######OpenITI#
#META# 000.SortField :: Shia_001337Vols
#META# 000.BookURI :: NOCODE
#META# 010.AuthorAKA :: NODATA
#META# 010.AuthorNAME :: الشيخ الطبرسي
#META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN
#META# 011.AuthorDIED :: 548
#META# 019.AuthorDIED :: NODATA
#META# 020.BookTITLE :: الاحتجاج
#META# 020.BookTITLESUB :: NODATA
#META# 021.BookSUBJ :: مصادر الحديث الشيعية ـ القسم العام
#META# 022.BookVOLS :: 2
#META# 025.BookLANG :: NODATA
#META# 029.BookTITLEalt :: NODATA
#META# 030.LibURI :: Shia_001337Vols
#META# 030.LibURIextra :: NODATA
#META# 031.LibREADONLINE :: http://shiaonlinelibrary.com/الكتب/1337_الاحتجاج-الشيخ-الطبرسي-ج-1
#META# 031.LibURL :: NODATA
#META# 031.LibURLFILE :: NODATA
#META# 031.LibURLextra :: NODATA
#META# 040.EdALL :: NODATA
#META# 040.EdEDITOR :: تعليق وملاحظات: السيد محمد باقر الخرسان
#META# 041.EdNUMBER :: NODATA
#META# 041.EdNumber :: NODATA
#META# 043.EdPUBLISHER :: مطابع النعمان النجف الأشرف
#META# 044.EdPLACE :: NODATA
#META# 045.EdYEAR :: 1386 - 1966 م
#META# 049.EdISBN :: NODATA
#META# 049.EdPAGES :: NODATA
#META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA
#META# 049.EdVOLUME :: NODATA
#META# 090.RecMISC :: NODATA
#META# 999.MiscINFO :: NODATA
#####SUBJECT#BIBLIOGRAPHY#
#META#Header#End#
# بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله المتعالي عن صفات المخلوقين، المنزه عن
~~نعوت الناعتين، المبرأ مما لا يليق بوحدانيته، المرتفع عن الزوال والفناء
~~بوجوب إلهيته، الذي استعبد الخلائق بحمد ما تواتر عليهم من نعمائه، وترادف
~~لديهم من حسن بلائه، وتتابع من أياديه وعواطفه، وتفاقم من مواهبه وعوارفه،
~~جم عن الاحصاء عددها، وفاق عن الإحاطة بها مددها، وخرست ألسن الناطقين
~~بالشكر عليها عن أداء ما وجب من حقها لديها.
# وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة يثقل بها ميزان
~~العارفين وتبيض بها وجوههم يوم الدين، وأشهد أن محمدا عبده المصطفى ورسوله
~~المجتبى خاتم الرسل والأنبياء وسيد الخلائق كلهم والأصفياء، وأن وصيه علي
~~بن أبي طالب عليه السلام خير وصي وصي وخير إمام ولي، وأن عترته الطاهرة خير
~~العترة الأئمة الهادية الاثنا عشر أمناء الله في بلاده وحججه على عباده،
~~بهم تمت علينا نعمته وعلت كلمته، اختارهم للبرية إظهارا للطفه وحكمته
~~وإنارة لأعلام عدله ورحمته فانزاحت بهم علة العبيد، وزهق باطل كل مستكبر
~~عنيد، بأن عصمهم من الذنوب وبرأهم من العيوب حفظا منه للشرائع والأحكام،
~~وسياسة لهم وهيبة لأهل المعاصي والآثام، وزجرا عن التغاشم والتكالب، وردعا
~~عن التظالم والتواثب، وتأديبا بهم لأهل العتو والعدوان، ودفعا لما تدعو
~~إليه دواعي الشيطان، ولم يهملهم سدى بلا حجة فيهم معصوم إما ظاهر مشهور أو
~~غائب مكتوم، لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الحجة، ولا يلتبس عليهم في
~~دينه المحجة، ولم يجعل إليهم اختياره لعلمه بأنهم لا يعلمون أسراره، ولأنه
~~عز وجل متعال عن فعل شئ لا يجوز عليه مثل تكليف ما لا يهتدي العباد إليه،
~~وقد نزه نفسه عن أن يشرك به أحدا في الاختيار PageV01P003
# حيث قال: " وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة " سبحان الله
~~تعالى عما يشركون.
# ثم إن الذي دعاني إلى تأليف هذا الكتاب عدول جماعة من الأصحاب عن طريق
~~الحجاج جدا وعن سبيل الجدال وإن كان حقا، وقولهم: " إن النبي صلى الله عليه
~~وآله ms001 والأئمة عليهم السلام لم يجادلوا قط ولا استعملوه ولا للشيعة فيه
~~إجازة بل نهوهم عنه وعابوه "، فرأيت عمل كتاب يحتوي على ذكر جمل من
~~محاوراتهم في الفروع والأصول مع أهل الخلاف وذوي الفضول، قد جادلوا فيها
~~بالحق من الكلام وبلغوا غاية كل مرام، وأنهم عليهم السلام إنما نهوا عن ذلك
~~الضعفاء والمساكين من أهل القصور عن بيان الدين دون المبرزين في الاحتجاج
~~الغالبين لأهل اللجاج، فإنهم كانوا مأمورين من قبلهم بمقاومة الخصوم
~~ومداولة الكلوم، فعلت بذلك منازلهم وارتفعت درجاتهم وانتشرت فضائلهم. وأنا
~~ابتدئ في صدر الكتاب بفصل ينطوي على ذكر آيات من القرآن التي أمر الله
~~تعالى بذلك أنبياءه بمحاجة ذوي العدوان ويشتمل أيضا على عدة أخبار في فضل
~~الذابين عن دين الله القويم وصراطه المستقيم بالحجج القاهرة والبراهين
~~الباهرة، ثم نشرع في ذكر طرف من مجادلات النبي والأئمة عليه وعليهم السلام،
~~وربما يأتي في أثناء كلامهم كلام جماعة من الشيعة حيث تقتضي الحال ذكره،
~~ولا نأتي في أكثر ما نورده من الأخبار بإسناده إما لوجود الإجماع عليه أو
~~موافقته لما دلت العقول إليه أو لاشتهاره في السير والكتب بين المخالف
~~والمؤالف، إلا ما أوردته عن أبي محمد الحسن العسكري عليه السلام، فإنه ليس
~~في الاشتهار على حد ما سواه وإن كان مشتملا على مثل الذي قدمناه، فلأجل ذلك
~~ذكرت إسناده في أول جزء من ذلك دون غيره، لأن جميع ما رويت عنه عليه السلام
~~إنما رويته بإسناد واحد من جملة الأخبار التي ذكرها عليه السلام في تفسيره.
# والله المستعان فيما قصدناه وهو حسبي ونعم الوكيل. PageV01P004
# فصل " في ذكر طرف مما أمر الله في كتابه من الحجاج والجدال " " بالتي هي
~~أحسن وفضل أهله " قال الله تبارك وتعالى في كتابه مخاطبا لنبيه صلى الله
~~عليه وآله: " وجادلهم بالتي هي أحسن " (1).
# وقال عز من قائل: " ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن " (2) وقال
~~الله تعالى: " ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم " الآية (3).
# وقال تعالى حكاية عن إبراهيم عليه السلام أيضا لما ms002 احتج علي على عبدة
~~الكوكب المعروف بالزهرة وعبدة الشمس والقمر جميعا بزوالها وانتقالها
~~وطلوعها وأفولها وعلى حدوثها وإثبات محدث لها وفاطر إياها: " وكذلك نري
~~إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين " إلى قوله تعالى: "
~~وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه " (4) وغير ذلك من الآيات التي فيها
~~الأمر بالاحتجاج، وسيأتي ذكر شرحها في مواضعها إنشاء الله تعالى.
# وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: " نحن المجادلون في دين الله
~~على لسان سبعين نبيا ".
# وأما الأخبار في فضل العلماء فهي أكثر من أن تعد أو تحصى، لكنا نذكر طرفا
~~منها:
# فمن ذلك ما حدثني به السيد العالم العابد أبو جعفر مهدي بن أبي حرب
# PageV01P005
# الحسيني المرعشي (1) رضي الله عنه، قال حدثني الشيخ الصادق أبو عبد الله
~~جعفر بن محمد ابن أحمد الدوريستي (2) رحمة الله عليه، قال حدثني أبي محمد
~~بن أحمد (3) قال حدثني الشيخ السعيد أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن
~~بابويه القمي (4) رحمه الله، قال حدثني أبو الحسن محمد بن القاسم المفسر
~~الأسترآبادي (5)، قال حدثني أبو يعقوب يوسف بن محمد بن زياد وأبو الحسن علي
~~بن محمد بن سيار (6) - وكانا من الشيعة
# PageV01P006
# الإمامية - قالا حدثنا أبو محمد الحسن بن علي العسكري عليهما السلام، قال
~~حدثني أبي عن آبائه عليهم السلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه
~~قال: أشد من يتم اليتيم الذي انقطع من أمه وأبيه يتم يتيم انقطع عن إمامه
~~ولا يقدر على الوصول إليه ولا يدري كيف حكمه فيما يبتلى به من شرائع دينه،
~~ألا فمن كان من شيعتنا عالما بعلومنا، وهذا الجاهل بشريعتنا المنقطع عن
~~مشاهدتنا يتيم في حجره، ألا فمن هداه وأرشده وعلمه شريعتنا كان معنا في
~~الرفيق الأعلى (1).
# وبهذا الإسناد عن أبي محمد الحسن العسكري عليه السلام قال: قال علي بن
~~أبي طالب عليه السلام: من كان من شيعتنا عالما بشريعتنا فأخرج ضعفاء شيعتنا
~~من ظلمة جهلهم إلى نور العلم الذي حبوناه به (2) جاء يوم القيامة على رأسه
~~تاج ms003 من نور يضئ لجميع أهل العرصات، وحلة لا تقوم لأقل سلك منها الدنيا
~~بحذافيرها، ثم ينادي مناد " يا عباد الله هذا عالم من تلامذة بعض علماء آل
~~محمد، ألا فمن أخرجه في الدنيا من حيرة جهله فليتشبث بنوره ليخرجه من حيرة
~~ظلمة هذه العرصات إلى نزهة الجنان " فيخرج كل من كان علمه في الدنيا خيرا،
~~أو فتح عن قلبه من الجهل قفلا، أو أوضح له عن شبهة.
# وبهذا الإسناد عن أبي محمد الحسن بن علي العسكري عليهما السلام قال: قال
~~الحسين ابن علي (3) فضل كافل يتيم آل محمد المنقطع عن مواليه الناشب (4) في
~~رتبة الجهل يخرجه من جهله ويوضح له ما اشتبه عليه على فضل كافل يتيم يطعمه
~~ويسقيه
# PageV01P007
# كفضل الشمس على السها.
# وبهذا الإسناد عن أبي محمد الحسن بن علي العسكري قال: قال الحسين بن علي
~~عليهما السلام: من كفل لنا يتيما قطعته عنا محنتنا باستتارنا فواساه من
~~علومنا التي سقطت إليه حتى أرشده وهداه قال الله عز وجل: أيها العبد الكريم
~~المواسي لأخيه أنا أولى بالكرم منك، اجعلوا له يا ملائكتي في الجنان بعدد
~~كل حرف علمه ألف ألف قصر وضموا إليها ما يليق بها من سائر النعيم.
# وبهذا الإسناد عنه عليه السلام قال: قال محمد بن علي الباقر عليهما
~~السلام: العالم كمن معه شمعة تضئ للناس، فكل من أبصر بشمعته دعا بخير، كذلك
~~العالم معه شمعة تزيل ظلمة الجهل والحيرة، فكل من أضاءت له فخرج بها من
~~حيرة أو نجا بها من جهل فهو من عتقائه من النار، والله يعوضه عن ذلك لكل
~~شعرة لمن أعتقه ما هو أفضل له من الصدقة بمائة ألف قنطار (1) على الوجه
~~الذي أمر الله عز وجل به، بل تلك الصدقة وبال على صاحبها لكن يعطيه الله ما
~~هو أفضل من مائة ألف ركعة يصليها من بين يدي الكعبة.
# وبهذا الإسناد عنه عليه السلام قال: قال جعفر بن محمد الصادق عليهما
~~السلام:
# علماء شيعتنا مرابطون في الثغر الذي يلي إبليس وعفاريته، يمنعونهم ms004 عن
~~الخروج على ضعفاء شيعتنا وعن أن يتسلط عليهم إبليس وشيعته والنواصب، ألا
~~فمن انتصب لذلك من شيعتنا كان أفضل ممن جاهد الروم والترك والخزر ألف ألف
~~مرة لأنه يدفع عن أديان محبينا وذلك يدفع عن أبدانهم.
# وعنه عليه السلام بالإسناد المتقدم قال: قال موسى بن جعفر عليهما السلام:
~~فقيه واحد ينقذ يتيما من أيتامنا المنقطعين عنا وعن مشاهدتنا بتعليم ما هو
~~محتاج إليه
# PageV01P008
# أشد على إبليس من ألف (1) عابد لأن العابد همه ذات نفسه فقط وهذا همه مع
~~ذات نفسه ذوات عباد الله وإمائه لينقذهم من يد إبليس ومردته، فلذلك هو أفضل
~~عند الله من ألف عابد وألف ألف عابدة.
# وعنه عليه السلام قال: قال علي بن موسى الرضا عليهما السلام: يقال للعابد
~~يوم القيامة: " نعم الرجل كنت همتك ذات نفسك وكفيت مؤنتك فادخل الجنة ".
# ألا إن الفقيه من أفاض على الناس خيره وأنقذهم من أعدائهم ووفر عليهم نعم
~~جنان الله تعالى وحصل لهم رضوان الله تعالى، ويقال للفقيه: " يا أيها
~~الكافل لأيتام آل محمد الهادي لضعفاء محبيهم ومواليهم قف حتى تشفع لكل من
~~أخذ عنك أو تعلم منك "، فيقف فيدخل الجنة معه فئاما وفئاما وفئاما (2) -
~~حتى قال عشرا - وهم الذين أخذوا عنه علومه وأخذوا عمن أخذ عنه وعمن أخذ عمن
~~أخذ عنه إلى يوم القيامة، فانظروا كم صرف ما بين المنزلتين (3).
# وعنه عليه السلام قال: قال محمد بن علي الجواد عليهما السلام: من تكفل
~~بأيتام آل محمد المنقطعين عن إمامهم المتحيرين في جهلهم الأسارى في أيدي
~~شياطينهم وفي أيدي النواصب من أعدائنا فاستنقذهم منهم وأخرجهم من حيرتهم
~~وقهر الشياطين برد وساوسهم وقهر الناصبين بحجج ربهم ودلائل أئمتهم ليحفظوا
~~عهد الله على العباد بأفضل الموانع بأكثر من فضل السماء على الأرض والعرش
~~والكرسي والحجب على السماء، وفضلهم على العباد كفضل القمر ليلة البدر على
~~أخفى كوكب في السماء.
# وعنه عليه السلام قال: قال علي بن محمد عليهما السلام: لولا من يبقى بعد
~~غيبة قائمكم عليه السلام من العلماء الداعين ms005 إليه والدالين عليه والذابين
~~عن دينه بحجج الله والمنقذين لضعفاء عباد الله من شباك إبليس ومردته ومن
~~فخاخ النواصب لما بقي أحد إلا ارتد عن دين الله، ولكنهم الذين يمسكون أزمة
~~قلوب ضعفاء الشيعة كما
# PageV01P009
# يمسك صاحب السفينة سكانها، أولئك هم الأفضلون عند الله عز وجل.
# وعنه عليه السلام قال: يأتي علماء شيعتنا القوامون بضعفاء محبينا وأهل
~~ولايتنا يوم القيامة والأنوار تسطع من تيجانهم، على رأس كل واحد منهم تاج
~~بهاء قد انبثت تلك الأنوار في عرصات القيامة ودورها مسيرة ثلاثمائة ألف
~~سنة، فشعاع تيجانهم ينبث فيها كلها فلا يبقى هناك يتيم قد كفلوه ومن ظلمة
~~الجهل علموه ومن حيرة التيه أخرجوه إلا تعلق بشعبة من أنوارهم، فرفعتهم إلى
~~العلو حتى تحاذي بهم فوق الجنان، ثم ينزلهم على منازلهم المعدة في جوار
~~أستاديهم ومعلميهم وبحضرة أئمتهم الذين كانوا إليهم يدعون، ولا يبقى ناصب
~~من النواصب يصيبه من شعاع تلك التيجان إلا عميت عينه وأصمت أذنه وأخرس
~~لسانه وتحول عليه أشد من لهب النيران، فيحملهم حتى يدفعهم إلى الزبانية
~~فيدعونهم (1) إلى سواء الجحيم.
# وقال أيضا أبو محمد الحسن العسكري عليه السلام: إن محبي آل محمد صلى الله
~~عليه وآله مساكين مواساتهم أفضل من مواساة مساكين الفقراء، وهم الذين سكنت
~~جوارحهم وضعفت قواهم من مقاتلة أعداء الله الذين يعيرونهم بدينهم ويسفهون
~~أحلامهم، ألا فمن قواهم بفقهه وعلمه حتى أزال مسكنتهم ثم يسلطهم على
~~الأعداء الظاهرين النواصب وعلى الأعداء الباطنين إبليس ومردته حتى يهزموهم
~~عن دين الله يذودوهم (2) عن أولياء آل رسول الله صلى الله عليه وآله حول
~~الله تعالى تلك المسكنة إلى شياطينهم فأعجزهم عن إضلالهم، قضى الله تعالى
~~بذلك قضاءا حقا على لسان رسول الله صلى الله عليه وآله.
# وقال أبو محمد الحسن بن علي العسكري عليهما السلام: قال علي بن أبي طالب
~~عليه السلام من قوى مسكينا في دينه ضعيفا في معرفته على ناصب مخالف فأفحمه
~~(3)
# PageV01P010
# لقنه الله تعالى يوم يدلى في قبره أن يقول: الله ربي، ومحمد نبيي، وعلي ms006
~~وليي، والكعبة قبلتي، والقرآن بهجتي وعدتي، والمؤمنون إخواني، فيقول الله:
~~أدليت بالحجة (1) فوجبت لك أعالي درجات الجنة، فعند ذلك يتحول عليه قبره
~~أنزه رياض الجنة.
# وقال أبو محمد عليه السلام: قالت فاطمة عليها السلام وقد اختصم إليها
~~امرأتان فتنازعتا في شئ من أمر الدين إحداهما معاندة والأخرى مؤمنة ففتحت
~~على المؤمنة حجتها فاستظهرت على المعاندة ففرحت فرحا شديدا، فقالت فاطمة:
~~إن فرح الملائكة باستظهارك عليها أشد من فرحك، وإن حزن الشيطان ومردته
~~بحزنها عنك أشد من حزنها، وإن الله عز وجل قال للملائكة: أوجبوا لفاطمة بما
~~فتحت على هذه المسكينة الأسيرة من الجنان ألف ألف ضعف مما كنت أعددت لها،
~~واجعلوا هذه سنة في كل من يفتح على أسير مسكين فيغلب معاندا مثل ألف ألف ما
~~كان له معدا من الجنان.
# وقال أبو محمد عليه السلام: قال الحسن بن علي بن أبي طالب عليه السلام
~~وقد حمل إليه رجل هدية فقال له: أيما أحب إليك أن أرد عليك بدلها عشرين
~~ضعفا [عشرين ضعفا عشرين ضعفا - يعني] (2) عشرين ألف درهم - أو أفتح لك بابا
~~من العلم تقهر فلانا الناصبي في قريتك تنقذ به ضعفاء أهل قريتك؟ أن أحسنت
~~الاختيار جمعت لك الأمرين، وإن أسأت الاختيار خيرتك لتأخذ أيهما شئت. فقال:
~~يا بن رسول الله فثوابي في قهري ذلك الناصب واستنقاذي لأولئك الضعفاء من
~~يده قدره عشرون ألف درهم؟ قال: بل أكثر من الدنيا عشرين ألف ألف مرة. قال:
# يا بن رسول الله فكيف أختار الأدون بل أختار الأفضل، الكلمة التي أقهر
~~بها عدو الله وأذوده عن أوليائه. فقال الحسن بن علي عليهما السلام: قد
~~أحسنت الاختيار، وعلمه الكلمة وأعطاه عشرين ألف درهم، فذهب فأفحم الرجل،
~~فاتصل
# PageV01P011
# خبره به فقال له حين حضر معه: يا عبد الله ما ربح أحد مثل ربحك ولا اكتسب
~~أحد من الأوداء مثل ما اكتسبت مودة الله أولا ومودة محمد وعلي ثانيا ومودة
~~الطيبين من آلهما ثالثا ومودة ملائكة الله تعالى المقربين رابعا ومودة
~~إخوانك المؤمنين خامسا، ms007 واكتسبت بعدد كل مؤمن وكافر ما هو أفضل من الدنيا
~~ألف مرة، فهنيئا لك هنيئا.
# وقال أبو محمد عليه السلام: قال جعفر بن محمد عليهما السلام: من كان همه
~~في كسر النواصب عن المساكين من شيعتنا الموالين حمية لنا أهل البيت يكسرهم
~~عنهم ويكشف عن مخازيهم ويبين عوارهم (1) ويفخم أمر محمد وآله جعل الله
~~تعالى همة أملاك الجنان في بناء قصوره ودوره، يستعمل بكل حرف من حروف حججه
~~على أعداء الله أكثر من عدد أهل الدنيا أملاكا، قوة كل واحد يفضل عن حمل
~~السماوات والأرضين، فكم من بناء وكم من نعمة وكم من قصور لا يعرف قدرها إلا
~~رب العالمين.
# وقال أبو محمد عليه السلام: قال علي بن موسى الرضا عليهما السلام:
# أفضل ما يقدمه العالم من محبينا وموالينا أمامه ليوم فقره وفاقته وذله
~~ومسكنته أن يغيث في الدنيا مسكينا من محبينا من يد ناصب عدو لله ولرسوله،
~~يقوم من قبره والملائكة صفوف من شفير قبره إلى موضع محله من جنان الله،
~~فيحملونه على أجنحتهم يقولون له: مرحبا طوباك طوباك (2) يا دافع الكلاب عن
~~الأبرار ويا أيها المتعصب للأئمة الأخيار.
# وقال أبو محمد لبعض تلامذته - لما اجتمع إليه قوم من مواليه والمحبين لآل
~~محمد رسول الله بحضرته وقالوا: يا بن رسول الله صلى الله عليه وآله إن لنا
~~جارا من النصاب يؤذينا ويحتج علينا في تفضيل الأول والثاني والثالث على
~~أمير المؤمنين عليه السلام ويورد علينا حججا لا ندري كيف الجواب عنها
~~والخروج منها -: مر بهؤلاء إذا
# PageV01P012
# كانوا مجتمعين يتكلمون فتستمع عليهم فسيستدعون منك الكلام فتكلم وافحم
~~صاحبهم واكسر عربه (1) وفل حده (2) ولا تبق له باقية، فذهب الرجل وحضر
~~الموضع وحضروا وكلم الرجل فأفحمه وصيره لا يدري في السماء هو أو في الأرض.
# قالوا: ووقع علينا من الفرح والسرور ما لا يعلمه إلا الله تعالى، وعلى
~~الرجل والمتعصبين له من الغم والحزن مثل ما لحقنا من السرور. فلما رجعنا
~~إلى الإمام قال لنا: إن الذين في السماوات لحقهم من الفرح ms008 والطرب بكسر هذا
~~العدو لله كان أكثر مما كان بحضرتكم، والذي كان بحضرة إبليس وعتاة مردته من
~~الشياطين من الحزن والغم أشد مما كان بحضرتهم، ولقد صلى على هذا العبد
~~الكاسر له ملائكة السماء والحجب والعرش والكرسي، وقابلهما الله تعالى
~~بالإجابة فأكرم إيابه وعظم ثوابه، ولقد لعنت تلك الأملاك عدو الله المكسور
~~وقابلها الله بالإجابة فشدد حسابه وأطال عذابه.
# PageV01P013
# فصل " في ذكر طرف مما جاء عن النبي (ص) من الجدال والمحاجة والمناظرة " "
~~وما يجري مجرى ذلك مع من خالف الإسلام وغيرهم " قال أبو محمد الحسن بن علي
~~العسكري عليهما السلام: ذكر عند الصادق عليه السلام الجدال في الدين وأن
~~رسول الله صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام قد نهوا عنه، فقال
~~الصادق عليه السلام: لم ينه عنه مطلقا، ولكنه نهى عن الجدال بغير التي هي
~~أحسن، أما تسمعون الله يقول: " ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن "
~~(1) وقوله:
# " ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن " (2)
~~فالجدال بالتي هي أحسن قد قرنه العلماء بالدين، والجدال بغير التي هي أحسن
~~محرم حرمه الله على شيعتنا، وكيف يحرم الله الجدال جملة وهو يقول: " وقالوا
~~لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى " (3) وقال الله تعالى: " تلك
~~أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين " (3) فجعل الله علم الصدق
~~والإيمان بالبرهان، وهل يؤتي ببرهان إلا بالجدال بالتي هي أحسن.
# قيل: يا بن رسول الله فما الجدال بالتي هي أحسن وبالتي ليست بأحسن؟ قال:
~~أما الجدال بغير التي هي أحسن فأن تجادل به مبطلا فيورد عليك باطلا فلا
~~ترده بحجة قد نصبها الله ولكن تجحد قوله أو تجحد حقا يريد بذلك المبطل أن
~~يعين به باطله، فتجحد ذلك الحق مخافة أن يكون له عليك فيه حجة لأنك لا تدري
~~كيف المخلص منه، فذلك حرام على شيعتنا أن يصيروا فتنة على ضعفاء إخوانهم
~~وعلى المبطلين، أما المبطلون فيجعلون ضعف الضعيف منكم إذا تعاطى مجادلته
~~وضعف في يده حجة له
# PageV01P014
# على ms009 باطله، وأما الضعفاء منكم فتغم قلوبهم (1) لما يرون من ضعف المحق في
~~يد المبطل.
# وأما الجدال بالتي هي أحسن فهو ما أمر الله تعالى به نبيه أن يجادل به من
~~جحد البعث بعد الموت وإحياءه له، فقال الله له حاكيا عنه: " وضرب لنا مثلا
~~ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم " فقال الله تعالى في الرد عليه: "
~~قل [يا محمد] يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم. الذي جعل لكم
~~من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون " (2) إلى آخر السورة، فأراد
~~الله من نبيه أن يجادل المبطل الذي قال: كيف يجوز أن يبعث هذه العظام وهي
~~رميم؟
# فقال الله تعالى: قل " يحييها الذي أنشأها أول مرة " أفيعجز من ابتدأ به
~~لا من شئ أن يعيده بعد أن يبلى بل ابتداؤه أصعب عندكم من إعادته، ثم قال "
~~الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا " أي إذا أكمن النار الحارة في الشجر
~~الأخضر الرطب ثم يستخرجها فعرفكم أنه على إعادة ما بلى أقدر، ثم قال "
~~أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق
~~العليم " (3) أي إذا كان خلق السماوات والأرض أعظم وأبعد في أوهامكم وقدركم
~~أن تقدروا عليه من إعادة البالي، فكيف جوزتم من الله خلق هذا الأعجب عندكم
~~والأصعب لديكم ولم تجوزوا منه ما هو أسهل عندكم من إعادة البالي.
# قال الصادق عليه السلام: فهو الجدال بالتي هي أحسن، لأن فيها قطع عذر
~~الكافرين وإزالة شبههم. وأما الجدال بغير التي هي أحسن فإن تجحد حقا لا
~~يمكنك أن تفرق بينه وبين باطل من تجادله، وإنما تدفعه عن باطله بأن تجحد
~~الحق، فهذا هو المحرم لأنك مثله جحد هو حقا وجحدت أنت حقا آخر.
# وقال أبو محمد الحسن العسكري عليه السلام: فقام إليه رجل آخر وقال: يا بن
~~رسول الله صلى الله عليه وآله أفجادل رسول الله؟ فقال الصادق عليه السلام:
~~مهما ظننت برسول الله من شئ فلا تظنن به مخالفة الله، أليس ms010 الله قد قال: "
~~وجادلهم بالتي هي أحسن " و " قل يحييها الذي أنشأها أول مرة " لمن ضرب الله
~~مثلا، أفتظن أن رسول الله صلى الله عليه وآله خالف ما أمر
# PageV01P015
# الله به فلم يجادل بما أمره الله به ولم يخبر عن أمر الله بما أمره أن
~~يخبر به، ولقد حدثني أبي الباقر عن جدي علي بن الحسين عن أبيه الحسين بن
~~علي سيد الشهداء عن أبيه أمير المؤمنين صلوات الله عليهم أنه اجتمع يوما
~~عند رسول الله صلى الله عليه وآله أهل خمسة أديان: اليهود، والنصارى،
~~والدهرية، والثنوية، ومشركو العرب (1).
# فقالت اليهود: نحن نقول عزير ابن الله، وقد جئناك يا محمد لننظر ما تقول
~~فإن اتبعتنا فنحن أسبق إلى الصواب منك وأفضل، وإن خالفتنا خصمناك.
# وقالت النصارى: نحن نقول إن المسيح ابن الله اتحد به، وقد جئناك لننظر ما
~~تقول، فإن اتبعتنا فنحن أسبق إلى الصواب منك وأفضل، وإن خالفتنا خصمناك.
# وقالت الدهرية: نحن نقول إن الأشياء لا بدو لها وهي دائمة، وقد جئناك
~~لننظر فيما تقول، فإن اتبعتنا فنحن أسبق إلى الصواب منك وأفضل، وإن خالفتنا
~~خصمناك.
# وقالت الثنوية: نحن نقول إن النور والظلمة هما المدبران. وقد جئناك لننظر
~~فيما تقول، فإن اتبعتنا فنحن أسبق إلى الصواب منك، وإن خالفتنا خصمناك.
# وقال مشركو العرب: نحن نقول إن أوثاننا آلهة، وقد جئناك لننظر فيما تقول،
~~فإن اتبعتنا فنحن أسبق إلى الصواب منك وأفضل، وإن خالفتنا خصمناك.
# فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: آمنت بالله وحده لا شريك له وكفرت
~~[بالجبت
# PageV01P016
# والطاغوت و] (1) بكل معبود سواه.
# ثم قال لهم: إن الله تعالى قد بعثني كافة للناس بشيرا ونذيرا وحجة على
~~العالمين، وسيرد كيد من يكيد دينه في نحره.
# ثم قال لليهود: أجئتموني لأقبل قولكم بغير حجة؟ قالوا: لا. قال: فما الذي
~~دعاكم إلى القول بأن عزيرا ابن الله؟ قالوا: لأنه أحيى لبني إسرائيل
~~التوراة بعد ما ذهبت ولم يفعل بها هذا إلا لأنه ابنه. فقال رسول الله صلى
~~الله عليه وآله: ms011 فكيف صار عزير ابن الله دون موسى وهو الذي جاء لهم
~~بالتوراة ورؤي منه من المعجزات ما قد علمتم. ولئن كان عزير بن الله لما ظهر
~~من إكرامه بإحياء التوراة فلقد كان موسى بالبنوة أولى وأحق، ولئن كان هذا
~~المقدار من إكرامه لعزير يوجب له أنه ابنه فأضعاف هذه الكرامة لموسى توجب
~~له منزلة أجل من البنوة، لأنكم إن كنتم إنما تريدون بالبنوة الدلالة على
~~سبيل ما تشاهدونه في دنياكم من ولادة الأمهات الأولاد بوطئ آبائهم لهن فقد
~~كفرتم بالله وشبهتموه بخلقه وأوجبتم فيه صفات المحدثين، فوجب عندكم أن يكون
~~محدثا مخلوقا وأن يكون له خالق صنعه وابتدعه.
# قالوا: لسنا نعني هذا، فإن هذا كفر كما دللت لكنا نعني أنه ابنه على معنى
~~الكرامة وإن لم يكن هناك ولادة، كما قد يقول بعض علمائنا لمن يريد إكرامه
~~وإبانته بالمنزلة من غيره " يا بني " و " أنه ابني " لا على إثبات ولادته
~~منه لأنه قد يقول ذلك لمن هو أجنبي لا نسب له بينه وبينه، وكذلك لما فعل
~~الله تعالى بعزير ما فعل كان قد اتخذه ابنا على الكرامة لا على الولادة.
# فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: فهذا ما قلته لكم إنه إن وجب على هذا
~~الوجه أن يكون عزير ابنه فإن هذه المنزلة بموسى أولى، وأن الله يفضح كل
~~مبطل بإقراره ويقلب عليه حجته، إن ما احتججتم به يؤديكم إلى ما هو أكثر مما
~~ذكرته لكم، لأنكم قلتم إن عظيما من عظمائكم قد يقول لأجنبي لا نسب بينه
~~وبينه " يا بني " و " هذا
# PageV01P017
# ابني " لا على طريق الولادة، فقد تجدون أيضا هذا العظيم لأجنبي آخر " هذا
~~أخي " ولآخر " هذا شيخي " و " أبي " ولآخر " هذا سيدي " و " يا سيدي " على
~~سبيل الإكرام، وإن من زاده في الكرامة زاده في مثل هذا القول، فإذا يجوز
~~عندكم أن يكون موسى أخا لله أو شيخا له أو أبا أو سيدا لأنه قد زاده في
~~الإكرام مما لعزير، كما أن من زاد رجلا في ms012 الإكرام فقال له يا سيدي ويا
~~شيخي ويا عمي ويا رئيسي على طريق الإكرام، وأن من زاده في الكرامة زاده في
~~مثل هذا القول، أفيجوز عندكم أن يكون موسى أخا لله أو شيخا أو عما أو رئيسا
~~أو سيدا أو أميرا لأنه قد زاده في الإكرام على من قال له يا شيخي أو يا
~~سيدي أو يا عمي أو يا رئيسي أو يا أميري؟
# قال: فبهت القوم وتحيروا وقالوا: يا محمد أجلنا نتفكر فيما قد قلته لنا.
~~فقال:
# انظروا فيه بقلوب معتقدة للإنصاف يهدكم الله.
# ثم أقبل على النصارى فقال لهم: وأنتم قلتم إن القديم عز وجل اتحد بالمسيح
~~ابنه، فما الذي أردتموه بهذا القول، أردتم أن القديم صار محدثا لوجود هذا
~~المحدث الذي هو عيسى، أو المحدث الذي هو عيسى صار قديما كوجود القديم الذي
~~هو الله أو معنى قولكم إنه اتحد به أنه اختصه بكرامة لم يكرم بها أحدا
~~سواه، فإن أردتم أن القديم صار محدثا فقد أبطلتم، لأن القديم محال أن ينقلب
~~فيصير محدثا، وإن أردتم أن المحدث صار قديما فقد أحلتم لأن المحدث أيضا
~~محال أن يصير قديما، وإن أردتم أنه اتحد به بأنه اختصه واصطفاه على سائر
~~عباده فقد أقررتم بحدوث عيسى وبحدوث المعنى الذي اتحد به من أجله، لأنه إذا
~~كان عيسى محدثا وكان الله اتحد به - بأن أحدث به معنى صار به أكرم الخلق
~~عنده - فقد صار عيسى وذلك المعنى محدثين، وهذا خلاف ما بدأتم تقولونه.
# فقالت النصارى: يا محمد إن الله لما أظهر على يد عيسى من الأشياء العجيبة
~~ما أظهر فقد اتخذه ولدا على جهة الكرامة.
# فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله: فقد سمعتم ما قلته لليهود في هذا
~~المعنى الذي PageV01P018
# ذكرتموه، ثم أعاد صلى الله عليه وآله ذلك كله، فسكتوا إلا رجلا واحدا
~~منهم فقال له: يا محمد أو لستم تقولون إن إبراهيم خليل الله؟ قال: قلنا
~~ذلك. قال: فإذا قلتم ذلك فلم منعتمونا من أن نقول إن ms013 عيسى ابن الله؟ قال
~~رسول الله صلى الله عليه وآله: إنهما لن يشتبها، لأن قولنا إبراهيم خليل
~~الله فإنما هو مشتق من الخلة والخلة إنما معناها الفقر والفاقة، فقد كان
~~خليلا إلى ربه فقيرا وإليه منقطعا وعن غيره متعففا معرضا مستغنيا، وذلك لما
~~أريد قذفه في النار فرمي به في المنجنيق فبعث الله جبرئيل فقال له:
# أدرك عبدي، فجاء فلقيه في الهواء فقال له: كلفني ما بدا لك فقد بعثني
~~الله لنصرتك.
# فقال إبراهيم: حسبي الله ونعم الوكيل إني لا أسأل غيره ولا حاجة لي إلا
~~إليه، فسماه خليله أي فقيره ومحتاجه والمنقطع إليه عمن سواه، وإذا جعل معنى
~~ذلك من الخلة وهو أنه قد تخلل معانيه ووقف على أسرار لم يقف عليها غيره كان
~~الخليل معناه العالم به وبأموره، ولا يوجب ذلك تشبيه الله بخلقه. ألا ترون
~~أنه إذا لم ينقطع إليه لم يكن خليله وإذا لم يعلم بأسراره لم يكن خليله،
~~وأن من يلده الرجل وإن أهانه وأقصاه لم يخرج عن أن يكون ولده، لأن معنى
~~الولادة قائم به.
# ثم إن وجب لأنه قال لإبراهيم خليلي أن تقيسوا أنتم فتقولوا بأن عيسى ابنه
~~وجب أيضا كذلك أن تقولوا لموسى إنه ابنه، فإن الذي معه من المعجزات لم يكن
~~بدون ما كان مع عيسى، فقولوا إن موسى أيضا ابنه، وإن يجوز أن تقولوا على
~~هذا المعنى إنه شيخه وسيده وعمه ورئيسه وأميره كما قد ذكرته لليهود.
# فقال بعضهم لبعض وفي الكتب المنزلة إن عيسى قال " أذهب إلى أبي وأبيكم "
~~فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: فإن كنتم بذلك الكتاب تعملون فإن فيه "
~~أذهب إلى أبي وأبيكم " فقولوا إن جميع الذين خاطبهم عيسى كانوا أبناء الله
~~كما كان عيسى ابنه من الوجه الذي كان عيسى ابنه، ثم إن ما في هذا الكتاب
~~مبطل عليكم هذا الذي زعمتم أن عيسى من وجهة الاختصاص كان ابنا له، لأنكم
~~قلتم إنما قلنا إنه ابنه لأنه اختصه بما لم يختص به غيره، وأنتم ms014 تعلمون أن
~~الذي خص به عيسى لم يخص به هؤلاء القوم الذين قال لهم عيسى " أذهب إلى أبي
~~وأبيكم "، فبطل أن يكون الاختصاص PageV01P019
# لعيسى، لأنه قد ثبت عندكم بقول عيسى لمن لم يكن له مثل اختصاص عيسى،
~~وأنتم إنما حكيتم لفظة عيسى وتأولتموها على غير وجهها، لأنه إذا قال " أذهب
~~إلى أبي وأبيكم " فقد أراد غير ما ذهبتم إليه ونحلتموه، وما يدريكم لعله
~~عنى أذهب إلى آدم أو إلى نوح وأن الله يرفعني إليهم ويجمعني معهم وآدم أبي
~~وأبيكم وكذلك نوح، بل ما أراد غير هذا.
# قال: فسكت النصارى وقالوا: ما رأينا كاليوم مجادلا ولا مخاصما مثلك
~~وسننظر في أمورنا.
# ثم أقبل رسول الله على الدهرية فقال: وأنتم فما الذي دعاكم إلى القول بأن
~~الأشياء لا بدو لها وهي دائمة لم تزل ولا تزال؟ فقالوا: لأنا لا نحكم إلا
~~بما نشاهد ولم نجد للأشياء حدثا فحكمنا بأنها لم تزل، ولم نجد لها انقضاء
~~وفناء فحكمنا بأنها لا تزال.
# فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: أفوجدتم لها قدما أم وجدتم لها بقاءا
~~أبد الآبد.
# فإن قلتم أنكم وجدتم ذلك أنهضتم لأنفسكم أنكم لم تزالوا على هيئتكم
~~وعقولكم بلا نهاية ولا تزالون كذلك، ولئن قلتم هذا دفعتم العيان وكذبكم
~~العالمون والذين يشاهدونكم.
# قالوا: بل لم نشاهد لها قدما ولا بقاء أبد الآبد، قال رسول الله صلى الله
~~عليه وآله: فلم صرتم بأن تحكموا بالقدم والبقاء دائما لأنكم لم تشاهدوا
~~حدوثها، وانقضاؤها أولى من تارك التميز لها مثلكم، فيحكم لها بالحدوث
~~والانقضاء والانقطاع لأنه لم يشاهد لها قدما ولا بقاءا أبد الآبد، أو لستم
~~تشاهدون الليل والنهار وأحدهما بعد الآخر؟ فقالوا: نعم. فقال: أترونهما لم
~~يزالا ولا يزالان؟ فقالوا: نعم.
# فقال: أفيجوز عندكم اجتماع الليل والنهار؟ فقالوا: لا. فقال صلى الله
~~عليه وآله فإذا منقطع أحدهما عن الآخر فيسبق أحدهما ويكون الثاني جاريا
~~بعده. قالوا: كذلك هو. فقال: قد حكمتم بحدوث ما تقدم من ليل ونهار لم
~~تشاهدوهما فلا تنكروا لله قدرته. ms015 PageV01P020
# ثم قال صلى الله عليه وآله: أتقولون ما قبلكم من الليل والنهار متناه أم
~~غير متناه، فإن قلتم إنه غير متناه فقد وصل إليكم آخر بلا نهاية لأوله، وإن
~~قلتم متناه فقد كان ولا شئ منهما. قالوا نعم. قال لهم: أقلتم إن العالم
~~قديم غير محدث وأنتم عارفون بمعنى ما أقررتم به وبمعنى ما جحدتموه؟ قالوا:
~~نعم. قال رسول الله صلى الله عليه وآله: فهذا الذي تشاهدونه من الأشياء
~~بعضها إلى بعض يفتقر لأنه لا قوام للبعض إلا بما يتصل به، كما نرى البناء
~~محتاجا بعض أجزائه إلى بعض وإلا لم يتسق ولم يستحكم وكذلك سائر ما نرى.
# وقال أيضا: فإذا كان هذا المحتاج بعضه إلى بعض لقوته وتمامه هو القديم
~~فأخبروني أن لو كان محدثا كيف كان يكون وماذا كانت تكون صفته؟ قال:
# فبهتوا وعلموا أنهم لا يجدون للمحدث صفة يصفونه بها إلا وهي موجودة في
~~هذا الذي زعموا أنه قديم، فوجموا وقالوا: سننظر في أمرنا.
# ثم أقبل رسول الله صلى الله عليه وآله على الثنوية الذين قالوا النور
~~والظلمة هما المدبران فقال: وأنتم فما الذي دعاكم إلى ما قلتموه من هذا؟
~~فقالوا: لأنا وجدنا العالم صنفين خيرا وشرا، ووجدنا الخير ضدا للشر،
~~فأنكرنا أن يكون فاعل واحد يفعل الشئ وضده بل لكل واحد منهما فاعل، ألا ترى
~~أن الثلج محال أن يسخن كما أن النار محال أن تبرد، فأثبتنا لذلك صانعين
~~قديمين ظلمة ونورا. فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله: أفلستم قد
~~وجدتم سوادا وبياضا وحمرة وصفرة وخضرة وزرقة، وكل واحدة ضد لسائرها
~~لاستحالة اجتماع مثلين منها في محل واحد كما كان الحر والبرد ضدين لاستحالة
~~اجتماعهما في محل واحد؟ قالوا: نعم قال فهلا أثبتم بعدد كل لون صانعا قديما
~~ليكون فاعل كل ضد من هذه الألوان غير فاعل الضد الآخر؟ قال: فسكتوا.
# ثم قال: فكيف اختلط النور والظلمة، وهذا من طبعه الصعود وهذه من طبعها
~~النزول، أرأيتم لو أن رجلا أخذ شرقا يمشي إليه والآخر ms016 غربا أكان يجوز عندكم
~~أن يلتقيا ما داما سائرين على وجههما؟ قالوا: لا. قال: فوجب PageV01P021
# أن لا يختلط النور والظلمة لذهاب كل واحد منهما في غير جهة الآخر، فكيف
~~وجدتم حدث هذا العالم من امتزاج ما هو محال أن يمتزج بل هما مدبران جميعا
~~مخلوقان. فقالوا: سننظر في أمورنا.
# ثم أقبل رسول الله صلى الله عليه وآله على مشركي العرب فقال: وأنتم فلم
~~عبدتم الأصنام من دون الله؟ فقالوا: نتقرب بذلك إلى الله تعالى. فقال لهم:
~~أو هي سامعة مطيعة لربها عابدة له حتى تتقربوا بتعظيمها إلى الله؟ قالوا:
~~لا. قال:
# فأنتم الذين نحتموها بأيديكم؟ قالوا: نعم. قال: فلأن تعبدكم هي لو كان
~~يجوز منها العبادة أحرى من أن تعبدوها، إذا لم يكن أمركم بتعظيمها من هو
~~العارف بمصالحكم وعواقبكم والحكيم فيما يكلفكم.
# قال: فلما قال رسول الله صلى الله عليه وآله هذا القول اختلفوا فقال
~~بعضهم: إن الله قد حل في هياكل رجال كانوا على هذه الصورة فصورنا هذه الصور
~~نعظمها لتعظيمنا تلك الصور التي حل فيها ربنا، وقال آخرون منهم: إن هذه صور
~~أقوام سلفوا كانوا مطيعين لله قبلنا فمثلنا صورهم وعبدناها تعظيما لله،
~~وقال آخرون منهم:
# إن الله لما خلق آدم وأمر الملائكة بالسجود له [فسجدوه تقربا بالله] كنا
~~نحن أحق بالسجود لآدم [إلى الله] من الملائكة، ففاتنا ذلك فصورنا صورته
~~فسجدنا لها تقربا إلى الله كما تقربت الملائكة بالسجود لآدم إلى الله
~~تعالى، وكما أمرتم بالسجود بزعمكم إلى جهة مكة ففعلتم ثم نصبتم في غير ذلك
~~البلد بأيديكم محاريب (1) سجدتم إليها وقصدتم الكعبة لا محاريبكم وقصدتم
~~بالكعبة إلى الله عز وجل لا إليها.
# فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: أخطأتم الطريق وضللتم، أما أنتم -
~~وهو صلى الله عليه وآله
# PageV01P022
# يخاطب الذين قالوا إن الله يحل في هياكل رجال كانوا على هذه الصورة التي
~~صورناها فصورنا هذه الصور نعظمها لتعظيمنا لتلك الصور التي حل فيها ربنا -
~~فقد وصفتم ربكم بصفة المخلوقات، أو يحل ربكم في شئ ms017 حتى يحيط به ذاك الشئ،
~~فأي فرق بينه إذا وبين سائر ما يحل فيه من لونه وطعمه ورائحته ولينه
~~وخشونته وثقله وخفته، ولم صار هذا المحلول فيه محدثا قديما دون أن يكون ذلك
~~محدثا وهذا قديما، وكيف يحتاج إلى المحال من لم يزل قبل المحال وهو عز وجل
~~كان لم يزل، وإذا وصفتموه بصفة المحدثات في الحلول فقد لزمكم أن تصفوه
~~بالزوال، وما وصفتموه بالزوال والحدوث فصفوه بالفناء، لأن ذلك أجمع من صفات
~~الحال والمحلول فيه، وجميع ذلك متغير الذات، فإن كان لم يتغير ذات الباري
~~تعالى بحلوله في شئ جاز أن لا يتغير بأن يتحرك ويسكن ويسود ويبيض ويحمر
~~ويصفر وتحله الصفات التي تتعاقب على الموصوف بها حتى يكون فيه جميع صفات
~~المحدثين ويكون محدثا تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. ثم قال رسول الله صلى
~~الله عليه وآله: فإذا بطل ما ظننتموه من أن الله يحل في شئ فقد فسد ما
~~بنيتم عليه قولكم. قال: فسكت القوم وقالوا: سننظر في أمورنا.
# ثم أقبل رسول الله صلى الله عليه وآله على الفريق الثاني فقال: أخبرونا
~~عنكم إذا عبدتم صور من كان يعبد الله فسجدتم لها وصليتم فوضعتم الوجوه
~~الكريمة على التراب بالسجود لها فما الذي أبقيتم لرب العالمين، أما علمتم
~~أن من حق من يلزم تعظيمه وعبادته أن لا يساوي به عبده، أرأيتم ملكا أو
~~عظيما إذا سويتموه بعبده في التعظيم والخضوع والخشوع أيكون في ذلك وضع من
~~الكبير كما يكون زيادة في تعظيم الصغير؟ فقالوا: نعم. قال: أفلا تعلمون
~~أنكم من حيث تعظمون الله بتعظيم صور عباده المطيعين له تزرون (1) على رب
~~العالمين. قال: فسكت القوم بعد أن قالوا: سننظر في أمرنا.
# ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله للفريق الثالث: لقد ضربتم لنا مثلا
~~وشبهتمونا
# PageV01P023
# بأنفسكم ولسنا سواء، وذلك إنا عباد الله مخلوقون مربوبون نأتمر له فيها
~~أمرنا وننزجر عما زجرنا ونعبده من حيث يريده منا، فإذا أمرنا بوجه من
~~الوجوه أطعناه ولم نتعد إلى غيره ms018 مما لم يأمرنا ولم يأذن لنا، لأنا لا ندري
~~لعله إن أراد منا الأول فهو يكره الثاني، وقد نهانا أن نتقدم بين يديه،
~~فلما أمرنا أن نعبده بالتوجه إلى الكعبة أطعناه، ثم أمرنا بعبادته بالتوجه
~~نحوها في سائر البلدان التي تكون بها فأطعناه، ولم نخرج في شئ من ذلك من
~~اتباع أمره، والله حيث أمر بالسجود لآدم لم يأمر بالسجود لصورته التي هي
~~غيره، فليس لكم أن تقيسوا ذلك عليه لأنكم لا تدرون لعله يكره ما تفعلون إذ
~~لم يأمركم به.
# ثم قال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله أرأيتم لو أذن لكم رجل دخول
~~داره يوما بعينه ألكم أن تدخلوها بعد ذلك بغير أمره، أو لكم أن تدخلوا دارا
~~له أخرى مثلها بغير أمره، أو وهب لكم رجل ثوبا من ثيابه أو عبدا من عبيده
~~أو دابة من دوابه ألكم أن تأخذوا ذلك؟ قالوا: نعم. قال: فإن لم تأخذوه ألكم
~~أخذ آخر مثله؟
# قالوا: لا لأنه لم يأذن لنا في الثاني كما أذن في الأول. قال صلى الله
~~عليه وآله: فأخبروني الله أولى بأن لا يتقدم على ملكه بغير أمره أو بعض
~~المملوكين؟ قالوا: بل الله أولى بأن لا يتصرف في ملكه بغير إذنه، قال: فلم
~~فعلتم ومتى أمركم بالسجود أن تسجدوا لهذه الصور؟ قال فقال القوم: سننظر في
~~أمورنا وسكتوا.
# وقال الصادق عليه السلام: فوالذي بعثه بالحق نبيا ما أتت على جماعتهم إلا
~~ثلاثة أيام حتى أتوا رسول الله صلى الله عليه وآله فأسلموا، وكانوا خمسة
~~وعشرين رجلا من كل فرقة خمسة وقالوا: ما رأينا مثل حجتك يا محمد نشهد أنك
~~رسول الله.
# " احتجاج النبي صلى الله عليه وآله وسلم على جماعة من المشركين " وقال
~~الصادق عليه السلام: قال أمير المؤمنين عليه السلام: أنزل الله " الحمد لله
~~الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم
~~PageV01P024
# يعدلون " (1) الآية. وكان في هذه الآية رد على ثلاثة أصناف منهم لما قال
~~" الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض ms019 " فكان ردا على الدهرية الذين قالوا:
# إن الأشياء لا بدو لها وهي دائمة. ثم قال " وجعل الظلمات والنور " فكان
~~ردا على الثنوية الذين قالوا: إن النور والظلمة هما مدبران. ثم قال: " ثم
~~الذين كفروا بربهم يعدلون " فكان ردا على مشركي العرب الذين قالوا: إن
~~أوثاننا آلهة.
# ثم نزل الله " قل هو الله أحد " إلى آخرها، فكان ردا على من ادعى من دون
~~الله ضدا أو ندا.
# قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وآله لأصحابه: قولوا " إياك نعبد " أي
~~نعبد واحدا لا نقول كما قالت الدهرية إن الأشياء لا بدو لها وهي دائمة، ولا
~~كما قالت الثنوية إن النور والظلمة هما المدبران، ولا كما قال مشركو العرب
~~إن أوثاننا آلهة فلا نشرك بك شيئا ولا ندعو من دونك إلها كما يقول هؤلاء
~~الكفار ولا نقول كما قالت اليهود والنصارى إن لك ولدا تعاليت عن ذلك.
# قال: فذلك قوله: " وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى "
~~وقالت طائفة غيرهم من هؤلاء الكفار ما قالوا، قال الله تعالى يا محمد " تلك
~~أمانيهم " التي يمنونها بلا حجة " قل هاتوا برهانكم " وحجتكم على دعواكم "
~~إن كنتم صادقين " كما أتى محمد ببراهينه التي سمعتموها. ثم قال " بلى من
~~أسلم وجهه لله " تعالى يعني كما فعل هؤلاء الذين آمنوا برسول الله لما
~~سمعوا براهينه وحجته " وهو محسن " في علمه " فله أجره " وثوابه " عند ربه "
~~يوم فصل القضاء " ولا ولا خوف عليهم " حين يخاف الكافرون مما يشاهدون من
~~العقاب " ولا هم يحزنون " (2) عند الموت لأن البشارة بالجنات تأتيهم.
# PageV01P025
# " احتجاج النبي صلى الله عليه وآله على جماعة من المشركين " عن أبي محمد
~~الحسن العسكري عليهما السلام أنه قال: قلت لأبي علي بن محمد عليه السلام هل
~~كان رسول الله صلى الله عليه وآله يناظر اليهود والمشركين إذا عاتبوه
~~ويحاجهم؟ قال: بلى مرارا كثيرة، منها ما حكى الله من قولهم: " وقالوا ما
~~لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لولا أنزل إليه ملك " إلى قوله "
~~رجلا ms020 مسحورا " (1) وقالوا:
# " لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم " (2) وقوله عز وجل:
# " وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا " إلى قوله " كتابا
~~نقرؤه " (3) ثم قيل له في آخر ذلك: لو كنت نبيا كموسى أنزلت علينا كسفا من
~~السماء ونزلت علينا الصاعقة في مسألتنا إليك لأن مسألتنا أشد من مسائل قوم
~~موسى لموسى عليه السلام.
# قال: وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان قاعدا ذات يوم بمكة بفناء
~~الكعبة إذ اجتمع جماعة من رؤساء قريش منهم الوليد بن المغيرة المخزومي وأبو
~~البختري ابن هشام وأبو جهل والعاص بن وائل السهمي وعبد الله بن أبي أمية
~~المخزومي، وكان معهم جمع ممن يليهم كثير ورسول الله صلى الله عليه وآله في
~~نفر من أصحابه يقرأ عليهم كتاب الله ويؤدي إليهم عن الله أمره ونهيه.
# فقال المشركون بعضهم لبعض: لقد استفحل أمر محمد وعظم خطبه، فتعالوا نبدأ
~~بتقريعه وتبكيته وتوبيخه والاحتجاج عليه وإبطال ما جاء به ليهون خطبه على
~~أصحابه ويصغر قدره عندهم، فلعله ينزع عما هو فيه من غيه وباطله وتمرده
~~وطغيانه، فإن انتهى وإلا عاملناه بالسيف الباتر.
# قال أبو جهل: فمن ذا الذي يلي كلامه ومجادلته؟ قال عبد الله بن أبي أمية
# PageV01P026
# المخزومي: أنا إلى ذلك، أفما ترضاني له قرنا حسيبا ومجادلا كفيا؟ قال أبو
~~جهل بلى، فأتوه بأجمعهم فابتدأ عبد الله بن أبي أمية المخزومي فقال: يا
~~محمد لقد ادعيت دعوى عظيمة وقلت مقالا هائلا، زعمت أنك رسول الله رب
~~العالمين، وما ينبغي لرب العالمين وخالق الخلق أجمعين أن يكون مثلك رسوله
~~بشر مثلنا تأكل كما نأكل وتشرب كما نشرب وتمشي في الأسواق كما نمشي، فهذا
~~ملك الروم وهذا ملك الفرس لا يبعثان رسولا إلا كثير المال عظيم الحال له
~~قصور ودور وفساطيط وخيام وعبيد وخدام، ورب العالمين فوق هؤلاء كلهم فهم
~~عبيده، ولو كنت نبيا لكان معك ملك يصدقك ونشاهده، بل لو أراد الله أن يبعث
~~إلينا نبيا لكان إنما يبعث إلينا ملكا ms021 لا بشرا مثلنا، ما أنت يا محمد إلا
~~رجل مسحورا ولست بنبي.
# فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: هل بقي من كلامك شئ؟ قال: بلى، لو
~~أراد الله أن يبعث إلينا رسولا لبعث أجل من فيما بيننا أكثره مالا وأحسنه
~~حالا، فهلا أنزل هذا القرآن الذي تزعم أن الله أنزله عليك وابتعثك به رسولا
~~على رجل من القريتين عظيم أما الوليد بن المغيرة بمكة وأما عروة بن مسعود
~~الثقفي بالطائف.
# فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: هل بقي من كلامك شئ يا عبد الله؟
~~فقال: بلى لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا بمكة هذه، فإنها ذات
~~أحجار وعروة وجبال، تكسح أرضها (1) وتحفرها وتجرى فيها العيون، فإننا إلى
~~ذلك محتاجون أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتأكل منها وتطعمنا فتفجر الأنهار
~~خلالها خلال تلك النخيل والأعناب تفجيرا أو تسقط السماء كما زعمت علينا
~~كسفا (2) فإنك قلت لنا " وإن يروا كسفا من السماء ساقطا يقولوا سحاب مركوم
~~" (3) فلعلنا نقول ذلك.
# ثم قال: أو تأتي بالله والملائكة قبيلا، تأتي به وبهم وهم لنا مقابلون،
~~أو
# PageV01P027
# يكون لك بيت من زخرف تعطينا منه وتغنينا به فلعلنا نطغى، وأنك قلت لنا: "
~~كلا إن الإنسان ليطغى إن رآه استغنى " (1).
# ثم قال: أو ترقى في السماء أي تصعد في السماء ولن نؤمن لرقيك أي لصعودك
~~حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه من الله العزيز الحكيم إلى عبد الله بن أبي
~~أمية المخزومي ومن معه بأن آمنوا بمحمد بن عبد الله بن عبد المطلب فإنه
~~رسولي وصدقوه في مقالة أنه من عندي، ثم لا أدري يا محمد إذا فعلت هذا كله
~~أؤمن بك أو لا أؤمن بك، بل لو رفعتنا إلى السماء وفتحت أبوابها وأدخلتناها
~~لقلنا إنما سكرت أبصارنا (2) وسحرتنا.
# فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا عبد الله أبقي شئ من كلامك؟ قال:
~~يا محمد أوليس فيما أوردته عليك كفاية وبلاغ، ما بقي شئ فقل ما بدا لك
~~وافصح عن نفسك ms022 إن كان لك حجة وأتنا بما سألناك به.
# فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: اللهم أنت السامع لكل صوت والعالم
~~بكل شئ تعلم ما قاله عبادك، فأنزل الله عليه: يا محمد " وقالوا ما لهذا
~~الرسول يأكل الطعام " إلى قوله " رجلا مسحورا " (3) ثم قال الله تعالى: "
~~أنظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا " (4) ثم قال: يا محمد
~~" تبارك الذي أنشأ جعل لك خيرا من ذلك جنات تجري من تحتها الأنهار ويجعل لك
~~قصورا " (5) وانزل عليه: يا محمد " فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به
~~صدرك " (6) الآية وأنزل الله عليه: يا محمد " وقالوا لولا أنزل عليه ملك
~~ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر " إلى قوله " وللبسنا عليهم ما يلبسون " (7).
# PageV01P028
# فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: يا عبد الله أما ذكرت من أني آكل
~~الطعام كما تأكلون وزعمت أنه لا يجوز لأجل هذا أن أكون لله رسولا فإنما
~~الأمر لله تعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، وهو محمود وليس لك ولا لأحد
~~الاعتراض عليه بلم وكيف، ألا ترى أن الله كيف أفقر بعضا وأغنى بعضا وأعز
~~بعضا وأذل بعضا وأصح بعضا وأسقم بعضا وشرف بعضا ووضع بعضا، وكلهم ممن يأكل
~~الطعام، ثم ليس للفقراء أن يقولوا " لم أفقرتنا وأغنيتهم " ولا للوضعاء أن
~~يقولوا " لم وضعتنا وشرفتهم " ولا للزمني (1) والضعفاء أن يقولوا " لم
~~أزمنتنا وأضعفتنا وصححتهم " ولا للأذلاء أن يقولوا " لم أذللتنا وأعززتهم "
~~ولا لقباح الصور أن يقولوا " لم قبحتنا وجملتهم " بل إن قالوا ذلك كانوا
~~على ربهم رادين وله في أحكامه منازعين وبه كافرين، ولكان جوابه لهم: أنا
~~الملك الخافض الرافع المغني المفقر المعز المذل المصحح المسقم وأنتم العبيد
~~ليس لكم إلا التسليم لي والانقياد لحكمي، فإن سلمتم كنتم عبادا مؤمنين وإن
~~أبيتم كنتم بي كافرين وبعقوباتي من الهالكين.
# ثم أنزل الله عليه: يا محمد " قل إنما أنا بشر مثلكم " يعني آكل الطعام "
~~ويوحى إلي إنما إلهكم إله واحد " (2) يعني قل لهم أنا في البشرية مثلكم
~~ولكن ms023 ربي خصني بالنبوة دونكم كما يخص بعض البشر بالغنى والصحة والجمال دون
~~بعض من البشر، فلا تنكروا أن يخصني أيضا بالنبوة [دونكم].
# ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: وأما قولك " هذا ملك الروم وملك
~~الفرس لا يبعثان رسولا إلا كثير المال عظيم الحال له قصور ودور وفساطيط
~~وخيام وعبيد وخدام ورب العالمين فوق هؤلاء كلهم فهم عبيده " فإن الله له
~~التدبير والحكم لا يفعل على ظنك وحسبانك ولا باقتراحك بل يفعل ما يشاء
~~ويحكم ما يريد وهو محمود، يا عبد الله إنما بعث الله نبيه ليعلم الناس
~~دينهم ويدعوهم إلى ربهم ويكد (3)
# PageV01P029
# نفسه في ذلك آناء الليل ونهاره، فلو كان صاحب قصور يحتجب فيها وعبيد وخدم
~~يسترونه عن الناس أليس كانت الرسالة تضيع والأمور تتباطأ، أو ما ترى الملوك
~~إذا احتجوا كيف يجري الفساد والقبائح من حيث لا يعلمون به ولا يشعرون.
# يا عبد الله إنما بعثني الله ولا مال لي ليعرفكم قدرته وقوته وأنه هو
~~الناصر لرسوله ولا تقدرون على قتله ولا منعه في رسالاته، فهذا بين في قدرته
~~وفي عجزكم وسوف يظفرني الله بكم فأسعكم قتلا وأسرا، ثم يظفرني الله ببلادكم
~~ويستولي عليها المؤمنون من دونكم ودون من يوافقكم على دينكم.
# ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: وأما قولك لي: " لو كنت نبيا لكان
~~معك ملك صدقك ونشاهده، بل لو أراد الله أن يبعث إلينا نبيا لكان إنما يبعث
~~ملكا لا بشرا مثلنا " فالملك لا تشاهده حواسكم لأنه من جنس هذا الهواء
~~لأعيان منه، ولو شاهدتموه - بأن يزاد في قوى أبصاركم - لقلتم ليس هذا ملكا
~~بل هذا بشر، لأنه إنما كان يظهر لكم صورة البشر الذي ألفتموه لتفهموا عنه
~~مقالته وتعرفوا خطابه ومراده، فكيف كنتم تعلمون صدق الملك وأن ما يقوله حق،
~~بل إنما بعث الله بشرا وأظهر على يده المعجزات التي ليست في طبائع البشر
~~الذين قد علمتم ضمائر قلوبهم فتعلمون بعجزكم عما جاء به أنه معجزة وأن ذلك
~~شهادة من الله بالصدق ms024 له، ولو ظهر لكم ملك وظهر على يده ما [تعجزون عنه و]
~~يعجز عنه [جميع] البشر لم يكن في ذلك ما يدلكم أن ذلك ليس في طبائع سائر
~~أجناسه من الملائكة حتى يصير ذلك معجزا، ألا ترون أن الطيور التي تطير ليس
~~ذلك منها بمعجز لأن لها أجناسا يقع منها مثل طيرانها، ولو أن آدميا طار
~~كطيرانها كان ذلك معجزا، فإن الله عز وجل سهل عليكم الأمر وجعله بحيث تقوم
~~عليكم حجته وأنتم تقترحون عمل الصعب الذي لا حجة فيه.
# ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: وأما قولك " ما أنت إلا رجل مسحور
~~" فكيف أكون كذلك وقد تعلمون أني في صحة التميز والعقل فوقكم، فهل جربتم
~~علي PageV01P030
# منذ نشأت إلى أن استكملت أربعين سنة خزية (1) أو زلة أو كذبة أو خيانة أو
~~خطأ من القول أو سفها من الرأي، أتظنون أن رجلا يعتصم طول هذه المدة بحول
~~نفسه وقوتها أو بحول الله وقوته، وذلك ما قال الله " انظر كيف ضربوا لك
~~الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا " إلى أن يثبتوا عليك عمى بحجة أكثر من
~~دعاويهم الباطلة التي تبين عليك تحصيل بطلانها.
# ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: وأما قولك " لولا نزل هذا القرآن
~~على رجل من القريتين عظيم الوليد بن المغيرة بمكة أو عروة [بن مسعود
~~الثقفي] بالطائف " فإن الله ليس يستعظم مال الدنيا كما تستعظمه أنت ولا خطر
~~له عنده كما له عندك بل لو كانت الدنيا عنده تعدل جناح بعوضة لما سقى كافرا
~~به مخالفا له شربة ماء وليس قسمة الله إليك بل الله هو القاسم للرحمات
~~والفاعل لما يشاء في عبيده وإمائه وليس هو عز وجل ممن يخاف أحد كما تخافه
~~أنت لما له وحاله فعرفته بالنبوة لذلك ولا ممن يطمع في أحد في ماله أو في
~~حاله كما تطمع أنت فتخصه بالنبوة لذلك، ولا ممن يحب أحدا محبة الهواء كما
~~تحب أنت فتقدم من لا يستحق التقديم وإنما معاملته بالعدل، فلا يؤثر ms025 إلا
~~بالعدل لأفضل مراتب الدين وجلاله إلا الأفضل في طاعته والأجد في خدمته،
~~وكذلك لا يؤخر في مراتب الدين وجلاله إلا أشدهم تباطأ عن طاعته، وإذا كان
~~هذا صفته لم ينظر إلى مال ولا إلى حال بل هذا المال والحال من تفضله، وليس
~~لأحد من عباده عليه ضريبة لازب (2)، فلا يقال له إذا تفضلت بالمال على عبد
~~فلا بد أن تتفضل عليه بالنبوة أيضا لأنه ليس لأحد إكراهه على خلاف مراده
~~ولا إلزامه تفضلا لأنه تفضل قبله بنعمه.
# ألا تري يا عبد الله كيف أغني واحدا وقبح صورته، وكيف حسن صورة واحد
~~وأفقره، وكيف شرف واحدا وأفقره، وكيف أغنى واحدا ووضعه. ثم ليس لهذا الغني
~~أن يقول " هلا أضيف إلى يساري جمال فلان " ولا للجميل أن
# PageV01P031
# يقول " هلا أضيف إلى جمالي مال فلان "، ولا للشريف أن يقول " هلا أضيف
~~إلى شرفي مال فلان " ولا للوضيع أن يقول " هلا أضيف إلى ضعتي شرف فلان "،
~~ولكن الحكم لله يقسم كيف يشاء ويفعل كما يشاء، وهو حكيم في أفعاله محمود في
~~أعماله وذلك قوله تعالى: " وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين
~~عظيم " قال الله تعالى " أهم يقسمون رحمة ربك " يا محمد " نحن قسمنا بينهم
~~معيشتهم في الحياة الدنيا " (1) فأحوجنا بعضا إلى بعض، أحوج هذا إلى مال
~~ذلك، وأحوج ذلك إلى سلعة هذا وإلى خدمته. فترى أجل الملوك وأغنى الأغنياء
~~محتاجا إلى أفقر الفقراء في ضرب من الضروب: إما سلعة معه ليست معه، وإما
~~خدمة يصلح لها لا يتهيأ لذلك الملك أن يستغني إلا به، وإما باب من العلوم
~~والحكم هو فقير إلى أن يستفيدها من هذا الفقير، فهذا الفقير يحتاج إلى مال
~~ذلك الملك الغني، وذلك الملك يحتاج إلى علم هذا الفقير أو رأيه أو معرفته.
# ثم ليس للملك أن يقول هلا اجتمع إلى مالي علم هذا الفقير، ولا للفقير أن
~~يقول هلا اجتمع على رأيي وعلمي وما أتصرف فيه من فنون الحكمة مال هذا الملك
~~الغني. ثم قال الله: ms026 " ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا
~~" ثم قال: يا محمد قل لهم " ورحمة ربك خير مما يجمعون " (2) أي ما يجمعه
~~هؤلاء من أموال الدنيا.
# ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: وأما قولك " لن نؤمن لك حتى تفجر
~~لنا من الأرض ينبوعا " إلى آخر قلته، فإنك قد اقترحت على محمد رسول الله
~~أشياء: منها ما لو جاءك به لم يكن برهانا لنبوته ورسول الله صلى الله عليه
~~وآله يرتفع عن أن يغتنم جهل الجاهلين ويحتج عليهم بما لا حجة فيه، ومنها ما
~~لو جاءك به كان معه هلاكك، وإنما يؤتى بالحجج والبراهين ليلزم عباد الله
~~الإيمان بها لا ليهلكوا بها، فإنما اقترحت هلاكك ورب العالمين أرحم بعباده
~~وأعلم بمصالحهم من أن يهلكهم كما تقترحون، ومنها المحال الذي لا يصح ولا
~~يجوز كونه ورسول رب العالمين يعرفك ذلك ويقطع
# PageV01P032
# معاذيرك ويضيق عليك سبيل مخالفته، ويلجئك بحجج الله إلى تصديقه حتى لا
~~يكون لك عنه محيد ولا محيص، ومنها ما قد اعترفت على نفسك أنك فيه معاند
~~متمرد لا تقبل حجة ولا تصغي إلى برهان، ومن كان كذلك فدواؤه عذاب الله
~~النازل من سمائه أو في جحيمه أو بسيوف أوليائه.
# فأما قولك يا عبد الله " لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا بمكة
~~هذه فإنها ذات أحجار وصخور وجبال تكسح أرضها وتحفرها وتجري فيها العيون
~~فإننا إلى ذلك محتاجون " فإنك سألت هذا وأنت جاهل بدلائل الله. يا عبد الله
~~أرأيت لو فعلت هذا أكنت من أجل هذا نبيا؟ قال: لا. قال رسول الله: أرأيت
~~الطائف التي لك فيها بساتين أما كان هناك مواضع فاسدة صعبة أصلحتها وذللتها
~~وكسحتها وأجريت فيها عيونا استنبطتها؟ قال: بلى. قال: وهل لك في هذا نظراء؟
~~قال: بلى. قال: فصرت أنت وهم بذلك أنبياء؟ قال: لا. قال:
# فكذلك لا يصير هذا حجة لمحمد لو فعله على نبوته، فما هو إلا كقولك: لن
~~نؤمن لك حتى تقوم وتمشي على الأرض كما يمشي الناس ms027 أو حتى تأكل الطعام كما
~~يأكل الناس.
# وأما قولك يا عبد الله " أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتأكل منها وتطعمنا
~~وتفجر الأنهار خلالها تفجيرا " أوليس لك ولأصحابك جنات من نخيل وعنب
~~بالطائف تأكلون وتطعمون منها وتفجرون الأنهار خلالها تفجيرا، أفصرتم أنبياء
~~بهذا؟ قال: لا. قال: فما بال اقتراحكم على رسول الله صلى الله عليه وآله
~~أشياء لو كانت كما تقترحون لما دلت على صدقه، بل لو تعاطاها لدل تعاطيها
~~على كذبه لأنه يحتج بما لا حجة فيه ويختدع الضعفاء عن عقولهم وأديانهم،
~~ورسول رب العالمين يجل ويرتفع عن هذا.
# ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا عبد الله وأما قولك " أو تسقط
~~السماء كما زعمت علينا كسفا " فإنك قلت وإن يروا كسفا من السماء ساقطا
~~يقولوا سحاب مركوم، فإن في سقوط السماء عليكم هلاككم وموتكم، فإنما تريد
~~بهذا من PageV01P033
# رسول الله صلى الله عليه وآله أن يهلكك ورسول رب العالمين أرحم من ذلك،
~~لا يهلكك ولكنه يقيم عليك حجج الله، وليس حجج الله لنبيه وحده على حسب
~~اقتراح عباده، لأن العباد جهال بما يجوز من الصلاح وما لا يجوز منه من
~~الفساد، وقد يختلف اقتراحهم ويتضاد حتى يستحيل وقوعه، والله عز وجل طبيبكم
~~لا يجري تدبيره على ما يلزم به المحال.
# ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: وهل رأيت يا عبد الله طبيبا كان
~~دواؤه للمرضى على حسب اقتراحهم، وإنما يفعل به ما يعلم صلاحه فيه أحبه
~~العليل أو كرهه، فأنتم المرضى والله طبيبكم، فإن انقدتم لدوائه شفاكم وإن
~~تمردتم عليه أسقمكم.
# وبعد فمتى رأيت يا عبد الله مدعي حق من قبل رجل أوجب عليه حاكم من حكامهم
~~فيما مضى بينة على دعواه على حسب اقتراح المدعى عليه، إذا ما كان يثبت لأحد
~~على أحد دعوى ولاحق، ولا كان بين ظالم ومظلوم ولا بين صادق وكاذب فرق.
# ثم قال رسول الله: يا عبد الله وأما قولك " أو تأتي بالله والملائكة
~~قبيلا يقابلوننا ونعاينهم " فإن ms028 هذا من المحال الذي لا خفاء به، وأن ربنا
~~عز وجل ليس كالمخلوقين يجيء ويذهب ويتحرك ويقابل شيئا حتى يؤتى به، فقد
~~سألتم بهذا المحال، وإنما هذا الذي دعوت إليه صفة أصنامكم الضعيفة المنقوصة
~~التي لا تسمع ولا تبصر ولا تعلم ولا تغني عنكم شيئا ولا عن أحد.
# يا عبد الله أوليس لك ضياع وجنان بالطائف وعقار بمكة وقوام عليها؟
# قال: بلى. قال أفتشاهد جميع أحوالها بنفسك أو بسفراء بينك وبين معامليك؟
# قال: بسفراء. قال: أرأيت لو قال معاملوك وأكرتك (1) وخدمك لسفرائك لا
~~نصدقكم في هذه السفارة إلا أن تأتونا بعبد الله بن أبي أمية لنشاهده فنسمع
~~ما تقولون عنه شفاها، كنت تسوغهم هذا أو كان يجوز لهم عندك ذلك؟ قال: لا.
# قال: فما الذي يجب على سفرائك أليس أن يأتوهم عنك بعلامة صحيحة تدلهم
# PageV01P034
# على صدقهم يجب عليهم أن يصدقوهم؟ قال: بلى. قال: يا عبد الله أرأيت سفيرك
~~لو أنه لما سمع منهم هذا عاد إليك وقال لك قم معي فإنهم قد اقترحوا على
~~مجيئك معي أليس يكون هذا لك مخالفا وتقول له إنما أنت رسول لا مشير ولا
~~آمر؟
# قال: بلى. قال: فكيف صرت تقترح على رسول رب العالمين ما لا تسوغ لأكرتك
~~ومعامليك أن يقترحوه على رسولك إليهم، وكيف أردت من رسول رب العالمين أن
~~يستذم إلى ربه بأن يأمر عليه وينهى وأنت لا تسوغ مثل هذا على رسولك إلى
~~أكرتك وقوامك، هذه حجة قاطعة لإبطال جميع ما ذكرته في كل ما اقترحته يا عبد
~~الله.
# وأما قولك يا عبد الله " أو يكون لك بيت من زخرف - وهو الذهب - " أما
~~بلغك أن لعظيم مصر بيوتا من زخرف؟ قال: بلى. قال: أفصار بذلك نبيا؟
# قال: لا. قال: فكذلك لا يوجب لمحمد صلى الله عليه وآله نبوة لو كان له
~~بيوت، ومحمد لا يغتنم جهلك بحجج الله.
# وأما قولك يا عبد الله " أو ترقى في السماء " ثم قلت " ولن نؤمن لرقيك
~~حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه " يا عبد الله ms029 الصعود إلى السماء أصعب من
~~النزول عنها، وإذا اعترفت على نفسك أنك لا تؤمن إذا صعدت فكذلك حكم النزول،
~~ثم قلت " حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه من بعد ذلك ثم لا أدري أؤمن بك أو لا
~~أؤمن بك " فأنت يا عبد الله مقر بأنك تعاند حجة الله عليك، فلا دواء لك إلا
~~تأديبه لك على يد أوليائه من البشر أو ملائكته الزبانية، وقد أنزل الله علي
~~حكمة بالغة جامعة لبطلان كل ما اقترحته فقال عز وجل: " قل " يا محمد "
~~سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا " (1) ما أبعد ربي عن أن يفعل الأشياء على
~~ما يقترحه الجهال مما يجوز ومما لا يجوز، وهل كنت إلا بشرا رسولا لا يلزمني
~~إلا إقامة حجة الله التي أعطاني، وليس لي أن آمر على ربي ولا أنهى ولا أشير
~~فأكون كالرسول الذي بعثه ملك إلى قوم من مخالفيه فرجع إليه يأمره أن يفعل
~~بهم ما اقترحوه عليه.
# PageV01P035
# فقال أبو جهل: يا محمد هاهنا واحدة ألست زعمت أن قوم موسى احترقوا
~~بالصاعقة لما سألوه أن يريهم الله جهرة؟ قال: بلى. قال: فلو كنت نبيا
~~لاحترقنا نحن أيضا، فقد سألنا أشد مما سأل قوم موسى، لأنهم كما زعمت قالوا
~~" أرنا الله جهرة " ونحن نقول: لن نؤمن لك حتى تأتي بالله والملائكة قبيلا
~~نعاينهم.
# فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا أبا جهل أما علمت قصة إبراهيم
~~الخليل لما رفع في الملكوت، وذلك قول ربي. " وكذلك نري إبراهيم ملكوت
~~السماوات والأرض وليكون من الموقنين " (1) قوي الله بصره لما رفعه دون
~~السماء حتى أبصر الأرض ومن عليها ظاهرين ومستترين، فرأى رجلا وامرأة على
~~فاحشة فدعا عليهما بالهلاك فهلكا، ثم رأى آخرين فدعا عليهما بالهلاك فهلكا،
~~ثم رأى آخرين فدعا عليهما بالهلاك فهلكا، ثم رأى آخرين فهم بالدعاء عليهما
~~فأوحى الله إليه: يا إبراهيم اكفف دعوتك عن عبادي وإمائي فإني أنا الغفور
~~الرحيم الجبار الحليم لا يضرني ذنوب عبادي كما لا تنفعني طاعتهم، ولست
~~أسوسهم بشفاء الغيظ كسياستك، ms030 فاكفف دعوتك عن عبادي وإمائي فإنما أنت عبد
~~نذير لا شريك في الملك ولا مهيمن علي ولا عبادي، وعبادي معي بين خلال ثلاث:
~~إما تابوا إلي فتبت عليهم وغفرت ذنوبهم وسترت عيوبهم، وإما كففت عنهم عذابي
~~لعلمي بأنه سيخرج من أصلابهم ذريات مؤمنون فارفق بالآباء الكافرين وأتأني
~~بالأمهات الكافرات وارفع عنهم عذابي ليخرج ذلك المؤمن من أصلابهم فإذا
~~تزايلوا حل بهم عذابي وحاق بهم بلائي، وإن لم يكن هذا ولا هذا فإن الذي
~~أعددته لهم من عذابي أعظم مما تريده بهم، فإن عذابي لعبادي على حسب جلالي
~~وكبريائي، يا إبراهيم خل بيني وبين عبادي فأنا أرحم بهم منك، وخل بيني وبين
~~عبادي فإني أنا الجبار الحليم العلام الحكيم أدبرهم بعلمي وأنفذ فيهم قضائي
~~وقدري.
# ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا أبا جهل إنما دفع عنك العذاب
~~لعلمه بأنه سيخرج من صلبك ذرية طيبة عكرمة ابنك، وسيلي من أمور المسلمين ما
~~إن أطاع
# PageV01P036
# الله ورسوله فيه كان عند الله جليلا وإلا فالعذاب نازل عليك، وكذلك سائر
~~قريش السائلين لما سألوا من هذا إنما أمهلوا لأن الله علم أن بعضهم سيؤمن
~~بمحمد وينال به السعادة، فهو لا يقطعه عن تلك السعادة ولا يبخل بها عليه،
~~أو من يولد منه مؤمن فهو ينظر أباه لإيصال ابنه إلى السعادة، ولولا ذلك
~~لنزل العذاب بكافتكم. فانظر إلى السماء، فنظر فإذا أبوابها مفتحة وإذا
~~النيران نازلة منها مسامتة لرؤوس القوم (1) تدنو منهم حتى وجدوا حرها بين
~~أكتافهم، فارتعدت فرائص (2) أبي جهل والجماعة، فقال رسول الله صلى الله
~~عليه وآله: لاتروعنكم فإن الله لا يهلككم بها وإنما أظهرها عبرة. ثم نظروا
~~إلى السماء وإذا قد خرج من ظهور الجماعة أنوار قابلتها ورفعتها ودفعتها حتى
~~أعادتها في السماء كما جاءت منها، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن
~~بعض هذه الأنوار أنوار من قد علم الله أنه سيسعده بالإيمان بي منكم من بعد،
~~وبعضها أنوار ذرية طيبة ستخرج من بعضكم ممن لا يؤمن وهم ms031 يؤمنون.
# وعن أبي محمد الحسن العسكري عليه السلام أنه قال: قيل لأمير المؤمنين يا
~~أمير المؤمنين هل كان لمحمد صلى الله عليه وآله آية مثل آية موسى في رفعه
~~الجبل فوق رؤوس الممتنعين عن قبول ما أمروا به؟ فقال أمير المؤمنين عليه
~~السلام: أي والذي بعثه الله بالحق نبيا ما من آية كانت لأحد من الأنبياء من
~~لدن آدم إلى أن انتهى إلى محمد صلى الله عليه وآله إلا وقد كان لمحمد مثلها
~~أو أفضل منها، ولقد كان لرسول الله صلى الله عليه وآله نظير هذه الآية إلى
~~آيات آخر ظهرت له، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وآله لما أظهر بمكة
~~دعوته وأبان عن الله تعالى مراده رمته العرب عن قسي عداوتها بضروب مكائدهم،
~~ولقد قصدته يوما لأني كنت أول الناس إسلاما، بعث يوم الاثنين وصليت معه يوم
~~الثلاثاء، وبقيت معه أصلي سبع سنين حتى دخل نفر في الإسلام وأيد الله تعالى
~~دينه من بعد، فجاء قوم من المشركين فقالوا له: يا محمد تزعم
# PageV01P037
# أنك رسول رب العالمين، ثم إنك لا ترضى بذلك حتى تزعم أنك سيدهم وأفضلهم،
~~فلئن كنت نبيا فأتنا بآية كما تذكره من الأنبياء قبلك: مثل نوح الذي جاء
~~بالغرق ونجا في سفينته مع المؤمنين، وإبراهيم الذي ذكرت أن النار جعلت عليه
~~بردا وسلاما، وموسى الذي زعمت أن الجبل رفع فوق رؤوس أصحابه حتى انقادوا
~~لما دعاهم إليه صاغرين داخرين، وعيسى الذي كان ينبئهم بما يأكلون وما
~~يدخرون في بيوتهم. وصار هؤلاء المشركين فرقا أربعة: هذه تقول أظهر لنا آية
~~نوح، وهذه تقول أظهر لنا آية موسى، وهذه تقول أظهر لنا آية إبراهيم، وهذه
~~تقول أظهر لنا آية عيسى.
# فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: إنما أنا نذير [وبشير] مبين أتيتكم
~~بآية مبينة هذا القرآن الذي تعجزون أنتم والأمم وسائر العرب عن معارضته وهو
~~بلغتكم، فهو حجة بينة عليكم، وما بعد ذلك فليس لي الاقتراح على ربي وما على
~~الرسول إلا البلاغ المبين إلى ms032 المقرين بحجة صدقه وآية حقه، وليس عليه أن
~~يقترح بعد قيام الحجة على ربه ما يقترحه عليه المقترحون الذين لا يعلمون هل
~~الصلاح أو الفساد فيما يقترحون.
# فجاء جبرئيل فقال: يا محمد إن العلي الأعلى يقرأ عليك السلام ويقول لك:
~~إني سأظهر لهم هذه الآيات وإنهم يكفرون بها إلا من أعصمه منهم، ولكني أريهم
~~ذلك زيادة في الإعذار والإيضاح لحججك، فقل لهؤلاء المقترحين لآية نوح عليه
~~السلام: امضوا إلى جبل أبي قبيس، فإذا بلغتم سفحه فسترون آية نوح، فإذا
~~غشيكم الهلاك فاعتصموا بهذا وبطفلين يكونان بين يديه. وقل للفريق الثاني
~~المقترحين لآية إبراهيم عليه السلام امضوا إلى حيث تريدون من ظاهر مكة،
~~فسترون آية إبراهيم في النار، فإذا غشيكم النار فسترون في الهواء امرأة قد
~~أرسلت طرف خمارها فتعلقوا به لتنجيكم من الهلكة وترد عنكم النار. وقل
~~للفريق الثالث [المقترحين لآية موسى: امضوا إلى ظل الكعبة] فسترون آية
~~موسى، وسينجيكم هناك عمي حمزة. وقل للفريق الرابع ورئيسهم أبو جهل:
~~PageV01P038
# وأنت يا أبا جهل فاثبت عندي ليتصل بك أخبار هؤلاء الفرق الثلاث، فإن
~~الآية التي اقترحتها تكون بحضرتي.
# فقال أبو جهل للفرق الثلاث: قوموا فتفرقوا ليتبين لكم باطل قول محمد صلى
~~الله عليه وآله، فذهب الفريق الأول إلى جبل أبي قبيس والثاني إلى صحراء
~~ملساء والثالث إلى ظل الكعبة ورأوا ما وعدهم الله ورجعوا إلى النبي صلى
~~الله عليه وآله مؤمنين، وكلما رجع فريق منهم إليه وأخبروه بما شاهدوا ألزمه
~~رسول الله صلى الله عليه وآله الإيمان بالله فاستمهل أبو جهل إلى أن يجيء
~~الفريق الآخر حسب ما أوردناه في الكتاب الموسوم بمفاخر الفاطمية تركنا ذكره
~~هاهنا طلبا للايجاز والاختصار.
# قال أمير المؤمنين عليه السلام: فلما جاءت الفرقة الثالثة وأخبروا بما
~~شاهدوا عيانا وهم مؤمنين بالله وبرسوله قال رسول الله صلى الله عليه وآله
~~لأبي جهل:
# هذه الفرقة الثالثة قد جاءتك وأخبرتك بما شاهدت. فقال أبو جهل: لا أدري
~~أصدق هؤلاء أم كذبوا أم حقق لهم ذلك أم خيل إليهم، فإن ms033 رأيت أنا ما اقترحته
~~عليك من نحو آيات عيسى بن مريم فقد لزمني الإيمان بك وإلا فليس يلزمني
~~تصديق هؤلاء على كثرتهم.
# فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا أبا جهل فإن كان لا يلزمك تصديق
~~هؤلاء على كثرتهم وشدة تحصيلهم فكيف تصدق بمآثر آبائك وأجدادك ومساوئ أسلاف
~~أعدائك، وكيف تصدق على الصين والعراق والشام إذا حدثت عنها، وهل المخبرون
~~عن ذلك إلا دون هؤلاء المخبرين لك عن هذه الآيات مع سائر من شاهدها معهم من
~~الجمع الكثيف الذين لا يجتمعون على باطل يتخرصونه إلا إذا كان بإزائهم من
~~يكذبهم ويخبر بضد أخبارهم، ألا وكل فرقة محجوجون بما شاهدوا، وأنت يا أبا
~~جهل محجوج بما سمعت ممن شاهده.
# ثم أخبره النبي صلى الله عليه وآله بما اقترح عليه من آيات عيسى من أكله
~~لما أكل وادخاره في بيته لما ادخر من دجاجة مشوية وإحياء الله تعالى إياها
~~وإنطاقها بما فعل بها أبو جهل وغير ذلك على ما جاء به في هذا الخبر، فلم
~~يصدقه أبو جهل PageV01P039
# في ذلك كله بل كان يكذبه وينكر جميع ما كان النبي صلى الله عليه وآله
~~يخبره به من ذلك، إلى أن قال النبي لأبي جهل: أما كفاك ما شاهدت أم تكون
~~آمنا من عذاب الله.
# قال أبو جهل: إني لأظن أن هذا تخييل وإيهام. فقال رسول الله صلى الله
~~عليه وآله: فهل تفرق بين مشاهدتك لها وسماعك لكلامها - يعني الدجاجة
~~المشوية التي أنطقها الله له - وبين مشاهدتك لنفسك ولسائر قريش والعرب
~~وسماعك كلامهم؟ قال أبو جهل: لا. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: فما
~~يدريك إذا أن جميع ما تشاهد وتحس بحواسك تخييل. قال أبو جهل: ما هو تخييل.
~~قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ولا هذا تخييل، وإلا فكيف تصحح أنك ترى
~~في العالم شيئا أوثق منه - تمام الخبر.
# " رسالة لأبي جهل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله لما هاجر إلى المدينة
~~والجواب عنها بالرواية عن أبي محمد الحسن ms034 العسكري عليه السلام " وهي أن
~~قال: يا محمد إن الخيوط التي في رأسك هي التي ضيقت عليك مكة ورمت بك إلى
~~يثرب، وإنها لا تزال بك تنفرك وتحثك على ما يفسدك ويتلفك إلى أن تفسدها على
~~أهلها وتصليهم حر نار جهنم وتعديك طورك، وما أرى ذلك إلا وسيؤول إلى أن
~~تثور عليك قريش ثورة رجل واحد لقصد آثارك ودفع ضرك وبلائك، فتلقاهم بسفهائك
~~المغترين بك ويساعدك على ذلك من هو كافر بك مبغض لك، فيلجئه إلى مساعدتك
~~ومظافرتك خوفه لأن لا يهلك بهلاكك ويعطب عياله بعطبك ويفتقر هو ومن يليه
~~بفقرك وبفقر شيعتك، إذ يعتقدون أن أعداءك إذا قهروك ودخلوا ديارهم عنوة لم
~~يفرقوا بين من والاك وعاداك، واصطلموهم (1) باصطلامهم لك وأتوا على
~~عيالاتهم وأموالهم بالسبي والنهب كما يأتون على أموالك وعيالك، وقد أعذر من
~~أنذر وبالغ من أوضح.
# PageV01P040
# وأديت هذه الرسالة إلى محمد وهو بظاهر المدينة بحضرة كافة أصحابه وعامة
~~الكفار من يهود بني إسرائيل، وهكذا أمر الرسول ليجبن المؤمنين ويغري
~~بالوثوب عليه سائر من هناك من الكافرين.
# فقال رسول الله صلى الله عليه وآله للرسول: قد أطريت مقالتك واستكملت
~~رسالتك؟ قال: بلى. قال: فاسمع الجواب، إن أبا جهل بالمكاره والعطب يتهددني
~~ورب العالمين بالنصر والظفر يعدني، وخبر الله أصدق والقبول من الله أحق، لن
~~يضر محمدا من خذله أو يغضب عليه بعد أن ينصره الله ويتفضل بجوده وكرمه
~~عليه، قل له: يا أبا جهل إنك واصلتني بما ألقاه في خلدك الشيطان، وأنا
~~أجيبك بما ألقاه في خاطري الرحمن، إن الحرب بيننا وبينك كائنة إلى تسع
~~وعشرين يوما، وإن الله سيقتلك فيها بأضعف أصحابي، وستلقى أنت وشيبة وعتبة
~~والوليد وفلان وفلان - وذكر عددا من قريش - في قليب بدر مقتولين أقتل منكم
~~سبعين وآسر منكم سبعين وأحملهم على الفداء الثقيل.
# ثم نادى جماعة من بحضرته من المؤمنين واليهود وسائر الاخلاط: ألا تحبون
~~أن أريكم [مصارع هؤلاء المذكورين و] مصرح كل واحد منهم [قالوا:
# بلى. قال:] هلموا إلى بدر فإن هناك ms035 الملتقى والمحشر وهناك البلاء الأكبر
~~لأضع قدمي على مواضع مصارعهم، ثم ستجدونها لا تزيد ولا تنقص ولا تتغير ولا
~~تتقدم ولا تتأخر لحظة ولا قليلا ولا كثيرا فلم يخف ذلك على أحد منهم ولم
~~يجبه إلا علي بن أبي طالب عليه السلام وحده قال: نعم بسم الله. فقال
~~الباقون: نحن نحتاج إلى مركوب وآلات ونفقات ولا يمكننا الخروج إلى هناك وهو
~~مسيرة أيام.
# فقال رسول الله صلى الله عليه وآله لسائر اليهود: فأنتم ماذا تقولون؟
# فقالوا: نحن نريد أن نستقر في بيوتنا ولا حاجة لنا في مشاهدة ما أنت في
~~ادعائه محيل (1) فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا نصب لكم في المسير
~~إلى هناك اخطوا خطوة واحدة فإن الله يطوي الأرض لكم ويوصلكم في الخطوة
~~الثانية إلى
# PageV01P041
# هناك. قال المسلمون: صدق رسول الله صلى الله عليه وآله فلنشرف بهذه
~~الآية، وقال الكافرون والمنافقون: سوف نمتحن هذا الكذاب لينقطع عذر محمد
~~ويصير دعواه حجة عليه وفاضحة له في كذبه.
# قال: فخطا القوم خطوة ثم الثانية فإذا هم عند بئر بدر، فتعجبوا فجاء رسول
~~الله صلى الله عليه وآله فقال: اجعلوا البئر العلامة واذرعوا من عندها كذا
~~ذراع، فذرعوا فلما انتهوا إلى آخرها قال: هذا مصرع أبي جهل يجرحه فلان
~~الأنصاري ويجهز عليه عبد الله بن مسعود أضعف أصحابي.
# ثم قال: اذرعوا من البئر من جانب آخر ثم من جانب آخر ثم من جانب آخر كذا
~~وكذا ذراعا وذراعا وذكر أعداد الأذرع مختلفة، فلما انتهى كل عدد إلى آخره
~~قال رسول الله صلى الله عليه وآله: هذا مصرع عتبة، وهذا مصرع شيبة، وذاك
~~مصرع الوليد، وسيقتل فلان وفلان إلى أن سمى سبعين منهم بأسمائهم [وأسماء
~~آبائهم]، وسيؤسر فلان وفلان إلى أن ذكر سبعين منهم بأسمائهم وأسماء آبائهم
~~وصفاتهم ونسب المنسوبين إلى أمهاتهم وآبائهم ونسب الموالي منهم إلى
~~مواليهم.
# ثم قال صلى الله عليه وآله: أوقفتم على ما أخبرتكم به؟ قالوا: بلى. قال:
# إن ذلك [من الله] لحق كائن بعد ثمانية ms036 وعشرين يوما في اليوم التاسع
~~والعشرين وعدا من الله مفعولا وقضاءا حتما لازما - تمام الخبر.
# ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا معشر المسلمين واليهود اكتبوا
~~بما سمعتم. فقالوا: يا رسول الله قد سمعنا ووعينا ولا ننسى. فقال رسول الله
~~صلى الله عليه وآله: الكتابة أذكر لكم. فقالوا: يا رسول الله فأين الدواة
~~والكتف؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: ذلك للملائكة. ثم قال: يا
~~ملائكة ربي اكتبوا ما سمعتم من هذه القصة في الكتاب واجعلوا في كم كل واحد
~~منهم كتفا من ذلك.
# ثم قال: يا معشر المسلمين تأملوا أكمامكم وما فيها واخرجوها واقرأوها،
~~PageV01P042
# فتأملوها وإذا في كم كل واحد منهم صحيفة قرأوها وإذا فيها ذكر ما قاله
~~رسول الله صلى الله عليه وآله في ذلك سواء لا يزيد ولا ينقص ولا يتقدم ولا
~~يتأخر. فقال:
# أغيضوها في أكمامكم تكن حجة عليكم وشرفا للمؤمنين منكم وحجة على أعدائكم
~~فكانت معهم، فلما كان يوم بدر جرت الأمور كلها ببدر كما قال رسول الله صلى
~~الله عليه وآله لا يزيد ولا ينقص، قابلوها في كتبهم فوجدوها كما كتبها
~~الملائكة لا تزيد ولا تنقص ولا تتقدم ولا تتأخر، فقبل المسلمون ظاهرهم
~~ووكلوا باطنهم إلى خالقهم.
# " احتجاجه صلى الله عليه وآله وسلم على اليهود في جواز نسخ الشرائع وفي
~~غير ذلك " قال أبو محمد الحسن العسكري عليه السلام: لما كان رسول الله صلى
~~الله عليه وآله بمكة أمره الله تعالى أن يتوجه نحو بيت المقدس في صلاته
~~ويجعل الكعبة بينه وبينها إذا أمكن وإذا لم يمكن استقبل بيت المقدس كيف
~~كان، فكان رسول الله صلى الله عليه وآله يفعل ذلك طول مقامه بها ثلاث عشرة
~~سنة، فلما كان بالمدينة وكان متعبدا باستقبال بيت المقدس استقبله وانحرف عن
~~الكعبة سبعة عشر شهرا أو ستة عشر شهرا، وجعل قوم من مردة اليهود يقولون:
~~والله ما درى محمد كيف يصلي حتى صار يتوجه إلى قبلتنا ويأخذ في صلاته
~~بهدينا ونسكنا، فاشتد ذلك على ms037 رسول الله صلى الله عليه وآله لما اتصل به
~~عنهم وكره قبلتهم وأحب الكعبة فجاءه جبرئيل عليه السلام فقال له رسول الله
~~صلى الله عليه وآله: يا جبرئيل لوددت لو صرفني الله عن بيت المقدس إلى
~~الكعبة فقد تأذيت بما يتصل بي من قبل اليهود من قبلتهم. فقال جبرئيل عليه
~~السلام: فاسأل ربك أن يحولك إليها فإنه لا يردك عن طلبتك ولا يخيبك من
~~بغيتك، فلما استتم؟؟
# دعاءه صعد جبرئيل ثم عاد من ساعته فقال: اقرأ يا محمد " قد نرى تقلب وجهك
~~في السماء فلنولينك قبلة ترضيها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم
~~فولوا وجوهكم شطره " (1) الآيات.
# PageV01P043
# فقال اليهود عند ذلك: ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها؟ فأجابهم الله
~~أحسن جواب فقال " قل لله المشرق والمغرب " وهو يملكهما وتكليفه التحويل إلى
~~جانب كتحويله لكم إلى جانب آخر " يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم " (1) وهو
~~أعلم بمصلحتهم وتؤديهم طاعتهم إلى جنات النعيم.
# قال أبو محمد عليه السلام: وجاء قوم من اليهود إلى رسول الله صلى الله
~~عليه وآله فقالوا:
# يا محمد هذه القبلة بيت المقدس قد صليت إليها أربعة عشر سنة ثم تركتها
~~الآن، أفحقا كان ما كنت عليه فقد تركته إلى باطل فإن ما يخالف الحق باطل،
~~أو باطلا كان ذلك فقد كنت عليه طول هذه المدة فما يؤمننا أن تكون الآن على
~~باطل؟
# فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: بل ذلك كان حقا وهذا حق، يقول الله "
~~قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم " إذا عرف صلاحكم أيها
~~العباد في استقبالكم المشرق أمركم به، وإذا عرف صلاحكم في استقبال المغرب
~~أمركم به، وإن عرف صلاحكم في غيرهما أمركم به، فلا تنكروا تدبير الله في
~~عباده وقصده إلى مصالحكم.
# ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لقد تركتم العمل يوم السبت ثم
~~عملتم بعده سائر الأيام، ثم تركتموه في السبت ثم عملتم بعده، أفتركتم الحق
~~إلى الباطل أو الباطل إلى الحق أو ms038 الباطل إلى الباطل أو الحق إلى الحق؟
~~قولوا كيف شئتم فهو قول محمد وجوابه لكم. قالوا: بل ترك العمل في السبت حق
~~والعمل بعده حق. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: فكذلك قبلة بيت المقدس
~~في وقته حق ثم قبلة الكعبة في وقته حق.
# فقالوا له: يا محمد أفبدا لربك فيما كان أمرك به بزعمك من الصلاة إلى بيت
~~المقدس حتى نقلك إلى الكعبة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: ما بدا له
~~عن ذلك فإنه العالم بالعواقب والقادر على المصالح لا يستدرك على نفسه غلطا
~~ولا يستحدث رأيا بخلاف المتقدم جل عن ذلك، ولا يقع عليه أيضا مانع يمنعه من
~~مرادة، وليس يبدو
# PageV01P044
# إلا لمن كان هذا وصفه، وهو عز وجل يتعالى عن هذه الصفات علوا كبيرا.
# ثم قال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله: أيها اليهود أخبروني عن الله
~~أليس يمرض ثم يصح ويصح ثم يمرض أبدا له في ذلك، أليس يحيي ويميت أبدا له في
~~كل واحد من ذلك؟ قالوا: لا. قال: فكذلك الله تعبد نبيه محمدا بالصلاة إلى
~~الكعبة بعد أن كان تعبده بالصلاة إلى بيت المقدس وما بدا له في الأول.
# ثم قال: أليس الله يأتي بالشتاء في أثر الصيف والصيف في أثر الشتاء، أبدا
~~له في كل واحد من ذلك؟ قالوا: لا. قل: فكذلك لم يبدله في القبلة.
# قال: ثم قال أليس قد ألزمكم في الشتاء أن تحترزوا من البرد بالثياب
~~الغليظة، وألزمكم في الصيف أن تحترزوا من الحر، أفبدا له في الصيف حين
~~أمركم بخلاف ما كان أمركم به في الشتاء؟ قالوا: لا.
# فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: فكذلكم الله تعبدكم في وقت لصلاح
~~يعلمه بشئ ثم تعبدكم في وقت آخر لصلاح يعلمه بشئ آخر فإذا أطعتم الله في
~~الحالتين استحققتم ثوابه، فأنزل الله تعالى " ولله المشرق والمغرب فأينما
~~تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم " (1) يعني إذا توجهتم بأمره فثم
~~الوجه الذي تقصدون منه الله وتأملون ms039 ثوابه.
# ثم قال رسول الله: يا عباد الله أنتم كالمرضى والله رب العالمين كالطبيب،
~~فصلاح المرضى فيما يعمله الطبيب ويدبره به لا فيما يشتهيه المريض ويقترحه.
# ألا فسلموا لله أمره تكونوا من الفائزين.
# فقيل: يا بن رسول الله فلم أمر بالقبلة الأولى؟ فقال: لما قال الله تعالى
~~" وما جعلنا القبلة التي كنت عليها " وهي بيت المقدس " إلا لنعلم من يتبع
~~الرسول ممن ينقلب على عقبيه " (2) إلا لنعلم ذلك منه وجودا بعد أن علمناه
~~سيوجد، وذلك إن هوى أهل مكة كان في الكعبة فأراد الله أن يبين متبعي محمد
~~ممن خالفه باتباع القبلة التي كرهها ومحمد يأمر بها، ولما كان هوى أهل
~~المدينة
# PageV01P045
# في بيت المقدس أمرهم بمخالفتها والتوجه إلى الكعبة ليبين من يوافق محمدا
~~فيما يكرهه، فهو مصدقه وموافقه.
# ثم قال: " وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله " إن كان التوجه إلى
~~بيت المقدس في ذلك الوقت لكبيرة إلا على من يهدي الله، فعرف أن لله أن
~~يتعبد بخلاف ما يريده المرء ليبتلي طاعته في مخالفة هواه.
# وقال أبو محمد عليه السلام: قال جابر بن عبد الله الأنصاري: سأل رسول
~~الله صلى الله عليه وآله عبد الله بن صوريا غلام يهودي أعور تزعم اليهود
~~أنه أعلم يهودي بكتاب الله وعلوم أنبيائه عن مسائل كثيرة يعنته فيها (1)
~~فأجابه عنها رسول الله صلى الله عليه وآله بما لم يجد إلى إنكار شئ منه
~~سبيلا.
# فقال له: يا محمد من يأتيك بهذه الأخبار عن الله؟ قال: جبرئيل. قال: لو
~~كان غيره يأتيك بها لآمنت بك ولكن جبرئيل عدونا من بين الملائكة، فلو كان
~~ميكائيل أو غيره سوى جبرئيل يأتيك لآمنت بك.
# فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: لم أتخذتم جبرئيل عدوا؟ قال: لأنه
~~ينزل البلاء والشدة على بني إسرائيل، ودفع دانيال عن قتل بخت نصر (2) حتى
~~قوى أمره وأهلك بني إسرائيل، وكذلك كل بأس وشدة لا ينزلها إلا جبرئيل،
~~وميكائيل يأتينا بالرحمة.
# فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: ويحك أجهلت ms040 أمر الله وما ذنب جبرئيل
~~إلا أن أطاع الله فيما يريده بكم؟ أرأيتم ملك الموت هل هو عدوكم وقد وكله
~~الله بقبض أرواح الخلق، أرأيتم الآباء والأمهات إذا أوجروا الأولاد (3)
~~الدواء
# PageV01P046
# الكريهة لمصالحهم أيجب أن يتخذهم أولادهم أعداء من أجل ذلك، لا ولكنكم
~~بالله جاهلون وعن حكمه غافلون. أشهد أن جبرئيل وميكائيل بأمر الله عاملان
~~وله مطيعان، وأنه لا يعادي أحدهما إلا من عادى الآخر، وأن من زعم أنه يحب
~~أحدهما ويبغض الآخر فقد كفر وكذب، وكذلك محمد رسول الله وعلي أخوان كما أن
~~جبرئيل وميكائيل إخوان فمن أحبهما فهو من أولياء الله ومن أبغضهما فهو من
~~أعداء الله، ومن أبغض أحدهما وزعم أنه يحب الآخر فقد كذب وهما منه بريئان
~~والله تعالى وملائكته وخيار خلقه منه برآء.
# وقال أبو محمد عليه السلام: كان سبب نزول قوله تعالى: " قل من كان عدوا
~~لجبرئيل " الآيتين (1) ما كان من اليهود أعداء الله من قول سئ في جبرئيل
~~وميكائيل، ومن كان من أعداء الله النصاب من قول أسوأ منه في الله وفي
~~جبرئيل وميكائيل وسائر ملائكة الله، أما ما كان من النصاب فهو أن رسول الله
~~صلى الله عليه وآله لما كان لا يزال يقول في علي عليه السلام الفضائل التي
~~خصه الله عز وجل بها والشرف الذي نحله الله (2) تعالى وكان في كل ذلك يقول
~~أخبرني به جبرئيل عليه السلام عن الله، ويقول في بعض ذلك جبرئيل عن يمينه
~~وميكائيل عن يساره ويفتخر جبرئيل على ميكائيل في أنه عن يمين علي عليه
~~السلام الذي هو أفضل من اليسار كما يفتخر نديم ملك عظيم في الدنيا يجلسه
~~الملك عن يمينه على النديم الآخر الذي يجلسه على يساره، ويفتخران على
~~إسرافيل الذي خلفه بالخدمة وملك الموت الذي أقامه بالخدمة، وأن اليمين
~~واليسار أشرف من ذلك، كافتخار حاشية الملك على زيادة قرب محلهم من ملكهم.
# وكان رسول الله صلى الله عليه وآله يقول في بعض أحاديثه: إن الملائكة
~~أشرفها عند الله أشدها لعلي بن أبي ms041 طالب عليه السلام حبا، وأنه قسم
~~الملائكة فيما بينها والذي شرف
# PageV01P047
# عليا على جميع الورى بعد محمد المصطفى. ويقول مرة: إن ملائكة السماوات
~~والحجب ليشتاقون إلى رؤية علي بن أبي طالب عليه السلام كما تشتاق الوالدة
~~الشفيقة إلى ولدها البار الشفيق آخر من بقي عليها بعد عشرة دفنتهم، فكان
~~هؤلاء النصاب يقولون: إلى متى يقول محمد جبرئيل وميكائيل والملائكة كل ذلك
~~تفخيم لعلي وتعظيم لشأنه، ويقول الله تعالى لعلي خاص من دون سائر الخلق
~~برئنا من رب ومن ملائكة ومن جبرئيل ومن ميكائيل هم لعلي بعد محمد مفضلون
~~وبرئنا من رسل الله الذين هم لعلي بعد محمد مفضلون.
# وأما ما قاله اليهود فهو إن اليهود أعداء الله، لما قدم رسول الله صلى
~~الله عليه وآله المدينة أتوه بعبد الله بن صوريا فقال: يا محمد كيف نومك
~~فإنا قد أخبرنا عن نوم النبي صلى الله عليه وآله الذي يأتي في آخر الزمان؟
~~فقال: تنام عيني وقلبي يقظان.
# قال: صدقت يا محمد.
# ثم قال: فأخبرني يا محمد الولد يكون من الرجل أو المرأة؟ فقال النبي صلى
~~الله عليه وآله: أما العظام والعصب والعروق فمن الرجل وأما اللحم والدم
~~والشعر فمن المرأة. قال: صدقت يا محمد.
# ثم قال: يا محمد فما بال الولد يشبه أعمامه ليس فيه من شبه أخواله شئ
~~ويشبه أخواله ليس فيه من شبه أعمامه شئ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه
~~وآله: أيهما علا ماؤه ماء صاحبه كان الشبه له. قال: صدقت يا محمد، فأخبرني
~~عمن لا يولد له ومن يولد له؟ فقال صلى الله عليه وآله: إذا مغرت النطفة لم
~~يولد له - أي إذا حمرت وكدرت - فإذا كانت صافية ولد له.
# فقال: أخبرني عن ربك ما هو؟ فنزلت " قل هو الله أحد " إلى آخرها.
# فقال ابن صوريا: صدقت خصلة بقيت لي إن قلتها آمنت بك واتبعتك: أي ملك
~~يأتيك بما تقوله عن الله؟ قال: جبرئيل. قال ابن صوريا: ذاك عدونا من بين
~~الملائكة ينزل بالقتل والشدة والحرب ورسولنا ms042 ميكائيل يأتي بالسرور والرخاء
~~فلو كان ميكائيل هو الذي يأتيك آمنا بك لأن ميكائيل كان مسدد ملكنا
~~PageV01P048
# وجبرئيل كان مهلك ملكنا، فهو عدونا لذلك.
# فقال له سلمان الفارسي رضي الله عنه: وما بدء عداوته لكم؟ قال: نعم يا
~~سلمان عادانا مرارا كثيرة، وكان من أشد ذلك علينا أن الله أنزل على أنبيائه
~~أن بيت المقدس يخرب على يد رجل يقال (بخت نصر) وفي زمانه، وأخبرنا بالحين
~~الذي يخرب فيه، والله يحدث الأمر بعد الأمر فيمحو ما يشاء ويثبت، فلما
~~بلغنا ذلك الخبر الذي يكون فيه هلاك بيت المقدس بعث أوائلنا رجلا من أقوياء
~~بني إسرائيل وأفاضلهم نبيا كان يعد من أنبيائهم يقال له (دانيال) في طلب
~~بخت نصر، ليقتله فحمل معه وقر مال (1) لينفقه في ذلك، فلما انطلق في طلبه
~~لقيه ببابل غلاما ضعيفا مسكينا ليس له قوة ولا منعة، فأخذه صاحبنا ليقتله
~~فدفع عنه جبرائيل وقال لصاحبنا: إن كان ربكم هو الذي أمر بهلاككم فإن الله
~~لا يسلطك عليه وإن لم يكن هذا فعلى أي شئ تقتله، فصدقه صاحبنا وتركه ورجع
~~إلينا فأخبرنا بذلك، وقوى بخت نصر وملك وغزانا وخرب بيت المقدس فلهذا نتخذه
~~عدوا وميكائيل عدو لجبرئيل.
# فقال سلمان: يا بن صوريا فبهذا العقل المسلوك به غير سبيله ظلمتم، أرأيتم
~~أوائلكم كيف بعثوا من يقتل بخت نصر وقد أخبر الله تعالى في كتبه على ألسنة
~~رسله أنه يملك ويخرب بيت المقدس أرادوا تكذيب أنبياء الله في إخبارهم أو
~~اتهموهم في أخبارهم أو صدقوهم في الخبر عن الله ومع ذلك أرادوا مغالبة
~~الله، هل كان هؤلاء ومن وجهوه إلا كفارا بالله، وآي عداوة يجوز أن يعتقد
~~لجبرئيل وهو يصده عن مغالبة الله عز وجل وينهى عن تكذيب خبر الله تعالى.
# فقال ابن صوريا: قد كان الله تعالى أخبر بذلك على ألسن أنبيائه ولكنه
~~يمحو ما يشاء ويثبت. قال سلمان: فإذا لا تثقون بشئ مما في التوراة من
~~الأخبار عما مضى وما يستأنف فإن الله يمحو ما يشاء ويثبت، وإذا ms043 لعل الله قد
~~كان عزل موسى وهارون عن النبوة وأبطلا في دعواهما لأن الله يمحو ما يشاء
~~ويثبت، ولعل
# PageV01P049
# كلما أخبراكم به عن الله أنه يكون لا يكون وما أخبراكم به أنه لا يكون
~~لعله يكون، وكذلك ما أخبراكم أنه لم يكن لعله كان، ولعل ما وعده من الثواب
~~يمحوه ولعل ما توعد به من العقاب يمحوه فإنه يمحو ما يشاء ويثبت. إنكم
~~جهلتم معنى يمحو الله ما يشاء ويثبت فلذلك أنتم بالله كافرون ولأخباره عن
~~الغيوب مكذبون وعن دين الله منسلخون.
# ثم قال سلمان: فإني أشهد أنه من كان عدوا لجبرئيل فإنه عدو لميكائيل
~~وأنهما جميعا عدوان لمن عاداهما مسالمان لمن سالمهما، فأنزل الله تعالى عند
~~ذلك موافقا لقول سلمان: " قل من كان عدوا لجبريل " في مظاهرته لأولياء الله
~~على أعداء الله ونزوله بفضائل علي عليه السلام ولي الله من عند الله " فإنه
~~نزله " فإن جبرئيل نزل هذا القرآن " على قلبك بإذن الله مصدقا لما بين يديه
~~" من سائر كتب الله " وهدى " من الضلالة " وبشرى للمؤمنين " (1) بنبوة محمد
~~وولاية علي عليه السلام ومن بعده من الأئمة [الاثني عشر] بأنهم أولياء الله
~~حقا إذا ماتوا على موالاتهم لمحمد وعلي وآلهما الطيبين.
# ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا سلمان إن الله صدق قيلك ووافق
~~رأيك، وإن جبرئيل عن الله تعالى يقول: يا محمد سلمان والمقداد أخوان
~~متصافيان في ودادك ووداد علي أخيك ووصيك وصفيك، وهما في أصحابك كجبرائيل
~~وميكائيل في الملائكة عدوان لمن أبغض أحدهما وليان لمن والى محمدا وعليا
~~عدوان لمن عادى محمدا وعليا وأولياء هما، ولو أحب أهل الأرض سلمان والمقداد
~~كما تحبهما ملائكة السماوات والحجب والكرسي والعرش لمحض ودادهما لمحمد وعلي
~~وموالاتهما لأوليائهما ومعاداتهما لأعدائهما لما عذب الله أحدا منهم بعذاب
~~البتة.
# وقال أبو محمد الحسن العسكري عليه السلام: لما نزلت هذه الآية " ثم قست
~~قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة " (2) في حق اليهود والنواصب
~~فغلظ على اليهود ما وبخهم به رسول ms044 الله، فقال جماعة من رؤسائهم وذوي الألسن
# PageV01P050
# والبيان منهم: يا محمد إنك تهجونا وتدعي على قلوبنا ما الله يعلم منها
~~خلافه، إن فيها خيرا كثيرا نصوم ونتصدق ونواسي الفقراء.
# فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: إنما الخير ما أريد به وجه الله وعمل
~~على ما أمر الله تعالى، وأما ما أريد به الرياء والسمعة ومعاندة رسول الله
~~صلى الله عليه وآله وإظهار الغنى له والتمالك والتشرف عليه فليس بخير بل هو
~~الشر الخالص ووبال على صاحبه ويعذبه الله به أشد العذاب.
# فقالوا له: يا محمد أنت تقول هذا ونحن نقول بل ما نلفقه إلا لإبطال أمرك
~~ودفع رياستك ولتفريق أصحابك عنك وهو الجهاد الأعظم نأمل به من الله الثواب
~~الأجل العظيم، فأقل أحوالنا إنك تساوينا في الدعاوى فأي فضل لك علينا؟.
# فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا إخوة اليهود إن الدعاوى يتساوى
~~فيها المحقون والمبطلون، ولكن حجج الله ودلائله تفرق بينهم فتكشف عن تمويه
~~المبطلين وتبين عن حقائق المحقين، ورسول الله محمد لا يغتم بجهلكم ولا
~~يكلفكم التسليم له بغير حجة، ولكن يقيم عليكم حجة الله التي لا يمكنكم
~~دفاعها ولا تطيقون الامتناع عن موجبها، ولو ذهب محمد ويريكم آية من عنده
~~لشككتم وقلتم إنه متكلف مصنوع محتال فيه معمول أو متواطئ عليه، وإذا
~~اقترحتم أنتم فأراكم ما تقترحون لم يكن لكم أن تقولوا معمول أو متواطأ عليه
~~أو متأت بحيلة أو مقدمات، فما الذي تقترحون فهذا رب العالمين قد وعدني أن
~~يظهر لكم ما تقترحون ليقطع معاذير الكافرين منكم ويزيد في بصائر المؤمنين
~~منكم.
