~~يعرفهم إلا من استحكم معرفة أصول الدين الذي يعرف به الحق من الباطل وهم ~~الحجة في كل عصر. PageV01P091 # وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال: " إن الله لاينزع العلم من ~~صدور الرجال انتزاعا، ولكن يقبض العلماء فيتخذ الناس رؤوسا جهالا فضلوا ~~وأضلوا"1. # وقال النبي - صلى الله عليه وسلم-: "لا يخلو عصر من قائم لله بحجة "2. # وقال النبي - صلى الله عليه وسلم-: "لا تزال طائفة من أمتي على الحق ~~ظاهرين لا يضرهم من لاوأ هم"3. # ومن المفترض على من عرفه الله طريق الرشد وأبان له سبيل الهدى إذا ظهرت ~~بدعة في الدين أن يردها بما قدر عليه. # قال الله تعالى: {قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني} ~~4 وقال الله تعالى لنبيه - صلى الله عليه وسلم-: {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة ~~والموعظة الحسنة} 5. PageV01P092 # وقد أخذ الله العهد على العلماء ليبيننه للناس ولا يكتمونه، والعلماء ~~ورثة الأنبياء1. قال علي - رضي الله عنه -: "خرج النبي - صلى الله عليه ~~وسلم- يوما فقال: " اللهم ارحم خلفائي. قلنا له: ومن خلفاؤك يا رسول ms051 الله؟ ~~قال: الذين يحفظون سنتي وأحاديثي ويعلمونها الناس"2. # وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم-: قال: "نضر الله امرءا سمع مقالتي ~~فوعاها ثم بلغها من لم يسمعها"3. # وقال - صلى الله عليه وسلم-: "إن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما ~~وإنما ورثوا العلم "4. PageV01P093 # وأدلة العلماء كمعجزات الأنبياء1. # ولم يزل العلماء يردون على القدرية أقوالهم ويبطلون استدلالهم ويكشفون ~~تلبيسهم ويظهرون تدليسهم. وبذلك أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم- بقوله: ~~"يحمل هذا العلم من خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين ~~وتأويل الجاهلين"2. # ولا تزول الشبه عن قلوب العامة إلا من حيث دخلت وقد كان النبي - صلى الله ~~عليه وسلم- يزيل الشبه من حيث علم دخولها. # روي أن رجلا أتى النبي - صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله إن ~~امرأتي أتت بولد أسود ونحن أبيضان فعلم النبي - صلى الله عليه وسلم- أن ~~الشبهة قد دخلت عليه بولده، وأنه قد وقع عنده أن زوجته أتت به من غيره، ولو ~~قال له النبي - صلى الله عليه وسلم- هو ابنك الولد للفراش، لم تزل عنه ~~الشبهة، فعدل عن ذلك وقال له: "هل لك من إبل؟ " قال: نعم، قال: "ما ~~ألوانها؟ " قال: حمر، قال له: "هل فيها من أورق؟ " - والأورق ما لونه كلون ~~الرماد - قال: نعم إن فيها لورقا قال: "فأنى ترى ذلك؟ " قال: لعل عرقا ~~نزعها؟ فقال - صلى الله عليه وسلم-: "وهذا لعل عرقا نزعه.."3. PageV01P094 # فأزال عنه الشبهة من الوجه الذي يعلم أنه يفهمه. # وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال: "لا عدوى ولا هامة ولا صفر "، ~~فقال له أعرابي كالمعترض عليه: فما لنا نرى الإبل كالضباء فتكون النقبة ~~بمشفر البعير فتجرب الإبل عن آخرها؟ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم-: ~~"فما أجرب الأول "1. فقمعه بالحجة من حيث علم زوال الشبهة عنه، ولم يقتصر ~~على قوله إن الله يخلق الداء. # وقد أدخلت المعتزلة2، والقدرية3 على الإسلام وأهله شبها في الدين ليموهوا ~~بها على العوام، ومن لا خبرة له بأصولهم التي بنوا عليها أقوالهم، فاتبعوا ~~متشابه القرآن وأولوا القرآن على ms052 خلاف ما نقل عن الصحابة والتابعين ~~المشهورين بالتفسير، لينفقوا4 بذلك أقوالهم، فهم أشد الفرق ضرار على أصحاب ~~الحديث، ثم بعدهم الأشعرية5. لأنهم أظهروا PageV01P095 # الرد على المعتزلة وهم قائلون بقولهم. # فاستخرت الله سبحانه على كشف تلبيسهم، وإظهار تدليسهم بهذا الكتاب، ~~وجعلته فصولا كل فصل فيه يشتمل على ذكر فائدة منفردة ليقرب على قارئه أخذ ~~الفائدة منه، وقدمت ذكر مذاهب أصحاب الحديث جملة، ثم الأصول التي بنى أصحاب ~~الحديث أقوالهم عليها وبينت انسلاخ القدرية منها. # وأما الأصل الذي بنوا عليه أقوالهم فقد1 ذكرت الآيات والأدلة التي ~~استدللت بها على خلق الله لأفعال العباد وعلى الإرادة والتعليل والتجويز2 ~~وما أورده هذا المعترض عليها بدامغه3. # فأجبت عما ذكر من الأدلة، وتركت من كلامه ما لا فائدة تحته إلا الأذية، ~~فقدمت الأهم منها فالأهم، ثم ذكرت بعد ذلك المسائل التي وقع فيها الخلاف ~~بين أصحاب الحديث والمعتزلة والقدرية والأشعرية وما حضرني من الأدلة من ~~الكتاب والسنة التي نقلها أئمة الحديث في أصولهم المشهورة PageV01P096 # - كالبخاري 1، والترمذي 2 ومحمد بن الحسين الآجري 3، واللالكائي 4، ~~وغيرهم وحذفت ذكر الأسانيد طلبا للإيجاز ليخف حمله ويسهل حفظه لمن أراد ~~مطالعته. والله أسأله أن يجعله خالصا لوجهه وينفعني والمسلمين به، آمين. ~~PageV01P097 ### | 1 - # فصل: في بيان عقيدة أصحاب الحديث التي أدين الله بها # وهي الإيمان بأن الله سبحانه واحد لا شريك له، فرد لا مثل له، قديم لا ~~أول له، موجد لا موجد له، باق لا انقطاع له، ليس بجوهر1، ولا جسم2، ولا ~~عرض3 ولا بمحل الأعراض والجواهر والأجسام، ولا يحلها4، مستو على العرش كما ~~أخبر بلا كيفية، حي عالم، قادر، مريد سميع، بصير متكلم. PageV01P098 # موصوف بصفات الكمال. الحياة والعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر ~~والكلام، وأن هذه الصفات يستحقها لذاته قديمة بقدمه لا هي هو ولا هو هي، ~~ولا هي غيره ولا هو غيرها1، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. # وأن هذه السور والآيات كلامه تكلم به حقيقة بحرف يكتب وصوت يسمع - لا ~~كحروفنا وأصواتنا - ومعنى يعقل، وأنه أنزله على نبينا محمد - صلى ms053 الله عليه ~~وسلم-، وأنه غير مخلوق ولا عبارة عن القرآن، وأن لله وجها ويدين كما أخبر ~~بكتابه، ولا يفسر ذلك بالجارحة ولا بالذات والنعمة2. PageV01P099 # ونؤمن بأخبار الصفات الواردة عن النبي - صلى الله عليه وسلم- في النزول ~~وغيره إيمانا مجملا ولا نفسرها1 بل نمرها كما جاءت، وأن المؤمنين يرون الله ~~تعالى يوم القيامة بعيون رؤوسهم ولا يراه الكفار، وأن الله خلق أفعال ~~العباد وأقوالهم ونياتهم وخطراتهم في الطاعة والمعصية، وأنه أمرهم بالطاعة ~~ونهاهم عن المعصية وأراد منهم وقوع ما هم عليه، وأن الإيمان قول وعمل ونية ~~يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وأن الإيمان أعلى رتبة من الإسلام والإسلام ~~بعض الإيمان وأن عذاب القبر حق، وأن مسألة منكر ونكير في القبر حق. وأن ~~الجنة والنار مخلوقتان، وأنه أسري بالنبي - صلى الله عليه وسلم- من مكة إلى ~~بيت المقدس، ثم عرج به إلى السماء في يقظة من النبي - صلى الله عليه وسلم-، ~~وأنه اطلع في الجنة والنار وبلغ سدرة المنتهى، فأوحى الله إليه ما أوحى، ~~ورأى النبي - صلى الله عليه وسلم- ربه. # وقد اختلف الصحابة - رضي الله عنهم - بذلك، فمنهم من قال: رآه بعيني ~~PageV01P100 # رأسه، وقالت عائشة - رضي الله عنها -: "ما رآه بعيني رأسه وإنما رآه ~~بعيني قلبه "1. # وأن للنبي - صلى الله عليه وسلم- شفاعة في أهل الكبائر من أمته، وكذلك ~~لغيره من العلماء والصالحين، وأن الله سبحانه يغفر الكبائر من الذنوب غير ~~الشرك لمن يشاء من عباده، وله أن يعذب على الصغائر، وأن معرفة الله وجبت ~~بالشرع لا بالعقل، وأن بعث الله للرسل وتكليف الله للخلق أمر جائز غير واجب ~~عليه، وأن الله سبحانه بعث نبينا محمدا - صلى الله عليه وسلم- ونسخ بشريعته ~~جميع الشرائع وختم به النبوة فلا نبي بعده، وأن مراتب الخلافة في الصحابة - ~~رضي الله عنهم - كما وقعت أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي - رضي الله عنهم ~~-، وأن الخلافة ثلاثون سنة ثم بعده ملك كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم. # وأن مراتبهم في الفضل كمراتبهم في الخلافة ووردت أخبار عن النبي - صلى ms054 ~~الله عليه وسلم- في تفضيل آحاد الصحابة وجماعتهم لا تتنافى، فيفضل الصحابة ~~- رضي الله عنهم - بما ورد فيهم من الأخبار، وبما جرى لهم من السابقة، ~~ونمسك عن ذكر ما جرى بينهم، ونحمل ذلك على أمور دينية كانوا بها متأولين ~~ويغفر الله لهم ما وقع بينهم فيها من القتل بسابقتهم. # ولا ننكر كرامات الأولياء. ونصب الإمام في وقتنا حق واجب فمن وجدت فيه ~~شروط الإمامة وظهرت شوكته وقوي أمره وجبت طاعته ولا يجوز الخروج عليه بقول ~~ولا فعل، سواء كانت إمامته بعقد أهل الحل والعقد له، أو باستخلاف إمام حق ~~قبله له أو بغلبته2 بالسيف3. PageV01P101 ### | 2- # فصل: والأصول التي بنى أصحاب الحديث عليها أقوالهم، الكتاب والسنة ~~والإجماع والقياس # وهو: أدلة العقل، أما الكتاب: فهو قول الله تعالى وهو القرآن الذي هو سور ~~وآيات الذي هو خارج عن أجناس النظم وعن كلام البشر بمعاني تصح ولا تفسد1. ~~منها أنه أخبر به2 عما كان في التوراة والإنجيل من القرون الماضية ~~والأنبياء المتقدمين، وكان أميا لا يقرأ كتابا، وأخبر عما يكون قبل أن يكون ~~كدخوله مكة وغلبة الروم وغير ذلك فكان كما أخبر، وأمره الله أن يقول: هذا ~~كلام ربي، وأمرني أن أبلغه إليكم، فقالوا: إنما يعلمه بشر، ولو شئنا لقلنا ~~مثل هذا، فأمره الله أن يتحداهم بالإتيان بمثله أو بعشر سور من مثله أو ~~بسورة من مثله، وهم أفصح العرب على النظم والنشر والخطب والرسائل وأنواع ~~الشعر والسجع وبهم من الحمية والأنفة ورفع العار عن أنفسهم ما يدعوهم إلى ~~أن يعارضوه بمثله، وكان الرجلان إذا تساجلا في الشعر والسجع أو غير ذلك ~~وأتى أحدهما بأفصح مما جاء به صاحبه لحق الآخر من النقص والعار بينهم ما ~~يضيق به ذرعه، وأخبر الله لما تحداهم بالإتيان بمثله أنهم لا يأتون بمثله ~~وإن تظاهروا وتعاونوا فقال تعالى: {لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ~~ظهيرا} 3 فكان كما أخبر أنهم لم يقدروا على معارضته. وقد عاش فيهم نيفا ~~وعشرين سنة مع حرصهم على تكذيبه وتنفير الناس عنه وتسفيه ms055 رأيه، فلو كان من ~~جنس كلامهم لعارضوه ولم يعدلوا إلى قتاله وبذل مهجهم وأموالهم وكان تكذيب ~~قوله بالمعارضة أسهل وأبلغ عند الخلق، ومن تعاطى معارضته بشيء من ذلك سخر ~~منه من كان يحب تكذيب النبي - صلى الله عليه وسلم- وذلك مثل مسيلمة الكذاب، ~~حين تعاطى PageV01P102 # معارضة سورة {إذا زلزلت الأرض} ، فقال: "إذا زلزلت القصعت زلزالها، وأسر ~~الغضبان أحواه"ا"1 فالقم فإن اللقم أوحى لها، وفي سورة الفيل بقوله: "الفيل ~~وما أدراك الفيل له ذنب ونبل2 ومشفر طويل وإن هذا من كلام ربنا لقليل"3. # فضحك منه أصحابه وعلموا بأنه كذاب، فعلم بذلك كله أن القرآن كلام الله ~~أبان به صدق النبي - صلى الله عليه وسلم- فيما أتى به4 من النبوة وأنه شاهد ~~من الله له بالصدق لأنه يستحيل من الله إظهار المعجزة على يدي الكذابين لأن ~~ذلك يؤدي إلى قلب الأدلة وبطلانها وقد أمر الله باتباع الوحي والاستدلال له ~~بقوله تعالى: {اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء} 5 ~~{فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة} 6 وغير ذلك من الآيات. ~~فأصحاب الحديث هم القائلون بأن القرآن كلام الله حقيقة، وهم المستدلون به ~~على أقوالهم ومذاهبهم وعليه عمدة أمرهم وأساس بنائهم. فأما المعتزلة ~~والقدرية فلا يصح تعلقهم ولا استدلالهم به لأنهم يقولون: إن الله لا يجوز ~~أن يكون متكلما، ولا قائلا وإن هذا القرآن المتلو المنزل على رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم- مخلوق لله يقدرون على الإتيان بمثله. # وإذا احتجوا بآية أو تلوها فلا يقولون إن الذي يسمع منهم هو خلق ~~PageV01P103 # الله كالشجر والحجر بل هو خلق لهم1 لأنه كلامهم وجميع كلامهم خلق لهم، ~~فبطل أن يكون لهم فيه حجة أو دليل، وبطل أن يكون معجزة للنبي - صلى الله ~~عليه وسلم- عندهم لأنه إنما ثبت أنه معجزة له ودليل على صدقه إذا ثبت أنه ~~كلام الله حقيقة، وإذا لم يكن ذلك كذلك عندهم فإنما يضاف بأنه كلام الله ~~مجازا كما يضاف قول الحوض إليه مجازا: وهو قول الشاعر: # امتلأ الحوض ms056 وقال قطني ... مهلا رويدا قد ملأت بطني2 # ثبت أن نبوته مجاز3 ليست بحقيقة فهم الداخلون تحت عموم قوله تعالى فيما ~~أخبر عن الوليد بن المغيرة4 {إن هذا إلا قول البشر سأصليه سقر} 5 وتحت عموم ~~قوله تعالى: {فنبذوه وراء ظهورهم} 6 وسأبين الحجة على أنه كلام الله حقيقة ~~بعد هذا إن شاء الله. PageV01P104 ### | 3- # فصل: الأصل الثاني الذي بنى عليه أصحاب الحديث أقوالهم: سنة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم. # وقد أمر الله العباد بطاعة رسوله - صلى الله عليه وسلم- بقوله تعالى: {يا ~~أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله ولا تولوا عنه وأنتم تسمعون} 1. قوله ~~تعالى: {من يطع الرسول فقد أطاع الله} 2. وقوله تعالى: {وإن تطيعوه تهتدوا} ~~3. وقوله تعالى: {ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما} 4. وقوله تعالى: ~~{وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} 5. # وأولى الناس بالعلم بسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم- في أقواله ~~وأفعاله وإقراره هم الصحابة جميعهم - رضي الله عنهم - شهد الله ورسوله لهم ~~بالنزاهة مما رمتهم به القدرية وغيرهم من أهل البدع وطعنوا عليهم به. # وقوله تعالى: {محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم} ~~6 الآية. وقوله تعالى: {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون ~~عن المنكر وتؤمنون بالله} 7. PageV01P105 # وقال النبي - صلى الله عليه وسلم-: "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم ~~اهتديتم"1. # وقال النبي - صلى الله عليه وسلم-: " اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر ~~وعمر"2. # وقال النبي - صلى الله عليه وسلم-:" ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة ~~كلها هالكة إلا واحدة، قالوا: يا رسول الله من هي؟ قال: ما أنا عليه ~~وأصحابي "3. # ولو علم الله قرنا أطهر وأطيب منهم لبعث فيهم النبي - صلى الله عليه ~~وسلم-، نزل القرآن بلغتهم وعلموا سبب نزوله ومواضع النزول وأخذوا ذلك من ~~النبي - صلى الله عليه وسلم- بلا واسطة بينهم وبينه، ونقلوا ذلك إلى من ~~بعدهم من علماء التابعين وأخذوا PageV01P106 # منهم كأخذ كف عن كف، كابن المسيب1 وعروة بن الزبير2 والحسن البصري3 وابن ~~سيرين4. # ثم نقل التابعون ما أخذوه ms057 عن الصحابة إلى من بعدهم. # قال النبي - صلى الله عليه وسلم-: "خيركم قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذين ~~يلونهم"5. # وأيد الله الدين بأئمة جمعوا السنن ودونوها وصنفوا كتبا في أسماء الرواة ~~وأنسابهم ومساكنهم ونخلوا6 عن طرائقهم في الدين، فميزوا العدل عن غير العدل ~~عناية منهم في الدين لا للانتقاض7 بل لميزوا النقل الصحيح عن غيره فكان ~~أصحاب الحديث هم أهل السنة. # قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين ~~بعدي عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة، ~~PageV01P107 # وكل بدعة ضلالة "1. # وقال عبد الله بن عمر: "من خالف السنة كفر"2. # قال ابن عباس في قوله تعالى: {يوم تبيض وجوه وتسود وجوه} 3 {وأما الذين ~~ابيضت وجوههم} قال: "أهل السنة والجماعة"و {فأما الذين اسودت وجوههم} قال: ~~" هم أهل البدع والضلالة"4. # وقال سعيد بن جبير5 في قوله تعالى: {وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ~~ثم اهتدى} 6 قال:"لزوم السنة والجماعة"7. PageV01P108 # فكل مدع للسنة يجب أن يطالب بالنقل الصحيح بما يقوله فإن أتى بذلك علم ~~صدقه وقبل قوله، وإن لم يتمكن من نقل ما يقوله عن السلف علم أنه محدث مبتدع ~~زائغ لا يستحق أن يصغى إليه. # فالمعتزلة والقدرية1 عن سنن النبي - صلى الله عليه وسلم- بمعزل لوجوه: # أحدها: أنهم يطعنون على الصحابة - رضي الله عنهم - الذين بايعوا أبا بكر ~~وعمر وينسبونهم إلى الظلم لعلي - رضي الله عنه2- وقد أمرنا النبي - صلى ~~الله عليه وسلم- بالاقتداء بهم جميعا والأخذ عنهم. PageV01P109 # ونقل صاحب كتاب الزيدية ص (356) عن القاسم الرسي المتوفى سنة (246?) ~~قوله: "لنا أم صديقة غضبت على أبي بكر لمنعها فدك ونحن غاضبون لغضبها". # ونقل عن حفيده الهادي يحيى بن الحسين المتوفى سنة (298?) أنه قال بتخطئة ~~أبي بكر - رضي الله عنه - في فدك بدعوى أنها كانت ملك فاطمة - رضي الله ~~عنها- قبل وفاة الرسول - صلى الله عليه وسلم- الذي كان قد وهبها إياها، ~~ويعتبر أن أبا بكر قد رد الجميل إلى عمر - رضي الله عنهما - حين عهد إليه ~~بالخلافة من بعده، انظر: كتاب ms058 الزيدية ص 181. # فهذا أغلظ كلام أئمة الزيدية في اليمن في الخلفاء، أما الباقون فهم على ~~ما ورد عن زيد بن علي من تفضيل علي بن أبي طالب والترضي عن بقية الصحابة، ~~فقد ذكر يحيى بن حمزة المؤيد بالله المتوفى سنة (749?) قول أئمتهم مفصلا في ~~الصحابة في رسالة سماها (الرسالة الوازعة للمعتدين عن سب صحابة سيد ~~المرسلين) ، ننقل من ذكر منها صاحب كتاب الزيدية ص 319 وهو قوله: التكفير ~~والتفسيق لا يكونان إلا بدلالة قاطعة ولم يقم البرهان الشرعي إلا على الخطأ ~~في النظر إلى النصوص دون أمر زائد على ذلك من كفر أو فسق، إنا نعلم قطعا ~~وبالضرورة صحة أديانهم وسلامة إيمانهم واستقامتهم على الدين ومحبتهم لرسول ~~رب العالمين ورضاه عنهم ومعرفته لهم ونصرتهم له في المواطن التي تزل فيها ~~الأقدام، وما ورد عنه نت الثناء عليهم وشهادته لهم بالجنة ورضاه عنهم في ~~أكثر أحوالهم ### | … # ثم ذكر بعض النصوص الشرعية في الثناء على الصحابة، ثم ذكر حال علي - رضي ~~الله عنه - مع الخليفتين، وأنه كان لهما الوزير والمعين وكذلك الحال ~~بالنسبة لابنيه الحسن والحسين، ثم قال: أما حال زيد فقد كان انصراف الرافضة ~~عنه وما لزم عن هذا من قتل كان أهون عليه من أن يقبل التبري من الشيخين ~~قائلا: كيف أتبرأ منهما وقد كانا وزيري جدي وصهريه، يعني النبي - صلى الله ~~عليه وسلم-، كذلك فإن الأمر من محمد النفس الزكية وإبراهيم ويحيى ابني عبد ~~الله ولو قد سبوهما لما تابعهم أكابر المعتزلة لأن لعن الصحابة عندهم يبطل ~~العدالة فضلا عن الإمامة، وسئل جعفر الصادق عن أبي بكر فقال: ما أقول فيمن ~~أولدني مرتين (يعني بذلك أن أمه فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر وأمها ~~بنت عبد الرحمن بن أبي بكر، فجده لأمه وأم أمه أبو بكر رضي الله عنه) ، ~~وكان الناصر للحق يملي أحاديث مروية عنهما بالترضية عليهما فلما كف ~~المستملي من كتابة الترضية زجره الإمام قائلا: لم لا تكتب (رضي الله عنهما) ~~، إن هذا العلم لا ms059 يؤثر إلا عنهما أو عن أمثالهما. # فخلص من هذا إلى أنه لم يؤثر عن أمير المؤمنين ولا عن أحد من أئمة أهل ~~البيت بكفر أو فسق أحد من الصحابة، وأن الإقدام على الاكفار والتفسيق من ~~غير بينة وعلى غير بصيرة إثم كبير، بينما التوقف فيهم ليس إقداما على ~~محظور، وليس التوقف مذهبا وإن كان مذهب الهادي والقاسم والمنصور، وإنما ~~الترضية، لأنا رضينا على من رضي الله ورسوله عليهم حيث قال فيهم الله ~~تعالى: {لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة} وقال: {والذين ~~آووا ونصروا} وقال: {والذين تبوأوا الدار والإيمان} . # إن مذهبنا الذي نحب أن نلقى الله ونحن عليه: أن الإمام بعد رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم- هو علي بن أبي طالب مع حسن الظن في الثلاثة الذين ~~تولوا قبله، فما فعلوا ذلك جرأة على الله بل على سبيل الخطأ في النظر، وما ~~خطؤهما في مخالفة النصوص بكبيرة ولا صغيرة لما اشتملت عليه النصوص من دقة ~~وغموض، وما كان إقدامهم على مخالفة النصوص جرأة على الدين وأنهم يدخلون ~~الجنة لما ورد فيهم من الأخبار. # ولقد قال الإمام المنصور: "إن أئمة الزيدية وعلماءها متابعون للجارودية، ~~غير أن غرضه أنهم متابعون لهم في القول بالنص الخفي على علي لا فيما ورد عن ~~أبي الجارود من تفسيق الصحابة فذلك ما لم يرد عن أحد من أئمة الزيدية". # وقال الهادي يحيى بن الحسين في كتاب الأحاكم: "من أنكر النص على أمير ~~المؤمنين فقد كذب الله ورسوله ومن كذب الله ورسوله فقد كفر بالله ورسوله". # ولكن هذا القول من الهادي محمول على من أنكر قول الرسول - صلى الله عليه ~~وسلم-: "من كنت مولاه فعلي مولاه " وليس محمولا على الصحابة، وإلا فكتاب ~~الأحكام محشو بالرواية عن الصحابة وعن أبي بكر وعمر ولو قد كفرهم أو فسقهم ~~لما نقل عنه لأن الكافر أو الفاسق ساقط العدالة ولا يوثق بقوله. انتهى. # وبهذا النقل المطول يتضح أن أكثر أئمة الزيدية في اليمن على مذهب زيد في ~~عدم الطعن ms060 في الصحابة ما عدا الكلام الذي سبق ذكره عن القاسم والهادي وقد ~~اعتذر عن الهادي المؤيد بالله بما سبق ذكره عنه، والله أعلم. # PageV01P110 # والثاني: أنهم يطعنون على أصحاب الحديث بعدهم، وقد صرح هذا الرجل المعترض ~~بدامغه هذا، فقال: أصحاب الحديث حمال أسفار أو أسمار1. # وهم الواسطة بيننا وبين نبينا ولم يتصل2 إلينا القرآن الذي هو أصل السنة ~~إلا منهم. # والثالث: أن السنة فرع للقرآن لأن نبوة النبي - صلى الله عليه وسلم- إنما ~~ثبتت بثبوت معجزته ولا معجزة له فينا باقية إلى يوم القيامة إلا القرآن ~~الذي هو كلام الله القديم3. PageV01P111 # وإذا كان القرآن عند القدرية مخلوقا كسائر كلامهم لم يثبت فرعه، وهو ~~السنة. # والرابع: أن المعروف منهم اجتناب النقل والرواية عن المشهورين بالنقل ولا ~~عندهم كتب فيها سند صحيح كنحو الكتب المشهورة في الأمصار كالبخاري ومسلم1 ~~والترمذي، وسنن أبي داود2 وغير ذلك من التصانيف التي أجمع أئمة الأمصار على ~~روايتها والاحتجاج بها وإنما عندهم خطب وكتب مزخرفة ينسبونها إلى أهل البيت ~~وهم عنها3 برءاء كما اشتهر عنهم من القول بخلافها، ومعتمدهم كلام المتكلمين ~~في الأعراض والجواهر والأجسام4. # والوجه الخامس: أن القدرية إذا روي لهم خبر عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم- عارضوه بخبر عن النبي - صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "ما جاءكم عني ~~فاعرضوه على كتاب الله وعلى عقولكم فإن وافق ذلك وإلا فارموا به"5. # وهذا الخبر ليس بصحيح لأنا لو عرضناه على كتاب الله لم نجد ما يوافقه ولو ~~عرضنا الأخبار المروية عن النبي - صلى الله عليه وسلم- في مواقيت الصلاة ~~وأعداد PageV01P112 # الركعات وغير ذلك من الأحكام التي نقلت عن النبي - صلى الله عليه وسلم- ~~نقلا متواترا وأجمع العلماء عليها على كتاب الله أو على العقل لم نجد ما ~~يوافقها1 فعلم بذلك أن هذا الخبر لا أصل له، وإنما دعاهم إلى ذلك عجزهم عن ~~ضبط الأحاديث. PageV01P113 ### | 4 - # فصل: الأصل الثالث: الإجماع # وهو إجماع علماء العصر على حكم الحادثة 1. # وهو حجة في الأحكام الشرعية، وقال بعض المعتزلة: الإجماع ليس بحجة2. # والدليل عليه قوله تعالى: ms061 {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ~~ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا} 3. وقوله ~~تعالى: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون} 4. وقوله ~~تعالى: {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر} 5. # وقال النبي - صلى الله عليه وسلم: "لا تجتمع أمتي على خطأ"6. والأدلة في ~~ذلك كثيرة. PageV01P114 # فالقائلون بهذا الأصل هم أهل السنة الذين أفنوا أعمارهم بحصر أقاويل ~~العلماء من الصحابة والتابعين وأئمة الأعصار. # كلما ذهب قرن أيد الله الذين بعدهم بقوم على صفتهم بذلك، والمعتزلة ~~والقدرية من هذا بمعزل لوجهين: # أحدهما: أنه لا يعتبر إلا1 إجماع الفقهاء، والفقه هو: معرفة الأحكام ~~الشرعية التي طريقها الاجتهاد، ولا يعتد بخلاف أهل الكلام الذين لا معرفة ~~لهم إلا بالجواهر والأجسام والأعراض، وهذا علم القدرية، ولا ينقل ذلك عن ~~الصحابة والتابعين2. # الثاني: أن أول عصر العلماء هم الصحابة - رضي الله عنه - وهم يطعنون ~~عليهم على ما مضى3 فكيف يسوغ لهم النقل عنهم. PageV01P115 ### | 5- # فصل: الأصل الرابع: هو القياس # وهو أدلة العقل1. وهو أصل من أصول الأدلة عندنا في العقليات والسمعيات، ~~ولكنه غير موجب بنفسه بل الموجب والمحسن والمقبح هو الشرع2. # والعقل آلة للتمييز بين الصحيح والباطل، ولم يكلف الله المعرفة به إلا من ~~له عقل3 ولكنه تابع للشرع، ولم يلتزم القدرية بشيء من الأصول الأربعة إلا ~~بالعقل إلا أنهم غلوا فيه وجعلوه عمدة أمرهم وأساس بنيانهم وركبوا فيه طرقا ~~وعرة، وجعلوا مات ورد في الكتاب والسنة تابعا لما في عقولهم فإن وافقهم ~~وإلا رموا به4. PageV01P116 # وهذا خلاف قوله تعالى: {اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم} 1 وغير ذلك من ~~الآيات. # وسأبين ما تبعوا فيه العقل وخالفوا فيه الكتاب والسنة PageV01P117 ### | 6- # فصل: معرفة الله وجبت بالشرع، ولو لم يبعث الله الرسل لم يجب علينا معرفة ~~الله ولا عبادته. # ولكن لما أرسل الله الرسل لم نعلم صدقهم إلا بالنظر بمعجزاتهم1. وعرفنا ~~الله تعالى بالعقل. # وقالت المعتزلة والقدرية: معرفة الله وجبت بالعقل ولو لم يبعث الله الرسل ms062 ~~لكان في العقول ما يدل على توحيدهم لله سبحانه2. # وهذا نفس قول البراهمة الذين قالوا بإبطال الوسائط 3. # والدليل على بطلان قولهم قوله تعالى: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} 4 ~~PageV01P118 # وقوله تعالى: {لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل} 1. # فقال بعد الرسل ولم يقل بعد العقل. # وأي طريق في العقل يؤدي إلى تحريم ما حرم الله وتحليل ما أحل الله وما ~~الفرق بين العمة وبنتها في النكاح. PageV01P119 ### | 7- # فصل # ومن أصول القدرية الفاسدة التي بنوها على عقولهم الفاسدة وخالفوا بها ~~الكتاب وإجماع المسلمين قولهم: إن المعدوم شيء1. # وعندنا: أن اسم الشيء لا يقع إلا على الموجود فالموجود هو شيء والشيء هو ~~الموجود. # وعند أهل اللغة: أن المعدوم لم يستحق اسما لعدمه وما يقوم به. # والقدرية: قائلون بقدم العالم، فعبروا عنه بقولهم المعدوم شيء والعالم في ~~حال عدمه كهو في حال وجوده، وأن الله لم يتقدم الأشياء في كونها أشياء2. # وهذا قول الدهرية: الذين أخبر الله عنهم بقوله: {وقالوا ما هي إلا حياتنا ~~الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر} 3. PageV01P120 # وهو كفر لا إشكال فيه على من له فطنة صحيحة. والدليل على فساد قولهم، ~~قوله تعالى: {وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا} 1 وقوله تعالى: {أولا يذكر ~~الإنسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا} 2. # وقد احتج النبي - صلى الله عليه وسلم- على من قال بالعدوى، وأنه يتولد ~~شيء من شيء بقوله: "فمن أعدى الأول "3. PageV01P121 ### | 8- # فصل # وعند المعتزلة والقدرية لا تصح المعرفة بالله لأحد إلا بالأدلة التي ~~رتبها المتكلمون في الجواهر والأعراض، ولا يكون المؤمن مؤمنا حتى يعرف ستة ~~أبواب وضعها الفلاسفة وهي: معرفة الجواهر الأعراض والأجسام، واستحالة ~~الظهور والكمون عليها1، واستحالة عرو الأجسام والجواهر عن الأعراض، ~~والبقاء، والمداخلة، والمجاورة2. # وقد أظهر هذا الرجل بدامغه الإنكار علي بقولي في الرسالة: تركت الاستدلال ~~بأدلة المتكلمين، ولا شك أن رأيه بذلك رأي أسلافه. # واعتماد أهل السنة وأصحاب الحديث في الاستدلال على الله تعالى ~~PageV01P122 # وعلى صفاته وعلى البعث إنما هو بما أرشد الله إليه ms063 في القرآن، لأن الله ~~سماه شفاءا وبيانا بقزله تعالى: {وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة ~~للمؤمنين} 1 وقوله تعالى: {هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين} 2 # وليس بعد بيان الله بيان ولا بعد شفائه شفاء، وقد أمر الله نبيه - صلى ~~الله عليه وسلم- أن يقول: {قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله ~~واحد فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا} ~~3. وقوله تعالى: {قل إنما أنذركم بالوحي} 4 ونبه الله العباد على الاستدلال ~~عليه بقوله تعالى: {وفي أنفسكم أفلا تبصرون} 5. وبقوله تعالى: {إن في خلق ~~السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب} 6، وبقوله ~~تعالى: {ألم نجعل الأرض مهادا والجبال أوتادا} إلى قوله: {وجنات ألفافا} 7. # ومن خلق الله فيه أذنا فطنة، وأمده الله بالتوفيق إذا نظر ابتداء خلقه من ~~نطفة وتنقلها من حالة إلى حالة إلى أن تصير لحما وعظما وعصبا ودما وصورا ~~مختلفة، وما ركب فيها من السمع والبصر والشم والروح، وتغذيته في بطن أمه ~~الذي أوصل إلى كل عرق وعضو من الغذاء ما يقوم به، وتنميته على التدريج في ~~المادة التي لو أراد ذلك في لحظة لأمكنه، وإخراجه له من مكان ضيق، وما جعل ~~فيه من الشهوة للغذاء التي يقوم بها جسده وما ركب به من الإلهام الذي يقصد ~~به حين يولد إلى ثدي أمه ويمتص اللبن ويعلم أن PageV01P123 # بالمص اللبن إلى بطنه، علم أن لذلك صانعا صنعه ومدبرا دبره1. # وقد ضرب الله المثل بالبعوضة مع صغر خلقها ووهن قوتها، فمن فكر في نفسه ~~في صغر خلقها وتقدير أعضائها وأجزائها والإلهام المركب فيها حتى حصل لها به ~~المعرفة لمنافعها ومضارها، فلو أراد العاقل أن يعرف كيف ركب الإلهام فيها ~~حتى عرفت أن بين جلد الإنسان ولحمه دما هو غذاؤها ولولا معرفتها بذلك لم ~~تقصد إلى مص الجلد ثم تديم المص إلى أن يخرج لها ذلك الدم، وكيف الإلهام ~~الذي عرفت به أن في وقع الكف عليها تلفها، وكيف حذرها ومعرفتها ms064 بأن في ~~الفرار من وقوع الكف عليها نجاة لها، وكيف هيئتها التي قصدت بها الطيران ~~والفرار، لم يقدر على إدراك ذلك فيعلم بذلك أن لها خالقا ومدبرا دبر هذا ~~الصنع العجيب فيها. # ومن نظر إلى السماء وحسن خلقها واتساقه وعدم الفطور فيها، وإلى الشمس ~~والقمر والنجوم الجارية فيها بلا فتور على نظام متسق في أوقات مختلفة ~~متراخية، أو نظر إلى الأرض وما فيها من الجبال والرمال والأشجار والثمار ~~والزروع المختلفة في المنظر والطعم والريح علم أن لها محدثا وخالقا ومدبرا ~~دبرها، ومن توهم بنفسه أو تصور بعقله أن هذا كله أو بعضه وجد بغير صانع ~~صنعه ولا موجد أو جده نسب إلى الجهل والحماقة، كما ينسب إلى الجهل وقلة ~~العقل من كان بين يديه تراب وتصور عنده أنه يصير بنفسه طينا ثم لبنا ثم ~~دارا مبنية بغير صانع يصنعه من بني آدم، يستدل بما شاهد من الدور المبنية ~~والصنع المتقنة ومشاهدته لمن يصنع ذلك على أن خلق السموات والأرض وما فيهن ~~من الصنع المتقن من صانع صنعها، واستدل بإتقان الصنع بذلك على أن صانعها ~~عالم بما صنع وقادر على2 ما صنع، إذ لا يتأتى الصنع العجيب المتقن ممن لا ~~علم له ولا قدرة على ما صنع، PageV01P124 # واستدل بتقديم ما تقدم منها وتأخر ما تأخر منها على أن صانعها مريد لما ~~صنع وأن له إرادة. واستدل على أنه حي بأن الأفعال المحكمة المتقنة لا تتأتى ~~من الجماد والموت. # واستحال أن يكون الفاعل الحي العالم القادر المريد موصوفا بصفات النقص ~~وهي: الصمم والعمى والخرس، ويتعين وصفه بضد ذلك وهو السمع والبصر والكلام، ~~وقد وصف نفسه بذلك في القرآن1. # ويستدل على البعث من القبور بالآيات التي أرشد الله الخلق إليها ~~بالاستدلال على ذلك فمنها قوله تعالى: {وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو ~~أهون عليه} 2. # فنبه الله الخلق على الاستدلال بإعادته الخلق بابتدائه لخلقهم لأنهم قد ~~أقروا بأنه خلقهم ابتداء والدليل عليه قوله تعالى: {ولئن سألتهم من خلق ~~السماوات والأرض ليقولن الله} 3 ms065 وقوله تعالى: {ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن ~~الله فأنى يؤفكون} 4. وقوله تعالى: {ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا ~~تذكرون} 5. وقوله تعالى: {وله من في السماوات والأرض كل له قانتون} 6. ~~PageV01P125 # قال الضحاك1: ليس شيء من خلق الله إلا هو يطيعه في التسبيح والسجود ~~والحياة والموت والنشور وإن كانوا عاصين له فيما سوى ذلك من العبادة2. # وتأويل الآية أنه إذا قدر على خلقه في الابتداء في بطن أمه نطفة ثم علقة ~~ثم مضغة بغير مثال سبق فهو على إعادة خلقه أقدر ثم قال: {وهو أهون عليه} ، ~~والهين السهل الذي لا مشقة فيه من العمل. # وقد اختلف الناس في الهاء وهي الضمير في عليه فقال قوم: الهاء عائد على ~~الله أي هين عليه الابتداء والرجوع، قال مجاهد3: {وهو أهون عليه} قال: "خلق ~~الإنسان في الابتداء نطفة ثم علقة ثم مضغة فإذا أعاده فإنما يقول له كن ~~فيكون"4. PageV01P126 # وقال قوم: الهاء عائدة على الميت لأن إعادته هينة عليه وهو أهون من خلقه ~~طورا بعد طور، وقال السدي1: "ليس يشتد على الله ولكن يعني به المخلوق أي ~~يصاح به ويقوم سويا"2. # وقال قوم: الهاء لله ومعناه وهو عليه عندكم فيما تعالجون أنتم لأن ~~الإنسان إذا أراد أن يعمل عملا فكر فيه وتثبت فيه كيف يعمله طويلا أو قصيرا ~~فإذا عمله ثم أراد إعادته رده بلا تفكر ولاتثبت، أي فأنتم قد أقررتم ~~بابتداء الخلق وهو عندكم أشد من إعادته فمن أقر بابتداء الخلق فهو أحرى أن ~~يقر بالإعادة3. # ومثل هذه الآية في الاستدلال قوله تعالى: {أولم ير الإنسان أنا خلقناه من ~~نطفة فإذا هو خصيم مبين وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي ~~رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم الذي جعل لكم من ~~الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون} 4. # وسبب نزول هذه الآية أن أبي بن خلف بن وهب الجمحي، أخذ عظما قد نخر بيده ~~وجاء به إلى النبي - صلى الله عليه وسلم-، فقال: يا محمد تزعم أن ms066 الله يحي ~~الموتى بعد أن كنوا عظاما بالية وترابا، أترى الله يحي هذا بعد أن أرم ~~PageV01P127 # وجعل يفتته بيده، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم-: "يحي الله هذا ~~ويميتك ثم يبعثك ثم يدخلك نار جهنم", فأنزل الله تعالى هذه الآية: {أولم ير ~~الإنسان أنا خلقناه من نطفة} الآية1. # فاحتج الله عليهم بابتدائه لخلقهم الذي أقروا به وأنه يحييهم بعد أن ~~صاروا عظاما رميما كما أنشأهم أول مرة ثم أخبر عن صنعه الذي يشاهدونه فقال: ~~{الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا} . # أي الذي أخرج النار وهي حارة يابسة من الشجر الأخضر الرطب وهما ضدان فلا ~~النار تحرق الشجر ولا رطوبة الشجر تطفئ النار2 وكل عود يقدح منه النار إلا ~~من عود العناب3 فإنه لا يقدح منه النار. PageV01P128 # فمتى حصل للإنسان المعرفة بالله وبصفاته وعلم أن من جاء به النبي - صلى ~~الله عليه وسلم- حق، حصلت له المعرفة وأدنى المعرفة ما لا يجامعها الشكوك، ~~وأعلى معارف الخلق لله معارف الأنبياء والملائكة لله وهم بذلك متفاضلون1. # ولم يكلف الله الخلق أن يعرفوه كمعرفته لنفسه ولا كمعرفة الأنبياء له بل ~~إذا حصلت للإنسان المعرفة بالأدلة من القرآن أو أخذ ذلك بالتلقين من أبويه ~~في الصغر أو بتقليده العلماء والصالحين في صغره ثم بلغ وصمم على هذه ~~العقيدة فإنه مؤمن كامل الإيمان2 وإن لم يحصل له المعرفة بالأدلة التي ~~رتبها المتكلمون ووضعوها، بل قد صرح العلماء من أهل الحديث والفقهاء ~~المشهورون بتحريم الكلام، وقالوا: هو محدث وبدعة في الدين، وقالوا: لو كان ~~طريقا صحيحا لمعرفة الله سبحانه لنبه الله سبحانه عليه في القرآن ولأمر ~~النبي - صلى الله عليه وسلم- به وتكلمت به الصحابة رضي الله عنهم. # وقد علم النبي - صلى الله عليه وسلم- أصحابه الاستنجاء ودلهم على جميع ~~الأحكام فلو كان الكلام من مهمات الدين لنبه النبي - صلى الله عليه وسلم- ~~عليه. # وروي عن الشافعي3 أنه قال: "لأن يلقى الله العبد بكل ذنب ما خلا ~~PageV01P129 # الشرك خير له من أن يلقاه بشيء من الكلام"1 وسئل الشافعي - رحمه ms067 الله - ~~عن شيء من الكلام فغضب وقال: "سل عن هذا حفص الفرد 2 وأصحابه لعنهم الله"3. # ودخل حفص الفرد على الشافعي - رحمه الله - وهو مريض فقال حفص: من أنا؟ ~~وكان من المتكلمين فقال: "حفص لا حفظك الله ولا رعاك حتى تتوب مما أنت ~~عليه"4. # وقال الشافعي: "حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد ويطاف بهم في ~~العشائر والقبائل ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة إلى الكلام"5. # وقال أحمد بن حنبل6: "لا يفلح صاحب الكلام أبدا ولا يكاد أحد نظر في ~~الكلام إلا وفي قلبه دغل"7. وقال أحمد: "علماء الكلام زنادقة"8. ~~PageV01P130 # وقال أبو يوسف1: "من طلب العلم بالكلام تزندق"2. # وقال الحسن البصري: "لا تجالس أهل الأهواء ولا تجادلوهم ولا تسمعوا ~~منهم"3. # وروي أن رجلا4 كان يتهم بالإرجاء فقال لمالك5: "يا أبا عبد الله اسمع ~~شيئا مني، أكلمك به وأحاجك قال مالك: فإن غلبتني قال: تتبعني، قال مالك: ~~فإن جاءنا آخر فغلبني وإياك، قال: تبعناه، فقال مالك: بعث الله محمدا - صلى ~~الله عليه وسلم- بدين واحد وأراك تنتقل من دين إلى دين"6. # قال الغزالي7 - رحمه الله - وهو ممن عرف الكلام وخبره: "ما يشوشه الكلام ~~في الدين والجدل أكثر مما يمهده وما يفسده أكثر مما يصلحه، وتقوية المعرفة ~~بالكلام يضاهي ضرب الشجر بالمرقة من الحديد رجاء تقويتها، فقس عقيدة أهل ~~الصلاح والتقى من عوام الناس بعقيدة المتكلمين، فترى اعتقاد العامي في ~~الثبات كالطود الشامخ لا يحركه شيء، وعقيدة المتكلم الحارس PageV01P131 # عقيدته بتقسيمات الجدل كخيط مرسل في الهواء تفيئه الريح مرة هكذا ومرة ~~هكذا"1. PageV01P132 ### | ......................... # وحجج القرآن والسنة لا يدفعها ويردها إلا صاحب هوى أو عناد كما أنها ~~مأمونة العاقبة على المستدل بها، أما الكلام فإنه غير مأمون العاقبة على ~~المستدل به كما ذكر الغزالي وهو حجة في هذا وقد ذكر هذا الأمر أيضا كثير ~~ممن ابتلوا بالكلام وبلغوا فيه الرئاسة والتقدم فقد ذكر شارح الطحاوية ص ~~227 عند قول الطحاوي: "فمن رام علم ما حظر عنه علمه، ولم يقنع بالتسليم ~~فهمه حجبه مرامه عن ms068 خالص التوحيد وصافي المعرفة وصحيح الإيمان فيتذبذب بين ~~الكفر والإيمان، والتصديق والتكذيب، والإقرار والإنكار، موسوسا تائها شاكا ~~- رحمه الله - مؤمنا مصدقا ولا جاحدا مكذبا" نقل الشارح بعد هذا الكلام ~~اعترافات أساطين الكلام بفساد الكلام وحيرتهم، فنقل ذلك عن ابن رشد ~~الفيلسوف والآمدي المتكلم والرازي والشهرستاني والجويني وشمس الدين ~~الخسروشاهي من كبار تلاميذ الرازي وابن أبي الحديد صاحب شرح نهج البلاغة ~~وأبي عبد الله محمد بن ناماور الخونجي، وفي هؤلاء العبرة والعظة لمن كان له ~~قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، والمراد بأدلة المتكلمين ومناهجهم هو كل دليل ~~ومنهج في الاستدلال على الخالق وصفاته والأمور الغيبية لم يرد له أصل في ~~الشرع، وإنما هو مأخوذ من كلام الفلاسفة الذين أكثروا في الإله من غير ~~قواعد شرعية ولا مناهج إلهية، ومن ذلك قولهم في الاستدلال على حدوث العالم: ~~إن العالم متغير وكل متغير حادث وكل حادث مخلوق ونحو ذلك مما يوصل في حالة ~~تعميمه إلى إنكار وردما جاء به الشرع، كإنكار الصفات أو تأويلها، أو إنكار ~~القدر والشفاعة، وإخراج أحد من النار إلى غير ذلك مما هو معلوم من أقوال ~~المبتدعة والمتكلمين. # PageV01P133 ### | 9- # فصل # ومما خالفت به القدرية والمعتزلة الكتاب والسنة وأهل الحديث وركبت العناد ~~فيه أن قالوا: ليس لله حياة ولا إرادة ولا قوة ولا سمع ولا بصر ولا كلام ~~وردوا ما جاء به القرآن من إثبات الوجه واليدين لله1. # قال هذا الرجل بخطبة دامغه المنقلب عليه: استغنى الله بذاته عن كل مجهول ~~من الأشياء ومعروف2 لا يحتاج في الاتصاف بأوصاف الكمال والاستحقاق لا سيما3 ~~العزة والجلال. # وهذا متابعة منه لأسلافه من المعتزلة في نفي هذه الصفات عن الله، ونسب ~~أهل السنة لما وصفوه بذلك إلى الكذب. # واستدل على قوله هذا بأن قال: كأنهم لم يسمعوا الله يقول وهو أصدق ~~القائلين: {هو الغني له ما في السماوات وما في الأرض إن عندكم من سلطان ~~بهذا أتقولون على الله ما لا تعلمون} 4. # ودليلنا على إثبات هذه الصفات لله تعالى قوله تعالى: {وما تحمل ms069 من أنثى ~~ولا تضع إلا بعلمه} 5. PageV01P134 # وقوله تعالى: {فلنقصن عليهم بعلم وما كنا غائبين} 1. وقوله تعالى: {إن ~~الله هو الرزاق ذو القوة المتين} 2. # والقوة القدرة وقوله تعالى: {أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم ~~قوة} 3، وقوله تعالى: {أن القوة لله جميعا} 4. # والدليل على إثبات الكلام له قوله تعالى: {حتى يسمع كلام الله} 5، وقوله: ~~{يريدون أن يبدلوا كلام الله} 6. # وقال النبي - صلى الله عليه وسلم-: "من ينصرني حتى أبلغ كلام ربي" 7. # والدليل على إثبات السمع والبصر ما أخبر الله عن إبراهيم أنه قال: {يا ~~أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر} 8. # ولو كان إله إبراهيم لا يسمع ولا يبصر لكان دليله منقلبا عليه. وقال ~~النبي - صلى الله عليه وسلم- في دعائه: "يا من وسع سمعه الأصوات"9. ~~PageV01P135 # والدليل على إثبات الحياة قوله تعالى: {الله لا إله إلا هو الحي القيوم} ~~1، فوصف الله سبحانه نفسه بأنه يسمع ويبصر ويتكلم وأنه حي، وحقيقة الموصوف ~~بصفة ثبوت الصفة له وليس بين الموصوف بهذه الصفات وبين الموصوف بضدها وهي: ~~الموت والعجز والجهل والعمى والصمم والخرس فرق إلا ثبوت هذه الصفات وعدمها، ~~كما أنه موصوف بالوجود لئلا يكون موصوفا بضده وهو العدم، وأما إثبات الوجه ~~واليدين فإنه إثبات صفة لا إثبات جارحة له2 كما أثبتته المجسمة3. # ولا نفسر ذلك كما فسرته الأشعرية4، ولا ننفي ذلك كما نفته القدرية. ~~والدليل على ذلك قوله تعالى: {كل شيء هالك إلا وجهه} 5. وقوله تعالى: ~~{ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام} 6. وقال الله لإبليس: {ما منعك أن تسجد ~~لما خلقت بيدي} 7، وأراد الله بذلك إظهار الفضيلة لآدم على إبليس. ~~PageV01P136 # وأما قول هذا المخالف إنه لا يحتاج في الاتصاف إلى آخر كلامه. # فإن أراد بقوله هذا أنه يحتاج ويفتقر فلسنا نقول إنه يوصف بالحاجة ~~والافتقار، وإن أراد أنه لا يوصف بصفة العزة والجلال فغير صحيح، لأن الله ~~وصف نفسه بكتابه بذلك فقال: {فإن العزة لله} 1 وقال: {ويبقى وجه ربك ذو ~~الجلال والإكرام} 2، ولا يوصف بالعزة والجلال إلا من له العزة ms070 والجلال. # وأما الجواب عن استدلال القدري على عدم هذه الصفات لله تعالى بقوله {هو ~~الغني له ما في السماوات ... } 3 الآية. # فإنه يقال له ولأهل مذهبه في كل دليل يستدلون به بأنه من كتاب الله قولك: ~~قوله: {هو الغني} أهذا قول الله حقيقة، أو هو قولك حقيقة وقول الله مجازا؟ ~~فإن قال: بل هو قول الله حقيقة، فقد رجع عن قوله بأن القرآن مخلوق4 وقلنا ~~الدليل على إبطال تأويلك لهذه الآية من وجهين: أحدهما: أن نقول: لو كان ~~قوله تعالى: {هو الغني} دليلا على عدم ثبوت هذه الصفات لله حقيقة لبطل أن ~~تكون هذه الآية قولا له حقيقة5 لأن قوله من صفاته وإذا لم تكن قولا له ~~حقيقة لم تكن دليلا على عدم إثبات صفته لأنه يؤدي ثبوت كونها دليلا6 إلى ~~عدم ثبوتها، وما أدى ثبوته إلى بطلانه بطل ثبوته، وهذا من التنافي الذي لا ~~يعقله إلا العالمون. PageV01P137 # ثم يعارض هذا التأويل بالنص على ثبوت هذه الصفات على ما مضى1. # والوجه الثاني من الاستدلال أن نقول: هذه الآية واردة على سبب، وذلك أن ~~اليهود قالت: عزير ابن الله، وقالت النصارى: المسيح ابن الله، وقالت قريش: ~~الملائكة بنات الله، وأخبر الله عنهم بذلك بقوله تعالى: {قالوا اتخذ الله ~~ولدا سبحانه} فنزه نفسه عن قولهم هذا، ثم قال: {هو الغني} أي عن الولد، ~~وأخبر أن الجميع ممن نسب أنه ولد له ملك له، فقال: {له ما في السماوات وما ~~في الأرض إن عندكم من سلطان} أي حجة أن له ولدا {أتقولون على الله ما لا ~~تعلمون} 2 فإذا ثبت أن الآية نزلت على هذا السبب كان تأويل هذا المخالف على ~~ما ذكر مما يوافق مذهبه تبديلا، وإن تجاهل هذا الرجل وتجاسر بالتصريح عن ~~مذهبه وقال بل قوله: {هو الغني} ليس بقول الله حقيقة وإنما هو قولي حقيقة3. ~~قلنا عن قوله هذا جوابان: # أحدهما: بأن نقول له: إذا لم يكن هذا قول الله حقيقة فلا جواب لك علينا، ~~لأنا إنما يلزمنا الجواب عن ms071 الاحتجاج بقول من قوله حجة4 وهو الشارع، فأما ~~قول غيره فليس بحجة. PageV01P138 # والثاني: أن نقول له: فإذا لم تكن هذه الآية وغيرها قول الله حقيقة فكيف ~~ساغ لك أن تقول: قال الله، وهو كذب وباطل أنه ليس بقول له، وقد شنعت على ~~خصمك بالكذب حين أثبتوا هذه الصفات لله، وهم إنما قالوا كما قال الله، ~~ونطالب هذا القائل وغيره من أهل مذهبه عند الاحتجاج بالقرآن بالتصريح بأي ~~القسمين ليرجع إلى الحق، بأن القرآن قول الله حقيقة، أو بأن القرآن قوله ~~وخلقه، ليتبين كفره، ونقول له إذا صرح بذلك: فمن القائل: {إنني أنا الله لا ~~إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري} 1، ومن القائل: {وإني لغفار لمن ~~تاب وآمن وعمل صالحا} 2. PageV01P139 ### | 10- # فصل # وقد سمى هذا المعترض نفسه وأهل مذهبه أهل العدل، وسمى أهل الحديث ~~الحشوية1 لاستدلالهم بالأخبار المروية عن النبي - صلى الله عليه وسلم-، ~~فيقال له: أما تسميتك وأهل مذهبك لأهل الحديث (الحشوية) ، فقد أخبر النبي - ~~صلى الله عليه وسلم- عن ذلك فقال - صلى الله عليه وسلم-: "يأتي في آخر ~~الزمان قوم من الزنادقة يسمون أمتي الحشوية لاتباعهم الأخبار"2. وأما ~~تسميتهم لأنفسهم بأهل العدل: هذا اسم لقب فيهم غير مشتق من معنى موجود فيهم ~~بل ضده3. PageV01P140 # وقد تسمي العرب الشيء بضده كما قالوا في المهلكة: إنها مفازة، وكما قالوا ~~في تسميتهم للغراب ب: أبي البيضاء، وتسمية النبي - صلى الله عليه وسلم- لهم ~~بالقدرية1. والزنادقة2 هو الاسم الحقيقي لأن الله أخبر أنه لا ينطق عن ~~الهوى إن هو3 إلا وحي يوحى. PageV01P141 ### | 11- # فصل # روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم- خرج يوما فإذا ناس من أصحابه على ~~بابه يخوضون في القدر، فسمعهم النبي - صلى الله عليه وسلم- فغضب حتى كأنما ~~فقيء في وجهه حب الرمان، فقال - صلى الله عليه وسلم-: "ألهذا خلقتم أم بهذا ~~أمرتم؟ إنما هلكت الأمم قبلكم بمثل هذا انظر الذي أمرتم به فاعملوا به ~~وانظروا الذي نهيتم عنه فانتهوا عنه "1. # فهذا الخبر وما أشبهه من الأخبار الواردة في النهي عن الخوض في القدر ~~محمول ms072 على الكلام الذي تكلمت به القدرية، كيف خلق الله المعاصي ونهى عنها ~~وعذب عليها. وكما تعرض عزير2 لذلك فقال: "يارب كيف خلقت الخلق وتعلم أنهم ~~لا يؤمنون ولم تجعل الخلق كلهم طائعين وأنت PageV01P142 # تقدر على ذلك، وقال: اللهم إنك رب عظيم لو شئت أن تطاع لأطعت ولو شئت أن ~~لا تعصي لما عصيت وأنت تحب أن تطاع وأنت في ذلك تعصى فكيف هذا يارب"؟ فأوحى ~~الله إليه أني لا أسأل عما أفعل وهم يسألون، ونهاه الله عزوجل عن الكلام ~~بذلك فأبت نفسه فمحى الله اسمه من النبوة1. # فهذا الوجه من الكلام هو المنهي عنه، فأما القول بأن الأشياء كلها بإرادة ~~الله وخلقه وأن أحدا لا يمنعه عن إرادته وما أشبهه من الكلام فليس ينهى عنه ~~وقد تكلم آدم وموسى في القدر بمثل ذلك2 وتكلم به جبريل وميكال3 PageV01P143 # وتكلم به أبو بكر وعمر وتكلمت به الصحابة1. # روي عن ابن الديلمي2 أنه قال: قلت لأبي بن كعب: إنه وقع في نفسي شيء من ~~القدر، فحدثني بحديث لعل الله أن يذهب ذلك عن قلبي فقال أبي: "إن الله لو ~~عذب أهل سماواته وأرضه عذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم لكانت رحمته خيرا ~~لهم من أعمالهم، ولو أنفقت مثل أحد ذهبا ما قبله الله منك حتى تؤمن بالقدر، ~~وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما لم يكن ليصيبك، وإن مت على غير هذا مت ~~على غير فطرة محمد صلى الله عليه وسلم". قال: "فأتيت ابن مسعود وسألته ~~فحدثني بمثله، ثم أتيت حذيفة بن اليمان فحدثني بمثله، وكلهم يقول عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم"3. PageV01P144 ### | 12- # فصل # وقد أظهر القدري المعترض على كلامي في الرسالة الإنكار وأكثر التعنيف لما ~~ذكرت فيها أنها نصيحة للمسلمين، فأورد كلاما كثيرا عمدته أن قال: إن كانت ~~هداية المقصودين بالنصيحة إن اهتدوا أو ضلالتهم إن ضلوا من الله وخلقا له ~~كما في مذهبك فأي فائدة بنصيحة من نصحهم؟ وإن كان لكلام الناصح تأثير في ~~إرشادهم فقد خرج من مذهبه، ms073 وإن كان لا تأثير له فلا فائدة به، وكذلك إن كان ~~كلام خصمه الذي نهوا عن استماعه خلقا لله فأضلهم الله به فأي ذنب على ~~خصمه؟. # والجواب أن يقال له: قد ورد الشرع بالنصيحة لدين الله والمسلمين. # روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال: "رأس الدين النصيحة. قيل: لمن ~~يا رسول الله؟ فقال: لله ولرسوله ولدينه ولأئمة المسلمين وللمسلمين عامة"1. # وأمر الله نبيه بتذكير العباد فقال: {وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين} 2. ~~وقال: {فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر} 3. فالنصيحة والتذكير من ~~الناصح والمذكر هو كسب له مأمور به ومندوب إليه ويثاب عليه، والهداية ~~للمنصوح بقبول ذلك والعمل بموجبه تفضل من الله على PageV01P145 ### | 13- # فصل # ذكرت في الرسالة أخبارا ثبتت عن النبي - صلى الله عليه وسلم- في الصحاح1 ~~وهو قوله - صلى الله عليه وسلم-: "لا تجالسوا أهل القدر ولا تفاتحوهم"2 ~~وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال: "القدرية مجوس هذه الأمة إن ~~مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم شيعة الدجال"3. PageV01P147 # وقال - صلى الله عليه وسلم-: "صنفان من أمتي لا تنالهما شفاعتي المرجئة ~~والقدرية"1. # فلما نظر الزيدي المخالف هذه الأخبار علم لا محالة أنه هو وأهل مذهبه هم ~~المرادون بهذه الأخبار أخذته العزة بالإثم وأطلق لسانه بالأذية والشتيمة ~~لأصحاب الحديث، وذلك لما لم يمكنه رد هذه الأخبار، وادعى أن المراد بهذه ~~الأخبار هم أهل الحديث الذين يثبتون القدر لله وينفونه عن أنفسهم2، واحتج ~~على ذلك بأخبار لا تعرف بشيء من الأصول المشهورة عند الأئمة فقال: روى ~~حذيفة وأنس أن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال: "صنفان لا تنالهما ~~PageV01P148 # شفاعتي لعنهم الله على لسان سبعين نبيا القدرية والمرجئة. قيل يا رسول ~~الله: ومن القدرية؟ قال الذين يعملون المعاصي ويقولون هي من قبل الله"1. # والجواب أن يقال له ولأهل مذهبه: إذا أدلوا بالاحتجاج بشيء من الأخبار عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم- أو الصحابة - رضي الله عنهم - "ليس بعشك ~~فادرجي"2 اعتمادكم على تحكيمكم العقل، وتسمون أهل الحديث الحشوية3 ~~لاحتجاجهم بالأخبار فكيف تشاركونهم الاحتجاج بها، ثم يقال ms074 لهم: الأخبار ~~إنما يحتج بها إذا صح إسنادها. قال عبد الله بن المبارك4: "الإسناد من ~~الدين ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء"5 فإذا قيل له من حدثك بقي متحيرا. # وقال ابن سيرين: "كان الناس في الزمن الأول - يعني عصر الصحابة والتابعين ~~- لا يسألون عن الإسناد لكونهم أهل سنة، فلما وقعت الفتنة سألوا عن الإسناد ~~ليميزوا رواية أهل السنة من رواية أهل البدعة"6. # فعلى هذا المستدل أن يثبت سند هذا التفسير7، فإن هذا التفسير لا يعرف عن ~~أحد من أهل النقل الذين أرصدوا أنفسهم لجمع السنن واختلاف PageV01P149 # الألفاظ في الروايات حتى إن كثيرا منهم اعتمد على نقل ما سمع من غير ~~زيادة حرف ولا نقصان حرف معولين على قول النبي - صلى الله عليه وسلم-: " ~~نضر الله امرءا سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمع "1، ومنهم من اعتمد على ~~نقل المعاني وتساهل باللفظ الذي لا يخل بالمعنى2 معولين على قوله - صلى ~~الله عليه وسلم- " إذا أصبت المعنى فلا بأس"3، وصنفوا بذلك كله كتبا مشهورة ~~لا ينكرها إلا من لا يعتد بخلافه في الأخبار وفي الرواة وأنسابهم وحلاهم4 ~~ومساكنهم وحرفهم حتى لا يشتبه الواحد منهم بغيره يرويها ثقات عن ثقات إلى ~~وقتنا هذا، ولذلك سموا أهل الحديث وأهل السنة، وسماهم القدرية لذلك ~~(الحشوية) لينفروا أتباعهم عنه، وإلا فليظهر القدرية لهم كتبا محبرة هذا ~~التحبير5 ومنظومة على هذا النظم فإذا ذكر فيها هذا التفسير لزمنا الجواب ~~PageV01P150 # عنه، فأما اختراع الكذب والباطل على ما يوافق مذهبهم فلا تقوم به حجة ولا ~~ينقطع به خصم بل يجري مجرى رواية اليهود عن موسى بن عمران - صلى الله عليه ~~وسلم- أنه قال: "شريعتي مؤبدة لا تنسخ " لقنهم ذلك ابن الراوندي1 فقيل لهم: ~~هذا شيء باطل، لأنه لو كان صحيحا لاحتجت به اليهود على النبي - صلى الله ~~عليه وسلم- لأنهم أقرب إلى موسى منكم، ثم يقال لهذا المخالف: تروي عن حذيفة ~~وأنس وابن عمر وغيرهم من الصحابة وأنت وأسلافك تطعنون عليهم وتكفرونهم ~~لبيعتهم لأبي بكر وعمر وعثمان وتركهم لعلي - رضي الله عنهم2-؟ ms075 وكيف يسوغ لك ~~الرواية عنهم؟، وأيضا فإن الأخبار والقرآن لم يتصل لنا العلم به عن الصحابة ~~إلا من أصحاب الحديث، وقد صرحت بالطعن عليهم بقولك: "هم حمال أسفار أو ~~أسمار3 لا يميزون بين الصحيح والسقيم والحق والباطل". وهذا قول شنيع لا ~~يقبله إلا من لا بصر له، فما حمل هذا المخالف على الاحتجاج بالأخبار التي ~~أوردها إلا ليري العامة الذين يطلب استمالة قلوبهم أن له تعلقا في الأخبار ~~وهو عن هذا الباب بمعزل، ثم يعارض هذا التفسير الذي ذكر بتفسير منقول في ~~الصحاح التي اتفق على صحتها أئمة الأمصار4 وهو ما روي أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم- قال: "لعن الله أربعة على لسان سبعين نبيا أنا آخرهم، قلنا: من ~~هم يا رسول PageV01P151 # الله؟ القدرية والجهمية والمرجئة والرافضة، قلنا يا رسول الله ومن ~~القدرية؟ قال: الذين يقولون الخير من الله والشر من إبليس ومن أنفسهم ألا ~~وإن الخير والشر من الله، فمن قال غير ذلك فعليه لعنة الله، قلنا: يا رسول ~~الله فمن الجهمية؟ قال: الذين يقولون القرآن مخلوق ألا وإن القرآن كلام ~~الله غير مخلوق، فمن قال غير ذلك فعليه لعنة الله، قلنا يا رسول الله: فمن ~~المرجئة؟ قال: الذين يقولون الإيمان قول بلا عمل، ألا إن الإيمان قول وعمل ~~من قال غير ذلك فعليه لعنة الله. قلنا: يا رسول الله، فمن الرافضة؟ قال: ~~الذين يسبون أبا بكر وعمر، ألا فمن أبغض أبا بكر وعمر فعليه لعنة الله"1. # وهذا المخالف وأهل مذهبه يقولون بقول الجهمية2 والرافضة3 بخلق ~~PageV01P152 # القرآن وسب أبي بكر وعمر مع قولهم بأن الخير من الله والشر من إبليس ومن ~~أنفسهم فيحق فيهم الوعيد من جميع الجهات. # وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال: "يكون في آخر الزمان قوم ~~يكفرون بالله ولا يشعرون فقيل: يا رسول الله وكيف يقولون؟ قال: يقولون ~~الخير من الله والشر من إبليس ومن أنفسهم "1، وهذه نصوص في موضع الخلاف. ~~PageV01P153 ### | 14- # فصل # احتج هذا المخالف بدامغه بما روي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ms076 - رضي ~~الله عنه - أنه قال للشيخ الشامي الذي سأله عن مسيره إلى الشام، أكان بقضاء ~~من الله وقدر: "لعلك ظننت قضاءا لازما وقدرا حتما لو كان كذلك لبطل الثواب ~~والعقاب"1، هذه نكتة قوله ومعتمده من الخبر. # فالجواب: أنه لو صح هذا عن علي - رضي الله عنه - لم يلزم علينا بهذا حجة، ~~فإنما يلزم الحجة بذلك على المجبرة2 الذين يقولون لا كسب للعبد بفعله ولا ~~صانع له، وهذا يدل على انه لا فهم عند هذا المخالف في الفرق بين المقالتين، ~~ثم تعارض هذه الرواية برواية صح إسنادها عن علي - رضي الله عنه - قال: ~~"الأعمال ثلاثة: فرائض، وفضائل ومعاصي، فأما الفرائض فبأمر الله وبمشيئة ~~الله وبقضاء الله وقدره وبرضاء الله ومحبته وتخليق الله وبإذن الله وبعلمه، ~~ثم يثاب العبد عليه، وأما الفضائل فليست بأمر الله3 ولكن بتحضيض الله، ~~وبمشيئة الله وبقضاء الله وقدره وبرضا الله وبمحبة الله وبإذن الله وبعلم ~~الله وتخليق الله ويثاب العبد عليه، وأما المعاصي فمشيئة الله ليس بأمر ~~الله4 وبقضاء الله ليس برضا الله وبقدر الله ليس بمحبة الله PageV01P154 # وبتخليق الله ليس بتحضيض الله وبعلم الله ليس بإذن الله1 ثم يعاقب العبد ~~عليه"2 وهذا يدل على صحة قولنا. # واحتج هذا المخالف بحديثين أحدهما عن ابن عمر والآخر عن الحسن البصري، ~~انهما فسرا القدرية (هم الذين يقولون الخير والشر من الله) . # والجواب أن هذا لا يصح عنهما ولم يذكر ذلك عنهما أحد من الأئمة الذين ~~نقلوا أقوال العلماء واختلافهم، وإنما ذكروا عنهما كمقالة أهل الحديث وأنا ~~أذكر بعد ذلك ما نقل عنهم، وعلى هذا المحتج أن يثبت السند عنهما بذلك. ~~PageV01P155 ### | 15- # فصل # ذكرت في الرسالة أن الذم الوارد عن النبي - صلى الله عليه وسلم- للقدرية ~~إنما يلزم الذين يثبتون القدرة لأنفسهم على أفعالهم وينفونها عن الله. # فأجاب هذا المخالف عن ذلك بجواب مشوب بالأذية يكرم لسان الكريم عن إعادته ~~لقلة ثمرته وفائدته، وعمدته فيه أن قال: هذا يدل على جهل المستدل بألسنة ~~العربية بأن القدري منسوب إلى القدرة، لو كان كما ms077 زعم لقال النبي - صلى ~~الله عليه وسلم-: (القدرية) بضم القاف وسكون الدال، فلما لم يقل ذلك وإنما ~~قال: "القدرية" بفتح القاف والدال على أنه نسبة إلى القدر وذلك أليق بقول ~~من يقول كل شيء بقضاء وقدر. # والجواب أن نقول: هذا التجهيل منقلب على هذا المخالف، فإنه لا علم عنده ~~بالمصادر الصادرة عن الأفعال والصادر عنها الأفعال على حسب اختلاف النحاة ~~بذلك، وأنه لا علم عنده بتوارد القدر والقدرة على معنى واحد واختلافهما ~~وجواز النسبة إليهما، لكني أبين الفائدة بذلك لمن له دربة وفهم في العربية ~~مما وضعه علماء العربية، وذلك أن أهل العلم اختلفوا في المصدر لم سمي ~~مصدرا. # فقال بعضهم: بل سمي بذلك لأن الفعل صدر منه. # وقال بعضهم: بل سمي بذلك لأنه صدر عن الفعل1. # وأدلى كل قائل بحجة لا معنى للإطالة بذكر ذلك هاهنا، والفعل الماضي في ~~مسألتنا هو قولهم قدر بتخفيف الدال، وفي المستقبل يقدر بكسر الدال وبضمها ~~لغتان2، فالدليل الماضي قول الله سبحانه: {وما قدروا الله حق PageV01P156 # قدره} 1، وقال سبحانه وتعالى في المستقبل: {فظن أن لن نقدر عليه} 2، بكسر ~~الدال، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم-: " فإن غم عليكم فاقدروا له "3 ~~روي بكسر الدال وبضمه، وقالت عائشة - رضي الله عنها- في حديث لها طويل: " ~~فاقدروا قدر الجارية الحديثة السن المشتهية للنظر" 4، وروي أيضا بكسر الدال ~~وبضمها، وفي المصدر من هذا كله لغات، قالوا: يجوز أن يقال قدر يقدر قدرا ~~بسكون الدال في المصدر مثل حفر يحفر حفرا وغدر يغدر غدرا، قال الشاعر: # كل شيء حتى أخيك متاع ... وبقدر تفرق واجتماع5 # وقال آخر: # وما صب رجلي في حديد مجاشع ... مع القدر إلا حاجة لي أريدها6 # ويجوز أن يقال: قدر يقدر قدرا7، بفتح القاف والدال كقولهم: ختر يختر ~~خترا، وسرف يسرف سرفا، ويجوز أن يقال: قدر يقدر مقدرة وقدرانا، وكذلك هرب ~~يهرب هربا وطلب يطلب طلبا. قالوا: ويجوز أن يقال قدر يقدر بضم الدال في ~~المستقبل قدرا وقدرة8، مثل قولهم: نضر PageV01P157 # ينضرنضرا، نضرة، فإذا تقرر هذا علم ms078 أن قدرة مصدر كقدر فنسب النبي - صلى ~~الله عليه وسلم- القدرية إلى القدر لقولهم نقدر على أفعالنا قدرا. وأخبار ~~النبي - صلى الله عليه وسلم- على اللغة الواردة في القرآن وهو قوله تعالى: ~~{إنا كل شيء خلقناه بقدر} 1، والقدر والقدرة واحد، وفي قدر لغة أخرى قدر ~~بتشديد الدال يقدر تقديرا، قال الله تعالى: {وخلق كل شيء فقدره تقديرا} 2، ~~وقال تعالى: {نحن قدرنا بينكم الموت} 3 قرئ بتخفيف الدال وتشديده4. # وأما قول المخالف: إن اسم الذم بهذا يلزم أهل الحديث لأنهم يقولون كل شيء ~~بقضاء وقدر، فغير صحيح، لأن الإنسان لا يوصف إلا بصفة توجد فيه كالخياطة ~~والصناعة لا يوصف بها إلا من يدعي صنعتها بنفسه، فأما من يقول إنها تصنع لي ~~فلا يسمى بها5، وعلى الجملة فلو سئل الناس من العرب عامتهم وخاصتهم: من ~~القدرية الذين لعنهم النبي - صلى الله عليه وسلم- لم يرشدوا إلا إلى الذين ~~يثبتون القدر لأنفسهم، وإلا فلندع أبناءنا وأبناءهم ونساءنا ونساءهم ~~وأنفسنا وأنفسهم ولنبتهل في مواقف الحج التي يجتمع فيها الخاص والعام ~~ولنقل: "لعن الله القدرية" فننظر لمن تحق اللعنة، ونسأل أهل الموقف من ~~المفهوم عندكم والمراد بالقدرية؟ ولنحكم قولهم وقول أكثرهم لأنهم شهداء ~~الله في أرضه. PageV01P158 ### | 16- # فصل # ويدل على صحة قولنا قول الله سبحانه: {هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين ~~الحق ليظهره على الدين كله} 1، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم- "لا ~~يزال هذا الدين ظاهرا"2، وخبر الشارع لا يقع بخلاف مخبره. ولا شك أن دين ~~الإسلام هو الظاهر على سائر الأديان، قيل في التفسير: إنه أراد ظهوره على ~~سائر الأديان بالدلائل والحجج الباهرة والغلبة والقهر في جميع الأقطار فما ~~من أهل دين إلا وقد أثر فيهم الإسلام بالنكاية والإذلال، وقيل: أراد ليظهره ~~على الدين كله في أرض الحجاز لأن النبي - صلى الله عليه وسلم- بعث فيها3، ~~وإذا تقرر هذا في الإسلام فلينظر الآن في الظاهر من مذاهب فرق الأمة، ولا ~~شك عند من أنصف في النظر أن الظاهر منها في الأقطار والأمصار هو مذهب أصحاب ~~الحديث وأهل السنة ms079 دون مذهب القدرية وغيرهم من أهل الأهواء، فيعلم أنه دين ~~الحق الذي وعد الله بظهوره. # فإن قيل فبأي شيء استدللتم على ظهوره؟ قلنا: ظهوره بأمور: إن نظرت إلى ~~الكثرة بالعدد وجدت أهل الدهماء في الآفاق من بلاد الإسلام جمع PageV01P159 # الله همهم على اتباع أئمة مشهورين بالعلم أفنوا أعمارهم بجمع أقوال ~~الصحابة والتابعين، وعلموا أدلتهم من الكتاب والسنة والقياس واجتهدوا فيما ~~اختلفوا فيه فما أدى اجتهاد كل واحد إليه اختاره مذهبا ونصره وهم الشافعي ~~ومالك وأبو حنيفة1، وأحمد وداود2، فتبعهم الخلق لما أبانوه من طرق ~~الاجتهاد، ولم يشذ عنهم إلا من لا علم عنده بذلك وإنما أفنى عمره بعلم ~~الفلاسفة والمتكلمين وهم القدرية والزيدية وغيرهم من أهل الأهواء، ولا يعتد ~~بخلافهم إ لا نظر لهم بها، وهؤلاء الأئمة مجمعون على أصول التوحيد ومذاهب ~~أهل الحديث وإن اختلفوا في المسائل الفقهية التي وقع الخلاف فيها بين ~~الصحابة والتابعين، والقدرية والزيدية منهم جزء لا ينسب. ون نظرت إلى ~~ظهورهم بالعلم وجدت فيهم من أفنى عمره بجمع القراءات المروية عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم- باللغات السبع التي قال النبي - صلى الله عليه وسلم-: ~~" أنزل القرآن على سبعة أحرف "3، وهم القراء السبعة4، ومن روي عنهم. ~~PageV01P160 # ووجدت منهم من جمع في السنن المروية عن النبي - صلى الله عليه وسلم- وعن ~~أصحابه ما لا تجده في غيرهم، فلذلك سموا أهل الحديث، وكذلك في الفقه وحصر ~~أقوال العلماء، ولا تجد عند أحد من الزيدية وأهل الأهواء مثل ذلك، وإنما ~~عندهم خطب وأشياء يضيفونها إلى أهل البيت لو طولبوا بسندها لم يقدروا إلا ~~بالاختراص والاعاء. # وإن نظرت إلى ظهور الكلمة لم تجد القائم بالجمع والأعياد والمناسك إلا ~~منهم، ولا تقرع المنابر في الأمصار في مكة والمدينة فلا بكلامهم وبما تقتضي ~~مذاهبهم، ولو أن خطيبا من القدرية خطب بمكة بما يقتضي مذهبهم بأن يقول ~~الحمد لله الذي لم يسبق الأشياء في الوجود الذي ليس له سمع ولا بصر ولا ~~إرادة ولا كلام ولا حياة ولا قدرة الذي لا يتم ما أراده ms080 من خلقه ويتم ما ~~أراده إبليس منهم الذي لا يغفر للمذنبين ولا يعلم ما يكون حتى يكون ولا ~~يقدر على أفعال خلقه، ويعدد ما يقتضيه مذهبهم الفاسد من إبطال الشفاعة ~~والتكذيب بعذاب القبر والميزان والصراط، وكون الجنة والنار غير مخلوقين ~~وغير ذلك، فهل يقع لكل عاقل إلا أن السيوف تسبق إلى حز رقبة هذا الخطيب، ~~وإن كان هو المستولي على البلد قبل الرد عليه بالكلام، فعلم بذلك صحة ~~قولنا، وفي هذا ما يبطل قول هذا المخالف الموضوع للأذى وهو قوله: إن هذا ~~القائل في بلد أهله بحكم الموتى إلى آخر كلامه الذي لا معنى تحته إلا قلة ~~الحياء والعلم. # وقد احتجت القدرية وغيرهم من أهل الأهواء: أن القلة فيهم تدل على إصابتهم ~~للحق بقوله تعالى: {وقليل ما هم} 1. PageV01P161 # والجواب عن هذا من وجوه. # أحدهما: أن نقول: يجوز أن تكون (ما) هاهنا للنفي فيكون المعنى {إلا الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم} أي ما هم قليل1، فيسقط احتجاجهم. # والثاني: أن الآية واردة على سبب وهو قوله: {وإن كثيرا من الخلطاء ليبغي ~~بعضهم على بعض} أي يزيد بأخذ اكثر من حقه ويظلم خليطه إلا الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات فإنهم لا يبغون على خلطائهم وقليل من لا يبغي على خليطه2، ~~بل الغالب أن كلا يريد أخذ أكبر من حقه، ولم يرد أنهم قليل في كون قولهم ~~غير ظاهر أو عددهم في الأمة قليل لأن هذا يخالف قوله تعالى: {ليظهره على ~~الدين كله} 3. # والجواب الثالث: يجوز أن يكون عددهم قليلا مع يأجوج ومأجوج4، PageV01P162 # وناسك ومنسك1، على ما ثبت في الأخبار الواردة ولم يرد أن عدد المخلصين من ~~أمة محمد - صلى الله عليه وسلم- أقل عدد المبطلين2. PageV01P163 ### | 17- # فصل # قال هذا المخالف: اسم القدرية يلزم أصحاب الحديث وأهل السنة، لأنهم ~~يقولون: إن المؤمن يقدر على الخير ولا يقدر على الشر، والكافر يقدر على ~~الشر ولا يقدر على الخير فلذلك سمو قدرية. # والجواب: أن هذا دعوى لا برهان عليها، ومخالف لما فسره النبي - صلى الله ~~عليه وسلم- لما ms081 سئل عن القدرية؟ فقال: "هم الذين يقولون الخير من الله ~~والشر من إبليس ومن أنفسهم "1، فبطل أن يكون المعنى هو ما فسره المخالف. # وبعد هذا فإنا لا نقول إن المؤمن يقدر على الخير ولا يقدر على الشر ولا ~~الكافر يقدر على الشر ولا يقدر على الخير كما قالوه، وإنما نقول القدرة وهي ~~الاستطاعة التي خلقها الله في العبد تصلح للخير والشر فإن أراد الله منه ~~الخير وفقه فآثر بها فعل الخير على الشر، فوقع ذلك وهو مختار لوقوعه، وإن ~~حرمه الله التوفيق وخذله آثر بتلك الاستطاعة عمل الشر على عمل الخير، فوقع ~~ذلك وهو مختار لوقوعه وهذا هو الكسب الذي قال الله تعالى: {جزاء بما كانوا ~~يكسبون} 2. وإنما التبس على القدرية معرفة ذلك، فهم لا يفرقون بين مذهب ~~المجبرة وبين مذهب أهل الحديث فيرموننا بمذهب المجبرة3، ونسبتنا لهم إلى ~~قول المجبرة أحق وهم به أليق وذلك أن أسلافهم وشيوخهم من المعتزلة يقولون: ~~إن الاستطاعة في الفاعلين ينعدم وجودها قبل الفعل، وأفعالهم توجد منهم ~~باستطاعة لا PageV01P165 # يوصفون على إحداثها حال الفعل فصاروا مجبرين على الفعل1. # وأهل الحديث يقولون: إن الاستطاعة لا توجد في الفاعل إلا في حال الفعل، ~~ولا يوصف بالقدرة عليه قبل الفعل بل يخلق الله كل جزء من الاستطاعة في ~~الفاعل حين فعله2 فثبت أنهم يرمون أهل السنة بالقدر PageV01P166 # والإجبار وهم مبرءون، وأنهم بذلك أحق فهم الداخلون تحت قوله تعالى: {ومن ~~يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا} 1. ~~PageV01P167 ### | 18- # فصل # ومما استدللت به في الرسالة على أن الله خلق أفعال العباد في الخير والشر ~~قوله تعالى: {إنا كل شيء خلقناه بقدر} 1 وقوله تعالى: {خالق كل شيء} 2 في ~~آي كثيرة، وأفعال العباد أشياء فوجب أن تكون داخلة في جميع المخلوقات. # فأجاب القدري المخالف عن ذلك وقال: لا حجة لهذا المستدل بهذه الآية ~~لمعنيين أحدهما: أن أفعال العباد متنازع فيها فعليه أن يدلل على أنها ~~مخلوقة كسائر المخلوقات. # والثاني: أن الآية وإن كانت عامة ms082 فإنا نخصصها بالعقل ونخرج أفعال العباد ~~من جملة الأشياء المخلوقة بالعقل، كما خصصنا جميعا ذات الله سبحانه وإن ~~كانت شيئا من الأشياء المخلوقة، وكما خصصتم أنتم صفاته كعلمه3 وإرادته ~~وقدرته وحياته وسمعه وبصره وكلامه من جملة الأشياء المخلوقة. هذا نكتة قوله ~~التي يعتمد عليها ولا معنى لذكر ما أورده مع ذلك من الأذية التي استحسنها ~~لنفسه ولا تليق بالعلماء. # والجواب عن الفصل الأول من ثلاثة أوجه: # أحدها: أن الله قال: {والله خلقكم وما تعملون} 4، وحركات العباد داخلة في ~~العمل وآثار عملهم في الأعيان المعمول فيها تسمى أعمالا لهم فثبت أنها خلق ~~الله5. PageV01P168 # والثاني: أن أعمال العباد تسمى شيئا لقوله تعالى: {لقد جئت شيئا نكرا} 1، ~~و {جئتم شيئا إدا} 2، و {شيئا إمرا} 3 وقوله تعالى: {وكل شيء أحصيناه في ~~إمام مبين} 4، وأعمال العباد محصاة، وإذا سميت أشياء كانت داخلة في عموم ~~الأشياء التي امتدح الله بخلقها ولا يخرج شيء عما مدح به نفسه. # والثالث: أن أفعالهم صفات لهم كألوانهم، فلما كانت ألوانهم خلقا لله كانت ~~أفعالهم خلقا له5، وأما قوله إن أفعال العباد وإن كانت أشياء فإنها مخصوص ~~كما خصصنا ذاته وصفاته، قلنا عن ذلك أجوبة: # أحدها: أن نقول له: جمعت بين الله وبين صفات الخلق في نفي الخلق عنها من ~~غير علة جامعة بينهما وهذا لا يجوز. PageV01P169 # والثاني: أن يقال له: شبهت الله بصفات خلقه بكونهما غير مخلوقين لله1 وقد ~~قال الله تعالى: {ليس كمثله شيء} . # والثالث: أن يقال له ولأهل مذهبه: إذا كانت أفعال العباد مساوية لله ~~ولصفاته في عدم الخلق فسموها آلهة وأربابا كما ألزمتمونا هذا الإلزام في ~~قولنا إن لله صفات قديمة هي علمه وحياته وقدرته وإرادته وكلامه وسمعه ~~وبصره2. # والرابع: أنا علمنا انتفاء الخلق عن الله وعن صفاته بمقتضى العقل الذي لا ~~يجوز ورود الشرع بخلافه، لأنه لو أخبرنا نبي الله خلق ذاته أو خلق صفاته ~~لاستحال في العقل صدقه3 لأن المخلوق معدوم الوجود قبل الخلق والخالق له ~~موجود حال الخلق فكيف يوصف الشيء الواحد بأنه ms083 معدوم موجود بحاله واحدة؟ # وهذا المعنى لا يتصور في أفعال العباد، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم- ~~لو أخبرنا أو أخبرنا الله بنص القرآن الذي لا يحتمل التأويل بأن الله خلق ~~أفعال العباد في الخير والشر لوجب قبوله، لأن ذلك غير مستحيل ولا مؤد إلى ~~المحال فبطل الجمع بينهما4. PageV01P170 # والخامس: أن يقال: لما كانت أفعال العباد ملكا لله ويوصف بالقدرة عليها ~~وبإقدار غيره عليها لم يستحل وصفه سبحانه بأنه خالق لها وموجد لها وليس ~~كذلك ذاته وصفاته فإنه لا يوصف بأنه مالك لذاته وصفاته ولا بأنه موصوف بأنه ~~يقدر على ذاته وصفاته1 ولا بإقدار غيره عليها فبطل الجمع بينهما. # والسادس: أن يقال: لما كانت ذات الله سبحانه ليست من جنس المخلوقات من ~~الجواهر والأجسام والأعراض، ولا يفتقر وجوده إلى مكان وزمان2 لم يجز وصفه ~~بأنه مخلوق وليس كذلك أفعال العباد فإنها أعراض فيهم ويفتقر وجودها إلى ~~زمان ومكان فلم يستحل وصفها بأنها مخلوقة لله كسائر الأعراض، وعلى الجملة ~~من بلغ به العمى إلى أن يشبه ذات الله بأفعال العباد ويساوي بينهما في ~~أنهما غير مخلوقين ويسأل الفرق بينهما، هذا كفانا المؤنة في الكلام وأبان ~~شناعة قوله بلسانه. PageV01P171 ### | 19- # فصل # قال هذا المخالف بكتابه الدامغ له: لو كانت أفعالنا خلقا لله لم تقف على ~~أحوالنا فتوجد بحسب قصودنا ودواعينا وتنتفي بحسب كراهتنا وصوارفنا، متى ~~أردنها وجدت ومتى كرهناها لم توجد، مع سلامة الأحوال كما لا يجب ذلك في ~~ألواننا وصورنا وطولنا وقصرنا. # والجواب أن نقول: ما قدر الله من وقوع أفعالنا المكتسبة ما ننكر أن ذلك ~~وقع بقصدنا واختيارناأ وعلى هذا القصد والاختيار وقع المدح والذم والثواب ~~والعقاب، إلا أن الله هو الخالق لقصدنا ومشيئتنا لأنه شيء وقد قال الله ~~تعالى: {الله خالق كل شيء} 1 ومشيئتنا وقعت بمشيئة الله. قال الله تعالى: ~~{وما تشاءون إلا أن يشاء الله} 2. # وأما قوله: متى أردناها وجدت ومتى كرهناها لم توجد فغير مسلم3، فإن ~~الإنسان قد يريد بقلبه وقوع أفعال منه من الخير أو الشر ويجب ms084 ذلك، فإذا لم ~~يرد الله وقوع ذلك منه لم يقع منه بالجملة أو يقع بعضها إذا أراده الله ~~وقضاه، بدليل أن الإنسان قد يريد الجماع ويحبه، وإذا لم يرد الله وقوع ذلك ~~منه لم يقدر عليه، ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم- "كل شيء بقضاء ~~وقدر حتى العجز والكيس "4. PageV01P172 # ثم نعارض هذا القول ونقول: لو كانت أفعالنا خلقا لنا ومنفردين بإيجادها ~~لكنا عالمين بعدد حركاتنا وكيفية وقوعها منا قبل الفعل وبعده لأن الله أخبر ~~أن الخالق يعلم ما خلق بقوله تعالى: {ألا يعلم من خلق} 1. # وأما استدلال هذا المخالف على معناه الذي أورده بقوله: لما كانت ألواننا ~~وصورنا خلقا لله لم تقع تحت إرادتنا وقصدنا، فالجواب عنه أن نقول: ليس ~~امتناع ألواننا وصورنا بحسب إرادتنا كونها خلقا لله، وإنما العلة بامتناع ~~وقوعها حسب إرادتنا وقصدنا كونها غير كسب لنا2، ألا ترى أن جماعنا لما كان ~~كسبا لنا إذا قضى الله وقوعه منا يقع يقصدنا واختيارنا ونثاب عليه إذا وقع ~~فيما يحل ونعاقب عليه إذا وقع بما يحرم، والولد المخلوق من الجماع لما لم ~~يكن كسبا لنا ولم يقدرنا الله، بل قد يقصد الغني الجماع ليكون منه الولد ~~فلا يكون، وقد يجامع الفقير فيعزل كراهة الولد فيكون منه الولد فلم يقع ~~بحسب إرادتنا وقصدنا3. PageV01P173 ### | 20- # فصل # قال المخالف بكتابه المنقلب عليه: لو كانت أفعال العباد خلقا لله سبحانه ~~لم يحسن الأمر بشيء منها ولا النهي عنها ولا الذم ولا المدح ولا الثواب ولا ~~العقاب، كما لا يحسن ذلك منه في ألوانهم وصورهم فثبت بذلك أن أفعالهم خلق ~~لهم لأنه أمرهم بخلق شيء منها ومدحهم وأثابهم عليها، ونهاهم عن خلق شيء ~~منها وذمهم وعاقبهم عليها. # والجواب أن نقول: هذا الإلزام لا يتوجه علينا الجواب عنه، وإنما يلزم ذلك ~~المجبرة الذين نتبرأ عنهم1 ونرد عليهم، وقد بينا أن مذهب المعتزلة القدرية ~~بمذهب المجبرة أليق2، ثم يقال لهذا المستدل: ولم قلت: إذا قلنا: إن أفعال ~~العباد خلق لله لم يحسن الأمر منه بشيء ولا النهي ms085 عن شيء منها، وما المعنى ~~المقتضي لذلك لنجيب عنه؟ فإن قال: كما لا يأمرهم بخلق ألوانهم وصفاتهم ~~ويمدحهم ويذمهم ويعاقبهم ويثيبهم عليها. # قلنا: قد بينا الفرق بين الألوان والأفعال فلا معنى لإعادته3. # ثم نقول له: وما حجتك ودليلك أن الله أمر العباد بخلق شيء من أفعالهم ~~ومدحهم وأثابهم عليها ونهاهم عن خلق شيء منها وذمهم وعاقبهم عليها فهذا نفس ~~الحكم المتنازع فيه لأن الخلق متسحيل من المخلوق، وما ننكر أن الذي أمر ~~الله العباد به هو اكتساب شيء من الأفعال، ومدحوا وأثيبوا عليه ونهوا عن ~~اكتساب أفعال وذموا وعوقبوا عليها، وجعل الله هذا الاكتساب علما على من ~~أراد ثوابه أو عقابه، ولو جعل ألوانهم وصفاتهم سببا أو علما للثواب والعقاب ~~بأن يقول: من خلقته أبيض فهو علم على أنه PageV01P175 # من أهل الجنة ومن خلقته أسود فهو علم على أنه من أهل النار لم يخرجه ذلك ~~عن الحكمة والعدل1 كما أنه جعل طول العمر سببا وعلما لكثرة الأعمال التي ~~يقع عليها الثواب والعقاب، وقصر العمر سببا وعلما لقلة الأعمال التي يقع ~~عليها الثواب والعقاب ولم يخرجه ذلك عن الحكمة والعدل. PageV01P176 ### | 21- # فصل # قال هذا المخالف بكتابه: لو كان الله سبحانه خالقا لأقوال العباد ~~وأفعالهم لكان سابا لنفسه ومكذبا لرسله بخلقه قول من قال ذلك، ولكان قائلا ~~بأنه ثالث ثلاثة، وأن عيسى ابن الله كما قالت النصارى، وأن عزيرا ابن الله ~~وأن يده مغلولة كما قالت اليهود، ومع ذلك فقد مدح نفسه وأثنى عليها بكتابه ~~فإذا كان الجميع منسوبا إليه فيجب أن يستوي جميع ما أخبر به في الصدق فيكون ~~ممدوحا مذموما واحدا ثالث ثلاثة، وهذا كله متناقض فثبت أن ذلك خلق غيره من ~~العباد لا خلقه، هذا نكتة قوله. # والجواب عن ذلك من وجوه: # أحدها: أن نقول: لو كان قولنا بأن الله يكون بخلقه لقول من سبه أو كذب ~~رسله يكون سابا لنفسه ومكذبا لرسله لكان قولنا جميعا بخلقه القدرة1 لمن سبه ~~أو كذب رسله مع علمه أنه يكون ذلك إذ يكون ms086 موصوفا بالقدرة على سب نفسه ~~وتكذيب رسله، ونحن لا نصفه بذلك وإن كان على كل شيء قدير. # والجواب الثاني: وهو أن نقول أليس الله خالقا للسيوف التي قتل بها أعداؤه ~~أنبياءه، وعلم أنهم يقتلونهم بها قبل أن يخلقها، وخلق ألسنتهم التي كذبوا ~~بها رسله وسبوه، ولا يقال: إنه أعان على قتل أنبيائه وذم نفسه وتكذيب رسله ~~بما خلق لهم من الآلة التي علم لا محالة أنه يكون منهم بها ما وقع، كما أن ~~في الشاهد أن من أعار كافرا سيفا وعلم بخبر نبي أنه يقتل به نبيا فإنه يكون ~~معينا على قتله. PageV01P177 # والجواب الثالث: أن يقال: إذا منعتم خلقه لأقوالهم لسب الله وتكذيب رسله ~~لأنه يستحيل منه سب نفسه وتكذيب رسله فجوزوا خلق الله لأقوال عباده في مدحه ~~وتصديق رسله لأنه موصوف سبحانه بذلك، فإذا سلمتم ذلك لزمكم القول بخلق ~~أقوالهم في الجميع لأن أحدا لم يفرق بينهما. # PageV01P178 ### | 22- # فصل # وقد أورد هذا المخالف بكتابه الدامغ له كلاما موه به في الاستدلال على من ~~لا بصر له بأن القدرية هم أصحاب الحديث الذين يقولون أفعال العباد خلق لله، ~~منها أنه قال: روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال: "القدرية مجوس هذه ~~الأمة"1 قال وهم هؤلاء الحشوية2. # واستدل عليه بأن رجلا جاء من أرض فارس فقال له النبي - صلى الله عليه ~~وسلم-: أخبرنا بأعجب شيء رأيته، فقال: رأيت قوما ينكحون أمهاتهم وبناتهم ~~وأخواتهم ويقولون هذا قضاء الله علينا، فقال عليه السلام: أما إنه سيكون في ~~آخر هذه الأمة قوم يقولون بمثل مقالتهم أولئك مجوس أمتي"3. # والجواب: أن هذا الخبر لم يذكره أحد من علماء الحديث ولا ذكر في شيء من ~~الصحاح، وإنما وضعته الزيدية على وفق مذهبهم وإلا فليسندوه ولا تقوم ~~المذاهب بالاختراص، ونعارضه بالأخبار المذكورة في الصحاح4 التي قيل للنبي - ~~صلى الله عليه وسلم- من القدرية؟ قال: " الذين يقولون الخير من الله والشر ~~من إبليس ومن أنفسهم "5، وهذا الخبر مما تلقته الأمة وعلماء الأمصار ~~PageV01P179 # بالقبول1 ولم يرده إلا من لا يعتد بخلافه. ms087 # قال هذا المخالف: ولأن عند هذا القائل وأهل مذهبه أن العبد يثاب ويعاقب ~~ويذم ويمدح بما لم يفعل، لأن الطاعات والمعاصي خلق غيرهم وهذا نفس قول ~~المجوس، وحكي أنهم يأخذون عنزا ويدفعونها من شاهق ويضربون رأسها فإذا ماتت ~~أكلوا لحمها وقالوا: عصت الله، هذا عمدة قوله. # والجواب: أن هذا جهل منه بمذهب أهل السنة على ما مضى من رميه لهم بمذهب ~~المجبرة الذي قولهم أشبه بقولهم2، ولسنا نقول: إن أفعال العباد من الله دون ~~العباد ولا من العباد دون الله ولا من الله ومن العباد على حد واحد، لأنها ~~لو كانت من الله دون العباد لعذبهم على غير ذنب ولم يصف نفسه بذلك، ولو ~~كانت من العباد دون الله لشاركوا الله في الخلق، وقد قال تعالى: {هل من ~~خالق غير الله} 3 ولو كانت من الله ومن العباد على حد واحد لأشتبهت صفات ~~الخالق بالمخلوق، وقد قال الله تعالى: {خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم} 4. ~~وإذا بطلت هذه الأقسام ثبت أنها من الله خلقا وتقديرا، ومن العباد عملا ~~واكتسابا. PageV01P180 # وأما ما ادعاه من أن أهل السنة يشابهون المجوس بما ذكر فغير صحيح. لأن ~~أكثر ما قالوا: إن أفعالهم أشياء وسماها الله أشياء وقد قال: {الله خالق كل ~~شيء} 1، وإنما المشابه لهم هم القدرية لأنهم يقولون: إن الله سبحانه يريد ~~الخير ويقدر عليه ولا يريد الشر ولا يقدر عليه2 وإبليس لا يريد الخير ولا ~~يقدر عليه ويريد الشر ويقدر عليه، وهذا كما قالت المجوس: من أن النور يريد ~~الخير ويقدر عليه، ولا يريد الشر ولا يقدر عليه، والظلام لا يريد ~~PageV01P181 # الخير ولا يقدر عليه ويريد الشر ويقدر عليه1، فنقلت القدرية صفة النور ~~إلى الله وصفة الظلام إلى إبليس، فلذلك سماهم النبي - صلى الله عليه وسلم- ~~" مجوس هذه الأمة "2 وبهذا المعنى فسر ابن عباس هذا الحديث على ما نقله عنه ~~أهل النقل3. # ومما موه به هذا القدري المخالف على العامة في الاستدلال أن ادعى أن خصمه ~~يقولون: المعصية من اثنين أحدهما محمود عليها ms088 وهو الله، والآخر مذموم عليها ~~وهو العبد، وهذا مثل مذهب المجوس في قولهم إن العالم من صانعين أحدهما ~~محمود والآخر مذموم، هذا نكتة قوله. # والجواب عن ذلك: أن يقال له: قولك المعصية من اثنين غير مسلم أنها تسمى ~~معصية في حق الله سبحانه وإنما هي معصية في حق العبد، ووجودها من أحدهما ~~غير وجودها من الثاني على ما مضى قبل هذا4، فقولنا إن كون الفعل خلقا لله ~~وكسبا للعبد لا يقتضي مشابهته لقول المجوس، وإنما يشبه قول المجوس من يقول ~~إنه مريد الخير غير مريد الشر PageV01P182 # ومن يقول: إن للعباد صانعا ولحركاتهم في الأفعال صانعا غيره وهم القدرية ~~فقد جعلوا لله شريكا في الخلق وقد كذب الله من ادعى له شريكا في الخلق. # ومما موه به هذا القدري على العامة والضعفاء بالاستدلال على أن القدرية ~~هم أهل السنة بقوله: لأنهم يقولون لكل ما وقع منهم من الفساد والمعاصي هو ~~بقضاء من الله وقدر لهجوا بذلك ومن لهج بشيء ينسب إليه. # وقال: نحن ننفي عن الله القضاء بالباطل ولا يقضي إلا بالحق، وقد قال الله ~~تعالى بكتابه: {والله يقضي بالحق} 1 ولا شك أن المعاصي باطل، قال فإذا ثبت ~~أنهم يثبتون لله ما ينفيه وتلهج ألسنتهم به كانوا أولى بهذا الاسم لأن ~~المثبت للشيء هو أولى بأن يشتق له اسم منه دون من نفاه. ألا ترى أن الثنوي ~~اسم لمن أثبت لله ثانيا، والمشبه اسم لمن أثبت التشبيه لله لا لمن نفاه، ~~وكذلك ينسب الشيء إلى من لهج به فيسمى التمري2 من يلهج به، هذا نكتة قوله. # والجواب عن هذا من وجوه: # أحدهما: أن تفسير النبي - صلى الله عليه وسلم- في القدرية أولى من تفسير ~~غيره، وقد قال - صلى الله عليه وسلم-: "القدرية هم الذين يقولون: الخير من ~~الله والشر من إبليس ومن أنفسهم"3. # وهذا كاف في جميع ما أورده المخالف من التمويهات في كتابه، ولكني مع هذا ~~لا آلو جهدا في إبطال ما أورده من طريق المعاني التي أوردها، فأقول في ms089 ~~الجواب الثاني عن قوله: إن أهل السنة أولى باسم القدرية لأنهم PageV01P183 # يثبتون القدر لله في جميع أفعال العباد، ونحن ننفي ذلك عن الله فكانوا ~~أولى بالاسم أن يقال: هذا المعنى غير صحيح لأنك علقت على العلة ضد مقتضاها ~~ومقتضى العلة أن اسم القدرية أولى أن يقع على من يثبت القدر لنفسه على جميع ~~الأفعال وينفيه عن الله فنسبة الشيء إلى من يدعيه لنفسه وينفيه عن غيره ~~ألوى من نسبته إلى من ينفيه عن نفسه ويثبته لغيره، ألا ترى أنه لا يقال ~~النحوي واللغوي إلا لمن وجد معه نحو ولغة، وكذلك الخارجي لا يقال إلا لمن ~~خرج على علي - رضي الله عنه -، والرافضي لمن رفض الصحابة وكذلك الثنوي1 ~~إنما سمي ثنويا لأنه أثبت لله ثانيا يشاركه في الإلهية، فيجب على هذا أن ~~يسمى القدري من أثبت لله من يشاركه في القدر. وألسنة القدرية لهجة بأن لهم ~~قدرا وقدرة على أفعالهم دون الله فهم أولى بتسميتهم قدرية. # وأما استدلاله بقوله تعالى: {والله يقضي بالحق} 2 ولا شك أن المعاصي من ~~الباطل وأراد بذلك أن الله لا يقضي بالباطل. # والجواب على ذلك أن يقال: القضاء في القرآن ينصرف إلى وجوه3 كثيرة وكذلك ~~لفظة (الحق) تنصرف في القرآن إلى معان كثيرة4 ولا تكون PageV01P184 # الآية حجة على مذهبه إلا إن صرف لفظة القضاء إلى الإرادة، فيكون المعنى ~~والله يريد الحق، ولم يقل أحد إن القضاء يعبر به عن الإرادة بالجملة، ولا ~~يتوجه المعنى بالحق على هذا، وإن حمل على هذا كان مجازا واتساعا كان ذلك ~~استدلالا منه بدليل الخطاب وهو ممن لا يقول به. # وإن صرف لفظ القضاء إلى الخلق فهو مما ينصرف إليه القضاء في القرآن لقوله ~~تعالى: {فقضاهن سبع سماوات في يومين} 1 أي خلقهن في يومين2 وقالوا: أراد به ~~لم يخلق الباطل من أفعال العباد، قيل: فعلى مقتضى هذا أن يكون خلق ما ليس ~~بباطل من أفعالهم وهم لا يقولون بذلك3، فعلم أن هذا الاستدلال منه تمويه لا ~~يعلم معناه، ومع هذا ms090 فقد قال الله تعالى: {والذين يدعون من دونه لا يقضون ~~بشيء} 4 فأخبر أن الذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا من أفعالهم، ~~فتكون الآية حجة عليه لا له لأن لفظة الذين جمع لما يعقل وذلك ينصرف إلى ما ~~كانوا يعبدون من الملائكة والجن لا إلى الأصنام5 وعلى أن المراد بهذه الآية ~~غير ما أراد من ذلك، والمعنى PageV01P185 # فيها: {والله يقضي بالحق} أي يحكم بالعدل [1] هي كقوله تعالى: {وقضي ~~بينهم بالحق} [2] . # ومما موه به هذا القدري على العامة أن ادعى أن الذين نهى النبي - صلى ~~الله عليه وسلم- عن مجالستهم [3] هم أصحاب الحديث لمعان ادعاها لا معنى ~~لإعادة أكثرها لكثرة ترداده لذكرها في الاستدلال أو وقوع الجواب عنها. # فمنها: أن قال: لأن قولهم يؤدي إلى أنه لا فائدة في بعثة الرسل، وأن ذلك ~~يؤدي إلى ختم باب التوبة لأن المذنب إذا علم أن الله هو الخالق لفعله في ~~المعصية قال: لا سبيل لي إلى توبة عما لم أفعله. # ولأن ذلك يؤدي إلى سوء الظن بالله لأنه يعذب العبد على ما لم يفعله. وهذا ~~نكتة ما طول بذكره بذلك. # والجواب أن هذا منه إلزام لا يلزم إلا المجبرة الذي قوله بقولهم أحق وهم ~~بهم أليق على ما مضى [4] ، وأما قوله: إن ذلك يؤدي إلى سوء الظن بالله ~~فقوله بذلك أيضا أولى لأن عنده إن الله لا يغفر الذنوب الكبيرة ولو تاب ~~المذنب منها [5] ردا لقول الله تعالى: {إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو ~~الغفور الرحيم} [6] . PageV01P186 ### | 23- # فصل # قال هذا القدري المخالف بكتابه: لو كان الله هو الخالق لما يوجد من ~~العباد من الظلم والجور والكذب لوجب أن يسمى ظالما وكاذبا وجائرا ويتعالى ~~الله عن ذلك. # والجواب عن ذلك أن يقال: هذا الاستدلال صدر ممن يجهل حد الظلم والظالم في ~~اللغة وذلك أن الظلم في اللغة هو: مجاوزة الحد1، ولهذا قيل في المثل: "من ~~أشبه أباه فما ظلم"2 أي لم يجاوز الحد. # وقال النبي - صلى الله عليه وسلم- فيمن زاد على الثلاث في ms091 الوضوء: " فقد ~~أساء وظلم "3. # فإذا تقرر هذا فالظالم هو: من حد له حد فجاوزه، وليس فوق الله سبحانه من ~~يحد له الحدود فيجاوزها. # وجواب آخر: وهو أن يقال بالإجماع إن الله قد خلق لهم الاستطاعة4 التي وقع ~~بها منهم الظلم والكذب والجور مع علمه أنهم يظلمون بها فيلزمكم على ~~اعتلاكم5 هذا أن يسمى بذلك ظالما ومعينا على الظلم. # وجواب آخر أن يقال: إن كان بخلقه الظلم يسمى ظالما فينبغي أن يكون بخلقه ~~حركة الاضطرار يسمى متحركا وبخلقه السقم سقيما، وإذا لم يلزم ذلك عليهم لم ~~يلزم علينا. PageV01P187 ### | 24- # فصل # ومن الأدلة المذكورة في الرسالة لنا قوله تعالى: {والله خلقكم وما ~~تعملون} 1 وأخبر سبحانه أنه خلقهم ونفس أعمالهم، كما أخبر أنه يجازيهم على ~~نفس أعمالهم بقوله تعالى: {جزاء بما كانوا يعملون} 2، فانصرف ذلك إلى ~~حركاتهم في العمل وصار التقدير (خلقكم وعملكم) . # فأجاب القدري المخالف وقال: لا حجة لهذا المستدل بهذه الآية، لأن المراد ~~بالآية والله خلقكم والحجارة التي تعملونها أصناما بدليل قوله تعالى: ~~{أتعبدون ما تنحتون} 3 وأراد الأصنام لأنهم عبدوها ولم يعبدوا أعمالهم، هذا ~~نكتة قوله. # ولنا عن ذلك أجوبة أحدها: أن يقال: هذا صرف للكلام عن ظاهره وتبديل، ~~والتصريف يشهد لصحة ما قلنا وذلك أنه يقال: عمل يعمل عملا فهو عامل، والعين ~~معمول فيها، فالعمل هو المصدر وهو اسم العمل وهو حركته بالعمل أو آثار ~~عمله، فاسم العمل يقع على ذلك حقيقة فمن حمل العمل عليه صرفه إلى الحقيقة، ~~والعين المعمول فيها وهي الأخشاب والأحجار المنحوتة لا تسمى عملا وإنما ~~تسمى معمولا بها وتسمى معمولا بها مجازا لا حقيقة لأنه لا يعملها حقيقة4. # جواب ثان: أنه يصح نفي العمل عن العين المعمول بها ولا يصح نفي العمل عن ~~حركات العامل ولا عن آثار عمله بأن تقول: ما رأيت بناء زيد ولا نحته، وإنما ~~رأيت الأحجار والأخشاب التي بنى بها ونحتها بعد زوال بنائه ونحته، ويصح أن ~~تقول: رأيت عمل زيد ونحته إذا رآه يتحرك بالبناء والنحت وإن لم ير ms092 العين ~~التي بنى بها ولا أثر نحته، ولا يصح أن تقول: PageV01P188 # ما رأيت عمله إذا رأى حركته في العمل أو آثار عمله، وإن رأى العين بعد ~~زوال عمله بها. # جواب ثالث: أن المشركين إنما كانوا يعبدون من الأخشاب والأحجار أوثانا ~~وأصناما، فالأوثان: ما نحتوه على مثال ما ليس له صورة، والأصنام على مثال ~~ما له صورة1 فقوم إبراهيم عليه السلام إنما عبدوا تلك الأوثان والأصنام ~~لأجل نحتهم وتصويرهم الذي نحتوه وصوروه تعظيما للنحت والتصوير لا للأعيان2 ~~بدليل أنهم كانوا لا يعبدونها قبل ذلك، ولما كسرها إبراهيم عليه السلام ~~وأزال تصويرها ونحتها بطلت عندهم أن تكون آلهة، فرد الله عليهم ذلك وأخبرهم ~~أن هذا النحت والتصوير الذي عبدوها لأجله لا يقتضي كونها معبوده لأنه ~~الخالق له فقال: {والله خلقكم وما تعملون} أي خلقكم وخلق عملكم ويدل هذا ~~التأويل أن الصنعة في الأعيان تدل على حكمة الصانع لها ولهذا قال: {إن في ~~خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب} 3 ~~فالمسلمون إنما استدلوا على الله وعلى PageV01P189 # حكمته وعلمه بآثار صنعته في الأعيان، وكذلك المشركون إنما عبدوا الأصنام ~~لأجل الصنعة فيها. # جواب رابع: وهو أن قول القائل نحت كقوله ضرب وذلك يشتمل على ستة أشياء: ~~على الفاعل، وعلى المصدر وهو الضرب والنحت وهو المفعول حقيقة وإنما فعل ~~الفاعل فعلا أو قعه فيه فيسمى مفعولا له مجازا، والفاعل لها هو الله1، وعلى ~~ظرف الزمان وظرف المكان وهما مفعول فيهما حقيقة2، وعلى الحال وهو مفعول فيه ~~أيضا حقيقة3 فإذا كان الله هو الخالق للخمسة الأشياء وجب أن يكون خالقا ~~للسادس وهو المصدر. # جواب خامس: أن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال: " إن الله صانع الخزم ~~وصانع كل صنعة" 4، وهذا نص في موضع الخلاف يؤيد ما ذهبنا إليه من تأويل ~~الآية. فاعترض هذا المخالف على هذا بثلاثة أمور أحدها أن قال: هذا الخبر ~~غير موثوق بسنده. PageV01P190 # الثاني: قال: هذا من أخبار الآحاد فلا يستدل به في الأصول. # الثالث: قال: هو عام فيكون مخصوصا بما قدمنا. ms093 # والجواب عن اعتراضه على السند أن يقال: هو مذكور في الصحاح التي اتفق ~~أئمة الأعصار على الاحتجاج بالمذكور فيها ورواه أبو عبيد القاسم ابن سلام1 ~~في غريب الحديث2 عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه3. # وأما الجواب عن قوله إنه من أخبار الآحاد فإن هذا مما تلقته الأمة ~~بالقبول PageV01P191 # ويوافق ظاهر القرآن فجرى مجرى أخبار التواتر، وعلى أنه إذا جاز الاستدلال ~~بأخبار الآحاد في جلد الإنسان وضرب الرقاب وتحليل الفروج وتحريمها جاز ~~الاستدلال بها في الأصول1. # وأما الجواب عن قوله إنه عام فيكون مخصوصا بما قدمناه: فإن هذا جهل من ~~المخالف بصيغة العموم والخصوص وكيفية الاستدلال بهما، وذلك أنا لا ننكر أن ~~قول النبي - صلى الله عليه وسلم- "إن الله صانع كل صنعة" عام في جميع ~~الصفات والأعمال في الخير والشر، وعلى مذهب هذا المخالف أن الله لم يصنع ~~شيئا من الصنع الموجودة من العباد لا في الخير ولا في الشر فيحمل عليه ~~الخبر، وقد اعترض هذا المخالف على قولي: "فأخبر أنه خلق نفس أعمالهم كما ~~أخبر أنه يجازيهم على نفس أعمالهم بقوله تعالى: {جزاء بما كانوا يعملون} 2. ~~وقال: "هذا دليل على المستدل بأن الجزاء من الله هذا لا يكون إلا على شيء ~~أتواهم به فأما ما خلقه الله فلا يجازون به". # والجواب عن هذا أن يقال له: هذا شرح لمذهبك فهو غير مسلم، ونحن ~~PageV01P192 # نقول: إن الثواب والعقاب من الله على اكتسابهم لأعمالهم في الخير الذي ~~وفقهم لاكتسابه وفي الشر الذي لم يتفضل عليهم بالتوفيق بضدها. # وأما قوله: لا يجازيهم بما خلقه فيهم فينتقض بما خلق فيهم من زيادة ~~الهداية وزيادة الضلال عند هذا المخالف بأنه يجازيهم على ذلك في الآخرة على ~~قول المخالف وإن كان ذلك من خلقه1. # استدل المخالف على صحة تأويله في الآية بمسألة فقهية فقال: لو كان لرجل ~~عبد مستأجر على نسج ثوب فقال: أنا مالك لهذا الغلام ولما يعمل فإن الذي ~~يسبق إلى أفهام السامعين أنه أراد مالك لهذا العبد ولهذا الثوب الذي يعمله. # والجواب ms094 أن يقال له: سلكت في هذا طريقا متوعرا عليك لجهلك به فيوشك أن ~~تبقى منقطعا فيه، فأنت إذا المراد بقول الشاعر: # دع المكارم لا تنهض لبغيتها ... واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي2 # ثم بقال له: أما قول القائل هذا العبد الناسج وما يعمله ملك لي فإنه خبر ~~والخبر: ما دخله الصدق أو الكذب ولا يتعلق بقول هذا حكم إلا معرفة صدقه أو ~~كذبه، وقوله وما يعمل هو كقوله وعمله، (وعمله) 3 حقيقة هو حركته بعمل الثوب ~~في النسج فيكون منصرفا إليه ولا ينصرف إلى الثوب إلا بتفسير منه أنه أراده4 ~~فيكون معمولا له مجازا على ما مضى5. PageV01P193 # وسمع الآن الإلزام الصحيح من الفقه عند أهل النظر والتحقيق فيه: أنه لو ~~حلف رجل بطلاق امرأته ثلاثا أو بعتق عبده أن لا ينظر إلى عمل زيد فنظر إلى ~~حركات زيد في العمل أو إلى أثر عمله فإن امرأته تطلق وعبده يعتق، وإن لم ~~ينظر العين التي عمل بها، ولو نظر إلى العين التي عمل بها زيد بعد زوال ~~عمله بها لم يحنث باليمين في الطلاق والعتق. # وكذلك لو قال رجل: أو صيت لفلان بعمل عبدي فإن ذلك وصية بعمل العبد ولا ~~يكون وصية بمعمولة1، وكذلك لو قال رجل لآخر: بعتك عمل عبدي أو أجرتك عمله ~~بكذا وكذا من مدة، فإن ذلك عقد على عمله وهو حركته بالعمل، ولا يكون عقدا ~~على الأعيان التي عملها العبد، وهذا لا إشكال فيه عند ذوي القرائح ~~المستعملة في الفقه دون المتطفلين عليه. # استدل هذا المخالف على صحة تأويله في الآية بأن قال: لو كان كانت أعمال ~~العباد خلقا لله سبحانه لكانت الحجة لقوم إبراهيم عليه السلام؛ لأنه إذا ~~كان التقدير والله خلقكم وعبادتكم للأصنام لكان لهم أن يقولوا: فما جرمنا ~~ولأي معنى جئت مبعوثا إلينا، أتريد منا أن لا يخلق الله فينا شيئا من ~~عبادتنا فذلك ليس إلينا من شيء، أم تريد أن تغير خلق الله فينا فتكون الحجة ~~لهم على إبراهيم. # ولنا عن هذا أجوبة: # أحدها: ms095 أن نقول لهذا المخالف: عدمت التمييز بين مذهب أصحاب الحديث ومذهب ~~المجبرة فأنت في استدلالاتك تخبط في عشوى، وهذا الإلزام يلزم المجبرة الذين ~~يقولون: لا ينسب إلى العباد شيء من أعمالهم وهم كالخامة من الزرع تذهب بها ~~الريح مرة وهكذا ومرة هكذا2، ومذهب PageV01P194 # القدرية أشبه بمذهب المجبرة لقولهم إن الاستطاعة لا توجد مع العمل وإنما ~~هي متقدمة الوجود والأعمال تتولد منها1. # وأصحاب الحديث يقولون بخلاف هذين المذهبين فلا يلزمهم الجواب عن هذا ~~الإلزام. # والجواب الثاني: أن عبدة الأصنام أكثرهم ليسوا قدرية، بل يقرون إن الله ~~خلقهم وبذلك أخبر الله عنهم2 وإنما يعبدون الأصنام لتقربهم إلى الله3 ومن ~~يقول: إن الله خلقه فإنه يقر أن جميع حركاته خلق لله؛ لأنها من سائر صفاته ~~كلونه وسمعه وبصره وسائر الأعراض فيه، ولم يخالف بذلك إلا القدرية، وعبدة ~~الأصنام منزهون عن قولهم4. # والجواب الثالث: أنه لو تصور أن يكون قوم إبراهيم قدرية وخاطبوه بهذا ~~PageV01P195 # الخطاب لأجابهم بنص القرآن وهو أن يقول: قال الله تعالى: {ما على الرسول ~~إلا البلاغ} 1 أمرني الله بالبيان وقد فعلت ما أمرت به والهداية والتوفيق ~~إليه. # قال الله تعالى: {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم فيضل الله ~~من يشاء ويهدي من يشاء وهو العزيز الحكيم} 2، وقال في آية أخرى: {ولقد ~~بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ~~ومنهم من حقت عليه الضلالة} 3، ويقول لهم: سلوا الله الهداية إلى الإسلام ~~لأن إبراهيم - صلى الله عليه وسلم- سأل ذلك لنفسه ولولده إسماعيل وذريتهما ~~فقال: {واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب ~~علينا} 4، وأخبر الله عنه في آية أخرى قال: {اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي} ~~5 فهل سأل إبراهيم إلا ما يملكه الله ولا يملكه إبراهيم؟. PageV01P196 ### | 25- # فصل # ومن الأدلة المذكورة في الرسالة لنا قوله تعالى: {ومن آياته خلق السماوات ~~والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم} 1، واختلاف الألسن هي اللغات في الكلام2. # فاعترض القدري المخالف على هذا الاستدلال وقال: اختلاف الألسن المراد ms096 به: ~~اللغات التي عرفهم الله إياها والأسماء التي علمها الله آدم وليس فيها دليل ~~أن أعمال العباد خلق لله، قال: ولعل هذا المستدل ظن الاختلاف في الألسن3 ~~معطوف على السموات والأرض وأنه مخلوق كالسموات والأرض، ولو كان كذلك لكان ~~الاختلاف مجرورا، وهذا يدل على جهل هذا المستدل بالعربية. # هذا نكتة قوله ومعتمده دون ما شابه من الأذية. # يقال لهذا المعترض قبل الجواب على ما أورده: قد قيل في المثل: "لا تهرف ~~قبل أن تعرف"4 وقال الله تعالى: {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} 5 ~~وكان ينبغي له أن يسأل أين موضع الحجة من الآيات إذا لم يكن في فهمه ما ~~يؤديه إلى علمه قبل السؤال، ولكن حمله قلة الحياء والدين والعلم على الكلام ~~فيما لا يليق بالعلماء، ولا يخفى على المستدل أن الاختلاف ليس بمعطوف على ~~السموات والأرض، ولكنه معطوف على PageV01P197 # قوله (خلق) فيكون التقدير: (ومن آياته اختلاف ألسنتكم وألوانكم) قال أهل ~~التفسير: لولا أن الله فرق بين الصور في الألوان وبين الألسن في اللغات ~~والنغمات والأصوات لبطلت العلامات في الشهادات والمداينات، ولما عرفت والدة ~~ولدها ولا ولد أمه ولا زوج زوجته1 فتعلقنا من الآية لو كان اختلاف ألسنتهم ~~وهي لغات في كلامهم خلقا لألسنتهم كما قالت القدرية لما أمرهم بالاستدلال ~~بها عليه؛ لأن الصنعة لا تدل على غير صانعها، فلما أمرهم بالاستدلال بذلك ~~عليه دل على أن ذلك خلقه، كما أمرهم بالاستدلال عليه بما هو خلق له ~~بالإجماع وهو منامهم بالليل والنهار وخلق السموات والأرض. PageV01P198 ### | 26- # فصل # ومن الأدلة المذكورة في الرسالة قول الله تعالى: {وأسروا قولكم أو اجهروا ~~به إنه عليم بذات الصدور ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير} 1. # فأخبر سبحانه أنه يعلم الجهر والسر من القول لأنه خلقه. # فاعترض القدري المخالف على هذا وقال: لا حجة2 لهذا المستدل بهذه الآية، ~~وقال هذا يدل على إفلاسه من العربية وفقد التمييز بين العبارة عمن يعقل ~~وعمن لا يعقل فإن قوله: {ألا يعلم من خلق} 3 عبارة عن العقلاء ms097 من خلقه و ~~(ما) عبارة عما لا يعقل، وأفعال العباد مما لا يعقل فلا تدخل تحت قوله: {من ~~خلق} هذا نكتة قوله، ولا فائدة في إعادة سائر قوله من السفه والسخف الذي لا ~~يلحق إلا بمن لا دين له ولا علم. # والجواب: إني وهذا المعترض كما قال الشاعر: # علي نحت القوافي من معادنها ... وما علي إذا لم تفهم البقر4 # مع أنه لم يكن مقصودا بالرسالة وإنما حمله الفضول على تكلف ما لا يقوم ~~به، ولم يفهم موضع الحجة من الآية، وذلك أنه ذهب إلى أن (من) في موضع نصب ~~مفعول5 PageV01P199 # يعلم1، وهو مذهب لم أذهب إليه ولا ذهب إليه أحد من أهل الحديث، وإنما ~~الذي نذهب إليه أن (من) في موضع رفع ليكون فاعلا ليعلم، وخلق فعل ماض فاعله ~~مضمر فيه يعود على من2، فالعالم بما في الصدور من الكلام هو الله الخالق له ~~فتكون من لمن يعقل، ويكون هذا كقول القائل كلمني من كلمك، ولا يكون كما ~~توهم هذا المسكين، من الخطأ. PageV01P200 ### | 27- # فصل # ومن الأدلة المذكورة في الرسالة لنا قول الله تعالى: {والذين يدعون من ~~دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون} 1، وقد كانوا يعبدون الجن والملائكة، ~~فأخبر سبحانه أنهم لا يخلقون شيئا. # فأجاب هذا القدري المخالف عن هذا وقال: لم يرد بذلك إلا الأصنام لأنه ~~قال: {لا يخلقون شيئا وهم يخلقون أموات غير أحياء} وهذا صفة الأصنام لا صفة ~~الملائكة والجن، على أن ذلك لو كان عاما في كل معبود لكان المراد أنهم لا ~~يخلقون شيئا من أجسادكم ولا2 من أغذيتكم ولا3 أموالكم ولا من ضروب النعم ~~التي أنعم الله بها عليكم. # والجواب: أن هذا يدل على إفلاس هذا المعترض من العربية وعلى جهله بها كما ~~رمى خصمه. # ونقول: بل المراد بذلك جميع ما يعبدونه من الملائكة والجن والأصنام، لأن ~~العرب إذا جمعت بين ما يعقل، وما لا يعقل غلبت حكم ما يعقل، وعلامة الجمع ~~لما يعقل في هذه الآية في أربعة أحرف. # أحدها: قوله تعالى: {والذين} 4، وذلك ms098 لما يعقل؛ لأنه لو كانأراد الأصنام ~~وحدها لقال والتي تعبدون أو ما يعبدون. # والثاني: أنه قال: {لا يخلقون} في هذا ضمير ما يعقل، ولو أراد ما لا يعقل ~~قال: "لا يخلق". PageV01P201 # والثالث: قوله: {وهم} لو أراد ما لا يعقل لقال: وهي. # والرابع: قوله: {يخلقون} ، ومثل هذا الجمع قوله تعالى: {فكبكبوا فيها هم ~~والغاوون وجنود إبليس أجمعون} 1، فأخبر أن الأصنام والغاوين يكبكبهم في ~~جهنم، والدليل على أن الأصنام مرادة بهذا قوله تعالى في أول الآية: {قالوا ~~نعبد أصناما فنظل لها عاكفين} 2، فهذا الجمع بقوله: {والذين يدعون من دون ~~الله ### | … # } الآية بخلاف الجمع بقوله تعالى: {إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم ~~أنتم لها واردون} 3، لما لم يجمع الأصنام مع من يعقل أخبر عنها ب (ما) ، ~~لأنها لما لا يعقل، ولهذا قال ابن الزبعرى4: لأخصمن محمدا بهذه الآية، ~~فقال: يا محمد قد عبدت الملائكة وعبدت عيسى أفيدخلون النار؟ فقال النبي- ~~صلى الله عليه وسلم-: "لقد أنساكم كفركم لغتكم إن الله سبحانه وتعالى قال: ~~{إنكم وما تعبدون} 5، ولم يقل (ومن تعبدون) وأنزل الله سبحانه مصدقا لنبيه ~~- صلى الله عليه وسلم- {إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون} ~~يعني الملائكة وعيسى6. PageV01P202 # فأما الجواب عن قول هذا المخالف: أنهم لا يخلقون شيئا من أجسادهم ولا من ~~أغذيتهم إلى آخر كلامه فمن وجوه: # أحدها: أن نفي النكرات يقتضي العموم كقولك: لا شيء في الدار، يقتضي نفي ~~جميع الموجودات في الدار، كذلك قوله تعالى: {لا يخلقون شيئا} يقتضي نفي ~~خلقهم لجميع الموجودات من أفعالهم وأقوالهم وجميع الأجسام والجواهر. # والثاني: أن الله تعالى أخبر عن وضعهم وعدم اقتدارهم على خلق شيء من ~~الأشياء وقطع عذر من يعبدهم، فلو كانوا يخلقون أفعالهم وأقوالهم لقال ~~الكفار هم يخلقون أفعالهم وأقوالهم التي يجلب بها النفع ويدفع بها الضر ~~فتكون لهم الحجة على الله، والله يقول: {فلله الحجة البالغة} . # الثالث: أنه قال سبحانه {وهم يخلقون} وهذا يعم خلقه لأجسامهم وجميع ~~صفاتهم والأعراض التي فيها وهي الألوان1، والسمع والبصر، وحركاتهم في ~~الأفعال ms099 والأقوال من جملة أعراضهم فتكون داخلة في المخلوقات. # وأما استدلال المخالف على أن المراد بالآية الأصنام لا غير بقوله تعالى: ~~{أموات غير أحياء} وهذه صفة الأصنام لا صفة الملائكة. # قلنا عن هذا جوابان، أحدهما: إن سلمنا أن المراد بقوله {أموات غير أحياء} ~~هي الأصنام لم يمتنع أن يكون أول الآية عاما لجميع ما يعبدون من الملائكة ~~وعيسى والأصنام، وقوله (أموات غير أحياء) خاص للأصنام، وهذا كقوله تعالى: ~~{والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في ~~أرحامهن} 2. وهذا عام للمطلقات البائنات والرجعيات، وقوله PageV01P203 # في آخر الآية: {وبعولتهن أحق بردهن في ذلك ### | … # } خاص في الرجعيات. # والجواب الثاني: أنه يحتمل أن المراد بقوله: {أموات غير أحياء} هم ~~الكفار، المخاطبون فخاطبهم في1 أول الآية خطاب المواجهة وأخبر عنهم في هذا ~~بلفظ الإخبار عن الغائب، وهذا كقوله تعالى: {حتى إذا كنتم في الفلك وجرين ~~بهم بريح طيبة} 2. فإنما أخبر عنهم بأنهم أموات لقلة انتفاعهم بما جاءهم به ~~البني - صلى الله عليه وسلم- وهذا كما قال الله تعالى: {إنك لا تسمع الموتى ~~ولا تسمع الصم الدعاء} 3 وأراد به الكفار، وكقوله: {وما يستوي الأحياء ولا ~~الأموات} 4، ويدل على أن المراد بهذا الكفار قوله تعالى: {أموات غير أحياء ~~وما يشعرون أيان يبعثون} وهذا الوصف راجع إلى الكفار لأنهم هم الذين لا ~~يشعرون أيان يبعثون5. PageV01P204 ### | 28- # فصل # ومن الأدلة المذكورة في الرسالة لنا قول الله تعالى: {ألا له الخلق ~~والأمر} 1، وقوله تعالى: {هل من خالق غير الله} 2 فأثبت الله لنفسه الخلق ~~ونفاه عن3 غيره، كما أثبت لنفسه أنه إله ورزاق، فلما استحال أن يكون غيره ~~إلها ورزاقا استحال أن يكون غيره خالقا. # فأجاب4 هذا القدري عن قوله تعالى: {هل من خالق غير الله} . # وقال: أراد بهذه البدائع العجيبة من السموات والأرض وما بينهما، ثم النعم ~~التي تقتضي وجوب شكره عليها ولهذا قال: {هل من خالق غير الله يرزقكم} . # والجواب: أن الآية عامة في نفي الخلق عن غيره في جميع الأشياء كما أثبت ~~الخلق ms100 لنفسه، والإلهية5، لجميع الأشياء، وأيضا فإن الكلام من البدائع ~~العجيبة، ولهذا جعل الله كلام عيسى في المهد من المعجزات، وجعل كلام الذراع ~~المشوية6، وحنين الجذع7، وتسبيح الحصا في كف النبي - صلى الله عليه وسلم-8، ~~معجزة له وأمر الله خلقه بالاستدلال عليه باختلاف PageV01P205 # لغاتهم1، لأن الله يخلق العبارة في الكلام في قطعة لحم عن مرادات مختلفة ~~تتقدم على الكلام2، فالصنع العجيب في الكرم كالصنع العجيب في السوات والأرض ~~وسائر الأجسام، فيجب أن يكون مساويا للأجسام في كون الخالق لها واحدا. # وأما قوله: أراد البدائع التي تقتضي وجوب شكره عليها3، فإن الكلام من ~~البدائع التي تقتضي الشكر لله عليه، ولهذا امتن الله تعالى على أن ~~PageV01P206 # الإنسان جعل له السمع والبصر والكلام فقال: {ألم نجعل له عينين ولسانا ~~وشفتين} 1، فتكون كسائر نعمه التي خلقها الله فيهم قال الله تعالى: {وما ~~بكم من نعمة فمن الله} 2. # ويدل على أن أقوال العباد وأفعالهم خلق لله تعالى قلوه فيما أخبر من خلود ~~أهل النار لما شهدت عليهم جلودهم3، قالوا: {لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا ~~الله الذي أنطق كل شيء} 4، وحقيقة الإنطلاق من الله أن خلق النطق فيهم. # ويدل على خلق الأفعال قوله تعالى: {هو الذي يسيركم في البر والبحر} 5، ~~وقوله (يسير) على وزن يقلب الليل والنهار، وهو خلقه لاختلاف الليل والنهار ~~فتكون يسير أي يخلق السير فيهم6، والقدرية لا يقولون إن الله أنطق الخلق ~~ولا أنه سيرهم بل هم الخالقون لنطقهم وسيرهم، وهذا رد منهم للقرآن الذي ختم ~~الله على قلوبهم وجعل عليها أكنة أن يفقهوه. # قال المخالف: أما قول المستدل كما أنه لا إله ولا رازق إلا الله كذا لا ~~خالق للأشياء إلا الله فهذا جمع بغير علة ويجوز أن يقال لمن وهب لغيره شيئا ~~رزقه. قال الله تعالى: {وإذا حضر القسمة أولو القربى واليتامى والمساكين ~~فارزقوهم منه} 7، وقوله تعالى: {والله خير الرازقين} 8. # والجواب أن قوله: جمع من غير علة خطأ، بل العلة المقتضية للجمع ~~PageV01P207 # بينهما أنه لا يجوز إطلاق اسم الرزاق، والخالق بالتعريف إلا ms101 على الله، ~~ولهذا لو حلف حالف وقال: والخالق والرازق وانصرف ذلك إلى الله وانعقدت ~~يمينه ولم ينصرف إلى غيره، فإن أطلق هذا الاسم على1 غير الله فإنما هو ~~بتقييد لا ينصرف إليه الإطلاق فيصير مجازا في غيره. PageV01P208 ### | 29- # فصل # ذكر القدري بكتابه في التشنيع على من خالفه فقال: وزعموا أن ما يحدث في ~~العالم من المخازي والفضائح والمعاصي والخبائث والقبائح فالله خالقه ~~ومبتدعه والكفار مبرؤون من ابتداع الكفر والضلال، بل نهاهم عن شيء أوجده ~~فيهم وعذبهم على أمر حتمه عليهم، كأنهم لم يسمعوا الله يقول: {ذلك بأن الله ~~لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم} 1. # فأخبر الله تعالى أنه ما بدأ بتغيير حتى بدأواهم فغيروا ما بأنفسهم ~~فبدلوا نعمة الله كفرا، ولو كان الله هو الذي ابتدأهم بخلق الكفر فيهم لكان ~~قد بدأهم بأشد التغيير. # والجواب عن تسميته لأفعال العباد في المعصية قبائح وخبائث ومساوئ أن يقال ~~له: هل سميت هذه الأفعال بهذه الأسماء لعين الأفعال أو لمعنى غير أعيانها؟ # فإن قال: سميت لأعيانها بهذه الأسماء. قلنا: فيلزمك على هذا أن تسمي هذه ~~الأفعال معاصي وخبائث ومساوئ وقبائح قبل ورود الشرع2 بتحريمها، كما تسمى ~~أجساما وأعراضا قبل ورود الشرع، وإذا كانت كذلك استغنى الخلق بعقولهم عن ~~بعث الرسل بتحليل الحلال وتحريم الحرام وهذا نفس اعتقاد القدرية وقد مضى ~~بيانه3. PageV01P209 # وإن قال: بل سميت بهذه الأسماء لمعنى غيرها قلنا: فذلك1 المعنى الذي ~~سماها معاصي وخبائث وقبائح هو الشرع، هذا مذهب أهل التوحيد أن القبيح ما ~~قبحه الشرع، والحسن ما حسنه الشرع2، وإذا كان كذلك بطل PageV01P210 # أن تسمى هذه الأفعال في حق الله تعالى قبائح ومعاصي وخبائث ومساوئ وإن ~~كان الخالق لها، وإنما تسمى بذلك في حق من حرم عليه فعلها1، وفي حق الله ~~حسنة في الصنع والتدبير كما أن وجه القرد واسته2 قبيحان في المنظر في حقنا، ~~وهما حسنان في صنع الله وتدبيره وقد قال الله سبحانه: {الذي أحسن كل شيء ~~خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين} 3 ms102 ويدل على صحة هذا PageV01P211 # المعنى أن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال: "الخمر أم الخبائث "1، وقال ~~- صلى الله عليه وسلم-: "الكلب خبيث خبيث2، ثمنه" 3 فسمى الخمر والكلب ~~خبيثين والله سبحانه خلقهما ويسميان في خلق4 الله وتدبيره حسنين5 وقال الله ~~تعالى: {ويحرم عليهم الخبائث} 6، وأراد به ما حرم أكله من الميتة والخنزير ~~والدم، ومعلوم أن الله خلق ذلك كله. # ويدل على صحة هذا المعنى أن الله سبحانه أخبر عن النصارى أنهم قالوا: ~~المسيح ابن الله، والله ثالث ثلاثة، وأخبر أن اليهود قالوا7: عزير ابن الله ~~ويد الله مغلولة، وقول الله في ذلك صدق وحق، وقول اليهود والنصارى بذلك كذب ~~باطل. PageV01P212 # وأما الجواب عن قوله: إن الكفار مبرؤون من ابتداع الكفر والضلال فنقول: ~~هم غير مبرئين عن اكتسابه، بل وقع منهم باختيارهم غير مجبرين عليه، والأمر ~~والنهي والذم ينصرف إلى اكتسابه1 الذي أقدروا عليه، وأما ابتداعه وخلقه فهم ~~يعجزون عما لم يقدرهم الله عليه ولم يرده منهم، كما يعجزون عن خلق أجسامهم ~~وألوانهم، وما وقع من كسبهم بذلك فبإرادة الله وقع ذلك منهم قال الله ~~سبحانه {ولو شاء الله ما أشركوا} 2. # وأما قوله: نهاهم عن شيء أوجده فيهم، فنقول: نهاهم عما لم يجبرهم على ~~إيجاده فيهم وعما لا يستحيل منهم تركه بتوفيقه لهم، ولكن التوفيق منه لهم ~~بالترك تفضل منه وإنعام غير واجب عليه فعله، وله ترك التفضل والإنعام، ولا ~~يسمى بترك ذلك بخيلا ولا جائرا، لأن البخيل من ترك فعل ما توجب عليه، ~~والجائر من فعل غير ما أمر به وحد له. # وأما قوله: عذبهم على أمر حتمه عليهم، فنقول له: إن أردت بقولك حتمه ~~عليهم أمرهم به أو3 أوجبه عليهم فلسنا نقول ذلك، وإن أردت بذلك كتبه وقدره ~~عليهم فكذا نقول، ولم نقل إلا كما قال الله سبحانه {ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا ~~من الجن والإنس} 4 الآية، ولو خلقهم وعذبهم ابتداءا من غير عمل منهم لم يكن ~~ظالما لهم ولا مستحقا اسم الجور ولا خارجا عن الحكمة، كما أنه خلق ms103 أطفالا ~~وخلق فيهم آلاما وعاهات، الجذام5، والبرص6، وقطع أو صالهم بذلك من غير ذنب ~~سبق منهم، وكان قادرا PageV01P213 # بذلك من غير ذنب سبق منهم، وكان قادرا على أن يعافيهم ويعطيهم المنزلة ~~الرفيعة في الآخرة من غير عذاب منه لهم في الآلام والأسقام والآفات ولكنه ~~محكم بمماليكه وعبيده، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون1. PageV01P214 # وأما قوله هذا المخالف في احتجاجه على مذهبه: كأنهم لم يسمعوا الله يقول: ~~{ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى1 يغيروا ما بأنفسهم} 2. # فالجواب عن ذلك وعن جميع ما أورده من الاحتجاج بالقرآن أن نقول له: أهذا ~~قول الله حقيقة فيلزمنا الجواب لك، أم ليس هو بقول الله حقيقة؟ فإن صرح ~~بحقيقة مذهبه الفاسد الذي لا يخفى على خصمائه وقال: ليس بقول الله حقيقة ~~ولا يجوز وجود القول منه. # قلنا: فلم قلت: قال الله وتصفه بما لا يليق وصفه به عندك، ولا جواب له ~~إلا أنه أراد ألا يخالف جميع أهل التوحيد في أن لله قولا احتج3 به فيوافق ~~قولهم في الظاهر لئلا ينفر السامعون عنه، وإلا فحقيقة مذهبه الذي لو صرح به ~~أن القرآن الذي يتلوه ويحتج به قوله حقيقة وقوله خلق له كسائر أقواله4 ~~ولذلك نهى النبي - صلى الله عليه وسلم- عن مجالسته ومجالسة أهل مذهبه5 وعند ~~ذلك نقول: لا يلزمنا الجواب عن تأويل قوله لأنه ليس بحجة. PageV01P216 # وإن خاف الفضيحة من السامعين وقال: ليس هذا القول خلق لي، ولا بقول لي، ~~بل هو قول الله حقيقة، فقد رجع عن مذهبه الفاسد إلى ما عليه أهل التوحيد في ~~ذلك، وقلنا لا حجة لك في أن الله سبحانه لم يخلق أفعال العباد وإنما العباد ~~يخلقون أفعالهم بقوله1 تعالى: {ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها ### | … # } الآية، إنما أخبر الله في هذه الآية أنه لم يغير نعمة أنعمها على قوم ~~بالعذاب وإزالة تلك النعمة حتى كفروا به وأشركوا2، فنسبه إليهم لكونهم محلا ~~لخلق الله له وكونه كسبا لهم، وقد قال الله سبحانه في ms104 الأرض: {فإذا أنزلنا ~~عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج} 3. # فوصفها بالاهتزاز والربو والإنبات لكونه محلا لخلق ذلك فيها، وإن كانت لا ~~يوجد منها خلقا ولا كسبا، وعلى أنه إن كان التغيير المذكور عنه في الآية هو ~~خلقهم للكفر ابتداءا بأنفسهم فقد أخبر سبحانه أنه غير4 ذلك بأنفسهم بعد ~~تغيرهم فيكون كقوله تعالى: {فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم} 5، فأخبر أنه ~~سبحانه خلق التغيير في الكفر والزيغ بحال من الأحوال6، وعند المخالف أنه لا ~~يخلق بحال من الأحوال ونقول: لو شاء الله ما أشركوا كما أخبر سبحانه7 وقد ~~أخبر سبحانه بآخر الآية فقال: {وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا PageV01P217 # مرد له} 1 ولا سوء أعظم من الإضلال وعدم الهداية، ونقول له: قوله خلق ~~الكفر فيهم ابتداءا أشد التغيير، غير مسلم، بل هو ترك الإنعام والتفضل ~~عليهم بالإيمان، والإنعام والتفضل ليسا بواجبين عليه سبحانه لخقله. ~~PageV01P218 ### | 30- # فصل # استدل هذا المخالف على أن الله سبحانه لم يخلق أقوال العباد في الكذب ~~بقوله تعالى: {وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب ~~وما هو من الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ويقولون على ~~الله الكذب وهم يعلمون} 1، فنفى الله سبحانه أن يكون الكذب من عنده وكذب من ~~نسبه إليه. # والجواب أن يقال: إنه2 لا حجة لك في الآية إن أقوال العباد في الكذب خلق ~~للعباد وليس بخلق لله، لأن الذي لووا اليهود ألسنتهم فيه هو بعث النبي - ~~صلى الله عليه وسلم- لأنهم غيروه وبدلوه، وقالوا: هذا من عند الله أي أنزله ~~الله في التوراة على موسى فأكذبهم الله بأنه أنزله كما قالوا فقال: {هو من ~~عند الله} أي ما أنزله على موسى3، ولم يرد سبحانه أنه أنطقهم بالكذب بل ذلك ~~معلوم من قوله: {أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء} 4، فخلقه سبحانه النطق فيهم ~~حق وحسن في الصنع، وهو كذب وباطل منهم، كما أن قول الله سبحانه5 في خبره عن ~~قولهم: {هو من عند الله} حق وصدق وهو بالإضافة ms105 إليهم كذب وزور وباطل، فكذلك ~~الكلام في سائر الكلام الباطل والكذب، وكلمة (عند) ليست بصريحة في العبارة ~~عن الخلق، بدليل أن رجلا لو قال: عندي لفلان عبد أو قال: فلان عند الأمير، ~~لم يدل على أنه PageV01P219 # خلق العبد، والأمير خلق من عنده، بل المراد هاهنا ظرف المكان، وقوله ~~تعالى: {ما عندكم ينفد} 1، أي ما معكم من الأموال، وكذلك قوله تعالى: {إن ~~عندكم من سلطان بهذا} 2 أي ما معكم، ولو قال قائل: أشهد أن مسيلمة ليس من ~~عند الله لم يحكم بكفره، بل يسبق إلى الفهم أنه ليس برسول من الله، وإن كان ~~الله سبحانه خلقه، ولأن الله سبحانه خلقه، ولأن الله سبحنه أخبر: إن سلام ~~الخلق على بعضهم من عنده وأمرهم بذلك فقال: {فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على ~~أنفسكم تحية من عند الله} 3 وأراد يسلم بعضكم على بعض4، كما قال: {ولا ~~تقتلوا أنفسكم} 5 أي يقتل بعضكم بعضا6، فإذا كان سلامهم على بعضهم من عند ~~الله فينبغي أن يكون كلامهم بذلك خلقا7 لله لأنه وصفه أنه من عنده، وإذا ~~سلمتم ذلك في كلامهم بالسلام لزمكم أنه8 خلق كلامهم في غير السلام لأن ~~الخلاف في الجميع واحد9. PageV01P220 ### | 31- # فصل # واستدل المخالف على أن العباد يخلقون أفعالهم بقوله تعالى: {فتبارك الله ~~أحسن الخالقين} 1، وهذا نص في أنهم يخلقون أفعالهم2. وبقوله تعالى: {وإذ ~~تخلق من الطين كهيئة الطير} 3. # والجواب: أنه4 يقال له: خطؤك في رد التنزيل أعظم من خطئك في التأويل فإن ~~كنت مصرا على رد التنزيل وأنه ليس بقول الله حقيقة فلا جواب لك في بيان ~~التأويل، وإن صدقت بالتنزيل أنه كلام الله حقيقة أوضحنا لك المراد بالتأويل ~~وهو: أن الخلق في اللغة ينقسم إلى: التقدير، وإلى الإنشاء والإبداع5 ~~فالمراد بقوله: {أحسن الخالقين} وبقوله: {تخلق من الطين كهيئة الطير} ~~التقدير، فكأنه أراد أحسن المقدرين6، وكذلك PageV01P221 # عيسى عليه السلام1 قدر وصور من الطين كهيئة الخفاش الذي هو لحم يطير بغير ~~ريش، ونفخ فيه الروح فكان طيرا بإذن الله كما أخبر سبحانه2، والله ms106 سبحانه ~~خالق المقدر وتقدير المقدر وإنما أضاف التقدير إليهم لأنه كسب لهم، وأما ~~خلق الذي هو الإنشاء والإبداع فلا يوصف به غير الله، بل نفى الله ذلك عن ~~غيره وأثبته لنفسه بقوله تعالى: {هل من خالق غير الله} 3 وأكذب من ادعى4 ~~أنه يخلق كخلقه فقال سبحانه: {أم هل تستوي الظلمات والنور أم جعلوا لله ~~شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم قل الله خالق كل شيء} 5، فمن قال: إن ~~العباد يوصفون بإنشاء الخلق في أفعالهم وإبداعه، فقد أكذب الله في خبره، ~~ولو كان كذلك لكان يطلق على الإنسان اسم الخالق كما يطلق ذلك على الله ~~سبحانه كاشتراكهما في اسم الموجود والشيء، وفي اختصاص ذلك سبحانه بالله ~~سبحانه دليل على أنه لا يوصف غيره بالإنشاء والإبداع. PageV01P222 ### | 32- # فصل # احتج المخالف على أن العباد يخلقون أفعالهم أن الله سبحانه نسب أفعالهم ~~إليهم في آي كثير من القرآن بقوله تعالى: {وكل شيء فعلوه في الزبر} 1 ~~وبقوله تعالى: {وما تفعلوا من خير يعلمه الله} 2 وقوله تعالى: {يعلمون ما ~~تفعلون} 3 وما في هذا القبيل4 من القرآن كثير فصح أن ذلك خلق لهم. # الجواب: أن وصف الله سبحانه باختراع5 أفعال العباد وإنشائها لا يخرج ~~أفعالهم عن كونها مقدورة لهم على سبيل الاكتساب، فالله خالق القدرة ~~ومقدورها والعبد موصوف6 بالحركة في فعله، فلذلك نسب الفعل إليهم في كل ما ~~كان من القرآن من ذلك، والله موصوف بخلق الحركة في العبد وقد نسب الفعل إلى ~~ما خلق فيه الفعل من الجمادات التي لا كسب لها فيه لكونها7 محلا لخلق الله ~~المفعول8 فيها فالعباد بذلك أولى9، والدليل على ما ذكرته قوله تعالى: {وترى ~~الفلك مواخر فيه} 10 وقوله تعالى: PageV01P223 # {والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير} 1 وقوله في الأرض: {فإذا أنزلنا ~~عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت} 2 وقوله تعالى: {إذ يغشيكم النعاس} 3 فأخبر ~~عنه بالفعل في هذه القراءة، وفي القراءة الأخرى: {إذ يغشيكم النعاس} 4 ~~فأخبر أنه سبحانه يفعل الغشيان، وهذا5 القبيل كثير، فبطل احتجاجه أن ms107 نسبة ~~الفعل إليهم تقتضي نفي خلق الله عن فعلهم6. PageV01P224 ### | 33- # فصل # ذكر القدري المخالف كلاما كثيرا نكتته، هل خلق الله المعاصي هل1 هو نفس ~~المعصية أم غيرها؟ وهل كسب العبد فيها هي المعصية أم غيرها؟ وهل كسب العبد ~~في المعصية هو خلق الله لها أم غيرها؟ فإن قلتم إن كسب العبد هو خلق الله ~~فهو قول المجبرة، وكذلك إذا قلتم إن الخلق أو الكسب هو نفس المعصية رجعتم ~~إلى شيء واحد، وإن قلتم إن الكسب غير الخلق رجعتم إلى قولنا. # والجواب: أن المعصية هي فعل العبد المنهي عنه، وخلق الله الذي هو إنشاؤه ~~وإبداعه لها هو غيرها، كما أن نهيه عنها هو غيرها وعلمه لها هو غيرها، وعلى ~~أن اسم الخلق يقع أيضا على المخلوقات قال الله: {هذا خلق الله} 2 أي مخلوق ~~الله، فالخلق مشترك بين الإنشاء والشيء المخلوق. # وأما قوله: هل كسب العبد لها هو نفسها أم غيرها. # فإنا نقول له: خلق العبد للمعصية على قولكم هل هو نفس المعصية أو غيرها؟ ~~فكل جواب لهم عن هذا وهي خلق للعبد عندهم هو جوابنا لهم عن ذلك وهي كسب ~~للعبد عندنا3. # وأما قوله: هل خلق الله لها هو كسب العبد لها أو غيره؟ فإنا نقول: الله ~~PageV01P225 # سبحانه موصوف بذلك بصفة لا يوصف بها العبد، والعبد موصوف بذلك بصفة لا ~~يوصف بها الله، وإن كان المعنى الذي وصفنا به لأجله واحدا فيوصف الله بأنه ~~خالق لفعل العبد أي أنه أنشأه واخترعه وأراده وعلمه وقدره بإرادة قديمة ~~وعلم قديم وقدرة قديمة1، ولا يوصف سبحانه بأنه مكتسب للفعل والعبد موصوف ~~بأنه مكتسب لفعله، ولا نصفه بأنه خالق له كما أنه موصوف بأنه متحرك بفعله ~~ومباشر له، ولا يوصف الله سبحانه بأنه متحرك فيما فعل2 ولا مباشر له3 ~~وينفصل عن قول المجبرة، لأن المجبر هو: المقهور، والمكتسب هو من يقع الفعل ~~منه وهو مختار لوقوعه ومؤثر لوقوعه على تركه. # والمجبر على الفعل هو: المضطرب برعدة الحمى والفالج، ولا يلزمنا القول ~~بالحق، لأن الخالق4 هو: ms108 المنشئ بقدرة قديمة على ما مضى ويوصف بالعلم بما ~~خلق قبل الفعل وبعده، ويقدر على إعادة الخلق، وبهذا نبه الله على خلقه ~~للأشياء بقوله تعالى: {ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير} 5 وقوله تعالى: ~~{كما بدأنا أول خلق نعيده} 6 ووصف العباد بالكسب بقوله تعالى: {جزاء بما ~~كانوا يكسبون} 7 وقوله تعالى: {كل نفس بما كسبت رهينة} 8 وقوله: {جزاء بما ~~كسبا} 9 وكل ما أخبر الله عنهم بالعمل PageV01P226 # والفعل فالمراد حقيقته لكونه كسبا لهم لا لأنهم خلقوه، فهذا هو الفرق بين ~~الخلق والكسب لا يعقله إلا من نور الله بصيرته وهداه إلى الحق ولم يضله على ~~سبيل الهدى. # ثم يعارض هذا بما هو أقوى منه ويقال لهم: إذا قلتم إن العبد يخلق أفعاله ~~هل خلقها بإرادة أم بغير إرادة، فإن قلتم: خلقها بغير إرادة لم يكن وجود ~~الفعل منه على الصفة التي وجد عليها بأولى من وجوده على خلاف ذلك، وجوز في ~~العقل وجود الصناعات المحكمة1 ممن لا إرادة له من البهائم والجمادات، وإن ~~قلتم خلقها2 بإرادة، قلنا لهم: فهل تلك الإرادة خلق للعبد أو خلق لله، فإن ~~قلتم إنها خلق للعبد، قلنا: فهل خلق تلك الإرادة بإرادة غيرها أم بغير ~~إرادة، فإن قلتم خلقها بغير إرادة. قلنا: يجوز أيضا أن يكون خلق الفعل بغير ~~إرادة، وإن قالوا: خلقها3 بإرادة غيرها، قلنا: فتلك الإرادة تفتقر إلى ~~إرادة مخلوقة له وتسلسل إلى غير نهاية، وما كان هذا سبيله حكم بإبطاله، ~~وثبت أن4 إرادته خلق لغيره وهو الله سبحانه الخالق لكل شيء من جنسها ومن ~~غير جنسها، ويقال لهم: كيف يكون الحيوان موصوفا باختراع الخلق وإنشائه ونحن ~~نشاهد العنكبوت والنحل وسائر الطيور يصدر منها من لطائف صناعات يتحير في ~~كيفيتها عقول ذوي الألباب، وكيف انفردت هي بذلك دون الله وهي عالمة بتفاصيل ~~ما يصدر منها!؟. PageV01P227 ### | 34- # فصل # ذكرت في الرسالة من الاستدلال لنا: أن أفعال العبد خلق لله وليست بخلق ~~العباد لأن أفعال العباد تقع على صفات محكمة وحقائق ثابتة وإعداد ms109 في الفعل، ~~والفاعل لها من الخلق لا يعلم تلك الأوصاف1 وأعداد الحركات فيها قبل وجودها ~~منه، بل تقع منه وهو ساه أو نائم وتقع من الصبيان والمجانين، فلما لم يعلم ~~ذلك قبل الفعل ولا بعده دل على أنه غير خالق لها لأن الخالق يعلم خلقه قبله ~~وبعده، وقد نبه الله بذلك على الخالق بقوله تعالى: {ألا يعلم من خلق} 2. # ويدل على أنه لا يعلم خلقه أن رجلين لو ثرد3 كل واحد منهما رغيفا ثم ~~جمعها ما ثردا لم يقدر أحدهما على تمييز ما ثرده عما ثرده الآخر ولا يقدر ~~على ذلك، ولا يعلم عدد حركات المكتسبين وصفة ذلك قبل الفعل وبعده إلا الله ~~سبحانه الذي خلق كل شيء وقدره تقديرا، فعلم أنه الخالق لهما ولما ثرداه ~~ولما فعلاه في الثرد، قال الله تعالى: {والله خلقكم وما تعملون} 4. # فأجاب هذا المخالف عن ذلك بكلام منحوله5 وحاصله: # أن علم الله بما فعل لا يدل أن كل فاعل يجب أن يعلم ما فعل، ألا ترى أن ~~العباد مكتسبون لهذه الأفعال عند هذا المستدل وهم غير عالمين بما اكتسبوا ~~PageV01P228 # من ذلك قبل الفعل وبعده، فلما لم يخرجهم عدم علمهم بما اكتسبوا عن كونهم ~~مكتسبين لأفعالهم فكذلك لا يخرجهم عدم علمهم بما خلقوه عن كونهم خالقين ~~لها، ولا يلزم علم الله بما خلق لأنه عالم بجميع المعلومات الجلي منها ~~والخفي، والعباد يعلمون بعلوم محصورة، وعدم العلم لا يمنع من وجود الأفعال ~~من غير العالم بها وإنما يمنع من وجودها محكمة، لأن كون الفاعل عالما شرط1 ~~لوقوع فعله محكما، وعلمه بإحكامها أيضا لا يمنع أن يجهل التمييز بينها وبين ~~غيرها بعد وجودها عند الالتباس وإنما الذي يحيل وجود الأفعال عدم القدرة ~~فينا، هذا تحرير كلامه # والجواب: إن قول هذا المخالف: إن علم الله بما فعل لا يدل على أن كل ~~فاعل2 يجب أن يكون عالما بما فعل غير صحيح، بل وجود الفعل يدل على وجود ~~أمور في الفاعل هي شرط في كونه فاعلا، وعدمها يقتضي عدم ms110 الفعل. # أحدها: كون الفاعل موجودا. # الثاني: كونه حيا. # الثالث: كونه عالما بما فعل. # الرابع: كونه قادرا على ما فعل. # إذ لو لم يكن وجوده شرطا لتصور وجود الفعل من المعدوم، ولو لم تكن حياته ~~شرطا لتصور وجود الفعل من الميت والجمادات، ولو لم يكن علمه شرطا لتصور ~~وجود المتاب ممن ليس بكاتب والنساجة والتجارة ممن ليس بنساج3 ولا تاجر، ~~وكون الفعل محكما يدل على تزايد علمه4 بما فعل. PageV01P229 # وقول المخالف: عدم العلم لا يمنع من وجود الأفعال، لا يصح لما بينته1. ~~وأما قوله: الذي يحيل وجود الأفعال عدم القدرة فصحيح ولكن يشترط وجود ~~القدرة ووجود العلم2 من الفاعل كما اشترطت حياته، وترتيب أفعال الفاعل في ~~التقديم والتأخير يدل على أن له إرادة لما فعل. # فإذا تقرر بما ذكرت كون العلم شرطا لوجود الاختراع ووجدنا الحركات التي ~~تصدر من الإنسان وغيره من الحيوان لو سئل عن عددها وتفاصيلها3 لم يكن عنده ~~خبر منها، ووجدنا الصبي حين يولد يقصد إلى ثدي أمه ويمص اللبن، والهرة حين ~~تولد تدب إلى ثدي أمها وهي مغمضة عينيها، والعنكبوت ينسج من البيوت أشكالا ~~غريبة، وكذلك النحل تعمل بيوتها على شكل يعجز المهندسون عن معرفة كيفية ~~أشكالها، علم4 أن الصانع لها هو الله الخالق لكل شيء العالم بهذه الأشكال ~~والتصويرات. # وأما قول المخالف: لما لم يخرج العباد عدم علمهم بأفعالهم عن كونهم ~~مكتسبين لها عندكم لم يخرجهم عدم علمهم عن كونهم خالقين لها عندنا، فغير ~~صحيح، لأن الخلق الذي هو: الاختراع والإنشاء اسم مدح تسمى به الله سبحانه ~~فاختص بذلك بوصف مختص به زايد على ما يوصف به غيره، وهو الكسب وهو كونه ~~عالما بما اخترعه وأنشأه قبل الاختراع وبعده، وقد نبه الله تعالى5 على ذلك ~~بقوله: {ألا يعلم من خلق} 6 ولم يقل PageV01P230 # ألا يعلم من كسب، فلم يحمل أحدهما على الآخر بالوصف، وقد أخبر الله بضلال ~~من سوى بين الله وبين خلقه بشيء، فقال تعالى إخبارا عن أهل النار: {تالله ~~إن كنا لفي ضلال مبين ms111 إذ نسويكم برب العالمين} 1، ومن سمى غير الله خالقا ~~لشيء من الأشياء فقد سوى غير الله بالله، وقد قال سبحانه: {ليس كمثله شيء} ~~فثبت2 ما قلما وبطل ما قالوه. PageV01P231 ### | 35- # فصل # قال القدري: لو كانت أفعال العباد خلقا لله لما مدحهم الله بشيء منها ولا ~~ذمهم على شيء منها. # والجواب أنا نقول: إن الله لم يمدحهم ولا ذمهم على خلقه لها فيهم وإنما ~~مدحهم على كسب ما أمرهم به وذمهم على كسب ما نهاهم عنه، وقد نسب إلى نفسه ~~شيئا من أفعالهم خلقا له، ونسبه إليهم كسبا فمدحهم على شيء منها، وذمهم على ~~شيء منها، ومصداق ذلك في قوله تعالى: {وأنه هو أضحك وأبكى وأنه هو أمات ~~وأحيا} 1، فأخبر سبحانه عن إضحاكه وإبكائه لهم بالصيغة والتنبيه2 التي أخبر ~~بها عن إماتته وإحيائه لهم، فلما كان إحياؤه وإماتته لهم هو خلقه للحياة ~~والموت فيهم، بدليل قوله تعالى في آية أخرى: {الذي خلق الموت والحياة} 3 دل ~~على أن إضحاكه وإبكاءه لهم هو خلقه الضحك والبكاء فيهم لقوله تعالى: {أفمن ~~هذا الحديث تعجبون وتضحكون ولا تبكون} 4، ونسب الضحك إليهم لكونه كسبا لهم ~~وذمهم عليه، وقوله تعالى في آية أخرى: {وكنتم منهم تضحكون} 5، ونسب البكاء ~~إليهم لكونه كسبا لهم، ومدحهم عليه يقوله تعالى: {ويخرون للأذقان يبكون} 6، ~~وبقوله تعالى: {خروا سجدا وبكيا} 7 وذمهم على ترك البكاء بقوله تعالى: {ولا ~~تبكون وأنتم سامدون} 8 وإذا ثبت أنه PageV01P232 # الخالق للضحك والبكاء فيهم فهو خالق لهما فيهم في الطاعة والمعصية، فمن ~~بكى من خشية الله أو بكى على فوت1 امرأة أراد الزنا بها، فالله هو الذي ~~أبكاه، وكذلك من ضحك في وجه أخيه المسلم لإظهار السرور له2، أو ضحك عامدا ~~في الصلاة فالله الذي أضحكه3. والقدرية يقولون: العبد هو الخالق للضحك4 ~~والبكاء لنفسه ردا منهم لقول الله سبحانه فيما أخبر به بكتابه. PageV01P233 ### | 36- # فصل # قال القدري: لو كان أفعال العباد خلقا لله1 لم يأمر العباد بشيء منها ولا ~~نهاهم عن شيء منها. # والجواب: أنا نقول2: إنما يأمرهم3 بكسب ms112 أفعالهم ونهاهم عن كسب أفعالهم، ~~وقد وصف الله سبحانه نفسه بخلق شيء من أفعالهم ونسب ذلك إليهم لكونه كسبا ~~لهم فقال سبحانه: {وقدرنا فيها السير سيروا فيها} 4 والتقدير الخلق، وقوله ~~تعالى: {هو5 الذي يسيركم} 6، فقوله يسيركم، على وزن يصوركم في الأرحام، ~~فلما كان قوله تعالى: {يصوركم في الأرحام} 7 المراد به8 يخلق تصويركم كان ~~قوله: {يسيركم} أي يخلق تسييركم9، ثم أمرهم باكتساب ما أخبر أنه يخلقه فيهم ~~وهو السير فقال سبحانه: {سيروا فيها ليالي وأياما آمنين} 10 وقال في آية ~~أخرى: {قل سيروا في الأرض} 11 والمسير لهم في البر والبحر للطاعة والمعصية ~~هو الله، وعند القدرية أن المسير لهم في البحر هو أنفسهم برفعهم الشراع ~~للريح، فإذا ساروا في البحر PageV01P234 # لمعصية فإن الشيطان هو الذي يسيرهم1 وهذا غير صحيح،؛ لأن الله أخبر في ~~الآيات2 أنهم إذا خافوا الغرق تضرعوا إلى الله سبحانه بأن ينجيهم بقوله ~~تعالى: {جاءتها3 ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم ~~دعوا الله مخلصين له الدين} 4 الآية. ومعلوم أن الكفار والفسقة إذا ركبوا ~~في البحر لمعصية وخافوا الغرق يدعون إلى الله سبحانه بالنجاة ولا يدعون إلى ~~الشيطان5، فدل أن الله تعالى هو المسير لهم والمغرق لهم والمنجي لا شريك له ~~بشيء من ذلك. PageV01P235 ### | 37- # فصل # ومن الدليل على صحة قولنا قوله تعالى: {وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ~~ورحمة ورهبانية} 1، وقوله تعالى: {ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا ~~لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة} 2. فأخبر أنه جعل الرأفة والرحمة في ~~القلوب3، والجعل هاهنا خلقه للرأفة والرحمة4 في قلوب الخلق من بني آدم ~~والبهائم والطير، حتى إن الفرس لترفع حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه، ~~والطير تخرج ما في حواصلها5 لأولادها، والأم من بني آدم يسهر الليالي من ~~الرحمة التي في قلبها إذا خافت عليه، ولو كانت الأم من بني آدم هي الخالقة ~~للرحمة في قلبها لولدها، أفترى البهائم والطير تخلق تلك الرحمة في قلبها ~~لولدها؟ ثم6 تخلق من ذلك ms113 مات يضر بها؟ كذب الجاحدون لذلك فضلوا ضلالا ~~بعيدا. PageV01P236 ### | 38- # فصل # ومن الأدلة المذكورة لنا في الرسالة: أن العبد لو كان هو الفاعل لإبانة ~~غصن الشجرة منها وأن القاتل هو الفاعل للموت في المقتول لكان قادرا على ~~إعادته لأنه من جنسه1، ومن قدر على فعل شيء قدر على فعل شيء قدر على مثله، ~~وقد أخبر الله سبحانه بذلك وأمرنا بالاستدلال عليه بقوله تعالى: {قل يحييها ~~الذي أنشأها أول مرة} 2 الآية إلى قوله: {أوليس الذي خلق السماوات والأرض ~~بقادر على3 أن يخلق مثلهم بلى} 4، وقوله تعالى: {وهو الذي يبدأ الخلق ثم ~~يعيده وهو أهون عليه} 5. # فأجاب القدري عن ذلك وقال: أما القطع فإنه تفريق ولا يحتاج فيه إلا إلى ~~استعمال الآلة الصالحة للتفريق، فأما6 الإعادة فهو تأليف لطيف بين أجزاء ~~الأصول وأجزاء الفرع، وهو يحتاج إلى أجزاء من الرطوبة وأجزاء من اليبوسة، ~~وأجزاء من العود متغايرة مقدرة بمقادير معلومة، وذلك مما لا يهتدي إلى ~~معرفته العباد، فلذلك امتنع عليهم إعادة الغصن كما كان، هذا كلامه في ~~الغصن. # والجواب عنه: أنا لا ننكر أن الفعل المنسوب إلى العبد بالاكتساب للقطع هو ~~حركته باستعمال الآلة، وأما الإبانة للغصن المقطوع فليس من فعله بل من خلق ~~الله وبإرادته وقوع ذلك، بدليل أن الإنسان قد يضرب بالآلة القاطعة غصنا ~~ضربة أو ضربات بين بها في العادة، فإذا لم يخلق الله PageV01P237 # إبانته بذلك لم تقع به1 إبانة2، وأما انفصاله عن إلزامنا PageV01P238 # له الإعادة بما1 ذكر من التأليف اللطيف، فلا حجة له عليه ولا سبيل له إلى ~~العلم بذلك، ولا لأحد من الخلق وقد أكذب الله سبحانه من ادعى العلم بذلك ~~فقال: {ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم} وقد خلق الله أشياء ~~من غير شيء، فإذا ثبت عجزهم عن إعادة خلق الغصن المقطوع دل على عجزهم عن ~~خلق إبانته. # قال القدري: وأما الموت فقد اختلف فيه (فمنهم من قال) 2: إنه معنى من ~~جملة الأعراض، ومنهم من يقول: إنه ليس بمعنى وإنما هو عدم الحياة3. # فمن ms114 قال: إنه معنى لا يقدر عليه إلا الله، والقتل هو: تخريب البنية إذ ~~حصل بسببه الموت، والموت معنى سوى ذلك، فلا يلزم من قدر على شيء أن يقدر ~~على غيره لا سيما إذا كان من غير جنسه، والموت من غير جنس الحياة فلا يلزم ~~علينا هذا الإلزام. # والجواب: أن يقال لهذا المخالف: المشهور من مذهب أكثر القدرية القول ~~بأنهم يقدرون على أن يخلقوا في محل الحياة ضدا ينافي الحياة4، وضد الحياة ~~الموت فشاركوا بذلك قول نمرود: {أنا أحيي وأميت} 5، ومن قال هذا ~~PageV01P239 # لا شك في كفره لقوله تعالى: {الله يتوفى الأنفس حين موتها} 1، ويزعمون مع ~~ذلك أن الواحد إذا كان في علم الله بقي من أجله خمسون سنة يقدرون على أن ~~يقطعوا أجله2 إذا قتلوه3، فيلزمهم على هذا إذا كان في علم4 الله أنه يتزوج ~~في الخمسين الباقية امرأة أو أكثر ويولد منهن أولادا أن يعطوا5 النساء ~~والأولاد حقوقهم، وإن6 كان في معلوم الله أنه يرتد في السنين الباقية فلا ~~يورثوا ورثته من المسلمين، ويدفن في غير مقابر المسلمين، أو كان في معلوم ~~الله أن الكافر يسلم في الخمسين الباقية يجب أن يكون في الجنة، ويلزم على ~~أصلهم إذا بقي من أجل رجل في معلوم الله خمسون سنة فقتل رجلا7 بقي من أجله ~~في معلوم الله يوم أم شهر أن لا يقتل به8. ولا شك أن هذا المخالف استشنع ~~قول أسلافه: إن القاتل يقطع PageV01P240 # الأجل وأنه يخلق الموت في المقتول1 لئلا ينفر عنه من يريد استدراجه من ~~العامة فاختار إظهار قول الفرقة القليلة منهم الموافقة لقول أهل التوحيد2 ~~والمشهور عنهم ما قدمناه، والدليل على فساد قولهم قوله تعالى: {إنا نحن ~~نحيي ونميت} 3، وقوله تعالى: {فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا ~~يستقدمون} 4 ولم يفرق في ذلك بين الميت والمقتول. PageV01P241 ### | 39- # فصل # دليل لنا مذكور في الرسالة يقال للقدرية أجمعتم معنا أن القدرة في العبد ~~على الفعل خلق لله1، فإن ادعيتم أن الفعل الموقع بهذه القدرة مخلوق2 لكم، ~~قلنا: يستحيل وقوع ms115 فعل واحد بقدرة قديمة وقدرة محدثة، كما يستحيل وقوع فعل ~~واحد من3 فاعلين، وإن ادعيتم الاستبداد بخلق الفعل كله وليس لله فيه اختراع ~~ولا خلق توجه على قولكم أن خلقكم أحسن من خلق الله لأن الطاعات والأعمال ~~المستحسنة أحسن من خلق الأعيان، وأدى إلى تكذيب قوله تعالى فيما مدح به ~~نفسه بأنه أحسن الخالقين4، وقوله: {هل من خالق غير الله} 5 وقوله: {أفمن ~~يخلق كمن لا يخلق} 6 وإن ادعيتم المشاركة لله في الخلق في إيجاده بالقدرة ~~القديمة من الله ومنكم بالقدرة المحدثة كنتم مدعين لمشاركة الخالق وقد ~~كذبكم الله بقوله: {أم جعلوا7 لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم قل ~~الله خالق كل شيء} 8 وطالبناكم بتمييز ما وقع بقدرتكم المحدثة، عما وقع ~~بقدرة الله القديمة، لأن الخالق يعلم ما خلق وهذا لا محيص لهم عنه. ~~PageV01P242 # فأجاب المخالف عن هذا وقال: لا شك أن القدرة التي في العبد من فعل الله ~~ومن اجل نعمه على خلقه، وأما قول هذا1 المستدل أن الفعل الواحد لا يكون إلا ~~بقدرة قديمة وقدرة محدثة فإن هذا مبني على أصل فاسد وهو أن الباري له قدرة ~~قديمة وذلك باطل عندنا، بل لا يحتاج إلى قدرة قديمة ولا إلى علم ولا حياة2 ~~ولا إرادة ولا سمع ولا بصر بل هو قادر بذاته3 على جميع المقدورات وعالم ~~بذاته وهو مستغن عن كل شيء، وصرح بأنه لا كلام له وإن القائلين بإثبات هذه ~~الصفات لله كالقائلين بالتثنية من المجوس وبالتثليث من النصارى، هذا نكتة ~~قوله. # والجواب أن يقال: شرح القولين في القدرة المخلوقة في العبد مختلف فيه، ~~فقول أهل التوحيد والسنة: إن الاستطاعة في العبد صفة قائمة به لا تبقى ~~زمانين، بل يخلق الله كل جزء منها فيه حال حدوثه، واستطاعته في كل جزء غير ~~استطاعته بالجزء الآخر4، والله خالق كل جزء، والعبد غير PageV01P243 # مستغن عن الله في كل حال من أحواله، فاستطاعة الطاعة تسمى عونا من الله ~~وتوفيقا وتسديدا، واستطاعة المعصية تسمى خذلانا وإضلالا والقدرة والقوة ms116 ~~والاستطاعة تعم ذلك كله وهي معنى لا يعلم ما ذاتها، بل ينتفي بوجودها ~~أضدادها، فالقدرة ينتفي بوجودها العجز1، كما ينتفي الجهل بوجود العلم، ~~والموت بوجود الحياة، والحركة بوجود السكون، والسكون بوجود الحركة، وعند2 ~~المعتزلة والقدرية أن الاستطاعة في العباد يوصفون بالقدرة عليها قبل الفعل ~~وتبقى زمانين، وأما في حال الفعل فتتولد من الاستطاعة المتقدمة ولا يوصفون ~~بالقدرة على الفعل حال الفعل، فهم بالجبر الذي عابوه على خصمهم وأضافوه ~~إليهم3 أولى4، وهم مستغنون عن خالقهم حال الفعل، قال هشام بن الحكم شيخ ~~المعتزلة والقدرية5. الاستطاعة صفة للمستطيع ليست غيره ولا هي منه6 ~~PageV01P244 # وكذا قال إبراهيم النظام1 منهم: إن الإنسان هو الروح وهو مستطيع لنفسه2، ~~فيؤول قولهما إلى معنى واحد، فأثبتنا أنفسهما قادرة مستغنية عن الله خالقة ~~مصورة، وكان هشام هذا لا يقول: حسبنا الله ونعم الوكيل على أصله هذا3، وإذا ~~ثبت من قولهم أن الاستطاعة تبقى قبل الفعل ولا تبقى مع الفعل فهم متبعون ~~لأصحاب الطبائع، وعبروا عن قول أصحاب الطبائع بهذه العبارة لأن أصحاب ~~الطبائع يقولون: أصول العالم أربعة: الحرارة، والبرودة، والرطوبة واليبوسة، ~~وسائر الحوادث كلها تتولد من هذه الأصول، والمعتزلة والقدرية قالوا: إن ~~الفاعل يقدر على فعله حال الفعل ولا يحتاج إلى القدرة ولا يخل بالفاعل يقدر ~~على فعله حال الفعل ولا يحتاج إلى القدرة ولا يخل بالفاعل عدمها4. # فتجويز فعلهم ممن ليس بقادر كتجويز أصحاب الطبائع الحوادث من الموات وهي ~~الطبائع5 من غير فاعل بل يتولد منها. # وأما قول المخالف في القدرة القديمة، وأن المستدل بنى كلامه بذلك على ~~أصله الفاسدة في إثباته لله سبحانه صفات قديمة وهي القدرة والعلم والحياة ~~PageV01P245 # والإرادة والسمع والبصر والكلام فيقال له: رميت خصمك بذنبك، وليس من بنى ~~قوله على كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم- بناه على أصل فاسد، ~~بل من بنى قوله على خلافهما1 ومتابعة قول جهم2 وأضرابه3 فهو الأصل الفاسد، ~~فنحن وهم4 كما قال الله تعالى: {أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان ~~خير أم من أسس بنيانه ms117 على شفا جرف هار5 فانهار به في نار جهنم} 6، وقد مضى ~~الكلام عليهم في الصفات7، وأنا أعيد الكلام هاهنا بذلك ليتقرر بطلان ~~مذهبهم8 ويتضح أساسهم الذي بنو عليه لحذر منهم من لا خبرة له بمذهبهم ~~فأقول9: # اعلم أن جهما ومن تابعه قالوا: لا قدرة لله ولا علم ولا حياة ولا إرادة ~~ولا سمع ولا بصر ولا كلام، فقيل10 لجهم: أتقول: إن الله شيء؟ فقال: لا أقول ~~إنه شيء لأن معنى شيء معنى محدث مخلوق ومعنى مخلوق معنى شيء11، وهذا كفر ~~ظاهر لا يخفى على أحد؛ لأن الله PageV01P246 # سمى نفسه شيئا فقال: {قل1 أي شيء أكبر شهادة قل الله} 2، ولأن معنى شيء ~~معنى موجود فكل شيء موجود وكل موجود شيء والموجود ضد المعدوم، فلما كان ~~الباري غير معدوم سمي موجودا أو شيئا. فلما ظهرت3 شناعة قول جهم بذلك وخالف ~~قوله بذلك قول العلماء قبله وخافت المعتزلة والقدرية السيوف إن أظهروا ~~القول بقوله قالوا: إن الله قادر حي عالم مريد سميع بصير، ولكن ليس له قدرة ~~ولا حياة ولا علم، ولا إرادة، ولا سمع، ولا بصر، بل هو موصوف بهذه الصفات ~~لذاته4، إلى أن قال أبو الهذيل العلاف من رؤسائهم5: إن علم الله هو الله6، ~~فقيل له فيلزم على قولك أن يقول الإنسان في الدعاء "يا علم اغفر لي ~~وارحمني" فأبى ذلك لما علم تناقض قوله فيه. # وقولهم يرجع بالتحقيق إلى قول جهم7 لأن حقيقة الموصوف أن يكون ~~PageV01P247 # له صفة موجودة به، وحقيقة الصفة أن لا تتعرى عن الموصوف، وهذا اسم حرره ~~أهل اللغة الذين نزل القرآن بلغتهم، فلا يسمون الأحمر إلا لما فيه حمرة ولا ~~الأسود إلا لما فيه سواد، فكذلك لا يسمون القادر إلا لمن له قدرة، والعالم ~~إلا لمن له علم، والحي إلا لمن له حياة، وكذلك الكلام في السمع والبصر ~~والإرادة، يستحيل وجود قادر لا قدرة له، وعالم لا علم له، كما يستحيل وجود ~~قدرة ولا قادر ووجود علم ولا عالم ووجود حياة ولا حي، ولأن القدرية وصفوا ms118 ~~الله بهذه الصفات وجعلوها ألقابا لا حقيقة لها؛ لأنه إذا كان لا قدرة له ~~ولا علم ولا حياة ولا إرادة ولا سمع ولا بصر كانت هذه الصفات له هي قول ~~الواصفين1 له وعباراتهم فلا يكون موصوفا بهذه الصفات عند عدم الواصف له ~~بذلك، فيؤدي عدم وصفه بذلك إلى وصفه بضدها وهي العجز والجهل والموت والصمم ~~والعمى تعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا. # وقد صرحوا بذلك حيث قالوا: أسماء الله مخلوقة لأنها قول القائلين ~~PageV01P248 # وأنا إذا قلنا الله فهو غير الإله والرحمن والرحيم وإنما هي أقوالنا1 ~~وهذا رد لنص2 القرآن قال الله تعالى: {قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ~~ما تدعوا فله الأسماء الحسنى} 3، وقد أخبر الله سبحانه أن له علما وقدرة ~~وكلاما4 بكتابه فقال سبحانه {أنزله بعلمه} 5 وقال تعالى: {وما تحمل من أنثى ~~ولا تضع إلا بعلمه} 6، وقال تعالى: {إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين} 7 ~~وقال: {أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة} 8. وقال: {حتى يسمع ~~كلام الله} 9. PageV01P249 # ويقال لهم: لم قلتم إن الله عالم، فإن قالوا: لأنه قال: {والله بكل شيء ~~عليم} 1 قيل لهم: فما يمنعكم2 أن تثبتوا له علما بقوله تعالى: {أنزله ~~بعلمه} ويقال لهم: لو قال قائل: إن الله آمر3 وناه وقائل ولا أمر له ولا ~~نهي ولا قول أليس يكون قوله متناقضا، فلا بد أن يقولوا: نعم، فقيل لهم: ~~فكذلك من يقول: إنه قادر أو عالم أو حي ولا قدرة ولا علم ولا حياة فإنه ~~يكون منقضا لقوله. # وأما قول المخالف: لو أثبتنا له هذه الصفات قديمة لأدى إلى4 أن تكون ~~آلهة5 كهو6 فغير صحيح؛ لأن الصفة لا تساوي الموصوف بها حتى تكون كهو ألا ~~ترى أن صفات الإنسان تساويه في كونها محدثة كهو ولا تساويه في كونها إنسانا ~~كهو. # قال هذا المخالف: ولأن ما قال هذا المستدل من استحالة وقوع الفعل بقدرتين ~~قديمة ومحدثة غير لازم؛ لأن عنده أهل مذهبه أن الفعل من العبد يقع بقدرة ~~قديمة ms119 من الله وبكسب من العبد، فنقول له: هذا لا يلزم لأن كسب العبد وقع ~~بقدرة قديمة من الله، فالعبد لا يشارك الله سبحانه في الخلق وإنما يسمى ~~كسبا للعبد بخلق الله فيه الاختيار وإرادة وقوع الفعل فتقع منه الحركة في ~~الفعل المختار بخلاف الحركة منه في حالة الضرورة كالرعدة من الحمى والفالج. ~~PageV01P250 # تصحيح # PageV01P251 ### | 40- # فصل # دليل لنا مذكور في الرسالة يقال لهم: خلق الله أحسن أم خلقكم، فإن قالوا: ~~خلقنا، بان كفرهم وكانوا محجوجين بقوله تعالى: {فتبارك الله أحسن الخالقين} ~~1 وبقوله تعالى: {الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين} 2 وإن ~~قالوا: خلق الله، أحسن من خلقهم، قيل لهم: فالعذرة والقردة أحسن من إيمان ~~محمد - صلى الله عليه وسلم- ومن إيمان الملائكة وسائر المؤمنين؛ لأن العذرة ~~والقردة من خلق الله، وإيمان النبي والملائكة والمؤمنين من خلقهم على ~~زعمكم، وهذا كفر من أي وجه صرفوه. # فأجاب هذا المخالف وقال: إن أراد المستدل بالحسن هاهنا وفي الاستدلال ~~قبله3 جمال الصور واتساق التركيب فلا شك أن أفعال العباد لا تشارك أفعال ~~الله بذلك وكيف تساويه أو تزيد عليه، وإن أراد بالحسن هاهنا ما يضاد القبيح ~~من أحكام الأفعال فلا شك أن طاعات العباد حسنة والحسن هاهنا لايتزايد4. # والجواب أنا نقول لهذا المخالف: يكفينا في الإلزام موضع واحد، فإن قلنا ~~أردنا أحسن في التصوير واتساق التركيب فكيف يكون التصوير والتركيب في ~~العذرة والقردة أحسن من التصوير والتركيب من صلاة النبي - PageV01P252 # صلى الله عليه وسلم- والملائكة1 ومن نطقهم بقول: (لا إله إلا الله) فإذا ~~وجدنا على مقتضى قولكم للعذرة2 والقردة مزية على صلاة النبي - صلى الله ~~عليه وسلم- وقوله بالشهادة وتولاوته للقرآن على قولكم كان ذلك شنيعا ~~ومقتضيا لكفر3 قائله. # وإن حملنا ذلك على الحسن في التصوير وعلى ما يضاد الحسن من القبيح في ~~الفعل لم يتناف الكلام فيه4. # وقول هذا المخالف: إن الحسن لا يتزايد خطأ وخلف من5 الكلام؛ لأنه يقال: ~~قول6 فلان أحسن من قول فلان أي في المعانى فقد اجتمعا في الحسن ms120 وأحدهما ~~أكثر حسنا في اللسان قال الله تعالى: {ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل ~~صالحا} 7. PageV01P253 ### | 41- # فصل # وقد اعترض المخالف على قولنا في صفات الله سبحانه أنها ليست هو ولا هو هي ~~ولا هو غيرها ولا هي غيره. # فقال: هذا متناقض لأنها متى1 لم تكن إياه كانت غيره، ومتى لم تكن غيره ~~كانت إياه وإلا صار هذا القول كمن يقول هي هو وليست هو. # والجواب أنا نقول لهذا المخالف: هذا الاعتراض صدر ممن لا يعرف حقيقة ~~الغيرين والمثلين. # وحقيقة الغيرين: ما جاز وجود أحدهما مع عدم الآخر، وصفات الله ليست بغير ~~الله لأنه لم يزل موصوفا بصفات الكمال إذ لا يجوز عليه النقص والآفات2. ~~PageV01P254 # وحقيقة المثلين: ما جاز على كل واحد منهما ما جاز على الآخر، ولهذا قلنا: ~~إن الصفة للقديم والمحدث ليست هي الموصوف لأنها1 لا تسد مسده فلا تسمى صفة ~~الإنسان إنسانا وإنما تماثله في التسمية بالحدث، وكذلك2 صفات الله لا ~~تساويه في كونها آلهة، وليس ذلك كقول القائل هي هو ليست هو فإن القول ~~الثاني نفي الإثبات في الأول. # ونقول للمخالف: التناقض في قولك هو عالم بلا علم وقادر بلا قدرة هو ~~الظاهر؛ لأن حقيقة الموصوف من له صفة، وحقيقة الصفة معنى في الموصوف ~~كالوجود صفة لموجود صفة موصوف بالوجود. PageV01P255 ### | 42- # فصل # ذكرت في الرسالة أن الله سبحانه أراد من العباد ما وقع منهم من خير وشر، ~~وذهبت المعتزلة والقدرية إلى أن الله أراد منهم الخير ولم يرد منهم الشر ~~وإنما المريد الشر1 إبليس2 والدليل على صحة قولنا قول الله PageV01P256 # تعالى: {ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا أولئك الذين لم يرد ~~الله أن يطهر قلوبهم} 1. # فأخبر2 سبحانه أنه أراد فتنة قوم ولم يرد تطهير قلوبهم. # والقدرية يقولون: إن الله سبحانه لم يرد فتنة أحد وأراد تطهير قلوب جميع ~~العباد3، وهذا خلاف ما أخبر الله عنه4. # فأجاب هذا القدري عن هذا وقال: الفتنة في القرآن منقسمة إلى نعان أحدها: ~~الحريق والعذاب بدليل قوله تعالى: ms121 {يسألون أيان يوم الدين يوم هم على النار ~~يفتنون} 5 أي يعذبون. PageV01P257 # والثاني: الامتحان والتشديد في التكاليف بدليل قوله تعالى: {الم أحسب ~~الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم} ~~1. # والثالث: الإضلال بدليل قوله تعالى: {يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان} 2 ~~أي لا يضلنكم الشيطان. # فإذا تقرر هذا فيجوز أن تحمل3 هذه الآية وهي قوله تعالى: {ومن يرد الله ~~فتنته فلن تملك له من الله شيئا} 4 على العقاب والإهلاك، فيكون كقوله ~~تعالى: {أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذ من في النار} 5 ولا يجوز أن ~~تحمل الفتنة هاهنا على الإضلال؛ لأن ذلك قبيح، والله تعالى لا يأتي بالقبيح ~~لعلمه بقبحه وغناه عن فعله وعلمه باستغنائه عنه6، ولا شك أن من كان بهذه ~~الصفة7 لا يفعل القبيح، قال: وأما قوله تعالى: {أولئك الذين لم يرد الله أن ~~يطهر قلوبهم} 8 فمحمول على أحد معنيين: # إما أن يريد بتطهير القلوب الزيادة في التوفيق والتسديد والهداية، فإن ~~الزيادة في ذلك تختص بالمؤمنين الذين اهتدوا بأصل الهداية العامة للمؤمن ~~والكافر، فإن من اهتدى منهم بذلك زاده الله هدى وتوفيقا كما قال الله ~~PageV01P258 # تعالى: {والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم} 1 وقال: {ويزيد الله ~~الذين اهتدوا هدى} 2 فيكون المراد بطهارة القلوب هذه الزيادة، وسماها ~~تطهيرا لأنها احدى الدواعي والمقويات على حصول التطهير. # وإما أن يريد بالتطهير للقلوب هو: الحكم بطهارتها، كما ثبت قبله في ~~التزكية والتعديل والتفسيق، فإن الحكم المزكي بزكاة غيره وشهادته بذلك يسمى ~~تزكية ولهذا قال الله تعالى: {هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو ~~عليهم آياته ويزكيهم} 3 أي يحكم ويشهد لهم بذلك، فكذلك الحكم بالعدالة يسمى ~~تعديلا، والحكم بالفسق يسمى تفسيقا فكذلك الحكم بالطهارة يسمى تطهيرا، هذا ~~تحقيق جوابه. # فيقال له ولأهل مذهبه قبل هذا: هذه الآية التي استدللنا بها وردت في قوم ~~من اليهود، وذلك أن رجلا وامرأة من عظماء أهل خيبر زنيا وكانا محصنين ~~وعندهم بكتابهم على المحصن ms122 الرجم فشق عليهم4 رجمهما، وقالوا لبعضهم: اذهبوا ~~إلى هذا الرجل الذي بيثرب فاسألوه عن هذا فإن كان رسولا كما زعم فليس له5 ~~الرجم بكتابه بل الجلد فإن أمركم بالجلد فخذوه وإن أمركم بالرجم فاحذروه، ~~والقصة بذلك طويلة فأنزل الله فيهم {من الذين هادوا يحرفون الكلم عن ~~مواضعه} إلى قوله: {ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا أولئك ~~الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم} 6 فأخبر PageV01P259 # سبحانه أنه لم يرد أن يطهر قلوبهم، وأخبر الله سبحانه في أهل بيت النبي - ~~صلى الله عليه وسلم- بقوله في آية أخرى: {ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ~~ويطهركم تطهيرا} 1 أخبرونا: هل ساوى الله سبحانه بين هؤلاء2 اليهود الذي ~~أنزل في شأنهم هذه الآية، وبين أهل بيت النبي - صلى الله عليه وسلم- في ~~تطهير القلوب من الشرك3 واللطف والهداية. كما يساوي بينهم في الدعاء إلى ~~الإسلام، أم4 خص الله أهل بيت النبي - صلى الله عليه وسلم- بخصيصة بتطهير ~~قلوبهم من الشرك، وفضلهم بشيء لم يخص به هؤلاء اليهود وغيرهم ممن هو أعلى ~~من اليهود ودون أهل البيت من المسلمين؟ فإن قالوا: لم يساوهم بل خص الله ~~أهل بيت النبي - صلى الله عليه وسلم- بتطهير قلوبهم من الشرك والرجس وجعل ~~لهم مزية وفضلهم على هؤلاء اليهود على سائر المسلمين. # قلنا لهم: هذا هو الحق وأنتم الآن المصدقون لخبر الله بكتابه بقوله ~~تعالى: {يختص برحمته من يشاء والله} 5، وبقوله: {ذلك فضل الله يؤتيه من ~~يشاء} 6، وأي فضل أفضل من الهداية إلى الإسلام والعصمة من فتنة الشيطان، ~~قال الله تعالى: {ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا} ~~7، وقال سبحانه: {فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة} 8 وكان ~~حقيقة التخصيص لأهل بيت النبي - صلى الله عليه وسلم- في هذه الآية على ~~PageV01P260 # اليهود أن خلق التطهير في قلوبهم ولم يخلقه في قلوب اليهود، وإذا أثبت ~~ذلك وفهم استغنينا عن إبطال ما أورده هذا المعترض من التأويل في الفتنة ~~والتطهير. # وإن قال هذا المعترض وأهل مذهبه: بل ms123 ساوى الله بين أهل البيت وهؤلاء ~~اليهود فيما خلقه بقلوبهم من ذلك، ولم يجعل لأهل بيت1 النبي - صلى الله ~~عليه وسلم- مزية عليهم ولا خلق في قلوبهم التطهير من الرجس، وإنما هم الذين ~~خلقوا بقلوبهم التطهير من الرجس وليس لله فيه صنع، وتطهير الله الذي أخبر ~~أنه طهرهم إنما2 هو زيادة في التطهير أو شهادة لهم بالتطهير الذي خلقوه ~~بأنفسهم، واليهود لم يخلقوا ذلك بأنفسهم بل خلقوا التكذيب والكفر، وهذا ~~حقيقة مذهبهم. # قلنا لهم: فهذا يؤدي إلى رد إخبار الله سبحانه أنه طهر قلوب3 أهل البيت ~~ولم يرد تطهير قلوب اليهود ويؤدي إلى إسقاط تخصيص الله لأهل البيت وتفضيلهم ~~على غيرهم، لأنهم إذا كانوا هم الخالقين4 لتطهير قلوبهم دون الله فلا منة ~~لله عليهم، والمنة لله عليهم وعلى سائر المؤمنين بقوله: {بل الله يمن عليكم ~~أن هداكم للإيمان} 5. # وأما زيادته لتطهير6 قلوبهم بع أن طهروها7 فليس لله فيه كبير منة، لأنهم ~~قد بلغوا بتطهيرهم قلوبهم8 إلى الحد الذي يجب لله عليهم، وكذلك شهادته لهم ~~بالتطهير لا منة لله عليهم به. PageV01P261 # أفترى هذا كان خفيا على النبي - صلى الله عليه وسلم- حين رد عليهم الكساء ~~وقال: "اللهم هؤلاء أهل بيتي الذين أذهبت عنهم1 الرجس وطهرتهم تطهيرا "2 ~~فهلا حقق النبي - صلى الله عليه وسلم- فعل أهله، وقال الذين خلقوا في ~~قلوبهم3 التطهير وزدت في طهارتهم أو شهدت لهم بالتطهير، معاذ الله أن يتصور ~~صحة هذا من4 له أدنى فطنة غلا من ختم الله على قلبه، ثم نرجع إلى إبطال ما ~~ذكره5 هذا المخالف من6 التأويل في7 الفتنة والتطهير فنقول له: # لا ننكر أن الفتنة المذكورة في القرآن تنقسم على أقسام، فمنها الغلو في ~~التأويل المظلم كتأويلاتك كلها قال الله تعالى: {فأما الذين في قلوبهم زيغ ~~فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله} 8، والفتنة في كلام9 ~~العرب الابتلاء والاختبار من قولهم: (فتنت الفضة) إذا أدخلتها في النار ~~لتميز بين PageV01P262 # جيدها ورديئها1، والفتنة في قوله تعالى: {إن الذين فتنوا المؤمنين ~~والمؤمنات} 2، أي حرقوهم في الأخدود ms124 الذي ذكر الله في كتابه3، الفتنة بقوله ~~تعالى: {4 أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون} 5، أي ~~يختبرون بالشكر على النعم والصبر على المحن6، والفتنة بقوله تعالى: {ألا في ~~الفتنة سقطوا} 7 أي في الإثم8 ومنه قوله9: {ائذن لي ولا تفتني} 10 أي ~~ببنات11 الأصفر12، قاله استهزاءا، والفتنة الإزالة عن الرأي بقوله تعالى: ~~{وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك} 13 أي ليزيلوك، والفتنة التحريق ~~بقوله تعالى: {يوم هم على النار يفتنون} 14، أي PageV01P263 # يحرفون1، والفتنة الإضلال بقوله تعالى: {ما أنتم عليه بفاتنين} 2، أي ~~بمضلين3 {إلا من هو صال الجحيم} قال الحسن البصري: "إلا من سبق في علمي أنه ~~يصلى الجحيم"4، وزاد هذا المعترض من كيسه: إلا من المعلوم أنه يصير إلى ~~الجحيم وإن كنا نعلم5 أنه لا يصير إليها إلا بسوء اختياره6، وهذا على وفق ~~مذهبه7 لا ينقل عن أحد من المفسرين. PageV01P264 # والفتنة بقوله تعالى: {ومن يرد الله فتنته} 1، فقيل: كفره، وقيل: ~~اختياره، وقيل: عذابه2. فإن كان المراد بها عذابه أو كفره فالحجة لنا ثابتة ~~لأن إرادة الله في الخلق قديمة قبل أن يخلق الله الخلق، وقد كتب ما هو كائن ~~إلى يوم القيامة، قال الله تعالى: {ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء ~~والأرض إن ذلك في كتاب} 3. ويروى في الصحاح أن ابن مسعود قال: حدثنا النبي ~~- صلى الله عليه وسلم- وهو صادق المصدوق "إن أحدكم يجمع خلقه نطفة في بطن ~~أمه أربعين4 يوما ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يرسل الله ~~الملك فينفخ فيه الروح ثم يؤمر بأربع بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي5 أو سعيد، ~~فوالذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها ~~إلا ذراع6 ثم يسبق عليه الكتاب فيختم له بعمل أهل النار فيدخلها وإن أحدكم ~~ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون لينه وبينها إلا ذراع7 ثم يسبق عليه ~~الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها"8. # فإذا تقرر هذا وحملنا هذه الآية ms125 على ما قال المخالف: على العقاب ~~PageV01P265 # والإهلاك يكون كقوله:1 {أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذ من في ~~النار} 2 فنقول له: الحجة ثابتة3 عليك مع هذا لأنه إذا أراد عقابه أو هلاكه ~~فإرادته بذلك قديمة على ما مضى، وعندك أن الله لم يرد عذاب أحد إلا بعد أن ~~عصاه4، والإرادة عندك محدثة5 وهذا كفر؛ لأن ذلك يقتضي إحداث إرادة قبلها ~~لتحدث عنها الإرادة إلى ما لا يتناهى6، والله ليس بمحل للحوادث7. # وأما احتجاجك بقوله تعالى: {أفمن حق عليه كلمة العذاب} 8، فهي حجة عليك ~~لا لك، لأن معنى قوله: {أفمن حق عليه كلمة العذاب} أي: أفمن سبق عليه ~~القول، أو أفمن وجب عليه في علم الله أنه يدخل النار ينجو أو يتخلص فحذف ~~ينجو ويتخلص9 وهي كقوله: {لقد حق القول على PageV01P266 # أكثرهم فهم لا يؤمنون} 1 أي وجب القول بالسخط على أكثرهم فهم لا يؤمنون ~~في علم الله. # وأما قول المخالف: فلا يجوز أن يحمل الآية على الإضلال لأن ذلك قبيح ~~والله تعالى لا يأتي بالقبيح. # فيقال: هذا أصل مذهب القدرية الفاسد الذي بنوا عليه قولهم، وهو أنه لا ~~يجوز من الله إلا ما يجوز2 من المخلوقين من الأفعال فما كان قبيحا من ~~أفعالنا كان كذلك من أفعاله، وهذا خطأ لأن القبيح إنما كان قبيحا منا ~~بمخالفتنا للأمر والنهي، فالشرع هو الذي قبح القبيح وحسن الحسن3، وليس فوق ~~الله سبحانه من يأمره وينهاه فيكون فعله بمخالفة ما أمر به قبيحا يتعالى ~~الله عن ذلك. والقدرية يسمون القبيح قبيحا لقبحه في الفعل والحسن حسنا ~~لحسنه في العقل، وهذا خطأ لأنه لو كان كذلك4 لم يوجد شيء من جنسه إلا وكان ~~قبيحا5 وقد وجدنا الزنا قبل ورود الشرع لا يسمى قبيحا إلا بعد ورود الشرع ~~بتحريمه وتقبيحه، وكذلك تزويج الأمهات والأخوات وذاوت المحارم غير قبيح في ~~العقل وإلا فما الفرق بين العمة وابنتها والخالة وابنتها في العقل، لولا ~~الشرع قبح القبيح وحسن الحسن منه، ويوجد الزنا من المجنون ولا يعد قبيحا ~~منه، ms126 ويقبح شكر المنعم إذا نهاه عنه لمعنى6 قصده ويحسن كفره إذا أمر به ~~لمعنى قصده، فهذا يبطل7 كل ما PageV01P267 # أورده هذا المخالف بكتابه وتسمية خلق الله للمعاصي قبائح وخبائث1. ~~PageV01P268 # ثم قال هذا المخالف: إن الله لا يفعل القبيح لغناه عن فعله ولعلمه بقبحه. # فنقول له: هذا خلف في الكلام، هو1 مستغن عن الحسن والقبيح وهو مستغن عن ~~الدنيا والآخرة وما فيها وقد خلقهما الله، ويلزمك على هذا أن تقول: إنه ~~يخلق2 الأفعال الحسنة لأنه عالم بحسنها3. # وأما الجواب عن قوله: إن التطهير يحمل على الزيادة في التسديد والتوفيق4، ~~فغير صحيح؛ لأنه لا دليل له على أن الزيادة في التوفيق تسمى تطهيرا في ~~اللغة ولا في الشرع، وإنما حمله على وفق مذهبه وهذا تبديل لا تأويل؛ لأن ~~الطهارة في القرآن على وجوه منها: الطهارة عن الجنابة بقوله تعالى: {وإن ~~كنتم جنبا فاطهروا} 5، والطهارة تقع على انقطاع دم الحيض لقوله تعالى: {ولا ~~تقربوهن حتى يطهرن} 6 قرئ بالتخفيف أي حتى ينقطع7 دمهن، وقرئ بالتشديد ~~فيكون المراد به التطهير بالماء8 كقوله فيهن: {فإذا تطهرن} أي بالماء ~~{فأتوهن} . # والطهارة تقع على الطهارة من أنجاس بني آدم من الغائط والبول والحيض ~~PageV01P269 # وهو المراد بقوله تعالى: {فيها1 أزواج مطهرة} 2 والطهارة تقع على الطهارة ~~من الشرك بقوله تعالى: {طهرا بيتي للطائفين والعاكفين} 3، والطهارة تقع على ~~التنزه من الذنوب وهو المراد بقوله تعالى: {وثيابك فطهر} 4 فبعض الناس حمل ~~هذه الآية على طهارتها من الأنجاس، وبعضهم قال5: عبر عن الجسم بالثياب يعني ~~لا تلبس ثيابك على فجور ولا غدر6 قال امرؤ القيس7: # ثياب بني عوف طهارى8 نقية ... وأجههم بيض المسافر9 غران10 # وقال آخر: # لا هم إن عامر بن جهم ... أوذم11 حجا في ثياب دسم12 PageV01P270 # فإذا تقرر هذا كان حمل هذه الآية وهي قوله تعالى: {أولئك الذين لم يرد ~~الله أن يطهر قلوبهم} 1 على تطهيرها من الشرك والذنوب على ما تقرر في هذه ~~الآيات2 أولى. # وأما حمل الآية3 على المعنى الثاني: وأنه أراد بالتطهير الحكم بطهارتها ~~أي ms127 يشهد لها بالطهارة كنحو التزكية وغيرها مما ذكر، فإن هذا تعسف في ~~التأويل، وهل يجد حجة على قوله إلا4 أن التطهير على وزن التعديل والإشراك5 ~~لما خالف ذلك مذهبه، والمذهب تتبع الأدلة لا تتبع المذاهب، وإنما قصده بذلك ~~التمويه على الطغام والعوام ومن لا خبرة له بحقيقة مذهبه، وإن صح في ~~التطهير أنه الحكم بتطهير قلوبهم فإن الحكم هو القضاء بتطهير قلوبهم فيكون ~~حجة لنا أيضا. # وأما قول المخالف: إن الزيادة في الهدي تختص بالمؤمنين الذين اهتدوا ~~بالهدي العام6 كما قال الله تعالى: {والذين اهتدوا زادهم هدى} 7، وقوله: ~~{ويزيد الله الذين اهتدوا هدى} 8 فلا نسلم له أنهم اهتدوا قبل الزيادة ~~بأنفسهم، بل الله الذي هداهم ثم زادهم هدى لقوله9 تعالى: {من يهد الله فهو ~~المهتدي} 10، وقوله تعالى: {إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء} ~~11. PageV01P271 ### | 43- # فصل # ومن الدليل لنا1 قوله تعالى في قصة موسى عليه السلام: {فإنا قد فتنا2 ~~قومك من بعدك وأضلهم السامري} 3، وقوله تعالى: {إن هي إلا فتنتك تضل بها من ~~تشاء وتهدي من تشاء} 4، وقوله تعالى: {وفتناك فتونا} 5. # فأجاب القدري وقال: المراد بقوله: {فتنا قومك من بعدك} شددنا عليهم ~~التكليف بالامتناع عن عبادة العجل وامتحناهم بمخالفة السامري ولم يرد ~~أضللناهم بل قال: {وأضلهم السامري} . # وأما قوله: {وفتناك فتونا} فالمراد به امتحناك بما كلفناك من القيام بأمر ~~النبوة. # والجواب: إن الفتنة أريد بها الاختبار والامتحان والابتلاء في بعض ~~الآيات، فالحجة لنا فيها على القدرية، لأن عندهم أن الله سبحانه لا يفعل ~~بالعباد إلا ما فيه الصلاح لهم6 ولا مصلحة لهم في أن يبتليهم ويمتحنهم بما ~~يشاء ويعرضهم للمخالفة لأمره7 فيعاقبهم على ذلك مع علمه أن كثيرا منهم ~~يخالفه8 في فعل ما نهاه عنه، فلما ثبت ذلك علم أنه يفعل بعباده ما شاء ولا ~~يخرج بذلك عن الحكمة والعدل9. PageV01P272 # وقد روي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه قال: "مر هارون عليه السلام ~~بالسامري وهو يصنع العجل فقال: ما هذا؟ فقال: ينفع ولا يضر، فقال: اللهم ms128 ~~أعطه ما سألك على ما في نفسه فخلق الله فيه الخوار فكان إذا خار سجدوا - ~~والخوار من دعوة هارون - فلما رجع موسى - صلى الله عليه وسلم- قال: يا رب ~~من صنع لهم العجل فقال: صنعه السامري فقال: يا رب فمن خلق فيه الخوار، فقال ~~له الله: أنا، فقال موسى: (يا رب إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشلء وتهدي من ~~تشاء"1. # فأضاف موسى س إلى الله2 الفتنة والإضلال والهداية، وهو أعلم بما يجوز على ~~الله من القدرية. # وروي عن ابن عباس في قوله تعالى: {وفتناك فتونا} قال: "من الفتون إلقاؤه ~~في البحر وهم فرعون بقتله وقتله النفس وخروجه خائفا يترقب"3 وكل هذا لا ~~مصلحة لموسى فيه، فدل على أن الله يفعل بالعباد ما فيه لهم المصلحة وما لا ~~مصلحة لهم فيه4، وكذلك قال الله تعالى: {إنا مرسلو الناقة PageV01P273 # فتنة لهم} 1 قيل بلية لهم ليعلم أيطيعون الله بها أم يعصونه، ومعنى لنعلم ~~PageV01P274 # بالمشاهدة والوقوع الذي تقع به الحجة عليهم، فأي مصلحة لهم في ذلك1. ~~PageV01P275 ### | 44- # فصل # قال المخالف: ولا حجة لهذا المستدل بقوله تعالى: {يضل من يشاء ويهدي من ~~يشاء} 1، فإن الضلال ينقسم إلى معان: منها2 العقاب بدليل قوله تعالى: {إن ~~المجرمين في ضلال وسعر} 3، أي في عذاب، ولهذا قال الله تعالى: {يوم يسحبون ~~في النار على وجوههم ### | … # } 4، والثاني: الهلاك بدليل قوله تعالى: {أإذا ضللنا في الأرض} 5 أي ~~هلكنا، والثالث: إلى إبطال العمل بدليل قوله تعالى: {الذين كفروا وصدوا عن ~~سبيل الله أضل أعمالهم} 6، فيحمل كل ما نسب الإضلال إلى الله على إهلاكهم ~~وعذابهم وعلى إبطاله لأعمالهم7. # فأما الهدى فإنه ينقسم إلى ثلاثة معان: # أحدها: الدلالة والبيان بدليل قوله تعالى: {شهر رمضان الذي أنزل فيه ~~القرآن هدى للناس} 8 أي بيان. # والثاني: زيادة في التوفيق والتسديد بدليل قوله تعالى: {والذين اهتدوا ~~زادهم هدى وآتاهم تقواهم} 9. PageV01P276 # والثالث: الثواب في الجنة1 بدليل قوله تعالى: {سيهديهم ويصلح بالهم} 2. # فأخبر أنه يهديهم بعد القتل، والهداية بعد القتل لا تكون إلا ثوابا، ~~والهدى الذي هو ms129 الثواب والزيادة لا تكون إلا للمؤمنين، والهدى الذي هو ~~الإرشاد عام لجميع المكلفين، وهو المراد بقوله تعالى: {وأما ثمود فهديناهم ~~فاستحبوا العمى على الهدى} 3، فأخبر أنه هدى الكفار وأنهم استحبوا العمى ~~على الهدى، هذا نكتة قوله وعمدته. # والجواب: أنا لا ننكر توارد المعاني المختلفة واشتراكها في اللفظة ~~الواحدة في لغة العرب. # والضلال في لغة العرب: سلوك عن القصد يقال: ضل عن الطريق وأضل الشيء إذا ~~أضاعه4. # وأما إطلاق الضلال في الشرع فأصله من قولهم5: ضل عن أمر الله إذا ضيعه ~~ومنه قوله تعالى: {غير المغضوب عليهم ولا الضالين} 6. ومنه قوله: {وأما إن ~~كان من المكذبين الضالين} 7. # والإضلال في القرآن على وجوه كثيرة لأدلة دلت عليه، فورد والمراد8 به ~~الإغواء في قوله تعالى اخبارا عن إبليس: {لأضلنهم} 9 يعني لأغوينهم عن ~~الهدى فيكروا10، وكذلك في قوله: PageV01P277 # {ولقد أضل منكم جبلا كثيرا} 1 يعني أغواهم2، ومثله {ولقد ضل قبلهم أكثر ~~الأولين} 3 يعني غوى4. # وورد والمراد به الصد بقوله تعالى: {لهمت طائفة منهم أن يضلوك} 5 أي ~~يصدونك6، ومثله {ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله} 7 أي يصدك، وورد ~~والمراد به الخسارة وهو قوله تعالى: {وما كيد الكافرين إلا في ضلال} 8 أي ~~في خسارة9، ومثله قوله: {إني إذا لفي ضلال مبين} 10، يعني في خسارة11 ومثله ~~{إن أبانا لفي ضلال مبين} 12 أي في حبه ليوسف وتقديمه علينا ولم ينسبوه إلى ~~الضلال عن الدين13، وورد في القرآن والمراد به الشقاء والعناء وهو قوله ~~تعالى: {إن أنتم إلا في ضلال كبير} 14 يعني في شقاء وعناء15. # وورد والمراد به الخطأ وهو قوله تعالى: {إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل ~~سبيلا} 16 PageV01P278 # ومثله {وسوف يعلمون1 حين يرون العذاب من أضل سبيلا} 2 يعني أخطأ طريقا3. # وورد4 والمراد به النسيان وهو قوله تعالى: {أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما ~~الأخرى} 5، أي تنس إحداهما6. # وورد والمراد به إبطال العمل وهو قوله تعالى: {الذين كفروا وصدوا عن سبيل ~~الله أضل أعمالهم} 7 أي أبطل أعمالهم8 ومثله ms130 قوله: {فلن يضل أعمالهم} 9 ~~ومثله قوله: {الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا} 10 يعني بطل عملهم11 في ~~الحياة الدنيا. # فإذا تقرر هذا فلا يجوز أن يحمل كل إضلال للعباد ورد في القرآن على غير ~~ضلال عن الدين بغير دليل لا سيما الإضلال المقابل بالهدى كقوله تعالى: {إن ~~الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها فأما الذين آمنوا فيعلمون ~~أنه الحق من ربهم وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلا يضل ~~به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين الذين ينقضون عهد الله من ~~بعد PageV01P279 # ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض} 1. # فلا يجوز أن يحمل الإضلال هاهنا على الإهلاك والعقوبة في الآخرة، بل قد ~~أخبر أنه أراد به الإضلال في الدنيا بالمثل لكثير من اليهود2؛ لأن الله ضرب ~~الأمثال3 والأشباه للخلق وجعلها للقلوب كالمرايا للوجوه، وأمرهم أن يستدلوا ~~بها على ما غاب من أبصارهم، وذلك عام لجميعهم لتثبت الحجة له عليهم وجعل ~~الهداية منه بها خاصة4 للمؤمنين فقال: {يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا} فنسب ~~الإضلال والهداية إليه، وقال في آية أخرى: {وتلك الأمثال نضربها للناس وما ~~يعقلها إلا العالمون} 5 فنسب في هذه الآية عقل الأمثال إليهم لكونهم ~~مكتسبين عقلها، ولما حرم الكفار الاهتداء والعقل في الأمثال المضروبة وخلق ~~فيهم ضده سماه6 إضلالا، ولا يجوز حمل الإضلال هاهنا على إبطاله لأعمالهم ~~لأنه يحتاج إلى إضمار الأعمال، ولا يجوز صرف الكلام عن ظاهره بغير دليل ولا ~~ضرورة، وكذلك الإضلال المذكور في الأعراف بقوله تعالى7: {من يضلل الله فلا ~~هادي له ويذرهم في طغيانهم يعمهون} 8، فلا يجوز حمل الإضلال هاهنا على ~~إبطال العمل ولا على العقوبة في الآخرة لأنه قال في آخر الآية: PageV01P280 # {ويذرهم في طغيانهم يعمهون} ووذره لهم في طغيانهم إنما يكون في الدنيا، ~~ولأنه قال قبل هذا: {والذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم من حيث لا يعلمون ### | … # } 1 إلى قوله: {من يضلل الله فلا هادي له} 2. فذكر أنه يستدرجهم ms131 بالنعم ~~ويملي لهم في الإنظار ثم قال: {أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما ~~خلق الله من شيء} 3 فذمهم على عدم التفكر ثم قال بعده: {من يضلل الله فلا ~~هادي له} أي لو هداهم ووفقهم للنظر في ملكوت السموات والأرض لكان منهم ذلك، ~~والهداية منه والتوفيق إنعام وإفضال، وله ترك الإنعام والإفضال ولا يكون4 ~~ذلك منه جورا ولا بخلا. ويدل على صحة قولنا قوله تعالى: {ولو شاء الله ~~لجعلكم5 أمة واحدة ولكن يضل من يشاء} 6 والمراد بهذه الآية ولو شاء الله ~~لجعلهم أمة واحدة في الإسلام، ولكن يضل من يشاء عن الإسلام فيحرمه التوفيق ~~والتسديد إليه، ويهدي من يشاء أي يوفقه ويسدده إلى الإسلام، فقيد الإضلال ~~والهداية لمن يشاء ولم يقيد بعمل من عامل استحق7 الإضلال أو الهداية بعمله8 ~~وليس كذلك قوله تعالى: {الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم} 9 فإن ~~ذلك إخبار عن قوم بأعيانهم كفروا وصدوا عن سبيله فأضل أعمالهم، ويدل على ما ~~قلناه قوله تعالى: {وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا..} ~~الآيات إلى قوله: {ومن يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد لهم أولياء من ~~دونه ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم} 10. PageV01P281 # وهذا يدل على أن المراد بالضلالة هاهنا الإضلال في الدين لا في إبطال ~~العمل ولا في العقوبة والهلاك؛ لأنه أخبر أنهم قالوا: لن نؤمن لك حتى تفعل ~~لنا كذا وكذا، ثم قال بعده: {وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم1 الهدى إلا ~~أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا} 2 وأمره أن يبين لهم ما المانع3 من أن يبعث ~~ملكا وهو أنهم ليسوا بملائكة فيبعث4 إليهم من جنسهم، ثم أخبر أنه لو هداهم ~~أي وفقهم إلى الإسلام لاهتدوا، ولكنه أضلهم فليس لهم أولياء من دونه، ثم ~~أخبر أنه يحشرهم بعد ذلك فدل على أن الهداية والإضلال في الدنيا لا في ~~الآخرة ويدل على ما ذكرنا قوله تعالى: {من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل ~~فلن تجد له وليا ms132 مرشدا} 5 والمرشد إنما يكون في الدنيا إلى طريق الدين، ولا ~~يكون مرشدا في الآخرة، ويدل على الإضلال في الدين قوله تعالى: {والذين ~~كذبوا بآياتنا} ي عني بالقرآن {صم} لا يسمعون الهدى {وبكم} 6 لا يتكلمون به ~~{في الظلمات} يعني ظلمات الشرك {من يشأ الله يضلله} أي عن الهدى، نزلت في ~~بني عبد الدار بن قصي: {ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم} 7، يعني على طريق ~~مستقيم وهو الإسلام، نزلت في علي بن أبي طالب والعباس وحمزة وجعفر عليهم8 ~~السلام9، فأخبر سبحانه أنه فاضل بين الفريقين، وأنه جعل PageV01P282 # أحدهما على صراط مستقيم وذلك لا يمكن حمله إلا على اختصاصه لهم في الدين ~~فدل انه لم يجعل ذلك لمن أضله،؛ لأنه المفاضلة في الشيئين إنما يكونان من ~~جنس ليكون1 أحدهما ضد الآخر كقوله تعالى: {يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء} 2، ~~وكقوله تعالى: {تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل ~~من تشاء} 3، ويدل على ثبوت الإضلال في الدين بالدنيا قول الله: {أفمن زين ~~له سوء عمله} 4 يقول شبه له سوء عمل0ه {فرآه حسنا} يعني ما زين له الشيطان ~~وحسنه عنده، وقيل: {فرآه حسنا} يعني صدقا فلم يرجع عنه5 كقوله تعالى: {وزين ~~لهم الشيطان أعمالهم} 6، فإن الله يضل من يشاء عن دينه فلا يهديه إلى ~~الإسلام ويهدي من يشاء لدينه، وهذه الآية نزلت في أبي جهل بن هشام7، ويقال ~~في العاص بن وائل السهمي والأسود بن عبد المطلب8 وفيها محذوف لعلم السامع ~~والتقدير: أفمن زين له سوء عمله كمن هداه الله9 يدل عليه قوله تعالى: {فإن ~~الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء} 10 ويدل على ما قلنا قول الله تعالى: {فما ~~لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا أتريدون أن تهدوا من أضل ~~الله ومن PageV01P283 # يضلل الله فلن تجد له سبيلا} 1. وهذه الآية نزلت في تسعة من المنافقين ~~منهم مخرمة بن زيد القرشي هاجروا من مكة إلى المدينة فندموا فرجعوا إلى مكة ~~بغير إذن النبي - صلى ms133 الله عليه وسلم- وكتبوا إلى النبي - صلى الله عليه ~~وسلم- إنا على ما كنا عليه، ولكنا اشتقنا إلى بلادنا وإخواننا وأهلنا، ثم ~~خرجوا تجارا إلى الشام، واستبضعهم أهل مكة بضائع وقالوا: أنتم على دين محمد ~~فلا بأس عليكم من أصحابه، فبلغ أمرهم إلى المسلمين فقال بعضهم: نخرج إليهم ~~فنقاتلهم ونأخذ ما معهم لأنهم تركوا دار الهجرة وصاروا عدوا لنا وقال ~~بعضهم: ما حلت لنا دماؤهم ولا أموالهم، والنبي - صلى الله عليه وسلم- ساكت ~~فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية {فما لكم في المنافقين فئتين} 2 أي ~~تختصمون {والله أركسهم} فردهم إلى الكفر {أتريدون أن تهدوا من أضل الله ومن ~~يضلل الله} عن دينه {فلن تجد له سبيلا ودوا لو تكفرون كما كفروا} 3، وهذا ~~يدل على إضلال الله لهم في الدين بالدنيا؛ لأن المسلمين أرادوا هدايتهم في ~~الدين بالدنيا4 فرد الله ذلك عليهم وأخبر5 الله عنهم أنهم ودوا كفر6 ~~المسلمين وهذا كله في الدين بالدنيا. # وأما قول المخالف بقوله: {إن المجرمين في ضلال وسعر} 7 أنه أراد8 به ~~العقاب في الآخر فغير مسلم، ولم يقل أحد من أهل اللغة ولا من المفسرين أنه ~~أراد بالإضلال هاهنا العقوبة، بل قالوا: إنهم في ضلال بالدين ويقال: في شغل ~~وعناء9، ونزلت في المكذبين في القدر. وروى ابن زرارة PageV01P284 # الأنصاري عن أبيه عن النبي - صلى الله عليه وسلم- {إن المجرمين في ضلال ~~وسعر} فقال - صلى الله عليه وسلم-: "أنزل الله هذه الآية في أناس يكذبون ~~بقدر الله" 1،ولا حجة له بقوله: {يوم يسحبون في النار على وجوههم} ، أن ~~الإضلال هاهنا العذاب، بل نقول: إنه أخبر في الآخرة على ضلالهم بالدين في ~~الدنيا، فيكون بهذا زيادة فائدة غير ما ذكر المخالف، ويدل على إضلال الله ~~بالدين في الدنيا قوله تعالى: {أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على ~~علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا ~~تذكرون وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر} 2 ~~وهذه الآية نزلت ms134 في قوم هووا الأوثان3 فعبدوها4، فأخبر الله أضلهم حرمهم ~~التوفيق والتسديد على ما سبق في علمه أنه يخلقهم ضلالا، وأخبر أنه ختم على ~~سمعهم5 فلا يسمعون الهدى، وعلى قلوبهم فلا يعقلون الهدى، وجعل على أبصارهم ~~غشاوة يعني الغطاء، فمن يهديهم يعني يرشدهم من بعد الله، ثم أخبر عن قولهم ~~في الدنيا {وقالوا6 ما هي إلا حياتنا الدنيا} وهؤلاء دهرية، وقول المخالف: ~~إن الختم على القلوب العلامة في الآخرة تعسف وصرف للقرآن عن ظاهره على وفق ~~مذهبه، وسأبين ذلك إن شاء الله7. ويدل على إضلال الله لهم في الدنيا قوله ~~تعالى: {وجعلوا لله شركاء} PageV01P285 # يعني شبهاء قل لهم يا محمد {سموهم أم تنبئونه بما لا يعلم في الأرض} بأن ~~معه شريكا، {أم بظاهر من القول} يقول بل بأمر1 باطل وكذب {بل زين للذين ~~كفروا مكرهم وصدوا عن السبيل ومن يضلل الله فما له من هاد} 2 يقول: من يضلل ~~الله منهم بحرمانه التسديد فما له من هاد أي3 من مرشد قال: {لهم عذاب في ~~الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أشق} فأخبر سبحانه أن الذين أضلهم يعذبهم في ~~الدنيا4 بالقتل ببدر {ولعذاب الآخرة أشق وما لهم من الله من واق} 5 يقيهم ~~عذابه في الآخرة. # وأما قول المخالف: إن6 الهدى على أضرب، فلسنا ننكر اشتراك المعاني في ~~لفظة الهدى، فقد ذكر الله الهدى في القرآن في مائتين وستة وثلاثين موضعا7، ~~وهو على أوجه8، فمنه ما ورد والمراد به التأييد والتوفيق وهو PageV01P286 # المراد بقوله تعالى: {ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء} 1 أي ليس ~~عليك توفيقهم وتأييدهم، ولكن الله يؤيد ويوفق لذلك من يشاء، فعلقه على من ~~يشاء، فدل على أنه على غير عمل سبق منهم2، ومنه ما ورد والمراد به الدعاء ~~والدلالة وهو المراد بقوله: {وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم} 3 أي لتدعو، ~~ومثله قوله تعالى: {ولكل قوم هاد} 4 أي دليل، ومثله قوله تعالى: {فاهدوهم ~~إلى صراط الجحيم} 5 أي دلوهم، ومثله قوله تعالى: {إن هذا القرآن يهدي للتي ~~هي ms135 أقوم} 6 أي يدل، ومثله قوله تعالى: {إن علينا للهدى} 7 أي الدلالة على ~~الحق وهو كقوله تعالى: {قل8 الله يهدي للحق} 9 أي يدل، ومثله قوله تعالى: ~~{أو أجد على النار هدى} 10 أي دليلا، ومنه ما ورد والمراد به البيان وهو ~~المراد بقوله تعالى: {11 وأما ثمود فهديناهم} 12 أي بينا لهم، ومثله قوله ~~تعالى: {أولم يهد لهم} 13 أي ألم يبين، ومثله قوله تعالى: {هدى للمتقين} 14 ~~أي بيانا لهم ورشدا15 وخص ذكر المتقين: أي إنما ينتفع بالبيان المتقون ~~الذين سبقت لهم من الله الرحمة PageV01P287 # وإن كان الخطاب للجميع وهو كقوله تعالى: {أن أنذر الناس} 1 فعم الناس ~~بالإنذار، وأخبر أنه لا ينتفع بالإنذار إلا البعض، فقال: {إنما تنذر من ~~اتبع الذكر} 2 وكقوله تعالى: {إنما أنت3 منذر من يخشاها} 4 وكقوله تعالى: ~~{وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين} 5 فالدعوة من الله على ألسنة الرسل ~~والبيان والدلالة عامة لجميع الخلق، ولم يجعل الله إلى الرسل إلا ذلك ولا ~~أقدرهم ولا أمرهم إلا بذلك، وأما الهداية الذي هو التأييد والتسديد ~~والتوفيق6 وتنوير القلوب فالله تعالى7 يختص به من يشاء من عباده ولم يجعل ~~إلى الرسل منه شيئا، وهو المراد باختباره تعالى عن نبيه محمد - صلى الله ~~عليه وسلم-: {إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم ~~بالمهتدين} 8، وذلك أن أبا طالب بن عبد المطلب قال عند موته: يا معشر بني ~~هاشم أطيعوا محمدا وصدقوه تصلحوا وترشدوا، فقال له9 النبي - صلى الله عليه ~~وسلم-: يا عم تأمرهم بالنصيحة وتدها لنفسك قال: فما تريد يا ابن أخي، قال: ~~أريد منك كلمة واحدة فإنك10 في آخر يوم من أيام حياتك أن تقول لا إله إلا ~~الله أشهد لك بها عند الله، فقال: يا ابن أخي قد علمت أنك صادق ولكني أكره ~~أن يقال جزع11 عند الموت، ولولا أن يكون عليك وعلى بني أبيك غضاضة ومسبة ~~بعدي لقلتها، ولأقررت عينك عند الفراق لما أرى من شدة وجدك ونصحك، ms136 ولكن سوف ~~أموت على ملة الأشياخ عبد المطلب وهاشم PageV01P288 # وعبد مناف، فأنزل الله {إنك لا تهدي من أحببت} الآية1 يقول: إنك لا تؤيد ~~ولا توفق إلى الإسلام، خصت أبا طالب وعمت، ولكن الله يوفق ويؤيد إلى ~~الإسلام من يشاء، خصت2 العباس3 وعمت غيره {وهو أعلم بالمهتدين} من قدر له ~~الهدى، ولا يجوز أن يراد بهدى النبي - صلى الله عليه وسلم- هاهنا الدعوة ~~ولا الدلالة، لأنه قد دعى الجميع وبين الله للجميع، ولا يجوز أن يراد ~~بهداية النبي - صلى الله عليه وسلم- هاهنا ثواب الجنة الذي قال المخالف؛ ~~لأن أحدا من أهل اللغة والتفسير لم يذكر أن الهدى يراد به4 الثواب وإنما ~~ذلك تعسف في التأويل. # وأما قول الله تعالى: {سيهديهم ويصلح بالهم} 5 فقيل سيهديهم للعمل الصالح ~~في الدنيا وصلح بالهم في الدنيا6، وأما استدلاله على7 ذلك بقوله تعالى: ~~{والذين قتلوا في سبيل الله} ، فقد قرئ (قاتلوا في سبيل الله) فإن تعلقت8 ~~بقراءة (قتلوا) تعلقنا بقراءة (قاتلوا) 9. PageV01P289 # وقيل: سيهديهم في القبور إلى القول بالحق الذي قال الله تعالى: {يثبت ~~الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله ~~الظالمين ويفعل الله ما يشاء} 1 وهو عند مسألة الملكين له في قبره2 الذي ~~وردت به الأخبار في الصحاح مما ينكره القدرية3. # وأما قوله تعالى: {ويدخلهم الجنة} فلا دليل له أن الهداية في الجنة هو ~~الثواب، بل إدخاله الجنة لهم هو لثواب هدايته لهم في الدنيا إلى الأعمال ~~الصالحة. # وأما قول المخالف في قوله تعالى: {وأما ثمود فهديناهم} أي أراد هدايتهم ~~العامة وهي التأييد والإسلام فاستحبوا العمى على الهدى قد يراد به البيان ~~والدعوة4، وهذا هو الهدى الذي عم الخلق به، فكيف يصح لك أيها المخالف أن ~~تحمل الآية على موضع النزاع والخلاف، ويدل على بطلان قولك، قوله تعالى: {من ~~يهد الله فهو المهتدي} 5 فأخبر أن من يهديه الله فهو المهتدي، ولا يجوز أن ~~يراد هاهنا من يدخل الله الجنة أو من يثيبه فهو المهتدي أي فهو الداخل6، ~~هذا ما ms137 لا يقبله عقل عاقل. # وأما قوله: {فاستحبوا العمى على الهدى} فنقول: لا ننكر أنه نسب استحباب ~~العمى إليهم لكونه مكتسبا لهم ولذلك أخبر أنه عاقبهم بكسبهم PageV01P290 # لذلك بقوله: {فأخذتهم صاعقة العذاب الهون بما كانوا يكسبون} . فأخبر الله ~~انه عاقبهم على كسبهم لذلك لا على خلق ذلك فيهم، وكذلك الجزاء في آي كثيرة ~~إنما ذكره الله على الكسب ولأن استحسانهم كان بمشيئتهم لذلك ومشيئتهم ~~متعلقة بمشيئة الله، قال الله تعالى: {وما تشاءون إلا أن يشاء الله إن الله ~~كان عليما حكيما} 1، وقوله تعالى: {وما يذكرون2 إلا أن يشاء الله هو أهل ~~التقوى وأهل المغفرة} 3. # وأما قول المحالف في الهدى إنه الزيادة في الهدى4، وكذلك قوله في التطهير ~~فيما مضى5 فيقال له: إذا وافقت أن الله تعالى يخلق الزيادة في التوفيق6 ~~والتأييد في قلوب المهتدين والمؤمنين الذين خلقوا الإيمان والهدى في قلوبهم ~~أولا، فقد وافقت على أنه خلق7 شيئا من أفعال عباده زيادة فيما8 خلقوه أولا ~~في نفوسهم، ويكون ذلك ثوابا لهم وجزاء على ما خلقوه بأنفسهم، فلا يمتنع أن ~~يبتدئهم ويخلق التوفيق والتسديد والتأييد لهم إلى الإسلام والإيمان قبل أن ~~يخلقوه في أنفسهم، ويكون متفضلا منعما عليهم ولا يكون ذلك مستحيلا منه، ولا ~~يستحيل خلق ضده في قلوب آخرين فلا يكون ذلك جورا وظلما لهم، ولا يكون قبيحا ~~منه، كما أخبر في إعطائه وتفضله عليهم في الدنيا لمن يشاء ومنع ذلك عمن ~~يشاء بقوله تعالى: {قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ~~ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير} 9 فقد ~~أخبر أنه PageV01P291 # آتى الملك من شاء أليس ذلك يعد تفضلا منه عليهم؟ ونزعه ممن يشاء منهم هل ~~يعد أنه ظلمهم أم يقال منعهم1 ما لا يستحقونه عليه؟ وأعز من شاء بفضله وأذل ~~من شاء بعدله بيده الخير، أي2 خير أفضل وأكثر من الأعمال التي ينال بها ~~الخير الدائم في الآخرة، وأي عز اعز من العز الدائم في الجنة، وأي ms138 ذل أعظم ~~من الذل الدائم في النار. # ويدل على إضلال الله لهم في الدنيا عن الدين قوله تعالى: {ولا تطع من ~~أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا} 3 الآية. # وسبب نزول هذه الآية أن عيينة بن حصن الفزاري دخل على رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم- ذات يوم وهو جالس على البساط ومعه سلمان الفارسي وليس عنده ~~غيره وبيد سلمان خوص يشقه وعليه شملة وهو4 يوم حار، فجعل عيينة يشير إلى ~~سلمان أن5 تنحى عن البساط، وجعل سلمان يتنحى وعيينة ينحيه حتى أرحله6 عن ~~البساط ثم قال عيينة: يا محمد لو كنت إذا دخل عليك رؤساء قومك وأشرافهم ~~نحيت مثل هذا وأرابه كان أسرع لهم7 فيما تحب، أما يؤذيك ريحه لقد آذاني ~~ريحه، إن نسلم يسلم الناس بعدنا، والله ما يمنعنا من الدخول عليك ولا ~~اتباعك إلا هذا وأضرابه فأنزل الله تعالى: {واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم ~~بالغداة والعشي} 8 إلى قوله: {ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا} 9 فأخبر ~~الله تعالى أنه أغفل قلبه عن ذكره وهو PageV01P292 # القرآن، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم- "الحمد لله الذي جعل في أمتي ~~من أمرت أن أصبر نفسي معه " وكان النبي - صلى الله عليه وسلم- إذا رآهم ~~قال: "مرحبا بمن عاتبني ربي فيهم "1 وهو سلمان الفارسي وصهيب بن سنان وعمار ~~بن ياسر وخباب بن الأرت وعامر بن فهيرة وبلال ونحوهم من فقراء المسلمين، ~~ويدل على صحة ما ذهبنا إليه قوله تعالى: {واعلموا أن الله يحول بين المرء ~~وقلبه} 2، قال أهل التفسير: يحول بين المؤمن والكفر وبين الكافر والإيمان ~~قاله سعيد بن جبير3، وعن الضحاك4: يحول بين المؤمن والمعصية وبين الكافر ~~والطاعة5. PageV01P293 ### | 45- # فصل # ومن الأدلة المذكورة لنا في الرسالة1 قوله تعالى: {ولو شاء ربك لآمن من ~~في الأرض كلهم جميعا} 2، ومثله قوله تعالى: {ولو شاء لهداكم أجمعين} 3 ~~ومثله قوله تعالى: {ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها} 4، ومثله قوله تعالى: ~~{ولو شاء ربك5 ما فعلوه} 6، {ولو شاء الله ما اقتتلوا} ms139 7. # وعند القدرية: إن الله شاء إيمان جميع من في الأرض، وآتى كل نفس هداها ~~وشاء هداهم ولم يشأ شركهم ولا8 اقتتالهم، وهذا تكذيب لما أخبر الله عنه ~~بكتابه. # فأجاب القدري عن ذلك كله وقال: المشيئة تنقسم إلى معنيين: مشيئة تمكين ~~واختيار ومشيئة قهر وإجبار، فالله قد شاء الطاعات والإيمان من المكلفين ~~باختيارهم9 وعلى ذلك تحمل الآيات المقتضية أنه أراد منهم الصلاح، وأما ~~مشيئة القهر والإجبار، وهو أن يخلق فيهم الطاعة جبرا ويشاء ذلك منهم جبرا، ~~فلم يشأ ذلك منهم، ولو شاء ذلك منهم لوقع لا محالة، ولكن تبطل فائدة ~~التكليف وعليه نحمل قوله تعالى: {ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا} ~~وما أشبهها من الآيات10. PageV01P294 # والجواب أن يقال له: قد تقدم القول منك أن الله ليس له مشيئة وهي ~~الإرادة1، فكيف تقول: إنها تنقسم إلى معنيين؟ فإما أن ترجع إلى مذهبك ~~الفاسد وتقول: ليس لله مشيئة، فيفسد عليك التأويل في مشيئة الاختيار أو ~~القهر، وإما أن ترجع إلى مذهب أهل التوحيد أن لله مشيئة شاء بها ~~PageV01P295 # الاختيار من العباد أو القهر والإجبار فيكون الاختيار في الفعل راجعا إلى ~~صفات العباد في أفعالهم1، وأما القهر والإجبار فلا يتصف به إلا فعل الله ~~لأنه هو القاهر2 والمجبر، والخلق مقهورون مجبورون3.وأما المشيئة التي ~~PageV01P296 # الإرادة فلا تتصف بذلك1. # ثم يقال لهذا المخالف: لسنا ننكر أن الله سبحانه لو شاء أن يجبر العباد ~~على أفعال الطاعات والإيمان ويضطرهم إلى ذلك لكان قادرا عليه لأنه لا يعجزه ~~شيء أراده. # وقد أخبر سبحانه عن ذلك بقوله تعالى: {إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية ~~فظلت أعناقهم لها خاضعين} 2، ونقول مع ذلك: إن الله سبحانه لو شاء أن يؤمن ~~جميع أهل الأرض باختيار منهم بأن يحبب إليهم الإيمان ويزينه في قلوبهم ~~فيطيعوه ويخلق فيهم الرغبة إلى ثوابه، ويكره إليهم الكفر3 والعصيان ويخلق ~~في قلوبهم الرهبة والخوف من4 عذابه لكان قادرا على PageV01P297 # ذلك ولا يسمى ذلك إجبارا أو قهرا، وقد أخبر1 عن تفضله بذلك على المؤمنين ~~فقال: ms140 {ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر ~~والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون فضلا من الله ونعمة} 2، وقال في آية ~~أخرى: {أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من ~~تحتها الأنهار} 3. فهذا ما أخبر عن لطفه بالمؤمنين وتنوير قلوبهم وتأييدهم ~~بالإيمان مع ما أخبر الله عن فعله ضد ذلك بقلوب الكفار والمنافقين4 كقوله: ~~{فأعقبهم نفاقا في قلوبهم} 5، قوله6 تعالى: {ختم الله على قلوبهم} 7، وقوله ~~في آي كثيرة {طبع الله على قلوبهم} 8. # وسأبين فساد تأويله في الختم والطبع في موضعه إن شاء الله9. # ويقال في تقريب هذا الدليل للقدري: هل يقدر الله على فعل يفعله بالعبد ~~يختار العبد لأجله الإيمان على الكفر والطاعة على المعصية؟ فإن قالوا: نعم ~~يقدر على ذلك، رجعوا إلى قولنا وقول جماعة الموحدين ما شاء الله كان10 ~~وفارقوا قولهم الفاسد، وإن قالوا: لا يقدر، قلنا: فأنتم PageV01P298 # محجوجون بقوله تعالى: {والله على كل شيء قدير} 1، وبقوله تعالى: {ولو بسط ~~الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض} 2، فأخبر سبحانه أنه لو بسط الرزق ~~للعباد لبغوا في الأرض وخالفتم قول جماعة المسلمين: ما شاء الله كان وما لم ~~يشأ لم يكن3. # ويقال للقدري: إذا كانت المشيئة عندكم تنقسم إلى مشيئة الاختيار ومشيئة ~~القهر والإجبار، وقلتم: إن الله قد شاء من جميع العباد الإيمان مشيئة ~~الاختيار منهم ولم يشأ منهم الإيمان مشيئة القهر والإجبار، ولذلك لم يكن ~~خبر الله بخلاف مخبره بقوله: {ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا} 4، ~~فما يقولون لو أجبرهم على الإيمان وشاء ذلك منهم مشيئة الإجبار؟ 