######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shia_001337Vols #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: الشيخ الطبرسي #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 548 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: الاحتجاج #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: مصادر الحديث الشيعية ـ القسم العام #META# 022.BookVOLS :: 2 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shia_001337Vols #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shiaonlinelibrary.com/الكتب/1337_الاحتجاج-الشيخ-الطبرسي-ج-1 #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: تعليق وملاحظات: السيد محمد باقر الخرسان #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: مطابع النعمان النجف الأشرف #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: 1386 - 1966 م #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #####SUBJECT#BIBLIOGRAPHY# #META#Header#End# # بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله المتعالي عن صفات المخلوقين، المنزه عن ~~نعوت الناعتين، المبرأ مما لا يليق بوحدانيته، المرتفع عن الزوال والفناء ~~بوجوب إلهيته، الذي استعبد الخلائق بحمد ما تواتر عليهم من نعمائه، وترادف ~~لديهم من حسن بلائه، وتتابع من أياديه وعواطفه، وتفاقم من مواهبه وعوارفه، ~~جم عن الاحصاء عددها، وفاق عن الإحاطة بها مددها، وخرست ألسن الناطقين ~~بالشكر عليها عن أداء ما وجب من حقها لديها. # وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة يثقل بها ميزان ~~العارفين وتبيض بها وجوههم يوم الدين، وأشهد أن محمدا عبده المصطفى ورسوله ~~المجتبى خاتم الرسل والأنبياء وسيد الخلائق كلهم والأصفياء، وأن وصيه علي ~~بن أبي طالب عليه السلام خير وصي وصي وخير إمام ولي، وأن عترته الطاهرة خير ~~العترة الأئمة الهادية الاثنا عشر أمناء الله في بلاده وحججه على عباده، ~~بهم تمت علينا نعمته وعلت كلمته، اختارهم للبرية إظهارا للطفه وحكمته ~~وإنارة لأعلام عدله ورحمته فانزاحت بهم علة العبيد، وزهق باطل كل مستكبر ~~عنيد، بأن عصمهم من الذنوب وبرأهم من العيوب حفظا منه للشرائع والأحكام، ~~وسياسة لهم وهيبة لأهل المعاصي والآثام، وزجرا عن التغاشم والتكالب، وردعا ~~عن التظالم والتواثب، وتأديبا بهم لأهل العتو والعدوان، ودفعا لما تدعو ~~إليه دواعي الشيطان، ولم يهملهم سدى بلا حجة فيهم معصوم إما ظاهر مشهور أو ~~غائب مكتوم، لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الحجة، ولا يلتبس عليهم في ~~دينه المحجة، ولم يجعل إليهم اختياره لعلمه بأنهم لا يعلمون أسراره، ولأنه ~~عز وجل متعال عن فعل شئ لا يجوز عليه مثل تكليف ما لا يهتدي العباد إليه، ~~وقد نزه نفسه عن أن يشرك به أحدا في الاختيار PageV01P003 # حيث قال: " وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة " سبحان الله ~~تعالى عما يشركون. # ثم إن الذي دعاني إلى تأليف هذا الكتاب عدول جماعة من الأصحاب عن طريق ~~الحجاج جدا وعن سبيل الجدال وإن كان حقا، وقولهم: " إن النبي صلى الله عليه ~~وآله ms001 والأئمة عليهم السلام لم يجادلوا قط ولا استعملوه ولا للشيعة فيه ~~إجازة بل نهوهم عنه وعابوه "، فرأيت عمل كتاب يحتوي على ذكر جمل من ~~محاوراتهم في الفروع والأصول مع أهل الخلاف وذوي الفضول، قد جادلوا فيها ~~بالحق من الكلام وبلغوا غاية كل مرام، وأنهم عليهم السلام إنما نهوا عن ذلك ~~الضعفاء والمساكين من أهل القصور عن بيان الدين دون المبرزين في الاحتجاج ~~الغالبين لأهل اللجاج، فإنهم كانوا مأمورين من قبلهم بمقاومة الخصوم ~~ومداولة الكلوم، فعلت بذلك منازلهم وارتفعت درجاتهم وانتشرت فضائلهم. وأنا ~~ابتدئ في صدر الكتاب بفصل ينطوي على ذكر آيات من القرآن التي أمر الله ~~تعالى بذلك أنبياءه بمحاجة ذوي العدوان ويشتمل أيضا على عدة أخبار في فضل ~~الذابين عن دين الله القويم وصراطه المستقيم بالحجج القاهرة والبراهين ~~الباهرة، ثم نشرع في ذكر طرف من مجادلات النبي والأئمة عليه وعليهم السلام، ~~وربما يأتي في أثناء كلامهم كلام جماعة من الشيعة حيث تقتضي الحال ذكره، ~~ولا نأتي في أكثر ما نورده من الأخبار بإسناده إما لوجود الإجماع عليه أو ~~موافقته لما دلت العقول إليه أو لاشتهاره في السير والكتب بين المخالف ~~والمؤالف، إلا ما أوردته عن أبي محمد الحسن العسكري عليه السلام، فإنه ليس ~~في الاشتهار على حد ما سواه وإن كان مشتملا على مثل الذي قدمناه، فلأجل ذلك ~~ذكرت إسناده في أول جزء من ذلك دون غيره، لأن جميع ما رويت عنه عليه السلام ~~إنما رويته بإسناد واحد من جملة الأخبار التي ذكرها عليه السلام في تفسيره. # والله المستعان فيما قصدناه وهو حسبي ونعم الوكيل. PageV01P004 # فصل " في ذكر طرف مما أمر الله في كتابه من الحجاج والجدال " " بالتي هي ~~أحسن وفضل أهله " قال الله تبارك وتعالى في كتابه مخاطبا لنبيه صلى الله ~~عليه وآله: " وجادلهم بالتي هي أحسن " (1). # وقال عز من قائل: " ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن " (2) وقال ~~الله تعالى: " ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم " الآية (3). # وقال تعالى حكاية عن إبراهيم عليه السلام أيضا لما ms002 احتج علي على عبدة ~~الكوكب المعروف بالزهرة وعبدة الشمس والقمر جميعا بزوالها وانتقالها ~~وطلوعها وأفولها وعلى حدوثها وإثبات محدث لها وفاطر إياها: " وكذلك نري ~~إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين " إلى قوله تعالى: " ~~وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه " (4) وغير ذلك من الآيات التي فيها ~~الأمر بالاحتجاج، وسيأتي ذكر شرحها في مواضعها إنشاء الله تعالى. # وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: " نحن المجادلون في دين الله ~~على لسان سبعين نبيا ". # وأما الأخبار في فضل العلماء فهي أكثر من أن تعد أو تحصى، لكنا نذكر طرفا ~~منها: # فمن ذلك ما حدثني به السيد العالم العابد أبو جعفر مهدي بن أبي حرب # PageV01P005 # الحسيني المرعشي (1) رضي الله عنه، قال حدثني الشيخ الصادق أبو عبد الله ~~جعفر بن محمد ابن أحمد الدوريستي (2) رحمة الله عليه، قال حدثني أبي محمد ~~بن أحمد (3) قال حدثني الشيخ السعيد أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن ~~بابويه القمي (4) رحمه الله، قال حدثني أبو الحسن محمد بن القاسم المفسر ~~الأسترآبادي (5)، قال حدثني أبو يعقوب يوسف بن محمد بن زياد وأبو الحسن علي ~~بن محمد بن سيار (6) - وكانا من الشيعة # PageV01P006 # الإمامية - قالا حدثنا أبو محمد الحسن بن علي العسكري عليهما السلام، قال ~~حدثني أبي عن آبائه عليهم السلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه ~~قال: أشد من يتم اليتيم الذي انقطع من أمه وأبيه يتم يتيم انقطع عن إمامه ~~ولا يقدر على الوصول إليه ولا يدري كيف حكمه فيما يبتلى به من شرائع دينه، ~~ألا فمن كان من شيعتنا عالما بعلومنا، وهذا الجاهل بشريعتنا المنقطع عن ~~مشاهدتنا يتيم في حجره، ألا فمن هداه وأرشده وعلمه شريعتنا كان معنا في ~~الرفيق الأعلى (1). # وبهذا الإسناد عن أبي محمد الحسن العسكري عليه السلام قال: قال علي بن ~~أبي طالب عليه السلام: من كان من شيعتنا عالما بشريعتنا فأخرج ضعفاء شيعتنا ~~من ظلمة جهلهم إلى نور العلم الذي حبوناه به (2) جاء يوم القيامة على رأسه ~~تاج ms003 من نور يضئ لجميع أهل العرصات، وحلة لا تقوم لأقل سلك منها الدنيا ~~بحذافيرها، ثم ينادي مناد " يا عباد الله هذا عالم من تلامذة بعض علماء آل ~~محمد، ألا فمن أخرجه في الدنيا من حيرة جهله فليتشبث بنوره ليخرجه من حيرة ~~ظلمة هذه العرصات إلى نزهة الجنان " فيخرج كل من كان علمه في الدنيا خيرا، ~~أو فتح عن قلبه من الجهل قفلا، أو أوضح له عن شبهة. # وبهذا الإسناد عن أبي محمد الحسن بن علي العسكري عليهما السلام قال: قال ~~الحسين ابن علي (3) فضل كافل يتيم آل محمد المنقطع عن مواليه الناشب (4) في ~~رتبة الجهل يخرجه من جهله ويوضح له ما اشتبه عليه على فضل كافل يتيم يطعمه ~~ويسقيه # PageV01P007 # كفضل الشمس على السها. # وبهذا الإسناد عن أبي محمد الحسن بن علي العسكري قال: قال الحسين بن علي ~~عليهما السلام: من كفل لنا يتيما قطعته عنا محنتنا باستتارنا فواساه من ~~علومنا التي سقطت إليه حتى أرشده وهداه قال الله عز وجل: أيها العبد الكريم ~~المواسي لأخيه أنا أولى بالكرم منك، اجعلوا له يا ملائكتي في الجنان بعدد ~~كل حرف علمه ألف ألف قصر وضموا إليها ما يليق بها من سائر النعيم. # وبهذا الإسناد عنه عليه السلام قال: قال محمد بن علي الباقر عليهما ~~السلام: العالم كمن معه شمعة تضئ للناس، فكل من أبصر بشمعته دعا بخير، كذلك ~~العالم معه شمعة تزيل ظلمة الجهل والحيرة، فكل من أضاءت له فخرج بها من ~~حيرة أو نجا بها من جهل فهو من عتقائه من النار، والله يعوضه عن ذلك لكل ~~شعرة لمن أعتقه ما هو أفضل له من الصدقة بمائة ألف قنطار (1) على الوجه ~~الذي أمر الله عز وجل به، بل تلك الصدقة وبال على صاحبها لكن يعطيه الله ما ~~هو أفضل من مائة ألف ركعة يصليها من بين يدي الكعبة. # وبهذا الإسناد عنه عليه السلام قال: قال جعفر بن محمد الصادق عليهما ~~السلام: # علماء شيعتنا مرابطون في الثغر الذي يلي إبليس وعفاريته، يمنعونهم ms004 عن ~~الخروج على ضعفاء شيعتنا وعن أن يتسلط عليهم إبليس وشيعته والنواصب، ألا ~~فمن انتصب لذلك من شيعتنا كان أفضل ممن جاهد الروم والترك والخزر ألف ألف ~~مرة لأنه يدفع عن أديان محبينا وذلك يدفع عن أبدانهم. # وعنه عليه السلام بالإسناد المتقدم قال: قال موسى بن جعفر عليهما السلام: ~~فقيه واحد ينقذ يتيما من أيتامنا المنقطعين عنا وعن مشاهدتنا بتعليم ما هو ~~محتاج إليه # PageV01P008 # أشد على إبليس من ألف (1) عابد لأن العابد همه ذات نفسه فقط وهذا همه مع ~~ذات نفسه ذوات عباد الله وإمائه لينقذهم من يد إبليس ومردته، فلذلك هو أفضل ~~عند الله من ألف عابد وألف ألف عابدة. # وعنه عليه السلام قال: قال علي بن موسى الرضا عليهما السلام: يقال للعابد ~~يوم القيامة: " نعم الرجل كنت همتك ذات نفسك وكفيت مؤنتك فادخل الجنة ". # ألا إن الفقيه من أفاض على الناس خيره وأنقذهم من أعدائهم ووفر عليهم نعم ~~جنان الله تعالى وحصل لهم رضوان الله تعالى، ويقال للفقيه: " يا أيها ~~الكافل لأيتام آل محمد الهادي لضعفاء محبيهم ومواليهم قف حتى تشفع لكل من ~~أخذ عنك أو تعلم منك "، فيقف فيدخل الجنة معه فئاما وفئاما وفئاما (2) - ~~حتى قال عشرا - وهم الذين أخذوا عنه علومه وأخذوا عمن أخذ عنه وعمن أخذ عمن ~~أخذ عنه إلى يوم القيامة، فانظروا كم صرف ما بين المنزلتين (3). # وعنه عليه السلام قال: قال محمد بن علي الجواد عليهما السلام: من تكفل ~~بأيتام آل محمد المنقطعين عن إمامهم المتحيرين في جهلهم الأسارى في أيدي ~~شياطينهم وفي أيدي النواصب من أعدائنا فاستنقذهم منهم وأخرجهم من حيرتهم ~~وقهر الشياطين برد وساوسهم وقهر الناصبين بحجج ربهم ودلائل أئمتهم ليحفظوا ~~عهد الله على العباد بأفضل الموانع بأكثر من فضل السماء على الأرض والعرش ~~والكرسي والحجب على السماء، وفضلهم على العباد كفضل القمر ليلة البدر على ~~أخفى كوكب في السماء. # وعنه عليه السلام قال: قال علي بن محمد عليهما السلام: لولا من يبقى بعد ~~غيبة قائمكم عليه السلام من العلماء الداعين ms005 إليه والدالين عليه والذابين ~~عن دينه بحجج الله والمنقذين لضعفاء عباد الله من شباك إبليس ومردته ومن ~~فخاخ النواصب لما بقي أحد إلا ارتد عن دين الله، ولكنهم الذين يمسكون أزمة ~~قلوب ضعفاء الشيعة كما # PageV01P009 # يمسك صاحب السفينة سكانها، أولئك هم الأفضلون عند الله عز وجل. # وعنه عليه السلام قال: يأتي علماء شيعتنا القوامون بضعفاء محبينا وأهل ~~ولايتنا يوم القيامة والأنوار تسطع من تيجانهم، على رأس كل واحد منهم تاج ~~بهاء قد انبثت تلك الأنوار في عرصات القيامة ودورها مسيرة ثلاثمائة ألف ~~سنة، فشعاع تيجانهم ينبث فيها كلها فلا يبقى هناك يتيم قد كفلوه ومن ظلمة ~~الجهل علموه ومن حيرة التيه أخرجوه إلا تعلق بشعبة من أنوارهم، فرفعتهم إلى ~~العلو حتى تحاذي بهم فوق الجنان، ثم ينزلهم على منازلهم المعدة في جوار ~~أستاديهم ومعلميهم وبحضرة أئمتهم الذين كانوا إليهم يدعون، ولا يبقى ناصب ~~من النواصب يصيبه من شعاع تلك التيجان إلا عميت عينه وأصمت أذنه وأخرس ~~لسانه وتحول عليه أشد من لهب النيران، فيحملهم حتى يدفعهم إلى الزبانية ~~فيدعونهم (1) إلى سواء الجحيم. # وقال أيضا أبو محمد الحسن العسكري عليه السلام: إن محبي آل محمد صلى الله ~~عليه وآله مساكين مواساتهم أفضل من مواساة مساكين الفقراء، وهم الذين سكنت ~~جوارحهم وضعفت قواهم من مقاتلة أعداء الله الذين يعيرونهم بدينهم ويسفهون ~~أحلامهم، ألا فمن قواهم بفقهه وعلمه حتى أزال مسكنتهم ثم يسلطهم على ~~الأعداء الظاهرين النواصب وعلى الأعداء الباطنين إبليس ومردته حتى يهزموهم ~~عن دين الله يذودوهم (2) عن أولياء آل رسول الله صلى الله عليه وآله حول ~~الله تعالى تلك المسكنة إلى شياطينهم فأعجزهم عن إضلالهم، قضى الله تعالى ~~بذلك قضاءا حقا على لسان رسول الله صلى الله عليه وآله. # وقال أبو محمد الحسن بن علي العسكري عليهما السلام: قال علي بن أبي طالب ~~عليه السلام من قوى مسكينا في دينه ضعيفا في معرفته على ناصب مخالف فأفحمه ~~(3) # PageV01P010 # لقنه الله تعالى يوم يدلى في قبره أن يقول: الله ربي، ومحمد نبيي، وعلي ms006 ~~وليي، والكعبة قبلتي، والقرآن بهجتي وعدتي، والمؤمنون إخواني، فيقول الله: ~~أدليت بالحجة (1) فوجبت لك أعالي درجات الجنة، فعند ذلك يتحول عليه قبره ~~أنزه رياض الجنة. # وقال أبو محمد عليه السلام: قالت فاطمة عليها السلام وقد اختصم إليها ~~امرأتان فتنازعتا في شئ من أمر الدين إحداهما معاندة والأخرى مؤمنة ففتحت ~~على المؤمنة حجتها فاستظهرت على المعاندة ففرحت فرحا شديدا، فقالت فاطمة: ~~إن فرح الملائكة باستظهارك عليها أشد من فرحك، وإن حزن الشيطان ومردته ~~بحزنها عنك أشد من حزنها، وإن الله عز وجل قال للملائكة: أوجبوا لفاطمة بما ~~فتحت على هذه المسكينة الأسيرة من الجنان ألف ألف ضعف مما كنت أعددت لها، ~~واجعلوا هذه سنة في كل من يفتح على أسير مسكين فيغلب معاندا مثل ألف ألف ما ~~كان له معدا من الجنان. # وقال أبو محمد عليه السلام: قال الحسن بن علي بن أبي طالب عليه السلام ~~وقد حمل إليه رجل هدية فقال له: أيما أحب إليك أن أرد عليك بدلها عشرين ~~ضعفا [عشرين ضعفا عشرين ضعفا - يعني] (2) عشرين ألف درهم - أو أفتح لك بابا ~~من العلم تقهر فلانا الناصبي في قريتك تنقذ به ضعفاء أهل قريتك؟ أن أحسنت ~~الاختيار جمعت لك الأمرين، وإن أسأت الاختيار خيرتك لتأخذ أيهما شئت. فقال: ~~يا بن رسول الله فثوابي في قهري ذلك الناصب واستنقاذي لأولئك الضعفاء من ~~يده قدره عشرون ألف درهم؟ قال: بل أكثر من الدنيا عشرين ألف ألف مرة. قال: # يا بن رسول الله فكيف أختار الأدون بل أختار الأفضل، الكلمة التي أقهر ~~بها عدو الله وأذوده عن أوليائه. فقال الحسن بن علي عليهما السلام: قد ~~أحسنت الاختيار، وعلمه الكلمة وأعطاه عشرين ألف درهم، فذهب فأفحم الرجل، ~~فاتصل # PageV01P011 # خبره به فقال له حين حضر معه: يا عبد الله ما ربح أحد مثل ربحك ولا اكتسب ~~أحد من الأوداء مثل ما اكتسبت مودة الله أولا ومودة محمد وعلي ثانيا ومودة ~~الطيبين من آلهما ثالثا ومودة ملائكة الله تعالى المقربين رابعا ومودة ~~إخوانك المؤمنين خامسا، ms007 واكتسبت بعدد كل مؤمن وكافر ما هو أفضل من الدنيا ~~ألف مرة، فهنيئا لك هنيئا. # وقال أبو محمد عليه السلام: قال جعفر بن محمد عليهما السلام: من كان همه ~~في كسر النواصب عن المساكين من شيعتنا الموالين حمية لنا أهل البيت يكسرهم ~~عنهم ويكشف عن مخازيهم ويبين عوارهم (1) ويفخم أمر محمد وآله جعل الله ~~تعالى همة أملاك الجنان في بناء قصوره ودوره، يستعمل بكل حرف من حروف حججه ~~على أعداء الله أكثر من عدد أهل الدنيا أملاكا، قوة كل واحد يفضل عن حمل ~~السماوات والأرضين، فكم من بناء وكم من نعمة وكم من قصور لا يعرف قدرها إلا ~~رب العالمين. # وقال أبو محمد عليه السلام: قال علي بن موسى الرضا عليهما السلام: # أفضل ما يقدمه العالم من محبينا وموالينا أمامه ليوم فقره وفاقته وذله ~~ومسكنته أن يغيث في الدنيا مسكينا من محبينا من يد ناصب عدو لله ولرسوله، ~~يقوم من قبره والملائكة صفوف من شفير قبره إلى موضع محله من جنان الله، ~~فيحملونه على أجنحتهم يقولون له: مرحبا طوباك طوباك (2) يا دافع الكلاب عن ~~الأبرار ويا أيها المتعصب للأئمة الأخيار. # وقال أبو محمد لبعض تلامذته - لما اجتمع إليه قوم من مواليه والمحبين لآل ~~محمد رسول الله بحضرته وقالوا: يا بن رسول الله صلى الله عليه وآله إن لنا ~~جارا من النصاب يؤذينا ويحتج علينا في تفضيل الأول والثاني والثالث على ~~أمير المؤمنين عليه السلام ويورد علينا حججا لا ندري كيف الجواب عنها ~~والخروج منها -: مر بهؤلاء إذا # PageV01P012 # كانوا مجتمعين يتكلمون فتستمع عليهم فسيستدعون منك الكلام فتكلم وافحم ~~صاحبهم واكسر عربه (1) وفل حده (2) ولا تبق له باقية، فذهب الرجل وحضر ~~الموضع وحضروا وكلم الرجل فأفحمه وصيره لا يدري في السماء هو أو في الأرض. # قالوا: ووقع علينا من الفرح والسرور ما لا يعلمه إلا الله تعالى، وعلى ~~الرجل والمتعصبين له من الغم والحزن مثل ما لحقنا من السرور. فلما رجعنا ~~إلى الإمام قال لنا: إن الذين في السماوات لحقهم من الفرح ms008 والطرب بكسر هذا ~~العدو لله كان أكثر مما كان بحضرتكم، والذي كان بحضرة إبليس وعتاة مردته من ~~الشياطين من الحزن والغم أشد مما كان بحضرتهم، ولقد صلى على هذا العبد ~~الكاسر له ملائكة السماء والحجب والعرش والكرسي، وقابلهما الله تعالى ~~بالإجابة فأكرم إيابه وعظم ثوابه، ولقد لعنت تلك الأملاك عدو الله المكسور ~~وقابلها الله بالإجابة فشدد حسابه وأطال عذابه. # PageV01P013 # فصل " في ذكر طرف مما جاء عن النبي (ص) من الجدال والمحاجة والمناظرة " " ~~وما يجري مجرى ذلك مع من خالف الإسلام وغيرهم " قال أبو محمد الحسن بن علي ~~العسكري عليهما السلام: ذكر عند الصادق عليه السلام الجدال في الدين وأن ~~رسول الله صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام قد نهوا عنه، فقال ~~الصادق عليه السلام: لم ينه عنه مطلقا، ولكنه نهى عن الجدال بغير التي هي ~~أحسن، أما تسمعون الله يقول: " ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن " ~~(1) وقوله: # " ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن " (2) ~~فالجدال بالتي هي أحسن قد قرنه العلماء بالدين، والجدال بغير التي هي أحسن ~~محرم حرمه الله على شيعتنا، وكيف يحرم الله الجدال جملة وهو يقول: " وقالوا ~~لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى " (3) وقال الله تعالى: " تلك ~~أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين " (3) فجعل الله علم الصدق ~~والإيمان بالبرهان، وهل يؤتي ببرهان إلا بالجدال بالتي هي أحسن. # قيل: يا بن رسول الله فما الجدال بالتي هي أحسن وبالتي ليست بأحسن؟ قال: ~~أما الجدال بغير التي هي أحسن فأن تجادل به مبطلا فيورد عليك باطلا فلا ~~ترده بحجة قد نصبها الله ولكن تجحد قوله أو تجحد حقا يريد بذلك المبطل أن ~~يعين به باطله، فتجحد ذلك الحق مخافة أن يكون له عليك فيه حجة لأنك لا تدري ~~كيف المخلص منه، فذلك حرام على شيعتنا أن يصيروا فتنة على ضعفاء إخوانهم ~~وعلى المبطلين، أما المبطلون فيجعلون ضعف الضعيف منكم إذا تعاطى مجادلته ~~وضعف في يده حجة له # PageV01P014 # على ms009 باطله، وأما الضعفاء منكم فتغم قلوبهم (1) لما يرون من ضعف المحق في ~~يد المبطل. # وأما الجدال بالتي هي أحسن فهو ما أمر الله تعالى به نبيه أن يجادل به من ~~جحد البعث بعد الموت وإحياءه له، فقال الله له حاكيا عنه: " وضرب لنا مثلا ~~ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم " فقال الله تعالى في الرد عليه: " ~~قل [يا محمد] يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم. الذي جعل لكم ~~من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون " (2) إلى آخر السورة، فأراد ~~الله من نبيه أن يجادل المبطل الذي قال: كيف يجوز أن يبعث هذه العظام وهي ~~رميم؟ # فقال الله تعالى: قل " يحييها الذي أنشأها أول مرة " أفيعجز من ابتدأ به ~~لا من شئ أن يعيده بعد أن يبلى بل ابتداؤه أصعب عندكم من إعادته، ثم قال " ~~الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا " أي إذا أكمن النار الحارة في الشجر ~~الأخضر الرطب ثم يستخرجها فعرفكم أنه على إعادة ما بلى أقدر، ثم قال " ~~أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق ~~العليم " (3) أي إذا كان خلق السماوات والأرض أعظم وأبعد في أوهامكم وقدركم ~~أن تقدروا عليه من إعادة البالي، فكيف جوزتم من الله خلق هذا الأعجب عندكم ~~والأصعب لديكم ولم تجوزوا منه ما هو أسهل عندكم من إعادة البالي. # قال الصادق عليه السلام: فهو الجدال بالتي هي أحسن، لأن فيها قطع عذر ~~الكافرين وإزالة شبههم. وأما الجدال بغير التي هي أحسن فإن تجحد حقا لا ~~يمكنك أن تفرق بينه وبين باطل من تجادله، وإنما تدفعه عن باطله بأن تجحد ~~الحق، فهذا هو المحرم لأنك مثله جحد هو حقا وجحدت أنت حقا آخر. # وقال أبو محمد الحسن العسكري عليه السلام: فقام إليه رجل آخر وقال: يا بن ~~رسول الله صلى الله عليه وآله أفجادل رسول الله؟ فقال الصادق عليه السلام: ~~مهما ظننت برسول الله من شئ فلا تظنن به مخالفة الله، أليس ms010 الله قد قال: " ~~وجادلهم بالتي هي أحسن " و " قل يحييها الذي أنشأها أول مرة " لمن ضرب الله ~~مثلا، أفتظن أن رسول الله صلى الله عليه وآله خالف ما أمر # PageV01P015 # الله به فلم يجادل بما أمره الله به ولم يخبر عن أمر الله بما أمره أن ~~يخبر به، ولقد حدثني أبي الباقر عن جدي علي بن الحسين عن أبيه الحسين بن ~~علي سيد الشهداء عن أبيه أمير المؤمنين صلوات الله عليهم أنه اجتمع يوما ~~عند رسول الله صلى الله عليه وآله أهل خمسة أديان: اليهود، والنصارى، ~~والدهرية، والثنوية، ومشركو العرب (1). # فقالت اليهود: نحن نقول عزير ابن الله، وقد جئناك يا محمد لننظر ما تقول ~~فإن اتبعتنا فنحن أسبق إلى الصواب منك وأفضل، وإن خالفتنا خصمناك. # وقالت النصارى: نحن نقول إن المسيح ابن الله اتحد به، وقد جئناك لننظر ما ~~تقول، فإن اتبعتنا فنحن أسبق إلى الصواب منك وأفضل، وإن خالفتنا خصمناك. # وقالت الدهرية: نحن نقول إن الأشياء لا بدو لها وهي دائمة، وقد جئناك ~~لننظر فيما تقول، فإن اتبعتنا فنحن أسبق إلى الصواب منك وأفضل، وإن خالفتنا ~~خصمناك. # وقالت الثنوية: نحن نقول إن النور والظلمة هما المدبران. وقد جئناك لننظر ~~فيما تقول، فإن اتبعتنا فنحن أسبق إلى الصواب منك، وإن خالفتنا خصمناك. # وقال مشركو العرب: نحن نقول إن أوثاننا آلهة، وقد جئناك لننظر فيما تقول، ~~فإن اتبعتنا فنحن أسبق إلى الصواب منك وأفضل، وإن خالفتنا خصمناك. # فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: آمنت بالله وحده لا شريك له وكفرت ~~[بالجبت # PageV01P016 # والطاغوت و] (1) بكل معبود سواه. # ثم قال لهم: إن الله تعالى قد بعثني كافة للناس بشيرا ونذيرا وحجة على ~~العالمين، وسيرد كيد من يكيد دينه في نحره. # ثم قال لليهود: أجئتموني لأقبل قولكم بغير حجة؟ قالوا: لا. قال: فما الذي ~~دعاكم إلى القول بأن عزيرا ابن الله؟ قالوا: لأنه أحيى لبني إسرائيل ~~التوراة بعد ما ذهبت ولم يفعل بها هذا إلا لأنه ابنه. فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله: ms011 فكيف صار عزير ابن الله دون موسى وهو الذي جاء لهم ~~بالتوراة ورؤي منه من المعجزات ما قد علمتم. ولئن كان عزير بن الله لما ظهر ~~من إكرامه بإحياء التوراة فلقد كان موسى بالبنوة أولى وأحق، ولئن كان هذا ~~المقدار من إكرامه لعزير يوجب له أنه ابنه فأضعاف هذه الكرامة لموسى توجب ~~له منزلة أجل من البنوة، لأنكم إن كنتم إنما تريدون بالبنوة الدلالة على ~~سبيل ما تشاهدونه في دنياكم من ولادة الأمهات الأولاد بوطئ آبائهم لهن فقد ~~كفرتم بالله وشبهتموه بخلقه وأوجبتم فيه صفات المحدثين، فوجب عندكم أن يكون ~~محدثا مخلوقا وأن يكون له خالق صنعه وابتدعه. # قالوا: لسنا نعني هذا، فإن هذا كفر كما دللت لكنا نعني أنه ابنه على معنى ~~الكرامة وإن لم يكن هناك ولادة، كما قد يقول بعض علمائنا لمن يريد إكرامه ~~وإبانته بالمنزلة من غيره " يا بني " و " أنه ابني " لا على إثبات ولادته ~~منه لأنه قد يقول ذلك لمن هو أجنبي لا نسب له بينه وبينه، وكذلك لما فعل ~~الله تعالى بعزير ما فعل كان قد اتخذه ابنا على الكرامة لا على الولادة. # فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: فهذا ما قلته لكم إنه إن وجب على هذا ~~الوجه أن يكون عزير ابنه فإن هذه المنزلة بموسى أولى، وأن الله يفضح كل ~~مبطل بإقراره ويقلب عليه حجته، إن ما احتججتم به يؤديكم إلى ما هو أكثر مما ~~ذكرته لكم، لأنكم قلتم إن عظيما من عظمائكم قد يقول لأجنبي لا نسب بينه ~~وبينه " يا بني " و " هذا # PageV01P017 # ابني " لا على طريق الولادة، فقد تجدون أيضا هذا العظيم لأجنبي آخر " هذا ~~أخي " ولآخر " هذا شيخي " و " أبي " ولآخر " هذا سيدي " و " يا سيدي " على ~~سبيل الإكرام، وإن من زاده في الكرامة زاده في مثل هذا القول، فإذا يجوز ~~عندكم أن يكون موسى أخا لله أو شيخا له أو أبا أو سيدا لأنه قد زاده في ~~الإكرام مما لعزير، كما أن من زاد رجلا في ms012 الإكرام فقال له يا سيدي ويا ~~شيخي ويا عمي ويا رئيسي على طريق الإكرام، وأن من زاده في الكرامة زاده في ~~مثل هذا القول، أفيجوز عندكم أن يكون موسى أخا لله أو شيخا أو عما أو رئيسا ~~أو سيدا أو أميرا لأنه قد زاده في الإكرام على من قال له يا شيخي أو يا ~~سيدي أو يا عمي أو يا رئيسي أو يا أميري؟ # قال: فبهت القوم وتحيروا وقالوا: يا محمد أجلنا نتفكر فيما قد قلته لنا. ~~فقال: # انظروا فيه بقلوب معتقدة للإنصاف يهدكم الله. # ثم أقبل على النصارى فقال لهم: وأنتم قلتم إن القديم عز وجل اتحد بالمسيح ~~ابنه، فما الذي أردتموه بهذا القول، أردتم أن القديم صار محدثا لوجود هذا ~~المحدث الذي هو عيسى، أو المحدث الذي هو عيسى صار قديما كوجود القديم الذي ~~هو الله أو معنى قولكم إنه اتحد به أنه اختصه بكرامة لم يكرم بها أحدا ~~سواه، فإن أردتم أن القديم صار محدثا فقد أبطلتم، لأن القديم محال أن ينقلب ~~فيصير محدثا، وإن أردتم أن المحدث صار قديما فقد أحلتم لأن المحدث أيضا ~~محال أن يصير قديما، وإن أردتم أنه اتحد به بأنه اختصه واصطفاه على سائر ~~عباده فقد أقررتم بحدوث عيسى وبحدوث المعنى الذي اتحد به من أجله، لأنه إذا ~~كان عيسى محدثا وكان الله اتحد به - بأن أحدث به معنى صار به أكرم الخلق ~~عنده - فقد صار عيسى وذلك المعنى محدثين، وهذا خلاف ما بدأتم تقولونه. # فقالت النصارى: يا محمد إن الله لما أظهر على يد عيسى من الأشياء العجيبة ~~ما أظهر فقد اتخذه ولدا على جهة الكرامة. # فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله: فقد سمعتم ما قلته لليهود في هذا ~~المعنى الذي PageV01P018 # ذكرتموه، ثم أعاد صلى الله عليه وآله ذلك كله، فسكتوا إلا رجلا واحدا ~~منهم فقال له: يا محمد أو لستم تقولون إن إبراهيم خليل الله؟ قال: قلنا ~~ذلك. قال: فإذا قلتم ذلك فلم منعتمونا من أن نقول إن ms013 عيسى ابن الله؟ قال ~~رسول الله صلى الله عليه وآله: إنهما لن يشتبها، لأن قولنا إبراهيم خليل ~~الله فإنما هو مشتق من الخلة والخلة إنما معناها الفقر والفاقة، فقد كان ~~خليلا إلى ربه فقيرا وإليه منقطعا وعن غيره متعففا معرضا مستغنيا، وذلك لما ~~أريد قذفه في النار فرمي به في المنجنيق فبعث الله جبرئيل فقال له: # أدرك عبدي، فجاء فلقيه في الهواء فقال له: كلفني ما بدا لك فقد بعثني ~~الله لنصرتك. # فقال إبراهيم: حسبي الله ونعم الوكيل إني لا أسأل غيره ولا حاجة لي إلا ~~إليه، فسماه خليله أي فقيره ومحتاجه والمنقطع إليه عمن سواه، وإذا جعل معنى ~~ذلك من الخلة وهو أنه قد تخلل معانيه ووقف على أسرار لم يقف عليها غيره كان ~~الخليل معناه العالم به وبأموره، ولا يوجب ذلك تشبيه الله بخلقه. ألا ترون ~~أنه إذا لم ينقطع إليه لم يكن خليله وإذا لم يعلم بأسراره لم يكن خليله، ~~وأن من يلده الرجل وإن أهانه وأقصاه لم يخرج عن أن يكون ولده، لأن معنى ~~الولادة قائم به. # ثم إن وجب لأنه قال لإبراهيم خليلي أن تقيسوا أنتم فتقولوا بأن عيسى ابنه ~~وجب أيضا كذلك أن تقولوا لموسى إنه ابنه، فإن الذي معه من المعجزات لم يكن ~~بدون ما كان مع عيسى، فقولوا إن موسى أيضا ابنه، وإن يجوز أن تقولوا على ~~هذا المعنى إنه شيخه وسيده وعمه ورئيسه وأميره كما قد ذكرته لليهود. # فقال بعضهم لبعض وفي الكتب المنزلة إن عيسى قال " أذهب إلى أبي وأبيكم " ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: فإن كنتم بذلك الكتاب تعملون فإن فيه " ~~أذهب إلى أبي وأبيكم " فقولوا إن جميع الذين خاطبهم عيسى كانوا أبناء الله ~~كما كان عيسى ابنه من الوجه الذي كان عيسى ابنه، ثم إن ما في هذا الكتاب ~~مبطل عليكم هذا الذي زعمتم أن عيسى من وجهة الاختصاص كان ابنا له، لأنكم ~~قلتم إنما قلنا إنه ابنه لأنه اختصه بما لم يختص به غيره، وأنتم ms014 تعلمون أن ~~الذي خص به عيسى لم يخص به هؤلاء القوم الذين قال لهم عيسى " أذهب إلى أبي ~~وأبيكم "، فبطل أن يكون الاختصاص PageV01P019 # لعيسى، لأنه قد ثبت عندكم بقول عيسى لمن لم يكن له مثل اختصاص عيسى، ~~وأنتم إنما حكيتم لفظة عيسى وتأولتموها على غير وجهها، لأنه إذا قال " أذهب ~~إلى أبي وأبيكم " فقد أراد غير ما ذهبتم إليه ونحلتموه، وما يدريكم لعله ~~عنى أذهب إلى آدم أو إلى نوح وأن الله يرفعني إليهم ويجمعني معهم وآدم أبي ~~وأبيكم وكذلك نوح، بل ما أراد غير هذا. # قال: فسكت النصارى وقالوا: ما رأينا كاليوم مجادلا ولا مخاصما مثلك ~~وسننظر في أمورنا. # ثم أقبل رسول الله على الدهرية فقال: وأنتم فما الذي دعاكم إلى القول بأن ~~الأشياء لا بدو لها وهي دائمة لم تزل ولا تزال؟ فقالوا: لأنا لا نحكم إلا ~~بما نشاهد ولم نجد للأشياء حدثا فحكمنا بأنها لم تزل، ولم نجد لها انقضاء ~~وفناء فحكمنا بأنها لا تزال. # فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: أفوجدتم لها قدما أم وجدتم لها بقاءا ~~أبد الآبد. # فإن قلتم أنكم وجدتم ذلك أنهضتم لأنفسكم أنكم لم تزالوا على هيئتكم ~~وعقولكم بلا نهاية ولا تزالون كذلك، ولئن قلتم هذا دفعتم العيان وكذبكم ~~العالمون والذين يشاهدونكم. # قالوا: بل لم نشاهد لها قدما ولا بقاء أبد الآبد، قال رسول الله صلى الله ~~عليه وآله: فلم صرتم بأن تحكموا بالقدم والبقاء دائما لأنكم لم تشاهدوا ~~حدوثها، وانقضاؤها أولى من تارك التميز لها مثلكم، فيحكم لها بالحدوث ~~والانقضاء والانقطاع لأنه لم يشاهد لها قدما ولا بقاءا أبد الآبد، أو لستم ~~تشاهدون الليل والنهار وأحدهما بعد الآخر؟ فقالوا: نعم. فقال: أترونهما لم ~~يزالا ولا يزالان؟ فقالوا: نعم. # فقال: أفيجوز عندكم اجتماع الليل والنهار؟ فقالوا: لا. فقال صلى الله ~~عليه وآله فإذا منقطع أحدهما عن الآخر فيسبق أحدهما ويكون الثاني جاريا ~~بعده. قالوا: كذلك هو. فقال: قد حكمتم بحدوث ما تقدم من ليل ونهار لم ~~تشاهدوهما فلا تنكروا لله قدرته. ms015 PageV01P020 # ثم قال صلى الله عليه وآله: أتقولون ما قبلكم من الليل والنهار متناه أم ~~غير متناه، فإن قلتم إنه غير متناه فقد وصل إليكم آخر بلا نهاية لأوله، وإن ~~قلتم متناه فقد كان ولا شئ منهما. قالوا نعم. قال لهم: أقلتم إن العالم ~~قديم غير محدث وأنتم عارفون بمعنى ما أقررتم به وبمعنى ما جحدتموه؟ قالوا: ~~نعم. قال رسول الله صلى الله عليه وآله: فهذا الذي تشاهدونه من الأشياء ~~بعضها إلى بعض يفتقر لأنه لا قوام للبعض إلا بما يتصل به، كما نرى البناء ~~محتاجا بعض أجزائه إلى بعض وإلا لم يتسق ولم يستحكم وكذلك سائر ما نرى. # وقال أيضا: فإذا كان هذا المحتاج بعضه إلى بعض لقوته وتمامه هو القديم ~~فأخبروني أن لو كان محدثا كيف كان يكون وماذا كانت تكون صفته؟ قال: # فبهتوا وعلموا أنهم لا يجدون للمحدث صفة يصفونه بها إلا وهي موجودة في ~~هذا الذي زعموا أنه قديم، فوجموا وقالوا: سننظر في أمرنا. # ثم أقبل رسول الله صلى الله عليه وآله على الثنوية الذين قالوا النور ~~والظلمة هما المدبران فقال: وأنتم فما الذي دعاكم إلى ما قلتموه من هذا؟ ~~فقالوا: لأنا وجدنا العالم صنفين خيرا وشرا، ووجدنا الخير ضدا للشر، ~~فأنكرنا أن يكون فاعل واحد يفعل الشئ وضده بل لكل واحد منهما فاعل، ألا ترى ~~أن الثلج محال أن يسخن كما أن النار محال أن تبرد، فأثبتنا لذلك صانعين ~~قديمين ظلمة ونورا. فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله: أفلستم قد ~~وجدتم سوادا وبياضا وحمرة وصفرة وخضرة وزرقة، وكل واحدة ضد لسائرها ~~لاستحالة اجتماع مثلين منها في محل واحد كما كان الحر والبرد ضدين لاستحالة ~~اجتماعهما في محل واحد؟ قالوا: نعم قال فهلا أثبتم بعدد كل لون صانعا قديما ~~ليكون فاعل كل ضد من هذه الألوان غير فاعل الضد الآخر؟ قال: فسكتوا. # ثم قال: فكيف اختلط النور والظلمة، وهذا من طبعه الصعود وهذه من طبعها ~~النزول، أرأيتم لو أن رجلا أخذ شرقا يمشي إليه والآخر ms016 غربا أكان يجوز عندكم ~~أن يلتقيا ما داما سائرين على وجههما؟ قالوا: لا. قال: فوجب PageV01P021 # أن لا يختلط النور والظلمة لذهاب كل واحد منهما في غير جهة الآخر، فكيف ~~وجدتم حدث هذا العالم من امتزاج ما هو محال أن يمتزج بل هما مدبران جميعا ~~مخلوقان. فقالوا: سننظر في أمورنا. # ثم أقبل رسول الله صلى الله عليه وآله على مشركي العرب فقال: وأنتم فلم ~~عبدتم الأصنام من دون الله؟ فقالوا: نتقرب بذلك إلى الله تعالى. فقال لهم: ~~أو هي سامعة مطيعة لربها عابدة له حتى تتقربوا بتعظيمها إلى الله؟ قالوا: ~~لا. قال: # فأنتم الذين نحتموها بأيديكم؟ قالوا: نعم. قال: فلأن تعبدكم هي لو كان ~~يجوز منها العبادة أحرى من أن تعبدوها، إذا لم يكن أمركم بتعظيمها من هو ~~العارف بمصالحكم وعواقبكم والحكيم فيما يكلفكم. # قال: فلما قال رسول الله صلى الله عليه وآله هذا القول اختلفوا فقال ~~بعضهم: إن الله قد حل في هياكل رجال كانوا على هذه الصورة فصورنا هذه الصور ~~نعظمها لتعظيمنا تلك الصور التي حل فيها ربنا، وقال آخرون منهم: إن هذه صور ~~أقوام سلفوا كانوا مطيعين لله قبلنا فمثلنا صورهم وعبدناها تعظيما لله، ~~وقال آخرون منهم: # إن الله لما خلق آدم وأمر الملائكة بالسجود له [فسجدوه تقربا بالله] كنا ~~نحن أحق بالسجود لآدم [إلى الله] من الملائكة، ففاتنا ذلك فصورنا صورته ~~فسجدنا لها تقربا إلى الله كما تقربت الملائكة بالسجود لآدم إلى الله ~~تعالى، وكما أمرتم بالسجود بزعمكم إلى جهة مكة ففعلتم ثم نصبتم في غير ذلك ~~البلد بأيديكم محاريب (1) سجدتم إليها وقصدتم الكعبة لا محاريبكم وقصدتم ~~بالكعبة إلى الله عز وجل لا إليها. # فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: أخطأتم الطريق وضللتم، أما أنتم - ~~وهو صلى الله عليه وآله # PageV01P022 # يخاطب الذين قالوا إن الله يحل في هياكل رجال كانوا على هذه الصورة التي ~~صورناها فصورنا هذه الصور نعظمها لتعظيمنا لتلك الصور التي حل فيها ربنا - ~~فقد وصفتم ربكم بصفة المخلوقات، أو يحل ربكم في شئ ms017 حتى يحيط به ذاك الشئ، ~~فأي فرق بينه إذا وبين سائر ما يحل فيه من لونه وطعمه ورائحته ولينه ~~وخشونته وثقله وخفته، ولم صار هذا المحلول فيه محدثا قديما دون أن يكون ذلك ~~محدثا وهذا قديما، وكيف يحتاج إلى المحال من لم يزل قبل المحال وهو عز وجل ~~كان لم يزل، وإذا وصفتموه بصفة المحدثات في الحلول فقد لزمكم أن تصفوه ~~بالزوال، وما وصفتموه بالزوال والحدوث فصفوه بالفناء، لأن ذلك أجمع من صفات ~~الحال والمحلول فيه، وجميع ذلك متغير الذات، فإن كان لم يتغير ذات الباري ~~تعالى بحلوله في شئ جاز أن لا يتغير بأن يتحرك ويسكن ويسود ويبيض ويحمر ~~ويصفر وتحله الصفات التي تتعاقب على الموصوف بها حتى يكون فيه جميع صفات ~~المحدثين ويكون محدثا تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. ثم قال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله: فإذا بطل ما ظننتموه من أن الله يحل في شئ فقد فسد ما ~~بنيتم عليه قولكم. قال: فسكت القوم وقالوا: سننظر في أمورنا. # ثم أقبل رسول الله صلى الله عليه وآله على الفريق الثاني فقال: أخبرونا ~~عنكم إذا عبدتم صور من كان يعبد الله فسجدتم لها وصليتم فوضعتم الوجوه ~~الكريمة على التراب بالسجود لها فما الذي أبقيتم لرب العالمين، أما علمتم ~~أن من حق من يلزم تعظيمه وعبادته أن لا يساوي به عبده، أرأيتم ملكا أو ~~عظيما إذا سويتموه بعبده في التعظيم والخضوع والخشوع أيكون في ذلك وضع من ~~الكبير كما يكون زيادة في تعظيم الصغير؟ فقالوا: نعم. قال: أفلا تعلمون ~~أنكم من حيث تعظمون الله بتعظيم صور عباده المطيعين له تزرون (1) على رب ~~العالمين. قال: فسكت القوم بعد أن قالوا: سننظر في أمرنا. # ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله للفريق الثالث: لقد ضربتم لنا مثلا ~~وشبهتمونا # PageV01P023 # بأنفسكم ولسنا سواء، وذلك إنا عباد الله مخلوقون مربوبون نأتمر له فيها ~~أمرنا وننزجر عما زجرنا ونعبده من حيث يريده منا، فإذا أمرنا بوجه من ~~الوجوه أطعناه ولم نتعد إلى غيره ms018 مما لم يأمرنا ولم يأذن لنا، لأنا لا ندري ~~لعله إن أراد منا الأول فهو يكره الثاني، وقد نهانا أن نتقدم بين يديه، ~~فلما أمرنا أن نعبده بالتوجه إلى الكعبة أطعناه، ثم أمرنا بعبادته بالتوجه ~~نحوها في سائر البلدان التي تكون بها فأطعناه، ولم نخرج في شئ من ذلك من ~~اتباع أمره، والله حيث أمر بالسجود لآدم لم يأمر بالسجود لصورته التي هي ~~غيره، فليس لكم أن تقيسوا ذلك عليه لأنكم لا تدرون لعله يكره ما تفعلون إذ ~~لم يأمركم به. # ثم قال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله أرأيتم لو أذن لكم رجل دخول ~~داره يوما بعينه ألكم أن تدخلوها بعد ذلك بغير أمره، أو لكم أن تدخلوا دارا ~~له أخرى مثلها بغير أمره، أو وهب لكم رجل ثوبا من ثيابه أو عبدا من عبيده ~~أو دابة من دوابه ألكم أن تأخذوا ذلك؟ قالوا: نعم. قال: فإن لم تأخذوه ألكم ~~أخذ آخر مثله؟ # قالوا: لا لأنه لم يأذن لنا في الثاني كما أذن في الأول. قال صلى الله ~~عليه وآله: فأخبروني الله أولى بأن لا يتقدم على ملكه بغير أمره أو بعض ~~المملوكين؟ قالوا: بل الله أولى بأن لا يتصرف في ملكه بغير إذنه، قال: فلم ~~فعلتم ومتى أمركم بالسجود أن تسجدوا لهذه الصور؟ قال فقال القوم: سننظر في ~~أمورنا وسكتوا. # وقال الصادق عليه السلام: فوالذي بعثه بالحق نبيا ما أتت على جماعتهم إلا ~~ثلاثة أيام حتى أتوا رسول الله صلى الله عليه وآله فأسلموا، وكانوا خمسة ~~وعشرين رجلا من كل فرقة خمسة وقالوا: ما رأينا مثل حجتك يا محمد نشهد أنك ~~رسول الله. # " احتجاج النبي صلى الله عليه وآله وسلم على جماعة من المشركين " وقال ~~الصادق عليه السلام: قال أمير المؤمنين عليه السلام: أنزل الله " الحمد لله ~~الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم ~~PageV01P024 # يعدلون " (1) الآية. وكان في هذه الآية رد على ثلاثة أصناف منهم لما قال ~~" الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض ms019 " فكان ردا على الدهرية الذين قالوا: # إن الأشياء لا بدو لها وهي دائمة. ثم قال " وجعل الظلمات والنور " فكان ~~ردا على الثنوية الذين قالوا: إن النور والظلمة هما مدبران. ثم قال: " ثم ~~الذين كفروا بربهم يعدلون " فكان ردا على مشركي العرب الذين قالوا: إن ~~أوثاننا آلهة. # ثم نزل الله " قل هو الله أحد " إلى آخرها، فكان ردا على من ادعى من دون ~~الله ضدا أو ندا. # قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وآله لأصحابه: قولوا " إياك نعبد " أي ~~نعبد واحدا لا نقول كما قالت الدهرية إن الأشياء لا بدو لها وهي دائمة، ولا ~~كما قالت الثنوية إن النور والظلمة هما المدبران، ولا كما قال مشركو العرب ~~إن أوثاننا آلهة فلا نشرك بك شيئا ولا ندعو من دونك إلها كما يقول هؤلاء ~~الكفار ولا نقول كما قالت اليهود والنصارى إن لك ولدا تعاليت عن ذلك. # قال: فذلك قوله: " وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى " ~~وقالت طائفة غيرهم من هؤلاء الكفار ما قالوا، قال الله تعالى يا محمد " تلك ~~أمانيهم " التي يمنونها بلا حجة " قل هاتوا برهانكم " وحجتكم على دعواكم " ~~إن كنتم صادقين " كما أتى محمد ببراهينه التي سمعتموها. ثم قال " بلى من ~~أسلم وجهه لله " تعالى يعني كما فعل هؤلاء الذين آمنوا برسول الله لما ~~سمعوا براهينه وحجته " وهو محسن " في علمه " فله أجره " وثوابه " عند ربه " ~~يوم فصل القضاء " ولا ولا خوف عليهم " حين يخاف الكافرون مما يشاهدون من ~~العقاب " ولا هم يحزنون " (2) عند الموت لأن البشارة بالجنات تأتيهم. # PageV01P025 # " احتجاج النبي صلى الله عليه وآله على جماعة من المشركين " عن أبي محمد ~~الحسن العسكري عليهما السلام أنه قال: قلت لأبي علي بن محمد عليه السلام هل ~~كان رسول الله صلى الله عليه وآله يناظر اليهود والمشركين إذا عاتبوه ~~ويحاجهم؟ قال: بلى مرارا كثيرة، منها ما حكى الله من قولهم: " وقالوا ما ~~لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لولا أنزل إليه ملك " إلى قوله " ~~رجلا ms020 مسحورا " (1) وقالوا: # " لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم " (2) وقوله عز وجل: # " وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا " إلى قوله " كتابا ~~نقرؤه " (3) ثم قيل له في آخر ذلك: لو كنت نبيا كموسى أنزلت علينا كسفا من ~~السماء ونزلت علينا الصاعقة في مسألتنا إليك لأن مسألتنا أشد من مسائل قوم ~~موسى لموسى عليه السلام. # قال: وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان قاعدا ذات يوم بمكة بفناء ~~الكعبة إذ اجتمع جماعة من رؤساء قريش منهم الوليد بن المغيرة المخزومي وأبو ~~البختري ابن هشام وأبو جهل والعاص بن وائل السهمي وعبد الله بن أبي أمية ~~المخزومي، وكان معهم جمع ممن يليهم كثير ورسول الله صلى الله عليه وآله في ~~نفر من أصحابه يقرأ عليهم كتاب الله ويؤدي إليهم عن الله أمره ونهيه. # فقال المشركون بعضهم لبعض: لقد استفحل أمر محمد وعظم خطبه، فتعالوا نبدأ ~~بتقريعه وتبكيته وتوبيخه والاحتجاج عليه وإبطال ما جاء به ليهون خطبه على ~~أصحابه ويصغر قدره عندهم، فلعله ينزع عما هو فيه من غيه وباطله وتمرده ~~وطغيانه، فإن انتهى وإلا عاملناه بالسيف الباتر. # قال أبو جهل: فمن ذا الذي يلي كلامه ومجادلته؟ قال عبد الله بن أبي أمية # PageV01P026 # المخزومي: أنا إلى ذلك، أفما ترضاني له قرنا حسيبا ومجادلا كفيا؟ قال أبو ~~جهل بلى، فأتوه بأجمعهم فابتدأ عبد الله بن أبي أمية المخزومي فقال: يا ~~محمد لقد ادعيت دعوى عظيمة وقلت مقالا هائلا، زعمت أنك رسول الله رب ~~العالمين، وما ينبغي لرب العالمين وخالق الخلق أجمعين أن يكون مثلك رسوله ~~بشر مثلنا تأكل كما نأكل وتشرب كما نشرب وتمشي في الأسواق كما نمشي، فهذا ~~ملك الروم وهذا ملك الفرس لا يبعثان رسولا إلا كثير المال عظيم الحال له ~~قصور ودور وفساطيط وخيام وعبيد وخدام، ورب العالمين فوق هؤلاء كلهم فهم ~~عبيده، ولو كنت نبيا لكان معك ملك يصدقك ونشاهده، بل لو أراد الله أن يبعث ~~إلينا نبيا لكان إنما يبعث إلينا ملكا ms021 لا بشرا مثلنا، ما أنت يا محمد إلا ~~رجل مسحورا ولست بنبي. # فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: هل بقي من كلامك شئ؟ قال: بلى، لو ~~أراد الله أن يبعث إلينا رسولا لبعث أجل من فيما بيننا أكثره مالا وأحسنه ~~حالا، فهلا أنزل هذا القرآن الذي تزعم أن الله أنزله عليك وابتعثك به رسولا ~~على رجل من القريتين عظيم أما الوليد بن المغيرة بمكة وأما عروة بن مسعود ~~الثقفي بالطائف. # فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: هل بقي من كلامك شئ يا عبد الله؟ ~~فقال: بلى لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا بمكة هذه، فإنها ذات ~~أحجار وعروة وجبال، تكسح أرضها (1) وتحفرها وتجرى فيها العيون، فإننا إلى ~~ذلك محتاجون أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتأكل منها وتطعمنا فتفجر الأنهار ~~خلالها خلال تلك النخيل والأعناب تفجيرا أو تسقط السماء كما زعمت علينا ~~كسفا (2) فإنك قلت لنا " وإن يروا كسفا من السماء ساقطا يقولوا سحاب مركوم ~~" (3) فلعلنا نقول ذلك. # ثم قال: أو تأتي بالله والملائكة قبيلا، تأتي به وبهم وهم لنا مقابلون، ~~أو # PageV01P027 # يكون لك بيت من زخرف تعطينا منه وتغنينا به فلعلنا نطغى، وأنك قلت لنا: " ~~كلا إن الإنسان ليطغى إن رآه استغنى " (1). # ثم قال: أو ترقى في السماء أي تصعد في السماء ولن نؤمن لرقيك أي لصعودك ~~حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه من الله العزيز الحكيم إلى عبد الله بن أبي ~~أمية المخزومي ومن معه بأن آمنوا بمحمد بن عبد الله بن عبد المطلب فإنه ~~رسولي وصدقوه في مقالة أنه من عندي، ثم لا أدري يا محمد إذا فعلت هذا كله ~~أؤمن بك أو لا أؤمن بك، بل لو رفعتنا إلى السماء وفتحت أبوابها وأدخلتناها ~~لقلنا إنما سكرت أبصارنا (2) وسحرتنا. # فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا عبد الله أبقي شئ من كلامك؟ قال: ~~يا محمد أوليس فيما أوردته عليك كفاية وبلاغ، ما بقي شئ فقل ما بدا لك ~~وافصح عن نفسك ms022 إن كان لك حجة وأتنا بما سألناك به. # فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: اللهم أنت السامع لكل صوت والعالم ~~بكل شئ تعلم ما قاله عبادك، فأنزل الله عليه: يا محمد " وقالوا ما لهذا ~~الرسول يأكل الطعام " إلى قوله " رجلا مسحورا " (3) ثم قال الله تعالى: " ~~أنظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا " (4) ثم قال: يا محمد ~~" تبارك الذي أنشأ جعل لك خيرا من ذلك جنات تجري من تحتها الأنهار ويجعل لك ~~قصورا " (5) وانزل عليه: يا محمد " فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به ~~صدرك " (6) الآية وأنزل الله عليه: يا محمد " وقالوا لولا أنزل عليه ملك ~~ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر " إلى قوله " وللبسنا عليهم ما يلبسون " (7). # PageV01P028 # فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: يا عبد الله أما ذكرت من أني آكل ~~الطعام كما تأكلون وزعمت أنه لا يجوز لأجل هذا أن أكون لله رسولا فإنما ~~الأمر لله تعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، وهو محمود وليس لك ولا لأحد ~~الاعتراض عليه بلم وكيف، ألا ترى أن الله كيف أفقر بعضا وأغنى بعضا وأعز ~~بعضا وأذل بعضا وأصح بعضا وأسقم بعضا وشرف بعضا ووضع بعضا، وكلهم ممن يأكل ~~الطعام، ثم ليس للفقراء أن يقولوا " لم أفقرتنا وأغنيتهم " ولا للوضعاء أن ~~يقولوا " لم وضعتنا وشرفتهم " ولا للزمني (1) والضعفاء أن يقولوا " لم ~~أزمنتنا وأضعفتنا وصححتهم " ولا للأذلاء أن يقولوا " لم أذللتنا وأعززتهم " ~~ولا لقباح الصور أن يقولوا " لم قبحتنا وجملتهم " بل إن قالوا ذلك كانوا ~~على ربهم رادين وله في أحكامه منازعين وبه كافرين، ولكان جوابه لهم: أنا ~~الملك الخافض الرافع المغني المفقر المعز المذل المصحح المسقم وأنتم العبيد ~~ليس لكم إلا التسليم لي والانقياد لحكمي، فإن سلمتم كنتم عبادا مؤمنين وإن ~~أبيتم كنتم بي كافرين وبعقوباتي من الهالكين. # ثم أنزل الله عليه: يا محمد " قل إنما أنا بشر مثلكم " يعني آكل الطعام " ~~ويوحى إلي إنما إلهكم إله واحد " (2) يعني قل لهم أنا في البشرية مثلكم ~~ولكن ms023 ربي خصني بالنبوة دونكم كما يخص بعض البشر بالغنى والصحة والجمال دون ~~بعض من البشر، فلا تنكروا أن يخصني أيضا بالنبوة [دونكم]. # ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: وأما قولك " هذا ملك الروم وملك ~~الفرس لا يبعثان رسولا إلا كثير المال عظيم الحال له قصور ودور وفساطيط ~~وخيام وعبيد وخدام ورب العالمين فوق هؤلاء كلهم فهم عبيده " فإن الله له ~~التدبير والحكم لا يفعل على ظنك وحسبانك ولا باقتراحك بل يفعل ما يشاء ~~ويحكم ما يريد وهو محمود، يا عبد الله إنما بعث الله نبيه ليعلم الناس ~~دينهم ويدعوهم إلى ربهم ويكد (3) # PageV01P029 # نفسه في ذلك آناء الليل ونهاره، فلو كان صاحب قصور يحتجب فيها وعبيد وخدم ~~يسترونه عن الناس أليس كانت الرسالة تضيع والأمور تتباطأ، أو ما ترى الملوك ~~إذا احتجوا كيف يجري الفساد والقبائح من حيث لا يعلمون به ولا يشعرون. # يا عبد الله إنما بعثني الله ولا مال لي ليعرفكم قدرته وقوته وأنه هو ~~الناصر لرسوله ولا تقدرون على قتله ولا منعه في رسالاته، فهذا بين في قدرته ~~وفي عجزكم وسوف يظفرني الله بكم فأسعكم قتلا وأسرا، ثم يظفرني الله ببلادكم ~~ويستولي عليها المؤمنون من دونكم ودون من يوافقكم على دينكم. # ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: وأما قولك لي: " لو كنت نبيا لكان ~~معك ملك صدقك ونشاهده، بل لو أراد الله أن يبعث إلينا نبيا لكان إنما يبعث ~~ملكا لا بشرا مثلنا " فالملك لا تشاهده حواسكم لأنه من جنس هذا الهواء ~~لأعيان منه، ولو شاهدتموه - بأن يزاد في قوى أبصاركم - لقلتم ليس هذا ملكا ~~بل هذا بشر، لأنه إنما كان يظهر لكم صورة البشر الذي ألفتموه لتفهموا عنه ~~مقالته وتعرفوا خطابه ومراده، فكيف كنتم تعلمون صدق الملك وأن ما يقوله حق، ~~بل إنما بعث الله بشرا وأظهر على يده المعجزات التي ليست في طبائع البشر ~~الذين قد علمتم ضمائر قلوبهم فتعلمون بعجزكم عما جاء به أنه معجزة وأن ذلك ~~شهادة من الله بالصدق ms024 له، ولو ظهر لكم ملك وظهر على يده ما [تعجزون عنه و] ~~يعجز عنه [جميع] البشر لم يكن في ذلك ما يدلكم أن ذلك ليس في طبائع سائر ~~أجناسه من الملائكة حتى يصير ذلك معجزا، ألا ترون أن الطيور التي تطير ليس ~~ذلك منها بمعجز لأن لها أجناسا يقع منها مثل طيرانها، ولو أن آدميا طار ~~كطيرانها كان ذلك معجزا، فإن الله عز وجل سهل عليكم الأمر وجعله بحيث تقوم ~~عليكم حجته وأنتم تقترحون عمل الصعب الذي لا حجة فيه. # ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: وأما قولك " ما أنت إلا رجل مسحور ~~" فكيف أكون كذلك وقد تعلمون أني في صحة التميز والعقل فوقكم، فهل جربتم ~~علي PageV01P030 # منذ نشأت إلى أن استكملت أربعين سنة خزية (1) أو زلة أو كذبة أو خيانة أو ~~خطأ من القول أو سفها من الرأي، أتظنون أن رجلا يعتصم طول هذه المدة بحول ~~نفسه وقوتها أو بحول الله وقوته، وذلك ما قال الله " انظر كيف ضربوا لك ~~الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا " إلى أن يثبتوا عليك عمى بحجة أكثر من ~~دعاويهم الباطلة التي تبين عليك تحصيل بطلانها. # ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: وأما قولك " لولا نزل هذا القرآن ~~على رجل من القريتين عظيم الوليد بن المغيرة بمكة أو عروة [بن مسعود ~~الثقفي] بالطائف " فإن الله ليس يستعظم مال الدنيا كما تستعظمه أنت ولا خطر ~~له عنده كما له عندك بل لو كانت الدنيا عنده تعدل جناح بعوضة لما سقى كافرا ~~به مخالفا له شربة ماء وليس قسمة الله إليك بل الله هو القاسم للرحمات ~~والفاعل لما يشاء في عبيده وإمائه وليس هو عز وجل ممن يخاف أحد كما تخافه ~~أنت لما له وحاله فعرفته بالنبوة لذلك ولا ممن يطمع في أحد في ماله أو في ~~حاله كما تطمع أنت فتخصه بالنبوة لذلك، ولا ممن يحب أحدا محبة الهواء كما ~~تحب أنت فتقدم من لا يستحق التقديم وإنما معاملته بالعدل، فلا يؤثر ms025 إلا ~~بالعدل لأفضل مراتب الدين وجلاله إلا الأفضل في طاعته والأجد في خدمته، ~~وكذلك لا يؤخر في مراتب الدين وجلاله إلا أشدهم تباطأ عن طاعته، وإذا كان ~~هذا صفته لم ينظر إلى مال ولا إلى حال بل هذا المال والحال من تفضله، وليس ~~لأحد من عباده عليه ضريبة لازب (2)، فلا يقال له إذا تفضلت بالمال على عبد ~~فلا بد أن تتفضل عليه بالنبوة أيضا لأنه ليس لأحد إكراهه على خلاف مراده ~~ولا إلزامه تفضلا لأنه تفضل قبله بنعمه. # ألا تري يا عبد الله كيف أغني واحدا وقبح صورته، وكيف حسن صورة واحد ~~وأفقره، وكيف شرف واحدا وأفقره، وكيف أغنى واحدا ووضعه. ثم ليس لهذا الغني ~~أن يقول " هلا أضيف إلى يساري جمال فلان " ولا للجميل أن # PageV01P031 # يقول " هلا أضيف إلى جمالي مال فلان "، ولا للشريف أن يقول " هلا أضيف ~~إلى شرفي مال فلان " ولا للوضيع أن يقول " هلا أضيف إلى ضعتي شرف فلان "، ~~ولكن الحكم لله يقسم كيف يشاء ويفعل كما يشاء، وهو حكيم في أفعاله محمود في ~~أعماله وذلك قوله تعالى: " وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين ~~عظيم " قال الله تعالى " أهم يقسمون رحمة ربك " يا محمد " نحن قسمنا بينهم ~~معيشتهم في الحياة الدنيا " (1) فأحوجنا بعضا إلى بعض، أحوج هذا إلى مال ~~ذلك، وأحوج ذلك إلى سلعة هذا وإلى خدمته. فترى أجل الملوك وأغنى الأغنياء ~~محتاجا إلى أفقر الفقراء في ضرب من الضروب: إما سلعة معه ليست معه، وإما ~~خدمة يصلح لها لا يتهيأ لذلك الملك أن يستغني إلا به، وإما باب من العلوم ~~والحكم هو فقير إلى أن يستفيدها من هذا الفقير، فهذا الفقير يحتاج إلى مال ~~ذلك الملك الغني، وذلك الملك يحتاج إلى علم هذا الفقير أو رأيه أو معرفته. # ثم ليس للملك أن يقول هلا اجتمع إلى مالي علم هذا الفقير، ولا للفقير أن ~~يقول هلا اجتمع على رأيي وعلمي وما أتصرف فيه من فنون الحكمة مال هذا الملك ~~الغني. ثم قال الله: ms026 " ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ~~" ثم قال: يا محمد قل لهم " ورحمة ربك خير مما يجمعون " (2) أي ما يجمعه ~~هؤلاء من أموال الدنيا. # ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: وأما قولك " لن نؤمن لك حتى تفجر ~~لنا من الأرض ينبوعا " إلى آخر قلته، فإنك قد اقترحت على محمد رسول الله ~~أشياء: منها ما لو جاءك به لم يكن برهانا لنبوته ورسول الله صلى الله عليه ~~وآله يرتفع عن أن يغتنم جهل الجاهلين ويحتج عليهم بما لا حجة فيه، ومنها ما ~~لو جاءك به كان معه هلاكك، وإنما يؤتى بالحجج والبراهين ليلزم عباد الله ~~الإيمان بها لا ليهلكوا بها، فإنما اقترحت هلاكك ورب العالمين أرحم بعباده ~~وأعلم بمصالحهم من أن يهلكهم كما تقترحون، ومنها المحال الذي لا يصح ولا ~~يجوز كونه ورسول رب العالمين يعرفك ذلك ويقطع # PageV01P032 # معاذيرك ويضيق عليك سبيل مخالفته، ويلجئك بحجج الله إلى تصديقه حتى لا ~~يكون لك عنه محيد ولا محيص، ومنها ما قد اعترفت على نفسك أنك فيه معاند ~~متمرد لا تقبل حجة ولا تصغي إلى برهان، ومن كان كذلك فدواؤه عذاب الله ~~النازل من سمائه أو في جحيمه أو بسيوف أوليائه. # فأما قولك يا عبد الله " لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا بمكة ~~هذه فإنها ذات أحجار وصخور وجبال تكسح أرضها وتحفرها وتجري فيها العيون ~~فإننا إلى ذلك محتاجون " فإنك سألت هذا وأنت جاهل بدلائل الله. يا عبد الله ~~أرأيت لو فعلت هذا أكنت من أجل هذا نبيا؟ قال: لا. قال رسول الله: أرأيت ~~الطائف التي لك فيها بساتين أما كان هناك مواضع فاسدة صعبة أصلحتها وذللتها ~~وكسحتها وأجريت فيها عيونا استنبطتها؟ قال: بلى. قال: وهل لك في هذا نظراء؟ ~~قال: بلى. قال: فصرت أنت وهم بذلك أنبياء؟ قال: لا. قال: # فكذلك لا يصير هذا حجة لمحمد لو فعله على نبوته، فما هو إلا كقولك: لن ~~نؤمن لك حتى تقوم وتمشي على الأرض كما يمشي الناس ms027 أو حتى تأكل الطعام كما ~~يأكل الناس. # وأما قولك يا عبد الله " أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتأكل منها وتطعمنا ~~وتفجر الأنهار خلالها تفجيرا " أوليس لك ولأصحابك جنات من نخيل وعنب ~~بالطائف تأكلون وتطعمون منها وتفجرون الأنهار خلالها تفجيرا، أفصرتم أنبياء ~~بهذا؟ قال: لا. قال: فما بال اقتراحكم على رسول الله صلى الله عليه وآله ~~أشياء لو كانت كما تقترحون لما دلت على صدقه، بل لو تعاطاها لدل تعاطيها ~~على كذبه لأنه يحتج بما لا حجة فيه ويختدع الضعفاء عن عقولهم وأديانهم، ~~ورسول رب العالمين يجل ويرتفع عن هذا. # ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا عبد الله وأما قولك " أو تسقط ~~السماء كما زعمت علينا كسفا " فإنك قلت وإن يروا كسفا من السماء ساقطا ~~يقولوا سحاب مركوم، فإن في سقوط السماء عليكم هلاككم وموتكم، فإنما تريد ~~بهذا من PageV01P033 # رسول الله صلى الله عليه وآله أن يهلكك ورسول رب العالمين أرحم من ذلك، ~~لا يهلكك ولكنه يقيم عليك حجج الله، وليس حجج الله لنبيه وحده على حسب ~~اقتراح عباده، لأن العباد جهال بما يجوز من الصلاح وما لا يجوز منه من ~~الفساد، وقد يختلف اقتراحهم ويتضاد حتى يستحيل وقوعه، والله عز وجل طبيبكم ~~لا يجري تدبيره على ما يلزم به المحال. # ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: وهل رأيت يا عبد الله طبيبا كان ~~دواؤه للمرضى على حسب اقتراحهم، وإنما يفعل به ما يعلم صلاحه فيه أحبه ~~العليل أو كرهه، فأنتم المرضى والله طبيبكم، فإن انقدتم لدوائه شفاكم وإن ~~تمردتم عليه أسقمكم. # وبعد فمتى رأيت يا عبد الله مدعي حق من قبل رجل أوجب عليه حاكم من حكامهم ~~فيما مضى بينة على دعواه على حسب اقتراح المدعى عليه، إذا ما كان يثبت لأحد ~~على أحد دعوى ولاحق، ولا كان بين ظالم ومظلوم ولا بين صادق وكاذب فرق. # ثم قال رسول الله: يا عبد الله وأما قولك " أو تأتي بالله والملائكة ~~قبيلا يقابلوننا ونعاينهم " فإن ms028 هذا من المحال الذي لا خفاء به، وأن ربنا ~~عز وجل ليس كالمخلوقين يجيء ويذهب ويتحرك ويقابل شيئا حتى يؤتى به، فقد ~~سألتم بهذا المحال، وإنما هذا الذي دعوت إليه صفة أصنامكم الضعيفة المنقوصة ~~التي لا تسمع ولا تبصر ولا تعلم ولا تغني عنكم شيئا ولا عن أحد. # يا عبد الله أوليس لك ضياع وجنان بالطائف وعقار بمكة وقوام عليها؟ # قال: بلى. قال أفتشاهد جميع أحوالها بنفسك أو بسفراء بينك وبين معامليك؟ # قال: بسفراء. قال: أرأيت لو قال معاملوك وأكرتك (1) وخدمك لسفرائك لا ~~نصدقكم في هذه السفارة إلا أن تأتونا بعبد الله بن أبي أمية لنشاهده فنسمع ~~ما تقولون عنه شفاها، كنت تسوغهم هذا أو كان يجوز لهم عندك ذلك؟ قال: لا. # قال: فما الذي يجب على سفرائك أليس أن يأتوهم عنك بعلامة صحيحة تدلهم # PageV01P034 # على صدقهم يجب عليهم أن يصدقوهم؟ قال: بلى. قال: يا عبد الله أرأيت سفيرك ~~لو أنه لما سمع منهم هذا عاد إليك وقال لك قم معي فإنهم قد اقترحوا على ~~مجيئك معي أليس يكون هذا لك مخالفا وتقول له إنما أنت رسول لا مشير ولا ~~آمر؟ # قال: بلى. قال: فكيف صرت تقترح على رسول رب العالمين ما لا تسوغ لأكرتك ~~ومعامليك أن يقترحوه على رسولك إليهم، وكيف أردت من رسول رب العالمين أن ~~يستذم إلى ربه بأن يأمر عليه وينهى وأنت لا تسوغ مثل هذا على رسولك إلى ~~أكرتك وقوامك، هذه حجة قاطعة لإبطال جميع ما ذكرته في كل ما اقترحته يا عبد ~~الله. # وأما قولك يا عبد الله " أو يكون لك بيت من زخرف - وهو الذهب - " أما ~~بلغك أن لعظيم مصر بيوتا من زخرف؟ قال: بلى. قال: أفصار بذلك نبيا؟ # قال: لا. قال: فكذلك لا يوجب لمحمد صلى الله عليه وآله نبوة لو كان له ~~بيوت، ومحمد لا يغتنم جهلك بحجج الله. # وأما قولك يا عبد الله " أو ترقى في السماء " ثم قلت " ولن نؤمن لرقيك ~~حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه " يا عبد الله ms029 الصعود إلى السماء أصعب من ~~النزول عنها، وإذا اعترفت على نفسك أنك لا تؤمن إذا صعدت فكذلك حكم النزول، ~~ثم قلت " حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه من بعد ذلك ثم لا أدري أؤمن بك أو لا ~~أؤمن بك " فأنت يا عبد الله مقر بأنك تعاند حجة الله عليك، فلا دواء لك إلا ~~تأديبه لك على يد أوليائه من البشر أو ملائكته الزبانية، وقد أنزل الله علي ~~حكمة بالغة جامعة لبطلان كل ما اقترحته فقال عز وجل: " قل " يا محمد " ~~سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا " (1) ما أبعد ربي عن أن يفعل الأشياء على ~~ما يقترحه الجهال مما يجوز ومما لا يجوز، وهل كنت إلا بشرا رسولا لا يلزمني ~~إلا إقامة حجة الله التي أعطاني، وليس لي أن آمر على ربي ولا أنهى ولا أشير ~~فأكون كالرسول الذي بعثه ملك إلى قوم من مخالفيه فرجع إليه يأمره أن يفعل ~~بهم ما اقترحوه عليه. # PageV01P035 # فقال أبو جهل: يا محمد هاهنا واحدة ألست زعمت أن قوم موسى احترقوا ~~بالصاعقة لما سألوه أن يريهم الله جهرة؟ قال: بلى. قال: فلو كنت نبيا ~~لاحترقنا نحن أيضا، فقد سألنا أشد مما سأل قوم موسى، لأنهم كما زعمت قالوا ~~" أرنا الله جهرة " ونحن نقول: لن نؤمن لك حتى تأتي بالله والملائكة قبيلا ~~نعاينهم. # فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا أبا جهل أما علمت قصة إبراهيم ~~الخليل لما رفع في الملكوت، وذلك قول ربي. " وكذلك نري إبراهيم ملكوت ~~السماوات والأرض وليكون من الموقنين " (1) قوي الله بصره لما رفعه دون ~~السماء حتى أبصر الأرض ومن عليها ظاهرين ومستترين، فرأى رجلا وامرأة على ~~فاحشة فدعا عليهما بالهلاك فهلكا، ثم رأى آخرين فدعا عليهما بالهلاك فهلكا، ~~ثم رأى آخرين فدعا عليهما بالهلاك فهلكا، ثم رأى آخرين فهم بالدعاء عليهما ~~فأوحى الله إليه: يا إبراهيم اكفف دعوتك عن عبادي وإمائي فإني أنا الغفور ~~الرحيم الجبار الحليم لا يضرني ذنوب عبادي كما لا تنفعني طاعتهم، ولست ~~أسوسهم بشفاء الغيظ كسياستك، ms030 فاكفف دعوتك عن عبادي وإمائي فإنما أنت عبد ~~نذير لا شريك في الملك ولا مهيمن علي ولا عبادي، وعبادي معي بين خلال ثلاث: ~~إما تابوا إلي فتبت عليهم وغفرت ذنوبهم وسترت عيوبهم، وإما كففت عنهم عذابي ~~لعلمي بأنه سيخرج من أصلابهم ذريات مؤمنون فارفق بالآباء الكافرين وأتأني ~~بالأمهات الكافرات وارفع عنهم عذابي ليخرج ذلك المؤمن من أصلابهم فإذا ~~تزايلوا حل بهم عذابي وحاق بهم بلائي، وإن لم يكن هذا ولا هذا فإن الذي ~~أعددته لهم من عذابي أعظم مما تريده بهم، فإن عذابي لعبادي على حسب جلالي ~~وكبريائي، يا إبراهيم خل بيني وبين عبادي فأنا أرحم بهم منك، وخل بيني وبين ~~عبادي فإني أنا الجبار الحليم العلام الحكيم أدبرهم بعلمي وأنفذ فيهم قضائي ~~وقدري. # ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا أبا جهل إنما دفع عنك العذاب ~~لعلمه بأنه سيخرج من صلبك ذرية طيبة عكرمة ابنك، وسيلي من أمور المسلمين ما ~~إن أطاع # PageV01P036 # الله ورسوله فيه كان عند الله جليلا وإلا فالعذاب نازل عليك، وكذلك سائر ~~قريش السائلين لما سألوا من هذا إنما أمهلوا لأن الله علم أن بعضهم سيؤمن ~~بمحمد وينال به السعادة، فهو لا يقطعه عن تلك السعادة ولا يبخل بها عليه، ~~أو من يولد منه مؤمن فهو ينظر أباه لإيصال ابنه إلى السعادة، ولولا ذلك ~~لنزل العذاب بكافتكم. فانظر إلى السماء، فنظر فإذا أبوابها مفتحة وإذا ~~النيران نازلة منها مسامتة لرؤوس القوم (1) تدنو منهم حتى وجدوا حرها بين ~~أكتافهم، فارتعدت فرائص (2) أبي جهل والجماعة، فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وآله: لاتروعنكم فإن الله لا يهلككم بها وإنما أظهرها عبرة. ثم نظروا ~~إلى السماء وإذا قد خرج من ظهور الجماعة أنوار قابلتها ورفعتها ودفعتها حتى ~~أعادتها في السماء كما جاءت منها، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن ~~بعض هذه الأنوار أنوار من قد علم الله أنه سيسعده بالإيمان بي منكم من بعد، ~~وبعضها أنوار ذرية طيبة ستخرج من بعضكم ممن لا يؤمن وهم ms031 يؤمنون. # وعن أبي محمد الحسن العسكري عليه السلام أنه قال: قيل لأمير المؤمنين يا ~~أمير المؤمنين هل كان لمحمد صلى الله عليه وآله آية مثل آية موسى في رفعه ~~الجبل فوق رؤوس الممتنعين عن قبول ما أمروا به؟ فقال أمير المؤمنين عليه ~~السلام: أي والذي بعثه الله بالحق نبيا ما من آية كانت لأحد من الأنبياء من ~~لدن آدم إلى أن انتهى إلى محمد صلى الله عليه وآله إلا وقد كان لمحمد مثلها ~~أو أفضل منها، ولقد كان لرسول الله صلى الله عليه وآله نظير هذه الآية إلى ~~آيات آخر ظهرت له، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وآله لما أظهر بمكة ~~دعوته وأبان عن الله تعالى مراده رمته العرب عن قسي عداوتها بضروب مكائدهم، ~~ولقد قصدته يوما لأني كنت أول الناس إسلاما، بعث يوم الاثنين وصليت معه يوم ~~الثلاثاء، وبقيت معه أصلي سبع سنين حتى دخل نفر في الإسلام وأيد الله تعالى ~~دينه من بعد، فجاء قوم من المشركين فقالوا له: يا محمد تزعم # PageV01P037 # أنك رسول رب العالمين، ثم إنك لا ترضى بذلك حتى تزعم أنك سيدهم وأفضلهم، ~~فلئن كنت نبيا فأتنا بآية كما تذكره من الأنبياء قبلك: مثل نوح الذي جاء ~~بالغرق ونجا في سفينته مع المؤمنين، وإبراهيم الذي ذكرت أن النار جعلت عليه ~~بردا وسلاما، وموسى الذي زعمت أن الجبل رفع فوق رؤوس أصحابه حتى انقادوا ~~لما دعاهم إليه صاغرين داخرين، وعيسى الذي كان ينبئهم بما يأكلون وما ~~يدخرون في بيوتهم. وصار هؤلاء المشركين فرقا أربعة: هذه تقول أظهر لنا آية ~~نوح، وهذه تقول أظهر لنا آية موسى، وهذه تقول أظهر لنا آية إبراهيم، وهذه ~~تقول أظهر لنا آية عيسى. # فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: إنما أنا نذير [وبشير] مبين أتيتكم ~~بآية مبينة هذا القرآن الذي تعجزون أنتم والأمم وسائر العرب عن معارضته وهو ~~بلغتكم، فهو حجة بينة عليكم، وما بعد ذلك فليس لي الاقتراح على ربي وما على ~~الرسول إلا البلاغ المبين إلى ms032 المقرين بحجة صدقه وآية حقه، وليس عليه أن ~~يقترح بعد قيام الحجة على ربه ما يقترحه عليه المقترحون الذين لا يعلمون هل ~~الصلاح أو الفساد فيما يقترحون. # فجاء جبرئيل فقال: يا محمد إن العلي الأعلى يقرأ عليك السلام ويقول لك: ~~إني سأظهر لهم هذه الآيات وإنهم يكفرون بها إلا من أعصمه منهم، ولكني أريهم ~~ذلك زيادة في الإعذار والإيضاح لحججك، فقل لهؤلاء المقترحين لآية نوح عليه ~~السلام: امضوا إلى جبل أبي قبيس، فإذا بلغتم سفحه فسترون آية نوح، فإذا ~~غشيكم الهلاك فاعتصموا بهذا وبطفلين يكونان بين يديه. وقل للفريق الثاني ~~المقترحين لآية إبراهيم عليه السلام امضوا إلى حيث تريدون من ظاهر مكة، ~~فسترون آية إبراهيم في النار، فإذا غشيكم النار فسترون في الهواء امرأة قد ~~أرسلت طرف خمارها فتعلقوا به لتنجيكم من الهلكة وترد عنكم النار. وقل ~~للفريق الثالث [المقترحين لآية موسى: امضوا إلى ظل الكعبة] فسترون آية ~~موسى، وسينجيكم هناك عمي حمزة. وقل للفريق الرابع ورئيسهم أبو جهل: ~~PageV01P038 # وأنت يا أبا جهل فاثبت عندي ليتصل بك أخبار هؤلاء الفرق الثلاث، فإن ~~الآية التي اقترحتها تكون بحضرتي. # فقال أبو جهل للفرق الثلاث: قوموا فتفرقوا ليتبين لكم باطل قول محمد صلى ~~الله عليه وآله، فذهب الفريق الأول إلى جبل أبي قبيس والثاني إلى صحراء ~~ملساء والثالث إلى ظل الكعبة ورأوا ما وعدهم الله ورجعوا إلى النبي صلى ~~الله عليه وآله مؤمنين، وكلما رجع فريق منهم إليه وأخبروه بما شاهدوا ألزمه ~~رسول الله صلى الله عليه وآله الإيمان بالله فاستمهل أبو جهل إلى أن يجيء ~~الفريق الآخر حسب ما أوردناه في الكتاب الموسوم بمفاخر الفاطمية تركنا ذكره ~~هاهنا طلبا للايجاز والاختصار. # قال أمير المؤمنين عليه السلام: فلما جاءت الفرقة الثالثة وأخبروا بما ~~شاهدوا عيانا وهم مؤمنين بالله وبرسوله قال رسول الله صلى الله عليه وآله ~~لأبي جهل: # هذه الفرقة الثالثة قد جاءتك وأخبرتك بما شاهدت. فقال أبو جهل: لا أدري ~~أصدق هؤلاء أم كذبوا أم حقق لهم ذلك أم خيل إليهم، فإن ms033 رأيت أنا ما اقترحته ~~عليك من نحو آيات عيسى بن مريم فقد لزمني الإيمان بك وإلا فليس يلزمني ~~تصديق هؤلاء على كثرتهم. # فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا أبا جهل فإن كان لا يلزمك تصديق ~~هؤلاء على كثرتهم وشدة تحصيلهم فكيف تصدق بمآثر آبائك وأجدادك ومساوئ أسلاف ~~أعدائك، وكيف تصدق على الصين والعراق والشام إذا حدثت عنها، وهل المخبرون ~~عن ذلك إلا دون هؤلاء المخبرين لك عن هذه الآيات مع سائر من شاهدها معهم من ~~الجمع الكثيف الذين لا يجتمعون على باطل يتخرصونه إلا إذا كان بإزائهم من ~~يكذبهم ويخبر بضد أخبارهم، ألا وكل فرقة محجوجون بما شاهدوا، وأنت يا أبا ~~جهل محجوج بما سمعت ممن شاهده. # ثم أخبره النبي صلى الله عليه وآله بما اقترح عليه من آيات عيسى من أكله ~~لما أكل وادخاره في بيته لما ادخر من دجاجة مشوية وإحياء الله تعالى إياها ~~وإنطاقها بما فعل بها أبو جهل وغير ذلك على ما جاء به في هذا الخبر، فلم ~~يصدقه أبو جهل PageV01P039 # في ذلك كله بل كان يكذبه وينكر جميع ما كان النبي صلى الله عليه وآله ~~يخبره به من ذلك، إلى أن قال النبي لأبي جهل: أما كفاك ما شاهدت أم تكون ~~آمنا من عذاب الله. # قال أبو جهل: إني لأظن أن هذا تخييل وإيهام. فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وآله: فهل تفرق بين مشاهدتك لها وسماعك لكلامها - يعني الدجاجة ~~المشوية التي أنطقها الله له - وبين مشاهدتك لنفسك ولسائر قريش والعرب ~~وسماعك كلامهم؟ قال أبو جهل: لا. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: فما ~~يدريك إذا أن جميع ما تشاهد وتحس بحواسك تخييل. قال أبو جهل: ما هو تخييل. ~~قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ولا هذا تخييل، وإلا فكيف تصحح أنك ترى ~~في العالم شيئا أوثق منه - تمام الخبر. # " رسالة لأبي جهل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله لما هاجر إلى المدينة ~~والجواب عنها بالرواية عن أبي محمد الحسن ms034 العسكري عليه السلام " وهي أن ~~قال: يا محمد إن الخيوط التي في رأسك هي التي ضيقت عليك مكة ورمت بك إلى ~~يثرب، وإنها لا تزال بك تنفرك وتحثك على ما يفسدك ويتلفك إلى أن تفسدها على ~~أهلها وتصليهم حر نار جهنم وتعديك طورك، وما أرى ذلك إلا وسيؤول إلى أن ~~تثور عليك قريش ثورة رجل واحد لقصد آثارك ودفع ضرك وبلائك، فتلقاهم بسفهائك ~~المغترين بك ويساعدك على ذلك من هو كافر بك مبغض لك، فيلجئه إلى مساعدتك ~~ومظافرتك خوفه لأن لا يهلك بهلاكك ويعطب عياله بعطبك ويفتقر هو ومن يليه ~~بفقرك وبفقر شيعتك، إذ يعتقدون أن أعداءك إذا قهروك ودخلوا ديارهم عنوة لم ~~يفرقوا بين من والاك وعاداك، واصطلموهم (1) باصطلامهم لك وأتوا على ~~عيالاتهم وأموالهم بالسبي والنهب كما يأتون على أموالك وعيالك، وقد أعذر من ~~أنذر وبالغ من أوضح. # PageV01P040 # وأديت هذه الرسالة إلى محمد وهو بظاهر المدينة بحضرة كافة أصحابه وعامة ~~الكفار من يهود بني إسرائيل، وهكذا أمر الرسول ليجبن المؤمنين ويغري ~~بالوثوب عليه سائر من هناك من الكافرين. # فقال رسول الله صلى الله عليه وآله للرسول: قد أطريت مقالتك واستكملت ~~رسالتك؟ قال: بلى. قال: فاسمع الجواب، إن أبا جهل بالمكاره والعطب يتهددني ~~ورب العالمين بالنصر والظفر يعدني، وخبر الله أصدق والقبول من الله أحق، لن ~~يضر محمدا من خذله أو يغضب عليه بعد أن ينصره الله ويتفضل بجوده وكرمه ~~عليه، قل له: يا أبا جهل إنك واصلتني بما ألقاه في خلدك الشيطان، وأنا ~~أجيبك بما ألقاه في خاطري الرحمن، إن الحرب بيننا وبينك كائنة إلى تسع ~~وعشرين يوما، وإن الله سيقتلك فيها بأضعف أصحابي، وستلقى أنت وشيبة وعتبة ~~والوليد وفلان وفلان - وذكر عددا من قريش - في قليب بدر مقتولين أقتل منكم ~~سبعين وآسر منكم سبعين وأحملهم على الفداء الثقيل. # ثم نادى جماعة من بحضرته من المؤمنين واليهود وسائر الاخلاط: ألا تحبون ~~أن أريكم [مصارع هؤلاء المذكورين و] مصرح كل واحد منهم [قالوا: # بلى. قال:] هلموا إلى بدر فإن هناك ms035 الملتقى والمحشر وهناك البلاء الأكبر ~~لأضع قدمي على مواضع مصارعهم، ثم ستجدونها لا تزيد ولا تنقص ولا تتغير ولا ~~تتقدم ولا تتأخر لحظة ولا قليلا ولا كثيرا فلم يخف ذلك على أحد منهم ولم ~~يجبه إلا علي بن أبي طالب عليه السلام وحده قال: نعم بسم الله. فقال ~~الباقون: نحن نحتاج إلى مركوب وآلات ونفقات ولا يمكننا الخروج إلى هناك وهو ~~مسيرة أيام. # فقال رسول الله صلى الله عليه وآله لسائر اليهود: فأنتم ماذا تقولون؟ # فقالوا: نحن نريد أن نستقر في بيوتنا ولا حاجة لنا في مشاهدة ما أنت في ~~ادعائه محيل (1) فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا نصب لكم في المسير ~~إلى هناك اخطوا خطوة واحدة فإن الله يطوي الأرض لكم ويوصلكم في الخطوة ~~الثانية إلى # PageV01P041 # هناك. قال المسلمون: صدق رسول الله صلى الله عليه وآله فلنشرف بهذه ~~الآية، وقال الكافرون والمنافقون: سوف نمتحن هذا الكذاب لينقطع عذر محمد ~~ويصير دعواه حجة عليه وفاضحة له في كذبه. # قال: فخطا القوم خطوة ثم الثانية فإذا هم عند بئر بدر، فتعجبوا فجاء رسول ~~الله صلى الله عليه وآله فقال: اجعلوا البئر العلامة واذرعوا من عندها كذا ~~ذراع، فذرعوا فلما انتهوا إلى آخرها قال: هذا مصرع أبي جهل يجرحه فلان ~~الأنصاري ويجهز عليه عبد الله بن مسعود أضعف أصحابي. # ثم قال: اذرعوا من البئر من جانب آخر ثم من جانب آخر ثم من جانب آخر كذا ~~وكذا ذراعا وذراعا وذكر أعداد الأذرع مختلفة، فلما انتهى كل عدد إلى آخره ~~قال رسول الله صلى الله عليه وآله: هذا مصرع عتبة، وهذا مصرع شيبة، وذاك ~~مصرع الوليد، وسيقتل فلان وفلان إلى أن سمى سبعين منهم بأسمائهم [وأسماء ~~آبائهم]، وسيؤسر فلان وفلان إلى أن ذكر سبعين منهم بأسمائهم وأسماء آبائهم ~~وصفاتهم ونسب المنسوبين إلى أمهاتهم وآبائهم ونسب الموالي منهم إلى ~~مواليهم. # ثم قال صلى الله عليه وآله: أوقفتم على ما أخبرتكم به؟ قالوا: بلى. قال: # إن ذلك [من الله] لحق كائن بعد ثمانية ms036 وعشرين يوما في اليوم التاسع ~~والعشرين وعدا من الله مفعولا وقضاءا حتما لازما - تمام الخبر. # ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا معشر المسلمين واليهود اكتبوا ~~بما سمعتم. فقالوا: يا رسول الله قد سمعنا ووعينا ولا ننسى. فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وآله: الكتابة أذكر لكم. فقالوا: يا رسول الله فأين الدواة ~~والكتف؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: ذلك للملائكة. ثم قال: يا ~~ملائكة ربي اكتبوا ما سمعتم من هذه القصة في الكتاب واجعلوا في كم كل واحد ~~منهم كتفا من ذلك. # ثم قال: يا معشر المسلمين تأملوا أكمامكم وما فيها واخرجوها واقرأوها، ~~PageV01P042 # فتأملوها وإذا في كم كل واحد منهم صحيفة قرأوها وإذا فيها ذكر ما قاله ~~رسول الله صلى الله عليه وآله في ذلك سواء لا يزيد ولا ينقص ولا يتقدم ولا ~~يتأخر. فقال: # أغيضوها في أكمامكم تكن حجة عليكم وشرفا للمؤمنين منكم وحجة على أعدائكم ~~فكانت معهم، فلما كان يوم بدر جرت الأمور كلها ببدر كما قال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله لا يزيد ولا ينقص، قابلوها في كتبهم فوجدوها كما كتبها ~~الملائكة لا تزيد ولا تنقص ولا تتقدم ولا تتأخر، فقبل المسلمون ظاهرهم ~~ووكلوا باطنهم إلى خالقهم. # " احتجاجه صلى الله عليه وآله وسلم على اليهود في جواز نسخ الشرائع وفي ~~غير ذلك " قال أبو محمد الحسن العسكري عليه السلام: لما كان رسول الله صلى ~~الله عليه وآله بمكة أمره الله تعالى أن يتوجه نحو بيت المقدس في صلاته ~~ويجعل الكعبة بينه وبينها إذا أمكن وإذا لم يمكن استقبل بيت المقدس كيف ~~كان، فكان رسول الله صلى الله عليه وآله يفعل ذلك طول مقامه بها ثلاث عشرة ~~سنة، فلما كان بالمدينة وكان متعبدا باستقبال بيت المقدس استقبله وانحرف عن ~~الكعبة سبعة عشر شهرا أو ستة عشر شهرا، وجعل قوم من مردة اليهود يقولون: ~~والله ما درى محمد كيف يصلي حتى صار يتوجه إلى قبلتنا ويأخذ في صلاته ~~بهدينا ونسكنا، فاشتد ذلك على ms037 رسول الله صلى الله عليه وآله لما اتصل به ~~عنهم وكره قبلتهم وأحب الكعبة فجاءه جبرئيل عليه السلام فقال له رسول الله ~~صلى الله عليه وآله: يا جبرئيل لوددت لو صرفني الله عن بيت المقدس إلى ~~الكعبة فقد تأذيت بما يتصل بي من قبل اليهود من قبلتهم. فقال جبرئيل عليه ~~السلام: فاسأل ربك أن يحولك إليها فإنه لا يردك عن طلبتك ولا يخيبك من ~~بغيتك، فلما استتم؟؟ # دعاءه صعد جبرئيل ثم عاد من ساعته فقال: اقرأ يا محمد " قد نرى تقلب وجهك ~~في السماء فلنولينك قبلة ترضيها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم ~~فولوا وجوهكم شطره " (1) الآيات. # PageV01P043 # فقال اليهود عند ذلك: ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها؟ فأجابهم الله ~~أحسن جواب فقال " قل لله المشرق والمغرب " وهو يملكهما وتكليفه التحويل إلى ~~جانب كتحويله لكم إلى جانب آخر " يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم " (1) وهو ~~أعلم بمصلحتهم وتؤديهم طاعتهم إلى جنات النعيم. # قال أبو محمد عليه السلام: وجاء قوم من اليهود إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وآله فقالوا: # يا محمد هذه القبلة بيت المقدس قد صليت إليها أربعة عشر سنة ثم تركتها ~~الآن، أفحقا كان ما كنت عليه فقد تركته إلى باطل فإن ما يخالف الحق باطل، ~~أو باطلا كان ذلك فقد كنت عليه طول هذه المدة فما يؤمننا أن تكون الآن على ~~باطل؟ # فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: بل ذلك كان حقا وهذا حق، يقول الله " ~~قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم " إذا عرف صلاحكم أيها ~~العباد في استقبالكم المشرق أمركم به، وإذا عرف صلاحكم في استقبال المغرب ~~أمركم به، وإن عرف صلاحكم في غيرهما أمركم به، فلا تنكروا تدبير الله في ~~عباده وقصده إلى مصالحكم. # ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لقد تركتم العمل يوم السبت ثم ~~عملتم بعده سائر الأيام، ثم تركتموه في السبت ثم عملتم بعده، أفتركتم الحق ~~إلى الباطل أو الباطل إلى الحق أو ms038 الباطل إلى الباطل أو الحق إلى الحق؟ ~~قولوا كيف شئتم فهو قول محمد وجوابه لكم. قالوا: بل ترك العمل في السبت حق ~~والعمل بعده حق. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: فكذلك قبلة بيت المقدس ~~في وقته حق ثم قبلة الكعبة في وقته حق. # فقالوا له: يا محمد أفبدا لربك فيما كان أمرك به بزعمك من الصلاة إلى بيت ~~المقدس حتى نقلك إلى الكعبة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: ما بدا له ~~عن ذلك فإنه العالم بالعواقب والقادر على المصالح لا يستدرك على نفسه غلطا ~~ولا يستحدث رأيا بخلاف المتقدم جل عن ذلك، ولا يقع عليه أيضا مانع يمنعه من ~~مرادة، وليس يبدو # PageV01P044 # إلا لمن كان هذا وصفه، وهو عز وجل يتعالى عن هذه الصفات علوا كبيرا. # ثم قال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله: أيها اليهود أخبروني عن الله ~~أليس يمرض ثم يصح ويصح ثم يمرض أبدا له في ذلك، أليس يحيي ويميت أبدا له في ~~كل واحد من ذلك؟ قالوا: لا. قال: فكذلك الله تعبد نبيه محمدا بالصلاة إلى ~~الكعبة بعد أن كان تعبده بالصلاة إلى بيت المقدس وما بدا له في الأول. # ثم قال: أليس الله يأتي بالشتاء في أثر الصيف والصيف في أثر الشتاء، أبدا ~~له في كل واحد من ذلك؟ قالوا: لا. قل: فكذلك لم يبدله في القبلة. # قال: ثم قال أليس قد ألزمكم في الشتاء أن تحترزوا من البرد بالثياب ~~الغليظة، وألزمكم في الصيف أن تحترزوا من الحر، أفبدا له في الصيف حين ~~أمركم بخلاف ما كان أمركم به في الشتاء؟ قالوا: لا. # فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: فكذلكم الله تعبدكم في وقت لصلاح ~~يعلمه بشئ ثم تعبدكم في وقت آخر لصلاح يعلمه بشئ آخر فإذا أطعتم الله في ~~الحالتين استحققتم ثوابه، فأنزل الله تعالى " ولله المشرق والمغرب فأينما ~~تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم " (1) يعني إذا توجهتم بأمره فثم ~~الوجه الذي تقصدون منه الله وتأملون ms039 ثوابه. # ثم قال رسول الله: يا عباد الله أنتم كالمرضى والله رب العالمين كالطبيب، ~~فصلاح المرضى فيما يعمله الطبيب ويدبره به لا فيما يشتهيه المريض ويقترحه. # ألا فسلموا لله أمره تكونوا من الفائزين. # فقيل: يا بن رسول الله فلم أمر بالقبلة الأولى؟ فقال: لما قال الله تعالى ~~" وما جعلنا القبلة التي كنت عليها " وهي بيت المقدس " إلا لنعلم من يتبع ~~الرسول ممن ينقلب على عقبيه " (2) إلا لنعلم ذلك منه وجودا بعد أن علمناه ~~سيوجد، وذلك إن هوى أهل مكة كان في الكعبة فأراد الله أن يبين متبعي محمد ~~ممن خالفه باتباع القبلة التي كرهها ومحمد يأمر بها، ولما كان هوى أهل ~~المدينة # PageV01P045 # في بيت المقدس أمرهم بمخالفتها والتوجه إلى الكعبة ليبين من يوافق محمدا ~~فيما يكرهه، فهو مصدقه وموافقه. # ثم قال: " وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله " إن كان التوجه إلى ~~بيت المقدس في ذلك الوقت لكبيرة إلا على من يهدي الله، فعرف أن لله أن ~~يتعبد بخلاف ما يريده المرء ليبتلي طاعته في مخالفة هواه. # وقال أبو محمد عليه السلام: قال جابر بن عبد الله الأنصاري: سأل رسول ~~الله صلى الله عليه وآله عبد الله بن صوريا غلام يهودي أعور تزعم اليهود ~~أنه أعلم يهودي بكتاب الله وعلوم أنبيائه عن مسائل كثيرة يعنته فيها (1) ~~فأجابه عنها رسول الله صلى الله عليه وآله بما لم يجد إلى إنكار شئ منه ~~سبيلا. # فقال له: يا محمد من يأتيك بهذه الأخبار عن الله؟ قال: جبرئيل. قال: لو ~~كان غيره يأتيك بها لآمنت بك ولكن جبرئيل عدونا من بين الملائكة، فلو كان ~~ميكائيل أو غيره سوى جبرئيل يأتيك لآمنت بك. # فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: لم أتخذتم جبرئيل عدوا؟ قال: لأنه ~~ينزل البلاء والشدة على بني إسرائيل، ودفع دانيال عن قتل بخت نصر (2) حتى ~~قوى أمره وأهلك بني إسرائيل، وكذلك كل بأس وشدة لا ينزلها إلا جبرئيل، ~~وميكائيل يأتينا بالرحمة. # فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: ويحك أجهلت ms040 أمر الله وما ذنب جبرئيل ~~إلا أن أطاع الله فيما يريده بكم؟ أرأيتم ملك الموت هل هو عدوكم وقد وكله ~~الله بقبض أرواح الخلق، أرأيتم الآباء والأمهات إذا أوجروا الأولاد (3) ~~الدواء # PageV01P046 # الكريهة لمصالحهم أيجب أن يتخذهم أولادهم أعداء من أجل ذلك، لا ولكنكم ~~بالله جاهلون وعن حكمه غافلون. أشهد أن جبرئيل وميكائيل بأمر الله عاملان ~~وله مطيعان، وأنه لا يعادي أحدهما إلا من عادى الآخر، وأن من زعم أنه يحب ~~أحدهما ويبغض الآخر فقد كفر وكذب، وكذلك محمد رسول الله وعلي أخوان كما أن ~~جبرئيل وميكائيل إخوان فمن أحبهما فهو من أولياء الله ومن أبغضهما فهو من ~~أعداء الله، ومن أبغض أحدهما وزعم أنه يحب الآخر فقد كذب وهما منه بريئان ~~والله تعالى وملائكته وخيار خلقه منه برآء. # وقال أبو محمد عليه السلام: كان سبب نزول قوله تعالى: " قل من كان عدوا ~~لجبرئيل " الآيتين (1) ما كان من اليهود أعداء الله من قول سئ في جبرئيل ~~وميكائيل، ومن كان من أعداء الله النصاب من قول أسوأ منه في الله وفي ~~جبرئيل وميكائيل وسائر ملائكة الله، أما ما كان من النصاب فهو أن رسول الله ~~صلى الله عليه وآله لما كان لا يزال يقول في علي عليه السلام الفضائل التي ~~خصه الله عز وجل بها والشرف الذي نحله الله (2) تعالى وكان في كل ذلك يقول ~~أخبرني به جبرئيل عليه السلام عن الله، ويقول في بعض ذلك جبرئيل عن يمينه ~~وميكائيل عن يساره ويفتخر جبرئيل على ميكائيل في أنه عن يمين علي عليه ~~السلام الذي هو أفضل من اليسار كما يفتخر نديم ملك عظيم في الدنيا يجلسه ~~الملك عن يمينه على النديم الآخر الذي يجلسه على يساره، ويفتخران على ~~إسرافيل الذي خلفه بالخدمة وملك الموت الذي أقامه بالخدمة، وأن اليمين ~~واليسار أشرف من ذلك، كافتخار حاشية الملك على زيادة قرب محلهم من ملكهم. # وكان رسول الله صلى الله عليه وآله يقول في بعض أحاديثه: إن الملائكة ~~أشرفها عند الله أشدها لعلي بن أبي ms041 طالب عليه السلام حبا، وأنه قسم ~~الملائكة فيما بينها والذي شرف # PageV01P047 # عليا على جميع الورى بعد محمد المصطفى. ويقول مرة: إن ملائكة السماوات ~~والحجب ليشتاقون إلى رؤية علي بن أبي طالب عليه السلام كما تشتاق الوالدة ~~الشفيقة إلى ولدها البار الشفيق آخر من بقي عليها بعد عشرة دفنتهم، فكان ~~هؤلاء النصاب يقولون: إلى متى يقول محمد جبرئيل وميكائيل والملائكة كل ذلك ~~تفخيم لعلي وتعظيم لشأنه، ويقول الله تعالى لعلي خاص من دون سائر الخلق ~~برئنا من رب ومن ملائكة ومن جبرئيل ومن ميكائيل هم لعلي بعد محمد مفضلون ~~وبرئنا من رسل الله الذين هم لعلي بعد محمد مفضلون. # وأما ما قاله اليهود فهو إن اليهود أعداء الله، لما قدم رسول الله صلى ~~الله عليه وآله المدينة أتوه بعبد الله بن صوريا فقال: يا محمد كيف نومك ~~فإنا قد أخبرنا عن نوم النبي صلى الله عليه وآله الذي يأتي في آخر الزمان؟ ~~فقال: تنام عيني وقلبي يقظان. # قال: صدقت يا محمد. # ثم قال: فأخبرني يا محمد الولد يكون من الرجل أو المرأة؟ فقال النبي صلى ~~الله عليه وآله: أما العظام والعصب والعروق فمن الرجل وأما اللحم والدم ~~والشعر فمن المرأة. قال: صدقت يا محمد. # ثم قال: يا محمد فما بال الولد يشبه أعمامه ليس فيه من شبه أخواله شئ ~~ويشبه أخواله ليس فيه من شبه أعمامه شئ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله: أيهما علا ماؤه ماء صاحبه كان الشبه له. قال: صدقت يا محمد، فأخبرني ~~عمن لا يولد له ومن يولد له؟ فقال صلى الله عليه وآله: إذا مغرت النطفة لم ~~يولد له - أي إذا حمرت وكدرت - فإذا كانت صافية ولد له. # فقال: أخبرني عن ربك ما هو؟ فنزلت " قل هو الله أحد " إلى آخرها. # فقال ابن صوريا: صدقت خصلة بقيت لي إن قلتها آمنت بك واتبعتك: أي ملك ~~يأتيك بما تقوله عن الله؟ قال: جبرئيل. قال ابن صوريا: ذاك عدونا من بين ~~الملائكة ينزل بالقتل والشدة والحرب ورسولنا ms042 ميكائيل يأتي بالسرور والرخاء ~~فلو كان ميكائيل هو الذي يأتيك آمنا بك لأن ميكائيل كان مسدد ملكنا ~~PageV01P048 # وجبرئيل كان مهلك ملكنا، فهو عدونا لذلك. # فقال له سلمان الفارسي رضي الله عنه: وما بدء عداوته لكم؟ قال: نعم يا ~~سلمان عادانا مرارا كثيرة، وكان من أشد ذلك علينا أن الله أنزل على أنبيائه ~~أن بيت المقدس يخرب على يد رجل يقال (بخت نصر) وفي زمانه، وأخبرنا بالحين ~~الذي يخرب فيه، والله يحدث الأمر بعد الأمر فيمحو ما يشاء ويثبت، فلما ~~بلغنا ذلك الخبر الذي يكون فيه هلاك بيت المقدس بعث أوائلنا رجلا من أقوياء ~~بني إسرائيل وأفاضلهم نبيا كان يعد من أنبيائهم يقال له (دانيال) في طلب ~~بخت نصر، ليقتله فحمل معه وقر مال (1) لينفقه في ذلك، فلما انطلق في طلبه ~~لقيه ببابل غلاما ضعيفا مسكينا ليس له قوة ولا منعة، فأخذه صاحبنا ليقتله ~~فدفع عنه جبرائيل وقال لصاحبنا: إن كان ربكم هو الذي أمر بهلاككم فإن الله ~~لا يسلطك عليه وإن لم يكن هذا فعلى أي شئ تقتله، فصدقه صاحبنا وتركه ورجع ~~إلينا فأخبرنا بذلك، وقوى بخت نصر وملك وغزانا وخرب بيت المقدس فلهذا نتخذه ~~عدوا وميكائيل عدو لجبرئيل. # فقال سلمان: يا بن صوريا فبهذا العقل المسلوك به غير سبيله ظلمتم، أرأيتم ~~أوائلكم كيف بعثوا من يقتل بخت نصر وقد أخبر الله تعالى في كتبه على ألسنة ~~رسله أنه يملك ويخرب بيت المقدس أرادوا تكذيب أنبياء الله في إخبارهم أو ~~اتهموهم في أخبارهم أو صدقوهم في الخبر عن الله ومع ذلك أرادوا مغالبة ~~الله، هل كان هؤلاء ومن وجهوه إلا كفارا بالله، وآي عداوة يجوز أن يعتقد ~~لجبرئيل وهو يصده عن مغالبة الله عز وجل وينهى عن تكذيب خبر الله تعالى. # فقال ابن صوريا: قد كان الله تعالى أخبر بذلك على ألسن أنبيائه ولكنه ~~يمحو ما يشاء ويثبت. قال سلمان: فإذا لا تثقون بشئ مما في التوراة من ~~الأخبار عما مضى وما يستأنف فإن الله يمحو ما يشاء ويثبت، وإذا ms043 لعل الله قد ~~كان عزل موسى وهارون عن النبوة وأبطلا في دعواهما لأن الله يمحو ما يشاء ~~ويثبت، ولعل # PageV01P049 # كلما أخبراكم به عن الله أنه يكون لا يكون وما أخبراكم به أنه لا يكون ~~لعله يكون، وكذلك ما أخبراكم أنه لم يكن لعله كان، ولعل ما وعده من الثواب ~~يمحوه ولعل ما توعد به من العقاب يمحوه فإنه يمحو ما يشاء ويثبت. إنكم ~~جهلتم معنى يمحو الله ما يشاء ويثبت فلذلك أنتم بالله كافرون ولأخباره عن ~~الغيوب مكذبون وعن دين الله منسلخون. # ثم قال سلمان: فإني أشهد أنه من كان عدوا لجبرئيل فإنه عدو لميكائيل ~~وأنهما جميعا عدوان لمن عاداهما مسالمان لمن سالمهما، فأنزل الله تعالى عند ~~ذلك موافقا لقول سلمان: " قل من كان عدوا لجبريل " في مظاهرته لأولياء الله ~~على أعداء الله ونزوله بفضائل علي عليه السلام ولي الله من عند الله " فإنه ~~نزله " فإن جبرئيل نزل هذا القرآن " على قلبك بإذن الله مصدقا لما بين يديه ~~" من سائر كتب الله " وهدى " من الضلالة " وبشرى للمؤمنين " (1) بنبوة محمد ~~وولاية علي عليه السلام ومن بعده من الأئمة [الاثني عشر] بأنهم أولياء الله ~~حقا إذا ماتوا على موالاتهم لمحمد وعلي وآلهما الطيبين. # ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا سلمان إن الله صدق قيلك ووافق ~~رأيك، وإن جبرئيل عن الله تعالى يقول: يا محمد سلمان والمقداد أخوان ~~متصافيان في ودادك ووداد علي أخيك ووصيك وصفيك، وهما في أصحابك كجبرائيل ~~وميكائيل في الملائكة عدوان لمن أبغض أحدهما وليان لمن والى محمدا وعليا ~~عدوان لمن عادى محمدا وعليا وأولياء هما، ولو أحب أهل الأرض سلمان والمقداد ~~كما تحبهما ملائكة السماوات والحجب والكرسي والعرش لمحض ودادهما لمحمد وعلي ~~وموالاتهما لأوليائهما ومعاداتهما لأعدائهما لما عذب الله أحدا منهم بعذاب ~~البتة. # وقال أبو محمد الحسن العسكري عليه السلام: لما نزلت هذه الآية " ثم قست ~~قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة " (2) في حق اليهود والنواصب ~~فغلظ على اليهود ما وبخهم به رسول ms044 الله، فقال جماعة من رؤسائهم وذوي الألسن # PageV01P050 # والبيان منهم: يا محمد إنك تهجونا وتدعي على قلوبنا ما الله يعلم منها ~~خلافه، إن فيها خيرا كثيرا نصوم ونتصدق ونواسي الفقراء. # فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: إنما الخير ما أريد به وجه الله وعمل ~~على ما أمر الله تعالى، وأما ما أريد به الرياء والسمعة ومعاندة رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وإظهار الغنى له والتمالك والتشرف عليه فليس بخير بل هو ~~الشر الخالص ووبال على صاحبه ويعذبه الله به أشد العذاب. # فقالوا له: يا محمد أنت تقول هذا ونحن نقول بل ما نلفقه إلا لإبطال أمرك ~~ودفع رياستك ولتفريق أصحابك عنك وهو الجهاد الأعظم نأمل به من الله الثواب ~~الأجل العظيم، فأقل أحوالنا إنك تساوينا في الدعاوى فأي فضل لك علينا؟. # فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا إخوة اليهود إن الدعاوى يتساوى ~~فيها المحقون والمبطلون، ولكن حجج الله ودلائله تفرق بينهم فتكشف عن تمويه ~~المبطلين وتبين عن حقائق المحقين، ورسول الله محمد لا يغتم بجهلكم ولا ~~يكلفكم التسليم له بغير حجة، ولكن يقيم عليكم حجة الله التي لا يمكنكم ~~دفاعها ولا تطيقون الامتناع عن موجبها، ولو ذهب محمد ويريكم آية من عنده ~~لشككتم وقلتم إنه متكلف مصنوع محتال فيه معمول أو متواطئ عليه، وإذا ~~اقترحتم أنتم فأراكم ما تقترحون لم يكن لكم أن تقولوا معمول أو متواطأ عليه ~~أو متأت بحيلة أو مقدمات، فما الذي تقترحون فهذا رب العالمين قد وعدني أن ~~يظهر لكم ما تقترحون ليقطع معاذير الكافرين منكم ويزيد في بصائر المؤمنين ~~منكم. # قالوا: قد أنصفتنا يا محمد فإن وفيت بما وعدت من نفسك من الإنصاف فأنت ~~أول راجع عن دعواك للنبوة وداخل في غمار الأمة ومسلم لحكم التوراة لعجزك ~~عما نقترحه عليك وظهور باطل دعواك فيما ترومه من حجتك. # فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: الصدق ينبئ عنكم لا الوعيد، اقترحوا ~~ما تقترحون ليقطع معاذيركم فيما تسألون. فقالوا له: يا محمد زعمت أنه ms045 ما في ~~قلوبنا شئ من مواساة الفقراء ومعاونة الضعفاء والنفقة في إبطال الباطل ~~وإحقاق PageV01P051 # الحق وأن الأحجار ألين من قلوبنا وأطوع لله منا، وهذه الجبال بحضرتنا ~~فهلم بنا إليها أو إلى بعضها فاستشهدها على تصديقك وتكذيبنا، فإن نطقت ~~بتصديقك فأنت المحق يلزمنا اتباعك وإن نطقت بتكذيبك أو صمتت فلم ترد جوابك ~~فاعلم بأنك المبطل في دعواك المعاند لهواك. # فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: نعم هلموا بنا إلى أيما جبل شئتم ~~استشهدوه ليشهد لي عليكم، فخرجوا إلى أوعر جبل رأوه فقالوا: يا محمد هذا ~~الجبل فاستشهده. # فقال رسول الله للجبل: إني أسألك بجاه محمد وآله الطيبين الذين بذكر ~~أسمائهم خفف الله العرش على كواهل ثمانية من الملائكة بعد أن لم يقدروا على ~~تحريكه وهم خلق كثير لا يعرف عددهم غير الله عز وجل، وبحق محمد وآله ~~الطيبين الذين بذكر أسمائهم تاب الله على آدم وغفر خطيئته وأعاده إلى ~~مرتبته، وبحق محمد وآله الطيبين الذين بذكر أسمائهم وسؤال الله بهم رفع ~~إدريس في الجنة مكانا عليا لما شهدت لمحمد بما أودعك الله بتصديقه على ~~هؤلاء اليهود في ذكر قساوة قلوبهم وتكذيبهم في جحدهم لقول محمد رسول الله. # فتحرك الجبل وتزلزل وفاض عنه الماء ونادى: يا محمد أشهد أنك رسول رب ~~العالمين وسيد الخلق أجمعين، وأشهد أن قلوب هؤلاء اليهود كما وصفت أقسى من ~~الحجارة لا يخرج منها خير كما قد يخرج من الحجارة الماء سيلا أو تفجرا، ~~وأشهد أن هؤلاء كاذبون عليك فيما به يقرفونك من الفرية على رب العالمين. # ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: وأسألك أيها الجبل أمرك الله ~~بطاعتي فيما ألتمسه منك بجاه محمد وآله الطيبين الذين بهم نجى الله نوحا من ~~الكرب العظيم وبرد الله النار على إبراهيم وجعلها عليه بردا وسلاما ومكنه ~~في جوف النار على سرير وفراش وثير لم ير تلك الطاغية مثله لأحد من ملوك ~~الأرض أجمعين، وأنبت حواليه من الأشجار الخضرة النظرة النزهة وعما حوله من ~~أنواع التور مما لا ms046 يوجد إلا في فصول أربعة من جميع السنة؟ # قال الجبل: بلى أشهد لك يا محمد بذلك، وأشهد أنك لو اقترحت على ~~PageV01P052 # ربك أن يجعل رجال الدنيا قرودا وخنازير لفعل، أو يجعلهم ملائكة لفعل، أو ~~يقلب النيران جليدا أو الجليد نيرانا لفعل أو يهبط السماء إلى الأرض أو ~~يرفع الأرض إلى السماء لفعل، أو يصير أطراف المشارق والمغارب والوهاد كلها ~~صرة كصرة الكيس لفعل، وأنه قد جعل الأرض والسماء طوعك، والجبال والبحار ~~تتصرف بأمرك، وسائر ما خلق من الرياح والصواعق وجوارح الإنسان وأعضاء ~~الحيوان لك مطيعة وما أمرتها به من شئ ائتمرت. # فقالت اليهود: يا محمد علينا تلتبس وتشبه، قد أجلست مردة من أصحابك خلف ~~صخور من هذا الجبل فهم ينطقون بهذا الكلام ونحن لا ندري أنسمع من الرجال أم ~~من الجبل، لا يغتر بمثل هذا إلا ضعفاؤك الذين تبجبج في عقولهم (1) فإن كنت ~~صادقا فتنح عن موضعك هذا إلى ذلك القرار وأمر هذا الجبل أن ينقلع من أصله ~~فيسير إليك إلى هناك، فإذا حضرك ونحن نشاهده فأمره أن ينقطع نصفين من ~~ارتفاع سمكه ثم يرتفع السفلى من قطعيته فوق العليا وتنخفض العليا تحت ~~السفلى، فإذا تجعل أصل الجبل قلته وقلته أصله لنعلم أنه من الله، لا يتفق ~~مثله بمواطأة ولا بمعاونة مموهين متمردين. # فقال رسول الله صلى الله عليه وآله - وأشار إلى حجر فيه قدر خمسة أرطال - ~~فقال: # يا أيها الحجر تدحرج، فتدحرج ثم قال لمخاطبة: خذه وقربه من أذنك فسيعيد ~~عليك ما سمعت، فإن هذا جزء من ذلك الجبل، فأخذه الرجل فأدناه إلى إذنه فنطق ~~الحجر بمثل ما نطق به الجبل أولا من تصديق رسول الله صلى الله عليه وآله ~~فيما ذكره عن قلوب اليهود ومما غبر به (2) من أن نفقاتهم في دفع أمر محمد ~~صلى الله عليه وآله باطل ووبال عليهم. # فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله أسمعت هذا أخلف هذا الحجر أحد ~~يكلمك ويوهمك أن الحجر يكلمك؟ قال: فأتني بما اقترحت في الجبل فتباعد رسول ms047 ~~الله # PageV01P053 # صلى الله عليه وآله وسلم إلى فضاء واسع ثم نادى الجبل وقال: يا أيها ~~الجبل بحق محمد وآله الطيبين بجاههم ومسائلة عباد الله بهم أرسل الله على ~~قوم عاد ريحا صرصرا عاتية لنزع الناس كأنهم أعجاز نخل خاوية، وأمر جبرئيل ~~أن يصيح صيحة هائلة في قوم صالح حتى صاروا كهشيم المحتضر لما انفصلت من ~~مكانك بإذن الله وجئت إلى حضرته هذه - ووضع يده على الأرض بين يديه. # فتزلزل الجبل وصار كالفارع الهملاج (1) حتى دنى من إصبعه أصله فلزق بها ~~ووقف ونادى: ها أنا سامع لك مطيع يا رسول رب العالمين وإن رغمت أنوف هؤلاء ~~المعاندين مرني بأمرك. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن هؤلاء ~~اقترحوا على أن آمرك أن تنقلع من أصلك فتصير نصفين ثم ينحط أعلاك ويرتفع ~~أسفلك فتصير ذروتك أصلك وأصلك ذروتك. فقال الجبل: أتأمرني بذلك يا رسول رب ~~العالمين؟ قال: بلى فانقطع نصفين وانحط أعلاه إلى الأرض وارتفع أسفله فوق ~~أعلاه فصار فرعه أصله وأصله فرعه، ثم نادى الجبل: يا معاشر اليهود هذا الذي ~~ترون دون معجزات موسى الذين تزعمون أنكم به مؤمنون؟. # فنظر اليهود بعضهم إلى البعض، فقال بعضهم: ما عن هذا محيص، وقال آخرون ~~منهم: هذا رجل منجوت مؤتى له ما يريد - والمنجوت يتأتى له العجائب - فلا ~~يغرنك ما تشاهدون. فناداهم الجبل: يا أعداء الله قد أبطلتم بما تقولون نبوة ~~موسى، هلا قلتم لموسى إن قلب العصا ثعبانا وانفلاق البحر طرقا ووقوف الجبل ~~كالظلة فوقكم إنما تأتي لك لأنك مؤتى لك يأتيك جدك بالعجائب فلا يغرنا ما ~~نشاهده، فألقمتهم الجبال بمقالتها والصخور ولزمتهم حجة رب العالمين. # وعن معمر بن راشد قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: أتى يهودي ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقام بين يديه يحد النظر إليه، فقال: يا ~~يهودي ما حاجتك؟ # فقال: أنت أفضل أم موسى بن عمران النبي الذي كلمه الله عز وجل وأنزل عليه ~~التوراة والعصا وفلق له البحر وظله بالغمام؟ # PageV01P054 # فقال له ms048 النبي صلى الله عليه وآله: إنه يكره للعبد أن يزكي نفسه ولكني ~~أقول: إن آدم لما أصاب الخطيئة كانت توبته أن قال " اللهم إني سألك بحق ~~محمد وآل محمد لما غفرت لي " فغفرها الله له، وإن نوحا لما ركب السفينة ~~وخاف الغرق قال " اللهم إني أسألك بحق محمد وآل محمد لم أنجيتني من الغرق " ~~فأنجاه الله عز وجل، وإن إبراهيم لما ألقي في النار قال " اللهم إني أسألك ~~بحق محمد وآل محمد لما أمنتني " فجعلها بردا وسلاما، وأن موسى لما ألقى ~~عصاه وأوجس في نفسه خيفة قال " اللهم إني أسألك بحق محمد وآل محمد لما ~~آمنتني " قال الله تعالى، لا تخف إنك أنت الأعلى. # يا يهودي إن موسى لو أدركني ثم لم يؤمن بي وبنبوتي ما نفعه إيمانه شيئا ~~ولا نفعته النبوة، يا يهودي ومن ذريتي المهدي إذا خرج نزل عيسى بن مريم ~~عليه السلام لنصرته فقدمه ويصلي خلفه. # وعن ابن عباس قال: خرج من المدينة أربعون رجلا من اليهود قالوا: # انطلقوا بنا إلى هذا الكاهن الكذاب حتى نوبخه في وجهه ونكذبه، فإنه يقول، ~~أنا رسول رب العالمين، وكيف يكون رسولا وآدم خير منه ونوح خير منه - وذكروا ~~الأنبياء عليهم السلام - فقال النبي صلى الله عليه وآله لعبد الله بن سلام: ~~التوراة بيني وبينكم فرضيت اليهود بالتوراة فقال اليهود: آدم خير منك لأن ~~الله عز وجل خلقه بيده ونفخ فيه من روحه. # فقال النبي صلى الله عليه وآله: آدم النبي أبي وقد أعطيت أنا أفضل مما ~~أعطي آدم. # قال اليهود: وما ذاك؟ قال: إن المنادي ينادي كل يوم خمس مرات " أشهد أن ~~لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله " ولم يقل آدم رسول الله، ولواء الحمد ~~بيدي يوم القيامة وليس بيد آدم. فقال اليهود: صدقت يا محمد وهو مكتوب في ~~التوراة. قال: هذه واحدة. # قالت اليهود: موسى خير منك. قال النبي صلى الله عليه وآله ولم؟ قالوا: ~~لأن الله عز وجل كلمه بأربعة آلاف كلمة ولم يكلمك بشئ. فقال ms049 النبي صلى الله ~~عليه وآله. # لقد أعطيت أنا أفضل من ذلك. قالوا: وما ذاك؟ قال: هو قوله عز وجل " سبحان ~~الذي أسري بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي PageV01P055 # باركنا حوله " (1) وحملت على جناح جبرائيل حتى انتهيت إلى السماء السابعة ~~فجاوزت سدرة المنتهى عندها جنة المأوى، حتى تعلقت بساق العرش فنوديت من ساق ~~العرش " إني أنا الله لا إله إلا أنا السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار ~~المتكبر الرؤف الرحيم " ورأيته بقلبي وما رأيته بعيني، فهذا أفضل من ذلك ~~قالت اليهود: صدقت يا محمد وهو مكتوب في التوراة. قال رسول الله صلى الله ~~عليه وآله: هذه اثنتان. # قالوا: نوح أفضل منك. قال النبي صلى الله عليه وآله: ولم ذاك؟ قالوا: ~~لأنه ركب السفينة فجرت على الجودي. قال النبي صلى الله عليه وآله: لقد ~~أعطيت أنا أفضل من ذلك. قالوا: وما ذاك؟ قال: إن الله عز وجل أعطاني نهرا ~~في السماء مجرية من العرش وعليه ألف ألف قصر لبنة من ذهب ولبنة من فضة ~~حشيشها الزعفران ورضراضها (2) الدر والياقوت وأرضها المسك الأبيض، فذلك خير ~~لي ولأمتي، وذلك قوله تعالى " إنا أعطيناك الكوثر " (3) قالوا: صدقت يا ~~محمد هو مكتوب في التوراة وهذا خير من ذلك. قال النبي صلى الله عليه وآله ~~هذه الثلاثة. # قالوا: إبراهيم خير منك. قال: ولم ذاك؟ قالوا: لأن الله اتخذه خليلا. قال ~~النبي صلى الله عليه وآله: إن كان إبراهيم خليله فأنا حبيبه محمد. # قالوا: ولم سميت محمدا؟ قال: سماني الله محمدا وشق اسمى من اسمه هو ~~المحمود وأنا محمد وأمتي الحامدون على كل حال. فقالت اليهود: صدقت يا محمد ~~هذا خير من ذلك. قال النبي صلى الله عليه وآله هذه أربعة. # قالت اليهود: عيسى خير منك. قال: ولم ذاك؟ قالوا: إن عيسى بن مريم كان ~~ذات يوم بعقبة بيت المقدس فجاءه الشياطين ليحملوه فأمر الله جبرائيل أن ~~اضرب بجناحك الأيمن وجوه الشياطين والقهم في النار، فضرب بأجنحته وجوههم ~~وألقاهم في النار. فقال رسول الله: لقد أعطيت ms050 أنا أفضل من ذلك. # PageV01P056 # قالوا: وما هو؟ قال: أقبلت يوم بدر من قتال المشركين وأنا جائع شديد ~~الجوع، فلما وردت المدينة استقبلتني امرأة يهودية وعلى رأسها جفنة وفي ~~الجفنة جدي مشوي وفي كمها شئ من سكر فقالت: الحمد لله الذي منحك السلامة ~~وأعطاك النصر والظفر على الأعداء، وإني قد كنت نذرت لله نذرا إن أقبلت ~~سالما غانما من غزاة بدر لأذبحن هذا الجدي ولأشوينه ولأحملنه إليك لتأكله. ~~فقال النبي صلى الله عليه وآله: فنزلت عن بغلتي الشهباء فضربت بيدي إلى ~~الجدي لآكله فاستنطق الله الجدي فاستوى على أربع قوائم وقال: يا محمد لا ~~تأكلني فإني مسموم. قالوا: # صدقت يا محمد هذا خير من ذلك. قال النبي صلى الله عليه وآله: هذه خمسة. # قالوا: بقيت واحدة ثم نقوم من عندك. قال: هاتوا. قالوا: سليمان خير منك. ~~قال: ولم ذاك؟ قالوا: لأن الله عز وجل سخر له الشياطين والإنس والجن والطير ~~والرياح والسباع. فقال النبي صلى الله عليه وآله: فقد سخر الله لي البراق ~~وهو خير من الدنيا بحذافيرها، وهي دابة من دواب الجنة وجهها مثل وجه آدمي ~~وحوافرها مثل حوافر الخيل وذنبها مثل ذنب البقر وفوق الحمار ودون البغل، ~~وسرجه من ياقوتة حمراء وركابه من درة بيضاء، مزمومة بألف زمام من ذهب عليه ~~جناحان مكللان بالدر والياقوت والزبرجد. مكتوب بين عينيه " لا إله الله ~~وحده لا شريك له وأن محمدا رسول الله ". # قالت اليهود: صدقت يا محمد وهو مكتوب في التوراة وهذا خير من ذلك. # يا محمد نشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. فقال لهم رسول الله صلى ~~الله عليه وآله: لقد أقام نوح في قومه ودعاهم ألف سنة إلا خمسين عاما ثم ~~وصفهم الله عز وجل فقللهم فقال " وما آمن معه إلا قليل " (1) ولقد تبعني في ~~سنيي القليلة وعمري اليسير ما لم تتبع نوحا في طول عمره وكبر سنة، وأن في ~~الجنة عشرين ومائة صف أمتي منها ثمانون صفا، وأن الله عز وجل جعل كتابي ~~المهيمن على ms051 كتبهم الناسخ لها، ولقد جئت بتحليل ما حرموا وبتحريم بعض ما ~~أحلوا. من ذلك أن موسى جاء بتحريم # PageV01P057 # صيد الحيتان يوم السبت حتى أن الله تعالى قال من اعتدى منهم في صيدها يوم ~~السبت " كونوا قردة خاسئين " (1) فكانوا، ولقد جئت بتحليل صيدها حتى صار ~~صيدها حلالا. قال الله تعالى " أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم " (2) ~~وجئت بتحليل الشحوم كلها وكنتم لا تأكلونها. # ثم إن الله عز وجل صلى علي في كتابه العزيز، قال الله عز وجل " إن الله ~~وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما " ~~(3) ثم وصفني الله عزو جل بالرأفة والرحمة وذكر في كتابه " لقد جائكم رسول ~~من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم " (4) وأنزل ~~الله تعالى أن لا يكلموني حتى يتصدقوا بصدقة وما كان ذلك لنبي قط، قال الله ~~عز وجل " يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم ~~صدقة " (5) ثم وضعها عنهم بعد أن افترضها عليهم برحمته ومنه. # وعن ثوبان قال: إن يهوديا جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال: يا ~~محمد أسألك فتخبرني، فركض ثوبان برجله وقال: قل يا رسول الله. فقال: لا ~~أدعوه إلا بما سماه أهله. فقال: أرأيت قوله عز وجل " يوم تبدل الأرض غير ~~الأرض والسماوات " (6) أين الناس يومئذ؟ فقال: في الظلمة دون المحشر. فقال: ~~فما أول ما يأكل أهل الجنة إذا دخلوها؟ قال: كبد الحوت. قال: فما طعامهم ~~على أثر ذلك؟ قال: # كبد الثور. قال: فما شرابهم على أثر ذلك؟ قال: السلسبيل. قال: صدقت أفلا ~~أسألك عن شئ لا يعلمه إلا نبي؟ قال: وما هو؟ قال: عن شبه الولد أباه وأمه. # قال: ماء الرجل أبيض غليظ وماء المرأة أصفر دقيق، فإذا علا ماء الرجل ماء ~~المرأة كان الولد ذكرا بإذن الله تعالى ومن تشبه أباه قبل ذلك يكون الشبه، ~~وإذا علا ماء المرأة ماء الرجل خرج الولد أنثى بإذن الله عز وجل ومن تشبه ~~أمه # PageV01P058 # قبل ذلك يكون ms052 الشبه. # ثم قال النبي صلى الله عليه وآله: والذي نفسي بيده ما كان عندي شئ مما ~~سألتني عنه حتى انبأنيه الله عز وجل في مجلسي هذا على لسان أخي جبرئيل. # ذكر ما جرى لرسول الله صلى الله عليه وآله من الاحتجاج على المنافقين في ~~طريق تبوك وغير ذلك من كيدهم لرسول الله صلى الله عليه وآله على العقبة ~~بالليل. # قال أبو محمد الحسن العسكري عليه السلام: لقد رامت الفجرة ليلة العقبة ~~قتل رسول الله صلى الله عليه وآله على العقبة (1)، ورام من بقي من مردة ~~المنافقين بالمدينة قتل علي بن أبي طالب عليه السلام فما قدروا على مغالبة ~~ربهم، حملهم على ذلك حسدهم لرسول الله صلى الله عليه وآله في علي عليه ~~السلام لما فخم من أمره وعظم من شأنه: من ذلك أنه لما خرج النبي صلى الله ~~عليه وآله من المدينة وقد كان خلفه عليها وقال له: إن جبرئيل أتاني وقال ~~لي: يا محمد إن العلي الأعلى يقرأ عليك السلام ويقول لك: يا محمد إما أن ~~تخرج أنت ويقيم علي أو تقيم أنت ويخرج علي لا بد من ذلك، فإن عليا قد ندبته ~~لإحدى اثنتين لا يعلم أحد كنه جلال من أطاعني فيهما وعظيم ثوابه غيري، فلما ~~خلفه أكثر المنافقون الطعن فيه فقالوا: مله وسئمه وكره صحبته، فتبعه علي ~~عليه السلام حتى لحقه وقد وجد غما شديدا عما قالوا فيه، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله: ما أشخصك يا علي عن مركزك؟ فقال: # بلغني عن الناس كذا وكذا. فقال له: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من ~~موسى إلا أنه لا نبي بعدي؟ فانصرف علي إلى موضعه فدبروا عليه أن يقتلوه ~~وتقدموا في أن يحفروا له في طريقه حفيرة طويلة قدر خمسين ذراعا ثم غطوها ~~بخص رقاق ونثروا فوقها يسيرا من التراب بقدر ما غطوا به وجوه الخص، وكان # PageV01P059 # ذلك على طريق علي الذي لا بد له من سلوكه ليقع هو ودابته في الحفيرة التي ~~قد عمقوها، ms053 وكان ما حوالي المحفور أرض ذات حجارة ودبروا على أنه إذا وقع مع ~~دابته في ذلك المكان كبسوه بالأحجار حتى يقتلوه. # فلما بلغ علي عليه السلام قرب المكان لوى فرسه عنقه وأطاله الله فبلغت ~~جحفلته (1) أذنيه وقال: يا أمير المؤمنين قد حفر لك هيهنا ودبر عليك الحتف ~~وأنت أعلم لا تمر فيه. فقال له علي عليه السلام: جزاك الله من ناصح خيرا ~~كما تدبر تدبيري وإن الله عز وجل لا يخليك من صنعه الجميل، وسار حتى شارف ~~المكان فوقف الفرس خوفا من المرور على المكان، فقال علي عليه السلام: سر ~~بإذن الله سالما سويا عجيبا شأنك بديعا أمرك، فتبادرت الدابة فإن الله عز ~~وجل قد متن الأرض (2) وصلبها [ولام (3) حفرها] كأنها لم تكن محفورة وجعلها ~~كسائر الأرض، فلما جاوزها علي عليه السلام لوى الفرس عنقه ووضع جحفلته على ~~أذنه ثم قال: ما أكرمك على رب العالمين أجازك على هذا المكان الخاوي (4). ~~فقال أمير المؤمنين عليه السلام: جازاك الله بهذه السلامة عن نصيحتك التي ~~نصحتني بها. # ثم قلب وجه الدابة إلى ما يلي كفلها والقوم معه بعضهم أمامه وبعضهم خلفه ~~وقال، اكشفوا عن هذا المكان فكشفوا فإذا هو خاو لا يسير عليه أحد إلا وقع ~~في الحفرة، فأظهر القوم الفزع والتعجب مما رأوا منه، فقال علي عليه السلام ~~للقوم: أتدرون من عمل هذا؟ قالوا: لا ندري. قال عليه السلام: لكن فرسي هذا ~~يدري، يا أيها الفرس كيف هذا ومن دبر هذا؟ فقال الفرس: يا أمير المؤمنين ~~عليه السلام إذا كان الله عز وجل يبرم ما يروم جهال القوم نقضه أو كان ينقض ~~ما يروم جهال الخلق إبرامه فالله # PageV01P060 # هو الغالب والخلق هم المغلوبون، فعل هذا يا أمير المؤمنين فلان وفلان إلى ~~أن ذكر العشرة بمواطأة من أربعة وعشرين هم مع رسول الله صلى الله عليه وآله ~~في طريقه ثم دبروا رأيهم على أن يقتلوا رسول الله صلى الله عليه وآله على ~~العقبة والله عز وجل من وراء حياطة رسول الله وولي ms054 الله لا يغلبه الكافرون. # فأشار بعض أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام بأن يكاتب رسول الله بذلك ~~ويبعث رسولا مسرعا، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: إن رسول الله إلى محمد ~~رسوله أسرع وكتابه إليه أسبق، فلا يهمنكم هذا إليه، فلما قرب رسول الله صلى ~~الله عليه وآله من العقبة التي بإزائها فضائح المنافقين والكافرين نزل دون ~~العقبة ثم جمعهم فقال لهم: هذا جبرئيل الروح الأيمن يخبرني أن عليا دبر ~~عليه كذا وكذا، فدفع الله عز وجل عنه من ألطافه وعجائب معجزاته بكذا وكذا، ~~ثم إنه صلب الأرض تحت حافر دابته وأرجل أصحابه، ثم انقلب على ذلك الموضع ~~علي وكشف عنه فرأيت الحفيرة، ثم إن الله عز وجل لامها كما كانت لكرامته ~~عليه، وأنه قيل له كاتب بهذا وارسل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: ~~رسول الله إلى رسول الله أسرع وكتابه إليه أسبق. # ثم لم يخبرهم رسول الله صلى الله عليه وآله بما قال علي عليه السلام على ~~باب المدينة " إن مع رسول الله منافقين سيكيدونه ويدفع الله عنه "، فلما ~~سمع الأربعة والعشرون أصحاب العقبة ما قال له رسول الله صلى الله عليه وآله ~~في أمر علي عليه السلام قال بعضهم لبعض: ما أمهر محمدا بالمخرقة (1) وإن ~~فيجا (2) مسرعا أتاه أو طيرا من المدينة من بعض أهله وقع عليه أن عليا قتل ~~بحيلة كذا وكذا وهو الذي واطأنا عليه أصحابنا، فهو الآن لما بلغه كتم الخبر ~~وقلبه إلى ضده يريد أن يسكن من معه لئلا يمدوا أيديهم عليه، وهيهات والله ~~ما لبث عليا بالمدينة إلا حينه ولا خرج محمدا إلى هيهنا إلا حينه، وقد هلك ~~علي وهو هيهنا هالك لا محالة، ولكن تعالوا حتى نذهب إليه ونظهر له السرور ~~بأمر علي ليكون أسكن لقلبه إلينا إلى أن نمضي فيه تدبيرنا، # PageV01P061 # فحضروه وهنوه على سلامة علي من الورطة التي رامها أعداؤه. # ثم قالوا له: يا رسول الله أخبرنا عن علي عليه السلام أهو أفضل أم ملائكة ~~الله المقربون؟ فقال رسول ms055 الله صلى الله عليه وآله: وهل شرفت الملائكة إلا ~~بحبها لمحمد وعلي وقبولها لولايتهما، وأنه لا أحد من محبي علي قد نظف قلبه ~~من قذر الغش والدغل ونجاسات الذنوب إلا كان أطهر وأفضل من الملائكة، وهل ~~أمر الله الملائكة بالسجود لآدم إلا لما كانوا قد وضعوه في نفوسهم أنه لا ~~يصير في الدنيا خلق بعدهم إذا رفعوا عنها إلا - وهم يعنون أنفسهم - أفضل ~~منه في الدين فضلا وأعلم بالله وبدينه علما، فأراد الله أن يعرفهم أنهم قد ~~أخطأوا في ظنونهم واعتقاداتهم، فخلق آدم وعلمه الأسماء كلها ثم عرضها عليهم ~~فعجزوا عن معرفتها، فأمر آدم عليه السلام أن ينبأهم بها وعرفهم فضله في ~~العلم عليهم، ثم أخرج من صلب آدم ذريته منهم الأنبياء والرسل والخيار من ~~عباد الله أفضلهم محمد ثم آل محمد والخيار الفاضلين منهم أصحاب محمد وخيار ~~أمة محمد وعرف الملائكة بذلك أنهم أفضل من الملائكة إذا احتملوا ما حملوه ~~من الأثقال وقاسوا ما هم فيه بعرض يعرض من أعوان الشياطين ومجاهدة النفوس ~~واحتمال أذى ثقل العيال والاجتهاد في طلب الحلال ومعاناة مخاطرة الخوف من ~~الأعداء من لصوص مخوفين ومن سلاطين جورة قاهرين وصعوبة في المسالك في ~~المضائق والمخاوف والأجراع (1) والجبال والتلاع (2) لتحصيل أقوات الأنفس ~~والعيال من الطيب الحلال، فعرفهم الله عز وجل أن خيار المؤمنين يحتملون هذه ~~البلايا ويتخلصون منها ويحاربون الشياطين ويهزمونهم ويجاهدون أنفسهم بدفها ~~عن شهواتها ويغلبونها مع ما ركب فيهم من شهوات الفحولة وحب اللباس والطعام ~~والعز والرئاسة والفخر والخيلاء ومقاساة العناء والبلاء من إبليس وعفاريته ~~وخواطرهم وإغوائهم واستهوائهم ودفع ما يكابدونه من أليم الصبر على سماعهم ~~الطعن من أعداء الله وسماع الملاهي # PageV01P062 # والشتم لأولياء الله، ومع ما يقاسونه في أسفارهم لطلب أقواتهم والهرب من ~~أعداء دينهم، أو الطلب لمن يأملون معاملته من مخالفيهم في دينهم. # قال الله عز وجل: يا ملائكتي وأنتم من جميع ذلك بمعزل لا شهوات الفحولة ~~تزعجكم ولا شهوة الطعام تحفزكم (2) ولا خوف من أعداء دينكم ودنياكم تنحب ~~(2) في قلوبكم ولا ms056 لإبليس في ملكوت سماواتي وأرضي شغل على إغواء ملائكتي ~~الذين قد عصمتهم منهم، يا ملائكتي فمن أطاعني منهم وسلم دينه من هذه الآفات ~~والنكبات فقد احتمل في جنب محبتي ما لم تحتملوا واكتسب من القربات إلى ما ~~لم تكتسبوا. # فلما عرف الله ملائكته فضل خيار أمة محمد وشيعة علي وخلفائه عليهم السلام ~~واحتمالهم في جنب محبة ربهم ما لا تحتمله الملائكة أبان بني آدم الخيار ~~المتقين بالفضل عليهم، ثم قال: فلذلك فاسجدوا لآدم لما كان مشتملا على ~~أنوار هذه الخلائق الأفضلين، ولم يكن سجودهم لآدم إنما كان آدم قبلة لهم ~~يسجدون نحوه لله عز وجل، وكان بذلك معظما له مبجلا، ولا ينبغي لأحد أن يسجد ~~لأحد من دون الله ويخضع له خضوعه لله ويعظم بالسجود له كتعظيمه لله، ولو ~~أمرت أحدا أن يسجد هكذا لغير الله لأمرت ضعفاء شيعتنا وسائر المكلفين من ~~شيعتنا أن يسجدوا لمن توسط في علوم علي وصي رسول الله ومحض وداد خير خلق ~~الله علي بعد محمد رسول الله واحتمل المكاره والبلايا في التصريح بإظهار ~~حقوق الله ولم ينكر على حقا أرقبه عليه (3) قد كان جهله أو غفله. # ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله عصى الله إبليس فهلك لما كان معصيته ~~بالكبر على آدم، وعصى آدم الله بأكل الشجرة فسلم ولم يهلك لما لم يقارن ~~بمعصيته التكبر # PageV01P063 # على محمد وآله الطيبين، وذلك إن الله تعالى قال له: يا آدم عصاني فيك ~~إبليس وتكبر عليك فهلك ولو تواضع لك بأمري وعظم عز جلالي لأفلح كل الفلاح ~~كما أفلحت، وأنت عصيتني بأكل الشجرة وعظمتني بالتواضع لمحمد وآل محمد فتفلح ~~كل الفلاح وتزول عنك وصمة الزلة فادعني بمحمد وآله الطيبين لذلك، فدعا بهم ~~فأفلح كل الفلاح لما تمسك بعروتنا أهل البيت. # ثم إن رسول صلى الله عليه وآله أمر بالرحيل في أول نصف الليل الأخير، ~~وأمر مناديه فنادى: ألا لا يسبقن رسول الله صلى الله عليه وآله أحد إلى ~~العقبة ولا يطأها حتى يجاوزها رسول الله صلى ms057 الله عليه وآله، ثم أمر حذيفة ~~أن يقعد في أصل العقبة فينظر من يمر بها ويخبر رسول الله صلى الله عليه ~~وآله، وكان رسول الله أمره أن يتشبه بحجر، فقال حذيفة يا رسول الله إني ~~أتبين الشر في وجوه القوم من رؤساء عسكرك، وإني أخاف إن قعدت في أصل الجبل ~~وجاء منهم من أخاف أن يتقدمك إلى هناك للتدبير عليك يحس بي ويكشف عني ~~فيعرفني ويعرف موضعي من نصيحتك فيتهمني ويخافني فيقتلني. # فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: إنك إذا بلغت أصل العقبة فاقصد أكبر ~~صخرة هناك إلى جانب أصل العقبة وقل لها: إن رسول الله يأمرك أن تنفرجي لي ~~حتى أدخل جوفك ثم يأمرك أن تثقبي فيك ثقبة أبصر منها المارين وتدخل علي ~~منها الروح لئلا أكون من الهالكين، فإنها تصير إلى ما تقول لها بإذن الله ~~رب العالمين. # فأدى حذيفة الرسالة ودخل جوف الصخرة وجاء الأربعة والعشرون على جمالهم ~~وبين أيديهم رجالتهم يقول بعضهم لبعض: من رأيتموه هنا كائنا من كان فاقتلوه ~~لأن لا يخبروا محمدا أنهم قد رأونا هيهنا فينكص محمد ولا يصعد هذه العقبة ~~إلا نهارا فيبطل تدبيرنا عليه، وسمعها حذيفة واستقصوا فلم يجدوا أحدا، وكان ~~الله قد ستر حذيفة بالحجر عنهم، فتفرقوا فبعضهم صعد على الجبل وعدل عن ~~الطريق المسلوك، وبعضهم وقف على سفح الجبل عن يمين وشمال وهم يقولون الآن ~~ترون حين محمد كيف أغراه بأن يمنع الناس عن صعود العقبة حتى يقطعها هو ~~لنخلوا به هيهنا فنمضي فيه تدبيرنا وأصحابه عنه بمعزل، وكل ذلك يوصله الله ~~تعالى PageV01P064 # من قريب أو بعيد إلى أذن حذيفة ويعيه حذيفة، فلما تمكن القوم على الجبل ~~حيث أرادوا كلمت الصخرة حذيفة وقالت له: انطلق الآن إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وآله فأخبره بما رأيت وبما سمعت. قال حذيفة: كيف أخرج عنك وإن رآني ~~القوم قتلوني مخافة على أنفسهم من نميمتي عليهم؟ قالت الصخرة: إن الذي مكنك ~~من جوفي وأوصل إليك الروح من الثقبة التي أحدثها في ms058 هو الذي يوصلك إلى نبي ~~الله وينقذك من أعداء الله. # فنهض حذيفة ليخرج فانفرجت الصخرة بقدرة الله تعالى، فحوله الله طائرا ~~فطار في الهواء محلقا حتى انقض بين يدي رسول الله، ثم أعيد على صورته فأخبر ~~رسول الله صلى الله عليه وآله بما رأى وسمع، فقال رسول الله: أو عرفتهم ~~بوجوههم؟ فقال: # يا رسول الله كانوا متلثمين وكنت أعرف أكثرهم بجمالهم، فلما فتشوا ~~المواضع فلم يجدوا أحدا أحدروا اللثام فرأيت وجوههم وعرفتهم بأعيانهم ~~وأسمائهم فلان وفلان وفلان حتى عد أربعة وعشرين. فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وآله: يا حذيفة إذا كان الله يثبت محمدا لم يقدر هؤلاء ولا الخلق ~~أجمعون أن يزيلوه، إن الله تعالى بالغ في محمد أمره ولو كره الكافرون. # ثم قال: يا حذيفة فانهض بنا أنت وسلمان وعمار وتوكلوا على الله، فإذا ~~جزنا الثنية الصعبة فأذنوا للناس أن يتبعونا، فصعد رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وهو على ناقته وحذيفة وسلمان أحدهما آخذ بخطام ناقته يقودها والآخر ~~خلفها يسوقها، وعمار إلى جانبها، والقوم على جمالهم ورجالتهم منبثون حوالي ~~الثنية على تلك العقبات، وقد جعل الذين فوق الطريق حجارة في دباب فدحرجوها ~~من فوق لينفروا الناقة برسول الله صلى الله عليه وآله ويقع به في المهوى ~~الذي يهول الناظر إليه من بعده، فلما قربت الدباب من ناقة رسول الله صلى ~~الله عليه وآله أذن الله لها فارتفعت ارتفاعا عظيما فجاوزت ناقة رسول الله ~~صلى الله عليه وآله ثم سقطت في جانب المهوى ولم يبق منها شئ إلا صار كذلك ~~وناقة رسول الله كأنها لا تحس بشئ من تلك القعقعات التي كانت للدباب. # ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله لعمار: اصعد إلى الجبل فاضرب بعصاك ~~هذه وجوه PageV01P065 # رواحلهم فارم بها، ففعل ذلك عمار فنفرت بهم رواحلهم وسقط بعضهم فانكسر ~~عضده ومنهم من انكسرت رجله ومنهم من انكسر جنبه واشتدت لذلك أوجاعهم، فلما ~~انجبرت واندملت بقيت عليهم آثار الكسر إلى أن ماتوا، ولذلك قال رسول الله ~~صلى ms059 الله عليه وآله في حذيفة وأمير المؤمنين عليه السلام: " إنهما أعلم ~~الناس بالمنافقين " لقعوده في أصل الجبل ومشاهدته من مر سابقا لرسول الله ~~صلى الله عليه وآله. # وكفى الله رسوله أمر من قصد له، وعاد رسول الله صلى الله عليه وآله إلى ~~المدينة سالما فكسى الله الذل والعار من كان قعد عنه، وألبس الخزي من كان ~~دبر عليه وعلى علي ما دفع الله عنه عليه السلام. # " احتجاج النبي (ص) يوم الغدير على الخلق كلهم وفي غيره من الأيام بولاية ~~علي بن أبي طالب (ع) ومن بعده من ولده من الأئمة المعصومين صلوات الله ~~عليهم أجمعين ". # حدثني السيد العالم العابد أبو جعفر مهدي ابن أبي حرب الحسيني المرعشي ~~رضي الله عنه (1) قال أخبرنا الشيخ أبو علي الحسن بن الشيخ السعيد أبي جعفر ~~محمد بن الحسن الطوسي (2) رضي الله عنه، قال أخبرني الشيخ السعيد الوالد ~~أبو جعفر (3) قدس الله روحه، قال أخبرني جماعة عن أبي محمد هارون بن موسى # PageV01P066 # التلعكبري (1)، قال أخبرنا أبو علي محمد بن همام، (2) قال أخبرنا علي ~~السوري (3)، قال أخبرنا أبو محمد العلوي (4) من ولد الأفطس - وكان من عباد ~~الله الصالحين - قال حدثنا محمد بن موسى الهمداني (5)، قال حدثنا محمد بن ~~خالد الطيالسي (6)، قال حدثنا سيف بن عميرة (7) وصالح بن عقبة (8) جميعا # PageV01P067 # عن قيس بن سمعان (1) عن علقمة بن محمد الحضرمي (2) عن أبي جعفر محمد ابن ~~علي عليه السلام أنه قال: حج رسول الله صلى الله عليه وآله من المدينة وقد ~~بلغ جميع الشرايع قومه غير الحج والولاية، فأتاه جبرئيل عليه السلام فقال ~~له: يا محمد إن الله جل اسمه يقرئك السلام ويقول لك: إني لم أقبض نبيا من ~~أنبيائي ولا رسولا من رسلي إلا بعد إكمال ديني وتأكيد حجتي، وقد بقي عليك ~~من ذاك فريضتان مما تحتاج أن تبلغهما قومك: فريضة الحج، وفريضة الولاية ~~والخلافة من بعدك، فإني لم أخل أرضي من حجة ولن أخليها أبدا، فإن الله جل ~~ثناؤه يأمرك أن تبلغ قومك الحج وتحج ويحج معك ms060 من استطاع إليه سبيلا من أهل ~~الحضر والأطراف والأعراب وتعلمهم من معالم حجهم مثل ما علمتهم من صلاتهم ~~وزكاتهم وصيامهم وتوقفهم من ذلك علي مثال الذي أوقفتهم عليه من جميع ما ~~بلغتهم من الشرائع. # فنادي منادي رسول الله صلى الله عليه وآله في الناس: ألا إن رسول الله ~~يريد الحج وأن يعلمكم من ذلك مثل الذي علمكم من شرائع دينكم ويوقفكم من ذاك ~~على ما أوقفكم عليه من غيره، فخرج صلى الله عليه وآله وخرج معه الناس ~~واصغوا إليه لينظروا ما يصنع فيصنعوا مثله، فحج بهم وبلغ من حج مع رسول ~~الله من أهل المدينة وأهل الأطراف والأعراب سبعين ألف إنسان أو يزيدون على ~~نحو عدد أصحاب موسى السبعين ألف الذين أخذ عليهم بيعة هارون فنكثوا واتبعوا ~~العجل والسامري، وكذلك أخذ رسول الله صلى الله عليه وآله البيعة لعلي ~~بالخلافة على عدد أصحاب موسى فنكثوا البيعة واتبعوا العجل والسامري سنة ~~بسنة ومثلا بمثل، واتصلت التلبية ما بين مكة والمدينة (3) # PageV01P068 # فلما وقف بالموقف أتاه جبرئيل عليه السلام عن الله عز وجل فقال: يا محمد ~~إن الله عز وجل يقرئك السلام ويقول لك: إنه قد دنى أجلك ومدتك وأنا مستقدمك ~~على ما لا بد منه ولا عنه محيص، فاعهد عهدك وقدم وصيتك واعمد إلى ما عندك ~~من العلم وميراث علوم الأنبياء من قبلك والسلاح والتابوت وجميع ما عندك من ~~آيات الأنبياء، فسلمه إلى وصيك وخليفتك من بعدك حجتي البالغة على خلقي علي ~~بن أبي طالب عليه السلام، فأقمه للناس علما وجدد عهده وميثاقه وبيعته، ~~وذكرهم ما أخذت عليهم من بيعتي وميثاقي الذي واثقتهم وعهدي الذي عهدت إليهم ~~من ولاية وليي ومولاهم ومولى كل مؤمن ومؤمنة علي بن أبي طالب عليه السلام، ~~فإني لم أقبض نبيا من الأنبياء إلا من بعد إكمال ديني وحجتي وإتمام نعمتي ~~بولاية أوليائي ومعاداة أعدائي، وذلك كمال توحيدي وديني وإتمام نعمتي على ~~خلقي باتباع وليي وطاعته، وذلك أني لا أترك أرضي بغير ولي ولا قيم ليكون ~~حجة لي ms061 على خلقي، فاليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم ~~الإسلام دينا بولاية وليي ومولى كل مؤمن ومؤمنة علي عبدي ووصي نبي والخليفة ~~من بعده وحجتي البالغة على خلقي، مقرون طاعته بطاعة محمد نبيي ومقرون طاعته ~~مع طاعة محمد بطاعتي، من أطاعه فقد أطاعني ومن عصاه فقد عصاني، جعلته علما ~~بيني وبين خلقي، من عرفه كان مؤمنا ومن أنكره كان كافرا ومن أشرك بيعته كان ~~مشركا ومن لقيني بولايته دخل الجنة، ومن لقيني بعداوته دخل النار، فأقم يا ~~محمد عليا علما وخذ عليهم البيعة وجدد عهدي وميثاقي لهم الذي واثقتهم عليه، ~~فإني قابضك إلي ومستقدمك علي. # فخشى رسول الله صلى الله عليه وآله من قومه وأهل النفاق والشقاق أن ~~يتفرقوا ويرجعوا إلى جاهلية لما عرف من عداوتهم ولما ينطوي عليه أنفسهم ~~لعلي من العداوة والبغضاء PageV01P069 # وسأل جبرئيل أن يسأل ربه العصمة من الناس وانتظر أن يأتيه جبرئيل بالعصمة ~~من الناس عن الله جل اسمه، فأخر ذلك إلى أن بلغ مسجد الخيف (1)، فأتاه ~~جبرئيل عليه السلام في مسجد الخيف فأمره بأن يعهد عهده ويقيم عليا علما ~~للناس يهتدون به، ولم يأته بالعصمة من الله جل جلاله بالذي أراد حتى بلغ ~~كراع الغميم (2) بين مكة والمدينة، فأتاه جبرئيل وأمره بالذي أتاه فيه من ~~قبل الله ولم يأته بالعصمة، فقال: جبرئيل إني أخشى قومي أن يكذبوني ولا ~~يقبلوا قولي في علي عليه السلام [فسأل جبرئيل كما سأل بنزول آية العصمة ~~فأخره ذلك] فرحل فلما بلغ غدير خم (3) قبل الجحفة (4) بثلاثة أميال أتاه ~~جبرئيل عليه السلام على خمس ساعات مضت من النهار بالزجر والانتهار والعصمة ~~من الناس فقال: يا محمد إن الله عز وجل يقرئك السلام ويقول لك " يا أيها ~~الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك " في علي " وإن لم تفعل فما بلغت رسالته ~~والله يعصمك من الناس " (5). # وكان أوائلهم قريب من الجحفة، فأمر بأن يرد من تقدم منهم ويحبس تأخر # PageV01P070 # عنهم في ذلك المكان ليقيم عليا علماء للناس ويبلغهم ما أنزل ms062 الله تعالى ~~في علي وأخبره بأن الله عز وجل قد عصمه من الناس، فأمر رسول الله عندما ~~جاءته العصمة مناديا ينادي في الناس بالصلاة جامعة ويرد من تقدم منهم ويحبس ~~من تأخر وتنحى عن يمين الطريق إلى جنب مسجد الغدير أمره بذلك جبرئيل عن ~~الله عز وجل، وكان في الموضع سلمات (1) فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله ~~أن يقم ما تحتهن (2) وينصب له حجارة كهيئة المنبر ليشرف على الناس، فتراجع ~~الناس واحتبس أواخرهم في ذلك المكان لا يزالون، فقام رسول الله صلى الله ~~عليه وآله فوق تلك الأحجار ثم حمد الله تعالى وأثنى عليه فقال: # الحمد لله الذي علا في توحده، ودنا في تفرده، وجل في سلطانه، وعظم في ~~أركانه، وأحاط بكل شئ علما وهو في مكانه، وقهر جميع الخلق بقدرته وبرهانه ~~مجيدا لم يزل محمودا لا يزال، بارئ المسموكات (3) وداحي المدحوات وجبار ~~الأرضين والسماوات، قدوس سبوح رب الملائكة والروح، متفضل على جميع من برأه ~~متطول على جميع من أنشأه، يلحظ كل عين والعيون لا تراه، كريم حليم ذو أناة، ~~قد وسع كل شئ رحمته ومن عليهم بنعمته، لا يعجل بانتقامه ولا يبادر إليهم ~~بما استحقوا من عذابه، قد فهم السرائر وعلم الضمائر، ولم تخف عليه ~~المكنونات، ولا اشتبهت عليه الخفيات، له الإحاطة بكل شئ والغلبة على كل شئ ~~والقوة في كل شئ والقدرة على كل شئ وليس مثله شئ، وهو منشئ الشئ حين لا شئ، ~~دائم قائم بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم، جل عن أن تدركه الأبصار وهو ~~يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير، لا يلحق أحد وصفه من معاينة، ولا يجد أحد ~~كيف هو من سر وعلانية إلا بما دل عز وجل على نفسه. # وأشهد أنه الله الذي ملأ الدهر قدسه، والذي يغشى الأبد نوره، والذي ينفذ # PageV01P071 # أمره بلا مشاورة مشير ولا معه شريك في تقدير ولا تفاوت في تدبير، صور ما ~~أبدع على غير مثال وخلق ما خلق بلا معونة من أحد ولا تكلف ولا ms063 احتيال، ~~أنشأها فكانت وبرأها فبانت، فهو الله الذي لا إله إلا هو المتقن الصنعة ~~الحسن الصنيعة العدل الذي لا يجور والإكرم الذي ترجع إليه الأمور. # وأشهد أنه الذي تواضع كل شئ لقدرته وخضع كل شئ لهيبته ملك الأملاك ومفلك ~~الأفلاك ومسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى، يكور الليل على النهار (1) ~~ويكور النهار على الليل يطلبه حثيثا، قاسم كل جبار عنيد ومهلك كل شيطان ~~مريد، لم يكن معه ضد ولا ند، أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، ~~إله واحد ورب ماجد يشاء فيمضي ويريد فيقضي ويعلم فيحصي ويميت ويحيي ويفقر ~~ويغني ويضحك ويبكي ويمنع ويعطي، له الملك وله الحمد بيده الخير وهو على كل ~~شئ قدير، يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل لا إله إلا هو العزيز ~~الغفار، مجيب الدعاء ومجزل العطاء، محصي الأنفاس ورب الجنة والناس، لا يشكل ~~عليه شئ ولا يضجره صراخ المستصرخين ولا يبرمه إلحاح الملحين، العاصم ~~للصالحين والموفق للمفلحين ومولى العالمين، الذي استحق من كل من خلق أن ~~يشكره ويحمده. أحمده على السراء والضراء والشدة والرخاء، وأؤمن به ~~وبملائكته وكتبه ورسله، أسمع أمره وأطيع وأبادر إلى كل ما يرضاه واستسلم ~~لقضائه رغبة في طاعته وخوفا من عقوبته، لأنه الله الذي لا يؤمن مكره ولا ~~يخاف جوره، وأقر له على نفسي بالعبودية وأشهد له بالربوبية وأؤدي ما أوحي ~~إلى حذرا من أن لا أفعل فتحل بي منه قارعة (2) لا يدفعها عني أحد وإن عظمت ~~حيلته لا إله إلا هو، لأنه قد أعلمني أني إن لم أبلغ ما أنزل إلي فما بلغت ~~رسالته # PageV01P072 # وقد ضمن لي تبارك وتعالى العصمة، وهو الله الكافي الكريم، فأوحي إلي: بسم ~~الله الرحمن الرحيم " يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك " في علي ~~[يعني في الخلافة لعلي بن أبي طالب عليه السلام] " وإن لم تفعل فما بلغت ~~رسالته والله يعصمك من الناس ". # (معاشر الناس) ما قصرت في تبليغ ما أنزل الله تعالى إلى، وأنا ms064 مبين لكم ~~سبب نزول هذه الآية: إن جبرئيل عليه السلام هبط إلي مرارا ثلاثا يأمرني عن ~~السلام ربي وهو السلام أن أقوم في هذا المشهد فأعلم كل أبيض وأسود أن علي ~~بن أبي طالب عليه السلام أخي ووصيي وخليفتي والإمام من بعدي، الذي محله مني ~~محل هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي وهو وليكم من بعد الله ورسوله، وقد ~~أنزل الله تبارك وتعالى على بذلك آية من كتابه " إنما وليكم الله ورسوله ~~والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون " (1) وعلي بن ~~أبي طالب عليه السلام أقام الصلاة وآتى الزكاة وهو راكع يريد الله عز وجل ~~في كل حال. # وسألت جبرئيل أن يستعفي لي عن تبليغ ذلك إليكم أيها الناس لعلمي بقلة ~~المتقين وكثرة المنافقين وإدغال (2) الآثمين وختل (3) المستهزئين بالإسلام ~~الذين وصفهم الله في كتابه بأنهم يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم ~~ويحسبونه هينا وهو عند الله عظيم، وكثرة إذا هم لي في غير مرة حتى سموني ~~إذنا (4). # وزعموا أني كذلك لكثرة ملازمته إياي وإقبالي عليه، حتى أنزل الله عز وجل ~~في ذلك قرآنا " ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن قل أذن " على الذين ~~يزعمون أنه أذن " خير لكم يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين " الآية (5). # ولو شئت أن أسمي بأسمائهم لسميت وأن أومى إليهم بأعيانهم لأومأت وأن # PageV01P073 # أدل عليهم لدللت، ولكني والله في أمورهم قد تكرمت، وكل ذلك لا يرضى الله ~~مني إلا أن أبلغ ما أنزل إلي، ثم تلى صلى الله عليه وآله " يا أيها الرسول ~~بلغ ما أنزل إليك من ربك " في علي " وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله ~~يعصمك من الناس ". # فاعلموا معاشر الناس أن الله قد نصبه لكم وليا وإماما مفترضا طاعته على ~~المهاجرين والأنصار وعلى التابعين لهم بإحسان، وعلى البادي والحاضر وعلى ~~الأعجمي والعربي والحر والمملوك والصغير والكبير وعلى الأبيض والأسود وعلى ~~كل موحد ماض حكمه جائز قوله نافذ أمره، ملعون من خالفه مرحوم من تبعه مؤمن ~~من صدقه، فقد غفر ms065 الله له ولمن سمع منه وأطاع له. # (معاشر الناس) إنه آخر مقام أقومه في هذا المشهد فاسمعوا وأطيعوا ~~وانقادوا لأمر ربكم، فإن الله عز وجل هو مولاكم وإلهكم ثم من دونه محمد صلى ~~الله عليه وآله وليكم القائم المخاطب لكم، ثم من بعدي علي وليكم وإمامكم ~~بأمر ربكم، ثم الإمامة في ذريتي من ولده إلى يوم تلقون الله ورسوله، لا ~~حلال إلا ما أحله الله ولا حرام إلا ما حرمه الله، عرفني الحلال والحرام ~~وأنا أفضيت بما علمني ربي من كتابه وحلاله وحرامه إليه. # (معاشر الناس) ما من علم إلا وقد أحصاه الله في، وكل علم علمت فقد أحصيته ~~في إمام المتقين، وما من علم إلا علمته عليا، وهو الإمام المبين. # (معاشر الناس) لا تضلوا عنه ولا تنفروا منه ولا تستكبروا [ولا تستنكفوا خ ~~ل] من ولايته، فهو الذي يهدي إلى الحق ويعمل به ويزهق الباطل وينهى عنه ولا ~~تأخذه في الله لومة لائم. ثم إنه أول من آمن بالله ورسوله، وهو الذي فدى ~~رسوله بنفسه وهو الذي كان مع رسول الله ولا أحد يعبد الله مع رسوله من ~~الرجال غيره. # (معاشر الناس) فضلوه فقد فضله الله، واقبلوه فقد نصبه الله. # (معاشر الناس) إنه إمام من الله ولن يتوب الله على أحد أنكر ولايته، ولن ~~يغفر الله له، حتما على الله أن يفعل ذلك بمن خالف أمره فيه وأن يعذبه ~~عذابا PageV01P074 # شديدا نكرا أبد الآباد ودهر الدهور، فاحذروا أن تخالفوه فتصلوا نارا ~~وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين. # (أيها الناس) بي والله بشر الأولون من النبيين والمرسلين، وأنا خاتم ~~الأنبياء والمرسلين والحجة على جميع المخلوقين من أهل السماوات والأرضين، ~~فمن شك في ذلك فهو كافر كفر الجاهلية الأولى، ومن شك في شئ من قولي هذا فقد ~~شك في الكل منه، والشاك في ذلك فله النار. # (معاشر الناس) حباني الله بهذه الفضيلة منا منه علي وإحسانا منه إلي، ولا ~~إله إلا هو، له الحمد مني أبد الآبدين ودهر الداهرين على كل حال. ms066 # (معاشر الناس) فضلوا عليا فإنه أفضل الناس بعدي من ذكر وأنثى، بنا أنزل ~~الله الرزق وبقي الخلق، ملعون ملعون مغضوب مغضوب من رد على قولي هذا ولم ~~يوافقه، ألا إن جبرئيل خبرني عن الله تعالى بذلك ويقول: " من عادى عليا ولم ~~يتوله فعليه لعنتي وغضبي " فلتنظر نفس ما قدمت لغد، واتقوا الله أن تخالفوه ~~فتزل قدم بعد ثبوتها إن الله خبير بما تعملون. # (معاشر الناس) إنه جنب الله الذي ذكر في كتابه فقال تعالى: " إن تقول نفس ~~يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله " (1). # (معاشر الناس) تدبروا القرآن وافهموا آياته وانظروا إلى محكماته ولا ~~تتبعوا متشابهه، فوالله لن يبين لكم زواجره ولا يوضح لكم تفسيره إلا الذي ~~أنا آخذ بيده ومصعده إلى - وشائل بعضده - ومعلمكم إن من كنت مولاه فهذا علي ~~مولاه، وهو علي بن أبي طالب عليه السلام أخي ووصيي، وموالاته من الله عز ~~وجل أنزلها على. # (معاشر الناس) إن عليا والطيبين من ولدي هم الثقل الأصغر، والقرآن الثقل ~~الأكبر، فكل واحد منبئ عن صاحبه وموافق له لن يفترقا حتى يردا على الحوض، ~~هم أمناء الله في خلقه وحكماؤه في أرضه، ألا وقد أديت، ألا وقد بلغت # PageV01P075 # ألا وقد أسمعت، ألا وقد أوضحت، ألا وإن الله عز وجل قال وأنا قلت عن الله ~~عز وجل، ألا إنه ليس أمير المؤمنين غير أخي هذا ولا تحل إمرة المؤمنين بعدي ~~لأحد غيره. # ثم ضرب بيده إلى عضده فرفعه، وكان منذ أول ما صعد رسول الله صلى الله ~~عليه وآله شال عليا حتى صارت رجله مع ركبة رسول الله صلى الله عليه وآله، ~~ثم قال: # (معاشر الناس) هذا علي أخي ووصيي وواعي علمي وخليفتي على أمتي وعلى تفسير ~~كتاب الله عز وجل والداعي إليه والعامل بما يرضاه والمحارب لأعدائه ~~والموالي على طاعته والناهي عن معصيته خليفة رسول الله وأمير المؤمنين ~~والإمام الهادي وقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين بأمر الله، أقول ما ~~يبدل القول لدي بأمر ربي، أقول: اللهم وال من والاه وعاد ms067 من عاداه والعن من ~~أنكره واغضب على من جحد حقه، اللهم إنك أنزلت علي أن الإمامة بعدي لعلي ~~وليك عند تبياني ذلك ونصبي أيام بما أكملت لعبادك من دينهم وأتممت عليهم ~~بنعمتك ورضيت لهم الإسلام دينا، فقلت: " ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن ~~يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين " (1) اللهم إني أشهدك وكفى بك شهيدا ~~أني قد بلغت. # (معاشر الناس) إنما أكمل الله عز وجل دينكم بإمامته، فمن لم يأتم به وبمن ~~يقوم مقامه من ولدي من صلبه إلى يوم القيامة والعرض على الله عز وجل فأولئك ~~الذين حبطت أعمالهم وفي النار فيها خالدون، لا يخفف عنهم العذاب ولاهم ~~ينظرون. # (معاشر الناس) هذا علي أنصركم لي وأحقكم بي وأقربكم إلي وأعزكم علي، ~~والله عز وجل وأنا عنه راضيان، وما نزلت آية رضى إلا فيه، وما خاطب الله ~~الذين آمنوا إلا بدأ به، ولا نزلت آية مدح في القرآن إلا فيه، ولا شهد ~~بالجنة في هل أتى على الإنسان إلا له، ولا أنزلها في سواه، ولا مدح بها ~~غيره. # (معاشر الناس) هو ناصر دين الله والمجادل عن رسول الله، وهو التقي # PageV01P076 # النقي الهادي المهدي، نبيكم خير نبي ووصيكم خير وصي وبنوه خير الأوصياء. # (معاشر الناس) ذرية كل نبي من صلبه وذريتي من صلب علي. # (معاشر الناس) إن إبليس أخرج آدم من الجنة بالحسد، فلا تحسدوه فتحبط ~~أعمالكم وتزل أقدامكم، فإن آدم أهبط إلى الأرض بخطيئة واحدة وهو صفوة الله ~~عز وجل وكيف بكم وأنتم أنتم ومنكم أعداء الله، ألا إنه لا يبغض عليا إلا ~~شقي ولا يتوالى عليا إلا تقي ولا يؤمن به إلا مؤمن مخلص، وفي علي والله ~~نزلت سورة العصر " بسم الله الرحمن الرحيم. والعصر إن الإنسان لفي خسر " ~~إلى آخرها. # (معاشر الناس) قد استشهدت الله وبلغتكم رسالتي، وما على الرسول إلا ~~البلاغ المبين. # (معاشر الناس) اتقوا الله حق تقاته، ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. # (معاشر الناس) آمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزل معه من قبل أن نطمس ms068 ~~وجوها فنردها على أدبارها. # (معاشر الناس) النور من الله عز وجل في مسلوك ثم في علي ثم في النسل منه ~~إلى القائم المهدي الذي يأخذ بحق الله وبكل حق هو لنا، لأن الله عز وجل قد ~~جعلنا حجة على المقصرين والمعاندين والمخالفين والخائنين والآثمين ~~والظالمين من جميع العالمين. # (معاشر الناس) أنذركم أني رسول الله قد خلت من قبلي الرسل أفإن مت أو ~~قتلت انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي ~~الله الشاكرين، ألا وإن عليا هو الموصوف بالصبر والشكر ثم من بعده ولدي من ~~صلبه. # (معاشر الناس) لا تمنوا على الله إسلامكم فيسخط عليكم ويصيبكم بعذاب من ~~عنده إنه لبالمرصاد. PageV01P077 # (معاشر الناس) إنه سيكون من بعدي أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ~~ينصرون. # (معاشر الناس) إن الله وأنا بريئان منهم. # (معاشر الناس) إنهم وأنصارهم وأتباعهم وأشياعهم في الدرك الأسفل من النار ~~ولبئس مثوى المتكبرين، ألا إنهم أصحاب الصحيفة فلينظر أحدكم في صحيفته. # قال: فذهب على الناس إلا شرذمة منهم أمر الصحيفة. # (معاشر الناس) إني أدعها إمامة ووراثة في عقبى إلى يوم القيامة، وقد بلغت ~~ما أمرت بتبليغه حجة على كل حاضر وغائب وعلى كل أحد ممن شهد أو لم يشهد ولد ~~أو لم يولد، فليبلغ الحاضر الغائب والوالد الولد إلى يوم القيامة، ~~وسيجعلونها ملكا واغتصابا، ألا لعن الله الغاصبين والمغتصبين، وعندها سنفرغ ~~لكم أيها الثقلان فيرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران. # (معاشر الناس) إن الله عز وجل لم يكن يذركم على ما أنتم عليه حتى يميز ~~الخبيث من الطيب، وما كان الله ليطلعكم على الغيب. # (معاشر الناس) إنه ما من قرية إلا والله مهلكها بتكذيبها، وكذلك يهلك ~~القرى وهي ظالمة كما ذكر الله تعالى، وهذا علي إمامكم ووليكم وهو مواعيد ~~الله والله يصدق ما وعده. # (معاشر الناس) قد ضل قبلكم أكثر الأولين، والله لقد أهلك الأولين وهو ~~مهلك الآخرين، قال الله تعالى: " ألم نهلك الأولين. ثم نتبعهم الآخرين. # كذلك نفعل بالمجرمين. ويل ms069 يومئذ للمكذبين " (1). # (معاشر الناس) إن الله قد أمرني ونهاني، وقد أمرت عليا ونهيته، فعلم ~~الأمر والنهي من ربه عز وجل، فاسمعوا لأمره تسلموا، وأطيعوه تهتدوا، ~~وانتهوا لنهيه ترشدوا، وصيروا إلى مراده ولا تتفرق بكم السبل عن سبيله. # (معاشر الناس) أنا صراط الله المستقيم الذي أمركم باتباعه ثم علي من # PageV01P078 # بعدي ثم ولدي من صلبه أئمة يهدون إلى الحق وبه يعدلون، ثم قرأ " الحمد ~~لله رب العالمين " إلى آخرها وقال: في نزلت وفيهم نزلت ولهم عمت وإياهم ~~خصت، أولئك أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، ألا إن حزب الله هم ~~الغالبون، ألا إن أعداء علي هم أهل الشقاق والنفاق والحادون وهم العادون ~~وإخوان الشياطين الذين يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا، ألا إن ~~أولياءهم الذين ذكرهم الله في كتابه فقال عز وجل " لا تجد قوما يؤمنون ~~بالله واليوم الآخر يوادون من حاد (1) الله ورسوله " (2) إلى آخر الآية، ~~ألا إن أولياءهم الذين وصفهم الله عز وجل فقال: " الذين آمنوا ولم يلبسوا ~~(3) إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون " (4) ألا إن أولياءهم الذين ~~وصفهم الله عز وجل فقال الذين يدخلون الجنة آمنين تتلقاهم الملائكة ~~بالتسليم إن طبتم فادخلوها خالدين (5)، ألا إن أولياءهم الذين قال لهم الله ~~عز وجل: يدخلون الجنة بغير حساب (6)، ألا إن أعداءهم يصلون سعيرا (7)، ألا ~~إن أعداءهم الذين يسمعون لجهنم شهيقا وهي تفور ولها زفير (8)، ألا إن ~~أعداءهم الذين قال الله فيهم: " كلما دخلت أمة # PageV01P079 # لعنت أختها " (1) الآية، ألا إن أعداءهم الذين قال الله عز وجل: " كلما ~~ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير. قالوا بلى قد جائنا نذير ~~فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شئ إن أنتم إلا في ضلال مبين " (2) ألا إن ~~أولياءهم الذين يخشون ربهم بالغيب لهم مغفرة وأجر كبير. # (معاشر الناس) شتان ما بين السعير والجنة، عدونا من ذمه الله ولعنه ~~وولينا من مدحه الله وأحبه. # (معاشر الناس) ألا وإني منذر وعلي هاد. # (معاشر الناس) إني نبي وعلي وصي، ألا إن خاتم ms070 الأئمة منا القائم المهدي ~~ألا إنه الظاهر على الدين، ألا إنه المنتقم من الظالمين، ألا إنه فاتح ~~الحصون وهادمها ألا إنه قاتل كل قبيلة من أهل الشرك، ألا إنه مدرك بكل ثأر ~~لأولياء الله، ألا إنه الناصر لدين الله، ألا إنه الغراف (3) في بحر عميق، ~~ألا إنه يسم (4) كل ذي فضل بفضله وكل ذي جهل بجهله، ألا إنه خيرة الله ~~ومختاره، ألا إنه وارث كل علم والمحيط به، ألا إنه المخبر عن ربه عز وجل ~~والمنبه بأمر إيمانه، ألا إنه الرشيد السديد، ألا إنه المفوض إليه، ألا إنه ~~قد بشر من سلف بين يديه، ألا إنه الباقي حجة ولا حجة بعده ولاحق إلا معه ~~ولا نور إلا عنده، ألا إنه لا غالب له ولا منصور عليه، ألا وإنه ولي الله ~~في أرضه وحكمه في خلقه وأمينه في سره وعلانيته (معاشر الناس) قد بينت لكم ~~وأفهمتكم، وهذا علي يفهمكم بعدي، ألا وإني عند انقضاء خطبتي أدعوكم إلى ~~مصافقتي (5) على بيعته والإقرار به ثم مصافقته بعدي، ألا وإني قد بايعت ~~الله وعلي قد بايعني وأنا آخذكم بالبيعة له عن # PageV01P080 # الله عز وجل " فمن نكث فإنما ينكث على نفسه " (1) الآية. # (معاشر الناس) إن الحج والصفا والمروة والعمرة من شعائر الله " فمن حج ~~البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما " (2) الآية. # (معاشر الناس) حجوا البيت، فما ورده أهل بيت لا استغنوا، ولا تخلفوا عنه ~~إلا افتقروا. # (معاشر الناس) ما وقف بالموقف مؤمن إلا غفر الله له ما سلف من ذنبه إلى ~~وقته ذلك فإذا انقضت حجته استؤنف عمله. # (معاشر الناس) الحجاج معانون (3) ونفقاتهم مخلفة، والله لا يضيع أجر ~~المحسنين. # (معاشر الناس) حجوا البيت بكمال الدين والتفقه، ولا تنصرفوا عن المشاهد ~~إلا بتوبة وإقلاع (4). # (معاشر الناس) أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة كما أمركم الله عز وجل، لئن ~~طال عليكم الأمد فقصرتم أو نسيتم فعلي وليكم ومبين لكم الذي نصبه الله عز ~~وجل بعدي، ومن خلفه الله مني وأنا منه يخبركم بما تسألون عنه ويبين ms071 لكم ما ~~لا تعلمون، ألا إن الحلال والحرام أكثر من أن أحصيهما وأعرفهما، فآمر ~~بالحلال وأنهى عن الحرام في مقام واحد، فأمرت أن آخذ البيعة منكم والصفقة ~~لكم بقبول ما جئت به عن الله عز وجل في علي أمير المؤمنين والأئمة من بعده ~~الذين هم مني ومنه، أئمة قائمة منهم المهدي إلى يوم القيامة الذي يقضي ~~بالحق. # (معاشر الناس) وكل حلال دللتكم عليه أو حرام نهيتكم عنه فإني لم أرجع عن ~~ذلك ولم أبدل، ألا فاذكروا ذلك واحفظوه وتواصوا به ولا تبدلوه ولا # PageV01P081 # تغيروه، ألا وإني أجدد القول: ألا فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا ~~بالمعروف وانهوا عن المنكر، ألا وإن رأس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ~~أن تنتهوا إلى قولي وتبلغوه من لم يحضر وتأمروه بقبوله وتنهوه عن مخالفته، ~~فإنه أمر من الله عز وجل ومني، ولا أمر بمعروف ولا نهي عن منكر إلا مع إمام ~~معصوم. # (معاشر الناس) القرآن يعرفكم أن الأئمة من بعده ولده، وعرفتكم أنه مني ~~وأنا منه، حيث يقول الله في كتابه " وجعلها كلمة باقية في عقبه " (1) وقلت ~~" لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما ". # (معاشر الناس) التقوى التقوى، احذروا الساعة كما قال الله عز وجل " إن ~~زلزلة الساعة شئ عظيم " (2) اذكروا الممات والحساب والموازين والمحاسبة بين ~~يدي رب العالمين والثواب والعقاب، فمن جاء بالحسنة أثيب عليها ومن جاء ~~بالسيئة فليس له في الجنان نصيب. # (معاشر الناس) أنكم أكثر من أن تصافقوني بكف واحدة، وقد أمرني الله عز ~~وجل أن آخذ من ألسنتكم الإقرار بما عقدت لعلي من إمرة المؤمنين ومن جاء ~~بعده من الأئمة مني ومنه على ما أعلمتكم أن ذريتي من صلبه، فقولوا بأجمعكم ~~" إنا سامعون مطيعون راضون منقادون لما بلغت عن ربنا وربك في أمر علي وأمر ~~ولده من صلبه من الأئمة، نبايعك على ذلك بقلوبنا وأنفسنا وألسنتنا وأيدينا ~~على ذلك نحيى ونموت ونبعث ولا نغير ولا نبدل ولا نشك ولا نرتاب ولا نرجع عن ~~عهد ولا ننقض الميثاق نطيع الله ونطيعك وعليا أمير ms072 المؤمنين وولده الأئمة ~~الذين ذكرتهم من ذريتك من صلبه بعد الحسن والحسين الذين قد عرفتكم مكانهما ~~مني ومحلهما عندي ومنزلتهما من ربي عز وجل " فقد أديت ذلك إليكم وأنهما ~~سيدا شباب أهل الجنة، وأنهما الإمامان بعد أبيهما علي وأنا أبوهما قبله، ~~وقولوا " أطعنا الله بذلك وإياك وعليا والحسن والحسين والأئمة الذين ذكرت ~~عهدا وميثاقا مأخوذا لأمير المؤمنين من قلوبنا وأنفسنا وألسنتنا ومصافقة ~~أيدينا من أدركهما # PageV01P082 # بيده وأقر بهما بلسانه ولا نبتغي بذلك بدلا ولا نرى من أنفسنا عنه حولا ~~أبدا، أشهدنا الله وكفى بالله شهيدا وأنت علينا به شهيد، وكل من أطاع ممن ~~ظهر واستتر وملائكة الله وجنوده وعبيده والله أكبر من كل شهيد " (معاشر ~~الناس) ما تقولون فإن الله يعلم كل صوت وخافية كل نفس، فمن اهتدى فلنفسه ~~ومن ضل فإنما يضل عليها، ومن بايع فإنما يبايع الله يد الله فوق أيديهم. # (معاشر الناس) فاتقوا الله وبايعوا عليا أمير المؤمنين والحسن والحسين ~~والأئمة كلمة طيبة باقية، يهلك الله من غدر ويرحم الله من وفى، ومن " نكث ~~فإنما ينكث على نفسه " الآية. # (معاشر الناس) قولوا الذي قلت لكم وسلموا على علي بإمرة المؤمنين، وقولوا ~~سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير، وقولوا " الحمد لله الذي هدانا ~~لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله " الآية. # (معاشر الناس) إن فضائل علي بن أبي طالب عليه السلام عند الله عز وجل، ~~وقد أنزلها في القرآن أكثر من أن أحصيها في مقام واحد، فمن أنبأكم بها ~~وعرفها فصدقوه. # (معاشر الناس) من يطع الله ورسوله وعليا والأئمة الذين ذكرتهم فقد فاز ~~فوزا عظيما. # (معاشر الناس) السابقون السابقون إلى مبايعته وموالاته والتسليم عليه ~~بإمرة المؤمنين، أولئك هم الفائزون في جنات النعيم. # (معاشر الناس) قولوا ما يرضى الله به عنكم من القول، " فإن تكفروا أنتم ~~ومن في الأرض جميعا فلن يضر الله شيئا " (1)، اللهم اغفر للمؤمنين واغضب ~~على الكافرين والحمد لله رب العالمين. # فناداه القوم: سمعنا وأطعنا على أمر الله وأمر رسوله بقلوبنا وألسنتنا ~~وأيدينا # PageV01P083 # وتداكوا (1) على ms073 رسول الله وعلى علي عليه السلام فصافقوا بأيديهم، فكان ~~أول من صافق رسول الله صلى الله عليه وآله الأول والثاني والثالث والرابع ~~والخامس وباقي المهاجرين والأنصار وباقي الناس على طبقاتهم وقدر منازلهم، ~~إلى أن صليت المغرب والعتمة في وقت واحد، ووصلوا البيعة والمصافقة ثلاثا ~~ورسول الله يقول كلما بايع قوم: # الحمد لله الذي فضلنا على جميع العالمين. وصارت المصافقة سنة ورسما، ~~وربما يستعملها من ليس له حق فيها. # وروي عن الصادق عليه السلام أنه قال: لما فرغ رسول الله صلى الله عليه ~~وآله من هذه الخطبة رأى الناس رجلا جميلا بها طيب الريح فقال: تالله ما ~~رأيت محمدا كاليوم قط، ما أشد ما يؤكد لابن عمه وأنه يعقد عقدا لا يحله إلا ~~كافر بالله العظيم وبرسوله، ويل طويل لمن حل عقده. # قال: والتفت إليه عمر بن الخطاب حين سمع كلامه فأعجبته، هيئته ثم التفت ~~إلى النبي صلى الله عليه وآله وقال: أما سمعت ما قال هذا الرجل، قال كذا ~~وكذا؟ فقال النبي صلى الله عليه وآله: يا عمر أتدري من ذاك الرجل؟ قال: لا. ~~قال: ذلك الروح الأمين جبرئيل، فإياك أن تحله، فإنك إن فعلت فالله ورسوله ~~وملائكته والمؤمنين منك براء. # ذكر تعيين الأئمة الطاهرة بعد النبي صلى الله عليه وآله واحتجاج الله ~~تعالى بمكانهم على كافة الخلق. # روى أبو بصير عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام أنه قال: قال أبي محمد ~~بن علي لجابر بن عبد الله الأنصاري: إن لي إليك حاجة متى يخف عليك أن أخلو ~~بك فأسألك عنها؟ قل له جابر: في أي الأحوال أحببت، فخلا به أبي في بعض ~~الأوقات وقال له: يا جابر أخبرني عن اللوح الذي رأيته في يد أمي فاطمة وما ~~أخبرتك به أمي أنه في ذلك اللوح مكتوب. # PageV01P084 # فقال جابر: أشهد بالله إني دخلت على أمك فاطمة صلوات الله عليها في حياة ~~رسول الله صلى الله عليه وآله فهنيتها بولادة الحسين عليه السلام ورأيت في ~~يدها لوحا أخضر فظننت أنه من ms074 زمرد، ورأيت فيه كتابا أبيض شبه نور الشمس، ~~فقلت لها: بأمي وأبي أنت يا بنت رسول الله ما هذا اللوح؟ فقالت: هذا اللوح ~~أهداه الله تعالى إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فيه اسم أبي واسم بعلي ~~واسم ابني وأسماء الأوصياء من ولدي، فأعطانيه أبي ليسرني بذلك. قال جابر: ~~فأعطتنيه أمك عليها السلام فقرأته واستنسخته. # قال له أبي: فهل لك يا جابر أن تعرضه علي؟ قال: نعم، فمشى معه أبي حتى ~~انتهى إلى منزل جابر فأخرج إلى أبي صحيفة من رق وقال: يا جابر أنظر في ~~كتابك لأقرأ عليك، فنظر جابر في نسخته وقرأ أبي فما خالف حرف حرفا. # قال جابر: فأشهد بالله أني هكذا رأيت في اللوح مكتوبا: # بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من الله العزيز العليم لمحمد نبيه ~~ورسوله ونوره وسفيره وحجابه ودليله، نزل به الروح الأمين من عند رب ~~العالمين. # عظم يا محمد أسمائي وأشكر نعمائي ولا تجحد آلائي، فإني أنا الله لا إله ~~إلا أنا قاصم الجبارين ومذل الظالمين وديان يوم الدين، لا إله إلا أنا من ~~رجا غير فضلي أو خاف غير عدلي عذبته عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين، ~~فإياي فاعبد وعلي فتوكل، إني لم أبعث نبيا فأكملت أيامه وانقضت مدته إلا ~~جعلت له وصيا، وإني فضلتك على الأنبياء وفضلت وصيك على الأوصياء، وأكرمتك ~~بشبليك بعده وسبطيك الحسن والحسين فجعلت حسنا معدن علمي بعد انقضاء مدة ~~أبيه، وجعلت حسينا خازن علمي وأكرمته بالشهادة وختمت له بالسعادة، وهو أفضل ~~من استشهد وأرفع الشهداء درجة، وجعلت كلمتي التامة معه وحجتي البالغة عنده، ~~بعترته أثيب وأعاقب: أولهم علي سيد العابدين وزين أوليائي الماضين، وابنه ~~شبيه جده المحمود محمد الباقر لعلمي والمعدن لحكمتي، سيهلك المرتابون في ~~جعفر الصادق الراد عليه PageV01P085 # كالراد علي، حق القول مني لأكرمن مثوى جعفر ولأسرنه في أشياعه وأنصاره ~~وأوليائه، وانتجبت بعده موسى، وأتيح بعده فتنة عمياء حندس (1) إلا أن خيط ~~فرضي لا ينقطع وحجتي لا تخفى وأن أوليائي لا يشقون، ألا ومن ms075 جحد واحدا منهم ~~فقد جحد نعمتي ومن غير آية من كتابي فقد افترى علي، ويل للمفترين الجاحدين ~~عند انقضاء مدة عبدي موسى وحبيبي وخيرتي، ألا إن المكذب بالثامن مكذب بكل ~~أوليائي علي وليي وناصري ومن أضع عليه أعباء النبوة وأمنحه بالاضطلاع بها ~~يقتله عفريت مستكبر، يدفن بالمدينة التي بناها العبد الصالح إلى جنب شر ~~خلقي، حق القول مني لأقرن عينه بمحمد ابنه وخليفته من بعده ووارث علمه، وهو ~~معدن علمي وموضع سري وحجتي على خلقي، لا يؤمن به عبد إلا جعلت الجنة مثواه ~~وشفعته في سبعين من أهل بيته كلهم قد استوجب النار، واختم بالسعادة لابنه ~~علي وليي وناصري والشاهد في خلقي وأميني على وحيى، أخرج منه الداعي إلى ~~سبيلي والخازن لعلمي الحسن العسكري، ثم أكمل ديني بابنه محمد رحمة ~~للعالمين، عليه كمال موسى وبهاء عيسى وصبر أيوب، سيد أوليائي سيذل أوليائي ~~في زمانه وتتهادى رؤوسهم كما تتهادى رؤوس الترك والديلم فيقتلون ويحرقون ~~ويكونون خائفين مرعوبين وجلين، تصبغ الأرض بدمائهم ويفشو الويل والرنة في ~~نسائهم، أولئك أوليائي حقا بهم أدفع كل فتنة عمياء حندس وبهم اكشف الزلازل ~~وأرفع الآصار والأغلال، أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم ~~المهتدون. # قال عبد الرحمن بن سالم (2) قال أبو بصير (3): لو لم تسمع في دهرك إلا # PageV01P086 # هذا الحديث لكفاك، فصنه إلا عن أهله. # وعن علي بن أبي حمزة (1) عن جعفر بن محمد الصادق عن أبيه عن آبائه عليهم ~~السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله حدثني جبرئيل عن رب العزة جل ~~جلاله أنه قال، من علم أن لا إله إلا أنا وحدي وأن محمد عبدي ورسولي وأن ~~علي بن أبي طالب عليه السلام وليي وخليفتي وأن الأئمة من ولده حججي أدخلته ~~الجنة برحمتي، ونجيته من النار بعفوي، وأبحت له جواري، فأوجبت له كرامتي، ~~وأتممت عليه نعمتي وجعلته من خاصتي وخالصتي. إن ناداني لبيته وإن دعاني ~~أجبته وإن سألني أعطيته وإن سكت ابتدأته، وإن أساء رحمته، وإن فر مني ~~دعوته، وإن رجع ms076 إلى قبلته، وإن قرع بابي فتحته. # ومن لم يشهد أن لا إله إلا أنا وحدي، أو شهد بذلك ولم يشهد أن محمدا عبدي ~~ورسولي، أو شهد بذلك ولم يشهد أن علي بن أبي طالب خليفتي، أو شهد بذلك ولم ~~يشهد أن الأئمة ولده حججي فقد جحد نعمتي وصغر عظمتي وكفر بآياتي وكتبي، إن ~~قصدني حجبته وإن سألني حرمته، وإن ناداني لم أسمع نداءه، وإن دعاني لم ~~أستجب دعاءه، وإن رجاني خيبته، وذلك جزاؤه مني وما أنا بظلام للعبيد فقام ~~جابر بن عبد الله الأنصاري فقال: يا رسول الله ومن الأئمة من ولد علي بن ~~أبي طالب؟ فقال: الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، ثم سيد العابدين في ~~زمانه علي بن الحسين، ثم الباقر محمد بن علي، وستدركه يا جابر فإذا أدركته ~~فاقرأه مني السلام، ثم الصادق جعفر بن محمد، ثم الكاظم موسى بن جعفر، ثم ~~الرضا علي بن موسى، ثم التقي الجواد محمد بن علي، ثم التقي علي بن محمد، ثم ~~الزكي الحسن بن علي، ثم ابنه القائم بالحق مهدي أمتي محمد بن الحسن صاحب # PageV01P087 # الزمان - صلوات الله عليهم أجمعين - الذي يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ~~ظلما وجورا. # هؤلاء يا جابر خلفائي وأوصيائي وأولادي وعترتي، من أطاعهم فقد أطاعني ومن ~~عصاهم فقد عصاني، ومن أنكرهم أو أنكر واحدا منهم فقد أنكرني، بهم يمسك الله ~~عز وجل السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه، وبهم يحفظ الله الأرض أن تميد ~~بأهلها. # وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال لعلي بن أبي طالب عليه السلام: ~~يا علي لا يحبك إلا من طابت ولادته، ولا يبغضك إلا من خبثت ولادته، ولا ~~يواليك إلا مؤمن ولا يعاديك إلا كافر. # فقام إليه عبد الله بن مسعود فقال: يا رسول الله فقد عرفنا علامة خبث ~~الولادة والكافر في حياتك ببغض علي وعداوته، فما علامة خبث الولادة والكافر ~~بعدك إذا أظهر الإسلام بلسانه وأخفى مكنون سريرته؟ # فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا ms077 بن مسعود إن علي بن أبي طالب عليه ~~السلام إمامكم بعدي وخليفتي عليكم، فإذا مضى فالحسن والحسين ابناي إمامكما ~~بعده وخليفتي عليكم، ثم تسعة من ولد الحسين واحد بعد واحد أئمتكم وخلفائي ~~عليكم، تاسعهم قائم أمتي يملأها قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا، لا يحبهم ~~إلا من طابت ولادته ولا يبغضهم إلا من خبثت ولادته ولا يواليهم إلا مؤمن ~~ولا يعاديهم إلا كافر من أنكر واحدا منهم فقد أنكرني ومن أنكرني فقد أنكر ~~الله عز وجل، ومن جحد واحدا منهم فقد جحدني ومن جحدني فقد جحد الله عز وجل، ~~لأن طاعتهم طاعتي وطاعتي طاعة الله ومعصيتهم معصيتي ومعصيتي معصية الله. يا ~~بن مسعود إياك أن تجد في نفسك حرجا مما أقضي فتكفر، فوعزة ربي ما أنا متكلف ~~ولا أنا ناطق عن الهوى في علي والأئمة عليهم السلام من ولده. # ثم قال صلى الله عليه وآله وهو رافع يديه إلى السماء: اللهم وال من والى ~~خلفائي وأئمة أمتي من بعدي وعاد من عاداهم، وانصر من نصرهم، واخذل من ~~خذلهم، ولا PageV01P088 # تخل الأرض من قائم منهم بحجتك إما ظاهرا مشهورا أو خائفا مغمورا لئلا ~~يبطل دينك وحجتك وبيناتك. # ثم قال صلى الله عليه وآله: يا بن مسعود قد جمعت لكم في مقامي هذا ما إن ~~فارقتموه هلكتم وإن تمسكتم به نجوتم. والسلام على من اتبع الهدى. # والأخبار في هذا المعنى متواترة لا تحصى كثرة ذكرنا طرفا منها جلاءا ~~للأبصار وشفاءا لما في الصدور وهدى لقوم ينصفون. # " ذكر طرف مما جرى بعد وفاة رسول الله (ص) من اللجاج والحجاج في أمر ~~الخلافة من قبل من استحقها ومن لم يستحق، والإشارة إلى شئ من إنكار من أنكر ~~على من تأمر على علي بن أبي طالب (ع) تأمره وكيد من كاده من قبل ومن بعد ". # عن أبي المفضل محمد بن عبد الله الشيباني (1) بإسناده الصحيح عن رجال ثقة ~~أن النبي صلى الله عليه وآله خرج في مرضه الذي توفي فيه إلى الصلاة متوكئا ~~على الفضل ms078 بن عباس وغلام له يقال له ثوبان، وهي الصلاة التي أراد التخلف ~~عنها لثقله ثم حمل على نفسه وخرج، فلما صلى عاد إلى منزله فقال لغلامه: ~~اجلس على الباب ولا تحجب أحدا من الأنصار وتجلاه الغشي وجاءت الأنصار ~~فأحدقوا بالباب وقالوا: # استأذن لنا على رسول الله صلى الله عليه وآله. فقال: هو مغشي عليه وعنده ~~نساؤه، فجعلوا يبكون فسمع رسول الله صلى الله عليه وآله البكاء فقال: من ~~هؤلاء؟ قالوا: الأنصار. فقال من هيهنا من أهل بيتي؟ قالوا: علي والعباس، ~~فدعاهما وخرج متوكئا عليهما فاستند إلى جذع من أساطين مسجده - وكان الجذع ~~جريد نخل - فاجتمع الناس وخطب فقال في كلامه: # PageV01P089 # (معاشر الناس) إنه لم يمت نبي قط إلا خلف تركة، وقد خلفت فيكم الثقلين ~~كتاب الله وأهل بيتي، ألا فمن ضيعهم ضيعه الله، ألا وإن الأنصار كرشي ~~وعيبتي (1) التي آوي إليها، وإني أوصيكم بتقوى الله والإحسان إليهم، ~~فاقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم. # ثم دعا أسامة بن زيد فقال: سر على بركة الله والنصر والعافية حيث أمرتك ~~بمن أمرتك عليه، وكان صلى الله عليه وآله قد أمره على جماعة من المهاجرين ~~والأنصار فيهم أبو بكر وعمر وجماعة من المهاجرين الأولين، وأمره أن يغير ~~على مؤتة واد في فلسطين (2). # فقال له أسامة: بأبي أنت وأمي يا رسول الله أتأذن لي في المقام أياما حتى ~~يشفيك الله، فإني متى خرجت وأنت على هذه الحالة خرجت وفي قلبي منك قرحة ~~فقال: انفذ يا أسامة لما أمرتك فإن القعود عن الجهاد لا يجب في حال من ~~الأحوال قال: فبلغ رسول الله صلى الله عليه وآله أن الناس طعنوا في عمله، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وآله بلغني أنكم طعنتم في عمل أسامة وفي عمل ~~أبيه من قبل، وأيم الله إنه لخليق للإمارة وإن أباه كان خليقا لها، وإنه ~~وأباه من أحب الناس إلي فأوصيكم به خيرا، فلئن قلتم في إمارته لقد قال ~~قائلكم في إمارة أبيه. # ثم دخل رسول الله صلى الله عليه ms079 وآله بيته، وخرج أسامة من يومه حتى عسكر ~~على رأس فرسخ من المدينة، ونادى منادي رسول الله صلى الله عليه وآله: أن لا ~~يتخلف عن أسامة أحد ممن أمرته عليه، فلحق الناس به، وكان أول من سارع إليه ~~أبو بكر وعمر # PageV01P090 # وأبو عبيدة بن الجراح، فنزلوا في رقاق (1) واحد مع جملة أهل العسكر. # قال: وثقل رسول الله صلى الله عليه وآله، فجعل الناس ممن لم يكن في بعث ~~أسامة يدخلون عليه أرسالا (2) وسعد بن عبادة يومئذ شاك (3) وكان لا يدخل ~~أحد من الأنصار على النبي صلى الله عليه وآله إلا انصرف إلى سعد يعوده. # قال: وقبض رسول الله صلى الله عليه وآله وقت الضحى من يوم الاثنين بعد ~~خروج أسامة إلى معسكره بيومين، فرجع أهل العسكر والمدينة قد رجفت بأهلها، ~~فأقبل أبو بكر على ناقة حتى وقف على باب المسجد فقال: أيها الناس ما لكم ~~تموجون (4) إن كان محمد قد مات فرب محمد لم يمت " وما محمد إلا رسول قد خلت ~~من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه ~~فلن يضر الله شيئا " (5) قال ثم اجتمعت الأنصار إلى سعد بن عبادة وجاؤا به ~~إلى سقيفة بني ساعدة (6) فلما سمع بذلك عمر أخبر بذلك أبا بكر فمضيا مسرعين ~~إلى السقيفة ومعهما أبو عبيدة بن الجراح، وفي السقيفة خلق كثير من الأنصار ~~وسعد بن عبادة بينهم مريض فتنازعوا الأمر بينهم فآل الأمر إلى أن قال أبو ~~بكر في آخر كلامه للأنصار: # إنما أدعوكم إلى أبي عبيدة بن الجراح أو عمر وكلاهما قد رضيت لهذا الأمر ~~وكلاهما أراهما له أهلا. فقال عمر وأبو عبيدة: ما ينبغي لنا أن نتقدمك يا ~~أبا بكر وأنت أقدمنا إسلاما وأنت صاحب الغار وثاني اثنين فأنت أحق بهذا ~~الأمر وأولى به فقال الأنصار: نحذر أن يغلب على هذا الأمر من ليس منا ولا ~~منكم، فنجعل منا أميرا ومنكم أميرا ونرضى به على أنه إن هلك اخترنا آخر من ~~الأنصار # PageV01P091 # فقال أبو بكر ms080 بعد أن مدح المهاجرين: وأنتم يا معشر الأنصار ممن لا ينكر ~~فضلهم ولا نعمتهم العظيمة في الإسلام، رضيكم الله أنصارا لدينه وكهفا ~~لرسوله وجعل إليكم مهاجرته وفيكم محل أزواجه، فليس أحد من الناس بعد ~~المهاجرين الأولين بمنزلتكم، فهم الأمراء وأنتم الوزراء. # فقال الحباب بن المنذر الأنصاري: يا معشر الأنصار أمسكوا على أيديكم، ~~فإنما الناس في فيئكم وظلالكم، ولن يجترئ مجتر على خلافكم ولن يصدر الناس ~~إلا عن رأيكم. وأثني على الأنصار ثم قال: فإن أبى هؤلاء تأميركم عليهم ~~فلسنا نرضى بتأميرهم علينا ولا نقنع بدون أن يكون منا أمير ومنهم أمير. # فقام عمر بن الخطاب فقال: هيهات لا يجتمع سيفان في غمد واحد، إنه لا ترضى ~~العرب أن تؤمركم ونبيها من غيركم، ولكن العرب لا تمتنع إلى تولي أمرها من ~~كانت النبوة فيهم وألو الأمر منهم، ولنا بذلك على من خالفنا الحجة الظاهرة ~~والسلطان البين، فيما ينازعنا سلطان محمد ونحن أولياؤه وعشيرته إلا مدل ~~بباطل أو متجانف بإثم (1) أو متورط في الهلكة محب للفتنة. # فقام الحباب بن المنذر ثانية فقال: يا معشر الأنصار أمسكوا على أيديكم ~~ولا تسمعوا مقال هذا الجاهل وأصحابه فيذهبوا بنصيبكم من هذا الأمر وإن أبوا ~~أن يكون منا أمير ومنهم أمير فاجلوهم عن بلادكم وتولوا هذا الأمر عليهم، ~~فأنتم والله أحق به منهم، فقد دان بأسيافكم قبل هذا الوقت من لم يكن يدين ~~بغيرها وأنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب (2)، والله لئن أحد رد قولي ~~لأحطمن أنفه بالسيف. # PageV01P092 # قال عمر بن الخطاب: فلما كان الحباب هو الذي يجيبني لم يكن لي معه كلام، ~~فإنه جرت بيني وبينه منازعة في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله فنهاني ~~رسول الله صلى الله عليه وآله عن مهاترته (1) فحلفت أن لا أكلمه أبدا. # قال عمر لأبي عبيدة: تكلم. فقام أبو عبيدة بن الجراح وتكلم بكلام كثير ~~وذكر فيه فضائل الأنصار، وكان بشير بن سعد سيدا من سادات الأنصار لما رأى ~~اجتماع الأنصار على سعد بن عبادة لتأميره حسده وسعى في ms081 إفساد الأمر عليه ~~وتكلم في ذلك ورضي بتأمير قريش وحث الناس كلهم لا سيما الأنصار على الرضا، ~~بما يفعله المهاجرون. # فقال أبو بكر: هذا عمر وأبو عبيدة شيخان من قريش فبايعوا أيهما شئتم فقال ~~عمر وأبو عبيدة: ما نتولى هذا الأمر عليك امدد يدك نبايعك. فقال بشير بن ~~سعد: وأنا ثالثكما، وكان سيد الأوس وسعد بن عبادة سيد الخزرج، فلما رأت ~~الأوس صنيع سيدها بشير وما ادعيت إليه الخزرج من تأمير سعد أكبوا على أبي ~~بكر بالبيعة وتكاثروا على ذلك وتزاحموا، فجعلوا يطأون سعدا من شدة الزحمة ~~وهو بينهم على فراشه مريض. فقال: قتلتموني، قال عمر: اقتلوا سعدا قتله ~~الله، فوثب قيس بن سعد فأخذ بلحية عمر وقال: والله يا بن صهاك الجبان في ~~الحرب والفرار الليث في الملأ والأمن لو حركت منه شعرة ما رجعت وفي وجهك ~~واضحة (2) فقال أبو بكر مهلا يا عمر مهلا فإن الرفق أبلغ وأفضل. فقال سعد: ~~يا بن صهاك - وكانت جدة عمر - الحبشية أما والله لو أن لي قوة على النهوض ~~لسمعتها مني في سككها زئيرا أزعجك وأصحابك منها ولألحقنكما بقوم كنتما فيهم ~~أذنابا أذلاء تابعين # PageV01P093 # غير متبوعين لقد اجترأتما. # ثم قال للخزرج: احملوني من مكان الفتنة، فحملوه وأدخلوه منزله، فلما كان ~~بعد ذلك بعث إليه أبو بكر أن قد بايع الناس فبايع. فقال: لا والله حتى ~~أرميكم بكل سهم في كنانتي وأخضب منكم سنان رمحي وأضربكم بسيفي ما أقلت يدي ~~فأقاتلكم بمن تبعني من أهل بيتي وعشيرتي، ثم وأيم الله لو اجتمع الجن ~~والإنس علي لما بايعتكما أيهما الغاصبان حتى أعرض على ربي وأعلم ما حسابي. # فلما جاءهم كلامه قال عمر: لا بد من بيعته. فقال بشير بن سعد: إنه قد أبى ~~ولج وليس بمبايع أو يقتل، وليس بمقتول حتى يقتل معه الخزرج والأوس فاتركوه ~~فليس تركه بضائر، فقبلوا قوله وتركوا سعدا، فكان سعد لا يصلي بصلاتهم ولا ~~يقضي بقضائهم، ولو وجد أعوانا لصال بهم ولقاتلهم، فلم يزل كذلك مدة ولاية ~~أبي بكر ms082 حتى هلك أبو بكر، ثم ولى عمر وكان كذلك، فخشى سعد غائلة عمر فخرج ~~إلى الشام فمات بحوران (1) في ولاية عمر ولم يبايع أحدا. # وكان سبب موته أن رمي بسهم في الليل فقتله، وزعم أن الجن رموه، وقيل أيضا ~~إن محمد بن سلمة الأنصاري تولى ذلك بجعل جعل له عليه، وروي أنه تولى ذلك ~~المغيرة بن شعبة وقيل خالد بن الوليد. # قال وبايع جماعة الأنصار ومن حضر من غيرهم، وعلي بن أبي طالب مشغول بجهاز ~~رسول الله صلى الله عليه وآله، فلما فرغ من ذلك وصلى على النبي صلى الله ~~عليه وآله والناس يصلون عليه من بايع أبا بكر ومن لم يبايع جلس في المسجد، ~~فاجتمع عليه بنو هاشم ومعهم الزبير بن العوام، واجتمعت بنو أمية إلى عثمان ~~بن عفان وبنو زهرة إلى عبد الرحمن بن عوف، فكانوا في المسجد كلهم مجتمعين ~~إذ أقبل أبو بكر ومعه عمر وأبو عبيدة بن الجراح فقالوا: ما لنا نراكم خلقا ~~شتى قوموا فبايعوا أبا بكر فقد بايعته الأنصار والناس، فقام عثمان وعبد ~~الرحمن بن عوف ومن معهما فبايعوا، # PageV01P094 # وانصرف علي وبنو هاشم إلى منزل علي عليه السلام ومعهم الزبير. قال: فذهب ~~إليهم عمر في جماعة ممن بايع فيهم أسيد بن حصين وسلمة بن سلامة فألفوهم ~~مجتمعين، فقالوا لهم: بايعوا أبا بكر فقد بايعه الناس، فوثب الزبير إلى ~~سيفه فقال عمر: عليكم بالكلب العقور فاكفونا شره، فبادر سلمة بن سلامة ~~فانتزع السيف من يده فأخذه عمر فضرب به الأرض فكسره، وأحدقوا بمن كان هناك ~~من بني هاشم ومضوا بجماعتهم إلى أبي بكر، فلما حضروا قالوا: بايعوا أبا بكر ~~فقد بايعه الناس، وأيم الله لئن أبيتم ذلك لنحاكمنكم بالسيف. # فلما رأى ذلك بنو هاشم أقبل رجل رجل فجعل يبايع حتى لم يبق ممن حضر إلا ~~علي بن أبي طالب، فقالوا له بايع أبا بكر. فقال علي عليه السلام: أنا أحق ~~بهذا الأمر منه وأنتم أولى بالبيعة لي، أخذتم هذا الأمر من الأنصار ~~واحتججتم عليهم بالقرابة ms083 من الرسول وتأخذونه منا أهل البيت غصبا، ألستم ~~زعمتم للأنصار إنكم أولى بهذا الأمر منهم لمكانكم من رسول الله صلى الله ~~عليه وآله فأعطوكم المقادة وسلموا لكم الإمارة، وأنا احتج عليكم بمثل ما ~~احتججتم على الأنصار، أنا أولى برسول الله حيا وميتا، وأنا وصيه ووزيره ~~ومستودع سره وعلمه، وأنا الصديق الأكبر والفاروق الأعظم أول من آمن به ~~وصدقه، وأحسنكم بلاءا في جهاد المشركين وأعرفكم بالكتاب والسنة وأفقهكم في ~~الدين وأعلمكم بعواقب الأمور، واذر بكم لسانا (1) وأثبتكم جنانا، فعلام ~~تنازعونا هذا الأمر؟ أنصفونا إن كنتم تخافون الله من أنفسكم، واعرفوا لنا ~~الأمر مثل ما عرفته لكم الأنصار، وإلا فبوؤا بالظلم والعدوان وأنتم تعلمون. # فقال عمر: يا علي أما لك بأهل بيتك أسوة؟ فقال علي عليه السلام: سلوهم عن ~~ذلك، فابتدر القوم الذين بايعوا من بني هاشم فقالوا: والله ما بيعتنا لكم ~~بحجة على علي، ومعاذ الله أن نقول إنا نوازيه في الهجرة وحسن الجهاد والمحل ~~من رسول الله صلى الله عليه وآله. # PageV01P095 # فقال عمر: إنك لست متروكا حتى تبايع طوعا أو كرها. فقال علي عليه السلام ~~احلب حلبا لك شطره، اشدد له اليوم ليرد عليك غدا، إذا والله لا أقبل قولك ~~ولا أحفل بمقامك ولا أبايع. فقال أبو بكر: مهلا يا أبا الحسن ما نشك فيك ~~ولا نكرهك فقال أبو عبيدة إلى علي عليه السلام فقال: يا بن عم لسنا ندفع ~~قرابتك ولا سابقتك ولا علمك ولا نصرتك، ولكنك حدث السن - وكان لعلي عليه ~~السلام يومئذ ثلاث وثلاثون سنة - وأبو بكر شيخ من مشايخ قومك، وهو أحمل ~~لثقل هذا الأمر، وقد مضى الأمر بما فيه فسلم له، فإن عمرك الله يسلموا هذا ~~الأمر إليك، ولا يختلف فيك اثنان بعد هذا إلا وأنت به خليق وله حقيق، ولا ~~تبعث الفتنة في أوان الفتنة فقد عرفت ما في قلوب العرب وغيرهم عليك. # فقال أمير المؤمنين عليه السلام: يا معاشر المهاجرين والأنصار الله الله ~~لا تنسوا عهد نبيكم إليكم في أمري، ولا تخرجوا سلطان ms084 محمد من داره وقعر ~~بيته إلى دوركم وقعر بيوتكم، ولا تدفعوا أهله عن حقه ومقامه في الناس. # فوالله معاشر الجمع إن الله قضى وحكم ونبيه أعلم وأنتم تعلمون بأنا أهل ~~البيت أحق بهذا الأمر منكم، أما كان القارئ منكم لكتاب الله الفقيه في دين ~~الله المضطلع بأمر الرعية، والله إنه لفينا لا فيكم فلا تتبعوا الهوى ~~فتزدادوا من الحق بعدا وتفسدوا قديمكم بشر من حديثكم. # فقال بشير بن سعد الأنصاري الذي وطأ الأرض لأبي بكر وقالت جماعة من ~~الأنصار: يا أبا الحسن لو كان هذا الأمر سمعته منك الأنصار قبل بيعتها لأبي ~~بكر ما اختلف فيك اثنان. فقال علي عليه السلام: يا هؤلاء كنت أدع رسول الله ~~مسجى لا أواريه وأخرج أنازع في سلطانه، والله ما خفت أحدا يسمو له وينازعنا ~~أهل البيت فيه ويستحل ما استحللتموه، ولا علمت أن رسول الله صلى الله عليه ~~وآله ترك يوم غدير خم لأحد حجة ولا لقائل مقالا، فأنشد الله رجلا سمع النبي ~~يوم غدير خم يقول: " من كنت مولاه فهذا علي مولاه اللهم وال من والاه وعاد ~~من عاداه وانصر من نصره وخذل من خذله " أن يشهد الآن بما سمع. PageV01P096 # قال زيد بن أرقم: فشهد اثنا عشر رجلا بدريا بذلك وكنت ممن سمع القول من ~~رسول الله صلى الله عليه وآله فكتمت الشهادة يومئذ، فدعا علي علي فذهب ~~بصري. # قال: وكثر الكلام في هذا المعنى وارتفع الصوت وخشي عمر أن يصغي الناس إلى ~~قول علي عليه السلام، ففسح المجلس وقال: إن الله يقلب القلوب، ولا تزال يا ~~أبا الحسن ترغب عن قول الجماعة، فانصرفوا يومهم ذلك. # وعن أبان بن تغلب قال: قلت لأبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق عليهما ~~السلام: # جعلت فداك هل كان أحد في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله أنكر على ~~أبي بكر فعله وجلوسه مجلس رسول الله صلى الله عليه وآله؟ قال: نعم كان الذي ~~أنكر على أبي بكر اثنى عشر رجلا من المهاجرين: خالد بن ms085 سعيد بن العاص، وكان ~~من بني أمية وسلمان الفارسي وأبو ذر الغفاري والمقداد بن الأسود وعمار بن ~~ياسر وبريدة الأسلمي ومن الأنصار أبو الهشيم بن التيهان وسهل وعثمان ابنا ~~حنيف وخزيمة بن ثابت ذو الشهادتين وأبي بن كعب وأبو أيوب الأنصاري. # قال: فلما صعد أبو بكر المنبر تشاوروا بينهم، فقال بعضهم لبعض: والله ~~لنأتينه ولننزلنه عن منبر رسول الله صلى الله عليه وآله، وقال آخرون منهم: ~~والله لئن فعلتم ذلك إذا أعنتم على أنفسكم فقد قال الله عز وجل: " ولا ~~تلقوا بأيديكم إلى التهلكة " (1) فانطلقوا بنا إلى أمير المؤمنين عليه ~~السلام لنستشيره ونستطلع رأيه. # فانطلق القوم إلى أمير المؤمنين بأجمعهم فقالوا: يا أمير المؤمنين تركت ~~حقا أنت أحق به وأولى به من غيرك، لأنا سمعنا رسول الله يقول " علي مع الحق ~~والحق مع علي يميل مع الحق كيف ما مال " ولقد هممنا أن نصير إليه فننزله عن ~~منبر رسول الله صلى الله عليه وآله، فجئناك لنستشيرك ونستطلع رأيك فما ~~تأمرنا؟ # فقال أمير المؤمنين: وأيم الله لو فعلتم ذلك لما كنتم لهم إلا حربا، ~~ولكنكم كالملح في الزاد وكالكحل في العين، وأيم الله لو فعلتم ذلك ~~لأتيتموني شاهرين بأسيافكم مستعدين للحرب والقتال وإذا لأتوني فقالوا لي ~~بايع وإلا قتلناك، فلا بد # PageV01P097 # لي من أدفع القوم عن نفسي، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وآله أوعز ~~إلي قبل وفاته وقال لي: " يا أبا الحسن إن الأمة ستغدر بك من بعدي وتنقض ~~فيك عهدي وإنك مني بمنزلة هارون من موسى وإن الأمة من بعدي كهارون ومن ~~اتبعه والسامري ومن اتبعه " فقلت: يا رسول الله فما تعهد إلي إذا كان كذلك؟ ~~فقال: إذا وجدت أعوانا فبادر إليهم وجاهدهم، وإن لم تجد أعوانا كف يدك ~~واحقن دمك حتى تلحق بي مظلوما. فلما توفي رسول الله صلى الله عليه وآله ~~اشتغلت بغسله وتكفينه والفراغ من شأنه ثم آليت على نفسي يمينا أن لا أرتدي ~~برداء إلا للصلاة حتى أجمع القرآن، ففعلت ثم أخذت بيد فاطمة ms086 وابني الحسن ~~والحسين فدرت على أهل بدر وأهل السابقة فناشدتهم حقي ودعوتهم إلى نصرتي فما ~~أجابني منهم إلا أربعة رهط سلمان وعمار وأبو ذر والمقداد، ولقد راودت في ~~ذلك بقية أهل بيتي، فأبوا علي إلا السكوت لما علموا من وغارة (1) صدور ~~القوم وبغضهم لله ورسوله ولأهل بيت نبيه، فانطلقوا بأجمعكم إلى الرجل ~~فعرفوه ما سمعتم من قول نبيكم ليكون ذلك أوكد للحجة وأبلغ للعذر وأبعد لهم ~~من رسول الله صلى الله عليه وآله إذا وردوا عليه. # فسار القوم حتى أحدقوا بمنبر رسول الله صلى الله عليه وآله وكان يوم ~~الجمعة، فلما صعد أبو بكر المنبر قال المهاجرون للأنصار: تقدموا وتكلموا ~~فقال الأنصار للمهاجرين: بل تكلموا وتقدموا أنتم، فإن الله عز وجل بدأ بكم ~~في الكتاب إذ قال الله عز وجل: " لقد تاب الله بالنبي على المهاجرين ~~والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة " (2). # قال أبان: قلت له يا بن رسول الله إن العامة لا تقرأ كما عندك. قال: وكيف ~~تقرأ؟ قال: قلت إنها تقرأ " لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار " ~~فقال ويلهم فأي ذنب كان لرسول الله صلى الله عليه وآله حتى تاب الله عليه ~~عنه، إنما تاب الله به على أمته فأول من تكلم به خالد بن سعيد بن العاص ثم ~~باقي المهاجرين ثم بعدهم الأنصار. # PageV01P098 # وروى أنهم كانوا غيبا عن وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله فقدموا وقد ~~تولى أبو بكر وهم يومئذ أعلام مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله فقام إليه ~~خالد بن سعيد بن العاص وقال: # اتق الله يا أبا بكر فقد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال ونحن ~~محتوشوه (1) يوم بني قريظة حين فتح الله له باب النصر وقد قتل علي بن أبي ~~طالب عليه السلام يومئذ عدة من صناديد رجالهم وأولي البأس والنجدة منهم: يا ~~معاشر المهاجرين والأنصار إني موصيكم بوصية فاحفظوها وموعدكم أمرا فاحفظوه، ~~ألا إن علي بن أبي طالب أميركم بعدي وخليفتي فيكم بذلك أوصاني ربي، ألا ms087 ~~وإنكم إن لم تحفظوا فيه وصيتي وتوازروه وتنصروه اختلفتم في أحكامكم واضطرب ~~عليكم أمر دينكم ووليكم أشراركم، ألا وإن أهل بيتي هم الوارثون لأمري ~~والعالمون لأمر أمتي من بعدي اللهم من أطاعهم من أمتي وحفظ فيهم وصيتي ~~فاحشرهم في زمرتي واجعل لهم نصيبا من مرافقتي يدركون به نور الآخرة، اللهم ~~ومن أساء خلافتي في أهل بيتي فأحرمه الجنة التي عرضها كعرض السماء والأرض. # فقال له عمر بن الخطاب: اسكت يا خالد فلست من أهل المشورة ولا ممن يقتدى ~~برأيه. فقال له خالد: بل اسكت أنت يا بن الخطاب فإنك تنطق على لسان غيرك، ~~وأيم الله لقد علمت قريش إنك من ألأمها حسبا وأدناها منصبا وأخسها قدرا ~~وأخملها ذكرا وأقلهم عناءا عن الله ورسوله، وإنك لجبان في الحروب بخيل ~~بالمال لئيم العنصر، مالك في قريش من فخر ولا في الحروب من ذكر، وإنك في ~~هذا الأمر بمنزلة الشيطان " إذ قال للانسان اكفر فلما كفر قال إني برئ منك ~~إني أخاف الله رب العالمين فكان عاقبتهما أنهما في النار خالدين فيها وذلك ~~جزاء الظالمين " (2) فأبلس (3) عمر وجلس خالد بن سعيد. ثم قام سلمان ~~الفارسي وقال " كرديد ونكرديد " أي فعلتم ولم تفعلوا، وقد كان امتنع من ~~البيعة قبل # PageV01P099 # ذلك حتى وجئ (1) عنقه، فقال: يا أبا بكر إلى من تسند أمرك إذا نزل بك ما ~~لا تعرفه، وإلى من تفزع إذا سئلت عما لا تعلمه، وما عذرك في تقدمك على من ~~هو أعلم منك وأقرب إلى رسول الله وأعلم بتأويل كتاب الله عز وجل وسنة نبيه ~~ومن قدمه النبي صلى الله عليه وآله في حياته وأوصاكم به عند وفاته، فنبذتم ~~قوله وتناسيتم وصيته وأخلفتم الوعد ونقضتم العهد وحللتم العقد الذي كان ~~عقده عليكم من النفوذ تحت راية أسامة بن زيد حذرا من مثل ما أتيتموه ~~وتنبيها للأمة على عظيم ما احترمتموه ومن مخالفة أمره فعن قليل يصفو لك ~~الأمر وقد أثقلك الوزر ونقلت إلى قبرك وحملت معك ما كسبت يداك، فلو راجعت ~~الحق من ms088 قريب وتلافيت نفسك وتبت إلى الله من عظيم ما اجترمت كان ذلك أقرب ~~إلى نجاتك يوم تفرد في حفرتك ويسلمك ذوو نصرتك، فقد سمعت كما سمعنا ورأيت ~~كما رأينا، فلم يردعك ذلك عما أنت متشبث به من هذا الأمر الذي لا عذر لك في ~~تقلده ولاحظ للدين ولا المسلمين في قيامك به، فالله الله في نفسك، فقد أعذر ~~من أنذر ولا تكن كمن أدبر واستكبر. # ثم قام أبو ذر الغفاري فقال: يا معشر قريش أصبتم قباحة وتركتم قرابة، ~~والله ليرتدن جماعة من العرب ولتشكن في هذا الدين، ولو جعلتم الأمر في أهل ~~بيت نبيكم ما اختلف عليكم سيفان، والله لقد صارت لمن غلب، ولتطمحن إليها ~~عين من ليس من أهلها، وليسفكن في طلبها دماء كثيرة - فكان كما قال أبو ذر - ~~ثم قال: لقد علمتم وعلم خياركم أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال " ~~الأمر بعدي لعلي ثم لابني الحسن والحسين ثم للطاهرين من ذريتي " فأطرحتم ~~قول نبيكم وتناسيتم ما عهد به إليكم، فأطعتم الدنيا الفانية ونسيتم الآخرة ~~الباقية التي لا يهرم شابها ولا يزول نعيمها ولا يحزن أهلها ولا يموت ~~سكانها بالحقير التافه الفاني الزائل، فكذلك الأمم من قبلكم كفرت بعد ~~أنبيائها ونكصت على أعقابها (2) وغيرت وبدلت # PageV01P100 # واختلفت، فساويتموهم حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة، وعما قليل تذوقون ~~وبال أمركم وتجزون بما قدمت أيديكم. وما الله بظلام للعبيد. # ثم قام المقداد بن الأسود فقال: يا أبا بكر ارجع عن ظلمك، وتب إلى ربك ~~والزم بيتك، وابك على خطيئتك، وسلم الأمر لصاحبه الذي هو أولى به منك، فقد ~~علمت ما عقده رسول الله صلى الله عليه وآله في عنقك من بيعته، وألزمك من ~~النفوذ تحت راية أسامة بن زيد وهو مولاه، ونبه على بطلان وجوب هذا الأمر لك ~~ولمن عضدك عليه بضمه لكما إلى علم النفاق ومعدن الشنان والشقاق عمرو بن ~~العاص الذي أنزل الله فيه على نبيه صلى الله عليه وآله " إن شانئك هو ~~الأبتر " (1) فلا اختلاف بين أهل العلم ms089 أنها نزلت في عمرو، وهو كان أميرا ~~عليكما وعلى سائر المنافقين في الوقت الذي أنفذه رسول الله صلى الله عليه ~~وآله في غزاة ذات السلاسل، وأن عمرا قلد كما حرس عسكره، فأين الحرس إلى ~~الخلافة، اتق الله وبادر بالاستقالة قبل فوتها، فإن ذلك أسلم لك في حياتك ~~وبعد وفاتك، ولا تركن إلى دنياك ولا تغرنك قريش وغيرها، فعن قليل تضمحل عنك ~~دنياك ثم تصير إلى ربك فيجزيك بعملك، وقد علمت وتيقنت أن علي ابن أبي طالب ~~عليه السلام هو صاحب الأمر بعد رسول الله، فسلمه إليه بما جعله الله له ~~فإنه أتم لسترك واخف لوزرك، فقد والله نصحت لك إن قبلت نصحي وإلى الله ترجع ~~الأمور. # ثم قام إليه بريدة الأسلمي فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، ماذا لقي ~~الحق من الباطل، يا أبا بكر أنسيت أم تناسيت وخدعت أم خدعتك نفسك أم سولت ~~لك الأباطيل، أو لم تذكر ما أمرنا به رسول الله صلى الله عليه وآله من ~~تسمية علي عليه السلام بإمرة المؤمنين والنبي صلى الله عليه وآله بين ~~أظهرنا، وقوله له في عدة أوقات " هذا علي أمير المؤمنين وقاتل القاسطين "، ~~اتق الله وتدارك نفسك قبل أن لا تدركها وانقذها مما يهلكها واردد الأمر إلى ~~من هو أحق به منك، ولا تتماد في اغتصابه، وراجع وأنت # PageV01P101 # تستطيع أن تراجع، فقد محضتك النصح ودللتك على طريق النجاة، فلا تكونن ~~ظهيرا للمجرين. # ثم قام عمار بن ياسر فقال: يا معاشر قريش ويا معاشر المسلمين إن كنتم ~~علمتم وإلا فاعلموا أن أهل بيت نبيكم أولى به وأحق بإرثه وأقوم بأمور الدين ~~وآمن على المؤمنين وأحفظ لملته وأنصح لأمته، فمروا صاحبكم فليرد الحق إلى ~~أهله قبل أن يضطرب حبلكم ويضعف أمركم ويظهر شتاتكم وتعظم الفتنة بكم ~~وتختلفون فيما بينكم ويطمع فيكم عدوكم، فقد علمتم أن بني هاشم أولى بهذا ~~الأمر منكم، وعلي [أقرب منكم إلى نبيكم وهو] من بينهم وليكم بعهد الله ~~ورسوله وفرق ظاهر قد عرفتموه في حال بعد حال عند ms090 سد النبي صلى الله عليه ~~وآله أبوابكم التي كانت إلى المسجد كلها غير بابه، وإيثاره إياه بكريمته ~~فاطمة دون سائر من خطبها إليه منكم، وقوله صلى الله عليه وآله " أنا مدينة ~~العلم وعلي بابها فمن أراد الحكمة فليأتها من بابها " وإنكم جميعا مضطرون ~~فيما أشكل عليكم من أمور دينكم إليه وهو مستغن عن كل أحد منكم إلى ما له من ~~السوابق التي ليست لأفضلكم عند نفسه، فما بالكم تحيدون عنه وتبتزون عليا ~~حقه وتؤثرون الحياة الدنيا على الآخرة بئس للظالمين بدلا، أعطوه ما جعله ~~الله له ولا تتولوا عنه مدبرين، ولا ترتدوا على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين. # ثم قام أبي بن كعب فقال: يا أبا بكر لا تجحد حقا جعله الله لغيرك، ولا ~~تكن أول من عصى رسول الله صلى الله عليه وآله في وصيه وصفيه وصدف عن أمره، ~~أردد الحق إلى أهله تسلم، ولا تتماد في غيك فتندم، وبادر الإنابة يخف وزرك، ~~ولا تخصص بهذا الأمر الذي لم يجعله الله لك نفسك فتلقى وبال عملك، فعن قليل ~~تفارق ما أنت فيه وتصير إلى ربك، فيسألك عما جنيت وما ربك بظلام للعبيد. # ثم قام خزيمة بن ثابت فقال: أيها الناس ألستم تعلمون أن رسول الله صلى ~~الله عليه وآله قبل شهادتي وحدي ولم يرد معي غيري؟ قالوا: بلى. قال: فأشهد ~~أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول " أهل بيتي يفرقون بين الحق ~~والباطل وهم الأئمة الذين PageV01P102 # يقتدى بهم " وقد قلت ما علمت، وما على الرسول إلا البلاغ المبين. # ثم قام أبو الهشيم بن التيهان فقال: وأنا أشهد على نبينا صلى الله عليه ~~وآله أنه أقام عليا - يعني في يوم غدير خم - فقالت الأنصار: ما أقامه ~~للخلافة، وقال بعضهم: ما أقامه إلا ليعلم الناس أنه مولى من كان رسول الله ~~صلى الله عليه وآله مولاه، وكثر الخوض في ذلك فبعثنا رجالا منا إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وآله فسألوه عن ذلك فقال: قولوا لهم علي ولي المؤمنين ~~بعدي وأنصح ms091 الناس لأمتي، وقد شهدت بما حضرني فمن شاء فليؤمن ومن شاء ~~فليكفر، إن يوم الفصل كان ميقاتا. # ثم قام سهل بن حنيف فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي محمد وآله ثم ~~قال: # يا معاشر قريش اشهدوا علي أني أشهد على رسول الله وقد رأيته في هذا ~~المكان - يعني الروضة - وقد أخذ بيد علي بن أبي طالب عليه السلام وهو يقول: ~~أيها الناس هذا على إمامكم من بعدي ووصيي في حياتي وبعد وفاتي وقاضي ديني ~~ومنجز وعدي وأول من يصافحني على حوضي، فطوبى لمن اتبعه ونصره، والويل لمن ~~تخلف عنه وخذله. # وقام معه أخوه عثمان بن حنيف وقال: سمعنا رسول الله صلى الله عليه وآله ~~يقول: أهل بيتي نجوم الأرض فلا تتقدموهم وقدموهم فهم الولاة من بعدي، فقام ~~إليه رجل فقال: يا رسول الله وأي أهل بيتك؟ فقال، علي والطاهرون من ولده. ~~وقد بين صلى الله عليه وآله فلا تكن يا أبا بكر أول كافر به، ولا تخونوا ~~الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون. # ثم قام أبو أيوب الأنصاري فقال، اتقوا الله عباد الله في أهل بيت نبيكم، ~~وارددوا إليهم حقهم الذي جعله الله لهم، فقد سمعتم مثل ما سمع إخواننا في ~~مقام بعد مقام لنبينا صلى الله عليه وآله ومجلس بعد مجلس يقول: " أهل بيتي ~~أئمتكم بعدي " ويؤمى إلى علي ويقول " هذا أمير البررة وقاتل الكفرة مخذول ~~من خذله منصور من نصره " فتوبوا إلى الله من ظلمكم إياه إن الله تواب رحيم، ~~ولا تتولوا عنه مدبرين ولا تتولوا عنه معرضين. PageV01P103 # قال الصادق عليه السلام: فأفحم أبو بكر على المنبر حتى لم يحر جوابا، ثم ~~قال: وليتكم ولست بخيركم أقيلوني أقيلوني، فقال له عمر بن الخطاب: انزل ~~عنها يا لكع (1) إذا كنت لا تقوم بحجج قريش لم أقمت نفسك هذا المقام؟ والله ~~لقد هممت أن أخلعك واجعلها في سالم مولي أبي حذيفة. # قال: فنزل ثم أخذ بيده وانطلق إلى منزله وبقوا ثلاثة أيام لا يدخلون مسجد ~~رسول الله صلى الله ms092 عليه وآله، فلما كان في اليوم الرابع جاءهم خالد بن ~~الوليد ومعه ألف رجل فقال لهم: ما جلوسكم فقد طمع فيها والله بنو هاشم؟ ~~وجاءهم سالم مولى أبي حذيفة ومعه ألف رجل، وجاءهم معاذ بن جبل ومعه ألف ~~رجل، فما زال يجتمع إليهم رجل رجل حتى اجتمع أربعة آلاف رجل، فخرجوا شاهرين ~~بأسيافهم يقدمهم عمر بن الخطاب حتى وقفوا بمسجد رسول الله صلى الله عليه ~~وآله، فقال عمر: والله يا أصحاب علي لئن ذهب منكم رجل يتكلم بالذي تكلم ~~بالأمس لنأخذن الذي فيه عيناه. # فقام إليه خالد بن سعيد بن العاص وقال، يا بن صهاك الحبشية أبأسيافكم ~~تهددوننا أم بجمعكم تفزعوننا، والله إن أسيافنا أحد من أسيافكم وأنا لأكثر ~~منكم وإن كنا قليلين لأن حجة الله فينا، والله لولا أني أعلم أن طاعة الله ~~ورسوله وطاعة إمامي أولى بي لشهرت سيفي وجاهدتكم في الله إلى أن أبلي عذري. # فقام أمير المؤمنين: اجلس يا خالد فقد عرف الله لك مقامك وشكر لك سعيك، ~~فجلس وقام إليه سلمان الفارسي فقال، الله أكبر الله أكبر سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وآله بهاتين الأذنين وإلا صمتا يقول " بينا أخي وابن عمي ~~جالس في مسجدي مع نفر من أصحابه إذ تكبسه جماعة من كلاب أصحاب النار يريدون ~~قتله وقتل من معه، فلست أشك إلا وأنكم هم " فهم به عمر بن الخطاب فوثب إليه ~~أمير المؤمنين عليه السلام وأخذ بمجامع ثوبه ثم جلد به الأرض ثم قال: يا بن ~~صهاك الحبشية لولا كتاب من الله سبق وعهد من رسول الله تقدم لأريتك أينا ~~أضعف ناصرا وأقل عددا. # ثم التفت إلى أصحابه فقال: انصرفوا رحمكم الله، فوالله لا دخلت المسجد ~~إلا # PageV01P104 # كما دخل أخواي موسى وهارون، إذ قال له أصحابه " فاذهب أنت وربك فقاتلا ~~إنا هيهنا قاعدون " (1) والله لا دخلته إلا لزيارة رسول الله صلى الله عليه ~~وآله أو لقضية أقضيها فإنه لا يجوز بحجة أقامها رسول الله صلى الله عليه ~~وآله أن يترك الناس في ms093 حيرة. # وعن عبد الله بن عبد الرحمن قال: ثم إن عمر احتزم بأزاره وجعل يطوف ~~بالمدينة وينادي: ألا إن أبا بكر قد بويع له فهلموا إلى البيعة، فينثال (2) ~~الناس يبايعون، فعرف أن جماعة في بيوت مستترون، فكان يقصدهم في جمع كثير ~~ويكبسهم ويحضرهم المسجد فيبايعون حتى إذا مضت أيام أقبل في جمع كثير إلى ~~منزل علي عليه السلام فطالبه بالخروج فأبى، فدعا عمر بحطب ونار وقال: والذي ~~نفس عمر بيده ليخرجن أو لأحرقنه على ما فيه. فقيل له: إن فاطمة بنت رسول ~~الله وولد رسول الله وآثار رسول الله صلى الله عليه وآله فيه، وأنكر الناس ~~ذلك من قوله، فلما عرف إنكارهم قال: ما بالكم أتروني فعلت ذلك إنما أردت ~~التهويل، فراسلهم على أن ليس إلى خروجي حيلة لأني في جمع كتاب الله الذي قد ~~نبذتموه وألهتكم الدنيا عنه، وقد حلفت أن لا أخرج من بيتي ولا أدع ردائي ~~على عاتقي حتى أجمع القرآن. # قال وخرجت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله إليهم فوقفت خلف الباب ~~ثم قالت: # لا عهد لي بقوم أسوء محضرا منكم، تركتم رسول الله صلى الله عليه وآله ~~جنازة بين أيدينا وقطعتم أمركم فيما بينكم ولم تؤمرونا ولم تروا لنا حقا، ~~كأنكم لم تعلموا ما قال يوم غدير خم، والله لقد عقد له يومئذ الولاء ليقطع ~~منكم بذلك منها الرجاء، ولكنكم قطعتم الأسباب بينكم وبين نبيكم، والله حسيب ~~بيننا وبينكم في الدنيا والآخرة. # وفي رواية سليم بن قيس الهلالي (3) عن سلمان الفارسي رضي الله عنه أنه # PageV01P105 # قال: أتيت عليا عليه السلام وهو يغسل رسول الله صلى الله عليه وآله، وقد ~~كان أوصى أن لا يغسله غير علي عليه السلام، وأخبر أنه لا يريد أن يقلب منه ~~عضوا إلا قلب له، وقد قال أمير المؤمنين عليه السلام لرسول الله صلى الله ~~عليه وآله: من يعينني على غسلك يا رسول الله؟ قال جبرئيل. # فلما غسله وكفنه أدخلني وأدخل أبا ذر والمقداد وفاطمة وحسنا وحسينا عليهم ~~السلام ms094 فتقدم وصففنا خلفه فصلى عليه وعائشة في الحجرة لا تعلم قد أخذ ~~جبرئيل ببصرها ثم أدخل عشرة من المهاجرين وعشرة من الأنصار فيصلون ويخرجون، ~~حتى لم يبق من المهاجرين والأنصار إلا صلى عليه، وقلت لعلي عليه السلام حين ~~يغسل رسول الله صلى الله عليه وآله: إن القوم فعلوا كذا وكذا وإن أبا بكر ~~الساعة لعلى منبر رسول الله صلى الله عليه وآله وما يرضى الناس أن يبايعوا ~~له بيد واحدة إنهم ليبايعون بيديه جميعا يمينا وشمالا. # فقال علي عليه السلام: يا سلمان فهل تدري من أول من يبايعه على منبر رسول ~~الله صلى الله عليه وآله؟ فقلت: لا إلا أني قد رأيته في ظلة بني ساعدة حين ~~خصمت الأنصار، وكان أول من بايعه بشير بن سعد ثم أبو عبيدة بن الجراح ثم ~~عمر بن الخطاب ثم سالم مولى أبي حذيفة [ومعاذ بن جبل]. # قال: لست أسألك عن هذا، ولكن تدري من أول من بايعه حين صعد منبر رسول ~~الله صلى الله عليه وآله؟ قلت: لا ولكني رأيت شيخا كبيرا متوكئا على عصاه ~~بين عينيه سجادة شديد التشمير وهو يبكي ويقول: الحمد لله الذي لم يمتني ولم ~~يخرجني من الدنيا حتى رأيتك في هذا المكان أبسط يدك أبايعك، فبسط يده ~~فبايعه ثم نزل فخرج من المسجد. # فقال لي علي عليه السلام: يا سلمان وهل تدري من هو؟ قلت: لا ولكني ساءتني ~~مقالته كأنه شامت بموت رسول الله صلى الله عليه وآله، قال علي إن ذلك إبليس ~~لعنه الله، أخبرني رسول الله أن إبليس ورؤساء أصحابه شهدوا نصب رسول الله ~~صلى الله عليه وآله إياي بغدير خم بأمر الله تعالى، فأخبرهم أن يبلغ الشاهد ~~الغائب، فأتاه أبالسة ومردة أصحابه فقالوا: إن هذه أمة مرحومة معصومة وما ~~لنا ولا لك عليهم من سبيل، قد PageV01P106 # علموا إمامهم ومفزعهم بعد نبيهم، فانطلق إبليس كئيبا حزينا، فأخبرني رسول ~~الله صلى الله عليه وآله أن لو قد قبض إن الناس سيبايعون أبا بكر في ظلة ~~بني ساعدة ms095 بعد أن تخاصمهم بحقك وحجتك، ثم يأتون المسجد فيكون أول من يبايعه ~~على منبري إبليس في صورة شيخ كبير مستبشر يقول كذا وكذا، ثم تجتمع شياطينه ~~وأبالسته فيخر ويكسع (1) ثم يقول كذا زعمتم أن ليس لي عليهم سبيل فكيف ~~رأيتموني صنعت بهم حين تركوا أمر من أمرهم الله بطاعته وأمرهم رسوله. # فقال سلمان: فلما كان الليل حمل علي فاطمة على حمار وأخذ بيد ابنيه الحسن ~~والحسين، فلم يدع أحدا من أهل بدر من المهاجرين ولا من الأنصار إلا أتى ~~منزله وذكر حقه ودعاه إلى نصرته، فما استجاب له من جميعهم إلا أربعة ~~وأربعون رجلا، فأمرهم أن يصبحوا بكرة محلقين رؤوسهم معهم سلاحهم وقد بايعوه ~~على الموت، فأصبح ولم يوافه منهم أحد غير أربعة. قلت لسلمان: من الأربعة؟ # قال: أنا وأبو ذر والمقداد والزبير بن العوام. ثم أتاهم من الليلة ~~الثانية فناشدهم الله فقالوا: نصحبك بكرة، فما منهم أحد وفى غيرنا، ثم ~~الليلة الثالثة فما وفى أحد غيرنا، فلما رأى علي عليه السلام عذرهم وقلة ~~وفائهم لزم بيته وأقبل على القرآن يؤلفه ويجمعه، فلم يخرج حتى جمعه كله ~~فكتبه على تنزيله والناسخ والمنسوخ، فبعث إليه أبو بكر أن اخرج فبايع، فبعث ~~إليه أني مشغول فقد آليت بيمين أن لا أرتدي برداء إلا للصلوات حتى أؤلف ~~القرآن وأجمعه، فجمعه في ثوب وختمه ثم خرج إلى الناس وهم مجتمعون مع أبي ~~بكر في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله فنادى عليه السلام بأعلى صوته: # أيها الناس إني لم أزل منذ قبض رسول الله صلى الله عليه وآله مشغولا ~~بغسله ثم بالقرآن حتى جمعته كله في هذا الثوب، فلم ينزل الله على نبيه آية ~~من القرآن إلا وقد جمعتها كلها في هذا الثواب، وليست منه آية إلا وقد ~~أقرأنيها رسول الله صلى عليه وآله وعلمني تأويلها. # فقالوا: لا حاجة لنا به عندنا مثله. ثم دخل بيته فقال عمر لأبي بكر: أرسل # PageV01P107 # إلى علي فليبايع فإنا لسنا في شئ حتى يبايع ولو قد بايع ms096 أمناه وغائلته. ~~فأرسل أبو بكر رسولا أن أجب خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله، فأتاه ~~الرسول فأخبره بذلك، فقال علي عليه السلام: ما أسرع ما كذبتم على رسول الله ~~صلى الله عليه وآله، إنه ليعلم ويعلم الذين حوله أن الله ورسوله لم يستخلفا ~~غيري، فذهب الرسول فأخبره بما قاله فقال: اذهب فقل أجب أمير المؤمنين أبا ~~بكر، فأتاه فأخبره بذلك فقال علي عليه السلام: سبحان الله والله ما طال ~~العهد بالنبي مني وإنه ليعلم أن هذا الاسم لا يصلح إلا لي، وقد أمره رسول ~~الله صلى الله عليه وآله سابع سبعة فسلموا علي بإمرة المؤمنين، فاستفهمه هو ~~وصاحبه عمر من بين السبعة فقالا: أمر من الله ورسوله؟ فقال لهما رسول الله ~~صلى الله عليه وآله: نعم حقا من الله ورسوله إنه أمير المؤمنين وسيد ~~المسلمين وصاحب لواء الغر المحجلين، يقعده الله يوم القيامة على الصراط ~~فيدخل أولياءه الجنة وأعداءه النار. # قال: فانطلق الرسول إلى أبي بكر فأخبره بما قال، فكفوا عنه يومئذ، فلما ~~كان الليل حمل فاطمة عليها السلام على حمار ثم دعاها إلى نصرته فما استجاب ~~له رجل غيرنا أربعة، فإنا حلقنا رؤسنا وبذلنا نفوسنا ونصرتنا وكان علي بن ~~أبي طالب عليه السلام لما رأى خذلان الناس له وتركهم نصرته واجتماع كلمة ~~الناس مع أبي بكر وطاعتهم له وتعظيمهم له جلس في بيته، فقال عمر لأبي بكر: # ما يمنعك أن تبعث إليه فيبايع، فإنه لم يبق أحد إلا وقد بايع غيره وغير ~~هؤلاء الأربعة معه. وكان أبو بكر أرق الرجلين وأرفقهما وأدهاهما وأبعدهما ~~غورا، والآخر أفظهما وأغلظهما وأخشنهما وأجفاهما. فقال: من نرسل إليه؟ فقال ~~عمر: # أرسل إليه قنفذا - وكان رجلا فظا غليظا جافيا من الطلقاء أحد بني تيم - ~~فأرسله وأرسل معه أعوانا، فانطلق فاستأذن فأبي علي عليه السلام أن يأذن له، ~~فرجع أصحاب قنفذ إلى أبي بكر وعمر وهما في المسجد والناس حولهما فقالوا: لم ~~يأذن لنا. فقال عمر: هو إن أذن لكم وإلا فادخلوا عليه بغير إذنه، ms097 فانطلقوا ~~فاستأذنوا فقالت فاطمة عليها السلام أحرج عليكم (1) أن تدخلوا بيتي بغير ~~إذن، فرجعوا وثبت قنفذ فقالوا: إن فاطمة # PageV01P108 # قالت كذا وكذا فحرجتنا أن ندخل عليها البيت بغير إذن منها، فغضب عمر ~~وقال: # ما لنا وللنساء. ثم أمر أناسا حوله فحملوا حطبا وحمل معهم فجعلوه حول ~~منزله وفيه علي وفاطمة وابناهما عليهم السلام، ثم نادى عمر حتى أسمع عليا ~~عليه السلام: والله لتخرجن ولتبايعن خليفة رسول الله أو لأضرمن عليك بيتك ~~نارا، ثم رجع فقعد إلى أبي بكر وهو يخاف أن يخرج علي بسيفه لما قد عرف من ~~بأسه وشدته. ثم قال لقنفذ: أن خرج وإلا فاقتحم عليه، فإن امتنع فاضرم عليهم ~~بيتهم نارا. # فانطلق قنفذ فاقتحم هو وأصحابه بغير إذن، وبادر علي إلى سيفه ليأخذه ~~فسبقوه إليه فتناول بعض سيوفهم فكثروا عليه فظبطوه وألقوا في عنقه حبلا ~~أسود، وحالت فاطمة عليها السلام بين زوجها وبينهم عند باب البيت فضربها ~~قنقذ بالسوط على عضدها، فبقي أثره في عضدها من ذلك مثل الدملوج (1) من ضرب ~~قنفذ إياها، فأرسل أبو بكر إلى قنفذ اضربها فالجأها إلى عضادة باب بيتها، ~~فدفعها فكسر ضلعا من جنبها وألقت جنينا من بطنها، فلم تزل صاحبة فراش حتى ~~ماتت من ذلك شهيدة صلوات الله عليها. # ثم انطلقوا بعلي عليه السلام ملببا بحبل حتى انتهوا به إلى أبي بكر وعمر ~~قائم بالسيف على رأسه وخالد بن الوليد وأبو عبيدة بن الجراح وسالم والمغيرة ~~بن شعبة وأسيد بن حصين وبشير بن سعد وسائر الناس قعود حول أبي بكر عليهم ~~السلاح وهو يقول: أما والله لو وقع سيفي بيدي لعلمتم أنكم لن تصلوا إلي، ~~هذا جزاء مني وبالله لا ألوم نفسي في جهد ولو كنت في أربعين رجلا لفرقت ~~جماعتكم، فلعن الله قوما بايعوني ثم خذلوني، فانتهره عمر فقال: بايع. فقال: ~~وإن لم أفعل؟ # قال: إذا نقتلك ذلا وضعارا. قال: إذن تقتلون عبد الله وأخا رسول الله صلى ~~الله عليه وآله. # فقال أبو بكر: أما عبد الله فنعم [كلنا عبيد ms098 الله] وأما أخو رسوله فلا ~~نقر لك به. # قال عليه السلام: أتجحدون أن رسول الله صلى الله عليه وآله آخى بين نفسه ~~وبيني، فأعادوا عليه ذلك ثلاث مرات ثم أقبل علي عليه السلام فقال: # PageV01P109 # يا معاشر المهاجرين والأنصار أنشدكم بالله أسمعتم رسول الله صلى الله ~~عليه وآله يقول يوم غدير خم كذا وكذا، وفي غزاة تبوك كذا وكذا، فلم يدع ~~شيئا قاله فيه عليه السلام علانية للعامة إلا ذكره؟ فقالوا: اللهم نعم. ~~فلما خاف أبو بكر أن ينصروه ويمنعوه بادرهم فقال: كل ما قتله قد سمعناه ~~بآذاننا ووعته قلوبنا، ولكن سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول بعد ~~هذا: إنا أهل بيت اصطفانا الله وأكرمنا واختار لنا الآخرة على الدنيا، وإن ~~الله لم يكن لجيمع لنا أهل البيت النبوة والخلافة. # فقال علي عليه السلام: أما أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله ~~شهد هذا معك؟ قال عمر: صدق خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله قد سمعنا ~~منه هذا كما قال، وقال أبو عبيدة وسالم مولى أبي حذيفة ومعاذ بن جبل: صدق ~~قد سمعنا ذلك من رسول الله صلى الله عليه وآله. # فقال لهم: لشد ما وفيتم بصحيفتكم الملعونة التي تعاقدتم عليها في الكعبة: # إن قتل الله محمدا أو أماته أن تزووا هذا الأمر عنا أهل البيت. فقال أبو ~~بكر: وما علمك بذلك اطلعناك عليها؟ قال علي يا زبير ويا سلمان وأنت يا ~~مقداد أذكركم بالله وبالاسلام أسمعتم رسول الله صلى الله عليه وآله يقول ~~ذلك إن فلانا وفلانا حتى عد هؤلاء الخمسة قد كتبوا بينهم كتابا وتعاهدوا ~~وتعاقدوا على ما صنعوا؟ قالوا: اللهم نعم قد سمعناه يقول ذلك لك، فقلت له ~~بأبي أنت وأمي يا نبي الله فما تأمرني أن أفعل إذا كان ذلك؟ فقال لك: إن ~~وجدت عليهم أعوانا فجاهدهم ونابذهم، وإن لم تجد أعوانا فبايعهم واحقن دمك. # فقال علي عليه السلام: أما والله لو أن أولئك الأربعين رجلا الذين ~~بايعوني ووفوا لجاهدتكم في الله ms099 ولله، لا أما والله لا ينالها أحد من عقبكم ~~إلى يوم القيامة. # ثم نادى قبل أن يبايع: " يا ابن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني " ~~(1) ثم تناول يد أبي بكر فبايعه، فقيل للزبير بايع الآن، فأبى فوثب عليه ~~عمر وخالد ابن الوليد والمغيرة بن شعبة في أناس فانتزعوا سيفه من يده ~~فضربوا به الأرض حتى كسر، فقال الزبير وعمر على صدوه: يا بن صهاك أما والله ~~لو أن سيفي في # PageV01P110 # يدي لحدت عني، ثم بايع. # قال: سلمان: ثم أخذوني فوجأوا عنقي حتى تركوها مثل السلعة (1) ثم فتلوا ~~يدي، فبايعت مكرها، ثم بايع أبو ذر والمقداد مكرهين، وما من الأمة أحد بايع ~~مكرها غير علي وأربعتنا. # ولم يكن أحد منا أشد قولا من الزبير، فلما بايع قال: يا بن صهاك أما ~~والله لولا هؤلاء الطلقاء الذين أعانوك ما كنت لتقدم علي ومعي السيف لما قد ~~علمت من جبنك ولؤمك، ولكنك وجدت من تقوى بهم وتصول بهم، فغضب عمر فقال، ~~أتذكر صهاك؟ فقال الزبير: ومن صهاك وما يمنعني من ذلك، وإنما كانت صهاك أمة ~~حبشية لجدي عبد المطلب فزنا بها نفيل فولدت أباك الخطاب فوهبها عبد المطلب ~~له بعد ما ولدته، فإنه لعبد جدي فولد زنى، فأصلح بينهما أبو بكر وكف كل ~~منهما عن صاحبه. # فقال سليم: فقلت يا سلمان بايعت أبا بكر ولم تقل شيئا؟ قال: قد قلت بعد ~~ما بايعت: تبا لكم سائر الدهر، أو تدرون ماذا صنعتم بأناسكم، أصبتم ~~وأخطأتم: # أصبتم سنة الأولين، وأخطأتم سنة نبيكم حتى أخرجتموها من معدنها وأهلها. ~~فقال لي عمر: أما إذا بايع صاحبك وبايعت فقل ما بدا لك وليقل ما بدا له. # قال: قلت فإني أشهد أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: إن عليك ~~وعلى صاحبك الذي بايعته مثل ذنوب أمته إلى يوم القيامة ومثل عذابهم. وقال: ~~قل ما شئت أليس قد بايع ولم يقر الله عينك بأن يليها صاحبك. قال، قلت فإني ~~أشهد أني قرأت في بعض كتب الله المنزلة ms100 آية باسمك ونسبك وصفتك باب من أبواب ~~جهنم. # قال: قل ما شئت أليس قد عزلها الله عن أهل البيت الذين قد اتخذتموهم ~~أربابا. # قال: قلت فأشهد أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول وقد سألته عن ~~هذه الآية " فيومئذ لا يعذب عذابه أحد. ولا يوثق وثاقه أحد " (2) فقال: إنك ~~أنت هو. # PageV01P111 # فقال عمر اسكت: قال: قلت أسكت الله نأمتك (1) أيها العبد يا بن اللخناء ~~(2). # فقال لي علي عليه السلام اسكت يا سلمان، فسكت فوالله لولا أنه أمرني ~~بالسكوت لأخبرته بكل شئ نزل فيه وفي صاحبه، فلما رأى ذلك عمر أنه قد سكت ~~قال: إنك له مطيع مسلم وإذا لم يقل أبو ذر والمقداد شيئا كما قال سلمان. # قال عمر: يا سلمان ألا تكف عنا كما كف صاحباك، فوالله ما أنت بأشد حبا ~~لأهل هذا البيت منهما ولا أشد تعظيما لهم ولحقهم، فقد كفا كما ترق وبايعا. # فقال أبو ذر أفتعيرنا يا عمر بحب آل محمد وتعظيمهم، لعن الله من أبغضهم ~~وابتز عليهم وظلمهم حقهم وحمل الناس على رقابهم ورد الناس على أدبارهم ~~القهقري وقد فعل ذلك بهم. # فقال عمر آمين فلعن الله من ظلمهم حقهم، لا والله ما لهم فيها حق وما هم ~~وعرض الناس في هذا الأمر إلا سواء. قال أبو ذر: فلم خاصمتم بحقهم وحجتهم؟ # فقال علي عليه السلام: يا بن صهاك فليس لنا حق وهو لك ولابن آكلة الذباب. # فقال عمر: كف الآن يا أبا الحسن إذا بايعت، فإن العامة رضوا بصحابتي ولم ~~يرضوا بك فما ذنبي. قال علي عليه السلام لكن الله ورسوله لم يرضيا إلا بي ~~فأبشر أنت وصاحبك ومن اتبعكما وآزركما بسخط من الله وعذابه وخزيه، ويلك يا ~~بن الخطاب أو تدري مما خرجت وفيم دخلت وماذا جنيت على نفسك وعلى صاحبك، ~~فقال أبو بكر: # يا عمر أما إذا بايع وأمنا شره وفتكه وغائلته فدعه يقول ما شاء. # فقال علي عليه السلام: لست بقائل غير شئ واحد، أذكركم بالله أيها الأربعة ~~- يعنيني ms101 والزبير وأبا ذر والمقداد - أسمعتم رسول الله يقول إن تابوتا من ~~نار فيه اثنا عشر رجلا ستة من الأولين وستة من الآخرين في جب في قعر جهنم ~~في تابوت مقفل على ذلك الجب صخرة إذا أراد الله أن يسعر نار جهنم كشف تلك ~~الصخرة عن ذلك الجب فاستعاذت جهنم من وهج ذلك الجب، فسألناه عنهم وأنتم ~~شهود؟ فقال صلى الله عليه وآله: # PageV01P112 # أما الأولون فابن آدم الذي قتل أخاه، وفرعون الفراعنة نمرود، والذي حاج ~~إبراهيم في ربه، ورجلان من بني إسرائيل بدلا كتابهم وغير أسنتهم، أما ~~أحدهما فهود اليهود والآخر نصر النصارى (1)، وإبليس سادسهم، والدجال في ~~الآخرين، وهؤلاء الخمسة أصحاب الصحيفة الذين تعاهدوا وتعاقدوا على عداوتك ~~يا أخي والتظاهر عليك بعدي هذا وهذا وهذا حتى عدهم وسماهم. # قال سلمان: فقلنا صدقت نشهد أنا سمعنا ذلك من رسول الله صلى الله عليه ~~وآله فقال عثمان: # يا أبا الحسن أما عندك وعند أصحابك هؤلاء في حديث؟ فقال: بلى قد سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وآله يلعنك ثم لم يستغفر الله لك مذ لعنك فغضب ~~عثمان فقال، ما لي ولك أما تدعني على حالي على عهد رسول الله ولا بعده. ~~فقال الزبير: نعم فأرغم الله أنفك. فقال عثمان، فوالله لقد سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وآله يقول: إن الزبير يقتل مرتدا عن الإسلام، قال سلمان: ~~فقال لي علي عليه السلام فيما بيني وبينه صدق عثمان، وذلك أنه يبايعني بعد ~~قتل عثمان ثم ينكث بيعتي فيقتل مرتدا عن الإسلام. # قال سليم: ثم أقبل علي سلمان فقال، إن القوم ارتدوا بعد رسول الله صلى ~~الله عليه وآله إلا من عصمه الله بآل محمد، إن الناس بعد رسول الله صلى ~~الله عليه وآله بمنزلة هارون من موسى ومن تبعه وبمنزلة العجل ومن تبعه، ~~فعلي في سنة هارون وعتيق في سنة السامري، وسمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وآله يقول " لتركبن أمتي سنة بني إسرائيل حذو القذة بالقذة وحذو النعل ~~بالنعل شبرا بشبر وذراعا بذراع ms102 وباعا بباع ". # وروي عن الصادق عليه السلام أنه قال، لما استخرج أمير المؤمنين عليه ~~السلام من منزله خرجت فاطمة صلوات الله عليها خلفه فما بقيت امرأة هاشمية ~~إلا خرجت معها حتى انتهت قريبا من القبر فقالت لهم: خلوا عن ابن عمي فوالذي ~~بعث محمدا أبي صلى الله عليه وآله بالحق إن لم تخلوا عنه لأنشرن شعري ~~ولأضعن قميص رسول الله صلى الله عليه وآله على رأسي ولأصرخن إلى الله تبارك ~~وتعالى، فما صالح بأكرم على الله من أبي ولا الناقة بأكرم # PageV01P113 # مني ولا الفصيل بأكرم على الله من ولدي. قال سلمان رضي الله عنه: كنت ~~قريبا منها، فرأيت والله أساس حيطان مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله ~~تقلعت من أسفلها حتى لو أراد رجل أن ينفذ من تحتها لنفذ، فدنوت منها فقلت: ~~يا سيدتي ومولاتي إن الله تبارك وتعالى بعث أباك رحمة فلا تكوني نقمة، ~~فرجعت ورجعت الحيطان حتى سطعت الغبرة من أسفلها فدخلت في خياشيمنا. # وروي عن الباقر عليه السلام أن عمر بن الخطاب قال لأبي بكر: اكتب إلى ~~أسامة ابن زيد يقدم عليك، فإن في قدومه قطع الشنيعة عنا. فكتب أبو بكر ~~إليه: # " من أبي بكر خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله إلى أسامة بن زيد. - ~~أما بعد فانظر إذا أتاك كتابي فاقبل إلي أنت ومن معك، فإن المسلمين قد ~~اجتمعوا علي وولوني أمرهم فلا تتخلفن فتعصي ويأتيك مني ما تكره والسلام ". # قال: فكتب أسامة إليه جواب كتابه " من أسامة بن زيد عامل رسول الله صلى ~~الله عليه وآله على غزوة الشام. أما بعد فقد أتاني منك كتاب ينقض أوله ~~آخره، ذكرت في أوله أنك خليفة رسول الله، وذكرت في آخره أن المسلمين قد ~~اجتمعوا عليك فولوك أمرهم ورضوك، فاعلم أني ومن معي من جماعة المسلمين ~~والمهاجرين فلا والله ما رضيناك ولا وليناك أمرنا، وانظر أن تدفع الحق إلى ~~أهله وتخليهم وإياه فإنهم أحق به منك، فقد علمت ما كان من قول رسول الله ~~صلى الله ms103 عليه وآله في علي يوم الغدير، فما طال العهد فتنسى، انظر مركزك ~~ولا تخالف فتعصي الله ورسوله وتعصي من استخلفه رسول الله صلى الله عليه ~~وآله عليك وعلى صاحبك، ولم يعزلني حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وأنك وصاحبك رجعتما وعصيتما فأقمتما في المدينة بغير إذن ". # فأراد أبو بكر أن يخلعها من عنقه قال: فقال له عمر لا تفعل قميص قمصك ~~الله لا تخلعه فتندم ولكن ألح عليه بالكتب والرسائل ومر فلانا وفلانا أن ~~يكتبوا إلى أسامة أن لا يفرق جماعة المسلمين وأن يدخل معهم فيما صنعوا. # قال: فكتب إليه أبو بكر وكتب إليه الناس من المنافقين " أن ارض بما ~~اجتمعنا عليه وإياك أن تشتمل المسلمين فتنة من قبلك فإنهم حديثو عهد بالكفر ~~". PageV01P114 # قال: فلما وردت الكتب على أسامة انصرف بمن معه حتى دخل المدينة، فلما رأى ~~اجتماع الخلق على أبي بكر انطلق إلى علي بن أبي طالب عليه السلام فقال له: ~~ما هذا؟ قال له علي: هذا ما ترى. قال له أسامة: فهل بايعته؟ فقال: نعم يا ~~أسامة. فقال: طائعا أو كارها؟ فقال: لا بل كارها. قال: فانطلق أسامة فدخل ~~على أبي بكر وقال له، السلام عليك يا خليفة المسلمين. قال، فرد عليه أبو ~~بكر وقال، السلام عليك أيها الأمير. # وروي أن أبا قحافة كان بالطائف لما قبض رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وبويع لأبي بكر، فكتب ابنه إليه كتابا عنوانه " من خليفة رسول الله إلى أبي ~~قحافة. أما بعد فإن الناس قد تراضوا بي، فإني اليوم خليفة الله، فلو قدمت ~~علينا كان أقر لعينك " قال: فلما قرأ أبو قحافة الكتاب قال للرسول: ما ~~منعكم من علي؟ قال: # هو حدث السن وقد أكثر القتل في قريش وغيرها وأبو بكر أسن منه. قال أبو ~~قحافة: إن كان الأمر في ذلك بالسن فأنا أحق من أبي بكر، لقد ظلموا عليا حقه ~~وقد بايع له النبي صلى الله عليه وآله وأمرنا ببيعته. # ثم كتب إليه " من أبي قحافة إلى ms104 ابنه أبي بكر. أما بعد فقد أتاني كتابك ~~فوجدته كتاب أحمق ينقض بعضه بعضا، مرة تقول خليفة رسول الله صلى الله عليه ~~وآله ومرة تقول خليفة الله ومرة تقول تراضى بي الناس، وهو أمر ملتبس فلا ~~تدخلن في أمر يصعب عليك الخروج منه غدا ويكون عقباك منه إلى النار والندامة ~~وملامة النفس اللوامة لدى الحساب بيوم القيامة، فإن للأمور مداخل ومخارج ~~وأنت تعرف من هو أولى بها منك، فراقب الله كأنك تراه ولا تدعن صاحبها، فإن ~~تركها اليوم أخف عليك وأسلم لك ". # وعن عامر الشعبي عن عروة بن الزبير بن العوام قال، لما قال المنافقون إن ~~أبا بكر تقدم عليا وهو يقول أنا أولى بالمكان منه قام أبو بكر خطيبا فقال: ~~صبرا على من ليس يؤول إلى دين ولا يحتجب برعاية ولا يرعوي لولاية، أظهر ~~الإيمان ذلة وأسر النفاق غلة، هؤلاء عصبة الشيطان وجمع الطغيان يزعمون أني ~~أقول إني PageV01P115 # أفضل من علي، وكيف أقول ذلك وما لي سابقته ولا قرابته ولا خصوصيته، وحد ~~الله وأنا ملحده وعبده علي قبل أن أعبده ووالى الرسول وأنا عدوه، وسبقني ~~بساعات لو انقطعت لم ألحق شأوه ولم أقطع غباره، وأن علي بن أبي طالب فاز ~~والله من الله بمحبة ومن الرسول بقرابة ومن الإيمان برتبة، لو جهد الأولون ~~والآخرون إلا النبيين لم يبلغوا درجته ولم يسلكوا منهجه، بذل في الله مهجته ~~ولابن عمه مودته كاشف الكرب ودامغ الريب وقاطع السبب إلا سبب الرشاد وقامع ~~الشرك ومظهر ما تحت سويداء حبة النفاق، محنة لهذا العالم، لحق قبل أن يلاحق ~~وبرز قبل أن يسابق، جمع العلم والحلم والفهم فكان جميع الخيرات لقلبه كنوزا ~~لا يدخر منها مثقال ذرة إلا أنفقه في بابه، فمن ذا يؤمل أن ينال درجته وقد ~~جعله الله ورسوله للمؤمنين وليا وللنبي وصيا وللخلافة راعيا وبالإمامة ~~قائما، أفيغتر الجاهل بمقام قمته إذ أقامني وأطعته إذ أمرني، سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وآله يقول " الحق مع علي وعلي مع الحق، من أطاع عليا ms105 ~~رشد ومن عصى عليا فسد، ومن أحبه سعد ومن أبغضه شقي " والله لو لم يحب ابن ~~أبي طالب إلا لأجل أنه لم يواقع الله محرما ولا عبد من دونه صنما ولحاجة ~~الناس إليه بعد نبيهم لكان في ذلك ما يجب، فكيف لأسباب أقلها موجب وأهونها ~~مرغب، للرحم الماسة بالرسول والعلم بالدقيق والجليل والرضا بالصبر الجميل ~~والمواساة في الكثير والقليل، وخلال لا يبلغ عدها ولا يدرك مجدها ود ~~المتمنون أن لو كانوا تراب أقدام ابن أبي طالب، أليس هو صاحب لواء الحمد ~~والساقي يوم الورود وجامع كل كرم وعالم كل علم والوسيلة إلى الله وإلى ~~رسوله. # وعن محمد بن عمر بن علي عن أبيه عن أبي رافع قال، إني لعند أبي بكر إذ ~~طلع علي والعباس يتدافعان ويختصمان في ميراث النبي صلى الله عليه وآله، ~~فقال أبو بكر: يكفيكم القصير الطويل - يعني بالقصير عليا وبالطويل العباس - ~~فقال العباس: أنا عم النبي صلى الله عليه وآله ووارثه، وقد حال علي بيني ~~وبين تركته. # فقال أبو بكر: فأين كنت يا عباس حين جمع النبي صلى الله عليه وآله بني ~~عبد المطلب PageV01P116 # وأنت أحدهم فقال " أيكم يوازرني ويكون وصيي وخليفتي في أهلي ينجز عدتي ~~ويقضي ديني " فأحجمتم عنها إلا علي، فقال النبي صلى الله عليه وآله أنت ~~كذلك؟ # فقال العباس: فما أقعدك في مجلسك هذا تقدمته وتأمرت عليه؟ قال أبو بكر: ~~أعذروني يا بني عبد المطلب. # وروى رافع بن أبي رافع الطائي عن أبي بكر وقد صحبه في سفر قال، قلت له: ~~يا أبا بكر علمني شيئا ينفعني الله به. قال: قد كنت فاعلا ولو لم يسألني لا ~~تشرك بالله شيئا، وأقم الصلاة، وآت الزكاة، وصم شهر رمضان، وحج البيت ~~واعتمر، ولا تأمرن على اثنين من المسلمين. قال: قلت له أما ما أمرتني به من ~~الإيمان والصلاة والزكاة والصوم والحج والعمرة فأنا أفعله، وأما الإمارة ~~فإني رأيت الناس لا يصيبون هذا الشرف وهذا الغنى والعز والمنزلة عند رسول ~~الله إلا بها. قال: إنك استنصحتني ms106 فأجهدت نفسي لك. # فلما توفي رسول الله صلى الله عليه وآله واستخلف أبو بكر جئته وقلت له: ~~يا أبا بكر ألم تنهني أن أتأمر على اثنين؟ قال بلى. قلت: فما بالك تأمرت ~~على أمة محمد صلى الله عليه وآله قال اختلف الناس وخفت عليهم الضلالة ~~ودعوني فلم أجد من ذلك بدا. # وروى أن أبا بكر وعمر بعثا إلى خالد بن الوليد فواعداه وفارقاه على قتل ~~علي عليه السلام وضمن ذلك لهما، فسمعت ذلك الخبر أسماء بنت عميس امرأة أبي ~~بكر في خدرها، فأرسلت خادمة لها، وقالت ترددي في دار علي وقولي له " الملأ ~~يأتمرون بك ليقتلوك " (1) ففعلت الجارية وسمعها علي عليه السلام، فقال ~~رحمها الله قولي لمولاتك فمن يقتل الناكثين والمارقين والقاسطين؟ # ووقعت المواعدة لصلاة الفجر إذ كان أخفى، واختيرت للسدفة (2) والشبهة ~~[فإنهم كانوا يغسلون (3) بالصلاة حتى لا تعرف المرأة من الرجل] ولكن الله # PageV01P117 # بالغ أمره، وكان أبو بكر قال لخالد بن الوليد: إذا انصرفت من صلاة الفجر ~~فاضرب عنق علي. فصلى إلى جنبه لأجل ذلك وأبو بكر في الصلاة يفكر في العواقب ~~فندم فجلس في صلاته حتى كادت الشمس تطلع يتعقب الآراء ويخاف الفتنة ولا ~~يأمن على نفسه. فقال قبل أن يسلم في صلاته: يا خالد لا تفعل ما أمرتك به - ~~ثلاثا - وفي رواية أخرى لا يفعلن خالد ما أمر به، فالتفت علي عليه السلام ~~فإذا خالد مشتمل على السيف إلى جانبه فقال: يا خالد ما الذي أمرك به؟ قال: ~~بقتلك يا أمير المؤمنين قال: أو كنت فاعلا؟ فقال، أي والله لولا أنه نهاني ~~لوضعته في أكثرك (1) شعرا فقال له علي عليه السلام: كذبت لا أم لك من يفعله ~~أضيق حلقة است منك، أما والذي فلق الحبة وبرئ النسمة لولا ما سبق به القضاء ~~لعلمت أي الفريقين شر مكانا واضعف جندا. # وفي رواية أخرى لأبي ذر رحمه الله أن أمير المؤمنين عليه السلام أخذ ~~خالدا بأصبعيه السبابة والوسطى في ذلك الوقت، فعصره عصرا فصاح خالد صيحة ~~منكرة، ففزع الناس ms107 وهمتهم أنفسهم وأحدث خالد في ثيابه وجعل يضرب برجليه ~~الأرض ولا يتكلم. فقال أبو بكر لعمر: هذه مشورتك المنكوسة، كأني كنت أنظر ~~إلى هذا وأحمد الله على سلامتنا، وكلما دنى أحد ليخلصه من يده لحظة تنحى ~~عنه رعبا فبعث أبو بكر وعمر إلى العباس فجاء وتشفع إليه وأقسم عليه فقال: ~~بحق هذا القبر ومن فيه وبحق ولديه وأمهما إلا تركته، ففعل ذلك وقبل العباس ~~بين عينيه. # PageV01P118 # " احتجاج أمير المؤمنين (ع) على أبي بكر وعمر لما منعا فاطمة الزهراء (ع) ~~فدك بالكتاب والسنة ". # عن حماد بن عثمان (1) عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لما بويع أبو بكر ~~واستقام له الأمر على جميع المهاجرين والأنصار بعث إلى فدك (2) من أخرج ~~وكيل # PageV01P119 # فاطمة عليها السلام بنت رسول الله منها، فجاءت فاطمة الزهراء عليها ~~السلام إلى أبي بكر ثم قالت PageV01P120 # لم تمنعني ميراثي من أبي رسول الله صلى الله عليه وآله وأخرجت وكيلي من ~~فدك وقد جعلها لي رسول الله صلى الله عليه وآله بأمر الله تعالى؟ # فقال: هاتي على ذلك بشهود. فجاءت بأم أيمن، فقالت له أم أيمن: لا أشهد يا ~~أبا بكر حتى احتج عليك بما قال رسول الله صلى الله عليه وآله، أنشدك بالله ~~ألست تعلم أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال " أم أيمن امرأة من أهل ~~الجنة (1) " فقال: بلى. قالت " فأشهد: أن الله عز وجل أوحى إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وآله " وآت ذا القربى حقه " (2) # PageV01P121 # فجعل فدكا لها طعمة بأمر الله، فجاء علي عليه السلام فشهد: بمثل ذلك فكتب ~~لها كتابا ودفعه إليها، فدخل عمر فقال: ما هذا الكتاب؟ فقال: إن فاطمة ~~عليها السلام ادعت في فدك، وشهدت لها أم أيمن وعلي عليه السلام، فكتبته ~~لها، فأخذ عمر الكتاب من فاطمة فتفل فيه ومزقه فخرجت فاطمة عليها السلام ~~تبكي، فلما كان بعد ذلك جاء علي عليه السلام إلى أبي بكر وهو في المسجد ~~وحوله المهاجرون والأنصار فقال: يا أبا بكر لم منعت فاطمة ميراثها من ms108 رسول ~~الله صلى الله عليه وآله؟ وقد ملكته في حياة رسول الله (ص) فقال أبو بكر: ~~هذا فيئ للمسلمين، فإن أقامت شهودا أن رسول الله جعله لها وإلا فلا حق لها ~~فيه، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: يا أبا بكر تحكم فينا بخلاف حكم الله ~~في المسلمين. قال: لا. قال: فإن كان في يد المسلمين شئ يملكونه، ثم ادعيت ~~أنا فيه من تسأل البينة؟ قال: إياك أسأل البينة، قال: فما بال فاطمة سئلتها ~~البينة على ما في يديها؟ وقد ملكته في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وبعده، ولم تسئل المسلمين بينة على ما ادعوها شهودا، كما سألتني على ما ~~ادعيت عليهم؟ (1) فسكت أبو بكر فقال عمر: يا علي دعنا من كلامك. فإنا لا ~~نقوى على حجتك، فإن أتيت بشهود عدول، وإلا فهو فيء للمسلمين لا حق لك ولا ~~لفاطمة فيه، فقال أمير المؤمنين عليه السلام يا أبا بكر تقرء كتاب الله؟ ~~قال: نعم. قال: أخبرني عن قول الله عز وجل: # " إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا " (2) فيمن # PageV01P122 # نزلت فينا أم في غيرنا؟ قال: بل فيكم، قال: فلو أن شهودا شهدوا على فاطمة ~~بنت رسول الله صلى الله عليه وآله بفاحشة ما كنت صانعا بها؟ قال كنت أقيم ~~عليها الحد، كما أقيمه على نساء المسلمين، قال: إذن كنت عند الله من ~~الكافرين، قال: ولم قال: لأنك رددت شهادة الله لها بالطهارة، وقبلت شهادة ~~الناس عليها، كما رددت حكم الله وحكم رسوله، أن جعل لها فدكا قد قبضته في ~~حياته، ثم قبلت شهادة أعرابي بائل على عقبيه عليها، وأخذت منها فدكا، وزعمت ~~أنه فيء للمسلمين، وقد قال رسول الله " ص ": البينة على المدعي: واليمين ~~على المدعى عليه " فرددت قول: رسول الله " ص ": البينة على من أدعى، ~~واليمين على من ادعي عليه، قال: فدمدم الناس وأنكروا، ونظر بعضهم إلى بعض، ~~وقالوا: " صدق والله علي بن أبي طالب عليه السلام " ورجع إلى منزله. # قال: ثم دخلت فاطمة المسجد، ms109 وطافت بقبر أبيها، وهي تقول: # قد كان بعدك أنباء وهنبثة * لو كنت شاهدها لم تكثر الخطب إنا فقدناك فقد ~~الأرض وابلها * واختل قومك فاشهدهم ولا تغب (1) قد كان جبريل بالآيات ~~يونسنا * فغاب عنا فكل الخير محتجب وكنت بدرا ونورا يستضاء به * عليك ينزل ~~من ذي العزة الكتب تجهمتنا رجال واستخف بنا * إذ غبت عنا فنحن اليوم نغتصب # PageV01P123 # فسوف نبكيك ما عشنا وما بقيت * منا العيون بتهمال لها سكب قال: فرجع أبو ~~بكر وعمر إلى منزلهما، وبعث أبو بكر إلى عمر فدعاه ثم قال: له أما رأيت ~~مجلس علي منا في هذا اليوم؟ والله لئن قعد مقعدا آخر مثله ليفسدن علينا ~~أمرنا، فما الرأي؟ فقال عمر: الرأي أن تأمر بقتله، قال: فمن يقتله؟ قال: " ~~خالد بن الوليد " (1). # PageV01P124 # فبعثوا إلى خالد فأتاهما، فقالا: نريد أن نحملك على أمر عظيم، قال: # احملاني على ما شئتما، ولو على قتل علي بن أبي طالب، قالا: فهو ذلك، قال ~~خالد: متى أقتله؟ قال أبو بكر: احضر المسجد وقم بجنبه في الصلاة، فإذا سلمت ~~فقم إليه واضرب عنقه، قال: نعم. # فسمعت أسماء بنت عميس (1) وكانت تحت أبي بكر. فقالت: لجاريتها # PageV01P125 # اذهبي إلى منزل علي وفاطمة عليهما السلام، واقرأيهما السلام، وقولي لعلي ~~" إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إني لك من الناصحين " فجاءت فقال أمير ~~المؤمنين عليه السلام " قولي لها: إن الله يحول بينهم وبين ما يريدون ". # ثم قام وتهيأ للصلاة، وحضر المسجد، وصلى خلف أبي بكر، وخالد بن الوليد ~~يصلي بجنبه، ومعه السيف، فلما جلس أبو بكر في التشهد، ندم على ما قال وخاف ~~الفتنة، وعرف شدة علي وبأسه، فلم يزل متفكرا لا يجسر أن يسلم، حتى ظن الناس ~~أنه قد سهى. PageV01P126 # ثم التفت إلى خالد، فقال: " يا خالد لا تفعلن ما أمرتك والسلام عليكم ~~ورحمة الله وبركاته ". # فقال أمير المؤمنين عليه السلام: يا خالد ما الذي أمرك به؟ فقال أمرني ~~بضرب عنقك، قال: أو كنت فاعلا؟ قال: إي والله، لولا أنه قال لي لا تقتله ~~قبل ms110 التسليم لقتلتك. # قال: فأخذه علي عليه السلام فجلد به الأرض، فاجتمع الناس عليه، فقال عمر ~~يقتله ورب الكعبة، فقال الناس، يا أبا الحسن الله الله، بحق صاحب القبر، ~~فخلى عنه، ثم التفت إلى عمر، فأخذ بتلابيبه وقال: يا بن صهاك والله لولا ~~عهد من رسول الله، وكتاب من الله سبق، لعلمت أينا أضعف ناصرا وأقل عددا ~~ودخل منزله. # رسالة لأمير المؤمنين (ع) إلى أبي بكر لما بلغه عنه كلام بعد منع الزهراء ~~(ع) فدك. # شقوا متلاطمات أمواج الفتن بحيازيم سفن النجاة، وحطوا تيجان أهل الفخر ~~بجميع أهل الغدر، واستضاؤا بنور الأنوار، واقتسموا مواريث الطاهرات ~~الأبرار، واحتقبوا (1) ثقل الأوزار، بغصبهم نحلة النبي المختار، فكأني بكم ~~تترددون في العمى، كما يتردد البعير في الطاحونة أما والله لو أذن لي بما ~~ليس لكم به علم لحصدت رؤسكم عن أجسادكم كحب الحصيد، بقواضب من حديد، ولقلعت ~~من جماجم شجعانكم ما اقرح به اماقكم، وأوحش به محالكم، فإني - مذ عرفت - ~~مردي العساكر، ومفني الجحافل، ومبيد خضرائكم، ومخمل ضوضائكم، وجرار ~~الدوارين إذ أنتم في بيوتكم معتكفون، وإني لصاحبكم بالأمس، لعمر أبي وأمي ~~لن تحبوا أن يكون فينا الخلافة والنبوة، وأنتم تذكرون أحقاد بدر، وثارات ~~أحد، أما والله لو قلت ما سبق الله فيكم، لتداخلت أضلاعكم في أجوافكم، # PageV01P127 # كتداخل أسنان دوارة الرحى، فإن نطقت يقولون حسدا، وإن سكت فيقال ابن أبي ~~طالب جزع من الموت، هيهات هيهات! الساعة يقال لي هذا؟! وأنا المميت المائت، ~~وخواض المنايا في جوف ليل حالك، حامل السيفين الثقيلين، والرمحين الطويلين، ~~ومنكس الرايات في غطامط الغمرات (1)، ومفرج الكربات عن وجه خير البريات، ~~ايهنوا فوالله لابن أبي طالب آنس بالموت من الطفل إلى محالب أمه هبلتكم ~~الهوابل (2) لو بحت بما أنزل الله سبحانه في كتابه فيكم، لاضطربتم اضطراب ~~الأرشية في الطوى البعيدة (3) ولخرجتم من بيوتكم هاربين، وعلى وجوهكم ~~هائمين، ولكني أهون وجدي حتى ألقى ربي، بيد جذاء صفراء من لذاتكم، خلو من ~~طحناتكم، فما مثل دنياكم عندي إلا كمثل غيم علا فاستعلا ثم استغلظ ms111 فاستوى، ~~ثم تمزق فانجلا، رويدا فعن قليل ينجلي لكم القسطل (4) وتجنون ثمر فعلكم ~~مرا، وتحصدون غرس أيديكم ذعافا ممقرا (5) وسما قاتلا وكفى بالله حكيما، ~~وبرسول الله خصيما، وبالقيامة موقفا، فلا ابعد الله فيها سواكم، ولا اتعس ~~فيها غيركم، والسلام على من اتبع الهدى. # فلما أن قرأ أبو بكر الكتاب رعب من ذلك رعبا شديدا، وقال: يا سبحان الله ~~ما أجرأه علي وأنكله عن غيري. # معاشر المهاجرين والأنصار تعلمون أني شاورتكم في ضياع فدك بعد رسول الله ~~صلى الله عليه وآله، فقلتم: إن الأنبياء لا يورثون، وإن هذه أموال يجب أن ~~تضاف إلى # PageV01P128 # مال الفيئ، وتصرف في ثمن الكراع والسلاح، وأبواب الجهاد، ومصالح الثغور ~~فأمضينا رأيكم، ولم يمضه من يدعيه، وهو ذا يبرق وعيدا، ويرعد تهديدا، إيلاء ~~بحق محمد صلى الله عليه وآله أن يمضحها (1) دما ذعافا، والله لقد استقلت ~~منها فلم أقل واستعزلتها عن نفسي فلم أعزل، كل ذلك كراهية مني لابن أبي ~~طالب، وهربا من نزاعه، ما لي ولابن أبي طالب أهل نازعه أحد ففلج (2) عليه؟ ~~فقال: له عمر أبيت أن تقول إلا هكذا؟ فأنت ابن من لم يكن مقداما في الحروب ~~ولا سخيا في الجدوب سبحان الله ما أهلع (3) فؤادك، وأصغر نفسك، قد صفيت لك ~~سجالا (4) لتشربها فأبيت إلا أن تظمأ كظمائك، وأنخت لك رقاب العرب، وثبت لك ~~الإشارة والتدبير ولولا ذلك لكان ابن أبي طالب قد صير عظامك رميما، فأحمد ~~الله على ما قد وهب لك مني، واشكره على ذلك، فإنه من رقى منبر رسول الله ~~صلى الله عليه وآله كان حقيقا عليه أن يحدث لله شكرا، وهذا علي بن أبي طالب ~~الصخرة الصماء التي لا ينفجر ماءها إلا بعد كسرها، والحية الرقشاء التي لا ~~تجيب إلا بالرقى، والشجرة المرة التي لو طليت بالعسل لم تنبت إلا مرا، قتل ~~سادات قريش فأبادهم، وألزم آخرهم العار ففضحهم، فطب عن نفسك نفسا، ولا ~~تغرنك صواعقه، ولا يهولنك رواعده وبوارقه، فإني أسد بابه قبل أن يسد بابك، ~~فقال له أبو ms112 بكر: ناشدتك الله يا عمر لما أن تركتني من أغاليطك وتربيدك، ~~فوالله لو هم ابن أبي طالب بقتلي وقتلك لقتلنا بشماله دون يمينه، وما ~~ينجينا منه إلا إحدى ثلاث خصال: إحداها: إنه وحيد ولا ناصر له، والثانية ~~إنه ينتهج فينا وصية رسول الله صلى الله عليه وآله، والثالثة: إنه ما من ~~هذه القبائل أحد إلا وهو يتخضمه (5) كتخضم الثنية الإبل أوان الربيع، فتعلم ~~لولا ذلك لرجع الأمر إليه وإن كنا له كارهين، أما إن هذه الدنيا أهون إليه ~~من # PageV01P129 # لقاء أحدنا للموت، أنسيت له يوم أحد؟ وقد فررنا بأجمعنا، وصعدنا الجبل، ~~وقد أحاطت به ملوك القوم، وصناديدهم موقنين بقتله، لا يجد محيصا للخروج من ~~أوساطهم، فلما أن سدد عليه القوم رماحهم نكس نفسه عن دابته حتى جاوزه طعان ~~القوم، ثم قام قائما في ركابيه وقد طرق عن سرجه وهو يقول: " يا الله يا ~~الله يا جبرئيل يا جبرئيل يا محمد يا محمد النجاة النجاة " ثم عمد إلى رئيس ~~القوم فضربه ضربة على أم رأسه فبقي على فك واحد ولسان، ثم عمد إلى صاحب ~~الراية العظمى فضربه ضربة على جمجمته ففلقها، ومر السيف يهوي في جسده فبراه ~~ودابته بنصفين: ولما أن نظر القوم إلى ذلك انجفلوا من بين يديه، فجعل ~~يمسحهم بسيفه مسحا حتى تركهم جراثيم جمودا على تلعة من الأرض، يتمرغون في ~~حسرات المنايا، يتجرعون كؤوس الموت، قد اختطف أرواحهم بسيفه، ونحن نتوقع ~~منه أكثر من ذلك، ولم نكن نضبط من أنفسنا من مخافته حتى ابتدئت منك إليه ~~التفاتة، وكان منه إليك ما تعلم، ولولا أنه نزلت آية من كتاب الله لكنا من ~~الهالكين، وهو قوله تعالى ": ولقد عفا عنكم (1) " فاترك هذا الرجل ما تركك، ~~ولا يغرنك قول خالد أنه يقتله؟ فإنه لا يجسر على ذلك، ولو رام لكان أول ~~مقتول بيده، فإنه من ولد عبد مناف، إذا هاجوا هيبوا، وإذا غضبوا أدموا، ولا ~~سيما علي بن أبي طالب عليه السلام نابها الأكبر، وسنامها الأطول، وهامتها ~~الأعظم، والسلام على من ms113 اتبع الهدى. # PageV01P130 # احتجاج فاطمة الزهراء (ع) على القوم لما منعوها فدك وقولها لهم عند ~~الوفاة في الإمامة. # روى عبد الله بن الحسن (1) بإسناده عن آبائه عليهم السلام: إنه لما أجمع ~~(2) أبو بكر وعمر على منع فاطمة عليها السلام فدكا وبلغها ذلك (3).. # PageV01P131 # لاثت خمارها (1) على رأسها، واشتملت بجلبابها (2)، وأقبلت في لمة (3) من ~~حفدتها ونساء قومها تطأ ذيولها (4)، ما تخرم مشيتها مشية رسول الله صلى ~~الله عليه وآله (5) حتى دخلت على أبي بكر وهو في حشد من المهاجرين والأنصار ~~وغيرهم (6) فنيطت دونها ملاءة (7) فجلست ثم أنت أنة أجهش (8) القوم لها ~~بالبكاء، فارتج المجلس، ثم أمهلت هنيئة حتى إذا سكن نشيج القوم وهدأت ~~فورتهم، افتتحت الكلام بحمد الله والثناء عليه والصلاة على رسوله، فعاد ~~القوم في بكائهم، فلما أمسكوا عادت في كلامها، فقالت عليها السلام: # الحمد لله على ما أنعم، وله الشكر على ما ألهم، والثناء بما قدم، من عموم ~~نعم ابتدأها، وسبوغ آلاء أسداها، وتمام منن أولاها، جم عن الاحصاء عددها، ~~ونأى عن الجزاء أمدها، وتفاوت عن الإدراك أبدها، وندبهم لاستزادتها بالشكر ~~لاتصالها واستحمد إلى الخلائق بإجزالها، وثنى بالندب إلى أمثالها، وأشهد أن ~~لا إله إلا الله # PageV01P132 # وحده لا شريك له، كلمة جعل الإخلاص تأويلها، وضمن القلوب موصولها، وأنار ~~في التفكر معقولها، الممتنع من الأبصار رؤيته، ومن الألسن صفته، ومن ~~الأوهام كيفيته، ابتدع الأشياء لا من شئ كان قبلها، وأنشأها بلا احتذاء ~~أمثلة امتثلها كونها بقدرته، وذرأها بمشيته، من غير حاجة منه إلى تكوينها، ~~ولا فائدة له في تصويرها، إلا تثبيتا لحكمته، وتنبيها على طاعته، وإظهارا ~~لقدرته، تعبدا لبريته وإعزازا لدعوته، ثم جعل الثواب على طاعته، ووضع ~~العقاب على معصيته، زيادة لعباده من نقمته، وحياشة (1) لهم إلى جنته، وأشهد ~~أن أبي محمدا عبده ورسوله اختاره قبل أن أرسله، وسماه قبل أن اجتباه، ~~واصطفاه قبل أن ابتعثه، إذ الخلائق بالغيب مكنونة، وبستر الأهاويل مصونة، ~~وبنهاية العدم مقرونة علما من الله تعالى بما يلي الأمور، وإحاطة بحوادث ~~الدهور، ومعرفة بموقع الأمور ابتعثه الله إتماما ms114 لأمره، وعزيمة على إمضاء ~~حكمه، وإنفاذا لمقادير حتمه، فرأى الأمم فرقا في أديانها، عكفا على ~~نيرانها، عابدة لأوثانها، منكرة لله مع عرفانها فأنار الله بأبي محمد صلى ~~الله عليه وآله ظلمها، وكشف عن القلوب بهمها (2)، وجلى عن الأبصار غممها ~~(3)، وقام في الناس بالهداية، فأنقذهم من الغواية، وبصرهم من العماية، ~~وهداهم إلى الدين القويم، ودعاهم إلى الطريق المستقيم. ثم قبضه الله إليه ~~قبض رأفة واختيار، ورغبة وإيثار، فمحمد صلى الله عليه وآله من تعب هذه ~~الدار في راحة، قد حف بالملائكة الأبرار، ورضوان الرب الغفار، ومجاورة ~~الملك الجبار، صلى الله على أبي نبيه، وأمينه، وخيرته من الخلق وصفيه، ~~والسلام عليه ورحمة الله وبركاته. # ثم التفتت إلى أهل المجلس وقالت: أنتم عباد الله نصب أمره ونهيه، وحملة ~~دينه ووحيه، وأمناء الله على أنفسكم، وبلغائه إلى الأمم، زعيم حق له فيكم، ~~وعهد # PageV01P133 # قدمه إليكم، وبقية استخلفها عليكم: كتاب الله الناطق، والقرآن الصادق، ~~والنور الساطع، والضياء اللامع، بينة بصائره، منكشفة سرائره، منجلية ~~ظواهره، مغتبطة به أشياعه، قائدا إلى الرضوان أتباعه، مؤد إلى النجاة ~~استماعه، به تنال حجج الله المنورة، وعزائمه المفسرة، ومحارمه المحذرة، ~~وبيناته الجالية، وبراهينه الكافية، وفضائله المندوبة، ورخصه الموهوبة، ~~وشرائعه المكتوبة، فجعل الله الإيمان: تطهيرا لكم من الشرك، والصلاة: ~~تنزيها لكم عن الكبر، والزكاة: # تزكية للنفس، ونماء في الرزق، والصيام: تثبيتا للاخلاص، والحج: تشييدا ~~للدين، والعدل: تنسيقا للقلوب، وطاعتنا: نظاما للملة، وإمامتنا: أمانا ~~للفرقة والجهاد: عزا للإسلام، والصبر، معونة على استيجاب الأجر، والأمر ~~بالمعروف: # مصلحة للعامة، وبر الوالدين: وقاية من السخط، وصلة الأرحام: منساة في ~~العمر (1) ومنماة للعدد، والقصاص: حقنا للدماء، والوفاء بالنذر: تعريضا ~~للمغفرة، وتوفية المكائيل والموازين: تغييرا للبخس، والنهي عن شرب الخمر: ~~تنزيها عن الرجس واجتناب القذف: حجابا عن اللعنة، وترك السرقة: إيجابا ~~بالعفة، وحرم الله الشرك إخلاصا له بالربوبية، فاتقوا الله حق تقاته، ولا ~~تموتن إلا وأنتم مسلمون، وأطيعوا الله فيما أمركم به ونهاكم عنه، فإنه إنما ~~يخشى الله من عباده العلماء. # ثم قالت أيها الناس اعلموا: إني فاطمة ms115 وأبي محمد صلى الله عليه وآله أقول ~~عودا وبدوا، ولا أقول ما أقول غلطا، ولا أفعل ما أفعل شططا (2) لقد جائكم ~~رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم (3) حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم. فإن ~~تعزوه (4) وتعرفوه: تجدوه أبي دون نسائكم، وأخا ابن عمي دون رجالكم (5) # PageV01P134 # ولنعم المعزى إليه صلى الله عليه وآله وسلم، فبلغ الرسالة، صادعا ~~بالنذارة (1) مائلا عن مدرجة المشركين (2) ضاربا ثبجهم (3) آخذا بأكظامهم ~~(4) داعيا إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، يجف الأصنام (5) وينكث ~~الهام، حتى انهزم الجمع وولوا الدبر، حتى تفرى الليل عن صبحه (6) وأسفر ~~الحق عن محضه، ونطق زعيم الدين، وخرست شقاشق الشياطين (7) وطاح وشيظ النفاق ~~(8) وانحلت عقد الكفر والشقاق، وفهتم بكلمة الإخلاص (9) في نفر من البيض ~~الخماص (10) وكنتم على شفا حفرة من النار، مذقة الشارب (11) ونهزة الطامع ~~(12) وقبسة العجلان، وموطئ الأقدام (13) تشربون الطرق (14) # PageV01P135 # وتقتاتون القد (1) أذلة خاسئين، تخافون أن يتخطفكم الناس من حولكم، ~~فأنقذكم الله تبارك وتعالى بمحمد صلى الله عليه وآله، وبعد أن مني ببهم (2) ~~الرجال وذؤبان العرب، ومردة أهل الكتاب، كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها ~~الله، أو نجم قرن الشيطان (3) أو فغرت فاغرة من المشركين (4) قذف أخاه في ~~لهواتها (5) فلا ينكفئ حتى يطأ جناحها بأخمصه (6) ويخمد لهبها بسيفه، ~~مكدودا في ذات الله، مجتهدا في أمر الله، قريبا من رسول الله، سيدا في ~~أولياء الله، مشمرا ناصحا، مجدا، كادحا، لا تأخذه في الله لومة لائم، وأنتم ~~في رفاهية من العيش، وادعون (7) فاكهون (8) آمنون، تتربصون بنا الدوائر (9) ~~وتتوكفون الأخبار (10) وتنكصون عند النزال، وتفرون من القتال، فلما اختار ~~الله لنبيه دار أنبيائه، ومأوى أصفيائه، ظهر فيكم حسكة النفاق (11) وسمل ~~جلباب الدين (12) ونطق كاظم الغاوين (13) ونبغ خامل # PageV01P136 # الأقلين (1) وهدر فنيق المبطلين (2) فخطر في عرصاتكم (3) واطلع الشيطان ~~رأسه من مغرزة هاتفا بكم (4) فألفاكم لدعوته مستجيبين، وللعزة فيه ملاحظين، ~~ثم استنهضكم فوجدكم خفافا، وأحشمكم فألفاكم غضابا (5) فوسمتم غير إبلكم (6) ~~ووردتم غير مشربكم (7) هذا والعهد قريب والكلم رحيب (8)، والجرح لما يندمل ~~(9) والرسول لما يقبر، ابتدارا، زعمتم خوف الفتنة ألا في الفتنة ms116 سقطوا وإن ~~جهنم لمحيطة بالكافرين، فهيهات منكم، وكيف بكم، وأني تؤفكون، وكتاب الله ~~بين أظهركم، أموره ظاهرة، وأحكامه زاهرة وأعلامه باهرة، وزواجره لايحة، ~~وأوامره واضحة، وقد خلفتموه وراء ظهوركم أرغبة عنه تريدون " * "؟ أم بغيره ~~تحكمون؟ بئس للظالمين بدلا، ومن يبتع غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في ~~الآخرة من الخاسرين، ثم لم تلبثوا إلا ريث أن تسكن نفرتها (10) ويسلس ~~قيادها (11) ثم أخذتم تورون وقدتها (12) وتهيجون جمرتها، وتستجيبون لهتاف ~~الشيطان الغوي، وإطفاء أنوار الدين الجلي # PageV01P137 # وإهمال سنن النبي الصفي، تشربون حسوا في ارتغاء (1) وتمشون لأهله وولده ~~في الخمرة والضراء (2) ويصير " * " منكم على مثل حز المدى (3) ووخز السنان ~~في الحشاء، وأنتم الآن تزعمون: أن لا إرث لنا، أفحكم الجاهلية تبغون ومن ~~أحسن من الله حكما لقوم يوقنون؟! أفلا تعلمون؟ بلى قد تجلى لكم كالشمس ~~الضاحية: أني ابنته. # أيها المسلمون أغلب على إرثي " * "؟ يا بن أبي قحافة أفي كتاب الله ترث ~~أباك ولا إرث أبي؟ لقد جئت شيئا فريا! أفعلى عمد تركتم كتاب الله ونبذتموه ~~وراء ظهوركم؟ إذ يقول: " وورث سليمان داود " (4) وقال: فيما اقتص من خبر ~~يحيى بن زكريا إذ قال: " فهب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب (5) " ~~وقال: " وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله (6) " وقال: " يوصيكم ~~الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين (7) " وقال: إن ترك خيرا الوصية ~~للوالدين والأقربين بالمعروف حقا على المتقين (8) وزعمتم: أن لا حظوة (9) ~~لي ولا إرث من أبي، ولا رحم بيننا، أفخصكم الله بآية أخرج أبي منها؟ أم هل ~~تقولون: إن أهل ملتين لا يتوارثان؟ أو لست أنا وأبي من أهل ملة واحدة؟ أم # PageV01P138 # أنتم أعلم بخصوص القرآن وعمومه من أبي وابن عمي؟ فدونكها مخطومة مرحولة ~~(1) تلقاك يوم حشرك، فنعم الحكم الله، والزعيم محمد، والموعد القيامة، وعند ~~الساعة يخسر المبطلون، ولا ينفعكم إذ تندمون، ولكل نبأ مستقر وسوف تعلمون ~~من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم ثم رمت بطرفها (*) نحو الأنصار ~~فقالت: يا معشر النقيبة وأعضاد الملة (2) وحضنة الإسلام، ms117 ما هذه الغميزة في ~~حقي (3) والسنة عن ظلامتي (4)؟ أما كان رسول الله صلى الله عليه وآله أبي ~~يقول (المرء يحفظ في ولده)؟ سرعان ما أحدثتم، وعجلان ذا إهالة (5) ولكم ~~طاقة بما أحاول، وقوة على ما أطلب وأزاول، أتقولون مات محمد صلى الله عليه ~~وآله؟ فخطب جليل: استوسع وهنه واستنهر فتقه (6) وانفتق رتقه، واظلمت الأرض ~~لغيبته، وكسفت الشمس والقمر، وانتثرت النجوم لمصيبته، وأكدت (7) الآمال، ~~وخشعت الجبال، وأضيع الحريم، وأزيلت الحرمة عند مماته، فتلك والله النازلة ~~الكبرى، والمصيبة العظمى، لا مثلها نازلة، ولا بائقة (8) عاجلة، أعلن بها ~~كتاب الله جل ثناؤه، في أفنيتكم، وفي ممساكم، ومصبحكم، يهتف في أفنيتكم ~~هتافا، وصراخا، وتلاوة، وألحانا، ولقبله ماحل بأنبياء الله ورسله، حكم # PageV01P139 # فصل، وقضاء حتم: " وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو ~~قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب علي عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي ~~الله الشاكرين " (1) أيها بني قيلة (2) أأهضم تراث أبي؟ وأنتم بمرأى مني ~~ومسمع، ومنتدى (3) ومجمع تلبسكم الدعوة، وتشملكم الخبرة، وأنتم ذوو العدد ~~والعدة، والأداة والقوة وعندكم السلاح والجنة (4) توافيكم الدعوة فلا ~~تجيبون، وتأتيكم الصرخة فلا تغيثون، وأنتم موصوفون بالكفاح، معروفون بالخير ~~والصلاح، والنخبة التي انتخبت، والخيرة التي اختيرت لنا أهل البيت، قاتلتم ~~العرب، وتحملتم الكد والتعب، وناطحتم الأمم، وكافحتم " * " البهم، لا نبرح ~~أو تبرحون (5) نأمركم فتأتمرون، حتى إذا دارت بنا رحى الإسلام، ودر حلب ~~الأيام، وخضعت ثغرة الشرك، وسكنت فورة الإفك، وخمدت نيران الكفر، وهدأت ~~دعوة الهرج، واستوسق نظام الدين (6) فأنى حزتم بعد البيان؟ وأسررتم بعد ~~الإعلان؟ ونكصتم بعد الإقدام؟ وأشركتم بعد الإيمان؟ بؤسا لقوم نكثوا ~~أيمانهم من بعد عهدهم، وهموا بإخراج الرسول، وهم بدؤوكم أول مرة، أتخشونهم ~~فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين ألا وقد أرى أن قد أخلدتم إلى الخفض (7) ~~وأبعدتم من هو أحق بالبسط والقبض، وخلوتم بالدعة (8) ونجوتم بالضيق من ~~السعة، فمججتم ما وعيتم، ودسعتم الذي تسوغتم (9) فإن تكفروا أنتم ومن في ~~الأرض جميعا # PageV01P140 # فإن الله لغني حميد. ألا وقد قلت ما ms118 قلت هذا على معرفة مني بالجذلة التي ~~خامرتكم (1) والغدرة التي استشعرتها قلوبكم، ولكنها فيضة النفس، ونفثة ~~الغيظ، وخور القناة (2) وبثة الصدر، وتقدمة الحجة، فدونكموها فاحتقبوها ~~دبرة (3) الظهر نقبة الخف (4) باقية العار، موسومة بغضب الجبار، وشنار ~~الأبد، موصولة بنار الله الموقدة، التي تطلع على الأفئدة، فبعين الله ما ~~تفعلون وسيعلم الذين ظلموا أي مقلب ينقلبون. وأنا ابنة نذير لكم بين يدي ~~عذاب شديد فاعملوا إنا عاملون، وانتظروا إنا منتظرون. # فأجابها أبو بكر عبد الله بن عثمان. وقال: يا بنت رسول الله لقد كان أبوك ~~بالمؤمنين عطوفا كريما، رؤوفا رحيما، وعلى الكافرين عذابا أليما، وعقابا ~~عظيما، إن عزوناه وجدناه أباك دون النساء، وأخا إلفك دون الأخلاء (5) آثر ~~على كل حميم، وساعده في كل أمر جسيم، لا يحبكم إلا سعيد، ولا يبغضكم إلا ~~شقي (6) بعيد فأنتم عترة رسول الله الطيبون، الخيرة المنتجبون، على الخير ~~أدلتنا، وإلى الجنة مسالكنا، وأنت يا خيرة النساء، وابنة خير الأنبياء، ~~صادقة في قولك، سابقة في وفور عقلك، غير مردودة عن حقك، ولا مصدودة عن ~~صدقك، # PageV01P141 # والله ما عدوت رأي رسول الله، ولا عملت إلا بإذنه، والرائد لا يكذب أهله، ~~وأني أشهد الله وكفى به شهيدا، أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله ~~يقول: " نحن معاشر الأنبياء لا نورث ذهبا ولا فضة ولا دارا ولا عقارا وإنما ~~نورث الكتاب والحكمة والعلم والنبوة وما كان لنا من طعمة فلولي الأمر بعدنا ~~أن يحكم فيه بحكمه " (1) وقد جعلنا ما حاولته في الكراع والسلاح يقاتل بها ~~المسلمون ويجاهدون الكفار، ويجالدون المردة الفجار، وذلك بإجماع من ~~المسلمين، لم انفرد به وحدي، ولم استبد بما كان الرأي عندي (2) وهذه حالي ~~ومالي، هي لك وبين يديك، لا تزوى عنك، # PageV01P142 # ولا ندخر دونك، وأنك وأنت سيدة أمة أبيك، والشجرة الطيبة لبنيك، لاندفع ~~PageV01P143 # مالك من فضلك، ولا يوضع في فرعك وأصلك، حكمك نافذ فيما ملكت يداي فهل ~~ترين أن أخالف في ذلك أباك صلى الله عليه وآله فقالت عليها السلام: سبحان ~~الله ما كان أبي رسول ms119 الله صلى الله عليه وآله عن كتاب الله صادفا (1) ولا ~~لأحكامه مخالفا! بل كان يتبع أثره، ويقفو سوره، أفتجمعون إلى الغدر اعتلالا ~~عليه بالزور، وهذا بعد وفاته شبيه بما بغى له من الغوائل (2) في حياته هذا ~~كتاب الله حكما عدلا، وناطقا فصلا يقول: يرثني ويرث من آل يعقوب (3) ويقول: ~~وورث سليمان داود (4) وبين عز وجل فيما وزع من الأقساط، وشرع من الفرائض ~~والميراث، وأباح من حظ الذكران والإناث، ما أزاح به علة المبطلين، وأزال ~~التظني والشبهات في الغابرين، كلا بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل والله ~~المستعان على ما تصفون. # فقال أبو بكر: صدق الله ورسوله، وصدقت ابنته، أنت معدن الحكمة وموطن ~~الهدى والرحمة، وركن الدين، وعين الحجة، لا أبعد صوابك، ولا أنكر خطابك ~~هؤلاء المسلمون بيني وبينك، قلدوني ما تقلدت، وباتفاق منهم أخذت ما أخذت ~~غير مكابر ولا مستبد، ولا مستأثر، وهم بذلك شهود. # فالتفتت فاطمة عليها السلام إلى الناس وقالت: # معاشر المسلمين المسرعة إلى قيل الباطل (5) المغضية على الفعل القبيح ~~الخاسر أفلا تتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها؟ كلا بل ران على قلوبكم ما ~~أسأتم من أعمالكم، فأخذ بسمعكم وأبصاركم، ولبئس ما تأولتم، وساء ما به ~~أشرتم، وشر ما منه اغتصبتم لتجدن والله محمله ثقيلا، وغبه وبيلا، إذا كشف ~~لكم الغطاء وبان بأورائه الضراء، وبدا لكم من ربكم ما لم تكونوا تحتسبون، ~~وخسر هنالك المبطلون. # PageV01P144 # ثم عطفت على قبر النبي صلى الله عليه وآله وقالت: # قد كان بعدك أنباء وهنبثة * لو كنت شاهدها لم تكثر الخطب إنا فقدناك فقد ~~الأرض وابلها * واختل قومك فاشهدهم ولا تغب وكل أهل له قربى ومنزلة * عند ~~الإله على الأدنين مقترب أبدت رجال لنا نجوى صدورهم (1) * لما مضيت وحالت ~~دونك الترب تجهمتنا رجال واستخف بنا * لما فقدت وكل الأرض مغتصب وكنت بدرا ~~ونورا يستضاء به * عليك ينزل من ذي العزة الكتب وكان جبريل بالآيات يونسنا ~~* فقد فقدت وكل الخير محتجب فليت قبلك كان الموت صادفنا * لما مضيت وحالت ~~دونك الكثب (2) ثم انكفأت ms120 عليها السلام، وأمير المؤمنين عليه السلام يتوقع ~~رجوعها إليه، ويتطلع طلوعها عليه، فلما استقرت بها الدار، قالت: لأمير ~~المؤمنين عليه السلام: # يا بن أبي طالب، اشتملت شملة الجنين، وقعدت حجرة الظنين، نقضت قادمة ~~الأجدل (3) فخانك ريش الأعزل (4) هذا ابن أبي قحافة يبتزني نحلة أبي وبلغة ~~(5) ابني! لقد أجهد (6) في خصامي، وألفيته ألد في كلامي (7) حتى حبستني ~~قيلة نصرها والمهاجرة وصلها، وغضت الجماعة دوني طرفها، فلا دافع ولا مانع، ~~خرجت كاظمة، وعدت راغمة، أضرعت خدك (8) يوم أضعت حدك # PageV01P145 # افترست الذئاب، وافترشت التراب، ما كففت قائلا، ولا أغنيت طائلا (1) ولا ~~خيار لي، ليتني مت قبل هنيئتي، ودون ذلتي عذيري الله منه عاديا (2) ومنك ~~حاميا، ويلاي في كل شارق! ويلاي في كل غارب! مات العمد، ووهن العضد (3) ~~شكواي إلى أبي! وعدواي (4) إلى ربي! اللهم إنك أشد منهم قوة وحولا، وأشد ~~بأسا وتنكيلا. # فقال أمير المؤمنين عليه السلام: لا ويل لك بل الويل لشانئك (5) ثم نهنهي ~~عن وجدك (6) يا ابنة الصفوة، وبقية النبوة، فما ونيت (7) عن ديني، ولا ~~أخطأت مقدوري (8) فإن كنت تريدين البلغة، فرزقك مضمون، وكفيلك مأمون، وما ~~أعد لك أضل مما قطع عنك، فاحتسبي الله. # فقالت: حسبي الله وأمسكت. # وقال سويد بن غفلة: (9) لما مرضت فاطمة سلام الله عليها، المرضة التي # PageV01P146 # توفيت فيها (1) دخلت عليها نساء المهاجرين والأنصار يعدنها، فقلن لها: ~~كيف أصبحت من علتك يا بنت رسول الله؟ فحمدت الله، وصلت على أبيها، ثم قالت: # أصبحت والله: عائفة لدنيا كن، قالية لرجالكن، لفظتهم بعد أن عجمتهم (2) ~~وسئمتهم بعد أن سبرتهم (3) فقبحا لفلول الحد، واللعب بعد الجد، وقرع الصفات ~~وصدع القناة، وختل الآراء (4) وزلل الأهواء، وبئس ما قدمت لهم أنفسهم: # أن سخط الله عليهم، وفي العذاب هم خالدون. لا جرم لقد قلدتهم ربقتها ~~وحملتهم اوقتها (5) وشننت عليهم غاراتها (6) فجدعا، وعقرا وبعدا، للقوم ~~الظالمين. # ويحهم أنى زعزعوها عن رواسي الرسالة، وقواعد النبوة والدلالة، ومهبط ~~الروح الأمين، والطبين بأمور الدنيا (7) والدين؟! ألا ذلك هو الخسران ~~المبين! # وما الذي نقموا من أبي الحسن عليه السلام؟! ms121 نقموا والله منه نكير سيفه، ~~وقلة مبالاته # PageV01P147 # لحتفه، وشدة وطأته، ونكال (1) وقعته، وتنمره في ذات الله (2) وتالله لو ~~مالوا عن المحجة اللايحة، وزالوا عن قبول الحجة الواضحة، لردهم إليها، ~~وحملهم عليها ولسار بهم سيرا سجحا (3) لا يكلم حشاشه (4) ولا يكل سائره (5) ~~ولا يمل راكبه، ولأوردهم منهلا نميرا، صافيا، رويا، تطفح ضفتاه ولا يترنق ~~جانباه ولأصدرهم بطانا، ونصح لهم سرا وإعلانا، ولم يكن يتحلى من الدنيا ~~بطائل، ولا يحظى منها بنائل، غير ري الناهل، وشبعة الكافل، ولبان لهم: ~~الزاهد من الراغب والصادق من الكاذب، ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا ~~عليهم بركات من السماء والأرض، ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون، ~~والذين ظلموا من هؤلاء سيصيبهم سيئات ما كسبوا وما هم بمعجزين! ألا هلم ~~فاسمع؟! وما عشت أراك الدهر عجبا! وإن تعجب فعجب قولهم!.. ليت شعري إلى أي ~~أسناد استندوا؟! # وإلى أي عماد اعتمدوا؟! وبأية عروة تمسكوا؟! وعلى أية ذرية أقدموا ~~واحتنكوا (6) لبئس المولى ولبئس العشير، وبئس للظالمين بدلا، استبدلوا ~~والله الذنابى بالقوادم (7) والعجز بالكاهل (8) فرغما لمعاطس (9) قوم ~~يحسبون أنهم يحسنون صنعا. ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون. ويحهم أفمن ~~يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أم من لا يهدي إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون؟! ~~أما لعمري لقد لقحت، فنظرة ريثما تنتج، ثم احتلبوا ملاء القعب دما عبيطا ~~(10) وزعافا مبيدا، هنالك يخسر المبطلون، ويعرف البطالون غب (11) ما أسس ~~الأولون، ثم طيبوا عن دنياكم # PageV01P148 # أنفسا، واطمأنوا للفتنة جاشا، وأبشروا بسيف صارم، وسطوة معتد غاشم، وبهرج ~~شامل، واستبداد من الظالمين: يدع فيئكم زهيدا، وجمعكم حصيدا، فيا حسرة لكم! ~~وأنى بكم وقد عميت عليكم! أنلزمكموها وأنتم لها كارهون. # قال سويد بن غفلة فأعادت النساء: قولها عليها السلام على رجالهن فجاء ~~إليها: قوم من المهاجرين والأنصار متعذرين، وقالوا: يا سيدة النساء، لو كان ~~أبو الحسن ذكر لنا هذا لأمر قبل أن يبرم العهد، ويحكم العقد، لما عدلنا عنه ~~إلى غيره، فقالت عليها السلام: إليكم عني فلا عذر بعد تعذير كم، ولا ms122 أمر ~~بعد تقصيركم احتجاج سلمان الفارسي رضي الله عنه (1) في خطبة خطبها بعد وفاة ~~رسول الله صلى الله عليه وآله على القوم لما تركوا أمير المؤمنين (ع) ~~واختاروا غيره ونبذوا العهد المأخوذ عليهم وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون. # عن جعفر بن محمد عن أبيه عن آبائه عليهم السلام قال: خطب الناس سلمان ~~الفارسي # PageV01P149 # رحمة الله عليه، بعد أن دفن النبي صلى الله عليه وآله بثلاثة أيام، فقال ~~فيها: PageV01P150 # ألا يا أيها الناس: اسمعوا عني حديثي، ثم أعقلوه عني، ألا وإني أوتيت ~~علما كثيرا، فلو حدثتكم بكل ما أعلم من فضايل أمير المؤمنين عليه السلام، ~~لقالت طائفة منكم: هو مجنون، وقالت طائفة أخرى: اللهم اغفر لقاتل سلمان، ~~ألا إن لكم منايا، تتبعها بلايا، ألا وإن عند علي عليه السلام، علم ~~المنايا، والبلايا، وميراث الوصايا وفصل الخطاب، وأصل الأنساب، على منهاج ~~هارون بن عمران من موسى عليهما السلام إذ يقول له رسول الله صلى الله عليه ~~وآله: أنت وصيي في أهل بيتي، وخليفتي في أمتي، وأنت مني بمنزلة هارون من ~~موسى، ولكنكم أخذتم سنة بني إسرائيل، فأخطأتم الحق فأنتم تعلمون ولا ~~تعلمون، أما والله لتركبن طبقا عن طبق، حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة أما ~~والذي نفس سلمان بيده: لو وليتموها عليا لأكلتم من PageV01P151 # فوقكم، ومن تحت أقدامكم، ولو دعوتم الطير لأجابتكم في جو السماء، ولو ~~دعوتم الحيتان من البحار لأتتكم، ولما عال (1) ولي الله، ولا طاش لكم سهم ~~من فرائص الله (2) ولا اختلف اثنان في حكم الله، ولكن أبيتم فوليتموها غيره ~~فأبشروا بالبلايا، واقنطوا من الرخاء، وقد نابذتكم على سواء، فانقطعت ~~العصمة فيما بيني وبينكم من الولاء. # عليكم بآل محمد عليهم السلام، فإنهم القادة إلى الجنة، والدعاة إليها يوم ~~القيامة. # عليكم بأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، فوالله لقد سلمنا ~~عليه بالولاية وإمرة المؤمنين، مرارا جمة (3) مع نبينا، كل ذلك يأمرنا به، ~~ويؤكده علينا فما بال القوم؟ عرفوا فضله فحسدوه، وقد حسد هابيل قابيل ~~فقتله، وكفارا قد ارتدت أمة موسى ms123 بن عمران، فأمر هذه الأمة كأمر بني ~~إسرائيل، فأين يذهب بكم أيها الناس ويحكم ما لنا وأبو فلان وفلان؟! أجهلتم ~~أم تجاهلتم؟ أم حسدتم أم تحاسدتم؟ والله لترتدن كفارا، يضرب بعضكم رقاب بعض ~~بالسيف، يشهد الشاهد على الناجي بالهلكة، ويشهد الشاهد على الكافر بالنجاة، ~~ألا وإني أظهرت أمري، وسلمت لنبيي، واتبعت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة عليا ~~أمير المؤمنين عليه السلام وسيد الوصيين، وقائد الغر المحجلين، وإمام ~~الصديقين، والشهداء والصالحين. # PageV01P152 # احتجاج لأبي بن كعب (1) على القوم مثل ما احتج به سلمان رضي الله عنه. # عن محمد ويحيى (2 - 3) ابني عبد الله بن الحسن عن أبيهما عن جدهما عن علي ~~بن أبي طالب عليه السلام قال، لما خطب أبو بكر قام إليه أبي بن كعب وكان ~~يوم الجمعة أول يوم من شهر رمضان وقال: # PageV01P153 # يا معشر المهاجرين الذين اتبعوا مرضات الله، وأثنى الله عليهم في القرآن ~~PageV01P154 # ويا معشر الأنصار الذين تبوؤا الدار والإيمان، وأثنى الله عليهم في ~~القرآن، تناسيتم أم نسيتم، أم بدلتم، أم غيرتم، أم خذلتم، أم عجزتم؟ ألستم ~~تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وآله قام فينا مقاما أقام في عليا فقال: ~~" من كنت مولاه فهذا مولاه يعني عليا ومن كنت نبيه فهذا أميره "؟ ألستم ~~تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: " يا علي أنت مني بمنزلة ~~هارون من موسى طاعتك واجبة على من بعدي كطاعتي في حياتي غير أنه لا نبي ~~بعدي "؟ ألستم تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: " أوصيكم بأهل ~~بيتي خيرا فقدموهم ولا تقدموهم، وأمروهم ولا تأمروا عليهم "؟ ألستم تعلمون ~~أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال " أهل بيتي منار الهدى، والدالون على ~~الله "؟ أو لستم تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال لعلي عليه ~~السلام: " أنت الهادي لمن ضل "؟ ألستم تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه ~~وآله قال " علي المحيي لسنتي " ومعلم أمتي، والقائم بحجتي وخير من أخلف من ~~بعدي، وسيد أهل بيتي، وأحب الناس ms124 إلي طاعته كطاعتي على أمتي "؟ ألستم ~~تعلمون أنه لم يول على علي أحدا منكم وولاه في كل غيبته عليكم؟ ألستم ~~تعلمون أنه كان منزلهما في أسفارهما واحدا وارتحالهما واحد؟ # ألستم تعلمون أنه قال: " إذا غبت فخلفت عليكم عليا فقد خلفت فيكم رجلا ~~كنفسي "؟ ألستم تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وآله قبل موته قد جمعنا ~~في بيت ابنته فاطمة عليها السلام فقال لنا: إن الله أوحى إلى موسى بن عمران ~~أن اتخذ أخا من أهلك فأجعله نبيا، واجعل أهله لك ولدا، أطهرهم من الآفات، ~~وأخلصهم من الريب فاتخذ موسى هارون أخا، وولده أئمة لبني إسرائيل من بعده، ~~الذين يحل لهم في مساجدهم ما يحل لموسى، وأن الله تعالى أوحي إلي أن أتخذ ~~عليا أخا، كما أن موسى اتخذ هارون أخا، واتخذ ولده ولدا، فقد طهرتهم كما ~~طهرت ولد هارون، إلا أني قد ختمت بك النبيين فلا نبي بعدك " فهم الأئمة ~~الهادية، أفما تبصرون أفما تفهمون أفما تسمعون؟! ضربت عليكم الشبهات، فكان ~~مثلكم كمثل رجل في سفر فأصابه عطش شديد، حتى خشي أن يهلك، فلقي رجلا هاديا ~~في الطريق، فسأله عن الماء، فقال له: أمامك عينان: إحديهما مالحة، والأخرى ~~PageV01P155 # عذبة، فإن أصبت المالحة ضللت، وإن أصبت العذبة هديت ورويت، فهذا مثلكم ~~أيتها الأمة المهملة كما زعمتم، وأيم الله ما أهملتم، لقد نصب لكم علم، يحل ~~لكم الحلال، ويحرم عليكم الحرام، ولو أطعتموه ما اختلفتم، ولا تدابرتم، ولا ~~تقاتلتم ولا برئ بعضكم من بعض، فوالله إنكم بعده لناقضون عهد رسول الله صلى ~~الله عليه وآله، وإنكم على عترته لمختلفون، وإن سئل هذا عن غير ما يعلم ~~أفتى برأيه، فقد أبعدتم، وتخارستم وزعمتم أن الخلاف رحمة، هيهات أبى الكتاب ~~ذلك عليكم، يقول الله تعالى جده (1): " ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا ~~من بعد ما جائتهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم (2) " ثم أخبرنا باختلافكم، ~~فقال سبحانه: " ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم (3) " أي: ~~للرحمة وهم آل محمد، سمعت رسول الله صلى ms125 الله عليه وآله يقول: يا علي أنت ~~وشيعتك على الفطرة، والناس منها براء، فهلا قبلتم من نبيكم كيف وهو خبركم ~~بانتكاصتكم (4) عن وصيه علي بن أبي طالب وأمينه، ووزيره، وأخيه، ووليه، ~~دونكم أجمعين. وأطهركم قلبا، وأقدمكم سلما وأعظمكم وعيا، من رسول الله صلى ~~الله عليه وآله أعطاه تراثه، وأوصاه بعداته، فاستخلفه على أمته، ووضع عنده ~~سره، فهو وليه دونكم أجمعين، وأحق به منكم أكتعين (5) سيد الوصيين، ووصي ~~خاتم المرسلين، أفضل المتقين، وأطوع الأمة لرب العالمين سلمتم عليه بإمرة ~~المؤمنين، في حياة سيد النبيين، وخاتم المرسلين، فقد أعذر من أنذر، وأدى ~~النصيحة من وعظ وبصر من عمى، فقد سمعتم كما سمعنا، ورأيتم كما رأينا، ~~وشهدتم كما شهدنا. # فقام إليه عبد الرحمن بن عوف، وأبو عبيدة بن الجراح، ومعاذ بن جبل فقالوا ~~يا أبي أصابك خبل؟ أم بك جنة؟ فقال: بل الخبل فيكم، والله كنت عند رسول ~~الله صلى الله عليه وآله يوما فألفيته يكلم رجلا أسمع كلامه ولا أرى شخصه، ~~فقال فيما # PageV01P156 # يخاطبه: ما أنصحه لك ولأمتك! وأعلمه بسنتك! فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله: أفترى أمتي تنقاد له من بعدي؟ قال: يا محمد يتبعه من أمتك أبرارها، ~~ويخالف عليهم من أمتك فجارها، وكذلك أوصياء النبيين من قبلك، يا محمد إن ~~موسى بن عمران أوصى إلى يوشع بن نون، وكان أعلم بني إسرائيل وأخوفهم لله، ~~وأطوعهم له، فأمره الله عز وجل أن يتخذه وصيا كما اتخذت عليا وصيا، وكما ~~أمرت بذلك، فحسده بنو إسرائيل، سبط موسى خاصة، فلعنوه، وشتموه، وعنفوه، ~~ووضعوا له، فإن أخذت أمتك سنن بني إسرائيل كذبوا وصيك، وجحدوا إمرته، ~~وابتزوا خلافته وغالطوه في علمه، فقلت: يا رسول الله من هذا؟ فقال رسول لله ~~صلى الله عليه وآله: " هذا ملك من ملائكة ربي عز وجل، ينبئني أن أمتي تتخلف ~~على وصيي علي بن أبي طالب صلوات الله عليه السلام، وإني أوصيك يا أبي ~~بوصية، إن حفظتها لم تزل بخير يا أبي عليك بعلي، فإنه الهادي المهدي، ~~الناصح لأمتي، ms126 المحيي لسنتي، وهو إمامكم بعدي، فمن رضي بذلك لقيني على ما ~~فارقته عليه، يا أبي ومن غير أو بدل لقيني ناكثا لبيعتي، عاصيا أمري، جاحدا ~~لنبوتي، لا أشفع له عند ربي، ولا أسقيه من حوضي " فقامت إليه رجال من ~~الأنصار فقالوا: " اقعد رحمك الله يا أبي، فقد أديت ما سمعت الذي معك ووفيت ~~بعهدك ". # احتجاج أمير المؤمنين (ع) على أبي بكر لما كان يعتذر إليه من بيعة الناس ~~له ويظهر الانبساط له. # عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عليهم السلام، قال: لما كان من أمر أبي ~~بكر وبيعة الناس له وفعلهم بعلي، لم يزل أبو بكر يظهر له الانبساط ويرى منه ~~الانقباض فكبر ذلك على أبي بكر، وأحب لقائه واستخراج ما عنده والمعذرة إليه ~~مما اجتمع الناس عليه وتقليدهم إياه أمر الأمة وقلة رغبته في ذلك وزهده ~~فيه. # أتاه في وقت غفلة وطلب منه الخلوة، فقال: يا أبا الحسن والله ما كان هذا ~~PageV01P157 # الأمر عن مواطاة مني ولا رغبة فيما وقعت عليه ولا حرص عليه ولا ثقة بنفسي ~~فيما تحتاج إليه الأمة ولا قوة لي بمال ولا كثرة لعشيرة ولا استيثار به دون ~~غيري فما لك تضمر علي ما لم استحقه منك وتظهر لي الكراهة لما صرت فيه وتنظر ~~إلي بعين الشنآن؟ # قال: فقال أمير المؤمنين عليه السلام: فما حملك عليه إذ لم ترغب فيه ولا ~~حرصت عليه ولا أثقت بنفسك في القيام به؟! # قال: فقال أبو بكر: حديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وآله: " إن ~~الله لا يجمع أمتي على ضلال " ولما رأيت إجماعهم اتبعت قول النبي صلى الله ~~عليه وآله، وأحلت أن يكون إجماعهم على خلاف الهدى من ضلال، فأعطيتهم قود ~~الإجابة، ولو علمت أن أحدا يتخلف لامتنعت. # فقال علي عليه السلام: أما ما ذكرت من قول النبي صلى الله عليه وآله " إن ~~الله لا يجمع أمتي على ضلال " فكنت من الأمة أم لم أكن؟ قال: بلى. قال: ~~وكذلك العصابة الممتنعة عنك: من سلمان، ms127 وعمار، وأبي ذر، والمقداد، وابن ~~عبادة، ومن معه من الأنصار. قال: كل من الأمة قال علي عليه السلام: فكيف ~~تحتج بحديث النبي وأمثال هؤلاء قد تخلفوا عنك؟! وليس للأمة فيهم طعن ولا في ~~صحبة الرسول لصحبته منهم تقصير، قال: ما علمت بتخلفهم إلا بعد إبرام الأمر، ~~وخفت إن قعدت عن الأمر أن يرجع الناس مرتدين عن الدين، وكان ممارستهم إلي ~~إن أجبتهم أهون مؤنة على الدين وإبقاء له من ضرب الناس بعضهم ببعض فيرجعون ~~كفارا، وعلمت أنك لست بدوني في الإبقاء عليهم وعلى أديانهم. # فقال علي عليه السلام: أجل ولكن أخبرني عن الذي يستحق هذا الأمر بما ~~يستحقه؟ # فقال أبو بكر: بالنصيحة، والوفاء، ودفع المداهنة، وحسن السيرة، وإظهار ~~العدل، والعلم بالكتاب والسنة، وفصل الخطاب، مع الزهد في الدنيا، وقلة ~~الرغبة فيها، وانتصاف المظلوم من الظالم للقريب والبعيد، ثم سكت. # فقال علي عليه السلام: والسابقة، والقرابة. PageV01P158 # فقال أبو بكر: والسابقة والقرابة. # فقال علي عليه السلام: أنشدك بالله يا أبا بكر أفي نفسك تجد هذه الخصال ~~أو في فقال أبو بكر: بل فيك يا أبا الحسن. # قال: فأنشدك بالله أنا المجيب لرسول الله صلى الله عليه وآله قبل ذكران ~~المسلمين (1) أم أنت؟ قال: بل أنت. # قال عليه السلام: فأنشدك بالله، أنا صاحب الأذان لأهل الموسم والجمع ~~الأعظم للأمة بسورة براءة (2) أم أنت؟ قال: بل أنت. # PageV01P159 # قال: فأنشدك بالله أنا وقيت رسول الله صلى الله عليه وآله بنفسي يوم ~~الغار (1) أم أنت؟ # قال: بل أنت. # قال فأنشدك بالله أنا المولى لك ولكل مسلم بحديث النبي صلى الله عليه ~~وآله يوم الغدير (2) أم أنت؟ قال: بل أنت # PageV01P160 # قال فأنشدك بالله ألي الولاية من الله مع رسوله في آية الزكاة بالخاتم ~~(1) # PageV01P161 # أم لك؟ قال: بل لك. # قال فأنشدك بالله ألي الوزارة مع رسول الله صلى الله عليه وآله والمثل من ~~هارون من موسى (1) أم لك؟ قال: بل لك. # PageV01P162 # قال فأنشدك بالله أبي برز رسول الله صلى الله عليه وآله وباهلي وولدي في ~~مباهلة المشركين أم ms128 بك وبأهلك وولدك (1)؟ قال: بل بكم. # قال فأنشدك بالله ألي ولأهلي وولدي آية التطهير من الرجس أم لك ولأهل # PageV01P163 # بيتك (1)؟ قال: بل لك ولأهل بيتك. # قال فأنشدك بالله أنا صاحب دعوة رسول الله صلى الله عليه وآله وأهلي ~~وولدي يوم الكساء " اللهم هؤلاء أهلي إليك لا إلى النار (2) " أم أنت؟ قال: ~~بل أنت وأهلك وولدك قال فأنشدك بالله أنا صاحب آية " يوفون بالنذر ويخافون ~~يوما كان شره # PageV01P164 # مستطيرا (1) أم أنت؟ قال: بل أنت. # PageV01P165 # قال فأنشدك بالله أنت الذي ردت عليه الشمس لوقت صلاته فصلاها ثم توارت أم ~~أنا (1)؟ قال: بل أنت. # قال فأنشدك بالله أنت الفتى نودي من السماء " لا سيف إلا ذو الفقار ولا ~~فتى # PageV01P166 # إلا علي " (1) أم أنا؟ قال: بل أنت. # قال فأنشدك بالله أنت الذي حباك رسول الله صلى الله عليه وآله برايته يوم ~~خيبر، ففتح الله له أم أنا (2)؟ قال: بل أنت. # قال فأنشدك بالله أنت الذي نفست عن رسول الله وعن المسلمين بقتل عمرو بن # PageV01P167 # عبد ود أم أنا (1)؟ قال: بل أنت. # قال فأنشدك بالله أنت الذي ائتمنك رسول الله صلى الله عليه وآله على ~~رسالته إلى الجن (2) فأجابت أم أنا؟ قال: بل أنت. # PageV01P168 # قال فأنشدك بالله أنا الذي طهره الله من السفاح من لدن آدم إلى أبيه بقول ~~رسول PageV01P169 # الله صلى الله عليه وآله: " خرجت أنا وأنت من نكاح لا من سفاح (1) من لدن ~~آدم إلى # PageV01P170 # عبد المطلب " أم أنت؟ قال: بل أنت. # قال فأنشدك بالله أنا الذي اختارني رسول الله وزوجني ابنته فاطمة عليها ~~السلام، وقال: " الله زوجك إياها في السماء (1) " أم أنت؟ قال: بل أنت. # قال فأنشدك بالله أنا والد الحسن والحسين سبطيه وريحانتيه إذ يقول: " هما ~~سيدا شباب أهل الجنة وأبوهما خير منهما (2) " أم أنت؟ قال: بل أنت. # PageV01P171 # قال فأنشدك بالله أخوك المزين بالجناحين يطير في الجنة مع الملائكة أم ~~أخي (1)؟ قال: بل أخوك. # PageV01P172 # قال فأنشدك بالله أنا ضمنت دين رسول الله وناديت في المواسم بإنجاز موعده ~~أم أنت (1)؟ قال: بل ms129 أنت. # قال فأنشدك بالله أنا الذي دعاه رسول الله صلى الله عليه وآله والطير ~~عنده يريد أكله يقول: " اللهم ايتني بأحب خلقك إلي وإليك بعدي يأكل معي من ~~هذا الطير " (2) فلم يأته غيري أم أنت؟ قال: بل أنت. # PageV01P173 # قال فأنشدك بالله أنا الذي بشرني رسول الله صلى الله عليه وآله بقتال ~~الناكثين، والقاسطين والمارقين، على تأويل القرآن (1) أم أنت؟ قال: بل أنت. # PageV01P174 # قال فأنشدك بالله أنا الذي دل عليه رسول الله صلى الله عليه وآله بعلم ~~القضاء وفصل الخطاب بقوله: " على أقضاكم " أم أنت (1)؟ قال بل أنت. # PageV01P175 # قال فأنشدك بالله أنا الذي أمر رسول الله صلى الله عليه وآله أصحابه ~~بالسلام عليه بالإمرة في حياته أم أنت (1)؟ قال: بل أنت. # PageV01P176 # قال فأنشدك بالله أنا الذي شهدت آخر كلام رسول الله صلى الله عليه وآله ~~ووليت غسله ودفنه أم أنت (1)؟ قال: بل أنت. # PageV01P177 # قال فأنشدك بالله أنت الذي سبقت له القرابة من رسول الله صلى الله عليه ~~وآله أم أنا (1)؟ # قال: بل أنت. # قال فأنشدك بالله أنت الذي حباك الله بالدينار عند حاجته إليه وباعك ~~جبرئيل وأضفت محمدا فأطعمت ولده أم أنا (2) قال: فبكى أبو بكر قال: بل أنت. # PageV01P178 # قال فأنشدك بالله أنت الذي جعلك رسول الله صلى الله عليه وآله على كتفه ~~في طرح صنم الكعبة وكسره حتى لو شئت أن أنال أفق السماء لنلتها أم أنا (1)؟ ~~قال بل أنت # PageV01P179 # قال: فأنشدك بالله أنت الذي قال لك رسول الله صلى الله عليه وآله: " أنت ~~صاحب لواي في الدنيا والآخرة (1) " أم أنا؟ قال: بل أنت. # قال فأنشدك الله أنت الذي أمرك رسول الله صلى الله عليه وآله بفتح بابه ~~في مسجده عندما أمر بسد أبواب جميع أهل بيته وأصحابه وأحل لك فيه ما أحل ~~الله له أم أنا (2) قال: بل أنت. # PageV01P180 # قال فأنشدك بالله أنت الذي قدمت بين يدي نجوى رسول الله صلى الله عليه ~~وآله صدقة (1) # PageV01P181 # فناجيته إذ عاتب الله قوما فقال: " أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجويكم ~~صدقات (1) " أم ms130 أنا قال: بل أنت. # قال فأنشدك بالله أنت قال رسول الله صلى الله عليه وآله لفاطمة: " زوجتك ~~أول الناس إيمانا، وأرجحهم إسلاما في كلام له " أم أنا (2) قال: بل أنت. # PageV01P182 # قال فأنشدك بالله يا أبا بكر أنت الذي سلمت عليه ملائكة سبع سماوات يوم ~~القليب (1) أم أنا؟ قال: بل أنت. # قال: فلم يزل يورد مناقبه التي جعل الله له ورسوله دونه، ودون غيره، ~~ويقول له أبو بكر: بل أنت. # قال: فبهذا وشبهه تستحق القيام بأمور أمة محمد، فما الذي غرك عن الله وعن # PageV01P183 # رسوله ودينه وأنت خلو مما يحتاج إليه أهل دينه. # قال: فبكى أبو بكر وقال: صدقت يا أبا الحسن انظرني قيام يومي فأدبر ما ~~أنا فيه وما سمعت منك. # فقال علي عليه السلام: لك ذلك يا أبا بكر. # فرجع من عنده وطابت نفسه (1) يومه ولم يأذن لأحد إلى الليل، وعمر يتردد ~~في الناس لما بلغه من خلوته بعلي، فبات في ليلته فرأى في منامه كأن رسول ~~الله صلى الله عليه وآله تمثل له في مجلسه فقام إليه أبو بكر يسلم عليه ~~فولى عنه وجهه فصار مقابل وجهه فسلم عليه فولى وجهه عنه، فقال أبو بكر: يا ~~رسول الله أمرت بأمر لم أفعله؟ فقال: أرد عليك السلام وقد عاديت من والاه ~~الله ورسوله؟ رد الحق إلى أهله. فقلت: من أهله؟ قال: من عاتبك عليه علي، ~~قلت: فقد رددته عليه يا رسول الله ثم لم يره. # فأصبح وبكر (2) إلى علي عليه السلام وقال ابسط يدك يا أبا الحسن أبايعك ~~وأخبره بما قد رأى، قال: فبسط علي يده فمسح عليها أبو بكر وبايعه وسلم إليه ~~وقال له: أخرج إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله فأخبرهم بما رأيت من ~~ليلتي وما جرى بيني وبينك، وأخرج نفسي من هذا الأمر وأسلمه إليك، قال: فقال ~~علي عليه السلام: نعم. # فخرج من عنده متغيرا لونه عاتبا نفسه، فصادفه عمر وهو في طلبه، فقال له ~~ما لك يا خليفة رسول الله؟ فأخبره بما كان ms131 وما رأى وما جرى بينه وبين علي، ~~فقال: أنشدك بالله يا خليفة رسول الله والاغترار بسحر بني هاشم والثقة بهم ~~فليس هذا بأول سحر منهم، فما زال به حتى رده عن رأيه وصرفه عن عزمه ورغبه ~~فيما هو، بالثبات عليه، والقيام به. # قال: فأتى علي المسجد على الميعاد فلم ير فيه منهم أحدا فأحس بشئ # PageV01P184 # منهم، فقعد إلى قبر رسول الله صلى الله عليه وآله قال: فمر به عمر، فقال: ~~يا علي دون ما تريد خرط القتاد (1) فعلم عليه السلام بالأمر ورجع إلى بيته. # احتجاج سلمان الفارسي على عمر بن الخطاب في جواب كتاب كتبه إليه حين كان ~~عامله على المداين بعد حذيفة بن اليمان (2) بسم الله الرحمن الرحيم من ~~سلمان مولى رسول الله صلى الله عليه وآله إلى عمر بن الخطاب. # PageV01P185 # أما بعد: فإنه أتاني منك كتاب يا عمر، تؤنبني (1) وتعيرني، وتذكر فيه: ~~أنك بعثتني أميرا على أهل المدائن، وأمرتني أن أقص أثر حذيفة (2) واستقصي ~~أيام أعماله وسيره، ثم أعلمك قبيحها، وقد نهاني الله عن ذلك يا عمر في محكم ~~كتابه حيث قال: " يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن ~~إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا ~~فكرهتموه واتقوا الله إن الله تواب رحيم " (3) وما كنت لأعصي الله في أثر ~~حذيفة وأطيعك. # وأما ما ذكرت: أني أقبلت على سف الخوص (4) وأكل الشعير، فما هما مما يعير ~~به مؤمن ويؤنب عليه، وأيم الله يا عمر لأكل الشعير وسف الخوص، # PageV01P186 # والاستغناء به عن رفيع المطعم والمشرب، وعن غصب مؤمن حقه وادعاء ما ليس ~~له بحق، أفضل وأحب إلى الله عز وجل وأقرب للتقوى، ولقد رأيت رسول الله صلى ~~الله عليه وآله إذا أصاب الشعير أكل وفرح به ولم يسخطه. # وأما ما ذكرت: من إعطائي فإني قدمته ليوم فاقتي وحاجتي، ورب العزة يا ~~عمر، ما أبالي إذا جاز طعامي لهواتي وانساغ (1) في حلقي، لباب البر ومخ ~~المعزة كان أو خشارة الشعير ms132 (2). # وأما قولك: إني ضعفت سلطان الله ووهنته، وأذللت نفسي وامتهنتها (3) حتى ~~جهل أهل المدائن إمارتي، واتخذوني جسرا يمشون فوقي، ويحملون علي ثقل ~~حمولتهم (4) وزعمت أن ذلك مما يوهن سلطان الله ويذله. # فاعلم: أن التذلل في طاعة الله أحب إلى من التعزز في معصيته، وقد علمت أن ~~رسول الله صلى الله عليه وآله يتألف الناس (5) ويتقرب منهم ويتقربون منه في ~~نبوته وسلطانه، حتى كأنه بعضهم في الدنو منهم، وقد كان يأكل الجشب (6) ~~ويلبس الخشن، وكان الناس عنده قرشيهم، وعربيهم، وأبيضهم، وأسودهم، سواء في ~~الدين وأشهد أني سمعته يقول: " من ولي سبعة من المسلمين بعدي ثم لم يعدل ~~فيهم لقي الله وهو عليه غضبان " فليتني يا عمر أسلم من عمارة المدائن (7) ~~مع ما ذكرت إني # PageV01P187 # أذللت نفسي وامتهنتها، فكيف يا عمر حال من ولي الأمة بعد رسول الله صلى ~~الله عليه وآله؟ وإني سمعت الله يقول: " تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا ~~يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين (1) ". # إعلم: أني لم أتوجه أسوسهم وأقيم حدود الله فيهم إلا بإرشاد دليل عالم ~~فنهجت فيهم بنهجه، وسرت فيهم بسيرته (2). # واعلم: أن الله تبارك وتعالى لو أراد بهذه الأمة خيرا أو أراد بهم رشدا ~~لو لي عليهم أعلمهم وأفضلهم، ولو كانت هذه الأمة من الله خائفين، ولقول نبي ~~الله متبعين، وبالحق عاملين، ما سموك أمير المؤمنين، فاقض ما أنت قاض، إنما ~~تقضي هذه الحياة الدنيا، ولا تغتر بطول عفو الله عنك وتمديده بذلك من تعجيل ~~عقوبته وأعلم: أنك سيدركك عواقب ظلمك في دنياك وآخرتك، وسوف تسأل عما قدمت ~~وأخرت، والحمد لله وحده. # احتجاج أمير المؤمنين (ع) على القوم لما مات عمر بن الخطاب وقد جعل ~~الخلافة شورى بينهم (3). # PageV01P188 # روى عمرو بن شمر (1) عن جابر الجعفي (2) عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر ~~عليه وعلى آبائه السلام. # PageV01P192 # قال: إن عمر بن الخطاب لما حضرته الوفاة وأجمع على الشورى، بعث إلى ستة ~~نفر من قريش: إلى علي بن أبي طالب، وإلى عثمان بن عفان، وإلى ms133 زبير بن ~~العوام، وإلى طلحة بن عبيد الله، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص ~~وأمرهم أن يدخلوا إلى بيت ولا يخرجوا منه حتى يبايعوا لأحدهم، فإن اجتمع ~~أربعة على واحد وأبى واحد أن يبايعهم قتل، وإن امتنع اثنان وبايع ثلاثة ~~قتلا فأجمع رأيهم على عثمان. # فلما رأى أمير المؤمنين عليه السلام ما هم القوم به من البيعة لعثمان قام ~~فيهم ليتخذ عليهم الحجة قال عليه السلام لهم: # اسمعوا مني كلامي فإن يك ما أقول حقا فاقبلوا وإن يك باطلا فأنكروا ثم ~~قال: أنشدكم بالله الذي يعلم صدقكم إن صدقتم ويعلم كذبكم إن كذبتم هل فيكم ~~أحد صلى القبلتين كلتيهما (1) غيري قالوا: لا. # PageV01P193 # قال: نشدتكم بالله هل فيكم من بايع البيعتين كلتيهما الفتح وبيعة الرضوان ~~غيري؟ قالوا: لا. # قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد أخوه المزين بالجناحين في الجنة غيري؟ # قالوا: لا. # قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد عمه سيد الشهداء غيري؟ (1) قالوا: لا # PageV01P194 # قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد زوجته سيدة نساء العالمين غيري؟ # قالوا: لا. # قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد ابناه ابنا رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وهما سيدا شباب أهل الجنة غيري؟ قالوا: لا. # قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد عرف الناسخ من المنسوخ (1) غيري؟ # قالوا: لا. # قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد أذهب الله عنه الرجس وطهره تطهيرا غيري؟ ~~قالوا: لا. # قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد عاين حبرائيل في مثال دحية الكلبي غيري ~~(2)؟ قالوا: لا. # PageV01P195 # قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد أدى الزكاة وهو راكع غيري؟ قالوا: لا. # قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد مسح رسول الله صلى الله عليه وآله عينيه ~~وأعطاه الراية يوم خيبر فلم يجد حرا ولا بردا غيري؟ قالوا: لا. # قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد نصبه رسول الله صلى الله عليه وآله يوم ~~غدير خم بأمر الله تعالى فقال: " من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من ~~والاه وعاد من عاداه (1) غيري " قالوا: لا. # PageV01P196 # قال نشدتكم بالله ms134 هل فيكم أحد هو أخو رسول الله في الحضر ورفيقه في السفر ~~غيري؟ قالوا لا. # قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد بارز عمرو بن عبد ود يوم الخندق وقتله ~~غيري؟ قالوا: لا. # قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله صلى الله عليه وآله: " ~~أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي " غيري؟ قالوا: لا. # قال نشدتكم بالله هل فيكم أحد سماه الله في عشر آيات من القرآن مؤمنا ~~غيري (1)؟ قالوا: لا. # PageV01P197 # قال نشدتكم بالله هل فيكم أحد ناول رسول الله صلى الله عليه وآله قبضة من ~~التراب فرمى بها في وجوه الكفار فانهزموا غيري؟ قالوا: لا. PageV01P198 # قال نشدتكم بالله هل فيكم أحد وقفت الملائكة معه يوم أحد حتى ذهب ~~PageV01P199 # الناس غيري قالوا: لا. # قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد قضى دين رسول الله صلى الله عليه وآله ~~غيري؟ قالوا لا قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد شهد وفاة رسول الله صلى الله ~~عليه وآله غيري؟ قالوا: لا قال نشدتكم بالله هل فيكم أحد غسل رسول الله ~~وكفنه ولحده غيري؟ # قالوا: لا. # قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد ورث سلاح رسول الله صلى الله عليه وآله ~~ورايته وخاتمه غيري؟ قالوا لا. # قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد جعل رسول الله صلى الله عليه وآله طلاق ~~نسائه بيده غيري؟ قالوا: لا. # قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد حمله رسول الله صلى الله عليه وآله على ~~ظهره حتى كسر الأصنام على باب الكعبة غيري؟ قالوا: لا. # قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد نودي باسمه من السماء يوم بدر " لا سيف ~~إلا ذو الفقار ولا فتى إلا علي غيري؟ قالوا: لا. # قال: نشدتكم الله هل فيكم أحد أكل مع رسول الله صلى الله عليه وآله من ~~الطائر المشوي الذي أهدي إليه غيري؟ قالوا: لا. # قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله صلى الله عليه وآله " ~~أنت صاحب رايتي في الدنيا وصاحب لوائي في الآخرة " غيري؟ ms135 قالوا: لا. # قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد قدم بين يدي نجواه صدقة غيري؟ قالوا: لا ~~قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد خصف نعل رسول الله صلى الله عليه وآله غيري ~~قالوا: لا. # قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله صلى الله عليه وآله " ~~أنا أخوك وأنت أخي " غيري؟ قالوا: لا. PageV01P200 # قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله صلى الله عليه وآله " ~~أنت أحب الخلق إلي وأقولهم بالحق غيري؟ " قالوا: لا. # قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد وجد رسول الله صلى الله عليه وآله جايعا ~~فاستقى مائة دلو بمائة تمرة وجاء بالتمرة فأطعمه رسول الله غيري وهو جائع؟ ~~قالوا: لا قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد سلم عليه جبرئيل وميكائيل ~~وإسرافيل في ثلاثة آلاف من الملائكة يوم بدر غيري؟ قالوا: لا. # قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد غمض عين رسول الله صلى الله عليه وآله ~~غيري؟ قالوا: لا. # قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد وحد الله قبلي غيري؟ قالوا: لا. # قال نشدتكم بالله هل فيكم أحد كان أول داخل على رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وآخر خارج من عنده غيري؟ قالوا: لا. # قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد مشى مع رسول الله صلى الله عليه وآله فمر ~~على حديقة فقلت ما أحسن هذه الحديقة فقال رسول الله صلى الله عليه وآله " ~~وحديقتك في الجنة أحسن من هذه " حتى مررت على ثلاث حدائق كل ذلك يقول رسول ~~الله " حديقتك في الجنة أحسن من هذه " غيري؟ قالوا: لا. # قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله صلى الله عليه وآله " ~~أنت أول من آمن بي وصدقني وأول من يرد علي الحوض يوم القيامة ". غيري (1)؟ ~~قالوا: لا. # قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد أخذ رسول الله رسول الله صلى الله عليه ~~وآله بيده ويد امرأته وابنيه حين أراد أن يباهل نصارى أهل نجران غيري؟ ~~قالوا: لا. # قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد قال له ms136 رسول الله صلى الله عليه وآله: " ~~أول طالع يطلع عليكم من هذا الباب يا أنس فإنه أمير المؤمنين، وسيد ~~المسلمين، وأولى الناس # PageV01P201 # بالناس (1) فقال أنس: اللهم اجعله رجلا من من الأنصار، فكنت أنا الطالع ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: لأنس ما أنت بأول رجل أحب قومه " غيري؟ ~~قالوا: لا. # قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد نزلت فيه هذه الآية " إنما وليكم الله ~~ورسوله والذين آمنوا يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون " غيري قالوا: ~~لا. # قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد أنزل الله فيه وفي ولده " إن الأبرار ~~يشربون من كأس كان مزاجها كافورا " (2) إلى آخر السورة غيري؟ قالوا: لا. # قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد أنزل الله فيه " أجعلتم سقاية الحاج ~~وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخرة وجاهد في سبيل الله لا ~~يستوون عند الله (3) " غيري؟ قالوا: لا. # قال نشدتكم بالله هل فيكم أحد علمه رسول الله صلى الله عليه وآله ألف ~~كلمة كل كلمة مفتاح ألف كلمة (4) غيري؟ قالوا: لا قال: نشدتكم بالله هل ~~فيكم أحد ناجاه رسول الله يوم الطائف فقال أبو بكر وعمر " يا رسول الله ~~ناجيت عليا دوننا " فقال لهما النبي صلى الله عليه وآله: " ما أنا ناجيته ~~بل # PageV01P202 # الله أمرني بذلك " (1) غيري؟ قالوا: لا. # قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد سقاه رسول الله صلى الله عليه وآله من ~~المهراس غيري قالوا: لا. # قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله صلى الله عليه وآله " ~~أنت أقرب الخلق مني يوم القيامة يدخل بشفاعتك الجنة أكثر من عدد ربيعة ومضر ~~" غيري؟ # قالوا: لا. # قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله صلى الله عليه وآله: " ~~يا علي أنت تكسى حين أكسى " (2) غيري؟ قالوا: لا. # قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله صلى الله عليه وآله: " ~~أنت وشيعتك الفائزون يوم القيامة " غيري؟ قالوا: لا. # قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله صلى الله عليه ms137 وآله: " ~~كذب من زعم أنه يحبني ويبغض هذا " غيري؟ قالوا: لا. # قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله صلى الله عليه وآله: " ~~من أحب شطراتي هذه فقد أحبني ومن أحبني فقد أحب الله - فقيل له وما شطراتك ~~- قال علي، والحسن، والحسين، وفاطمة " غيري؟ قالوا: لا. # قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله صلى الله عليه وآله: " ~~أنت خير البشر بعد النبيين " (3) غيري؟ قالوا: لا. # PageV01P203 # قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله صلى الله عليه وآله " ~~أنت الفاروق تفرق بين الحق والباطل " (1) غيري؟ قالوا: لا. # قال: نشدتكم بالله قل فيكم أحد قال له رسول الله " أنت أفضل الخلايق عملا ~~يوم القيامة بعد النبيين " غيري؟ قالوا: لا. # قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد أخذ رسول الله صلى الله عليه وآله كساه ~~عليه وعلى زوجته وعلى ابنيه ثم قال " اللهم أنا وأهل بيتي إليك لا إلى ~~النار " غيري؟ قالوا لا. # قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد كان يبعث إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وآله الطعام وهو في الغار ويخبره بالأخبار غيري؟ قالوا: لا. # قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله صلى الله عليه وآله " ~~أنت أخي ووزيري وصاحبي من أهلي " غيري؟ قالوا: لا. # قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله " أنت أقدمهم سلما ~~وأفضلهم علما وأكثرهم حلما " غيري؟ قالوا: لا. # قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد قتل مرحبا اليهودي فارس اليهود مبارزة ~~غيري؟ (2) قالوا: لا. # PageV01P204 # قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد عرض عليه النبي صلى الله عليه وآله ~~الإسلام فقال له " انظرني حتى القى والدي " فقال له النبي صلى الله عليه ~~وآله " فإنها أمانة عندك " فقلت فإن كانت أمانة عندي فقد أسلمت غيري؟ ~~قالوا: لا. # قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد احتمل باب خيبر حين فتحها فمشى به مائة ~~ذراع، ثم عالجه بعده أربعين رجلا فلم يطيقوه غيري؟ قالوا: لا. # قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد نزلت ms138 فيه هذه الآية: " يا أيها الذين ~~آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة فكنت أنا الذي قدم ~~الصدقة " غيري؟ قالوا: لا. # قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله صلى الله عليه وآله " من ~~سب عليا فقد سبني ومن سبني فقد سب الله (1) " غيري؟ قالوا: لا. # قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله صلى الله عليه وآله " ~~منزلي مواجه منزلك في الجنة " غيري؟ قالوا: لا. # قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله صلى الله عليه وآله: " ~~قاتل الله من قاتلك وعادى الله من عاداك " غيري؟ قالوا: لا. # قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد اضطجع على فراش رسول لله صلى الله عليه ~~وآله حين # PageV01P205 # أراد أن يسير إلى المدينة ووقاه بنفسه من المشركين حين أرادوا قتله غيري؟ ~~قالوا: لا قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله صلى الله عليه ~~وآله " أنت أولى الناس بأمتي بعدي " (1) غيري؟ قالوا: لا. # قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله صلى الله عليه وآله " ~~أنت يوم القيامة عن يمين العرش والله يكسوك ثوبين: أحدها أخضر والآخر وردي ~~" غيري؟ # قالوا: لا. # قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد صلى قبل الناس بسبع سنين وأشهر (2) غيري؟ ~~قالوا: لا. # قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله صلى عليه وآله " أنا يوم ~~القيامة آخذ بحجزة ربي والحجزة النور وأنت آخذ بحجزتي وأهل بيتي آخذ بحجزتك ~~" غيري؟ قالوا: لا. # قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله صلى الله عليه وآله " ~~أنت كنفسي وحبك حبي وبغضك بغضي " (3) غيري؟ قالوا: لا. # PageV01P206 # قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله صلى الله عليه وآله " ~~ولايتك كولايتي عهد عهده إلي ربي وأمرني أن أبلغكموه " غيري؟ قالوا: لا. # قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله صلى الله عليه وآله " ~~اللهم اجعله لي عونا وعضدا وناصرا " غيري؟ قالوا: لا. # قال: نشدتكم ms139 بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله صلى الله عليه وآله " ~~المال يعسوب الظلمة وأنت يعسوب المؤمنين " (1) غيري؟ قالوا: لا. # قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله صلى الله عليه وآله " ~~لأبعثن إليكم رجلا امتحن الله قلبه للإيمان " غيري؟ قالوا: لا. # قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد أطعمه رسول الله صلى الله عليه وآله رمانة ~~وقال " هذه من رمان الجنة لا ينبغي أن يأكل منه إلا نبي أو وصي نبي " غيري؟ ~~قالوا: لا. # قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله صلى الله عليه وآله " ما ~~سألت ربي شيئا إلا أعطانيه ولم أسأل ربي شيئا إلا سألت لك مثله " (2) غيري ~~قالوا: لا. # قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله صلى الله عليه وآله " ~~أنت أقومهم بأمر الله وأوفاهم بعهد الله وأعلمهم بالقضية وأقسمهم بالسوية ~~وأعظمهم عند الله مزية " غيري، قالوا: لا. # قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله صلى الله عليه وآله " ~~فضلك على هذه الأمة كفضل الشمس على القمر وكفضل القمر على النجوم " غيري؟ ~~قالوا: لا. # PageV01P207 # قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله صلى الله عليه وآله " ~~يدخل الله وليك الجنة وعدوك النار " غيري؟ قالوا: لا. # قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله صلى الله عليه وآله " ~~الناس من أشجار شتى وأنا وأنت من شجرة واحدة " (1) غيري؟ قالوا: لا. # قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله " أنا سيد ولد آدم وأنت ~~سيد العرب والعجم ولا فخر " (1) غيري؟ قالوا: لا. # قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد رضي الله عنه في الآيتين من القرآن غيري ~~قالوا: لا. # قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله صلى الله عليه وآله " ~~موعدك موعدي وموعد شيعتك عند الحوض إذا خافت الأمم ووضعت الموازين " غيري؟ # قالوا: لا. # قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله صلى الله عليه وآله " ~~اللهم ms140 إني أحبه فأحبه اللهم إني استودعكه " غيري؟ قالوا: لا. # قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله صلى الله عليه وآله " ~~أنت تحاج الناس فتحججهم بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر وأقام الحدود، والقسم بالسوية " غيري؟ قالوا: لا. # PageV01P208 # قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد أخذ رسول الله صلى الله عليه وآله بيده ~~يوم بدر، فرفعها حتى نظر الناس إلى بياض إبطيه وهو يقول: " ألا إن هذا ابن ~~عمي ووزيري فوازروه وناصحوه فإنه وليكم " غيري؟ قالوا لا. # قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد نزلت فيه هذه الآية " ويؤثرون على أنفسهم ~~ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون " (1) غيري؟ قالوا: ~~لا. # قال: نشدتكم بالله فهل فيكم أحد كان جبرئيل أحد ضيفانه غيري؟ قالوا: لا ~~قال: فهل فيكم أحد أعطاه رسول الله صلى الله عليه وآله حنوطا من حنوط الجنة ~~ثم أقسمه أثلاثا ثلثا لي تحنطني به، وثلثا لابنتي. وثلثا لك، غيري؟ قالوا: ~~لا. # قال: فهل فيكم أحد كان إذا دخل على رسول الله صلى الله عليه وآله حياه ~~وأدناه ورحب به وتهلل له وجهه غيري؟ قالوا: لا قال فهل فيكم أحد قال له ~~رسول الله صلى الله عليه وآله " أنا أفتخر بك يوم القيامة إذا افتخرت ~~الأنبياء بأوصيائها " غيري؟ قالوا: لا. # قال: فهل فيكم أحد سرحه رسول الله صلى الله عليه وآله بسورة براءة إلى ~~المشركين من أهل مكة غيري؟ قالوا: لا. # قال: فهل فيكم أحد قال له رسول الله صلى الله عليه وآله " إني لأرحمك من ~~ضغائن في صدور أقوام عليك لا يظهرونها حتى يفقدوني فإذا فقدوني خالفوا فيها ~~" غيري؟ # قالوا: لا. # قال: فهل فيكم أحد قال له رسول الله صلى الله عليه وآله: " أدى الله عن ~~أمانتك أدى الله عن ذمتك " غيري؟ قالوا: لا. # قال: فهل فيكم أحد قال له رسول الله صلى الله عليه وآله: " أنت قسيم ~~النار تخرج منها من زكى وتذر فيها كل كافر " (2) غيري؟ قالوا: لا. # PageV01P209 # قال: ms141 فهل فيكم أحد فتح حصن خيبر وسبا بنت مرحب فأداها إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وآله غيري؟ قالوا: لا. # قال: فهل فيكم أحد قال له رسول الله صلى الله عليه وآله: " ترد علي الحوض ~~أنت وشيعتك رواء مرويين مبيضة وجوههم، ويرد علي عدوك ظماء مظمئين مقتحمين ~~(1) مسودة وجوههم " غيري؟ قالوا: لا. # قال: لهم أمير المؤمنين عليه السلام أما إذا أقررتم على أنفسكم، واستبان ~~لكم ذلك من قول نبيكم، فعليكم بتقوى الله وحده لا شريك له، وأنهاكم عن سخطه ~~ولا تعصوا أمره، وردوا الحق إلى أهله، واتبعوا سنة نبيكم، فإنكم إن خالفتم ~~خالفتم الله فادفعوها إلى من هو أهله وهي له. # قال: فتغامزوا فيها بينهم وتشاوروا وقالوا: " قد عرفنا فضله، وعلمنا أنه ~~أحق الناس بها، ولكنه رجل لا يفضل أحدا على أحد، فإن وليتموها إياه جعلكم ~~وجميع الناس فيها شرعا سواء، ولكن ولوها عثمان فإنه يهوى الذي تهوون " ~~فدفعوها إليه. # * * * احتجاجه (ع) على جماعة كثيرة من المهاجرين والأنصار لما تذاكروا ~~فضلهم بما قال رسول الله صلى الله عليه وآله من النص عليه وغيره من القول ~~الجميل (2). # روي عن سليم بن قيس الهلالي أنه قال: " رأيت عليا عليه السلام في مسجد # PageV01P210 # رسول الله صلى الله عليه وآله، في خلافة عثمان وجماعة يتحدثون ويتذاكرون ~~العلم، فذكروا قريشا وفضلها وسوابقها وهجرتها، وما قال فيها رسول الله صلى ~~الله عليه وآله من الفضل، مثل قوله: " الأئمة من قريش " وقوله: " الناس تبع ~~لقريش وقريش أئمة العرب " وقوله: " لا تسبقوا (1) قريشا " وقوله: " إن ~~للقريشي مثل قوة رجلين من غيرهم " وقوله: " من أبغض قريشا أبغضه الله " ~~وقوله: " من أراد هوان قريش أهانه الله "، وذكروا الأنصار وفضلها وسوابقها ~~ونصرتها، وما أثنى الله عليهم في كتابه، وما قال فيهم رسول الله من الفضل ~~مثل قوله: " الأنصار كرشي وعيبتي " ومثل قوله: " من أحب الأنصار أحبه الله، ~~ومن أبغض الأنصار أبغضه الله " ومثل قوله صلى الله عليه وآله: " لا يبغض ~~الأنصار رجل يؤمن بالله وبرسوله " وقوله: " لو سلك الناس شعبا لسلكت ms142 شعب ~~الأنصار " وذكروا ما قال: في سعد بن معاذ في جنازته وأن العرش اهتز لموته، ~~وقوله صلى الله عليه وآله: لما جيئ إليه بمناديل من اليمن فأعجب الناس بها، ~~فقال: " لمناديل سعد في الجنة أحسن منها " والذي غسلته الملائكة، والذي ~~حمته الدبر، فلم يدعوا شيئا من فضلهم، حتى قال كل حي منها: " منا فلان ~~وفلان " وقالت قريش: " منا رسول الله، ومنا حمزة، ومنا جعفر، ومنا عبيدة ~~ابن الحارث، وزيد بن حارثة، ومنا أبو بكر، وعمر، وسعد وأبو عبيدة، وسالم ~~وابن عوف، فلم يدعوا من الحيين أحدا من أهل السابقة إلا سموه، وفي الحلقة ~~أكثر من مائتي رجل، فيهم علي بن أبي طالب عليه السلام، وسعد بن أبي وقاص، ~~وعبد الرحمن بن عوف، وطلحة، والزبير، وعمار، والمقداد، وأبو ذر، وهاشم بن ~~عتبة، وابن عمر، والحسن، والحسين عليهما السلام، وابن عباس، ومحمد بن أبي ~~بكر، وعبد الله # PageV01P211 # ابن جعفر، ومن الأنصار أبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وأبو أيوب الأنصاري ~~وأبو هيثم بن التيهان، ومحمد بن سلمة، وقيس بن سعد بن عبادة، وجابر بن عبد ~~الله وأنس بن مالك، وزيد بن أرقم، وعبد الله بن أبي أوفى، وأبو ليلى ومعه ~~ابنه، وعبد الرحمن قاعد بجنبه غلام أمرد الوجه مديد القامة، فجاء أبو الحسن ~~البصري ومعه ابنه الحسن غلام أمرد صبيح الوجه معتدل القامة، قال: فجعلت ~~أنظر إليه وإلى عبد الرحمن بن أبي ليلى فلا أدري أيهما أجمل، غير أن الحسن ~~أعظمها وأطولهما وأكثر القوم في الحديث، وذلك من بكرة إلى حين الزوال، ~~وعثمان في داره لا يعلم بشئ مما هم فيه. # وعلي بن أبي طالب لا ينطق هو ولا أحد من أهل بيته. # فأقبل القوم عليه فقالوا: يا أبا الحسن ما يمنعك أن تتكلم؟ # فقال عليه السلام لهم، ما من الحيين أحد إلا وقد ذكر فضلا، وقال حقا، ~~فأنا أسألكم يا معشر قريش والأنصار، بمن أعطاكم الله هذا الفضل؟ أبأنفسكم ~~وعشائركم وأهل بيوتاتكم أم بغيركم؟ # قالوا: بل أعطانا الله ومن به علينا ms143 بمحمد وعشيرته، لا بأنفسنا وعشائرنا ~~ولا بأهل بيوتنا. # قال: صدقتم، يا معشر قريش والأنصار أتعلمون الذي نلتم به من خير الدنيا ~~والآخرة منا أهل البيت خاصة دون غيرهم؟ فإن ابن عمي رسول الله قال: " إني ~~وأهل بيتي كنا نورا بين يدي الله تبارك وتعالى قبل أن يخلق الله آدم بأربعة ~~عشر ألف سنة، فلما خلق الله آدم وضع ذلك النور في صلبه وأهبطه إلى الأرض، ~~ثم حمله في السفينة في صلب نوح عليه السلام، ثم قذف به في النار في صلب ~~إبراهيم عليه السلام، ثم لم يزل الله عز وجل ينقلنا من الأصلاب الكريمة إلى ~~الأرحام الطاهرة، ومن الأرحام الطاهرة إلى الأصلاب الكريمة، من الآباء ~~والأمهات، لم يلتق واحد منهم على سفاح قط ". # فقال أهل السابقة، وأهل بدر، وأهل أحد: نعم قد سمعنا ذلك من رسول الله ~~PageV01P212 # ثم قال: أنشدكم بالله أتعلمون أني أول الأمة إيمانا بالله وبرسوله؟ ~~قالوا: # اللهم نعم. # قال: فأنشدكم بالله أتعلمون أن الله عز وجل فضل في كتابه السابق على ~~المسبوق في غير آية. وأني لم يسبقني إلى الله عز وجل وإلى رسوله صلى الله ~~عليه وآله أحد من هذه الأمة؟ قالوا: اللهم نعم. # قال: فأنشدكم بالله أتعلمون حيث نزلت " والسابقون الأولون من المهاجرين ~~والأنصار (1) " " والسابقون السابقون أولئك المقربون (2) " وسأل عنها رسول ~~الله صلى الله عليه وآله فقال: " أنزله الله عز وجل في الأنبياء وأوصيائهم ~~فأنا أفضل أنبياء الله ورسله وعلي بن أبي طالب عليه السلام وصيي أفضل ~~الأوصياء " قالوا: اللهم نعم. # قال: فأنشدكم بالله أتعلمون حيث نزلت " يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ~~وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم (3) " وحيث نزلت: " إنما وليكم الله ~~ورسوله والذين آمنوا يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون (4) " وحيث ~~نزلت: " ولم يتخد من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة (5) " قال ~~الناس: # " يا رسول الله أخاصة في بعض المؤمنين أم عامة لجميعهم؟ " فأمر الله عز ~~وجل نبيه أن يعلمهم ولاة أمرهم، وأن يفسر لهم من الولاية ما فسر لهم من ~~صلاتهم، ms144 وزكاتهم وصومهم، وحجهم، فنصبني للناس علما بغدير خم. # ثم خطب فقال: " أيها الناس إن الله أرسلني برسالة ضاق بها صدري فظننت أن ~~الناس مكذبي فأوعدني لأبلغنها أو ليعذبني ". # ثم أمر فنودي بالصلاة جامعة، ثم خطب فقال: # " أيها الناس أتعلمون أن الله عز وجل مولاي وأنا مولى المؤمنين وأنا أولى ~~بهم من أنفسهم " بلى يا رسول الله. قال: قم يا علي، فقمت فقال: " من كنت # PageV01P213 # مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه ". - فقام سلمان ~~فقال: " يا رسول الله والاه كماذا؟ " فقال: " والاه كولائي، فمن كنت أولى ~~به من نفسه فعلي أولى به من نفسه " فأنزل الله عز وجل: " اليوم أكملت لكم ~~دينكم، وأتممت عليكم نعمتي، ورضيت لكم الإسلام دينا (1) " فكبر رسول الله ~~صلى الله عليه وآله فقال: " الله أكبر على تمام نبوتي، وتمام دين الله، ~~ولاية علي بعدي ". - فقام أبو بكر وعمر فقالا: " يا رسول الله هؤلاء الآيات ~~خاصة في علي؟ " قال صلى الله عليه وآله: " بلى فيه، وفي أوصيائي إلى يوم ~~القيامة ". # قالا: " يا رسول الله بينهم لنا ". # قال: أخي، ووزيري، ووارثي، ووصيي، وخليفتي، في أمتي، وولي كل مؤمن بعدي، ~~ثم ابني الحسن والحسين، ثم تسعة من ولد الحسين واحد بعد واحد القرآن معهم ~~وهم مع القرآن، لا يفارقونه ولا يفارقهم، حتى يردوا علي الحوض فقالوا كلهم: ~~" اللهم نعم، قد سمعنا ذلك وشهدنا كما قلت سواء " وقال بعضهم: " قد حفظنا ~~جل ما قلت ولم نحفظ كله وهؤلاء الذين حفظوا أخيارنا وأفاضلنا ". # فقال علي عليه السلام: " صدقتم ليس كل الناس يستوي في الحفظ ". # أنشدكم بالله من حفظ ذلك من رسول الله لما قام وأخبر به. # فقام زيد بن أرقم، والبراء بن عازب، وأبو ذر، والمقداد، وعمار، فقالوا " ~~نشهد لقد حفظنا قول رسول الله صلى الله عليه وآله وهو قائم على المنبر وأنت ~~إلى جنبه وهو يقول: أيها الناس أمرني الله أن انصب لكم إمامكم والقائم فيكم ~~بعدي ووصيي وخليفتي، والذي فرض على المؤمنين في كتابه طاعته، وقرنه بطاعته ms145 ~~وطاعتي، وأمركم بولايته، وأني راجعت ربي خشية طعن أهل النفاق وتكذيبهم، ~~فأوعدني # PageV01P214 # لأبلغنها أو ليعذبني، أيها الناس إن الله أمركم في كتابه بالصلاة. فقد ~~بينتها لكم والزكاة، والصوم، والحج. فقد بينتها لكم وفسرتها، وأمركم ~~بالولاية وإني أشهدكم أنها لهذا خاصة، ووضع يده على يد علي بن أبي طالب، ثم ~~لأبنيه من بعده، ثم للأوصياء من بعدهم، ومن ولدهم عليه السلام، لا يفارقون ~~القرآن، ولا يفارقهم القرآن، حتى يردوا علي الحوض، أيها الناس قد بينت لكم ~~مفزعكم (1) بعدي، وإمامكم، ودليلكم، وهاديكم، وهو: أخي علي بن أبي طالب، ~~وهو فيكم بمنزلتي فيكم، فقلدوه دينكم، وأطيعوه في جميع أموركم، فإن عنده ~~جميع ما علمني الله عز وجل من علمه وحكمته، فاسألوه وتعلموا منه ومن ~~أوصيائه بعده، ولا تعلموهم، ولا تتقدموهم، ولا تخلفوا عنهم، فإنهم مع الحق ~~والحق معهم لا يزايلهم (2) " ثم جلسوا. # قال سليم: ثم قال علي عليه السلام: # أيها الناس أتعلمون أن الله عز وجل أنزل في كتابه: " إنما يريد الله ~~ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا " فجمعني وفاطمة وابنيه حسنا ~~وحسينا ثم ألقى علينا كساء فدكيا وقال: " اللهم هؤلاء أهل بيتي ولحمي، ~~يؤلمني ما يؤلمهم، ويجرحني ما يجرحهم، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا " ~~فقالت أم سلمة: وأنا يا رسول الله فقال: " أنت إلى خير، إنما نزلت في، وفي ~~أخي علي، وفي ابنتي فاطمة، وفي ابني، وفي تسعة من ولد الحسين خاصة، وليس ~~معنا أحد غيرنا ". # فقالوا كلهم: " نشهد أن أم سلمة حدثتنا بذلك، فسألنا رسول الله صلى الله ~~عليه وآله فحدثنا كما حدثتنا به أم سلمة ". # قال علي عليه السلام: أنشدكم بالله أتعلمون أن الله أنزل " يا أيها الذين ~~آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين (3) " فقال سلمان: " يا رسول الله ~~عامة هذه الآية # PageV01P215 # أم خاصة؟ " فقال: " أما المأمورون فعامة المؤمنين أمروا بذلك، وأما ~~الصادقون خاصة لأخي علي وأوصيائي بعده إلى يوم القيامة ". فقالوا: اللهم ~~نعم. # قال: أنشدكم بالله أتعلمون أني قلت لرسول الله صلى الله عليه وآله في ~~غزاة تبوك: ms146 لم تخلفني فقال: " إن المدينة لا تصلح إلا بي أو بك، وأنت مني ~~بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي " قالوا: اللهم نعم. # قال: أنشدكم بالله أتعلمون أن الله عز وجل أنزل في سورة الحج: " يا أيها ~~الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير. لعلكم تفلحون (1) ~~" إلى آخر السورة، فقام سلمان فقال: " يا رسول الله من هؤلاء الذين أنت ~~عليهم شهيد، وهم شهداء على الناس، الذين اجتباهم، ولم يجعل عليهم في الدين ~~من حرج ملة أبيكم إبراهيم " قال: عني بذلك ثلاثة عشر رجلا خاصة دون هذه ~~الأمة " فقال سلمان: " بينهم لنا يا رسول الله " فقال: " أنا، وأخي علي، ~~وأحد عشر من ولدي " قالوا: اللهم نعم. # قال: أنشدكم بالله أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وآله قام خطيبا ~~ولم يخطب بعد ذلك. فقال: " يا أيها الناس إني تارك فيكم الثقلين (2) كتاب ~~الله، وعترتي أهل # PageV01P216 # بيتي، فتمسكوا بهما، لا تضلوا، فإن اللطيف الخبير أخبرني وعهد إلي أنهما ~~لن يفترقا حتى يردا علي الحوض " فقام عمر بن الخطاب - وهو شبه المغضب - ~~فقال: # يا رسول الله أكل أهل بيتك؟ " قال: لا ولكن أوصيائي منهم، أولهم أخي، ~~ووزيري، وخليفتي في أمتي، وولي كل مؤمن ومؤمنة بعدي، هو أولهم، ثم ابني ~~الحسن، ثم ابني الحسين، ثم تسعة من ولد الحسين، واحد بعد واحد حتى يردوا ~~علي الحوض، شهداء لله في أرضه، وحججه على خلقه، وخزان علمه، ومعادن حكمته، ~~من أطاعهم فقد أطاع الله، ومن عصاهم فقد عصى الله ". # فقالوا كلهم: " نشهد أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: ذلك ". # ثم تمادى بعلي عليه السلام السؤال والمناشدة، فما ترك شيئا إلا ناشدهم ~~الله فيه وسألهم عنه، حتى أتى علي على أكثر مناقبه، وما قال له رسول الله ~~صلى الله عليه وآله كل ذلك يصدقونه ويشهدون أنه حق. # ثم قال حين فرغ: " اللهم اشهد عليهم " وقالوا: " اللهم اشهد إنا لم نقل ~~إلا ما سمعناه من رسول الله صلى الله عليه وآله، وما حدثنا ms147 من نثق به من ~~هؤلاء وغيرهم أنهم سمعوه من رسول الله صلى الله عليه وآله ". # قال: أتقرون بأن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: " من زعم أنه يحبني ~~ويبغض عليا فقد كذب وليس يحبني " ووضع يده على رأسي فقال له قائل: " كيف ~~ذلك PageV01P217 # يا رسول الله؟ " قال: " لأنه مني وأنا منه، ومن أحبه فقد أحبني، ومن ~~أحبني فقد أحب الله، ومن أبغضه فقد أبغضني، ومن أبغضني فقد أبغض الله " قال ~~نحو عشرين رجلا من أفاضل الحيين: اللهم نعم. وسكت بقيتهم. # فقال: للسكوت ما لكم سكتم؟ قالوا: " هؤلاء الذين شهدوا عندنا ثقات في ~~قولهم، وفضلهم، وسابقتهم " فقال: اللهم اشهد عليهم. # فقال طلحة بن عبد الله: وكان يقال له: " داهية قريش " فكيف نصنع بما ادعى ~~أبو بكر وأصحابه الذين صدقوه، وشهدوا على مقالته يوم أتوه بك بعتل (1) وفي ~~عنقك حبل، فقالوا لك: " بايع " فاحتججت بما احتججت به، فصدقوك جميعا ثم ~~ادعى أنه سمع رسول الله يقول: أبى الله أن يجمع لنا أهل البيت النبوة ~~والخلافة فصدقه بذلك عمر، وأبو عبيدة، وسالم، ومعاذ. ثم قال طلحة: كل الذي ~~قلت وادعيت واحتججت به من السابقة والفضل حق نقر به ونعرفه، وأما الخلافة ~~فقد شهد أولئك الأربعة بما سمعت. # فقام علي عليه السلام عند ذلك، وغضب من مقالته، فأخرج شيئا قد كان يكتمه ~~وفسر شيئا قال له عمر يوم مات لم يدر ما عنى به، فأقبل على طلحة - والناس ~~يسمعون - فقال: # أما والله يا طلحة ما صحيفة ألقى الله بها يوم القيامة أحب إلي من صحيفة ~~الأربعة الذين تعاهدوا على الوفاء بها في الكعبة إن قتل الله محمدا أو ~~توفاه أن يتوازروا دون علي ويتظاهروا فلا تصل إلي الخلافة ". # والدليل والله على باطل ما شهدوا، وما قلت يا طلحة: قول نبي الله يوم ~~غدير خم: " من كنت أولى به من نفسه فعلي أولى به من نفسه ". # فكيف أكون أولى بهم من أنفسهم وهم أمراء علي وحكام؟ # وقول رسول الله صلى الله عليه وآله: " أنت ms148 مني بمنزلة هارون من موسى غير ~~النبوة " فلو كان مع النبوة غيرها لاستثناه رسول الله صلى الله عليه وآله. # PageV01P218 # وقوله: " إني تركت فيكم أمرين كتاب الله وعترتي لن تضلوا ما إن تمسكتم ~~بهما لا تقدموهم، ولا تخلفوا عنهم، ولا تعلموهم، فإنهم أعلم منكم أفينبغي ~~أن لا يكون الخليفة على الأمة إلا أعلمهم بكتاب الله وسنة نبيه؟! وقد قال ~~الله عز وجل: " أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أم من لا يهدي إلا أن يهدي ~~فما لكم كيف تحكمون (1) "؟! وقال تعالى: " إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة ~~في العلم والجسم (2) " وقال: " ائتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم ~~(3) " وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " ما ولت أمة قط أمرها رجلا ~~وفيهم من هو أعلم منه، إلا لم يزل يذهب أمرهم سفالا حتى يرجعوا إلى ما ~~تركوا " فما الولاية غير الإمارة؟ # والدليل على كذبهم وباطلهم وفجورهم، أنهم سلموا علي بأمرة المؤمنين بأمر ~~رسول الله. # ومن الحجة عليهم وعليك خاصة، وعلى هذا معك، يعني: الزبير، وعلى الأمة، ~~وعلى سعد ابن أبي وقاص، وابن عوف، وخليفتكم هذا القائم، يعني عثمان فإنا ~~معشر الشورى أحياء كلنا، أن جعلني عمر بن الخطاب في الشورى إن كان قد صدق ~~هو وأصحابه على رسول الله صلى الله عليه وآله، أجعلنا في الشورى في الخلافة ~~أم في غيرها؟ فإن زعمتم أنه جعلها شورى في غير الإمارة، فليس لعثمان إمارة ~~وإنما أمرنا أن نتشاور في غيرها، وإن كانت الشورى فيها، فلم أدخلني فيكم، ~~فهلا أخرجني؟ وقد قال: أن رسول الله صلى الله عليه وآله أخرج أهل بيته من ~~الخلافة وأخبر أنه ليس لهم فيها نصيب، ولم قال عمر حين دعانا رجلا رجلا. - ~~فقال علي عليه السلام: لعبد الله ابنه، وها هو ذا، أنشدك بالله عبد الله بن ~~عمر ما قال لك حين خرجت؟ # PageV01P219 # قال: أما إذ ناشدتني بالله فإنه قال: إن يتبعوا أصلع قريش يحملهم على ~~المحجة البيضاء، وأقامهم على كتاب ربهم وسنة نبيهم. # قال: يا ms149 بن عمر فما قلت له عند ذلك؟ # قال: قلت له: فما يمنعك أن تستخلفه؟ # قال: وما رد عليك؟ # قال: رد علي شيئا أكتمه. # قال علي: فإن رسول الله صلى الله عليه وآله خبرني به في حياته، ثم أخبرني ~~به ليلة مات أبوك في منامي، ومن رأى رسول الله صلى الله عليه وآله مناما ~~فقد رآه. قال: فما أخبرك به؟ # قال عليه السلام: فأنشدك بالله يا بن عمر لئن أخبرتك به لتصدقن؟ قال: إذن ~~سكت. قال: فإنه قال لك حين قلت له: فما يمنعك أن تستخلفه؟ قال: الصحيفة ~~التي كتبناها بيننا، والعهد في الكعبة، فسكت ابن عمر. # فقال أسألك بحق رسولك لم سكت عني؟ # قال سليم فرأيت ابن عمر في ذلك المجلس خنقته العبرة وعيناه تسيلان. # وأقبل أمير المؤمنين عليه السلام على طلحة، والزبير، وابن عوف، وسعد، ~~فقال: # لئن كان أولئك الخمسة أو الأربعة كذبوا على رسول الله صلى الله عليه وآله ~~ما يحل لكم ولايتهم وإن كانوا صدقوا ماحل لكم أيها الخمسة أو الأربعة أن ~~تدخلوني معكم في الشورى لأن إدخالكم إياي فيها خلاف على رسول الله صلى الله ~~عليه وآله ورد عليه. # ثم أقبل على الناس فقال: أخبروني عن منزلتي فيكم وما تعرفوني به أصادق ~~أنا فيكم أم كاذب؟ قالوا: صدوق لا والله ما علمناك كذبت قط في الجاهلية ولا ~~الإسلام قال: فوالله الذي أكرمنا أهل البيت بالنبوة، وجعل منا محمدا ~~وأكرمنا بعده بأن جعلنا أئمة للمؤمنين، لا يبلغ عنه غيرنا، ولا تصلح ~~الإمامة والخلافة إلا فينا، ولم يجعل لأحد من الناس فيها معنا أهل البيت ~~نصيبا ولا حقا، أما رسول الله صلى الله عليه وآله خاتم النبيين ليس بعده ~~نبي ولا رسول، ختم برسول الله الأنبياء إلى يوم القيامة، وجعلنا من بعد ~~محمد خلفاء في أرضه وشهداء على خلقه فرض طاعتنا في كتابه PageV01P220 # وقرننا بنفسه ونبيه، في غير آية من القرآن، فالله عز وجل جعل محمدا نبيا، ~~وجعلنا خلفاء من بعده في كتابه المنزل، ثم أن الله عز ms150 وجل أمر نبيه أن يبلغ ~~ذلك أمته فبلغهم كما أمره الله، فأيكما أحق بمجلس رسول الله صلى الله عليه ~~وآله ومكانه؟ وقد سمعتم رسول الله صلى الله عليه وآله حين بعثني ببراءة ~~فقال: " لا يبلغ عني إلا رجل مني ". # أنشدتكم بالله أسمعتم ذلك من رسول الله صلى الله عليه وآله؟ قالوا: " ~~اللهم نعم، نشهد أنا سمعنا ذلك من رسول الله صلى الله عليه وآله حين بعثك ~~ببراءة ". # فقال أمير المؤمنين عليه السلام: لا يصلح لصاحبكم أن يبلغ عنه صحيفة (1) ~~أربع أصابع، ولن يصلح أن يكون المبلغ عنه غيري، فأيهما أحق بمجلسه ومكانه ~~الذي سمي بخاصة، إنه من رسول الله صلى الله عليه وآله ومن حضر مجلسه من ~~الأمة؟ # فقال طلحة: قد سمعنا ذلك من رسول الله صلى الله عليه وآله، ففسر لنا كيف ~~لا يصلح لأحد أن يبلغ عن رسول الله غيرك؟ وقد قال - لنا ولسائر الناس -: " ~~ليبلغ الشاهد الغائب " فقال - بعرفة في حجة الوداع -: " نصر الله امرءا سمع ~~مقالتي فوعاها ثم بلغها غيره، فرب حامل فقه لا فقه له، ورب حامل فقه إلى من ~~هو أفقه منه، ثلاث لا يحل عليهن قلب امرء مسلم أخلص العمل لله عز وجل: ~~السمع، والطاعة والمناصحة لولاة الأمر ولزوم جماعتهم، فإن دعوتهم محيطة من ~~ورائهم ". وقال: # في غير موطن - " ليبلغ الشاهد الغائب ". # فقال علي عليه السلام: إن الذي قال رسول الله صلى الله عليه وآله يوم ~~غدير خم، ويوم عرفة في حجة الوداع، في آخر خطبة خطبها حين قال: " إني قد ~~تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما، كتاب الله، وأهل بيتي، فإن ~~اللطيف الخبير قد عهد إلي أنهما لا يفترقان حتى يردا علي الحوض، كهاتين ولا ~~أقول كهاتين - فأشار إلى سبابته وإبهامه، لأن أحدهما قدام الآخر - فتمسكوا ~~بهما لن تضلوا ولا تزالوا، ولا تقدموهم، ولا تخلفوا عنهم، ولا تعلموهم، ~~فإنهم أعلم منكم " إنما أمر الله العامة جميعا أن يبلغوا من لقوا من العامة ~~إيجاب طاعة الأئمة من آل محمد عليهم ms151 السلام وإيجاب # PageV01P221 # حقهم، ولم يقل ذلك في شئ من الأشياء غير ذلك، وإنما أمر العامة أن يبلغوا ~~العامة حجة من لا يبلغ عن رسول الله جميع ما بعثه الله به غيرهم، ألا ترى ~~يا طلحة أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال لي - وأنتم تسمعون -: " يا ~~أخي إنه لا يقضي عني ديني ولا يبرئ ذمتي غيرك، تبرئ ذمتي، وتؤدي ديني ~~وغراماتي، وتقاتل على سنتي " فلما ولي أبو بكر قضى عن رسول الله صلى الله ~~عليه وآله عداته ودينه، فاتبعتموه جميعا، فقضيت دينه وعداته، وقد أخبرهم ~~أنه لا يقضي عنه دينه وعداته غيري، ولم يكن ما أعطاهم أبو بكر قضاء لدينه ~~وعداته، وإنما كان الذي قضى من الدين والعدة هو الذي أبرءه منه، وإنما بلغ ~~عن رسول الله صلى الله عليه وآله جميع ما جاء به من عند الله من بعد الأئمة ~~الذين فرض الله في الكتاب طاعتهم، وأمر بولايتهم، الذين من أطاعهم فقد أطاع ~~الله، ومن عصاهم فقد عصى الله. # فقال طلحة: " فرجت عني، ما كنت أدري ما عنى بذلك رسول الله صلى الله عليه ~~وآله حتى فسرته لي، فجزاك الله يا أبا الحسن عن جميع أمة محمد الجنة، يا ~~أبا الحسن شيئا أريد أن أسألك عنه، رأيتك خرجت بثوب مختوم، فقلت: أيها ~~الناس إني لم أزل مشتغلا برسول الله بغسله، وكفنه، ودفنه، ثم اشتغلت بكتاب ~~الله حتى جمعته، فهذا كتاب الله عندي مجموعا لم يسقط حتى حرف واحد، ولم أر ~~ذلك الذي كتبت وألفت، وقد رأيت عمر بعث إليك أن ابعث به إلي فأبيت أن تفعل ~~فدعا عمر الناس فإذا شهد رجلان على آية كتبها، وإن لم يشهد عليها غير رجل ~~واحد أرجأها (1) فلم يكتب، فقال عمر: وأنا أسمع إنه قد قتل يوم اليمامة قوم ~~كانوا يقرؤون قرآنا لا يقرأه غيرهم، فقد ذهب وقد جاءت شاة إلى صحيفة وكتاب ~~يكتبون فأكلتها وذهب ما فيها والكاتب يومئذ عثمان، وسمعت عمر وأصحابه الذين ~~ألفوا ما كتبوا على عهد عمر وعلى ms152 عهد عثمان يقولون: إن الأحزاب كانت تعدل ~~سورة البقرة، وإن النور ستون ومائة آية، والحجر تسعون ومائة آية، فما هذا؟ # وما يمنعك يرحمك الله أن تخرج كتاب الله إلى الناس، وقد عهد عثمان حين ~~أخذ # PageV01P222 # ما ألف عمر فجمع له الكتاب، وحمل الناس على قراءة واحدة، فمزق مصحف أبي ~~بن كعب، وابن مسعود، وأحرقهما بالنار؟ # فقال له علي عليه السلام، يا طلحة إن كل آية أنزلها الله جل وعلا على ~~محمد عندي بإملاء رسول الله وخط يدي، وتأويل كل آية أنزلها الله على محمد ~~وكل حرام وحلال أو حد أو حكم أو شئ تحتاج إليه الأمة إلى يوم القيامة مكتوب ~~بإملاء رسول الله صلى الله عليه وآله وخط يدي، حتى أرش الخدش (1). # قال طلحة: كل شئ من صغير وكبير أو خاص أو عام كان أو يكون إلى يوم ~~القيامة فهو عندك مكتوب؟ # قال: نعم وسوى ذلك، إن رسول الله صلى الله عليه وآله أسر إلي في مرضه ~~مفتاح ألف باب من العلم يفتح من كل باب ألف باب، ولو أن الأمة منذ قبض رسول ~~الله صلى الله عليه وآله اتبعوني وأطاعوني لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم، ~~يا طلحة ألست قد شهدت رسول الله صلى الله عليه وآله حين دعا بالكتف ليكتب ~~فيه ما لا تضل أمته، فقال صاحبك إن نبي الله يهجر (2)، فغضب رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وتركها؟ فقال، بلى قد شهدته. # PageV01P223 # قال: فإنكم لما خرجتم أخبرني رسول الله صلى الله عليه وآله بالذي أراد ~~يكتب ويشهد عليه العامة، فأخبره جبرئيل أن الله قد قضى على أمتك الاختلاف ~~والفرقة ثم دعا بصحيفة فأملى علي ما أراد أن يكتب في الكتف، وأشهد على ذلك ~~ثلاثة رهط: سلمان، وأبا ذر، والمقداد. وسمى من يكون من أئمة الهدى الذين ~~أمر الله بطاعتهم إلى يوم القيامة (1) فسماني أولهم، ثم ابني هذا وأشار ~~بيده إلى الحسن والحسين. ثم تسعة من ولد ابني الحسين، كذلك كان يا أبا ذر ~~ويا مقداد؟ فقاما ثم ms153 قالا: نشهد بذلك على رسول الله صلى الله عليه وآله. # فقال طلحة: والله لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: " ما أقلت ~~الغبراء ولا أظلت الخضراء على ذي لهجة أصدق ولا أبر عند الله من أبي ذر " ~~وأنا أشهد أنهما لم يشهدا إلا بالحق، ولأنت عندي أصدق وأبر منهما. # ثم أقبل علي عليه السلام فقال: اتق الله يا طلحة وأنت يا زبير، وأنت يا ~~سعد، وأنت يا بن عوف. اتقوا الله وآثروا رضاه، واختاروا ما عنده، ولا ~~تخافوا في الله لومة لائم. # PageV01P224 # ثم قال طلحة: لا أراك يا أبا الحسن أجبتني عما سألتك عنه من أمر القرآن ~~إلا تظهره للناس؟ # قال: يا طلحة عمدا كففت عن جوابك، فأخبرني عما كتب عمر وعثمان أقرآن كله ~~أم فيه ما ليس بقرآن؟ قال طلحة: بل قرآن كله. # قال: إن أخذتم بما فيه نجوتم من النار، ودخلتم الجنة، فإن فيه حجتنا ~~وبيان حقنا، وفرض طاعتنا. # قال طلحة حسبي أما إذا كان قرآن فحسبي. ثم قال طلحة: فأخبرني عما في يدك ~~من القرآن وتأويله، وعلم الحلال والحرام، إلى من تدفعه ومن صاحبه بعدك؟ ~~قال: إن الذي أمرني رسول الله صلى الله عليه وآله أن أدفعه إليه وصبي وأولي ~~الناس بعدي بالناس ابني الحسن، ثم يدفعه ابني الحسن إلى ابني الحسين، ثم ~~يصير إلى واحد بعد واحد من ولد الحسين حتى يرد آخرهم حوضه، هم مع القرآن لا ~~يفارقونه والقرآن معهم لا يفارقهم، أما إن معاوية وابنه سيليان بعد عثمان، ~~ثم يليها سبعة من ولد الحكم بن أبي العاص، واحد بعد وأحد، تكملة اثنا عشر ~~أمام ضلالة، وهم الذين رأى رسول الله صلى الله عليه وآله على منبره: يردون ~~الأمة على أدبارهم القهقري (1) عشرة منهم من بني أمية ورجلان أسسا ذلك لهم ~~وعليهما مثل جميع أوزار هذه الأمة إلى يوم القيامة. # وفي رواية أبي ذر الغفاري (2) أنه قال: لما توفي رسول الله صلى الله عليه ~~وآله جمع # PageV01P225 # علي عليه السلام القرآن وجاء به إلى ms154 المهاجرين والأنصار وعرضه عليهم لما ~~قد أوصاه PageV01P226 # بذلك رسول الله صلى الله عليه وآله، فلما فتحه أبو بكر خرج في أول صفحة ~~فتحها فضائح PageV01P227 # القوم، فوثب عمر وقال: يا علي اردده فلا حاجة لنا فيه، فأخذه عليه السلام ~~وانصرف ثم أحضروا زيد بن ثابت - وكان قاريا للقرآن - فقال له عمر: إن عليا ~~جاء بالقرآن وفيه فضائح المهاجرين والأنصار، وقد رأينا أن نؤلف القرآن ~~ونسقط منه ما كان فيه فضيحة وهتك للمهاجرين والأنصار، فأجابه زيد إلى ذلك، ~~ثم قال: فإن أنا فرغت من القرآن على ما سألتم وأظهر علي القرآن الذي ألفه ~~أليس قد بطل كل ما عملتم؟ قال عمر: فما الحيلة؟ قال زيد: أنتم أعلم ~~بالحيلة، فقال عمر: # ما حيلته دون أن نقتله ونستريح منه، فدبر في قتله على يد خالد بن الوليد ~~فلم يقدر على ذلك، وقد مضى شرح ذلك. # فلما استخلف عمر سأل عليا عليه السلام أن يدفع إليهم القرآن فيحرفوه فيما ~~بينهم، فقال: يا أبا الحسن إن جئت بالقرآن الذي كنت قد جئت به إلى أبي بكر ~~حتى نجتمع عليه، فقال عليه السلام: هيهات ليس إلى ذلك سبيل، إنما جئت به ~~إلى أبي بكر لتقوم الحجة عليكم، ولا تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا ~~غافلين، أو تقولوا ما جئتنا به أن القرآن الذي عندي لا يمسه إلا المطهرون ~~والأوصياء من ولدي، قال عمر: # فهل لإظهاره وقت معلوم. فقال عليه السلام: نعم إذا قام القائم من ولدي، ~~يظهره ويجمل الناس عليه، فتجري السنة به صلوات الله عليه (1). # وقال سليم بن قيس: بينا أنا وحبش بن معمر بمكة إذ قام أبو ذر وأخذ # PageV01P228 # بحلقة الباب ثم نادى بأعلا صوته في الموسم: " أيها الناس من عرفني فقد ~~عرفني، ومن جهلني فأنا جندب بن جنادة، أنا أبو ذر أيها الناس إني قد سمعت ~~نبيكم يقول: " إن مثل أهل بيتي في أمتي كمثل سفينة نوح في قومه، من ركبها ~~نجى ومن تركها غرق، ومثل باب حطة في بني إسرائيل " أيها الناس ms155 إني سمعت ~~نبيكم يقول: " إني تركت فيكم أمرين، لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما، كتاب الله ~~وأهل بيتي إلى آخر الحديث " فلما قدم إلى المدينة بعث إليه عثمان وقال له: ~~" ما حملك على ما قمت به في الموسم " قال: عهد عهده إلي رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وأمرني به فقال من يشهد بذلك، فقام علي والمقداد فشهدا، ثم ~~انصرفوا يمشون ثلاثتهم فقال عثمان: " إن هذا وصاحبيه يحسبون أنهم في شئ ". # وروي: أن يوما من الأيام قال عثمان بن عفان لعلي بن أبي طالب عليه ~~السلام: # " إن تربصت بي فقد تربصت بمن هو خير مني ومنك " قال علي عليه السلام: ومن ~~هو خير مني، قال: أبو بكر وعمر. فقال علي عليه السلام: كذبت أنا خير منك ~~ومنهما عبدت الله قبلكم وعبدته بعدكم. # قال سليم بن قيس: حدثني سلمان والمقداد، وحدثنيه بعد ذلك أبو ذر، ثم ~~سمعته من علي بن أبي طالب عليه السلام، قالوا: إن رجلا فاخر علي بن أبي ~~طالب عليه السلام فقال رسول الله لما سمع به لعلي بن أبي طالب: فاخر العرب ~~وأنت أكرمهم ابن عما، وأكرمهم صهرا، وأكرمهم زوجة، وأكرمهم ولدا، وأكرمهم ~~أخا، وأكرمهم عما، وأعظمهم حلما، وأكثرهم علما، وأقدمهم سلما، وأعظمهم غنا ~~بنفسك ومالك، وأقرأهم بكتاب الله، وأعلمهم بسنتي، وأشجعهم لقاء، وأجودهم ~~كفا، وأزهدهم في الدنيا، وأشدهم اجتهادا، وأحسنهم خلقا، وأصدقهم لسانا، ~~وأحبهم إلى الله وإلي، وستبقى بعدي ثلاثين سنة تعبد الله وتصبر على ظلم ~~قريش لك، ثم تجاهدهم في سبيل الله إذا وجدت أعوانا، فتقاتل على تأويل ~~القرآن كما قاتلت معي على تنزيله، ثم تقتل شهيدا تخضب لحيتك من دم رأسك، ~~قاتلك يعدل عاقر الناقة في البغض إلى الله والبعد منه. PageV01P229 # قال سليم بن قيس: جلست إلى سلمان وأبي ذر والمقداد فجاء رجل من أهل ~~الكوفة فجلس إليهم مسترشدا، فقال له سلمان: " عليك بكتاب الله فالزمه، وعلي ~~ابن أبي طالب فإنه مع القرآن لا يفارقه، فأنا أشهد أنا سمعنا رسول الله صلى ~~الله عليه ms156 وآله يقول: " إن عليا يدور مع الحق حيث دار، وإن عليا هو الصديق ~~والفاروق يفرق بين الحق والباطل " قال: فما بال القوم يسمون أبا بكر الصديق ~~وعمر الفاروق قال: نحلهما الناس اسم غيرهما كما نحلوهما خلافة رسول الله ~~صلى الله عليه وآله، وإمرة المؤمنين. # لقد أمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وأمرهما معنا فسلمنا جميعا على ~~علي بأمرة المؤمنين. # وروى القاسم بن معاوية (1) قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: هؤلاء ~~يروون حديثا في معراجهم أنه لما أسري برسول الله رأى على العرش مكتوبا لا ~~إله إلا الله، محمد رسول الله أبو بكر الصديق، فقال: " سبحان الله غير وأكل ~~شئ حتى هذا " قلت: نعم. قال: " إن الله عز وجل لما خلق العرش كتب عليه لا ~~إله إلا الله، محمد رسول الله، علي أمير المؤمنين، ولما خلق الله عز وجل ~~الماء كتب في مجراه: # لا إله إلا الله محمد رسول الله، علي أمير المؤمنين، ولما خلق الله عز ~~وجل الكرسي كتب على قوائمه: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، علي أمير ~~المؤمنين، ولما خلق الله عز وجل اللوح كتب فيه: لا إله إلا الله محمد رسول ~~الله، علي أمير المؤمنين، ولما خلق الله إسرافيل كتب على جبهته: لا إله إلا ~~الله، محمد رسول الله، علي أمير المؤمنين ولما خلق الله جبرئيل كتب على ~~جناحيه: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، علي أمير المؤمنين، ولما خلق ~~الله عز وجل السماوات كتب في أكتافها: لا إله إلا الله محمد رسول الله، علي ~~أمير المؤمنين، ولما خلق الله عز وجل الأرضين كتب في أطباقها: لا إله إلا ~~الله، محمد رسول الله، علي أمير المؤمنين، ولما خلق الله عز وجل # PageV01P230 # الجبال كتب في رؤسها: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، علي أمير ~~المؤمنين، ولما خلق الله عز وجل الشمس كتب عليها: لا إله إلا الله، محمد ~~رسول الله، علي أمير المؤمنين ولما خلق الله عز وجل القمر كتب عليه: لا إله ms157 ~~إلا الله، محمد رسول الله، علي أمير المؤمنين، وهو السواد الذي ترونه في ~~القمر فإذا قال أحدكم لا إله إلا الله، محمد رسول الله فليقل علي أمير ~~المؤمنين عليه السلام وعن عبد الله بن الصامت (1) قال: رأيت أبا ذر آخذا ~~بحلقة باب الكعبة مقبلا بوجهه للناس وهو يقول: # أيها الناس من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فسأنبئه باسمي أنا جندب ~~ابن السكن بن عبد الله أنا أبو ذر الغفاري أنا رابع أربعة ممن أسلم مع رسول ~~الله صلى الله عليه وآله سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: وذكر ~~الحديث بطوله إلى قوله، ألا أيتها الأمة المتحيرة بعد نبيها، لو قدمتم من ~~قدمه الله وأخرتم من أخره الله، وجعلتم الولاية حيث جعلها الله، لما عال ~~ولي الله، ولما ضاع فرض من فرائض الله، ولا اختلف اثنان في حكم من أحكام ~~الله، إلا كان علم ذلك عند أهل بيت نبيكم، فذوقوا وبال ما كسبتم، وسيعلم ~~الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون. # وروى عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: إن العلم الذي هبط به آدم من ~~الجنة وما فضلت به النبيون عليهم السلام في عترة نبيكم، فأين يتاه بكم؟ # قال سليم بن قيس: سأل رجل علي بن أبي طالب عليه السلام فقال - وأنا أسمع ~~- أخبرني بأفضل منقبة لك، قال: ما أنزل الله في كتابه؟ قال: وما أنزل لله ~~فيك # PageV01P231 # قال " أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه (1) " أنا الشاهد من ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وقوله: " ويقول الذين كفروا لست مرسلا قل كفى ~~بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب (2) " إياي عنى بمن عنده علم ~~الكتاب فلم يدع شيئا أنزله الله فيه إلا ذكره، مثل قوله: " إنما وليكم الله ~~ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون " ~~وقوله: " أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم (3) " وغير ذلك، قال ~~قلت: فأخبرني بأفضل منقبة # PageV01P232 # لك من رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال نصبه إياي يوم ms158 غدير خم فقال لي ~~بالولاية بأمر الله عز وجل. وقوله أنت مني بمنزلة هارون من موسى، وسافرت مع ~~رسول الله صلى الله عليه وآله ليس له خادم غيري، وكان له لحاف ليس له لحاف ~~غيره، ومعه عائشة وكان رسول الله ينام بيني وبين عائشة ليس علينا ثلاثتنا ~~لحاف غيره، فإذا قام إلى صلاة الليل يخط بيده اللحاف من وسطه بيني وبين ~~عائشة حتى يمس اللحاف الفراش الذي تحتنا، فأخذتني الحمى ليلة فأسهرتني فسهر ~~رسول الله صلى الله عليه وآله لسهري، فبات ليلته بيني وبين مصلاه يصلي ما ~~قدر له، ثم يأتيني يسألني وينظر إلي فلم يزل ذلك دأبه حتى أصبح فلما صلى ~~بأصحابه الغداة قال: " اللهم اشف عليا وعافه فإنه، أسهرني الليلة مما به " ~~ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: - بمسمع من أصحابه -: " أبشر يا علي ~~" قلت: بشرك الله بخير يا رسول الله وجعلني فداك، قال: " إني لم أسأل الله ~~الليلة شيئا إلا أعطانيه، ولم أسأله لنفسي شيئا إلا سألت لك مثله، وإني ~~دعوت الله عز وجل أن يؤاخي بيني وبينك ففعل، وسألته أن يجعلك ولي كل مؤمن ~~ومؤمنة ففعل وسألته أن يجمع عليك أمتي بعدي فأبى علي " فقال رجلان أحدهما ~~لصاحبه: # " أرأيت ما سأل؟ فوالله لصاع من تمر خير مما سأل: ولو كان سأل ربه أن ~~ينزل عليه ملكا يعينه على عدوه، أو ينزل عليه كنزا ينفقه وأصحابه فإن بهم ~~حاجة كان خيرا مما سأل، وما دعا عليا قط إلى خير إلا استجاب له. # * * * احتجاجه (ع) على الناكثين بيعته في خطبة خطبها حين نكثوها. # فقال: إن الله ذا الجلال والإكرام لما خلق الخلق واختار خيرة من خلقه ~~واصطفى صفوة من عباده، وأرسل رسولا منهم، وأنزل عليه كتابه، وشرع له دينه ~~PageV01P233 # وفرض فرائضه، فكانت الجملة قول الله عز وجل ذكره حيث أمر فقال: " أطيعوا ~~الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم " فهو لنا أهل البيت خاصة دون غيرنا، ~~فانقلبتم على أعقابكم، وارتددتم ونقضتم الأمر، ونكثتم العهد، ولم تضروا ~~الله ms159 شيئا، وقد أمركم الله أن تردوا الأمر إلى الله وإلى رسوله وإلى أولي ~~الأمر منكم المستنبطين للعلم، فأقررتم ثم جحدتم، وقد قال الله لكم: " أوفوا ~~بعهدي أوف بعهدكم وإياي فارهبون (1) " إن أهل الكتاب والحكمة والأيمان آل ~~إبراهيم عليه السلام بينه الله لهم فحسدوا، فأنزل الله جل ذكره: " أم ~~يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله، فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب ~~والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما (2) " " فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه وكفى ~~بجهنم سعيرا (3) " فنحن آل إبراهيم فقد حسدنا آبائنا، وأول من حسد آدم الذي ~~خلقه الله عز وجل بيده ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وعلمه الأسماء ~~كلها، واصطفاه على العالمين، فحسده الشيطان فكان من الغاوين، ثم حسد قابيل ~~هابيل فقتله فكان من الخاسرين، ونوح حسده قومه فقالوا: " ما هذا إلا بشر ~~مثلكم يأكل مما تأكلون ويشرب مما تشربون * ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا ~~لخاسرون (4) " ولله الخيرة يختار من يشاء ويختص برحمته من يشاء ويؤتي ~~الحكمة والعلم من يشاء ثم حسدوا نبينا محمدا صلى الله عليه وآله، ألا ونحن ~~أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس، ونحن المحسودون كما حسد آبائنا، قال ~~الله عز وجل: " إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي (5) " ~~وقال: " وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله (6) " فنحن أولى ~~الناس بإبراهيم، ونحن ورثناه ونحن أولوا الأرحام الذين ورثنا الكعبة، ونحن ~~آل إبراهيم، أفترغبون عن ملة # PageV01P234 # إبراهيم؟ وقد قال الله تعالى: " ومن تبعني فإنه مني (1) " يا قوم أدعوكم ~~إلى الله وإلى رسوله، وإلى كتابه، وإلى ولي أمره، وإلى وصيه ووارثه من ~~بعده، فاستجيبوا لنا، واتبعوا آل إبراهيم، واقتدوا بنا، فإن ذلك لنا آل ~~إبراهيم فرضا واجبا والأفئدة من الناس تهوي إلينا، وذلك دعوة إبراهيم عليه ~~السلام حيث قال: " فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم (2) " فهل نقمتم منا ~~إلا أن آمنا بالله وما أنزل علينا، ولا تتفرقوا فتضلوا، والله شهيد عليكم، ~~قد أنذرتكم، ودعوتكم، وأرشدتكم، ثم أنتم وما تختارون. # * * * احتجاج أمير المؤمنين ms160 (ع) على الزبير بن العوام وطلحة بن عبد الله ~~لما أزمعا على الخروج عليه والحجة في أنهما خرجا من الدنيا غير تائبين من ~~نكث البيعة. # روي عن ابن عباس رحمه الله أنه قال: كنت قاعدا عند علي عليه السلام حين ~~دخل عليه طلحة والزبير فاستأذناه في العمرة فأبى أن يأذن لهما، وقال: قد ~~اعتمرتما فأعادا عليه الكلام فأذن لهما، ثم التفت إلي فقال: والله ما ~~يريدان العمرة، وإنما يريدان الغدرة قلت له فلا تأذن لهما فردهما، ثم قال ~~لهما: والله ما تريدان العمرة وما تريدان إلا نكثا لبيعتكما، وفرقة ~~لأمتكما، فحلفا له فأذن لهما، ثم التفت إلي فقال: والله ما يريدان العمرة ~~قلت: فلم أذنت لهما؟ قال، حلفا لي بالله، قال: # فخرجا إلى مكة فدخلا على عائشة فلم يزالا بها حتى أخرجاها. # وروي أنه عليه السلام قال عند توجههما إلى مكة للاجتماع مع عايشة للتأليب ~~عليه بعد أن حمد الله تعالى وأثنى عليه: # أما بعد فإن الله عز وجل بعث محمدا صلى الله عليه وآله للناس كافة، وجعله ~~رحمة للعالمين # PageV01P235 # فصدع بما أمر به (1) وبلغ رسالات ربه، فلم به الصدع (2) ورتق به الفتق ~~(3) وأمن به السبل (4) وحقن به الدماء (5) وألف بين ذوي الأحن (6) والعداوة ~~والوغر في الصدور، والضغائن الراسخة في القلوب، ثم قبضه الله إليه حميدا لم ~~يقصر في الغاية التي إليها أدى الرسالة، ولا بلغ شيئا كان في التقصير عنه ~~عند الفقد وكان من بعده ما كان من التنازع في الأمرة، وتولى أبو بكر، وبعده ~~عمر، ثم عثمان، فلما كان من أمره ما كان أتيتموني فقلتم: " بايعنا " فقلت: ~~" لا أفعل " فقلتم: " بلى " فقلت: " لا " وقبضت يدي فبسطتموها، ونازعتكم ~~فجذبتموها، وتداككتم علي تداك الإبل الهيم على حياضها يوم ورودها، حتى ظننت ~~أنكم قاتلي وأن بعضكم قاتل بعض، فبسطت يدي فبايعتموني مختارين، وبايعني في ~~أولكم طلحة والزبير طائعين غير مكرهين، ثم لم يلبثا أن استأذناني في ~~العمرة، والله يعلم أنهما أرادا الغدرة، فجددت عليهما العهد في الطاعة، وأن ~~لا يبغيا للأمة ms161 الغوائل، فعاهداني، ثم لم يفيا لي، ونكثا بيعتي، ونقضا ~~عهدي، فعجبا من انقيادهما لأبي بكر وعمر، وخلافهما لي ولست بدون أحد ~~الرجلين، ولو شئت أن أقول لقلت: # " اللهم اغضب عليهما بما صنعا وظفرني بهما ". # وقال: عليه السلام في أثناء كلام آخر. # وهذا طلحة والزبير ليسا من أهل النبوة، ولا من ذرية الرسول، حين رأيا أن ~~قد رد علينا حقنا، بعد أعصر فلم يصبرا حولا كاملا، ولا شهرا كاملا، حتى ~~وثبا علي، دأب الماضين قبلهما، ليذهبا بحقي ويفرقا جماعة المسلمين عني، ثم ~~دعا عليهما. # PageV01P236 # وعن سليم بن قيس الهلالي قال: لما التقى أمير المؤمنين عليه السلام أهل ~~البصرة يوم الجمل. نادى الزبير يا أبا عبد الله أخرج إلي: فخرج الزبير ومعه ~~طلحة. فقال لهما والله إنكما لتعلمان وأولوا العلم من آل محمد وعائشة بنت ~~أبي بكر: أن كل أصحاب الجمل ملعونون على لسان محمد صلى الله عليه وآله، وقد ~~خاب من افترى. # قالا كيف نكون ملعونين ونحن أصحاب بدر وأهل الجنة؟! # فقال عليه السلام: لو علمت أنكم من أهل الجنة لما استحللت قتالكم، فقال ~~له الزبير: أما سمعت حديث سعيد بن عمرو بن نفيل وهو يروي: أنه سمع من رسول ~~الله صلى الله عليه وآله يقول: " عشرة من قريش في الجنة "؟ قال علي عليه ~~السلام: سمعته يحدث بذلك عثمان في خلافته، فقال الزبير أفترا كذب على رسول ~~الله صلى الله عليه وآله؟ فقال له علي عليه السلام: " لست أخبرك بشئ حتى ~~تسميهم " قال الزبير: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وطلحة، والزبير، وعبد الرحمن ~~بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وأبو عبيدة بن الجراح، وسعيد بن عمرو بن نفيل. ~~فقال له علي عليه السلام: " عددت تسعة فمن العاشر؟ " قال له: أنت قال علي ~~عليه السلام: قد أقررت أني من أهل الجنة، وأما ما ادعيت لنفسك وأصحابك فإنا ~~به من الجاحدين الكافرين، قال له، أفتراه كذب على رسول الله صلى الله عليه ~~وآله؟ قال عليه السلام: ما أراه كذب، ولكنه والله اليقين. فقال علي ms162 عليه ~~السلام: والله إن بعض من سميته لفي تابوت في شعب في جب في أسفل درك من ~~جهنم، على ذلك الجب صخرة إذا أراد الله أن يسعر جهنم رفع تلك الصخرة، سمعت ~~ذلك من رسول الله صلى الله عليه وآله وإلا أظفرك الله بي وسفك دمي على ~~يديك، وإلا أظفرني الله عليك وعلى أصحابك وسفك دمائكم على يدي وعجل أرواحكم ~~إلى النار، فرجع الزبير إلى أصحابه وهو يبكي. # وروي نصر بن مزاحم (1) أن أمير المؤمنين عليه السلام حين وقع القتال وقتل ~~طلحة، تقدم على بغلة رسول الله صلى الله عليه وآله الشهباء بين الصفين، ~~فدعا الزبير فدنى إليه حتى # PageV01P237 # اختلف أعناق دابتيهما، فقال: يا زبير أنشدك بالله أسمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وآله يقول إنك ستقاتل عليا وأنت له ظالم؟ قال: نعم. قال: فلم ~~جئت؟ قال: جئت لأصلح بين الناس فأدبر الزبير وهو يقول: # ترك الأمور التي تخشى عواقبها * لله أجمل في الدنيا وفي الدين أتى علي ~~بأمر كنت أعرفه * قد كان عمر أبيك الخير مذحين فقلت حسبك من عذل أبا حسن * ~~بعض الذي قلت هذا اليوم يكفيني فاخترت عارا على نار مؤججة * أنى يقوم لها ~~خلق من الطين نبئت طلحة وسط النقع منجدلا * مأوى الضيوف ومأوى كل مسكين قد ~~كنت أنصر أحيانا وينصرني * في النائبات ويرمي من يراميني حتى ابتلينا بأمر ~~ضاق مصدره * فأصبح اليوم ما يعنيه يعنيني قال: وأقبل الزبير على عائشة، ~~فقال: يا أمه ما لي في هذا بصيرة، وإني منصرف. فقالت عائشة: يا أبا عبد ~~الله أفررت من سيوف ابن أبي طالب؟ فقال، إنها والله طوال حداد، تحملها فتية ~~أنجاد (1)، ثم خرج راجعا فمر بوادي السباع وفيه الأحنف بن قيس قد اعتزل من ~~بني تميم، أخبر الأحنف بانصرافه فقال: ما أصنع به إن كان الزبير ألقى بين ~~غارتين من المسلمين وقتل أحدهما بالآخر ثم هو يريد اللحاق بأهله. فسمعه ابن ~~جرموز فخرج هو ورجلان معه - وقد كان لحق بالزبير رجل من كليب ومعه غلامه - ~~فلما ms163 أشرف ابن جرموز وصاحباه على الزبير، فحرك الرجلان رواحلهما، وخلفا ~~الزبير وحده، فقال لهما الزبير: ما لكما هم ثلاثة ونحن ثلاثة، فلما أقبل ~~ابن جرموز قال له الزبير: إليك عني فقال ابن جرموز: يا أبا عبد الله إني ~~جئتك لأسألك عن أمور الناس. قال: # تركت الناس يضرب بعضهم وجوه بعضهم بالسيف. قال ابن جرموز: أخبرني عن ~~أشياء أسألك عنها. قال: هات قال: أخبرني عن خذلك عثمان، وعن بيعتك عليا وعن ~~نقضك بيعته، وعن إخراجك عائشة، وعن صلاتك خلف ابنك، وعن هذا # PageV01P238 # الحرب التي جنيتها، وعن لحوقك بأهلك. فقال: أما خذلي عثمان فأمر قدم الله ~~فيه الخطية، وأخر فيه التوبة، وأما بيعتي عليا، فلم أجد منها بدا، إذ بايعه ~~المهاجرون والأنصار. وأما نقضي بيعته، فإنما بايعته بيدي دون قلبي. وأما ~~إخراجي أم المؤمنين، فأردنا أمرا وأراد الله أمرا غيره. وأما صلاتي خلف ~~ابني فإن خالته قدمته فتنحى ابن جرموز عنه. وقال: قتلني الله إن لم أقتلك. # وروي أنه جيئ إلى أمير المؤمنين برأس الزبير وسيفه، فتناول سيفه وقال: # طالما والله جلى به الكرب عن وجه رسول الله صلى الله عليه وآله ولكن ~~الحين، ومصارع السوء وروي أنه عليه السلام لما مر على طلحة من بين القتلى ~~قال اقعدوه فأقعد فقال: إنه كانت لك سابقة من رسول الله، لكن الشيطان دخل ~~في منخريك فأوردك النار. # وروي أنه مر عليه فقال: هذا ناكث بيعتي، والمنشئ للفتنة في الأمة والمجلب ~~علي الداعي إلى قتلي وقتل عترتي، أجلسوا طلحة: فأجلس. فقال أمير المؤمنين: ~~يا طلحة بن عبيد الله قد وجدت ما وعدني ربي حقا، فهل وجدت ما وعدك ربك حقا؟ ~~ثم قال: أضجعوا طلحة! وسار فقال له بعض من كان معه: # يا أمير المؤمنين أتكلم طلحة بعد قتله؟ فقال أما والله سمع كلامي كما سمع ~~أهل القليب كلام رسول الله صلى الله عليه وآله يوم بدر. وهكذا فعل عليه ~~السلام بكعب بن شور القاضي، لما مر به قتيلا، وقال: هذا الذي خرج علينا في ~~عنقه ms164 مصحف، يزعم أنه ناصر أمه (1) يدعو الناس إلى ما فيه، وهو لا يعلم ما ~~فيه، ثم استفتح وخاب كل جبار عنيد أما إنه دعا الله أن يقتلني فقتله الله. # وروي أن مروان بن الحكم هو الذي قتل طلحة بسهم رماه به. # وروي أيضا أن مروان بن الحكم يوم الجمل كان يرمي بسهامه في العسكرين معا، ~~ويقول: من أصبت منهما فهو فتح، لقلة دينه، وتهمته للجميع، وقيل: إن اسم ~~الجمل الذي ركبته يوم الجمل عائشة " عسكر " من ولد إبليس اللعين ورؤي منه ~~ذلك اليوم كل عجيب، لأنه كلما أبتر منه قائمة من قوائمه ثبت على أخرى # PageV01P239 # حتى نادى أمير المؤمنين عليه السلام: اقتلوا الجمل فإنه شيطان، وتولى ~~محمد بن أبي بكر وعمار بن ياسر رحمة الله عليهما عقره بعد طول دمائه. # وروى الواقدي (1) إن عمار بن ياسر رحمة الله عليه، لما دخل على عائشة ~~فقال كيف رأيت ضرب نبيك على الحق؟ فقالت: استبصرت من أجل أنك غلبت فقال ~~عمار: أنا أشد استبصارا من ذلك. والله لو ضربتمونا حتى تبلغونا سعيفات هجر ~~لعلمنا أنا على الحق، وأنكم على الباطل. فقالت عائشة: هكذا يخيل إليك يا ~~عمار. أذهبت دينك لابن أبي طالب. # وروي عن الباقر عليه السلام أنه قال: لما كان يوم الجمل وقد رشق هودج ~~عائشة بالنبل قال أمير المؤمنين عليه السلام: والله ما أراني إلا مطلقها ~~فأنشد الله رجلا سمع من رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: " يا علي أمر ~~نسائي بيدك من بعدي " لما قام فشهد؟ # فقال: فقام ثلاثة عشر رجلا فيهم بدريان فشهدوا: أنهم سمعوا رسول الله صلى ~~الله عليه وآله يقول علي بن أبي طالب عليه السلام: " يا علي أمر نسائي بيدك ~~من بعدي " قال: فبكت عائشة عند ذلك حتى سمعوا بكاءها فقال علي عليه السلام: ~~لقد أنبأني رسول الله صلى الله عليه وآله بنبأ فقال: إن الله تعالى يمدك يا ~~علي يوم الجمل بخمسة آلاف من الملائكة مسومين. # PageV01P240 # وروي عن ابن عباس (1) قال لأمير المؤمنين عليه ms165 السلام حين أبت عائشة ~~الرجوع دعها في البصرة ولا ترحلها فقال علي عليه السلام: أنها لا تألوا ~~شرا، ولكني أردها إلى بيتها. # وروى محمد بن إسحاق (2) أن عائشة لما وصلت إلى المدينة راجعة من البصرة ~~لم تزل تحرض الناس على أمير المؤمنين، وكتبت إلى معاوية وأهل الشام، مع ~~الأسود بن البختري، تحرضهم عليه عليه السلام. # وروي أن عمرو بن العاص قال لعائشة: لوددت أنك قتلت يوم الجمل فقالت ولم ~~لا أبا لك؟ قال: كنت تموتين بأجلك وتدخلين الجنة، ونجعلك أكثر للتشنيع على ~~علي عليه السلام. # * * * احتجاج أم سلمة (رض) (3) زوجة رسول الله على عائشة في الإنكار ~~عليها بخروجها على علي أمير المؤمنين (ع). # PageV01P241 # روى الشعبي (1) عن عبد الرحمن بن مسعود العبدي (2) قال كنت بمكة مع عبد ~~الله بن الزبير وطلحة والزبير فأرسلا عبد الله بن الزبير فقالا له: إن ~~عثمان # PageV01P242 # قتل مظلوما، وإنا نخاف أمر أمة محمد صلى الله عليه وآله أن يختل، فإن رأت ~~عائشة أن تخرج معنا لعل الله أن يرتق بها فتقا ويشعب بها صدعا. # فخرجنا نمشي حتى انتهينا إليها فدخل عبد الله بن الزبير في سترها وجلست ~~على الباب فأبلغها ما أرسلا به إليها فقالت: سبحان الله ما أمرت بالخروج، ~~وما تحضرني من أمهات المؤمنين إلا أم سلمة فإن خرجت، خرجت معها. # فرجع إليهما فبلغهما ذلك فقالا: ارجع إليها فلتأتها فهي أثقل عليها منا، ~~فرجع إليها فبلغها، فأقبلت حتى دخلت على أم سلمة فقالت: أم سلمة مرحبا ~~بعائشة، والله ما كنت لي بزوارة فما بدا لك؟ قالت: قدم طلحة والزبير فخبرا ~~أن أمير المؤمنين عثمان قتل مظلوما. فصرخت أم سلمة صرخة أسمعت من في الدار ~~فقالت يا عائشة بالأمس أنت تشهدين عليه بالكفر، وهو اليوم أمير المؤمنين ~~قتل مظلوما! فما تريدين؟ قالت: تخرجين معنا فعل الله أن يصلح بخروجنا أمر ~~أمة محمد صلى الله عليه وآله قالت: يا عائشة تخرجين وقد سمعت من رسول الله ~~صلى الله عليه وآله ما سمعنا؟! # نشدتك بالله يا عائشة الذي ms166 يعلم صدقك إن صدقت أتذكرين يوما كان نوبتك من ~~رسول الله صلى الله عليه وآله، فصنعت حريرة في بيتي فأتيته بها وهو صلى ~~الله عليه وآله يقول: # والله لا يذهب الليالي والأيام حتى تتنابح كلاب ماء بالعراق يقال له: " ~~الحوأب " امرأة من نسائي في فئة باغية، فسقط الإناء من يدي، فرفع رأسه إلي ~~وقال: ما بالك يا أم سلمة؟ فقلت: يا رسول الله صلى الله عليه وآله ألا يسقط ~~الإناء من يدي وأنت تقول ما تقول ما يؤمنني أن أكون هي أنا؟! فضحكت أنت ~~فالتفت إليك فقال صلى الله عليه وآله مما تضحكين يا حميراء الساقين؟ إني ~~أحسبك هيه. # ونشدتك بالله يا عائشة أتذكرين ليلة أسري بنا مع رسول الله صلى الله عليه ~~وآله من مكان كذا وكذا وهو بيني وبين علي بن أبي طالب عليه السلام يحدثنا، ~~فأدخلت جملك فحال بينه وبين علي فرفع مقرعة كانت معه يضرب بها وجه جملك ~~قال: أما والله ما يومه منك بواحدة، أما إنه لا يبغضه إلا منافق كذاب؟ ~~وأنشدك بالله أتذكرين مرض رسول الله صلى الله عليه وآله الذي قبض فيه فأتاه ~~أبوك يعوده ومعه عمر. وقد كان علي PageV01P243 # ابن أبي طالب عليه السلام يتعاهد ثوب رسول الله صلى الله عليه وآله ونعله ~~وخفه ويصلح ما وهي منها فدخل قبل ذلك فأخذ نعل رسول الله وهي حضرمية فهو ~~يخصفها خلف البيت، فاستأذنا عليه فأذن لهما، فقالا: يا رسول الله كيف ~~أصبحت؟ قال أصبحت أحمد الله، قالا: لا بد من الموت، قال: أجل لا بد من ~~الموت، قالا: يا رسول الله فهل استخلفت أحدا قال: ما خليفتي فيكم إلا خاصف ~~النعل فخرجا فمرا على علي بن أبي طالب عليه السلام وهو يخصف نعل رسول الله ~~صلى الله عليه وآله، كل ذلك تعرفينه يا عائشة وتشهدين عليه، ثم قالت أم ~~سلمة يا عائشة أنا أخرج على علي بعد الذي سمعته من رسول الله صلى الله عليه ~~وآله؟! فرجعت عائشة إلى منزلها فقالت يا بن ms167 الزبير أبلغهما أني لست بخارجة ~~من بعد الذي سمعت من أم سلمة، فرجع فبلغهما قال: فما انتصف الليل حتى سمعت ~~رغاء إبلهما ترتحل فارتحلت معهما. # وروي عن الصادق عليه السلام أنه قال دخلت أم سلمة بنت أبي أمية على عائشة ~~لما أزمعت الخروج إلى البصرة فحمدت الله وصلت على النبي صلى الله عليه وآله ~~ثم قالت: يا هذه إنك سدة بين رسول الله وبين أمته، وحجابه عليك مضروب وعلى ~~حرمته، وقد جمع القرآن ذيلك فلا تندحيه (1) وضم ظفرك فلا تنشريه، وشد ~~عقيرتك فلا تصحريها (2) إن الله من وراء هذه الأمة وقد علم رسول الله مكانك ~~لو أراد أن يعهد إليك فعل بل نهى عن الفرطة في البلاد (3) إن عمود الدين لن ~~يثاب بالنساء إن مال (4) ولا يرأب بهن إن انصدع (5)، جمال النساء غض ~~الأطراف، وضم الذيول والأعطاف وما كنت قائلة لو أن رسول الله صلى الله عليه ~~وآله عارضك في بعض هذه الفلوات وأنت ناصة قعودا من منهل إلى منهل، ومنزل ~~إلى منزل، ولغير الله مهواك، وعلى رسول الله # PageV01P244 # تردين، وقد هتكت عنك سجافه، ونكثت عهده، وبالله أحلف أن لو سرت مسيرك ثم ~~قيل لي ادخلي الفردوس لاستحييت من رسول الله أن ألقاه هاتكة حجابا ضربه علي ~~فاتقي الله، واجعليه حصنا، وقاعة الستر منزلا، حتى تلقيه. إن أطوع ما ~~تكونين لربك ما قصرت عنه، وأنصح ما تكونين لله ما لزمته، وأنصر ما تكونين ~~للدين ما قعدت عنه، وبالله أحلف لو حدثتك بحديث سمعته من رسول الله صلى ~~الله عليه وآله لنهشتني نهش الرقشاء المطرقة (1). فقالت لها عائشة ما ~~أعرفني بموعظتك، وأقبلني نصحك، ليس مسيري على ما تظنين، ما أنا بالمغترة، ~~ولنعم المطلع تطلعت فيه، فرقت بين فئتين متشاجرتين، فإن أقعد ففي غير حرج، ~~وإن أخرج ففي ما لا غنى بي عنه من الازدياد في الأجرة، قال الصادق عليه ~~السلام فلما كان من ندمها أخذت أم سلمة تقول: # لو كان معتصما من زلة أحد * كانت لعائشة الرتبى على الناس من زوجة ms168 لرسول ~~الله فاضلة * وذكر آي من القرآن مدراس وحكمة لم تكن إلا لها جسها * في ~~الصدر يذهب عنها كل وسواس يستنزع الله من قوم عقولهم * حتى يمر الذي يقضي ~~على الرأس ويرحم الله أم المؤمنين لقد * تبدلت لي إيحاشا بإيناس فقالت لها ~~عائشة: شتمتني يا أخت. فقالت أم سلمة: ولكن الفتنة إذا أقبلت غضت عيني ~~البصير، وإذا أدبرت أبصرها العاقل والجاهل. # * * * # PageV01P245 # احتجاج أمير المؤمنين (ع) بعد دخوله البصرة بأيام على من قال من أصحابه ~~إنه ما قسم الفيئ فينا بالسوية ولا عدل في الرعية وغير ذلك من المسائل التي ~~سئل عنها في خطبة خطبها. # روى يحيى بن (1) عبد الله بن الحسن عن أبيه عبد الله بن الحسن قال كان ~~أمير المؤمنين عليه السلام يخطب بالبصرة بعد دخوله بأيام فقام إليه رجل ~~فقال: # يا أمير المؤمنين أخبرني من أهل الجماعة، ومن أهل الفرقة، ومن أهل البدعة ~~ومن أهل السنة؟ # فقال: ويحك أما إذا سألتني فافهم عني ولا عليك أن تسئل عنها أحدا بعدي ~~أما أهل الجماعة فأنا ومن اتبعني وإن قلوا، وذلك الحق عن أمر الله تعالى ~~وعن أمر رسوله، وأهل الفرقة المخالفون لي ولمن اتبعني وإن كثروا، وأما أهل ~~السنة فالمتمسكون بما سنه الله لهم ورسوله وإن قلوا، وأما أهل البدعة ~~فالمخالفون لأمر الله ولكتابه ولرسوله، العاملون برأيهم وأهوائهم وإن ~~كثروا، وقد مضى منهم الفوج الأول وبقيت أفواج، وعلى الله قبضها واستيصالها ~~عن جدد الأرض. # فقام إليه عمار فقال: يا أمير المؤمنين إن الناس يذكرون الفيئ ويزعمون أن ~~من قاتلنا فهو وماله وولده فيئ لنا. # فقام إليه رجل من بكر بن وائل، يدعى عباد بن قيس، وكان ذا عارضة ولسان ~~شديد. فقال: يا أمير المؤمنين والله ما قسمت بالسوية، ولا عدلت بالرعية. # فقال: ولم ويحك؟! # قال لأنك قسمت ما في العسكر وتركت الأموال والنساء والذرية. # فقال: أيها الناس من كانت به جراحة فليداوها بالسمن. # فقال عباد: جئنا نطلب غنائمنا فجاءنا بالترهات فقال له أمير المؤمنين ~~عليه السلام إن كنت كاذبا ms169 فلا أماتك الله حتى يدركك غلام ثقيف، قيل: ومن ~~غلام ثقيف؟ # PageV01P246 # فقال: رجل لا يدع لله حرمة إلا انتهكها فقيل أفيموت أو يقتل؟ فقال: يقصمه ~~قاصم الجبارين بموت فاحش يحترق منه دبره لكثرة ما يجري من بطنه، يا أخا بكر ~~أنت امرء ضعيف الرأي، أو ما علمت أنا لا نأخذ الصغير بذنب الكبير، وأن ~~الأموال كانت لهم قبل الفرقة، وتزوجوا على رشدة، وولدوا على فطرة، وإنما ~~لكم ما حوى عسكركم، وما كان في دورهم فهو ميراث. فإن عدا أحد منهم أخذناه ~~بذنبه، وإن كف عنا لم نحمل عليه ذنب غيره، يا أخا بكر لقد حكمت فيهم بحكم ~~رسول الله صلى الله عليه وآله في أهل مكة، فقسم ما حوى العسكر، ولم يتعرض ~~لما سوى ذلك وإنما اتبعت أثره حذو النعل بالنعل، يا أخا بكر أما علمت أن ~~دار الحرب يحل ما فيها، وأن دار الهجرة يحرم ما فيها إلا بالحق، فمهلا مهلا ~~رحمكم الله فإن لم تصدقوني وأكثرتم علي - وذلك إنه تكلم في هذا غير واحد - ~~فأيكم يأخذ عائشة بسهمه؟ فقالوا: يا أمير المؤمنين أصبت وأخطأنا، وعلمت ~~وجهلنا، فنحن نستغفر الله تعالى، ونادى الناس من كل جانب: أصبت يا أمير ~~المؤمنين، أصاب الله بك الرشاد، والسداد، فقام عباد فقال: # أيها الناس إنكم والله لو اتبعتموه وأطعتموه لن يضل بكم عن منهل نبيكم ~~حتى قيس شعرة، وكيف لا يكون ذلك وقد استودعه رسول الله صلى الله عليه وآله ~~علم المنايا والقضايا وفصل الخطاب على منهاج هارون وقال له: أنت مني بمنزلة ~~هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي فضلا خصه الله به وإكراما منه لنبيه صلى ~~الله عليه وآله حيث أعطاه ما لم يعط أحدا من خلقه. # ثم قال أمير المؤمنين عليه السلام: انظروا رحمكم الله ما تؤمرون فامضوا ~~له، فإن العالم أعلم بما يأتي به من الجاهل الخسيس الأخس، فإني حاملكم ~~إنشاء الله إن أطعتموني على سبيل النجاة، وإن كان فيه مشقة شديدة، ومرارة ~~عديدة. والدنيا حلوة الحلاوة لمن ms170 اغتر بها من الشقاوة والندامة عما قليل. ~~ثم إني أخبركم أن جيلا من بني إسرائيل أمرهم نبيهم أن لا يشربوا من النهر ~~فلجوا في ترك أمره فشربوا منه إلا قليل منهم، فكونوا رحمكم الله من أولئك ~~الذين أطاعوا نبيهم ولم يعصوا ربهم PageV01P247 # وأما عائشة فأدركها رأي النساء، ولها بعد ذلك حرمتها الأولى والحساب على ~~الله يعفو عمن يشاء، ويعذب من يشاء. # عن الأصبغ بن نباتة (1) قال: كنت واقفا مع أمير المؤمنين عليه السلام يوم ~~الجمل فجاء رجل حتى وقف بين يديه فقال يا أمير المؤمنين كبر القوم وكبرنا، ~~وهلل القوم وهللنا، وصلى القوم وصلينا، فعلى ما تقاتلهم؟ فقال أمير ~~المؤمنين عليه السلام على ما أنزل الله جل ذكره في كتابه. فقال: يا أمير ~~المؤمنين ليس كل ما أنزل الله في كتابه أعلمه فعلمنيه. فقال علي عليه ~~السلام: ما أنزل الله في سورة البقرة. فقال يا أمير المؤمنين ليس كل ما ~~أنزل الله في سورة البقرة أعلمه فعلمنيه. فقال علي عليه السلام # PageV01P248 # هذه الآية: " تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم ~~درجات وآتينا عيسى بن مريم البينات وأيدناه بروح القدس ولو شاء الله ما ~~اقتتل الذين من بعدهم من بعدما جائتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ~~ومنهم من كفر ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد (1) " فنحن ~~الذين آمنا وهم الذين كفروا. فقال الرجل: كفر القوم ورب الكعبة. ثم حمل ~~فقاتل حتى قتل رحمه الله. # عن المبارك بن فضالة عن رجل ذكره قال أتى رجل أمير المؤمنين عليه السلام ~~بعد الجمل، فقال: يا أمير المؤمنين رأيت في هذه الواقعة أمرا هالني من روح ~~قد بانت وجثة قد زالت، ونفس قد فأتت، لا أعرف فيهم مشركا بالله تعالى، ~~فالله الله مما يجللني من هذا إن يك شرا فهذا نتلقى بالتوبة، وإن يك خيرا ~~ازددنا منه أخبرني عن أمرك هذا الذي أنت عليه، أفتنة عرضت لك فأنت تنفع ~~الناس بسيفك (2) أم شئ خصك به ms171 رسول الله؟. # فقال عليه السلام: إذن أخبرك، إذن أنبئك، إذن أحدثك، إن ناسا من المشركين ~~أتوا رسول الله صلى الله عليه وآله وأسلموا، ثم قالوا لأبي بكر: استأذن لنا ~~على رسول الله صلى الله عليه وآله حتى نأتي قومنا فنأخذ أموالنا ثم نرجع. ~~فدخل أبو بكر على رسول الله صلى الله عليه وآله فاستأذن لهم، فقال، عمر: يا ~~رسول الله أنرجع من الإسلام إلى الكفر؟ فقال: وما علمك يا عمران ينطلقوا ~~فيأتوا بمثلهم معهم من قومهم، ثم إنهم أتوا أبا بكر في العام المقبل فسألوه ~~أن يستأذن لهم على النبي فاستأذن لهم، وعنده عمر فقال: مثل قوله فغضب رسول ~~الله صلى الله عليه وآله ثم قال: والله ما أراكم تنتهون حتى يبعث الله ~~عليكم رجلا من قريش يدعوكم إلى الله فتختلفون عنه اختلاف الغنم الشرود، ~~فقال له أبو بكر فداك أبي وأمي يا رسول الله أنا هو؟ قال: لا. قال عمر: فمن ~~هو يا رسول الله؟ فأومى إلي وأنا أخصف نعل رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وقال: " هو خاصف النعل عندكما، ابن # PageV01P249 # عمي، وأخي، وصاحبي، ومبرئ ذمتي، والمؤدي عني ديني، وعداتي، والمبلغ عني ~~رسالاتي، ومعلم الناس من بعدي، ومبينهم من تأويل القرآن ما لا يعلمون " ~~فقال الرجل: اكتفي منك بهذا يا أمير المؤمنين ما بقيت. فكان ذلك الرجل أشد ~~أصحاب علي عليه السلام فيما بعد على من خالفه. # عن ابن عباس رضي الله عنه قال لما فرغ علي عليه السلام من قتال أهل ~~البصرة وضع قتبا على قتب (1) ثم صعد عليه فخطب، فحمد الله وأثنى عليه فقال: # يا أهل البصرة، يا أهل المؤتفكة (2) يا أهل الداء العضال (3)، أتباع ~~البهيمة (4)، يا جند المرأة (5) رغا فأجبتم (6) وعقر فهربتم، ماءكم زعاق ~~(7) ودينكم نفاق، وأخلاقكم دقاق. ثم نزل يمشي بعد فراغه من خطبته فمشينا ~~معه فمر بالحسن البصري وهو يتوضأ فقال: يا حسن أسبغ الوضوء. فقال: يا أمير ~~المؤمنين لقد قتلت بالأمس أناسا يشهدون أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ms172 ~~وأن محمدا عبده ورسوله، يصلون الخمس، ويسبغون الوضوء. فقال له أمير ~~المؤمنين عليه السلام: قد كان ما رأيت فما منعك أن تعين علينا عدونا. فقال: ~~والله لأصدقنك يا أمير المؤمنين لقد خرجت في أول يوم فاغتسلت وتحنطت وصببت ~~علي سلاحي وأنا لا أشك في أن التخلف عن أم المؤمنين عائشة هو الكفر، فلما ~~انتهيت إلى موضع من الخريبة ناداني مناد: " يا حسن إلى أين أرجع فإن القاتل ~~والمقتول في النار " فرجعت ذعرا # PageV01P250 # وجلست في بيتي، فلما كان في اليوم الثاني لم أشك أن التخلف عن أم ~~المؤمنين عائشة هو الكفر، فتحنطت، وصببت علي سلاحي وخرجت أريد القتات، حتى ~~أنهيت إلى موضع من الخريبة فناداني مناد من خلفي: " يا حسن إلى أين مرة بعد ~~أخرى فإن القاتل والمقتول في النار " قال علي عليه السلام: صدقك أفتدري من ~~ذلك المنادي؟ # قال: لا. قال عليه السلام: ذلك أخوك إبليس، وصدقك أن القاتل والمقتول ~~منهم (1) في النار، فقال الحسن البصري الآن عرفت يا أمير المؤمنين أن القوم ~~هلكى. # وعن أبي يحيى الواسطي (2) قال: لما افتتح أمير المؤمنين عليه السلام ~~اجتمع الناس عليه وفيهم الحسن البصري ومعه الألواح، فكان كلما لفظ أمير ~~المؤمنين عليه السلام بكلمة كتبها، فقال له أمير المؤمنين عليه السلام - ~~بأعلى صوته - ما تصنع؟ فقال نكتب آثاركم لنحدث بها بعدكم، فقال أمير ~~المؤمنين عليه السلام: أما أن لكل قوم سامري وهذا سامري هذه الأمة، أما إنه ~~لا يقول لا مساس ولكن يقول لا قتال. # * * * احتجاجه (ع) على قومه في الحث على المسير إلى الشام لقتال معاوية ~~وفيما أخذ عليهم من العهد والميثاق بالطاعة له حال بيعتهم إياه. # روي أنه عليه السلام لما عزم على المسير إلى الشام لقتال معاوية قال - ~~بعد حمد الله والثناء عليه والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وآله -: ~~اتقوا الله عباد الله وأطيعوه، وأطيعوا إمامكم، فإن الرعية الصالحة تنجو ~~بالإمام العادل، ألا وإن الرعية الفاجرة تهلك بالإمام الفاجر، وقد أصبح ~~معاوية غاصبا لما في يديه من حقي، ms173 ناكثا لبيعتي، # PageV01P251 # طاغيا في دين الله عز وجل، وقد علمتم أيها المسلمون ما فعل الناس بالأمس، ~~فجئتموني راغبين إلي في أمركم، حتى استخرجتموني من منزلي لتبايعوني، ~~فالتويت عليكم لأبلو (1) ما عندكم فراددتموني القول مرارا وراددتكم، ~~وتداككتم علي تداك الإبل الهيم على حياضها حرصا على بيعتي، حتى خفت أن يقتل ~~بعضكم بعضا، فلما رأيت ذلك منكم رويت في أمركم وأمري، وقلت إن أنا لم أجبهم ~~إلى القيام بأمرهم لم يصيبوا أحدا منهم يقوم فيهم مقامي ويعدل فيهم عدلي، ~~وقلت والله لا ليتهم وهم يعلمون حقي وفضلي أحب إلي من أن يلوني وهم لا ~~يعرفون حقي وفضلي، فبسطت لكم يدي فبايعتموني يا معشر المسلمين، وفيكم ~~المهاجرون والأنصار، والتابعون بإحسان، فأخذت عليكم عهد بيعتي، وواجب ~~صفقتي، عهد الله وميثاقه، وأشد ما أخذ على النبيين من عهد وميثاق، لتقرن ~~لي، ولتسمعن لأمري، ولتطيعوني، وتناصحوني، وتقاتلون معي كل باغ علي أو مارق ~~إن مرق، فأنعمتم لي بذلك جميعا، وأخذت عليكم عهد الله وميثاقه، وذمة الله ~~وذمة رسوله، فأجبتموني إلى ذلك جميعا، وأشهدت الله عليكم، وأشهدت بعضكم على ~~بعض، فقمت فيكم بكتاب الله، وسنة نبيه صلى الله عليه وآله، فالعجب من ~~معاوية بن أبي سفيان ينازعني الخلافة، ويجحد لي الإمامة، ويزعم أنه أحق بها ~~مني، جرأة منه على الله وعلى رسول الله صلى لله عليه وآله، بغير حق له فيها ~~ولا حجة، ولم يبايعه المهاجرون ولا سلم له الأنصار والمسلمون. # يا معشر المهاجرين والأنصار وجماعة من سمع كلامي، أما أوجبتم لي على ~~أنفسكم الطاعة، أما بايعتموني على الرغبة، أما أخذت عليكم العهد بالقبول ~~لقولي؟ # أما بيعتي لكم يومئذ أوكد من بيعة أبي بكر وعمر، فما بال من خالفني لم ~~ينقض عليهما حتى مضيا ونقض علي ولم يف لي؟! أما يجب عليكم نصحي ويلزمكم ~~أمري؟ أما تعلمون أن بيعتي يلزم الشاهد منكم والغائب؟ فما بال معاية ~~وأصحابه طاغون في بيعتي؟ ولم لم يفوا لي وأنا في قرابتي وسابقتي وصهري أولى ~~بالأمر ممن # PageV01P252 # تقدمني؟ أما سمعتم قول رسول ms174 الله صلى الله عليه وآله يوم الغدير في ~~ولايتي وموالاتي؟ # فاتقوا الله أيها المسلمون وتحاثوا على جهاد معاوية القاسط الناكث، ~~وأصحابه القاسطين الناكثين، اسمعوا ما اتلوا عليكم من كتاب الله المنزل، ~~على نبيه المرسل لتتعظوا، فإنه والله أبلغ عظة لكم، فانتفعوا بموعظة الله، ~~وازدجروا عن معاصي الله، فقد وعظكم الله بغيركم فقال لنبيه صلى الله عليه ~~وآله: " ألم تر إلى الملأ من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي لهم ~~ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله قال هل عسيتم أن كتب عليكم القتال أن لا ~~تقاتلوا قالوا وما لنا لا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا ~~وأبنائنا فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم والله عليم بالظالمين ~~(1) " وقال لهم نبيهم: " إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا قالوا أنى يكون له ~~الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال قال إن الله اصطفاه ~~عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم والله يؤتي ملكه من يشاء والله واسع عليم ~~(2) " أيها الناس إن لكم في هذه الآيات عبرة، لتعلموا أن الله جعل الخلافة ~~والأمرة من بعد الأنبياء في أعقابهم، وأنه فضل طالوت وقدمه على الجماعة ~~باصطفائه إياه، وزيادة بسطه في العلم والجسم، فهل تجدون أن الله اصطفى بني ~~أمية على بني هاشم، وزاد معاوية علي بسطة في العلم والجسم. # واتقوا الله عباد الله وجاهدوا في سبيله قبل أن ينالكم سخطه بعصيانكم له ~~قال الله سبحانه: " لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن ~~مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما ~~كانوا يعملون إنما المؤمنين الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا ~~وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون (3) " وقال ~~سبحانه: " يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم ~~تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم ~~إن كنتم تعلمون يغفر لكم ذبوبكم # PageV01P253 # ويدخلكم جنات تجري ms175 من تحتها الأنهار ومساكن طيبة في جنات عدن ذلك الفوز ~~العظيم (1) ". # اتقوا الله عباد الله وتحاثوا على الجهاد مع إمامكم فلو كان لي منكم ~~عصابة بعدد أهل بدر إذا أمرتهم أطاعوني وإذا استنهضتهم نهضوا معي لاستغنيت ~~بهم عن كثير منكم، وأسرعت النهوض إلى حرب معاوية وأصحابه فإنه الجهاد ~~المفروض. # ومن كلامه عليه السلام يجري مجرى الاحتجاج مشتملا على التوبيخ لأصحابه ~~على تثاقلهم عن قتال معاوية والتفنيد متضمنا اللوم والوعيد. # أيها الناس إني استنفرتكم لجهاد هؤلاء فلم تنفروا (2) وأسمعتكم فلم ~~تجيبوا، ونصحت لكم فلم تقبلوا، شهودا بالغيب (3) اتلوا عليكم الحكمة ~~فتعرضون عنها، وأعظكم بالموعظة البالغة فتنفرون عنها، كأنكم حمر مستنفرة ~~فرت من قسورة، وأحثكم على جهاد أهل الجور فما آتي على آخر قولي حتى أراكم ~~متفرقين أيادي سبا، ترجعون إلى مجالسكم تتربعون حلقا، تضربون الأمثال ~~وتنشدون الأشعار، وتجسسون الأخبار، حتى إذا تفرقتم تسألون عن الأخبار جهلا ~~من غير علم، وغفلة من غير ورع، وتتبعا من غير خوف، ونسيتم الحرب والاستعداد ~~لها، فأصبحت قلوبكم فارغة من ذكرها، شغلتموها بالأعاليل والأضاليل، فالعجب ~~كل العجب، وكيف لا أعجب من اجتماع قوم على باطلهم، وتخاذلكم عن حقكم يا أهل ~~الكوفة أنتم كأم مخالد حملت فأملصت (4) فمات قيمها وطال أيمها (5) وورثها ~~أبعدها، والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، إن من ورائكم الأغبر الأدبر جهنم ~~الدنيا لا تبقي ولا تذر، ومن بعده النهاش الفراس، الجموع المنوع ثم ~~ليتوارثنكم من بني أمية عدة ما الآخر منهم بارق بكم من الأول، ما خلا # PageV01P254 # واحد (1) بلاء قضاه الله على هذه الأمة لا محالة كائن، يقتلون أخياركم، ~~ويستعبدون أرذالكم، ويستخرجون كنوزكم وذخايركم في جوف حجالكم، نقمة بما ~~صنعتم من أموركم، وصلاح أنفسكم ودينكم. # يا أهل الكوفة أخبركم بما يكون قبل أن يكون، لتكونوا منه على حذر ~~ولتنذروا به اتعظ واعتبر، كأني بكم تقولون: إن عليا يكذب، كما قالت قريش ~~لنبيها صلى الله عليه وآله وسيدها نبي الرحمة، " محمد بن عبد الله " فيا ~~ويلكم فعلى من أكذب أعلى الله فأنا أول من عبده ms176 ووحده؟! أم على رسوله فأنا ~~أول من آمن به وصدقه ونصره؟! كلا ولكنها لهجة خدعة! كنتم عنها أغنياء، ~~والذي فلق الحبة وبرئ النسمة لتعلمن نبأها بعد حين، وذلك إذا صيركم إليها ~~جهلكم، ولا ينفعكم عندها علمكم، فقبحا لكم يا أشباه الرجال ولا رجال، حلوم ~~الأطفال، وعقول ربات الحجال (2)، أما والله أيها الشاهدة أبدانهم، الغائبة ~~عنهم عقولهم، المختلفة أهوائهم (3) ما أعز الله نصر من دعاكم، ولا استراح ~~قلب من قاساكم (4) ولا قرت عين من آواكم، كلامكم يوهن الصم الصلاب (5) ~~وفعلكم يطمع فيكم عدوكم المرتاب، ويحكم أي دار بعد داركم تمتعون ومع أي ~~إمام بعدي تقاتلون المغرور والله من غررتموه، ومن فاز بكم فاز بالسهم ~~الأخيب، أصبحت لا أطمع في نصرتكم، ولا أصدقكم قولكم، فرق الله بيني وبينكم، ~~وأعقبني بكم من هو خيرا لي منكم، وأعقبكم بي من هو شرا لكم مني، إمامكم ~~يطيع الله وأنتم تعصونه # PageV01P255 # وإمام أهل الشام يعصي الله وهم يطيعونه، والله لوددت أن معاوية صارفني ~~بكم صرف الدينار بالدرهم، فأخذ مني عشرة منكم وأعطاني واحدا منهم، والله ~~لوددت أني لم أعرفكم، ولم تعرفوني، فإنها معرفة جرت ندما لقد ورثتم صدري ~~غيظا، وأفسدتم علي أمري بالخذلان والعصيان، حتى لقد قالت قريش إن عليا رجل ~~شجاع لكن لا علم له بالحروب، لله درهم هل كان فيهم أحد أطول لها مراسا مني ~~وأشد بها مقاساة (1) لقد نهضت فيها وما بلغت العشرين، ثم هاأنا ذا قد ذرفت ~~على الستين، لكن لا أمر لمن لا يطاع، أما والله لوددت أن ربي قد أخرجني من ~~بين أظهركم إلى رضوانه، وإن المنية لترصدني فما يمنع أشقاها أن يخضبها؟ - ~~وترك يده على رأسه ولحيته - عهدا عهده إلي النبي الأمي وقد خاب من افترى، ~~ونجا من اتقى وصدق بالحسنى. # يا أهل الكوفة قد دعوتكم إلى جهاد هؤلاء ليلا ونهارا، وسرا وإعلانا، وقلت ~~لكم اغزوهم فإنه ما غزي قوم في عقر دارهم إلا ذلوا، فتواكلتم (2) وتخاذلتم ~~وثقل عليكم قولي، واستصعب عليكم أمري، واتخذتموه ورائكم ظهريا، حتى شنت ~~عليكم ms177 الغارات، وظهرت فيكم الفواحش والمنكرات، تمسيكم وتصبحكم، كما فعل ~~بأهل المثلات من قبلكم، حيث أخبر الله عز وجل عن الجبابرة العتاة الطغاة، ~~المستصعفين الغوات، في قوله تعالى: " يذبحون أبنائكم ويستحيون نسائكم وفي ~~ذلكم بلاء من ربكم عظيم (3) " أما والذي فلق الحبة وبرئ النسمة لقد حل بكم ~~الذي توعدون. # عاتبتكم يا أهل الكوفة بمواعظ القرآن فلم أنتفع بكم، وأدبتكم بالدرة فلم ~~تستقيموا لي، وعاقبتكم بالسوط الذي يقام به الحدود فلم ترعووا، ولقد علمت ~~أن # PageV01P256 # الذي يصلحكم هو السيف، وما كنت متحريا صلاحكم بفساد نفسي (1) ولكن سيسلط ~~عليك سلطان صعب، لا يوقر كبيركم، ولا يرحم صغيركم، ولا يكرم عالمكم، ولا ~~يقسم الفيئ بالسوية بينكم، وليضربنكم، وليذلنكم، وليجرنكم في المغازي، ~~وليقطعن سبلكم، وليجمعنكم على بابه، حتى يأكل قويكم ضعيفكم ثم لا يبعد الله ~~من ظلم، ولقل ما أدبر شئ فأقبل، وإني لأظنكم على فترة، وما علي إلا النصح ~~لكم. # يا أهل الكوفة منيت منكم بثلاث واثنتين (2) صم ذووا أسماع، وبكم ذووا ~~ألسن، وعمي ذووا أبصار، لا إخوان صدق عند اللقاء، ولا إخوان ثقة عند ~~البلاء. # اللهم إني قد مللتهم وملوني، وسئمتهم وسئموني (3) اللهم لا ترض عنهم ~~أميرا ولا ترضهم عن أمير، وأمث قلوبهم كما يماث الملح (4) بالماء أما والله ~~لو أجد بدا (5) من كلامكم ومراسلتكم ما فعلت، ولقد عاتبتكم في رشدكم حتى ~~لقد سئمت الحياة، كل ذلك تراجعون بالهزء من القول، فرارا من الحق، وإلحادا ~~إلى الباطل الذي لا يعز الله بأهله الدين، وإني لأعلم أنكم لا تزيدونني غير ~~تخسير، كلما أمرتكم بجهاد عدوكم اثاقلتم إلى الأرض وسألتموني التأخير، وفاع ~~ذي الدين المطول، (6) إن قلت لكم في القيظ سيروا، قلتم الحر شديد، وإن قلت ~~لكم في البرد سيروا، قلتم القر شديد (7) كل ذلك فرارا عن الحرب، إذا كنتم ~~عن الحر والبرد تعجزون، فأنتم عن حرارة السيف أعجز، فإنا لله وإنا إليه ~~راجعون. # PageV01P257 # يا أهل الكوفة قد أتاني الصريح يخبرني أن ابن عمر قد نزل الأنبار (1) على ~~أهلها ليلا في أربعة آلاف، فأغار عليهم ms178 كما يغار على الروم والخزر، فقتل ~~بها عاملي ابن حسان، وقتل معه رجالا صالحين، ذوي فضل وعبادة ونجدة، بوأ ~~الله لهم جنات النعيم، وأنه أباحها، ولقد بلغني أن العصبة من أهل الشام (2) ~~كانوا يدخلون على المرأة المسلمة والأخرى المعاهدة فيه تكون سترها، ويأخذون ~~القناع من رأسها، والخرص من أذنها، والأوضاح من يديها ورجليها وعضديها، ~~والخلخال والميزر عن سوقها، فما تمتنع إلا بالاسترجاع والنداء: " يا ~~للمسلمين! " فلا يغيثها مغيث، ولا ينصرها ناصر، فلو أن مؤمنا مات دون هذا ~~ما كان عندي ملوما، بل كان عندي بارا محسنا، واعجبا كل العجب من تظافر ~~هؤلاء القوم على باطلهم، وفشلكم عن حقكم، قد صرتم غرضا يرمى (3) ولا ترمون، ~~وتغزون ولا تغزون ويعصى الله وترضون، فتربت أيديكم يا أشباه الإبل غاب عنها ~~رعاتها، كلما اجتمعت من جانب تفرقت من جانب. # * * * احتجاجه (ع) على معاوية في جواب كتاب كتب إليه في غيره من المواضع ~~وهو من أحسن الحجاج وأصوبها *. # أما بعد فقد أتاني كتابك تذكر فيه اصطفاء الله تعالى محمدا صلى الله عليه ~~وآله لدينه، وتأييده إياه بمن أيده من أصحابه، فلقد خبأ (4) لنا الدهر منك ~~عجبا إذ طفقت (5) # PageV01P258 # تخبرنا ببلاء الله عندنا، ونعمته علينا في نبينا، فكنت في ذلك كناقل ~~التمر إلى هجر (1)، أو داعي مسدده إلى النضال (2) وزعمت أن أفضل الناس في ~~الإسلام فلان وفلان (3) فذكرت أمرا إن تم اعتزلك كله، وإن نقص لم يلحقك ~~ثلمه، وما أنت والفاضل والمفضول، والسايس والمسوس، وما للطلقاء وأبناء ~~الطلقاء والتمييز بين المهاجرين الأولين، وترتيب درجاتهم، وتعريف طبقاتهم، ~~هيهات لقد حن قدح ليس منها (4) وطفق يحكم فيها من عليه الحكم لها. ألا تربع ~~أيها الإنسان على ظلعك وتعرف قصور ذرعك (5)، وتتأخر حيث أخرك القدر فما ~~عليك غلبة المغلوب، ولا لك ظفر الظافر، فإنك لذهاب في التيه، رواغ عن القصد ~~(6) ألا ترى - غير مخبر لك لكن بنعمة الله أحدث -: إن قوما استشهدوا في ~~سبيل الله من المهاجرين ولكل فضل، حتى إذا استشهد شهيدنا قيل: " سيد ~~الشهداء " وخصه رسول الله ms179 صلى الله عليه وآله بسبعين تكبيرة عند صلاته عليه ~~(7)، أو لا ترى أن قوما قطعت أيديهم في سبيل الله ولكل فضل، حتى إذا فعل ~~بواحدنا كما فعل بواحدهم # PageV01P259 # قيل: " الطيار في الجنة وذو الجناحين " (1) ولولا ما نهى الله عن تزكية ~~المرأ نفسه لذكر ذاكر فضائل جمة تعرفها قلوب المؤمنين، ولا تمجها آذان ~~السامعين فدع عنك من مالت به الرمية (2) فأنا صنايع ربنا، والناس بعد صنايع ~~لنا (3) لم يمنعنا قديم عزنا، ولا عادى طولنا (4) على قومك أن خلطناكم ~~بأنفسنا، # PageV01P260 # فنكحنا وأنكحنا، فعل الأكفاء، ولستم هناك وأنى يكون ذلك كذلك ومنا النبي ~~ومنكم المكذب (1) ومنا أسد الله ومنكم أسد الأحلاف (2) ومنا سيدا شباب أهل ~~الجنة ومنكم صبية النار (3) ومنا خير نساء العالمين، ومنكم حمالة الحطب (4) ~~في كثير مما لنا عليكم فإسلامنا ما قد سمع، وجاهليتكم لا تدفع (5) وكتاب ~~الله يجمع لنا ما شذ عنا، وهو قوله تعالى: " وأولوا الأرحام بعضهم أولى ~~ببعض في كتاب الله " وقوله تعالى: " إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه ~~وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين " فنحن مرة أولى بالقرابة ~~وتارة أولى بالطاعة. # ولما احتج المهاجرون على الأنصار يوم السقيفة برسول الله صلى الله عليه ~~وآله فلجوا عليهم # PageV01P261 # فإن يكن الفلج به فالحق لنا دونكم، وإن يكن بغيره فالأنصار على دعواهم ~~(1). # وزعمت أني لكل الخلفاء حسدت، وعلى كلهم بغيت، فإن يكن ذلك كذلك فليس ~~الجناية عليك فيكون العذر إليك. # وتلك شكاة ظاهر عنك عارها وقلت: إني كنت أقاد كما يقاد الجمل المخشوش حتى ~~أبايع، ولعمر الله لقد أردت أن تذم فمدحت، وأن تفضح فافتضحت، وما على ~~المسلم من غضاضة (2) في أن يكون مظلوما ما لم يكن شاكا في دينه، ولا مرتابا ~~في يقينه، وهذه حجتي إلى غيرك قصدها، ولكني أطلقت لك منها بقدر ما سنح من ~~ذكرها. # ثم ذكرت ما كان من أمري وأمر عثمان فلك أن تجاب عن هذه لرحمك منه فأينا ~~كان أعدى له وأهدى إلى مقاتلته، أم من بذل له نصرته فاستقعده واستكفه؟ # أم من ms180 استنصره فتراخى عنه وبث المنون إليه حتى أتى عليه قدره؟ كلا والله ~~لقد علم الله المعوقين منكم والقائلين لأخوانهم هلم إلينا، ولا يأتون البأس ~~إلا قليلا، وما كنت لأعتذر من أني كنت أنقم عليه أحداثا، فإن كان الذنب ~~إليه إرشادي وهدايتي له، فرب ملوم لا ذنب له، وقد يستفيد الظنة المتنصح، ~~وما أردت إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه ~~أنيب. # وذكرت أنه ليس لي ولا لأصحابي عندك إلا السيف، ولقد أضحكت بعد استعبار، ~~متى ألفيت بنو عبد المطلب عن الأعداء ناكلين (3) وبالسيوف مخوفين فألبث ~~قليلا يلحق الهيجاء (4) حمل، فسيطلبك من تطلب، ويقرب منك ما تستبعد # PageV01P262 # وأنا مرقل (1) نحوك في جحفل من المهاجرين والأنصار والتابعين بإحسان، ~~شديد زحامهم، ساطع قتامهم (2) متسربلين سرابيل الموت (3) أحب اللقاء إليهم ~~لقاء ربهم، وقد صحبتهم ذرية بدرية، وسيوف هاشمية، قد عرفت مواقع نصالها (4) ~~في أخيك، وخالك، وجدك (5) وأهلك، وما هي من الظالمين ببعيد وكتب أيضا عليه ~~السلام (6) - إلى معاوية -: # أما بعد فإنا كنا نحن وأنت على ما ذكرت من الألفة والجماعة، ففرق بيننا ~~وبينكم بالأمس إنا آمنا وكفرتم، واليوم إنا استقمنا وفتنتم، وما أسلم ~~مسلمكم إلا كرها (7) وبعد أن كان أنف الإسلام كله لرسول الله حزبا (8). # وذكرت إني قتلت طلحة والزبير، وشردت بعايشة، ونزلت بين المصرين (9) وذلك ~~أمر غبت عنه، فلا الجناية عليك، ولا العذر فيه إليك، وذكرت أنك زائري في ~~المهاجرين والأنصار، وقد انقطعت الهجرة يوم أسر أخوك (10) فإن كان فيك # PageV01P263 # عجل فاسترفه (1) فإني إن أزرك فذلك جدير أن يكون الله عز وجل إنما بعثني ~~للنقمة منك، وإن تزرني فكما قال أخو بني أسد. # مستقبلين رياح الصيف تضربهم * بحاصب بين أغوار وأنجاد وعندي السيف الذي ~~أعضضته بجدك وخالك وأخيك في مقام واحد (2)، وإنك والله ما علمت الأغلف ~~القلب المقارب (3) للعقل، والأولى أن يقال لك: # إنك رقيت سلما أطلعك مطلع سوء عليك لا لك، لأنك نشدت غير ضالتك (4) ورعيت ~~غير سائمتك (5) وطلبت أمرا لست من أهله، ولا في معدنه، فما أبعد ms181 قولك من ~~فعلك! وقريب ما اشبهت من أعمام وأخوال حملتهم الشقاوة وتمني الباطل، على ~~الجحود بمحمد صلى الله عليه وآله، فصرعوا بمصارعهم حيث عملت لم يدفعوا ~~عظيما، ولم يمنعوا حريما، بوقع سيوف ما خلا منها الوغى، فلم يماشها الهوينا ~~(6) وقد أكثرت في قتلة عثمان فادخل فيما دخل فيه الناس (7) ثم حاكم القوم ~~إلي أحملك وإياهم على كتاب الله. # PageV01P264 # وأما تلك التي تريد (1) فإنها خدعة الصبي عن اللبن في أول الفصال، ~~والسلام لأهله. # وكتب عليه السلام إلى معاوية وفي كتاب آخر (2). # فسبحان الله ما أشد لزومك للأهواء المبتدعة، والحيرة المتبعة (3)، مع ~~تضييع الحقايق، واطراح الوثايق، التي هي لله طلبة، وعلى عباده حجة، فأما ~~إكثارك الحجاج في عثمان وقتلته، فإنك إنما نصرت عثمان حيث كان النصر لك ~~وخذلته حيث كان النصر له والسلام. # وروى أبو عبيدة (4) قال: كتب معاوية إلى أمير المؤمنين عليه السلام إن لي ~~فضائل كثيرة، كان أبي سيدا في الجاهلية، وصرت ملكا في الإسلام، وأنا صهر ~~رسول الله صلى الله عليه وآله، وخال المؤمنين، وكاتب الوحي. # فقال أمير المؤمنين عليه السلام: أبالفضائل يبغي علي ابن آكلة الأكباد؟ ~~(5) أكتب إليه يا غلام: # PageV01P265 # محمد النبي أخي وصنوي * وحمزة سيد الشهداء عمي وجعفر الذي يمسي ويضحى * ~~يطير مع الملائكة ابن أمي وبنت محمد سكني وعرسي * مسوط لحمها بدمي ولحمي ~~وسبطا أحمد ولداي منها * فأيكم له سهم كسهمي سبقتكم إلى الإسلام طرا * ~~غلاما ما بلغت أوان حلمي وصليت الصلاة وكنت طفلا * مقرا بالنبي في بطن أمي ~~وأوجب لي ولايته عليكم * رسول الله يوم غدير خم فويل ثم ويل ثم ويل * لمن ~~يلقى الإله غدا بظلمي (1) أنا الرجل الذي لا تنكروه * ليوم كريهة أو يوم ~~سلم فقال معاوية: أخفوا هذا الكتاب لا يقرأه أهل الشام فيميلوا إلى ابن أبي ~~طالب عليه السلام. # وروي عن الصادق عليه السلام أنه قال: لما قتل عمار بن ياسر (2) ارتعدت # PageV01P266 # فرائص خلق كثير، وقالوا: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " عمار تقتله ~~الفئة الباغية " PageV01P267 # فدخل عمرو على معاوية ms182 وقال يا أمير المؤمنين قد هاج الناس واضطربوا، قال: ~~لماذا قال: قتل عمار فقال: قتل عمار فماذا؟ قال: أليس قال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله: " تقتله الفئة الباغية " فقال معاوية: دحضت في قولك أنحن ~~قتلناه؟ إنما قتله علي بن أبي طالب عليه السلام لما ألقاه بين رماحنا، ~~فاتصل ذلك بعلي بن أبي طالب عليه السلام قال: فإذا رسول الله صلى الله عليه ~~وآله هو الذي قتل حمزة لما ألقاه بين رماح المشركين. # وكتب عليه السلام (1) إلى عمرو بن العاص في أثناء كتاب: # فإنك جعلت دينك تبعا لدنيا امرء ظاهر غيه، مهتوك ستره، يشين الكريم ~~بمجلسه، ويسفه الحليم بخلطته، فاتبعت أثره، وطلبت فضله اتباع الكلب للضرغام ~~(2) يلوذ إلى مخالبه، وينتظر ما يلقى إليه من فضل فريسته، فأذهبت دنياك ~~وآخرتك ولو أخذت بالحق أدركت ما طلبت، فإن يمكني الله منك ومن ابن أبي ~~سفيان أخبرتكما بما قدمتما (3) فإن نعجز أو تبقيا فما أمامكما شر لكما ~~والسلام. # وقال عليه السلام - في عمرو جوابا عما قال فيه -: عجبا لابن النابغة (4) ~~يزعم # PageV01P268 # لأهل الشام أن في دعابة (1) وأني امرء تلعابة (2) أعانس (3) وأمارس (4) ~~لقد قال باطلا ونطق آثما، أما وشر القول الكذب، إنه يقول فيكذب ويعد فيخلف ~~ويسأل فيحلف، ويسأل فينجل ويخون العهد، ويقطع الإل (5) فإذا كان عند الحرب ~~فأي زاجر وآمر هو ما لم تأخذ السيوف ما أخذها، فإذا كان ذلك كان أكبر ~~مكيدته أن يمنح القوم أسته (6) أما والله إني ليمنعني من اللعب ذكر الموت ~~وإنه ليمنعه من قول الحق نسيان الآخرة، وإنه لم يبايع معاوية حتى شرط له أن ~~يؤتيه على البيعة آية (7) ويرضخ له على ترك الدين رضيخة (8). # * * * وكتب محمد بن أبي بكر (9) إلى معاوية احتجاجا عليه بسم الله الرحمن ~~الرحيم من محمد بن أبي بكر، إلى الغاوي معاوية بن صخر، سلام الله على أهل ~~طاعة الله ممن هو أهل دين الله وأهل ولاية الله. # PageV01P269 # أما بعد فإن الله بجلاله وسلطانه خلق خلقا بلا عبث منه، ولا ضعف به، في ~~PageV01P270 # قوة، ms183 ولكنه خلقهم عبيدا فمنهم شقي وسعيد، وغوي ورشيد، ثم اختارهم على علم ~~منه، واصطفى وانتخب منهم محمدا صلى الله عليه وآله واصطفاه لرسالته، ~~وائتمنه على وحيه فدعا إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، فكان أول من ~~أجاب وأناب، وأسلم وسلم، أخوه وابن عمه علي بن أبي طالب عليه السلام فصدقه ~~بالغيب المكتوم وآثره على كل حميم، ووقاه من كل مكروه، وواساه بنفسه في كل ~~خوف، وقد رأيتك تساويه وأنت أنت وهو هو المبرز والسابق في كل خير، وأنت ~~اللعين ابن اللعين لم تزل أنت وأبوك تبغضان وتبغيان في دين الله الغوائل، ~~وتجتهدان على إطفاء نور الله، تجمعان الجموع على ذلك، وتبذلان فيه الأموال، ~~وتخالفان عليه القبائل، على ذلك مات أبوك، وعليه خلفته أنت، فكيف لك الويل ~~تعدل عن علي وهو وارث علم رسول الله ووصيه، وأول الناس له اتباعا وآخرهم به ~~عهدا؟! وأنت عدوه وابن عدوه، فتمتع بباطلك ما استطعت، وتبدد بابن العاص في ~~غوايتك، فكأن أجلك قد انقضى، وكيدك قد وهي، ثم تستبين لك لمن تكون العاقبة ~~العليا، والسلام على من اتبع الهدى. PageV01P271 # فأجابه معاوية هذا إلى الزارئ (1) على أبيه محمد بن أبي بكر، سلام على ~~أهل طاعة الله، أما بعد فقد أتاني كتابك تذكر فيه ما الله أهله في قدرته ~~وسلطانه مع كلام ألفته ورصفته (2) لرأيك فيه، وذكرت حق علي وقديم سوابقه ~~وقرابته من رسول الله صلى الله عليه وآله ونصرته ومواساته إياه في كل خوف ~~وهول، وتفضيلك عليا وعيبك لي بفضل غيرك لا بفضلك، فالحمد لله الذي صرف ذلك ~~عنك وجعله لغيرك وقد كنا وأبوك معنا في زمن نبينا صلى الله عليه وآله نرى ~~حق علي عليه السلام لازما لنا، وسبقه مبرزا علينا، فلما اختار الله لنبيه ~~ما عنده وأتم له ما وعده، قبضه الله إليه، وكان أبوك وفاروقه أول من ابتزه ~~(3) وخالفه على ذلك، واتفقا ثم دعواه على أنفسهما، فأبطأ عليهما، فهما به ~~الهموم، وأرادا به العظيم، فبايع وسلم لأمرهما، لا يشركانه في أمرهما، ولا ~~يطلعانه ms184 على سرهما، حتى قضى الله من أمرهما ما قضى، ثم قام بعدهما ثالثهما ~~يهدي بهداهما، ويسير بسيرتهما، فعبته أنت وأصحابك حتى طمع فيه الأقاصي من ~~أهل المعاصي حتى بلغتما منه مناكما، وكان أبوك مهد مهاده فإن يك ما نحن فيه ~~صوابا فأبوك أوله، وإن يك جورا فأبوك سنه، ونحن شركائه وبهداه اقتدينا، ~~ولولا ما سبقنا إليه أبوك ما خالفنا عليا ولسلمنا له، ولكنا رأينا أباك فعل ~~ذلك فأخذنا بمثاله، فعب أباك أو دعه، والسلام على من تاب وأناب. # * * * احتجاجه (ع) على الخوارج * لما حملوه على التحكم ثم أنكروا عليه ~~ذلك ونقموا عليه أشياء فأجابهم (ع) عن ذلك بالحجة وبين لهم أن الخطأ من ~~قبلهم بل وإليهم يعود. # PageV01P272 # روي أن رجلا من أصحابه قام إليه فقال: إنك نهيتنا عن الحكومة ثم أمرتنا ~~بها، فما ندري أي الأمرين أرشد، فصفق عليه السلام إحدى يديه على الأخرى ثم ~~قال: # هذا جزاء من ترك العقدة (1)، أما والله لو أني حين أمرتكم بما أمرتكم به ~~حملتكم على المكروه الذي جعل الله فيه خيرا كثيرا (2) فإن استقمتم هديتكم ~~وإن اعوججتم قومتكم، وإن أبيتم تداركتكم (3) لكانت الوثقى، ولكن بمن وإلى ~~من (4) أريد أن أداوي بكم وأنتم دائي؟! كناقش الشوكة بالشوكة، # PageV01P273 # وهو يعلم أن ضلعها معها (1). اللهم قد ملت أطباء الداء الدوي (2) وكلت ~~النزعة بأشطان الركى (3). # فقال عليه السلام (4) وقد خرج إلى معسكرهم وهم مقيمون على إنكار الحكومة ~~بعد كلام طويل: # ألم تقولوا - عند رفعهم المصاحف حيلة، وغيلة، (5) ومكرا، وخديعة -: # إخواننا، وأهل دعوتنا. استقالونا، واستراحوا إلى كتاب الله سبحانه، ~~فالرأي القبول منهم، والتنفيس عنهم، (6) فقلت لكم: هذا أمر ظاهره إيمان، ~~وباطنه عدوان وأوله رحمة، وآخره ندامة، فأقيموا على شأنكم، والزموا ~~طريقتكم، وعضوا على الجهاد بنواجذكم (7) ولا تلتفتوا إلى ناعق نعق (8)، إن ~~أجيب أضل وإن ترك ذل، فلقد كنا مع رسول الله وإن القتل ليدور بين الآباء ~~والأبناء، والإخوان والقرابات، فما نزداد على كل مصيبة وشدة إلا إيمانا، ~~ومضيا على الحق، وتسليما للأمر، وصبرا على مضض الجراح (9) ولكنا إنما ms185 ~~أصبحنا نقاتل إخواننا في الإسلام # PageV01P274 # على ما دخل فيه من الزيغ والاعوجاج (1) والشبهة والتأويل، فإذا طعمنا في ~~خصلة يلم الله بها شعثنا، ونتدانى بها إلى البقية فيما بيننا، رغبنا فيها ~~وأمسكنا عما سواها وقال عليه السلام - في التحكيم (2) -: # إنا لم نحكم الرجال (3) وإنما حكمنا القرآن، وهذا القرآن إنما هو خط ~~مسطور بين الدفتين، لا ينطق بلسان ولا بد له من ترجمان وإنما ينطق عنه ~~الرجال ولما أن دعانا القوم إلى أن يحكم بيننا القرآن لم نكن الفريق ~~المتولي عن كتاب الله عز وجل وقد قال الله سبحانه: " وإن تنازعتم في شئ ~~فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر (4) " فرده إلى ~~الله أن نحكم بكتابه، ورده إلى الرسول أن نأخذ بسنته، فإذا حكم بالصدق في ~~كتاب الله فنحن أحق الناس به وإذا حكم بسنة رسوله فنحن أولادهم به (5)، ~~وأما قولكم لم جعلت بينك وبينهم أجلا في التحكيم؟ فإنما فعلت ذلك ليتبين ~~الجاهل (6) ويتثبت العالم (7) ولعل الله أن يصلح في هذه الهدنة أمر هذه ~~الأمة ولا تؤخذ بإكظامها (8) فتعجل عن تبين # PageV01P275 # الحق وتنقاد لأول الغي (1)؟ # وروي أن أمير المؤمنين عليه السلام أرسل عبد الله بن العباس إلى الخوارج ~~وكان بمرأى منهم ومسمع قالوا له في الجواب: # إنا نقمنا يا بن عباس على صاحبك خصالا كلها مكفرة، موبقة، تدعوا إلى ~~النار أما " أولها " فإنه محي اسمه من إمرة المؤمنين (2) ثم كتب بينه وبين ~~معاوية فإذا لم يكن أمير المؤمنين ونحن المؤمنون لسنا نرضى بأن يكون ~~أميرنا. # وأما " الثانية " فإنه شك في نفسه حين قال للحكمين: " انظروا فإن كان ~~معاوية أحق بها فاثبتاه، وإن كنت أولى بها فأثبتاني " فإذا هو شك في نفسه ~~ولم يدر أهو المحق أم معاوية، فنحن فيه أشد شكا. # و " الثالثة " إنه جعل الحكم إلى غيره وقد كان عندنا أحكم الناس. # و " الرابعة " إنه حكم الرجال في دين الله ولم يكن ذلك إليه. # و " الخامسة ": إنه قسم بيننا الكراع والسلاح يوم البصرة ومنعنا النساء ~~والذرية و " السادسة ms186 " إنه كان وصيا فضيع الوصية. # قال ابن عباس: قد سمعت يا أمير المؤمنين مقالة القوم، وأنت أحق بجوابهم ~~فقال: نعم. # ثم قال: يا بن عباس قل لهم ألستم ترضون بحكم الله وحكم رسوله؟ # قالوا: نعم. # PageV01P276 # قال: ابدأ على ما بدأتم به (1) في بدئ الأمر. # ثم قال: كنت أكتب لرسول الله صلى الله عليه وآله الوحي، والقضايا، ~~والشروط، والأمان يوم صالح أبا سفيان، وسهيل بن عمرو فكتبت: # بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما اصطلح عليه محمد رسول الله أبا سفيان صخر ~~بن حرب، وسهيل بن عمرو فقال سهيل: لا نعرف الرحمن الرحيم، ولا نقر أنك رسول ~~الله، ولكنا نحسب ذلك شرفا لك أن تقدم اسمك على أسمائنا وإن كنا أسن منك ~~وأبي أسن من أبيك. # فأمرني رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: اكتب - مكان بسم الله الرحمن ~~الرحيم -: # " باسمك اللهم " فمحوت ذلك وكتبت: " باسمك اللهم " ومحوت " رسول الله " ~~وكتبت " محمد بن عبد الله " فقال لي " إنك تدعى إلى مثلها فتجيب وأنت مكره ~~(2) " وهكذا كتبت بيني وبين معاوية وعمرو بن العاص: " هذا ما اصطلح عليه ~~أمير المؤمنين ومعاوية وعمرو بن العاص " فقالا: لقد ظلمناك بأن أقررنا بأنك ~~أمير المؤمنين وقاتلناك، ولكن اكتب: علي بن أبي طالب " فمحوت كما محي رسول ~~الله صلى الله عليه وآله، فإن أبيتم ذلك فقد جحدتم، فقالوا: هذه لك خرجت ~~منها. # قال: وأما قولكم " إني شككت في نفسي حيث قلت للحكمين: انظرا فإن كان ~~معاوية أحق بها مني فاثبتاه " فإن ذلك لم يكن شكا مني، ولكن أنصفت في ~~القول، قال الله تعالى: " وأنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين (3) " # PageV01P277 # ولم يكن ذلك شكا وقد علم الله أن نبيه على الحق، قالوا: وهذه لك. # قال: وأما قولكم: " إني جعلت الحكم إلى غيري وقد كنت عندكم أحكم الناس " ~~فهذا رسول الله صلى الله عليه وآله قد جعل الحكم إلى سعد يوم بني قريظة وقد ~~كان من أحكم الناس وقد قال الله تعالى: " لقد كان لكم في رسول ms187 الله أسوة ~~حسنة (1) " فتأسيت برسول الله صل الله عليه وآله، قالوا: وهذه لك بحجتنا. # قال: وأما قولكم: " إني حكمت في دين الله الرجال " فما حكمت الرجال وإنما ~~حكمت كلام ربي، الذي جعله الله حكما بين أهله، وقد حكم الله الرجال في طائر ~~فقال: " ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل ~~منكم (2) " فدماء المسلمين أعظم من دم طائر قالوا: وهذه لك بحجتنا. # قال: وأما قولكم: " إني قسمت يوم البصرة لما ظفرني الله بأصحاب الجمل ~~الكراع والسلاح ومنعتكم النساء والذرية " فإني مننت على أهل البصرة كما من ~~رسول الله على أهل مكة، فإن عدوا علينا أخذناهم بذنوبهم، ولم نأخذ صغيرا ~~بكبير فأيكم كان يأخذ عائشة في سهمه؟ قالوا: وهذه لك بحجتنا. # قال: وأما قولكم: " إني كنت وصيا فضيعت الوصية فأنتم كفرتم وقدمتم علي، ~~وأزلتم الأمر عني، وليس على الأوصياء الدعاء إلى أنفسهم، إنما يبعث الله ~~الأنبياء عليهم السلام فيدعون إلى أنفسهم، وأما الوصي فمدلول عليه مستغن عن ~~الدعاء إلى نفسه، وذلك لمن آمن بالله ورسوله، ولقد قال الله جل ذكره: " ~~ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا (3) " فلو ترك الناس الحج لم ~~يكن البيت ليكفر بتركهم إياه، ولكن كانوا يكفرون بتركهم، لأن الله تعالى قد ~~نصبه لهم علما وكذلك نصبني علما حيث قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " ~~يا علي أنت مني بمنزلة هارون من موسى وأنت مني بمنزلة الكعبة تؤتى ولا تأتي ~~" فقالوا: وهذه لك بحجتنا. # PageV01P278 # فاذعنوا فرجع بعضهم وبقي منهم أربعة آلاف لم يرجعوا ممن كانوا قعدوا عنه ~~فقاتلهم وقتلهم. # * * * احتجاجه (ع) في الاعتذار من قعوده عن قتال من تأمر عليه من الأولين ~~وقيامه إلى قتال من بغي عليه من الناكثين والقاسطين والمارقين. # روي أن أمير المؤمنين عليه السلام كان جالسا في بعض مجالسه بعد رجوعه من ~~نهروان (1) فجرى الكلام حتى قيل له: لم لا حاربت أبا بكر وعمر كما حاربت ~~طلحة والزبير ومعاوية؟ # فقال علي عليه السلام إني كنت ms188 لم أزل مظلوما مستأثرا على حقي (2) فقام ~~إليه الأشعث بن قيس فقال: يا أمير المؤمنين لم لم تضرب بسيفك، ولم تطلب ~~بحقك؟ # فقال: يا أشعث قد قلت قولا فاسمع الجواب وعه، واستشعر الحجة، إن لي أسوة ~~بستة من الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين. # أولهم نوح حيث قال: " رب إني مغلوب فانتصر (3) " فإن قال قائل: إنه قال ~~هذا لغير خوف فقد كفر، وإلا فالوصي أعذر. # وثانيهم لوط حيث قال: " لو أن لي بكم قوة أو آوى إلى ركن شديد (4) " فإن ~~قال قائل: إنه قال هذا لغير خوف فقد كفر، وإلا فالوصي أعذر. # وثالثهم إبراهيم خليل الله حيث قال: " واعتزلكم وما تدعون من دون الله ~~(5) " # PageV01P279 # فإن قال قائل: إنه قال هذا لغير خوف فقد كفر، وإلا فالوصي أعذر. # ورابعهم موسى عليه السلام حيث قال: " ففررت منكم لما خفتكم (1) " فإن قال ~~قائل: إنه قال هذا لغير خوف فقد كفر، وإلا فالوصي أعذر. # وخامسهم أخوه هارون حيث قال: " يا بن أم إن القوم استضعفوني وكادوا ~~يقتلونني (2) " فإن قال قائل: إنه قال هذا لغير خوف فقد كفر، وإلا فالوصي ~~أعذر وسادسهم أخي محمد خير البشر صلى الله عليه وآله حيث ذهب إلى الغار ~~ونومني على فراشه فإن قال قائل: إنه ذهب إلى الغار لغير خوف فقد كفر، وإلا ~~فالوصي أعذر. # فقام إليه الناس بأجمعهم فقالوا: يا أمير المؤمنين قد علمنا أن القول ~~قولك ونحن المذنبون التائبون، وقد عذرك الله. # وعن إسحاق بن موسى (3) أبيه موسى بن جعفر عن أبيه جعفر بن محمد عن آبائه ~~عليهم السلام قال: خطب أمير المؤمنين عليه السلام خطبة بالكوفة فلما كان في ~~آخر كلامه قال: ألا وإني لأولى الناس بالناس وما زلت مظلوما منذ قبض رسول ~~الله صلى الله عليه وآله فقام إليه أشعث بن قيس فقال: يا أمير المؤمنين لم ~~تخطبنا خطبة منذ قدمت العراق إلا وقلت: " والله إني لأولى الناس بالناس فما ~~زلت مظلوما منذ قبض رسول الله " ولما ولي تيم (4) وعدي (5) إلا ضربت بسيفك ~~دون ظلامتك؟ # فقال ms189 أمير المؤمنين: يا بن الخمارة قد قلت قولا فاسمع مني والله ما منعني ~~من ذلك إلا عهد أخي رسول الله صلى الله عليه وآله أخبرني وقال لي: " يا أبا ~~الحسن إن الأمة ستغدر بك وتنقض عهدي، وإنك مني بمنزلة هارون من موسى " فقلت ~~يا رسول الله فما تعهد إلي إذا كان ذلك كذلك، فقال: " إن وجدت أعوانا فبادر ~~إليهم وجاهدهم # PageV01P280 # وإن لم تجد أعوانا فكف يدك واحقن دمك حتى تلحق بي مظلوما " فلما توفي ~~رسول الله صلى الله عليه وآله اشتغلت بدفنه والفراغ من شأنه ثم آليت يمينا ~~(1) أني لا أرتدي إلا للصلاة حتى أجمع القرآن ففعلت، ثم أخذته وجئت به ~~فأعرضته عليهم قالوا: # لا حاجة لنا به، ثم أخذت بيد فاطمة، وابني الحسن والحسين، ثم درت على أهل ~~بدر، وأهل السابقة، فأنشدتهم حقي، ودعوتهم إلى نصرتي، فما أجابني منهم إلا ~~أربعة رهط: سلمان، وعمار والمقداد، وأبو ذر، وذهب من كنت أعتضد بهم على دين ~~الله من أهل بيتي، وبقيت بين حفيرين قريبي العهد بجاهلية عقيل والعباس. # فقال له الأشعث: كذلك كان عثمان لما لم يجد أعوانا كف يده حتى قتل. # فقال له أمير المؤمنين: يا بن الخمارة ليس كما قست، إن عثمان جلس في غير ~~مجلسه، وارتدى بغير ردائه، صارع الحق، فصرعه ألحق، والذي بعث محمدا بالحق ~~لو وجدت يوم بويع أخو تيم أربعين رهط لجاهدتهم في الله إلى أن أبلي عذري ثم ~~قال: # أيها الناس إن الأشعث لا يزن عند الله جناح بعوضة، وإنه أقل في دين الله ~~من عفطة عنز (2). # وروى جماعة من أهل النقل من طرق مختلفة عن ابن عباس قال: كنت عند أمير ~~المؤمنين بالرحبة (3) فذكرت الخلافة وتقدم من تقدم عليه # PageV01P281 # فتنفس الصعداء (1) ثم قال: # أما والله لقد تقمصها ابن أبي قحافة (2) وإنه ليعلم أن محلي منها محل ~~القطب # PageV01P282 # من الرحى (1) ينحدر عني السيل، ولا يرقى إلى الطير، فسدلت ودونها ثوبا ~~(2) وطويت عنها كشحا (3) وطفقت أرتأي بين أن أصول بيد جذاء أو أصبر على ~~طخية ms190 عمياء (4)، يشيب فيها الصغير، ويهرم فيها الكبير، ويكدح فيها مؤمن حتى ~~يلقى ربه (5)، فرأيت أن الصبر على هاتا أحجى (6)، فصبرت وفي العين قذى، # PageV01P283 # وفي الحلق شجا (1) أرى تراثي نهبا (2) حتى إذا مضى الأول لسبيله فأدلى ~~بها إلى عمر من بعده، فيا عجبا بينا هو يستقيلها في حياته، إذ عقدها لآخر ~~بعد وفاته (3)، لشد ما تشطرا ضرعيها (4)، ثم تمثل بقول الأعشى (5)، شتان ما ~~يومي على كورها * ويوم حيان أخي جابر فصيرها في ناحية خشناء يجفو مسها، ~~ويغلظ كلمها (6)، # PageV01P284 # ويكثر العثار فيها، والاعتذار منها (1)، فصاحبها كراكب الصعبة إن أشنق ~~لها خرم، وإن أسلس لها تقحم (2)، فمني الناس لعمر الله بخبط وشماس، وتلون ~~واعتراض (3)، فصبرت على طول المدة، وشدة المحنة! حتى إذا مضى لسبيله، # PageV01P285 # فجعلها شور في جماعة زعم أني أحدهم (1) فيا لله وللشورى، متى اعترض الريب ~~في مع الأول منهم حتى صرت أقرن إلى هذه النظائر، لكنني أسففت إذ أسفوا، ~~وطرت إذ طاروا (2)، فصبرت على طول المحنة، وانقضاء المدة، فمال رجل منهم ~~لضغنه، وصغى الآخر لصهره، مع هن وهن (3) # PageV01P286 # إلى أن قام ثالث القوم نافجا حضنيه بين نثيله ومعتلفه (1)، وقام معه بنو ~~أبيه يخضمون مال الله خضم الإبل نبتة الربيع (2)، إلى أن انتكث عليه فتله، ~~وكبت به بطنته، وأجهز عليه عمله (3)، فما راعني إلا والناس رسل إلي كعرف ~~الضبع، ينثالون علي من كل جانب (4)، حتى لقد وطئ الحسنان، وشق عطفاي (5)، ~~مجتمعين حولي كربيضة الغنم (6)، # PageV01P287 # فلما نهضت بالأمر نكثت طائفة، ومرقت أخرى، وفسق آخرون (1)، كأنهم لم ~~يسمعوا الله سبحانه وتعالى يقول: " تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا ~~يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين (2) " بلى والله لقد ~~سمعوها ووعوها، ولكن حليت الدنيا في أعينهم، وراقهم زبرجها (3). # أما والذي فلق الحبة وبرئ النسمة، لولا حضور الحاضر، وقيام الحجة بوجود ~~الناصر، وما أخذ الله على أولياء الأمر: أن لا يقروا على كظة ظالم، ولا سغب ~~مظلوم، لألقيت حبلها على غاربها، ولسقيت آخرها بكأس أولها، ولألفيتم دنياكم ~~عندي أهون من عفطة عنز. # قال: فقام إليه ms191 رجل من أهل السواد فناوله كتابا فقطع كلامه، فأقبل ينظر ~~إليه فرغ من قرائته، قال ابن عباس: قلت له: يا أمير المؤمنين لو أطردت ~~مقالتك من حيث أفضيتها. # قال: يا بن عباس هيهات هيهات تلك شقشقة هدرت ثم قرت. # قال ابن عباس: فما أسفت على شئ ولا تفجعت كتفجعي على ما فاتني من كلام ~~أمير المؤمنين عليه السلام. # وأمثال هذه الأخبار من كلام أمير المؤمنين عليه السلام كثيرة، أوردنا ~~طرفا منها للإيجاز والاختصار. # ومما يوضح ما أثبتناه ما روي عن أم سلمة زوجة رسول الله صلى الله عليه ~~وآله أنها قالت: # كنا عند رسول الله تسع نسوة، وكانت ليلتي ويومي من رسول الله صلى الله ~~عليه وآله فأتيت الباب فقلت أدخل يا رسول الله صلى عليه وآله؟ فقال: لا. # PageV01P288 # قالت: فكبوت كبوة شديدة، مخافة أن يكون ردني من سخط أو نزل في شئ من ~~السماء، ثم لم ألبث أن أتيت الباب ثانية فقلت أدخل يا رسول الله صلى الله ~~عليه وآله فقال: لا. فكبوت كبوة أشد من الأولى. # ثم لم ألبث أن أتيت الباب ثالثة فقلت: أدخل يا رسول الله صلى الله عليه ~~وآله؟ فقال ادخلي يا أم سلمة، فدخلت وعلي جاث بين يديه وهو يقول: فداك أبي ~~وأمي يا رسول الله صلى الله عليه وآله إذا كان كذا وكذا فما تأمرني فقال: ~~آمرك بالصبر، ثم أعاد عليه القول ثانية، فأمره بالصبر، ثم أعاد عليه القول ~~ثالثة فأمره بالصبر، ثم أعاد عليه القول رابعة فقال له: يا علي يا أخي إذا ~~كان ذلك منهم فسل سيفك وضعه على عاتقك، واضرب به قدما حتى تلقاني وسيفك ~~شاهر يقطر من دمائهم. # ثم التفت إلي وقال: ما هذه الكآبة يا أم سلمة، قلت: للذي كان من ردك إياي ~~يا رسول الله، فقال لي والله ما رددتك إلا لشئ خبرت من الله ورسوله، لكن ~~أتيتيني وجبرئيل يخبرني بالأحداث التي تكون من بعدي، وأمرني أن أوصي بذلك ~~عليا، يا أم سلمة اسمعي واشهدي، هذا علي ms192 بن أبي طالب عليه السلام وزيري في ~~الدنيا، ووزيري في الآخرة، يا أم سلمة اسمعي واشهدي، هذا علي بن أبي طالب، ~~وصيي، وخليفتي من بعدي، وقاضي عداتي، والذائد عن حوضي، اسمعي واشهدي، هذا ~~علي بن أبي طالب، سيد المسلمين، وإمام المتقين، وقائد الغر المحجلين، قاتل ~~الناكثين والمارقين والقاسطين، قلت: يا رسول الله من الناكثون قال: الذين ~~يبايعونه بالمدينة وينكثون بالبصرة قلت: من القاسطون؟ قال: معاوية وأصحابه ~~من أهل الشام قلت: من المارقون؟ قال: أصحاب نهروان. # وروي أن أمير المؤمنين (ع) قال في أثناء خطبة خطبها بعد فتح البصرة ~~بأيام: # حاكيا عن رسول الله صلى الله عليه وآله قوله. يا علي إنك باق بعدي، ~~ومبتلى بأمتي ومخاصم بين يدي الله، فأعدد للخصومة جوابا، فقلت: بأبي وأمي ~~أنت بين لي ما هذه الفتنة التي ابتلى بها؟ وعلى ما أجاهد بعدك؟ فقال: لي ~~إنك ستقاتل بعدي PageV01P289 # الناكثة، والقاسطة، والمارقة، وحلاهم وسماهم رجلا رجلا، وتجاهد من أمتي ~~كل من خالف القرآن وسنتي، ممن يعمل في الدين بالرأي، ولا رأي في الدين إنما ~~هو أمر الرب ونهيه، فقلت: يا رسول الله فأرشدني إلى الفلح عند الخصومة يوم ~~القيامة، فقال: نعم. إذا كان ذلك كذلك فاقتصر على الهدى، إذا قومك عطفوا ~~الهدى على الهوى، وعطفوا القرآن على الرأي، فتأولوه برأيهم بتتبع الحجج من ~~القرآن لمشتهيات الأشياء الطارية عند الطمأنينة إلى الدنيا، فاعطف أنت ~~الرأي على القرآن، وإذا قومك حرفوا الكلمة عند مواضعه عند الأهوال الساهية، ~~والأمراء الطامحة، والقادة الناكثة، والفرقة القاسطة، والأخرى المارقة أهل ~~الإفك المردي والهوى المطغي، والشبهة الخالفة، فلا تنكلن عن فضل العاقبة، ~~فإن العاقبة للمتقين. # وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: لما نزلت: " يا أيها النبي جاهد الكفار ~~والمنافقين الخ (1) " قال النبي صلى الله عليه وآله: لأجاهدن العمالقة، ~~يعني الكفار والمنافقين فأتاه جبرئيل فقال: أنت أو علي عليه السلام. # وعن جابر بن عبد الله الأنصاري: (2) قال: إني كنت لأدناهم من رسول # PageV01P290 # الله صلى الله عليه وآله في حجة الوداع بمنى فقال: لأعرفنكم ms193 ترجعون بعدي ~~كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض، وأيم الله لو فعلتموها لتعرفنني في الكتيبة ~~التي تضاربكم، ثم التفت إلى خلفه، فقال، أو علي، أو علي، أو علي، ثلاث ~~مرات، فرأينا على أثر ذلك أن جبرئيل عليه السلام غمزه، فأنزل الله تعالى ~~على أثر ذلك: " فإما تذهبن بك فإنا منهم منتقمون أو نرينك الذي وعدنا هم ~~فإنا عليهم مقتدرون (1) ". # وعن ابن عباس: أن عليا عليه السلام كان يقول - في حياة رسول الله - إن ~~الله يقول: " وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل ~~انقلبتم على أعقابكم (2) " والله لا ننقلب على أعقابنا بعد إذ هدانا الله ~~والله، لئن مات أو قتل لأقاتلن على ما قاتل عليه حتى أموت، لأني أخوه وابن ~~عمه، ووارثه، فمن أحق به مني. # وعن أحمد بن همام (3) قال: أتيت عبادة بن الصامت في ولاية أبي بكر، فقلت: ~~يا عبادة أكان الناس على تفضيل أبي بكر قبل أن يستخلف، فقال: يا أبا ثعلبة ~~إذا سكتنا عنكم فاسكتوا، ولا تبحثونا، فوالله لعلي بن أبي طالب كان أحق ~~بالخلافة من أبي بكر، كما كان رسول الله صلى الله عليه وآله أحق بالنبوة من ~~أبي جهل، قال: وأزيدكم إنا كنا ذات يوم عند رسول الله صلى الله عليه وآله ~~فجاء علي عليه السلام، وأبو بكر وعمر إلى باب رسول الله صلى الله عليه ~~وآله، فدخل أبو بكر، ثم دخل عمر، ثم دخل علي عليه السلام على أثرهما، ~~فكأنما سفي على وجه رسول الله الرماد، ثم قال: يا علي أيتقدمانك هذان، وقد ~~أمرك الله عليهما، فقال أبو بكر: نسيت يا رسول الله، وقال عمر: # سهوت يا رسول الله، فقال رسول: ما نسيتما ولا سهوتما، وكأني بكما قد ~~سلبتماه ملكه، وتحاربتما عليه، وأعانكما على ذلك أعداء الله، وأعداء رسوله، ~~وكأني بكما قد تركتما المهاجرين والأنصار يضرب بعضهم وجوه بعض بالسيف على ~~الدنيا ولكأني بأهل بيتي وهم المقهورون المشتتون في أقطارها، وذلك لأمر قد ~~قضي، # PageV01P291 # ثم بكى رسول الله صلى ms194 الله عليه وآله حتى سالت دموعه، ثم قال: يا علي ~~الصبر الصبر حتى ينزل الأمر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، فإن ~~لك من الأجر في كل يوم ما لا يحصيه كاتباك، فإذا أمكنك الأمر: فالسيف ~~السيف، القتل القتل، حتى يفيئوا إلى أمر الله، وأمر رسوله، فإنك على الحق ~~ومن ناواك على الباطل، وكذلك ذريتك من بعدك إلى يوم القيامة. # وعن جعفر بن محمد الصادق عليه السلام عن أبيه عن آبائه عن علي عليه ~~السلام قال: كنت أنا ورسول الله صلى الله عليه وآله في المسجد بعد أن صلى ~~الفجر، ثم نهض ونهضت معه، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا أراد أن ~~يتجه إلى موضع أعلمني بذلك، وكان إذا أبطأ في ذلك الموضع صرت إليه لأعرف ~~خبره، لأنه لا يتصابر قلبي على فراقه ساعة واحدة فقال لي: أنا متجه إلى بيت ~~عائشة، فمضى صلى الله عليه وآله ومضيت إلى بيت فاطمة الزهراء عليها السلام ~~فلم أزل مع الحسن والحسين فأنا وهي مسروران بهما، ثم إني نهضت وسرت إلى باب ~~عائشة، فطرقت الباب فقالت: من هذا؟ فقلت لها: أنا علي فقالت: إن النبي ~~راقد، فانصرفت، ثم قلت: النبي راقد وعائشة في الدار، فرجعت وطرقت الباب ~~فقالت لي عائشة: من هذا؟ فقلت لها: أنا علي فقالت: إن النبي صلى الله عليه ~~وآله على حاجة فانثنيت مستحييا من دق الباب، ووجدت في صدري ما لا أستطيع ~~عليه صبرا، فرجعت مسرعا فدققت الباب دقا عنيفا، فقالت لي عائشة: من هذا؟ ~~فقلت: أنا علي فسمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: يا عائشة افتحي له ~~الباب، ففتحت ودخلت، فقال لي: # أقعد يا أبا الحسن أحدثك بما أنا فيه، أو تحدثني بإبطائك عني، فقلت يا ~~رسول الله حدثني فإن حديثك أحسن، فقال: يا أبا الحسن كنت في أمر كتمته من ~~ألم الجوع، فلما دخلت بيت عائشة، وأطلت القعود ليس عندها شئ تأتي به، فمددت ~~يدي وسألت الله القريب المجيب، فهبط علي ms195 حبيبي جبرئيل عليه السلام ومعه هذا ~~الطير ووضع إصبعه على طائر بين يديه، فقال: إن الله عز وجل أوحى إلي: أن ~~آخذ هذا الطير وهو أطيب طعام في الجنة فآتيك به يا محمد، فحمدت الله عز وجل ~~كثيرا، وعرج جبرئيل فرفعت يدي إلى السماء فقلت: " اللهم يسر عبدا يحبك ~~ويحبني PageV01P292 # يأكل معي من هذا الطير " فمكثت مليا فلم أر أحدا يطرق الباب، فرفعت يدي ~~ثم قلت: " اللهم يسر عبدا يحبك ويحبني وتحبه وأحبه يأكل معي من هذا الطير " ~~فسمعت طرق الباب وارتفاع صوتك، فقلت لعائشة: أدخلي عليا فدخلت، فلم أزل ~~حامدا لله حتى بلغت إلي إذ كنت تحب الله وتحبني ويحبك الله وأحبك، فكل يا ~~علي، فلما أكلت أنا والنبي الطائر، قال لي: يا علي حدثني فقلت: يا رسول ~~الله لم أزل منذ فارقتك أنا وفاطمة والحسن والحسين مسرورين جميعا، ثم نهضت ~~أريدك فجئت فطرقت الباب فقالت لي عائشة: من هذا؟ فقلت: أنا علي فقالت: # إن النبي راقد، فانصرفت، فلما أن صرت إلى بعض الطريق الذي سلكته رجعت. # فقلت: النبي صلى الله عليه وآله راقد وعائشة في الدار لا يكون هذا، فجئت ~~فطرقت الباب فقالت: # لي من هذا؟ فقلت لها: أنا علي فقالت: إن النبي صلى الله عليه وآله على ~~حاجة فانصرفت مستحييا، فلما انتهيت إلى الموضع الذي رجعت منه أول مرة، وجدت ~~في قلبي ما لا أستطيع عليه صبرا وقلت: النبي صلى الله عليه وآله على حاجة ~~وعائشة في الدار، فرجعت فدققت الباب الدق الذي سمعته، فسمعتك يا رسول الله ~~وأنت تقول لها: ادخلي عليا فقال النبي: صلى الله عليه وآله أبى الله إلا أن ~~يكون الأمر هكذا، يا حميراء ما حملك على هذا؟ قالت: يا رسول الله اشتهيت أن ~~يكون أبي يأكل من هذا الطير فقال لها: # ما هو بأول ضغن بينك وبين علي، وقد وقفت لعلي - إن شاء الله - لتقاتلنه. # فقالت: يا رسول الله وتكون النساء يقاتلن الرجال؟ # فقال لها: يا عائشة إنك لتقاتلين عليا، ويصحبك ويدعوك ms196 إلى هذا نفر من أهل ~~بيتي وأصحابي، (1) فيحملونك عليه، وليكونن في قتالك له أمر يتحدث به ~~الأولون والآخرون، وعلامة ذلك أنك تركبين الشيطان، ثم تبتلين قبل أن تبلغي ~~إلى الموضع الذي يقصد بك إليه، فتنبح عليك كلاب الحوأب، فتسألين # PageV01P293 # الرجوع فتشهد عندك قسامة أربعين رجلا: ما هي كلاب الحوأب، فتنصرفين إلى ~~بلد أهله أنصارك، (1) وهو أبعد بلاد على الأرض من السماء، وأقربها إلى ~~الماء ولترجعن وأنت صاغرة بالغة ما تريدين، ويكون هذا الذي يردك مع من يثق ~~به من أصحابه، وإنه لك خير منك له، ولينذرنك بما يكون الفراق بيني وبينك في ~~الآخرة، وكل من فرق علي بيني وبينه بعد وفاتي ففراقه جائز. # فقالت يا رسول الله ليتني مت قبل أن يكون ما تعدني. # فقال لها: هيهات هيهات! والذي نفسي بيده ليكونن ما قلت، حق كأني أراه ثم ~~قال لي: قم يا علي فقد وجبت صلاة الظهر، حتى آمر بلالا بالأذان فأذن بلال ~~وأقام وصلى وصليت معه ولم يزل في المسجد. # احتجاجه عليه السلام فيما يتعلق بتوحيد الله وتنزيهه عما لا يليق به من ~~صفات المصنوعين من الجبر والتشبيه والرؤية والمجيئ والذهاب والتغيير ~~والزوال والانتقال من حال إلى حال في أثناء خطبه ومجاري كلامه ومخاطباته ~~ومحاوراته. # الحمد لله الذي لا يبلغ مدحته القائلون، ولا يحصي نعمه العادون، ولا يؤدي ~~حقه المجتهدون (2) # PageV01P294 # الذي لا يدركه بعد الهمم، ولا يناله غوص الفطن، (1) الذي ليس لصفته حد ~~محدود ولا نعت موجود، ولا وقت معدود، ولا أجل ممدود، (2) فطر الخلايق ~~بقدرته، ونشر الرياح برحمته، ووتد بالصخور ميدان أرضه، (3) أول الدين ~~معرفته، # PageV01P295 # وكمال معرفته التصديق به، وكمال تصديقه توحيده، وكمال توحيده الإخلاص له ~~وكمال الإخلاص له نفي الصفات عنه، (1) لشهادة كل صفة أنها غير الموصوف، ~~وشهادة كل موصوف أنه غير الصفة، فمن وصف الله سبحانه فقد قرنه، ومن قرنه ~~فقد ثناه، ومن ثناه فقد جزأه، ومن جزأه فقد جهله، (2) ومن أشار إليه فقد ~~حده ومن حده فقد عده، ومن قال: " فيم؟ " فقد ضمنه، ومن قال: ms197 " على م؟ " فقد ~~أخلي منه، (3) كائن لا عن حدث، موجود لا عن عدم، مع كل شئ لا بمزايلة فاعل ~~لا بمعنى الحركات والآلة، بصير إذ لا منظور إليه من حلقه، متوحد إذ لا # PageV01P296 # سكن يستأنس به، ولا يستوحش لفقده (1) أنشأ الخلق إنشاءا: وابتدأه ابتداءا ~~بلا روية أجالها، ولا تجربة استفادها، ولا حركة أحدثها، ولا همامة نفس ~~اضطرب فيها، أحال الأشياء لأوقاتها، ولائم بين مختلفاتها، وغرز غرائزها، ~~وألزمها # PageV01P297 # أشباحها، عالما بها قبل ابتدائها، محيطا بحدودها وانتهائها، عارفا ~~بقرائنها وأحنائها (1) وقال عليه السلام في خطبة أخرى: (2) أول عبادة الله ~~معرفته، وأصل معرفته توحيده، ونظام توحيده نفي الصفات عنه، جل أن تحله ~~الصفات بشهادة العقول: إن كل من حلته الصفات فهو مصنوع وشهادة العقول: أنه ~~جل جلاله صانع ليس بمصنوع، بصنع الله يستدل عليه، وبالعقول يعتقد معرفته، ~~وبالفكر تثبت حجته، جعل الخلق دليلا عليه، فكشف به ربوبيته، هو الواحد ~~الفرد في أزليته، لا شريك له في إلهيته، ولا ند له في ربوبيته، بمضادته بين ~~الأشياء المتضادة علم أن لا ضد له، وبمقارنته بين الأمور المقترنة # PageV01P298 # علم أن لا قرين له. # وقال عليه السلام في خطبة أخرى: # دليله آياته، ووجوده إثباته، ومعرفته توحيده، وتوحيده تمييزه من خلقه ~~وحكم التمييز بينونة صفة لا بينونة عزلة، إنه رب خالق غير مربوب مخلوق، كل ~~ما تصور فهو بخلافه. # ثم قال - بعد ذلك -: # ليس بآله من عرف بنفسه هو الدال بالدليل عليه، والمؤدي بالمعرفة إليه. # وقال عليه السلام في خطبة أخرى: (1). # لا يشمل بحد، ولا يحسب بعد، وإنما تحد الأدوات أنفسها، وتشير الآلات إلى ~~نظائرها، منعتها منذ القدمة، وحمتها قد الأزلية، وجنبتها لولا التكملة، بها ~~تجلى صانعها للعقول، وبها امتنع عن نظر العيون (2) لا تجري عليه الحركة # PageV01P299 # والسكون، وكيف يجري عليه ما هو أجراه، ويعود إليه ما هو أبداه، ويحدث فيه ~~ما هو أحدثه، إذا لتفاوتت ذلته، ولتجزأ كنهه، ولامتنع من الأزل معناه، ~~ولكان له وراء إذا وجد له إمام، ولالتمس التمام إذ لزمه النقصان، وإذا ~~لقامت آية ms198 المصنوع فيه، ولتحول دليلا بعد أن كان مدلولا عليه، (1) وخرج ~~بسلطان # PageV01P300 # الامتناع من أن يؤثر فيه ما يؤثر في غيره، (1) الذي لا يحول، ولا يزول، # PageV01P301 # ولا يجوز عليه الأفول، (1) لم يلد فيكون مولودا، ولم يولد فيصير محدودا ~~(2) جل عن اتخاذ الأبناء، وطهر عن ملامسة النساء، لا تناله الأوهام فتقدره، ~~ولا تتوهمه الفطن فتصوره، ولا تدركه الحواس فتحسه، ولا تلمسه الأيدي فتمسه، ~~ولا يتغير بحال، ولا يتبدل بالأحوال، ولا تبليه الليالي والأيام، ولا يغيره ~~الضياء والظلام، ولا يوصف بشئ من الأجزاء، ولا الجوارح والأعضاء، ولا بعرض ~~من الأعراض ولا بالغيرية والأبعاض، ولا يقال له حد ولا نهاية، ولا انقطاع ~~ولا غاية، ولا أن الأشياء تحويه، فتقله أو تهويه، ولا أن شيئا يحمله فيميله ~~أو يعدله، (3) ليس في الأشياء بوالج، ولا عنها بخارج، يخبر لا بلسان ~~ولهوات، ويسمع لا بخروق وأدوات، يقول ولا يلفظ، ويحفظ ولا يتحفظ، ويريد ولا ~~يضمر، يحب ويرضى من غير رقة، ويبغض ويغضب من غير مشقة، ويقول - لما أراد ~~كونه -: " كن فيكون " لا بصوت يقرع، ولا نداء يسمع، وإنما كلامه سبحانه فعل ~~منه أنشأه ومثله لم يكن من قبل ذلك كائنا، ولو كان قديما لكان إلها ثانيا، ~~(4) ولا يقال # PageV01P302 # له: " كان بعد أن لم يكن " فتجري عليه صفات المحدثات، ولا يكون بينه ~~وبينها فصل، ولا له عليها فضل، فيستوي الصانع والمصنوع، ويتكافأ المبتدع ~~والبديع (1) خلق الخلائق على غير مثال خلا من غيره (2) ولم يستعن على خلقها ~~بأحد من خلقه أنشأ الأرض فأمسكها من غير اشتغال، وأرساها على غير قرار (3) ~~وأقامها بغير قوائم، ورفعها بغير دعائم، وحصنها من الأود والاعوجاج، ومنعها ~~من التهافت والانفراج (4) أرسى أوتادها، وضرب أسدادها، واستفاض عيونها، وخد ~~أوديتها (5) فلم يهن ما بناه، ولا ضعف ما قواه، هو الظاهر عليها بسلطانه ~~وعظمته، والباطن لها بعلمه ومعرفته، والعالي على كل شئ منها بجلالته وعزته، ~~لا يعجزه شئ منها طلبه، ولا يمتنع عليه فيغلبه، ولا يفوته السريع منها ~~فيسبقه، ولا يحتاج إلى ذي مال فيرزقه، خضعت الأشياء له، ms199 وظلت مستكينة ~~لعظمته (6) لا تستطيع الهرب من سلطانه إلى غيره، فتمتنع من نفعه وضره، ولا ~~كفؤ له فيكافئه (7) ولا نظير له فيساويه، هو المفني لها بعد وجودها، حتى ~~يصير موجودها كمفقودها، وليس فناء الدنيا بعد ابتداعها بأعجب من إنشائها ~~واختراعها، وكيف! ولو اجتمع # PageV01P303 # جميع حيوانها: من طيرها، وبهائمها، وما كان من مراحها، وسائمها، وأصناف ~~أشباحها، وأجناسها، ومتلبدة أممها وأكياسها (1) على إحداث بعوضة ما قدرت ~~على إحداثها، ولا عرفت كيف السبيل إلى إيجادها ولتحيرت عقولها في علم ذلك ~~وتاهت، وعجزت قواها وتناهت، ورجعت خاسئة حسيرة (2) عارفة بأنها مقهورة مقرة ~~بالعجز عن إنشائها، مذعنة بالضعف عن إفنائها، وأنه يعود سبحانه بعد فناء ~~الدنيا وحده لا شئ معه، كما كان قبل ابتدائها، كذلك يكون بعد فنائها، لا ~~وقت ولا مكان، ولا حين ولا زمان، عدمت عند ذلك الآجال والأوقات، وزالت ~~السنون والساعات، فلا شئ إلا الواحد القهار، الذي إليه مصير جميع الأمور، ~~بلا قدرة منها كان ابتداء خلقها، وبغير امتناع منها كان فنائها، ولو قدرت ~~على الامتناع لدام بقائها، لم يتكاده صنع شئ منها إذا صنعه، ولم يؤده منها ~~خلق ما براه وخلقه، ولم يكونها لتشديد سلطان، ولا لخوف من زوال ونقصان، ولا ~~للاستعانة بها على ند مكاثر، ولا للاحتراز بها من ضد مساور (3) ولا ~~للإزدياد بها في ملكه ولا لمكاثرة شريك في شركته، ولا لوحشة كانت منه فأراد ~~أن يستأنس إليها، ثم هو يفنيها بعد تكوينها لا لسأم دخل عليه من تصريفها ~~وتدبيرها، ولا لراحة واصلة إليه، ولا لثقل شئ منها عليه، لا يمله طول ~~بقائها فيدعوه إلى نزعة إفنائها، لكنه سبحانه دبرها بلطفه، وأمسكها بأمره، ~~وأتقنها بقدرته، ثم يعيدها بعد الفناء من غير حاجة منه إليها، ولا استعانة ~~بشئ منها عليها، ولا لانصراف من حال وحشة إلى حال استيناس، ولا من حال جهل ~~وعمى إلى حال علم والتماس، ولا من فقر ولا حاجة إلى غنى وكثرة، ولا من ذل ~~وضعة إلى عز وقدرة. # PageV01P304 # ومن خطبة له عليه السلام: (1) الحمد لله الذي ms200 لا تدركه الشواهد (2) ولا ~~تحويه المشاهد، ولا تراه النواظر ولا تحجبه السواتر، الدال على قدمه بحدوث ~~خلقه، وبحدوث خلقه على وجوده وباشتباههم على أن لا شبه له، الذي صدق في ~~ميعاده، وارتفع عن ظلم عباده، وقام بالقسط في خلقه، وعدل عليهم في حكمه، ~~مستشهد بحدوث الأشياء على أزليته وبما وسمها به من العجز على قدرته، وبما ~~اضطرها إليه من الفناء على دوامه، واحد لا بعدد، ودائم لا بأمد، وقائم لا ~~بعمد، تتلقاه الأذهان لا بمشاعرة (3) وتشهد له المرائي لا بمحاضرة (4) لم ~~تحط به الأوهام بل تجلى لها بها، وبها امتنع منها، وإليها حاكمها (5) ليس ~~بذي كبر امتدت به النهايات فكبرته تجسيما ولا بذي عظم تناهت به الغايات ~~فعظمته تجسيدا، بل كبر شانا، وعظم سلطانا. # ومنها في الاستدلال عليه تعالى بعجيب خلقه من أصناف الحيوان وغيرها: # ولو فكروا في عظيم القرة، وجسيم النعمة، لرجعوا إلى الطريق، وخافوا عذاب ~~الحريق، ولكن القلوب عليلة، والأبصار مدخولة، أفلا ينظرون إلى صغير ما خلق ~~كيف أحكم خلقه، وأتقن تركيبه، وفلق له السمع والبصر، وسوى له العظم والبشر ~~انظروا إلى النملة في صغرة جثتها، ولطافة هيئتها، لا تكاد تنال بلحظ البصر، ~~ولا بمستدرك الفكر، كيف دبت على أرضها، وصبت على رزقها، تنقل الحبة إلى ~~جحرها، وتعدها في مستقرها، تجمع في حرها لبردها، وفي ورودها لصدورها، ~~مكفولة برزقها، مرزوقة بوفقها، لا يغفلها المنان، ولا يحرمها الديان، ولو ~~في # PageV01P305 # الصفاء اليابس، والحجر الجامس، ولو فكرت في مجاري أكلها، وفي علوها ~~وسفلها وما في الجوف من شراسيف بطنها، وما في الرأس من عينها وأذنها، لقضيت ~~من خلقتها عجبا، ولقيت من وصفها تعبا، فتعالى الذي أقامها على قوائمها، ~~وبناها على دعائمها، ولم يشركه في فطرتها فاطر، ولم يعنه على خلقها قادر، ~~ولو ضربت في مذاهب فكرك لتبلغ غاياته ما دلتك الدلالة إلا على أن فاطر ~~النملة هو فاطر النحلة، لدقيق تفصيل كل شئ، وغامض اختلاف كل حي، وما الجليل ~~واللطيف والثقيل والخفيف، والقوي والضعيف في خلقه إلا سواء، كذلك السماء ms201 ~~والهواء، والريح والماء، فانظر إلى الشمس والقمر والنبات والشجر، والماء ~~والحجر، واختلاف هذا الليل والنهار، وتفجر هذه البحار والأنهار، وكثرة هذه ~~الجبال وطول هذه القلال، وتفرق هذه اللغات والألسن المختلفات، فالويل لمن ~~أنكر المقدر، أو جحد المدبر، وزعموا أنهم كالنبات ما لهم زارع، ولا لاختلاف ~~صورهم صانع، لم يلجؤا إلى حجة فيما ادعوا، ولا تحقيق فيما أوعوا، وهل يكون ~~بناء من غير بأن، أو جناية من غير جان، وإن شئت قلت في الجرادة: إذ خلق لها ~~عينين حمراوين، وأسرج لها حدقتين قمراوين، وجعل لها السمع الخفي، وفتح لها ~~الفم السوي، وجعل لها الحس القوي، ونابين بهما تقرض، ومنجلين بهما تقبض ~~ترهبها الزراع في زرعهم، ولا يستطيعون ذبها ولو أجمعوا بجمعهم، حتى ترد ~~الحرث من نزواتها، وتقضي منه شهواتها، وخلقها كله لا يكون إصبعا مستدقة، ~~فتبارك الله الذي يسجد له من في السماوات والأرض طوعا وكرها، ويعفر له خدا ~~ووجها، ويلقي بالطاعة له سلما وضعفا، ويعطي له القياد رهبة وخوفا، والطير ~~مسخرة لأمره، أحصى عدد الريش منها والنفس، وأرسى قوائمها على الندى واليبس ~~قدر أقواتها وأحصى أجناسها، فهذا غراب، وهذا عقاب، وهذا حمام، وهذا نعام ~~دعا كل طائر باسمه، وكفل له برزقه، وأنشأ السحاب الثقال فأهطل ديمها، وعدد ~~قسمها، قبل الأرض بعد جفوفها، وأخرج نبتها بعد جدوبها. PageV01P306 # وروي أنه وفد وفد من بلاد الروم إلى المدينة على عهد أبي بكر وفيهم راهب ~~من رهبان النصارى فأتى مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله ومعه بختي موقر ~~ذهبا وفضة وكان أبو بكر حاضرا وعنده جماعة من المهاجرين والأنصار. # فدخل عليهم، وحياهم، ورحب بهم، وتصفح وجوههم، ثم قال: # أيكم خليفة رسول الله وأمين دينكم؟ # فأومي إلى أبي بكر فأقبل إليه بوجهه ثم قال أيها الشيخ ما اسمك؟ قال، ~~عتيق. قال ثم ماذا؟ قال: صديق. قال: ثم ماذا؟ قال: لا أعرف لنفسي اسما غيره ~~فقال: لست بصاحبي فقال له: وما حاجتك؟ # قال: أنا من بلاد الروم جئت منها ببختي موقر ذهبا وفضة، لأسأل أمين ms202 هذه ~~الأمة من مسألة إن أجابني عنها أسلمت، وبما أمرني أطعت، وهذا المال بينكم ~~فرقت وإن عجز عنها رجعت إلى الوراء بما معي ولم أسلم، فقال له أبو بكر: سل ~~عما بدا لك. # فقال الراهب: والله لا أفتح الكلام ما لم تؤمني من سطوتك وسطوة أصحابك ~~فقال أبو بكر: أنت آمن، وليس عليك بأس، قل ما شئت. # فقال الراهب: أخبرني عن شئ: ليس لله، ولا من عند الله، ولا يعلمه الله. # فارتعش أبو بكر ولم يحر جوابا، فلما كان بعد هنيئة قال - لبعض أصحابه -: # ائتني بأبي حفص عمر. فجاء به فجلس عنده ثم قال: # أيها الراهب سله. فأقبل بوجهه إلى عمر وقال له مثل ما قال لأبي بكر فما ~~يحر جوابا ثم أتى بعثمان، فجرا بين الراهب وعثمان مثل ما جرى بينه وبين أبي ~~بكر وعمر فلم يحر جوابا. # فقال الراهب: أشياخ كرام، ذووا فجاج لإسلام. ثم نهض ليخرج. # فقال أبو بكر: يا عدو الله لولا العهد لخضبت الأرض بدمك. # فقام سلمان الفارسي رضي الله عنه، أتى علي بن أبي طالب عليه السلام وهو ~~PageV01P307 # جالس في صحن داره مع الحسن والحسين عليهما السلام، وقص عليه القصة. # فقام علي عليه السلام وخرج ومعه الحسن الحسين عليهما السلام حتى أتى ~~المسجد، فلما رأى القوم عليا عليه السلام، كبروا الله، وحمدوا الله، وقاموا ~~إليه أجمعهم، فدخل علي عليه السلام وجلس فقال أبو بكر: أيها الراهب سله ~~فإنه صاحبك وبغيتك، فأقبل الراهب بوجهه إلى علي عليه السلام ثم قال: # يا فتى ما اسمك؟ # قال: اسمي عند اليهود " إليا " وعند النصارى " إيليا " وعند والدي " علي ~~" وعند أمي " حيدرة " قال: ما محلك من نبيكم؟ # قال: أخي وصهري وابن عمي لحا. # قال: الراهب: أنت حاصبي ورب عيسى، أخبرني عن شئ ليس لله، ولا من عند ~~الله، ولا يعلمه الله. # قال: عليه السلام على الخبير سقطت: # أما قولك " ما ليس لله ": فإن الله تعالى أحد ليس له صاحبة ولا ولد. # وأما قولك " ولا من عند الله ": فليس من ms203 عند الله ظلم لأحد. # وأما قولك " لا يعلمه الله ": فإن الله لا يعلم له شريكا في الملك. # فقام الراهب، وقطع زناره، وأخذ رأسه وقبل ما بين عينيه، وقال: " أشهد أن ~~لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله وأشهد أنك أنت الخليفة وأمين هذه ~~الأمة، ومعدن الدين والحكمة، ومنبع عين الحجة، لقد قرأت اسمك في التوراة ~~إليا، وفي الإنجيل إيليا، وفي القرآن عليا، وفي الكتب السابقة حيدرة، ~~ووجدتك بعد النبي وصيا، وللإمارة وليا، وأنت أحق بهذا المجلس من غيرك، ~~فخبرني ما شأنك وشأن القوم؟ " فأجابه بشئ فقام الراهب وسلم المال إليه ~~بأجمعه، فما برح علي عليه السلام مكانه حتى فرقه في مساكين أهل المدينة، ~~ومحاويجهم، وانصرف الراهب إلى قومه مسلما. PageV01P308 # وروي أنه اتصل بأمير المؤمنين عليه السلام أن قوما من أصحابه خاضوا في ~~التعديل والتجريح فخرج حتى صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال، أيها ~~الناس إن الله تبارك وتعالى لما خلق خلقه، أراد أن يكونوا على آداب رفيعة، ~~وأخلاق شريفة، فعلم أنهم لم يكونوا كذلك إلا بأن يعرفهم: ما لهم، وما ~~عليهم، والتعريف لا يكون إلا بالأمر والنهي، والأمر والنهي لا يجتمعان إلا ~~بالوعد والوعيد، والوعد لا يكون إلا بالترغيب والوعيد لا يكون إلا بالترهيب ~~والترغيب لا يكون إلا بما تشتهيه أنفسهم، وتلذ أعينهم، والترهيب لا يكون ~~إلا بضد ذلك، ثم خلقهم في داره وأراهم طرفا من اللذات، ليستدلوا به على ما ~~ورائهم من اللذات الخالصة التي لا يشوبها ألم، ألا وهي الجنة، وأراهم طرفا ~~من الآلام ليستدلوا به على ما ورائهم من الآلام الخالصة التي لا يشوبها ~~لذة، ألا وهي النار فمن أجل ذلك ترون نعيم الدنيا مخلوطا بمحنها، وسرورها ~~ممزوجا بكدرها وهمومها قيل: فحدث الجاحظ (1) بهذا الحديث، فقال: هو جماع ~~الكلام الذي دونه الناس في كتبهم، وتحاوره بينهم. # قيل: ثم سمع أبو علي الجبائي (2) بذلك، فقال صدق الجاحظ هذا ما لا يحتمله ~~الزيادة والنقصان. # PageV01P309 # وروي عن علي بن محمد العسكري عليهما السلام - في رسالته إلى أهل ms204 الأهواز ~~في نفي الجبر والتفويض (1) -: أنه قال: # روي عن أمير المؤمنين عليه السلام: أنه سأله رجل بعد انصرافه من الشام ~~فقال: # يا أمير المؤمنين أخبرنا عن خروجنا إلى الشام أبقضاء وقدر؟ # فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: نعم يا شيخ ما علوتم تلعة (2) ولا ~~هبطتم بطن واد إلا بقضاء من عند الله وقدر. # فقال الرجل: عند الله أحتسب عنائي، والله ما أرى لي من الأجر شيئا. # فقال علي عليه السلام: بلى فقد عظم الله لكم الأجر في مسيركم وأنتم ~~ذاهبون، وعلى منصرفكم وأنتم منقلبون، ولم يكونوا في شئ من حالاتكم مكرهين، ~~ولا إليه مضطرين. # فقال الرجل: وكيف لا نكون مضطرين والقضاء والقدر ساقانا، وعنهما كان ~~مسيرنا؟! # فقال أمير المؤمنين عليه السلام لعلك أردت قضاءا لازما، وقدرا حتما ولو ~~كان كذلك لبطل الثواب والعقاب، وسقط الوعد والوعيد، والأمر من الله والنهي، ~~وما كانت تأتي من الله لائمة لمذنب، ولا محمدة لمحسن، ولا كان المحسن أولى ~~بثواب الإحسان من المذنب، # PageV01P310 # ولا المذنب أولى بعقوبة الذنب من المحسن، تلك مقالة إخوان عبدة الأوثان، ~~وجنود الشيطان، وخصماء الرحمن، وشهداء الزور والبهتان، وأهل العمى والطغيان ~~(1) هم قدرية هذه الأمة ومجوسها، إن الله تعالى أمر تخييرا، وكلف يسيرا، ~~ولم يعص مغلوبا، ولم يطع مكرها، ولم يرسل الرسل هزلا، ولم ينزل القرآن ~~عبثا، ولم يخلق السماوات والأرض وما بينهما باطلا، ذلك ظن الذين كفروا، ~~فويل للذين كفروا من النار ثم تلى عليهم: " وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه ~~" (2) قال: فنهض الرجل مسرورا وهو يقول: # أنت الإمام الذي نرجو بطاعته * يوم النشور من الرحمن رضوانا أوضحت من ~~ديننا ما كان ملتبسا * جزاك ربك عنا فيه إحسانا وليس معذرة في فعل فاحشة * ~~قد كنت راكبها فسقا وعصيانا كلا ولا قائلا ناهيه أوقعه * فيه عبدت إذا يا ~~قوم شيطانا ولا أحب ولا شاء الفسوق ولا * قتل الولي له ظلما وعدوانا أنى ~~يحب وقد صحت عزيمته * على الذي قال أعلن ذاك إعلانا وروي أن رجلا قال: فما ~~القضاء والقدر الذي ms205 ذكرته يا أمير المؤمنين؟ قال: # الأمر بالطاعة، والنهي عن المعصية، والتمكين من فعل الحسنة وترك المعصية، ~~والمعونة على القربة إليه، والخذلان لمن عصاه، والوعد والوعيد، والترغيب ~~والترهيب، كل ذلك قضاء الله في أفعالنا، وقدره لأعمالنا، وأما غير ذلك فلا ~~تظنه فإن الظن له محبط للأعمال. # فقال الرجل: فرجت عني يا أمير المؤمنين فرج الله عنك. # وروي أنه سئل عن القضاء والقدر فقال: # لا تقولوا: وكلهم الله عليه أنفسهم فتوهنوه، ولا تقولوا أجبرهم على ~~المعاصي فتظلموه، ولكن قولوا: الخير بتوفيق الله، والشر بخذلان الله، وكل ~~سابق في علم الله. # PageV01P311 # وروى أهل السير: أن رجلا جاء إلى أمير المؤمنين عليه السلام فقال: # يا أمير المؤمنين خبرني عن الله أرأيته حين عبدته؟ # فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: لم أك بالذي أعبد من لم أره. # فقال له: كيف رأيته يا أمير المؤمنين؟ # فقال له: يا ويلك لم تره العيون بمشاهدة العيان، لكن رأته العقول بحقايق ~~الإيمان، معروف بالدلالات، منعوت بالعلامات، لا يقاس بالناس، ولا يدرك ~~بالحواس فانصرف الرجل وهو يقول: الله أعلم حيث يجعل رسالته. # وروي أن بعض الأحبار جاء إلى أبي بكر فقال له: # أنت خليفة نبي هذه الأمة؟ # فقال: نعم. # قال: فإنا نجد في التوراة أن خلفاء الأنبياء أعلم أممهم، فخبرني عن الله ~~أين هو أفي السماء أم في الأرض؟ # فقال له أبو بكر: في السماء على العرش. # قال اليهودي: فأرى الأرض خالية منه، وأراه - على هذا القول - في مكان دون ~~مكان. # فقال أبو بكر: هذا كلام الزنادقة أعزب عني (1) وإلا قتلتك. # فولى الرجل متعجبا يستهزئ بالإسلام، فاستقبله أمير المؤمنين عليه السلام ~~فقال له: يا يهودي قد عرفت ما سألت عنه، وما أجبت به، وإنا نقول: # إن الله عز وجل أين الأين فلا أين له، وجل عن أن يحويه مكان، وهو في كل ~~مكان، بغير مماسة ولا مجاورة، يحيط علما بها، (2) ولا يخلق شئ من تدبيره ~~تعالى، وإني مخبرك بما جاء في كتاب من كتبكم يصدق ما ذكرته لك، فإن عرفته ms206 ~~أتؤمن به؟ قال اليهودي: نعم. قال: # PageV01P312 # ألستم تجدون في بعض كتبكم: أن موسى بن عمران كان ذات يوم جالسا إذ جاءه ~~ملك من المشرق، فقال له: من أين جئت؟ فقال: من عند الله. وجاءه ملك آخر من ~~المغرب فقال له: من أين جئت؟ فقال: من عند الله. ثم جاءه ملك فقال: من أين ~~جئت؟ فقال: قد جئتك من السماء السابعة من عند الله عز وجل. # وجاء ملك آخر قال: قد جئتك من الأرض السابعة السفلى من عند الله عز وجل ~~فقال موسى عليه السلام: سبحان من لا يخلو منه مكان، ولا يكون إلى مكان أقرب ~~من مكان، فقال اليهودي: أشهد أن هذا هو الحق المبين، وأنك أحق بمقام نبيك ~~ممن استولى عليه. # وروى الشعبي: أنه سمع أمير المؤمنين عليه السلام رجلا يقول: " والذي ~~احتجب بسبع طباق " فعلاه بالدرة ثم قال له: # يا ويلك إن الله أجل من أن يحتجب عن شئ، أو يحتجب عنه شئ، سبحان الذي لا ~~يحويه مكان، ولا يخفى عليه شئ في الأرض ولا في السماء، فقال الرجل: # فأكفر عن يميني يا أمير المؤمنين؟. # قال: لم تحلف بالله فيلزمك كفارة، فإنما حلفت بغيره. # وعن أبي عبد الله الصادق عليه السلام قال: # جاء حبر من الأحبار إلى أمير المؤمنين عليه السلام فقال: يا أمير ~~المؤمنين متى كان ربك؟ # فقال له: ثكلتك أمك ومتى لم يكن حتى يقال: متى كان؟! كان ربي قبل القبل ~~بلا قبل، وبعد البعد بلا بعد، ولا غاية ولا منتهى لغايته انقطعت الغايات ~~عنه فهو منتهى كل غاية. # فقال: يا أمير المؤمنين أفنبي أنت؟ فقال: ويلك إنما أنا عبد من عبيد ~~محمد. # * * * PageV01P313 # احتجاجه (ع) على اليهود من أحبارهم ممن قرأ الصحف والكتب في معجزات النبي ~~صلى الله عليه وآله وكثير من فضائله. # روي عن موسى بن جعفر عن أبيه عن آبائه عليهم السلام عن الحسين بن علي ~~عليهما السلام قال: إن يهوديا من يهود الشام وأحبارهم كان قد قرأ التوراة ~~والإنجيل والزبور وصحف الأنبياء عليهم ms207 السلام وعرف دلائلهم، جاء إلى مجلس ~~فيه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وفيهم علي بن أبي طالب، وابن عباس، ~~وابن مسعود، وأبو سعيد الجهني. # فقال: يا أمة محمد ما تركتم لنبي درجة، ولا لمرسل فضيلة، إلا أنحلتموها ~~نبيكم، فهل تجيبوني عما أسألكم عنه؟ فكاع القوم عنه (1). # فقال علي بن أبي طالب عليه السلام: نعم ما أعطى الله نبيا درجة، ولا ~~مرسلا فضيلة إلا وقد جمعها لمحمد صلى الله عليه وآله وزاد محمدا على ~~الأنبياء أضعافا مضاعفة. # فقال له اليهودي: فهل أنت مجيبي؟ # قال له: نعم سأذكر لك اليوم من فضائل رسول الله صلى الله عليه وآله ما ~~يقر الله به عين المؤمنين، ويكون فيه إزالة لشك الشاكين في فضائله صلى الله ~~عليه وآله، إنه كان إذا ذكر لنفسه فضيلة قال: " ولا فخر " وأنا أذكر لك ~~فضائله غير مزر بالأنبياء، ولا منتقص لهم، ولكن شكرا لله على ما أعطى محمدا ~~صلى الله عليه وآله مثل ما أعطاهم، وما زاده الله وما فضله عليهم. # قال له اليهودي: إني أسألك فأعد له جوابا. # قال له علي عليه السلام: هات. # قال اليهودي: هذا آدم عليه السلام أسجد الله له ملائكته، فهل فعل لمحمد ~~شيئا من هذا؟ # فقال له علي عليه السلام: لقد كان كذلك، أسجد الله لآدم ملائكته فإن ~~سجودهم له لم يكن سجود طاعة، وإنهم عبدوا آدم من دون الله عز وجل، ولكن ~~اعترافا بالفضيلة، ورحمة من الله له، ومحمد صلى الله عليه وآله أعطي ما هو ~~أفضل من هذا، إن الله # PageV01P314 # عز وجل صلى عليه في جبروته والملائكة بأجمعها، وتعبد المؤمنين بالصلاة ~~عليه فهذه زيادة له يا يهودي. # قال له اليهودي: فإن آدم عليه السلام تاب الله عليه بعد خطيئته؟ # قاله له علي عليه السلام: لقد كان كذلك، ومحمد نزل فيه ما هو أكبر من هذا ~~من غير ذنب أتى، قال الله عز وجل: " ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما ~~تأخر " (1) إن محمدا غير مواف يوم القيامة بوزر، ms208 ولا مطلوب فيها بذنب. # قال اليهودي: فإن هذا إدريس رفعه الله عز وجل مكانا عليا، وأطعمه من تحف ~~الجنة بعد وفاته؟ # قال له علي عليه السلام: لقد كان كذلك، ومحمد صلى الله عليه وآله أعطي ما ~~هو أفضل من هذا إن الله جل ثناؤه قال فيه: " ورفعنا لك ذكرك " (2) فكفى ~~بهذا من الله رفعة، ولئن أطعم إدريس من تحف الجنة بعد وفاته، فإن محمدا ~~أطعم في الدنيا في حياته: بينما يتضور جوعا فأتاه جبرئيل عليه السلام بجام ~~من الجنة فيه تحفة، فهلل الجام وهللت التحفة في يده، وسبحا، وكبرا، وحمدا، ~~فناولها أهل بيته، ففعلت الجام مثل ذلك، فهم أن يناولها بعض أصحابه ~~فتناولها جبرئيل عليه السلام وقال له: كلها فإنها تحفة من الجنة أتحفك الله ~~بها، وأنها لا تصلح إلا لنبي أو وصي نبي، فأكل منها صلى الله عليه وآله ~~وأكلنا معه، وإني لأجد حلاوتها ساعتي هذه. # قال اليهودي: فهذا نوح عليه السلام صبر في ذات الله تعالى، وأعذر قومه إذ ~~كذب؟ # قال له علي عليه السلام: لقد كان كذلك، ومحمد صلى الله عليه وآله صبر في ~~ذات الله عز وجل فأعذر قومه إذ كذب، وشرد، وحصب بالحصا، وعلاه أبو لهب بسلا ~~ناقة وشاة، فأوحي الله تبارك وتعالى إلى جابيل ملك الجبال، أن شق الجبال ~~وانته إلى أمر محمد فأتاه فقال: إني أمرت لك بالطاعة فإن أمرت أن أطبق ~~عليهم الجبال فأهلكتهم بها، قال صلى الله عليه وآله: " إنما بعثت رحمة رب ~~أهد أمتي فإنهم لا يعلمون " ويحك يا يهودي إن نوحا لما شاهد غرق قومه رق ~~عليهم رقة القرابة، وأظهر عليهم شفقة # PageV01P315 # فقال: " رب إن ابني من أهلي (1) " فقال الله تعالى: " إنه ليس من أهلك ~~إنه عمل غير صالح (2) " أراد جل ذكره أن يسليه بذلك، ومحمد صلى الله عليه ~~وآله لما غلبت عليه من قومه المعاندة شهر عليهم سيف النقمة، ولم تدركه فيهم ~~رقة القرابة، ولم ينظر إليهم بعين رحمة. # فقال اليهودي: فإن نوحا دعا ربه، فهطلت السماء بماء ms209 منهمر؟ # قال له عليه السلام: لقد كان كذلك، وكانت دعوته دعوة غضب، ومحمد صلى الله ~~عليه وآله هطلت له السماء بماء منهمر رحمة، وذلك أنه صلى الله عليه وآله ~~لما هاجر إلى المدينة أتاه أهلها في يوم جمعة فقالوا له: يا رسول الله صلى ~~الله عليه وآله احتبس القطر، واصفر العود، وتهافت الورق، فرفع يده المباركة ~~حتى رأي بياض إبطه، وما ترى في السماء سحابة، فما برح حتى سقاهم الله حتى ~~أن الشاب المعجب بشبابه لهمته نفسه في الرجوع إلى منزله فما يقدر على ذلك ~~من شدة السيل، فدام أسبوعا، فأتوه في الجمعة الثانية فقالوا: يا رسول الله ~~تهدمت الجدر، واحتبس الركب والسفر، فضحك صلى الله عليه وآله وقال: هذه سرعة ~~ملالة ابن آدم، ثم قال: " اللهم حوالينا ولا علينا اللهم في أصول الشيح ~~ومراتع البقع " (3) فرأي حوالي المدينة المطر يقطر قطرا، وما يقع بالمدينة ~~قطرة، لكرامته صلى الله عليه وآله عز وجل. # قال له اليهودي: فإن هذا هود قد انتصر الله من أعدائه بالريح، فهل فعل ~~لمحمد صلى الله عليه وآله شيئا من هذا؟ # قال له علي عليه السلام: لقد كان كذلك، ومحمد صلى الله عليه وآله أعطي ما ~~هو أفضل من هذا إن الله عز وجل قد انتصر له من أعدائه بالريح يوم الخندق، ~~إذ أرسل عليهم ريحا تذروا الحصى، وجنودا لم يروها، فزاد الله تعالى محمدا ~~صلى الله عليه وآله بثمانية ألف ملك، وفضله على هود، بأن ريح عاد ريح سخط، ~~وريح محمد ريح رحمة، قال الله تعالى: # PageV01P316 # " يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جائكم جنود فأرسلنا ~~عليهم ريحا وجنودا لم تروها (1) " قال له اليهودي: فهذا صالح أخرج الله له ~~ناقة جعلها لقومه عبرة؟ # قال علي عليه السلام لقد كان كذلك، ومحمد صلى الله عليه وآله أعطي ما هو ~~أفضل من ذلك، إن ناقة صالح لم تكلم صالحا، ولم تناطقه ولم تشهد له بالنبوة، ~~ومحمد صلى الله عليه وآله بينما نحن معه في بعض ms210 غزواته إذا هو ببعير قد ~~دنا، ثم رغا فأنطقه الله عز وجل فقال: # " يا رسول الله فلانا استعملني حتى كبرت، ويريد نحري، فأنا أستعيذ بك منه ~~" فأرسل رسول الله صلى الله عليه وآله إلى صاحبه فاستوهبه منه، فوهبه له ~~وخلاه، ولقد كنا معه فإذا نحن بأعرابي معه ناقة له يسوقها، وقد استسلم ~~للقطع لما زور عليه من الشهود فنطقت الناقة فقالت: " يا رسول الله إن فلأنا ~~مني برئ، وإن الشهود يشهدون عليه بالزور، وإن سارقي فلان اليهودي ". # قال له اليهودي: فإن هذا إبراهيم قد تيقظ بالاعتبار على معرفة الله تعالى ~~وأحاطت دلالته بعلم الإيمان؟ # قال له علي عليه السلام: لقد كان كذلك وأعطي محمدا أفضل منه، وتيقظ ~~إبراهيم وهو ابن خمسة عشر سنة ومحمد ابن سبع سنين، قدم تجار من النصارى ~~فنزلوا بتجارتهم بين الصفا والمروة، فنظر إليه بعضهم فعرفه بصفته ورفعته، ~~وخبر مبعثه وآياته، فقالوا: يا غلام ما اسمك؟ قال: محمد قالوا: ما اسم ~~أبيك؟ قال: عبد الله قالوا: ما اسم هذه؟ وأشاروا بأيديهم إلى الأرض قال: ~~الأرض قالوا، وما اسم هذه؟ وأشاروا بأيديهم إلى السماء قال: السماء قالوا: ~~فمن ربهما؟ قال: الله. ثم انتهرهم وقال: أتشككوني في الله عز وجل؟! ويحك يا ~~يهودي لقد تيقظ بالاعتبار على معرفة الله عز وجل مع كفر قومه إذ هو بينهم: ~~يستقسمون بالأزلام، ويعبدون الأوثان، وهو يقول: لا إله إلا الله. # قال له اليهودي: فإن إبراهيم عليه السلام حجب عن نمرود بحجب ثلاث؟ # PageV01P317 # قال علي عليه السلام: لقد كان كذلك، ومحمد صلى الله عليه وآله حجب عمن ~~أراد قتله بحجب خمس، فثلاثة بثلاثة واثنان فضل، قال الله عز وجل - وهو يصف ~~أمر محمد صلى الله عليه وآله -: # " وجعلنا من بين أيديهم سدا " فهذا الحجاب الأول " ومن خلفهم سدا " فهذا ~~الحجاب الثاني " فأغشيناهم فهم لا يبصرون (1) " فهذا الحجاب الثالث ثم قال: ~~" إذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا ~~(2) " فهذا الحجاب الرابع ثم قال: " فهي إلى الأذقان فهم مقمحون ms211 " فهذه حجب ~~خمس. # قال له اليهودي: فإن هذا إبراهيم قد بهت الذي كفر ببرهان نبوته؟ # قال علي عليه السلام: لقد كان كذلك، ومحمد صلى الله عليه وآله أتاه مكذب ~~بالبعث بعد الموت وهو: أبي بن خلف الجمعي معه عظم نخر ففركه ثم قال: يا ~~محمد " من يحيي العظام وهي رميم (3) "؟ فأنطق الله محمدا بمحكم آياته، ~~وبهته ببرهان نبوته، فقال: # " يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم (4) " فانصرف مبهوتا. # قال له اليهودي: فهذا إبراهيم جذ أصنام (5) قومه غضبا لله عز وجل؟ # قال علي عليه السلام: لقد كان كذلك، ومحمد صلى الله عليه وآله قد نكس عن ~~الكعبة ثلاثمائة وستين صنما، ونفاها عن جزيرة العرب، وأذل من عبدها بالسيف. # قال له اليهودي: فإن إبراهيم قد أضجع ولده وتله للجبين (6)؟ # فقال علي عليه السلام: لقد كان كذلك، ولقد أعطي إبراهيم بعد الاضطجاع ~~الفداء، ومحمد أصيب بأفجع منه فجيعة إنه وقف على عمه حمزة أسد الله، وأسد ~~رسوله وناصر دينه، وقد فرق بين روحه وجسده، فلم يبن عليه حرقة، ولم يفض ~~عليه عبرة، ولم ينظر إلى موضعه من قلبه وقلوب أهل بيته ليرضي الله عز وجل ~~بصبره ويستسلم لأمره في جميع الفعال، وقال صلى الله عليه وآله: لولا أن ~~تحزن صفية لتركته حتى # PageV01P318 # يحشر من بطون السباع، وحواصل الطير، ولولا أن يكون سنة بعدي لفعلت ذلك. # قال له اليهودي: فإن إبراهيم عليه السلام قد أسلمه قومه إلى الحريق فصبر ~~فجعل الله عز وجل عليه النار بردا وسلاما (1) فهل فعل بمحمد شيئا من ذلك؟ # قال له علي عليه السلام: لقد كان كذلك، ومحمد صلى الله عليه وآله لما نزل ~~بخيبر سمته الخيبرية فصير الله السم في جوفه بردا وسلاما إلى منتهى أجله، ~~فالسم يحرق إذا استقر في الجوف كما أن النار تحرق، فهذا من قدرته لا تنكره. # قال له اليهودي: فإن هذا يعقوب عليه السلام أعظم في الخير نصيبه إذ جعل ~~الأسباط من سلالة صلبه، ومريم بنت عمران من بناته؟ # قال علي عليه ms212 السلام: لقد كان كذلك، ومحمد صلى الله عليه وآله أعظم في ~~الخير نصيبا إذ جعل فاطمة سيدة نساء العالمين من بناته، والحسن والحسين من ~~حفدته. # قال له اليهودي: فإن يعقوب عليه السلام قد صبر عليه فراق ولده حتى كاد ~~يحرض (2) من الحزن. # قال له علي عليه السلام: لقد كان كذلك، حزن يعقوب حزنا بعده تلاق، ومحمد ~~صلى الله عليه وآله قبض ولده إبراهيم عليه السلام قرة عينه في حياته منه، ~~فخصه بالاختيار، ليعظم له الادخار فقال صلى الله عليه وآله: يحزن النفس، ~~ويجزع القلب، وأنا عليك يا إبراهيم لمحزونون، ولا نقول ما يسخط الرب، في كل ~~ذلك يؤثر الرضا عن الله عز وجل، والاستسلام له في جميع الفعال. # قال له اليهودي: فإن هذا يوسف قاسى مرارة الفرقة، وحبس في السجن توقيا ~~للمعصية، والقي في الجب وحيدا؟ # قال له علي عليه السلام: لقد كان كذلك، ومحمد صلى الله عليه وآله قاسى ~~مرارة الغربة، وفراق الأهل والأولاد والمال، مهاجرا من حرم الله تعالى ~~وأمنه، فلما رأى الله عز وجل كآبته واستشعاره والحزن، أراه تبارك اسمه رؤيا ~~توازي رؤيا يوسف في تأويلها # PageV01P319 # وأبان للعالمين صدق تحقيقها، فقال: " لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق ~~لتدخلن المسجد الحرام إنشاء الله آمنين محلقين رؤسكم ومقصرين لا تخافون (1) ~~" ولئن كان يوسف عليه السلام حبس في السجن، فلقد حبس رسول الله نفسه في ~~الشعب ثلاث سنين، وقطع منه أقاربه وذووا الرحم والجأوه إلى أضيق المضيق، ~~ولقد كادهم الله عز ذكره له كيدا مستبينا، إذ بعث أضعف خلقه فأكل عهدهم ~~الذي كتبوه بينهم في قطيعة رحمه، ولئن كان يوسف ألقي في الجب، فلقد حبس ~~محمد نفسه مخافة عدوه في الغار حتى قال لصاحبه لا تحزن إن الله معنا، ومدحه ~~إليه بذلك في كتابه. # فقال له اليهودي: فهذا موسى بن عمران آتاه الله عز وجل التوراة التي فيها ~~حكمه؟ # قال له علي عليه السلام: فلقد كان كذلك، ومحمد صلى الله عليه وآله أعطي ~~ما هو أفضل منه أعطي محمد البقرة ms213 وسورة المائدة بالإنجيل، وطواسين وطه ونصف ~~المفصل والحواميم بالتوراة، وأعطي نصف المفصل والتسابيح بالزبور، وأعطي ~~سورة بني إسرائيل وبرائة بصحف إبراهيم وموسى عليهما السلام، وزاد الله عز ~~وجل محمدا السبع الطوال (2) وفاتحة الكتاب (3) وهي السبع المثاني والقرآن ~~العظيم وأعطي الكتاب والحكمة. # قال له اليهودي: فإن موسى ناجاه الله على طور سيناء؟ # قال له علي عليه السلام: لقد كان كذلك، ولقد أوحى الله إلى محمد صلى الله ~~عليه وآله عند سدرة المنتهى، فمقامه في السماء محمود، وعند منتهى العرش ~~مذكور. # قال اليهودي: فلقد ألقى الله على موسى بن عمران محبة منه؟ # قال علي عليه السلام: لقد كان كذلك، وقد أعطي محمد صلى الله عليه وآله ما ~~هو أفضل من هذا، لقد ألقى الله محبة منه فمن هذا الذي يشركه في هذا الاسم ~~إذ تم من الله به # PageV01P320 # الشهادة فلا تتم الشهادة إلا أن يقال: " أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد ~~أن محمدا رسول الله " ينادى به على المنابر فلا يرفع صوت بذكر الله إلا رفع ~~بذكر محمد صلى الله عليه وآله معه. # قال له اليهودي: فلقد أوحى الله إلى أم موسى لفضل منزلة موسى عليه السلام ~~عند الله قال له علي عليه السلام: لقد كان كذلك، ولقد لطف الله جل ثناؤه ~~لأم محمد صلى الله عليه وآله بأن أوصل إليها اسمه، حتى قالت: أشهد ~~والعالمون: أن محمدا رسول الله منتظر وشهد الملائكة على الأنبياء أنهم ~~أثبتوه في الأسفار، وبلطف من الله ساقه إليها، وأوصل إليها اسمه لفضل ~~منزلته عنده، حتى رأت في المنام أنه قيل لها: إن ما في بطنك سيد، فإذا ~~ولدته فسميه محمدا، فاشتق الله له اسما من أسمائه، فالله المحمود وهذا محمد ~~قال له اليهودي: فإن هذا موسى بن عمران قد أرسله الله إلى فرعون وأراه ~~الآية الكبرى؟ # قال له علي عليه السلام: لقد كان كذلك، ومحمد أرسل إلى فراعنة شتى، مثل ~~أبي جهل بن هشام، وعتبة بن ربيعة، وشيبة، وأبي البختري، والنضر بن الحرث، ~~وأبي بن ms214 خلف، ومنبه ونبيه ابني الحجاج، وإلى الخمسة المستهزئين: الوليد بن ~~المغيرة المخزومي، والعاص بن وائل السهمي، والأسود بن عبد يغوث الزهري، ~~والأسود بن المطلب، والحرث بن أبي الطلالة، فأراهم الآيات في الآفاق وفي ~~أنفسهم حتى يتبين لهم أنه ألحق. # قال له اليهودي: لقد انتقم الله عز وجل لموسى من فرعون؟ # قال له علي عليه السلام: لقد كان كذلك، ولقد انتقم الله جل اسمه لمحمد ~~صلى الله عليه وآله من الفراعنة، فأما المستهزؤون فقال الله: " إنا كفيناك ~~المستهزئين " (1) فقتل الله خمستهم كل واحد منهم بغير قتلة صاحبه في يوم ~~واحد، فأما الوليد بن المغيرة: # فمر بنبل لرجل من جزاعة قد راشه (2) ووضعه في الطريق فأصابه شظية (3) منه # PageV01P321 # فانقطع أكحله (1) حتى أدماه، فمات وهو يقول: " قتلني رب محمد " وأما ~~العاص ابن الوائل السهمي: فإنه خرج في حاجة له إلى موضع فتدهده (2) تحته ~~حجر، فسقط فتقطع قطعة قطعة، فمات وهو يقول: (قتلي رب محمد) وأما الأسود بن ~~عبد يغوث: فإنه خرج يستقبل ابنه زمعة، فاستظل بشجرة، فأتاه جبرئيل فأخذ ~~رأسه فنطح به الشجرة، فقال لغلامه: امنع هذا عني فقال: ما أرى أحدا يصنع ~~شيئا إلا نفسك، فقتله وهو يقول: " قتلني رب محمد " وأما الأسود بن الحرث: ~~فإن النبي صلى الله عليه وآله دعا عليه أن يعمي الله بصره، وأن يثكله ولده، ~~فلما كان في ذلك اليوم خرج حتى صار إلى موضع أتاه جبرئيل بورقة خضراء فضرب ~~بها وجهه فعمي، فبقي حتى أثكله الله ولده، وأما الحرث بن أبي الطلالة: فإنه ~~خرج من بيته في السموم فتحول حبشيا، فرجع إلى أهله فقال: أنا الحرث، فغضبوا ~~عليه فقتلوه وهو يقول: " قتلني رب محمد ". # وروي أن الأسود بن الحرث أكل حوتا مالحا فأصابه غلبة العطش، فلم يزل يشرب ~~الماء حتى انشق بطنه، فمات وهو يقول: " قتلني رب محمد " (3) كل ذلك في ساعة ~~واحدة، وذلك أنهم كانوا بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله فقالوا له: ~~يا محمد ننتظر بك إلى الظهر فإن رجعت عن قولك ms215 وإلا قتلناك، فدخل النبي صلى ~~الله عليه وآله منزله فأغلق عليه بابه مغتما لقولهم، فأتاه جبرئيل عن الله ~~من ساعته فقال: يا محمد السلام يقرأ عليك السلام وهو يقول لك: " اصدع بما ~~تؤمر وأعرض عن المشركين " (4) يعني أظهر أمرك لأهل مكة، وادعهم إلى ~~الإيمان، قال، يا جبرئيل كيف أصنع بالمستهزئين وما أوعدوني؟ قال له: " إنا ~~كفيناك المستهزئين " قال: يا جبرئيل كانوا الساعة بين يدي قال: كفيتهم، ~~وأظهر أمره عند ذلك، وأما بقية الفراعنة: قتلوا يوم # PageV01P322 # بدر بالسيف، (1) فهزم الله الجميع وولوا الدبر. # قال له اليهودي: فإن هذا موسى بن عمران قد أعطي العصا فكان تحول ثعبانا؟ # قال له علي عليه السلام: لقد كان كذلك، ومحمد صلى الله عليه وآله ما هو ~~أفضل من هذا، إن رجلا كان يطالب أبا جهل بدين ثمن جزور قد اشتراه، فاشتغل ~~عنه وجلس يشرب، فطلبه الرجل فلم يقدر عليه، فقال له بعض المستهزئين: من ~~تطلب؟ # فقال: عمرو بن هشام - يعني أبا جهل - لي عليه دين، قال، فأدلك على من ~~يستخرج منه الحقوق؟ قال: نعم. فدله على النبي صلى الله عليه وآله وكان أبو ~~جهل يقول: # ليت لمحمد إلي حاجة فأسخر به وأرده، فأتى الرجل النبي صلى الله عليه وآله ~~فقال: يا محمد بلغني أن بينك وبين عمرو بن هشام حسن صداقة، وأنا أستشفع بك ~~إليه، فقام معه رسول الله صلى الله عليه وآله فأتى بابه، فقال له، قم يا ~~أبا جهل فأد إلى الرجل حقه، وإنما كناه بأبي جهل ذلك اليوم، فقام مسرعا حتى ~~أدى إليه حقه، فلما رجع إلى مجلسه قال له بعض أصحابه: فعلت ذلك فرقا من ~~محمد (2) قال: ويحكم أعذروني، إنه لما أقبل رأيت عن يمينه رجالا معهم (3) ~~حراب تتلألأ، وعن يساره ثعبانين تصطك أسنانهما، وتلمع النيران من أبصارهما، ~~لو امتنعت لم آمن أن يبعجوا بالحراب بطني (4) وتقضمني الثعبانان، هذا أكبر ~~مما أعطي موسى، وزاد الله محمدا ثعبانا # PageV01P323 # وثمانية أملاك معهم الحراب، ولقد كان النبي صلى الله عليه وآله يؤذي ~~قريشا بالدعاء، ms216 فقام يوما فسفه أحلامهم، وعاب دينهم، وشتم أصنامهم، وضلل ~~آبائهم، فاغتموا من ذلك غما شديدا، فقال أبو جهل: والله للموت خير لنا من ~~الحياة، فليس فيكم معاشر قريش أحد يقتل محمدا فيقتل به، قالوا: لا. قال، ~~فأنا أقتله فإن شائت بنو عبد المطلب قتلوني به، وإلا تركوني، قال: إنك إن ~~فعلت ذلك اصطنعت إلى أهل الوادي معروفا لا تزال تذكر به، قال: إنه كثير ~~السجود حول الكعبة فإذا جاء وسجد أخذت حجرا فشدخته (1) به فجاء رسول الله ~~صلى الله عليه وآله فطاف بالبيت أسبوعا، ثم صلى وأطال السجود، فأخذ أبو جهل ~~حجرا فأتاه من قبل رأسه، فلما أن قرب منه أقبل فحل قبل رسول الله صلى الله ~~عليه وآله فاغرا فاه نحوه، فلما أن رآه أبو جهل فزع منه وارتعدت يده، وطرح ~~الحجر فشدخ رجله، فرجع مدمى، متغير اللون، يفيض عرقا، فقال له أصحابه: ما ~~رأيناك كاليوم؟! قال: ويحكم أعذروني، فإنه أقبل من عنده فحل فاغرا فاه فكاد ~~يبتلعني، فرميت بالحجر فشدخت رجلي، قال اليهودي: فإن موسى قد أعطي اليد ~~البيضاء، فهل فعل بمحمد شيئا من ذلك؟ # قال له علي عليه السلام، لقد كان كذلك، ومحمد صلى الله عليه أعطي ما هو ~~أفضل من هذا، إن نورا كان يضئ عن يمينه حيثما جلس، وعن يساره حيثما جلس، ~~وكان يراه الناس كلهم. # قال له اليهودي: فإن موسى عليه السلام قد ضرب له طريق في البحر، فهل فعل ~~بمحمد شئ من هذا؟ # فقال له علي عليه السلام، لقد كان كذلك، ومحمد أعطي ما هو أفضل هذا، ~~خرجنا معه إلى حنين فإذا نحن بواد يشخب، فقدرناه فإذا هو أربعة عشر قامة، ~~فقالوا: يا رسول الله العدو من ورائنا والوادي أمامنا، كما قال أصحاب موسى: # " إنا لمدركون " فنزل رسول الله ثم قال: " اللهم إنك جعلت لكل مرسل ~~دلالة، فأرني قدرتك " وركب صلوات الله عليه، فعبرت الخيل لا تندى حوافرها، ~~والإبل # PageV01P324 # لا تندى أخفافها، فرجعنا فكان فتحنا. # قال له اليهودي: فإن موسى عليه السلام قد ms217 أعطي الحجر فانبجست منه اثنتي ~~عشرة عينا قال علي عليه السلام: لقد كان كذلك، ومحمد صلى الله عليه وآله ~~لما نزل الحديبية وحاصره أهل مكة، قد أعطي ما هو أفضل من ذلك، وذلك: إن ~~أصحابه شكوا إليه الظمأ وأصابهم ذلك حتى التقت خواصر الخيل، فذكروا له صلى ~~الله عليه وآله، فدعا بركوة يمانية ثم نصب يده المباركة فيها، فتفجرت من ~~بين أصابعه عيون الماء، فصدرنا وصدرت الخيل رواء، وملأنا كل مزادة وسقاء، ~~ولقد كنا معه بالحديبية فإذا ثم قليب جافة، فأخرج صلى الله عليه وآله سهما ~~من كنانته فناوله البراء بن عازب وقال له! اذهب بهذا السهم إلى تلك القليب ~~الجافة فاغرسه فيها، ففعل ذلك فتفجرت اثنتا عشرة عينا من تحت السهم، ولقد ~~كان يوم الميضاة عبرة وعلامة للمنكرين لنبوته، كحجر موسى حيث دعا بالميضاة ~~فنصب يده فيها ففاضت الماء وارتفع، حتى توضأ منه ثمانية آلاف رجل فشربوا ~~حاجتهم، وسقوا دوابهم، وحملوا ما أرادوا. # قال اليهودي: فإن موسى عليه السلام أعطي المن والسلوى فهل أعطي لمحمد ~~نظير هذا قال له علي عليه السلام: لقد كان كذلك، ومحمد صلى الله عليه وآله ~~أعطي ما هو أفضل من هذا، أن الله عز وجل أحل له الغنائم ولأمته، ولم تحل ~~الغنائم لأحد غيره قبله، فهذا أفضل من المن والسلوى، ثم زاده أن جعل النية ~~له ولأمته بلا عمل عملا صالحا ولم يجعل لأحد من الأمم ذلك قبله، فإذا هم ~~أحدهم بحسنة ولم يعملها كتبت له حسنة فإن عملها كتبت له عشر. # قال له اليهودي: إن موسى عليه السلام قد ضلل عليه الغمام؟ # قال له علي عليه السلام: لقد كان كذلك، وقد فعل ذلك بموسى في التيه، ~~وأعطي محمد صلى الله عليه وآله أفضل من هذا، إن الغمامة كانت تظله من يوم ~~ولد إلى يوم قبض في حضره وأسفاره، فهذا أفضل مما أعطي موسى. # قال له اليهودي: فهذا داود عليه السلام قد لين الله له الحديد، فعمل منه ~~الدروع؟ # قال له علي عليه السلام: ms218 لقد كان كذلك، ومحمد صلى الله عليه وآله قد أعطي ~~ما هو أفضل PageV01P325 # من هذا، إنه لين الله له الصم الصخور الصلاب وجعلها غارا، (1) ولقد غارت ~~الصخرة تحت يده ببيت المقدس لينة حتى صارت كهيئة العجين، (2) وقد رأينا ذلك ~~والتمسناه تحت رايته. # قال له اليهودي: هذا داود بكى على خطيئته حتى سارت الجبل معه لخوفه قال ~~له علي عليه السلام: لقد كان كذلك، ومحمد صلى الله عليه وآله أعطي ما هو ~~أفضل من هذا، إنه كان إذا قام إلى الصلاة سمع لصدره وجوفه أريز كأريز ~~المرجل على الأثافي من شدة البكاء، (3) وقد آمنه الله عز وجل من عقابه، ~~فأراد أن يتخشع لربه ببكائه فيكون إماما لمن اقتدى به، ولقد قام صلى الله ~~عليه وآله عشر سنين على أطراف أصابعه حتى تورمت قدماه واصفر وجهه، يقوم ~~الليل أجمع، حتى عوتب في ذلك فقال الله عز وجل: " طه ما أنزلنا عليك القرآن ~~لتشقى " (4) بل لتسعد به، ولقد كان يبكي حتى يغشى عليه، فقيل له: يا رسول ~~الله أليس الله غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: بلى أفلا أكون عبدا ~~شكورا؟ ولئن سارت الجبال وسبحت معه لقد عمل بمحمد صلى الله عليه وآله ما هو ~~أفضل من هذا: إذ كنا معه على جبل حراء إذ تحرك الجبل فقال له: " قر فإنه ~~ليس عليك إلا نبي أو صديق شهيد " فقر الجبل مطيعا لأمره ومنتهيا إلى طاعته، ~~ولقد مررنا معه بجبل وإذا الدموع تخرج من بعضه، فقال له النبي صلى الله ~~عليه وآله: " ما يبكيك يا جبل؟ فقال: يا رسول الله كان المسيح مر بي وهو ~~يخوف الناس من نار وقودها الناس والحجارة، وأنا أخاف أن أكون من تلك ~~الحجارة، قال له: " لا تخف تلك الحجارة الكبريت " فقر الجبل وسكن وهدأ ~~وأجاب لقوله صلى الله عليه وآله. # PageV01P326 # قال له اليهودي: فإن هذا سليمان أعطي ملكا لا ينبغي لأحد من بعده؟ # فقال علي عليه السلام: لقد كان كذلك، ومحمد صلى الله عليه وآله ms219 أعطي ما ~~هو أفضل من هذا إنه هبط إليه ملك لم يهبط إلى الأرض قبله، وهو: ميكائيل ~~فقال له: يا محمد عش ملكا منعما وهذه مفاتيح خزائن الأرض معك، ويسير معك ~~جبالها ذهبا وفضة، ولا ينقص لك مما ادخر لك في الآخرة شئ، فأومى إلى جبرئيل ~~- وكان خليله من الملائكة - فأشار عليه، أن تواضع فقال له: بل أعيش نبيا ~~عبدا آكل يوما ولا آكل يومين، والحق بإخواني من الأنبياء فزاده الله تبارك ~~وتعالى الكوثر، وأعطاه الشفاعة، وذلك أعظم من ملك الدنيا من أولها إلى ~~آخرها سبعين مرة، ووعده المقام المحمود، فإذا كان يوم القيامة أقعده الله ~~عز وجل على العرش، فهذا أفضل مما أعطي سليمان. # قال له اليهودي: فإن هذا سليمان قد سخرت له الرياح، فسارت به في بلاده ~~غدوها شهر ورواحها شهر؟ # قال له علي عليه السلام: لقد كان كذلك، ومحمد صلى الله عليه وآله أعطي ما ~~هو أفضل من هذا: إنه أسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى مسيرة ~~شهر، وعرج به في ملكوت السماوات مسيرة خمسين ألف عام، في أقل من ثلث ليلة، ~~حتى انتهى إلى ساق العرش، فدنى بالعلم فتدلى من الجنة رفرف أخضر، وغشى ~~النور بصره فرأى عظمة ربه عز وجل بفؤاده، ولم يرها بعينه، فكان كقاب قوسين ~~بينه وبينها أو أدنى، فأوحى الله إلى عبده ما أوحى، وكان فيما أوحى إليه: ~~الآية التي في سورة البقرة قوله: " لله ما في السماوات وما في الأرض وإن ~~تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ~~والله على كل شئ قدير " (1) وكانت الآية قد عرضت على الأنبياء من لدن آدم ~~عليه السلام إلى أن بعث الله تبارك وتعالى محمدا، وعرضت على الأمم فأبوا أن ~~يقبلوها من ثقلها، وقبلها رسول الله وعرضها على أمته فقبلوها، فلما رأى ~~الله تبارك وتعالى منهم القبول علم أنهم لا يطيقونها، # PageV01P327 # فلما أن سار إلى ساق العرش كرر عليه الكلام ليفهمه، فقال: " آمن الرسول ~~بما ms220 أنزل إليه من ربه - فأجاب صلى الله عليه وآله مجيبا عنه وعن أمته - ~~والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله " ~~(1) فقال جل ذكره لهم الجنة والمغفرة على أن فعلوا ذلك، فقال النبي صلى ~~الله عليه وآله: أما إذا فعلت ذلك بنا، فغفرانك ربنا وإليك المصير، يعني ~~المرجع في الآخرة، قال: فأجابه الله عز وجل قد فعلت ذلك بك وبأمتك، ثم قال ~~عز وجل: أما إذا قبلت الآية بتشديدها وعظم ما فيها وقد عرضتها على الأمم ~~فأبوا أن يقبلوها وقبلتها أمتك حق علي أن أرفعها عن أمتك وقال: " لا يكلف ~~الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت - من خير - وعليها ما اكتسبت " (2) من شر ~~فقال النبي صلى الله عليه وآله - لما سمع ذلك -: أما إذا فعلت ذلك بي ~~وبأمتي فزدني قال: سل، قال: " ربنا لا تؤاخذنا أن نسينا أو أخطأنا " (3) ~~قال الله عز وجل لست أؤاخذ أمتك بالنسيان والخطأ لكرامتك علي، وكانت الأمم ~~السالفة إذا نسوا ما ذكروا به فتحت عليهم أبواب العذاب، وقد دفعت ذلك عن ~~أمتك وكانت الأمم السالفة إذا أخطأوا أخذوا بالخطأ وعوقبوا عليه، وقد رفعت ~~ذلك عن أمتك لكرامتك علي، فقال صلى الله عليه وآله: " اللهم إذا أعطيتني ~~ذلك فزدني " قال الله تبارك وتعالى له: # سل، قال: " ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا " (4) ~~يعني بالأصر: الشدائد التي كانت على من كان من قبلنا، فأجابه الله عز وجل ~~إلى ذلك، وقال تبارك اسمه: قد رفعت عن أمتك الآصار التي كانت على الأمم ~~السالفة كنت لا أقبل صلاتهم إلا في بقاع معلومة من الأرض اخترتها لهم وإن ~~بعدت، وقد جعلت الأرض كلها لأمتك مسجدا وطهورا، فهذه من الآصار التي كانت ~~على الأمم قبلك فرفعتها عن أمتك، وكانت الأمم السالفة إذا أصابهم أذى من ~~نجاسة قرضوه من أجسادهم، وقد جعلت الماء لأمتك طهورا، فهذا من الآصار التي ~~كانت عليهم فرفعتها عن أمتك، وكانت الأمم السالفة تحمل قرابينها على ~~أعناقها ms221 إلى بيت المقدس، فمن قبلت ذلك منه أرسلت عليه نارا فأكلته فرجع ~~مسرورا، ومن لم # PageV01P328 # أقبل منه ذلك رجع مثبورا (1) وقد جعلت قربان أمتك في بطون فقرائها ~~ومساكينها فمن قبلت ذلك منه أضعفت ذلك له أضعافا مضاعفة، ومن لم أقبل ذلك ~~منه رفعت عنه عقوبات الدنيا، وقد رفعت ذلك عن أمتك وهي من الآصار التي كانت ~~على الأمم من كان من قبلك، وكانت الأمم السالفة صلواتها مفروضة عليها في ~~ظلم الليل وأنصاف النهار، وهي من الشدائد التي كانت عليهم، فرفعتها عن أمتك ~~وفرضت صلاتهم في أطراف الليل والنهار، وفي أوقات نشاطهم، وكانت الأمم ~~السالفة قد فرضت عليهم خمسين صلاة في خمسين وقتا وهي من الآصار التي كانت ~~عليهم، فرفعتها عن أمتك وجعلتها خمسا في خمسة أوقات، وهي إحدى وخمسون ركعة، ~~وجعلت لهم أجر خمسين صلاة، وكانت الأمم السالفة حسنتهم بحسنة وسيئتهم بسيئة ~~وهي من الآصار التي كانت عليهم، فرفعتها عن أمتك وجعلت الحسنة بعشرة ~~والسيئة بواحدة وكانت الأمم السالفة إذا نوى أحدهم حسنة فلم يعملها لم تكتب ~~له، وإن عملها كتبت له حسنة، وأن أمتك إذا هم أحدهم بحسنة فلم يعملها كتبت ~~له حسنة، وإن عملها كتبت له عشرة، وهي من الآصار التي كانت عليهم فرفعتها ~~عن أمتك، وكانت الأمم السالفة إذا هم أحدهم بسيئة فلم يعملها لم تكتب عليه، ~~وإن عملها كتبت عليه سيئة، وأن أمتك إذا هم أحدهم بسيئة ثم لم يعملها كتبت ~~له حسنة، وهذه من الآصار التي كانت عليهم فرفعتها عن أمتك، وكانت الأمم ~~السالفة إذا أذنبوا كتبت ذنوبهم على أبوابهم، وجعلت توبتهم من الذنوب: إن ~~حرمت عليهم بعد التوبة أحب الطعام إليهم، وقد رفعت ذلك عن أمتك وجعلت ~~ذنوبهم فيما بيني وبينهم وجعلت عليهم ستورا كثيفة، وقبلت توبتهم بلا عقوبة، ~~ولا أعاقبهم بأن أحرم عليهم أحب الطعام إليهم، وكانت الأمم السالفة يتوب ~~أحدهم إلى الله من الذنب الواحد مائة سنة، أو ثمانين سنة، أو خمسين سنة، ثم ~~لا أقبل توبته دون أن أعاقبه في الدنيا ms222 بعقوبة، وهي من الآصار التي كانت ~~عليهم فرفعتها عن أمتك، وإن الرجل من أمتك ليذنب عشرين سنة، أو ثلاثين سنة، ~~أو أربعين سنة، أو مائة سنة # PageV01P329 # ثم يتوب ويندم طرفة عين فاغفر ذلك كله، فقال النبي صلى الله عليه وآله: ~~إذا أعطيتني ذلك كله فزدني قال: سل، قال: " ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا ~~به " (1) قال تبارك اسمه: قد فعلت ذلك بأمتك، وقد رفعت عنهم عظم بلايا ~~الأمم، وذلك حكمي في جميع الأمم: أن لا أكلف خلقا فوق طاقتهم، فقال النبي ~~صلى الله عليه وآله: " واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا " (2) قال ~~الله عز وجل: قد فعلت ذلك بتائبي أمتك ثم قال صلى الله عليه وآله: " ~~فانصرنا على القوم الكافرين " (3) قال الله جل اسمه: إن أمتك في الأرض ~~كالشامة البيضاء في الثور الأسود، هم القادرون، وهم القاهرون، يستخدمون ولا ~~يستخدمون، لكرامتك علي، وحق علي أن أظهر دينك على الأديان، حتى لا يبقى في ~~شرق الأرض وغربها دين إلا دينك، ويؤدون إلى أهل دينك الجزية. # قال اليهودي: فإن هذا سليمان سخرت له الشياطين، يعملون له ما يشاء: # من محاريب، وتماثيل؟ # قال له علي عليه السلام: لقد كان كذلك، ولقد أعطي محمد صلى الله عليه ~~وآله أفضل من هذا إن الشياطين سخرت لسليمان وهي مقيمة على كفرها، ولقد سخرت ~~لنبوة محمد صلى الله عليه وآله الشياطين بالإيمان، فأقبل إليه من الجنة ~~التسعة من أشرافهم، واحد من جن نصيبين، والثمان من بني عمرو بن عامر من ~~الأحجة (4) منهم شضاه، ومضاه (5) والهملكان، والمرزبان، والمازمان، ونضاه، ~~وهاضب، وهضب، وعمرو، وهم الذين يقول الله تبارك اسمه فيهم: " وإذ صرفنا ~~إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن " (6) وهم التسعة، فأقبل إليه الجن ~~والنبي صلى الله عليه وآله ببطن النخل فاعتذروا بأنهم ظنوا كما ظننتم أن لن ~~يبعث الله أحدا، ولقد أقبل إليه أحد وسبعون ألفا منهم فبايعوه على: # PageV01P330 # الصوم، والصلاة، والزكاة، والحج، والجهاد، ونصح المسلمين، واعتذروا بأنهم ~~قالوا على الله شططا، وهذا أفضل مما أعطي سليمان، ms223 فسبحان من سخرها لنبوة ~~محمد صلى الله عليه وآله بعد أن كانت تتمرد، وتزعم أن لله ولد، ولقد شمل ~~مبعثه من الجن والإنس ما لا يحصى. # قال له اليهودي: هذا يحيى بن زكريا عليه السلام يقال: إنه أوتي الحكم ~~صبيا، والحلم، والفهم، وإنه كان يبكي من غير ذنب، وكان يواصل الصوم؟ # قال له علي عليه السلام: لقد كان كذلك، ومحمد صلى الله عليه وآله أعطي ما ~~هو أفضل من هذا: إن يحيى بن زكريا كان في عصر لا أوثان فيه ولا جاهلية، ~~ومحمد صلى الله عليه وآله أوتي الحكم والفهم صبيا بين عبدة الأوثان، وحزب ~~الشيطان، فلم يرغب لهم في صنم قط، ولم ينشط لأعيادهم، ولم ير منه كذب قط، ~~وكان أمينا، صدوقا، حليما، وكان يواصل الصوم الأسبوع والأقل والأكثر فيقال ~~له في ذلك فيقول: # إني لست كأحدهم، إني أظل عند ربي، فيطعمني، ويسقيني، وكان يبكي صلى الله ~~عليه وآله حتى تبتل مصلاه خشية من الله عز وجل من غير جرم. # قال له اليهودي فإن هذا عيسى بن مريم يزعمون أنه: تكلم في المهد صبيا؟ # قال له علي عليه السلام: لقد كان كذلك، ومحمد صلى الله عليه وآله سقط من ~~بطن أمه واضعا يده اليسرى على الأرض، ورافعا يده اليمنى إلى السماء، يحرك ~~شفتيه بالتوحيد وبدا من فيه نور رأى أهل مكة منه: قصور بصرى من الشام وما ~~يليها، والقصور الحمر من أرض اليمن وما يليها، والقصور البيض من اسطخر وما ~~يليها، ولقد أضائت الدنيا ليلة ولد النبي صلى الله عليه وآله حتى فزعت الجن ~~والإنس والشياطين، وقالوا حدث في الأرض حدث، ولقد رأي الملائكة ليلة ولد ~~تصعد، وتنزل، وتسبح، وتقدس، وتضطرب النجوم وتتساقط، علامة لميلاده، ولقد هم ~~إبليس بالظعن في السماء لما رأى من الأعاجيب في تلك الليلة، وكان له مقعد ~~في السماء الثالثة، والشياطين يسترقون السمع، فلما رأوا العجائب أرادوا أن ~~يسترقوا السمع، فإذا هم PageV01P331 # قد حجبوا من السماوات كلها، ورموا بالشهب، دلالة (1) لنبوته صلى الله ~~عليه وآله. ms224 # قال له اليهودي: فإن عيسى عليه السلام يزعمون أنه قد أبرأ الأكمه والأبرص ~~بإذن الله؟ # فقال له علي عليه السلام: لقد كان كذلك، ومحمد صلى الله عليه وآله أعطي ~~ما هو أفضل من ذلك: أبرأ ذا العاهة من عاهته، بينما هو جالس صلى الله عليه ~~وآله إذ سأل عن رجل من أصحابه فقالوا: يا رسول الله إنه قد صار من البلاء ~~كهيئة الفرخ الذي لا ريش عليه، فأتاه صلى الله عليه وآله فإذا هو كهيئة ~~الفرخ من شدة البلاء، فقال له: قد كنت تدعو في صحتك دعاء؟ قال: نعم كنت ~~أقول: " يا رب أيما عقوبة أنت معاقبي بها في الآخرة فعجلها لي في الدنيا " ~~فقال له النبي صلى الله عليه وآله: ألا قلت: " اللهم آتنا في الدنيا حسنة ~~وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار " فقالها الرجل فكأنما نشط من عقال، وقام ~~صحيحا وخرج معنا، ولقد أتاه رجل من جهينة أجذم يتقطع من الجذام فشكا إليه ~~صلى الله عليه وآله، فأخذ قدحا من ماء فتفل عليه، ثم قال: امسح به جسدك ~~ففعل فبرأ حتى لم يوجد عليه شئ، ولقد أتي النبي بأعرابي أبرص فتفل صلى الله ~~عليه وآله من فيه عليه فما قام من عنده إلا صحيحا، ولئن زعمت أن عيسى أبرأ ~~ذا العاهات من عاهاتهم، فإن محمدا صلى الله عليه وآله بينما هو في أصحابه ~~إذ هو بامرأة فقالت: يا رسول الله إن ابني قد أشرف على حياض الموت كلما ~~أتيته بطعام وقع عليه التثاؤب، فقام النبي صلى الله عليه وآله وقمنا معه ~~فلما أتيناه قال له: جانب يا عدو الله ولي الله، فأنا رسول الله، فجانبه ~~الشيطان فقام صحيحا وهو معنا في عسكرنا، ولئن زعمت أن عيسى أبرأ العميان، ~~فإن محمدا قد فعل ما هو أكبر من ذلك: إن قتادة بن ربيع كان رجلا صحيحا، ~~فلما أن كان يوم أحد أصابته طعنة في عينه فبدرت حدقته، (2) فأخذها بيده ثم ~~أتى بها إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال: يا ms225 رسول الله إن امرأتي الآن ~~تبغضني، فأخذها رسول الله من يده ثم وضعها مكانها فلم تكن تعرف إلا بفضل ~~حسنها وفضل ضوئها # PageV01P332 # على العين الأخرى، ولقد جرح عبد الله بن عبيد (1) وبانت يده يوم حنين، ~~فجاء إلى النبي صلى الله عليه وآله فمسح عليه يده فلم تكن تعرف من اليد ~~الأخرى، ولقد أصاب محمد ابن مسلم يوم كعب بن أشرف مثل ذلك في عينه ويده، ~~فمسحه رسول الله صلى الله عليه وآله فلم تستبينا، ولقد أصاب عبد الله بن ~~أنيس مثل ذلك في عينه، فمسحها فما عرفت من الأخرى، فهذه كلها دلالة لنبوته ~~صلى الله عليه وآله. # قال له اليهودي: فإن عيسى يزعمون: أنه أحيى الموتى بإذن الله؟ # قال له علي عليه السلام: لقد كان كذلك، ومحمد سبحت في يده تسع حصيات تسمع ~~نغماتها في جمودها، ولا روح فيها لتمام حجة نبوته، ولقد كلمه الموتى من بعد ~~موتهم، واستغاثوه مما خافوا تبعته، ولقد صلى بأصحابه ذات يوم فقال: ما ~~هاهنا من بني النجار أحد وصاحبهم محتبس على باب الجنة بثلاثة دراهم لفلان ~~اليهودي، وكان شهيدا، ولئن زعمت أن عيسى كلم الموتى فلقد كان لمحمد ما هو ~~أعجب من هذا: إن النبي لما نزل بالطايف وحاصر أهلها، بعثوا إليه بشاة ~~مسلوخة مطلية بسم، فنطق الذراع منها فقالت: يا رسول الله لا تأكلني فإني ~~مسمومة فلو كلمته البهيمة وهي حية لكانت من أعظم حجج الله على المنكرين ~~لنبوته، فكيف وقد كلمته من بعد ذبح وسلخ وشي (2)! ولقد كان رسول الله صلى ~~الله عليه وآله يدعو بالشجرة فتجيبه، وتكلمه البهيمة، وتكلمه السباع، وتشهد ~~له بالنبوة، وتحذرهم عصيانه، فهذا أكثر مما أعطي عيسى عليه السلام. # قال له اليهودي: إن عيسى يزعمون أنه أنبأ قومه بما يأكلون وما يدخرون في ~~بيوتهم؟ # قال له علي عليه السلام: لقد كان كذلك، ومحمد كان له أكثر من هذا: إن ~~عيسى أنبأ قومه بما كان من وراء الحايط ومحمد أنبأ عن مؤتة (3) وهو عنها ~~غائب ووصف # PageV01P333 # حربهم ومن استشهد ms226 منهم وبينة وبينهم مسيرة شهر، وكان يأتيه الرجل يريد أن ~~يسأله عن شئ فيقول صلى الله عليه وآله: تقول أو أقول: فيقول: بل قل يا رسول ~~الله فيقول: # جئتني في كذا وكذا حتى يفرغ من حاجته، ولقد كان صلى الله عليه وآله يخبر ~~أهل مكة بأسرارهم بمكة حتى لا يترك من أسرارهم شيئا، منها: ما كان بين ~~صفوان بن أمية وبين عمير بن وهب، إذ أتاه عمير فقال: جئت في فكاك ابني فقال ~~له: كذبت بل قلت لصفوان بن أمية وقد اجتمعتم في الحطيم وذكرتم قتلى بدر ~~وقلتم: والله للموت أهون علينا من البقاء مع ما صنع محمد بنا، وهل حياة بعد ~~أهل القليب، فقلت أنت: لولا عيالي، ودين علي لأرحتك من محمد، فقال صفوان: ~~علي أن أقضي دينك، وأن أجعل بناتك مع بناتي يصيبهن ما يصيبهن من خير أو شر، ~~فقلت أنت: # فاكتمها علي وجهزني حتى أذهب فأقتله، فجئت لقتلي، فقال: صدقت يا رسول ~~الله فأنا أشهد: أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، وأشباه هذا مما لا ~~يحصى. # قال له اليهودي: فإن عيسى يزعمون: أنه خلق من الطين كهيئة الطير فنفخ فيه ~~فكان طيرا بإذن الله؟ # فقال له علي عليه السلام: لقد كان كذلك، ومحمد صلى الله عليه وآله قد فعل ~~ما هو شبيه لهذا إذ أخذ يوم حنين حجرا فسمعنا للحجر تسبيحا وتقديسا، ثم قال ~~للحجر: انفلق فانفلق ثلاث فلق، يسمع لكل فلقة منها تسبيحا لا يسمع للأخرى، ~~ولقد بعث إلى شجرة يوم البطحاء فأجابته، ولكل غصن منها تسبيح وتهليل ~~وتقديس، ثم قال لها: انشقي، فانشقت نصفين، ثم قال لها: التزقي، فالتزقت، ثم ~~قال لها: اشهدي لي بالنبوة فشهدت، ثم قال لها ارجعي إلى مكانك بالتسبيح ~~والتهليل والتقديس ففعلت، وكان موضعها حيث الجزارين بمكة. # قال له اليهودي: فإن عيسى يزعمون أنه كان سياحا؟ # قال له علي عليه السلام: لقد كان كذلك، ومحمد كانت سياحته في الجهاد، ~~واستنفر PageV01P334 # في عشر سنين ما لا يحصى من حاضر وباد، ms227 وأفنى فئاما من العرب (1) من منعوت ~~بالسيف لا يدارى بالكلام (2) ولا ينام إلا عن دم، ولا يسافر إلا وهو متجهز ~~لقتال عدوه. # قال له اليهودي: فإن عيسى يزعمون: أنه كان زاهدا؟ # قال له علي عليه السلام: لقد كان كذلك، محمد صلى الله عليه وآله أزهد ~~الأنبياء عليهم السلام: كان له ثلاثة عشر زوجة سوى من يطيف به من الإماء، ~~ما رفعت له مائدة قط وعليها طعام، ولا أكل خبز برقط، ولا شبع من خبز شعير ~~ثلاث ليال متواليات قط، توفي رسول الله صلى الله عليه وآله ودرعه مرهونة ~~عند يهودي بأربعة دراهم، ما ترك صفراء ولا بيضاء مع ما وطئ له من البلاد، ~~(3) ومكن له من غنائم العباد، ولقد كان يقسم في اليوم الواحد الثلثمائة ألف ~~وأربعمائة ألف ويأتيه السائل بالعشي فيقول: # والذي بعث محمدا بالحق ما أمسى في آل محمد صاع من شعير، ولا صاع من بر، ~~ولا درهم، ولا دينار. # قال له اليهودي: فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وأشهد ~~أنه ما أعطى الله نبيا درجة ولا مرسلا فضيلة إلا وقد جمعها لمحمد صلى الله ~~عليه وآله، وزاد محمدا على الأنبياء أضعاف درجات. # فقال ابن عباس لعلي بن أبي طالب عليه السلام: أشهد يا أبا الحسن إنك من ~~الراسخين في العلم. # فقال ويحك وما لي لا أقول ما قلت في نفس من استعظمه الله عز وجل في عظمته ~~فقال: " وإنك لعلى خلق عظيم " (4). # PageV01P335 # احتجاجه (ع) على بعض اليهود وغيره في أنواع شتى من العلوم (1). # عن صالح عن عقبة (2) عن الصادق عليه السلام قال: لما هلك أبو بكر واستخلف ~~عمر، خرج عمر إلى المسجد فقعد، فدخل عليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين إني ~~رجل من اليهود، وأنا علامتهم، قد أردت أن أسئلك عن مسائل إن أخبرتني بها ~~أسلمت قال: وما هي؟ قال: ثلاث، وثلاث وواحدة، فإن شئت سئلتك، وإن كان في ~~القوم أحد أعلم منك فارشدني، قال: عليك بذاك الشاب يعني علي بن أبي ms228 طالب ~~عليه السلام فأتى عليا عليه السلام فسأل فقال له: قلت: ثلاثا وثلاثا وواحدة ~~ألا قلت سبعا؟ قال إني إذا لجاهل، إن لم تجبني في الثلاث اكتفيت. قال: فإن ~~أجبتك تسلم؟ # قال: نعم. # قال: سل. # قال: أسألك عن أول حجر وضع على وجه الأرض، وأول عين نبعت، وأول شجرة ~~نبتت؟ # قال: يا يهودي أنتم تقولون: أول حجر وضع على وجه الأرض الحجر الذي في بيت ~~المقدس، وكذبتم، هو: " الحجر الأسود " الذي نزل مع آدم عليه السلام من ~~الجنة قال: صدقت والله إنه لبخط هارون وإملاء موسى عليه السلام. # قال أمير المؤمنين عليه السلام: وأما العين فأنتم تقولون، إن أول عين ~~نبعت على # PageV01P336 # وجه الأرض: العين التي ببيت المقدس، وكذبتم وهي: " عين الحياة " التي غسل ~~فيها النون موسى، وهي العين التي شرب منها الخضر، وليس يشرب منها أحد إلا ~~حي. # قال: صدقت والله إنه لبخط هارون وإملاء موسى. # قال علي عليه السلام وأما الشجرة فأنتم تقولون، إن أول شجرة نبتت على وجه ~~الأرض الزيتون وكذبتم، وهي: " العجوة " نزل بها آدم عليه السلام من الجنة. # قال: صدقت والله إنه لبخط هارون وإملاء موسى عليهما السلام. # قال: والثلاث الأخرى كم لهذه الأمة من إمام هدى لا يضرهم من خذلهم؟ # قال، اثني عشر إماما. # قال: صدقت والله إنه لبخط هارون وإملاء موسى. # قال: وأين يسكن نبيكم من الجنة؟ # قال: أعلاها درجة، وأشرفها مكانا: في جنات عدن. # قال: صدقت والله إنه لبخط هارون وإملاء موسى. # قال، فمن ينزل معه في منزله؟ # قال: اثني عشر إماما. # قال: صدقت والله إنه لبخط هارون وإملاء موسى. # قال: قد بقيت السابعة. # قال، كم يعيش وصيه بعده؟ قال ثلاثين سنة. # قال: ثم هو يموت أو يقتل؟ # قال: يضرب على قرنه فتخضب لحيته. # قال: صدقت والله إنه لبخط هارون وإملاء موسى ثم أسلم وحسن إسلامه. # وعن أصبغ بن نباته قال: كنت جالسا عند أمير المؤمنين عليه السلام فجاء ~~ابن الكوا (1) فقال: # PageV01P337 # يا أمير المؤمنين من البيوت في قول الله عز وجل: ms229 " وليس البر بأن تأتوا ~~البيوت من ظهورها ولكن البر من اتقى وأتوا البيوت من أبوابها (1) "؟ # قال علي عليه السلام نحن البيوت التي أمر الله بها أن تؤتى من أبوابها، ~~نحن باب الله وبيوته التي يؤتى منه، فمن تابعنا وأقر بولايتنا فقد أتى ~~البيوت من أبوابها ومن خالفنا وفضل علينا غيرنا فقد أتى البيوت من ظهورها ~~فقال: يا أمير المؤمنين وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم؟ # فقال علي عليه السلام: نحن أصحاب الأعراف: نعرف أنصارنا بسيماهم، ونحن ~~الأعراف يوم القيامة بين الجنة والنار، ولا يدخل الجنة إلا من عرفنا ~~وعرفناه، ولا يدخل النار إلا من أنكرنا وأنكرناه، وذلك بأن الله عز وجل لو ~~شاء عرف للناس نفسه حتى يعرفوه وحده ويأتوه من بابه، ولكنه جعلنا أبوابه ~~وصراطه وبابه الذي يؤتى منه، فقال - فيمن عدل عن ولايتنا وفضل علينا غيرنا ~~-: " فإنهم عن الصراط لناكبون " (2). # وعن الأصبغ بن نباتة أيضا قال أتى ابن الكوا أمير المؤمنين فقال: # والله إن في كتاب الله آية اشتدت على قلبي، ولقد شككت في ديني. # فقال أمير المؤمنين عليه السلام: ثكلتك أمك وعدمتك، ما هي؟ # قال: قول الله تبارك وتعالى: " والطير صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه " ~~(3) فما هذا الصف؟ وما هذه الطيور؟ وما هذه الصلاة؟ وما هذا التسبيح؟ # فقال علي عليه السلام: ويحك يا بن الكوا إن الله خلق الملائكة على صور ~~شتى ألا وإن لله ملكا في صورة ديك، أبح، أشهب، براثنه في الأرضين السفلى، ~~وعرفه # PageV01P338 # مثني تحت عرش الرحمن، له جناح بالمشرق من نار، وجناح بالمغرب من ثلج فإذا ~~حضر وقت كل صلاة قام على براثنه، ثم رفع عنقه من تحت العرش، ثم صفق بجناحيه ~~كما تصفق الديكة في منازلكم، فلا الذي من نار يذيب الثلج، ولا الذي من ~~الثلج يطفئ النار، ثم ينادي: " أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ~~وأشهد أن محمدا عبده ورسوله سيد النبيين، وأن وصيه خير الوصيين، سبوح، ~~قدوس، رب الملائكة والروح " قال: فتصفق الديكة بأجنحتها في ms230 منازلكم بنحو من ~~قوله، وهو قول الله تعالى: " كل قد علم صلاته وتسبيحه " من الديكة في الأرض ~~وعن الأصبغ بن نباتة أيضا قال: سأل ابن الكوا أمير المؤمنين عليه السلام ~~فقال: # أخبرني عن بصير بالليل وبصير بالنهار؟ وعن أعمى بالليل وأعمى بالنهار؟ # وعن أعمى بالليل بصير بالنهار؟ وعن أعمى بالنهار بصير بالليل؟ # فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: ويلك سل عما يعنيك، ولا تسأل عما لا ~~يعنيك ويلك أما بصير بالليل وبصير بالنهار فهو: رجل آمن بالرسل والأوصياء ~~الذين مضوا، وبالكتب والنبيين، وآمن بالله ونبيه محمد صلى الله عليه وآله، ~~وأقر لي بالولاية فأبصر في ليله ونهاره. # وأما أعمى بالليل أعمى بالنهار فرجل: جحد الأنبياء والأوصياء، والكتب ~~التي مضت، وأدرك النبي فلم يؤمن به، ولم يقر بولايتي، فجحد الله عز وجل ~~ونبيه صلى الله عليه وآله فعمي بالليل وعمي بالنهار. # وأم بصير بالليل أعمى بالنهار فرجل: آمن بالأنبياء والكتب، وجحد النبي ~~صلى الله عليه وآله وأنكرني حقي، فأبصر بالليل وعمي بالنهار. # وأما أعمى بالليل وبصير بالنهار فرجل: جحد الأنبياء الذين مضوا، ~~والأوصياء والكتب، وأدرك محمدا صلى الله عليه وآله، فآمن بالله وبرسوله ~~محمد صلى الله عليه وآله، وآمن بإمامتي وقبل ولايتي، فعمي بالليل وأبصر ~~بالنهار. # ويلك يا بن الكوا، فنحن بنو أبي طالب بنا فتح الله الإسلام وبنا يختمه. # قال الأصبغ فلما نزل أمير المؤمنين عليه السلام من المنبر تبعته فقلت: يا ~~سيدي PageV01P339 # يا أمير المؤمنين قويت قلبي بما بينت فقال لي: يا أصبغ من شك في ولايتي ~~فقد شك في إيمانه، ومن أقر بولايتي فقد أقر بولاية الله عز وجل، ولايتي ~~متصلة: بولاية الله كهاتين - وجمع بين إصبعيه - يا أصبغ من أقر بولايتي فقد ~~فاز، ومن أنكر ولايتي فقد خاب وخسر، وهوى في النار، ومن دخل في النار لبث ~~فيها أحقابا. # وعن الأصبغ أيضا قال: قام ابن الكوا إلى علي بن أبي طالب عليه السلام وهو ~~على المنبر فقال: # يا أمير المؤمنين أخبرني عن ذي القرنين أنبيا كان أم ms231 ملكا؟ وأخبرني عن ~~قرنيه أمن ذهب كان أم من فضة؟ # فقال: لم يكن نبيا، ولا ملكا، ولم يكن قرناه من ذهب ولا فضة، ولكنه كان ~~عبدا أحب الله فأحبه الله، ونصح لله فنصح الله له، وإنما سمي " ذا القرنين ~~" لأنه دعا قومه إلى الله عز وجل فضربوه على قرنه، فغاب عنهم حينا ثم عاد ~~إليهم فضرب على قرنه الآخرة وفيكم مثله (1). # عن الصادق (2) عن آبائه عليهم السلام أن أمير المؤمنين كان ذات يوم جالسا ~~في # PageV01P340 # الرحبة، والناس حوله مجتمعون، فقام إليه رجل فقال: # يا أمير المؤمنين أنت بالمكان الذي أنزلك الله به وأبوك معذب في النار؟ # فقال له علي بن أبي طالب: مه فض الله فاك، والذي بعث محمدا بالحق نبيا لو ~~شفع أبي في كل مذنب على وجه الأرض لشفعه الله فيهم، أبي معذب في النار ~~وابنه قسيم الجنة والنار؟! والذي بعث محمدا بالحق نبيا إن نور أبي يوم ~~القيامة ليطفئ أنوار الخلايق كلهم إلا خمسة أنوار: نور محمد صلى الله عليه ~~وآله، ونوري، ونور الحسن، ونور الحسين، ونور تسعة من ولد الحسين، فإن نوره ~~من نورنا خلقه الله تعالى قبل أن يخلق آدم عليه السلام بألفي عام (1). # * * * # PageV01P341 # # PageV01P341 # احتجاجه (ع) على من قال بزوال الأدواء بمداوات الأطباء دون الله سبحانه ~~وعلى من قال بأحكام النجوم من المنجمين وغيرهم من الكهنة والسحرة. # وبالإسناد المقدم ذكره عن أبي محمد العسكري عن علي بن الحسن زين العابدين ~~عليهم السلام أنه قال: كان أمير المؤمنين عليه السلام قاعدا ذات يوم، فأقبل ~~إليه رجل من اليونانيين المدعين للفلسفة والطب، فقال له: PageV01P342 # يا أبا الحسن بلغني خبر صاحبك وأن به جنونا، وجئت لأعالجه فلحقته قد ~~PageV01P343 # مضى لسبيله، وفاتني ما أردت من ذلك، وقد قيل لي إنك ابن عمه وصهره وأرى ~~PageV01P344 # بك صفارا قد علاك، وساقين دقيقين، ولما أراهما تقلانك، فأما الصفار فعندي ~~دوائه PageV01P345 # وأما الساقان الدقيقان فلا حيلة لي لتغليظهما، والوجه أن ترفق بنفسك في ~~المشي PageV01P346 # تقلله ولا تكثره، وفيما تحمله على ظهرك وتحتضنه بصدرك، ms232 أن تقللهما ولا ~~تكثرهما PageV01P347 # فإن ساقيك دقيقان لا يؤمن عند حمل ثقيل انقصافهما، وأما الصفار فدوائه ~~عندي PageV01P348 # وهو هذا، وأخرج دوائه وقال: PageV01P349 # هذا لا يؤذيك، ولا يخيسك (1) ولكنه تلزمك حمية من اللحم أربعين صباحا ثم ~~يزيل صفارك. # فقال له علي بن أبي طالب عليه السلام: قد ذكرت نفع هذا الدواء لصفاري فهل ~~تعرف شيئا يزيد فيه ويضره؟ فقال الرجل: بلى حبة من هذا - وأشار إلى دواء ~~معه - وقال: إن تناوله إنسان وبه صفار أماته من ساعته، وإن كان لا صفار به ~~صار به صفار حتى يموت في يومه. # فقال علي عليه السلام فأرني هذا الضار، فأعطاه إياه. # فقال له: كم قدر هذا؟ قال: قدره مثقالين سم ناقع، قدر كل حبة منه يقتل ~~رجلا. # PageV01P350 # فتناوله علي عليه السلام فقمحه (1) وعرق عرقا خفيفا، وجعل الرجل يرتعد ~~ويقول في نفسه: الآن أؤخذ بابن أبي طالب، ويقال: قتلته ولا يقبل مني قولي ~~إنه هو الجاني على نفسه. # فتبسم علي بن أبي طالب عليه السلام وقال: يا عبد الله أصح ما كنت بدنا ~~الآن لم يضرني ما زعمت أنه سم. # ثم قال: فغمض عينيك، فغمض، ثم قال: افتح عينيك ففتح، ونظر إلى وجه علي بن ~~أبي طالب عليه السلام، فإذا هو أبيض أحمر مشرب حمرة، فارتعد الرجل لما رآه. # وتبسم علي عليه السلام وقال: أين الصفار الذي زعمت أنه بي. # فقال: والله لكأنك لست من رأيت، قبل كنت مضارا، فإنك الآن مورد. # فقال علي عليه السلام: فزال عني الصفار الذي تزعم أنه قاتلي. # وأما ساقاي هاتان ومد رجليه وكشف عن ساقيه، فإنك زعمت أني أحتاج إلى أن ~~أرفق ببدني في حمل ما أحمل عليه، لئلا ينقصف الساقان، (2) وأنا أريك أن طب ~~الله عز وجل على خلاف طبك، وضرب بيده إلى أسطوانة خشب عظيمة، على رأسها سطح ~~مجلسه الذي هو فيه، وفوقه حجرتان، أحدهما فوق الأخرى وحركها فاحتملها، ~~فارتفع السطح والحيطان وفوقهما الغرفتان، فغشي على اليوناني. # فقال علي عليه السلام: صبوا عليه ماء فصبوا عليه ماء ms233 فأفاق وهو يقول: ~~والله ما رأيت كاليوم عجبا. # فقال له علي عليه السلام: هذه قوة الساقين الدقيقين واحتمالهما أفي طبك ~~هذا يا يوناني؟ # فقال اليوناني أمثلك كان محمدا؟ # فقال علي عليه السلام: وهل علمي إلا من علمه، وعقلي إلا من عقله، وقوتي ~~إلا من قوته، ولقد أتاه ثقفي وكان أطب العرب، فقال له: # PageV01P351 # إن كان بك جنون داويتك؟ # فقال له محمد صلى الله عليه وآله: أتحب أن أريك آية تعلم بها غناي من طبك ~~وحاجتك إلى طبي؟ # قال: نعم. # قال: أي آية تريد؟ # قال: تدعو ذلك العذق وأشار إلى نخلة سحوق فدعاه، فانقلع أصلها من الأرض ~~وهي تخد الأرض خدا حتى وقفت بين يديه. # فقال له: أكفاك؟ # قال: لا. # قال: فتريد ماذا؟ # قال تأمرها أن ترجع إلى حيث جاءت منه، وتستقر في مقرها الذي انقلعت منه. # فأمرها، فرجعت واستقرت في مقرها. # فقال اليوناني لأمير المؤمنين عليه السلام: هذا الذي تذكره عن محمد صلى ~~الله عليه وآله غائب عني، وأنا أريد أن اقتصر منك على أقل من ذلك، أتباعد ~~عنك فادعني وأنا لا أختار الإجابة، فإن جئت بي إليك فهي آية. # قال أمير المؤمنين عليه السلام: إنما يكون آية لك وحدك، لأنك تعلم من ~~نفسك أنك لم ترده، وأني أزلت اختيارك من غير أن باشرت مني شيئا، أو ممن ~~أمرته بأن يباشرك، أو ممن قصد إلى اختيارك وإن لم آمره، إلا ما يكون من ~~قدرة الله القاهرة، وأنت يا يوناني يمكنك أن تدعي ويمكن غيرك أن يقول: إني ~~واطأتك على ذلك، فاقترح أن كنت مقترحا ما هو آية لجميع العالمين. # قال له اليوناني: إن جعلت الاقتراح إلي فأنا اقترح: أن تفصل أجزاء تلك ~~النخلة، وتفرقها وتباعد ما بينها، ثم تجمعها وتعيدها كما كانت: # فقال علي عليه السلام هذه آية وأنت رسولي إليها - يعني إلى النخلة - فقل ~~لها: PageV01P352 # إن وصي محمد رسول الله يأمر أجزائك: أن تتفرق وتتباعد. # فذهب فقال لها: ذلك، فتفاصلت، وتهافتت، وتنثرت، وتصاغرت أجزائها حتى لم ~~ير لها عين ms234 ولا أثر، حتى كأن لم تكن هناك نخلة قط. # فارتعدت فرائص اليوناني وقال: يا وصي محمد رسول الله قد أعطيتني اقتراحي ~~الأول، فاعطني الآخر، فأمرها أن تجتمع وتعود كما كانت، فقال: أنت رسولي ~~إليها فعد فقل لها: يا أجزاء النخلة إن وصي محمد رسول الله يأمرك أن تجتمعي ~~كما كنت وأن تعودي. # فنادى اليوناني فقال ذلك، فارتفعت في الهواء كهيئة الهباء المنثور، ثم ~~جعلت تجتمع جزو جزو منها، حتى تصور لها القضبان، والأوراق، وأصول السعف ~~وشماريخ الأعذاق، ثم تألفت، وتجمعت، وتركبت، واستطالت، وعرضت، واستقر أصلها ~~في مقرها، وتمكن عليها ساقها، وتركب على الساق قضبانها، وعلى القضبان ~~أوراقها، وفي أمكنتها أعذاقها، وكانت في الابتداء شماريخها متجردة لبعدها ~~من أوان الرطب، والبسر، والخلال. # فقال اليوناني: وأخرى أحب أن تخرج شماريخها أخلالها، وتقلبها من خضرة إلى ~~صفرة وحمرة، وترطيب وبلوغ، لتأكل وتطعمني ومن حضرك منها. # فقال علي عليه السلام أنت رسولي إليها بذلك، فمرها به. # فقال لها اليوناني: ما أمره أمير المؤمنين عليه السلام فأخلت، وأبسرت، ~~واصفرت واحمرت، وترطبت، وثقلت أعذاقها برطبها. # فقال اليوناني: وآخرها أحبها أن تقرب من بين يديي أعذاقها، أو تطول يدي ~~لتنالها، وأحب شئ إلي: أن تنزل إلي إحديهما، وتطول يدي إلى الأخرى التي هي ~~أختها. # فقال أمير المؤمنين عليه السلام: مد اليد التي تريد أن تنالها وقل: يا ~~مقرب البعيد قرب يدي منها، واقبض الأخرى التي تريد أن ينزل العذق إليها ~~وقل: يا مسهل العسير سهل لي تناول ما يبعد عني منها ففعل ذلك فقاله، فطالت ~~يمناه فوصلت إلى PageV01P353 # العذق، وانحطت الأعذاق الأخر فسقطت على الأرض وقد طالت عراجينها. # ثم قال أمير المؤمنين عليه السلام: إنك إن أكلت منها ولم تؤمن بمن أظهر ~~لك من عجائبها، عجل الله عز وجل إليك من العقوبة التي يبتليك بها ما يعتبر ~~به عقلاء خلقه وجهالها. # فقال اليوناني: إني إن كفرت بعد ما رأيت فقد بالغت في العناد، وتناهيت في ~~التعرض للهلاك، أشهد أنك من خاصة الله، صادق في جميع أقاويلك عن ms235 الله ~~فأمرني بما تشاء أطعك. # قال علي عليه السلام: آمرك أن: تقر لله بالوحدانية، وتشهد له بالجود ~~والحكمة وتنزهه عن العبث والفساد، وعن ظلم الإماء والعباد، وتشهد أن محمدا ~~الذي أنا وصيه سيد الأنام، وأفضل رتبة في دار السلام، وتشهد أن عليا الذي ~~أراك ما أراك، وأولاك من النعم ما أولاك، خير خلق الله بعد محمد رسول الله، ~~وأحق خلق الله بمقام محمد صلى الله عليه وآله بعده، وبالقيام بشرايعه ~~وأحكامه، وتشهد أن أوليائه أولياء الله، وأعدائه أعداء الله، وأن المؤمنين ~~المشاركين لك فيما كلفتك، المساعدين لك على ما أمرتك به خيرة أمة محمد صلى ~~الله عليه وآله، وصفوة شيعة علي. # وآمرك: أن تواسي إخوانك المطابقين لك على تصديق محمد صلى الله عليه وآله ~~وتصديقي والانقياد له ولي، مما رزقك الله وفضلك على من فضلك به منهم، تسد ~~فاقتهم، وتجبر كسرهم وخلتهم، ومن كان منهم في درجتك في الإيمان ساويته من ~~مالك بنفسك، ومن كان منهم فاضلا عليك في دينك آثرته بما لك على نفسك، حتى ~~يعلم الله منك أن دينه آثر عنك من مالك، وأن أوليائه أكرم عليك من أهلك ~~وعيالك وآمرك: أن تصون دينك، وعلمنا الذي أودعناك وأسرارنا التي حملناك ولا ~~تبد علومنا لمن يقابلها بالعناد، ويقابلك من أهلها بالشتم، واللعن، ~~والتناول من العرض والبدن، ولا تفش سرنا إلى من يشنع علينا، وعند الجاهلين ~~بأحوالنا ولا تعرض أوليائنا لبوادر الجهال. # وآمرك: أن تستعمل التقية في دينك، فإن الله عز وجل يقول: " لا يتخذ ~~PageV01P354 # المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في ~~شئ إلا أن تتقوا منهم تقاة " (1) وقد أذنت لك في تفضيل أعدائنا إن لجأك ~~الخوف إليه وفي إظهار البراءة منا إن حملك الوجل عليه، وفي ترك الصلاة ~~المكتوبات إن خشيت على حشاشتك (2) الآفات والعاهات، فإن تفضيلك أعدائنا ~~علينا عند خوفك لا ينفعهم ولا يضرنا، وأن إظهارك برائتك منا عند تقيتك لا ~~يقدح فينا ولا ينقصنا، ولأن تبرأت منا ساعة بلسانك وأنت موال ms236 لنا بجنانك ~~لتبقي على نفسك روحها التي بها قوامها، وما لها الذي به قيامها، وجاهها ~~الذي به تماسكها، وتصون من عرف بذلك وعرفت به من أوليائنا وإخواننا من بعد ~~ذلك بشهور وسنين إلى أن يفرج الله تلك الكربة، وتزول به تلك الغمة فإن ذلك ~~أفضل من أن تتعرض للهلاك، وتنقطع به عن عمل الدين وصلاح إخوانك المؤمنين، ~~وإياك ثم إياك أن تترك التقية التي أمرتك بها، فإنك شائط بدمك ودم إخوانك، ~~معرض لنعمتك ونعمهم على الزوال مذل لك ولهم في أيدي أعداء دين الله، وقد ~~آمرك الله بإعزازهم، فإنك إن خالفت وصيتي كان ضررك على نفسك وإخوانك أشد من ~~ضرر المناصب لنا، الكافر بنا وعن سعيد بن جبير (3) قال: استقبل أمير ~~المؤمنين عليه السلام دهقان من دهاقين الفرس فقال له - بعد التهنية -: # PageV01P355 # يا أمير المؤمنين تناحست النجوم الطالعات، وتناحست السعود بالنحوس، وإذا ~~كان مثل هذا اليوم وجب على الحكيم الاختفاء، ويومك هذا يوم صعب، قد اتصلت ~~فيه كوكبان، وانقدح من برجك النيران، وليس لك الحرب بمكان، فقال أمير ~~المؤمنين عليه السلام: ويحك يا دهقان المنبئ بآثار، والمحذر من الأقدار، ما ~~قصة صاحب الميزان، وقصة صاحب السرطان، وكم المطالع من الأسد والساعات في ~~المحركات، وكم بين السراري والذراري؟ # قال: سأنظر وأومئ بيده إلى كمه، وأخرج منه أصطرلابا ينظر فيه. # فتبسم علي عليه السلام وقال: أتدري ما حدث البارحة؟ وقع بيت بالصين، ~~وانفرج برج ماجين، وسقط سور سرنديب، وانهزم بطرق الروم بأرمينية، وفقد ديان ~~اليهود بابلة، وهاج النمل بوادي النمل، وهلك ملك إفريقية، أكنت عالما بهذا؟ # قال: لا يا أمير المؤمنين. # فقال: البارحة سعد سبعون ألف عالم، وولد في كل عالم سبعون ألفا، ~~PageV01P356 # والليلة يموت مثلهم، وهذا منهم - وأومى بيده إلى سعد بن مسعدة الحارثي ~~لعنه الله وكان جاسوسا للخوارج في عسكر أمير المؤمنين عليه السلام - فظن ~~الملعون: أنه يقول: خذوه، فأخذ بنفسه فمات، فخر الدهقان ساجدا. # فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: ألم أروك من عين التوفيق؟ # قال: بلى يا أمير ms237 المؤمنين. # فقال أمير المؤمنين عليه السلام: أنا وأصحابي لا شرقيون ولا غربيون، نحن ~~ناشئة القطب وأعلام الفلك، أما قولك انقدح من برجلك النيران، فكان الواجب ~~عليك أن تحكم لي به إلا علي، أما نوره وضياؤه فعندي، وأما حريقه ولهبه ~~فذاهب عني، وهذه مسألة عميقة احسبها إن كنت حاسبا. # وروي أنه عليه السلام لما أراد المسير إلى الخوارج قال له بعض أصحابه: إن ~~سرت في هذا الوقت خشيت أن لا تظفر بمرادك من طريق علم النجوم. # فقال عليه السلام: أتزعم أنك تهدي إلى الساعة التي من سار فيها صرف عنه ~~السوء، وتخوف الساعة التي من سار فيها حاق به الضر، فمن صدقك بهذا فقد كذب ~~القرآن، واستغنى عن الاستعانة بالله في نيل المحبوب ودفع المكروه، وينبغي ~~في قولك للعامل بأمرك أن يوليك الحمد دون ربه، لأنك بزعمك أنت هديته إلى ~~الساعة التي نال فيها النفع وأمن الضر. # أيها الناس إياكم وتعلم النجوم، إلا ما يهتدى به في بر أو بحر، فإنه يدعو ~~إلى الكهانة، المنجم كالكاهن، والكاهن كالساحر، والساحر كالكافر، والكافر ~~في النار، سيروا على اسم الله وهونه، ومضى فظفر بمراده صلوات الله عليه. # * * * PageV01P357 # احتجاجه (ع) على زنديق جاء مستدلا عليه بأي من القرآن متشابهة، تحتاج إلى ~~التأويل، على أنها تقتضي التناقض والاختلاف فيه، وعلى أمثاله في أشياء ~~أخرى. # جاء بعض الزنادقة إلى أمير المؤمنين علي عليه السلام وقال له: لولا ما في ~~القرآن من الاختلاف والتناقض لدخلت في دينكم. # فقال له عليه السلام: وما هو؟ # قال: قوله تعالى: " نسوا الله فنسيهم " (1) وقوله: " فاليوم ننساهم كما ~~نسوا لقاء يومهم هذا " (2) وقوله: " وما كان ربك نسيا " (3) وقوله: " يقوم ~~الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا " (4) ~~وقوله: " والله ربنا ما كنا مشركين " (5) وقوله تعالى: " يوم القيامة يكفر ~~بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا " (6) وقوله: " إن ذلك لحق تخاصم أهل النار " ~~(7) وقوله: " لا تختصموا لدي " (8) وقوله: " اليوم نختم على أفواههم ~~وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون " (9) وقوله تعالى: " وجوه ms238 ~~يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة " (10) وقوله: " لا تدركه الأبصار وهو يدرك ~~الأبصار " (11) وقوله: " ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى " (12) ~~وقوله: # " لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا الآيتين " (13) ~~وقوله: # PageV01P358 # " ما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا " (1) وقوله: " كلا إنهم يومئذ ~~لمحجوبون " (2) وقوله: " هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك " ~~(3) وقوله: " بل هم بلقاء ربهم كافرون " (4) وقوله: " فأعقبهم نفاقا في ~~قلوبهم إلى يوم يلقونه " (5) وقوله: " فمن كان يرجو لقاء ربه " (6) وقوله: ~~" ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها " (7) وقوله: " ونضع الموازين ~~القسط ليوم القيامة " (8) وقوله: " فمن ثقلت موازينه، ومن خفت موازينه " ~~(9). # فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: فأما قوله تعالى: " نسوا الله فنسيهم ~~" إنما يعني نسوا الله في دار الدنيا لم يعملوا بطاعته، فنسيهم في الآخرة ~~أي: لم يجعل لهم من ثوابه شيئا، فصاروا منسيين من الخير، وكذلك تفسير قوله ~~عز وجل: # " فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا " يعني بالنسيان: أنه لم يثيبهم ~~كما يثيب أوليائه، والذين كانوا في دار الدنيا مطيعين ذاكرين حين آمنوا به ~~وبرسوله وخافوه بالغيب. # وأما قوله: " وما كان ربك نسيا " فإن ربنا تبارك وتعالى علوا كبيرا ليس ~~بالذي ينسى، ولا يغفل، بل هو الحفيظ العليم، وقد تقول العرب: نسينا فلان ~~فلا يذكرنا: أي إنه لا يأمر لهم بخير، ولا يذكرهم به. # قال علي عليه السلام وأما قوله عز وجل: " يوم يقوم الروح والملائكة صفا ~~لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا " وقوله: " والله ربنا ما كنا ~~مشركين " وقوله عز وجل " يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا " ~~وقوله عز وجل يوم القيامة " إن ذلك لحق تخاصم أهل النار " وقوله: " لا ~~تختصموا # PageV01P359 # لدي وقد قدمت إليكم بالوعيد " وقوله: " اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا ~~أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون " فإن ذلك في مواطن غير واحد من ~~مواطن ذلك اليوم الذي كان مقداره خمسين ألف سنة، المراد: يكفر أهل المعاصي ~~بعضهم ببعض، ويلعن بعضهم بعضا، والكفر في هذه ms239 الآية: " البراءة " يقول: ~~فيبرأ بعضهم من بعض، ونظيرها في سورة إبراهيم قول الشيطان: " إني كفرت بما ~~أشركتمون من قبل " وقول إبراهيم خليل الرحمن: " كفرنا بكم " يعني تبرأنا ~~منكم. # ثم يجتمعون في مواطن أخر يبكون فيها، فلو أن تلك الأصوات فيها بدت لأهل ~~الدنيا لا زالت جميع الخلق عن معايشهم، وانصدعت قلوبهم إلا ما شاء الله ولا ~~يزالون يبكون حتى يستنفدوا الدموع، ويفضوا إلى الدماء. # ثم يجتمعون في موطن آخر فيستنطقون فيه، فيقولون: " والله ربنا ما كنا ~~مشركين " وهؤلاء خاصة هم: المقرون في دار الدنيا بالتوحيد، فلا ينفعهم ~~إيمانهم بالله لمخالفتهم رسله، وشكهم فيما أتوا به عن ربهم، ونقضهم عهودهم ~~في أوصيائهم واستبدا لهم الذي هو أدنى بالذي هو خير، فكذبهم الله فيما ~~انتحلوه من الإيمان بقوله: " انظر كيف كذبوا على أنفسهم " فيختم الله على ~~أفواههم، ويستنطق الأيدي والأرجل والجلود، فتشهد بكل معصية كانت منهم، ثم ~~يرفع عن ألسنتهم الختم فيقولون لجلودهم: لم شهدتم علينا؟ قالوا: أنطقنا ~~الله الذي أنطق كل شئ. # ثم يجتمعون في موطن آخر فيفر بعضهم من بعض لهول ما يشاهدونه من صعوبة ~~الأمر، وعظم البلاء فذلك قوله عز وجل: " يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه ~~وصاحبته وبنيه الآية ". # ثم يجتمعون في موطن آخر يستنطق فيه أولياء الله وأصفياؤه، فلا يتكلم أحد ~~إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا، فيقام الرسل فيسألون عن تأدية الرسالة ~~التي حملوها إلى أممهم، وتسأل الأمم فتجحد كما قال الله تعالى: " فلنسألن ~~الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين " فيقولون: " ما جائنا من بشير ولا نذير ~~" فتشهد PageV01P360 # الرسل رسول الله صلى الله عليه وآله فيشهد بصدق الرسل، وتكذيب من جحدها ~~من الأمم، فيقول - لكل أمة منهم -: " بلى قد جائكم بشير ونذير والله على كل ~~شئ قدير " أي: مقتدر على شهادة جوارحكم عليكم بتبليغ الرسل إليكم رسالاتهم، ~~كذلك قال الله - لنبيه -: " فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على ~~هؤلاء شهيدا فلا يستطيعون رد شهادته، خوفا من أن يختم الله على أفواههم، ~~وأن ms240 تشهد عليهم جوارحهم بما كانوا يعملون، ويشهد على منافقي قومه، وأمته، ~~وكفارهم بإلحادهم، وعنادهم، ونقضهم عهده، وتغييرهم سنته، واعتدائهم على أهل ~~بيته، وانقلابهم على أعقابهم، وارتدادهم على أدبارهم، واحتذائهم في ذلك سنة ~~من تقدمهم من الأمم الظالمة، الخائنة لأنبيائها، فيقولون بأجمعهم: " ربنا ~~غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ظالمين ". # ثم يجتمعون في موطن آخر يكون فيه مقام محمد صلى الله عليه وآله وهو: " ~~المقام المحمود " فيثني على الله بما لم يثن عليه أحد قبله، ثم يثني على ~~الملائكة كلهم، فلا يبقى ملك إلا أثنى عليه محمد، ثم يثني على الأنبياء بما ~~لم يثن عليه أحد قبله، ثم يثني على كل مؤمن ومؤمنة، يبدأ بالصديقين ~~والشهداء، ثم الصالحين، فيحمده أهل السماوات وأهل الأرضين، فذلك قوله ~~تعالى: " عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا " فطوبى لمن كان له في ذلك المكان ~~حظ ونصيب، وويل لمن لم يكن له في ذلك المقام حظ ولا نصيب. # ثم يجتمعون في موطن آخر ويزال بعضهم عن بعض، وهذا كله قبل الحساب فإذا ~~أخذ في الحساب شغل كل إنسان بما لديه، نسأل الله بركة ذلك اليوم. # قال علي عليه السلام وأما قوله: " وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة " ذلك ~~في موضع ينتهي فيه أولياء الله عز وجل، بعدما يفرغ من الحساب، إلى نهر ~~يسمى: # " نهر الحيوان " فيغتسلون منه، ويشربون من آخر فتبيض وجوههم، فيذهب عنهم ~~كل أذى وقذى ووعث، ثم يؤمرون بدخول الجنة، فمن هذا المقام ينظرون إلى ربهم ~~كيف يثيبهم، ومنهم يدخلون الجنة فذلك قول الله عز وجل - في تسليم ~~PageV01P361 # الملائكة عليهم -: " سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين " فعند ذلك قوله ~~تعالى: # أثيبوا بدخول الجنة والنظر إلى ما وعدهم الله عز وجل، فلذلك قوله تعالى: # " إلى ربها ناظرة " والناظرة في بعض اللغة هي: المنتظرة ألم تسمع إلى ~~قوله تعالى: # " فناظرة بم يرجع المرسلون " أي: منتظرة بم يرجع المرسلون؟ وأما قوله: # " ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى " يعني: محمدا كان عند سدرة ~~المنتهى حيث لا يجاوزها خلق من خلق ms241 الله عز وجل، وقوله - في آخر الآية -: " ~~ما زاغ البصر وما طغى لقد رأى من آيات ربه الكبرى " وأي جبرئيل في صورته ~~مرتين: هذه مرة، ومرة أخرى، وذلك إن خلق جبرئيل خلق عظيم، فهو من ~~الروحانيين الذين لا يدرك خلقهم، ولا صفتهم إلا الله رب العالمين قال علي ~~عليه السلام وأما قوله: " ما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء ~~حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء " كذلك قال الله تعالى قد كان ~~الرسول يوحي إليه رسل من السماء فتبلغ رسل السماء إلى الأرض وقد كان الكلام ~~بين رسل أهل الأرض وبينه من غير أن يرسل بالكلام مع رسل أهل السماء وقد قال ~~رسول الله صلى الله عليه وآله: " يا جبرئيل هل رأيت ربك؟ " فقال جبرئيل: " ~~إن ربي لا يرى ". # فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " من أين تأخذ الوحي؟ " قال: " آخذه ~~من إسرافيل " قال: " ومن أين يأخذه إسرافيل؟ " قال: " يأخذه من ملك فوقه من ~~الروحانيين " قال: " ومن أين يأخذه ذلك الملك؟ " قال: " يقذف في قلبه قذفا ~~". # فهذا وحي، وهو كلام الله عز وجل، وكلام ليس بنحو واحد، منه: # ما كلم الله به الرسل، ومنه ما قذف في قلوبهم، ومنه رؤيا يراها الرسل، ~~ومنه وحي وتنزيل يتلى ويقرأ فهو كلام الله عز وجل. # قال علي عليه السلام وأما قوله: " كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون " ~~فإنما يعني به يوم القيامة عن ثواب ربهم لمحجوبون. وقوله تعالى: " هل ~~ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك " يخبر ~~محمدا عن المشركين PageV01P362 # المنافقين، الذين لم يستجيبوا لله ولرسوله، فقال: " هل ينظرون إلا أن ~~تأتيهم الملائكة " وحيث لم يستجيبوا لله ولرسوله، أو يأتي ربك أو يأتي بعض ~~آيات ربك يعني بذلك: العذاب، يأتيهم في دار الدنيا كما عذب القرون الأولى، ~~فهذا خبر يخبر به النبي صلى الله عليه وآله عنهم، ثم قال: " يوم يأتي بعض ~~آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت ms242 من قبل الآية " يعني: لم تكن ~~آمنت من قبل أن تأتي هذه الآية، وهذه الآية هي: طلوع الشمس من مغربها، وقال ~~- في آية أخرى -: # " فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا " يعني: أرسل عليهم عذابا، وكذلك إتيانه ~~بنيانهم حيث قال: " فأتى بنيانهم من القواعد " يعني: أرسل عليهم العذاب. # قال علي عليه السلام: وأما قوله عز وجل: " بل هم بلقاء ربهم كافرون " ~~وقوله " الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم " وقوله: " إلى يوم يلقونه " وقوله: ~~" فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا " يعني: البعث، فسماه الله ~~لقاء، كذلك قوله " من كان يرجوا لقاء الله فإن أجل الله لآت " يعني: من كان ~~يؤمن أنه مبعوث فإن وعد الله لآت: من الثواب، والعقاب، فاللقاء هاهنا ليس ~~بالرؤية، واللقاء هو: البعث، وكذلك: " تحيتهم يوم يلقونه سلام " يعني: أنه ~~لا يزول الإيمان عن قلوبهم يوم يبعثون. # قال علي عليه السلام: وأما قوله عز وجل: " ورأى المجرمون النار فظنوا ~~أنهم مواقعوها " يعني: تيقنوا أنهم يدخلونها، وكذلك قوله: " إني ظننت أني ~~ملاق حسابيه " وأما قوله عز وجل - للمنافقين -: " ويظنون بالله الظنونا " ~~فهو: ظن شك وليس ظن يقين، والظن ظنان: ظن شك، وظن يقين، فما كان من أمر ~~المعاد من الظن فهو ظن يقين، وما كان من أمر الدنيا فهو ظن شك. # قال علي عليه السلام: وأما قوله عز وجل: " ونضع الموازين القسط ليوم ~~القيامة فلا تظلم نفس شيئا " فهو: ميزان العدل، يؤخذ به الخلايق يوم ~~القيامة، بدين الله تبارك وتعالى، الخلايق بعضهم من بعض، ويجزيهم بأعمالهم، ~~ويقتص للمظلوم من الظالم، ومعنى قوله: " فمن ثقلت موازينه، ومن خفت موازينه ~~" فهو: قلة PageV01P363 # الحساب وكثرته، والناس يومئذ على طبقات ومنازل، فمنهم: من يحاسب حسابا ~~يسيرا وينقلب إلى أهله مسرورا، ومنهم الذين يدخلون الجنة بغير حساب، لأنهم ~~لم يتلبسوا من أمر الدنيا، وإنما الحساب هناك على من تلبس بها هاهنا، ومنهم ~~من يحاسب على النقير والقطمير ويصير إلى عذاب السعير، ومنهم أئمة الكفر ~~وقادة الضلالة، فأولئك لا يقيم لهم يوم القيامة وزنا، ولا ms243 يعبؤ بهم بأمره ~~ونهيه يوم القيامة وهم في جهنم خالدون، وتلفح وجوههم النار، وهم فيها ~~كالحون. # ومن سؤال هذا الزنديق أن قال أجد الله يقول: " قل يتوفاكم ملك الموت الذي ~~وكل بكم (1) ". # ومن موضع آخر يقول: " والله يتوفى الأنفس حين موتها " (2) " والذين ~~تتوفاهم الملائكة طيبين " (3) " وما أشبه ذلك فمرة يجعل الفعل لنفسه، ومرة ~~لملك الموت، ومرة للملائكة. # وأجده يقول: " ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه " (4) ~~ويقول، " وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى " (5) أعلم في الآية ~~الأولى: أن الأعمال الصالحة لا تكفر، وأعلم في الثانية، أن الإيمان ~~والأعمال الصالحات لا تنفع إلا بعد الاهتداء. # واجده يقول: " واسأل من أرسلنا قبلك من رسلنا " (6) فكيف يسأل الحي من ~~الأموات قبل البعث والنشور. # واجده يقول: " إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن ~~يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا " (7) فما هذه ~~الأمانة ومن هذا الإنسان؟ وليس من صفته العزيز العليم التلبيس على عباده. # واجده قد شهر هفوات أنبيائه بقوله: " وعصى آدم ربه فغوى " (8) # PageV01P364 # وبتكذيبه نوحا لما قال: " إن ابني من أهلي " (1) بقوله: " إنه ليس من ~~أهلك " (2) وبوصفه إبراهيم بأنه: عبد كوكبا مرة، ومرة قمرا، ومرة شمسا، ~~وبقوله في يوسف: # " ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه " (3) وبتهجينه موسى حيث ~~قال: " رب أرني أنظر إليك قال لن تراني الآية " (4) وببعثه على داود جبرئيل ~~وميكائيل حيث تسور المحراب، وبحبسه يونس في بطن الحوت حيث ذهب مغضبا وأظهر ~~خطأ الأنبياء وزللهم، ووارى اسم من اغتر وفتن خلقا وضل وأضل، وكنى عن ~~أسمائهم في قوله: " ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع ~~الرسول سبيلا يا ويلتي ليتني لم أتخذ فلانا خليلا لقد أضلني عن الذكر بعد ~~إذ جائني " (5) فمن هذا الظالم الذي لم يذكر من اسمه ما ذكر من أسماء ~~الأنبياء؟ # واجده يقول: " وجاء ربك والملك صفا صفا " (6) " وهل ينظرون إلا أن يأتي ~~ربك أو يأتي بعض آيات ربك " (7) " ولقد جئتمونا فرادى ms244 " (8) فمرة يجيئهم، ~~ومرة يجيئونه واجده: يخبر أنه يتلو نبيه شاهد منه، وكان الذي تلاه عبد ~~الأصنام برهة من دهره. # واجده يقول: " ولتسألن يومئذ عن النعيم " (9) فما هذا النعيم الذي يسأل ~~العباد عنه؟ # وأجده يقول: " بقية الله خير لكم " (10) ما هذه البقية؟ # وأجده يقول: " يا حسرتي على فرطت في جنب الله " وأينما تولوا فثم وجه ~~الله " (11) " وكل شئ هالك إلا وجهه " (12) " وأصحاب اليمين ما أصحاب # PageV01P365 # اليمين " (1) وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال " (2) ما معنى: الجنب، ~~والوجه واليمين، والشمال، فإن الأمر في ذلك ملتبس جدا؟ # واجده يقول: " الرحمن على العرش استوى " (3) ويقول: " أأمنتم من في ~~السماء " (4) " وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله " (5) " وهو معكم ~~أينما كنتم " (6) " ونحن أقرب إليه من حبل الوريد " (7) " وما يكون من نجوى ~~ثلاثة إلا هو رابعهم الآية " (8) واجده يقول: " وإن خفتم ألا تقسطوا في ~~اليتامى فأنكحوا ما طاب لكم من النساء " (9) وليس يشبه القسط في اليتامى ~~نكاح النساء، ولا كل النساء أيتام فما معنى ذلك؟ # واجده يقول: " وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون " (10) فكيف يظلم ~~الله ومن هؤلاء الظلمة؟ # وأجده يقول: " إنما أعظكم بواحدة " (11) فما هذه الواحدة؟ # وأجده يقول: " وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين " (12) وقد أرى مخالفي ~~الإسلام معتكفين على باطلهم، غير مقلعين عنه، وأرى غيرهم من أهل الفساد ~~مختلفين في مذاهبهم، يلعن بعضهم بعضا، فأي موضع للرحمة العامة لهم المشتملة ~~عليهم؟ # واجده قد بين فضل نبيه على سائر الأنبياء، ثم خاطبه في أضعاف ما أثنى ~~عليه في الكتاب من الازراء عليه، وانتقاص محله، وغير ذلك من تهجينه ~~وتأنيبه، ما لم يخاطب أحدا من الأنبياء، مثل قوله: " ولو شاء الله لجمعهم ~~على الهدى فلا تكونن من الجاهلين " (13) وقوله: " لولا أن ثبتناك لقد كدت ~~تركن إليهم # PageV01P366 # شيئا قليلا " (1) " إذن لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك ~~علينا نصيرا " (2) وقوله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله ~~أحق أن تخشاه " (3) وقوله: " وما أدري ما يفعل بي ولا بكم " (4) وقال: " ما ~~فرطنا في الكتاب من شئ ms245 " " وكل شئ أحصيناه في إمام مبين " (5) فإذا كانت ~~الأشياء تحصى في الإمام وهو وصي النبي فالنبي أولى أن يكون بعيدا من الصفة ~~التي قال فيها: وما أدري ما يفعل بي ولا بكم، وهذه كلها صفات مختلفة، ~~وأحوال متناقضة، وأمور مشكلة، فإن يكن الرسول والكتاب حقا فقد قلت لشكي في ~~ذلك، وإن كانا باطلين فما علي من بأس. # فقال أمير المؤمنين عليه السلام: سبوح قدوس، رب الملائكة والروح، تبارك ~~وتعالى، هو الحي الدائم، القائم على كل نفس بما كسبت، هات أيضا ما شككت فيه ~~قال: حسبي ما ذكرت يا أمير المؤمنين. # قال: سأنبئك بتأويل ما سألت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه ~~أنيب، وعليه فليتوكل المتوكلون. # فأما قوله: الله يتوفى الأنفس حين موتها، وقوله يتوفاكم ملك الموت، ~~وتوفته رسلنا، والذين تتوفاهم الملائكة طيبين، والذين تتوفاهم الملائكة ~~ظالمي أنفسهم، فهو تبارك وتعالى أجل وأعظم من أن يتولى ذلك بنفسه، وفعل ~~رسله وملائكته فعله، لأنهم بأمره يعملون، فاصطفى جل ذكره من الملائكة رسلا ~~وسفرة بينه وبين خلقه، وهم الذين قال الله فيهم: الله يصطفي من الملائكة ~~رسلا ومن الناس فمن كان من أهل الطاعة تولت قبض روحه ملائكة الرحمة، ومن ~~كان من أهل المعصية تولت قبض روحه ملائكة النقمة، ولملك الموت أعوان من ~~ملائكة الرحمة والنقمة، يصدرون عن أمره، وفعلهم فعله، وكل ما يأتون منسوب ~~إليه، وإذا كان فعلهم فعل ملك الموت، وفعل ملك الموت فعل الله، لأنه يتوفى ~~الأنفس على يد من # PageV01P367 # يشاء، ويعطي ويمنع، ويثيب ويعاقب على يد من يشاء، وإن فعل أمنائه فعله، ~~كما قال: وما تشاؤن إلا أن يشاء الله. # وأما قوله: ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه، وقوله وإني ~~لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى، فإن ذلك كله لا يغني إلا مع ~~الاهتداء، وليس كل من وقع عليه اسم الإيمان كان حقيقا بالنجاة مما هلك به ~~الغواة، ولو كان ذلك كذلك لنجت اليهود مع اعترافها، بالتوحيد، وإقرارها ~~بالله ونجى ساير المقرين بالوحدانية، ms246 من إبليس فمن دونه في الكفر، وقد بين ~~الله ذلك بقوله الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم ~~مهتدون وبقوله: الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم، وللإيمان حالات ~~ومنازل يطول شرحها، ومن ذلك: أن الإيمان قد يكون على وجهين: إيمان بالقلب، ~~وإيمان باللسان، كما كان إيمان المنافقين على عهد رسول الله، لما قهرهم ~~بالسيف وشملهم الخوف فإنهم آمنوا بألسنتهم، ولم تؤمن قلوبهم، فالإيمان ~~بالقلب هو التسليم للرب، ومن سلم الأمور لمالكها لم يستكبر عن أمره، كما ~~استكبر إبليس عن السجود لآدم، واستكبر أكثر الأمم عن طاعة أنبيائهم، فلم ~~ينفعهم التوحيد كما لم ينفع إبليس ذلك السجود الطويل، فإنه سجد سجدة واحدة ~~أربعة آلاف عام، ولم يرد بها غير زخرف الدنيا، والتمكين من النظرة، فلذلك ~~لا تنفع الصلاة والصدقة إلا مع الاهتداء إلى سبيل النجاة، وطرق الحق، وقد ~~قطع الله عذر عباده بتبيين آياته، وإرسال رسله، لئلا يكون للناس على الله ~~حجة بعد الرسل، ولم يخل أرضه من عالم بما يحتاج إليه الخليقة، ومتعلم على ~~سبيل النجاة، أولئك هم الأقلون عددا، وقد بين الله ذلك في أمم الأنبياء ~~وجعلهم مثلا لمن تأخر، مثل قوله - في قوم نوح -: وما آمن معه إلا قليل، ~~وقوله - فيمن آمن من أمة موسى -: ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون، ~~وقوله - في حواري عيسى حيث قال لسائر بني إسرائيل -: من أنصاري إلى الله ~~قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون، يعني: بأنهم ~~مسلمون لأهل الفضل فضلهم PageV01P368 # ولا يستكبرون عن أمر ربهم، فما أجابه منهم إلا الحواريون، وقد جعل الله ~~للعلم أهلا، وفرض على العباد طاعتهم بقوله: أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ~~وأولي الأمر منكم، وبقوله: ولو ردوه إلى الله وإلى الرسول وإلى أولي الأمر ~~منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم، وبقوله: اتقوا الله وكونوا مع الصادقين، ~~وبقوله: وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم، وأتوا البيوت من ~~أبوابها، والبيوت هي: بيوت العلم الذي استودعته الأنبياء، وأبوابها ~~أوصيائهم، فكل من ms247 عمل من أعمال الخير فجرى على غير أيدي أهل الاصطفاء، ~~وعهودهم، وشرائعهم، وسننهم، ومعالم دينهم، مردود وغير مقبول، وأهله بمحل ~~كفر، وإن شملتهم صفة الإيمان، ألم تسمع إلى قوله تعالى: وما منعهم أن تقبل ~~منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ~~ولا ينفقون إلا وهم كارهون، فمن لم يهتد من أهل الإيمان إلى سبيل النجاة لم ~~يغن عنه إيمانه بالله مع دفع حق أوليائه، وهبط عمله، وهو في الآخرة من ~~الخاسرين، وكذلك قال الله سبحانه: فلم يك ينفعهم أيمانهم لما رأوا بأسنا، ~~وهذا كثير في كتاب الله عز وجل، والهداية هي: الولاية كما قال الله عز وجل: ~~ومن يتولى الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون، والذين ~~آمنوا في هذا الموضع هم: المؤتمنون على الخلائق من الحجج، والأوصياء في عصر ~~بعد عصر، وليس كل من أقر أيضا من أهل القبلة بالشهادتين كان مؤمنا إن ~~المنافقين كانوا يشهدون: أن لا إلا إلا الله وأن محمدا رسول الله، ويدفعون ~~عهد رسول الله بما عهد به: من دين الله، وعزائمه، وبراهين نبوته، إلى وصيه ~~ويضمرون من الكراهة لذلك، والنقض لما أبرمه منه عند إمكان الأمر لهم، فيما ~~قد بينه الله لنبيه بقوله: " فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكمونك فيما شجر ~~بينهم ثم لا يجدون في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما " وبقوله: " وما ~~محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم " ~~ومثل قوله: " لتركبن طبقا عن طبق " أي: لتسلكن سبيل من كان قبلكم من الأمم: ~~في الغدر بالأوصياء بعد الأنبياء، وهذا كثير في كتاب الله عز وجل، وقد شق ~~على النبي ما يؤول إليه PageV01P369 # عاقبة أمرهم، واطلاع الله إياه على بوارهم، فأوحى الله عز وجل إليه، " ~~فلا تذهب نفسك عليهم حسرات " " ولا تأس على القوم الكافرين " وأما قوله: " ~~واسأل من أرسلنا قبلك من رسلنا " فهذا من براهين نبينا التي آتاه الله ~~إياها، وأوجب به الحجة على سائر خلقه، ms248 لأنه لما ختم به الأنبياء، وجعله ~~الله رسولا إلى جميع الأمم، وسائر الملل، خصه الله بالارتقاء إلى السماء ~~عند المعراج وجمع له يومئذ الأنبياء، فعلم منهم ما أرسلوا به وحملوه من: ~~عزائم الله وآياته وبراهينه، وأقروا أجمعون بفضله، وفضل الأوصياء والحجج في ~~الأرض من بعده وفضل شيعة وصيه من المؤمنين والمؤمنات، الذين سلموا لأهل ~~الفضل فضلهم، ولم يستكبروا عن أمرهم، وعرف من أطاعهم وعصاهم من أممهم، ~~وسائر من مضى ومن غبر، أو تقدم أو تأخر. # وأما هفوات الأنبياء عليهم السلام وما بينه الله في كتابه، ووقوع الكناية ~~من أسماء من اجترم أعظم مما اجترمته الأنبياء، ممن شهد الكتاب بظلمهم، فإن ~~ذلك من أدل الدلائل على: حكمة الله عز وجل الباهرة، وقدرته القاهرة، وعزته ~~الظاهرة لأنه علم: أن براهين الأنبياء تكبر في صدور أممهم، وأن منهم من ~~يتخذ بعضهم إلها، كالذي كان من النصارى في ابن مريم، فذكرها دلالة على ~~تخلفهم عن الكمال الذي تفرد به عز وجل، ألم تسمع إلى قوله في صفة عيسى حيث ~~قال فيه وفي أمه: # " كانا يأكلان الطعام " يعني: أن من أكل الطعام كان له ثقل: ومن كان له ~~ثقل فهو بعيد مما ادعته النصارى لابن مريم، ولم يكن عن أسماء الأنبياء ~~تبجرا وتعزرا (1) بل تعريفا لأهل الاستبصار. # إن الكناية عن أسماء أصحاب الجرائر العظيمة من المنافقين في القرآن ليست ~~من فعله تعالى، وإنها من فعل المغيرين والمبدلين، الذين جعلوا القرآن عضين ~~واعتاضوا الدنيا من الدين، وقد بين الله تعالى قصص المغيرين بقوله: " الذين ~~يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا " ~~وبقوله # PageV01P370 # " وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب " وبقوله: " إذ يبيتون ما لا ~~يرضى من القول " بعد فقد الرسول مما يقيمون به أود باطلهم (1) حسب ما فعلته ~~اليهود والنصارى بعد فقد موسى وعيسى من: تغيير التوراة والإنجيل، وتحريف ~~الكلم عن مواضعه، وبقوله: " يريدون ليطفؤا نور الله بأفواههم ويأبى الله ~~إلا أن يتم نوره ولو كره المشركون " يعني: أنهم أثبتوا في ms249 الكتاب ما لم ~~يقله الله ليلبسوا على الخليقة فأعمى الله قلوبهم حتى تركوا فيه ما دل على ~~ما أحدثوه فيه، وبين عن إفكهم، وتلبيسهم وكتمان ما عملوه منه، ولذلك قال ~~لهم: لم تلبسون الحق بالباطل، وضرب مثلهم بقوله: " فأما الزبد فيذهب جفاء ~~وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض " فالزبد في هذا الموضع كلام الملحدين ~~الذين أثبتوه في القرآن، فهو يضمحل، ويبطل ويتلاشى عند التحصيل، والذي ينفع ~~الناس منه: فالتنزيل الحقيقي الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من ~~خلفه، والقلوب تقبله، والأرض في هذا الموضع فهي: # محل العلم وقراره. # وليس يسوغ مع عموم التقية التصريح بأسماء المبدلين، ولا الزيادة في آياته ~~على ما أثبتوه من تلقائهم في الكتاب، لما في ذلك من تقوية حجج أهل التعطيل ~~والكفر، والملل المنحرفة عن قبلتنا، وإبطال هذا العلم الظاهر الذي قد ~~استكان له الموافق والمخالف بوقوع الاصطلاح على الايتمار لهم، والرضا بهم، ~~ولأن أهل الباطل في القديم والحديث أكثر عدا من أهل الحق، فلأن الصبر على ~~ولاة الأمر مفروض لقول الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وآله: " فاصبر كما ~~صبر أولوا العزم من الرسل " وإيجابه مثل ذلك على أوليائه، وأهل طاعته، ~~بقوله: " لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة " فحسبك من الجواب عن هذا ~~الموضع ما سمعت، فإن شريعة التقية تخطر التصريح بأكثر منه. # وأما قوله: وجاء ربك والملك صفا صفا، وقوله: " ولقد جئتمونا فرادى " ~~وقوله: " هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض # PageV01P371 # آيات ربك " فذلك كله حق، وليست جيئته جل ذكره كجيئة خلقه، فإنه رب كل شئ. # ومن كتاب الله عز وجل يكون تأويله على غير تنزيله، ولا يشبه تأويله بكلام ~~البشر، ولا فعل البشر وسأنبئك بمثال لذلك تكتفي به إنشاء الله تعالى وهو ~~حكاية الله عز وجل عن إبراهيم عليه السلام حيث قال: " إني ذاهب إلى ربي " ~~فذهابه إلى ربه توجهه إليه في عبادته واجتهاده، ألا ترى أن تأويله غير ~~تنزيله، وقال: # " وأنزل ms250 لكم من الأنعام ثمانية أزواج " وقال: " وأنزلنا الحديد فيه بأس ~~شديد " فإنزاله ذلك: خلقه إياه. # وكذلك قوله: " إن كان للرحمن ولد فإنا أول العابدين " أي: الجاحدين ~~والتأويل في هذا القول باطنه مضاد لظاهره. # ومعنى قوله: " فهل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي ~~بعض آيات ربك " فإنما خاطب نبينا محمدا صلى الله عليه وآله هل ينتظر ~~المنافقون والمشركون إلا أن تأتيهم الملائكة فيعاينونهم، أو يأتي ربك أو ~~يأتي بعض آيات ربك يعني بذلك: أمر ربك، والآيات هي: العذاب في دار الدنيا، ~~كما عذب الأمم السالفة، والقرون الخالية، وقال: " أولم يروا أنا نأتي الأرض ~~ننقصها من أطرافها " يعني بذلك: ما يهلك من القرون فسماه إتيانا، وقال: " ~~قاتلهم الله أنى يؤفكون " أي لعنهم الله أنى يؤفكون، فسمى اللعنة قتالا، ~~وكذلك قال: " قتل الإنسان ما أكفره " أي: لعن الإنسان، وقال: " فلم تقتلوهم ~~ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى " فسمى فعل النبي صلى الله ~~عليه وآله فعلا له، ألا ترى تأويله على غير تنزيله ومثل قوله: " بل هم ~~بلقاء ربهم كافرون " فسمى البعث: لقاء، وكذلك قوله: # " الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم " أي: يوقنون أنهم مبعوثون، ومثله قوله: ~~" ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم " أي: ليس يوقنون أنهم مبعوثون، ~~واللقاء عند المؤمن: البعث، وعند الكافر: المعاينة والنظر. # وقد يكون بعض ظن الكافر يقينا، وذلك قوله: " ورأى المجرمون النار ~~PageV01P372 # فظنوا أنهم مواقعوها " أي: تيقنوا أنهم مواقعوها، وأما قوله في ~~المنافقين: " ويظنون بالله الظنونا " فليس ذلك بيقين ولكنه شك، فاللفظ واحد ~~في الظاهر، ومخالف في الباطن، وكذلك قوله: " الرحمن على العرش استوى " ~~يعني: استوى تدبيره وعلا أمره، وقوله، " وهو الذي في السماء إله وفي الأرض ~~إله " وقوله: " هو معكم أينما كنتم " وقوله: " ما يكون من نجوى ثلاثة إلا ~~هو رابعهم " فإنما أراد بذلك استيلاء أمنائه بالقدرة التي ركبها فيهم على ~~جميع خلقه، وأن فعله فعلهم. # فافهم عني ما أقول لك، فإني إنما أزيدك في الشرح لا ثلج في صدرك ms251 وصدر من ~~لعله بعد اليوم يشك في مثل ما شككت فيه، فلا يجد مجيبا عما يسأل عنه، لعموم ~~الطغيان، والافتنان، واضطرار أهل العلم بتأويل الكتاب، إلى الاكتتام ~~والاحتجاب، خيفة أهل الظلم والبغي. # أما إنه سيأتي على الناس زمان يكون الحق فيه مستورا، والباطل ظاهرا ~~مشهورا، وذلك إذا كان أولى الناس به أعدائهم له، واقترب الوعد الحق، وعظم ~~الإلحاد، وظهر الفساد، هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا، ونحلهم ~~الكفار أسماء الأشرار، فيكون جهد المؤمن أن يحفظ مهجته من أقرب الناس إليه ~~ثم يتيح الله الفرج لأوليائه، ويظهر صاحب الأمر على أعدائه. # وأما قوله: " ويتلوه شاهد منه " فذلك حجة الله أقامها على خلقه، وعرفهم ~~أنه لا يستحق مجلس النبي إلا من يقوم مقامه، ولا يتلوه إلا من يكون في ~~الطهارة مثله، لئلا يتسع لمن ماسه حس الكفر في وقت من الأوقات انتحال ~~الاستحقاق بمقام رسول الله صلى الله عليه وآله، وليضيق العذر على من يعينه ~~على إثمه وظلمه، إذ كان الله قد خطر على من ماسه الكفر تقلد ما فوضه إلى ~~أنبيائه وأوليائه، بقوله لإبراهيم: # " لا ينال عهدي الظالمين " أي: المشركين، لأنه سمى الظلم شركا بقوله: " ~~إن الشرك لظلم عظيم " فلما علم إبراهيم عليه السلام أن عهد الله تبارك ~~وتعالى اسمه بالإمامة لا ينال عبدة الأصنام، قال: " فاجنبني وبني أن نعبد ~~الأصنام " واعلم أن من آثر المنافقين على الصادقين، والكفار على الأبرار، ~~فقد افترى PageV01P373 # إثما عظيما، إذا كان قد بين في كتابه الفرق بين المحق والمبطل، والطاهر ~~والنجس والمؤمن والكافر، وأنه لا يتلوا النبي عند فقده إلا من حل محله ~~صدقا، وعدلا، وطهارة، وفضلا. # وأما الأمانة التي ذكرتها فهي: الأمانة التي لا تجب ولا تجوز أن تكون إلا ~~في الأنبياء وأوصيائهم، لأن الله تبارك وتعالى ائتمنهم على خلقه، وجعلهم ~~حججا في أرضه والسامري ومن أجمع معه وأعانه من الكفار على عبادة العجل عند ~~غيبة موسى ما تم انتحال محل موسى من الطغام، والاحتمال لتلك الأمانة التي ~~لا ينبغي إلا لطاهر من الرجس، ms252 فاحتمل وزرها ووزر من سلك سبيله من الظالمين ~~وأعوانهم ولذلك قال النبي صلى الله عليه وآله: ومن استن سنة حق كان له: ~~أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ولهذا القول من النبي صلى الله ~~عليه وآله شاهد من كتاب الله، وهو: قول الله عز وجل في قصة قابيل قاتل ~~أخيه: " من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو ~~فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيى الناس جميعا ~~" والإحياء في هذا الموضع تأويل في الباطن ليس كظاهره، وهو من هداها، لأن ~~الهداية هي: حياة الأبد، ومن سماه الله حيا لم يمت أبدا، إنما ينقله من دار ~~محنة إلى دار راحة ومنحة. # وأما ما كان من الخطاب بالانفراد مرة، وبالجمع مرة، من صفة الباري جل ~~ذكره، فإن الله تبارك وتعالى اسمه، على ما وصف به نفسه بالانفراد ~~والوحدانية، هو: النور الأزلي القديم الذي ليس كمثله شئ، لا يتغير، ويحكم ~~ما يشاء ويختار، ولا معقب لحكمه، ولا راد لقضائه، ولا ما خلق زاد في ملكه ~~وعزه ولا نقص منه ما لم يخلقه، وإنما أراد بالخلق إظهار قدرته، وإبداء ~~سلطانه، وتبيين براهين حكمته، فخلق ما شاء كما شاء، وأجري فعل بعض الأشياء ~~على أيدي من اصطفى من أمنائه، وكان فعلهم فعله، وأمرهم أمره، كما قال: " ~~ومن يطع الرسول فقد أطاع الله " وجعل السماء والأرض وعاء لمن يشاء من خلقه، ~~ليميز الخبيث من الطيب، مع سابق علمه بالفريقين من أهلها، وليجعل ذلك مثالا ~~PageV01P374 # لأوليائه وأمنائه، وعرف الخليقة فضل منزلة أوليائه، وفرض عليهم من طاعتهم ~~مثل الذي فرضه منه لنفسه، وألزمهم الحجة بأن خاطبهم خطابا يدل على انفراده ~~وتوحده وبأن له أولياء تجري أفعالهم وأحكامهم مجرى فعله، فهم: " العباد ~~المكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون " " هو الذي (1) أيدهم بروح ~~منه " وعرف الخلق اقتدارهم على علم الغيب بقوله: " عالم الغيب فلا يظهر على ~~غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول " وهم: النعيم الذي يسأل ms253 العباد عنه، لأن ~~الله تبارك وتعالى أنعم بهم على من اتبعهم من أوليائهم. # قال السائل: من هؤلاء الحجج؟ # قال: هم رسول الله، ومن حل محله من أصفياء الله الذين قرنهم الله بنفسه ~~ورسوله، وفرض على العباد من طاعتهم مثل الذي فرض عليهم منها لنفسه، وهم ~~ولاة الأمر الذين قال الله فيهم: " أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر ~~منكم " وقال فيهم: " ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين ~~يستنبطونه منهم " قال السائل: ما ذاك الأمر؟ # قال علي عليه السلام: الذي به تنزل الملائكة في الليلة التي يفرق فيها كل ~~أمر حكيم، من: خلق، ورزق، وأجل، وعمل، وعمر، وحياة وموت، وعلم غيب السماوات ~~والأرض، والمعجزات التي لا تنبغي إلا لله وأصفيائه والسفرة بينه وبين خلقه، ~~وهم وجه الله الذي قال: فأينما تولوا فثم وجه الله " هم بقية الله يعني ~~المهدي يأتي عند انقضاء هذه النظرة، فيملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما ~~وجورا، ومن آياته: الغيبة والاكتتام، عند عموم الطغيان، وحلول الانتقام، ~~ولو كان هذا الأمر الذي عرفتك بأنه للنبي دون غيره، لكان الخطاب يدل على ~~فعل ماض، غير دائم ولا مستقبل، ولقال: " نزلت الملائكة " " وفرق كل أمر ~~حكيم " ولم يقل: " تنزل الملائكة " ويفرق كل أمر حكيم " وقد زاد جل ذكره في ~~التبيان، وإثبات الحجة، بقوله - في أصفيائه وأوليائه عليهم السلام -: " أن ~~تقول نفس # PageV01P375 # يا حسرتي على ما فرطت في جنب الله " تعريفا للخليقة قربهم، ألا ترى أنك ~~تقول: # " فلان إلى جنب فلان " إذا أردت أن تصف قربه منه. # وإنما جعل الله تبارك وتعالى في كتابه هذه الرموز التي لا يعلمها غيره، ~~وغير أنبيائه وحججه في أرضه، لعلمه بما يحدثه في كتابه المبدلون، من: إسقاط ~~أسماء حججه منه، وتلبيسهم ذلك على الأمة ليعينوهم على باطلهم، فأثبت به ~~الرموز، وأعمى قلوبهم وأبصارهم، لما عليهم في تركها وترك غيرها، من الخطاب ~~الدال على ما أحدثوه فيه، وجعل أهل الكتاب المقيمين به، والعالمين بظاهره ~~وباطنه من: # شجرة أصلها ثابت وفرعها في السماء ms254 تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، أي: يظهر ~~مثل هذا العلم لمحتمليه في الوقت بعد الوقت، وجعل أعدائها، أهل الشجرة ~~الملعونة الذين حاولوا إطفاء نور الله بأفواههم، فأبي الله إلا أن يتم ~~نوره، ولو علم المنافقون لعنهم الله: ما عليهم من ترك هذه الآيات التي بينت ~~لك تأويلها، لأسقطوها مع ما أسقطوا منه، ولكن الله تبارك اسمه ماض حكمه ~~بإيجاب الحجة على خلقه، كما قال الله تعالى، " فلله الحجة البالغة " أغشى ~~أبصارهم، وجعل على قلوبهم أكنة عن تأمل ذلك، فتركوه بحاله، وحجبوا عن تأكيد ~~الملتبس بإبطاله، فالسعداء ينهون عليه، والأشقياء يعمون عنه، ومن لم يجعل ~~الله له نورا فما له من نور. # ثم إن الله جل ذكره لسعة رحمته، ورأفته بخلقه، وعلمه بما يحدثه المبدلون ~~من تغيير كتابه، قسم كلامه ثلاثة أقسام، فجعل قسما منه: يعرفه العالم ~~والجاهل وقسما: لا يعرفه إلا من صفى ذهنه، ولطف حسه، وصح تميزه، ممن شرح ~~الله صدره للإسلام، وقسما: لا يعرفه إلا الله، وأمناؤه، والراسخون في ~~العلم، وإنما فعل الله ذلك لئلا يدعي أهل الباطل من المستولين على ميراث ~~رسول الله صلى الله عليه وآله من علم الكتاب ما لم يجعل الله لهم، وليقودهم ~~الاضطرار إلى الايتمار لمن ولاه أمرهم فاستكبروا عن طاعته، تعزرا (1) ~~وافتراء على الله عز وجل، واغترارا بكثرة من ظاهرهم، وعاونهم، وعاند الله ~~عز وجل ورسوله. # PageV01P376 # فأما ما علمه الجاهل والعالم، فمن فضل رسول الله في كتاب الله، فهو قول ~~الله عز وجل: " من يطع الرسول فقد أطاع الله " وقوله: " إن الله وملائكته ~~يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما " ولهذه ~~الآية ظاهر وباطن فالظاهر قوله: " صلوا عليه " والباطن قوله: " وسلموا ~~تسليما " أي سلموا لمن وصاه واستخلفه، وفضله عليكم، وما عهد به إليه ~~تسليما، وهذا مما أخبرتك: أنه لا يعلم تأويله إلا من لطف حسه، وصفى ذهنه، ~~وصح تمييزه، وكذلك قوله: # " سلام على آل يس " لأن الله سمى به النبي صلى الله عليه وآله حيث قال: " ~~يس ms255 والقرآن الحكيم * إنك لمن المرسلين " لعلمه بأنهم يسقطون قول الله: سلام ~~على آل محمد كما أسقطوا غيره، وما زال رسول الله صلى الله عليه وآله ~~يتألفهم، ويقربهم، ويجلسهم عن يمينه وشماله، حتى أذن الله عز وجل في ~~إبعادهم بقوله: " واهجرهم هجرا جميلا " وبقوله، " فما للذين كفروا قبلك ~~مهطعين * عن اليمين وعن الشمال عزين * أيطمع كل امرء منهم أن يدخل جنة نعيم ~~* كلا إنا خلقناهم مما يعلمون " وكذلك قول الله عز وجل: " يوم ندعو كل أناس ~~بإمامهم " ولم يسم بأسمائهم. وأسماء آبائهم وأمهاتهم. # وأما قوله: " كل شئ هالك إلا وجهه " فإنما أنزلت كل شئ هالك إلا دينه، ~~لأنه من المحال أن يهلك منه كل شئ ويبقى الوجه، هو أجل وأكرم وأعظم من ذلك، ~~إنما يهلك من ليس منه، ألا ترى أنه قال: " كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ~~ذو الجلال والإكرام " ففصل بين خلقه ووجهه. # وأما ظهورك على تناكر قوله: " فإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى فأنكحوا ~~ما طاب لكم من النساء " وليس يشبه القسط في اليتامى نكاح النساء. ولا كل ~~النساء أيتام، فهو: مما قدمت ذكره من إسقاط المنافقين من القرآن، وبين ~~القول في اليتامى وبين نكاح النساء من الخطاب والقصص أكثر من ثلث القرآن ~~وهذا وما أشبهه مما ظهرت حوادث المنافقين فيه لأهل النظر والتأمل، ووجد ~~المعطلون وأهل الملل المخالفة للإسلام مساغا إلى القدح في القرآن، ولو شرحت ~~لك كلما أسقط PageV01P377 # وحرف وبدل مما يجري هذا المجري لطال، وظهر ما تخطر التقية إظهاره من ~~مناقب الأولياء، ومثالب الأعداء (1). # PageV01P378 # وأما قوله: " وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون " فهو تبارك اسمه أجل ~~وأعظم من أن يظلم، ولكن قرن أمناءه على خلقه بنفسه، وعرف الخليقة جلالة ~~قدرهم عنده، وأن ظلمهم ظلمه، بقوله، " وما ظلمونا " ببغضهم أولياءنا ومعونة ~~أعدائهم عليهم " ولكن كانوا أنفسهم يظلمون " إذ حرموها الجنة، وأوجبوا ~~عليها خلود النار. # وأما قوله: " إنما أعظكم بواحدة " فإن الله جل ذكره نزل عزائم الشرائع ~~وآيات الفرائض، في أوقات مختلفة، كما خلق السماوات ms256 والأرض في ستة أيام، ولو ~~شاء لخلقها في أقل من لمح البصر، ولكنه جعل الأناة والمداراة أمثالا ~~لأمنائه وإيجابا للحجة على خلقه، فكان أول ما قيدهم به: الإقرار بالوحدانية ~~والربوبية والشهادة بأن لا إله إلا الله، فلما أقروا بذلك تلاه بالاقرار ~~لنبيه صلى الله عليه وآله بالنبوة والشهادة له بالرسالة، فلما انقادوا ذلك ~~فرض عليهم الصلاة، ثم الصوم، ثم الحج ثم الجهاد، ثم الزكاة، ثم الصدقات، ~~وما يجري مجراها من مال الفيئ، فقال المنافقون: هل بقي لربك علينا بعد الذي ~~فرضه شئ آخر يفترضه. فتذكره لتسكن أنفسنا إلى أنه لم يبق غيره، فأنزل الله ~~في ذلك: " قل إنما أعظكم بواحدة " يعني: الولاية، وأنزل، " إنما وليكم الله ~~ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون " وليس ~~بين الأمة خلاف أنه لم يؤت الزكاة يومئذ أحد وهو راكع غير رجل، ولو ذكر ~~اسمه في الكتاب لأسقط مع ما أسقط من معناها المحرفون فيبلغ إليك وإلى ~~أمثالك، وعند ذلك قال الله: " اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ~~ورضيت لكم الإسلام دينا ". # وأما قوله للنبي: " وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين " وأنك ترى أهل الملل ~~المخالفة للإيمان ومن يجري مجراهم من الكفار مقيمين على كفرهم إلى هذه ~~الغاية PageV01P379 # وأنه لو كان رحمة عليهم لاهتدوا جميعا ونجوا من عذاب السعير، فإن الله ~~تبارك وتعالى إنما عنى بذلك: أنه جعله سببا لأنظار أهل هذه الدار لأن ~~الأنبياء قبله بعثوا بالتصريح لا بالتعريض، وكان النبي صلى الله عليه وآله ~~منهم إذا صدع بأمر الله وأجابه قومه سلموا وسلم أهل دارهم من سائر الخليقة، ~~وإن خالفوه هلكوا وهلك أهل دارهم بالآفة التي كان نبيهم يتوعدهم بها، ~~ويخوفهم حلولها ونزولها بساحتهم، من: # خسف، أو قذف، أو رجف، أو زلزلة، أو غير ذلك من أصناف العذاب التي هلكت ~~بها الأمم الخالية. # وأن الله علم من نبينا صلى الله عليه وآله ومن الحجج في الأرض: الصبر على ~~ما لم يطق من تقدمهم من الأنبياء الصبر على مثله، فبعثه، فبعثه ms257 الله ~~بالتعريض لا بالتصريح، وأثبت حجة الله تعريضا لا تصريحا بقوله - في وصيه -: ~~" من كنت مولاه فهذا مولاه ". # و " هو مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي " وليس من خليقة ~~النبي ولا من النبوة أن يقول قولا لا معنى له، فلزم الأمة أن تعلم: أنه لما ~~كانت النبوة والأخوة موجودتين في خلقة هارون، ومعدومتين فيمن جعله النبي ~~صلى الله عليه وآله بمنزلته أنه قد استخلفه على أمته كما استخلف موسى ~~هارون، حيث قال له: # " أخلفني في قومي " ولو قال لهم: لا تقلدوا الإمامة إلا فلانا بعينه وإلا ~~نزل بكم العذاب، لأتاهم العذاب وزال باب الإنظار والإمهال. # وبما أمر بسد باب الجميع وترك بابه، ثم قال: ما سددت ولا تركت ولكني أمرت ~~فأطعت، فقالوا سددت بابنا وتركت لأحدثنا سنا. # فأما ما ذكروه من حداثة سنه، فإن الله لم يستصغر يوشع بن نون حيث أمر ~~موسى أن يعهد بالوصية إليه، وهو في سن ابن سبع سنين، ولا استصغر يحيى وعيسى ~~لما استودعهما عزائمه وبراهين حكمته، وإنما جعل ذلك جل ذكره لعلمه بعاقبة ~~الأمور، وأن وصيه لا يرجع بعده ضالا ولا كافرا. # وبأن عمد النبي صلى الله عليه وآله إلى سورة براءة، فدفعها إلى من علم أن ~~الأمة تؤثره على وصيه، وأمره بقرائتها على أهل مكة، فلما ولى من بين يديه ~~أتبعه بوصيه PageV01P380 # وأمر بارتجاعها منه، والنفوذ إلى مكة ليقرأها على أهلها، وقال: " إن الله ~~جل جلاله أوحى إلي أن لا يؤدي عني إلا رجل مني " دلالة منه على خيانة من ~~علم أن الأمة اختارته على وصيه. # ثم شفع ذلك بضم الرجل الذي ارتجع سورة براءة منه، ومن يوازره في تقدم ~~المحل عند الأمة، إلى علم النفاق " عمرو بن العاص " في غزاة ذات السلاسل، ~~ولاهما عمرو: حرس عسكره. # وختم أمرهما بأن: ضمهما عند وفاته إلى مولاه أسامة بن زيد، وأمرهما ~~بطاعته، والتصريف بين أمره ونهيه، وكان آخر ما عهد به في أمر أمته قوله: # " أنفذوا جيش أسامة " يكرر ذلك على ms258 أسماعهم، إيجابا للحجة عليهم في إيثار ~~المنافقين على الصادقين. # ولو عددت كلما كان من أمر رسول الله صلى الله عليه وآله في إظهار معائب ~~المستولين على تراثه لطال، وأن السابق منهم إلى تقلد ما ليس له بأهل قام ~~هاتفا على المنبر لعجزه عن القيام بأمر الأمة، ومستقيلا (1) مما قلدوه ~~لقصور معرفته على تأويل ما كان يسأل عنه، وجهله بما يأتي ويذر. # ثم أقام على ظلمه، ولم يرض باحتقاب عظيم الوزر في ذلك حتى عقد الأمر من ~~بعده لغيره، فأتى التالي بتسفيه رأيه، والقدح والطعن على أحكامه، ورفع ~~السيف عمن كان صاحبه وضعه عليه، ورد النساء اللاتي كان سباهن إلى أزواجهن ~~وبعضهن حوامل، (2) وقوله: " قد نهيته عن قتال أهل القبلة فقال لي: إنك لحدب ~~على أهل الكفر وكان هو في ظلمه لهم أولى باسم الكفر منهم ". # ولم يزل يخطئه، ويظهر الأرزاء عليه، ويقول على المنبر: " كانت بيعة أبي ~~بكر فلتة، وقى الله شرها، فمن دعاكم إلى مثلها فاقتلوه " وكان يقول: قبل # PageV01P381 # ذلك قولا ظاهرا ليته حسنة من حسناته، ويود أنه كان شعرة في صدره، وغير ~~ذلك من القول المتناقض المؤكد لحجج الدافعين لدين الإسلام. # وأتى من أمر الشورى وتأكيده بها: عقد الظلم والإلحاد، والغي والفساد، حتى ~~تقرر على إرادته ما لم يخف - على ذي لب موضع ضرره -. # ولم تطق الأمة الصبر على ما أظهره الثالث من سوء الفعل، فعاجلته بالقتل ~~فاتسع بما جنوه من ذلك لمن وافقهم على ظلمهم وكفرهم ونفاقهم: محاولة مثل ما ~~أتوه من الاستيلاء على أمر الأمة. # كل ذلك لتتم النظرة التي أوحاها الله تعالى لعدوه إبليس، إلى أن يبلغ ~~الكتاب أجله، ويحق القول على الكافرين، ويقترب الوعد الحق، الذي بينه في ~~كتابه بقوله: " وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات لنستخلفنهم في ~~الأرض كما استخلف الذين من قبلهم " (1) وذلك: إذا لم يبق من الإسلام إلا ~~اسمه ومن القرآن إلا رسمه، وغاب صاحب الأمر بإيضاح الغدر له في ذلك، ~~لاشتمال الفتنة على القلوب حتى يكون أقرب الناس إليه ms259 أشدهم عدواة له. # وعند ذلك يؤيده الله بجنود لم تروها، ويظهر دين نبيه صلى الله عليه وآله ~~- على يديه - على الدين كله ولو كره المشركون. # وأما ما ذكرته من الخطاب الدال على تهجين النبي صلى الله عليه وآله، ~~والأرزاء به، والتأنيب له، مع ما أظهره الله تعالى في كتابه من تفضيله إياه ~~على سائر أنبيائه فإن الله عز وجل جعل لكل نبي عدوا من المشركين، كما قال ~~في كتابه، وبحسب جلالة منزلة نبينا صلى الله عليه وآله عند ربه، كذلك عظم ~~محنته لعدوه الذي عاد منه في شقاقه ونفاقه كل أذى ومشقة لدفع نبوته، ~~وتكذيبه إياه، وسعيه في مكارهه، وقصده لنقض كل ما أبرمه، واجتهاده ومن ~~مالأه على كفره، وعناده، ونفاقه، وإلحاده في إبطال دعواه، وتغيير ملته، ~~ومخالفته سنته، ولم ير شيئا أبلغ في تمام كيده من تنفيرهم من موالاة وصيه، ~~وإيحاشهم منه، وصدهم عنه، وإغرائهم بعداوته، # PageV01P382 # والقصد لتغيير الكتاب الذي جاء به، وإسقاط ما فيه من فضل ذوي الفضل، وكفر ~~ذوي الكفر، منه وممن وافقه على ظلمه، وبغيه، وشركه، ولقد علم الله ذلك منهم ~~فقال: " إن الذين يلحدون في آياتنا لا يخفون علينا " وقال: " يريدون أن ~~يبدلوا كلام الله " ولقد أحضروا الكتاب كملا مشتملا على التأويل، والتنزيل. # والمحكم، والمتشابه، والناسخ، والمنسوخ، لم يسقط منه: حرف ألف ولا لام، ~~فلما وقفوا على ما بينه الله من: أسماء أهل الحق والباطل، وأن ذلك إن أظهر ~~نقص ما عهدوه قالوا: لا حاجة لنا فيه، نحن مستغنون عنه بما عندنا، وكذلك ~~قال: " فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون ". # دفعهم الاضطرار بورود المسائل عليهم عما لا يعلمون تأويله، إلى جمعه، ~~وتأليفه، وتضمينه من تلقائهم ما يقيمون به دعائم كفرهم، فصرخ مناديهم: من ~~كان عنده شئ من القرآن فليأتنا به، ووكلوا تأليفه ونظمه إلى بعض من وافقهم ~~على معادات أولياء الله، فألفه على اختيارهم، وما يدل للمتأمل له على ~~اختلال تمييزهم، وافترائهم، وتركوا منه ما قدروا أنه لهم، وهو عليهم، ~~وزادوا ms260 فيه ما ظهر تناكره وتنافره، وعلم الله أن ذلك يظهر ويبين، فقال، " ~~ذلك مبلغهم من العلم " وانكشف لأهل الاستبصار عوارهم، وافترائهم. # والذي بدا في الكتاب من الازراء على النبي صلى الله عليه وآله من فرقة ~~الملحدين ولذلك قال: " ويقولون منكرا من القول وزورا " ويذكر جل ذكره لنبيه ~~صلى الله عليه وآله ما يحدثه عدوه في كتابه من بعده بقوله: " وما أرسلنا من ~~قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما ~~يلقى الشيطان ثم يحكم الله آياته " يعني: أنه ما من نبي تمنى مفارقة ما ~~يعاينه من نفاق قومه، وعقوقهم، والانتقال عنهم إلى دار الإقامة، إلا ألقى ~~الشيطان المعرض لعداوته عند فقده في الكتاب الذي أنزل عليه، ذمه، والقدح ~~فيه، والطعن عليه، فينسخ الله ذلك من قلوب المؤمنين فلا تقبله، ولا تصغي ~~إليه غير قلوب المنافقين، والجاهلين، ويحكم الله آياته بأن: # يحمي أوليائه من الضلال والعدوان، ومشايعة أهل الكفر والطغيان، الذين لم ~~يرض PageV01P383 # الله أن يجعلهم كالأنعام حتى قال: " بل هم أضل سبيلا ". # فافهم هذا واعلمه، واعمل به، واعلم أنك ما قد تركت مما يجب عليك السؤال ~~عنه أكثر مما سألت عنه، وأني قد اقتصرت على تفسير يسير من كثير لعدم حملة ~~العلم، وقلة الراغبين في التماسه، وفي دون ما بينت لك بلاغ لذوي الألباب. # قال السائل: حسبي ما سمعت يا أمير المؤمنين، شكرا لله لك على استنقاذي من ~~عماية الشرك، وطخية الإفك، وأجزل على ذلك مثوبتك، إنه على كل شئ قدير، وصلى ~~الله أولا وآخرا على أنوار الهدايات، وأعلام البريات، محمد وآله أصحاب ~~الدلالات الواضحات، وسلم تسليما كثيرا. # عن الأصبغ بن نباتة قال: لما بويع أمير المؤمنين عليه السلام، خرج إلى ~~المسجد متعمما بعمامة رسول الله صلى الله عليه وآله، لابسا بردته، منتعلا ~~بنعل رسول الله، ومتقلدا بسيف رسول الله صلى الله عليه وآله، فصعد المنبر، ~~فجلس متمكنا، ثم شبك بين أصابعه فوضعها أسفل بطنه، ثم قال: # يا معشر الناس سلوني قبل أن ms261 تفقدوني: وهذا سفط العلم، هذا لعاب رسول الله ~~صلى الله عليه وآله، هذا ما زقني رسول الله زقا زقا، سلوني فإن عندي علم ~~الأولين والآخرين. # أما والله لو ثنيت لي الوسادة فجلست عليها، لأفتيت أهل التوراة بتوراتهم ~~وأهل الإنجيل بإنجيلهم، وأهل الزبور بزبورهم، وأهل القرآن بقرآنهم، حتى ~~ينطق كل كتاب من كتب الله فيقول: " صدق علي لقد أفتاكم بما أنزل الله في " ~~وأنتم تتلون القرآن ليلا ونهارا فهل فيكم أحد يعلم: ما أنزل الله فيه، ~~ولولا آية في كتاب الله لأخبرتكم: بما كان، وما يكون، وما هو كائن إلى يوم ~~القيامة وهي هذه الآية: " يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب " (1). # ثم قال: سلوني قبل أن تفقدوني، فوالذي فلق الحبة وبرئ النسمة، لو ~~سألتموني عن: آية آية في ليل نزلت أم في نهار نزلت، مكيها ومدنيها، سفريها # PageV01P384 # وحضريها، وناسخها ومنسوخها، ومحكمها ومتشابهها، وتأويلها وتنزيلها ~~لأنبأتكم. # فقام إليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين هل رأيت ربك؟ # فأجابه بما تقدم ذكرنا إياه (1). # قال: فسلوني قبل أن تفقدوني. # فقام إليه رجل من أقصي المجلس فقال: يا أمير المؤمنين دلني على عمل ~~ينجيني الله به من النار، ويدخلني الجنة! # قال: اسمع، ثم افهم، ثم استيقن، قامت الدنيا بثلاث: بعالم ناطق مستعمل ~~لعلمه، وبغني لا يبخل بماله على أهل دين الله، وبفقير صابر. # فإذا كتم العالم علمه، وبخل الغني بماله، ولم يصبر الفقير على فقره، ~~فعندها الويل والثبور، وكادت الأرض أن ترجع إلى الكفر بعد الإيمان. # أيها السائل لا تغترن بكثرة المساجد، وجماعة أقوام أجسادهم مجتمعة ~~وقلوبهم متفرقة، فإنما الناس ثلاث: زاهد، وراغب، وصابر. # أما الزاهد فلا يفرح بالدنيا إذا أتته، ولا يحزن عليها إذا فاتته. # وأما الصابر فيتمناها بقلبه، فإن أدرك منها شيئا صرف عنها نفسه لعلمه ~~بسوء العاقبة. # وأما الراغب فلا يبالي من حل أصابها أم من حرام. # ثم قال: يا أمير المؤمنين فما علامة المؤمن في ذلك الزمان؟ # قال ينظر إلى ولي الله فيتولاه، وإلي عدو الله فيتبرأ منه وإن كان ms262 حميما ~~قريبا. # قال: صدقت والله يا أمير المؤمنين ثم غاب فلم ير. # فقال: هذا أخي الخضر عليه السلام تمام الخبر. # وعن الأصبغ بن نباتة قال: خطبنا أمير المؤمنين عليه السلام على منبر ~~الكوفة فحمد الله وأثني عليه، ثم قال: # PageV01P385 # أيها الناس سلوني فإن بين جوانحي علما جما. # فقام إليه ابن الكوا فقال: يا أمير المؤمنين ما الذاريات ذروا؟ # قال: الرياح. # قال: فما الحاملات وقرا؟ # قال: السحاب. # قال: فما الجاريات يسرا؟ # قال: السفن. # قال: فما المقسمات أمرا. # قال: الملائكة. # قال: يا أمير المؤمنين وجدت كتاب الله ينقض بعضه بعضا. # قال: ثكلتك أمك يا بن الكوا كتاب الله يصدق بعضه بعضا، ولا ينقض بعضه ~~بعضا، فسل عما بدا لك. # قال: يا أمير المؤمنين سمعته يقول: " رب المشارق والمغارب " وقال في آية ~~أخرى: " رب المشرقين ورب المغربين " وقال في آية أخرى: " رب المشرق والمغرب ~~". # قال: ثكلتك أمك يا بن الكوا، هذا المشرق وهذا المغرب، وأما قوله: رب ~~المشرقين ورب المغربين، فإن مشرق الشتاء على حدة، ومشرق الصيف على حدة أما ~~تعرف ذلك من قرب الشمس وبعدها؟ وأما قوله: رب المشارق والمغارب، فإن لها ~~ثلاثمائة وستين برجا، تطلع كل يوم من برج، وتغيب في آخر، فلا تعود إليه إلا ~~من قابل في ذلك اليوم. # قال: يا أمير المؤمنين كم بين موضع قدمك إلى عرش ربك؟ # قال: ثكلتك أمك يا بن الكوا سل متعلما، ولا تسأل متعنتا، من موضع قدمي ~~إلى عرش ربي أن يقول قائل مخلصا: " لا إله إلا الله ". # قال: يا أمير المؤمنين فما ثواب من قال: لا إله إلا الله؟ # قال: من قال لا إله إلا الله مخلصا طمست ذنوبه، كما يطمس الحرف ~~PageV01P386 # الأسود من الرق الأبيض، فإن قال ثانية لا إله إلا الله مخلصا خرقت أبواب ~~السماوات وصفوف الملائكة حتى يقول الملائكة بعضها لبعض: اخشعوا لعظمة الله ~~فإذا قال ثالثة لا إله إلا الله مخلصا، تنته دون العرش، فيقول الجليل: " ~~اسكني فوعزتي وجلالي لأغفرن لقائلك بما كان فيه " ثم تلا هذه ms263 الآية: " إليه ~~يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه " يعني إذا كان عمله صالحا ارتفع ~~قوله وكلامه. # قال: يا أمير المؤمنين أخبرني عن قوس قزح. # قال: ثكلتك أمك لا تقل: قوس قزح فإن قزحا اسم شيطان، ولكن قل: # قوس الله، إذا بدت يبدو الخصب والريف. # قال: أخبرني يا أمير المؤمنين عن المجرة التي تكون في السماء. # قال: هي شرج في السماء، وأمان لأهل الأرض من الغرق، ومنه غرق الله قوم ~~نوح بماء منهمر قال: يا أمير المؤمنين أخبرني عن المحو الذي يكون في القمر. # قال: عليه السلام: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، رجل أعمى يسأل عن ~~مسألة عمياء، أما سمعت الله تعالى يقول: " وجعلنا الليل والنهار آيتين ~~فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة " (1). # قال: يا أمير المؤمنين أخبرني عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله. # قال: عن أي أصحاب رسول الله تسألني؟ # قال: يا أمير المؤمنين أخبرني عن أبي ذر الغفاري. # قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: " ما أظلت الخضراء، ولا ~~أقلت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر ". # قال: يا أمير المؤمنين فأخبرني عن سلمان الفارسي. # قال: بخ بخ سلمان منا أهل البيت، ومن لكم بمثل لقمان الحكيم، علم علم ~~الأول والآخر. # PageV01P387 # قال يا أمير المؤمنين أخبرني عن حذيفة بن اليماني. # قال: ذاك امرء علم أسماء المنافقين، أن تسألوه عن حدود الله تجدوه بها ~~عالما. # قال: يا أمير المؤمنين فأخبرني عن عمار بن ياسر. # قال: ذاك امرء حرم الله لحمه ودمه على النار أن تمس شيئا منها. # قال: يا أمير المؤمنين فأخبرني عن نفسك. # قال: كنت إذا سألت أعطيت، وإذا سكت ابتدئت. # قال: يا أمير المؤمنين أخبرني عن قول الله عز وجل: " قل هل ننبئكم ~~بالأخسرين أعمالا " الآية. # قال: كفرة أهل الكتاب، اليهود والنصارى، وقد كانوا على الحق فابتدعوا في ~~أديانهم، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا. # ثم نزل عن المنبر وضرب بيده على منكب ابن الكوا. # ثم قال: يا بن الكوا وما أهل ms264 النهروان منهم ببعيد. # فقال: يا أمير المؤمنين ما أريد غيرك، ولا أسأل سواك. # قال: فرأينا ابن الكوا يوم النهروان فقيل له: ثكلتك أمك، بالأمس تسأل ~~أمير المؤمنين عما سألته، وأنت اليوم تقاتله فرأينا رجلا حمل عليه فطعنه ~~فقتله وعن جعفر بن محمد عن أبيه عن آبائه عليهم السلام عن علي عليه السلام ~~قال: سلوني عن كتاب الله عز وجل، فوالله ما نزلت آية من كتاب الله في ليل ~~ونهار، ولا مسير ولا مقام، إلا وقد أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وآله، ~~وعلمني تأويلها. # فقام إليه ابن الكوا فقال: يا أمير المؤمنين فما كان ينزل عليه وأنت غائب ~~عنه؟ # قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله ما كان ينزل عليه من القرآن وأنا ~~غائب عنه حتى أقدم عليه، فيقرأنيه ويقول لي: يا علي أنزل الله علي بعدك كذا ~~وكذا، وتأويله كذا وكذا فيعلمني تنزيله وتأويله. # وجاء في الآثار: أن أمير المؤمنين عليه السلام كان يخطب فقال في خطبته: ~~سلوني قبل أن تفقدوني، فوالله لا تسألوني عن فتنة تضل مائة وتهدي مائة إلا ~~أنبأتكم PageV01P388 # بناعقها، وسائقها إلى يوم القيامة. # فقام إليه رجل (1) فقال: يا أمير المؤمنين أخبرني كم في رأسي ولحيتي من ~~طاقة شعر. # فقال أمير المؤمنين عليه السلام: والله لقد حدثني خليلي رسول الله صلى ~~الله عليه وآله بما سألت عنه، وإن على كل طاقة شعر في رأسك ملكا يلعنك، ~~وعلى كل طاقة شعر في لحيتك شيطانا يستفزك، وإن في بيتك لسخلا يقتل ابن رسول ~~الله، ذلك مصداق ما أخبرتك به ولولا أن الذي سألت يعسر برهانه لأخبرتك به، ~~ولكن آية ذلك ما نبأتك به من لعنك، وسخلك الملعون، وكان ابنه في ذلك الوقت ~~صبيا صغيرا يحبو فلما كان من أمر الحسين عليه السلام ما كان تولي قتله، ~~وكان الأمر كما قال أمير المؤمنين عليه السلام. # * * * احتجاجه (ع) على من قال بالرأي في الشرع والاختلاف في الفتوى وأن ~~يتعرض للحكم بين الناس من ليس لذلك بأهل وذكر الوجه لاختلاف ms265 من أختلف في ~~الدين والرواية عن رسول الله (ص). # روي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: ترد على أحدهم القضية في حكم ~~من الأحكام فيحكم فيها برأيه، ثم ترد تلك القضية بعينها على غيره فيحكم ~~فيها بخلاف قوله، ثم يجتمع القضاة بذلك عند الإمام الذي استقضاهم فيصوب ~~آرائهم جميعا، وإلههم واحد، ونبيهم واحد، وكتابهم واحد، أفأمرهم الله ~~سبحانه بالاختلاف فأطاعوه، أم نهاهم عنه فعصوه، أم أنزل الله دينا ناقصا ~~فاستعان بهم على إتمامه أم كانوا شركاء له فلهم أن يقولوا وعليه أن يرضى، ~~أم أنزل الله سبحانه دينا تاما فقصر الرسول صلى الله عليه وآله عن تبليغه ~~وأدائه، والله سبحانه يقول: " ما فرطنا في الكتاب من شئ " (2) " وفيه تبيان ~~كل شئ " وذكر أن الكتاب يصدق بعضه # PageV01P389 # بعضا، وأنه لا اختلاف فيه فقال سبحانه: " ولو كان من عند غير الله لوجدوا ~~فيه اختلافا كثيرا " وأن القرآن ظاهره أنيق، وباطنه عميق، لا تفني عجائبه، ~~ولا تنقي غرائبه، ولا تكشف الظلمات إلا به. # وروي أنه عليه السلام قال: إن أبغض الخلايق إلى الله تعالى رجلان: # رجل وكله الله إلى نفسه، فهو جائر عن قصد السبيل، سائر بغير علم ولا ~~دليل، مشعوف بكلام بدعة، (1) ودعاء ضلالة، فهو: فتنة لمن افتتن به، ضال عن ~~هدي من كان قبله، مضل لمن اقتدى به في حياته وبعد وفاته، حمال خطايا غيره، ~~رهن بخطيئته. # ورجل قمش جهلا، فوضع في جهال الأمة، غار في أغباش الفتنة، قد لهج منها ~~بالصوم والصلاة، عمي في عقد الهدنة، سماه الله: عاريا منسلخا، وسماه أشباه ~~الناس: عالما وليس به، ولما يغن في العلم يوما، سالما بكر فاستكثر من جمع ~~ما قل منه خير مما كثر، حتى إذا ارتوى من آجن، وأكثر من غير طائل جلس بين ~~الناس مفتيا، قاضيا، ضامنا لتلخيص ما التبس على غيره، إن خالف من سبقه: لم ~~يأمن من نقض حكمه من يأتي من بعده، كفعله بمن كان قبله فإن نزلت به إحدى ~~المبهمات هيأ لها حشوا رثا من ms266 رأيه، ثم قطع به فهو من لبس الشبهات في مثل ~~نسج العنكبوت، خباط جهالات، وركاب عشوات، ومفتاح شبهات، فهو لا يدري أصاب ~~الحق أم أخطأ، إن أصاب خاف أن يكون قد أخطأ، وإن أخطأ رجا أن يكون قد أصاب، ~~فهو من رأيه في مثل نسج غزل العنكبوت الذي إذا مرت به النار لم يعلم بها، ~~لم يعض على العلم بضرس قاطع، فيغنم بذري الروايات إذراء الريح الهشيم، ~~لأملي والله بإصدار ما ورد عليه، لا يحسب العلم في شئ مما أنكره، ولا يرى ~~أن من وراء ما ذهب فيه مذهب ناطق ما بلغ منه مذهبا لغيره، وإن قاس شيئا بشئ ~~لم يكذب رأيه، كيلا يقال له: لا يعلم شيئا، وإن خالف قاضيا سبقه لم يؤمن ~~فضيحته حين خالفه، وإن أظلم عليه أمر اكتتم به لما # PageV01P390 # يعلم من جهل نفسه، تصرخ من جور قضائه الدماء، وتعج منه المواريث، إلى ~~الله أشكو معشرا يعيشون جهالا، ويموتون ضلالا، لا يعتذر مما لا يعلم فيسلم، ~~وتولول منه الفتيا، وتبكي منه المواريث، ويحلل بقضائه الفرج الحرام، ويحرم ~~بقضائه الفرج الحلال، ويأخذ المال من أهله فيدفعه إلى غير أهله. # وروي أنه صلوات الله عليه قال - بعد ذلك -: # أيها الناس عليكم بالطاعة والمعرفة بمن لا تعتذرون بجهالته، فإن العلم ~~الذي هبط به آدم وجميع ما فضلت به النبيون إلى خاتم النبيين في عترة نبيكم ~~محمد صلى الله عليه وآله فأنى يتاه بكم؟! بل أين تذهبون؟! يا من نسخ من ~~أصلاب أصحاب السفينة! # هذه مثلها فيكم فاركبوها، فكما نجى في هاتيك من نجى فكذلك ينجو في هذه من ~~دخلها، أنا رهين بذلك قسما حقا وما أنا من المتكلفين، والويل لمن تخلف ثم ~~الويل لمن تخلف، أما بلغكم ما قال فيكم نبيكم حيث يقول - في حجة الوداع -: # " إني تارك فيكم الثقلين، ما أن تمسكتم بهما لن تضلوا: كتاب الله وعترتي ~~أهل بيتي، وأنهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض فانظروا كيف تخلفوني فيهما ~~" ألا هذا عذب فرات فاشربوا منه، وهذا ms267 ملح أجاج فاجتنبوا. # وروي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال - لرأس اليهود -: على كم ~~افترقتم؟ # فقال على كذا وكذا فرقة. # فقال علي عليه السلام: كذبت ثم أقبل على الناس فقال: # والله لو ثنيت لي الوسادة: لقضيت بين أهل التوراة بتوراتهم، وبين أهل ~~الإنجيل بإنجيلهم، وبين أهل الزبور بزبورهم، وبين أهل القرآن بقرآنهم. # افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، سبعون منها في النار وواحدة ناجية ~~في الجنة، وهي: التي اتبعت يوشع بن نون وصي موسى عليه السلام. # وافترقت النصارى على اثنين وسبعين فرقة، إحدى وسبعون فرقة في النار ~~وواحدة بالجنة، وهي: التي اتبعت شمعون الصفا وصي عيسى عليه السلام. # وتفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، اثنتان وسبعون فرقة في النار ~~PageV01P391 # وواحدة في الجنة، وهي التي اتبعت وصي محمد صلى الله عليه وآله، وضرب بيده ~~على صدره ثم قال: # ثلاثة عشر فرقة من الثلاث وسبعين فرقة كلها تنتحل مودتي، وحبي، واحدة ~~منها في الجنة، وهي: النمط الأوسط واثنتا عشرة في النار. # عن مسعدة بن صدقة، (1) عن جعفر بن محمد عليهما السلام قال: خطب أمير ~~المؤمنين عليه السلام فقال: # سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: " كيف أنتم إذا لبستم الفتنة، ~~ينشؤ فيها الوليد، ويهرم فيها الكبير، ويجري الناس عليها حتى يتخذونها سنة، ~~فإذا غير منها شئ قيل أتى الناس بمنكر، غيرت السنة، ثم تشتد البلية، وتنشؤ ~~فيها الذرية وتدقهم الفتن كما تدق النار الحطب، وكما تدق الرحا بثقالها، ~~يتفقه الناس لغير الدين، ويتعلمون لغير العمل، ويطلبون الدنيا بعمل الآخرة ~~". # ثم أقبل أمير المؤمنين عليه السلام ومعه ناس من أهل بيته، وخاص من شيعته، ~~فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على النبي صلى الله عليه وآله ثم ~~قال: # لقد عمل الولاة قبلي بأمور عظيمة خالفوا فيها رسول الله متعمدين لذلك، ~~ولو حملت الناس على تركها وحولتها إلى مواضعها التي كانت عليها على عهد ~~رسول الله لتفرق عني جندي، حتى أبقى وحدي إلا قليلا من شيعتي، الذين عرفوا ~~فضلي وإمامتي ms268 من كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله، أرأيتم لو أمرت ~~بمقام إبراهيم عليه السلام فرددته إلى المكان الذي وضعه فيه رسول الله، ~~ورددت فدك إلى ورثة فاطمة سلام الله عليها، ورددت صاع رسول الله ومده إلى ~~ما كان، وأمضيت إلى قطايع كان رسول الله صلى الله عليه وآله أقطعها للناس ~~سنين، ورددت دار جعفر بن أبي طالب إلى ورثته، وهدمتها وأخرجتها من المسجد، ~~ورددت الخمس إلى أهله، ورددت قضاء كل من قضى بجور، ورددت سبي ذراري بني ~~تغلب، ورددت ما قسم من أرض # PageV01P392 # خيبر، ومحوت ديوان العطاء، وأعطيت كما كان يعطي رسول الله صلى الله عليه ~~وآله، ولم أجعلها دولة بين الأغنياء. # والله لقد أمرت الناس: أن لا يجمعوا في شهر رمضان إلا في فريضة، فنادى ~~بعض أهل عسكري ممن يقاتل وسيفه معي: " أنعى الإسلام وأهله غيرت سنة عمر " ~~ونهى أن يصلى في شهر رمضان في جماعة، حتى خفت أن يثور في ناحية عسكري على ~~ما لقيت، ولقيت هذه الأمة من أئمة الضلالة، والدعاة إلى النار. # وأعظم من ذلك سهم ذوي القربى، الذي قال الله تبارك وتعالى فيه " واعلموا ~~أنما غنمتم من شئ فإن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين ~~وابن السبيل " (1) وذلك لنا خاصة إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا ~~يوم الفرقان، نحن والله عنى بذوي القربى، الذين قرنهم الله بنفسه ونبيه، ~~ولم يجعل لنا في الصدقة نصيبا، أكرم الله سبحانه وتعالى نبيه وأكرمنا أن ~~يطعمنا أوساخ أيدي الناس. # فقال له رجل: إني سمعت من سلمان، وأبي ذر، والمقداد، أشياء في تفسير ~~القرآن والرواية عن النبي صلى الله عليه وآله، وسمعت منك تصديق ما سمعت ~~منهم، ورأيت في أيدي الناس أشياء كثيرة في تفسير القرآن والأحاديث عن النبي ~~صلى الله عليه وآله وأنتم تخالفونهم، وتزعمون أن ذلك باطل، فترى الناس ~~يكذبون متعمدين على النبي صلى الله عليه وآله، ويفسرون القرآن بآرائهم؟ # قال: فأقبل علي عليه السلام عليه فقال له: سألت فافهم الجواب: إن في ms269 أيدي ~~الناس حقا وباطلا، وصدقا وكذبا، وناسخا ومنسوخا، وخاصا وعاما، ومحكما ~~ومتشابها، وحفظا ووهما، وقد كذب على رسول الله وهو حي، حتى قام خطيبا فقال: # " أيها الناس قد كثرت علي الكذابة، فمن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من ~~النار ". # PageV01P393 # وإنما أتاك بالحديث: أربعة رجال ليس لهم خامس. # رجل منافق: مظهر للإيمان، متصنع بالإسلام، لا يتأثم، ولا يتحرج، يكذب على ~~رسول الله صلى الله عليه وآله متعمدا، فلو علم الناس: أنه منافق، كاذب، لم ~~يقبلوا منه، ولم يصدقوا قوله، ولكنهم قالوا: " صاحب رسول الله، رآه وسمع ~~منه، ولقف عنه " فيأخذون بقوله، وقد أخبرك الله تعالى عن المنافقين بما ~~أخبرك، ووصفهم بما وصفهم به لك، ثم بقوا بعده صلى الله عليه وآله فتقربوا ~~إلى أئمة الضلالة، والدعاة إلى النار بالزور والبهتان، فولوهم الأعمال، ~~وجعلوهم حكاما على رقاب الناس وأكلوا بهم الدنيا، وإنما الناس مع الملوك ~~والدنيا، إلا من عصم الله تعالى، فهذا أحد الأربعة. # ورجل: سمع من رسول الله صلى الله عليه وآله شيئا لم يحفظه على وجهه فوهم ~~فيه، ولم يتعمد كذبا فهو في يديه، يرويه، ويعمل به، ويقول: إنما سمعت من ~~رسول الله صلى الله عليه وآله، فلو علم المسلمون أنه وهم فيه، لم يقبلوه ~~منه، ولو علم هو أنه كذلك لرفضه. # ورجل ثالث: سمع من رسول الله صلى الله عليه وآله شيئا يأمر به، ثم نهى ~~عنه، وهو لا يعلم، أو سمعه نهى عن شئ ثم أمر به وهو لا يعلم، فحفظ المنسوخ، ~~ولم يحفظ الناسخ، فلو علم أنه منسوخ لرفضه، ولو علم المسلمون إذ سمعوه منه ~~أنه منسوخ لرفضوه، وآخر لم يكذب على الله، ولا على رسوله، مبغض للكذب خوفا ~~لله تعالى، وتعظيما لرسول الله صلى الله عليه وآله، ولم يهم به بل حفظ ما ~~سمع على وجهه، فجاء به على ما سمعه، لم يزد فيه ولم ينقص منه، وحفظ الناسخ ~~فعمل به، وحفظ المنسوخ وجنب عنه، وعرف الخاص والعام فوضع كل شئ موضعه، وعرف ~~المتشابه والمحكم. # وقد ms270 كان يكون من رسول الله صلى الله عليه وآله الكلام له وجهان: فكلام ~~خاص، وكلام عام، فيسمعه من لا يعرف ما عنى الله تعالى به، ولا ما عنى به ~~رسول الله صلى الله عليه وآله فيحمله السامع ويوجهه على غير معرفة بمعناه، ~~ولا ما قصد به، وما خرج من PageV01P394 # أجله، وليس كل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله يسأله ويستفهمه، حتى ~~أن كانوا ليحبون أن يجيء الأعرابي أو الطاري فيسأله صلى الله عليه وآله حتى ~~يسمعوا كلامه، وكان لا يمر بي من ذلك شئ إلا سألته عنه، وحفظته، فهذه وجوه ~~ما عليه الناس في اختلافهم، وعللهم في رواياتهم. # وعن يحيى الحضرمي (1) قال سمعت عليا عليه السلام يقول: # كنا جلوسا عند النبي صلى الله عليه وآله وهو نائم ورأسه في حجري. # قيل لي: ما الدجال؟ # فاستيقظ النبي صلى الله عليه وآله محمر وجهه، فقال: فيما أنتم؟ # فقلت له: يا رسول الله سألوني عن الدجال. # فقال: لغير الدجال أنا أخوف عليكم من الدجال، الأئمة الضالون المضلون ~~يسفكون دماء عترتي، أنا حرب لمن حاربهم، وسلم لمن سالمهم. # * * * جواب مسائل الخضر (ع) للحسن بن علي بن أبي طالب (ع) بحضرة أبيه ~~(ع). # عن أبي هاشم داود بن القاسم الجعفري (2) عن أبي جعفر بن محمد بن علي ~~الثاني عليهم السلام قال: # PageV01P395 # أقبل أمير المؤمنين ذات يوم ومعه الحسن بن علي عليهما السلام، وسلمان ~~الفارسي " ره " وأمير المؤمنين عليه السلام متكئ على يد سلمان، فدخل المسجد ~~الحرام فجلس، فأقبل رجل حسن الهيئة واللباس فسلم على أمير المؤمنين عليه ~~السلام، فرد عليه السلام فجلس ثم قال: # يا أمير المؤمنين أسألك عن ثلاث مسائل، إن أخبرتني بهن علمت أن القوم ~~ركبوا من أمرك ما أفضى إليهم أنهم ليسوا بمأمونين في دنياهم ولا في آخرتهم. # وإن يكن الأخرى علمت أنك وهم شرع سواء. # فقال أمير المؤمنين عليه السلام: سلني عما بدا لك. # فقال: أخبرني، عن الرجل إذا نام أين تذهب روحه، وعن الرجل كيف يذكر ~~وينسى، وعن الرجل ms271 كيف يشبه ولده الأعمام والأخوال؟ # فالتفت أمير المؤمنين عليه السلام إلى أبي محمد الحسن بن علي عليه السلام ~~فقال: يا أبا محمد أجبه فقال عليه السلام: PageV01P396 # أما ما سألت عنه من أمر الإنسان إذا نام أين تذهب روحه، فإن: روحه متعلقة ~~بالريح، والريح متعلقة بالهواء إلى وقت ما يتحرك صاحبها لليقظة، فإن أذن ~~الله برد تلك الروح على صاحبها، جذبت تلك الروح الريح، وجذبت تلك الريح ~~الهواء، فرجعت فسكنت في بدن صاحبها، وإن لم يأذن الله عز وجل برد تلك الروح ~~على صاحبها، جذبت الهواء الريح، فجذبت الريح الروح، فلم ترد على صاحبها إلى ~~وقت ما يبعث. # وأما ما ذكرت من أمر الذكر والنسيان فإن: قلب الرجل في حق، وعلى الحق ~~طبق، فإن صلى الرجل عند ذلك على محمد وآل محمد صلاة تامة، انكشف ذلك الطبق ~~عن ذلك الحق، فأضاء القلب، وذكر الرجل ما كان نسي، وإن لم يصل على محمد وآل ~~محمد، أو نقص من الصلاة عليهم، انطبق ذلك الطبق على ذلك الحق، فأظلم القلب، ~~ونسي الرجل ما كان ذكره. # وأما ما ذكرت من أمر المولود الذي يشبه أعمامه وأخواله فإن: الرجل إذا ~~أتى أهله فجامعها بقلب ساكن، وعروق هادئة، وبدن غير مضطرب، فأسكنت تلك ~~النطفة جوف الرحم خرج الولد يشبه أبه وأمه، وإن هو أتاها بقلب غير ساكن ~~وعروق غير هادية، وبدن مضطرب، اضطربت النطفة فوقعت في حال اضطرابها على بعض ~~العروق: فإن وقعت على عرق من عروق الأعمام أشبه الولد أعمامه، وإن وقعت على ~~عرق من عروق الأخوال أشبه الولد أخواله. # فقال الرجل أشهد أن لا إله إلا الله، ولم أزل أشهد بها، وأشهد أن محمدا ~~رسول الله، ولم أزل أشهد بذلك، وأشهد أنك وصي رسول الله القائم بحجته - ~~وأشار إلى أمير المؤمنين عليه السلام - ولم أزل أشهد بها، وأشهد أنك وصيه ~~والقائم بحجته - وأشار إلى الحسن عليه السلام - وأشهد أن الحسين بن علي وصي ~~أبيك والقائم بحجته بعدك، وأشهد على علي بن الحسين أنه القائم بأمر ms272 الحسين ~~بعده، وأشهد على محمد ابن علي عليه السلام أنه القائم بأمر علي بن الحسين ~~بعده، وأشهد على جعفر بن محمد أنه القائم بأمر محمد بن علي بعده، وأشهد على ~~موسى بن جعفر أنه القائم بأمر جعفر بن PageV01P397 # محمد بعده، وأشهد على علي بن موسى الرضا بأنه القائم بأمر موسى بن جعفر ~~بعده وأشهد على محمد بن علي أنه القائم بأمر علي بن موسى، وأشهد على علي بن ~~محمد أنه القائم بأمر محمد بن علي، وأشهد على الحسن بن علي أنه القائم بأمر ~~علي بن محمد، وأشهد على رجل من ولد الحسن بن علي لا يكنى ولا يسمى حتى يظهر ~~أمره فيملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا، والسلام عليك يا أمير ~~المؤمنين ورحمة الله وبركاته. # ثم قام فمضى. فقال أمير المؤمنين للحسن: يا أبا محمد اتبعه فانظر أين ~~يقصد. # فخرج في أثره فقال: فما كان إلا أن وضع رجله خارج المسجد فما دريت أين ~~أخذ من أرض الله، فرجعت إلى أمير المؤمنين عليه السلام فأعلمته. # فقال عليه السلام: يا أبا محمد أتعرفه؟ # قلت، الله ورسوله وأمير المؤمنين أعلم. # قال: هو الخضر عليه السلام. # * * * جوابه عن مسائل جاءت من الروم ثم من الشام الجاري مجرى الاحتجاج ~~بحضرة أبيه عليهما السلام. # روى محمد بن قيس (1) عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر عليهما السلام قال: # بينا أمير المؤمنين في الرحبة والناس عليه متراكمون، فمن بين مستفتي، ومن ~~بين مستعدي، إذ قام إليه رجل فقال: # السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته. # فقال: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته، من أنت؟ # قال: أنا رجل من رعيتك وأهل بلادك. # PageV01P398 # فقال له: ما أنت برعيتي وأهل بلادي، ولو سلمت علي يوما واحدا ما خفيت ~~علي. # فقال: الأمان يا أمير المؤمنين. # فقال: هل أحدثت منذ دخلت مصري هذا؟ # قال: لا. # قال: فلعلك من رجال الحرب؟ # قال: نعم. # قال: إذا وضعت الحرب أوزارها فلا بأس. # قال: أنا رجل بعثني إليك معاوية متغفلا لك، أسألك عن ms273 شئ بعث به ابن ~~الأصفر إليه. وقال له: إن كنت أحق بهذا الأمر والخليفة بعد محمد فأجبني عما ~~أسألك، فإنك إن فعلت ذلك اتبعتك، وبعثت إليك بالجائزة، فلم يكن عنده جواب ~~وقد أقلقه فبعثني إليك لأسألك عنها. # فقال: أمير المؤمنين عليه السلام: قاتل الله ابن آكلة الأكباد، وما أضله ~~وأعماه ومن معه، حكم الله بيني وبين هذه الأمة، قطعوا رحمي، وأضاعوا أيامي، ~~ودفعوا حقي، وصغروا عظيم منزلتي، وأجمعوا على منازعتي، يا قنبر علي بالحسن، ~~والحسين، ومحمد، فاحضروا. # فقال: يا شامي هذان ابنا رسول الله، وهذا ابني، فاسأل أيهم أحببت. # فقال: اسأل ذا الوفرة يعني: الحسن عليه السلام فقال له الحسن عليه ~~السلام: سلني عما بدا لك. # فقال الشامي: كم بين الحق والباطل؟ وكم بين السماء والأرض؟ وكم بين ~~المشرق والمغرب؟ وما قوس قزح؟ وما العين التي تأوي إليها أرواح المشركين ~~وما العين التي تأوي إليها أرواح المؤمنين؟ وما المؤنث؟ وما عشرة أشياء ~~بعضها أشد من بعض؟ # فقال الحسن عليه السلام: بين الحق والباطل أربع أصابع، فما رأيته بعينك ~~فهو PageV01P399 # الحق، وقد تسمع بأذنيك باطلا كثيرا. # فقام الشامي: صدقت. # قال: وبين السماء والأرض دعوة المظلوم، ومد البصر، فمن قال لك غير هذا ~~فكذبه. # قال: صدقت يا بن رسول الله. # قال: وبين المشرق والمغرب مسيرة يوم للشمس، تنظر إليها حين تطلع من ~~مشرقها، وتنظر إليها حين تغيب في مغربها. # قال: صدقت. فما قوس قزح؟ # قال: ويحك لا تقل قوس قزح فإن قزح اسم الشيطان، وهو قوس الله، وهذه علامة ~~الخصب، وأمان لأهل الأرض من الغرق. # وأما العين التي تأوي إليها أرواح المشركين فهي عين يقال لها: " برهوت " ~~وأما العين التي تأوي إليها أرواح المؤمنين فهي عين يقال لها: " سلمى ". # وأما المؤنث فهو الذي لا يدرى أذكر أم أنثى فإنه: ينتظر به فإن كان ذكرا ~~احتلم، وإن كان أنثى حاضت، وبدا ثديها، وإلا قيل له: " بل على الحايط " فإن ~~أصاب بوله الحايط فهو ذكر، وإن انتكص بوله كما ينتكص بول البعير فهي امرأة. ms274 # وأما عشرة أشياء بعضها أشد من بعض فأشد شئ خلقه الله الحجر، وأشد من ~~الحجر الحديد يقطع به الحجر، وأشد من الحديد النار تذيب الحديد، وأشد من ~~النار الماء يطفي النار، وأشد من الماء السحاب يحمل الماء، وأشد من السحاب ~~الريح تحمل السحاب، وأشد من الريح الملك الذي يرسلها، وأشد من الملك ملك ~~الموت الذي يميت الملك، وأشد من ملك الموت الموت الذي يميت ملك الموت، وأشد ~~من الموت أمر الله الذي يميت الموت. # فقال الشامي: أشهد أنك ابن رسول الله حقا، وأن عليا أولى بالأمر من ~~معاوية ثم كتب هذه الجوابات وذهب بها إلى معاوية، فبعثها إلى ابن الأصفر. ~~PageV01P400 # فكتب إليه ابن الأصفر: يا معاوية لم تكلمني بغير كلامك، وتجيبني بغير ~~جوابك، أقسم بالمسيح ما هذا جوابك، وما هو إلا من معدن النبوة، وموضع ~~الرسالة، وأما أنت فلو سألتني درهما ما أعطيتك. # * * * احتجاج الحسن بن علي بن أبي طالب عليهما السلام على جماعة من ~~المنكرين لفضله وفضل أبيه من قبل بحضرة معاوية. # روي عن الشعبي وأبي مخنف (1) ويزيد بن أبي حبيب المصري (2) أنهم # PageV01P401 # قالوا: لم يكن في الإسلام يوم في مشاجرة قوم اجتمعوا في محفل، أكثر ضجيجا ~~ولا أعلى كلاما ولا أشد مبالغة في قول، من يوم اجتمع فيه عند معاوية بن أبي ~~سفيان عمرو بن عثمان بن عفان، وعمرو بن العاص، وعتبة بن أبي سفيان، والوليد ~~ابن عقبة بن أبي معيط، والمغيرة بن أبي شعبة، وقد تواطؤا على أمر واحد. # فقال عمرو بن العاص: لمعاوية ألا تبعث إلى الحسن بن علي فتحضره، فقد أحيى ~~سنة أبيه، وخفقت النعال خلفه، أمر فأطيع، وقال فصدق، وهذان يرفعان به إلى ~~ما هو أعظم منهما، فلو بعثت إليه فقصرنا به وبأبيه، وسببناه وسببنا أباه، ~~وصغرنا بقدره وقدر أبيه، وقعدنا لذلك حتى صدق لك فيه، فقال لهم معاوية: إني ~~أخاف أن يقلدكم قلايد يبقى عليكم عارها، حتى يدخلكم قبوركم، والله ما رأيته ~~قط إلا كرهت جنابه، وهبت عتابه، وإني إن بعثت إليه لأنصفنه ms275 منكم. # قال عمرو بن العاص: أتخاف أن يتسامى باطله على حقنا، ومرضه على صحتنا ~~قال: لا قال: فابعث إذا إليه. # فقال عتبة: هذا رأي لا أعرفه، والله ما تستطيعون أن تلقوه بأكثر ولا أعظم ~~مما في أنفسكم عليه، ولا يلقاكم بأعظم مما في نفسه عليكم، وإنه لأهل بيت ~~خصم جدل، فبعثوا إلى الحسن فلما أتاه الرسول قال له: يدعوك معاوية. # قال: ومن عنده؟ # قال الرسول: عنده فلان وفلان، وسمى كلا منهم باسمه. # فقال الحسن عليه السلام: ما لهم خر عليهم السقف من فوقهم، وأتاهم العذاب ~~من حيث لا يشعرون. # ثم قال: يا جارية أبلغيني ثيابي. # ثم قال: " اللهم إني أدرأ بك في نحورهم، وأعوذ بك من شرورهم، وأستعين بك ~~عليهم، فاكفنيهم بما شئت، وأنى شئت، من حولك وقوتك، يا أرحم الراحمين " ~~وقال للرسول: هذا كلام الفرج، فلما أتى معاوية رحب به، وحياه وصافحه. # فقال الحسن عليه السلام: إن الذي حييت به سلامة، والمصافحة أمن. ~~PageV01P402 # فقال معاوية: أجل إن هؤلاء بعثوا إليك وعصوني ليقروك: أن عثمان قتل ~~مظلوما، وأن أباك قتله، فاسمع منهم، ثم أجبهم بمثل ما يكلمونك، فلا يمنعك ~~مكاني من جوابهم. # فقال الحسن: فسبحان الله البيت بيتك والإذن فيه إليك! والله لئن أجبتهم ~~إلى ما أرادوا إني لأستحيي لك من الفحش، وإن كانوا غلبوك على ما تريد، إني ~~لأستحيي لك من الضعف، فبأيهما تقر، ومن أيهما تعتذر، وأما إني لو علمت ~~بمكانهم واجتماعهم، لجئت بعدتهم من بني هاشم مع أني مع وحدتي هم أوحش مني ~~من جمعهم، فإن الله عز وجل لوليي اليوم وفيما بعد اليوم، فمرهم فليقولوا ~~فأسمع، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. # فتكلم عمرو بن عثمان بن عفان فقال: ما سمعت كاليوم أن بقي من بني عبد ~~المطلب على وجه الأرض من أحد بعد قتل الخليفة عثمان بن عفان، وكان ابن ~~أختهم، والفاضل في الإسلام منزلة، والخاص برسول الله إثرة، فبئس كرامة الله ~~حتى سفكوا دمه اعتداء، وطلبا للفتنة، وحسدا، ونفاسة، وطلب ما ليسوا ms276 بأهلين ~~لذلك، مع سوابقه ومنزلته من الله، ومن رسوله، ومن الإسلام، فيا ذلاه أن ~~يكون حسن وساير بني عبد المطلب قتلة عثمان، أحياء يمشون على مناكب الأرض ~~وعثمان بدمه مضرج، مع أن لنا فيكم تسعة عشر دما بقتلي بني أمية ببدر ثم ~~تكلم عمرو بن العاص: فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أي ابن أبي تراب بعثنا ~~إليك لنقررك أن أباك سم أبا بكر الصديق، واشترك في قتل عمر الفاروق وقتل ~~عثمان ذي النورين مظلوما، وادعى ما ليس له حق، ووقع فيه، وذكر الفتنة، ~~وعيره بشأنها؟ # ثم قال: أنكم يا بني عبد المطلب لم يكن الله ليطيعكم الملك فتركبون فيه ~~ما لا يحل لكم، ثم أنت يا حسن تحدث نفسك بأنك كائن أمير المؤمنين وليس عندك ~~عقل ذلك، ولا رأيه، وكيف وقد سلبته، وتركت أحمق في قريش، وذلك لسوء عمل ~~أبيك، وإنما دعوناك لنسبك وأباك. PageV01P403 # ثم إنك لا تستطيع أن تعيب علينا، ولا أن تكذبنا به، فإن كنت تري أنا ~~كذبناك في شئ، وتقولنا عليك بالباطل، وادعينا عليك خلاف الحق فتكلم، وإلا ~~فاعلم أنك وأباك من شر خلق الله، فأما أبوك فقد كفانا الله قتله وتفرد به، ~~وأما أنت فإنك في أيدينا نتخير فيك، والله أن لو قتلناك ما كان في قتلك إثم ~~عند الله، ولا عيب عند الناس ثم تكلم عتبة بن أبي سفيان، فكان أول ما ابتدأ ~~به أن قال: # يا حسن إن أباك كان شر قريش لقريش، أقطعه لأرحامها، وأسفكه لدمائها وإنك ~~لمن قتلة عثمان، وإن في ألحق أن نقتلك به، وإن عليك القود في كتاب الله عز ~~وجل، وإنا قاتلوك به، وأما أبوك فقد تفرد الله بقتله فكفانا أمره، وأما ~~رجاؤك الخلافة فلست فيها، لا في قدحة زندك، ولا في رجحة ميزانك. # ثم تكلم الوليد بن عقبة بن أبي معيط بنحو من كلام أصحابه فقال: # يا معشر بني هاشم كنتم أول من دب بعيب عثمان وجمع الناس عليه، حتى ~~قتلتموه حرصا على الملك، وقطيعة للرحم، واستهلاك ms277 الأمة، وسفك دمائها، حرصا ~~على الملك، وطلبا للدنيا الخبيثة، وحبا لها، وكان عثمان خالكم، فنعم الخال ~~كان لكم، وكان صهركم، فكان نعم الصهر لكم، قد كنتم أول من حسده وطعن عليه، ~~ثم وليتم قتله، فكيف رأيتم صنع الله بكم. # ثم تكلم المغيرة بن شعبة: فكان كلامه وقوله كله وقوعا في علي عليه السلام ~~ثم قال: # يا حسن إن عثمان قتل مظلوما فلن لم يكن لأبيك في دلك عذر برئ، ولا اعتذر ~~مذنب، غير أنا يا حسن قد ظننا لأبيك في ضمه قتلة عثمان، وإيوائه لهم، وذبه ~~عنهم، أنه بقتله راض، وكان والله طويل السيف واللسان، يقتل الحي ويعيب ~~الميت، وبنو أمية خير لبني هاشم من بني هاشم لبني أمية، ومعاوية خير لك يا ~~حسن منك لمعاوية، وقد كان أبوك ناصب رسول الله صلى الله عليه وآله في حياته ~~وأجلب عليه قبل موته، وأراد؟؟ قتله، فعلم ذلك من أمره رسول الله صلى الله ~~عليه وآله ثم كره أن يبايع أبا بكر PageV01P404 # حتى أتي به قودا، ثم دس عليه فسقاه سما فقتله، ثم نازع عمر حتى هم أن ~~يضرب رقبته، فعمد في قتله، ثم طعن على عثمان حتى قتله، كل هؤلاء قد شرك في ~~دمهم فأي منزلة له من الله يا حسن: وقد جعل الله السلطان لولي المقتول في ~~كتابه المنزل فمعاوية ولي المقتول بغير حق، فكان من الحق لو قتلناك وأخاك، ~~والله ما دم علي بأخطر من دم عثمان، وما كان الله ليجمع فيكم فيكم يا بني ~~عبد المطلب الملك والنبوة. # ثم سكت فتكلم أبو محمد الحسن بن علي عليهما السلام فقال: # الحمد لله الذي هدى أولكم بأولنا، وآخركم بآخرنا، وصلى الله على جدي محمد ~~النبي وآله وسلم. # اسمعوا مني مقالتي وأعيروني فهمكم وبك أبدء يا معاوية: إنه لعمر الله يا ~~أزرق ما شتمني غيرك وما هؤلاء شتموني، ولا سبني غيرك وما هؤلاء سبوني ولكن ~~شتمتني، وسببتني، فحشا منك، وسوء رأي، وبغيا، وعدوانا، وحسدا علينا، وعداوة ~~لمحمد صلى الله عليه وآله، ms278 قديما وحديثا، وأنه والله لو كنت أنا وهؤلاء يا ~~أزرق مشاورين في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وحولنا المهاجرون ~~والأنصار ما قدروا أن يتكلموا به، ولا استقبلوني بما استقبلوني به. # فاسمعوا مني أيها الملأ المجتمعون المتعاونون علي، ولا تكتموا حقا ~~علمتوه، ولا تصدقوا بباطل إن نطقت به، وسأبدأ بك يا معاوية ولا أقول فيك ~~إلا دون ما فيك. # أنشدكم بالله هل تعلمون أن الرجل الذي شتمتموه صلى القبلتين كلتيهما وأنت ~~تراهما جميعا وأنت في ضلالة تعبد اللات والعزى، وبايع البيعتين كلتيهما ~~بيعة الرضوان وبيعة الفتح، وأنت يا معاوية بالأولى كافر، وبالأخرى ناكث. # ثم قال: أنشدكم بالله هل تعلمون أن ما أقول حقا، أنه لقيكم مع رسول الله ~~صلى الله عليه وآله يوم بدر ومعه راية النبي صلى الله عليه وآله والمؤمنين، ~~ومعك يا معاوية راية المشركين وأنت تعبد اللات والعزى، وترى حرب رسول الله ~~صلى الله عليه وآله فرضا واجبا، ولقيكم يوم أحد ومعه راية النبي، ومعك يا ~~معاوية راية المشركين، ولقيكم يوم الأحزاب PageV01P405 # ومعه راية رسول الله صلى الله عليه وآله، ومعك يا معاوية راية المشركين، ~~كل ذلك يفلج الله حجته، ويحق دعوته، ويصدق أحدوثته، وينصر رايته، وكل ذلك ~~رسول الله يرى عنه راضيا في المواطن كلها ساخطا عليك. # ثم أنشدكم بالله هل تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وآله حاصر بني ~~قريضة وبني النظير، ثم بعث عمر بن الخطاب ومعه راية المهاجرين، وسعد بن ~~معاذ ومعه راية الأنصار فأما سعد بن معاذ فجرح وحمل جريحا، وأما عمر فرجع ~~هاربا وهو يجبن ويجبن أصحابه ويجبنه أصحابه، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله: " لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، كرار ~~غير فرار، ثم لا يرجع حتى يفتح الله عليه يديه " فتعرض لها أبو بكر وعمر، ~~وغيرهما من المهاجرين والأنصار وعلي يومئذ أرمد شديد الرمد، فدعاه رسول ~~الله صلى الله عليه وآله فتفل في عينيه فبرأ من رمده، وأعطاه الراية فمضى ~~ولم يثن ms279 حتى فتح الله عليه بمنه وطوله، وأنت يومئذ بمكة عدو لله ولرسوله. ~~فهل يستوي بين رجل نصح لله ولرسوله، ورجل عادى الله ورسوله ثم أقسم بالله ~~ما أسلم قلبك بعد، ولكن اللسان خائف فهو يتكلم بما ليس في القلب. # أنشدكم بالله أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وآله استخلفه على ~~المدينة في غزاة تبوك ولا سخط ذلك ولا كراهة، وتكلم فيه المنافقون فقال: لا ~~تخلفني يا رسول الله فإني لم أتخلف عنك في غزوة قط، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله: أنت وصيي وخليفتي في أهلي بمنزلة هارون من موسى ثم أخذ بيد ~~علي عليه السلام فقال: أيها الناس من تولاني فقد تولى الله، ومن تولى عليا ~~فقد تولاني، ومن أطاعني فقد أطاع الله، ومن أطاع عليا فقد أطاعني، ومن ~~أحبني فقد أحب الله، ومن أحب عليا فقد أحبني. # ثم قال: أنشدكم بالله أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال في ~~حجة الوداع: أيها الناس إني قد تركت فيكم ما لم تضلوا بعده: كتاب الله ~~وعترتي أهل بيتي فأحلوا حلاله، وحرموا حرامه، واعملوا بمحكمه، وآمنوا ~~بمتشابهه، وقولوا: آمنا PageV01P406 # بما أنزل الله من الكتاب، وأحبوا أهل بيتي وعترتي، ووالوا من والاهم، ~~وانصروهم على من عاداهم، وأنهما لن يزالا فيكم حتى يردا علي الحوض يوم ~~القيامة. # ثم دعا وهو على المنبر عليا فاجتذبه بيده فقال: اللهم وال من والاه، وعاد ~~من عاداه، اللهم من عادى عليا فلا تجعل له في الأرض مقعدا، ولا في السماء ~~مصعدا، واجعله في أسفل درك من النار؟ # وأنشدكم بالله أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال له: أنت ~~الذائد عن حوضي يوم القيامة تذود عنه كما يذود أحدكم الغريبة من وسط إبله؟ # أنشدكم بالله أتعلمون أنه دخل على رسول الله صلى الله عليه وآله في مرضه ~~الذي توفي فيه فبكى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال علي: # ما يبكيك يا رسول الله؟ # فقال: يبكيني أني أعلم: أن لك في قلوب ms280 رجال من أمتي ضغائن، لا يبدونها لك ~~حتى أتولى عنك؟ # أنشدكم بالله أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وآله حين حضرته الوفاة ~~واجتمع عليه أهل بيته قال: " اللهم هؤلاء أهل بيتي وعترتي، اللهم وال من ~~ولاهم وعاد من عاداهم " وقال: " إنما مثل أهل بيتي فيكم كسفينة نوح، من دخل ~~فيها نجى، ومن تخلف عنها غرق؟ # وأنشدكم بالله أتعلمون: أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله قد سلموا ~~عليه بالولاية في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وحياته؟ # أنشدكم بالله أتعلمون أن عليا أول من حرم الشهوات كلها على نفسه من أصحاب ~~رسول الله، فأنزل الله عز وجل: " يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما ~~أحل لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين * وكلوا مما رزقكم الله حلالا ~~طيبا واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون " (1) وكان عندهم علم المنايا، وعلم ~~القضايا، وفصل الكتاب، ورسوخ العلم، ومنزل القرآن، وكان رهط لا نعلمهم ~~يتممون عشرة، # PageV01P407 # نبأهم الله أنهم مؤمنون، وأنتم في رهط قريب من عدة أولئك لعنوا على لسان ~~رسول الله صلى الله عليه وآله، فأشهد لكم وأشهد عليكم: أنكم لعناء الله على ~~لسان نبيه كلكم وأنشدكم بالله هل تعلمون: أن رسول الله صلى الله عليه وآله ~~بعث إليك لتكتب له لبني خزيمة حين أصابهم خالد بن الوليد فانصرف إليه ~~الرسول فقال: " هو يأكل " فأعاد الرسول إليك ثلاث مرات كل ذلك ينصرف الرسول ~~إليه ويقول " هو يأكل " فقال رسول الله " اللهم لا تشبع بطنه " فهي والله ~~في نهمتك، وأكلك إلى يوم القيامة ثم قال: أنشدكم بالله هل تعلمون أن ما ~~أقول حقا إنك يا معاوية كنت تسوق بأبيك على جمل أحمر يقوده أخوك هذا ~~القاعد، وهذا: يوم الأحزاب، فلعن رسول الله القائد والراكب والسائق، فكان: ~~أبوك الراكب، وأنت يا أزرق السائق، وأخوك هذا القاعد القائد؟ # أنشدكم بالله هل تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وآله لعن أبا سفيان ~~في سبعة مواطن أولهن: حين خرج من مكة إلى ms281 المدينة وأبو سفيان جاء من الشام، ~~فوقع فيه أبو سفيان فسبه، وأوعده، وهم أن يبطش به، ثم صرفه الله عز وجل ~~عنه. # والثانية: يوم العير حيث طردها أبو سفيان ليحرزها من رسول الله. # والثالثة: يوم أحد قال رسول الله: الله مولانا ولا مولى لكم، وقال أبو ~~سفيان لنا العزى ولا عزى لكم، فلعنه الله، وملائكته، ورسله، والمؤمنون ~~أجمعون. # والرابعة يوم حنين: يوم جاء أبو سفيان يجمع قريش وهوازن، وجاء عينية ~~بغطفان واليهود، فردهم الله بغيظهم لم ينالوا خيرا، هذا: قول الله عز وجل ~~أنزل في سورتين في كلتيهما يسمي أبا سفيان وأصحابه كفارا، وأنت يا معاوية ~~يومئذ مشرك على رأي أبيك بمكة، وعلي يومئذ مع رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وعلى رأيه ودينه. # والخامسة: قول الله عز وجل: " والهدي معكوفا أن يبلغ محله " (1) وصددت ~~أنت وأبوك ومشركو قريش رسول الله، فلعنه الله لعنة شملته وذريته إلى يوم ~~القيامة. # PageV01P408 # والسادسة: يوم الأحزاب يوم جاء أبو سفيان بجمع قريش، وجاء عينية بن حصين ~~بن بدر بغطفان، فلعن رسول الله القادة والأتباع، والساقة إلى يوم القيامة. # فقيل: يا رسول الله أما في الأتباع مؤمن؟ # قال: لا تعيب اللعنة مؤمنا من الأتباع، أما القادة فليس فيهم مؤمن، ولا ~~مجيب، ولا ناج. # والسابعة: يوم الثنية، يوم شد على رسول الله صلى الله عليه وآله اثنا عشر ~~رجلا، سبعة منهم من بني أمية، وخمسة من سائر قريش، فلعن الله تبارك وتعالى ~~ورسول الله من حل الثنية غير النبي صلى الله عليه وآله وسائقه وقائده. # ثم أنشدكم بالله هل تعلمون أن أبا سفيان دخل على عثمان حين بويع في مسجد ~~رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: # يا بن أخي هل علينا من عين؟ # فقال: لا. # فقال أبو سفيان: تداولوا الخلافة يا فتيان بني أمية فوالذي نفس أبي سفيان ~~بيده، ما من جنة ولا نار. # وأنشدكم بالله أتعلمون أن أبا سفيان أخذ بيد الحسين حين بويع عثمان وقال: ~~يا بن أخي أخرج معي إلى بقيع الغرقد، ms282 فخرج حتى إذا توسط القبور اجتره فصاح ~~بأعلى صوته: # يا أهل القبور! الذي كنتم تقاتلونا عليه صار بأيدينا وأنتم رميم. # فقال الحسين بن علي عليه السلام: قبح الله شيبتك، وقبح وجهك، ثم نتر يده ~~وتركة، فلو لا النعمان بن بشير أخذ بيده ورده إلى المدينة لهلك. # فهذا لك يا معاوية فهل تستطيع أن ترد علينا شيئا. # ومن لعنتك يا معاوية إن أباك أبا سفيان كان يهم أن يسلم، فبعثت إليه بشعر ~~معروف مروي في قريش وغيرهم، تنهاه عن الإسلام وتصده. # ومنها أن عمر بن الخطاب ولاك الشام فخنت به، وولاك عثمان فتربصت به ~~PageV01P409 # ريب المنون، ثم أعظم من ذلك جرأتك على الله ورسوله: أنك قاتلت عليا عليه ~~السلام وقد عرفته وعرفت سوابقه، وفضله وعلمه على أمر هو أولى به منك، ومن ~~غيرك عند الله وعند الناس، ولأذيته بل أوطأت الناس عشوة، وأرقت دماء خلق من ~~خلق الله بخدعك وكيدك وتمويهك، فعل من لا يؤمن بالمعاد، ولا يخشى العقاب، ~~فلما بلغ الكتاب أجله صرت إلى شر مثوى، وعلي إلى خير منقلب، والله لك ~~بالمرصاد. # فهذا لك يا معاوية خاصة، وما أمسكت عنه من مساويك وعيوبك فقد كرهت به ~~التطويل. # وأما أنت يا عمرو بن عثمان فلم تكن للجواب حقيقا بحمقك، أن تتبع هذه ~~الأمور فإنما مثلك مثل البعوضة إذ قالت للنخلة: استمسكي فإني أريد أن أنزل ~~عنك، فقالت لها النخلة: ما شعرت بوقوعك، فكيف يشق علي نزولك. وإني والله ما ~~شعرت أنك تجسر أن تعادي لي فيشق علي ذلك، وإني لمجيبك في الذي قلت: إن سبك ~~عليا عليه السلام أينقص في حسبه، أو يباعده من رسول الله، أو بسوء بلائه في ~~الإسلام، أو بجور في حكم أو رغبة في الدنيا؟ فإن قلت واحدة منها فقد كذبت. # وأما قولك: إن لكم فينا تسعة عشر دما بقتلى مشركي بني أمية ببدر، فإن ~~الله ورسوله قتلهم، ولعمري لتقتلن من بني هاشم تسعة عشر وثلاثة بعد تسعة ~~عشر ثم يقتل من نبي أمية تسعة عشر ms283 وتسعة عشر في موطن واحد سوى ما قتل من ~~بني أمية لا يحصي عددهم إلا الله، وأن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: ~~إذا بلغ ولد الوزغ ثلاثين رجلا: أخذوا مال الله بينهم دولا، وعباده خولا، ~~وكتابه دغلا، فإذا بلغوا ثلاثمائة وعشر حقت اللعنة عليهم ولهم، فإذا بلغوا ~~أربعمائة وخمسة وسبعين كان هلاكهم أسرع من لوك تمرة، فأقبل الحكم بن أبي ~~العاص وهم في ذلك الذكر والكلام فقال رسول الله: أخفضوا أصواتكم فإن الوزغ ~~يسمع، وذلك حين رآهم رسول الله صلى الله عليه وآله ومن يملك بعده منهم أمر ~~هذه الأمة - يعني في المنام - فساءه ذلك وشق عليه، فأنزل الله عز وجل في ~~كتابه، " وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة PageV01P410 # للناس والشجرة الملعونة في القرآن " (1) يعني: بني أمية، وأنزل أيضا " ~~ليلة القدر خير من ألف شهر " فأشهد لكم، وأشهد عليكم، ما سلطانكم بعد قتل ~~علي إلا ألف شهر التي أجلها الله عز وجل في كتابه. # وأما أنت يا عمرو بن العاص الشاني اللعين الأبتر، فإنما أنت كلب أول ~~أمرك، أن أمك بغية، وأنك ولدت على فراش مشترك، فتحاكمت فيك رجال قريش منهم ~~أبو سفيان بن الحرب، والوليد بن المغيرة، وعثمان بن الحرث، والنضر بن الحرث ~~بن كلدة، والعاص بن وايل، كلهم يزعم أنك ابنه، فغلبهم عليك من بين قريش ~~ألأمهم حسبا، وأخبثهم منصبا، وأعظمهم بغية، ثم قمت خطيبا وقلت: أنا شاني ~~محمد، وقال العاص بن وايل: إن محمدا رجل أبتر لا ولد له، فلو قد مات انقطع ~~ذكره، فأنزل الله تبارك وتعالى: " إن شانئك هو الأبتر " وكانت أمك تمشي إلى ~~عبد قيس تطلب البغية، تأتيهم في دورهم ورجالهم وبطون أوديتهم ثم كنت في كل ~~مشهد يشهده رسول الله من عدوه أشدهم له عداوة، وأشدهم له تكذيبا ثم كنت في ~~أصحاب السفينة: الذين أتوا النجاشي والمهجر الخارج إلى الحبشة في الإشاطة ~~بدم جعفر بن أبي طالب وساير المهاجرين إلى النجاشي، فحاق المكر السئ بك، ~~وجعل جدك الأسفل، وأبطل أمنيتك، ms284 وخيب سعيك، وأكذب أحدوثتك، وجعل كلمة الذين ~~كفروا السفلى، وكلمة الله هي العليا. # وأما قولك في عثمان، فأنت يا قليل الحياء والدين الهبت عليه نارا، ثم ~~هربت إلى فلسطين تتربص به الدوائر، فلما أتاك خبر قتله حبست نفسك على ~~معاوية، فبعته دينك يا خبيث بدنيا غيرك، ولسنا نلومك على بغضنا، ولم نعاتبك ~~على حبنا، وأنت عدو لبني هاشم في الجاهلية والإسلام، وقد هجوت رسول الله ~~صلى الله عليه وآله بسبعين بيتا من شعر، فقال رسول الله: " اللهم إني لا ~~أحسن الشعر، ولا ينبغي لي أن أقوله فالعن عمرو بن العاص بكل بيت ألف لعنة " ~~ثم أنت يا عمرو المؤثر دنياك على دينك أهديت إلى النجاشي الهدايا، ورحلت ~~إليه رحلتك الثانية، ولم تنهك الأولى عن # PageV01P411 # الثانية، كل ذلك ترجع مغلوبا، حسيرا، تريد بذلك هذاك جعفر وأصحابه، فلما ~~أخطأك ما رجوت وأملت أحلت على صاحبك عمارة بن الوليد. # وأما أنت يا وليد بن عقبة فوالله ما ألومك أن تبغض عليا وقد جلدك في ~~الخمر ثمانين جلدة، وقتل أباك صبرا بيده يوم بدر، أم كيف تسبه وقد سماه ~~الله مؤمنا في عشرة آيات من القرآن، وسماك فاسقا، وهو قول الله عز وجل: " ~~أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستون " (1) وقوله: " إن جاءكم فاسق بنبأ ~~فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين " (2) وما أنت ~~وذكر قريش وإنما أنت ابن علج من أهل صفورية اسمه: " ذكوان " وأما زعمك أنا ~~قتلنا عثمان فوالله ما استطاع طلحة، والزبير، وعائشة، أن يقولوا ذلك لعلي ~~بن أبي طالب فكيف تقوله أنت، ولو سألت أمك من أبوك إذ تركت ذكوان فألصقتك ~~بعقبة بن أبي معيط، اكتسبت بذلك عند نفسها سناء ورفعة، مع ما أعد الله لك ~~ولأبيك ولأمك من العار والخزي في الدنيا والآخرة، وما الله بظلام للعبيد. # ثم أنت يا وليد والله أكبر في الميلاد ممن تدعى له، فكيف تسب عليا ولو ~~اشتغلت بنفسك لتثبت نسبك إلى أبيك لا إلى من تدعى له، ولقد قالت ms285 لذلك أمك " ~~يا بني أبوك والله ألأم وأخبث من عقبة ". # وأما أنت يا عتبة بن أبي سفيان: فوالله ما أنت بحصيف فأجاوبك، ولا عاقل ~~فأعاقبك، وما عندك خير يرجى، وما كنت ولو سببت عليا لأعير به عليك، لأنك ~~عندي لست بكفو لعبد علي بن أبي طالب فأرد عليك، وأعاتبك، ولكن الله عز وجل ~~لك ولأبيك وأمك وأخيك لبالمرصاد، فأنت ذرية آبائك الذين ذكرهم الله في ~~القرآن فقال: " عاملة ناصبة * تصلى نارا حامية * تسقى من عين آنية * - إلى ~~قوله - من جوع " (3). # وأما وعيدك إياي أن تقتلني، فهلا قتلت الذي وجدته على فراشك مع # PageV01P412 # حليلتك، وقد غلبك على فرجها وشركك في ولدها حتى الصق بك ولدا ليس لك ويلا ~~لك لو شغلت نفسك بطلب ثارك منه كنت جديرا، ولذلك حريا، إذ تسومني القتل ~~وتوعدني به، ولا ألومك أن تسب عليا وقد قتل أخاك مبارزة، واشترك هو وحمزة ~~بن عبد المطلب في قتل جدك حتى أصلاهما الله على أيديهما نار جهنم وأذاقهما ~~العذاب الأليم، ونفى عمك بأمر رسول الله. # وأما رجائي الخلافة، فلعمر الله إن رجوتها فإن لي فيها لملتمسا، وما أنت ~~بنظير أخيك، ولا بخليفة أبيك، لأن أخاك أكثر تمردا على الله، وأشد طلبا ~~لإهراقه دماء المسلمين، وطلب ما ليس له بأهل، يخادع الناس ويمكرهم، ويمكر ~~الله والله خير الماكرين. # وأما قولك: " إن عليا كان شر قريش لقريش " فوالله ما حقر مرحوما ولا قتل ~~مظلوما. # وأما أنت يا مغيرة بن شعبة! فإنك لله عدو، ولكتابه نابذ، ولنبيه مكذب ~~وأنت الزاني وقد وجب عليك الرجم، وشهد عليك العدول البررة الأتقياء، فأخر ~~رجمك، ودفع الحق بالأباطيل، والصدق بالأغاليط (1) وذلك لما أعد الله لك # PageV01P413 # من العذاب الأليم، والخزي في الحياة الدنيا، ولعذاب الآخرة أخزى، وأنت ~~الذي ضربت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله حتى أدميتها وألقت ما في ~~بطنها، استدلالا منك لرسول الله صلى الله عليه وآله ومخالفة منك لأمره، ~~وانتهاكا لحرمته وقد قال لها رسول الله صلى الله عليه وآله: " يا فاطمة ms286 أنت ~~سيدة نساء أهل الجنة " والله مصيرك إلى النار، وجاعل وبال ما نطقت به عليك، ~~فبأي الثلاثة سببت عليا، أنقصا في نسبه، أم بعدا من رسول الله، أم سوء بلاء ~~في الإسلام، أم جورا في حكم، أم رغبة في الدنيا؟! إن قلت بها فقد كذبت ~~وكذبك الناس، أتزعم أن عليا عليه السلام قتل عثمان مظلوما؟! # فعلي والله أتقى وأنقى من لائمه في ذلك، ولعمري لئن كان علي قتل عثمان ~~مظلوما فوالله ما أنت من ذلك في شئ، فما نصرته حيا ولا تعصبت له ميتا، وما ~~زالت الطائف دارك تتبع البغايا، وتحيي أمر الجاهلية، وتميت الإسلام، حتى ~~كان ما كان في أمس. # وأما اعتراضك في بني هاشم وبني أمية فهو ادعاءك إلى معاوية. # وأما قولك في شأن الإمارة وقول أصحابك في الملك الذي ملكتموه، فقد ملك ~~فرعون مصر أربعمائة سنة، وموسى وهارون نبيان مرسلان عليهما السلام يلقيان ~~ما يلقيان من الأذى، وهو ملك الله يعطيه البر والفاجر، وقال الله: " وإن ~~أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين " وقال: " وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا ~~مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا ". PageV01P414 # ثم قام الحسن فنفض ثيابه وهو يقول: " الخبيثات للخبيثين والخبيثون ~~للخبيثات " هم والله يا معاوية: أنت وأصحابك هؤلاء وشيعتك، " والطيبون ~~للطيبات - أولئك مبرؤون مما يقولون لهم مغفرة ورزق كريم " ثم: علي بن أبي ~~طالب عليه السلام وأصحابه وشيعته. # ثم خرج وهو يقول لمعاوية: ذق وبال ما كسبت يداك وما جنت، ما قد أعد الله ~~لك ولهم من الخزي في الحياة الدنيا والعذاب الأليم في الآخرة. # فقال معاوية لأصحابه: وأنتم فذوقوا وبال ما جنيتم. # فقال الوليد بن عقبة: والله ما ذقنا إلا كما ذقت، ولا اجترأ إلا عليك. # فقال معاوية: ألم أقل لكم إنكم لن تنتقصوا من الرجل فهلا أطعتموني أول ~~مرة فانتصرتم من الرجل إذ فضحكم، فوالله ما قام حتى أظلم علي البيت، وهممت ~~أن أسطو به فليس فيكم خير اليوم ولا بعد اليوم. # قال: وسمع مروان بن الحكم ms287 بما لقي معاوية وأصحابه المذكورون من الحسن بن ~~علي عليهما السلام، فأتاهم فوجدهم عند معاوية في البيت فسألهم: # ما الذي بلغني عن الحسن وزعله؟ # قالوا: قد كان كذلك. # فقال لهم مروان: أفلا أحضرتموني ذلك. فوالله لأسبنه ولأسبن أباه وأهل ~~البيت سبا تتغنى به الإماء والعبيد. # فقال معاوية والقوم: لم يفتك شئ وهم يعلمون من مروان بذو لسان وفحش فقال ~~مروان: فأرسل إليه يا معاوية فأرسل معاوية إلى الحسن بن علي. # فلما جاء الرسول قال له الحسن عليه السلام ما يريد هذا الطاغية مني؟ ~~والله إن أعاد الكلام لأوقرن مسامعه ما يبقى عليه عاره وشناره إلى يوم ~~القيامة، فأقبل الحسن فلما جائهم وجدهم بالمجلس على حالتهم التي تركهم ~~فيها، غير أن مروان قد حضر معهم في هذا الوقت، فمشى الحسن عليه السلام حتى ~~جلس على السرير مع معاوية وعمرو بن العاص. PageV01P415 # ثم قال الحسن لمعاوية: لم أرسلت إلي؟ # قال: لست أنا أرسلت إليك ولكن مروان الذي أرسل إليك. # فقال مروان: أنت يا حسن السباب لرجال قريش؟ # فقال له الحسن: وما الذي أردت؟ # فقال مروان: والله لأسبنك وأباك وأهل بيتك سبا تتغنى به الإماء والعبيد. # فقال الحسن عليه السلام: أما أنت يا مروان فلست أنا سببتك ولا سببت أباك، ~~ولكن الله عز وجل لعنك ولعن أباك، وأهل بيتك، وذريتك، وما خرج من صلب أبيك ~~إلى يوم القيامة، على لسان نبيه محمد والله يا مروان ما تنكر أنت ولا أحد ~~ممن حضر هذه اللعنة من رسول الله صلى الله عليه وآله لك ولأبيك من قبلك، ~~وما زادك الله يا مروان بما خوفك إلا طغيانا كبيرا، وصدق الله وصدق رسوله ~~يقول الله تبارك وتعالى: # " والشجرة الملعونة في القرآن ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا " ~~وأنت يا مروان وذريتك الشجرة الملعونة في القرآن، وذلك عن رسول الله صلى ~~الله عليه وآله عن جبرئيل عن الله عز وجل. # فوثب معاوية فوضع يده على فم الحسن وقال: يا أبا محمد ما كنت فحاشا ولا ~~طياشا، فنفض الحسن ms288 عليه السلام ثوبه، وقام فخرج، فتفرق القوم عن المجلس ~~بغيظ، وحزن، وسواد الوجوه في الدنيا والآخرة. # * * * مفاخرة الحسن بن علي صلوات الله عليهما على معاوية ومروان بن الحكم ~~والمغيرة بن شعبة والوليد بن عقبة وعتبة بن أبي سفيان. # قيل: وفد الحسن بن علي عليهما السلام على معاوية فحضر مجلسه، وإذا عنده ~~هؤلاء القوم، ففخر كل رجل منهم على بني هاشم، ووضعوا منهم، وذكروا أشياء ~~ساءت الحسن بن علي وبلغت منه. # فقال الحسن بن علي عليه السلام: أنا شعبة من خير الشعب، وآبائي أكرم ~~العرب، لنا الفخر والنسب، والسماحة عند الحسب ونحن من خير شجرة، أنبتت ~~PageV01P416 # فروعا نامية، وأثمارا زاكية، وأبدانا قائمة، فيها أصل الإسلام، وعلم ~~النبوة، فعلونا حين شمخ بنا الفخر، واستطلنا حين امتنع بنا العز، ونحن بحور ~~زاخرة لا تنزف، وجبال شامخة لا تقهر. # فقال مروان بن الحكم: مدحت نفسك، وشمخت بأنفك، هيهات هيهات يا حسن، نحن ~~والله الملوك السادة، والأعزة القادة، لا تبجحن فليس لك عز مثل عزنا، ولا ~~فخر كفخرنا، ثم أنشأ يقول: # شفينا أنفسا طابت وقورا * فنالت عزها فيمن يلينا فابنا بالغنيمة حيث ابنا ~~* وابنا بالملوك مقرنينا ثم تكلم مغيرة بن شعبة فقال: نصحت لأبيك فلم يقبل ~~النصح، ولولا كراهية قطع القرابة لكنت في جملة أهل الشام، فكان يعلم أبوك ~~أني أصدر الوارد عن مناهلها، بزعارة قيس، وحلم ثقيف، وتجاربها للأمور على ~~القبائل. # فتكلم الحسن عليه السلام فقال: يا مروان أجبنا، وخورا، وضعفا، وعجزا، زعم ~~أني مدحت نفسي، وأنا ابن رسول الله، وشمخت بأنفي وأنا سيد شباب أهل الجنة ~~وإنما يبذخ ويتكبر ويلك من يريد رفع نفسه، ويتبجح من يريد الاستطالة، فأما ~~نحن فأهل بيت الرحمة، ومعدن الكرامة، وموضع الخيرة، وكنز الإيمان، ورمح ~~الإسلام، وسيف الدين، ألا تصمت ثكلتك أمك قبل أن أرميك بالهوائل، وأسمك ~~بميسم تستغني به عن اسمك، فأما إيابك بالنهاب والملوك أفي اليوم الذي وليت ~~فيه مهزوما، وانخجرت مذعورا، فكانت غنيمتك هزيمتك، وغدرك بطلحة حين غدرت به ~~فقتلته، قبحا لك ما أغلظ جلدة ms289 وجهك. # فنكس مروان رأسه، وبقي مغيرة مبهوتا، فالتفت إليه الحسن عليه السلام ~~فقال: # أعور ثقيف ما أنت من قريش فأفاخرك، أجهلتني يا ويحك؟! أنا ابن خيرة ~~الإماء، وسيدة النساء، غذانا رسول الله صلى الله عليه وآله بعلم الله تبارك ~~وتعالى، فعلمنا تأويل القرآن، ومشكلات الأحكام، لنا العزة العليا، والفخر ~~والسناء، وأنت من قوم لم يثبت هم في الجاهلية نسب، ولا لهم في الإسلام ~~نصيب، عبد آبق، ما له PageV01P417 # والافتخار عند مصادمة الليوث، ومجاحشة الأقران، نحن السادة، ونحن ~~المذاويد القادة، نحمي الذمار، وننفي عن ساحتنا العار، وأنا ابن نجيبات ~~الأبكار، ثم أشرت زعمت إلى خير وصي خير الأنبياء، وكان هو بعجزك أبصر، ~~وبجورك أعلم وكنت للرد عليك منه أهلا لو عزك في صدرك، وبدو الغدر في عينك، ~~هيهات لم يكن ليتخذ المضلين عضدا، وزعمك أنك لو كنت بصفين بزعارة قيس، وحلم ~~ثقيف، فبماذا ثكلتك أمك؟ أبعجزك عند المقامات، وفرارك عند المجاحشات؟ # أما والله لو التفت عليك من أمير المؤمنين الأجاشع، لعلمت أنه لا يمنعه ~~منك الموانع، ولقامت عليك المرنات الهوالع. # وأما زعارة قيس: فما أنت وقيسا؟ إنما أنت عبد آبق فثقف فسمي ثقيفا، فاحتل ~~لنفسك من غيرها، فلست من رجالها، أنت بمعالجة الشرك وموالج الزرائب أعرف ~~منك بالحروب. # فأما الحلم فأي الحلم عند العبيد القيون؟ ثم تمنيت لقاء أمير المؤمنين ~~عليه السلام فذاك من قد عرفت: أسد باسل، وسم قاتل، لا تقاومه الأبالسة، عند ~~الطعن والمخالسة فكيف ترومه الضبعان، وتناله الجعلان، بمشيتها القهقري. # وأما وصلتك: فمنكورة، وقربتك فمجهولة، وما رحمك منه إلا كبنات الماء من ~~خشفان الظباء، بل أنت أبعد منه نسبا. # فوثب المغيرة والحسن يقول لمعاوية: اعذرنا من بني أمية إن تجاوزنا بعد ~~مناطقة القيون، ومفاخرة العبيد. # فقال معاوية: ارجع يا مغيرة، هؤلاء بنو عبد مناف، لا تقاومهم الصناديد، ~~ولا تفاخرهم المذاويد. # ثم أقسم على الحسن عليه السلام بالسكوت فسكت. # وروي أن عمرو بن العاص قال لمعاوية: ابعث إلى الحسن بن علي فمره أن يصعد ~~المنبر ويخطب الناس، فلعله أن ms290 يحصر فيكون ذلك مما نعيره به في كل محفل، ~~فبعث إليه معاوية فأصعده المنبر، وقد جمع له الناس، ورؤساء أهل الشام ~~PageV01P418 # فحمد الله الحسن صلوات الله عليه وأثنى عليه، ثم قال: # أيها الناس من عرفني فأنا الذي يعرف، ومن لم يعرفني فأنا الحسن بن علي بن ~~أبي طالب، ابن عم نبي الله، أول المسلمين إسلاما، وأمي فاطمة بنت رسول الله ~~صلى الله عليه وآله، وجدي محمد بن عبد الله نبي الرحمة، أنا ابن البشير، ~~أنا ابن النذير، أنا ابن السراج المنير، أنا ابن من بعث رحمة للعالمين، أنا ~~ابن من بعث إلى الجن والإنس أجمعين، فقطع عليه معاوية فقال، يا أبا محمد ~~خلنا من هذا وحدثنا في نعت الرطب أراد بذلك تخجيله. # فقال الحسن عليه السلام: نعم التمر الريح تنفخه، والحر ينضجه، والليل ~~يبرده ويطيبه. # ثم أقبل الحسن عليه السلام: فرجع في كلامه الأول فقال: أنا ابن مستجاب ~~الدعوة أنا ابن الشفيع المطاع، أنا ابن أول من ينفض عن رأسه التراب، أنا ~~ابن من يقرع باب الجنة فيفتح له فيدخلها، أنا ابن من قاتل معه الملائكة، ~~وأحل له المغنم ونصر بالرعب من مسيرة شهر فأكثر، في هذا النوع من الكلام، ~~ولم يزل به حتى اظلمت الدنيا على معاوية، وعرف الحسن من لم يكن عرفه من أهل ~~الشام وغيرهم ثم نزل فقال له معاوية: أما إنك يا حسن قد كنت ترجو أن تكون ~~خليفة، ولست هناك، فقال الحسن عليه السلام: أما الخليفة فمن سار بسيرة رسول ~~الله صلى الله عليه وآله، وعمل بطاعة الله عز وجل، وليس الخليفة من سار ~~بالجور، وعطل السنن، واتخذ الدنيا أما وأبا، وعباد الله خولا، وماله دولا، ~~ولكن ذلك أمر ملك أصاب ملكا فتمتع منه قليلا، وكان قد انقطع عنه، فأتخم ~~لذته وبقيت عليه تبعته، وكان كما قال الله تبارك وتعالى: " وإن أدري لعله ~~فتنة لكم ومتاع إلى حين " " متعناهم سنين ثم جاءهم ما كانوا يوعدون " " وما ~~أغنى عنهم ما كانوا يمتعون " وأومى بيده إلى معاوية، ms291 ثم قام فانصرف. فقال ~~معاوية لعمرو: والله ما أردت إلا شيني حين أمرتني بما أمرتني، والله ما كان ~~يرى أهل الشام أن أحدا مثلي في حسب ولا غيره، حتى قال الحسن عليه السلام ما ~~قال، قال عمرو: وهذا شئ لا يستطاع دفنه، ولا تغييره، PageV01P419 # لشهرته في الناس، واتضاحه، فسكت معاوية وروى الشعبي أن معاوية قدم ~~المدينة فقام خطيبا فقال: أين علي بن أبي طالب؟ # فقام الحسن بن علي فخطب وحمد الله وأثنى عليه ثم قال: # إنه لم يبعث نبي إلا جعل له وصي من أهل بيته، ولم يكن نبي إلا وله عدو من ~~المجرمين، وإن عليا عليه السلام كان وصي رسول الله من بعده، وأنا ابن علي، ~~وأنت ابن صخر، وجدك حرب، وجدي رسول الله، وأمك هند وأمي فاطمة، وجدتي خديجة ~~وجدتك نثيله، فلعن الله ألأمنا حسبا، وأقدمنا كفرا، وأخملنا ذكرا، وأشدنا ~~نفاقا، فقال عامة أهل المجلس: آمين. فنزل معاوية فقطع خطبته وروي أنه لما ~~قدم معاوية الكوفة قيل له: إن الحسن بن علي مرتفع في أنفس الناس فلو أمرته ~~أن يقوم دون مقامك على المنبر فتدركه الحداثة والعي فيسقط من أنفس الناس ~~وأعينهم، فأبى عليهم وأبو عليه إلا أن يأمره بذلك فأمره، فقام دون مقامه في ~~المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: # أما بعد أيها الناس فإنكم لو طلبتم ما بين كذا وكذا لتجدوا رجلا جده نبي ~~لم تجدوا غيري وغير أخي، وإنا أعطينا صفقتنا هذا الطاغية - وأشار بيده إلى ~~أعلى المنبر إلى معاوية - وهو في مقام رسول الله صلى الله عليه وآله من ~~المنبر ورأينا حقن دماء المسلمين أفضل من إهراقها، وإن أدري لعله فتنة لكم ~~ومتاع إلى حين، وأشار بيده إلى معاوية. # فقال له معاوية: ما أردت بقولك هذا؟ # فقال: ما أردت به إلا ما أراد الله عز وجل، فقام معاوية فخطب خطبة عيية ~~فاحشة، فسب فيها أمير المؤمنين عليه الصلاة السلام، فقام إليه الحسن بن علي ~~عليهما السلام فقال له - وهو على المنبر -: ويلك يا ms292 بن آكلة الأكباد أو أنت ~~تسب أمير المؤمنين عليه السلام وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ~~" من سب عليا فقد سبني، ومن سبني فقد سب الله، ومن سب الله أدخله الله نار ~~جهنم خالدا فيها مخلدا وله عذاب مقيم "؟ # ثم انحدر الحسن عليه السلام عن المنبر ودخل داره، ولم يصل هناك بعد ذلك ~~أبدا تم الجزء الأول من كتاب الاحتجاج بحمد الله ومنه ويتلوه بمن الله ~~وعونه الجزء الثاني. PageV01P420 # احتجاج الحسن بن علي عليهما السلام على معاوية في الإمامة، من يستحقها ~~ومن لا يستحقها بعد مضي النبي. # وقد جرى قبل ذلك إيراد كثير من الحجج لعبد الله بن جعفر بن أبي طالب، ~~وعبد الله بن عباس، وغيرهما، على معاوية في الإمامة وغيرها، بمحضر من الحسن ~~عليه السلام، والفضل بن عباس، وغيرهما. # روى سليم بن قيس قال: سمعت عبد الله بن جعفر بن أبي طالب قال: قال لي ~~معاوية: # ما أشد تعظيمك للحسن والحسين، ما هما بخير منك، ولا أبوهما بخير من أبيك، ~~ولولا أن فاطمة بنت رسول الله لقلت: ما أمك أسماء بنت عميس بدونها. # قال: فغضبت من مقالته، وأخذني ما لا أملك، فقلت: أنت لقليل المعرفة بهما، ~~وبأبيهما، وأمهما، بلى والله أنهما خير مني، وأبوهما خير من أبي، وأمهما ~~خير من أمي، ولقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول فيهما وفي أبيهما ~~وأنا غلام فحفظته منه، ورعيته. # فقال معاوية - وليس في المجلس غير الحسن والحسين عليهما السلام، وابن ~~جعفر رحمه الله، وابن عباس، وأخيه الفضل -: هات ما سمعت! فوالله ما أنت ~~بكذاب. # فقال إنه أعظم مما في نفسك. # قال: وإن كان أعظم من أحد وحرى، فآته! ما لم يكن أحد من أهل الشام أما ~~إذا قتل الله طاغيتكم، وفرق جمعكم، وصار الأمر في أهله ومعدنه، فما نبالي ~~ما قلتم، ولا يضرنا ما ادعيتم. # قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: (أنا أولى بالمؤمنين من ~~أنفسهم، فمن كنت أولى به من نفسه فأنت ms293 يا أخي أولى به من نفسه) وعلي بين ~~يديه في البيت، والحسن، والحسين، وعمرو بن أم سلمة، وأسامة بن يزيد، وفي ~~البيت فاطمة عليها السلام وأم أيمن، وأبو ذر، والمقداد، والزبير بن العوام، ~~وضرب رسول الله صلى الله عليه وآله على PageV02P003 # عضده وأعاد ما قال فيه ثلاثا، ثم نص بالإمامة على الأئمة تمام الاثني عشر ~~عليهم السلام ثم قال صلوات الله عليه: (لأمتي اثنا عشر إمام ضلالة، كلهم ~~ضال مضل عشرة من بني أمية، ورجلان من قريش، وزر جميع الاثنا عشر وما أضلوا ~~في أعناقهما، ثم سماهما رسول الله صلى الله عليه وآله وسمى العشرة منهما). # قال: فسمهم لنا. # قال: فلان وفلان، وصاحب السلسلة وابنه من آل أبي سفيان، وسبعة من ولد ~~الحكم بن أبي العاص، أولهم مروان. # قال معاوية: لئن كان ما قلت حقا هلكت، وهلكت الثلاثة قبلي، وجميع من ~~تولاهم من هذه الأمة، ولقد هلك أصحاب رسول الله من المهاجرين والأنصار ~~والتابعين من غيركم وأهل البيت وشيعتكم. # قال ابن جعفر: فإن الذي قلت والله حق سمعته من رسول الله صلى الله عليه ~~وآله. # قال معاوية - للحسن والحسين وابن عباس -: ما يقول ابن جعفر؟ # قال ابن عباس: ومعاوية بالمدينة أول سنة اجتمع عليه الناس بعد قتل علي ~~عليه السلام أرسل إلى الذي سمى، فأرسل إلى عمرو بن أم سلمة، وأسامة، فشهدوا ~~جميعا أن الذي قال ابن جعفر حق، قد سمعوا من رسول الله صلى الله عليه وآله ~~كما سمعه. # ثم أقبل معاوية إلى الحسن، والحسين، وابن عباس، والفضل، وابن أم سلمة، ~~وأسامة. # قال: كلكم على ما قال ابن جعفر؟ # قالوا: نعم. # قال معاوية: فإنكم يا بني عبد المطلب لتدعون أمرا، وتحتجون بحجة قوية إن ~~كانت حقا، وأنكم لتبصرون على أمر وتسترونه والناس في غفلة وعمى، ولئن كان ~~ما تقولون حقا لقد هلكت الأمة، ورجعت عن دينها، وكفرت بربها وجحدت نبيها، ~~إلا أنتم أهل البيت ومن قال بقولكم، وأولئك قليل في الناس. # فأقبل ابن عباس على معاوية فقال: قال الله ms294 تعالى: (وقليل من عبادي ~~PageV02P004 # الشكور) وقال: (وقليل ما هم). # وما تعجب مني يا معاوية أعجب من بني إسرائيل: إن السحرة قالوا لفرعون ~~(إقض ما أنت قاض) فآمنوا بموسى وصدقوه، ثم سار بهم ومن اتبعهم من بني ~~إسرائيل فأقطعهم البحر، وأراهم العجائب، وهم مصدقون بموسى وبالتوراة يقرون ~~له بدينه، ثم مروا بأصنام تعبد فقالوا: (يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم ~~آلهة قال إنكم قوم تجهلون) وعكفوا على العجل جميعا غير هارون فقالوا: # (هذا إلهكم وإله موسى) وقال لهم موسى - بعد ذلك -: (ادخلوا الأرض ~~المقدسة) فكان من جوابهم ما قص الله عز وجل عليهم: (فقال موسى رب إني لا ~~أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين). # فما اتباع هذه الأمة رجالا سودوهم وأطاعوهم، لهم سوابق مع رسول الله صلى ~~الله عليه وآله ومنازل قريبة منها، وأصهاره مقرين بدين محمد صلى الله عليه ~~وآله وبالقرآن، حملهم الكبر والحسد أن خالفوا إمامهم ووليهم، بأعجب من قوم ~~صاغوا من حليهم عجلا ثم عكفوا عليه يعبدونه، ويسجدون له، ويزعمون أنه رب ~~العالمين، واجتمعوا على ذلك كلهم غير هارون وحده، وقد بقي مع صاحبنا الذي ~~هو من نبينا بمنزلة هارون من موسى من أهل بيته ناس: سلمان، وأبو ذر، ~~والمقداد، والزبير، ثم رجع الزبير وثبت هؤلاء الثلاثة مع إمامهم حتى لقوا ~~الله. # وتعجب يا معاوية أن سمى الله من الأئمة واحدا بعد واحد، وقد نص عليهم ~~رسول الله بغدير خم وفي غير موطن، واحتج بهم عليهم، وأمرهم بطاعتهم، وأخبر ~~أن أولهم علي بن أبي طالب ولي كل مؤمن ومؤمنة من بعده، وأنه خليفته فيهم ~~ووصيه وقد بعث رسول الله صلى الله عليه وآله جيشا يوم مؤتة فقال: عليكم ~~بجعفر، فإن هلك فزيد، فإن هلك فعبد الله بن رواحة، فقتلوا جميعا، أفترى ~~يترك الأمة ولم يبين لهم من الخليفة بعده، ليختاروا هم لأنفسهم الخليفة، ~~كأن رأيهم لأنفسهم أهدى لهم وأرشد من رأيه واختياره، وما ركب القوم ما ~~ركبوا إلا بعد ما بينه، وما تركهم رسول ms295 الله صلى الله عليه وآله في عمى ولا ~~شبهة. PageV02P005 # فأما ما قال الرهط الأربعة الذين تظاهروا على علي عليه السلام وكذبوا على ~~رسول الله، وزعموا أنه قال: إن الله لم يكن ليجمع لنا أهل البيت النبوة ~~والخلافة فقد شبهوا على الناس بشهادتهم، وكذبهم، ومكرهم. # قال معاوية: ما تقول يا حسن؟ # قال: يا معاوية قد سمعت ما قلت، وما قال ابن عباس، العجب منك يا معاوية ~~ومن قلة حيائك، ومن جرأتك على الله حين قلت: (قد قتل الله طاغيتكم، ورد ~~الأمر إلى معدنه) فأنت يا معاوية معدن الخلافة دوننا، ويل لك يا معاوية ~~وللثلاثة قبلك الذين أجلسوك هذا المجلس، وسنوا لك هذه السنة، لأقولن كلاما ~~ما أنت أهله، ولكني أقول ليسمعه بنو أبي هؤلاء حولي. # إن الناس قد اجتمعوا على أمور كثيرة ليس بينهم اختلاف فيها، ولا تنازع ~~ولا فرقة، على: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله عبده، ~~والصلوات الخمس، والزكاة المفروضة، وصوم شهر رمضان، وحج البيت، ثم أشياء ~~كثيرة من طاعة الله لا يحصى ولا يعدها إلا الله، واجتمعوا على تحريم الزنا، ~~والسرقة والكذب، والقطيعة، والخيانة، وأشياء كثيرة من معاصي الله لا يحصى ~~ولا يعدها إلا الله، واختلفوا في سنن اقتتلوا فيها، وصاروا فرقا يلعن بعضهم ~~بعضا، وهي: # (الولاية) ويتبرأ بعضهم عن بعض، ويقتل بعضهم بعضا، أيهم أحق وأولى بها، ~~إلا فرقة تتبع كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله، فمن أخذ بما عليه ~~أهل القبلة الذي ليس فيه اختلاف، ورد علم ما اختلفوا فيه إلى الله، سلم ~~ونجا به من النار، ودخل الجنة، ومن وفقه الله ومن عليه واحتج عليه بأن نور ~~قلبه بمعرفة ولاة الأمر من أئمتهم ومعدن العلم أين هو، فهو عند الله سعيد، ~~ولله ولي، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (رحم الله امرء علم حقا ~~فقال أو سكت فسلم). # نحن نقول أهل البيت أن الأئمة منا، وأن الخلافة لا تصلح إلا فينا، وأن ~~الله جعلنا أهلها في كتابه ms296 وسنة نبيه، وأن العلم فينا ونحن أهله، وهو عندنا ~~مجموع كله بحذافيره، وأنه لا يحدث شئ إلى يوم القيامة حتى أرش الخدش إلا ~~PageV02P006 # وهو عندنا مكتوب بإملاء رسول الله صلى الله عليه وآله وبخط علي عليه ~~السلام بيده. # وزعم قوم: أنهم أولى بذلك منا حتى أنت يا بن هند تدعي ذلك، وتزعم: # أن عمر أرسل إلى أبي أني أريد أن أكتب القرآن في مصحف فابعث إلي بما كتبت ~~من القرآن، فأتاه فقال: تضرب والله عنقي قبل أن يصل إليك. # قال: ولم؟ # قال: لأن الله تعالى قال: (والراسخون في العلم) إياي عنى، ولم يعنك ولا ~~أصحابك، فغضب عمر ثم قال: # يا بن أبي طالب تحسب أن أحدا ليس عنده علم غيرك، من كان يقرأ من القرآن ~~شيئا فليأتني به، إذا جاء رجل فقرأ شيئا معه يوافقه فيه آخر كتبه وإلا لم ~~يكتبه. # ثم قالوا: قد صاغ منه قرآن كثير، بل كذبوا والله بل هو مجموع محفوظ عند ~~أهله، ثم أمر عمر قضاته وولاته: اجتهدوا آرائكم واقضوا بما ترون أنه الحق ~~فلا يزال هو وبعض ولاته قد وقعوا في عظيمة، فيخرجهم منها أبي ليحتج عليهم ~~بها، فتجمع القضاة عند خليفتهم وقد حكموا في شئ واحد بقضايا مختلفة فأجازها ~~لهم، لأن الله تعالى لم يؤته الحكمة وفصل الخطاب، وزعم كل صنف من مخالفينا ~~من أهل هذه القبلة: أنهم معدن الخلافة والعلم دوننا، فنستعين بالله على من ~~ظلمنا وجحدنا حقنا، وركب رقابنا، وسن للناس علينا ما يحتج به مثلك، وحسبنا ~~الله ونعم الوكيل. # إنما الناس ثلاثة: مؤمن يعرف حقنا ويسلم لنا ويأتم بنا، فذلك ناج محب لله ~~ولي. # وناصب لنا العداوة يتبرأ منا، ويلعننا، ويستحل دمائنا، ويجحد حقنا، ويدين ~~الله بالبراءة منا، فهذا كافر مشرك، وإنما كفر وأشرك من حيث لا يعلم كما ~~يسبوا الله عدوا بغير علم، كذلك يشرك بالله بغير علم. # ورجل آخذ بما لا يختلف فيه، ورد علم ما أشكل عليه إلى الله، مع ولايتنا ~~PageV02P007 # ولا يأتم بنا، ولا يعادينا، ولا ms297 يعرف حقنا، فنحن نرجو أن يغفر الله له، ~~ويدخله الجنة، فهذا مسلم ضعيف. # فلما سمع معاوية أمر لكل منهم بمائة ألف درهم، غير الحسن والحسين وابن ~~جعفر، فإنه أمر لكل واحد منهم بألف ألف درهم. # احتجاجه (ع) على من أنكر عليه مصالحة معاوية ونسبه إلى التقصير في طلب ~~حقه. # عن سليم بن قيس قال: قام الحسن بن علي بن أبي طالب عليه السلام على ~~المنبر حين اجتمع مع معاوية، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: # أيها الناس إن معاوية زعم: أني رأيته للخلافة أهلا ولم أر نفسي لها أهلا ~~وكذب معاوية، أنا أولى الناس بالناس في كتاب الله وعلى لسان نبي الله، ~~فأقسم بالله لو أن الناس بايعوني وأطاعوني ونصروني، لأعطتهم السماء قطرها، ~~والأرض بركتها، ولما طمعتم فيها يا معاوية، ولقد قال رسول الله صلى الله ~~عليه وآله: (ما ولت أمة أمرها رجلا قط وفيهم من هو أعلم منه إلا لم يزل ~~أمرهم يذهب سفالا حتى يرجعوا إلى ملة عبدة العجل). # وقد ترك بنو إسرائيل هارون واعتكفوا على العجل وهم يعلمون أن هارون خليفة ~~موسى، وقد تركت الأمة عليا عليه السلام وقد سمعوا رسول الله صلى الله عليه ~~وآله يقول لعلي: (أنت مني بمنزلة هارون من موسى غير النبوة فلا نبي بعدي) ~~وقد هرب رسول الله صلى الله عليه وآله من قومه وهو يدعوهم إلى الله حتى فر ~~إلى الغار، ولو وجد عليهم أعوانا ما هرب منهم، ولو وجدت أنا أعوانا ما ~~بايعتك يا معاوية. # وقد جعل الله هارون في سعة حين استضعفوه وكادوا يقتلونه، ولم يجد عليهم ~~أعوانا، وقد جعل الله النبي في سعة حين فر من قومه لما لم يجد أعوانا عليهم ~~كذلك أنا وأبي في سعة من الله حين تركنا الأمة وبايعت غيرنا ولم نجد ~~أعوانا، وإنما هي السنن والأمثال يتبع بعضها بعضا. PageV02P008 # أيها الناس إنكم لو التمستم فيما بين المشرق والمغرب لم تجدوا رجلا من ~~ولد النبي غيري وغير أخي. # وعن حنان بن سدير (1) عن أبيه ms298 سدير (2) عن أبيه (3) عن أبي سعيد عقيصي ~~(4) قال: لما صالح الحسن بن علي بن أبي طالب معاوية بن أبي سفيان دخل عليه ~~الناس فلامه بعضهم على بيعته فقال عليه السلام: # ويحكم ما تدرون ما عملت، والله الذي عملت لشيعتي خير مما طلعت عليه الشمس ~~أو غربت، ألا تعلمون أني إمامكم، ومفترض الطاعة عليكم، واحد سيدي شباب أهل ~~الجنة بنص من رسول الله علي؟ # PageV02P009 # قالوا: بلى. # قال: أما علمتم أن الخضر لما خرق السفينة، وأقام الجدار، وقتل الغلام كان ~~ذلك سخطا لموسى بن عمران عليه السلام إذ خفي عليه وجه الحكمة في ذلك، وكان ~~ذلك عند الله تعالى ذكره حكمة وصوابا؟ أما علمتم أنه ما منا أحد إلا ويقع ~~في عنقه بيعة لطاغية زمانه إلا القائم (عج)؟ الذي يصلي خلفه روح الله عيسى ~~بن مريم عليه السلام، فإن الله عز وجل يخفي ولادته ويغيب شخصه لئلا يكون ~~لأحد في عنقه بيعة إذا خرج، ذاك التاسع من ولد أخي الحسين، ابن سيدة ~~الإماء، يطيل الله عمره في غيبته ثم يظهره بقدرته في صورة شاب دون أربعين ~~سنة، ذلك ليعلم أن الله على كل شئ قدير. # عن زيد بن وهب الجهني (1) قال: لما طعن الحسن بن علي عليه السلام ~~بالمدائن أتيته وهو متوجع، فقلت: # ما ترى يا بن رسول الله فإن الناس متحيرون؟ فقال: # أرى والله أن معاوية خير لي من هؤلاء، يزعمون أنهم لي شيعة، ابتغوا قتلي ~~وانتهبوا ثقلي، وأخذوا مالي، والله لئن آخذ من معاوية عهدا أحقن به دمي، ~~وأومن به في أهلي، خير من أن يقتلوني فتضيع أهل بيتي وأهلي، والله لو قاتلت ~~معاوية لأخذوا بعنقي حتى يدفعوني إليه سلما، والله لئن أسالمه وأنا عزيز ~~خير من أن يقتلني وأنا أسير، أو يمن علي فيكون سنة على بني هاشم آخر الدهر ~~ولمعاوية لا يزال يمن بها وعقبه علي الحي منا والميت. # (قال): قلت: تترك يا بن رسول الله شيعتك كالغنم ليس لها راع؟ # PageV02P010 # قال: وما أصنع يا أخا جهينة أني ms299 والله أعلم بأمر قد أدى به إلي ثقاته: # أن أمير المؤمنين عليه السلام قال لي - ذات يوم وقد رآني فرحا -: يا حسن ~~أتفرح كيف بك إذا رأيت أباك قتيلا؟! كيف بك إذا ولي هذا الأمر بنو أمية، ~~وأميرها الرحب البلعوم، الواسع الإعفجاج، (1) يأكل ولا يشبع، يموت وليس له ~~في السماء ناصر ولا في الأرض عاذر، ثم يستولي على غربها وشرقها، يدين له ~~العباد ويطول ملكه، يستن بسنن أهل البدع الضلال، ويميت الحق وسنة رسول الله ~~صلى الله عليه وآله يقسم المال في أهل ولايته، ويمنعه من هو أحق به، ويذل ~~في ملكه المؤمن، ويقوى في سلطانه الفاسق، ويجعل المال بين أنصاره دولا، ~~ويتخذ عباد الله خولا يدرس في سلطانه الحق، ويظهر الباطل، ويقتل من ناواه ~~على الحق، ويدين من لاواه على الباطل، فكذلك حتى يبعث الله رجلا في آخر ~~الزمان، وكلب من الدهر، (2) وجهل من الناس، يؤيده الله بملائكته، ويعصم ~~أنصاره، وينصره بآياته، ويظهره على أهل الأرض حتى يدينوا طوعا وكرها، يملأ ~~الأرض قسطا وعدلا، ونورا وبرهانا، يدين له عرض البلاد وطولها، لا يبقى كافر ~~إلا آمن به ولا صالح إلا صلح، ويصطلح في ملكه السباع، وتخرج الأرض نبتها، ~~وينزل السماء بركتها، وتظهر له الكنوز، يملك ما بين الخافقين أربعين عاما، ~~فطوبى لمن أدرك أيامه، وسمع كلامه. # وعن الأعمش (3) عن سالم بن أبي الجعد (4) قال: حدثني رجل منا # PageV02P011 # قال: أتيت الحسن بن علي عليه السلام فقلت: # يا بن رسول الله أذللت رقابنا، وجعلتنا معشر الشيعة عبيدا، ما بقي معك ~~رجل قال: ومم ذاك؟ # قال: قلت: بتسليمك الأمر لهذا الطاغية. # قال: والله ما سلمت الأمر إليه إلا أني لم أجد أنصارا، ولو وجدت أنصارا ~~لقاتلته ليلي ونهاري حتى يحكم الله بيني وبينه، ولكني عرفت أهل الكوفة، ~~وبلوتهم، ولا يصلح لي منهم من كان فاسدا، إنهم لا وفاء لهم. ولا ذمة في قول ~~ولا فعل، إنهم لمختلفون، ويقولون لنا: أن قلوبهم معنا، وأن سيوفهم لمشهورة ~~علينا، قال: وهو يكلمني إذ تنخع الدم، ms300 فدعا بطست فحمل من بين يديه ملئ مما ~~خرج من جوفه من الدم. # فقلت له: ما هذا يا بن رسول الله صلى الله عليه وآله إني لأراك وجعا؟ # قال: أجل دس إلي هذا الطاغية من سقاني سما فقد وقع على كبدي وهو يخرج ~~قطعا كما ترى. # قلت: أفلا تتداوى؟ # قال: قد سقاني مرتين وهذه الثالثة لا أجد لها دواء، ولقد رقى إلي: أنه ~~كتب إلى ملك الروم يسأله أن يوجه إليه من السم القتال شربة، فكتب إليه ملك ~~الروم: أنه لا يصلح لنا في ديننا أن نعين على قتال من لا يقاتلنا، فكتب ~~إليه أن هذا ابن الرجل الذي خرج بأرض تهامة، وقد خرج يطلب ملك أبيه، وأنا ~~أريد أن أدس إليه من يسقيه ذلك، فأريح العباد والبلاد منه، ووجه إليه ~~بهدايا وألطاف فوجه إليه ملك الروم بهذه الشربة التي دس فيها فسقيها واشترط ~~عليه في ذلك شروطا. PageV02P012 # وروي أن معاوية دفع السم إلى امرأة الحسن بن علي عليهما السلام، جعدة بنت ~~الأشعث، فقال لها: (اسقيه فإذا مات هو زوجتك ابني يزيد) فلما سقته السم ~~ومات عليه السلام، جاءت الملعونة إلى معاوية الملعون فقالت: (زوجني يزيد) ~~فقال: # (اذهبي فإن امرأة لم تصلح للحسن بن علي لا تصلح لابني يزيد). # احتجاج الحسين بن علي عليهما السلام على عمر بن الخطاب في الإمامة ~~والخلافة. # روي أن عمر بن الخطاب كان يخطب الناس على منبر رسول الله صلى الله عليه ~~وآله، فذكر في خطبته أنه أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فقال له الحسين عليه ~~السلام - من ناحية المسجد -: # إنزل أيها الكذاب عن منبر أبي رسول الله لا منبر أبيك! # فقال له عمر: فمنبر أبيك لعمري يا حسين لا منبر أبي من علمك هذا أبوك علي ~~بن أبي طالب؟ # فقال له الحسين عليه السلام: إن أطع أبي فيما أمرني فلعمري أنه لها وأنا ~~مهتد به، وله في رقاب الناس البيعة على عهد رسول الله، نزل بها جبرئيل من ~~عند الله تعالى لا ينكرها إلا جاحد ms301 بالكتاب، قد عرفها الناس بقلوبهم ~~وأنكروها بألسنتهم وويل للمنكرين حقنا أهل البيت، ماذا يلقاهم به محمد رسول ~~الله صلى الله عليه وآله من إدامة الغضب وشدة العذاب!! # فقال عمر: يا حسين من أنكر حق أبيك فعليه لعنة الله، أمرنا لناس فتأمرنا ~~ولو أمروا أباك لأطعنا. # فقال له الحسين: يا بن الخطاب فأي الناس أمرك على نفسه قبل أن تؤمر أبا ~~بكر على نفسك ليؤمرك على الناس، بلا حجة من نبي ولا رضا من آل محمد، فرضاكم ~~كان لمحمد صلى الله عليه وآله رضا؟ أو رضا أهله كان له سخطا؟! أما والله لو ~~أن للسان مقالا يطول تصديقه، وفعلا يعينه المؤمنون، لما تخطأت رقاب آل ~~محمد، PageV02P013 # ترقى منبرهم، وصرت الحاكم عليهم بكتاب نزل فيهم، لا تعرف معجمه، ولا تدري ~~تأويله، إلا سماع الآذان، المخطئ والمصيب عندك سواء، فجزاك الله جزاك، ~~وسألك عما أحدثت سؤالا حفيا. # (قال): فنزل عمر مغضبا، فمشى معه أناس من أصحابه حتى أتى باب أمير ~~المؤمنين عليه السلام فاستأذن عليه فأذن له، فدخل فقال: # يا أبا الحسن ما لقيت اليوم من ابنك الحسين، يجهرنا بصوت في مسجد رسول ~~الله ويحرض علي الطغام وأهل المدينة، فقال له الحسن عليه السلام: على مثل ~~الحسين ابن النبي صلى الله عليه وآله يشخب بمن لا حكم له، أو يقول بالطغام ~~على أهل دينه؟ # أما والله ما نلت إلا بالطغام، فلعن الله من حرض الطغام. # فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: مهلا يا أبا محمد فإنك لن تكون قريب ~~الغضب ولا لئيم الحسب، ولا فيك عروق من السودان، إسمع كلامي ولا تعجل ~~بالكلام فقال له عمر: يا أبا الحسن إنهما ليهمان في أنفسهما بما لا يرى ~~بغير الخلافة فقال أمير المؤمنين: هما أقرب نسبا برسول الله من أن يهما، ~~أما فارضهما يا بن الخطاب بحقهما يرض عنك من بعدهما. # قال: وما رضاهما يا أبا الحسن؟ # قال: رضاهما الرجعة عن الخطيئة، والتقية عن المعصية بالتوبة. # فقال له عمر: أدب يا أبا الحسن ابنك أن ms302 لا يتعاطى السلاطين الذين هم ~~الحكماء في الأرض. # فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: أنا أؤدب أهل المعاصي على معاصيهم، ~~ومن أخاف عليه الزلة والهلكة، فأما من والده رسول الله ونحله أدبه فإنه لا ~~ينتقل إلى أدب خير له منه، أما فارضهما يا بن الخطاب. # قال: فخرج عمر فاستقبله عثمان بن عفان، وعبد الرحمان بن عوف. # فقال له عبد الرحمن: يا أبا حفص ما صنعت فقد طالت بكما الحجة؟ # فقال له عمر: وهل حجة مع ابن أبي طالب وشبليه؟! PageV02P014 # فقال له عثمان: يا بن الخطاب، هم بنو عبد مناف، الأسمنون والناس عجاف ~~فقال له عمر: ما أعد ما صرت إليه فخرا فخرت به بحمقك، فقبض عثمان على مجامع ~~ثيابه ثم نبذ به ورده، ثم قال له: يا بن الخطاب، كأنك تنكر ما أقول، فدخل ~~بينهما عبد الرحمن وفرق بينهما، وافترق القوم. # احتجاج الحسين (ع) بذكر مناقب أمير المؤمنين وأولاده عليهم السلام حين ~~أمر معاوية بلعن أمير المؤمنين (ع) وقتل شيعته، وقتل من يروي شيئا من ~~فضائله. # عن سليم بن قيس قال: قدم معاوية بن أبي سفيان حاجا في خلافته فاستقبله ~~أهل المدينة، فنظر فإذا الذين استقبلوه ما فيهم أحد من قريش، فلما نزل قال: # ما فعلت الأنصار وما بالها لم تستقبلني؟ # فقيل له: إنهم محتاجون ليس لهم دواب. # فقال معاوية: فأين نواضحهم؟ # فقال قيس بن سعد بن عبادة - وكان سيد الأنصار وابن سيدها -: أفنوها يوم ~~بدر واحد وما بعدهما من مشاهد رسول الله صلى الله عليه وآله، حين ضربوك ~~وأباك على الإسلام حتى ظهر أمر الله وأنتم كارهون، فسكت معاوية، فقال قيس: # أما أن رسول الله صلى الله عليه وآله عهد إلينا أنا سنلقي بعده إثرة. # فقال معاوية: فما أمركم به؟ # فقال: أمرنا أن نصبر حتى نلقاه. # قال: فاصبروا حتى تلقوه! # ثم إن معاوية مر بحلقة من قريش فلما رأوه قاموا غير عبد الله بن عباس ~~فقال له: # يا بن عباس ما منعك من القيام كما قام أصحابك، إلا لموجدة ms303 أني قاتلتكم ~~بصفين، فلا تجد من ذلك يا بن عباس! فإن ابن عمي عثمان قد قتل مظلوما! ~~PageV02P015 # قال ابن عباس: فعمر بن الخطاب قد قتل مظلوما. # قال: إن عمر قتله كافر. # قال ابن عباس: فمن قتل عثمان؟ # قال: قتله المسلمون. # قال: فذلك أدحض لحجتك. # قال: فإنا قد كتبنا في الآفاق ننهى عن ذكر مناقب علي وأهل بيته، فكف ~~لسانك. # فقال: يا معاوية أتنهانا عن قراءة القرآن؟! # قال: لا. # قال: أتنهانا عن تأويله؟! # قال: نعم. # قال: فنقرأه ولا نسأل عما عنى الله به؟ ثم قال: فأيهما أوجب علينا قرائته ~~أو العمل به؟ # قال: العمل به. # قال: فكيف نعمل به ولا نعلم ما عنى الله؟! # قال: سل عن ذلك من يتأوله غير ما تتأوله أنت وأهل بيتك. # قال: إنما أنزل القرآن على أهل بيتي فأسأل عنه آل أبي سفيان يا معاوية ~~أتنهانا أن نعبد الله بالقرآن بما فيه من حلال وحرام؟! فإن لم تسأل الأمة ~~عن ذلك حتى تعلم تهلك وتختلف. # قال: اقرؤا القرآن وتأولوه ولا ترووا شيئا مما أنزل الله فيكم، وارووا ما ~~سوى ذلك. # قال: فإن الله يقول في القرآن: (يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى ~~الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون). # قال: يا بن عباس أربع على نفسك، وكف لسانك، وإن كنت لا بد فاعلا ~~PageV02P016 # فليكن ذلك سرا لا يسمعه أحد علانية. # ثم رجع إلى بيته فبعث إليه بمائة ألف درهم، ونادى منادي معاوية أن قد ~~برئت الذمة ممن يروي حديثا من مناقب علي وفضل أهل بيته، وكان أشد الناس ~~بلية أهل الكوفة، لكثرة من بها من الشيعة، فاستعمل زياد ابن أبيه وضم إليه ~~العراقين: # الكوفة والبصرة، فجعل يتتبع الشيعة وهو بهم عارف، يقتلهم تحت كل حجر ومدر ~~وأخافهم، وقطع الأيدي والأرجل، وصلبهم في جذوع النخل، وسمل أعينهم، وطردهم ~~وشردهم، حتى نفوا عن العراق فلم يبق بها أحد معروف مشهور، فهم بين مقتول أو ~~مصلوب، أو محبوس، أو طريد، أو شريد. # وكتب معاوية إلى جميع عماله في ms304 جميع الأمصار: أن لا تجيزوا لأحد من شيعة ~~علي وأهل بيته شهادة، وانظروا قبلكم من شيعة عثمان ومحبيه ومحبي أهل بيته ~~وأهل ولايته، والذين يروون فضله ومناقبه فأدنوا مجالسهم، وقربوهم، ~~وأكرموهم، واكتبوا بمن يروي من مناقبه واسم أبيه وقبيلته، ففعلوا، حتى كثرت ~~الرواية في عثمان، وافتعلوها لما كان يبعث إليهم من الصلات والخلع ~~والقطايع، من العرب والموالي، وكثر ذلك في كل مصر، وتنافسوا في الأموال ~~والدنيا، فليس أحد يجئ من مصر من الأمصار فيروي في عثمان منقبة أو فضيلة ~~إلا كتب اسمه، وأجيز، فلبثوا بذلك ما شاء الله. # ثم كتب إلى عماله: إن الحديث في عثمان قد كثر وفشا في كل مصر، فادعوا ~~الناس إلى الرواية في معاوية وفضله وسوابقه، فإن ذلك أحب إلينا، وأقر ~~لأعيننا، وأدحض لحجة أهل هذا البيت، وأشد عليهم، فقرأ كل أمير وقاض كتابه ~~على الناس، فأخذ الرواة في فضائل معاوية على المنبر في كل كورة وكل مسجد ~~زورا، وألقوا ذلك إلى معلمي الكتاتيب فعلموا ذلك صبيانهم، كما يعلمونهم ~~القرآن، حتى علموه بناتهم ونساؤهم وحشمهم، فلبثوا بذلك ما شاء الله. # وكتب زياد بن أبيه إليه في حق الحضرميين: أنهم على دين علي، وعلى رأيه ~~فكتب إليه معاوية: أقتل كل من كان على دين علي ورأيه فقتلهم ومثل بهم. ~~PageV02P017 # وكتب كتابا آخر انظروا من قبلكم من شيعة علي واتهموه بحبه فاقتلوه وإن لم ~~تقم عليه البينة فاقتلوه على التهمة والظنة والشبهة تحت كل حجر، حتى لو كان ~~الرجل تسقط منه كلمة ضربت عنقه، حتى لو كان الرجل يرمى بالزندقة والكفر كان ~~يكرم ويعظم ولا يتعرض له بمكروه، والرجل من الشيعة لا يأمن على نفسه في بلد ~~من البلدان لا سيما الكوفة والبصرة، حتى لو أن أحدا منهم أراد أن يلقي سرا ~~إلى من يثق به لأتاه في بيته فيخاف خادمه ومملوكه، فلا يحدثه إلا بعد أن ~~يأخذ عليهم الأيمان المغلظة: ليكتمن عليه، ثم لا يزداد الأمر إلا شدة، حتى ~~كثر وظهر أحاديثهم الكاذبة، ونشأ عليه الصبيان يتعلمون ms305 ذلك. # وكان أشد الناس في ذلك القراء المراؤون المتصنعون الذين يظهرون الخشوع ~~والورع، فكذبوا وانتحلوا الأحاديث وولدوها فيحظون بذلك عند الولاة والقضاة ~~ويدنون مجالسهم، ويصيبون بذلك الأموال والقطايع والمنازل، حتى صارت ~~أحاديثهم ورواياتهم عندهم حقا وصدقا، فرووها وقبلوها وتعلموها وعلموها، ~~وأحبوا عليها وأبغضوا من ردها أو شك فيها، فاجتمعت على ذلك جماعتهم، وصارت ~~في يد المتنسكين والمتدينين منهم الذين لا يحبون الافتعال إلى مثلها، ~~فقبلوها وهم يرون أنها حق، ولو علموا بطلانها وتيقنوا أنها مفتعلة لأعرضوا ~~عن روايتها ولم يدينوا بها، ولم يبغضوا من خالفها، فصار الحق في ذلك الزمان ~~عندهم باطلا والباطل عندهم حقا، والكذب صدقا، والصدق كذبا. # فلما مات الحسن بن علي ازداد البلاء والفتنة، فلم يبق لله ولي إلا خائف ~~على نفسه، أو مقتول، أو طريد، أو شريد. فلما كان قبل موت معاوية بسنتين حج ~~الحسين بن علي عليه السلام وعبد الله بن جعفر، وعبد الله بن عباس معه. وقد ~~جمع الحسين بن علي عليه السلام بني هاشم، رجالهم ونساءهم، ومواليهم، ~~وشيعتهم، من حج منهم ومن لم يحج، ومن الأنصار ممن يعرفونه، وأهل بيته، ثم ~~لم يدع أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله ومن أبنائهم والتابعين، ~~ومن الأنصار المعروفين بالصلاح والنسك إلا جمعهم فاجتمع عليه بمنى أكثر من ~~ألف رجل، والحسين عليه السلام في سرادقه PageV02P018 # عامتهم التابعون وأبناء الصحابة، فقام الحسين عليه السلام فيهم خطيبا، ~~فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: # أما بعد: فإن الطاغية قد صنع بنا وبشيعتنا ما قد علمتم ورأيتم وشهدتم ~~وبلغكم، وأني أريد أن أسألكم عن أشياء فإن صدقت فصدقوني، وإن كذبت فكذبوني، ~~اسمعوا مقالتي، واكتموا قولي، ثم ارجعوا إلى أمصاركم وقبائلكم من أمنتموه ~~ووثقتم به فادعوهم إلى ما تعلمون، فإني أخاف أن يندرس هذا الحق ويذهب، ~~والله متم نوره ولو كره الكافرون، فما ترك الحسين شيئا أنزل الله فيهم من ~~القرآن إلا قاله وفسره، ولا شيئا قاله الرسول في أبيه وأمه وأهل بيته إلا ~~رواه، وكل ذلك يقول الصحابة: ms306 (اللهم نعم، قد سمعناه وشهدناه) ويقول ~~التابعون: (اللهم قد حدثنا من نصدقه ونأتمنه) حتى لم يترك شيئا إلا قاله ثم ~~قال: # أنشدكم بالله إلا رجعتم وحدثتم به من تثقون به، ثم نزل وتفرق الناس على ~~ذلك. # احتجاجه عليه السلام على معاوية توبيخا له على قتل من قتله من شيعة أمير ~~المؤمنين وترحمه عليهم. # عن صالح بن كيسان (1) قال: لما قتل معاوية حجر بن عدي وأصحابه حج ذلك ~~العام فلقي الحسين بن علي عليه السلام فقال: # يا أبا عبد الله هل بلغك ما صنعنا بحجر، وأصحابه، وأشياعه، وشيعة أبيك؟ # فقال عليه السلام: وما صنعت بهم؟ # قال: قتلناهم، وكفناهم، وصلينا عليهم. # فضحك الحسين عليه السلام ثم قال: خصمك القوم يا معاوية، لكننا لو قتلنا ~~شيعتك . # PageV02P019 # ما كفناهم، ولا صلينا عليهم، ولا قبرناهم، ولقد بلغني وقيعتك في علي ~~وقيامك ببغضنا، واعتراضك بني هاشم بالعيوب، فإذا فعلت ذلك فارجع إلى نفسك، ~~ثم سلها الحق عليها ولها، فإن لم تجدها أعظم عيبا فما أصغر عيبك فيك، وقد ~~ظلمناك يا معاوية فلا توترن غير قوسك، ولا ترمين غير غرضك، ولا ترمنا ~~بالعداوة من مكان قريب، فإنك والله لقد أطعت فينا رجلا ما قدم إسلامه، ولا ~~حدث نفاقه، ولا نظر لك فانظر لنفسك أو دع - يعني: (عمرو بن العاص). # وقال عليه السلام - في جواب كتاب كتب إليه معاوية على طريق الإحتجاج -: # أما بعد: فقد بلغني كتابك أنه بلغك عني أمور أن بي عنها غنى، وزعمت أني ~~راغب فيها، وأنا بغيرها عنك جدير، أما ما رقى إليك عني فإنه رقاه إليك ~~الملاقون المشاؤن بالنمائم المفرقون بين الجمع، كذب الساعون الواشون ما ~~أردت حربك ولا خلافا عليك وأيم الله إني لأخاف الله عز ذكره في ترك ذلك، ~~وما أظن الله تبارك وتعالى براض عني بتركه، ولا عاذري بدون الاعتذار إليه ~~فيك، وفي أولئك القاسطين الملبين حزب الظالمين، بل أولياء الشيطان الرجيم، ~~ألست قاتل حجر بن عدي أخي كندة وأصحابه الصالحين المطيعين العابدين، كانوا ~~ينكرون الظلم، ويستعظمون المنكر والبدع، ويؤثرون ms307 حكم الكتاب، ولا يخافون في ~~الله لومة لائم، فقتلتهم ظلما وعدوانا، بعدما كنت أعطيتهم الإيمان المغلظة، ~~والمواثيق المؤكدة، لا تأخذهم بحدث كان بينك وبينهم، ولا بأحنة تجدها في ~~صدرك عليهم، أو لست قاتل عمرو ابن الحمق صاحب رسول الله، العبد الصالح الذي ~~أبلته العبادة فصفرت لونه، ونحلت جسمه، بعد أن أمنته وأعطيته من عهود الله ~~عز وجل وميثاقه ما لو أعطيته العصم ففهمته لنزلت إليك من شعف الجبال، ثم ~~قتلته جرأة على الله عز وجل، واستخفافا بذلك العهد، أو لست المدعي زياد بن ~~سمية، المولود على فراش عبيد عبد ثقيف، فزعمت أنه ابن أبيك، وقد قال رسول ~~الله: (الولد للفراش وللعاهر الحجر) فتركت سنة رسول الله واتبعت هواك بغير ~~هدى من الله، ثم سلطته على أهل العراق فقطع أيدي المسلمين وأرجلهم وسمل ~~أعينهم، وصلبهم على جذوع النخل PageV02P020 # كأنك لست من هذه الأمة، وليسوا منك؟ أو لست صاحب الحضرميين الذين كتب ~~إليك فيهم ابن سمية أنهم: على دين علي ورأيه، فكتبت إليه اقتل كل من كان ~~على دين علي عليه السلام ورأيه فقتلهم، ومثل بهم بأمرك، ودين علي والله ~~وابن علي الذي كان يضرب عليه أباك، وهو أجلسك بمجلسك الذي أنت فيه ولولا ~~ذلك لكان أفضل شرفك وشرف أبيك تجشم الرحلتين اللتين بنا من الله عليكم ~~فوضعهما عنكم؟ وقلت فيما تقول أنظر نفسك ولدينك ولأمة محمد صلى الله عليه ~~وآله، واتق شق عصا هذه الأمة، وأن تردهم في فتنة، فلا أعرف فتنة أعظم من ~~ولايتك عليها، ولا أعلم نظرا لنفسي وولدي وأمة جدي أفضل من جهادك، فإن ~~فعلته فهو قربة إلى الله عز وجل، وإن تركته فأستغفر الله لذنبي وأسأله ~~توفيقي لإرشاد أموري، وقلت فيما تقول إن أنكرك تنكرني، وإن أكدك تكدني، وهل ~~رأيك الأكيد الصالحين منذ خلقت؟! فكدني ما بدا لك إن شئت فإني أرجو أن لا ~~يضرني كيدك، وأن لا يكون على أحد أضر منه على نفسك، على أنك تكيد فتوقظ ~~عدوك، وتوبق نفسك، كفعلك بهؤلاء الذين قتلتهم ومثلث ms308 بهم بعد الصلح والأيمان ~~والعهد والميثاق فقتلتهم من غير أن يكونوا قتلوا إلا لذكرهم فضلنا، ~~وتعظيمهم حقنا، بما به شرفت وعرفت، مخافة أمر لعلك لو لم تقتلهم مت قبل أن ~~يفعلوا، أو ماتوا قبل أن يدركوا، أبشر يا معاوية بقصاص، واستعد للحساب، ~~واعلم أن لله عز وجل كتابا لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها وليس الله ~~تبارك وتعالى بناس أخذك بالظنة، وقتلك أولياءه بالتهمة، ونفيك إياهم من دار ~~الهجرة إلى دار الغربة والوحشة وأخذك الناس ببيعة ابنك، غلام من الغلمان، ~~يشرب الشراب، ويلعب بالكعاب لا أعلمك إلا قد خسرت نفسك، وشريت دينك، وغششت ~~رعيتك، وأخزيت أمانتك، وسمعت مقالة السفيه الجاهل، وأخفت التقي الورع ~~الحليم. # قال: فلما قرأ معاوية كتاب الحسين عليه السلام قال: لقد كان في نفسه ضب ~~علي ما كنت أشعر به. # فقال ابنه يزيد، وعبد الله بن أبي عمير بن جعفر: أجبه جوابا شديدا ~~PageV02P021 # تصغر إليه نفسه، وتذكر أباه بأسوء فعله وآثاره. # فقال: كلا أرأيتما لو أني أردت أن أعيب عليا محقا ما عسيت أن أقول، إن ~~مثلي لا يحسن به أن يعيب بالباطل، وما لا يعرف الناس، ومتى عبت رجلا بما لا ~~يعرف لم يحفل به صاحبه ولم يره شيئا، وما عسيت أن أعيب حسينا، وما أرى ~~للعيب فيه موضعا إلا أني قد أردت أن أكتب إليه وأتوعده وأهدده، وأجهله ثم ~~رأيت لا أفعل. # قال: فما كتب إليه بشئ يسوءه، ولا قطع عنه شيئا كان يصله به، كان يبعث ~~إليه في كل سنة ألف ألف درهم سوى عروض وهدايا من كل ضرب. # احتجاجه صلوات الله عليه بإمامته على معاوية وغيره وذكر طرف من مفاخراته ~~ومشاجراته التي جرت له مع معاوية وأصحابه. # عن موسى بن عقبة (1) أنه قال: لقد قيل لمعاوية: إن الناس قد رموا أبصارهم ~~إلى الحسين عليه السلام، فلو قد أمرته يصعد المنبر ويخطب فإن فيه حصرا أو ~~في لسانه كلالة. # فقال لهم معاوية: قد ظننا ذلك بالحسن، فلم يزل حتى عظم في أعين الناس ms309 ~~وفضحنا، فلم يزالوا به حتى قال للحسين: يا أبا عبد الله لو صعدت المنبر ~~فخطبت. # فصعد الحسين عليه السلام على المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على ~~النبي صلى الله عليه وآله فسمع رجلا يقول: # من هذا الذي يخطب؟ # فقال الحسين عليه السلام: نحن حزب الله الغالبون، وعترة رسول الله صلى ~~الله عليه وآله الأقربون، وأهل بيته الطيبون، واحد الثقلين اللذين جعلنا ~~رسول الله صلى الله عليه وآله ثاني كتاب الله تبارك وتعالى، الذي فيه تفصيل ~~كل شئ، لا يأتيه الباطل من بين يديه . # PageV02P022 # ولا من خلفه، والمعول علينا في تفسيره، لا يبطينا تأويله، بل نتبع ~~حقايقه. # فأطيعونا فإن طاعتنا مفروضة، أن كانت بطاعة الله ورسوله مقرونة، قال الله ~~عز وجل: (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شئ ~~فردوه إلى الله والرسول) وقال: (ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منكم ~~لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته لا تبعتم الشيطان ~~إلا قليلا). # وأحذركم الاصغاء إلى هتوف الشيطان بكم فإنه لكم عدو مبين فتكونوا ~~كأوليائه الذين قال لهم لا غالب لكم اليوم من الناس وأني جار لكم فلما ~~تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال إني برئ منكم فتلقون للسيوف ضربا وللرماح ~~وردا وللعمد حطما وللسهام غرضا ثم لا يقبل من نفس إيمانها لن تكن آمنت من ~~قبل أو كسبت في إيمانها خيرا قال معاوية: حسبك يا أبا عبد الله قد بلغت. # وعن محمد بن السايب (1) أنه قال: قال مروان بن الحكم يوما للحسين ابن علي ~~عليه السلام. # لولا فخركم بفاطمة بم كنتم تفتخرون علينا؟ فوثب الحسين عليه السلام - ~~وكان عليه السلام شديد القبضة - فقبض على حلقه فعصره، ولوى عمامته على عنقه ~~حتى غشي عليه، ثم تركه، وأقبل الحسين عليه السلام على جماعة من قريش فقال: # أنشدكم بالله إلا صدقتموني إن صدقت أتعلمون أن في الأرض حبيبين كانا أحب ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وآله مني ومن أخي؟ أو على ظهر الأرض ابن بنت ms310 ~~نبي غيري وغير أخي؟ # قالوا: اللهم لا. # قال: وأني لا أعلم أن في الأرض ملعون ابن ملعون غير هذا وأبيه، طريدي ~~رسول الله، والله ما بين جابرس وجابلق أحدهما بباب المشرق والآخر بباب ~~المغرب رجلان ممن ينتحل الإسلام أعدى لله ولرسوله ولأهل بيته منك ومن أبيك ~~إذا كان وعلامة قولي فيك أنك: إذا غضبت سقط رداؤك عن منكبك. # . # PageV02P023 # قال: فوالله ما قام مروان من مجلسه حتى غضب فانتفض وسقط رداؤه عن عاتقه. # احتجاجه عليه السلام على أهل الكوفة بكربلا. عن مصعب بن عبد الله (1) لما ~~استكف الناس بالحسين عليه السلام ركب فرسه واستنصت الناس، حمد الله وأثنى ~~عليه، ثم قال: # تبا لكم أيتها الجماعة وترحا وبؤسا لكم! حين استصرختمونا ولهين، ~~فأصرخناكم موجفين، فشحذتم علينا سيفا كان في أيدينا، وحمشتم علينا نارا ~~أضرمناها على عدوكم وعدونا، فأصبحتم إلبا على أوليائكم، ويدا على أعدائكم ~~من غير عدل أفشوه فيكم، ولا أمل أصبح لكم فيهم، ولا ذنب كان منا إليكم، ~~فهلا لكم الويلات إذ كرهتمونا والسيف مشيم، والجأش طامن، والرأي لم يستحصف ~~ولكنكم أسرعتم إلى بيعتنا كطيرة الدبا، وتهافتم إليها كتهافت الفراش، ثم ~~نقضتموها سفها وضلة، فبعدا وسحقا لطواغيت هذه الأمة! وبقية الأحزاب، ونبذة ~~الكتاب، ومطفئي السنن، ومؤاخي المستهزئين، الذين جعلوا القرآن عضين، وعصاة ~~الإمام، وملحقي العهرة بالنسب، ولبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم ~~وفي العذاب هم خالدون. # أفهؤلاء تعضدون، وعنا تتخاذلون!! أجل والله، خذل فيكم معروف، نبتت عليه ~~أصولكم، واتذرت عليه عروقكم، فكنتم أخبث ثمر شجر للناظر، وأكلة للغاصب، ألا ~~لعنة الله على الظالمين الناكثين الذين ينقضون الأيمان بعد توكيدها وقد ~~جعلوا الله عليهم كفيلا، ألا وإن الدعي ابن الدعي قد تركني بين السلة ~~والذلة وهيهات له ذلك مني! هيهات منا الذلة! أبى الله ذلك لنا ورسوله ~~والمؤمنون . # PageV02P024 # وحجور طهرت وجدود طابت، أن يؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام، الأواني ~~زاحف بهذه الأسرة على قلة العدد، وكثرة العدو، وخذلة الناصر، ثم تمثل فقال ~~شعرا: # فإن نهزم فهزامون قدما وإن ms311 نهزم فغير مهزمينا وما أن طبنا جبن ولكن ~~منايانا ودولة آخرينا فلو خلد الملوك إذا خلدنا ولو بقي الكرام إذا بقينا ~~فقل للشامتين بنا أفيقوا سيلقى الشامتون بما لقينا وقيل: أنه لما قتل أصحاب ~~الحسين عليه السلام وأقاربه وبقي فريدا ليس معه إلا ابنه علي زين العابدين ~~عليه السلام، وابن آخر في الرضاع اسمه عبد الله، فتقدم الحسين عليه السلام ~~إلى باب الخيمة فقال: # ناولوني ذلك الطفل حتى أودعه! فناولوه الصبي جعل يقبله وهو يقول: # يا بني ويل لهؤلاء القوم إذا كان خصمهم محمد صلى الله عليه وآله، قيل: ~~فإذا بسهم قد أقبل حتى وقع في لبة الصبي فقتله، فنزل الحسين عن فرسه وحفر ~~للصبي بجفن سيفه ورمله بدمه ودفنه، ثم وثب قائما وهو يقول: # كفر القوم وقدما رغبوا * عن ثواب الله رب الثقلين قتلوا قدما عليا وابنه ~~* حسن الخير كريم الطرفين حنقا منهم وقالوا اجمعوا * نفتك الآن جميعا ~~بالحسين يالقوم من أناس رذل جمعوا * الجمع لأهل الحرمين ثم صاروا وتواصوا ~~كلهم * باحتياج لرضاء الملحدين لم يخافوا الله في سفك دمي * لعبيد الله نسل ~~الكافرين وابن سعد قد رماني عنوة * بجنود كوكوف الهاطلين لا لشئ كان مني ~~قبل ذا * غير فخري بضياء الفرقدين بعلي الخير من بعد النبي * والنبي القرشي ~~الوالدين خيرة الله من الخلق أبي * ثم أمي فأنا ابن الخيرتين PageV02P025 # فضة قد خلقت من ذهب * فأنا الفضة وابن الذهبين من له جد كجدي في الورى * ~~أو كشيخي فإنا ابن القمرين فاطم الزهراء أمي وأبي * قاصم الكفر ببدر وحنين ~~عروة الدين علي المرتضى * هادم الجيش مصلي القبلتين وله في يوم أحد وقعة * ~~شفت الغل بقبض العسكرين ثم بالأحزاب والفتح معا * كان فيها حتف أهل ~~القبلتين في سبيل الله ماذا صنعت * أمة السوء معا بالعترتين عترة البر ~~التقي المصطفى * وعلى القرم يوم الجحفلين عبد الله غلاما يافعا * وقريش ~~يعبدون الوثنين وقلى الأوثان لم يسجد لها * مع قريش لا ولا طرفة عين طعن ~~الأبطال لما برزوا * يوم بدر وتبوك وحنين ثم تقدم ms312 الحسين عليه السلام حتى ~~وقف قبالة القوم وسيفه مصلت في يده آيسا من نفسه، عازما على الموت، وهو ~~يقول: # أنا ابن علي الطهر من آل هاشم * كفاني بهذا مفخرا حين أفخر وجدي رسول ~~الله أكرم من مشى * ونحن سراج الله في الخلق نزهر وفاطم أمي من سلالة أحمد ~~* وعمي يدعى ذو الجناحين جعفر وفينا كتاب الله أنزل صادقا * وفينا الهدى ~~والوحي بالخير تذكر ونحن أمان الله للناس كلهم * نطول بهذا في الأنام ونجهر ~~ونحن حماة الحوض نسقي * ولاتنا بكأس رسول الله ما ليس ينكر وشيعتنا في ~~الحشر أكرم شيعة * ومبغضنا يوم القيامة يخسر PageV02P026 # احتجاج فاطمة الصغرى على أهل الكوفة. # عن زيد بن موسى بن جعفر (1) عن أبيه عن آبائه عليهم السلام قال: # خطبت فاطمة الصغرى عليها السلام بعد أن ردت من كربلا فقالت: # الحمد لله عدد الرمل والحصى، وزنة العرش إلى الثرى، أحمده وأومن به ~~وأتوكل عليه، وأشهد: أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ~~ورسوله، وأن أولاده ذبحوا بشط الفرات من غير دخل ولا تراث، اللهم إني أعوذ ~~بك أن أفتري عليك الكذب، وأن أقول خلاف ما أنزلت عليه من أخذ العهود لوصيه ~~علي بن أبي طالب عليه السلام، المسلوب حقه، المقتول من غير ذنب، كما قتل ~~ولده بالأمس في بيت من بيوت الله، وبها معشر مسلمة بألسنتهم، تعسا لرؤوسهم! # ما دفعت عنه ضيما في حياته ولا عند مماته، حتى قبضته إليك محمود النقيبة، ~~طيب الضريبة، معروف المناقب، مشهور المذاهب، لم تأخذه فيك لومة لائم، ولا ~~عذل عاذل، هديته يا رب للإسلام صغيرا، وحمدت مناقبه كبيرا، ولم يزل ناصحا ~~لك ولرسولك صلى الله عليه وآله صلواتك عليه وآله حتى قبضته إليك، زاهدا في ~~الدنيا غير حريص عليها، راغبا في الآخرة مجاهدا لك في سبيلك، رضيته ~~فاخترته، وهديته إلى طريق مستقيم. # أما بعد يا أهل الكوفة! يا أهل المكر والغدر والخيلاء، أنا أهل بيت ~~ابتلانا الله بكم، وابتلاكم بنا، فجعل بلائنا حسنا، وجعل علمه عندنا ms313 وفهمه ~~لدينا، فنحن عيبة علمه، ووعاء فهمه وحكمته، وحجته في الأرض في بلاده ~~لعباده، أكرمنا الله بكرامته، وفضلنا بنبيه صلى الله عليه وآله على كثير من ~~خلقه تفضيلا، فكذبتمونا، وكفرتمونا، ورأيتم قتالنا حلالا، وأموالنا نهبا، ~~كأنا أولاد الترك أو كابل، # PageV02P027 # كما قتلتم جدنا بالأمس، وسيوفكم تقطر من دمائنا أهل البيت لحقد متقدم، ~~قرت بذلك عيونكم، وفرحت به قلوبكم، اجتراءا منكم على الله، ومكرا مكرتم ~~والله خير الماكرين، فلا تدعونكم أنفسكم إلى الجذل بما أصبتم من دمائنا (1) ~~ونالت أيديكم من أموالنا، فإن ما أصابنا من المصائب الجليلة، والرزايا ~~العظيمة في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير لكيلا تأسوا على ما ~~فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم والله لا يحب كل مختال فخور. # تبا لكم! فانتظروا اللعنة والعذاب، فكأن قد حل بكم، وتواترت من السماء ~~نقمات فيسحتكم بما كسبتم (2) ويذيق بعضكم بأس بعض، ثم تخلدون في العذاب ~~الأليم يوم القيامة بما ظلمتمونا، ألا لعنة الله على الظالمين، ويلكم ~~أتدرون أية يد طاعنتنا منكم، أو أية نفس نزعت إلى قتالنا، أم بأية رجل ~~مشيتم إلينا، تبغون محاربتنا؟ قست قلوبكم، وغلظت أكبادكم، وطبع على ~~أفئدتكم، وختم على سمعكم وبصركم، وسول لكم الشيطان وأملى لكم وجعل على ~~بصركم غشاوة فأنتم لا تهتدون. # تبا لكم يا أهل الكوفة! كم تراث لرسول الله صلى الله عليه وآله قبلكم، ~~وذحوله لديكم، ثم غدرتم بأخيه علي بن أبي طالب عليه السلام جدي، وبنيه عترة ~~النبي الطيبين الأخيار، وافتخر بذلك مفتخر فقال: # (نحن قتلنا عليا وبني علي بسيوف هندية ورماح، وسبينا نساؤهم سبي ترك ~~ونطحناهم فأي نطاح). # فقالت: بفيك أيها القائل الكثكث (3) ولك الأثلب (4) افتخرت بقتل قوم ~~زكاهم الله وطهرهم، وأذهب عنهم الرجس، فاكظم واقع كما أقعى أبوك، وإنما لكل ~~امرء ما قدمت يداه، حسدتمونا ويلا لكم على ما فضلنا الله. # PageV02P028 # فما ذنبنا أن جاش دهر بحورنا * وبحرك ساج لا يواري الدعامصا (1) ذلك فضل ~~الله يؤتيه من يشاء ومن لم يجعل الله له نورا فما له من ms314 نور. # قال: فارتفعت الأصوات بالبكاء وقالوا: حسبك يا بنت الطيبين! فقد أحرقت ~~قلوبنا، وأنضجت نحورنا، وأضرمت أجوافنا، فسكتت عليها وعلى أبيها وجدها ~~السلام خطبة زينب بنت علي بن أبي طالب بحضرة أهل الكوفة في ذلك اليوم ~~تقريعا لهم وتأنيبا. # عن حذيم بن شريك الأسدي (2) قال لما أتى علي بن الحسين زين العابدين ~~بالنسوة من كربلاء، وكان مريضا، وإذا نساء أهل الكوفة ينتدبن مشققات ~~الجيوب، والرجال معهن يبكون. # فقال زين العابدين عليه السلام - بصوت ضئيل وقد نهكته العلة -: إن هؤلاء ~~يبكون علينا فمن قتلنا غيرهم، فأومت زينب بنت علي بن أبي طالب عليهما ~~السلام إلى الناس بالسكوت. قال حذيم الأسدي: لم أر والله خفرة قط أنطق ~~منها، كأنها تنطق وتفرغ على لسان علي عليه السلام، وقد أشارت إلى الناس بأن ~~انصتوا فارتدت الأنفاس وسكنت الأجراس، ثم قالت - بعد حمد الله تعالى ~~والصلاة على رسوله صلى الله عليه وآله - أما بعد يا أهل الكوفة يا أهل ~~الختل (3) والغدر، والخذل!! ألا فلا رقأت العبرة (4) ولا هدأت الزفرة، إنما ~~مثلكم كمثل التي نقضت غزلها من بعد # PageV02P029 # قوة أنكاثا (1) تتخذون أيمانكم دخلا بينكم (2) هل فيكم إلا الصلف (3) ~~والعجب، والشنف (4) والكذب، وملق الإماء وغمز الأعداء (5) أو كمرعى على ~~دمنة (6) أو كفضة على ملحودة (7) ألا بئس ما قدمت لكم أنفسكم أن سخط الله ~~عليكم وفي العذاب أنتم خالدون، أتبكون أخي؟! أجل والله فابكوا فإنكم أحرى ~~بالبكاء فابكوا كثيرا، واضحكوا قليلا، فقد أبليتم بعارها، ومنيتم بشنارها ~~(8) ولن ترحضوا أبدا (9) وأنى ترحضون قتل سليل خاتم النبوة ومعدن الرسالة، ~~وسيد شباب أهل الجنة، وملاذ حربكم، ومعاذ حزبكم ومقر سلمكم، واسى كلمكم ~~(10) ومفزع نازلتكم، والمرجع إليه عند مقاتلتكم ومدرة حججكم (11) ومنار ~~محجتكم، ألا ساء ما قدمت لكم أنفسكم، وساء ما تزرون ليوم بعثكم، فتعسا ~~تعسا! ونكسا نكسا! لقد خاب السعي، وتبت الأيدي، وخسرت الصفة، وبؤتم بغضب من ~~الله، وضربت عليكم الذلة والمسكنة، أتدرون ويلكم أي كبد لمحمد صلى الله ~~عليه وآله فرثتم؟! وأي عهد نكثتم؟! وأي كريمة له أبرزتم؟! وأي حرمة ms315 له ~~هتكتم؟! وأي دم له سفكتم؟! لقد جئتم شيئا إدا تكاد السماوات يتفطرن منه ~~وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا! لقد جئتم بها شوهاء صلعاء، عنقاء، سوداء، ~~فقماء خرقاء (12) كطلاع الأرض، أو ملأ السماء (13) . # PageV02P030 # أفعجبتم أن تمطر السماء دما، ولعذاب الآخرة أخزى وهم لا ينصرون، فلا ~~يستخفنكم المهل، فإنه عز وجل لا يحفزه البدار (1) ولا يخشى عليه فوت الثار، ~~كلا إن ربك لنا ولهم لبالمرصاد، ثم أنشأت تقول عليها السلام: # ماذا تقولون إذ قال النبي لكم * ماذا صنعتم وأنتم آخر الأمم بأهل بيتي ~~وأولادي وتكرمتي * منهم أسارى ومنهم ضرجوا بدم ما كان ذاك جزائي إذ نصحت ~~لكم * أن تخلفوني بسوء في ذوي رحم إني لأخشى عليكم أن يحل بكم * مثل العذاب ~~الذي أودى على ارم ثم ولت عنهم. # قال حذيم: فرأيت الناس حيارى قد ردوا أيديهم في أفواههم، فالتفت إلي شيخ ~~في جانبي يبكي وقد اخضلت لحيته بالبكاء، ويده مرفوعة إلى السماء، وهو يقول: ~~بأبي وأمي كهولهم خير كهول، ونساؤهم خير نساء، وشبابهم خير شباب ونسلهم نسل ~~كريم، وفضلهم فضل عظيم، ثم أنشد: # كهولكم خير الكهول ونسلكم * إذا عد نسل لا يبور ولا يخزى فقال علي بن ~~الحسين عليه السلام يا عمة اسكتي ففي الباقي من الماضي اعتبار، وأنت بحمد ~~الله عالمة غير معلمة، فهمة غير مفهمة، إن البكاء والحنين لا يردان من قد ~~أباده الدهر، فسكتت. ثم نزل عليه السلام وضرب فسطاطه، وأنزل نسائه ودخل ~~الفسطاط. # احتجاج علي بن الحسين عليهما السلام على أهل الكوفة حين خرج من الفسطاط ~~وتوبيخه إياهم على غدرهم ونكثهم. # قال حذيم بن شريك الأسدي: خرج زين العابدين عليه السلام إلى الناس وأومئ ~~إليهم أن اسكتوا فسكتوا، وهو قائم، فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على نبيه، ~~ثم قال: # . # PageV02P031 # أيها الناس من عرفني فقد عرفني! ومن لم يعرفني فأنا علي بن الحسين، ~~المذبوح بشط الفرات من غير دخل ولا تراث، أنا ابن من انتهك حريمه، وسلب ~~نعيمه، وانتهب ماله، وسبي عياله، أنا ابن من قتل صبرا، فكفى ms316 بذلك فخرا. # أيها الناس ناشدتكم بالله هل تعلمون أنكم كتبتم إلى أبي وخدعتموه، ~~وأعطيتموه من أنفسكم العهد والميثاق والبيعة؟ قاتلتموه وخذلتموه فتبا لكم ~~ما قدمتم لأنفسكم وسوء لرأيكم، بأية عين تنظرون إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وآله، يقول لكم: قتلتم عترتي، وانتهكتم حرمتي، فلستم من أمتي. # قال: فارتفعت أصوات الناس بالبكاء، ويدعو بعضهم بعضا: هلكتم وما تعلمون. # فقال علي بن الحسين، رحم الله امرءا قبل نصيحتي، وحفظ وصيتي في الله وفي ~~رسوله، وفي أهل بيته، فإن لنا في رسول الله أسوة حسنة. # فقالوا بأجمعهم؟ نحن كلنا يا بن رسول الله سامعون مطيعون حافظون لذمامك، ~~غير زاهدين فيك، ولا راغبين عنك، فمرنا بأمرك رحمك الله فإنا حرب لحربك، ~~سلم لسلمك، لنأخذن ترتك وترتنا، عمن ظلمك وظلمنا. # فقال علي بن الحسين عليه السلام: هيهات هيهات!! أيها الغدرة المكرة، حيل ~~بينكم وبين شهوات أنفسكم، أتريدون أن تأتوا إلي كما أتيتم إلى آبائي من قبل ~~كلا ورب الراقصات إلى منى، فإن الجرح لما يندمل!! قتل أبي بالأمس، وأهل ~~بيته معه، فلم ينسني ثكل رسول الله صلى الله عليه وآله، وثكل أبي وبني أبي ~~و جدي شق لهازمي، ومرارته بين حناجري وحلقي، وغصصه تجري في فراش صدري. # و مسألتي أن لا تكونوا لنا ولا علينا: # ثم قال عليه السلام: # لا غرو أن قتل الحسين وشيخه * قد كان خيرا من حسين وأكرما فلا تفرحوا يا ~~أهل كوفة بالذي * أصيب حسين كان ذلك أعظما قتيل بشط النهر نفسي فداؤه * ~~جزاء الذي أرداه نار جهنما PageV02P032 # احتجاجه عليه السلام بالشام على بعض أهلها حين قدم به وبمن معه على يزيد ~~لعنه الله. # وعن ديلم بن عمر قال: كنت بالشام حين أتي بسبايا آل محمد صلى الله عليه ~~وآله، فأقيموا على باب المسجد حيث تقام السبايا، وفيهم علي بن الحسين، ~~فأتاهم شيخ من أشياخ أهل الشام فقال: # الحمد لله الذي قتلكم، وأهلككم، وقطع قرون الفتنة. فلم يأل عن سبهم ~~وشتمهم، فلما انقضى كلامه. # قال له علي بن الحسين عليه ms317 السلام: إني قد أنصت لك حتى فرغت من منطقك، ~~وأظهرت ما في نفسك من العداوة والبغضاء، فانصت لي كما أنصت لك. # فقال له: هات. # قال علي عليه السلام: أما قرأت كتاب الله عز وجل؟ # قال: نعم. # فقال عليه السلام له: أما قرأت هذه الآية (قل لا أسئلكم عليه أجرا إلا ~~المودة في القربى). # قال: بلى. # فقال عليه السلام: نحن أولئك فهل تجد لنا في سورة بني إسرائيل حقا خاصة ~~دون المسلمين؟ # فقال: لا. # فقال: أما قرأت هذه الآية؟ وآت ذا القربى حقه؟ # قال: نعم. # قال علي عليه السلام: فنحن أولئك الذين أمر الله نبيه أن يؤتيهم حقهم. # فقال الشامي: إنكم لأنتم هم؟ # فقال علي عليه السلام: نعم. فهل قرأت هذه الآية واعلموا إنما غنمتم من شئ ~~PageV02P033 # فإن لله خمسه وللرسول ولذي القربى؟ # فقال له الشامي: بلى. # فقال علي عليه السلام: فنحن ذو القربى، فهل تجد لنا في سورة الأحزاب حقا ~~خاصة دون المسلمين؟ # فقال: لا. # قال علي بن الحسين عليه السلام: أما قرأت هذه الآية: (إنما يريد الله ~~ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا)؟ # قال: فرفع الشامي يده إلى السماء ثم قال: # اللهم إني أتوب إليك! ثلاث مرات، اللهم إني أتوب إليك من عداوة آل محمد، ~~وأبرء إليك ممن قتل أهل بيت محمد، ولقد قرأت القرآن منذ دهر فما شعرت بها ~~قبل اليوم. # احتجاج زينب بنت علي بن أبي طالب حين رأت يزيد (لعنه الله) يضرب ثنايا ~~الحسين (ع) بالمخصرة. # روى شيخ صدوق من مشايخ بني هاشم وغيره من الناس: أنه لما دخل علي ابن ~~الحسين عليه السلام وحرمه على يزيد، وجيئ برأس الحسين عليه السلام ووضع بين ~~يديه في طست، فجعل يضرب ثناياه بمخصرة كانت في يده، وهو يقول: # لعبت هاشم بالملك فلا * خبر جاء ولا وحي نزل ليت أشياخي ببدر شهدوا * جزع ~~الخزرج من وقع الأسل لأهلوا واستهلوا فرحا * ولقالوا يا يزيد لا تشل ~~فجزيناه ببدر مثللا * وأقمنا مثل بدر فاعتدل لست من خندف إن لم أنتقم ms318 * من ~~بني أحمد ما كان فعل قالوا: فلما رأت زينب ذلك فأهوت إلى حبيبها فشقت، ثم ~~نادت بصوت حزين تقرع القلوب، يا حسيناه! يا حبيب رسول الله! يا بن مكة ~~ومنى! يا بن فاطمة الزهراء سيدة النساء! يا بن محمد المصطفى. PageV02P034 # قال: فأبكت والله كل من كان، ويزيد ساكت، ثم قامت على قدميها، وأشرفت على ~~المجلس، وشرعت في الخطبة، إظهارا لكمالات محمد صلى الله عليه وآله، وإعلانا ~~بأنا نصبر لرضاء الله، لا لخوف ولا دهشة، فقامت إليه زينب بنت علي وأمها ~~فاطمة بنت رسول الله وقالت: # الحمد لله رب العالمين، والصلاة على جدي سيد المرسلين، صدق الله سبحانه ~~كذلك يقول: (ثم كان عاقبة الذين أساؤا السؤى أن كذبوا بآيات الله وكانوا ~~بها يستهزؤن) أظننت يا يزيد حين أخذت علينا أقطار الأرض، وضيقت علينا آفاق ~~السماء، فأصبحنا لك في أسار، نساق إليك سوقا في قطار، وأنت علينا ذو اقتدار ~~أن بنا من الله هوانا وعليك منه كرامة وامتنانا، وأن ذلك لعظم خطرك، وجلالة ~~قدرك، فشمخت بأنفك، ونظرت في عطفك (1) تضرب أصدريك فرحا (2) وتنقض مذرويك ~~مرحا (3) حين رأيت الدنيا لك مستوسقة (4) والأمور لديك متسقة (5) وحين صفا ~~لك ملكنا، وخلص لك سلطاننا، فمهلا مهلا لا تطش جهلا أنسيت قول الله عز وجل: ~~(ولا تحسبن الذين كفروا إنما نملي لهم خيرا لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا ~~إثما ولهم عذاب مهين). # أمن العدل يا بن الطلقاء؟! تخديرك حرائرك وإمائك، وسوقك بنات رسول الله ~~سبايا، قد هتكت ستورهن، وأبديت وجوههن، تحدوا بهن الأعداء من بلد إلى بلد، ~~وتستشرفهن المناقل (6) ويتبرزن لأهل المناهل (7) ويتصفح وجوههن القريب ~~والبعيد، والغائب والشهيد، والشريف والوضيع، والدني والرفيع ليس معهن من ~~رجالهن ولي، ولا من حماتهن حمي، عتوا منك على الله (8) وجحودا لرسول الله، ~~ودفعا لما جاء به من عند الله، ولا غرو منك ولا عجب من . # PageV02P035 # فعلك، وأنى يرتجى مراقبة من لفظ فوه أكباد الشهداء ونبت لحمه بدماء ~~السعداء ونصب الحرب لسيد الأنبياء، وجمع الأحزاب، وشهر الحراب، وهز السيوف ~~في وجه ms319 رسول الله صلى الله عليه وآله، أشد العرب جحودا، وأنكرهم له رسولا، ~~وأظهرهم له عدوانا، وأعتاهم على الرب كفرا وطغيانا، ألا إنها نتيجة خلال ~~الكفر، وصب يجرجر في الصدر لقتلى يوم بدر، فلا يستبطئ في بغضنا أهل البيت ~~من كان نظره إلينا شنفا وإحنا وأظغانا، يظهر كفره برسول الله، ويفصح ذلك ~~بلسانه، وهو يقول: - فرحا بقتل ولده وسبي ذريته، غير متحوب ولا مستعظم -. # لأهلوا واستهلوا فرحا ولقالوا يا يزيد لا تسل منحنيا على ثنايا أبي عبد ~~الله - وكان مقبل رسول الله صلى الله عليه وآله - ينكتها بمخصرته، قد التمع ~~السرور بوجهه، لعمري لقد نكأت القرحة (1) واستأصلت الشأفة، بإراقتك دم سيد ~~شباب أهل الجنة، وابن يعسوب الدين العرب، وشمس آل عبد المطلب، وهتفت ~~بأشياخك، وتقربت بدمه إلى الكفرة من أسلافك، ثم صرخت بندائك ولعمري لقد ~~ناديتهم لو شهدوك! ووشيكا تشهدهم، ولن يشهدوك ولتود يمينك كما زعمت شلت بك ~~عن مرفقها وجدت، وأحببت أمك لم تحملك وإياك لم يلد، أو حين تصير إلى سخط ~~الله ومخاصمك رسول الله صلى الله عليه وآله. # اللهم خذ بحقنا، وانتقم من ظالمنا، واحلل غضبك على من سفك دمائنا ونقض ~~ذمارنا، وقتل حماتنا، وهتك عنا سدولنا، وفعلت فعلتك التي فعلت، وما فريت ~~إلا جلدك، وما جززت إلا لحمك، وسترد على رسول الله بما تحملت من دم ذريته، ~~وانتهكت من حرمته، وسفكت من دماء عترته ولحمته، حيث يجمع به شملهم، ويلم به ~~شعثهم، وينتقم من ظالمهم، ويأخذ لهم بحقهم من أعدائهم فلا يستفزنك الفرح ~~بقتلهم، ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم ~~يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله، وحسبك بالله وليا وحاكما، وبرسول ~~الله خصما، وبجبرئيل ظهيرا، وسيعلم من بوأك ومكنك من رقاب المسلمين # PageV02P036 # أن بئس للظالمين بدلا، وأيكم شر مكانا وأضل سبيلا، وما استصغاري قدرك، ~~ولا استعظامي تقريعك (1) توهما لانتجاع الخطاب فيك (2) بعد أن تركت عيون ~~المسلمين به عبرى، وصدورهم عند ذكره حرا، فتلك قلوب قاسية، ونفوس طاغية، ~~وأجسام محشوة بسخط ms320 الله ولعنة الرسول، قد عشش فيه الشيطان، وفرخ، ومن هناك ~~مثلك ما درج، فالعجب كل العجب لقتل الأتقياء، وأسباط الأنبياء، وسليل ~~الأوصياء، بأيدي الطلقاء الخبيثة، ونسل العهرة الفجرة، تنطف أكفهم من ~~دمائنا (3) وتنحلب أفواههم من لحومنا (4) تلك الجثث الزاكية على الجيوب ~~الضاحية، تنتابها العواسل (5) وتعفرها أمهات الفواعل (6) فلئن اتخذتنا ~~مغنما لتجد بنا وشيكا مغرما حين لا تجد إلا ما قدمت يداك، وما الله بظلام ~~للعبيد فإلى الله المشتكى والمعول، وإليه الملجأ والمؤمل، ثم كد كيدك، ~~واجهد جهدك فوالله الذي شرفنا بالوحي والكتاب، والنبوة والانتخاب، لا تدرك ~~أمدنا، ولا تبلغ غايتنا، ولا تمحو ذكرنا، ولا يرحض عنك عارنا، وهل رأيك إلا ~~فند، وأيامك إلا عدد، وجمعك إلا بدد، يوم يناد المنادي ألا لعن الله الظالم ~~العادي. # والحمد لله الذي حكم لأوليائه بالسعادة، وختم لأصفيائه بالشهادة، ببلوغ ~~الإرادة، نقلهم إلى الرحمة والرأفة، والرضوان والمغفرة، ولم يشق بهم غيرك، ~~ولا ابتلى بهم سواك، ونسأله أن يكمل لهم الأجر، ويجز لهم الثواب والذخر، ~~ونسأله حسن الخلافة، وجميل الإنابة، إنه رحيم ودود. # فقال يزيد مجيبا لها: # يا صيحة تحمد من صوايح * ما أهون الموت على النوائح ثم أمر بردهم. وقيل: ~~أن فاطمة بنت الحسين كانت وضيئة الوجه، وكانت # PageV02P037 # جالسة بين النساء، فقام إلى يزيد رجل من أهل الشام أحمر فقال: # يا أمير المؤمنين هب لي هذه الجارية! يعني: فاطمة بنت الحسين، فأخذت ~~بثياب عمتها زينب بنت علي بن أبي طالب عليه السلام فقالت: # أوتم وأستخدم؟! # فقالت زينب للشامي: كذبت ولؤمت، والله ما ذاك لك ولا له، فغضب يزيد ثم ~~قال: # إن ذلك لي ولو شئت أن أفعل لفعلت. # قالت زينب: كلا، والله ما جعل الله ذلك لك، إلا أن تخرج من ملتنا، وتدين ~~بغير ديننا. # فقال يزيد: إنما خرج من الدين أبوك، وأخوك. # قالت زينب: بدين الله، ودين أبي، ودين أخي، اهتديت أنت إن كنت مسلما قال ~~يزيد: كذبت يا عدوة الله. # فقالت زينب: أنت أمير تشتم ظلما، وتقهر بسلطانك. # فكأنه استحيى فسكت فعاد الشامي ms321 فقال: # يا أمير المؤمنين هب لي هذه الجارية. # فقال يزيد: أغرب وهب الله لك حتفا قاضيا احتجاج علي بن الحسين زين ~~العابدين على يزيد بن معاوية لما أدخل عليه. # روت ثقات الرواة وعدولهم أنه لما أدخل علي بن الحسين زين العابدين عليه ~~السلام في جملة من حمل إلى الشام سبايا من أولاد الحسين بن علي عليه السلام ~~وأهاليه على يزيد قال له: # يا علي الحمد لله الذي قتل أباك! # قال علي عليه السلام: قتل أبي الناس. # قال يزيد: الحمد لله الذي قتله فكفانيه! PageV02P038 # قال علي عليه السلام: على من قتل أبي لعنة الله، أفتراني لعنت الله عز ~~وجل؟ # قال يزيد: يا علي إصعد المنبر فأعلم الناس حال الفتنة، وما رزق الله أمير ~~المؤمنين من الظفر! # فقال علي بن الحسين: ما أعرفني بما تريد. فصعد المنبر فحمد الله وأثنى ~~عليه، وصلى على رسول الله صلى الله عليه وآله ثم قال: # أيها الناس من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا أعرفه بنفسي، أنا ابن ~~مكة ومنى، أنا ابن المروة والصفا، أنا ابن محمد المصطفى، أنا ابن من لا ~~يخفى، أنا ابن من علا فاستعلا فجاز سدرة المنتهى فكان من ربه قاب قوسين أو ~~أدنى. # فضج أهل الشام بالبكاء حتى خشي يزيد أن يرحل من مقعده، فقال - للمؤذن -: ~~أذن فلما قال المؤذن: (الله أكبر، الله أكبر) جلس علي ابن الحسين على ~~المنبر فقال أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله. بكى علي ~~بن الحسين عليه السلام ثم التفت إلى يزيد فقال: # يا يزيد هذا أبي أم أبوك؟ # قال: بل أبوك. فانزل. فنزل عليه السلام فأخذ بناحية باب المسجد، فلقيه ~~مكحول صاحب رسول الله عليه السلام فقال: # كيف أمسيت يا بن رسول الله؟ # قال أمسينا بينكم مثل بني إسرائيل في آل فرعون، يذبحون أبنائهم، ويستحيون ~~نسائهم، وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم. # فلما انصرف يزيد إلى منزله، دعى بعلي بن الحسين عليه السلام فقال: # يا علي أتصارع ابني خالد؟ ms322 # قال عليه السلام: وما تصنع بمصارعتي إياه، أعطني سكينا واعطه سكينا ~~فليقتل أقوانا أضعفنا، فضمه يزيد إلى صدره، ثم قال: # لا تلد الحية إلا الحية، أشهد أنك ابن علي بن أبي طالب عليه السلام. # ثم قال له علي بن الحسين عليه السلام: يا يزيد بلغني أنك تريد قتلي، فإن ~~كنت PageV02P039 # لا بد قاتلي، فوجه مع هؤلاء النسوة من يؤديهن إلى حرم رسول الله صلى الله ~~عليه وآله. # فقال له يزيد لعنه الله: لا يؤديهن غيرك، لعن الله ابن مرجانة، فوالله ما ~~أمرته بقتل أبيك، ولو كنت متوليا لقتاله ما قتلته، ثم أحسن جائزته وحمله ~~والنساء إلى المدينة. # احتجاجه (ع) في أشياء شتى من علوم الدين وذكر طرف من مواعظه البليغة. # جاء رجل من أهل البصرة إلى علي بن الحسين عليه السلام فقال: # يا علي بن الحسين إن جدك علي بن أبي طالب قتل المؤمنين، فهملت عينا علي ~~بن الحسين دموعا حتى امتلأت كفه منها، ثم ضرب بها على الحصى، ثم قال: # يا أخا أهل البصرة لا والله ما قتل علي مؤمنا، ولا قتل مسلما، وما أسلم ~~القوم ولكن استسلموا وكتموا الكفر وأظهروا الإسلام، فلما وجدوا على الكفر ~~أعوانا أظهروه، وقد علمت صاحبة الجدب والمستحفظون من آل محمد صلى الله عليه ~~وآله أن أصحاب الجمل وأصحاب صفين وأصحاب النهروان لعنوا على لسان النبي ~~الأمي وقد خاب من افترى. # فقال شيخ من أهل الكوفة: يا علي بن الحسين إن جدك كان يقول: # (إخواننا بغوا علينا). # فقال علي بن الحسين عليه السلام: أما تقرأ كتاب الله (وإلى عاد أخاهم ~~هودا) فهم مثلهم أنجى الله عز وجل هودا والذين معه وأهلك عادا بالريح ~~العقيم. # وبالإسناد المقدم ذكره: أن علي بن الحسين عليه السلام كان يذكر حال من ~~مسخهم الله قردة من بني إسرائيل ويحكي قصتهم، فلما بلغ آخرها قال: إن الله ~~تعالى مسخ أولئك القوم لإصطيادهم السمك، فكيف ترى عند الله عز وجل يكون حال ~~من قتل أولاد رسول الله صلى الله عليه وآله، ms323 وهتك حريمه؟! إن الله تعالى ~~وإن لم يمسخهم في الدنيا فإن المعد لهم من عذاب الآخرة أضعاف أضعاف عذاب ~~المسخ. PageV02P040 # فقيل له: يا بن رسول الله فإنا قد سمعنا منك هذا الحديث، فقال لنا بعض ~~النصاب: فإن كان قتل الحسين باطلا فهو أعظم عند الله من صيد السمك في ~~السبت، أفما كان الله غضب على قاتليه كما غضب على صيادي السمك؟ # قال علي بن الحسين عليه السلام: قل لهؤلاء النصاب فإن كان إبليس معاصيه ~~أعظم من معاصي من كفر بإغوائه فأهلك الله من شاء منهم، كقوم: نوح، وفرعون، ~~ولم يهلك إبليس، وهو أولى بالهلاك، فما باله أهلك هؤلاء الذين قصروا عن ~~إبليس في عمل الموبقات، وأمهل إبليس مع إيثاره لكشف المحرمات، أما كان ربنا ~~عز وجل حكيما تدبيره حكمة فيمن أهلك وفيمن استبقى؟ فكذلك هؤلاء الصائدون في ~~السبت، وهؤلاء القاتلون للحسين، يفعل في الفريقين ما يعلم أنه أولى بالصواب ~~والحكمة، لا يسأل عما يفعل وعباده يسألون. # وقال الباقر عليه السلام: فلما حدث علي بن الحسين عليه السلام بهذا ~~الحديث قال له بعض من في مجلسه: يا بن رسول الله كيف يعاتب الله ويوبخ ~~هؤلاء الأخلاف على قبائح أتاها أسلافهم - وهو يقول: (ولا تزروا وازرة وزر ~~أخرى)؟ # فقال زين العابدين عليه السلام: إن القرآن نزل بلغة العرب فهو يخاطب فيه ~~أهل اللسان بلغتهم، يقول الرجل التميمي - قد أغار قومه على بلد وقتلوا من ~~فيه -: # أغرتم على بلد كذا، وفعلتم كذا، ويقول العربي: نحن فعلنا ببني فلان، ونحن ~~سبينا آل فلان، ونحن خربنا بلد كذا. لا يريد أنهم باشروا ذلك، ولكن يريد ~~هؤلاء بالعذل وأولئك بالإفتخار: أن قومهم فعلوا كذا، وقول الله عز وجل في ~~هذه الآيات إنما هو توبيخ لأسلافهم، وتوبيخ العذل على هؤلاء الموجودين، لأن ~~ذلك هو اللغة التي نزل بها القرآن، والآن هؤلاء الأخلاف أيضا راضون بما فعل ~~أسلافهم، مصوبون لهم، فجاز أن يقال: أنتم فعلتم أي: إذ رضيتم قبيح فعلهم ~~وعن أبي حمزة الثمالي (1) قال: دخل قاض من ms324 قضاة أهل الكوفة على # PageV02P041 # علي بن الحسين عليه السلام فقال له: # جعلني الله فداك! أخبرني عن قول الله عزو جل: (وجعلنا بينهم وبين القرى ~~التي باركنا فيها قرى ظاهرة وقدرنا فيها السير سيروا فيها ليالي وأياما ~~آمنين) قال له: ما يقول الناس فيها قبلكم؟ # قال: يقولون: أنها مكة. # فقال: وهل رأيت السرق في موضع أكثر منه بمكة. # قال: فما هو؟ # قال: إنما عنى الرجال. # قال: وأين ذلك في كتاب الله؟ # فقال: أو ما تسمع إلى قوله عز وجل: (وكأين من قرية عتت عن أمر ربها ~~ورسله) وقال: (وتلك القرى أهلكناهم) وقال: (واسأل القرية التي كنا فيها ~~والعير التي أقبلنا فيها) أفيسأل القرية أو الرجال أو العير؟ # قال: وتلا عليه آيات في هذا المعنى. # قال: جعلت فداك! فمن هم؟ PageV02P042 # قال: نحن هم. # فقال: أو ما تسمع إلى قوله: (سيروا فيها ليالي وأياما آمنين)؟ # قال: آمنين من الزيغ. # وروي أن زين العابدين عليه السلام مر بالحسن البصري وهو يعظ الناس بمنى ~~فوقف عليه السلام عليه ثم قال: # امسك أسألك عن الحال التي أنت عليها مقيم، أترضاها لنفسك فيما بينك وبين ~~الله إذا نزل بك غدا؟ # قال: لا. # قال: أفتحدث نفسك بالتحول والانتقال عن الحال التي لا ترضاها لنفسك إلى ~~الحال التي ترضاها؟ (قال): فأطرق مليا ثم قال: إني أقول ذلك بلا حقيقة. # قال: أفترجو نبيا بعد محمد صلى الله عليه وآله يكون لك معه سابقة؟ # قال: لا. # قال: أفترجو دارا غير الدار التي أنت فيها ترد إليها فتعمل فيها؟ # قال: لا. # قال: أفرأيت أحدا به مسكة عقل رضي لنفسه من نفسه بهذا؟ إنك على حال لا ~~ترضاها ولا تحدث نفسك بالانتقال إلى حال ترضاها على حقيقة، ولا ترجو نبيا ~~بعد محمد، ولا دار غير الدار التي أنت فيها فترد إليها فتعمل فيها، وأنت ~~تعظ الناس، قال: فلما ولى عليه السلام قال الحسن البصري: من هذا؟ # قالوا: علي بن الحسين. # قال: أهل بيت علم فما رأي الحسن البصري بعد ذلك يعظ الناس. # وعن ms325 أبي حمزة الثمالي قال: سمعت علي بن الحسين عليه السلام يحدث رجلا من ~~قريش قال: # لما تاب الله على آدم واقع حواء ولم يكن غشيها منذ خلق وخلقت إلا في ~~الأرض، وذلك بعد ما تاب الله عليه، قال: وكان آدم يعظم البيت وما حوله من ~~PageV02P043 # حرمة البيت، فكان إذا أراد أن يغشى حواء خرج من الحرم وأخرجها معه، فإذا ~~جاز الحرم غشيها في الحل، ثم يغتسلان إعظاما منه للحرم، ثم يرجع إلى فناء ~~البيت. # قال: فولد لآدم من حواء عشرون ذكرا وعشرون أنثى، فولد له في كل بطن ذكر ~~وأنثى، فأول بطن ولدت حواء: (هابيل) ومعه جارية يقال لها: # (أقليما) قال: وولدت في البطن الثاني: (قابيل) ومعه جارية يقال لها ~~(لوزا) وكانت لوزا أجمل بنات آدم. (قال): فلما أدركوا خاف عليهم آدم الفتنة ~~فدعاهم إليه فقال: # أريد أن أنكحك يا هابيل لوزا، وأنكحك يا قابيل أقليما. # قال قابيل: ما أرضى بهذا أتنكحني أخت هابيل القبيحة، وتنكح هابيل أختي ~~الجميلة. # قال: فأنا أقرع بينكما، فإن خرج سهمك يا قابيل على لوزا، وخرج سهمك يا ~~هابيل على أقليما، زوجت كل واحد منكما التي خرج سهمه عليها. # (قال): فرضيا بذلك، فاقترعا، (قال): فخرج سهم هابيل على لوزا أخت قابيل، ~~وخرج سهم قابيل على أقليما أخت هابيل. قال: فزوجهما على ما خرج لهما من عند ~~الله. (قال) ثم حرم الله نكاح الأخوات بعد ذلك. # قال: فقال له القرشي: فأولداهما؟ # قال: نعم. # قال: فقال القرشي: فهذا فعل المجوس اليوم! # قال: فقال علي بن الحسين: إن المجوس إنما فعلوا ذلك بعد التحريم من الله. # ثم قال له علي بن الحسين عليه السلام: لا تنكر هذا، إنما هي الشرايع جرت ~~أليس الله قد خلق زوجة آدم منه ثم أحلها له، فكان ذلك شريعة من شرايعهم، ثم ~~أنزل الله التحريم بعد ذلك. # لقي عباد البصري علي بن الحسين عليه السلام في طريق مكة فقال له: # يا علي بن الحسين تركت الجهاد وصعوبته، وأقبلت على الحج ولينه، وأن ~~PageV02P044 # الله ms326 عز وجل يقول: (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم ~~الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون - إلى قوله - وبشر المؤمنين). # فقال علي بن الحسين: إذا رأينا هؤلاء الذين هذه صفتهم فالجهاد معهم أفضل ~~من الحج. # وسأل عليه السلام عن النبيذ فقال: # شربه قوم وحرمه قوم صالحون، فكان شهادة الذين دفعوا بشهادتهم شهواتهم ~~أولى أن تقبل من الذين جروا بشهادتهم شهواتهم. # وعن عبد الله بن سنان (1) عن أبي عبد الله عليه السلام قال: # قال رجل لعلي بن الحسين عليه السلام: إن فلانا ينسبك إلى أنك ضال مبتدع! # فقال له علي بن الحسين عليه السلام: ما رعيت حق مجالسة الرجل حيث نقلت ~~إلينا حديثه، ولا أديت حقي حيث أبلغني عن أخي ما لست أعلمه، إن الموت ~~يعمنا، والبعث محشرنا، والقيامة موعدنا، والله يحكم بيننا، إياك والغيبة! ~~فإنها أدام كلاب النار، واعلم أن من أكثر عيوب الناس شهد عليه الاكثار إنه ~~إنما يطلبها بقدر ما فيه. # وسأل عليه السلام عن الكلام والسكوت أيهما أفضل فقال عليه السلام. # لكل واحد منهما آفات، فإذا سلما من الآفات، فالكلام أفضل من السكوت قيل: ~~وكيف ذاك يا بن رسول الله؟ # قال: لأن الله عز وجل ما بعث الأنبياء والأوصياء بالسكوت، إنما يبعثهم # PageV02P045 # بالكلام، ولا استحقت الجنة بالسكوت، ولا استوجب ولاية الله بالسكوت، ولا ~~توقيت النار بالسكوت، ولا نجنب سخط الله بالسكوت، إنما ذلك كله بالكلام وما ~~كنت لأعدل القمر بالشمس، إنك تصف فضل السكوت بالكلام، ولست تصف فضل الكلام ~~بالسكوت. # روي عن أبي جعفر الباقر عليه السلام قال: لما قتل الحسين بن علي عليه ~~السلام أرسل محمد بن الحنفية إلى علي بن الحسين عليه السلام فخلا به ثم ~~قال: # يا بن أخي قد علمت أن رسول الله كان جعل الوصية والإمامة من بعده لعلي ~~ابن أبي طالب عليه السلام، ثم إلى الحسن، ثم الحسين، وقد قتل أبوك رضي الله ~~عنه وصلى عليه ولم يوص، وأنا عمك وصنو أبيك، وأنا في سني وقدمتي أحق بها ms327 ~~منك في حداثتك، فلا تنازعني الوصية والإمامة، ولا تخالفني. # فقال له علي بن الحسين عليه السلام: إتق الله ولا تدع ما ليس لك بحق، إني ~~أعظك أن تكون من الجاهلين، يا عم! إن أبي صلوات الله عليه أوصى إلي قبل أن ~~يتوجه إلى العراق، وعهد إلي في ذلك قبل أن يستشهد بساعة، وهذا سلاح رسول ~~الله صلى الله عليه وآله عندي، فلا تعرض لهذا فإني أخاف عليك بنقص العمر، ~~وتشتت الحال وأن الله تبارك وتعالى أبى إلا أن يجعل الوصية والإمامة إلا في ~~عقب الحسين، فإن أردت أن تعلم فانطلق بنا إلى الحجر الأسود حتى نتحكم إليه ~~ونسأله عن ذلك. # قال الباقر عليه السلام: وكان الكلام بينهما وهما يومئذ بمكة، فانطلقا ~~حتى أتيا الحجر الأسود فقال علي بن الحسين عليه السلام لمحمد: # ابتدء فابتهل إلى الله واسأله أن ينطق لك الحجر ثم سله. فابتهل محمد في ~~الدعاء وسأل الله ثم دعا الحجر فلم يجبه، فقال علي بن الحسين عليه السلام: # أما أنك يا عم لو كنت وصيا وإماما لأجابك! # فقال له محمد: فادع أنت يا بن أخي! فدعا الله علي بن الحسين عليه السلام ~~بما أراد ثم قال: (أسألك بالذي جعل فيك ميثاق الأنبياء وميثاق الأوصياء ~~وميثاق الناس أجمعين، لما أخبرتنا بلسان عربي مبين من الوصي والإمام بعد ~~الحسين بن علي! PageV02P046 # فتحرك الحجر حتى كاد أن يزول عن موضعه، ثم أنطقه الله بلسان عربي مبين ~~فقال: # اللهم إن الوصية والإمامة بعد الحسين بن علي بن أبي طالب إلى علي بن ~~الحسين بن علي بن أبي طالب، وابن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله، ~~فانصرف محمد وهو يتولى علي بن الحسين عليه السلام. # وعن ثابت البناني (1) قال: كنت حاجا وجماعة عباد البصرة مثل: أيوب ~~السجستاني، وصالح المروي، وعتبة الغلام، وحبيب الفارسي، ومالك بن دينار ~~فلما أن دخلنا مكة رأينا الماء ضيقا، وقد اشتد بالناس العطش لقلة الغيث ~~ففزع إلينا أهل مكة والحجاج يسألوننا أن نستسقي لهم، فأتينا الكعبة وطفنا ms328 ~~بها ثم سألنا الله خاضعين متضرعين بها فمنعنا الإجابة. فبينما نحن كذلك إذا ~~نحن بفتى قد أقبل وقد أكربته أحزانه، وأقلقته أشجانه، فطاف بالكعبة أشواطا ~~ثم أقبل علينا فقال: # يا مالك بن دينار! ويا ثابت البناني! ويا أيوب السجستاني! ويا صالح ~~المروي ويا عتبة الغلام! ويا حبيب الفارسي! ويا سعد! ويا عمر! ويا صالح ~~الأعمى! ويا رابعة ويا سعدانة! ويا جعفر بن سليمان! # فقلنا: لبيك وسعديك يا فتى! # فقال: أما فيكم أحد يحبه الرحمن؟ # فقلنا: يا فتى علينا الدعاء وعليه الإجابة. # فقال: ابعدوا عن الكعبة فلو كان فيكم أحد يحبه الرحمن لأجابه، ثم أتى ~~الكعبة فخر ساجدا فسمعته يقول - في سجوده -: (سيدي بحبك لي إلا سقيتهم ~~الغيث). * # PageV02P047 # قال: فما استتم الكلام حتى أتاهم الغيث كافواه القرب. # فقلت: يا فتى من أين علمت أنه يحبك؟ قال: لو لم يحبني لم يستزرني، فلما ~~استزارني علمت أنه يحبني، فسألته بحبه لي فأجباني، ثم ولى عنا وأنشأ يقول: # من عرف الرب فلم تغنه * معرفة الرب فذاك الشقي ما ضر في الطاعة ما ناله * ~~في طاعة الله وماذا لقي ما يصنع العبد بغير التقى * والعز كل العز للمتقي ~~فقلت يا أهل مكة من هذا الفتى؟ # قالوا: علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام. # وعن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده علي بن الحسين عليه السلام قال: # نحن أئمة المسلمين، وحجج الله على العالمين، وسادة المؤمنين، وقادة الغر ~~المحجلين، وموالي المؤمنين، ونحن أمان لأهل الأرض، كما أن النجوم أمان لأهل ~~السماء، ونحن الذين بنا يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه، وبنا يمسك ~~الأرض أن تميد بأهلها، وبنا ينزل الغيث، وينشر الرحمة، وتخرج بركات الأرض ~~منا لساخت الأرض بأهلها. # ثم قال: ولم تخلوا الأرض منذ خلق الله آدم من حجة لله فيها، ظاهر مشهور ~~أو غائب مستور، ولا تخلو إلى أن تقوم الساعة من حجة الله، ولولا ذلك لم ~~يعبد الله. # وعن أبي حمزة الثمالي عن أبي خالد الكابلي (1) قال: # PageV02P048 # دخلت ms329 على سيدي علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام فقلت له: # يا بن رسول الله أخبرني بالذين فرض الله طاعتهم ومودتهم، وأوجب على خلقه ~~الاقتداء بهم بعد رسول الله صلى الله عليه وآله؟ # فقال لي: يا أبا كنكر! إن أولي الأمر الذين جعلهم الله أئمة الناس وأوجب ~~عليهم طاعتهم: أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، ثم انتهى الأمر إلينا، ثم ~~سكت. # فقلت له: يا سيدي روي لنا عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: (لا ~~تخلو الأرض من حجة الله على عباده) فمن الحجة والإمام بعدك؟ # قال: ابني (محمد) واسمه في التوراة (باقر) يبقر العلم بقرا، هو الحجة ~~والإمام بعدي، ومن بعد محمد ابنه (جعفر) اسمه عند أهل السماء (الصادق). # فقلت له: يا سيدي فكيف صار اسمه: الصادق، وكلكم صادقون؟ # فقال حدثني أبي عن أبيه: أن رسول الله قال: (إذا ولد ابني جعفر بن محمد ~~بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، فسموه: الصادق، فإن الخامس من ولده ~~الذي اسمه جعفر يدعي الإمامة اجتراء على الله، وكذبا عليه، فهو عند الله ~~(جعفر الكذاب) المفتري على الله، المدعي لما ليس له بأهل، المخالف على ~~أبيه، والحاسد لأخيه، ذلك الذي يكشف سر الله عند غيبة ولي الله). # ثم بكى علي بن الحسين بكاءا شديدا، ثم قال: # كأني بجعفر الكذاب وقد حمل طاغية زمانه على تفتيش أمر ولي الله، والمغيب ~~في حفظ الله، والتوكيل بحرم أبيه جهلا منه بولادته، وحرصا على قتله إن ظفر ~~به، طمعا في ميراث أبيه حتى يأخذه بغير حقه. # قال أبو خالد: فقلت له: يا بن رسول الله وأن ذلك لكائن؟ # فقال: إي وربي إنه المكتوب عندنا في الصحيفة: التي فيها ذكر المحن التي ~~تجري علينا بعد رسول الله صلى الله عليه وآله. PageV02P049 # قال أبو خالد: فقلت: يا بن رسول الله ثم يكون ماذا؟ # قال: ثم تمتد الغيبة بولي الله الثاني عشر من أوصياء رسول الله والأئمة ~~بعده يا أبا خالد! إن أهل زمان غيبته القائلين بإمامته ms330 والمنتظرين لظهوره ~~أفضل أهل كل زمان، لأن الله تعالى ذكره أعطاهم من العقول والأفهام والمعرفة ~~ما صارت به الغيبة عندهم بمنزلة المشاهدة، وجعلهم في ذلك الزمان بمنزلة ~~المجاهدين بين يدي رسول الله بالسيف، أولئك المخلصون حقا وشيعتنا صدقا، ~~والدعاة إلى دين الله سرا وجهرا. وقال عليه السلام: انتظار الفرج من أعظم ~~الفرج. # وبالإسناد المتقدم ذكره عن علي بن الحسين عليه السلام في تفسير قوله ~~تعالى: (لكم في القصاص حياة) الآية ولكم يا أمة محمد في القصاص حياة لأن من ~~هم بالقتل فعرف أنه يقتص منه فكف لذلك عن القتل، كان حياة للذي هم بقتله، ~~وحياة لهذا الجاني الذي أراد أن يقتل، وحياة لغيرهما من الناس، إذا علموا ~~أن القصاص واجب لا يجسرون على القتل مخافة القصاص، يا أولي الألباب: أولي ~~العقول لعلكم تتقون. # ثم قال عليه السلام: عباد الله هذا قصاص قتلكم لمن تقتلونه في الدنيا، ~~وتفنون روحه، أفلا أنبئكم بأعظم من هذا القتل، وما يوحيه الله على قاتله ~~مما هو أعظم من هذا القصاص؟ # قالوا: بلى يا بن رسول الله. # قال: أعظم من هذا القتل أن يقتله قتلا لا يجبر ولا يحيى بعده أبدا. # قالوا: ما هو؟ # قال: أن يضله عن نبوة محمد، وعن ولاية علي بن أبي طالب، ويسلك به غير ~~سبيل الله، ويغير به باتباع طريق أعداء علي والقول بإمامتهم، ودفع علي عن ~~حقه، وجحد فضله، وألا يبالي بإعطائه واجب تعظيمه، فهذا هو القتل الذي هو ~~تخليد المقتول في نار جهنم خالدا مخلدا أبدا، فجزاء هذا القتل مثل ذلك ~~الخلود في نار جهنم. # وقال أبو محمد الحسن العسكري صلوات الله عليه: أن رجلا جاء إلى علي بن ~~PageV02P050 # الحسين برجل يزعم أنه قاتل أبيه، فاعترف فأوجب عليه القصاص، وسأله أن ~~يعفو عنه ليعظم الله ثوابه، فكأن نفسه لم تطب بذلك فقال علي بن الحسين - ~~للمدعي الدم الذي هو الولي المستحق للقصاص -: إن كنت تذكر لهذا الرجل عليك ~~فضلا فهب له هذه الجناية، واغفر له هذا الذنب. # قال: يا ms331 بن رسول الله له علي حق، ولكن لم يبلغ به أن أعفو له عن قتل ~~والدي. # قال: فتريد ماذا؟ # قال: أريد القود، فإن أراد لحقه علي أن أصالحه على الدية صالحة وعفوت عنه ~~قال: علي بن الحسين عليه السلام فماذا حقه عليك؟ # قال: يا بن رسول الله لقنني توحيد الله، ونبوة رسول الله صلى الله عليه ~~وآله، وإمامة علي والأئمة عليهم السلام. # فقال علي بن الحسين: فهذا لا يفي بدم أبيك؟ بلى والله هذا يفي بدماء أهل ~~الأرض كلهم من الأولين والآخرين سوى الأنبياء والأئمة، إن قتلوا فإنه لا ~~يفي بدمائهم شئ. تمام الخبر. # وبالإسناد المقدم ذكره أن محمد بن علي الباقر عليه السلام قال: # دخل محمد بن مسلم بن شهاب الزهري (1) على علي بن الحسين عليه السلام، وهو ~~كئيب حزين فقال له زين العابدين عليه السلام. # ما بالك مغموما؟ # قال: يا بن رسول الله غموم وهموم تتوالى علي لما امتحنت به من جهة حساد # PageV02P051 # نعمي، والطامعين في، وممن أرجو، وممن أحسنت إليه، فيخلف ظني. # فقال له علي بن الحسين عليه السلام: إحفظ عليك لسانك تملك به إخوانك. # قال الزهري: يا بن رسول الله إني أحسن إليهم بما يبدر من كلامي. # قال علي بن الحسين عليه السلام: هيهات هيهات! إياك أن تعجب من نفسك بذلك ~~وإياك أن تتكلم بما يسبق إلى القلوب إنكاره. وإن كان عندك اعتذاره، فليس كل ~~من تسمعه شرا يمكنك أن توسعه عذرا. # ثم قال: يا زهري من لم يكن عقله من أكمل ما فيه كان هلاكه من أيسر ما ~~فيه. ثم قال: يا زهري أما عليك أن تجعل المسلمين منك بمنزلة أهل بيتك فتجعل ~~كبيرهم بمنزلة والدك، وتجعل صغيرهم بمنزلة ولدك، وتجعل تربك منهم بمنزلة ~~أخيك، فأي هؤلاء أن تظلم، وأي هؤلاء تحب أن تدعو عليه، وأي هؤلاء تحب أن ~~تهتك ستره، وإن عرض لك إبليس لعنه الله بأن لك فضلا على أحد من أهل القبلة، ~~فانظر إن كان أكبر منك فقل: قد سبقني بالإيمان والعمل ms332 الصالح فهو خير مني، ~~وإن كان أصغر منك فقل: قد سبقته بالمعاصي والذنوب فهو خير مني، وإن كان ~~تربك فقل: أنا على يقين من ذنبي في شك من أمره فما لي أدع يقيني لشكي، وإن ~~رأيت المسلمين يعظمونك ويوقرونك ويبجلونك فقل: هذا أفضل أخذوا به، وإن رأيت ~~منهم جفا وانقباضا فقل: هذا الذنب أحدثته، فإنك إذا فعلت ذلك سهل الله عليك ~~عيشك، وكثر أصدقائك، وفرحت بما يكون من برهم، ولم تأسف على ما يكون من ~~جفائهم. # واعلم أن أكرم الناس على الناس من كان خيره عليهم فايضا، وكان عنهم ~~مستغنيا متعففا، وأكرم الناس بعده عليهم من كان مستعففا، وإن كان إليهم ~~محتاجا، فإنما أهل الدنيا يتعقبون الأموال، فمن لم يزدحمهم فيما يتبقونه ~~كرم عليهم، ومن لم يزاحمهم فيما ومكنهم من بعضها كان أعز وأكرم. # وبالإسناد المقدم ذكره عن الرضا عليه السلام أنه قال: قال علي بن الحسين: ~~إذا رأيتم الرجل قد حسن سمته وهديه، وتماوت في منطقه، وتخاضع في حركاته ~~PageV02P052 # فرويدا لا يغرنكم، فما أكثر من يعجزه تناول الدنيا وركوب الحرام منها ~~لضعف نيته ومهانته، وجبن قلبه، فنصب الدين فخا لها، فهو لا يزال يختل الناس ~~بظاهره فإن تمكن من حرام اقتحمه، وإذا وجدتموه يعف عن المال الحرام، فرويدا ~~لا يغرنكم! فإن شهوات الخلق مختلفة، فما أكثر من ينبوا عن المال الحرام وإن ~~كثر، ويحمل نفسه على شوها قبيحة، فيأتي منها محرما، فإذا وجدتموه يعف عن ~~ذلك فرويدا لا يغرنكم، حتى تنظروا ما عقدة عقله، فما أكثر من ترك ذلك أجمع ~~ثم لا يرجع إلى عقل متين، فيكون ما يفسد بجهله أكثر مما يصلحه بعقله فإذا ~~وجدتم عقله متينا فرويدا لا يغركم! تنظروا أمع هواه يكون على عقله أم يكون ~~مع عقله على هواه وكيف محبة للرياسات الباطلة وزهده فيها فإن في الناس من ~~خسر الدنيا والآخرة يترك الدنيا للدنيا ويرى أن لذة الرياسة الباطلة أفضل ~~من لذة الأموال والنعم المباحة المحللة فيترك ذلك أجمع طلبا للرياسة حتى ~~إذا قيل ms333 له اتق الله أخذته العزة بالإثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد، فهو يخبط ~~خبط عشواء، يقوده أول باطل إلى أبعد غايات الخسارة، ويمده ربه بعد طلبه لما ~~لا يقدر عليه في طغيانه، فهو يحل ما حرم الله، ويحرم ما أحل الله، لا يبالي ~~ما فات من دينه إذا سلمت له رياسة التي قد شقي من أجلها، فأولئك الذين غضب ~~الله عليهم ولعنهم وأعد لهم عذابا مهينا، ولكن الرجل كل الرجل. نعم الرجل ~~هو: الذي جعل هواه تبعا لأمر الله، وقواه مبذولة في رضى الله، يرى الذل مع ~~الحق أقرب إلى عز الأبد من العز في الباطل، ويعلم أن قليل ما يحتمله من ~~ضرائها يؤديه إلى دوام النعيم في دار لا تبيد ولا تنفذ، وأن كثيرا ما يلحقه ~~من سرائها إن اتبع هواه يؤديه إلى عذاب لا انقطاع له ولا يزول فذلكم الرجل ~~نعم الرجل فيه فتمسكوا وبسنته فاقتدوا وإلى ربكم فتوسلوا فإنه لا ترد له ~~دعوة ولا يخيب له طلبة. PageV02P053 # احتجاج أبي جعفر محمد بن علي الباقر عليهما السلام في شئ مما يتعلق ~~بالأصول والفروع. # عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر الباقر عليهما السلام في قوله تعالى: (ومن ~~كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى) قال: من لم يدله خلق السماوات والأرض، ~~واختلاف الليل والنهار، ودوران الفلك بالشمس والقمر، والآيات العجيبات، على ~~أن وراء ذلك أمر هو أعظم منه فهو في الآخرة أعمى، قال: فهو عالم يعاين أعمى ~~وأضل سبيلا، سأل نافع بن الأزرق أبا جعفر عليه السلام قال: اخبرني عن الله ~~عز وجل متى كان؟ # قال: متى لم يكن حتى أخبرك متى كان؟! سبحان من لم يزل ولا يزال فردا صمدا ~~لم يتخذ صاحبة ولا ولدا. # عن عبد الله بن سنان عن أبيه قال: حضرت أبا جعفر عليه السلام وقد دخل ~~عليه رجل من الخوارج فقال له: # يا أبا جعفر أي شئ تعبد؟ # قال: الله. # قال: رأيته؟ # قال: بلى. لم تره العيون بمشاهدة الأبصار، ولكن رأته القلوب بحقايق ms334 ~~الإيمان، لا يعرف بالقياس، ولا يدرك بالحواس، موصوف بالآيات معروف ~~بالدلالات، لا يجور في حكمه ذلك الله لا إله إلا الله قال فخرج الرجل وهو ~~يقول الله أعلم حيث يجعل رسالته. # وروى محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام. # قال: في صفة القديم -: أنه واحد صمد، أحدي المعنى، ليس بمعان كثيرة ~~مختلفة. # قال: قلت: جعلت فداك أنه يزعم قوم من أهل العراق أنه يسمع بغير الذي ~~PageV02P054 # يبصر، ويبصر بغير الذي يسمع. # قال: فقال: كذبوا وألحدوا، وشبهوا الله تعالى أنه سميع بصير، يسمع بما به ~~يبصر، ويبصر بما به يسمع. # قال: فقلت: يزعمون أنه بصير على ما يعقله. # قال: فقال: تعالى الله إنما يعقل من كان بصفة المخلوق، وليس الله كذلك. # وروى بعض أصحابنا أن عمرو بن عبيد دخل على الباقر عليه السلام فقال له: # جعلت فداك! قول الله (ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى) ما ذلك الغضب. # قال: العذاب يا عمرو! وإنما يغضب المخلوق الذي يأتيه الشئ فيستفزه، ويغره ~~عن الحال التي هو بها إلى غيرها، فمن زعم أن الله يغيره الغضب والرضا، ~~ويزول عن هذا، فقد وصفه بصفة المخلوق. # وعن أبي الجارود (1) قال: قال: أبو جعفر عليه السلام: إذا حدثتكم بشئ # PageV02P055 # فسألوني من كتاب الله ثم قال - في بعض حديثه -: أن النبي صلى الله عليه ~~وآله نهى عن القيل والقال، وفساد المال، وكثرة السؤال. # فقيل له: يا بن رسول الله أين هذا من كتاب الله عز وجل؟ # قال: قوله: (لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو ~~إصلاح بين الناس ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما) وقال: # (لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم). # وروى حمران بن أعين (1) قال: سألت أبا جعفر عليه السلام قول الله عز وجل ~~(وروح منه). # قال: هي مخلوقة خلقها الله بحكمته في آدم وفي عيسى عليهما السلام. # محمد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر عن قول الله عز وجل (ونفخت فيه من روحي) ~~كيف ms335 هذا النفخ؟ # PageV02P056 # فقال: إن الروح متحرك كالريح، إنما سمي روحا لأنه اشتق اسمه من الريح ~~وإنما أخرجه عن لفظة الريح لأن الروح متجانس للريح، وإنما أضافه إلى نفسه ~~لأنه اصطفاه على ساير الأرواح، كما اصطفى بيتا من البيوت. وقال: (بيتي) ~~وقال - لرسول من الرسل -: (خليلي) وأشباه ذلك مخلوق مصنوع مربوب مدبر. # وعن محمد بن مسلم أيضا قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عما روي: (أن الله ~~خلق الله آدم على صورته)؟ # فقال: هي صورة محدثة مخلوقة، اصطفاها الله واختارها، على أساس الصور ~~المختلفة، فأضافها إلى نفسه، كما أضاف الكعبة إلى نفسه والروح، فقال (بيتي) ~~وقال: (ونفخت فيه من روحي). # وعن عبد الرحمن بن عبد الزهري قال: حج هشام بن عبد الملك، فدخل المسجد ~~الحرام متكيا على يد سالم مولاه، ومحمد بن علي بن الحسين جالس فقال له ~~سالم: # يا أمير المؤمنين هذا محمد بن علي بن الحسين عليه السلام. # فقال له هشام: المفتون به أهل العراق؟ # قال: نعم. # قال: اذهب إليه فقل له: يقول لك أمير المؤمنين ما الذي يأكل الناس ~~ويشربون إلى أن يفصل بينهم يوم القيامة؟ # فقال أبو جعفر عليه السلام: يحشر الناس على مثل قرصة البر النقي فيها ~~أنهار متفجرة يأكلون ويشربون حتى يفرغ من الحساب. # قال: فرأى هشام أنه قد ظفر به. فقال: الله أكبر إذهب إليه فقل له: # ما أشغلهم عن الأكل والشرب يومئذ! # فقال له أبو جعفر: هم في النار أشغل، ولم يشغلوا عن أن قالوا: أفيضوا ~~علينا من الماء أو مما رزقكم الله. فسكت هشام لا يرجع كلاما. # وروي أن نافع بن الأزرق جاء إلى محمد بن علي بن الحسين، فجلس بين ~~PageV02P057 # يديه يسأله عن مسائل في الحلال والحرام. فقال له أبو جعفر - في عرض كلامه ~~- قل لهذه المارقة، بما استحللتم فراق أمير المؤمنين عليه السلام، وقد ~~سفكتم دمائكم بين يديه، وفي طاعته، والقربة إلى الله تعالى بنصرته؟ ~~فسيقولون لك أنه حكم في دين الله، فقل لهم: قد حكم الله تعالى في شريعة ms336 ~~نبيه رجلين من خلقه، قال جل اسمه: (فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن ~~يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما) وحكم رسول الله صلى الله عليه وآله سعد بن ~~معاذ في بني قريضة، فحكم فيهم بما أمضاه الله، أو ما علمتم أن أمير ~~المؤمنين إنما أمر الحكمين أن يحكما بالقرآن ولا يتعدياه واشترط رد ما خالف ~~القرآن من أحكام الرجال؟ وقال حين قالوا له: حكمت على نفسك من حكم عليك. ~~فقال: ما حكمت مخلوقا فإنما حكمت كتاب الله، فأين تجد المارقة تضليل من أمر ~~الحكم بالقرآن، واشترط رد ما خالفه، ولا ارتكابهم في بدعتهم البهتان. # فقال نافع بن الأزرق: هذا والله ما طرق بسمعي قط، ولا خطر مني ببال هو ~~الحق إن شاء الله تعالى. # وعن أبي الجارود قال: قال أبو جعفر عليه السلام: يا أبا الجارود ما ~~يقولون في الحسن والحسين عليهما السلام، قلت: ينكرون عليهما أنهما ابنا ~~رسول الله. # قال: فبأي شئ احتججتم عليهم؟ # قال: قلت بقول الله في عيسى: (ومن ذريته داود إلى قوله - وكل من ~~الصالحين) فجعل عيسى من ذرية إبراهيم، واحتججنا عليهم بقوله تعالى: (قل ~~تعالوا ندع أبنائنا وأبنائكم ونسائنا ونسائكم وأنفسنا وأنفسكم). # ثم قال: فأي شئ قالوا: # قال: قلت: قالوا: قد يكون ولد البنت من الولد ولا يكون من الصلب. # قال: فقال أبو جعفر: والله يا أبا الجارود لأعطينكم من كتاب الله آية ~~تسميها أنها لصلب رسول الله صلى الله عليه وآله لا يردها إلا كافر. # قال: قلت: جعلت فداك وأين؟ PageV02P058 # قال: قال: حيث قال: (حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم - إلى قوله - ~~وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم) فسلهم يا أبا الجارود وهل يحل لرسول الله ~~نكاح حليلتيهما؟ فإن قالوا: نعم. فكذبوا والله، وإن قالوا: لا. # فهما والله ابنا رسول الله لصلبه، وما حرمن عليه إلا للصلب. # وعن أبي حمزة الثمالي عن أبي الربيع قال: حججت مع أبي جعفر عليه السلام ~~في السنة التي حج فيها هشام بن عبد الملك، وكان معه نافع مولى عمر ms337 بن ~~الخطاب فنظر نافع إلى أبي جعفر عليه السلام في ركن البيت وقد اجتمع عليه ~~الخلق فقال: # يا أمير المؤمنين من هذا الذي قد تكافأ عليه الناس؟ # فقال: هذا محمد بن علي بن الحسين عليه السلام. # قال: لآتينه ولأسألنه عن مسائل لا يجيبني فيها إلا نبي أو وصي نبي. # قال: فاذهب إليه لعلك تخجله، فجاء نافع حتى اتكأ علي الناس وأشرف على أبي ~~جعفر فقال: # يا محمد بن علي أني قرأت التوراة والإنجيل والزبور والفرقان، وقد عرفت ~~حلالها وحرامها، وقد جئت أسألك عن مسائل لا يجيبني فيها إلا نبي أو وصي نبي ~~أو ابن نبي، فرفع أبو جعفر عليه السلام رأسه فقال: # سل عما بدا لك! # قال: اخبرني كم بين عيسى ومحمد من سنة؟ # قال: أجيبك بقولك أم بقولي؟ # قال: أجبني بالقولين! # قال: أما بقولي فخمسمائة سنة، وأما بقولك فستمائة سنة. # قال: فأخبرني عن قول الله عز وجل: (واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا ~~أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون) من الذي سأل محمد وكان بينه وبين عيسى ~~خمسمائة سنة؟ قال: فتلا أبو جعفر عليه السلام هذه الآية: (سبحان الذي أسرى ~~بعبده ليلا من المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا) كان ~~PageV02P059 # من الآيات التي أراها محمدا حيث أسرى به إلى بيت المقدس، أنه حشر الله ~~الأولين والآخرين، من النبيين والمرسلين، ثم أمر جبرئيل عليه السلام فأذن ~~شفعا وأقام شفعا وقال في أذانه: (حي على خير العمل) ثم تقدم محمد صلى الله ~~عليه وآله فصلى بالقوم، فلما انصرف قال الله عز وجل: (واسأل من أرسلنا من ~~قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون). # فقال رسول الله: على ما تشهدون؟ وما كنتم تعبدون؟ # قالوا: نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنك رسول الله، أخذت ~~على ذلك عهودنا ومواثيقنا. # فقال: صدقت يا أبا جعفر! # قال: فأخبرني عن قول الله عز وجل: (يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات) ~~أي أرض تبدل؟ # فقال أبو جعفر عليه ms338 السلام: خبزة بيضاء يأكلونها حتى يفرغ الله من حساب ~~الخلايق فقال: إنهم عن الأكل لمشغولون. # فقال أبو جعفر عليه السلام: أهم حينئذ أشغل أم هم في النار؟ # قال نافع. بل هم في النار. # قال: فقد قال الله عز وجل: (ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا ~~علينا من الماء أو مما رزقكم الله) ما أشغلهم إذا دعوا بالطعام فأطعموا ~~الزقوم، ودعوا بالشراب فسقوا من الجحيم. # فقال: صدقت يا بن رسول الله! وبقيت مسألة واحدة. # قال: وما هي؟ # قال: فأخبرني متى كان الله؟ قال: ويلك أخبرني متى لم يكن حتى أخبرك متى ~~كان؟! سبحان من لم يزل ولا يزال، فردا صمدا لم يتخذ صاحبة ولا ولدا، ثم أتى ~~هشام بن عبد الملك فقال: ما صنعت؟ قال: دعني من كلامك والله هو أعلم الناس ~~حقا وهو ابن رسول الله حقا. PageV02P060 # وعن أبان بن تغلب (1) قال: دخل طاوس اليماني إلى الطواف ومعه صاحب له، ~~فإذا هو بأبي جعفر يطوف أمامه وهو شاب حدث، فقال طاوس لصاحبه: # (إن هذا الفتى لعالم) فلما فرغ من طوافه صلى ركعتين، ثم جلس وأتاه الناس ~~فقال طاوس لصاحبه: نذهب إلى أبي جعفر عليه السلام ونسأله عن مسألة لا أدري ~~عنده فيها شئ أم لا، فأتياه فسلما عليه ثم قال له طاوس: # يا أبا جعفر هل تدري أي يوم مات ثلث الناس؟ # فقال: يا أبا عبد الرحمن لم يمت ثلث الناس قط، إنما أردت ربع الناس. # قال: وكيف ذلك؟ # قال: كان آدم وحواء، وقابيل وهابيل، فقتل قابيل هابيل، فذلك ربع الناس. # قال: صدقت: # قال أبو جعفر عليه السلام: هل تدري ما صنع بقابيل؟ # قال: لا. # قال: علق بالشمس ينضح بالماء الحار إلى أن تقوم الساعة. # وروي أن عمرو بن عبيد، وفد على محمد بن علي الباقر عليه السلام لامتحانه ~~بالسؤال عنه فقال له: # جعلت فداك ما معنى قوله تعالى: (أو لم ير الذين كفروا أن السماوات # PageV02P061 # والأرض كانتا رتقا ففتقناهما) ما هذا الرتق والفتق؟ # فقال أبو جعفر عليه السلام: ms339 كانت السماء رتقا لا تنزل القطر، وكانت الأرض ~~رتقا لا تخرج النبات، ففتق الله السماء بالقطر، وفتق الأرض بالنبات، فانقطع ~~عمرو ولم يجد اعتراضا، ومضى وعاد إليه فقال: # خبرني جعلت فداك عن قوله تعالى: (ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى) ما غضب ~~الله؟ # فقال له أبو جعفر عليه السلام: غضب الله تعالى عقابه يا عمرو، ومن ظن أن ~~الله يغره شئ فقد هلك. # وعن أبي حمزة الثمالي قال: أتى الحسن البصري أبا جعفر عليه السلام فقال: # جئتك لا سألك عن أشياء من كتاب الله. # فقال أبو جعفر: ألست فقيه أهل البصرة؟ # قال: قد يقال ذلك. # فقال له أبو جعفر عليه السلام: هل بالبصرة أحد تأخذ عنه؟ # قال: لا. # قال: فجميع أهل البصرة يأخذون عنك؟ # قال: نعم. # فقال أبو جعفر: سبحان الله لقد تقلد عظيما من الأمر، بلغني عنك أمر فما ~~أدري أكذاك أنت، أم يكذب عليك؟ # قال: ما هو؟ # قال: زعموا أنك تقول: أن الله خلق العباد ففوض إليهم أمورهم. # قال: فسكت الحسن. # فقال: رأيت من قال الله له في كتابه: أنك آمن، هل عليه خوف بعد هذا القول ~~منه. # فقال الحسن: لا. PageV02P062 # فقال أبو جعفر عليه السلام: إني أعرض عليك آية وأنهي إليك خطابا، ولا ~~أحسبك إلا وقد فسرته على غير وجهه، فإن كنت فعلت ذلك فقد هلكت وأهلكت. # فقال له: ما هو؟ # قال: أرأيت حيث يقول: (وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ~~ظاهرة وقدرنا فيها السير سيروا فيها ليالي وأياما آمنين) يا حسن بلغني أنك ~~أفتيت الناس فقلت: هي مكة. فقال أبو جعفر عليه السلام: فهل يقطع على من حج ~~مكة، وهل يخاف أهل مكة، وهل تذهب أموالهم؟ # قال: بلى قال: فمتى يكونون آمنين؟ بل فينا ضرب الله الأمثال في القرآن، ~~فنحن القرى التي بارك الله فيها، وذلك قول الله عز وجل، فمن أقر بفضلنا حيث ~~أمرهم بأن يأتونا فقال: (وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها) أي ~~جعلنا بينهم وبين شيعتهم القرى التي باركنا فيها، ms340 قرى ظاهرة، والقرى ~~الظاهرة الرسل، والنقلة عنا إلى شيعتنا، وفقهاء شيعتنا، إلى شيعتنا، وقوله ~~تعالى: (وقدرنا فيها السير) فالسير مثل للعلم، سير به ليالي وأياما، مثل ~~لما يسير من العلم في الليالي والأيام عنا إليهم، في الحلال والحرام، ~~والفرائض والأحكام، آمنين فيها إذا أخذوا منه، آمنين من الشك والضلال، ~~والنقلة من الحرام إلى الحلال، لأنهم أخذوا العلم ممن وجب لهم أخذهم إياه ~~عنهم، بالمعرفة، لأنهم أهل ميراث العلم من آدم إلى حيث انتهوا، ذرية مصطفاة ~~بعضها من بعض، فلم ينته الاصطفاء إليكم، بل إلينا انتهى، ونحن تلك الذرية ~~المصطفاة لا أنت ولا أشباهك يا حسن، فلو قلت لك حين دعيت ما ليس لك، وليس ~~إليك يا جاهل أهل البصرة! لم أقل فيك إلا ما علمته منك، وظهر لي عنك، وإياك ~~أن تقول بالتفويض، فإن الله عز وجل لم يفوض الأمر إلى خلفه، وهنا منه ~~وضعفا، ولا أجبرهم على معاصيه ظلما. # والخبر طويل أخذنا منه موضع الحاجة. # وروي أن سالما دخل على أبي جعفر عليه السلام فقال: PageV02P063 # جئت أكلمك في أمر هذا الرجل. # قال: أيما رجل؟ # قال: علي بن أبي طالب عليه السلام. # قال: في أي أموره؟ # قال: في إحداثه. # قال أبو جعفر: أنظر ما استقر عندك مما جاءت به الرواة عن آبائهم. # قال: ثم نسبهم، ثم قال: يا سالم أبلغك أن رسول الله بعث سعد بن عبادة ~~براية الأنصار إلى خيبر، فرجع منهزما، ثم بعث عمر بن الخطاب براية ~~المهاجرين والأنصار، فأتى سعد جريحا وجاء عمر يجبن أصحابه ويجبنونه. فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وآله: (هكذا يفعل المهاجرون والأنصار) حتى قالها ~~ثلاثا. ثم قال: (لأعطين الراية غدا رجلا كرار ليس بفرار، يحبه الله ورسوله، ~~ويحب الله ورسوله). # قال: نعم. وقال القوم جميعا أيضا. # فقال أبو جعفر: يا سالم إن قلت إن الله عز وجل أحبه وهو لا يعلم ما هو ~~صانع فقد كفرت، وإن قلت إن الله عز وجل أحبه وهو يعلم ما هو صانع، فأي حدث ~~ترى له. ms341 # فقال أعد علي: # فأعاد عليه السلام عليه فقال سالم: عبدت الله على ضلالة سبعين سنة. # وعن أبي بصير قال: كان مولانا أبو جعفر محمد بن علي الباقر عليه السلام ~~جالسا في الحرم وحوله عصابة من أوليائه، إذ أقبل طاوس اليماني في جماعة من ~~أصحابه ثم قال لأبي جعفر عليه السلام: # أتأذن لي في السؤال؟ # فقال: أذنا لك فسل! # قال: اخبرني متى هلك ثلث الناس؟ # قال: وهمت يا شيخ! أردت أن تقول: (متى هلك ربع الناس)؟ وذلك PageV02P064 # يوم قتل قابيل هابيل، كانوا أربعة: آدم، وحواء، وقابيل وهابيل. فهلك ~~ربعهم فقال: أصبت ووهمت أنا فأيهما كان أبا للناس القاتل أو المقتول؟ # قال: لا واحد منهما بل أبوهم شيث بن آدم. # قال: فلم سمي آدم آدم؟ # قال: لأنه رفعت طينته من أديم الأرض السفلى. # قال: ولم سميت حواء حواء؟ # قال: لأنها خلقت من ضلع حي، يعني ضلع آدم. # قال: فلم سمي إبليس إبليس؟ # قال: لأنه أبلس من رحمة الله عز وجل فلا يرجوها. # قال: فلم سمي الجن جنا؟ # قال: لأنهم استجنوا فلم يروا. # قال: فأخبرني عن كذبة كذبت، من صاحبها؟ # قال: إبليس حين قال: (أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين). # قال: فأخبرني عن قوم شهدوا شهادة الحق وكانوا كاذبين؟ # قال: المنافقون حين قالوا لرسول الله صلى الله عليه وآله: (نشهد أنك ~~لرسول الله) فأنزل الله عز وجل: (إذا جائك المنافقون قالوا نشهد أنك لرسول ~~الله والله يعلم أنك لرسوله والله يشهدان المنافقين لكاذبون). # قال: فأخبرني عن طائر طار مرة ولم يطر قبلها ولا بعدها، ذكره الله عز وجل ~~في القرآن ما هو؟ # فقال: طور سيناء أطاره الله عز وجل على بني إسرائيل حين أظلهم بجناح منه، ~~فيه ألوان العذاب، حتى قبلوا التوراة، وذلك قوله عز وجل: (وإذ نتقنا الجبل ~~فوقهم كأنه ظلة وظنوا أنه واقع بهم) الآية. # قال: فأخبرني عن رسول بعثه الله تعالى ليس من الجن، ولا من الإنس، ولا من ~~الملائكة، ذكره الله تعالى في كتابه؟ PageV02P065 # قال: الغراب، ms342 حين بعثه الله عز وجل ليري قابيل كيف يواري سوأة أخيه هابيل ~~حين قتله قال الله عز وجل: (فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري ~~سوأة أخيه). # قال: فأخبرني عمن أنذر قومه ليس من الجن، ولا من الإنس، ولا من الملائكة، ~~ذكره الله عز وجل في كتابه؟ # قال: النملة حين قالت: (يا أيها النمل أدخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان ~~وجنوده وهم لا يشعرون). # قال: فأخبرني عمن كذب عليه، ليس من الجن، ولا من الإنس، ولا من الملائكة، ~~ذكره الله عز وجل في كتابه؟ # قال: الذئب الذي كذب عليه أخوة يوسف. # قال: فأخبرني عن شئ قليله حلال وكثيره حرام، ذكره الله عز وجل في كتابه؟ # قال: نهر طالوت. قال الله عز وجل: (إلا من اغترف غرفة بيده). # قال: فأخبرني عن صلاة فريضة تصلى بغير وضوء، وعن صوم لا يحجز عن أكل ولا ~~شرب، قال: أما الصلاة بغير وضوء فالصلاة على النبي وآله عليه وعليهم ~~السلام، وأما الصوم فقول الله عز وجل: (أني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم ~~اليوم إنسيا). # قال: فأخبرني عن شئ يزيد وينقص، وعن شئ يزيد ولا ينقص، وعن شئ ينقص ولا ~~يزيد؟ # فقال: الباقر عليه السلام: أما الشئ الذي يزيد وينقص فهو: القمر، والشئ ~~الذي هو يزيد ولا ينقص فهو: البحر، والشئ الذي ينقص ولا يزيد هو: العمر. # وقد تكرر إيراد أول هذا الخبر لما في آخره من الفوائد. # وبالإسناد المقدم ذكره عن أبي محمد الحسن العسكري عليه السلام أنه قال: ~~كان علي بن الحسين زين العابدين جالسا في مجلسه فقال يوما في مجلسه أن رسول ~~الله صلى الله عليه وآله PageV02P066 # لما أمر بالمسير إلى تبوك، أمر بأن يخلف عليا بالمدينة. فقال علي عليه ~~السلام: يا رسول الله ما كنت أحب أن أتخلف عنك في شئ من أمورك، وأن أغيب عن ~~مشاهدتك والنظر إلى هديك، وسمتك، فقال رسول الله: يا علي أما ترضى أن تكون ~~مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي، تقيم ms343 يا علي وأن لك في ~~مقامك من الأجر مثل الذي يكون لك لو خرجت مع رسول الله، ولك أجور كل من خرج ~~مع رسول الله صلى الله عليه وآله موقنا طائعا، وأن لك على الله يا علي ~~لمحبتك أن تشاهد من محمد سمته في ساير أحواله، بأن يأمر جبرئيل في جميع ~~مسيرنا هذا أن يرفع الأرض التي يسير عليها، والأرض التي تكون أنت عليها، ~~ويقوي بصرك حتى تشاهد محمدا وأصحابه في ساير أحوالك وأحوالهم، فلا يفوتك ~~الأنس من رؤيته ورؤية أصحابه ويغنيك ذلك عن المكاتبة والمراسلة. # فقام رجل من مجلس زين العابدين لما ذكر هذا وقال له: يا بن رسول الله صلى ~~الله عليه وآله كيف يكون، وهذا للأنبياء لا لغيرهم؟ # فقال زين العابدين عليه السلام: هذا هو معجزة لمحمد رسول الله لا لغيره، ~~لأن الله إنما رفعه بدعاء محمد، وزاد في نور بصره أيضا بدعاء محمد، حتى ~~شاهد ما شاهد وأدرك ما أدرك، ثم قال له الباقر عليه السلام: يا عبد الله ما ~~أكثر ظلم كثير من هذه الأمة لعلي بن أبي طالب عليه السلام، وأقل أنصارهم، ~~أم يمنعون عليا ما يعطونه ساير الصحابة، وعلي أفضلهم، فكيف يمنع منزلة ~~يعطونها غيره، قيل: وكيف ذاك يا بن رسول الله؟ # قال: لأنكم تتولون محبي أبي بكر ابن أبي قحافة، وتتبرؤون من أعدائه كائنا ~~من كان، وكذلك تتولون عمر بن الخطاب، وتتبرؤون من أعدائه كائنا من كان، ~~وتتولون عثمان بن عفان وتتبرؤون من أعدائه كائنا من كان، حتى إذا صار إلى ~~علي بن أبي طالب عليه السلام، قالوا: نتولى محبيه، ولا نتبرأ من أعدائه بل ~~نحبهم، فكيف يجوز هذا لهم، ورسول الله صلى الله عليه وآله يقول في علي: ~~(اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله) ~~أفترونه لا PageV02P067 # يعادي من عاداه؟! ولا يخذل من خذله؟! ليس هذا بإنصاف. ثم أخرى: أنهم إذا ~~ذكر لهم ما أخص الله به عليا بدعاء رسول الله صلى الله عليه وآله، ms344 وكرامته ~~على ربه تعالى، جحدوه، وهم يقبلون ما يذكر لهم في غيره من الصحابة، فما ~~الذي منع عليا ما جعله لسائر أصحاب رسول الله؟ هذا عمر بن الخطاب إذا قيل ~~لهم: أنه كان على المنبر بالمدينة يخطب إذ نادى في خلال خطبته: يا سارية ~~الجبل وعجب القوم وقالوا ما هذا من الكلام الذي في هذه الخطبة، فلما قضى ~~الخطبة والصلاة قالوا: # ما قولك في خطبتك يا سارية الجبل؟ # فقال: اعلموا أني وأنا أخطب إذ رميت ببصري نحو الناحية التي خرج فيها ~~إخوانكم إلى غزوة الكافرين بنهاوند، وعليهم سعد بن أبي وقاص، ففتح الله لي ~~الأستار والحجب، وقوى بصري حتى رأيتهم وقد اصطفوا بين يدي جبل هناك، وقد ~~جاء بعض الكفار ليدور خلف سارية، وساير من معه من المسلمين، فيحيطوا بهم ~~فيقتلوهم، فقلت يا سارية الجبل، ليلتجئ إليه، فيمنعهم ذلك من أن يحيطوا به، ~~ثم يقاتلوا، ومنح الله إخوانكم المؤمنين أكتاف الكافرين، وفتح الله عليهم ~~بلادهم، فاحفظوا هذا الوقت، فسيرد عليكم الخبر بذلك، وكان بين المدينة ~~ونهاوند مسيرة أكثر من خمسين يوما. # قال الباقر عليه السلام: فإذا كان مثل هذا لعمر، فكيف لا يكون مثل هذا ~~لعلي بن أبي طالب عليه السلام؟! ولكنهم قوم لا ينصفون بل يكابرون. # وعن عبد الله بن سليمان (1) قال: كنت عند أبي جعفر عليه السلام فقال له ~~رجل من أهل البصرة: يقال له: (عثمان الأعمى). # أن الحسن البصري يزعم أن الذين يكتمون العلم يؤذي ريح بطونهم من يدخل ~~النار. # فقال أبو جعفر عليه السلام: فهلك إذا مؤمن آل فرعون، والله مدحه بذلك، # PageV02P068 # وما زال العلم مكتوما منذ بعث الله عز وجل رسوله نوحا، فليذهب الحسن ~~يمينا وشمالا، فوالله ما يوجد العلم إلا هيهنا، وكان عليه السلام يقول: ~~محنة الناس علينا عظيمة، إن دعوناهم يجيبونا، وإن تركناهم لم يهتدوا ~~بغيرنا. # احتجاج أبي عبد الله الصادق (ع) في أنواع شتى من العلوم الدينية على ~~أصناف كثيرة من أهل الملل والديانات. # روي عن هشام بن الحكم (1) أنه قال: من ms345 سؤال الزنديق الذي أتى أبا عبد ~~الله عليه السلام أن قال: # ما الدليل على صانع العالم؟ # فقال: أبو عبد الله عليه السلام وجود الأفاعيل التي دلت على أن صانعها ~~صنعها إلا ترى أنك إذا نظرت إلى بناء مشيد مبني علمت أن له بانيا وإن كنت ~~لم تر # PageV02P069 # الباني، ولم تشاهده. # قال: فما هو؟ # قال: هو شئ بخلاف الأشياء، ارجع بقولي شئ إلى إثباته، وأنه شئ بحقيقته ~~الشيئية، غير أنه لا جسم، ولا صورة، ولا يحس، ولا يجس، ولا يدرك بالحواس ~~الخمس، لا تدركه الأوهام، ولا تنقصه الدهور، ولا يغيره الزمان. # قال السائل: فإنا لم نجد موهوما إلا مخلوقا. # قال أبو عبد الله عليه السلام: لو كان ذلك كما تقول، لكان التوحيد منا ~~مرتفعا لأنا لم نكلف أن نعتقد غير موهوم، لكنا نقول: كل موهوم بالحواس مدرك ~~بها، تحده الحواس ممثلا، فهو مخلوق، ولا بد من إثبات كون صانع الأشياء ~~خارجا من الجهتين المذمومتين: إحداهما النفي إذا كان النفي هو الإبطال ~~والعدم، والجهة الثانية التشبيه بصفة المخلوق الظاهر التركيب والتأليف، فلم ~~يكن بد من إثبات الصانع لوجود المصنوعين، والاضطرار منهم إليه، أنهم ~~مصنوعون، وأن صانعهم غيرهم، وليس مثلهم، إن كان مثلهم شبيها بهم في ظاهر ~~التركيب والتأليف وفيما يجري عليهم من حدوثهم بعد أن لم يكونوا، وتنقلهم من ~~صغر إلى كبر، وسواد إلى بياض، وقوة إلى ضعف، وأحوال موجودة لا حاجة بنا إلى ~~تفسيرها لثباتها ووجودها. # قال السائل: فأنت قد حددته إذا ثبت وجوده! # قال أبو عبد الله عليه السلام: لم أحدده، ولكني أثبته، إذ لم يكن بين ~~الإثبات والنفي منزلة. # قال السائل: فقوله: (الرحمن على العرش استوى)؟ # قال أبو عبد الله عليه السلام: بذلك وصف نفسه، وكذلك هو مستول على العرش ~~بائن من خلقه، من غير أن يكون العرش محلا له، لكنا نقول: هو حامل، وممسك ~~للعرش، ونقول في ذلك ما قال: (وسع كرسيه السماوات والأرض) فثبتنا من العرش ~~والكرسي ما ثبته، ونفينا أن يكون العرش والكرسي حاويا له، وأن ms346 يكون عز وجل ~~محتاجا إلى مكان، أو إلى شئ مما خلق، بل خلقه محتاجون إليه. PageV02P070 # قال السائل: فما الفرق بين أن ترفعوا أيديكم إلى السماء، وبين أن تخفضوها ~~نحو الأرض؟ # قال أبو عبد الله: في علمه وإحاطته وقدرته سواء، ولكنه عز وجل أمر ~~أوليائه وعباده برفع أيديهم إلى السماء، نحو العرش، لأنه جعله معدن الرزق، ~~فثبتنا ما ثبته القرآن والأخبار عن الرسول، حين قال: (ارفعوا أيديكم إلى ~~الله عز وجل) وهذا تجمع عليه فرق الأمة كلها، ومن سؤاله أن قال: ألا يجوز ~~أن يكون صانع العالم أكثر من واحد؟ # قال أبو عبد الله: لا يخلو قولك أنهما اثنان من أن يكونا: قديمين قويين ~~أو يكونا ضعيفين، أو يكون أحدهما قويا، والآخر ضعيفا، فإن كانا قويين فلم ~~لا يدفع كل واحد منهما صاحبه، وينفرد بالربوبية، وإن زعمت أن أحدهما قوي ~~والآخر ضعيف، ثبت أنه واحد كما نقول، للعجز الظاهر في الثاني، وإن قلت ~~أنهما اثنان، لم يخل من أن يكونا متفقين من كل جهة، أو مفترقين من كل جهة، ~~فلما رأينا الخلق منتظما، والفلك جاريا، واختلاف الليل والنهار والشمس ~~والقمر، دل ذلك على صحة الأمر والتدبير، وايتلاف الأمر، وأن المدبر واحد. # وعن هشام بن الحكم قال: دخل ابن أبي العوجاء على الصادق عليه السلام فقال ~~له الصادق عليه السلام: # يا بن أبي العوجاء! أنت مصنوع أم غير مصنوع؟ # قال: لست بمصنوع. # فقال له الصادق: فلو كنت مصنوعا كيف كنت؟ # فلم يحر ابن أبي العوجاء جوابا، وقام وخرج. # قال: دخل أبو شاكر الديصاني - وهو زنديق - على أبي عبد الله وقال: # يا جعفر بن محمد دلني على معبودي! # فقال أبو عبد الله عليه السلام: إجلس! فإذا غلام صغير في كفه بيضة يلعب ~~بها فقال أبو عبد الله: ناولني يا غلام البيضة! فناوله إياها، فقال أبو عبد ~~الله: يا ديصاني PageV02P071 # هذا حصن مكنون، له جلد غليظ، وتحت الجلد الغليظ جلد رقيق، وتحت الجلد ~~الرقيق ذهبة مايعة، وفضة ذائبة، فلا الذهبة المائعة تختلط بالفضة الذائبة، ms347 ~~ولا الفضة الذائبة تختلط بالذهبة المايعة، فهي على حالها، لا يخرج منها ~~خارج مصلح فيخبر عن إصلاحها، ولا يدخل إليها داخل مفسد فيخبر عن إفسادها، ~~لا يدرى للذكر خلقت أم للأنثى، تنفلق عن مثل ألوان الطواويس، أترى له ~~مدبرا؟ # قال: فأطرق مليا ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد ~~أن محمدا عبده ورسوله، وأنك إمام وحجة من الله على خلقه، وأنا تائب مما كنت ~~فيه. # وعن هشام بن الحكم قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن أسماء الله عز ~~ذكره واشتقاقها، فقلت: # الله مما هو مشتق؟ # قال: يا هشام الله مشتق من إله، وإله يقتضي مألوها، والاسم غير المسمى، ~~فمن عبد الاسم دون المعنى فقد كفر ولم يعبد شيئا، ومن عبد الاسم والمعنى ~~فقد كفر وعبد الاثنين، ومن عبد المعنى دون الاسم فذاك التوحيد، أفهمت يا ~~هشام؟ # قال: فقلت زدني! # فقال: إن لله تسعة وتسعين اسما، فلو كان الاسم هو المسمى لكان كل اسم ~~منها آلها، ولكن الله معنى يدل عليه، فهذه الأسماء كلها غيره، يا هشام ~~الخبز اسم للمأكول، والماء اسم للمشروب، والثوب اسم للملبوس، والنار اسم ~~للمحروق، أفهمت يا هشام فهما تدفع به وتناضل به أعدائنا، والمتخذين مع الله ~~غيره؟ # قلت: نعم. # قال: فقال: نفعك الله به، وثبتك! # قال هشام: فوالله ما قهرني أحد في علم التوحيد حتى قمت مقامي هذا. # وعن هشام بن الحكم قال: كان زنديق بمصر يبلغه عن أبي عبد الله عليه ~~السلام PageV02P072 # علم، فخرج إلى المدينة ليناظره، فلم يصادفه بها، وقيل: هو بمكة، فخرج إلى ~~مكة ونحن مع أبي عبد الله عليه السلام، فانتهى إليه - وهو في الطواف - فدنا ~~منه وسلم. # فقال له أبو عبد الله: ما اسمك؟ # قال: عبد الملك. # قال: فما كنيتك؟ # قال: أبو عبد الله. # قال أبو عبد الله عليه السلام: فمن ذا الملك الذي أنت عبده، أمن ملوك ~~الأرض أم من ملوك السماء؟ وأخبرني عن ابنك أعبد إله السماء، أم عبد إله ~~الأرض؟ ms348 # فسكت. فقال أبو عبد الله: قل! فسكت. # فقال: إذا فرغت من الطواف فأتنا، فلما فرغ أبو عبد الله عليه السلام من ~~الطواف أتاه الزنديق، فقعد بين يديه ونحن مجتمعون عنده. فقال أبو عبد الله ~~عليه السلام: # أتعلم أن للأرض تحتا وفوقا؟ # فقال: نعم. # قال: فدخلت تحتها؟ # قال: لا. # قال: فهل تدري ما تحتها؟ # قال: لا أدري إلا أني أظن أن ليس تحتها شئ. # فقال أبو عبد الله: فالظن عجز ما لم تستيقن. ثم قال له: صعدت إلى السماء؟ # قال: لا. # قال: أفتدري ما فيها؟ # قال: لا. # قال: فأتيت المشرق والمغرب فنظرت ما خلفهما؟ # قال: لا. # قال: فالعجب لك، لم تبلغ المشرق، ولم تبلغ المغرب، ولم تنزل تحت ~~PageV02P073 # الأرض، ولم تصعد إلى السماء، ولم تخبر ما هناك فتعرف ما خلفهن، وأنت جاحد ~~بما فيهن، وهل يجحد العاقل ما لا يعرف؟! # فقال الزنديق: ما كلمني بهذا غيرك. # قال أبو عبد الله عليه السلام: فأنت من ذلك في شك، فلعل هو ولعل ليس هو. # قال: ولعل ذلك. # فقال أبو عبد الله عليه السلام: أيها الرجل ليس لمن لا يعلم حجة على من ~~يعلم، ولا حجة للجاهل على العالم، يا أخا أهل مصر، تفهم عني، أما ترى الشمس ~~والقمر والليل والنهار يلجان ولا يستبقان، يذهبان ويرجعان، قد اضطرا ليس ~~لهما مكان إلا مكانهما، فإن كانا يقدران على أن يذهبا فلم يرجعان، وإن كانا ~~غير مضطرين فلم لا يصير الليل نهارا والنهار ليلا؟ اضطرا والله يا أخا أهل ~~مصر إن الذي تذهبون إليه وتظنون من الدهر، فإن كان هو يذهبهم فلم يردهم؟ ~~وإن كان يردهم فلم يذهب بهم؟ أما ترى السماء مرفوعة، والأرض موضوعة، لا ~~تسقط السماء على الأرض، ولا تنحدر الأرض فوق ما تحتها، أمسكها والله خالقها ~~ومدبرها. قال: فآمن الزنديق على يدي أبي عبد الله، فقال: هشام خذه إليك ~~وعلمه. # وعن عيسى بن يونس (1) قال: كان ابن أبي العوجاء من تلامذة الحسن البصري، ~~فانحرف عن التوحيد، فقيل له: تركت مذهب صاحبك ودخلت فيما ms349 لا أصل له ولا ~~حقيقة؟ # قال: إن صاحبي كان مخلطا، يقول طورا بالقدر، وطورا بالجبر، فما أعلمه ~~اعتقد مذهبا دام عليه، فقدم مكة متمردا، وإنكارا على من يحجه، وكان تكره ~~العلماء مجالسته لخبث لسانه، وفساد ضميره، فأتى أبا عبد الله عليه السلام ~~فجلس إليه في جماعة من نظرائه، فقال: # يا أبا عبد الله! إن المجالس بالأمانات، ولا بد لكل من به سعال أن يسعل # PageV02P074 # أفتأذن لي في الكلام؟ # فقال: تكلم. # فقال: إلى كم تدوسون هذا البيدر، وتلوذون بهذا الحجر، وتعبدون هذا البيت ~~المرفوع بالطوب والمدر، وتهرولون حوله كهرولة البعير إذا نفر، إن من فكر في ~~هذا وقدر، علم أن هذا فعل أسسه غير حكيم ولا ذي نظر، فقل فإنك رأس هذا ~~الأمر وسنامه، وأبوك أسسه ونظامه! # فقال أبو عبد الله: إن من أضله الله وأعمى قلبه، استوخم الحق ولم يستعذبه ~~وصار الشيطان وليه، يورده مناهل الهلكة، ثم لا يصدره، وهذا بيت استعبد الله ~~به عباده، ليختبر طاعتهم في إتيانه، فحثهم على تعظيمه وزيارته، جعله محل ~~أنبيائه، وقبلة للمصلين له، فهو شعبة من رضوانه، وطريق يؤدي إلى غفرانه، ~~منصوب على استواء الكمال، ومجتمع العظمة والجلال، خلقه الله قبل دحو الأرض ~~بألفي عام، فأحق من أطيع فيما أمر وانتهى عما نهى عنه وزجر، الله المنشئ ~~للأرواح والصور. # فقال ابن أبي العوجاء: ذكرت الله فأحلت على الغائب. # فقال أبو عبد الله: ويلك! كيف يكون غائبا من هو مع خلقه شاهد، وإليهم ~~أقرب من حبل الوريد، يسمع كلامهم ويرى أشخاصهم، ويعلم أسرارهم؟! # فقال ابن أبي العوجاء: فهو في كل مكان، أليس إذا كان في السماء كيف يكون ~~في الأرض وإذا كان في الأرض كيف يكون في السماء؟ # فقال أبو عبد الله عليه السلام: إنما وصفت المخلوق الذي إذا انتقل من ~~مكان اشتغل به مكان، وخلا منه مكان، فلا يدري في المكان الذي صار إليه ما ~~حدث في المكان الذي كان فيه، فأما الله العظيم الشأن، الملك الديان، فلا ~~يخلو منه مكان ولا يشتغل به ms350 مكان، ولا يكون إلى مكان أقرب منه إلى مكان. # وروي أن الصادق عليه السلام قال لابن أبي العوجاء: إن يكن الأمر كما تقول ~~- وليس كما نقول - نجونا ونجوت وإن يكن الأمر كما - نقول وهو كما ~~PageV02P075 # نقول - نجونا وهلكت. # وروي أيضا: أن ابن أبي العوجاء سأل الصادق عليه السلام عن حدث العالم ~~فقال: # ما وجدت صغيرا ولا كبيرا إلا إذا ضم إليه مثله صار أكبر، وفي ذلك زوال ~~وانتقال عن الحالة الأولى، ولو كان قديما ما زال ولا حال، لأن الذي يزول ~~ويحول يجوز أن يوجد ويبطل، فيكون بوجوده بعد عدمه دخول في الحدث، وفي كونه ~~في الأزل دخول في القدم، ولن يجتمع صفة الحدوث والقدم في شئ واحد. # قال ابن أبي العوجاء: هبك علمك في جري الحالتين والزمانين على ما ذكرت ~~استدللت على حدوثها، فلو بقيت الأشياء على صغرها من أين كان لك أن تستدل ~~على حدوثها؟ # فقال عليه السلام: إنا نتكلم على هذا العالم الموضوع، فلو رفعناه ووضعنا ~~عالما آخر كان لا شئ أدل على الحدث ومن رفعنا إياه ووضعنا غيره، لكن أجيبك ~~من حيث قدرت أن تلزمنا، فنقول: إن الأشياء لو دامت على صغرها لكان في الوهم ~~أنه متى ضم شئ منه إلى شئ منه كان أكبر، وفي جواز التغير عليه خروجه من ~~القدم كما إن في تغيره دخوله في الحدث، وليس لك ورائه شئ يا عبد الكريم. # وعن يونس بن ظبيان (1) قال: دخل رجل على أبي عبد الله عليه السلام قال: # أرأيت الله حين عبدته؟ # قال: ما كنت أعبد شيئا لم أره. # PageV02P076 # قال: فكيف رأيته؟ # قال: لم تره الأبصار بمشاهدة العيان، ولكن رأته القلوب بحقايق الإيمان لا ~~يدرك بالحواس، ولا يقاس بالناس، معروف بغير تشبيه. # وعن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله تعالى (لا ~~تدركه الأبصار) قال: إحاطة الوهم ألا ترى إلى قوله: (قد جائكم بصائر من ~~ربكم) ليس يعني بصر العيون، (فمن أبصر فلنفسه) وليس يعني من أبصر نفسه (ومن ms351 ~~عمي فعليها) ليس يعني عمي العيون، إنما عنى: إحاطة الوهم - كما يقال: فلان ~~بصير بالشعر، وفلان بصير بالفقه، وفلان بصير بالدراهم، وفلان بصير بالثياب ~~- الله أعظم من أن يرى بالعين. # ومن سؤال الزنديق الذي سأل أبا عبد الله عليه السلام عن مسائل كثيرة أنه ~~قال: # كيف يعبد الله الخلق ولم يروه؟ # قال: رأته القلوب بنور الإيمان، وأثبتته العقول بيقظتها إثبات العيان، ~~وأبصرته الأبصار بما رأته من حسن التركيب، وأحكام التأليف، ثم الرسل ~~وآياتها والكتب ومحكماتها، واقتصرت العلماء على ما رأت من عظمته دون رؤيته. # قال: أليس هو قادر أن يظهر لهم حتى يروه فيعرفونه فيعبد على يقين؟ # قال: ليس للمحال جواب. # قال: فمن أين أثبت أنبياء ورسلا؟ # قال عليه السلام: أنا لما أثبتنا أن لنا خالقا صانعا متعاليا عنا وعن ~~جميع ما خلق، وكان ذلك الصانع حكيما، لم يجز أن يشاهده خلقه، ولا أن ~~يلامسوه ولا أن يباشرهم ويباشروه، ويحاجهم ويحاجوه، ثبت أن له سفراء في ~~خلقه وعباده يدلونهم على مصالحهم ومنافعهم، وما به بقاؤهم، وفي تركه ~~فناؤهم، فثبت الآمرون والناهون عن الحكيم العليم في خلقه، وثبت عند ذلك أن ~~له معبرون هم أنبياء الله وصفوته من خلقه، حكماء مؤدبين بالحكمة، مبعوثين ~~عنه، مشاركين للناس في أحوالهم على مشاركتهم لهم في الخلق والتركيب، مؤيدين ~~من عند الحكيم PageV02P077 # العليم بالحكمة والدلائل والبراهين والشواهد من: إحياء الموتى، وإبراء ~~الأكمه والأبرص، فلا تخلو الأرض من حجة يكون معه علم يدل على صدق مقال ~~الرسول ووجوب عدالته. # ثم قال عليه السلام بعد ذلك: نحن نزعم أن الأرض لا تخلو من حجة ولا تكون ~~الحجة إلا من عقب الأنبياء، ما بعث الله نبيا قط من غير نسل الأنبياء، وذلك ~~أن الله شرع لبني آدم طريقا منيرا، وأخرج من آدم نسلا طاهرا طيبا، أخرج منه ~~الأنبياء والرسل، هم صفوة الله، وخلص الجوهر، طهروا في الأصلاب، وحفظوا في ~~الأرحام، لم يصبهم سفاح الجاهلية، ولا شاب أنسابهم، لأن الله عز وجل جعلهم ~~في موضع لا يكون أعلى درجة ms352 وشرفا منه، فمن كان خازن علم الله، وأمين غيبه ~~ومستودع سره، وحجته على خلقه، وترجمانه ولسانه، لا يكون إلا بهذه الصفة ~~فالحجة لا يكون إلا من نسلهم، يقوم مقام النبي صلى الله عليه وآله في الخلق ~~بالعلم الذي عنده، وورثه عن الرسول، إن جحده الناس سكت، وكان بقاء ما عليه ~~الناس قليلا مما في أيديهم من علم الرسول على اختلاف منهم فيه، قد أقاموا ~~بينهم الرأي والقياس، وأنهم إن أقروا به وأطاعوه وأخذوا عنه، ظهر العدل، ~~وذهب الاختلاف والتشاجر، واستوى الأمر وأبان الدين، وغلب على الشك اليقين، ~~ولا يكاد أن يقر الناس به ولا يطيعوا له أو يحفظوا له بعد فقد الرسول، وما ~~مضى رسول ولا نبي قط لم يختلف أمته من بعده، وإنما كان علة اختلافهم على ~~الحجة وتركهم إياه. قال: فما يصنع بالحجة إذا كان بهذه الصفة؟ قال: قد ~~يقتدى به ويخرج عنه الشئ بعد الشئ مكانه منفعة الخلق وصلاحهم فإن أحدثوا في ~~دين الله شيئا أعلمهم وإن زادوا فيه أخبرهم وإن نفدوا منه شيئا أفادهم. # ثم قال الزنديق: من أي شئ خلق الله الأشياء؟ # قال: لا من شئ. # فقال: كيف يجئ من لا شئ شئ؟ # قال عليه السلام: إن الأشياء لا تخلو أما أن تكون خلقت من شئ أو من غير ~~PageV02P078 # شئ، فإن كان خلقت من شئ كان معه، فإن ذلك الشئ قديم، والقديم لا يكون ~~حديثا ولا يفنى ولا يتغير، ولا يخلو ذلك الشئ من أن يكون جوهرا واحدا ولونا ~~واحدا، فمن أين جاءت هذه الألوان المختلفة والجواهر الكثيرة الموجودة في ~~هذا العالم من ضروب شتى؟ ومن أين جاء الموت إن كان الشئ الذي أنشئت منه ~~الأشياء حيا؟! ومن أين جاءت الحياة إن كان ذلك الشئ ميتا؟! # ولا يجوز أن يكون من حي وميت قديمين لم يزالا، لأن الحي لا يجئ منه ميت ~~وهو لم يزل حيا، ولا يجوز أيضا أن يكون الميت قديما لم يزل لما هو به من ~~الموت، لأن الميت لا قدرة له ms353 ولا بقاء. # قال: فمن أين قالوا أن الأشياء أزلية؟ # قال: هذه مقالة قوم جحدوا مدبر الأشياء فكذبوا الرسل، ومقالتهم، ~~والأنبياء وما أنبأوا عنه، وسموا كتبهم أساطير، ووضعوا لأنفسهم دينا ~~بآرائهم واستحسانهم، أن الأشياء تدل على حدوثها، من دوران الفلك بما فيه، ~~وهي سبعة أفلاك، وتحرك الأرض ومن عليها، وانقلاب الأزمنة، واختلاف الوقت، ~~والحوادث التي تحدث في العالم، من زيادة ونقصان، وموت وبلى، واضطرار النفس ~~إلى الاقرار بأن لها صانعا ومدبرا، ألا ترى الحلو يصير حامضا، والعذب مرا، ~~والجديد باليا، وكل إلى تغير وفناء؟! # قال: فلم يزل صانع العالم عالما بالأحداث التي أحدثها قبل أن يحدثها؟ # قال: فلم يزل يعلم فخلق ما علم. # قال: أمختلف هو أم مؤتلف؟ # قال: لا يليق به الاختلاف ولا الايتلاف، وإنما يختلف المتجزي، ويأتلف ~~المتبعض، فلا يقال له مؤتلف ولا مختلف. # قال: فكيف هو الله الواحد؟ # قال: واحد في ذاته، فلا واحد كواحد، لأن ما سواه من الواحد متجزي وهو ~~تبارك وتعالى واحد لا يتجزى، ولا يقع عليه العد. PageV02P079 # قال: فلأي علة خلق الخلق وهو غير محتاج إليهم، ولا مضطر إلى خلقهم، ولا ~~يليق به التعبث بنا؟ # قال: خلقهم لإظهار حكمته، وإنفاذ علمه، وإمضاء تدبيره. # قال: وكيف لا يقتصر على هذه الدار فيجعلها دار ثوابه، ومحتبس عقابه؟ # قال: إن هذه الدار دار ابتلاء، ومتجر الثواب، ومكتسب الرحمة، ملئت آفات، ~~وطبقت شهوات، ليختبر فيها عبيده بالطاعة، فلا يكون دار عمل دار جزاء. # قال: أفمن حكمته أن جعل لنفسه عدوا، وقد كان ولا عدو له، فخلق كما زعمت ~~(إبليس) فسلطه على عبيده يدعوهم إلى خلاف طاعته، ويأمرهم بمعصيته وجعل له ~~من القوة كما زعمت ما يصل بلطف الحيلة إلى قلوبهم، فيوسوس إليهم فيشككهم في ~~ربهم، ويلبس عليهم دينهم، فيزيلهم عن معرفته، حتى أنكر قوم لما وسوس إليهم ~~ربوبيته، وعبدوا سواه، فلم سلط عدوه على عبيده، وجعل له السبيل إلى ~~إغوائهم؟ # قال: إن هذا العدو الذي ذكرت لا تضره عداوته، ولا تنفعه ولايته، وعداوته ~~لا تنقص من ملكه شيئا، ms354 وولايته لا تزيد فيه شيئا، وإنما يتقى العدو إذا كان ~~في قوة يضر وينفع، إن هم بملك أخذه، أو بسلطان قهره، فأما إبليس فعبد خلقه ~~ليعبده ويوحده، وقد علم حين خلقه ما هو وإلى ما يصير إليه، فلم يزل يعبده ~~مع ملائكته حتى امتحنه بسجود آدم، فامتنع من ذلك حسدا، وشقاوة غلبت عليه، ~~فلعنه عند ذلك، وأخرجه عن صفوف الملائكة، وأنزله إلى الأرض ملعونا مدحورا ~~فصار عدو آدم وولده بذلك السبب، ما له من السلطنة على ولده إلا الوسوسة، ~~والدعاء إلى غير السبيل، وقد أقر مع معصيته لربه بربوبيته. # قال: أفيصلح السجود لغير الله؟ # قال: لا. # قال: فكيف أمر الله الملائكة بالسجود لآدم؟ PageV02P080 # قال: إن من سجد بأمر الله، سجد لله، إذا كان عن أمر الله. # قال: فمن أين أصل الكهانة، ومن أين يخبر الناس بما يحدث؟ # قال: إن الكهانة كانت في الجاهلية في كل حين فترة من الرسل، كان الكاهن ~~بمنزلة الحاكم يحتكمون إليه فيما يشتبه عليهم من الأمور بينهم، فيخبرهم عن ~~أشياء تحدث، وذلك من وجوه شتى، فراسة العين، وذكاء القلب، ووسوسة النفس، ~~وفتنة الروح، مع قذف في قلبه، لأن ما يحدث في الأرض من الحوادث الظاهرة ~~فذلك يعلم الشيطان ويؤديه إلى الكاهن، ويخبره بما يحدث في المنازل ~~والأطراف، وأما أخبار السماء فإن الشياطين كانت تقعد مقاعد استراق السمع إذ ~~ذاك، وهي لا تحجب، ولا ترجم بالنجوم، وإنما منعت من استراق السمع لئلا يقع ~~في الأرض سبب تشاكل الوحي من خبر السماء، فيلبس على أهل الأرض ما جائهم عن ~~الله، لإثبات الحجة، ونفي الشبهة، وكان الشيطان يسترق الكلمة الواحدة من ~~خبر السماء بما يحدث من الله في خلقه فيختطفها، ثم يهبط بها إلى الأرض، ~~فيقذفها إلى الكاهن، فإذا قد زاد كلمات من عنده، فيخلط الحق بالباطل، فما ~~أصاب الكاهن من خبر مما كان يخبر به فهو ما أداه إليه الشيطان لما سمعه، ~~وما أخطأ فيه فهو من باطل ما زاد فيه، فمنذ منعت الشياطين عن استراق السمع ~~انقطعت ms355 الكهانة، واليوم إنما تؤدي الشياطين إلى كهانها أخبارا للناس بما ~~يتحدثون به، وما يحدثونه، والشياطين تؤدي إلى الشياطين ما يحدث في البعد من ~~الحوادث، من سارق سرق ومن قاتل قتل، ومن غائب غاب، وهم بمنزلة الناس أيضا، ~~صدوق وكذوب. # قال: وكيف صعدت الشياطين إلى السماء وهم أمثال الناس في الخلقة والكثافة ~~وقد كانوا يبنون لسليمان بن داود عليهما السلام من البناء ما يعجز عنه ولد ~~آدم؟ # قال: غلظوا لسليمان كما سخروا وهم خلق رقيق، غذائهم النسيم، والدليل على ~~كل ذلك صعودهم إلى السماء لاستراق السمع، ولا يقدر الجسم الكثيف على ~~الارتقاء إليها بسلم أو بسبب. # قال: فأخبرني عن السحر ما أصله، وكيف يقدر الساحر على ما يوصف ~~PageV02P081 # من عجائبه، وما يفعل؟ # قال: إن السحر على وجوه شتى: # وجه منها بمنزلة الطب، كما أن الأطباء وضعوا لكل داء دواء، فكذلك علم ~~السحر، احتالوا لكل صحة آفة، ولكل عافية عاهة، ولكل معنى حيلة. # ونوع آخر منه خطفة وسرعة، ومخاريق وخفة ونوع آخر ما يأخذ أولياء الشياطين ~~عنهم. # قال: فمن أين علم الشياطين السحر؟ # قال: من حيث عرف الأطباء الطلب، بعضه تجربة، وبعضه علاج. # قال: فما تقول في الملكين هاروت وماروت؟ وما يقول الناس بأنهما يعلمان ~~الناس السحر؟ # قال: إنهما موضع ابتلاء، وموقع فتنة، تسبيحهما: اليوم لو فعل الإنسان كذا ~~وكذا لكان كذا وكذا، ولو يعالج بكذا وكذا لكان كذا، أصناف السحر فيتعلمون ~~منهما ما يخرج عنهما، فيقولان لهم إنما نحن فتنة فلا تأخذوا عنا ما يضركم ~~ولا ينفعكم. # قال: أفيقدر الساحر أن يجعل الإنسان بسحره في صورة الكلب أو الحمار أو ~~غير ذلك؟ # قال: هو أعجز من ذلك، وأضعف من أن يغير خلق الله، إن من أبطل ما ركبه ~~الله وصوره وغيره فهو شريك الله في خلقه، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا لو ~~قدر الساحر على ما وصفت لدفع عن نفسه الهرم والآفة والأمراض، ولنفى البياض ~~عن رأسه، والفقر عن ساحته، وأن من أكبر السحر النميمة، يفرق بها بين ~~المتحابين، ويجلب ms356 العداوة على المتصافيين، ويسفك بها الدماء، ويهدم بها ~~الدور ويكشف بها الستور، والنمام أشر من وطئ الأرض بقدم، فاقرب أقاويل ~~السحر من الصواب أنه بمنزلة الطب، إن الساحر عالج الرجل فامتنع من مجامعة ~~النساء فجاء الطبيب فعالجه بغير ذلك العلاج فأبرء. PageV02P082 # قال: فما بال ولد آدم فيهم شريف ووضيع؟ # قال: الشريف المطيع، والوضيع العاصي. # قال: أليس فيهم فاضل ومفضول؟ # قال: إنما يتفاضلون بالتقوى. # قال: فتقول أن ولد آدم كلهم سواء في الأصل لا يتفاضلون إلا بالتقوى؟ # قال: نعم. أني وجدت أصل الخلق التراب، والأب آدم، والأم حواء، خلقهم إله ~~واحد، وهم عبيده، إن الله عز وجل اختار من ولد آدم أناسا طهر ميلادهم، وطيب ~~أبدانهم، وحفظهم في أصلاب الرجال وأرحام النساء، أخرج منهم الأنبياء ~~والرسل، فهم أزكى فروع آدم، فعل ذلك لأمر استحقوه من الله عز وجل. ولكن علم ~~الله منهم حين ذرأهم أنهم يطيعونه ويعبدونه ولا يشركون به شيئا، فهؤلاء ~~بالطاعة نالوا من الله الكرامة والمنزلة الرفيعة عنده، وهؤلاء الذين لهم ~~الشرف والفضل والحسب، وساير الناس سواء، إلا من اتقى الله أكرمه، ومن أطاعه ~~أحبه، ومن أحبه لم يعذبه بالنار. # قال: فأخبرني عن الله عز وجل كيف لم يخلق الخلق كلهم مطيعين موحدين وكان ~~على ذلك قادرا؟ # قال عليه السلام: لو خلقهم مطيعين، لم يكن لهم ثواب، لأن الطاعة إذا ما ~~كانت فعلهم لم يكن جنة ولا نارا، ولكن خلق خلقه فأمرهم بطاعته، ونهاهم عن ~~معصيته واحتج عليهم برسله، وقطع عذرهم بكتبه، ليكونوا هم الذين يطيعون ~~ويعصون ويستوجبون بطاعتهم له الثواب، وبمعصيتهم إياه العقاب. # قال: فالعمل الصالح من العبد هو فعله، والعمل الشر من العبد هو فعله؟ # قال: العمل الصالح من العبد بفعله، والله به أمره، والعمل الشر من العبد ~~بفعله، والله عنه نهاه. # قال: أليس فعله بالآلة التي ركبها فيه؟ # قال: نعم. ولكن بالآلة التي عمل بها الخبر، قدر على الشر الذي نهاه عنه ~~PageV02P083 # قال: فإلى العبد من الأمر شئ؟ # قال: ما نهاه الله عن شئ إلا وقد ms357 علم أنه يطيق تركه، ولا أمره بشئ إلا ~~وقد علم أنه يستطيع فعله، لأنه ليس من صفة الجور، والبعث، والظلم، وتكليف ~~العباد ما لا يطيقون. # قال: فمن خلقه الله كافرا أيستطيع الإيمان وله عليه بتركه الإيمان حجة. # قال عليه السلام: إن الله خلق خلقه جميعا مسلمين، أمرهم ونهاهم، والكفر ~~اسم يلحق الفعل حين يفعله العبد، ولم يخلق الله العبد حين خلقه كافرا، إنه ~~إنما كفر من بعد أن بلغ وقتا لزمته الحجة من الله، فعرض عليه الحق فجحده ~~فبإنكاره الحق صار كافرا. # قال: أفيجوز أن يقدر على العبد الشر، ويأمره بالخير وهو لا يستطيع الخير ~~أن يعمله، ويعذبه عليه. # قال: إنه لا يليق بعدل الله ورأفته أن يقدر على العبد الشر ويريده منه، ~~ثم يأمره بما يعلم أنه لا يستطيع أخذه، والإنزاع عما لا يقدر على تركه، ثم ~~يعذبه على أمره الذي علم أنه لا يستطيع أخذه. # قال: بماذا استحق الذين أغناهم وأوسع عليهم من رزقه الغناء والسعة، ~~وبماذا استحق الفقير التقتير والتضييق. # قال: اختبر الأغنياء بما أعطاهم لينظر كيف شكرهم، والفقراء بما منعهم ~~لينظر كيف صبرهم، ووجه آخر: أنه عجل لقوم في حياتهم، ولقوم أخر ليوم حاجتهم ~~إليه، ووجه آخر فإنه علم احتمال كل قوم فأعطاهم على قدر احتمالهم ولو كان ~~الخلق كلهم أغنياء لخربت الدنيا، وفسد التدبير، وصار أهلها إلى الفناء ولكن ~~جعل بعضهم لبعض عونا، وجعل أسباب أرزاقهم في ضروب الأعمال، وأنواع ~~الصناعات، وذلك أدوم في البقاء، وأصح في التدبير، ثم اختبر الأغنياء ~~بالاستعطاف على الفقراء، كل ذلك لطف ورحمة من الحكيم الذي لا يعاب تدبيره. # قال: فيما استحق الطفل الصغير ما يصيبه من الأوجاع والأمراض بلا ذنب ~~PageV02P084 # عمله، ولا جرم سلف منه. # قال: إن المرض على وجوه شتى: مرض بلوى، ومرض عقوبة، ومرض جعل علة للفناء، ~~وأنت تزعم أن ذلك من أغذية ردية، وأشربة وبية، أو من علة كانت بأمه، وتزعم ~~أن من أحسن السياسة لبدنه، وأجمل النظر في أحوال نفسه وعرف الضار مما يأكل ~~من ms358 النافع، لم يمرض، وتميل في قولك إلى من يزعم: # أنه لا يكون المرض والموت إلا من المطعم والمشرب! قد مات أرسطا طاليس ~~معلم الأطباء، وإفلاطون رئيس الحكماء، وجالينوس شاخ ودق بصره، وما دفع ~~الموت حين نزل بساحته، ولم يألوا حفظ أنفسهم، والنظر لما يوافقها، كم مريضا ~~قد زاده المعالج سقما، وكم من طبيب عالم، وبصير بالأدواء والأدوية ماهر مات ~~وعاش الجاهل بالطب بعده زمانا. فلا ذاك نفعه علمه بطبه عند انقطاع مدته ~~وحضور أجله، ولا هذا ضره الجهل بالطب مع بقاء المدة وتأخر الأجل. # ثم قال عليه السلام: إن أكثر الأطباء قالوا: إن علم الطب لم تعرفه ~~الأنبياء، فما نصنع على قياس قولهم بعلم زعموا ليس تعرفه الأنبياء الذين ~~كانوا حجج الله على خلقه، وأمناءه في أرضه، وخزان علمه، وورثة حكمته، ~~والأدلاء عليه، والدعاة إلى طاعته؟ # ثم إني وجدت أن أكثرهم يتنكب في مذهبه سبل الأنبياء، ويكذب الكتب المنزلة ~~عليهم من الله تبارك وتعالى، فهذا الذي أزهدني في طلبه وحامليه. # قال: فكيف تزهد في قوم وأنت مؤدبهم وكبيرهم؟ # قال عليه السلام: إني رأيت الرجل الماهر في طبه إذا سألته لم يقف على ~~حدود نفسه، وتأليف بدنه، وتركيب أعضائه، ومجرى الأغذية في جوارحه، ومخرج ~~نفسه وحركة لسانه، ومستقر كلامه، ونور بصره، وانتشار ذكره، واختلاف شهواته، ~~وانسكاب عبراته، ومجمع سمعه، وموضع عقله، ومسكن روحه، ومخرج عطسته، وهيج ~~غمومه، وأسباب سروره، وعلة ما حدث فيه من بكم وصمم، وغير ذلك، لم يكن عندهم ~~في ذلك أكثر من أقاويل استحسنوها، وعلل فيما بينهم جوزوها. PageV02P085 # قال: فأخبرني عن الله أله شريك في ملكه، أو مضاد له في تدبيره؟ # قال: لا. # قال: فما هذا الفساد الموجود في العالم. من سباع ضارية، وهوام مخوفة وخلق ~~كثير مشوهة، ودود، وبعوض، وحيات، وعقارب، وزعمت: أنه لا يخلق شيئا إلا ~~لعلة، لأنه لا يعبث؟ # قال: ألست تزعم أن العقارب تنفع من وجه المثانة والحصاة، ولمن يبول في ~~الفراش، وأن أفضل الترياق ما عولج من لحوم الأفاعي، فإن لحومها إذا أكلها ms359 ~~المجذوم بشب نفعه، وتزعم أن الدود الأحمر الذي يصاب تحت الأرض نافع للأكلة؟ # قال: نعم. # قال: عليه السلام: فأما البعوض والبق فبعض سببه أنه جعله أرزاق الطير، ~~وأهان بها جبارا تمرد على الله وتجبر، وأنكر ربوبيته، فسلط الله عليه أضعف ~~خلقه ليريه قدرته وعظمته، وهي البعوض، فدخلت في منخره حتى وصلت إلى دماغه ~~فقتلته، واعلم أنا لو وقعنا على كل شئ خلقه الله تعالى لم خلقه؟ ولأي شئ ~~أنشأه؟ لكنا قد ساويناه في علمه، وعلمنا كلما يعلم، واستغنينا عنه، وكنا ~~وهو في العلم سواء. # قال: فأخبرني هل يعاب شئ من خلق الله وتدبيره؟ # قال: لا. # قال: فإن الله خلق خلقه عزلا، أذلك منه حكمة أم عبث؟ # قال: بل منه حكمة. # قال: غيرتم خلق الله، وجعلتم فعلكم في قطع الغلفة أصوب مما خلق الله لها، ~~وعبتم الأغلف، والله خلقه، ومدحتم الختان وهو فعلكم. أم تقولون أن ذلك من ~~الله كان خطأ غير حكمة؟! # قال: عليه السلام: ذلك من الله حكمة وصواب، غير أنه سن ذلك وأوجبه على ~~خلقه، كما أن المولود إذا خرج من بطن أمه وجدنا سرته متصلة بسرة أمه، ~~PageV02P086 # كذلك خلقها الحكيم فأمر العباد بقطعها، وفي تركها فساد بين للمولود ~~والأم، وكذلك أظفار الإنسان أمر إذا طالت أن تقلم، وكان قادرا يوم دبر خلق ~~الإنسان أن يخلقها خلقة لا تطول، وكذلك الشعر من الشارب والرأس، يطول فيجز، ~~وكذلك الثيران خلقها الله فحولة، وإخصاؤها أوفق، وليس في ذلك عيب في تقدير ~~الله عز وجل. # قال: ألست تقول: يقول الله تعالى: (ادعوني أستجب لكم) وقد نرى المضطر ~~يدعوه فلا يجاب له، والمظلوم يستنصره على عدوه فلا ينصره؟ # قال: ويحك ما يدعوه أحد إلا استجاب له، أما الظالم فدعاؤه مردود إلى أن ~~يتوب إليه، وأما المحق فإنه إذا دعاه استجاب له، وصرف عنه البلاء من حيث لا ~~يعلمه، أو ادخر له ثوابا جزيلا ليوم حاجته إليه، وإن لم يكن الأمر الذي سأل ~~العبد خيرا له إن أعطاه أمسك عنه، والمؤمن العارف بالله ms360 ربما عز عليه أن ~~يدعوه فيما لا يدري أصواب ذلك أم خطأ، وقد يسأل العبد ربه هلاك من لم ينقطع ~~مدته أو يسأل المطر وقتا ولعله أوان لا يصلح فيه المطر، لأنه أعرف بتدبير ~~ما خلق من خلقه، وأشباه ذلك كثيرة فافهم هذا. # قال: اخبرني أيها الحكيم ما بال السماء لا ينزل منها إلى الأرض أحد، ولا ~~يصعد من الأرض إليها بشر، ولا طريق إليها، ولا مسلك، فلو نظر العباد في كل ~~دهر مرة من يصعد إليها وينزل لكان ذلك أثبت في الربوبية، وأنفى للشك وأقوى ~~لليقين، وأجدر أن يعلم العباد أن هناك مدبرا إليه يصعد الصاعد، ومن عنده ~~يهبط الهابط. # قال: إن كل ما ترى في الأرض من التدبير إنما هو ينزل من السماء، ومنها ~~يظهر، أما ترى الشمس منها تطلع، وهي نور النهار، وفيها قوام الدنيا، ولو ~~حبست حار من عليها، وهلك، والقمر منها يطلع، وهو نور الليل، وبه يعلم عدد ~~السنين والحساب، والشهور والأيام، ولو حبس لحار من عليها وفسد التدبير، وفي ~~السماء النجوم التي يهتدى بها في ظلمات البر، والبحر، ومن السماء ينزل ~~الغيث الذي فيه PageV02P087 # حياة كل شئ، من: الزرع، والنبات، والأنعام، وكل الخلق لو حبس عنهم لما ~~عاشوا، والريح لو حبست إياه لفسدت الأشياء جميعا، وتغيرت، ثم الغيم والرعد ~~والبرق والصواعق، كل ذلك إنما هو دليل على أن هناك مدبرا يدبر كل شئ ومن ~~عنده ينزل، وقد كلم الله موسى وناجاه، ورفع الله عيسى بن مريم، والملائكة ~~تتنزل من عنده، غير أنك لا تؤمن بما لم تره بعينك، وفيما تراه بعينك كفاية ~~أن تفهم وتعقل. # قال: فلو أن الله رد إلينا من الأموات في كل مائة عام واحدا لنسأله عن من ~~مضى منا. إلى ما صاروا، وكيف حالهم، وماذا لقوا بعد الموت، وأي شئ صنع بهم، ~~ليعمل الناس على اليقين، واضمحل الشك، وذهب الغل عن القلوب. # قال: إن هذه مقالة من أنكر الرسل وكذبهم، ولم يصدق بما جاءوا به من عند ~~الله، إذ أخبروا ms361 وقالوا: أن الله أخبر في كتابه عز وجل على لسان أنبيائه، ~~حال من مات منا، أفيكون أحد أصدق من الله قولا ومن رسله، وقد رجع إلى ~~الدنيا ممن مات خلق كثير، منهم: (أصحاب الكهف) أماتهم الله ثلاثمائة عام ~~وتسعة ثم بعثهم في زمان قوم أنكروا البعث، ليقطع حجتهم، وليريهم قدرته ~~وليعلموا أن البعث حق، وأمات الله (أرمياء) النبي عليه السلام الذي نظر إلى ~~خراب بيت المقدس وما حوله حين غزاهم بخت نصر وقال: (أنى يحيي هذه الله بعد ~~موتها) (فأماته الله مائة عام ثم أحياه) ونظر إلى أعضائه كيف تلتئم، وكيف ~~تلبس اللحم، وإلى مفاصله وعروقه كيف توصل، فلما استوى قاعدا قال: (أعلم أن ~~الله على كل شئ قدير) وأحيى الله قوما خرجوا عن أوطانهم هاربين من الطاعون، ~~لا يحصى عددهم، وأماتهم الله دهرا طويلا، حتى بليت عظامهم، وتقطعت أوصالهم، ~~وصاروا ترابا، فبعث الله في وقت أحب أن يري خلقه قدرته، نبيا يقال له: ~~(حزقيل) دعاهم فاجتمعت أبدانهم، ورجعت فيها أرواحهم، وقاموا كهيئة يوم ~~ماتوا، لا يفقدون من أعدادهم رجلا، فعاشوا بعد ذلك دهرا طويلا، وأن الله ~~أمات قوما خرجوا مع موسى عليه السلام حين توجه إلى الله فقالوا: (أرنا الله ~~جهرة) PageV02P088 # (فأماتهم الله ثم أحياهم) قال: فأخبرني عمن قال: بتناسخ الأرواح، من أي ~~شئ قالوا ذلك، وبأي حجة قاموا على مذاهبهم. # قال: إن أصحاب التناسخ قد خلفوا ورائهم منهاج الدين، وزينوا لأنفسهم ~~الضلالات، وأمرجوا أنفسهم في الشهوات (1) وزعموا أن السماء خاوية ما فيها ~~شئ مما يوصف، وأن مدبر هذا العالم في صورة المخلوقين، بحجة من روى أن الله ~~عز وجل خلق آدم على صورته، وأنه لا جنة ولا نار، ولا بعث ولا نشور، ~~والقيامة عندهم خروج الروح من قالبه وولوجه في قالب آخر، فإن كان محسنا في ~~القالب الأول أعيد في قالب أفضل منه حسنا في أعلى درجة من الدنيا، وإن كان ~~مسيئا أو غير عارف صار في بعض الدواب المتعبة في الدنيا، أو هوام مشوهة ~~الخلقة وليس عليهم ms362 صوم ولا صلاة، ولا شئ من العبادة أكثر من معرفة من تجب ~~عليهم معرفته، وكل شئ من شهوات الدنيا مباح لهم، من: فروج النساء، وغير ~~ذلك، من الأخوات، والبنات، والخالات، وذوات البعولة، وكذلك الميتة، والخمر، ~~والدم، فاستقبح مقالتهم كل الفرق، ولعنهم كل الأمم، فلما سئلوا الحجة زاغوا ~~وحادوا، فكذب مقالتهم التوراة، ولعنهم الفرقان، وزعموا مع ذلك أن إلههم ~~ينتقل من قالب إلى قالب، وأن الأرواح الأزلية هي التي كانت في آدم، ثم هلم ~~جرا تجري إلى يومنا هذا في واحد بعد آخر، فإذا كان الخالق في صورة المخلوق ~~فبما يستدل على أن أحدهما خالق صاحبه؟! وقالوا: أن الملائكة من ولد آدم كل ~~من صار في أعلى درجة من دينهم خرج من منزلة الامتحان والتصفية فهو ملك ~~فطورا تخالهم نصارى في أشياء، وطورا دهرية يقولون: أن الأشياء على غير ~~الحقيقة، فقد كان يجب عليهم أن لا يأكلوا شيئا من اللحمان، لأن الذرات ~~عندهم كلها من ولد آدم حولوا من صورهم، فلا يجوز أكل لحوم القربات. # PageV02P089 # قال: ومن زعم أن الله لم يزل، ومعه طينة مؤذية، فلم يستطع التفصي منها ~~(1) إلا بامتزاجه بها ودخوله فيها، فمن تلك الطينة خلق الأشياء! # قال: سبحان الله وتعالى! ما أعجز إله يوصف بالقدرة، لا يستطيع التفصي من ~~الطينة! إن كانت الطينة حية أزلية، فكانا إلهين قديمين فامتزجا ودبرا ~~العالم من أنفسهما، فإن كان ذلك كذلك، فمن أين جاء الموت والفناء؟ وإن كانت ~~الطينة ميتة فلا بقاء للميت مع الأزلي القديم، والميت لا يجئ منه حي، وهذه ~~مقالة الديصانية، أشد الزنادقة قولا، وأمهنهم مثلا، نظروا في كتب قد صنفتها ~~أوائلهم، وحبروها بألفاظ مزخرفة من غير أصل ثابت، ولا حجة توجب إثبات ما ~~ادعوا، كل ذلك خلافا على الله وعلى رسله، بما جاءوا عن الله، فأما من زعم ~~أن الأبدان ظلمة، والأرواح نور، وأن النور لا يعمل الشر، والظلمة لا تعمل ~~الخير، فلا يجب عليهم أن يلوموا أحدا على معصية، ولا ركوب حرمة ولا إتيان ~~فاحشة وأن ذلك ms363 عن الظلمة غير مستنكر، لأن ذلك فعلها، ولا له أن يدعو ربا، ~~ولا يتضرع إليه، لأن النور الرب، والرب لا يتضرع إلى نفسه، ولا يستعبد ~~بغيره، ولا لأحد من أهل هذه المقالة أن يقول: (أحسنت) يا محسن أو (أسأت) ~~لأن الإسائة من فعل الظلمة، وذلك فعلها، والإحسان من النور، ولا يقول النور ~~لنفسه أحسنت يا محسن، وليس هناك ثالث، وكانت الظلمة على قياس قولهم، أحكم ~~فعلا، وأتقن تدبيرا، وأعز أركانا من النور، لأن الأبدان محكمة، فمن صور هذا ~~الخلق صورة واحدة على نعوت مختلفة، وكل شئ يرى ظاهرا من الزهر، والأشجار ~~والثمار، والطير، والدواب، يجب أن يكون إلها، ثم حبست النور في حبسها ~~والدولة لها، وأما ما ادعوا بأن العاقبة سوف تكون للنور، فدعوى، وينبغي على ~~قياس قولهم أن لا يكون للنور فعل، لأنه أسير، وليس له سلطان، فلا فعل له ~~ولا تدبير، وإن كان له مع الظلمة تدبير، فما هو بأسير، بل هو مطلق عزيز، ~~فإن لم يكن كذلك، وكان أسير الظلمة، فإنه يظهر في هذا العالم إحسان، # PageV02P090 # وجامع فساد وشر، فهذا يدل على أن الظلمة تحسن الخير وتفعله، كما تحسن ~~الشر وتفعله، فإن قالوا محال ذلك، فلا نور يثبت ولا ظلمة، وبطلت دعواهم، ~~ورجع الأمر إلى أن الله واحد وما سواه باطل، فهذه مقالة ماني الزنديق ~~وأصحابه. # وأما من قال: النور والظلمة بينهما حكم، فلا بد من أن يكون أكبر الثلاثة ~~الحكم، لأنه لا يحتاج إلى الحاكم إلا مغلوب أو جاهل أو مظلوم، وهذه مقالة ~~المانوية والحكاية عنهم تطول. # قال: فما قصة ماني؟ # قال: متفحص أخذ بعض المجوسية فشابها ببعض النصرانية، فأخطأ الملتين ولم ~~يصب مذهبا واحدا منهما، وزعم أن العالم دبر من إلهين، نور وظلمة، وأن النور ~~في حصار من الظلمة على ما حكينا منه، فكذبته النصارى، وقبلته المجوس. # قال: فأخبرني عن المجوس أفبعث الله إليهم نبيا؟ فإني أجد لهم كتبا محكمة ~~ومواعظ بليغة، وأمثالا شافية، يقرون بالثواب والعقاب، ولهم شرايع يعملون ~~بها. # قال عليه السلام: ما ms364 من أمة إلا خلا فيها نذير، وقد بعث إليهم نبي بكتاب ~~من عند الله، فأنكروه. وجحدوا كتابه. # قال: ومن هو فإن الناس يزعمون أنه خالد بن سنان؟ # قال عليه السلام: إن خالدا كان عربيا بدويا، ما كان نبيا، وإنما ذلك شئ ~~يقوله الناس. # قال: أفزردشت؟ # قال: إن زردشت أتاهم بزمزمة، وادعى النبوة، فآمن منهم قوم وجحده قوم، ~~فأخرجوه فأكلته السباع في برية من الأرض. # قال: فأخبرني عن المجوس كانوا أقرب إلى الصواب في دهرهم، أم العرب؟ # قال: العرب في الجاهلية، كانت أقرب إلى الدين الحنيفي من المجوس وذلك أن ~~المجوس كفرت بكل الأنبياء، وجحدت كتبهم، وأنكرت براهينهم، ولم تأخذ بشئ من ~~سننهم، وآثارهم، وأن كيخسرو ملك المجوس في الدهر الأول PageV02P091 # قتل ثلاثمائة نبي، وكانت المجوس لا تغتسل من الجنابة، والعرب كانت تغتسل ~~والاغتسال من خالص شرايع الحنيفية، وكانت المجوس لا تختن، وهو من سنن ~~الأنبياء، وأول من فعل ذلك إبراهيم خليل الله، وكانت المجوس لا تغسل موتاها ~~ولا تكفنها، وكانت العرب تفعل ذلك، وكانت المجوس ترمي الموتى في الصحارى ~~والنواويس، والعرب تواريها في قبورها وتلحدها، وكذلك السنة على الرسل، إن ~~أول من حفر له قبر آدم أبو البشر، وألحد له لحد، وكانت المجوس تأتي الأمهات ~~وتنكح البنات والأخوات، وحرمت ذلك العرب، وأنكرت المجوس بيت الله الحرام ~~وسمته بيت الشيطان، والعرب كانت تحجه وتعظمه، وتقول: بيت ربنا، وتقر ~~بالتوراة والإنجيل، وتسأل أهل الكتب وتأخذ، وكانت العرب في كل الأسباب أقرب ~~إلى الدين الحنيفية من المجوس. # قال: فإنهم احتجوا بإتيان الأخوات أنها سنة من آدم. # قال: فما حجتهم في إتيان البنات والأمهات، وقد حرم ذلك آدم، وكذلك نوح ~~وإبراهيم وموسى وعيسى، وسائر الأنبياء، وكل ما جاء عن الله عز وجل. # قال: ولم حرم الله الخمر ولا لذة أفضل منها؟ # قال: حرمها لأنها أم الخبائث، وأس كل شر، يأتي على شاربها ساعة يسلب لبه، ~~ولا يعرف ربه، ولا يترك معصية إلا ركبها، ولا حرمة إلا انتهكها ولا رحم ~~ماسة إلا قطعها، ولا فاحشة ms365 إلا أتاها، والسكران زمامه بيد الشيطان، إن أمره ~~أن يسجد للأوثان سجد، وينقاد حيث ما قاده. # قال: فلم حرم الدم المسفوح؟ # قال: لأنه يورث القساوة، ويسلب الفؤاد رحمته، ويعفن البدن ويغير اللون ~~وأكثر ما يصيب الإنسان الجذام يكون من أكل الدم. # قال: فأكل الغدد؟ # قال: يورث الجذام. # قال: فالميتة لم حرمها؟ PageV02P092 # قال: فرقا بينها وبين ما يذكى ويذكر اسم الله عليه، والميتة قد جمد فيها ~~الدم، وتراجع إلى بدنها، فلحمها ثقيل غير مرئ، لأنها يؤكل لحمها بدمها. # قال: فالسمك ميتة؟ # قال: إن السمك ذكاته إخراجه حيا من الماء، ثم يترك حتى يموت من ذات نفسه، ~~وذلك أنه ليس له دم، وكذلك الجراد. # قال: فلم حرم الزنا؟ # قال: لما فيه من الفساد، وذهاب المواريث، وانقطاع الأنساب، لا تعلم ~~المرأة في الزنا من أحبلها، ولا المولود يعلم من أبوه، ولا أرحام موصولة، ~~ولا قرابة معروفة. # قال: فلم حرم اللواط؟ # قال: من أجل أنه لو كان إتيان الغلام حلالا لاستغنى الرجال عن النساء ~~وكان فيه قطع النسل، وتعطيل الفروج، وكان في إجازة ذلك فساد كثير. # قال: فلم حرم إتيان البهيمة؟ # قال: كره أن يضيع الرجل ماءه، ويأتي غير شكله، ولو أباح ذلك لربط كل رجل ~~أتانا يركب ظهرها ويغشى فرجها، وكان يكون في ذلك فساد كثير، فأباح ظهورها، ~~وحرم عليهم فروجها، وخلق للرجال النساء ليأنسوا بهن ويسكنوا إليهن، ويكن ~~مواضع شهواتهم، وأمهات أولادهم. # قال: فما علة الغسل من الجنابة، وأن ما أتى حلالا وليس في الحلال تدنيس؟ # قال عليه السلام: إن الجنابة بمنزلة الحيض، وذلك أن النطفة دم لم يستحكم ~~ولا يكون الجماع إلا بحركة شديدة، وشهوة غالبة، فإذا فرغ تنفس البدن، ووجد ~~الرجل من نفسه رائحة كريهة، فوجب الغسل لذلك، وغسل الجنابة مع ذلك أمانة ~~ائتمن الله عليها عبيده ليختبرهم بها. # قال: أيها الحكيم! فما تقول فيمن زعم أن هذا التدبير الذي يظهر في العالم ~~تدبير النجوم السبعة؟ PageV02P093 # قال عليه السلام: يحتاجون إلى دليل، أن هذا العالم الأكبر والعالم الأصغر ~~من تدبير ms366 النجوم التي تسبح في الفلك، وتدور حيث دارت، متعبة لا تفتر، ~~وسائرة لا تقف. # ثم قال: وأن لكل نجم منها موكل مدبر، فهي بمنزلة العبيد المأمورين ~~المنهيين فلو كانت قديمة أزلية لم تتغير من حال إلى حال. # قال: فمن قال بالطبايع؟ # قال: القدرية، فذلك قول من لم يملك البقاء، ولا صرف الحوادث، وغيرته ~~الأيام والليالي، لا يرد الهرم، ولا يدفع الأجل، وما يدري ما يصنع به. # قال: فأخبرني عمن يزعم أن الخلق لم يزل يتناسلون ويتوالدون، ويذهب قرن ~~ويجئ قرن، وتفنيهم الأمراض والأعراض، وصنوف الآفات، ويخبرك الآخر عن الأول، ~~وينبئك الخلف عن السلف، والقرون عن القرون، أنهم وجدوا الخلق على هذا الوصف ~~بمنزلة الشجر والنبات في كل دهر يخرج منه حكيم عليم بمصلحة الناس، بصير ~~بتأليف الكلام، ويصنف كتابا قد حبره بفطنته، وحسنه بحكمته، قد جعله حاجزا ~~بين الناس، يأمرهم بالخير ويحثهم عليه، وينهاهم عن السوء والفساد، ويزجرهم ~~عنه، لئلا يتهارشوا، ولا يقتل بعضهم بعضا. # قال عليه السلام: ويحك إن من خرج من بطن أمه أمس، ويرحل عن الدنيا غدا لا ~~علم له بما كان قبله، ولا ما يكون بعده، ثم إنه لا يخلو الإنسان من أن يكون ~~خلق نفسه، أو خلقه غيره، أو لم يزل موجودا، فما ليس بشئ ليس يقدر أن يخلق ~~شيئا وهو ليس بشئ، وكذلك ما لم يكن فيكون شيئا، يسئل فلا يعلم كيف كان ~~ابتداؤه، ولو كان الإنسان أزليا لم تحدث فيه الحوادث، لأن الأزلي لا تغيره ~~الأيام، ولا يأتي عليه الفناء، مع أنا لم نجد بناء من غير بان، ولا أثرا من ~~غير مؤثر، ولا تأليفا من غير مؤلف، فمن زعم أن أباه خلقه، قيل: فمن خلق ~~أباه، ولو أن الأب هو الذي خلق ابنه، لخلقه على شهوته، وصوره على محبته، ~~ولملك حياته، ولجاز فيه حكمه، ولكنه إن مرض فلم ينفعه، وإن مات فعجز ~~PageV02P094 # عن رده، إن من استطاع أن يخلق خلقا وينفخ فيه روحا حتى يمشي على رجليه ~~سويا، يقدر أن يدفع عنه ms367 الفساد. # قال: فما تقول في علم النجوم؟ # قال: هو علم قلت منافعه، وكثرت مضراته، لأنه لا يدفع به المقدور، ولا ~~يتقى به المحذور، إن خبر المنجم بالبلاء لم ينجه التحرز من القضاء، وإن ~~أخبر هو بخير لم يستطع تعجيله، وإن حدث به سوء لم يمكنه صرفه، والمنجم يضاد ~~الله في علمه، بزعمه أن يرد قضاء الله عن خلقه. # قال: فالرسول أفضل أم الملك المرسل إليه؟ # قال: بل الرسول أفضل. # قال: فما علة الملائكة الموكلين بعباده، يكتبون عليهم ولهم، والله عالم ~~السر وما هو أخفى، قال: استعبدهم بذلك، وجعلهم شهودا على خلقه، ليكون ~~العباد لملازمتهم إياهم أشد على طاعة الله مواظبة، وعن معصيته أشد انقباضا، ~~وكم من عبد يهم بمعصيته فذكر مكانهما فارعوى وكف، فيقول ربي يراني، وحفظتي ~~علي بذلك تشهد، وأن الله برأفته ولطفه أيضا وكلهم بعباده، يذبون عنهم مردة ~~الشيطان، وهوام الأرض، وآفات كثيرة من حيث لا يرون بإذن الله إلى أن يجئ ~~أمر الله. # قال: فخلق الخلق للرحمة أم للعذاب؟ # قال: خلقهم للرحمة، وكان في علمه قبل خلقه إياهم، أن قوما منهم يصيرون ~~إلى عذابه بأعمالهم الردية، وجحدهم به. # قال: يعذب من أنكر فاستوجب عذابه بإنكاره، فبم يعذب من وحده وعرفه؟ # قال: يعذب المنكر لإلهيته عذاب الأبد، ويعذب المقر به عذاب عقوبة لمعصيته ~~إياه فيما فرض عليه، ثم يخرج، ولا يظلم ربك أحدا. # قال: فبين الكفر والإيمان منزلة؟ # قال عليه السلام: لا. PageV02P095 # قال: فما الإيمان وما الكفر؟ # قال عليه السلام: الإيمان: أن يصدق الله فيما غاب عنه من عظمة الله، ~~كتصديقه بما شاهد من ذلك وعاين، والكفر: الجحود. # قال: فما الشرك وما الشك؟ # قال عليه السلام: الشرك هو: أن يضم إلى الواحد الذي ليس كمثله شئ آخر ~~والشك: ما لم يعتقد قلبه شيئا. # قال: أفيكون العالم جاهلا؟ # قال عليه السلام: عالم بما يعلم، وجاهل بما يجهل. # قال: فما السعادة وما الشقاوة؟ # قال: السعادة: سبب الخير، تمسك به السعيد فيجره إلى النجاة، والشقاوة سبب ~~خذلان، تمسك به الشقي فيجره ms368 إلى الهلكة، وكل بعلم الله. # قال: أخبرني عن السراج إذا انطفى أين يذهب نوره؟ # قال عليه السلام: يذهب فلا يعود. # قال: فما أنكرت أن يكون الإنسان مثل ذلك إذا مات وفارق الروح البدن، لم ~~يرجع إليه أبدا كما لا يرجع ضوء السراج إليه أبدا إذا انطفى؟ # قال: لم تصب القياس، إن النار في الأجسام كامنة، والأجسام قائمة بأعيانها ~~كالحجر والحديد، فإذا ضرب أحدهما بالآخر، سقطت من بينهما بار، تقتبس منها ~~سراج، له ضوء، فالنار ثابت في أجسامها، والضوء ذاهب، والروح: جسم رقيق، قد ~~ألبس قالبا كثيفا، وليس بمنزلة السراج الذي ذكرت، أن الذي خلق في الرحم ~~جنينا من ماء صاف، وركب فيه ضروبا مختلفة: من عروق، وعصب وأسنان، وشعر، ~~وعظام، وغير ذلك، هو يحييه بعد موته، ويعيده بعد فنائه. # قال: فأين الروح؟ # قال: في بطن الأرض حيث مصرع البدن إلى وقت البعث. # قال: فمن صلب فأين روحه؟ PageV02P096 # قال: في كف الملك الذي قبضها حتى يودعها الأرض. # قال: فأخبرني عن الروح أغير الدم؟ # قال: نعم. الروح على ما وصفت لك: مادتها من الدم، ومن الدم رطوبة الجسم، ~~وصفاء اللون، وحسن الصوت، وكثرة الضحك، فإذا جمد الدم فارق الروح البدن. # قال: فهل يوصف بخفة وثقل ووزن؟ # قال: الروح بمنزلة الريح في الزق، إذا نفخت فيه امتلأ الزق منها، فلا ~~يزيد في وزن الزق ولوجها فيه، ولا ينقصها خروجها منه، كذلك الروح ليس لها ~~ثقل ولا وزن. # قال: فأخبرني ما جوهر الريح؟ # قال: الريح هواء إذا تحرك يسمى ريحا، فإذا سكن يسمى هواء، وبه قوام ~~الدنيا، ولو كفت الريح ثلاثة أيام لفسد كل شئ على وجه الأرض ونتن، وذلك أن ~~الريح بمنزلة المروحة، تذب وتدفع الفساد عن كل شئ وتطيبه، فهي بمنزلة الروح ~~إذا خرج عن البدن نتن البدن وتغير، وتبارك الله أحسن الخالقين. # قال: أفتتلاشى الروح بعد خروجه عن قالبه أم هو باق؟ # قال: بل هو باق إلى وقت ينفخ في الصور، فعند ذلك تبطل الأشياء، وتفنى فلا ~~حس ولا محسوس، ثم ms369 أعيدت الأشياء كما بدأها مدبرها، وذلك أربعمائة سنة يسبت ~~فيها الخلق، وذلك بين النفختين. # قال: وأنى له بالبعث والبدن قد بلى، والأعضاء قد تفرقت، فعضو ببلدة ~~يأكلها سباعها، وعضو بأخرى تمزقه هوامها، وعضو قد صار ترابا بني به مع ~~الطين حائط؟ # قال: إن الذي أنشأه من غير شئ، وصوره على غير مثال كان سبق إليه، قادر أن ~~يعيده كما بدأه. # قال: أوضح لي ذلك! PageV02P097 # قال: إن الروح مقيمة في مكانها، روح المحسن في ضياء وفسحة، وروح المسئ في ~~ضيق وظلمة، والبدن يصير ترابا كما منه خلق، وما تقذف به السباع والهوام من ~~أجوافها، مما أكلته ومزقته كل ذلك في التراب. محفوظ عند من لا يعزب عنه ~~مثقال ذرة في ظلمات الأرض، ويعلم عدد الأشياء ووزنها، وأن تراب الروحانيين ~~بمنزلة الذهب في التراب، فإذا كان حين البعث مطرت الأرض مطر النشور، فتربو ~~الأرض ثم تمخضوا مخض السقاء، فيصير تراب البشر كمصير الذهب من التراب إذا ~~غسل بالماء، والزبد من اللبن إذا مخض، فيجتمع تراب كل قالب إلى قالبه، ~~فينتقل بإذن الله القادر إلى حيث الروح، فتعود الصور بإذن المصور كهيئتها، ~~وتلج الروح فيها، فإذا قد استوى لا ينكر من نفسه شيئا. # قال: فأخبرني عن الناس يحشرون يوم القيامة عراة؟ # قال: بل يحشرون في أكفانهم. # قال: أنى لهم بالأكفان وقد بليت؟! # قال: إن الذي أحيا أبدانهم جدد أكفانهم. # قال: فمن مات بلا كفن؟ # قال: يستر الله عورته بما يشاء من عنده. # قال: أفيعرضون صفوفا؟ # قال عليه السلام: نعم. هم يومئذ عشرون ومائة ألف صف في عرض الأرض. # قال: أوليس توزن الأعمال؟ # قال: لا إن الأعمال ليست بأجسام، وإنما هي صفة ما عملوا، وإنما يحتاج إلى ~~وزن الشئ من جهل عدد الأشياء، ولا يعرف ثقلها أو خفتها، وأن الله لا يخفى ~~عليه شئ. # قال: فما معنى الميزان؟ # قال عليه السلام: العدل. # قال: فما معناه في كتابه: (فمن ثقلت موازينه)؟ PageV02P098 # قال: فمن رجح عمله. # قال: فأخبرني أوليس في النار مقتنع أن يعذب خلقه بها ms370 دون الحيات ~~والعقارب. # قال: إنما يعذب بها قوما زعموا أنها ليست من خلقه، إنما شريكه الذي ~~يخلقه، فيسلط الله عليهم العقارب والحيات في النار ليذيقهم بها وبال ما ~~كذبوا عليه فجحدوا أن يكون صنعه. # قال: فمن أين قالوا: (أن أهل الجنة يأتي الرجل منهم إلى ثمرة يتناولها ~~فإذا أكلها عادت كهيئتها)؟ # قال: نعم ذلك على قياس السراج يأتي القابس فيقتبس عنه فلا ينقص من ضوئه ~~شيئا، وقد امتلأت الدنيا منه سراجا. # قال: أليسوا يأكلون ويشربون، وتزعم أنه لا يكون لهم الحاجة؟ # قال: بلى. لأن غذائهم رقيق لا ثقل له، بل يخرج من أجسادهم بالعرق. # قال: فكيف تكون الحوراء في جميع ما أتاها زوجها عذراء؟ # قال: لأنها خلقت من الطيب لا يعتريها عاهة، ولا يخالط جسمها آفة. ولا ~~يجري في ثقبها شئ، ولا يدنسها حيض، فالرحم ملتزقة ملدم، إذ ليس فيها لسوى ~~الإحليل مجرى. # قال: فهي تلبس سبعين حلة ويرى زوجها مخ ساقها من وراء حللها وبدنها؟ # قال: نعم. كما يرى أحدكم الدراهم إذا لقيت في ماء صاف قدره قدر رمح. # قال: فكيف تنعم أهل الجنة بما فيه من النعيم، وما منهم أحد إلا وقد فقد ~~ابنه، وأباه، أو حميمه، أو أمه، فإذا افتقدوهم في الجنة لم يشكوا في مصيرهم ~~إلى النار، فما يصنع بالنعيم من يعلم أن حميمه في النار ويعذب؟ # قال عليه السلام: إن أهل العلم قالوا: أنهم ينسون ذكرهم. وقال: بعضهم ~~انتظروا قدومهم، ورجوا أن يكونوا بين الجنة والنار في أصحاب الأعراف. # قال عليه السلام: فأخبرني عن الشمس أين تغيب؟ # قال: إن بعض العلماء قال: إذا انحدرت أسفل القبة دار بها الفلك إلى بطن ~~PageV02P099 # السماء صاعدة أبدا، إلى أن تنحط إلى موضع مطلعها يعني: أنها تغيب في عين ~~حامية ثم تخرق الأرض راجعة إلى موضع مطلعها، فتحير تحت العرش حتى يؤذن لها ~~بالطلوع، ويسلب نورها كل يوم، وتجلل نورا آخر. # قال: فالكرسي أكبر أم العرش؟ # قال: كل شئ خلقه الله في جوف الكرسي ما خلا عرشه فإنه أعظم ms371 من أن يحيط به ~~الكرسي. # قال: فخلق النهار قبل الليل؟ # قال: خلق النهار قبل الليل، والشمس قبل القمر، والأرض قبل السماء ووضع ~~الأرض على الحوت، والحوت في الماء، والماء في صخرة مجوفة، والصخرة على عاتق ~~ملك، والملك على الثرى، والثرى على الريح العقيم، والريح على الهواء ~~والهواء تمسكه القدرة، وليس تحت الريح العقيم إلا الهواء والظلمات، ولا ~~وراء ذلك سعة ولا ضيق، ولا شئ يتوهم، ثم خلق الكرسي فحشاه السماوات والأرض ~~والكرسي أكبر من كل شئ خلقه الله، ثم خلق العرش فجعله أكبر من الكرسي وعن ~~أبان بن تغلب أنه قال: كنت عند أبي عبد الله عليه السلام، إذ دخل عليه رجل ~~من أهل اليمن، فسلم عليه فرد عليه أبو عبد الله، فقال له: مرحبا يا سعد! # فقال الرجل: بهذا الاسم سمتني أمي، وما أقل من يعرفني به، فقال له أبو ~~عبد الله: # صدقت يا سعد المولى! فقال الرجل: جعلت فدك بهذا اللقب كنت القب. فقال أبو ~~عبد الله عليه السلام: لا خير في اللقب، إن الله تبارك وتعالى يقول في ~~كتابه: (ولا تتنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان). # ما صناعتك يا سعد؟ # قال: جعلت فداك! أنا أهل بيت ننظر في النجوم، لا يقال أن باليمن أحدا ~~أعلم بالنجوم منا. # فقال أبو عبد الله: كم يزيد ضوء الشمس على ضوء القمر درجة؟ # فقال اليماني: لا أدري. PageV02P100 # فقال: صدقت. # فقال: فكم ضوء القمر يزيد على ضوء المشتري درجة؟ # قال: اليماني: لا أدري! # فقال أبو عبد الله عليه السلام: صدقت! # قال: فكم يزيد ضوء المشتري على ضوء العطارد درجة؟ # قال اليماني: لا أدري! # فقال أبو عبد الله: صدقت! # قال: فكم ضوء عطارد يزيد درجة على ضوء الزهرة؟ # قال اليماني: لا أدري! # قال أبو عبد الله: صدقت! # قال: فما اسم النجم الذي إذا طلع هاجت الإبل؟ # فقال اليماني: لا أدري! # فقال له أبو عبد الله عليه السلام: صدقت! # قال: فما اسم النجم الذي إذا طلع هاجت البقر؟ # فقال اليماني: لا أدري! # فقال ms372 له أبو عبد الله: صدقت! # قال: فما اسم النجم الذي إذا طلع هاجت الكلاب؟ # فقال اليماني: لا أدري! # فقال له أبو عبد الله: صدقت في قولك لا أدري! فما زحل عندكم في النجوم؟ # فقال اليماني: نجم نحس. # فقال أبو عبد الله عليه السلام: لا تقل هذا فإنه نجم أمير المؤمنين صلوات ~~الله عليه وهو نجم الأوصياء عليهم السلام، وهو النجم الثاقب الذي قال الله ~~تعالى في كتابه. # فقال اليماني: فما معنى الثاقب؟ # فقال: إن مطلعه في السماء السابعة، فإنه ثقب بضوئه حتى أضاء في السماء ~~PageV02P101 # الدنيا، فمن ثم سماه الله النجم الثاقب. # ثم قال: يا أخا العرب أعندكم عالم؟ # فقال اليماني: جعلت فداك إن باليمن قوما ليسوا كأحد من الناس في علمهم. # فقال أبو عبد الله عليه السلام: وما يبلغ من علم عالمهم؟ # فقال اليماني: إن عالمهم ليزجر الطير، ويقفو الأثر في ساعة واحدة مسيرة ~~شهر للراكب المحث. # فقال أبو عبد الله عليه السلام: فإن عالم المدينة أعلم من عالم اليمن. # قال اليماني: وما يبلغ علم عالم المدينة؟ # قال: إن علم عالم المدينة ينتهي إلى أن لا يقفو الأثر، ولا يزجر الطير، ~~ويعلم ما في اللحظة الواحدة مسيرة الشمس، تقطع اثني عشر برجا، واثني عشر ~~برا، واثني عشر بحرا، واثني عشر عالما. # فقال له اليماني: ما ظننت أن أحدا يعلم هذا، وما يدري ما كنهه! # قال: ثم قام اليماني وخرج. # وعن سعيد بن أبي الخضيب (1) قال: دخلت أنا وابن أبي ليلى المدينة، فبينما ~~نحن في مسجد الرسول صلى الله عليه وآله إذ دخل جعفر بن محمد عليه السلام، ~~فقمنا إليه فسألني عن نفسي وأهلي ثم قال: # من هذا معك؟ # فقلت: ابن أبي ليلى قاضي المسلمين! # فقال: نعم. ثم قال له: # أتأخذ مال هذا فتعطيه هذا، وتفرق بين المرء وزوجه، ولا تخاف في هذا أحدا؟ # قال: نعم. # قال: فبأي شئ تقضي؟ # PageV02P102 # قال: بما بلغني عن رسول الله صلى الله عليه وآله، وعن أبي بكر، وعمر. # قال: فبلغك أن رسول الله صلى ms373 الله عليه وآله قال: (أقضاكم علي بعدي)؟ # قال: نعم. # قال: فكيف تقضي بغير قضاء علي عليه السلام، وقد بلغك هذا؟ # قال: فاصفر وجه ابن أبي ليلى ثم قال: التمس مثلا لنفسك، فوالله لا أكلمك ~~من رأسي كلمة أبدا. # وعن الحسين بن زيد (1) عن جعفر الصادق عليه السلام أن رسول الله قال ~~لفاطمة: # يا فاطمة إن الله عز وجل يغضب لغضبك، ويرضى لرضاك. (قال) فقال المحدثون ~~بها (قال): فأتاه ابن جريج فقال: # يا أبا عبد الله حدثنا اليوم حديثا استهزأه الناس. # قال: وما هو؟ # قال: حديث أن رسول الله قال لفاطمة: (إن الله ليغضب لغضبك، ويرضى لرضاك). # (قال): فقال عليه السلام: إن الله ليغضب فيما تروون لعبده المؤمن، ويرضى ~~لرضاه. # فقال: نعم. # قال عليه السلام: فما تنكر أن تكون ابنة رسول الله صلى الله عليه وآله ~~مؤمنة، يرضى الله لرضاها، ويغضب لغضبها. # قال: صدقت! الله أعلم حيث يجعل رسالاته. # PageV02P103 # وعن حفص بن غياث (1) قال: شهدت المسجد الحرام وابن أبي العوجاء (2) يسأل ~~أبا عبد الله عليه السلام عن قوله تعالى: (كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا ~~غيرها ليذوقوا العذاب) ما ذنب الغير؟ # قال: ويحك هي هي وهي غيرها! # قال: فمثل لي ذلك شيئا من أمر الدنيا! # قال: نعم أرأيت لو أن رجلا أخذ لبنة فكسرها، ثم ردها في ملبنها، فهي هي ~~وهي غيرها. # وروي أنه سأل الصادق عليه السلام عن قول الله عز وجل في قصة إبراهيم عليه ~~السلام (قال بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون) قال: ما فعله ~~كبيرهم وما كذب إبراهيم عليه السلام. # قيل: وكيف ذلك؟ # فقال: إنما قال إبراهيم: فاسألوهم إن كانوا ينطقون، فإن نطقوا فكبيرهم ~~فعل، وإن لم ينطقوا فكبيرهم لم يفعل شيئا، فما نطقوا، وما كذب إبراهيم عليه ~~السلام # PageV02P104 # فسئل عن قوله في سورة يوسف: (أيتها العير أنكم لسارقون)؟. # قال: إنهم سرقوا يوسف من أبيه، ألا ترى إنه قال لهم حين قالوا: (ماذا ~~تفقدون قالوا نفقد صواع الملك) ولم يقل سرقتم صواع الملك، إنما سرقوا يوسف ms374 ~~من أبيه، فسئل عن قول إبراهيم: (فنظر نظرة في النجوم فقال إني سقيم). # قال: ما كان إبراهيم سقيما، وما كذب إنما عنى سقيما في دينه أي مرتادا. # وعن عبد المؤمن الأنصاري (1) قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: أن ~~قوما رووا: أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: (اختلاف أمتي رحمة)؟. # فقال: صدقوا. # قلت: إن كان اختلافهم رحمة، فاجتماعهم عذاب؟ # قال: ليس حيث تذهب وذهبوا، إنما أراد قول الله عز وجل: (فلو لا نفر من كل ~~فرقة طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم ~~يحذرون) أمرهم أن ينفروا إلى رسول الله، ويختلفوا إليه، ويتعلموا، ثم ~~يرجعوا إلى قومهم فيعلموهم، إنما أراد اختلافهم في البلدان، لا اختلافا في ~~الدين، إنما الدين واحد. # وروي عنه صلوات الله عليه: أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: ما ~~وجدتم في كتاب الله عز وجل فالعمل لكم به، ولا عذر لكم في تركه، وما لم يكن ~~في كتاب الله عز وجل وكانت في سنة مني فلا عذر لكم في ترك سنتي، وما لم يكن ~~فيه سنة مني فما قال أصحابي فقولوا، إنما مثل أصحابي فيكم كمثل النجوم، ~~بأيها أخذ اهتدي، وبأي أقاويل أصحابي أخذتم اهتديتم، واختلاف أصحابي لكم ~~رحمة. # PageV02P105 # قيل: يا رسول الله من أصحابك؟ قال: أهل بيتي. # قال محمد بن الحسين بن بابويه القمي رضي الله عنه: إن أهل البيت لا ~~يختلفون ولكن يفتون الشيعة بمر الحق، وربما أفتوهم بالتقية، فما يختلف من ~~قولهم فهو للتقية، والتقية رحمة للشيعة، ويؤيد. تأويله رضي الله عنه، أخبار ~~كثيرة. # منها: ما رواه محمد بن سنان، عن نصر الخثعمي (1) قال: سمعت أبا عبد الله ~~يقول: من عرف من أمرنا أن لا نقول إلا حقا فليكتف بما يعلم منا، فإن سمع ~~منا خلاف ما يعلم فليعلم أن ذلك منا دفاع واختيار له. # وعن عمر بن حنظلة: (2) قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام: عن رجلين من ~~أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث، فتحا ms375 كما إلى السلطان أو إلى ~~القضاة أيحل ذلك؟ # قال عليه السلام: من تحاكم إليهم في حق أو باطل فإنما تحاكم إلى الجبت ~~والطاغوت المنهي عنه، وما حكم له به فإنما يأخذ سحتا وإن كان حقه ثابتا له ~~لأنه أخذه بحكم الطاغوت، ومن أمر الله عز وجل أن يكفر به، قال الله عز وجل: # (يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به). # قلت: فكيف يصنعان وقد اختلفا؟ # قال: ينظران من كان منكم ممن قد روى حديثنا، ونظر في حلالنا وحرامنا، ~~وعرف أحكامنا، فليرضيا به حكما، فإني قد جعلته عليكم حاكما، فإذا حكم بحكم ~~ولم يقبله منه فإنما بحكم الله استخف، وعلينا رد، والراد علينا كافر وراد ~~على الله، وهو على حد من الشرك بالله. # PageV02P106 # قلت. فإن كان كل واحد منهما اختار رجلا من أصحابنا، فرضيا أن يكونا ~~الناظرين في حقهما فيما حكما، فإن الحكمين اختلفا في حديثكم؟. # قال: إن الحكم ما حكم به أعدلهما، وأفقههما، وأصدقهما في الحديث، ~~وأورعهما، ولا يلتفت إلى ما حكم به الآخر. # قلت: فإنهما عدلان مرضيان، عرفا بذلك لا يفضل أحدهما صاحبه؟ # قال: ينظر الآن إلى ما كان من روايتهما عنا في ذلك الذي حكما، المجمع ~~عليه بين أصحابك، فيؤخذ به من حكمهما ويترك الشاذ الذي ليس بمشهور عند ~~أصحابك، فإن المجمع عليه لا ريب فيه، وإنما الأمور ثلاث: أمر بين رشده ~~فيتبع، وأمر بين غيه فيجتنب، وأمر مشكل يرد حكمه إلى الله عز وجل وإلى ~~رسوله، حلال بين، وحرام بين، وشبهات تتردد بين ذلك، فمن ترك الشبهات نجا من ~~المحرمات، ومن أخذ بالشبهات ارتكب المحرمات، وهلك من حيث لا يعلم. # قلت: فإن كان الخبران عنكما مشهورين قد رواهما الثقات عنكم؟. # قال ينظر ما وافق حكمه حكم الكتاب والسنة وخالف العامة فيؤخذ به، ويترك ~~ما خالف حكمه حكم الكتاب والسنة ووافق العامة. # قلت: جعلت فداك أرأيت إن كان الفقيهان عرفا حكمه من الكتاب والسنة، ثم ~~وجدنا أحد الخبرين يوافق العامة، والآخر يخالف بأيهما تأخذ من ms376 الخبرين؟. # قال: ينظر إلى ما هم إليه يميلون، فإن ما خالف العامة ففيه الرشاد. # قلت جعلت فداك فإن وافقهم الخبران جميعا؟. # قال: انظروا إلى ما تميل إليه حكامهم وقضاتهم، فاتركوا جانبا وخذوا ~~بغيره. # قلت: فإن وافق حكامهم الخبرين جميعا؟. # قال: إذا كان كذلك فارجه وقف عنده، حتى تلقي إمامك، فإن الوقوف عند ~~الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات، والله هو المرشد. PageV02P107 # جاء هذا الخبر على سبيل التقدير، لأنه قل ما يتفق في الأثر أن يرد خبران ~~مختلفان في حكم من الأحكام، موافقين للكتاب والسنة، وذلك مثل غسل الوجه ~~واليدين في الوضوء لأن الأخبار جاءت بغسلهما مرة مرة وغسلهما مرتين مرتين، ~~فظاهر القرآن لا يقتضي خلاف ذلك، بل يحتمل كلتا الروايتين، ومثل ذلك يؤخذ ~~في أحكام الشرع. # وأما قوله عليه السلام للسائل ارجه وقف عنده حتى تلقي إمامك، أمره بذلك ~~عند تمكنه من الوصول إلى الإمام، فأما إذا كان غائبا ولا يتمكن من الوصول ~~إليه، والأصحاب كلهم مجمعون على الخبرين، ولم يكن هناك رجحان لروايات ~~أحدهما على الآخر بالكثرة والعدالة، كان الحكم بهما من باب التخيير. # يدل على ما قلنا: ما روي عن الحسن بن الجهم (1) عن الرضا عليه السلام: ~~قال: قلت للرضا عليه السلام: تجيئنا الأحاديث عنكم مختلفة؟. # قال: ما جاءك عنا فقسه على كتاب الله عز وجل وأحاديثنا، فإن كان يشبهما ~~فهو منا وإن لم يشبهما فليس منا. # قلت: يجيئنا الرجلان وكلاهما ثقة، بحديثين مختلفين، فلا نعلم أيهما الحق. # فقال: إذا لم تعلم فموسع عليك بأيهما أخذت. # وما رواه الحرث بن المغيرة (2) عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا ~~سمعت # PageV02P108 # من أصحابك الحديث وكلهم ثقة، فموسع عليك حتى ترى القائم فترده عليه. # وروى سماعة بن مهران (1) قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام قلت: يرد ~~علينا حديثان، واحد يأمرنا بالأخذ به، والآخر به ينهانا عنه؟. # قال: لا تعمل بواحد منهما حتى تلقي صاحبك فتسأله عنه. # قال: قلت: لا بد من أن نعمل بأحدهما. # قال: خذ بما فيه خلاف ms377 العامة، فقد أمر عليه السلام بترك ما وافق العامة، ~~لأنه يحتمل أن يكون قد ورد مورد التقية، وما خالفهم لا يحتمل ذلك. # وروي عنهم عليهم السلام أيضا أنهم قالوا: إذا اختلف أحاديثنا عليكم فخذوا ~~بما اجتمعت عليه شيعتنا، فإنه لا ريب فيه، وأمثال هذه الأخبار كثيرة لا ~~يحتمل ذكرها هنا، وما أردناه عارض ليس هنا موضعه. # PageV02P109 # وعن بشير بن يحيى العامري (1) عن ابن أبي ليلى (2) قال: دخلت أنا # PageV02P110 # والنعمان أبو حنيفة (1) على جعفر بن محمد، فرحب بنا فقال. # PageV02P111 # يا بن أبي ليلى من هذا الرجل؟ # فقلت: جعلت فداك من أهل الكوفة له رأي وبصيرة ونفاذ. # قال: فلعله الذي يقيس الأشياء برأيه؟ # ثم قال: يا نعمان! هل تحسن أن تقيس رأسك؟ # قال: لا. # قال: ما أراك تحسن أن تقيس شيئا فهل عرفت الملوحة في العينين، والمرارة ~~في الأذنين والبرودة في المنخرين، والعذوبة في الفم؟ قال: لا. # قال: فهل عرفت كلمة أولها كفر وآخرها إيمان؟. # قال: لا. قال ابن أبي ليلى: قلت: جعلت فداك لا تدعنا في عمياء مما وصفت. # قال: نعم حدثني أبي عن آبائه عليهم السلام أن رسول الله قال: إن الله خلق ~~عيني ابن آدم شحمتين، فجعل فيها الملوحة، فلولا ذلك لذابتا، ولم يقع فيهما ~~شئ من القذى إلا أذابه، والملوحة تلفظ ما يقع في العين من القذى، وجعل ~~المرارة في الأذنين حجابا للدماغ، وليس من دابة تقع في الأذن إلا التمست ~~الخروج، ولولا ذلك لوصلت إلى الدماغ فأفسدته وجعل الله البرودة في المنخرين ~~حجابا للدماغ، ولولا ذلك لسال الدماغ وجعل العذوبة في الفم منا من الله ~~تعالى على ابن آدم ليجد لذة الطعام والشراب، وأما كلمة أولها كفر وآخرها ~~إيمان فقول لا إله إلا الله ثم قال: يا نعمان إياك والقياس: فإن أبي حدثني ~~عن آبائه عليهم السلام أن رسول الله قال: من قاس شيئا من الدين برأيه قرنه ~~الله تبارك وتعالى مع إبليس، فإنه أول PageV02P114 # من قاس حيث قال: خلقتني من نار وخلقته من طين، فدعوا الرأي ms378 والقياس فإن ~~دين الله لم يوضع على القياس. # وفي رواية أخرى أن الصادق عليه السلام قال لأبي حنيفة لما دخل عليه: # من أنت؟ # قال أبو حنيفة: # قال عليه السلام: مفتي أهل العراق؟ # قال: نعم. # قال: بما تفتيهم؟ # قال: بكتاب الله. # قال: عليه السلام: وأنك لعالم بكتاب الله، ناسخه ومنسوخه، ومحكمه و ~~متشابهه؟ # قال: نعم. # قال: فأخبرني عن قول الله عز وجل: (وقدرنا فيها السير سيروا فيها ليالي ~~وأياما آمنين أي (1) موضع هو؟ # قال أبو حنيفة: هو ما بين مكة والمدينة، فالتفت أبو عبد الله إلى جلسائه. ~~وقال: # نشدتكم بالله هل تسيرون بين مكة والمدينة ولا تأمنون على دمائكم من ~~القتل، وعلى أموالكم من السرق؟ # فقالوا: اللهم نعم. # فقال أبو عبد الله: ويحك يا أبا حنيفة! إن الله لا يقول إلا حقا أخبرني ~~عن قول الله عز وجل: (ومن دخله كان آمنا) أي (2) موضع هو؟ قال: ذلك # PageV02P115 # بيت الله الحرام، فالتفت أبو عبد الله إلى جلسائه وقال: نشدتكم بالله هل ~~تعلمون: # إن عبد الله بن الزبير وسعيد بن جبير دخلاه فلم يأمنا القتل؟ # قالوا: اللهم نعم. # فقال أبو عبد الله عليه السلام: ويحك يا أبا حنيفة! إن الله لا يقول إلا ~~حقا. # فقال أبو حنيفة: ليس لي علم بكتاب الله، إنما أنا صاحب قياس. # قال أبو عبد الله: فانظر في قياسك إن كنت مقيسا أيما أعظم عند الله القتل ~~أو الزنا؟ # قال: بل القتل. # قال: فكيف رضى في القتل بشاهدين، ولم يرض في الزنا إلا بأربعة؟ ثم قال ~~له: الصلاة أفضل أم الصيام؟ قال: بل الصلاة أفضل. # قال عليه السلام: فيجب على قياس قولك على الحايض قضاء ما فاتها من الصلاة ~~في حال حيضها دون الصيام، وقد أوجب الله تعالى عليها قضاء الصوم دون ~~الصلاة. # قال له: البول أقذر أم المني؟ # قال البول أقذر. # قال عليه السلام: يجب على قياسك أن يجب الغسل من البول دون المني، وقد ~~وجب الله تعالى الغسل من المني دون البول. # قال: إنما أنا صاحب رأي. ms379 # قال عليه السلام: فما ترى في رجل كان له عبد فتزوج وزوج عبده في ليلة ~~واحدة، فدخلا بامرأتيهما في ليلة واحدة ثم سافرا وجعلا امرأتيهما في بيت ~~واحد وولدتا غلامين فسقط البيت عليهم، فقتل المرأتين وبقي الغلامان أيهما ~~في رأيك المالك وأيهما المملوك وأيهما الوارث وأيهما الموروث؟ # قال: إنما أنا صاحب حدود. # قال: فما ترى في رجل أعمى فقأ عين صحيح وأقطع قطع يد رجل، كيف يقام ~~عليهما الحد. PageV02P116 # قال: إنما أنا رجل عالم بمباعث الأنبياء. # قال: فأخبرني عن قول الله لموسى وهارون حين بعثهما إلى فرعون: (لعله ~~يتذكر أو يخشى) (1) ولعل منك شك؟ # قال: نعم. # قال: وكذلك من الله شك إذ قال: (لعله)؟ # قال أبو حنيفة: لا علم لي. # قال عليه السلام: تزعم أنك تفتي بكتاب الله ولست ممن ورثه، وتزعم أنك ~~صاحب قياس وأول من قاس إبليس لعنه الله ولم يبن دين الإسلام على القياس، ~~وتزعم أنك صاحب رأي وكان الرأي من رسول الله صلى الله عليه وآله صوابا، ومن ~~دونه خطأ، لأن الله تعالى قال: # (فاحكم بينهم بما أراك الله) (2) ولم يقل ذلك لغيره، وتزعم أنك صاحب ~~حدود، ومن أنزلت عليه أولى بعلمها منك، وتزعم أنك عالم بمباعث الأنبياء، ~~ولخاتم الأنبياء أعلم بمباعثهم منك، لولا أن يقال: دخل على ابن رسول الله ~~فلم يسأله عن شئ ما سألتك عن شئ، فقس إن كنت مقيسا. # قال أبو حنيفة: لا أتكلم بالرأي والقياس في دين الله بعد هذا المجلس. # قال: كلا إن حب الرياسة غير تاركك كما لم يترك من كان قبلك تمام الخبر. # وعن عيسى بن عبد الله القرشي (3) قال. دخل أبو حنيفة على أبي عبد الله ~~عليه السلام فقال: يا أبا حنيفة قد بلغني أنك تقيس! # فقال: نعم. # فقال: لا تقس فإن أول من قاس إبليس لعنه الله حين قال: خلقتني من نار ~~وخلقته من طين، فقاس بين النار والطين، ولو قاس نورية آدم بنورية النار ~~وعرف # PageV02P117 # ما بين النورين، وصفاء أحدهما على الآخر. # وعن الحسن بن ms380 محبوب (1) عن سماعة قال: قال أبو حنيفة لأبي عبد الله (ع): ~~كم بين المشرق والمغرب؟ # قال: مسيرة يوم للشمس بل أقل من ذلك، قال: فاستعظمه. # قال: يا عاجز لم تنكر هذا أن الشمس تطلع من المشرق، وتغرب في المغرب في ~~أقل من يوم. تمام الخبر. # عن عبد الكريم بن عتبة الهاشمي (2) قال: كنت عند أبي عبد الله عليه ~~السلام بمكة، إذ دخل عليه أناس من المعتزلة، فيهم عمرو بن عبيد، وواصل بن ~~عطا وحفص بن سالم، وأناس من رؤسائهم، وذلك أنه حين قتل الوليد، واختلف أهل ~~الشام بينهم، فتكلموا فأكثروا وخطبوا فأطالوا. # فقال لهم أبو عبد الله جعفر بن محمد عليه السلام: إنكم قد أكثرتم علي ~~فأطلتم، فاسندوا أمركم إلى رجل منكم، فليتكلم بحجتكم وليوجز. # فأسندوا أمرهم إلى عمرو بن عبيد، فأبلغ وأطال، فكان فيما قال أن قال: # قتل أهل الشام خليفتهم، وضرب الله بعضهم ببعض، وتشتت أمرهم، فنظرنا ~~فوجدنا رجلا له دين وعقل ومروة، ومعدن للخلافة، وهو محمد بن عبد الله بن ~~الحسن فأردنا أن نجتمع معه فنبايعه، ثم نظهر أمرنا معه، وندعو الناس إليه، ~~فمن بايعه كنا معه وكان منا، ومن اعتزلنا كففنا عنه، ومن نصب لنا جاهدناه ~~ونصبنا له على بغية ونرده إلى الحق وأهله، وقد أحببنا أن نعرض ذلك عليك، ~~فإنه لا غنا بنا # PageV02P118 # عن مثلك، لفضلك ولكثرة شيعتك، فلما فرغ قال أبو عبد الله عليه السلام: ~~أكلكم على مثل ما قال عمرو؟ # قالوا: نعم. فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على النبي ثم قال: # إنما نسخط إذا عصي الله فإذا أطيع الله رضينا أخبرني يا عمرو لو أن الأمة ~~قلدتك أمرها فملكته بغير قتال ولا مؤنة، فقيل لك: (ولها من شئت) من كنت ~~تولي؟ # قال: كنت أجعلها شورى بين المسلمين. # قال: بين كلهم؟ # قال: نعم. # فقال: بين فقهائهم وخيارهم؟ # قال: نعم. # قال: قريش وغيرهم؟ # قال: العرب والعجم. # قال: فأخبرني يا عمرو أتتولى أبا بكر وعمر أو تتبرأ منهما؟ # قال: أتولاهما. # قال: يا عمرو إن كنت رجلا ms381 تتبرأ منهما فإنه يجوز لك الخلاف عليهما، وإن ~~كنت تتولاهما فقد خالفتها، قد عهد عمر إلى أبي بكر فبايعه ولم يشاور أحدا، ~~ثم ردها أبو بكر عليه ولم يشاور أحدا، ثم جعلها عمر شورى بين ستة، فأخرج ~~منها الأنصار غير أولئك الستة من قريش، ثم أوصى الناس فيهم بشئ ما أراك ~~ترضى أنت ولا أصحابك. # قال: وما صنع؟ # قال: أمر صهيبا أن يصلي بالناس ثلاثة أيام، وأن يتشاور أولئك الستة ليس ~~فيهم أحد سواهم إلا ابن عمر ويشاورونه وليس له من الأمر شئ، وأوصى من كان ~~بحضرة من المهاجرين والأنصار إن مضت ثلاثة أيام ولم يفرغوا ويبايعوه أن ~~يضرب أعناق الستة جميعا PageV02P119 # وإن اجتمع أربعة قبل أن يمضي ثلاثة أيام وخالف اثنان أن يضرب أعناق ~~الاثنين، افترضون بذا فيما تجعلون من الشورى في المسلمين؟ # قالوا: لا. # قال: يا عمرو دع ذا أرأيت لو بايعت صاحبك هذا الذي تدعو إليه، ثم اجتمعت ~~لكم الأمة ولم يختلف عليكم منها رجلان، فأفضيتم إلى المشركين الذين لم ~~يسلموا ولم يؤدوا الجزية، كان عندكم وعند صاحبكم من العلم ما تسيرون فيهم ~~بسيرة رسول الله صلى الله عليه وآله في المشركين في الجزية؟ # قالوا: نعم. # قال: فتصنعون ماذا؟ # قالوا: ندعوهم إلى الإسلام فإن أبوا دعوناهم إلى الجزية. # قال: فإن كانوا مجوسا، وأهل كتاب، وعبدة النيران والبهائم وليسوا بأهل ~~كتاب؟ # قالوا: سواء. # قال: فأخبرني عن القرآن أتقرأونه؟ # قال: نعم. # قال: اقرأ (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما ~~حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا ~~الجزية عن يد وهم صاغرون) قال: فاستثنى الله عز وجل واشترط من الذين أوتوا ~~الكتاب فهم والذين لم يؤتوا الكتاب سواء. # قال: نعم. # قال عليه السلام: عمن أخذت هذا؟ # قال سمعت الناس يقولونه. # قال: فدع ذا فإنهم إن أبوا الجزية فقاتلتهم فظهرت عليهم كيف تصنع ~~بالغنيمة؟ # قال: اخرج الخمس واقسم أربعة أخماس بين من قاتل عليها. PageV02P120 # قال: تقسمه بين جميع من قاتل ms382 عليها؟ # قال: نعم. # قال: فقد خالفت رسول الله في فعله وفي سيرته، وبيني وبينك فقهاء أهل ~~المدينة ومشيختهم، فسلهم فإنهم لا يختلفون ولا يتنازعون في أن رسول الله ~~إنما صالح الأعراب على أن يدعهم في ديارهم، وأن لا يهاجروا، على أنه إن ~~دهمه من عدوه دهم فيستفزهم فيقاتل بهم، وليس لهم من الغنيمة نصيب، وأنت ~~تقول بين جميعهم، فقد خالفت رسول الله صلى الله عليه وآله في سيرته في ~~المشركين، دع ذا ما تقول في الصدقة؟ # قال: فقرأ عليه هذه الآية: (إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين ~~عليها) إلى آخرها. # قال: نعم فكيف تقسم بينهم؟ # قال: اقسمها على ثمانية أجزاء، فاعطي كل جزء من الثمانية جزء. # فقال عليه السلام إن كان صنف منهم عشرة آلاف وصنف رجلا واحدا أو رجلين أو ~~ثلاثة، جعلت لهذا الواحد مثل ما جعلت للعشرة آلاف. # قال: نعم. # قال: وما تصنع بين صدقات أهل الحضر وأهل البوادي فتجعلهم فيها سواء؟ # قال: نعم. # قال: فخالفت رسول الله في كل ما أتى به، كان رسول الله يقسم صدقة البوادي ~~في أهل البوادي، وصدقة الحضر في أهل الحضر، ولا يقسم بينهم بالسوية إنما ~~يقسمه قدر ما يحضره منهم، وعلى قدر ما يحضره فإن كان في نفسك شئ مما قلت لك ~~فإن فقهاء أهل المدينة، ومشيختهم كلهم لا يختلفون في أن رسول الله كذا كان ~~يصنع، ثم أقبل على عمرو وقال: # اتق الله يا عمرو وأنتم أيها الرهط! فاتقوا الله، فإن أبي حدثني وكان خير ~~أهل الأرض وأعلمهم بكتاب الله وسنة رسوله أن رسول الله صلى الله عليه وآله ~~قال: (من PageV02P121 # ضرب الناس بسيفه، ودعاهم إلى نفسه، وفي المسلمين من هو أعلم منه، فهو ضال ~~متكلف). # وروي عن يونس بن يعقوب (1) قال: كنت عند أبي عبد الله عليه السلام فورد ~~عليه رجل من أهل الشام فقال: أني رجل صاحب كلام وفقه وفرائض، وقد جئت ~~لمناظرة أصحابك. # فقال له أبو عبد الله: كلامك هذا من كلام رسول الله صلى الله عليه وآله ms383 ~~أو من عندك؟ # فقال: من كلام رسول الله بعضه، ومن عندي بعضه. # فقال أبو عبد الله: فأنت إذا شريك رسول الله! صلى الله عليه وآله قال: ~~لا. # قال: فسمعت الوحي من الله تعالى؟ # قال: لا. # قال: فتجب طاعتك كما تجب طاعة رسول الله؟ # قال: لا. # قال: فالتفت إلي أبو عبد الله فقال: يا يونس هذا خصم نفسه قبل أن يتكلم، ~~ثم قال: يا يونس لو كنت تحسن الكلام كلمته. قال يونس: فيا لها # PageV02P122 # من حسرة. فقلت: جعلت فداك سمعتك تنهى عن الكلام، وتقول: ويل لأصحاب ~~الكلام، يقولون: هذا ينقاد، وهذا ينساق، وهذا لا ينساق، وهذا نعقله، وهذا ~~لا نعقله! # فقال أبو عبد الله عليه السلام: إنما قلت: ويل لقوم تركوا قولي بالكلام، ~~وذهبوا إلى ما يريدون ثم قال: اخرج إلى الباب فمن ترى من المتكلمين فادخله! # قال: فخرجت فوجدت حمران بن أعين، وكان يحسن الكلام، ومحمد بن نعمان ~~الأحول، وكان متكلما، وهشام بن سالم، وقيس الماصر، وكانا متكلمين وكان قيس ~~عندي أحسنهم كلاما، وكان قد تعلم الكلام من علي بن الحسين، فأدخلتهم، فلما ~~استقربنا المجلس وكنا في خيمة لأبي عبد الله عليه السلام، في طرف جبل في ~~طريق الحرم، وذلك قبل الحج بأيام، فأخرج أبو عبد الله رأسه من الخيمة فإذا ~~هو ببعير يخب قال: هشام ورب الكعبة. قال: وكنا ظننا أن هشاما رجل من ولد ~~عقيل، وكان شديد المحبة لأبي عبد الله، فإذا هشام بن الحكم، وهو أول ما ~~اختطت لحيته، وليس فينا إلا من هو أكبر منه سنا، فوسع له أبو عبد الله عليه ~~السلام وقال: (ناصرنا بقلبه ولسانه ويده) ثم قال لحمران: # كلم الرجل يعني: الشامي. فكلمه حمران وظهر عليه ثم قال: يا طاقي كلمه! ~~فكلمه فظهر عليه محمد بن نعمان. ثم قال لهشام بن سالم: كلمه! فتعارفا ثم ~~قال لقيس الماصر: كلمه! وأقبل أبو عبد الله عليه السلام يتبسم من كلامهما ~~وقد استخذل الشامي في يده، ثم قال للشامي: كلم هذا الغلام! يعني: هشام بن ~~الحكم ms384 فقال: نعم ثم قال الشامي لهشام: يا غلام سلني في إمامة هذا يعني: أبا ~~عبد الله عليه السلام؟ # فغضب هشام حتى ارتعد ثم قال له: أخبرني يا هذا أربك أنظر لخلقه، أم خلقه ~~لأنفسهم؟ # فقال الشامي: بل ربي أنظر لخلقه! # قال: ففعل بنظره لهم في دينهم ماذا؟ # قال: كلفهم، وأقام لهم حجة ودليلا على ما كلفهم به، وأزاح في ذلك عللهم. ~~PageV02P123 # فقال له هشام: فما هذا الدليل الذي نصبه لهم؟ # قال الشامي: هو رسول الله صلى الله عليه وآله. # قال هشام: فبعد رسول الله صلى الله عليه وآله من؟ قال: الكتاب والسنة. # فقال هشام: فهل نفعنا اليوم الكتاب والسنة فيما اختلفنا فيه، حتى رفع عنا ~~الاختلاف، ومكننا من الاتفاق؟ # فقال الشامي: نعم. # قال هشام: فلم اختلفنا نحن وأنت، جئتنا من الشام تخالفنا، وتزعم أن الرأي ~~طريق الدين، وأنت مقر بأن الرأي لا يجمع على القول الواحد المختلفين؟ # فسكت الشامي كالمفكر. فقال أبو عبد الله عليه السلام! # ما لك لا تتكلم؟ # قال: إن قلت: أنا ما اختلفنا كابرت، وإن قلت أن الكتاب والسنة يرفعان عنا ~~الاختلاف، أبطلت، لأنهما يحتملان الوجوه، ولكن لي عليه مثل ذلك. # فقال له أبو عبد الله: سله تجده مليا! # فقال الشامي لهشام: من أنظر للخلق ربهم أم أنفسهم؟ # فقال: بل ربهم أنظر لهم. # فقال الشامي: فهل أقام لهم من يجمع كلمتهم، ويرفع اختلافهم، ويبين لهم ~~حقهم من باطلهم؟ # فقال هشام: نعم. # قال الشامي: من هو؟ # قال هشام: أما في ابتداء الشريعة فرسول الله صلى الله عليه وآله، وأما ~~بعد النبي فعترته. # قال الشامي: من هو عترة النبي القائم مقامه في حجته؟ # قال هشام: في وقتنا هذا أم قبله؟ # قال الشامي: بل في وقتنا هذا. # قال هشام: هذا الجالس يعني: أبا عبد الله عليه السلام، الذي تشد إليه ~~الرحال PageV02P124 # ويخبرنا بأخبار السماء وراثة عن جده. # قال الشامي: وكيف لي بعلم ذلك؟ # فقال هشام: سله عما بدا لك. # قال الشامي: قطعت عذري، فعلي السؤال. # فقال أبو عبد الله عليه ms385 السلام: أنا أكفيك المسألة يا شامي: أخبرك عن ~~مسيرك وسفرك، خرجت يوم كذا، وكان طريقك كذا، ومررت على كذا، ومر بك كذا، ~~فأقبل الشامي كلما وصف له شيئا من أمره يقول: (صدقت والله) فقال الشامي: ~~أسلمت لله الساعة! # فقال له أبو عبد الله عليه السلام: بل آمنت بالله الساعة، أن الإسلام قبل ~~الإيمان وعليه يتوارثون، ويتناكحون، والإيمان عليه يثابون. # قال: صدقت، فأنا الساعة أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ~~وأنك وصي الأنبياء. # قال: فأقبل أبو عبد الله عليه السلام على حمران فقال: يا حمران تجري ~~الكلام على الأثر فتصيب فالتفت إلى هشام بن سالم فقال: تريد الأثر ولا ~~تعرف! ثم التفت إلى الأحول فقال: قياس رواع، تكسر باطلا بباطل. ألا إن ~~باطلك أظهر ثم التفت إلى قيس الماصر فقال: تكلم وأقرب ما يكون من الخبر عن ~~الرسول صلى الله عليه وآله أبعد ما تكون منه، تمزج الحق بالباطل، وقليل ~~الحق يكفي من كثير الباطل أنت والأحول قفازان حاذقان. # قال يونس بن يعقوب: فظننت والله أنه يقول لهشام، قريبا مما قال لهما. # فقال: يا هشام لا تكاد تقع تلوي رجليك إذ هممت بالأرض طرت، مثلك فليكلم ~~الناس إتق الزلة، والشفاعة من ورائك. # وعن يونس بن يعقوب قال: كان عند أبي عبد الله عليه السلام جماعة من ~~أصحابه فيهم حمران بن أعين، ومؤمن الطاق، وهشام بن سالم، والطيار، وجماعة ~~من أصحابه، فيهم هشام بن الحكم، وهو شاب فقال أبو عبد الله: PageV02P125 # يا هشام! # قال: لبيك يا بن رسول الله! # قال: ألا تخبرني كيف صنعت بعمرو بن عبيد وكيف سألته؟ قال هشام: جعلت فداك ~~يا بن رسول الله، إني أجلك وأستحييك، ولا يعمل لساني بين يديك. # فقال أبو عبد الله عليه السلام: إذا أمرتكم بشئ فافعلوه! # قال هشام: بلغني ما كان فيه عمرو بن عبيد، وجلوسه في مسجد البصرة، وعظم ~~ذلك علي، فخرجت إليه، ودخلت البصرة يوم الجمعة، وأتيت مسجد البصرة فإذا أنا ~~بحلقة كبيرة، وإذا بعمرو بن عبيد ms386 عليه شملة سوداء مؤتزر بها من صوف وشملة ~~مرتد بها، والناس يسألونه، فاستفرجت الناس فأفرجوا لي، ثم قعدت في آخر ~~القوم على ركبتي، ثم قلت: # أيها العالم أنا رجل غريب، أتأذن لي فأسألك عن مسألة؟ # قال: اسأل! # قلت له: ألك عين؟ # قال: يا بني أي شئ هذا من السؤال، إذا كيف تسأل عنه؟ # فقلت: هذا مسئلتي. # فقال: يا بني! سل وإن كانت مسألتك، حمقى. # قلت: أجبني فيها. # قال: فقال لي: سل! # فقلت: ألك عين؟ # قال: نعم. # قال: قلت: فما تصنع بها؟ # قال: أرى بها الألوان والأشخاص. # قال: قلت: ألك أنف؟ # قال: نعم. PageV02P126 # قال: قلت: فما تصنع به؟ # قال: أشم به الرائحة. # قال: قلت: ألك لسان؟ # قال: نعم. # قال: قلت: فما تصنع به؟ # قال: أتكلم به. # قال: قلت: ألك أذن؟ # قال: نعم. # قلت: تصنع بها؟ # قال: أسمع بها الأصوات قال: قلت: ألك يدان؟ # قال: نعم. # قلت: فما تصنع بهما؟ # قال: أبطش بهما، وأعرف بهما اللين من الخشن. # قال: قلت: ألك رجلان؟ # قال: نعم. # قال: قلت: فما تصنع بهما؟ # قال انتقل بهما من مكان إلى مكان. # قال: قلت: ألك فم. # قال: نعم. # قال: قلت: فما تصنع به؟ # قال: أعرف به المطاعم والمشارب على اختلافها. # قال: قلت: ألك قلب؟ # قال: نعم. PageV02P127 # قال: قلت: فما تصنع به؟ # قال: أميز به كلما ورد على هذه الجوارح. # قال: قلت: أفليس في هذه الجوارح غنى عن القلب؟ # قال: لا. # قلت: وكيف ذاك وهي صحيحة سليمة؟ # قال: يا بني إن الجوارح إذا شكت في شئ شمته أو رأته أو ذاقته، ردته إلى ~~القلب، فتيقن بها اليقين، وأبطل الشك. # قال: فقلت: فإنما أقام الله عز وجل القلب لشك الجوارح؟ # قال: نعم. قلت: لا بد من القلب وإلا لم يستيقن الجوارح. # قال: نعم. قلت: يا أبا مروان! إن الله تبارك وتعالى لم يترك جوارحكم حتى ~~جعل لها إماما، يصحح لها الصحيح، وينفي ما شكت فيه، ويترك هذه الخلق كله في ~~حيرتهم، وشكهم، واختلافهم، لا يقيم لهم إماما يردون إليه شكهم، ms387 وحيرتهم ~~ويقيم لك إماما لجوارحك، ترد إليه حيرتك وشكك. # قال: فسكت ولم يقل لي شيئا. # قال: ثم التفت إلي فقال لي: # أنت هشام؟ # قال: قلت: لا. # فقال لي: أجالسته؟ # فقلت: لا. # قال: فمن أين أنت؟ قلت: من أهل الكوفة. # قال: فأنت إذا هو. ثم ضمني إليه، وأقعدني في مجلسه، وما نطق حتى قمت، ~~فضحك أبو عبد الله، ثم قال: # يا هشام من علمك هذا؟ قلت: يا بن رسول الله جرى على لساني. # قال: يا هشام هذا والله مكتوب في صحف إبراهيم وموسى. PageV02P128 # وبالإسناد المقدم ذكره عن الصادق عليه السلام أنه قال: قوله عز وجل: ~~(اهدنا الصراط المستقيم) يقول أرشدنا للزم الطريق المؤدي إلى محبتك والمبلغ ~~إلى جنتك من أن نتبع أهوائنا فنعطب، ونأخذ بآرائنا فنهلك، فإن من اتبع ~~هوائه وأعجب برأيه كان كرجل سمعت غثاء الناس تعظمه وتصفه، فأحببت لقائه من ~~حيث لا يعرفني لا نظر مقداره ومحله فرأيته في موضع قد احدقوا به جماعة من ~~غثاء العامة فوقفت منتبذا عنهم، متغشيا بلثام أنظر إليه وإليهم، فما زال ~~يراوغهم حتى خالف طريقهم، وفارقهم، ولم يقر. فتفرقت جماعة العامة عنه ~~لحوائجهم، وتبعته أقتفي أثره، فلم يلبث أن مر بخباز فتغفله فأخذ من دكانه ~~رغيفين مسارقة، فتعجبت منه، ثم قلت في نفسي: لعله معامله، ثم مر بعده بصاحب ~~رمان، فما زال به حتى تغفله فأخذ من عنده رمانتين مسارقة، فتعجبت منه، ثم ~~قلت في نفسي: لعله معامله ثم أقول وما حاجته إذا إلى المسارقة، ثم لم أزل ~~أتبعه حتى مر بمريض، فوضع الرغيفين والرمانتين بين يديه، ومضى وتبعته، حتى ~~استقر في بقعة من صحراء، فقلت له: يا أبا عبد الله لقد سمعت بك وأحببت ~~لقائك، فلقيتك لكني رأيت منك ما شغل قلبي، وأني سائلك عنه ليزول به شغل ~~قلبي. # قال: ما هو؟ # قلت: رأيتك مررت بخباز وسرقت منه رغيفين، ثم بصاحب الرمان فسرقت منه ~~رمانتين. # فقال لي: قبل كل شئ حدثني من أنت؟ # قلت: رجل من ولد آدم من أمة محمد صلى ms388 الله عليه وآله. # قال: حدثني ممن أنت؟ # قلت: رجل من أهل بيت رسول الله. # قال: أين بلدك؟ # قلت: المدينة. # قال: لعلك جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليه ~~السلام؟ PageV02P129 # قلت: بلى. # قال لي: فما ينفعك شرف أصلك مع جهلك بما شرفت به، وتركك علم جدك وأبيك، ~~لأنه لا ينكر ما يجب أن يحمد ويمدح فاعله. # قلت: وما هو؟ # قال: القرآن كتاب الله. # قلت: وما الذي جهلت؟ # قال: قول الله عز وجل: (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة ~~فلا يجزى إلا مثلها) وأني لما سرقت الرغيفين، كانت سيئتين، ولما سرقت ~~الرمانتين، كانت سيئتين، فهذه أربع سيئات، فلما تصدقت بكل واحد منها كانت ~~أربعين حسنة، أنقص من أربعين حسنة أربع سيئات، بقي ست وثلاثون. # قلت: ثكلتك أمك! أنت الجاهل بكتاب الله! أما سمعت قول الله عز وجل: # (إنما يتقبل الله من المتقين) (1) إنك لما سرقت رغيفين، كانت سيئتين، ~~ولما سرقت الرمانتين كانت سيئتين، ولما دفعتها إلى غيرها من غير رضا ~~صاحبها، كنت إنما أضفت أربع سيئات إلى أربع سيئات، ولم تضف أربعين حسنة إلى ~~أربع سيئات، فجعل يلاحيني فانصرفت وتركته. # وبالإسناد الذي تقدم: عن أبي محمد الحسن بن علي العسكري عليه السلام أنه ~~قال: # قال بعض المخالفين بحضرة الصادق عليه السلام لرجل من الشيعة. # ما تقول في العشرة من الصحابة؟ # قال: أقول فيهم القول الجميل الذي يحط الله به سيئاتي، ويرفع به درجاتي ~~قال السائل: الحمد لله على ما أنقذني من بغضك، كنت أظنك رافضيا تبغض ~~الصحابة. # فقال الرجل: ألا من أبغض واحدا من الصحابة فعليه لعنة الله. # قال: لعلك تتأول ما تقول، فمن أبغض العشرة من الصحابة؟ # PageV02P130 # فقال: من أبغض العشرة من الصحابة فعليه لعنة الله، والملائكة، والناس ~~أجمعين. فوثب فقبل رأسه فقال: اجعلني في حل مما قذفتك به من الرفض قبل ~~اليوم. # قال: أنت في حل وأنت أخي ثم انصرف السائل فقال له الصادق عليه السلام: ~~جودت لله درك! لقد عجبت ms389 الملائكة ومن حسن توريتك، وتلفظك بما خلصك، ولم ~~تثلم دينك، زاد الله في قلوب مخالفينا غما إلى غم وحجب عنهم مراد منتحلي ~~مودتنا في تقيتهم. # فقال أصحاب الصادق عليه السلام: يا بن رسول صلى الله عليه وآله ما عقلنا ~~من كلام هذا إلا موافقته لهذا المتعنت الناصب. # فقال الصادق عليه السلام: لئن كنتم لم تفهموا ما عنى، فقد فهمناه نحن، ~~فقد شكره الله له، إن ولينا الموالي لأوليائنا المعادي لأعدائنا إذا ابتلاه ~~الله بمن يمتحنه من مخالفيه، وفقه لجواب يسلم معه دينه وعرضه، ويعظم الله ~~بالتقية ثوابه إن صاحبكم هذا قال: من عاب واحدا منهم فعليه لعنة الله أي: ~~من عاب واحدا منهم، هو: أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام وقال في ~~الثانية: من عابهم وشتمهم فعليه لعنة الله، وقد صدق لأن من عابهم فقد عاب ~~عليا عليه السلام لأنه أحدهم، فإذا لم يعب عليا ولم يذمه فلم يعبهم جميعا، ~~وإنما عاب بعضهم، ولقد كان لحزقيل المؤمن من قوم فرعون الذين وشوا به إلى ~~فرعون مثل هذه التورية كان حزقيل يدعوهم إلى توحيد الله، ونبوة موسى، ~~وتفضيل محمد رسول الله صلى الله عليه وآله على جميع رسل الله وخلقه، وتفضيل ~~علي بن أبي طالب عليه السلام والخيار من الأئمة على سائر أوصياء النبيين، ~~وإلى البراءة من فرعون، فوشى به واشون إلى فرعون، وقالوا إن حزقيل يدعو إلى ~~مخالفتك، ويعين أعدائك على مضادتك. # فقال لهم فرعون: ابن عمي، وخليفتي في ملكي، وولي عهدي، إن كان قد فعل ما ~~قلتم فقد استحق العذاب على كفره نعمتي وإن كنتم عليه كاذبين فقد استحققتم ~~أشد العذاب لإيثاركم الدخول في مساءته، فجاء بحزقيل وجاء بهم فكاشفوه ~~PageV02P131 # وقالوا: أنت تجحد ربوبية فرعون الملك، وتكفر نعمائه. # فقال حزقيل: أيها الملك هل جربت علي كذبا قط. # قال: لا. # قال: فسلهم من ربهم؟ # قالوا: فرعون. # قال: ومن خلقكم؟ # قالوا: فرعون هذا. # قال: ومن رازقكم الكافل لمعايشكم، والدافع عنكم مكارهكم؟ # قالوا: فرعون هذا. # قال حزقيل: أيها الملك فأشهدك ms390 وكل من حضرك: أن ربهم هو ربي، وخالقهم هو ~~خالقي، ورازقهم هو رازقي، ومصلح معايشهم هو مصلح معايشي، لا رب لي ولا خالق ~~غير ربهم وخالقهم ورازقهم، وأشهدك ومن حضرك: أن كل رب وخالق سوى ربهم ~~وخالقهم ورازقهم فأنا برئ منه، ومن ربوبيته، وكافر بإلهيته. # يقول حزقيل هذا وهو يعني: أن ربهم هو الله ربي ولم يقل أن الذي قالوا: # هم أنه ربهم هو ربي، وخفي هذا المعنى على فرعون ومن حضره، وتوهموا أنه ~~يقول: فرعون ربي وخالقي ورازقي، فقال لهم: يا رجال السوء ويا طلاب الفساد ~~في ملكي: ومريدي الفتنة بيني وبين ابن عمي، وهو عضدي، أنتم المستحقون ~~لعذابي، لإرادتكم فساد أمري، وهلاك ابن عمي والفت في عضدي ثم أمر بالأوتاد ~~فجعل في ساق كل واحد منهم وتد وفي صدره وتد، وأمر أصحاب أمشاط الحديد فشقوا ~~بها لحومهم من أبدانهم، فذلك ما قال الله تعالى: (فوقيه الله سيئات ما ~~مكروا) (1) لما وشوا به إلى فرعون ليهلكوه وحاق بآل فرعون سوء العذاب، وهم ~~الذين وشوا بحزقيل إليه لما أوتد فيهم الأوتاد، ومشط عن أبدانهم لحومها ~~بالأمشاط. # PageV02P132 # ومثل هذه التورية قد كانت لأبي عبد الله عليه السلام في مواضع كثيرة. # فمن ذلك ما رواه معاوية بن وهب (1) عن سعيد بن سمان (2) قال: # كنت عند أبي عبد الله إذ دخل عليه رجلان من الزيدية، فقالا له: # أفيكم إمام مفترض طاعته؟ # قال: فقال: لا. # فقالا له: قد أخبرنا عنك الثقات أنك تقول به، وسموا أقواما وقالوا: # هم أصحاب ورع وتشمير، وهم ممن لا يكذب، فغضب أبو عبد الله عليه السلام ~~وقال: # ما أمرتهم بهذا، فلما رأيا الغضب في وجهه خرجا. # فقال لي: أتعرف هذين؟ # قلت: هما من أهل سوقنا، وهما من الزيدية، وهما يزعمان: أن سيف رسول الله ~~عند عبد الله بن الحسن. # فقال: كذبا لعنهما الله، وهو ما رآه عبد الله بن الحسن بعينيه، ولا ~~بواحدة من عينيه. ولا رآه أبوه. اللهم إلا أن يكون رآه عند علي بن الحسين ~~عليه السلام ms391 فإن كانا صادقين فما علامة في مقبضه، وما أثر في موضع مضربه، ~~وأن عندي لسيف رسول الله، وأن عندي لراية رسول الله صلى الله عليه وآله، ~~ودرعه، ولامته، ومغفره، فإن كانا صادقين فما علامة في درع رسول الله صلى ~~الله عليه وآله؟ وأن عندي لراية رسول الله المغلبة، وأن عندي ألواح موسى ~~وعصاه، وأن عندي لخاتم سليمان بن داود وأن عندي الطست الذي كان موسى يقرب ~~بها القربان، وأن عندي الاسم الذي # PageV02P133 # كان رسول الله إذا وضعه بين المسلمين والمشركين، لم يصل من المشركين إلى ~~المسلمين نشابة، وأن عندي لمثل التابوت الذي جاءت به الملائكة، ومثل السلاح ~~فينا كمثل التابوت في بني إسرائيل، كانت بنو إسرائيل في أي أهل بيت وجد ~~التابوت على أبوابهم أوتوا النبوة، ومن صار إليه السلاح منا أوتي الإمامة، ~~ولقد لبس أبي درع رسول الله صلى الله عليه وآله فخطت على الأرض خططا، ~~ولبستها أنا وكانت تخط على الأرض - يعني: طويلة - مثل ما كانت على أبي، ~~وقائمنا من إذا لبسها ملأها إن شاء الله تعالى. # وكان الصادق عليه السلام يقول: علمنا غابر ومزبور، ونكت في القلوب، ونقر ~~في الأسماع، وأن عندنا الجفر الأحمر، والجفر الأبيض، ومصحف فاطمة عليها ~~السلام وعندنا الجامعة، فيها جميع ما يحتاج إليه الناس، فسئل عن تفسير هذا ~~الكلام فقال: أما الغابر: فالعلم بما يكون، والمزبور: فالعلم بما كان، وأما ~~النكت في القلوب: فهو الالهام، والنقر في الأسماع: فحديث الملائكة، نسمع ~~كلامهم، ولا نرى أشخاصهم، وأما الجفر الأحمر: فوعاء فيه توراة موسى، وإنجيل ~~عيسى وزبور داود، وكتب الله. # وأما مصحف فاطمة: ففيه ما يكون من حادث، وأسماء من يملك إلى أن تقوم ~~الساعة. # وأما الجامعة: فهو: كتاب طوله سبعون ذراعا، إملاء رسول الله من فلق فيه ~~وخط علي بن أبي طالب عليه السلام بيده، فيه والله جميع ما يحتاج الناس إليه ~~إلى يوم القيامة، حتى أن فيه أرش الخدش، والجلدة، ونصف الجلدة. # ولقد كان زيد بن علي بن الحسين (1) يطمع أن يوصي إليه ms392 أخوه # PageV02P134 # الباقر عليه السلام، ويقيمه مقامه في الخلافة بعده، مثل ما كان يطمع في ~~ذلك محمد بن PageV02P135 # الحنفية بعد وفاة أخيه الحسين صلوات الله عليه، حتى رأى من ابن أخيه زين ~~العابدين عليه السلام من المعجزة الدالة على إمامته ما رأى، وقد تقدم ذكره ~~في هذا الكتاب، فكذلك زيد رجا أن يكون القائم مقام أخيه الباقر صلوات الله ~~عليه، حتى سمع ما سمع من أخيه، ورأى ما رأى من ابن أخيه، أبي عبد الله ~~الصادق فمن ذلك ما رواه صدقة بن أبي موسى، عن أبي بصير قال: لما حضر أبا ~~جعفر محمد بن علي الباقر عليه السلام الوفاة، دعا بابنه الصادق عليه السلام ~~ليعهد إليه عهدا، فقال له أخوه زيد بن علي: # لما امتثلت في مثال الحسن والحسين عليهما السلام رجوت أن لا تكون أتيت ~~منكرا. # فقال له الباقر عليه السلام: يا أبا الحسن إن الأمانات ليست بالمثال، ولا ~~العهود بالرسوم، إنما هي أمور سابقة عن حجج الله تبارك وتعالى، ثم دعا ~~بجابر بن عبد الله الأنصاري فقال: # يا جابر حدثنا بما عاينت من الصحيفة؟ # فقال له: نعم يا أبا جعفر، دخلت على مولاتي فاطمة بنت رسول الله صلى الله ~~عليه وآله لأهنيها بولادة الحسن عليه السلام، فإذا بيدها صحيفة بيضاء من ~~درة، فقلت يا سيدة النسوان ما هذه الصحيفة التي أراها معك؟ # قالت: فيها أسماء الأئمة من ولدي. # قلت لها: ناوليني لأنظر فيها! # قالت: يا جابر لولا النهي لكنت أفعل، ولكنه قد نهي أن يمسها إلا نبي أو ~~وصي نبي، أو أهل بيت نبي، ولكنه مأذون لك أن تنظر إلى باطنها من ظاهرها. # قال جابر: فقرأت فإذا فيها: أبو القاسم محمد بن عبد الله المصطفى ابن عبد ~~المطلب بن هاشم بن عبد مناف، أمه آمنة. PageV02P136 # أبو الحسن علي بن أبي طالب عليه السلام المرتضى، أمه فاطمة بنت أسد بن ~~هاشم ابن عبد مناف. # أبو محمد الحسن بن علي البر التقي، أبو عبد الله الحسين بن علي أمهما ~~فاطمة بنت ms393 محمد. # أبو محمد علي بن الحسين العدل، أمه شهر بانويه بنت يزدجرد بن شهريار. # أبو جعفر محمد بن علي الباقر، أمه أم عبد الله بنت الحسن بن علي بن أبي ~~طالب. # أبو عبد الله جعفر بن محمد الصادق، أمه: (أم فروة) بنت القسم بن محمد بن ~~أبي بكر. # أبو إبراهيم موسى بن جعفر الثقة، أمه جارية اسمها (حميدة) المصفاة. # أبو الحسن علي بن موسى الرضا، أمه جارية اسمها: (نجمة). # أبو جعفر محمد بن علي الزكي أمه جارية اسمها: (خيزران). # أبو الحسن علي بن محمد الأمين، أمه جارية اسمها: (سوسن). # أبو محمد الحسن بن علي الرضي، أمه جارية اسمها: (سمانة) تكنى أم الحسن. # أبو القاسم محمد بن الحسن وهو حجة القائم، أمه جارية اسمها: (نرجس) صلوات ~~الله عليهم أجمعين. # وعن زرارة بن أعين قال: قال لي زيد بن علي وأنا عند أبي عبد الله عليه ~~السلام: # يا فتى ما تقول في رجل من آل محمد استنصرك؟ قال: # قلت: إن كان مفروض الطاعة، فلي أن أفعل ولي أن لا أفعل. # فلما خرج قال أبو عبد الله: أخذته والله من بين يديه ومن خلفه، وما تركت ~~له مخرجا. # وقيل للصادق عليه السلام: ما يزال يخرج رجل منكم أهل البيت فيقتل ويقتل ~~معه بشر كثير فأطرق طويلا ثم قال: إن فيهم الكذابين وفي غيرهم المكذبين. # وروي عنه صلوات الله عليه أنه قال: ليس منا أحد إلا وله عدو من أهل بيته، ~~فقيل له: بنو الحسن لا يعرفون لمن الحق؟ PageV02P137 # قال: بلى ولكن يحملهم الحسد. # عن أبي يعقوب (1) قال: لقيت أنا ومعلى بن خنيس (2) الحسن بن الحسن بن علي ~~بن أبي طالب عليه السلام فقال: يا يهودي فأخبرنا بما قال فينا جعفر ابن ~~محمد عليه السلام فقال: هو والله أولى باليهودية منكما إن اليهودي من شرب ~~الخمر. # وبهذا الإسناد قال: سمعت أبا عبد الله يقول لو توفي الحسن بن الحسن على ~~الزنا والربا وشرب الخمر، كان خيرا له مما توفي عليه وعن أبي بصير قال: ms394 ~~سألت أبا عبد الله عليه السلام عن هذه الآية: (ثم أورثنا الكتاب الذين ~~اصطفينا من عبادنا) (3) قال: أي شئ تقول؟ قلت: إني أقول أنها خاصة لولد ~~فاطمة. # PageV02P138 # فقال عليه السلام: أما من سل سيفه ودعا الناس إلى نفسه إلى الضلال من ولد ~~فاطمة وغيرهم، فليس بداخل في الآية، قلت: من يدخل فيها قال: الظالم لنفسه ~~الذي لا يدعو الناس إلى ضلال ولا هدى والمقتصد منا أهل البيت هو العارف حق ~~الإمام والسابق بالخيرات هو الإمام. # عن محمد بن أبي عمير الكوفي (1) عن عبد الله بن الوليد السمان (2) قال: ~~قال أبو عبد الله عليه السلام: ما يقول الناس في أولي العزم وصاحبكم أمير ~~المؤمنين عليه السلام؟ # قال: قلت: ما يقدمون على أولي العزم أحدا. # قال: فقال أبو عبد الله عليه السلام: إن الله تبارك وتعالى قال لموسى: ~~(وكتبنا له في الألواح من كل شئ موعظة) (3) ولم يقل كل شئ موعظة. وقال (2) ~~خلاصة العلامة ص 111: # عبد الله بن الوليد السمان - بالسين المهملة والنون أخيرا - النخعي مولى ~~كوفي روى عن أبي عبد الله (ع) ثقة. # (3) الأعراف - 145 # PageV02P139 # لعيسى: (وليبين لكم بعض الذي تختلفون فيه) (1) ولم يقل كل شئ وقال ~~لصاحبكم أمير المؤمنين عليه السلام: (قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن ~~عنده علم الكتاب) (2) وقال الله عز وجل: (ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب ~~مبين) (3) وعلم هذا الكتاب عنده. # وعن عبد الله بن الفضل الهاشمي (4) قال: سمعت الصادق عليه السلام يقول: ~~أن لصاحب هذا الأمر غيبة لا بد منها، يرتاب فيها كل مبطل، قلت له: ولم جعلت ~~فداك؟ # قال: الأمر لا يؤذن لي في كشفه لكم. # قلت: فما وجه الحكمة في غيبته؟ # قال: وجه الحكمة في غيبته، وجه الحكمة في غيبات من تقدمه من حجج الله ~~تعالى ذكره، أن وجه الحكمة في ذلك لا ينكشف إلا بعد ظهوره، كما لم ينكشف ~~وجه الحكمة لما آتاه الخضر من خرق السفينة، وقتل الغلام، وإقامة الجدار ~~لموسى عليه السلام، إلى وقت افتراقهما. يا بن الفضل ms395 إن هذا الأمر أمر من ~~الله، وسر من سر الله، وغيب من غيب الله، ومتى علمنا أنه عز وجل حكيم صدقنا ~~بأن أفعاله كلها حكمة، وإن كان وجهها غير منكشف. # وعن علي بن الحكم (5) عن أبان قال: أخبرني الأحول أبو جعفر محمد بن ~~النعمان الملقب بمؤمن الطاق: أن زيد بن علي بن الحسين بعث إليه وهو مختف ~~قال: فأتيته فقال لي: يا أبا جعفر ما تقول إن طرقك طارق منا أتخرج معه؟ # PageV02P140 # قال: قلت له: إن كان أبوك أو أخوك خرجت معه. # قال: فقال لي: فأنا أريد أن أخرج وأجاهد هؤلاء القوم فاخرج معي! # قال: قلت: لا أفعل جعلت فداك! # قال: فقال لي: أترغب بنفسك عني؟ # قال: فقلت له: إنما هي نفس واحدة، فإن كان لله تعالى في الأرض حجة ~~فالمتخلف عنك ناج، والخارج معك هالك، وإن لم يكن لله في الأرض حجة، ~~فالمتخلف عنك والخارج معك سواء. # قال: فقال لي: يا أبا جعفر كنت أجلس مع أبي على الخوان، فيلقمني اللقمة ~~السمينة، ويبرد لي اللقمة الحارة حتى تبرد شفقة علي، ولم يشفق علي من حر ~~النار إذ أخبرك بالدين ولم يخبرني به. # قال: قلت له: من شفقته عليك من حر النار لم يخبرك، خاف عليك أن لا تقبله ~~فتدخل النار وأخبرني، فإن قبلته نجوت، وإن لم أقبل لم يبال أن أدخل النار، ~~ثم قلت له: # جعلت فداك أنتم أفضل أم الأنبياء؟ # قال: بل الأنبياء. # قلت: يقول يعقوب ليوسف: (يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك ~~كيدا) (1) لم لم يخبرهم حتى كانوا لا يكيدونه ولكن كتمه، وكذا أبوك كتمك ~~لأنه خاف عليك. # قال: فقال: أما والله لئن قلت ذلك فقد حدثني صاحبك بالمدينة أني أقتل ~~وأصلب بالكناسة، وأن عنده لصحيفة فيها قتلي وصلبي. # قال: فحججت وحدثت أبا عبد الله عليه السلام بمقالة زيد وما قلت له: فقال ~~لي: # أخذته من بين يديه ومن خلفه، وعن يمينه وعن يساره، ومن فوق رأسه ومن # PageV02P141 # تحت قدميه، ولم تترك له مسلكا ms396 يسلكه. # وعن هشام بن الحكم قال: اجتمع ابن أبي العوجاء، وأبو شاكر الديصاني ~~الزنديق، وعبد الملك البصري، وابن المقفع، عند بيت الله الحرام، يستهزؤن ~~بالحاج ويطعنون بالقرآن. # فقال ابن أبي العوجاء: تعالوا ننقض كل واحد منا ربع القرآن، وميعادنا من ~~قابل في هذا الموضع، نجتمع فيه وقد نقضنا القرآن كله، فإن في نقض القرآن ~~إبطال نبوة محمد، وفي إبطال نبوته إبطال الإسلام، وإثبات ما نحن فيه، ~~فاتفقوا على ذلك وافترقوا، فلما كان من قابل اجتمعوا عند بيت الله الحرام، ~~فقال ابن أبي العوجاء: # أما أنا فمفكر منذ افترقنا في هذه الآية: (فلما استيأسوا منه خلصوا نجيا) ~~(1) فما أقدر أن أضم إليها في فصاحتها وجميع معانيها شيئا، فشغلتني هذه ~~الآية عن التفكر في ما سواها. # فقال عبد الملك: وأنا منذر فارقتكم مفكر في هذه الآية (يا أيها الناس ضرب ~~مثل فاستمعوا له أن الذين يدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا ~~له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب) (2) ولم ~~أقدر على الإتيان بمثلها. # فقال أبو شاكر: وأنا منذ فارقتكم مفكر في هذه الآية: (لو كان فيهما آلهة ~~إلا الله لفسدتا) (3) لم أقدر على الإتيان بمثلها. # فقال ابن المقفع: يا قوم إن هذا القرآن ليس من جنس كلام البشر، وأنا منذ ~~فارقتكم مفكر في هذه الآية: (وقيل يا أرض ابلعي مائك ويا سماء اقلعي وغيض ~~الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي وقيل بعدا للقوم الظالمين) (4) لم أبلغ ~~غاية المعرفة بها، ولم أقدر على الإتيان بمثلها. # PageV02P142 # قال هشام بن الحكم: فبينما هم في ذلك، إذ مر بهم جعفر بن محمد الصادق ~~عليه السلام فقال: (قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا ~~القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا) (1) فنظر القوم بعضهم إلى ~~بعض وقالوا: # لئن كان للإسلام حقيقة لما انتهت أمر وصية محمد إلا إلى جعفر بن محمد، ~~والله ما رأيناه قط إلا هبناه واقشعرت جلودنا لهيبته، ثم تفرقوا مقرين ~~بالعجز. # ولهذا ms397 الأمر قال محمد بن أبي بكر في خبر عجيب شعرا (2): # تجملت تبلغت وإن عشت تفيلت لك التسع من الثمن وبالكل تملكت وعن أحمد بن ~~عبد الله البرقي (3) عن أبيه (4) عن شريك بن عبد الله (5) # PageV02P143 # عن الأعمش قال: اجتمعت الشيعة والمحكمة عند أبي نعيم النخعي بالكوفة (1) ~~وأبو جعفر محمد بن النعمان مؤمن الطاق حاضر، فقال ابن أبي حذرة: # أنا أقرر معكم أيتها الشيعة أن أبا بكر أفضل من علي ومن جميع أصحاب النبي ~~بأربع خصال لا يقدر على دفعها أحد من الناس، هو ثان مع رسول الله في بيته ~~مدفون، وهو ثاني اثنين معه في الغار، وهو ثاني اثنين صلى بالناس آخر صلاة ~~قبض بعده رسول الله صلى الله عليه وآله، وهو ثاني اثنين الصديق من هذه ~~الأمة. قال أبو جعفر مؤمن الطاق رحمة الله عليه: يا بن أبي حذرة وأنا أقرر ~~معك أن عليا أفضل من أبي بكر وجميع أصحاب النبي صلى الله عليه وآله بهذه ~~الخصال التي وصفتها، وأنها مثلبة لصاحبك، وألزمك طاعة علي من ثلاث جهات، من ~~القرآن وصفا، ومن خبر الرسول نصا، ومن حجة العقل اعتبارا، ووقع الاتفاق على ~~إبراهيم النخعي وعلى أبي إسحاق السبيعي، وعلى سليمان بن مهران الأعمش. # فقال: أبو جعفر مؤمن الطاق: أخبرني يا بن أبي حذرة عن النبي صلى الله ~~عليه وآله كيف ترك بيوته - التي أضافها الله إليه، ونهى الناس عن دخولها ~~إلا بإذنه - ميراثا لأهله وولده، أو تركها صدقة على جميع المسلمين؟ قل ما ~~شئت. # فانقطع ابن أبي حذرة لما أورد عليه ذلك، وعرف خطأ ما فيه. # PageV02P144 # فقال أبو جعفر مؤمن الطاق: إن تركها ميراثا لولده وأزواجه فإنه قبض عن ~~تسع نسوة، وإنما لعايشة بنت أبي بكر تسع ثمن هذا البيت الذي دفن فيه صاحبك، ~~ولا يصيبها من البيت ذراع في ذراع، وإن كان صدقة فالبلية أطم وأعظم فإنه لم ~~يصب من البيت إلا ما لأدنى رجل من المسلمين، فدخول بيت النبي صلى الله عليه ~~وآله بغير إذنه في حياته وبعد ms398 وفاته معصية إلا لعلي بن أبي طالب عليه ~~السلام وولده، فإن الله أحل لهم ما أحل للنبي صلى الله عليه وآله، ثم قال ~~لهم: إنكم تعلمون أن النبي، أمر بسد أبواب جميع الناس التي كانت مشرعة إلى ~~المسجد ما خلا باب علي عليه السلام، فسأله أبو بكر أن يترك له كوة لينظر ~~منها إلى رسول الله فأبى عليه، وغضب عمه العباس من ذلك فخطب النبي صلى الله ~~عليه وآله خطبة وقال: # إن الله تبارك وتعالى أمر لموسى وهارون أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتا، ~~وأمرهما أن لا يبيت في مسجدهما جنب، ولا يقرب فيه النساء إلا موسى وهارون ~~وذريتهما، وأن عليا هو بمنزلة هارون من موسى، وذريته كذرية هارون، ولا يحل ~~لأحد أن يقرب النساء في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله، ولا يبيت فيه ~~جنب إلا علي وذريته عليهم السلام. # فقالوا بأجمعهم: كذلك كان. # قال أبو جعفر: ذهب ربع دينك يا بن أبي حذرة، وهذه منقبة لصاحبي ليس لأحد ~~مثلها، ومثلبة لصاحبك، وأما قولك: (ثاني اثنين إذ هما في الغار) أخبرني هل ~~أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين في غير الغار؟ # قال ابن أبي حذرة: نعم. # قال أبو جعفر: فقد خرج صاحبك في الغار من السكينة، وخصه بالحزن ومكان علي ~~في هذه الليلة على فراش النبي صلى الله عليه وآله، وبذل مهجته دونه أفضل من ~~مكان صاحبك في الغار. # فقال الناس: صدقت. # فقال أبو جعفر: يا بن أبي حذرة ذهب نصف دينك، وأما قولك ثاني اثنين ~~PageV02P145 # الصديق من الأمة، فقد أوجب الله على صاحبك الاستغفار لعلي بن أبي طالب ~~عليه السلام في قوله عز وجل: (والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ~~ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان) إلى آخر الآية والذي ادعيت إنما هو شئ ~~سماه الناس ومن سماه القرآن وشهد له بالصدق والتصديق أولى به ممن سماه ~~الناس، وقد قال علي عليه السلام على منبر البصرة: أنا الصديق الأكبر، آمنت ~~قبل أن آمن أبو بكر وصدقت قبله. ms399 # قال الناس: صدقت. # قال أبو جعفر مؤمن الطاق: يا بن أبي حذرة ذهب ثلاثة أرباع دينك. # وأما قولك في الصلاة بالناس، كنت ادعيت لصاحبك فضيلة لم تتم له، وأنها ~~إلى التهمة أقرب منها إلى الفضيلة، فلو كان ذلك بأمر رسول الله صلى الله ~~عليه وآله لما عزله عن تلك الصلاة بعينها، أما علمت أنه لما تقدم أبو بكر ~~ليصلي بالناس خرج رسول الله صلى الله عليه وآله فتقدم وصلى بالناس وعزله ~~عنها، ولا تخلو هذه الصلاة من أحد وجهين: أما أن تكون حيلة وقعت منه، فلما ~~حس النبي صلى الله عليه وآله بذلك خرج مبادرا مع علته فنحاه عنها لكيلا ~~يحتج بها بعده على أمته فيكونوا في ذلك معذورين. وأما أن تكون هو الذي أمره ~~بذلك، وكان ذلك مفوضا إليه كما في قصة تبليغ براءة، فنزل جبرئيل عليه ~~السلام وقال: لا يؤديها إلا أنت أو رجل منك، فبعث عليا في طلبه وأخذها منه، ~~وعزله عنها وعن تبليغها، فكذلك كانت قصة الصلاة، وفي الحالتين هو مذموم ~~لأنه كشف عنه ما كان مستورا عليه، وفي ذلك دليل واضح أنه لا يصلح للاستخلاف ~~بعده، ولا هو مأمون على شئ من أمر الدين. # فقال الناس: صدقت. # قال أبو جعفر مؤمن الطاق: يا بن أبي حذرة ذهب دينك كله، وفضحت حيث مدحت. # فقال الناس لأبي جعفر: هات حجتك فيما ادعيت من طاعة علي عليه السلام، ~~فقال أبو جعفر مؤمن الطاق: PageV02P146 # أما من القرآن وصفا فقوله عز وجل: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ~~وكونوا مع الصادقين) (1) فوجدنا عليا بهذه الصفة في القرآن في قوله عز وجل ~~(والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس - يعني في الحرب والشغب - أولئك ~~الذين صدقوا وأولئك هم المتقون) (2) فوقع الاجماع من الأمة بأن عليا عليه ~~السلام أولى بهذا الأمر من غيره، لأنه لم يفر من زحف قط، كما فر غيره في ~~غير موضع. # فقال الناس: صدقت. # وأما الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وآله نصا، فقال: (إني تارك فيكم ~~الثقلين، ms400 ما أن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، ~~فإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض) وقوله صلى الله عليه وآله: (إنما مثل ~~أهل بيتي كمثل سفينة نوح، من ركبها نجى، ومن تخلف عنها غرق، ومن تقدمها ~~مرق، ومن لزمها لحق) (3) فالمتمسك بأهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله ~~هاد مهتد بشهادة من الرسول والمتمسك بغيرها ضال مضل. # قال الناس: صدقت يا أبا جعفر: وأما من حجة العقل فإن الناس كلهم يستعبدون ~~بطاعة العالم، ووجدنا الاجماع قد وقع على علي عليه السلام بأنه كان أعلم ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله، وكان الناس يسألونه ويحتاجون إليه، ~~وكان علي # PageV02P147 # مستغنيا عنهم، هذا من الشاهد والدليل عليه من القرآن قوله عز وجل: (أفمن ~~يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون) ~~(1) فما اتفق يوم أحسن منه، ودخل في هذا الأمر عالم كثير. # وقد كانت لأبي جعفر مؤمن الطاق مقامات مع أبي حنيفة. فمن ذلك: # ما روي أنه قال يوما من الأيام لمؤمن الطاق: إنكم تقولون بالرجعة. # قال: نعم. # قال أبو حنيفة: فاعطني الآن ألف درهم حتى أعطيك ألف دينار إذا رجعنا. # قال الطاقي لأبي حنيفة: فاعطني كفيلا بأنك ترجع إنسانا ولا ترجع خنزيرا. # وقال له يوم آخر: لم لم يطالب علي بن أبي طالب بحقه بعد وفاة رسول الله ~~إن كان له حق؟ # فأجابه مؤمن الطاق: خاف أن يقتله الجن كما قتلوا سعد بن عبادة بسهم ~~المغيرة بن شعبة. وفي رواية بسهم خالد بن الوليد (2). # PageV02P148 # وكان أبو حنيفة يوما آخر يتماشى مع مؤمن الطاق في سكة من سكك الكوفة، إذا ~~مناد ينادي من يدلني على صبي ضال؟ # فقال مؤمن الطاق: أما الصبي الضال فلم نره، وإن أردت شيخا ضالا فخذ هذا! ~~عني به: أبا حنيفة. # ولما مات الصادق عليه السلام رأى أبو حنيفة مؤمن الطاق فقال له: # مات إمامك؟ # قال: نعم. أما إمامك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم. ms401 # وروي: أنه مر فضال بن الحسن بن فضال الكوفي (1) بأبي حنيفة وهو في جمع ~~كثير، يملي عليهم شيئا من فقهه وحديثه. فقال - لصاحب كان معه -: # والله لا أبرح حتى أخجل أبا حنيفة. # فقال صاحبه الذي كان معه: إن أبا حنيفة ممن قد علت حاله، وظهرت حجته. # PageV02P149 # قال: صه! هل رأيت حجة ضال علت علي حجة مؤمن؟! ثم دنا منه فسلم عليه، فرد ~~ورد القوم السلام بأجمعهم. فقال: # يا أبا حنيفة أن أخا لي يقول: أن خير الناس بعد رسول الله علي بن أبي ~~طالب عليه السلام، وأنا أقول أبو بكر خير الناس وبعده عمر. فما تقول أنت ~~رحمك الله؟ # فأطرق مليا ثم رفع رأسه فقال: كفى بمكانهما من رسول الله صلى الله عليه ~~وآله كرما وفخرا، أما علمت أنهما ضجيعاه في قبره، فأي حجة تريد أوضح من ~~هذا؟ # فقال له فضال: إني قد قلت ذلك لأخي فقال: والله لئن كان الموضع لرسول ~~الله صلى الله عليه وآله دونهما فقد ظلما بدفنهما في موضع ليس لهما حق فيه، ~~وإن كان الموضع لهما فوهباه لرسول الله صلى الله عليه وآله لقد أساءا وما ~~أحسنا، إذ رجعا في هبتهما، ونسيا عهدهما. فأطرق أبو حنيفة ساعة ثم قال له: ~~لم يكن له ولا لهما خاصة، ولكنهما نظرا في حق عايشة وحفصة فاستحقا الدفن في ~~ذلك الموضع بحقوق ابنتيهما. # فقال له فضال: قد قلت له ذلك فقال: أنت تعلم أن النبي مات عن تسع نساء، ~~ونظرنا فإذا لكل واحدة منهن تسع الثمن، ثم نظرنا في تسع الثمن فإذا هو شبر ~~في شبر، فكيف يستحق الرجلان أكثر من ذلك، وبعد فما بال عائشة وحفصة ترثان ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وفاطمة بنته تمنع الميراث؟! # فقال أبو حنيفة: يا قوم نحوه عني فإنه رافضي خبيث. # حكي عن أبي الهذيل العلاف (1) قال: # PageV02P150 # دخلت الرقة فذكر لي أن بدير زكن رجلا مجنونا حسن الكلام، فأتيته فإذا أنا ~~بشيخ حسن الهيئة جالس على وسادة يسرح رأسه ولحيته، فسلمت عليه ms402 فرد السلام ~~وقال: ممن يكون الرجل؟ # قال: قلت: من أهل العراق. # قال: نعم. أهل الظرف والأدب. # قال: من أيها أنت؟ قلت: من أهل البصرة. # قال: أهل التجارب والعلم. # قال: فمن أيهم أنت؟ # قلت: أبو الهذيل العلاف. # قال: المتكلم؟ # قلت: بلى. # فوثب عن وسادته وأجلسني عليها ثم قال - بعد كلام جرى بيننا -: # ما تقولون في الإمامة؟ # قلت: أي الإمامة تريد؟ # قال: من تقدمون بعد النبي صلى الله عليه وآله؟ # قلت: من قدم رسول الله صلى الله عليه وآله. # قال: ومن هو؟ PageV02P151 # قلت: أبا بكر. # قال لي: يا أبا الهذيل ولم قدمتم أبا بكر؟ # قال: قلت: لأن النبي صلى الله عليه وآله قال: (قدموا خيركم وولوا أفضلكم) ~~وتراضى الناس به جميعا. # قال: يا أبا الهذيل هاهنا وقعت. # أما قولك أن النبي صلى الله عليه وآله قال: (قدموا خيركم وولوا أفضلكم) ~~فإني أوجدك (1). أن أبا بكر صعد المنبر قال: (وليتكم ولست بخيركم وعلي ~~فيكم) فإن كانوا كذبوا عليه فقد خالفوا أمر النبي صلى الله عليه وآله، وإن ~~كان هو الكاذب على نفسه فمنبر رسول الله لا يصعده الكاذبون. # وأما قولك: أن الناس تراضوا به، فإن أكثر الأنصار قالوا منا أمير ومنكم ~~أمير، وأما المهاجرون فإن الزبير بن العوام قال: لا أبايع إلا عليا، فأمر ~~به فكسر سيفه، وجاء أبو سفيان بن حرب وقال: يا أبا الحسن لو شئت لأملأنها ~~خيلا ورجالا يعني: (المدينة) وخرج سلمان فقال بالفارسي: (كرديد ونكرديد، ~~وندانيد كه جه كرديد) (2) والمقداد وأبو ذر، فهؤلاء المهاجرون والأنصار. # أخبرني يا أبا الهذيل عن قيام أبي بكر على المنبر وقوله: أن لي شيطانا ~~يعتريني، فإذا رأيتموني مغضبا فاحذروني، لا أقع في أشعاركم وأبشاركم (3) # PageV02P152 # فهو يخبركم على المنبر أني مجنون، وكيف يحل لكم أن تولوا مجنونا؟! # وأخبرني يا أبا الهذيل عن قيام عمر وقوله: وددت أني شعرة في صدر أبي بكر، ~~ثم قام بعدها بجمعة فقال: (أن بيعة أبي بكر كانت فلتة وقى الله شرها فمن ~~دعاكم إلى مثلها فاقتلوه) (1) فبينما هو يود أن ms403 يكون شعرة في صدره، وبينما ~~هو يأمر بقتل من بايع مثله. # فأخبرني يا أبا الهذيل عن الذي زعم أن النبي صلى الله عليه وآله لم ~~يستخلف، وأن أبا بكر استخلف عمر، وأن عمر لم يستخلف، فأرى أمركم بينكم ~~متناقضا. # وأخبرني يا أبا الهذيل عن عمر حين صيرها شورى بين ستة، وزعم: أنهم من أهل ~~الجنة فقال: (إن خالف اثنان لأربعة فاقتلوا الاثنين، وإن خالف ثلاثة ~~لثلاثة، فاقتلوا الثلاثة الذين ليس فيهم عبد الرحمن بن عوف) فهذه ديانة أن ~~يأمر بقتل أهل الجنة؟!!! # وأخبرني يا أبا الهذيل عن عمر لما طعن دخل عليه عبد الله بن عباس قال: # فرأيته جزعا فقلت: # يا أمير المؤمنين ما هذا الجزع؟ # قال: يا بن عباس ما جزعي لأجلي ولكن جزعي لهذا الأمر من يليه بعدي. # قال: قلت: ولها طلحة بن عبيد الله. # قال: رجل له حدة، كان النبي صلى الله عليه وآله يعرفه فلا أولي أمر ~~المسلمين حديدا. # PageV02P153 # قال: قلت: ولها زبير بن العوام. # قال: رجل بخيل، رأيته يماكس امرأته في كبة من غزل، فلا أولي أمور ~~المسلمين بخيلا. # قال: قلت: ولها سعد بن أبي وقاص. # قال: رجل صاحب فرس وقوس، وليس من أحلاس الخلافة (1) قال: قلت: ولها عبد ~~الرحمن بن عوف. # قال: رجل ليس يحسن أن يكفي عياله. # قال: قلت: ولها عبد الله بن عمر. # فاستوى جالسا ثم قال: يا بن عباس! ما الله أردت بهذا أولي رجلا لم يحسن ~~أن يطلق امرأته؟! # قال: قلت: ولها عثمان بن عفان. # قال: والله لئن وليته ليحملن بني أبي معيط على رقاب المسلمين، ويوشك أن ~~يقتلوه. قالها ثلاثا. # قال: ثم سكت لما أعرف من مغائرته لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه ~~السلام. # فقال: يا بن عباس أذكر صاحبك. # قال: قلت: فولها عليا. # قال: فوالله ما جزعي إلا لما أخذنا الحق من أربابه، والله لئن وليته ~~ليحملنهم على المحجة العظمى، وإن يطيعوه يدخلهم الجنة، فهو يقول هذا ثم ~~صيرها شورى بين الستة فويل له من ربه!!! # قال ms404 أبو الهذيل: فوالله بينما هو يكلمني إذ اختلط، وذهب عقله. فأخبرت ~~المأمون بقصته، وكان من قصته أن ذهب بماله وضياعه حيلة وغدرا، فبعث إليه ~~المأمون، فجاء به وعالجه وكان قد ذهب عقله بما صنع به، فرد عليه ماله ~~وضياعه # PageV02P154 # وصيره نديما، فكان المأمون يتشيع لذلك، والحمد لله على كل حال. # وقد جاءت الآثار عن الأئمة الأبرار عليهم السلام: بفضل من نصب نفسه من ~~علماء شيعتهم لمنع أهل البدعة والضلال عن التسلط على ضعفاء الشيعة ~~ومساكينهم، وقمعهم بحسب تمكنهم وطاقتهم، فمن ذلك ما روي: عن أبي محمد الحسن ~~بن علي العسكري عليه السلام، أنه قال: # قال جعفر بن محمد عليه السلام: علماء شيعتنا مرابطون في الثغر الذي يلي ~~إبليس وعفاريته، يمنعونهم عن الخروج على ضعفاء شيعتنا، وعن أن يتسلط عليهم ~~إبليس وشيعته النواصب، ألا فمن انتصب لذلك من شيعتنا كان أفضل ممن جاهد ~~الروم والترك والخزر ألف ألف مرة، لأنه يدفع عن أديان محبينا، وذلك يدفع عن ~~أبدانهم. # احتجاج أبي إبراهيم موسى بن جعفر عليهما السلام في أشياء شتى على ~~المخالفين. # الحسن بن عبد الرحمن الحماني (1) قال: قلت لأبي إبراهيم عليه السلام: أن ~~هشام بن الحكم زعم: أن الله تعالى جسم ليس كمثله شئ، عالم، سميع، بصير ~~قادر، متكلم، ناطق، والكلام والقدرة والعلم يجري مجرى واحد، ليس شئ منها ~~مخلوقا. # فقال: قاتله الله. أما علم أن الجسم محدود؟! والكلام غير المتكلم؟ معاذ ~~الله وأبرء إلى الله من هذا القول. لا جسم، ولا صورة، ولا تحديد، وكل شئ ~~سواه مخلوق، وإنما تكون الأشياء بإرادته ومشيئته من غير كلام ولا تردد في ~~نفس، ولا نطق بلسان. # PageV02P155 # وعن يعقوب بن جعفر (1) عن أبي إبراهيم عليه السلام أنه قال: لا أقول أنه ~~قائم فأزيله عن مكان، ولا أحده بمكان يكون فيه، ولا أحده أن يتحرك في شئ من ~~الأركان والجوارح، ولا أحده بلفظ شق فم، ولكن كما قال عز وجل: # (إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون) (2) بمشيته من غير تردد ~~في ms405 نفس صمدا فردا لم يحتج إلى شريك يدبر له ملكه، ولا يفتح له أبواب علمه. # وعن يعقوب بن جعفر الجعفري أيضا، عن أبي إبراهيم موسى عليه السلام قال: # ذكر عنده قوم زعموا: أن الله تبارك وتعالى ينزل إلى السماء الدنيا فقال: # أن الله لا ينزل، ولا يحتاج أن ينزل، إنما منظره في القرب والبعد سواء لم ~~يبعد منه بعيد، ولا يقرب منه قريب، ولم يحتج إلى شئ بل يحتاج إليه كل شئ، ~~وهو ذو الطول لا إله إلا هو العزيز الحكيم! # أما قول الواصفين: أنه ينزل تبارك وتعالى عن ذلك علوا كبيرا، فإنما يقول ~~ذلك من ينسبه إلى نقص أو زيادة، وكل متحرك يحتاج إلى من يحركه ويتحرك به ~~(3) فمن ظن بالله الظنون فقد هلك، فاحذروا في صفاته من أن تقفوا له على حد ~~تحدونه بنقص أو زيادة، أو تحريك أو تحرك، زوال أو استنزال، أو نهوض أو ~~قعود، فإن الله جل وعز عن صفة الواصفين، ونعت الناعتين وتوهم المتوهمين. # PageV02P156 # وعن الحسن بن راشد (1) قال: سئل أبو الحسن موسى عليه السلام عن معنى قول ~~الله تعالى: (الرحمن على العرش استوى) (2) فقال: استولى على ما دق وجل. # وعن يعقوب بن جعفر الجعفري قال: سأل رجل يقال له عبد الغفار المسمى أبا ~~إبراهيم موسى بن جعفر عليه السلام عن قول الله تعالى: (ثم دنى فتدلى فكان ~~قاب قوسين أو أدنى) (3) قال: أرى هاهنا خروجا من حجب، وتدليا إلى الأرض، ~~وأرى محمدا رأى ربه بقلبه، ونسب إلى بصره، فكيف هذا؟ # فقال أبو إبراهيم: دنى فتدلى، فإنه لم يزل عن موضع ولم يتدل ببدن. # فقال عبد الغفار: أصفه بما وصف به نفسه حيث قال: (دنى فتدلى) فلم يتدل عن ~~مجلسه إلا وقد زال عنه، ولولا ذلك لم يصف بذلك نفسه. # فقال أبو إبراهيم عليه السلام: أن هذه لغة في قريش، إذا أراد رجل منهم أن ~~يقول: قد سمعت يقول: قد تدليت، وإنما التدلي: الفهم. # وعن داود بن قبيصة (4) قال: سمعت الرضا عليه السلام يقول: ms406 سئل أبي عليه ~~السلام هل منع الله عما أمر به، وهل نهى عما أراد، وهل أعان على ما لم يرد؟ # فقال عليه السلام: أما ما سألت: (هل منع الله عما أمر به؟) فلا يجوز ذلك، ~~ولو جاز ذلك لكان قد منع إبليس عن السجود لآدم، ولو منع إبليس لعذره ولم ~~يلعنه. # PageV02P157 # وأما ما سألت: (هل نهى عما أراد؟) فلا يجوز ذلك، ولو جاز ذلك لكان حيث ~~نهى آدم عن أكل الشجرة أراد منه أكلها، ولو أراد منه أكلها لما نادى عليه ~~صبيان الكتاتيب: (وعصى آدم ربه فغوى) والله تعالى لا يجوز عليه أن يأمر بشئ ~~ويريد غيره. # وأما ما سألت عنه من قولك: (هل أعان على ما لم يرد؟) ولا يجوز ذلك وجل ~~الله تعالى عن أن يعين على قتل الأنبياء وتكذيبهم، وقتل الحسين بن علي عليه ~~السلام والفضلاء من ولده، وكيف يعين على ما لم يرد وقد أعد جهنم لمخالفيه، ~~ولعنهم على تكذيبهم لطاعته، وارتكابهم لمخالفته؟! ولو جاز أن يعين على ما ~~لم يرد لكان أعان فرعون على كفره وادعائه أنه رب العالمين، أفترى أراد الله ~~من فرعون أن يدعي الربوبية. يستتاب قائل هذا القول، فإن تاب من كذبه على ~~الله وإلا ضربت عنقه. # وروي عن الحسن بن علي بن محمد العسكري عليه السلام: أن أبا الحسن موسى ~~ابن جعفر عليه السلام قال: # أن الله خلق الخلق فعلم ما هم إليه صايرون فأمرهم ونهاهم، فما أمرهم به ~~من شئ فقد جعل لهم السبيل إلى الأخذ به، وما نهاهم عنه من شئ فقد جعل لهم ~~السبيل إلى تركه، ولا يكونون آخذين ولا تاركين إلا بأذنه، وما جبر الله ~~أحدا من خلقه على معصيته، بل اختبرهم بالبلوى وكما قال: (ليبلوكم أيكم أحسن ~~عملا) (1). # قوله: ولا يكونون آخذين ولا تاركين إلا بإذنه، أي: بتخليته وعلمه. # وروي: أنه دخل أبو حنيفة المدينة ومعه عبد الله بن مسلم فقال له: # يا أبا حنيفة إن هاهنا جعفر بن محمد من علماء آل محمد فاذهب بنا ms407 إليه ~~نقتبس منه علما، فلما أتيا إذا هما بجماعة من علماء شيعته ينتظرون خروجه أو ~~دخولهم عليه، فبينما هم كذلك إذ خرج غلام حدث فقام الناس هيبة له، فالتفت ~~أبو حنيفة فقال: # يا ابن مسلم من هذا؟ # PageV02P158 # قال: موسى ابنه. # قال: والله أخجله بين يدي شيعته قال له: لن تقدر على ذلك. # قال: والله لأفعلنه، ثم التفت إلى موسى فقال: # يا غلام أين يضع الغريب في بلدتكم هذه؟ # قال: يتوارى خلف الجدار، ويتوقى أعين الجار، وشطوط الأنهار، ومسقط ~~الثمار، ولا يستقبل القبلة ولا يستدبرها، فحينئذ يضع حيث شاء. # ثم قال: يا غلام ممن المعصية؟ # قال: يا شيخ لا تخلو من ثلاث: # أما أن تكون من الله وليس من العبد شئ، فليس للحكيم أن يأخذ عبده بما لم ~~يفعله. # وأما أن تكون من العبد ومن الله، والله أقوى الشريكين فليس للشريك الأكبر ~~أن يأخذ الشريك الأصغر بذنبه. # وأما أن تكون من العبد وليس من الله شئ، فإن شاء عفى وإن شاء عاقب. # قال: فأصابت أبا حنيفة سكتة كأنما ألقم فوه الحجر. # قال: فقلت له: ألم أقل لك لا تتعرض لأولاد رسول الله. وفي ذلك يقول ~~الشاعر: # لم تخل أفعالنا اللاتي نذم بها * إحدى ثلاث معان حين نأتيها إما تفرد ~~بارينا بصنعتها * فيسقط اللوم عنا حين ننشيها أو كان يشركنا فيها فيلحقه * ~~ما سوف يلحقنا من لائم فيها أو لم يكن لإلهي في جنايتها * ذنب فما الذنب ~~إلا ذنب جانيها روي عن علي بن يقطين (1) أنه قال: أمر أبو جعفر الدوانيقي ~~يقطين أن # PageV02P159 # يحفر له بئرا بقصر العبادي، فلم يزل يقطين في حفرها حتى مات أبو جعفر ولم ~~يستنبط منها الماء، وأخبر المهدي بذلك فقال له: احفر أبدا حتى يستنبط الماء ~~ولو أنفقت عليها جميع ما في بيت المال. # قال: فوجه يقطين أخاه أبا موسى في حفرها، فلم يزل يحفر حتى ثقبوا ثقبا في ~~أسفل الأرض فخرجت منه الريح (قال): فهالهم ذلك، فأخبروا به أبا موسى. # فقال: انزلوني (قال): فأنزل وكان رأس ms408 البئر أربعين ذراعا في أربعين ذراع، ~~فأجلس في شق محمل ودلي في البئر، فلما صار في قعرها نظر إلى هول، وسمع دوي ~~الريح في أسفل ذلك، فأمرهم أن يوسعوا الخرق فجعلوه شبه الباب العظيم، ثم ~~دلي فيه رجلا في شق محمل فقال: ايتوني بخبر هذا ما هو؟] PageV02P160 # قال: فنزلا في شق محمل فمكثا مليا ثم حركا الحبل فأصعدا، فقال لهما: # ما رأيتما؟ # قالا: أمرا عظيما. رجالا، ونساءا، وبيوتا، وآنية، ومتاعا، كله ممسوخ من ~~حجارة فأما الرجال والنساء فعليهم ثيابهم، فمن بين قاعد ومضطجع ومتكئ فلما ~~مسسناهم إذا ثيابهم تتفشا شبه الهباء، ومنازل قائمة، قال: فكتب بذلك أبو ~~موسى إلى المهدي، فكتب المهدي إلى المدينة إلى موسى بن جعفر، يسأله: أن ~~يقدم عليه فقدم عليه، فأخبره فبكى بكاءا شديدا، وقال: يا أمير المؤمنين ~~هؤلاء بقية قوم عاد، غضب الله عليهم فساخت بهم منازلهم، هؤلاء أصحاب ~~الأحقاف. # قال: فقال له المهدي: يا أبا الحسن وما الأحقاف؟ قال: الرمل. # وحدث. أبو أحمد هاني بن محمد العبدي (1) قال: حدثني أبو محمد رفعه إلى ~~موسى بن جعفر عليه السلام قال: لما أدخلت على الرشيد سلمت عليه فرد علي ~~السلام ثم قال: يا موسى بن جعفر خليفتان يجئ إليهما الخراج؟ # فقلت: يا أمير المؤمنين أعيذك بالله أن تبوء بإثمي وإثمك، فتقبل الباطل ~~من أعدائنا علينا، فقد علمت بأنه قد كذب علينا منذ قبض رسول الله صلى الله ~~عليه وآله، أما علم ذلك عندك، فإن رأيت بقرابتك من رسول الله صلى الله عليه ~~وآله أن تأذن لي أحدثك بحديث أخبرني به أبي عن آبائه عن جدي رسول الله صلى ~~الله عليه وآله؟ # فقال: قد أذنت لك. # فقلت: أخبرني أي عن آبائه عن جدي رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: ~~(أن الرحم إذا مست الرحم تحركت واضطربت) فناولني يدك جعلني الله فداك. # قال: ادن مني! فدنوت منه، فأخذ بيدي ثم جذبني إلى نفسه وعانقني طويلا، ثم ~~تركني وقال: (اجلس يا موسى! فليس عليك بأس، فنظرت إليه ms409 فإذا به قد دمعت ~~عيناه، فرجعت إلى نفسي. فقال: صدقت وصدق جدك صلى الله عليه وآله، لقد # PageV02P161 # تحرك دمي واضطربت عروقي. حتى غلبت علي الرقة، وفاضت عيناي. وأنا أريد أن ~~أسألك عن أشياء تتلجلج في صدري منذ حين لم أسأل عنها أحدا، فإن أنت أجبتني ~~عنها خليت عنك ولم أقبل قول أحد فيك، وقد بلغني أنك لم تكذب قط فأصدقني ~~فيما أسألك ما في قلبي. # فقلت: ما كان علمه عندي فإني مخبرك به إن أنت أمنتني. # قال: لك الأمان إن صدقتني وتركت التقية التي تعرفون بها معاشر بني فاطمة، ~~قلت ليسأل أمير المؤمنين عما يشاء. # قال: اخبرني لم فضلتم علينا ونحن وأنتم من شجرة واحدة، وبنو عبد المطلب ~~ونحن وأنتم واحد، أنا بنو عباس وأنتم ولد أبي طالب، وهما عما رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وقرابتهما منه سواء؟ # فقلت: نحن أقرب. # قال: وكيف ذاك؟ # قلت: لأن عبد الله وأبا طالب لأب وأم، وأبوكم العباس ليس هو من أم عبد ~~الله ولا من أم أبي طالب. # قال: فلم ادعيتم أنكم ورثتم النبي صلى الله عليه وآله، والعم يحجب ابن ~~العم، وقبض رسول الله صلى الله عليه وآله وقد توفي أبو طالب قبله والعباس ~~عمه حي؟ فقلت له: إن رأى أمير المؤمنين أن يعفني عن هذه المسألة، ويسألني ~~عن كل باب سواه يريده. # فقال: لا. أو تجيب. # فقلت: فآمني. # قال: آمنتك قبل الكلام. # فقلت: إن في قول علي بن أبي طالب عليه السلام: أنه ليس مع ولد الصلب ذكرا ~~كان أو أنثى لأحد سهم، إلا الأبوين والزوج والزوجة، ولم يثبت للعلم مع ولد ~~الصلب ميراث، ولم ينطق به الكتاب العزيز والسنة إلا أن تيما وعديا وبني ~~أمية قالوا: (العم والد) رأيا منهم بلا حقيقة، ولا أثر عن رسول الله صلى ~~الله عليه وآله، ومن PageV02P162 # قال بقول علي من العلماء قضاياهم خلاف قضايا هؤلاء، هذا نوح بن دراج يقول ~~في هذه المسألة بقول علي وقد حكم به، وقد ولاه أمير المؤمنين المصرين ms410 ~~الكوفة والبصرة، وقضى به، فأنهي إلى أمير المؤمنين فأمر بإحضاره وإحضار من ~~يقول بخلاف قوله، منهم: سفيان الثوري، وإبراهيم المازني، والفضيل بن عياض، ~~فشهدوا أنه قول علي عليه السلام في هذه المسألة. فقال لهم فيما بلغني بعض ~~العلماء من أهل الحجاز: لم لا تفتون وقد قضى نوح بن دراج؟ # فقالوا: جسر وجبنا. وقد أمضى أمير المؤمنين قضيته بقول قدماء العامة عن ~~النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: (أقضاكم علي) وكذلك عمر بن الخطاب قال: ~~(علي أقضانا) وهو اسم جامع، لأن جميع ما مدح به النبي صلى الله عليه وآله ~~أصحابه من القرابة والفرائض والعلم داخل في القضاء. # قال: زدني يا موسى! # قلت: المجالس بالأمانات وخاصة مجلسك. # فقال: لا بأس به. # فقلت: إن النبي لم يورث من لم يهاجر، ولا أثبت له ولاية حتى يهاجر. # فقال: ما حجتك فيه. # قلت: قول الله تبارك وتعالى: (والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ~~ولايتهم من شئ حتى يهاجروا) (1) وأن عمي العباس لم يهاجر. # فقال لي: إني أسألك يا موسى هل أفتيت بذلك أحدا من أعدائنا، أو أخبرت ~~أحدا من الفقهاء في هذه المسألة بشئ؟ # فقلت: اللهم لا. وما سألني عنها إلا أمير المؤمنين. # ثم قال لي: جوزتم للعامة والخاصة أن ينسبوكم إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وآله، ويقولوا لكم: يا بني رسول الله، وأنتم بنو علي، وإنما ينسب المرء إلى ~~أبيه، وفاطمة إنما هي وعاء، والنبي جدكم من قبل أمكم. # PageV02P163 # فقلت: يا أمير المؤمنين لو أن النبي نشر فخطب إليك كريمتك، هل كنت تجيبه؟ # قال: سبحان الله! ولم لا أجبه، بل أفتخر على العرب والعجم وقريش بذلك؟ # فقلت له: لكنه لا يخطب إلي ولا أزوجه. # فقال: ولم؟ # فقلت: لأنه ولدني ولم يلدك. # فقال: أحسنت يا موسى! ثم قال: كيف قلتم أنا ذرية النبي والنبي لم يعقب، ~~وإنما العقب الذكر لا الأنثى، وأنتم ولد الابنة ولا يكون ولدها عقبا له. # فقلت: أسألك بحق القرابة والقبر ومن فيه، إلا أعفيتني عن هذه المسألة. ms411 # فقال: لا أو تخبرني بحجتكم فيه يا ولد علي! وأنت يا موسى يعسوبهم، وإمام ~~زمانهم، كذا أنهي إلي، ولست أعفيك في كل ما أسألك عنه، حتى تأتيني فيه بحجة ~~من كتاب الله، وأنتم تدعون معشر ولد علي أنه لا يسقط عنكم منه شئ ألف ولا ~~واو إلا تأويله عندكم، واحتججتم بقوله عز وجل: (ما فرطنا في الكتاب من شئ) ~~(1) واستغنيتم عن رأي العلماء وقياسهم. # فقلت: تأذن لي في الجواب؟ # قال: هات. # فقلت: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم: (ومن ذريته ~~داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين * وزكريا ويحيى ~~وعيسى وإلياس كل من الصالحين) (2) من أبو عيسى يا أمير المؤمنين؟ # فقال: ليس لعيسى أب. # فقلت: إنما ألحقناه بذراري الأنبياء عليهم السلام من طريق مريم عليها ~~السلام وكذلك ألحقنا بذراري النبي صلى الله عليه وآله من قبل آمنا فاطمة، ~~أزيدك يا أمير المؤمنين؟ # قال: هات # PageV02P164 # قلت: قول الله عز وجل: (فمن حاجك فيه من بعد ما جائك من العلم فقل تعالوا ~~ندع أبنائنا وأبنائكم ونسائنا ونسائكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة ~~الله على الكاذبين) (1) ولم يدع أحد أنه أدخله النبي صلى الله عليه وآله ~~تحت الكساء عند مباهلة النصارى إلا علي بن أبي طالب عليه السلام وفاطمة، ~~والحسن والحسين أبنائنا الحسن والحسين ونسائنا فاطمة، وأنفسنا علي بن أبي ~~طالب عليه السلام. على أن العلماء قد أجمعوا على أن جبرئيل قال يوم أحد: ~~(يا محمد إن هذه لهي المواساة من علي) قال: (لأنه مني وأنا منه). # فقال جبرئيل: (وأنا منكما يا رسول الله) (2) ثم قال: لا سيف إلا ذو ~~الفقار ولا فتى إلا علي، فكان كما مدح الله عز وجل به خليله عليه السلام إذ ~~يقول: # (قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم) (3) إنا نفتخر بقول جبرئيل أنه ~~منا فقال: أحسنت يا موسى! إرفع إلينا حوائجك. # فقلت له: إن أول حاجة لي أن تأذن لابن عمك أن يرجع إلى حرم جده وإلى ~~عياله. # فقال: ننظر إن ms412 شاء الله. # وروي أن المأمون قال لقومه: أتدرون من علمني التشيع؟ # فقال القوم: لا والله ما نعلم ذلك. # قال: علمنيه الرشيد! قيل له: # وكيف ذلك، والرشيد يقتل أهل البيت؟! # قال: كان الرشيد يقتلهم على الملك، لأن الملك عقيم، ثم قال: إنه دخل موسى ~~بن جعفر عليهما السلام على الرشيد يوما فقام إليه، واستقبله وأجلسه في ~~الصدر وقعد بين يديه، وجرى بينهما أشياء، ثم قال موسى بن جعفر عليه السلام ~~لأبي: # PageV02P165 # يا أمير المؤمنين إن الله عز وجل قد فرض على الولاة عهده: أن ينعشوا ~~فقراء هذه الأمة، ويقضوا عن الغارمين، ويؤدوا عن المثقل، ويكسوا العاري، ~~ويحسنوا إلى العاني، وأنت أولى من يفعل ذلك. # فقال: أفعل يا أبا الحسن. ثم قام فقام الرشيد لقيامه، وقبل بين عينيه ~~ووجهه، ثم أقبل علي وعلى الأمين والمؤتمن فقال: # يا عبد الله! ويا محمد! ويا إبراهيم! امشوا بين يدي ابن عمكم وسيدكم، ~~خذوا بركابه، وسووا عليه ثيابه، وشيعوه إلى منزله، فأقبل إلي أبو الحسن ~~موسى بن جعفر عليه السلام سرا بيني وبينه فبشرني بالخلافة. وقال لي: (إذا ~~ملكت هذا الأمر فأحسن إلى ولدي). # ثم انصرفنا وكنت أجرأ ولد أبي عليه، فلما خلا المجلس قلت: # يا أمير المؤمنين ومن هذا الرجل الذي أعظمته وأجللته، وقمت من مجلسك إليه ~~فاستقبلته، وأقعدته في صدر المجلس، وجلست دونه، ثم أمرتنا بأخذ الركاب له؟ # قال: هذا إمام الناس، وحجة الله على خلقه، وخليفته على عباده. # فقلت: يا أمير المؤمنين أو ليست هذه الصفات كلها لك وفيك؟ # فقال: أنا إمام الجماعة في الظاهر بالغلبة والقهر، وموسى بن جعفر إمام ~~حق، والله يا بني أنه لأحق بمقام رسول الله مني ومن الخلق جميعا، ووالله لو ~~نازعتني في هذا الأمر لأخذت الذي فيه عيناك، لأن الملك عقيم. # فلما أراد الرحيل من المدينة إلى مكة أمر بصرة سوداء فيها مائتا دينار، ~~ثم أقبل على الفضل فقال له: # إذهب إلى موسى بن جعفر وقل له: يقول لك أمير المؤمنين نحن في ضيقة ~~وسيأتيك برنا بعد ms413 هذا الوقت. # فقمت في وجهه فقلت: يا أمير المؤمنين! تعطي أبناء المهاجرين والأنصار ~~وسائر قريش وبني هاشم ومن لا تعرف حسبه ونسبه: خمسة آلاف دينار إلى ~~PageV02P166 # ما دونها. وتعطي موسى بن جعفر وقد عظمته وأجللته مائتي دينار، وأخس عطية ~~أعطيتها أحدا من الناس؟ # فقال: اسكت لا أم لك! فإني لو أعطيته هذا ما ضمنته له، ما كنت آمنه أن ~~يضرب وجهي غدا بمائة ألف سيف من شيعته ومواليه، وفقر هذا وأهل بيته أسلم لي ~~ولكم من بسط أيديهم وإغنائهم. # وقيل: ولما دخل هارون الرشيد المدينة، توجه لزيارة النبي صلى الله عليه ~~وآله ومعه الناس، فقدم إلى قبر النبي صلى الله عليه وآله فقال! # السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا بن العم، مفتخرا بذلك على ~~غيره. # فتقدم أبو الحسن موسى بن جعفر إلى القبر فقال: # السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبة. # فتغير وجه الرشيد وتبين الغيظ فيه. # وروي: عن أبي الحسن موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام أنه قال: لما سمعت ~~هذا البيت - وهو لمروان بن أبي حفصة -: # أنى يكون ولا يكون ولم يكن * لبني البنات وراثة الأعمام دار في ذلك ~~ليلتي، فنمت تلك الليلة فسمعت هاتفا في منامي يقول: # أنى يكون ولا يكون ولم يكن * للمشركين دعائم الإسلام لبني البنات نصيبهم ~~من جدهم * والعم متروك بغير سهام ما للطليق وللتراث وإنما * سجد الطليق ~~مخافة الصمصام (1) # PageV02P167 # وبقي ابن نثلة واقفا متلددا * فيه ويمنعه ذوو الأرحام إن ابن فاطمة ~~المنوه باسمه * حاز التراث سوى بني الأعمام وسأل محمد بن الحسن أبا الحسن ~~موسى عليه السلام - بمحضر من الرشيد وهم بمكة - فقال له: أيجوز للمحرم إن ~~يظلل عليه محمله؟ # فقال له موسى عليه السلام: لا يجوز له ذلك مع الاختيار. # فقال له محمد بن الحسن: أفيجوز أن يمشي تحت الظلال مختارا. # فقال له: نعم. # فتضاحك محمد بن الحسن من ذلك. # فقال له أبو الحسن موسى عليه السلام: أتعجب من سنة النبي وتستهزئ بها؟ # إن رسول الله صلى الله ms414 عليه وآله كشف ظلاله في إحرامه، ومشى تحت الظلال ~~وهو محرم. إن أحكام الله تعالى يا محمد لا تقاس، فمن قاس بعضها على بعض فقد ~~ضل عن السبيل. # فسكت محمد بن الحسن لا يرجع جوابا. # وقد جرى لأبي يوسف مع أبي الحسن موسى صلوات الله عليه بمحضر المهدي ما ~~يقرب من ذلك. وهو: أن موسى عليه السلام سأل أبا يوسف عن مسألة ليس فيها ~~عنده شئ. فقال لأبي الحسن موسى عليه السلام: إني أريد أن أسألك عن شئ. # قال: هات. # فقال: ما تقول في التظليل للمحرم؟ # قال: لا يصلح. # قال: فيضرب الخباء في الأرض فيدخل فيه؟ # قال: نعم. PageV02P168 # قال: فما فرق بين هذا وذلك. # قال أبو الحسن موسى عليه السلام: ما تقول في (الطامث) تقضي الصلاة؟ # قال: لا. # قال: تقضي الصوم؟ # قال: نعم. # قال: ولم؟ # قال: إن هذا كذا جاء. # قال أبو الحسن عليه السلام: وكذلك هذا. # قال: المهدي لأبي يوسف: ما أراك صنعت شيئا! # قال: يا أمير المؤمنين رماني بحجة وعن أبي محمد الحسن العسكري عليه ~~السلام قال: قال رجل من خواص الشيعة لموسى بن جعفر عليه السلام - وهو يرتعد ~~بعد ما خلا به -: # يا بن رسول الله صلى الله عليه وآله ما أخوفني أن يكون فلان بن فلان ~~ينافقك في إظهاره اعتقاد وصيتك وإمامتك. # فقال موسى عليه السلام: وكيف ذاك؟ # قال: لأني حضرت معه اليوم في مجلس فلان وكان معه رجل من كبار أهل بغداد، ~~فقال له صاحب المجلس: # أنت تزعم: أن صاحبك موسى بن جعفر إمام دون هذا الخليفة القاعد على سريره؟ # قال له صاحبك هذا: ما أقول هذا، بل أزعم: أن موسى بن جعفر غير إمام، وإن ~~لم أكن أعتقد أنه غير إمام فعلي وعلى من لم يعتقد ذلك لعنة الله والملائكة ~~والناس أجمعين. # فقال له صاحب المجلس: جزاك الله خيرا، ولعن من وشى بك إلي فقال له موسى ~~بن جعفر عليه السلام: ليس كما ظننت، ولكن صاحبك أفقه PageV02P169 # منك. إنما قال: موسى غير إمام، أي ms415 أن الذي هو غير إمام فموسى غيره، فهو ~~إذا إمام، فإنما أثبت بقوله هذا إمامتي ونفى إمامة غيري (1) يا عبد الله ~~متى يزول عنك هذا الذي ظننته بأخيك هذا من النفاق؟ تب إلى الله. ففهم الرجل ~~ما قاله واغتم، ثم قال: # يا بن رسول الله ما لي مال فأرضيه به، ولكن قد وهبت له شطر عملي كله، من ~~تعبدي وصلاتي عليكم أهل البيت، ومن لعنتي لأعدائكم. # قال موسى عليه السلام: الآن خرجت من النار. # وروي أيضا عنه عليه السلام: أنه قال: # فقيه واحد ينقذ يتيما من أيتامنا المنقطعين عن مشاهدتنا بتعليم ما هو ~~محتاج إليه، أشد على إبليس من ألف عابد، لأن العابد همه ذات نفسه فقط، وهذا ~~همه مع ذات نفسه ذات عباد الله وإمائه، لينقذهم من يد إبليس ومردته، ولذلك ~~هو أفضل عند الله من ألف عابد، وألف ألف عابد. # وروي أنه عليه السلام كان حسن الصوت، وحسن القراءة، وقال يوما من الأيام: # أن علي بن الحسين عليه السلام كان يقرء القرآن فربما مر به المار فصعق من ~~حسن صوته، وأن الإمام لو أظهر من ذلك شيئا لما احتمله الناس، قيل له: # ألم يكن رسول الله صلى الله عليه وآله يصلي بالناس ويرفع صوته بالقرآن؟ # فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يحمل من خلفه ما يطيقون. # احتجاج أبي الحسن علي بن موسى الرضا (ع) في التوحيد والعدل وغيرهما على ~~المخالف والمؤالف والأجانب والأقارب. # دخل عليه رجل فقال له: # يا بن رسول الله ما الدليل على حدوث العالم؟ # PageV02P170 # فقال: إنك لم تكن ثم كنت، وقد علمت أنك لم تكون نفسك، ولا كونك من هو ~~مثلك. # وعن محمد بن عبد الله الخراساني (1) خادم الرضا عليه السلام قال: دخل رجل ~~من الزنادقة على الرضا عليه السلام وعنده جماعة. # فقال له أبو الحسن: أرأيت إن كان القول قولكم - وليس هو كما تقولون - ~~ألسنا وإياكم شرعا سواء، ولا يضرنا ما صلينا وصمنا وزكينا وأقررنا؟ # فسكت. فقال أبو الحسن: وإن لم ms416 يكن القول قولنا، وهو كما نقول، ألستم قد ~~هلكتم ونجونا. # قال الزنديق: رحمك الله فأوجدني كيف هو، وأين هو؟ # قال: ويلك! إن الذي ذهبت إليه غلط، وهو أين الأين، وكان ولا أين، وهو كيف ~~الكيف، وكان ولا كيف، ولا يعرف بكيفوفية، ولا بأينونية، ولا يدرك بحاسة، ~~ولا يقاس بشئ. # قال الرجل: فإذن إنه لا شئ، إذ لم يدرك بحاسة من الحواس. # فقال أبو الحسن: ويلك! لما عجزت حواسك عن إدراكه أنكرت ربوبيته ونحن إذا ~~عجزت حواسنا عن إدراكه أيقنا أنه ربنا، وأنه شئ بخلاف الأشياء. # قال الرجل: فأخبرني متى كان؟ # قال أبو الحسن عليه السلام: أخبرني متى لم يكن، فأخبرك متى كان؟! # قال الرجل: فما الدليل عليه؟ # قال أبو الحسن: أني لما نظرت إلى جسدي فلم يمكني فيه زيادة ولا نقصان في ~~العرض والطول، ودفع المكاره عنه، وجر المنفعة إليه، علمت أن لهذا البنيان ~~بانيا فأقررت به، مع ما أرى من دوران الفلك بقدرته. وإنشاء السحاب، وتصريف ~~الرياح، ومجرى الشمس والقمر والنجوم، وغير ذلك من الآيات العجيبات # PageV02P171 # المتقنات، علمت أن لهذا مقدرا ومنشئا. # قال الرجل: فلم لا تدركه حاسة البصر؟ # قال: للفرق بينه وبين خلقه الذين تدركهم حاسة الأبصار، منهم ومن غيرهم، ~~ثم هو أجل من أن يدركه بصر، أو يحيط به وهم، أو يضبطه عقل. # قال: فحده لي! # قال: لا حد له. # قال: ولم؟ # قال: لأن كل محدود متناه، وإذا احتمل التحديد احتمل الزيادة، وإذا احتمل ~~الزيادة احتمل النقصان، فهو غير محدود، ولا متزايد ولا متناقص، ولا متجزي، ~~ولا متوهم. # قال الرجل: فأخبرني عن قولكم: أنه لطيف، وسميع، وبصير، وعليم وحكيم، ~~أيكون السميع إلا بالأذن، والبصير إلا بالعين، واللطيف إلا بعمل اليدين ~~والحكيم إلا بالصنعة؟ # فقال أبو الحسن عليه السلام: إن اللطيف منا على حد إيجاد الصنعة، أو ما ~~رأيت أن الرجل اتخذ شيئا فيلطف في اتخاذه؟ فيقال: ما ألطف فلانا. فكيف لا ~~يقال للخالق الجليل: (لطيف) إذ خلق خلقا لطيفا وجليلا، وركب في الحيوان منه ~~أرواحها، وخلق كل ms417 جنس مباينا من جنسه في الصورة، ولا يشبه بعضه بعضا، فكل ~~به لطف من الخالق اللطيف الخبير في تركيب صورته. # ثم نظر إلى الأشجار وحملها أطايبها، المأكولة منها وغير المأكولة، فقلنا ~~عند ذلك أن خالقنا (لطيف) لا كلطف خلقه في صنعتهم، وقلنا أنه (سميع) لأنه ~~لا يخفى عليه أصوات خلقه، ما بين العرش إلى الثرى، من الذرة إلى ما أكبر ~~منها، في برها وبحرها، ولا يشتبه عليه لغاتها، فقلنا عند ذلك أنه سميع لا ~~بأذن، وقلنا: # أنه (بصير) لا ببصر، لأنه يرى أثر الذرة السحماء في الليلة الظلماء على ~~الصخرة السوداء، ويرى دبيب النمل في الليلة الدجية، ويرى مضارها ومنافعها، ~~أثر و PageV02P172 # سفادها، وفراخها ونسلها، فقلنا عند ذلك: أنه (بصير) لا كبصر خلقه قال: ~~فما برح حتى أسلم. وفيه كلام غير هذا. # وروي عنه عليه السلام في خبر آخر: أنه قال: # إنما يسمى الله تعالى (بالعالم) لغير علم حادث، علم به الأشياء، واستعان ~~به على حفظ ما يستقبل من أمره، والرؤية فيما يخلق، وإنما سمي العالم من ~~الخلق: (عالما) لعلم حادث، إذ كان قبله جاهلا، وربما فارقهم العلم بالأشياء ~~فصار إلى الجهل وإنما سمي الله: (عالما) لأنه لا يجهل شيئا، فقد جمع الخالق ~~والمخلوق اسم العالم، واختلف المعنى، وهو الله تعالى (قائم). # وأما القائم فليس على معنى انتصاب وقيام على ساق في كبد، كما قامت ~~الأشياء، ولكنه أخبر أنه قائم يخبر أنه (حافظ) كقولك: (فلان القائم بأمرنا) ~~وهو عز وجل القائم على كل نفس بما كسبت، والقائم أيضا في كلام الناس: # (الباقي) والقائم أيضا: (الكافي) كقولك للرجل: (قم بأمر كذا) أي: اكفه. # والقائم منا قائم على ساق، فقد جمعنا الاسم ولم يجمعنا المعنى. # وأما (الخبير) فالذي لا يعزب عنه شئ ولا يفوته، وليس بالتجربة والاعتبار ~~بالأشياء فتفيده التجربة والاعتبار علما لولاهما لما علم، لأن من كان كذلك ~~كان جاهلا، والله تعالى لم يزل خبيرا بما يخلق، والخبير من الناس المستخبر، ~~فقد جمعنا الاسم واختلف المعنى. # وأما (الظاهر) فليس من أنه ms418 علا الأشياء بركوب فوقها، وقعود عليها، وتسنم ~~لذراها، ولكن ذلك لقهره وغلبته الأشياء وقدرته عليها كقول الرجل: # ظهرت على أعدائي، وأظهرني الله على خصمي، إذا أخبر على الفلج والظفر، ~~فهكذا ظهور الله على الأشياء. # ووجه آخر: أنه الظاهر لمن أراده لا يخفى عليه، لمكان الدليل والبرهان على ~~وجوده في كل ما دبره وصنعه مما يرى، فأي ظاهر أظهر وأوضح أمرا من الله ~~تبارك وتعالى، فإنك لا تعدم صنعته حيثما توجهت، وفيك من آثاره PageV02P173 # ما يغنيك، والظاهر منا البارز بنفسه المعلوم بحده، فقد جمعنا الاسم ولم ~~يجمعنا المعنى. # وأما (الباطن): فليس على معنى الاستبطان للأشياء بأن يغور فيها، ولكن ذلك ~~منه على استبطانه للأشياء علما وحفظا وتدبيرا، كقول القائل: بطنته بمعنى: # (خبرته) وعلمت مكنون سره، والباطن منا الغاير في الشئ المستتر فيه، فقد ~~جمعنا الاسم واختلف المعنى. # قال: وهكذا جميع الأسماء وإن كنا لم نسمها كلها. # وكان المأمون لما أراد أن يستخلف الرضا، جمع بني هاشم فقال: إني أريد أن ~~استعمل الرضا عليه السلام على هذا الأمر من بعدي. # فحسده بنو هاشم وقالوا: أتولي رجلا جاهلا، ليس له بصر بتدبير الخلافة؟ # فابعث إليه يأتنا فترى من جهله ما تستدل به! # فبعث إليه فأتاه فقال له بنو هاشم: يا أبا الحسن إصعد المنبر وانصب لنا ~~علما نعبد الله عليه، فصعد المنبر فقعد مليا لا يتكلم مطرقا ثم انتفض ~~انتفاضة فاستوى قائما وحمد الله تعالى وأثنى عليه، وصلى على نبيه وأهل ~~بيته، ثم قال: # أول عبادة الله معرفته، وأصل معرفة الله توحيده، ونظام توحيده نفي الصفات ~~عنه، (1) بشهادة العقول أن كل صفة وموصوف مخلوق، وشهادة كل مخلوق أن له ~~خالقا ليس بصفة ولا موصوف، وشهادة كل صفة وموصوف بالاقتران، وشهادة ~~الاقتران بالحدث، وشهادة الحدث بالامتناع من الأزل الممتنع من الحدث، (2) ~~فليس الله عرف من عرف ذاته بالتشبيه، ولا إياه وحد من # PageV02P174 # اكتنهه، ولا حقيقته أصاب من مثله، ولا به صدق من نهاه، ولا صمد صمده من ~~أشار إليه، ولا إياه عنى من شبهه، ms419 ولا له تذلل من بعضه، ولا إياه أراد من ~~توهمه (1) كل معروف بنفسه مصنوع، وكل قائم في سواه معلول، (2) بصنع الله ~~يستدل عليه، وبالعقول يعتقد معرفته، وبالفطرة تثبت حجته، (3) خلقة الله ~~الخلق حجاب # PageV02P175 # بينه وبينهم، (1) ومفارقته إياهم مباينة بينه وبينهم، وابتداؤه إياهم ~~دليل على أن لا ابتداء له، لعجز كل مبتدأ عن ابتداء غيره، وأدوه إياهم دليل ~~على أن لا أداة له، لشهادة الأدوات بفاقة المأدين، فأسماؤه تعبير، وأفعاله ~~تفهيم وذاته حقيقة، وكنهه تفريق بينه وبين خلقه، وغيوره تحديد لما سواه، ~~فقد جهل الله من استوصفه، وقد تعداه من استمثله، وقد أخطاه من اكتنهه، (2) ~~ومن قال: (كيف) فقد شبهه، ومن قال: (لم) فقد علله، ومن قال: (متى) فقد ~~وقته، ومن قال: (فيم) فقد ضمنه، ومن قال: (إلى م) فقد نهاه، ومن قال: # (حتى م) فقد غياه ومن غياه فقد غاياه، ومن غاياه فقد جزاه، ومن جزاه فقد ~~وصفه، ومن وصفه فقد الحد فيه، ولا يتغير الله بتغير المخلوق، كما لا يتحدد ~~بتحديد المحدود، أحد لا بتأويل عدد، ظاهر لا بتأويل المباشرة، متجلي لا ~~باستهلال رؤية، باطن لا بمزايلة، مباين لا بمسافة، قريب لا بمداناة، لطيف ~~لا بتجسم، موجود لا بعد عدم، فاعل لا باضطرار، مقدر لا بجول فكرة، مدبر لا ~~بحركة مريد لا بهمامة، شاء لا بهمة، مدرك لا بمجسة، سميع لا بآلة، بصير لا ~~بأداة # PageV02P176 # لا تصحبه الأوقات، ولا تضمنه الأماكن، ولا تأخذه السنات، ولا تحده ~~الصفات، ولا تقيده الأدوات، سبق الأوقات كونه، والعدم وجوده، والابتداء ~~أزله، بتشعيره المشاعر عرف أن لا مشعر له، وبتجهيره الجواهر عرف أن لا جوهر ~~له، وبمضادته بين الأشياء عرف أن لا ضد له، وبمقارنته بن الأمور عرف أن لا ~~قرين له، ضاد النور بالظلمة، والجلاية بالبهمة، والجسو بالبلل، والصرد ~~بالحرور، مؤلف بين متعادياتها، مفرق بين متدانياتها، دالة بتفريقها على ~~مفرقها، وبتأليفها على مؤلفها ذلك قوله عز وجل: (ومن كل شئ خلقنا زوجين ~~لعلكم تذكرون) (ففرق) بين قبل وبعد، ليعلم أن لا قبل له ms420 ولا بعد، شاهدة ~~بغرائزها أن لا غريزة لمغرزها دالة بتفاوتها أن لا تفاوت لمفاوتها، مخبرة ~~بتوقيتها أن لا وقت لموقتها، حجب بعضها عن بعض ليعلم أن لا حجاب بينه ~~وبينها غيرها، له معنى الربوبية إذ لا مربوب، وحقيقة الإلهية إذ لا مألوه، ~~ومعنى العالم ولا معلوم، ومعنى الخالق ولا مخلوق، وتأويل السمع ولا مسموع، ~~ليس منذ خلق استحق معنى اسم الخالق ولا باحداثه البرايا استفاد معنى ~~البارئية، كيف ولا يغيبه: (مذ) ولا تدنيه: # (قد) ولا يحجبه: (لعل) ولا يوقته: (متى) ولا يشتمله: (حين) ولا يقارنه: # (مع) إنما تحد الأدوات أنفسها، وتشير الآلة إلى نظائرها، وفي الأشياء ~~توجد فعالها، منعتها (منذ) القدمة، وحمتها (قد) الأزلية، وجنبتها لولا ~~(التكملة) افترقت فدلت على مفرقها، وتباينت فأعزت على مباينها، بها تجلى ~~صانعها للعقول وبها احتجب عن الرؤية، وإليها تحاكم الأوهام، وفيها أثبت ~~غيره، ومنها أنبط الدليل، وبها عرف الاقرار، وبالعقول يعتقد التصديق بالله، ~~وبالإقرار يكمل الإيمان به، لا ديانة إلا بعد معرفته، ولا معرفة إلا ~~بالإخلاص، ولا إخلاص مع التشبيه، ولا نفي مع إثبات الصفة للتثنية، وكل ما ~~في الخلق لا يوجد في خالقه وكل ما يمكن فيه يمتنع في صانعه ولا يجري عليه ~~الحركة ولا السكون، وكيف يجري عليه ما هو أجراه، أو يعود فيه ما هو ابتداه، ~~إذا لتفاوتت ذاته، ولتجزى كنهه، ولامتنع من الأزل معناه، ولما كان للباري ~~معنى غير المبروء، ولو وجد له PageV02P177 # وراء وجد له أمام، ولالتمس التمام إذ لزمه النقصان، وكيف يستحق الأزل من ~~لا يمتنع من الحدث، أم كيف ينشئ الأشياء من لا يمتنع من الانشاء، إذا لقامت ~~عليه آية المصنوع، ولتحول دليلا بعد ما كان مدلولا عليه، ليس في محال القول ~~حجة، ولا في المسألة عنه جواب، ولا في معناه لله تعظيم، ولا في إبانته عن ~~الحق ضيم إلا بامتناع الأزلي أن يثنى، ولما بدئ له أن يبدئ لا إله إلا الله ~~العلي العظيم، كذب العادلون بالله وضلوا ضلالا بعيدا، وخسروا خسرانا مبينا، ~~وصلى الله على ms421 محمد وآله الطاهرين. # وروي عن الحسن بن محمد النوفلي (1): أنه كان يقول: قدم سليمان المروزي ~~متكلم خراسان على المأمون فأكرمه ووصله، ثم قال له: إن ابن عمي علي بن موسى ~~الرضا قدم علي من الحجاز - يحب الكلام - وأصحابه، فعليك أن تصير إلينا يوم ~~التروية لمناظرته. # فقال سليمان: يا أمير المؤمنين أني أكره أن أسأل مثله في مجلسك في جماعة ~~من بني هاشم، فينتقص عند القوم إذا كلمني ولا يجوز الاستقصاء عليه. # قال المأمون: إنما وجهت إليك لمعرفتي بقوتك، وليس مرادي إلا أن تقطعه عن ~~حجة واحدة فقط. # فقال سليمان: حسبك يا أمير المؤمنين! إجمع بيني وبينه، وخلني وإياه. # فوجه المأمون إلى الرضا عليه السلام، فقال له: إنه قدم علينا رجل من أهل ~~المرو، وهو واحد خراسان من أصحاب الكلام، فإن خف عليك أن تتجشم المصير ~~إلينا فعلت. # فنهض عليه السلام للوضوء ثم حضر مجلس المأمون، وجرى بينه وبين سليمان ~~المروزي كلام في البداء بمعنى الظهور، لتغير المصلحة، واستشهد عليه السلام ~~بآي كثيرة # PageV02P178 # من القرآن على صحة ذلك، مثل قول الله: (يبدئ الخلق ثم يعيده) (1) و (يزيد ~~في الخلق ما يشاء) (2) و (يمحو الله ما يشاء ويثبت) (3) و (ما يعمر من معمر ~~ولا ينقص من عمره) (4) و (آخرون مرجون لأمر الله) (5) وأمثال ذلك. # فقال سليمان: يا أمير المؤمنين لا أنكر بعد يومي هذا البداء، ولا أكذب به ~~إن شاء الله (6). # فقال المأمون: يا سليمان اسأل أبا الحسن عما بدا لك وعليك بحسن # PageV02P179 # الاستماع والإنصاف! # قال سليمان: يا سيدي ما تقول فيمن جعل الإرادة اسما وصفة، مثل حي وسميع ~~وبصير وقدير؟ # قال الرضا عليه السلام: إنما قلتم حدثت الأشياء واختلفت لأنه شاء وأراد، ~~ولم تقولوا: # (حدثت واختلفت) لأنه سميع بصير، فهذا دليل على أنها ليست مثل سميع وبصير ~~ولا قدير. # قال سليمان: فإنه لم يزل مريدا؟ # قال: يا سليمان فإرادته غيره؟ # قال: نعم. # قال: قد أثبت معه شيئا لم يزل! # قال سليمان: ما أثبت؟ # قال الرضا عليه السلام: أهي محدثة؟ # قال سليمان: ms422 لا، ما هي محدثة! فأعاد عليه المسألة فقال: هي محدثة يا ~~سليمان؟ فإن الشئ إذا لم يكن أزليا كان محدثا، وإذا لم يكن محدثا كان ~~أزليا. # قال سليمان: إرادته منه كما أن سمعه وبصره وعلمه منه. # قال الرضا عليه السلام: فإرادته نفسه؟ # قال: لا. # قال: فليس المريد مثل السميع والبصير. # قال سليمان: إنما إرادته كما سمع نفسه، وأبصر نفسه وعلم نفسه. # قال الرضا عليه السلام: ما معنى أراد نفسه، أراد أن يكون شيئا، أو أراد ~~أن يكون حيا، أو سميعا، أو بصيرا أو قديرا؟ # قال: نعم. # قال الرضا عليه السلام: أفبإرادته كان ذلك؟ # قال سليمان: نعم. PageV02P180 # قال الرضا عليه السلام: فليس لقولك أراد أن يكون حيا سميعا بصيرا معنى، ~~إذ لم يكن ذلك بإرادته. # قال سليمان: بلى قد كان ذلك بإرادته، فضحك المأمون ومن حوله، وضحك الرضا ~~عليه السلام، ثم قال لهم: ارفقوا بمتكلم خراسان! # فقال يا سليمان: فقد حال عندكم عن حالة وتغير عنها، وهذا مما لا يوصف ~~الله عز وجل به، فانقطع. # ثم قال الرضا عليه السلام: يا سليمان أسألك عن مسألة؟. # قال: سل جعلت فداك! # قال: أخبرني عنك وعن أصحابك تكلمون الناس بما تفقهون وتعرفون، أو بما لا ~~تفقهون وتعرفون؟ # فقال: بل بما نفقهه ونعلم. # قال الرضا عليه السلام: فالذي يعلم الناس أن المريد غير الإرادة، وأن ~~المريد قبل الإرادة، وأن الفاعل قبل المفعول، وهذا يبطل قولكم: أن الإرادة ~~والمريد شئ واحد. # قال: جعلت فداك! ليس ذلك منه على ما يعرف الناس، ولا على ما يفقهون. # قال: فأراكم ادعيتم على ذلك بلا معرفة، وقلتم: الإرادة كالسمع والبصر إذا ~~كان ذلك عندكم على ما لا يعرف ولا يعقل. فلم يحر جوابا. # ثم قال الرضا عليه السلام: هل يعلم الله تعالى جميع ما في الجنة والنار؟ # قال سليمان: نعم. # قال: فيكون ما علم الله عز وجل أنه يكون من ذلك؟ # قال: نعم. # قال: فإذا كان حتى لا يبقى منه شئ إلا كان أيزيدهم أو يطويه عنهم؟ # قال سليمان: بل ms423 يزيدهم. # قال: فأراه في قولك قد زادهم ما لم يكن في علمه أنه يكون. PageV02P181 # قال: جعلت فداك! فالمزيد لا غاية له. # قال: فليس يحيط علمه عندكم بما يكون فيها إذا لم يعرف غاية ذلك، وإذا لم ~~يحط علمه بما يكون فيهما لم يعلم ما يكون فيهما قبل أن يكون، تعالى الله عن ~~ذلك علوا كبيرا. # قال سليمان: إنما قلت لا يعلمه لأنه لا غاية لهذا لأن الله عز وجل وصفهما ~~بالخلود، وكرهنا أن نجعل لهما انقطاعا. # قال الرضا عليه السلام: ليس علمه بذلك بموجب لانقطاعه عنهم، لأنه قد يعلم ~~ذلك ثم يزيدهم، ثم لا يقطعه عنهم، ولذلك قال عز وجل في كتابه: (كلما نضجت ~~جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب) (1) وقال لأهل الجنة: # (عطاء غير مجذوذ) (2) وقال عز وجل: (وفاكهة كثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة) ~~(3) فهو عز وجل يعلم ذلك ولا يقطع عنهم الزيادة، أرأيت ما أكل أهل الجنة ~~وما شربوا أليس يخلف مكانه؟ # قال: بلى. # قال: أفيكون يقطع ذلك عنهم وقد أخلف مكانه؟ # قال سليمان: لا. # قال: فكذلك كلما يكون فيها إذا أخلف مكانه فليس بمقطوع عنهم. # قال سليمان: بلى. يقطعه عنهم ولا يزيدهم. # قال الرضا عليه السلام: إذا يبيد ما فيها، وهذا يا سليمان إبطال الخلود، ~~وخلاف الكتاب، لأن الله عز وجل يقول: (لهم ما يشاؤن فيها ولدينا مزيد) (4) ~~ويقول عز وجل: (عطاء غير مجذوذ) (5) ويقول عز وجل: (وما هم عنها بمخرجين) ~~(6) # PageV02P182 # وبقول عز وجل: (خالدين فيها) (1) ويقول عز وجل: (وفاكهة كثيرة لا مقطوعة ~~ولا ممنوعة) (2) فلم يحر جوابا. ثم قال الرضا عليه السلام: # ألا تخبرني عن الإرادة فعل أم هي غير فعل؟ # قال: بل هي فعل. # قال: فهي محدثة لأن الفعل كله محدث! # قال: ليست بفعل. # قال: فمعه غيره لم يزل؟ # قال سليمان: إن الإرادة هي الأشياء. # قال: يا سليمان هذا الذي عبتموه على ضرار وأصحابه من قولهم: (أن كل ما ~~خلق الله عز وجل في سماء أو أرض أو بحر أو بر من: كلب أو خنزير ms424 أو قرد أو ~~إنسان أو دابة إرادة الله، وأن إرادة الله تحيى وتموت، وتذهب، وتأكل وتشرب، ~~وتنكح، وتلد وتظلم، وتفعل الفواحش، وتكفر، وتشرك، فتبرأ منها وتعاديها وهذا ~~حدها. # قال سليمان: إنها كالسمع والبصر والعلم قال الرضا عليه السلام: قد رجعت ~~إلى هذا ثانية! فأخبرني عن السمع والعلم أمصنوع؟ # قال سليمان. لا. # قال الرضا عليه السلام: فكيف نفيتموه؟ فمرة قلتم لم يرد، ومرة قلتم أراد، ~~وليس بمفعول له. # قال سليمان: إنما ذلك كقولنا مرة علم ومرة لم يعلم. # قال الرضا عليه السلام: ليس ذلك سواء لأن نفي المعلوم ليس ينفي العلم، ~~ونفي المراد نفي الإرادة أن تكون، لأن الشئ إذا لم يرد لم تكن إرادة، وقد ~~يكون العلم ثابتا وإن لم يكن المعلوم، بمنزلة البصر فقد يكون الإنسان بصيرا ~~وإن لم يكن المبصر، ويكون العلم ثابتا وإن لم يكن المعلوم. # فلا يزال سليمان يردد المسألة وينقطع فيها ويستأنف، وينكر ما كان أقر # PageV02P183 # به، ويقر بما أنكر، وينتقل من شئ إلى شئ، والرضا صلوات الله عليه ينقض ~~عليه ذلك، حتى طال الكلام بينهما، وظهر لكل أحد انقطاعه مرات كثيرة، تركنا ~~إيراد ذلك مخافة التطويل، فآل الأمر إلى أن قال سليمان: # إن الإرادة هي القدرة. # قال الرضا عليه السلام: وهو عز وجل يقدر على ما لا يريد أبد الأبدين من ~~ذلك لأنه قال تبارك وتعالى: (ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك) (1) فلو ~~كانت الإرادة هي القدرة كان قد أراد أن يذهب به لقدرته. # فانقطع سليمان وترك الكلام عند هذا الانقطاع، ثم تفرق القوم. # وعن صفوان بن يحيى (2) قال: سألني أبو قرة المحدث صاحب شبرمة أن أدخله # PageV02P184 # على أبي الحسن الرضا عليه السلام، فاستأذنه فأذن له، فدخل فسأله عن أشياء ~~من الحلال والحرام، والفرائض والأحكام، حتى بلغ سؤاله إلى التوحيد فقال له: # أخبرني جعلني الله فداك عن كلام الله لموسى؟ # فقال: الله أعلم بأي لسان كلمه بالسريانية أم بالعبرانية. # فأخذ أبو قرة بلسانه فقال: إنما أسألك عن هذا اللسان! # فقال أبو الحسن: سبحان الله ms425 عما تقول، ومعاذ الله أن يشبه خلقه، أو يتكلم ~~بمثل ما هم به متكلمون، ولكنه تبارك وتعالى ليس كمثله شئ، ولا كمثله قائل ~~ولا فاعل. # قال: كيف ذلك؟ # قال: كلام الخالق لمخلوق ليس ككلام المخلوق لمخلوق. ولا يلفظ بشق فم ~~ولسان، ولكن يقول له: (كن) فكان بمشيته، ما خاطب به موسى عليه السلام من ~~الأمر والنهي من غير تردد في نفس. # فقال أبو قرة: فما تقول في الكتب؟ # فقال أبو الحسن عليه السلام: التوراة والإنجيل والزبور والفرقان، وكل ~~كتاب أنزل كان كلام الله، أنزله للعالمين نورا وهدى، وهي كلها محدثة، وهي ~~غير الله، حيث يقول: (ويحدث لهم ذكرا) (1) وقال: (ما يأتيهم من ذكر من ربهم ~~إلا استمعوه وهم يلعبون) (2) والله أحدث الكتب كلها الذي أنزلها. # فقال أبو قرة: فهل تفنى؟ # فقال أبو الحسن: أجمع المسلمون على أن ما سوى الله فان، وما سوى الله فعل ~~الله، والتوراة والإنجيل والزبور والفرقان فعل الله، ألم تسمع الناس ~~يقولون: # (رب القرآن) وأن القرآن يقول يوم القيامة: (يا رب هذا فلان - وهو أعرف به ~~منه - قد أظمأت نهاره، وأسهرت ليله، فشفعني فيه) وكذلك التوراة والإنجيل ~~والزبور، وهي كلها محدثة، مربوبة، أحدثها من ليس كمثله شئ، هدى لقوم # PageV02P185 # يعقلون، فمن زعم أنهن لم يزلن معه فقد أظهر: أن الله ليس بأول قديم، ولا ~~واحد، وأن الكلام لم يزل معه، وليس له بدء، وليس بآله. # قال أبو قرة: وإنا روينا: أن الكتب كلها تجئ يوم القيامة والناس في صعيد ~~واحد، صفوف قيام لرب العالمين ينظرون حتى ترجع فيه، لأنها منه وهي جزء منه، ~~فإليه تصير. # قال أبو الحسن عليه السلام: فهكذا قالت النصارى في المسيح أنه روحه، جزء ~~منه ويرجع فيه، وكذلك قالت المجوس: في النار والشمس أنهما جزء منه ترجع ~~فيه، تعالى ربنا أن يكون متجزيا، أو مختلفا، وإنما يختلف ويأتلف المتجزي، ~~لأن كل متجزي متوهم، والكثرة والقلة مخلوقة دالة على خالق خلقها. # فقال أبو قرة: فإنا روينا: أن الله قسم الرؤية والكلام بين نبيين، ms426 فقسم ~~لموسى عليه السلام الكلام، ولمحمد صلى الله عليه وآله الرؤية. # فقال أبو الحسن عليه السلام: فمن المبلغ عن الله إلى الثقلين الجن ~~والإنس: أنه لا تدركه الأبصار، ولا يحيطون به علما، وليس كمثله شئ. أليس ~~محمد صلى الله عليه وآله؟ # قال: بلى. # قال أبو الحسن: فكيف يجئ رجل إلى الخلق جميعا فيخبرهم: أنه جاء من عند ~~الله، وأنه يدعوهم إلى الله بأمر الله، ويقول: أنه لا تدركه الأبصار، ولا ~~يحيطون به علما، وليس كمثله شئ، ثم يقول: أنا رأيته بعيني، وأحطت به علما، ~~وهو على صورة البشر، أما تستحيون؟! ما قدرت الزنادقة أن ترميه بهذا: أن ~~يكون أتى عن الله بأمر ثم يأتي بخلافه من وجه آخر. # فقال أبو قرة: إنه يقول: (ولقد رآه نزلة أخرى) (1). # فقال أبو الحسن عليه السلام: إن بعد هذه الآية ما يدل على ما رأى حيث ~~قال: # (ما كذب الفؤاد ما رأى) (2) يقول: ما كذب فؤاد محمد صلى الله عليه وآله ~~ما رأت عيناه ثم أخبر بما رأت عيناه فقال: (لقد رأى من آيات ربه الكبرى) ~~(3) فآيات الله # PageV02P186 # غير الله، وقال: (ولا يحيطون به علما) (1) فإذا رأته الأبصار فقد أحاط به ~~العلم ووقعت المعرفة. # فقال أبو قرة: فتكذب بالرواية؟ # فقال أبو الحسن عليه السلام: إذا كانت الرواية مخالفة للقرآن كذبتها، وما ~~أجمع المسلمون عليه أنه لا يحاط به علما، ولا تدركه الأبصار، وليس كمثله ~~شئ. # وسأله عن قول الله: (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى ~~المسجد الأقصى) (2) فقال أبو الحسن عليه السلام: قد أخبر الله تعالى: أنه ~~أسرى به، ثم أخبر: أنه لم أسري به، فقال: (لنريه من آياتنا) (3) فآيات الله ~~غير الله، فقد أعذر، وبين لم فعل به ذلك، وما رآه وقال: (فبأي حديث بعد ~~الله وآياته تؤمنون) (4) فأخبر أنه غير الله. # فقال أبو قرة: أين الله؟ # فقال أبو الحسن عليه السلام: الأين مكان، وهذه مسألة شاهد عن غايب، فالله ~~تعالى ليس بغائب، ولا يقدمه قادم، وهو بكل مكان، موجود، ms427 مدبر صانع، حافظ، ~~ممسك السماوات والأرض. # فقال أبو قرة: أليس هو فوق السماء دون ما سواها؟ # فقال أبو الحسن عليه السلام: هو الله في السماوات وفي الأرض، وهو الذي في ~~السماء إله وفي الأرض إله، وهو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء، وهو معكم ~~أينما كنتم، وهو الذي استوى إلى السماء وهي دخان، وهو الذي استوى إلى ~~السماء فسواهن سبع سماوات، وهو الذي استوى على العرش، قد كان ولا خلق وهو ~~كما كان إذ لا خلق، لم ينتقل مع المنتقلين. # فقال أبو قرة: فما بالكم إذ دعوتم رفعتم أيديكم إلى السماء؟ # فقال أبو الحسن عليه السلام: إن الله استعبد خلقه بضروب من العبادة، ولله ~~مفازع # PageV02P187 # يفزعون إليه، ومستعبد، فاستعبد عباده بالقول، والعلم، والعمل، والتوجه، ~~ونحو ذلك، استعبدهم بتوجيه الصلاة إلى الكعبة، ووجه إليها الحج والعمرة، ~~واستعبد خلقه عند الدعاء والطلب والتضرع، ببسط الأيدي ورفعها إلى السماء ~~لحال الاستكانة وعلامة العبودية والتذلل له. # قال أبو قرة: فمن أقرب إلى الله الملائكة أو أهل الأرض؟ # قال أبو الحسن عليه السلام: إن كنت تقول بالشبر والذراع، فإن الأشياء ~~كلها باب واحد هي فعله لا يشتغل ببعضها عن بعض، يدبر أعلى الخلق من حيث ~~يدبر أسفله، ويدبر أوله من حيث يدبر آخره، من غير عناء، ولا كلفة، ولا ~~مؤنة، ولا مشاورة، ولا نصب، وإن كنت تقول من أقرب إليه في الوسيلة، فأطوعهم ~~له وأنتم تروون أن أقرب ما يكون العبد إلى الله وهو ساجد، ورويتم أن أربعة ~~أملاك التقوا أحدهم من أعلى الخلق، واحدهم من أسفل الخلق، واحدهم من شرق ~~الخلق، وأحدهم من غرب الخلق فسأل بعضهم بعضا فكلهم قال: (من عند الله) ~~أرسلني بكذا وكذا، ففي هذا دليل على أن ذلك في المنزلة دون التشبيه ~~والتمثيل. # فقال أبو قرة: أتقر أن الله محمول؟ # فقال أبو الحسن: كل محمول مفعول، ومضاف إلى غيره محتاج، فالمحمول اسم نقص ~~في اللفظ، والحامل فاعل وهو فاعل وهو في اللفظ ممدوح، وكذلك قول القائل: # فوق، وتحت، وأعلى، وأسفل، ms428 وقد قال الله تعالى: (ولله الأسماء الحسنى ~~فادعوه بها) (1) ولم يقل في شئ من كتبه أنه محمول، بل هو الحامل في البر ~~والبحر، والممسك للسماوات والأرض، والمحمول ما سوى الله، ولم نسمع أحدا آمن ~~بالله وعظمه قط قال في دعائه: (يا محمول). # قال أبو قرة: أفتكذب بالرواية: أن الله إذا غضب يعرف غضبه الملائكة الذين ~~يحملون العرش، يجدون ثقله في كواهلهم فيخرون سجدا، فإذا ذهب الغضب خف ~~فرجعوا إلى مواقفهم؟ # PageV02P188 # فقال أبو الحسن عليه السلام: أخبرني عن الله تبارك وتعالى منذ لعن إبليس ~~إلى يومك هذا والى يوم القيامة فهو غضبان على إبليس وأوليائه أو عنهم راض؟ # فقال: نعم. هو غضبان عليه. # قال: فمتى رضي فخف وهو في صفتك لم يزل غضبانا عليه وعلى أتباعه؟ # ثم قال: ويحك كيف تجترئ أن تصف ربك بالتغير من حال إلى حال، وأنه يجري ~~عليه ما يجري على المخلوقين؟! سبحانه لم يزل مع الزائلين ولم يتغير مع ~~المتغيرين. # قال صفوان: فتحير أبو قرة ولم يحر جوابا حتى قام وخرج. # عن عبد السلام بن صالح الهروي (1) قال: قلت لعلي بن موسى الرضا عليه ~~السلام: # يا بن رسول الله ما تقول في الحديث الذي يرويه أهل الحديث: أن المؤمنين ~~يزورون ربهم من منازلهم في الجنة؟ # PageV02P189 # فقال عليه السلام: يا أبا الصلت إن الله تبارك وتعالى فضل نبيه محمدا صلى ~~الله عليه وآله على جميع خلقه، من النبيين والملائكة، وجعل طاعته طاعته، ~~ومبايعته مبايعته، وزيارته في الدنيا والآخرة زيارته، فقال عز وجل: (من يطع ~~الرسول فقط أطاع الله) (1) وقال: (إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد ~~الله فوق أيديهم) (2) وقال النبي صلى الله عليه وآله: (من زارني في حياتي ~~أو بعد موتي فقد زار الله) ودرجة النبي صلى الله عليه وآله في الجنة أرفع ~~الدرجات، فمن زاره في درجته في الجنة من منزلة فقد زار الله تبارك وتعالي. # قال: قلت: يا بن رسول الله فما معنى الخبر الذي رووه: أن ثواب لا إله إلا ~~الله النظر إلى ms429 وجه الله؟ # فقال عليه السلام: يا أبا الصلت فمن وصف الله بوجه كالوجوه فقد كفر، ولكن ~~وجه الله أنبياءه ورسله وحججه عليهم صلوات الله، هم الذين بهم يتوجه إلى ~~الله عز وجل وإلى دينه ومعرفته، فقال الله عز وجل: (كل من عليها فان، ويبقى ~~وجه ربك ذي الجلال والإكرام) (3) وقال الله عز وجل: (كل شئ هالك إلا وجهه) ~~(4) فالنظر إلى أنبياء الله ورسله وحججه عليهم السلام في درجاتهم ثواب عظيم ~~للمؤمنين، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله: (من أبغض أهل بيتي وعترتي لم ~~يرني ولم أره يوم القيامة) (5) وقال صلى الله عليه وآله: (أن فيكم من لا ~~يراني بعد أن يفارقني) (6) يا أبا الصلت إن الله تبارك وتعالى لا يوصف ~~بمكان، ولا يدرك بالأبصار والأوهام. # PageV02P190 # قال: فقلت له: يا بن رسول الله فأخبرني عن الجنة والنار: أهما اليوم ~~مخلوقان؟ # قال: نعم. وأن رسول الله صلى الله عليه وآله قد دخل الجنة ورأى النار لما ~~عرج به إلى السماء. # قال: فقلت له: إن قوما يقولون: أنهما اليوم مقدرتان غير مخلوقتين؟ # فقال: ما أولئك منا ولا نحن منهم، من أنكر خلق الجنة والنار فقد كذب ~~النبي صلى الله عليه وآله وكذبنا، وليس من ولايتنا على شئ، ويخلد في نار ~~جهنم. قال الله عز وجل: (هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون يطوفون بينها ~~وبين حميم آن) (1) وقال النبي صلى الله عليه وآله: (لما عرج بي إلى السماء ~~أخذ بيدي جبرئيل (ع) فأدخلني الجنة فناولني من رطبها فأكلته، فتحول ذلك ~~نطفة في صلبي، فلما هبطت إلى الأرض واقعت خديجة فحملت بفاطمة عليها السلام، ~~ففاطمة حوراء إنسية، فكلما اشتقت إلى رائحة الجنة شممت رائحة ابنتي فاطمة) ~~(2). # وقال الرضا عليه السلام: في قول الله عز وجل: (وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ~~ناظرة) (3) قال: يعني - مشرقة - تنظر ثواب ربها. # وقال عليه السلام: أن النبي صلى الله عليه وآله قال: (قال الله جل جلاله: ~~ما آمن بي من # PageV02P191 # فسر برأيه كلامي، وما عرفني من شبهني بخلقي، وما ms430 على ديني من استعمل ~~القياس في ديني) وقال: (من رد متشابه القرآن إلى محكمه هدي إلى صراط ~~مستقيم) ثم قال: إن في أخبارنا متشابها كمتشابه القرآن، ومحكما كمحكم ~~القرآن، فردوا متشابهها إلى محكمها، ولا تتبعوا متشابهها دون محكمها ~~فتضلوا. # وقال: من شبه الله بخلقه فهو مشرك، ومن نسب إليه ما نهى عنه فهو كافر. # وعن الحسين بن خالد (1) قال: سمعت الرضا عليه السلام يقول: لم يزل الله ~~عز وجل عليما، قادرا، حيا، قديما، سميعا، بصيرا. # فقلت: يا بن رسول الله إن قوما يقولون: لم يزل عالما بعلم، وقادرا بقدرة ~~وحيا بحياة، وقديما بقدم، وسميعا بسمع، وبصيرا ببصر. # فقال عليه السلام: من قال ذلك ودان به فقد اتخذ مع الله آلهة أخرى، وليس ~~من ولايتنا على شئ ثم قال عليه السلام: لم يزل الله عز وجل عليما، قادرا، ~~حيا، قديما سميعا، بصيرا - لذاته - تعالى عما يقول المشركون والمشبهون علوا ~~كبيرا. # وعن الحسين بن خالد قال: قلت للرضا عليه السلام: يا بن رسول الله إن قوما ~~يقولون: أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: (إن الله خلق آدم على ~~صورته). # فقال: قاتلهم الله! لقد حذفوا أول الحديث، إن رسول الله مر برجلين ~~يتسابان، فسمع أحدهما يقول لصاحبه: (قبح الله وجهك ووجه من يشبهك) فقال له ~~صلى الله عليه وآله: (يا عبد الله لا تقل هذا لأخيك! فإن الله عز وجل خلق ~~آدم على صورته). # وعن إبراهيم بن أبي محمود (2) قال: قلت للرضا عليه السلام: يا بن رسول ~~الله # PageV02P192 # ما تقول في الحديث الذي يرويه الناس عن رسول الله صلى الله عليه وآله: أن ~~الله تبارك وتعالى ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا؟ # فقال عليه السلام: لعن الله المحرفين الكلم عن مواضعه، والله ما قال صلى ~~الله عليه وآله كذلك إنما قال صلى الله عليه وآله: (أن الله تبارك وتعالى ~~ينزل ملكا إلى السماء كل ليلة في الثلث الأخير، وليلة الجمعة في أول الليل. ~~فيأمره فينادي أهل من سائل فاعطيه؟ هل من ms431 تائب فأتوب عليه؟ هل من مستغفر ~~فاغفر له؟ يا طالب الخير فأقبل، يا طالب الشر أقصر، فلا يزال ينادي بهذا ~~حتى يطلع الفجر، فإذا طلع الفجر عاد إلى محله من ملكوت السماء) حدثني بذلك ~~أبي عن جدي عن آبائه عن رسول الله صلى الله عليه وآله. # وعن محمد بن سنان قال: سألت أبا الحسن الرضا عليه السلام: هل كان الله ~~عارفا بنفسه قبل أن يخلق الخلق؟ # قال: نعم. # قلت: يراها ويسمعها؟ # قال: ما كان محتاجا إلى ذلك لأنه لم يكن يسألها ولا يطلب منها شيئا، هو ~~نفسه، ونفسه هو، قدرته نافذة، فليس بمحتاج إلى أن يسمي نفسه، ولكنه اختار ~~أسماء لغيره يدعوه بها، لأنه إذا لم يدع باسمه لم يعرف، فأول ما اختار نفسه ~~(العلي العظيم) أعلا الأشياء كلها، فمعناه: (الله) واسمه: (العلي العظيم) ~~هو أول أسمائه لأنه علا كل شئ. # وقال عليه السلام في قوله: (يوم يكشف عن ساق) (1) فساق حجاب من نور يكشف ~~فيقع المؤمنون سجدا، وتدمج أصلاب المنافقين، فلا يستطيعون السجود. # وسئل عن قوله عز وجل: (كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون) (2) فقال: إن ~~الله تبارك وتعالى لا يوصف بمكان يحل فيه فيحجب عن عباده، ولكنه يعني: عن ~~ثواب ربهم محجوبون. # وسئل عن قوله عز وجل: (وجاء ربك والملك صفا صفا) (3) فقال: إن # PageV02P193 # الله لا يوصف بالمجئ والذهاب والانتقال، إنما يعني بذلك: وجاء أمر ربك. # وسئل عن قوله: (هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ضلل من الغمام ~~والملائكة) (1) قال: معناه: هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله بالملائكة في ظلل ~~من الغمام وهكذا نزلت. # وسئل عن قوله عز وجل: (سخر الله منهم) (2) وعن قوله: (الله يستهزئ بهم) ~~(3) وعن قوله: (ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين) (4) وعن قوله: # (يخادعون الله وخادعهم) (5). # فقال: إن الله لا يسخر، ولا يستهزئ، ولا يمكر، ولا يخادع، ولكنه عز وجل ~~يجازيهم جزاء السخرية، وجزاء الاستهزاء، وجزاء المكر، وجزاء الخديعة تعالى ~~الله عما يقولون الظالمون علوا كبيرا. # وسئل عن قوله عز وجل: (نسوا الله ms432 فنسيهم) (6) فقال: إن الله تبارك وتعالى ~~لا يسهو، ولا ينسى، إنما يسهو وينسى المخلوق المحدث، ألا تسمعه عز وجل ~~يقول: (وما كان ربك نسيا) (7) وإنما يجازي من نسيه، ونسي لقاء يومه، بأن ~~ينسيهم أنفسهم، كما قال: (نسوا الله فأنساهم أنفسهم) (8) وقال: (فاليوم ~~ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا) (9) أي نتركهم كما تركوا الاستعداد للقاء ~~يومهم هذا، أي نجازيهم على ذلك. # وسئل عن قول الله عز وجل: (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن ~~يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء) (10) قال: ومن يرد ~~الله أن يهديه بإيمانه في الدنيا إلى جنة ودار كرامة في الآخرة، # PageV02P194 # يشرح صدره للتسليم لله والثقة به. والسكون إلى ما وعده من ثوابه، حتى ~~يطمئن إليه، ومن يرد أن يضله عن جنته ودار كرامته في الآخرة - لكفره به ~~وعصيانه له في الدنيا - يجعل صدره ضيقا حرجا، حتى يشك في كفره ويضطرب في ~~اعتقاد قلبه حتى يصير كأنما يصعد في السماء، كذلك يجعل الله الرجس على ~~الذين لا يؤمنون. # أبو الصلت الهروي قال: سأل المأمون الرضا عليه السلام عن قول الله عز ~~وجل: # (وهو الذي خلق السماوات والأرض في سنة أيام، وكان عرشه على الماء ليبلوكم ~~أيكم أحسن عملا)؟ (1). # فقال: إن الله تبارك وتعالى خلق العرش والماء ليظهر بذلك قدرته للملائكة ~~فتعلم أنه على كل شئ قدير ثم رفع العرش بقدرته، ونقله فجعله فوق السماوات ~~السبع، ثم خلق السماوات والأرض في ستة أيام، وهو مستول على عرشه، وكان ~~قادرا على أن يخلقها في طرفة عين، ولكنه عز وجل خلقها في ستة أيام ليظهر ~~للملائكة ما يخلفه منها شيئا بعد شئ، فنستدل (بحدوث ما يحدث) على الله ~~تعالى مرة بعد مرة، ولم يخلق العرش لحاجة به إليه، لأنه غني عن العرش، وعن ~~جميع ما خلق، لا يوصف بالكون على العرش، لأنه ليس بجسم تعالى الله عن صفة ~~خلقه علوا كبيرا. # وأما قوله: (ليبلوكم أيكم أحسن عملا) فإنه عز وجل خلق خلقه ليبلوهم ms433 ~~بتكليف طاعته وعبادته، لا على سبيل الامتحان والتجربة، لأنه لم يزل عليما ~~بكل شئ. # فقال المأمون: فرجت عني يا أبا الحسن فرج الله عنك. # ثم قال له: يا بن رسول الله فما معنى قول الله عز وجل: (ولو شاء ربك لآمن ~~من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين) (2) وما (ما ~~كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله) (3). # PageV02P195 # فقال الرضا عليه السلام: حدثني أبي موسى بن جعفر، عن أبيه جعفر بن محمد، ~~عن أبيه محمد بن علي، عن أبيه علي بن الحسين، عن أبيه الحسين بن علي، عن ~~أبيه علي بن أبي طالب عليهم السلام قال: إن المسلمين قالوا لرسول الله صلى ~~الله عليه وآله: لو أكرهت يا رسول الله من قدرت عليه من الناس على الإسلام ~~لكثر عددنا وقوتنا على عدونا! # فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: (ما كنت لألقى الله عز وجل ببدعة لم ~~يحدث إلي فيها شيئا وما أنا من المتكلفين) فأنزل الله تعالى عليه: يا محمد ~~ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا، على سبيل الالجاء والاضطرار في ~~الدنيا، كما يؤمن عند المعاينة ورؤية البأس في الآخرة، ولو فعلت ذلك بهم لم ~~يستحقوا مني ثوابا ولا مدحا، ولكني أريد منهم أن يؤمنوا مختارين غير ~~مضطرين، ليستحقوا مني الزلفى والكرامة، ودوام الخلود في جنة الخلد، أفأنت ~~تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين. # وأما قوله عز وجل: (وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله) (1) فليس ذلك ~~على سبيل تحريم الإيمان عليها، ولكن على معنى أنها ما كانت لتؤمن إلا بإذن ~~الله، وإذنه أمره لها بالإيمان بما كانت مكلفة متعبدة بها، وإلجاؤه إياها ~~إلى الإيمان عند زوال التكلف والتعبد عنها. # فقال المأمون: فرجت عني فرج الله عنك فأخبرني عن قول الله عز وجل: # (الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكري وكانوا لا يستطيعون سمعا) (2). # فقال: إن غطاء العين لا يمنع من الذكر، والذكر لا يرى بالعين، ولكن الله ~~عز وجل شبه الكافرين بولاية ms434 علي بن أبي طالب عليه السلام بالعميان، لأنهم ~~كانوا يستثقلون قول النبي صلى الله عليه وآله فيه، ولا يستطيعون له سمعا. # فقال المأمون: فرجت عني فرج الله عنك. # وعن عبد العظيم بن عبد الله الحسني رضي الله عنه (3) عن إبراهيم بن # PageV02P196 # أبي محمود (١) قال: سألت أبا الحسن الرضا عليه السلام عن قول الله عز ~~وجل: ﴿وتركهم في ظلمات لا ~~يبصرون﴾ (2) فقال: إن الله تبارك وتعالى لا يوصف بالترك كما يوصف خلقه، ~~ولكنه متى علم أنهم لا يرجعون عن الكفر والضلال منعهم المعاونة واللطف، ~~وخلى بينهم وبين اختيارهم. # قال: وسألته عن قول الله عز وجل: (ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم) (3). # قال: الختم هو: (الطبع) على قلوب الكفار عقوبة على كفرهم، كما قال عز ~~وجل: (بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا) (4). # قال: وسألته عن الله عز وجل هل يجبر عباده على المعاصي؟ # قال: لا. بل يخيرهم، ويمهلم حتى يتوبوا. # قلت: فهل يكلف عباده ما لا يطيقون؟ # فقال: كيف يفعل ذلك وهو يقول: (وما ربك بظلام للعبيد) (5). # ثم قال: حدثني أبي موسى بن جعفر، عن أبيه جعفر بن محمد، عليهم السلام عن ~~أبيه محمد بن علي، عن أبيه علي بن الحسين، عن أبيه الحسين بن علي، عن أبيه ~~علي بن أبي طالب عليهم السلام، أنه قال: من زعم أن الله يجبر عباده على ~~المعاصي ويكلفهم ما لا يطيقون فلا تأكلوا ذبيحته، ولا تقبلوا شهادته، ولا ~~تصلوا وراءه، ولا تعطوه من الزكاة شيئا. # PageV02P197 # وعن يزيد بن عمير بن معاوية الشامي (1) قال: دخلت على علي بن موسى الرضا ~~بمرو، فقلت له: يا بن رسول الله روي لنا عن الصادق جعفر بن محمد عليه ~~السلام أنه قال: (لا جبر ولا تفويض، بل أمر بين الأمرين) ما معناه: # فقال: من زعم: أن الله يفعل أفعالنا ثم يعذبنا عليها، فقد قال: (بالجبر) ~~ومن زعم: أن الله فوض أمر الخلق والرزق إلى حججه عليهم السلام فقد قال: ~~(بالتفويض) والقائل ms435 بالجبر كافر، والقائل بالتفويض مشرك. # فقلت: يا بن رسول الله فما أمر بين الأمرين؟ # فقال: وجود السبيل إلى إتيان ما أمروا به، وترك ما نهوا عنه. # قلت: وهل لله مشية وإرادة في ذلك؟ # فقال: أما الطاعات، فإرادة الله ومشيته فيها الأمر بها، والرضا لها، ~~والمعاونة عليها، وإرادته ومشيته في المعاصي، النهي عنها، والسخط لها ~~والخذلان عليها. # قلت: فلله عز وجل فيها القضاء؟ # قال: نعم. ما من فعل يفعله العباد من خير أو شر إلا ولله فيه قضاء. # قلت: ما معنى هذا القضاء؟ # قال: الحكم عليهم بما يستحقونه من الثواب والعقاب في الدنيا والآخرة. # وروي أنه ذكر عنده الجبر والتفويض فقال: إن الله لم يطع بإكراه، ولم يعص ~~بغلبة، ولم يهمل العباد في ملكه، هو المالك لما ملكهم، والقادر على ما ~~أقدرهم عليه، فإن إئتمر العباد بطاعة لم يكن الله عنها صادا، ولا منها ~~مانعا، وإن إئتمروا بمعصية فشاء أن يحول بينهم وبين ذلك فعل، وإن لم يحل ~~وفعلوه فليس هو الذي أدخلهم فيه ثم قال عليه السلام: من يضبط حدود هذا ~~الكلام فقد خصم من خالفه. # وعن الحسين بن خالد عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال: قلت له: يا بن ~~رسول الله أن الناس ينسبوننا إلى القول بالتشبيه والجبر، لما روي من ~~الأخبار في ذلك عن آبائك عليهم السلام. # PageV02P198 # فقال: يا بن خالد أخبرني عن الأخبار التي رويت عن آبائي الأئمة في الجبر ~~والتشبيه أكثر، أم الأخبار التي رويت من النبي صلى الله عليه وآله في ذلك؟ # فقلت: بل ما رويت عن النبي صلى الله عليه وآله أكثر. # قال: فليقولوا: أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يقول بالتشبيه ~~والجبر. # فقلت له: إنهم يقولون: أن رسول الله صلى الله عليه وآله لم يقل شيئا من ~~ذلك وإنما روي عليه. # قال: فليقولوا في آبائي الأئمة عليهم السلام: أنهم لم يقولوا من ذلك شيئا ~~وإنما روي عليهم. ثم قال: من قال بالتشبيه والجبر فهو كافر مشرك، ونحن براء ~~منه في ms436 الدنيا والآخرة، يا بن خالد إنما وضع الأخبار عنا في التشبيه والجبر ~~(الغلاة) الذين صغروا عظمة الله، فمن أحبهم فقد أبغضنا، ومن أبغضهم فقد ~~أحبنا، ومن والاهم فقد عادانا، ومن عاداهم فقد والانا، ومن وصلهم فقد ~~قطعنا، ومن قطعهم فقد وصلنا، ومن جفاهم فقد برنا، ومن برهم فقد جفانا، ومن ~~أكرمهم فقد أهاننا، ومن أهانهم فقد أكرمنا، ومن قبلهم فقد ردنا، ومن ردهم ~~فقد قبلنا ومن أحسن إليهم فقد أساء إلينا، ومن أساء إليهم فقد أحسن إلينا، ~~ومن صدقهم فقد كذبنا، ومن كذبهم فقد صدقنا، ومن أعطاهم فقد حرمنا، ومن ~~حرمهم فقد أعطانا. يا بن خالد من كان من شيعتنا فلا يتخذن منهم وليا ولا ~~نصيرا. # احتجاج الرضا عليه السلام على أهل الكتاب والمجوس ورئيس الصابئين وغيرهم. # روي عن الحسن بن محمد النوفلي أنه قال: لما قدم علي بن موسى الرضا صلوات ~~الله عليه على المأمون، أمر الفضل بن سهل أن يجمع له أصحاب المقالات، مثل: # الجاثليق، ورأس الجالوت، ورؤساء الصابئين، والهربذ الأكبر، وأصحاب زردشت ~~ونسطاس الرومي، والمتكلمين، ليسمع كلامه وكلامهم، فجمعهم الفضل بن سهل، ~~PageV02P199 # ثم أعلم المأمون باجتماعهم فقال: # أدخلهم علي ففعل، فرحب بهم المأمون ثم قال لهم: # إنما جمعتكم لخير، وأحببت أن تناظروا ابن عمي هذا المدني القادم علي، ~~فإذا كان بكرة فاغدوا علي ولا يتخلف منكم أحد. # فقالوا: السمع والطاعة يا أمير المؤمنين، نحن مبكرون إن شاء الله. # قال الحسن بن محمد النوفلي: فبينا نحن في حديث لنا عند أبي الحسن الرضا ~~عليه السلام إذ دخل علينا ياسر الخادم - وكان يتولى أمر أبي الحسن - عليه ~~السلام - فقال: يا سيدي أن أمير المؤمنين يقرؤك السلام ويقول: فداك أخوك، ~~أنه اجتمع إلينا أصحاب المقالات، وأهل الأديان، والمتكلمون من جميع أهل ~~الملل فرأيك في البكور علينا إن أحببت كلامهم، وإن كرهت ذلك فلا تتجشم، وإن ~~أحببت أن نصير إليك خف ذلك علينا. # فقال أبو الحسن عليه السلام: أبلغه السلام وقل: قد علمت ما أردت، وأنا ~~صائر إليك بكرة إن شاء ms437 الله. # قال الحسن بن محمد النوفلي: فلما مضى ياسر التفت إلينا ثم قال لي: يا ~~نوفلي أنت عراقي ورقة العراقي غير غليظة، فما عندك في جمع ابن عمي علينا ~~أهل الشرك وأصحاب المقالات؟ # فقلت: جعلت فداك يريد الامتحان، ويحب أن يعرف ما عندك، ولقد بنى على أساس ~~غير وثيق البنيان، وبئس والله ما بنى. # فقال لي: وما بناؤه في هذا الباب؟ # قلت: إن أصحاب الكلام والبدع خلاف العلماء، وذلك: أن العالم لا ينكر غير ~~المنكر، وأصحاب المقالات والمتكلمون وأهل الشرك أصحاب إنكار ومباهتة إن ~~احتججت عليهم بأن الله واحد قالوا: صحح وحدانيته، وإن قلت: أن محمدا صلى ~~الله عليه وآله رسول، قالوا: ثبت رسالته، ثم يباهتون الرجل - وهو مبطل ~~عليهم بحجته - ويغالطونه حتى يترك قوله، فاحذرهم جعلت فداك! PageV02P200 # قال: فتبسم ثم قال لي: يا نوفلي أتخاف أن يقطعوا علي حجتي؟! # قلت: لا. والله ما خفته عليك قط، وأني لأرجو أن يظفرك الله بهم إن شاء ~~الله. # فقال لي: يا نوفلي أتحب أن تعلم متى يندم المأمون؟ # قلت: نعم. # قال: إذا سمع احتجاجي على أهل التوراة بتوراتهم، وعلى أهل الإنجيل ~~بإنجيلهم، وعلى أهل الزبور بزبورهم، وعلى الصابئين بعبرانيتهم، وعلى ~~الهرابذة بفارسيتهم، وعلى أهل الروم بروميتهم، وعلى أهل المقالات بلغاتهم، ~~فإذا قطعت كل صنف، ودحضت حجته، وترك مقالته، ورجع إلى قولي، علم المأمون أن ~~الذي هو بسبيله ليس بمستحق له، فعند ذلك تكون الندامة منه، ولا حول ولا قوة ~~إلا بالله العلي العظيم. # فلما أصبحنا أتانا الفضل بن سهل فقال له: # جعلت فداك أن ابن عمك ينتظرك، اجتمع القوم فما رأيك في إتيانه؟ # فقال له الرضا عليه السلام: تقدمني فإني صائر إلى ناحيتكم إن شاء الله، ~~ثم توضأ وضوء الصلاة، وشرب شربة سويق وسقانا، ثم خرج وخرجنا معه، حتى دخل ~~على المأمون، وإذا المجلس غاص بأهله، ومحمد بن جعفر في جماعة الطالبيين ~~والهاشميين والقواد حضور. # فلما دخل الرضا عليه السلام قام المأمون وقام محمد بن جعفر وجمع بني ~~هاشم، فما زالوا وقوفا ms438 والرضا عليه السلام جالس مع المأمون حتى أمرهم ~~بالجلوس، فجلسوا فلم يزل المأمون مقبلا عليه يحدثه ساعة، ثم التفت إلى ~~الجاثليق فقال: # يا جاثليق! هذا ابن عمي علي بن موسى بن جعفر وهو: من ولد فاطمة بنت نبينا ~~صلى الله عليه وآله، وابن علي بن أبي طالب عليه السلام، فأحب أن تكلمه ~~وتحاجه وتنصفه. # فقال الجاثليق: يا أمير المؤمنين كيف أحاج رجلا يحاج علي بكتاب أنا ~~منكره، ونبي لا أؤمن به؟ PageV02P201 # فقال الرضا عليه السلام يا نصراني فإن احتججت عليك بإنجيلك أتقر به؟ # قال الجاثليق: وهل أقدر على دفع ما نطق به الإنجيل، نعم والله أقر به على ~~رغم أنفي. # فقال له الرضا عليه السلام: سل عما بدا لك واسمع الجواب. # قال الجاثليق: ما تقول في نبوة عيسى وكتابه هل تنكر منهما شيئا؟ # قال الرضا عليه السلام: أنا مقر بنبوة عيسى وكتابه، وما بشر به أمته، ~~وأقرت به الحواريون، وكافر بنبوة كل عيسى لم يقر بنبوة محمد وكتابه، ولم ~~يبشر به أمته! # قال الجاثليق: أليس إنما تقطع الأحكام بشاهدي عدل؟ # قال: بلى. # قال: فأقم شاهدين من غير أهل ملتك على نبوة محمد، ممن لا تنكره النصرانية ~~وسلنا مثل ذلك من غير أهل ملتنا. # قال الرضا عليه السلام: الآن جئت بالنصفة يا نصراني! ألا تقبل مني العدل ~~والمقدم عند المسيح عيسى بن مريم عليه السلام؟ # قال الجاثليق: ومن هذا العدل سمه لي؟ # قال: ما تقول في (يوحنا) الديلمي؟ # قال: بخ بخ ذكرت أحب الناس إلى المسيح. # قال: أقسمت عليك هل نطق الإنجيل أن يوحنا قال: أن المسيح أخبرني بدين ~~محمد العربي وبشرني به أنه يكون من بعدي، فبشرت به الحواريين فآمنوا به؟ # قال الجاثليق: قد ذكر ذلك يوحنا عن المسيح، وبشر بنبوة رجل وأهل بيته ~~ووصيه وأهل بيته، ولم يلخص متى يكون ذلك، ولم يسم لنا القوم فنعرفهم. # قال الرضا عليه السلام: فإن جئناك بمن يقرأ الإنجيل فتلا عليك ذكر محمد ~~وأهل بيته وأمته أتؤمن به؟ # قال: أمر سديد. # قال الرضا ms439 لفسطاس الرومي: كيف يكون حفظك للسفر الثالث من الإنجيل؟ ~~PageV02P202 # قال: ما أحفظني له، ثم التفت إلى رأس الجالوت فقال عليه السلام: ألست ~~تقرأ الإنجيل؟ # قال: بلى لعمري. # قال: فخذ علي السفر الثالث، فإن كان فيه ذكر محمد وأهل بيته وأمته ~~فاشهدوا لي، وإن لم يكن فيه ذكره فلا تشهدوا لي! ثم قرأ السفر الثالث حتى ~~بلغ ذكر النبي صلى الله عليه وآله وقف ثم قال: # يا نصراني أني أسألك بحق المسيح وأمه أتعلم أني عالم بالإنجيل؟ # قال: نعم. ثم تلا علينا ذكر محمد وأهل بيته وأمته، ثم قال: # ما تقول يا نصراني؟ هذا قول عيسى بن مريم، فإن كذبت ما نطق به الإنجيل ~~فقد كذبت موسى وعيسى عليهما السلام، ومتى أنكرت هذا الذكر وجب عليك القتل، ~~لأنك تكون قد كفرت بربك ونبيك وبكتابك. # قال الجاثليق: لا أنكر ما قد بان لي من الإنجيل، وأني لمقر به. # قال الرضا عليه السلام: اشهدوا على إقراره! ثم قال: # يا جاثليق سل عما بدا لك! # قال الجاثليق: أخبرني عن حواري عيسى بن مريم، كم كان عدتهم، وعن علماء ~~الإنجيل كم كانوا؟ # قال الرضا عليه السلام: على الخبير سقطت. أما الحواريون فكانوا اثني عشر ~~رجلا، وكان أفضلهم وأعلمهم (لوقا) وأما علماء النصارى فكانوا ثلاثة رجال ~~(يوحنا) الأكبر - يا حي - و (يوحنا) بقرقيسيا و (يوحنا) الديلمي بزخار ~~وعنده كان ذكر النبي صلى الله عليه وآله، وذكر أهل بيته، وهو الذي بشر أمة ~~عيسى وبني إسرائيل به. ثم قال: # يا نصراني والله إنا لنؤمن بعيسى الذي آمن بمحمد صلى الله عليه وآله. وما ~~ننقم على عيسى شيئا إلا ضعفه وقلة صيامه وصلاته. # قال الجاثليق: أفسدت والله علمك، وضعفت أمرك، وما كنت ظننت إلا ~~PageV02P203 # أنك أعلم أهل الإسلام. # قال الرضا عليه السلام: وكيف ذلك؟! # قال الجاثليق: من قولك أن عيسى كان ضعيفا، قليل الصيام والصلاة، وما أفطر ~~عيسى يوما قط، وما نام بليل قط، وما زال صائم الدهر قائم الليل. # قال الرضا عليه السلام: فلمن كان يصوم ويصلي؟ ms440 # فخرس الجاثليق وانقطع. # قال الرضا عليه السلام: يا نصراني أني أسألك عن مسألة قال: سل! فإن كان ~~عندي علمها أجبتك. # قال الرضا عليه السلام: ما أنكرت أن عيسى كان يحيي الموتى بإذن الله. # قال الجاثليق: أنكرت ذلك من قبل، أن من أحيى الموتى وأبرأ الأكمه ~~والأبرص، فهو: (رب) مستحق لأن يعبد. # قال الرضا صلوات الله عليه: فإن اليسع قد صنع مثل ما صنع عيسى عليه ~~السلام، مشى على الماء، وأحيى الموتى، وأبرأ الأكمه والأبرص، فلم لا تتخذه ~~أمته رب ولم يعبده أحد من دون الله عز وجل، ولقد صنع حزقيل النبي مثل ما ~~صنع عيسى ابن مريم، فأحيى خمسة وثلاثين ألف رجل من بعد موتهم بستين سنة، ثم ~~التفت إلى رأس الجالوت فقال: يا رأس الجالوت! أتجد هؤلاء في شباب بني ~~إسرائيل في التوراة، اختارهم (بخت نصر) من سبي بني إسرائيل حين غزا بيت ~~المقدس، ثم انصرف بهم إلى بابل، فأرسله الله عز وجل إليهم فأحياهم، هذا في ~~التوراة لا يدفعه إلا كافر منكم؟ # قال رأس الجالوت: قد سمعنا به وعرفناه. # قال: صدقت. # ثم قال: يا يهودي خذ علي هذا السفر من التوراة، فتلا عليه من التوراة ~~آيات، فأقبل اليهودي يترجح لقراءته، ويتعجب ثم أقبل على النصراني فقال: # يا نصراني أفهؤلاء كانوا قبل عيسى أم عيسى كان قبلهم؟ PageV02P204 # قال: بل كانوا قبله. # قال الرضا عليه السلام: لقد اجتمعت قريش إلى رسول الله فسألوه أن يحيي ~~لهم موتاهم، فوجه معهم علي بن أبي طالب عليه السلام فقال له: (اذهب إلى ~~الجبانة، فناد بأسماء هؤلاء الرهط الذين يسألون عنهم بأعلى صوتك، يا فلان، ~~ويا فلان، ويا فلان يقول لكم رسول الله محمد قوموا بإذن الله) فناداهم ~~فقاموا ينفضون التراب عن رؤوسهم، فأقبلت قريش تسألهم عن أمورهم، ثم أخبروهم ~~أن محمدا قد بعث نبيا فقالوا: وددنا أن أدركناه فنؤمن به، ولقد أبرأ الأكمه ~~والأبرص والمجانين، وكلمته البهائم والطير والجن والشياطين، ولم نتخذه ربا ~~من دون الله، ولم ننكر لأحد من هؤلاء فضلهم، فإن ms441 اتخذتم عيسى ربا جاز لكم ~~أن تتخذوا اليسع وحزقيل ربين، لأنهما قد صنعا مثل ما صنع عيسى بن مريم: من ~~إحياء الموتى وغيره، ثم إن قوما من بني إسرائيل خرجوا من بلادهم من الطاعون ~~وهم ألوف حذر الموت فأماتهم الله في ساعة واحدة، فعمد أهل القرية فحظروا ~~عليهم حظيرة، فلم يزالوا فيها حتى نخرت عظامهم وصاروا رميما، فمر بهم نبي ~~من أنبياء بني إسرائيل فتعجب منهم ومن كثرة العظام البالية، فأوحى الله ~~إليه أتحب أن أحييهم لك فتنذرهم؟ # قال: نعم. # فأوحى الله إليه أن نادهم فقال: أيتها العظام البالية قومي بإذن الله! ~~فقاموا أحياء أجمعون ينفضون التراب عن رؤوسهم ثم إبراهيم خليل الله عليه ~~السلام حين اتخذ الطير فقطعهن قطعا، ثم وضع على كل جبل منهن جزءا، ثم ~~ناداهن فأقبلن سعيا إليه، ثم موسى بن عمران وأصحابه السبعون الذين اختارهم ~~صاروا معه إلى الجبل فقالوا له: إنك قد رأيت الله فأرناه! # فقال لهم: إني لم أره. # فقالوا: لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتهم الصاعقة فاحترقوا عن آخرهم ~~فبقي موسى وحيدا. # فقال: يا رب اخترت سبعين رجلا من بني إسرائيل فجئت بهم، فأرجع أنا ~~PageV02P205 # وحدي، فكيف يصدقني قومي بما أخبرهم به، فلو شئت أهلكتهم من قبل وإياي ~~أفتهلكنا بما فعل السفهاء منا؟ # فأحياهم الله عز وجل من بعد موتهم، وكل شئ ذكرته لك من هذا لا تقدر على ~~دفعه، لأن التوراة والإنجيل والزبور والفرقان قد نطقت به، فإن كان كل من ~~أحيى الموتى وأبرأ الأكمه والأبرص، والمجانين يتخذ ربا من دون الله فاتخذ ~~هؤلاء كلهم أربابا! ما تقول يا نصراني؟! # فقال الجاثليق: القول قولك، ولا إله إلا الله. # ثم التفت إلى رأس الجالوت فقال: يا يهودي أقبل علي أسألك بالعشر الآيات ~~التي أنزلت على موسى بن عمران هل تجد في التوراة مكتوبا نبأ محمد صلى الله ~~عليه وآله وأمته إذا جاءت الأمة الأخيرة أتباع راكب البعير، يسبحون الرب ~~جدا جدا، تسبيحا جديدا، في الكنايس الجدد فليفزع بنو إسرائيل إليهم ms442 وإلى ~~ملكهم لتطمئن قلوبهم فإن بأيديهم سيوفا ينتقمون بها من الأمم الكافرة في ~~أقطار الأرض، هكذا هو في التوراة مكتوب؟ # قال رأس الجالوت: نعم. أنا لنجد ذلك كذلك. # ثم قال للجاثليق: يا نصراني كيف علمك بكتاب شعيا؟ # قال: أعرفه حرفا حرفا. # قال لهما: أتعرفان هذا من كلامه: يا قوم أني رأيت صورة راكب الحمار لابسا ~~جلابيب النور، ورأيت راكب البعير ضوءه ضوء القمر؟ # فقالا: قد قال ذلك شعيا. # قال الرضا عليه السلام: يا نصراني أهل تعرف في الإنجيل قول عيسى: أني ~~ذاهب إلى ربكم وربي، و (الفارقليطا) جائي هو الذي يشهد لي بالحق كما شهدت ~~له، وهو الذي يفسر لكم كل شئ، وهو الذي يبدي فضايح الأمم، وهو الذي يكسر ~~عمود الكفر؟ # فقال الجاثليق: ما ذكرت شيئا من الإنجيل إلا ونحن مقرون به. PageV02P206 # فقال: أتجد هذا في الإنجيل ثابتا؟ # قال: نعم. # قال الرضا عليه السلام: يا جاثليق ألا تخبرني عن الإنجيل الأول حين ~~افتقدتموه عند من وجدتموه؟ ومن وضع لكم هذا الإنجيل؟ # قال له: ما افتقدنا الإنجيل إلا يوما واحدا حتى وجدناه غضا طريا فأخرجه ~~إلينا يوحنا ومتى. # فقال الرضا عليه السلام: ما أقل معرفتك بسنن الإنجيل وعلمائه، فإن كان ~~كما تزعم فلم اختلفتم في الإنجيل؟ وإنما الاختلاف في هذا الإنجيل الذي في ~~أيديكم اليوم، فإن كان على العهد الأول لم تختلفوا فيه، ولكني مفيدك علم ~~ذلك، إعلم: # أنه لما افتقد الإنجيل الأول اجتمعت النصارى إلى علمائهم فقالوا لهم: قتل ~~عيسى ابن مريم وافتقدنا الإنجيل، وأنتم العلماء فما عندكم؟ # فقال لهم ألوقا ومرقانوس ويوحنا ومتى: أن الإنجيل في صدورنا نخرجه إليكم ~~سفرا سفرا، في كل أحد، فلا تحزنوا عليه ولا تخلوا الكنايس، فإنا سنتلوه ~~عليكم في كل أحد سفرا سفرا حتى نجمعه كله. # فقال الرضا عليه السلام: أن ألوقا ومرقانوس ويوحنا ومتى وضعوا لكم هذا ~~الإنجيل بعد ما افتقدتم الإنجيل الأول، وإنما كان هؤلاء الأربعة تلاميذ ~~تلاميذ الأولين. # أعلمت ذلك؟ # قال الجاثليق: أما قبل هذا فلم أعلمه وقد علمته الآن، ms443 وقد بان لي من فضل ~~علمك بالإنجيل وقد سمعت أشياء مما علمته شهد قلبي أنها حق، واستزدت كثيرا ~~من الفهم. # فقال الرضا عليه السلام: فكيف شهادة هؤلاء عندك؟ # قال: جائزة. هؤلاء علماء الإنجيل، وكل ما شهدوا به فهو حق. # قال الرضا عليه السلام - للمأمون ومن حضره من أهل بيته وغيرهم -: اشهدوا ~~عليه! # قالوا: شهدنا. PageV02P207 # ثم قال للجاثليق: بحق الابن وأمه، هل تعلم أن (متى) قال في نسبة عيسى: # أن المسيح بن داود بن إبراهيم بن إسحاق بن يعقوب بن يهود بن خضرون؟ # وقال (مرقانوس) في نسبة عيسى عليه السلام: أنه كلمة الله أحلها في الجسد ~~الآدمي فصارت إنسانا؟ وقال (ألوقا): أن عيسى بن مريم وأمه كانا إنسانين من ~~لحم ودم فدخل فيهما روح القدس؟ ثم إنك تقول في شهادة عيسى على نفسه حقا ~~أقول لكم أنه لا يصعد إلى السماء إلا من نزل منها إلا راكب البعير خاتم ~~الأنبياء، فإنه يصعد إلى السماء وينزل فما تقول في هذا القول؟ # قال الجاثليق: هذا قول عيسى لا ننكره. # قال الرضا عليه السلام: فما تقول في شهادة ألوقا ومرقانوس ومتى على عيسى ~~وما نسبوا إليه؟ # قال الجاثليق: كذبوا على عيسى. # قال الرضا عليه السلام: يا قوم أليس قد زكاهم وشهد أنهم علماء الإنجيل ~~وقولهم حق. # فقال الجاثليق: يا عالم المسلمين أحب أن تعفيني من أمر هؤلاء. # قال الرضا عليه السلام: قد فعلنا. سل يا نصراني عما بدا لك! # قال الجاثليق: ليسألك غيري، فوالله ما ظننت أن في علماء المسلمين مثلك. # فالتفت الرضا عليه السلام إلى رأس الجالوت فقال له: تسألني أو أسألك؟ # قال: بل أسألك. ولست أقبل منك حجة إلا من التوراة، أو من الإنجيل أو من ~~زبور داود، أو ما في صحف إبراهيم وموسى. # قال الرضا عليه السلام: لا تقبل مني حجة إلا بما تنطق به التوراة على ~~لسان موسى بن عمران عليه السلام، والإنجيل على لسان عيسى بن مريم عليه ~~السلام، والزبور على لسان داود عليه السلام. # قال رأس الجالوت: من ms444 أين تثبت نبوة محمد؟ # قال الرضا عليه السلام: شهد بنبوته موسى بن عمران، وعيسى بن مريم، وداود ~~خليفة الله في الأرض. PageV02P208 # فقال له: ثبت قول موسى بن عمران! # قال الرضا عليه السلام: تعلم يا يهودي أن موسى أوصى بني إسرائيل فقال ~~لهم: # أنه سيأتيكم نبي من إخوانكم فيه فصدقوا، ومنه فاسمعوا، فهل تعلم أن لبني ~~إسرائيل أخوة غير ولد إسماعيل، إن كنت تعرف قرابة إسرائيل من إسماعيل ~~والنسب الذي بينهما من قبل إبراهيم عليه السلام؟ # فقال رأس الجالوت: هذا قول موسى لا ندفعه. # فقال له الرضا عليه السلام: هل جاءكم من أخوة بني إسرائيل غير محمد صلى ~~الله عليه وآله؟ # قال: لا. # وفي العيون: فقال الرضا عليه السلام: أفليس قد صح هذا عندكم؟ # قال: نعم. ولكني أحب أن تصححه لي من التوراة. # فقال له الرضا عليه السلام: هل تنكرون التوراة تقول لكم: جاء النور من ~~قبل طور سيناء، وأضاء للناس من جبل ساعير، واستعلن علينا من جبل فاران؟ # قال رأس الجالوت: أعرف هذه الكلمات وما أعرف تفسيرها. # قال الرضا عليه السلام: أنا أخبرك به أما قوله: جاء النور من قبل طور ~~سيناء: # فذلك وحي الله تبارك وتعالى الذي أنزله على موسى على جبل طور سيناء، وأما ~~قوله: وأضاء للناس في جبل ساعير، فهو: الجبل الذي أوحى الله عز وجل إلى ~~عيسى بن مريم عليه السلام وهو عليه، وأما قوله: واستعلن علينا من جبل ~~فاران: # فذاك جبل من جبال مكة، وبينه وبينها يومان أو يوم. # قال شعيا النبي - فيما تقول أنت وأصحابك في التوراة - رأيت راكبين أضاء ~~لهما الأرض، أحدهما على حمار، والآخر على جمل، فمن راكب الحمار ومن راكب ~~الجمل؟ # قال رأس الجالوت: لا أعرفهما فخبرني بهما! # قال: أما راكب الحمار فعيسى، وأما راكب الجمل فمحمد صلى الله عليه وآله ~~أتنكر هذا من التوراة؟ # قال: لا ما أنكره. PageV02P209 # قال الرضا عليه السلام: هل تعرف حيقوق النبي عليه السلام؟ # قال: نعم. أني به لعارف! # قال: فإنه قال - وكتابكم ينطق به -: جاء ms445 الله تعالى بالبيان من جبل ~~فاران، وامتلأت السماوات من تسبيح أحمد وأمته، يحمل خيله في البحر كما يحمل ~~في البر، يأتينا بكتاب جديد بعد خراب بيت المقدس، يعني بالكتاب: # القرآن. أتعرف هذا وتؤمن به؟ # قال رأس الجالوت: قد قال ذلك حيقوق النبي عليه السلام ولا ننكر قوله. قال ~~الرضا عليه السلام: فقد قال داود عليه السلام في زبوره - وأنت تقرأه -: ~~اللهم ابعث مقيم السنة بعد الفترة، فهل تعرف نبيا أقام السنة بعد الفترة ~~غير محمد صلى الله عليه وآله؟ # قال رأس الجالوت: هذا قول داود نعرفه ولا ننكره، ولكن عنى بذلك: # عيسى وأمامه هي الفترة. # قال الرضا عليه السلام: جهلت أن عيسى لم يخالف السنة، وكان موافقا لسنة ~~التوراة، حتى رفعه الله إليه، وفي الإنجيل مكتوب: أن ابن البرة ذاهب و ~~(الفارقليطا) جائي من بعدي، هو يخفف الآصار، ويفسر لكم كل شئ، ويشهد لي كما ~~شهدت له، أنا جئتكم بالأمثال وهو يأتيكم بالتأويل، أتؤمن بهذا في الإنجيل؟ # قال: نعم. لا أنكره. # قال الرضا عليه السلام: أسألك عن نبيك موسى بن عمران عليه السلام. # فقال: سل! # قال: ما الحجة على أن موسى ثبتت نبوته؟ # قال اليهودي: أنه جاء بما لم يجئ أحد من الأنبياء قبله. # قال له عليه السلام: مثل ماذا؟ # قال: مثل فلق البحر، وقلبه العصا حية تسعى، وضربه الحجر فانفجر منه ~~العيون وإخراجه يده بيضاء للناظرين، وعلامات لا يقدر الخلق على مثلها. # قال له الرضا عليه السلام: صدقت في أنها كانت حجته على نبوته، إنه جاء ~~بما PageV02P210 # لا يقدر الخلق على مثله، أفليس كل من ادعى أنه نبي وجاء بما لا يقدر ~~الخلق على مثله وجب عليكم تصديقه؟ # قال: لا. لأن موسى لم يكن له نظير لمكانه من ربه وقربه منه، ولا يجب ~~علينا الاقرار بنبوة من ادعاها حتى يأتي من الأعلام بمثل ما جاء. # قال الرضا عليه السلام: فكيف أقررتم بالأنبياء الذين كانوا قبل موسى، ولم ~~يفلقوا البحر ولم يفجروا من الحجر اثنتي عشر عينا، ولم يخرجوا أيديهم ms446 مثل ~~إخراج موسى يده بيضاء، ولم يقلبوا العصا حية تسعى؟! # قال له اليهودي: قد خبرتك أنه متى جاءوا على نبوتهم من الآيات بما لا ~~يقدر الخلق على مثله ولو جاءوا بمثل ما لم يجئ به موسى، أو كانوا على ما ~~جاء به موسى وجب تصديقهم. # قال الرضا عليه السلام: يا رأس الجالوت! فما يمنعك من الاقرار بعيسى بن ~~مريم، وكان يحيي الموتى، ويبرئ الأكمه والأبرص، ويخلق من الطين كهيئة الطير ~~ثم ينفخ فيه فيكون طائرا بإذن الله؟! # قال رأس الجالوت: يقال: أنه فعل ذلك، ولم نشهده. # قال الرضا عليه السلام: أرأيت ما جاء به موسى من الآيات وشاهدته! أليس ~~إنما جاء الأخبار من ثقات أصحاب موسى أنه فعل ذلك؟ # قال: بلى. # قال: كذلك أيضا أتتكم الأخبار المتواترة بما فعل عيسى بن مريم. فكيف ~~صدقتم بموسى ولم تصدقوا بعيسى؟! # فلم يحر جوابا. # فقال الرضا عليه السلام: وكذلك أمر محمد صلى الله عليه وآله وما جاء به، ~~وأمر كل نبي بعثه الله، ومن آياته أنه كان يتيما فقيرا راعيا أجيرا، ولم ~~يتعلم، ولم يختلف إلى معلم. # ثم جاء بالقرآن الذي فيه قصص الأنبياء عليهم السلام وأخبارهم حرفا حرفا، ~~وأخبار من مضى ومن بقي إلى يوم القيامة، ثم كان يخبرهم بأسرارهم وما يعملون ~~PageV02P211 # في بيوتهم، بآيات كثيرة لا تحصى. # قال رأس الجالوت: لم يصح عندنا خبر عيسى، ولا خبر محمد، ولا يجوز لنا أن ~~نقر لهما بما لا يصح عندنا. # قال الرضا عليه السلام: فالشاهد الذي يشهد لعيسى ومحمد صلى الله عليه ~~وآله شاهد زور؟ # فلم يحر جوابا. # ثم دعا بالهربذ الأكبر. فقال له الرضا عليه السلام: أخبرني عن زردشت الذي ~~تزعم: أنه نبي ما حجتك على نبوته؟ # قال: إنه أتى بما لم يأتنا به أحد قبله، ولم نشهده. ولكن الأخبار من ~~أسلافنا وردت علينا بأنه: أحل لنا ما لم يحله لنا غيره فاتبعناه. # قال: أفليس إنما أتتكم الأخبار فاتبعتموه؟ # قال: بلى. # قال: فكذلك سائر الأمم السالفة، أتتهم الأخبار بما أتى به النبيون، ms447 وأتى ~~به موسى وعيسى ومحمد صلى الله عليه وآله، فما عذركم في ترك الاقرار بهم، إذ ~~كنتم إنما أقررتم بزردشت من قبل الأخبار الواردة بأنه: جاء بما لم يجئ به ~~غيره؟ # فانقطع الهربذ مكانه. # فقال الرضا عليه السلام: يا قوم إن كان فيكم أحد يخالف الإسلام وأراد أن ~~يسأل فليسأل غير محتشم! # فقام إليه عمران الصابي - وكان واحدا من المتكلمين - فقال: يا عالم ~~الناس! # لولا أنك دعوت إلى مسألتك لم أقدم عليك بالمسائل، ولقد دخلت الكوفة ~~والبصرة والشام والجزيرة، ولقيت المتكلمين فلم أقع على أحد يثبت لي واحدا ~~ليس غيره قائما بوحدانيته، أفتأذن أن أسألك؟ # قال الرضا عليه السلام: إن كان في الجماعة عمران الصابي فأنت هو! # قال: أنا هو. # قال: سل يا عمران وعليك بالنصفة، إياك والخطل والجور! PageV02P212 # قال: والله يا سيدي ما أريد إلا أن تثبت لي شيئا أتعلق به. فلا أجوزه! # قال: سل عما بدا لك! # فازدحم الناس وضم بعضهم إلى بعض. # فقال: أخبرني عن الكائن الأول وعما خلق؟ # قال: سألت فافهم الجواب! # أما الواحد فلم يزل كائنا واحدا، لا شئ معه، بلا حدود، ولا أعراض، ولا ~~يزال كذلك. ثم خلق خلقا مبتدعا، مختلفا، بأعراض وحدود مختلفة، لا في شئ ~~أقامه، ولا في شئ حده، ولا على شئ حذاه ومثله، فجعل الخلق من بعد ذلك صفوة ~~وغير صفوة لله، واختلافا وايتلافا، وألوانا، وذوقا، وطعما، لا لحاجة كانت ~~منه إلى ذلك، ولا لفضل منزلة لم يبلغها إلا به، ولا رأى لنفسه فيما خلق ~~زيادة ولا نقصانا، تعقل هذا يا عمران؟ # قال: نعم والله يا سيدي. # قال: واعلم يا عمران! أنه لو كان خلق ما خلق لحاجة، لم يخلق إلا من ~~يستعين به على حاجته، ولكان ينبغي أن يخلق أضعاف ما خلق، لأن الأعوان كلما ~~كثروا كان صاحبهم أقوى. # ثم طال السؤال والجواب بين الرضا عليه السلام وبين عمران الصابي، وألزمه ~~عليه السلام في أكثر مسائله، حتى انتهت الحال إلى أن قال: # أشهد أنه يا سيدي كما وصفت، ولكن ms448 بقيت مسألة! # قال: سل عما أردت! # قال: أسألك عن: (الحكيم) في أي شئ، وهل يحيط به شئ، وهل يتحول من شئ إلى ~~شئ، أو هل به حاجة إلى شئ؟ # قال الرضا عليه السلام: أخبرك يا عمران فاعقل ما سألت عنه، فإنه من أغمض ~~ما يرد على المخلوقين في مسائلهم، وليس يفهمه المتقارب عقله العازب حلمه، ~~ولا يعجز عن فهمه أولو العقل المنصفون. PageV02P213 # أما أول ذلك. فلو كان خلق ما خلق لحاجة منه لجاز لقائل أن يقول: يتحول ~~إلى ما خلق لحاجته إلى ذلك، ولكنه عز وجل لم يخلق شيئا لحاجة، ولم يزل ~~ثابتا لا في شئ، إلا أن الخلق يمسك بعضه بعضا، ويدخل بعضه في بعض، ويخرج ~~منه. # والله جل وتقدس بقدرته يمسك ذلك كله، وليس يدخل في شئ، ولا يخرج منه ولا ~~يؤده حفظه، ولا يعجز عن إمساكه، ولا يعرف أحد من الخلق كيف ذلك إلا الله عز ~~وجل، ومن اطلعه عليه من رسله وأهل سره، والمستحفظين لأمره، وخزانه القائمين ~~بشريعته، وإنما أمره كلمح البصر أو هو أقرب، إذا شاء شيئا فإنما يقول له: ~~(كن) فيكون بمشيته وإرادته، وليس شئ من خلقه أقرب إليه من شئ، ولا شئ أبعد ~~منه من شئ، أفهمت يا عمران؟ # قال: نعم يا سيدي فهمت، وأشهد أن الله على ما وصفت ووحدت، وأن محمدا عبده ~~المبعوث بالهدى ودين الحق، ثم خر ساجدا نحو القبلة وأسلم. # قال الحسن بن محمد النوفلي: فلما نظر المتكلمون إلى كلام عمران الصابي - ~~وكان جدلا لم يقطعه عن حجته أحد قط - لم يدن من الرضا عليه السلام أحد، ولم ~~يسألوه عن شئ، وأمسينا فنهض المأمون والرضا عليه السلام فدخلا وانصرف ~~الناس. # ثم قال الرضا عليه السلام - بعد أن عاد إلى منزله -: يا غلام صر إلى ~~عمران الصابي فأتني به! # فقلت: جعلت فداك! أنا أعرف موضعه هو عند بعض إخواننا من الشيعة. # قال: فلا بأس قربوا إليه دابة. # فصرت إلى عمران فأتيته به، فرحب به، ودعا بكسوة فخلعها عليه، ودعا بعشرة ms449 ~~آلاف درهم فوصله به. # قلت: جعلت فداك! حكيت فعل جدك أمير المؤمنين عليه السلام. # قال: هكذا يجب. ثم دعا عليه السلام بالعشاء فأجلسني عن يمينه، وأجلس ~~عمران عن يساره، حتى إذا فرغنا قال لعمران: انصرف مصاحبا وبكر علينا نطعمك ~~طعام المدينة. PageV02P214 # فكان عمران بعد ذلك يجتمع إليه المتكلمون من أصحاب المقالات فيبطل عليهم ~~أمرهم حتى اجتنبوه. ووصله المأمون بعشرة آلاف درهم، وأعطاه الفضل مالا ~~جزيلا، وولاه الرضا عليه السلام صدقات البلخ فأصاب الرغائب. # وروي عن علي بن الجهم أنه قال: حضرت مجلس المأمون وعنده الرضا عليه ~~السلام فقال له المأمون: # يا بن رسول الله أليس من قولك: (أن الأنبياء معصومون)؟ (1). # قال: بلى. # قال: فما معنى قول الله عز وجل: (وعصى آدم ربه فغوى)؟ (2). # فقال: إن الله تبارك وتعالى قال لآدم عليه السلام: (أسكن أنت وزوجك الجنة ~~وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين) (3) ~~ولم يقل لهما لا تأكلا من هذه الشجرة، ولا مما كان من جنسها، فلم يقربا تلك ~~الشجرة، وإنما أكلا من غيرها إذ وسوس الشيطان إليهما وقال: (ما نهاكما ~~ربكما عن هذه الشجرة) (4) وإنما نهاكما أن تقربا غيرها، ولم ينهكما عن ~~الأكل منها: (إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين) (5) (وقاسمهما أني ~~لكما من الناصحين) (6) ولم يكن آدم وحوا شاهدا قبل ذلك من يحلف بالله ~~كاذبا، (فدلاهما بغرور) (7) # PageV02P215 # فأكلا منها ثقة بيمينه بالله، وكان ذلك من آدم قبل النبوة، ولم يكن ذلك ~~بذنب كبير استحق دخول النار، وإنما كان من الصغائر الموهوبة التي تجوز على ~~الأنبياء قبل نزول الوحي عليهم، فلما اجتباه الله تعالى وجعله نبيا كان ~~معصوما لا يذنب صغيرة ولا كبيرة. قال الله تعالى: (وعصى آدم ربه فغوى ثم ~~اجتباه ربه فتاب عليه وهدى) وقال عز وجل: (إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل ~~إبراهيم وآل عمران على العالمين) (1). # قال المصنف (ره): لعل الرضا صلوات الله عليه أراد (بالصغائر الموهوبة): # ترك المندوب وارتكاب المكروه من الفعل، دون الفعل القبيح الصغير بالإضافة ms450 ~~إلى ما هو أعظم منه، لاقتضاء أدلة العقول والأثر المنقول لذلك، ورجعنا إلى ~~سياق الحديث. # ثم قال المأمون: فما معنى قول الله عز وجل: (فلما آتاهما صالحا جعلا له ~~شركاء فيما آتاهما) (2). # فقال الرضا عليه السلام: أن حوا ولدت خمسمائة بطن، في كل بطن ذكر وأنثى ~~وأن آدم وحوا عاهدا الله ودعواه قالا: (لئن آتيتنا صالحا لنكونن من ~~الشاكرين) (3) فلما آتاهما صالحين من النسل، خلقا سويا بريئا من الزمانة ~~والعاهة، كان ما آتاهما صنفين: صنفا ذكرانا وصنفا إناثا، جعل الصنفان لله ~~تعالى شركاء فيما آتاهما ولم يشكراه شكر أبويهما له عز وجل. قال الله ~~تعالى: (فتعالى الله عما يشركون) (4). # فقال المأمون: أشهد أنك ابن رسول الله صلى الله عليه وآله حقا، فأخبرني ~~عن قول الله عز وجل في إبراهيم: (فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ~~ربي؟) (5). # فقال الرضا عليه السلام: أن إبراهيم وقع على ثلاثة أصناف: صنف يعبد ~~(الزهرة)، وصنف يعبد (القمر)، وصنف يعبد (الشمس) ذلك حين خرج من # PageV02P216 # من السرب الذي أخفى فيه. # فلما جن عليه الليل رأى (الزهرة) قال: (هذا ربي؟!) على الانكار ~~والاستخبار. (فلما أفل (الكوكب) قال لا أحب الآفلين) (1) لأن الأفول من ~~صفات المحدث ولا من صفات القديم. # (فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي؟!) (2) على الانكار والاستخبار. # (فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين) (3) يقول: لو ~~لم يهدني ربي لكنت من القوم الضالين. # (فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر) (4) من الزهر والقمر؟! # على الانكار والاستخبار، لا على سبيل الإخبار والإقرار. # (فلما أفلت قال - للأصناف الثلاثة من: عبدة الزهرة، والقمر، والشمس - يا ~~قوم إني برئ مما تشركون * إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا ~~وما أنا من المشركين) (5) فإنما أراد إبراهيم عليه السلام بما قال: أن يبين ~~لهم بطلان دينهم، ويثبت عندهم: أن العبادة لا تحق لمن كان بصفة الزهرة ~~والقمر والشمس، وإنما تحق العبادة لخالقها خالق السماوات والأرض. وكان مما ~~احتج به على قومه مما ms451 ألهمه الله عز وجل وآتاه، كما قال الله عز وجل: (وتلك ~~حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه) (6). # فقال المأمون: لله درك يا بن رسول الله! فأخبرني عن قول إبراهيم: (رب ~~أرني كيف تحيي الموتى قال أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي) (7). # قال الرضا عليه السلام: إن الله تبارك وتعالى كان أوحى إلى إبراهيم عليه ~~السلام: (إني متخذ من عبادي خليلا إن سألني إحياء الموتى أحييت له) فوقع في ~~نفس إبراهيم أنه ذلك الخليل فقال: (ربي أرني كيف تحيي الموتى قال أو لم ~~تؤمن قال بلى ولكن # PageV02P217 # ليطمئن قلبي) على الخلة: (قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على ~~كل جبل منهن جزءا ثم أدعهن يأتينك سعيا واعلم أن الله على كل شئ قدير) (١) ~~فأخذ إبراهيم نسرا وبطا وطاووسا وديكا، فقطعهن وخلطهن ثم جعل على كل جبل من ~~الجبال التي حوله - وكانت عشرة - منهن جزءا، وجعل مناقيرهن بين أصابعه، ثم ~~دعاهن بأسمائهن، ووضع عنده حبا وماء، فتطايرت تلك الأجزاء بعضها إلى بعض ~~حتى استوت الأبدان، وجاء كل بدن حتى انضم إلى رقبته ورأسه فخلى إبراهيم ~~عليه السلام عن مناقيرهن، فطرن ثم وقعن فشربن من ذلك الماء والتقطن من ذلك ~~الحب؟ # وقلن: يا نبي الله أحييتنا أحياك الله! # فقال إبراهيم: (بل الله يحيي ويميت وهو على كل شئ قدير). # فقال المأمون: بارك الله فيك يا أبا الحسن! فأخبرني عن قول الله: # (فوكزه موسى فقضى عليه قال هذا من عمل الشيطان) (٢). # قال الرضا عليه السلام: إن موسى دخل مدينة من مدائن فرعون على حين غفلة ~~من أهلها - وذلك بين المغرب والعشاء - (فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من ~~شيعته وهذا من عدوه فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه فوكزه موسى) ~~فقضى موسى على العدو بحكم الله تعالى ذكره فمات. قال: (هذا من عمل الشيطان) ~~(٣) يعني الاقتتال الذي وقع بين الرجلين، لا ما فعله موسى من قتله إياه ~~(أنه - يعني: # الشيطان - عدو مضل مبين) (٤). # قال المأمون فما معنى قول موسى: ms452 ﴿رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي﴾ (٥)؟ # قال: يقول: إني وضعت نفسي غير موضعها، بدخولي هذه المدينة، فاغفر لي أي: ~~استرني من أعدائك. لئلا يظفروا بي فيقتلوني ﴿فغفر له﴾ (٦) أي: # ستره من عدوه، ﴿إنه هو الغفور ~~الرحيم﴾ (7) قال: (ربي بما أنعمت علي) (8) # PageV02P218 # من القوة حتى قتلت رجلا بوكزة، (فلن أكون ظهيرا للمجرمين) (1) بل أجاهد ~~في سبيلك بهذه القوة حتى ترضى. (فأصبح موسى في المدينة خائفا يترقب فإذا ~~الذي استنصره بالأمس يستصرخه قال له موسى إنك لغوي مبين) (2) قاتلت رجلا ~~بالأمس، وتقاتل هذا اليوم لأؤدبنك، فلما أراد أن يبطش بالذي هو عدو لهما ظن ~~الذي هو من شيعته أنه يريده (قال: - يا موسى - أتريد أن تقتلني كما قتلت ~~نفسا بالأمس إن تريد إلا أن تكون جبارا في الأرض وما تريد أن تكون من ~~المصلحين) (3). # قال المأمون: جزاك الله عن أنبيائه خيرا يا أبا الحسن! فما معنى قول موسى ~~لفرعون: (فعلتها إذا وأنا من الضالين) (4)؟ # قال الرضا عليه السلام: إن فرعون قال لموسى لما أتاه: (وفعلت فعلتك التي ~~فعلت وأنت من الكافرين) (5) (قال موسى فعلتها إذا وأنا من الضالين) عن ~~الطريق بوقوعي إلى مدينة من مدائنك، (ففررت منكم لما خفتكم فوهب لي ربي ~~حكما وجعلني من المرسلين) (6) وقد قال الله لنبيه محمد صلى الله عليه وآله: ~~(ألم يجدك يتيما فآوى) (7) يقول: ألم يجدك وحيدا فآوى إليك الناس؟ (ووجدك ~~ضالا) يعني: # عند قومك (فهدى) (8) أي: هداهم إلى معرفتك. (ووجدك عائلا فأغنى) (9) ~~يقول: أغناك بأن جعل دعاءك مستجابا. # قال المأمون: بارك الله فيك يا بن رسول الله! فما معنى قول الله: (ولما ~~جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني) الآية ~~(10) كيف يكون كليم الله موسى بن عمران لا يعلم أن الله تعالى ذكره لا يجوز # PageV02P219 # عليه الرؤية حتى يسأله هذا السؤال؟! # فقال الرضا عليه السلام: إن كليم الله موسى بن عمران علم أن الله ms453 جل عن ~~أن يرى بالأبصار، ولكنه لما كلمه الله تعالى وقربه نجيا، رجع إلى قومه ~~فأخبرهم: # أن الله عز وجل كلمه وقربه، فقالوا: لن نؤمن لك حتى نسمع كلامه كما سمعت، ~~وكان القوم سبعمائة ألف رجل، فاختار منهم سبعين ألفا، ثم اختار منهم سبعة ~~آلاف، ثم اختار منهم سبعمائة، ثم اختار منهم سبعين رجلا لميقات ربه، فخرج ~~بهم إلى طور سيناء، فأقامهم في سفح الجبل وصعد موسى إلى الطور، وسأل الله ~~عز وجل أن يكلمه ويسمعهم كلامه، فكلمه الله تعالى: وسمعوا كلامه من فوق ~~وأسفل ويمين وشمال، ووراء وأمام، لأن الله عز وجل أحدثه في الشجرة، ثم جعله ~~منبعثا منها حتى سمعوه من جميع الوجوه. فقالوا: لن نؤمن لك بأن هذا الذي ~~سمعناه كلام الله حتى نرى الله جهرة، فلما قالوا هذا القول العظيم ~~واستكبروا وعتوا، بعث الله عليهم صاعقة فأخذتهم بظلمهم فماتوا. # فقال موسى: يا رب ما أقول لبني إسرائيل إذا رجعت إليهم وقالوا: إنك ذهبت ~~بهم فقتلتهم لأنك لم تكن صادقا فيما ادعيت من مناجاة الله إياك؟ # فأحياهم الله وبعثهم معه، فقالوا: إنك لو سألت الله أن يريك تنظر إليه ~~لأجابك، وكنت تخبرنا كيف هو فنعرفه حق معرفته. # فقال موسى: يا قوم! إن الله لا يرى بالأبصار ولا كيفية له، وإنما يعرف ~~بآياته ويعلم بعلاماته. # فقالوا: لن نؤمن لك حتى تسأله. # فقال موسى: رب إنك قد سمعت مقالة بني إسرائيل وأنت أعلم بصلاحهم، فأوحى ~~الله جل جلاله إليه يا موسى سلني ما سألوك فلن أؤاخذك بجهلهم، فعند ذلك قال ~~موسى: (رب أرني أنظر إليك) (قال لن تراني ولكن أنظر إلى الجبل فإن استقر ~~مكانه - وهو يهوى - فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل - بآية من PageV02P220 # آياته - جعله دكا وخر موسى صعقا فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك) يقول: # رجعت إلى معرفتي بك؟ عن جهل قومي، (وأنا أول المؤمنين) منهم بأنك لا ترى. # فقال المأمون: لله درك يا أبا الحسن! فأخبرني عن قول الله عز وجل: # ولقد همت به وهم ms454 بها لولا أن رأى برهان ربه) (1)؟ # فقال الرضا عليه السلام همت به ولولا أن رأى برهان ربه لهم بها كما همت ~~به لكنه كان معصوما والمعصوم لا يهم بذنب ولا يأتيه، ولقد حدثني أبي عن ~~أبيه الصادق أنه قال: همت بأن تفعل وهم بأن لا يفعل. # فقال المأمون: لله درك يا أبا الحسن! فأخبرني عن قول الله عز وجل: # (وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه. الآية) (2)؟ # فقال الرضا عليه السلام: ذلك يونس بن متى، ذهب مغاضبا لقومه، فظن بمعنى: # استيقن أن لن نقدر عليه، أي: نضيق عليه رزقه، ومنه قوله عز وجل: (وأما ~~إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه) (3) أي: ضيق وقتر، (فنادى في الظلمات) ظلمة ~~الليل، وظلمة البحر، وظلمة بطن الحوت، (أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت ~~من الظالمين) بتركي العبادة التي قد قرت عيني بها في بطن الحوت. فاستجاب ~~الله له. وقال عز وجل: (فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم ~~يبعثون) (4). # فقال المأمون: لله درك يا أبا الحسن! أخبرني عن قول الله عز وجل: # (حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا)؟ (5). # قال الرضا عليه السلام: يقول الله: حتى إذا استيأس الرسل من قومهم، وظن ~~قومهم أن الرسل قد كذبوا، جاء الرسل نصرنا. # فقال المأمون: لله درك يا أبا الحسن! فأخبرني عن قول الله: (ليغفر لك ~~الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر)؟ (6). # PageV02P221 # قال الرضا عليه السلام: لم يكن أحد عند مشركي أهل مكة أعظم ذنبا من رسول ~~الله صلى الله عليه وآله، لأنهم كانوا يعبدون من دون الله ثلاثمائة وستين ~~صنما، فلما جاءهم بالدعوة إلى كلمة الإخلاص كبر ذلك عليهم وعظم، وقالوا: ~~(أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشئ عجاب * فانطلق الملأ منهم أن امشوا ~~واصبروا على آلهتكم إن هذا لشئ يراد * ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة إن ~~هذا إلا اختلاق) (1) فلما فتح الله عز وجل على نبيه مكة قال له: يا محمد ~~(إنا ms455 فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر) (2) عند ~~مشركي أهل مكة بدعائك إياهم إلى توحيد الله فيما تقدم وما تأخر، لأن مشركي ~~مكة أسلم بعضهم وخرج بعضهم عن مكة، ومن بقي منهم لا يقدر على إنكار التوحيد ~~عليه إذا دعى الناس إليه، فصار ذنبه عندهم مغفورا بظهوره عليهم. # فقال المأمون: لله درك يا أبا الحسن! فأخبرني عن قول الله عز وجل: # (عفا الله عنك لم أذنت لهم) (3). # فقال الرضا عليه السلام: هذا مما نزل (بإياك أعني واسمعي يا جارة) خاطب ~~الله بذلك نبيه صلى الله عليه وآله وأراد به أمته، وكذلك قوله تعالى: (لئن ~~أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين) (4) وقوله عز وجل: (ولولا أن ~~ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا) (5). # قال المأمون: صدقت يا بن رسول الله! فأخبرني عن قول الله عز وجل: # (وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله ~~وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه) (6). # قال الرضا عليه السلام: أن رسول الله صلى الله عليه وآله قصد دار زيد بن ~~حارثة بن شراحيل الكلبي في أمر أراده، فرأى امرأته تغتسل فقال لها: (سبحان ~~الذي خلقك) وإنما # PageV02P222 # أراد بذلك تنزيه الله عن قول من زعم: أن الملائكة بنات الله، فقال الله ~~عز وجل: # (أفأصفاكم ربكم بالبنين واتخذ من الملائكة إناثا إنكم لتقولون قولا ~~عظيما) (1) فقال النبي صلى الله عليه وآله لما رآها تغتسل: (سبحان الذي ~~خلقك) أن يتخذ ولدا يحتاج إلى هذا التطهير والاغتسال، فلما عاد زيد إلى ~~منزله أخبرته امرأته بمجئ رسول الله صلى الله عليه وآله، وقوله لها سبحان ~~الذي خلقك، فلم يعلم زيد ما أراد بذلك وظن أنه قال ذلك لما أعجبه من حسنها، ~~فجاء إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال: يا رسول الله إن امرأتي في خلقها ~~سوء، وإني أريد طلاقها. # فقال له النبي: (أمسك عليك زوجك واتق الله) وقد كان الله عرفه عدد أزواجه ~~وأن ms456 تلك المرأة منهن، فأخفى ذلك في نفسه ولم يبده لزيد، وخشي الناس أن ~~يقولوا: أن محمدا يقول لمولاه أن امرأتك ستكون لي زوجة، فيعيبوه بذلك، ~~فأنزل الله عز وجل: (وإذ تقول للذي أنعم الله عليه) يعني: بالإسلام (وأنعمت ~~عليه) يعني: بالعتق (أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه ~~وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه) (2) ثم إن زيد بن حارثة طلقها واعتدت منه ~~فزوجها الله عز وجل من نبيه محمد صلى الله عليه وآله، وأنزل بذلك قرآنا ~~فقال عز وجل: # (فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكيلا يكون على المؤمنين حرج في أزواج ~~أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا وكان أمر الله مفعولا) (3) ثم علم عز وجل أن ~~المنافقين سيعيبوه بتزويجها فأنزل الله: (ما كان على النبي من حرج فيما فرض ~~الله له) (4). # فقال المأمون: لقد شفيت صدري يا بن رسول الله، وأوضحت لي ما كان ملتبسا ~~فجزاك الله عن أنبيائه وعن الإسلام خيرا. # قال علي بن الجهم: فقام المأمون إلى الصلاة، وأخذ بيد محمد بن جعفر # PageV02P223 # ابن محمد - وكان حاضر المجلس - وتبعتهما فقال له المأمون: كيف رأيت ابن ~~أخيك؟ # فقال: عالم. ولم نره يختلف إلى أحد من أهل العلم. # فقال المأمون: إن ابن أخيك من أهل بيت النبوة الذين قال فيهم النبي صلى ~~الله عليه وآله: # (ألا إن أبرار عترتي، وأطايب أرومتي، أحلم الناس صغارا، وأعلم الناس ~~كبارا فلا تعلموهم فإنهم أعلم منكم، لا يخرجونكم من باب هدى ولا يدخلونكم ~~في باب ضلالة). # وانصرف الرضا عليه السلام إلى منزله، فلما كان من الغد غدوت إليه، ~~وأعلمته ما كان من قول المأمون وجواب عمه محمد بن جعفر له، فضحك الرضا عليه ~~السلام ثم قال: # يا بن الجهم لا يغرنك ما سمعته منه، فإنه سيغتالني والله ينتقم لي منه. # احتجاجه صلوات الله عليه فيما يتعلق بالإمامة وصفات من خصه الله تعالى ~~بها وبيان الطريق إلى من كان عليها وذم من يجوز اختيار الإمام ولؤم من غلا ~~فيه وأمر الشيعة ms457 بالتورية والتقية عند الحاجة إليهما وحسن التأدب. # أبو يعقوب البغدادي (1) قال: إن ابن السكيت (2) قال - لأبي الحسن الرضا ~~عليه السلام -: # PageV02P224 # لماذا بعث الله موسى بن عمران بيده البيضاء، وبآية السحر، وبعث عيسى بآية ~~الطلب، وبعث محمدا صلى الله عليه وآله بالكلام والخطب؟ # فقال له أبو الحسن عليه السلام: أن الله لما بعث موسى عليه السلام كان ~~الغالب على أهل عصره السحر فأتاهم من عند الله بما لم يكن في وسع القوم ~~مثله، وبما أبطل به سحرهم، وأثبت به الحجة عليهم. # وأن الله بعث عيسى عليه السلام في وقت قد ظهرت فيه الزمانات، واحتاج ~~الناس إلى الطلب، فأتاهم من عند الله بما لم يكن عندهم مثله، وبما أحيا لهم ~~الموتى وأبرأ الأكمه والأبرص بإذن الله، وأثبت به الحجة عليهم. # وأن الله بعث محمدا صلى الله عليه وآله في وقت كان الأغلب على أهل عصره ~~الخطب والكلام - وأظنه قال والشعر - فأتاهم من عند الله من مواعظه وأحكامه ~~ما أبطل به قولهم وأثبت به الحجة عليهم. # قال: فما زال ابن السكيت يقول له: والله ما رأيت مثلك قط! فما الحجة على ~~الخلق اليوم؟ # فقال عليه السلام العقل يعرف به الصادق على الله فيصدقه، والكاذب على ~~الله فيكذبه. # فقال ابن السكيت: هذا والله هو الجواب، قد ضمن الرضا عليه السلام في ~~كلامه هذا أن العالم لا يخلو في زمان التكليف من صادق من قبل يلتجئ المكلف ~~إليه فيما اشتبه عليه من أمر الشريعة، صاحب دلالة تدل على صدقه عليه تعالى، ~~يتوصل المكلف إلى معرفته بالعقل، ولولاه لما عرف الصادق من الكاذب، فهو حجة ~~الله تعالى PageV02P225 # على الخلق أولا. # وعن القسم بن مسلم (١) عن أخيه عبد العزيز بن مسلم (٢) قال: # كنا في أيام علي بن موسى الرضا عليه السلام بمرو، فاجتمعنا في جامعها في ~~يوم جمعة في بدو قدومنا، فأدار الناس أمر الإمامة وذكروا كثرة اختلاف الناس ~~فيها فدخلت على سيدي ومولاي الرضا عليه السلام فأعلمته ما خاض الناس فيه، ~~فتبسم ثم قال: # يا عبد ms458 العزيز جهل القوم وخدعوا عن أديانهم، إن الله تبارك وتعالى لم ~~يقبض نبيه صلى الله عليه وآله حتى أكمل له الدين، وأنزل عليه القرآن فيه ~~تفصيل كل شئ، بين فيه الحلال والحرام، والحدود والأحكام، وجميع ما يحتاج ~~إليه كملا. # فقال عز وجل: (ما فرطنا في الكتاب من شئ) (٣) وأنزل في حجة الوداع وهو ~~آخر عمره: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ~~دينا) (٤) فأمر الإمامة من تمام الدين، ولم يمض صلى الله عليه وآله حتى بين ~~لأمته معالم دينه وأوضح لهم سبيله، وتركهم على قصد الحق، وأقام لهم عليا ~~عليه السلام علما وإماما وما ترك شيئا يحتاج إليه الأمة إلا بينه، فمن زعم ~~أن الله عز وجل لم يكمل دينه فقد رد كتاب الله عز وجل، ومن رد كتاب الله ~~فهو كافر. هل تعرفون قدر الإمامة ومحلها من الأمة فيجوز فيها اختيارهم. إن ~~الإمامة أجل قدرا وأعظم شأنا وأعلى مكانا وأمنع جانبا وأبعد غورا من أن ~~يبلغها الناس بعقولهم، أو ينالونها بآرائهم، فيقيموها باختيارهم. إن ~~الإمامة خص الله عز وجل بها إبراهيم الخليل بعد النبوة والخلة، مرتبة ثالثة ~~وفضيلة شرفه الله بها، فأشاد بها ذكره فقال عز وجل: # ﴿إني جاعلك للناس إماما)﴾ (٥) فقال ~~الخليل - سرورا بها -: ﴿ومن ذريتي﴾ ~~(٦) قال الله عز وجل: ﴿لا ينال عهدي ~~الظالمين﴾ (7) فأبطلت هذه الآية إمامة كل # PageV02P226 # ظالم إلى يوم القيامة، وصارت في الصفوة، ثم أكرمه الله عز وجل بأن جعل في ~~ذريته أهل الصفوة والطهارة، فقال تعالى: (ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة ~~وكلا جعلنا صالحين * وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات ~~وأقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين) (1) فلم: تزل في ذريته ~~يرثها بعض عن بعض قرنا فقرنا، حتى ورثها النبي صلى الله عليه وآله فقال ~~الله عز وجل: (إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين ~~آمنوا والله ولي المؤمنين) (2) فكانت ms459 له خاصة، فقلدها النبي صلى الله عليه ~~وآله عليا عليه السلام بأمر الله على رسم ما فرض الله، فصارت في ذريته ~~الأصفياء الذين آتاهم الله العلم والإيمان بقوله عز وجل: (وقال الذين أوتوا ~~العلم والإيمان لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث) (3) فهي في ولد علي ~~عليه السلام خاصة إلى يوم القيامة إذ لا نبي بعد محمد صلى الله عليه وآله، ~~فمن أين يختار هؤلاء الجهال؟ # إن الإمامة منزلة الأنبياء وإرث الأوصياء. # إن الإمامة خلافة الله عز وجل، وخلافة الرسول، ومقام أمير المؤمنين، ~~وميراث الحسن والحسين. # إن الإمامة زمام الدين، ونظام المسلمين، وصلاح الدنيا وعز المؤمنين. # إن الإمامة رأس الإسلام النامي، وفرعه السامي. # بالإمام تمام الصلاة والزكاة والصيام، والحج والجهاد، وتوفير الفئ ~~والصدقات وإمضاء الحدود والأحكام، ومنع الثغور والأطراف. # الإمام يحل حلال الله، ويحرم حرام الله، ويقيم حدود الله، ويذب عن دين ~~الله، ويدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة والحجة البالغة. # الإمام كالشمس الطالعة للعالم وهي في الأفق، بحيث لا تناله الأيدي ~~والأبصار. # الإمام: البدر المنير، والسراج الزاهر، والنور الساطع، والنجم الهادي في ~~غياهب الدجى والبيداء القفار ولجج البحار. # PageV02P227 # الإمام: الماء العذب على الظلماء، والدال على الهدى، والمنجي من الردى. # الإمام: النار على البقاع الحارة لمن اصطلى، والدليل على المسالك، من ~~فارقه فهالك. # الإمام: السحاب الماطر، والغيث الهاطل، والشمس المضيئة، والأرض البسيطة ~~والعين الغزيرة، والغدير والروضة. # الإمام: الأمين الرفيق، والوالد الشفيق، والأخ الشقيق، ومفزع العباد في ~~الداهية. # الإمام: أمين الله في أرضه، وحجته على عباده، وخليفته في بلاده، الداعي ~~إلى الله، والذاب عن حريم الله. # الإمام: المطهر من الذنوب، المبرأ من العيوب، مخصوص بالعلم، موسوم. # بالحلم، نظام الدين، وعز المسلمين، وغيظ المارقين، وبوار الكافرين. # الإمام: واحد دهره، لا يدانيه أحد، ولا يعادله عدل، ولا يوجد له بديل ولا ~~له مثيل ولا نظير، مخصوص بالفضل كله من غير طلب منه ولا اكتساب، بل اختصاص ~~من المتفضل الوهاب فمن ذا يبلغ معرفة الإمام ويمكنه اختياره؟ هيهات هيهات! # ضلت العقول، وتاهت ms460 الحلوم، وحارت الألباب، وحسرت العيون، وتصاغرت العظماء ~~وتحيرت الحكماء، وتقاصرت الحلماء، وحصرت الخطباء، وجهلت الألباب وكلت ~~الشعراء، وعجزت الأدباء، وعيت البلغاء، عن وصف شأن من شأنه، أو فضيلة من ~~فضائله فأقرت بالعجز والتقصير، وكيف يوصف أو ينعت بكنهه، أو يفهم شئ من ~~أمره، أو يوجد من يقوم مقامه، ويغني غناه، لا وكيف وأنى وهو بحيث النجم من ~~أيدي المتناولين، ووصف الواصفين! فأين الاختيار من هذا، وأين العقول عن ~~هذا، وأين يوجد مثل هذا، ظنوا أن دخل يوجد في غير آل رسول الله صلى الله ~~عليه وآله؟ # كذبتهم والله أنفسهم ومنتهم الباطل، فارتقوا مرتقا صعبا دحضا تزل عنه إلى ~~الحضيض أقدامهم، راموا إقامة الإمام بعقول حائرة بائرة ناقصة، وآراء مضلة، ~~فلم يزدادوا منه إلا بعدا. PageV02P228 # قاتلهم الله أنى يؤفكون! لقد راموا صعبا، وقالوا إفكا، وضلوا ضلالا بعيدا ~~ووقعوا في الحيرة، إذ تركوا الإمام من غير بصيرة، وزين لهم الشيطان أعمالهم ~~فصدهم عن السبيل، وكانوا مستبصرين، رغبوا عن اختيار الله واختيار رسوله، ~~إلى اختيارهم والقرآن يناديهم: (وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم ~~الخيرة سبحان الله وتعالى عما يشركون) (1) وقال عز وجل: (وما كان لمؤمن ولا ~~مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم) (2) وقال عز ~~وجل: # (وما لكم كيف تحكمون * أم لكم كتاب فيه تدرسون * أن لكم فيه لما تخيرون * ~~أم لكم أيمان علينا بالغة إلى يوم القيامة أن لكم لما تحكمون * سلهم أيهم ~~بذلك زعيم * أم لهم شركاء فليأتوا بشركائهم إن كانوا صادقين) (3) وقال عز ~~وجل: # (أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها) (4) (أم طبع الله على قلوبهم ~~فهم لا يفقهون (5) (قالوا سمعنا وهم لا يسمعون * إن شر الدواب عند الله ~~الصم البكم الذين لا يعقلون ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم ~~لتولوا وهم معرضون) (6) (وقالوا سمعنا وعصينا بل هو فضل الله يؤتيه من يشاء ~~والله ذو الفضل العظيم) (7). # فكيف لهم باختيار الإمام؟! والإمام عالم لا يجهل، راع لا ينكل، معدن ~~القدس والطهارة، ms461 والنسك والزهادة، والعلم والعبادة، ومخصوص بدعوة الرسول ~~وهم نسل مطهرة البتول، لا مغمز فيه في نسب، ولا يدانيه ذو حسب، في البيت من ~~قريش، والذروة من هاشم، والعترة من آل الرسول، والرضا من الله، شرف ~~الأشراف، والفرع من عبد مناف، نامي العلم، كامل الحلم، مضطلع بالإمامة عالم ~~بالسياسة، مفروض الطاعة، قائم بأمر الله، ناصح لعباد الله، حافظ لدين الله. # إن الأنبياء والأئمة يوفقهم الله، ويؤتيهم من مخزون علمه وحكمه ما # PageV02P229 # لا يؤتيه غيرهم، فيكون علمهم فوق علم أهل زمانهم في قوله عز وجل: (أفمن ~~يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أم من لا يهدي إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون) ~~(1) وقوله عز وجل: (ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا) (2) وقوله عز وجل ~~- في طالوت -: (إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم والله ~~يؤتي ملكه من يشاء والله واسع عليم) (3) وقال عز وجل لنبيه: (وكان فضل الله ~~عليك عظيما) (4) وقال عز وجل - في الأئمة من أهل بيته وعترته -: (أم يحسدون ~~الناس على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة ~~وآتيناهم ملكا عظيما فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه وكفى بجهنم سعيرا) ~~(5). # وأن العبد إذا اختاره الله لأمور عباده شرح صدره لذلك، وأودع قلبه ينابيع ~~الحكمة، وألهمه العلم إلهاما، فلم يعي بعده الجواب، ولا يحير فيه عن الصواب ~~وهو معصوم مؤيد، موفق مسدد، قد أمن الخطايا والزلل والعثار، فخصه الله بذلك ~~ليكون حجته على عباده، وشاهده على خلقه، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ~~ذو الفضل العظيم، فهل يقدرون على مثل هذا، فيختاروه أو يكون مختارهم بهذه ~~الصفة فيقدموه، تعدوا وبيت الله الحق، ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم ~~لا يعلمون، وفي كتاب الله: (فنبذوه وراء ظهورهم واتبعوا أهواءهم) (6) فذمهم ~~الله ومقتهم أنفسهم فقال عز وجل: (ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله ~~إن الله لا يهدي القوم الظالمين) (7) وقال عز وجل: (فتعسا لهم وأضل ~~أعمالهم) (8) وقال عز وجل: ms462 (كبر مقتا عند الله وعند الذين آمنوا كذلك يطبع ~~الله على كل قلب متكبر جبار) (9). # وروي عن الحسن بن علي بن فضال عن أبي الحسن علي بن موسى الرضا عليه ~~السلام: # PageV02P230 # أنه قال: للإمام علامات: يكون أعلم الناس، وأحكم الناس، وأتقى الناس، ~~وأشجع الناس، وأسخى الناس، وأعبد الناس، ويولد مختونا، ويكون مطهرا ويرى من ~~خلفه كما يرى من بين يديه، ولا يكون له ظل، وإذا وقع إلى الأرض من بطن أمه ~~وقع على راحتيه رافعا صوته بالشهادتين، ولا يحتلم، ولا ينام عينه ولا ينام ~~قلبه، ويكون محدثا ويستوي عليه درع رسول الله صلى الله عليه وآله، ولا يرى ~~له بول ولا غائط، لأن الله قد وكل الأرض بابتلاع ما يخرج منه، وتكون رائحته ~~أطيب من رائحة المسك، ويكون أولى الناس منهم بأنفسهم، وأشفق عليهم من ~~آبائهم وأمهاتهم، ويكون أشد الناس تواضعا لله عز وجل، ويكون آخذ الناس بما ~~يأمر به وأكف الناس عما ينهى عنه، ويكون دعاؤه مستجابا، حتى أنه لو دعى على ~~صخرة لانشقت بنصفين، أو يكون عنده سلاح رسول الله وسيفه ذو الفقار، وتكون ~~عنده صحيفة فيها أسماء شيعته إلى يوم القيامة، وصحيفة فيها أسماء أعدائه ~~إلى يوم القيامة ويكون عنده الجامعة، وهي صحيفة فيها سبعون ذراعا، فيها ~~جميع ما يحتاج إليه ولد آدم، ويكون عنده الجفر الأكبر والأصغر، وهو إهاب ~~كبش فيها جميع العلوم حتى أرش الخدش، حتى الجلدة ونصف الجلدة وثلث الجلدة، ~~ويكون عنده مصحف فاطمة عليها السلام. # وروى خالد بن الهيثم الفارسي (1) قال: قلت لأبي الحسن الرضا عليه السلام: ~~إن الناس يزعمون: أن في الأرض أبدالا فمن هؤلاء الأبدال؟ # قال: صدقوا، الأبدال هم: الأوصياء، جعلهم الله في الأرض بدل الأنبياء إذا ~~رفع الأنبياء وختم بمحمد صلى الله عليه وآله. # وقد روي عن أبي الحسن الرضا عليه السلام: من ذم الغلاة والمفوضة وتكفيرهم ~~وتضليلهم والبراءة منهم وممن والاهم، وذكر علة ما دعاهم إلى ذلك الإعتقاد ~~الفاسد الباطل، ما قد تقدم ذكر طرف منه في هذا الكتاب. ms463 # وكذلك روي عن آبائه وأبنائه عليهم السلام، في حقهم والأمر بلعنهم، ~~والبراءة منهم، وإشاعة # PageV02P231 # حالهم، والكشف عن سوء اعتقادهم، كي لا يغتر بمقالتهم ضعفاء الشيعة، ولا ~~يعتقد من خالف هذه الطائفة أن الشيعة الإمامية بأسرهم على ذلك، نعوذ منه ~~وممن اعتقده وذهب إليه. فمما ذكره الرضا عليه السلام عن علة وجه خطأهم ~~وضلالهم عن الدين القيم: ما رويناه بالإسناد الذي تقدم ذكره عن أبي محمد ~~الحسن العسكري: أن الرضا عليه السلام والصلوات والتحيات قال: # إن هؤلاء الضلال الكفرة ما أتوا إلا من قبل جهلهم بمقدار أنفسهم، حتى ~~اشتد إعجابهم بها وكثرة تعظيمهم لما يكون منها، فاستبدوا بآرائهم الفاسدة، ~~واقتصروا على عقولهم المسلوك بها غير سبيل الواجب، حتى استصغروا قدر الله ~~واحتقروا أمره، وتهاونوا بعظيم شأنه، إذ يعلموا أنه القادر بنفسه الغني ~~بذاته، الذي ليست قدرته مستعارة ولا غناه مستفادا، والذي من شاء أفقره ومن ~~شاء أغناه، ومن شاء أعجزه بعد القدرة، وأفقره بعد الغنى، فنظروا إلى عبد قد ~~اختصه الله بقدرة ليبين بها فضله عنده، وآثر بكرامته ليوجب بها حجته على ~~خلقه، وليجعل ما أتاه من ذلك ثوابا على طاعته، وباعثا على اتباع أمره، ~~ومؤمنا عباده المكلفين من غلظ من نصبه عليهم حجة ولهم قدوة، فكانوا كطلاب ~~ملك من ملوك الدنيا ينتجعون فضله ويؤملون نائله، ويرجون التفيوء بظله ~~والانتعاش بمعروفه، والانقلاب إلى أهليهم بجزيل عطائه الذي يعينهم على طلب ~~الدنيا، وينقذهم من التعرض لدني المكاسب وخسيس المطالب، فبينا هم يسألون عن ~~طريق الملك ليترصدوه وقد وجهوا الراغبة نحوه، وتعلقت قلوبهم برؤيته، إذ قيل ~~لهم: سيطلع عليكم في جيوشه ومواكبه وخيله ورجله، فإذا رأيتموه فأعطوه من ~~التعظيم حقه، ومن الاقرار بالمملكة واجبه، وإياكم أن تسموا باسمه غيره، أو ~~تعظموا سواه كتعظيمه، فتكونوا قد بخستم الملك حقه وأزريتم عليه، واستحققتم ~~بذلك منه عظيم عقوبته فقالوا: # نحن كذلك فاعلون جهدنا وطاقتنا، فما لبثوا أن طلع عليهم بعض عبيد الملك ~~في خيل قد ضمها إليه سيده، ورجل قد جعلهم في جملته، وأموال قد حباه ms464 بها، ~~فنظر هؤلاء - وهم للملك طالبون - فاستكثروا ما رأوه بهذا العبد من نعم ~~سيده، ورفعوه PageV02P232 # أن يكون هو من المنعم عليه بما وجدوا معه، فأقبلوا يحيونه تحية الملك ~~ويسمونه باسمه ويجحدون أن يكون فوقه ملك وله مالك، فأقبل عليهم العبد ~~المنعم عليه وسائر جنوده بالزجر والنهي عن ذلك، والبراءة مما يسمونه به، ~~ويخبرونهم: بأن الملك هو الذي أنعم بهذا عليه واختصه به، وأن قولكم ما ~~تقولون يوجب عليكم سخط الملك وعذابه، ويفوتكم كلما أملتموه من جهته، وأقبل ~~هؤلاء القوم يكذبونهم ويردون عليهم قولهم، فما زالوا كذلك حتى غضب الملك ~~لما وجد هؤلاء قد سووا به عبده، وأزروا عليه في مملكته وبخسوه حق تعظيمه، ~~فحشرهم أجمعين إلى حبسه، ووكل بهم من يسومهم سوء العذاب. # فكذلك هؤلاء لما وجدوا أمير المؤمنين عبدا أكرمه الله ليبين فضله، ويقيم ~~حجته، فصغروا عندهم خالقهم أن يكون جعل عليا له عبدا، وأكبروا عليا عن أن ~~يكون الله عز وجل له ربا، فسموه بغير اسمه فنهاهم هو وأتباعه من أهل ملته ~~وشيعته وقالوا لهم: يا هؤلاء أن عليا وولده عباد مكرمون مخلوقون ومدبرون لا ~~يقدرون إلا على ما أقدرهم عليه لله رب العالمين، ولا يملكون إلا ما ملكهم، ~~ولا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا، ولا قبضا ولا بسطا، ولا حركة ولا ~~سكونا إلا ما أقدرهم عليه وطوقهم، وأن ربهم وخالقهم يجل عن صفات المحدثين، ~~ويتعالى عن نعت المحدودين، وأن من اتخذهم أو واحدا منهم أربابا من دون الله ~~فهو من الكافرين وقد ضل سواء السبيل. # فأبى القوم إلا جماحا وامتدوا في طغيانهم يعمهون، فبطلت أمانيهم، وخابت ~~مطالبهم، وبقوا في العذاب. # وروينا أيضا بالإسناد المقدم ذكره عن أبي محمد العسكري عليه السلام: أن ~~أبا الحسن الرضا عليه السلام قال: # إن من تجاوز بأمير المؤمنين عليه السلام العبودية فهو من المغضوب عليهم ~~ومن الضالين. # وقال أمير المؤمنين عليه السلام: لا تتجاوزوا بنا العبودية، ثم قولوا ~~فينا ما شئتم ولن تبلغوا، وإياكم والغلو كغلو النصارى فإني برئ من الغالين. ms465 ~~PageV02P233 # فقام إليه رجل فقال: يا بن رسول الله صف لنا ربك! فإن من قبلنا قد ~~اختلفوا علينا. # فوصفه الرضا عليه السلام أحسن وصف، ومجده ونزهه عما لا يليق به تعالى. # فقال الرجل: بأبي أنت وأمي يا بن رسول الله! فإن معي من ينتحل موالاتكم ~~ويزعم أن هذه كلها من صفات علي عليه السلام، وأنه هو الله رب العالمين. # (قال): فلما سمعها الرضا عليه السلام، ارتعدت فرائصه وتصببب عرقا وقال: # سبحان الله عما يشركون، سبحانه عما يقول الكافرون علوا كبيرا، أوليس علي ~~كان آكلا في الآكلين، وشاربا في الشاربين، وناكحا في الناكحين، ومحدثا في ~~المحدثين. وكان مع ذلك مصليا خاضعا، بين يدي الله ذليلا، وإليه أواها منيبا ~~أفمن هذه صفته يكون إلها؟! فإن كان هذا إلها فليس منكم أحد إلا وهو إله ~~لمشاركته له في هذه الصفات الدالات على حدث كل موصوف بها. # فقال الرجل: يا بن رسول الله إنهم يزعمون: أن عليا لما أظهر من نفسه ~~المعجزات التي لا يقدر عليها غير الله، دل على أنه إله، ولما ظهر لهم بصفات ~~المحدثين العاجزين لبس ذلك عليهم، وامتحنهم ليعرفوه، وليكون إيمانهم ~~اختيارا من أنفسهم. # فقال الرضا عليه السلام: أول ما هاهنا أنهم لا ينفصلون ممن قلب هذا عليهم ~~فقال: # لما ظهر منه (الفقر والغاقة) دل على أن من هذه صفاته وشاركه فيها الضعفاء ~~المحتاجون لا تكون المعجزات فعله، فعلم بهذا أن الذي أظهره من المعجزات ~~إنما كانت فعل القادر الذي لا يشبه المخلوقين، لا فعل المحدث المشارك ~~للضعفاء في صفات الضعف. # وروي: أن المأمون كان يحب في الباطن سقطات أبي الحسن الرضا عليه السلام ~~وأن يغلبه المحتج، ويظهره غيره، فاجتمع يوما عنده الفقهاء والمتكلمون، قدس ~~إليهم أن ناظروه في الإمامة! # فقال لهم الرضا عليه السلام: اقتصروا على واحد منكم يلزمكم ما يلزمه. # فرضوا برجل يعرف بيحيى بن الضحاك السمرقندي، ولم يكن بخراسان مثله. ~~PageV02P234 # فقال له الرضا عليه السلام: يا يحيى أخبرني عمن صدق كاذبا على نفسه، أو ~~كذب صادقا على نفسه، ms466 أيكون محقا مصيبا، أم مبطلا مخطيا؟ # فسكت يحيى. # فقال له المأمون: أجبه! # فقال: يعفيني أمير المؤمنين عن جوابه. # فقال المأمون: يا أبا الحسن عرفنا الغرض في هذه المسألة! # فقال: لا بد ليحيى من أن يخبرني عن أئمته: أنهم كذبوا على أنفسهم أو ~~صدقوا، فإن زعم أنهم كذبوا فلا إمامة للكاذب، وإن زعم أنهم صدقوا فقد قال ~~أولهم: (أقيلوني وليتكم ولست بخيركم) وقال ثانيهم: (بيعة أبي بكر كانت فلتة ~~وقى الله شرها، فمن عاد لمثلها فاقتلوه) فوالله ما رضي لمن فعل مثل فعله ~~إلا بالقتل، فمن لم يكن بخير الناس والخيرية لا تقع إلا بنعوت، منها: ~~العلم. # ومنها: الجهاد. ومنها: ساير الفضائل وليست فيه، ومن كانت بيعته فلتة يجب ~~القتل على من فعل مثلها، كيف يقبل عهده إلى غيره، وهذه صفته؟! ثم يقول على ~~المنبر: أن لي شيطانا يعتريني، فإذا مال بي فقوموني، وإذا أخطأت فأرشدوني ~~فليسوا أئمة إن صدقوا وإن كذبوا فما عند يحيى شئ في هذا. # فعجب المأمون من كلامه. وقال: يا أبا الحسن ما في الأرض من يحسن هذا ~~سواك! # وروي عنه عليه السلام أنه قال: أفضل ما يقدمه العالم من محبينا وموالينا ~~أمامه ليوم فقره وفاقته، وذله ومسكنته، أن يغيث في الدنيا مسكينا من محبينا ~~من يد ناصب عدو لله ولرسوله، فيقوم من قبره والملائكة صفوف، من شفير قبره ~~إلى موضع محله من جنان الله، فيحملوه على أجنحتهم، ويقولون: طوبى لك طوباك ~~طوباك يا دافع الكلاب عن الأبرار، ويا أيها المتعصب للأئمة الأخيار. # وبالإسناد الذي تكرر عن أبي محمد الحسن العسكري عليه السلام قال: دخل على ~~أبي الحسن الرضا عليه السلام رجل فقال: يا بن رسول الله لقد رأيت اليوم ~~شيئا عجبت منه. PageV02P235 # قال: وما هو؟ # قال: رجل كان معنا يظهر لنا أنه: من الموالين لآل محمد المتبرين من ~~أعدائهم فرأيته اليوم عليه ثياب قد خلعت عليه، وهو ذا يطاف به ببغداد، ~~وينادي المنادي بين يديه: معاشر المسلمين اسمعوا توبة هذا الرجل الرافضي ثم ~~يقول: قل! # فقال: ms467 (خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وآله أبا بكر) فإذا قال ~~ذلك ضجوا وقالوا: # قد تاب، وفضل أبا بكر على علي بن أبي طالب عليه السلام. # فقال الرضا عليه السلام إذا خلوت فأعد علي هذا الحديث! # فلما خلى أعاد عليه. فقال له: # إنما لم أفسر لك معنى كلام الرجل بحضرة هذا الخلق المنكوس، كراهة أن ينقل ~~إليهم فيعرفوه ويؤذوه، لم يقل الرجل خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه ~~وآله (أبو بكر) فيكون قد فضل أبا بكر على علي عليه السلام، ولكن قال: خير ~~الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وآله (أبا بكر) فجعله نداء لأبي بكر ~~ليرضي من يمشي بين يديه من بعض هؤلاء، الجهلة، ليتوارى من شرورهم. إن الله ~~تعالى جعل هذه التورية مما رحم به شيعتنا. # وبهذا الإسناد عن أبي محمد العسكري عليه السلام أنه قال: لما جعل المأمون ~~إلى علي ابن موسى الرضا عليه السلام ولاية العهد، دخل عليه آذنه فقال: # إن قوما بالباب يستأذنون عليك، يقولون: (نحن من شيعة علي عليه السلام). # فقال: أنا مشغول فاصرفهم! # فصرفهم إلى أن جاءوا هكذا يقولون ويصرفهم شهرين، ثم أيسوا من الوصول ~~فقالوا: (قل لمولانا إن شيعة أبيك علي بن أبي طالب عليه السلام قد شمت بنا ~~أعداؤنا في حجابك لنا، ونحن ننصرف عن هذه الكرة، ونهرب من بلادنا خجلا ~~وأنفة مما لحقنا، وعجزا عن احتمال مضض ما يلحقنا من أعدائنا). # فقال علي بن موسى عليهما السلام: إئذن لهم ليدخلوا، فدخلوا عليه فسلموا ~~عليه فلم يرد عليهم، ولم يأذن لهم بالجلوس، فبقوا قياما. PageV02P236 # فقالوا: يا بن رسول الله ما هذا الجفاء العظيم، والاستخفاف بعد هذا ~~الحجاب الصعب، أي باقية تبقى منا بعد هذا؟ # فقال الرضا عليه السلام: اقرؤا: (وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ~~ويعفو عن كثير) (1) والله ما اقتديت إلا بربي عز وجل وبرسوله وبأمير ~~المؤمنين ومن بعده من آبائي الطاهرين عليهم السلام، عتبوا عليكم فاقتديت ~~بهم. # قالوا: لماذا يا بن رسول الله؟ ms468 # قال: لدعواكم أنكم شيعة أمير المؤمنين! ويحكم إن شيعته: الحسن والحسين ~~وسلمان، وأبو ذر، والمقداد، وعمار، ومحمد بن أبي بكر الذين لم يخالفوا شيئا ~~من أوامره، وأنتم في أكثر أعمالكم له مخالفون، وتقصرون في كثير من الفرائض ~~وتتهاونون بعظيم حقوق إخوانكم في الله، وتتقون حيث لا تجب التقية، وتتركون ~~التقية حيث لا بد من التقية، لو قلتم: إنكم مواليه ومحبوه، والموالون ~~لأوليائه والمعادون لأعدائه، لم أنكره من قولكم، ولكن هذه مرتبة شريفة ~~ادعيتموها إن لم تصدقوا قولكم بفعلكم هلكتم، إلا أن تتدارككم رحمة ربكم. # قالوا: يا بن رسول الله! فإذا نستغفر الله ونتوب إليه من قولنا بل نقول ~~كما علمنا مولانا: نحن محبوكم ومحبوا أوليائكم، ومعادوا أعدائكم. # قال الرضا عليه السلام: فمرحبا بكم إخواني، وأهل ودي، ارتفعوا! فما زال ~~يرفعهم حتى ألصقهم بنفسه. ثم قال لحاجبه. # كم مرة حجبتهم؟ # قال: ستين مرة. # قال: فاختلف إليهم ستين مرة متوالية، فسلم عليهم وأقرأهم سلامي فقد محوا ~~ما كان من ذنوبهم باستغفارهم وتوبتهم، واستحقوا الكرامة لمحبتهم لنا ~~وموالاتهم، وتفقد أمورهم وأمور عيالاتهم، فأوسعهم نفقات ومبرات وصلات ودفع ~~معرات. # PageV02P237 # احتجاج أبي جعفر محمد بن علي الثاني عليهما السلام في أنواع شتى من ~~العلوم الدينية. # روى أبو داود بن القسم الجعفري (1) قال: قلت لأبي جعفر الثاني عليه ~~السلام: # قل هو الله أحد، ما معنى الأحد؟ # قال: المجمع عليه بالوحدانية، أما سمعته يقول: (ولئن سألتهم من خلق ~~السماوات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله) (2) ثم يقولون بعد ذلك له ~~شريك وصاحبة. # فقلت: قوله: (لا تدركه الأبصار) (3)؟ # قال: يا أبا هاشم! أوهام القلوب أدق من أبصار العيون، أنت قد تدرك بوهمك ~~السند والهند. والبلدان التي لم تدخلها، ولم تدرك ببصرك ذلك. فأوهام القلوب ~~لا تدركه، فكيف تدركه الأبصار. # وسئل عليه السلام: أيجوز أن يقال لله: أنه شئ؟ # فقال: نعم. تخرجه من الحدين: حد الإبطال، وحد التشبيه. # وعن أبي هاشم الجعفري قال: كنت عند أبي جعفر الثاني عليه السلام فسأله ~~رجل فقال: # PageV02P238 # أخبرني عن الرب تبارك وتعالى أله ms469 أسماء وصفات في كتابه، وهل أسماؤه ~~وصفاته هي هو؟ # فقال أبو جعفر عليه السلام: أن لهذا الكلام وجهين: إن كنت تقول: (هي هو) ~~أنه: ذو عدد وكثرة، فتعالى الله عن ذلك، وإن كنت تقول: هذه الأسماء والصفات ~~لم تزل، فإن ما لم تزل محتمل على معنيين: فإن قلت لم تزل عنده في علمه، وهو ~~يستحقها فنعم، وإن كنت تقول: لم تزل صورها وهجاؤها وتقطيع حروفها فمعاذ ~~الله أن يكون معه شئ غيره، بل كان الله تعالى ذكره ولا خلق، ثم خلقها وسيلة ~~بينه وبين خلقه، يتضرعون بها إليه ويعبدون، وهي: (ذكره) وكان الله سبحانه ~~ولا ذكر، والمذكور بالذكر هو الله القديم الذي لم يزل، والأسماء والصفات ~~مخلوقات، والمعني بها هو الله، لا يليق به الاختلاف ولا الايتلاف، وإنما ~~يختلف ويتألف المتجزي، ولا يقال له قليل ولا كثير، ولكنه القديم في ذاته، ~~لأن ما سوى الواحد متجزي والله واحد ولا متجزي، ولا متوهم بالقلة والكثرة ~~وكل متجزي أو متوهم بالقلة والكثرة فهو مخلوق دال على خالق له، فقولك: (إن ~~الله قدير) خبرت أنه لا يعجزه شئ، فنفيت بالكلمة العجز، وجعلت العجز لسواه، ~~وكذلك قولك : (عالم) إنما نفيت بالكلمة الجهل، وجعلت الجهل لسواه، فإذا ~~أفنى الله الأشياء أفنى (الصورة والهجاء والتقطيع) فلا يزال من لم يزل ~~عالما. # فقال الرجل: فكيف سمينا ربنا سميعا؟ # فقال: لأنه لا يخفى عليه ما يدرك بالأسماع، ولم نصفه بالسمع المعقول في ~~الرأس، وكذلك سميناه (بصيرا) لأنه لا يخفى عليه ما يدرك بالأبصار من: # لون أو شخص أو غير ذلك، ولم نصفه ببصر طرفة العين. وكذلك سميناه (لطيفا) ~~لعلمه بالشئ اللطيف مثل: (البعوضة) وما هو أخفى من ذلك، وموضع المشي منها ~~والشهوة والسفاد، والحدب على أولادها، وإقامة بعضها على بعض، ونقلها الطعام ~~والشراب إلى أولادها في الجبال والمغاور والأودية والقفار، وعلمنا بذلك أن ~~خالقها لطيف بلا كيف، إذ الكيف للمخلوق المكيف، وكذلك سمينا ربنا (قويا) ~~بلا PageV02P239 # قوة البطش المعروف من الخلق، ولو كانت قوته قوة البطش المعروف من ms470 الخلق ~~لوقع التشبيه واحتمل الزيادة، وما احتمل الزيادة احتمل النقصان، وما كان ~~ناقصا كان غير قديم، وما كان غير قديم كان عاجزا، فربنا تبارك وتعالى لا ~~شبه له، ولا ضد ولا ند، ولا كيفية، ولا نهاية، ولا تصاريف، محرم على القلوب ~~أن تحتمله، وعلى الأوهام أن تحده، وعلى الضمائر أن تصوره، عز وجل عن أداة ~~خلقه، وسمات بريته، تعالى عن ذلك علوا كبيرا. # عن الريان بن شبيب (1) قال: لما أراد المأمون أن يزوج ابنته أم الفضل أبا ~~جعفر محمد بن علي عليه السلام بلغ ذلك العباسيين فغلظ عليهم ذلك، واستنكروا ~~منه وخافوا أن ينتهي الأمر معه إلى ما انتهى مع الرضا عليه السلام، فخاضوا ~~في ذلك واجتمع منهم أهل بيته الأدنون منه، فقالوا: ننشدك الله يا أمير ~~المؤمنين أن تقيم على هذا الأمر الذي قد عزمت عليه من تزويج ابن الرضا عليه ~~السلام فإنا نخاف أن يخرج به عنا أمر قد ملكناه الله، وينتزع منا عزا قد ~~ألبسناه الله، وقد عرفت ما بيننا وبين هؤلاء القوم قديما وحديثا وما كان ~~عليه خلفاء الراشدون قبلك من تبعيدهم والتصغير بهم، وقد كنا في وهلة من ~~عملك مع الرضا ما عملت، وكفانا الله المهم من ذلك، فالله الله أن ترديا إلى ~~غم قد انحسر عنا، واصرف رأيك عن ابن الرضا عليه السلام وأعدل إلى من تراه ~~من أهل بيتك يصلح لذلك دون غيره. # فقال لهم المأمون: أما ما بينكم وبين آل أبي طالب فأنتم السبب فيه، ولو ~~أنصفتم القوم لكان أولى بكم، وأما ما كان يفعله من قبلي بهم، فقد كان به ~~قاطعا للرحم، وأعوذ بالله من ذلك، ووالله ما ندمت على ما كان مني من ~~استخلاف الرضا ولقد سألته أن يقوم بالأمر وأنزعه من نفسي فأبى، وكان أمر ~~الله قدرا مقدورا. # وأما أبو جعفر محمد بن علي، فقد اخترته لتبريزه على كافة أهل الفضل في ~~العلم والفضل، مع صغر سنه والأعجوبة فيه بذلك، وأنا أرجو أن يظهر للناس # PageV02P240 # ما قد عرفته منه، ms471 فيعلموا أن الرأي ما رأيت. # فقالوا: إن هذا الفتى وإن راقك منه هديه فإنه صبي لا معرفة له ولا فقه، ~~فأمهله ليتأدب ثم اصنع ما ترا بعد ذلك. # فقال لهم: ويحكم أني أعرف بهذا الفتى منكم، وأن هذا من أهل بيت علمهم من ~~الله تعالى ومواده وإلهامه، لم يزل آباؤه أغنياء في علم الدين والأدب عن ~~الرعايا الناقصة عن حد الكمال، فإن شئتم فامتحنوا أبا جعفر بما يتبين لكم ~~به ما وصفت لكم من حاله. # قالوا: لقد رضينا لك يا أمير المؤمنين ولأنفسنا بامتحانه، فخل بيننا ~~وبينه لننصب من يسأله بحضرتك عن شئ من فقه الشريعة، فإن أصاب في الجواب عنه ~~لم يكن لنا اعتراض في حقه، وظهر للخاصة والعامة سديد رأي أمير المؤمنين فيه ~~وإن عجز عن ذلك فقد كفينا الخطب في معناه. # فقال لهم المأمون: شأنكم وذلك متى أردتم. # فخرجوا من عنده واجتمع رأيهم على مسألة يحيى بن أكثم - وهو يومئذ قاضي ~~الزمان - على أن يسأله مسألة لا يعرف الجواب فيها، ووعدوه بأموال نفيسة على ~~ذلك، وعادوا إلى المأمون فسألوه أن يختار لهم يوما للاجتماع فأجابهم إلى ~~ذلك، واجتمعوا في اليوم الذي اتفقوا عليه، وحضر معهم يحيى بن أكثم، وأمر ~~المأمون أن يفرش لأبي جعفر دست ويجعل له فيه مسورتان ففعل ذلك، وخرج أبو ~~جعفر عليه السلام وهو يومئذ ابن تسع سنين وأشهر، فجلس بين المسورتين، وجلس ~~يحيى بن أكثم بين يديه. فقام الناس في مراتبهم، والمأمون جالس في دست متصل ~~بدست أبي جعفر عليه السلام. # فقال يحيى بن أكثم للمأمون: تأذن لي يا أمير المؤمنين أن أسأل أبا جعفر ~~عن مسألة؟ # فقال المأمون: استأذنه في ذلك. # فأقبل عليه يحيى بن أكثم فقال: أتأذن لي جعلت فداك في مسألة؟ PageV02P241 # فقال أبو جعفر عليه السلام: سل إن شئت! # فقال يحيى: ما تقول جعلت فداك في محرم قتل صيدا؟ # فقال أبو جعفر عليه السلام: قتله في حل أو حرم، عالما كان المحرم أو ~~جاهلا قتله عمدا أو خطأ، حرا كان ms472 المحرم أو عبدا، صغيرا كان أو كبيرا، ~~مبتدئا بالقتل أو معيدا، من ذوات الطير كان الصيد أم من غيرها، من صغار ~~الصيد أم من كباره مصرا على ما فعل أو نادما، في الليل كان قتله للصيد أم ~~بالنهار، محرما كان بالعمرة إذ قتله أو بالحج كان محرما؟ # فتحير يحيى بن أكثم وبان في وجهه العجز والانقطاع، وتلجلج حتى عرف جماعة ~~أهل المجلس عجزه. # فقال المأمون: الحمد لله على هذه النعمة والتوفيق لي في الرأي، ثم نظر ~~إلى أهل بيته فقال لهم: أعرفتم الآن ما كنتم تنكرونه؟ ثم أقبل إلى أبي جعفر ~~فقال له: # أتخطب يا أبا جعفر؟ # قال: نعم. يا أمير المؤمنين. # فقال له المأمون: اخطب لنفسك جعلت فداك! فقد رضيتك لنفسي وأنا مزوجك أم ~~الفضل ابنتي وإن رغم أنوف قوم لذلك. # فقال أبو جعفر عليه السلام: الحمد لله إقرارا بنعمته، ولا إله إلا الله ~~إخلاصا لوحدانيته، وصلى الله على سيد بريته، والأصفياء من عترته. # أما بعد: فقد كان من فضل الله على الأنام أن أغناهم بالحلال عن الحرام ~~فقال سبحانه: (وانكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا ~~فقراء يغنيهم الله من فضله والله واسع عليم) (1) ثم إن محمد بن علي بن موسى ~~يخطب أم الفضل بنت عبد الله المأمون، وقد بذل لها من الصداق مهر جدته فاطمة ~~بنت محمد عليهما السلام، وهو: (خمسمائة درهم) جيادا فهل زوجته يا أمير ~~المؤمنين بها # PageV02P242 # على هذا الصداق المذكور؟ # فقال المأمون: نعم. قد زوجتك يا أبا جعفر أم الفضل ابنتي على الصداق ~~المذكور، فهل قبلت النكاح؟ # قال أبو جعفر عليه السلام: نعم. قد قبلت ذلك ورضيت به. # فأمر المأمون أن يقعد الناس على مراتبهم من الخاصة والعامة. # قال الريان: ولم نلبث أن سمعنا أصواتا تشبه الملاحين في محاوراتهم، فإذا ~~الخدم يجرون سفينة مصنوعة من فضة تشد بالحبال من الإبريسم، على عجلة مملوة ~~من الغالية، فأمر المأمون أن تخضب لحى الخاصة من تلك الغالية ففعلوا ذلك، ~~ثم مدت إلى دار العامة فتطيبوا ms473 بها، ووضعت الموائد فأكل الناس، وخرجت ~~الجوائز إلى كل قوم على قدرهم. # فلما تفرق الناس وبقي من الخاصة من بقي قال المأمون لأبي جعفر عليه ~~السلام: # جعلت فداك! إن رأيت أن تذكر الفقه فيما فصلته من وجوه قتل المحرم لنعلمه ~~ونستفيده. # فقال أبو جعفر عليه السلام: نعم إن المحرم إذا قتل صيدا في الحل وكان ~~الصيد من ذوات الطير وكان من كبارها فعليه شاة، وإن أصابه في الحرم فعليه ~~الجزاء مضاعفا، وإذا قتل فرخا في الحل فعليه حمل قد فطم من اللبن، فإذا ~~قتله في الحرم فعليه الحمل وقيمة الفرخ، فإذا كان من الوحش وكان حمار وحش ~~فعليه بقرة وإن كان نعامة فعليه بدنة، وإن كان ظبيا فعليه شاة، فإن كان قتل ~~شيئا من ذلك في الحرم فعليه الجزاء مضاعفا هديا بالغ الكعبة، وإذا أصاب ~~المحرم ما يجب عليه الهدي فيه وكان إحرامه للحج نحره بمنى، وإن كان إحرام ~~بعمرة نحره بمكة وجزاء الصيد على العالم والجاهل سواء، وفي العمد عليه ~~المأثم، وهو موضوع عنه في الخطأ، والكفارة على الحر في نفسه، وعلى السيد في ~~عبده، والصغير لا كفارة عليه، وهي على الكبير واجبة، والنادم يسقط ندمه عنه ~~عقاب الآخرة، والمصر يجب عليه العقاب في الآخرة. PageV02P243 # فقال المأمون: أحسنت يا أبا جعفر أحسن الله إليك. فإن رأيت أن تسأل يحيى ~~عن مسألة كما سألك؟ # فقال أبو جعفر ليحيى: أسألك؟ # قال: ذلك إليك جعلت فداك، فإن عرفت جواب ما تسألني عنه وإلا استفدته منك. # فقال أبو جعفر عليه السلام: أخبرني عن رجل نظر إلى امرأة في أول النهار ~~فكان نظره إليها حراما عليه، فلما ارتفع النهار حلت له، فلما زالت الشمس ~~حرمت عليه، فلما كان وقت العصر حلت له، فلما كانت الشمس حرمت عليه، فلما ~~دخل وقت العشاء الآخرة حلت له، فلما كان وقت انتصاف الليل حرمت عليه، فلما ~~طلع الفجر حلت له، ما حال هذه المرأة، وبماذا حلت له وحرمت عليه؟ # فقال له يحيى بن أكثم: لا والله لا اهتدي ms474 إلى جواب هذا السؤال، ولا أعرف ~~الوجه فيه، فإن رأيت أن تفيدنا. # فقال أبو جعفر عليه السلام: هذه أمة لرجل من الناس، نظر إليها أجنبي في ~~أول النهار فكان نظره إليها حراما عليه، فلما ارتفع النهار ابتاعها من ~~مولاها فحلت له، فلما كان عند الظهر أعتقها فحرمت عليه، فلما كان وقت العصر ~~تزوجها فحلت له، فلما كان وقت المغرب ظاهر منها (1) فحرمت عليه، فلما كان ~~وقت العشاء الآخرة كفر عن الظهار فحلت له، فلما كان نصف الليل طلقها طلقة ~~واحدة فحرمت عليه، فلما كان عند الفجر راجعها فحلت له. # (قال): فأقبل المأمون على من حضر من أهل بيته وقال لهم: هل فيكم من يجيب ~~عن هذه المسألة بمثل هذا الجواب، أو يعرف القول فيما تقدم من السؤال؟ # قالوا: لا والله إن أمير المؤمنين أعلم بما رأى. # فقال: ويحكم إن أهل هذا البيت خصوا من الخلق بما ترون من الفضل، # PageV02P244 # وإن صغر السن لا يمنعهم من الكمال، أما علمتم أن رسول الله صلى الله عليه ~~وآله افتتح دعوته بدعاء أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، وهو ~~ابن عشر سنين، وقبل منه الإسلام وحكم له به، ولم يدع أحدا في سنه غيره، ~~وبايع الحسن والحسين عليهما السلام وهما دون الست سنين ولم يبايع صبيا ~~غيرهما؟ أو لا تعلمون الآن ما اختص الله به هؤلاء القوم وأنهم ذرية بعضها ~~من بعض، يجري لآخرهم ما يجري لأولهم؟ # قالوا: صدقت يا أمير المؤمنين. # ثم نهض القوم، فلما كان من الغد حضر الناس وحضر أبو جعفر عليه السلام، ~~وصار القواد والحجاب والخاصة والعمال لتهنئة المأمون وأبي جعفر عليه السلام ~~فأخرجت ثلاثة أطباق من الفضة، فيها بنادق مسك وزعفران معجون في أجواف تلك ~~البنادق ورقاع مكتوبة بأموال جزيلة وعطايا سنية، وإقطاعات. فأمر المأمون ~~بنثرها على القوم من خاصته، فكان كل من وقع في يده بندقة أخرج الرقعة التي ~~فيها والتمسه فأطلق له، ووضعت البدر فنثر ما فيها على القواد وغيرهم، ~~وانصرف الناس وهم أغنياء بالجوائز ms475 والعطايا، وتقدم المأمون بالصدقة على ~~كافة المساكين، ولم يزل مكرما لأبي جعفر عليه السلام معظما لقدره مدة ~~حياته، يؤثره على ولده وجماعة أهل بيته. # وروي: أن المأمون بعدما زوج ابنته أم الفضل أبا جعفر، كان في مجلس وعنده ~~أبو جعفر عليه السلام ويحيى بن أكثم وجماعة كثيرة. # فقال له يحيى بن أكثم: ما تقول يا بن رسول الله في الخبر الذي روي: # أنه (نزل جبرئيل عليه السلام على رسول الله صلى الله عليه وآله وقال: يا ~~محمد إن الله عز وجل يقرؤك السلام ويقول لك: سل أبا بكر هل هو عني راض فإني ~~عنه راض) (1). # PageV02P245 # فقال أبو جعفر عليه السلام: لست بمنكر فضل أبي بكر ولكن يجب على صاحب هذا ~~الخبر أن يأخذ مثال الخبر الذي قاله رسول الله صلى الله عليه وآله في حجة ~~الوداع: (قد كثرت علي الكذابة وستكثر بعدي فمن كذب علي متعمدا فليتبوأ ~~مقعده من النار فإذا أتاكم الحديث عني فاعرضوه على كتاب الله وسنتي، فما ~~وافق كتاب الله وسنتي فخذوا به، وما خالف كتاب الله وسنتي فلا تأخذوا به) ~~وليس يوافق هذا الخبر كتاب الله قال الله تعالى: (ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ~~ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد) (1) فالله عز وجل خفي عليه ~~رضاء أبي بكر من سخطه حتى سأل عن مكنون سره، هذا مستحيل في العقول. # ثم قال يحيى بن أكثم: وقد روي: (أن مثل أبي بكر وعمر في الأرض كمثل ~~جبرئيل وميكائيل في السماء). # فقال: وهذا أيضا يجب أن ينظر فيه، لأن جبرئيل وميكائيل ملكان لله مقربان ~~يم يعصيا الله قط، ولم يفارقا طاعته لحظة واحدة، وهما قد أشركا بالله عز ~~وجل وإن أسلما بعد الشرك. فكان أكثر أيامهما الشرك بالله فمحال أن يشبههما ~~بهما. # قال يحيى: وقد روي أيضا: (أنهما سيدا كهول أهل الجنة) (2) فما تقول فيه؟ # PageV02P246 # فقال عليه السلام: وهذا الخبر محال أيضا، لأن أهل الجنة كلهم يكونون ~~شبابا ولا يكون فيهم كهل، وهذا الخبر وضعه بنو ms476 أمية لمضادة الخبر الذي قال ~~رسول الله صلى الله عليه وآله في الحسن والحسن عليهما السلام: بأنهما (سيدا ~~شباب أهل الجنة). # فقال يحيى بن أكثم: وروي: (أن عمر بن الخطاب سراج أهل الجنة). # فقال عليه السلام: وهذا أيضا محال، لأن في الجنة ملائكة الله المقربين، ~~وآدم ومحمد، وجميع الأنبياء والمرسلين، لا تضئ الجنة بأنوارهم حتى تضئ بنور ~~عمر. # فقال يحيى: وقد روي: (أن السكينة تنطق على لسان عمر) (1). # فقال عليه السلام: لست بمنكر فضل عمر، ولكن أبا بكر أفضل من عمر: فقال - ~~على رأس المنبر -: (أن لي شيطانا يعتريني، فإذا ملت فسددوني). # PageV02P247 # فقال يحيى: قد روي: أن النبي صلى الله عليه وآله قال: (لو لم أبعث لبعث ~~عمر) (1). # فقال عليه السلام: كتاب الله أصدق من هذا الحديث، يقول الله في كتابه: ~~(وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح) (2) فقد أخذ الله ميثاق ~~النبيين فكيف يمكن أن يبدل ميثاقه، وكل الأنبياء عليهم السلام لم يشركوا ~~بالله طرفة عين، فكيف يبعث بالنبوة من أشرك وكان أكثر أيامه مع الشرك ~~بالله، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: # نبئت وآدم بين الروح والجسد). # فقال يحيى بن أكثم: وقد روي أيضا: أن النبي صلى الله عليه وآله قال: (ما ~~احتبس عني الوحي قط إلا ظننته قد نزل على آل الخطاب) (3). # PageV02P248 # فقال عليه السلام: وهذا محال أيضا، لأنه لا يجوز أن يشك النبي صلى الله ~~عليه وآله في نبوته قال الله تعالى: (الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن ~~الناس) (1) فكيف يمكن أن ينتقل النبوة ممن اصطفاه الله تعالى إلى من أشرك ~~به. # قال يحيى: روي: أن النبي صلى الله عليه وآله قال: (لو نزل العذاب لما نجى ~~منه إلا عمر). # فقال عليه السلام: وهذا محال أيضا، لأن الله تعالى يقول: (وما كان الله ~~ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون) (2) فأخبر سبحانه أنه ~~لا يعذب أحدا ما دام فيهم رسول الله صلى الله عليه وآله وما داموا ~~يستغفرون. # وعن عبد العظيم الحسني ms477 رضي الله عنه قال: قلت لمحمد بن علي بن موسى عليهم ~~السلام: # يا مولاي أني لأرجو أن تكون القائم من أهل بيت محمد الذي يملأ الأرض قسطا ~~وعدلا كما ملئت ظلما وجورا. # PageV02P249 # فقال عليه السلام: ما منا إلا قائم بأمر الله، وهاد إلى دين الله، ولكن ~~القائم الذي يطهر الله به الأرض من أهل الكفر والجحود ويملأ الأرض قسطا ~~وعدلا هو: # الذي يخفى على الناس ولادته، ويغيب عنهم شخصه، ويحرم عليهم تسميته، وهو ~~سمي رسول الله وكنيه، وهو الذي تطوى له الأرض، ويذل له كل صعب، يجتمع إليه ~~من أصحابه عدة أهل بدر: (ثلاثمائة وثلاثة عشر) رجلا من أقاصي الأرض وذلك ~~قول الله: (أينما تكونوا يأت بكم الله جميعا إن الله على كل شئ قدير) (1) ~~فإذا اجتمعت له هذه العدة من أهل الإخلاص، أظهر الله أمره، فإذا كمل له ~~العقد وهو: (عشرة آلاف) رجل خرج بإذن الله، فلا يزال يقتل أعداء الله حتى ~~يرضى عز وجل. # قال عبد العظيم: فقلت له: يا سيدي فكيف يعلم أن الله قد رضي؟ # قال: يلقي في قلبه الرحمة، فإذا دخل المدينة أخرج اللات والعزى فأحرقهما. # احتجاج أبي الحسن علي بن محمد العسكري (ع) في شئ من التوحيد وغير ذلك من ~~العلوم الدينية والدنياوية على المخالف والمؤالف. # سئل أبو الحسن عليه السلام عن التوحيد فقيل له: لم يزل الله وحده لا شئ ~~معه ثم خلق الأشياء بديعا واختار لنفسه الأسماء، ولم تزل الأسماء والحروف ~~له معه قديمة؟ # فكتب: لم يزل الله موجودا ثم كون ما أراد، لا راد لقضائه، ولا معقب ~~لحكمه، تاهت أوهام المتوهمين، وقصر طرف الطارفين، وتلاشت أوصاف الواصفين ~~واضمحلت أقاويل المبطلين عن الدرك لعجيب شأنه، أو الوقوع بالبلوغ على علو ~~مكانه، فهو بالموضع الذي لا يتناهى، وبالمكان الذي لم يقع عليه عيون بإشارة ~~ولا عبارة، هيهات هيهات!! # PageV02P250 # وحدثنا أحمد بن إسحاق (1) قال كتبت إلى أبي الحسن علي بن محمد العسكري ~~أسأله عن الرؤية وما فيه الخلق فكتب: # لا تجوز الرؤية ما لم ms478 يكن بين الرائي والمرئي هواء ينفذه البصر، فمتى ~~انقطع الهواء وعدم الضياء لم تصح الرؤية، وفي جواب اتصال الضيائين الرائي ~~والمرئي وجوب الاشتباه، والله تعالى منزه عن الاشتباه، فنثبت أنه لا يجوز ~~عليه سبحانه الرؤية بالأبصار، لأن الأسباب لا بد من اتصالها بالمسببات. # وعن العباس بن هلال (2) قال: سألت أبا الحسن علي بن محمد عليه السلام عن ~~قول الله عز وجل: (الله نور السماوات والأرض) (3). فقال عليه السلام: يعني ~~هادي من في السماوات ومن في الأرض. # ومما أجاب به أبو الحسن علي بن محمد العسكري عليه السلام في رسالته إلى ~~أهل الأهواز حين سألوه عن الجبر والتفويض أن قال: اجتمعت الأمة قاطبة لا ~~اختلاف بينهم في ذلك: أن القرآن حق لا ريب فيه عند جميع فرقها، فهم في حالة ~~الاجماع عليه مصيبون، وعلى تصديق ما أنزل الله مهتدون، ولقول النبي صلى ~~الله عليه وآله: (لا تجتمع أمتي على ضلالة) فأخبر عليه السلام أن ما اجتمعت ~~عليه الأمة ولم يخالف بعضها بعضا هو الحق، فهذا معنى الحديث لا ما تأوله ~~الجاهلون (4)، ولا ما قاله المعاندون # PageV02P251 # ومن إبطال حكم الكتاب واتباع حكم الأحاديث المزورة والروايات المزخرفة، ~~اتباع الأهواء المردية المهلكة التي تخالف نص الكتاب، وتحقيق الآيات ~~الواضحات النيرات. ونحن نسأل الله أن يوفقنا للصواب، ويهدينا إلى الرشاد. # ثم قال عليه السلام: فإذا شهد الكتاب بتصديق خبر وتحقيقه فأنكرته طائفة ~~من الأمة، وعارضته بحديث من هذه الأحاديث المزورة، فصارت بإنكارها ودفعها ~~الكتاب كفارا ضلالا، وأصح خبر ما عرف تحقيقه من الكتاب مثل الخبر المجمع ~~عليه من رسول الله صلى الله عليه وآله حيث قال: (إني مستخلف فيكم خليفتين: ~~كتاب الله وعترتي، ما أن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي، وأنهما لن يفترقا حتى ~~يردا علي الحوض) (1) واللفظة الأخرى عنه في هذا المعنى بعينه قوله عليه ~~السلام: (إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، وأنهما لم ~~يفترقا حتى يردا علي الحوض ما أن تمسكتم بهما لن تضلوا) فلما وجدنا شواهد ~~هذا الحديث نصا ms479 في كتاب الله مثل قوله: (إنما وليكم الله ورسوله والذين ~~آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون) (2) ثم اتفقت روايات ~~العلماء في ذلك لأمير المؤمنين عليه السلام: # أنه تصدق بخاتمه وهو راكع فشكر الله ذلك له وأنزل الآية فيه، (3) ثم ~~وجدنا رسول الله صلى الله عليه وآله قد أبانه من أصحابه بهذه اللفظة: (من ~~كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه) (4) وقوله صلى ~~الله عليه وآله: (علي يقضي ديني وينجز موعدي وهو خليفتي عليكم بعدي) وقوله ~~صلى الله عليه وآله حيث استخلفه على المدينة فقال: # يا رسول الله أتخلفني على النساء والصبيان؟ # فقال: (أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي) ~~(5) # PageV02P252 # فعلمنا إن الكتاب شهد بتصديق هذه الأخبار، وتحقيق هذه الشواهد، فلزم ~~الأمة الاقرار بها إذا كانت هذه الأخبار وافقت القرآن، ووافق القرآن هذه ~~الأخبار فلما وجدنا ذلك موافقا لكتاب الله، ووجدنا كتاب الله لهذه الأخبار ~~موافقا، وعليها دليلا، كان الاقتداء بهذه الأخبار فرضا لا يتعداه إلا أهل ~~العناد والفساد. # ثم قال عليه السلام: ومرادنا وقصدنا الكلام في الجبر والتفويض وشرحهما ~~وبيانهما وإنما قدمنا ما قدمنا ليكون اتفاق الكتاب والخبر إذا اتفقا دليلا ~~لما أردناه، وقوة لما نحن مبينوه من ذلك إن شاء الله. # (فقال): الجبر والتفويض يقول الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام، عندما ~~سئل عن ذلك فقال: لا جبر ولا تفويض، بل أمر بين الأمرين. # قيل: فماذا يا بن رسول الله؟ # فقال: صحة العقل، وتخلية السرب، والمهلة في الوقت، والزاد قبل الراحلة ~~والسبب المهيج للفاعل على فعله، فهذه خمسة أشياء فإذا نقص العبد منها خلة ~~كان العمل عنه مطرحا بحسبه، وأنا أضرب لكل باب من هذه الأبواب الثلاثة وهي: ~~الجبر، والتفويض، والمنزلة بين المنزلتين، مثلا يقرب المعنى للطالب، ويسهل ~~له البحث من شرحه، ويشهد به القرآن بمحكم آياته، ويحقق تصديقه عند ذوي ~~الألباب، وبالله العصمة والتوفيق. # ثم قال عليه السلام: فأما الجبر. فهو: قول من زعم أن ms480 الله عز وجل جبر ~~العباد على المعاصي وعاقبهم عليها، ومن قال بهذا القول فقد ظلم الله وكذبه، ~~ورد عليه قوله: (ولا يظلم ربك أحدا) (1) وقوله جل ذكره: (ذلك بما قدمت يداك ~~وأن الله ليس بظلام للعبيد) (2) مع آي كثيرة في مثل هذا، فمن زعم أنه مجبور ~~على المعاصي فقد أحال بذنبه على الله وظلمه في عقوبته له، ومن ظلم ربه فقد ~~كذب كتابه، ومن كذب كتابه لزمه (الكفر) بإجماع الأمة، فالمثل المضروب في ~~ذلك: # PageV02P253 # مثل رجل ملك عبدا مملوكا لا يملك إلا نفسه، ولا يملك عرضا من عروض الدنيا ~~ويعلم مولاه ذلك منه، فأمره - على علم منه بالمصير - إلى السوق لحاجة يأتيه ~~بها ولم يملكه ثمن ما يأتيه به، وعلم المالك أن على الحاجة رقيبا لا يطمع ~~أحد في أخذها منه إلا بما يرضى به من الثمن، وقد وصف به مالك هذا العبد ~~نفسه بالعدل والنصفة وإظهار الحكمة ونفي الجور، فأوعد عبده إن لم يأته ~~بالحاجة يعاقبه، فلما صار العبد إلى السوق، وحاول أخذ الحاجة التي بعثه ~~بها، وجد عليها مانعا يمنعه منها إلا بالثمن ولا يملك العبد ثمنها، فانصرف ~~إلى مولاه خائبا بغير قضاء حاجة، فاغتاظ مولاه لذلك وعاقبه على ذلك، فإنه ~~كان ظالما متعديا مبطلا لما وصف من عدله وحكمته ونصفته، وإن لم يعاقبه كذب ~~نفسه، أليس يجب أن لا يعاقبه والكذب والظلم ينفيان العدل والحكمة، تعالى ~~الله عما يقول المجبرة علوا كبيرا. # ثم قال العالم عليه السلام: - بعد كلام طويل -: فأما التفويض الذي أبطله ~~الصادق عليه السلام وخطأ من دان به، فهو: قول القائل: (إن الله عز وجل فوض ~~إلى العباد اختيار أمره ونهيه وأهملهم). # وهذا الكلام دقيق لم يذهب إلى غوره ودقته إلا الأئمة المهدية عليهم ~~السلام من عترة آل الرسول صلوات الله عليهم فإنهم قالوا: (لو فوض الله أمره ~~إليهم على جهة الاهمال لكان لازما له رضا ما اختاروه واستوجبوا به الثواب، ~~ولم يكن عليهم فيما اجترموا العقاب إذ كان الاهمال واقعا، وتنصرف هذه ~~المقالة ms481 على معنيين: أما أن تكون العباد تظاهروا عليه فالزموه اختيارهم ~~بآرائهم - ضرورة - كره ذلك أم أحب فقد لزمه الوهن، أو يكون جل وتقدس عجز عن ~~تعبدهم بالأمر والنهي عن إرادته ففوض أمره ونهيه إليهم، وأجراهما على ~~محبتهم إذ عجز عن تعبدهم بالأمر والنهي على إرادته فجعل الاختيار إليهم في ~~الكفر والإيمان، ومثل ذلك: مثل رجل ملك عبدا ابتاعه ليخدمه ويعرف له فضل ~~ولايته، ويقف عند أمره ونهيه وادعى مالك العبد: أنه قاهر قادر عزيز حكيم، ~~فأمر عبده ونهاه، ووعده على اتباع أمره عظيم الثواب وأوعده على معصيته أليم ~~العقاب، فخالف العبد إرادة مالكه، ولم يقف عند أمره PageV02P254 # ونهيه، فأي أمر أمره به أو نهاه عنه لم يأتمر على إرادة المولى، بل كان ~~العبد يتبع إرادة نفسه، وبعثه في بعض حوائجه وفيما الحاجة له فصار العبد ~~بغير تلك الحاجة خلافا على مولاه وقصد إرادة نفسه واتبع هواه، فلما رجع إلى ~~مولاه نظر إلى ما أتاه فإذا هو خلاف أمره فقال العبد: اتكلت على تفويضك ~~الأمر إلي فاتبعت هواي وإرادتي لأن المفوض إليه غير محظور عليه لاستحالة ~~اجتماع التفويض والتحظير. # ثم قال عليه السلام: فمن زعم أن الله فوض قبول أمره ونهيه إلى عباده فقد ~~أثبت عليه العجز، وأوجب عليه قبول كلما عملوا من خير أو شر، وأبطل أمر الله ~~ونهيه. # ثم قال: إن الله خلق الخلق بقدرته وملكهم استطاعة ما تعبدهم به من الأمر ~~والنهي، وقبل منهم اتباع أمره ونهيه ورضي بذلك لهم، ونهاهم عن معصيته وذم ~~من عصاه وعاقبه عليها، ولله الخيرة في الأمر والنهي يختار ما يريده ويأمر ~~به، وينهى عما يكره ويثبت ويعاقب بالاستطاعة التي ملكها عباده لاتباع أمره ~~واجتناب معاصيه لأنه العدل ومنه النصفة والحكومة، بالغ الحجة بالإعذار ~~والإنذار، وإليه الصفوة يصطفي من يشاء من عباده، اصطفى محمدا صلوات الله ~~عليه وآله وبعثه بالرسالة إلى خلقه ولو فوض اختيار أموره إلى عباده لأجاز ~~لقريش اختيار أمية بن أبي الصلت وأبي مسعود الثقفي إذ كانا عندهم أفضل من ms482 ~~محمد صلى الله عليه وآله لما قالوا: (لولا أنزل هذا القرآن على رجل من ~~القريتين عظيم) (1) يعنونهما بذلك فهذا هو: (القول بين القولين) ليس بجبر ~~ولا تفويض، بذلك أخبر أمير المؤمنين عليه السلام حين سأله عتابة بن ربعي ~~الأسدي عن الاستطاعة. # فقال أمير المؤمنين: تملكها من دون الله أو مع الله؟ # فسكت عتابة بن ربعي. # فقال له: قل يا عتابة! # قال: وما أقول؟ # قال: إن قلت تملكها مع الله قتلتك، وإن قلت تملكها من دون الله قتلتك. # PageV02P255 # قال: وما أقول يا أمير المؤمنين؟ # قال: تقول تملكها بالله الذي يملكها من دونك، فإن ملككها كان ذلك من ~~عطائه، وإن سلبكها كان ذلك من بلائه، وهو المالك لما ملكك، والمالك لما ~~عليه أقدرك، أما سمعت الناس يسألون الحول والقوة حيث يقولون: (لا حول ولا ~~قوة إلا بالله). # فقال الرجل: وما تأويلها يا أمير المؤمنين؟ # قال: لا حول لنا عن معاصي الله إلا بعصمة الله، ولا قوة لنا على طاعة ~~الله إلا بعون الله. # قال: فوثب الرجل وقبل يديه ورجليه. # ثم قال عليه السلام في قوله تعالى: (ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم ~~والصابرين ونبلوا أخباركم) (1) وفي قوله: (سنستدرجهم من حيث لا يعلمون) (2) ~~وفي قوله: (أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون) (3) وقوله: (ولقد فتنا سليمان ~~(4) وقوله: (فإنا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامري) (5) وقول موسى عليه ~~السلام: # (إن هي إلا فتنتك) (6) وقوله: (ليبلوكم فيما آتاكم) (7) وقوله: (ثم صرفكم ~~عنهم ليبتليكم) (8) وقوله: (إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة) (9) وقوله: ~~(ليبلوكم أيكم أحسن عملا) (10) وقوله: (وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات) (11) ~~وقوله: (ولو شاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض) (12) أن جميعها ~~جاءت في القرآن بمعنى الاختيار. # PageV02P256 # ثم قال عليه السلام: فإن قالوا ما الحجة في قول الله تعالى: (يهدي من ~~يشاء ويضل من يشاء) (1) وما أشبه ذلك؟ # قلنا: فعلى مجاز هذه الآية يقتضي معنيين: أحدهما عن كونه تعالى قادرا على ~~هداية من يشاء وضلالة من يشاء، ولو أجبرهم على أحدهما لم يجب لهم ثواب ms483 ولا ~~عليهم عقاب، على ما شرحناه. والمعنى الآخر: أن الهداية منه (التعريف) كقوله ~~تعالى: (وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى) (2) وليس كل آية ~~مشتبهة في القرآن كانت الآية حجة على حكم الآيات اللاتي أمر بالأخذ بها ~~وتقليدها، وهي قوله: (هو الذي أنزل عليكم الكتاب منه آيات محكمات هن أم ~~الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ~~ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله. الآية) (3) وقال: (فبشر عبادي الذين يستمعون ~~القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب) (4) ~~وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى، ويقرب لنا ولكم الكرامة والزلفى، وهدانا ~~لما هو لنا ولكم خير وأبقى، إنه الفعال لما يريد، الحكيم المجيد. # عن أبي عبد الله الزيادي (5) قال: لما سم المتوكل، نذر لله إن رزقه الله ~~العافية أن يتصدق بمال كثير، فلما سلم وعوفي سأل الفقهاء، عن حد (المال ~~الكثير) كم يكون؟ فاختلفوا. فقال بعضهم: (ألف درهم) وقال بعضهم: (عشرة ~~آلاف) وقال بعضهم: (مائة ألف) فاشتبه عليه هذا. # فقال له الحسن حاجبه: إن أتيتك يا أمير المؤمنين من هذا خبرك بالحق ~~والصواب فما لي عندك؟ # فقال المتوكل: إن أتيت بالحق فلك عشرة آلاف درهم، وإلا أضربك مائة مقرعة. # PageV02P257 # فقال: قد رضيت. فأتى أبا الحسن العسكري عليه السلام فسأله عن ذلك. # فقال أبو الحسن عليه السلام: قل له: يتصدق بثمانين درهما. فرجع إلى ~~المتوكل فأخبره. فقال: سله ما العلة في ذلك؟ # فسأله فقال: إن الله عز وجل قال لنبيه صلى الله عليه وآله: (ولقد نصركم ~~الله في مواطن كثيرة) (1) فعددنا مواطن رسول الله صلى الله عليه وآله فبلغت ~~ثمانين موطنا. # فرجع إليه فأخبره ففرح، وأعطاه عشرة آلاف درهم. # وعن جعفر بن رزق الله (2) قال: قدم إلى المتوكل رجل نصراني فجر بامرأة ~~مسلمة، فأراد أن يقيم عليه الحد فأسلم. # فقال يحيى بن أكثم: قد هدم إيمانه شركه وفعله، وقال بعضهم: يضرب ثلاثة ~~حدود، وقال بعضهم: يفعل به كذا وكذا. # فأمر المتوكل بالكتاب إلى أبي الحسن العسكري وسؤاله ms484 عن ذلك. # فلما قرأ الكتاب كتب عليه السلام: يضرب حتى يموت، فأنكر يحيى وأنكر فقهاء ~~العسكر ذلك، فقالوا: يا أمير المؤمنين سله عن ذلك فإنه شئ لم ينطق به كتاب، ~~ولم يجئ به سنة. # فكتب إليه: إن الفقهاء قد أنكروا هذا، وقالوا: لم يجئ به سنة ولم ينطق به ~~كتاب، فبين لنا لم أوجبت علينا الضرب حتى يموت؟ # فكتب: بسم الله الرحمن الرحيم: (فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده ~~وكفرنا بما كنا به مشركين فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا الآية) (3) ~~فأمر به المتوكل فضرب حتى مات. # سأل يحيى بن أكثم أبا الحسن العالم عليه السلام عن قوله تعالى: (سبعة ~~أبحر ما نفدت كلمات الله) (4) ما هي؟ # PageV02P258 # فقال: هي: (عين الكبريت) و (عين اليمن) و (عين البرهوت) و (عين الطبرية) ~~و (جمة ماسيدان) وجمة (أفريقا) و (عين ما جروان) ونحن الكلمات التي لا تدرك ~~فضائلنا ولا تستقصى. # وروي عن الحسن العسكري عليه السلام: أنه اتصل بأبي الحسن علي بن محمد ~~العسكري عليه السلام: أن رجلا من فقهاء شيعته كلم بعض النصاب فافهمه بحجته ~~حتى أبان عن فضيحته، فدخل إلى علي بن محمد عليه السلام وفي صدر مجلسه دست ~~عظيم منصوب وهو قاعد خارج الدست، وبحضرته خلق من العلويين وبني هاشم، فما ~~زال يرفعه حتى أجلسه في ذلك الدست، وأقبل عليه فاشتد ذلك على أولئك ~~الأشراف، فأما العلوية فأجلوه عن العتاب، وأما الهاشميون فقال له شيخهم: يا ~~بن رسول الله هكذا تؤثر عاميا على سادات بني هاشم من الطالبيين ~~والعباسيين؟! # فقال عليه السلام إياكم وإن تكونوا من الذين قال الله تعالى فيهم: (ألم ~~تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم ~~يتولى فريق منهم وهم معرضون) (1) أترضون بكتاب الله حكما؟ # قالوا: بلى. # قال: أليس الله يقول: (يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في ~~المجالس فافسحوا يفسح الله لكم إلى قوله يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين ~~أوتوا العلم درجات) (2) فلم يرض ms485 للعالم المؤمن إلا أن يرفع على المؤمن غير ~~العالم، كما لم يرض للمؤمن إلا أن يرفع على من ليس بمؤمن، أخبروني عنه قال: # (يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات)؟ أو قال: (يرفع ~~الذين أوتوا شرف النسب درجات)؟ أوليس قال الله: (هل يستوي الذين يعلمون ~~والذين لا يعلمون) (3) فكيف تنكرون رفعي لهذا لما رفعه الله؟! إن كسر هذا ~~(لفلان) الناصب بحجج الله التي علمه إياها، لأفضل له من كل شرف في النسب. # PageV02P259 # فقال العباسي: يا بن رسول الله قد أشرفت علينا هو ذا تقصير بنا عمن ليس ~~له نسب كنسبنا، وما زال منذ أول الإسلام يقدم الأفضل في الشرف على من دونه ~~فيه. # فقال عليه السلام: سبحان الله أليس عباس بايع أبا بكر وهو (تيمي) والعباس ~~(هاشمي)؟ أوليس عبد الله بن عباس كان يخدم عمر بن الخطاب وهو (هاشمي) أبو ~~الخلفاء وعمر (عدوي)؟! وما بال عمر أدخل البعداء من قريش في الشورى ولم ~~يدخل العباس؟ فإن كان رفعنا لمن ليس بهاشمي على هاشمي منكرا فأنكروا على ~~عباس بيعته لأبي بكر، وعلى عبد الله بن عباس خدمته لعمر بعد بيعته، فإن كان ~~ذلك جائزا فهذا جائز، فكأنما ألقم الهاشمي حجرا. # وروي عن علي بن محمد الهادي عليه السلام أنه قال: لولا من يبقى بعد غيبة ~~قائمكم عليه السلام من العلماء الداعين إليه، والدالين عليه، والذابين عن ~~دينه بحجج الله والمنقذين لضعفاء عباد الله من شباك إبليس ومردته، ومن فخاخ ~~النواصب، لما بقي أحد إلا ارتد عن عن دين الله، ولكنهم الذين يمسكون أزمة ~~قلوب ضعفاء الشيعة كما يمسك صاحب السفينة سكانها، أولئك هم الأفضلون عند ~~الله عز وجل. # احتجاج أبي محمد الحسن بن علي العسكري عليهما السلام في أنواع شتى من ~~علوم الدين. # وبالإسناد المقدم ذكره: أن أبا محمد العسكري عليه السلام قال - في قوله ~~تعالى -: # (ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم) (1) ~~أي: وسمها بسمة يعرفها من يشاء من ملائكته إذا نظروا إليها ms486 بأنهم الذين لا ~~يؤمنون وعلى سمعهم كذلك بسمات، وعلى أبصارهم غشاوة، وذلك: أنهم لما أعرضوا ~~عن النظر فيما كلفوه، وقصروا فيما أريد منهم، وجهلوا ما لزمهم الإيمان به، ~~فصاروا # PageV02P260 # كمن على عينيه غطاء لا يبصر ما أمامه، فإن الله عز وجل يتعالى عن العبث ~~والفساد وعن مطالبة العباد بما منعهم بالقهر منه، فلا يأمرهم بمغالبته، ولا ~~بالمصير إلى ما قد صدهم بالقسر عنه، ثم قال: ولهم عذاب عظيم يعني: في ~~الآخرة العذاب المعد للكافرين، وفي الدنيا أيضا لمن يريد أن يستصلحه بما ~~ينزل به من عذاب الاستصلاح لينبهه لطاعته، أو من عذاب الاصلاح ليصيره إلى ~~عدله وحكمته. # وروى أبو محمد العسكري عليه السلام مثل ما قال هو في تأويل هذه الآية من ~~المراد بالختم على قلوب الكفار عن الصادق عليه السلام بزيادة شرح لم نذكره ~~مخافة التطويل لهذا الكتاب. # وبالإسناد المتكرر من أبي محمد عليه السلام أنه قال - في تفسير قوله ~~تعالى -: # (الذي جعل لكم الأرض فراشا.. الآية) (1) جعلها ملائمة لطبايعكم، موافقة ~~لأجسادكم، لم يجعلها شديدة الحمى والحرارة فتحرقكم، ولا شديدة البرودة ~~فتجمدكم، ولا شديدة طيب الريح فتصدع هاماتكم، ولا شديدة النتن فتعطبكم، ولا ~~شديدة اللين كالماء فتغرقكم، ولا شديدة الصلابة فتمتنع عليكم في حرثكم ~~وأبنيتكم ودفن موتاكم، ولكنه جعل فيها من المتانة ما تنتفعون به، وتتماسكون ~~وتتماسك عليها أبدانكم وبنيانكم، وجعل فيها من اللين ما تنقاد به لحرثكم ~~وقبوركم وكثير من منافعكم، فلذلك جعل الأرض فراشا لكم. # ثم قال: (والسماء بناء) يعني: سقفا من فوقكم محفوظا، يدير فيها شمسها ~~وقمرها ونجومها لمنافعكم. # ثم قال: (وأنزل من السماء ماء) يعني: المطر ينزله من علو ليبلغ قلل ~~جبالكم وتلالكم وهضابكم وأوهادكم، ثم فرقه رذاذا ووابلا وهطلا وطلا، لينشقه ~~أرضوكم، ولم يجعل ذلك المطر نازلا عليكم قطعة واحدة، ليفسد أرضيكم وأشجاركم ~~وزروعكم وثماركم. # ثم قال: (وأخرج به من الثمرات رزقا لكم) يعني: مما يخرجه من الأرض # PageV02P261 # رزقا لكم، (فلا تجعلوا لله أندادا) أشباها وأمثالا من الأصنام التي لا ~~تعقل، ولا تسمع، ولا ms487 تبصر، ولا تقدر على شئ، (وأنتم تعلمون) أنها لا تقدر ~~على شئ من هذه النعم الجليلة التي أنعمها عليكم ربكم. # وبالإسناد الذي مضى ذكره عن أبي محمد العسكري عليه السلام في قوله تعالى: # (ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني) (١) إن الأمي منسوب إلى (أمه) ~~أي: هو كما خرج من بطن أمه، لا يقرأ ولا يكتب، (لا يعلمون الكتاب) المنزل ~~من السماء ولا المتكذب به، ولا يميزون بينهما (إلا أماني) أي: إلا أن يقرأ ~~عليهم ويقال لهم: إن هذا كتاب الله وكلامه، لا يعرفون إن قرأ من الكتاب ~~خلاف ما فيه، (وإن هم إلا يظنون) أي ما يقرأ عليهم رؤساؤهم من تكذيب محمد ~~صلى الله عليه وآله في نبوته وإمامة علي سيد عترته، وهم يقلدونهم مع أنه ~~(محرم عليهم) تقليدهم، ﴿فويل للذين ~~يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله تعالى.. الخ﴾ (2) ~~هذا: القوم اليهود، كتبوا صفة زعموا أنها صفة محمد صلى الله عليه وآله، وهي ~~خلاف صفته، وقالوا للمستضعفين منهم: هذه صفة النبي المبعوث في آخر الزمان ~~أنه: طويل عظيم البدن والبطن، أهدف، (3) أصهب الشعر، ومحمد صلى الله عليه ~~وآله بخلافه، وهو يجئ بعد هذا الزمان بخمسمائة سنة، وإنما أرادوا بذلك أن ~~تبقى لهم على ضعفائهم رياستهم، وتدوم لهم إصاباتهم، ويكفوا أنفسهم مؤنة ~~خدمة رسول الله صلى الله عليه وآله وخدمة علي عليه السلام وأهل بيته ~~وخاصته، فقال الله عز وجل: (فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون) ~~من هذه الصفات المحرفات والمخالفات لصفة محمد صلى الله عليه وآله وعلي عليه ~~السلام: الشدة لهم من العذاب في أسوء بقاع جهنم، وويل لهم: الشدة في العذاب ~~ثانية مضافة إلى الأولى، بما يكسبونه من الأموال التي يأخذونها إذا ثبتوا ~~عوامهم على الكفر بمحمد رسول الله صلى الله عليه وآله، والحجة لوصيه وأخيه ~~علي بن أبي طالب عليه السلام ولي الله. # PageV02P262 # ثم قال عليه السلام: قال رجل للصادق عليه السلام: فإذا كان هؤلاء ms488 القوم ~~من اليهود لا يعرفون الكتاب إلا بما يسمعونه من علمائهم لا سبيل لهم إلى ~~غيره، فكيف ذمهم بتقليدهم والقبول من علمائهم، وهل عوام اليهود إلا كعوامنا ~~يقلدون علماءهم؟ # فقال عليه السلام: بين عوامنا وعلمائنا وعوام اليهود وعلمائهم فرق من جهة ~~وتسوية من جهة. # أما من حيث استووا: فإن الله قد ذم عوامنا بتقليدهم علمائهم كما ذم ~~عوامهم. # وأما من حيث افترقوا فلا. # قال: بين لي يا بن رسول الله! # قال عليه السلام: إن عوام اليهود كانوا قد عرفوا علماءهم بالكذب الصراح، ~~وبأكل الحرام والرشاء، وبتغيير الأحكام عن واجبها بالشفاعات والعنايات ~~والمصانعات، وعرفوهم بالتعصب الشديد الذي يفارقون به أديانهم، وأنهم إذا ~~تعصبوا أزالوا حقوق من تعصبوا عليه وأعطوا ما لا يستحقه من تعصبوا له من ~~أموال غيرهم، وظلموهم من أجلهم، وعرفوهم يقارفون المحرمات، واضطروا بمعارف ~~قلوبهم إلى أن من فعل ما يفعلونه فهو فاسق لا يجوز أن يصدق على الله ولا ~~على الوسائط بين الخلق وبين الله، فلذلك ذمهم لما قلدوا من قد عرفوه ومن قد ~~علموا أنه لا يجوز قبول خبره ولا تصديقه في حكايته، ولا العمل بما يؤديه ~~إليهم عمن لم يشاهدوه ووجب عليهم النظر بأنفسهم في أمر رسول الله صلى الله ~~عليه وآله، إذ كانت دلائله أوضح من أن تخفى، وأشهر من أن لا تظهر لهم. # وكذلك عوام أمتنا إذا عرفوا من فقهائهم الفسق الظاهر، والعصبية الشديدة ~~والتكالب على حطام الدنيا وحرامها، وإهلاك من يتعصبون عليه وإن كان لإصلاح ~~أمره مستحقا، وبالترفرف بالبر والإحسان على من تعصبوا له وإن كان للإذلال ~~والإهانة مستحقا، فمن قلد من عوامنا مثل هؤلاء الفقهاء فهم مثل اليهود ~~الذين ذمهم الله بالتقليد لفسقة فقهائهم، فأما من كان من الفقهاء صائنا ~~لنفسه، حافظا لدينه، مخالفا على هواه، مطيعا لأمر مولاه، فللعوام أن ~~يقلدوه، وذلك لا يكون PageV02P263 # إلا بعض فقهاء الشيعة لا جميعهم، فإنه من ركب من القبايح والفواحش مراكب ~~فسقة العامة فلا تقبلوا منا عنه شيئا، ولا كرامة، وإنما كثر التخليط فيما ~~يتحمل ms489 عنا أهل البيت لذلك لأن الفسقة يتحملون عنا فيحرفونه بأسره بجهلهم، ~~ويضعون الأشياء على غير وجهها لقلة معرفتهم، وآخرون يتعمدون الكذب علينا ~~ليجروا من عرض الدنيا ما هو زادهم إلى نار جهنم، ومنهم قوم (نصاب) لا ~~يقدرون على القدح فينا، يتعلمون بعض علومنا الصحيحة فيتوجهون به عند ~~شيعتنا، وينتقصون بنا عند نصابنا، ثم يضيفون إليه أضعاف وأضعاف أضعافه من ~~الأكاذيب علينا التي نحن براء منها، فيتقبله المستسلمون من شيعتنا، على أنه ~~من علومنا، فضلوا وأضلوا وهم أضر على ضعفاء شيعتنا من جيش يزيد على الحسين ~~بن علي عليه السلام وأصحابه، فإنهم يسلبونهم الأرواح والأموال، وهؤلاء ~~علماء السوء الناصبون المتشبهون بأنهم لنا موالون، ولأعدائنا معادون، ~~ويدخلون الشك والشبهة على ضعفاء شيعتنا فيضلونهم ويمنعونهم عن قصد الحق ~~المصيب، لا جرم أن من علم الله من قلبه من هؤلاء القوم أنه لا يريد إلا ~~صيانة دينه وتعظيم وليه لم يتركه في يد هذا المتلبس الكافر، ولكنه يقيض له ~~مؤمنا يقف به على الصواب، ثم يوفقه الله للقبول منه، فيجمع الله له بذلك ~~خير الدنيا والآخرة، ويجمع على من أضله لعنا في الدنيا وعذاب الآخرة. # ثم قال: قال رسول الله: (أشرار علماء أمتنا: المضلون عنا، القاطعون للطرق ~~إلينا، المسمون أضدادنا بأسمائنا، الملقبون أضدادنا بألقابنا، يصلون عليهم ~~وهم للعن مستحقون، ويلعنونا ونحن بكرامات الله مغمورون، وبصلوات الله ~~وصلوات ملائكته المقربين علينا عن صلواتهم علينا مستغنون). # ثم قال: قيل لأمير المؤمنين عليه السلام: من خير خلق الله بعد أئمة ~~الهدى، ومصابيح الدجى؟ # قال: العلماء إذا صلحوا. # قيل: فمن شرار خلق الله بعد إبليس، وفرعون، ونمرود، وبعد المتسمين ~~PageV02P264 # بأسمائكم، والمتلقبين بألقابكم، والآخذين لأمكنتكم، والمتأمرين في ~~ممالككم؟ # قال: العلماء إذا فسدوا، هم المظهرون للأباطيل، الكاتمون للحقايق، وفيهم ~~قال الله عز وجل: (أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون إلا الذين تابوا.. # الآية) (1). # وبالإسناد المقدم ذكره عن أبي يعقوب يوسف بن محمد بن زياد، وأبي الحسن ~~علي بن محمد بن سيار، أنهما قالا: قلنا للحسن أبي القائم عليهما السلام: إن ~~قوما ms490 عندنا يزعمون: أن هاروت وماروت ملكان اختارتهما الملائكة لما كثر ~~عصيان بني آدم وأنزلهما الله مع ثالث لهما إلى الدنيا، وأنهما افتتنا ~~بالزهرة وأراد الزنا بها، وشربا الخمر، وقتلا النفس المحرمة، وأن الله ~~يعذبهما ببابل، وأن السحرة منهما يتعلمون السحر، وأن الله مسخ هذا الكوكب ~~الذي هو (الزهرة). # فقال الإمام عليه السلام: معاذ الله من ذلك، إن ملائكة الله معصومون ~~محفوظون من الكفر والقبايح، بألطاف الله فقال عز وجل فيهم: (لا يعصون الله ~~ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون) (2) وقال: (ولله من في السماوات والأرض ومن ~~عنده - يعني: الملائكة - لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون * يسبحون ~~الليل والنهار لا يفترون) (3) وقال في الملائكة: (بل عباد مكرمون لا ~~يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون) إلى قوله (مشفقون) (4) كان الله قد جعل ~~هؤلاء الملائكة خلفائه في الأرض، وكانوا كالأنبياء في الدنيا، وكالأئمة، ~~أفيكون من الأنبياء والأئمة قتل النفس والزنا وشرب الخمر؟!! # ثم قال: أو لست تعلم أن الله لم يخل الدنيا من نبي أو إمام من البشر؟ # أوليس يقول: (وما أرسلنا قبلك من رسلنا - يعني إلى الخلق - إلا رجالا ~~نوحي إليهم من أهل القرى) (5) فأخبر أنه لم يبعث الملائكة إلى الأرض ~~ليكونوا أئمة # PageV02P265 # وحكاما، وإنما أرسلوا إلى أنبياء الله. # قالا. قلنا له: فعلى هذا لم يكن إبليس ملكا! # فقال: لا. بل كان من الجن! أما تسمعان الله تعالى يقول: (وإذ قلنا ~~للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن) (1) فأخبر أنه كان من ~~الجن، وهو الذي قال: (والجان خلقناه من قبل من نار السموم) (2). # وقال الإمام عليه السلام: حدثني أبي، عن جدي، عن الرضا، عن أبيه، عن ~~آبائه، عن علي عليهم السلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله أن الله ~~اختارنا معاشر آل محمد، واختار النبيين، واختار الملائكة المقربين، وما ~~اختارهم إلا على علم منه بهم: أنهم لا يواقعون ما يخرجون به عن ولايته، ~~وينقطعون به من عصمته، وينضمون به إلى المستحقين لعذابه ونقمته. # قالا: فقلنا: فقد روي لنا: أن عليا صلوات ms491 الله عليه لما نص عليه رسول ~~الله بالإمامة، عرض الله ولايته على فيام وفيام (3) من الملائكة فأبوها، ~~فمسخهم الله ضفادع. # فقال: معاذ الله! هؤلاء المتكذبون علينا، الملائكة هم: رسل الله كساير ~~أنبياء الله إلى الخلق، أفيكون منهم الكفر بالله؟ # قلنا: لا. # قال: فكذلك الملائكة! إن شأن الملائكة عظيم وإن خطبهم لجليل. # وبالإسناد الذي تكرر عن أبي يعقوب وأبي الحسن أيضا أنهما قالا: حضرنا عند ~~الحسن بن علي أبي القائم عليهما السلام فقال له بعض أصحابه: جاءني رجل من ~~إخواننا الشيعة قد امتحن بجهال العامة، يمتحنونه في الإمامة ويحلفونه، فكيف ~~يصنع حتى يتخلص منهم؟ # فقلت له: كيف يقولون؟ # PageV02P266 # قال: يقولون: (أتقول أن فلانا هو الإمام بعد رسول الله صلى الله عليه ~~وآله؟ فلا بد لي أن أقول نعم وإلا أثخنوني ضربا، فإذا قلت: (نعم) قالوا لي: ~~قل: (والله) فقلت لهم: (نعم) وأريد به (نعما) من الأنعام: (الإبل والبقر ~~والغنم). # قلت: فإذا قالوا: والله فقل ولي أي ولي تريد عن أمر كذا، فإنهم لا يميزون ~~وقد سلمت. # فقال لي: فإن حققوا علي فقالوا قل: (والله) وبين الهاء. # فقلت: قل والله برفع الهاء، فإنه لا يكون يمينا إذا لم يخفض. # فذهب ثم رجع إلي فقال: عرضوا علي وحلفوني، فقلت كما لقنتني. # فقال له الحسن عليه السلام: أنت كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ~~(الدال على الخير كفاعله) لقد كتب الله لصاحبك بتقيته بعدد كل من استعمل ~~التقية من شيعتنا وموالينا ومحبينا حسنة، وبعدد من ترك التقية منهم حسنة، ~~أدناها حسنة لو قوبل بها ذنوب مائة سنة لغفرت، ولك بإرشادك إياه مثل ما له. # وبالإسناد المتكرر ذكره عن الحسن العسكري عليه السلام أنه قال: أعرف ~~الناس بحقوق إخوانه وأشدهم قضاء لها أعظمهم عند الله شأنا، ومن تواضع في ~~الدنيا لإخوانه فهو عند الله من الصديقين ومن شيعة علي بن أبي طالب عليه ~~السلام حقا، ولقد ورد على أمير المؤمنين عليه السلام أخوان له مؤمنان أب ~~وابن، فقام إليهما، وأكرمهما وأجلسهما في صدر ms492 مجلسه، وجلس بين أيديهما، ثم ~~أمر بطعام فأحضر فأكلا منه ثم جاء قنبر بطست وإبريق خشب ومنديل لييس وجاء ~~ليصب على يد الرجل ماءا فوثب أمير المؤمنين عليه السلام فأخذ الإبريق ليصب ~~على يد الرجل فتمرغ الرجل في التراب وقال: # يا أمير المؤمنين الله يراني وأنت تصب على يدي؟! # قال: اقعد واغسل يدك فإن الله عز وجل وأخوك الذي لا يتميز منك ولا يتفضل ~~عليك يخدمك، يريد بذلك في خدمه في الجنة مثل عشرة أضعاف عدد أهل الدنيا ~~وعلى حسب ذلك في ممالكه فيها. PageV02P267 # فقعد الرجل فقال له علي عليه السلام: أقسمت عليك بعظيم حقي الذي عرفته ~~وبجلته وتواضعك لله بأن ندبني لما شرفك به من خدمتي لك، لما غسلت مطمئنا ~~كما كنت تغسل لو كان الصاب عليك قنبرا، ففعل الرجل. # فلما فرغ ناول الإبريق محمد بن الحنفية وقال: يا بني لو كان هذا الابن ~~حضرني دون أبيه لصببت على يده، ولكن الله يأبى أن يسوي بين ابن وأبيه إذا ~~جمعهما مكان، لكن قد صب الأب على الأب، فليصب الابن على الابن، فصب محمد ~~ابن الحنفية على الابن. # ثم قال الحسن العسكري عليه السلام: فمن اتبع عليا عليه السلام على ذلك ~~فهو الشيعي حقا. # احتجاج الحجة القائم المنتظر المهدي صاحب الزمان صلوات الله عليه وعلى ~~آبائه الطاهرين. # سعد بن عبد الله القمي الأشعري (1) قال: بليت بأشد النواصب منازعة فقال ~~لي يوما - بعد ما ناظرته -: تبا لك ولأصحابك! أنتم معاشر الروافض تقصدون ~~المهاجرين والأنصار بالطعن عليهم، وبالجحود لمحبة النبي لهم، فالصديق هو ~~فوق الصحابة بسبب سبق الإسلام، ألا تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وآله ~~إنما ذهب به # PageV02P268 # ليلة الغار لأنه خاف عليه كما خاف على نفسه، ولما علم أنه يكون الخليفة ~~في أمته وأراد أن يصون نفسه كما يصون عليه السلام خاصة نفسه، كي لا يختل ~~حال الدين من بعده. ويكون الإسلام منتظما؟ وقد أقام عليا على فراشه لما كان ~~في علمه أنه لو قتل لا يختل الإسلام بقتله. ms493 لأنه يكون من الصحابة من يقوم ~~مقامه لا جرم لم يبال من قتله؟! # قال سعد: إني قلت على ذلك أجوبة لكنها غير مسكتة. # ثم قال: معاشر الروافض تقولون: أن (الأول والثاني) كانا ينافقان، ~~وتستدلون على ذلك بليلة العقبة. # ثم قال لي: أخبرني عن إسلامهما كان من طوع ورغبة أو كان عن إكراه وإجبار؟ # فاحترزت عن جواب ذلك وقلت مع نفسي إن كنت أجبته بأنه كان عن إكراه وإجبار ~~لم يكن في ذلك الوقت للإسلام قوة حتى يكون إسلامهما بإكراه وقهر، فرجعت عن ~~هذا الخصم على حال ينقطع كبدي، فأخذت طومارا وكتبت بضعا وأربعين مسألة من ~~المسائل الغامضة التي لم يكن عندي جوابها، فقلت: أدفعها إلى صاحب مولاي أبي ~~محمد الحسن بن علي عليهما السلام الذي كان في قم أحمد بن إسحاق (1) فلما ~~طلبته كان هو قد ذهب فمشيت على أثره فأدركته وقلت الحال معه. # فقال لي: جئ معي إلى سر من رأى حتى نسأل عن هذه المسائل مولانا الحسن بن ~~علي عليهما السلام. # فذهبت معه إلى سر من رأى ثم جئنا إلى باب دار مولانا عليه السلام ~~فاستأذنا عليه فأذن لنا، فدخلنا الدار وكان مع أحمد بن إسحاق جراب قد ستره ~~بكساء طبري، وكان فيه مائة وستون صرة من الذهب والورق، على كل واحدة منها ~~خاتم # PageV02P269 # صاحبها الذي دفعها إليه، ولما دخلنا ووقع أعيننا على أبي محمد الحسن ~~العسكري عليهما السلام كان وجهه كالقمر ليلة البدر وقد رأينا على فخذه ~~غلاما يشبه المشتري في الحسن والجمال، وكان على رأسه ذؤابتان، وكان بين ~~يديه رمان من الذهب قد حلي بالفصوص والجواهر الثمينة قد أهداه واحد من ~~رؤساء البصرة، وكان في يده قلم يكتب به شيئا على قرطاس، فكلما أراد أن يكتب ~~شيئا أخذ الغلام يده فألقى الرمان حتى يذهب الغلام إليه ويجئ به فلما ترك ~~يده يكتب ما شاء. # ثم فتح أحمد بن إسحاق الكساء ووضع الجراب بين يدي العسكري عليه السلام، ~~فنظر العسكري إلى الغلام فقال: فض الخاتم عن هدايا ms494 شيعتك ومواليك! # فقال: يا مولاي أيجوز أن أمد يدا طاهرة إلى هدايا نخسة وأموال رجسة؟! # ثم قال: يا بن إسحاق أخرج ما في الجراب ليميز بين الحلال والحرام! # ثم أخرج (صرة) فقال الغلام: هذا (لفلان بن فلان) من محلة (كذا) بقم، ~~مشتمل على اثنين وسبعين دينارا، فيها من ثمن حجرة باعها وكانت إرثا عن أبيه ~~خمسة وأربعون دينارا، ومن أثمان سبعة أثواب أربعة عشر دينارا، وفيه من أجرة ~~الحوانيت ثلاثة دنانير. # فقال مولانا عليه السلام صدقت يا بني! دل الرجل على الحرام منها. # فقال الغلام: في هذه العين دينار بسكة الري تاريخه في سنة (كذا) قد ذهب ~~نصف نقشه عنه، وثلاثة اقطاع قراضة بالوزن (دانق ونصف) في هذه الصرة الحرام ~~هذا القدر. فإن صاحب هذه الصرة في سنة كذا في شهر كذا كان له عند نساج - ~~وهو من جملة جيرانه - من وربع، فأتى على ذلك زمان كثير فسرقه سارق من عنده ~~فأخبره النساج بذلك فما صدقه وأخذ الغرامة بغزل أدق منه مبلغ من ونصف، ثم ~~أمر حتى نسج منه ثوب وهذا الدينار والقراضة من ثمنه. ثم حل عقدها فوجد ~~الدينار والقراضة كما أخبر، ثم أخرجت (صرة) أخرى. # فقال الغلام: هذا (لفلان بن فلان) من المحلة (الفلانية) بقم والعين فيها ~~(خمسون دينارا) ولا ينبغي لنا أن ندني أيدينا إليها. PageV02P270 # قال: لم؟ # فقال: من أجل أن هذه الدنانير ثمن الحنطة، وكانت هذه الحنطة بينه وبين ~~حراث له، فأخذ نصيبه بكيل كامل وأعطى نصيبه بكيل ناقص. # فقال مولانا الحسن بن علي عليهما السلام: صدقت يا بني! # قال: يا بن إسحاق إحمل هذه الصرور وبلغ أصحابها وأوص بتبليغها إلى ~~أصحابها، فإنه لا حاجة بنا إليها. # ثم قال: جئ إلي بثوب تلك العجوز. # فقال أحمد بن إسحاق: كان ذلك في حقيبة فنسيته، ثم مشى أحمد بن إسحاق ليجئ ~~بذلك فنظر إلي مولانا أبو محمد العسكري عليه السلام وقال: # ما جاء بك يا سعد؟ # فقلت: شوقني أحمد بن إسحاق إلى لقاء مولانا. # قال: المسائل التي أردت ms495 أن تسأل عنها؟ # قلت: على حالها يا مولاي. # قال: فاسأل قرة عيني - وأومى إلى الغلام - عما بدا لك! # فقلت: يا مولانا وابن مولانا روي لنا: أن رسول الله صلى الله عليه وآله ~~جعل طلاق نسائه إلى أمير المؤمنين، حتى أنه بعث يوم الجمل رسولا إلى عائشة ~~وقال: إنك أدخلت الهلاك على الإسلام وأهله بالغش الذي حصل منك، وأوردت ~~أولادك في موضع الهلاك بالجهالة، فإن امتنعت وإلا طلقتك. فأخبرنا يا مولاي ~~عن معنى الطلاق الذي فوض حكمه رسول الله صلى الله عليه وآله إلى أمير ~~المؤمنين عليه السلام؟ # فقال: إن الله تقدس اسمه عظم شأن نساء النبي صلى الله عليه وآله فخصهن ~~لشرف الأمهات فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا أبا الحسن إن هذا شرف ~~باق مادمن لله على طاعة، فأيتهن عصت الله بعدي بالخروج عليك فطلقها من ~~الأزواج، وأسقطها من شرف أمية المؤمنين. # ثم قلت: أخبرني عن الفاحشة المبينة التي إذا فعلت المرأة ذلك يجوز لبعلها ~~أن يخرجها من بيته في أيام عدتها؟ PageV02P271 # فقال عليه السلام: تلك الفاحشة السحق (1) وليست بالزنا لأنها إذا زنت ~~يقام عليها الحد، وليس لمن أراد تزويجها أن يمتنع من العقد عليها لأجل الحد ~~الذي أقيم عليها، وأما إذا ساحقت فيجب عليها الرجم، والرجم هو الخزي، ومن ~~أمر الله تعالى برجمها فقد أخزاها ليس لأحد أن يقربها. # ثم قلت: أخبرني يا بن رسول الله عن قول الله تعالى لنبيه موسى: (فاخلع ~~نعليك إنك بالواد المقدس طوى) (2) فإن فقهاء الفريقين يزعمون: أنها كانت من ~~إهاب الميتة؟ # فقال عليه السلام: من قال ذلك فقد افترى على موسى واستجهله في نبوته، ~~لأنه ما خلا الأمر فيها من خطبين: أما أن كانت صلاة موسى فيها جائزة أو غير ~~جائزة، فإن كانت صلاة موسى جائزة فيها، فجاز لموسى أن يكون لابسها في تلك ~~البقعة وإن كانت مقدسة مطهرة، وإن كانت صلاته غير جائزة فيها فقد أوجب أن ~~موسى لم يعرف الحلال والحرام، ولم يعلم ما جازت الصلاة فيه مما ms496 لم يجز وهذا ~~(كفر). # قلت: فأخبرني يا مولاي عن التأويل فيها؟ # قال: إن موسى عليه السلام كان بالوادي المقدس فقال: يا رب إني أخلصت لك ~~المحبة مني وغسلت قلبي عمن سواك، وكان شديد الحب لأهله فقال الله تبارك ~~وتعالى: فاخلع نعليك أي: انزع حب أهلك من قلبك إن كانت محبتك لي خالصة ~~وقلبك من الميل إلى من سواي مغسولا. # فقلت: أخبرني عن تأويل كهيعص. # قال: هذه الحروف من أنباء الغيب، أطلع الله عليها عبده زكريا ثم قصها على ~~محمد صلى الله عليه وآله، وذلك: أن زكريا عليه السلام سأل ربه: أن يعلمه ~~الأسماء الخمسة، فأهبط عليه جبرئيل فعلمه إياها، فكان زكريا إذا ذكر محمدا ~~وعليا وفاطمة والحسن # PageV02P272 # سرى عنه همه، وانجلى كربه، وإذا ذكر اسم الحسين عليه السلام خنقته ~~العبرة، ووقعت عليه البهرة. # فقال - ذات يوم -: إلهي ما بالي إذا ذكرت أربعا منهم تسليت بأسمائهم من ~~همومي، وإذا ذكرت الحسين تدمع عيني وتثور زفرتي. فأنبأه الله تبارك وتعالى ~~عن قصته فقال: (كهيعص) فالكاف اسم (كربلاء) والهاء (هلاك العترة) والياء ~~(يزيد) وهو ظالم الحسين والعين (عطشه) والصاد (صبره) فلما سمع بذلك زكريا ~~عليه السلام لم يفارق مسجده ثلاثة أيام ومنع فيهن الناس من الدخول عليه، ~~وأقبل على البكاء والنحيب، وكان يرثيه: # إلهي أتفجع خير جميع خلقك بولده؟ # إلهي أتنزل بلوى هذه الرزية بفنائه؟ # إلهي أتلبس عليا وفاطمة ثوب هذه المصيبة؟ # إلهي تحل كربة هذه المصيبة بساحتهما؟ # ثم كان يقول: إلهي ارزقني ولدا تقر به عيني على الكبر، فإذا رزقتنيه ~~فافتني بحبه، ثم افجعني به كما تفجع محمدا حبيبك بولده. # فرزقه الله يحيى وفجعه به، وكان حمل يحيى ستة أشهر وحمل الحسين كذلك. # فقلت: أخبرني يا مولاي عن العلة التي تمنع القوم من اختيار الإمام ~~لأنفسهم؟ # قال: مصلح أو مفسد؟ # فقلت: مصلح. # قال: هل يجوز أن يقع خيرتهم على المفسد بعد أن لا يعلم أحد ما يخطر ببال ~~غيره من صلاح أو فساد. # قلت: بلى. # قال: فهي (العلة) أيدتها لك ببرهان يقبل ms497 ذلك عقلك. # قلت: نعم. # قال: أخبرني عن الرسل الذين اصطفاهم الله، وأنزل عليهم الكتب، وأيدهم ~~PageV02P273 # بالوحي والعصمة، إذ هم أعلام الأمم، فأهدى إلى ثبت الاختيار ومنهم موسى ~~وعيسى هل يجوز مع وفور عقلهما وكمال علمهما إذ هما على المنافق بالاختيار ~~أن يقع خيرتهما، وهما يظنان أنه مؤمن؟ # قلت: لا. # قال: فهذا موسى كليم الله مع وفور عقله، وكمال علمه، ونزول الوحي عليه ~~اختار من أعيان قومه ووجوه عسكره لميقات ربه سبعين رجلا ممن لم يشك في ~~إيمانهم وإخلاصهم، فوقع خيرته على المنافقين. قال الله عز وجل: (واختار ~~موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا. الآية) (1) فلما وجدنا اختيار من قد اصطفاه ~~الله للنبوة واقعا على الأفسد دون الأصلح وهو يظن أنه الأصلح دون الأفسد، ~~علمنا أن لا اختيار لمن لا يعلم ما تخفي الصدور وما تكن الضمائر، وينصرف ~~عنه السرائر. وأن لا خطر لاختيار المهاجرين والأنصار بعد وقوع خيرة ~~الأنبياء على ذوي الفساد لما أرادوا أهل الصلاح. # ثم قال مولانا عليه السلام: يا سعد من ادعى: أن النبي صلى الله عليه وآله ~~- وهو خصمك - ذهب بمختار هذه الأمة مع نفسه إلى الغار فإنه خاف عليه كما ~~خاف على نفسه لما علم أنه الخليفة من بعده على أمته، لأنه لم يكن من حكم ~~الاختفاء أن يذهب بغيره معه وإنما أقام عليا على مبيته لأنه علم أنه إن قتل ~~لا يكون من الخلل بقتله ما يكون بقتل أبي بكر، لأنه يكون لعلي من يقوم ~~مقامه في الأمور، لم لا تنقض عليه بقولك: # أو لستم تقولون: أن النبي صلى الله عليه وآله قال: (إن الخلافة من بعدي ~~ثلاثون سنة) وصيرها موقوفة على أعمار هؤلاء الأربعة: (أبو بكر، وعمر، ~~وعثمان، وعلي) فإنهم كانوا على مذهبكم خلفاء رسول الله؟ فإن خصمك لم يجد ~~بدا من قوله: بلى. # قلت له: فإذا كان الأمر كذلك فكما أبو بكر الخليفة من بعده كان هذه ~~الثلاثة خلفاء أمته من بعده، فلم ذهب بخليفة واحد وهو (أبو بكر) إلى الغار ~~ولم يذهب ms498 بهذه الثلاثة؟ فعلى هذا الأساس يكون النبي صلى الله عليه وآله ~~مستخفا بهم دون # PageV02P274 # أبي بكر فإنه يجب عليه أن يفعل بهم ما فعل بأبي بكر، فلما لم يفعل ذلك ~~بهم يكون متهاونا بحقوقهم وتاركا للشفقة عليهم بعد أن كان يجب أن يفعل بهم ~~جميعا على ترتيب خلافتهم ما فعل بأبي بكر. # وأما ما قال لك الخصم: بأنهما أسلما طوعا أو كرها، لم لم تقل بل أنهما ~~أسلما طمعا، وذلك أنهما يخالطان مع اليهود ويخبران بخروج محمد صلى الله ~~عليه وآله واستيلائه على العرب من التوراة والكتب المقدسة وملاحم قصة محمد ~~صلى الله عليه وآله، ويقولون لهما: # يكون استيلاؤه على العرب كاستيلاء (بخت نصر) على بني إسرائيل إلا أنه ~~يدعي النبوة ولا يكون من النبوة في شئ، فلما ظهر أمر رسول الله فساعدا معه ~~على شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله طمعا أن يجدا من جهة ~~ولاية رسول الله ولاية بلد إذا انتظم أمره، وحسن باله، واستقامت ولايته، ~~فلما أيسا من ذلك وافقا مع أمثالهما ليلة العقبة وتلثما مثل من تلثم منهم، ~~فنفروا بدابة رسول الله لتسقطه ويصير هالكا بسقوطه بعد أن صعد العقبة فيمن ~~صعد، فحفظ الله تعالى نبيه من كيدهم ولم يقدروا أن يفعلوا شيئا، وكان ~~حالهما كحال طلحة والزبير إذ جاءا عليا عليه السلام وبايعاه طمعا أن تكون ~~لكل واحد منهما ولاية، فلما لم يكن ذلك وأيسا من الولاية نكثا بيعته وخرجا ~~عليه حتى آل أمر كل واحد منهما إلى ما يؤل أمر من ينكث العهود والمواثيق. # ثم قام مولانا الحسن بن علي عليهما السلام لصلاته وقام القائم معه، فرجعت ~~من عندهما وطلبت أحمد بن إسحاق فاستقبلني باكيا فقلت: # ما أبطأك وما أبكاك؟ # قال: قد فقدت الثوب الذي سألني مولاي إحضاره. # قلت: لا بأس عليك فأخبره! # فدخل عليه وانصرف من عنده متبسما وهو يصلي على محمد وأهل بيته. # فقلت: ما الخبر؟ # فقال: وجدت الثوب مبسوطا تحت قدمي مولانا عليه السلام يصلي عليه. ~~PageV02P275 # قال ms499 سعد: فحمدنا الله جل ذكره على ذلك وجعلنا نختلف بعد ذلك اليوم إلى ~~منزل مولانا عليه السلام أياما فلا نرى الغلام بين يديه، فلما كان يوم ~~الوداع دخلت أنا وأحمد بن إسحاق وكهلان من أهل بلدنا، فانتصب أحمد بن إسحاق ~~بين يديه قائما وقال: # يا بن رسول الله قد دنت الرحلة، واشتدت المحنة، فنحن نسأل الله أن يصلي ~~على المصطفى جدك، وعلى المرتضى أبيك، وعلى سيدة النساء أمك فاطمة الزهراء ~~وعلى سيدي شباب أهل الجنة عمك وأبيك، وعلى الأئمة من بعدهما آبائك. وأن ~~يصلي عليك وعلى ولدك، ونرغب إليه أن يعلي كعبك، ويكبت عدوك، ولا جعل الله ~~هذا آخر عهدنا من لقائك. # (قال): فلما قال هذه الكلمة استعبر مولانا عليه السلام حتى استهملت دموعه ~~وتقاطرت عبراته ثم قال: # يا بن إسحاق لا تكلف في دعائك شططا، فإنك ملاق الله في صدرك هذا، فخر ~~أحمد مغشيا عليه، فلما أفاق قال: # سألتك بالله وبحرمة جدك إلا ما شرفتني بخرقة أجعلها كفنا، فأدخل مولانا ~~يده تحت البساط فأخرج ثلاثة عشر درهما فقال: # خذها ولا تنفق على نفسك غيرها فإنك لن تعدم ما سألت والله لا يضيع أجر ~~المحسنين. # قال سعد: فلما صرنا بعد منصرفنا من حضرة مولانا عليه السلام من حلوان على ~~ثلاثة فراسخ، حم أحمد بن إسحاق وثارت عليه علة صعبة أيس من حياته بها، فلما ~~وردنا حلوان ونزلنا في بعض الخانات، دعا أحمد بن إسحاق رجلا من أهل بلده ~~كان قاطنا بها ثم قال: تفرقوا عني هذه الليلة واتركوني وحدي! # فانصرفنا عنه ورجع كل واحد إلى مرقده. # (قال) سعد: فلما حان أن ينكشف الليل عن الصبح أصابتني فكرة ففتحت عيني، ~~فإذا أنار بكافور الخادم خادم مولانا أبي محمد وهو يقول: PageV02P276 # أحسن الله بالخير عزاكم، وختم بالمحبوب رزيتكم، قد فرغنا من غسل صاحبكم ~~ومن تكفينه، فقوموا لدفنه فإنه من أكرمكم محلا عند سيدكم، ثم غاب عن ~~أعيننا، فاجتمعنا على رأسه بالبكاء والنحيب والعويل حتى قضينا حقه وفرغنا ~~من أمره رحمه الله. # وعن ms500 الشيخ الموثوق أبي عمرو العمري - ره - (1) قال: تشاجر ابن أبي غانم # PageV02P277 # القزويني وجماعة من الشيعة في (الخلف) فذكر ابن أبي غانم: أن أبا محمد ~~عليه السلام مضى ولا خلف له، ثم إنهم كتبوا في ذلك كتابا وأنفذوه إلى ~~الناحية، وأعلموه بما تشاجروا فيه. # فورد جواب كتابهم بخطه صلى الله عليه وعلى آبائه: # بسم الله الرحمن الرحيم عافانا الله وإياكم من الفتن، ووهب لنا ولكم روح ~~اليقين، وأجارنا وإياكم من سوء المنقلب، أنه أنهي إلي ارتياب جماعة منكم في ~~الدين، وما دخلهم من الشك والحيرة في ولاة أمرهم، فغمنا ذلك لكم لا لنا، ~~وساءنا فيكم لا فينا، لأن الله معنا فلا فاقة بنا لي غيره، والحق معنا فلن ~~يوحشنا من قعد عنا، ونحن صنايع ربنا والخلق بعد صنايعنا. # يا هؤلاء ما لكم في الريب تترددون، وفي الحيرة تنعسكون، أو ما سمعتم الله ~~يقول: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) ~~(1) أو ما علمتم ما جاءت به الآثار مما يكون ويحدث في أئمتكم، على الماضين ~~والباقين منهم السلام؟ أو ما رأيتم كيف جعل الله لكم معاقل تأوون إليها، ~~وأعلاما تهتدون بها، من لدن آدم عليه السلام إلى أن ظهر الماضي عليه ~~السلام، كلما غاب علم بدا علم، وإذا أفل نجم طلع نجم، فلما قبضه الله إليه ~~ظننتم: أن الله أبطل دينه، وقطع السبب بينه وبين خلقه، كلا ما كان ذلك ولا ~~يكون، حتى تقوم الساعة ويظهر أمر الله وهم كارهون، وأن الماضي عليه السلام ~~مضى سعيدا فقيدا على منهاج آبائه عليهم السلام، (حذو النعل بالنعل) وفينا ~~وصيته وعلمه، ومنه خلفه ومن يسد مسده، ولا ينازعنا موضعه إلا ظالم آثم، ولا ~~يدعيه دوننا إلا كافر جاحد، ولولا أن أمر الله لا يغلب، وسره لا يظهر ولا ~~يلعن، لظهر لكم من حقنا ما تبتز منه عقولكم، ويزيل شكوكم # PageV02P278 # ولكنه ما شاء الله كان، ولكل أجل كتاب، فاتقوا الله وسلموا لنا وردوا ~~الأمر إلينا فعلينا الإصدار كما كان منا الايراد، ولا ms501 تحاولوا كشف ما غطي ~~عنكم، ولا تميلوا عن اليمين وتعدلوا إلى اليسار، واجعلوا قصدكم إلينا ~~بالمودة على السنة الواضحة فقد نصحت لكم، والله شاهد علي وعليكم، ولولا ما ~~عندنا من محبة صاحبكم ورحمتكم، والإشفاق عليكم، لكنا عن مخاطبتكم في شغل ~~مما قد امتحنا به من منازعة الظالم العتل، الضال المتتابع في غيه، المضاد ~~لربه، المدعي ما ليس له، الجاحد حق من افترض الله طاعته، الظالم الغاصب، ~~وفي ابنة رسول الله صلى الله عليه وآله وعليها إلي أسوة حسنة، وسيتردى ~~الجاهل رداء عمله، وسيعلم الكافر لمن عقبى الدار. # عصمنا الله وإياكم من المهالك والأسواء، والآفات والعاهات كلها برحمته ~~إنه ولي ذلك والقادر على ما يشاء، وكان لنا ولكم وليا وحافظا، والسلام على ~~جميع الأوصياء والأولياء والمؤمنين ورحمة الله وبركاته، وصلى الله على ~~النبي محمد وآله وسلم تسليما. # وعن سعد بن عبد الله الأشعري، عن الشيخ الصدوق أحمد بن إسحاق بن سعد ~~الأشعري (ره): أنه جاء بعض أصحابنا يعلمه أن جعفر بن علي كتب إليه كتابا ~~يعرفه نفسه، ويعلمه أنه القيم بعد أخيه، وأن عنده من علم الحلال والحرام ما ~~يحتاج إليه، وغير ذلك من العلوم كلها. # قال أحمد بن إسحاق: فلما قرأت الكتاب كتبت إلى صاحب الزمان عليه السلام ~~وصيرت كتاب جعفر في درجه، فخرج إلي الجواب في ذلك: # بسم الله الرحمن الرحيم أتاني كتابك أبقاك الله والكتاب الذي أنفذت درجه، ~~وأحاطت معرفتي بجميع ما تضمنه على اختلاف ألفاظه، وتكرر الخطأ فيه، ولو ~~تدبرته لوقفت على بعض ما وقفت عليه منه، والحمد لله رب العالمين حمدا لا ~~شريك له على إحسانه إلينا وفضله علينا، أبى الله عز وجل للحق إلا إتماما، ~~وللباطل إلا زهوقا، وهو شاهد PageV02P279 # علي بما أذكره، ولي عليكم بما أقوله، إذا اجتمعنا اليوم الذي لا ريب فيه، ~~ويسألنا عما نحن فيه مختلفون. # وأنه لم يجعل لصاحب الكتاب على المكتوب إليه ولا عليك ولا على أحد من ~~الخلق جميعا إمامة مفترضة، ولا طاعة ولا ذمة، وسأبين لكم جملة تكتفون ms502 بها ~~إن شاء الله. # يا هذا يرحمك الله! إن الله تعالى لم يخلق الخلق عبثا، ولا أهملهم سدى، ~~بل خلقهم بقدرته، وجعل لهم أسماعا وأبصارا وقلوبا وألبا، ثم بعث النبيين ~~عليهم السلام مبشرين ومنذرين، يأمرونهم بطاعته وينهونهم عن معصيته، ~~ويعرفونه ما جهلوه من أمر خالقهم ودينهم، وأنزل عليهم كتابا وبعث إليهم ~~ملائكة، وباين بينهم وبين من بعثهم إليهم بالفضل الذي جعله لهم عليهم، وما ~~آتاهم الله من الدلائل الظاهرة والبراهين الباهرة، والآيات الغالبة. فمنهم: ~~من جعل النار عليه بردا وسلاما واتخذه خليلا، ومنهم: من كلمه تكليما وجعل ~~عصاه ثعبانا مبينا، ومنهم: من أحيى الموتى بإذن الله وأبرأ الأكمه والأبرص ~~بإذن الله، ومنهم من علمه منطق الطير وأوتي من كل شئ. # ثم بعث محمدا صلى الله عليه وآله رحمة للعالمين وتمم به نعمته، وختم به ~~أنبياءه: وأرسله إلى الناس كافة، وأظهر من صدقه ما أظهر، وبين آياته ~~وعلاماته ما بين، ثم قبضه صلى الله عليه وآله حميدا فقيدا سعيدا، وجعل ~~الأمر من بعده إلى أخيه وابن عمه ووصيه ووارثه علي بن أبي طالب عليه ~~السلام، ثم إلى الأوصياء من ولده واحدا بعد واحد، أحيى بهم دينه، وأتم بهم ~~نوره، وجعل بينهم وبين أخوتهم وبني عمهم والأدنين فالأدنين من ذوي أرحامهم ~~فرقا بينا، تعرف به الحجة من المحجوج، والإمام من المأموم بأن: عصمهم من ~~الذنوب، وبرأهم من العيوب، وطهرهم من الدنس، ونزههم من اللبس، وجعلهم خزان ~~علمه، ومستودع حكمته، وموضع سره، وأيدهم بالدلائل ولولا ذلك لكان الناس على ~~سواء، ولادعى أمر الله عز وجل كل أحد، ولما عرف الحق من الباطل، ولا العلم ~~من الجهل. # وقد ادعى هذا المبطل المدعي على الله الكذب بما ادعاه، فلا أدري بأية ~~حالة PageV02P280 # هي له، رجا أن يتم دعواه بفقه في دين الله؟! فوالله ما يعرف حلالا من ~~حرام ولا يفرق بين خطأ وصواب، أم بعلم؟! فما يعلم حقا من باطل، ولا محكما ~~من متشابه، ولا يعرف حد الصلاة ووقتها، أم بورع؟! فالله شهيد على تركه ms503 ~~الصلاة الفرض (أربعين يوما) يزعم ذلك لطلب الشعوذة، ولعل خبره تأدى إليكم، ~~وهاتيك ظروف مسكره منصوبة، وآثار عصيانه لله عز وجل مشهورة قائمة، أم ~~بآية؟! # فليأت بآية، أم بحجة؟! فليقمها، أم بدلالة؟! فليذكرها. قال الله عز وجل ~~في كتابه: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم ~~حم تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم ما خلقنا السماوات والأرض وما ~~بينهما إلا بالحق وأجل مسمى والذين كفروا عما أنذروا معرضون * قل أرأيتم ما ~~تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السماوات ~~إئتوني بكتاب من قبل هذا أو إثارة من علم إن كنتم صادقين * ومن أضل ممن ~~يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون * ~~وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين﴾ (1). # فالتمس تولى الله توفيقك من هذا الظالم ما ذكرت لك، وامتحنه واسأله عن ~~آية من كتاب الله يفسرها، أو صلاة يبين حدودها وما يجب فيها، لتعلم حاله ~~ومقداره، ويظهر لك عواره ونقصانه، والله حسيبه. # حفظ الله الحق على أهله، وأقره في مستقره، وأبى الله عز وجل أن تكون ~~الإمامة في الأخوين إلا في الحسن والحسين، وإذ أذن الله لنا في القول ظهر ~~الحق واضمحل الباطل، وانحسر عنكم. وإلى الله أرغب في الكفاية، وجميل الصنع ~~والولاية وحسبنا الله ونعم الوكيل، وصلى الله على محمد وآل محمد. # محمد بن يعقوب الكليني (2) عن إسحاق بن يعقوب قال: سألت محمد بن عثمان # PageV02P281 # العمري رحمه الله (1) أن يوصل لي كتابا قد سألت فيه عن مسائل أشكلت علي # PageV02P282 # فورد التوقيع بخط مولانا صاحب الزمان عليه السلام: # أما ما سألت عنه أرشدك الله وثبتك، ووقاك من أمر المنكرين لي من أهل ~~بيتنا وبني عمنا. # فاعلم: أنه ليس بين الله عز وجل وبين أحد قرابة، ومن أنكرني فليس مني ~~وسبيله سبيل ابن نوح. # وأما سبيل ابن عمي جعفر وولده، فسبيل أخوة يوسف عليه السلام. # وأما الفقاع فشربه حرام ولا بأس بالشلماب. # وأما ms504 أموالكم فلا نقبلها إلا لتطهروا، فمن شاء فليصل ومن شاء فليقطع، وما ~~آتانا الله خير مما آتاكم. # وأما ظهور الفرج فإنه إلى الله وكذب الوقاتون. # وأما قول من زعم أن الحسين لم يقتل، فكفر وتكذيب وضلال. # وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنهم حجتي عليكم ~~وأنا حجة الله. # وأما محمد بن عثمان العمري، فرضي الله عنه وعن أبيه من قبل، فإنه ثقتي ~~وكتابه كتابي. # وأما محمد بن علي بن مهزيار الأهوازي، فسيصلح الله قلبه، ويزيل عنه شكه. # وإماما وصلتنا به، فلا قبول عندنا إلا لما طاب وطهر، وثمن المغنية حرام. # وأما محمد بن شاذان بن نعيم، فإنه رجل من شيعتنا أهل البيت. # وأما أبو الخطاب محمد بن أبي زينب الأجدع، ملعون وأصحابه ملعونون فلا ~~تجالس أهل مقالتهم، فإني منهم برئ، وآبائي عليهم السلام منهم براء. # وأما المتلبسون بأموالنا، فمن استحل منها شيئا فأكله فإنما يأكل النيران ~~وأما الخمس، فقد أبيح لشيعتنا وجعلوا منه في حل إلى وقت ظهور أمرنا ~~PageV02P283 # لتطيب ولادتهم، ولا تخبث. # وأما ندامة قوم شكوا في دين الله علي ما وصلونا به، فقد أقلنا من استقال ~~فلا حاجة إلى صلة الشاكين. # وأما علة ما وقع من الغيبة، فإن الله عز وجل يقول: (يا أيها الذين آمنوا ~~لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم) (1) أنه لم يكن أحد من آبائي إلا وقد ~~وقعت في عنقه بيعة لطاغية زمانه، وأني أخرج حين أخرج ولا بيعة لأحد من ~~الطواغيت في عنقي. # وأما وجه الانتفاع بي في غيبتي، فكالإنتفاع بالشمس إذا غيبها عن الأبصار ~~السحاب، وأني لأمان لأهل الأرض كما أن النجوم أمان لأهل السماء، فاغلقوا ~~أبواب السؤال عما لا يعنيكم، ولا تتكلفوا علم ما قد كفيتم، وأكثروا الدعاء ~~بتعجيل الفرج، فإن ذلك فرجكم، والسلام عليك يا إسحاق بن يعقوب وعلى من اتبع ~~الهدى. # أبو الحسن علي بن أحمد الدلال القمي (2) قال: اختلف جماعة من الشيعة في ~~أن الله عز وجل فوض إلى الأئمة صلوات الله عليهم أن يخلقوا ms505 ويرزقوا، فقال ~~قوم: هذا محال لا يجوز على الله تعالى، لأن الأجسام لا يقدر على خلقها غير ~~الله عز وجل، وقال آخرون: بل الله أقدر الأئمة على ذلك وفوض إليهم فخلقوا ~~ورزقوا، وتنازعوا في ذلك نزاعا شديدا، فقال قائل: ما بالكم لا ترجعون إلى ~~أبي جعفر محمد بن عثمان فتسألوه عن ذلك ليوضح لكم الحق فيه، فإنه الطريق ~~إلى صاحب الأمر، فرضيت الجماعة بأبي جعفر وسلمت وأجابت إلى قوله، فكتبوا ~~المسألة وأنفذوها إليه، فخرج إليهم من جهته توقيع، نسخته: # PageV02P284 # إن الله تعالى هو الذي خلق الأجسام، وقسم الأرزاق لأنه ليس بجسم ولا حال ~~في جسم، ليس كمثله شئ، وهو السميع البصير. # وأما الأئمة عليهم السلام، فإنهم يسألون الله تعالى فيخلق، ويسألونه ~~فيرزق إيجابا لمسألتهم، وإعظاما لحقهم. # عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي - ره - (1) قال: # حدثني محمد بن إبراهيم بن إسحاق الطالقاني (2) قال: كنت عند الشيخ أبي ~~القاسم # PageV02P285 # الحسين بن روح رضي الله عنه (1) مع جماعة منهم علي بن عيسى القصري، فقام ~~إليه رجل فقال له: # أريد أن أسألك عن شئ. # فقال له: سل عما بدا لك. # PageV02P286 # فقال الرجل: أخبرني عن الحسين بن علي عليهما السلام أهو ولي الله؟ # قال: نعم. # قال: أخبرني عن قاتله لعنه الله أهو عدو لله؟ # قال: نعم. # قال الرجل: فهل يجوز أن يسلط الله عز وجل عدوه على وليه؟ # فقال أبو القاسم قدس الله روحه: إفهم عني ما أقول لك! إعلم أن الله تعالى ~~لا يخاطب الناس بمشاهدة العيان، ولا يشافههم بالكلام، ولكنه جلت عظمته يبعث ~~إليهم من أجناسهم وأصنافهم بشرا مثلهم، ولو بعث إليهم رسلا من غير صنفهم ~~وصورهم لنفروا عنهم، ولم يقبلوا منهم، فلما جاؤوهم وكانوا من جنسهم يأكلون ~~الطعام ويمشون في الأسواق، قالوا لهم: أنتم بشر مثلنا لا نقبل منكم حتى ~~تأتونا بشئ نعجز من أن نأتي بمثله، فنعلم أنكم مخصوصون دوننا بما لا نقدر ~~عليه، فجعل الله عز وجل لهم المعجزات التي يعجز الخلق عنها. # فمنهم: من ms506 جاء بالطوفان بعد الإعذار والإنذار فغرق جميع من طغى وتمرد. # ومنهم: من ألقي في النار فكانت عليه بردا وسلاما. # ومنهم: من أخرج من الحجر الصلب الناقة، وأجرى من ضرعها لبنا. # ومنهم: من فلق له البحر وفجر له من العيون، وجعل له العصا اليابسة ثعبانا ~~تلقف ما يأفكون. # ومنهم: من أبرأ الأكمه والأبرص وأحيى الموتى بإذن الله، وأنبأهم بما ~~يأكلون وما يدخرون في بيوتهم. # ومنهم: من انشق له القمر وكلمته البهائم، مثل البعير والذئب وغير ذلك. # فلما أتوا بمثل ذلك وعجز الخلق من أممهم عن أن يأتوا بمثله، كان من تقدير ~~الله جل جلاله ولطفه بعباده وحكمته: أن جعل أنبياءه مع هذه المعجزات في حال ~~غالبين وأخرى مغلوبين، وفي حال قاهرين وأخرى مقهورين، ولو جعلهم الله في ~~جميع أحوالهم غالبين وقاهرين، ولم يبتلهم ولم يمتحنهم لأتخذهم الناس آلهة ~~PageV02P287 # من دون الله عز وجل، ولما عرف فضل صبرهم على البلاء والمحن والاختيار، ~~ولكنه جعل أحوالهم في ذلك كأحوال غيرهم، ليكونوا في حال المحنة والبلوى ~~صابرين وفي حال العافية والظهور على الأعداء شاكرين، ويكونوا في جميع ~~أحوالهم متواضعين غير شامخين ولا متجبرين، وليعلم العباد أن لهم عليهم ~~السلام إلها هو خالقهم ومدبرهم فيعبدوه ويطيعوا رسله، وتكون حجة الله ثابتة ~~على من تجاوز الحد فيهم، وادعى لهم الربوبية، أو عاند وخالف، وعصى وجحد، ~~بما أتت به الأنبياء والرسل، وليهلك من هلك عن بينة، ويحيى من حي عن بينة. # قال محمد بن إبراهيم بن إسحاق (ره): فعدت إلى الشيخ أبي القاسم الحسين ~~ابن روح (ره) في الغد وأنا أقول في نفسي: أتراه ذكر لنا ما ذكر يوم أمس من ~~عند نفسه فابتدأني وقال: يا محمد بن إبراهيم لئن أخر من السماء فتختطفني ~~الطير أو تهوي بي الريح في مكان سحيق أحب إلي من أن أقول في دين الله ~~برأيي، ومن عند نفسي، بل ذلك عن الأصل، ومسموع من الحجة صلوات الله عليه ~~وسلامه. # ومما خرج عن صاحب الزمان صلوات الله عليه، ردا على الغلاة من ms507 التوقيع ~~جوابا لكتاب كتب إليه على يدي محمد بن علي بن هلال الكرخي. # يا محمد بن علي تعالى الله وجل عما يصفون، سبحانه وبحمده، ليس نحن شركاؤه ~~في علمه ولا في قدرته، بل لا يعلم الغيب غيره، كما قال في محكم كتابه ~~تباركت أسماؤه: (قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله) (1). # وأنا وجميع آبائي من الأولين: آدم ونوح وإبراهيم وموسى، وغيرهم من ~~النبيين، ومن الآخرين محمد رسول الله، وعلي بن أبي طالب، وغيرهم ممن مضى من ~~الأئمة صلوات الله عليهم أجمعين، إلى مبلغ أيامي ومنتهى عصري، عبيد الله عز ~~وجل يقول الله عز وجل: (من أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم ~~القيامة أعمى * قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا * قال كذلك أتتك ~~آياتنا # PageV02P288 # فنسيتها وكذلك اليوم تنسى) (1). # يا محمد بن علي قد آذانا جهلاء الشيعة وحمقاؤهم، ومن دينه جناح البعوضة ~~أرجح منه. # فأشهد الله الذي لا إله إلا هو وكفى به شهيدا، ورسوله محمد صلى الله عليه ~~وآله، وملائكته وأنبياءه، وأولياءه عليهم السلام. # وأشهدك، وأشهد كل من سمع كتابي هذا، أني برئ إلى الله وإلى رسوله ممن ~~يقول: إنا نعلم الغيب، ونشاركه في ملكه، أو يحلنا محلا سوى المحل الذي رضيه ~~الله لنا وخلقنا له، أو يتعدى بنا عما قد فسرته لك وبينته في صدر كتابي. # وأشهدكم: أن كل من نبرأ منه فإن الله يبرأ منه وملائكته ورسله وأولياءه ~~وجعلت هذا التوقيع الذي في هذا الكتاب أمانة في عنقك وعنق من سمعه أن لا ~~يكتمه لأحد من موالي وشيعتي حتى يظهر على هذا التوقيع الكل من الموالي لعل ~~الله عز وجل يتلافاهم فيرجعون إلى دين الله الحق، وينتهون عما لا يعلمون ~~منتهى أمره، ولا يبلغ منتهاه، فكل من فهم كتابي ولا يرجع إلى ما قد أمرته ~~ونهيته، فقد حلت عليه اللعنة من الله وممن ذكرت من عباده الصالحين. # روى أصحابنا: أن أبا محمد الحسن السريعي كان من أصحاب أبي الحسن علي ابن ms508 ~~محمد عليهم السلام، وهو أول من ادعى مقاما لم يجعله الله فيه من قبل صاحب ~~الزمان عليه السلام وكذب على الله وحججه عليهم السلام، ونسب إليهم ما لا ~~يليق بهم وما هم منه براء، تم ظهر منه القول بالكفر والإلحاد، وكذلك كان ~~محمد بن نصير النميري من أصحاب أبي محمد الحسن عليه السلام، فلما توفي ادعى ~~البابية لصاحب الزمان، ففضحه الله تعالى بما ظهر منه من الالحاد والغلو ~~والتناسخ، وكان يدعي أنه رسول نبي أرسله علي بن محمد عليه السلام، ويقول ~~بالإباحة للمحارم، وكان أيضا من جملة الغلاة أحمد بن هلال الكرخي، وقد كان ~~من قبل في عدد أصحاب أبي محمد عليه السلام، ثم تغير عما كان عليه وأنكر ~~بابية أبي جعفر محمد بن عثمان، فخرج التوقيع بلعنه من قبل صاحب الأمر # PageV02P289 # والزمان وبالبراءة منه، في جملة من لعن وتبرء منه، وكذا كان أبو طاهر ~~محمد بن علي بن بلال، والحسين بن منصور الحلاج، ومحمد بن علي الشلمغاني ~~المعروف بابن أبي العزاقري، لعنهم الله، فخرج التوقيع بلعنهم والبراءة منهم ~~جميعا، على يد الشيخ أبي القاسم الحسين بن روح (ره) ونسخته: # عرف أطال الله بقاك! وعرفك الله الخير كله وختم به عملك، من تثق بدينه ~~وتسكن إلى نيته من إخواننا أدام الله سعادتهم: بأن (محمد بن علي المعروف ~~بالشلمغاني) عجل الله له النقمة ولا أمهله، قد ارتد عن الإسلام وفارقه، ~~وألحد في دين الله وادعى ما كفر معه بالخالق جل وتعالى، وافترى كذبا وزورا، ~~وقال بهتانا وإثما عظيما، كذب العادلون بالله وضلوا ضلالا بعيدا، وخسروا ~~خسرانا مبينا. # وأنا برئنا إلى الله تعالى وإلى رسوله صلوات الله عليه وسلامه ورحمته ~~وبركاته منه، ولعناه عليه لعاين الله تترى، في الظاهر منا والباطن، في السر ~~والجهر، وفي كل وقت وعلى كل حال، وعلى كل من شايعه وبلغه هذا القول منا ~~فأقام على تولاه بعده. # أعلمهم تولاك الله! أننا في التوقي والمحاذرة منه على مثل ما كنا عليه ~~ممن تقدمه من نظرائه، من: (السريعي، والنميري، ms509 والهلالي، والبلالي) وغيرهم. # وعادة الله جل ثناؤه مع ذلك قبله وبعده عندنا جميلة، وبه نثق وإياه ~~نستعين وهو حسبنا في كل أمورنا ونعم الوكيل (1). # PageV02P290 # # PageV02P290 # وأما الأبواب المرضيون، والسفراء الممدوحون في زمان الغيبة: # فأولهم: الشيخ الموثوق به أبو عمرو (عثمان) بن سعيد العمري. نصبه أولا ~~أبو الحسن علي بن محمد العسكري، ثم ابنه أبو محمد الحسن، فتولى القيام ~~بأمورهما حال حياتهما عليهما السلام، ثم بعد ذلك قام بأمر صاحب الزمان عليه ~~السلام، وكان توقيعاته وجواب المسائل تخرج على يديه. # فلما مضى لسبيله، قام ابنه أبو جعفر (محمد) بن عثمان مقامه، وناب منابه ~~في جميع ذلك. # فلما مضى هو، قام بذلك أبو القاسم (حسين بن روح) من بني نوبخت. # فلما مضى هو، قام مقامه أبو الحسن (علي) بن محمد السمري (1) ولم يقم # PageV02P296 # أحد منهم بذلك إلا بنص عليه من قبل صاحب الأمر عليه السلام، ونصب صاحبه ~~الذي تقدم عليه، ولم تقبل الشيعة قولهم إلا بعد ظهور آية معجزة تظهر على يد ~~كل واحد منهم من قبل صاحب الأمر عليه السلام، تدل على صدق مقالتهم، وصحة ~~بابيتهم. # فلما حان سفر أبي الحسن السمري من الدنيا وقرب أجله قيل له: # إلى من توصي؟ # فأخرج إليهم توقيعا نسخته: # بسم الله الرحمن الرحيم يا علي بن محمد السمري أعظم الله أجر إخوانك فيك، ~~فإنك ميت ما بينك وبين ستة أيام، فاجمع أمرك ولا توص إلى أحد فيقوم مقامك ~~بعد وفاتك، فقد وقعت الغيبة التامة، فلا ظهور إلا بعد إذن الله تعالى ذكره، ~~وذلك بعد طول الأمد، وقسوة القلوب، وامتلاء الأرض جورا. # وسيأتي إلى شيعتي من يدعي المشاهدة، ألا فمن ادعى المشاهدة قبل خروج ~~السفياني والصيحة فهو كذاب مفتر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. # فنسخوا هذا التوقيع وخرجوا، فلما كان اليوم السادس عادوا إليه وهو يجود ~~بنفسه. # فقال له بعض الناس: من وصيك من بعدك؟ # فقال: لله أمر هو بالغه، وقضى فهذا آخر كلام سمع منه (ره). # (ذكر طرف مما خرج أيضا عن صاحب ms510 الزمان عليه السلام من المسائل الفقهية ~~وغيرها، في التوقيعات على أيدي الأبواب الأربعة وغيرهم). # عن محمد بن يعقوب الكليني، رفعه عن الزهري، قال: طلبت هذا الأمر طلبا ~~PageV02P297 # شافيا حتى ذهب لي فيه مال صالح، فوقعت إلى العمري وخدمته ولزمته، فسألته ~~بعد ذلك عن صاحب الزمان عليه السلام. # قال: ليس إلى ذلك وصول، فخضعت له. # فقال لي: بكر بالغداة. # فوافيت، فاستقبلني ومعه شاب من أحسن الناس وجها، وأطيبهم ريحا، وفي كمه ~~شئ، كهيئة التجار، فلما نظرت إليه دنوت من العمري، فأومى إليه فعدلت إليه ~~وسألته فأجابني عن كل ما أردت. # ثم مر ليدخل الدار وكانت من الدور التي لا يكترث بها. # فقال العمري: إن أردت أن تسأل فاسأل فإنك لا تراه بعد ذا. # فذهبت لأسأل فلم يستمع ودخل الدار وما كلمني بأكثر من أن قال: # ملعون ملعون من أخر العشاء إلى أن تشتبك النجوم، ملعون ملعون من أخر ~~الغداة إلى أن تنقضي النجوم، ودخل الدار. # وعن أبي الحسن محمد بن جعفر الأسدي (1) قال: كان فيما ورد علي من الشيخ ~~أبي جعفر محمد بن عثمان العمري قدس الله روحه في جواب مسائل إلى صاحب ~~الزمان: # أما ما سألت عنه من الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها، فلئن كان كما ~~يقول الناس: (إن الشمس تطلع بين قرني شيطان وتغرب بين قرني شيطان) فما أرغم ~~أنف الشيطان شئ أفضل من الصلاة، فصلها وارغم الشيطان أنفه. # وأما ما سألت عنه من أمر الوقف على ناحيتنا، وما يجعل لنا ثم يحتاج إليه ~~صاحبه، فكل ما لم يسلم فصاحبه فيه بالخيار، وكل ما سلم فلا خيار لصاحبه فيه # PageV02P298 # احتاج أو لم يحتج، افتقر إليه أو استغنى عنه. # وأما ما سألت عنه من أمر من يستحل ما في يده من أموالنا ويتصرف فيه تصرفه ~~في ماله من غير أمرنا، فمن فعل ذلك فهو ملعون، ونحن خصماؤه يوم القيامة، ~~وقد قال النبي صلى الله عليه وآله: (المستحل من عترتي ما حرم الله ملعون ~~على لساني ولسان كل نبي مجاب) ms511 فمن ظلمنا كان في جملة الظالمين لنا، وكانت ~~لعنة الله عليه لقوله عز وجل: (ألا لعنة الله على الظالمين) (1). # وأما ما سألت عنه عن أمر المولود الذي نبتت غلفته بعد ما يختن مرة أخرى ~~فإنه يجب أن يقطع غلفته فإن الأرض تضج إلى الله تعالى من بول الأغلف أربعين ~~صباحا. # وأما ما سألت عنه من أمر المصلي والنار والصورة والسراج بين يديه، هل ~~يجوز صلاته؟ # فإن الناس قد اختلفوا في ذلك قبلك، فإنه جائز لمن لم يكن من أولاد عبدة ~~الأصنام والنيران أن يصلي والنار والسراج بين يديه، ولا يجوز ذلك لمن كان ~~من أولاد عبدة الأوثان والنيران. # وأما ما سألت عنه عن أمر الضياع التي لناحيتنا، هل يجوز القيام بعمارتها ~~وأداء الخراج منها، وصرف ما يفضل من دخلها إلى الناحية، احتسابا للأجر، ~~وتقربا إليكم؟ # فلا يحل لأحد أن يتصرف في مال غيره بغير إذنه، فكيف يحل ذلك في مالنا من ~~فعل ذلك بغير أمرنا فقد استحل منا ما حرم عليه، ومن أكل من أموالنا شيئا ~~فإنما يأكل في بطنه نارا وسيصلى سعيرا. # وأما ما سألت عنه من أمر الرجل الذي يجعل لناحيتنا ضيعة، ويسلمها من قيم ~~يقوم بها ويعمرها، ويؤدي من دخلها خراجها ومؤنتها، ويجعل ما بقي من الدخل ~~لناحيتنا فإن ذلك جائز لمن جعله صاحب الضيعة قيما عليها، إنما لا يجوز ذلك ~~لغيره. # PageV02P299 # وأما ما سألت عنه من الثمار من أموالنا يمر به المار فيتناول منه ويأكل، ~~هل يحل له ذلك؟ # فإنه يحل له أكله ويحرم عليه حمله. # وعن أبي الحسين الأسدي أيضا قال: ورد علي توقيع من الشيخ أبي جعفر محمد ~~بن عثمان العمري - قدس الله روحه - ابتداء لم يتقدمه سؤال عنه، نسخته: # بسم الله الرحمن الرحيم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، على من استحل ~~من أموالنا درهما. # قال أبو الحسين الأسدي (ره): فوقع في قلبي أن ذلك فيمن استحل من مال ~~الناحية درهما دون من أكل منه غير مستحل، وقلت في نفسي: أن ذلك في جميع ms512 من ~~استحل محرما، فأي فضل في ذلك للحجة عليه السلام على غيره؟! # قال: فوالذي بعث محمدا صلى الله عليه وآله بالحق بشيرا، لقد نظرت بعد ذلك ~~في التوقيع فوجدته قد انقلب إلى ما كان في نفسي: # بسم الله الرحمن الرحيم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين على من أكل من ~~مالنا درهما حراما. # وقال أبو جعفر بن بابويه في الخبر الذي روي فيمن أفطر يوما من شهر رمضان ~~متعمدا أن عليه ثلاث كفارات فإني أفتي به فيمن أفطر بجماع محرم عليه أو ~~بطعام محرم عليه لوجود ذلك في روايات أبي الحسن الأسدي (ره) فيما ورد عليه ~~من الشيخ أبي جعفر محمد بن عثمان (ره). # وعن عبد الله بن جعفر الحميري (1) قال: خرج التوقيع إلى الشيخ أبي جعفر ~~محمد بن عثمان قدس الله روحه في التعزية بأبيه (ره) في فصل من الكتاب: # PageV02P300 # إنا لله وإنا إليه راجعون، تسليما لأمره، ورضا بقضائه، عاش أبوك سعيدا ~~ومات حميدا، فرحمه الله وألحقه بأوليائه ومواليه عليهم السلام. فلم يزل ~~مجتهدا في أمرهم ساعيا فيما يقربه إلى الله عز وجل، نضر الله وجهه، وأقاله ~~عثرته. # وفي فصل آخر: أجزل الله لك الثواب، وأحسن لك العزاء، رزيت ورزينا وأوحشك ~~فراقه وأوحشنا، فسره الله في منقلبه، كما كان من كمال سعادته أن رزقه الله ~~ولدا مثلك يخلفه من بعده، ويقوم مقامه بأمره، ويترحم عليه، وأقول: # الحمد لله، فإن النفس طيبة بمكانك، وما جعله الله عز وجل فيك وعندك، ~~أعانك الله وقواك، وعضدك ووفقك، وكان لك وليا وحافظا، وراعيا وكافيا. # ومما خرج عن صاحب الزمان صلوات الله عليه من جوابات المسائل الفقهية ~~أيضا: ما سأله عنها محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري فيما كتب إليه وهو: # بسم الله الرحمن الرحيم أطال الله بقاك، وأدام الله عزك، وتأييدك، ~~وسعادتك، وسلامتك، وأتم نعمته عليك، وزاد في إحسانه إليك، وجميل مواهبه ~~لديك، وفضله عندك، وجعلني من السوء فداك، وقد مني قبلك الناس يتنافسون في ~~الدرجات، فمن قبلتموه كان مقبولا، ومن دفعتموه كان ms513 وضيعا، والخامل من ~~وضعتموه، ونعوذ بالله من ذلك وببلدنا أيدك الله جماعة من الوجوه يتساوون ~~ويتنافسون في المنزلة، وورد أيدك الله كتابك إلى جماعة منهم في أمر أمرتهم ~~به من معاونة ص. # وأخرج علي بن محمد بن الحسين بن الملك المعروف بملك بادوكة (1) وهو ختن ص ~~رحمه الله من بينهم فاغتم بذلك، وسألني أيدك الله أن أعلمك ما ناله من ذلك، ~~فإن كان من ذنب فاستغفر الله منه، وإن يكن غير ذلك عرفته ما تسكن نفسه إليه ~~إن شاء الله. # التوقيع: لم نكاتب إلا من كاتبنا. # وقد عودتني أدام الله عزك من تفضلك ما أنت أهل أن تخبرني على العادة، ~~وقبلك أعزك الله فقهاؤنا قالوا: محتاج إلى أشياء تسأل لي عنها. # PageV02P301 # روي لنا عن العالم عليه السلام: أنه سئل عن إمام قوم صلى بهم بعض صلاتهم ~~وحدثت عليه حادثة كيف يعمل من خلفه؟ # فقال: يؤخر ويتقدم بعضهم، ويتم صلاتهم، ويغتسل من مسه. # التوقيع: ليس على من نحاه إلا غسل اليد، وإذا لم يحدث حادثة يقطع الصلاة ~~تمم صلاته مع القوم. # وروي عن العالم عليه السلام: أن من مس ميتا بحرارته غسل يده، ومن مسه وقد ~~برد فعليه الغسل، وهذا الإمام في هذه الحالة لا يكون إلا بحرارة، فالعمل في ~~ذلك على ما هو، ولعله ينحيه بثيابه ولا يمسه، فكيف يجب عليه الغسل؟ # التوقيع: إذا مسه على هذه الحال لم يكن عليه إلا غسل يده. # وعن صلاة جعفر: إذا سها في التسبيح في قيام أو قعود، أو ركوع أو سجود ~~وذكره في حالة أخرى قد صار فيها من هذه الصلاة، هل يعيد ما فاته من ذلك ~~التسبيح في الحالة التي ذكرها أم يتجاوز في صلاته؟ # التوقيع: إذا سها في حالة من ذلك ثم ذكر في حالة أخرى، قضى ما فاته في ~~الحالة التي ذكره. # وعن المرأة: يموت زوجها، يجوز أن تخرج في جنازته أم لا؟ # التوقيع: تخرج في جنازته. # وهل يجوز لها في عدتها أن تزور قبر زوجها أم لا؟ # التوقيع: ms514 تزور قبر زوجها ولا تبيت عن بيتها. # وهل يجوز لها أن تخرج في قضاء حق يلزمها، أم لا تبرح من بيتها وهي في ~~عدتها. # التوقيع: إذا كان حق خرجت فيه وقضته، وإن كانت لها حاجة ولم يكن لها من ~~ينظر فيها خرجت بها حتى تقضيها، ولا تبيت إلا في بيتها. # وروي في ثواب القرآن في الفرائض وغيرها: أن العالم عليه السلام قال: عجبا ~~لمن لم يقرأ في صلاته: (إنا أنزلناه في ليلة القدر) كيف تقبل صلاته؟ ~~PageV02P302 # وروي: ما زكت صلاة من لم يقرأ (قل هو الله أحد). # وروي: أن من قرأ في فرائضه (الهمزة) أعطي من الثواب قدر الدنيا، فهل يجوز ~~أن يقرأ (الهمزة) ويدع هذه السور التي ذكرناها، مع ما قد روي: أنه لا تقبل ~~صلاة ولا تزكوها إلا بهما؟ # التوقيع: الثواب في السور على ما قد روي، وإذا ترك سورة مما فيها الثواب ~~وقرأ (قل هو الله أحد، وإنا أنزلناه) لفضلهما أعطي ثواب ما قرأ، وثواب ~~السورة التي ترك، ويجوز أن يقرأ غير هاتين السورتين وتكون صلاته تامة، ولكن ~~يكون قد ترك الفضل. # وعن وداع شهر رمضان: متى يكون؟ فقد اختلف فيه أصحابنا، فبعضهم يقول: يقرأ ~~في آخر ليلة منه، وبعضهم يقول: هو في آخر يوم منه إذا رأى هلال شوال؟ # التوقيع: العمل في شهر رمضان في لياليه والوداع يقع في آخر ليلة منه، ~~فإذا خاف أن ينقص الشهر جعله في ليلتين. # وعن قول الله عز وجل: (إنه لقول رسول كريم) (1) أرسول الله صلى الله عليه ~~وآله المعني به، (ذي قوة عند ذي العرش مكين) (2) ما هذه القوة؟! # (مطاع ثم أمين) (3) ما هذه الطاعة وأين هي؟ ما خرج لهذه المسألة جواب. # فرأيك أدام الله عزك بالتفضل علي بمسألة من تثق به من الفقهاء عن هذه ~~المسائل فأجبني عنها منعما مع ما تشرحه لي من أمر علي بن محمد بن الحسين بن ~~الملك المقدم ذكره بما يسكن إليه، ويعتد بنعمة الله عنده، وتفضل علي بدعاء ~~جامع لي ولإخواني في ms515 الدنيا والآخرة فعلت مثابا إن شاء الله. # التوقيع: جمع الله لك ولاخوانك خير الدنيا والآخرة. # كتاب آخر لمحمد بن عبد الله الحميري (4) أيضا إليه عليه السلام في مثل ~~ذلك: # PageV02P303 # فرأيك أدام الله عزك في تأمل رقعتي والتفضل بما أسأل من ذلك لأضيفه إلى ~~ساير أياديك عندي ومنك علي واحتجت أدام الله عزك أن يسألني بعض الفقهاء عن ~~المصلي إذا قام من التشهد الأول إلى الركعة الثالثة هل يجب عليه أن يكبر؟ # فإن بعض أصحابنا قال: لا يجب عليه التكبير، ويجزيه أن يقول بحول الله ~~وقوته أقوم وأقعد؟ # الجواب: إن فيه حديثين: # أما أحدهما: فإنه إذا انتقل من حالة إلى حالة أخرى فعليه التكبير. # وأما الآخر: فإنه روي: أنه إذا رفع رأسه من السجدة الثانية فكبر ثم جلس ~~ثم قام فليس عليه في القيام بعد القعود تكبير وكذلك في التشهد الأول يجري ~~هذا المجرى، وبأيها أخذت من جهة التسليم كان صوابا. # وعن الفص الخماهن: هل يجوز فيه الصلاة إذا كان في إصبعه؟ # الجواب: فيه كراهية أن يصلي فيه، وفيه أيضا إطلاق والعمل على الكراهة. # وعن رجل اشترى هديا لرجل غاب عنه، وسأله أن ينحر عنه هديا بمنى فلما أراد ~~نحر الهدي نسي اسم الرجل ونحر الهدي، ثم ذكره بعد ذلك، أيجزي عن الرجل أم ~~لا؟ # الجواب: لا بأس بذلك، وقد أجزأ عن صاحبه. # وعندنا حاكة مجوس، يأكلون الميتة. ولا يغتسلون من الجنابة، وينسجون لنا ~~ثيابا، فهل يجوز الصلاة فيها من قبل أن تغسل؟ # الجواب: لا بأس بالصلاة فيها. # وعن المصلي: يكون في صلاة الليل في ظلمة، فإذا سجد يغلط بالسجادة ~~PageV02P304 # ويضع جبهته على (مسح أو نطع) فإذا رفع رأسه وجد السجادة، هل يعتد بهذه ~~السجدة أم لا يعتد بها؟ # الجواب: ما لم يستو جالسا فلا شئ عليه في رفع رأسه لطلب الخمرة. # وعن المحرم: يرفع الظلال هل يرفع خشب العمارية أو الكنيسية ويرفع ~~الجناحين أم لا؟ # الجواب: لا شئ عليه في ترك رفع الخشب. # وعن المحرم: يستظل من المطر بنطع أو ms516 غيره، حذرا على ثيابه وما في محمله ~~أن يبتل، فهل يجوز ذلك؟ # الجواب: إذا فعل ذلك في المحمل في طريقه، فعليه دم. # والرجل: يحج عن أحد، هل يحتاج أن يذكر الذي حج عنه عند عقد إحرامه أم لا، ~~وهل يجب أن يذبح عمن حج عنه وعن نفسه أم يجزيه هدي واحد؟ # الجواب: قد يجزيه هدي واحد، وإن لم يفصل فلا بأس. # وهل يجوز للرجل أن يحرم في كساء خز أم لا؟ # الجواب: لا بأس بذلك، وقد فعله قوم صالحون. # وهل يجوز للرجل أن يصلي في بطيط لا يغطي الكعبين أم لا يجوز؟ # الجواب: جائز. # ويصلي الرجل وفي كمه أو سراويله سكين أو مفتاح حديد، هل يجوز ذلك؟ # الجواب: جائز. # وعن الرجل: يكون معه بعض هؤلاء ويكون متصلا بهم، يحج ويأخذ على الجادة ~~ولا يحرم هؤلاء من المسلخ، فهل يجوز لهذا الرجل أن يؤخر إحرامه إلى ذات عرق ~~فيحرم معهم لما يخاف الشهرة أم لا يجوز إلا أن يحرم من المسلخ؟ # الجواب: يحرم من ميقاته ثم يلبس الثياب، ويلبي في نفسه، فإذا بلغ إلى ~~ميقاتهم أظهر. # وعن لبس المعطون، فإن بعض أصحابنا يذكر أن لبسه كريه؟ PageV02P305 # الجواب: جايز، ولا بأس به. # وعن الرجل: من وكلاء الوقف مستحلا لما في يده، ولا يرع عن أخذ ماله ربما ~~نزلت في قريته وهو فيها، أو أدخل منزله - وقد حضر طعامه - فيدعوني إليه، ~~فإن لم آكل من طعامه، عاداني وقال: فلان لا يستحل أن يأكل من طعامنا فهل ~~يجوز لي أن آكل من طعامه وأتصدق بصدقة؟ وكم مقدار الصدقة؟ وإن أهدى هذا ~~الوكيل هدية إلى رجل آخر فأحضر فيدعوني إلى أن أنال منها، وأنا أعلم أن ~~الوكيل لا يرع عن أخذ ما في يده، فهل علي فيه شئ إن أنا نلت منها؟ # الجواب: إن كان لهذه الرجل مال أو معاش غير ما في يده فكل طعامه، واقبل ~~بره، وإلا فلا. # وعن الرجل ممن يقول بالحق ويرى المتعة، ويقول بالرجعة، إلا أن له أهلا ~~موافقة له ms517 في جميع أموره، وقد عاهدها: ألا يتزوج عليها، ولا يتمتع، ولا ~~يتسرى وقد فعل هذا منذ تسعة عشر سنة. ووفى بقوله، فربما غاب عن منزله ~~الأشهر فلا يتمتع ولا تتحرك نفسه أيضا لذلك، ويرى أن وقوف من معه من أخ ~~وولد وغلام ووكيل وحاشية مما يقلله في أعينهم، ويجب المقام على ما هو عليه ~~محبة لأهله وميلا إليها، وصيانة لها ولنفسه، لا لتحريم المتعة بل يدين الله ~~بها، فهل عليه في ترك ذلك مأثم أم لا؟ # الجواب: يستحب له أن يطيع الله تعالى بالمتعة ليزول عنه الحلف في المعصية ~~ولو مرة. # وفي كتاب آخر لمحمد بن عبد الله الحميري إلى صاحب الزمان عليه السلام من ~~جواب مسائله التي سأله عنها، في سنة سبع وثلاثمائة. # سأل عن المحرم: يجوز أن يشد الميزر من خلفه على عقبه بالطول، ويرفع طرفيه ~~إلى حقويه ويجمعهما في خاصرته ويعقدهما، ويخرج الطرفين الآخرين من بين ~~رجليه ويرفعهما إلى خاصرته، ويشد طرفيه إلى وركيه، فيكون مثل السراويل يستر ~~ما هناك، فإن الميزر الأول كنا نتزر به إذا ركب الرجل جمله PageV02P306 # يكشف ما هناك، وهذا ستر؟ # فأجاب عليه السلام: جاز أن يتزر الإنسان كيف شاء إذا لم يحدث في الميزر ~~حدثا بمقراظ ولا إبرة يخرجه به عن حد الميزر، وغزره غزرا ولم يعقده، ولم ~~يشد بعضه ببعض، وإذا غطى سرته وركبتيه كلاهما فإن السنة المجمع عليها بغير ~~خلاف تغطية السرة والركبتين، والأحب إلينا والأفضل لكل أحد شده على السبيل ~~المألوفة المعروفة للناس جميعا إن شاء الله. # وسأل: هل يجوز أن يشد عليه مكان العقد تكة؟ # فأجاب: لا يجوز شد الميزر بشئ سواه من تكة ولا غيرها. # وسأل عن التوجه للصلاة أن يقول على ملة إبراهيم ودين محمد صلى الله عليه ~~وآله، فإن بعض أصحابنا ذكر: أنه إذا قال على دين محمد فقد أبدع، لأنا لم ~~نجده في شئ من كتب الصلاة خلا حديثا في كتاب القاسم بن محمد عن جده عن ~~الحسن بن راشد: أن الصادق عليه السلام ms518 قال للحسن: # كيف تتوجه؟ # فقال: أقول لبيك وسعديك. # فقال له الصادق عليه السلام: ليس عن هذا أسألك. كيف تقول وجهت وجهي للذي ~~فطر السماوات والأرض حنيفا مسلما؟ # قال الحسن: أقول. # فقال الصادق عليه السلام: إذا قلت ذلك فقل: على ملة إبراهيم، ودين محمد، ~~ومنهاج علي بن أبي طالب، والايتمام بآل محمد، حنيفا مسلما وما أنا من ~~المشركين. # فأجاب عليه السلام: التوجه كله ليس بفريضة، والسنة المؤكدة فيه التي هي ~~كالإجماع الذي لا خلاف فيه: وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض، حنيفا ~~مسلما على ملة إبراهيم ودين محمد وهدي أمير المؤمنين، وما أنا من المشركين. ~~إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا ~~من المسلمين. اللهم اجعلني من المسلمين، أعوذ بالله السميع العليم، من ~~الشيطان الرجيم PageV02P307 # بسم الله الرحمن الرحيم ثم اقرأ الحمد. قال الفقيه الذي لا يشك في علمه: ~~أن الدين لمحمد والهداية لعلي أمير المؤمنين لأنها له صلى الله عليه وآله ~~وفي عقبه باقية إلى يوم القيامة، فمن كان كذلك فهو من المهتدين، ومن شك فلا ~~دين له، ونعوذ بالله من الضلالة بعد الهدى. # وسأله: عن القنوت في الفريضة إذا فرغ من دعائه، يجوز أن يرد يديه على ~~وجهه وصدره للحديث الذي روي: (أن الله عز وجل أجل من أن يرد يدي عبده صفرا ~~بل يملأها من رحمته) أم لا يجوز؟ فإن بعض أصحابنا ذكر أنه عمل في الصلاة. # فأجاب عليه السلام: رد اليدين من القنوت على الرأس والوجه غير جايز في ~~الفرائض والذي عليه العمل فيه، إذا رجع يده في قنوت الفريضة وفرغ من ~~الدعاء، أن يرد بطن راحتيه مع صدره تلقاء ركبتيه على تمهل، ويكبر ويركع، ~~والخبر صحيح وهو في نوافل النهار والليل دون الفرائض، والعمل به فيها أفضل. # وسأل: عن سجدة الشكر بعد الفريضة، فإن بعض أصحابنا ذكر أنها (بدعة) فهل ~~يجوز أن يسجدها الرجل بعد الفريضة؟ وإن جاز ففي صلاة المغرب هي بعد الفريضة ~~أو بعد الأربع ركعات النافلة؟ ms519 # فأجاب عليه السلام: سجدة الشكر من ألزم السنن وأوجبها، ولم يقل أن هذه ~~السجدة بدعة إلا من أراد أن يحدث بدعة في دين الله. # فأما الخبر المروي فيها بعد صلاة المغرب والاختلاف في أنها بعد الثلاث أو ~~بعد الأربع فإن فضل الدعاء والتسبيح بعد الفرائض على الدعاء بعقيب النوافل ~~كفضل الفرائض على النوافل، والسجدة دعاء وتسبيح فالأفضل أن تكون بعد الفرض ~~فإن جعلت بعد النوافل أيضا جاز. # وسأل: أن لبعض إخواننا من نعرفه ضيعة جديدة بجنب ضيعة خراب، للسلطان فيها ~~حصة وأكرته ربما زرعوا حدودها وتوذيهم عمال السلطان ويتعرضون في الكل من ~~غلات ضيعته، وليس لها قيمة لخرابها وإنما هي بائرة منذ عشرين سنة، وهو ~~يتحرج من شرائها لأنه يقال أن هذه الحصة من هذه الضيعة كانت قبضت عن الوقف ~~قديما PageV02P308 # للسلطان، فإن جاز شراؤها من السلطان، وكان ذلك صلاحا له وعمارة لضيعته، ~~وأنه يزرع هذه الحصة من القرية البائرة لفضل ماء ضيعته العامرة، وينحسم عنه ~~طمع أولياء السلطان، وإن لم يجز ذلك عمل بما تأمره به إن شاء الله تعالى؟ # فأجاب: الضيعة لا يجوز ابتياعها إلا من مالكها أو بأمره أو رضاء منه ~~وسأل: عن رجل استحل امرأة خارجة من حجابها، وكان يحترز من أن يقع ولد فجاءت ~~بابن، فتحرج الرجل ألا يقبله فقبله وهو شاك فيه، وجعل يجري النفقة على أمه ~~وعليه حتى ماتت الأم، وهو ذا يجري عليه غير أنه شاك فيه ليس يخلطه بنفسه، ~~فإن كان ممن يجب أن يخلط بنفسه ويجعله كساير ولده فعل ذلك وإن جاز أن يجعل ~~له شيئا من ماله دون حقه فعل؟ # فأجاب عليه السلام الاستحلال بالمرأة يقع على وجوه، والجواب يختلف فيها ~~فليذكر الوجه الذي وقع الاستحلال به مشروحا ليعرف الجواب فيما يسأل عنه من ~~أمر الولد إن شاء الله. # وسأله الدعاء له فخرج الجواب: # جاد الله عليه بما هو جل وتعالى أهله، إيجابنا لحقه، ورعايتنا لأبيه رحمه ~~الله وقربه منا، وقد رضينا بما علمناه من جميل نيته، ووقفنا عليه ms520 من ~~مخاطبته، المقر له من الله التي يرضى الله عز وجل ورسوله وأولياؤه عليهم ~~السلام والرحمة بما بدأنا، نسأل الله بمسألته ما أمله من كل خير عاجل وآجل، ~~وأن يصلح له من أمر دينه ودنياه ما يجب صلاحه، إنه ولي قدير. # وكتب إليه صلوات الله عليه أيضا في سنة ثمان وثلاثمائة كتابا سأله فيه عن ~~مسائل أخرى كتب: # بسم الله الرحمن الرحيم أطال الله بقاك وأدام عزك وكرامتك وسعادتك ~~وسلامتك، وأتم نعمته عليك وزاد في إحسانه إليك، وجميل مواهبه لديك، وفضله ~~عليك، وجزيل قسمه لك، وجعلني من السوء كله فداك، وقدمني قبلك. PageV02P309 # إن قبلنا مشايخ وعجايز يصومون رجبا منذ ثلاثين سنة وأكثر، ويصلون بشعبان ~~وشهر رمضان. # وروى لهم بعض أصحابنا: أن صومه معصية؟ # فأجاب عليه السلام: قال الفقيه: يصوم منه أياما إلى خمسة عشر يوما، إلا ~~أن يصومه عن الثلاثة الأيام الفائتة، للحديث: (إن نعم شهر القضاء رجب). # وسأل: عن رجل يكون في محمله والثلج كثير بقامة رجل، فيتخوف إن نزل الغوص ~~فيه، وربما يسقط الثلج وهو على تلك الحال ولا يستوي له أن يلبد شيئا منه ~~لكثرته وتهافته، هل يجوز أن يصلي في المحمل الفريضة؟ فقد فعلنا ذلك أياما ~~فهل علينا في ذلك إعادة أم لا؟ # فأجاب: لا بأس به عند الضرورة والشدة. # وسأل: عن الرجل يلحق الإمام وهو راكع فيركع معه ويحتسب تلك الركعة. فإن ~~بعض أصحابنا قال: إن لم يسمع تكبيرة الركوع فليس له أن يعتد بتلك الركعة؟ # فأجاب: إذا لحق مع الإمام من تسبيح الركوع تسبيحة واحدة اعتد بتلك الركعة ~~وإن لم يسمع تكبيرة الركوع. # وسأل: عن رجل صلى الظهر ودخل في صلاة العصر، فلما إن صلى من صلاة العصر ~~ركعتين استيقن أنه صلى الظهر ركعتين، كيف يصنع؟ # فأجاب: إن كان أحدث بين الصلاتين حادثة يقطع بها الصلاة أعاد الصلاتين ~~وإن لم يكن أحدث حادثة جعل الركعتين الآخرتين تتمة لصلاة الظهر، وصلى العصر ~~بعد ذلك. # وسأل: عن أهل الجنة هل يتوالدون إذا دخلوها أم لا؟ # فأجاب: ms521 إن الجنة لا حمل فيها للنساء ولا ولادة، ولا طمث ولا نفاس، ولا ~~شقاء بالطفولية. وفيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين، كما قال سبحانه، فإذا ~~اشتهى المؤمن ولدا خلقه الله بغير حمل ولا ولادة على الصورة التي يريد كما ~~خلق آدم عبرة. PageV02P310 # وسأل: عن رجل تزوج امرأة بشئ معلوم إلى وقت معلوم، وبقي له عليها وقت، ~~فجعلها في حل مما بقي له عليها وقد كانت طمثت قبل أن يجعلها في حل من ~~أيامها بثلاثة أيام، أيجوز أن يتزوجها رجل معلوم إلى وقت معلوم عند طهرها ~~من هذه الحيضة أو يستقبل بها حيضة أخرى؟ # فأجاب: يستقبل حيضة غير تلك الحيضة، لأن أقل تلك العدة حيضة وطهرة تامة. # وسأل: عن الأبرص والمجذوم وصاحب الفالج هل يجوز شهادتهم، فقد روي لنا: ~~أنهم لا يأمون الأصحاء. # فأجاب: إن كان ما بهم حادثا جازت شهادتم، وإن كان ولادة لم يجز. # وسأل: هل يجوز للرجل أن يتزوج ابنة امرأته؟ # فأجاب: إن كانت ربيت في حجره فلا يجوز، وإن لم تكن ربيت في حجره وكانت ~~أمها في غير عياله فقد روي: أنه جائز. # وسأل: هل يجوز أن يتزوج بنت ابنة امرأة ثم يتزوج جدتها بعد ذلك؟ # فأجاب: قد نهي عن ذلك. # وسأل: عن رجل ادعى على رجل ألف درهم وأقام به البينة العادلة، وادعى عليه ~~أيضا خمسمائة درهم في صك آخر، وله بذلك بينة عادلة، وادعى عليه أيضا ~~ثلاثمائة درهم في صك آخر، ومائتي درهم في صك آخر، وله بذلك كله بينة عادلة، ~~ويزعم المدعى عليه أن هذه الصكاك كلها قد دخلت في الصك الذي بألف درهم، ~~والمدعي منكر أن يكون كما زعم، فهل يجب الألف الدرهم مرة واحدة أو يجب عليه ~~كلما يقيم البينة به؟ وليس في الصكاك استثناء إنما هي صكاك على وجهها. # فأجاب: يؤخذ من المدعى عليه ألف درهم مرة وهي التي لا شبهة فيها، ويرد ~~اليمين في الألف الباقي على المدعي فإن نكل فلا حق له. # وسأل عن طين القبر: يوضع مع الميت ms522 في قبره هل يجوز ذلك أم لا؟ # فأجاب: يوضع مع الميت في قبره، ويخلط بخيوطه إن شاء الله. # وسأل فقال: روي لنا عن الصادق عليه السلام: أنه كتب على أزار ابنه ~~إسماعيل PageV02P311 # يشهد: أن لا إله إلا الله، فهل يجوز أن نكتب مثل ذلك بطين القبر أم غيره؟ # فأجاب: يجوز ذلك. # وسأل: هل يجوز أن يسبح الرجل بطين القبر، وهل فيه فضل؟ # فأجاب: يسبح الرجل به فما من شئ من السبح أفضل منه، ومن فضله أن الرجل ~~ينسى التسبيح ويدير السبحة فيكتب له التسبيح. # وسأل: عن السجدة على لوح من طين القبر، وهل فيه فضل؟ # فأجاب: يجوز ذلك وفيه الفضل. # وسأل: عن الرجل يزور قبور الأئمة عليه السلام، هل يجوز أن يسجد على القبر ~~أم لا؟ وهل يجوز لمن صلى عند بعض قبورهم عليهم السلام أن يقوم وراء القبر ~~ويجعل القبر قبلة، ويقوم عند رأسه ورجليه؟ وهل يجوز أن يتقدم القبر ويصلي ~~ويجعل القبر خلفه أم لا؟ # فأجاب: أما السجود على القبر، فلا يجوز في نافلة ولا فريضة ولا زيارة ~~والذي عليه العمل: أن يضع خده الأيمن على القبر. # وأما الصلاة فإنها خلفه، ويجعل القبر أمامه، ولا يجوز أن يصلي بين يديه ~~ولا عن يمينه ولا عن يساره، لأن الإمام صلى الله عليه وآله لا يتقدم ولا ~~يساوى. # وسأل فقال: يجوز للرجل إذا صلى الفريضة أو النافلة وبيده السبحة أن ~~يديرها وهو في الصلاة؟ # فأجاب: يجوز ذلك إذا خاف السهو والغلط. # وسأل: هل يجوز أن يدير السبحة بيده اليسار إذا سبح، أو لا يجوز؟ # فأجاب: يجوز ذلك والحمد لله رب العالمين. # وسأل فقال: روي عن الفقيه في بيع الوقف خبر مأثور: إذا كان الوقف على قوم ~~بأعيانهم وأعقباهم، فاجتمع أهل الوقف على بيعه وكان ذلك أصلح لهم أن ~~يبيعوه، فهل يجوز أن يشترى من بعضهم إن لم يجتمعوا كلهم على البيع، أم لا ~~يجوز إلا أن يجتمعوا كلهم على ذلك؟ وعن الوقف الذي لا يجوز بيعه؟ ~~PageV02P312 # فأجاب: إذا كان الوقف ms523 على إمام المسلمين فلا يجوز بيعه، وإن كان على قوم ~~من المسلمين فليبع كل قوم ما يقدرون على بيعه مجتمعين ومتفرقين إن شاء ~~الله. # وسأل: هل يجوز للمحرم أن يصير على إبطه المرتك والتوتيا لريح العرق أم لا ~~يجوز؟ # فأجاب: يجوز ذلك وبالله التوفيق. # وسأل: عن الضرير إذا شهد في حال صحته على شهادة، ثم كف بصره ولا يرى خطه ~~فيعرفه، هل يجوز شهادته أم لا؟ وإن ذكر هذا الضرير الشهادة، هل يجوز أن ~~يشهد على شهادته أم لا يجوز؟ # فأجاب: إذا حفظ الشهادة وحفظ الوقت، جازت شهادته. # وسأل: عن الرجل يوقف ضيعة أو دابة ويشهد على نفسه باسم بعض وكلاء الوقف، ~~ثم يموت هذا الوكيل أو يتغير أمره ويتولى غيره، هل يجوز أن يشهد الشاهد ~~لهذا الذي أقيم مقامه إذا كان أصل الوقف لرجل واحد أم لا يجوز ذلك؟ # فأجاب: لا يجوز ذلك، لأن الشهادة لم تقم للوكيل وإنما قامت للمالك، وقد ~~قال الله: (وأقيموا الشهادة لله) (1). # وسأل: عن الركعتين الأخراوين قد كثرت فيها الروايات فبعض يروي: # أن قراءة الحمد وحدها أفضل، وبعض يروي: أن التسبيح فيهما أفضل، فالفضل ~~لأيهما لنستعمله؟ # فأجاب: قد نسخت قراءة أم الكتاب في هاتين الركعتين التسبيح والذي نسخ ~~التسبيح قول العالم عليه السلام: كل صلاة لا قراءة فيها فهو خداج إلا ~~للعليل، أو يكثر عليه السهو فيتخوف بطلان الصلاة عليه. # وسأل فقال: يتخذ عندنا رب الجوز لوجع الحلق والبحبحة، يؤخذ الجوز الرطب ~~من قبل أن ينعقد ويدق دقا ناعما، ويعصر ماؤه ويصفى ويطبخ على النصف ويترك ~~يوما وليلة ثم ينصب على النار، ويلقى على كل ستة أرطال منه رطل عسل # PageV02P313 # ويغلي رغوته، ويستحق من النوشادر والشب اليماني من كل واحد نصف مثقال ~~ويداف بذلك الماء، ويلقي فيه درهم زعفران المسحوق، ويغلى ويؤخذ رغوته حتى ~~يصير مثل العسل ثخينا، ثم ينزل عن النار ويبرد ويشرب منه، فهل يجوز شربه أم ~~لا؟ # فأجاب: إذا كان كثيره يسكر أو يغير، فقليله وكثيره حرام، وإن كان لا يسكر ms524 ~~فهو حلال. # وسأل: عن الرجل يعرض له الحاجة مما لا يدري أن يفعلها أم لا، فيأخذ ~~خاتمين فيكتب في أحدهما: (نعم إفعل) وفي الآخر: (لا تفعل) فيستخير الله ~~مرارا، ثم يرى فيهما، فيخرج أحدهما فيعمل بما يخرج، فهل يجوز ذلك أم لا؟ # والعامل به والتارك له أهو مثل الاستخارة أم هو سوى ذلك؟ # فأجاب: الذي سنة العالم عليه السلام في هذه الاستخارة بالرقاع والصلاة. # وسأل: عن صلاة جعفر بن أبي طالب (ره) في أي أوقاتها أفضل أن تصلي فيه، ~~وهل فيها قنوت؟ وإن كان ففي أي ركعة منها؟ # فأجاب: أفضل أوقاتها صدر النهار من يوم الجمعة، ثم في أي الأيام شئت وأي ~~وقت صليتها من ليل أو نهار فهو جائز، والقنوت فيها مرتان: في الثانية قبل ~~الركوع، وفي الرابعة بعد الركوع. # وسأل: عن الرجل ينوي إخراج شئ من ماله وأن يدفعه إلى رجل من إخوانه ثم ~~يجد في أقربائه محتاجا، أيصرف ذلك عمن نواه له أو إلى قرابته؟ # فأجاب: يصرفه إلى أدناهما وأقربهما من مذهبه، فإن ذهب إلى قول العالم ~~عليه السلام: # (لا يقبل الله الصدقة وذو رحم محتاج) فليقسم بين القرابة وبين الذي نوى ~~حتى يكون قد أخذ بالفضل كله. # وسأل: فقال: اختلفت أصحابنا في مهر المرأة. # فقال بعضهم: إذا دخل بها سقط المهر ولا شئ لها. # وقال بعضهم: هو لازم في الدنيا والآخرة، فكيف ذلك؟ وما الذي يجب فيه؟ # فأجاب: إن كان عليه بالمهر كتاب فيه ذكر دين فهو لازم له في الدنيا ~~PageV02P314 # والآخرة، وإن كان عليه كتاب فيه ذكر الصداق سقط إذا دخل بها، وإن لم يكن ~~عليه كتاب، فإذا دخل بها سقط باقي الصداق. # وسأل فقال: روي لنا عن صاحب العسكر عليه السلام أنه سئل عن الصلاة في ~~الخز الذي يغش بوبر الأرانب فوقع: يجوز، وروي عنه أيضا: أنه لا يجوز. فأي ~~الخبرين يعمل به؟ # فأجاب: إنما حرم في هذه الأوبار والجلود، فأما الأوبار وحدها فكل حلال. # وقد سأل بعض العلماء عن معنى قول الصادق عليه ms525 السلام: لا يصلى في الثعلب ~~ولا في الأرنب، ولا في الثوب الذي يليه، فقال: إنما عنى الجلود دون غيرها. # وسأل فقال: يتخذ بأصفهان ثياب عتابية على عمل الوشا من قز أو إبريسم هل ~~يجوز الصلاة فيها أم لا؟ # فأجاب: لا يجوز الصلاة إلا في ثوب سداه أو لحمته قطن أو كتان. # وسأل: عن المسح على الرجلين وبأيهما يبدأ باليمين أو يمسح عليهما جميعا ~~معا؟ # فأجاب عليه السلام: يمسح عليهما معا فإن بدأ بإحداهما قبل الأخرى فلا ~~يبتدئ إلا باليمين. # وسأل: عن صلاة جعفر في السفر هل يجوز أن يصلي أم لا؟ # فأجاب عليه السلام: يجوز ذلك. # وسأل: عن تسبيح فاطمة عليها السلام: من سهى فجاز التكبير أكثر من أربع ~~وثلاثين هل يرجع إلى أربع وثلاثين أو يستأنف؟ وإذا سبح تمام سبعة وستين هل ~~يرجع إلى ستة وستين أو يستأنف؟ وما الذي يجب في ذلك؟ # فأجاب: إذا سها في التكبير حتى يجوز أربعة وثلاثين عاد إلى ثلاثة وثلاثين ~~وبنى عليها، وإذا سها في التسبيح فتجاوز سبعا وستين تسبيحة عاد إلى ستة ~~وستين وبنى عليها، فإذا جاوز التحميد مائة فلا شئ عليه. # وعن محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري أنه قال: خرج التوقيع من الناحية ~~PageV02P315 # المقدسة حرسها الله - بعد المسائل -: # بسم الله الرحمن الرحيم لا لأمره تعقلون، حكمة بالغة فما تغني النذر عن ~~قوم لا يؤمنون. # السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. # إذا أردتم التوجه بنا إلى الله وإلينا، فقولوا كما قال الله تعالى: # (سلام على آل يس) (1). # السلام عليك يا داعي الله ورباني آياته. # السلام عليك يا باب الله وديان دينه. # السلام عليك يا خليفة الله وناصر خلقه. # السلام عليك يا حجة الله ودليل إرادته. # السلام عليك يا تالي كتاب الله وترجمانه. # السلام عليك يا بقية الله في أرضه. # السلام عليك يا ميثاق الله الذي أخذه ووكده. # السلام عليك يا وعد الله الذي ضمنه. # السلام عليك أيها العلم المنصوب، والعلم المصبوب، والغوث والرحمة الواسعة ~~وعدا غير مكذوب. # السلام عليك حين ms526 تقعد السلام عليك حين تقوم. # السلام عليك حين تقرأ وتبين. # السلام عليك حين تصلي وتقنت. # السلام عليك حين تركع وتسجد. # السلام عليك حين تكبر وتهلل. # السلام عليك حين تحمد وتستغفر. # السلام عليك حين تمسي وتصبح. # PageV02P316 # السلام عليك في الليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى. # السلام عليك أيها الإمام المأمون. # السلام عليك أيها المقدم المأمول. # السلام عليك بجوامع السلام. # أشهدك يا مولاي أني أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا ~~عبده ورسوله لا حبيب إلا هو وأهله، وأشهد أن أمير المؤمنين حجته، والحسن ~~حجته، والحسين حجته، وعلي بن الحسين حجته، ومحمد بن علي حجته، وجعفر ابن ~~محمد حجته، وموسى بن جعفر حجته، وعلي بن موسى حجته، ومحمد بن علي حجته، ~~وعلي بن محمد حجته، والحسن بن علي حجته، وأشهد أنك حجة الله. # أنتم الأول والآخر، وأن رجعتكم حق لا شك فيها يوم لا ينفع نفسا إيمانها ~~لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا، وأن الموت حق، وأن ناكرا ~~ونكيرا حق، وأشهد أن النشر والبعث حق، وأن الصراط والمرصاد حق، والميزان ~~والحساب حق، والجنة والنار حق، والوعد والوعيد بهما حق. # يا مولاي شقي من خالفكم وسعد من أطاعكم. # فاشهد على ما أشهدتك عليه، وأنا ولي لك برئ من عدوك، فالحق ما رضيتموه، ~~والباطل ما سخطتموه، والمعروف ما أمرتم به. والمنكر ما نهيم عنه، فنفسي ~~مؤمنة بالله وحده لا شريك له، وبرسوله، وبأمير المؤمنين، وبأئمة المؤمنين ~~وبكم يا مولاي. أولكم وآخركم، ونصرتي معدة لكم، فمودتي خالصة لكم آمين ~~آمين. # الدعاء عقيب هذا القول: # بسم الله الرحمن الرحيم اللهم إني أسألك أن تصلي على محمد نبي رحمتك، ~~وكلمة نورك، وأن تملأ قلبي نور اليقين، وصدري نور الإيمان، وفكري نور ~~الثبات، وعزمي نور العلم، وقوتي نور العمل، ولساني نور الصدق، وديني نور ~~البصائر من عندك، وبصري نور الضياء PageV02P317 # وسمعي نور وعي الحكمة، ومودتي نور الموالاة لمحمد وآله عليهم السلام، حتى ~~ألقاك وقد وفيت بعهدك وميثاقك، فلتسعني رحمتك ms527 يا ولي يا حميد. # اللهم صل على حجتك في أرضك، وخليفتك في بلادك، والداعي إلى سبيلك والقائم ~~بقسطك، والثائر بأمرك، ولي المؤمنين، وبوار الكافرين، ومجلي الظلمة ومنير ~~الحق، والساطع بالحكمة والصدق، وكلمتك التامة في أرضك، المرتقب الخائف ~~والولي الناصح، سفينة النجاة، وعلم الهدى، ونور أبصار الورى، وخير من تقمص ~~وارتدى، ومجلي العمى، الذي يملأ الأرض عدلا وقسطا كما ملئت ظلما وجورا إنك ~~على كل شئ قدير. # اللهم صل على وليك وابن أوليائك الذين فرضت طاعتهم، وأوجبت حقهم وأذهبت ~~عنهم الرجس وطهرتهم تطهيرا. # اللهم انصر وانتصر به أولياءك وأولياءه، وشيعته وأنصاره واجعلنا منهم: # اللهم أعذه من كل باغ وطاغ، ومن شر جميع خلقك. واحفظه من بين يديه ومن ~~خلفه، وعن يمينه وعن شماله، واحرسه، وامنعه، من أن يوصل إليه بسوء واحفظ ~~فيه رسولك وآل رسولك، وأظهر به العدل وأيده بالنصر، وانصر ناصريه واخذل ~~خاذليه، واقصم به جبابرة الكفرة، واقتل به الكفار والمنافقين، وجميع ~~الملحدين، حيث كانوا في مشارق الأرض ومغاربها، برها وبحرها، واملأ به الأرض ~~عدلا، وأظهر به دين نبيك، واجعلني اللهم من أنصاره وأعوانه، وأتباعه ~~وشيعته، وأرني في آل محمد ما يأملون، وفي عدوهم ما يحذرون إله الحق آمين، ~~يا ذا الجلال والإكرام، يا أرحم الراحمين. # ذكر كتاب ورد من الناحية المقدسة - حرسها الله ورعاها - في أيام بقيت من ~~صفر، سنة عشر وأربعمائة على الشيخ المفيد أبي عبد الله محمد بن محمد بن ~~النعمان قدس الله روحه ونور ضريحه، (1) ذكر موصله أنه يحمله من ناحية متصلة ~~بالحجاز، نسخته: # PageV02P318 # للأخ السديد، والولي الرشيد، الشيخ المفيد، أبي عبد الله محمد بن محمد بن ~~النعمان أدام الله إعزازه، من مستودع العهد المأخوذ على العباد. # بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد: سلام عليك أيها الولي المخلص في الدين، ~~المخصوص فينا باليقين فإنا نحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، ونسأله ~~الصلاة على سيدنا ومولانا ونبينا محمد وآله الطاهرين، ونعلمك - أدام الله ~~توفيقك لنصرة الحق، وأجزل مثوبتك على نطقك عنا بالصدق -: أنه قد أذن ms528 لنا في ~~تشريفك بالمكاتبة، وتكليفك ما تؤديه عنا إلى موالينا قبلك، أعزهم الله ~~بطاعته، وكفاهم المهم برعايته لهم وحراسته، فقف أيدك الله بعونه على أعدائه ~~المارقين من دينه على ما أذكره، وأعمل في تأديته إلى من تسكن إليه بما ~~نرسمه إن شاء الله. # نحن وإن كنا ناوين بمكاننا النائي عن مساكن الظالمين، حسب الذي ~~PageV02P322 # أراناه الله تعالى لنا من الصلاح ولشيعتنا المؤمنين في ذلك ما دامت دولة ~~الدنيا للفاسقين، فإنا نحيط علما بأنبائكم، ولا يعزب عنا شئ من أخباركم، ~~ومعرفتنا بالذل الذي أصابكم مذ جنح كثير منكم إلى ما كان السلف الصالح عنه ~~شاسعا، ونبذوا العهد المأخوذ وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون. # أنا غير مهملين لمراعاتكم، ولا ناسين لذكركم، ولولا ذلك لنزل بكم اللأواء ~~(1) أو اصطلمكم الأعداء (2) فاتقوا الله جل جلاله وظاهرونا على انتياشكم ~~(3) من فتنة قد أنافت عليكم (4) يهلك فيها من حم أجله (5) ويحمى عنها من ~~أدرك أمله، وهي أمارة لأزوف حركتنا (6) ومباثتكم بأمرنا ونهينا، والله متم ~~نوره ولو كره المشركون. # اعتصموا بالتقية! من شب نار الجاهلية، يحششها (7) عصب أموية، يهول بها ~~فرقة مهدية، أنا زعيم بنجاة من لم يرم فيها المواطن، وسلك في الطعن منها ~~السبل المرضية، إذا حل جمادى الأولى من سنتكم هذه فاعتبروا بما يحدث فيه، ~~واستيقظوا من رقدتكم لما يكون في الذي يليه. # ستظهر لكم من السماء آية جلية، ومن الأرض مثلها بالسوية، ويحدث في أرض ~~المشرق ما يحزن ويقلق، ويغلب من بعد على العراق طوائف عن الإسلام مراق، ~~تضيق بسوء فعالهم على أهله الأرزاق، ثم تنفرج الغمة من بعد ببوار طاغوت من ~~الأشرار، ثم يستر بهلاكه المتقون الأخيار، ويتفق لمريدي الحج من الآفاق ما ~~يؤملونه منه على توفير عليه منهم واتفاق، ولنا في تيسير حجهم على الاختيار ~~منهم والوفاق شأن يظهر على نظام واتساق. # فليعمل كل امرء منكم بما يقرب به من بمحبتنا، ويتجنب ما يدنيه من # PageV02P323 # كراهتنا وسخطنا، فإن أمرنا بغتة فجاءة حين لا تنفعه توبة ولا ينجيه من ~~عقابنا ندم على حوبة. ms529 # والله يلهمكم الرشد، ويلطف لكم في التوفيق برحمته. # نسخة التوقيع باليد العليا على صاحبها السلام: # هذا كتابنا إليك أيها الأخ الولي، والمخلص في ودنا الصفي، والناصر لنا ~~الوفي، حرسك الله بعينه التي لا تنام، فاحتفظ به! ولا تظهر على خطنا الذي ~~سطرناه بما له ضمناه أحدا! وأد ما فيه إلى من تسكن إليه، وأوص جماعتهم ~~بالعمل عليه إن شاء الله، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين. # ورد عليه كتاب آخر من قبله صلوات الله عليه، يوم الخميس الثالث والعشرين ~~من ذي الحجة، سنة اثني عشر وأربعمائة. نسخته: # بسم الله الرحمن الرحيم سلام الله عليك أيها الناصر للحق، الداعي إليه ~~بكلمة الصدق، فإنا نحمد الله إليك الذي لا إله إلا هو، إلهنا وإله آبائنا ~~الأولين، ونسأله الصلاة على سيدنا ومولانا محمد خاتم النبيين، وعلى أهل ~~بيته الطاهرين. # وبعد: فقد كنا نظرنا مناجاتك عصمك الله بالسبب الذي وهبه الله لك من ~~أوليائه، وحرسك به من كيد أعدائه، وشفعنا ذلك الآن من مستقر لنا ينصب في ~~شمراخ، من بهماء صرنا إليه آنفا من غماليل ألجأنا إليه السباريت من ~~الإيمان، ويوشك أن يكون هبوطنا إلى صحصح من غير بعد من الدهر ولا تطاول من ~~الزمان ويأتيك نبأ منا بما يتجدد لنا من حال، فتعرف بذلك ما نعتمده من ~~الزلفة إلينا بالأعمال، والله موفقك لذلك برحمته، فلتكن حرسك الله بعينه ~~التي لا تنام أن تقابل لذلك فتنة تسبل نفوس قوم حرثت باطلا لاسترهاب ~~المبطلين، يبتهج لذمارها المؤمنون، ويحزن لذلك المجرمون، وآية حركتنا من ~~هذه اللوثة حادثة بالجرم المعظم من رجس منافق مذمم، مستحل للدم المحرم، ~~يعمد بكيده أهل الإيمان ولا يبلغ بذلك غرضه من الظلم والعدوان، لأننا من ~~وراء حفظهم بالدعاء الذي PageV02P324 # الذي لا يحجب عن ملك الأرض والسماء، فليطمئن بذلك من أوليائنا القلوب، ~~وليثقوا بالكفاية منه، وإن راعتهم بهم الخطوب، والعاقبة بجميل صنع الله ~~سبحانه تكون حميدة لهم ما اجتنبوا المنهي عنه من الذنوب. # ونحن نعهد إليك أيها الولي المخلص المجاهد فينا الظالمين أيدك ms530 الله بنصره ~~الذي أيد به السلف من أوليائنا الصالحين، أنه من اتقى ربه من إخوانك في ~~الدين وأخرج مما عليه إلى مستحقيه، كان آمنا من الفتنة المبطلة، ومحنها ~~المظلمة المظلة ومن بخل منهم بما أعاده الله من نعمته على من أمره بصلته، ~~فإنه يكون خاسرا بذلك لأولاه وآخرته، ولو أن أشياعا وفقهم الله لطاعته على ~~اجتماع من القلوب في الوفاء بالعهد عليهم لما تأخر عنهم اليمن بلقائنا، ~~ولتعجلت لهم السعادة بمشاهدتنا على حق المعرفة وصدقها منهم بنا، فما يحبسنا ~~عنهم إلا ما يتصل بنا مما نكرهه ولا نؤثره منهم، والله المستعان وهو حسبنا ~~ونعم الوكيل، وصلاته على سيدنا البشير النذير محمد وآله الطاهرين وسلم وكتب ~~في غرة شوال من سنة اثني عشر وأربعمائة. # نسخة التوقيع باليد العليا صلوات الله على صاحبها: # هذا كتابنا إليك أيها الولي الملهم للحق العلي، بإملائنا وخط ثقتنا، ~~فاخفه عن كل أحد، واطوه واجعل له نسخة يطلع عليها من تسكن إلى أمانته من ~~أوليائنا شملهم الله ببركتنا إن شاء الله. # الحمد لله والصلاة على سيدنا محمد النبي وآله الطاهرين. # احتجاج الشيخ المفيد السديد أبي عبد الله محمد بن محمد بن النعمان رضي ~~الله عنه. # حدث الشيخ أبو علي الحسن بن محمد الرقي (1) بالرملة في شوال من سنة ثلاث ~~وعشرين وأربعمائة عن الشيخ المفيد أبي عبد الله محمد بن محمد بن النعمان ~~(ره) أنه قال: # PageV02P325 # رأيت في المنام سنة من السنين كأني قد اجتزت في بعض الطرق فرأيت حلقة ~~دائرة فيها ناس كثير، فقلت: # ما هذا؟ # قالوا: هذه حلقة فيها رجل يقص. # فقلت: من هو؟ # قالوا: عمر بن الخطاب. # ففرقت الناس ودخلت الحلقة، فإذا أنا برجل يتكلم على الناس بشئ لم أحصله ~~فقطعت عليه الكلام، وقلت: # أيها الشيخ أخبرني ما وجه الدلالة على فضل صاحبك أبي بكر عتيق ابن أبي ~~قحافة من قول الله تعالى: (ثاني اثنين إذ هما في الغار)؟ (1). # فقال: وجه الدلالة على فضل أبي بكر من هذه الآية في ستة مواضع: # الأول: أن الله ms531 تعالى ذكر النبي صلى الله عليه وآله وذكر أبا بكر فجعله ~~ثانيه، فقال: # (ثاني اثنين إذ هما في الغار). # والثاني: أنه وضعهما بالاجتماع في مكان واحد، لتأليفه بينهما فقال: (إذ ~~هما في الغار). # والثالث: أنه أضاف إليه بذكر الصحبة ليجمعه بينهما بما يقتضي الرتبة، ~~فقال: (إذ يقول لصاحبه). # والرابع: أنه أخبر عن شفقة النبي صلى الله عليه وآله عليه ورفقه به ~~لموضعه عنده فقال: (لا تحزن). # والخامس: أنه أخبر أن الله معهما على حد سواء ناصرا لهما ودافعا عنهما ~~فقال: (إن الله معنا). # والسادس: أنه أخبر عن نزول السكينة على أبي بكر لأن رسول الله صلى الله ~~عليه وآله لم تفارقه السكينة قط، فقال: (فأنزل الله سكينته عليه). # PageV02P326 # فهذه ستة مواضع تدل على فضل أبي بكر من آية الغار، لا يمكنك ولا لغيرك ~~الطعن فيها. # فقلت له: حبرت بكلامك في الإحتجاج لصاحبك عنه، وأني بعون الله سأجعل جميع ~~ما أتيت به كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف. # أما قولك: أن الله تعالى ذكر النبي صلى الله عليه وآله وجعل أبا بكر ~~ثانيه، فهو إخبار عن العدد، لعمري لقد كانا اثنين، فما في ذلك من الفضل؟! ~~ونحن نعلم ضرورة أن مؤمنا ومؤمنا، أو مؤمنا وكافرا، اثنان، فما أرى لك في ~~ذكر العدد طائلا تعتمده. # وأما قولك: أنه وصفهما بالاجتماع في المكان، فإنه كالأول لأن المكان يجمع ~~المؤمن والكافر كما يجمع العدد المؤمنين والكفار، وأيضا: فإن مسجد النبي ~~صلى الله عليه وآله أشرف من الغار، وقد جمع المؤمنين والمنافقين والكفار، ~~وفي ذلك قوله عز وجل: (فما للذين كفروا قبلك مهطعين عن اليمين وعن الشمال ~~عزين) (1) وأيضا: فإن سفينة نوح قد جمعت النبي، والشيطان، والبهيمة، ~~والكلب، والمكان لا يدل على ما أوجبت من الفضيلة، فبطل فضلان. # وأما قولك: أنه أضاف إليه بذكر الصحبة، فإنه أضعف من الفضلين الأولين: # لأن اسم الصحبة يجمع بين المؤمن والكافر، والدليل على ذلك قوله تعالى: ~~(قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من ms532 نطفة ثم سواك ~~رجلا) (2) وأيضا: فإن اسم الصحبة تطلق بين العاقل وبين البهيمة، والدليل ~~على ذلك من كلام العرب الذي نزل القرآن بلسانهم، فقال الله عز وجل: (وما ~~أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه) (3) أنهم سموا الحمار صاحبا فقالوا: # إن الحمار مع الحمار مطية * فإذا خلوت به فبئس الصاحب وأيضا: قد سموا ~~الجماد مع الحي صاحبا، قالوا ذلك في السيف شعرا: # زرت هندا وذاك غير اختيان * ومعي صاحب كتوم اللسان # PageV02P327 # يعني: السيف. فإذا كان اسم الصحبة يقع بين المؤمن والكافر، وبين العاقل ~~والبهيمة، وبين الحيوان والجماد، فأي حجة لصاحبك فيه؟! # وأما قولك: أنه قال: (لا تحزن) فإنه وبال عليه ومنقصة له، ودليل على ~~خطئه، لأن قوله: (لا تحزن) نهي وصورة النهي قول القائل: (لا تفعل) لا يخلوا ~~أن يكون الحزن وقع من أبي بكر طاعة أو معصية، فإن كان (طاعة) فإن النبي صلى ~~الله عليه وآله لا ينهى عن الطاعات بل يأمر بها ويدعو إليها، وإن كان ~~(معصية) فقد نهاه النبي صلى الله عليه وآله عنها، وقد شهدت الآية بعصيانه ~~بدليل أنه نهاه. # وأما قولك: أنه قال: (إن الله معنا) فإن النبي صلى الله عليه وآله قد ~~أخبر أن الله معه، وعبر عن نفسه بلفظ الجمع، كقوله: (إنا نزلنا الذكر وإنا ~~له لحافظون) (١) وقيل أيضا في هذا: إن أبا بكر قال: (يا رسول الله حزني على ~~أخيك علي بن أبي طالب ما كان منه) فقال له النبي صلى الله عليه وآله: # (لا تحزن إن الله معنا) أي: معي ومع أخي علي بن أبي طالب عليه السلام. # وأما قولك: أن السكينة نزلت على أبي بكر، فإنه ترك للظاهر: لأن الذي نزلت ~~عليه السكينة هو الذي أيده بالجنود، وكذا يشهد ظاهر القرآن في قوله: # (فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود، لم تروها) (٢) فإن كان أبو بكر هو ~~صاحب السكينة فهو صاحب الجنود، وفي هذا إخراج للنبي صلى الله عليه وآله من ~~النبوة على أن هذا الموضع لو كتمته عن صاحبك كان خيرا، ms533 لأن الله تعالى أنزل ~~السكينة على النبي صلى الله عليه وآله في موضعين كان معه قوم مؤمنون فشركهم ~~فيها، فقال - في أحد الموضعين -: (فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى ~~المؤمنين وألزمهم كلمة التقوى) (٣) وقال في الموضع الآخر: ﴿أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا ~~لم تروها﴾ (4) ولما كان في هذا الموضع خصه وحده بالسكينة قال: (فأنزل ~~الله سكينته عليه) فلو كان معه مؤمن لشركه معه في السكينة كما # PageV02P328 # شرك من ذكرنا قبل هذا من المؤمنين، فدل إخراجه من السكينة على خروجه من ~~الإيمان، فلم يحر جوابا وتفرق الناس واستيقظت من نومي. # احتجاج السيد الأجل علم الهدى المرتضى أبي القاسم علي رضي الله عنه ~~وأرضاه على أبي العلاء المعري الدهري في جواب ما سأل عنه مرموزا (1 و 2) ~~دخل أبو العلاء المعري على السيد المرتضى قدس الله روحه فقال: أيها السيد ~~ما قولك في الكل؟ # قال السيد: ما قولك في الجزء؟ # فقال: ما قولك في الشعرى؟ # فقال: ما قولك في التدوير؟ # PageV02P329 # # PageV02P329 # قال: ما قولك في عدم الانتهاء؟ # قال: ما قولك في التحيز والناعورة فقال: ما قولك في السبع؟ # فقال: ما قولك في الزايد البري من السبع؟ # فقال: ما قولك في الأربع؟ # فقال: ما قولك في الواحد والاثنين؟ # فقال: ما قولك في المؤثر؟ # فقال: ما قولك في المؤثرات؟ # فقال: ما قولك في النحسين؟ # فقال: ما قولك في السعدين؟ فبهت أبو العلاء. # (قال): فقال السيد المرتضى قدس الله روحه - عند ذلك - ألا كل ملحد ملهد! # فقال أبو العلاء: من أين أخذته؟ # قال: من كتاب الله (يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم) (1). # وقام وخرج فقال السيد رضي الله عنه: قد غاب عنا الرجل وبعد هذا لا يرانا. # PageV02P334 # فسئل السيد (ره) عن كشف هذه الرموز والإشارات فقال: # سألني عن الكل، وعنده الكل قديم، ويشير بذلك إلى عالم سماه (العالم ~~الكبير) فقال: ما قولك فيه؟ أراد أنه قديم. # فأجبته عن ذلك وقلت له: ما قولك في ms534 الجزء؟ لأن عندهم الجزء (محدث) وهو ~~متولد عن (العالم الكبير) وهذا الجزء عندهم هو (العالم الصغير) وكان مرادي ~~بذلك: أنه إذا صح أن هذا العالم محدث، فذلك الذي أشار إليه إن صح فهو محدث ~~أيضا، لأن هذا من جنسه على زعمه، والشي الواحد لا يكون بعضه قديما وبعضه ~~محدثا، فسكت لما سمع ما قلته. # وأما الشعرى: أراد أنها ليست من الكواكب السيارة. # فقلت له: ما قولك في التدويرات؟ أردت (الفلك) في التدويرات والدوران ~~والشعرى لا يقدح في ذلك. # وأما عدم الانتهاء، أراد بذلك أن العالم لا ينتهي لأنه قديم. # فقلت له: قد صح عندي (التحيز والتدوير) وكلاهما يدلان على الانتهاء. # وأما السبع: أراد بذلك (النجوم السيارة) التي هي عندهم ذوات الأحكام. # فقلت له: هذا باطل بالزايد البري الذي يحكم فيه بحكم لا يكون ذلك الحكم ~~منوطا بهذه الكواكب السيارة، التي هي: (الزهرة، والمشتري، والمريخ وعطارد، ~~والشمس، والقمر، وزحل). # وأما الأربع أراد بها (الطبايع) (2). # فقلت له: في الطبيعة الواحدة النارية يتولد منها دابة بجلدها تمس الأيدي ~~ثم يطرح ذلك الجلد على النار فتحرق الزهومات، فيبقى الجلد صحيحا، لأن ~~الدابة خلقها الله على طبيعة النار والنار لا تحرق النار، والثلج أيضا ~~تتولد فيه الديدان وهو على طبيعة واحدة، والماء في البحر على طبيعتين يتولد ~~منه السموك . # PageV02P335 # والضفادع، والحيات، والسلاحف، وغيرها. وعنده لا يحصل الحيوان إلا بالأربع ~~فهذا مناقض بهذا. # وأما المؤثر، أراد به: (الزحل). # فقلت له: ما قولك في المؤثرات؟ أردت بذلك: أن المؤثرات كلهن عنده مؤثرات، ~~فالمؤثر القديم كيف يكون مؤثرا؟! # وأما النحسين، أراد بهما: أنهما من النجوم السيارة، إذا اجتمعا يخرج من ~~بينهما سعد. # فقلت له: ما قولك في السعدين؟ إذا اجتمعا خرج من بينهما نحس، هذا حكم ~~أبطله الله تعالى، ليعلم الناظر أن الأحكام لا يتعلق بالمسخرات، لأن الشاهد ~~يشهد أن (العسل والسكر) إذا اجتمعا لا يحصل منهما (الحنظل). (والعلقم ~~والحنظل) إذا اجتمعا لا يحصل منهما (الدبس والسكر) هذا دليل على بطلان ~~قولهم. # وأما قولي ألا كل ملحد ملهد، ms535 أردت: أن كل مشرك ظالم، لأن في اللغة: # ألحد الرجل إذ عدل من الدين، وألهد إذا ظلم، فعلم أبو العلاء ذلك وأخبرني ~~عن علمه بذلك، فقرأت: (يا بني لا تشرك بالله الآية). # وقيل: أن المعري لما خرج عن العراق سئل عن السيد المرتضى (ره) فقال: # يا سائلي عنه لما جئت أسأله * ألا هو الرجل العاري من العار لو جئته ~~لرأيت الناس في رجل * والدهر في ساعة والأرض في دار احتجاجه قدس الله روحه ~~في التعظيم والتقديم لأئمتنا عليهم السلام على سائر الورى ما عدا نبينا ~~عليه السلام بطريقة لم يسبقه إليها أحد ذكرها في رسالة الموسومة بالرسالة ~~الباهرة في فضل العترة الطاهرة. # قال: ومما يدل أيضا على تقديمهم وتعظيمهم على البشر: أن الله تعالى دلنا ~~على أن المعرفة بهم كالمعرفة به تعالى، في أنها: (إيمان وإسلام) وأن الجهل ~~بهم والشك فيهم كالجهل به والشك فيه، في أنه (كفر وخروج من الإيمان) ~~PageV02P336 # وهذه منزلة ليس لأحد من البشر إلا لنبينا صلى الله عليه وآله، وبعده ~~لأمير المؤمنين والأئمة من ولده عليهم السلام، لأن المعرفة بنبوة الأنبياء ~~المتقدمين من آدم إلى عيسى عليهم السلام غير واجبة علينا، ولا تعلق لها بشئ ~~من تكاليفنا، ولولا أن القرآن ورد بنبوة من سمي فيه من الأنبياء المتقدمين ~~فعرفناهم تصديقا للقرآن، وإلا فلا وجه لوجوب معرفتهم علينا، ولا تعلق لها ~~بشئ من أحوال تكاليفنا. # وبقي علينا أن ندل على أن الأمر على ما ادعيناه. # والذي يدل على أن المعرفة بإمامة من ذكرناه عليهم السلام من جملة ~~الإيمان، وأن الاخلال بها كفر ورجوع عن الإيمان: (إجماع) الشيعة الإمامية ~~على ذلك فإنهم لا يختلفون فيه، وإجماعهم حجة، بدلالة أن قول الحجة المعصوم ~~الذي قد دلت العقول على وجوده في كل زمان في جملتهم وفي زمرتهم، وقد دللنا ~~على هذه الطريقة في مواضع كثيرة من كتبنا، واستوفينا ذلك في جواب المسائل ~~التبانيات خاصة، وفي كتاب نصرة ما انفردت به الشيعة الإمامية من المسائل ~~الفقهية، فإن هذا الكتاب مبني على ms536 صحة هذا الأصل. # ويمكن أن يستدل على وجوب المعرفة بهم عليهم السلام: (بإجماع الأمة) مضافا ~~إلى ما بيناه من إجماع الإمامية. # وذلك: أن جميع أصحاب الشافعي يذهبون إلى أن الصلاة على نبينا في التشهد ~~الأخير فرض واجب، وركن من أركان الصلاة، متى أخل بها الإنسان فلا صلاة له، ~~وأكثرهم يقول: أن الصلاة في هذا التشهد على آل النبي عليهم الصلاة والسلام ~~في الوجوب واللزوم ووقوف أجزاء الصلاة عليهم كالصلاة على النبي صلى الله ~~عليه وآله، والباقون منهم يذهبون: إلى أن الصلاة على الآل مستحبة وليست ~~بواجبة، فعلى القول الأول لا بد لكل من وجبت عليه الصلاة من معرفتهم من حيث ~~كان واجبا عليه الصلاة عليهم، فإن الصلاة عليهم فرع على المعرفة بهم، ومن ~~ذهب إلى أن ذلك مستحب فهو من جملة العبادة، وإن كان مسنونا مستحبا، ~~والتعبدية يقتضي التعبد بما لا يتم إلا به من المعرفة. PageV02P337 # ومن عدى أصحاب الشافعي لا ينكرون أن الصلاة على النبي وآله عليهم السلام ~~في التشهد مستحبة، وأي شبهة تبقى مع هذا في أنهم عليهم السلام أفضل الناس ~~وأجلهم، وذكرهم واجب في الصلاة، وعند أكثر الأمة من الشيعة الإمامية، ~~وجمهور أصحاب الشافعي: أن الصلاة تبطل بتركه، وهل مثل هذه الفضيلة لمخلوق ~~سواهم أو يتعداهم. # ومما يمكن الاستدلال به على ذلك: أن الله تعالى قد ألهم جميع القلوب وغرس ~~في كل النفوس تعظيم شأنهم، وإجلال قدرهم، على تباين مذاهبهم، واختلاف ~~ديانتهم ونحلهم، وما أجمع هؤلاء المختلفون والمتباينون مع تشتت الأهواء ~~وتشعب الآراء على شئ كإجماعهم على تعظيم من ذكرنا وإكباره، فإنهم يزورون ~~قبورهم ويقصدون من شاحط البلاد وشاطها مشاهدهم، ومدافنهم، والمواضع التي ~~رسمت بصلاتهم فيها، وحلولهم بها، وينفقون في ذلك الأموال، ويستنفدون ~~الأحوال. # فقد أخبرني من لا أحصيه كثرة: أن أهل نيشابور ومن والاها من تلك البلدان ~~يخرجون في كل سنة إلى طوس لزيارة الإمام أبي الحسن علي بن موسى الرضا صلوات ~~الله عليهما بالجمال الكثيرة، والإهب التي لا يوجد مثلها إلا للحج إلى بيت ~~الله ms537 الحرام، هذا مع أن المعروف من انحراف أهل خراسان عن هذه الجهة، ~~وازورارهم عن هذا الشعب، وما تسخير هذه القلوب القاسية، وعطف هذه الأمم ~~النائية، إلا كالخارقات للعادات، والخارج عن الأمور المألوفات، وإلا فما ~~الحامل للمخالفين لهذه النحلة، المنحازين عن هذه الجملة، على أن يراوحوا ~~هذه المشاهد ويغادوها، ويستنزلوا عندها من الله تعالى الأرزاق، ويستفتحوا ~~بها الاغلاق، ويطلبوا ببركتها الحاجات، ويستدفعوا البليات، والأحوال ~~الظاهرة كلها لا توجب ذلك، ولا تقتضيه ولا تستدعيه، وإلا فعلوا ذلك فيمن ~~يعتقدونهم أو أكثرهم إمامته وفرض طاعته، وأنه في الديانة موافق لهم غير ~~مخالف، ومساعد غير معاند، ومن المحال أن يكونوا فعلوا ذلك لداع من دواعي ~~الدنيا، فإن الدنيا عند غير هذه الطائفة موجودة، وعندها هي مفقودة، ولا ~~لتقية واستصلاح، فإن التقية هي فيهم لا منهم، ولا خوف من جهتهم، ولا سلطان ~~لهم، وكل خوف إنما PageV02P338 # هو عليهم، فلم يبق إلا داعي الدين، وذلك هو الأمر الغريب العجيب الذي لا ~~تنفذ في مثله إلا مشية الله، وقدرة القهار التي تذلل الصعاب، وتقود بأزمتها ~~الرقاب. # وليس لمن جهل هذه المزية أو تجاهلها أو تعامى عنها وهو يبصرها، أن يقول: ~~إن العلة في تعظيم غير فرق الشيعة لهؤلاء القوم ليست ما عظمتموه وفخمتموه ~~وادعيتم خرقه للعادة وخروجه عن الطبيعة، بل هي لأن هؤلاء القوم من عترة ~~النبي صلى الله عليه وآله، وكل من عظم النبي صلى الله عليه وآله فلا بد أن ~~يكون لعترته وأهل بيته معظما ومكرما، وإذا انضاف إلى القرابة الزهد، وهجر ~~الدنيا، والعفة، والعلم، زاد الاجلال والإكرام لزيادة أسبابها. # والجواب عن هذه الشبهة الضعيفة: أن قد شارك أئمتنا عليهم السلام والصلاة ~~في نسبهم وحسبهم وقرابتهم من النبي صلى الله عليه وآله غيرهم، وكانت لكثير ~~منهم عبادات ظاهرة وزهادة في الدنيا بادية، وسمات جميلة، وصفات حسنة، من ~~ولد أبيهم عليه وآله السلام ومن ولد عمهم العباس رضوان الله عليهم، فما ~~رأينا من الاجماع على تعظيمهم، وزيارة مدافنهم، والاستشفاع بهم في الأغراض ~~والاستدفاع بمكانهم للأعراض والأمراض، ms538 ما وجدنا مشاهدا معاينا في هذا ~~الاشتراك، وإلا فمن الذي أجمع على فرط إعظامه وإجلاله من ساير صنوف العترة، ~~يجري في هذا الحال مجرى الباقر والصادق والكاظم والرضا صلوات الله عليهم ~~أجمعين، لأن من عدا من ذكرناه من صلحاء العترة وزهادها ممن يعظمه فريق من ~~الأمة ويعرض عنه فريق، ومن عظم منهم وقدمه لا ينتهي في الاجلال والإعظام ~~إلى الغاية التي ينتهي إليها فيمن ذكرناه ولولا أن تفصيل هذه الجملة ملحوظ ~~معلوم لفصلناها على طول ذلك، ولسمينا من كنينا عنه، ونظرنا بين كل معظم ~~مقدم من العترة، ليعلم أن الذي ذكرناه هو الحق الواضح وما عداه هو الباطل ~~الماضح (1). # وبعد: فمعلوم ضرورة أن الباقر والصادق ومن وليهما من أئمة أبنائهما ~~عليهما السلام كانوا في الديانة والاعتقاد وما يفتون به من حلال وحرام على ~~خلاف ما يذهب إليه # PageV02P339 # مخالفوا الإمامية، وإن ظهر شك في ذلك كله فلا شك ولا شبهة على منصف في ~~أنهم لم يكونوا على مذاهب الفرق المختلفة المجمعة على تعظيمهم والتقرب إلى ~~الله تعالى بهم، وكيف يعترض ريب فيما ذكرناه؟! ومعلوم ضرورة أن شيوخ ~~الإمامية وسلفهم في ذلك الأزمان كانوا بطانة للباقر وللصادق صلوات الله ~~عليهما ومن وليهما أجمعين السلام، وملازمين لهم متمسكين بهم، ومظهرين أن كل ~~شئ يعتقدونه وينتحلونه ويصححونه أو يبطلونه فعنهم تلقوه ومنهم أخذوه، فلو ~~لم يكونوا عليهم السلام بذلك راضين وعليه مقرين لأبوا عليهم نسبة تلك ~~المذاهب إليهم، وهم منها بريئون خليون، ولنفوا ما بينهم من مواصلة ومجالسة، ~~وملازمة وموالاة، ومصافاة، ومدح وإطراء وثناء، ولأبدلوه، باللوم والذم، ~~والبراءة والعداوة، فلو لم يكن أنهم عليهم السلام لهذه المذاهب معتقدون ~~وبها راضون، لبان لنا واتضح، ولو لم يكن إلا هذه الدلالة لكفت وأغنت، وكيف ~~يطيب قلب عاقل، أو يسوغ في الدين لأحد: # أن يعظم في الدين من هو على خلاف ما يعتقد أنه الحق وما سواه باطل، ثم ~~ينتهي في التعظيمات والكرامات إلى أبعد الغايات وأقصى النهايات، وهل جرت ~~بمثل ذلك عادة؟ أو مضت عليه سنة؟ ms539 أو لا يرون أن الإمامية لا تلتفت إلى من ~~خالقها من العترة، وحاد عن جادتها في الديانة، ومحجتها في الولاية، ولا ~~تسمح له بشئ من المدح والتعظيم، فضلا عن غايته وأقصى نهايته، بل تبرأ منه ~~وتعاديه، وتجريه في جميع الأحكام مجرى من لا نسب له ولا حسب، ولا قرابة ولا ~~علقة، وهذا يوقظ على أن الله تعالى خرق في هذه العصابة العادات، وقلب ~~الجبلات، ليبين من عظيم منزلتهم، وشريف مرتبتهم، وهذه فضيلة تزيد على ~~الفضائل، وتوفي على جميع الخصائص والمناقب، وكفى به برهانا لائحا، وحجابا ~~راجحا. قطعنا هذا الكتاب على كلام السيد علم الهدى قدس الله روحه، والحمد ~~لله رب العالمين، والصلاة على خير خلقه محمد وآله الطيبين الطاهرين ~~المعصومين، وحسبنا الله ونعم الوكيل.# PageV02P340 ms540