# قالوا: قد أنصفتنا يا محمد فإن وفيت بما وعدت من نفسك من الإنصاف فأنت
~~أول راجع عن دعواك للنبوة وداخل في غمار الأمة ومسلم لحكم التوراة لعجزك
~~عما نقترحه عليك وظهور باطل دعواك فيما ترومه من حجتك.
# فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: الصدق ينبئ عنكم لا الوعيد، اقترحوا
~~ما تقترحون ليقطع معاذيركم فيما تسألون. فقالوا له: يا محمد زعمت أنه ms045 ما في
~~قلوبنا شئ من مواساة الفقراء ومعاونة الضعفاء والنفقة في إبطال الباطل
~~وإحقاق PageV01P051
# الحق وأن الأحجار ألين من قلوبنا وأطوع لله منا، وهذه الجبال بحضرتنا
~~فهلم بنا إليها أو إلى بعضها فاستشهدها على تصديقك وتكذيبنا، فإن نطقت
~~بتصديقك فأنت المحق يلزمنا اتباعك وإن نطقت بتكذيبك أو صمتت فلم ترد جوابك
~~فاعلم بأنك المبطل في دعواك المعاند لهواك.
# فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: نعم هلموا بنا إلى أيما جبل شئتم
~~استشهدوه ليشهد لي عليكم، فخرجوا إلى أوعر جبل رأوه فقالوا: يا محمد هذا
~~الجبل فاستشهده.
# فقال رسول الله للجبل: إني أسألك بجاه محمد وآله الطيبين الذين بذكر
~~أسمائهم خفف الله العرش على كواهل ثمانية من الملائكة بعد أن لم يقدروا على
~~تحريكه وهم خلق كثير لا يعرف عددهم غير الله عز وجل، وبحق محمد وآله
~~الطيبين الذين بذكر أسمائهم تاب الله على آدم وغفر خطيئته وأعاده إلى
~~مرتبته، وبحق محمد وآله الطيبين الذين بذكر أسمائهم وسؤال الله بهم رفع
~~إدريس في الجنة مكانا عليا لما شهدت لمحمد بما أودعك الله بتصديقه على
~~هؤلاء اليهود في ذكر قساوة قلوبهم وتكذيبهم في جحدهم لقول محمد رسول الله.
# فتحرك الجبل وتزلزل وفاض عنه الماء ونادى: يا محمد أشهد أنك رسول رب
~~العالمين وسيد الخلق أجمعين، وأشهد أن قلوب هؤلاء اليهود كما وصفت أقسى من
~~الحجارة لا يخرج منها خير كما قد يخرج من الحجارة الماء سيلا أو تفجرا،
~~وأشهد أن هؤلاء كاذبون عليك فيما به يقرفونك من الفرية على رب العالمين.
# ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: وأسألك أيها الجبل أمرك الله
~~بطاعتي فيما ألتمسه منك بجاه محمد وآله الطيبين الذين بهم نجى الله نوحا من
~~الكرب العظيم وبرد الله النار على إبراهيم وجعلها عليه بردا وسلاما ومكنه
~~في جوف النار على سرير وفراش وثير لم ير تلك الطاغية مثله لأحد من ملوك
~~الأرض أجمعين، وأنبت حواليه من الأشجار الخضرة النظرة النزهة وعما حوله من
~~أنواع التور مما لا ms046 يوجد إلا في فصول أربعة من جميع السنة؟
# قال الجبل: بلى أشهد لك يا محمد بذلك، وأشهد أنك لو اقترحت على
~~PageV01P052
# ربك أن يجعل رجال الدنيا قرودا وخنازير لفعل، أو يجعلهم ملائكة لفعل، أو
~~يقلب النيران جليدا أو الجليد نيرانا لفعل أو يهبط السماء إلى الأرض أو
~~يرفع الأرض إلى السماء لفعل، أو يصير أطراف المشارق والمغارب والوهاد كلها
~~صرة كصرة الكيس لفعل، وأنه قد جعل الأرض والسماء طوعك، والجبال والبحار
~~تتصرف بأمرك، وسائر ما خلق من الرياح والصواعق وجوارح الإنسان وأعضاء
~~الحيوان لك مطيعة وما أمرتها به من شئ ائتمرت.
# فقالت اليهود: يا محمد علينا تلتبس وتشبه، قد أجلست مردة من أصحابك خلف
~~صخور من هذا الجبل فهم ينطقون بهذا الكلام ونحن لا ندري أنسمع من الرجال أم
~~من الجبل، لا يغتر بمثل هذا إلا ضعفاؤك الذين تبجبج في عقولهم (1) فإن كنت
~~صادقا فتنح عن موضعك هذا إلى ذلك القرار وأمر هذا الجبل أن ينقلع من أصله
~~فيسير إليك إلى هناك، فإذا حضرك ونحن نشاهده فأمره أن ينقطع نصفين من
~~ارتفاع سمكه ثم يرتفع السفلى من قطعيته فوق العليا وتنخفض العليا تحت
~~السفلى، فإذا تجعل أصل الجبل قلته وقلته أصله لنعلم أنه من الله، لا يتفق
~~مثله بمواطأة ولا بمعاونة مموهين متمردين.
# فقال رسول الله صلى الله عليه وآله - وأشار إلى حجر فيه قدر خمسة أرطال -
~~فقال:
# يا أيها الحجر تدحرج، فتدحرج ثم قال لمخاطبة: خذه وقربه من أذنك فسيعيد
~~عليك ما سمعت، فإن هذا جزء من ذلك الجبل، فأخذه الرجل فأدناه إلى إذنه فنطق
~~الحجر بمثل ما نطق به الجبل أولا من تصديق رسول الله صلى الله عليه وآله
~~فيما ذكره عن قلوب اليهود ومما غبر به (2) من أن نفقاتهم في دفع أمر محمد
~~صلى الله عليه وآله باطل ووبال عليهم.
# فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله أسمعت هذا أخلف هذا الحجر أحد
~~يكلمك ويوهمك أن الحجر يكلمك؟ قال: فأتني بما اقترحت في الجبل فتباعد رسول ms047
~~الله
# PageV01P053
# صلى الله عليه وآله وسلم إلى فضاء واسع ثم نادى الجبل وقال: يا أيها
~~الجبل بحق محمد وآله الطيبين بجاههم ومسائلة عباد الله بهم أرسل الله على
~~قوم عاد ريحا صرصرا عاتية لنزع الناس كأنهم أعجاز نخل خاوية، وأمر جبرئيل
~~أن يصيح صيحة هائلة في قوم صالح حتى صاروا كهشيم المحتضر لما انفصلت من
~~مكانك بإذن الله وجئت إلى حضرته هذه - ووضع يده على الأرض بين يديه.
# فتزلزل الجبل وصار كالفارع الهملاج (1) حتى دنى من إصبعه أصله فلزق بها
~~ووقف ونادى: ها أنا سامع لك مطيع يا رسول رب العالمين وإن رغمت أنوف هؤلاء
~~المعاندين مرني بأمرك. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن هؤلاء
~~اقترحوا على أن آمرك أن تنقلع من أصلك فتصير نصفين ثم ينحط أعلاك ويرتفع
~~أسفلك فتصير ذروتك أصلك وأصلك ذروتك. فقال الجبل: أتأمرني بذلك يا رسول رب
~~العالمين؟ قال: بلى فانقطع نصفين وانحط أعلاه إلى الأرض وارتفع أسفله فوق
~~أعلاه فصار فرعه أصله وأصله فرعه، ثم نادى الجبل: يا معاشر اليهود هذا الذي
~~ترون دون معجزات موسى الذين تزعمون أنكم به مؤمنون؟.
# فنظر اليهود بعضهم إلى البعض، فقال بعضهم: ما عن هذا محيص، وقال آخرون
~~منهم: هذا رجل منجوت مؤتى له ما يريد - والمنجوت يتأتى له العجائب - فلا
~~يغرنك ما تشاهدون. فناداهم الجبل: يا أعداء الله قد أبطلتم بما تقولون نبوة
~~موسى، هلا قلتم لموسى إن قلب العصا ثعبانا وانفلاق البحر طرقا ووقوف الجبل
~~كالظلة فوقكم إنما تأتي لك لأنك مؤتى لك يأتيك جدك بالعجائب فلا يغرنا ما
~~نشاهده، فألقمتهم الجبال بمقالتها والصخور ولزمتهم حجة رب العالمين.
# وعن معمر بن راشد قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: أتى يهودي
~~إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقام بين يديه يحد النظر إليه، فقال: يا
~~يهودي ما حاجتك؟
# فقال: أنت أفضل أم موسى بن عمران النبي الذي كلمه الله عز وجل وأنزل عليه
~~التوراة والعصا وفلق له البحر وظله بالغمام؟
# PageV01P054
# فقال له ms048 النبي صلى الله عليه وآله: إنه يكره للعبد أن يزكي نفسه ولكني
~~أقول: إن آدم لما أصاب الخطيئة كانت توبته أن قال " اللهم إني سألك بحق
~~محمد وآل محمد لما غفرت لي " فغفرها الله له، وإن نوحا لما ركب السفينة
~~وخاف الغرق قال " اللهم إني أسألك بحق محمد وآل محمد لم أنجيتني من الغرق "
~~فأنجاه الله عز وجل، وإن إبراهيم لما ألقي في النار قال " اللهم إني أسألك
~~بحق محمد وآل محمد لما أمنتني " فجعلها بردا وسلاما، وأن موسى لما ألقى
~~عصاه وأوجس في نفسه خيفة قال " اللهم إني أسألك بحق محمد وآل محمد لما
~~آمنتني " قال الله تعالى، لا تخف إنك أنت الأعلى.
# يا يهودي إن موسى لو أدركني ثم لم يؤمن بي وبنبوتي ما نفعه إيمانه شيئا
~~ولا نفعته النبوة، يا يهودي ومن ذريتي المهدي إذا خرج نزل عيسى بن مريم
~~عليه السلام لنصرته فقدمه ويصلي خلفه.
# وعن ابن عباس قال: خرج من المدينة أربعون رجلا من اليهود قالوا:
# انطلقوا بنا إلى هذا الكاهن الكذاب حتى نوبخه في وجهه ونكذبه، فإنه يقول،
~~أنا رسول رب العالمين، وكيف يكون رسولا وآدم خير منه ونوح خير منه - وذكروا
~~الأنبياء عليهم السلام - فقال النبي صلى الله عليه وآله لعبد الله بن سلام:
~~التوراة بيني وبينكم فرضيت اليهود بالتوراة فقال اليهود: آدم خير منك لأن
~~الله عز وجل خلقه بيده ونفخ فيه من روحه.
# فقال النبي صلى الله عليه وآله: آدم النبي أبي وقد أعطيت أنا أفضل مما
~~أعطي آدم.
# قال اليهود: وما ذاك؟ قال: إن المنادي ينادي كل يوم خمس مرات " أشهد أن
~~لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله " ولم يقل آدم رسول الله، ولواء الحمد
~~بيدي يوم القيامة وليس بيد آدم. فقال اليهود: صدقت يا محمد وهو مكتوب في
~~التوراة. قال: هذه واحدة.
# قالت اليهود: موسى خير منك. قال النبي صلى الله عليه وآله ولم؟ قالوا:
~~لأن الله عز وجل كلمه بأربعة آلاف كلمة ولم يكلمك بشئ. فقال ms049 النبي صلى الله
~~عليه وآله.
# لقد أعطيت أنا أفضل من ذلك. قالوا: وما ذاك؟ قال: هو قوله عز وجل " سبحان
~~الذي أسري بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي PageV01P055
# باركنا حوله " (1) وحملت على جناح جبرائيل حتى انتهيت إلى السماء السابعة
~~فجاوزت سدرة المنتهى عندها جنة المأوى، حتى تعلقت بساق العرش فنوديت من ساق
~~العرش " إني أنا الله لا إله إلا أنا السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار
~~المتكبر الرؤف الرحيم " ورأيته بقلبي وما رأيته بعيني، فهذا أفضل من ذلك
~~قالت اليهود: صدقت يا محمد وهو مكتوب في التوراة. قال رسول الله صلى الله
~~عليه وآله: هذه اثنتان.
# قالوا: نوح أفضل منك. قال النبي صلى الله عليه وآله: ولم ذاك؟ قالوا:
~~لأنه ركب السفينة فجرت على الجودي. قال النبي صلى الله عليه وآله: لقد
~~أعطيت أنا أفضل من ذلك. قالوا: وما ذاك؟ قال: إن الله عز وجل أعطاني نهرا
~~في السماء مجرية من العرش وعليه ألف ألف قصر لبنة من ذهب ولبنة من فضة
~~حشيشها الزعفران ورضراضها (2) الدر والياقوت وأرضها المسك الأبيض، فذلك خير
~~لي ولأمتي، وذلك قوله تعالى " إنا أعطيناك الكوثر " (3) قالوا: صدقت يا
~~محمد هو مكتوب في التوراة وهذا خير من ذلك. قال النبي صلى الله عليه وآله
~~هذه الثلاثة.
# قالوا: إبراهيم خير منك. قال: ولم ذاك؟ قالوا: لأن الله اتخذه خليلا. قال
~~النبي صلى الله عليه وآله: إن كان إبراهيم خليله فأنا حبيبه محمد.
# قالوا: ولم سميت محمدا؟ قال: سماني الله محمدا وشق اسمى من اسمه هو
~~المحمود وأنا محمد وأمتي الحامدون على كل حال. فقالت اليهود: صدقت يا محمد
~~هذا خير من ذلك. قال النبي صلى الله عليه وآله هذه أربعة.
# قالت اليهود: عيسى خير منك. قال: ولم ذاك؟ قالوا: إن عيسى بن مريم كان
~~ذات يوم بعقبة بيت المقدس فجاءه الشياطين ليحملوه فأمر الله جبرائيل أن
~~اضرب بجناحك الأيمن وجوه الشياطين والقهم في النار، فضرب بأجنحته وجوههم
~~وألقاهم في النار. فقال رسول الله: لقد أعطيت ms050 أنا أفضل من ذلك.
# PageV01P056
# قالوا: وما هو؟ قال: أقبلت يوم بدر من قتال المشركين وأنا جائع شديد
~~الجوع، فلما وردت المدينة استقبلتني امرأة يهودية وعلى رأسها جفنة وفي
~~الجفنة جدي مشوي وفي كمها شئ من سكر فقالت: الحمد لله الذي منحك السلامة
~~وأعطاك النصر والظفر على الأعداء، وإني قد كنت نذرت لله نذرا إن أقبلت
~~سالما غانما من غزاة بدر لأذبحن هذا الجدي ولأشوينه ولأحملنه إليك لتأكله.
~~فقال النبي صلى الله عليه وآله: فنزلت عن بغلتي الشهباء فضربت بيدي إلى
~~الجدي لآكله فاستنطق الله الجدي فاستوى على أربع قوائم وقال: يا محمد لا
~~تأكلني فإني مسموم. قالوا:
# صدقت يا محمد هذا خير من ذلك. قال النبي صلى الله عليه وآله: هذه خمسة.
# قالوا: بقيت واحدة ثم نقوم من عندك. قال: هاتوا. قالوا: سليمان خير منك.
~~قال: ولم ذاك؟ قالوا: لأن الله عز وجل سخر له الشياطين والإنس والجن والطير
~~والرياح والسباع. فقال النبي صلى الله عليه وآله: فقد سخر الله لي البراق
~~وهو خير من الدنيا بحذافيرها، وهي دابة من دواب الجنة وجهها مثل وجه آدمي
~~وحوافرها مثل حوافر الخيل وذنبها مثل ذنب البقر وفوق الحمار ودون البغل،
~~وسرجه من ياقوتة حمراء وركابه من درة بيضاء، مزمومة بألف زمام من ذهب عليه
~~جناحان مكللان بالدر والياقوت والزبرجد. مكتوب بين عينيه " لا إله الله
~~وحده لا شريك له وأن محمدا رسول الله ".
# قالت اليهود: صدقت يا محمد وهو مكتوب في التوراة وهذا خير من ذلك.
# يا محمد نشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. فقال لهم رسول الله صلى
~~الله عليه وآله: لقد أقام نوح في قومه ودعاهم ألف سنة إلا خمسين عاما ثم
~~وصفهم الله عز وجل فقللهم فقال " وما آمن معه إلا قليل " (1) ولقد تبعني في
~~سنيي القليلة وعمري اليسير ما لم تتبع نوحا في طول عمره وكبر سنة، وأن في
~~الجنة عشرين ومائة صف أمتي منها ثمانون صفا، وأن الله عز وجل جعل كتابي
~~المهيمن على ms051 كتبهم الناسخ لها، ولقد جئت بتحليل ما حرموا وبتحريم بعض ما
~~أحلوا. من ذلك أن موسى جاء بتحريم
# PageV01P057
# صيد الحيتان يوم السبت حتى أن الله تعالى قال من اعتدى منهم في صيدها يوم
~~السبت " كونوا قردة خاسئين " (1) فكانوا، ولقد جئت بتحليل صيدها حتى صار
~~صيدها حلالا. قال الله تعالى " أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم " (2)
~~وجئت بتحليل الشحوم كلها وكنتم لا تأكلونها.
# ثم إن الله عز وجل صلى علي في كتابه العزيز، قال الله عز وجل " إن الله
~~وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما "
~~(3) ثم وصفني الله عزو جل بالرأفة والرحمة وذكر في كتابه " لقد جائكم رسول
~~من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم " (4) وأنزل
~~الله تعالى أن لا يكلموني حتى يتصدقوا بصدقة وما كان ذلك لنبي قط، قال الله
~~عز وجل " يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم
~~صدقة " (5) ثم وضعها عنهم بعد أن افترضها عليهم برحمته ومنه.
# وعن ثوبان قال: إن يهوديا جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال: يا
~~محمد أسألك فتخبرني، فركض ثوبان برجله وقال: قل يا رسول الله. فقال: لا
~~أدعوه إلا بما سماه أهله. فقال: أرأيت قوله عز وجل " يوم تبدل الأرض غير
~~الأرض والسماوات " (6) أين الناس يومئذ؟ فقال: في الظلمة دون المحشر. فقال:
~~فما أول ما يأكل أهل الجنة إذا دخلوها؟ قال: كبد الحوت. قال: فما طعامهم
~~على أثر ذلك؟ قال:
# كبد الثور. قال: فما شرابهم على أثر ذلك؟ قال: السلسبيل. قال: صدقت أفلا
~~أسألك عن شئ لا يعلمه إلا نبي؟ قال: وما هو؟ قال: عن شبه الولد أباه وأمه.
# قال: ماء الرجل أبيض غليظ وماء المرأة أصفر دقيق، فإذا علا ماء الرجل ماء
~~المرأة كان الولد ذكرا بإذن الله تعالى ومن تشبه أباه قبل ذلك يكون الشبه،
~~وإذا علا ماء المرأة ماء الرجل خرج الولد أنثى بإذن الله عز وجل ومن تشبه
~~أمه
# PageV01P058
# قبل ذلك يكون ms052 الشبه.
# ثم قال النبي صلى الله عليه وآله: والذي نفسي بيده ما كان عندي شئ مما
~~سألتني عنه حتى انبأنيه الله عز وجل في مجلسي هذا على لسان أخي جبرئيل.
# ذكر ما جرى لرسول الله صلى الله عليه وآله من الاحتجاج على المنافقين في
~~طريق تبوك وغير ذلك من كيدهم لرسول الله صلى الله عليه وآله على العقبة
~~بالليل.
# قال أبو محمد الحسن العسكري عليه السلام: لقد رامت الفجرة ليلة العقبة
~~قتل رسول الله صلى الله عليه وآله على العقبة (1)، ورام من بقي من مردة
~~المنافقين بالمدينة قتل علي بن أبي طالب عليه السلام فما قدروا على مغالبة
~~ربهم، حملهم على ذلك حسدهم لرسول الله صلى الله عليه وآله في علي عليه
~~السلام لما فخم من أمره وعظم من شأنه: من ذلك أنه لما خرج النبي صلى الله
~~عليه وآله من المدينة وقد كان خلفه عليها وقال له: إن جبرئيل أتاني وقال
~~لي: يا محمد إن العلي الأعلى يقرأ عليك السلام ويقول لك: يا محمد إما أن
~~تخرج أنت ويقيم علي أو تقيم أنت ويخرج علي لا بد من ذلك، فإن عليا قد ندبته
~~لإحدى اثنتين لا يعلم أحد كنه جلال من أطاعني فيهما وعظيم ثوابه غيري، فلما
~~خلفه أكثر المنافقون الطعن فيه فقالوا: مله وسئمه وكره صحبته، فتبعه علي
~~عليه السلام حتى لحقه وقد وجد غما شديدا عما قالوا فيه، فقال رسول الله صلى
~~الله عليه وآله: ما أشخصك يا علي عن مركزك؟ فقال:
# بلغني عن الناس كذا وكذا. فقال له: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من
~~موسى إلا أنه لا نبي بعدي؟ فانصرف علي إلى موضعه فدبروا عليه أن يقتلوه
~~وتقدموا في أن يحفروا له في طريقه حفيرة طويلة قدر خمسين ذراعا ثم غطوها
~~بخص رقاق ونثروا فوقها يسيرا من التراب بقدر ما غطوا به وجوه الخص، وكان
# PageV01P059
# ذلك على طريق علي الذي لا بد له من سلوكه ليقع هو ودابته في الحفيرة التي
~~قد عمقوها، ms053 وكان ما حوالي المحفور أرض ذات حجارة ودبروا على أنه إذا وقع مع
~~دابته في ذلك المكان كبسوه بالأحجار حتى يقتلوه.
# فلما بلغ علي عليه السلام قرب المكان لوى فرسه عنقه وأطاله الله فبلغت
~~جحفلته (1) أذنيه وقال: يا أمير المؤمنين قد حفر لك هيهنا ودبر عليك الحتف
~~وأنت أعلم لا تمر فيه. فقال له علي عليه السلام: جزاك الله من ناصح خيرا
~~كما تدبر تدبيري وإن الله عز وجل لا يخليك من صنعه الجميل، وسار حتى شارف
~~المكان فوقف الفرس خوفا من المرور على المكان، فقال علي عليه السلام: سر
~~بإذن الله سالما سويا عجيبا شأنك بديعا أمرك، فتبادرت الدابة فإن الله عز
~~وجل قد متن الأرض (2) وصلبها [ولام (3) حفرها] كأنها لم تكن محفورة وجعلها
~~كسائر الأرض، فلما جاوزها علي عليه السلام لوى الفرس عنقه ووضع جحفلته على
~~أذنه ثم قال: ما أكرمك على رب العالمين أجازك على هذا المكان الخاوي (4).
~~فقال أمير المؤمنين عليه السلام: جازاك الله بهذه السلامة عن نصيحتك التي
~~نصحتني بها.
# ثم قلب وجه الدابة إلى ما يلي كفلها والقوم معه بعضهم أمامه وبعضهم خلفه
~~وقال، اكشفوا عن هذا المكان فكشفوا فإذا هو خاو لا يسير عليه أحد إلا وقع
~~في الحفرة، فأظهر القوم الفزع والتعجب مما رأوا منه، فقال علي عليه السلام
~~للقوم: أتدرون من عمل هذا؟ قالوا: لا ندري. قال عليه السلام: لكن فرسي هذا
~~يدري، يا أيها الفرس كيف هذا ومن دبر هذا؟ فقال الفرس: يا أمير المؤمنين
~~عليه السلام إذا كان الله عز وجل يبرم ما يروم جهال القوم نقضه أو كان ينقض
~~ما يروم جهال الخلق إبرامه فالله
# PageV01P060
# هو الغالب والخلق هم المغلوبون، فعل هذا يا أمير المؤمنين فلان وفلان إلى
~~أن ذكر العشرة بمواطأة من أربعة وعشرين هم مع رسول الله صلى الله عليه وآله
~~في طريقه ثم دبروا رأيهم على أن يقتلوا رسول الله صلى الله عليه وآله على
~~العقبة والله عز وجل من وراء حياطة رسول الله وولي ms054 الله لا يغلبه الكافرون.
# فأشار بعض أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام بأن يكاتب رسول الله بذلك
~~ويبعث رسولا مسرعا، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: إن رسول الله إلى محمد
~~رسوله أسرع وكتابه إليه أسبق، فلا يهمنكم هذا إليه، فلما قرب رسول الله صلى
~~الله عليه وآله من العقبة التي بإزائها فضائح المنافقين والكافرين نزل دون
~~العقبة ثم جمعهم فقال لهم: هذا جبرئيل الروح الأيمن يخبرني أن عليا دبر
~~عليه كذا وكذا، فدفع الله عز وجل عنه من ألطافه وعجائب معجزاته بكذا وكذا،
~~ثم إنه صلب الأرض تحت حافر دابته وأرجل أصحابه، ثم انقلب على ذلك الموضع
~~علي وكشف عنه فرأيت الحفيرة، ثم إن الله عز وجل لامها كما كانت لكرامته
~~عليه، وأنه قيل له كاتب بهذا وارسل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال:
~~رسول الله إلى رسول الله أسرع وكتابه إليه أسبق.
# ثم لم يخبرهم رسول الله صلى الله عليه وآله بما قال علي عليه السلام على
~~باب المدينة " إن مع رسول الله منافقين سيكيدونه ويدفع الله عنه "، فلما
~~سمع الأربعة والعشرون أصحاب العقبة ما قال له رسول الله صلى الله عليه وآله
~~في أمر علي عليه السلام قال بعضهم لبعض: ما أمهر محمدا بالمخرقة (1) وإن
~~فيجا (2) مسرعا أتاه أو طيرا من المدينة من بعض أهله وقع عليه أن عليا قتل
~~بحيلة كذا وكذا وهو الذي واطأنا عليه أصحابنا، فهو الآن لما بلغه كتم الخبر
~~وقلبه إلى ضده يريد أن يسكن من معه لئلا يمدوا أيديهم عليه، وهيهات والله
~~ما لبث عليا بالمدينة إلا حينه ولا خرج محمدا إلى هيهنا إلا حينه، وقد هلك
~~علي وهو هيهنا هالك لا محالة، ولكن تعالوا حتى نذهب إليه ونظهر له السرور
~~بأمر علي ليكون أسكن لقلبه إلينا إلى أن نمضي فيه تدبيرنا،
# PageV01P061
# فحضروه وهنوه على سلامة علي من الورطة التي رامها أعداؤه.
# ثم قالوا له: يا رسول الله أخبرنا عن علي عليه السلام أهو أفضل أم ملائكة
~~الله المقربون؟ فقال رسول ms055 الله صلى الله عليه وآله: وهل شرفت الملائكة إلا
~~بحبها لمحمد وعلي وقبولها لولايتهما، وأنه لا أحد من محبي علي قد نظف قلبه
~~من قذر الغش والدغل ونجاسات الذنوب إلا كان أطهر وأفضل من الملائكة، وهل
~~أمر الله الملائكة بالسجود لآدم إلا لما كانوا قد وضعوه في نفوسهم أنه لا
~~يصير في الدنيا خلق بعدهم إذا رفعوا عنها إلا - وهم يعنون أنفسهم - أفضل
~~منه في الدين فضلا وأعلم بالله وبدينه علما، فأراد الله أن يعرفهم أنهم قد
~~أخطأوا في ظنونهم واعتقاداتهم، فخلق آدم وعلمه الأسماء كلها ثم عرضها عليهم
~~فعجزوا عن معرفتها، فأمر آدم عليه السلام أن ينبأهم بها وعرفهم فضله في
~~العلم عليهم، ثم أخرج من صلب آدم ذريته منهم الأنبياء والرسل والخيار من
~~عباد الله أفضلهم محمد ثم آل محمد والخيار الفاضلين منهم أصحاب محمد وخيار
~~أمة محمد وعرف الملائكة بذلك أنهم أفضل من الملائكة إذا احتملوا ما حملوه
~~من الأثقال وقاسوا ما هم فيه بعرض يعرض من أعوان الشياطين ومجاهدة النفوس
~~واحتمال أذى ثقل العيال والاجتهاد في طلب الحلال ومعاناة مخاطرة الخوف من
~~الأعداء من لصوص مخوفين ومن سلاطين جورة قاهرين وصعوبة في المسالك في
~~المضائق والمخاوف والأجراع (1) والجبال والتلاع (2) لتحصيل أقوات الأنفس
~~والعيال من الطيب الحلال، فعرفهم الله عز وجل أن خيار المؤمنين يحتملون هذه
~~البلايا ويتخلصون منها ويحاربون الشياطين ويهزمونهم ويجاهدون أنفسهم بدفها
~~عن شهواتها ويغلبونها مع ما ركب فيهم من شهوات الفحولة وحب اللباس والطعام
~~والعز والرئاسة والفخر والخيلاء ومقاساة العناء والبلاء من إبليس وعفاريته
~~وخواطرهم وإغوائهم واستهوائهم ودفع ما يكابدونه من أليم الصبر على سماعهم
~~الطعن من أعداء الله وسماع الملاهي
# PageV01P062
# والشتم لأولياء الله، ومع ما يقاسونه في أسفارهم لطلب أقواتهم والهرب من
~~أعداء دينهم، أو الطلب لمن يأملون معاملته من مخالفيهم في دينهم.
# قال الله عز وجل: يا ملائكتي وأنتم من جميع ذلك بمعزل لا شهوات الفحولة
~~تزعجكم ولا شهوة الطعام تحفزكم (2) ولا خوف من أعداء دينكم ودنياكم تنحب
~~(2) في قلوبكم ولا ms056 لإبليس في ملكوت سماواتي وأرضي شغل على إغواء ملائكتي
~~الذين قد عصمتهم منهم، يا ملائكتي فمن أطاعني منهم وسلم دينه من هذه الآفات
~~والنكبات فقد احتمل في جنب محبتي ما لم تحتملوا واكتسب من القربات إلى ما
~~لم تكتسبوا.
# فلما عرف الله ملائكته فضل خيار أمة محمد وشيعة علي وخلفائه عليهم السلام
~~واحتمالهم في جنب محبة ربهم ما لا تحتمله الملائكة أبان بني آدم الخيار
~~المتقين بالفضل عليهم، ثم قال: فلذلك فاسجدوا لآدم لما كان مشتملا على
~~أنوار هذه الخلائق الأفضلين، ولم يكن سجودهم لآدم إنما كان آدم قبلة لهم
~~يسجدون نحوه لله عز وجل، وكان بذلك معظما له مبجلا، ولا ينبغي لأحد أن يسجد
~~لأحد من دون الله ويخضع له خضوعه لله ويعظم بالسجود له كتعظيمه لله، ولو
~~أمرت أحدا أن يسجد هكذا لغير الله لأمرت ضعفاء شيعتنا وسائر المكلفين من
~~شيعتنا أن يسجدوا لمن توسط في علوم علي وصي رسول الله ومحض وداد خير خلق
~~الله علي بعد محمد رسول الله واحتمل المكاره والبلايا في التصريح بإظهار
~~حقوق الله ولم ينكر على حقا أرقبه عليه (3) قد كان جهله أو غفله.
# ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله عصى الله إبليس فهلك لما كان معصيته
~~بالكبر على آدم، وعصى آدم الله بأكل الشجرة فسلم ولم يهلك لما لم يقارن
~~بمعصيته التكبر
# PageV01P063
# على محمد وآله الطيبين، وذلك إن الله تعالى قال له: يا آدم عصاني فيك
~~إبليس وتكبر عليك فهلك ولو تواضع لك بأمري وعظم عز جلالي لأفلح كل الفلاح
~~كما أفلحت، وأنت عصيتني بأكل الشجرة وعظمتني بالتواضع لمحمد وآل محمد فتفلح
~~كل الفلاح وتزول عنك وصمة الزلة فادعني بمحمد وآله الطيبين لذلك، فدعا بهم
~~فأفلح كل الفلاح لما تمسك بعروتنا أهل البيت.
# ثم إن رسول صلى الله عليه وآله أمر بالرحيل في أول نصف الليل الأخير،
~~وأمر مناديه فنادى: ألا لا يسبقن رسول الله صلى الله عليه وآله أحد إلى
~~العقبة ولا يطأها حتى يجاوزها رسول الله صلى ms057 الله عليه وآله، ثم أمر حذيفة
~~أن يقعد في أصل العقبة فينظر من يمر بها ويخبر رسول الله صلى الله عليه
~~وآله، وكان رسول الله أمره أن يتشبه بحجر، فقال حذيفة يا رسول الله إني
~~أتبين الشر في وجوه القوم من رؤساء عسكرك، وإني أخاف إن قعدت في أصل الجبل
~~وجاء منهم من أخاف أن يتقدمك إلى هناك للتدبير عليك يحس بي ويكشف عني
~~فيعرفني ويعرف موضعي من نصيحتك فيتهمني ويخافني فيقتلني.
# فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: إنك إذا بلغت أصل العقبة فاقصد أكبر
~~صخرة هناك إلى جانب أصل العقبة وقل لها: إن رسول الله يأمرك أن تنفرجي لي
~~حتى أدخل جوفك ثم يأمرك أن تثقبي فيك ثقبة أبصر منها المارين وتدخل علي
~~منها الروح لئلا أكون من الهالكين، فإنها تصير إلى ما تقول لها بإذن الله
~~رب العالمين.
# فأدى حذيفة الرسالة ودخل جوف الصخرة وجاء الأربعة والعشرون على جمالهم
~~وبين أيديهم رجالتهم يقول بعضهم لبعض: من رأيتموه هنا كائنا من كان فاقتلوه
~~لأن لا يخبروا محمدا أنهم قد رأونا هيهنا فينكص محمد ولا يصعد هذه العقبة
~~إلا نهارا فيبطل تدبيرنا عليه، وسمعها حذيفة واستقصوا فلم يجدوا أحدا، وكان
~~الله قد ستر حذيفة بالحجر عنهم، فتفرقوا فبعضهم صعد على الجبل وعدل عن
~~الطريق المسلوك، وبعضهم وقف على سفح الجبل عن يمين وشمال وهم يقولون الآن
~~ترون حين محمد كيف أغراه بأن يمنع الناس عن صعود العقبة حتى يقطعها هو
~~لنخلوا به هيهنا فنمضي فيه تدبيرنا وأصحابه عنه بمعزل، وكل ذلك يوصله الله
~~تعالى PageV01P064
# من قريب أو بعيد إلى أذن حذيفة ويعيه حذيفة، فلما تمكن القوم على الجبل
~~حيث أرادوا كلمت الصخرة حذيفة وقالت له: انطلق الآن إلى رسول الله صلى الله
~~عليه وآله فأخبره بما رأيت وبما سمعت. قال حذيفة: كيف أخرج عنك وإن رآني
~~القوم قتلوني مخافة على أنفسهم من نميمتي عليهم؟ قالت الصخرة: إن الذي مكنك
~~من جوفي وأوصل إليك الروح من الثقبة التي أحدثها في ms058 هو الذي يوصلك إلى نبي
~~الله وينقذك من أعداء الله.
# فنهض حذيفة ليخرج فانفرجت الصخرة بقدرة الله تعالى، فحوله الله طائرا
~~فطار في الهواء محلقا حتى انقض بين يدي رسول الله، ثم أعيد على صورته فأخبر
~~رسول الله صلى الله عليه وآله بما رأى وسمع، فقال رسول الله: أو عرفتهم
~~بوجوههم؟ فقال:
# يا رسول الله كانوا متلثمين وكنت أعرف أكثرهم بجمالهم، فلما فتشوا
~~المواضع فلم يجدوا أحدا أحدروا اللثام فرأيت وجوههم وعرفتهم بأعيانهم
~~وأسمائهم فلان وفلان وفلان حتى عد أربعة وعشرين. فقال رسول الله صلى الله
~~عليه وآله: يا حذيفة إذا كان الله يثبت محمدا لم يقدر هؤلاء ولا الخلق
~~أجمعون أن يزيلوه، إن الله تعالى بالغ في محمد أمره ولو كره الكافرون.
# ثم قال: يا حذيفة فانهض بنا أنت وسلمان وعمار وتوكلوا على الله، فإذا
~~جزنا الثنية الصعبة فأذنوا للناس أن يتبعونا، فصعد رسول الله صلى الله عليه
~~وآله وهو على ناقته وحذيفة وسلمان أحدهما آخذ بخطام ناقته يقودها والآخر
~~خلفها يسوقها، وعمار إلى جانبها، والقوم على جمالهم ورجالتهم منبثون حوالي
~~الثنية على تلك العقبات، وقد جعل الذين فوق الطريق حجارة في دباب فدحرجوها
~~من فوق لينفروا الناقة برسول الله صلى الله عليه وآله ويقع به في المهوى
~~الذي يهول الناظر إليه من بعده، فلما قربت الدباب من ناقة رسول الله صلى
~~الله عليه وآله أذن الله لها فارتفعت ارتفاعا عظيما فجاوزت ناقة رسول الله
~~صلى الله عليه وآله ثم سقطت في جانب المهوى ولم يبق منها شئ إلا صار كذلك
~~وناقة رسول الله كأنها لا تحس بشئ من تلك القعقعات التي كانت للدباب.
# ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله لعمار: اصعد إلى الجبل فاضرب بعصاك
~~هذه وجوه PageV01P065
# رواحلهم فارم بها، ففعل ذلك عمار فنفرت بهم رواحلهم وسقط بعضهم فانكسر
~~عضده ومنهم من انكسرت رجله ومنهم من انكسر جنبه واشتدت لذلك أوجاعهم، فلما
~~انجبرت واندملت بقيت عليهم آثار الكسر إلى أن ماتوا، ولذلك قال رسول الله
~~صلى ms059 الله عليه وآله في حذيفة وأمير المؤمنين عليه السلام: " إنهما أعلم
~~الناس بالمنافقين " لقعوده في أصل الجبل ومشاهدته من مر سابقا لرسول الله
~~صلى الله عليه وآله.
# وكفى الله رسوله أمر من قصد له، وعاد رسول الله صلى الله عليه وآله إلى
~~المدينة سالما فكسى الله الذل والعار من كان قعد عنه، وألبس الخزي من كان
~~دبر عليه وعلى علي ما دفع الله عنه عليه السلام.
# " احتجاج النبي (ص) يوم الغدير على الخلق كلهم وفي غيره من الأيام بولاية
~~علي بن أبي طالب (ع) ومن بعده من ولده من الأئمة المعصومين صلوات الله
~~عليهم أجمعين ".
# حدثني السيد العالم العابد أبو جعفر مهدي ابن أبي حرب الحسيني المرعشي
~~رضي الله عنه (1) قال أخبرنا الشيخ أبو علي الحسن بن الشيخ السعيد أبي جعفر
~~محمد بن الحسن الطوسي (2) رضي الله عنه، قال أخبرني الشيخ السعيد الوالد
~~أبو جعفر (3) قدس الله روحه، قال أخبرني جماعة عن أبي محمد هارون بن موسى
# PageV01P066
# التلعكبري (1)، قال أخبرنا أبو علي محمد بن همام، (2) قال أخبرنا علي
~~السوري (3)، قال أخبرنا أبو محمد العلوي (4) من ولد الأفطس - وكان من عباد
~~الله الصالحين - قال حدثنا محمد بن موسى الهمداني (5)، قال حدثنا محمد بن
~~خالد الطيالسي (6)، قال حدثنا سيف بن عميرة (7) وصالح بن عقبة (8) جميعا
# PageV01P067
# عن قيس بن سمعان (1) عن علقمة بن محمد الحضرمي (2) عن أبي جعفر محمد ابن
~~علي عليه السلام أنه قال: حج رسول الله صلى الله عليه وآله من المدينة وقد
~~بلغ جميع الشرايع قومه غير الحج والولاية، فأتاه جبرئيل عليه السلام فقال
~~له: يا محمد إن الله جل اسمه يقرئك السلام ويقول لك: إني لم أقبض نبيا من
~~أنبيائي ولا رسولا من رسلي إلا بعد إكمال ديني وتأكيد حجتي، وقد بقي عليك
~~من ذاك فريضتان مما تحتاج أن تبلغهما قومك: فريضة الحج، وفريضة الولاية
~~والخلافة من بعدك، فإني لم أخل أرضي من حجة ولن أخليها أبدا، فإن الله جل
~~ثناؤه يأمرك أن تبلغ قومك الحج وتحج ويحج معك ms060 من استطاع إليه سبيلا من أهل
~~الحضر والأطراف والأعراب وتعلمهم من معالم حجهم مثل ما علمتهم من صلاتهم
~~وزكاتهم وصيامهم وتوقفهم من ذلك علي مثال الذي أوقفتهم عليه من جميع ما
~~بلغتهم من الشرائع.
# فنادي منادي رسول الله صلى الله عليه وآله في الناس: ألا إن رسول الله
~~يريد الحج وأن يعلمكم من ذلك مثل الذي علمكم من شرائع دينكم ويوقفكم من ذاك
~~على ما أوقفكم عليه من غيره، فخرج صلى الله عليه وآله وخرج معه الناس
~~واصغوا إليه لينظروا ما يصنع فيصنعوا مثله، فحج بهم وبلغ من حج مع رسول
~~الله من أهل المدينة وأهل الأطراف والأعراب سبعين ألف إنسان أو يزيدون على
~~نحو عدد أصحاب موسى السبعين ألف الذين أخذ عليهم بيعة هارون فنكثوا واتبعوا
~~العجل والسامري، وكذلك أخذ رسول الله صلى الله عليه وآله البيعة لعلي
~~بالخلافة على عدد أصحاب موسى فنكثوا البيعة واتبعوا العجل والسامري سنة
~~بسنة ومثلا بمثل، واتصلت التلبية ما بين مكة والمدينة (3)
# PageV01P068
# فلما وقف بالموقف أتاه جبرئيل عليه السلام عن الله عز وجل فقال: يا محمد
~~إن الله عز وجل يقرئك السلام ويقول لك: إنه قد دنى أجلك ومدتك وأنا مستقدمك
~~على ما لا بد منه ولا عنه محيص، فاعهد عهدك وقدم وصيتك واعمد إلى ما عندك
~~من العلم وميراث علوم الأنبياء من قبلك والسلاح والتابوت وجميع ما عندك من
~~آيات الأنبياء، فسلمه إلى وصيك وخليفتك من بعدك حجتي البالغة على خلقي علي
~~بن أبي طالب عليه السلام، فأقمه للناس علما وجدد عهده وميثاقه وبيعته،
~~وذكرهم ما أخذت عليهم من بيعتي وميثاقي الذي واثقتهم وعهدي الذي عهدت إليهم
~~من ولاية وليي ومولاهم ومولى كل مؤمن ومؤمنة علي بن أبي طالب عليه السلام،
~~فإني لم أقبض نبيا من الأنبياء إلا من بعد إكمال ديني وحجتي وإتمام نعمتي
~~بولاية أوليائي ومعاداة أعدائي، وذلك كمال توحيدي وديني وإتمام نعمتي على
~~خلقي باتباع وليي وطاعته، وذلك أني لا أترك أرضي بغير ولي ولا قيم ليكون
~~حجة لي ms061 على خلقي، فاليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم
~~الإسلام دينا بولاية وليي ومولى كل مؤمن ومؤمنة علي عبدي ووصي نبي والخليفة
~~من بعده وحجتي البالغة على خلقي، مقرون طاعته بطاعة محمد نبيي ومقرون طاعته
~~مع طاعة محمد بطاعتي، من أطاعه فقد أطاعني ومن عصاه فقد عصاني، جعلته علما
~~بيني وبين خلقي، من عرفه كان مؤمنا ومن أنكره كان كافرا ومن أشرك بيعته كان
~~مشركا ومن لقيني بولايته دخل الجنة، ومن لقيني بعداوته دخل النار، فأقم يا
~~محمد عليا علما وخذ عليهم البيعة وجدد عهدي وميثاقي لهم الذي واثقتهم عليه،
~~فإني قابضك إلي ومستقدمك علي.
# فخشى رسول الله صلى الله عليه وآله من قومه وأهل النفاق والشقاق أن
~~يتفرقوا ويرجعوا إلى جاهلية لما عرف من عداوتهم ولما ينطوي عليه أنفسهم
~~لعلي من العداوة والبغضاء PageV01P069
# وسأل جبرئيل أن يسأل ربه العصمة من الناس وانتظر أن يأتيه جبرئيل بالعصمة
~~من الناس عن الله جل اسمه، فأخر ذلك إلى أن بلغ مسجد الخيف (1)، فأتاه
~~جبرئيل عليه السلام في مسجد الخيف فأمره بأن يعهد عهده ويقيم عليا علما
~~للناس يهتدون به، ولم يأته بالعصمة من الله جل جلاله بالذي أراد حتى بلغ
~~كراع الغميم (2) بين مكة والمدينة، فأتاه جبرئيل وأمره بالذي أتاه فيه من
~~قبل الله ولم يأته بالعصمة، فقال: جبرئيل إني أخشى قومي أن يكذبوني ولا
~~يقبلوا قولي في علي عليه السلام [فسأل جبرئيل كما سأل بنزول آية العصمة
~~فأخره ذلك] فرحل فلما بلغ غدير خم (3) قبل الجحفة (4) بثلاثة أميال أتاه
~~جبرئيل عليه السلام على خمس ساعات مضت من النهار بالزجر والانتهار والعصمة
~~من الناس فقال: يا محمد إن الله عز وجل يقرئك السلام ويقول لك " يا أيها
~~الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك " في علي " وإن لم تفعل فما بلغت رسالته
~~والله يعصمك من الناس " (5).
# وكان أوائلهم قريب من الجحفة، فأمر بأن يرد من تقدم منهم ويحبس تأخر
# PageV01P070
# عنهم في ذلك المكان ليقيم عليا علماء للناس ويبلغهم ما أنزل ms062 الله تعالى
~~في علي وأخبره بأن الله عز وجل قد عصمه من الناس، فأمر رسول الله عندما
~~جاءته العصمة مناديا ينادي في الناس بالصلاة جامعة ويرد من تقدم منهم ويحبس
~~من تأخر وتنحى عن يمين الطريق إلى جنب مسجد الغدير أمره بذلك جبرئيل عن
~~الله عز وجل، وكان في الموضع سلمات (1) فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله
~~أن يقم ما تحتهن (2) وينصب له حجارة كهيئة المنبر ليشرف على الناس، فتراجع
~~الناس واحتبس أواخرهم في ذلك المكان لا يزالون، فقام رسول الله صلى الله
~~عليه وآله فوق تلك الأحجار ثم حمد الله تعالى وأثنى عليه فقال:
# الحمد لله الذي علا في توحده، ودنا في تفرده، وجل في سلطانه، وعظم في
~~أركانه، وأحاط بكل شئ علما وهو في مكانه، وقهر جميع الخلق بقدرته وبرهانه
~~مجيدا لم يزل محمودا لا يزال، بارئ المسموكات (3) وداحي المدحوات وجبار
~~الأرضين والسماوات، قدوس سبوح رب الملائكة والروح، متفضل على جميع من برأه
~~متطول على جميع من أنشأه، يلحظ كل عين والعيون لا تراه، كريم حليم ذو أناة،
~~قد وسع كل شئ رحمته ومن عليهم بنعمته، لا يعجل بانتقامه ولا يبادر إليهم
~~بما استحقوا من عذابه، قد فهم السرائر وعلم الضمائر، ولم تخف عليه
~~المكنونات، ولا اشتبهت عليه الخفيات، له الإحاطة بكل شئ والغلبة على كل شئ
~~والقوة في كل شئ والقدرة على كل شئ وليس مثله شئ، وهو منشئ الشئ حين لا شئ،
~~دائم قائم بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم، جل عن أن تدركه الأبصار وهو
~~يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير، لا يلحق أحد وصفه من معاينة، ولا يجد أحد
~~كيف هو من سر وعلانية إلا بما دل عز وجل على نفسه.
# وأشهد أنه الله الذي ملأ الدهر قدسه، والذي يغشى الأبد نوره، والذي ينفذ
# PageV01P071
# أمره بلا مشاورة مشير ولا معه شريك في تقدير ولا تفاوت في تدبير، صور ما
~~أبدع على غير مثال وخلق ما خلق بلا معونة من أحد ولا تكلف ولا ms063 احتيال،
~~أنشأها فكانت وبرأها فبانت، فهو الله الذي لا إله إلا هو المتقن الصنعة
~~الحسن الصنيعة العدل الذي لا يجور والإكرم الذي ترجع إليه الأمور.
# وأشهد أنه الذي تواضع كل شئ لقدرته وخضع كل شئ لهيبته ملك الأملاك ومفلك
~~الأفلاك ومسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى، يكور الليل على النهار (1)
~~ويكور النهار على الليل يطلبه حثيثا، قاسم كل جبار عنيد ومهلك كل شيطان
~~مريد، لم يكن معه ضد ولا ند، أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد،
~~إله واحد ورب ماجد يشاء فيمضي ويريد فيقضي ويعلم فيحصي ويميت ويحيي ويفقر
~~ويغني ويضحك ويبكي ويمنع ويعطي، له الملك وله الحمد بيده الخير وهو على كل
~~شئ قدير، يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل لا إله إلا هو العزيز
~~الغفار، مجيب الدعاء ومجزل العطاء، محصي الأنفاس ورب الجنة والناس، لا يشكل
~~عليه شئ ولا يضجره صراخ المستصرخين ولا يبرمه إلحاح الملحين، العاصم
~~للصالحين والموفق للمفلحين ومولى العالمين، الذي استحق من كل من خلق أن
~~يشكره ويحمده. أحمده على السراء والضراء والشدة والرخاء، وأؤمن به
~~وبملائكته وكتبه ورسله، أسمع أمره وأطيع وأبادر إلى كل ما يرضاه واستسلم
~~لقضائه رغبة في طاعته وخوفا من عقوبته، لأنه الله الذي لا يؤمن مكره ولا
~~يخاف جوره، وأقر له على نفسي بالعبودية وأشهد له بالربوبية وأؤدي ما أوحي
~~إلى حذرا من أن لا أفعل فتحل بي منه قارعة (2) لا يدفعها عني أحد وإن عظمت
~~حيلته لا إله إلا هو، لأنه قد أعلمني أني إن لم أبلغ ما أنزل إلي فما بلغت
~~رسالته
# PageV01P072
# وقد ضمن لي تبارك وتعالى العصمة، وهو الله الكافي الكريم، فأوحي إلي: بسم
~~الله الرحمن الرحيم " يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك " في علي
~~[يعني في الخلافة لعلي بن أبي طالب عليه السلام] " وإن لم تفعل فما بلغت
~~رسالته والله يعصمك من الناس ".
# (معاشر الناس) ما قصرت في تبليغ ما أنزل الله تعالى إلى، وأنا ms064 مبين لكم
~~سبب نزول هذه الآية: إن جبرئيل عليه السلام هبط إلي مرارا ثلاثا يأمرني عن
~~السلام ربي وهو السلام أن أقوم في هذا المشهد فأعلم كل أبيض وأسود أن علي
~~بن أبي طالب عليه السلام أخي ووصيي وخليفتي والإمام من بعدي، الذي محله مني
~~محل هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي وهو وليكم من بعد الله ورسوله، وقد
~~أنزل الله تبارك وتعالى على بذلك آية من كتابه " إنما وليكم الله ورسوله
~~والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون " (1) وعلي بن
~~أبي طالب عليه السلام أقام الصلاة وآتى الزكاة وهو راكع يريد الله عز وجل
~~في كل حال.
# وسألت جبرئيل أن يستعفي لي عن تبليغ ذلك إليكم أيها الناس لعلمي بقلة
~~المتقين وكثرة المنافقين وإدغال (2) الآثمين وختل (3) المستهزئين بالإسلام
~~الذين وصفهم الله في كتابه بأنهم يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم
~~ويحسبونه هينا وهو عند الله عظيم، وكثرة إذا هم لي في غير مرة حتى سموني
~~إذنا (4).
# وزعموا أني كذلك لكثرة ملازمته إياي وإقبالي عليه، حتى أنزل الله عز وجل
~~في ذلك قرآنا " ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن قل أذن " على الذين
~~يزعمون أنه أذن " خير لكم يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين " الآية (5).
# ولو شئت أن أسمي بأسمائهم لسميت وأن أومى إليهم بأعيانهم لأومأت وأن
# PageV01P073
# أدل عليهم لدللت، ولكني والله في أمورهم قد تكرمت، وكل ذلك لا يرضى الله
~~مني إلا أن أبلغ ما أنزل إلي، ثم تلى صلى الله عليه وآله " يا أيها الرسول
~~بلغ ما أنزل إليك من ربك " في علي " وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله
~~يعصمك من الناس ".
# فاعلموا معاشر الناس أن الله قد نصبه لكم وليا وإماما مفترضا طاعته على
~~المهاجرين والأنصار وعلى التابعين لهم بإحسان، وعلى البادي والحاضر وعلى
~~الأعجمي والعربي والحر والمملوك والصغير والكبير وعلى الأبيض والأسود وعلى
~~كل موحد ماض حكمه جائز قوله نافذ أمره، ملعون من خالفه مرحوم من تبعه مؤمن
~~من صدقه، فقد غفر ms065 الله له ولمن سمع منه وأطاع له.
# (معاشر الناس) إنه آخر مقام أقومه في هذا المشهد فاسمعوا وأطيعوا
~~وانقادوا لأمر ربكم، فإن الله عز وجل هو مولاكم وإلهكم ثم من دونه محمد صلى
~~الله عليه وآله وليكم القائم المخاطب لكم، ثم من بعدي علي وليكم وإمامكم
~~بأمر ربكم، ثم الإمامة في ذريتي من ولده إلى يوم تلقون الله ورسوله، لا
~~حلال إلا ما أحله الله ولا حرام إلا ما حرمه الله، عرفني الحلال والحرام
~~وأنا أفضيت بما علمني ربي من كتابه وحلاله وحرامه إليه.
# (معاشر الناس) ما من علم إلا وقد أحصاه الله في، وكل علم علمت فقد أحصيته
~~في إمام المتقين، وما من علم إلا علمته عليا، وهو الإمام المبين.
# (معاشر الناس) لا تضلوا عنه ولا تنفروا منه ولا تستكبروا [ولا تستنكفوا خ
~~ل] من ولايته، فهو الذي يهدي إلى الحق ويعمل به ويزهق الباطل وينهى عنه ولا
~~تأخذه في الله لومة لائم. ثم إنه أول من آمن بالله ورسوله، وهو الذي فدى
~~رسوله بنفسه وهو الذي كان مع رسول الله ولا أحد يعبد الله مع رسوله من
~~الرجال غيره.
# (معاشر الناس) فضلوه فقد فضله الله، واقبلوه فقد نصبه الله.
# (معاشر الناس) إنه إمام من الله ولن يتوب الله على أحد أنكر ولايته، ولن
~~يغفر الله له، حتما على الله أن يفعل ذلك بمن خالف أمره فيه وأن يعذبه
~~عذابا PageV01P074
# شديدا نكرا أبد الآباد ودهر الدهور، فاحذروا أن تخالفوه فتصلوا نارا
~~وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين.
# (أيها الناس) بي والله بشر الأولون من النبيين والمرسلين، وأنا خاتم
~~الأنبياء والمرسلين والحجة على جميع المخلوقين من أهل السماوات والأرضين،
~~فمن شك في ذلك فهو كافر كفر الجاهلية الأولى، ومن شك في شئ من قولي هذا فقد
~~شك في الكل منه، والشاك في ذلك فله النار.
# (معاشر الناس) حباني الله بهذه الفضيلة منا منه علي وإحسانا منه إلي، ولا
~~إله إلا هو، له الحمد مني أبد الآبدين ودهر الداهرين على كل حال. ms066
# (معاشر الناس) فضلوا عليا فإنه أفضل الناس بعدي من ذكر وأنثى، بنا أنزل
~~الله الرزق وبقي الخلق، ملعون ملعون مغضوب مغضوب من رد على قولي هذا ولم
~~يوافقه، ألا إن جبرئيل خبرني عن الله تعالى بذلك ويقول: " من عادى عليا ولم
~~يتوله فعليه لعنتي وغضبي " فلتنظر نفس ما قدمت لغد، واتقوا الله أن تخالفوه
~~فتزل قدم بعد ثبوتها إن الله خبير بما تعملون.
# (معاشر الناس) إنه جنب الله الذي ذكر في كتابه فقال تعالى: " إن تقول نفس
~~يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله " (1).
# (معاشر الناس) تدبروا القرآن وافهموا آياته وانظروا إلى محكماته ولا
~~تتبعوا متشابهه، فوالله لن يبين لكم زواجره ولا يوضح لكم تفسيره إلا الذي
~~أنا آخذ بيده ومصعده إلى - وشائل بعضده - ومعلمكم إن من كنت مولاه فهذا علي
~~مولاه، وهو علي بن أبي طالب عليه السلام أخي ووصيي، وموالاته من الله عز
~~وجل أنزلها على.
# (معاشر الناس) إن عليا والطيبين من ولدي هم الثقل الأصغر، والقرآن الثقل
~~الأكبر، فكل واحد منبئ عن صاحبه وموافق له لن يفترقا حتى يردا على الحوض،
~~هم أمناء الله في خلقه وحكماؤه في أرضه، ألا وقد أديت، ألا وقد بلغت
# PageV01P075
# ألا وقد أسمعت، ألا وقد أوضحت، ألا وإن الله عز وجل قال وأنا قلت عن الله
~~عز وجل، ألا إنه ليس أمير المؤمنين غير أخي هذا ولا تحل إمرة المؤمنين بعدي
~~لأحد غيره.
# ثم ضرب بيده إلى عضده فرفعه، وكان منذ أول ما صعد رسول الله صلى الله
~~عليه وآله شال عليا حتى صارت رجله مع ركبة رسول الله صلى الله عليه وآله،
~~ثم قال:
# (معاشر الناس) هذا علي أخي ووصيي وواعي علمي وخليفتي على أمتي وعلى تفسير
~~كتاب الله عز وجل والداعي إليه والعامل بما يرضاه والمحارب لأعدائه
~~والموالي على طاعته والناهي عن معصيته خليفة رسول الله وأمير المؤمنين
~~والإمام الهادي وقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين بأمر الله، أقول ما
~~يبدل القول لدي بأمر ربي، أقول: اللهم وال من والاه وعاد ms067 من عاداه والعن من
~~أنكره واغضب على من جحد حقه، اللهم إنك أنزلت علي أن الإمامة بعدي لعلي
~~وليك عند تبياني ذلك ونصبي أيام بما أكملت لعبادك من دينهم وأتممت عليهم
~~بنعمتك ورضيت لهم الإسلام دينا، فقلت: " ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن
~~يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين " (1) اللهم إني أشهدك وكفى بك شهيدا
~~أني قد بلغت.
# (معاشر الناس) إنما أكمل الله عز وجل دينكم بإمامته، فمن لم يأتم به وبمن
~~يقوم مقامه من ولدي من صلبه إلى يوم القيامة والعرض على الله عز وجل فأولئك
~~الذين حبطت أعمالهم وفي النار فيها خالدون، لا يخفف عنهم العذاب ولاهم
~~ينظرون.
# (معاشر الناس) هذا علي أنصركم لي وأحقكم بي وأقربكم إلي وأعزكم علي،
~~والله عز وجل وأنا عنه راضيان، وما نزلت آية رضى إلا فيه، وما خاطب الله
~~الذين آمنوا إلا بدأ به، ولا نزلت آية مدح في القرآن إلا فيه، ولا شهد
~~بالجنة في هل أتى على الإنسان إلا له، ولا أنزلها في سواه، ولا مدح بها
~~غيره.