5 أيكون ~~خبر الله في هذه الآية بخلاف6 مخبره، قيل لهم: فما يؤمنكم من قائل يقول إنه ~~لا يصير كذلك ويقول أراده مشيئة الاختيار لا مشيئة الإجبار7، فإن قلتم: لا ~~يقبل منه هذا التأويل لأن المشيئة عامة في المعنيين، قلنا لهم: ونحن لا ~~نقبل منكم هذا التأويل لأن المشيئة عامة في المعنيين8، ولهذا قال رجل ~~لامرأته: أنت طالق ثلاثا إن شئت من عبدك ms141 أن يدخل PageV01P299 # الدار1، فقالت لعبدها: شئت أن تدخل الدار ولا أجبرك عليه، فإنها تطلق ~~بإجماع الفقهاء، ولو أجبرته حتى دخل الدار وحملته بغير اختياره فدخلت به ~~الدار كان في وقوع الطلاق خلاف بين العلماء2، فدل على أن إطلاق المشيئة ~~إنما يصرف إلى إرادة المأمور باختياره وأن إجباره على الفعل لا تنصرف إليه ~~المشيئة. PageV01P300 ### | 46- # فصل # استدل القدري المخالف على أن الله سبحانه أراد من أفعال العباد الخير، ~~ولم يرد منهم ما وقع منهم من شر ومعصية1 بقوله تعالى: {يريد الله بكم اليسر ~~ولا يريد بكم العسر} 2 قال: واليسر: اسم جنس يدخل تحته كلما يسمى يسرا، ولا ~~شك أن النفع يسر والطاعات من ذلك، والعسر: اسم جنس يستغرق كل عسر ولا شك أن ~~العسر هو الضرر وأعظم المضار النار وما يؤدي إليها، هذا نكتة قوله. # والجواب: أن يقال لهذا المستدل: قد رددت التنزيل وأخطأت التأويل، وأما ~~ردك للتنزيل فإنك زعمت أن هذا القول ليس بقول الله حقيقة، فإن لم يكن قوله ~~حقيقة، وإنما هو حقيقة قولك وخلقك فلا دليل لك فيه ولا تأويل. # وإن قلت: إنه قول الله حقيقة أجبناك عن تأويلك هذا، وقلنا: الذي دعاك إلى ~~هذا الذي ذكرت جهلك بلغة العرب وبتفسير القرآن، أما لغة العرب فإن أحدا من ~~أهل اللغة ما ذكر أن اليسر: اسم لما ينفع من أعمال الطاعات ولا العسر اسم ~~لما يضر من أفعال المعاصي، وإنما قالوا اليسر: اسم للغنى والرخاء والسعة3. ~~والعسر: اسم للفقر والشدة والضيق4 قال الله تعالى: {فإن مع العسر يسرا إن ~~مع العسر يسرا} 5. # وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال لأصحابه: "ابشروا لن يغلب عسر ~~يسرين ويسران PageV01P301 # يغلبان عسرا" 1، وقال ابن مسعود: "لو أن العسر في حجر لتبعه اليسر حتى ~~يستخرجه لن يغلب عسر يسرين"2. # وتفسير ذلك أن العرب إذا ذكرت نكرة ثم أعادتها منكرة فهي غيرها، وإذا ~~ذكرت نكرة ثم أعادت ذكرها بالألف واللام فهي الأولة بعينها، تقول: إذا كسبت ~~درهما فأنفق درهما، فالثاني غير الأول، ولو قال: إذا ms142 كسبت درهما فأنفق ~~الدرهم، فالثاني هو الأول، فلما ذكر الله العسر معرفا بالألف واللام ثم ~~أعاد ذكره معرفا بالألف واللام علم أن الثاني هو الأول، ولما ذكر اليسر ~~بغير ألف ولام ثم أعاد ذكره أيضا علم أن اليسر الثاني غير الأول، فلذلك ~~قيل: "لن يغلب عسر يسرين" فهذا المذكور في لغة العرب، وأما اليسر والعسر ~~المذكوران في الآية التي احتج بها فأراد باليسر السعة في الرخصة بترك الصوم ~~للمسافر والمريض لقوله تعالى: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو ~~على سفر فعدة من أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد PageV01P302 # بكم العسر} 1حين رخص للمسافر في ترك الصوم {ولا يريد بكم العسر} حين لم ~~يجعل الصوم عليهما متحتما وهذا كقوله تعالى: {وما جعل عليكم في الدين من ~~حرج} 2 أي ضيق3 فبطل تعلق المخالف بهذه الآية. PageV01P303 ### | 47- # فصل # ومن الأدلة المذكورة لنا في الرسالة قوله تعالى: {ولو أننا نزلنا إليهم ~~الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن ~~يشاء الله} 1، ومعنى {نزلنا إليهم2 الملائكة} كما سألوا في الفرقان {لولا ~~أنزل علينا الملائكة} 3 ومعنى {وكلمهم الموتى} لأن كفار قريش قالوا: يا ~~محمد ابعث لنا موتانا فنسألهم عما تحدثنا به أنه يكون بعد الموت4، ومعنى ~~{وحشرنا عليهم كل شيء قبلا} يعني عيانا5 ويقال (قبلا) 6 يريد جماع القبيل7، ~~أي ضروب العذاب8 {ما كانوا ليؤمنوا} يعني ليصدقوا PageV01P304 # {إلا أن يشاء الله} لهم الإيمان فدل على أن الله لم يشأ لهم الإيمان. # فأجاب هذا القدري المخالف وقال: المراد بالمشيئة هاهنا مشيئة الإجبار ~~والقهر ولم يرد مشيئة الاختيار1؛ لأنه لو أراد ذلك لما كان عليهم لوم ولا ~~توبيخ. # والجواب: ما قدمناه أن لله تعالى مشيئة2، والاختيار والإجبار يرجعان إلى ~~صفة العبد لا إلى مشيئة الله، وخبر الله لا يقع بخلاف مخبره، وإذا ثبت أنه ~~أراد من الكافر الذي لم يؤمن الإيمان ومن العاصي الطاعة مشيئة الاختيار وقع ~~خبر الله بخلاف مخبره؛ لأنه يقع عليها اسم المشيئة3 وكان ms143 ذلك مخالفا لقول ~~جميع أهل التوحيد (ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن) وأيضا فلو كان عند ~~رجل لآخر4 دين حال وهو موسر به فطالب من له الدين بدينه اليوم فقال من عليه ~~الدين: امرأته طالق ثلاثا أو حلف بالله ليقضيه حقه هذا اليوم إن شاء الله، ~~فمضى اليوم ولم يقضه، فإن جميع الفقهاء قالوا: لا يحنث بيمينه في الطلاق ~~ولا بالله تعالى، وقضاء الدين الحال واجب، وعلى مذهب القدرية أن الله تعالى ~~لا يوصف بأنه لا يشاء قضاءه لأن تأخير القضاء5 معصية6، ولو كان الأمر كما ~~ذكروه لحكم عليه PageV01P305 # بالطلاق وبالكفارة باليمين بالله، وهذا لم يقله أحد من أهل العلم، بل ~~قالوا جميعا: لا يحكم عليه بالطلاق ولا بالكفارة، لما روي أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم- قال: "من حلف يمينا وقال إن شاء الله كانت له ثنياه"1. # ولأن مشيئة الله سبحانه لا تعلم، فإذا وجد القضاء علمنا أن الله شاء ~~القضاء، وإذا لم يوجد القضاء علمنا أن الله لم يشأ القضاء إذ لو شاءه لو قع ~~لأن ما شاءه كان وما لم يشأه لم يكن. # وأما قول المخالف: إذا قلتم: إن الله سبحانه لم يشأ ممن لم يؤمن الإيمان ~~فلا لوم عليهم ولا توبيخ، غير صحيح لأن الذم والتوبيخ والعقاب على مخالفة ~~المأمور للأمر، والأمر لا تعلق له بالمشيئة، لأن الأمر يعلمه بمجرد القول ~~لمن هو دونه (افعل) 2 ومشيئة الله لوقوع الفعل المأمور به لا تعلم إلا في ~~ثاني الحال، فإن وفق الله العبد المأمور ولطف به وأعانه على فعل ما أمر ~~PageV01P306 # به1 وفعله علمنا أن الله شاء منه وقوع ما أمر به فهو المحمود على فعل ما ~~أمر به، ونعلم أنه أراد إثباته، وإن لم ينعم عليه ويتفضل بالإعانة على فعله ~~ولم يفعله علمنا أنه لم يشأ منه فعل ما أمر به، وعلمنا أنه أراد عقابه ~~وعليه يدل قوله تعالى: {ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ~~ونذرهم في طغيانهم يعمهون} 2. # وكذلك قوله ms144 تعالى: {ويمدهم في طغيانهم يعمهون} 3. PageV01P307 ### | 48- # فصل # ومن الأدلة المذكورة قوله تعالى: {فعال لما يريد} 1 في آي كثيرة، وقوله ~~تعالى: {إن الله يفعل ما يريد} 2 وهذا عام فيما أورده من فعل نفسه وفعل ~~عباده، ولولم يتم ما يريد من ذلك لحقه الوصف بالعجز ويتعالى عن ذلك علوا ~~كبيرا. # فأجاب القدري المخالف وقال: لا حجة لهذا المستدل لأن أفعال العباد غير ~~مخلوقة لله فتخرج بجريانه3 عن عموم قوله تعالى: {فعال لما يريد} وإنما ~~العباد هم الخالقون لأفعالهم والعجز يلحقه إذا لم يتم ما أراد4 من فعل ~~نفسه، فأما إذا لم يتم ما أراد5 من فعل غيره فلا يلحقه بذلك الوصف بالعجز، ~~لأنه لم يرد مغالبتهم بل أراد فعلهم للطاعة باختيارهم وأمهل من عصى منهم ~~إلى اليوم الموعود، فإقدامهم على ما لم يرد لا يدل على عجزه، كما أن السيد ~~إذا قال لعبده: أعمر هذه الدار في هذا الشهر، فإن فعلت ذلك أعتقتك، وإن لم ~~تفعل ذلك عاقبتك بعد الشهر، فإذا لم يفعل العبد ما أمره به السيد لم يدل ~~ذلك على عجز السيد عن الانتقام منه بل يدل على حلمه، وعلى هذا6 المعنى نبه ~~قوله تعالى7: {وربك الغفور ذو الرحمة لو يؤاخذهم بما كسبوا لعجل لهم ~~العذاب} 8 الآية. # والجواب عما أورده في ثلاثة فصول: PageV01P308 # أحدها: قوله: لا خلق لله ولا فعل له في أفعال العباد، فنقول له: هذا غير ~~مسلم بل أفعال العباد صفات لهم وأعراض فيهم، والله خالق للعباد ولصفاتهم ~~وأعراضهم كما خلق ألوانهم وتركيبهم بدليل قوله تعالى: {خالق كل شيء} 1 ~~{والله خلقكم وما تعملون} 2 وقد مضى بيان ذلك وإبطال تأويل المخالف فيه3. # الفصل الثاني: قوله: إن العجز إنما يلحقه إذا لم يتم فعل نفسه ولا يلحقه ~~إذا لم يتم فعل غيره، فنقول: هذا غير صحيح؛ لأنه ذكر ذلك على سبيل المدح ~~لنفسه وأخبر بذلك عباده فلا يخرج شيء من إرادته عن امتداحه بتمامها4 ولا ~~يقع خبره بخلاف مخبره كما لا يخرج عن علمه بقوله: {والله ms145 بكل شيء عليم} . ~~وأما قوله: إنما يلحقه العجز إذا لم تتم إرادته من أفعالهم إذا أراد ~~مغالبتهم، فأما ما5 إذا لم يرد مغالبتهم لم يلحقه عجز، فغير صحيح، ولو كان ~~ذلك دليلا على ما ذكرت لجاز أن يخرج شيء من الخلق أو من أفعالهم عن ملكه ~~إذا لم يرد مغالبتهم، فلما لم يخرج شيء من الأشياء عن ملكه وسلطانه لم يجز ~~أن يقع شيء في ملكه وسلطانه مما لا يريد وقوعه؛ لأن ذلك يلحقه الوصف ~~بالعجز. ألا ترى أن الملك من العباد لأجل6 محله يلحقه النقص إذا وقع في ~~ملكه وسلطانه شيء من الأمور بغير تدبيره وإرادته، فكيف مالك السموات ~~والأرض7 وما فيهن؟!. PageV01P309 # وأما الجواب عن الفصل الثالث: وهو ما أورده من إمهاله لهم وضرب المثل ~~بالعبد، فيقال له: هذا لا يعود إلى ما نحن فيه من وصفه بالعجز إذا لم تتم ~~إرادته، وإنما يلحقه ذلك لو أراد أن يعاقبهم في الدنيا ولم يتم ما يريد من ~~العقوبة، ونحن لا نقول بذلك، بل نقول: لم يرد منهم1 ما لم يقع منهم من ~~الإيمان والطاعة2 ولم يرد عقوبتهم على ذلك في الدنيا، بل أراد تأخير ~~عقوبتهم إلى اليوم الموعود فبطل تعلقه3 بما ذكرناه. PageV01P310 ### | 49- # فصل # استدل القدري المخالف بقوله تعالى: {وما الله يريد ظلما للعباد} 1، ~~وبقوله تعالى: {وما الله يريد ظلما للعالمين} 2. # وهذا يقتضي نفي إرادته لكل ظلم منه أو من غيره لأنه أدخل حرف النفي وهو ~~(ما) على نكرة فاقتضى3 استغراق الجنس كقول القائل (ما في الدار رجل) ، فإنه ~~يقتضي نفي كل من يقع عليه اسم رجل. هذا نكتة قوله ومعتمده4. # والجواب: أن هذا ليس بصريح5 في نقي فعل الظلم من العباد؛ لأنه لو أراد ~~ذلك لقال: (وما الله يريد ظلما من العباد) ، وإنما هو صريح6 في نفي عذاب ~~الله لهم ظلما بغير ذنب كان منهم، وسياق الآية يدل على ذلك وهو قوله تعالى: ~~{وقال الذي آمن يا قوم إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب مثل دأب قوم نوح ~~وعاد وثمود ms146 والذين من بعدهم وما الله يريد ظلما للعباد} ومعنى ذلك مثل ~~أشباه عذاب7 هذه الأمم {وما الله يريد ظلما للعباد} فيعذب على غير ذنب، ~~ويجوز أن يحمل ما الله يريد ظلما لهم من أعمالهم مثل قوله تعالى: {إن الله ~~لا يظلم مثقال ذرة} 8، وقوله تعالى: PageV01P311 # {إن الله لا يظلم الناس شيئا} 12 وحمل الآية على أنه لم يرد وقوع الظلم ~~منهم صرف للكلام عن ظاهره بغير دليل. # والدليل على صحة هذا التأويل أنك تقول: علمت الظلم من زيد ورأيت الظلم من ~~زيد إذا علمته أو رأيته يظلم غيره بنفسه، ولا تقول: علمت الظلم لزيد ولا ~~رأيته لزيد3 إلا إذا رأيت أو علمت4 من غيره له. # ويقال للخصم: إذا ادعيتم العموم بقوله تعالى: {وما الله يريد ظلما ~~للعباد} قابلك خصمك بالعموم بقوله تعالى: {إن الله يفعل ما يريد} 5 وبقوله: ~~{فعال لما يريد} 6، فلو أراد ممن لا يؤمن الإيمان أو من العاصي الطاعة لكان ~~يعاضده7 أن الكافر والعاصي أراد المهصية وإرادتهم متعلقة بإرادة الله تعالى ~~بدليل قوله تعالى: {وما تشاءون إلا أن يشاء الله} 8، والقرآن لا يتناقض بل ~~يعاضد بعضه بعضا9، قال الله تعالى: {ولو كان من عند غير الله PageV01P312 # لوجدوا فيه اختلافا كثيرا} 1. والقدرية يسقطون أكثر الآي بعقولهم الفاسدة ~~وهو قوله تعالى: {إن الله يفعل ما يريد} وقوله: {يضل من يشاء ويهدي من ~~يشاء} 2، وقوله: {وما تشاءون إلا أن يشاء الله} ، وأهل السنة يأخذون ~~بالجميع ويقدمون الكتاب والسنة على أدلة العقل. PageV01P313 ### | 50- # فصل # استدل المخالف القدري على أن أفعال المعصية مكروهة عند الله بقوله تعالى: ~~{ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق} {ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة} {ولا ~~تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق} ثم قال بعد ذلك {كل ذلك كان سيئه ~~عند ربك مكروها} 1، وإذا كان مكروها عند الله فكيف يريده لأنه يستحيل أن ~~يكون مريدا للشيء كارها له. # والجواب: أن ما2 يستحيل ويتنافض أن لو قلنا إنه أمر به وأوجبه أو استحب ~~وقوعه3، وكرهه وأما إذا قلنا بل نهى ms147 عنه وحرمه وجعله سيئه ومكروها في حق ~~المنهي عنه وأراد4 مع النهي عنه فلا يتناقض ولا يستحيل، كما أنه أراد خلق ~~الكفار وإبليس وعلم أنهم يخالفون أمره فهو5 يبغضهم ولا يحبهم، فإذا لم ~~يستحل إرادته لخلقه لهم مع بغضه لهم لم يستحل إرادته لأفعالهم مع كراهيته ~~لها. PageV01P314 ### | 51- # فصل # استدل القدري بقوله تعالى: {والله لا يحب الفساد} 1، والمحبة والإرادة ~~واحدة لأنه لا يجوز نفي أحدهما وإثبات الأخرى2، فلا يجوز أن يقول قائل: ~~أريد أن تأكل طعامي وما أحب أن تأكله، ولا أن يقول: أحب أن تأكل طعامي وما ~~أريد أن تأكله، ولو قال ذلك لعد متناقصا وصار بمنزلة من قال: أريد أن تأكل ~~طعامي وما أريد أن تأكله. # والجواب: أنا لا نسلم له أن المحبة هي الإرادة بدليل قوله تعالى: {فإن3 ~~الله لا يحب الكافرين} 4، ومعلوم أنه أراد وجودهم وخلقهم، وإنما معنى أنه ~~لا يحبهم أي لا يرضى عملهم أو لا يغفر لهم5، فيكون معنى قوله: {والله لا ~~يحب الفساد} أي لا يرضاه ربنا كقوله: {ولا يرضى لعباده الكفر} 6 أي لا ~~يرضاه لهم دينا وإن أراد وقوعه منهم. # وأما قول هذا القائل: لا يجوز أن يقول: أريد أن تأكل طعامي وما أحب أن ~~تأكله، فغير صحيح، فإن الإنسان قد يريد أكل طعام يبغضه7، ولا يحبه لعلة لا ~~يقفها أكله8. PageV01P315 # ذلك الطعام لقول1 الطبيب الحاذق، ولا يحب أكله لمرارته أو معنى فيه، ~~فكلما مضغه رجع من حلقه فيقول: أريد أكله ولا أحب أكله بل أبغضه. ويتصور2 ~~مثل ذلك فيمن عنده طعام يحتاج إليه لنفسه فيقول له: السلطان أو القاهر له ~~إما أن أقتل ولدك أو تطعم هذا الطعام، فيرى أن بذله للطعام أهون من قتل ~~ولده، فتوجد منه الإرادة لأكل القاهر له الطعام لسلامة ولده مع محبته ألا ~~يأكله لحاجته إلى طعامه، فثبت أن الإرادة غير المحبة وقد تقع الآكل3 في ~~أنملة إنسان ويقال له لا ينفعك إلا قطعها فيقول للطبيب: أقطعها، فقد أراد ~~قطعها ولا يحبه ويكرهه فدل ذلك على ms148 بطلان ما أورده4. PageV01P316 ### | المجلد الثاني ### | تابع: النص المحقق # ... ### | 52- # فصل # ومن الدليل لنا أن الله سبحانه أمر بما أمر لما يرد وقوعه: وهو1 أن الله ~~أمر نبيه إبراهيم بذبح ولده2 بدليل قوله إخبارا عن ولده إبراهيم لأبيه3: ~~{افعل ما تؤمر} ؛ لأنه أمره به في المنام ثلاث ليال4، ولم يرد منه الذبح، ~~إذ لو أراد منه الذبح لوقع عندنا5 ولما نهاه عنه عند6 القدرية؛ لأنه لا ~~يجوز أن ينهاه عن الحسن عندهم7. # فأجاب المخالف القدري عن ذلك وقال: لا يأمر الله إلا بما يريد وقوعه، ~~وأما إبراهيم قد اختلف فيما أمر به. # فمنهم من قال: إنما أمره الله بمقدمات الذبح ولم يأمره بنفس الذبح، بل ~~PageV02P317 # صار إبراهيم مستشعرا لورود الأمر بالذبح ولذلك قال الله: قد صدقت الرؤيا. # ومنهم من قال: إنما أمره بالذبح وأن إبراهيم - رضي الله عنه - كان كلما ~~فرى المذبح من جانب التحم ما فراه فعلى كلا الأمرين، فقد1 فعل إبراهيم ما ~~أمر به2. # والجواب: عن القول الأول من أوجه: # أحدها: أنه خلاف القرآن؛ لأن الله أخبر عنه أنه قال: {إني أرى في المنام ~~أني أذبحك} 3، وروي أن الله لما بشره بإسحاق قال هو إذا لله ذبيحا4، ~~PageV02P318 # فلما بلغ معه السعي قال: وقت العمل، وقيل: المشي1 إلى الجبل، رأى في ~~المنام ثلاث ليال متتابعات أنه يذبحه، فلما دخل معه الشعب قال: يا أبت2 أين ~~قربانك الذي تتقرب به إلى الله، قال: يا بني أنت قرباني إني رأيت في المنام ~~أني أذبحك فانظر ماذا ترى، قال: يا أبت افعل ما تؤمر3. # والوجه الثاني: أنه لو كان المأمور به هو مقدمات الذبح لما قال: {ستجدني ~~إن شاء الله من الصابرين} . # وروي أنه قال: يا أبت اقذفني للوجه كيلا تنظر إلي فترحمني وأنظر أنا إلى ~~الشفرة فأجزع ولكن أدخل الشفرة من تحتي وامض لأمر الله واربط يدي إلى ~~رقبتي4. # وروي أنه لما أراد ذبحه أخذ الشفرة والرسن5 وذهب بإسحاق، قال ابن ~~PageV02P319 # عباس هو إسماعيل1، فلقي إبليس إسحاق فقال: أفتدري ما يريد بك؟، قال: ms149 لا، ~~قال يريد أن يذبحك، قال: ولو، قال: يزعم أن ربه أمره بذلك. قال: هو أهل أن ~~يطيع ربه، فتركه وأتى سارة فقال: يا سارة أين ذهب إسحاق؟، قالت: أمره أبوه ~~أن يتبعه، قال: فما أخذ قالت: الشفرة2 والرسن، قال: أفتدرين ما يريد؟ قالت: ~~لا، قال: يريد أن يذبحه، قالت ولم؟ قال: يزعم أن ربه أمره بذلك3، قالت: هو ~~أهل أن يطيع ربه. # فلما أراد أن يذبحه قال له: أي أبت أوثقني لا أجد حر السكين فأضطرب، ~~فأوثقه فجعل يمر السكين على حلقه وملك يقلبها حتى عرف الله منه الصدق فنودي ~~بالفداء، فأوحى الله إليه أن يا إسحاق: إن لك بما صبرت للذبح دعوة، قال: يا ~~أبت ائذن لي أن أدعو بها4، قال: بل أخرها إلى يوم القيامة، قال: يا أبت ~~ائذن لي أن أدعو بها قال: ادع بها، قال: اللهم لا يلقاك أحد مخلصا بأنه5 لا ~~إله إلا أنت إلا أدخلته الجنة6، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "سبقني بها ~~إسحاق "7. PageV02P320 # والوجه الثالث: أنه لو كان المأمور به هو مقدمات الذبح الذي فعله لما ~~احتاج إلى الفداء. # وقد قال الله تعالى: {وفديناه بذبح عظيم} وأما قوله: {قد صدقت الرؤيا} أي ~~اطلع الله على صدق إرادتك وقوة عزيمتك على الذبح فكافأه الله على ذلك وفداه ~~بالذبح. # وأما الجواب عن قول من قال: إنه قد قطع حلقه ولكن كلما قطع شيئا التحم. # أن يقال: لا يستحيل ذلك بقدرة الله، ولكن لو كان ذلك كما ذكر لأخبر الله ~~عنه؛ لأنه من الآيات الباهرة، فقد أخبر عن صبر إبراهيم وولده وهذا أولى ~~بالإخبار، وأيضا فلو كان لما احتيج معه إلى الفداء؛ لأنه قد فعل ما أمر ~~به1. # ويدل على أن الله سبحانه أمر بما لم يرد وقوعه ما روي في الصحيح أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: "فرض الله على أمتي ليلة المعراج خمسين صلاة، فلما ~~لقيت موسى بن عمران قال: ما فعل معك ربك؟ قلت2: فرض على أمتي خمسين صلاة، ~~فقال: ms150 ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف فإن أمتك لا PageV02P321 # تطيق ذلك، فراجعنته فنقص منهم خمسا فما زلت أتردد بين ربي وبين موسى حتى ~~جعلها خمسا فقال موسى: ارجع إلى ربك1 فاسأله التخفيف فإن أمتك لا تطيق ذلك. ~~فقال: إني أستحيي من ربي، فإذا النداء من عند الله: ألا إني قد أمضيت ~~فريضتي وخففت عن عبادي وجعلت الحسنة بعشر أمثالها هي خمس وهن خمسون ما يبدل ~~القول لدي وما أنا بظلام للعبيد" 2. # وهذا الخبر إنما يؤمن به من يؤمن بمعجزات النبي صلى الله عليه وسلم ~~القرآن والإسراء، فأما القدرية فإنهم يردون الإسراء وما فيه من الأحاديث، ~~كما ردوا المعجزة في القرآن بأنه ليس من كلام الله3. # ومما يدل على أن الله سبحانه أمر بما لم يرده وقوعه هو أن الله سبحانه ~~أمر الناس بالجهاد والخروج إلى غزوة تبوك، فقال: {انفروا خفافا وثقالا} 4 ~~الآية، ثم أخبر عن المنافقين واستئذانهم للنبي صلى الله عليه وسلم في ~~التخلف لما بعدت عليهم المشقة إلى قوله: {ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ~~ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم} والتثبيط: ردك للإنسان عن الشيء يفعله5 ~~{وقيل اقعدوا مع القاعدين} 6 أي ألهموا ذلك في قلوبهم. # فأجاب القدري المخالف عن هذا وقال: PageV02P322 # لا حجة بهذه الآية1، لأن الله سبحانه إنما ثبطهم وكره انبعاثهم لأن ~~خروجهم لم يكن للجهاد، وإنما كان غرضهم المعاندة والفساد، ولهذا قال الله ~~تعالى: {ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ### | … # } إلى قوله: {لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا} 2. # والجواب أنا نقول: الحجة لنا في أن الله أمرهم بالخروج ولم يرد خروجهم ~~لأنه ثبطهم عنه ولم يقدرهم عليه، وإن كان المعنى الذي ثبطهم لأجله هو ما ~~ذكرت3 من خروجهم للفساد فقد حال بينهم وبين ما أمرهم به بتثبيطه لهم، وهذا ~~موافق لقوله تعالى: {واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه} 4. وهذا كقوله ~~تعالى: {الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكري وكانوا لا يستطيعون سمعا} 5 ~~وقوله: {ما كانوا يستطيعون السمع} 6. # استدل المخالف على أن الله لا ms151 يأمر إلا بما يريد وقوعه: أن صيغة الأمر ~~وهو قوله: افعل، قد يرد والمراد به7 الأمر، ويرد والمراد به التهديد، ويرد ~~والمراد به الإباحة، وترد والمراد بها التصغير والتحقير كقوله {قال اخسأوا ~~فيها ولا تكلمون} 8. ولا بد من مخصص يقتضي كون هذه الصيغة أمرا وليس ذلك ~~إلا كون الآمر مريدا لحدوث المأمور به9. PageV02P323 # لا حجة بهذه الآية1، لأن الله سبحانه إنما ثبطهم وكره انبعاثهم لأن ~~خروجهم لم يكن للجهاد، وإنما كان غرضهم المعاندة والفساد، ولهذا قال الله ~~تعالى: {ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ### | … # } إلى قوله: {لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا} 2. # والجواب أنا نقول: الحجة لنا في أن الله أمرهم بالخروج ولم يرد خروجهم ~~لأنه ثبطهم عنه ولم يقدرهم عليه، وإن كان المعنى الذي ثبطهم لأجله هو ما ~~ذكرت3 من خروجهم للفساد فقد حال بينهم وبين ما أمرهم به بتثبيطه لهم، وهذا ~~موافق لقوله تعالى: {واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه} 4. وهذا كقوله ~~تعالى: {الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكري وكانوا لا يستطيعون سمعا} 5 ~~وقوله: {ما كانوا يستطيعون السمع} 6. # استدل المخالف على أن الله لا يأمر إلا بما يريد وقوعه: أن صيغة الأمر ~~وهو قوله: افعل، قد يرد والمراد به7 الأمر، ويرد والمراد به التهديد، ويرد ~~والمراد به الإباحة، وترد والمراد بها التصغير والتحقير كقوله {قال اخسأوا ~~فيها ولا تكلمون} 8. ولا بد من مخصص يقتضي كون هذه الصيغة أمرا وليس ذلك ~~إلا كون الآمر مريدا لحدوث المأمور به9. PageV02P324 # تكون الصيغة أمرا وإن كره المأمور به1. # وأما قوله: يكون الأمر تهديدا والتهديد2 أمرا فغير صحيح، لأنا قد قلنا ~~الأمر3 هو استدعاء الفعل بالقول ممن هو دونه على سبيل الوجوب عند من قال: ~~إن المندوب ليس مأمورا4 به5، والتهديد ليس باستدعاء الفعل فبطل ما قاله. # استدل المخالف: أن العقلاء متى سمعوا أو علموا أن الواحد أمر بشيء من ~~الأشياء علموا أنه مريد لحدوثه. # والجواب: أنا لا نسلم، بل قد يحسن من الأشياء الأمر بالشيء ولا يريد ~~حدوثه. ms152 ألا ترى أنه لو كان لرجل عبد وكان لا يطيعه فيما يأمره به فعاقبه ~~على ذلك وشكاه العبد إلى قاهر له أو صديق له فقال له: لم عاقبت عبدك ~~PageV02P325 # ، قال: لأنه لا يطيعني، قال: فما الدليل، قال: أريك ذلك مشاهدة، فاستدعى ~~عبده بحضرة من عاتبه عليه وأمره بأمر ليقرر عذره عند من عاتبه على عقوبته، ~~فإنه يحب أن لا يفعل المأمور به ليكون صادقا عند من عاتبه، فلو كانت إرادة ~~المأمور به شرطا في الأمر لما تمهد عنده عذره لأنه يقول له أمرته بفعل ذلك ~~وأنت لا تريد وقوعه منه1 فبطل بذلك ما تعلق به المخالف. PageV02P326 ### | 53- # فصل # استدل المخالف على مذهبه بقوله تعالى: {ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم ~~آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد ~~أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا} 1. # قال: ولا شك أن ضلالهم شر وقد أراده2، فأي لوم على من أضاف إلى الشيطان ~~ما أضاف الله إليه من الشر. # والجواب: أنا لا ننكر أن الشيطان يريد الشر ولا يريد الخير، وإنما الخلاف ~~بيننا أن الله أراد كل كائن من الخلق من خير وشر، فنقول: إن الله أراد ~~الشيطان وخلقه وأراد إرادته وخلقها فيه، وأراد إغواء3 إبليس فأغواه، ولهذا ~~قال إبليس: {رب بما أغويتني لأزينن لهم} 4 فنسب الإغواء إلى الله، وليست ~~الآية حجة له أن الله لم يرد إرادته، بل قد دل على ذلك بآية أخرى وهي قوله: ~~{وما تشاءون إلا أن يشاء الله} 5. PageV02P327 ### | 54- # فصل # استدل المخالف بقوله تعالى: {يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من ~~قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين ~~يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما} 1 فأخبر الله تعالى أنه يريد لهم ~~الهداية والبيان والتوبة، وأن المتبعين للشهوات يريدون منهم الميل عن ~~الصواب. # والجواب: أنه لا حجة للمخالف بما ذكر، لأنا ننكر أن الذين يتبعون الشهوات ~~يريدون الميل عن الحق، ولكنا نقول إن الله ms153 تعالى أراد وجودهم وخلقهم وأراد ~~إرادتهم وخلقها بدليل قوله تعالى: {وما تشاءون إلا أن يشاء الله} 2، ~~وإرادتهم صفة لهم، وصفاتهم مخلوقة لله تعالى كألوانهم وهيآتهم. # وبيان معنى الآية أن الله سبحانه لما بين المحرمات في النكاح، وبين لهم ~~من يحل لهم نكاحه من الإماء قال: {يريد الله ليبين لكم} 3 يعني لبين لكم ~~حلال النكاح وحرامه ويعرفكم العدد4 في تزويجكم الإماء إذا لم تقدروا على ~~تزويج5 الحرائر، ثم قال {ويهديكم سنن الذين من قبلكم} أي يرشدكم سنن6 ~~الأنبياء والذين من قبلكم من المؤمنين أي شرائعهم {ويتوب عليكم} يعني ~~يتجاوز عنكم من نكاحكم إياهن قبل التحريم، {والله عليم} بما يدخل في الأمور ~~المحظورة التي بين أمرها {حكيم} في جميع ذلك {والله يريد أن يتوب عليكم} ~~يعني من نكاحكم7 إياهن قبل التحريم، وهذا PageV02P328 # التكرار للإطناب والتشديد1 {ويريد الذين يتبعون الشهوات} يعني الزنا، ~~وذلك أن اليهود زعموا أن نكاح بنت الأخت من الأب حلال2 وذلك3 {أن تميلوا} ~~عن الحق {ميلا عظيما} في استحلال بنت الأخت من الأب {يريد الله أن يخفف ~~عنكم} في تزويج الأمة إن لم تجدوا طولا للحرة {وخلق الإنسان ضعيفا} لا يصبر ~~عن الجماع4. PageV02P329 ### | 55- # فصل # ومن الأدلة المذكورة لنا في الرسالة مما روي عن ابن عباس – رضي الله عنه ~~- أنه قال: "الإيمان بالقدر نظام التوحيد فمن آمن بالله وكذب بالقدر كان ~~تكذيبه بالقدر نقضا لتوحيده"1. # وصدق – رضي الله عنه -، فإنه لا يصلح للقدري القول بالتوحيد إلا وناقضه، ~~لأن الله سبحانه نبه على وحدانيته بقوله تعالى: {لو كان فيهما آلهة إلا ~~الله لفسدتا} 2، وقوله تعالى: {ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا ~~لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض} 3. # ومعنى قوله: {لفسدتا} لوقع الخلاف والتضاد كما نرى ذلك في الشاهد في ملوك ~~الدنيا، ولكان إذا أراد أحدهما شيئا أمكن الآخر خلافه فيفسد التدبير4 وحقق ~~الموحدون التغالب5 والتمانع6 في المعنى المراد بقوله: {إذا لذهب كل إله بما ~~خلق ولعلا بعضهم على بعض} . PageV02P330 # فقالوا1: لو كانا اثنين ms154 لم يخل إما أن يتم ما يريدان، أو لا يتم ما ~~يريدان أو يتم ما يريد أحدهما، فإن تم ما يريدان أدى إلى اجتماع الشيء وضده ~~إذا أراد أحدهما إحياء شيء وأراد الآخر موته، أو أراد أحدهما وجود شيء ~~وأراد الآخر عدمه، وإن لم يتم ما يريدان أدى إلى تناهي قدرتهما وعجزهما، ~~والعاجز لا يكون إلها، وإن تم ما يرد أحدهما دون الآخر كان من تمت إرادته ~~هو المستحق للإلهية، فثبت القول بأن الإله واحد لا شريك له2. # فالقدرية لا يتم ما يريد إلههم، لأنه لو أراد الإيمان من الكافر والطاعة ~~من العاصي، وأراد إبليس من الكافر الكفر ومن العاصي المعصية، فلم يتم ما ~~أراد الله وتم ما أراد إبليس، فعلى مقتضى قولهم أن المستحق للإلهية هو ~~إبليس دون الله ويتعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. # وإنما شبه النبي صلى الله عليه وسلم القدرية بالمجوس3، لأن المجوس قالوا: ~~النور يريد الخير ولا يريد الشر4. PageV02P331 # فأجاب المخالف عن هذا بأن قال: لا حجة بهذا لأن التكذيب بالقدر1 يقتضي ~~نقص التوحيد: هو الذي يقتضي نسبة فعل الله إلى غيره، ولم يثبت أن المخازي ~~فعل الله حتى يكون من نفاها عنه، ناقضا لتوحيده، بل قد ثبت بالأدلة التي2 ~~مضت3 أن المخازي والمعاصي من أفعال العصاة والفسقة، وإنما يكون نافيا لقدر ~~الله من نفى عنه شيئا في النعم والخيرات من الحياة والعافية، أو في المحن ~~التي يبتليهم بها من المرض والخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس4، لأن ~~هذه الأمور لا يتولاها غيره، ولذلك لم يصح أن يأمر بها أحدا من عباده ولا ~~أن ينهاه. # والجواب أن يقال: لهجك بتسمية الأفعال مخازي ومعاصي وخبائث لا يقر ذلك ~~صحة المذهب ولا إبطال قول خصمك بأن الله له أن يخلقها، فقد سمى النبي صلى ~~الله عليه وسلم الكلب خبيثا5، ولا يدل ذلك على أن الله لم يخلقه، وقد بينا ~~فيما مضى6 أن هذه الأفعال إنما تسمى معاصي وخبائث ومخازي في حق من حرم عليه ~~فعلها وهم العباد ms155 المكتسبون لها، ولا تسمى بذلك في حق الله وإن كان خالقها، ~~وأيضا فإن كانت العلة التي تقتضي نفي خلق الله لأفعال المعاصي في العباد ~~كونها خبائث وقبائح، فإن هذه العلة التي تقتضي غير موجودة في أفعالهم7 ~~بالطاعات، بل تسمى بضد هذه الأسماء فيقتضي أن الخالق لها هو الله، لأنها ~~طاعة حسنة جميلة، وإذا ثبت خلق الله لها لزمكم أن PageV02P332 # يكون الله خالقا لأفعالهم في المعاصي والمباحات لأن أحدا لم يفرق بينهما. # وأما قوله: إنما يكون نافيا لقدر الله من نفى عنه1 أفعاله في النعم في ~~الحياة والعافية أو في المحن وهي الابتلاء بالخوف والجوع، فغير صحيح، لأن ~~أجل النعم التي أنعم الله بها على العباد الإيمان بالله وبرسوله وياليوم ~~الآخر، فينبغي أن يكون الله خالقا لتصديق العبد بذلك ولأعمال الطاعات مثل ~~أفعال الصلاة والحج والجهاد، وقد أخبر بذلك بقوله: {بل الله يمن عليكم أن ~~هداكم للإيمان} 2 فتكون هذه النعمة من جنس النعم3 عليه بالعافية والحياة، ~~وأعظم المحن والابتلاء المحنة بالمعاصي، فينبغي أن يكون الله خالقا لأفعاله ~~فيه لأنها أعراض في العبد فتكون مخلوقة فيه كالأعراض التي فيه من الجوع ~~والخوف. # وأما قول المخالف: بأن الحياة والعافية والجوع إنما كانت خلقا لله لا يصح ~~الأم بها ولا النهي عنها، فغير صحيح. لأن الأمر والنهي والمدح والذم إنما ~~لا يصح في هذه الأشياء، لأن الله لم يقدر العبد عليها ولا جعلها من كسبه، ~~وهذه الأفعال أقدر الله العبد عليها وتنسب إلى العبد، والحركة من العبد في ~~الأفعال الاختيارية في المشاهدة كالحركة في الأفعال المضطر إليها كرعدة ~~الحمى والخوف، فإذا ثبت أن الله خالق لحركة العبد في الاضطرار إليها كرعدة ~~الحمى والخوف، فإذا ثبت أن الله خالق لحركة العبد في الاضطرار كان خالقا ~~لحركته في الاختيار. # وأجاب المخالف: على أن امتناع مرا الله إنما يلحقه العجز بذلك إذا أراد ~~إلجاء عبد على فعل فامتنع منه، وأما إذا لم يرد إلجاءه ولا مغالبته لم ~~يلحقه العجز بامتناع ما أراده من غيره، وكذلك إذا ms156 امتنع ما أراده من فعل ~~نفسه فم يتم، لحقه العجز وبغير هاتين الصورتين لا يلحقه النقص، هذا تحقيق ~~قوله. PageV02P333 # والجواب أن يقال: إذا وقع في ملكه وسلطانه ما لم يرده أو ما ليس في تدبير ~~لحقه العجز1 كما يلحق ذلك المالك المملك من العباد، وإذا أراد شيئا من غيره ~~فلم يتم له ما أراد لحقه العجز كما يلحقه ذلك إذا أراده من فعل نفسه لعموم ~~قوله تعالى: {فعال لما يريد} 2، وقوله: إذا لم يرد إلجاء الفاعل ولا ~~مغالبته، غير صحيح، لأن ذلك لو كان علة لما ذكر لما جاز أن يخرج شيء من ~~الأعيان عن ملك الله، أو عن أن يكون معلوما لله أو مقدورا لله، أو عن إدراك ~~الله له، وهو أنه لم يرد مغالبة ذلك الشيء ولا مكابرته، ولما لم يجز أن ~~يخرج شيء من الكائنات المكونات عن ملك اله ولا عن علمه ولا عن إدراكه لها ~~ولا عن اقتدار الله عليه3 لم يخرج عن أن يكون مرادا لله ولا أن يكون خلقا ~~له. # ثم قال هذا المخالف: ودلالة التمانع عندنا هو أن نقول: لو كان مع الله ~~قديم آخر لوجب أن يكون حيا قادرا عالما بذاته كما أن الله سبحانه حي، قادر، ~~عالم بذاته، لأنه إذا شارك الباري في أخص أوصافه وهو كونه قديما وجب أن ~~يكون مثلا له، ومن حق المثلين أن يجب لأحدهما ما يجب للآخر، ثم قال بعد ~~ذلك: ودلالة التوحيد في هذا التمانع لا يمكن هذا المستدل وأهل مذهبه القول ~~به لوجهين: # أحدهما: أنهم سدوا القول بالتوحيد على أنفسهم لأنهم أثبتوا مع الله صفات4 ~~كثيرة قديمة وسموها صفات لله5، وقالوا مع ذلك ليست حية PageV02P334 # ولا قادرة مع أنها مساوية لذات الباري في القدم1، فلا يمكنهم أن يقولوا ~~بأنه واحد، وقد قال تعالى: {قل هو الله أحد} 2 وقال: {وإلهكم إله واحد} 3. # والوجه الثاني: أن تقدير4 تمانعهما لو كان اثنين قادرين مبني على ما يعقل ~~بالشاهد من تمانع القادرين، فيتوصل بذلك إلى نفي ثان ms157 للقديم، وقد سدوا على ~~أنفسهم هذا الباب بقولهم ليس في الشاهد قادر يحدث الأفعال ويتمكن من غلبه ~~سواه أو مساويه5. يحقق هذا أن الطريق الذي به يعلم أن الواحد منا قادر هو6 ~~صحة الأفعال منه ووجوده من جهته وعندهم أنه لا PageV02P335 # يوجد من العباد1 شيء من الأفعال وإنما هي مخلوقة من الله2 فلا يمكنهم أن ~~يعلموا أن في الشاهد قادرا فلا يصح منهم تقدير التمانع. # والجواب عن اعتراضه الأول وهو أن يقال له: # تشنيعك على أهل السنة بإثباتهم لله ما أثبته لنفسه هو أكبر الشناعة عليك ~~ونفيك عن الله ما أثبته لنفسه3 هو كإثباتك لله ما نفاه عن نفسه وهي الصاحبة ~~والولد، وما أغناك عن إظهار هذا القول المتناقض وهو قولك: إن الله حي ولا ~~حياة له وإن الله قادر ولا قدرة له وإن الله عالم ولا علم له، وهل إلا كقول ~~من أثبت الحياة لغير حي وأثبت القدرة لغير قادر وأثبت العلم لغير عالم فإن ~~استقام قول من قال هذا4 استقام قولك، وإن لم يستقم قول من قال هذا5 لم ~~يستقم قولك. وأعجب من هذا أن هذا المخالف استدل بهذا الفصل على أن الله ليس ~~له قول حقيقة ولا حياة ولا قدرة ولا علم بقوله تعالى: {قل هو الله أحد} ~~وبقوله تعالى: {وإلهكم إله واحد} ، وقال: أنتم لا يمكنكم القول بهذا لأنكم ~~قلتم إن له صفات قديمة فليس بواحد، فقال له: # إن كان لله قول حقيقة فقد اعترفت بصحة ما أنكرت على خصمك، وإن لم يكن لله ~~قول حقيقة فلا حجة لك على قولك بما ادعيت من هذا6، ثم يقال: إنه لا يلزمنا7 ~~ما زعمت، لأنا نقول: إن هذه الصفات آلهة كما أن صفات الإنسان ليست بإنسان ~~مثله، وإنما الشناعة تلزمك وأهل مذهبك، PageV02P336 # لأن على قولك: إنكم لا تعبدون الله الرحمن الرحيم الإله الخالق، لأن هذه ~~الأسماء خلق لكم إذا سميتموها، وهذا كفر صريح لا يخفى على أحد من ذوي ~~العقول السليمة1. # وأما الجواب عن الوجه الثاني الذي زعم ms158 المخالف، فإنا نقول له: # قولك: بأنا إذا قلنا: إنه لا خالق لشيء من الأفعال إلا الله يسد علينا ~~الباب في تمانع الخالقين غيرصحيح، بل حقيقة التمانع وإثبات القول بالواحد ~~لايكون إلا على قولنا، لأنا نفينا أن يكون مع الله خالق يخلق في الجملة، إذ ~~لو كان كذلك لأدعى إلى التضاد والتغالب، فلما لم يوجد ذلك دل على أن الخالق ~~واحد، وهذا لايوجد على قول القدرية لأن العباد كلهم وسائر الحيوان من ~~البهائم والطير كلها خالقة لأفعالها: وقد نفى الله أن يكون معه خالق بقوله: ~~{هل من خالق غير الله} 2 وقوله تعالى: {أم3 جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه ~~فتشابه الخلق عليهم} 4. # ولا تعلق لهذا المخالف بجميع ما أورده في هذا الفصل على ما يقول إلا ~~الشهادة منه على نفسه بفساد مذهبه وبطلان قوله في نفي الصفات وإثبات ~~المشارك لله في الخلق، وتعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا. ~~PageV02P337 ### | 56- # فصل # ومن الأدلة المذكورة لنا في الرسالة ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: " لو أراد الله أن لا يعصى ما خلق إبليس"1. # فيقال للقدرية: إذا قلتم إن الله لم يخلق الشر ولا أراد كونه فقد خلق ~~إبليس وهو رأس الشر2. # فأجاب المخالف القدري: لا حجة بهذا، لأن جسم إبليس ليس بشر بل خلق الله ~~له إنعام منع عليه ويستحق عليه الشكر والعبادة وهو من جملة الجن3، وخلقه ~~الله للعبادة وإنما الشر من فعل إبليس والله لم يخلق فعله ولا كفره، وإنما ~~إبليس هو الخالق لفعل نفسه ووسوته في صدور الخلق، هذا نكتة قوله ومعتمده. # والجواب أن يقال له: القرآن يشهد على بطلان قولك: قال الله تعالى: {إن شر ~~الدواب عند الله PageV02P338 # الذين كفروا} 1 وقال تعالى في آية أخرى: {إن شر الدواب عند الله الصم ~~البكم} 2. # فجعل أجسامهم شرا وإبليس منهم، فإن الله سبحانه أمر نبيه أن يستعيذ منه ~~فقال: {فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم} 3. # وأما قول المخالف لقول الله تعالى: {ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من ms159 الجن ~~والإنس} 4 فهل عصاه أحد من الخلق بمثل5 معصية إبليس له فلم يخلقه إلا للنار ~~وللمعصية التي فعلها6. # وأما قول المخالف: إن إبليس خلق فعل نفسه ولم يخلقه الله فقول إبليس ~~أقوم7 من قول هذا المخالف القدري لأن الله أخبر عنه أنه قال: {رب بما ~~أغويتني} 8 وقال: {فبما أغويتني} 9 ولو ينكر الله عليه ذلك، بل قول إبليس ~~بهذا موافق لقول نوح عليه السلام فيما أخبر عنه بقوله: {ولا ينفعكم نصحي إن ~~أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم} 1 00 فما أحد من الخلق نفى ~~عن الله الخلق والتدبير في شيء من ملكه11 وسلطانه إلا القدرية ولهذا نهى ~~النبي صلى الله عليه وسلم عن مجالستهم وحذر منهم12. PageV02P339 ### | 57- # فصل # ومن الأدلة لنا أن يقال لهم: هل يوصف الله بأنه يعلم لما خلق إبليس ~~وأقدره على إضلال الضالين منهم أن يضلهم أو لا يعلم ذلك. فلا بد أن يقولوا ~~نعم: يعلم ذلك1. # وقد قال بعضهم إنه لا يعلم الشيء قبل أن يكون2 إلا أن هذا المخالف صرح3 ~~بذلك. PageV02P340 # فيقال لهم: فهل كان يقدر على منعه عن إضلالهم أو لا يقدر؟. # فإن قالوا: لا يقدر نسبوه إلى العجز وبطل مدحه لنفسه بأنه على كل شيء ~~قدير، وإن قالوا: يقدر ولكنه لم يمنعه. # قلنا لهم: فترك منعه عن ذلك مع قدرته عليه إرادة1 منه إضلالهم. # فأجاب هذا القدري عن هذا بكلام لا يفهم منه إلا الأذى وضمنه معنيين: # أحدهما: أن إبليس لم يخلقه الله إلا للعبادة ولم يرد الله منه إلا ذلك. # والثاني: أن ترك المنع منه ليس بإرادة منه لإضلالهم، فأما الأذى فلا جواب ~~له عنه إلا الإضراب عنه. # وأما قوله: إن الله لم يخلق إبليس إلا للعبادة فقد مضى الجواب عن ذلك2 في ~~الفصل قبل هذا3، ويقال له: لو خلقه الله للعبادة ليسرها له كما روى عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "كل ميسر لما خلق له"4. # وأما إنكاره لقولنا: إن تركه لمنع إبليس ms160 عن إضلالهم مع قدرته على ذلك ~~إرادة منه لإضلالهم فدفع للعيان5 ألا ترى أن ترك الحركة من المتحرك سكون ~~وترك السكون منه تحريك وكذلك ترك الإعدام من الله إيجاد، وترك الإيجاد منع ~~إعدام، وكذلك ترك الهداية منه إضلال وترك الإضلال منه هداية. PageV02P341 ### | 58- # فصل # ومن الأدلة المذكورة لنا أن يقال لهم: من أولى بالإلاهية؟. # من لا يكون منه إلا بعلمه ولا بعزب1 عن علمه شيء؟ أو من يكون منه ما ~~لايعلمه ويغيب عن علمه أكثر الأشياء؟. # فمن قولهم وقول كل قائل: إن من لا يكون منه شيء إلا بعلمه ولا يغيب عن ~~علمه شيء أولى بالإلاهية. # قيل لهم: فكذلك من لا يريد كون شيء إلا كان، ولا يكون شيء إلا ما يريد، ~~ولا يعزب عن إرادته أولى بالإلاهية ممن يكون ما لا يريد ويريد كون شيء فلا ~~يكون، وعلى ذلك أجمع الناس مسلمهم وكافرهم وجميع أهل الملل بأن ماشاء الله ~~كان وما لم يشأ لم يكن، ولهذا قال بعض رجاز أهل الجاهلية: # تجري المقادير على غرز الإبر ... ما تنفذ الإبرة إلا بقدر2 # وقال لبيد:3 # إن تقوى ربنا خير نفل ... وبإذن الله ريثي وعجل # من هداه سبل الخير اهتدى ... ناعم البال ومن شاء ضل # وقال بعض أهل الجاهلية: # هي المقادير فلمني أو فذر ... إن كنت أخطأت فما أخطأ القدر4 PageV02P342 # وهذه أقوال أهل الجاهلية قل الإسلام، ثم جاء الإسلام على ذلك، فدل على أن ~~القدرية مخالفون لجميع الخلق وأهل الملل والأديان1 بقولهم. # فأجاب القدري عن هذا الاستدلال بنكت منها أن قال: جمعت بين العلم ~~والإرادة من غير علة جامعة بينهما وكل قياس بين أمرين بغير علة جامعة ~~بينهما فهو باطل. # والجواب أن يقال له: قولك من غير علة جامعة بينهما نفي للعيان، والعلة ~~الجامعة بينهما لا تخفى على أحد، وهو أن كونه عالما من صفات كماله لينتقي ~~عنه الجهل وكذلك كونه مريدا2 من صفات كماله3 لأنه لو لم يكن مريدا لم يكن ~~تقدم ما وقع من المكونات بأولى من تأخرها4، وليس هناك مخصص ms161 لذلك إلا كون ~~الله مريدا لتقديم ما تقدم وتأخير ما تأخر فهذه العلة المقتضية للجميع ~~بينهما. # ثم قال هذا المخالف في جوابه عن هذا: إنما كان العالم بجميع المعلومات ~~أولى بالإلاهية ممن لا يعلمها، لأن الإله لا يكون إلا قديما، والقديم يجب ~~أن يكون عالما بذاته ممتنعا بذاته عن علم يعلم به، ومن حق العالم للذات أن ~~يكون عالما بجميع المعلومات إذ لا اختصاص لذاته بمعلوم دون معلوم، فلذلك ~~كان عالما بجميع المعلومات وأولى بالإلاهية من غيره. PageV02P343 # والجواب أن يقال له: # لهجك1 بإطلاق القول بأن هذه الأفعال خبائث وقبائح لا يوجب صحة مذهبك لما ~~تقدم بيانه من أنها خبائث وقبائح ممن حرمت عليه2 وولي اليتيم والشاهد ممن ~~حرم عليه فعلها، ولا يتوجه ذلك في حق الله تعالى. # وأما قولك إنه أراد الطاعات من جميع العباد ولم يرد من واحد منهم ~~المعصية، فهذا غير مسلم به، فطيف تحتج بمذهبك على مذهبك، وهذا يدل منك على ~~عدم3 الرواية والاستدلال. # وأما قولك: عدم المنع منه لا يدل على إرادته، واحتجاجه بالآية فقد مضى ~~الجواب عن ذلك كله بما يغني عن إعادته4. # ثم قال هذا المخالف: أما قول المستدل: بإجماع الناس مسلمهم وكافرهم على ~~القول: (ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن) فلا يصح لأن هذه اللفظة من ~~إطلاقات المجبرة على أصلهم المنهار، ولو صح الإجماع على إطلاق هذه اللفظة ~~فإن المقصود بها ما شاء الله من فعله كان، وما لم يشأ لم يكن5 لأن غرض ~~المكلفين بذلك مدح الله بأحسن المدائح والثناء عليه بأبلغ المحاسن وليس من ~~الثناء الحسن ولا من المدح البليغ بأن يصفوه بأنه مريد المخازي والخبائث ~~والمعاصي، وإنما يصح المدح إذا تعلق ذلك بأفعاله تعالى لأنه ينبئ عن عظيم ~~الاقتدار، وقد روينا عن أجلاء الصحابة والتابعين6 نفي هذه الخبائث عن الله ~~فدل على بطلان الإجماع بما ذكر. PageV02P345 # والجواب أن يقال: إنكارك الإجماع بذلك جحد بالضرورة، فإن هذه الكلمة ~~جارية على ألسنة الخاصة والعامة، وينقل ذلك كل خلف عن ms162 سلفهم كنقلهم بعث ~~النبي صلى الله عليه وسلم بمكة وهجرته إلى المدينة وموته هنالك، ويعلم وقوع ~~ذلك كل مسلم وكافر وموافق ومخالف، وإنكار القدرية للنقل والإجماع على مقتضى ~~هذه الكلمة لا يؤثر في صحة العلم بها كما لا يؤثر خلاف السوفسطائية1 للعلوم ~~الضرورية بادعاء النبي صلى الله عليه وسلم للنبوة بمكة وتكذيب قومه له ~~وهجرته إلى المدينة وموته بها. # وأما قول المخالف: لو صح الإجماع على هذه اللفظة يكون المراد2 بها ما شاء ~~الله من فعله كان وما لم يشأ من فعل نفسه لم يكن دون ما شاء من فعل غيره ~~وما لم يشأ منه، غير صحيح، بل الدليل الذي دل على تمام إرادته من فعل نفسه ~~هو الدليل الذي دل على تمام إرادته من فعل غيره وهو عدم وصفه بالنقص، ~~ولأنه3 موصوف سبحانه بالاقتدار على غيره ولا يوصف بالاقتدار على نفسه4، ومن ~~كمال صفته بالاقتدار على غيره تمام إرادته من غيره وإلا كان موصوفا بإرادة ~~ما لم يتم من فعل غيره بالتمني، كما وصف النبي صلى الله عليه وسلم إرادته ~~لإسلام أبي طالب وغيره ممن كان يحب إسلامه PageV02P346 # ولم يسلم فإن إرادته لذلك تعود إلى معنى التمني، وتعالى الله عن ذلك علوا ~~كبيرا. # ويدل على صحة ما قلناه قوله تعالى: {ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله ~~يفعل ما يريد} 1 فأخبر أنه لو شاء ما اقتتلوا ولكن فعل ما أراد من ذلك وهو ~~ما أراده من فعل غيره، فإن قالوا لو شاء لأجبرهم2 على ترك القتال. قلنا: ~~فعلى قولكم أنه أجبرهم على القتال3، لأنه أخبر أنه أراد قتالهم. # وأما قول المخالف بجوابه: إن غرض المكلفين بذلك مدح الله بأحسن المدائح ~~إلى آخر كلامه، فيقال له4: مدحهم الله بأحسن المدائح يقتضي أن يتم ما يشاء ~~من فعله وفعل غيره، وعلى أن هذا الكلام الذي أورده في هذا لا تعلق له بما ~~نحن فيه5 وإنما يليق إيراد هذا احتجاجا لأهل السنة إذا قيل لهم: لم لا ~~تقولون يا خالق الزنا، ms163 يا خالق المعاصي كما تقولون يا خالق السموات والأرض؟ ~~فيقولون: أمرنا الله بأن ندعو بأسمائه الحسنى وصفاته العليا6 فقال: {ولله ~~الأسماء الحسنى فادعوه بها} 7، وقال تعالى: {ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا ~~يحب المعتدين} 8. PageV02P347 # فيقال: يا خالق الشمس والقمر ويا منزل الأمطار ويا منبت الأشجار ومخرج ~~الثمار ولا يقال: يا خالق القردة والخنازير والعذرة، وإن كان خالقا ~~للجميع1، وكذلك لا يقال: يا خالق المعاصي وإن كان خالقا لها، وعلى هذا يحمل ~~قول النبي صلى الله عليه وسلم: "والشر ليس إليك" 2 أي ليس يتقرب به إليك، ~~أو لا يدعى بأنك خلقته وإن كنت خلقته3، ولهذه العلة قال إبراهيم عليه ~~PageV02P348 # السلام فيما أخبر الله عنه: {الذي خلقني فهو يهدين والذي هو يطعمني ~~ويسقين وإذا مرضت فهو يشفين} فنسب إلى الله الإطعام والسقي والشفاء من ~~المرض والإماتة والإحياء، ونسب إلى نفسه المرض وإن كان لا يمرض نفسه، وإنما ~~ذكرت هذا ليعلم أن هذا المجيب يضع الدليل على ما لا متعلق له فيه. # وأما ما ذكره عن1 الصحابة والتابعين فلا حجة لما ذكر، وسأبين ذلك في غير ~~هذا الفصل إن شاء الله. # قال هذا المخالف: وأما ما ذكره من أبيات الشعر التي تتضمن ذكر القدر فلا ~~حجة فيها، لأن الشعر الصحيح لا يحتج به إلا في تصحيح الألفاظ اللغوية لا في ~~إبانة الحقائق العقلية. # والجواب أن يقال لهذا المجيب: إنكارك الاحتجاج بالشعر بهذا2 جهل منك بحكم ~~الشعر في الألفاظ والمعاني، فقد قال صلى الله عليه وسلم: " إن من الشعر ~~لحكما "3 والحكم لا تكون إلا في معنى. # وقال صلى الله عليه وسلم: "الشعر بمنزلة الكلام حسنه كحسن الكلام وقبيحه ~~كقبيح PageV02P349 # الكلام"1، ولا يكون حسنا وقبيحا إلا لحسن معانيه وقبحها وعلى أنا إنما ~~احتججنا بالشعر هاهنا لنبين أن أحدا من الخلق في الجاهلية والإسلام لم ينكر ~~أن المقادير كلها جارية ن الله حتى جاءت القدرية. # ثم قال: وإن كان فيه حجة فالقدر قد ورد في القرآن واللغة على معان منها: ~~ما يراد به الخلق. ms164 # ومنها: ما يراد به الإخبار بدليل قوله تعالى: {إلا امرأته2 قدرناها من ~~الغابرين} 3 أي أخبرنا بحالها. # ومنها: ما المراد به الكتابة كما قال العجاج4: # اعلم بأن ذا الجلال قد قدر ... في الصحف الأولى التي كان سطر # أمرك هذا فاجتلب منها النتر5 # فليس لهم أن يحملوا القدر على ما يوافق مذهبهم إلا ولخصمهم أن يحمله على ~~غير ذلك. PageV02P350 # والجواب أن يقال لهذا المخالف: أما ورود القدر على معنى الخلق فلا ننكره، ~~وأما على معنى الإخبار واحتجاجك بقوله تعالى: {إلا امرأته قدرناها من ~~الغابرين} فغير صحيح في المعنى ولا مسلم، واحتجاجه بهذا يدل على جهله ~~بالنحو وإفلاسه منه، لأن ضمير المرأة ههنا في موضع النصب، وإذا كانت مخبرا ~~عنها في موضع جر، ولو أراد ذلك لقال: قدرنا عنها أو بها، ولم يقل أحد من ~~أهل التفسير هذا الذي ذكر المخالف، وإنما قال ذلك برأيه على ما يوافق ~~مذهبه، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من فسر القرآن برأيه فليتبوأ ~~مقعده من النار "1. والذي قال أهل التفسير في هذا: قدرناها أي قدرنا هلاكها ~~مع الغابرين2. # وأما احتجاجه ببيت العجاج فهو حجة عليه لا له، لأنه إذا كتب في الصحف ~~شيئا وقدره فهل يتوهم عاقل أن الله أراد وقوع شيء قد كتب وقوع ضده، وإنما ~~يحسن هذا على قول من قال من القدرية إن الله لا يعلم الغيب ولا يعلم إلا ما ~~كان3 ولكن لم يصرح هذا المخالف بهذا في دامغه بل (عن صبوح ترقق) 4 ولو صرح ~~به كما صرح به أسلافه لاختطفته PageV02P351 # السيوف بهذا الصقع قبل المناظرة له1 ممن يريد استتباعه وجدعه بالكلام، ~~ومن صرح منهم بهذا القول الشنيع فهو محجوج بقوله تعالى في آي كثيرة: {عالم ~~الغيب} 2. # والغائب ما غابن وقد أخبر الله سبحانه عما لم يكن قبل أن يكون، وعما لا ~~يكون لو كان كيف كان يكون، فقال تعالى إخبارا عن أهل النار: {يا ليتنا نرد ~~ولا نكذب بآيات ربنا} ، ثم قال تعالى: {ولو ردوا لعادوا لما نهوا ms165 عنه} 3 ~~فأخبر سبحانه عن تمني أهل النار الرد إلى الدنيا قبل أن يكون، وأخبر سبحانه ~~عما لا يكون أن لو كان كيف كان يكون وهو تكذيبهم لو ردوا. PageV02P352 ### | 59- # فصل # استدل المخالف القدري على صحة قوله: بقوله تعالى فيما أخبر عن المشركين: ~~{سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء ~~كذلك كذب الذين من قبلهم} 1 الآية، قال: وهذا صريح بمذهب المجبرة، واستدل ~~على ذلك بأن الله رد عليهم ذلك بقوله: {كذلك كذب الذين من قبلهم} ، وأذاقهم ~~البأس وجعلهم من الخراصين2. # والجواب: أننا لا ننكر أن الله ذمهم ووبخهم ولنا عن هذا أربعة أجوبة: # أحدها: أنهم لم يعبروا بالمشيئة هاهنا التي تقول إنها الإرادة، وإنما ~~عبروا بالمشيئة هاهنا عن الأمر فادعوا أن الله أمرهم وأمر آباءهم بعبادة ~~الأصنام، وأنه أمرهم بتحريم ما حرموا من الحرث والأنعام من البحيرة ~~والسائبة والوصيلة والحام ونظيرها في النحل3 فأكذبهم الله بما ادعوه من أنه ~~أمرهم فقال: {كذلك كذب الذين من قبلهم} رسلهم {حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم ~~من علم فتخرجوه} يعني بيانا بأن الله أمركم4. والدليل على أنهم لم يعبروا ~~بالمشيئة عن الإرادة لأن الله أكذبهم فقال: {فلو شاء لهداكم أجمعين} وقال ~~في آية أخرى: {ولو شاء الله ما أشركوا} 5، وقال في آية أخرى: {ولو شاء ربك ~~لآمن من في الأرض كلهم جميعا} 6، فأخبر أنه ما شاء منهم الإيمان مشيئة ~~PageV02P353 # اختيار ولا إجبار، لأن الخبر عام ولا معنى لتخصيص مشيئته بالإجبار1 على ~~ما يدعي المخالف فقد مضى الدليل على إبطال دعواه لذلك2. # والجواب الثاني أن نقول لهذا المخالف: وما ننكر أن يدعي خصمك أنهم أرادوا ~~{لو شاء الله ما أشركنا} أي ما أجبرنا على ذلك، ولكنه أجبرنا على ذلك ~~فأكذبهم أنه ما أجبرهم ولا اضطرهم إلى ذلك، ولكن وقع الشرك منهم بخلقه له3 ~~وإيثار واختيار منهم له، ونقابل ما ادعيت أن مشيئته هدايته لهم مشيئة إجبار ~~بما ادعاه المشركون من أنه أجبرهم، وكل جواب لك عن هذا ms166 فهو جوابنا لك عن ~~مشيئة الهداية أنها إجبار. # والجواب الثالث: أن يقال إنهم4 لم يقولوا لو شاء الله ما اشركنا ولا ~~آباؤنا، مصدقين بالله وبمشيئته، ولكنهم قالوا ذلك على سبيل الاستهزاء ~~والتكذيب للنبي صلى الله عليه وسلم، كما قالوا لما أمرهم بالاتفاق مما في ~~أيديهم {أنطعم من لو يشاء الله أطعمه} 5 فأكذبهم الله على ذلك بقوله تعالى: ~~{كذلك كذب الذين من قبلهم ### | … # } الآية كما ذمهم ووبخهم على ما قالوه في الإطعام بقوله تعالى: {إن أنتم ~~إلا في ضلال مبين} . # والجواب الرابع: أن يقال: إنما ذمهم الله ووبخهم على إشراكهم وتكذيبهم ~~للرسول ولم يذمهم على قولهم: {لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا} لأن الله ~~قد قال في آية أخرى: {ولو شاء الله ما أشركوا} 6 والدليل على هذا أنه قال: ~~{كذلك كذب الذين من قبلهم} وكذلك في النحل {كذلك فعل الذين من قبلهم} 7 ولو ~~كان الذم والتوبيخ على قولهم: {لو شاء الله ما PageV02P354 # الله ما أشركنا} ، لقال: كذلك قال الذين من قبلهم، كما أخبر عن مشركي ~~العرب فقال: {وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله} أي هلا يكلمنا الله ~~فنسمع كلامه {أو تأتينا آية} فقال الله توبيخا لهم وذما {كذلك فعل الذين من ~~قبلهم} 1 يعني اليهود حيث قالوا لموسى: {أرنا الله جهرة} 2.3 PageV02P355 ### | 60- # فصل # خلق الله الخلق فجعلهم على بنية يصح منهم قبول التكليف، وهو البلوغ ~~والعقل، وسوى بين1 المسلم منهم وبين الكافر بذلك، ودعاهم جميعا إلى الإيمان ~~به2 والطاعة، وسوى بينهم بذلك، ثم وقع منه التخصيص لبعضهم في الهداية فخلق ~~فيهم لطفا آثروا به الإيمان والطاعة على الكفر والمعصية، وخالفوا أهواءهم ~~والشيطان، ولم يخلق الله ذلك اللطف فيمن كفر به ولا فيمن عصاه بل طبع على ~~قلوب الكافرين به وجعل صدورهم ضيقة حرجة بالإسلام فآثروا بذلك الكفر على ~~الإيمان، وكذلك العصاة من المسلمين لم يجعل في قلوبهم من التنوير والإيمان ~~ما جعل في قلوب المطيعين. # وعند القدرية: أن الله ساوى بين المسلم والكافر والمطيع والعاصي في ms167 ~~الهداية والتسديد والطف والتنوير وشرح الصدور، ولم يطبع على قلوب الكافرين ~~ولا ختم عليها عن الإيمان، ولكن غلب عليهم الهوى والشيطان. # والدليل على صحة ما ذهبنا إليه من ذلك قول الله تعالى: {ختم الله على ~~قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة} 3 ومثله قوله تعالى في آي كثيرة ~~{أولئك الذين طبع الله على قلوبهم} 4 ومثله قوله: {وجعلنا على قلوبهم أكنة ~~أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا} 5. # فمن قال: إن الله لم يطبع على قلوب الكفار فقد كذب الله في خبره فاعترض ~~هذا المخالف القدري على مواضع من هذا الفصل منها: PageV02P356 # إن قال: أما قولك إنه جعلهم على بنية يصح معها قبول التكليف لا يصح إطلاق ~~هذا لأن من لا عقل له لا يدخل فيه. # والجواب أن يقال: قد قلت: وجعلهم على بنية يصح معها قبول التكليف والمراد ~~بها بنية البلوغ والعقل فلا اعتراض على هذا. # ثم قال بعد هذا: التكليف لا يتصور على قول من يقول: إن الله خلق جميع ~~أفعال العباد، فإن التكليف لا يكون على أصلهم معنى معقول لأنها تجري مجرى ~~ألوانهم. # فالجواب أن يقال له: جمعت بين ألوانهم وأفعالهم في استحالة تكليفهم بغير ~~علة جامعة بينهما إلا بكونهما مخلوقين له، وهذا غير صحيح، لأن ألوانهم لا ~~تدخل تحت تقديرهم ولا توصف بأنها كسب لهم فلذلك لا يتصور التكليف فيها ~~وأفعالهم أقدرهم الله عليها وتوصف بأنها كسب لهم فلذلك صح التكليف فيها. # وقول المخالف: إن قولنا أن الكسب عبارة فارغة لا معنى تحتها. غير صحيح بل ~~المعنى فيها واضح لمن جعل الله له حظا من الهداية، وهو خلق اله فيهم إيثار ~~الإيمان على الكفر والطاعة على المعصية ووقوع ذلك منهم باختيارهم بقدرة ~~PageV02P357 # عن1 إرسال الرسل ونزول الكتب من الله - وليت شعري - ما في العقل مما يدل ~~على أن الصبح ركعتان والظهر والعصر زالعشاء أربع ركعات والمغرب ثلاث ركعات ~~وأمثال ذلك في الشرع كثير2. # ثم أجاب المخالف القدري عن قولنا: إن الله خص بالهداية بعضهم بأن قال: ~~الهداية منقسمة ms168 إلى معان تقدم ذكرها3 منها: الهداية بمعنى البيان والدلالة ~~فهذا عام لجميع المكلفين، وفي ذلك ورد قوله تعالى: {وأما ثمود فهديناهم4 ~~فاستحبوا العمى على الهدى} 5. # وهداية بمعنى الزيادة في التوفيق والتسديد وهي تختص بالمهتدين بأنفسهم6 ~~لأنها مشروطة بتقدم الاهتداء منهم كما قال تعالى: {والذين اهتدوا زادهم ~~هدى} 7. # وكذلك التي هي بمعنى الثواب فإنها تختص بالمستحقين8. # والجواب عن ذلك أن نقول: لا ننكر أن الهداية تصح بمعنى البيان والدلالة ~~وهي المراد بقوله تعالى: {وأما ثمود فهديناهم} أي بينا لهم ودللناهم، فتكون ~~الآية حجة لنا {فاستحبوا العمى على الهدى} ونسبت PageV02P358 # استحباب العمى إليهم لأنه كسب لهم، ولأنهم محل لخلق ذلك فيهم، ولم يرد ~~الهداية التي هي اللطف والتسديد، لأنه لو هداهم لاهتدوا كما أخبر في قوله: ~~{من يهد الله فهو المهتد} 1. # وأما قوله: الهداية التي هي بمعنى الزيادة والتسديد وهي تختص بالمهتدين، ~~فإذا وافقت أن الله يخلق الهداية في قلوب المهتدين ويكون ذلك إنعاما منه ~~عليهم وتفضلا لاهتدائهم أولا بأنفسهم، قلنا لك: فلا يمنع أن ينعم الله ~~عليهم أولا بخلق الهداية في قلوبهم، لأن الموصوف بالهداية في الاستدامة ~~والانتهاء كان موصوفا بابتداء الهداية لهم، ونقول: لولا هداهم الله أولا ~~لما اهتدوا لقوله تعالى: {من يهد2 الله فهو المهتدي} 3 ويرد بالهداية هاهنا ~~اللطف في4 التسديد والتأييد الذي يختص بالمؤمنين، ويدل على صحة قولنا قوله ~~تعالى: {وكذلك أنزلناه آيات بينات وأن الله يهدي من يريد} 5 ولا يمكن ~~استعمال هذه الهداية على البيان والدلالة، بل هداية الإرشاد والتوفيق فقد ~~خص بها من يريد. # وأما قوله: في الهداية التي بمعنى الثواب في الآخرة فلا دليل له على ذلك، ~~ولا نسلم له احتجاجه على ذلك بقوله: {سيهديهم ويصلح بالهم} 6 أنه أراد ~~الثواب، بل المراد به: الإرشاد والتسديد بدليل قوله: {ويصلح بالهم} وهذه ~~صفة إنعامه عليهم في الدنيا، وقوله: {ويدخلهم الجنة} إخبار منه عن إنعامه ~~عليهم في الآخرة، والنعم على العبد في الدنيا والآخرة من الله يختص بها من ~~يشاء من عباده كما قال تعالى: ms169 {وما بكم من نعمة فمن الله} 7 وقال: {يختص ~~برحمته من يشاء} 8 ولو كانت الهداية التي هي التوفيق والتسديد PageV02P359 # عامة لجميه الخلق كما يدعي القدرية لما خصها وعلقها بمن يشاء له ذلك، ~~ويدل على هداية الله للمؤمنين في الدنيا هداية التسديد قوله تعالى في الحج: ~~{إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار ### | … # } 1 الآية ثم قال بعدها: {وهدوا إلى الطيب من القول} الطيب من القول ~~الشهادتان2 {وهدوا إلى صراط الحميد} ، وهذا لا يمكن حمله على ثواب الآخرة3. ~~PageV02P360 ### | 61- # فصل # قال المخالف القدري: وأما الطبع والختم الذي أوردناه في الاحتجاج فهو ~~العلامة على الشيء، كما يقال: طبع فلان الدينار والدرهم معناه أظهر فيهما ~~من العلامات والنقوش ما يتميزان به عن غيرهما، ومعنى هذا أنه علم على ~~قلوبهم علامة تظهر للملائكة يعرفون بها ما هم عليه من الكفر الذي يضمرونه. ~~أو يعلمون بها منزلتهم1 في استحقاق الذم واللعن لينزلوهم2 منزلتهم من ذلك، ~~ويكون في ذلك للملائكة ولمن علم به من المكلفين3، لأنهم متى علموا أنه من ~~أضمر شيئا من المعاصي ظهرت على قلبه علامة تشهد به4 وتدل عليه كان أقرب إلى ~~توقي الخبائث، هذا معتمد قوله ونكتته في الطبع. قال: وكذلك الختم معناه ~~ومعنى الطبع واحد وهو العلامة5. PageV02P361 # والجواب: أن حمل الطبع والختم على القلوب على العلامة عليها من التأويل ~~الذي قال الله تعالى: {ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله} 1 ومن الجدل في الدين ~~بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير، لأنه على ذلك في لغة PageV02P362 # العرب ولا في الشرع، ولا يقبل إلا من أعدمه الله العقل وأغفله عن ذكره. # والدليل على بطلانه أن العلامة في اللغة تسمى السيما1 ولهذا قال الله في ~~علامة المؤمنين: {سيماهم في وجوههم من أثر السجود} 2 وقال سبحانه في علامة ~~الكفار يوم القيامة: {يعرف المجرمون بسيماهم فيؤخذ بالنواصي والأقدام} 3 ~~وسيماهم اسوداد في وجوههم وزرق في أعينهم4، وقال في علامة الفقير: {تعرفهم ~~بسيماهم لا يسألون الناس إلحافا} 5 يعني بعلامة الفقر، فإذا ms170 صح في السيما ~~وهي العلامة أن تسمى بهذه6 المعاني مع اختلافها فيجوز على مقتضى هذا أن ~~يسمى أثر السجود في وجوه المؤمنين طبعا وختما، لأن حقيقة الاسم لا يتغير ~~ولا يختلف لاختلاف المحل المسمى به، وهذا لا يقوله أحد، ويقال لهم: إذا صح ~~في اللغة والشرع أن يحمل الختم والطبع على قلوب الكافرين على علامة على ~~قلوبهم يعرفهم7 بذلك الملائكة ليستعملوا فيهم ما هم له أهل من اللعن والذم ~~وينزلوهم بمنزلتهم التي يستحقونها فما المانع أن تسمى الهداية8 والتنوير في ~~قلوب المؤمنين طبعا وختما، ويحمل ذلك على أن الله جعل ذلك علامة على قلوبهم ~~ليعرفهم بها الملائكة ليستمعلوا بهم ما ندبوا إليه من الصلاة عليهم والدعاء ~~PageV02P363 # لهم، ويستوي المسلم والكافر في هذه التسمية كما استويا في اسم السيما وهي ~~العلامة على ما مضى وهذا لا يقبله عاقل1. # وأما استدلال المخالف على تأويل هذا بقوله: طبع الدينار والدرهم إذا جعل ~~عليه علامة فلا يسلم له،2 بل يقال: طبع الدينار والدرهم إذا ختم عليه ~~بالطبع المنقوش عليه ويسمى الطابع والخاتم، والطبع والختم معنى واحد، وهو: ~~التغطية على الشيء والاستيثاق منه حتى لا يدخله شيء، ومنه يسمى ختام ~~الكتاب: خاتمة لتغطية ما في باطنه وصيانته عن نظر الناظرين إلى باطنه3. # والدليل على أن الطابع يستعمل في معنى الختم، ما روي أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: "من توضأ فقال سبحانك اللهم وبحمدك اشهد أن لا إله إلا أنت ~~أستغفرك وأتوب إليكن كتب في رق ثم طبع عليه بطابع فلا يكسر إلى يوم ~~القيامة"4. # ومعناه: ختم على الكتاب بطابع. # والطبع في اللغة: الوسخ والدنس يغشيان السيف ثم يستعمل فيما يشبه5 الوسخ ~~من الآثام والأوزار6 ومنه الحديث PageV02P364 # عن النبي صلى الله عليه وسلم: "استعيذوا1 بالله من طمع يهدي إلى طبع"2. ~~أي إلى دنس. # وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: "كل الخلال يطبع عليها المؤمن ~~إلا الخيانة والكذب" 3 أي يخلق عليها، ويدل على أن الختم هو التغطية والسد ~~على الشيء قوله تعالى: ms171 {اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد ~~أرجلهم} 4 أي تغطي أفواههم ويسد عليها، ولو كان الختم في اللغة هو العلامة ~~لكانت العلامة على أفواههم هاهنا لا تمنعهم عن الكلام ويدل عليه قوله ~~تعالى: {قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكم من إله غير ~~الله يأتيكم به} 5 أفترى يحسن استعمال العلامة على الختم على قلوبهم هاهنا. # وكذلك قوله تعالى: {فإن6 يشأ الله يختم على قلبك} 7 أي يربط على قلبك فلا ~~تدخله المشقة لأنه شق على النبي صلى الله عليه وسلم تكذيب قومه8 وهو قوله ~~PageV02P365 # : {يقولون افترى على الله كذبا} 1 حين زعم أن القرآن من عند الله، فهل ~~يحسن2 استعمال العلامة في شيء من هذا أو يقبله عقل؟ ويدل على أن المراد ~~بالطبع على قلوبهم هو سدها وتغطيتها عن الهداية والإسلام قوله تعالى: {فطبع ~~على قلوبهم فهم لا يفقهون} 3 فأخبر أن الطبع أورثهم عدم الفهم، وهذا المعنى ~~لا يوجد في العلامة على القلوب. # ويدل على صحة قولنا: ما روي أن قوما من المنافقين حضروا خطبة النبي صلى ~~الله عليه وسلم يوم الجمعة فلما خرجوا من المسجد قالوا للذين أوتوا العلم: ~~ماذا قال آنفا؟ يعنون الساعة4 وقد سمعوا قول النبي صلى الله عليه وسلم ولم ~~يفقهوه، فأخبر الله عن أن المعنى الذي أورثهم عدم تفقههم5 قول النبي صلى ~~الله عليه وسلم6 فقال: {أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا أهواءهم} ~~أي في الكفر، وهذا كقوله تعالى: {ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع ~~هواه} 7، فنسب إغفال قلوبهم إليه، كما نسب الطبع على قلوبهم إليه، واتبعوا ~~لذلك أهواءهم ونسب اتباعهم لأهوائهم إليهم، لأنه كسبهم ولأنهم محل لخلق ~~الله ذلك فيهم. ويدل على صحة قوله قوله تعالى: {ختم الله على قلوبهم وعلى ~~سمعهم وعلى PageV02P366 # أبصارهم غشاوة} 1 وقد قرأ بعض القراء (غشاوة) بالنصب فيكون تأويل الآية ~~غطاءا على قلوبهم فلا تفقه2 وعلى أسماعهم فلا تسمع وعلى أبصارهم غشاوة3 فلا ~~تبصر4، ولو كان المراد بالختم هاهنا: العلامة، ms172 لكانت العلامة على آذانهم ~~وعلى أعينهم مشاهدة يدركها كل أحد كما يدرك العلامة على وجوههم وعلى ~~أبصارهم يوم القيامة ويشاهدها كل أحد، فبطل أن يكون الختم والطبع هو ~~العلامة. # واستدل المخالف على تأويله بقوله تعالى: {بل5 طبع الله عليها بكفرهم فلا ~~يؤمنون إلا قليلا} 6 فأخبر أن الإيمان بالطبع يحصل من قليل منهم7. # والجواب: أن هذه الآية حجة عليه، وأن الطبع: هو السد8 والتغطية لأن الله ~~سبحانه أخبر عنهم أنهم قالوا: {قلوبنا غلف} يعنون قلوبنا في أكنة: أي عليها ~~الغطاء فلا نفقه ولا نفهم ما يقول محمد صلى الله عليه وسلم فقال الله: {بل ~~طبع الله عليها} أي ختم عليها بكفرهم: أي جعل ذلك مجازاة لهم على كفرهم، ~~وقيل: لما سبق في علمه بكفرهم، وأما قوله: {فلا يؤمنون إلا قليلا} ~~PageV02P367 # يقول ما أقل ما يؤمنون البيتة، ويجوز أن يكون المراد فلا يؤمنون إلا ~~قليلا ممن أراد الله منه الإيمان فأزال الطبع عن قلبه1 لأنه قال: {ويتوب ~~الله على من يشاء} 2. PageV02P368 ### | 63- # فصل # يقال للقدري: إذا قلتم عن الله سبحانه لم يخص أحدا بالهداية إلى الإيمان ~~والمعرفة، فهل ساوى بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين أبي جهل وأبي لهب ~~بهذه المنزلة؟ أو هل سوى بين موسى عليه السلام وفرعون بهذه المنزلة؟! فمن ~~أصلهم الفاسد أن1 يقولوا: نعم سوى الله بينهم فيقال لهم قال الله: {ولقد ~~فضلنا بعض النبيين على بعض} 2 قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا بورك لي ~~في يوم لا أزداد فيه علما"3، وقال الله تعالى: {ورفعنا بعضهم فوق بعض ~~درجات} 4، وهل درجة أفضل من المعرفة بالله، وهل فاضل الله بين الأنبياء ~~بشيء أفضل من المفاضلة بينهم بالمعرفة به سبحانه، وعلى قدر درجاتهم ~~بالمعرفة بالله في الدنيا تكون درجاتهم في الآخرة5 بالجنة، فكيف يتصور عاقل ~~أن الله سوى بين أنبيائه وبين أعدائه في الهداية واللطف والتوفيق لمعرفته، ~~ولو حلف حالف بطلاق نسائه ثلاثا ما سوى الله بين أنبيائه وبين أعدائه في ~~اللطف PageV02P369 # أن الله سوى بين قلب من ms173 قال فيه: {ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا} 1 ~~وبين قلب من قال الله فيها وهي أم موسى صلى الله عليه وسلم: {لولا أن ربطنا ~~على قلبها لتكون من المؤمنين} 2، ومثلها قوله تعالى في أهل الكهف: {وربطنا ~~على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والأرض} 3 وهل يتصور التسوية ~~بين من قال الله فيهم: {فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء} 4 وبين من قال ~~فيهم: {وألف بين قلوبهم} 5 وقوله: {ولكن الله ألف بينهم} 6. # ويقال للمعتزلة والقدرية: قلتم إن الله لم يخص أحدا بالعلم والإيمان ~~ولكنهم آمنوا بأنفسهم فأين أنتم من قول الله تعالى: {وقال الذين أوتوا ~~العلم والإيمان} 7 وقال: {ولقد آتينا لقمان الحكمة} 8، وقال: {ومن يؤت ~~الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا} 9، وقال: {الرحمن علم القرآن} 10، وقال: {علم ~~الإنسان ما لم يعلم} 11، وقال: {وعلمك ما لم تكن تعلم} 12 فلو كان الإنسان ~~علم نفسه، أو لم يخص أحدا بإيتاء الإيمان والحكمة، أو سوى بين الخلق بذلك ~~لم يكن لذكر تخصيص الله بمن ذكر ممن ذكر معنى. PageV02P370 ### | 63- # فصل # يقال للقدري: إذا قلتم عن الله سبحانه لم يخص أحدا بالهداية إلى الإيمان ~~والمعرفة، فهل ساوى بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين أبي جهل وأبي لهب ~~بهذه المنزلة؟ أو هل سوى بين موسى عليه السلام وفرعون بهذه المنزلة؟! فمن ~~أصلهم الفاسد أن1 يقولوا: نعم سوى الله بينهم فيقال لهم قال الله: {ولقد ~~فضلنا بعض النبيين على بعض} 2 قال النبي صلى الله عليه وسلم: " لا بورك لي ~~في يوم لا أزداد فيه عل ما"3، وقال الله تعالى: {ورفعنا بعضهم فوق بعض ~~درجات} 4، وهل درجة أفضل من المعرفة بالله، وهل فاضل الله بين الأنبياء ~~بشيء أفضل من المفاضلة بينهم بالمعرفة به سبحانه، وعلى قدر درجاتهم ~~بالمعرفة بالله في الدنيا تكون درجاتهم في الآخرة5 بالجنة، فكيف يتصور عاقل ~~أن الله سوى بين أنبيائه وبين أعدائه في الهداية واللطف والتوفيق لمعرفته، ~~ولو حلف حالف بطلاق نسائه ثلاثا ما سوى الله بين أنبيائه وبين أعدائه ms174 في ~~اللطف PageV02P371 # والهداية إلى الإيمان به1 لم يحكم أحد ممن له أدنى فطنة في الفقه بطلاق ~~امرأة2 من حلف، بل الذي لا شك فيه ولا مرية عند من له فهم ودراية في الفقه ~~أن رجلا لو قال: امرأته طالق ثلاثا لقد ضل الله من يقول إن الله لم يساو ~~بين الخلق في الهداية والإيمان على من قال إنه ساوى بينهم بذلك لم يحكم ~~عليه بطلاق امرأته، لأن على ذلك أدلة قطعية من الكتاب والعقل. # ولو حلف بطلاق امرأته ثلاثا أن القدرية هم الذين يقولون: إنهم يخلقون ~~أفعالهم دون من يقول إن الله خلق أفعالهم لم يحكم بطلاق امرأته على قول ~~جميع الأئمة الذين جعل الله جميع أهل الأرض تابعين لهم وجمع هممهم على ذلك ~~وهم الشافعي ومالك وأبو حنيفة وأحمد وأهل الظاهر ولم يخرج عن هؤلاء إلا من ~~لا يعد قوله خلافا. # استدل المخالف بقوله تعالى: {استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله} 3. # والجواب: أن نقول لا شك أن الله سبحانه قدر أفعال الشر على يد إبليس ~~وخلقه سببا للشر، وقال صلى الله عليه وسلم: "لو أراد الله أن لا يعصى لما ~~خلق إبليس"4، وروي في الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " قال ~~الله عزوجل: أنا الله لا إله إلا أنا خلقت الخير والشر وقدرته على يدي من ~~يكون فطوبى لمن خلقت الخير على يديه وويل لمن خلقت الشر على يديه"5. # ومن أشنع ما شهد به هذا المخالف على نفسه قوله: PageV02P372 # إن الله خلق إبليس للعبادة1. # فيقال له: قل إن الله خلق إبليس لما خلق له جبريل وميكال ولما خلق له ~~النبي صلى الله عليه وسلم من العبادة ولطف به في الهداية إلى معرفته وطاعته ~~كما لطف بهؤلاء، ولم يفضلهم عليه إلا بالنبوة. # وهذا قول يشهد على قائله بالشناعة، فليت شعري من المراد بقوله2 تعالى: ~~{ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس} 3، إن كان إبليس لم يخلق لجهنم؟! ~~وأما تمويهه بتأويل4 هذه الآية فلا يقبله من أنعم الله ms175 عليه بشيء من العقل ~~وسيأتي بيان فساده5. PageV02P373 ### | 64- # فصل # قال المخالف القدري: وأما استدلال المستدل بقوله تعالى: {وجعلنا على ~~قلوبهم أكنة أن يفقهوه} 1. # فقد اختلف في تفسيره فمنهم من قال: إن الكفار كانوا إذا سمعوا تلاوة ~~النبي صلى الله عليه وسلم للقرآن في صلاة الليل في الحرم أيام كان بمكة في ~~أول الإسلام رجموه وآذوه فأراد الله منعهم من ذلك فألقى عليهم النوم ~~والأمور المانعة من السماع للكلام والفهم له فسمى ذلك حجابا مستورا ووقرا ~~في الآذان وأكنة على القلوب وهو قوله تعالى: {جعلنا بينك وبين الذين لا ~~يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا} إلى قوله: {ولوا على أدبارهم نفورا} 2. # ومنهم من قال: إنما ذكر الله ذلك على جهة التمثيل ممن هو على هذه الصفة ~~كما سماهم عميا وبكما وصما، وإنما أراد أنهم3 بمثابة من هو كذلك وإلا فقد ~~علمنا أنهم لم يكونوا كذلك حقيقة بل كانوا يبصرون ويسمعون ويعقلون أكثر ~~الأشياء، فعلى أي التأويلين حملنا ما أورده4 المستدل لم يكن فيه حجة. # والجواب أن يقال لهذا المخالف: صحة قولك في التأويل فرع على صحة قولك في ~~التنزيل، فإذا كان قولك في التنزيل غير صحيح وهو أنك لا تقر بأن هذا القرآن ~~كلام الله حقيقة وإنما تطلق ذلك في احتجاجك لتغر العوام أنك تحتج بكلام ~~الله وأن لك تأويلا صحيحا، وحقيقة قولك الذي تعتمد PageV02P374 # عليه أنه لا كلام لله حقيقة فكيف يقبل منك التأويل، ثم يقال: عمن تروي ~~هذا الاختلاف في التأويل من أهل التفسير، والمشهورون في تفسير القرآن من ~~الصحابة علي وابن عباس وأبي بن كعب وابن مسعود، ومن التابعين أبو العالية1 ~~ومجاهد وعكرمة2 وسعيد بن جبير وعطاء بن يسار3 مولى بني أسد4 وطاوس5 وعلي بن ~~عبد الله بن عباس6 وأبو الجوزاء أوس بن عبد الله الربعي7 وأبو مالك ~~الغفاري8. # قال مجاهد: "قرأت القرآن على PageV02P375 # ابن عباس ثلاثين مرة من فاتحته إلى خاتمته أوقفه عند كل آية فأسأله عنها ~~وعمن نزلت فيه"1. # وقال أبو الجوزاء: "أقمت بالمدينة ثلاث عشرة سنة أو أربع ms176 عشرة سنة فسألت ~~ابن عباس عن كل آية في القرآن ظهرها وبطنها وفيمن نزلت"2. # وقال طاوس: "صحبت ابن عباس أربعين سنة وأدركت سبعين شيخا من أصحاب النبي ~~صلى الله عليه وسلم إذا بدروا3 في أمر انتهوا فيه إلى قول4 ابن عباس"5. # وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا لابن عباس وقال: "اللهم علمه ~~التأويل والتنزيل وفقهه في الدين واجعله من عبادك الصالحين" 6، ولم يذكر في ~~كتب PageV02P376 # هؤلاء1 الأئمة شيء من هذه التأويلات التي أوردها هذا المخالف، وإنما ذلك ~~من تخيلات المعتزلة والقدرية وتأويلاتهم الفاسدة التي يرومون بها صرف ~~القرآن عن ظاهره الذي يشهد على بطلان مذهبهم الفاسد، والذي ذكره المفسرون ~~المعتمد على تفسيرهم من الصحابة والتابعين أن الأكنة على القلوب: هي ~~الغشاوة والأغطية عليها، وهي معنى الختم والطبع عليها عن الإيمان الهدى ~~بدليل قوله تعالى: {وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه} وهذا يراد به عدم ~~فقههم وفهمهم2 لمعاني القرآن المودعة في القرآن3، ولو كان المراد به ما ~~ذكره المخالف من منعهم من أذى النبي صلى الله عليه وسلم لما كان لذكر فقههم ~~معنى، ولقال: أن يسمعوه. # ويدل على بطلان تأويله أن النوم وغيره من الموانع عن أذى النبي صلى الله ~~عليه وسلم لا تسمى أكنة على القلوب ولا وقرا في الآذان، بل تسمى شاغلا ~~ومانعا عن الأذى، وهذا المعنى الذي ذكره معلوم بقوله تعالى: {والله يعصمك ~~من الناس} 4 وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم تحرسه أصحابه حتى نزلت هذه ~~الآية: {والله يعصمك من الناس} فأخرج النبي صلى الله عليه وسلم رأسه إلى ~~أصحابه بالليل وقال: "يأيها الناس انصرفوا5 فقد عصمني الله من الناس"6. ~~PageV02P377 # ويدل على صحة ما ذهبنا إليه قوله تعالى: {إن الله يسمع من يشاء وما أنت ~~بمسمع من في القبور} 1. ومعنى الآية أن الله يسمع الإيمان من يشاء من خلقه ~~أن يفقههم ويفهمهم، وما أنت بمفقه2 الكفار الإيمان الذين هم بمنزلة من في ~~القبور3، ومثل هذا قوله تعالى: {إن شر الدواب عند الله الصم البكم ms177 الذين لا ~~يعقلون ولو علم الله فيهم خيرا لآسمعهم} 4 يعني لأعطاهم الإيمان5 {ولو ~~أسمعهم} أي لو بين لهم كل ما يختلج في صدورهم {لتولوا وهم معرضون} لما سبق ~~عليهم في علم الله أنهم لا يؤمنون. # وأما قول المخالف: إنما ذكر ذلك على جهة التمثيل فإنما يحسن هذا في قوله ~~تعالى: {وما أنت بمسمع من في القبور} أي هم6 بمنزلة من في القبور، وأما ~~قوله تعالى: {وجعلنا على قلوبهم أكنة} في مواضع كثيرة من القرآن فلا يصح7؛ ~~PageV02P378 # لأنها كقوله: {وجعلنا السماء سقفا محفوظا} 1 وكقوله: {وجعلناهم أئمة ~~يهدون بأمرنا} 2 {وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار} 3، فخلق كل قوم لما لم ~~يخلق له الآخرين، فمن قال: إن الله لم يجعل على قلوبهم أكنة وإنما شبههم به ~~فقد رد على الله خبره وصرف الكلام إلى غير ظاهره لغير ضرورة ولا معنى يدل ~~على ذلك. PageV02P379 ### | 65- # فصل # ومن الأدلة المذكورة لنا في الرسالة قوله تعالى: {والله يدعو إلى دار ~~السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم} 1 وأخبر سبحانه أنه عم جميع الخلق ~~بالدعاء إلى دار السلام2 وهي الجنة، وأخبر أن الهداية منه إلى إجابته خاصة ~~لبعضهم3. # فأجاب المخالف القدري عن هذا الاستدلال وقال: لا عموم في هذا لأن قوله: ~~(يدعو) فعل مستقل، والعموم أحد أقسام الأسماء ولا يدخل في الأفعال، وأما ~~قوله: فإن الهداية إلى الإجابة خاصة لبعضهم فليس في الآية ما يدل على تخصيص ~~بعض المكلفين بالهداية دون بعض، فإن أكثر ما فيها أنه يهدي من يشاء وليس ~~فيها بيان من يشاء هدايتهم، فيحتمل أنه يريد الهداية العامة فيكون تخصيصا ~~للمكلفين جميعا دون من لم يشأ تكليفه كالمجانين ومن شاكلهم، ويحتمل أنه ~~يريد الهداية التي تختص بالمؤمنين وهي الزيادة في التوفيق والتسديد أو ~~الثواب على ما مضى4. # والجواب أن يقال له: أما قولك بأنه لا عموم بقوله تعالى: {والله يدعو إلى ~~دار السلام} لأنه فعل5 فهذا يدل على إفلاسك من العربية وجهلك بأقسام ~~العموم. # والمعنى فيما ذكر أنا لا ننكر أن قوله ms178 (يدعو) فعل مستقل يتعدى إلى مفعول ~~وهم الخلق المدعون إلى دار السلام، والسلام: هو اسم من أسماء PageV02P380 # الله تعالى كقوله تعالى: {الملك القدوس السلام} 1 فهو يدعو عباده إلى ~~داره وهي الجنة، ويجوز أن يكون سماها دار السلام لأن من صار إليها سلم من ~~الآفات والعذاب2، والدليل على صحة ما ذكرنا أن قولك: دعا يدعو من أفعال ~~التي تتعدى إلى مفعول، فيفهم ذلك بالإطلاق كقولك ضرب وقتل، فلما حذف ~~المفعول دل على أنه أراد دعاء جميع المكلفين3، فلما قال بعده: {ويهدي من ~~يشاء إلى صراط مستقيم} كان الظاهر أن الهداية منه إلى بعض من تقدم ذكره في ~~الدعاء. # وأما قول المخالف: إنه أراد بالهداية هاهنا الهداية العامة فتكون لبعض ~~المكلفين وهم العقلاء والبالغون. # فالجواب أنه لا يصح حمل الآية على هذا لأن المجانين والصغار غير داخلين ~~في التكليف، فهم غير داخلين في عموم المدعين، لأنه لم يدع الخلق إلى دار ~~السلام إلا بالتكليف، وهو: الإيمان به والشرائع، وهؤلاء غير داخلين في ~~الخطاب العام، فيكون المكلفون مخصوصين بالهداية، وأيضا فإن الهدى العام هو: ~~البيان والدلالة، ولا يجوز أن يخص بالبيان والدلالة بعض الخلق دون بعض4، ~~وإذا بطل هذا ثبت أن المدعيين إلى دار السلام هم جميع المكلفين الداخلين في ~~واجبات التكليف، وأن الهداية إلى الإجابة خاصة منه لبعضهم. PageV02P381 # وأما قوله: يحتمل أنه يريد بالهداية هي التي تختص بالمؤمنين من الزيادة ~~في التوفيق والتسديد، فهذا غير صحيح لأنه علق ذلك على من يشاء ولم يخص به ~~المؤمنين الذين اهتدوا فيكون كقوله تعالى: {يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن ~~يشاء الذكور} 1 لا يختص به المؤمنون ولا الكافرون2. # وأما قوله يحتمل أنه3 أراد بالهداية هاهنا الثواب في الآخرة غير صحيح، ~~لأنا قد بينا أن حمل الهدى على الثواب لا يصح في اللغة ولا دليل عليه من ~~الشرع4 وعلى أنه لو صح أن الهدى يحمل على الثواب لم يعلقه الله بمن يشاء ~~لأن الثواب يكون للمطيعين، وعندكم أن الله لو لم يثب المطيعين لظلمهم ms179 فلا ~~يجوز تعليقه على مشيئته، وأيضا فإنه قال في الآية: {ويهدي من يشاء إلى صراط ~~مستقيم} والصراط المستقيم قيل: "هو الإسلام"5، وقيل: "هو كتاب الله"6، ~~وقيل: "هو دين الله الذي لا يقبل من العباد غيره"7. وقال ابن عباس: "هو ~~طريق الجنة"8. PageV02P382 # والصراط: "الطريق بلغة الروم"1 وهذا كله يدل على أنه لا يمكن حمل الهدى ~~هاهنا على الثواب في الآخرة. PageV02P383 ### | 66- # فصل # ومن الأدلة المذكورة في الرسالة لنا قوله تعالى: {فمن يرد الله أن يهديه ~~يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا} 1 فنسب الله ~~سبحانه الإرادة في الهداية بشرح صدور المسلمين2 إليه، ونسب الإرادة في ~~إضلالهم وجعل صدورهم ضيقة حرجة إليه، وهذا كله أدلة على القدرية لا مخرج ~~لهم عنها. # فأجاب المخالف القدري عن هذا الاستدلال وقال: لا حجة لهذا المستدل بهذه ~~الآية وذلك لما بينا أن الهداية منقسمة إلى معان، أحدها: الثواب، والضلالة ~~منقسمة إلى معان أحدها: العقاب3، فمعنى الآية من يرد الله أن يثيبه من ~~المؤمنين يقدم له شرح الصدر الذي من جملة الثواب العاجل وزيادة اللطف لأجل ~~الإسلام الذي فعله هو، فيكون عند الشرح أقرب إلى الاستقامة على ما هو عليه ~~من الإيمان، ومن يرد أن يعاقبه من العصاة يقدم له حرج الصدر الذي هو جار ~~مجرى العقاب على كفره، فيصير صدره ضيقا حرجا بما هو عليه من الكفر ليكون ~~أقرب إلى الانتقال عن الكفر الذي هو سبب ذلك الحرج في الدنيا والعقاب، وقد ~~دل على أنه أراد بذلك عقابهم بقوله تعالى في آخر الآية: {كذلك يجعل الله ~~الرجس على الذين لا يؤمنون} . والرجس هو العقاب فأخبر أنه جعل عليهم الرجس ~~لما لم يؤمنوا. # والجواب أن الهدي يعود إلى معنيين: # أحدهما: هدي بيان ودلالة، وهذا هو الهدي4 لجميع المكلفين، وهو ~~PageV02P384 # الهدي الذي أخبر الله أنه هدى له ثمود، والهدي المضاف إلى الرسل. # والهدي الثاني: هدي تأييد وتوفيق، وهو هدي الله للمؤمنين، وهو الهدي الذي ~~لم يجعله الله إلى النبي صلى الله عليه وسلم ولا ms180 إلى غيره من الرسل، بقوله ~~تعالى: {إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء} 1 وهو المراد بالهدي ~~في هذه الآية التي نحن فيها، يشرح له الصدر: أي يوسعها ويفتحها للإسلام2. ~~فأما ما ادعاه المخالف: من أنه قد ورد في القرآن وهو قوله تعالى: {والذين ~~قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم سيهديهم} 3. # والمراد به الثواب، وعلى هذا يحمل الهدى في هذه الآية فغير مستقيمة في ~~لغة ولا شرع، وقد قرئ: {والذين قتلوا في سبيل الله} وقرئ: {قتلوا} بفتح ~~القاف والتاء، أي قتلوا غيرهم وهم أصحاب بدر {سيهديهم} 4 فيكون تأويل الآية ~~على هذا: سيهديهم في الدنيا هداية التأييد والتوفيق5 بدليل قوله: {ويصلح ~~بالهم} والبال هاهنا: هو سعة الرزق في الدنيا، وقيل عبر بالبال عن القلوب ~~بدليل قول العرب: لم يخطر هذا على بالى6 أي على قلبي، ونقول لغيرك: اجعلني ~~واجعل حاجتي على بالك، أي على قلبك7، وأما قوله: {ويدخلهم الجنة عرفها لهم} ~~فأخبر8 عما يفعل لهم في الآخرة بعد إخباره عما يفعل لهم في الدنيا، فيكون ~~تأويلنا هذا أولى من تأويلهم؛ لأن ذلك PageV02P385 # يفيد الإخبار عن إنعامه عليهم في الدنيا والآخرة، وعلى ما ذكره المخالف ~~يكون مكررا عن معنى واحد؛ لأن الثواب هو الجنة والجنة هي الثواب، ومتى أمكن ~~حمل الكلامين على فائدتين محددتين كان أولى من الحمل على فائدة واحدة ~~مكررة. # وأما قراءة من قرأ {والذين قتلوا} بالتخفيف، وقراءة من قرأ {قتلوا} ~~بالتشديد وهم قتلى بدر {سيهديهم} فإن تأويل الآية على هذا: سيهديهم في ~~القبور عند المسألة منكر ونكير إلى القول الثابت بالتوحيد، وهو قوله تعالى: ~~{يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة} 1 ~~والقول الثابت: قول لا إله إلا الله، وهذا مما يرده القدرية ويجحدونه ~~وينكرون عذاب القبر ومسألة منكر ونكير، ويقولون إن الله لم يثبت الذين ~~آمنوا وإنما هم ثبتوا أنفسهم. # والآية حجة عليهم2، وسيأتي بيان ذلك في موضعه إن شاء الله3. # ثم أخبر بما ينعم به عليهم في الآخرة ms181 وقال: {ويدخلهم الجنة عرفها لهم} ~~قيل: طيبها لهم4، وقيل: يعرفهم منازلهم فيها5 ويكون6 في هذا التأويل حمل ~~PageV02P386 # الكلام على فائدتين محددتين على ما مضى1. # وأما قول المخالف: إن الضلال قد يراد به العقوبة2 واستدل عليه بقوله ~~تعالى: {إن المجرمين في ضلال وسعر يوم يسحبون في النار على وجوههم} 3 فغير ~~مسلم له، بل نقول: المراد بهذه الآية أن المجرمين في ضلال من الدين، وسعر ~~يعني بعدا من الحق، وقيل: في شغل وعنا. # وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية فقال: "هذه الآية أنزلت ~~في أناس يكذبون بالقدر"4 ويدل على صحة هذا التأويل إخبار الله عن ثمود وهم ~~قوم صالح في قوله تعالى: {كذبت ثمود بالنذر فقالوا أبشرا منا واحدا نتبعه ~~إنا إذا لفي ضلال وسعر} 5 وأرادوا وصف أنفسهم في هذا الحال، وهذا كقوله ~~تعالى: {إن المنافقين هم الفاسقون} 6 وأراد وصف المنافقين بالفسق، وكقوله ~~تعالى: {هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه بل الظالمون في ضلال ~~مبين} 7 فأثبت الخلق لنفسه ونفى الخلق عن غيره ثم قال: {بل الظالمون في ~~ضلال مبين} فوصف من أثبت الخلق لغير الله سبحانه بالظلم وأنهم في ضلال ~~مبين، وأراد في ضلال من الدين، مبين أي بين، وهذا كوصف الله المجرمين أنهم ~~في ضلال8، وسعر أي في عناء أو في بعد من الحق. وأما استدلاله على تأويله ~~بقوله تعالى: {يوم يسحبون في النار على وجوههم} 9 فلا PageV02P387 # يدل على أنه أراد وصفهم بالضلال يوم يسحبون وإنما أخبر سبحانه عما يصنع ~~بهم في الآخرة فقال: {يوم يسحبون في النار على وجوههم} يقال لهم: {ذوقوا مس ~~سقر} فحذف يقال لهم لدلالة الكلام عليه1، وهذا كقوله تعالى: {يوم تبيض وجوه ~~وتسود وجوه فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم} 2 أي يقال: ~~{أكفرتم بعد إيمانكم} . # وأما قول المخالف: إن شرح صدور المؤمنين من الله من جملة الثواب على ~~الإسلام الذي فعلوه فيه3، فيقال لهم: هل شرح الله صدورهم قبل أن يسلموا أو ms182 ~~بعد أن يسلموا؟ فإن شرح الله صدورهم قبل أن يسلموا فكيف أثابهم على فعل شيء ~~لم يوجد منهم؟ وإن قلتم: إنه شرح صدورهم بعد أن أسلموا قيل لهم: زاد ~~إيمانهم بهذا الشرح أو لم يزد؟ فإن لم يزد إيمانهم بذلك فما أفاد هذا الشرح ~~فائدة إذا لم تظهر له فائدة. وإن قلتم ازداد إيمانهم4 بهذا الشرح أدى ذلك ~~إلى إبطال قولكم إن الإيمان لا يزيد5. # ثم يقال لهم: أيثيبهم الله على هذه الزيادة التي كانت من الله لهم بشرح ~~صدورهم أم لا؟ فإن قلتم: لا يثيبهم عليها، قلنا: فلا فائدة منها ولا وجه ~~لامتنان الله بذلك عليها، وإن قلتم بل يصيبهم الله عليها كما يثيبهم على ما ~~خلقوه لأنفسهم قبل ذلك، قلنا لهم وكيف يثيبهم الله على شيء خلقه6 فيهم كما ~~لا يثيبهم على خلقه لألوانهم وصورهم؟، وأيضا فإنه يؤدي إلى أن PageV02P388 # يكون إيمانهم شيئا واحدا بعضه خلقوه لأنفسهم، وبعضه خلقه الله فيهم وقد ~~نفى الله أن يكون له شريك فيما خلق. # وأما قول المخالف: إن بهذا الشرح يكون المؤمن أقرب إلى الاستقامة على ما ~~هو عليه من الإيمان، فيقال له: فهل علم الله أن هذا المؤمن يستقيم على ~~إيمانه قبل الشرح لو لم يشرح صدره، أو علم أنه لا يستقيم؟ فإن علم أنه لا ~~يستقيم لو لم يشرح صدره أدى ذلك إلى أنه أجبره على الاستقامة بالشرح وأدى ~~إلى أنه لا يستحق الشرح1، وإن قلتم: بل علم أنه يستقيم قبل الشرح، قلنا: ~~فلا فائدة بهذا الشرح، ثم يقال لهذا المخالف ولأهل مذهبه: إذا جاز في العقل ~~والشرع أن يشرح صدور خلقه للإيمان ثوابا منه في الدنيا على ما كان منهم من ~~الإيمان ويثيبهم على هذه الزيادة في الآخرة فما المانع لكم من أن تصفوه ~~بأنه يبتدئ الشرح في صدورهم للإيمان تفضلا منه وإنعاما عليهم في الدنيا على ~~غير عمل سبق منهم ويثيبهم على ذلك في الآخرة، وتقولوا كما قال الله سبحانه: ~~{وما بكم من نعمة فمن الله} 2، وكقوله: {ذلك ms183 هدى الله يهدي به من يشاء3ومن ~~يضلل الله فما له من هاد} 4 وقال: {ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو ~~الفضل العظيم} 5 وليس فضل أفضل من الإيمان، وقوله: {يختص برحمته من يشاء} 6 ~~وهلا قلتم كما أخبر الله عن أهل الجنة إذ استقروا في منازلهم فقالوا: ~~{الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله} 7 وتأويله ~~الذي هدانا بالإسلام8 إلى هذا الخير {وما كنا لنهتدي} فنفوا عن أنفسهم ~~الاهتداء لولا PageV02P389 # أن هداهم الله، وهذا يرد قول القدرية، وبمثل هذا أخبر الله عن أهل النار ~~بقوله: {وبرزوا لله جميعا فقال الضعفاء} وهم الأتباع {للذين استكبروا} وهم ~~القادة1 {إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا من عذاب الله من شيء قالوا ~~لو هدانا الله} لدينه وطاعته {لهديناكم} 2 لدينه فنسبوا الهداية إلى الله ~~سبحانه، والهدى في هذا كله لا يحتمل إلا التأييد والتوفيق إلى الإسلام. # وروي أن الحسن بن علي – رضي الله عنه – قال: "علمني رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أن أدعو في الوتر: اللهم اهدني فيمن هديت وعافني فيمن عافيت ... ~~"3 إلى آخر الكلمات. وهذا الخبر مما تلقته الأمة بالقبول، وعمل به الأئمة ~~الأعلام4 وهو موافق لما أمر الله عباده أن يدعوه بقوله: {اهدنا الصراط ~~المستقيم} 5 PageV02P390 # أي أرشدنا الطريق وعرفناه وثبتنا عليه، وقيل معناه وفقنا وسددنا1 فدل على ~~أن الهداية من الله، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينقل التراب يوم ~~أمر2 بحفر الخندق وهو يرتجز برجز عبد الله بن رواحة: # اللهم لولا أنت ما اهتدينا # ولا تصدقنا ولا صلينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا # فأنزلن سكينة علينا ... وثبت الأقدام إن لاقينا3 # وهذا موافق لقول الله تعالى: {قل إن الهدى هدى الله} 4 {يهدي به من يشاء ~~من عباده} 5. # وأما تأويل المخالف لقول الله: {ومن يرد أن يضله يجعل صدره} الآية بأنه ~~أراد من يعاقبه من العصاة يقدم له حرج الصدر6، فقد بينا أن الإضلال لا ~~يستعمل في موضع العقوبة7 ms184 وإن سلمنا له ذلك تسليم جدل لا تسلم نظر قلنا: فهل ~~أراد عقوبته بإحراج صدره قبل وجود الكفر منه أو بعد وجود الكفر منه؟ # فإن قال: أراد ذلك قبل وجود الكفر منه، قلنا: فقد وافقت أن الله أراد ~~العقاب والكفر الذي نهى عنه قبل وقوعه8، وإن قال: أراد ذلك بعد PageV02P391 # وجود الكفر من الكافر، قلنا لك: فقولك هذا يؤدي إلى أن الله خلق إرادته ~~وأحدثها بعد أن1 لم تكن، وهو سبحانه ليس بمحل لحوادث2، ثم يقال له أراد تلك ~~الإرادة بإرادة قبلها أم بغير إرادة؟ فإن قال: بل بغير إرادة – ولا يقول إن ~~له إرادة بالجملة3 – قلنا: فيجوز وقوع الأفعال منه جميعا وهو غير مريد لها ~~فليس تقدم ما تقدم من الأشياء الحادثة بأولى من تأخرها، ومن قال: إن الله ~~سبحانه خلق السموات والأرض ومن فيهن وهو غير مريد لخلقها أو لا إرادة له ~~بخلقها يخرج من حيز العقلاء ويدخل في جملة البهائم والمجانين من بني آدم ~~وقد سقط عنا جواب كلامهم فلا فائدة بالكلام معهم. # ثم نقول له مع ذلك: فهل بخلق الله الحرج في صدره ازداد كفره أو لم يزدد؟ ~~فإن قالوا: لم يزدد، قلنا: فلا عقوبة إذا، وإن قالوا: بل ازداد كفره، قلنا: ~~فقد وافقت4 أن الله خلق الكفر في صدور الكفار وهو كقوله تعالى: {في قلوبهم ~~مرض فزادهم الله مرضا} 5 وقوله تعالى: {فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم} 6 وقد ~~وجد الكفر في صدر الكافر، بعضه من خلق الكافر وبعضه من خلق الله، فهل يقدر ~~الكافر على تمييز ما خلق في نفسه من الكفر عما خلقه الله فيه من الزيادة ~~فيه؟ فإن ادعى مدع أنه يقدر على ذلك ادعى البهت وعلم خطؤه بذلك ضرورة، وإن ~~قال: لا يقدر على ذلك ولا يقدر عليه إلا الله قلنا له: فهو الخالق للجميع ~~بدليل قوله تعالى: {ألا PageV02P392 # يعلم من خلق} 1 وأيضا فيقال له: فهل يعاقبه الله على ما خلق في صدره من ~~الزيادة والحرج في الكفر في الآخرة ms185 كما عاقبه في الدنيا بزيادة الحرج؟ فإن ~~قال: لا يعاقبه عليه، فلا عقوبة هاهنا أيضا، وإن قال: بل يعاقبه على تلك ~~الزيادة كما يعاقبه على الكفر الذي خلقه الكافر بنفسه. قلنا: فقد وافقت أن ~~الله عذب الكافر على ما خلق فيه فدخلت فيما أنكرت على خصمك. # وأما قول المخالف: إنما عاقبه بذلك2 ليكون أقرب إلى الانتقال عن الكفر ~~الذي هو سبب ذلك الحرج، فإن هذا كلام متناقض يشهد على قائله بقلة التمييز، ~~فكيف يكون خلق الله الكفر بصدر سببا داعيا له لانتقال الكفر؟ هذا كقول ~~القائل: خلق الله الحركة في المتحرك علة أو سببا للسكون أو خلق السكون علة ~~للتحرك، وكان اللائق بمذهب المخالف وتمويهه أن يقول خلق الله الإيمان بقلب ~~الكافر ليكون أقرب له إلى الانتقال عن الكفر الذي خلقه الله بقلبه ولكن لم ~~يقبله قلبه، ولو قال هذا، قلنا: لو خلق الله الإيمان في قلبه لانتفى عنه ~~الكفر؛ لأنهما لا يجتمعان معا3، مع أنهم لا يقولون خلق شيئا من أفعال ~~العباد طاعة ومعصية، وإنما يقولون أراد وقوع الطاعة لا غير. # وأما استدلال المخالف على تأويله4 هذا بقوله تعالى: {كذلك يجعل الله ~~الرجس على الذين لا يؤمنون} 5. # فالجواب: أنه لا حجة له بأنه جعل عليهم الرجس بعد أن لم يؤمنوا، وما تنكر ~~أن يقول خصمك: بل جعل الرجس على قلوبهم فمنعهم عن PageV02P393 # الإيمان كما قال تعالى: {ختم الله على قلوبهم} 1 وكقوله تعالى: {وجعلنا ~~على قلوبهم أكنة} 2 مع أن الرجس: اسم لكل ما استقذر من عمل3، ويقال: الرجس ~~المأثم ومنه قوله تعالى: {يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت} 4 أي ~~المأثم والكفر5، ومنه قوله تعالى: {فزادتهم رجسا إلى رجسهم} 6 والرجس: ~~العمل الذي يؤدي إلى العذاب7 ومنه قوله تعالى: {ويجعل الرجس على الذين لا ~~يعقلون} 8 يعني اللعنة في الدنيا والعذاب في الآخرة9. # وإن حملنا الرجس في هذه الآية التي نحن فيها على المأثم والكفر وكل ما ~~استقذر من العمل فهو حجة على الخصم لا له، وإن ms186 حملناه على اللعنة في الدنيا ~~والعذاب في الآخرة فهو عقاب من الله على ما سبق بعلمه وتقديره عليهم من ~~الإضلال وجعله لصدورهم ضيقة حرجة. PageV02P394 ### | 67- # فصل # ومن الأدلة المذكورة لنا قوله تعالى: {أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله ~~الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد ~~الله أفلا تذكرون} 1. # فأجاب المخالف عن هذه بنحو أجوبته فيما مضى على أن المراد بالإضلال ~~العقاب في الدنيا والآخرة2 وبالختم العلامة على القلب3. # والجواب عن هذا: ما مضى على أن الإضلال لا يستعمل في موضع العقاب4، ولا ~~يستعمل الختم في موضع العلامة على القلب لما تقدم ذكره5. # ويقال له: هذه الآية6 نزلت في النضر بن الحارث السهمي، كان من ~~المستهزئين7 وكان يعبد الأوثان، فإذا رأى وثنا أحسن من الأول عبده وترك ~~الأول8 فهذا معنى قوله تعالى: {أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على ~~PageV02P395 # علم} 1 أي أضله الله عن الدين على علم، أي على ما سبق في علمه قبل أن ~~يخلقه أنه ضال. # وروي عن ابن عباس أنه قال: "علم قد علمه عنده"2، وقيل: "على علم أنه لا ~~ينفعه ولا يضره) 3، {وختم على سمعه} فلا يسمع4 الهدى، وعلى قلبه فلا يعقل ~~الهدى {وجعل على بصره غشاوة} يعني5 الغطاء {فمن يهديه من بعد الله} إذا ~~أضله، وهذا كقوله تعالى: {ذلك هدى الله يهدي به من يشاء ومن يضلل الله فما ~~له من هاد} 6 وكقوله تعالى: {إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ~~ذا الذي ينصركم من بعده} 7 ويدل على صحة هذا التأويل أنه أراد به إضلالهم ~~عن الدين في الدنيا ما أخبر به عن قولهم بعد هذا8 فقال تعالى: {وقالوا ما ~~هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر ### | … # } 9 الآية، أي وما يميتنا إلا طول العمر واختلاف الليل والنهار ولا نبعث، ~~فقال الله تعالى: {وما لهم بذلك من علم} 10 أنهم لا يبعثون11 {إن هم إلا ~~يظنون} أي ما يستيقنون12. PageV02P396 ### | 68- # فصل ms187 # ومن الأدلة المذكورة في الرسالة لنا قوله تعالى: {ولكن الله حبب إليكم ~~الآيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان} 1. # (فامتن الله على المؤمنين بأنه حبب إليهم الإيمان وكره إليهم الكفر ~~والفسوق والعصيان) 2، فلو كان فعل ذلك للكافر لم يكن لامتنانه بذلك على ~~المؤمنين معنى. # فأجاب المخالف عن ذلك وقال: لا حجة لهذا المستدل بذلك لأن عامة ما في ذلك ~~أنه ذكر المؤمنين ولم يذكر الكفار، فإغفال ذكرهم لا يدل على أن حكمهم مخالف ~~لحكم المؤمنين إلا عند من لا بصيرة له ممن تمسك بدليل الخطاب وهو باطل ~~عندنا3. وقوله: لو فعل ذلك للكافر لم يكن لامتنانه على المؤمنين معنى، بل ~~فيه فائدة من وجهين: # أحدهما: أن المؤمنين أعظم انتفاعا به من الكافر. والثاني: أنه4 خصهم ~~بالذكر تعظيما لمرهم، وإن كان الكفار قد شاركوهم في ذلك، لأن الله تعالى ~~إنما زين الإيمان في قلوب المؤمنين بما علق به من الأحكام الشريفة5 ~~والأسماء الحسنة والمدائح العظيمة في الدنيا، وبما وعد6 عليه من الثواب ~~الجزيل، وقد اطلع الفار على ذلك ورغب الجميع غاية الترغيب وحسنه عند ~~الجميع، ولذلك أسلم PageV02P397 # كثير من الكفار، ولولا أنهم كانوا من جملة من حبب إليهم الإيمان وزينه في ~~قلوبهم وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان ما كانوا من الراشدين، ومن أصر ~~منهم على الكفر فليس لأن الله زين له ما هو عليه، بل زينه الشيطان ما قال: ~~{وإذ1زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من الناس} 2 وقال: ~~{وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل} 3، هذا نكتة قوله ومعتمده. # والجواب أن يقال لهذا المخالف: طعنك على المستدل بدليل الخطاب بأنه لا ~~بصيرة له طعن منك على الصحابة – رضي الله عنهم -، وهذا دأبك ودأب أهل مذهبك ~~في الطعن عليهم، وهذا أدل دليل على قلة البصيرة من الطاعن4 عليهم، وذلك أن ~~الصحابة – رضي الله عنهم - استدلوا بدليل الخطاب، يروى عن يعلى بن أمية أنه ~~قال: قلت لعمر – رضي الله عنه -: ما لنا نقصر الصلاة في السفر وقد ms188 آمنا ~~والله يقول: {وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن ~~خفتم أن يفتنكم الذين كفروا} 5، فقال عمر – رضي الله عنه -: عجبت مما عجبت ~~منه فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: "صدقة تصدق الله بها ~~عليكم فاقبلوا صدقته "6. وهذا يدل أنهما7 فهما من تعليق القصد على حال ~~الخوف بأنه لا يجوز القصر في PageV02P398 # الأمن1 وأقرهما النبي صلى الله عليه وسلم على هذا الاستدلال. # وروي: أن ابن عباس – رضي الله عنهما - خالف الصحابة –رضي الله عنهم - في ~~توريث الأخت مع الابنة، واحتج بقوله تعالى: {إن امرؤ هلك ليس له ولد وله ~~أخت فلها نصف ما ترك} 2 وهذا تعلق منه بدليل الخطاب وأنها لا تستحق مع وجود ~~الولد3، وهو ترجمان القرآن ومن فصحاء الصحابة وعلمائهم، ولم ينكر عليه أحد ~~الاستدلال بدليل الخطاب، وإنما احتجوا عليه بما هو أقوى منه، وهو قوله صلى ~~الله عليه وسلم: " الأخوات مع البنات عصبة" 4. فدل على أن المراد بهذه ~~الآية الذكر5، وروي أن جماعة من الصحابة – رضي PageV02P399 # الله عنهم - وهم: سعد بن أبي وقاص، وزيد بن ثابت، وزيد بن أرقم، وأبي بن ~~كعب، ومعاذ بن جبل، وأبي وسعيد الخدري، وأبو أيوب الأنصاري، قالوا في ~~الاكسال: وهو إنزال الذكر في الفرج من غير إنزال، لا يوجب الغسل1 واحتجوا ~~بقول النبي صلى الله عليه وسلم: " الماء من الماء "2، وقال غيرهم من ~~الصحابة: "يجب الغسل"3 واحتجوا عليهم بقول النبي صلى الله عليه وسلم: " إذا ~~التقى4 الختانان وجب الغسل "5. PageV02P400 # وقالت عائشة – رضي الله عنها -: " فعلته أنا ورسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فاغتسلنا "1، فأقرت الصحابة الأنصار على الاستدلال بدليل الخطاب2، ~~واحتجوا عليهم بالنصر بالقول والفعل. # وكذلك العلماء احتجوا بأن المطلقة البائن الحائل3 لا نفقة لها على الزوج ~~بقوله تعالى: {وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن} 4، وبأن شهادة غير الفاسق ~~تقبل، واستدلوا عليه بقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ ~~فتبينوا} 5 فدل على أنه إذا جاءهم من ليس بفاسق ms189 أن يقبل قوله6. # فإذا تقرر هذا الاستدلال ممن ذكرنا من الصحابة والعلماء فكفى لهذا ~~PageV02P401 # المخالف نقصا انتقاصه لهم، ولم نسلك1 طريقهم في الاستدلال بما ذكرنا على2 ~~دليل الخطاب وإن كان دليلا صحيحا عندنا، وإنما استدللنا بما أخبر الله ~~بكتابه، وبأنه3 أنعم على المؤمنين بما لم ينعم به على الكافرين، فقال في ~~هذه الآية: {ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر ~~والفسوق والعصيان} . ووصفهم بأنهم الراشدون بما فعله لهم، فقال: {أولئك هم ~~الراشدون فضلا من الله ونعمة} وأخبرنا في4 آية أخرى بتخصيصه لهم أنه لولا ~~فضل الله عليهم ورحمته ما زكوا بقوله تعالى: {والمنكر ولولا فضل الله عليكم ~~ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا ولكن الله يزكي من يشاء} 5، ومثل هذا قوله ~~تعالى: {بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان} 6، وكذلك قوله تعالى: {أولئك ~~كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه} 7، ومثل هذا قوله تعالى: {تالله إن ~~كدت لتردين ولولا نعمة ربي لكنت من المحضرين} 8 وهي النعمة التي أنعم الله ~~بها عليه بالإيمان. وأخبر9 الله أنه فعل بالكفار ضد ما فعل بالمؤمنين فقال: ~~{كذلك نسلكه في قلوب المجرمين لا يؤمنون به} 1 0، وقال في آية أخرى: {كذلك ~~سلكناه في قلوب المجرمين} 11. # قال الحسن البصري: "الشرك سلكه الله في قلوب المجرمين"12 وقال ~~PageV02P402 # مجاهد: "يسلك التكذيب والضلال"1 أي يدخله في قلوب المجرمين يقال سلكه ~~وأسلكه لغتان يقال: سلكت الخيط في الإبرة إذا أدخلته فيها2، قال الشاعر: ### | … ### | … ### | … ### | … # وقد سلكوك في أمر عصيب3 # ويدل على صحة ما لنا قوله تعالى: {إن الذين لا يؤمنون بالآخرة زينا لهم ~~أعمالهم فهم يعمهون} 4، فأخبر سبحانه أنه زين للذين لم يؤمنوا أعمالهم وهو ~~ضلالهم وكفرهم فهم لذلك يعمهون ويترددون في ضلالهم5، وهذا بخلاف ما أخبر ~~الله عن صنعه بالمسلمين6 بقوله تعالى: {والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها ~~وأنابوا إلى الله} 7 والطاغوت الأوثان8، {وأنابوا} أي رجعوا عن عبادة ~~الأوثان إلى عبادة الله {لهم البشرى} يعني الجنة {فبشر عباد} أي بالجنة، ثم ~~وصفهم فقال: {الذين ms190 يستمعون القول} يعني القرآن PageV02P403 # {فيتبعون أحسنه} أي أحسن ما في القرآن من طاعة المطيعين لله ولا يتبعون ~~المعاصي التي عملها من قبلهم من الأمم {أولئك الذين هداهم الله} لطاعته ~~{وأولئك هم أولو الألباب} يعني أهل اللب والعقل في الدنيا1. # وقيل: إن هذه الآية ونظيرتها في الأعراف نزلتا في ثلاثة نفر وهم: # زيد بن عمرو بن نقيل، وأبو ذر الغفاري، وسلمان الفارسي، كانوا في ~~الجاهلية يقولون لا إله إلا الله لم يأتهم كتاب ولا نبي إلا أنهم استمعوا ~~أقوال الناس فكان أحسنها قول لا إله إلا الله فاتبعوه وتركوا أقوال من ~~خالفه2. # وأما قول المخالف: إن الله قد زين الإيمان في قلوب الكفار وحبه إليهم كم ~~حببه وزينه في قلوب المؤمنين إلى آخر كلامه، فغير صحيح، لأنه لو ساوى بينهم ~~في الهداية لاهتدوا لقوله تعالى: {من يهد الله فهو المهتدي} 3، ولأنه لو صح ~~أن يقال: هداهم فلم يهتدوا لصح أن يقال: قد حركهم فلم يتحركوا، وقد سكن ~~جوارحهم فلم يسكنوا، ولأن الله قال في آخر الآية في الذين حبب إليهم ~~الإيمان وزينه في قلوبهم: {أولئك هم الراشدون} . ومعلوم أن الراشدين هم ~~المؤمنون دون الكفار فكان نتيجة تحبيب الإيمان إليهم الرشد، كما أخبر عمن ~~طبع على قلبه بأن نتيجة ذلك الغفلة والخسران بقوله تعالى: {أولئك الذين طبع ~~الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم وأولئك هم الغافلون} 4 وفي أخرى: {فأولئك ~~هم الخاسرون} 5. PageV02P404 # وأما قول المخالف: بأن الله لم يزين للكافرين أعمالهم، وإنما زينها لهم ~~الشيطان، فقد بينا أن الله زين لهم أعمالهم بقوله تعالى: {زينا لهم أعمالهم ~~فهم يعمهون} 1، ونسب2 ذلك إلى الشيطان بأنه3 زينه لهم بوسوسة الشيطان، ~~والشيطان ووسوسته خلق الله بدليل أن الله أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن ~~يتعوذ به4 من الشيطان ومن وسوسته بقوله تعالى: {فإذا قرأت القرآن فاستعذ ~~بالله من الشيطان الرجيم} 5 وقال: {قل أعوذ برب الناس ملك الناس إله الناس ~~من شر الوسواس الخناس} 6 ولولا أنهما خلق الله لما استعيذ به منهما. # وأما قول ms191 المخالف: بأن التحبيب هو الترغيب بما وعد في الجنة من النعيم، ~~وقد اطلع الكفار على ذلك ولهذا اسلم خلق منهم. # فالجواب: أنا لا ننكر أنه قد ساوى بينهم في الدعاء إلى طاعته وفي الترغيب ~~والترهيب، وإنما المختلف فيه هو الخصيصة في قلوب المؤمنين الذين قال الله ~~فيهم: {يختص برحمته من يشاء} 7 وقوله تعالى: {ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء} ~~8، فدل على أنه قد خص برحمته وفضله من يشاء من عباده ولم يعمهم بذلك كما ~~عمهم بالخلق والدعاء إلى طاعته. PageV02P405 ### | 69- # فصل # ومن الأدلة المذكورة لنا في الرسالة قوله تعالى: {أفمن شرح الله صدره ~~للإسلام فهو على نور من ربه فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله أولئك في ضلال ~~مبين} 1، ففرق الله في هذه الآية بين من شرح2 صدره الإسلام وبين من لم يشرح ~~صدره بتوعده لهم بالويل وأخبر أنهم في ضلال مبين. # فأجاب المخالف القدري: بأنه لا حجة لنا في هذه الآية لأن الله نسب شرح ~~الصدر إليه، وما نسب قسوة القلب غليه بل ذم عليها وتوعد3 أهلها وذلك يدل ~~على أنها فعلهم. # والجواب: أن في الآية إضمارا وتأويلها {أفمن شرح الله صدره للإسلام} يعنى ~~وسع قلبه وفتحه للتوحيد فاهتدى كمن طبع على قلبه فلم يهتد لقسوته4. # وروي أن رجلا قال: يا رسول الله ما معنى قول الله تعالى: {أفمن شرح الله ~~صدره للإسلام فهو على نور من ربه} ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن ~~النور إذا وقع في القلب انشرح الصدر"، فقال الرجل: فهل لذلك من علامة تعلم. ~~قال: "نعم التجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود والتأهب للموت ~~قبل نزول الموت "5. # ويدل على صحة قولنا، قوله تعالى: {وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن ~~مواضعه} 6 فنسب الله جعل القساوة في قلوبهم إليه في هذه الآية، كما ~~PageV02P406 # نسب شرح صدر المؤمنين إليه في هذه الآية. مثل قوله تعالى: {فمن يرد الله ~~أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا} 1. وقد ~~مضى بيان ms192 صحة2 تأويلنا فيها وفساد تأويل المخالف فيها3. # وأما استدلال المخالف بقوله لما ذمهم الله على قسامة القلوب وتوعدهم ~~عليها دل على أن ذلك خلقهم لا من خلقه. # فالجواب أن يقال له: فقد مدحهم الله على انشراح صدورهم بالإسلام، ووعدهم ~~الجزاء عليه، وأخبر أنه شرح صدورهم للإسلام، فإذا لم يمتنع أن يخلق فيهم ~~الشرح في الصدر ويمدحهم عليه ويثيبهم عليه لم يمتنع أن يخلق فيهم القسوة ~~ويذمهم عليها ويعذبهم عليها. # وأما إضافة القساوة إليهم فلكونها كسبا لهم وقعت باختيارهم، ولأنهم محل ~~لخلق الله لها. PageV02P407 ### | 70- # فصل # ومن الأدلة المذكورة في الرسالة لنا قوله تعالى: {يهدي الله لنوره من ~~يشاء} 1، وقوله تعالى: {ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور} 2، وعند ~~القدرية أن الله جعل النور لجميع المكلفين فهذا رد نهم لخبر الله سبحانه. # فأجاب المخالف عن هذا وقال: قد سمى الله القرآن نورا والإسلام نورا ~~والثواب في الآخرة نورا، ولا شك أن بعض ذلك يخص المؤمنين وبعضه يعم ~~المكلفين كنور القرآن والرسالة، وذلك متوجه إلى المكلفين، فمن قبله نفع ~~نفسه ومن حاول إطفاء نور الله فالله متم نوره. # والجواب: أن هذا تسليم من هذا المخالف لما أردنا أن الله سبحانه خص ~~المؤمن بشيء من النور المذكور في القرآن، وهو النور في قلبه بمعرفة الله، ~~لأن أصل النور هو الشيء الذي يبين الأشياء، فالله سبحانه نور. قال الله ~~تعالى: {الله نور السماوات والآرض} 3. PageV02P408 # فقيل معناه: منور السموات والأرض1، وقيل: هادي أهل السموات والأرض2، {مثل ~~نوره} أي الذي هدى به وأصاب سبيل الحق وأراد بقلب المؤمن3، أي مثل نور الله ~~في قلب المؤمن4 {كمشكاة} وهي الكوة غير PageV02P409 # نافذة1 وقيل: المشكاة2 من المشكاة القائم في وسط القنديل الذي يدخل فيه ~~الفتيلة3 {فيها مصباح} والمصباح النور الذي في قلبه، {المصباح في زجاجة} ~~وهي قلبه فقد مضيء كأنه كوكب دري وهذا المضيء4، {يوقد من شجرة مباركة} ي ~~عني شجرة الزيت، {لا شرقية ولا غربية} . قال الحسن: والله ما هذه من شجر ~~الدنيا، ولو كانت من ms193 شجر الدنيا لكانت شرقية أو غربية5، وقال غيره: بل في ~~قلعة مرتفعة تصيبها الشمس عند الشروق والغروب فلم تخلص لأحدهما6، إلى قوله ~~تعالى: {يهدي الله لنوره} أي للإيمان به من يشاء7 وهذا موضع التخصيص، ويدل ~~عليه انه ضرب للكافر مثلا، فقال: {أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه ~~موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ### | … # } ، ثم قال: {ومن لم يجعل الله له نورا} أي في قلبه كما جعله في قلب ~~المؤمن {فما له من نور} فهذا يبطل قول القدرية في أن الله سوى بين المؤمن ~~والكافر في تنوير القلوب. PageV02P410 # وأما قوله تعالى: {يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره} 1 ~~فأراد به اليهود والنصارى الذين غيروا صفة النبي صلى الله عليه وسلم ~~وكتموها، والنور هاهنا دين الإسلام {والله متم نوره} يعني دين الإسلام ~~يظهره {ولو كره الكافرون} وهم اليهود والنصارى2. PageV02P411 ### | 71- # فصل # ومن الأدلة المذكورة في الرسالة لنا قوله تعالى: {فأما من أعطى واتقى ~~وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره ~~للعسرى} 1. فأخبر سبحانه أنه الميسر لليسرى والعسرى، والتيسير: التهيئة. # فأجاب المخالف القدري وقال: لا حجة لهذا المستدل بهذه الآية لأنه أخبر أن ~~من أعطى واتقى وصدق بالحسنى يسره للجنة، ومن بخل واستغنى وكذب بالحسنى يسره ~~للنار، فلولا أن الأفعال من المحسن منهم والمسيء لما استحق المحسن ثوابا ~~ولا المسيء عقابا، كما لا يثيبهم ولا يعاقبهم على ألوانهم التي هي خلق له. # والجواب أن يقال: إضافة الله التصديق والتكذيب إليهم لا يدل أن لا يكون2 ~~ذلك خلقا لله فيهم، لأنه أخبر أنه إذا أنزل الماء على الأرض اهتزت وربت ~~وأنبت، فقال تعالى: {فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج ~~بهيج} 3 ومعلوم أنها لا تهتز ولا تربو ولا تنبت بنفسها، وإنما يفعل الله ~~ذلك كله، وقال الله تعالى: {وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب} ~~4، والله هو الممر لها وإن أضاف الفعل إليها، ms194 والتصديق والتكذيب منهم خلق ~~لله وقع بمشيئته منهم لوقوعه، ومشيئتهم معلقة، بمشيئة الله قال الله تعالى: ~~{وما تشاءون إلا أن يشاء الله} 5، ولأن التصديق منهم نعمة وتفضل من الله ~~بدليل قوله تعالى: {وما بكم من نعمة فمن الله} 6، وقوله تعالى: {ولولا فضل ~~الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا} 7 PageV02P412 # ، وقوله تعالى: {وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك ~~زوجك} 1، فأنعم الله عليه بالإسلام وأنعم على النبي صلى الله عليه وسلم ~~بالعتق2، فأضاف الله الإنعام بالعتق إلى النبي صلى الله عليه وسلم لأنه ~~كسبه ووقع بقدرة محدثة من الله فيه، وموضع الحجة لنا من الآيات3: أن الله ~~أخبر أنه يسرهم لليسرى: أي للأمر السهل الذي لا يقدر عليه إلا المؤمنون، ~~ويسرهم للعسرى والتيسير هو التهيئة، ومنه يقال يسرت الغنم للولادة إذا ~~تهيأت لذلك وأنشد الفراء4: # هما سيدانا يزعمان وإنما ... يسوداننا أن يسرت غنماهما5 # وقال الأعشى6: # ويسر سهما ذا غرار7يسوقه ... أمين القوى8في صلبة9 المترنم10 PageV02P413 # واليسرى هاهنا: الأعمال التي يستحقون بها الجنة، والعسرى: الأعمال التي ~~يستوجبون بها النار في الآخرة. يدل على صحة ذلك ما روي في الصحاح عن علي - ~~رضي الله عنه - أنه قال: "كنا في جنازة في بقيع الغرقد فأتى النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقعد ونحن حوله وبيده مخصرة ينكت بها الأرض، وهو منكس رأسه ثم ~~رفع رأسه وقال: "ما من نفس منفوسة إلا وقد كتب مكانها من الجنة والنار"، ~~فقال رجل من القوم: أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل، فمن كان منا من أهل ~~السعادة، فسيصير إلى السعادة، ومن كان من أهل الشقاوة، فقال صلى الله عليه ~~وسلم: "لا، اعملوا فكل ميسر لما خلق، أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل1 ~~السعادة، وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة، ثم قرأ النبي صلى ~~الله عليه وسلم: {فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من ~~بخل ### | … # } الآية"2، وهذا تفسير من النبي صلى الله عليه وسلم يدل على صحة قولنا. # ويقال: إن قوله: {أعطى ms195 واتقى} نزلت في أبي بكر الصديق - رضي الله عنه -. ~~قال ابن عباس: نزلت في أبي بكر خاصة وهي بعد في الناس عامة، وذلك أنه اشترى ~~سبعة من المسلمين كانوا في أيدي المشركين لله3، فأنزل PageV02P414 # الله {فأما من أعطى} من نفسه وماله ما كلفه1 الله عن طاعته {واتقى} فيما ~~كلفه من دينه {وصدق بالحسنى} أي الجنة2. # وقال الضحاك: "بلا إله إلا الله"3، وقال ابن عباس: "بالخلف من الله"4 ~~{فسنيسره لليسرى} للحال اليسرى، {وأما من بخل واستغنى} قيل: نزلت في أبي ~~سفيان بن حرب بخل بماله واستغنى عن الله5 {وكذب بالحسنى} أي للعمل بالعمل ~~بالمعاصي. فدل على أن الله هو الموفق للأعمال. PageV02P415 ### | 72- # فصل # ومن الأدلة المذكورة لنا في الرسالة قوله تعالى: {فألهمها فجورها ~~وتقواها} 1 فأخبر أنه ألهمهم الفجور والتقوى. # فأجاب المخالف القدري عن هذا وقال: لا حجة لهذا المستدل، لأنه أخبر أن ~~الفجور والتقوى من أفعال العباد، لأن الإلهام هو: التعريف للفجور وللتقوى، ~~فلولا أنها من فعلهم لما كان لتعريفهم معنى لذلك، لأنهم متى عرفوا منفعة ~~التقوى خملوا أنفسهم عليه، ومتى عرفوا مضرة الفجور تجنبوه. # والجواب: أن إضافة الفجور والتقوى إلى النفس لا يدل أنها خلق لهم، لأن ~~الله قال: {أخرج منها ماءها ومرعاها} 2 فأضاف الماء والمرعى إلى الأرض، فلا ~~يدل على أن ذلك من فعلها، بل أضافها إلى النفس لأنها3 محل لخلق الله ذلك ~~فيها4 ولأنهما5 كسب لها6، كما أنه أضاف الماء والمرعى إلى الأرض لأنها محل ~~لخلق الله ذلك7 فيها. وموضع الحجة من الآية لنا أن كثيرا من أهل التفسير ~~قالوا: ألهمها فجورها وتقواها أي جعل فجورها وتقواها8، واستدلوا على ذلك ~~بما روي عن أبي الأسود الديلي9 PageV02P416 # أنه قال: قال لي عمران بن حصين: أرأيت ما يعمل الناس اليوم ويكدحون فيه ~~أشيء قضي عليهم ومضى فيهم من قد سبق، أو مما يستقبلون مما أتاهم به نبيهم ~~وثبتت به الحجة عليهم؟ فقلت: بل شيء قضى عليهم فمضى فيهم فقال: فهل يكون ~~ذلك ظلما؟ قال: ففزعت من ذلك فزعا شديدا، ms196 فقلت: كل شيء خلق الله وملك يده ~~فلا يسأل عما يفعل وهم يسألون، فقال: يرحمك الله إني لم أرد بمسألتك إلا ~~لأحرز عقلك، إن رجلا من مزينة أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول ~~الله أرأيت ما يعمل الناس اليوم ويكدحون فيه أشيء قضي عليهم ومضى فيهم من ~~قدر قد سبق، أو فيما يستقبلون مما أتاهم به نبيهم صلى الله عليه وسلم وثبتت ~~الحجة عليهم؟ فقال: لا بل شيء قد قضي عليهم ومضى فيهم قال: ففيم العمل؟ ~~فقال صلى الله عليه وسلم: "من كان خلقه لإحدى المنزلتين يهيئه الله لها ~~وتصديق ذلك في كتاب الله عز وجل: {ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها} ~~"1 وهذا بيان من النبي صلى الله عليه وسلم لا يحتمل غير ما قلناه. # وأيضا فإن ثبت بأن الإلهام المراد به التعريف، فلا يدل على أنهم خلقوا ~~ذلك لأنفسهم بل هو كقول الله تعالى: {وهديناه النجدين} 2 أي الخير والشر3 ~~وكقول الله تعالى: {إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا} 4، أي بينا له ~~ودللناه عليه. ويدل على صحة ما ذهبنا إليه ما روى ابن عمر5 PageV02P417 # - رضي الله عنهما - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "فرغ الله من ~~مقادير الخلق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف عام وكان عرشه على ~~الماء" 1، وروى عمران بن حصين - رضي الله عنه - أن نفرا من اليمن قالوا: ~~أتيناك يا رسول الله لنتفقه في الدين ونسألك2 عن أول هذا الأمر كيف كان؟ ~~فقال صلى الله عليه وسلم: "كان الله ولم يكن شيء قبله3 وكان عرشه على الماء ~~ثم كتب في الذكر كل شيء قبل أن يخلق السموات والأرض "4. PageV02P418 ### | 73- # فصل # ومن الأدلة المذكورة لنا في الرسالة قوله تعالى: {ألم تر أنا أرسلنا ~~الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا} 1، وقوله تعالى: {ومن يعش عن ذكر الرحمن ~~نقيض له شيطانا} 2، وقوله تعالى: {وقيضنا لهم قرناء فزينوا لهم ما بين ~~أيديهم وما خلفهم} 3، وقال في آية أخرى: {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان} 4. ~~وهذا ms197 يدل على أنه لم يساو5 بين المؤمنين والكافرين في ذلك. # فأجاب المخالف القدري عن الآية6 فقال: معنى إرسال الشياطين على الكافرين ~~هو تخليته بينهم وبين الكافرين، ولم يحل بينهم كما حال بين الشياطين وبين ~~المؤمنين. # والجواب: أن هذا هو الحجة عليه، لأنه أخبر أنه لم يعصم الكافرين منهم ~~وإنما أرسلهم عليهم ومكنهم من غوايتهم بالوسوسة، كما يقال أرسل السلطان ~~عبيده على الناس، إذا لم يمنعهم من مضرتهم، وليس كذلك المؤمنين فإنه عصمهم ~~منهم وأخبر بذلك بقوله تعالى: {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك ~~من الغاوين} 7 ومعنى الاستثناء: فإن لك عليهم سلطانا على8 من اتبعك من ~~الغاوين، فنسب الاتباع إليهم لأنه كسبهم، PageV02P419 # ومثل هذه الآية قوله تعالى: {إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون} ~~1، أي أرسلناهم وسلطانهم عليهم ليضلهم، وأخبر عن ذلك بالمؤمنين2 فقال لنبيه ~~صلى الله عليه وسلم: {إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين} 3. # ومثل هذه الآية قوله تعالى: {فيتعلمون منهما4 ما يفرقون به بين المرء ~~وزوجه وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله} 5. قال سفيان6 بقضاء الله7، ~~وقال غيره: "إلا بعلم الله"8 {فإنكم وما تعبدون9 ما أنتم عليه بفاتنين إلا ~~من هو صال الجحيم} 10 أي بمضلين إلا من سبق في علم الله أنه يصلي الجحيم". # قال الحسن، ومحمد بن كعب11، والضحاك، وثعلب: "من قضيت عليه ذلك"12. # قال عمر بن عبد العزيز: "لو أراد الله أن لا يعصى ما خلق إبليس وهو رأس ~~الخطيئة، وإن في ذلك لعلما في كتاب الله جهله من جهله وعرفه من PageV02P420 # عرفه، قوله تعالى: {فإنكم وما تعبدون ما أنتم عليه بفاتنين إلا من هو صال ~~الجحيم} "1. # ثم قال هذا المخالف القدري: وأما قوله تعالى: {ومن يعش عن ذكر الرحمن ~~نقيض له شيطانا فهو له قرين} فالمراد به من يعش عن ذكر الرحمن في الدنيا ~~قيض2 له شيطانا في النار وقرنه، ولهذا قال الله تعالى: {حتى إذا جاءنا قال ~~يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين} 3. # والجواب: ms198 أن في الآية ما يدل على أنه أراد بأنه يقيض له شيطانا أي يسهل ~~له شيطانا في الدنيا يزين له العاصي، والدليل عليه من وجوه: # أحدهما: قوله تعالى: {وإنهم ليصدونهم عن السبيل} 4 أي سبيل الهدى وهذا لا ~~يمكن حمله على السبيل في النار. # والوجه الثاني: قوله تعالى: {ويحسبون أنهم مهتدون} يعني يظنون أنهم على ~~هدى، وهذا لايكون إلا في الدنيا، فأما في النار فقد تيقنوا أنهم لم يكونوا ~~في الدنيا على هدى، وفي هذا دلالة على أن الإنسان قد يفارق الحق ولا يعرف ~~ذلك، وعلى أن المعرفة ليست اضطرارا، ومثل هذا قوله تعالى: {ويحسبون أنهم ~~على شيء ألا إنهم هم الكاذبون} 5. # والوجه الثالث: الدال على أن القرين قيض له في الدنيا قوله تعالى: ~~PageV02P421 # {حتى إذا جاءنا} قد قرئ بالتثنية في ضمير الفاعلين1 {قال يا ليت بيني ~~وبينك} فعبر عن قوله: حشرناهما وبعثناها، بأنهما جاء وهذا كقوله تعالى: ~~{وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا حتى إذا جاءوها} 2، وكقوله تعالى: {وسيق ~~الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا حتى إذا جاءوها} 3. فلو كان ابتداء اتخاذ ~~الشيطان إنما كان في النار لما جمع بينهما في المجيء، وأيضا فإن خلق الله ~~القرين معه ابتداءا في النار، فكيف يعذب القرين على غير ذنب كان منه في ~~الدنيا؟ وهذا لا يجيء على أصل القدرية4، ولأنه قال: {فبئس القرين} ومعناه ~~فبئس القرين كنت في الدنيا. # والوجه الرابع: مما يدل على ما قلناه قوله تعالى: {ولن ينفعكم اليوم إذ ~~ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون} 5. فأخبر أنهم كانوا ظالمين في الدنيا، ~~والمعنى ولن ينفعكم إذ ظلمتم الناس بأنكم في العذاب مشتركون، لأنكم مختلفون ~~في العذاب6 لأن المبتلى في الدنيا إذا رأى من ابتلى بمثل بلائه تأسى به ~~وسكن منه بعض ما هو فيه7، قالت الخنساء8: # فلولا كثرة الباكين حولي ... على إخوانهم لقتلت نفسي PageV02P422 # وما يبكون مثل أخي ولكني ... لأعزر النفس عنه بالتأسي1 # ثم قال المخالف: وأما قوله تعالى: {وقيضنا لهم قرناء فزينوا لهم ما بين ~~أيديهم وما خلفهم} فقد ms199 قيل: هو كالأول وتقدير الكلام وقرنا بهم في النار ~~قرناء فزينوا لهم معصية الله2، وهذا لا حجة فيه لأنه أورد ذلك مورد الذم ~~للكفار وبين استحقاقهم للعقوبة على فعلهم، فلو كانت مخلوقة لله لما ذمهم ~~عليها لوما عاقبهم عليها كما لا يحسن ذلك في ألوانهم. # والجواب: أن هذا من الكلام الغث الذي لا فائدة تحته ولا يساوي ما كتب فيه ~~من بياض ومداد، والدليل على فساد قوله أن الله أخبر أن القرناء زينوا لهم: ~~أي أحسنوا لهم العمل بالمعاصي {ما بين أيديهم وما خلفهم} أي فيما قد علموه ~~وفيما يستقبلونه وزينوا لهم التكذيب بالبعث والنشور3 {وحق عليهم القول} أي ~~العذاب لذلك في أمم، فهذا لا يمكن حمله على أنهم زينوا في النار أعمالهم، ~~لأن الله أخبر أنهم أعداء في النار بقوله: {الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو ~~إلا المتقين} 4 فأخبر أنهم يتكاذبون في النار ويختصمون قال الله تعالى: ~~{قال قرينه ربنا ما أطغيته..} إلى قوله تعالى: {قال لا تختصموا لدي وقد ~~قدمت إليكم بالوعيد} 5، فبطل أنهم يزينون لهم في النار. وقول المخالف: ~~وقرنا بينهم قرنا6 تفسيرا لقوله: قيضنا، فغير صحيح، PageV02P423 # لأن معنى قيضنا: أي سببنا1، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: "ما أكرم شاب ~~شيخا قيض الله له من يكرمه عند سنه"2 أي سبب الله له ذلك. # وأما قول المخالف: لما كانت المعاصي أفعالهم ذمهم الله عليها وعاقبهم ~~عليها بخلاف ألوانهم، فقد مضى عن ذلك في مواضع كثيرة فلا معنى لإعادته3. ~~PageV02P424 ### | 74- # فصل # ومن الأدلة المذكورة لنا في الرسالة قول الله تعالى: {كذلك حقت كلمت ربك1 ~~على الذين فسقوا أنهم لا يؤمنون} 2 ومثلها قوله تعالى: {لقد حق القول على ~~أكثرهم فهم لا يؤمنون} 3، ومثلها قوله تعالى: {ولكن حق القول مني لأملأن ~~جهنم من الجنة والناس أجمعين} 4، ومثلها قوله تعالى: {إن الذين حقت عليهم ~~كلمت ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية} 5، ومثلها قوله تعالى: {أفمن حق ~~عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذ من في النار} 6. # فأجاب المخالف القدري عن هذا وقال: ms200 لا حجة بهذا لأنه خبر عن قوم مخصوصين ~~من الفساق والكفار علم أنهم7 لا يؤمنون، فأعلم نبيه صلى الله عليه وسلم بهم ~~وليس ذلك يكون في كل فاسق8 وكافر9، لأن كثيرا منهم آمنوا وتابوا وكذلك قوله ~~تعالى: {لأملأن جهنم} صحيح ولكن لا يدخل النار أحد إلا بعلمله، وهذا يدل ~~على بطلان مذهب المستدل أن أفعال العباد مخلوقة لله إذ لو كانت مخلوقة لله ~~لم يذمهم عليها ولا عاقبهم عليها. # والجواب أن يقال لهذا المخالف: لا ننكر أن هذا خبر من الله عن قوم ~~مخصوصين أنهم لا يؤمنون وأنه لم يرد به جميع المكلفين، وإنما الحجة لنا من ~~هذه الآيات أن من لم يؤمن منهم إنما لم يؤمن بقضاء من الله سابق فيه ~~PageV02P425 # وكتاب ثابت بأنه لا يؤمن لأنه قال: {لقد حق القول على أكثرهم فهم لا ~~يؤمنون} معناه لقد وجب القول على أكثرهم بالعذاب فهم لا يؤمنون، فأخبر ~~سبحانه أن الذين وجبت عليهم الكلمة بأن لا يؤمنوا لا يؤمنون {ولو جاءتهم كل ~~آية حتى يروا العذاب الأليم} يعني يوم القيامة، فإنه لا يمكنهم التكذيب. # ويدل على صحة ما ذهبنا إليه ما روي في الصحاح عن مسلم بن يسار1 أن عمر بن ~~الخطاب - رضي الله عنه - سئل عن هذه الآية {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ~~ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا ~~يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين} 2 ف قال عمر - رضي الله عنه -: سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل: "إن الله خلق آدم عليه السلام فمسح ظهره ~~بيمينه فاستخرج منه ذريته فقال: خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون، ~~ثم مسح ظهره فاستخرج ذرية فقال: خلقت هؤلاء للنار، وبعمل أهل النار يعملون. ~~فقام رجل فقال يا رسول الله: ففيم العمل؟، قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "إن الله إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على ~~عمل أهل الجنة، وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل ms201 أهل النار حتى يموت على ~~عمل أهل النار فيدخل النار"3. PageV02P426 # وروي أن عمر - رضي الله عنه - قال يا رسول الله: العمل في شيء نأتنفه أو ~~في شيء قد فرغ منه، فقال: "بل في شيء قد فرغ منه"، فقال: ففيم العمل؟، قال: ~~"يا عمر لا يدرك ذلك إلا بالعمل"، قال: إذا نجتهد"1. # وروى عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~"خلق الله الخلق في ظلمة وألقى عليهم من نوره فمن أصابه من ذلك النور اهتدى ~~ومن أخطأ ضل "، قال عبد الله بن عمرو: فلذلك أقول جف القلم بما هو كائن2. # وهذه الأخبار في الصحاح3 مروية عن الثقات وهي موافقة لهذه الآيات التي ~~ذكرها، وأما قول المخالف: إنهم لم يدخلوا النار إلا بعملهم فقد مضى الجواب ~~عنه في مواضعه فلا معنى لإعادته4. PageV02P427 ### | 75- # فصل # ومن الأدلة المذكورة في الرسالة لنا قوله تعالى: {ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا ~~من الجن ### | … # } 1 الآية، فمن ذرأه الله لجهنم فهل ذلك إلا لأن الله أراد كفره ولم يرد ~~إيمانه. # فأجاب المخالف القدري عن هذا وقال: لا حجة لهذا المستدل، لأن الله أورد ~~الاية مورد الذم لهم ولم يستحقوا الذم إلا بأعمالهم، وقد اختلف في معنى ~~الآية فمن الناس من قال معنى قوله: {ذرأنا} أي ميزنا لجهنم، ومنه سميت ~~الرياح الذاريات من حيث كانت تفصل بين كثير من الأشياء، وإنما ميزهم بعد ~~أفعالهم بأسمائهم وأحكامهم، ومنهم من قال: بل المراد بالذري هو خلقهم ~~بالآخرة بعد الموت، ولا شك أنه يخلق في ذلك الوقت خلقا للنار، ولكنه قد ~~أعلمنا أنه لا يبعث من الخلق إلى النار إلا من مات مصرا على الكفر، يدل على ~~صحة هذا التأويل قوله تعالى: {لهم قلوب لا يفقهون بها} الآية وقد علمنا ~~أنهم لم يكونوا في الدنيا هكذا فيجري مجرى قوله تعالى: {ونحشرهم يوم ~~القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما ### | … # } 2 الآية، ومنهم من قال: بل المراد خلقهم في الدنيا إلا أن هذه اللام هي ~~لام العاقبة، ومعناها ms202 أنه خلق الخلق للعبادة، إلا أنه علم أن عاقبة كثير ~~منهم تصير إلى النار لكفرهم فصار كأنه ما خلقهم إلا لها كقوله تعالى: ~~{فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا} 3، ومتى حملت هذه الآية على أحد ~~هذه الأوجه وافقت قوله عز وجل: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} 4. # والجواب أن يقال لهذا المخالف: الآية وردت بلفظ الخبر وخبره لا يكون ~~PageV02P428 # بخلاف مخبره وهي كقوله تعالى: {ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر ~~والبحر} 1. # وقوله: إنهم لا يستحقون الذم إلا بأعمالهم إن سلمنا أن فيها ذما فلا ننكر ~~أنهم لايستحقون الذم ولا العقاب ولا الثواب إلا بأعمالهم، وأعمالهم خلق ~~الله وكسب لهم لقوله تعالى: {والله خلقكم وما تعملون} 2، وقوله تعالى: ~~{جزاء بما كانوا يكسبون} 3، وقوله تعالى: {والسارق والسارقة فاقطعوا ~~أيديهما جزاء بما كسبا} 4. # وقد مضى بيان الفرق بين الخلق والكسب ولكن لا يعقله إلا من جعل الله له ~~نورا في قلبه5. # وأما قول المخالف: إن من الناس من قال معنى قوله: {ذرأنا} أي ميزنا لجهنم ~~ومنه سميت الرياح الذاريات، لأنها تفصل بين كثير من الأشياء، فغير صحيح ولا ~~قال أحد من أهل اللغة ولا من أهل التفسير أن (ذرأنا) معناه: ميزنا، ~~واستدلاله على ذلك بالذاريات يدل على قلة علمه بالعربية، لأن الذاريات من ~~قولهم ذرت تذروا بغير همز ذروا فهي ذارية، والذاريات جمع ذارية وهي المفرقة ~~للتراب6، وليس كذلك ذرا فإنه مهموز يقال ذرأ يذرأ ذرءا7 فهو ذارئ، والمراد ~~به خلقنا8 ومنه قوله تعالى: {وهو الذي PageV02P429 # ذرأكم في الأرض} 1 أي خلقكم في الأرض {وإليه تحشرون} أي بعد الموت ومثلها ~~قوله تعالى: {جعل لكم من أنفسكم أزواجا ومن الأنعام أزواجا يذرأكم فيه} 2 ~~أي يخلقكم في أرحام الأزواج3، وقيل يكثركم بالتزويج4، وفي الحديث عن عمر - ~~رضي الله عنه - أنه قال: "إني أظنكم آل المغيرة ذرأ النار"5 أي خلقها، فهذا ~~يبطل تأويله الأول. # وأما الدليل على إبطال تأويله الثاني وأنه أراد خلقناهم بعد الموت فمن ~~وجوه: # أحدها: أنه أخبر قبل هذا6 بقوله: ms203 {من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل ~~فأولئك هم الخاسرون} ، ثم قال: {ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا} الآية. فأخبر ~~سبحانه أن من يهديه فهو المهتدي، والمراد به من يوفقه ويسدده للإيمان به ~~وطاعته فهو المهتدي لذلكن ولا يجوز حمله على الثواب، لأن الثواب لا يسمى ~~هدى على ما مضى7 ولو جاز أن يسمى الثواب هدى لم يقل هاهنا {فهو المهتدي} ، ~~وإنما كان يقول فهو المهدي8، فلما قال المهتدي نسب PageV02P430 # الاهتداء إلى المهدي1 ثم قال: {ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون} وأراد ~~بالإضلال هاهنا ضد الهداية وهو الإضلال عن الدين ثم قال: {ولقد ذرأنا ~~لجهنم} فأخبر أن الذين أضلهم في الدنيا عن الدين هم الذين ذرأهم لجهنم، ~~فيحمل كل خبر على فائدة متجددة ولو حملناه على صنعه بهم2 في الآخرة لكان ~~الخبران خبرا3 عن شيء واحد. # والوجه الثاني: مما يدل على أنه أراد بالذرء هو خلقهم في الدنيا أنه قال: ~~{كثيرا من الجن والإنس} وكثيرا لفظه لفظة النكرة يدل على أنه لا يعود على ~~نكرة متقدمة4 فلو كان المراد به الذين ماتوا مصرين على الكفر لأخبر عنهم ~~بلفظ المعرفة كقوله تعالى: {وسيق الذين كفروا إلى جهنم} 5. # والوجه الثالث: أنه وصفهم بأنهم ليس لهم قلوب يفقهون بها، بل ختم على ~~قلوبهم عن الهدى وعلى أسماعهم فلا تسمع آذانهم الإيمان، وعلى أبصارهم، ~~فقال: {إن هم إلا كالأنعام} ، لأن الأنعام ليس لها همة غير الأكل والشرب، ~~بل هم أضل من الأنعام، لأن الأنعام تبصر مضارها ومنافعها وهم لا يعلمون، ~~وهذه الصفات لا تصلح إلا لمن هو6 من أهل الدنيا، فأما أهل النار فلا تضرب ~~الأنعام مثلا لهم لأنها ليست دار7 PageV02P431 # تكليف ولا ينفع فيها الاهتداء بالعقل1 والسمع والبصر. # والوجه الرابع: أنه قال: {أولئك هم الغافلون} أي ولا يوصف بالغفلة إلا ~~أهل الدنيا الذين غفلوا عن الاعتبار بما يدلهم من خلق الله على معرفته. # وأما قول المخالف: بأنهم لم يكونوا في الدنيا ليس لهم قلوب ولا سمع ولا ~~بصر، فالجواب أنه أراد أنهم لمالم ينتفعوا بالاعتبار بقلوبهم ms204 وأسماعهم ~~وأبصارهم صاروا كمن لا قلب له ولا سمع ولا بصر كما قال سبحانه: {إن الله ~~يسمع من يشاء وما أنت بمسمع من في القبور} 2، فوصفهم الله بوصف من في ~~القبور حيث لم ينتفعوا بما سمعوا من النبي صلى الله عليه وسلم وقال سبحانه: ~~{إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء} 3، فسماهم الله موتى وصما حين ~~لم ينتفعوا بما سمعوا من النبي صلى الله عليه وسلم وإن لم يكونوا كذلك وقال ~~لنبيه صلى الله عليه وسلم (تسمع) ولم يرد نفي أسماعهم في آذانهم، لأنهم قد ~~سمعوا ذلك بآذانهم ضرورة، وإنما أراد بغض إسماع النبي صلى الله عليه وسلم ~~لهم4 الهداية لهم5 بما أسمعهم بدليل قوله تعالى: {وما أنت بهادي العمي عن ~~ضلالتهم إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون} 6. # وأما استدلال المخالف بقوله تعالى: {ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا ~~وبكما..} الآية، فلا ننكر أن الله يحشرهم عميا وبكما وصما يوم القيامة ~~مجازاة منه على عماهم وصممهم في الدنيا عن الدين. # وأما تأويل المخالف الثالث بقوله: إن الله خلقهم في الدنيا للعبادة إلا ~~أن PageV02P432 # هذه اللام لام العقبة، لأنه علم أن كثيرا منهم يصير إلى جهنم فصار كأنه ~~ما خلقهم إلا لها. # والجواب: أن هذا تناقض لا يخفى على عاقل فساده، وذلك أن العبادة ثوابها، ~~كما أن الكفر جزاؤه جهنم لو قلنا إنه خلقهم للعبادة لكان تقدير الكلام ~~(ولقد ذرأنا للعبادة والجنة كثيرا منهم، فصار عاقبتهم إلى جهنم) وهذا يخرج ~~من التأويل إلى التبديل الذي قال الله تعالى: {يريدون أن يبدلوا كلام الله} ~~1 ويدل على فساد هذا أنه قال: {ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن} ، ليدل أنه ~~لم يذرأ لذلك جميع المكلفين بل هو كقوله تعالى: {يضل به كثيرا ويهدي به ~~كثيرا} . # وعند القدرية: أن الله خلق جميع المكلفين للعبادة، وكان ينبغي على هذا أن ~~يقال (ولقد ذرأناهم) فصار2 لجهنم كثيرا من الجن والإنس وهذه اللام تسمى لام ~~الاختصاص، كقولهم الباب للدار3، وكقول الله تعالى: {لها سبعة4 ms205 أبواب لكل ~~باب منهم جزء مقسوم} 5. وإن وافقنا أنها لام العاقبة فالمراد أن الله خلقهم ~~للدنيا وليأمرهم بعبادته وقضى وعلم أن عاقبتهم ومآلهم إلى جهنم، كما قال: ~~{إني أراني أعصر خمرا} 6 أي أعصر ما يؤول خمرا لا في حال عصره، كذلك هذا، ~~فصار كقوله تعالى: {فكان عاقبتهما أنهما في النار} 7. # وأما استدلاله بقوله تعالى: {فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا} 8 ~~PageV02P433 # فقال الفراء: "هذه لام كي وقعت مكان التمليك. والمعنى ليكون لهم عدوا ~~وحزنا في علم الله لا في علمهم"1. # وكذلك اللام في قول الشاعر: ### | .............................. # : ... فللموت ما تلد الوالدة2 # أي للموت في علم الله لا في علمها ... # ويدل على صحة ما ذكرناه من التأويل ما روى أبو صالح3 عن ابن عباس – رضي ~~الله عنهما - قال: "الخلق أربعة، خلق للجنة لا يدخل النار منهم أحد وهم ~~الملائكة، وخلق للنار لا يدخل الجنة منهم أحد وهم الشياطين، وخلقان بعضهم ~~إلى الجنة وبعضهم للنار وهم الجن والإنس"4. # وروي في الصحاح عن عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنه - قال: " ~~خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي يده كتابان فقال: "أتدرون ما ~~هذان5 الكتابان؟ "، فقلنا: لا، يا رسول الله إلا أن تخبرنا، فقال للذي في ~~يده اليمنى: "هذا كتاب من رب العالمين فيه أسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم ~~وقبائلهم ثم PageV02P434 # أجمل على آخرهم فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبدا"، ثم قال للذي في ~~شماله: "هذا كتاب من رب العالمين فيه أسماء أهل النار وأسماء آبائهم ~~وقبائلهم ثم أجمل على آخرهم فلا يزاد فيهم ولا ينقص أبدا"، فقال الصحابة: ~~ففيم العمل يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان أمر قد فرغ منه؟، قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: "سددوا وقاربوا فإن صاحب الجنة يختم له بعمل ~~أهل الجنة وإن عمل أي عمل، وإن صاحب النار يختم له بعمل أهل النار وإن عمل ~~أي عمل، ثم قال: فرغ ربك من العباد فريق في الجنة وفريق في ms206 السعير"1. # وروى أنس – رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا ~~أراد الله بعبد خيرا استعمله، قيل وكيف يستعمله يا رسول الله؟ قال: يوفقه ~~لعمل صالح قبل الموت"2. وفي هذا من الأخبار المذكورة ما يضيق هذا المختصر ~~عن ذكرها. # وأما استدلال هذا المخالف بقوله تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ~~ليعبدون} 3. # فالجواب عن هذا من وجوه: # إحداها: وهو المروي عن ابن عباس – رضي الله عنهما - أنه قال: معناها إلا ~~ليقروا له بالعبودية طوعا وكرها4 مضاهاة لقوله تعالى: {وله أسلم من في ~~PageV02P435 # السماوات والأرض طوعا} 1 ولقوله تعالى: {ولله يسجد من في السماوات والأرض ~~طوعا وكرها وظلالهم بالغدو والآصال} 2، وهذا كقوله تعالى: {ولئن سألتهم من ~~خلق السماوات والأرض ليقولن الله} 3. # والوجه الثاني: أن المراد بقوله تعالى: {إلا ليعبدون} أي إلا لآمرهم ~~بالطاعة والعبادة وأنهاهم عن الكفر والمعاصي4. # والثالث: أن لفظه لفظ العموم والمراد به الخصوص وأراد بذلك الذين هداهم ~~ووفقهم لطاعته وعبادته، يدل على هذا شيئان: # أحدهما: أن فيهم الأطفال والمجانين ومن خرج من عموم الآية. # والثاني: أنه قال: {ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس} فأخبر بهذه ~~الآية أنه خلق كثيرا منهم لجهنم، ومن خلقه الله لجهنم لم يخلقه للعبادة5، ~~والقرآن لا يتناقض بل يؤيد بعضه بعضا قال الله تعالى: {ولو كان من عند غير ~~الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا} 6، ولا ينتفي عنه الاختلاف إلا إذا حملت ~~الآيتان على ما ذكرنا. PageV02P436 ### | 76- # فصل # ومن الأدلة المذكورة لنا قول الله تعالى: {ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ ~~هديتنا} 1 وكذلك قوله تعالى: {ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا} 2 وكذلك ~~قوله تعالى: {اهدنا الصراط المستقيم} 3. # فأمر الله الخلق أن يسألوه بأن لا يزيغ قلوبهم، ولا يجعل في قلوبهم غلا ~~للذين آمنوا، وأن يهديهم إلى الصراط المستقيم، ولا يجوز أن يسأل العبد من ~~الله إلا ما يجوز وقوع ضده منه، كما أمرهم أن يسألوه المغفرة والرحمة ~~والرزق لأنه يجوز وقوع ضد ذلك منه. ألا ترى أنه لم يأمرهم ms207 بأن يسألوا بأن ~~لا يظلمهم لأنه لا يجوز وقوع ضده منه4. # فأجاب المخالف القدري عن ذلك وقال: لا حجة له بهذا، لأنه ليس فيما ذكر ما ~~يقتضي نسبة شيء من هذه القبائح إلى الله، فكأنه يستدل بالشيء على عكس ما ~~يدل عليه وهو غير صحيح. # والجواب أن يقال لهذا المخالف: قد قدمنا أن كون تسمية المعاصي معاصي ~~وقبائح وخبائث من العباد لكونهم مكتسبين لها لا يجب تسميتها بهذه الأسماء ~~في حق الله لكونه خالقا لها، ألا ترى أنه تعالى قال: {ويحل لهم الطيبات ~~ويحرم عليهم الخبائث} 5. # والخبائث هاهنا كل ما حرم أكله كالميتة والدم والكلب والخنزير، وهذه ~~الأشياء خلقها الله، وقد سمى النبي صلى الله عليه وسلم الكلب خبيثا، وسمى ~~ثمنه خبيثا6. PageV02P437 # فعلم أن هذه الأسامي1 إنما تنصرف إليها بحق العباد لا في حق الله، وقد ~~أخبر الله عن يوسف عليه السلام أنه قال: {قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني ~~إليه} 2، وسجن يوسف عليه السلام سفه منهم وليس بسفه منه، وإن أحبه وأراد، ~~وأخبر الله عن ابني3 آدم أنه قال لأخيه: {لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا ~~بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين إني أريد أن تبوء بإثمي ~~وإثمك فتكون من أصحاب النار} 4، فأراد من أخيه قتله ليكون القاتل له من ~~أصحاب النار، ومعلوم أن قتله سفاهة من القاتل. ولا يقال إن المقتول سفيه ~~لكونه مريدا لقتل نفسه، فثبت بذلك كله أنه ليس كل من أراد الظلم والسفه من ~~غيره يسمى ظالما وسفيها، يؤيد ذلك أن الله يوصف بأنه يريد الطاعة من ~~العباد، ولا يوصف لذلك بأنه مطيع، ويوصف بأنه يخلق الموت في غيره، ولا يوصف ~~بأنه ميت، فلم5 يمتنع لذلك أن6 بإرادته المعصية من غيره وبخلقه لأفعال ~~المعصية من العباد والظلم منهم والسفه لا يسمى ظالما ولا سفيها. # وأما قول المخالف: ليس في استدلالنا بقوله تعالى: {ربنا لا تزغ قلوبنا} ~~وما أشبهها من الآيات ما يدل على وجود ضد ذلك من الله، غير صحيح، ms208 لأن الزيغ ~~في القلوب وصرفها7 وإمالتها عن الهدى منه8، وقد أخبر الله بذلك عن فعله بمن ~~لم يؤمن بقوله: {سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في PageV02P438 # الأرض} 1 ومعناه سأمنع قلوبهم وأدفعها عن العلم والتفكر في آياتي. وقوله: ~~{الذين يتكبرون في الأرض} أي الذين يرون أنهم أفضل الخلق، وأن لهم ما ليس2 ~~لغيرهم وهذه الصفة لا تكون إلا الله، إلى قوله {وإن يروا كل آية لا يؤمنوا ~~بها} ومثلها قوله تعالى: {ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهون} ~~3، فأخبر الله سبحانه أنه صرف قلوبهم عن فهم القرآن فلم يفقهوه لذلك، ومثل ~~هذه الآية قوله تعالى: {فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم} 4، فنسب الزيغ5 الأول ~~إليهم لكونه كسبا لهم ووقوعه بمشيئتهم، ومشيئتهم متعلقة بمشيئة الله لقوله ~~تعالى {وما تشاءون إلا أن يشاء الله} 6، ونسب الزيغ الثاني إلى نفسه ونسبه ~~إليه لكونه خالقا له، والزيغ الواحد لا يجوز أن يكون بعضه خلقا لهم وبعضه ~~خلقا لله، لأنهم لا يقدرون على تمييز ما خلقوا7 من الزيغ عما خلقه الله ~~فيهم منه. # وأما قول المخالف: إن هذا الاستدلال بالعكس وهو غير صحيح، جهل منه بوجوه ~~الاستدلال، والاستدلال8 من محاسن الشرع قال الله سبحانه وتعالى: {أفلا ~~يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا} 9، وهذا ~~الاستدلال بالعكس لأنه أخبر أن عدم وجود الاختلاف فيه دليل على صحة أنه من ~~الله، وكذلك قوله تعالى: {لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا} 10 فعدم ~~الفساد فيهما يدل على أن المدبر لهما واحد. PageV02P439 # ثم قال المخالف: وأما قول1 المستدل إنه لا يسأل من الله إلا ما يجوز وقوع ~~ضده منه، فليس الأمر كذلك، لأن الله تعالى قال: {قال2 رب احكم بالحق} 3، ~~فأمر نبيه أن يسأله أن يحكم بالحق وإن كان ضده الحكم بالباطل. # والجواب أن يقال: إن الله أمره أن يسأله تعجيل النصفة منه4 بما كذبوه ~~فقال {قال رب احكم بالحق} أي عجل حكمك بالحق ولا تؤخره، لأن لله أن يقدم ~~ذلك وله أن ms209 يؤخره، فقتلوا يوم بدر ويوم الأحزاب ويوم أحد، ولم يسأله وهو ~~شاك أنه يحكم بغير الحق، وإنما أمره الله أن يسأله بتعجيل ذلك منهم5، كما ~~أخبر عن نوح {وقال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا} 6 وقد أخبر ~~الله عن نوح أنه قال: {ولا تزد الظالمين إلا ضلالا} 7، والزيادة في الضلال ~~عن الدين، فدل على أنه يجوز وقوع ذلك من الله. PageV02P440 ### | 77- # فصل # ومن الأدلة المذكورة في الرسالة لنا أن يقال لهم: أمر الله إبليس بالسجود ~~لأدم وأمر الكفار بالإيمان، أكان يعلم أنه يكون1 منهم ما أمرهم به، أم كان ~~عالما بأنه لا يكون منهم ذلك مع إرادته لذلك منهم، فإن قالوا: كان غير عالم ~~بأنه لا يكون منهم ذلك نسبوه إلى الجهل، وقد قال بذلك فرقة من القدرية2 وقد ~~أكذبهم الله بقوله تعالى: {ويعلم ما في البر والبحر..} 3 الآية، وقوله ~~تعالى: {ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه} 4، وإن قالوا: بل كان عالما بأنهم ~~لا يفعلون ما أمروا به، قلنا لهم: فإرادته لوقوع ما يعلم أنه لا يكون تقع ~~موقع تمني الحمقى كمن5 يقول: ليت الله يجعلني نبيا وما أشبه ذلك. # فأجاب القدري عن ذلك وقال: هذا يدل على فقد المستدل للتمييز بين الإرادة ~~والتمني، فإن الإرادة من المعاني التي تخص بالقلوب في حق العباد، وليست من ~~جنس الكلام، والتمني جنس من الكلام وهو قول القائل: ليت لي كذا وكذا، فكيف ~~تكون إرادة ما لا يكون تمنيا، وعلمنا بأنه أمرهم بذلك إرادة منه لوقوع ما ~~أمرهم به على ما مضى. # والجواب: أن يقال لهذا المخالف: هذه مغالطة لا يخفى فسادها على من له ~~أدنى بصيرة، نحن قلنا: لو كان هذا6 لوقع موقع التمني من الحمقى والتمني ~~مستحيل وقوعه من الله سبحانه. # وأما قول المخالف: التمني بالقول وهو قول القائل: ليت لي كذا وكذا، ~~PageV02P441 # فلا ننكر أن هذا من التمني، والتمني يقع على هذا ويقع في اللغة على ~~التلاوة1، ومنه قوله تعالى: {ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا ms210 أماني} 2، ~~ويقع التمني على ما يتمناه الإنسان في نفسه ولا يتكلم به، ومنه يقال: تمنى ~~فلان بنفسه أن يكون له كذا وكذا. # وقيل: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي يوما بمكة فتمنى بنفسه شيئا ~~من الدنيا، وكان يقرأ سورة النجم {أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة ~~الأخرى} 3، فألقى الشيطان على لسانه، فإنهن عند الله لمن الغرانيق العلا ~~وإن شفاعتهن4 لترتجى، والغرانيق الملائكة5. فوقعت هاتان الكلمتان في آذان ~~المشركين واستبشروا وقالوا: إن محمدا قد رجع إلى دين قومه، فلما بلغ النبي ~~صلى الله عليه وسلم آخر السورة سجد وسجد معه كل كافر ومسلم إلا الوليد بن ~~المغيرة فإنه كان شيخا كبيرا فرفع ملء كفه ترابا وسجد عليه، ففشا ذلك في ~~الناس وأظهرهما6 الشيطان حتى بلغتا7 إلى أرض الحبشة، فلما سمع عثمان بن ~~مظعون وعبد الله بن مسعود ومن كان معهما هنالك من الصحابة أقبلوا سراعا، ~~وعظم ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتى جبريل فشكى إليه، فقرأ ~~عليه النجم فلما قرأ هاتين الكلمتين قال جبريل: معاذ الله أما هاتين ما ~~أنزلهما ربي ولا أمرني بهما ربك، فلما رأى ذلك رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: أطعت الشيطان وشركني في أمر الله، فأنزل الله تعالى {وما أرسلنا ~~من قبلك من PageV02P442 # رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي ~~الشيطان ثم يحكم الله آياته} 1. PageV02P443 # وهذا يدل على1 أن لفظة التمني مشتركة، وإنما يتبرأ جبريل من ذلك ونسبها ~~إلى الشيطان دون الله لأن الله ما أمره بذلك ولا أنزله جبريل عليه وإن كان ~~الله قد خلقه على لسان الشيطان. # ويقع التمني على السؤال أيضا، قال النبي صلى الله عليه وسلم: " إذا2 تمنى ~~أحدكم فليكثر فإنه لا يدري ما يكتب له من أمنيته "3، وقال صلى الله عليه ~~وسلم: "لا يتمنى أحدكم الموت لضيق نزل به فإن كان لا بد متمنيا فليقل اللهم ~~أحيني إذا كانت الحياة خيرا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي"4. # فأخبر ms211 النبي صلى الله عليه وسلم أن الدعاء يسمى تمنيا، فعلم بذلك جهل هذا ~~المعترض لانصراف لغة التمني إلى معان، فتصور ذلك في مسألتنا إذا أراد الله ~~وقوع أمر يعلم أنه لا يكون وقوعه ألبتة صار من يقول اللهم اجعلني نبيا. # وأما قول المخالف: إذا أمر الله بأمر علم أنه أراد وقوعه فغير صحيح، ~~PageV02P444 # لأنا قد بينا أنه أمر بما لم يرد وقوعه وهو ذبح إبراهيم صلى الله عليه ~~وسلم ولده وغير ذلك1 فأغنى عن الإعادة. PageV02P445 ### | 78- # فصل # ومن الأدلة المذكورة في الرسالة لنا قوله تعالى: {واستفزز من استطعت منهم ~~بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الأموال والأولاد وعدهم وما ~~يعدهم الشيطان إلا غرورا} 1، وهذه صيغة الأمر، وليس بأمر إيجاب ولا إباحة ~~ولا ندب، بل هو تسليط (من الله لإبليس على الكفار) 2 كقوله تعالى: {ألم تر ~~أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا} 3، ويدل4 على أنه تسليط من ~~الله لإبليس على الكافرين والعصاة قوله تعالى: {إن عبادي ليس لك عليهم ~~سلطان} 5 فمعنى قوله: {واستفزز من استطعت منهم بصوتك} أي استخف من استطعت ~~منهم بدعائك، ويقال: بالغناء والمزامير6 {وأجلب عليهم بخيلك} يعني اجمع ~~عليهم بخيل المشركين، ويقال لكل راكب يسير في معصية الله أجلب. وقوله: ~~{ورجلك} يعني كل راجل يمشي في معصية من الجن والإنس، {وشاركهم في الأموال} ~~كل مال حرام، {والأولاد} كل ولد غير حل. قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: ~~"وهم المخنثون وأولاد الزنا"7، {وعدهم} ومنهم الغرور أن لا بعث. # فأجاب المخالف القدري: إن هذا ليس بتسليط وإنما هو تهديد، هذا نكتة قوله ~~ومعتمده. PageV02P446 # والجواب عنه من وجوه: # لأحدها: أن النقاش1 قال: ليس بتهديد ولا أمر وإنما هو ذكر ما يفعله ~~الشيطان مما لا يضر في الملك كقول القائل لمن قدر عليه: كدني بما قدرت. # والوجه الثاني: مما يدل على أنه ليس بتهديد أن التهديد الذي هو بصيغة ~~الأمر هو ما يتبعه الوعيد من الله تعالى كقوله تعالى: {اعملوا ما شئتم إنه ~~بما تعملون بصير} 2، وقوله تعالى: {فمن ms212 شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إنا ~~أعتدنا للظالمين نارا} 3 الآية. # والثالث: أنه قال بعدها {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان} 4 وهذا صيغته صيغة ~~الخبر، والمراد به منع إبليس من عبادة الصالحين عن أن يستفزهم بصوته، أو ~~يجلب عليهم بخيله ورجله ويشاركهم في الأموال والأولاد، فدل على أنه لم ~~ينفعه من ذلك5 غير عباده الصالحين، بل أرسله عليهم ولم يعصمهم منه فيكون ~~كقوله: {ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا} . PageV02P447 ### | 79- # فصل # ومن الأدلة المذكورة لنا في الرسالة قوله تعالى: {ونبلوكم بالشر والخير ~~فتنة} 1. # فأجاب المخالف القدري وقال: المراد بالشر ههنا ما يصيبهم من مصائب الدنيا ~~كالمرض والموت وذهاب الأموال والأولاد. # والمراد بالخير ما ينالهم من نعم الدنيا، كالخصب وسعة المال وكثرة ~~الأموال والأولاد يدل عليه قوله تعالى: {كل نفس ذائقة الموت ونبلوكم بالشر ~~والخير فتنة وإلينا ترجعون} ، والمراد بالفتنة الامتحان. # والجواب: أن الشر اسم جنس يعم جميع الشر في الأعمال وغيرها، والخير اسم ~~جنس يعم جميع الخير في الأعمال وغيرها، ويؤيد هذا قوله تعالى: {الذي2 خلق ~~الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا} 3. # وجواب آخر وهو أن يقال للقدرية: عندكم أن الله لا يفعل بالعبد إلا ما فيه ~~صلاح له4، فإذا ثبت أنه ابتلاهم أي اختبرهم في الشر من المرض والمصائب في ~~النفس والولد لينظر صبرهم، ويبتليهم بالخير بالنعم والخصب لينظر شكرهم فأي ~~مصلحة لهم في تعريضهم بأن لا يصبروا أو لا يشكروا فيستوجبوا منه العقوبة، ~~فعلم أن الأمر بخلاف ما ذكرتم وأن الله يفعل بعباده ما شاء سواء كان لهم ~~فيه مصلحة أو مضرة5 ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون. PageV02P448 ### | 80- # فصل # ومن الأدلة المذكورة لنا في الرسالة قوله تعالى: {قل أعوذ برب الفلق من ~~شر ما خلق} 1 فأمر الله نبيه بالاستعاذة من الشر فدل على أنه مخلوق. # فأجاب المخالف القدري: بأنه لا حجة بهذا لأنه لم يضف الشر إلى خلقه، ~~وإنما أضافه إلى مخلوق ونحن نقول: إن هذه2 الشرور صادرة من المخلوقات. # والجواب: أن الحجة لنا ms213 من الآية من وجهين: # أحدها: أن ما لما لا يعقل، وما لا يعقل لا يتأتى منه الفعل بالشر ولا ~~بالخير، فإذا أضيف الشر إليه وأخبر لله دل على أن الله خلقه، وما ينسب إليه ~~من الشر يؤيده قوله تعالى: {ومن شر غاسق إذا وقب} 3. # وروي عن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت: أخذ رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بيدي وأشار إلى القمر، وقال: " تعوذي بالله من شر هذا فإن هذا هو ~~الغاسق إذا وقب" 4، تأويله أن شر القمر المتعوذ منه ما لحق قوما من الكفر ~~من أجله، فنسب الشر إليه اتساعا وتجوزا في الكلام. # والوجه الثاني: أنه لما فسر نبيه صلى الله عليه وسلم ن يتعوذ به من شر ما ~~خلق دل على أنه الخالق لما يتعوذ به عنه كما قال تعالى: {فإذا قرأت القرآن ~~فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم} 5 والله الخالق المتعوذ منه، فكذلك هذا ~~مثله. PageV02P449 # وروى الآجري عن يوسف بن سهل الواسطي1 أنه قال: حججت فسمعت رجلا يقول في ~~تلبيته "لبيك لبيك والشر ليس إليك"، فدخلت مكة فلقيت سفيان فأخبرته بالذي ~~سمعت فما زادني على أن قال: {قل أعوذ برب الفلق من شر ما خلق} 2. ~~PageV02P450 ### | 81- # فصل # ومن الأدلة المذكورة لنا في الرسالة على أن، العباد غير ممكنين ولا ~~مخيرين في أفعالهم1 لا كما قالت2 القدرية3 قوله تعالى: {وربك يخلق ما يشاء ~~ويختار ما كان لهم الخيرة} 4. PageV02P451 # ومثلهما قوله تعالى: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا ~~أن يكون لهم الخيرة من أمرهم} 1. PageV02P452 # قلنا: من الآية الأولى دليلان: # أحدهما: أن الله أخبر أنه يخلق ما يشاء1 ومثلها قوله تعالى: {ومنهم من ~~يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على أربع يخلق الله ما يشاء} 2، والمشيئة ~~والإرادة معنى واحد3، وقد وافقت القدرية على أن الله أراد الطاعة من ~~العباد، وقد أطاعه بعضهم، فيجب على هذا أن يكون الله هو الذي خلق أفعالهم ~~في الطاعة، فإذا سلموا ذلك في أعمال الطاعة لزمهم ذلك في أفعالهم في ~~المعصية ms214 لأن أحدا لم يفرق بينهما. # والدليل الثاني: منها ومن الآية بعدها، أنه أثبت الخيرة لنفسه ونفاها عن ~~العباد. فأجاب القدري المخالف عن هذا وقال: يحتمل أن يكون المراد أن الله ~~متى اختار خلق الإنسان على صورة الذكور أو الإناث أو السواد أو البياض لم ~~يكن الإنسان اختيار شيء في خلقه سوى ذلك. PageV02P453 # والجواب عن ذلك من وجوه: # أحدها: أن هذا الخبر عام فيما ذكر وفي غيره من أمرهم فلا يجوز حمله على ~~البعض من غير دليل. # والثاني: أنه قال: {ما كان لهم الخيرة} وهذا ضمير المعرفة1 يقع على الخلق ~~في وجودهم على صفة يصلحون للاختيار وحال خلقهم للذكور والإناث والسواد ~~والبياض لا يصلح منهم اختيار ولا يصلحون للاختيار2 عنها3. # والثالث: أنه قال: {من أمرهم} وحقيقة الأمر هو: استدعاء الفعل بالقول ممن ~~هو دونه، وأضاف الأمر إليهم لأنهم المأمورون به وأراد به4 المأمور به، ~~وكيفية صورهم لا تسمى أمرا حقيقة فلم يصح حمله عليه5. # استدل المخالف على أنهم ممكنون بقوله تعالى: {ولقد مكناكم في الأرض ~~وجعلنا لكم فيها معايش..} 6 الآية، وقوله تعالى: {ولقد مكناهم فيما إن ~~مكناكم فيه وجعلنا لهم سمعا وأبصارا..} 7 الآية. PageV02P454 # والجواب: أنه لم يرد في الآيتين التمكن في الأفعال، بل أراد استخلفناكم ~~بعد الماضيين بدليل قوله تعالى في الآية الأولى: {في الأرض} ، وقال في ~~الآية الأخرى1 {فيما إن مكناكم فيه} أي فيما مكناهم فيه من الأموال و - أن ~~- هاهنا زائدة2 ولو أراد به الأعمال لم يمكن أن تكون الأعمال التي مكن بها ~~الأولين هي الأعمال التي مكن بها من بعدهم، لأن أعمالهم أعراض فيهم لا تقوم ~~بغيرها، وإنما يمكن استعمالها في الأفعال بإضمار (مثل أعمالهم) . ومتى أمكن ~~حمل الكلام على الحقيقة من غير إضمار لم يحمل على ما لا يستقيم إلا بإضمار. ~~PageV02P455 ### | 82- # فصل # خلق الله للعباد جائز غير واجب عليه، ولو لم يخلقهم أصلا لم يظلمهم، وبعد ~~أن خلقهم فبعثه الرسل إليهم أمر جائز منه ليس بواجب عليه، ولو لم يبعث ~~إليهم رسلا لم يظلمهم بذلك، ms215 وتكليفهم التكاليف أمر جائز منه ولو لم يكلفهم ~~لم يظلمهم، والثواب على الطاعة أمر جائز غير واجب، ولو لم يثب المطيعين ~~وأثاب العاصين لم يكن بذلك ظالما1. PageV02P456 # وقالت المعتزلة: خلق الله للعباد وبعثه الرسل وتكليفه لهم أمر واجب لما ~~فيه من المصلحة، ويجب عليه أن يثيبهم على الطاعة1. PageV02P457 # وقول من قال هذا يشهد على قائله بالشناعة، لأن الواجب إنما يكون واجبا ~~بالأمر والنهي من الأعلى لمن هو دونه وليس فوق الله آمر ولا ناه. # إذا تقرر هذا وأن1 الله سبحانه متفضل على العباد بالخلق وبعثة الرسل ~~والتكليف قد تفضل عليهم ولم يكلفهم من الأعمال إلا وسعهم وما لا يثقل عليهم ~~لقوله تعالى: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} 2، وقوله تعالى: {لا يكلف الله ~~نفسا إلا ما آتاها} 3، وقوله تعالى: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم ~~العسر} 4، وقوله تعالى: {وما جعل عليكم في الدين من حرج} 5، PageV02P458 # وللمتفضل أن يترك التفضل بما تفضل به، فلو كلف الله العباد بما يثقل ~~عليهم من العبادات وما لا طاقة لهم به كان ذلك جائزا منه1 ولا يكون ظالما ~~لهم، وكذلك لو لم يثبهم على عمل الطاعة لم يكن ظالما لهم، ولو أثاب من عصاه ~~وأدخله الجنة لم يخرج بذلك عن الحكمة2، ولكنه سبحانه قد أخبر أنه ثيب ~~المطيعين بفضل منه ويعذب الجاحدين بعدل منه، فاستحقاقه للحكمة، لذاته لا ~~لفعله الحكمة3، إذ هو موصوف بالحكة قبل أن يفعل الحكمة، وقبل أن يخلق ~~الواصفين له بها، وثبت له أن يتصرف بالعباد كيف شاء لأنهم ملكه لا يسأل عما ~~يفعل وهم يسألون. # وقالت المعتزلة والقدرية: لا يجوز من الله في الحكمة إلا ما يجوز من ~~الحكيم منا، ولا يجوز أن يوصف الله بتكليف العبد ما لا يطيقه، وقد خلق الله ~~المكلفين تعريضا للمنافع لهم ليصيروا إلى أسنى المنازل، ولا يفعل بهم إلا ~~ما فيه لهم المصلحة، وإن فعل بهم غير ذلك فقد ظلمهم4. PageV02P459 # مفقودة # PageV02P460 # مفقودة # PageV02P461 # ودليلنا على صحة ما ذهبنا إليه قوله تعالى: {ولو شاء الله لاعنتكم} ms216 ~~1،وقوله تعالى: {ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به} 2، فأمر الله الخلق أن ~~يسألوه بأن لا يحملهم ما لا طاقة لهم به، يدل3 على أن له أن يحملهم ما لا ~~طاقة لهم به. # فأجاب المخالف القدري عن الآية الأولى وقال: لا حجة لهذا المستدل فيها، ~~لأنه أخبر أنه ما أعنت أحدا، لأن من كان قاعدا في المسجد لا يجوز أن يقول4 ~~لو شئت الآن لقعدت في المسجد، وعند المستدل أن الله قد خلق الكفر في أكثر ~~الخلق وهو يسوقهم إلى النار وهو من أعظم العنت. # والجواب أن يقال لهذا المجيب: هرفت قبل أن عرفت5 فقلت: أخبر الله أنه ما ~~أعنت أحدا، وهكذا قلنا إنه ما أعنت العباد فيما شرع من الشرائع، وإنما أخبر ~~أنه لو شاء لأعنت جميعهم، أي لو شاء لكلفهم ما يشق عليهم أداؤه لأن العنت ~~المشقة يقال: عنت الفرس، يعنت عنتا إذا حدث في قوائمه داء لأن العنت المشقة ~~يقال: عنت الفرس يعنت عنتا إذا حدث في قوائمه داء لا يمكنه الجري معه، ~~وأكمة عنوت شاقة المصعد، وفلان يعنت فلانا إذا شدد عليه وألزمه المشقة6. # وأما قول المخالف: إذا7 قلنا إن الله قد خلق الكفر في الكافرين فقد ~~أعنتهم. PageV02P462 # فالجواب أنا نقول له: إن أرادت أنا قلنا: إن الله خلق فيهم الكفر وألزمهم ~~إياه إلزاما لا محيص لهم عنه، فقد أعنتهم بذلك، فإنا لا نقول ذلك لأنه لم ~~يجبرهم على ذلك، بل نقول وقع الكفر منهم باكتساب منهم وخلق الله ذلك فيهم ~~ولم يعصمهم من الشيطان ولا خل فيهم اللطف الذي خلقه في المؤمنين. وإن أردت ~~أنا قلنا: إن الله أراد عنتهم وهلاكهم في الآخرة بما خلق فيهم من الكفر ~~بكسبهم له فكذا نقول: لأن التوفيق والثواب إفضال منه وإنعام وله ترك ~~الإفضال والإنعام. # ثم قال المخالف: وأما استدلاله بأنه أمر الخلق بأن يسالوه ألا1 يحملهم ما ~~لا طاقة لهم به، فلا حجة لهم بذلك لأنه يجوز أن يأمر أن يسأله2 ما يعلم انه ~~لا يفعل خلافه، ms217 وهو قوله {رب 3 احكم بالحق} 4. # والجواب: أنا قد بينا أن المراد بهذه الآية أنه أمره أن يسأله تعجيل ~~النصر له عليهم بالحق الذي وعده إياه في الدنيا، ولم يسأله وهو شاك في أنه ~~يحكم بغير الحق وهو الباطل5،6. PageV02P463 # استدل المخالف على أنه لايجوز أن يفعل الله بعباده إلا ما فيه المصلحة ~~لهم، لأنه قد ثبت عند كل عاقل أن المالك منا ليس له أن يتصرف في ملكه إلا ~~على الوجه الحسن دون القبيح. ألا ترى أن أحدا لو بنى دارا فلما تمت # PageV02P464 # عمارتها أمر بإحراقها1 بغير علة موجبة ولا غرض صحيح فإن العقلاء يلومونه، ~~ولو اعتذر إليهم أن ذلك ملكي لم يعذروه ولعد2 ذنبا آخر يستوجب عليه ~~الملامة، وكذلك لو أخذ ماله فألقاه في البحر لغير مصلحة يجتلبها ولا مضرة ~~يدفعها، فإن العقلاء يلومونه ولا يقبلون عذره (بأنه ملكي) ، فإذا لم يكن ~~للمالك في الشاهد أن يتصرف فيما ملكه كيف شاء إلا بشرط أن يكون هناك غرض ~~صحيح ثبت أن تعليلهم3 بالملك تعليل باطل. # والجواب أن يقال لهذا المخالف: جمعت بين حكم ملك الله وبين حكم ملك ~~العباد من غير علة تقتضي الجمع بينهما، وهذا لا يصح، ثم يقال له: الله مالك ~~العباد ولجميع ما خلق من غير مملك ملكه إياه، فله أن يتصرف به كيف شاء. # والعقلاء مملوكون له وليس للمملوك أن يعترض على مالكه بما صنع، وليس كذلك ~~العباد فإن ملكهم صدر عن مالك لهم ملكهم أموالهم، وحد لهم فيها حدودا ورسم ~~عليهم فيها رسوما فإذا فعلوا فيها غير ما أذن لهم فيها مملكهم لحقهم الذم ~~والتوبيخ والتعنيف، والحسن والقبح يتصور في أفعالهم لأن لهم محسنا حسنها ~~وهو ما أذن لهم فيه، ومقبحا قبحها لهم وهو لم يؤذن لهم فيه4 فبان الفرق ~~بينهما. # وأيضا فإن المالك منا به حاجة إلى ما يملكه لاستقامة جسمه وقوام أمره ~~فلذلك لحقه اللوم والتعنيف إذا عمل فيه ما لا مصلحة له، وقد نهى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عن إضاعة ms218 المال5. PageV02P465 # والله سبحانه لا حاجة به1 إلى ما ملك من العباد وأموالهم، فبطل أن يجريا ~~في التصرف مجرى واحدا. # ويقال لهذا المخالف: أجريت الحكم من الله والحكمة من الحكيم منا مجرى ~~واحدا، وجمعت بينهما في الحكم من غير علة تقتضي الجمع بينهما، وهذا لا يصح ~~وهذا دأب القدرية في أصولهم الفاسدة، لأنهم شبهوا أفعال المخلوقين وأقوالهم ~~بالله بكونهما غير مخلوقين، وقد قال الله تعالى: {ليس كمثله شيء} ، وهذا ~~يقتضي أنه لا يشبهه شيء بذاته ولا بصفاته، ثم يقال له: حكمة الحكيم منا ~~تقع2 عن تجربة وعن مشاورة وعن تعلم، ولا يسمى حكيما إلا بعد أن وجدت منه ~~الحكمة، والله سبحانه حكيم لذاته لا عن تجربة ولا عن مشاورة، بل هو موصوف ~~بالحكمة قبل وجود الحكمة منه، وقبل وجود الواصف له بالحكمة. # وأما استدلال المخالف: بمن بنى دارا ثم أمر بإحراقها. # فنقول له: لو كان هذا الوصف جاريا على حكم الله لما حسن منه أن يخلق ابن ~~آدم وصوره بأحسن من تصوير البناء في الدار، حتى إذا استكمل بنيانه خرب ~~بناءه فيه وأماته، وقد يخلق الله ابن آدم في بطن أمه، فقبل أن يكمل خلقه ~~يخرجه من بطن أمه، وقد يخرجه من بطن أمه كامل الخلق ميتا، وقد يحييه المدة ~~القريبة ثم يميته3، والحكيم منا لو ابتدأ بناء دار فعمر PageV02P466 # شيئا منها ثم خربه لغير غرض1 للحقه الذم. # فإن قال المخالف: إنما وقع ذلك من الله تعالى لعلة ومصلحة علمها. # قلنا: هذا لا يصح أن العلل والأغراض إنما تتصور في أفعال العباد، لأن ~~منتهى العلل في مصالح أفعالهم موافقة إذن المملك لهم وهو الله، وهذا لا ~~يوجد في أفعال الله2، ولو كان فعل الله الشيء لعلة لا قتضى وجود تلك العلة ~~علة أخرى إلى ما يتسلل، فبطل أن أفعال الله لعلة مقتضية وجود الفعل منه3. ~~PageV02P467 # ويقال1 للقدرية: أليس الحكيم منا لو جمع بين عبيده وجواريه في دار وبيت، ~~وعلم أن بعضهم يزني ببعض لا محالة، لخرج بذلك عن الحكمة ولحقه اللوم ms219 من ~~العقلاء، فلا بد أن يقولوا نعم2. # قيل لهم: فإن الله سبحانه قد جمع بين عبيده وإمائه في دار الدنيا وعلم لا ~~محالة أن بعضهم يزني ببعض وكان قادرا على أن يفرق بينهم في المكان، فهل يعد ~~بذلك سفيها3 أو يخرج بذلك عن الحكمة. # فإن قالوا: إنما جمع بينهم ليعرضهم لفعل ما أمرهم به في اجتناب ما حرم ~~عليهم من الزنا ويدخلهم بذلك جنته4. # قلنا: فقد علم أن منهم من لا يمتثل ما أمرهم به من ذلك وكان قادرا على ~~PageV02P468 # أن يدخلهم جنته بغير تعريضهم لعصيانه ومخالفتهم أمره، فعلمنا بذلك أنه لا ~~يجب عليه مراعاة الأصلح لهم. # ويقال للقدرية: أليس الحكيم منا لو دفع سيفا إلى عبده فأمره أن يقتل به ~~عدوه وأخبره ثقة لا يشك في صدقه أنه لا يقتل عدوه وإنما يقتل به ولده أو ~~صديقه لا محالة أيخرج عن الحكمة بذلك أم لا؟ فلا بد من قوله نعم. # قلنا لهم: فإن الله سبحانه قد خلق الكفار وخلق فيهم قدرة وخلق سيوفا ~~ملكهم إياها وأمرهم بالإسلام وأن يقتلوا بتلك السيوف أعداءه الذين خالفوا ~~أمره، وهو يعلم أنهم يكفرون به ويقتلون بها أنبياءه وأولياءه. أفيخرج بذلك ~~عن الحكمة، فبطل بذلك أن حكمة الله جارية1 على حكمة المخلوقين2. ~~PageV02P469 ### | 83- # فصل # ومن الأدلة لنا أن لله أن يفرض على عباده ما لا طاقة لهم به قوله تعالى: ~~{يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار} 1، ~~ففرض الله على المؤمنين أن يقاتلوا الكفار على الإطلاق والعموم أي2 عدد ~~كانوا، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: {يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال إن ~~يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا} وهذا ~~أمر بلفظ الخبر3، فأمر الواحد بقتال العشرة ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: {الآن ~~خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين ~~وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين} 4، فخفف الله عنهم وأمر الواحد بقتال ~~الاثنين. والدليل على أنه أمر ms220 أن خبر الله لا يكون بخلاف مخبره، وقد يكون ~~الواحد منهم يغلب العشرة منا5، وأيضا فإنه قال: {الآن خفف الله عنكم} ~~والتخفيف لا يكون إلا فيما فرض وألزم6. # فأجاب المخالف القدري عن هذا وقال: هذا لا حجة فيه للمستدل بل الحجة ~~عليه، لأنه لم يكلفهم إلا ما كانوا يستطيعونه في ذلك الوقت فلما علم ضعفهم ~~فيما بعد خفف عنهم. # والجواب: أن الصحابة الذين نزل فيهم {فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا ~~مائتين} هم الذين نزلت فيهم الآيتان الأوليان وحالتهم واحدة في قوة ~~PageV02P470 # أجسامهم وثباتهم على القتال، وما روي أنهم كانوا على حالة قوية في ~~الأجسام والثبات، ثم حدث عليه ضعف، بل كان1 ثباتهم يزداد في القوة فيما ~~أمروا، فدل على أن المراد بقوله {وعلم أن فيكم ضعفا} عن أن يقاتل الواحد ~~أكثر من اثنين وقت افترض عليه أن يقاتل أكثر منهما2. # ويدل على صحة ما ذهبنا إليه أن الله أخبر بكتابه أن الله يأمر الخلق يوم ~~القيامة بالسجود له، ولا يجعل للكافرين استطاعة على السجود له يومئذ، فقال ~~سبحانه {يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون} 3، فقوله: {عن ~~ساق} يعني عن يوم القيامة لهولها وشدتها، فيستعار الساق عن الشدة ولهذا ~~يقال: كشفت الحرب عن ساق أي عن شدة4. # وفي الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله يأمر الخلق له بالسجود ~~فيسجد له كل PageV02P471 # مؤمن ومؤمنة ينحنون له حنية رجل واحد، وتقصم1 أصلاب المنافقين. قيل يجعل ~~في أصلابهم مثل السفافيد2 من الحديد فيبقى ظهره طبقا واحدا فلا PageV02P472 # يقدر على السجود1، قال الله تعالى: {وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم ~~سالمون} قيل في التفسير: يدعون إلى السجود في الدنيا مع الجماعة وهم سالمون ~~من السفافيد23، ويدل على صحة ما ذهبنا إليه من ذلك قوله تعالى: {الذين كانت ~~أعينهم في غطاء عن ذكري وكانوا لا يستطيعون سمعا} 4، والمراد بذلك أعين ~~القلوب لأنه قيل ما من إنسان إلا وله أربع أعين عينان في راسه يبصر بهما ~~أمر دنياه، وعينان في ms221 قلبه يبصر بهما أمر آخرته ودينه. فإذا أراد الله # بالعبد خيرا فتح العينين فأبصر بهما5 وما وعده الله بالغيب، وإذا أراد ~~PageV02P473 # به سوءا أعمى عيني قلبه1. قال الله تعالى: {فإنها لا تعمى الأبصار ولكن ~~تعمى القلوب التي في الصدور} 2 قال الضحاك: (المؤمن له عينان في صدره ~~بصيرتان يؤديان إلى العينين التين في الوجه، والكافر له عينان في صدره ~~مطموستان لا يؤديان إلى عيني رأسه) 3. # قال الله تعالى: {ولو نشاء لطمسنا على أعينهم فاستبقوا الصراط} 4 فعندها ~~يصلون5. # ويدل على صحة ما ذهبنا إليه من ذلك أن الله سبحانه قال: {تبت يدا أبي لهب ~~وتب ما أغنى عنه ماله وما كسب سيصلى نارا ذات لهب} 6 فيقال: أمر الله أبا ~~لهب بالإيمان، وأخبر سبحانه أنه لا يؤمن وأنه سيصلى نارا ذات لهب فقد أمر ~~أبا لهب أن يصدقه بجميع ما أخبر به وكأنه أمره أن يؤمن بأنه لا يؤمن وأنه ~~سيصلى نارا ذات لهب، وكأنه قيل له صدق بأنك لا تصدق، وهذا محال، وتحقيقه أن ~~خلاف المعلوم محال وقوعه ولكن ليس محالا وقوعه لذاته بل محالا لغيره، ~~والمحال في امتناع الوقوع كالمحال PageV02P474 # لذاته، فمن قال إن الكافرين الذين لم يؤمنوا ما كانوا مأمورين بالإيمان ~~فقد جحد الشرع، ومن قال: كان الإيمان منهم متصورا فقد اضطر إلى القول ~~بتصوير1 ما لا يتصور امتثاله2. PageV02P475 ### | 84- # فصل # ومن الأدلة المذكورة لنا أن الله سبحانه يفعل ما يشاء في العبد وإن لم ~~يكن للعبد فيه مصلحة1 قوله تعالى: {ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم ~~خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما} 2. # فأخبر سبحانه أنه إنما أملى3 لهم ليزدادوا إثما، ولم يمل لهم لما فيه خير ~~وصلاح. # فأجاب المخالف القدري، وقال: لا حجة لهذا المستدل بهذه الآية، بل الحجة ~~منها، لأنها وردت مورد الذم للكفار والوعيد، بدليل قوله في آخر الآية: ~~{ولهم عذاب مهين} 4 لا يذمهم ولا يعذبهم إلا على فعلهم، وحذرهم الاغترار ~~بالإملاء. ولم يكن الإملاء لخير استحقوه عند الله، وإنما أملى لهم ms222 ليرجعوا ~~أو يتوبوا في مدة الإملاء5، فأما قوله: {ليزدادوا إثما} فإن هذه اللام ~~للعاقبة. # والجواب: أنا لا ننكر أنها وردت مورد الذم والوعيد، ولكن لا يدل أنهم ~~خلقوا وأفعالهم في الإثم، بل أفعالهم خلق لله وكسب لهم6 على ما مضى، وأما ~~قوله: {إنما نملي لهم ليزدادوا إثما} فلا ننكر أنه أمرهم بالتوبة، ولكن ~~PageV02P476 # لو قدر لهم التوبة وتفضل عليهم بالتوفيق لها لتابوا، وأما قوله: إن اللام ~~في قوله: {ليزدادوا إثما} أنها1 لام العاقبة كقوله تعالى: {فالتقطه آل ~~فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا} 2 فغير صحيح؛ لأن الله قد علم أنهم لا يتوبون، ~~وإنما علم أنهم يكفرون وليس كذلك التقاط آل فرعون لموسى - عليه السلام -، ~~فإنهم لم يعلموا أنه يكون لهم عدوا وحزنا، وإنما قدروا في أنفسهم التقاطه ~~ليكون لهم قرة أعينهم وقد علم الله أنه لا يكون لهم3 إلا عدوا وحزنا. # ويدل على صحة ما ذهبنا إليه قوله تعالى: {فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم ~~إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا} 4، وهذه لام كي تقديرها: ~~إنما يريد الله تعذيبهم. وفي الآية تقديم وتقديرها: فلا تعجبك أموالهم ولا ~~أولادهم في الحياة الدنيا إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة، وهذا قول ~~أكثر المفسرين5. # وقال بعضهم: أراد إنما يريد الله ليعذبهم في الحياة الدنيا؛ لأنهم ~~منافقون فهم ينفقون كارهين فيعذبون بما ينفقون6. # ويدل على صحة ما قلنا ما أخبر الله عن موسى صلى الله عليه وسلم أن قال: ~~{وقال موسى ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا في الحياة الدنيا ربنا ~~ليضلوا عن سبيلك ربنا اطمس PageV02P477 # على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم قال قد ~~أجيبت دعوتكما} 1 فأخبر الله عن موسى أنه قال إن الله ما آتاهم الزينة ~~والأموال إلا ليضلوا عن سبيله، وهذه لام كي، وموسى أعلم بما يجوز على الله ~~من القدرية. # وأيضا فإنه دعا عليهم بأن يشد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب ~~الأليم فلا ينفعهم الإيمان فدل على الله شد على ms223 قلوب الكفار عن الإيمان، ~~فلم ينكر الله عليه2 دعاءه بل قال: {قد أجيبت دعوتكما} وذلك أن موسى عليه ~~السلام دعا عليهم بذلك، وهارون يؤمن على دعائه3 ومثل هذا أخبر الله عن نوح ~~- عليه السلام - أنه دعا قومه فقال: {ولا تزد الظالمين إلا ضلالا} 4، ~~ومعلوم أن زيادة الله في ضلالهم هو خلقه للضلالة فيهم، وأنه يعذبهم فيما ~~خلق فيهم من زيادة الضلال، وهذا كله يبطل قول القدرية. # ويدل على صحة ما قلنا قوله تعالى: {أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين ~~نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون} 5 وتأويلها، بل لا يشعرون أن الذي ~~أعطيناهم من الأموال والبنين هو شر لهم كقوله تعالى: {إنما نملي لهم ~~ليزدادوا إثما} 6، ومثلها قوله تعالى: {ثم إذا 7 خولناه نعمة منا قال إنما ~~أوتيته على علم 8 بل هي فتنة} 9. PageV02P478 ### | 85- # فصل # يقال للقدرية: وأي صلاح لابن آدم في خلقه وبلوغه التكليف وتعريضه لمخالفة ~~الأمر فيستحسن العذاب الدائم. # وقد روي عن جماعة من الصحابة أنهم تمنوا بأنهم لم يكونوا شيئا، فقالت ~~عائشة - رضي الله عنها -: "يا ليتني كنت حيضة في بطن أمي"1. # وقال بعضهم: "يا ليتني كنت كبشا سمينا فذبحني أهلي وأكلوني"2. # وروي عن موسى عليه السلام أنه قال: "يا رب ما كان خيرا لابن آدم؟ فقال: ~~لو لم أخلقه. قال: فبعد إذ خلقته ما كان خيرا؟ فقال: أن يموت صغيرا، قال: ~~فبعد أن لم يمت صغيرا ما كان خيرا له؟ قال: أن يموت شيخا كبيرا"3. # فأجاب المخالف القدري عن هذا بجوابين أحدهما أن قال: قد علمنا حكمة الله ~~بأفعاله ولولا ما ظهر من أفعاله ما علينا حكمتهن فصح لحكمته وعدله أنه4لم ~~يخلقهم إلا لمصلحة ولا يضرنا ألا نعرف5 وجه المصلحة، كما نقول في طبيب6 ~~حاذق في الطب أصابت ولده علة فدعاه إلى شرب دواء مر المذاق علم الولد نفعه ~~وصلاحه لتلك العلة وإن لم يعلمه7 الولد. PageV02P479 # والجواب الثاني: أن وجه الصلاح في خلق الله للمكلفين ظاهر وهو أنه مكنهم ~~من الخيرات التي يتوصلون بها ms224 إلى الثواب، وأراد منهم ذلك وأمرهم به، وساقهم ~~بالأمر والنهي والوعد والوعيد إلى ما فيه صلاحهم فكان معرضا لهم لأجل ~~المراتب1 وإنما هلك منهم من هلك بسوء اختياره وإيثاره للمعصية. # والجواب: أن يقال للمخالف: الله موصوف بالحكمة والعدل بذاته قبل أن يخلق ~~الأشياء التي علم بها العباد حكمته، لأن ذلك من صفات الكمال، فهذا الذي ~~ادعيته غير مسلم. # وأما قوله إنه لم يخلقهم إلا للمصلحة وإن لم تعلم المصلحة واستدلاله ~~بالأب الطبيب، فهذا موضع النزاع. ولا ننكر أن الله سبحانه أرحم بالعبد من ~~الوالد لولده، وأن له عليه نعما2 لا يحصيها ولا يقوم3 بشكرها، ومن نعمه ~~الرحمة التي خلقها في قلوب الوالدين للولد، ولكن الإنعام منه بذلك وغيره ~~تفضل وإنعام لا يجب عليه، وله ترك الإنعام والتفضل، ولهذا يؤلم الأطفال في ~~المهد ويقطع أعضاءهم بأصناف العلل من الجذام وغيره، ولا يعد ذلك قبيحا ولا ~~ظلما من أفعاله، بخلاف الأب فإنه لا يملك الولد ولا يفعل بعبده الذي يملك4 ~~رقبته إلا ما أذن له فيه مملكه، فبطل الجمع بين حكم الله في التصرف بعباده ~~وبين حكم الوالد الطبيب. # وأما قول المخالف في جوابه الثاني: إن المصلحة في خلق المكلفين تمكينهم ~~من الخيرات وإرادة الله منهم ذلك، فهذا موضع الخلاف ولا حجة له عليه غير ~~مجرد الدعوى. PageV02P480 # وأما قوله: إنه أمرهم وساقهم بالأمر والنهي والوعد والوعيد إلى ما فيه ~~الصلاح، فقول لا معنى تحته فإن أراد بقوله ساقهم كقوله: {وسيق الذين كفروا ~~إلى جهنم} 1 فهو الإجبار الذي يرمي به خصمه وهم براء مما رماهم به، وقد ~~اعترف على نفسه بما أنكره على غيره، وجميع ما أورده من هذا وما أشبهه قول ~~فارغ من المعاني المفيدة لمن تدبره. # ثم قال المخالف: وأما ما حكاه عن الصحابة في تمنيهم أنهم لم يخلقوا فلم ~~يقولوه اعتراضا على الله في فعلهن ولو قصد أحد منهم ذلك فإنه عاص ضال لا ~~يلتفت إليه، لأنهم يعلمون أن أحدا لا يهلك إلا بجنايته وإنما قصدوا بذلك ~~مذمة النفس. ms225 # والجواب: أنا لا نقول إنهم قصدوا الاعتراض على الله، وإنما لما خافوا على ~~أنفسهم العطب في التقصير عما أمروا به تمنوا ما تمنت مريم بنت عمران فيما ~~أخبر الله عنها بكتابه بقوله: {ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا} 2. ~~أفتراها معترضة على الله؟. # ثم قال المخالف: وأما الخبر المروي عن موسى عليه السلام فلا حجة فيه، ~~لأنه إذا ثبت بإسناد صحيح فهو خبر آحاد لا يؤخذ به، ويجب تأويله على3 ما ~~يوافق أدلة العقل إن أمكن، وإلا لم يضرنا اطراحه، لأن الواجب علينا الأخذ ~~بما دلت عليه العقول. # والجواب أن يقال له: وإن كان من أخبار الآحاد فإنه موافق لظاهر القرآن ~~وهو ما أخبر الله عزوجل عن مريم بنت عمران، وقوله: {إنما نملي لهم ليزدادوا ~~إثما} وجزاء الإثم العذاب، والعدم عن الدنيا خير من العذاب. PageV02P481 # وأما قول المخالف: يجب تأويله على ما يوافق العقل وإلا وجب اطراحه، فهذا ~~حقيقة مذهبه في رد ظواهر القرآن التي دلت على خلاف مذهبه أنه يحملها على ~~تأويلات لا دليل عليها، والمعمول عليه اطراحها عنده لمخالفتها عقولهم ~~الفاسدة التي بنوا عليها مذهبهم، ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ~~مجالستهم1، لأن الله أمر باتباع الوحي وأمر باتباع أنبيائه ونهى عن اتباع ~~الهوى، وعقل موسى عليه السلام أكمل من عقول القدرية، فكيف يجب اطراح قوله ~~لما أوردته القدرية عن عقولهم!. PageV02P482 ### | 86- # فصل # ومن الأدلة المذكورة لنا في الرسالة أنا نفرض الكلام مع القدرية في ثلاثة ~~نفر خلقهم الله، فواحد منهم بلغ وآمن بالله وعمل العمل الصالح، وأطال الله ~~عمره في العمل الصالح، فبحكم العدل عند القدرية أن الله يدخله الجنة ويرفع ~~درجته فيها بقدر عمله. # والثاني لم يبلغ الحلم بل مات صغيرا لم يعمل شيئا من الطاعات، فبحكم ~~العدل عندهم أن الله يدخله الجنة ولا يعطيه من الدرجات ما يعطي الأول. # وأما الثالث: فإنه لم يؤمن بالله وأطال الله عمره فيدخله النار. # فإذا نظر الصغير إلى ما أعطى الله الأول من الدرجات قال: يا رب لأي ms226 معنى ~~لم تعطني من الدرجات مثل ما أعطيت الأول؟ فيقال: بحكم العدل أنك لم1 تعمل ~~مثل الأول، فيقول: لو أطال الله عمري كعمر الأول لعملت مثل عمله، ولكن قصر ~~عمري فقال له: لم يكن الصلاح لك في طول العمر بل الصلاح لك في إماتتك ~~صغيرا، فيقول حينئذ الكافر من تحت أطباق جهنم فأي صلاح لي بطول العمر فليت ~~الله أماتني صغيرا فأرضى بمنزلة هذا الذي سخطها، ولكن الله طول عمري وبلغني ~~حد التكليف مع علمه أني لا أؤمن فخالفت2 أمره حتى صرت إلى ما صرت إليه، ~~فتقوم الحجة لكافر على الله3، وقد قال الله تعالى: {فلله الحجة البالغة} 4 ~~فعلمنا لذلك أن الأمر بخلاف ذلك وأن لله5 أن يفعل بعباده ما شاء. ~~PageV02P483 # فأجاب المخالف القدري عن هذا بجوابين: # أحدهما: قال إنما أمات الله الصغير، لأنه علم أنه لو بقي لأفسد دين غيره ~~ممن يعلم أنه لولاه لما فسد، ولا يجوز في حكمته أن يبقى من هذه حاله1 لأن ~~فساده حينئذ يكون في حكم المضاف إلى الله ولم يعلم في بقاء الذي بلغ وكفر ~~ومات على الكفر مفسدة لغيره وإنما فسد هو باختياره، قال: ولا يلزم على هذا ~~إبقاء إبليس وغيره من شياطين الجن والإنس، لأن الله علم أنهم لا يضلون إلا ~~من كان يضل بنفسه لقوله تعالى: {فإنكم وما تعبدون ما أنتم عليه بفاتنين إلا ~~من هو صال الجحيم} . # والجواب الثاني: إن الله متفضل على الخلق بخلقه لهم وببعثه لهم وبتكليفه ~~لهم، وله أن يتفضل بالقليل من ذلك والكثير، ولا اعتراض عليه لأن الاعتراض ~~عليه بذلك جهالة2، فإذا قال الصغير لم لم تبلغني درجة العامل؟ قيل له: لأنك ~~لم تعمل، فإذا قال: لم يعمرني، قيل له: هو متفضل بذلك، والكافر إذا قال ~~أبقاني مع علمه بأني أفسد. قيل له: كان بإمكانك أن تؤمن فلم تفعل، هذا نكتة ~~قوله ومعتمده. # والجواب عن جوابه الأول من وجوه: # أحدها أن يقال: يجب أن يكون كل صغير أماته الله من أولاد الأنبياء وغيرهم ~~إنما ms227 ذلك لأن الله علم أنهم لو بقوا لأفسدوا دين غيرهم، وهذا يخالف ما روي ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم بكى على ابنه إبراهيم لأنه مات وهو ابن شهرين3 ~~وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن أباك لنبي وإن جدك لنبي ولو بقيت لكنت ~~PageV02P484 # نبيا" 1، ولم يقل لو بقيت لأفسدت دين غيرك. # والجواب الثاني: أن يقال فكان ينبغي على هذا أن لا يميتهم حتى يقاربوا ~~وقت الإفساد، وقد يميتهم حين يولدون ويميتهم في بطون أمهاتهم وفي ذلك تخريب ~~لما عمر من غير معنى. # والجواب الثالث: أن يقال: أفكان الله قادرا على أن يباعد بينهم في ~~المساكن، أو يحول بينه وبين الإفساد من غير إجبار، ويعصم المفاسد عليه، ولا ~~يميت هذا الصغير الضعيف لمصلحة هذا القوي الذي يقدر على الامتناع من إفساد ~~هذا الصغير. # والجواب الرابع: أن الإلزام الذي ألزم نفسه في إبقاء الله لإبليس وشياطين ~~الجن إلزام صحيح، وجوابه عن ذلك بأنهم لا يضلون إلا من يعلم أنهم يضلون ~~بأنفسهم غير صحيح. لأنه لو كان ما قاله من ذلك صحيحا لما لحق إبليس وجنوده ~~ذم ولا توبيخ ولا عقاب بإضلالهم2 الكاقرين والعاصين، لأنهم كانوا في علم ~~الله يضلون بأنفسهم. # وأما الآية التي احتج بها فقد قلنا قبل هذا، إنما تأويلها {إلا من هو صال ~~الجحيم} إلا من سبق عليه القضاء بالضلال3، وعلى جميع هذه الإلزامات ~~PageV02P485 # فإن الكافر يقول: يا رب إذا أمت هذا الصغير قبل أن يبلغ لمصلحة غيره، ~~فهلا يا رب أمتني صغيرا لمصلحة نفسي، لأنك علمت أني لا أؤمن بك وموتي ~~لمصلحتي أولى بالعدل من إماتة الصغير1 لمصلحة غيره. # وأما قول المخالف في جوابه الثاني: إن الله متفضل على الخلق بالخلق ~~والإبقاء والتكليف هذا مذهب أهل الحديث، وأما مذهب أسلافه من المعتزلة2 فقد ~~مضى بيانه3، ولكن إذا قال هذا المخالف: إن الله لا يفعل إلا ما فيه صلاح ~~لهم ولا يتفضل عليهم إلا بما فيه صلاح لهم، فإن هذا الكافر الذي بلغ ولم ~~يؤمن يقول يا رب تفضلك ms228 عي يا رب بإماتتي صغيرا خير لي من إبقائك لي إلى ~~البلوغ، وقد علمت أني لا أومن فتبقى له الحجة، والله تعالى يقول: {فلله ~~الحجة البالغة} 4. PageV02P486 ### | 87- # فصل # ومن الأدلة المذكورة لنا على الله أن يفعل بالعباد ما شاء، وإن لم يكن ~~لهم فيه مصلحة أنا نرى في الشاهد أن الله يؤلم الأطفال بالعذاب الدائم، ~~ويصيبهم بالعلل التي تنقطع منها أوصالهم من غير جناية سبقت منهم، وكذلك ~~الحيوان المسخر لبني آدم في الركوب والذبح والطبخ وكذلك جعل بعض بني آدم ~~ملكا لبعض، ولا يستحيل في العقل أن يكون المالك مملوكا والمسخر مسخرا، هل ~~في ذلك للعقل مجال إلا أن المالك محكم في ملكه يفعل فيه ما يشاء. # فأجاب المخالف القدري عن ذلك وقال: المصلحة في ذلك هو اعتبار للمكلفين ~~والإنعام عليهم بالركوب والذبح والتنبيه لهم بإيلام البهائم والأطفال، ثم ~~هو يعوض المؤمنين على ما أصابهم من الآلام والمشاق أعواضا تستحقر الآلام ~~بجنبها، فبالاعتبار1 تخرج الآلام عن أن تكون عبثا، وبالعوض يخرج عن أن يكون ~~المرض ظلما2. # والجواب: أن يقال: خلق الله الألم في الأطفال والبهائم ليعتبر به ~~المكلفون فيينتبهوا به، لا مصلحة للأطفال والبهائم فيه بل المصلحة فيه ~~لغيرهم، وعلى مقتضى قولكم إن الله يخلق في الدنيا نارا كنار جهنم ويخلق ~~أطفالا وبهائم فيها ليراها المكلفون ويعتبروا بعذابهم وينبههم بذلك على ~~عذاب جهنم في الآخرة، وأنتم لا تقولون بذلك. # وأما قول المخالف: إن الله يعوض الأطفال والبهائم على ذلك بالآخرة، ~~فالجواب عنه من وجوه: # أحدها: أن قولهم هذا يؤدي إلى أن كل ذرة أو بقة أو برغوث خلقه ~~PageV02P487 # الله ووطأتها الإبل في الطرق وقتلتها فإنه يجب على الله أن يبعثها في ~~الآخرة على صورة يصل إليها الثواب ويجعلها في الجنة. # وهذا قول يرغب عنه كل عاقل، وقد ذكر المفسرون أن الله يحشر الطير وجميع ~~البهائم ويقتص للجماء من ذات القرن ثم يقول اله لها كوني ترابا، فتعود ~~ترابا، فعند ذلك يقول الكافر يا ليتني كنت ترابا1. # والوجه الثاني: أن يقال إنكم ms229 اعترضتم على خصومكم وأنكرتم عليهم القول بأن ~~الله يخلق في العباد أعمال الطاعات ويثيبهم عليها، فكيف ساغ لكم القول ~~هاهنا بأن الله يخلق الآلام والآفات في الأطفال ويثيبهم على فعله بغير فعل ~~منهم ولا كسب. # والوجه الثالث: أن يقال من صفات الله الكرم والأفضال، وكان قادرا على أن ~~يجزل لهم العطية من غير أن يبتليهم بألم ولا آفة، ولا يلزم على ذلك الثواب ~~على الأفعال في التكليف، فإن الثواب على ذلك عندنا على كسبهم الأعمال ~~وعندكم على خلقهم الأعمال. # والجواب الرابع أن يقال: فما المعنى الذي اقتضى أن تكون هذه البهائم ~~وهؤلاء الأطفال المخلوق فيهم الألم والآفة ليعتبر بذلك غيرها من المكلفين، ~~وتكون المؤلمة هي المستحق للعوض، وما المانع أن تكون هي المستحقة للاعتبار ~~بخلق الألم في المكلفين، ولم يخلق2 المكلفين بهائم وأطفالا3 PageV02P488 # وخلق فيهم الألم وخلق الأطفال مكلفين لعتبروا بغيرهم، فعلم أن أفعال الله ~~لا لعلة لازمة1. # ثم قال المخالف: وما تمليك بني آدم لبعض فإن ذلك جعل جزاء للكفر وللتنفير ~~عن الكفر. # والجواب: أن الولد قد يسلم وهو تابع لأمه في الملك، وقد يكون أبوه مسلما ~~حرا وكيف يعاقب الإنسان على ذنب غيره، وقد قال الله تعالى: {ولا تزر وازرة ~~وزر أخرى} 2، ومع هذا فلا ننكر أن أصل الرق إنما يثبت على الكافر، ولكن أي ~~مصلحة لولد الولد وإن بعد أن يكون مملوكا لآدمي مثله من طريق الدين؟! فعلم ~~بذلك أن الله يفعل بعباده ما شاء سواء كان لهم بذلك مصلحة أو لم يكن3. ~~PageV02P489 ### | 88- # فصل # ذكر اللالكائي في مسنده1 عن أبي (العباس) سهل2 بن سعد - رضي الله عنه - ~~قال: " تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: {أفلا يتدبرون القرآن ~~أم على قلوب أقفالها} 3، وغلام جالس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال: بلى والله يا رسول الله إن عليها لأقفالها فلا يفتحها إلا الذي ~~أقفلها، فلما ولي عمر - رضي الله عنه - طلبه ليستعمله، وقال: لم يقل ذلك ~~إلا من عقل"4. # وعن ابن عباس - رضي الله ms230 عنه - في قوله تعالى: {يمحوا الله ما يشاء ويثبت ~~وعنده أم الكتاب} 5 قال: "الشقاوة والسعادة والموت"6. PageV02P490 # وعن ابن عباس - رضي الله عنه - في هذه الآية {إنا كنا نستنسخ ما كنتم ~~تعملون} 1، قال: "كتب الله أعمال بني آدم وما هم عاملون إلى يوم القيامة ~~والملائكة يستنسخون2 ما يعمل بنو آدم يوما بيوم"3. # وعن عبد الله بن مسعود وابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله تعالى: ~~{وهديناه النجدين} 4 قال: "نجد الخير ونجد الشر"5. # وعن ابن عباس - رضي الله عنه - في قوله تعالى: {قد أفلح من زكاها وقد خاب ~~من دساها} 6 قال: "قد أفلح من زكى الله نفسه وقد خاب من دسا الله نفسه ~~فأضله"7. # وعن مجاهد في قوله تعالى: {إني أعلم ما لا تعلمون} 8 قال: "علم من إبليس ~~المعصية وخلقه لها"9. # وقال ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله تعالى: {كما بدأكم تعودون ~~فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة} 10 قال: "إن الله قد11 خلق ابن آدم ~~مؤمنا وكافرا، فقال: {هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن} 12، ثم ~~PageV02P491 # يعيدهم يوم القيامة كما بدأهم مؤمن وكافر"1. # وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله تعالى: {أومن2 كان ميتا ~~فأحييناه} 3 "يعني من كان كافرا ضالا فهديناه، و {وجعلنا له نورا يمشي به ~~في الناس} يعني بالنور القرآن من صدق به وعمل به، {كمن مثله في الظلمات} ~~يعني الكفر والضلال"4. # وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله تعالى: {له معقبات من بين يديه ~~ومن خلفه يحفظونه من أمر الله} 5، قال: "إذا جاء القدر خلوا عنه"6. # وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله تعالى: {ولا يزالون مختلفين إلا ~~من رحم ربك ولذلك خلقهم} 7، قال: "فرقين فريق رحم فلا يختلف وفريق لا يرحم ~~مختلف فمنهم شقي وسعيد"8. # قال مالك في قوله تعالى: {ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك ~~خلقهم} قال: "ليكون فريق في الجنة وفريق في النار"9. PageV02P492 # وعن مجاهد في قوله تعالى: {يمحوا الله ما يشاء ويثبت} ، قال: ms231 "إن الله ~~ينزل كل شيء في ليلة القدر فيمحو ما يشاء من المقادير والآجال والأرزاق، ~~إلا الشقاء والسعادة فإنه ثابت"1. # وقال محمد بن كعب القرظي في قوله تعالى: {كلا إن كتاب الفجار لفي سجين} 2 ~~قال: "رقم الله كتاب الفجار في اسفل الأرض فهم عاملون لما قد رقم عليهم في ~~ذلك الكتاب، ورقم كتاب الأبرار فجعل في عليين فهم يعملون3 بما رقم لهم في ~~ذلك الكتاب"4. # وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله تعالى: {وما كان الله ليعذبهم ~~وأنت فيهم} 5، قال: "وما كان الله لعذب أقواما وأنبياؤهم بين أظهرهم حتى ~~يخرجهم، ثم قال: {وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون} ؟ يقول: ومن سبق له من ~~الله الدخول في الإيمان وهو الاستغفار، ويقول للكافر: {ما كان6 الله ليذر ~~المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب} 7 فيميز أهل السعادة ~~من أهل الشقاوة"8. PageV02P493 ### | 89- # فصل # ذكرت في الرسالة أن الصحابة بأجمعهم والتابعين وعلماء الأمصار كانوا ~~يقولون إن أفعال العباد في الطاعة والمعصية خلق الله، وإن الله أراد من ~~الخلق ما فعلوه من طاعة ومعصية. # فأجاب المخالف القدري عن هذا بكلام مشوب بسفه لا يليق ذكره إلا منه ومن ~~أسلافه. ومعتمده قوله أنه نفى أن يكون هذا قولا للصحابة –رضي الله عنهم-، ~~وادعى أنهم قائلون بقول القدرية، واحتج بأخبار أضافها إليهم لا أصل لأكثرها ~~ولا ذكرها أحد من العلماء الذين أرصدوا أنفسهم لجمع أقوال العلماء في ~~الأصول والفروع، واختار تأويلها على وفق مذهبه وكل ذلك ليري عامة أهل السنة ~~أن له تعلقا بالأخبار عن الصحابة والتابعين ومن بعدهم منقولة مروية في أصول ~~صحت روايتها عن الثقات، والكذب عليهم لا تقوم به حجة مع أن كل أحد1 لا يجهل ~~مذهب هذا المخالف وأسلافه من القدرية في الطعن على الصحابة فكيف يحتج ~~بأخبارهم. # وأنا أبين من أقاويل الصحابة والتابعين في ذلك ما تقر به ئاعين من يحبهم، ~~ويرى القدوة بهم دينا لازما، ويبطل به قول القدرية ومن يبغضهم. # ذكر اللالكائي في مسنده2 عن ms232 طاوس أنه قال: "أدركت ثلاثمائة من أصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقولون كل شيء بقدر"3. # وعن أيوب السختياني4 أنه قال: "أدركت الناس وما كلامهم إلا وإن قضى وإن ~~قدر"5. PageV02P494 # وعن عبد الله بن يزيد بن هرمز1 أنه قال: "لقد2 أدركت وما بالمدينة متهم3 ~~بالقدر إلا رجل من جهينة يقال له معبد"4. # وقال أحمد ين يحيى بن5 ثعلب: "لا أعلم عربيا قدريا قيل له: أيقع في قلوب ~~العرب القول بالقدرة قال: معاذ الله ما في العرب إلا مثبت القدر خيره وشره ~~أهل الجاهلية والإسلام وذلك في أشعارهم وكلامهم كثير"6. # وعن عبد الملك7 عن8 عطاء9 قال: أتيت ابن عباس - رضي الله عنهما - وهو ~~ينزع في زمزم وقد ابتلت أسافل ثيابه قلت له: قد تكلم في القدر فقال: أو قد ~~فعلوها؟، قلت: نعم، فقال: "والله ما أنزلت هذه الآية إلا فيهم: {ذوقوا مس ~~سقر إنا كل شيء خلقناه بقدر} 10، أولئك شرار هذه الأمة"11. PageV02P495 # قال الأوزاعي1: "أول من تكلم بالقدر في البصرة رجل من أهل العراق يقال له ~~سوسن كان نصرانيا فأسلم، ثم تنصر فأخذ عنه معبد الجهني وأخذ غيلان عن ~~معبد"2. # ومما موه به هذا المخالف القدري على العامة احتجاجه بحديث رواه عن أبي ~~بكر الصديق - رضي الله عنه - أنه قال وقد سئل عن الكلالة؟ فقال: "أقول فيها ~~برأيي فإن كان صوابا فمن الله، وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان، والله ورسوله ~~بريئان من ذلك"3. # والجواب أنه لا حجة لهذا القدري بهذا الخبر بأن أبا بكر - رضي الله عنه - ~~يقول إنه يخلق أفعاله، وإنما أراد إن كان صوابا فمن الله أي فهو من دين ~~الله، وما وفقني لإصابته وإن كان خطأ فليس من دين الله وإنما هو من كسبي ~~ومن خطئي وأضاف ذلك إلى الشيطان على سبيل التنزيه لله4، وإن كان الله خلقه، ~~كما قال إبراهيم عليه السلام: {الذي خلقني فهو يهدين والذي هو يطعمني ~~ويسقين} 5، فأضاف جميع هذه الأشياء إلى الله إلا المرض فإنه أضافه إلى نفسه ~~وإن6 كان الله ms233 خالقا للجميع فيه، وعلى أنه إن كان إضافة أبي بكر - رضي الله ~~عنه - للخطأ إليه وإلى إبليس يدل على أنه الفاعل7، PageV02P496 # لذلك فقد أضاف الصواب إلى الله، فدل ذلك على أن الله هو الخالق للصواب من ~~اجتهاده1. # ثم نقول: المروي في الصحاح2 عن نافع عن ابن عمر - رضي الله عنهما - "أن ~~رجلا قال لأبي بكر الصديق - رضي الله عنه -: أرأيت الزنا بقدر؟، قال: نعم، ~~فقال له الرجل: فالله قدره علي ثم يعذبني عليه؟ قال: نعم يا بن اللخنا"3. # ومما احتج به القدري ما روي "أن كاتبا كتب لعمر - رضي الله عنه -: هذا ما ~~أرى الله عمر قال: امحه واكتب هذا ما رأى عمر فإن كان صوابا فمن الله وإن ~~كان خطأ فمن عمر"4. # وروي عنه أنه أتي بسارق فقال: ما حملك على هذا؟ فقال: قضاء الله وقدره ~~علي يا أمير المؤمنين، فقطع يده وضربه عشرين درة وقال: "قطعت يدك بسرقتك ~~وضربتك بكذبك على الله"5. PageV02P497 # والجواب عن الأول أنه كره إضافة الرأي إلى الله، لجواز أن يكون أخطأ ~~برأيه على ما مضى1. # وأما حديثه الثاني: فلم يذكره أحد من أصحاب الحديث المشهورين فيجب إثبات ~~سنده2، وإن صح عنه ذلك فإنه محمول على أن السارق أنكر على عمر قطع يديه مع ~~كون ذلك بقضاء الله وقدره3، إذ لو لم يكن بقضاء الله سبحانه لا ستحق القائل ~~به أكثر من ضرب العشرين4، والذي رواه أصحاب الحديث الصحاح عن عمر - رضي ~~الله عنه - أنه قال: "اللهم إن كنت كتبتني في السعادة فأثبتني فيها، وإن ~~كتبتني على الشقاوة فامنحني منها وأثبتني في السعادة فإنك تمحو مت تشاء ~~وتثبت وعنده أم الكتاب"5. # وروي أن عمر - رضي الله عنه - خرج من المدينة إلى الشام ومعه جماهير ~~الصحابة من المهاجرين والأنصار حتى قدم دمشق، فأخبر أن الطاعون وقع بالشام، ~~فخاف عمر أن يتقدم بأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فاستشار الصحابة بذلك ~~PageV02P498 # فاختلفوا عليه، وكان أول من دعى المهاجرين، فقال بعضهم: خرجت لأمر ولا ~~نرى أن ترجع عنه، ms234 وقال آخرون: إن معك بقية الناس وأصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لا نرى أن تقدم بهم على هذا الوباء، فقال: ارتفعوا عني فارتفعوا ~~عنه، ثم أمر أن1 يدعى له الأنصار فدعوا فاستشارهم، فلم يختلف عليه منهم ~~رجلان2، وقالوا نرى أن ترجع بالناس ولا تدم بهم على هذا الوباء، فأذن عمر ~~بالناس إني مصبح على ظهر فأصبحوا عليه، فقال أبو عبيدة: يا أمير المؤمنين ~~أفرارا من قدر الله، فقال عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة، نعم نفر من قدر ~~الله إلى قدر الله، أرأيت لو كان لك إبل فهبطت بها واديا له عدوتان أحدهما ~~خصبة والأخرى جدبة أليس إن رعيت بالخصبة رعيتها بقدر الله، وإن رعيتها ~~بالجدبة رعيت بقدر الله3، فجاء عبد الرحمن بن عوف - رضي الله عنه - وكان ~~مغيبا في بعض حاجاته فقال: إن عندي من هذا علما سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول: "إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم ~~فيها فلا تخرجوا فرارا منه"، فحمد الله عمر ثم انصرف4، وخطبهم على باب ~~الجابية ليقص عليهم ويعرفهم سبب انصرافه، وقال في خطبته: "من يضلل الله فلا ~~هادي له ومن يهد الله فلا مضل له"، فقال جاثليق5 النصراني: إن الله لا يضل ~~أحدا، مرتين أو ثلاثا PageV02P499 # ، فأنكر الصحابة عليه، فقال عمر - رضي الله عنه - لأصحاب النبي صلى الله ~~عليه وسلم: ما يقول؟، قالوا: يا أمير المؤمنين يزعم أن الله لا يضل أحدا، ~~فقال عمر: كذبت بل الله خلقك والله أضلك ثم يميتك فيدخلك النار إن شاء، أما ~~والله لولا ولث عهد لك لضربت عنقك. فتفرق الناس وما يختلف في القدر اثنان1. # والولث: هو العهد الذي ليس بمحكم ولا مؤكد2. # ومما موه به القدري أنه قال: روي أنه لما حصر عثمان - رضي الله عنه - في ~~الدار كان القوم يرمونه ويقولون: الله يرميك، فقال عثمان: كذبتم لو رماني ~~الله ما أخطأني. # والجواب أن يقال له: هذا لا يعرف في مسند. على أنا نحمله ms235 إن صح على أنهم ~~أرادوا الله يرميك أي يبلغ السهام ويصيبك3 بها، فقال لهم عثمان - رضي الله ~~عنه -: لو رماني الله ما أخطأني: أي لو بلغ سهامكم إلي ما أخطأني. وهذا ~~كقوله تعالى: {ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى} 4. وتأويل ~~قوله تعالى: {ولكن الله قتلهم} أي ان المؤمنين لما رجعوا من بدر جعل رجل ~~منهم يقول: قتلت، وآخر يقول: قتلت، فأنزل الله تعالى: {فلم تقتلوهم ولكن ~~الله قتلهم} ، وأما الرمي فإن المشركين لما صافوا أصحاب النبي صلى الله ~~عليه وسلم يوم بدر دعى النبي صلى الله عليه وسلم بثلاث قميصات من حصى ~~الوادي ورمله فتأوله علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - فرماها في وجوه ~~العدو، وقال: "اللهم ارعب قلوبهم وزلزل أقدامهم " فملأ الله وجوههم ~~وأبصارهم من الرمية ولم يبق أحد منهم حتى أصابه5، فانهزموا عند الرمية ~~PageV02P500 # الثالثة فتبعهم المسلمون يقتلونهم ويأسرونهم، فأنزل الله {وما رميت إذ ~~رميت ولكن الله رمى} 1. # أي أن الله خلق الرمي بيدك يا محمد، وتولى إيصال ذلك إلى أبصارهم، فأضاف ~~الله ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم إذ وقع كسبا له وأضافه إلى نفسه لكونه ~~مخلوقا له، وانفرد بإيصال التراب إليهم وهذا حجة لنا على القدرية. ~~PageV02P501 ### | 90- # فصل # استدل القدري بدامغه بخبر لا يعرف سنده عن علي بن أبي طالب - رضي الله ~~عنه - يظن أنه حجة له وهو حجة لنا، وهو أنه قال: "روي أن عليا - رضي الله ~~عنه - لما سأله الشيخ الشامي عن مسيره إلى الشام أكان بقضاء الله وقدره؟ ~~فقال علي - رضي الله عنه -: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما قطعنا واديا ~~ولا علونا أكمة وتلة إلا بقضاء وقدر، فقال الشيخ: عند الله1، أحتسب عنائي ~~ما أرى لي من الأجر شيئا. فقال: علي عليه السلام: بل أيها الشيخ قد عظم لكم ~~الأجر على مسيركم وأنتم سائرون وعلى منصرفكم وأنتم منصرفون، ولم تكونوا في ~~شيء من حالاتكم مكرهين ولا إليها مضطرين، فقال الشيخ: وكيف ذلك والقضاء ~~والقدر ساقانا وعنهما كانا مسيرنا، ms236 فقال علي - رضي الله عنه -: لعلك ظننت ~~قضاء لازما وقدرا حتما لو كان ذلك كذلك لبطل الثواب والعقاب وسقط الوعد ~~والوعيد والأمر والنهي من الله ولما كانت تأتي من الله محمدة لمحسن ولا ~~مذمة لمسيء، ولما كان المحسن بثواب الإحسان أولى من المسيء، والمسيء بعقوبة ~~الذنب أولى من المحسن، تلك مقالة عبدة الأوثان وجنود الشيطان وخصماء ~~الرحمن. إن الله أمر تخييرا، ونهى تحذيرا، وكلف يسيرا ولم يعص مغلوبا، ولم ~~يطع مكرها، ولم يرسل الرسل هزلا، ولم ينزل القرآن عبثا، ولم يخلق السموات ~~والأرض وعجائب الأمور باطلا، فويل للذين كفروا، فقال الشيخ: ما القضاء ~~والقدر اللذان ما وطئا إلا بهما؟ فقال علي - رضي الله عنه - الأمر من الله ~~والحكم، فنهض الشيخ وهو مسرور"2. PageV02P502 # والجواب: أنا نقول للمخالف هذا الخبر كله حجة لنا وحجة عليكم إلا قوله ~~"أمرا تخييرا" فإن الله تعالى قال: {ما كان لهم الخيرة} 1، وقد مضى بيان ~~فساد قولهم إن العبد مخير2، ولكن قد أثبت علي - رضي الله عنه - القدر ~~والقضاء في السير والانصراف والقضاء ينصرف إلى الخلق لقوله تعالى: {فقضاهن ~~سبع سماوات} 3، وقوله تعالى: {إنا كل شيء خلقناه بقدر} 4، والمخالف لا يقول ~~إن مسيرهم وانصرافهم كان بقضاء من الله وقدر، وإنما يقول هو يخلقهم وإنما ~~ظن الشيخ أن عليا أراد5 أن الله أجبرهم على المسير والانصراف بقضاء الله ~~وقدره وقال6: ":لم تكونوا في شيء من حالاتكم مكرهين ولا إليها مضطرين ~~فاستثبته الشيخ وقال: "وكيف ذلك والقضاء والقدر ساقانا" يريد أنهما ساقانا ~~سوقا لا امتناع لنا عنه، فنفى علي - رضي الله عنه - ذلك وأنهم ليسوا ~~بمجبرين، فقال: "لعلك ظننت قضاء لازما وقدرا حتما" أي إنما وقع ذلك باختيار ~~منكم ولو كنتم مجبرين لبطل الثواب والعقاب إلى آخر كلامه، وهذا كله حجة ~~لنا، لأنا لا PageV02P503 # نقول بالجبر وبطل أن يكون للمخالف علينا بذلك حجة، ولكن حمله على ذلك قلة ~~بصيرته بالمذاهب وعدم البصيرة في وضع الحجج مواضعها. # ثم نقول: المروي عن علي - رضي الله عنه - في الصحاح أنه مر بقوم ms237 فقال له ~~رجل منهم: يا أمير المؤمنين إن هذا يزعم أنه يصنع ما يشاء، فأقبل علي - رضي ~~الله عنه - على الرجل فقال له: هل ملكك الله شيئا فأنت تملكه فقال: ملكني ~~صلاتي وصومي وعتق رقبتي وطلاق امرأتي وحجي وعمرتي وما افترض علي فقال له ~~علي: هذا الذي تزعم أنك تملكه أتملكه من دون الله أو تملكه مع الله؟ قال له ~~الرجل: ما أدري ما تقول، قال: أكلمك بلسان عربي، وتقول ما أدري ما تقول، ~~فأعادها علي عليه فلم يجبه الرجل، فقال له علي: إن زعمت أنك تملكه من دون ~~الله فقد جعلت نفسك مع الله شريكا ومالكا وإلا فالملك لله الواحد القهار1. # وكذلك روي عن علي - رضي الله عنه - أنه قال: الأعمال ثلاثة: فرائض، ~~وفضائل، ومعاصي، وقد مضى بيانهن وأن جميعها خلق لله سبحانه2. PageV02P504 ### | 91- # فصل # استدل المخالف القدري بما روي عن ابن عباس - رضي الله عنه - أنه قال: "من ~~أضاف إلى الله ما تبرأ عنه فقد افترى على الله". # وروي عنه أنه قال: "لعن الله قوما يحملون ذنوبهم على الله ". # وروي عنه أنه قال: "قاتل الله قوما يعملون المعاصي ثم يزعمون أنها من ~~الله ". # والجواب: أن هذه الأحاديث لم يذكرها علماء الحديث في الأصول التي اتفق ~~علماء الأمصار على صحتها والاحتجاج بها، فيجب على من احتج بها إثبات السند ~~فيها، وعلى أنا نحمل هذه الأخبار على أنه لعن قوما قالوا إن الله أخبر ~~الخلق على أعمالكم وهلك من قال ذلك1. # والذي ذكر أصحاب الحديث عن ابن عباس - رضي الله عنه - ما قدمنا ذكره عنه. ~~وروى عنه مجاهد أنه قيل لابن عباس: إن ناسا يقولون في القدر، فقال: "يكذبون ~~بالقرآن لئن أخذت بشعر أحدهم لأنصونه2، إن الله عز PageV02P505 # وجل كان على عرشه قبل أن يخلق شيئا، فخلق القلم فكتب ما هو كائن إلى يوم ~~القيامة إنما يجري الناس على أمر قد فرغ منه"1. # وقال ابن عباس: "الإيمان بالقدر نظام التوحيد فمن وجد الله ولم يؤمن ~~بالقدر كان كفره نقضا للتوحيد، ومن ms238 وحد الله وآمن بالقدر كانت العروة ~~الوثقى لا انفصام لها"2. # وقال عطاء بن أبي رباح: كنت عند ابن عباس، فجاء رجل فقال: يا ابن عباس: ~~أرأيت من صدني عن الهدى وأوردني دار الضلالة والردى ألا تراه قد ظلمني؟ ~~فقال ابن عباس: "إن كان الهدى شيئا كان لك عنده فمنعك فقد ظلمك، وإن كان ~~الهدى هو له يؤتيه من يشاء فلم يظلمك، قم لا تجالسني"3. # وروي عن أبي يحيى مولى بني عفراء4، قال: أتيت ابن عباس وعي رجلان من ~~الذين يكذبون بالقدر وينكرونه، فقلت: يا ابن عباس ما تقول في القدر فإن ~~هؤلاء أتوك ليسألوك عن القدر إن زنا وإن سرق وإن شرب، قال: فحسر قميصه حتى ~~أخرج منكبيه فقال: يا أبا يحيى5، لعلك من الذين ينكرون القدر ويكذبون به، ~~والله لو أعلم أنك منهم أو هذين معك لجاهدتكم، إن زنا فبقدر وإن سرق6 وإن ~~شرب الخمر فبقدر7. PageV02P506 # وروى عكرمة قال: "كنت عند ابن عباس جالسا فجاء رجل فقال: يا ابن عباس ~~أخبرني من القدرية فإن الناس قد اختلفوا عندنا بالمشرق. فقال ابن عباس: ~~القدرية قوم يكونون في آخر الزمان دينهم الكلام، يقولون إن الله لم يقدر ~~المعاصي على خلقه ويعذبهم على ما قدر عليهم، فأولئك هم القدرية، وأولئك هم ~~مجوس هذه الأمة، وأولئك ملعونون على لسان النبيين أجمعين فلا تقاولوهم1 ~~فيفتنوكم، ولا تجالسوهم ولا تعودوا مرضاهم، ولا تشهدوا جنائزهم، أولئك ~~أتباع الدجال لخروج الدجال أشهى إليهم من الماء البارد، فقال رجل: لا تجد ~~علي يا ابن عباس فإني سائل مبتلى بهم، قال: قل، قال2: كيف صار في هذه الأمة ~~مجوس وهذه أمة مرحومة، فقال ابن عباس: أخبرك لعل الله ينفعك، فقال: افعل، ~~قال: إن المجوس زعمت أن الله لم يخلق شيئا من الهوام والقذر، ولم يخلق شيئا ~~يضر، وإنما يخلق المنافع وكل شيء حسن 3، وإنما القذر4 هو الشر، والشر كله ~~خلق إبليس وفعله، وقالت القدرية: إن الله لم يخلق الشر ولم يبتل به، وإبليس ~~رأس الشر وهو مقر بأن الله ms239 خلقه. وقالت القدرية: إن الله أراد من العباد ~~أمرا لم يكن وأخرجوه من ملكه وقدره، وأراد إبليس من العباد أمرا فكان إبليس ~~عند القدرية أقوى وأعز، فهؤلاء القدرية، فكذبوا أعداء الله. إن الله يبتلي ~~ويعذب على ما ابتلى وهو غير ظالم، لا يسأل عما يفعل، وبمن ويثيب وهو فعال ~~لما يريد، ولكنهم أعداء الله ظنوا ظنا فحققوا ظنهم عند أنفسهم، وقالوا: نحن ~~العالمون والمثابون والمعذبون بأعمالنا ليس لأحد علينا منة وذهب عليهم المن ~~من الله والخذلان. قال سويد بن سعيد5: لا إله إلا PageV02P507 # الله ما أوحشه من قول، وأن الله هو الهادي والمضل الراحم المعذب1. # قال عطاء: قال ابن عباس: "كلام القدرية كفر وكلام الحرورية ضلال". # قال ابن عباس: "لا أعلم الحق إلا في كلام قوم ألجوا ما غاب عنهم من ~~الأمور إلى الله تبارك وتعالى، وفوضوا أمورهم إلى الله، وعلموا أن كلا ~~بقضاء الله وقدره"2. # وروي أن ابن عباس - رضي الله عنه - مر على قوم يتنازعون في القدر فقال: ~~"لا تختلفوا في القدر فإنكم إن قلتم إن الله شاء لهم أن يعملوا بطاعته ~~فخرجوا من مشيئة الله إلى مشيئة أنفسهم فقد أوهنتم الله بأعظم ملكه، وإن ~~قلتم إن الله جبرهم على الخطايا ثم عذبهم عليها قلتم إن الله ظلمهم"3. # قال الأوزاعي: بلغني عن ابن عباس أنه ذكر عنده قولهم في القر فقال: ~~"ينتهي بهم رأيهم حتى يخرجوا الله من أن يكون قدر خيرا كما أخرجوه عن أن ~~يكون قدر شرا"4. # وروي في الصحاح عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: "قال موسى عليه السلام: يا رب أبانا آدم الذي أخرجنا ونفسه ~~من الجنة فأراه الله آدم عليه السلام فقال له: أنت أبونا آدم؟ قال: نعم، ~~قال: أنت الذي نفخ الله فيك من روحه وعلمك الأسماء كلها وأمر ملائكته ~~PageV02P508 # فسجدوا لك؟ ن قال: نعم، قال: فما حملك على أن أخرجتنا ونفسك من الجنة، ~~قال له آدم: من آنت؟، قال: أنا موسى، قال: ms240 أنت نبي بني إسرائيل الذي كلمك ~~الله من وراء حجاب لم يجعل بينك وبينه رسولا من خلقه قال: نعم، قال: فهل ~~وجدت في كتاب الله أن ذلك كائن قبل أن أخلق، قال: نعم، قال: فلم تلومني في ~~شيء سبق من الله فيه القضاء قبل أن أخلق، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~فحج آدم موسى "1. # استدل القدري بما روي عن ابن عمر أنه قال: "القدرية مجوس هذه الأمة، قيل: ~~منهم يا أبا عبد الرحمن؟ قال: الذين يعملون بالمعاصي ويزعمون أنها من ~~الله". # والجواب: أن على هذا المستدل أن يثبت هذا بسند صحيح، ولم يذكره أحد من ~~أصحاب الحديث. وعلى أنا نحمله على أنه أراد الذين يزعمون أن الله يجبرهم ~~على المعاصي ولا حجة له علينا بذلك. # ثم نقول للذي ذكره أصحاب الحديث عن ابن عمر أن يحيى بن يعمر2 قال: قلت ~~لابن عمر: إنا نسافر فنلقى قوما يقولون لا قدر، قال: "إذا لقيت أولئك ~~فأخبرهم أن ابن عمر منهم بريء وهم منه براء ثلاث مرات"3. PageV02P509 # وروى ابن نافع1 أن رجلا قال لابن عمر: يا أبا عبد الرحمن إن قوما يتكلمون ~~في القدر بشيء، فقال ابن عمر: "أولئك يصيرون إلى أن يكونوا مجوس هذه الأمة، ~~فمن زعم أن مع2 الله قاضيا أو قادرا أو رازقا أو مالكا لنفسه ضرا أو نفعا ~~أو موتا أو حياة أو نشورا لعنه الله وأخرس لسانه وأعمى بصره وجعل صلاته ~~وصيامه هباء منثورا قطع به الأسباب وكبه على وجهه في النار"3. # وروى نافع قال: جاء رجل إلى ابن عمر قال: يا أبا عبد الرحمن الزنا بقدر؟ ~~قال: نعم، قال: قدره الله علي ويعذبني به؟، قال: نعم، يا بن اللخنا4، لو ~~كان عندي إنسان لأمرته أن يجأ أنفك"5. # وعن عبد الله بن عبد الرحمن بن كعب6، عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه ~~- وقد ذكر عنده يوما7 القدر، فأدخل بأصبعيه السبابة والوسطى في فيه فرقم ~~باطن يده فقال: "أشهد أن هاتين الرقمتين كانت في أم الكتاب"8. ms241 # وروي أن رجلا قال لعلي بن أبي طالب: ما تقول يا أمير المؤمنين في القدر؟ ~~فقال: ويحك أخبرني عن رحمة الله أكانت قبل طاعة العباد أم لا؟، فقال: بلى، ~~فالتفت علي إلى الصحابة وقال: أسلم صاحبكم بعد أن كان PageV02P510 # كافرا فقال الرجل: يا أمير المؤمنين أليس بالمشيئة الأولى التي أنشأ بها ~~وقوم خلقى حتى أنا أقوم وأفعل وأقبض وأبسط وأفعل ما أشاء، فقال له علي: إنك ~~بعد في المشيئة، أما إني أسألك عن ثلاث فإن قلت في واحدة منهن لا، كفرت، ~~وإن قلت: نعم فأنت أنت، فمد القوم أعناقهم ليسمعوا ما يقول، فقال له الرجل: ~~هات يا أمير المؤمنين. فقال: علي - رضي الله عنه - أخبرني1، هل خلقك الله ~~كما شاء أو كما شئت؟، قال: بل كما شاء، قال: فخلقك الله لما شاء أو لما ~~شئت؟، فقال الرجل: بل لما شاء، فقال: هل تأتيه يوم القيامة بما شاء أو بما ~~شئت؟، فقال: بل بما شاء، فقال له: قم فلا مشيئة لك"2. # وروي أن عليا - رضي الله عنه - خطب يوما وذكر قاتله، فقال: ما يمنعه أن ~~يقوم فيخضب هذه من هذا3 فقالوا4: يا أمير المؤمنين أما إذ عرفته فأرناه ~~نفعل به كذا، فامتنع، قالوا: فما تقول لربك إذا قدمت عليه5 قال: "أقول وكنت ~~عليهم شهيدا ما دمت فيهم حتى توفيتني، وهم عبادك إن شئت أصلحتهم وإن شئت ~~أفسدتهم"6، وهذا كله يبطل القدرية. PageV02P511 # وروي عن ابن مسعود - رضي الله عنه - أنه قال: "لأن أعض على جمرة أو أقبض ~~عليها حتى تبرد أحب إلي من أن أقول بشيء قضاه الله ليته لم يكن"1. # وقال ابن مسعود - رضي الله - "أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي ~~محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، فاتبعوا ولا تبتدعوا، فإن ~~الشقي من شقي في بطن أمه، والسعيد من وعظ بغيره"2. # وعن ابن الديلمي قال: "أتيت أبي بن كعب فقلت يا أمير المؤمنين إنه وقع في ~~قلبي شيء من القدر فحدثني بشيء لعل الله أن يذهبه عني فقال: ms242 إن الله عزوجل ~~لو عذب أهل سمواته وأهل أرضه لعذبهم غير ظالم لهم ولو رحمهم كانت رحمته ~~خيرا لهم من أعمالهم، ولو أنفقت مثل أحد ذهبا في سبيل الله ما قبل منك حتى ~~تؤمن بالقدر، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطأك لم يكن ~~ليصيبك، وإن مت على غير ذلك دخلت النار. قال: ثم أتيت ابن مسعود فحدثني ~~بمثل ذلك، ثم أتيت حذيفة فحدثني بمثل ذلك، ثم أتيت زيد بن ثابت فحدثني بمثل ~~ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم3. # وروي أن عبادة بن الصامت - رضي الله عنه - لما حضرته الوفاة قال له ابنه ~~PageV02P512 # عبد الرحمن: أوصني، فقال: أجلسوني، فأجلسوه ثم قال: يا بني اتق الله ولن ~~تتقي الله حتى تؤمن بالقدر خيره وشره، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، ~~وما أخطأك لم يكن ليصيبك. سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "القدر على ~~هذا من مات على غير هذا أدخله الله النار"1. # وبمثل هذا المعنى روي عن عمرو بن العاص، وعبد الله بن عمرو بن العاص، ~~وأبي الدرداء، وعمران بن الحصين، وسلمان الفارسي، وجابر بن عبد الله - رضي ~~الله عنهم -2. PageV02P513 # وروي عن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت: "إن العبد ليعمل بعمل أهل ~~الجنة وإنه عند الله مكتوب من أهل النار"1. # وروي عن ابن عباس - رضي الله عنه - أنه قال: كنت رديف النبي صلى الله ~~عليه وسلم يوما فأخلف يده ورائي وقال: "يا غلام أو يا غليم ألا أعلمك كلمات ~~ينفعك الله بهن احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده أمامك إذا استعنت فاستعن ~~بالله، إذا سألت فاسأل الله جرى القلم بما هو كائن، فلو أن الناس اجتمعوا ~~على أن يعطوك شيئا لم يعطك الله لم يقدروا عليه ولو أن الناس اجتمعوا على ~~أن يمنعوك شيئا قدره الله لك وكتبه لك ما استطاعوا، فاعبد الله بالصبر مع ~~اليقين، وإن مع العسر يسرا إن مع اليسر يسرا".2. # وروى علي - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه ms243 وسلم قال: "لا يؤمن ~~عبد حتى يؤمن بأربع يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بعثني بالحق، ويؤمن بالموت وبالبعث بعد الموت ويؤمن بالقدر"3. ~~PageV02P514 # وروى سعد بن أبي وقاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من سعادة ~~ابن آدم رضاه بما قضاه الله له، ومن شقاوة ابن آدم تركه استخارة الله، ومن ~~شقاوة ابن آدم سخطه بما قضى الله"1. PageV02P515 ### | 92- # فصل # استدل القدري بدامغه بأخبار أضافها إلى الفقهاء المشهورين من التابعين ~~وغيرهم، مثل عمر بن عبد العزيز، والحسن البصري، والشعبي1 ومالك بن دينار2، ~~وقتادة3 وغيرهم، ممن لا ينكر فضلهم أحد وهم برءاء مما أضافه إليهم. ولو ~~طولب بسند خبر من ذلك لم يقدر عليه إلا بالتخرص. PageV02P516 # وأنا أذكر ما ذكره عنهم أصحاب الحديث في الأصول المشهورة عند علماء ~~الأمصار. # يروى عن عمر بن عبد العزيز أنه قال: "لو أن الله كلف العباد العمل على ~~قدر عظمته لما قامت لذلك سماء ولا أرض ولا جبل ولا شيء من الأشياء، ولكنه ~~أخذ منهم اليسير، ولو أراد أن لا يعصى لم 1 يخلق إبليس رأس المعصية"2. # وقال الأوزاعي: "كتب عمر بن عبد العزيز إلى ابن له كتابا فكان فيما كتب ~~إليه أن يسأل الله الذي بيده القلوب يصنع بها ما يشاء من ضلالة وهدى"3. # وروي عن عمر بن عبد العزيز أنه قال: "ما طن4 ذباب بين اثنين إلا بكتاب ~~وقدر"5. # وقال رجل للحسن البصري: لهذه أي للسماء خلق آدم أم للأرض؟، فقال: بل ~~للأرض، فقال له: أرأيت لو اعتصم من الخطيئة فلم يعملها أكان يترك في الجنة؟ ~~قال: سبحان الله كان له بد من أن يعملها، قال: قلت له: PageV02P517 # يا أبا سعيد قوله عزوجل: {ما أنتم عليه بفاتنين} قال1: ما أنتم عليه ~~بمضلين إلا من قدر له أن يصلي2 الجحيم3. # وعن الحسن البصري في قوله تعالى: {كذلك سلكناه4 في قلوب المجرمين لا ~~يؤمنون به} 5 قال: "الشرك يخلقه الله في قلوبهم"6. # وروى تمام بن نجيح7 أن ms244 رجلا أتى الحسن البصري وأخذ بعنان دابته وقال: ~~زعمت أن من قتل مظلوما فقد قتل في غير أجله، قال: "فمن يأكل بقية رزقه يا ~~لكع خل الدابة، قتل في أجله"، قال: فقال الرجل: والله ما أحب أن لي بما ~~سمعت منك اليوم ما طلعت الشمس عليه8. # وروي عن الحسن البصري أنه قال: "الشقي من شقي في بطن أمه"9. # وعن عاصم10 قال: سمعت الحسن البصري في موضعه الذي مات فيه يقول: "إن الله ~~قدر أجلا وقد معه مرضا وقدر معه معافاة، فمن كذب بالقدر فقد كذب بالقرآن، ~~ومن كذب بالقرآن فقد كذب بالحق"11. PageV02P518 # وعن عوف1 قال: سمعت الحسن البصري يقول: "من كذب بالقدر فقد كذب بالإسلام، ~~ثم قال: إن الله خلق خلقا فخلقهم بقدره وقسم الآجال وقسم أرزاقهم بقدر ~~والبلاء والعافية بقدر"2. # وقال أيوب3: "كذب على الحسن البصري صنفان: قوم دأبهم4 القدر فكذبوا عليه ~~أنه قدري لينفقوا قولهم بذلك. وقوم في قلوبهم له شنآن وبغض يقولون من قوله ~~كذا 5، وليس من قوله كذا"6. # وروي عن علي7 بن الحسين - رضي الله عنهما8- أنه قال: "إن أصحاب القدر ~~حملوا مقدرة الله على ضعف رأيهم قالوا، لم، ولا ينبغي أن يقال لله لم"9. # وروي أنه جاء رجل من أهل البصرة فسأل عن محمد ابن علي بن الحسين بن علي10 ~~– رضي الله عنهم -11 فقيل هو ذاك الغلام قال: فجئت PageV02P519 # إليه قال: فقلت يا سيدي: إني وافد أهل البصرة إليك، وذاك أن القدر قد فشى ~~في البصرة، وقد ارتد أكثر الناس وأريد أن أسالك عنه، قال: سل، فقلت: أحببت ~~الخلوة، فقام ومشى معي حتى خلا، فقال لي: سل، قال قلت: الخبر؟، قال لي: ~~"اكتب علم وقضى وقدر وشاء1 وأراد ورضي وأحب"، قال: قلت زدني قال: فقال لي: ~~هكذا أخرج إلينا سل، قال: قلت: الشر؟ قال: اكتب علم وقضى وقدر وشاء وأراد ~~ولم يرض ولم يحب، قال: قلت: زدني، قال: هكذا أخرج إلينا. قال الرجل: فرجعت ~~إلى البصرة فنصب لي منبر في المسجد الجامع، فاجتمع الناس فقرأت ms245 عليهم ما ~~كتب، فرجع أكثر الناس2. # وروي أن رجلا من الشيعة جاء إلى جعفر بن محمد الصادق 3،فقال: إن القدرية ~~يقولون لنا إنكم كفار قال: فقال له: "اكتب عن الله لا يطاع قهرا، وإن الله ~~لا يعصى قهرا، فإذا أراد الله الطاعة كانت، وإذا أراد المعصية كانت فإن عذب ~~بحق، وإن عفا فبالفضل"4. # وروي أن رجلا جاء إلى زيد بن علي بن الحسين5 - رضي الله عنهم - فقال: يا ~~زيد أنت الذي تزعم أن الله أراد أن يعصى قال له زيد: "أفيعصى عنوة"6. ~~PageV02P520 # وروي أن غيلان1 قال لربيعة بن أبي2 عبد الرحمن3: يا أبا عثمان أيرضى الله ~~أن يعصى؟، فقال له ربيعة: "أفيعصى قسرا"4. # وروي عن محمد بن الحنفية5 أنه قال: "من أحب رجلا على عدل ظهر منه وهو في ~~علم الله من أهل النار آجره الله كما لو كان من أهل الجنة، ومن أبغض رجلا ~~على جور ظهر منه وهو في علم الله من أهل الجنة آجره الله كما لو كان من أهل ~~النار"6. # قال إياس بن معاوية7 لرجل من القدرية: "ما الظلم فيكم؟، قال: أن يأخذ ~~الإنسان ما ليس له، فقلت له: فإن لله كل شيء"8. # وقال وهب بن منبه9: "قرأت نيفا وتسعين كتابا من كتب الله فوجدت فيها كلها ~~أن من وكل إلى نفسه شيئا من القدر فقد كفر"10. PageV02P521 # وقال يزيد بن زريع1 لعمر بن محمد العمري2: "رجل يثبت القدر ويعلم بقلبه ~~أنه مؤمن به ولم يتكلم فيه، أحب إليك أو رجل مؤمن يتكلم فيه، قال: لا، ~~والله إلا من تكلم به حتى يتبين ضلالتهم"3. # وقال زيد بن أسلم4: "ما أعلم قوما أبعد من الله عزوجل من قوم يخرجونه من ~~مشيئته"5، ثم6 قال زيد بن أسلم: "والله ما قالت القدرية كما قال الله ~~عزوجل، ولا كما قالت الملائكة، ولا كما قال النبيون، ولا كما قال أهل ~~الجنة، ولا كما قال أهل النار، ولا كما قال أخوهم إبليس، قال الله تعالى: ~~{وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين} ms246 7، وقالت الملائكة: {سبحانك لا ~~علم لنا إلا ما علمتنا} 8، وقال شعيب عليه السلام: {وما يكون لنا أن نعود ~~فيها إلا أن يشاء الله ربنا} 9، وقال أهل الجنة: {الحمد لله الذي هدانا ~~لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله} 10، وقال أهل النار: {ربنا غلبت ~~علينا شقوتنا} 1 1. وقال أخوهم إبليس: {رب بما أغويتني} 12". PageV02P522 # وسئل الحسن البصري عن القدر؟ فقال: "إن الله تعالى خلق الخلق للابتلاء لم ~~يطيعوه بإكراه ولم يعصوه بغلبة ولم يهملهم من الملك، وهو القادر على ما ~~أقدرهم عليه، والمالك لما1 ملكهم إياه، لأنه قال سبحانه: {إنما نملي لهم ~~ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين} 2. فإنما يأتمروا بطاعة لم يكن الله مثبطا ~~لهم، بل يزيدهم هدى إلى هداهم وتقوى إلى تقواهم وأن يأتمروا بالمعصية فهو ~~القادر على أن يصرفهم إن شاء، وإن خلى بينهم وبين المعصية فمن بعد إعذار ~~وإنذار"3. # وقيل لمحمد بن واسع4: يا أبا عبد الله ما تقول في القدر؟، قال: "أقول إن ~~الله إذا جمع الخلائق سألهم عما افترض عليهم ولم يسألوه عما قضى عليهم"5. # وقال رجل لإياس بن معاوية إلى متى يتوالد الناس ويموتون؟ قال: "إلى أن ~~PageV02P523 # يتكامل العدتان عدة أهل الجنة وعدة أهل النار، قال: صدقت"1. # وروي أنه اصطحب مجوسي وقدري، فقال القدري للمجوسي: مالك لا تسلم، قال: ~~إذا شاء الله أسلمت، قال له القدري: قد شاء الله أن تسلم ولكن الشيطان لا ~~يدعك، فقال المجوسي: فأنا مع أقواهما2 فرجع القدري عن مقالته3. # وقال مطرف بن عبد الله بن الشخير4: "نظرت فإذا ابن آدم ملقي بين يدي الله ~~تعالى وبين يدي إبليس، فإن شاء الله أن يعصمه عصمه، وإن تركه ذهب به إلى ~~إبليس"5. # وقال مطرف: "نظرت في هذا الأمر فإذا بدوه من الله، ونظرت فإذا تمامه على ~~الله، ونظرت ما ملاكه؟ فإذا ملاكه الدعاء"6. PageV02P524 ### | 93- # فصل # شبهة لقدرية بقوله تعالى: {ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة ~~فمن نفسك} 1. # ولنا عن هذه الآية جوابان: # أحدهما: ما روى ابن عباس - رضي الله ms247 عنهما - أنه قال في تفسير هذه الآية ~~{ما أصابك من حسنة} "يعني من فتح وغنيمة2 فمن الله، {وما أصابك من سيئة } ~~أي من بلية {فمن نفسك} أي فبذنبك وأنا قدرت ذلك عليك"3. # وهذا كقوله تعالى: {وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم} 4. # وأصل هذا أن المنافقين كانوا إذا أصابهم فتح وغنيمة قالوا: هذا من عند ~~الله، وإذا أصابهم بلية وهزيمة قالوا هذا من محمد صلى الله عليه وسلم ومن ~~شنآنه، فأخبر الله عنهم بقوله تعالى: {وإن تصبهم حسنة} ببدر يعني وهي الفتح ~~والغنيمة {يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك} يعني ~~القتل بأحد5 {يقولوا هذه من عندك} ، فأكذبهم الله وقال: قل يا محمد: قل {كل ~~من عند الله فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا} ، ثم قال بعد ذلك ~~على وجه الإنكار PageV02P525 # عليهم: {ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك} ومعناه ~~أفمن نفسك، فحذف ألف الاستفهام وهو مراد في الكلام لدلالة الحال1، كقوله ~~تعالى: {ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا} 2. ~~ومعناه ويقولون ربنا ما خلقت هذا باطلا فحذف ويقولون لدلالة الحال عليه. # والجواب الثاني: أن الآية تقتضي أن أفعال الطاعة خلق لله لأنه أضافها إلى ~~نفسه، والقدرية يقولون إن أفعال العباد كلها في الطاعة والمعصية خلق ~~للعباد، فإذا ثبت ذلك لله في أفعال الطاعة ولزمهم ذلك في أفعال المعاصي لأن ~~أحدا لم يفرق بينهما3. # فأجاب المخالف القدري عن هذا بأن قال: إنما أضاف الحسنات إليه لأنه أمر ~~بها وأرادها، ولم يضفها إليه لأنه خلقها، ولم يضف السيئات إليه لأنه لم ~~يأمر بها ولم يردها ولم يخلقها4. PageV02P526 # والجواب عن هذا أنه قد أضافها إلى نفسه بقوله تعالى: {قل كل من عند الله} ~~ولا يمكن حمل إضافتها إلى نفسه هاهنا إلا على خلقه لهما وإرادته لهما لا ~~على الأمر منه بهما، لأنه لا يأمر بالسيئات بالإجماع. # ثم قال القدري بعد ذلك: وأما قوله: {فمن نفسك} أي فمن ذنب ms248 أذنبته نفسك. ~~وقد وافقت أيها المستدل أنه يوجد من النفوس ذنوبا لأجلها صار1 يعاقب، وهذا ~~تسليم منه، وقد أنطقه الله الذي أنطق كل شيء. # والجواب عن قوله هذا أن يقال له: لا ننكر أن الذنب يضاف إلى المذنب لكونه ~~مكتسبا والله خالق لحركاته فيه ويعاقب ويثاب على اكتسابه فيه لا على خلق ~~الله، ثم نقول له: وقد وافقت أيضا أن الله أنطق المستدل الذي أنطق كل شيء ~~وحقيقة الإنطاق هو خلق الله المنطق فيه2. PageV02P527 ### | 94- # فصل # شبهة للقدرية في قوله تعالى: {فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر} 1 ولهم في ~~الآية تعلقان: # أحدهما: أنه نسب المشيئة إليهم في الإيمان والكفر. # والثاني: أنه خيرهم بين الإيمان والكفر2. # ولنا على هذا جوابان: # أحدهما: روي عن ابن عباس أنه قال: "من شاء الله فليؤمن ومن شاء الله ~~فليكفر"3. # والجواب الثاني: أن نسبة المشيئة إليهم لا يدل على أنها خلق لهم بل الله ~~خالق لهم ولمشيئتهم، ومشيئتهم متعلقة بمشيئته4، لقوله تعالى: {وما تشاءون ~~إلا أن يشاء الله} 5. # وأما قولهم إن الله خيرهم بين الإيمان والكفر فهذا جهل منهم بصيغة الأمر ~~وحكمته. فيقال لهم: لو كان هذا تخييرا من الله لهم لم يعذبهم على الكفر ولم ~~يذموا عليه كما لا يعذبون ولا يذمون على التكفير بالإطعام أو الكسوة أو ~~العتق لما خيرهم الله بذلك6. PageV02P528 # وأما قولهم: إن الله خيرهم بين الإيمان والكفر فهذا جهل منهم بصيغة الأمر ~~وحكمته. فيقال لهم: لو كان هذا تخييرا من اله لهم لم يعذبهم على الكفر ولم ~~يذموا عليه كما لا يعذبون ولا يذمون على التكفير بالإطعام أو الكسوة أو ~~العتق لما خيرهم الله بذلك1. # ويقال لهم2 المراد بهذا الأمر التهديد لا التخيير3. # فأجاب القدري عن هذا وقال: أما قول المستدل إنه تهديد فيدل على أن الكفر ~~فعلهم، إذ لو لم يكن فعلا لهم لما تهددهم به. # والجواب أن يقال: إنه تهديد بهذا كما يهددهم بقوله تعالى: {اعملوا ما ~~شئتم إنه4 بما تعملون بصير} 5 ولم يخيرهم بالعمل وإنما توعدهم على ms249 العمل ~~بغير بطاعة. # ومثل ذلك قوله تعالى: {فاعبدوا ما شئتم من دونه6 قل إن الخاسرين الذين ~~خسروا أنفسهم} 7 الآية. # وكذلك توعدهم في هذه الآية8 بقوله: {إنا أعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم ~~سرادقها} ، فأضاف إليهم الإيمان والكفر لأنهما كسب لهم ومحل لخلق الله ذلك ~~فيهم، كما أضاف الأفعال إلى الأرض والفلك لأنها محل لخلق الله ذلك فيها. # ثم قال9: وأما تعليق مشيئتهم بمشيئة الله فإنما علق مشيئتهم بمشيئته في ~~الطاعات بقوله تعالى: {فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا وما تشاءون إلا أن يشاء ~~الله} 1 0 وكذلك قوله تعالى: {لمن شاء منكم أن يستقيم وما تشاءون إلا أن ~~يشاء PageV02P529 # الله} 1 بالمعاصي التي وقع فيها الخلاف2. # والجواب: أن قوله تعالى: {وما تشاءون إلا أن يشاء الله} وإن كان مذكورا ~~عقب الطاعة إلا أنه مستقل بنفسه تعم مشيئته في الطاعة والمعصية، ولأن الله ~~تعالى قال في آية أخرى: {فمن شاء ذكره وما يذكرون إلا أن يشاء الله} 3 دل ~~على أنه إذا لم يشأ الله ذكرهم4 له لم يذكروه. # وروي أن غيلان القدري سأل عمر بن عبد العزيز عن قوله تعالى: {إنا خلقنا ~~الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا إنا هديناه السبيل إما ~~شاكرا وإما كفورا} 5. فقال له عمر بن عبد العزيز: إقرأ آخر السورة {وما ~~تشاءون إلا أن يشاء الله} . فقال غيلان: "قد كنت يا أمير المؤمنين أعمى ~~فبصرتني وضالا فهديتني"، فلما كان زمن هشام بن عبد الملك6 رجع إلى مقالته ~~بالقدر، فقتله هشام ابن عبد الملك7. # وقد روينا8 عن زيد بن أسلم أنه قال: "والله ما قالت القدرية كما قال الله ~~ولا كما قالت الملائكة - إلى أن قال - قال الله تعالى: {وما تشاءون إلا أن ~~يشاء الله} "9، وهذا تصريح منه بأن الله شاء من العباد ما وقع منهم من طاعة ~~ومعصية. PageV02P530 # وروى الربيع1 أن الشافعي - رحمه الله - سمع قوما يتجادلون في القدر فقال ~~الشافعي: أخبر الله أن المشيئة له دون خلقه، والمشيئة إرادة الله، قال الله ~~تعالى: ms250 {وما تشاءون إلا أن يشاء الله} 2. # وروي في الصحاح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يفتح آخر الزمان باب ~~من القدر لا يسده شيء، يكفيكم منه أن تقولوا: {ألم تعلم أن الله يعلم ما في ~~السماء والأرض إن ذلك في كتاب إن ذلك على الله يسير} 3 "4. # وعن ابن مسعود - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "خلق ~~يحيى بن زكريا في بطن أمه مؤمنا وخلق فرعون في بطن أمه كافرا"5. ~~PageV02P531 # وعن ابن عباس في قوله تعالى: {إن الخاسرين1 الذين خسروا أنفسهم وأهليهم ~~يوم القيامة} 2، قال: "هم الكفار الذين خلقهم الله للنار وخلق النار لهم ~~فزالت عنهم الدنيا وحرمت عليهم الجنة"3. # وروى عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "بعثت داعيا ومبلغا وليس إلي ~~من الهدى شيء وخلق إبليس مزينا وليس إليه من الضلالة شيء" 4. PageV02P532 ### | 95- # فصل # روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما هلكت أمة قط إلا بالشرك بالله، ~~وما أشركت بالله حتى يكون بدو شركها التكذيب بالقدر"1. # وروي عن عمرو بن شعيب قال: "كنت عند سعيد بن المسيب فجاءه رجل فقال: إن ~~الناس يقولون إن الله قدر كل شيء ما خلا الأعمال، قال: فغضب غضبا لم يغضب ~~مثله، حتى هم بالقيام ثم قال: فعلوها ويحهم لو يعلمون. أما إني قد سمعت ~~فيهم حديثا كفاهم شرا، قلت: وماذا2 يا أبا محمد رحمك الله قال: حدثني رافع ~~بن خديج عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "سيكون في أمتي قوم ~~يكفرون بالله وبالقرآن وهم لا يشعرون قال: قلت: يقولون ماذا يا رسول الله، ~~قال: يقولون: الخير من الله والشر من إبليس، ويقرأون على ذلك كتاب الله ~~ويكفرون بالله وبالقرآن بعد الإيمان والمعرفة، فما تلقى أمتي منهم من ~~العداوة والبغضاء، ثم يكون المسخ فيهم عاما3 قردة وخنازير، ثم يكن الخسف قل ~~من ينجو منهم، المؤمن يومئذ PageV02P533 # قليل فرحه شديد غمه، ثم بكى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بكينا ~~لبكائه قيل يا ms251 رسول الله: ما هذا البكاء، قال رحمة لهم الأشقياء، إن فيهم ~~المجتهد وفيهم المتعبد وليسوا بأول من سبق إلى هذا القول وضاق بحمله ذرعا. ~~إن عامة من هلك من بني إسرائيل هلك بالتكذيب بالقدر، قيل يا رسول الله: فما ~~الإيمان بالقدر؟، قال: أن تؤمن بالله وحده وتؤمن بالجنة والنار، وتعلم أن ~~الله خلقهما قبل خلق الخلق، ثم خلق الخلق لهما، ثم جعل من شاء منهم للجنة، ~~وجعل من شاء منهم للنار، وكل من يعمل على أمر قد فرغ منه وصائر لما خلق ~~له"1. # وروي أن عيسى بن مريم لقي إبليس فقال له عيسى: "أما علمت ألا يصيبك إلا ~~ما قدر لك، فقال إبليس: فأوف2 بذروة هذا الجبل فترد منه، فقال: إن العبد لا ~~يبتلي ربه ولكن الله يبتلي عبده فخصمه"3. # روى ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: "قد مر رجل4 بمكة في أول الإسلام ~~وكان من أزد شنوءة، وكان يرقي من هذا الريح، فأبصر سفهاء من الناس ينادون ~~النبي صلى الله عليه وسلم ويقولون: مجنون، فقال: لو لقيت هذا الرجل، فلقيه ~~فقال: يا محمد إني رجل إذا رقيت من هذه الريح يشفي الله على يدي ~~PageV02P534 # من شاء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الحمد لله نحمده ونستعينه ~~من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله ~~وحده لا شريك له وأن محمدا1 عبده ورسوله أما بعد: فقال: أعد علي هؤلاء ~~الكلمات فأعادهن، فقال: لقد سمعت قول السحرة وقول الكهنة وقول الشعراء وما ~~سمعت مثل كلمات هؤلاء، ولقد بلغت قاموس البحر2 أرني يدك لأبايعك على ~~الإسلام قال: وعلى قومك، قال: وعلى قومي " أخرجه مسلم في صحيحه3. # روى حيان بن عبيد الله التميمي عن أبيه4 قال: "شهدت عمر بن عبد العزيز - ~~رحمه الله - وقد أدخل عليه غيلان، فقال: ويحك يا غيلان أراني أبلغ عنك ~~(ويحك يا غيلان أراني أبلغ عنك، ويحك يا غيلان أراني أبلغ عنك) 5 أحقا ما ~~ابلغ عنك، فسكت، فقال: ms252 هات فإنك آمن فإن يكن الذي تدعو الناس إليه حقا فأحق ~~من دعى إلى الله الناس نحن، فسكت طويلا، فقال له عمر: تكلم فإنك آمن وأمره ~~أن يجلس فجلس فتكلم بلسان ذلق، فقال: إن الله لا يوصف إلا بالعدل، ولم يكلف ~~نفسا إلا ما آتاها، ولا يكلف6 الله المسافر صلاة المقيم، ولا يكلف الله ~~المريض عمل الصحيح، ولم يكلف الله إلا ما جعل إليه السبيل وأعطاهم المشيئة ~~فقال: {فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر} وقال: {اعملوا ما شئتم} . فلما فرغ ~~من كلام كثير قال له عمر في آخر كلامه: يا غيلان ما تقول في قول الله ~~تعالى: {يس7 PageV02P535 # والقرآن الحكيم إنك لمن المرسلين على صراط مستقيم تنزيل العزيز الرحيم ~~تنزيل العزيز الرحيم لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم فهم غافلون لقد حق القول ~~على أكثرهم فهم لا يؤمنون} . # أنت تزعم يا غيلان -كلاما سقط من الكتاب1- فأسكت غيلان لا يجيبه، فقال: ~~ما منعك أن تتكلم وقد جعلت لك الأمان، فقال غيلان: أستغفر الله وأتوب إليه ~~يا أمير المؤمنين، ادع الله لي بالمغفرة، فقال عمر: اللهم إن كان عبدك صدقك ~~فوفقه وسدده، وإن كان كاذبا أعطاني بلسانه ما ليس في قلبه بعد أن نصفته ~~وجعلت له الأمان فسلط عليه من يمثل به2، فلم يتكلم زمن عمر، فلما كان يزيد ~~بن عبد الملك لا يهتم بهذا3 ولا ينظر فيه فتكلم غيلان، فلما ولي هشام بن ~~عبد الملك تكلم وأرسل إليه فجاء، فقال له: أليس قد كنت عاهدت الله لعمر ألا ~~تتكلم بشيء من هذا أبدا؟، قال: أقلني فوالله لا أعوده، فقال: لا أقالني ~~الله إن أقلتك، هل تقرأ فاتحة الكتاب؟ قال: نعم: قال: اقرأ، فقرأ {الحمد ~~لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين إياك نعبد وإياك نستعين ~~اهدنا الصراط المستقيم} فقال: قف على ما استعنته على أمر بيده لا يستطيعه ~~أو على أمر بيدك؟ اذهبا فاقطعا يديه ورجليه واضربا عنقه واصلباه4 فحلت به ~~دعوة عمر بن عبد العزيز - رحمه الله - فبلغ إلى عبادة ms253 بن نسي5 ما فعل هشام ~~مع غيلان فقال عبادة: أصاب فيه والله PageV02P536 # القضية والسنة، والأكثرين إليه ولأحسن رأيه"1. # وكذلك رجاء بن حيوة2 كتب إلى هشام بن عبد الملك: "بلغني يا أمير المؤمنين ~~إنه وقع في نفسك شيء من قبل3 غيلان وصالح4 فوالله لقتلهما أفضل من القتل5 ~~في الروم والترك6". # عن حكيم بن عمير7 قال: قيل لعمر بن عبد العزيز إن قوما ينكرون من ~~القدرشيئا، فقال عمر - رضي الله عنه -: "بينوا لهم وارفقوا بهم حتى يرجعوا، ~~فقال قائل: هيهات، هيهات يا أمير المؤمنين لقد اتخذوه دينا، يدعون الناس ~~إليه، ففزع لها عمر فقال: أولئك أهل أن تسل ألسنتهم من أقفيتهم سلا، هل طار ~~ذباب بين السماء والأرض إلا بمقدار"8. # روي أن رجلا قال لعلي بن أبي طالب - رضي الله عنه -: يا أبا الحسن ما ~~تقول في القدر؟ فقال: "طريق مظلم لا تسلكه"، فقال له: ما تقول في القدر؟ ~~قال: بحر عميق فلا تلجه، قال: ما تقول في القدر؟ قال: "سر الله فلا ~~تكلفه"9. PageV02P537 # وقال طاووس لرجل: "إن القدر سر الله عزوجل فلا تدخلن فيه". ولقد سمعت أبا ~~الدرداء يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم أن موسى عليه السلام لما خرج من ~~عند فرعون متغير الوجه، استقبله ملك من خزان النار وهو يقلب كفيه متعجبا ~~لما قال له الروح الأمين: إن ربك عزوجل أرسلك إلى فرعون مع أنه قد طبع على ~~قلبه فلا يؤمن1، قال جبريل2: فدعائي ما هو؟ قال: أمض لما أمرت، قال: صدقت ~~ثم قال: يا موسى نحن اثنا عشر ملكا من خزان النار قد جهدنا أن نسأل في هذا ~~الأمر، فأوحى الله إلينا أن القدر سر الله فلا تدخلوا فيه"3. # وفي هذا كله إبطال لما أورد هذا القدري وبيان لمن نور الله بصيرته. ~~PageV02P538 ### | 96- # فصل # قد ذكرنا أن الله سبحانه يوصف بأنه متكلم1. PageV02P539 # وقالت الجهمية والمعتزلة والقدرية: لايوصف الله بأنه متكلم1. # ودليلنا قوله تعالى: {وكلم الله موسى تكليما} 2، فأخبر الله تعالى أنه ~~كلم موسى، وأتى بالمصدر توكيدا ليدل أنه ms254 كلمه بغير رسول ولا ترجمان، لأن ~~الإنسان إذا قال: ضربت زيدا جاز أن يكون ضربه بنفسه، وجاز أن يكون ضربه ~~غيره بأمره له، فإذا قال: ضربت زيدا ضربا، كان ذلك خبرا عن ضربه له بنفسه. # ويدل على ما قلنا ما أخبر الله سبحانه عن إبراهيم عليه الصلاة والسلام ~~حين كسر أصنام قومه – إلى قوله3 - {فاسألوهم إن كانوا ينطقون فرجعوا إلى ~~أنفسهم} فيما قال إبراهيم فقال بعضهم لبعض {فقالوا إنكم أنتم الظالمون ثم ~~نكسوا على رؤوسهم} يقول رجعوا إلى أمرهم الأول4 بالشرك وقالوا له: {لقد ~~علمت ما هؤلاء ينطقون قال أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا ولا ~~يضركم} 5. # والنطق عبارة عن الكلام، فدل على أن الكلام غير مستحيل من الله، إذ لو ~~كان مستحيلا منه الكلام لكان دليل إبراهيم منقلبا عليهن ولكان للكفار إلى ~~إبطال حجته دليل بأن يقولوا: فإن إلهك الذي تدعونا إليه لا يوصف بالكلام ~~أيضا. PageV02P540 # دليل ثان يقال: من أنكر أن يكون الله متكلما، فإنه ينكر تصور الرسول منه ~~لأن معنى الرسول هو المبلغ لكلام المرسل إلى المرسل إليه، فإذا قال الرسول: ~~أرسلني إليكم من لا يتكلم كان1 كما لو قال أرسلني إليكم الجبل أو الماء. # دليل ثالث: أن الخرس آفة ولا يجوز أن يوصف الله بالخرس، وإذا لم يوصف ~~بالخرس تعين وصفه بالكلام لأنه ضد الخرس، كما أن الله سبحانه يوصف بالوجود ~~لأن الوجود ضد العدم ولما لم يوصف بالعدم تعين وصفه الوجود. # فإذا تقرر هذا فإن كلام الله هو القرآن، وهو هذه السور التي هي آيات لها ~~أول وآخر، وهو القرآن المنزل بلسان العرب تكلم الله به بحروف لا كحروفنا ~~وصوت يسمع لا كأصواتنا، وهو صفة لله قديم يقدمه غير مخلوق2. PageV02P541 # مفقود # PageV02P542 # وقال جهم والمعتزلة والقدرية: هو مخلوق1 ولا يتصور على أصلهم2 أن ما ~~يتلونه من القرآن يصفونه بأنه مخلوق لله كسائر مخلوقاته من السماء والأرض، ~~وهما من الأجسام، بل هو خلق لهم كخلقهم لجميع أقوالهم التي ينطقون بها من ~~الشعر والنثر وسائر الكلام. ms255 # وقالت الكلابية ### | ........................................................................................ # PageV02P543 # والأشعرية1: كلام الله الذي ليس بمخلوق هو معنى قائم بنفسه لا يفارق ~~ذاته، وهذا القرآن المتلو المسموع عبارة وحكاية عن الكلام القائم بنفسه، ~~وكذلك القول عندهم في كلام البشر هو معنى قائم بذات المتكلم وهذه الحروف ~~والأصوات المسموعة منهم عبارة عن المعنى القائم بالذات لا تسمى كلاما حقيقة ~~بل مجازا أو توسعا. # والأشعرية موافقة للمعتزلة في أن هذا القرآن المتلو المسموع مخلوق2. ~~PageV02P544 # وزعم أن هذا القرآن كلام الله ووقفوا، وقالوا: لا نقول مخلوق ولا غير ~~مخلوق وهم الواقفة1. # وقد كان سبق لي قبل هذا الاستدلال بكتاب مختصر في هذه الرسالة في الرد ~~على الأشعرية والقدرية2، وأنا أعيد من ذلك ما يتضح به الحق لمن هداه الله ~~إلى الرشد. PageV02P545 # وأقول: الدليل على أن القرآن غير مخلوق، وأن الله تكلم بالحروف قوله ~~تعالى: {إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون} 1. # فأخبر سبحانه أنه خلق الأشياء بقوله تعالى {كن} وهما حرفان، فلو كان قوله ~~وهو {كن} مخلوقا لاقتضى أن يكون مخلوقا ب {كن} أخرى، وكذا2 {كن} الثانية ~~تقتضي أن تكون مخلوقة ب {كن} إلى ما لا نهاية له. وهذا يؤدي إلى المحال3. # ومن الدليل على ما ذكرناه قوله تعالى: {ألا له الخلق والأمر} 4 والأمر هو ~~القرآن بدليل قوله تعالى: {ذلك أمر الله أنزله إليكم} 5، ففرق سبحانه بين ~~الخلق والأمر. فلو كان القرآن مخلوقا لكان خلقا، لأن المخلوق هو الخلق، ~~والخلق هو المخلوق ولكان المعنى في الآية ألا له الخلق والخلق، وهذا خلف في ~~الكلام6. # ومن الدليل على ما قلناه قوله تعالى: {الرحمن علم القرآن خلق الإنسان ~~علمه البيان علمه البيان} 7، والبيان هو القرآن8 بدليل قوله تعالى: {هذا ~~بيان للناس} 9، فأخبر الله أنه خلق الإنسان وأنه علم البيان، ولم يصفه بأنه ~~خلقه، PageV02P546 # وقد ذكر الله الإنسان في القرآن في ثماني عشر آية وإجرائه خلقه، وذكر ~~القرآن في أربع وخمسين آية ولم يذكر في شيء أنه خلقه. # ومن الدليل لنا قوله تعالى: {قرآنا عربيا غير ذي عوج} 1 وروى ms256 المفسرون عن ~~ابن عباس أنه قال: "تأويله غير مخلوق"2. # ومن الدليل على ما ذكرناه قوله تعالى: {ولكن حق القول مني} 3 وما كان من ~~الله فهو غير مخلوق4. ومن الدليل على ما قلناه قوله تعالى: {من بعده سبعة ~~أبحر ما نفدت كلمات الله} 5. # فأخبر الله سبحانه أن كلماته لا تنفذ والمخلوقات تنفذ وتفنى، وتصديق ذلك ~~ما روى في الصحاح أن الله يقول حين يفنى الخلق يقول الله تعالى: {لمن الملك ~~اليوم} فيجيب الله بنفسه {لله الواحد القهار} 6. PageV02P547 # وسأل رجال أبا الهذيل العلاف المعتزلي عن القرآن، فقال: مخلوق، فقال له: ~~يموت أو يخلد، قال: لا، بل يموت، قيل له فمتى يموت القرآن، قال: إذا مات من ~~يتلوه فهو موته، قيل: فقد أخبر الله سبحانه أه يقول بعد أهل الدنيا: لمن ~~الملك اليوم، وهذا هو القرآن، فقال: لا أدري وبهت1. # ومن الدليل على مما قلناه ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~"القرآن كلام الله منزل غير مخلوق ومنه بدأ وإليه يعو ومن قال إنه مخلوق ~~فهو كافر"2. # وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ: "يا معاذ العرش والكرسي ~~وحملتهما والسموات السبع وسكانها والأرضون وسكانها إلى الثرى الأسفل إلى ~~الريح الهفافة إلى ما انتهت إليه لمخلوق ما خلا القرآن فهو كلام الله"3. ~~PageV02P548 # وروي عن أبي عبد الرحمن السلمي1 أنه قال: سمعت عمر بن الخطاب - رضي الله ~~عنه - وهو يخطب على المنبر ويقول: "إن هذا القرآن كلام الله فلا أعرفن ما ~~عظمتموه على أهوائكم، فإن الإسلام قد خضعت له رقاب الناس فدخلوه طوعا وكرها ~~قود وضعت لهم السنن فاتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم اعملوا بمحكمه وآمنوا ~~بمتشابهه"2. # وروي عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - قال في التحكيم لما أنكر عليه ~~فيه "إني لم أحكم مخلوقا وإني حكمت القرآن"3. # وهذا كان منه بمحضر من الصحابة فلم ينكر عليه أحد قوله بل قال شاعره: # أيها الحاضرون إن عليا لم يحكم في دينه مخلوقا ... إنما حكم القرآن ~~وقدكان بتحكيمه ms257 القرآن حقيقا4 # وروي عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: سئل علي بن الحسين عن القرآن؟ فقال: ~~"ليس بخالق ولا مخلوق"5. # وروي عن عكرمة قال: كان ابن عباس - رضي الله عنه - في جنازة فلما وضع ~~الرجل في لحده قام رجال فقال: اللهم رب القرآن اغفر له، فوثب إليه ابن عباس ~~فقال: "مه القرآن منه"6. PageV02P549 # وقال ابن عمر - رضي الله عنه -: "القرآن كلام الله غير مخلوق"1. # وروي عن حنظلة بن خويلد العنزي2 أن قال: أخذ عبد الله بن مسعود بيدي فلما ~~أشرفنا على السدة3 إذ نظر إلى السوق فقال: "اللهم إني أسألك خبرها وخير ~~أهلها وأعوذ بك من شرها وشر أهلها"، فمر برجل يحلف بسورة من القرآن أو آية، ~~فغمز عبد الله بيدي فقال: "أتراه مكفرا أما إن كل آية فيها يمين"4. ~~والكفارات لا تجب إذا حلف بمخلوق. # وقال عمرو بن دينار5: "أدركت تسعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ~~يقولون من قال القرآن مخلوق فهو كافر"6 PageV02P550 # وروي عن عمرو بن دينار أنه قال: "أدركت مشائخنا والناس منذ سبعين سنة ~~يقولون القرآن كلام الله منه بدأ وإليه يعود"1. # وكتب ملك الروم إلى أبي جعفر المنصور2 يسأله عن أشياء فسأله عن لا إله ~~إلا الله أهي خالقة أم مخلوقة، فكتب إليه أبو جعفر: "ليست خالقة ولا مخلوقة ~~ولكنها كلام اللهعزوجل "3. # وسئل جعفر بن محمد عن القرآن أخالق هو أو مخلوق؟ فقال: "لو كان خالقا ~~لعبد، ولو كان مخلوقا لنفد هو كلام الله"4. # وروي عن عبد الله بن المبارك أنه قال: "سمعت الناس منذ تسعة وأربعين عاما ~~يقولون من قال القرآن مخلوق فامرأته تطلق5 بتة، قيل له: ولم ذلك؟، قال: لأن ~~امرأته مسلمة والمسلمة لا تكون تحت كافر"6. # ولقد لقي ابن المبارك جماعة من التابعين مثل: سليمان التيمي7 وحميد ~~الطويل8 وغيرهما، ولم يكن وقته رجل مثله وأكثر طلبا لعلم وأجمعه ~~PageV02P551 # له ولعله يروي عن ألف شيخ من أتباع التابعين1. # وروى الربيع عن الشافعي - رحمه الله - أنه قال: "القرآن كلام الله غير ~~مخلوق" ms258 وقال لحفص الفرد2 حين قال بخلق القرآن: "كفرت"3. قال مالك: من قال ~~بخلق القرآن فهو زنديق يقتل"4. # وقال الليث بن سعد: "من قال القرآن مخلوق فهو كافر5 ومن لم يقل هو كافر ~~فهو كافر". # ولو ذهبت إلى ذكر من قال بهذا من التابعين والعلماء الذين لا يستوحش من ~~ذكرهم لطال الكتاب6، وفيما ذكرته مقنع لمن طلب القدوة بأهل الحديث. # ومن الدليل على ما قلناه أن يقال لهم: لو كان القرآن مخلوقا لم يخل إما ~~أن تقولوا إنه خلقه في غير محل، أو خلقه في نفسه، أو خلقه في غيره. # فبطل أن يكون خلقه في غير محل لأنه صفة والصفة لا تقوم بتفسها، وبطل أن ~~يكون خلقه في نفسه إذ يستحيل أن تكون نفسه سبحانه محلا للمخلوقات. # وبطل أن يكون خلقه في غيره إذ لو كان كذلك لوجب أن يشق لذلك الجسم الذي ~~خلق فيه الكلام اسم من أخص أوصاف الكلام اللازمة له PageV02P552 # لنفسه وأخص الكلام1 أنه كلام ذلك الجسم، ويكون ذلك الجسم هو القائل {إنني ~~أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني} وإذا بطل ذلك كله ثبت أنه غير مخلوق، بل ~~هو صفة لذات الله سبحانه2. PageV02P553 ### | 97- # فصل # إذا تقرر ما ذكرنا أن القرآن غير مخلوق، وأن القرآن عند أصحاب الحديث هو ~~الكتاب الذي أنزله الله تعالى على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وهو ~~القرآن العربي السور والآيات المتلو باللسان والمسموع بالآذان المعقول ~~بالأذهان المحفوظ في الصدور المكتوب بالمصاحف بالسطور له أول وآخر وبعض، ~~فمن قال بخلقه فهو كافر كفرا يخرجه عن الملة، لما تقدم ذكره في الفصل قبل ~~هذا، وقد وافقنا الأشعرية على أن القرآن غير مخلوق، ومن قال بخلقه فهو ~~كافر، وردوا على قوله المعتزلة والقدرية إنه مخلوق1. # إلا أن الأشعرية قالوا: كلام الله الحقيقي هو معنى قائم في نفسه لا ~~يفارقه، لا يدخل كلامه النظم والتأليف والتعاقب، ولا يكون بحرف وصوت ولا ~~يتكلم الله بالعربية ولا بغيرها من اللغات، وليس له أول ولا آخر ولا بعض، ~~بل ms259 هو شيء واحد لم ينزله الله على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ولا على ~~أحد من الأنبياء، ولا يتلى ولا يكتب ولم يسمعه أحد إلا موسى عليه السلام2، ~~وهذه السور والآيات عبارة وحكاية عن كلام الله وتسمى قرآنا، PageV02P554 # وكذلك التوراة عبارة عن كلام الله بلغه موسى وقومه، والإنجيل عبارة عن ~~كلام الله بلغه عيسى قومه12 فادعوا أن كلام الله غير القرآن وأن القرآن غير ~~كلام الله3. فقولهم إن القرآن غير مخلوق تلاعب وخلف من الكلام. # والدليل على أن هذا القرآن يسمى كلام الله قوله تعالى: {وإن أحد من ~~المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله} 4 ولا خلاف أنه أراد حتى يسمع ~~منك هذا القرآن فإن قبله ودخل في الإسلام فهو منكم، وإلا فأبلغه مأمنه. ~~PageV02P555 # ومن الدليل على ذلك أيضا قوله تعالى: {يريدون أن يبدلوا كلام الله} 1. # ومعلوم أن المشركين لا سبيل لهم إلى سماع ما في نفس الله من الكلام ولا ~~إلى تبديله. فتقرر بهذا أن المراد بهذا كله هو القرآن المتلو المسموع. # ويدل على ما قلناه قوله تعالى {وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم ~~يحرفونه من بعد ما عقلوه} 2، والمراد بكلام اله في هذه الآية التوراة، ويدل ~~على هذا أن المتلو يسمى كلام الله قوله تعالى: {ألا إن أولياء الله لا خوف ~~عليهم ولا هم يحزنون} . الآية إلى قوله تعالى: {لا تبديل لكلمات الله} 3، ~~أي لا تغيير لما وعد الله أولياءه من كريم ثوابه. # وأما الدليل على أن هذا المتلو يسمى قرآنا فقوله تعالى: {قل لئن اجتمعت ~~الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله} 4. # فالذي تحدى الله العرب أن يأتو بمثله وجعله معجزة لنبيه صلى الله عليه ~~وسلم واخبر أنهم لا يأتون بمثله هو هذا القرآن والسور والآيات، فأما ما في ~~نفس الباري من الكلام فلا سبيل للعرب، ولا لأحد من الخلق إلى سماعه، ولا ~~إلى معارضته. # ويدل على ما قلنا قوله تعالى: {وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ} ms260 ~~5. # فقال: {هذا القرآن} وهذه إشارة إلى شيء موجود مع النبي صلى الله عليه ~~وسلم، وما في نفس الباري ليس بموجود معه، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم ~~إنما أنذرهم بما يتلى في هذه السور والآيات. # وأيضا فإنه قال: {ومن بلغ} وأراد من بلغه القرآن من غاب عني أو حدث ~~PageV02P556 # بعدي فأضمر الهاء والعرب تضمر الهاء في الصلات مع "من والذي وما" فتقول: ~~من أكرمت زيدا، أي من أكرمته زيدا، والذي أكلت خبزا، أي الذي اكلته خبزا، ~~وما أخذت مالك، الذي أخذته مالك. # ويدل على ما قلنا قوله تعالى: {قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن1 ~~فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا} 2. والذي سمعته الجن هو القرآن والسور ~~والآيات دون ما في نفس الباري، ويدل على ما فقلناه أن المشركين لما سمعوا ~~من النبي صلى اله عليه وسلم القرآن سمعوه شعرا، وسموا النبي صلى الله عليه ~~وسلم شاعرا، فأكذبهم عزوجل فقال: {وما علمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلا ~~ذكر وقرآن مبين} 3، فسمى الله4 ما سماه المشركون شعرا قرآنا وذكرا، هو هذه ~~السورة والآيات. ويدل عليه قوله تعالى: {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له ~~وأنصتوا} 5، والاستماع لا يكون إلا إلى هذه السور التي هي حروف ولا يسمع ~~إلا الصوت أيضا، وقوله تعالى: {فاقرأوا ما تيسر من القرآن} 6 {فاقرأوا ما ~~تيسر منه} 7. # وهذا يدل على أن القرآن هو هذه السور وأنه متبعض، لأنه قال: {ما تيسر ~~منه} ، بدليل قوله تعالى: {أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض} 8. # وعند الأشعرية، أن القرآن لا تتبعض9. # ويدل على ما قلناه قوله تعالى: {ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل ~~مثل PageV02P557 # لعلهم يتذكرون قرآنا عربيا غير ذي عوج} 1، فسماه عربيا، وفسره ابن عباس - ~~رضي الله عنه - غير مخلوق2. # وعند الأشعرية أن القرآن العربي مخلوق3. # وقال في آية أخرى: {بلسان عربي مبين} 4، وقوله تعالى: {إنا أنزلناه قرآنا ~~عربيا} 5. # وعند الأشعري أن الله ما أنزل على نبيه القرآن، وإنما عليه مفهوم القرآن ~~ومعنى القرآن6. # والدليل على بطلان قوله ms261 قو الله سبحانه: {إنا نحن نزلنا عليك القرآن ~~تنزيلا} 7 وقوله تعالى: {نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه وأنزل ~~التوراة والإنجيل من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان} 8. # فذكر الله أنه أنزل القرآن والتوراة والإنجيل، ولم يقل أنزل مفهوم القرآن ~~ولا معناه. # ويدل على أن القرآن حروف قول الله: {الم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى ~~PageV02P558 # للمتقين} 1، {المص كتاب أنزل إليك} 2، {الر تلك آيات الكتاب المبين} 3، ~~{الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير} 4. فذكر الحروف المتصلة ~~المقطعة في أول السور، وأخبر أنه الكتاب والقرآن وأنها منزلة. وهذا كله ~~يبطل قول الأشعري ومن قال به. # وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من قرأ حرفا من القرآن كتب الله ~~له عشر حسنات، ومحا عنه عشر سيئات، ورفع له عشر درجات، أما إني لا أقول الم ~~حرف، ولكن الألف حرف واللام حرف واليم حرف" 5. وهذا نص في موضع الخلاف. # والدليل على إثبات الصوت قول الله لموسى: {وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى} ~~6. والله سبحانه كلمه من وراء حجاب ولا ترجمان بينهما واستماع البشر في ~~الحقيقة لا يقع إلا للصوت7، ومن زعم أن غير الصوت يجوز في المعقول أن يسمعه ~~من كان على هذه8 البنية إلى دليل. # وقد روى الزهري9 عن أبي بكر PageV02P559 # بن عبد الرحمن بن الحارث1 عن جزء2 بن جابر3 عن كعب الأحبار4 أنه قال: ~~"لما كلم الله موسى كلمه بالألسنة كلها قبل لسانه فطفق موسى يقول والله يا ~~رب ما أفقه هذا حتى كلمه بلسانه ففهمه"5. # وروى وهب بن منبه أنه قال: "لما سمع موسى كلام الله أنس بالصوت فقال: يا ~~رب أسمع ولا أرى مكانك فأين أنت؟، فقال: أنا فوقك وعن يمينك وعن شمالك ~~وأمامك وخلفك ومحيط بكل شيء"6. # وقال: "إن قوم موسى كانوا يحدقون النظر إلى أذن موسى عليه الصلاة والسلام ~~فقال لهم موسى: ما لكم تنظرون إلى أذني، فقالوا ننظر إلى أذن سمعت كلام ~~الله"7. # وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ms262 "يحشر الناس يوم القيامة عراة ~~حفاة غرلا8 PageV02P560 # بهما1 فيناديهم الله بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب: أنا الملك أنا ~~الديان"2. # وروي عن ابن مسعود - رضي الله عنه - أنه قال: "إذا تكلم الله بالوحي سمع ~~صوته أهل السماء فيخرون سجدا لله"3. # وحد الصوت عندنا: هو ما يتحقق سماعه، فكل ما يتحقق سماعه صوت، وما لا ~~يتأتى سماعه فليس بصوت. # ويدل على ما قلناه ما روي: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله ~~تعالى4 قرأ سورة طه ويس قبل أن يخلق الخلق بألفي عام، فلما سمعت الملائكة ~~القرآن قالت طوبى لأمة ينزل عليهم، وطوبى لأجواف تحمل هذا، PageV02P561 # وطوبى لألسنة تنطق بهذا "1، ذكره الغزالي في إحياء علوم الدين، وقد ذكره ~~غيره من المصنفين. # وهذا يدل على فساد قول الأشعرية أن كلام الله الحقيقة2 ليس بسور3 وأنه لا ~~ينطق بالحروف وأن الأجواف لا تحمله ولا تنطق به الألسن. # وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الرجل الذي ليس في جوفه شيء ~~من القرآن كالبيت الخراب" 4. # وهذا يدل على أن القرآن محفوظ بدليل قوله تعالى: {بل هو آيات بينات في ~~صدور الذين أوتوا العلم} 5. # ويدل على أنه مكتوب قوله تعالى: {بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ} 6، ~~PageV02P562 # وقوله تعالى: {إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون} 1، وقوله تعالى: {والطور ~~وكتاب مسطور في رق منشور} 2. # وروي أن النبي صلى الله عليه سلم قال: "لا تمس القرآن إلا وأنت طاهر"3. # وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تسافروا بالقرآن إلى أرض ~~العدو"4، وأراد به السفر بالمصاحف. # ويدل على ما قلناه أن اليهود قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: لو كنت ~~صادقا لكلمت الله، فأنزل الله تعالى: {وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا ~~أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء} 5. PageV02P563 # قال مجاهد: "الأنبياء على ثلاثة أصناف: نبي أوحي إليه بقلبه فحفظ عن ~~الله، وداود عليه السلام إنما حفظ الوحي بقلبه ثم زبره بكتبه ومعنى زبره ms263 أي ~~أتقنه. ونبي كلمه الله من وراء حجاب وهو موسى عليه السلام. ونبي أرسل الله ~~إليه رسولا وهو جبريل فيوحي بإذنه ما يشاء وهو نبينا محمد صلى الله عليه ~~وسلم، وقد كان جبريل يأتي إلى بعض الأنبياء في منامه وكان يأتي النبي صلى ~~الله عليه وسلم في اليقظة كما يأتي الرجل صاحبه"1. # وموضع الدليل لنا من هذه الآية: لو كان كلام اله لا يؤخذ إلا مخلوقا لم ~~يكن للنفي في2 هذه المعاني معنى3. # ويقال للأشعري إذا قرأ آية من القرآن هذا قول الله أم قول البشر؟ فإن ~~قال: هو قول الله فقد رجع إلى ما عليه السلف وأهل الحق. وإن قال: بل هو قول ~~البشر4، قلنا عن ذلك أجوبة: PageV02P564 # أحدها: أن يقال له: فهذه أقوال الوليد بن المغيرة فيما أخبر الله عنه ~~بقوله: {إن هذا إلا قول البشر} ، فقال الله متوعدا له على قوله هذا {سأصليه ~~سقر} 1. فلو كان قوله بذلك صحيحا لما توعد2 الله عليه. # الجواب الثاني: أن يقال له: فمن البشر الذي هذا قوله، فليس أحد يدعي أن ~~هذا قوله بل الكل منهم يقولون هذا قول الله، وإذا سمعوا القارئ بهذا الكلام ~~قالوا صدق الله، من البشر الذي يقول {إنني أنا الله لا إله إلا أنا ~~فاعبدني} . # والجواب الثالث: أن يقال له: إذا كان هذا من قول البشر فأت بسورة من ~~مثله، وإن قال: بل هو كلام البشر عبارة عن كلام الله والمفهوم منه كلام ~~الله قيل له: فمن البشر الذي سمع كلام الله القديم القائم بنفس الله فعبر ~~عنه بهذا الكلام، فيضاف هذا الكلام إليه، ويقال هذا عبارة فلان فإن أحدا لا ~~يدعي أنه عبارته. # فإن قال هو عبارتي عن كلام الله3. قلنا له فحقيقة المعبر أن يسمع كلاما ~~فيعبر عنه، وأنت لم تسمع كلام الله حقيقة، وإنما سمعت قول معلمك فعبرت عن ~~قول معلمك ومعلمك سمع قول معلمهن فصرت معبرا عن عبارة معلمك إلى أن يتناهى4 ~~إلى الصحابة - رضي الله عنهم - وهو لم يسمعوا قول الله ms264 حقيقة، وإنما سمعوا ~~عبارة النبي صلى الله عليه وسلم عن عبارة جبريل ولا أدري عما عبر عنه ~~جبريل5. PageV02P565 # فقول الأشعري هذا لا يستقيم أنه عبارة عن كلام الله. # وقول الأشعري: إن المفهوم من هذا الكلام كلام الله فغير صحيح لأن مفهوم ~~كل إنسان معه ولا سبيل للخلق1 إلى العلم بفهم ما في نفس الباري سبحانه، قال ~~الله تعالى {تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك} 2. # ولأن ما في النفس لا يسمى كلاما حقيقة وإنما يسمى حديث نفس3. بدليل: أن ~~رجلا لو حلف بطلاق امرأته أن لا يتكلم فحدث نفسه بشيء أو نظم في نفسه كلاما ~~لم تطلق امرأته بإجماع الفقهاء، فدل ذلك على أن حقيقة الكلام هو المسموع ~~المفهوم، ولا يكون ذلك إلا بحروف وصوت. ويقال الأشعري إذا قرأ آية ن كتاب ~~الله أهذا كلام أم كلامان4 فإن قال بل PageV02P566 # كلام، قيل له: أهو كلام الله أم كلامك؟ فإن قال: كلام الله رجع إلى ما ~~عليه أهل الحق، وإن قال بل كلامي بان كفره لأنه خلاف المسلمين، وإن قال: ~~كلامي أعبر به عن كلام الله. قلنا له: فكلام الله قديم1 وكلامك محدث، ~~فميزنا لنا كلامك لنوقع عيه الحدث2 عن كلام الله لنسميه قديما، ولا سبيل له ~~إلى ذلك بالجملة. # ويقال للأشعري: ما القرآن الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم وادعى ~~أنه كلام ربه، فقال: "من ينصرني حتى أبلغ كلام ربي"3، وجعله الله معجزة ~~لنبي صلى الله عليه وسلم ودليلا على صحة نبوته، أهو كلام الله القائم بذاته ~~أم هو هذه السور والآيات؟. # فإن قال هو هذه السور والآيات رجع إلى الحق وإلى ما عليه كافة المسلمين، ~~وإن قال: بل هو المعنى القائم بذات الله، قيل له: فإن هذا ما جاء به النبي ~~صلى الله عليه وسلم ولا سمعه عندك4، فكيف يكون معجزة له وكان للعرب أن ~~يقولوا: إن هذا الكلام القائم بذات الله لم نسمعه فكيف تأتي بسورة من مثله، ~~وإنما نأتي بمثل ما سمعناه5. PageV02P567 # ويقال ms265 للأشعري: قد أقررت بأن لله سمعا وبصرا وعلما وقدرة وحياة وكلاما ~~لتنفي عنه ضد هذه الصفات، فلما كان السمع الذي أثبته لله هو السمع المعهود ~~في لغة العرب، وهو إدراك المسموعات وكذلك ضجه المنفي عنه هو المعهود في ~~كلام العرب وهو الصمم، وكذلك البصر الذي أثبته لله هو المعهود في كلام ~~العرب وهو إدراك المبصرات، والعلم هو إدراك # PageV02P568 # المعلومات، وجب أن يكون الكلام لله هو الكلام المعهود في كلام العرب، وهو ~~ما كان بحرف وصوت، كما أن ضده المنفي وهو الخرس المعهود عندهم، فأما إثبات ~~كلام لا يفهم ولا يعلم فمحال. # ولا يلزم على ما قلنا إذا أثبتنا لله كلاما بحرف وصوت أن يثبت له آلة ~~الكلام، لأنه لا يتأتى الكلام بذلك إلا من له آلة الكلام، لأنا قد أثبتنا ~~نحن والأشعري لله السمع والبصر والقدرة وإن لم نصفه بأن له آلة ذلك، وعلى ~~أن الله سبحانه قد أخبر أن السموات والأرض قالتا {قالتا أتينا طائعين} 1، ~~وأخبر أن جهنم تقول {هل من مزيد} 2 وأخبر أن الجوارح تنطق يوم القيامة ~~بالشهادة3. وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الذراع المشوية أخبرته أنها ~~مسمومة4. PageV02P569 # وشيء من هذا كله لا يوصف بأن له آلة الكلام فبطل قوله بذلك. # وهذه أخبار رويت عن السلف: قال الربيع بن سليمان: سمعت الشافعي - رحمه ~~الله - يقول: "من قال لفظي بالقرآن مخلوق أو القرآن بلفظي مخلوق فهو ~~جهمي"1. # وقال أحمد بن حنبل: "اللفظية جهمية قال الله {حتى يسمع كلام الله} ممن ~~يسمع"2. قال ابن جرير3: "سمعت جماعة يحكون عن أحمد بن حنبل أنه قال: "من ~~قال لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي، ومن قال إنه غير مخلوق فهو مبتدع"4. # وسئل إسحاق بن راهويه5 عن الرجل يقول: "القرآن ليس بمخلوق ولكن قراءتي ~~إياه مخلوقة لأني أحكيه وكلامي مخلوق، فقال إسحاق: "هذه بدعة لا يقر على ~~هذا حتى يرجع عنه"6. # قال أبو عبيد القاسم بن سلام7: "كلام الله ليس بداخل في شيء من كلام ~~الناس ولا مختلط به ولو كان ms266 يشبه8 في شيء من الحالات لكان القرآن ~~PageV02P570 # يقطع الصلاة لأن كل متكلم في صلاته قاطع لها، ولو قال رجل: والله لا ~~تكلمت اليوم بشيء وقرأ القرآن لم يحنث"1. # وروي أن رجلا سأل محمد بن إسماعيل البخاري فقال: يا أبا عبد الله ما تقول ~~في القرآن؟، فقال: "القرآن كلام الله غير مخلوق"، فقال: إن الناس يزعمون ~~أنك تقول ليس في المصحف قرآن ولا في صدور الناس، فقال: "أستغفر الله أن ~~يشهد علي بما لم يسمع مني أني أقول كما قال الله تعالى: {والطور وكتاب ~~مسطور} أقول في المصاحف قرآن، وفي صدور الناس2 قرآن، فمن قال: غير هذا ~~فيستتاب فإن تاب وإلا فسبيله سبيل الكفر"3. # وروي عن محمد بن جرير أنه قال: "القرآن كلام الله غير مخلوق كيف كتب وتلي ~~وفي أي موضع وجد في اللوح المحفوظ أو في ألواح صبيان الكتاتيب مرسوما بحجر ~~أو في رق أو في4 القلب حفظ، فمن قال غير هذا أو ادعى أن قرآنا في الأرض أو ~~في السماء غير الذي نتلوه بألسنتنا ونكتبه في مصاحفنا أو اعتقد ذلك بقلبه ~~فهو بالله كافر حلال الدم برئ من الله والله برئ منه قال الله تعالى: {بل ~~هو قرآن مجيد في لوح محفوظ} ، وقال: {وإن أحد من المشركين استجارك فأجره ~~حتى يسمع كلام الله} فأخبر سبحانه أنه في اللوح المحفوظ وأنه مسموع من لسان ~~محمد صلى الله عليه وسلم وهو قرآن واحد"5. # فهؤلاء الأئمة نقلة الأخبار والاثار، الذين شهروا بالعلم والفضل، ولو ~~تتبعت ذكر من قال بهذا أو صرح بكفر من قال بخلق القرآن وبكفر من ~~PageV02P571 # قال بأن هذا المتلو عبارة عن القرآن لطال الكتاب، وفيمن ذكرته منهم ~~مقنع1. PageV02P572 # وسئل أحمد بن حنبل عمن قال القرآن كلام الله ووقفوا وقالوا لا نقول إنه ~~مخلوق ولا غير مخلوق، فقال: "هم شر ممن قال القرآن مخلوق لأنهم شكوا في ~~دينهم"1 ثم قال: "لولا ما وقع فيه الناس كان يسعهم السكوت ولكن حيث تكلموا ~~فيما تكلموا لأي شيء لا يتكلمون"2. # ومعنى قوله: ms267 لما أحدث الناس الكفر بالقول بحلق القرآن لم يسع العلماء إلا ~~الرد عليهم والتصريح بالقول بضد قولهم بأنه غير مخلوق بلا شك ولا توقف3. ~~فمن وقف كان شاكا في دينه. PageV02P573 # وقال هارون بن أبي علقمة1: سمعت عبد الملك بن عبد العزيز الماجشون2 وغيره ~~من علماء المدينة يقولون: "من وقف في القرآن بالشك فهو كافر وهو مثل من قال ~~بخلق القرآن"3. # وقال محمد بن مسلم4، قال أبو مصعب5: "من قال: القرآن مخلوق فهو كافر، ومن ~~قال لا أدري أنه مخلوق أو غير مخلوق فهو مثله وشر منه"، فذكرت له رجلا كان ~~يظهر مذهب مالك فقلت إنه أظهر الوقف، فقال: "لعنه الله ينتحل مذهبه وهو ~~بريء منه"، فذكرت ذلك لأحمد بن حنبل فسر به وأعجبه6. PageV02P574 ### | 98- # فصل # وقد لبست القدرية على من لا يعرف الأصول واستدلوا على خلق القرآن بقوله ~~تعالى: {ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون} 1 فقالوا: ~~نقول إن القرآن محدث يفنى ويذهب كما تفنى سائر المحدثات، ولا نقول إنه ~~مخلوق لأن الخلق يقع على الكذب قال الله تعالى: {إن هذا إلا اختلاق} 2 أي ~~إلا كذب، وقال سبحانه: {إن هذا إلا خلق الأولين} 3 أي إلا كذب الأولين4. # وهذا منهم تمويه على من لا خبرة له بمذهبهم ومعنى الحدث معنى الخلق عند ~~المتكلمين، وقد ذكرت قبل هذا أن تحقيق مذهبهم وقولهم فيما سمع منهم5 من ~~القرآن أنه خلق لهم كسائر كلامهم6. # وأما استدلالهم بالآية قلنا عن ذلك أجوبة: # أحدها: أن نقول: إنه لا يرد بالذكر هاهنا القرآن، لأن كل ذكر في القرآن ~~أراد به القرآن فإنه معروف بالألف واللام أو ممدوح أو موصوف بأنه منزل ~~ليفرق بينه وبين غيره بالذكر، فقال تعالى: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له ~~لحافظون} 7 وقال: {ص والقرآن ذي الذكر} 8. # وقال: {ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم} 9، وقال: {وأنزلنا إليك ~~PageV02P575 # الذكر لتبين للناس} 1، وقال: {وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم ~~لما سمعوا الذكر} 2، وقال {وهذا ذكر مبارك أنزلناه} 3، فذكر ms268 الذكر في هذه ~~الآية منكرا4 إلا أنه مدحه بالبركة ووصفه بأنه منزل ليدل على أنه القرآن. # وفي هذه الآية التي استدلوا بها ذكر منكر ولم يمدحه إلا وصفه بأنه منزل ~~ليدل على أنه غير القرآن فيحمل على أحد معنيين: إما على النبي صلى الله ~~عليه وسلم لأن الله سماه ذكرا بقوله تعالى: {قد أنزل الله إليكم ذكرا رسولا ~~يتلو عليكم} 5، ويدل على هذا التأويل أنه قال: {ما يأتيهم من ذكر} فذكر أن ~~الذكر يأتيهم، والذي يأتيهم بنفسه هو النبي صلى الله عليه وسلم في المواعظ ~~والتخويف من كلامه لا من كلام الله6، ويدل على هذا أن قريشا كانوا إذا ~~سمعوا القرآن PageV02P576 # قسموا آراءهم فيه، ولم يقابلوه بالضحك1 واللعب. فدل على أن الذي ضحكوا ~~منه ولعبوا هو ذكر غير القرآن2. # والجواب الثاني أن يقال: لو سمعنا أنه أراد بالذكر هاهنا القرآن لم يجب ~~كونه مخلوقا لوصفه بالمحدث لأن المحدث ضد القديم، وقد أخبر الله سبحانه عن ~~بعض المخلوقات أنه قديم بقوله تعالى: {حتى عاد كالعرجون القديم} 3، فلما ~~جاز في4 المخلوقات ما سمى قديما كان في القديم ما يسمى محدثا ولا يكون ~~مخلوقا. # والجواب الثالث: إن المحدث يقع في اللغة على الواضح الجلي، ولهذا تقول ~~العرب: أحدث السيقل5 السيف والمرآة إذا جلاهما، وقال جرير6: # ضربت عند الأمام فارعشت ... يداك وقالوا محدث غير صارم7 # أي جلي غير قاطع. PageV02P577 # والجواب الرابع: أن المحدث قد يراد به المظهر ولا يراد به المخلوق بدليل ~~ما أخبر الله عن الخضر أنه قال لموسى عليه الصلاة والسلام: {فلا1 تسألني عن ~~شيء حتى أحدث لك منه ذكرا} 2 يعني أظهر وأبدي لا أخلق. # وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله يحدث من أمره شيئا وإن مما أحدث ~~الله أن لا تتكلموا في الصلاة "3. PageV02P578 # ومن تمويه القدرية في الاستدلال على أن القرآن مخلوق أن قالوا: ق سمى ~~الله القرآن أمرا بقوله تعالى: {ذلك أمر الله أنزله إليكم} 1، وقال في آية ~~أخرى: {وكان أمر الله مفعولا} 2، {وكان أمر الله قدرا ms269 مقدورا} 3. والمفعول ~~والمقدور عبارة عن المخلوق4. # والجواب أنه لم يرد بالأمر هاهنا قوله، وإنما أراد به ما أحدثه الله في ~~الأرض من الأمور، وهو نكاح النبي صلى الله عليه وسلم لامرأة زيد بن حارثة5، ~~وعقوبته لأهل السبت من اليهود6 لأن العرب تسمي الشيء باسم سببه فلا مكون ~~ولا مفعول إلا بأمر الله وهو قوله للشيء (كن فيكون) ، والفعل يسمى أمرا. # قال الشاعر: # فقلت لها أمري إلى الله كله ... وإني إليه في الإياب لراجع7 # يريد فعلي وشأني، وهذا الأمر يجمع أمورا، والأمر من القول يجمع أوامر8. ~~وهذا يدل على أن أمر الله الذي هو القول ليس بمخلوق قوله تعالى: {ومن آياته ~~أن تقوم السماء والأرض بأمره} 9 أي بقوله، فلو كان أمره يقوم بأمر غيره ~~لأدى ذلك إلى ما لا يتناهى وذلك محال. # واستدلوا أيضا بقوله تعالى: {إنا جعلناه قرآنا عربيا} 10 والجعل عبارة عن ~~PageV02P579 # الخلق لقوله تعالى: {وجعلنا السماء سقفا محفوظا} 1. # والجواب: أن الجعل في القرآن يعبر به عن الخلق، ويعبر به عن التسمية وهو ~~المراد هاهنا قال الله تعالى: {وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن ~~إناثا} 2 أي سموهم، وذلك قوله تعالى: {وقد جعلتم الله عليكم كفيلا} 3 وأراد ~~به سموه كفيلا. # وقد قال الله تعالى: {ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة} 4 ولم يرد ما ~~خلقها، وإنما أراد ما سماها، فبطل أن يكون كل جعل في القرآن عبارة عن ~~الخلق5. # واستدلوا بقوله تعالى: {خالق كل شيء} 6 والقرآن شيء فوجب أن يكون ~~مخلوقا7. PageV02P580 # والجواب أن نقول: إن القرآن صفة لله سبحانه، وقد سمى الله نفسه شيئا ~~بقوله تعالى: {قل أي شيء أكبر شهادة قل الله} 1، فلما لم تكن ذات الله ~~سبحانه داخلة في جملة المخلوقات، لم يكن القرآن الذي هو صفة له داخلا في ~~المخلوقات2. # واستدلوا بقوله تعالى: {إنا أنزلناه في ليلة القدر} 3، وقال: {وأنزلنا ~~الحديد} 4، وقال: {وأنزلنا من السماء ماء} 5، فلما سوى الله بين القرآن ~~وبين الحديد والماء في الإنزال دل على أن حكم الجميع في ms270 الخلق واحد6. # والجواب أن يقال: لا يمتنع أن يتفق الشيئان في الاسم لمعنى ويختلفان في ~~الصفة لمعنى، ألا ترى أن الله سبحانه يوصف بالوجود والإنسان وغيره من ~~الأجسام يوصف بالوجود وإن اختلفا في الخلق والجسمية7 وغيرهما، ويوصف الله ~~أنه حي عالم قدير بصير سمين ويوصف الإنسان بذلك وإن اختلفا في الخلق ~~والجسمية، ولم يكن الحديد والماء مخلوقين لكونهما PageV02P581 # منزلين1 ولو جاز لهم ذلك لجاز لغيرهم أن يدعي أن القرآن جسم كالحديد ~~والماء لاجتماع الجميع بالوصف بالإنزال2. # استدلت القدرية والمعتزلة بقوله: لما كان القرآن حروفا متغايرة يدخلها ~~التعاقب والترتيب والتأليف، وذلك لا يوجد في الشاهد إلا بحركة وسكون من ~~المتكلم ومن له آلة الكلام ومن كان بهذه الصفات لا يجوز أن يكون صفة لله ~~فثبت أنه مخلوق3. PageV02P582 # فضاق بالأشعري وابن كلاب النفس عن الجواب عن هذا، فوافقوهم أن هذا القرآن ~~المتلو مخلوق كما قالوا، وادعوا أن هاهنا1 قرآنا قديما يوصف بأنه كلام الله ~~ينتفي عنه ضده2 وهو المعنى القائم بنفسه فهم قائلون بخلق القرآن الذي لا ~~يعرف المعتزلة ولا غيرهم من المسلمين قرآنا غيره. # وادعت الأشعرية قرآنا وكلاما لله لا يعقل ولم يسبقهم إلى هذا القول أحد ~~من أهل الملل والنحل فردهم على المعتزلة بخلق القرآن تمويه وتستر بقول ~~أصحاب الحديث، وهو مذهب مسقف باطنه الاعتزال وظاهره التستر3. # وأما الجواب عما أورده من الاستدلال فمن وجوه: # أحدها: أن يقال لهم جميعا: ما الدليل على أن الكلام إذا كان ذا تأليف ~~وترتيب كان مخلوقا، فإنهم لا يجدون عليه دليلا من كتاب الله ولا من سنة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا من الإجماع ممن قبلهم من أهل العلم، فإن ~~قالوا: لأنه4 بصفة كلام المخلوقين، قلنا لهم، فليس اجتماع الشيئين في صفة ~~يدل على اجتماعها في جميع الصفات، فيلزمكم أن لا تصفوا الله بأنه متكلم ~~لهذا المعنى5 كما قالت المعتزلة، ويلزم المعتزلة أن لا يصفوا الله بأنه ~~موجود ولا شيء لأن ذلك صفات للمحدثات6. PageV02P583 # والجواب الثاني أن يقال لهم: قد ورد الشرع ms271 بأن كلام الله مرتب، قوله ~~تعالى {الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت} 1 وثم للترتيب في كلام العرب، ودليل ~~العقل إذا خالف القرآن وجب تقديم دليل الكتاب على دليل العقل. # والجواب الثالث: أن أزمان المخلوقات مترتبة شيء بعد شيء، وقد أخبر الله ~~سبحانه أنه يقول لكل شيء إرادة منها (كن) فقال سبحانه: {إن مثل عيسى عند ~~الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون} 2، فأخبر أنه قال لعيسى ~~بعد خلقه لآدم (كن) فمن قال: إنه لم يقل لكل واحد منهما عند خلقه (كن) فقد ~~رد على الله خبره. # والجواب الرابع: أن يقال لهم إنما وقع الترتيب في القرآن ويسره الله على ~~على ألسنتنا عن النطق بغير هذا الترتيب لقوله سبحانه: {فإنما يسرناه ~~بلسانك} 3 PageV02P584 # وقوله تعالى: {ولقد يسرنا القرآن للذكر} 1 ولا يقضي بأنه وقع مرتبا على ~~هذا الترتيب من الله2، فلا يجوز لذلك أن نقول إنه مخلوق. # وأما قولهم إن النطق بالحروف والأصوات لا يكون إلا ممن تكون له آلة ~~الكلام، فغير صحيح. # وقد بينا أن الكلام قد3 وجد ممن لا يوصف بآلة الكلام وهو السموات ~~PageV02P585 # والأرض وأعضاء بني آدم والذراع المشوية1، فبطل بذلك قولهم واستدلالهم. # احتجت الأشعرية بأن قالوا: لما كان سمعه بلا انخراق أذن، وبصره بلا ~~انفتاح حدقه، وعلمه بلا فكر وجب أن يكون كلامه بلا صوت ولا حرف2. # والجواب: أن هذا جمع بغير معنى جامع، وعلى مقتضى دليلكم هذا أن يقال لما ~~كان سمعه بلا انخراق أذن، وبصره بلا انفتاح حدقه، وجب أن يكون كلامه بلا ~~جارحة3، وهكذا نقول4. # احتجت الأشعرية بقوله تعالى: {ويقولون في أنفسهم} 5، وبقوله تعالى: ~~{فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم} 6، ويقول الرجل في نفسي كلام، فدل على ~~أن ما في نفس الإنسان يسمى قولا7. PageV02P586 # والجواب عنه من وجوه: # أحدها: أنا نعارضه بقوله تعالى: {يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم} 1، ~~وكذلك قوله تعالى: {كبرت كلمة تخرج من أفواههم} 2، وكذلك قوله تعالى: ~~{يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم} 3، فأخبر في ms272 هذه الآيات أنهم قالوا ~~بألسنتهم قولا لم يقولوه بقلوبهم، ولم يخبر في هذه الآية التي احتجوا بها ~~أنهم لم4 يقولوا بألسنتهم ما قالوه بقلوبهم، فيجوز أن يكون المراد بالآية ~~التي احتجوا بها أنهم زوروا قولا بأنفسهم وقالوه بألسنتهم فسمى المزور ~~بقلوبهم قولا لهم لأنه يؤول5 إلى القول باللسان كما قال تعالى: {إني أراني ~~أعصر خمرا} 6 فسمى العصير خمرا لأنه يؤول إليه. # والجواب الثاني: يجوز أن يكون معنى قوله: {ويقولون في أنفسهم} 7 أي قالوه ~~بألسنتهم أسر به بعضهم إلى بعض كقوله تعالى: {فسلموا على أنفسكم} 8 أي يسلم ~~بعضكم على بعض9 كقوله تعالى: {ولا تقتلوا أنفسكم} 10 أي لا يقتل بعضكم بعضا ~~11، والدليل عليه: أن الآية12. وردت في اليهود، PageV02P587 # وذلك أن قوما منهم قالوا: اذهبوا بنا إلى محمد صلى الله عليه وسلم فنشتمه ~~علامية كما نشتمه في السر لننظر هل يعذبنا الله على ذلك، فجاءوا إليه ~~فقالوا السام عليك يا محمد، يريدون الموت عليك، فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم وعليكم، فقالت عائشة - رضي الله عنها -: السلام عليكم يا إخوة القردة ~~والخنازير، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يا عائشة عليك بالرفق فإنه ما ~~وضع في شيء إلا زانه ولا نزع من شيء إلا شانه أما سمعتني قد قلت: وعليكم، ~~فأنزل الله {وإذا جاءوك حيوك بما لم يحيك به الله ويقولون في أنفسهم لولا ~~يعذبنا الله بما نقول حسبهم جهنم} 1. فسمى الله كلامهم بألسنتهم قولا لهم ~~وتوعدهم عليه بجهنم، فدل على أنه هو القول حقيقة وما في النفس لا يسمى قولا ~~ولا كلاما، وإنما يسمى حديث نفس ولا يتعلق به حكم. ولهذا روي عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: " إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به نفسها ما لم ~~تتكلم به" 2، فنفى أن يكون حديث النفس كلاما. PageV02P588 # والجواب الثالث: أن حديث التفس لا يسمى كلاما ويدل عليه شيئان: # أحدهما: أنه لو حلف رجل أن لا يكلم هذا اليوم فجلس يزور الكلام في نفسه ~~وينظمه لم يحنث ms273 في يمينه، ولو نوى طلاق امرأته وعتق عبده لم يحكم عليه ~~بطلاق ولا عتاق. # الثاني: أنه لو كان كلاما لما صح نفيه عن الكلام بان تقول ما تكلمت وإنما ~~وردت ذلك في نفسي. # والجواب الرابع: لو كان ما في النفس كلاما لكان الساكت أو الأخرس إذا زور ~~في نفسه كلاما سمى متكلما فيؤدي إلى كونه أخرس متكلما أو متكلما ساكتا في ~~حالة واحدة وهذا محال. # والجواب الخامس: أن الله أخبر عن السماء والأرض أنهما قالتا {أتينا ~~طائعين} ، وأخبر عن الجوارح أنها تنطق يوم القيامة، وأخبر عن جهنم أنها ~~تقول {هل من مزيد} ، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الذراع المشوية ~~أنها قالت: (إني مسمومة فلا تأكلني) ، وجميع ذلك ليس له نفس فعلم أن الكلام ~~يتصور وجوده ممن لا نفس له1. # ويقال للأشعرية: قد قلتم إن كلام الله شيء واحد لا يتبعض، وقلتم: إن كلام ~~الله ينقسم إلى أمر ونهي وخبر واستخبار، وهذه المعاني متغايرة متعددة وكذلك ~~قلتم: إن لله صفات متعددة، وهي العلم والإرادة والحياة والقدرة والسمع ~~والبصر والكلام، فلم نفيتم أن يكون القرآن ذو السور والآيات كلاما لله ~~حقيقة لكونه متعددا مترتبا. # فإن قالوا إنما ينقسم الكلام إلى الأمر والنهي والخبر والاستخبار في ~~القرآن الذي هو عبارة وحكاية عن كلام الله القائم بذاته، ولا ينقسم الكلام ~~القائم بالذات إلى هذه المعاني2، قيل لهم: من شرط العبارة والحكاية أن ~~PageV02P589 # تؤدي معنى المعبر عنه وإن كان المعنى القائم شيئا واحدا فمن المعبر عنه ~~بهذه1 العبارة المفهومة وكيف تعلقت الأحكام بالعبارة دون المعبر عنه ~~وبالمعنى دون المعني2. PageV02P590 # وأيضا فإن في القرآن ما يحتاج في فهم معناه إلى كلام أو ضح منه وهو ~~الحروف في أوائل السور، الم، كهيعص، حم، وما أشبهه فإن كان ذلك عبارة عن ~~كلام الله القائم بذاته1 فهلا عبر عنه بكلام أبين منه، وهذا باطل بقوله ~~تعالى: {الر تلك آيات الكتاب المبين} 2، فوصف (الر) بأنه الكتاب المبين. # ويقال للأشعرية: هل أسمع الله موسى وأفهمه جميع كلامه أو بعض ms274 كلامه فإن ~~قالوا: أفهمه وأسمعه جميع كلامه، فقد جعلوا موسى عالما بما في نفس الله ~~وعالما بالغيب، وقد أخبر سبحانه أنه لا يعلم ما في نفسه أحد، ولا يعلم ~~الغيب إلا هو، وأخبر سبحانه أنه لو كان البحر مدادا لكلماته لنفد البحر قبل ~~أن تنفد كلمات الله، ويؤدي قولهم هذا أن موسى عليه السلام قد فهم التوراة ~~والإنجيل والفرقان، وأن المشروع بالقرآن والإنجيل كان مشروعا على بني ~~إسرائيل وهذا باطل بالإجماع. # وإن قالوا: أسمع عليه السلام وأفهمه ما شاء من كلامه، رجعوا إلى ما عليه ~~أهل الحق وأن كلام الله ليس بشيء واحد. وإن قالوا لم يسمع الله موسى كلامه ~~القائم بذاته وإنما أسمعه العبارة عن كلامه وهي التوراة، أدى قولهم هذا إلى ~~معان فاسدة، منها أن الله سبحانه بعض3 عن كلامه، ولو جاز هذا لقيل فيجوز أن ~~يكون لعبارته عن كلامه عبارة عنها إلى ما لا يتناهى. # ومنها أن موسى يخرج عن أن يسمى كليم الله، وهذا ترك ورد لما ورد به نص ~~القرآن وأجمع عليه المسلمون، ورجعوا بذلك إلى قول المعتزلة الذين هم حوله ~~يدرون وعليه يعولون، وهو أن الله ما كلم موسى وإنما خلق كلاما في الشجرة ~~أسمعه موسى عليه السلام. PageV02P591 ### | 99- # فصل # وقد ألزم الغزالي في الاقتصاد الأشعرية ونفسه لأهل الحديث إلزامات حسنة ~~صحيحة، وأجاب عنها بأجوبة فاسدة. # منها: إن قال قائل كيف سمع موسى صلى الله عليه وسلم كلام الله تعالى؟. # فإن قلتم سمع صوتا وحرفا، فإذا لم يسمع كلام الله، لأن كلامه ليس بصوت ~~ولا حرف، وإن قلتم لم يسمع صوتا وحرفا فكيف سمع ما ليس بحرف ولا صوت، وهذا ~~إلزام صحيح. # فأجاب عنه على قوله وقول الأشعرية وقال: سمع موسى كلام الله، وهو صفة ~~قديمة بذات الله ليس بحرف وصوت، فقول من قال: كيف سمع ذلك كقول القائل: كيف ~~أدركت بحاسة الذوق حلاوة السكر، وهذا القول1 لا يستند إلى شفاية إلا بأن ~~نسلم سكرا إلى هذا السائل حتى يذوقه فيدرك طعمه وحلاوته، وكذلك نقول ms275 لهذا ~~السائل: لا يمكن شفاؤك إلا بأن تسمع كلام الله القديم، وهو متعذر لأن ذلك ~~من خصائص الكليم فنحن لا نقدر على استماعه أو تشبيه2 ذلك بشيء من مسموعاته ~~التي ألفها، والأصوات3 لا تشبيه ما ليس بأصوات فيتعذر تفهيمه، فعلم أن هذا ~~السؤال محال، هذا معنى قوله ومعتمده فيما أجاب4. # ولنا عن هذا أجوبة: # أحدها أن يقال: ما المعنى الجامع بين فهم حلاوة السكر، وفهم سماع موسى ~~لكلام الله، ومحال أن يكون فهم حلاوة السكر وغيره من الطعوم المعتادة غير ~~معلوم من غير ذوق. PageV02P592 # والجواب الثاني: أن يقال لو كان فهم سماع موسى لكلام الله محالا عند ~~النبي صلى الله عليه وسلم وعند الخلق، لما أخبر الله بذلك بكتابه لأنه لا ~~يخبر بالمحال ومما لا يعقل، فإن الله أخبر نبيه صلى الله عليه وسلم بذلك ~~ليدل على فضيلة موسى صلى الله عليه وسلم، فلو كان غير معقول ولا معلوم عند ~~الخلق لما علموا فضيلته. # والجواب الثالث: أن يقال قولك إن الله أسمع موسى بغير حرف ولا صوت مخالف ~~لما أخبر الله عن ذلك بكتابه فقال: {فاستمع لما يوحى إنني أنا الله لا إله ~~إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل ~~نفس بما تسعى} 1، فأمر الله بالاستماع إلى ما يوحى، والاستماع عند العرب لا ~~يكون إلى صوت وحرف، ولا يكون الاستماع إلى الصفة القائمة بالذات لأن ذلك لا ~~يعقل، ألا ترى أنه لو قال استمع إلى بصر الله وسمعه وحياته وقدرته لكان ذلك ~~محالا من الكلام وهي صفات قائمة بالذات، وأيضا فإن الله أخبر عما أمره ~~بالاستماع إليه فقال: {إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني} فجمع بالآية ~~بين الإخبار بأنه لا إله إلا هو، وأن الساعة آتية وأنه يخفيها وتجزي كل نفس ~~بما تسعى، وبين أمره له بالعبادة وإقامة الصلاة لذكره، وهذه معان مختلفة. # فإن قال: ليس في هذا كله دليل على أن الله أسمعه هذا الكلام على هذا ~~النظم، قلنا: إذا لم ms276 يكن في هذا دليل على أنه أسمعه هذا النظم لم يكن قوله: ~~{وكلم الله موسى تكليما} 2 دليلا على أنه كلمه ولا أنه كليمه. إلزام ~~واعتراض ذكره الغزالي أيضا في الاقتصاد. # إن قال قائل: هل كلام الله حال في المصحف أم لا، فإن كان حالا فكيف حل ~~القديم في المحدث، إن قلتم لا فهو خلاف الإجماع (أن في PageV02P593 # المصحف قرآن) بدليل أنه يحرم على المحدث مسه. # فأجاب عن هذا وقال: كلام الله مكتوب في المصاحف محفوظ في القلوب مقروء ~~بالألسنة، فأما الكاغد والحبر والكتابة والحرف والصوت فكلها حادثة. # فإذا قلنا: إنه مكتوب في المصاحف أعني صفة القديم لم يلزم أن يكون القديم ~~في المصحف، كما إذا1 قلنا النار مكتوبة لم يلزم أن تكون ذات النار حالة فيه ~~فالنار جسم حار، وعليه دلالة هي الأصوات المقطعة تقطيعا يحصل منه النون ~~والألف والراء، فالحار المحرق ذات النار لا نفس الدلالة، والحروف أدلة ~~القرآن وللأدلة حرمة إذ جعل2 الشرع لها حرمة، لأن ما فيها دال على صفة ~~الله3 هذا تحقيق قوله4. # والجواب أن يقال: أما قولك إنه5 حال في المصحف عبارة غير مرضية، لأن ~~الحلول صفة الأجسام يقال حل يحل بالمكان بضم الحاء في المستقبل إذا نزل به، ~~وحل الدين يحل بكسر الحاء في المستقل إذا وجب6، وحل PageV02P594 # الشيء يحل بكسر الحاء إذا حل1 فعله، وإنما يقال القرآن موجود2 في المصاحف ~~ومكتوب ومسطور. # وأما قوله إن الكاغد والحبر محدثان فلا ينكر ذلك وليس الحرف هو نفس الحبر ~~ولا نفس الكاغد. # وأما قوله: إن القرآن مكتوب في المصاحف محفوظ بالقلوب مقروء بالألسنة، ~~فإن أراد بذلك القرآن الذي هو كلام الله حقيقة قلنا هذا صحيح وبطل أن يكون ~~لله كلاما قائما بذاته لا يفارقه وكان هذا قول أصحاب الحديث. وإن أراد بذلك ~~العبارة عن القرآن الذي هو قائم بذات الباري كان قوله هذا قولا فارغا لا ~~معنى تحته غير التستر بقول أصحاب الحديث، وعليه يدل قوله إن القرآن مكتوب ~~في المصاحف، لأنه لو صرح وقال ms277 ليس القرآن مكتوبا في المصاحف، وإنما المكتوب ~~به أدلة القرآن لكان مخالفا لما عليه أدلة3 المسلمين ولكنه سقف4 قوله. # والأشعرية قدموا رجلا إلى الاعتزال ووضعوها حيث وضعت المعتزلة أرجلهم، ~~وأموا بالرجل الأخرى إلى حيث وضع أهل الحديث أرجلهم5، وهذا مثال عقلي يفقهه ~~من فهم قولهم. PageV02P595 # ومن إلزامات الغزالي في الاقتصاد قوله: إن قال قائل هل القرآن1 كلام الله ~~أم لا، فإن قلتم لا فقد خرقتم الإجماع، وإن قلتم نعم فما هو سوى الحروف ~~والأصوات. # فأجاب عن هذا وقال ها هنا ثلاثة ألفاظ قراءة ومقروءة وقرآن. # أما المقروء فهو كلام الله القائم بذاته، وأما القراءة فهي عبارة القارئ، ~~وأما القرآن فهو اسم مشترك يقع على صفة الله وهو الكلام بذاته وهو الذي ~~أراده السلف بقولهم القرآن غير مخلوق، ويقع على القراءة التي هي أفعال ~~القارئ وهي مخلوقة 2، هذا تحرير قوله. # والجواب أن يقال له: قد أقررت أن القرآن هو هذه السور والآيات، ودعواك أن ~~المقروء هو كلام الله القائم بذاته، غير مسلم ولا دليل له على ذلك من كتاب ~~ولا من سنة ولا إجماع، بل إجماع السلف أن لا قرآن إلا هذا المسموع المتلو ~~الذي جعله الله معجزة لنبيه صلى الله عليه وسلم أن لا قرآن إلا هذا المسموع ~~المتلو الذي جعله الله معجزة لنبيه صلى الله عليه وسلم وشاهدا على صدقه ~~وعلق عليه الأحكام فقال: {إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم ~~فيه يختلفون} 3، والعرب لا تشير بقولهم (هذا) إلا إلى شيء موجود ومدعى قرآن ~~لا لغة فيه جاهل غبي، وأما قراءة القارئ فهو تحريكه آلته وفعله المسموع ~~المفهوم هو القرآن المجمع عليه، وأما القائم بذات الله فلا سبيل لأحد إلى ~~العلم به ولا إلى العبارة عنه. # وأيضا فإن ذات الله ليست بمحل أن تقوم بها المعاني، والقائل بذلك مشبه4، ~~لأن الله لا يسمى إلا بما سمى به نفسه أو سماه به نبيه صلى الله عليه وسلم ~~أو PageV02P596 # أجمع المسلمون على التسمية به، وهذه التسمية خارجة عن ms278 ذلك كله فكانت ~~باطلة1. # ومن إلزامات الغزالي في الاقتصاد قوله: إن قال قائل أجمعت الأمة على أن ~~القرآن معجزة للنبي صلى الله عليه وسلم، وأنه كلام الله وأنه سور وآيات ~~ولها مقاطع ومفاتح، وكيف يكون للقديم مقاطع ومفاتح، وكيف يكون القديم معجزة ~~الرسول صلى الله عليه وسلم، والمعجزة: فعل خارق للعادة، وكل فعل مخلوق2. # فأجاب عن هذا بجواب تحريره ما مضى، أن القرآن اسم مشترك بين المقروء وبين ~~الدال عليه وكلما وصفوه مما لا تحتمله الصفة القائمة، فإن3 المراد به ~~العبارات الدالة عليه، وكذلك السماع الذي قال الله تعالى: {وإن أحد من ~~المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله} 4، فالمراد به العبارة الدالة ~~على الصفة القائمة، وسماع موسى هو كان إلى الصفة القائمة بذات الله وإلا لم ~~يكن لموسى فضيلة على المشركين إذا كان مسموعهم واحد5. # والجواب أن نقول: لا نسلم أن المراد بالقرآن وبقول الله وبكلام الله في ~~جميع الإطلاقات إلا6 هذا المسموع المفهوم المتلو. والدليل على ذلك نص ~~PageV02P597 # الكتاب والسنة وإجماع الأمة والعقل، أما الكتاب فقوله تعالى: {قال الله ~~إني منزلها عليكم} 1، وقال في آية أخرى: {يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس} ~~2، وقال في آية أخرى: {قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم} 3، وقال في ~~ثلاث آيات من البقرة: {قال إنه يقول إنها بقرة} 4، ولا يجوز أن يقال قال ~~الله ما لم يقله حقيقة. # وأما السنة فالخبر الذي مضى ذكره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن ~~الله قرأ طه ويس قبل أن يخلق الخلق بألفي عام" 5، وقد ذكره الغزالي في ~~الإحياء وهو مشهور بالسنن فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ سورتين. # وأما الإجماع فإن أحدا من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من العلماء إلى أن ~~حدث ابن كلاب والأشعري ومن تابعهما أطلقوا اسم القرآن على هذه السور ~~والآيات، وقالوا من قال بخلقه فهو كافر، وقد كان حدث الكلام في خلقه ولا ~~يعرف أحد القرآن القائم بذات الله حتى أحدث ذلك ابن كلاب6. # وأما دليل ms279 العقل: فإنا نقول لهم لم قلتم: إذا كان القرآن سورا وآيات وله ~~7 فواتح وخواتم كان مخلوقا، فإن قالوا لأن هذا صفة الكلام المخلوق لبني ~~آدم، قلنا لهم: هذا جمع بين الشاهد والغائب من غير دليل ومعنى موجب للجمع ~~بينهما ولو كان هذا صحيحا، قلنا: إن الله فاعل للأشياء PageV02P598 # ورأينا في الشاهد أن كل فاعل جسم لا تجد فاعلا غير جسم أن نقول بأن الله ~~جسم لذلك1، وأيضا فإن العقل إذا أدى إلى خلاف ما في الكتاب والسنة والإجماع ~~وجب تقديم هذه الأدلة على العقل، قال الله تعالى: {فإن تنازعتم في شيء ~~فردوه إلى الله والرسول} 2، الآية. وقال: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك ~~فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما} 3، ~~وقد بينا أن القرآن والسنة والإجماع دل كل4 واحد منهما5 أن القرآن هو هذه ~~السور والآيات6 دون ما تدعي الأشعرية بعقولهم وتأويلهم الذي يؤدي إلى خلاف ~~ذلك. PageV02P599 ### | 100- # فصل # وعندنا أن القرآن يرفع من المصاحف ومن الصدور، وأنكر الأشعري ذلك1. # والدليل على ما قلنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "خيركم من حفظ ~~القرآن فعمل به وعلمه الناس، وهو كلام الله منزل غير مخلوق منه بدأ وإليه ~~يعود"2. # وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما رفع الله كلاما أحب إليه من ~~كلامه "3. # وروي عن ابن مسعود - رضي الله عنه - أنه قال: "إقرأوا القرآن قبل أن لا ~~تقدروا على آية منه"، فقيل وكيف نحن نعلمه أبناءنا وأبناؤنا يعلمون ~~أبناءهم، فقال: "يسرى عليه في ليلة واحدة فينسخ من صدور الرجال والمصاحف ~~فيصبح الناس كالبهائم لا يقدرون على آية منه"4. # وروي عن ابن مسعود أنه قال: "أقرأني سول الله صلى الله عليه وسلم آية ~~فأثبتها في PageV02P600 # مصحفي، فلما كان الليل جئت لأقرأها فلم أقدر على قراءتها، فعدت إلى ~~المصحف فوجدت مكان الآية أبيض فأخبرت بذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ~~"أما علمت أنها رفعت البارحة "1. PageV02P601 ### | 101- # فصل # اللغة توقيف عن العرب1 قال الله تعالى: ms280 {وعلم آدم الأسماء كلها} 2، ~~والأسماء على ثلاثة أضرب: ألقاب3 كزيد وعمرو، وأسماء مشتقة كعالم وقادر ~~وظالم، وأسماء وضعت للتمييز بين الأجناس كالبر والبحر وغير ذلك، والاسم ~~مشتق من السمو والعلو. PageV02P602 # وقال قوم: بل هو مشتق من السمة وهي العلامة1. # والصحيح هو الأول، لأنهم قالوا في تصغيره سمي والتصغير يرد الشيء إلى ~~أصله. # واختلف الناس في الاسم هل هو المسمى أو غيره: # فذهب أحمد بن حنبل ومن تابعه إلى أن الاسم للمسمى2. # وقال بعضهم هو صفة للمسمى. # وقال بعضهم: هو علم للمسمى، والجميع واحد3. # وقال المعتزلة: الاسم غير المسمى4. # وقال أبو الحسن الأشعري: الاسم هو المسمى5. PageV02P603 # ومنهم من قال: الاسم للمسمى1. # وقال بعض الناس: إذا خرج الاسم عن اللقب واسم الجنس فهو على قسمين: # قسم هو المسمى كتسمية الأعيان المنفردة مثل قولنا شيء وموجود، وجوهر ~~وحياة وعلم وقدرة وسواد وقديم ومحدث. وقسم ليس هو المسمى وإنما هو معنى ~~يقوم به، فيكون حكمه حكم ما قام به في إيحائه للوصف، وهو على ضربين: # فضرب بني على المجاز، كقولهم فلان عدل مرضي يعنون به أنه عادل ومرضي. ~~والعدل والرضا في الحقيقة اسمان للفعل أجريا على الفاعل مجازا، ومثله قوله ~~تعالى: {ولكن البر من آمن بالله} 2 أي فعل من آمن بالله. # والضرب الثاني: وضع للأشياء في الحقيقة، كقولك سواد وبياض وحمرة وصفرة لا ~~سيما في الحقيقة إلا ما كان من جنسه3.واستدل من قال الاسم للمسمى بقوله ~~تعالى: {ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها} 4. # فأضاف الأسماء إليه بلام الاستحقاق والشيء لا يضاف إلى نفسه. PageV02P604 # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن لله تسعة وتسعين اسما من ~~أحصاها دخل الج نة"1. فلو كان الاسم هو المسمى لكان لنا تسعة وتسعين ربا. # وأما الدليل على من قال إن الاسم غير المسمى أن يقال: لو كان كذلك لكان ~~الله سبحانه غير مسمى في الأزل واحد فرد موجود لأن حقيقة الغير ما جاز ~~مفارقته صاحبه2 وإذا ثبت هذا فأسماء الله تعالى على ثلاثة أضرب: # منها ما ms281 يرجع إلى ذاته كقولنا (الله موجود وشيء قديم) . # ومنها ما يرجع إلى صفات ذاته كعالم وقدير وحي وسميع وبصير، ومريد، ~~ومتكلم. # ومنها ما يرجع إلى صفات فعله كخالق، ورازق، وقابض، وباسط، وهذه الصفات ~~لله سبحانه يستحقها في الأزل، وهو موصوف في الأزل بأنه سيخلق، ويرزق ويقبض ~~ويبسط قبل أن يخلق ويرزق3. PageV02P605 # وعند المعتزلة أن أسماء الله كلها مخلوقة1. # والدليل على بطلان قولهم لوكانت أسماؤه مخلوقة لم يخل إما أن يكون خلقها ~~في ذاته أو في ذات غيره، أو لا في ذاته ولا في ذات غيره. # فبطل أن يكون خلقها في ذاته؛ لأن ذاته ليست بمحل للحوادث، ولا يجوز أن ~~يكون أحدثها في ذات غيره؛ لأنه لو كان كذلك لوجب أن يسمى أن يسمى من أحدثها ~~فيه بشيء منها، فيسمى فردا وصمدا، ولا يجوز أن يكون أحدثها بنفسها في غير ~~ذات؛ لأنها صفة والصفة لا تقوم بنفسها. PageV02P606 ### | 102- # فصل # قد ذكرنا في أول الكتاب أن عند أصحاب الحديث والسنة أن الله سبحانه بذاته ~~بائن عن خلقه، على العرش استوى فوق السموات، غير مماس له، وعلمه محيط ~~بالأشياء كلها1. PageV02P607 # وقالت الكرامية1: إنه مماس للعرش. PageV02P608 # وقالت المعتزلة: إن ذات الله بكل مكان حتى بالحشوش وأجواف الحيوان1. # قيل لبشر المريسي2 فهو في جوف حمارك هذا؟ قال: نعم3، وهذا قول الحلولية4 ~~وهو كفر صريح لا إشكال فيه. # وقالت الأشعرية: لا يجوز وصفه بأنه على العرش ولا في السماء5. # والدليل على ما قلناه قوله تعالى: {تنزيلا ممن خلق الأرض والسماوات العلى ~~الرحمن على العرش استوى} 6. PageV02P609 # وروى الحسن البصري عن أم أن سلمة - رضي الله عنها - زوج النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنها سئلت عن هذه الآية، فقالت: "الكيف غير معقول، والاستواء غير ~~مجهول، والإقرار إيمان والجحود به كفر"1. # وبعضهم ذكر أنها رفعته إلى النبي صلى الله عليه وسلم2. # ويدل على ما قلناه قوله تعالى: {إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح ~~يرفعه} 3. # وقوله تعالى: {بل رفعه الله إليه} 4. # وقوله تعالى: {يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج ms282 إليه} 5. # وقوله تعالى حكاية عن فرعون: {يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب ~~أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى} 6. # وقوله تعالى: {أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض} 7. والعرش فوق ~~السماء فلذلك قال: {أأمنتم من في السماء} 8. PageV02P610 # ويدل على ما قلناه قوله تعالى: {وهو القاهر فوق عباده} 1، وقوله تعالى ~~لعيسى عليه السلام: {إني متوفيك ورافعك إلي} 2، وقال تعالى: {بل رفعه الله ~~إليه} 3. # وروي عن معاوية بن الحكم السلمي قال: قلت يا رسول الله: إن لي جارية ترعى ~~غنيمات لي وأنا أطلعتها يوما اطلاعة، فوجدت ذئبا قد ذهب منها بشاة وأنا من ~~بني آدم أسف كما يأسفون فصككتها صكة، فعظم ذلك على النبي صلى الله عليه ~~وسلم، فقلت أفلا أعتقها، فقال: ادعها لي، فدعوتها فقال لها النبي صلى الله ~~عليه وسلم: "أين الله؟ "، قالت: الله في السماء، قال: فمن أنا، قالت: أنت ~~رسول الله، فقال: "اعتقها فإنها مؤمنة"4. # وروى أبو هريرة أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم بجارية سوداء ~~أعجمية، فقال: يا رسول الله: إن لي عتق رقبة مؤمنة، فقال لها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: أين الله؟، فأشارت بأصبعها السبابة إلى السماء فقال لها: ~~من أنا؟ فأشارت بأصبعها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى السماء، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اعتقها "5.وروى عقبة بن عامر قال: ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من توضأ فأحسن وضوءه، ثم رفع ~~نظره إلى السماء فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا ~~عبده ورسولهن فتحت له ثمانية أبواب PageV02P611 # الجنة يدخل من أي باب شاء "1. # وقال صلى الله عليه وسلم: "ارحم من في الأرض يرحمك من في السماء "2. # وروى أبو هريرة - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لما ~~قضى الله الخلق كتب في كتاب فهو عنده فوق العرش أن رحمتي غلبت غضبي"3. # وروى (جبير بن محمد بن) 4 جبير بن مطعم عن أبيه عن ms283 جده أنه قال: "إني ~~لعند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاءه أعرابي فقال يا رسول الله: جهدت ~~الأنعام وجاع العيال استسق لنا ربك فإنا نستشفع بالله عليك ونستشفع بك على ~~الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتدري ما تقول سبحان الله فما ~~زال يسبح حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه ثم قال: "ويحك إنه لا يستشفع بالله ~~على أحد شأن الله أعظم من ذلك إنه لفوق سمواته وهو على عرشه "5. ~~PageV02P612 # وروي عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه قال: "والذي نفس عمر بيده لو ~~أن أحدكم أشار إلى السماء بأصبعه إلى مشرك، ثم نزل إليه على ذلك ثم قتله ~~لقتلته به"1. # وروي عن عبد الله أنه قال: "ما بين السماء القصوى وبين الكرسي خمسمائة ~~سنة، وما بين الكرسي وبين الماء خمسمائة سنة، والعرش فوق الماء والله فوق ~~العرش، ولا يخفى عليه شيء من أعمال بني آدم"2. # وروي عن مجاهد أنه قال: "قيل لابن عباس إن ناسا يقولون بالقدر، فقال ~~يكذبون بالكتاب لئن أخذت شعر أحدهم لأنصونه3 إن الله على عرشه قبل أن يخلق ~~شيئا4، فخلق الخلق وكتب ما هو كائن إلى يوم PageV02P613 # القيامة، وإنما يجري الناس على أمر قد فرغ منه"1. # وروي أن رجلا جاء إلى مالك بن أنس فقال: يا أبا عبد الله، قال الله ~~تعالى: {الرحمن على العرش استوى} 2. فما رأى مالك وجد من شيء كوجده من ~~مقالته هذه وعلاه الرحضاء - يعني الورق - وأطرق مليا فسري عنه، وقال: ~~"الكيف غير معقول، والاستواء منه غير مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه ~~بدعة"3. # وسئل ربيعة عن قوله تعالى: {الرحمن على العرش استوى} كيف استوى؟ فقال: ~~"الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، ومن الله الرسالة، وعلى الرسول ~~البلاغ، وعلينا التصديق"4. # وروي عن أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من ~~اشتكى منكم شيئا أو اشتكى أخ له فليقل ربنا الله الذي في السماء تقدس اسمك ~~أمرك في السماء والأرض كما رحمتك في ms284 السماء اغفر لنا حوبنا وخطايانا رب ~~الطيبين أنزل رحمة من رحمتك وشفاء من شفائك على الوجع، فيبرأ" 5. ~~PageV02P614 # وروي أن حارثة قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أنا مؤمن حقا، فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: "إن لكل حق حقيقة فما حقيقة إيمانك؟ "، قال: ~~كأني بعرش ربي بارزا، وكأني بالخلائق قد حشروا لفضل القضاء، واستوى عندي ~~حجرها ومدرها فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "عرفت فالزم"1. # وروي عن ابن عباس - رضي الله عنه - أن عبد الله بن رواحة كان نائما مع ~~امرأته في الفراش، فقام إلى جارية له في جانب البيت فاتاها، فانتبهت زوجته ~~فطلبته فلم تجده، فقامت تطلبه فوجدته مع الجارية فرجعت وأخذت الشفرة ~~فتلقاها، فقال: ما هذه الشفرة التي معك فقالت: لو وجدتك في الموضع الذي ~~رأيتك فيه لوجأتك بها بين كتفيك، فقال: وأين كنت؟، قالت: مع الجارية، فقال: ~~ما كنت معها، فقالت: بلى. فقال: أليس قد نهى رسول الله صلى الله عليه سلم ~~الجنب عن القراءة؟، قالت: اقرأ فأنشدها: # شهدت بأن وعد الله حق ... وأن النار مثوى الكافرينا # وأن العرش فوق الماء طاف ... وفوق العرش رب العالمينا # وتحمله ملائكة شداد ... ملائكة الإله مسومينا # فقالت: صدق الله وكذب بصري، فغدى عبد الله بن رواحة على النبي ~~PageV02P615 # صلى الله عليه وسلم فأخبره بذلك كله، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى ~~بدت نواجذه وقال: "زوجتك أفقه منك"1. # ولقد قال أوس بن ثعلبة2 قبل الإسلام قصيدة فيها: # فإن تكن الأيام أبلين أعظمي ... وشيبن رأسي والمشيب مع العمر # فإن لنا ربا علا فوق عرشه ... عليما بما نأتي من الخير والشر # ولأن المسلمين مجمعون عند الدعاء على رفع أبصارهم وأكفهم إلى نحو السماء3 ~~فدل على صحة ما قلناه. # وروي عن عكرمة في قوله تعالى إخبارا عن إبليس {ثم لآتينهم من بين أيديهم ~~ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم} 4، قال ابن عباس: "ألم يستطع أن يقول ~~من فوقهم علم أن الله فوقهم"5. # ويقال لهم: إذا لم يكن الله فوق العرش بمعنى يختص بالعرش ms285 كما قال أصحاب ~~الحديث، وكان بكل مكان، فقولوا: إنه تحت الأرض والسماء PageV02P616 # فوقها فهو تحت التحت وأنه فوق الفوق والأشياء تحته وهذا متنقاض، فإن ~~احتجوا بقوله تعالى: {ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو ~~سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا} 1، وبقوله ~~تعالى: {وهو معكم أين ما كنتم} 2. # فالجواب: أن المراد بالآية {ما يكون من نجوى ثلاثة} أي من حديث بين ثلاثة ~~إلا هو رابعهم بالإحاطة والعلم لا في العدد لأنه واحد لا من عدد ولا واحد ~~في معناه3، وكذلك المعنى في قوله تعالى: {ولا خمسة إلا هو سادسهم} . إلى ~~قوله: {إلا هو معهم أين ما كانوا} ، يريد بالإحاطة والعلم لا بالذات ~~والحلول. # يدل على صحة هذا التأويل قوله تعالى: {ألم تر أن الله يعلم ما في ~~السماوات وما في الأرض ما يكون من نجوى ثلاثة} الآية.. إلى قوله: {إن الله ~~بكل شيء عليم} فبدأ الآية بالعلم وختمها بالعلم، فدل على أن المراد بذلك ~~كله الإخبار عن علمه وإحاطته بهم في جميع هذه الحالات4. # فإن احتجوا بقوله تعالى: {وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله} 5 فأخبر ~~أنه إله بكل واحد منهما. PageV02P617 # فالجواب أن المراد بالآية أنه عند أهل السماء إله وعند أهل الأرض إله1 ~~كما يقال: فلان نبيل مطاع في العراق ونبيل مطاع في الحجاز، يعنون أنه نبيل ~~مطاع فيهما وليس يعنون أن ذاته في العراق وفي الحجاز. # فإن احتجوا بقوله تعالى: {إن الله مع الذين اتقوا} 2 وبقوله تعالى: {إنني ~~معكما أسمع وأرى} 3. # فالجواب: أن المراد على أنه أراد بالحفظ والرعاية والنصر والتأييد مع ~~الذين اتقوا ومع المحسنين ومع موسى وهارون صلى الله عليه ةسلم، فلا يقاس ~~على هذا أنه مع الفساق والكفار4، ولا مع الكلاب والخنازير تعالى الله عن ~~ذلك علوا كبيرا5. PageV02P618 # وتأولت المعتزلة ومن تابعهم فول الله سبحانه: {الرحمن على العرش استوى} ~~على أن الاستواء هو الاستيلاء والقهر بقول الشاعر: # قد استوى بشر على ms286 العراق ... من غير سيف ولا دم مهراق1 # والجواب: أنه لا يقال هذا إلا لمن كان عاجزا عن قهر شيء ثم قهره ~~PageV02P619 # واستولى عليه والله سبحانه قاهر ومستول على كل شيء. # وروي أن رجلا سأل ابن الأعرابي1 ما معناه قوله: {الرحمن على العرش استوى} ~~فقال: "هو على عرشه كما أخبر، فقال: يا أبا عبد الله ليس هذا معناه2 ~~استولى؟ فقال: اسكت ما أنت وهذا3 ولا يقال استولى على الشيء أو يكون له فيه ~~مضاد فإذا غلب أحدهما على الآخر قيل استولى أما سمعت قول النابغة: # إلا لمثلك أو من أنت سابقه سبق الجواد إذا استولى على الأمد4 # ولو كان ما ذكره صحيحا لجاز أن يقال: إن الله مستو على الحشوش والأمكنة ~~التي يرغب عن ذكرها لأنه مستول عليها، ولو كان كذلك لم يكن لذكره للعرش ~~معنى. # وأما الأشعرية فقالوا: إذا قلتم إنه على العرش أفضى إلى أنه يكون محدودا ~~أو أنه يفتقر إلى مكان وجهة تحيط به وتعالى الله عن ذلك5. PageV02P620 # والجواب: أنا وإن قلنا إنه على العرش كما أخبر بكتابه وأخبر به نبيه صلى ~~الله عليه وسلم فلا نقول إنه محدود، ولا إنه يفتقر إلى مكان، ولا تحيط به ~~جهة ولا مكان، بل كان ولا مكان ولا زمان ثم خلق المكان والزمان، واستوى على ~~العرش # PageV02P621 # بلا كيفية، ولم يخلق العرش لحاجة، بل كما حكي عن ذي النون المصري1 لما ~~قيل له: ما أراد الله بخلق العرش؟ فقال: أراد الله أن لا تتيه قلوب ~~العارفين ولم يخلقه لحاجته إليه، فإذا قيل للعبد المؤمن أين الله؟ قال: على ~~العرش2، وقد صرح القاضي أبو بكر الباقلاني الأشعري 3 في التمهيد بالقول في ~~هذه المسألة كما قال أصحاب الحديث4. # وأما الغزالي فخالفهم في الاقتصاد وقال: "أما رفع الأيدي في الدعاء إلى ~~السماء فلأنها قبلة الدعاء كما أن البيت قبلة الصلاة"5. PageV02P622 # وهذا تمويه منه ومعاندة لما ورد به القرآن والسنة، وما عليه العلماء من ~~الصحابة والتابعين. # وأما قوله: "إن السماء قبلة الدعاء"، فيقال له1: لو ms287 كان هذا كما قلت لم ~~يصح الدعاء إلا لمن توجه بيديه إلى السماء كما لا تصح الصلاة إلا لمن توجه ~~إلى الكعبة2،3. # ثم قال: "ولما حكم النبي صلى الله عليه وسلم بإيمان الجارية لما أشارت ~~إلى السماء فلأنه لا سبيل للأخرس إلى تفهم علو المرتبة إلا بإشارة إلى جهة ~~العلو، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يظن أنها من عبدة الأوثان فاستنطقت ~~بمعبودها"4. # فعرفت بالإشارة إلى السماء أن معبودها ليس من الأصنام5، وهذا غير ~~PageV02P623 # صحيح لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: أين الله فأشارت إلى السماء، ~~فأقرها النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك، فلو كان لا يجوز أن يقال: إن ~~الله في السماء لبين لها النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه لا يجوز له ~~الإقرار على الخطأ، لا سيما وكان ذلك بحضور جماعة من الناس، أو لو كان هذا ~~لكونها عجمية لبين النبي صلى الله عليه وسلم ذلك لمن حضر مع أنه كان يمكنه ~~صلى الله عليه وسلم أن يسأل من تعبد. # وكيف يصح هذا التأويل، وقد روى أبو داود في سننه أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: "إن ما بين سماء إلى سماء مسيرة كذا حتى ذكر سبع سموات، وفوق ذلك ~~بحر ما بين أعلاه وأسفله مثل ما بين سماء إلى سماء، وفوق ذلك ثمانية أوعال ~~كواهلهم تحت العرش وأقدامهن تحت الأرض السابعة السفلى وفوق ذلك العرش والله ~~سبحانه فوق ذلك " PageV02P624 # والطرق في الرواية والأخبار بذلك1 مشهورة ولا تبطل بتأويل من تأولها ولا ~~برد من ردها. PageV02P625 ### | 103- # فصل # قد ذكرنا أن في الكتاب والسنة صفات لله نؤمن بها كما جاءت ولا نفسرها1 ~~منها قوله تعالى: {ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام} 2، وقوله تعالى: {كل ~~شيء هالك إلا وجهه} 3، 4، وقوله تعالى: {لما خلقت بيدي أستكبرت} 5، وقال ~~سبحانه: {بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء} 6، وقال: {يد الله فوق أيديهم} ~~7، وقال: {والسماوات مطويات بيمينه} 8,9 # 1 تقدم هذا أول الكتاب ص 99 وتقدم التعليق على قوله: "ولا نفسرها". ~~PageV02P626 # وقال ms288 سبحانه: {تجري بأعيننا} 1، وقال: {واصنع الفلك بأعيننا} 2،3. # وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله خلق آدم على صورته ~~"4،5. PageV02P627 # مفقودة # PageV02P628 # وروي عن أبي موسى أنه قال: " قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بأربع كلمات فقال: "إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ~~ويرفعه ويرفع1 إليه عمل الليل قبل عمل النهار وعمل النهار قبل عمل الليل ~~حجابه النور لو كشفها2 لأحرقت سبحات وجهه كل شيء أدركه بصره" 3،4. # وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إذا قاتل أحدكم أخاه ~~فليجتنب الوجه فإن الله خلق آدم على صورته"، أخرجه مسلم5. PageV02P629 # وروى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا تقبحوا الوجه فإن ~~الله خلق آدم على صورته" 1. # وروى أبو هريرة - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "احتج ~~آدم وموسى، فقال موسى: يا آدم أنت أبونا خيبتنا وأخرجتنا من الجنة، قال له ~~آدم: أنت PageV02P630 # موسى اصطفاك الله بكلامه وخط لك التوراة بيده، وتلومني على أمر قدره الله ~~علي قبل أن يخلقني بأربعين سنة فحج آدم موسى " أخرجه البخاري ومسلم1. # وروى أبو موسى - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن ~~الله يبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، ويبسط يده بالليل ليتوب مسيء ~~النهار حتى تطلع الشمس من مغربها " أخرجه مسلم2. # وروى ابن عمر - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أول3 ~~شيء خلقه الله القلم فأخذه بيمينه وكلتا يديه يمين قال: فكتب الدنيا وما ~~يكون فيها من عمل معمول بر أو فجور رطب أو يابس فأحصاه عنده في الذكر، ~~وقال: اقرأوا إن شئتم {هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق إنا كنا نستنسخ ما كنتم ~~تعملون} " 4، 5. # وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " يقبض الله الأرض يوم القيامة ~~ويطوي السموات بيمينه يقول: أنا الملك "6. PageV02P631 # وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة ~~إلى ms289 السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول من يدعوني1 فأستجيب له، ~~من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له2، حتى يطلع الفجر"3. PageV02P632 # وأخبار الصفات من هذا كثيرة، والمعتزلة والأشعرية يردون شيئا منها، ومنها ~~ما يتأولونه. # ومذهب السلف والعلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من أئمة الأعصار ~~كمالك والشافعي وأحمد بن حنبل ينزهون الله عن الجسمية1 والتصديق بما ورد من ~~هذه الآي والأخبار والسكوت عن تفسيرها والاعتراف بالعجز عن علم المراد ~~بذلك2، والتسليم والإيمان بذلك إيمانا جمليا كما آمنا وصدقنا بإثبات الذات ~~من غير تكييف، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أعلم بما يجوز على الله من ~~الصفات، وكذلك الصحابة - رضي الله عنهم -، فإذا سكتوا عن تفسير هذه الصفات ~~وتأويلها وسعنا ما وسعهم3 قال الله تعالى: {وما PageV02P633 # آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} 1. # وقال الله تعالى: {وما أوتيتم من العلم إلا قليلا} 2. # وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "اتبعوا ولا تبتدعوا فإنما أهلك من كان ~~قبلكم لما ابتدعوا في دينهم وتركوا سنن أنبيائهم وقالوا بآرائهم فضلوا ~~وأضلوا "3. # فإن قال قائل: فلم تأولتم قول الله تعالى: {ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو ~~رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم} 4 الآية. # قلنا له: لأن القرآن يعاضد بعضه بعضا ولا يتناقض، وقد أخبر الله تعالى ~~أنه على العرش استوى، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم فعلمنا أن هناك معنى ~~يختص به العرش دونه5، فقلنا هو على العرش استوى. ولا نكيف الاستواء ولا ~~نفسره بل نصدق به ونؤمن به إيمانا مجملا، وأنه تعالى الله أن يكون في ~~الحشوش والأمكنة الدنيئة فنزهناه عنها، وحملنا هذه الآية على الإحاطة ~~والعلم لذكره العلم في ابتداء الآية وآخرها، كما حملنا قوله تعالى لموسى ~~وهارون: {إنني معكما أسمع وأرى} 6 على النصر والتأييد وإن كان يسمع كلام ~~PageV02P634 # فرعون ويراه كما يسمع كلامهما ويراهما1، وليس كذلك هذه الآيات والأخبار ~~التي وردت بصفات الذات فإن العقول تقصر عن معرفة المراد بها2 فلزمنا ~~بالضرورة التصديق بها والإمساك عنها. PageV02P635 ### | 104- # فصل # وقد1 ذكرنا ms290 أن المؤمنين يرون الله يوم القيامة بأبصارهم ولا يراه ~~الكفار2. # وقالت السالمية: "يراه المسلمون والكفار"3. PageV02P636 # وقالت المعتزلة: "لا يجوز وصف الله بأنه يرى"1. # وقالت الأشعرية: "المؤمنون يرونه ولكن لا يرونه عن مقابلة"2. # ودليلنا قوله تعالى: {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} 3، قال أنس بن مالك: ~~سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن معنى هذه الآية فقال: "للذين أحسنوا ~~العمل في الدنيا الحسنى وهي الجنة والزيادة النظر إلى وجه الله تعالى "4. ~~PageV02P637 # وروي عن صهيب أنه قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: {للذين أحسنوا ~~الحسنى وزيادة} فقال: "إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار نادى مناد ~~يا أهل الجنة إن لكم عند الله موعدا يريدون أن ينجزكموه. يقولون: ما هو، ~~ألم يثقل موازيننا ويبيض وجوهنا ويدخلنا الجنة ويجرنا من النار، فيكشف ~~الحجاب فينظرون إلى الله فما شيء أعطوا أحب إليهم من النظر إليه وهي ~~الزيادة "، أخرجه مسلم في صحيحه1. # وكذلك روى أبي بن كعب2 وكعب بن عجرة3 وأبو موسى الأشعري4 عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم في تفسير هذه الآية. PageV02P638 # ومن الدليل على ما قلناه قوله تعالى: {وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة} ~~1. # فقوله: "ناضرة" أي حسنة مشرقة يعلوها النور كقوله تعالى: {وجوه يومئذ ~~مسفرة ضاحكة مستبشرة} 2، قال محمد بن كعب القرظي: "نضر الله تلك الوجوه ~~للنظر إليه"3. # وروى عطية4 عن ابن عباس في قوله تعالى: {وجوه يومئذ ناضرة} قال: "يعني ~~حسنة"، {إلى ربها ناظرة} قال: "نظرت إلى الخالق عزوجل"5. # وقال الحسن البصري: "نظرت إلى ربها فنضرت لنوره"6. # فهذا قول المفسرين في تفسير هذه الآية. # ويدل على ذلك من المعنى أن النظر إذا قرن بالوجه وصفه بالنضارة علم أنه ~~أراد به الجارحة الذي فيه7 العينان وعدى ذلك بحرف جر، فانصرف PageV02P639 # ذلك إلى رؤية البصر، وصار كقوله تعالى: {فانظر1 إلى طعامك وشرابك لم ~~يتسنه} 2 أي انظر بعينك، وصار كقول الشاعر: # انظر إلي بوجه لا خفاء به ... أريك تاجا على سادات عدنان3 # وكل نظر لم يعده بحرف جر ولا قرنه بالوجه ms291 فإنه لا يقتضي نظر العين، وهذا ~~كقوله تعالى: {فناظرة بم يرجع المرسلون} 4، كذلك قوله تعالى: {ما ينظرون ~~إلا صيحة واحدة} 5، فإنه يريد بذلك الانتظار دون نظر العين، ولا يجوز حمل ~~الآية على الانتظار، لأن أهل الجنة فيما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر ~~على قلب بشر، فلا يجوز أن يحمل أمرهم على الانتظار، لأنهم كلما خطر ببالهم ~~أتاهم من الله. # وأما النظر في قوله تعالى: {أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت} 6. فإنه ~~أراد به الاعتبار، ولا يجوز أن يحمل النظر هاهنا عليه، لأن الآخرة ليست ~~بدار اعتبار. # وأما النظر في قول الله: {ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم} 7، فإنه أراد ~~به التعطف والرحمة، فلا يحمل النظر في الآية على هذا، لأن المؤمنين في ~~الجنة لا يوصفون بالرحمة لربهم فثبت أنه أراد النظر بالعين8. PageV02P640 # ويدل على ما قلناه: أن الله وصف المشركين ثم قال: {كلا إنهم عن ربهم ~~يومئذ لمحجوبون} 1، وهذا يبطل قول السالمية2. # ويدل على أن المؤمنين عن ربهم غير محجوبين، إذ لو كانوا عنه محجوبين لما ~~كان لوصف المشركين بذلك معنى. قال الحسن البصري: "إذا كان يوم القيامة برز ~~ربنا تبارك وتعالى فيراه الخلق ويحجب الكفار فلا يرونه، وهو قوله تعالى: ~~{كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون} "3. # وقال رجل لمالك: يا أبا عبد الله هل يرى المؤمنون ربهم يوم القيامة؟ قال: ~~"لو لم ير المؤمنون ربهم يوم القيامة لم يعبر الله الكفار بالحجاب فقال: ~~{كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون} " 4 وكذلك روي عن الشافعي - رحمه الله ~~-5. # يدل على ما قلناه ما روى علي بن أبي طالب وأنس بن مالك أنهما فسرا قوله ~~تعالى: {ولدينا مزيد} 6، قالا: "يظهر الرب لهم يوم القيامة"7. # ويدل على ما قلناه قوله تعالى: {ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب ~~أرني أنظر إليك} 8، وذلك أن موسى عليه السلام لما سمع كلام الله اشتاق ~~PageV02P641 # إلى رؤيته فسأل الرؤية، فلو كانت رؤية الله مستحيلة لما سألها موسى عليه ~~الصلاة والسلام. فقال: {لن تراني} ms292 في الدنيا ولا تطيق1 عليها في الدنيا، ~~وإنما منعه الله إياها في الدنيا لمعان: # أحدها: أن النظر الذي في عينه خلقه الله للفناء فلا ينظر به إلى الله ~~الذي هو باق ولا يفنى. # والثاني: أن الدنيا دار تكليف فمعرفة الخلق له إنما هي عن غيب ليكون لهم ~~الثواب لا معرفة ضرورية2. # والثالث: أن رؤية الله تعالى من أجل النعم التي ادخرها الله لأهل الجنة ~~في الآخرة فلم يعطها أحدا في الدنيا. # ولا يجوز أن يكون المراد بقوله تعالى: {لن تراني} من3 رؤيته في الدنيا ~~والآخرة، لأنه لو أراد ذلك لقال: "لا تراني"، ولأنه لو كان سؤال موسى ~~مستحيلا لأخبره الله بذلك وقال: لا تسألن عما ليس لك به علم، كما قال لنوح ~~عليه السلام: {فلا تسألن ما ليس لك به علم} 4، ولنهى موسى عن ذلك. # ثم قال الله لموسى: {ولكن انظر إلى الجبل} أي اجعل الجبل علما بيني وبينك ~~لأنه أقوى منك، فإن استقر مكانه فسوف تراني، وإن لم يستقر الجبل مكانه لن ~~تطيق رؤيتي في الدنيا. # وفي قوله تعالى: {فإن استقر مكانه فسوف تراني} دليل على جواز رؤية ~~PageV02P642 # الله سبحانه لأن الله قادر على أن يقر الجبل مكانه1. # {فلما تجلى ربه للجبل} فقيل: إن الله رفع الجبل الآفة المانعة له من ~~النظر وأحياه وخلق فيه الإدراك2، وتجلى الله للجبل، أي رفع الله الحجاب3 ~~{جعله دكا} يعني قطعا ستة أجبل ثلاثة بمكة: ثبير، وغار ثور، وحراء، وثلاثة ~~بالمدينة: رضوى، وورقان، وأحد4. PageV02P643 # وأراد الله بهذا إعلام موسى أن أحدا لا يراه في الدنيا إلا لحقه ما لحق ~~الجبل، فلما رأى موسى تدكك الجبل خر صعقا أي مغشيا عليه1، وقيل ميتا2، فلما ~~أفاق قيل من غشيته، وقيل: ردت عليه نفسه، قال: {سبحانك} كلمة تنزيه لله ~~وإجلال له {تبت إليك} أي من سؤالي الرؤية في الدنيا3 لهول ما أصابني لا ~~لأنها مستحيلة ولا لأني عاص بسؤالي، كما يقول القائل: تبت إليك من ركوب ~~البحر، ومن تكليم فلان ومعاملته، وإن كان ذلك كله مباحا، ms293 ويحتمل أن يكون ~~سؤاله الرؤية ذكرته ذنوبا قد كان تاب منها فجدد التوبة منها عند ذكرها لهول ~~ما رأى، كما يسارع الناس إلى التوبة عند مشاهدة الأهوال4. # وقوله: {وأنا أول المؤمنين} يعني أول المصدقين من هذه الأمة أنك لا ترى ~~في الدنيا5، وقال الحسن: "أنا أول المؤمنين بك لأنه أول من آمن في زمانه"6. # ومن الدليل على ما قلناه قوله تعالى: {هو الذي يصلي عليكم وملائكته ~~ليخرجكم من الظلمات إلى النور وكان بالمؤمنين رحيما تحيتهم يوم يلقونه ~~سلام} 7، أي ما يحيون به سلام، ومثله {ويلقون فيها تحية وسلاما} 8 ~~PageV02P644 # وموضع الحجة من الآية قوله: {يوم يلقونه} واللقاء في اللغة لا يكون إلا ~~بالمعاينة يراهم الله ويرونه ويسلم عليهم ويكلمهم ويكلمونه1. # ويدل على ما قلناه ما روى جرير بن عبد الله البجلي قال: كنا عند رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ليلة فنظر إلى القمر ليلة البدر فقال: "إنكم ~~ستعرضون على ربكم عزوجل فترونه كما ترون هذا القمر لا تضارون في رؤيته، فإن ~~استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا "2. # وروى أبو هريرة - رضي الله عنه - أن أناسا قالوا يا رسول الله: هل نرى ~~ربنا يوم القيامة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هل تضامون في رؤية ~~الشمس ليس دونها سحاب" قالوا: لا، قال: " فإنكم ترونه كذلك"3. # وروي مثل ذلك عن أبي سعيد الخدري4 وغيره من الصحابة - رضي الله عنهم -5. # وعن صهيب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا دخل أهل الجنة ~~الجنة نودوا PageV02P645 # يا أهل الجنة: إن لكم عند الله موعدا لم تروه قال: فيقولون ما هو؟ ألم ~~يبيض وجوهنا ويزحزحنا1 عن النار ويدخلنا الجنة، قال: فيكشف الحجاب فينظرون ~~إلى الله ما أعطاهم شيئا هو أحب إليهم مما هم فيه ثم قرأ {للذين أحسنوا ~~الحسنى وزيادة} 2. # وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " اللهم ارزقني لذاذة النظر إلى ~~وجهك" 3. ولا يسأل النبي صلى الله عليه وسلم مستحيلا. # وروي عن علي بن أبي ms294 طالب - رضي الله عنه - قال: "من تمام النعمة دخول ~~الجنة والنظر إلى وجه الله تعالى في جنته"4. PageV02P646 # وفي هذا من الأخبار الثابتة في الصحاح ما لو ذكرتها لطال الكتاب بذكرها. # ويدل على ذلك من جهة العقل أن الله تعالى موجود، وإنما يخالف الموجود ~~الموجودات في استحالة كونه حادثا أو موصوفا بما يدل على الحوادث، فلما صح ~~أنه يوصف بأنه معلوم صح بأن يوصف1 بأنه مرئي2. # إن قيل: لو كان مرئيا لرأيناه في الدنيا، قلناك لا يلزم، ألا ترى أن ملك ~~الموت يراه المحتضر ولا يراه من عنده، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يرى ~~جبريل عليه السلام ولا يراه أحد ممن يحضره من الصحابة - رضي الله عنهم -. # فإن قالوا: لو كان مرئيا لكان جسما أو جوهرا أو عرضا، لأنه لا ترى إلا ~~الجواهر والأجسام. قلنا: فقد اتفقنا أنه معلوم وإن كان في الشاهد لا يعلم ~~إلا الجواهر والأجسام والأعراض. # وأما الدليل على إبطال قول الأشعرية فهو: أن الشرع ورد بثبوت الرؤية لله ~~تعالى بالأبصار فحمل ذلك على الرؤية المعهودة، وهو ما كان عن مقابلة، بدليل ~~قوله صلى الله عليه وسلم: "كما ترون القمر ليلة البدر "3 ولا يقتضي ذلك ~~تحديدا ولا تجسيما لله، كما لا يقتضي العلم به تحديدا له4 ولا تجسيما. # وإن قالوا: إن الرؤية لا تختص بالأبصار5، رجعوا إلى قول المعتزلة، في نفي ~~الرؤية، وأن المراد بالرؤية العلم به علما ضروريا6، وقد حكي عن PageV02P647 # بعض متأخري الأشعرية أنه قال: لولا الحياء من مخالفة شيوخنا لقلت إن ~~الرؤية العلم لا غير1. # وهكذا قالوا في سماع موسى لكلام الله أنه لا يختص الأذن، وإذا لم يختص ~~الأذن رجع إلى معنى العلم. # وأقوال الأشعرية مثبتة على أصول المعتزلة لأن أبا الحسن كان معتزليا2. # واستدلت المعتزلة على نفي الرؤية لله سبحانه بقوله تعالى: {لا تدركه ~~الأبصار وهو يدرك الأبصار} 3، فنفى أن تدركه الأبصار وهو عام4. # والجواب: أنه إنما نفى الإدراك، والإدراك الإحاطة بدليل قوله تعالى: {إنا ~~لمدركون} 5. أي أنا لمحاط بنا، وكذلك ms295 قوله تعالى: {لا تخاف دركا ولا تخشى} ~~6، ومعلوم أنه لم يخف الرؤية وإنما خاف الإحاطة، ويحتمل أنه أراد نفي ~~الرؤية في الدنيا لأن الرؤية، إليه7 أفضل اللذات، فلا تكون إلا في أفضل ~~الدارين بدليل ما ذكرنا من الآيات والأخبار لأن الخاص يقدم على العام8. ~~PageV02P648 # ثم استدلوا بقول الله تعالى: {يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من ~~السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة} 1، فلولا أن ~~رؤية الله مستحيلة لما أنكر الله عليهم سؤالهم الرؤية2. # والجواب أن يقال: إن الله لم ينكر عليهم سؤالهم الرؤية لأنها مستحيلة، ~~وإنما أنكر عليهم سؤالهم ذلك على وجه التكذيب له لكونه نبيا، وأنهم لا ~~يؤمنون به حتى يروه ويعاينوه جهرة في الدنيا، ألا ترى أن الله أنكر على من ~~سأل النبي صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب3 نزول الكتاب معه، وأنكر على ~~من قال: {وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا أو تكون لك4 جنة ~~من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا أو تسقط السماء كما زعمت علينا ~~كسفا} PageV02P649 # إلى قوله: {أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى ~~تنزل علينا كتابا نقرأه} 1. # ومعلون أن نزول الكتاب وتفجير الأنهار وكون الجنة من النخيل والعنب معه ~~وغير ذلك مما سألوه ليس بمستحيل، وإنما سألوا ذلك على وجه التعنت، وأخبر ~~الله سبحانه أنه لو فعل لهم لم يؤمنوا بقوله: {ولو نزلنا عليك كتابا في ~~قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين} 2 وذلك لعلم ~~الله وقضائه السابق فيهم. PageV02P650 ### | 105- # فصل # وعند أهل الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم أسرى به في اليقظة لا في ~~المنام من المسجد الحرام1 أي الحرام، وقيل: أسرى به من بيت خديجة بنت ~~خويلد، وقيل: من بيت أم هانئ بنت أبي طالب، وقيل: من بين زمزم والمقام إلى ~~بيت المقدس وركب البراق، ثم عرج به إلى السماء حتى بلغ سدرة المنتهى ورأى ~~ربه. # واختلفت ms296 الرواية عن الصحابة - رضي الله عنهم -، فروي عن ابن عباس –رضي ~~الله عنه- أنه قال: "رأى ربه بعيني رأسه". وروي عن أبي ذر وعائشة - رضي ~~الله عنهما - أنهما قالا رآه بعيني قلبه2، وقد أنكر المعتزلة والقدرية ~~الإسراء، وقالوا إنما كان ذلك رؤية في المنام3، والقرآن والروايات تبطل ~~PageV02P651 # قولهم، قال الله تعالى: {سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام ~~إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا} 1. PageV02P652 # وروى حديث الإسراء جماعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، منهم: أبي ~~بن كعب1، وأبو ذر2، وأبو سعيد الخدري3، وأنس4، وصهيب5، وحذيفة6، وعثمان7، ~~ومالك بن صعصعة8، وابن مسعود9، وابن عباس10، وأبو الحمراء11، وعلي12، ~~وعائشة13، وأم هانئ14، PageV02P653 # وأبوحنة الأنصاري1، وعمرو بن العاص2، وسمرة بن جندب3، وبريدة الأسلمي4، ~~وجابر بن عبد الله5، وأبو هريرة6، وعبد الله بن الحارث7. # ولا ينكر ذلك إلا من ينكر القرآن والأخبار الواردة فيه. # ومن الدليل على ما ذكرناه قوله تعالى: {إن هو إلا وحي يوحى علمه شديد ~~القوى ذو مرة فاستوى وهو بالأفق الأعلى وهو بالأفق الأعلى} 8 -يعني جبريل ~~عليه السلام9- {فأوحى إلى عبده ما أوحى ما كذب الفؤاد ما رأى} و {ما كذب ~~الفؤاد} بتشديد الذال في كذب، وقيل: معناه ما كذب الفؤاد ما رآه بعيني ~~PageV02P654 # رأسه، ومن قرأ {ما كذب الفؤاد} بالتخفيف قيل معناه ما كذب الفؤاد ما رأى ~~بعيني قلبه1. # وروي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه قال: "رأى محمد ربه مرة بقلبه ~~ومرة ببصره". فسمع ذلك كعب الأحبار، فقال: "أشهد بالله إن هذا لفي التوراة، ~~وأن الله فسم كلامه ورؤيته بين موسى وبين محمد صلى الله عليه وسلم، موسى ~~سمع كلام الله مرتين، ومحمد صلى الله عليه وسلم رأى ربه مرتين "2. # وأما عائشة - رضي الله عنها -، فروي عنها أنها أنكرت ذلك وقالت: "ثلاث من ~~قال واحدة منهم فقد أعظم على الله الفرية، من قال: إنه يدري ما يكون في غد ~~قال الله تعالى: {وما تدري نفس ماذا تكسب غدا} 3، ومن زعم أن محمدا كتم ms297 ~~شيئا من الوحي فقد أعظم على الله الفرية والله يقول: {يا أيها الرسول بلغ ~~ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته} 4، ومن زعم أن محمدا رأى ~~ربه فقد أعظم على الله الفرية، قال الله تعالى: {وما كان لبشر أن يكلمه ~~الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل PageV02P655 # رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء} 1، فقيل لها يا أم المؤمنين: ألم يقل الله: ~~{ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى} 2، وقال: {رآه بالأفق المبين} 3، ~~قالت: أنا سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك قال: " رأيت جبريل ~~عليه السلام سادا الأفق على خلقته وهيئته التي خلق عليها فيها"4. # فهذا اختلاف الصحابة في جواز الرؤية عليه في الدنيا5. PageV02P656 # وأما رؤية أهل الجنة له في الآخرة فلم يختلفوا بل الرواة لذلك لا ينحصر ~~عددهم، ولو كان الإسراء به مناما لم يكن للنبي صلى الله عليه وسلم فيه ~~فضيلة، ولما أخبر الله أنه أسري به بل كان يقول بروحه. # PageV02P657 ### | المجلد الثالث ### | تابع: النص المحقق # ... # 106 فصل # وعندنا أن الجنة والنار مخلوقتان1، وأن الجنة في السماء والنار تحت ~~الأرضين2. PageV03P658 # وأنكرت المعتزلة أنهما مخلوقتان1، دليلنا قوله تعالى: {وقلنا يا آدم اسكن ~~أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما} إلى قوله: {فأزلهما2 الشيطان ~~عنها فأخرجهما مما كانا فيه} 3. # وقوله تعالى: {وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى فقلنا ~~يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى} 4. # وقال الله لإبليس: {فاخرج5 منها فإنك رجيم} 6 فأخبر الله سبحانه أنه أخرج ~~آدم وحواء من الجنة، ثم تاب عليهما ووعدهما أن يردهما إلى الجنة، وأخبر أنه ~~أهبط إبليس وأخرجه من الجنة، وأنه لعنه وآيسه من الرجوع إليها. # وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى: {فتلقى آدم من ربه كلمات ~~فتاب عليه} 7 قال: أي رب لألم تخلقني؟ قال: بلى، قال: أي رب ألم تنفخ في من ~~روحك؟ قال: بلى، قال: أي رب ألم تسبق رحمتك ms298 إلي قبل غضبك؟ قال: بلى، قال: ~~أي رب ألم تسكني جنتك؟ قال: بلى، قال: رب أرأيت إن تبت وأصلحت أراجعي أنت ~~إلى الجنة؟ قال: نعم"8. # فأما آدم فسأل التوبة فتيب عليه، وأم إبليس فسأل النظرة فانظر. ~~PageV03P659 # ربه {ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين} 1. # وروي عن عبيد2 بن عمير3 قال " قال آدم وذكر خطيئته فقال: رب أرأيت معصيتي ~~التي عصيت أشيء كتبته علي قبل أن تخلقني أم شيء ابتدعته من نفسي؟ قال: بل ~~شيء كتبته عليك قبل أن أخلقك، قال فكما كتبته علي فاغفر لي "4.وروي عن حسان ~~بن عطية5 قال: " بكى آدم على خطيئته ستين عاما وعلى ابنه حين قتل أربعين ~~عاما6، فقيل له في بكائه على خطيئته فقال: أبكي على جوار ربي في دار تربتها ~~طيبة أسمع فيها أصوات الملائكة "7 8. # وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لما خلق ~~الله الجنة PageV03P660 # أرسل جبريل إليها فقال: انظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها، فرجع إليه ~~فقال: وعزتك لا يسمع بها أحد إلا دخلها، قال: فحفت بالمكاره، فقال: اذهب ~~فانظر فنظرها ورجع وقال: وعزتك لقد حبست ألا يدخلها أحد, ولما خلق الله ~~النار وما وأعد الله لأهلها فيها قال لجبريل: اذهب إليها فانظرها فنظر ~~إليها فإذا هي تركب بعضها بعضا فرجع وقال: وعزتك لا يسمع بها أحد فيدخلها، ~~فأمر الله فحفت بالشهوات، ثم قال له انظر إليها فنظر إليها فقال: وعزتك لقد ~~خشيت ألا ينجو منها أحد "1. # وقال صلى الله عليه وسلم: " اطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء "2، ~~فقالت امرأة لم يا رسول الله؟ قال: إنكن تكثرن اللعن وتكفرن العشير"3. # والعشير الزوج. وروى أبو هريرة رضي الله عنه قال: " كنا عند رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إذ سمعنا وجبة فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~أتدرون ما هذا، قلنا: الله ورسوله أعلم PageV03P661 # قال: هذا حجر أرسل في جهنم منذ سبعين خريفا الآن حين انتهى قعرها"1. # وروي ms299 أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أوقد على النار ألف عام فاحمرت، ~~وأوقد عليها ألف عام فابيضت، وأوقد عليها ألف عام فاسودت فهي سوداء مظلمة ~~"2، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ناركم هذه التي يوقد بنو آدم جزء من ~~سبعين جزءا من نار جنهم، فقيل: والله يا رسول الله إن كانت لكافية، فقال: ~~إنها فضلت3 بتسعة وستين4 جزءا كلها مثل حرها "5. # ويدل على ما قلنا قوله تعالى: {وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها ~~السماوات والأرض أعدت للمتقين} 6. # والمعد في اللغة لا يكون إلا حاضرا موجودا، ومن زعم أن المعد بمعنى يعد ~~غير صحيح، لأن هذا مجاز فلا تترك له الحقيقة. # وأما قوله: {عرضها السماوات والأرض} يعني سعتها وإنما ذكر الله هذا ~~تمثيلا للعباد بما يعقلونه ويفهمونه، والعادة أن العرض دون الطول، فإذا كان ~~PageV03P662 # العرض على هذا فالطول أكثر، قال الشاعر: # كأن بلاد الله وهي عريضة ... على الخائف المذعور كفة1حابل # وروى طارق بن شهاب2 أن اليهود قالوا لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: " ~~تقولون جنة عرضها السموات والأرض فأين تكون النار؟ فقال لهم عمر: أرأيتم ~~إذا جاء النهار فأين يكون الليل، وإذا جاء الليل فأين يكون النهار - يريد ~~لذلك حيث يشاء الله - فقالوا: لقد برعت3 بما في التوراة "4. # ويدل على ما قلناه قوله تعالى: {قيل ادخل الجنة قال يا ليت قومي يعلمون ~~بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين} 5، ومعلوم أنه لم يتمن قومه بذلك إلا ~~لكونهم في الدنيا، ويدل على ما قلناه قوله تعالى: {فاتقوا النار التي ~~وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين} 6، والمعد: المستعد المهيأ7. # وعن حسان بن عطية8 قال: " الأرض التي تحت هذه فيها حجارة أهل النار "9. ~~PageV03P663 # قال ابن مسعود: "حجارة النار حجارة من كبريت يجعلها كيف يشاء"1، وذكر أهل ~~التفسير أن موسى صلى الله عليه وسلم ذكر الله له في الهاوية فيها حجارة ~~توقد منذ استويت على عرش أعدت لكل جبار عنيد ولمن حلف باسمي كاذبا، قال: ~~وما تلك الحجارة؟ قال: كبريت في النار عليها مستقر ms300 قدمي فرعون، قال: رب وما ~~الكبريت؟ قال: غضبي وعزتي لو قطرت منها قطرة في بحور الدنيا لأخمدت كل بحر ~~ولهدت كل جبل ولسعت2 الأرضين من حرها"3. # وفي بعض الأخبار: "أن الحجر يتعلق في عنق الكفار فإذا اشتعل بالنار أحرق ~~وجهه وفروة رأسه وهو أشد العذاب"4. # أعوذ بالله وأستجير به منها ونسأله الحنة. # وروى أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من سأل الله الجن ثلاث مرات ~~قالت الجنة: اللهم أدخله الجنة، ومن استجار بالله من النار ثلاث مرات قالت ~~النار: اللهم أجره من النار"5. # وروى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله خلق الجنة ~~بيضاء وإن أحب PageV03P664 # الزي إلى الله البياض فلبسوه أحياءكم وكفنوا به موتاكم"1. PageV03P665 ### | 107 - # فصل # ومذهب أهل السنة أن الموحدين لا يكفرون بفعل شيء من المعاصي الصغائر ~~والكبائر، وإذا عملوا الكبائر وتابوا لم تضرهم وإن ماتوا قبل التوبة منها ~~فأمرهم إلى الله إن شاء عذبهم عليها وإن شاء غفرها لهم، وإن عذب العباد على ~~الصغائر لم يكن ظالما لهم بذلك1. PageV03P666 # وقالت المرجئة: "لا يوصف الله بأنه يعذب عباده على ذنب غير الكفر"1. ~~PageV03P667 # وقالت الخوارج: "من أذنب متعمدا كفر بالله سواء فعل صغيرة أو كبيرة"1. # وقالت المعتزلة والقدرية: "لا يجوز أن يعذب الله العباد على الصغائر وإن ~~عذبهم عليها ظلمهم، ومن فعل كبيرة فإنه يخلد في النار، ولا يوصف الله بأنه ~~يغفر الكبائر"2. # فعند القدرية من عبد الله ألف سنة بأنواع العبادات من الصلاة والصوم ~~والجهاد وغير ذلك لم يعص الله فيها ثم ركب معصية من الكبائر مرة واحدة ~~PageV03P668 # غير مستحل لها، إنه يخرج من إيمانه ويخلد في النار، كمن لم يؤمن بالله ~~طرفة عين، وهذا مع تسميتهم لأنفسهم أهل العدل، وجعلوا حكم الشاهد أصلا لهم، ~~وهذا في الشاهد خلاف العدل، وحكم العدل في الشاهد إن لم يعف الله عنه ويصفح ~~عن هذا العبد الذي هذا صفته أن لا يظلمه من حسناته التي عملها لأنه قال: ~~{إن الله لا يظلم مثقال ذرة} 1،ويعاقب ms301 على المعصية التي عملها بقدرها. وحكى ~~عن بعضهم أنه قال: صاحب الكبيرة يوما في الجنة ويوما في النار2. # والدليل على صحة ما ذهبنا إليه قوله تعالى: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ~~ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} 3. ومعنى الآية أن الله لا يغفر لمن يشرك به ~~فيموت على الشرك، ويغفر ما دون الشرك لمن يشاء من أهل التوحيد4. # ويدل على ما قلناه قوله تعالى: {قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا ~~تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم} 5. # وهذه الآية في وحشي قاتل حمزة6، ولكنها وإن نزلت بسببه إلا أنها عامة في ~~جميع العباد وجميع الذنوب. PageV03P669 # والدليل عليه ما روي عن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: "سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول ما يسرني بهذه الآية الدنيا وما ~~فيها {قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله} 1 يقول ~~لا تيأسوا من رجمة الله أنه لا توبة لكم {إن الله يغفر الذنوب جميعا} يعني ~~الشرك والقتل والزنا الذي ذكر الله في سورة الفرقان2 {إنه هو الغفور ~~الرحيم} ،وقال قوم: إنها لم تنزل بسبب وحشي لأنها مكية، ووحشي أسلم بعد ذلك ~~بعد قتل حمزة بالمدينة، وبين نزولها وإسلامه قدر عشرين سنة، ولكنه أتى ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقال: هل لي من توبة، فقال له نعم وقرأ عليه هذه ~~الآية3. # ويدل على ما قلناه قوله تعالى: {ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر ~~الله يجد الله غفورا رحيما} 4. # ويدل على ما قلناه قوله تعالى: {وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم} 5 ~~وهذا عام، ويدل على ما قلناه قوله تعالى: {إن الحسنات يذهبن PageV03P670 # السيئات} 1 وهذه الآية نزلت في أبي نفيل عباد بن قيس الأنصاري2: أتته ~~امرأة تشتري منه تمرا فراودها على نفسها ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال: يا رسول الله إني خليت بامرأة فما من شيء يفعل ms302 الرجل بالمرأة إلا وقد ~~فعلته بها إلا أني لم أنكحها فنزلت هذه الآية {وأقم الصلاة طرفي النهار} ~~يعني صلاة الصبح والظهر والعصر {وزلفا من الليل} يعني المغرب والعشاء {إن ~~الحسنات} يعني الصلوات الخمس {يذهبن السيئات} فقال معاذ بن جبل - رضي الله ~~عنه : يا رسول الله أهذا خاص له أم عام للناس؟ فقال: بل عام للناس "3. # ويدل على ما قلناه قوله تعالى: {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم ~~سيئاتكم} 4 والكبائر ها هنا الشرك5، بدليل قوله تعالى: {إن الله لا يغفر أن ~~يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} . PageV03P671 # من الدليل على ما قلنا ما روى أبو ذر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~"أتاني جبريل فبشرني أن من مات من أمتي لا يشرك بالله دخل الجنة، قلت: وإن ~~زنى وإن سرق. قال: وإن زنى وإن سرق " أخرجه البخاري ومسلم1. # وروى جابر قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم أعرابي فقال: يا رسول الله ~~ما الموجبتان، قال: "من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة، ومن مات وهو ~~يشرك بالله شيئا2 دخل النار" 3. # عن أبي موسى الأشعري قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ليجيئن ~~ناس من أمتي بذنوب أمثال الجبال فيغفرها الله لهم ثم يضعها على اليهود ~~والنصارى"4. # وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: "إن رجلا ~~أذنب PageV03P672 # ذنبا فقال: أي رب أذنبت ذنبا فاغفر لي، فقال الله: عبدي عمل ذنبا فعلم أن ~~له ربا يغفر الذنب ويأخذ به قد غفرت لعبدي " 1. # وعن علقمة عن عبد الله مسعود قال: "لما نزلت {الذين آمنوا ولم يلبسوا ~~إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن} اشتد ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وقالوا: يا رسول الله وأينا لم يظلم نفسه فقال: ألم تسمعوا إلى قوله ~~تعالى: {إن الشرك لظلم عظيم} 2. # وروى ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "قال ~~الله من علم أني ذو قدرة على ms303 مغفرة الذنوب غفرت له ولا أبالي ما لم يشرك بي ~~شيئا"3. # وروي عن جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تزال ~~المغفرة تحل على العبد ما لم يقع الحجاب، فقيل: يا نبي الله وما الحجاب؟ ~~قال: الشرك به، قال فما نفس تلقاه لا تشرك به إلا حلت لها المغفرة من الله، ~~فإن شاء غفر لها وإن شاء عذبها، ثم قرأ {إن الله لا يغفر أن يشرك به ### | … # } 4 الآية. # وعن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: {ثم ~~أورثنا PageV03P673 # الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق ~~بالخيرات} 1، قال: "كلهم في الجنة"2. # وروي عن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - في قوله تعالى: {إن الذين قالوا ~~ربنا الله ثم استقاموا} 3 قال لهم: "ما تقولون فيها؟ قالوا: استقاموا فلم ~~يذنبوا، قال أبو بكر الصديق - رضي الله عنه -: حملتم الأمر على أشده ~~استقاموا لم يرجعوا إلى عباده الأوثان"4. # وروي عن ابن مسعود - رضي الله عنه - أنه قال: "أربع آيات في سورة النساء ~~خير للمسلمين من الدنيا وما فيها قوله تعالى: {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون ~~عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما} 5، وقوله تعالى: {إن الله لا ~~يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} 6،وقوله تعالى: {ولو أنهم إذ ~~ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا ~~رحيما} 7، وقوله تعالى: {ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد ~~PageV03P674 # الله غفورا رحيما} 1،2 # قال الحسن البصري: "وأنا أقول آية خامسة فيها3 للمسلمين خير من الدنيا ~~وما فيها قوله تعالى: {ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم وكان الله ~~شاكرا عليما} 4،5. # وعن ابن عباس وابن عمر وابن مسعود - رضي الله عنهم - أنهم كانوا يرجون ~~لأهل الكبائر. # وروي عقبة بن علقمة اليشكري6 قال: "شهدت مع علي - رضي الله عنه - صفين ~~فأتي بخمسة عشر رجلا أسرى من أصحاب معاوية وكان من مات ms304 منهم غسله وكفنه ~~وصلى عليه"7. PageV03P675 # وعن ثابت بن أبي الهذيل1 قال: "سألت علي بن الحسين2 عن أصحاب الجمل، ~~فقال: مؤمنون وليسوا بكفار"3. # ويدل على ما قلناه أن من وعد الله ثوابا على عمل عمله بفضل من الله ونعمة ~~ولا يوصف الله بأنه يخلف وعده لقوله تعالى: {إن الله لا يخلف الميعاد} 4، ~~ومن أوعده عذابا على ذنب أذنبه فإن الوعيد حق له وترك الوفاء بالوعيد كرم ~~وجود، وربنا موصوف بالجود والكرم، وكيف لا يحسن من الله العفو عن الذنب وقد ~~أمرنا به وحظنا عليه ومدح فاعله. قال الله تعالى: {فاعفوا واصفحوا} 5، وقال ~~تعالى: {وأن تعفوا أقرب للتقوى} 6، قال {والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس ~~والله يحب المحسنين} 7، وأخبر عن نفسه بالعفو فقال {ويعفو عن السيئات} 8. # وروي أن عمرو بن عبيد9 كان يقول بالوعيد، فناظر أبا عمرو بن العلاء10، ~~فاحتج عمرو بن عبيد بأن إخلاف الوعيد قبيح وذم عند أهل اللسان وأنشد ~~لأعرابي يمدح رجلا: # أن أبا ثابت لمجتمع الرأي ... شريف الآباء والنسب # لا يخلف الوعد والوعيد ... ولا يبيت من داره11 على قرب PageV03P676 # ... # فقال أبو عمرو: وإن كان هذا الشاعر قد مدح بالأمرين، فإن كعب بن زهير مدح ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان قد توعده فأنشده قصيدته: # بانت سعاد فقلبي اليوم متبول ### | .......................... # إلى قوله: # أنبئت أن رسول الله أوعدني ... والعفو عند رسول الله مأمول # فلم ينكر رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله بل وقع موقعا منه فعفى عنه1، ~~وأعطاه بردة كانت له فابتاعها منه معاوية - رضي الله عنه - بعشرة آلاف ردهم ~~كانت مع الخلفاء خلفية بعد خليفة. # وروي أن أبا عمرو قال له يا أبا عثمان: أليس لك علم بمعاني كلام العرب. ~~العرب لا تعد العافي مخلفا ثم أنشده: # وما يرهب المولى ولا الجار صولتي ... ولا أختفي من سورة2 المتهدد # وإني وإن أوعدته أو وعدته ... لأخلف ايعادي وأنجز موعدي3 # وروي عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من وعد الله على ~~عمل4ثوابا فهو منجزه ومن أوعده ms305 على عمل عقابا فهو الخيار"5. PageV03P677 # والعرب تذم من يفي بوعيده قال الشاعر: # كان فؤداي بين أظفار طائر ... من الخوف في جو السماء معلق # حذار امرئ قد كنت اعلم أنه ... متى ما يعد من نفسه الشر يصدق1 # فان احتجوا بقوله تعالى: {من يعمل سوءا يجز به} 2. # فالجواب عنه أن روي عن ابن عباس أنه قال في تفسيرها قال: "من يشرك ~~بالله"3. # وروي عن الحسن البصري أنه قال: لمن أراد الله هوانه فأما من أراد كرامته ~~فلا، قد ذكر الله قوما فقال: {أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ~~ونتجاوز عن سيئاتهم في أصحاب الجنة وعد الصدق الذي كانوا يوعدون} 4.وروي أن ~~أبا بكر الصديق - رضي الله عنه - قال: "يا رسول الله أخبرني بأمر من يعمل ~~سوءا يجز به، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يا أبكر ألست تنصب، ألست ~~تجزع، ألست تمرض، أليس يصيبك اللأواء قال: بلى قال: ذلك5 تجزون به"6. وروي ~~عن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت: " ما سألني أحد عنها منذ سألت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عنها، فقال: هذه الآية ما يصيبه الله من العبد في ~~PageV03P678 # نفسه من الهم والنكبة والشركة حتى البضاعة يضعها في كم قميصه فيفقدها ~~فيجزع لذلك فيجدها في جيبه، حتى إن العبد ليخرج من ذنوبه كما يخرج البتر ~~الأحمر من الكير"1. # وروى أبو هريرة - رضي الله عنه - قال: "لما نزلت هذه الآية بكينا وحزنا ~~وقلنا يا رسول الله: ما أبقت هذه الآية من شيء، فقال صلى الله عليه وسلم: " ~~أما والذي نفسي بيده إنها لكما أنزلت ولكن ابشروا وقاربوا وسددوا فإنه لا ~~يصيب أحدا منكم مصيبة إلا كفر الله عنه بها خطيئة حتى الشوكة يشاكها أحدكم ~~في قدمه "2. # استدلت القدرية بآي الوعيد كقوله تعالى: {والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة ~~بمثلها وترهقهم ذلة} 3الآية، وقوله تعالى: {وأما الذين فسقوا فمأواهم النار ~~كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها} 4 الآية، وقوله تعالى: {وإن ~~الفجار لفي جحيم} 5، وما أشبه ذلك من الآيات6. # والجواب: أن ms306 لهم القرآن يعاضد بعضه ولا يتناقض بدليل قوله تعالى: {ولو ~~كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا} 7،فنحمل هذه PageV03P679 # الآية التي أوردها القدرية وما أشبهها من آي الوعيد على من لا إيمان معه، ~~فأما من مات مؤمنا فلا يحكم بتخليده في النار بفعل كبيرة غير مستحل لها، بل ~~إذا لم يغفرها لم يظلمه من حسناته لقوله تعالى: {إن الله لا يظلم مثقال ذرة ~~وإن تك حسنة يضاعفها} 1.وقوله تعالى: {من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن ~~جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها} 2 وجاء في التفسير أن الحسنة هو قول لا ~~إله إلا الله، والسيئة هو الشرك3 ومثلها قوله تعالى: {من جاء بالحسنة فله ~~خير منها وهم من فزع يومئذ آمنون، ومن جاء بالسيئة فكبت4 وجوههم في النار ~~هل تجزون إلا ما كنتم تعملون} 5 وقوله تعالى: {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ~~ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره} 6.وقوله تعالى: {أني لا أضيع عمل عامل منكم من ~~ذكر أو أنثى} 7وقوله تعالى: {إن الحسنات يذهبن السيئات} 8. # فإن قالوا: من فعل الكبيرة لا يسمى مؤمنا9. # قلنا: بل يسمى مؤمنا لأنه مصدق بالله وبرسوله وباليوم الآخر، وكيف يخلد ~~في النار من عبد الله مائة سنة في معصية واحدة غير مستحل لها، مع أن ظواهر ~~الأي ألا يدخل النار إلا الكفار، قال الله تعالى: {وإن جهنم لمحيطة ~~بالكافرين} 10 وقوله تعالى: {وأما الذين فسقوا فمأواهم النار} إلى قوله ~~PageV03P680 # تعالى: {ذوقوا1عذاب النار الذي كنتم به تكذبون} 2، وقوله تعالى: ~~{فأنذرتكم نارا تلظى، لا يصلاها إلا الأشقى، الذي كذب وتولى} 3،وقوله ~~تعالى: {وأما من أوتي كتابه بشماله فيقول يا ليتني لم أوت كتابيه} إ لى ~~قوله: {إنه كان لا يؤمن بالله العظيم} 4قوله: {وأصحاب الشمال ما أصحاب ~~الشمال، في سموم وحميم} إلى قوله تعالى: {وكانوا يصرون على الحنث العظيم، ~~وكانوا يقولون أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمبعوثون} 5 وأوجب النار ~~لمن يكذب بالبعث6. # وقد احتجت المرجئة بهذه الآيات وأن الله لا يعذب ms307 إلا على الكفر به، وقالت ~~المرجئة: لما كان توحيد ساعة7 يهدم ما قبله من الكفر وجب أن يهدم التوحيد ~~ما معه من المعاصي. # وقالت المعتزلة: لما كان الكفر ساعة في آخر عمره يهدم ما قبله من ~~التوحيد، فكذلك سائر المعاصي تهدم ما معها. PageV03P681 # والجواب: أن يقابل أحد هذين المذهبين بالآخر ويسقطان ويبقى لنا المذهب ~~بينهما وهو مذهب أهل الحديث. # ثم يقال للقدرية: تسويتكم بين الشرك وبين المعاصي بهذا مخالف لنص القرآن ~~وهو قوله تعالى: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} ~~1، فنفى أنه يغفر2الشرك ويغفر ما دونه لمن يشاء وتعليق مغفرته لما دون ~~الشرك لمن يشاء يبطل قول المرجئة أيضا. فإذا وقف المذهبان موقفا واحدا في ~~البطلان ثبت ما قلناه. # فإن قالت القدرية: فيجب حمل آي الوعيد في المغفرة لأهل الصغائر دون أهل ~~الكبائر بدليل آي الوعيد. # قلنا: آي الوعيد بالمغفرة عامة للسيئات كلها والشرك يخرج بدليل الآي التي ~~ذكرنها والإجماع، وبقي العموم متناولا لما دون الشرك من السيئات وعلى أن ~~عند القدرية لا يجوز أن يعذب الله العباد على الصغائر وإن عذبهم عليها ~~ظلمهم3، فإن كانت غير متوعد عليها4لم يخص بها العموم في الذنوب وعلى أنه ~~يلزم القدرية إذ قالوا: بتخليد أصحاب الكبائر القول بمذهب الخوارج وهو ~~تكفير أصحاب الذنوب وتخليدهم في النار، وهذا رد لما به القرآن والسنة ~~الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم بإخراج من في قلبه مثقال ذرة من إيمان ~~من النار5. PageV03P682 # استدلوا بأنا لو لم نقل بالتخليد لأدى ذلك إلى الفساد، لأن المذنب متى ~~علم أنه لا يخلد في النار لم يبال بالمعصية لأنه يعلم أنه يصير إلى الجنة ~~فلهذا بولغ بإدامة العذاب عليه1. # والجواب عليه أن يقال: فعلى مقتضى استدلالكم هذا أن تقولوا لا تصح توبته ~~ولا تقبل منه، لأنه متى علم أن توبته تصح وتقبل منه ولم ييأس من البقاء بعد ~~ارتكاب المعصية حمله ذلك على ركوب الكبائر اتكالا منه على التوبة في آخر ~~عمره، فإذا ms308 كانت توبته صحيحة الإجماع، ولم يكن بها فساد، فكذلك القول بعدم ~~تخليده. # استدلوا بأن الفاسق عدو لله وأمرنا بلعنه والبراءة منه، وبأن لا تأخذنا ~~به رأفة فقال: {الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا ~~تأخذكم بهما رأفة} 2. مع أن الله وصف نفسه بالرحمة للمؤمنين بقوله تعالى: ~~{وكان بالمؤمنين رحيما} 3 ولا يكون صاحب الكبيرة مؤمنا مرحوما. # والجواب: أنا لا نحكم للفاسق بأنه عدو لله وأن الله لعنه إلا بشرط أن ~~يكون في معلوم الله أنه يعذبه ولا يغفر له، لأن العداوة والبغض هو إرادة ~~الله عذابه4 وهذا كما تعبدنا بلعن من ظهرت منه كلمة الكفر والحكم عليه بأنه ~~عدو الله بشرط أن يكون في معلوم الله أنه يموت كافرا، وكما تعبدنا ~~PageV03P683 # ببغض شهود الزنا والبراءة منهم إذا قصر عددهم أو اردت شهادتهم والحكم ~~بفسقهم إن كانوا كذبة عند الله1، مع أنا نقول إن الفاسق من المؤمنين لا ~~يكون معاديا لله بمعصيته مع إقراره بتوحيده وإيمانه بربه، لأن العداوة ~~متضمنة للكفر به ويمكن أن يكون الله تعبدنا2بذم الفاسق ولعنه محبة له3، ~~فيكون ردعا له عن فسقه لا لكونه مستحقا للتخليد في النار4. PageV03P684 ### | ............................................................................................. # PageV03P685 ### | ............................................................................................. # PageV03P686 ### | .............................................................................................. # PageV03P687 ### | 108 - # فصل # قد ذكرنا أن النبي صلى الله عليه وسلم شفاعة في أهل الكبائر من أمته ~~يخرجون بشفاعته من النار، وله شفاعة في جميع الخلق في فصل الحساب، وكذلك ~~الشفاعة للملائكة والأنبياء ولسائر العلماء. # ولكن شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم أعم وأكبر. # وأنكرت المعتزلة والقدرية وأهل الزيغ الشفاعة1، وهذا لاعتمادهم على ~~PageV03P688 # عقولهم الفاسدة وأخذهم بالمتشابه من القرآن وتركهم الأخبار المروية ~~الثابتة في الصحاح. # ودليلنا قوله تعالى: {من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه} 1. # وذلك أن المشركين قالوا لآلتهم هؤلاء شفعاؤنا عند الله، فأنزل الله {من ~~ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه} 2 ومثلها قوله تعالى: {يومئذ لا تنفع الشفاعة ~~إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا} 3 ومثلها قوله تعالى: {ولا يشفعون إلا ~~لمن ارتضى} 4. # وذكر أهل التفسير أن الكفار إذا دخلوا النار نظروا إلى ms309 قوم من الموحدين ~~من أهل الكبائر معهم في النار فيعيرونهم بذلك ويقولون: ما أغنى عنكم ~~إسلامكم في الدنيا فيشتد غم الموحدين لذلك وحزنهم، فيطلع الله على ما ~~PageV03P689 # نالهم من ذلك، فيأذن في الشفاعة للملائكة والأنبياء والشهداء والعلماء، ~~فيخرجون بشفاعتهم، فإذا نظر الكفار إليهم قد خرجوا قالوا: فهل لنا من شفعاء ~~فيشفعوا لنا أو نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل ويودون لو كانوا مسلمين، قال ~~الله تعالى: {ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين} 1، فيكبكبون هم وآلتهم ~~فيها قال الله تعالى: {فكبكبوا فيها هم والغاوون، وجنود إبليس أجمعون، ~~قالوا وهم فيها يختصمون} إلى قوله: {فما لنا من شافعين، ولا صديق حميم} 2. ~~وقال الله تعالى: {فما تنفعهم شفاعة الشافعين} 3 وهذه الآيات كلها تدل على ~~ثبوت الشفاعة. # وروى يزيد الفقير4 قال: "كنا بمكة من قطانها وكان معي أخ لي يقال له طلق ~~بن حبيب5، وكان يرى رأي الحرورية في إبطال القول بالشفاعة، فبلغنا أن جابر ~~بن عبد الله قدم مكة فأتيناه، فقلنا له: بلغنا عنك قول في الشفاعة، وقول ~~الله تعالى يخالفك، فنظر في وجوهنا وقال: من أهل العراق أنتم؟ فقلنا: نعم، ~~فتبسم وقال: أين تجدون ذلك في كتاب الله؟ PageV03P690 # قال، قلنا: قال الله تعالى في كتابه: {ربنا إنك من تدخل النار فقد ~~أخزيته} 1، وقوله تعالى: {يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها} ~~2 وقوله تعالى: {كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها} 3 وأشباه هذا من ~~القرآن، فقال جابر: أنتم أعلم بكتاب الله أم أنا؟ قلنا: بل أنت أعلم به ~~منا، قال: فوالله لقد شهدت تنزيل هذا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~ولقد شهدت تأويله من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن الشفاعة في كتاب ~~الله لمن عقل، قال: قلنا وأين؟ قال: في سورة المدثر، فقرأ علينا: {ما سلككم ~~في سقر، قالوا لم نك من المصلين، ولم نك نطعم المسكين، وكنا نخوض مع ~~الخائضين، وكنا نكذب بيوم الدين، حتى أتانا اليقين، فما تنفعهم شفاعة ~~الشافعين} 4، ثم ms310 قال: لا ترونها5 حلت لمن لم يشرك بالله شيئا"6. # وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لكل نبي دعوة مستجابة ~~فتعجل كل نبي دعوته وأخرت دعوتي شفاعة لأمتي، فهي نائلة إن شاء الله من مات ~~لا يشرك بالله شيئا". 7 # وروى أبو هريرة - رضي الله عنه - قال: قلت يا رسول الله: "من أسعد الناس ~~بشفاعتك يوم القيامة. فقال النبي صلى الله عليه وسلم لقد ظننت يا أبا هريرة ~~ألا يسألني عن هذا أحد أول منك لما رأيت من حرصك على الحديث، إن ~~PageV03P691 # أسعد الناس بشفاعتي من قال لا إله الله مخلصا من قبله "1. # وروى أنس بن مالك وجابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~"شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي"2. # وروي أن حذيفة بن اليمان - رضي الله عنه - سمع رجلا يقول: "اللهم اجعلني ~~ممن تصيبه شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم، فقال: إن الله يغني المؤمنين عن ~~شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم ولكن الشفاعة للمذنبين من المؤمنين ~~والمسلمين"3. # وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "خيرني ربي بين أن يدخل نصف أمتي ~~الجنة أو الشفاعة فاخترت الشفاعة"4. PageV03P692 # وروى أبو هريرة - رضي الله عنه - قال في قوله تعالى: {عسى أن يبعثك ربك ~~مقاما محمودا} 1 قال: "هو مقام الشفاعة الذي أشفع فيه لأمتي"2. # وروى أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يجتمع المؤمنون يوم القيامة ~~ويقولون لو استشفعنا إلى ربنا حتى يريحنا من مكاننا هذا، فيقولون من أحق ~~بذلك من أبيكم آدم خلقه الله بيده ونفخ فيه من روحه وأسجد له ملائكته، ~~فيأتون آدم صلى الله عليه وسلم فيقولون: أنت أبونا خلقك الله بيده، ونفخ ~~فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، وعلمك أسماء كل شيء3، وأسكنك جنته، اشفع ~~لنا إلى ربك يريحنا من مكاننا، واشفع لذريتك حتى لا تحرق اليوم بالنار، ~~فيقول: ليس ذلك إلي - وروي لست هناكم - ويذكر لهم خطيئته، ولكن ائتوا نوحا ~~PageV03P693 # فإنه أول نبي بعث الله إلى الأرض، فيأتون ms311 نوحا فيسألونه فيقول لهم: لست ~~هناكم ويذكر لهم خطيئته ولكن ائتوا عبدا اتخذه الله خليلا، فيأتون إبراهيم ~~صلى الله عليه وسلم فيقولون: يا إبراهيم أنت عبده اتخذه اله خليلا فاشفع ~~لذرية آدم لا تحرق بالنار، فيقول: لست هناكم ويذكر خطيئته ولكن ائتوا عبدا ~~اصطفاه الله بكلامه، وألقى عليه محبة منه وكلمه تكليما، ائتوا موسى، فيأتون ~~موسى صلى الله عليه وسلم فيقول: ليس ذلك إلي - وروي - لست هناكم - ويذكر ~~لهم خطيئته، ولكن ائتوا عيسى عبد الله ورسوله وكلمته وروحه، فيأتون عيسى ~~صلى الله عليه وسلم فيقول: لست هناكم وروي - ليس ذلك إلي - ولكن ائتوا ~~محمدا عبدا غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال فيأتوني فيقولون: يا ~~أحمد خلقك الله رحمة للعالمين، اشفع لنا إلى ربك فيقول: نعم أنا صاحبها، ~~فأنطلق فأستأذن على ربي فيؤذن لي، فإذا رأيت ربي خررت له ساجدا، ثم يفتح لي ~~من التحميد والثناء على الرب ما لا يفتح لأحد من الخلق، ثم يقول: سل تعط ~~واشفع تشفع فقال: يا رب ذرية آدم لا تحرق بالنار وروي أنه قال أمتي أمتي، ~~فيقول الله: اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من الإيمان أخرجوه ثم ~~أسجد ثانيا فيفتح علي من التحميد ما لا يفتح على أحد، فيقال لي كما قيل لي ~~في الأولة، وأقول كما قلت، فيقول الله تعالى: أخرجوا من في قلبه قيراط من ~~الإيمان فيخرجون ما شاء الله، ثم أقع الثالثة، فأقول مثل ما قلت في الأولة ~~والثانية، فيقال لي ما قيل لي فيهما، ثم يقول الله: اذهبوا فأخرجوا من ~~النار من كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان، فيخرج منها ما لا يعلم عدده ~~إلى الله، ثم يؤذن لآدم في الشفاعة فيشفع لعشرة آلاف ألف، ثم يؤذن للملائكة ~~والنبيين فيشفعون حتى إن المؤمن ليشفع لأكثر من ربيعة ومضر، ولا يبقى في ~~النار إلا من لا خير فيه"1. PageV03P694 # وروي عن المقدام1 أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "للشهيد عند الله تسع ~~خصال، يغفر ms312 له بأول دفعة من دمه، ويرى مقعده من الجنة، ويحلى بحلية ~~الإيمان، ويزوج من الحور العين، ويجار من عذاب القبر، ويأمن من الفزع ~~الأكبر، ويوضع على رأسه تاج الوقار الياقوتة منه خير من الدنيا وما فيها، ~~ويزوج باثنتين وسبعين من الحور العين، ويشفع في سبعين إنسانا من أقاربه"2. # وعن عثمان - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يشفع يوم ~~القيامة ثلاثة، الأنبياء ثم العلماء ثم الشهداء"3. # وروى علي - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من قرأ ~~القرآن واستظهره وحفظه أدخله الله الجنة وشفعه في عشرة من أهل بيته كلهم قد ~~وجبت لهم النار"4. PageV03P695 # ومن الدليل على ما ذكرناه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي على ~~المذنب وعلى غير المذنب من أمته، وكذلك أصحابه وإلى يومنا هذا، فلو كان ~~الميت المذنب لا يشفع فيه ولا ينفعه الدعاء لما كان للصلاة عليه معنى. # فإن قيل: فقد رويتم أن النبي صلى الله عليه وسلم امتنع من الصلاة على من ~~عليه درهمان دينا1، فلو قبلت شفاعته في الكبائر لكان في الدرهمين أولى. # والجواب: أن هذا كان في أول الإسلام، ثم بعد ذلك لم يمتنع من الصلاة على ~~أحد، فما داوم عليه من الفعل أولى. # ويحتمل أن يكون امتناعه من الصلاة عليه ليعلمهم أن حقوق بني آدم لا بد من ~~قضائها، وأن السيئات التي بين العبد وبين الله إذا غفرها الله فإنه يبدل ~~السيئات حسنات، ومن مات وعليه دين فإنه يؤخذ من حسناته وتجعل لمن له الدين، ~~مع أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم أن يصلوا على ذلك الميت. # وقال: "صلوا على صاحبكم" 2، فلو لم تنفعه صلاتهم عليه لكان أمره لهم ~~بالصلاة عبثا.3 PageV03P696 # ومن الدليل على ما ذكرناه ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قل: "يخرج ~~الله قوما من النار بعد ما محشتهم النار بشفاعة الشافعين فيدخلهم الجنة ~~فيسمون الجهنميين"1، وفي رواية عن النبي صلى الله عليه وسلم "يخرجون منها ~~ضبائر ضبائر2فيلقون على ms313 نهر الحياة فينبتون كما تنبت الطراثيث3 والحبة في ~~حميل السيل فيدخلون الجنة مكتوبا على جباههم4 الجهنميون - وروي مكتوبا ~~عليهم - عتقاء الله من النار"5. # وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "آخر من يخرج من النار رجل يقول ~~فيها يا حنان يا منان" 6. PageV03P697 # والأخبار في الشفاعة كثيرة وإن اختلفت ألفاظها، إلا أنها متفقة المعنى ~~وأطبق سلف هذه الأمة على تصحيح هذه الروايات، لم ينكرها أحد من الصحابة ~~والتابعين، ولو كانت غير صحيحة لكان الصحابة والتابعون1 أشد إنكارا لها من ~~المعتزلة، ولو كان ذلك لنقل عنهم كما نقل عنهم الاختلاف في رؤية النبي صلى ~~الله عليه وسلم ربه2 بعيني رأسه، وكما نقل عنهم الخلاف في المسائل الفقهية. # وقد احتجت المعتزلة بخبر يروونه عن الحسن البصري عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: " لا تنال الشفاعة أهل الكبائر من أمتي". # قلنا: هذا خبر لم يذكره أحد من أئمة الحديث، ولا ذكر في شيء من الأصول ~~المشهورة في الأمصار كمسلم، والبخاري، وسنن أبي داود والترمذي والآجري، ~~وإنما ذكرته المعتزلة ليرو أتباعهم أن معهم رواية يعارضون بها الأخبار ~~المشهورة عند أهل السنة3، مع أنا نحمل هذه الرواية على المرتدين من أمتي ~~لأنهم كانوا من أمته فاستصحب الاسم فيهم4. # فإن قالوا: فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من تحسى سما ~~فقتل نفسه فهو يتحساه في نار جهنم خالدا مخلدا". وروي مثله فيمن قتل نفسه ~~بحديدة أو تردى من جبل5. PageV03P698 # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا يدخل الجنة مدمن خمر ولا ~~عاق الوالدين"1. # قلنا: هذه الأخبار محمولة على من فعل هذه المعاصي وهو مستحل لها، لأنه ~~يكون كافرا بدليل الأخبار الثابتة في الشفاعة2. PageV03P699 # فإن قالوا فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا يسرق السارق ~~وهو مؤمن ولا يزني الزاني وهو مؤمن "1. وكيف يشفع النبي صلى الله عليه وسلم ~~لغير المؤمن. # وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"ليس منا من بات بطينا وجاره ms314 ~~خميصا".2 # "ومن غشنا فليس منا"3. PageV03P700 # والجواب: أن نقول: إن السارق والزاني يفارقهما إيمناهما حين السرقة وحين ~~الزنا، ثم يرجع إليهما لأنه روي أنه قال:"لا يسرق السارق حين يسرق وهو ~~مؤمن، ولا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن". # ويحمل أنه عبر ذلك عن نقصان إيانه، ويحتمل أنه أخرجه مخرج التغليظ ~~والمبالغة في الزجر عن هذه المعاصي كقوله صلى الله عليه وسلم: "لا صلاة ~~لجار المسجد إلا في المسجد"1، و"ولا إيمان لمن لا أمانة له"2، 3. ~~PageV03P701 # وقوله: "ليس منا من بات بطينا وجاره خميصا" و"ومن غشنا فليس منا " أي ليس ~~من أخلاقنا1. PageV03P702 # مع أنا نعارضه بما روي أبو الدراداء أن البي صلى الله عليه وسلم: "من قال ~~لا إله إلا الله دخل الجنة" قال، قلت يا رسول الله: وإن زنى وإن سرق؟ قال: ~~وإن زنى وإن سرق، فرددت عليه ذلك حتى قال في الثالثة: نعم، وإن رغم أنف أبي ~~الدرداء".1 # فإن قالوا: ما معنى قوله تعالى: {ولا يشفعون إلا لمن ارتضى} قلنا: معناه ~~لا يشفعون إلا لمن رضي عمله من الموحدين. # فإن قالوا: فما معنى قوله: {ما للظالمين من حميم ولا شفيع} 2. # قلنا: أراد بالظلم هناهنا الكفر لقوله تعالى: {إن الشرك لظلم عظيم} 3. # فإن قالوا: فما أنكرتم أن4 تكون الأخبار الواردة في الشفاعة من النبيين ~~والملائكة مستحقة للمؤمنين الذين تابوا من الذنوب على وجه الجزاء على ~~أعمالهم وطاعتهم، لأن الله تعالى قال: {الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون ~~بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما ~~فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك} 5. PageV03P703 # فأما أن يشفعوا لأهل الكبائر الذين ماتوا مصرين عليها فلا يجوز أن يكون ~~المراد بذلك الشفاعة لمؤمنين الذين ماتوا ولا ذنوب لهم، فتكون الشفاعة ~~زيادة لهم1 في النعم على ما يستحقونه بأعمالهم، ويجوز أن يكون المراد ~~بالشفاعة لأه الصغائر الذين واقعوها مع اجتنابهم الكبائر. # والجواب: أن هذا تبديل لا تأويل، لأن الأخبار المروية أنه يخرج من النار ~~بشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم من كان في قلبه ms315 مثقال ذرة من الإيمان2، ~~وفي بعض الروايات "من قال لا إله إلا الله"3، وهذا يدل على أنه لم يعمل ~~شيئا من الطاعات المأمور بها مثل الصلاة4 والزكاة وغيرهما5. # وأما الآية التي ذكروها فإن المراد بها التوبة من الكفر بدليل قوله ~~تعالى: {ويستغفرون للذين آمنوا} ، وكذلك قوله تعالى: {فاغفر للذين تابوا ~~واتبعوا سبيلك} . # وسبيل الله هو الإسلام بدليل قوله تعالى: {قل هذه سبيلي أدعو إلى الله ~~على بصيرة} . # وأما قولهم إنهم يستغفرون لأهل الصغائر أو لمن لا ذنب له، فعندهم أن الله ~~إن6 PageV03P704 # عذبهم على الصغائر ظلمهم1، ومن لا تستحق عليه العقوبة على الصغير أو من ~~لا ذنب له لا معنى للشفاعة له، لأن الشافع يقول يا رب لا تظلمه ولا تعذبه ~~على ما لا يستحق العذاب عليه، وهذا لا يليق بالنبيين والملائكة، فثبت أنهم ~~إنما يشفعون لمن استحق العقاب من الموحدين فإن قالوا: فقولوا: إنهم يشفعون ~~للكفار2 وإن لله يوصف بأن3 يدخل الكفار الجنة. # والجواب: أنا نقول: أما في العقل فلا يستحل أن الله يدخل الكفار الجنة، ~~لأن ذلك إنعام من الله وتفضل على خلقه، وقد أنعم عليهم في الدنيا والداران ~~مكله، فما لم يستحل منه في الدنيا لم يستحل منه في الآخرة، إلا أن القرآن ~~والسنة قد وردا بخلاف ذلك، فأخبر أنه لا يغفر لمن أشرك به، وأخبر النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه لا يدخلهم الجنة ولا تنفعهم شفاعة الشافعين، واجمعت ~~الأمة على قبول هذه الأخبار وموجبها. # فإن قالوا: فإذا كانت الشفاعة تقبل في أهل الكبائر، فمات تقولون فيمن حلف ~~بطلاق امرأته ثلاثا ليعمل ما تنال به الشفاعة، فما تأمرونه بعمل لئلا تطلق ~~عليه امرأته، أتأمرونه أن يعمل بالمعاصي، فهذا لا يجوز، أم لا تأمرونه ~~بذلك؟ فما المخرج له حتى لا تطلق عليه امرأته؟. # فالجواب: أنا لا نأمره بعمل المعصية وإنما نأمره بالإرزاء4 بهذا السائل، ~~لأنه أورد سؤاله هذا على سبيل الشناعة لجهله بالأخبار الواردة في الشفاعة، ~~ونأمره بأن يتعلم الرد على القدرية والإستقامة على الإيمان، لأن ذلك ms316 طاعة ~~لله والشفاعة إنما هي للمؤمنين على ما ابتلوا به من المعاصي، PageV03P705 # ولا يخلوا أحد من المعاصي. قال النبي صلى اله عليه وسلم: "ما منا إلا من ~~عصى أو هم بمعصية إلا يحيى ابن زكريا"1. # وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما من مؤمن إلا وله ذنب قد ~~اعتاده الفينة بعد لفينه ثم يتوب "2. أي الحين بعد الحين. PageV03P706 # وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن المؤمن خلق مفتنا" 1أي ممتحنا ~~يمتحنه بذنب ثم يتوب ثم يعود في الأحاديين ثم يتوب. # وأيضا فإنا قد روينا أن للنبي2 صلى الله عليه وسلم شفاعة في جميع الخلق ~~من النبيين وغيرهم في فصل القضاء يوم القيامة، وهذا المخالف من جملتهم. # فإن قالوا: إذا قلتم إن النبي صلى الله عليه وسلم شفاعة في أهل الكبائر ~~من أمته فقولوا إنه يشفع لمن نفى شفاعته وأبطلها. # فالجواب: أنا نقول إنه لا يشفع فيمن نفى شفاعته لمعنيين: # أحدهمما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من كذب بالشفاعة لم ينلها ~~"3. # والثاني: أن من كذب بالشفاعة فقد رد الأخبار الثابتة عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم، فصار كمن رد على النبي صلى الله عليه وسلم قوله، فصار بذلك ~~كافرا لأنه أبطل شرف النبي صلى الله عليه وسلم الذي خصه الله به في ~~القيامة. PageV03P707 ### | 109 - # فصل # وعند أهل الحديث أن العذاب في القبرحق، وأن مسألة منكر ونكير في القبرحق ~~على ما جاء في الأخبار. وأنكر المعتزلة وأهل الزيغ ذلك كله1. ودليلنا قوله ~~تعالى: {يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ~~ويضل الله الظالمين} 2، قال أهل التفسير: تثبيتهم بالقول الثابت في الحياة ~~الدنيا هو قول لا إله إلا الله وفي الآخره عند المسألة في القبر3. # وروى البراء بن عازب قال: "خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~جنازة رجل من الأنصار، فانتهينا إلى القبر ولما يلحد، فجلس رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وجلسنا حوله كأنما على رؤوسنا الطير، وبيده عود ms317 ينكت به ~~الرض، ثم رفع رأسه وقال: "استعيذوا بالله من عذاب القبر مرتين أو ثلاثا ثم ~~قال: إن المؤمن إذا PageV03P708 # كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة نزل إليه ملائكة من السماء بيض ~~الوجوه كأن وجوههم الشمس، معهم كفن من أكفان الجنة وحنوط من حنوط الجنة، ~~حتى يقعدوا منه مد النظر1، ثم يجيء ملك الموت فيقعد عند رأسه فيقول: "أيتها ~~النفس المطمئنة أخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان، فتخرج تسيل كما تسيل ~~القطرة من السقاء، فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفه عين حتى ~~يأخذوها ويجعلونها في ذلك الكفن وفي ذلك الحنوط، فتخرج منه كأطيب نفحة مسك ~~وجدت على وجه الأرض، فيصعدون بها فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا ~~قالوا: ما هذا الروح الطيب؟ فيقولون: هذا فلان بن فلان بأحسن أسمائه الذي ~~كان يسمى بها في الدنيا، حتى يصعد إلى سماء الدنيا فيستفتح له فيفتح له ~~فيشيعه من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها حتى تنتهي إلى السماء ~~السابعة، فيقول الله: اكتبوا كتاب عبدي في عليين في السماء السابعة، ~~واعيدوه إلى الأرض، فإني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى، ~~فتعاد روحه في جسده، ويأتيه ملكان ويقولان له: من ربك؟ فيقول: ربي الله، ~~ويقولان له: ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام، فيقولان له ما هذا الرجل الذي ~~بعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله فيقولان له: ما علمك2؟ فيقول: قرأت كتاب ~~الله، وآمنت به وصدقت. فينادي مناد في السماء صدق عبدي فافرشوه من الجنة، ~~وألبسوه من الجنة، وافتحوا له بابا إلى الجنة، فيأتيه من طيبها وروحها ~~ويفسح له في قبره مد بصره، ويأتيه رجل حسن الوجه حسن الثياب طيب الريح ~~فيقول: ابشر بالذي يسرك، هذا يومك الذي كنت توعد فيقول: من أنت فوجهك وجه ~~يجيء بالخير؟ فيقول: أنا عملك الصالح، فيقول: يا رب أقم الساعة حتى أرجع ~~إلى أهلي ومالي. وإن العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من ~~الآخرة نزل إليه PageV03P709 # ملائكة من ms318 السماء سود الوجوه معهم المسوح، حتى يجلسوا منه مد البصر، ثم ~~يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس الخبيثة أخرجي إلى ~~سخط من الله وغضب، فتتفرق في جسده فيخرجها تتقطع معها العروق والعصب كما ~~ينزع السفود من الصوف المبلول فيأخذها، فإذا أخذها لم يدعوها في يدها طرفة ~~عين حتى يأخذوها يجعلوها في تلك المسوح فتخرج كأنتن جيفة وجدت على وجه ~~الأرض فيصعدون بها فلا يمرون على ملآ من الملائكة إلا قالوا: ما هذا الروح ~~الخبيث؟، فيقولون: هذا فلان بن فلان بأقبح أسمائه الذي كان يسمى بها في ~~الدنيا، حتى ينتهي بها إلى سماء الدنيا، فيستفتحون له فلا يفتح له، ثم قرأ ~~النبي صلى الله عليه وسلم: {لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى ~~يلج الجمل في سم الخياط} 1، قال: فيقول الله اكتبوا كتاب عبدي في سجين في ~~الأرض السفلى وأعيدوه إلى الأرض، فإني منها خلقتهم وفيها أعيدوهم ومنها ~~نخرجهم تارة أخرى، قال: فتطرح روحه ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~{ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في ~~مكان سحيق} 2 فتعاد روحه في جسده، ويأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له: من ~~ربك؟ فيقول: ها3 لا أدري، فيقولان له ما دينك؟ فيقول هاها4 لا أدري، فينادي ~~مناد من السماء، افرشوا له من النار وألبسوه من النار وافتحوا له بابا إلى ~~النار، فيأتيه من حرها وسمومها ويضيق عليه في قبره حتى تختلف عليه أضلاعه، ~~ويأتيه رجل قبيح الوجه قبيح الثياب نتن الريح، فيقول: أبشر بالذي يسؤوك هذا ~~يومك الذي كنت توعد، فيقول له: من أنت فوجهك وجه يجيء بالشر؟ فيقول: أنا ~~عملك الخبيث فيقول: رب لا تقم الساعة"5. PageV03P710 # ومن الدليل على ما قلناه قوله تعالى: {ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ~~ضنكا} .1 # وروى أبو هريرة وأبو سعيد الخدري - رضي الله عنهما - عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم تفسير هذه الآية قال: "هو الكافر يضيق عليه قبره حتى ms319 تختلف فيه ~~اضلاعه وذلك المعيشة الضنكا التي قال الله"2. # وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه ~~وقال: "استغفروا لأخيكم، واسألوا الله له التثبيت فإنه الآن يسأل"3. # وروى ابن عمر - رضي الله عنهما - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن ~~أحدكم يعرض عليه مقعده بالغداة والعشي إن كان من أهل الجنة أو من أهل النار ~~يقال له هذا مقعدك إلى يوم القيامة "4. PageV03P711 # وروى زيد بن ثابت - رضي الله عنه - قال: " بينا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في حائط لبني النجار على بغلة له فحادت به فكادت تقلبه، وإذا أقبر ستة ~~أو خمسة أو أربعة فقال: "إن هذه الأمة لتبتلى في قبورها فلولا ألا تدافنوا ~~دعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر ما أسمع منه، ثم قال: تعوذوا بالله من ~~عذاب القبر قلنا: نعوذ بالله من عذاب القبر، قال: تعوذوا بالله من الفتن، ~~قلنا: نعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن، قال: تعوذوا بالله من ~~الدجال قلنا: نعوذ بالله من الدجال"1. # وروى أنس - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن العبد ~~إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه حتى أنه يسمع خفق نعالهم، أتاه ملكان ~~فيقعدانه فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل محمدا صلى الله عليه وسلم، ~~فأما المؤمن فيقول أشهد أنه عبد الله ورسوله، فيقولان: انظر إلى مقعدك من ~~النار قد أبدلك الله به مقعدا من الجنة فيراهما كلاهما2، وذكر أنه يفسح له ~~في قبره سبعون ذراعا، وأما الكافر والمنافق فيقولان له3: ما كنت تقول في ~~هذا الرجل، فيقول: لا أدري كنت أقول كما يقول الناس، قال فيقال له: لا دريت ~~ثم يضرب بطراق من حديد ضربة بين أذنيه فيصيح صيحة فيسمعه من يليه غير ~~الثقلين، فيضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه"4. # وروى ابن عباس - رضي الله عنهما - أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بقبرين ~~فقال: "إنهما ليعذبان وما يعذبان بكبيرة أما ms320 أحدهما فكان لا يستنزه من ~~البول، وأما الآخر PageV03P712 # فكان يمشي بالنميمة، ثم أخرج جريدة فشقها نصفين فغرز في كل قبر واحدة، ~~فقيل: يا رسول الله لم فعلت هذا؟ قال: لعله أن يخفف عنهما ما لم ييبسا"1. # وروي عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: "دخلت علي عجوز من عجائز يهود ~~المدينة، فقالت: إن أهل القبور يعذبون في قبورهم قالت: فكذبتها فخرجت، ودخل ~~علي رسول الله عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله إن عجوزا من عجائز يهود ~~المدينة دخلت علي فزعمت أن أهل القبور يعذبون في قبورهم، فقال: صدقت إنهم ~~يعذبون في قبورهم عذابا تسمعه البهائم كلها، قالت: فما رأيته بعد في صلاة ~~إلا يتعوذ من عذاب القبر"2. # وروت عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتعوذ في دعائه ويقول: ~~"اللهم إني أعوذ بك من فتنة النار وفتنة القبر ومن عذاب القبر ومن فتنة ~~الغنى والفقر ومن شر فتنة المسيح الدجال، اللهم إني أعوذ بك من الكسل ~~والهرم والمغرم والمأثم". أخرجه البخاري ومسلم وأبو عيسى3. # وفي الباب عن أنس4 وزيد ابن أرقم5.عن ميمون بن أبي ميسرة6، PageV03P713 # قال: كان لأبي هريرة صيحتان في كل يوم، أول النهار يقول: ذهب الليل وجاء ~~النهار وعرض آل فرعون على النار، وإذا كان العشي قال: ذهب النهار وعرض آل ~~فرعون على النار فلا يسمع أحد صوته إلا استعاذ بالله من النار"1. # وعن عطاء بن يسار قال: "إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعمر بن ~~الخطاب - رضي الله عنه -:"يا عمر كيف أنت إذا أعد2 لك أهلك ثلاثة أذرع ~~وشبرا في عرض ذراع وشبر، ثم قام إليك أهلك فغسلوك وكفنوك وحنطوك ثم حملوك ~~حتى يغيبوك فيه، ثم يهيلوا عليك التراب ثم انصرفوا عنك، وأتاك مسائلا القبر ~~منكر ونكير أصواتها كالرعد القاصف وأبصارها كالبرق الخاطف وقالا: من ربك، ~~وما دينك قال: يا نبي الله ويكون معي قلبي3 الذي هو معي اليوم؟ قال: نعم، ~~قال: إذا أكفيكهما بإذن الله"4. # وروي أن رجلا قال لأنس بن مالك - رضي ms321 الله عنه -: "إن قوما يكذبون ~~بالشفاعة، فقال: لا تجالسوهم، فسأله آخر وقال: إن قوما يكذبون بعذاب القبر ~~فقال: لا تجالسوهم"5. # وروى أو القاسم هبة الله بن الحسن بن منصور الحافظ اللالكائي في كتابه عن ~~محمد بن نصر الصائغ6: "كان أبي مولعا بالصلاة على الجنائز من عرف ومن لم ~~يعرف، فقال: يا بني خرجت يوما إلى السوق أشتري حاجة فصادفت جنازة رجل معها ~~خلق كثيرا ما أعرف منهم أحدا، PageV03P714 # فقلت أمضي مع هذه أصلي عليها وأقف حتى أروايها فتبعها وصلوا عليها وصليت ~~معهم وأدخلوها المقبرة وجاؤا بها إلى قبره محفور، فنزل إلى القبر نفسان ~~وجذبوا الميت1 فأخذوه وسرحوا عليه التراب وخرج واحد وبقي واحد وحثى الناس ~~التراب عليه، فقلت: يا قوم يدفن حي مع ميت - لا يكون شبه لي2 - ثم رجعت ~~فقلت: ما رأيت إلا اثنين خرج واحد وبقي الآخر، لا أبرح من هاهنا حتى يكشف ~~الله لي ما رأيت، فجئت إلى القبر فقرأت عشرات مرات يس وتبارك وبكيت ورفعت ~~يدي، وقلت: يا رب اكشف لي عما رأيت فإني خائف على عقلي وديني، فانشق القبر ~~وخرج منه شخص فولى مبادرا3، فقمت وراءه وقلت: يا هذا بمعبودك إلا وقفت حتى ~~أسألك فما التفت إلي وولى ومضيت خلفه، فقلت: يا هذا بمعبودك إلا ما وقفت ~~حتى أسألك فما التفت إلي وولى فقلت: أنا رجل شيخ ليس بمكنتي النهوض، ~~فبمعبودك إلا وقفت حتى أسألك فالتفت إلي وقال: نصر الصائغ؟ فقلت: نعم قال: ~~لا تعرفني؟ قلت: لا، قال: فنحن ملكان من ملائكة الرحمة قد وكلنا بأهل السنة ~~إذا وضعوا في قبورهم حتى نقلنهم الحجة، وغاب عني"4. # وروى اللالكائي أيضا عن إبراهيم بن أدهم5 قال: "تبعت جنازة بالساحل فقلت: ~~بارك الله لي في الموت، فقال قائل من السرير: وما بعد PageV03P715 # الموت، قال إبراهيم: فدخل على منه رعب حتى ما قدرت أحمل قائمة السرير، ~~فدفن الميت وانصرفوا، وقعدت عند القبر مفكرا في القائل من السرير وما بعد ~~الموت، فغلبتني عيناي على ركبتي، فإذا أنا بشخص من القبر ms322 أحسن الناس وجها ~~وأطيبه ريحا وأنقاه ثيابا وهو يقول: يا إبراهيم، قلت: لبيك فمن أنت يرحمك ~~الله؟ قال: أنا لقائل من السرير وما بعد الموت، قلت: فبالذي خلق الحبة وبرأ ~~النسمة وتردى بالعظمة1 إلا قلت لي من أنت، فقال: أنا السنة أكون لصاحبي في ~~الدنيا حافظا وعليه رقيبا وفي القبر نورا ومؤنسا وفي القيامة سائقا وقائدا ~~إلى الجنة"2. # قلت: وهذا الخبر موافق للخبر الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم أن عمل ~~ابن آدم يأتيه على صورة شخص في القبر على ما مضى3. # وذكر اللالكائي فيما روي عن نافع عن ابن عمر - رضي الله عنه - أنه قال: ~~"بينما أنا أسير بجنبات بدر إذ خرج رجل من الأرض في عنقه سلسلة يمسك4 ~~بطرفها أسود في يده مرزبة فقال: يا عبد الله أسقني، قال ابن عمر: فلا أدري ~~أعرفني أم كما يقول الرجل للرجل يا عبد الله، فقال لي الأسود: يا عبد الله ~~لا تسقه، ثم اجتذبة جذبة ودخلا في الأرض جميعا". # وفي رواية فضربه بمرزبة حتى غيبه في الأرض، فأخبرت النبي صلى الله عليه ~~وسلم بذاك فقال: وقد رأيته ذاك أبو جهل وذاك عذابه إلى يوم القيامة"5. ~~PageV03P716 # وروى أبو هريرة وأبو سعيد الخدري - رضي الله عنهما - عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: "أتدرون ما الضنك الذي قال الله؟ قلنا: الله ورسوله ~~أعلم فقال: عذاب الكافر في قبره، والذي نفسي بيده أنه ليسلط عليه تسعة ~~وتسعون تنينا. أتدرون ما التنين، قال: حيات كل حية لها تسعة وتسعون رأسا ~~تنهشه وتلدغه حتى تقوم الساعة، ولو أن تنينا نفخ في الأرض ما أنبتت خضرا"1. # وروي عن عبد الحميد بن محمود2 قال: "كنت عند ابن عباس فأتاه رجل فقال ~~أقبلنا حجاجا فلما صرنا في الصفاح3 توفي صاحب لنا، فحفرنا فإذا أسود قد أخذ ~~اللحد فحضرنا آخر، فإذا الأسود قد أخذ اللحد، قال: فحفرنا قبرا آخر فإذا ~~الأسود قد أخذ اللحد فتركناه وأتيناك فما تأمرنا؟ قال: ذلك عمله الذي كان ~~يعمل اذهبوا فادفنوه في ms323 بعضها، فوالله لو حفرتم الأرض كلها لوجدتم ذلك، ~~قال: فألقيناه في قبر منها فلما قضينا سفرنا أتينا امرأته فسألناها عنه ~~فقالت: كان رجل4 يبيع الطعام فيأخذ قوت أهله كل يوم، ثم ينظر مثله من قصب ~~الشعير فيقطعه فيخلطه في طعامه مكان ما كان يأخذ"5. PageV03P717 # وروى صدقة بن خالد1 عن بعض مشايخ دمشق قال: "حججنا مع محمد بن سريد ~~الفهري2 فهلك صاحب لنا في بعض الطريق على ماء من تلك المياء قال: فأتينا ~~أهل الماء نطلب شيئا نحفر له، فأخرجوا إلينا فأسا ومجرفة، وقالوا: نحن في ~~هذا الموضع الذي ترون انقطاعه، وإنما وضع هذان لمثل ما طلبتم، فأعطونا عهدا ~~لتردونهما إلينا ففعلنا، فلما وارينا صاحبنا في القبر نسينا الفأس في ~~القبر، فأعظمنا أن ننبشه فقلنا: نرضي القوم من ثمن فأسهم، فأخبرناهم الخبر ~~وعرضنا عليهم ثمن الفاس فأبوا أن يقبلوه، وقالوا: ليس نجد في موضعنا هذا ~~منه عوضا وقد أعطيتمونا ما علمتم، فرجعنا إلى القبر فنبشناه فوجدنا الرجل ~~قد جمع عنقه ويداه ورجلاه في حلقة الفأس، فسوينا عليه التراب، وعدنا إلى ~~القوم فأخبرناهم أنه ليس إلى الفأس سبيل وأرضيناهم من الثمن، فلما انصرفنا ~~جئنا امرأته فسألناها عنه بما كان يخلو فيما بينه وبين الله عز وجل قالت: ~~قد كان على ما رأيتم من حاله يحج ويغزو فلما أخبرناها الخبر، قالت: صحبه ~~رجل معه مال فقتل الرجل وأخذ المال"3. # وروى ابن عمر قال: "خرجت في سفر فرفع في الطريق إلي مقبرة، فأويت إلى ~~امرأة فلما جن الليل سمعت صوتا من القبر وهو يقول: شن وما شن بول وما بول، ~~فجزعت من ذلك فقلت للمرأة: ما هذا؟ فقالت: ولدي، قدم علينا رجل في يوم شديد ~~الحر فاستقانا فقال ولدي: قم إلى الشن فأشرب منه ولم يكن في الشن شيء، فقام ~~ليشرب فلم يجد فيه شيئا فمات، وكان لا يستبري من البول وكنت أنهاه عن ذلك ~~فلا ينتهي، فلما مات دفنته في هذه فكلما جن الليل يصيح شن وما شن بول وما ~~بول4، PageV03P718 # فحدثت به ms324 النبي صلى الله عليه وسلم، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم أن ~~يسافر الرجل وحده1. # فقيل: إنما نهى عن ذلك عند ذكر هذه الصفة، لن ابن عمر جزع مما2 أصابه، ~~وقيل: لأجل الرجل الذي مات من العطش، لأنه لو كان معه رفيق لأعانه على طلب ~~الماء. # وهذه الأخبار كلها وإن اختلفت ألفاظها فهي متفقه في المعنى. PageV03P719 # 110 فصل # وعند أهل الحديث أن الحسنات والسيئات للموحدين توزن بميزان يوم القيامة، ~~وأن الصراط حق، وأن حوض النبي صلى الله عليه وسلم حق. # وأنكرت المعتزلة والقدرية وأهل الزيغ ذلك كله1. PageV03P720 # والدليل على الميزان قوله تعالى: {ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا ~~تظلم نفس شيئا} 1. # وقوله تعالى: {فأما من ثقلت موازينه، فهو في عيشة راضية، وأما من خفت ~~موازينه فأمه هاوية} 2، وقوله تعالى: {فمن ثقلت موازينه فأولئك هم ~~المفلحون، ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم} 3، وقوله تعالى: ~~{والوزن يومئذ الحق فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون} 4. # وروى أبو هريرة - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ~~كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن، سبحان ~~الله وبحمده سبحان الله العظيم وبحمده" 5. PageV03P721 # وروي عن سلمان أنه قال: "يوضع الصراط يوما لقيامة وله حد كحد الموسا، ~~ويوضع الميزان له كفتان لو وضع في أحدهما السموات والأرض وما فيهن لوسعهن، ~~فتقول الملائكة: ربنا لمن تزن بهذا؟ فيقول: لمن شئت من خلقي، فتقول ~~الملائكة: ما عبدناك حق عبادتك"1. # وروى أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن ملكا موكل بالميزان فيؤتى ~~بابن آدم فيوقف بين كفتي الميزان، فإن رجح نادى الملك بصوت يسمع الخلائق ~~سعد فلان بن فلان سعادة لا يشقى بعدها أبدا، وإن خفت نادى الملك شقي فلان ~~شقاوة لا يسعد بعدها أبدا"2. # وروى أبو الدرداء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أثقل شيء يوضع في ~~الميزان الخلق الحسن"3. # وروي عن حذيفة أنه قال: "صاحب الميزان يوم القيامة جبريل يرد بعضهم على ~~بعض، قال فيؤخذ من حسنات الظالم فترد ms325 على المظلوم، فإن لم يكن له حسنات أخذ ~~من سيئات المظلوم فردت على الظالم"4. # وروى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يصاح يوم القيامة برجل ~~من أمتي على رؤوس الخلائق، فيؤتى به إلى الميزان فينشر له تسعة وتسعين سجلا ~~كل سجل منها مد البصر فيها خطاياه، فيقال له: أتنكر من هذا شيئا فيقول: لا ~~PageV03P722 # يا رب، فيقول: للك عذر أو حسنة؟ فيهاب الرجل فيقول: لا يا رب، فيقول ~~الله: بلى إن لك عندنا حسنة، وإنه لا ظلم اليوم عليك، فتخلاج له بطاقة بقدر ~~أنملة فيها شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فيقول الرجل: ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فيقول: إنك لا تظلم، ~~فتوضع السجلات في كفة، والبطاقة في كفة فطاشت السجلات وثقلت الطباقة"1. ~~والبطاقة هي الرقعة الصغيرة. # وروى أبو أمامة قال: "لما نزلت هذه الآية: {وأنذر عشيرتك الأقربين} 2 جمع ~~النبي صلى الله عليه وسلم بني هاشم فأجلسهم على الباب، وجمع نساءه وأهله ~~وأجلسهم في البيت ثم اطلع وقال: يا بني هاشم اشتروا أنفسكم من الله لا ~~يغرنكم قرابتكم مني، فإني لا أملك لكم من الله شيئا، ثم أقبل على أهله ~~فقال: يا عائشة ابنة أبي بكر، يا حفصة بنت عمر، يا أم سلمة، يا فاطمة ابنة ~~محمد، يا أم الزبير عمة النبي صلى الله عليه وسلم، يا فلانة يا فلان اشتروا ~~أنفسكم من الله، واسعوا في فكاك رقابكم فإني لا أملك لكم من الله شيئا فبكت ~~عائشة - رضي الله عنها - ثم قالت: "وهل يكون ذلك يوم لا يغني عني شيئا؟ ~~قال: نعم، في ثلاثة مواطن يقول الله تعالى: {ونضع الموازين القسط ليوم ~~القيامة} 3، وقال عز وجل: {فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون، ومن خفت ~~موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون} 4 فعند ذلك لا أغني ~~عنكم من الله شيئا، وعند النور من شاء الله أتم نوره ومن شاء تركه في ~~الظلمة يعمه فيها، ولا أملك ms326 لكم من الله شيئا، وعند الصراط من شاء الله عز ~~وجل سلمه وأجاره ومن شاء كبكبه في النار، قالت عائشة: أي حبيب قد علمنا ~~PageV03P723 # أن الميزان هي الكفتان يوضع في هذا الشيء وفي هذا الشيء فيرجح أحدهما ~~وتخف الأخرى وقد علمنا النور والظلمة، فما الصراط؟، قال: طريق بين الجنة ~~والنار يجوز الناس عليها وهي مثل حد الموسا والملائكة صافين يمينا وشمالا ~~يتخطفونهم بكلاليب مثل شوك السعدان، يقولون: رب سلم رب سلم1 وأفئدتهم هواء، ~~فمن شاء سلمه ومن شاء كبكبه"2. # وأما الدليل على الحوض، فما روى ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر حوضه، فقلت: يا رسول الله من أول ~~الناس وروداله؟ قال: المهاجرين3 الشعثة رؤوسهم، الدنسة ثيابهم، الذين لا ~~تفتح لهم السدد، اولا ينكحون المنعمات"4. PageV03P724 # وروى حذيفة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن حوضي لأبعد ما بين1 ~~أيله2 وعدن. والذي نفسي بيده لآنيته أكثر من عدد النجوم، ولهو أشد بياضا من ~~اللبن وأحلى من العسل، والذي نفسي بيده إني لأذود عنه الرجال كما يذود ~~الرجل عن حوضه، قيل: يا رسول الله هل تعرفنا يومئذ؟ قال: نعم تردون علي غرا ~~محجلين من أثر الوضوء ليست لأحد غيركم"3. # وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أنا فرطكم على الحوض "4. # وروي أنه ذكر الحوض عند عبيد الله بن زياد5 فأنكره فبلغ أنسا، فقال: "لا ~~جرم والله لأفعلن به، قال فاتاه فقال ما ذكرتم من الحوض ما أنكرتم من ~~الحوض6، قال عبيد الله: هل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكره؟ قال: ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر من كذا وكذا مرة يقول: " حوضي ما ~~بين أيلة PageV03P725 # ومكة وما بين صنعاء ومكة وأن آنيته أكثر من نجوم السماء"1. # وفي بعض الروايات أنه قال: "إن حوضي من مقامي إلى عمان"2، قاله أبو ~~منصور3 بنصب العين وتشديد الميم وهي بالشام. # وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن لي حوضا ما ms327 بين الكعبة إلى ~~بيت المقدس، له ميزابان من الجنة ذهب وميزاب من ورق، أبيض من اللبن، وأحلى ~~من العسل، وأبرد من الثلج، فيه أباريق عدد نجوم السماء، من يشرب منه لم ~~يظمأ حتى يدخل الجنة، ولكل نبي حوض، فمنهم من يأتيه الفئام من الناس - ~~والفئام الجماعة - ومنهم من يأتيه العصب4، ومنهم من يأتيه النفر، ومنهم من ~~يأتيه الرجلان والرجل، ومنهم من لا يأتيه أحد، وإني أكثر الناس تبعا يوم ~~القيامة "5. PageV03P726 # 111 – فصل: في ذكر فضائح القدرية # وذلك أنهم ردوا السنة كلها وأبطلوا وتأولوها على آرائهم الفاسدة فهم كمن ~~رد على النبي صلى الله عليه وسلم قوله في حياته، ولما م يمكنهم رد القرآن ~~قالوا إنه مخلوق لهم إذا قرؤوه ويقدرون على مثله لو جمعوا هممهم، ومن كان ~~هذا قوله فهو كافر1 لا تقبل فيه شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم. # وروي أن بعض أئمة الحديث قدم ليصلي على بعض دعاة القدرية، فقام عنده ولم ~~يكبر، وقال بأعلى صوته: اللهم إن هذا ما كان يؤمن بعذاب القبر فلا تنجه ~~منه، اللهم إن هذا ما كان يوؤمن بمنكر ونكير فلا تلقنه حجته عند مسألتهما ~~إياه، اللهم إن هذا ما كان يؤمن بأن الجنة والنار قد خلقا فلا تفتح له بابا ~~من الجنة إلى قبره وافتح له بابا إلى النار وقد سمعك تقول: {ويا آدم اسكن ~~أنت وزوجك الجنة} 2 اللهم والباب لذي يفتح له إلى النار فلا تغلقه عنه إلى ~~المحشر، اللهم إن هذا ما كان يؤمن بالنظر إلى وجهك الكريم فلا تره وجهك، ~~اللهم إن هذا ما كان يؤمن بالحوض الذي وعدته نبيك فلا تسقه منه يوم العطش ~~الأكبر، اللهم إن هذا ما كان يؤمن بأن الحسنات والسيئات توزن بميزان له ~~كفتان وقد سمعك تقول: {والوزن يومئذ الحق} 3 اللهم فلا تثقل ميزانه ولا ~~تترك في صحيفة عهمله حسنة يرجح بها الميزان، اللهم إن هذا ما كان يؤمن ~~بالعقاب الذي مع المساءلة فلا تنجه منها، اللهم إن هذا ما كان يؤمن ms328 بالصراط ~~الذي يعبر عليه الخلق إلى الجنة من المحشر فلا يجاوزه عليه، اللهم إن هذا ~~ما كان يزعم أنه كان مستغيثا عنك في دار الدنيا فيما كان من مقدرواته على ~~زعمه غير مفتقر إليك في شيء من PageV03P727 # ذلك، فكن له في الآخرة كما كان يعتقد في دار الدنيا فيك فكله إلى حوله ~~وقوته، اللهم إن هذا يزعم أنك ساويت بين حبيبك محمد صلى الله عليه وسلم ~~وبين أبي جهل وسائر الكفار فيما أنعمت عليه من العون على الإيمان، وزعم أنك ~~ساويت بين حبيبك محمد صلى الله عليه وسلم وبين أبي جهل عدوك، فساو يا رب ~~بينه وبين الشيطان في النار كما كان مساويا له في دار الدنيا على زعمه فإنه ~~قد أعظم الفرية عليك، اللهم إن هذا كان يزعم أنه خالق لعمله وما كان يفعله ~~في دار الدنيا فلا تخلق فيه ما يميز به بين الخير والشر، واختم على سمعه ~~وبصره وقلبه فإنه زعم أنما يدرك بسمعه وبصره الذي ركبت فيه كان خلقاله ~~فأحجبه أن يدرك شيئا من المدركات أو المسموعات والمبصرات، فإنه زعم أن كل ~~ذلك كان من مقدوره ولا يقدر معبوده على شيء من أفعاله لا الخير ولا الشر، ~~وقد سمعك أمرت عبادك أن يسألوك استعانتك1 على طاعتك وهو قولك: {إياك نعبد ~~وإياك نستعين} 2 فكان يزعم أنه مستغن عنك غير محتاج إليك في حال ما كان ~~يفعل أفعاله من الإيمان والطاعات وغير ذلك، وكله يا رب إلى حوله وقوته كما ~~كان يزعم ولا تعنه في عرصات القيامة، اللهم إن هذا كان يزعم أنه لا علم لك ~~بعد أن3 سمعك تقول: {وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه} 4 قوله: {أنزله ~~بعلمه} 5 فلا تحطه بشيء من علمك في الآخرة، واجعله اضل سبيلا من الأنعام في ~~الآخرة، اللهم إن هذا كان ينفي يديك وقد سمعك تقول: {ما منعك أن تسجد لما ~~خلقت بيدي} 6 اللهم فاجعل يديه مغولولتين إلى عنقه، اللهم إن هذا كان يزعم ~~أن معبوده ms329 لا وجه له وقد سمعك تقول: {إلا هو كل شيء هالك إلا وجهه} 7 و ~~{إنما نطعمكم لوجه الله} 8، فحول وجهه إلى قفاه مسودا منكلا به، اللهم إن ~~هذا كان يزعم أن له مشيئة دون مشيئتك فيما كان يشاء من أفعاله أو بعضها وقد ~~سمعك تقول: {وما تشاءون PageV03P728 # إلا أن يشاء الله} 1. فكله إلى مشيئته، اللهم إن هذا كان يزعم أنك أردت ~~ما لم تعلم وخروج الأشياء عن علمك وعلمت ما لم ترده، وأنك لم ترد شهادة ~~حمزة وغيره وقد سمعك تقول: {ويتخذ منكم شهداء} 2 وأنك لم تأمر إبراهيم ~~خليلك بذبح ولده حيث لم ترد ذبحه، وقد سمعك تقول مخبرا عنهما: {يا بني إني ~~أرى في المنام أني أذبحك} 3 اللهم فلا تحشره في زمرتهما، اللهم إن هذا كان ~~يزعم أن من عبدك ألف سنة وأتى كبيرة غير مستحل لها ولا جاحد لحقك أنك تخلده ~~في النار مع فرعون وقارون والشياطين، فلا تقبل فيه شفاعة4 نبيك وخلده مع ~~فرعون وهامان وقارون، فقد أتاك بهذه المعضلات والكفر الصريح فاحشره مع زمرة ~~من زعم أنه يكون معهم فلقد أعزم الفرية عليك تعاليت يا رب عما يقول ~~الظالمون علوا كبيرا، ثم التفت إلى من خلفه بعد كلامه هذا وقال: إنما فعلت ~~هذا لتعلموا أنها سنة فإن الله تعالى يقول لنبيه: {ولا تصل على أحد منهم ~~مات أبدا ولا تقم على قبره} 5، وكما فعل ابن عباس لما صلى على جنازة فجهر ~~بفاتحة الكتاب وقال: أما أني لم أجهر فيها لأن الجهر مسنون، ولكن جهرت ~~لتعلموا أن فيها قراءة"6. PageV03P729 ### | 112 - # فصل: # الدين يتصرف إلى وجوه: # أحدهما الجزاء والحساب لقوله تعالى: {مالك يوم الدين} 1، أي يوم2 الحساب ~~والجزاء ومثله قوله تعالى: {الذين يكذبون بيوم الدين} 3، أي بيوم الحساب ~~ومثله قوله تعالى: {فلولا إن كنتم غير مدينين} 4، أي غير محاسبين ومثله ~~قوله تعالى: {فلولا إن كنتم غير مدينين} 5، أي لمحاسبون، وقوله تعالى: ~~{يصلونها يوم الدين} 6. # ومن هذا يقال: دنت فلانا بما صنع، أي جزيته، ومنه قولهم ms330 كما تدين تدان، ~~قال الشاعر: # واعلم وايقن أن ملك زائل ... واعلم بأن كما تدين تدان7 # وقد يكون الدين بمعنى الحكم ومنه قوله تعالى: {ما كان ليأخذ أخاه في دين ~~الملك} 8، أي في حكم الملك، وقوله تعالى: {ولا تأخذكم بهما رأفة في دين ~~الله} 9، أي في حكم الله. # وقد يكون الدين بمعنى: القهر والإذلال، ومن هذا يقال: دنت القوم أي ~~قهرتهم وأذللتهم، فدانوا قال القطامي10: ... ... ... ... ... كانت11 نوار ~~تدينك الأديان12. PageV03P730 # أي تذلك. # والدين لله إنما هو هذا، ومنه قولهم: فلان يدين بدين الإسلام، أو بدين ~~اليهود، أي يعتقده وينطوي عليه. # وقد يكون الدين بمعنى الإنقياد والاستسلام، ومنه قوله تعالى: {إن الدين ~~عند الله الإسلام} 1، وقد يكون الدين بمعنى الملة، ومنه قوله تعالى: {ذلك ~~الدين القيم} 2، أي الملة المستقيمة3. # وأما الكفر فأصله: التغطية:، يقال: كفرت الشيء أي غطيته، ومنه يقال: تكفر ~~فلان بالسلام، أي تغطي به. # وسمي الليل كافرا لأنه يستر كل شيء ويغطيه. قال لبيد4 في الشمس: # حتى إذا ألقت يدا في كافر ... وأجن عورات الثغور ظلامها5 # وأراد بذلك ألقت الشمس يدها في الليل. # وقال آخر يصف ظليما6 ونعامة: # فتذكرا ثقلا7رثيدا8 بعدما ... ألقت ذكاء يمينها في كافر9 PageV03P731 # وأراد بالثقل النبات، ورثيدا من صفات ارتوائه1، وذكاء هي الشمس ومنه يقال ~~للصبح: ابن ذكاء لأن وضوءه من الشمس2.ومما يدل على أن الكفر التغطية قول ~~الله تعالى: {كمثل غيث أعجب الكفار نباته} 3، والكفار هاهنا الزراع الواحد ~~كافر، لأنه إذا زرع غطى بذره بالتراب، وسمي الكافر بالله كافرا لتغطية نعم ~~الله بالجحود، وقيل: لأنه يستر بكفره الإيمان4.والشرك في اللغة مصدر أشركته ~~في الأمر أشركه شركا, ومنه قوله تعالى: {فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء ~~فيما آتاهما} 5، أي نصيبا، وأراد باسم الولد أنهما سمياه عبد الحارث، فكان ~~الشرك بالله هو أن يجعل له شركا6. # واليهود سموا يهدا لأنهم انتسبوا ببعض الملوك إلى يهوذا بن يعقوب لأمر ~~خافوه7، وسموا8 النصارى باسم القرية التي نزل فيه المسيح وهي ناصرة من أرض ~~الجليل9. PageV03P732 # والفسق في اللغة: الخروج ماخوذ من قولهم ms331 فسقت الرطبة إذا خرجت عن قشرها، ~~وسمي الفاسق في الدين فاسقا لخروجه عن طاعة الله تعالى، قال الله تعالى: ~~{ففسق عن أمر ربه} 1 أي عن طاعته2. # والمنافق هو من يدخل في الإسلام باللفظ ويخرج منه بالاعتقاد، وفي اشتقاقه ~~ثلاثة أقوال: # أحدها: إنما سمي بذلك لأنه مأخوذ من النفق وهو السرب في الأرض قال الله ~~تعالى: {نفقا في الآرض} 3، أي مدخلا تحت الأرض، والمنافق ستر كفره وغيبه ~~فشبه بالذي يدخل وهو السرب. # والقول الثاني: إنما سمي به لأنه مأخوذ من نافقا اليربوع وهو جحره، لأن ~~له جحرا يقال له النافقا وجحرا يقال له القاصعا، فإذا طلب من النافقا فضبح ~~خرج من القعصاء فشبه باليربوع لأنه يخرج من الإيمان عن الوجه الذي يدخل ~~فيه. # والثالث: إنما سمي بذلك لإظهاره غير ما يضمر تشبيها باليربوع، وذلك أنه ~~يخرق الأرض حتى إذا كاد يبلغ ظاهر الأرض أرق التراب، فإذا رابه ريب رفع ذلك ~~التراب برأسه فخرج فظاهر جحره تراب كالأرض وباطنه حفر، كذلك المنافق ظاهره ~~إيمان وباطنه كفر4. PageV03P733 ### | 113- # فصل # والإسلام في اللغة: هو الانقياد والاستسلام ومنه قوله تعالى: {ويلقوا ~~إليكم السلم} 1 أي المقادة2، وقوله تعالى: {ويسلموا تسليما} 3 أي ينقادون ~~لحكمك4 ويقال سلم واستسلم وأسلم إذا انقاد5. # والإيمان في اللغة هو التصديق لقوله تعالى: {وما أنت بمؤمن لنا} 6 أي ~~بمصدق لنا7،وقوله تعالى: {ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم وإن يشرك به ~~تؤمنوا} 8,9 أي تصدقوا ويقال: فلان يؤمن بعذاب القبر والشفاعة، أي يصدق ~~به10.واختلف الناس في الإسلام والإيمان هل هما شيئان أو شيء واحد: # فقال بعضهم: هما شيء واحد11. PageV03P734 # وقال آخرون: هما شيئان لا تواصل بينهما1. # وقال آخرون: هما شيئان بينهما ارتباط وتواصل2. PageV03P735 # واختلف الناس في الإيمان الشرعي أيضا على ثلاثة مذاهب: # فذهب الأشعرية: إلى أن الإيمان الشرعي هو التصديق بالقلب لا غير1. # وذهب المرجئة: إلى أن الإيمان هو الإقرار باللسان بالشهادتين، وإن لم ~~يعرف بقلبه من غير عمل2. # وقيل إن المرجئة يقولون: الإيمان هو القول باللسان والتصديق بالقلب من ms332 ~~غير عمل3. PageV03P736 # وقالت الجهمية: الإيمان التصديق بالقلب لا غير1. # وذهب أهل الحديث وجماهير العلماء إلى أن الإيمان: هو التصديق بالقلب ~~والإقرار باللسان بالشهادتين والأعمال بالجوارح2،وأقل ما يقبل من الإيمان ~~هو المعرفة التي لا تخالطها الشكوك3. # والإسلام عام والإيمان خاص4، والإيمان بعض الإسلام وهو أشرف PageV03P737 # أجزائه1، فكل تصديق تسليم2 وليس كل تسليم تصديقا3،وكل مؤمن مسلم وليس كل ~~مسلم مؤمنا، والإسلام ظاهر الأمر، والإيمان باطنه4 وحقيقة الإسلام الطاعة ~~قال الله تعالى: {واجعلنا مسلمين لك} 5،أي مطيعين. # وقد ورد ذكر الإسلام الطاعة في الشرع على وجهين: # أحدهما: المراد به الإخلاص وهو قوله تعالى: {إذ قال له ربه أسلم} وأراد ~~به"أخلص" {قال أسلمت لرب العالمين} 6 يعني فقل: أخلصت، ومثله قوله تعالى: ~~{فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله} يعني فقل: أخلصت يعني أخلصت ديني لله - إلى ~~قوله تعالى: {وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم فإن أسلموا} ،7 ~~والمراد أأخلصتم فإن أخلصوا8، ومثلها قوله تعالى: {ومن يسلم وجهه إلى الله} ~~9. PageV03P738 # الوجه الثاني: المراد به الإقرار، وهو قوله تعالى: {وله أسلم من في ~~السماوات والأرض} 1 يعني أقر بالعبودية، وقوله تعالى: {من في السماوات} ~~يعني من الملائكة وقوله تعالى: {والأرض} يعني المؤمنين {طوعا} ثم قال ~~{وكرها} يعني أهل الأديان2يعلمون أن الله خلقهم لأن الله قال: {ولئن سألتهم ~~من خلقهم ليقولن الله} 3، ومما ورد بذكر الإسلام والمراد به الإقرار ~~باللسان قوله تعالى: {قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا} ~~4، لأنهم أقروا باللسان ولم يصدقوا بقلوبهم5. # وقد ورد الشرع بذكر الإيمان مفردا على أوجه: PageV03P739 # أحدها: المراد به الإقرار باللسان لا غير، وذلك لما أخبر الله عن إيمان ~~المنافقين مثل قوله تعالى: {إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله} ~~- إلى قوله: - {اتخذوا أيمانهم جنة} 1، والمراد به إقرارهم بألسنتهم دون ~~تصديقهم بقلوبهم2. # والوجه الثاني: ما ورد والمراد به التصديق والأعمال كقوله تعالى: {الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات} 3، وبقوله تعالى: {وعد الله المؤمنين والمؤمنات ~~جنات تجري من تحتها الأنهار} 4 وما أشبهها مما وعد الله عليه الثواب ~~والجزاء، فالمراد ms333 به التصديق باللسان والجوارح. # والوجه الثالث: ما ورد والمراد به التوحيد وذلك قوله تعالى: {ومن يكفر ~~بالإيمان فقد حبط عمله} 5، والمراد بكفره بالتوحيد6، كقوله تعالى: {إذ ~~تدعون إلى الإيمان فتكفرون} 7 والمراد يدعون إلى التوحيد. # والوجه الرابع: ما ورد والمراد به به التصديق ببعض دون بعض كقوله تعالى: ~~{وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون} 8 يعني مشركي العرب، لأنك إن ~~سألتهم من خلقهم قالوا الله وهم يجعلون لله شركاء9، وأهل الكتاب ~~PageV03P740 # يؤمنون ببعض الرسل ويكفرون ببعض قال الله: {فلم يك ينفعهم إيمانهم لما ~~رأوا ... } 1 يعني إيمانهم ببعض الكتب2 والرسل دون بعض3. # وورد ذكر الإيمان والإسلام في الشرع على سبيل الترادف والتوارد وعلى سبيل ~~الاختلاف، فأما على سبيل الترادف فقوله تعالى: {فأخرجنا من كان فيها من ~~المؤمنين، فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين} 4، ولم يكن فيها بالاتفاق ~~إلا بيت واحد وهم أهل بيت لوط5، لقوله6 تعالى: {فأسر بأهلك بقطع من الليل} ~~7 ومثلها قوله تعالى: {إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين} ~~8. # ومن السنة ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "بني الإسلام على خمس ~~شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم وإقام ~~الصلاة وإيتاء الزكاة والحج وصوم رمضان "9. PageV03P741 # وروى ابن عباس "أن وفد عبد القيس لما قدموا على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أمرهم بالإيمان فقال: أتدرون ما الإيمان؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، ~~قال: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء ~~الزكاة وصوم رمضان وأن تطوا الخمس من المغنم"1. # وروي أنه فسر الإيمان بالخمس التي قال بني الإسلام عليها2. # وأما وروده على الاختلاف والتداخل3 فقوله تعالى: {قالت الأعراب آمنا قل ~~لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم} 4 فأراد ~~بالإيمان هاهنا التصديق بالقلوب، لأنهم ادعوا ذلك فأخبر الله أنهم ليسو ~~كذلك، وأمرهم بأن يقولوا أسلمنا ومعناه استسلامهم في الظاهر باللسان ~~والجوارح5 بدليل قوله تعالى: {ولما يدخل ms334 الإيمان في قلوبكم} ، لأن هذه ~~الآية نزلت PageV03P742 # بقوم من أعراب بني أسد بن خزيمة نزلوا المدينة وادعوا الإسلام وعلم الله ~~منهم غير ذلك فقال: {قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا} ، مخافة القتل ~~والسبي1. # وروى أبو برزة2 السلمي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يا معشر من آمن ~~بلسانه ولم يدخل الإيمان في قلبه لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم، ~~فإنه من اتبع عوراتهم تتبع الله عورته، ومن يتبع الله عروته يفضحه في بيته ~~"3. # وروى عبد الله بن عمر عن أبيه - رضي الله عنهما - قال: "كنا عند رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد ~~الشعر لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد حتى أتى النبي صلى الله ~~عليه وسلم فألزق ركبته بركبته ووضع كفيه على فخذيه، ثم قال: أخبرني يا محمد ~~عن الإسلام، وما الإسلام4؟ فقال: أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا ~~رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت ~~إليه سبيلا PageV03P743 # فقال: صدقت قال: فعجبنا له يسأله ويصدقه، قال: "فأخبرني عن الإيمان قال: ~~تؤمن بالله وملائكته وكته ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، قال: صدقت، ~~قال: فأخبرني عن الإحسان، قال: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه ~~فإنه يراك، قال فأخبرني عن الساعة قال: "ما المسئول عنها بأعلم من السائل. ~~قال عمر: فلبثنا مليا، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عمر أتدري ~~من السائل فقلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإنه جبريل أتاكم يعلمكم أمر ~~دينكم"1. # وروى سعد - رضي الله عنه - "أن النبي صلى الله عليه وسلم قسم قسما فأعطى ~~ناسا ومنع آخرين، فقلت: يا رسول الله أعطيت فلانا وفلانا ومنعت فلانا وهو ~~مؤمن فقال: لا تقل مؤمن بل مسلم. وروي في هذا أنه قال صلى الله عليه وسلم: ~~أو مسلم فأعدته عليه ثلاثا وهو يقول: أو مسلم"2. # وروي " أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل أي الأعمال ms335 أفضل، فقال صلى الله ~~عليه وسلم الإسلام فقيل: أي الإسلام أفضل فقال: الإيمان"3. # وروي عن الحسن البصري وابن سيرين أنهما كانا يهابان أن يقولا مؤمن ~~ويقولان مسلم4. PageV03P744 # وفي جميع ما ذكرته دليل على أن الإسلام اسمه عام والإيمان أخص منه1.قال ~~الله تعالى: {وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى} 2 فثبت الإيمان ~~بالتوبة وهو الإقرار باللسان والتصديق بالقلب وبعمل الشرائع في الجواح3 على ~~موافقة سنة النبي صلى الله عليه وسلم، فكان التسليم بالقلب ثمرة التسليم ~~باللسان والجوارح4، فإذا عبر بالإيمان عن تسليم القلب فكأنه عبر عن ثمرة ~~الإيمان5 وإذا عبر بالإسلام عن تسليم اللسان والجوارح والقلب كان جائزا كما ~~يطلق اسم الشجرة على الشجرة وثمرها. # ومما يدل على أن الصلاة من الإيمان6 أن القبلة لما حولت من بيت المقدس ~~إلى الكعبة قالت الصحابة - رضي الله عنهم - كيف بإخواننا الذين ماتوا وهو ~~يصلون إلى بيت المقدس، فأنزل الله تعالى: {وما كان الله ليضيع إيمانكم} 7، ~~8 واللام في ليضيع لام الجحود نصب به الفعل المستقبل، وأراد بالإيمان هاهنا ~~صلاتهم إلى بيت المقدس. # ومن الدليل على ما ذكرناه ما روي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه ~~قال: "إن الله بعث نبيه محمدا عليه السلام بشهادة أن لا إله إلا الله فلما ~~صدق به المؤمنون زادهم الصلاة، فلما صدقوا زادهم PageV03P745 # الصيام، فلما صدقوا زادهم الزكاة فلما صدقوا بها زادهم الحج، فلما صدقوا ~~به زادهم الجهاد، ثم أكمل لهم دينهم فقال عزوجل: {اليوم أكملت لكم دينكم ~~وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا} 1،2. # وقيل: إن أول ما فرض الله عليهم من الصلوات ركعتان بالغداة وركعتان ~~بالعشي، ثم فرضت الصلوات الخمس بمكة ليلة المعراج3. # قالت عائشة - رضي الله عنها -: كان المعراج قبل الهجرة بثمانية عشر ~~شهرا4، وفرضت الزكاة بالمدينة، وصوم رمضان بعد الهجرة في السنة الثانية في ~~شعبان، وفرض الحج في سنة تسع، فلما حج النبي صلى الله عليه وسلم حجة الوداع ~~سنة عشر نزلت هذه الآية يوم عرفة {اليوم أكملت لكم ms336 دينكم وأتممت عليكم ~~نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا} 5، وهي أخر آية نزلت في التحليل والتحريم، ~~وعاش النبي صلى الله عليه وسلم بعدها إحدي وثمانين ليلة6، ثم توفي يوم ~~الاثنين لليلتين خلتا من ربيع الأول. # وروي أن رجلا سأل سفيان الثوري7 عن الإيمان فقال: "الإيمان قول وعمل يزيد ~~وينقص، فقال الرجل: كيف نصنع بقوم عندنا يزعمون أن PageV03P746 # الإيمان قول بلا عمل، فقال سفيان: كان هذا قبل أن تنزل أحكام الإيمان ~~وحدوده، إن الله عز وجل بعث محمدا صلى الله عليه وسلم إلى الناس كافة أن ~~يقولوا لا إله إلا الله وأنه رسول الله، فإذا قالوها عصموا دماءهم وأموالهم ~~إلا بحقها وحسابهم على الله، فلما علم صدق ذلك من قلوبهم أمره أن يأمرهم ~~بالصلاة فأمرهم ففعلوا، والله لو لم يفعلوا ما نفعهم الإقرار الأول، فلما ~~علم الله صدق ذلك من قلوبهم أمره أن يأمره بالهجرة إلى المدينة، فأمرهم ~~ففعلوا، والله لو لم يفعلوا ما نفعهم إقرارهم الأول ولا صلاتهم، فلما علم ~~الله صدق ذلك من قلوبهم أمرهم بالرجوع إلى مكة فيقاتلوا آباءهم وأبناءهم ~~حتى يقولوا كقولهم ويصلوا صلاتهم ويهاجروا كهجرتهم، فأمرهم ففعلوا حتى أتى ~~أحدهم برأس أبيه، فقال: يا رسول الله هذا رأس الشيخ الكافر، والله لو لم ~~يفعلوا ما نفعهم إقرارهم الأول ولا صلاتهم ولا مهاجرتهم، فلما علم الله صدق ~~ذلك من قلوبهم أمره أن يأمرهم بالطواف بالبيت تعبدا وأن يحلقوا رؤوسهم ~~تذللا ففعلوا، والله لو لم يفعلوا ما نفعهم إقرارهم الأول ولا صلاتهم ولا ~~مهاجرتهم ولا قتلهم آباءهم، فلما علم الله صدق ذلك من قلوبهم أمره أن يأخذ ~~من أموالهم صدقة يطهرهم بها ولا مهاجرتهم ولا قلتهم آباءهم ولا طوافهم، ~~فلما علم الله الصدق من قلوبهم فيما تتابع عليهم من شرائع الإيمان وحدوده ~~قال عزوجل: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ~~دينا} . قال سفيان: "فمن ترك خلة من خلال الإيمان جاحدا كان بها عندنا ~~كافرا، ومن تركها كسلا وتهاونا أدبناه وكان بها عندنا ناقصا، هكذا السنة ms337 ~~أبلغها عني من أسلك من الناس"1. PageV03P747 # وروي "أن رجلا من اليهود قال لعمر - رضي الله عنه -: يا أمير المؤمنين لو ~~علينا أنزلت هذه الآية {اليوم أكملت لكم دينكم} الآية لا تخذنا ذلك اليوم ~~عيدا. فقال عمر - رضي الله عنه -: "إني لأعلم أي يوم أنزلت هذه الآية، ~~أنزلت يوم عرفة في يوم جمعة ونحن بعرفات مع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم"1. # ومن الدليل على ما ذكرنا ما روى أبو هريرة - رضي الله عنه - أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: "الإيمان بضع وستون أو بضع وسبعون شعبة أفضلها قول لا ~~إلا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان ~~"2، فجعل إماطة الأذى والحياء من الإيمان. # وروى ابن عمر - رضي الله عنهما - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا ~~إيمان إلا بعمل ولا عمل إلا بإيمان"3. # وروى أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يؤمن عبد حتى أكون أحب ~~إليه من ولده والده والناس أجمعين"4. # وروى أنس - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ثلاث من كن ~~فيه وجد بهن حلاوة الإيمان، أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن ~~PageV03P748 # يحب المرء لا يحبه إلا لله وأن يكره أن يرجع في الكفر كما يكره أن توقد ~~نار فيقذف فيها"1. # وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما ~~يحب لنفسه"2. # وروى أبو هريرة - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من ~~كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم ~~الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ~~ليصمت"3. # وروى أبو هريرة - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~"والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، ألا ~~أدلكم على أمر إذا فعلتموه تحاببتم افشوا السلام بينكم"4. # عن أبي أمامة - رضي الله عنه - أن النبي صلى ms338 الله عليه وسلم سئل عن ~~الإيمان فقال: "فمن سرته حسنته وساءته سيئته فهو مؤمن"5. PageV03P749 # وروى أنس - رضي الله عنه - قال: "ما خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إلا قال: لا إيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن لا عهد له"1. # وروى أبو هريرة - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~"والله لا يؤمن والله لا يؤمن، قال: وما ذاك؟ قال: جار لا يأمن جاره ~~بوائقه" أخرجه البخاري2. # وروى أبو هريرة - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من ~~تمام إيمان العبد أن يستثني في كل حديثه"3. # وروى أبو قلابة عن رجل من أسلم عن أبيه قال، قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "أيكم يسلم4، قال، قلت يا رسول الله وما الإسلام؟ قال: أن تسلم لله ~~عز وجل ويسلم المسلمون من لسانك ويدك، قال: فأي الإسلام أفضل؟ قال: الهجرة ~~قال: وما الهجرة؟ قال: أن تهجر السوء، قال: فأي الهجرة أفضل؟ قال: الجهاد، ~~قال: قلت وما الجهاد؟ قال: أن تجاهد الكفار إذا PageV03P750 # لقيتهم ولا تغل ولا تجبن، قال: ثم عملان وهما من أفضل الأعمال وأكملها ~~ثلاث مرات: حجة مبرروة أو عمرة" 1. # وروى عبادة بن الصامت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " أفضل إيمان ~~المرء أن يعلم أن الله معه حيث كان"2. # وروى أبو هريرة - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ليس ~~الإيمان بالتحلي ولا بالتمني ولكن ما وقر بالقلب وصدقه والعمل، والذي نفسي ~~بيده لا يدخلن الجنة أحد إلا بعمل يتقنه قالوا: يا رسول الله وما يتقنه؟ ~~قال: يحكمه"3. وفيما ذكرته من الأخبار دليل على أن الإيمان أخص من الإسلام ~~وهو PageV03P751 # بعض منه1. والإسلام المأمور به بقوله تعالى: {فله أسلموا} 2 وما يستحق به ~~الثواب بالآخرة هو أعم من الإيمان3. # وقد يقع الإسلام على من أتى بلفظ الشهادتين وإن لم يصدق بقلبه، ويستفيد ~~بذلك عصمة دمه وماله في الدنيا لقوله صلى الله عليه وسلم " أمرت أن أقاتل ~~الناس ms339 حتى يقولوا لا إله إلا الله محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا ~~قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها" 4. # ولهذا قال الله تعالى: {قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا ~~أسلمنا} ومن فرق من العلماء بين الإسلام والإيمان فمرادهم هو هذا5. ~~PageV03P752 # روي عن حماد بن زيد أنه كان يفرق بين الإسلام والإيمان، ويجعل الإسلام ~~عاما والإيمان خاصا1. # وروي عن أحمد بن حنبل أنه كان يفرق بين الإسلام والإيمان2. وروي عن الحسن ~~وابن سيرين أنهما كانا يهابان أن يقولا مؤمن ويقولان مسلم3. # فالكفر4 الذي هو الجحود هو ضد الإسلام، وهو مبيح للدم والما، ويستحق به ~~التخليد في النار، ويسمى من ترك الصلاة كافرا. # وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة ~~فمن تركها فهو كافر "5. # وروي أن عمر - رضي الله عنه - لما طعن أخذته غشية، فقال بعض الصحابة: ~~إنكم لن تفزعوه إلا بالصلاة فقالوا: الصلاة يا أمير المؤمنين، قال: ففتح ~~عينيه وقال: أصلي الناس؟ قلنا: نعم قال: أما إنه لاحظ في الإسلام لأحد أضاع ~~الصلاة، ثم صلى وجرحه يثعب دما"6. # وكذلك روي عن علي وابن مسعود وابن عباس وأبي الدرداء - رضي الله عنهم - ~~أنهم قالوا: "من ترك الصلاة فقد كفر"7، وهذا حجة لمن قال العمل من الإيمان. ~~PageV03P753 # وقد اختلف العلماء فيمن ترك الصلاة عامدا مع اعتقاده وجوبها: # فمنهم من قال: إنه يحكم بكفره ويجب عليه القتل في الدنيا واحتجوا بهذه ~~الأخبار. # ومنهم من قال: يجب قتله ولا يحكم بكفره، وتأولوا هذه الأخبار على أن ~~أحكامه أحكام الكفار في القتل. # ومنهم من قال: لا يقتل ولا يحكم بكفره، وتأولوا هذه الأخبار على من تركها ~~جاحدا لوجوبها1. والفسق اسم ذم وهو ضد الإيمان يقع على من فسق بالاعتقاد ~~والجحود فيكون كافرا، هو المراد بقوله تعالى: {وأما الذين فسقوا فمأواهم ~~النار كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها} 2، وقال في آية أخرى: {هذان ~~خصمان اختصموا في ربهم فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار يصب ms340 من فوق ~~رؤوسهم الحميم، يصهر به ما في بطونهم والجلود، ولهم مقامع من حديدكلما ~~أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها} 3 وقال PageV03P754 # فيهم {يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون} 1 ~~وقال في آية أخرى: {إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار} 2، وفي جميع ~~هذا المراد بالفسق الكفر # وقد يقع الفسق على من ارتمب المعاصي من الموحدين مع علمه بتحريمها، فهذا ~~عندنا لا يخرجه من الإيمان بل هو مؤمن بإيمانه فاسق بفسقه3 لا يخلد في ~~النار بذلك، خلافا للمعتزلة والقدرية وبهذه المسألة سموا معتزلة: وذلك أن ~~واصل بن عطاء رئيس المعتزلة كان من أصحاب الحسن ابن أبي الحسن البصري، وكان ~~ممن لا يلازم مجلسه فوجد الناس قائلين فيها: فأهل الحديث قالوا هو مؤمن ~~بإيمانه فاسق بفسقه لا يضاد فسقه الذي ليس بكفر إيمانه الذي في قلبه، وإن ~~كان ينقص من دينه إلى ما هو دونها ولا ينزلون جنة ولا نار، بل إن عذبه الله ~~بفسقه وإن عفى عنه فبفضله وإحسانه4. # وقالت الخوارج: بل كل من ارتكب ذنبا صغيرا كان أو كبيرا خرج به من ~~الإيمان إلى ضده وهو الكفر ويخلد في النار5. # فأحدث واصل بين عطاء قولا ثالثا وقال: أقول إنه فاسق ولا أسميه مؤمنا ولا ~~كافرا ويخلد في النار، فأخرجه الحسن من مجلسه، واعتزله فسمي معتزليا ~~لاعتزاله عما عليه كافة الأمة6. PageV03P755 # والدليل على بطلان قولهم قوله تعالى: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا} ~~1، فسماهم مؤمنين بعد اقتتالهم، وقوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا لم ~~تقولون ما لا تفعلون، كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون} 2 وقوله ~~تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا ~~له بالقول} 3 الآية، فسماهم مؤمنين مع إنكاره عليهم لما فعلوه، وقوله ~~تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء} 4 الآية. # واحتجت الأشعرية ومن قال إن الإيمان هو التصديق بالقلب لا غير5 بقوله ~~تعالى: {وما أنت بمؤمن لنا} ms341 أي بمصدق لنا، وبقول الناس: فلا يؤمن بعذاب ~~القبر وبالشفاعة وما أشبهها، وأراد به التصديق. # والجواب: أنا لا ننكر أن هذا حد الإيمان، في اللغة6. وأما في الشرع فهو ~~أشرف خصال الإيمان ولا يمتنع أن يكون للشيء اسم في اللغة واسم في الشرع، ~~وإذا ورد في الشرع به فإنه يجب حمله على ما تقرر اسمه في الشرع كالصلاة ~~فإنها في اللغة المراد بها الدعاء، وهي في الشرع عبارة عن هذه الأفعال ~~المشروعة في الصلاة، وكذلك الصيام فهو في اللغة اسم للإمساك عن جميع ~~الأشياء، وهو في الشرع اسم للإمساك عن أشياء مخصوصة، والزكاة في اللغة اسم ~~للزيادة، وهي في الشرع اسم لأخذ شيء من المال، والحج في اللغة القصد، وهو ~~في الشرع اسم لهذه الأفعال المشروعة، والغائط في اللغة اسم للموضع المطئمن، ~~وفي الشرع اسم لما يخرج من PageV03P756 # الإنسان1، وإذا أورد الشرع بشيء من هذه الأشياء فإنما يحمل على ما تقرر ~~في الشرع لا على مقتضاه في اللغة. # واحتجت المرجئة ومن قال إن الإيمان قول باللسان واعتقاد بالقلب دون ~~الأعمال2 بالأخبار المشهورة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " من كان ~~آخر كلامه لا إله إلا الله محمد رسول الله دخل الجنة" 3. # وبما روى عبادة بن الصامت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من شهد أن ~~لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله حرم على النار"4. # والجواب عن هذه الأخبار من وجهين: # أحدهما: أن نقول كما قال الزهري: "الأخبار كانت قبل نزول الفرائض والأمر ~~والنهي"5. PageV03P757 # والثاني: أن نقول هذا خبر عما يؤول إليه أمر الموحدين بأن الله سيدخل ~~الموحدين الجنة، وإن عذبهم فبذنوبهم ولا يخلدون في النار1 كما قالت الخوارج ~~والمعتزلة والقدرية. وقد أخبر الله سبحانه في القرآن أنه إنما يدخل العباد ~~الجنة بالإيمان والعمل في آيات كثيرة منها في البقرة قوله تعالى: {وبشر ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجري من تحتها الأنهار} 2، وقوله ~~تعالى: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة لهم ms342 ~~أجرهم عند ربهم} 3 وقوله تعالى في آل عمران: {وأما الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات فيوفيهم أجورهم} 4، وفي النساء قوله تعالى: {والذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا} 5 وقوله ~~تعالى: {فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله} ~~6، وفي المائدة قوله تعالى: {وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~PageV03P758 # لهم مغفرة وأجر عظيم} ،1 وفي الأنعام قوله تعالى: {وما نرسل المرسلين إلا ~~مبشرين ومنذرين فمن آمن وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون} 2 وفي الأعراف ~~قوله تعالى: {والذين آمنوا وعملوا الصالحات لا نكلف نفسا إلا وسعها أولئك ~~أصحاب الجنة هم فيها خالدون ### | .... # } إلى قوله تعالى: {ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون} 3، ~~وهذا كثير في القرآن وآخره قوله تعالى: {إن الإنسان لفي خسر، إلا الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر} 4، ولم يذكر الله في ~~القرآن دخول الجنة بغير عمل بل أخبر أنه يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء، ~~وأخبر أنه لا يغفر الشرك، فالقرآن لا يتناقض وإنما يؤيده بعضه بعضا. # وروي أن رجلا سأل أبا ذر عن الإيمان فقرأ عليه: {ليس البر أن تولوا ~~وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر ... } 5 الآية حتى ختمها وقال: "إن ~~رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان فقرأ عليه هذه"6. # وروى علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~"الإيمان قول باللسان وعمل بالأركان ويقين بالقلب"7. PageV03P759 # وروي عنه بلفظ آخر أنه قال: "الإيمان قول مقول وعمل معمول وعرفان بالعقول ~~يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية"1. # وروي عن علي وابن مسعود - رضي الله عنهما - أنهما قالا: "لا ينفع قول إلا ~~بعمل ولا عمل إلا بقول ولا قول وعمل إلا بنية ولا نية إلا بموافقة السنة"2. # وكذلك روي مثل هذا عن الحسن البصري وسفيان الثوري وابن جريج ومحمد بن عبد ~~الله بن عمرو بن عثمان3 ومالك بن أنس وفضيل بن عياض4وكيع والشافعي وأحمد بن ~~حنبل والوليد5 وأبي بكر بن ms343 عياش6 وعبد الله بن المبارك7. وهؤلاء هم العلماء ~~الذين لا يستوحش من ذكرهم. # قال وكيع8: "وأهل السنة والجماعة يقولون: "الإيمان قول وعمل"9، ~~PageV03P760 # والمرجئة يقولون الإيمان قول، والجهمية يقولون الإيمان المعرفة1، ولو لم ~~يكن عليهم من الدليل إلا قوله تعالى: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين ~~له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة} 2 فأخبر ~~الله أنه لا يتم الإيمان إلا بالإخلاص والعمل لكان كافيا في الاستدلال. ~~PageV03P761 ### | 114 - # فصل # وعند أهل السنة والحديث أن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وأهل ~~الإيمان على مراتب ولم يكلف الله الخلق أن يعرفوه كمعرفته لنفسه، لأن ~~معرفته لنفسه بغير دليل1 ومعرفة الخلق له من جهة الدليل، وأقل درجة في ~~الإيمان هي المعرفة التي لا يجامعها الشك بالله2، وأكبر معارف الحلق معرفة ~~الأنبياء لله سبحانه، والأنبياء متفاضلون بذلك قال الله تعالى: {ولقد فضلنا ~~بعض النبيين على بعض} 3، وأراد في درجات المعرفة4، ومعارف سائر الخلق دون ~~معرفة الأنبياء، والمؤمنون متفاتون في المعرفة5 وذلك لتفاوتهم في طرق ~~الاستدلال عليه. هذا قول السلف. # قال الغزالي: "والسلف هم الشهود العدول وما لأحد عن قولهم عدول6، ~~والإيمان7 يقع على التصديق بالقلب وعلى العمل، فأما زيادة العمل ونقصانه ~~فلا إشكال فيه. قال النبي صلى الله عليه وسلم: "الإيمان بضع وسبعون8 ~~PageV03P762 # خصلة"1 وروي "تسع وتسعون2 بابا أعلاها لا إله إلا الله وأدناها إماطة ~~الأذى عن الطريق"3. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "الطهور نصف الإيمان"4. # وأما التصديق والاعتقاد بالقلب فإن هذا الاعتقاد تارة يشتد ويقوى بالعمل ~~الصالح وتارة يضعف5 ويسترخي بالمعاصي، فالعمل للاعتقاد كالسقي للشجرة لأنه ~~ينمي6 بالسقي ويضعف7. # وقالت المرجئة والكرامية وأهل الزيغ من القدرية وغيرهم: إن الإيمان لا ~~يزيد ولا ينقص وإن إيمان الأنبياء كإيمان سائر العصاة من الخلق8. ~~PageV03P763 # مفقود # PageV03P764 # والدليل على ما قلناه قوله تعالى: {وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول # PageV03P765 # أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون، ~~وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم} 1. # ويدل على ذلك قوله تعالى: ms344 {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم ~~وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون، الذين يقيمون ~~الصلاة ومما رزقناهم ينفقون، أولئك هم المؤمنون} 2، وقوله تعالى: {هو الذي ~~أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم} 3 وقوله تعالى: ~~{ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ويزداد الذين آمنوا إيمانا} 4، وقوله تعالى: ~~{والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم} 5، وقوله تعالى: {الذين قال لهم ~~الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم ~~الوكيل} 6 وأثنى الله تعالى على أهل الكهف بقوله: {إنهم فتية آمنوا بربهم ~~وزدناهم هدى} 7. # ويدل عليه قوله تعالى فيما أخبر الله عن إبراهيم صلى الله عليه وسلم {رب ~~أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي} 8. أي ~~ليزداد إيمان قلبي9، ويقال إن إبراهيم صلى الله عليه وسلم مر بحيفة هلى ~~ساحل البحر فجعلت الدابة تخرج من البحر فتأكل منها ثم تسترجع10إلى البحر، ~~وتجيء الدابة من دواب البر فتأكل منها ثم تذهب ويجيء الطير فيأكل منها ثم ~~يذهب، فهيجه ذلك على ما سأل فقال: {رب أرني كيف تحيي الموتى} لتعجبه من ~~تفرق PageV03P766 # ذلك الميت في البر والبحروأنواع الدواب، فقال الله {أولم تؤمن} ، يعني ~~ألم تصدق بإحياء الموتى1، وقيل: أراد أو لم تؤمن بالخلة وأنك خليل2 وقيل ~~معنى {أولم تؤمن} أي أنك قد آمنت، وذلك على3 معنى إيجاب الإيمان له قال: ~~{بلى} ولكن كان إيمانه من طريق الاستدلال لا من طريق المشاهدة، والمستدل لا ~~تزول عنه الخواطر والوسواس، وهو في ذلك يقمع الشيطان ويقهره بالحجة، فأراد ~~إبراهيم أن يستريح إلى المشاهدة والمعاينة، وهذا قول ابن عباس - رضي الله ~~عنه - وأجلة العلماء4، فأجاب الله إلى ذلك لما علم فيه من المصلحة له ~~ولأمته قال ابن المبارك {ليطمئن قلبي} ليرى من أدعوه إليك منزلتي ومكانتي ~~منك فيجيبوني إلى طاعتك وما أجابه من إجابتهم إليه"5. وقال سعيد بن جير: ~~"ليطمئن قلبي بأني إذا سألتك أجبتني"6. وللأنبياء زيادة في المعارف من ~~الوقت الذي بعثوا فيه ms345 إلى أن قبضوا، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا ~~بورك لي في يوم لا أزداد فيه علما"7. # وأمر الله نبيه أن يسأله زيادة علم8 فقال: {وقل رب زدني علما} 9. ~~PageV03P767 # وأجل المعارف المعرفة بالله، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "المعرفة ~~بالله رأس المعرفة" 1. # وروي "أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ~~علمني من غرائب العلم فقال صلى الله عليه وسلم: ما صنعت في رأس العلم؟ ~~فقال: وما رأس العلم؟ قال صلى الله عليه وسلم: هل عرفت الرب سبحانه؟ قال: ~~نعم، قال: وما صنعت في حقه؟ قال: ما شاء الله، فقال صلى الله عليه وسلم: هل ~~عرفت الموت؟ قال: نعم، قال: فما أعددت له؟ قال: ما شاء الله، فقال صلى الله ~~عليه وسلم: اذهب فاحكم ما هنالك ثم تعال تعلم من غرائب العلم"2. # وما أثنى أحد من الصحابة على نفسه بمثل ما أثنى حارثة حين قال له النبي ~~صلى الله عليه وسلم: كيف أصبحت يا حارثة؟ قال: أصبحت مؤمنا حقا فقال صلى ~~الله عليه وسلم: "إن لكل حق حقيقة فما حقيقة إيمانك، فقال: استوى عندي من ~~الدنيا حجرها وذهبها، وكأني بعرش ربي بارزا، وأهل الجنة يتنعمون فيها، وأهل ~~النار في النار يتضاغون3، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: عرفت فالزم ~~"4. # ومما يدل على أن العلم الحاصل بالمشاهدة أزيد من العلم الحاصل عن ~~الاستدلال قول النبي صلى الله عليه وسلم: "ليس الخبر كالمشاهدة أخي موسى ~~أخبره الله بما كان من قومه من بعده من عبادة العجل، ومع ذلك أخذ الألواح ~~فحين شاهد ما صاروا إليه ألقى الألواح"5. PageV03P768 # وأخذ برأس أخيه وتغير حاله، ولم يكن ذلك منه لأنه كان شاكا في خبر الله ~~بل كان عالما بخبره وكذلك إبراهيم صلى الله عليه وسلم أراد العلم ~~بالمشاهدة1. # وسئل النبي صلى الله عليه وسلم أكان عيسى صلى الله عليه وسلم يمشي على ~~الماء؟ فقال: "نعم، ولو ازداد يقينا لمشى على الهواء"2 وقد مشى النبي صلى ~~الله عليه ms346 وسلم على الهواء ليلة أسري به، ولا شك أنه أشار بذلك إلى نفسه، ~~وأن حاله فوق حال عيسى صلى الله عليهما3، قال الله: {تلك الرسل فضلنا بعضهم ~~على بعض} 4، وقال تعالى: {ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض} 5، ومعارف الخلق ~~على قدر عقولهم لأن العقل نور يجعله الله في القلب يفرق به بين حقائق ~~المعلومات. # روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أول ما خلق الله العقل فقال له ~~أقبل فأقبل، ثم قال ادبر فأدبر، ثم قال: وعزتي وجلالي ما خلقت خلقا أكرم ~~منك بك آخذ وبك أعطي، ولك أثيب ولك أعاقب "6. PageV03P769 # وروى أنس - رضي الله عنه - أن قوما اثنوا على رجل عند رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وبالغوا، فقال صلى الله عليه وسلم: "كيف عقله؟ فقالوا: يا رسول ~~الله نخبرك عن اجتهاده في العبادة وأصناف الخير وتسألنا عن عقله، فقال صلى ~~الله عليه وسلم: إن الأحمق يصيب بجهله أعظم من فجور الفاجر، وإنما يرفع ~~العباد غدا في الدرجات الزلفى عند ربهم على قدر عقولهم" # وروى أبو سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لكل شيء دعامة ~~ودعامة المؤمن عقله فبقدر عقله تكون عبادته أما سمعتم قول الفجار1 {وقالوا ~~لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير} . # وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يا أيها الناس اعقلوا عن ربكم ~~وتواصوا بالعقل تعرفوا ما أمرتم به وما نهيتم عنه، واعملوا أن العاقل من ~~أطاع الله وإن كان دميم المنظر رث الهيئة، وأن الجاهل من عصى الله وإن كان ~~جميل المنظر شريف المنزلة". # وروي أن عمر وأبي بن كعب وأبا هريرة - رضي الله عنهم - دخلوا على النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقالوا: "يا رسول الله من أعلم الناس؟ قال: العاقل، ~~قالوا: فمن أعبد الناس؟ قال: العاقل، قالوا: فمن أفضل الناس؟ قال: العاقل، ~~فقالوا: أليس العاقل من تمت مروءته وظهرت فصاحته وجادت كفه وعظمت منزلته ~~فقال صلىالله عليه وسلم: "إن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا ms347 والآخرة عند ~~ربك للمتقين، إن العاقل هو التقي وإن كان في الدنيا خسيسا دنيا". وقال صلى ~~الله عليه وسلم: "إنما العاقل من آمن بالله وصدق برسوله وعمل بطاعته". ~~PageV03P770 # وروى أبو هريرة "أن النبي صلى الله عليه وسلم رجع من غزوة أحد فسمع الناس ~~يقولون كان فلان أشجع من فلان وفلان أبلى ما لم يبل غيره فقال صلى الله ~~عليه وسلم: أما هذا فلا علم لكم به، فقالوا: كيف يا رسول الله؟ فقال: إنهم ~~قاتلوا على قدر ما قسم الله لهم من العقل، وكان نصرتهم ونيتهم على قدر ~~عقولهم فأصيب منهم من أصيب على منازل شتى فإذا كان يوم القيامة اقتسموا ~~المنازل على قدر نياتهم وقدر عقولهم". # وقالت عائشة - رضي الله عنها -: " يا رسول الله بم يتفاضل الناس؟ قال: ~~العاقل، قلت: ففي الآخرة؟ قال: بالعقل، قالت، قلت: أليس إنما يجزون ~~بأعمالهم؟ قال: يا عائشة وهل عملوا إلا بقدر ما أعطاهم الله من العقل وبقدر ~~ما عملوا يجزون"1. # وقال الشافعي - رحمه الله -: مقادير علوم الناس على قدر سعة عقولهم، فمن ~~وقع له صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأول والإيمان بالله علم أن ~~عقله أوفر ممن بقي على الجاهلية2، ولهذا مدح الله السابقين الأولين من ~~المهاجرين والأنصار ثم قال: {والذين اتبعوهم بإحسان} 3، ووعد الكل بالحسنى، ~~وكذلك فضل من أنفق من قبل الفتح على من أنفق بعده ومن سبق بالإيمان على من ~~تأخر، ثم قال: {انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر ~~تفضيلا} 4 فللخائفين المطيعين5 في المعرفة درجة PageV03P771 # لم يبلغها العاصون، ولا ننكر أن العارفين بالله تلحقهم معارضات الشيطان، ~~إلا أنهم يدفعون معارضته بالدلائل الواضحة. # وقد رروي أن الصحابة - رضوان عليهم - قالوا: "يا رسول الله إنا نجد في ~~أنفسنا شيئا لا نقدر على ذكره ولو قطعت آذاننا1 فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: وأصابكم ذلك؟ قالوا: نعم، قال: ذلك محض الإيمان" 2. # وروي أنه قال: "ذلك صريح الإيمان"3،ولم يرد النبي صلى الله عليه وسلم أن ~~معارضة الشيطان هي ms348 محض الإيمان، وإنما أراد أن دفع ذلك بالحجج والدلائل من ~~محض الإيمان4. # وروى أبو وائل عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - "أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم خط خطا ثم قال هذا سبيل الله، ثم خط خطوطا عن يمين الخط وعن ~~يساره وقال هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه "، وتلا قوله تعالى: ~~{وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه} 5 يعني الخط الأول، {ولا تتبعوا السبل ~~فتفرق بكم عن سبيله} 6،7 ونهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن التفكير في ~~ذات الله فقال: PageV03P772 # "تفكروا في عظمة الله ولا تتكفروا في الله"1. # قال: "الناظر في الله كالناظر في عين الشمس كلما ازداد نظرا ازداد عمى"2. # ومن الدليل على أن الإيمان يزيد وينقص بالطاعة وينقص بالمعصية ما روي أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا ~~يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشرب وهو مؤمن، والتوبة ~~معروفة"3. # والمراد به كمال الإيمان4 كقوله: "لا إيمان لمن لا أمانة له"5. # وفي وراية أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا زنى ~~العبد خرج منه الإيمان فكان فوق رأسه كالظلة، فإذا خرج من ذلك العمل عاد ~~إليه الإيمان"6. PageV03P773 # ومن الدليل على ما قلناه قوله تعالى: {كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا ~~يكسبون} 1. # وروى أبو هريرة - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا ~~أذنب العبد كانت نكتة سوداء في قلبه، فإن تاب ونزع واستغفر صقل منها قلبه، ~~فإن زاد زادت حتى تعلو2 قلبه"، وروي "حتى يسود" وقرأ النبي صلى الله عليه ~~وسلم {كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون} .3 # وقال مجاهد: "هذا مثل قوله تعالى: {بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته} ~~"4. # وقال الحسن: "هو الذنب على الذنب يرين على القلب حتى يسود"5. والرين هو ~~الإحاطة والغلبة يقال: ران عليه النعاس إذا غلبه، وران به النعاس. # قال علقمة: PageV03P774 # "أوردته القوم قد ms349 ران النعاس بهم فقلت إذ نهلوا من مائه قيلوا"1. # ومنه قول عمر - رضي الله عنه - في أسيفع جهينة لما ركبه الدين: "قد رين ~~به"2. # وروي عن حذيفة بن اليمان - رضي الله عنه - أنه قال: "الإيمان يبدو لمظة ~~في القلب فكلما ازداد الإيمان ازدادت اللمظة"3، واللمظة مثل النكتة أو ~~نحوها من البياض، ومنه قيل: فرس ألمظ إذا كان تحجيله بياض4. # ومن الدليل على ذلك ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن من ~~أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا وألطفهم بأهله"5. # وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب الناس فوعظهم ثم قال: "يا معشر6 ~~النساء تصدقن فإنكن أكثر أهل النار، فقالت امرأة منهن: ولم ذاك يا رسول ~~الله؟ قال: لكثرة لعنكن وكفركن العشير، ثم قال: وما رأيت من ناقصات عقل ~~ودين أغلب لذوي الألباب، (وروى لذوي الرأي منكن) ، فقالت امرأة منهن وما ~~نقصان عقلها ودينها؟ قال:7 أما نقصان عقلها فشهادة امرأتين بشهادة ~~PageV03P775 # رجل واحد، ونقصان دينها الحيض فتمكث إحداكن الثلاث والأربع لا تصلي"1. # فموضع الحجة من الخبر أنه وصفهن بنقصان الدين، فدل على أنه ينقص ويزيد، ~~وأما العشير فإنه الزوج لأن المرأة إذا رأت منه أمرا تكرهه قالت: ما رأيت ~~منك خيرا قط. # ومما يدل على ما قلناه ما روي في الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: "يخرج من النار في الشفاعة من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من ~~الإيمان"2. # وروي عن ابن عباس وأبي هريرة - رضي الله عنهما - أنهما قالا: "الإيمان ~~يزيد وينقص"3. # وكذلك روي عن عمر بن الخطاب - وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود ومعاذ ~~بن جبل وأبي الدرداء وابن عمرو، وعمار، وحذيفة، وسلمان الفارسي وأبي أمامة، ~~وعبد الله بن رواحة، وجندب بن عبد الله، وعمير بن حبيب وعائشة - رضي الله ~~عنهم - أنهم قالوا: "الإيمان يزيد وينقص"4. قال ابن أبي مليكة "أردكت كذا ~~وكذا من الصحابة - رضي الله عنهم - ما مات PageV03P776 # رجل منهم إلا ويخشى على نفسه النفاق"1، وكذلك روي ms350 عن التابعين كعب ~~الأحبار وعروة بن الزبير، وعطاء، وطاووس، ومجاهد، وابن أبي مليكة2، وميمون ~~بن مهران3، وعمر بن عبد العزيز، وسعيد بن جبير، والحسن والزهري، وقتادة، ~~وابن جريج، وفضيل بن عياض وغيرهم من العلماء الذين لا يستوحش من ذكرهم أنهم ~~قالوا الإيمان يزيد وينقص4. # وروي عن جندب أنه قال: "كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ونحن فتيان ~~حزاورة5 فكان يعلمنا الإيمان قبل أن يعلمنا القرآن ثم تعلمنا القرآن ~~فازددنا إيمانا"6. # وعن أبي سعيد الفريابي7 أنه قال: "سألت المزني8 في مرضه الذي مات فيه وهو ~~يومئذ ثقيل من المرض يغمى عليه مرة ويفيق أخرى، وقد كانوا صرخوا عليه تلك ~~الليلة وظنوا أنه قد مات، فقلت: أنت أمامي بعد كتاب الله وسنة نبيه محمد ~~صلى الله عليه وسلم، وإن الناس قد اختلفوا في الإيمان فمنهم PageV03P777 # من قال الإيمان قول وعمل يزيد زينقص، ومنهم من قال: هو قول وعمل يزيد ولا ~~ينقص، ومنهم من قال هو قول والعمل شرائعه، فقال مجيبا بلسان ثقيل: من الذي ~~قال إنه قول وعمل يزيد زينقص؟ قلت: مالك، والليث بن سعد وابن جريج فذكرت له ~~جماعة، ثم قال: لا يعجبني ولا أحب أن أكفر أحدا لما قال: تسألني عن الاسم ~~أو معنى الاسم؟ فتعجبت من سؤاله إياي مع ما هو فيه ثم قال: كم أخطأ في ~~الاسم ليس من أخطأ في المعنى، الخطأ في المعنى أصعب، ثم قال: ما يقول هذا ~~فيمن عمل بعض الأعمال هو مثل من جهل1 - يريد التوحيد كله - ثم قال: هذا باب ~~لم أعمل فيه فكري ولكن انظر لك فيه، ثم أغمي عليه فرجع إليه بعد العصر، ~~فقال ابن أخيه عتيق: إنه سأل عنك وقال: قل له: الإيمان قول وعمل، فقعدت ~~عنده حذاء وجهه ففتح عينيه فتحا ثقيلا، ثم قال: الفريابي؟ قلت: نعم قال: لا ~~خلاف بين الناس أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف بالبيت فقال: إيمانا2 ~~وتصديقا بكتابك". # وهذا دليل على أن جميع الأعمال من الإيمان قال: "وهذه آخر مسألة سألت ms351 ~~عنها المزني ومات بعدها بثلاثة أيام"3. # وروي أن عبد الله بن مسعود كان يقول في دعائه "اللهم زدني إيمانا ويقينا ~~وفقها"4. وعن عمير بن حبيب أنه قال: "الإيمان يزيد وينقص. قيل له: ما ~~زيادته ونقصانه قال: إذا ذكرنا الله وحمدناه وسبحانه5 فذلك زيادته، وإذا ~~أغفلنا وضيعنا ونسينا فذلك نقصانه"6. PageV03P778 # وعن محمد بن علي1 - رضي الله عنهما - أنه قال: "هذا الإسلام ودور دارة في ~~وسطها أخرى، وقال: هذا الإيمان مقصور في الإسلام، وقال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين ~~يشربها وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن" قال: يخرج من الإيمان إلى ~~الإسلام، ولا يخرج من الإسلام، فإذا تاب2 تاب الله عليه ورجع إلى ~~الإيمان"3. # وروى مجاهد عن ابن عباس أنه قال لغلمانه: "من أراد4 منكم الباءة زوجناه، ~~لا يزني منكم زان إلا نزع منه نور الإيمان، فإن شاء أن يرده عليه رده وإن ~~شاء أن يمنعه منعه".5 PageV03P779 ### | 115 - # فصل # لا خلاف بين العلماء أنه لا يجوز للإنسان أن يقول: "أنا مؤمن عند الله أو ~~أنا مؤمن عند الله حقا" لأنه لا يدري ما حكمه عند الله. وعلى هذا المعنى ~~يحمل ما روي عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه قال: "من قال أنا مؤمن ~~حقا فهو كافر حقا"1. # وأما ما روي عن حارثة حين قال له النبي صلى الله عليه وسلم: "كيف أصبحت ~~يا حارثة فقال: أصبحت مؤمنا حقا" فإنه يحمل على أنه أراد مؤمنا حقا عن ~~نفسي، بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن لكل حق حقيقة فما حقيقة ~~إيمانك " قال: استوى عندي من الدنيا حجرها وذهبها" 2. الخبر الذي مضى ذكره، ~~ففسر إيمانه بما عنده من اليقين فأقره النبي صلى الله عليه وسلم. # ولا خلاف بين السلف أن الاستثناء في الإيمان على جهة الشك في التوحيد لا ~~يجوز، لأن أقل ما يقبل من الإيمان ما لا يخالطه الشك3. PageV03P780 # واختلف العلماء في جواز إطلاق ms352 الاستثناء في الإيمان: # فمنهم من قال: لا يجوز1، واحتج القائلون بهذا بما روي أن ابن عمر أمر ~~رجلا أن يذبح له شاة، فقال: له أنت مؤمن؟ فقال: نعم إن شاء الله، فاسترد ~~منه الشاة2. # وذهب أكثر العلماء إلى جواز الاستثناء بأن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله لا ~~على جهة الشك، بل على معنى أنه لا يدري ما حكمه عند الله وما عاقبته عند ~~الله. وروي ذلك عن علي بن أبي طالب، وابن مسعود3، وعائشة4. # وقال ابن أبي مليكة: "أدركت كذا وكذا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ~~فما مات منهم رجل5 إلا وهو يخشى النفاق على نفسه"6. PageV03P781 # وروي أن رجلا قال عند عبد الله مسعود - رضي الله عنه -: "أنا مؤمن، فقال ~~له ابن مسعود: أفأنت من أهل الجنة؟ قال: أرجو، فقال ابن مسعود أفلا وكلت ~~الأولى كما وكلت الأخرى"1. # وقال رجل لعلقمة2: "أمؤمن أنت؟. قال: أرجوا إن شاء الله"3. # وروي أن أحمد بن حنبل سئل عن الاستثناء في الإيمان ما تقول فيه؟ قال: أما ~~أنا لا4 أعيبه، وقال: إنما يستثني في العمل قال الله تعالى: {لتدخلن المسجد ~~الحرام إن شاء الله} . واحتج بمساءلة الملكين في القبر للمؤمن ومجاوبتهما5 ~~فيقولان له: على اليقين كنت وعليه مت وعليه تبعث يوم القيامة إن شاء الله، ~~ويقولان للكافر: على الشك كنت وعليه مت وعليه تبعث يوم القيامة إن شاء ~~الله"6. # وروي "أن رجلا قال: أنكر الاستثناء في الإيمان فقال: "إنما الناس رجلان ~~مؤمن وكافر، فقال له أحمد: فأين قول الله: {وآخرون مرجون لأمر الله إما ~~يعذبهم وإما يتوب عليهم} وقال سمعت يحيىبن سعيد7 يقول: "ما أدركت أحدا إلا ~~على الاستثناء"8. PageV03P782 # وروي عن سفيان الثوري أنه قال: "من قال أنا مؤمن عند الله فهو من ~~الكاذبين، ومن قال أنا مؤمن حقا فهو بدعة، وقيل له: فماذا نقول؟ قال: قولوا ~~آمنا بالله وما أنزل علينا"1. # وقال سفيان: "الناس عندنا مؤمنون في الأحكام والمواريث ولا ندري كيف هم ~~عند الله، وأرجو أن نكون كذلك ولا ms353 ندري ما حالنا عند الله"2. # وكان سفيان3 إذا سئل أمؤمن أنت لم يجبه، أو يقول: سؤالك إياي بدعة ولا ~~أشك في إيماني وقال إن شاء الله ليس يكره، وليس بداخل في الشك4. # وقيل للحسن البصري: "أمؤمن أنت؟ فقال: إن شاء الله، فقيل: تستثني يا أبا ~~سعيد في الإيمان؟ فقال: أخاف أن أقول نعم فيقول الله كذبت يا حسن فتحق علي ~~الكلمة. فكان يقول: ما يؤمنني أن يكون الله قد اطلع علي في بعض ما يكره ~~فمقتني وقال اذهب لا أقبل لك عملا"5. # وروى كعب بن عجرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: " ما تقولون ~~في رجل قتل في سبيل الله. قالوا: الجنة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إن شاء الله، قال: ما تقولون في رجل مات في سبيل الله؟ قالوا: الله ورسوله ~~أعلم، قال PageV03P783 # الجنة إن شاء الله، قال: فما تقولون في رجل مات فقام رجلان عدلان1 ذوا ~~عدل فقالا: لا نعلم إلا خيرا، فقالوا: الله ورسوله أعلم؟ فقال: الجنة إن ~~شاء الله، قال: فما تقولون في رجل مات فقام رجلان فقالا لا نعلم إلا شرا؟ ~~فقالوا: في النار، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد مذنب ورب غفور ~~رحيم"2. # وكان الأعمش3 والليث4، وعطاء بن السائب5، وإسماعيل بن أبي خالد6، وعمارة ~~بن القعقاع7، العلاء بن المسيب8، وابن شبرمة9، وحمزة الزيات10، يقولون: ~~"نحن مؤمنون إن شاء الله ويعيبون على من لا يستثني"11. PageV03P784 # وقال إبراهيم النخعي1: "إذا قيل لك أنت مؤمن فقل: آمنت بالله وبملائكته ~~وكتبه ورسله"2. # وروي عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه قال: "من قال أنا مؤمن فهو ~~كافر، ومن قال أنا عالم فهو جاهل، ومن قال هو في الجنة فهو في النار"3. # وقال علي - رضي الله عنه -: "الإرجاء بدعة والشهادة بدعة والبراءة ~~بدعة"4. # وقال ابن مسعود - رضي الله عنه -: "من شهد على نفسه أنه مؤمن فليشهد أنه ~~في الجنة"5. # إذا تقرر هذا فإن الاستثناء المحكي عن السلف يحتمل أربعة معان: # أحدها: أنهم ms354 كرهوا الإطلاق لما فيه من التزكية، قال الله تعالى: {فلا ~~تزكوا أنفسكم} 6 الآية، وقال تعالى: {ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم بل ~~الله يزكي من يشاء} 7. PageV03P785 # وقيل لبعض الحكماء: ما الصدق القبيح قال: "ثناء الإنسان على نفسه"1. # والإيمان من أعلى صفات الحمد، وإطلاق القول به تزكية مطلقة، والاستثناء ~~فيه خروج من التزكية كما يقال للإنسان: أنت فقير أو مفسر؟ فيقول: نعم إن ~~شاء الله لا في معرض الشك ولكن الإخراج نفسه عن التزكية. # والمعنى الثاني في الاستثناء: التأدب بذكر الله في كل حال وإحالة الأمور ~~كلها إلى مشيئة الله تعالى، وقد أدب الله نبيه فقال: {ولا تقولن لشيء إني ~~فاعل ذلك غدا، إلا أن يشاء الله} 2، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~" من تمام إيمان المرء استثناؤه في كل كلام "3. # وقال الله تعالى: {لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين} 4 والله ~~سبحانه عالم بأنهم يدخلون لا محالة، وأنه شاء دخولهم، وقوله إن شاء الله ~~ليس على سبيل الشك، ولكن أدب الله نبيه والمؤمن في أن لا يتركوا الاستثناء ~~ورد المشيئة إليه، فتأدب رسول الله صلى الله عليه وسلم (بما أدبه الله من ~~ذكر الاستثناء في كلامه، وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم) 5 دخل ~~المقبرة في البقيع قال6: "السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله7 ~~بكم لاحقون" 8.فالاستثناء منه صلى الله عليه وسلم عائد إلى الإيمان أي على ~~الإيمان بكم إذ9 الموت لا يشك فيه. PageV03P786 # ومثل هذا ما روى أبو هريرة - رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: "إن لكل نبي دعوة دعا بها في أمته فاستجيب1 له، وأنا أريد إن شاء الله ~~أن أدخر دعوتي شفاعة2 لأمتي يوم القيامة" 3. # وروي أن رجلا قال يا رسول الله إني أصبح جنبا وإني أريد الصيام، فقال ~~رسول الله صلىالله عليه وسلم: "وإني أصبح جنبا وأريد الصيام وأغتسل وأصبح ~~من ذلك اليوم صائما، فقال الرجل: إنك لست مثلنا قد غفر الله لك ms355 ما تقدم من ~~ذنبك وما تأخر، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: والله إني لأرجو ~~أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بما أتقي"4. # ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم أخشاهم لله وأعلمهم بما يتقي من جهة ~~القطع فلم يخبر بذلك عن نفسه قطعا، وإنما ربط بالرجاء والمشيئة من الله5. ~~PageV03P787 # والمعنى الثالث: أن الاستثناء في هذه يرجع إلى كمال الإيمان بالأعمال، ~~لأن الناس لا يخلون من تقصير بالعمل أو من نفاق أو قلة إخلاص، ولا يرجع إلى ~~أصل الاعتراف، فقد قال صلى الله عليه وسلم: "الإيمان بضع وستون بابا أعلاها ~~قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق "1، 2. # وقال صلى الله عليه وسلم: "أربع من كن فيه فهو منافق خالص وإن صلى وصام ~~وزعم أنه مؤمن: إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان وإذا خاصم فجر ~~"3. # وقال صلى الله عليه وسلم: "أكثر منافقي أمتي قراؤها"4. PageV03P788 # وقال صلى الله عليه وسلم: "الشرك في أمتي أخفى من دبيب النمل على ~~الصفا"1. # وروي عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - أنه قال: "من القلوب قلب ~~أجرد2، فيه سراج يزهر فذلك قلب المؤمن، وقلب مسطح3 فيه إيمان ونفاق فمثل ~~الإيمان فيه كالبقلة يمدها الماء العذب، ومثل النفاق فيه كمثل القرحة يمدها ~~القيح والصديد فأي المدتين غلب عليه حكم بها"4. PageV03P789 # وقال حذيفة - رضي الله عنه -: "كان الرجل يتكلم بالكلمة على عهد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يصير بها منافقا إلى أن يموت، وإني لأسمعها من ~~أحدكم في اليوم عشرات مرات"1. # وقال بعض العلماء: "أقرب الناس من النفاق من يرى أنه بريء من النفاق"2. # وقيل للحسن البصري يقولون: "إن لا نفاق اليوم، فقال الحسن: يا أخي لو هلك ~~المنافقون لاستوحشتم في الطرق"3. # وروي عنه أو عن غيره من العلماء أنه قاله: "لو نبت للمنافقين أذناب لما ~~قدرنا أن نطأ على الأرض"4، ولا ينجو من هذه الأمور إلا الأنبياء والصديقون ~~فلذلك حسن الاستثناء". # والمعنى الرابع في الاستثناء: أنه راجع إلى الشك ms356 في الخاتمة، فإنه لا ~~يدري ما يختم له. قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تحمدوا عمل الرجل حتى ~~تنظروا بم يختم له" 5، قال الله تعالى: {أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر ~~الله إلا القوم الخاسرون} 6. PageV03P790 # وكان النبي صلى الله عليه وسلم كلما رفع رأسه إلى السماء قال: "يا مقلب ~~القلوب ثبت قلبي على طاعتك" 1. # وقيل: ما من نبي إلا ودعى بدعاء يوسف عليه السلام "أنت وليي في الدنيا ~~والآخرة توفني مسلما وألحقني بالصالحين"2. # وفي الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة ~~حتى لا يكون بينه وبين الجنة إلا شبر3 فيسبق عليه كتاب الشقاوة فيعمل بعمل ~~أهل النار فيدخل النار "4. # وروي أن إبليس عبد الله خمسا5 وعسرين ألف سنة فكانت عاقبته في النار6. # وقيل: في قوله تعالى: {وتمت كلمت ربك صدقا وعدلا} 7 صدقا لمن مات ~~PageV03P791 # على الإيمان وعدلا لمن مات على الشرك1. # وكان أبو الدرداء يحلف بالله ما أحد أمن أن يسلب إيمانه إلا سلبه2، ويقال ~~من الذنوب عقوبتها سوء الخاتمة ... أعوذ بالله منها، وقيل: هي عقوبة دعوى ~~الولاية والكرامة بالإفتراء3. PageV03P792 # 116 – فصل: في ذكر فضائح المرجئة # روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ما بعث الله نبيا قبلي ~~فاستجمعت له أمته إلا كان فيهم مرجئة وقدرية يشوشون أمر أمته من بعده ألا ~~وإن الله لعن المرجئة والقدرية على لسان سبعين نبيا أن آخرهم"1. # وروى أبو هريرة أن ال صلىالله عليه وسلم قال: " صنفان من أمتي ليس لهما ~~في الإسلام نصيب المرجئة والقدرية "2. # وروى حذيفة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " صنفان من أمتي في النار ~~قوم يقولون الإيمان كلام وإن زنى وإن سرق وقتل وآخرون يقولون إن أو لينا ~~لضلال يقولون خمس صلوات في يوم وليلة وإنهما صلاتان"3. PageV03P793 # وقال ابن عباس: "اتقوا الإرجاء فإنه شعبة من النصرانية"1. # وقال مجاهد: "يبدؤون فيكونون مرجئة ثم يكونون قدرية ثم يكونون مجوسا"2. # وقال محمد بن علي بن الحسين: "ما ليل بليل ولا ms357 نهار بنهار أشبه من ~~المرجئة باليهود"3. # وقال محمد بن يوسف4: "دخلت على سفيان الثوري وفي حجره المصحف وهو يقلب ~~الورق فقال: ما أجد أبعد منه من المرجئة"5. # روي أن عبد الملك بن مروان6 ذكر الحديث عن النبي صلىالله عليه وسلم، " من ~~مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة وإن زنى وإن سرق"، فقال له الزهري: "أين ~~ذهب بك يا أمير المؤمنين؟ هذا قبل الأمر والنهي وقبل الفرائض7، وذكروا عند ~~الضحاك بن مزاحم من قال لا إله إلا الله دخل الجنة، فقال: هذا قبل ~~PageV03P794 # أن تحد الحدود وتنز ل الفرائض1، قال الأوزاعي: "ثلاث هي بدعة من قال أنا ~~مؤمن مستكمل الإيمان، ومن قال أنا مؤمن حقا، ومن قال أنا مؤمن عند الله"2. # ويلزم المرجئة الذين يقولون الإيمان قول بلا عمل أن إبليس مؤمن لأن الله ~~أخبر أنه قال: {رب بما أغويتني} 3 وقال: {رب فأنظرني} 4 فأخبر الله أنه قال ~~بلسانه أن له ربا، ويلزم الجهمية الذين يقولون: إن الإيمان معرفة بلا قول ~~ولا عمل أن اليهود مؤمنون لأن الله تعالى أخبر عنهم بقوله تعالى: {يعرفونه ~~كما يعرفون أبناءهم} 5 وقد علمنا أن الكفار عرفوا بعقولهم أن الله خلقهم ~~وأنه خلق السموات والأرض6، قال الله تعالى: {ولئن سألتهم من خلق7 السماوات ~~والأرض ليقولن الله} 8 ويعرفون أيضا أنه لا ينجيهم من ظلمات البر والبحر ~~إلا الله ويدعون إلى الله أن ينجيهم وبذلك أخبر الله عنهم. # وروي عن زبيد9 أنه قال: لما ظهرت المرجئة أتيت أبا وائل10 فحدثني ~~PageV03P795 # عن النبي صلىالله عليه وسلم أنه قال: "سباب المسلم فسوق وقتاله كفر"1. # وسئل ميمون بن مهران عن كلام المرجئة فقال: "أنا أكبر من ذلك"2، يريد أن ~~هذا الكلام حدث بعد ولادتي، وكذلك قال أيوب: أنا أكبر من المرجئة أول من ~~تكلم في الإرجاء رجل يقال له الحسن بن محمد3 وذكروا المرجئة عند سفيان ~~فقال: رأي محدث أدركت الناس على غيره4، وقيل لابن أبي مليكة: إن قوما ~~يزعمون أن إيمانهم كإيمان جبريل وميكائيل فغضب عبد ms358 الله بن أبي مليكة فقال: ~~ما رضي الله لجبريل عليه السلام حتى PageV03P796 # فضله بالثناء على محمد صلى الله عليه وسلم فقال: {إنه لقول رسول كريم ذي ~~قوة عند ذي العرش مكين، مطاع ثم أمين، وما صاحبكم بمجنون} 1. # يعني محمدا صلى الله عليه وسلم، قال ابن أبي مليكة: أو أجعل إيمان جبريل ~~وميكائيل كإيمان فهدان؟ لا؟ ولا كرامة ولا حبا، قالوا: وفهدان هذا كان رجلا ~~في وقته لا يصحوا من الشراب2، ومن زعم أن من قال لا إله إلا الله لم تضره ~~الكبائر إن عملها وأنه كالبر التقي الذي لم يباشر من ذلك شيئا مخالف لقول ~~الله سبحانه: {أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات} 3 الآية. وقوله تعالى: {أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار} 4. # وروى أبو القاسم هبة الله بن الحسن اللالكائي عن سفيان5 عن عباد بن كثير6 ~~أنه قال: "استتيب أبو حنيفة7 مرتين قال مرة: "لو أن رجلا قال أشهد أن لله ~~بيتا إلا أني لا أدري أهو هذا أو بيت8 بخراسان كان عندي مؤمنا، ولو أن رجلا ~~قال: أشهد أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أني لا أدري أهو هذا ~~الذي بالمدينة أو رجل بخراسان كان عندي مؤمنا"9، قال الحميدي10 PageV03P797 # حمد بن حنبل: "من قال هذا فقد كفر"1. # روي أيضا أن أبا إسحاق الفزاري2 قال، قال أبو حنيفة: "إيمان أبي بكر ~~وإيمان إبليس واحد؛ قال إبليس: يا رب, وقال أبو بكر: يا رب"3. # وروي عن وكيع ابن الجراح4 قال: اجتمع ابن أبي ليلى5والحسن بن صالح6وسفيان ~~بن سعيد الثوري وشريك بن عبد الله النخعي7 وأرسلوا إلى أبي حنيفة ~~PageV03P798 # فجاءهم فقالوا له: "ما تقول فيمن نكح أمه وقتل أباه ورب الخمر؟ فقال: ~~مؤمن, فقال ابن أبي ليلى: لا أقبل لك شهادة أبدا، وقال الحسن بن صالح: وجهي ~~من وجهك حرام، وقال شريك: لو كان لي من الأمر شيء لضربت عنقك، وقال له ~~الثوري: كلامك علي حرام ms359 أبدا"1. # وقال سليمان بن حرب2: "مر أبو حنيفة بسكران فقال له السكران: يا أبا ~~حنيفة يا مرجيء، فقال له أبو حنيفة: صدقت الذنب منى حين سميتك مؤمنا مستكمل ~~الإيمان"3. # قلت: وهذه مقالة شنيعة والخطأ فيها ظاهر من قائلها، وأنا أشرف أبا حنيفة ~~من هذه المقالة، لأن الله سبحانه جعله إماما لخلق كثير من أهل الأرض والله ~~أكرم أن يجعل الناس تابعين في الدين لرجل من أهل النار، ولعله كان يقول ~~بهذا ثم تاب عنه، أو حكي ذلك عن المرجئة مطلقا فنسب إليه، كما نسب قوم4 لا ~~بصيرة لهم محمد بن إدريس الشافعي - رحمه الله - إلى الاعتزال لقوله وإشهاده ~~من يرى أن كذبه شرك بالله ومعصية تجب بها النار أولى أن تطيب النفوس ~~بقبولها من شهادة من يخفف المأثم فيها، وهذا جهل ممن نسب الشافعي إلى ~~الاعتزال بهذا الكلام لأن الشافعي أراد بذلك أن من يرى كذبه شرك بالله ~~ومعصية هم الخوارج5 ولم يرد أن شهادتهم PageV03P799 # تقبل وإنما أراد أن شهادتهم لا ترد لأجل قولهم هذا لأنه أدعى1 إلى قبول ~~قولهم، والذي يخفف المأثم فيها هم المرجئة لأن الكبائر عندهم لا تضر إذا ~~أتى التوحيد2، والمعتزلة يقولون إن صاحب الكبيرة ليس بمؤمن ولا كافر3، ~~وكلهم في باب الذم واحد إلا أن منهم من يستحق اسم الكفر بقوله ومنهم من ~~يستحق اسم الفسق ومنهم من يستحق اسم التبديع، وليس إذا قدم بعضهم على بعض ~~في الذم يكون مدحا لبعضهم كما قال الله تعالى: {لتجدن أشد الناس عداوة ~~للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين ~~قالوا إنا نصارى} 4 فلا يدل5 الترجيح هاهنا6 في أنهم أقرب مودة للذين آمنوا ~~على انهم على حق بغير هذا بل الجميع منهم على كفر، كما أخبر عنهم في آي ~~كثيرة منها قوله تعالى: {وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ~~ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله ~~أنى يؤفكون} 7. # أما الدليل على بطلان قول من نسب ms360 الشافعي - رحمه الله - إلى الاعتزال فما ~~روي عن الشافعي في كتب كثيرة صح إسنادها عنه أنه كفر القدرية، وكفر من قال ~~بخلق القرآن وكفر الفرد8 بقوله. وحكى عنه المزني: هما جماعان أحدهما يوجب ~~العقوبة في الدنيا وهو الحد والعذاب في الآخرة PageV03P800 # إلا أن يغفر الله، وأراد به الزنا، وقال في الرجل إذا فر من الأسر1 غير ~~متحرف لقتال ولا متحيز إلى فئة فإن كان هربه على غير هذا المعنى حقت عليه ~~إلا أن يعفو الله تعالى أن يكون قد باء بغضب من الله2، وهذا تصريح منه أن ~~مذهبه كمذهب أهل الحديث أن من ارتكب كبيرة أثم، ولكن إن شاء الله عاقبه وإن ~~شاء عفا عنه، والمعتزلة يقولون إنه يستوجب النار ويكون خالدا مخلدا فيها3 ~~وقد رمي حماد4 بالإرجاء "كان المغيرة5 يقول: حدثنا حماد قبل أن يصير مرجئا ~~وقال: حدثنا حماد قبل أن يفسد6. # قال سفيان الثوري: "اتقوا هذه الأهواء قيل له: فبين لنا رحمك الله، فقال ~~سفيان: المرجئة يقولون الإيمان كلام بلا عمل من قال أشهد أن لا إله إلا ~~الله وأن محمدا عبده ورسوله فهو مؤمن مستكمل الإيمان على إيمان جبريل ~~والملائكة وإن قتل كذا وكذا مؤمنا وإن ترك الغسل من الجنابة وإن ترك الصلاة ~~وهم يرون السيف على أهل القبلة"7. # وقال الأوزاعي من آمن وعصى إيمانه بإيمان إبليس أشبه منه بإيمان جبريل، ~~لأن جبريل آمن وأطاع وإبليس آمن وعصى8. وقيل إن عون بن عبد الله بن ~~PageV03P801 # عتبة بن مسعود1 كان مرجئا فرجع عن الإرجاء وأنشأ يقول: # لأول ما تفارق من غيرك شك ... تفارق ما يقول المرجئونا # وقالوا مؤمن من آل جور ... وليس المؤمنون بجائرينا # وقالوا مؤمن دمه حلال2 ... وقد حرمت دماء المؤمنينا3 # وأنشد سليمان بن منصور بن عمار4: # أيها القائل إني مؤمن ... إنما الإيمان قول وعمل # إنما الإرجاء دين محدث ... سنة جهم بن صفوان تحل # إن دين الله دين قيم ... فيه صوم وصلاة تعتمل # وزكاة وجهاد لا مرئ ... حارب الدين اعتدى وقتل # ليس بالمستكمل الإيمان من ... إن رأى ms361 صلى وإلا لم يصل # اسم هذا مؤمن الإقرار لا ... مؤمن حقا وحقا لم يقل # إن رأي سفيان وما ... كان سفيان على رأي فضل5 PageV03P802 ### | 117 - # فصل # وعند أهل1الحديث أن الجن وإبليس خلق من خلق الله يراهم من أراه الله ~~إياهم وقالت المبتدعة: لا حقيقة للجن، وإبليس2 كل رجل سوء3 والدليل على ما ~~ذكرناه أن الله سبحانه أخبر بكتابه عن إبليس وأمره له بالسجود لآدم وتكبره ~~عن السجود وإخراجه له من الجنة وسؤاله النظرة إلى يوم القيامة، وأخبر ~~بكتابه عن الجن بقوله تعالى: {قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن} 4 الآيات ~~كلها في هذه السورة. # ومن السنة ما روى أبو ثعلبة الخشنى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~"الجن على ثلاث فثلث لهم أجنحة يطيرون في الهواء، وثلث حيات5 وكلاب، وثلث ~~يحلون ويظعنون"6. PageV03P803 # وروى أبو هريرة قال: "أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أحفظ زكاة ~~رمضان فأتى آت من الليل فجعل يحثوا من الطعام فأخذته فقلت: لأرفعنك إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: دعني إني محتاج وحالي شديد وعلي عيال ~~فرحمه وخلى سبيله، فلما أصبح قال النبي صلى الله عليه وسلم: يا أبا هريرة ~~ما فعل أسيرك الليلة، قال: يا نبي الله زعم أنه محتاج وحاله شديد فرحمته، ~~فقال: أما إنه قد كذبك وسيعود، فلما كان الليلة الثانية رصده فجاء يأخذه ~~وقال: لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وزعمت أنك لا تعود وقد عدت ~~فقال كما قال في الليلة الأولى، فرحمه وخلى سبيله، فلما أصبح قال له النبي ~~صلى الله عليه وسلم كما قال له في الليلة الأولى، فلما كان في الليلة ~~الثالثة رصدهه فجاء يأخذه فقال له كما في الليلة الثانية، فقال له: دعني ~~أعلمك كلمات ينفعك الله بهن، وكانوا حريصين - على الخبر - فقال: ما هن قال: ~~إذا أخذت مضعجك فاقرأ آية الكرسي من أولها إلى آخرها فإنه لن يزال عليك من ~~الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح، فلما أصبح أتى ms362 النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقال له: ما فعل أسيرك الليلة فقال: يا بني الله علمني كلمات وأخبره ~~الخبر فقال: أما أنه قد صدقك وهو كذوب. أتدري يا أبا هريرة من تخاطب قال: ~~لا، قال: ذلك شيطان" أخرجه البخاري1. # وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل2: "لما حضر أبي الوفاة كنت عنده وكان ~~PageV03P804 # يعرق مما هو فيه وبيدي خرقة أمسح بها عينيه ساعة فساعة ففتح أبي عينيه ~~وحدق بها وأومأ بيده وقال لا بعد دفعات، فقال: يا أبت من تخاطب فقال: هذا ~~إبليس قائما يحضرني عاضا1 على أنامله يقول: يا أحمد فتني فقال: لا حتى ~~أموت"2. PageV03P805 ### | 118 - # فصل # وعند أهل الحديث أن خروج الدجال حق وقالت المبتدعة الدجال كل رجل خبيث1. # والدليل على ما ذكرناه ما روى أبو عبيدة بن الجراح أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: " لم يكن نبي بعد نوح إلا قد أنذر قومه الدجال وإني ~~أنذركموه"، فوصفه لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: "لعله سيدركه بعض ~~من رآني وسمع كلامي"، قالوا: يا رسول الله فكيف قلوبنا يومئذ، قال: "مثلها ~~اليوم أو خير"2. # وروى أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ما بعث نبي إلا أنذر قومه ~~الأعور الكذاب إلا أنه أعور وإن ربكم ليس بأعور مكتوب بين عينيه كافر يقرأه ~~كل من كره عمله"3، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "الدجال يخرج من أرض ~~المشرق يقال لها خراسان يتبعه أقوام كأن وجوههم4 المجان المطرقة"5. ~~PageV03P806 # وقال صلى الله عليه وسلم: " يأتي الدجال المدينة فيجد الملائكة يحرسونها ~~فلا يدخلها الطاعون ولا الدجال إن شاء الله".1 # والدجال قد خلق وهو في الدنيا موثق بالحديد إلى الوقت الذي يأذن الله ~~بخروجه.2 # وعن معقل بن يسار أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لقد أكل الطعام ومشى ~~في الأسواق يعني الدجال"3. # وروى أبو بكرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " يمكث أبو الدجال وأمه ~~ثلاثين عاما لا يولد لهما ولد ثم يولد لهما ولد أعور أضر شيء ms363 وأقله منفعة ~~تنام عيناه ولا ينام قلبه، ثم نعت لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أبويه ~~فقال: "أبوه طوال ضرب اللحم كان أنفه منقار وأمه امرأة طويلة اليدين" قال ~~أبو بكرة فسمعنا بمولود في اليهود بالمدينة فذهبت أنا والزبير بن العوام ~~فدخلنا على أبويه فإذا نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهما فقلنا هل ~~لكما ولد فقالا: مكثنا ثلاثين عاما لا يولد PageV03P807 # لنا ولد ثم ولد لنا غلام أعور أضر شيء وأقله منفعة تنام عيناه ولا ينام ~~قلبه قال فخرجنا من عندهما فإذا هو منجدل في الشمس في قطيفة وإذا له همهمة ~~فكشف عن رأسه فقال: ما قلتما قلنا: هل سمعت ما قلنا، قال: نعم تنام عيني ~~ولا ينام قلبي"1. # وروى أبو هريرة - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~"الأنبياء أمهاتهم شتى ويدنهم واحد، وأنا أولى الناس بعيسى بن مريم لأنه لم ~~يكن بيني وبينه نبي، وأنه نازل فإذا رأيتموه فاعرفوه فإنه رجل مربوع إلى ~~الحمرة والبياض كأن رأسه يقطر وإن لم يصبه بللل وأنه يدق الصليب ويقتل ~~الخنزير ويضع الجزية ويفيض المال ويقاتل الناس على الإسلام حتى يهلك الله ~~في إمارته الملل كلها2 غير الإسلام، ويهلك الله في إمارته3 المسيح الأعور ~~الكذاب، وتقع الأمنة في الأرض حتى يرعى الأسد مع الإبل والنمر مع البقر ~~والذئاب PageV03P808 # مع الغنم ويلعب الصبيان بالحيات لا يضر بعضهم بعضا، يلبث أربعين سنة ثم ~~يتوفى ويصلي عليه المسلمون"1. # وقيل: إنه يدفن مع النبي صلى الله عليه وسلم ومع أبي بكر2 وعمر، وروي أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يقتل ابن مريم الدجال بباب لد" 3. ~~PageV03P809 ### | 119 - # فصل # صارت المعارف مختلفة على حسب ما وجدنا السبيل إليها1، فعندنا أن معرفة ~~الله سبحانه حصلت للمخلوقين مكتسبة2، والعلم المتكسب هو: كل علم وقع بعد ~~نظر واستدلال. PageV03P810 # أما علمنا بادعاء النبي صلى الله عليه وسلم النبوة فهو علم ضروري، لأنا ~~علمنا ذلك بالنقل المتواتر الذي لا يمكن دفعه بشك وشبهة، وأما صدقه فيما ms364 ~~ادعاه فهو علم مكتسب، لأنه فكر وتأمل ونظر1 كعلمنا بأن العالم محدث وأن له ~~محدثا. وأن الموجب لذلك علينا هو السمع وهو المرشد إليها والمنبه عليها، ~~ولا نستغني بالعقل عن السمع المنبه، كما لا يستغني في الصنائع الدقيقة ~~واالأفعال المحكمة عن المرشد إليها والمنبه عليها، فالرسل هم المرشدون إلى ~~ذلك والمنبهون عليه، وهم المؤيدون بالآيات والمعجزات ولا يجب علينا شيء إلا ~~بدعائهم، ولا نستغني بالعقول عن إرشادهم، وما من عصر إلا وفيهم2 نبي أو ~~شريعة نبي. قال الله تعالى: {لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل} 3، ~~وقال تعالى: {وإن من أمة إلا خلا فيها نذير} 4. PageV03P811 # وقد اختلف أهل الزيغ في ذلك فمنهم من قال: إن معرفة الخلق لله حصلت ~~ضرورة1 ومنهم من قال: إن معرفة الخلق لله طباع2، ومنهم من قال: إن معرفة ~~الله تقع بعد البلوغ من غير تطويل بفعل الله فيه3، ومنهم من قال: إن ~~المعرفة في ذلك ليس باضطرار ولا اختيار ولا كسب وإنما هي فعل لا فاعل لها4، ~~وجميع هؤلاء يقولون: إن معرفة الله لا يصح الأمر بها، وأحالوا الأمر بها ~~جملة، وهذه الفرق كلها فرق المعتزلة وهم موافقون للبراهمة في قولهم إنهم ~~يستغنون بما في عقولهم عن الرسل وإرشادهم5، ولهذا6 أبطلت المعتزلة والقدرية ~~كثيرا من ظاهر7 القرآن والسنن الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم لما ~~خالفت عقولهم الفاسدة، وأولوا ذلك على خلاف مقتضاها. # والدليل على صحة ما قلنا قوله تعالى: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} 8، ~~ولم يخل العقلاء من رسل يدعونهم إليه ويدلونهم بآيات PageV03P812 # يظهرها لهم أو يخاطبهم بل واسطة1 كمخاطبته لملائكته الذين هم السفرة بينه ~~وبين رسله، ومعرفتهم له إما بمشاهدة منهم له أو بما يجري مجرى المشاهدة مما ~~هو أعلم بما تقع لهم المعرفة به معرفة قطعية2، وعلى هذا الأمر جرى الأمر ~~لآدم صلى الله عليه وسلم لما خلقه بيده واسكنه جنته وقال له: {اسكن أنت ~~وزوجك الجنة} 3 فأرشده إلى ما أباحه له، وزجره عما نهاه عنه، وعلمه الأسماء ms365 ~~وما يتضمنه4 كل اسم من المعنى، ثم قضى عليه ما وقع منه وأخرجه من الجنة إلى ~~الدنيا واخبر سبحانه عما كان منه إليه بقوله: {ولقد عهدنا إلى آدم من قبل ~~فنسي} 5 والنسيان إنما يكون من المكلفين فيما سبق عليهم فيه الأمر فأهبطه ~~الله إلى الأرض بعد أن غفر له زلته، وجعله رسولا إلى أولاده يرشدهم إليه ~~ويدلهم على طرق الاستدلال عليه، فانقادوا لطاعته، وحصلت لهم المعرفة بالله ~~بما نبههم عليه، فقبض بعد أن أوضح لهم السبيل، وأبان لهم الدليل، وجعلهم ~~الحجة على ما يأتي بعده من أولادهم، واستحفظهم حجج الله، ووكلهم بنقل ذلك ~~إلى من بعدهم، فأقاموا على ذلك لا تلحقهم سآمة في نقله، فلما طال العهد ~~وضعفت البصائر وثب الشيطان ودعاته يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا، فبعث ~~إليهم رسولا يذكرونهم ما نسوا من العهد، ويدعونهم إلى ما أغفلوا من طاعة ~~ربهم، ولم6 يخل الله عصرا من قائم بحجة، وأمرهم باتباعه قال الله ~~PageV03P813 # تعالى: {وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول} 1 فمن قال: إن الخلق يستغنون عن ~~الرسل، وأن معرفة اله لا يصح الأمر بها فقد خالف الكتاب وأبطله، ومن قال إن ~~معرفة الله بالإلهام أو بالطباع أو بغير كسب المأمور يلزمه أن يقول إن ~~الكفار الذين عاندوا الرسول صلى الله عليه وسلم في زمانه وقتلهم أنهم ~~مخلدون في الجنة إذا لم يكن لهم طباع أو إلهام أو لم يفطروا على المعرفة، ~~وإلى هذا ذهب ثمامة بن أشرس النميري2 شيخ المعتزلة بعد إذ زعم أنه يجوز أن ~~يكون كثير3 من اليهود والنصارى والمجوس والصابئين في الجنة4، ومن كان هذا ~~مقتضى قوله فلا شك في كفره لمخالفته نص الكتاب والسنة وإجماع الأمة. ~~PageV03P814 ### | 120 - # فصل # معرفة الإمام من الصحابة بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم ليس بشرط في ~~اعتقاد الإيمان1، ولو أن رجلا آمن بالله وبصفاته وبنبوة محمد صلى الله عليه ~~وسلم وما جاء به وبالبعث والنشور كان مؤمنا وإن لم يعرف اسم أحد من الصحابة ~~أبا بكر وعمر وعثمان وعلي ms366 - رضي الله عنهم -، ولا من كان يستحق الخلافة ~~منهم والإمامة، بل قد منع بعض العلماء من الكلام في ذلك، واحتج بأن ذلك ~~انقضى وحكم قد مضى فلا معنى للاشتغال به، ولعل الكلام فيه مثار الشر ~~والتباغض في التعصب، فالإعراض من الخوض فيه أسلم من الكلام فيه2. # وذهب أكثر أهل العلم إلى تجويز الكلام فيه وإباحته، لأنه يفيد أحكاما في ~~الدين ومعرفة ما كان عليه أمر الصحابة - رضي الله عنهم -، والكلام في ~~الإمامة من فروع الدين الومسائل الفقهية التي تكلم بها أهل العلم، ومذهب ~~أصحاب الحديث وأكثر أهل العلم إلى أن نصب الإمام واجب3. # وقال بعض المتكلمين لو تكاف الناس عن الظلم لم يجب نصب الإمام، وهذا خطأ ~~لأن الصحابة - رضي الله عنهم - أجمعوا على نصب PageV03P815 # الإمام1، ولأن تكاف الناس عن المظالم مستحيل، لأن الظلم من شيم النفوس ~~وإنما يظهره القدرة2 ويخفيه العجز. # إذا ثبت هذا فليس من شرط الإمام الاختصاص بشيء من العلوم لا يشاركه فيها ~~غيره، بل هو وسائر الخلق في علم الشريعة وأحكامها شيء واحد، لأن الأئمة في ~~عصر الصحابة - رضي الله عنهم -3 لا يدعون لأنفسهم ولا يدعي لهم مدع منهم ~~اختصاصا بشيء من العلوم لا يشاركهم غيرهم فيه4. # فإن قيل: إذا لم يكن الإمام يختص بشيء من ذلك فما المقصود، وما المعنى ~~الذي نصب لأجله؟ قيل: المعنى الذي نصب الإمام أجله هو انتظام أمر الدنيا ~~والدين، لأن نظام الدين لا يحصل إلا بانتظام الدنيا من تدبير الجيوش، وسد ~~الثغور، وردع الظالم، وأخذ الحق للمظلوم، ونصب القضاة وجمع شتات الآراء ~~وإقامة الحدود، فجملة الدنيا في حق الإمام كبلدة في حق قاض من القضاة. ولا ~~تنعقد الإمامة إلا لمن وجدت فيه شروط منها: # أن يكون ذكرا، بالغا، عاقلا، حرا، مسلما عدلا، عالما من الفقه ما يخرجه ~~عن أن يكون مقلدا، لأن هذه الشرائط تعتبر في حق القاضي، فلأن تعتبر في حق ~~الإمام أولى. # ومن شرطه أن يكون: سميعا بصيرا، ناطقا، لأن الأصم والأعمى والأخرس لا ~~يكمل لتدبير الأمور ms367 التي نصب الإمام لأجلها، ومن شرطه أن يكون: قرشيا من أي ~~قبائل قريش كان، ولا يختص ببني هاشم وبني PageV03P816 # عبد المطلب1. # وقال أبو المعالي الجويني2: "يجوز أن يكون من غير قريش"3، وهذا خطأ ~~والدليل عليه قوله صلى الله عليه وسلم: "الأئمة من قريش "4 وقوله صلى الله ~~عليه وسلم: "لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي من الناس اثنان "5، 6. # ولما خطب النبي صلى الله عليه وسلم آخر خطبة خطبها7 يوصي بالأنصار، فقال ~~له PageV03P817 # العباس: "يا رسول الله توصي بقريش فقال: إنما أتوصى قريشا بالناس وبهذا ~~الأمر وإنما الناس تبع لقريش بر الناس تبع لبرهم، وفاجرهم تبع لفاجرهم "1 ~~ويدل على ذلك ان الأنصار لما اجتمعوا في سقيفة بني ساعدة وطمع من طمع منهم ~~بذلك وطال الكلام بينهم حتى روى لهم أبو بكر2 وعمر - رضي الله عنهم - قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم: "الأئمة من قريش "، فرجعوا عن قولهم واذعنوا ~~وانقادوا، ولولا أنهم3 علموا صحة هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم لردوا ~~ذلك وظعنوا به لا سيما في مثل هذا الموقف. وقد وقع التنازع والحجاج وإشهار ~~السيوف4 وإختلاط القول، بل رجعوا5 وقال سعد بن عبادة وهو من رؤساء الأنصار ~~لأبي بكر وعمر: "أنتم الأمراء ونحن الوزراء"، 6 فثبت أن ذلك إجماع. # ومن شرطه: أن يكون عالما بأمر الحرب وتدبير الجيوش وسد الثغور وحماية ~~بيضة الإسلام وما يتصل بذلك من الأمور، لأنه إذا لم يكن بهذه الصفة لحق ~~الخلل، وتتعدى الضرر إلى الأمة، وطمع بهم عدوهم، وأدى إلى إبطال ما نصب ~~لأجله. # ومن شرطه: أن لا يكون فيه رقة ولا هوادة في إقامة الحدود وضرب الرقاب ~~المستحقة، لأنه إذا لم يكن7 بهذه PageV03P818 # الصفة قصر عما لأجله أقيم وانبسطت أيدي الظلمة إلى الدماء واخذ الأموال ~~وارتكاب المحارم، ولم يصل المظلوم إلى حقه. # ومن شرطه: أن يكون ورعا، وهذه أعز الصفات وأجلها وأولاها بالمراقبة ~~وأجدرها، لأنه إذا لم يكن كذلك أخذ ما لم يحل له أخذه وارتكب المحارم. # وقد قال النبي صلى ms368 الله عليه وسلم: "ملاك دينكم الورع" 1 وليس من شرطه أن ~~يكون معصوما من الخطأ والزلل، عالما بالغيب، ولا بجميع الدين حتى لا يشذ ~~عنه شيء2، وإنما كان كذلك لأن طريق العلم بالعصمة عن الخطأ والعلم بالغيب ~~إنما يحصل من خبر الصادق وهو الشارع، ولم يرد ذلك في القرآن ولا في السنة ~~المتواترة بالأخبار من3 أحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يصح اشتراط ~~ذلك في المنصوب للإمامة، ولأنه لو احتيج إلى # كونه معصوما عن الخطأ لاحتيج أن يكون قاضيه وجابي خراجه وصدقته وأصحاب ~~مصالحه PageV03P819 # وأمراء جيوشه أن يكونوا كذلك، لئلا يفسدوا ما يتولونه من الأعمال. وفي ~~اشتراط ذلك إبطال لنصبهم بذلك، ويدل على بطلان ذلك اعتراف الخلفاء الراشدين ~~بأنهم غير معصومين، وترك إنكار الأمة أو واحد منهم ولا يتهم للأمر مع ~~اعترافهم بذلك. # إذا تقرر هذا ووجدت شروط الإمامة في واحد من العصر تعين العقد له وتعين ~~له القيام والطلب، وإن وجدت هذه الشروط في أكثر من واحد فينبغي أن تعقد ~~الإمامة للفاضل إن لم يكن هناك عذر يمنع من إمامة الأفضل لقوله صلى الله ~~عليه وسلم: "يؤم القوم أفضلهم "1، وقوله صلى الله عليه وسلم: "أئمتكم ~~شفعاؤكم فانظروا بمن تستشفعوا "2، وروي في خبر آخر "أئمتكم شفعاؤكم إلى ~~الله فقدموا خيركم"3، وقال صلى الله عليه وسلم: "من تقدم على قوم من ~~المسلمين وهو يرى أن فيهم من هو خير منه فقد خان الله ورسوله والمسلمين".4 # وأعظم الإمامة هي الإمامة الكبرى، لأن الإمام الأعظم أولى بإمامة الصلاة ~~من غيره، فيجب أن يكون أفضلهم. ويدل عليه إجماع الصدر الأول على طلب ~~الأفضل. وقال عبد الرحمن بن عوف: "لا يعدلوا بعثمان أحدا"5 وقول أبي عبيدة ~~لعمر: "مد يدك لأبايعك، فقال له عمر: تقول PageV03P820 # هذا وأبو بكر حاضر والله ما كان في الإسلام فهه1 غيرها" 2. # فإن خيف من عقد الإمامة للفاضل فتنة جاز عقدها للمفضول، والدليل عليه أن ~~عمر - رضي الله عنه - جعل الإمامة إلى أهل الشورى وهم ستة، ولا شك أن فيهم ms369 ~~فاضلا ومفضولا، وأجاز العقد لكل واحد منهم إذا3 أدى إلى صلاحهم وجمع كلمتهم ~~من غير إنكار أحد، ولأن الإمام إنما نصب لدفع العدو وحماية البيضة وسد ~~الخلل، فإذا خيف بإمامة أفضلهم الهرج والفساد والتغالب كان ذلك عذرا في ~~العدول عن الفاضل إلى المفضول، ولأنه لا خلاف أنه يجوز تقديم المفضول على ~~الفاضل في إمامة الصلاة فكذلك في الإمامة العظمى. # فإن قيل: قد ذكرت صفة الإمام فبماذا تنعقد له الإمامة؟. # قلنا تنعقد له الإمامة بأمور، منها: أن يستخلفه إمام قبله. والدليل على ~~ذلك أن أبا بكر - رضي الله عنه - وصى بالخلافة لعمر - رضي الله عنه -، ووصى ~~عمر - رضي الله عنه - إلى أهل الشورى ورضيت الصحابة بذلك لوم ينكروه، وأيضا ~~فإن الأب لما ملك النظر في أمر أولاده الصغار بحياته ملك الوصية بأمرهم إلى ~~من بعده4 إذا لم يكن لهم ولي في الشرع بعده وهو الجد، فكذلك الإمام مثله. ~~PageV03P821 # وتنعقد الإمامة بعقد أهل الحل والعقد لمن وجدت فيه شروط الإمامة1، واختلف ~~في عدد العاقدين فمنهم من قال: أقلهم ثلاثة، لأن ذلك أقل الجمع2، وقال اكثر ~~أهل العلم: تنعقد بواحد لأنه إذا ثبت أن فضلاء الأمة هو ولاة عقد الإمامة، ~~وثبت أنه لا يجب اعتبار حضور جميع أهل الحل والعقد وجميع الأمصار، لأن ~~الصحابة لم يعتبروا ذلك فيمن عقدوا له الإمامة منهم لم يتعذروا تعدد3 ~~انعقاد ذلك بواحد4. PageV03P822 # ومن شرط العاقد أن يكون ذكرا حرا بالغا عاقلا مسلما مجتهدا عدلا ظاهرا ~~وباطنا، لأنه من الأمور المهمة في الدين، فاعتبر أن يكون على أكمل الأحوال. # وهل من شرط العقد أن يكون بحضوره شهود؟. # اختلف العلماء فيه، فمنهم من قال: لا يعتبر حضور شهود، ومنهم من اعتبر ~~حضور شاهدين، لأن أمر الإمامة أعظم من أمر النكاح، فإذا اعتبر الشهود في ~~النكاح ففي الإمامة أولى، ومنهم من اعتبر حضور أربعة بعد العاقد والمعقود ~~له1، لأن عمر - رضي الله عنه - اعتبر ذلك في أهل الشورى، وهذا ليس بشيء لأن ~~عمر لم يعتبر حضور الستة لذلك، وإنما أخبر ms370 أنهم أفاضل وأن الأمر لا يعدوهم ~~ولا يتجاوزهم. # وقال أصحابنا: وقد ثبتت الإمامة من وجه غير ما تقدم ذكره، فإن لم يكن ~~هناك إمام فقام رجل له شوكة وفيه شروط الإمامة فقهر الناس بالغلبة فأقام ~~فيهم الحق، فإن إمامته تثبت وتجب طاعته والدخول تحت حكمه، لأن المقصود قد ~~حصل بقيامه، إلا إن قهره من هو بمثل صفته وصارت له الشوكة والغلبة فإن ~~الأول يخلع ويصير الثاني أولى بالطاعة لما ذكرنا في الأول2. PageV03P823 ### | 121- # فصل # اختلف الناس في الإمامة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فذهب أهل ~~الحديث وعلماء السلف أن الإمام الحق بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ~~أبو بكر الصديق - رضي الله عنه1 - وأن إمامته ثبتت بعقد الصحابة - رضي الله ~~عنهم - الإمامة له بظواهر أدلة استنبطوها من قول النبي صلى الله عليه وسلم، ~~ولم ينص النبي صلى الله عليه وسلم على إمامته ولا عهد بها إليه ولا إلى أحد ~~من الصحابة، وأنه هو أحق الناس بالإمامة في وقته2 وأن الإمام الحق بعده هو ~~عمر بن الخطاب، ثم عثمان بن عفان ثم علي بن أبي طالب - رضي الله عنهم -، ~~ودرجاتهم في الفضل على درجاتهم في الإمامة. وقالت الخوارج بإمامة أبي بكر ~~وعمر وبإمامة عثمان إلى الوقت الذي ادعوا أنه أحدث، وبإمامة علي بن أبي ~~طالب إلى أن حكم وتبرؤوا منهما بعد ذلك3. وادعت فرقة منهم يقال لهم البكرية ~~منسوبة إلى شيخ لهم يسمى بكرا4 PageV03P824 # أن النبي صلى الله عليه وسلم وصى بالإمامة إلى أبي بكر - رضي الله عنه - ~~ونص عليه1. # وقالت المعتزلة بإمامة أبي بكر وعمر2 وفسقوا عثمان وعليا وقاتلي عثمان ~~وخاذليه وطلحة والزبير وعائشة ومعاوية وأبا 3موسى الأشعري4. وقال ~~PageV03P825 # استاذهم عمرو بن عبيد: لو شهد عندي علي بن أبي طالب على شراك نعل ما قبلت ~~شهادته1. # وذهب فرقة الرواندية2 إلى أن3 الإمامة للعباس بن عبد المطلب، وقد نص عليه ~~النبي صلى الله عليه وسلم4. # وقالت الروافض والشيعة5 بإمامة علي بن أبي طالب، فادعوا أن النبي صلى ~~الله ms371 عليه وسلم نص على إمامته نصا لا يحتمل التأويل، ورفضوا إمامة أبي بكر ~~وعمر وعثمان وكفروا الصحابة كلهم إلا أربعة: علي بن أبي طالب وأبا ذر ~~والمقداد وسلمان الفارسي. # ثم افترقت الرافضة والشيعة في الإمامة بعد علي - رضي الله عنه - على ثلاث ~~فرق فقالت الغالية منهم: علي هو الإله وحكى أن قوما أتوه وقالوا: أنت إلهنا ~~وخالقنا ورازقنا وإليك معادنا فقتلهم وحرقهم وهذه الفرقة يقولون هو حي وهو ~~في السحاب6. PageV03P826 # وقالت فرقة منهم وهم الزيدية1: الإمامة لعلي، ثم بعده ابنه الحسن، ثم ~~ابنه الحسين، ثم علي بن الحسن، ثم زيد بن علي، ثم يحيى بن زيد2، ثم محمد بن ~~عبد الله بن حسن بن حسن الذي يسمى النفس الزكية3، ثم أخوه إبراهيم بن عبد ~~الله بن حسن بن حسن4، ثم المثلث وهو الحسن بن PageV03P827 # علي، وإنما قيل له مثلث لأنه حسن بن حسن بن حسن1، ثم يحيى بن عبد الله بن ~~حسن بن حسن2، ثم محمد بن إبراهيم3، ثم بعده الهادي يحيى بن الحسين بن ~~القاسم4. فهؤلاء ورثة الكتاب المخصوصون بالإمامة، ثم بعد ذلك يتبعون كل ~~قائم يقوم من ولد علي، وهم أكثر الفرق نفورا مع كل قائم حتى إنهم ينتقلون ~~من إمام إلى إمام. # وقالت فرقة منهم: تسمى الباطنية5 كانت الإمامة لعلي - رضي الله عنه ~~PageV03P828 # - ابتداءا، ثم الحسين بن علي دون الحسن، لأنه أسلم الأمر إلى معاوية، ثم ~~علي بن حسين، ثم محمد بن علي بن الحسين، ثم جعفر بن محمد1، ثم موسى بن ~~جعفر2، ثم علي بن موسى3، ثم محمد بن علي4، ثم علي5 بن محمد6، ثم الحسن7 ~~PageV03P829 # ابن علي1 وبعدهم إسماعيل بن جعفر2 ثم ابنه محمد بن إسماعيل3. # وللروافض في الإمامة كلام كثير، لكنا نتكلم على إبطال ما ادعوه من النص ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا بطل النص ثبت الاختيار. # فنقول: لو كان هناك نص من النبي صلى الله عليه وسلم على إمام بعينه بأن ~~يقول هذا خليفتي والإمام من بعدي فاسمعوا له وأطيعوا لم ms372 يخل: إما أن يكون ~~هذا القول من النبي صلى الله عليه وسلم بمحضر من الصحابة ممن يقع العلم ~~بخبرهم أو كان ذلك منه بمحضر الواحد والاثنين والعدد الذين لا يقع العلم ~~بخبرهم، فلو كان قد قال ذلك بمحضر جماعة يقع العلم بخرهم، لنقل ذلك نقل ~~مثله ولشاع وذاع كما نقل أعداد الركعات وفرض الحج والصيام والزكاة التي لا ~~خلاف بين الأمة في وجوبها، لأن الإمامة من الفروض العامة اللازمة ~~PageV03P830 # للجميع ولتوفرت الدواعي في كل عصر على نقل ذلك إلى يومنا هذا، وعدم ذلك ~~يضطر إلى عدم النص منه، وإن كان قال ذلك بمحضر ممن لا يقع العلم بخبرهم ~~فعند الروافض أن أخبار الآحاد لا توجب العمل في العبادات، فكيف توجب العمل ~~في الإمامة، ولأنه لو كان كذلك لما وسع عليا - رضي الله عنه - عنه السكوت ~~عن الاحتجاج به، ولما وسع بني هاشم وبني عبد المطلب الإغضاء على ذلك وترك ~~نصرة علي، وفي عدم ذلك منهم ومنه ما يدل على عدم النص، ولأنه لو كان للنص ~~أصل لكان يؤدي إلى أن الحق بذلك خفي على عصر الصحابة - رضي الله عنهم - وقد ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تجمتع أمتي على الخطأ"1، وقوله صلى الله ~~عليه وسلم: "ما كان الله ليجمع هذه الأمة على الخطأ"2 وفي انقياد الصحابة - ~~رضي الله عنهم - لأبي بكر وكونهم تحت طاعته وفيهم علي والعباس وعمار ~~والمقداد وأبو ذر والزبير بن العوام دليل على عدم النص على غيره، ولأن ~~كثيرا من القائلين بإمامة علي من الزيدية3 والمعتزلة البغدادين4 وغيرهم ~~ينكر5 النص ويجحده مع تفضيلهم لعلي على غيره وهذا في بابه أوضح دليل على ~~عدمه. ثم نعارض روايتهم هذه برواية البكرية أن النبي صلى الله عليه وسلم نص ~~على إمامة أبي PageV03P831 # بكر - رضي الله عنه1 - أو برواية الراوندية، حيث قالوا إن النبي صلى الله ~~عليه وسلم نص على إمامة العباس - رضي الله عنه - 2. # وكل جواب للشيعة عن هاتين الروايتين فهو جواب لنا عن روايتهم في النص على ~~إمامة ms373 علي - رضي الله عنه -، وعلى أن فرقة من الرافضة يقال لهم الكاملية3 ~~كفروا خلقا من الصحابة - رضي الله عنهم -، وكفروا عليا معهم، وذلك أنهم ~~قالوا أوصى النبي صلى الله عليه وسلم إلى علي - رضي الله عنه - فردت ~~الصحابة أمر النبي صلى الله عليه وسلم، فكفروا بذلك، ولم ينازعهم علي ولم ~~يقاومهم فكفر، وهذا يدل على أنهم أرادوا الطعن على الجميع وإبطال ما جاء به ~~النبي صلى الله عليه وسلم وأخبر به ويدل على عدم النص ما روى ابن عباس - ~~رضي الله عنه -: "أن علي بن أبي طالب خرج من عند النبي صلى الله عليه وسلم ~~في وجعه الذي مات فيه، فقال له الناس: يا أبا الحسن كيف أصبح النبي صلى ~~الله عليه وسلم فقال: أصبح بحمد الله بارئا فأخذ بيده العباس ابن عبد ~~المطلب فقال: ألا ترى أنك بعد ثلاث عبد العصا4 والله إني لأرى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم سيتوفى في وجعه هذا، وإني لأعرف في وجوه بني عبد المطلب ~~الموت، فاذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاسأله فيمن يكون هذا ~~الأمر، فإن كان فينا علمنا ذلك، وإن كان في غيرنا أمر به فأوصى بنا، فقال ~~علي - رضي الله عنه -: والله لئن سألناها رسول الله فمنعناها لا يعطيناها ~~PageV03P832 # الناس أبدا، وإني والله لا أسألها رسول الله صلى الله عليه وسلم أبدا1. ~~وهذا يدل على عدم النص إذ لو له أصل لكان عندهما منه علم. # وأما بيان عقد الإمامة لأبي بكر - رضي الله عنه - فما روي "أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم لما مات اختل الناس لموته فاعتزلت الأنصار مع سعد بن عبادة ~~في سقيفة بني ساعدة، واعتزل علي - رضي الله عنه - في رجال من قريش في بيت ~~فاطمة - رضي الله عنها -، فقال خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين: يا معشر ~~الأنصار إن تقدموا قريشا اليوم يتقدموكم إلى يوم القيامة، وأنتم الأنصار ~~وفيكم كتاب الله وإليكم الهجرة، وفيكم أمن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فاطلبوا رجلا تهابه ms374 قريش وتأمنه الأنصار، فقال القوم: وما ذاك إلا سعد بن ~~عبادة، قال: فسعد نريد وقام أسيد بن حضير الأوسي وهو من أهل الطاعة فيهم ~~والرأي فقال: يا معشر الأنصار إنه قد عظمت نعمة الله عليكم بأن سماكم ~~الأنصار، وجعل فيكم الهجرة، وقبض فيكم الرسول صلى الله عليه وسلم فاجعلوا ~~ذلك2 لله شكرا، وإن هذا الأمر في قريش فمن قدموه فقدموه ومن أخروه فأخروه، ~~فلم يقبلوا منه فلحق بالمهاجرين ثم قام عويم3 بن ساعدة الأنصاري فقال: "يا ~~معشر الأنصار إن يكن هذا الأمر فيكم دون قريش فانفروا حتى نبايعكم عليه، ~~وإن كان لهم دونكم فسلموا لهم ذلك، فوالله ما مات رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم حتى عرفنا أن أبا بكر خليفته حين أمره أن يصلي بالناس فلم يقبلوا منه، ~~فلحق بالمهاجرين فاجتمع المهاجرون إلى أبي بكر - رضي الله عنه - وفيهم عمر ~~وقال عمر: يا أبا بكر انطلق بنا إلى إخواننا من الأنصار، قال عمر: ~~PageV03P833 # فانطلقنا فلقينا رجلان صالحان1 من الأنصار قد شهدا بدرا فقال: أين تريدون ~~يا معشر المهاجرين؟ فقلنا: نريد إخواننا من الأنصار، قال: فارجعوا فاقضوا ~~أمركم بينكم، فقلت: والله لنأتينهم فإذا هم مجتمعون في سقيفة بني ساعدة بين ~~أظهرهم رجل مزمل فقلت؟ من هذا؟ قالوا: سعد ابن عبادة، فقلت: ما شأنه ~~فقالوا: إنه وجع، فقام خطيب الأنصار فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم ~~قال: أما بعد فنحن الأنصار وكتيبة الإسلام وأنتم يا معشر قريش رهط منا وقد ~~دفت إلينا منكم دافة2، فإذا هم يريدون أن يخزلونا3 من أصلنا ويحضنونا4 من ~~الأمر، قال: وقد زورت في نفسي مقالة وكنت أردت أن أقوم بها بين يدي أبي ~~بكر، وكان أوقر مني واحلم، فلما أردت الكلام، قال: على رسلك وكرهت أن ~~أعصيه، فحمد الله أبو بكر وأثنى عليه ثم والله ما ترك كلمة كنت زورتها إلا ~~جاء بها أو أحسن منها في بديهته ثم قال: "أما بعد فما ذكرتم فيكم من خير يا ~~معشر الأنصار فأنتم له أهل، ولكن ms375 لم5 تعرف العرب هذا الأمر إلا بهذا الحي ~~من قريش وهم أوسط العرب دارا ونسبا، فقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين فبايعوا ~~أيهما شئتم، وأخذ بيدي ويد أبي عبيدة بن الجراح، فوالله ما كرهت مما قال ~~شيئا6 غير هذه PageV03P834 # الكلمة، وكنت1 لأن أقدم فتضرب عنقي أحب إلي من أن أؤمر على قوم فيهم أبو ~~بكر، فلما قضى أبو بكر خطبته قام رجل من الأنصار يقال له حباب ابن المنذر ~~فقال: أنا جذيلها المحكك2 وعذيقها المرجب3 منا أمير ومنكم أمير يا معشر ~~قريش، فقال عمر: إنه لا يصلح سيفان في غمد، ولكن منا الأمراء ومنكم ~~الوزراء، قال: فارتفعت الأصوات وكثر اللغط حتى أشفقت الاختلاف، فقلت: يا ~~أبا بكر أبسط يدك أبايعك، قال: فبسط يده فبايعته بايعه المهاجرون وبايعه ~~الأنصار. # وزعم الأوس أن أول من بايعه بشير أبو4 النعمان، وزعمت الخزرج أن أول من ~~بايعه أسيد بن حضر، فلما بلغ أهل السقيفة ازدحم الناس على أبي بكر ~~ليبايعوه، فقال قائل منهم: قتلتهم سعدا، فقال عمر: قتل الله سعدا، 5 ثم ~~زفوه إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان هذا قبل دفن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، لأن أهله حجبوه فلما رقى أبو بكر المنبر نظر في وجوه ~~اقوم فلم ير عليا - رضي الله عنه -، فسأل عنه فقام زيد بن ثابت وجماعة من ~~الأنصار فأتوا به فقال أبو بكر: أنت ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وختنه وأردت أن تشق عصا المسلمين فقال: لا تثريب يا خليفة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فبايعه6، ثم نظر في وجوه القوم فلم ير الزبير فقال: أين ~~الزبير، فقام زيد وجماعة فجاؤوا به فقال له: أنت ابن عمة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وحواريه وأردات أن تشق عصا المسلمين، فال: لا تثريب يا ~~خليفة رسول الله ثم PageV03P835 # بايعه، ثم رجع علي - رضي الله عنه - إلى بيته وأقام حينا من الدهر يسكن ~~فاطمة - رضي الله عنها - من حزنها على أبيها إلى ms376 أن مرضت وماتت، فلما فرغ ~~من دفنها - رحمة الله عليها - جاء إلى أبي بكر - رضي الله عنه - فبايعه ~~ثانيا البيعة المشهورة"1. # فنحن نقول لما بايع عمر - رضي الله عنه - أبا بكر انعقدت له الإمامة لا ~~بمجرد مبايعته ولكن لتتابع الأيدي إلى المبايعة لسبب مبادرته، ولو لم ~~يبايعه عمر وبقي الناس مخالفين وانقسموا انقساما لا يتميز فيه الغالب من ~~المغلوب لما انعقدت إمامته، لأن شرط ابتداء الانعقاد قيام الشوكة وانصراف ~~القلوب إلى المبايعة ومطابقة البواطن والظواهر على ذلك المقصود الذي يراد ~~له الإمام، وهو جمع شتات الآراء ولا تتفق الإرادات المتناقضة على مبايعة ذي ~~رأي واحد إلا إذا ظهرت شوكته ورسخت في النفوس رهبته ومهابته ولم يخالفه إلا ~~من لا يكترث بمخالفته2. PageV03P836 # ومما يدل على تقديم أبي بكر - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لما مرض مرضه الذي توفي فيه أغمي عليه ذات يوم في مرضه فأفاق فقال: " ~~حضرت الصلاة قالوا: نعم قال: مروا بلالا فليؤذن وأمروا أبا بكر فليصل ~~بالناس، ثم أغمي عليه فأفاق وقال مثل ذلك، فقالت عائشة يا رسول الله إن أبا ~~بكر رجل أسيف ومتى يقم مقامك يبك فلا يستطيع فأمر عمر فليصل الناس، فقال ~~مثل قوله الأول فقالت يا رسول الله إن أبا بكر رجل أسيف1 ومتى يقم مقامك ~~يبك فلا يستطيع فأمر عمر قليصل بالناس، فقال مثل قوله الأول فقالت يا رسول ~~الله إن أبا بكر رجل أسيف ومتى يقم مقامك يبك فلا يستطيع فأمر عليا2 فليصل ~~بالناس، فقال: إنكن صواحبات يوسف مروا بلالا فليؤذن وامروا أبا بكر فليصل ~~بالناس"3. # وروى عبد الله بن زمعة قال: لما اشتد برسول الله صلى الله عليه وسلم وجعة ~~الذي مات فيه كنت عنده ونفر من المسلمين فبينا نحن كذلك إذ دعى بلال إلى ~~الصلاة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مروا أبا بكر فليصل بالناس"، ~~فخرجت فإذا بعمر بن الخطاب في الناس وكان أبو بكر غائبا عنهم، ولم يكن أحد ~~من أصحاب رسول ms377 الله صلى الله عليه وسلم في عهده يقدم على أبي بكر وعمر، ~~فقلت في نفسي إن كان أبو بكر غائبا فهاهنا عمرفقلت: يا عمر صل بالناس، قال ~~فقام وكبر وكان جهوري الصوت فسمع النبي صلى الله عليه وسلم صوته فقال: أين ~~أبو بكر يأبى الله ذلك والمسلمون إلا أبا بكر، يأبى الله ذلك والمسلمون إلا ~~أبا بكر، فبعث إلى أبي بكر فجاء من حيث كان وصلى بالناس بعد ذلك سبعة ~~أيام"4. وفي بعض الروايات أنه أقام يصلي PageV03P837 # بالناس سبعة عشر يوما1. قال عبد الله بن زمعة: فقال لي عمر ويحك ماذا ~~صنعت بي يا عبد الله ما ظننت إلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرك أن ~~تامرني، قلت: والله ما أمرني بذلك وإنما أمرني إلى أبي بكر فحين لم أره ~~رأيتك أولى من حضر بالصلاة بالناس"2. # ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجد في نفسه عند صلاة الصبح يوم ~~العاشر خفة فخرج يهادي بين الفضل بن العباس وأسامة بن زيد3 عاصبا رأسه، ~~وأبو بكر يصلي بالناس، ففرح الناس بدخوله صلى الله عليه وسلم، فلما أحسن به ~~أبو بكر ذهب ليستأخر فنكص عن مصلاه، فدفع النبي صلى الله عليه وسلم في ظهره ~~وقال: صل بالناس وجلس إلى جنبه قاعدا عن يمينه4. PageV03P838 # وفي رواية أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي بأبي بكر، وأبو بكر يصلي ~~بالناس1، وكان ذلك بحضور علي - رضي الله عنه -. # وروي أن عبد الله بن الكوا2 وقيس بن عباد3 دخلا على علي بن أبي طالب - ~~رضي الله عنه - بعدما فرغ من قتال الجمل فقالا له: أخبرنا عن مسيرك هذا ~~الذي سرت، فإن كان رأيا رأيته أجبناك في رأيك، وإن كان عهدا عهد إليه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فأنت الموثوق المأمون على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يحدث عنه. قال: فتشهد علي وكان القوم إذا تكلموا تشهدوا، فقال: أما أن ~~يكون عندي عهد من رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا ms378 والله، ولو كان عندي ~~عهد من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما تركت أخاتيم بن مرة ولا ابن الخطاب ~~على منبره ولو لم أجد إلا يدي هذه، ولكن نبيكم صلى الله عليه وسلم نبي رحمة ~~لم يمت فجأة ولم يقتل قتلا مرض ليالي وأياما يأتيه بلال فيؤذنه بالصلاة ~~فيقول: مروا أبا بكر فليصل بالناس وهو يرى مكاني، فلما قبض رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم نظرنا في أمرنا فإذا الصلاة عضد الإسلام وقوام الدين فرضينا ~~لدنيانا من رضي رسول الله صلى الله عليه وسلم لديننا فولينا الأمر أبا بكر ~~فأقام أبو بكر - رضي الله عنه - بين أظهرنا الكلمة جامعة والأمر واحد لا ~~يختلف عليه منا اثنان ولا يشهد أحد منا على أحد بالشرك، وكنت والله آخذ إذا ~~أعطاني وأغزوا PageV03P839 # إذا أغزاني وأضرب بيدي هذه الحدود بين يديه، فلما حضرت أبا بكر الوفاة ~~ولاها عمر - رضي الله عنه -، فأقام عمر بين أظهرنا الكلمة جامعة والأمر ~~واحد لا يختلف عليه منا اثنان ولا يشهد أحد منا على أحد بالشرك، فكنت والله ~~آخذ إذا أعطاني، وأغزوا إذا أغزاني وأضرب بيدي هذه الحدود بين يديه، فلما ~~حضرت عمر الوفاة ظن أنه إن يسختلف خليفة فيعمل ذلك بخطيئة إلا لحقت عمر في ~~قبره، فأخرج منها ولده وأهل بيته وجعلها في ستة من أصحاب النبي صلى الله ~~عليه وسلم، فكان فينا عبد الرحمن بن عوف فقال: هل لكم أن أدع نصيبي على أن ~~أختار لله ولرسوله وآخذ ميثاقا على أن نسمع ونطيع لمن ولاه أمرنا، فضرب ~~بيده يد عثمان - رضي الله عنهما - فبايعه، فنظرت في أمري فإذا طاعتي قد ~~سبقت بيعتي، وإذا الميثاق في عنقي لعثمان، فابتعت عثمان - رضي الله عنه - ~~بطاعته حتى أديت له حقه1. # وروي الحسن البصري عن علي - رضي الله عنه - أنه قال: " قدم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أبا بكر فصلى بالناس وقد رأى مكاني وما كنت غائبا ولا ~~مريضا، ولو أراد أن يقدمني لقدمني فرضينا لدنيانا من رضيه رسول ms379 الله صلى ~~الله عليه وسلم لديننا"2. # وروي شقيق3 بن سلمة أنه قال: قيل لعلي - رضي الله عنه - "استخلف علينا ~~فقال: ما أستخلفت ولكن إن يرد الله بهذه الأمة خيرا يجمعهم على خيرعم كما ~~جعهم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم على خيرهم"4. PageV03P840 # وروي أنه قيل: لعبد الله بن أبي أوفى: "هل أوصى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم؟ قال: لا، قيل: فكيف أمر المسلمين بالوصية؟ قال: أوصى بكتاب الله، ~~وقال1: أبو بكر يتوثب على وصي رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ود أبو بكر ~~أنه وجد عهدا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فخزم2 أنفه منها بخزامة". 3 # ويدل على صحة ما ذهبنا إليه قول الله تعالى: {قل أطيعوا الله والرسول} ؟ ~~الآية، وهذا خطاب للصحابة - رضي الله عنهم -". 4 لأنهم هم المستخلفون الله ~~عنهم -، ثم قال بعدها: {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ~~ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ~~ارتضى لهم} 5 الآية، قال الضحاك: "هذا العهد لأبي بكر وعمر وعثمان وعلي - ~~رضي الله عنهم - لأنهم هم المستخلفون بعد النبي صلى الله عليه وسلم، وقد ~~أنجز له ما وعدهم وجعلهم خلفاء بعد نبيه صلى الله عليه وسلم، ومكن لهم في ~~الأرض ففتحوا الفتوح وغنموا الغنائم وسبوا الذراري، وكان سيف أبي بكر - رضي ~~الله عنه - في أهل الردة سيف حق، وسيف علي - رضي الله عنه - في الخوارج سيف ~~حق، وظهر بهم في دين الله بعد نبيه صلى الله عليه وسلم. PageV03P841 # يؤيد ذلك ويوضحه ما روى أبو بكرة وسفينة أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: " الخلافة في أمتي ثلاثون سنة ثم يكون ملكا" قال سفينة: أمسك1، "خلافة ~~أبي بكر سنتين وعمر عشرا وعثمان اثنتي عشرة وعلي ستا". 