# (معاشر الناس) هو ناصر دين الله والمجادل عن رسول الله، وهو التقي
# PageV01P076
# النقي الهادي المهدي، نبيكم خير نبي ووصيكم خير وصي وبنوه خير الأوصياء.
# (معاشر الناس) ذرية كل نبي من صلبه وذريتي من صلب علي.
# (معاشر الناس) إن إبليس أخرج آدم من الجنة بالحسد، فلا تحسدوه فتحبط
~~أعمالكم وتزل أقدامكم، فإن آدم أهبط إلى الأرض بخطيئة واحدة وهو صفوة الله
~~عز وجل وكيف بكم وأنتم أنتم ومنكم أعداء الله، ألا إنه لا يبغض عليا إلا
~~شقي ولا يتوالى عليا إلا تقي ولا يؤمن به إلا مؤمن مخلص، وفي علي والله
~~نزلت سورة العصر " بسم الله الرحمن الرحيم. والعصر إن الإنسان لفي خسر "
~~إلى آخرها.
# (معاشر الناس) قد استشهدت الله وبلغتكم رسالتي، وما على الرسول إلا
~~البلاغ المبين.
# (معاشر الناس) اتقوا الله حق تقاته، ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون.
# (معاشر الناس) آمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزل معه من قبل أن نطمس ms068
~~وجوها فنردها على أدبارها.
# (معاشر الناس) النور من الله عز وجل في مسلوك ثم في علي ثم في النسل منه
~~إلى القائم المهدي الذي يأخذ بحق الله وبكل حق هو لنا، لأن الله عز وجل قد
~~جعلنا حجة على المقصرين والمعاندين والمخالفين والخائنين والآثمين
~~والظالمين من جميع العالمين.
# (معاشر الناس) أنذركم أني رسول الله قد خلت من قبلي الرسل أفإن مت أو
~~قتلت انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي
~~الله الشاكرين، ألا وإن عليا هو الموصوف بالصبر والشكر ثم من بعده ولدي من
~~صلبه.
# (معاشر الناس) لا تمنوا على الله إسلامكم فيسخط عليكم ويصيبكم بعذاب من
~~عنده إنه لبالمرصاد. PageV01P077
# (معاشر الناس) إنه سيكون من بعدي أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا
~~ينصرون.
# (معاشر الناس) إن الله وأنا بريئان منهم.
# (معاشر الناس) إنهم وأنصارهم وأتباعهم وأشياعهم في الدرك الأسفل من النار
~~ولبئس مثوى المتكبرين، ألا إنهم أصحاب الصحيفة فلينظر أحدكم في صحيفته.
# قال: فذهب على الناس إلا شرذمة منهم أمر الصحيفة.
# (معاشر الناس) إني أدعها إمامة ووراثة في عقبى إلى يوم القيامة، وقد بلغت
~~ما أمرت بتبليغه حجة على كل حاضر وغائب وعلى كل أحد ممن شهد أو لم يشهد ولد
~~أو لم يولد، فليبلغ الحاضر الغائب والوالد الولد إلى يوم القيامة،
~~وسيجعلونها ملكا واغتصابا، ألا لعن الله الغاصبين والمغتصبين، وعندها سنفرغ
~~لكم أيها الثقلان فيرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران.
# (معاشر الناس) إن الله عز وجل لم يكن يذركم على ما أنتم عليه حتى يميز
~~الخبيث من الطيب، وما كان الله ليطلعكم على الغيب.
# (معاشر الناس) إنه ما من قرية إلا والله مهلكها بتكذيبها، وكذلك يهلك
~~القرى وهي ظالمة كما ذكر الله تعالى، وهذا علي إمامكم ووليكم وهو مواعيد
~~الله والله يصدق ما وعده.
# (معاشر الناس) قد ضل قبلكم أكثر الأولين، والله لقد أهلك الأولين وهو
~~مهلك الآخرين، قال الله تعالى: " ألم نهلك الأولين. ثم نتبعهم الآخرين.
# كذلك نفعل بالمجرمين. ويل ms069 يومئذ للمكذبين " (1).
# (معاشر الناس) إن الله قد أمرني ونهاني، وقد أمرت عليا ونهيته، فعلم
~~الأمر والنهي من ربه عز وجل، فاسمعوا لأمره تسلموا، وأطيعوه تهتدوا،
~~وانتهوا لنهيه ترشدوا، وصيروا إلى مراده ولا تتفرق بكم السبل عن سبيله.
# (معاشر الناس) أنا صراط الله المستقيم الذي أمركم باتباعه ثم علي من
# PageV01P078
# بعدي ثم ولدي من صلبه أئمة يهدون إلى الحق وبه يعدلون، ثم قرأ " الحمد
~~لله رب العالمين " إلى آخرها وقال: في نزلت وفيهم نزلت ولهم عمت وإياهم
~~خصت، أولئك أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، ألا إن حزب الله هم
~~الغالبون، ألا إن أعداء علي هم أهل الشقاق والنفاق والحادون وهم العادون
~~وإخوان الشياطين الذين يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا، ألا إن
~~أولياءهم الذين ذكرهم الله في كتابه فقال عز وجل " لا تجد قوما يؤمنون
~~بالله واليوم الآخر يوادون من حاد (1) الله ورسوله " (2) إلى آخر الآية،
~~ألا إن أولياءهم الذين وصفهم الله عز وجل فقال: " الذين آمنوا ولم يلبسوا
~~(3) إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون " (4) ألا إن أولياءهم الذين
~~وصفهم الله عز وجل فقال الذين يدخلون الجنة آمنين تتلقاهم الملائكة
~~بالتسليم إن طبتم فادخلوها خالدين (5)، ألا إن أولياءهم الذين قال لهم الله
~~عز وجل: يدخلون الجنة بغير حساب (6)، ألا إن أعداءهم يصلون سعيرا (7)، ألا
~~إن أعداءهم الذين يسمعون لجهنم شهيقا وهي تفور ولها زفير (8)، ألا إن
~~أعداءهم الذين قال الله فيهم: " كلما دخلت أمة
# PageV01P079
# لعنت أختها " (1) الآية، ألا إن أعداءهم الذين قال الله عز وجل: " كلما
~~ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير. قالوا بلى قد جائنا نذير
~~فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شئ إن أنتم إلا في ضلال مبين " (2) ألا إن
~~أولياءهم الذين يخشون ربهم بالغيب لهم مغفرة وأجر كبير.
# (معاشر الناس) شتان ما بين السعير والجنة، عدونا من ذمه الله ولعنه
~~وولينا من مدحه الله وأحبه.
# (معاشر الناس) ألا وإني منذر وعلي هاد.
# (معاشر الناس) إني نبي وعلي وصي، ألا إن خاتم ms070 الأئمة منا القائم المهدي
~~ألا إنه الظاهر على الدين، ألا إنه المنتقم من الظالمين، ألا إنه فاتح
~~الحصون وهادمها ألا إنه قاتل كل قبيلة من أهل الشرك، ألا إنه مدرك بكل ثأر
~~لأولياء الله، ألا إنه الناصر لدين الله، ألا إنه الغراف (3) في بحر عميق،
~~ألا إنه يسم (4) كل ذي فضل بفضله وكل ذي جهل بجهله، ألا إنه خيرة الله
~~ومختاره، ألا إنه وارث كل علم والمحيط به، ألا إنه المخبر عن ربه عز وجل
~~والمنبه بأمر إيمانه، ألا إنه الرشيد السديد، ألا إنه المفوض إليه، ألا إنه
~~قد بشر من سلف بين يديه، ألا إنه الباقي حجة ولا حجة بعده ولاحق إلا معه
~~ولا نور إلا عنده، ألا إنه لا غالب له ولا منصور عليه، ألا وإنه ولي الله
~~في أرضه وحكمه في خلقه وأمينه في سره وعلانيته (معاشر الناس) قد بينت لكم
~~وأفهمتكم، وهذا علي يفهمكم بعدي، ألا وإني عند انقضاء خطبتي أدعوكم إلى
~~مصافقتي (5) على بيعته والإقرار به ثم مصافقته بعدي، ألا وإني قد بايعت
~~الله وعلي قد بايعني وأنا آخذكم بالبيعة له عن
# PageV01P080
# الله عز وجل " فمن نكث فإنما ينكث على نفسه " (1) الآية.
# (معاشر الناس) إن الحج والصفا والمروة والعمرة من شعائر الله " فمن حج
~~البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما " (2) الآية.
# (معاشر الناس) حجوا البيت، فما ورده أهل بيت لا استغنوا، ولا تخلفوا عنه
~~إلا افتقروا.
# (معاشر الناس) ما وقف بالموقف مؤمن إلا غفر الله له ما سلف من ذنبه إلى
~~وقته ذلك فإذا انقضت حجته استؤنف عمله.
# (معاشر الناس) الحجاج معانون (3) ونفقاتهم مخلفة، والله لا يضيع أجر
~~المحسنين.
# (معاشر الناس) حجوا البيت بكمال الدين والتفقه، ولا تنصرفوا عن المشاهد
~~إلا بتوبة وإقلاع (4).
# (معاشر الناس) أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة كما أمركم الله عز وجل، لئن
~~طال عليكم الأمد فقصرتم أو نسيتم فعلي وليكم ومبين لكم الذي نصبه الله عز
~~وجل بعدي، ومن خلفه الله مني وأنا منه يخبركم بما تسألون عنه ويبين ms071 لكم ما
~~لا تعلمون، ألا إن الحلال والحرام أكثر من أن أحصيهما وأعرفهما، فآمر
~~بالحلال وأنهى عن الحرام في مقام واحد، فأمرت أن آخذ البيعة منكم والصفقة
~~لكم بقبول ما جئت به عن الله عز وجل في علي أمير المؤمنين والأئمة من بعده
~~الذين هم مني ومنه، أئمة قائمة منهم المهدي إلى يوم القيامة الذي يقضي
~~بالحق.
# (معاشر الناس) وكل حلال دللتكم عليه أو حرام نهيتكم عنه فإني لم أرجع عن
~~ذلك ولم أبدل، ألا فاذكروا ذلك واحفظوه وتواصوا به ولا تبدلوه ولا
# PageV01P081
# تغيروه، ألا وإني أجدد القول: ألا فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا
~~بالمعروف وانهوا عن المنكر، ألا وإن رأس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
~~أن تنتهوا إلى قولي وتبلغوه من لم يحضر وتأمروه بقبوله وتنهوه عن مخالفته،
~~فإنه أمر من الله عز وجل ومني، ولا أمر بمعروف ولا نهي عن منكر إلا مع إمام
~~معصوم.
# (معاشر الناس) القرآن يعرفكم أن الأئمة من بعده ولده، وعرفتكم أنه مني
~~وأنا منه، حيث يقول الله في كتابه " وجعلها كلمة باقية في عقبه " (1) وقلت
~~" لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما ".
# (معاشر الناس) التقوى التقوى، احذروا الساعة كما قال الله عز وجل " إن
~~زلزلة الساعة شئ عظيم " (2) اذكروا الممات والحساب والموازين والمحاسبة بين
~~يدي رب العالمين والثواب والعقاب، فمن جاء بالحسنة أثيب عليها ومن جاء
~~بالسيئة فليس له في الجنان نصيب.
# (معاشر الناس) أنكم أكثر من أن تصافقوني بكف واحدة، وقد أمرني الله عز
~~وجل أن آخذ من ألسنتكم الإقرار بما عقدت لعلي من إمرة المؤمنين ومن جاء
~~بعده من الأئمة مني ومنه على ما أعلمتكم أن ذريتي من صلبه، فقولوا بأجمعكم
~~" إنا سامعون مطيعون راضون منقادون لما بلغت عن ربنا وربك في أمر علي وأمر
~~ولده من صلبه من الأئمة، نبايعك على ذلك بقلوبنا وأنفسنا وألسنتنا وأيدينا
~~على ذلك نحيى ونموت ونبعث ولا نغير ولا نبدل ولا نشك ولا نرتاب ولا نرجع عن
~~عهد ولا ننقض الميثاق نطيع الله ونطيعك وعليا أمير ms072 المؤمنين وولده الأئمة
~~الذين ذكرتهم من ذريتك من صلبه بعد الحسن والحسين الذين قد عرفتكم مكانهما
~~مني ومحلهما عندي ومنزلتهما من ربي عز وجل " فقد أديت ذلك إليكم وأنهما
~~سيدا شباب أهل الجنة، وأنهما الإمامان بعد أبيهما علي وأنا أبوهما قبله،
~~وقولوا " أطعنا الله بذلك وإياك وعليا والحسن والحسين والأئمة الذين ذكرت
~~عهدا وميثاقا مأخوذا لأمير المؤمنين من قلوبنا وأنفسنا وألسنتنا ومصافقة
~~أيدينا من أدركهما
# PageV01P082
# بيده وأقر بهما بلسانه ولا نبتغي بذلك بدلا ولا نرى من أنفسنا عنه حولا
~~أبدا، أشهدنا الله وكفى بالله شهيدا وأنت علينا به شهيد، وكل من أطاع ممن
~~ظهر واستتر وملائكة الله وجنوده وعبيده والله أكبر من كل شهيد " (معاشر
~~الناس) ما تقولون فإن الله يعلم كل صوت وخافية كل نفس، فمن اهتدى فلنفسه
~~ومن ضل فإنما يضل عليها، ومن بايع فإنما يبايع الله يد الله فوق أيديهم.
# (معاشر الناس) فاتقوا الله وبايعوا عليا أمير المؤمنين والحسن والحسين
~~والأئمة كلمة طيبة باقية، يهلك الله من غدر ويرحم الله من وفى، ومن " نكث
~~فإنما ينكث على نفسه " الآية.
# (معاشر الناس) قولوا الذي قلت لكم وسلموا على علي بإمرة المؤمنين، وقولوا
~~سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير، وقولوا " الحمد لله الذي هدانا
~~لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله " الآية.
# (معاشر الناس) إن فضائل علي بن أبي طالب عليه السلام عند الله عز وجل،
~~وقد أنزلها في القرآن أكثر من أن أحصيها في مقام واحد، فمن أنبأكم بها
~~وعرفها فصدقوه.
# (معاشر الناس) من يطع الله ورسوله وعليا والأئمة الذين ذكرتهم فقد فاز
~~فوزا عظيما.
# (معاشر الناس) السابقون السابقون إلى مبايعته وموالاته والتسليم عليه
~~بإمرة المؤمنين، أولئك هم الفائزون في جنات النعيم.
# (معاشر الناس) قولوا ما يرضى الله به عنكم من القول، " فإن تكفروا أنتم
~~ومن في الأرض جميعا فلن يضر الله شيئا " (1)، اللهم اغفر للمؤمنين واغضب
~~على الكافرين والحمد لله رب العالمين.
# فناداه القوم: سمعنا وأطعنا على أمر الله وأمر رسوله بقلوبنا وألسنتنا
~~وأيدينا
# PageV01P083
# وتداكوا (1) على ms073 رسول الله وعلى علي عليه السلام فصافقوا بأيديهم، فكان
~~أول من صافق رسول الله صلى الله عليه وآله الأول والثاني والثالث والرابع
~~والخامس وباقي المهاجرين والأنصار وباقي الناس على طبقاتهم وقدر منازلهم،
~~إلى أن صليت المغرب والعتمة في وقت واحد، ووصلوا البيعة والمصافقة ثلاثا
~~ورسول الله يقول كلما بايع قوم:
# الحمد لله الذي فضلنا على جميع العالمين. وصارت المصافقة سنة ورسما،
~~وربما يستعملها من ليس له حق فيها.
# وروي عن الصادق عليه السلام أنه قال: لما فرغ رسول الله صلى الله عليه
~~وآله من هذه الخطبة رأى الناس رجلا جميلا بها طيب الريح فقال: تالله ما
~~رأيت محمدا كاليوم قط، ما أشد ما يؤكد لابن عمه وأنه يعقد عقدا لا يحله إلا
~~كافر بالله العظيم وبرسوله، ويل طويل لمن حل عقده.
# قال: والتفت إليه عمر بن الخطاب حين سمع كلامه فأعجبته، هيئته ثم التفت
~~إلى النبي صلى الله عليه وآله وقال: أما سمعت ما قال هذا الرجل، قال كذا
~~وكذا؟ فقال النبي صلى الله عليه وآله: يا عمر أتدري من ذاك الرجل؟ قال: لا.
~~قال: ذلك الروح الأمين جبرئيل، فإياك أن تحله، فإنك إن فعلت فالله ورسوله
~~وملائكته والمؤمنين منك براء.
# ذكر تعيين الأئمة الطاهرة بعد النبي صلى الله عليه وآله واحتجاج الله
~~تعالى بمكانهم على كافة الخلق.
# روى أبو بصير عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام أنه قال: قال أبي محمد
~~بن علي لجابر بن عبد الله الأنصاري: إن لي إليك حاجة متى يخف عليك أن أخلو
~~بك فأسألك عنها؟ قل له جابر: في أي الأحوال أحببت، فخلا به أبي في بعض
~~الأوقات وقال له: يا جابر أخبرني عن اللوح الذي رأيته في يد أمي فاطمة وما
~~أخبرتك به أمي أنه في ذلك اللوح مكتوب.
# PageV01P084
# فقال جابر: أشهد بالله إني دخلت على أمك فاطمة صلوات الله عليها في حياة
~~رسول الله صلى الله عليه وآله فهنيتها بولادة الحسين عليه السلام ورأيت في
~~يدها لوحا أخضر فظننت أنه من ms074 زمرد، ورأيت فيه كتابا أبيض شبه نور الشمس،
~~فقلت لها: بأمي وأبي أنت يا بنت رسول الله ما هذا اللوح؟ فقالت: هذا اللوح
~~أهداه الله تعالى إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فيه اسم أبي واسم بعلي
~~واسم ابني وأسماء الأوصياء من ولدي، فأعطانيه أبي ليسرني بذلك. قال جابر:
~~فأعطتنيه أمك عليها السلام فقرأته واستنسخته.
# قال له أبي: فهل لك يا جابر أن تعرضه علي؟ قال: نعم، فمشى معه أبي حتى
~~انتهى إلى منزل جابر فأخرج إلى أبي صحيفة من رق وقال: يا جابر أنظر في
~~كتابك لأقرأ عليك، فنظر جابر في نسخته وقرأ أبي فما خالف حرف حرفا.
# قال جابر: فأشهد بالله أني هكذا رأيت في اللوح مكتوبا:
# بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من الله العزيز العليم لمحمد نبيه
~~ورسوله ونوره وسفيره وحجابه ودليله، نزل به الروح الأمين من عند رب
~~العالمين.
# عظم يا محمد أسمائي وأشكر نعمائي ولا تجحد آلائي، فإني أنا الله لا إله
~~إلا أنا قاصم الجبارين ومذل الظالمين وديان يوم الدين، لا إله إلا أنا من
~~رجا غير فضلي أو خاف غير عدلي عذبته عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين،
~~فإياي فاعبد وعلي فتوكل، إني لم أبعث نبيا فأكملت أيامه وانقضت مدته إلا
~~جعلت له وصيا، وإني فضلتك على الأنبياء وفضلت وصيك على الأوصياء، وأكرمتك
~~بشبليك بعده وسبطيك الحسن والحسين فجعلت حسنا معدن علمي بعد انقضاء مدة
~~أبيه، وجعلت حسينا خازن علمي وأكرمته بالشهادة وختمت له بالسعادة، وهو أفضل
~~من استشهد وأرفع الشهداء درجة، وجعلت كلمتي التامة معه وحجتي البالغة عنده،
~~بعترته أثيب وأعاقب: أولهم علي سيد العابدين وزين أوليائي الماضين، وابنه
~~شبيه جده المحمود محمد الباقر لعلمي والمعدن لحكمتي، سيهلك المرتابون في
~~جعفر الصادق الراد عليه PageV01P085
# كالراد علي، حق القول مني لأكرمن مثوى جعفر ولأسرنه في أشياعه وأنصاره
~~وأوليائه، وانتجبت بعده موسى، وأتيح بعده فتنة عمياء حندس (1) إلا أن خيط
~~فرضي لا ينقطع وحجتي لا تخفى وأن أوليائي لا يشقون، ألا ومن ms075 جحد واحدا منهم
~~فقد جحد نعمتي ومن غير آية من كتابي فقد افترى علي، ويل للمفترين الجاحدين
~~عند انقضاء مدة عبدي موسى وحبيبي وخيرتي، ألا إن المكذب بالثامن مكذب بكل
~~أوليائي علي وليي وناصري ومن أضع عليه أعباء النبوة وأمنحه بالاضطلاع بها
~~يقتله عفريت مستكبر، يدفن بالمدينة التي بناها العبد الصالح إلى جنب شر
~~خلقي، حق القول مني لأقرن عينه بمحمد ابنه وخليفته من بعده ووارث علمه، وهو
~~معدن علمي وموضع سري وحجتي على خلقي، لا يؤمن به عبد إلا جعلت الجنة مثواه
~~وشفعته في سبعين من أهل بيته كلهم قد استوجب النار، واختم بالسعادة لابنه
~~علي وليي وناصري والشاهد في خلقي وأميني على وحيى، أخرج منه الداعي إلى
~~سبيلي والخازن لعلمي الحسن العسكري، ثم أكمل ديني بابنه محمد رحمة
~~للعالمين، عليه كمال موسى وبهاء عيسى وصبر أيوب، سيد أوليائي سيذل أوليائي
~~في زمانه وتتهادى رؤوسهم كما تتهادى رؤوس الترك والديلم فيقتلون ويحرقون
~~ويكونون خائفين مرعوبين وجلين، تصبغ الأرض بدمائهم ويفشو الويل والرنة في
~~نسائهم، أولئك أوليائي حقا بهم أدفع كل فتنة عمياء حندس وبهم اكشف الزلازل
~~وأرفع الآصار والأغلال، أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم
~~المهتدون.
# قال عبد الرحمن بن سالم (2) قال أبو بصير (3): لو لم تسمع في دهرك إلا
# PageV01P086
# هذا الحديث لكفاك، فصنه إلا عن أهله.
# وعن علي بن أبي حمزة (1) عن جعفر بن محمد الصادق عن أبيه عن آبائه عليهم
~~السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله حدثني جبرئيل عن رب العزة جل
~~جلاله أنه قال، من علم أن لا إله إلا أنا وحدي وأن محمد عبدي ورسولي وأن
~~علي بن أبي طالب عليه السلام وليي وخليفتي وأن الأئمة من ولده حججي أدخلته
~~الجنة برحمتي، ونجيته من النار بعفوي، وأبحت له جواري، فأوجبت له كرامتي،
~~وأتممت عليه نعمتي وجعلته من خاصتي وخالصتي. إن ناداني لبيته وإن دعاني
~~أجبته وإن سألني أعطيته وإن سكت ابتدأته، وإن أساء رحمته، وإن فر مني
~~دعوته، وإن رجع ms076 إلى قبلته، وإن قرع بابي فتحته.
# ومن لم يشهد أن لا إله إلا أنا وحدي، أو شهد بذلك ولم يشهد أن محمدا عبدي
~~ورسولي، أو شهد بذلك ولم يشهد أن علي بن أبي طالب خليفتي، أو شهد بذلك ولم
~~يشهد أن الأئمة ولده حججي فقد جحد نعمتي وصغر عظمتي وكفر بآياتي وكتبي، إن
~~قصدني حجبته وإن سألني حرمته، وإن ناداني لم أسمع نداءه، وإن دعاني لم
~~أستجب دعاءه، وإن رجاني خيبته، وذلك جزاؤه مني وما أنا بظلام للعبيد فقام
~~جابر بن عبد الله الأنصاري فقال: يا رسول الله ومن الأئمة من ولد علي بن
~~أبي طالب؟ فقال: الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، ثم سيد العابدين في
~~زمانه علي بن الحسين، ثم الباقر محمد بن علي، وستدركه يا جابر فإذا أدركته
~~فاقرأه مني السلام، ثم الصادق جعفر بن محمد، ثم الكاظم موسى بن جعفر، ثم
~~الرضا علي بن موسى، ثم التقي الجواد محمد بن علي، ثم التقي علي بن محمد، ثم
~~الزكي الحسن بن علي، ثم ابنه القائم بالحق مهدي أمتي محمد بن الحسن صاحب
# PageV01P087
# الزمان - صلوات الله عليهم أجمعين - الذي يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت
~~ظلما وجورا.
# هؤلاء يا جابر خلفائي وأوصيائي وأولادي وعترتي، من أطاعهم فقد أطاعني ومن
~~عصاهم فقد عصاني، ومن أنكرهم أو أنكر واحدا منهم فقد أنكرني، بهم يمسك الله
~~عز وجل السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه، وبهم يحفظ الله الأرض أن تميد
~~بأهلها.
# وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال لعلي بن أبي طالب عليه السلام:
~~يا علي لا يحبك إلا من طابت ولادته، ولا يبغضك إلا من خبثت ولادته، ولا
~~يواليك إلا مؤمن ولا يعاديك إلا كافر.
# فقام إليه عبد الله بن مسعود فقال: يا رسول الله فقد عرفنا علامة خبث
~~الولادة والكافر في حياتك ببغض علي وعداوته، فما علامة خبث الولادة والكافر
~~بعدك إذا أظهر الإسلام بلسانه وأخفى مكنون سريرته؟
# فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا ms077 بن مسعود إن علي بن أبي طالب عليه
~~السلام إمامكم بعدي وخليفتي عليكم، فإذا مضى فالحسن والحسين ابناي إمامكما
~~بعده وخليفتي عليكم، ثم تسعة من ولد الحسين واحد بعد واحد أئمتكم وخلفائي
~~عليكم، تاسعهم قائم أمتي يملأها قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا، لا يحبهم
~~إلا من طابت ولادته ولا يبغضهم إلا من خبثت ولادته ولا يواليهم إلا مؤمن
~~ولا يعاديهم إلا كافر من أنكر واحدا منهم فقد أنكرني ومن أنكرني فقد أنكر
~~الله عز وجل، ومن جحد واحدا منهم فقد جحدني ومن جحدني فقد جحد الله عز وجل،
~~لأن طاعتهم طاعتي وطاعتي طاعة الله ومعصيتهم معصيتي ومعصيتي معصية الله. يا
~~بن مسعود إياك أن تجد في نفسك حرجا مما أقضي فتكفر، فوعزة ربي ما أنا متكلف
~~ولا أنا ناطق عن الهوى في علي والأئمة عليهم السلام من ولده.
# ثم قال صلى الله عليه وآله وهو رافع يديه إلى السماء: اللهم وال من والى
~~خلفائي وأئمة أمتي من بعدي وعاد من عاداهم، وانصر من نصرهم، واخذل من
~~خذلهم، ولا PageV01P088
# تخل الأرض من قائم منهم بحجتك إما ظاهرا مشهورا أو خائفا مغمورا لئلا
~~يبطل دينك وحجتك وبيناتك.
# ثم قال صلى الله عليه وآله: يا بن مسعود قد جمعت لكم في مقامي هذا ما إن
~~فارقتموه هلكتم وإن تمسكتم به نجوتم. والسلام على من اتبع الهدى.
# والأخبار في هذا المعنى متواترة لا تحصى كثرة ذكرنا طرفا منها جلاءا
~~للأبصار وشفاءا لما في الصدور وهدى لقوم ينصفون.
# " ذكر طرف مما جرى بعد وفاة رسول الله (ص) من اللجاج والحجاج في أمر
~~الخلافة من قبل من استحقها ومن لم يستحق، والإشارة إلى شئ من إنكار من أنكر
~~على من تأمر على علي بن أبي طالب (ع) تأمره وكيد من كاده من قبل ومن بعد ".
# عن أبي المفضل محمد بن عبد الله الشيباني (1) بإسناده الصحيح عن رجال ثقة
~~أن النبي صلى الله عليه وآله خرج في مرضه الذي توفي فيه إلى الصلاة متوكئا
~~على الفضل ms078 بن عباس وغلام له يقال له ثوبان، وهي الصلاة التي أراد التخلف
~~عنها لثقله ثم حمل على نفسه وخرج، فلما صلى عاد إلى منزله فقال لغلامه:
~~اجلس على الباب ولا تحجب أحدا من الأنصار وتجلاه الغشي وجاءت الأنصار
~~فأحدقوا بالباب وقالوا:
# استأذن لنا على رسول الله صلى الله عليه وآله. فقال: هو مغشي عليه وعنده
~~نساؤه، فجعلوا يبكون فسمع رسول الله صلى الله عليه وآله البكاء فقال: من
~~هؤلاء؟ قالوا: الأنصار. فقال من هيهنا من أهل بيتي؟ قالوا: علي والعباس،
~~فدعاهما وخرج متوكئا عليهما فاستند إلى جذع من أساطين مسجده - وكان الجذع
~~جريد نخل - فاجتمع الناس وخطب فقال في كلامه:
# PageV01P089
# (معاشر الناس) إنه لم يمت نبي قط إلا خلف تركة، وقد خلفت فيكم الثقلين
~~كتاب الله وأهل بيتي، ألا فمن ضيعهم ضيعه الله، ألا وإن الأنصار كرشي
~~وعيبتي (1) التي آوي إليها، وإني أوصيكم بتقوى الله والإحسان إليهم،
~~فاقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم.
# ثم دعا أسامة بن زيد فقال: سر على بركة الله والنصر والعافية حيث أمرتك
~~بمن أمرتك عليه، وكان صلى الله عليه وآله قد أمره على جماعة من المهاجرين
~~والأنصار فيهم أبو بكر وعمر وجماعة من المهاجرين الأولين، وأمره أن يغير
~~على مؤتة واد في فلسطين (2).
# فقال له أسامة: بأبي أنت وأمي يا رسول الله أتأذن لي في المقام أياما حتى
~~يشفيك الله، فإني متى خرجت وأنت على هذه الحالة خرجت وفي قلبي منك قرحة
~~فقال: انفذ يا أسامة لما أمرتك فإن القعود عن الجهاد لا يجب في حال من
~~الأحوال قال: فبلغ رسول الله صلى الله عليه وآله أن الناس طعنوا في عمله،
~~فقال رسول الله صلى الله عليه وآله بلغني أنكم طعنتم في عمل أسامة وفي عمل
~~أبيه من قبل، وأيم الله إنه لخليق للإمارة وإن أباه كان خليقا لها، وإنه
~~وأباه من أحب الناس إلي فأوصيكم به خيرا، فلئن قلتم في إمارته لقد قال
~~قائلكم في إمارة أبيه.
# ثم دخل رسول الله صلى الله عليه ms079 وآله بيته، وخرج أسامة من يومه حتى عسكر
~~على رأس فرسخ من المدينة، ونادى منادي رسول الله صلى الله عليه وآله: أن لا
~~يتخلف عن أسامة أحد ممن أمرته عليه، فلحق الناس به، وكان أول من سارع إليه
~~أبو بكر وعمر
# PageV01P090
# وأبو عبيدة بن الجراح، فنزلوا في رقاق (1) واحد مع جملة أهل العسكر.
# قال: وثقل رسول الله صلى الله عليه وآله، فجعل الناس ممن لم يكن في بعث
~~أسامة يدخلون عليه أرسالا (2) وسعد بن عبادة يومئذ شاك (3) وكان لا يدخل
~~أحد من الأنصار على النبي صلى الله عليه وآله إلا انصرف إلى سعد يعوده.
# قال: وقبض رسول الله صلى الله عليه وآله وقت الضحى من يوم الاثنين بعد
~~خروج أسامة إلى معسكره بيومين، فرجع أهل العسكر والمدينة قد رجفت بأهلها،
~~فأقبل أبو بكر على ناقة حتى وقف على باب المسجد فقال: أيها الناس ما لكم
~~تموجون (4) إن كان محمد قد مات فرب محمد لم يمت " وما محمد إلا رسول قد خلت
~~من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه
~~فلن يضر الله شيئا " (5) قال ثم اجتمعت الأنصار إلى سعد بن عبادة وجاؤا به
~~إلى سقيفة بني ساعدة (6) فلما سمع بذلك عمر أخبر بذلك أبا بكر فمضيا مسرعين
~~إلى السقيفة ومعهما أبو عبيدة بن الجراح، وفي السقيفة خلق كثير من الأنصار
~~وسعد بن عبادة بينهم مريض فتنازعوا الأمر بينهم فآل الأمر إلى أن قال أبو
~~بكر في آخر كلامه للأنصار:
# إنما أدعوكم إلى أبي عبيدة بن الجراح أو عمر وكلاهما قد رضيت لهذا الأمر
~~وكلاهما أراهما له أهلا. فقال عمر وأبو عبيدة: ما ينبغي لنا أن نتقدمك يا
~~أبا بكر وأنت أقدمنا إسلاما وأنت صاحب الغار وثاني اثنين فأنت أحق بهذا
~~الأمر وأولى به فقال الأنصار: نحذر أن يغلب على هذا الأمر من ليس منا ولا
~~منكم، فنجعل منا أميرا ومنكم أميرا ونرضى به على أنه إن هلك اخترنا آخر من
~~الأنصار
# PageV01P091
# فقال أبو بكر ms080 بعد أن مدح المهاجرين: وأنتم يا معشر الأنصار ممن لا ينكر
~~فضلهم ولا نعمتهم العظيمة في الإسلام، رضيكم الله أنصارا لدينه وكهفا
~~لرسوله وجعل إليكم مهاجرته وفيكم محل أزواجه، فليس أحد من الناس بعد
~~المهاجرين الأولين بمنزلتكم، فهم الأمراء وأنتم الوزراء.
# فقال الحباب بن المنذر الأنصاري: يا معشر الأنصار أمسكوا على أيديكم،
~~فإنما الناس في فيئكم وظلالكم، ولن يجترئ مجتر على خلافكم ولن يصدر الناس
~~إلا عن رأيكم. وأثني على الأنصار ثم قال: فإن أبى هؤلاء تأميركم عليهم
~~فلسنا نرضى بتأميرهم علينا ولا نقنع بدون أن يكون منا أمير ومنهم أمير.
# فقام عمر بن الخطاب فقال: هيهات لا يجتمع سيفان في غمد واحد، إنه لا ترضى
~~العرب أن تؤمركم ونبيها من غيركم، ولكن العرب لا تمتنع إلى تولي أمرها من
~~كانت النبوة فيهم وألو الأمر منهم، ولنا بذلك على من خالفنا الحجة الظاهرة
~~والسلطان البين، فيما ينازعنا سلطان محمد ونحن أولياؤه وعشيرته إلا مدل
~~بباطل أو متجانف بإثم (1) أو متورط في الهلكة محب للفتنة.
# فقام الحباب بن المنذر ثانية فقال: يا معشر الأنصار أمسكوا على أيديكم
~~ولا تسمعوا مقال هذا الجاهل وأصحابه فيذهبوا بنصيبكم من هذا الأمر وإن أبوا
~~أن يكون منا أمير ومنهم أمير فاجلوهم عن بلادكم وتولوا هذا الأمر عليهم،
~~فأنتم والله أحق به منهم، فقد دان بأسيافكم قبل هذا الوقت من لم يكن يدين
~~بغيرها وأنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب (2)، والله لئن أحد رد قولي
~~لأحطمن أنفه بالسيف.
# PageV01P092
# قال عمر بن الخطاب: فلما كان الحباب هو الذي يجيبني لم يكن لي معه كلام،
~~فإنه جرت بيني وبينه منازعة في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله فنهاني
~~رسول الله صلى الله عليه وآله عن مهاترته (1) فحلفت أن لا أكلمه أبدا.
# قال عمر لأبي عبيدة: تكلم. فقام أبو عبيدة بن الجراح وتكلم بكلام كثير
~~وذكر فيه فضائل الأنصار، وكان بشير بن سعد سيدا من سادات الأنصار لما رأى
~~اجتماع الأنصار على سعد بن عبادة لتأميره حسده وسعى في ms081 إفساد الأمر عليه
~~وتكلم في ذلك ورضي بتأمير قريش وحث الناس كلهم لا سيما الأنصار على الرضا،
~~بما يفعله المهاجرون.
# فقال أبو بكر: هذا عمر وأبو عبيدة شيخان من قريش فبايعوا أيهما شئتم فقال
~~عمر وأبو عبيدة: ما نتولى هذا الأمر عليك امدد يدك نبايعك. فقال بشير بن
~~سعد: وأنا ثالثكما، وكان سيد الأوس وسعد بن عبادة سيد الخزرج، فلما رأت
~~الأوس صنيع سيدها بشير وما ادعيت إليه الخزرج من تأمير سعد أكبوا على أبي
~~بكر بالبيعة وتكاثروا على ذلك وتزاحموا، فجعلوا يطأون سعدا من شدة الزحمة
~~وهو بينهم على فراشه مريض. فقال: قتلتموني، قال عمر: اقتلوا سعدا قتله
~~الله، فوثب قيس بن سعد فأخذ بلحية عمر وقال: والله يا بن صهاك الجبان في
~~الحرب والفرار الليث في الملأ والأمن لو حركت منه شعرة ما رجعت وفي وجهك
~~واضحة (2) فقال أبو بكر مهلا يا عمر مهلا فإن الرفق أبلغ وأفضل. فقال سعد:
~~يا بن صهاك - وكانت جدة عمر - الحبشية أما والله لو أن لي قوة على النهوض
~~لسمعتها مني في سككها زئيرا أزعجك وأصحابك منها ولألحقنكما بقوم كنتما فيهم
~~أذنابا أذلاء تابعين
# PageV01P093
# غير متبوعين لقد اجترأتما.
# ثم قال للخزرج: احملوني من مكان الفتنة، فحملوه وأدخلوه منزله، فلما كان
~~بعد ذلك بعث إليه أبو بكر أن قد بايع الناس فبايع. فقال: لا والله حتى
~~أرميكم بكل سهم في كنانتي وأخضب منكم سنان رمحي وأضربكم بسيفي ما أقلت يدي
~~فأقاتلكم بمن تبعني من أهل بيتي وعشيرتي، ثم وأيم الله لو اجتمع الجن
~~والإنس علي لما بايعتكما أيهما الغاصبان حتى أعرض على ربي وأعلم ما حسابي.
# فلما جاءهم كلامه قال عمر: لا بد من بيعته. فقال بشير بن سعد: إنه قد أبى
~~ولج وليس بمبايع أو يقتل، وليس بمقتول حتى يقتل معه الخزرج والأوس فاتركوه
~~فليس تركه بضائر، فقبلوا قوله وتركوا سعدا، فكان سعد لا يصلي بصلاتهم ولا
~~يقضي بقضائهم، ولو وجد أعوانا لصال بهم ولقاتلهم، فلم يزل كذلك مدة ولاية
~~أبي بكر ms082 حتى هلك أبو بكر، ثم ولى عمر وكان كذلك، فخشى سعد غائلة عمر فخرج
~~إلى الشام فمات بحوران (1) في ولاية عمر ولم يبايع أحدا.
# وكان سبب موته أن رمي بسهم في الليل فقتله، وزعم أن الجن رموه، وقيل أيضا
~~إن محمد بن سلمة الأنصاري تولى ذلك بجعل جعل له عليه، وروي أنه تولى ذلك
~~المغيرة بن شعبة وقيل خالد بن الوليد.
# قال وبايع جماعة الأنصار ومن حضر من غيرهم، وعلي بن أبي طالب مشغول بجهاز
~~رسول الله صلى الله عليه وآله، فلما فرغ من ذلك وصلى على النبي صلى الله
~~عليه وآله والناس يصلون عليه من بايع أبا بكر ومن لم يبايع جلس في المسجد،
~~فاجتمع عليه بنو هاشم ومعهم الزبير بن العوام، واجتمعت بنو أمية إلى عثمان
~~بن عفان وبنو زهرة إلى عبد الرحمن بن عوف، فكانوا في المسجد كلهم مجتمعين
~~إذ أقبل أبو بكر ومعه عمر وأبو عبيدة بن الجراح فقالوا: ما لنا نراكم خلقا
~~شتى قوموا فبايعوا أبا بكر فقد بايعته الأنصار والناس، فقام عثمان وعبد
~~الرحمن بن عوف ومن معهما فبايعوا،
# PageV01P094
# وانصرف علي وبنو هاشم إلى منزل علي عليه السلام ومعهم الزبير. قال: فذهب
~~إليهم عمر في جماعة ممن بايع فيهم أسيد بن حصين وسلمة بن سلامة فألفوهم
~~مجتمعين، فقالوا لهم: بايعوا أبا بكر فقد بايعه الناس، فوثب الزبير إلى
~~سيفه فقال عمر: عليكم بالكلب العقور فاكفونا شره، فبادر سلمة بن سلامة
~~فانتزع السيف من يده فأخذه عمر فضرب به الأرض فكسره، وأحدقوا بمن كان هناك
~~من بني هاشم ومضوا بجماعتهم إلى أبي بكر، فلما حضروا قالوا: بايعوا أبا بكر
~~فقد بايعه الناس، وأيم الله لئن أبيتم ذلك لنحاكمنكم بالسيف.
# فلما رأى ذلك بنو هاشم أقبل رجل رجل فجعل يبايع حتى لم يبق ممن حضر إلا
~~علي بن أبي طالب، فقالوا له بايع أبا بكر. فقال علي عليه السلام: أنا أحق
~~بهذا الأمر منه وأنتم أولى بالبيعة لي، أخذتم هذا الأمر من الأنصار
~~واحتججتم عليهم بالقرابة ms083 من الرسول وتأخذونه منا أهل البيت غصبا، ألستم
~~زعمتم للأنصار إنكم أولى بهذا الأمر منهم لمكانكم من رسول الله صلى الله
~~عليه وآله فأعطوكم المقادة وسلموا لكم الإمارة، وأنا احتج عليكم بمثل ما
~~احتججتم على الأنصار، أنا أولى برسول الله حيا وميتا، وأنا وصيه ووزيره
~~ومستودع سره وعلمه، وأنا الصديق الأكبر والفاروق الأعظم أول من آمن به
~~وصدقه، وأحسنكم بلاءا في جهاد المشركين وأعرفكم بالكتاب والسنة وأفقهكم في
~~الدين وأعلمكم بعواقب الأمور، واذر بكم لسانا (1) وأثبتكم جنانا، فعلام
~~تنازعونا هذا الأمر؟ أنصفونا إن كنتم تخافون الله من أنفسكم، واعرفوا لنا
~~الأمر مثل ما عرفته لكم الأنصار، وإلا فبوؤا بالظلم والعدوان وأنتم تعلمون.
# فقال عمر: يا علي أما لك بأهل بيتك أسوة؟ فقال علي عليه السلام: سلوهم عن
~~ذلك، فابتدر القوم الذين بايعوا من بني هاشم فقالوا: والله ما بيعتنا لكم
~~بحجة على علي، ومعاذ الله أن نقول إنا نوازيه في الهجرة وحسن الجهاد والمحل
~~من رسول الله صلى الله عليه وآله.
# PageV01P095
# فقال عمر: إنك لست متروكا حتى تبايع طوعا أو كرها. فقال علي عليه السلام
~~احلب حلبا لك شطره، اشدد له اليوم ليرد عليك غدا، إذا والله لا أقبل قولك
~~ولا أحفل بمقامك ولا أبايع. فقال أبو بكر: مهلا يا أبا الحسن ما نشك فيك
~~ولا نكرهك فقال أبو عبيدة إلى علي عليه السلام فقال: يا بن عم لسنا ندفع
~~قرابتك ولا سابقتك ولا علمك ولا نصرتك، ولكنك حدث السن - وكان لعلي عليه
~~السلام يومئذ ثلاث وثلاثون سنة - وأبو بكر شيخ من مشايخ قومك، وهو أحمل
~~لثقل هذا الأمر، وقد مضى الأمر بما فيه فسلم له، فإن عمرك الله يسلموا هذا
~~الأمر إليك، ولا يختلف فيك اثنان بعد هذا إلا وأنت به خليق وله حقيق، ولا
~~تبعث الفتنة في أوان الفتنة فقد عرفت ما في قلوب العرب وغيرهم عليك.
# فقال أمير المؤمنين عليه السلام: يا معاشر المهاجرين والأنصار الله الله
~~لا تنسوا عهد نبيكم إليكم في أمري، ولا تخرجوا سلطان ms084 محمد من داره وقعر
~~بيته إلى دوركم وقعر بيوتكم، ولا تدفعوا أهله عن حقه ومقامه في الناس.
# فوالله معاشر الجمع إن الله قضى وحكم ونبيه أعلم وأنتم تعلمون بأنا أهل
~~البيت أحق بهذا الأمر منكم، أما كان القارئ منكم لكتاب الله الفقيه في دين
~~الله المضطلع بأمر الرعية، والله إنه لفينا لا فيكم فلا تتبعوا الهوى
~~فتزدادوا من الحق بعدا وتفسدوا قديمكم بشر من حديثكم.
# فقال بشير بن سعد الأنصاري الذي وطأ الأرض لأبي بكر وقالت جماعة من
~~الأنصار: يا أبا الحسن لو كان هذا الأمر سمعته منك الأنصار قبل بيعتها لأبي
~~بكر ما اختلف فيك اثنان. فقال علي عليه السلام: يا هؤلاء كنت أدع رسول الله
~~مسجى لا أواريه وأخرج أنازع في سلطانه، والله ما خفت أحدا يسمو له وينازعنا
~~أهل البيت فيه ويستحل ما استحللتموه، ولا علمت أن رسول الله صلى الله عليه
~~وآله ترك يوم غدير خم لأحد حجة ولا لقائل مقالا، فأنشد الله رجلا سمع النبي
~~يوم غدير خم يقول: " من كنت مولاه فهذا علي مولاه اللهم وال من والاه وعاد
~~من عاداه وانصر من نصره وخذل من خذله " أن يشهد الآن بما سمع. PageV01P096
# قال زيد بن أرقم: فشهد اثنا عشر رجلا بدريا بذلك وكنت ممن سمع القول من
~~رسول الله صلى الله عليه وآله فكتمت الشهادة يومئذ، فدعا علي علي فذهب
~~بصري.
# قال: وكثر الكلام في هذا المعنى وارتفع الصوت وخشي عمر أن يصغي الناس إلى
~~قول علي عليه السلام، ففسح المجلس وقال: إن الله يقلب القلوب، ولا تزال يا
~~أبا الحسن ترغب عن قول الجماعة، فانصرفوا يومهم ذلك.
# وعن أبان بن تغلب قال: قلت لأبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق عليهما
~~السلام:
# جعلت فداك هل كان أحد في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله أنكر على
~~أبي بكر فعله وجلوسه مجلس رسول الله صلى الله عليه وآله؟ قال: نعم كان الذي
~~أنكر على أبي بكر اثنى عشر رجلا من المهاجرين: خالد بن ms085 سعيد بن العاص، وكان
~~من بني أمية وسلمان الفارسي وأبو ذر الغفاري والمقداد بن الأسود وعمار بن
~~ياسر وبريدة الأسلمي ومن الأنصار أبو الهشيم بن التيهان وسهل وعثمان ابنا
~~حنيف وخزيمة بن ثابت ذو الشهادتين وأبي بن كعب وأبو أيوب الأنصاري.
# قال: فلما صعد أبو بكر المنبر تشاوروا بينهم، فقال بعضهم لبعض: والله
~~لنأتينه ولننزلنه عن منبر رسول الله صلى الله عليه وآله، وقال آخرون منهم:
~~والله لئن فعلتم ذلك إذا أعنتم على أنفسكم فقد قال الله عز وجل: " ولا
~~تلقوا بأيديكم إلى التهلكة " (1) فانطلقوا بنا إلى أمير المؤمنين عليه
~~السلام لنستشيره ونستطلع رأيه.
# فانطلق القوم إلى أمير المؤمنين بأجمعهم فقالوا: يا أمير المؤمنين تركت
~~حقا أنت أحق به وأولى به من غيرك، لأنا سمعنا رسول الله يقول " علي مع الحق
~~والحق مع علي يميل مع الحق كيف ما مال " ولقد هممنا أن نصير إليه فننزله عن
~~منبر رسول الله صلى الله عليه وآله، فجئناك لنستشيرك ونستطلع رأيك فما
~~تأمرنا؟
# فقال أمير المؤمنين: وأيم الله لو فعلتم ذلك لما كنتم لهم إلا حربا،
~~ولكنكم كالملح في الزاد وكالكحل في العين، وأيم الله لو فعلتم ذلك
~~لأتيتموني شاهرين بأسيافكم مستعدين للحرب والقتال وإذا لأتوني فقالوا لي
~~بايع وإلا قتلناك، فلا بد
# PageV01P097
# لي من أدفع القوم عن نفسي، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وآله أوعز
~~إلي قبل وفاته وقال لي: " يا أبا الحسن إن الأمة ستغدر بك من بعدي وتنقض
~~فيك عهدي وإنك مني بمنزلة هارون من موسى وإن الأمة من بعدي كهارون ومن
~~اتبعه والسامري ومن اتبعه " فقلت: يا رسول الله فما تعهد إلي إذا كان كذلك؟
~~فقال: إذا وجدت أعوانا فبادر إليهم وجاهدهم، وإن لم تجد أعوانا كف يدك
~~واحقن دمك حتى تلحق بي مظلوما. فلما توفي رسول الله صلى الله عليه وآله
~~اشتغلت بغسله وتكفينه والفراغ من شأنه ثم آليت على نفسي يمينا أن لا أرتدي
~~برداء إلا للصلاة حتى أجمع القرآن، ففعلت ثم أخذت بيد فاطمة ms086 وابني الحسن
~~والحسين فدرت على أهل بدر وأهل السابقة فناشدتهم حقي ودعوتهم إلى نصرتي فما
~~أجابني منهم إلا أربعة رهط سلمان وعمار وأبو ذر والمقداد، ولقد راودت في
~~ذلك بقية أهل بيتي، فأبوا علي إلا السكوت لما علموا من وغارة (1) صدور
~~القوم وبغضهم لله ورسوله ولأهل بيت نبيه، فانطلقوا بأجمعكم إلى الرجل
~~فعرفوه ما سمعتم من قول نبيكم ليكون ذلك أوكد للحجة وأبلغ للعذر وأبعد لهم
~~من رسول الله صلى الله عليه وآله إذا وردوا عليه.
# فسار القوم حتى أحدقوا بمنبر رسول الله صلى الله عليه وآله وكان يوم
~~الجمعة، فلما صعد أبو بكر المنبر قال المهاجرون للأنصار: تقدموا وتكلموا
~~فقال الأنصار للمهاجرين: بل تكلموا وتقدموا أنتم، فإن الله عز وجل بدأ بكم
~~في الكتاب إذ قال الله عز وجل: " لقد تاب الله بالنبي على المهاجرين
~~والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة " (2).
# قال أبان: قلت له يا بن رسول الله إن العامة لا تقرأ كما عندك. قال: وكيف
~~تقرأ؟ قال: قلت إنها تقرأ " لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار "
~~فقال ويلهم فأي ذنب كان لرسول الله صلى الله عليه وآله حتى تاب الله عليه
~~عنه، إنما تاب الله به على أمته فأول من تكلم به خالد بن سعيد بن العاص ثم
~~باقي المهاجرين ثم بعدهم الأنصار.
# PageV01P098
# وروى أنهم كانوا غيبا عن وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله فقدموا وقد
~~تولى أبو بكر وهم يومئذ أعلام مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله فقام إليه
~~خالد بن سعيد بن العاص وقال:
# اتق الله يا أبا بكر فقد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال ونحن
~~محتوشوه (1) يوم بني قريظة حين فتح الله له باب النصر وقد قتل علي بن أبي
~~طالب عليه السلام يومئذ عدة من صناديد رجالهم وأولي البأس والنجدة منهم: يا
~~معاشر المهاجرين والأنصار إني موصيكم بوصية فاحفظوها وموعدكم أمرا فاحفظوه،
~~ألا إن علي بن أبي طالب أميركم بعدي وخليفتي فيكم بذلك أوصاني ربي، ألا ms087
~~وإنكم إن لم تحفظوا فيه وصيتي وتوازروه وتنصروه اختلفتم في أحكامكم واضطرب
~~عليكم أمر دينكم ووليكم أشراركم، ألا وإن أهل بيتي هم الوارثون لأمري
~~والعالمون لأمر أمتي من بعدي اللهم من أطاعهم من أمتي وحفظ فيهم وصيتي
~~فاحشرهم في زمرتي واجعل لهم نصيبا من مرافقتي يدركون به نور الآخرة، اللهم
~~ومن أساء خلافتي في أهل بيتي فأحرمه الجنة التي عرضها كعرض السماء والأرض.
# فقال له عمر بن الخطاب: اسكت يا خالد فلست من أهل المشورة ولا ممن يقتدى
~~برأيه. فقال له خالد: بل اسكت أنت يا بن الخطاب فإنك تنطق على لسان غيرك،
~~وأيم الله لقد علمت قريش إنك من ألأمها حسبا وأدناها منصبا وأخسها قدرا
~~وأخملها ذكرا وأقلهم عناءا عن الله ورسوله، وإنك لجبان في الحروب بخيل
~~بالمال لئيم العنصر، مالك في قريش من فخر ولا في الحروب من ذكر، وإنك في
~~هذا الأمر بمنزلة الشيطان " إذ قال للانسان اكفر فلما كفر قال إني برئ منك
~~إني أخاف الله رب العالمين فكان عاقبتهما أنهما في النار خالدين فيها وذلك
~~جزاء الظالمين " (2) فأبلس (3) عمر وجلس خالد بن سعيد. ثم قام سلمان
~~الفارسي وقال " كرديد ونكرديد " أي فعلتم ولم تفعلوا، وقد كان امتنع من
~~البيعة قبل
# PageV01P099
# ذلك حتى وجئ (1) عنقه، فقال: يا أبا بكر إلى من تسند أمرك إذا نزل بك ما
~~لا تعرفه، وإلى من تفزع إذا سئلت عما لا تعلمه، وما عذرك في تقدمك على من
~~هو أعلم منك وأقرب إلى رسول الله وأعلم بتأويل كتاب الله عز وجل وسنة نبيه
~~ومن قدمه النبي صلى الله عليه وآله في حياته وأوصاكم به عند وفاته، فنبذتم
~~قوله وتناسيتم وصيته وأخلفتم الوعد ونقضتم العهد وحللتم العقد الذي كان
~~عقده عليكم من النفوذ تحت راية أسامة بن زيد حذرا من مثل ما أتيتموه
~~وتنبيها للأمة على عظيم ما احترمتموه ومن مخالفة أمره فعن قليل يصفو لك
~~الأمر وقد أثقلك الوزر ونقلت إلى قبرك وحملت معك ما كسبت يداك، فلو راجعت
~~الحق من ms088 قريب وتلافيت نفسك وتبت إلى الله من عظيم ما اجترمت كان ذلك أقرب
~~إلى نجاتك يوم تفرد في حفرتك ويسلمك ذوو نصرتك، فقد سمعت كما سمعنا ورأيت
~~كما رأينا، فلم يردعك ذلك عما أنت متشبث به من هذا الأمر الذي لا عذر لك في
~~تقلده ولاحظ للدين ولا المسلمين في قيامك به، فالله الله في نفسك، فقد أعذر
~~من أنذر ولا تكن كمن أدبر واستكبر.
# ثم قام أبو ذر الغفاري فقال: يا معشر قريش أصبتم قباحة وتركتم قرابة،
~~والله ليرتدن جماعة من العرب ولتشكن في هذا الدين، ولو جعلتم الأمر في أهل
~~بيت نبيكم ما اختلف عليكم سيفان، والله لقد صارت لمن غلب، ولتطمحن إليها
~~عين من ليس من أهلها، وليسفكن في طلبها دماء كثيرة - فكان كما قال أبو ذر -
~~ثم قال: لقد علمتم وعلم خياركم أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال "
~~الأمر بعدي لعلي ثم لابني الحسن والحسين ثم للطاهرين من ذريتي " فأطرحتم
~~قول نبيكم وتناسيتم ما عهد به إليكم، فأطعتم الدنيا الفانية ونسيتم الآخرة
~~الباقية التي لا يهرم شابها ولا يزول نعيمها ولا يحزن أهلها ولا يموت
~~سكانها بالحقير التافه الفاني الزائل، فكذلك الأمم من قبلكم كفرت بعد
~~أنبيائها ونكصت على أعقابها (2) وغيرت وبدلت
# PageV01P100
# واختلفت، فساويتموهم حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة، وعما قليل تذوقون
~~وبال أمركم وتجزون بما قدمت أيديكم. وما الله بظلام للعبيد.
# ثم قام المقداد بن الأسود فقال: يا أبا بكر ارجع عن ظلمك، وتب إلى ربك
~~والزم بيتك، وابك على خطيئتك، وسلم الأمر لصاحبه الذي هو أولى به منك، فقد
~~علمت ما عقده رسول الله صلى الله عليه وآله في عنقك من بيعته، وألزمك من
~~النفوذ تحت راية أسامة بن زيد وهو مولاه، ونبه على بطلان وجوب هذا الأمر لك
~~ولمن عضدك عليه بضمه لكما إلى علم النفاق ومعدن الشنان والشقاق عمرو بن
~~العاص الذي أنزل الله فيه على نبيه صلى الله عليه وآله " إن شانئك هو
~~الأبتر " (1) فلا اختلاف بين أهل العلم ms089 أنها نزلت في عمرو، وهو كان أميرا
~~عليكما وعلى سائر المنافقين في الوقت الذي أنفذه رسول الله صلى الله عليه
~~وآله في غزاة ذات السلاسل، وأن عمرا قلد كما حرس عسكره، فأين الحرس إلى
~~الخلافة، اتق الله وبادر بالاستقالة قبل فوتها، فإن ذلك أسلم لك في حياتك
~~وبعد وفاتك، ولا تركن إلى دنياك ولا تغرنك قريش وغيرها، فعن قليل تضمحل عنك
~~دنياك ثم تصير إلى ربك فيجزيك بعملك، وقد علمت وتيقنت أن علي ابن أبي طالب
~~عليه السلام هو صاحب الأمر بعد رسول الله، فسلمه إليه بما جعله الله له
~~فإنه أتم لسترك واخف لوزرك، فقد والله نصحت لك إن قبلت نصحي وإلى الله ترجع
~~الأمور.
# ثم قام إليه بريدة الأسلمي فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، ماذا لقي
~~الحق من الباطل، يا أبا بكر أنسيت أم تناسيت وخدعت أم خدعتك نفسك أم سولت
~~لك الأباطيل، أو لم تذكر ما أمرنا به رسول الله صلى الله عليه وآله من
~~تسمية علي عليه السلام بإمرة المؤمنين والنبي صلى الله عليه وآله بين
~~أظهرنا، وقوله له في عدة أوقات " هذا علي أمير المؤمنين وقاتل القاسطين "،
~~اتق الله وتدارك نفسك قبل أن لا تدركها وانقذها مما يهلكها واردد الأمر إلى
~~من هو أحق به منك، ولا تتماد في اغتصابه، وراجع وأنت
# PageV01P101
# تستطيع أن تراجع، فقد محضتك النصح ودللتك على طريق النجاة، فلا تكونن
~~ظهيرا للمجرين.
# ثم قام عمار بن ياسر فقال: يا معاشر قريش ويا معاشر المسلمين إن كنتم
~~علمتم وإلا فاعلموا أن أهل بيت نبيكم أولى به وأحق بإرثه وأقوم بأمور الدين
~~وآمن على المؤمنين وأحفظ لملته وأنصح لأمته، فمروا صاحبكم فليرد الحق إلى
~~أهله قبل أن يضطرب حبلكم ويضعف أمركم ويظهر شتاتكم وتعظم الفتنة بكم
~~وتختلفون فيما بينكم ويطمع فيكم عدوكم، فقد علمتم أن بني هاشم أولى بهذا
~~الأمر منكم، وعلي [أقرب منكم إلى نبيكم وهو] من بينهم وليكم بعهد الله
~~ورسوله وفرق ظاهر قد عرفتموه في حال بعد حال عند ms090 سد النبي صلى الله عليه
~~وآله أبوابكم التي كانت إلى المسجد كلها غير بابه، وإيثاره إياه بكريمته
~~فاطمة دون سائر من خطبها إليه منكم، وقوله صلى الله عليه وآله " أنا مدينة
~~العلم وعلي بابها فمن أراد الحكمة فليأتها من بابها " وإنكم جميعا مضطرون
~~فيما أشكل عليكم من أمور دينكم إليه وهو مستغن عن كل أحد منكم إلى ما له من
~~السوابق التي ليست لأفضلكم عند نفسه، فما بالكم تحيدون عنه وتبتزون عليا
~~حقه وتؤثرون الحياة الدنيا على الآخرة بئس للظالمين بدلا، أعطوه ما جعله
~~الله له ولا تتولوا عنه مدبرين، ولا ترتدوا على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين.
# ثم قام أبي بن كعب فقال: يا أبا بكر لا تجحد حقا جعله الله لغيرك، ولا
~~تكن أول من عصى رسول الله صلى الله عليه وآله في وصيه وصفيه وصدف عن أمره،
~~أردد الحق إلى أهله تسلم، ولا تتماد في غيك فتندم، وبادر الإنابة يخف وزرك،
~~ولا تخصص بهذا الأمر الذي لم يجعله الله لك نفسك فتلقى وبال عملك، فعن قليل
~~تفارق ما أنت فيه وتصير إلى ربك، فيسألك عما جنيت وما ربك بظلام للعبيد.
# ثم قام خزيمة بن ثابت فقال: أيها الناس ألستم تعلمون أن رسول الله صلى
~~الله عليه وآله قبل شهادتي وحدي ولم يرد معي غيري؟ قالوا: بلى. قال: فأشهد
~~أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول " أهل بيتي يفرقون بين الحق
~~والباطل وهم الأئمة الذين PageV01P102
# يقتدى بهم " وقد قلت ما علمت، وما على الرسول إلا البلاغ المبين.
# ثم قام أبو الهشيم بن التيهان فقال: وأنا أشهد على نبينا صلى الله عليه
~~وآله أنه أقام عليا - يعني في يوم غدير خم - فقالت الأنصار: ما أقامه
~~للخلافة، وقال بعضهم: ما أقامه إلا ليعلم الناس أنه مولى من كان رسول الله
~~صلى الله عليه وآله مولاه، وكثر الخوض في ذلك فبعثنا رجالا منا إلى رسول
~~الله صلى الله عليه وآله فسألوه عن ذلك فقال: قولوا لهم علي ولي المؤمنين
~~بعدي وأنصح ms091 الناس لأمتي، وقد شهدت بما حضرني فمن شاء فليؤمن ومن شاء
~~فليكفر، إن يوم الفصل كان ميقاتا.
# ثم قام سهل بن حنيف فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي محمد وآله ثم
~~قال:
# يا معاشر قريش اشهدوا علي أني أشهد على رسول الله وقد رأيته في هذا
~~المكان - يعني الروضة - وقد أخذ بيد علي بن أبي طالب عليه السلام وهو يقول:
~~أيها الناس هذا على إمامكم من بعدي ووصيي في حياتي وبعد وفاتي وقاضي ديني
~~ومنجز وعدي وأول من يصافحني على حوضي، فطوبى لمن اتبعه ونصره، والويل لمن
~~تخلف عنه وخذله.
# وقام معه أخوه عثمان بن حنيف وقال: سمعنا رسول الله صلى الله عليه وآله
~~يقول: أهل بيتي نجوم الأرض فلا تتقدموهم وقدموهم فهم الولاة من بعدي، فقام
~~إليه رجل فقال: يا رسول الله وأي أهل بيتك؟ فقال، علي والطاهرون من ولده.
~~وقد بين صلى الله عليه وآله فلا تكن يا أبا بكر أول كافر به، ولا تخونوا
~~الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون.
# ثم قام أبو أيوب الأنصاري فقال، اتقوا الله عباد الله في أهل بيت نبيكم،
~~وارددوا إليهم حقهم الذي جعله الله لهم، فقد سمعتم مثل ما سمع إخواننا في
~~مقام بعد مقام لنبينا صلى الله عليه وآله ومجلس بعد مجلس يقول: " أهل بيتي
~~أئمتكم بعدي " ويؤمى إلى علي ويقول " هذا أمير البررة وقاتل الكفرة مخذول
~~من خذله منصور من نصره " فتوبوا إلى الله من ظلمكم إياه إن الله تواب رحيم،
~~ولا تتولوا عنه مدبرين ولا تتولوا عنه معرضين. PageV01P103
# قال الصادق عليه السلام: فأفحم أبو بكر على المنبر حتى لم يحر جوابا، ثم
~~قال: وليتكم ولست بخيركم أقيلوني أقيلوني، فقال له عمر بن الخطاب: انزل
~~عنها يا لكع (1) إذا كنت لا تقوم بحجج قريش لم أقمت نفسك هذا المقام؟ والله
~~لقد هممت أن أخلعك واجعلها في سالم مولي أبي حذيفة.
# قال: فنزل ثم أخذ بيده وانطلق إلى منزله وبقوا ثلاثة أيام لا يدخلون مسجد
~~رسول الله صلى الله ms092 عليه وآله، فلما كان في اليوم الرابع جاءهم خالد بن
~~الوليد ومعه ألف رجل فقال لهم: ما جلوسكم فقد طمع فيها والله بنو هاشم؟
~~وجاءهم سالم مولى أبي حذيفة ومعه ألف رجل، وجاءهم معاذ بن جبل ومعه ألف
~~رجل، فما زال يجتمع إليهم رجل رجل حتى اجتمع أربعة آلاف رجل، فخرجوا شاهرين
~~بأسيافهم يقدمهم عمر بن الخطاب حتى وقفوا بمسجد رسول الله صلى الله عليه
~~وآله، فقال عمر: والله يا أصحاب علي لئن ذهب منكم رجل يتكلم بالذي تكلم
~~بالأمس لنأخذن الذي فيه عيناه.
# فقام إليه خالد بن سعيد بن العاص وقال، يا بن صهاك الحبشية أبأسيافكم
~~تهددوننا أم بجمعكم تفزعوننا، والله إن أسيافنا أحد من أسيافكم وأنا لأكثر
~~منكم وإن كنا قليلين لأن حجة الله فينا، والله لولا أني أعلم أن طاعة الله
~~ورسوله وطاعة إمامي أولى بي لشهرت سيفي وجاهدتكم في الله إلى أن أبلي عذري.
# فقام أمير المؤمنين: اجلس يا خالد فقد عرف الله لك مقامك وشكر لك سعيك،
~~فجلس وقام إليه سلمان الفارسي فقال، الله أكبر الله أكبر سمعت رسول الله
~~صلى الله عليه وآله بهاتين الأذنين وإلا صمتا يقول " بينا أخي وابن عمي
~~جالس في مسجدي مع نفر من أصحابه إذ تكبسه جماعة من كلاب أصحاب النار يريدون
~~قتله وقتل من معه، فلست أشك إلا وأنكم هم " فهم به عمر بن الخطاب فوثب إليه
~~أمير المؤمنين عليه السلام وأخذ بمجامع ثوبه ثم جلد به الأرض ثم قال: يا بن
~~صهاك الحبشية لولا كتاب من الله سبق وعهد من رسول الله تقدم لأريتك أينا
~~أضعف ناصرا وأقل عددا.
# ثم التفت إلى أصحابه فقال: انصرفوا رحمكم الله، فوالله لا دخلت المسجد
~~إلا
# PageV01P104
# كما دخل أخواي موسى وهارون، إذ قال له أصحابه " فاذهب أنت وربك فقاتلا
~~إنا هيهنا قاعدون " (1) والله لا دخلته إلا لزيارة رسول الله صلى الله عليه
~~وآله أو لقضية أقضيها فإنه لا يجوز بحجة أقامها رسول الله صلى الله عليه
~~وآله أن يترك الناس في ms093 حيرة.
# وعن عبد الله بن عبد الرحمن قال: ثم إن عمر احتزم بأزاره وجعل يطوف
~~بالمدينة وينادي: ألا إن أبا بكر قد بويع له فهلموا إلى البيعة، فينثال (2)
~~الناس يبايعون، فعرف أن جماعة في بيوت مستترون، فكان يقصدهم في جمع كثير
~~ويكبسهم ويحضرهم المسجد فيبايعون حتى إذا مضت أيام أقبل في جمع كثير إلى
~~منزل علي عليه السلام فطالبه بالخروج فأبى، فدعا عمر بحطب ونار وقال: والذي
~~نفس عمر بيده ليخرجن أو لأحرقنه على ما فيه. فقيل له: إن فاطمة بنت رسول
~~الله وولد رسول الله وآثار رسول الله صلى الله عليه وآله فيه، وأنكر الناس
~~ذلك من قوله، فلما عرف إنكارهم قال: ما بالكم أتروني فعلت ذلك إنما أردت
~~التهويل، فراسلهم على أن ليس إلى خروجي حيلة لأني في جمع كتاب الله الذي قد
~~نبذتموه وألهتكم الدنيا عنه، وقد حلفت أن لا أخرج من بيتي ولا أدع ردائي
~~على عاتقي حتى أجمع القرآن.
# قال وخرجت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله إليهم فوقفت خلف الباب
~~ثم قالت:
# لا عهد لي بقوم أسوء محضرا منكم، تركتم رسول الله صلى الله عليه وآله
~~جنازة بين أيدينا وقطعتم أمركم فيما بينكم ولم تؤمرونا ولم تروا لنا حقا،
~~كأنكم لم تعلموا ما قال يوم غدير خم، والله لقد عقد له يومئذ الولاء ليقطع
~~منكم بذلك منها الرجاء، ولكنكم قطعتم الأسباب بينكم وبين نبيكم، والله حسيب
~~بيننا وبينكم في الدنيا والآخرة.
# وفي رواية سليم بن قيس الهلالي (3) عن سلمان الفارسي رضي الله عنه أنه
# PageV01P105
# قال: أتيت عليا عليه السلام وهو يغسل رسول الله صلى الله عليه وآله، وقد
~~كان أوصى أن لا يغسله غير علي عليه السلام، وأخبر أنه لا يريد أن يقلب منه
~~عضوا إلا قلب له، وقد قال أمير المؤمنين عليه السلام لرسول الله صلى الله
~~عليه وآله: من يعينني على غسلك يا رسول الله؟ قال جبرئيل.
# فلما غسله وكفنه أدخلني وأدخل أبا ذر والمقداد وفاطمة وحسنا وحسينا عليهم
~~السلام ms094 فتقدم وصففنا خلفه فصلى عليه وعائشة في الحجرة لا تعلم قد أخذ
~~جبرئيل ببصرها ثم أدخل عشرة من المهاجرين وعشرة من الأنصار فيصلون ويخرجون،
~~حتى لم يبق من المهاجرين والأنصار إلا صلى عليه، وقلت لعلي عليه السلام حين
~~يغسل رسول الله صلى الله عليه وآله: إن القوم فعلوا كذا وكذا وإن أبا بكر
~~الساعة لعلى منبر رسول الله صلى الله عليه وآله وما يرضى الناس أن يبايعوا
~~له بيد واحدة إنهم ليبايعون بيديه جميعا يمينا وشمالا.
# فقال علي عليه السلام: يا سلمان فهل تدري من أول من يبايعه على منبر رسول
~~الله صلى الله عليه وآله؟ فقلت: لا إلا أني قد رأيته في ظلة بني ساعدة حين
~~خصمت الأنصار، وكان أول من بايعه بشير بن سعد ثم أبو عبيدة بن الجراح ثم
~~عمر بن الخطاب ثم سالم مولى أبي حذيفة [ومعاذ بن جبل].
# قال: لست أسألك عن هذا، ولكن تدري من أول من بايعه حين صعد منبر رسول
~~الله صلى الله عليه وآله؟ قلت: لا ولكني رأيت شيخا كبيرا متوكئا على عصاه
~~بين عينيه سجادة شديد التشمير وهو يبكي ويقول: الحمد لله الذي لم يمتني ولم
~~يخرجني من الدنيا حتى رأيتك في هذا المكان أبسط يدك أبايعك، فبسط يده
~~فبايعه ثم نزل فخرج من المسجد.
# فقال لي علي عليه السلام: يا سلمان وهل تدري من هو؟ قلت: لا ولكني ساءتني
~~مقالته كأنه شامت بموت رسول الله صلى الله عليه وآله، قال علي إن ذلك إبليس
~~لعنه الله، أخبرني رسول الله أن إبليس ورؤساء أصحابه شهدوا نصب رسول الله
~~صلى الله عليه وآله إياي بغدير خم بأمر الله تعالى، فأخبرهم أن يبلغ الشاهد
~~الغائب، فأتاه أبالسة ومردة أصحابه فقالوا: إن هذه أمة مرحومة معصومة وما
~~لنا ولا لك عليهم من سبيل، قد PageV01P106
# علموا إمامهم ومفزعهم بعد نبيهم، فانطلق إبليس كئيبا حزينا، فأخبرني رسول
~~الله صلى الله عليه وآله أن لو قد قبض إن الناس سيبايعون أبا بكر في ظلة
~~بني ساعدة ms095 بعد أن تخاصمهم بحقك وحجتك، ثم يأتون المسجد فيكون أول من يبايعه
~~على منبري إبليس في صورة شيخ كبير مستبشر يقول كذا وكذا، ثم تجتمع شياطينه
~~وأبالسته فيخر ويكسع (1) ثم يقول كذا زعمتم أن ليس لي عليهم سبيل فكيف
~~رأيتموني صنعت بهم حين تركوا أمر من أمرهم الله بطاعته وأمرهم رسوله.
# فقال سلمان: فلما كان الليل حمل علي فاطمة على حمار وأخذ بيد ابنيه الحسن
~~والحسين، فلم يدع أحدا من أهل بدر من المهاجرين ولا من الأنصار إلا أتى
~~منزله وذكر حقه ودعاه إلى نصرته، فما استجاب له من جميعهم إلا أربعة
~~وأربعون رجلا، فأمرهم أن يصبحوا بكرة محلقين رؤوسهم معهم سلاحهم وقد بايعوه
~~على الموت، فأصبح ولم يوافه منهم أحد غير أربعة. قلت لسلمان: من الأربعة؟
# قال: أنا وأبو ذر والمقداد والزبير بن العوام. ثم أتاهم من الليلة
~~الثانية فناشدهم الله فقالوا: نصحبك بكرة، فما منهم أحد وفى غيرنا، ثم
~~الليلة الثالثة فما وفى أحد غيرنا، فلما رأى علي عليه السلام عذرهم وقلة
~~وفائهم لزم بيته وأقبل على القرآن يؤلفه ويجمعه، فلم يخرج حتى جمعه كله
~~فكتبه على تنزيله والناسخ والمنسوخ، فبعث إليه أبو بكر أن اخرج فبايع، فبعث
~~إليه أني مشغول فقد آليت بيمين أن لا أرتدي برداء إلا للصلوات حتى أؤلف
~~القرآن وأجمعه، فجمعه في ثوب وختمه ثم خرج إلى الناس وهم مجتمعون مع أبي
~~بكر في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله فنادى عليه السلام بأعلى صوته:
# أيها الناس إني لم أزل منذ قبض رسول الله صلى الله عليه وآله مشغولا
~~بغسله ثم بالقرآن حتى جمعته كله في هذا الثوب، فلم ينزل الله على نبيه آية
~~من القرآن إلا وقد جمعتها كلها في هذا الثواب، وليست منه آية إلا وقد
~~أقرأنيها رسول الله صلى عليه وآله وعلمني تأويلها.
# فقالوا: لا حاجة لنا به عندنا مثله. ثم دخل بيته فقال عمر لأبي بكر: أرسل
# PageV01P107
# إلى علي فليبايع فإنا لسنا في شئ حتى يبايع ولو قد بايع ms096 أمناه وغائلته.
~~فأرسل أبو بكر رسولا أن أجب خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله، فأتاه
~~الرسول فأخبره بذلك، فقال علي عليه السلام: ما أسرع ما كذبتم على رسول الله
~~صلى الله عليه وآله، إنه ليعلم ويعلم الذين حوله أن الله ورسوله لم يستخلفا
~~غيري، فذهب الرسول فأخبره بما قاله فقال: اذهب فقل أجب أمير المؤمنين أبا
~~بكر، فأتاه فأخبره بذلك فقال علي عليه السلام: سبحان الله والله ما طال
~~العهد بالنبي مني وإنه ليعلم أن هذا الاسم لا يصلح إلا لي، وقد أمره رسول
~~الله صلى الله عليه وآله سابع سبعة فسلموا علي بإمرة المؤمنين، فاستفهمه هو
~~وصاحبه عمر من بين السبعة فقالا: أمر من الله ورسوله؟ فقال لهما رسول الله
~~صلى الله عليه وآله: نعم حقا من الله ورسوله إنه أمير المؤمنين وسيد
~~المسلمين وصاحب لواء الغر المحجلين، يقعده الله يوم القيامة على الصراط
~~فيدخل أولياءه الجنة وأعداءه النار.
# قال: فانطلق الرسول إلى أبي بكر فأخبره بما قال، فكفوا عنه يومئذ، فلما
~~كان الليل حمل فاطمة عليها السلام على حمار ثم دعاها إلى نصرته فما استجاب
~~له رجل غيرنا أربعة، فإنا حلقنا رؤسنا وبذلنا نفوسنا ونصرتنا وكان علي بن
~~أبي طالب عليه السلام لما رأى خذلان الناس له وتركهم نصرته واجتماع كلمة
~~الناس مع أبي بكر وطاعتهم له وتعظيمهم له جلس في بيته، فقال عمر لأبي بكر:
# ما يمنعك أن تبعث إليه فيبايع، فإنه لم يبق أحد إلا وقد بايع غيره وغير
~~هؤلاء الأربعة معه. وكان أبو بكر أرق الرجلين وأرفقهما وأدهاهما وأبعدهما
~~غورا، والآخر أفظهما وأغلظهما وأخشنهما وأجفاهما. فقال: من نرسل إليه؟ فقال
~~عمر:
# أرسل إليه قنفذا - وكان رجلا فظا غليظا جافيا من الطلقاء أحد بني تيم -
~~فأرسله وأرسل معه أعوانا، فانطلق فاستأذن فأبي علي عليه السلام أن يأذن له،
~~فرجع أصحاب قنفذ إلى أبي بكر وعمر وهما في المسجد والناس حولهما فقالوا: لم
~~يأذن لنا. فقال عمر: هو إن أذن لكم وإلا فادخلوا عليه بغير إذنه، ms097 فانطلقوا
~~فاستأذنوا فقالت فاطمة عليها السلام أحرج عليكم (1) أن تدخلوا بيتي بغير
~~إذن، فرجعوا وثبت قنفذ فقالوا: إن فاطمة
# PageV01P108
# قالت كذا وكذا فحرجتنا أن ندخل عليها البيت بغير إذن منها، فغضب عمر
~~وقال:
# ما لنا وللنساء. ثم أمر أناسا حوله فحملوا حطبا وحمل معهم فجعلوه حول
~~منزله وفيه علي وفاطمة وابناهما عليهم السلام، ثم نادى عمر حتى أسمع عليا
~~عليه السلام: والله لتخرجن ولتبايعن خليفة رسول الله أو لأضرمن عليك بيتك
~~نارا، ثم رجع فقعد إلى أبي بكر وهو يخاف أن يخرج علي بسيفه لما قد عرف من
~~بأسه وشدته. ثم قال لقنفذ: أن خرج وإلا فاقتحم عليه، فإن امتنع فاضرم عليهم
~~بيتهم نارا.
# فانطلق قنفذ فاقتحم هو وأصحابه بغير إذن، وبادر علي إلى سيفه ليأخذه
~~فسبقوه إليه فتناول بعض سيوفهم فكثروا عليه فظبطوه وألقوا في عنقه حبلا
~~أسود، وحالت فاطمة عليها السلام بين زوجها وبينهم عند باب البيت فضربها
~~قنقذ بالسوط على عضدها، فبقي أثره في عضدها من ذلك مثل الدملوج (1) من ضرب
~~قنفذ إياها، فأرسل أبو بكر إلى قنفذ اضربها فالجأها إلى عضادة باب بيتها،
~~فدفعها فكسر ضلعا من جنبها وألقت جنينا من بطنها، فلم تزل صاحبة فراش حتى
~~ماتت من ذلك شهيدة صلوات الله عليها.
# ثم انطلقوا بعلي عليه السلام ملببا بحبل حتى انتهوا به إلى أبي بكر وعمر
~~قائم بالسيف على رأسه وخالد بن الوليد وأبو عبيدة بن الجراح وسالم والمغيرة
~~بن شعبة وأسيد بن حصين وبشير بن سعد وسائر الناس قعود حول أبي بكر عليهم
~~السلاح وهو يقول: أما والله لو وقع سيفي بيدي لعلمتم أنكم لن تصلوا إلي،
~~هذا جزاء مني وبالله لا ألوم نفسي في جهد ولو كنت في أربعين رجلا لفرقت
~~جماعتكم، فلعن الله قوما بايعوني ثم خذلوني، فانتهره عمر فقال: بايع. فقال:
~~وإن لم أفعل؟
# قال: إذا نقتلك ذلا وضعارا. قال: إذن تقتلون عبد الله وأخا رسول الله صلى
~~الله عليه وآله.
# فقال أبو بكر: أما عبد الله فنعم [كلنا عبيد ms098 الله] وأما أخو رسوله فلا
~~نقر لك به.
# قال عليه السلام: أتجحدون أن رسول الله صلى الله عليه وآله آخى بين نفسه
~~وبيني، فأعادوا عليه ذلك ثلاث مرات ثم أقبل علي عليه السلام فقال:
# PageV01P109
# يا معاشر المهاجرين والأنصار أنشدكم بالله أسمعتم رسول الله صلى الله
~~عليه وآله يقول يوم غدير خم كذا وكذا، وفي غزاة تبوك كذا وكذا، فلم يدع
~~شيئا قاله فيه عليه السلام علانية للعامة إلا ذكره؟ فقالوا: اللهم نعم.
~~فلما خاف أبو بكر أن ينصروه ويمنعوه بادرهم فقال: كل ما قتله قد سمعناه
~~بآذاننا ووعته قلوبنا، ولكن سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول بعد
~~هذا: إنا أهل بيت اصطفانا الله وأكرمنا واختار لنا الآخرة على الدنيا، وإن
~~الله لم يكن لجيمع لنا أهل البيت النبوة والخلافة.
# فقال علي عليه السلام: أما أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله
~~شهد هذا معك؟ قال عمر: صدق خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله قد سمعنا
~~منه هذا كما قال، وقال أبو عبيدة وسالم مولى أبي حذيفة ومعاذ بن جبل: صدق
~~قد سمعنا ذلك من رسول الله صلى الله عليه وآله.
# فقال لهم: لشد ما وفيتم بصحيفتكم الملعونة التي تعاقدتم عليها في الكعبة:
# إن قتل الله محمدا أو أماته أن تزووا هذا الأمر عنا أهل البيت. فقال أبو
~~بكر: وما علمك بذلك اطلعناك عليها؟ قال علي يا زبير ويا سلمان وأنت يا
~~مقداد أذكركم بالله وبالاسلام أسمعتم رسول الله صلى الله عليه وآله يقول
~~ذلك إن فلانا وفلانا حتى عد هؤلاء الخمسة قد كتبوا بينهم كتابا وتعاهدوا
~~وتعاقدوا على ما صنعوا؟ قالوا: اللهم نعم قد سمعناه يقول ذلك لك، فقلت له
~~بأبي أنت وأمي يا نبي الله فما تأمرني أن أفعل إذا كان ذلك؟ فقال لك: إن
~~وجدت عليهم أعوانا فجاهدهم ونابذهم، وإن لم تجد أعوانا فبايعهم واحقن دمك.
# فقال علي عليه السلام: أما والله لو أن أولئك الأربعين رجلا الذين
~~بايعوني ووفوا لجاهدتكم في الله ms099 ولله، لا أما والله لا ينالها أحد من عقبكم
~~إلى يوم القيامة.
# ثم نادى قبل أن يبايع: " يا ابن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني "
~~(1) ثم تناول يد أبي بكر فبايعه، فقيل للزبير بايع الآن، فأبى فوثب عليه
~~عمر وخالد ابن الوليد والمغيرة بن شعبة في أناس فانتزعوا سيفه من يده
~~فضربوا به الأرض حتى كسر، فقال الزبير وعمر على صدوه: يا بن صهاك أما والله
~~لو أن سيفي في
# PageV01P110
# يدي لحدت عني، ثم بايع.
# قال: سلمان: ثم أخذوني فوجأوا عنقي حتى تركوها مثل السلعة (1) ثم فتلوا
~~يدي، فبايعت مكرها، ثم بايع أبو ذر والمقداد مكرهين، وما من الأمة أحد بايع
~~مكرها غير علي وأربعتنا.
# ولم يكن أحد منا أشد قولا من الزبير، فلما بايع قال: يا بن صهاك أما
~~والله لولا هؤلاء الطلقاء الذين أعانوك ما كنت لتقدم علي ومعي السيف لما قد
~~علمت من جبنك ولؤمك، ولكنك وجدت من تقوى بهم وتصول بهم، فغضب عمر فقال،
~~أتذكر صهاك؟ فقال الزبير: ومن صهاك وما يمنعني من ذلك، وإنما كانت صهاك أمة
~~حبشية لجدي عبد المطلب فزنا بها نفيل فولدت أباك الخطاب فوهبها عبد المطلب
~~له بعد ما ولدته، فإنه لعبد جدي فولد زنى، فأصلح بينهما أبو بكر وكف كل
~~منهما عن صاحبه.
# فقال سليم: فقلت يا سلمان بايعت أبا بكر ولم تقل شيئا؟ قال: قد قلت بعد
~~ما بايعت: تبا لكم سائر الدهر، أو تدرون ماذا صنعتم بأناسكم، أصبتم
~~وأخطأتم:
# أصبتم سنة الأولين، وأخطأتم سنة نبيكم حتى أخرجتموها من معدنها وأهلها.
~~فقال لي عمر: أما إذا بايع صاحبك وبايعت فقل ما بدا لك وليقل ما بدا له.
# قال: قلت فإني أشهد أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: إن عليك
~~وعلى صاحبك الذي بايعته مثل ذنوب أمته إلى يوم القيامة ومثل عذابهم. وقال:
~~قل ما شئت أليس قد بايع ولم يقر الله عينك بأن يليها صاحبك. قال، قلت فإني
~~أشهد أني قرأت في بعض كتب الله المنزلة ms100 آية باسمك ونسبك وصفتك باب من أبواب
~~جهنم.
# قال: قل ما شئت أليس قد عزلها الله عن أهل البيت الذين قد اتخذتموهم
~~أربابا.
# قال: قلت فأشهد أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول وقد سألته عن
~~هذه الآية " فيومئذ لا يعذب عذابه أحد. ولا يوثق وثاقه أحد " (2) فقال: إنك
~~أنت هو.
# PageV01P111
# فقال عمر اسكت: قال: قلت أسكت الله نأمتك (1) أيها العبد يا بن اللخناء
~~(2).
# فقال لي علي عليه السلام اسكت يا سلمان، فسكت فوالله لولا أنه أمرني
~~بالسكوت لأخبرته بكل شئ نزل فيه وفي صاحبه، فلما رأى ذلك عمر أنه قد سكت
~~قال: إنك له مطيع مسلم وإذا لم يقل أبو ذر والمقداد شيئا كما قال سلمان.
# قال عمر: يا سلمان ألا تكف عنا كما كف صاحباك، فوالله ما أنت بأشد حبا
~~لأهل هذا البيت منهما ولا أشد تعظيما لهم ولحقهم، فقد كفا كما ترق وبايعا.
# فقال أبو ذر أفتعيرنا يا عمر بحب آل محمد وتعظيمهم، لعن الله من أبغضهم
~~وابتز عليهم وظلمهم حقهم وحمل الناس على رقابهم ورد الناس على أدبارهم
~~القهقري وقد فعل ذلك بهم.
# فقال عمر آمين فلعن الله من ظلمهم حقهم، لا والله ما لهم فيها حق وما هم
~~وعرض الناس في هذا الأمر إلا سواء. قال أبو ذر: فلم خاصمتم بحقهم وحجتهم؟
# فقال علي عليه السلام: يا بن صهاك فليس لنا حق وهو لك ولابن آكلة الذباب.
# فقال عمر: كف الآن يا أبا الحسن إذا بايعت، فإن العامة رضوا بصحابتي ولم
~~يرضوا بك فما ذنبي. قال علي عليه السلام لكن الله ورسوله لم يرضيا إلا بي
~~فأبشر أنت وصاحبك ومن اتبعكما وآزركما بسخط من الله وعذابه وخزيه، ويلك يا
~~بن الخطاب أو تدري مما خرجت وفيم دخلت وماذا جنيت على نفسك وعلى صاحبك،
~~فقال أبو بكر:
# يا عمر أما إذا بايع وأمنا شره وفتكه وغائلته فدعه يقول ما شاء.
# فقال علي عليه السلام: لست بقائل غير شئ واحد، أذكركم بالله أيها الأربعة
~~- يعنيني ms101 والزبير وأبا ذر والمقداد - أسمعتم رسول الله يقول إن تابوتا من
~~نار فيه اثنا عشر رجلا ستة من الأولين وستة من الآخرين في جب في قعر جهنم
~~في تابوت مقفل على ذلك الجب صخرة إذا أراد الله أن يسعر نار جهنم كشف تلك
~~الصخرة عن ذلك الجب فاستعاذت جهنم من وهج ذلك الجب، فسألناه عنهم وأنتم
~~شهود؟ فقال صلى الله عليه وآله:
# PageV01P112
# أما الأولون فابن آدم الذي قتل أخاه، وفرعون الفراعنة نمرود، والذي حاج
~~إبراهيم في ربه، ورجلان من بني إسرائيل بدلا كتابهم وغير أسنتهم، أما
~~أحدهما فهود اليهود والآخر نصر النصارى (1)، وإبليس سادسهم، والدجال في
~~الآخرين، وهؤلاء الخمسة أصحاب الصحيفة الذين تعاهدوا وتعاقدوا على عداوتك
~~يا أخي والتظاهر عليك بعدي هذا وهذا وهذا حتى عدهم وسماهم.
# قال سلمان: فقلنا صدقت نشهد أنا سمعنا ذلك من رسول الله صلى الله عليه
~~وآله فقال عثمان:
# يا أبا الحسن أما عندك وعند أصحابك هؤلاء في حديث؟ فقال: بلى قد سمعت
~~رسول الله صلى الله عليه وآله يلعنك ثم لم يستغفر الله لك مذ لعنك فغضب
~~عثمان فقال، ما لي ولك أما تدعني على حالي على عهد رسول الله ولا بعده.
~~فقال الزبير: نعم فأرغم الله أنفك. فقال عثمان، فوالله لقد سمعت رسول الله
~~صلى الله عليه وآله يقول: إن الزبير يقتل مرتدا عن الإسلام، قال سلمان:
~~فقال لي علي عليه السلام فيما بيني وبينه صدق عثمان، وذلك أنه يبايعني بعد
~~قتل عثمان ثم ينكث بيعتي فيقتل مرتدا عن الإسلام.
# قال سليم: ثم أقبل علي سلمان فقال، إن القوم ارتدوا بعد رسول الله صلى
~~الله عليه وآله إلا من عصمه الله بآل محمد، إن الناس بعد رسول الله صلى
~~الله عليه وآله بمنزلة هارون من موسى ومن تبعه وبمنزلة العجل ومن تبعه،
~~فعلي في سنة هارون وعتيق في سنة السامري، وسمعت رسول الله صلى الله عليه
~~وآله يقول " لتركبن أمتي سنة بني إسرائيل حذو القذة بالقذة وحذو النعل
~~بالنعل شبرا بشبر وذراعا بذراع ms102 وباعا بباع ".
# وروي عن الصادق عليه السلام أنه قال، لما استخرج أمير المؤمنين عليه
~~السلام من منزله خرجت فاطمة صلوات الله عليها خلفه فما بقيت امرأة هاشمية
~~إلا خرجت معها حتى انتهت قريبا من القبر فقالت لهم: خلوا عن ابن عمي فوالذي
~~بعث محمدا أبي صلى الله عليه وآله بالحق إن لم تخلوا عنه لأنشرن شعري
~~ولأضعن قميص رسول الله صلى الله عليه وآله على رأسي ولأصرخن إلى الله تبارك
~~وتعالى، فما صالح بأكرم على الله من أبي ولا الناقة بأكرم
# PageV01P113
# مني ولا الفصيل بأكرم على الله من ولدي. قال سلمان رضي الله عنه: كنت
~~قريبا منها، فرأيت والله أساس حيطان مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله
~~تقلعت من أسفلها حتى لو أراد رجل أن ينفذ من تحتها لنفذ، فدنوت منها فقلت:
~~يا سيدتي ومولاتي إن الله تبارك وتعالى بعث أباك رحمة فلا تكوني نقمة،
~~فرجعت ورجعت الحيطان حتى سطعت الغبرة من أسفلها فدخلت في خياشيمنا.
# وروي عن الباقر عليه السلام أن عمر بن الخطاب قال لأبي بكر: اكتب إلى
~~أسامة ابن زيد يقدم عليك، فإن في قدومه قطع الشنيعة عنا. فكتب أبو بكر
~~إليه:
# " من أبي بكر خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله إلى أسامة بن زيد. -
~~أما بعد فانظر إذا أتاك كتابي فاقبل إلي أنت ومن معك، فإن المسلمين قد
~~اجتمعوا علي وولوني أمرهم فلا تتخلفن فتعصي ويأتيك مني ما تكره والسلام ".
# قال: فكتب أسامة إليه جواب كتابه " من أسامة بن زيد عامل رسول الله صلى
~~الله عليه وآله على غزوة الشام. أما بعد فقد أتاني منك كتاب ينقض أوله
~~آخره، ذكرت في أوله أنك خليفة رسول الله، وذكرت في آخره أن المسلمين قد
~~اجتمعوا عليك فولوك أمرهم ورضوك، فاعلم أني ومن معي من جماعة المسلمين
~~والمهاجرين فلا والله ما رضيناك ولا وليناك أمرنا، وانظر أن تدفع الحق إلى
~~أهله وتخليهم وإياه فإنهم أحق به منك، فقد علمت ما كان من قول رسول الله
~~صلى الله ms103 عليه وآله في علي يوم الغدير، فما طال العهد فتنسى، انظر مركزك
~~ولا تخالف فتعصي الله ورسوله وتعصي من استخلفه رسول الله صلى الله عليه
~~وآله عليك وعلى صاحبك، ولم يعزلني حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وآله
~~وأنك وصاحبك رجعتما وعصيتما فأقمتما في المدينة بغير إذن ".
# فأراد أبو بكر أن يخلعها من عنقه قال: فقال له عمر لا تفعل قميص قمصك
~~الله لا تخلعه فتندم ولكن ألح عليه بالكتب والرسائل ومر فلانا وفلانا أن
~~يكتبوا إلى أسامة أن لا يفرق جماعة المسلمين وأن يدخل معهم فيما صنعوا.
# قال: فكتب إليه أبو بكر وكتب إليه الناس من المنافقين " أن ارض بما
~~اجتمعنا عليه وإياك أن تشتمل المسلمين فتنة من قبلك فإنهم حديثو عهد بالكفر
~~". PageV01P114
# قال: فلما وردت الكتب على أسامة انصرف بمن معه حتى دخل المدينة، فلما رأى
~~اجتماع الخلق على أبي بكر انطلق إلى علي بن أبي طالب عليه السلام فقال له:
~~ما هذا؟ قال له علي: هذا ما ترى. قال له أسامة: فهل بايعته؟ فقال: نعم يا
~~أسامة. فقال: طائعا أو كارها؟ فقال: لا بل كارها. قال: فانطلق أسامة فدخل
~~على أبي بكر وقال له، السلام عليك يا خليفة المسلمين. قال، فرد عليه أبو
~~بكر وقال، السلام عليك أيها الأمير.
# وروي أن أبا قحافة كان بالطائف لما قبض رسول الله صلى الله عليه وآله
~~وبويع لأبي بكر، فكتب ابنه إليه كتابا عنوانه " من خليفة رسول الله إلى أبي
~~قحافة. أما بعد فإن الناس قد تراضوا بي، فإني اليوم خليفة الله، فلو قدمت
~~علينا كان أقر لعينك " قال: فلما قرأ أبو قحافة الكتاب قال للرسول: ما
~~منعكم من علي؟ قال:
# هو حدث السن وقد أكثر القتل في قريش وغيرها وأبو بكر أسن منه. قال أبو
~~قحافة: إن كان الأمر في ذلك بالسن فأنا أحق من أبي بكر، لقد ظلموا عليا حقه
~~وقد بايع له النبي صلى الله عليه وآله وأمرنا ببيعته.
# ثم كتب إليه " من أبي قحافة إلى ms104 ابنه أبي بكر. أما بعد فقد أتاني كتابك
~~فوجدته كتاب أحمق ينقض بعضه بعضا، مرة تقول خليفة رسول الله صلى الله عليه
~~وآله ومرة تقول خليفة الله ومرة تقول تراضى بي الناس، وهو أمر ملتبس فلا
~~تدخلن في أمر يصعب عليك الخروج منه غدا ويكون عقباك منه إلى النار والندامة
~~وملامة النفس اللوامة لدى الحساب بيوم القيامة، فإن للأمور مداخل ومخارج
~~وأنت تعرف من هو أولى بها منك، فراقب الله كأنك تراه ولا تدعن صاحبها، فإن
~~تركها اليوم أخف عليك وأسلم لك ".
# وعن عامر الشعبي عن عروة بن الزبير بن العوام قال، لما قال المنافقون إن
~~أبا بكر تقدم عليا وهو يقول أنا أولى بالمكان منه قام أبو بكر خطيبا فقال:
~~صبرا على من ليس يؤول إلى دين ولا يحتجب برعاية ولا يرعوي لولاية، أظهر
~~الإيمان ذلة وأسر النفاق غلة، هؤلاء عصبة الشيطان وجمع الطغيان يزعمون أني
~~أقول إني PageV01P115
# أفضل من علي، وكيف أقول ذلك وما لي سابقته ولا قرابته ولا خصوصيته، وحد
~~الله وأنا ملحده وعبده علي قبل أن أعبده ووالى الرسول وأنا عدوه، وسبقني
~~بساعات لو انقطعت لم ألحق شأوه ولم أقطع غباره، وأن علي بن أبي طالب فاز
~~والله من الله بمحبة ومن الرسول بقرابة ومن الإيمان برتبة، لو جهد الأولون
~~والآخرون إلا النبيين لم يبلغوا درجته ولم يسلكوا منهجه، بذل في الله مهجته
~~ولابن عمه مودته كاشف الكرب ودامغ الريب وقاطع السبب إلا سبب الرشاد وقامع
~~الشرك ومظهر ما تحت سويداء حبة النفاق، محنة لهذا العالم، لحق قبل أن يلاحق
~~وبرز قبل أن يسابق، جمع العلم والحلم والفهم فكان جميع الخيرات لقلبه كنوزا
~~لا يدخر منها مثقال ذرة إلا أنفقه في بابه، فمن ذا يؤمل أن ينال درجته وقد
~~جعله الله ورسوله للمؤمنين وليا وللنبي وصيا وللخلافة راعيا وبالإمامة
~~قائما، أفيغتر الجاهل بمقام قمته إذ أقامني وأطعته إذ أمرني، سمعت رسول
~~الله صلى الله عليه وآله يقول " الحق مع علي وعلي مع الحق، من أطاع عليا ms105
~~رشد ومن عصى عليا فسد، ومن أحبه سعد ومن أبغضه شقي " والله لو لم يحب ابن
~~أبي طالب إلا لأجل أنه لم يواقع الله محرما ولا عبد من دونه صنما ولحاجة
~~الناس إليه بعد نبيهم لكان في ذلك ما يجب، فكيف لأسباب أقلها موجب وأهونها
~~مرغب، للرحم الماسة بالرسول والعلم بالدقيق والجليل والرضا بالصبر الجميل
~~والمواساة في الكثير والقليل، وخلال لا يبلغ عدها ولا يدرك مجدها ود
~~المتمنون أن لو كانوا تراب أقدام ابن أبي طالب، أليس هو صاحب لواء الحمد
~~والساقي يوم الورود وجامع كل كرم وعالم كل علم والوسيلة إلى الله وإلى
~~رسوله.
# وعن محمد بن عمر بن علي عن أبيه عن أبي رافع قال، إني لعند أبي بكر إذ
~~طلع علي والعباس يتدافعان ويختصمان في ميراث النبي صلى الله عليه وآله،
~~فقال أبو بكر: يكفيكم القصير الطويل - يعني بالقصير عليا وبالطويل العباس -
~~فقال العباس: أنا عم النبي صلى الله عليه وآله ووارثه، وقد حال علي بيني
~~وبين تركته.
# فقال أبو بكر: فأين كنت يا عباس حين جمع النبي صلى الله عليه وآله بني
~~عبد المطلب PageV01P116
# وأنت أحدهم فقال " أيكم يوازرني ويكون وصيي وخليفتي في أهلي ينجز عدتي
~~ويقضي ديني " فأحجمتم عنها إلا علي، فقال النبي صلى الله عليه وآله أنت
~~كذلك؟
# فقال العباس: فما أقعدك في مجلسك هذا تقدمته وتأمرت عليه؟ قال أبو بكر:
~~أعذروني يا بني عبد المطلب.
# وروى رافع بن أبي رافع الطائي عن أبي بكر وقد صحبه في سفر قال، قلت له:
~~يا أبا بكر علمني شيئا ينفعني الله به. قال: قد كنت فاعلا ولو لم يسألني لا
~~تشرك بالله شيئا، وأقم الصلاة، وآت الزكاة، وصم شهر رمضان، وحج البيت
~~واعتمر، ولا تأمرن على اثنين من المسلمين. قال: قلت له أما ما أمرتني به من
~~الإيمان والصلاة والزكاة والصوم والحج والعمرة فأنا أفعله، وأما الإمارة
~~فإني رأيت الناس لا يصيبون هذا الشرف وهذا الغنى والعز والمنزلة عند رسول
~~الله إلا بها. قال: إنك استنصحتني ms106 فأجهدت نفسي لك.
# فلما توفي رسول الله صلى الله عليه وآله واستخلف أبو بكر جئته وقلت له:
~~يا أبا بكر ألم تنهني أن أتأمر على اثنين؟ قال بلى. قلت: فما بالك تأمرت
~~على أمة محمد صلى الله عليه وآله قال اختلف الناس وخفت عليهم الضلالة
~~ودعوني فلم أجد من ذلك بدا.
# وروى أن أبا بكر وعمر بعثا إلى خالد بن الوليد فواعداه وفارقاه على قتل
~~علي عليه السلام وضمن ذلك لهما، فسمعت ذلك الخبر أسماء بنت عميس امرأة أبي
~~بكر في خدرها، فأرسلت خادمة لها، وقالت ترددي في دار علي وقولي له " الملأ
~~يأتمرون بك ليقتلوك " (1) ففعلت الجارية وسمعها علي عليه السلام، فقال
~~رحمها الله قولي لمولاتك فمن يقتل الناكثين والمارقين والقاسطين؟
# ووقعت المواعدة لصلاة الفجر إذ كان أخفى، واختيرت للسدفة (2) والشبهة
~~[فإنهم كانوا يغسلون (3) بالصلاة حتى لا تعرف المرأة من الرجل] ولكن الله
# PageV01P117
# بالغ أمره، وكان أبو بكر قال لخالد بن الوليد: إذا انصرفت من صلاة الفجر
~~فاضرب عنق علي. فصلى إلى جنبه لأجل ذلك وأبو بكر في الصلاة يفكر في العواقب
~~فندم فجلس في صلاته حتى كادت الشمس تطلع يتعقب الآراء ويخاف الفتنة ولا
~~يأمن على نفسه. فقال قبل أن يسلم في صلاته: يا خالد لا تفعل ما أمرتك به -
~~ثلاثا - وفي رواية أخرى لا يفعلن خالد ما أمر به، فالتفت علي عليه السلام
~~فإذا خالد مشتمل على السيف إلى جانبه فقال: يا خالد ما الذي أمرك به؟ قال:
~~بقتلك يا أمير المؤمنين قال: أو كنت فاعلا؟ فقال، أي والله لولا أنه نهاني
~~لوضعته في أكثرك (1) شعرا فقال له علي عليه السلام: كذبت لا أم لك من يفعله
~~أضيق حلقة است منك، أما والذي فلق الحبة وبرئ النسمة لولا ما سبق به القضاء
~~لعلمت أي الفريقين شر مكانا واضعف جندا.
# وفي رواية أخرى لأبي ذر رحمه الله أن أمير المؤمنين عليه السلام أخذ
~~خالدا بأصبعيه السبابة والوسطى في ذلك الوقت، فعصره عصرا فصاح خالد صيحة
~~منكرة، ففزع الناس ms107 وهمتهم أنفسهم وأحدث خالد في ثيابه وجعل يضرب برجليه
~~الأرض ولا يتكلم. فقال أبو بكر لعمر: هذه مشورتك المنكوسة، كأني كنت أنظر
~~إلى هذا وأحمد الله على سلامتنا، وكلما دنى أحد ليخلصه من يده لحظة تنحى
~~عنه رعبا فبعث أبو بكر وعمر إلى العباس فجاء وتشفع إليه وأقسم عليه فقال:
~~بحق هذا القبر ومن فيه وبحق ولديه وأمهما إلا تركته، ففعل ذلك وقبل العباس
~~بين عينيه.
# PageV01P118
# " احتجاج أمير المؤمنين (ع) على أبي بكر وعمر لما منعا فاطمة الزهراء (ع)
~~فدك بالكتاب والسنة ".
# عن حماد بن عثمان (1) عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لما بويع أبو بكر
~~واستقام له الأمر على جميع المهاجرين والأنصار بعث إلى فدك (2) من أخرج
~~وكيل
# PageV01P119
# فاطمة عليها السلام بنت رسول الله منها، فجاءت فاطمة الزهراء عليها
~~السلام إلى أبي بكر ثم قالت PageV01P120
# لم تمنعني ميراثي من أبي رسول الله صلى الله عليه وآله وأخرجت وكيلي من
~~فدك وقد جعلها لي رسول الله صلى الله عليه وآله بأمر الله تعالى؟
# فقال: هاتي على ذلك بشهود. فجاءت بأم أيمن، فقالت له أم أيمن: لا أشهد يا
~~أبا بكر حتى احتج عليك بما قال رسول الله صلى الله عليه وآله، أنشدك بالله
~~ألست تعلم أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال " أم أيمن امرأة من أهل
~~الجنة (1) " فقال: بلى. قالت " فأشهد: أن الله عز وجل أوحى إلى رسول الله
~~صلى الله عليه وآله " وآت ذا القربى حقه " (2)
# PageV01P121
# فجعل فدكا لها طعمة بأمر الله، فجاء علي عليه السلام فشهد: بمثل ذلك فكتب
~~لها كتابا ودفعه إليها، فدخل عمر فقال: ما هذا الكتاب؟ فقال: إن فاطمة
~~عليها السلام ادعت في فدك، وشهدت لها أم أيمن وعلي عليه السلام، فكتبته
~~لها، فأخذ عمر الكتاب من فاطمة فتفل فيه ومزقه فخرجت فاطمة عليها السلام
~~تبكي، فلما كان بعد ذلك جاء علي عليه السلام إلى أبي بكر وهو في المسجد
~~وحوله المهاجرون والأنصار فقال: يا أبا بكر لم منعت فاطمة ميراثها من ms108 رسول
~~الله صلى الله عليه وآله؟ وقد ملكته في حياة رسول الله (ص) فقال أبو بكر:
~~هذا فيئ للمسلمين، فإن أقامت شهودا أن رسول الله جعله لها وإلا فلا حق لها
~~فيه، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: يا أبا بكر تحكم فينا بخلاف حكم الله
~~في المسلمين. قال: لا. قال: فإن كان في يد المسلمين شئ يملكونه، ثم ادعيت
~~أنا فيه من تسأل البينة؟ قال: إياك أسأل البينة، قال: فما بال فاطمة سئلتها
~~البينة على ما في يديها؟ وقد ملكته في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله
~~وبعده، ولم تسئل المسلمين بينة على ما ادعوها شهودا، كما سألتني على ما
~~ادعيت عليهم؟ (1) فسكت أبو بكر فقال عمر: يا علي دعنا من كلامك. فإنا لا
~~نقوى على حجتك، فإن أتيت بشهود عدول، وإلا فهو فيء للمسلمين لا حق لك ولا
~~لفاطمة فيه، فقال أمير المؤمنين عليه السلام يا أبا بكر تقرء كتاب الله؟
~~قال: نعم. قال: أخبرني عن قول الله عز وجل:
# " إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا " (2) فيمن
# PageV01P122
# نزلت فينا أم في غيرنا؟ قال: بل فيكم، قال: فلو أن شهودا شهدوا على فاطمة
~~بنت رسول الله صلى الله عليه وآله بفاحشة ما كنت صانعا بها؟ قال كنت أقيم
~~عليها الحد، كما أقيمه على نساء المسلمين، قال: إذن كنت عند الله من
~~الكافرين، قال: ولم قال: لأنك رددت شهادة الله لها بالطهارة، وقبلت شهادة
~~الناس عليها، كما رددت حكم الله وحكم رسوله، أن جعل لها فدكا قد قبضته في
~~حياته، ثم قبلت شهادة أعرابي بائل على عقبيه عليها، وأخذت منها فدكا، وزعمت
~~أنه فيء للمسلمين، وقد قال رسول الله " ص ": البينة على المدعي: واليمين
~~على المدعى عليه " فرددت قول: رسول الله " ص ": البينة على من أدعى،
~~واليمين على من ادعي عليه، قال: فدمدم الناس وأنكروا، ونظر بعضهم إلى بعض،
~~وقالوا: " صدق والله علي بن أبي طالب عليه السلام " ورجع إلى منزله.
# قال: ثم دخلت فاطمة المسجد، ms109 وطافت بقبر أبيها، وهي تقول:
# قد كان بعدك أنباء وهنبثة * لو كنت شاهدها لم تكثر الخطب إنا فقدناك فقد
~~الأرض وابلها * واختل قومك فاشهدهم ولا تغب (1) قد كان جبريل بالآيات
~~يونسنا * فغاب عنا فكل الخير محتجب وكنت بدرا ونورا يستضاء به * عليك ينزل
~~من ذي العزة الكتب تجهمتنا رجال واستخف بنا * إذ غبت عنا فنحن اليوم نغتصب
# PageV01P123
# فسوف نبكيك ما عشنا وما بقيت * منا العيون بتهمال لها سكب قال: فرجع أبو
~~بكر وعمر إلى منزلهما، وبعث أبو بكر إلى عمر فدعاه ثم قال: له أما رأيت
~~مجلس علي منا في هذا اليوم؟ والله لئن قعد مقعدا آخر مثله ليفسدن علينا
~~أمرنا، فما الرأي؟ فقال عمر: الرأي أن تأمر بقتله، قال: فمن يقتله؟ قال: "
~~خالد بن الوليد " (1).
# PageV01P124
# فبعثوا إلى خالد فأتاهما، فقالا: نريد أن نحملك على أمر عظيم، قال:
# احملاني على ما شئتما، ولو على قتل علي بن أبي طالب، قالا: فهو ذلك، قال
~~خالد: متى أقتله؟ قال أبو بكر: احضر المسجد وقم بجنبه في الصلاة، فإذا سلمت
~~فقم إليه واضرب عنقه، قال: نعم.
# فسمعت أسماء بنت عميس (1) وكانت تحت أبي بكر. فقالت: لجاريتها
# PageV01P125
# اذهبي إلى منزل علي وفاطمة عليهما السلام، واقرأيهما السلام، وقولي لعلي
~~" إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إني لك من الناصحين " فجاءت فقال أمير
~~المؤمنين عليه السلام " قولي لها: إن الله يحول بينهم وبين ما يريدون ".
# ثم قام وتهيأ للصلاة، وحضر المسجد، وصلى خلف أبي بكر، وخالد بن الوليد
~~يصلي بجنبه، ومعه السيف، فلما جلس أبو بكر في التشهد، ندم على ما قال وخاف
~~الفتنة، وعرف شدة علي وبأسه، فلم يزل متفكرا لا يجسر أن يسلم، حتى ظن الناس
~~أنه قد سهى. PageV01P126
# ثم التفت إلى خالد، فقال: " يا خالد لا تفعلن ما أمرتك والسلام عليكم
~~ورحمة الله وبركاته ".
# فقال أمير المؤمنين عليه السلام: يا خالد ما الذي أمرك به؟ فقال أمرني
~~بضرب عنقك، قال: أو كنت فاعلا؟ قال: إي والله، لولا أنه قال لي لا تقتله
~~قبل ms110 التسليم لقتلتك.
# قال: فأخذه علي عليه السلام فجلد به الأرض، فاجتمع الناس عليه، فقال عمر
~~يقتله ورب الكعبة، فقال الناس، يا أبا الحسن الله الله، بحق صاحب القبر،
~~فخلى عنه، ثم التفت إلى عمر، فأخذ بتلابيبه وقال: يا بن صهاك والله لولا
~~عهد من رسول الله، وكتاب من الله سبق، لعلمت أينا أضعف ناصرا وأقل عددا
~~ودخل منزله.
# رسالة لأمير المؤمنين (ع) إلى أبي بكر لما بلغه عنه كلام بعد منع الزهراء
~~(ع) فدك.
# شقوا متلاطمات أمواج الفتن بحيازيم سفن النجاة، وحطوا تيجان أهل الفخر
~~بجميع أهل الغدر، واستضاؤا بنور الأنوار، واقتسموا مواريث الطاهرات
~~الأبرار، واحتقبوا (1) ثقل الأوزار، بغصبهم نحلة النبي المختار، فكأني بكم
~~تترددون في العمى، كما يتردد البعير في الطاحونة أما والله لو أذن لي بما
~~ليس لكم به علم لحصدت رؤسكم عن أجسادكم كحب الحصيد، بقواضب من حديد، ولقلعت
~~من جماجم شجعانكم ما اقرح به اماقكم، وأوحش به محالكم، فإني - مذ عرفت -
~~مردي العساكر، ومفني الجحافل، ومبيد خضرائكم، ومخمل ضوضائكم، وجرار
~~الدوارين إذ أنتم في بيوتكم معتكفون، وإني لصاحبكم بالأمس، لعمر أبي وأمي
~~لن تحبوا أن يكون فينا الخلافة والنبوة، وأنتم تذكرون أحقاد بدر، وثارات
~~أحد، أما والله لو قلت ما سبق الله فيكم، لتداخلت أضلاعكم في أجوافكم،
# PageV01P127
# كتداخل أسنان دوارة الرحى، فإن نطقت يقولون حسدا، وإن سكت فيقال ابن أبي
~~طالب جزع من الموت، هيهات هيهات! الساعة يقال لي هذا؟! وأنا المميت المائت،
~~وخواض المنايا في جوف ليل حالك، حامل السيفين الثقيلين، والرمحين الطويلين،
~~ومنكس الرايات في غطامط الغمرات (1)، ومفرج الكربات عن وجه خير البريات،
~~ايهنوا فوالله لابن أبي طالب آنس بالموت من الطفل إلى محالب أمه هبلتكم
~~الهوابل (2) لو بحت بما أنزل الله سبحانه في كتابه فيكم، لاضطربتم اضطراب
~~الأرشية في الطوى البعيدة (3) ولخرجتم من بيوتكم هاربين، وعلى وجوهكم
~~هائمين، ولكني أهون وجدي حتى ألقى ربي، بيد جذاء صفراء من لذاتكم، خلو من
~~طحناتكم، فما مثل دنياكم عندي إلا كمثل غيم علا فاستعلا ثم استغلظ ms111 فاستوى،
~~ثم تمزق فانجلا، رويدا فعن قليل ينجلي لكم القسطل (4) وتجنون ثمر فعلكم
~~مرا، وتحصدون غرس أيديكم ذعافا ممقرا (5) وسما قاتلا وكفى بالله حكيما،
~~وبرسول الله خصيما، وبالقيامة موقفا، فلا ابعد الله فيها سواكم، ولا اتعس
~~فيها غيركم، والسلام على من اتبع الهدى.
# فلما أن قرأ أبو بكر الكتاب رعب من ذلك رعبا شديدا، وقال: يا سبحان الله
~~ما أجرأه علي وأنكله عن غيري.
# معاشر المهاجرين والأنصار تعلمون أني شاورتكم في ضياع فدك بعد رسول الله
~~صلى الله عليه وآله، فقلتم: إن الأنبياء لا يورثون، وإن هذه أموال يجب أن
~~تضاف إلى
# PageV01P128
# مال الفيئ، وتصرف في ثمن الكراع والسلاح، وأبواب الجهاد، ومصالح الثغور
~~فأمضينا رأيكم، ولم يمضه من يدعيه، وهو ذا يبرق وعيدا، ويرعد تهديدا، إيلاء
~~بحق محمد صلى الله عليه وآله أن يمضحها (1) دما ذعافا، والله لقد استقلت
~~منها فلم أقل واستعزلتها عن نفسي فلم أعزل، كل ذلك كراهية مني لابن أبي
~~طالب، وهربا من نزاعه، ما لي ولابن أبي طالب أهل نازعه أحد ففلج (2) عليه؟
~~فقال: له عمر أبيت أن تقول إلا هكذا؟ فأنت ابن من لم يكن مقداما في الحروب
~~ولا سخيا في الجدوب سبحان الله ما أهلع (3) فؤادك، وأصغر نفسك، قد صفيت لك
~~سجالا (4) لتشربها فأبيت إلا أن تظمأ كظمائك، وأنخت لك رقاب العرب، وثبت لك
~~الإشارة والتدبير ولولا ذلك لكان ابن أبي طالب قد صير عظامك رميما، فأحمد
~~الله على ما قد وهب لك مني، واشكره على ذلك، فإنه من رقى منبر رسول الله
~~صلى الله عليه وآله كان حقيقا عليه أن يحدث لله شكرا، وهذا علي بن أبي طالب
~~الصخرة الصماء التي لا ينفجر ماءها إلا بعد كسرها، والحية الرقشاء التي لا
~~تجيب إلا بالرقى، والشجرة المرة التي لو طليت بالعسل لم تنبت إلا مرا، قتل
~~سادات قريش فأبادهم، وألزم آخرهم العار ففضحهم، فطب عن نفسك نفسا، ولا
~~تغرنك صواعقه، ولا يهولنك رواعده وبوارقه، فإني أسد بابه قبل أن يسد بابك،
~~فقال له أبو ms112 بكر: ناشدتك الله يا عمر لما أن تركتني من أغاليطك وتربيدك،
~~فوالله لو هم ابن أبي طالب بقتلي وقتلك لقتلنا بشماله دون يمينه، وما
~~ينجينا منه إلا إحدى ثلاث خصال: إحداها: إنه وحيد ولا ناصر له، والثانية
~~إنه ينتهج فينا وصية رسول الله صلى الله عليه وآله، والثالثة: إنه ما من
~~هذه القبائل أحد إلا وهو يتخضمه (5) كتخضم الثنية الإبل أوان الربيع، فتعلم
~~لولا ذلك لرجع الأمر إليه وإن كنا له كارهين، أما إن هذه الدنيا أهون إليه
~~من
# PageV01P129
# لقاء أحدنا للموت، أنسيت له يوم أحد؟ وقد فررنا بأجمعنا، وصعدنا الجبل،
~~وقد أحاطت به ملوك القوم، وصناديدهم موقنين بقتله، لا يجد محيصا للخروج من
~~أوساطهم، فلما أن سدد عليه القوم رماحهم نكس نفسه عن دابته حتى جاوزه طعان
~~القوم، ثم قام قائما في ركابيه وقد طرق عن سرجه وهو يقول: " يا الله يا
~~الله يا جبرئيل يا جبرئيل يا محمد يا محمد النجاة النجاة " ثم عمد إلى رئيس
~~القوم فضربه ضربة على أم رأسه فبقي على فك واحد ولسان، ثم عمد إلى صاحب
~~الراية العظمى فضربه ضربة على جمجمته ففلقها، ومر السيف يهوي في جسده فبراه
~~ودابته بنصفين: ولما أن نظر القوم إلى ذلك انجفلوا من بين يديه، فجعل
~~يمسحهم بسيفه مسحا حتى تركهم جراثيم جمودا على تلعة من الأرض، يتمرغون في
~~حسرات المنايا، يتجرعون كؤوس الموت، قد اختطف أرواحهم بسيفه، ونحن نتوقع
~~منه أكثر من ذلك، ولم نكن نضبط من أنفسنا من مخافته حتى ابتدئت منك إليه
~~التفاتة، وكان منه إليك ما تعلم، ولولا أنه نزلت آية من كتاب الله لكنا من
~~الهالكين، وهو قوله تعالى ": ولقد عفا عنكم (1) " فاترك هذا الرجل ما تركك،
~~ولا يغرنك قول خالد أنه يقتله؟ فإنه لا يجسر على ذلك، ولو رام لكان أول
~~مقتول بيده، فإنه من ولد عبد مناف، إذا هاجوا هيبوا، وإذا غضبوا أدموا، ولا
~~سيما علي بن أبي طالب عليه السلام نابها الأكبر، وسنامها الأطول، وهامتها
~~الأعظم، والسلام على من ms113 اتبع الهدى.