2 # وروى عبد الله عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ليكونن ~~منكم اثنا عشر خليفة أبو بكر الصديق لا يلبث إلا قليلا، وصاحب رحادارة ~~العرب يعيش حميدا ويموت شهيدا فقال رجل: ms380 من هو يا رسول الله، فقال: عمر بن ~~الخطاب، ثم التفت النبي صلى الله عليه وسلم إلى عثمان، فقال: يا عثمان وأنت ~~يسألك الناس أن تخلع قميصا كساكه الله فلا تخلعه، فوالذي نفسي بيده لإن ~~خلعته لا ترى الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط "3. # ويدل على ما قلناه قول النبي صلى الله عليه وسلم: " عليكم بسنتي وسنة ~~الخلفاء الراشدين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ" 4. فسمى الخلفاء بعده ~~الراشدين، وأمر باتباع سنتهم، ولم يكن بعده من الخلفاء إلا هؤلاء الأربعة، ~~فدل على أن خلافتهم خلافة حق. PageV03P842 # ومما يدل على خلافه أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما - من القرآن قوله ~~سبحانه: {قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم ~~أو يسلمون فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا وإن تتولوا كما توليتم من قبل ~~يعذبكم عذابا أليما} 1، وهذه الآية نزلت في المخلفين من الأعراب عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم في غزوة الحديبية، فقيل إن القوم الذين وصفهم الله ~~بأولى بأس شديد هم أهل اليمامة2، 3 جهينة ومزينة وأشجع وأسلم وغفار والذي ~~دعى إلى قتالهم وقاتلهم هو أبو بكر - رضي الله عنه -، وقيل: إنهم فارس وقد ~~قاتلهم عمر - رضي الله عنه - فوعد الله المطيع على قتالهم أجرا حسنا، وأوعد ~~من أعرض عن قتالهم عذابا أليما. فدل على أن الداعي لهم إلى قتالهم محق فيما ~~دعاهم إليه4. # ومما يدل على خلافة أبي بكر - رضي الله عنه - ما روي عن جبير بن معطم: ~~"أن امرأة أتت النبي صلى الله عليه وسلم فكلمته في شيء، فأمرها أن ترجع ~~إليه فقالت: يا رسول الله أرأيت إن لم أجدك كأنها تعرض بالموت فقال لها: ~~"إن لم PageV03P843 # تجديني فأت أبا بكر "1. وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "اقتدوا ~~باللذين من بعدي أبي بكر وعمر"2 # ومما يدل على صحة إمامة أبي بكر - رضي الله عنه - أن الله أثنى على أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى: {لقد رضي الله عن المؤمنين إذ ms381 ~~يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا ~~قريبا} 3 وقوله تعالى: {محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء ~~بينهم} 4، الآية، وقوله تعالى: {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف ~~وتنهون عن المنكر} 5. # ومعنى قوله تعالى: {كنتم خير أمة أخرجت للناس} أي: أنتم خير أمة6، ويقال: ~~أراد كنتم في اللوح المحفوظ7، ويقال: في علم الله8. PageV03P844 # وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أنتم تتمون سبعين أمة أنتم خيرها ~~وأكرمها على الله" 1 # وهؤلاء الذين أثنى الله عليهم بايعوا أبا بكر - رضي الله عنه - وأطاعوه ~~وانقادوا له وسموه خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن قال: إن خلافة ~~أبي بكر كانت باطلا فقد ضلل من أثنى الله عليه وشهد لهم أنهم يأمرون ~~بالمعروف وينهون عن المنكر فدل على أن ما أمروا به معروف. # فإن قيل: فما الدليل على أن أبا بكر بصفة من تعقد له الإمامة، وما ~~المعاني التي اقتضت تقديمه على غيره في عصره؟. # قيل: أما سببه ونسبه فلا ينكره منكر2، وظهر من النبي صلى الله عليه وسلم ~~معان تدل على تقديمه على غيره، وظهرت من أبي بكر - رضي الله عنه - في حياة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وعند موته أمور تدل على علمه وشجاعته وقوة ~~عزيمته. فأما ما ظهر للصحابة من النبي صلى الله عليه وسلم فما ذكرناه من ~~تقديم النبي صلى الله عليه وسلم له في الإمامة بالصلاة وتعظيمه لأمره بذلك، ~~وقوله لعائشة وحفصة: "إنكن لصواحب يوسف" حين راجعنه في إمامة غيره3، وقوله ~~مع ذلك "يأبى الله ورسوله والمسلمون إلا أبا بكر"4 PageV03P845 # مع قوله الله صلى الله عليه وسلم: " يوؤ القوم خيرهم"1. وقوله: " أئمتكم ~~شفعاؤكم"2 وقوله: "من تقدم على قوم من المسلمين وهو يرى أن فيهم من هو أفضل ~~منه فقد خان الله ورسوله"3 وقوله صلى الله عليه وسلم:" ما من نبي يموت حتى ~~يؤمه رجل من قومه" 4، وقد أم أبو بكر بالنبي صلى الله عليه وسلم في ~~الصلاة5. # وروى عبد ms382 الله بن عباس - رضي الله عنهما - أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: "لو كنت متخذا أحدا من أهل الأرض خليلا لأتخذت أبا بكر بن أبي قحافة ~~خليلا - رضي الله عنه - ولكن خلة الإسلام أفضل سدوا عني كل خوجة غير خوجة ~~أبي بكر"6 وروي ابن عباس: "أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج عاصبا رأسه ~~بخرقة في مرضه الذي توفي فيه فجلس على المنبر فحمد الله وأثنى عليه ~~PageV03P846 # فقال: ليس أحد أمن علي بنفسه وماله من أبي بكر"1، وروى أبو هريرة أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما نفعني مال أحد ما نفعني مال أبي بكر" ~~قال: فبكى أبي بكر وقال: "يا رسول الله أنا ومالي لك" 2، قالت عائشة3: كان ~~مال أبي بكر4 قد بلغ الغاية5 ألف أوقية فضة لم يزد عليها مال قرشي فأنفق ~~ذلك كله في الله6 وقالت: "كان بلغ ماله في الجاهلية ألف ألف أوقية ففخرت ~~بذلك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "اسكني يا عائشة إني كنت لك كأبي زرع ~~لأم زرع"7. # وروي أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن للجنة ثمانية أبواب ~~فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دعي من ~~باب PageV03P847 # الجهاد، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الصيام وهو باب الريان، ومن ~~كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة، فقال أبو بكر: ما على من دعي من تلك ~~الأبواب كلها من ضرورة، وهل يدعى أحد منها كلها، فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم نعم وأرجو أن تكون منهم "1. # وروي عن عمرو بن العاص - رضي الله عنه - أنه قال: قلت يا رسول الله: من ~~أحب الناس إليك قال:" عائشة فقال: إني لست أعني النساء إنما أعني الرجال، ~~قال: أبوها قال ثم من؟ قال: ثم عمر"2. # وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "رحم الله أبا بكر زوجني ابنته ~~ونقلني إلى دار الهجرة وأعتق بلالا من ماله" 3. وروي أنه ms383 لما خرج رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم هاربا من أهل مكة خرج ليلا فتبعه أبو بكر - رضي الله ~~عنه - فجعل يمشي مرة أمامه ومرة خلفه ومرة عن يمينه ومرة عن يساره، فقال له ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما هذا يا أبا بكر ما أعرف هذا من فعلك، ~~قال: يا رسول الله اذكر الرصد فأكون أمامك، وأذكر الطلب فأكون خلفك، ومرة ~~عن يمينك ومرة عن يسارك، لا PageV03P848 # آمن عليك، قال فمشى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلته على أطراف أصابعه ~~حتى حفيت رجلاه، فلما رآه قد حفيت رجلاه حمله على كاهله وجعل يشتد به، حتى ~~أتى به الغار فأنزله، وقال: والذي بعثك بالحق لا تدخله حتى أدخله فإن كان ~~فيه شيء نزل بي قبلك، فدخل فلم ير شيئا فحمله فأدخله، وكان في الغار خروق ~~فيهن حيات وأفاعي، فشق أبو بكر - رضي الله عنه - ثوبه فحشى في كل خرق منها ~~قطعه من ثوبه، فبقي خرق فوضع أبو بكر عقبه عليه فجعلت الحيات والأفاعي ~~تضربه وتلسعه، وجعلت دموعه تنحدر ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يا ~~أبا بكر لا تحزن إن الله معنا"1. فلما أصبح قال له النبي صلى الله عليه ~~وسلم: يا أبا بكر ما صنع ثوبك فأخبره بما صنع به فرفع النبي صلى الله عليه ~~وسلم يديه وقال: "اللهم اجعل أبا بكر معي في درجتي في الجنة فأوحى الله ~~إليه أني قد استجبت لك"2. PageV03P849 # وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لحسان بن ثابت: "هل قلت في أبي ~~بكر؟ "، قال نعم قال: "قل وأنا أسمع"، فقال: # وثاني اثنين في الغار المنيف ... وقد طاف العدو بهم إذ أصعدوا الجبلا # وكان حب رسول الله قد علموا ... من البرية لم يعدل به رجلا # فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه، وقال: "صدقت يا ~~حسان" 1. # ومما يدل على تقديم أبي بكر - رضي الله عنه - في الفتيا بحضرة النبي صلى ~~الله عليه وسلم ما روى أبو قتادة ms384 أنه قال: لما التقى المسلمون بالمشركين ~~يوم حنين كانت للمسلمين جولة يعني اضطرابا فرأيت رجلا من المشركين وقد علا ~~رجلا من المسلمين فاستدبرت له من روائه فضربت على حبل عنقه بالسيف، فأرسله ~~ورجع إلي فضمني ضمة شممت منها ريح الموت، ثم أدركه الموت فأرسلني ثم رجعنا، ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "من قتل قتيلا له به بينة فله سلبه" فقمت ~~وقعدت2، فقال النبي صلىالله عليه وسلم: "أبا قتادة؟ " فقلت: قتلت رجلا فقال ~~رجل من القوم: صدق يا رسول الله وسلب ذلك الرجل عندي فارضه منه، فقال أبو ~~بكر: لاها الله إذا3 لا يعمد إلى أسد من أسد الله يقاتل عن الله وعن ~~PageV03P850 # رسوله فيعطيك سلبه أردده، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "صدق فأعطه ~~إياه" فأعطاني، فبعت الدرع فابتعت به مخرفا1 في بني سلمة، فإنه أول مال ~~تأثلته2 في الإسلام"3 ولا يتقدم في الفتيا بمحضر النبي صلى الله عليه وسلم ~~إلا من له منزلة في العلم. # وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب يوما فقال: " إن رجلا خيره ربه بين ~~أن يعيش، في الدنيا ما شاء الله4 أن يعيش ويأكل في الدنيا ما شاء أن يأكل، ~~وبين لقاء ربه فاختار لقاء ربه "، فبكى أبو بكر - رضي الله عنه - وقال: ~~فديناك يا رسول الله بأبائنا وأمهاتنا، فقال أصحاب النبي صلىالله عليه ~~وسلم: ألا تعجبون من هذا الشيخ ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا ~~صالحا خيره الله بين لقاء ربه فاختار لقاء ربه، فكان أبو بكر هو أعلمهم بما ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنه أراد صلى الله عليه وسلم أنه هو ~~الذي خيره الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من أحد أمن إلينا ~~في صحبته وماله من أبي بكر بن أبي قحافة ولو كنت متخذا خليلا لاتخذته ~~خليلا"5. # وروى أبو الدرداء قال: رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا امشي أمام ~~أبي بكر - رضي الله عنه - فقال: " يا أبا الدرداء ms385 أتمشي أمام من هو خير منك ~~في الدنيا والآخرة؟ ما طلعت شمس ولا غربت بعد النبيين والمرسلين على أفضل ~~من أبي بكر"6. PageV03P851 # وروي أن أبا بكر1 - رضي الله عنه - أول من أسلم. وروي أنه سئل ابن عباس ~~من أول من أسلم؟ فقال: أبو بكر - رضي الله عنه - أما سمعت قول حسان بن ~~ثابت: # إذا تذكرت شجوا من أخي ثقة ... فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا # خير البرية أتقاها وأفضلها ... إلا النبي وأولاها بما حملا # والثاني التالي المحمود شيمته ... وأول الناس منهم صدق الرسلا2 # وروي عن ابن مسعود أنه قال: "أول من ظهر الإسلام سبعة النبي صلى الله ~~عليه وسلم وأبو بكر وعمار وأمه وصهيب وبلال والمقداد3، وروي أبو سعيد ~~الخدري: "أن أبا بكر قال لعلي - رضي الله عنهما -: قد علمت إني كنت في هذا ~~الأمر قبلك قال: صدقت يا خليفة رسول الله فمد يده فبايعه، فلما جاء الزبير ~~قال له PageV03P852 # أبو بكر: قد علمت أني كنت في هذا الأمر قبلك قال: صدقت، فمد يده فبايعه1. ~~وأما ما ظهر من أبي بكر - رضي الله عنه - من العلم وشدة الجأش بعد موت ~~النبي صلى الله عليه وسلم فما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما مات ~~ارتجت المدينة واختل الناس وأفحموا ودشهوا وطاشت عقولهم وذهلوا، فروي أن ~~عمر - رضي الله عنه - كذب بموته وقال: ما مت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وليرجعنه الله2 وليقطعن أيدي رجال وأرجلهم من المنافقين يتمنون موت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، وإنما وعده ربه كما وعد موسى ربه وهو آتيكم3. ~~وأما علي - رضي الله عنه - فإنه قعد في البيت ولم يبرح، وأما عثمان فجعل لا ~~يكلم أحدا حتى أنه يؤخذ بيده فيذهب به ولا يعقل، وكان أبو بكر - رضي الله ~~عنه - بالسنح4 وتواتر أهل البيت إليه بالرسل، فلما أخبر بموت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أقبل وعيناه تهملان وغصصة تترجع في حلقة، وهو مع ذلك ثابت ~~العقل حتى دخل على رسول الله صلى ms386 الله عليه وسلم فكشف عن وجهه وقبله، وقال: ~~يأبى وأمي طبت حيا وميتا انطقع الوحي بموتك ما لم ينقطع بموت أحد من ~~الأنبياء فعظمت عن الصفة5 وجللت عن البكاء بكلام له طويل، ثم خرج والنبي ~~صلى الله عليه وسلم مسجى، فقام في الناس خطيبا فخطب خطبة خللها بالصلاة على ~~PageV03P853 # رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال فيها: "أشهد أن لا إله إلا الله وحده ~~لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله خاتم الأنبياء، وأشهد أن الكتاب كما ~~أنزل، وأن الدين كما شرع وأن الحديث كما حدث"1 في كلام طويل، ثم قال: "أيها ~~الناس من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي ~~لا يموت قال الله تعالى: {إنك ميت وإنهم ميتون} 2، وقال: {وما محمد إلا ~~رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب ~~على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين} 3. # قال عمر: "والله لكأني لم أسمع بها في كتاب الله قبل الآن"4. فرجعوا ~~صابرين محتسبين بقوة نفوس وسكون جاش في الدين، ولو لم يظهر منه غير هذا ~~لكان ذلك كافيا في الدليل على علمه وفضله، ثم لما عقدت له الخلافة نادى ~~مناده في المدينة بخروج جيش أسامة الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم أمر ~~بخروجه فاجتمع إليه قوم من الصحابة - رضي الله عنهم - فقالوا له: إن هذا ~~الجيش فيه الحامية من نقباء المهاجرين والأنصار، وإن أهل الردة قد اطلعوا ~~رؤوسهم وساقبوا5 المدينة فانتظر بانفاذه6 انكشاف الردة فقال: "والله لأن ~~أخر من السماء على أم رأسي فتخطفني الطير وتنهشني السباع أحب إلي من أن ~~أكون أول حال عقده رسول الله صلى الله عليه وسلم. أنفذوا جيش أسامة ~~PageV03P854 # وأمرهم بالخروج1، فسأل نقباء المهاجرين والأنصار عمر أن يسأل أبا بكر أن ~~يصرف أسامة ويولي من هو أسن منه وأدري بالحرب فسأله عمر ذلك، فقال أبو بكر: ~~ثكلتك أمك يا ابن الخطاب وعدمتك، أيوليه رسول الله صلى ms387 الله عليه وسلم ~~وتأمرني أن أعزله؟ والله لا يكون ذلك أبدا فشيعهم أبو بكر حافيا والعباس ~~معه ومن بقي من الصحابة في المدينة فما زال يدعوا لهم ويؤمن العباس ومن معه ~~على دعائه وأسامة يقول: إما أن تركب يا خليفة رسول الله أو أنزل وهو يقول: ~~لا أركب ولا تنزل وماذا علي أن تغبر قدماي في سبيل الله فنفذ الجيش وفتح ~~وغنم ورجع في نيف وستين يوما ولقي بهم أهل الردة"2. # ومن فضائله أن العرب لما ارتدت ومنعت الزكاة وقالوا لا نؤدي الزكاة إلى ~~أبي بكر لأن الله قال: {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم ~~إن صلاتك سكن لهم} 3، وصلاة النبي صلى الله عليه وسلم هي التي كانت طهارة ~~وزكاة دون ابن أبي قحافة، فعزم على قتالهم، فقال له عمر: كيف تقاتلهم وقد ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله ~~إلا الله محمد رسول الله، فإذا قالوها فقد عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا ~~بحقها"، 4 فقال أبو بكر: "الصلاة من حقها والزكاة من حقها، والله لأقاتلن ~~من فرق بين الصلاة والزكاة والله لو منعوني عناقا5، وروي عقالا6مما أعطوا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم عليه7، فرجع عمر وباقي الصحابة إلى ~~قوله وعلموا أن الحق بقوله، وهذا يدل على أنه كان أفقه منهم، وأشجع منهم ~~ولولا قتاله مانعي الزكاة لانحلت قوى الشريعة وعزائمها كالصلاة والصيام ~~PageV03P855 # والحج1، ولكن الله شد بعزيمته الدين فقاتل أهل الردة فقاتل أهل الردة ~~وأثر فيهم2 بالقتل وأبادهم واستأصل خضراءهم3، حتى ألقى الله في قلوبهم من ~~الهيبة والفشل منه ما كان في قلوب الكفار للنبي صلى الله عليه وسلم حتى قال ~~شاعرهم: # ألا عللاني قبل جيش أبي بكر ... لعل منايا نا قريب ولا ندر # لعل جيوش المسلمين وخليهم ... ستطرقنا قبل الصباح من الفجر4 # فكيف لا يصلح للخلافة من هذه صفته، هذا وقد كان مقدما في الجاهلية تحتكم ~~إليه العرب وترضى بحكمه وقوله5. وكان النبي صلى الله عليه ms388 وسلم يخلوا به ~~ويستشيره في كثير من أمور التي أمر الله أن يستشير بها6بقوله تعالى: ~~{وشاورهم في الأمر} 7، ولا يستشير إلا من يحمد لذلك بالعقل والعلم. ~~PageV03P856 ### | 122 - # فصل # وقد تعلقت القدرية والروافض بمعان ضعيفة وأخبار غير صحيحة في الطعن على ~~إمامة أبي بكر وعمر. # فمن ذلك أن عليا والزبير - رضي الله عنهما - تخلفا عن بيعة أبي بكر ثم ~~بايعا مكرهين. # والجواب: أن هذا طعن على علي - رضي الله عنه - ونسبته إلى النفاق، لأنه ~~إذا عام أن النبي صلى الله عليه وسلم نص عليه في الإمامة وأمره بذلك كيف حل ~~له ترك إظهار ذلك والقيام به، وكيف ساغ ترك نصرته لبني هاشم وبني عبد ~~المطلب وغيرهم من قبائل قريش، مع أن المروي عنه أنه قال: "والله لو كان ~~عندي عهد من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما تركت أخاتيم بن مرة ولا ابن ~~الخطاب على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو لم أجد إلا يدي هذه، ~~وذكر استخلاف النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر في الصلاة مع كونه حاضرا ~~يرى مكانه"1. # وروي أنه قال لأبي عبيدة بن الجراح يوم وصله: "والله ما قعودي في كسر ~~بيتي قصدا مني لخلاف ولا إنكارا لمعروف ولا زراية على مسلم، بل لما وقذني2 ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بفراقة وأودعني من الحزن بعده، وأنا غاد إلى ~~جماعتكم غدا إن شاء الله بفراق ومبايع صاحبكم، فلما كان صباح ذلك اليوم ~~وافى عليه السلام يخرق الجماعة إلى أبي بكر - رضي الله عنه - فبايعه طائعا ~~غير مكره، وقال خيرا ووصف جميلا وجلس طويلا واستأذن للقيام، فقام وشيعه عمر ~~تكرمة له، فقال له علي - رضي الله عنه -: والله ما قعدت كاراها ولا أتيته ~~فرقا منه ولا أقول ما أقول تقية مني في كلام له طويل"3. PageV03P857 # وروي أن أبا بكر - رضي الله عنه - بعد ما بويع له وبايعه علي - رضي الله ~~عنه - أقام ثلاثا يقول: يا أيها الناس قد أقلتكم بيعتكم، هل من كاره، فيقوم ms389 ~~علي في أوائل الناس فيقول: والله لا نقيلك ولا نستقيلك قدمك رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فمن ذا الذي يؤخرك1. # واحتجوا بما روي أنا أبا بكر - رضي الله عنه - قال في بعض خطبه: "وليتكم ~~ولست بخيركم فإذا استقمت فاتبعوني، وإن اعوججت2 فقوموني، أطيعوني ما أطعت ~~الله، فإذا عصيت الله فلا طاعة لي عليكم"3. قالوا فاعترف على نفسه أنه ليس ~~بخيرهم وأنه يعصي الله. # والجواب على ذلك من وجوه: # أحدهما: أنه أراد وليتكم بالإمامة في الصلاة "وليست بخيركم" يومئذ لأن ~~فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. # والثاني: أنه أراد لست بخيركم قبيلة ولا عشيرة، لأن بني هاشم وبني عبد ~~المطلب أعلى منه في ذروة النسب، ليدلهم بذلك أن الأمر لا يستحق بعلو النسب. # والثالث: أنه أراد التواضع وكره أن يزكي نفسه4 لأن الله قال: {فلا ~~PageV03P858 # تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى} 1، وإذا شهد له النبي صلى الله عليه وسلم ~~بقوله لأبي الدرداء: "ما طلعت الشمس ولا غربت بعد النبيين والمرسلين على ~~أفضل من أبي بكر"2 كان ذلك كافيا في بيان درجته وفضيلته على غيره. # وأما قوله: "فإذا عصيت الله فلا طاعة لي عليكم"، فإنه نفي عن نفسه أن ~~يكون معصوما عن الخطأ، وليس من شرط الإمام عندنا أن يكون معصوما3، وكيف وقد ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم: "وما منا معاشر الأنبياء إلا من عصا أو هم ~~بمعصية إلا يحيى بن زكريا" 4، وقال لنبيه: {ليغفر لك الله ما تقدم من ~~PageV03P859 # ذنبك وما تأخر} 1، فإذا كانت هذه حالة الأنبياء فكيف الأئمة2. # احتجوا بما روي عن عمر - رضي الله عنه - أنه خطب وقال: "إن بيعة أبي بكر ~~كانت فلتة وقى الله شرها"3، وقالوا: وكيف يستحق الخلافة وبيعته بهذه الصفة. ~~PageV03P860 # والجواب: أن يقال لهذا المحتج: بهذا سهوت وجهلت مراد عمر - رضي الله عنه ~~- بذلك، أنه لم يرد بذلك الطعن على بيعة أبي بكر، والا زدراء بها وكيف يليق ~~به هذا وإمارة عمرة صدرت من أبي بكر وإنما أراد بها كانت فلتة أي ms390 تمت ~~وانتظمت لم يحتج فيها إلى مشاورة الأحلاف ومن يريد شق عصى المسلمين، وقى ~~الله شرها بتمامها ولم يتم من أراد من الأنصار نصب إمام منهم1 حيث قال ~~الحباب بن المنذر: منا أمير ومنكم أمير2. # واحتج من ادعى أن النبي صلى الله عليه وسلم نص على إمامة علي - رضي الله ~~عنه - بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "ألست أولى المؤمنين من انفسهم، من ~~كنت مولاه فعلي مولاه وإلى الله من والاه وعادى من عاداه"3 PageV03P861 # قالوا: فأوجب1 لعلي من الطاعة على المؤمنين ما أوجبه عليهم لنفسه، ثم ~~قال: "وإلى الله من والاه وعادى من عاده"، ومن أئتم بغيره فقد عاداه. # والجواب عنه من وجوه: # أحدهما: أن نقول للراوفض والقدرية أنتم ل تقولون بأخبار الآحاد فإنها لا ~~توجب العمل2. فكيف يمكنكم الاحجناج علينا بما لاتقولون به. # والثاني: أنا نقول لهم النص هو القول الذي لا يحتمل التأويل3 - حتى إن ~~بعض العلماء قال: النص بعد وجوده4 وهو مثل قوله تعالى: {قل هو الله أحد} 5 ~~{والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} 6 فهو نص فى الثلاثة وفي القرء غير ~~منصوص لأن القرء لفظ مشترك7، فقولكم بأن هذا القول نص من النبي صلى الله ~~عليه وسلم على إمامة علي قول صدر ممن لا يميز بين النص والظاهر8. ~~PageV03P862 # والجواب الثاني: أن يقال لهم قولكم بأنه صلى الله عليه وسلم أوجب لعلي ~~على الخلق ما أوجبه لنفسه عليهم غير صحيح، لأنه قال في هذا الخبر: "ألست ~~نبيكم والمخبر لكم بالوحي عن ربكم، وناسخ شرائع من كان قبلكم". فأثبت لنفسه ~~النبوة، والإخبار بالوحي، وأنه ناسخ الشرائع، كما أثبت لنفسه الولاية ~~عليهم، فلما لم يشاركه علي - رضي الله عنه - بالنبوة ولا بالوحي ولا بنسخ ~~الشرائع لم يشاركه بالولاية، وعلى أنه لو كان صحيحا لكان علي ثابت الولاية ~~عليهم في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وهذا لا يقوله أحد، فثبت أن قوله ~~"من كنت مولاه فعلي مولاه "ليس المراد به الواي، لأن المولى لفظة مشتركة ~~تقع على معان مختلفة ms391 منها: المولى: يقع علي المولى من أعلى وهو المعتق، ~~وهذا لا إشكال فيه ويقع على المولى من اسفل وهو المنعم عليه، قال الله ~~تعالى: {فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم} 1 والمولى: يقع ~~على ابن العم والعصبة، قال الله تعالى: {وإني خفت الموالي من ورائي} 2. قال ~~في التفسير: بني العم3. # قال الشاعر: # مهلا بني عمنا مهلا موالينا ... لا تظهروا بيننا ما كنا مدفونا # لا تحسبوا أن تهينونا ونكرمكم ... وأن نكف الأذى عنكم وتؤذونا4 # وأراد بالمولى هنا: ابن العم، والمولى يقع على الناصر، قال الله تعالى: ~~{ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا} أي ناصرهم {وأن الكافرين لا مولى لهم} 5أي ~~لا ناصر لهم. PageV03P863 # والمولى يقع على المحب والموالي، ومنه قوله صلىالله عليه وسلم:" مزينه ~~وجهينة وأسلم وغفار موال الله ورسوله"1. أي محبون موالون لهما. # والمولى يقع على الجار2، قال مربع بن وعوعة الكلابي وكان جار كليب ابن ~~يربوع فأحسنوا جواره: - # جزا الله خيرا بكفه ... كليب بن يربوع وزادهم حمدا # هم خلطونا بالنفوس وألجموا ... إلى نصر مولاهم مسومة جردا3 # وأراد إلى جارهم. # وإذا كانت لفظة المولى مشتركة بين هذه المعاني حمل قوله صلى الله عليه ~~وسلم: "من كنت مولاه فعلي مولاه" أي من كنت ناصره ومحبه أو ابن عمه فعلي ~~مولاه4، ولا يكون ذلك إلى الوالي. وأما قوله: "وإلى الله من والاه وعادي من ~~عاداه" فما أحد من الصحابة ولا من أهل الحديث عاداه، وليس من ائتم بإنسان ~~سمى معاديا لسائر الناس، وإنما المعادي لهم هم الخوارج. # واحتجوا على أن النبي صلى الله عليه وسلم نص على إمامة علي بقوله صلى ~~الله عليه وسلم لعلي: "أنت مني بمنزلة هارون من موسى"5. PageV03P864 # والجواب أن يقال: إن هذا ليس بنص على إمامته، لأن النص ما لا يحتمل ~~التأويل، وإنما الخبر ورد على سبب، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما ~~خرج في غزوة تبوك خلفه على المدينة فقال المنافقون: إنه أبغض عليا وقلاه ~~حين لم يخرجه معه، فتبعه علي - رضي الله ms392 عنه - وقال: يا رسول الله أتتركني ~~مع الذرية والعيال فقال صلى الله عليه وسلم: "أما ترضى أن تكون مني بمنزلة ~~هارون من موسى"1، وأراد بذلك حين خلفه على قومه يوم توجه لكلام ربه، ولم ~~أخلفك بغضا ولا قلا، ولم يرد أنك تخلفنى بعد موتى، لأن هارون لم يخلف موسى ~~صلى الله عليه وسلم بعد موته بل مات فقبل موسى وإنما خلفه يوسع بن نون2. # فإن قالوا: فقد ولاه النبي صلى الله عليه وسلم على المدينة يومئذ، وما ~~روي أنه عزله عن ولايته عليها فيجب أن تكون ولايته ثابتة عند موته وبعد ~~موته. # قيل لهم: هذا لا يصح لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما رجع عن3 غزوته كان ~~حكم المدينة وأمرها إليه، ولم يقل أحد إن عليا كان يملك الولاية عليها بعد ~~رجوع النبي صلى الله عليه وسلم من غزوته، ويعارض هذا بأن النبي صلى الله ~~عليه وسلم ولى أبا بكر الإمامة في PageV03P865 # الصلاة بالمدينة1 وأقامه على الحاج في الموسم2 وما روي أنه عزله فكل جواب ~~لهم عن هذا فهو جوابنا لهم3. # احتجوا على النص على إمامة علي بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "أتت أخي ~~وخليفتي في أهلي وقاضي ديني ومنجز عداتي"4. # والجواب: أن هذا ليس بنص على الإمامة بعده لا يحتمله التأويل5، لأن هذا ~~الخبر إذا ثبت حملنا قوله: "أنت أخي" أنه أراد التعظيم له، وهو كذلك لأنه ~~ابن عمه. وقوله: "خليفتي على أهلي" أي على فاطمة وولديها وهم أهل له صلى ~~الله عليه وسلم، وأما قوله: " وقاضي ديني" يحتمل أنه أمره بقضاء دين عليه ~~بعد موته أو في حياته6، وكذلك قوله: "منجز عداتي" وليس في هذا كله نص على ~~الإمامة، بدليل أن إمامة لو قال لرجل بهذا القول لم PageV03P866 # يكن ذلك وصية إليه بالإمامة بلا خلاف بين أحد من أهل الفقه، فكذلك من ~~النبي صلى الله عليه وسلم. # ونعارض هذه1 الأخبار بأخبار هي أصرح منها، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: ~~" اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر ms393 وعمر" 2. وقوله صلى الله عليه وسلم: ~~"الخلافة بعدي ثلاثون سنة "3 وأمر النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر بأم ~~الناس4، وقوله صلى الله عليه وسلم: "لا ينبغي لقوم يكون فيهم أبو بكر أن ~~يتقدمه غيره "5 وقوله صلى الله عليه وسلم: "إن يطع الناس أبا بكر وعمر ~~يرشدوا "6 ورشدت أمتهم، وإن يعصموهما غووا وغوت أمتهم". PageV03P867 ### | 123- # فصل: في خلافة أمير المؤمنين عمر - رضي الله عنه - # وذلك أنه لما حضرت أبا بكر - رضي الله عنه - الوفاة قال: "يا معاشر ~~المسلمين إنه قد حضرني من قضاء الله ما ترون، ولا بد لكم من رجل يلي أمركم ~~ويصلي بكم ويقاتل عدوكم ويجمع فيكم، فإن شئتم فاجتمعتم هنا وأتمرتم، وإن ~~شئتم اجتهدت لكم برأيي فبكوا وقالوا: أنت خيرنا وأعلمنا فاختر لنا، قال ~~عثمان بن عفان: لقد أحضرني أبو بكر فقال لي اكتب: هذا ما عهد به عبد الله ~~بن أبي قحافة آخر عهده بالدنيا وقت يسلم فيه الكافر ويبر فيه الفاجر، وثقل ~~لسانه فلم1 يبين عن نفسه وإغمي عليه، قال: فكتب اسم عمر، فأفاق أبو بكر، ~~فقال لي: أكتبت أحدا؟ فقلت: خشيت الفرقة فكتبت عمر، فقال: يرحمك الله أصبت ~~ما في نفسي ولو كتبت نفسك لكنت أهلا لها"2. PageV03P868 # وروي "أنه خرج معصوبا رأسه فخطب خطبته المشهورة وقال: سأخبركم باختياري ~~فوصف فيها عمر ونعته فذكر شدته من غير عنف، ولينه من غير ضعف، وقدرته على ~~الأمر، وكل الصحابة - رضي الله عنهم - صوب رأيه فيه ورضوا بوصيته1 إلا طلحة ~~فإنه قال: أذكرك الله واليوم الآخرأنك استخلفت علينا رحلا فظا غليظا، ماذا ~~تقول لربك إذا لقيته؟ فقال أبو بكر: أجلسوني فأجلسوه، فقال: أتفرقوني2 ~~بالله أقول له إذا لقيته اسختلفت عليهم خير أهلك3، فقال عثمان وعبد الرحمن4 ~~لأبي بكر: امض لشأنك وأنفذ أمرك وأعهد إلى عمر فإنه أهل لها"5. # وروي أن عليا - رضي الله عنه - قام وقال: "ما6 نرضى إلا عمر بن الخطاب"7 # وروي أن طلحة - رضي الله عنه - صوب رأي أبي بكر بعد ذلك في استخلافه ms394 لعمر ~~وذكر عمر بأجمل الذكر8. PageV03P869 # وقد نبه النبي صلى الله عليه وسلم على خلافة عمر بعد أبي بكر - رضي الله ~~عنهما بقوله صلى الله عليه وسلم: "اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر" 1. # وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لو كان بعدي نبي لكان عمر بن ~~الخطاب"2. # قال النبي صلى الله عليه وسلم: "اللهم أعز الإسلام بأحب الرجلين إليك إما ~~عمر ابن الخطاب أو أبي جهل بن هشام" 3. فسبقت الدعوة في عمر فدل أن الله ~~يحبه. # وقال ابن عباس: "لما أسلم عمر - رضي الله عنه - نزل جبريل على النبي صلى ~~الله عليه وسلم فقال: "يا محمد لقد استبشر أهل السماء اليوم بإسلام عمر"4. ~~PageV03P870 # وقال ابن مسعود: "لما أسلم عمر - رضي الله عنه - قال المشركون لقد انتصف ~~المسلمون منا"1. # وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله جعل الحق على لسان عمر ~~وقلبه"2. # "وقد كان يكون في الأمم محدثون فإن يكن في أمتي فعمر بن الخطاب"3. # وقال علي - رضي الله عنه -: "ما كنا نبعد أن السكينة4 تنطق على لسان ~~عمر"5. PageV03P871 # وروي عن أنس بن مالك أنه قال: "نزل جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم ~~وقال: أقرئ عمر السلام وأخبره أن غضبه عز ورضاه عدل"1. # وقال ابن مسعود: "كان إسلام عمر - رضي الله عنه - عزا، وكانت هجرته نصرا، ~~وكانت خلافته رحمة، والله ما استطعنا أن نصلي ظاهرين حتى أسلم عمر2، وإني ~~لأحسب أن بين عينيه ملكا يسدده"3 # وروي أن أبا بكر لما استخلف عمر - رضي الله عنهما - قال له: "إني موصيك ~~بوصية إن حفظتها، إن لله عز وجل حقا في الليل لا يقبله بالنهار، وحقا ~~بالنهار لا يقبله في الليل، وإنه لا تقبل نافلة حتى تؤدي الفريضة، وإنما ~~ثقلت موازين من ثقلت موازينهم يوم القيامة باتباعهم الحق وثقله عليهم، وحق4 ~~لميزان لا يوضع فيه إلا الحق أن يكون ثقيلا، وإنما خفت موازين من خفت ~~موازينهم يوم القيامة باتباعهم الباطل وخفته عليهم، وحق لميزان5 لا يوضع ~~فيه إلا ms395 الباطل أن يكون خفيفا، ثم قال في آخر وصيته: فإن حفظت قولي هذا لم ~~يكن غائب أحب إليك من الموت، ولا بد لك منه، وإن ضيعت قولي لم يكن غائب ~~أبغض إليك من الموت، ولا بد لك منه ولن تعجزه"6. PageV03P872 # فحفظ عمر - رضي الله عنه - وصية أبي بكر في نفسه ورعيته، فكان في الدنيا ~~زاهدا، وفي الآخرة راغبا. # فروي أنه أتي له بلبن فشربه فقيل له: إنه من إبل الصدقة فتقيأه، وذلك أنه ~~كره بقاءه في جوفه1. # وروي أنه أتى إليه بمسك من بيت المال فقسم بحضرته فسد على أنفه، فقيل له: ~~يا أمير المؤمنين إنما يتجاوز إليك ريحه فقال: وهل يراد من المسك إلا ~~رائحته".2 # وهذا غاية في الورع. # وروي أنه قال: "لو شئت أن أدعو بصلاء3 وصناب4 وأفلاذ5 وأسنمة6 وأكباد لو ~~شئت أن يدهمق7 لي لفعلت، ولكن الله عاب قوما ذلك فقال: {أذهبتم طيباتكم في ~~حياتكم الدنيا واستمتعتم بها} 8. PageV03P873 # وروي أن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - دخل على عمر بعد قتله وقد سجي ~~بثوبه، فقال: "ما أحد إلي أن ألقى الله بصحيفته من هذا المسجى بينكم1، ثم ~~قال: "يرحمك الله يا ابن الخطاب إن كنت بذات الله لعليما، وإن كان الله ~~بصدرك لعظيما، وإن كنت لتخشى الله في الناس ولا تخشى الناس في الله، كنت ~~جوادا بالحق بخيلا بالباطل، خميصا من الدنيا، بطينا من الآخرة، لم تكن ~~عيابا ولا مداحا"2. # وروي عن ابن مسعود أنه قال: "كانت خلافة عمر رحمة"3 وروي عنه أنه قال: ~~"أفرس الناس ثلاثة العزيز الذي تفرس بيوسف عليه السلام وابنة شعيب في ~~تفرسها4 بموسى عليه السلام بقولها يا أبت استأجره إن خير من PageV03P874 # استأجرت القوي الأمين، وأبو بكر - رضي الله عنه - في استخلافه عمر"1. # وأما شدته وصرامته فما لم يخف على أحد، جند الأجناد وفتح البلاد ومصر ~~الأمصار، واستأصل الكفار، واستولى على الديار، وصلح بنظره الحاضر والبادي ~~والقاصي والداني حتى قال: لئن عشت ليبلغن الراعي حقه بصفنه2 بسر وحمير3 لم ~~يرق به ms396 جبينة4، ولما فتح أرض السواد قسمها بين الناس فاستغلوها ثلاث سنين ~~فخاف أن يشتغل الناس بذلك فقال: لولا أخشى أن يكون الناس ببانا واحدا لكنتم ~~على ما قسم لكم، وأرى أن تردوها5 فمنهم من طابت نفسه ورد ما بيده6، ومنهم ~~من لم تطب نفسه PageV03P875 # بالرد إلا بعوض إعاضة، فردها على أهلها وضرب عليهم خراجا1يؤخذ منهم كل ~~سنة إلى وقتنا هذا، فساوى بين الأولين والآخرين في ارتفاع2 هذه الأرض، وهذا ~~معنا قوله: لولا أخشى أن يكون الناس ببانا أي شيئا واحدا. هكذا الرواية ~~ببائين مجموع3 كل واحدة منقطة من تحتها والثانية مشددة ونون4. # وما شيء يلزم القيام به إلا قام به، حتى إنه ليباشر الأعمال بنفسه في ~~الإنفاق على الأرامل والصغار، ويطوف في سكك المدينة ليلا ونهارا ليستمع، أو ~~يرى ما يتوجه عليه فيه حق، فسمع امرأة ذات ليلة تقول: # ألا طال هذا الليل وازور جانبه وأرقني أن لا حليل ألا عبه PageV03P876 # فوالله لولا الله لا شيء غيره ... لزعزع من هذا السرير جوانبه # مخافة ربي والحياء يكفني ... وإكرام بعلي أن تنال مراكبه # فسأل عنها، فقيل: إن زوجها في الغزو، فسأل عمر حفصة ونساء معها: كم تصبر ~~المرأة عن الزوج؟ فقلن: شهرين وفي الثالث يقل الصبر وفي الرابع ينفر، فكتب ~~إلى أمراء الجيوش في الآفاق أن لا يحبس الرجل عن امرأته أكثر من أربعة ~~أشهر1. وله من المحافظة والمراعاة للرعبة ما يطول ذكره، وفيما ذكرته دلالة ~~على ما لم يذكر والله أعلم. PageV03P877 ### | 124- # فصل: في خلافة أمير المؤمنين عثمان بن عفان - رضي الله عنه -. # وذلك أن عمر - رضي الله عنه - بلغه أن قوما كانوا يخوضون في الخلافة ~~ويقولون: لئن مات عمر لنولين فلانا ويريدون إخرجها عن الستة الذين جعلها ~~عمر إليهم، وكان شديد الاحتياط في أمر المسلمين، فقام خطيبا يوم الجمعة ~~فحمد اله أثنى عليه، وذكر النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر - رضي الله ~~عنه - وقال: إني رأيت في النوم كأن ديكا نقرني نقرتين وما أراه إلا لحضور ~~أجلي، ألا وإني قد ms397 جعلت الأمر في هؤلاء الستة الذين توفي رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وهو عنهم راض، وقد بلغني أن قوما يقولون إن مات عمر لونلين ~~فلانا، أولئك أعداء الله الضلال الجهال، والله لقد جالدتهم بيدي هذه على ~~الإسلام، وأرى أقواما يأمرونني أن استخلف ويطعنون في هذا الأمر، فإن أعهد ~~فقد عهد من هو خير مني يعني أبا بكر، وإن أترك فقد ترك من هو خير مني يعني ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما لبث بعد ذلك إلا قليلا حتى أصيب1 فدخل2 ~~يوما المسجد لصلاة الصبح، وكان إذا أراد الصلاة قام بين الصفوف، وقال: ~~استووا فإذا استووا تقدم وصلى، فلما فعل ذلك وكبر بالصلاة طعنه العلج، ~~فقال: قتلني الكلب فأخذ بيد عبد الرحمن بن عوف فقدمه ليتم الصلاة بالناس ~~وكان بيد العلج سكين ذات طرفين لا يمر برجل يمينا وشمالا إلا طعنه، حتى طعن ~~ثلاثة عشر رجلا مات منهم سبعة، فلما رأى ذلك رجل من المسلمين طرح عليه ~~برنسا ليأخذه، فلما ظن أنه يأخذه طعن نفسه، فصلوا صلاة الفجر صلاة خفيفة، ~~فأما من في نواحي المسجد PageV03P878 # فلا يدرون ما الأمر، غير أنهم فقدوا صوت عمر، وهم يقولون: سبحان الله، ~~فلما انصرفوا. قال عمر لابن عباس: انظر من قاتلي فجال ساعة ثم جاء فقال: ~~غلام المغيرة بن شعبة وكان نجارا، فقال عمر: الحمد لله الذي لم يجعل منيتي ~~على يد رجل من المسلمين، لأنه كان نصرانيا1، ثم قال: قاتله الله لقد كنت ~~أمرت به معروفا، فأسقوه لبنا فخرج من جرحه، فعلم أنه يموت فقال لابنه عبد ~~الله: احسب ما علي من الدين فحسبه، فإذا هو ستة وثمانون ألفا، وقال: إن وفى ~~بها مال عمر فأدها، وإلا فاسأل في بني عدي ابن كعب، فإن لم يف من أموالهم ~~فسل قريشا ولا تعدهم إلى غيرهم، ثم قال لابنه عبد الله: ايت عائشة - رضي ~~الله عنها - فسلم2 وقل: يستأذن عمر، - ولا تقل أمير المؤمنين فلست لهم ~~اليوم بأمير - بأن3 يدفن مع صاحبيه، فأتاها ابن ms398 عمر فوجدها قاعدة تبكي، ~~فأخبرها بذلك فقالت: بقي موضع قبر كنت أريده لنفسي، ولأؤثرنه على نفسي، ~~فلما جاء قالوا جاء عبد الله بن عمر قال: ارفعوني فأسنده رجل إليه فقال: ما ~~لديك، قال: قد أذنت، قال: ما شيء أهم إلي من ذلك المضجع إذا قبضت فجهزوني ~~واحملوني، ثم استأذنوا فإن أذنت فأدخلوني، وإلا ردوني إلى مقابر المسلمين، ~~فلما مات فعل ذلك فاذنت ودفن مع صاحبيه، ولما حضره الموت قال: لآ أجد أحق ~~بهذا الأمر من هؤلاء النفر الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ~~عنهم راض وسمى: عليا وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص، ~~فذكر ابنه عبد الله بن عمر لأجل فضله وعمله فقال: شاوروه وليس له من الأمر ~~شيء". PageV03P879 # وروي أنه قال: لم أكن بالذي أتحملها حيا وميتا، وقال: يكفي آل الخطاب أن ~~يسأل منهم رجلا واحدا، وكان طلحة غائبا فقال لهم عمر: إن استقام أمركم قبل ~~أن يقدم طلحة فامضوه على ما استقام عليه، وإن قدم طلحة قبل أن يستقيم أمركم ~~فآذنوه، فإنه رجل من المهاجرين وقال لهم: لا تنتظروا أكثر من ثلاثة أيام، ~~ثم منعهم أن يصلي رجل منهم بالناس قبل أن يستقيم أمرهم خوفا أن يظن هو أو ~~غيره أنه نص عليه، وأمر صهيبا أن يصلي بالناس أيام مشورتهم حتى قال شاعرهم: # صلى صهيب ثلاثا ثم أسلمها ... إلى ابن عفان ملكا غير مردود1 # ثم إن الرهط الذين ولاهم عمر - رضي الله عنهم - اجتمعوا وتشاروا وكانوا ~~خمسة - فقال لهم عبد الرحمن بن عوف: إنكم لا تستقيمون على أمر وإنكم خمسة ~~فليعادكل رجل رجلا وأنا عديد الغائب، فتعاد علي والزبير وولى الزبير أمره ~~عليا، وتعاد عثمان وسعد وولى سعد أمره عثمان، وخلا علي وعثمان وعبد الرحمن2 ~~فقال لهم عبد الرحمن: إما أن تتبرآ من الأمر فأوليكما الأمر فتختارا لأمة ~~محمد صلى الله عليه وسلم رجلا، وإما أن تولياني ذلك وأبرأ من الأمر، فولياه ~~ذلك. # وروي "أن عبد الرحمن قال لهم: لست أنافسكم ms399 هذا الأمر، ولكن إن شئتما ~~اخترت لكم، فجعلوا ذلك إلى عبد الرحمن وقد كان قال لهم عمر: إن انقسم الناس ~~شطرين فكونوا في حيز عبد الرحمن بن عوف لعلمه بفضله وأمانته وانه مرضي عند ~~الكافة وأزهدهم في هذا الأمر. قال المسور ابن مخرمة: فلما ولوا ذلك عبد ~~الرحمن مال الناس عليه يشاورونه ويناجونه فطرقني عبد الرحمن بعد هزيع من ~~الليل فضرب الباب فاستيقظ، فقال: ألا أراك نائما فوالله ما اكتحلت بكثير ~~نوم فادع لي PageV03P880 # الزبير فدعوته، فناجاه حتى ابهار الليل1، ثم قام منه على طمع ثم قال لي: ~~ادع عثمان فناجاه طويلا حتى فرق بينهما المؤذن، فلما كانت الليلة التالية ~~وعبد الرحمن في دار القضاء قال له سعد: يا أبا محمد ما كان أحد أحق بهذا ~~الأمر منك قال: إنك يا سعد تحب أن يقال ابن عمه خليفة، وإنك يا مسور تحب أن ~~يقال خاله خليفة والله لئن توجد مدية فتوضع هاهنا وأشار إلى لبته2 وأمر ~~بيده إلى لبته أحب إلي من أن ألي من أمر الناس شيئا، فقام سعد فقال له عبد ~~الرحمن: يا أبا إسحاق اشهد الصبح والبس السيف، ثم قال لي عبد الرحمن: اذهب ~~إلى علي وعثمان وأتني بهما، قال المسور: وكان هواي مع علي فأحببت أن أعلم ~~ما في نفسه فقلت: له بأيهما أبدا، فقال: بأيهما شئت، قلت: آتيك بهما جميعا ~~أو فرادى قال: لا بل جميعا قال: فبدأت بعلي فقلت له: أرسلني إليك خالي قال: ~~أرسك إلى غيري معي؟ فقلت نعم. إلى عثمان. قال: بأينا أمرك أن تبدأ؟ قلت: قد ~~سألته فقال بأيهما شئت فبدأت بك، قال: جميعا أو فرادى قال: لا بل جميعا ~~فخرج معي في موضع الجنائز، وقال: اذهب إلى صاحبك فخرجت إلى عثمان فوجدته ~~يوتر في بيت شيبة بن ربيعة، فخرج إلي عاقدا إزاره في عنقه آخر الليل، فقلت ~~إن خالي أرسلني إليك، فقال: أرسلك إلى غير معي؟ قلت: نعم إلى علي، فسألته ~~بأيهما أبدأ؟ قال: بأيهما شئت، فبدأت بعلي وهو ينتظرك ms400 في موضع الجنائز، ~~فخرجت أنا وعثمان حتى جئنا عليا، ثم دخلنا على عبد الرحمن فحمد الله وأثنى ~~عليه، ثم أقبل عليهما، وقال: أشيرا علي وأعيناني على أنفسكما هل أنت يا علي ~~متابعي على سنة الله ورسوله وبعهد الله وميثاقه وسنة الماضين قبلي، - وروي ~~سنة الشيخين قبلك - فقال علي: لا، ولكن أبايعك على طاقتي، قال: فصمت ثم ~~تكلم كلاما دون كلامه الأول، ثم قال: هل أنت يا علي مبايعي على إن وليتك ~~PageV03P881 # هذا الأمر على سنة الله سنة رسوله صلى الله عليه وسلم وعهد الله وميثاقه ~~وسنة الماضين قبلي، قال: لا، ولكن على طاقتي، ثم قال: هل أنت يا عثمان ~~مبايعي إن وليتك على سنة الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وعهد الله ~~وميثاقه وسنة الماضين قبلك؟ فقال عثمان: نعم، قال: فأحب أن تقوما عني إن ~~شئتما، فقاما عنه، فقام عبد الرحمن فاعتم ولبس السيف وخرج المسجد، وقد جاءت ~~المهاجرون والأنصار من دورهم، وصار المسجد كالرمانة، وأرسل إلى من تخلف ~~وإلى الأمراء، وكان قد وافق تلك الحجة مع عمر1، فصلى الصبح وتشهد ولا أشك ~~أنه مبايع لعلي لما رأيت من حرصه على علي، ثم أخذ بيد علي فقال: الله عليك ~~راع إن أنا بايعتك لتعدلن في أمة محمد صلى الله عليه وسلم ولتتقين الله عز ~~وجل، وإن أنا لم أبايعك لتسمعن ولتطيعن لمن بايعت؟ قال علي: نعم، ثم أخذ ~~بيد عثمان فقال: الله عليك راع إن أنا بايعتك لتعدلن في أمة محمد صلى الله ~~عليه وسلم ولتتقين الله عز وجل، وإن أنا بايعت غيرك لتسمعن ولتطيعن؟ قال ~~عثمان: نعم، فقال عبد الرحمن: إني نظرت في أمر الناس فلم أرهم يعدلون ~~بعثمان، ثم صفق علي يد عثمان فقال: أبايعك على سنة الله وسنة رسوله ~~والخليفتين من بعده، وبايعه الناس والمهاجرون والأنصار وأمراء الأجناد ~~وسائر المسلمين وبايعه طلحة لما قدم وانقادوا له وسموه أمير المؤمنين"2. # فروى سعيد بن كعب3 والليث بن سعد عن عبد الرحمن أنه قال: PageV03P882 # "والله ما بايعت عثمان حتى ms401 شاورت كل أحد حتى صبيان الكتاب فكل يقول عثمان ~~فبايعته"1. # فعبد الرحمن في فضله وعلمه وسابقته مما لا حاجة لنا إلى الإطالة بذكره ~~يصلح لعقد هذا الأمر، وعثمان - رضي الله عنه - ممن يصلح له العقد لكون ~~الشرائط كلها موجودة فيه، ومن فضله أن النبي صلى الله عليه وسلم زوجه ~~ابنتيه، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله أمرني أن أزوج كريمتي ~~عثمان"2، ولما ماتت الثانية قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لو كان لنا ~~ثالثة لزوجناك" 3. وروي أنه قال: "لو أمدنا الله بالبنات لأمددناك يا عثمان ~~بالأزواج"4. PageV03P883 # وإنما سمي ذا النوريين لأن أحدا من لدن آدم لم يتزوج ابنتي نبي غير ~~عثمان1، فهذه أشرف مناقبه. # وروى ربعي بن خراش: "أن عثمان - رضي الله عنه - خطب إلى عمر ابنته حفصة، ~~فأبى عليه، فلبغ ذلك بني الله صلى الله عليه وسلم، فلما راح عليه عمر قال: ~~يا عمر ألا أدلك على خير لك من عثمان، وأدل عثمان على خيرله منك؟ قال: نعم. ~~قال زوجني ابنتك وأزوج عثمان ابنتي"2. # وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لكل نبي رفيق ورفيقي في الجنة ~~عثمان"3، PageV03P884 # وقال صلى الله عليه وسلم: "إن الملائكة تستحي من عثمان"1. # وروى أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم صعد أحدا وأبو بكر وعمر ~~وعثمان - رضي الله عنهم - معه، فرجف بهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~"أثبت أحد فما عليك إلا نبي وصديق وشهيدان"2. # وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم صعد على حراء هو وأبو بكر ~~وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير فتحركت بهم الصخرة، فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: "اهدأ فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد"3. # وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه يقتل شهيدا، وأن الله يقمصه قميصا، ~~فإن أرادوك على خلعه فلا تفعل4، وسبحت الحصى بكفه5، وله من الفضائل ما يكثر ~~ذكره. PageV03P885 ### | 125- # فصل # ومذهبنا أن القوم الذين اجتمعوا على قتل عثمان - رضي الله عنه - وقتلوه ~~فسقة، وهو مظلوم ms402 وكلما تأولوه عليه لا يبيح قتله لهم ولا خلعه، لأن أكثر ~~ذلك باطل لا أصل له، ولا يصح شيء منه فلا يقتضي قتله، وذلك لما ثبت من ~~إيمانه وثبوت بيعته ووجوب طاعته والقوم الذين قصدوه من غير أهل الحل والعقد ~~في الإمامة، وإنما حملهم على ذلك أمور دنيوية فمنهم من طلب امرأة فمنع ~~منها، ومنهم من حمله على ذلك الغيظ على أمرائه وعماله1. # ومما يرويه الشيعة وأهل البدعة من الأخبار أن عليا وطلحة والزبير وغيرهم ~~من الصحابة كاتبوا أهل الآفاق وأمروهم بخلعه أو قتله2 فأخبار آحاد لا ~~يثبتها أهل النقل ولا يبطل بها ما ثبت من نزاهة الصحابة وفضلهم. # وقد روي عن علي - رضي الله عنه - أنه قال: "والله ما قتلت عثمان ولا ~~مالأت على قتله"3. # وروي أنه قيل لعائشة - رضي الله عنها : إن الناس قد أكثروا في عثمان ~~وشتموه ولعنوه، قالت: لعن الله من لعنه، لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم مسندا ظهره إلى صدري وجبريل يوحي إليه وعثمان عن يمينه وهو يقول4: ~~PageV03P886 # " اكتب يا عثمان فما1 نزل تلك المنزلة من رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إلا كريم على الله ورسوله"2. # وروي عن عائشة - رضي الله عنها - قالت حين قتل عثمان: تركتموه كالثوب ~~النقي من الدنس ثم ذبحتموه كما تذبح الكبش، فقال لها مسروق: هذا عملك كتبت ~~إلى الناس تأمرينهم أن يجروا3 إليه، فقالت: لا والذي آمن به المؤمنون وكفر ~~به الكافرون ما كتبت إليهم سوداء ولا بيضاء4 حتى جلست مجلسي هذا".قال ~~الأعمش: وكانوا قد كتبوا على لسانها5. # وروي عن علي - رضي الله عنه - أنه قال: "اللهم إني أبرأ إليك من دم عثمان ~~ابن عفان اللهم لا أرضى قتله ولا آمر به"6.ويدل على ما ذكرناه ما روى أبو ~~هريرة - رضي الله عنه - قال: "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ~~"تكون بعدي أمور فقلنا فأين المنجى منها يا رسول الله؟ قال: إلى الأمير ~~وحزبه فأشار إلى عثمان بن عفان"7. PageV03P887 # وروى كعب بن عجرة - رضي الله ms403 عنه - قال: "ذكر النبي صلى الله عليه وسلم ~~فتنة فمر بنا رجل مقنع1، فقال: "هذا يومئذ على الهدى فأخذت بضبعه فقتلته أو ~~قلبته، فاستقبلت به النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: هذا يا رسول الله قال: ~~هذا فإذا هو عثمان ابن عفان"2. # وروت عائشة - رضي الله عنها - قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول لعثمان: "إن الله سيقمصك قميصا إن روادوك على خلعه فلا تخلعه"3. ~~PageV03P888 # وروى ابن عمر أن عثمان - رضي الله عنه - أصبح يحدث الناس فقال: إني رأيت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام فقال: يا عثمان أفطر عندنا فأصبح ~~صائما وقتل من يومه"1. # وروي عن أبي جعفر الأنصاري2 قال: "لما دخل علي عثمان يوم الدار مررت ~~مجتازا في المسجد، فإذا رجل عليه عمامة سوداء وحوله نحو من عشرة فإذا هو ~~علي، قال: ما فعل الرجل؟ قلت: قتل، قال: تبا لهم3 آخر الدهر4، وروي أنه ~~قال: "لو أعلم ان بني أمية يذهب ما في أنفسهم لحلفت لهم خمسين يمينا مرردة ~~بين الركن والمقام أني لم أقتل عثمان ولم آمال على قتله"5. PageV03P889 # فإن قيل: فإذا كان الأمر في الصحابة1 فما منعهم عن نصرته ولم خذلوه. قيل ~~لهم: معاذ الله أن يكون فيهم من خذله أو قعد عن نصرته، وإنما نهاهم عن ذلك ~~وناشدهم الله، وعرف أن الجيوش قد سارت إليه من الأمصار، ولم ير أن في ~~الصحابة من يماثل عددهم، وخاف إراقة دماءهم، لما روي أن المغيرة بن شعبة ~~قال له: إنه قد نزل بك ما ترى، وأنا أعرض عليك خصالا ثلاثا: إن شئت خرقنا ~~لك بابا من الدار سوى الباب الذي هم عليه فتقعد على رواحلك فتلحق بمكة، ~~فإنهم لن يستحلوك وأنت بها، أو تلحق بالشام فإنهم أهل الشام وفيهم معاوية، ~~وإن شئت خرجت بمن معك فقاتلهم وإن معك عدة وقوة، وإنك على حق وهم على باطل، ~~فقال عثمان: أما قولك تخرق لي بابا من الدار فاقعد على رواحلي فألحق بمكة ~~فإنهم لن يستحلوني وأنا ms404 فيها، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: يلحق2 رجل من قريش بمكة3عليه نصف عذاب العالم فلن أكون إياه4، وأما ~~قولك الحق بالشام فهم أهل الشام وفيهم معاوية فلن أفارق دار هجرتي ومجاورة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها، وأما قولك: إن معي عدة فأخرج فأقاتلهم ~~فإني على الحق وهم على الباطل فلن أكون أول من خلف رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في أمته بإهراق ملء5 محجم من دم بغير حق"6. PageV03P890 # وروي أن ابن عمر دخل على عثمان - رضي الله عنه - وعرض عليه نصرته وذكر ~~بيعته1، وكذلك أبو هريرة - رضي الله عنه - دخل وعرض عليه نصرته، وقال: ~~اليوم طاب أمضرب2 فقال: أنتم في حل من بيعتي وإني لأرجوا أن ألقى الله ~~سالما مظلوما3 وقال لعبيدة وكانوا أربعمائة عبد من أغمد سيفه فهو حر، بل4 ~~منعهم من القتال فأغمدوا كلهم سيوفهم إلا العبد الأسود الذي قاتل حتى قتل ~~معه، وقاتل معه الحسن بن علي حتى حمل من الدار مغلوبا من الجراحات5. # وإنما فعل عثمان ذلك لما علم أنه مقتول فبذل دمه دون دماء الصحابة ~~والمسلمين6. والدليل عليه ما روي عن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ادعوا لي بعض أصحابي قلت: ادعو لك أبا ~~بكر فسكت، قلت: أدعو لك فسكت قلت: أدعو لك ابن عمك عليا فسكت قلت: ادعو لك ~~عثمان فقال: نعم، فجاء عثمان فقال لي: هكذا أي PageV03P891 # تنحي عني، قال: فرأيته يقول لعثمان ولونه يتغير ووجهه، فلما كان يوم ~~الدار قيل له: ألا تقاتل؟ قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد إلي ~~عهدا وإني صابر نفسي"1. # قال عبد الرحمن بن مهدي2: "لو لم يكن في عثمان إلا خصلتان لكفتاه جمعه ~~المصحف وبذله دمه دون دماء المسلمين"3. # وروي "أن عليا وطلحة والزبير وكثيرا من الصحابة - رضي الله عنهم - خاطبوا ~~هؤلاء القوم وأغلظوا عليهم القول بسبب ما يريدونه، فلما أحسوا منهم نصرته ~~وأنهم منكرون عليهم فعلهم أظهرت فرقة ms405 منهم موالاة علي ولزموا باب علي، ~~وأظهرت فرقة منهم موالاة طلحة ولزموا بابه، وأظهرت فرقة منهم موالاة الزبير ~~ولزموا بابه ومنعوهم من الخروج وقد برأهم الله منهم، وكان قتله بذي الحجة ~~سنة خمسين وثلاثين من الهجرة، وله إحدى وثمانون سنة وكانت خلافته اثنتي ~~عشرة سنة ولم يستخلف أحدا ... "4. PageV03P892 ### | 126- # فصل: في خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -. # ذلك أنه لم يكن أحد بعد عثمان - رضي الله عنه - أحق بالخلافةمن علي ابن ~~أبي طالب - رضي الله عنه - لما جمع الله به من الفضائل وشرفه به من سني ~~المنازل ابن عم الرسول صلى الله عليه وسلم وزوج فاطمة البتول وأبو الحسن ~~والحسين ريحانتي النبي صلى الله عليه وسلم، وهو من السابقين ممن عظم بلاؤه ~~وجهاده في سبيل الله، فختم الله به الخلافة كما ختم بمحمد صلى الله عليه ~~وسلم النبوة، قال صلى الله عليه وسلم: "الخلافة بعدي ثلاثون سنة" 1. # وتمام الثلاثين بخلافة علي - رضي الله عنه -. # وأما بيان عقد إمامته فما روي: "أن عمثان - رضي الله عنه - لما قتل ~~مظلوما ودخل علي - رضي الله عنه - داره وأغلق عليه بابه غضبا منه على ما ~~فعل بعثمان فاستولى الغافقي ومن معه من قتلة عثمان وأهل الفتنة على المدينة ~~وهم بالفتك بهم، وحلفوا للصحابة2. لإن لم يعقدوا الإمامة لرجل منهم ~~ليعيدوها جذعة3 فيهم، فأتى المصريون منهم إلى علي فعرضوها عليه فأبى، وأتى ~~البصريون إلى طلحة فعرضوها عليه فأبى، ثم عرضوها على الزبير فأبي، وكل ذلك ~~منهم إنكار وإعظام لما فعلوا بعثمان، فلما كان عشي يوم الثالث من قتل عثمان ~~- رضي الله عنه - خاف أهل المدينة المهاجرون والأنصار من فتك أهل الفتنة4 ~~بالمدينة، فاجتمعوا وأتوا إلى باب علي، فضربوا عليه PageV03P893 # الباب واستأذنوا بالدخول عليه، فدخولوا وقالوا: إن عثمان قد قتل ولا بد ~~للناس من خليفة، ولا نعلم أحدا أحق بها منك فامتنع عليهم وقال: كوني وزيرا ~~خيرا من أمير، قالوا: لا والله ما نعلم أحدا أحق بها منك، قال: فإن أبيتم ~~علي فإن ms406 بيعتي لا تكون سرا ولكن أخرج إلى المسجد فمن شاء أن يبايعني ~~بايعني، فخرج إلى المسجد، فبايعه خزيمة بن ثابت وأبو الهيثم النبهان ومحمد ~~بن مسلمة وعمار ورجال يكثر عددهم وبايعه الناس1، فلما بايعوه صعد المنبر ~~فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم وقال: أما بعد: ~~فإن الدنيا قد أدبرت بوداع، وإن الآخرة قد أقبلت باطلاع، وإن المضمار اليوم ~~وغدا السباق، ألا وإنكم في أيام أمل ومن ورائها أجل، فمن قصر في أيام عمله ~~قبل حضور أجله فقد خسر عمله، ثم إن الله في سمائه وعرشه ليعلم أني كنت ~~كارها للولاية على أمة محمد صلى الله عليه وسلم، لأني سمعته يقول: "أيما ~~وال ولي أمر أمتي بعدي أقيم على الصراط ونشرت الملائكة صحيفته، فإن كان ~~عادلا نجاه الله تعالى بعدله، وإن كان جائرا انتقض به الصراط انتقاضا ~~يتزايل ما بين مفاصله حتى يكون بين كل عضو من أعضائه مسيرة مائة عام، ثم ~~ينحرف به الصراط فأول ما يتقي به النار أنفه وحر وجهه"2 ولكن لما اجتمع ~~رأيكم علي لم يسعني ترككم. أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم، ونزل"3 # والدليل على علو منزلة علي عندي النبي صلى الله عليه وسلم ما روي أنه صلى ~~الله عليه وسلم يوم خيبر PageV03P894 # قال: "لأدفعن الراية غدا إلى رجل يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله" قال ~~عمر: فما أحببت الإمارة إلا يومئذ فتطاولت لها، ثم دعا النبي صلى الله عليه ~~وسلم عليا فدفع اللواء إليه، وقال: "اذهب فلا تلتفت حتى يفتح الله عليك ~~فمشى هنيئة، ثم قام ولم يلتفت للعزمة فقال: علام أقاتل الناس؟ فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: " حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله فإذا قالوها فقد ~~منعوا منك دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله"1. # وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "علي مني وأنا منه وهو ولي كل ~~مؤمن بعدي"2. # وروي عنه النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من كنت مولاه فعلي مولاه"3. ms407 # وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "رحم الله أبا بكر زوجني ابنته ~~وحملني إلى دار الهجرة وأعتق بلالا من ماله، رحمه الله عمر يقول الحق وإن ~~كان4 مرا تركه الحق وماله من صديق، رحم الله عثمان تستحي منه الملائكة, رحم ~~الله عليا، اللهم أدر الحق معه حيث دار"5. PageV03P895 # قال أبو سعيد الخدري - رضي الله عنه : "إن كنا لنعرف المنافقين نحن معاشر ~~الأنصار ببغضهم علي بن أبي طالب".1 # وقالت أم سلمة - رضي الله عنها : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول2: " لا يحب عليا منافق ولا يبغضه مؤمن".3 وروي أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: "إن ربي أمرني بحب أربعة وأخبرني أنه يحبهم قيل يا رسول الله: ~~منهم قال علي منهم، قالها ثلاثا وأبو ذر والمقداد وسلمان" 4. # وروى أنس بن مالك قال: "كان عند النبي صلى الله عليه وسلم طير فقال: ~~اللهم ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي هذا الطير، فجاء علي - رضي الله عنه - ~~فأكل PageV03P896 # معه"1. # وروي أن عمر - رضي الله عنه - قال: "آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بين أصحابه فجاء علي - رضي الله عنه - تدمع عيناه فقال: يا رسول الله آخيت ~~بين أصحابك ولم توآخي بيني وبين أحد، فقال صلى الله عليه وسلم: أنت أخي في ~~الدنيا والآخرة"2. # وقال صلى الله عليه وسلم: "أنا دار الحكمة وعلي بابها"3. # وروي عن سعيد بن أبي وقاص أنه قال: "ثلاث قالهن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم PageV03P897 # في علي لأن يكون لي واحدة منهن إلي من حمر النعم. سمعت النبي صلى الله ~~عليه وسلم يقول لعلي وخلفه في بعض مغازيه، فقال له علي: يا رسول الله ~~تخلفني مع النساء والصبيان؟ فقال له صلى الله عليه وسلم: "أما ترضى أن تكون ~~مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبوة بعدي". وسمعته يقول يوم خيبر: ~~"لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله فتطاولنا لها ~~فقال: ادعوا عليا فأتي وبه رمد فبصق في عينيه ودفع ms408 الراية إليه ففتح الله ~~عليه، وأنزلت هذه الآية {تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم ... ~~} 1. الآية، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم عليا وفاطمة والحسن والحسين ~~رضوان الله عليهم فقال: هؤلاء أهلي"2. # وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل عليا ليقرأ براءة على المشركين ~~بمكة وقال: "لا يؤدي عني إلا رجل من أهل بيتي" 3. وهذا كله يدل على أنه ~~يصلح للخلافة. وبعثه النبي صلى الله عليه وسلم للقضاء بين أهل اليمن فقال ~~رسول الله: "إنك بعثتني للقضاء إلى أقوام ذوي أسنان، وإني شاب لا أحسن ~~القضاء وإني أخاف ألا أصيب، فوضع النبي صلى الله عليه وسلم يده على صدره ~~وقال: اللهم علمه القضاء، وقال له: إن الله سيثبت قلبك ويهديك، ثم قال له: ~~إذا جلس الخصمان بين يديك فلا تقضين حتى تسمع كلام آخر منهما، قال علي: ~~"فما شككت في قضاء بعده"4. PageV03P898 # ولقد ظهر منه من الفقه في قتال أهل البغي وفي مناظرته لهم ما لم يسبقه ~~إليه أحد، حتى قال الشافعي - رضي الله عنه -: لولا حرب علي لمن خالفه ما ~~عرفت السنة في قتال أهل القبلة1. # هذا مع ما2 فيه من الشجاعة وتدبير الحرب والجيوش على ما عرفه3 المخالف ~~والمؤالف، حتى إنه بلغه عن بعض أهل زمانه أنه قال إن ابن أبي طالب رجل ~~شجاع، لكن لا رأي له في الحرب فقال: "من ذا يكون أبصر بها مني وأشد لها ~~مراسا، والله لقد نهضت فيها وما بلغت العشرين، وها أنا اليوم قد زدت على ~~الستين ولكن لا إمرة لمن لا يطاع"4. # احتجت الخوارج ومن يطعن في إمامة علي - رضي الله عنه - من أهل الزيغ بأن ~~بيعته لم تقع عن إجماع من الصحابة، لأنه روي أن طلحة والزبير قعدا في ~~بيوتهما عن بيعته، فأخرج أهل البصرة طلحة فجاؤا به وخلفه حكيم بن جبلة ~~يحذوه بالسيف، وأحدق أهل الكوفة بالزبير واخرجوه من بيته وخلفه PageV03P899 # مالك بن الأشتر يحدوه بالسيف، فقيل لهما: بايعا فبايعا مكرهين، ولهذا قال ~~طلحة: بايعت واللج يعني السيف1 ms409 على قفى"2 # والجواب عن هذا من وجهين: # أحدهما أن نقول: هذه الرواية من الخوارج من قبيل الرواية التي يرويها ~~الشيعة أن عليا وطلحة والزبير أكرهوا علي بيعة أبي بكر، وأن عمر أتى بعلي ~~يقوده بحبل أسود في عنقه مما لا يثبته أهل النقل وأصحاب الحديث، وبمثل هذه ~~الرواية الشاذة لا يحكم بتفسيق اصحابة مع صحة الأخبار عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم بتفضيلهم وشهادته لهم بأنهم من أهل الجنة. # ويحمل قول طلحة واللج على قفى - يعني سيفه لنصرة علي - على لالج غيري3. # والجواب الثاني أن نقول: قد ثبتت بيعة علي وإمامته بيعة الجمهور من ~~الصحابة قبل ذلك، وانقادوا له وصارت له الشوكة بطاعتهم له، فلا يقدح بها ~~تخلف الواحد والاثنين وإكرههما على بيعته إكراه على حق كالحربي إذا أكره ~~على كلمة الإسلام.4 # احتجوا بأن طلحة والزبير قال: "إنما بايعنا عليا على أن يقتل قتلة ~~عثمان". # وهذه مبايعة على شرط فإذا لم يوجد كانت باطلة ولهذا قال علي - رضي الله ~~عنه -: "بايعاني في المدينة وخلعاني بالعراق". PageV03P900 # والجواب: أنه لا يظن بعلي وطلحة والزبير وغيرهم من الصحابة - رضي الله ~~عنهم - عقد الإمامة على الحكم بمذهب بعينه كما لا يصح عقد القضاء على الحكم ~~بمذهب بعينه، وقتل الجماعة بالواحد مسئلة فقهية مختلف فيها والاعتماد فيها ~~هلى حكم الإمام أو الحاكم وعلى أن قتلة عثمان كانوا قوما متفرقين في العسكر ~~غير معنيين لم تقم عليهم بينه، ولا ثبت إقرارهم ولا حضر أولياء دم عثمان ~~فكيف يجوز عقد الإمامة على حكم مخالف للشريعة1، والله أعلم. PageV03P901 # تم الكتاب بحمد الله ومنه وحسن توفيقه وكان الفراغ منه في يوم الإثنين ~~لثمان عشرة ليلة من شهر ربيع الآخر سنة سبع وسبعمائة غفر الله لكاتبه ~~ولمالكه ولمقابله وللناظر إليه ولجميع المسلمين إنه هو الغفور الرحيم. # PageV03P902 # ورد في آخر النسخة اليمانية - ح - ما نصه: # وكان الفراغ من زبرة نهار الجمعة تاسع عشرة من شعبان الكريم الواقع في ~~سنة ست بعد الألف، وذلك في كنف تربة المؤلف سيدي الشيخ الإمام العالم ms410 ~~العامل والنور الكامل والضياء الشامل العارف بالله الولي الرباني من شيد ~~للملة أركان المباني، عماد الدين يحيى بن أبي الخير العمراني مصنف هذا ~~الكتاب المسمى بالانتصار، رحمه الله رحمة الأبرار ودمث الله مسالكه، وجعل ~~الفردوس فذالكه. غفر الله لكاتبه وأصلح أحواله، وجعل استقباله أحسن من ~~ماضيه وحاله، رحم الله عبدا قال، آمينا. # والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد من للرسل ختم، وعلى آله ~~وصحبه وسلم عدد كل حرف جرى به القلم، وما نسجت السحب بمعذوذق الديم # ومن يجد عيبا سد الخللا ... فجل من لا عيب فيه وعلا PageV03P903 ### | مصادر ومراجع # ... # قائمة المراجع ### | 1 - # الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية - تأليف الإمام أبي عبد الله بن بطة ~~العبكري - تحقيق رضاء بن نعسان معطي - دار الراية للنشر والتوزيع - الطبعة ~~الأولى 1409ه. ### | 2 - # الإبانة عن أصول الديانة - تأليف أبي الحسن الأشعري - تحقيق عبد القادر ~~الأرناؤوط - مكتبة دار البيان - الطبعة الأولى 1401ه. ### | 3 - # إبطال التأويلات لأخبار الصفات - تأليف القاضي أبي يعلى - مخطوط مصور في ~~الجامعة الإسلامية المنورة. ### | 4 - # أبو الحسن الأشعري وعقيدته - تأليف الشيخ حماد بن محمد الأنصاري - الطبعة ~~الثانية 1395ه. ### | 5 - # إثبات صفة العلو - تأليف الإمام موفق الدين بن قدامة - تحقيق بدر بن عبد ~~الله بن البدر - الدار السلفية - الطبعة الأولى 1406ه. ### | 6 - # اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية - تأليف الإمام ابن ~~قيم الجوزية - الناشر المكتبة السلفية بالمدينة المنورة. ### | 7 - # الأحكام السلطانية - تأليف أبي الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي - ~~راجعه محمد فهمي الشرجان - الناشر المكتبة التوفيقية. ### | 8 - # الإحكام في أصول الأحكام - تأليف سيف الدين علي بن محمد الآمدي - دار ~~الفكر للطباعة والنشر والتوزيع - الطبعة الأولى 1401ه. ### | 9 - # إحياء علوم الدين - تأليف أبي حامد الغزالي - مطبعة مصطفى البابي الحلبي ~~- بمصر 1358ه. ### | 10 - # أخبار البحتري - تأليف أبي بكر محمد الصولي - تحقيق د. صالح الأشتر - دار ~~الفكر بدمشق - الطبعة الثانية 1384ه. ### | 11 - # الاختلاف في اللفظ والرد على الجهمية - تأليف الإمام عبد الله بن مسلم بن ~~قتيبة - ضمن عقائد السلف. ### | 12 - # أديان الهند ms411 الكبرى - تأليف د. أحمد شلبي - الطبعة الثانية 1984م مكتبة ~~النهضة المصرية. ### | 13 - # إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل - تأليف محمد ناصر الدين ~~الألباني - بإشراف محمد زهير الشاويش - المكتب الإسلامي - الطبعة الثانية ~~1405ه. # PageV03P947 ### | 14 - # الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد - تأليف إمام الحرمين أبي ~~المعالي الجويني - تحقيق أسعد تميم - مؤسسة الكتب الثقافية - الطبعة الأولى ~~1405ه. ### | 15 - # الاستيعاب في معرفة الأصحاب بهامش الإصابة - تأليف الإمام أبي عمر يوسف ~~بن عبد الله بن عبد البر - تحقيق طه محمد الزينى - الناشر مكتبة الكليات ~~الأزهرية - القاهرة - الطبعة الأولى. ### | 16 - # الإصابة في تمييز الصحابة - تأليف الحافظ ابن حجر - تحقيق طه محمد الزيني ~~- الناشر مكتبة الكليات الأزهرية - القاهرة - الطبعة الأولى. ### | 17 - # أصول الدين - تأليف أبي منصور عبد القاهر البغدادي - دار الكتب العلمية - ~~بيروت لبنان - مصورة عن الطبعة الأولى في استنبول 1346ه. ### | 18 - # أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن - تأليف الشيخ محمد الأمين ~~الشنقيطي - طبع وتوزيع الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية الرياض ~~1403ه. ### | 19 - # الاعتقاد والهداية إلى سبيل الرشاد - تأليف الحافظ أبي بكر البيهقي - ~~تعليق كمال يوسف الحوت - عالم الكتب. ### | 20 - # الإمامة والرد على الرافضة - تأليف الحافظ أبي بكر نعيم الأصبهاني تحقيق ~~د. علي بن محمد ناصر الفقيهي - مكتبة العلوم والحكم - المدينة المنورة - ~~الطبعة الأولى 1407ه. ### | 21 - # الإمامة العظمى عند أهل السنة والجماعة - تأليف عبد الله بن عمر بن ~~سليمان الدميحي - دار طيبة للنشر والتوزيع - الرياض - الطبعة الأولى 1407ه. ### | 22 - # الأموال - للحافظ أبي عبيد القاسم بن سلام - تحقيق محمد خليل هراس - ~~مكتبة الكليات الأزهرية 1395ه. ### | 23 - # الأنساب - تأليف أبي سعيد عبد الكريم بن محمد التميمي السمعاني - اعتنى ~~بنشره المستشرق د. س مرجليوت - أعادت طبعة بالوفست مكتبة المثنى ببغداد. ### | 24- # الإيمان - تأليف الحافظ أبي بكر بن أبي شيبة - تحقيق محمد ناصر الدين ~~الألباني - نشر وتزيع دار الأرقم - الكويت. ### | 25- # الإيمان معالمه وسننه - تأليف الإمام أبي عبيد القاسم بن سلام - تحقيق ~~محمد ناصر الدين الألباني - نشر وتوزيع دار الأرقم - الكويت. ### | 26- # الإيمان - تأليف الحافظ محمد بن إسحاق بن منده - تحقيق د. ms412 علي بن محمد ~~ناصر الفقيهي - مطبوعات الجامعة الإسلامية بالمدينة - الطبعة الأولى 1401ه. ### | 27 - # الإيمان - تأليف الحافظ محمد بن يحيى بن أبي عمر العدني - تحقيق حمد بن ~~حمدي الجابري الحربي - الدار السلفية - الكويت - الطبعة الأولى 1407ه. # PageV03P948 ### | 28 - # البداية والنهاية - تأليف المؤرخ الحافظ عماد الدين بن كثير - تحقيق محمد ~~عبد العزيز النجار - دار الصمعي للنشر والتوزيع - الرياض - مطبعة السعادة. ### | 29 - # البرهان في معرفة عقائد أهل الأديان - تأليف عباس بن منصور السكسكي ~~الحنبلي - تحقيق خليل إبراهيم الحاج - دار التراث العربي للطباعة والنشر - ~~الطبعة الأولى 1400ه. ### | 30 - # بغية المستفيد في تاريخ مدينة زبيد - تأليف عبد الرحمن بن علي ابن الربيع ~~- تحقيق عبد الله الحبشي مركز الدراسات اليمانية - صنعاء ### | 31 - # بيان تلبيس الجهمية - تأليف شيخ الإسلام ابن تيمية - تصحيح وتكميل محمد ~~بن عبد الرحمن بن قاسم - الطبعة الأولى 1392ه مطبعة الحكومة - مكتبة ~~المكرمة. ### | 32 - # تاريخ الأمم والملوك - تأليف الإمام أبي جعفر بن جرير الطبري - تحقيق ~~محمد أبو الفضل إبراهيم - دار سويدان - بيروت، لبنان. ### | 33 - # تاريخ بغداد - تأليف الحافظ أبي بكر أحمد بن علي الخطيب البغدادي - دار ~~الكتب العلمية - بيروت العلمية. ### | 34 - # تاريخ الخلفاء - تأليف جلال الدين السيوطي - تحقيق محمد محي الدين عبد ~~الحميد. ### | 35 - # تاريخ الفرقد الزيدية بين القرنين الثاني والثالث الهجري - د. فضيلة بنت ~~عبد الأمير الشامي - مطبعة الآداب - النجف 1394ه. ### | 36 - # تاريخ المدينة المنورة - تأليف أبي زيد عمر بن شبه النميري - تحقيق عبد ~~الله محمد الحبشي. ### | 37 - # تاريخ اليمين المسمى بهجة الزمن في تاريخ اليمن - تأليف تاج الدين عبد ~~الباقي بن عبد المجيد اليماني - تحقيق مصطفى حجازي - دار العودة - بيروت - ~~دار الكلمة - صنعاء. ### | 38 - # تأويل مختلف الحديث - تأليف الإمام ابن قتيبة الدينوري - دار الكتاب ~~العربي بيروت. ### | 39 - # التبصير في الدين - تأليف أبي المظفر الاسفرائيني - تحقيق كمال يوسف ~~الحوت - عالم الكتب - الطبعة الأولى 1403ه. ### | 40 - # التبيان في أقسان لاقرآن - تأليف الإمام ابن القيم - علق عليه محمد حامد ~~الفقي - المكتبة التجارية -، مصر - الطبعة الأولى 1352ه. ### | 41 - # تبيين كذب المفتري - تأليف الحافظ ابن عساكر الدمشقي - دار ms413 الفكر بدمشق - ~~الطبعة الثانية 1399ه. ### | 42 - # تحفة المريد على جوهرة التوحيد - تأليف إبراهيم البيجزري - مكتبة ومطبعة ~~محمد علي صبيح - القاهرة. # PageV03P949 ### | 43 - # تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - تأليف جلال الدين عبد الرحمن ~~السيوطي - حققه عبد الوهاب عبد اللطيف - دار الكتب الحديثة - الطبعة ~~الثانية 1385ه. ### | 44 - # تذكرة الحفاظ - تأليف الحافظ الذهبي - دار إحياء التراث العربي. ### | 45 - # تعجيل المنفعة بزوائد رجال الأئمة الأربعة - تأليف الحافظ أحمد بن علي بن ~~حجر - الناشر دار الكتاب العربي - بيروت، لبنان. ### | 46 - # التعريفات - تأليف علي بن محمد الجرجاني - ضبط جماعة من العلماء - الناشر ~~دار الكتب العلمية - بيروت - الطبعة الأولى 1403ه. ### | 47 - # تعظيم قدر الصلاة - تأليف الإمام محمد بن نصر المروزي - حققه د. عبد ~~الرحمن بن عبد الجبار الفريوائي - مكتبة الدار بالمدينة المنورة الطبعة ~~الأولى 1406ه. ### | 48 - # تفسير الجلالين - تألأيف جلال الدين السيوطي وجلال الدين المحلى بهامش ~~تفسير البيضاوي - مطبعة مصطفى البابي الحلبي - الطبعة الثانية 1388ه. ### | 49 - # تفسير الطبري - تأليف الإمام أبي جعفربن جرير الطبري - تحقيق أحمد محمد ~~شاكر - دار المعارف - مصر. ### | 50 - # تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم) . تأليف الحافظ أبي الفداء إسماعيل ~~ابن كثير - طبع دار إحياء الكتب العربية - عيسى البابي الحلبي وشركاه. ### | 51 - # تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن) تأليف الإمام أبي عبد الله محمد ~~القرطبي - تحقيق أبي إسحاق إبراهيم اصفيش. ### | 52 - # تقريب التهذيب - تأليف الحافظ ابن حجر العسقلاني - دار نشر الكتب ~~الإسلامية - كوجرانواله - باكستان - الطبعة الأولى 1393ه. ### | 53 - # تلبيس إبليس - تأليف الإمام أبي عبد الرحمن بن الجوزي - الناشر مكتبة ~~المدني للطباعة والنشر. ### | 54 - # التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد - تأليف أبي عمر يوسف بن عبد ~~البر النمري - طبع وزارة الأوقاف المغربية. ### | 55 - # تمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل - تأليف القاضي أبي بكر محمد بن الطيب ~~الباقلاني - تحقيق عماد الدين أحمد حيدر - مؤؤسة الكتب الثقافية - الطبعة ~~الأولى 1407ه. ### | 56 - # التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع - تأليف أبي الحسين محمد بن أحمد ~~الملطي الشافعي - قدم له محمد زاهد الكوثري - مكتبة المثنى ببغداد 1388ه. ### | 57 - # تهافت الفلاسفة - تأليف أبي ms414 حامد الغزالي - تحقيق سليمان دنيا - دار ~~المعارف - الطبعة السادسة. # PageV03P950 ### | 58 - # تهذيب التهذيب - تأليف الحافظ شهاب الدين بن حجر العسقلاني - مطبعة مجلس ~~دائر المعارف النظامية بحيدر آباد الدكن - الطبعة الأولى 1326ه. ### | 59 - # تهذيب الأسماء واللغات - تأليف الإمام أبي زكريا النووي - دار الكتب ~~العلمية - بيروت، لبنان. ### | 60 - # تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد - تألأيف الشيخ سليمان ابن عبد ~~الله بن محمد بن عبد الوهاب - مكتبة الرياض الحديثة. ### | 61 - # توالي التأسيس لمعالي محمد بن إدريس - تأليف الحافظ ابن حجر - تحقيق أبي ~~الفداء عبد الله القاضي - دار الكتب العلمية - الطبعة الأولى 1406ه. ### | 62 - # التوحيد وإثبات صفات الرب عز وجل - تأليف الإمام أبي بكر بن خزيمة - ~~دراسة وتحقيق د. عبد العزيز بن إبراهيم الشهوان - دار الرشد - الرياض - ~~الطبعة الأولى 1408ه. ### | 63 - # تفسير ابن جرير (جامع البيان) تأليف أبي جعفر محمد بن جرير الطبري - ~~مطبعة مصطفى البابي الحلبي - الطبعة الثالثة 1388ه. ### | 64 - # جامع بين العلم وفضله - تأليف ابن عبد البر النمري - دار الكتب العلمية - ~~بيروت لبنان. ### | 65 - # جامع العلوم والحكم - تأليف أبي الفرج عبد الرحمن بن رجب الحنبلي - ~~الناشر مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي الرابعة 1393ه. ### | 66 - # الجرح والتعديل - تأليف شيخ الإسلام أبي محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم - ~~الطبعة الأولى بمطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية - بحدير آباد الدن - ~~الهند. ### | 67 - # جلاء العينين في محاكمة الأحمدين - تأليف السيد نعمان خير الدين ابن ~~الألوسي - مطبعة المدني - القاهرة. ### | 68 - # حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح - تأليف ابن القيم - دار الكتب العلمية ~~بيروت، لبنان. ### | 69 - # الحركات الباطنية في العالم الإسلامي - تأليف د. محمد أحمد الخطيب - ~~الطابعون: - جمعية عمال المطابع التعاونية - الطبعة الأولى 1404ه. ### | 70 - # حق اليقين في معرفة أصول الدين - تأليف عبد الله شبر - دار الأضواء - ~~بيروت - لبنان الطبعة الأولى 1404ه 1983م. ### | 71 - # حلية الأولياء - تأليف الحافظ أبي نعيم أحمد بن عبد الله الأصفهاني - دار ~~الكتب العلمية - بيروت، لبنان. # PageV03P951 ### | 72 - # الحيدة - تأليف عبد العزيز الكناني - من مطبوعات الجامعة الإسلامية ~~بالمدينة المنورة. ### | 73 - # الخطط للمقريزي (المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار) ms415 - تأليف تقي ~~الدين أبي العباس المقريزي - دار صادر - بيروت. ### | 74 - # خلق أفعال العباد - تأليف الإمام أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري - ~~الناشر أبو خالد عبد الوكيل الهامشي - طبع النهضة الحديثة 1389ه. ### | 75 - # خلق أفعال العباد - تأليف الإمام محمد بن إسماعيل البخاري - ضمن عقائد ~~السلف. ### | 76 - # درء تعارض العقل والنقل - تأليف شيخ الإسلام ابن تيمية - تحقيق د. محمد ~~رشاد سالم - طبع جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية الطبعة الأولى 1401ه. ### | 77 - # الدر المنثور في التفسير المأثور - تأليف جلال الدين السيوطي دار الفكر - ~~بيروت، لبنان الطبعة الأولى 1403ه. ### | 78 - # دلائل النبة - تأليف الحافظ أبي نعيم الأصبهاني - خرج أحاديثه المعطى ~~قلعجي - دار الكتب العلمية - بيروت، لبنان - الطبعة الأولى 1405ه. ### | 79 - # دلائل النبوة - تأليف أبي بكر البيهقي - تعليق د. عبد المعطي قلعجي - دار ~~الكتب العلمية - بيروت، لبنان - الطبعة الأولى 1405ه 80 - ديوان الخطيئة، ~~برواية وشرح ابن السكيت - تحقيق د. نعمان محمد أمين - مكتبة الخانجي - ~~القاهرة - الطبعة الأولى 1407ه. ### | 81 - # ديوان الخنساء - دار صادر - بيروت. ### | 82 - # ديوان العجاج - تحقيق د. عبد الحفيظ السطلي - توزيع مكتبة أطلس - دمشق. ### | 83 - # ديوان القطامي - تقديم ميسو برت - ليدن 1902م. ### | 84 - # ديوان النابغة الذبياني - شرح وتقديم عباس عبد الساتر - دار الكتب ~~العلمية - بروت، لبنان. ### | 85 - # رد الدارمي علي بن بشر المريسي - تأليف الإمام عثمان بن سعيد الدارمي - ~~علق عليه محمد حامد الفقي - دار الكتب العلمية - بيروت - عن الطبعة الأولى ~~1358ه. ### | 86 - # الرد على الزنادقة والجهمية - تأليف الإمام أحمد بن حنبل - ضمن عقائد ~~السلف - بعناية، علي سامي النشار ورفقه - الناشر منشأة المعارف ~~بالاسكندرية. ### | 87 - # الرد على من أنكر الحرف والصوت - تأليف الإمام أبي نصر السجزي - تحقيق ~~محمد كريم ابن عبد الله - رسالة ماجستير في الجماعة الإسلامية بالمدينة ~~المنورة. ### | 88 - # رسالة في الذب عن أبي الحسن الأشعري - تأليف أبي القاسم عبد الملك بن ~~درباس مع # PageV03P952 # كتابه الأربعين في التوحيد - تحقيق د. علي بن محمد بن ناصر الفقيهي - ~~الطبعة الأولى 1404ه. ### | 89 - # الرسالة التدمرية - تأليف شيخ الإسلام ابن تيمية - الكبعة الثالثة 1400ه. ms416 ### | 90 - # الرسالة - تأليف الإمام محمد بن إدريس الشافعي - تحقيق أحمد محمد شاكر. ### | 91 - # الروح - تأليف الإمام ابن القيم - دار الكتب العلمية - بيروت - لبنان. ### | 92 - # روضة الناظر مع شرحها - موفق الدين عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي - ~~المطبعة السلفية - الطبعة الرابعة 1391ه. ### | 93 - # الرياض النضرة في مناقب العشرة - تأليف المحب الطبري - دار الكتب العلمية ~~- بيروت، لبنان - الطبعة الأولى 1405ه. ### | 94 - # زاد المعاد في هدي خير العباد - تأليف الإمام ابن القيم - تحقيق شعيب ~~الأرنوؤط وأخيه - مؤسسة الرسالة - الطبعة الثانية 1405ه. ### | 95 - # الزهد - تأليف الإمام وكيع بن الجراح - تحقيق د. عبد الرحمن الفريوائي ~~مكتبة الدار - الطبعة الأولى 1404ه. ### | 96 - # الزيدية - د. أحمد محمود صبحي - الناشر - الزهراء للأعلام العربي الطبعة ~~الثانية 1404ه. ### | 97 - # سنن ابن ماجة - تأليف الحافظ أبي عبد الله محمد بن يزيد القزويني ابن ~~ماجه - تحقيق وترقيم - محمد فؤاد عبد الباقي - دار الفكر للطباعة والنشر. ### | 98 - # سنن الدارقطني - تأليف الإمام علي بن عمر الدارقطني مع التعليق المغني - ~~طبع مطبعة فالكن - لاهور بكستان. ### | 99 - # سنن الدارمي - تأليف الحافظ عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي - بعناية ~~محمد أحمد دهمان - المطبعة الحديثة - دمشق عام 1349ه. ### | 100 - # سنن الترمذي (الجامع الصحيح) تأليف الحافظ أبي عيسى محمد بن عيسى بن سورة ~~- تحقيق أحمد شاكر وجماعة - دار إحياء التراث العربي - بيروت. ### | 101 - # سنن النسائي مع شرح السيوطي وحاشية السندي - تألأيف الحافظ أبي عبد ~~الرحمن أحمد ابن شعيب النسائي - دار الفكر - بيروت 1398ه. ### | 102 - # السنة - تأليف الإمام أبي عبد الرحمن عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل ~~تحقيق د. محمد بن سعيد القحطاني دار ابن القيم الطبعة الأولى 1406ه. ### | 103 - # السنة تأليف الحافظ ابن أبي عاصم النبيل - تحقيق محمد ناصر الدين ~~الألباني - المكتب الإسلامي - الطبعة الأولى 1400ه. # PageV03P953 ### | 104 - # السنة - تأليف أبي بكر أحمد بن محمد الخلال - تحقيق د. عطية الزهراني - ~~دار الراية للنشر الوتزيع - الرياض - الطبعة الأولى 1410ه. ### | 105 - # سير أعلام النبلاء - تأليف سمش الدين محمد بن أحمد الذهبي - أشرف علي ~~التحقيق شعيب الأرناؤوط - مؤسسة الرسالة - بيروت - الطبعة ms417 الأولى 1402ه. ### | 106 - # السيرة النبوية تأليف أبي محمد عبد الملك بن هشام - تقديم طه عبد الرؤوف ~~- مطبوعات مطبعة الحاج عبد السلام شقرون. ### | 107 - # سلسلة الأحاديث الصحيحة - تأليف محمد ناصر الدين الألباني - المكتب ~~الإسلامي دمشق - بيروت - الطبعة الثانية 1399ه. ### | 108 - # سلسلة الأحاديث الضعيفة - تأليف محمد ناصر الألباني - المكتب الإسلامي ~~دمشق - بيروت - الطبعة الرابعة 1389ه. ### | 109 - # الأسماء والصفات - تأليف الحافظ أبي بكر البيهقي - دار الكتب العلمية ~~بيروت، لبنان الطبعة الأولى 1405ه. ### | 110 - # شرح أبيات مغني اللبيب - عبد القادر بن عمر البغدادي - تحقيق عبد العزيز ~~رباح ورفيقه - دار المأمون للتراث - الطبعة الأولى 1398ه. ### | 111 - # شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - تأليف الإمام أبي القاسم هبة الله ~~اللالكائي - تحقيق د. أحمد سعد حمدان - الناشر دار طيبة للنشر والتوزيع - ~~الرياض. ### | 112 - # شرح الأصول الخمسة - تأليف القاضي عبد الجبار بن أحمد الهمداني تحقيق د. ~~عبد الكريم عثمان - مكتبة وهبه - مصر - الطبعة الأولى 1384ه. ### | 113 - # شرح ديوان جرير - محمد إسماعيل الصاوي - منشورات مكتبة الحياة بيروت، ~~لبنان. ### | 114 - # شرح ديوان الفرزدق - جمع وتعليق عبد الله الصاوي - مطبعة الصاوي - الطبعة ~~الأولى 1354ه. ### | 115 - # شرح السنة - تأليف الإمام البغوي - تحقيق زهير الشاويش - توزيع الرئاسة ~~العامة لإدارات البحوث العلمية - الرياض - الطبعة الأولى 1400ه. ### | 116 - # شرح العقيدة الأصفهانية - تأليف شيخ الإسلام ابن تيمية - دم له حسين محمد ~~مخلوف - دار الكتب الإسلامية - القاهرة. ### | 117 - # شرح العقيدة الطحاوية - تحقيق جماعة من العلماء - خرج أحاديثها محمد ناصر ~~الدين الألباني - المكتب الإسلامي - الطبعة الرابعة 1391ه. ### | 118 - # شرح القصائد العشر - تأليف أبي زكريا يحيى التبريزي - ضبطه وصحح عبد ~~السلام الجوفي - توزيع دار الباز - مكة المكرمة - الطبعة الأولى 1405ه. # PageV03P954 ### | 119 - # شرح القصيدة الميمية - تأليف الإمام ابن القيم - عرض وتحليل مصطفى عراقي ~~- الناشر مكتبة ابن تيمية - القاهرة. ### | 120 - # شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري - تأليف الشيخ عبد الله بن محمد ~~الغنيمان - توزيع مكتبة الدار بالمدينة المنورة - الطبعة الأولى 1405ه. ### | 121 - # شرح الكوكب المنير - تأليف أبي البقاء محمد بن أحمد الفتوحي الحنبلي - ~~تحقيق محمد حامد فقي - مكتبة السنة المحمدية - الطبعة ms418 الأولى عام 1372ه. ### | 122 - # شرف أصحاب الحديث - تأليف الحافظ أبي بكر أحمد بن علي الخطيب البغدادي - ~~تحقيق د. محمد سعيد أوغلي - نشر دار إحياء السنة النبوية نشر كلية الألهيات ~~- جامعة انفزة. ### | 123 - # الشريعة - تأليف الإمام أبي بكر محمد بن الحسن الآجري - تحقيق محمد حامد ~~الفقي - الناشر حديث أكادمي باكستان - الطبعة الأولى 1403ه. ### | 124 - # شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل - تأليف الإمام ابن ~~القيم - دار المعرفة للطباعة والنشر - بيروت، لبنان 1389ه. ### | 125 - # صحيح البخاري - تأليف الإمام محمد بن إسماعيل البخاري - تحقيق وتعليق ~~محمود النواوي ورفاقه - الناشر مكتبة النهضة الحديثة، مطبعة الفجالة ~~الجديدة 1376ه. ### | 126 - # صحيح مسلم - تأليف الإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج - تحقيق وترقيم محمد ~~فؤاد عبد الباقي - دار إحياء الكتب العربية - عيسى البابي الحلبي وشركاه. ### | 127 - # صحيح مسلم بشرح النووي - تأليف الإمام محي الدين أبو زكريا النووي دار ~~إحياء التراث العربي - بيروت. ### | 128 - # الصفات - تأليف الإمام الحافظ الدارقطني - تحقيق د. علي بن محمد الفقيهي ~~- الطبعة الأولى 1403ه. ### | 129 - # الصفات الإلهية في الكتاب والسنة - د. محمد أمان بن علي الجامي - مطبعة ~~الجامعة الإسلامية - المجلس العلمي - الطبعة الأولى 1408ه. ### | 130 - # صفة النفاق وذم المنافقين - تأليف أبي بكر الفريابي - تحقيق محمد عبد ~~القادر عطا - دار الكتب العلمية - الطبعة الأولى 1405ه. ### | 131 - # الصلة بين الزيدية والمعتزلة - تأليف د. أحمد عبد الله عارف - تقديم د. ~~محمد عمارة - المكتبة اليمنية - صنعاء - الطبعة الأولى ذ407ه. ### | 132 - # الصواعق المرسلة - تأليف الإمام ابن القيم - تحقيق د. علي بن محمد الدخيل ~~الله - دار العاصمة - الرياض - النشرة الأولى 1408ه. # PageV03P955 ### | 133 - # ضوء الساري إلى معرفة رؤية الباري. ### | 134 - # طبقات الشافعية الكبرى - تأليف تاج الدين عبد الوهاب بن علي السكبي - ~~تحقيق عبد الفتاح محمد الحلو ورفيقه - الطبعة الأولى 1385ه - بمطبعة عيسى ~~البابي الحلبي وشركاه. ### | 135 - # طبقات الشافعية - تأليف أبي بكر أحمد بن محمد ابن قاضي شهبة علق عليهد. ~~الحافظ عبد العليم خان - مكتبة العلم - مكة المكرمة - الطبعة الأولى - ~~مطبعة مجلس دائرة المعارف - الهند. ### | 136 - # طبقات فقهاء اليمن - تأليف عمر بن ms419 علي بن سمرة الجعدي - تحقيق فؤاد سيد - ~~دار القلم - بيروت، لبنان. ### | 137 - # الطبقات الكبرى - تأليف محمد بن سعد بمن منيع - دار صادر - بيروت. ### | 138 - # طريق الهجرتين وباب السعاتين - تأليف الإمام ابن القيم - مراجعة السيد ~~محب الدين الخطيب - المطبعة السلفية - القاهرة - الطبعة الثالثة 1400ه. ### | 139 - # عالم الجن والشياطين - تأليف عمر سليمان الأشقر - دار الكتب العلمية - ~~بيروت، لبنان - الطبعة الثانية 1405ه. ### | 140 - # العبر في خبر من غبر - تأليف الحافظ الذهبي - تحقيق وضبط أبو هاجر محمد ~~بسيوني - دار الكتب العلمية - بيروت، لبنان الطبعة الأولى 1405ه. ### | 141 - # عقيدة أهل الإيمان في خلق آدم على صورة الرحمن - تأليف حمود بن عبد الله ~~التويجري - دار اللواء للنشر والتوزيع - الرياض. ### | 142 - # عقيدة الدروز - تأليف محمد أحمد الخطيب - الطابعون - جمعية عمال المطابع ~~التعاونية - الطبعة الأولى 1400ه. ### | 143 - # العقيدة النظامية - تأليف أبي المعالي عبد الملك الجويني - تقديم وتحقيق ~~د. أحمد حجازي السقا - الناشر مكتبة الكليات الأزهرية - القاهرة 1399ه. ### | 144 - # العلل المتناهية في الأحاديث الواهية - تأليف الإمام أبي الفرج بن الجوزي ~~- تحقيق إرشاد الحق الأثري - الناشر إدارة العلوم الأثرية فيصل أباد - ~~الباكستان الثانية 1401ه. ### | 145 - # العلم الشامخ في إيثار الحق على الآباء والمشايخ - تأليف صالح بن محمد ~~المقلبي - دار الحديث للطباعة والنشر - بيروت - الطبعة الثانية 1405ه. ### | 146 - # العلو للعلي الغفار - تأليف الحافظ الذهبي - الناشر المكتبة السلفية ~~بالمدينة المنورة. ### | 147 - # العنوان في القراءات السبع - تأليف أبي طاهر إسماعيل بن خلف الأنصاري - ~~تحقيق د. زهير زاهد ورفيقه - عالم الكتب - الطبعة الثانية 1406ه. # PageV03P956 ### | 148 - # غاية المرام في علم الكلام - تأليف سيف الدين الآمدي - تحقيق حسن محمود ~~عبد اللطيف - مطبوعات المجلس الأعلى للشئون الإسلامية في مصر. ### | 149- # غربال الزمان في وفيات الأعيان - تأليف يحيى بن أبي بكر العامري الحرضي ~~اليماني - تصحيح وتعليق محمد ناجي زعبي العمر - دار الخير للنشر والتوزيع - ~~دمشق 1405ه. ### | 150- # غريب الحديث - تأليف أبي عبيد القاسم بن سلام الهروي - مصور عن طبعة ~~دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد الدكن 1396ه. ### | 151- # غياث الأمم في التياث الظلم - تأليف إمام الحرمين أبي المعالي الجويني - ~~تحقيق مصطفى حلمي ms420 ورفيقه - دار الدعوة للطبع والنشر الاسكندرية - أول ~~مطبعة. ### | 152- # الفرق بين الفرق - تأليف عبد القاهر بن طاهر الإسفرائيني - تحقيق محمد ~~محيي الدين عبد الحميد - الناشر دار المعرفة للطباعة والنشر بيروت - لبنان. ### | 153- # فرق الشيعة - تأليف الحسن بن موسى النوبختي - منشورات دار الأضواء بيروت ~~- لبنان - الطبعة الثانية 1404هت. ### | 154- # فرق وطبقات المعتزلة - تحقيق د. علي سامي النشار - الأستاذ عصام الدين ~~محمد علي - دار المطبوعات الجامعية 1972 م. ### | 155- # فردوس الأخبار- تأليف الحافظ شيرويه بن شهر دار الديلمي - قدم له فواز ~~أحمد الزولي ورفيقه - الناشر دار الكتاب العربي - بيروت - الطبعة الأولى ~~1407ه. ### | 156- # فتح الباري شرح صحيح البخاري - تأليف الحافظ ابن حجر - تصحيح وتعليق ~~الشيخ عبد العزيز بن باز - نشر وتوزيع رئاسة إدارات البحوث العلمية ~~بالمملكة العربية السعودية. ### | 157- # فتح المجيد بشرح كتاب التوحيد - تأليف الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ ~~- الناشر المكتبة السلفية بالمدينة - الطبعة السابعة 1399ه. ### | 158- # فتح القدير الجامع بين فن الرواية والدارسة - تأليف محمد بن علي الشوكاني ~~- مطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر - الطبعة الثانية 1383ه ### | 159- # الفتوى الحموية الكبرى - تأليف شيخ الإسلام ابن تيمية - نشر قصي محيي ~~الدين الخطيب - المطبعة السلفية - القاهرة - الطبعة الرابعة 1401ه. # 160 الفصل في الملل والأهواء والنحل - تأليف أبي محمد علي بن حزم الناشر ~~مكتبة الخانجي بمصر. # 161 فضائل الصحابة - تأليف الإمام أبي عبد الله أحمد بن حنبل - تحقيق وصي ~~الله بن محمد عباس مؤسسة الرسالة - الطبعة الأولى - 1403ه. # PageV03P957 # 162 الفقه الأكبر - تأليف الإمام أبي حنيفة النعمان مع شرحه لملا علي ~~القاري - دار الكتب العلمية - بيروت، لبنان 1399ه. # 163 الفهرست لابن النديم - توزيع دار الباز للنشر والتوزيع - مكة المكرمة ~~الناشر - دار المعرفة للطباعة والنشر - بيروت، لبنان. # 164 فيض القدير شرح الجامع الصغير - تأليف المحدث عبد الرؤوف المناوي دار ~~المعرفة للطباعة والنشر - بيروت لبنان - الطبعة الثانية 1391ه. ### | 165- # القاموس المحيط - تأليف مجد الدين الفيروز آبادي - مؤسسة الرسالة الطبعة ~~الثانية 1408ه. ### | 166- # قواعد القاعدة - تأليف أبي حامد الغزالي - تحقيق موسى محمد علي - عالم ~~الكتب - الطبعة الثانية 1405ه. ### | 167- # الكامل في التاريخ - تأليف أبي الحسن علي بن ms421 الأثير - الناشر دار الكتاب ~~العربي بيروت، لبنان. ### | 168- # الكامل في ضعفاء الرجال - تأليف الحافظ أبي أحمد بن عدي - دار الفكر ~~للطباعة والنشر - بيروت، لبنان الطبعة الأولى 1404ه. ### | 169- # الكشاف - تأليف أبي القاسم جار الله محمود الزمخشري - دار المعرفة بيروت، ~~لبنان. ### | 170- # كشف الأستار عن زوائد البزار - تأليف الحافظ نور الدين علي بن أبي بكر ~~الهيثمي - تحقيق حبيب الرحمن الأعظمي - مؤسسة الرسالة - الطبعة الأولى ~~1405ه. ### | 171- # الكفاية غب علم الرواية - تأليف الحافظ أبي بكر أحمد بن علي الخطيب ~~البغدادي - تقديم محمد الحافظ التيجاني - طبع ونشر - دار الكتب الحديثة ~~بالقاهرة - الطبعة الثانية. ### | 172- # كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال - تأليف علي المتقي بن حسام الدين ~~الهندي - ضبطه الشيخ بكري حيان - مؤسسة الرسالة - بيروت لبنان 1399ه. ### | 173- # لباب الآداب - تأليف الأمير أسامة بن منفذ - تحقيق أحمد شاكر - دار الكتب ~~السلفية - القاهرة 1407ه. ### | 174- # لسان العرب - تأليف أبي منظور - دار المعارف. ### | 175- # لسان الميزان - تأليف الحافظ ابن حجر - دار الفكر للطباعة والنشر. ### | 176- # اللطائف السنية في أخبار الممالك اليمنية - تأليف محمد بن إسماعيل الكبسي ~~الصنعاني - بعناية عبد الله بن محمد الكبسي - مطبعة السعادة. ### | 177- # اللمع في الرد على أهل الزيغ والبدع - تأليف أبي الحسن علي بن إسماعيل ~~الأشعري - نشر وتشارد يوسف مكارتي - المطبعة الكاثوليكية - بيروت 1952م. # PageV03P958 ### | 178- # لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية - تأليف الشيخ محمد بن أحمد ~~السفاريني الحنبلي - مطبعة المدني بمصر - القاهرة. ### | 179- # المجروحين من المحدثين والضعفاء والمتروكين - تأليف الحافظ محمد ابن حبان ~~بن أحمد أبي حاتم البستي - تحقيق محمود إبراهيم زايد الناشر - دار الوعي - ~~حلب، سوريا - الطبعة الثانية 1402ه. ### | 180- # مجمع المثال - تأليف أبي الفضل أحمد بن محمد الميداني - تحقيق محمد أبو ~~الفضل إبراهيم - طبع عيسى البابي الحلبي وشركاه. ### | 181- # مجمع الزوائد - تأليف الحافظ نور الدين الهيثمي - الناشر - دار الكتاب ~~العربي - بيروت، لبنان - الطبعة الثالثة 1402ه. ### | 182- # مجموع الفتاوى - تأليف شيخ الإسلام ابن تيمية - طبعة الرئاسة العامة ~~للأفتاء والدعوة والإرشاد بالمملكة العربية السعودية - صورة عن الطبعة ~~الأولى 1398ه. ### | 183- # المحدث الفاصل بين الراوي والواعي - تأليف الحسن بن عبد الرحمن ~~الرامهرمزي - تحقيق محمد عجاج الخطيب - دار الفكر للطباعة ms422 والنشر الطبعة ~~الثالثة 1404ه. ### | 184- # محمد بن عثمان بن أبي شيبة وكتابه العرش - دراسة وتحقيق د. محمد بن خليفة ~~التميمي - رسالة ماجستير في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة. ### | 185- # مختار الصحاح - تأليف زين الدين محمد الرازي - ترتيب محمود خاطر ورفيقة - ~~دار البصائر - مؤسسة الرسالة 1405ه. ### | 186 - # مختصر سنن أبي داود للحافظ المنذري - تحقيق أحمد شاكر ومحمد حامد الفقي - ~~توزيع الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية - الناشر دار المعرفة - ~~بيروت، لبنان. ### | 187- # مختصر الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة- تأليف الإمام ابن ~~القيم - دار الفكر. ### | 188- # مختصر العلو للعلي الغفار - اختصار محمد ناصر الدين الألباني - المكتب ~~الإسلامي - الطبعة الأولى 1401ه. ### | 189- # مختصر المعتمد في أصول الدين - تأليف أبي يعلى الحنبلي - دار المشرق - ~~بيروت - تحقيق وديع زيدان حداد. ### | 190- # المدارس الإسلامية في اليمن - تأليف إسماعيل بن علي الأكوع - منشورات ~~جامعة صنعاء 1400ه. # PageV03P959 ### | 191- # مذكرة أصول الفقه على روضة الناظر - تأليف الشيخ محمد الأمين بن المختار ~~الشنقيطي - المكتبة السلفية - المدينة المنورة. ### | 192- # المؤتلف والمختلف - أبو القاسم الحسن بن بشر الآمدي - تعليق د./ف. كرنكو ~~- دار الكتب العلمية - بيروت، لبنان - الطبعة الثانية 1402ه. ### | 193- # مسائل الإيمان - تأليف القاضي أبي يعلى الفراء الحنبلي - تحقيق سعود بن ~~عبد العزيز الخلف - دار العاصمة - الرياض - النشرة الأولى 1410ه. ### | 194- # المساعد على تسهيل الفوائد - تأليف الحافظ بهاء الدين بن عقيل - تحقيق د. ~~محمد كامل بركات - مركز البحث العلمي في كلية الشريعة بمكة المكرمة مطبعة ~~دار الفكر بدمشق 1400ه. ### | 195- # المستدرك على الصحيحين - تأليف الحافظ أبي عبد الله الحاكم - بأشراف يوسف ~~عبد الرحمن المرعشلي - دار المعرفة - بيروت، لبنان. ### | 196- # مستدرك على نهج البالغة - تأليف الهادي الكاشف الغطا - منشورات مكتبة ~~الأندلس - بيروت، لبنان. ### | 197- # المستصفى من علم الأصول - تأليف أبي حامد محمد بن محمد الغزالي - الناشر ~~دار المعرفة للطباعة والنشر - بيروت، لبنان - المطبعة الأميرية ببولاق - ~~مصر 1324ه الطبعة الأولى. ### | 198- # مسند الإمام أحمد بن حنبل - تأليف الإمام أحمد بن حنبل - دار صادر بيروت، ~~لبنان. ### | 199- # مسند الشهاب - تأليف القاضي أبي عبد الله محمد بن سلامة القضاعي - تحقيق ~~حمدي عبد المجيد السلفي - مؤسسة الرسالة - الطبعة الأولى 1405ه. ### | 200- # مصادر الفكر الإسلامي ms423 في اليمن - تأليف عبد الله محمد الحبشي المكتبة ~~المصرية - صيدا بيروت 1408ه. ### | 201- # مصباح العلوم في معرفة الحي القيوم - تأليف أحمد بن الحسن الرصاص - أعده ~~للطبع محمد عبد السلام كفافي - طبع دار الأحد - بيروت 1971م. # المصنف - تأليف الحافظ عبد الرزاق بن همام الصنعاني - تحقيق حبيب الرحمن ~~الأعظمي - توزيع المكتب الإسلامي - الطبعة الثانية 1403ه. ### | 202- # المصنف في الأحاديث والآثار - تأليف الحافظ عبد الله بن محمد بن أبي شيبة ~~- بتحقيق مختار أحمد الندوي - الدار السلفية - محمد علي بلديج - بومباي ~~الهند - الطبعة الأولى 1401ه. # PageV03P960 ### | 203- # معارج القبول - تأليف حافظ بن أحمد الحكمي - أشرف على طبعه أحمد بن حافظ ~~الحكمي - المكتبة السلفية القاهرة - الطبعة الثالثة 1404ه. ### | 204- # معالم السنن بهامش مختصر سنن أبي داود - تأليف أبي سليمان الخطابي تحقيق ~~أحمد محمد شاكر ومحمد حامد الفقي - توزيع الرئاسة العامة لإدارات البحوث ~~العلمية - الرياض - الناشر دار المعرفة - بيروت، لبنان. ### | 205- # معاني القرآن - تأليف أبي زكريا يحيى بن زياد الفراء - عالم الكتب بيروت، ~~لبنان - الطبعة الثالثة 1403ه. ### | 206- # معتزلة اليمن دولة الهادي وفكره - تأليف علي محمد زيد - دار الكلمة صنعاء ~~- الطبعة الثانية 1406ه. ### | 207- # المعتمد في أصول الفقه - تأليف أبي الحسين البصري المعتزلي - تهذيب ~~وتحقيق محمد حميد الله ورفيقه - نشر المعهد العلمي الفرنسي للدراسات ~~العربية بدمشق 1384ه. ### | 208- # معجم البلدان - تأليف شهاب الدين أبي عبد الله باقوت الحموي - دار صادر ~~للطباعة والنشر - بيروت 1404ه. ### | 209- # المعجم الصغير - تأليف الحافظ ابن القاسم سليمان الطبراني - صححه عبد ~~الرحمن محمد عثمان - الناشر المكتبة السلفية بالمدينة المنورة ### | 2110- # المعجم الكبير - تأليف الحافظ أبي القاسم سليمان الطبراني - تحقيق حمدي ~~عبد المجيد السلفي - الطبعة الثانية 1405ه. ### | 211- # معجم المدن والقبائل اليمنية - إعداد إبراهيم أحمد المقحفي - منشورات دار ~~الكلمة - صنعاء 1985م. ### | 212- # المعجم الوسيط. جمع اللغة العربية - المكتبة الإسلامية - استانبول - ~~تركيا. ### | 213- # المغني في أبواب التوحيد والعدل - القاضي أبي الحسن عبد الجبار بن أحمد ~~الهمداني - تحقيق مصطفى السقا ورفاقه - المؤسسة المصرية العامة للتأليف ~~والنشر 1385ه. ### | 214- # مفتاح دار السعادة - تأليف الإمام ابن القيم - دار الكتب العلمية - بيروت ~~لبنان. ### | 215- # المفردات في غريب القرآن - تأليف أبي القاسم الحسين بن محمد ms424 الراغب - دار ~~المعرفة للطباعة والنشر - بيروت، لبنان. ### | 216- # المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة - تأليف الحافظ ~~السخاوي دار الكتب العلمية - بيروت، لبنان تعليق عبد الله محمد الصديق ~~ورفيقه - الطبعة الأولى 1399ه. ### | 217- # مقالات الإسلاميين - تأليف الشيخ أبي الحسن الأشعري - تحقيق محمد محي ~~الدين عبد الحميد - مكتبة النهضة المصرية - الطبعة الثانية 1389ه. # PageV03P961 ### | 218- # الملل والنحل - تأليف أبي الفتح محمد بن عبد الكريم الشهرستاني - تحقيق ~~محمد سيد كيلاني - شركة مكتبة ومطبعة مصطفى الحلبي 1396ه. ### | 219- # الملل والنحل - تأليف أبي الفتح محمد بن عبد الكريم الشهرستاني بهامش ~~الفصل. ### | 220- # مناقب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - تأليف أبي الفرج عبد الرحمن بن ~~الجوزي - تحقيق د. زينب إبراهيم القاروط - دار الكتب العلمية - بيروت ~~الطبعة الثالثة 1407ه. ### | 221- # المنتظم في تاريخ الأمم والمملوك - تأليف ابن الجوزي - مطبعة دائرة ~~المعارف العثمانية - الهند - الطبعة الأولى 1359ه. ### | 222- # منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة القدرية - تأليف شيخ الإسلام ابن ~~تيمية - تحقيق د. محمد رشاد سالم - منشورات جامعة الإمام محمد بن سعود ~~الإسلامية 1406ه. ### | 223- # منهج المدرسة العقلية الحديثة في التفسير - تأليف فهد بن عبد الرحمن بن ~~سليمان الرومي - مؤسسة الرسالة - الطبعة الثانية 1403ه. ### | 224- # موارد الظمآن إلى زوائد بن حبان - تأليف الحافظ نور الدين الهيثمي تحقيق ~~ونشر - محمد عبد الرزاق حمزة - دار الكتب العلمية - بيروت، لبنان. ### | 225- # المواقف في علم الكلام - القاضي عبد الرحمن بن أحمد الإيجي - عالم الكتب ~~- بيروت. ### | 226- # الموسوعة العربية الميسرة - بإشراف محمد شفيق غرباب - دار الشعب ومؤسسة ~~فرانكلين للطباعة صورة عن طبعة 1965م. ### | 227- # الموضوعات - تأليف أبي الفرج عبد الرحمن بن علي بن الجوزي - تقديم عبد ~~الرحمن محمد عثمان - الناشر المكتبة السلفية - المدينة المنورة. ### | 228- # ميزان الاعتدال في نقد الرجال - تأليف أبي عبد الله محمد بن أحمد الذهبي ~~- تحقيق علي ابن محمد البجاوي - دار المعرفة - بيروت، لبنان. ### | 229- # نزهة الخاطر العاطر شرح روضة الناظر وجنة المناظر - تأليف الشيخ عبد ~~القادر بن أحمد ابن بدران - دار الكتب العلمية - بيروت، لبنان. ### | 230- # نصب الراية لأحاديث الهداية - تأليف العلامة جمال الدين أبي محمد الزيلعي ~~- الناشر المكتبة الإسلامية - الطبعة الثانية 1393ه. ms425 ### | 231- # نصرة مذاهب الزيدية - تأليف الصاحب بن عباد - تحقيق د. ناجي حسن. ### | 232- # النهاية في غريب الحديث والأثر - تأليف مجد الدين أبي السعادات المبارك ~~الجزري ابن الأثير - الناشر المكتبة الإسلامية. # PageV03P962 ### | 233- # النهاية في الفتن والملاحم - تأليف الحافظ عماد الدين بن كثير تصحيح ~~وتعليق الشيخ إسماعيل الأنصاري - مطابع مؤسسة النور الرياض - الطبعة الأولى ~~1388ه. ### | 234- # نهج البلاغة - مختارات الشريف الرضى، مع الشرح للشيخ محمد عبده - دار ~~الكتاب العربي - سورية. ### | 235- # الوافي بالوفيات - صلاح الدين الصفدي - الناشر فرانز شتاير - الطبعة ~~الثانية 1394ه. ### | 236- # الوصول إلى الأصول - تأليف أحمد بن علي بن برهان البغدادي تحقيق د. عبد ~~الحميد علي أبو زنيد - مكتبة المعارف - الرياض - الطبعة الأولى 1404ه. ### | 237- # الوفاء في أحوال المصطفى - تأليف الإمام أبي الفرج بن الجوزي علق عليه ~~محمد زهري النجار - المؤسسة السعيدية - الرياض. ### | 238- # يقظة أولى الاعتبار - تأليف صديق حسن خان - تحقيق أحمد حجازي السقا - ~~الناشر دار التراث الإسلامي - الأزهر. PageV03P963 ms426