# PageV01P130
# احتجاج فاطمة الزهراء (ع) على القوم لما منعوها فدك وقولها لهم عند
~~الوفاة في الإمامة.
# روى عبد الله بن الحسن (1) بإسناده عن آبائه عليهم السلام: إنه لما أجمع
~~(2) أبو بكر وعمر على منع فاطمة عليها السلام فدكا وبلغها ذلك (3)..
# PageV01P131
# لاثت خمارها (1) على رأسها، واشتملت بجلبابها (2)، وأقبلت في لمة (3) من
~~حفدتها ونساء قومها تطأ ذيولها (4)، ما تخرم مشيتها مشية رسول الله صلى
~~الله عليه وآله (5) حتى دخلت على أبي بكر وهو في حشد من المهاجرين والأنصار
~~وغيرهم (6) فنيطت دونها ملاءة (7) فجلست ثم أنت أنة أجهش (8) القوم لها
~~بالبكاء، فارتج المجلس، ثم أمهلت هنيئة حتى إذا سكن نشيج القوم وهدأت
~~فورتهم، افتتحت الكلام بحمد الله والثناء عليه والصلاة على رسوله، فعاد
~~القوم في بكائهم، فلما أمسكوا عادت في كلامها، فقالت عليها السلام:
# الحمد لله على ما أنعم، وله الشكر على ما ألهم، والثناء بما قدم، من عموم
~~نعم ابتدأها، وسبوغ آلاء أسداها، وتمام منن أولاها، جم عن الاحصاء عددها،
~~ونأى عن الجزاء أمدها، وتفاوت عن الإدراك أبدها، وندبهم لاستزادتها بالشكر
~~لاتصالها واستحمد إلى الخلائق بإجزالها، وثنى بالندب إلى أمثالها، وأشهد أن
~~لا إله إلا الله
# PageV01P132
# وحده لا شريك له، كلمة جعل الإخلاص تأويلها، وضمن القلوب موصولها، وأنار
~~في التفكر معقولها، الممتنع من الأبصار رؤيته، ومن الألسن صفته، ومن
~~الأوهام كيفيته، ابتدع الأشياء لا من شئ كان قبلها، وأنشأها بلا احتذاء
~~أمثلة امتثلها كونها بقدرته، وذرأها بمشيته، من غير حاجة منه إلى تكوينها،
~~ولا فائدة له في تصويرها، إلا تثبيتا لحكمته، وتنبيها على طاعته، وإظهارا
~~لقدرته، تعبدا لبريته وإعزازا لدعوته، ثم جعل الثواب على طاعته، ووضع
~~العقاب على معصيته، زيادة لعباده من نقمته، وحياشة (1) لهم إلى جنته، وأشهد
~~أن أبي محمدا عبده ورسوله اختاره قبل أن أرسله، وسماه قبل أن اجتباه،
~~واصطفاه قبل أن ابتعثه، إذ الخلائق بالغيب مكنونة، وبستر الأهاويل مصونة،
~~وبنهاية العدم مقرونة علما من الله تعالى بما يلي الأمور، وإحاطة بحوادث
~~الدهور، ومعرفة بموقع الأمور ابتعثه الله إتماما ms114 لأمره، وعزيمة على إمضاء
~~حكمه، وإنفاذا لمقادير حتمه، فرأى الأمم فرقا في أديانها، عكفا على
~~نيرانها، عابدة لأوثانها، منكرة لله مع عرفانها فأنار الله بأبي محمد صلى
~~الله عليه وآله ظلمها، وكشف عن القلوب بهمها (2)، وجلى عن الأبصار غممها
~~(3)، وقام في الناس بالهداية، فأنقذهم من الغواية، وبصرهم من العماية،
~~وهداهم إلى الدين القويم، ودعاهم إلى الطريق المستقيم. ثم قبضه الله إليه
~~قبض رأفة واختيار، ورغبة وإيثار، فمحمد صلى الله عليه وآله من تعب هذه
~~الدار في راحة، قد حف بالملائكة الأبرار، ورضوان الرب الغفار، ومجاورة
~~الملك الجبار، صلى الله على أبي نبيه، وأمينه، وخيرته من الخلق وصفيه،
~~والسلام عليه ورحمة الله وبركاته.
# ثم التفتت إلى أهل المجلس وقالت: أنتم عباد الله نصب أمره ونهيه، وحملة
~~دينه ووحيه، وأمناء الله على أنفسكم، وبلغائه إلى الأمم، زعيم حق له فيكم،
~~وعهد
# PageV01P133
# قدمه إليكم، وبقية استخلفها عليكم: كتاب الله الناطق، والقرآن الصادق،
~~والنور الساطع، والضياء اللامع، بينة بصائره، منكشفة سرائره، منجلية
~~ظواهره، مغتبطة به أشياعه، قائدا إلى الرضوان أتباعه، مؤد إلى النجاة
~~استماعه، به تنال حجج الله المنورة، وعزائمه المفسرة، ومحارمه المحذرة،
~~وبيناته الجالية، وبراهينه الكافية، وفضائله المندوبة، ورخصه الموهوبة،
~~وشرائعه المكتوبة، فجعل الله الإيمان: تطهيرا لكم من الشرك، والصلاة:
~~تنزيها لكم عن الكبر، والزكاة:
# تزكية للنفس، ونماء في الرزق، والصيام: تثبيتا للاخلاص، والحج: تشييدا
~~للدين، والعدل: تنسيقا للقلوب، وطاعتنا: نظاما للملة، وإمامتنا: أمانا
~~للفرقة والجهاد: عزا للإسلام، والصبر، معونة على استيجاب الأجر، والأمر
~~بالمعروف:
# مصلحة للعامة، وبر الوالدين: وقاية من السخط، وصلة الأرحام: منساة في
~~العمر (1) ومنماة للعدد، والقصاص: حقنا للدماء، والوفاء بالنذر: تعريضا
~~للمغفرة، وتوفية المكائيل والموازين: تغييرا للبخس، والنهي عن شرب الخمر:
~~تنزيها عن الرجس واجتناب القذف: حجابا عن اللعنة، وترك السرقة: إيجابا
~~بالعفة، وحرم الله الشرك إخلاصا له بالربوبية، فاتقوا الله حق تقاته، ولا
~~تموتن إلا وأنتم مسلمون، وأطيعوا الله فيما أمركم به ونهاكم عنه، فإنه إنما
~~يخشى الله من عباده العلماء.
# ثم قالت أيها الناس اعلموا: إني فاطمة ms115 وأبي محمد صلى الله عليه وآله أقول
~~عودا وبدوا، ولا أقول ما أقول غلطا، ولا أفعل ما أفعل شططا (2) لقد جائكم
~~رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم (3) حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم. فإن
~~تعزوه (4) وتعرفوه: تجدوه أبي دون نسائكم، وأخا ابن عمي دون رجالكم (5)
# PageV01P134
# ولنعم المعزى إليه صلى الله عليه وآله وسلم، فبلغ الرسالة، صادعا
~~بالنذارة (1) مائلا عن مدرجة المشركين (2) ضاربا ثبجهم (3) آخذا بأكظامهم
~~(4) داعيا إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، يجف الأصنام (5) وينكث
~~الهام، حتى انهزم الجمع وولوا الدبر، حتى تفرى الليل عن صبحه (6) وأسفر
~~الحق عن محضه، ونطق زعيم الدين، وخرست شقاشق الشياطين (7) وطاح وشيظ النفاق
~~(8) وانحلت عقد الكفر والشقاق، وفهتم بكلمة الإخلاص (9) في نفر من البيض
~~الخماص (10) وكنتم على شفا حفرة من النار، مذقة الشارب (11) ونهزة الطامع
~~(12) وقبسة العجلان، وموطئ الأقدام (13) تشربون الطرق (14)
# PageV01P135
# وتقتاتون القد (1) أذلة خاسئين، تخافون أن يتخطفكم الناس من حولكم،
~~فأنقذكم الله تبارك وتعالى بمحمد صلى الله عليه وآله، وبعد أن مني ببهم (2)
~~الرجال وذؤبان العرب، ومردة أهل الكتاب، كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها
~~الله، أو نجم قرن الشيطان (3) أو فغرت فاغرة من المشركين (4) قذف أخاه في
~~لهواتها (5) فلا ينكفئ حتى يطأ جناحها بأخمصه (6) ويخمد لهبها بسيفه،
~~مكدودا في ذات الله، مجتهدا في أمر الله، قريبا من رسول الله، سيدا في
~~أولياء الله، مشمرا ناصحا، مجدا، كادحا، لا تأخذه في الله لومة لائم، وأنتم
~~في رفاهية من العيش، وادعون (7) فاكهون (8) آمنون، تتربصون بنا الدوائر (9)
~~وتتوكفون الأخبار (10) وتنكصون عند النزال، وتفرون من القتال، فلما اختار
~~الله لنبيه دار أنبيائه، ومأوى أصفيائه، ظهر فيكم حسكة النفاق (11) وسمل
~~جلباب الدين (12) ونطق كاظم الغاوين (13) ونبغ خامل
# PageV01P136
# الأقلين (1) وهدر فنيق المبطلين (2) فخطر في عرصاتكم (3) واطلع الشيطان
~~رأسه من مغرزة هاتفا بكم (4) فألفاكم لدعوته مستجيبين، وللعزة فيه ملاحظين،
~~ثم استنهضكم فوجدكم خفافا، وأحشمكم فألفاكم غضابا (5) فوسمتم غير إبلكم (6)
~~ووردتم غير مشربكم (7) هذا والعهد قريب والكلم رحيب (8)، والجرح لما يندمل
~~(9) والرسول لما يقبر، ابتدارا، زعمتم خوف الفتنة ألا في الفتنة ms116 سقطوا وإن
~~جهنم لمحيطة بالكافرين، فهيهات منكم، وكيف بكم، وأني تؤفكون، وكتاب الله
~~بين أظهركم، أموره ظاهرة، وأحكامه زاهرة وأعلامه باهرة، وزواجره لايحة،
~~وأوامره واضحة، وقد خلفتموه وراء ظهوركم أرغبة عنه تريدون " * "؟ أم بغيره
~~تحكمون؟ بئس للظالمين بدلا، ومن يبتع غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في
~~الآخرة من الخاسرين، ثم لم تلبثوا إلا ريث أن تسكن نفرتها (10) ويسلس
~~قيادها (11) ثم أخذتم تورون وقدتها (12) وتهيجون جمرتها، وتستجيبون لهتاف
~~الشيطان الغوي، وإطفاء أنوار الدين الجلي
# PageV01P137
# وإهمال سنن النبي الصفي، تشربون حسوا في ارتغاء (1) وتمشون لأهله وولده
~~في الخمرة والضراء (2) ويصير " * " منكم على مثل حز المدى (3) ووخز السنان
~~في الحشاء، وأنتم الآن تزعمون: أن لا إرث لنا، أفحكم الجاهلية تبغون ومن
~~أحسن من الله حكما لقوم يوقنون؟! أفلا تعلمون؟ بلى قد تجلى لكم كالشمس
~~الضاحية: أني ابنته.
# أيها المسلمون أغلب على إرثي " * "؟ يا بن أبي قحافة أفي كتاب الله ترث
~~أباك ولا إرث أبي؟ لقد جئت شيئا فريا! أفعلى عمد تركتم كتاب الله ونبذتموه
~~وراء ظهوركم؟ إذ يقول: " وورث سليمان داود " (4) وقال: فيما اقتص من خبر
~~يحيى بن زكريا إذ قال: " فهب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب (5) "
~~وقال: " وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله (6) " وقال: " يوصيكم
~~الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين (7) " وقال: إن ترك خيرا الوصية
~~للوالدين والأقربين بالمعروف حقا على المتقين (8) وزعمتم: أن لا حظوة (9)
~~لي ولا إرث من أبي، ولا رحم بيننا، أفخصكم الله بآية أخرج أبي منها؟ أم هل
~~تقولون: إن أهل ملتين لا يتوارثان؟ أو لست أنا وأبي من أهل ملة واحدة؟ أم
# PageV01P138
# أنتم أعلم بخصوص القرآن وعمومه من أبي وابن عمي؟ فدونكها مخطومة مرحولة
~~(1) تلقاك يوم حشرك، فنعم الحكم الله، والزعيم محمد، والموعد القيامة، وعند
~~الساعة يخسر المبطلون، ولا ينفعكم إذ تندمون، ولكل نبأ مستقر وسوف تعلمون
~~من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم ثم رمت بطرفها (*) نحو الأنصار
~~فقالت: يا معشر النقيبة وأعضاد الملة (2) وحضنة الإسلام، ms117 ما هذه الغميزة في
~~حقي (3) والسنة عن ظلامتي (4)؟ أما كان رسول الله صلى الله عليه وآله أبي
~~يقول (المرء يحفظ في ولده)؟ سرعان ما أحدثتم، وعجلان ذا إهالة (5) ولكم
~~طاقة بما أحاول، وقوة على ما أطلب وأزاول، أتقولون مات محمد صلى الله عليه
~~وآله؟ فخطب جليل: استوسع وهنه واستنهر فتقه (6) وانفتق رتقه، واظلمت الأرض
~~لغيبته، وكسفت الشمس والقمر، وانتثرت النجوم لمصيبته، وأكدت (7) الآمال،
~~وخشعت الجبال، وأضيع الحريم، وأزيلت الحرمة عند مماته، فتلك والله النازلة
~~الكبرى، والمصيبة العظمى، لا مثلها نازلة، ولا بائقة (8) عاجلة، أعلن بها
~~كتاب الله جل ثناؤه، في أفنيتكم، وفي ممساكم، ومصبحكم، يهتف في أفنيتكم
~~هتافا، وصراخا، وتلاوة، وألحانا، ولقبله ماحل بأنبياء الله ورسله، حكم
# PageV01P139
# فصل، وقضاء حتم: " وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو
~~قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب علي عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي
~~الله الشاكرين " (1) أيها بني قيلة (2) أأهضم تراث أبي؟ وأنتم بمرأى مني
~~ومسمع، ومنتدى (3) ومجمع تلبسكم الدعوة، وتشملكم الخبرة، وأنتم ذوو العدد
~~والعدة، والأداة والقوة وعندكم السلاح والجنة (4) توافيكم الدعوة فلا
~~تجيبون، وتأتيكم الصرخة فلا تغيثون، وأنتم موصوفون بالكفاح، معروفون بالخير
~~والصلاح، والنخبة التي انتخبت، والخيرة التي اختيرت لنا أهل البيت، قاتلتم
~~العرب، وتحملتم الكد والتعب، وناطحتم الأمم، وكافحتم " * " البهم، لا نبرح
~~أو تبرحون (5) نأمركم فتأتمرون، حتى إذا دارت بنا رحى الإسلام، ودر حلب
~~الأيام، وخضعت ثغرة الشرك، وسكنت فورة الإفك، وخمدت نيران الكفر، وهدأت
~~دعوة الهرج، واستوسق نظام الدين (6) فأنى حزتم بعد البيان؟ وأسررتم بعد
~~الإعلان؟ ونكصتم بعد الإقدام؟ وأشركتم بعد الإيمان؟ بؤسا لقوم نكثوا
~~أيمانهم من بعد عهدهم، وهموا بإخراج الرسول، وهم بدؤوكم أول مرة، أتخشونهم
~~فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين ألا وقد أرى أن قد أخلدتم إلى الخفض (7)
~~وأبعدتم من هو أحق بالبسط والقبض، وخلوتم بالدعة (8) ونجوتم بالضيق من
~~السعة، فمججتم ما وعيتم، ودسعتم الذي تسوغتم (9) فإن تكفروا أنتم ومن في
~~الأرض جميعا
# PageV01P140
# فإن الله لغني حميد. ألا وقد قلت ما ms118 قلت هذا على معرفة مني بالجذلة التي
~~خامرتكم (1) والغدرة التي استشعرتها قلوبكم، ولكنها فيضة النفس، ونفثة
~~الغيظ، وخور القناة (2) وبثة الصدر، وتقدمة الحجة، فدونكموها فاحتقبوها
~~دبرة (3) الظهر نقبة الخف (4) باقية العار، موسومة بغضب الجبار، وشنار
~~الأبد، موصولة بنار الله الموقدة، التي تطلع على الأفئدة، فبعين الله ما
~~تفعلون وسيعلم الذين ظلموا أي مقلب ينقلبون. وأنا ابنة نذير لكم بين يدي
~~عذاب شديد فاعملوا إنا عاملون، وانتظروا إنا منتظرون.
# فأجابها أبو بكر عبد الله بن عثمان. وقال: يا بنت رسول الله لقد كان أبوك
~~بالمؤمنين عطوفا كريما، رؤوفا رحيما، وعلى الكافرين عذابا أليما، وعقابا
~~عظيما، إن عزوناه وجدناه أباك دون النساء، وأخا إلفك دون الأخلاء (5) آثر
~~على كل حميم، وساعده في كل أمر جسيم، لا يحبكم إلا سعيد، ولا يبغضكم إلا
~~شقي (6) بعيد فأنتم عترة رسول الله الطيبون، الخيرة المنتجبون، على الخير
~~أدلتنا، وإلى الجنة مسالكنا، وأنت يا خيرة النساء، وابنة خير الأنبياء،
~~صادقة في قولك، سابقة في وفور عقلك، غير مردودة عن حقك، ولا مصدودة عن
~~صدقك،
# PageV01P141
# والله ما عدوت رأي رسول الله، ولا عملت إلا بإذنه، والرائد لا يكذب أهله،
~~وأني أشهد الله وكفى به شهيدا، أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله
~~يقول: " نحن معاشر الأنبياء لا نورث ذهبا ولا فضة ولا دارا ولا عقارا وإنما
~~نورث الكتاب والحكمة والعلم والنبوة وما كان لنا من طعمة فلولي الأمر بعدنا
~~أن يحكم فيه بحكمه " (1) وقد جعلنا ما حاولته في الكراع والسلاح يقاتل بها
~~المسلمون ويجاهدون الكفار، ويجالدون المردة الفجار، وذلك بإجماع من
~~المسلمين، لم انفرد به وحدي، ولم استبد بما كان الرأي عندي (2) وهذه حالي
~~ومالي، هي لك وبين يديك، لا تزوى عنك،
# PageV01P142
# ولا ندخر دونك، وأنك وأنت سيدة أمة أبيك، والشجرة الطيبة لبنيك، لاندفع
~~PageV01P143
# مالك من فضلك، ولا يوضع في فرعك وأصلك، حكمك نافذ فيما ملكت يداي فهل
~~ترين أن أخالف في ذلك أباك صلى الله عليه وآله فقالت عليها السلام: سبحان
~~الله ما كان أبي رسول ms119 الله صلى الله عليه وآله عن كتاب الله صادفا (1) ولا
~~لأحكامه مخالفا! بل كان يتبع أثره، ويقفو سوره، أفتجمعون إلى الغدر اعتلالا
~~عليه بالزور، وهذا بعد وفاته شبيه بما بغى له من الغوائل (2) في حياته هذا
~~كتاب الله حكما عدلا، وناطقا فصلا يقول: يرثني ويرث من آل يعقوب (3) ويقول:
~~وورث سليمان داود (4) وبين عز وجل فيما وزع من الأقساط، وشرع من الفرائض
~~والميراث، وأباح من حظ الذكران والإناث، ما أزاح به علة المبطلين، وأزال
~~التظني والشبهات في الغابرين، كلا بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل والله
~~المستعان على ما تصفون.
# فقال أبو بكر: صدق الله ورسوله، وصدقت ابنته، أنت معدن الحكمة وموطن
~~الهدى والرحمة، وركن الدين، وعين الحجة، لا أبعد صوابك، ولا أنكر خطابك
~~هؤلاء المسلمون بيني وبينك، قلدوني ما تقلدت، وباتفاق منهم أخذت ما أخذت
~~غير مكابر ولا مستبد، ولا مستأثر، وهم بذلك شهود.
# فالتفتت فاطمة عليها السلام إلى الناس وقالت:
# معاشر المسلمين المسرعة إلى قيل الباطل (5) المغضية على الفعل القبيح
~~الخاسر أفلا تتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها؟ كلا بل ران على قلوبكم ما
~~أسأتم من أعمالكم، فأخذ بسمعكم وأبصاركم، ولبئس ما تأولتم، وساء ما به
~~أشرتم، وشر ما منه اغتصبتم لتجدن والله محمله ثقيلا، وغبه وبيلا، إذا كشف
~~لكم الغطاء وبان بأورائه الضراء، وبدا لكم من ربكم ما لم تكونوا تحتسبون،
~~وخسر هنالك المبطلون.
# PageV01P144
# ثم عطفت على قبر النبي صلى الله عليه وآله وقالت:
# قد كان بعدك أنباء وهنبثة * لو كنت شاهدها لم تكثر الخطب إنا فقدناك فقد
~~الأرض وابلها * واختل قومك فاشهدهم ولا تغب وكل أهل له قربى ومنزلة * عند
~~الإله على الأدنين مقترب أبدت رجال لنا نجوى صدورهم (1) * لما مضيت وحالت
~~دونك الترب تجهمتنا رجال واستخف بنا * لما فقدت وكل الأرض مغتصب وكنت بدرا
~~ونورا يستضاء به * عليك ينزل من ذي العزة الكتب وكان جبريل بالآيات يونسنا
~~* فقد فقدت وكل الخير محتجب فليت قبلك كان الموت صادفنا * لما مضيت وحالت
~~دونك الكثب (2) ثم انكفأت ms120 عليها السلام، وأمير المؤمنين عليه السلام يتوقع
~~رجوعها إليه، ويتطلع طلوعها عليه، فلما استقرت بها الدار، قالت: لأمير
~~المؤمنين عليه السلام:
# يا بن أبي طالب، اشتملت شملة الجنين، وقعدت حجرة الظنين، نقضت قادمة
~~الأجدل (3) فخانك ريش الأعزل (4) هذا ابن أبي قحافة يبتزني نحلة أبي وبلغة
~~(5) ابني! لقد أجهد (6) في خصامي، وألفيته ألد في كلامي (7) حتى حبستني
~~قيلة نصرها والمهاجرة وصلها، وغضت الجماعة دوني طرفها، فلا دافع ولا مانع،
~~خرجت كاظمة، وعدت راغمة، أضرعت خدك (8) يوم أضعت حدك
# PageV01P145
# افترست الذئاب، وافترشت التراب، ما كففت قائلا، ولا أغنيت طائلا (1) ولا
~~خيار لي، ليتني مت قبل هنيئتي، ودون ذلتي عذيري الله منه عاديا (2) ومنك
~~حاميا، ويلاي في كل شارق! ويلاي في كل غارب! مات العمد، ووهن العضد (3)
~~شكواي إلى أبي! وعدواي (4) إلى ربي! اللهم إنك أشد منهم قوة وحولا، وأشد
~~بأسا وتنكيلا.
# فقال أمير المؤمنين عليه السلام: لا ويل لك بل الويل لشانئك (5) ثم نهنهي
~~عن وجدك (6) يا ابنة الصفوة، وبقية النبوة، فما ونيت (7) عن ديني، ولا
~~أخطأت مقدوري (8) فإن كنت تريدين البلغة، فرزقك مضمون، وكفيلك مأمون، وما
~~أعد لك أضل مما قطع عنك، فاحتسبي الله.
# فقالت: حسبي الله وأمسكت.
# وقال سويد بن غفلة: (9) لما مرضت فاطمة سلام الله عليها، المرضة التي
# PageV01P146
# توفيت فيها (1) دخلت عليها نساء المهاجرين والأنصار يعدنها، فقلن لها:
~~كيف أصبحت من علتك يا بنت رسول الله؟ فحمدت الله، وصلت على أبيها، ثم قالت:
# أصبحت والله: عائفة لدنيا كن، قالية لرجالكن، لفظتهم بعد أن عجمتهم (2)
~~وسئمتهم بعد أن سبرتهم (3) فقبحا لفلول الحد، واللعب بعد الجد، وقرع الصفات
~~وصدع القناة، وختل الآراء (4) وزلل الأهواء، وبئس ما قدمت لهم أنفسهم:
# أن سخط الله عليهم، وفي العذاب هم خالدون. لا جرم لقد قلدتهم ربقتها
~~وحملتهم اوقتها (5) وشننت عليهم غاراتها (6) فجدعا، وعقرا وبعدا، للقوم
~~الظالمين.
# ويحهم أنى زعزعوها عن رواسي الرسالة، وقواعد النبوة والدلالة، ومهبط
~~الروح الأمين، والطبين بأمور الدنيا (7) والدين؟! ألا ذلك هو الخسران
~~المبين!
# وما الذي نقموا من أبي الحسن عليه السلام؟! ms121 نقموا والله منه نكير سيفه،
~~وقلة مبالاته
# PageV01P147
# لحتفه، وشدة وطأته، ونكال (1) وقعته، وتنمره في ذات الله (2) وتالله لو
~~مالوا عن المحجة اللايحة، وزالوا عن قبول الحجة الواضحة، لردهم إليها،
~~وحملهم عليها ولسار بهم سيرا سجحا (3) لا يكلم حشاشه (4) ولا يكل سائره (5)
~~ولا يمل راكبه، ولأوردهم منهلا نميرا، صافيا، رويا، تطفح ضفتاه ولا يترنق
~~جانباه ولأصدرهم بطانا، ونصح لهم سرا وإعلانا، ولم يكن يتحلى من الدنيا
~~بطائل، ولا يحظى منها بنائل، غير ري الناهل، وشبعة الكافل، ولبان لهم:
~~الزاهد من الراغب والصادق من الكاذب، ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا
~~عليهم بركات من السماء والأرض، ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون،
~~والذين ظلموا من هؤلاء سيصيبهم سيئات ما كسبوا وما هم بمعجزين! ألا هلم
~~فاسمع؟! وما عشت أراك الدهر عجبا! وإن تعجب فعجب قولهم!.. ليت شعري إلى أي
~~أسناد استندوا؟!
# وإلى أي عماد اعتمدوا؟! وبأية عروة تمسكوا؟! وعلى أية ذرية أقدموا
~~واحتنكوا (6) لبئس المولى ولبئس العشير، وبئس للظالمين بدلا، استبدلوا
~~والله الذنابى بالقوادم (7) والعجز بالكاهل (8) فرغما لمعاطس (9) قوم
~~يحسبون أنهم يحسنون صنعا. ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون. ويحهم أفمن
~~يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أم من لا يهدي إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون؟!
~~أما لعمري لقد لقحت، فنظرة ريثما تنتج، ثم احتلبوا ملاء القعب دما عبيطا
~~(10) وزعافا مبيدا، هنالك يخسر المبطلون، ويعرف البطالون غب (11) ما أسس
~~الأولون، ثم طيبوا عن دنياكم
# PageV01P148
# أنفسا، واطمأنوا للفتنة جاشا، وأبشروا بسيف صارم، وسطوة معتد غاشم، وبهرج
~~شامل، واستبداد من الظالمين: يدع فيئكم زهيدا، وجمعكم حصيدا، فيا حسرة لكم!
~~وأنى بكم وقد عميت عليكم! أنلزمكموها وأنتم لها كارهون.
# قال سويد بن غفلة فأعادت النساء: قولها عليها السلام على رجالهن فجاء
~~إليها: قوم من المهاجرين والأنصار متعذرين، وقالوا: يا سيدة النساء، لو كان
~~أبو الحسن ذكر لنا هذا لأمر قبل أن يبرم العهد، ويحكم العقد، لما عدلنا عنه
~~إلى غيره، فقالت عليها السلام: إليكم عني فلا عذر بعد تعذير كم، ولا ms122 أمر
~~بعد تقصيركم احتجاج سلمان الفارسي رضي الله عنه (1) في خطبة خطبها بعد وفاة
~~رسول الله صلى الله عليه وآله على القوم لما تركوا أمير المؤمنين (ع)
~~واختاروا غيره ونبذوا العهد المأخوذ عليهم وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون.
# عن جعفر بن محمد عن أبيه عن آبائه عليهم السلام قال: خطب الناس سلمان
~~الفارسي
# PageV01P149
# رحمة الله عليه، بعد أن دفن النبي صلى الله عليه وآله بثلاثة أيام، فقال
~~فيها: PageV01P150
# ألا يا أيها الناس: اسمعوا عني حديثي، ثم أعقلوه عني، ألا وإني أوتيت
~~علما كثيرا، فلو حدثتكم بكل ما أعلم من فضايل أمير المؤمنين عليه السلام،
~~لقالت طائفة منكم: هو مجنون، وقالت طائفة أخرى: اللهم اغفر لقاتل سلمان،
~~ألا إن لكم منايا، تتبعها بلايا، ألا وإن عند علي عليه السلام، علم
~~المنايا، والبلايا، وميراث الوصايا وفصل الخطاب، وأصل الأنساب، على منهاج
~~هارون بن عمران من موسى عليهما السلام إذ يقول له رسول الله صلى الله عليه
~~وآله: أنت وصيي في أهل بيتي، وخليفتي في أمتي، وأنت مني بمنزلة هارون من
~~موسى، ولكنكم أخذتم سنة بني إسرائيل، فأخطأتم الحق فأنتم تعلمون ولا
~~تعلمون، أما والله لتركبن طبقا عن طبق، حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة أما
~~والذي نفس سلمان بيده: لو وليتموها عليا لأكلتم من PageV01P151
# فوقكم، ومن تحت أقدامكم، ولو دعوتم الطير لأجابتكم في جو السماء، ولو
~~دعوتم الحيتان من البحار لأتتكم، ولما عال (1) ولي الله، ولا طاش لكم سهم
~~من فرائص الله (2) ولا اختلف اثنان في حكم الله، ولكن أبيتم فوليتموها غيره
~~فأبشروا بالبلايا، واقنطوا من الرخاء، وقد نابذتكم على سواء، فانقطعت
~~العصمة فيما بيني وبينكم من الولاء.
# عليكم بآل محمد عليهم السلام، فإنهم القادة إلى الجنة، والدعاة إليها يوم
~~القيامة.
# عليكم بأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، فوالله لقد سلمنا
~~عليه بالولاية وإمرة المؤمنين، مرارا جمة (3) مع نبينا، كل ذلك يأمرنا به،
~~ويؤكده علينا فما بال القوم؟ عرفوا فضله فحسدوه، وقد حسد هابيل قابيل
~~فقتله، وكفارا قد ارتدت أمة موسى ms123 بن عمران، فأمر هذه الأمة كأمر بني
~~إسرائيل، فأين يذهب بكم أيها الناس ويحكم ما لنا وأبو فلان وفلان؟! أجهلتم
~~أم تجاهلتم؟ أم حسدتم أم تحاسدتم؟ والله لترتدن كفارا، يضرب بعضكم رقاب بعض
~~بالسيف، يشهد الشاهد على الناجي بالهلكة، ويشهد الشاهد على الكافر بالنجاة،
~~ألا وإني أظهرت أمري، وسلمت لنبيي، واتبعت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة عليا
~~أمير المؤمنين عليه السلام وسيد الوصيين، وقائد الغر المحجلين، وإمام
~~الصديقين، والشهداء والصالحين.
# PageV01P152
# احتجاج لأبي بن كعب (1) على القوم مثل ما احتج به سلمان رضي الله عنه.
# عن محمد ويحيى (2 - 3) ابني عبد الله بن الحسن عن أبيهما عن جدهما عن علي
~~بن أبي طالب عليه السلام قال، لما خطب أبو بكر قام إليه أبي بن كعب وكان
~~يوم الجمعة أول يوم من شهر رمضان وقال:
# PageV01P153
# يا معشر المهاجرين الذين اتبعوا مرضات الله، وأثنى الله عليهم في القرآن
~~PageV01P154
# ويا معشر الأنصار الذين تبوؤا الدار والإيمان، وأثنى الله عليهم في
~~القرآن، تناسيتم أم نسيتم، أم بدلتم، أم غيرتم، أم خذلتم، أم عجزتم؟ ألستم
~~تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وآله قام فينا مقاما أقام في عليا فقال:
~~" من كنت مولاه فهذا مولاه يعني عليا ومن كنت نبيه فهذا أميره "؟ ألستم
~~تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: " يا علي أنت مني بمنزلة
~~هارون من موسى طاعتك واجبة على من بعدي كطاعتي في حياتي غير أنه لا نبي
~~بعدي "؟ ألستم تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: " أوصيكم بأهل
~~بيتي خيرا فقدموهم ولا تقدموهم، وأمروهم ولا تأمروا عليهم "؟ ألستم تعلمون
~~أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال " أهل بيتي منار الهدى، والدالون على
~~الله "؟ أو لستم تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال لعلي عليه
~~السلام: " أنت الهادي لمن ضل "؟ ألستم تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه
~~وآله قال " علي المحيي لسنتي " ومعلم أمتي، والقائم بحجتي وخير من أخلف من
~~بعدي، وسيد أهل بيتي، وأحب الناس ms124 إلي طاعته كطاعتي على أمتي "؟ ألستم
~~تعلمون أنه لم يول على علي أحدا منكم وولاه في كل غيبته عليكم؟ ألستم
~~تعلمون أنه كان منزلهما في أسفارهما واحدا وارتحالهما واحد؟
# ألستم تعلمون أنه قال: " إذا غبت فخلفت عليكم عليا فقد خلفت فيكم رجلا
~~كنفسي "؟ ألستم تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وآله قبل موته قد جمعنا
~~في بيت ابنته فاطمة عليها السلام فقال لنا: إن الله أوحى إلى موسى بن عمران
~~أن اتخذ أخا من أهلك فأجعله نبيا، واجعل أهله لك ولدا، أطهرهم من الآفات،
~~وأخلصهم من الريب فاتخذ موسى هارون أخا، وولده أئمة لبني إسرائيل من بعده،
~~الذين يحل لهم في مساجدهم ما يحل لموسى، وأن الله تعالى أوحي إلي أن أتخذ
~~عليا أخا، كما أن موسى اتخذ هارون أخا، واتخذ ولده ولدا، فقد طهرتهم كما
~~طهرت ولد هارون، إلا أني قد ختمت بك النبيين فلا نبي بعدك " فهم الأئمة
~~الهادية، أفما تبصرون أفما تفهمون أفما تسمعون؟! ضربت عليكم الشبهات، فكان
~~مثلكم كمثل رجل في سفر فأصابه عطش شديد، حتى خشي أن يهلك، فلقي رجلا هاديا
~~في الطريق، فسأله عن الماء، فقال له: أمامك عينان: إحديهما مالحة، والأخرى
~~PageV01P155
# عذبة، فإن أصبت المالحة ضللت، وإن أصبت العذبة هديت ورويت، فهذا مثلكم
~~أيتها الأمة المهملة كما زعمتم، وأيم الله ما أهملتم، لقد نصب لكم علم، يحل
~~لكم الحلال، ويحرم عليكم الحرام، ولو أطعتموه ما اختلفتم، ولا تدابرتم، ولا
~~تقاتلتم ولا برئ بعضكم من بعض، فوالله إنكم بعده لناقضون عهد رسول الله صلى
~~الله عليه وآله، وإنكم على عترته لمختلفون، وإن سئل هذا عن غير ما يعلم
~~أفتى برأيه، فقد أبعدتم، وتخارستم وزعمتم أن الخلاف رحمة، هيهات أبى الكتاب
~~ذلك عليكم، يقول الله تعالى جده (1): " ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا
~~من بعد ما جائتهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم (2) " ثم أخبرنا باختلافكم،
~~فقال سبحانه: " ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم (3) " أي:
~~للرحمة وهم آل محمد، سمعت رسول الله صلى ms125 الله عليه وآله يقول: يا علي أنت
~~وشيعتك على الفطرة، والناس منها براء، فهلا قبلتم من نبيكم كيف وهو خبركم
~~بانتكاصتكم (4) عن وصيه علي بن أبي طالب وأمينه، ووزيره، وأخيه، ووليه،
~~دونكم أجمعين. وأطهركم قلبا، وأقدمكم سلما وأعظمكم وعيا، من رسول الله صلى
~~الله عليه وآله أعطاه تراثه، وأوصاه بعداته، فاستخلفه على أمته، ووضع عنده
~~سره، فهو وليه دونكم أجمعين، وأحق به منكم أكتعين (5) سيد الوصيين، ووصي
~~خاتم المرسلين، أفضل المتقين، وأطوع الأمة لرب العالمين سلمتم عليه بإمرة
~~المؤمنين، في حياة سيد النبيين، وخاتم المرسلين، فقد أعذر من أنذر، وأدى
~~النصيحة من وعظ وبصر من عمى، فقد سمعتم كما سمعنا، ورأيتم كما رأينا،
~~وشهدتم كما شهدنا.
# فقام إليه عبد الرحمن بن عوف، وأبو عبيدة بن الجراح، ومعاذ بن جبل فقالوا
~~يا أبي أصابك خبل؟ أم بك جنة؟ فقال: بل الخبل فيكم، والله كنت عند رسول
~~الله صلى الله عليه وآله يوما فألفيته يكلم رجلا أسمع كلامه ولا أرى شخصه،
~~فقال فيما
# PageV01P156
# يخاطبه: ما أنصحه لك ولأمتك! وأعلمه بسنتك! فقال رسول الله صلى الله عليه
~~وآله: أفترى أمتي تنقاد له من بعدي؟ قال: يا محمد يتبعه من أمتك أبرارها،
~~ويخالف عليهم من أمتك فجارها، وكذلك أوصياء النبيين من قبلك، يا محمد إن
~~موسى بن عمران أوصى إلى يوشع بن نون، وكان أعلم بني إسرائيل وأخوفهم لله،
~~وأطوعهم له، فأمره الله عز وجل أن يتخذه وصيا كما اتخذت عليا وصيا، وكما
~~أمرت بذلك، فحسده بنو إسرائيل، سبط موسى خاصة، فلعنوه، وشتموه، وعنفوه،
~~ووضعوا له، فإن أخذت أمتك سنن بني إسرائيل كذبوا وصيك، وجحدوا إمرته،
~~وابتزوا خلافته وغالطوه في علمه، فقلت: يا رسول الله من هذا؟ فقال رسول لله
~~صلى الله عليه وآله: " هذا ملك من ملائكة ربي عز وجل، ينبئني أن أمتي تتخلف
~~على وصيي علي بن أبي طالب صلوات الله عليه السلام، وإني أوصيك يا أبي
~~بوصية، إن حفظتها لم تزل بخير يا أبي عليك بعلي، فإنه الهادي المهدي،
~~الناصح لأمتي، ms126 المحيي لسنتي، وهو إمامكم بعدي، فمن رضي بذلك لقيني على ما
~~فارقته عليه، يا أبي ومن غير أو بدل لقيني ناكثا لبيعتي، عاصيا أمري، جاحدا
~~لنبوتي، لا أشفع له عند ربي، ولا أسقيه من حوضي " فقامت إليه رجال من
~~الأنصار فقالوا: " اقعد رحمك الله يا أبي، فقد أديت ما سمعت الذي معك ووفيت
~~بعهدك ".
# احتجاج أمير المؤمنين (ع) على أبي بكر لما كان يعتذر إليه من بيعة الناس
~~له ويظهر الانبساط له.
# عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عليهم السلام، قال: لما كان من أمر أبي
~~بكر وبيعة الناس له وفعلهم بعلي، لم يزل أبو بكر يظهر له الانبساط ويرى منه
~~الانقباض فكبر ذلك على أبي بكر، وأحب لقائه واستخراج ما عنده والمعذرة إليه
~~مما اجتمع الناس عليه وتقليدهم إياه أمر الأمة وقلة رغبته في ذلك وزهده
~~فيه.
# أتاه في وقت غفلة وطلب منه الخلوة، فقال: يا أبا الحسن والله ما كان هذا
~~PageV01P157
# الأمر عن مواطاة مني ولا رغبة فيما وقعت عليه ولا حرص عليه ولا ثقة بنفسي
~~فيما تحتاج إليه الأمة ولا قوة لي بمال ولا كثرة لعشيرة ولا استيثار به دون
~~غيري فما لك تضمر علي ما لم استحقه منك وتظهر لي الكراهة لما صرت فيه وتنظر
~~إلي بعين الشنآن؟
# قال: فقال أمير المؤمنين عليه السلام: فما حملك عليه إذ لم ترغب فيه ولا
~~حرصت عليه ولا أثقت بنفسك في القيام به؟!
# قال: فقال أبو بكر: حديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وآله: " إن
~~الله لا يجمع أمتي على ضلال " ولما رأيت إجماعهم اتبعت قول النبي صلى الله
~~عليه وآله، وأحلت أن يكون إجماعهم على خلاف الهدى من ضلال، فأعطيتهم قود
~~الإجابة، ولو علمت أن أحدا يتخلف لامتنعت.
# فقال علي عليه السلام: أما ما ذكرت من قول النبي صلى الله عليه وآله " إن
~~الله لا يجمع أمتي على ضلال " فكنت من الأمة أم لم أكن؟ قال: بلى. قال:
~~وكذلك العصابة الممتنعة عنك: من سلمان، ms127 وعمار، وأبي ذر، والمقداد، وابن
~~عبادة، ومن معه من الأنصار. قال: كل من الأمة قال علي عليه السلام: فكيف
~~تحتج بحديث النبي وأمثال هؤلاء قد تخلفوا عنك؟! وليس للأمة فيهم طعن ولا في
~~صحبة الرسول لصحبته منهم تقصير، قال: ما علمت بتخلفهم إلا بعد إبرام الأمر،
~~وخفت إن قعدت عن الأمر أن يرجع الناس مرتدين عن الدين، وكان ممارستهم إلي
~~إن أجبتهم أهون مؤنة على الدين وإبقاء له من ضرب الناس بعضهم ببعض فيرجعون
~~كفارا، وعلمت أنك لست بدوني في الإبقاء عليهم وعلى أديانهم.
# فقال علي عليه السلام: أجل ولكن أخبرني عن الذي يستحق هذا الأمر بما
~~يستحقه؟
# فقال أبو بكر: بالنصيحة، والوفاء، ودفع المداهنة، وحسن السيرة، وإظهار
~~العدل، والعلم بالكتاب والسنة، وفصل الخطاب، مع الزهد في الدنيا، وقلة
~~الرغبة فيها، وانتصاف المظلوم من الظالم للقريب والبعيد، ثم سكت.
# فقال علي عليه السلام: والسابقة، والقرابة. PageV01P158
# فقال أبو بكر: والسابقة والقرابة.
# فقال علي عليه السلام: أنشدك بالله يا أبا بكر أفي نفسك تجد هذه الخصال
~~أو في فقال أبو بكر: بل فيك يا أبا الحسن.
# قال: فأنشدك بالله أنا المجيب لرسول الله صلى الله عليه وآله قبل ذكران
~~المسلمين (1) أم أنت؟ قال: بل أنت.
# قال عليه السلام: فأنشدك بالله، أنا صاحب الأذان لأهل الموسم والجمع
~~الأعظم للأمة بسورة براءة (2) أم أنت؟ قال: بل أنت.
# PageV01P159
# قال: فأنشدك بالله أنا وقيت رسول الله صلى الله عليه وآله بنفسي يوم
~~الغار (1) أم أنت؟
# قال: بل أنت.
# قال فأنشدك بالله أنا المولى لك ولكل مسلم بحديث النبي صلى الله عليه
~~وآله يوم الغدير (2) أم أنت؟ قال: بل أنت
# PageV01P160
# قال فأنشدك بالله ألي الولاية من الله مع رسوله في آية الزكاة بالخاتم
~~(1)
# PageV01P161
# أم لك؟ قال: بل لك.
# قال فأنشدك بالله ألي الوزارة مع رسول الله صلى الله عليه وآله والمثل من
~~هارون من موسى (1) أم لك؟ قال: بل لك.
# PageV01P162
# قال فأنشدك بالله أبي برز رسول الله صلى الله عليه وآله وباهلي وولدي في
~~مباهلة المشركين أم ms128 بك وبأهلك وولدك (1)؟ قال: بل بكم.
# قال فأنشدك بالله ألي ولأهلي وولدي آية التطهير من الرجس أم لك ولأهل
# PageV01P163
# بيتك (1)؟ قال: بل لك ولأهل بيتك.
# قال فأنشدك بالله أنا صاحب دعوة رسول الله صلى الله عليه وآله وأهلي
~~وولدي يوم الكساء " اللهم هؤلاء أهلي إليك لا إلى النار (2) " أم أنت؟ قال:
~~بل أنت وأهلك وولدك قال فأنشدك بالله أنا صاحب آية " يوفون بالنذر ويخافون
~~يوما كان شره
# PageV01P164
# مستطيرا (1) أم أنت؟ قال: بل أنت.
# PageV01P165
# قال فأنشدك بالله أنت الذي ردت عليه الشمس لوقت صلاته فصلاها ثم توارت أم
~~أنا (1)؟ قال: بل أنت.
# قال فأنشدك بالله أنت الفتى نودي من السماء " لا سيف إلا ذو الفقار ولا
~~فتى
# PageV01P166
# إلا علي " (1) أم أنا؟ قال: بل أنت.
# قال فأنشدك بالله أنت الذي حباك رسول الله صلى الله عليه وآله برايته يوم
~~خيبر، ففتح الله له أم أنا (2)؟ قال: بل أنت.
# قال فأنشدك بالله أنت الذي نفست عن رسول الله وعن المسلمين بقتل عمرو بن
# PageV01P167
# عبد ود أم أنا (1)؟ قال: بل أنت.
# قال فأنشدك بالله أنت الذي ائتمنك رسول الله صلى الله عليه وآله على
~~رسالته إلى الجن (2) فأجابت أم أنا؟ قال: بل أنت.
# PageV01P168
# قال فأنشدك بالله أنا الذي طهره الله من السفاح من لدن آدم إلى أبيه بقول
~~رسول PageV01P169
# الله صلى الله عليه وآله: " خرجت أنا وأنت من نكاح لا من سفاح (1) من لدن
~~آدم إلى
# PageV01P170
# عبد المطلب " أم أنت؟ قال: بل أنت.
# قال فأنشدك بالله أنا الذي اختارني رسول الله وزوجني ابنته فاطمة عليها
~~السلام، وقال: " الله زوجك إياها في السماء (1) " أم أنت؟ قال: بل أنت.
# قال فأنشدك بالله أنا والد الحسن والحسين سبطيه وريحانتيه إذ يقول: " هما
~~سيدا شباب أهل الجنة وأبوهما خير منهما (2) " أم أنت؟ قال: بل أنت.
# PageV01P171
# قال فأنشدك بالله أخوك المزين بالجناحين يطير في الجنة مع الملائكة أم
~~أخي (1)؟ قال: بل أخوك.
# PageV01P172
# قال فأنشدك بالله أنا ضمنت دين رسول الله وناديت في المواسم بإنجاز موعده
~~أم أنت (1)؟ قال: بل ms129 أنت.
# قال فأنشدك بالله أنا الذي دعاه رسول الله صلى الله عليه وآله والطير
~~عنده يريد أكله يقول: " اللهم ايتني بأحب خلقك إلي وإليك بعدي يأكل معي من
~~هذا الطير " (2) فلم يأته غيري أم أنت؟ قال: بل أنت.
# PageV01P173
# قال فأنشدك بالله أنا الذي بشرني رسول الله صلى الله عليه وآله بقتال
~~الناكثين، والقاسطين والمارقين، على تأويل القرآن (1) أم أنت؟ قال: بل أنت.
# PageV01P174
# قال فأنشدك بالله أنا الذي دل عليه رسول الله صلى الله عليه وآله بعلم
~~القضاء وفصل الخطاب بقوله: " على أقضاكم " أم أنت (1)؟ قال بل أنت.
# PageV01P175
# قال فأنشدك بالله أنا الذي أمر رسول الله صلى الله عليه وآله أصحابه
~~بالسلام عليه بالإمرة في حياته أم أنت (1)؟ قال: بل أنت.
# PageV01P176
# قال فأنشدك بالله أنا الذي شهدت آخر كلام رسول الله صلى الله عليه وآله
~~ووليت غسله ودفنه أم أنت (1)؟ قال: بل أنت.
# PageV01P177
# قال فأنشدك بالله أنت الذي سبقت له القرابة من رسول الله صلى الله عليه
~~وآله أم أنا (1)؟
# قال: بل أنت.
# قال فأنشدك بالله أنت الذي حباك الله بالدينار عند حاجته إليه وباعك
~~جبرئيل وأضفت محمدا فأطعمت ولده أم أنا (2) قال: فبكى أبو بكر قال: بل أنت.
# PageV01P178
# قال فأنشدك بالله أنت الذي جعلك رسول الله صلى الله عليه وآله على كتفه
~~في طرح صنم الكعبة وكسره حتى لو شئت أن أنال أفق السماء لنلتها أم أنا (1)؟
~~قال بل أنت
# PageV01P179
# قال: فأنشدك بالله أنت الذي قال لك رسول الله صلى الله عليه وآله: " أنت
~~صاحب لواي في الدنيا والآخرة (1) " أم أنا؟ قال: بل أنت.
# قال فأنشدك الله أنت الذي أمرك رسول الله صلى الله عليه وآله بفتح بابه
~~في مسجده عندما أمر بسد أبواب جميع أهل بيته وأصحابه وأحل لك فيه ما أحل
~~الله له أم أنا (2) قال: بل أنت.
# PageV01P180
# قال فأنشدك بالله أنت الذي قدمت بين يدي نجوى رسول الله صلى الله عليه
~~وآله صدقة (1)
# PageV01P181
# فناجيته إذ عاتب الله قوما فقال: " أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجويكم
~~صدقات (1) " أم ms130 أنا قال: بل أنت.
# قال فأنشدك بالله أنت قال رسول الله صلى الله عليه وآله لفاطمة: " زوجتك
~~أول الناس إيمانا، وأرجحهم إسلاما في كلام له " أم أنا (2) قال: بل أنت.
# PageV01P182
# قال فأنشدك بالله يا أبا بكر أنت الذي سلمت عليه ملائكة سبع سماوات يوم
~~القليب (1) أم أنا؟ قال: بل أنت.
# قال: فلم يزل يورد مناقبه التي جعل الله له ورسوله دونه، ودون غيره،
~~ويقول له أبو بكر: بل أنت.
# قال: فبهذا وشبهه تستحق القيام بأمور أمة محمد، فما الذي غرك عن الله وعن
# PageV01P183
# رسوله ودينه وأنت خلو مما يحتاج إليه أهل دينه.
# قال: فبكى أبو بكر وقال: صدقت يا أبا الحسن انظرني قيام يومي فأدبر ما
~~أنا فيه وما سمعت منك.
# فقال علي عليه السلام: لك ذلك يا أبا بكر.
# فرجع من عنده وطابت نفسه (1) يومه ولم يأذن لأحد إلى الليل، وعمر يتردد
~~في الناس لما بلغه من خلوته بعلي، فبات في ليلته فرأى في منامه كأن رسول
~~الله صلى الله عليه وآله تمثل له في مجلسه فقام إليه أبو بكر يسلم عليه
~~فولى عنه وجهه فصار مقابل وجهه فسلم عليه فولى وجهه عنه، فقال أبو بكر: يا
~~رسول الله أمرت بأمر لم أفعله؟ فقال: أرد عليك السلام وقد عاديت من والاه
~~الله ورسوله؟ رد الحق إلى أهله. فقلت: من أهله؟ قال: من عاتبك عليه علي،
~~قلت: فقد رددته عليه يا رسول الله ثم لم يره.
# فأصبح وبكر (2) إلى علي عليه السلام وقال ابسط يدك يا أبا الحسن أبايعك
~~وأخبره بما قد رأى، قال: فبسط علي يده فمسح عليها أبو بكر وبايعه وسلم إليه
~~وقال له: أخرج إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله فأخبرهم بما رأيت من
~~ليلتي وما جرى بيني وبينك، وأخرج نفسي من هذا الأمر وأسلمه إليك، قال: فقال
~~علي عليه السلام: نعم.
# فخرج من عنده متغيرا لونه عاتبا نفسه، فصادفه عمر وهو في طلبه، فقال له
~~ما لك يا خليفة رسول الله؟ فأخبره بما كان ms131 وما رأى وما جرى بينه وبين علي،
~~فقال: أنشدك بالله يا خليفة رسول الله والاغترار بسحر بني هاشم والثقة بهم
~~فليس هذا بأول سحر منهم، فما زال به حتى رده عن رأيه وصرفه عن عزمه ورغبه
~~فيما هو، بالثبات عليه، والقيام به.
# قال: فأتى علي المسجد على الميعاد فلم ير فيه منهم أحدا فأحس بشئ
# PageV01P184
# منهم، فقعد إلى قبر رسول الله صلى الله عليه وآله قال: فمر به عمر، فقال:
~~يا علي دون ما تريد خرط القتاد (1) فعلم عليه السلام بالأمر ورجع إلى بيته.
# احتجاج سلمان الفارسي على عمر بن الخطاب في جواب كتاب كتبه إليه حين كان
~~عامله على المداين بعد حذيفة بن اليمان (2) بسم الله الرحمن الرحيم من
~~سلمان مولى رسول الله صلى الله عليه وآله إلى عمر بن الخطاب.
# PageV01P185
# أما بعد: فإنه أتاني منك كتاب يا عمر، تؤنبني (1) وتعيرني، وتذكر فيه:
~~أنك بعثتني أميرا على أهل المدائن، وأمرتني أن أقص أثر حذيفة (2) واستقصي
~~أيام أعماله وسيره، ثم أعلمك قبيحها، وقد نهاني الله عن ذلك يا عمر في محكم
~~كتابه حيث قال: " يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن
~~إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا
~~فكرهتموه واتقوا الله إن الله تواب رحيم " (3) وما كنت لأعصي الله في أثر
~~حذيفة وأطيعك.
# وأما ما ذكرت: أني أقبلت على سف الخوص (4) وأكل الشعير، فما هما مما يعير
~~به مؤمن ويؤنب عليه، وأيم الله يا عمر لأكل الشعير وسف الخوص،
# PageV01P186
# والاستغناء به عن رفيع المطعم والمشرب، وعن غصب مؤمن حقه وادعاء ما ليس
~~له بحق، أفضل وأحب إلى الله عز وجل وأقرب للتقوى، ولقد رأيت رسول الله صلى
~~الله عليه وآله إذا أصاب الشعير أكل وفرح به ولم يسخطه.
# وأما ما ذكرت: من إعطائي فإني قدمته ليوم فاقتي وحاجتي، ورب العزة يا
~~عمر، ما أبالي إذا جاز طعامي لهواتي وانساغ (1) في حلقي، لباب البر ومخ
~~المعزة كان أو خشارة الشعير ms132 (2).
# وأما قولك: إني ضعفت سلطان الله ووهنته، وأذللت نفسي وامتهنتها (3) حتى
~~جهل أهل المدائن إمارتي، واتخذوني جسرا يمشون فوقي، ويحملون علي ثقل
~~حمولتهم (4) وزعمت أن ذلك مما يوهن سلطان الله ويذله.
# فاعلم: أن التذلل في طاعة الله أحب إلى من التعزز في معصيته، وقد علمت أن
~~رسول الله صلى الله عليه وآله يتألف الناس (5) ويتقرب منهم ويتقربون منه في
~~نبوته وسلطانه، حتى كأنه بعضهم في الدنو منهم، وقد كان يأكل الجشب (6)
~~ويلبس الخشن، وكان الناس عنده قرشيهم، وعربيهم، وأبيضهم، وأسودهم، سواء في
~~الدين وأشهد أني سمعته يقول: " من ولي سبعة من المسلمين بعدي ثم لم يعدل
~~فيهم لقي الله وهو عليه غضبان " فليتني يا عمر أسلم من عمارة المدائن (7)
~~مع ما ذكرت إني
# PageV01P187
# أذللت نفسي وامتهنتها، فكيف يا عمر حال من ولي الأمة بعد رسول الله صلى
~~الله عليه وآله؟ وإني سمعت الله يقول: " تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا
~~يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين (1) ".
# إعلم: أني لم أتوجه أسوسهم وأقيم حدود الله فيهم إلا بإرشاد دليل عالم
~~فنهجت فيهم بنهجه، وسرت فيهم بسيرته (2).
# واعلم: أن الله تبارك وتعالى لو أراد بهذه الأمة خيرا أو أراد بهم رشدا
~~لو لي عليهم أعلمهم وأفضلهم، ولو كانت هذه الأمة من الله خائفين، ولقول نبي
~~الله متبعين، وبالحق عاملين، ما سموك أمير المؤمنين، فاقض ما أنت قاض، إنما
~~تقضي هذه الحياة الدنيا، ولا تغتر بطول عفو الله عنك وتمديده بذلك من تعجيل
~~عقوبته وأعلم: أنك سيدركك عواقب ظلمك في دنياك وآخرتك، وسوف تسأل عما قدمت
~~وأخرت، والحمد لله وحده.
# احتجاج أمير المؤمنين (ع) على القوم لما مات عمر بن الخطاب وقد جعل
~~الخلافة شورى بينهم (3).
# PageV01P188
# روى عمرو بن شمر (1) عن جابر الجعفي (2) عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر
~~عليه وعلى آبائه السلام.
# PageV01P192
# قال: إن عمر بن الخطاب لما حضرته الوفاة وأجمع على الشورى، بعث إلى ستة
~~نفر من قريش: إلى علي بن أبي طالب، وإلى عثمان بن عفان، وإلى ms133 زبير بن
~~العوام، وإلى طلحة بن عبيد الله، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص
~~وأمرهم أن يدخلوا إلى بيت ولا يخرجوا منه حتى يبايعوا لأحدهم، فإن اجتمع
~~أربعة على واحد وأبى واحد أن يبايعهم قتل، وإن امتنع اثنان وبايع ثلاثة
~~قتلا فأجمع رأيهم على عثمان.
# فلما رأى أمير المؤمنين عليه السلام ما هم القوم به من البيعة لعثمان قام
~~فيهم ليتخذ عليهم الحجة قال عليه السلام لهم:
# اسمعوا مني كلامي فإن يك ما أقول حقا فاقبلوا وإن يك باطلا فأنكروا ثم
~~قال: أنشدكم بالله الذي يعلم صدقكم إن صدقتم ويعلم كذبكم إن كذبتم هل فيكم
~~أحد صلى القبلتين كلتيهما (1) غيري قالوا: لا.
# PageV01P193
# قال: نشدتكم بالله هل فيكم من بايع البيعتين كلتيهما الفتح وبيعة الرضوان
~~غيري؟ قالوا: لا.
# قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد أخوه المزين بالجناحين في الجنة غيري؟
# قالوا: لا.
# قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد عمه سيد الشهداء غيري؟ (1) قالوا: لا
# PageV01P194
# قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد زوجته سيدة نساء العالمين غيري؟
# قالوا: لا.
# قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد ابناه ابنا رسول الله صلى الله عليه وآله
~~وهما سيدا شباب أهل الجنة غيري؟ قالوا: لا.
# قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد عرف الناسخ من المنسوخ (1) غيري؟
# قالوا: لا.
# قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد أذهب الله عنه الرجس وطهره تطهيرا غيري؟
~~قالوا: لا.
# قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد عاين حبرائيل في مثال دحية الكلبي غيري
~~(2)؟ قالوا: لا.
# PageV01P195
# قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد أدى الزكاة وهو راكع غيري؟ قالوا: لا.
# قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد مسح رسول الله صلى الله عليه وآله عينيه
~~وأعطاه الراية يوم خيبر فلم يجد حرا ولا بردا غيري؟ قالوا: لا.
# قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد نصبه رسول الله صلى الله عليه وآله يوم
~~غدير خم بأمر الله تعالى فقال: " من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من
~~والاه وعاد من عاداه (1) غيري " قالوا: لا.
# PageV01P196
# قال نشدتكم بالله ms134 هل فيكم أحد هو أخو رسول الله في الحضر ورفيقه في السفر
~~غيري؟ قالوا لا.
# قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد بارز عمرو بن عبد ود يوم الخندق وقتله
~~غيري؟ قالوا: لا.
# قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله صلى الله عليه وآله: "
~~أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي " غيري؟ قالوا: لا.
# قال نشدتكم بالله هل فيكم أحد سماه الله في عشر آيات من القرآن مؤمنا
~~غيري (1)؟ قالوا: لا.
# PageV01P197
# قال نشدتكم بالله هل فيكم أحد ناول رسول الله صلى الله عليه وآله قبضة من
~~التراب فرمى بها في وجوه الكفار فانهزموا غيري؟ قالوا: لا. PageV01P198
# قال نشدتكم بالله هل فيكم أحد وقفت الملائكة معه يوم أحد حتى ذهب
~~PageV01P199
# الناس غيري قالوا: لا.
# قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد قضى دين رسول الله صلى الله عليه وآله
~~غيري؟ قالوا لا قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد شهد وفاة رسول الله صلى الله
~~عليه وآله غيري؟ قالوا: لا قال نشدتكم بالله هل فيكم أحد غسل رسول الله
~~وكفنه ولحده غيري؟
# قالوا: لا.
# قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد ورث سلاح رسول الله صلى الله عليه وآله
~~ورايته وخاتمه غيري؟ قالوا لا.
# قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد جعل رسول الله صلى الله عليه وآله طلاق
~~نسائه بيده غيري؟ قالوا: لا.
# قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد حمله رسول الله صلى الله عليه وآله على
~~ظهره حتى كسر الأصنام على باب الكعبة غيري؟ قالوا: لا.
# قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد نودي باسمه من السماء يوم بدر " لا سيف
~~إلا ذو الفقار ولا فتى إلا علي غيري؟ قالوا: لا.
# قال: نشدتكم الله هل فيكم أحد أكل مع رسول الله صلى الله عليه وآله من
~~الطائر المشوي الذي أهدي إليه غيري؟ قالوا: لا.
# قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله صلى الله عليه وآله "
~~أنت صاحب رايتي في الدنيا وصاحب لوائي في الآخرة " غيري؟ ms135 قالوا: لا.
# قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد قدم بين يدي نجواه صدقة غيري؟ قالوا: لا
~~قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد خصف نعل رسول الله صلى الله عليه وآله غيري
~~قالوا: لا.
# قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله صلى الله عليه وآله "
~~أنا أخوك وأنت أخي " غيري؟ قالوا: لا. PageV01P200
# قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله صلى الله عليه وآله "
~~أنت أحب الخلق إلي وأقولهم بالحق غيري؟ " قالوا: لا.
# قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد وجد رسول الله صلى الله عليه وآله جايعا
~~فاستقى مائة دلو بمائة تمرة وجاء بالتمرة فأطعمه رسول الله غيري وهو جائع؟
~~قالوا: لا قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد سلم عليه جبرئيل وميكائيل
~~وإسرافيل في ثلاثة آلاف من الملائكة يوم بدر غيري؟ قالوا: لا.
# قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد غمض عين رسول الله صلى الله عليه وآله
~~غيري؟ قالوا: لا.
# قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد وحد الله قبلي غيري؟ قالوا: لا.
# قال نشدتكم بالله هل فيكم أحد كان أول داخل على رسول الله صلى الله عليه
~~وآله وآخر خارج من عنده غيري؟ قالوا: لا.
# قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد مشى مع رسول الله صلى الله عليه وآله فمر
~~على حديقة فقلت ما أحسن هذه الحديقة فقال رسول الله صلى الله عليه وآله "
~~وحديقتك في الجنة أحسن من هذه " حتى مررت على ثلاث حدائق كل ذلك يقول رسول
~~الله " حديقتك في الجنة أحسن من هذه " غيري؟ قالوا: لا.
# قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله صلى الله عليه وآله "
~~أنت أول من آمن بي وصدقني وأول من يرد علي الحوض يوم القيامة ". غيري (1)؟
~~قالوا: لا.
# قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد أخذ رسول الله رسول الله صلى الله عليه
~~وآله بيده ويد امرأته وابنيه حين أراد أن يباهل نصارى أهل نجران غيري؟
~~قالوا: لا.
# قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد قال له ms136 رسول الله صلى الله عليه وآله: "
~~أول طالع يطلع عليكم من هذا الباب يا أنس فإنه أمير المؤمنين، وسيد
~~المسلمين، وأولى الناس
# PageV01P201
# بالناس (1) فقال أنس: اللهم اجعله رجلا من من الأنصار، فكنت أنا الطالع
~~فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: لأنس ما أنت بأول رجل أحب قومه " غيري؟
~~قالوا: لا.
# قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد نزلت فيه هذه الآية " إنما وليكم الله
~~ورسوله والذين آمنوا يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون " غيري قالوا:
~~لا.
# قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد أنزل الله فيه وفي ولده " إن الأبرار
~~يشربون من كأس كان مزاجها كافورا " (2) إلى آخر السورة غيري؟ قالوا: لا.
# قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد أنزل الله فيه " أجعلتم سقاية الحاج
~~وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخرة وجاهد في سبيل الله لا
~~يستوون عند الله (3) " غيري؟ قالوا: لا.
# قال نشدتكم بالله هل فيكم أحد علمه رسول الله صلى الله عليه وآله ألف
~~كلمة كل كلمة مفتاح ألف كلمة (4) غيري؟ قالوا: لا قال: نشدتكم بالله هل
~~فيكم أحد ناجاه رسول الله يوم الطائف فقال أبو بكر وعمر " يا رسول الله
~~ناجيت عليا دوننا " فقال لهما النبي صلى الله عليه وآله: " ما أنا ناجيته
~~بل
# PageV01P202
# الله أمرني بذلك " (1) غيري؟ قالوا: لا.
# قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد سقاه رسول الله صلى الله عليه وآله من
~~المهراس غيري قالوا: لا.
# قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله صلى الله عليه وآله "
~~أنت أقرب الخلق مني يوم القيامة يدخل بشفاعتك الجنة أكثر من عدد ربيعة ومضر
~~" غيري؟
# قالوا: لا.
# قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله صلى الله عليه وآله: "
~~يا علي أنت تكسى حين أكسى " (2) غيري؟ قالوا: لا.
# قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله صلى الله عليه وآله: "
~~أنت وشيعتك الفائزون يوم القيامة " غيري؟ قالوا: لا.
# قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله صلى الله عليه ms137 وآله: "
~~كذب من زعم أنه يحبني ويبغض هذا " غيري؟ قالوا: لا.
# قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله صلى الله عليه وآله: "
~~من أحب شطراتي هذه فقد أحبني ومن أحبني فقد أحب الله - فقيل له وما شطراتك
~~- قال علي، والحسن، والحسين، وفاطمة " غيري؟ قالوا: لا.
# قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله صلى الله عليه وآله: "
~~أنت خير البشر بعد النبيين " (3) غيري؟ قالوا: لا.
# PageV01P203
# قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله صلى الله عليه وآله "
~~أنت الفاروق تفرق بين الحق والباطل " (1) غيري؟ قالوا: لا.
# قال: نشدتكم بالله قل فيكم أحد قال له رسول الله " أنت أفضل الخلايق عملا
~~يوم القيامة بعد النبيين " غيري؟ قالوا: لا.
# قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد أخذ رسول الله صلى الله عليه وآله كساه
~~عليه وعلى زوجته وعلى ابنيه ثم قال " اللهم أنا وأهل بيتي إليك لا إلى
~~النار " غيري؟ قالوا لا.
# قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد كان يبعث إلى رسول الله صلى الله عليه
~~وآله الطعام وهو في الغار ويخبره بالأخبار غيري؟ قالوا: لا.
# قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله صلى الله عليه وآله "
~~أنت أخي ووزيري وصاحبي من أهلي " غيري؟ قالوا: لا.
# قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله " أنت أقدمهم سلما
~~وأفضلهم علما وأكثرهم حلما " غيري؟ قالوا: لا.
# قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد قتل مرحبا اليهودي فارس اليهود مبارزة
~~غيري؟ (2) قالوا: لا.
# PageV01P204
# قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد عرض عليه النبي صلى الله عليه وآله
~~الإسلام فقال له " انظرني حتى القى والدي " فقال له النبي صلى الله عليه
~~وآله " فإنها أمانة عندك " فقلت فإن كانت أمانة عندي فقد أسلمت غيري؟
~~قالوا: لا.
# قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد احتمل باب خيبر حين فتحها فمشى به مائة
~~ذراع، ثم عالجه بعده أربعين رجلا فلم يطيقوه غيري؟ قالوا: لا.
# قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد نزلت ms138 فيه هذه الآية: " يا أيها الذين
~~آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة فكنت أنا الذي قدم
~~الصدقة " غيري؟ قالوا: لا.
# قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله صلى الله عليه وآله " من
~~سب عليا فقد سبني ومن سبني فقد سب الله (1) " غيري؟ قالوا: لا.
# قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله صلى الله عليه وآله "
~~منزلي مواجه منزلك في الجنة " غيري؟ قالوا: لا.
# قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله صلى الله عليه وآله: "
~~قاتل الله من قاتلك وعادى الله من عاداك " غيري؟ قالوا: لا.
# قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد اضطجع على فراش رسول لله صلى الله عليه
~~وآله حين
# PageV01P205
# أراد أن يسير إلى المدينة ووقاه بنفسه من المشركين حين أرادوا قتله غيري؟
~~قالوا: لا قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله صلى الله عليه
~~وآله " أنت أولى الناس بأمتي بعدي " (1) غيري؟ قالوا: لا.
# قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله صلى الله عليه وآله "
~~أنت يوم القيامة عن يمين العرش والله يكسوك ثوبين: أحدها أخضر والآخر وردي
~~" غيري؟
# قالوا: لا.
# قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد صلى قبل الناس بسبع سنين وأشهر (2) غيري؟
~~قالوا: لا.
# قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله صلى عليه وآله " أنا يوم
~~القيامة آخذ بحجزة ربي والحجزة النور وأنت آخذ بحجزتي وأهل بيتي آخذ بحجزتك
~~" غيري؟ قالوا: لا.
# قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله صلى الله عليه وآله "
~~أنت كنفسي وحبك حبي وبغضك بغضي " (3) غيري؟ قالوا: لا.
# PageV01P206
# قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله صلى الله عليه وآله "
~~ولايتك كولايتي عهد عهده إلي ربي وأمرني أن أبلغكموه " غيري؟ قالوا: لا.
# قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله صلى الله عليه وآله "
~~اللهم اجعله لي عونا وعضدا وناصرا " غيري؟ قالوا: لا.
# قال: نشدتكم ms139 بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله صلى الله عليه وآله "
~~المال يعسوب الظلمة وأنت يعسوب المؤمنين " (1) غيري؟ قالوا: لا.
# قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله صلى الله عليه وآله "
~~لأبعثن إليكم رجلا امتحن الله قلبه للإيمان " غيري؟ قالوا: لا.
# قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد أطعمه رسول الله صلى الله عليه وآله رمانة
~~وقال " هذه من رمان الجنة لا ينبغي أن يأكل منه إلا نبي أو وصي نبي " غيري؟
~~قالوا: لا.
# قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله صلى الله عليه وآله " ما
~~سألت ربي شيئا إلا أعطانيه ولم أسأل ربي شيئا إلا سألت لك مثله " (2) غيري
~~قالوا: لا.
# قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله صلى الله عليه وآله "
~~أنت أقومهم بأمر الله وأوفاهم بعهد الله وأعلمهم بالقضية وأقسمهم بالسوية
~~وأعظمهم عند الله مزية " غيري، قالوا: لا.
# قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله صلى الله عليه وآله "
~~فضلك على هذه الأمة كفضل الشمس على القمر وكفضل القمر على النجوم " غيري؟
~~قالوا: لا.
# PageV01P207
# قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله صلى الله عليه وآله "
~~يدخل الله وليك الجنة وعدوك النار " غيري؟ قالوا: لا.
# قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله صلى الله عليه وآله "
~~الناس من أشجار شتى وأنا وأنت من شجرة واحدة " (1) غيري؟ قالوا: لا.
# قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله " أنا سيد ولد آدم وأنت
~~سيد العرب والعجم ولا فخر " (1) غيري؟ قالوا: لا.
# قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد رضي الله عنه في الآيتين من القرآن غيري
~~قالوا: لا.
# قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله صلى الله عليه وآله "
~~موعدك موعدي وموعد شيعتك عند الحوض إذا خافت الأمم ووضعت الموازين " غيري؟
# قالوا: لا.
# قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله صلى الله عليه وآله "
~~اللهم ms140 إني أحبه فأحبه اللهم إني استودعكه " غيري؟ قالوا: لا.
# قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله صلى الله عليه وآله "
~~أنت تحاج الناس فتحججهم بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والأمر بالمعروف
~~والنهي عن المنكر وأقام الحدود، والقسم بالسوية " غيري؟ قالوا: لا.
# PageV01P208
# قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد أخذ رسول الله صلى الله عليه وآله بيده
~~يوم بدر، فرفعها حتى نظر الناس إلى بياض إبطيه وهو يقول: " ألا إن هذا ابن
~~عمي ووزيري فوازروه وناصحوه فإنه وليكم " غيري؟ قالوا لا.
# قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد نزلت فيه هذه الآية " ويؤثرون على أنفسهم
~~ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون " (1) غيري؟ قالوا:
~~لا.
# قال: نشدتكم بالله فهل فيكم أحد كان جبرئيل أحد ضيفانه غيري؟ قالوا: لا
~~قال: فهل فيكم أحد أعطاه رسول الله صلى الله عليه وآله حنوطا من حنوط الجنة
~~ثم أقسمه أثلاثا ثلثا لي تحنطني به، وثلثا لابنتي. وثلثا لك، غيري؟ قالوا:
~~لا.
# قال: فهل فيكم أحد كان إذا دخل على رسول الله صلى الله عليه وآله حياه
~~وأدناه ورحب به وتهلل له وجهه غيري؟ قالوا: لا قال فهل فيكم أحد قال له
~~رسول الله صلى الله عليه وآله " أنا أفتخر بك يوم القيامة إذا افتخرت
~~الأنبياء بأوصيائها " غيري؟ قالوا: لا.
# قال: فهل فيكم أحد سرحه رسول الله صلى الله عليه وآله بسورة براءة إلى
~~المشركين من أهل مكة غيري؟ قالوا: لا.
# قال: فهل فيكم أحد قال له رسول الله صلى الله عليه وآله " إني لأرحمك من
~~ضغائن في صدور أقوام عليك لا يظهرونها حتى يفقدوني فإذا فقدوني خالفوا فيها
~~" غيري؟
# قالوا: لا.
# قال: فهل فيكم أحد قال له رسول الله صلى الله عليه وآله: " أدى الله عن
~~أمانتك أدى الله عن ذمتك " غيري؟ قالوا: لا.
# قال: فهل فيكم أحد قال له رسول الله صلى الله عليه وآله: " أنت قسيم
~~النار تخرج منها من زكى وتذر فيها كل كافر " (2) غيري؟ قالوا: لا.
# PageV01P209
# قال: ms141 فهل فيكم أحد فتح حصن خيبر وسبا بنت مرحب فأداها إلى رسول الله صلى
~~الله عليه وآله غيري؟ قالوا: لا.
# قال: فهل فيكم أحد قال له رسول الله صلى الله عليه وآله: " ترد علي الحوض
~~أنت وشيعتك رواء مرويين مبيضة وجوههم، ويرد علي عدوك ظماء مظمئين مقتحمين
~~(1) مسودة وجوههم " غيري؟ قالوا: لا.
# قال: لهم أمير المؤمنين عليه السلام أما إذا أقررتم على أنفسكم، واستبان
~~لكم ذلك من قول نبيكم، فعليكم بتقوى الله وحده لا شريك له، وأنهاكم عن سخطه
~~ولا تعصوا أمره، وردوا الحق إلى أهله، واتبعوا سنة نبيكم، فإنكم إن خالفتم
~~خالفتم الله فادفعوها إلى من هو أهله وهي له.
# قال: فتغامزوا فيها بينهم وتشاوروا وقالوا: " قد عرفنا فضله، وعلمنا أنه
~~أحق الناس بها، ولكنه رجل لا يفضل أحدا على أحد، فإن وليتموها إياه جعلكم
~~وجميع الناس فيها شرعا سواء، ولكن ولوها عثمان فإنه يهوى الذي تهوون "
~~فدفعوها إليه.
# * * * احتجاجه (ع) على جماعة كثيرة من المهاجرين والأنصار لما تذاكروا
~~فضلهم بما قال رسول الله صلى الله عليه وآله من النص عليه وغيره من القول
~~الجميل (2).
# روي عن سليم بن قيس الهلالي أنه قال: " رأيت عليا عليه السلام في مسجد
# PageV01P210
# رسول الله صلى الله عليه وآله، في خلافة عثمان وجماعة يتحدثون ويتذاكرون
~~العلم، فذكروا قريشا وفضلها وسوابقها وهجرتها، وما قال فيها رسول الله صلى
~~الله عليه وآله من الفضل، مثل قوله: " الأئمة من قريش " وقوله: " الناس تبع
~~لقريش وقريش أئمة العرب " وقوله: " لا تسبقوا (1) قريشا " وقوله: " إن
~~للقريشي مثل قوة رجلين من غيرهم " وقوله: " من أبغض قريشا أبغضه الله "
~~وقوله: " من أراد هوان قريش أهانه الله "، وذكروا الأنصار وفضلها وسوابقها
~~ونصرتها، وما أثنى الله عليهم في كتابه، وما قال فيهم رسول الله من الفضل
~~مثل قوله: " الأنصار كرشي وعيبتي " ومثل قوله: " من أحب الأنصار أحبه الله،
~~ومن أبغض الأنصار أبغضه الله " ومثل قوله صلى الله عليه وآله: " لا يبغض
~~الأنصار رجل يؤمن بالله وبرسوله " وقوله: " لو سلك الناس شعبا لسلكت ms142 شعب
~~الأنصار " وذكروا ما قال: في سعد بن معاذ في جنازته وأن العرش اهتز لموته،
~~وقوله صلى الله عليه وآله: لما جيئ إليه بمناديل من اليمن فأعجب الناس بها،
~~فقال: " لمناديل سعد في الجنة أحسن منها " والذي غسلته الملائكة، والذي
~~حمته الدبر، فلم يدعوا شيئا من فضلهم، حتى قال كل حي منها: " منا فلان
~~وفلان " وقالت قريش: " منا رسول الله، ومنا حمزة، ومنا جعفر، ومنا عبيدة
~~ابن الحارث، وزيد بن حارثة، ومنا أبو بكر، وعمر، وسعد وأبو عبيدة، وسالم
~~وابن عوف، فلم يدعوا من الحيين أحدا من أهل السابقة إلا سموه، وفي الحلقة
~~أكثر من مائتي رجل، فيهم علي بن أبي طالب عليه السلام، وسعد بن أبي وقاص،
~~وعبد الرحمن بن عوف، وطلحة، والزبير، وعمار، والمقداد، وأبو ذر، وهاشم بن
~~عتبة، وابن عمر، والحسن، والحسين عليهما السلام، وابن عباس، ومحمد بن أبي
~~بكر، وعبد الله
# PageV01P211
# ابن جعفر، ومن الأنصار أبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وأبو أيوب الأنصاري
~~وأبو هيثم بن التيهان، ومحمد بن سلمة، وقيس بن سعد بن عبادة، وجابر بن عبد
~~الله وأنس بن مالك، وزيد بن أرقم، وعبد الله بن أبي أوفى، وأبو ليلى ومعه
~~ابنه، وعبد الرحمن قاعد بجنبه غلام أمرد الوجه مديد القامة، فجاء أبو الحسن
~~البصري ومعه ابنه الحسن غلام أمرد صبيح الوجه معتدل القامة، قال: فجعلت
~~أنظر إليه وإلى عبد الرحمن بن أبي ليلى فلا أدري أيهما أجمل، غير أن الحسن
~~أعظمها وأطولهما وأكثر القوم في الحديث، وذلك من بكرة إلى حين الزوال،
~~وعثمان في داره لا يعلم بشئ مما هم فيه.
# وعلي بن أبي طالب لا ينطق هو ولا أحد من أهل بيته.
# فأقبل القوم عليه فقالوا: يا أبا الحسن ما يمنعك أن تتكلم؟
# فقال عليه السلام لهم، ما من الحيين أحد إلا وقد ذكر فضلا، وقال حقا،
~~فأنا أسألكم يا معشر قريش والأنصار، بمن أعطاكم الله هذا الفضل؟ أبأنفسكم
~~وعشائركم وأهل بيوتاتكم أم بغيركم؟
# قالوا: بل أعطانا الله ومن به علينا ms143 بمحمد وعشيرته، لا بأنفسنا وعشائرنا
~~ولا بأهل بيوتنا.
# قال: صدقتم، يا معشر قريش والأنصار أتعلمون الذي نلتم به من خير الدنيا
~~والآخرة منا أهل البيت خاصة دون غيرهم؟ فإن ابن عمي رسول الله قال: " إني
~~وأهل بيتي كنا نورا بين يدي الله تبارك وتعالى قبل أن يخلق الله آدم بأربعة
~~عشر ألف سنة، فلما خلق الله آدم وضع ذلك النور في صلبه وأهبطه إلى الأرض،
~~ثم حمله في السفينة في صلب نوح عليه السلام، ثم قذف به في النار في صلب
~~إبراهيم عليه السلام، ثم لم يزل الله عز وجل ينقلنا من الأصلاب الكريمة إلى
~~الأرحام الطاهرة، ومن الأرحام الطاهرة إلى الأصلاب الكريمة، من الآباء
~~والأمهات، لم يلتق واحد منهم على سفاح قط ".
# فقال أهل السابقة، وأهل بدر، وأهل أحد: نعم قد سمعنا ذلك من رسول الله
~~PageV01P212
# ثم قال: أنشدكم بالله أتعلمون أني أول الأمة إيمانا بالله وبرسوله؟
~~قالوا:
# اللهم نعم.
# قال: فأنشدكم بالله أتعلمون أن الله عز وجل فضل في كتابه السابق على
~~المسبوق في غير آية. وأني لم يسبقني إلى الله عز وجل وإلى رسوله صلى الله
~~عليه وآله أحد من هذه الأمة؟ قالوا: اللهم نعم.
# قال: فأنشدكم بالله أتعلمون حيث نزلت " والسابقون الأولون من المهاجرين
~~والأنصار (1) " " والسابقون السابقون أولئك المقربون (2) " وسأل عنها رسول
~~الله صلى الله عليه وآله فقال: " أنزله الله عز وجل في الأنبياء وأوصيائهم
~~فأنا أفضل أنبياء الله ورسله وعلي بن أبي طالب عليه السلام وصيي أفضل
~~الأوصياء " قالوا: اللهم نعم.
# قال: فأنشدكم بالله أتعلمون حيث نزلت " يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله
~~وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم (3) " وحيث نزلت: " إنما وليكم الله
~~ورسوله والذين آمنوا يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون (4) " وحيث
~~نزلت: " ولم يتخد من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة (5) " قال
~~الناس:
# " يا رسول الله أخاصة في بعض المؤمنين أم عامة لجميعهم؟ " فأمر الله عز
~~وجل نبيه أن يعلمهم ولاة أمرهم، وأن يفسر لهم من الولاية ما فسر لهم من
~~صلاتهم، ms144 وزكاتهم وصومهم، وحجهم، فنصبني للناس علما بغدير خم.
# ثم خطب فقال: " أيها الناس إن الله أرسلني برسالة ضاق بها صدري فظننت أن
~~الناس مكذبي فأوعدني لأبلغنها أو ليعذبني ".
# ثم أمر فنودي بالصلاة جامعة، ثم خطب فقال:
# " أيها الناس أتعلمون أن الله عز وجل مولاي وأنا مولى المؤمنين وأنا أولى
~~بهم من أنفسهم " بلى يا رسول الله. قال: قم يا علي، فقمت فقال: " من كنت
# PageV01P213
# مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه ". - فقام سلمان
~~فقال: " يا رسول الله والاه كماذا؟ " فقال: " والاه كولائي، فمن كنت أولى
~~به من نفسه فعلي أولى به من نفسه " فأنزل الله عز وجل: " اليوم أكملت لكم
~~دينكم، وأتممت عليكم نعمتي، ورضيت لكم الإسلام دينا (1) " فكبر رسول الله
~~صلى الله عليه وآله فقال: " الله أكبر على تمام نبوتي، وتمام دين الله،
~~ولاية علي بعدي ". - فقام أبو بكر وعمر فقالا: " يا رسول الله هؤلاء الآيات
~~خاصة في علي؟ " قال صلى الله عليه وآله: " بلى فيه، وفي أوصيائي إلى يوم
~~القيامة ".
# قالا: " يا رسول الله بينهم لنا ".
# قال: أخي، ووزيري، ووارثي، ووصيي، وخليفتي، في أمتي، وولي كل مؤمن بعدي،
~~ثم ابني الحسن والحسين، ثم تسعة من ولد الحسين واحد بعد واحد القرآن معهم
~~وهم مع القرآن، لا يفارقونه ولا يفارقهم، حتى يردوا علي الحوض فقالوا كلهم:
~~" اللهم نعم، قد سمعنا ذلك وشهدنا كما قلت سواء " وقال بعضهم: " قد حفظنا
~~جل ما قلت ولم نحفظ كله وهؤلاء الذين حفظوا أخيارنا وأفاضلنا ".
# فقال علي عليه السلام: " صدقتم ليس كل الناس يستوي في الحفظ ".
# أنشدكم بالله من حفظ ذلك من رسول الله لما قام وأخبر به.
# فقام زيد بن أرقم، والبراء بن عازب، وأبو ذر، والمقداد، وعمار، فقالوا "
~~نشهد لقد حفظنا قول رسول الله صلى الله عليه وآله وهو قائم على المنبر وأنت
~~إلى جنبه وهو يقول: أيها الناس أمرني الله أن انصب لكم إمامكم والقائم فيكم
~~بعدي ووصيي وخليفتي، والذي فرض على المؤمنين في كتابه طاعته، وقرنه بطاعته ms145
~~وطاعتي، وأمركم بولايته، وأني راجعت ربي خشية طعن أهل النفاق وتكذيبهم،
~~فأوعدني
# PageV01P214
# لأبلغنها أو ليعذبني، أيها الناس إن الله أمركم في كتابه بالصلاة. فقد
~~بينتها لكم والزكاة، والصوم، والحج. فقد بينتها لكم وفسرتها، وأمركم
~~بالولاية وإني أشهدكم أنها لهذا خاصة، ووضع يده على يد علي بن أبي طالب، ثم
~~لأبنيه من بعده، ثم للأوصياء من بعدهم، ومن ولدهم عليه السلام، لا يفارقون
~~القرآن، ولا يفارقهم القرآن، حتى يردوا علي الحوض، أيها الناس قد بينت لكم
~~مفزعكم (1) بعدي، وإمامكم، ودليلكم، وهاديكم، وهو: أخي علي بن أبي طالب،
~~وهو فيكم بمنزلتي فيكم، فقلدوه دينكم، وأطيعوه في جميع أموركم، فإن عنده
~~جميع ما علمني الله عز وجل من علمه وحكمته، فاسألوه وتعلموا منه ومن
~~أوصيائه بعده، ولا تعلموهم، ولا تتقدموهم، ولا تخلفوا عنهم، فإنهم مع الحق
~~والحق معهم لا يزايلهم (2) " ثم جلسوا.
# قال سليم: ثم قال علي عليه السلام:
# أيها الناس أتعلمون أن الله عز وجل أنزل في كتابه: " إنما يريد الله
~~ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا " فجمعني وفاطمة وابنيه حسنا
~~وحسينا ثم ألقى علينا كساء فدكيا وقال: " اللهم هؤلاء أهل بيتي ولحمي،
~~يؤلمني ما يؤلمهم، ويجرحني ما يجرحهم، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا "
~~فقالت أم سلمة: وأنا يا رسول الله فقال: " أنت إلى خير، إنما نزلت في، وفي
~~أخي علي، وفي ابنتي فاطمة، وفي ابني، وفي تسعة من ولد الحسين خاصة، وليس
~~معنا أحد غيرنا ".
# فقالوا كلهم: " نشهد أن أم سلمة حدثتنا بذلك، فسألنا رسول الله صلى الله
~~عليه وآله فحدثنا كما حدثتنا به أم سلمة ".
# قال علي عليه السلام: أنشدكم بالله أتعلمون أن الله أنزل " يا أيها الذين
~~آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين (3) " فقال سلمان: " يا رسول الله
~~عامة هذه الآية
# PageV01P215
# أم خاصة؟ " فقال: " أما المأمورون فعامة المؤمنين أمروا بذلك، وأما
~~الصادقون خاصة لأخي علي وأوصيائي بعده إلى يوم القيامة ". فقالوا: اللهم
~~نعم.
# قال: أنشدكم بالله أتعلمون أني قلت لرسول الله صلى الله عليه وآله في
~~غزاة تبوك: ms146 لم تخلفني فقال: " إن المدينة لا تصلح إلا بي أو بك، وأنت مني
~~بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي " قالوا: اللهم نعم.
# قال: أنشدكم بالله أتعلمون أن الله عز وجل أنزل في سورة الحج: " يا أيها
~~الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير. لعلكم تفلحون (1)
~~" إلى آخر السورة، فقام سلمان فقال: " يا رسول الله من هؤلاء الذين أنت
~~عليهم شهيد، وهم شهداء على الناس، الذين اجتباهم، ولم يجعل عليهم في الدين
~~من حرج ملة أبيكم إبراهيم " قال: عني بذلك ثلاثة عشر رجلا خاصة دون هذه
~~الأمة " فقال سلمان: " بينهم لنا يا رسول الله " فقال: " أنا، وأخي علي،
~~وأحد عشر من ولدي " قالوا: اللهم نعم.
# قال: أنشدكم بالله أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وآله قام خطيبا
~~ولم يخطب بعد ذلك. فقال: " يا أيها الناس إني تارك فيكم الثقلين (2) كتاب
~~الله، وعترتي أهل
# PageV01P216
# بيتي، فتمسكوا بهما، لا تضلوا، فإن اللطيف الخبير أخبرني وعهد إلي أنهما
~~لن يفترقا حتى يردا علي الحوض " فقام عمر بن الخطاب - وهو شبه المغضب -
~~فقال:
# يا رسول الله أكل أهل بيتك؟ " قال: لا ولكن أوصيائي منهم، أولهم أخي،
~~ووزيري، وخليفتي في أمتي، وولي كل مؤمن ومؤمنة بعدي، هو أولهم، ثم ابني
~~الحسن، ثم ابني الحسين، ثم تسعة من ولد الحسين، واحد بعد واحد حتى يردوا
~~علي الحوض، شهداء لله في أرضه، وحججه على خلقه، وخزان علمه، ومعادن حكمته،
~~من أطاعهم فقد أطاع الله، ومن عصاهم فقد عصى الله ".
# فقالوا كلهم: " نشهد أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: ذلك ".
# ثم تمادى بعلي عليه السلام السؤال والمناشدة، فما ترك شيئا إلا ناشدهم
~~الله فيه وسألهم عنه، حتى أتى علي على أكثر مناقبه، وما قال له رسول الله
~~صلى الله عليه وآله كل ذلك يصدقونه ويشهدون أنه حق.
# ثم قال حين فرغ: " اللهم اشهد عليهم " وقالوا: " اللهم اشهد إنا لم نقل
~~إلا ما سمعناه من رسول الله صلى الله عليه وآله، وما حدثنا ms147 من نثق به من
~~هؤلاء وغيرهم أنهم سمعوه من رسول الله صلى الله عليه وآله ".
# قال: أتقرون بأن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: " من زعم أنه يحبني
~~ويبغض عليا فقد كذب وليس يحبني " ووضع يده على رأسي فقال له قائل: " كيف
~~ذلك PageV01P217
# يا رسول الله؟ " قال: " لأنه مني وأنا منه، ومن أحبه فقد أحبني، ومن
~~أحبني فقد أحب الله، ومن أبغضه فقد أبغضني، ومن أبغضني فقد أبغض الله " قال
~~نحو عشرين رجلا من أفاضل الحيين: اللهم نعم. وسكت بقيتهم.
# فقال: للسكوت ما لكم سكتم؟ قالوا: " هؤلاء الذين شهدوا عندنا ثقات في
~~قولهم، وفضلهم، وسابقتهم " فقال: اللهم اشهد عليهم.
# فقال طلحة بن عبد الله: وكان يقال له: " داهية قريش " فكيف نصنع بما ادعى
~~أبو بكر وأصحابه الذين صدقوه، وشهدوا على مقالته يوم أتوه بك بعتل (1) وفي
~~عنقك حبل، فقالوا لك: " بايع " فاحتججت بما احتججت به، فصدقوك جميعا ثم
~~ادعى أنه سمع رسول الله يقول: أبى الله أن يجمع لنا أهل البيت النبوة
~~والخلافة فصدقه بذلك عمر، وأبو عبيدة، وسالم، ومعاذ. ثم قال طلحة: كل الذي
~~قلت وادعيت واحتججت به من السابقة والفضل حق نقر به ونعرفه، وأما الخلافة
~~فقد شهد أولئك الأربعة بما سمعت.
# فقام علي عليه السلام عند ذلك، وغضب من مقالته، فأخرج شيئا قد كان يكتمه
~~وفسر شيئا قال له عمر يوم مات لم يدر ما عنى به، فأقبل على طلحة - والناس
~~يسمعون - فقال:
# أما والله يا طلحة ما صحيفة ألقى الله بها يوم القيامة أحب إلي من صحيفة
~~الأربعة الذين تعاهدوا على الوفاء بها في الكعبة إن قتل الله محمدا أو
~~توفاه أن يتوازروا دون علي ويتظاهروا فلا تصل إلي الخلافة ".
# والدليل والله على باطل ما شهدوا، وما قلت يا طلحة: قول نبي الله يوم
~~غدير خم: " من كنت أولى به من نفسه فعلي أولى به من نفسه ".
# فكيف أكون أولى بهم من أنفسهم وهم أمراء علي وحكام؟
# وقول رسول الله صلى الله عليه وآله: " أنت ms148 مني بمنزلة هارون من موسى غير
~~النبوة " فلو كان مع النبوة غيرها لاستثناه رسول الله صلى الله عليه وآله.
# PageV01P218
# وقوله: " إني تركت فيكم أمرين كتاب الله وعترتي لن تضلوا ما إن تمسكتم
~~بهما لا تقدموهم، ولا تخلفوا عنهم، ولا تعلموهم، فإنهم أعلم منكم أفينبغي
~~أن لا يكون الخليفة على الأمة إلا أعلمهم بكتاب الله وسنة نبيه؟! وقد قال
~~الله عز وجل: " أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أم من لا يهدي إلا أن يهدي
~~فما لكم كيف تحكمون (1) "؟! وقال تعالى: " إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة
~~في العلم والجسم (2) " وقال: " ائتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم
~~(3) " وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " ما ولت أمة قط أمرها رجلا
~~وفيهم من هو أعلم منه، إلا لم يزل يذهب أمرهم سفالا حتى يرجعوا إلى ما
~~تركوا " فما الولاية غير الإمارة؟
# والدليل على كذبهم وباطلهم وفجورهم، أنهم سلموا علي بأمرة المؤمنين بأمر
~~رسول الله.
# ومن الحجة عليهم وعليك خاصة، وعلى هذا معك، يعني: الزبير، وعلى الأمة،
~~وعلى سعد ابن أبي وقاص، وابن عوف، وخليفتكم هذا القائم، يعني عثمان فإنا
~~معشر الشورى أحياء كلنا، أن جعلني عمر بن الخطاب في الشورى إن كان قد صدق
~~هو وأصحابه على رسول الله صلى الله عليه وآله، أجعلنا في الشورى في الخلافة
~~أم في غيرها؟ فإن زعمتم أنه جعلها شورى في غير الإمارة، فليس لعثمان إمارة
~~وإنما أمرنا أن نتشاور في غيرها، وإن كانت الشورى فيها، فلم أدخلني فيكم،
~~فهلا أخرجني؟ وقد قال: أن رسول الله صلى الله عليه وآله أخرج أهل بيته من
~~الخلافة وأخبر أنه ليس لهم فيها نصيب، ولم قال عمر حين دعانا رجلا رجلا. -
~~فقال علي عليه السلام: لعبد الله ابنه، وها هو ذا، أنشدك بالله عبد الله بن
~~عمر ما قال لك حين خرجت؟
# PageV01P219
# قال: أما إذ ناشدتني بالله فإنه قال: إن يتبعوا أصلع قريش يحملهم على
~~المحجة البيضاء، وأقامهم على كتاب ربهم وسنة نبيهم.
# قال: يا ms149 بن عمر فما قلت له عند ذلك؟
# قال: قلت له: فما يمنعك أن تستخلفه؟
# قال: وما رد عليك؟
# قال: رد علي شيئا أكتمه.
# قال علي: فإن رسول الله صلى الله عليه وآله خبرني به في حياته، ثم أخبرني
~~به ليلة مات أبوك في منامي، ومن رأى رسول الله صلى الله عليه وآله مناما
~~فقد رآه. قال: فما أخبرك به؟
# قال عليه السلام: فأنشدك بالله يا بن عمر لئن أخبرتك به لتصدقن؟ قال: إذن
~~سكت. قال: فإنه قال لك حين قلت له: فما يمنعك أن تستخلفه؟ قال: الصحيفة
~~التي كتبناها بيننا، والعهد في الكعبة، فسكت ابن عمر.
# فقال أسألك بحق رسولك لم سكت عني؟
# قال سليم فرأيت ابن عمر في ذلك المجلس خنقته العبرة وعيناه تسيلان.
# وأقبل أمير المؤمنين عليه السلام على طلحة، والزبير، وابن عوف، وسعد،
~~فقال:
# لئن كان أولئك الخمسة أو الأربعة كذبوا على رسول الله صلى الله عليه وآله
~~ما يحل لكم ولايتهم وإن كانوا صدقوا ماحل لكم أيها الخمسة أو الأربعة أن
~~تدخلوني معكم في الشورى لأن إدخالكم إياي فيها خلاف على رسول الله صلى الله
~~عليه وآله ورد عليه.
# ثم أقبل على الناس فقال: أخبروني عن منزلتي فيكم وما تعرفوني به أصادق
~~أنا فيكم أم كاذب؟ قالوا: صدوق لا والله ما علمناك كذبت قط في الجاهلية ولا
~~الإسلام قال: فوالله الذي أكرمنا أهل البيت بالنبوة، وجعل منا محمدا
~~وأكرمنا بعده بأن جعلنا أئمة للمؤمنين، لا يبلغ عنه غيرنا، ولا تصلح
~~الإمامة والخلافة إلا فينا، ولم يجعل لأحد من الناس فيها معنا أهل البيت
~~نصيبا ولا حقا، أما رسول الله صلى الله عليه وآله خاتم النبيين ليس بعده
~~نبي ولا رسول، ختم برسول الله الأنبياء إلى يوم القيامة، وجعلنا من بعد
~~محمد خلفاء في أرضه وشهداء على خلقه فرض طاعتنا في كتابه PageV01P220
# وقرننا بنفسه ونبيه، في غير آية من القرآن، فالله عز وجل جعل محمدا نبيا،
~~وجعلنا خلفاء من بعده في كتابه المنزل، ثم أن الله عز ms150 وجل أمر نبيه أن يبلغ
~~ذلك أمته فبلغهم كما أمره الله، فأيكما أحق بمجلس رسول الله صلى الله عليه
~~وآله ومكانه؟ وقد سمعتم رسول الله صلى الله عليه وآله حين بعثني ببراءة
~~فقال: " لا يبلغ عني إلا رجل مني ".
# أنشدتكم بالله أسمعتم ذلك من رسول الله صلى الله عليه وآله؟ قالوا: "
~~اللهم نعم، نشهد أنا سمعنا ذلك من رسول الله صلى الله عليه وآله حين بعثك
~~ببراءة ".
# فقال أمير المؤمنين عليه السلام: لا يصلح لصاحبكم أن يبلغ عنه صحيفة (1)
~~أربع أصابع، ولن يصلح أن يكون المبلغ عنه غيري، فأيهما أحق بمجلسه ومكانه
~~الذي سمي بخاصة، إنه من رسول الله صلى الله عليه وآله ومن حضر مجلسه من
~~الأمة؟
# فقال طلحة: قد سمعنا ذلك من رسول الله صلى الله عليه وآله، ففسر لنا كيف
~~لا يصلح لأحد أن يبلغ عن رسول الله غيرك؟ وقد قال - لنا ولسائر الناس -: "
~~ليبلغ الشاهد الغائب " فقال - بعرفة في حجة الوداع -: " نصر الله امرءا سمع
~~مقالتي فوعاها ثم بلغها غيره، فرب حامل فقه لا فقه له، ورب حامل فقه إلى من
~~هو أفقه منه، ثلاث لا يحل عليهن قلب امرء مسلم أخلص العمل لله عز وجل:
~~السمع، والطاعة والمناصحة لولاة الأمر ولزوم جماعتهم، فإن دعوتهم محيطة من
~~ورائهم ". وقال:
# في غير موطن - " ليبلغ الشاهد الغائب ".
# فقال علي عليه السلام: إن الذي قال رسول الله صلى الله عليه وآله يوم
~~غدير خم، ويوم عرفة في حجة الوداع، في آخر خطبة خطبها حين قال: " إني قد
~~تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما، كتاب الله، وأهل بيتي، فإن
~~اللطيف الخبير قد عهد إلي أنهما لا يفترقان حتى يردا علي الحوض، كهاتين ولا
~~أقول كهاتين - فأشار إلى سبابته وإبهامه، لأن أحدهما قدام الآخر - فتمسكوا
~~بهما لن تضلوا ولا تزالوا، ولا تقدموهم، ولا تخلفوا عنهم، ولا تعلموهم،
~~فإنهم أعلم منكم " إنما أمر الله العامة جميعا أن يبلغوا من لقوا من العامة
~~إيجاب طاعة الأئمة من آل محمد عليهم ms151 السلام وإيجاب
# PageV01P221
# حقهم، ولم يقل ذلك في شئ من الأشياء غير ذلك، وإنما أمر العامة أن يبلغوا
~~العامة حجة من لا يبلغ عن رسول الله جميع ما بعثه الله به غيرهم، ألا ترى
~~يا طلحة أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال لي - وأنتم تسمعون -: " يا
~~أخي إنه لا يقضي عني ديني ولا يبرئ ذمتي غيرك، تبرئ ذمتي، وتؤدي ديني
~~وغراماتي، وتقاتل على سنتي " فلما ولي أبو بكر قضى عن رسول الله صلى الله
~~عليه وآله عداته ودينه، فاتبعتموه جميعا، فقضيت دينه وعداته، وقد أخبرهم
~~أنه لا يقضي عنه دينه وعداته غيري، ولم يكن ما أعطاهم أبو بكر قضاء لدينه
~~وعداته، وإنما كان الذي قضى من الدين والعدة هو الذي أبرءه منه، وإنما بلغ
~~عن رسول الله صلى الله عليه وآله جميع ما جاء به من عند الله من بعد الأئمة
~~الذين فرض الله في الكتاب طاعتهم، وأمر بولايتهم، الذين من أطاعهم فقد أطاع
~~الله، ومن عصاهم فقد عصى الله.
# فقال طلحة: " فرجت عني، ما كنت أدري ما عنى بذلك رسول الله صلى الله عليه
~~وآله حتى فسرته لي، فجزاك الله يا أبا الحسن عن جميع أمة محمد الجنة، يا
~~أبا الحسن شيئا أريد أن أسألك عنه، رأيتك خرجت بثوب مختوم، فقلت: أيها
~~الناس إني لم أزل مشتغلا برسول الله بغسله، وكفنه، ودفنه، ثم اشتغلت بكتاب
~~الله حتى جمعته، فهذا كتاب الله عندي مجموعا لم يسقط حتى حرف واحد، ولم أر
~~ذلك الذي كتبت وألفت، وقد رأيت عمر بعث إليك أن ابعث به إلي فأبيت أن تفعل
~~فدعا عمر الناس فإذا شهد رجلان على آية كتبها، وإن لم يشهد عليها غير رجل
~~واحد أرجأها (1) فلم يكتب، فقال عمر: وأنا أسمع إنه قد قتل يوم اليمامة قوم
~~كانوا يقرؤون قرآنا لا يقرأه غيرهم، فقد ذهب وقد جاءت شاة إلى صحيفة وكتاب
~~يكتبون فأكلتها وذهب ما فيها والكاتب يومئذ عثمان، وسمعت عمر وأصحابه الذين
~~ألفوا ما كتبوا على عهد عمر وعلى ms152 عهد عثمان يقولون: إن الأحزاب كانت تعدل
~~سورة البقرة، وإن النور ستون ومائة آية، والحجر تسعون ومائة آية، فما هذا؟
# وما يمنعك يرحمك الله أن تخرج كتاب الله إلى الناس، وقد عهد عثمان حين
~~أخذ
# PageV01P222
# ما ألف عمر فجمع له الكتاب، وحمل الناس على قراءة واحدة، فمزق مصحف أبي
~~بن كعب، وابن مسعود، وأحرقهما بالنار؟
# فقال له علي عليه السلام، يا طلحة إن كل آية أنزلها الله جل وعلا على
~~محمد عندي بإملاء رسول الله وخط يدي، وتأويل كل آية أنزلها الله على محمد
~~وكل حرام وحلال أو حد أو حكم أو شئ تحتاج إليه الأمة إلى يوم القيامة مكتوب
~~بإملاء رسول الله صلى الله عليه وآله وخط يدي، حتى أرش الخدش (1).
# قال طلحة: كل شئ من صغير وكبير أو خاص أو عام كان أو يكون إلى يوم
~~القيامة فهو عندك مكتوب؟
# قال: نعم وسوى ذلك، إن رسول الله صلى الله عليه وآله أسر إلي في مرضه
~~مفتاح ألف باب من العلم يفتح من كل باب ألف باب، ولو أن الأمة منذ قبض رسول
~~الله صلى الله عليه وآله اتبعوني وأطاعوني لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم،
~~يا طلحة ألست قد شهدت رسول الله صلى الله عليه وآله حين دعا بالكتف ليكتب
~~فيه ما لا تضل أمته، فقال صاحبك إن نبي الله يهجر (2)، فغضب رسول الله صلى
~~الله عليه وآله وتركها؟ فقال، بلى قد شهدته.
# PageV01P223
# قال: فإنكم لما خرجتم أخبرني رسول الله صلى الله عليه وآله بالذي أراد
~~يكتب ويشهد عليه العامة، فأخبره جبرئيل أن الله قد قضى على أمتك الاختلاف
~~والفرقة ثم دعا بصحيفة فأملى علي ما أراد أن يكتب في الكتف، وأشهد على ذلك
~~ثلاثة رهط: سلمان، وأبا ذر، والمقداد. وسمى من يكون من أئمة الهدى الذين
~~أمر الله بطاعتهم إلى يوم القيامة (1) فسماني أولهم، ثم ابني هذا وأشار
~~بيده إلى الحسن والحسين. ثم تسعة من ولد ابني الحسين، كذلك كان يا أبا ذر
~~ويا مقداد؟ فقاما ثم ms153 قالا: نشهد بذلك على رسول الله صلى الله عليه وآله.
# فقال طلحة: والله لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: " ما أقلت
~~الغبراء ولا أظلت الخضراء على ذي لهجة أصدق ولا أبر عند الله من أبي ذر "
~~وأنا أشهد أنهما لم يشهدا إلا بالحق، ولأنت عندي أصدق وأبر منهما.
# ثم أقبل علي عليه السلام فقال: اتق الله يا طلحة وأنت يا زبير، وأنت يا
~~سعد، وأنت يا بن عوف. اتقوا الله وآثروا رضاه، واختاروا ما عنده، ولا
~~تخافوا في الله لومة لائم.
# PageV01P224
# ثم قال طلحة: لا أراك يا أبا الحسن أجبتني عما سألتك عنه من أمر القرآن
~~إلا تظهره للناس؟
# قال: يا طلحة عمدا كففت عن جوابك، فأخبرني عما كتب عمر وعثمان أقرآن كله
~~أم فيه ما ليس بقرآن؟ قال طلحة: بل قرآن كله.
# قال: إن أخذتم بما فيه نجوتم من النار، ودخلتم الجنة، فإن فيه حجتنا
~~وبيان حقنا، وفرض طاعتنا.
# قال طلحة حسبي أما إذا كان قرآن فحسبي. ثم قال طلحة: فأخبرني عما في يدك
~~من القرآن وتأويله، وعلم الحلال والحرام، إلى من تدفعه ومن صاحبه بعدك؟
~~قال: إن الذي أمرني رسول الله صلى الله عليه وآله أن أدفعه إليه وصبي وأولي
~~الناس بعدي بالناس ابني الحسن، ثم يدفعه ابني الحسن إلى ابني الحسين، ثم
~~يصير إلى واحد بعد واحد من ولد الحسين حتى يرد آخرهم حوضه، هم مع القرآن لا
~~يفارقونه والقرآن معهم لا يفارقهم، أما إن معاوية وابنه سيليان بعد عثمان،
~~ثم يليها سبعة من ولد الحكم بن أبي العاص، واحد بعد وأحد، تكملة اثنا عشر
~~أمام ضلالة، وهم الذين رأى رسول الله صلى الله عليه وآله على منبره: يردون
~~الأمة على أدبارهم القهقري (1) عشرة منهم من بني أمية ورجلان أسسا ذلك لهم
~~وعليهما مثل جميع أوزار هذه الأمة إلى يوم القيامة.
# وفي رواية أبي ذر الغفاري (2) أنه قال: لما توفي رسول الله صلى الله عليه
~~وآله جمع
# PageV01P225
# علي عليه السلام القرآن وجاء به إلى ms154 المهاجرين والأنصار وعرضه عليهم لما
~~قد أوصاه PageV01P226
# بذلك رسول الله صلى الله عليه وآله، فلما فتحه أبو بكر خرج في أول صفحة
~~فتحها فضائح PageV01P227
# القوم، فوثب عمر وقال: يا علي اردده فلا حاجة لنا فيه، فأخذه عليه السلام
~~وانصرف ثم أحضروا زيد بن ثابت - وكان قاريا للقرآن - فقال له عمر: إن عليا
~~جاء بالقرآن وفيه فضائح المهاجرين والأنصار، وقد رأينا أن نؤلف القرآن
~~ونسقط منه ما كان فيه فضيحة وهتك للمهاجرين والأنصار، فأجابه زيد إلى ذلك،
~~ثم قال: فإن أنا فرغت من القرآن على ما سألتم وأظهر علي القرآن الذي ألفه
~~أليس قد بطل كل ما عملتم؟ قال عمر: فما الحيلة؟ قال زيد: أنتم أعلم
~~بالحيلة، فقال عمر:
# ما حيلته دون أن نقتله ونستريح منه، فدبر في قتله على يد خالد بن الوليد
~~فلم يقدر على ذلك، وقد مضى شرح ذلك.
# فلما استخلف عمر سأل عليا عليه السلام أن يدفع إليهم القرآن فيحرفوه فيما
~~بينهم، فقال: يا أبا الحسن إن جئت بالقرآن الذي كنت قد جئت به إلى أبي بكر
~~حتى نجتمع عليه، فقال عليه السلام: هيهات ليس إلى ذلك سبيل، إنما جئت به
~~إلى أبي بكر لتقوم الحجة عليكم، ولا تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا
~~غافلين، أو تقولوا ما جئتنا به أن القرآن الذي عندي لا يمسه إلا المطهرون
~~والأوصياء من ولدي، قال عمر:
# فهل لإظهاره وقت معلوم. فقال عليه السلام: نعم إذا قام القائم من ولدي،
~~يظهره ويجمل الناس عليه، فتجري السنة به صلوات الله عليه (1).
# وقال سليم بن قيس: بينا أنا وحبش بن معمر بمكة إذ قام أبو ذر وأخذ
# PageV01P228
# بحلقة الباب ثم نادى بأعلا صوته في الموسم: " أيها الناس من عرفني فقد
~~عرفني، ومن جهلني فأنا جندب بن جنادة، أنا أبو ذر أيها الناس إني قد سمعت
~~نبيكم يقول: " إن مثل أهل بيتي في أمتي كمثل سفينة نوح في قومه، من ركبها
~~نجى ومن تركها غرق، ومثل باب حطة في بني إسرائيل " أيها الناس ms155 إني سمعت
~~نبيكم يقول: " إني تركت فيكم أمرين، لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما، كتاب الله
~~وأهل بيتي إلى آخر الحديث " فلما قدم إلى المدينة بعث إليه عثمان وقال له:
~~" ما حملك على ما قمت به في الموسم " قال: عهد عهده إلي رسول الله صلى الله
~~عليه وآله وأمرني به فقال من يشهد بذلك، فقام علي والمقداد فشهدا، ثم
~~انصرفوا يمشون ثلاثتهم فقال عثمان: " إن هذا وصاحبيه يحسبون أنهم في شئ ".
# وروي: أن يوما من الأيام قال عثمان بن عفان لعلي بن أبي طالب عليه
~~السلام:
# " إن تربصت بي فقد تربصت بمن هو خير مني ومنك " قال علي عليه السلام: ومن
~~هو خير مني، قال: أبو بكر وعمر. فقال علي عليه السلام: كذبت أنا خير منك
~~ومنهما عبدت الله قبلكم وعبدته بعدكم.
# قال سليم بن قيس: حدثني سلمان والمقداد، وحدثنيه بعد ذلك أبو ذر، ثم
~~سمعته من علي بن أبي طالب عليه السلام، قالوا: إن رجلا فاخر علي بن أبي
~~طالب عليه السلام فقال رسول الله لما سمع به لعلي بن أبي طالب: فاخر العرب
~~وأنت أكرمهم ابن عما، وأكرمهم صهرا، وأكرمهم زوجة، وأكرمهم ولدا، وأكرمهم
~~أخا، وأكرمهم عما، وأعظمهم حلما، وأكثرهم علما، وأقدمهم سلما، وأعظمهم غنا
~~بنفسك ومالك، وأقرأهم بكتاب الله، وأعلمهم بسنتي، وأشجعهم لقاء، وأجودهم
~~كفا، وأزهدهم في الدنيا، وأشدهم اجتهادا، وأحسنهم خلقا، وأصدقهم لسانا،
~~وأحبهم إلى الله وإلي، وستبقى بعدي ثلاثين سنة تعبد الله وتصبر على ظلم
~~قريش لك، ثم تجاهدهم في سبيل الله إذا وجدت أعوانا، فتقاتل على تأويل
~~القرآن كما قاتلت معي على تنزيله، ثم تقتل شهيدا تخضب لحيتك من دم رأسك،
~~قاتلك يعدل عاقر الناقة في البغض إلى الله والبعد منه. PageV01P229
# قال سليم بن قيس: جلست إلى سلمان وأبي ذر والمقداد فجاء رجل من أهل
~~الكوفة فجلس إليهم مسترشدا، فقال له سلمان: " عليك بكتاب الله فالزمه، وعلي
~~ابن أبي طالب فإنه مع القرآن لا يفارقه، فأنا أشهد أنا سمعنا رسول الله صلى
~~الله عليه ms156 وآله يقول: " إن عليا يدور مع الحق حيث دار، وإن عليا هو الصديق
~~والفاروق يفرق بين الحق والباطل " قال: فما بال القوم يسمون أبا بكر الصديق
~~وعمر الفاروق قال: نحلهما الناس اسم غيرهما كما نحلوهما خلافة رسول الله
~~صلى الله عليه وآله، وإمرة المؤمنين.
# لقد أمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وأمرهما معنا فسلمنا جميعا على
~~علي بأمرة المؤمنين.
# وروى القاسم بن معاوية (1) قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: هؤلاء
~~يروون حديثا في معراجهم أنه لما أسري برسول الله رأى على العرش مكتوبا لا
~~إله إلا الله، محمد رسول الله أبو بكر الصديق، فقال: " سبحان الله غير وأكل
~~شئ حتى هذا " قلت: نعم. قال: " إن الله عز وجل لما خلق العرش كتب عليه لا
~~إله إلا الله، محمد رسول الله، علي أمير المؤمنين، ولما خلق الله عز وجل
~~الماء كتب في مجراه:
# لا إله إلا الله محمد رسول الله، علي أمير المؤمنين، ولما خلق الله عز
~~وجل الكرسي كتب على قوائمه: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، علي أمير
~~المؤمنين، ولما خلق الله عز وجل اللوح كتب فيه: لا إله إلا الله محمد رسول
~~الله، علي أمير المؤمنين، ولما خلق الله إسرافيل كتب على جبهته: لا إله إلا
~~الله، محمد رسول الله، علي أمير المؤمنين ولما خلق الله جبرئيل كتب على
~~جناحيه: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، علي أمير المؤمنين، ولما خلق
~~الله عز وجل السماوات كتب في أكتافها: لا إله إلا الله محمد رسول الله، علي
~~أمير المؤمنين، ولما خلق الله عز وجل الأرضين كتب في أطباقها: لا إله إلا
~~الله، محمد رسول الله، علي أمير المؤمنين، ولما خلق الله عز وجل
# PageV01P230
# الجبال كتب في رؤسها: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، علي أمير
~~المؤمنين، ولما خلق الله عز وجل الشمس كتب عليها: لا إله إلا الله، محمد
~~رسول الله، علي أمير المؤمنين ولما خلق الله عز وجل القمر كتب عليه: لا إله ms157
~~إلا الله، محمد رسول الله، علي أمير المؤمنين، وهو السواد الذي ترونه في
~~القمر فإذا قال أحدكم لا إله إلا الله، محمد رسول الله فليقل علي أمير
~~المؤمنين عليه السلام وعن عبد الله بن الصامت (1) قال: رأيت أبا ذر آخذا
~~بحلقة باب الكعبة مقبلا بوجهه للناس وهو يقول:
# أيها الناس من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فسأنبئه باسمي أنا جندب
~~ابن السكن بن عبد الله أنا أبو ذر الغفاري أنا رابع أربعة ممن أسلم مع رسول
~~الله صلى الله عليه وآله سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: وذكر
~~الحديث بطوله إلى قوله، ألا أيتها الأمة المتحيرة بعد نبيها، لو قدمتم من
~~قدمه الله وأخرتم من أخره الله، وجعلتم الولاية حيث جعلها الله، لما عال
~~ولي الله، ولما ضاع فرض من فرائض الله، ولا اختلف اثنان في حكم من أحكام
~~الله، إلا كان علم ذلك عند أهل بيت نبيكم، فذوقوا وبال ما كسبتم، وسيعلم
~~الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.
# وروى عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: إن العلم الذي هبط به آدم من
~~الجنة وما فضلت به النبيون عليهم السلام في عترة نبيكم، فأين يتاه بكم؟
# قال سليم بن قيس: سأل رجل علي بن أبي طالب عليه السلام فقال - وأنا أسمع
~~- أخبرني بأفضل منقبة لك، قال: ما أنزل الله في كتابه؟ قال: وما أنزل لله
~~فيك
# PageV01P231
# قال " أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه (1) " أنا الشاهد من
~~رسول الله صلى الله عليه وآله وقوله: " ويقول الذين كفروا لست مرسلا قل كفى
~~بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب (2) " إياي عنى بمن عنده علم
~~الكتاب فلم يدع شيئا أنزله الله فيه إلا ذكره، مثل قوله: " إنما وليكم الله
~~ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون "
~~وقوله: " أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم (3) " وغير ذلك، قال
~~قلت: فأخبرني بأفضل منقبة
# PageV01P232
# لك من رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال نصبه إياي يوم ms158 غدير خم فقال لي
~~بالولاية بأمر الله عز وجل. وقوله أنت مني بمنزلة هارون من موسى، وسافرت مع
~~رسول الله صلى الله عليه وآله ليس له خادم غيري، وكان له لحاف ليس له لحاف
~~غيره، ومعه عائشة وكان رسول الله ينام بيني وبين عائشة ليس علينا ثلاثتنا
~~لحاف غيره، فإذا قام إلى صلاة الليل يخط بيده اللحاف من وسطه بيني وبين
~~عائشة حتى يمس اللحاف الفراش الذي تحتنا، فأخذتني الحمى ليلة فأسهرتني فسهر
~~رسول الله صلى الله عليه وآله لسهري، فبات ليلته بيني وبين مصلاه يصلي ما
~~قدر له، ثم يأتيني يسألني وينظر إلي فلم يزل ذلك دأبه حتى أصبح فلما صلى
~~بأصحابه الغداة قال: " اللهم اشف عليا وعافه فإنه، أسهرني الليلة مما به "
~~ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: - بمسمع من أصحابه -: " أبشر يا علي
~~" قلت: بشرك الله بخير يا رسول الله وجعلني فداك، قال: " إني لم أسأل الله
~~الليلة شيئا إلا أعطانيه، ولم أسأله لنفسي شيئا إلا سألت لك مثله، وإني
~~دعوت الله عز وجل أن يؤاخي بيني وبينك ففعل، وسألته أن يجعلك ولي كل مؤمن
~~ومؤمنة ففعل وسألته أن يجمع عليك أمتي بعدي فأبى علي " فقال رجلان أحدهما
~~لصاحبه:
# " أرأيت ما سأل؟ فوالله لصاع من تمر خير مما سأل: ولو كان سأل ربه أن
~~ينزل عليه ملكا يعينه على عدوه، أو ينزل عليه كنزا ينفقه وأصحابه فإن بهم
~~حاجة كان خيرا مما سأل، وما دعا عليا قط إلى خير إلا استجاب له.
# * * * احتجاجه (ع) على الناكثين بيعته في خطبة خطبها حين نكثوها.
# فقال: إن الله ذا الجلال والإكرام لما خلق الخلق واختار خيرة من خلقه
~~واصطفى صفوة من عباده، وأرسل رسولا منهم، وأنزل عليه كتابه، وشرع له دينه
~~PageV01P233
# وفرض فرائضه، فكانت الجملة قول الله عز وجل ذكره حيث أمر فقال: " أطيعوا
~~الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم " فهو لنا أهل البيت خاصة دون غيرنا،
~~فانقلبتم على أعقابكم، وارتددتم ونقضتم الأمر، ونكثتم العهد، ولم تضروا
~~الله ms159 شيئا، وقد أمركم الله أن تردوا الأمر إلى الله وإلى رسوله وإلى أولي
~~الأمر منكم المستنبطين للعلم، فأقررتم ثم جحدتم، وقد قال الله لكم: " أوفوا
~~بعهدي أوف بعهدكم وإياي فارهبون (1) " إن أهل الكتاب والحكمة والأيمان آل
~~إبراهيم عليه السلام بينه الله لهم فحسدوا، فأنزل الله جل ذكره: " أم
~~يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله، فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب
~~والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما (2) " " فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه وكفى
~~بجهنم سعيرا (3) " فنحن آل إبراهيم فقد حسدنا آبائنا، وأول من حسد آدم الذي
~~خلقه الله عز وجل بيده ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وعلمه الأسماء
~~كلها، واصطفاه على العالمين، فحسده الشيطان فكان من الغاوين، ثم حسد قابيل
~~هابيل فقتله فكان من الخاسرين، ونوح حسده قومه فقالوا: " ما هذا إلا بشر
~~مثلكم يأكل مما تأكلون ويشرب مما تشربون * ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا
~~لخاسرون (4) " ولله الخيرة يختار من يشاء ويختص برحمته من يشاء ويؤتي
~~الحكمة والعلم من يشاء ثم حسدوا نبينا محمدا صلى الله عليه وآله، ألا ونحن
~~أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس، ونحن المحسودون كما حسد آبائنا، قال
~~الله عز وجل: " إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي (5) "
~~وقال: " وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله (6) " فنحن أولى
~~الناس بإبراهيم، ونحن ورثناه ونحن أولوا الأرحام الذين ورثنا الكعبة، ونحن
~~آل إبراهيم، أفترغبون عن ملة
# PageV01P234
# إبراهيم؟ وقد قال الله تعالى: " ومن تبعني فإنه مني (1) " يا قوم أدعوكم
~~إلى الله وإلى رسوله، وإلى كتابه، وإلى ولي أمره، وإلى وصيه ووارثه من
~~بعده، فاستجيبوا لنا، واتبعوا آل إبراهيم، واقتدوا بنا، فإن ذلك لنا آل
~~إبراهيم فرضا واجبا والأفئدة من الناس تهوي إلينا، وذلك دعوة إبراهيم عليه
~~السلام حيث قال: " فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم (2) " فهل نقمتم منا
~~إلا أن آمنا بالله وما أنزل علينا، ولا تتفرقوا فتضلوا، والله شهيد عليكم،
~~قد أنذرتكم، ودعوتكم، وأرشدتكم، ثم أنتم وما تختارون.
# * * * احتجاج أمير المؤمنين ms160 (ع) على الزبير بن العوام وطلحة بن عبد الله
~~لما أزمعا على الخروج عليه والحجة في أنهما خرجا من الدنيا غير تائبين من
~~نكث البيعة.
# روي عن ابن عباس رحمه الله أنه قال: كنت قاعدا عند علي عليه السلام حين
~~دخل عليه طلحة والزبير فاستأذناه في العمرة فأبى أن يأذن لهما، وقال: قد
~~اعتمرتما فأعادا عليه الكلام فأذن لهما، ثم التفت إلي فقال: والله ما
~~يريدان العمرة، وإنما يريدان الغدرة قلت له فلا تأذن لهما فردهما، ثم قال
~~لهما: والله ما تريدان العمرة وما تريدان إلا نكثا لبيعتكما، وفرقة
~~لأمتكما، فحلفا له فأذن لهما، ثم التفت إلي فقال: والله ما يريدان العمرة
~~قلت: فلم أذنت لهما؟ قال، حلفا لي بالله، قال:
# فخرجا إلى مكة فدخلا على عائشة فلم يزالا بها حتى أخرجاها.
# وروي أنه عليه السلام قال عند توجههما إلى مكة للاجتماع مع عايشة للتأليب
~~عليه بعد أن حمد الله تعالى وأثنى عليه:
# أما بعد فإن الله عز وجل بعث محمدا صلى الله عليه وآله للناس كافة، وجعله
~~رحمة للعالمين
# PageV01P235
# فصدع بما أمر به (1) وبلغ رسالات ربه، فلم به الصدع (2) ورتق به الفتق
~~(3) وأمن به السبل (4) وحقن به الدماء (5) وألف بين ذوي الأحن (6) والعداوة
~~والوغر في الصدور، والضغائن الراسخة في القلوب، ثم قبضه الله إليه حميدا لم
~~يقصر في الغاية التي إليها أدى الرسالة، ولا بلغ شيئا كان في التقصير عنه
~~عند الفقد وكان من بعده ما كان من التنازع في الأمرة، وتولى أبو بكر، وبعده
~~عمر، ثم عثمان، فلما كان من أمره ما كان أتيتموني فقلتم: " بايعنا " فقلت:
~~" لا أفعل " فقلتم: " بلى " فقلت: " لا " وقبضت يدي فبسطتموها، ونازعتكم
~~فجذبتموها، وتداككتم علي تداك الإبل الهيم على حياضها يوم ورودها، حتى ظننت
~~أنكم قاتلي وأن بعضكم قاتل بعض، فبسطت يدي فبايعتموني مختارين، وبايعني في
~~أولكم طلحة والزبير طائعين غير مكرهين، ثم لم يلبثا أن استأذناني في
~~العمرة، والله يعلم أنهما أرادا الغدرة، فجددت عليهما العهد في الطاعة، وأن
~~لا يبغيا للأمة ms161 الغوائل، فعاهداني، ثم لم يفيا لي، ونكثا بيعتي، ونقضا
~~عهدي، فعجبا من انقيادهما لأبي بكر وعمر، وخلافهما لي ولست بدون أحد
~~الرجلين، ولو شئت أن أقول لقلت:
# " اللهم اغضب عليهما بما صنعا وظفرني بهما ".
# وقال: عليه السلام في أثناء كلام آخر.
# وهذا طلحة والزبير ليسا من أهل النبوة، ولا من ذرية الرسول، حين رأيا أن
~~قد رد علينا حقنا، بعد أعصر فلم يصبرا حولا كاملا، ولا شهرا كاملا، حتى
~~وثبا علي، دأب الماضين قبلهما، ليذهبا بحقي ويفرقا جماعة المسلمين عني، ثم
~~دعا عليهما.
# PageV01P236
# وعن سليم بن قيس الهلالي قال: لما التقى أمير المؤمنين عليه السلام أهل
~~البصرة يوم الجمل. نادى الزبير يا أبا عبد الله أخرج إلي: فخرج الزبير ومعه
~~طلحة. فقال لهما والله إنكما لتعلمان وأولوا العلم من آل محمد وعائشة بنت
~~أبي بكر: أن كل أصحاب الجمل ملعونون على لسان محمد صلى الله عليه وآله، وقد
~~خاب من افترى.
# قالا كيف نكون ملعونين ونحن أصحاب بدر وأهل الجنة؟!
# فقال عليه السلام: لو علمت أنكم من أهل الجنة لما استحللت قتالكم، فقال
~~له الزبير: أما سمعت حديث سعيد بن عمرو بن نفيل وهو يروي: أنه سمع من رسول
~~الله صلى الله عليه وآله يقول: " عشرة من قريش في الجنة "؟ قال علي عليه
~~السلام: سمعته يحدث بذلك عثمان في خلافته، فقال الزبير أفترا كذب على رسول
~~الله صلى الله عليه وآله؟ فقال له علي عليه السلام: " لست أخبرك بشئ حتى
~~تسميهم " قال الزبير: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وطلحة، والزبير، وعبد الرحمن
~~بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وأبو عبيدة بن الجراح، وسعيد بن عمرو بن نفيل.
~~فقال له علي عليه السلام: " عددت تسعة فمن العاشر؟ " قال له: أنت قال علي
~~عليه السلام: قد أقررت أني من أهل الجنة، وأما ما ادعيت لنفسك وأصحابك فإنا
~~به من الجاحدين الكافرين، قال له، أفتراه كذب على رسول الله صلى الله عليه
~~وآله؟ قال عليه السلام: ما أراه كذب، ولكنه والله اليقين. فقال علي ms162 عليه
~~السلام: والله إن بعض من سميته لفي تابوت في شعب في جب في أسفل درك من
~~جهنم، على ذلك الجب صخرة إذا أراد الله أن يسعر جهنم رفع تلك الصخرة، سمعت
~~ذلك من رسول الله صلى الله عليه وآله وإلا أظفرك الله بي وسفك دمي على
~~يديك، وإلا أظفرني الله عليك وعلى أصحابك وسفك دمائكم على يدي وعجل أرواحكم
~~إلى النار، فرجع الزبير إلى أصحابه وهو يبكي.
# وروي نصر بن مزاحم (1) أن أمير المؤمنين عليه السلام حين وقع القتال وقتل
~~طلحة، تقدم على بغلة رسول الله صلى الله عليه وآله الشهباء بين الصفين،
~~فدعا الزبير فدنى إليه حتى
# PageV01P237
# اختلف أعناق دابتيهما، فقال: يا زبير أنشدك بالله أسمعت رسول الله صلى
~~الله عليه وآله يقول إنك ستقاتل عليا وأنت له ظالم؟ قال: نعم. قال: فلم
~~جئت؟ قال: جئت لأصلح بين الناس فأدبر الزبير وهو يقول:
# ترك الأمور التي تخشى عواقبها * لله أجمل في الدنيا وفي الدين أتى علي
~~بأمر كنت أعرفه * قد كان عمر أبيك الخير مذحين فقلت حسبك من عذل أبا حسن *
~~بعض الذي قلت هذا اليوم يكفيني فاخترت عارا على نار مؤججة * أنى يقوم لها
~~خلق من الطين نبئت طلحة وسط النقع منجدلا * مأوى الضيوف ومأوى كل مسكين قد
~~كنت أنصر أحيانا وينصرني * في النائبات ويرمي من يراميني حتى ابتلينا بأمر
~~ضاق مصدره * فأصبح اليوم ما يعنيه يعنيني قال: وأقبل الزبير على عائشة،
~~فقال: يا أمه ما لي في هذا بصيرة، وإني منصرف. فقالت عائشة: يا أبا عبد
~~الله أفررت من سيوف ابن أبي طالب؟ فقال، إنها والله طوال حداد، تحملها فتية
~~أنجاد (1)، ثم خرج راجعا فمر بوادي السباع وفيه الأحنف بن قيس قد اعتزل من
~~بني تميم، أخبر الأحنف بانصرافه فقال: ما أصنع به إن كان الزبير ألقى بين
~~غارتين من المسلمين وقتل أحدهما بالآخر ثم هو يريد اللحاق بأهله. فسمعه ابن
~~جرموز فخرج هو ورجلان معه - وقد كان لحق بالزبير رجل من كليب ومعه غلامه -
~~فلما ms163 أشرف ابن جرموز وصاحباه على الزبير، فحرك الرجلان رواحلهما، وخلفا
~~الزبير وحده، فقال لهما الزبير: ما لكما هم ثلاثة ونحن ثلاثة، فلما أقبل
~~ابن جرموز قال له الزبير: إليك عني فقال ابن جرموز: يا أبا عبد الله إني
~~جئتك لأسألك عن أمور الناس. قال:
# تركت الناس يضرب بعضهم وجوه بعضهم بالسيف. قال ابن جرموز: أخبرني عن
~~أشياء أسألك عنها. قال: هات قال: أخبرني عن خذلك عثمان، وعن بيعتك عليا وعن
~~نقضك بيعته، وعن إخراجك عائشة، وعن صلاتك خلف ابنك، وعن هذا
# PageV01P238
# الحرب التي جنيتها، وعن لحوقك بأهلك. فقال: أما خذلي عثمان فأمر قدم الله
~~فيه الخطية، وأخر فيه التوبة، وأما بيعتي عليا، فلم أجد منها بدا، إذ بايعه
~~المهاجرون والأنصار. وأما نقضي بيعته، فإنما بايعته بيدي دون قلبي. وأما
~~إخراجي أم المؤمنين، فأردنا أمرا وأراد الله أمرا غيره. وأما صلاتي خلف
~~ابني فإن خالته قدمته فتنحى ابن جرموز عنه. وقال: قتلني الله إن لم أقتلك.
# وروي أنه جيئ إلى أمير المؤمنين برأس الزبير وسيفه، فتناول سيفه وقال:
# طالما والله جلى به الكرب عن وجه رسول الله صلى الله عليه وآله ولكن
~~الحين، ومصارع السوء وروي أنه عليه السلام لما مر على طلحة من بين القتلى
~~قال اقعدوه فأقعد فقال: إنه كانت لك سابقة من رسول الله، لكن الشيطان دخل
~~في منخريك فأوردك النار.
# وروي أنه مر عليه فقال: هذا ناكث بيعتي، والمنشئ للفتنة في الأمة والمجلب
~~علي الداعي إلى قتلي وقتل عترتي، أجلسوا طلحة: فأجلس. فقال أمير المؤمنين:
~~يا طلحة بن عبيد الله قد وجدت ما وعدني ربي حقا، فهل وجدت ما وعدك ربك حقا؟
~~ثم قال: أضجعوا طلحة! وسار فقال له بعض من كان معه:
# يا أمير المؤمنين أتكلم طلحة بعد قتله؟ فقال أما والله سمع كلامي كما سمع
~~أهل القليب كلام رسول الله صلى الله عليه وآله يوم بدر. وهكذا فعل عليه
~~السلام بكعب بن شور القاضي، لما مر به قتيلا، وقال: هذا الذي خرج علينا في
~~عنقه ms164 مصحف، يزعم أنه ناصر أمه (1) يدعو الناس إلى ما فيه، وهو لا يعلم ما
~~فيه، ثم استفتح وخاب كل جبار عنيد أما إنه دعا الله أن يقتلني فقتله الله.
# وروي أن مروان بن الحكم هو الذي قتل طلحة بسهم رماه به.
# وروي أيضا أن مروان بن الحكم يوم الجمل كان يرمي بسهامه في العسكرين معا،
~~ويقول: من أصبت منهما فهو فتح، لقلة دينه، وتهمته للجميع، وقيل: إن اسم
~~الجمل الذي ركبته يوم الجمل عائشة " عسكر " من ولد إبليس اللعين ورؤي منه
~~ذلك اليوم كل عجيب، لأنه كلما أبتر منه قائمة من قوائمه ثبت على أخرى
# PageV01P239
# حتى نادى أمير المؤمنين عليه السلام: اقتلوا الجمل فإنه شيطان، وتولى
~~محمد بن أبي بكر وعمار بن ياسر رحمة الله عليهما عقره بعد طول دمائه.
# وروى الواقدي (1) إن عمار بن ياسر رحمة الله عليه، لما دخل على عائشة
~~فقال كيف رأيت ضرب نبيك على الحق؟ فقالت: استبصرت من أجل أنك غلبت فقال
~~عمار: أنا أشد استبصارا من ذلك. والله لو ضربتمونا حتى تبلغونا سعيفات هجر
~~لعلمنا أنا على الحق، وأنكم على الباطل. فقالت عائشة: هكذا يخيل إليك يا
~~عمار. أذهبت دينك لابن أبي طالب.
# وروي عن الباقر عليه السلام أنه قال: لما كان يوم الجمل وقد رشق هودج
~~عائشة بالنبل قال أمير المؤمنين عليه السلام: والله ما أراني إلا مطلقها
~~فأنشد الله رجلا سمع من رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: " يا علي أمر
~~نسائي بيدك من بعدي " لما قام فشهد؟
# فقال: فقام ثلاثة عشر رجلا فيهم بدريان فشهدوا: أنهم سمعوا رسول الله صلى
~~الله عليه وآله يقول علي بن أبي طالب عليه السلام: " يا علي أمر نسائي بيدك
~~من بعدي " قال: فبكت عائشة عند ذلك حتى سمعوا بكاءها فقال علي عليه السلام:
~~لقد أنبأني رسول الله صلى الله عليه وآله بنبأ فقال: إن الله تعالى يمدك يا
~~علي يوم الجمل بخمسة آلاف من الملائكة مسومين.
# PageV01P240
# وروي عن ابن عباس (1) قال لأمير المؤمنين عليه ms165 السلام حين أبت عائشة
~~الرجوع دعها في البصرة ولا ترحلها فقال علي عليه السلام: أنها لا تألوا
~~شرا، ولكني أردها إلى بيتها.
# وروى محمد بن إسحاق (2) أن عائشة لما وصلت إلى المدينة راجعة من البصرة
~~لم تزل تحرض الناس على أمير المؤمنين، وكتبت إلى معاوية وأهل الشام، مع
~~الأسود بن البختري، تحرضهم عليه عليه السلام.
# وروي أن عمرو بن العاص قال لعائشة: لوددت أنك قتلت يوم الجمل فقالت ولم
~~لا أبا لك؟ قال: كنت تموتين بأجلك وتدخلين الجنة، ونجعلك أكثر للتشنيع على
~~علي عليه السلام.
# * * * احتجاج أم سلمة (رض) (3) زوجة رسول الله على عائشة في الإنكار
~~عليها بخروجها على علي أمير المؤمنين (ع).
# PageV01P241
# روى الشعبي (1) عن عبد الرحمن بن مسعود العبدي (2) قال كنت بمكة مع عبد
~~الله بن الزبير وطلحة والزبير فأرسلا عبد الله بن الزبير فقالا له: إن
~~عثمان
# PageV01P242
# قتل مظلوما، وإنا نخاف أمر أمة محمد صلى الله عليه وآله أن يختل، فإن رأت
~~عائشة أن تخرج معنا لعل الله أن يرتق بها فتقا ويشعب بها صدعا.
# فخرجنا نمشي حتى انتهينا إليها فدخل عبد الله بن الزبير في سترها وجلست
~~على الباب فأبلغها ما أرسلا به إليها فقالت: سبحان الله ما أمرت بالخروج،
~~وما تحضرني من أمهات المؤمنين إلا أم سلمة فإن خرجت، خرجت معها.
# فرجع إليهما فبلغهما ذلك فقالا: ارجع إليها فلتأتها فهي أثقل عليها منا،
~~فرجع إليها فبلغها، فأقبلت حتى دخلت على أم سلمة فقالت: أم سلمة مرحبا
~~بعائشة، والله ما كنت لي بزوارة فما بدا لك؟ قالت: قدم طلحة والزبير فخبرا
~~أن أمير المؤمنين عثمان قتل مظلوما. فصرخت أم سلمة صرخة أسمعت من في الدار
~~فقالت يا عائشة بالأمس أنت تشهدين عليه بالكفر، وهو اليوم أمير المؤمنين
~~قتل مظلوما! فما تريدين؟ قالت: تخرجين معنا فعل الله أن يصلح بخروجنا أمر
~~أمة محمد صلى الله عليه وآله قالت: يا عائشة تخرجين وقد سمعت من رسول الله
~~صلى الله عليه وآله ما سمعنا؟!
# نشدتك بالله يا عائشة الذي ms166 يعلم صدقك إن صدقت أتذكرين يوما كان نوبتك من
~~رسول الله صلى الله عليه وآله، فصنعت حريرة في بيتي فأتيته بها وهو صلى
~~الله عليه وآله يقول:
# والله لا يذهب الليالي والأيام حتى تتنابح كلاب ماء بالعراق يقال له: "
~~الحوأب " امرأة من نسائي في فئة باغية، فسقط الإناء من يدي، فرفع رأسه إلي
~~وقال: ما بالك يا أم سلمة؟ فقلت: يا رسول الله صلى الله عليه وآله ألا يسقط
~~الإناء من يدي وأنت تقول ما تقول ما يؤمنني أن أكون هي أنا؟! فضحكت أنت
~~فالتفت إليك فقال صلى الله عليه وآله مما تضحكين يا حميراء الساقين؟ إني
~~أحسبك هيه.
# ونشدتك بالله يا عائشة أتذكرين ليلة أسري بنا مع رسول الله صلى الله عليه
~~وآله من مكان كذا وكذا وهو بيني وبين علي بن أبي طالب عليه السلام يحدثنا،
~~فأدخلت جملك فحال بينه وبين علي فرفع مقرعة كانت معه يضرب بها وجه جملك
~~قال: أما والله ما يومه منك بواحدة، أما إنه لا يبغضه إلا منافق كذاب؟
~~وأنشدك بالله أتذكرين مرض رسول الله صلى الله عليه وآله الذي قبض فيه فأتاه
~~أبوك يعوده ومعه عمر. وقد كان علي PageV01P243
# ابن أبي طالب عليه السلام يتعاهد ثوب رسول الله صلى الله عليه وآله ونعله
~~وخفه ويصلح ما وهي منها فدخل قبل ذلك فأخذ نعل رسول الله وهي حضرمية فهو
~~يخصفها خلف البيت، فاستأذنا عليه فأذن لهما، فقالا: يا رسول الله كيف
~~أصبحت؟ قال أصبحت أحمد الله، قالا: لا بد من الموت، قال: أجل لا بد من
~~الموت، قالا: يا رسول الله فهل استخلفت أحدا قال: ما خليفتي فيكم إلا خاصف
~~النعل فخرجا فمرا على علي بن أبي طالب عليه السلام وهو يخصف نعل رسول الله
~~صلى الله عليه وآله، كل ذلك تعرفينه يا عائشة وتشهدين عليه، ثم قالت أم
~~سلمة يا عائشة أنا أخرج على علي بعد الذي سمعته من رسول الله صلى الله عليه
~~وآله؟! فرجعت عائشة إلى منزلها فقالت يا بن ms167 الزبير أبلغهما أني لست بخارجة
~~من بعد الذي سمعت من أم سلمة، فرجع فبلغهما قال: فما انتصف الليل حتى سمعت
~~رغاء إبلهما ترتحل فارتحلت معهما.
# وروي عن الصادق عليه السلام أنه قال دخلت أم سلمة بنت أبي أمية على عائشة
~~لما أزمعت الخروج إلى البصرة فحمدت الله وصلت على النبي صلى الله عليه وآله
~~ثم قالت: يا هذه إنك سدة بين رسول الله وبين أمته، وحجابه عليك مضروب وعلى
~~حرمته، وقد جمع القرآن ذيلك فلا تندحيه (1) وضم ظفرك فلا تنشريه، وشد
~~عقيرتك فلا تصحريها (2) إن الله من وراء هذه الأمة وقد علم رسول الله مكانك
~~لو أراد أن يعهد إليك فعل بل نهى عن الفرطة في البلاد (3) إن عمود الدين لن
~~يثاب بالنساء إن مال (4) ولا يرأب بهن إن انصدع (5)، جمال النساء غض
~~الأطراف، وضم الذيول والأعطاف وما كنت قائلة لو أن رسول الله صلى الله عليه
~~وآله عارضك في بعض هذه الفلوات وأنت ناصة قعودا من منهل إلى منهل، ومنزل
~~إلى منزل، ولغير الله مهواك، وعلى رسول الله
# PageV01P244
# تردين، وقد هتكت عنك سجافه، ونكثت عهده، وبالله أحلف أن لو سرت مسيرك ثم
~~قيل لي ادخلي الفردوس لاستحييت من رسول الله أن ألقاه هاتكة حجابا ضربه علي
~~فاتقي الله، واجعليه حصنا، وقاعة الستر منزلا، حتى تلقيه. إن أطوع ما
~~تكونين لربك ما قصرت عنه، وأنصح ما تكونين لله ما لزمته، وأنصر ما تكونين
~~للدين ما قعدت عنه، وبالله أحلف لو حدثتك بحديث سمعته من رسول الله صلى
~~الله عليه وآله لنهشتني نهش الرقشاء المطرقة (1). فقالت لها عائشة ما
~~أعرفني بموعظتك، وأقبلني نصحك، ليس مسيري على ما تظنين، ما أنا بالمغترة،
~~ولنعم المطلع تطلعت فيه، فرقت بين فئتين متشاجرتين، فإن أقعد ففي غير حرج،
~~وإن أخرج ففي ما لا غنى بي عنه من الازدياد في الأجرة، قال الصادق عليه
~~السلام فلما كان من ندمها أخذت أم سلمة تقول:
# لو كان معتصما من زلة أحد * كانت لعائشة الرتبى على الناس من زوجة ms168 لرسول
~~الله فاضلة * وذكر آي من القرآن مدراس وحكمة لم تكن إلا لها جسها * في
~~الصدر يذهب عنها كل وسواس يستنزع الله من قوم عقولهم * حتى يمر الذي يقضي
~~على الرأس ويرحم الله أم المؤمنين لقد * تبدلت لي إيحاشا بإيناس فقالت لها
~~عائشة: شتمتني يا أخت. فقالت أم سلمة: ولكن الفتنة إذا أقبلت غضت عيني
~~البصير، وإذا أدبرت أبصرها العاقل والجاهل.
# * * *
# PageV01P245
# احتجاج أمير المؤمنين (ع) بعد دخوله البصرة بأيام على من قال من أصحابه
~~إنه ما قسم الفيئ فينا بالسوية ولا عدل في الرعية وغير ذلك من المسائل التي
~~سئل عنها في خطبة خطبها.
# روى يحيى بن (1) عبد الله بن الحسن عن أبيه عبد الله بن الحسن قال كان
~~أمير المؤمنين عليه السلام يخطب بالبصرة بعد دخوله بأيام فقام إليه رجل
~~فقال:
# يا أمير المؤمنين أخبرني من أهل الجماعة، ومن أهل الفرقة، ومن أهل البدعة
~~ومن أهل السنة؟
# فقال: ويحك أما إذا سألتني فافهم عني ولا عليك أن تسئل عنها أحدا بعدي
~~أما أهل الجماعة فأنا ومن اتبعني وإن قلوا، وذلك الحق عن أمر الله تعالى
~~وعن أمر رسوله، وأهل الفرقة المخالفون لي ولمن اتبعني وإن كثروا، وأما أهل
~~السنة فالمتمسكون بما سنه الله لهم ورسوله وإن قلوا، وأما أهل البدعة
~~فالمخالفون لأمر الله ولكتابه ولرسوله، العاملون برأيهم وأهوائهم وإن
~~كثروا، وقد مضى منهم الفوج الأول وبقيت أفواج، وعلى الله قبضها واستيصالها
~~عن جدد الأرض.
# فقام إليه عمار فقال: يا أمير المؤمنين إن الناس يذكرون الفيئ ويزعمون أن
~~من قاتلنا فهو وماله وولده فيئ لنا.
# فقام إليه رجل من بكر بن وائل، يدعى عباد بن قيس، وكان ذا عارضة ولسان
~~شديد. فقال: يا أمير المؤمنين والله ما قسمت بالسوية، ولا عدلت بالرعية.
# فقال: ولم ويحك؟!
# قال لأنك قسمت ما في العسكر وتركت الأموال والنساء والذرية.
# فقال: أيها الناس من كانت به جراحة فليداوها بالسمن.
# فقال عباد: جئنا نطلب غنائمنا فجاءنا بالترهات فقال له أمير المؤمنين
~~عليه السلام إن كنت كاذبا ms169 فلا أماتك الله حتى يدركك غلام ثقيف، قيل: ومن
~~غلام ثقيف؟
# PageV01P246
# فقال: رجل لا يدع لله حرمة إلا انتهكها فقيل أفيموت أو يقتل؟ فقال: يقصمه
~~قاصم الجبارين بموت فاحش يحترق منه دبره لكثرة ما يجري من بطنه، يا أخا بكر
~~أنت امرء ضعيف الرأي، أو ما علمت أنا لا نأخذ الصغير بذنب الكبير، وأن
~~الأموال كانت لهم قبل الفرقة، وتزوجوا على رشدة، وولدوا على فطرة، وإنما
~~لكم ما حوى عسكركم، وما كان في دورهم فهو ميراث. فإن عدا أحد منهم أخذناه
~~بذنبه، وإن كف عنا لم نحمل عليه ذنب غيره، يا أخا بكر لقد حكمت فيهم بحكم
~~رسول الله صلى الله عليه وآله في أهل مكة، فقسم ما حوى العسكر، ولم يتعرض
~~لما سوى ذلك وإنما اتبعت أثره حذو النعل بالنعل، يا أخا بكر أما علمت أن
~~دار الحرب يحل ما فيها، وأن دار الهجرة يحرم ما فيها إلا بالحق، فمهلا مهلا
~~رحمكم الله فإن لم تصدقوني وأكثرتم علي - وذلك إنه تكلم في هذا غير واحد -
~~فأيكم يأخذ عائشة بسهمه؟ فقالوا: يا أمير المؤمنين أصبت وأخطأنا، وعلمت
~~وجهلنا، فنحن نستغفر الله تعالى، ونادى الناس من كل جانب: أصبت يا أمير
~~المؤمنين، أصاب الله بك الرشاد، والسداد، فقام عباد فقال:
# أيها الناس إنكم والله لو اتبعتموه وأطعتموه لن يضل بكم عن منهل نبيكم
~~حتى قيس شعرة، وكيف لا يكون ذلك وقد استودعه رسول الله صلى الله عليه وآله
~~علم المنايا والقضايا وفصل الخطاب على منهاج هارون وقال له: أنت مني بمنزلة
~~هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي فضلا خصه الله به وإكراما منه لنبيه صلى
~~الله عليه وآله حيث أعطاه ما لم يعط أحدا من خلقه.
# ثم قال أمير المؤمنين عليه السلام: انظروا رحمكم الله ما تؤمرون فامضوا
~~له، فإن العالم أعلم بما يأتي به من الجاهل الخسيس الأخس، فإني حاملكم
~~إنشاء الله إن أطعتموني على سبيل النجاة، وإن كان فيه مشقة شديدة، ومرارة
~~عديدة. والدنيا حلوة الحلاوة لمن ms170 اغتر بها من الشقاوة والندامة عما قليل.
~~ثم إني أخبركم أن جيلا من بني إسرائيل أمرهم نبيهم أن لا يشربوا من النهر
~~فلجوا في ترك أمره فشربوا منه إلا قليل منهم، فكونوا رحمكم الله من أولئك
~~الذين أطاعوا نبيهم ولم يعصوا ربهم PageV01P247
# وأما عائشة فأدركها رأي النساء، ولها بعد ذلك حرمتها الأولى والحساب على
~~الله يعفو عمن يشاء، ويعذب من يشاء.
# عن الأصبغ بن نباتة (1) قال: كنت واقفا مع أمير المؤمنين عليه السلام يوم
~~الجمل فجاء رجل حتى وقف بين يديه فقال يا أمير المؤمنين كبر القوم وكبرنا،
~~وهلل القوم وهللنا، وصلى القوم وصلينا، فعلى ما تقاتلهم؟ فقال أمير
~~المؤمنين عليه السلام على ما أنزل الله جل ذكره في كتابه. فقال: يا أمير
~~المؤمنين ليس كل ما أنزل الله في كتابه أعلمه فعلمنيه. فقال علي عليه
~~السلام: ما أنزل الله في سورة البقرة. فقال يا أمير المؤمنين ليس كل ما
~~أنزل الله في سورة البقرة أعلمه فعلمنيه. فقال علي عليه السلام
# PageV01P248
# هذه الآية: " تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم
~~درجات وآتينا عيسى بن مريم البينات وأيدناه بروح القدس ولو شاء الله ما
~~اقتتل الذين من بعدهم من بعدما جائتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن
~~ومنهم من كفر ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد (1) " فنحن
~~الذين آمنا وهم الذين كفروا. فقال الرجل: كفر القوم ورب الكعبة. ثم حمل
~~فقاتل حتى قتل رحمه الله.
# عن المبارك بن فضالة عن رجل ذكره قال أتى رجل أمير المؤمنين عليه السلام
~~بعد الجمل، فقال: يا أمير المؤمنين رأيت في هذه الواقعة أمرا هالني من روح
~~قد بانت وجثة قد زالت، ونفس قد فأتت، لا أعرف فيهم مشركا بالله تعالى،
~~فالله الله مما يجللني من هذا إن يك شرا فهذا نتلقى بالتوبة، وإن يك خيرا
~~ازددنا منه أخبرني عن أمرك هذا الذي أنت عليه، أفتنة عرضت لك فأنت تنفع
~~الناس بسيفك (2) أم شئ خصك به ms171 رسول الله؟.
# فقال عليه السلام: إذن أخبرك، إذن أنبئك، إذن أحدثك، إن ناسا من المشركين
~~أتوا رسول الله صلى الله عليه وآله وأسلموا، ثم قالوا لأبي بكر: استأذن لنا
~~على رسول الله صلى الله عليه وآله حتى نأتي قومنا فنأخذ أموالنا ثم نرجع.
~~فدخل أبو بكر على رسول الله صلى الله عليه وآله فاستأذن لهم، فقال، عمر: يا
~~رسول الله أنرجع من الإسلام إلى الكفر؟ فقال: وما علمك يا عمران ينطلقوا
~~فيأتوا بمثلهم معهم من قومهم، ثم إنهم أتوا أبا بكر في العام المقبل فسألوه
~~أن يستأذن لهم على النبي فاستأذن لهم، وعنده عمر فقال: مثل قوله فغضب رسول
~~الله صلى الله عليه وآله ثم قال: والله ما أراكم تنتهون حتى يبعث الله
~~عليكم رجلا من قريش يدعوكم إلى الله فتختلفون عنه اختلاف الغنم الشرود،
~~فقال له أبو بكر فداك أبي وأمي يا رسول الله أنا هو؟ قال: لا. قال عمر: فمن
~~هو يا رسول الله؟ فأومى إلي وأنا أخصف نعل رسول الله صلى الله عليه وآله
~~وقال: " هو خاصف النعل عندكما، ابن
# PageV01P249
# عمي، وأخي، وصاحبي، ومبرئ ذمتي، والمؤدي عني ديني، وعداتي، والمبلغ عني
~~رسالاتي، ومعلم الناس من بعدي، ومبينهم من تأويل القرآن ما لا يعلمون "
~~فقال الرجل: اكتفي منك بهذا يا أمير المؤمنين ما بقيت. فكان ذلك الرجل أشد
~~أصحاب علي عليه السلام فيما بعد على من خالفه.
# عن ابن عباس رضي الله عنه قال لما فرغ علي عليه السلام من قتال أهل
~~البصرة وضع قتبا على قتب (1) ثم صعد عليه فخطب، فحمد الله وأثنى عليه فقال:
# يا أهل البصرة، يا أهل المؤتفكة (2) يا أهل الداء العضال (3)، أتباع
~~البهيمة (4)، يا جند المرأة (5) رغا فأجبتم (6) وعقر فهربتم، ماءكم زعاق
~~(7) ودينكم نفاق، وأخلاقكم دقاق. ثم نزل يمشي بعد فراغه من خطبته فمشينا
~~معه فمر بالحسن البصري وهو يتوضأ فقال: يا حسن أسبغ الوضوء. فقال: يا أمير
~~المؤمنين لقد قتلت بالأمس أناسا يشهدون أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ms172
~~وأن محمدا عبده ورسوله، يصلون الخمس، ويسبغون الوضوء. فقال له أمير
~~المؤمنين عليه السلام: قد كان ما رأيت فما منعك أن تعين علينا عدونا. فقال:
~~والله لأصدقنك يا أمير المؤمنين لقد خرجت في أول يوم فاغتسلت وتحنطت وصببت
~~علي سلاحي وأنا لا أشك في أن التخلف عن أم المؤمنين عائشة هو الكفر، فلما
~~انتهيت إلى موضع من الخريبة ناداني مناد: " يا حسن إلى أين أرجع فإن القاتل
~~والمقتول في النار " فرجعت ذعرا
# PageV01P250
# وجلست في بيتي، فلما كان في اليوم الثاني لم أشك أن التخلف عن أم
~~المؤمنين عائشة هو الكفر، فتحنطت، وصببت علي سلاحي وخرجت أريد القتات، حتى
~~أنهيت إلى موضع من الخريبة فناداني مناد من خلفي: " يا حسن إلى أين مرة بعد
~~أخرى فإن القاتل والمقتول في النار " قال علي عليه السلام: صدقك أفتدري من
~~ذلك المنادي؟
# قال: لا. قال عليه السلام: ذلك أخوك إبليس، وصدقك أن القاتل والمقتول
~~منهم (1) في النار، فقال الحسن البصري الآن عرفت يا أمير المؤمنين أن القوم
~~هلكى.
# وعن أبي يحيى الواسطي (2) قال: لما افتتح أمير المؤمنين عليه السلام
~~اجتمع الناس عليه وفيهم الحسن البصري ومعه الألواح، فكان كلما لفظ أمير
~~المؤمنين عليه السلام بكلمة كتبها، فقال له أمير المؤمنين عليه السلام -
~~بأعلى صوته - ما تصنع؟ فقال نكتب آثاركم لنحدث بها بعدكم، فقال أمير
~~المؤمنين عليه السلام: أما أن لكل قوم سامري وهذا سامري هذه الأمة، أما إنه
~~لا يقول لا مساس ولكن يقول لا قتال.
# * * * احتجاجه (ع) على قومه في الحث على المسير إلى الشام لقتال معاوية
~~وفيما أخذ عليهم من العهد والميثاق بالطاعة له حال بيعتهم إياه.
# روي أنه عليه السلام لما عزم على المسير إلى الشام لقتال معاوية قال -
~~بعد حمد الله والثناء عليه والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وآله -:
~~اتقوا الله عباد الله وأطيعوه، وأطيعوا إمامكم، فإن الرعية الصالحة تنجو
~~بالإمام العادل، ألا وإن الرعية الفاجرة تهلك بالإمام الفاجر، وقد أصبح
~~معاوية غاصبا لما في يديه من حقي، ms173 ناكثا لبيعتي،
# PageV01P251
# طاغيا في دين الله عز وجل، وقد علمتم أيها المسلمون ما فعل الناس بالأمس،
~~فجئتموني راغبين إلي في أمركم، حتى استخرجتموني من منزلي لتبايعوني،
~~فالتويت عليكم لأبلو (1) ما عندكم فراددتموني القول مرارا وراددتكم،
~~وتداككتم علي تداك الإبل الهيم على حياضها حرصا على بيعتي، حتى خفت أن يقتل
~~بعضكم بعضا، فلما رأيت ذلك منكم رويت في أمركم وأمري، وقلت إن أنا لم أجبهم
~~إلى القيام بأمرهم لم يصيبوا أحدا منهم يقوم فيهم مقامي ويعدل فيهم عدلي،
~~وقلت والله لا ليتهم وهم يعلمون حقي وفضلي أحب إلي من أن يلوني وهم لا
~~يعرفون حقي وفضلي، فبسطت لكم يدي فبايعتموني يا معشر المسلمين، وفيكم
~~المهاجرون والأنصار، والتابعون بإحسان، فأخذت عليكم عهد بيعتي، وواجب
~~صفقتي، عهد الله وميثاقه، وأشد ما أخذ على النبيين من عهد وميثاق، لتقرن
~~لي، ولتسمعن لأمري، ولتطيعوني، وتناصحوني، وتقاتلون معي كل باغ علي أو مارق
~~إن مرق، فأنعمتم لي بذلك جميعا، وأخذت عليكم عهد الله وميثاقه، وذمة الله
~~وذمة رسوله، فأجبتموني إلى ذلك جميعا، وأشهدت الله عليكم، وأشهدت بعضكم على
~~بعض، فقمت فيكم بكتاب الله، وسنة نبيه صلى الله عليه وآله، فالعجب من
~~معاوية بن أبي سفيان ينازعني الخلافة، ويجحد لي الإمامة، ويزعم أنه أحق بها
~~مني، جرأة منه على الله وعلى رسول الله صلى لله عليه وآله، بغير حق له فيها
~~ولا حجة، ولم يبايعه المهاجرون ولا سلم له الأنصار والمسلمون.
# يا معشر المهاجرين والأنصار وجماعة من سمع كلامي، أما أوجبتم لي على
~~أنفسكم الطاعة، أما بايعتموني على الرغبة، أما أخذت عليكم العهد بالقبول
~~لقولي؟
# أما بيعتي لكم يومئذ أوكد من بيعة أبي بكر وعمر، فما بال من خالفني لم
~~ينقض عليهما حتى مضيا ونقض علي ولم يف لي؟! أما يجب عليكم نصحي ويلزمكم
~~أمري؟ أما تعلمون أن بيعتي يلزم الشاهد منكم والغائب؟ فما بال معاية
~~وأصحابه طاغون في بيعتي؟ ولم لم يفوا لي وأنا في قرابتي وسابقتي وصهري أولى
~~بالأمر ممن
# PageV01P252
# تقدمني؟ أما سمعتم قول رسول ms174 الله صلى الله عليه وآله يوم الغدير في
~~ولايتي وموالاتي؟
# فاتقوا الله أيها المسلمون وتحاثوا على جهاد معاوية القاسط الناكث،
~~وأصحابه القاسطين الناكثين، اسمعوا ما اتلوا عليكم من كتاب الله المنزل،
~~على نبيه المرسل لتتعظوا، فإنه والله أبلغ عظة لكم، فانتفعوا بموعظة الله،
~~وازدجروا عن معاصي الله، فقد وعظكم الله بغيركم فقال لنبيه صلى الله عليه
~~وآله: " ألم تر إلى الملأ من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي لهم
~~ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله قال هل عسيتم أن كتب عليكم القتال أن لا
~~تقاتلوا قالوا وما لنا لا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا
~~وأبنائنا فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم والله عليم بالظالمين
~~(1) " وقال لهم نبيهم: " إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا قالوا أنى يكون له
~~الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال قال إن الله اصطفاه
~~عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم والله يؤتي ملكه من يشاء والله واسع عليم
~~(2) " أيها الناس إن لكم في هذه الآيات عبرة، لتعلموا أن الله جعل الخلافة
~~والأمرة من بعد الأنبياء في أعقابهم، وأنه فضل طالوت وقدمه على الجماعة
~~باصطفائه إياه، وزيادة بسطه في العلم والجسم، فهل تجدون أن الله اصطفى بني
~~أمية على بني هاشم، وزاد معاوية علي بسطة في العلم والجسم.
# واتقوا الله عباد الله وجاهدوا في سبيله قبل أن ينالكم سخطه بعصيانكم له
~~قال الله سبحانه: " لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن
~~مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما
~~كانوا يعملون إنما المؤمنين الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا
~~وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون (3) " وقال
~~سبحانه: " يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم
~~تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم
~~إن كنتم تعلمون يغفر لكم ذبوبكم
# PageV01P253
# ويدخلكم جنات تجري ms175 من تحتها الأنهار ومساكن طيبة في جنات عدن ذلك الفوز
~~العظيم (1) ".
# اتقوا الله عباد الله وتحاثوا على الجهاد مع إمامكم فلو كان لي منكم
~~عصابة بعدد أهل بدر إذا أمرتهم أطاعوني وإذا استنهضتهم نهضوا معي لاستغنيت
~~بهم عن كثير منكم، وأسرعت النهوض إلى حرب معاوية وأصحابه فإنه الجهاد
~~المفروض.
# ومن كلامه عليه السلام يجري مجرى الاحتجاج مشتملا على التوبيخ لأصحابه
~~على تثاقلهم عن قتال معاوية والتفنيد متضمنا اللوم والوعيد.
# أيها الناس إني استنفرتكم لجهاد هؤلاء فلم تنفروا (2) وأسمعتكم فلم
~~تجيبوا، ونصحت لكم فلم تقبلوا، شهودا بالغيب (3) اتلوا عليكم الحكمة
~~فتعرضون عنها، وأعظكم بالموعظة البالغة فتنفرون عنها، كأنكم حمر مستنفرة
~~فرت من قسورة، وأحثكم على جهاد أهل الجور فما آتي على آخر قولي حتى أراكم
~~متفرقين أيادي سبا، ترجعون إلى مجالسكم تتربعون حلقا، تضربون الأمثال
~~وتنشدون الأشعار، وتجسسون الأخبار، حتى إذا تفرقتم تسألون عن الأخبار جهلا
~~من غير علم، وغفلة من غير ورع، وتتبعا من غير خوف، ونسيتم الحرب والاستعداد
~~لها، فأصبحت قلوبكم فارغة من ذكرها، شغلتموها بالأعاليل والأضاليل، فالعجب
~~كل العجب، وكيف لا أعجب من اجتماع قوم على باطلهم، وتخاذلكم عن حقكم يا أهل
~~الكوفة أنتم كأم مخالد حملت فأملصت (4) فمات قيمها وطال أيمها (5) وورثها
~~أبعدها، والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، إن من ورائكم الأغبر الأدبر جهنم
~~الدنيا لا تبقي ولا تذر، ومن بعده النهاش الفراس، الجموع المنوع ثم
~~ليتوارثنكم من بني أمية عدة ما الآخر منهم بارق بكم من الأول، ما خلا
# PageV01P254
# واحد (1) بلاء قضاه الله على هذه الأمة لا محالة كائن، يقتلون أخياركم،
~~ويستعبدون أرذالكم، ويستخرجون كنوزكم وذخايركم في جوف حجالكم، نقمة بما
~~صنعتم من أموركم، وصلاح أنفسكم ودينكم.
# يا أهل الكوفة أخبركم بما يكون قبل أن يكون، لتكونوا منه على حذر
~~ولتنذروا به اتعظ واعتبر، كأني بكم تقولون: إن عليا يكذب، كما قالت قريش
~~لنبيها صلى الله عليه وآله وسيدها نبي الرحمة، " محمد بن عبد الله " فيا
~~ويلكم فعلى من أكذب أعلى الله فأنا أول من عبده ms176 ووحده؟! أم على رسوله فأنا
~~أول من آمن به وصدقه ونصره؟! كلا ولكنها لهجة خدعة! كنتم عنها أغنياء،
~~والذي فلق الحبة وبرئ النسمة لتعلمن نبأها بعد حين، وذلك إذا صيركم إليها
~~جهلكم، ولا ينفعكم عندها علمكم، فقبحا لكم يا أشباه الرجال ولا رجال، حلوم
~~الأطفال، وعقول ربات الحجال (2)، أما والله أيها الشاهدة أبدانهم، الغائبة
~~عنهم عقولهم، المختلفة أهوائهم (3) ما أعز الله نصر من دعاكم، ولا استراح
~~قلب من قاساكم (4) ولا قرت عين من آواكم، كلامكم يوهن الصم الصلاب (5)
~~وفعلكم يطمع فيكم عدوكم المرتاب، ويحكم أي دار بعد داركم تمتعون ومع أي
~~إمام بعدي تقاتلون المغرور والله من غررتموه، ومن فاز بكم فاز بالسهم
~~الأخيب، أصبحت لا أطمع في نصرتكم، ولا أصدقكم قولكم، فرق الله بيني وبينكم،
~~وأعقبني بكم من هو خيرا لي منكم، وأعقبكم بي من هو شرا لكم مني، إمامكم
~~يطيع الله وأنتم تعصونه
# PageV01P255
# وإمام أهل الشام يعصي الله وهم يطيعونه، والله لوددت أن معاوية صارفني
~~بكم صرف الدينار بالدرهم، فأخذ مني عشرة منكم وأعطاني واحدا منهم، والله
~~لوددت أني لم أعرفكم، ولم تعرفوني، فإنها معرفة جرت ندما لقد ورثتم صدري
~~غيظا، وأفسدتم علي أمري بالخذلان والعصيان، حتى لقد قالت قريش إن عليا رجل
~~شجاع لكن لا علم له بالحروب، لله درهم هل كان فيهم أحد أطول لها مراسا مني
~~وأشد بها مقاساة (1) لقد نهضت فيها وما بلغت العشرين، ثم هاأنا ذا قد ذرفت
~~على الستين، لكن لا أمر لمن لا يطاع، أما والله لوددت أن ربي قد أخرجني من
~~بين أظهركم إلى رضوانه، وإن المنية لترصدني فما يمنع أشقاها أن يخضبها؟ -
~~وترك يده على رأسه ولحيته - عهدا عهده إلي النبي الأمي وقد خاب من افترى،
~~ونجا من اتقى وصدق بالحسنى.
# يا أهل الكوفة قد دعوتكم إلى جهاد هؤلاء ليلا ونهارا، وسرا وإعلانا، وقلت
~~لكم اغزوهم فإنه ما غزي قوم في عقر دارهم إلا ذلوا، فتواكلتم (2) وتخاذلتم
~~وثقل عليكم قولي، واستصعب عليكم أمري، واتخذتموه ورائكم ظهريا، حتى شنت
~~عليكم ms177 الغارات، وظهرت فيكم الفواحش والمنكرات، تمسيكم وتصبحكم، كما فعل
~~بأهل المثلات من قبلكم، حيث أخبر الله عز وجل عن الجبابرة العتاة الطغاة،
~~المستصعفين الغوات، في قوله تعالى: " يذبحون أبنائكم ويستحيون نسائكم وفي
~~ذلكم بلاء من ربكم عظيم (3) " أما والذي فلق الحبة وبرئ النسمة لقد حل بكم
~~الذي توعدون.
# عاتبتكم يا أهل الكوفة بمواعظ القرآن فلم أنتفع بكم، وأدبتكم بالدرة فلم
~~تستقيموا لي، وعاقبتكم بالسوط الذي يقام به الحدود فلم ترعووا، ولقد علمت
~~أن
# PageV01P256
# الذي يصلحكم هو السيف، وما كنت متحريا صلاحكم بفساد نفسي (1) ولكن سيسلط
~~عليك سلطان صعب، لا يوقر كبيركم، ولا يرحم صغيركم، ولا يكرم عالمكم، ولا
~~يقسم الفيئ بالسوية بينكم، وليضربنكم، وليذلنكم، وليجرنكم في المغازي،
~~وليقطعن سبلكم، وليجمعنكم على بابه، حتى يأكل قويكم ضعيفكم ثم لا يبعد الله
~~من ظلم، ولقل ما أدبر شئ فأقبل، وإني لأظنكم على فترة، وما علي إلا النصح
~~لكم.
# يا أهل الكوفة منيت منكم بثلاث واثنتين (2) صم ذووا أسماع، وبكم ذووا
~~ألسن، وعمي ذووا أبصار، لا إخوان صدق عند اللقاء، ولا إخوان ثقة عند
~~البلاء.
# اللهم إني قد مللتهم وملوني، وسئمتهم وسئموني (3) اللهم لا ترض عنهم
~~أميرا ولا ترضهم عن أمير، وأمث قلوبهم كما يماث الملح (4) بالماء أما والله
~~لو أجد بدا (5) من كلامكم ومراسلتكم ما فعلت، ولقد عاتبتكم في رشدكم حتى
~~لقد سئمت الحياة، كل ذلك تراجعون بالهزء من القول، فرارا من الحق، وإلحادا
~~إلى الباطل الذي لا يعز الله بأهله الدين، وإني لأعلم أنكم لا تزيدونني غير
~~تخسير، كلما أمرتكم بجهاد عدوكم اثاقلتم إلى الأرض وسألتموني التأخير، وفاع
~~ذي الدين المطول، (6) إن قلت لكم في القيظ سيروا، قلتم الحر شديد، وإن قلت
~~لكم في البرد سيروا، قلتم القر شديد (7) كل ذلك فرارا عن الحرب، إذا كنتم
~~عن الحر والبرد تعجزون، فأنتم عن حرارة السيف أعجز، فإنا لله وإنا إليه
~~راجعون.
# PageV01P257
# يا أهل الكوفة قد أتاني الصريح يخبرني أن ابن عمر قد نزل الأنبار (1) على
~~أهلها ليلا في أربعة آلاف، فأغار عليهم ms178 كما يغار على الروم والخزر، فقتل
~~بها عاملي ابن حسان، وقتل معه رجالا صالحين، ذوي فضل وعبادة ونجدة، بوأ
~~الله لهم جنات النعيم، وأنه أباحها، ولقد بلغني أن العصبة من أهل الشام (2)
~~كانوا يدخلون على المرأة المسلمة والأخرى المعاهدة فيه تكون سترها، ويأخذون
~~القناع من رأسها، والخرص من أذنها، والأوضاح من يديها ورجليها وعضديها،
~~والخلخال والميزر عن سوقها، فما تمتنع إلا بالاسترجاع والنداء: " يا
~~للمسلمين! " فلا يغيثها مغيث، ولا ينصرها ناصر، فلو أن مؤمنا مات دون هذا
~~ما كان عندي ملوما، بل كان عندي بارا محسنا، واعجبا كل العجب من تظافر
~~هؤلاء القوم على باطلهم، وفشلكم عن حقكم، قد صرتم غرضا يرمى (3) ولا ترمون،
~~وتغزون ولا تغزون ويعصى الله وترضون، فتربت أيديكم يا أشباه الإبل غاب عنها
~~رعاتها، كلما اجتمعت من جانب تفرقت من جانب.
# * * * احتجاجه (ع) على معاوية في جواب كتاب كتب إليه في غيره من المواضع
~~وهو من أحسن الحجاج وأصوبها *.
# أما بعد فقد أتاني كتابك تذكر فيه اصطفاء الله تعالى محمدا صلى الله عليه
~~وآله لدينه، وتأييده إياه بمن أيده من أصحابه، فلقد خبأ (4) لنا الدهر منك
~~عجبا إذ طفقت (5)
# PageV01P258
# تخبرنا ببلاء الله عندنا، ونعمته علينا في نبينا، فكنت في ذلك كناقل
~~التمر إلى هجر (1)، أو داعي مسدده إلى النضال (2) وزعمت أن أفضل الناس في
~~الإسلام فلان وفلان (3) فذكرت أمرا إن تم اعتزلك كله، وإن نقص لم يلحقك
~~ثلمه، وما أنت والفاضل والمفضول، والسايس والمسوس، وما للطلقاء وأبناء
~~الطلقاء والتمييز بين المهاجرين الأولين، وترتيب درجاتهم، وتعريف طبقاتهم،
~~هيهات لقد حن قدح ليس منها (4) وطفق يحكم فيها من عليه الحكم لها. ألا تربع
~~أيها الإنسان على ظلعك وتعرف قصور ذرعك (5)، وتتأخر حيث أخرك القدر فما
~~عليك غلبة المغلوب، ولا لك ظفر الظافر، فإنك لذهاب في التيه، رواغ عن القصد
~~(6) ألا ترى - غير مخبر لك لكن بنعمة الله أحدث -: إن قوما استشهدوا في
~~سبيل الله من المهاجرين ولكل فضل، حتى إذا استشهد شهيدنا قيل: " سيد
~~الشهداء " وخصه رسول الله ms179 صلى الله عليه وآله بسبعين تكبيرة عند صلاته عليه
~~(7)، أو لا ترى أن قوما قطعت أيديهم في سبيل الله ولكل فضل، حتى إذا فعل
~~بواحدنا كما فعل بواحدهم
# PageV01P259
# قيل: " الطيار في الجنة وذو الجناحين " (1) ولولا ما نهى الله عن تزكية
~~المرأ نفسه لذكر ذاكر فضائل جمة تعرفها قلوب المؤمنين، ولا تمجها آذان
~~السامعين فدع عنك من مالت به الرمية (2) فأنا صنايع ربنا، والناس بعد صنايع
~~لنا (3) لم يمنعنا قديم عزنا، ولا عادى طولنا (4) على قومك أن خلطناكم
~~بأنفسنا،
# PageV01P260
# فنكحنا وأنكحنا، فعل الأكفاء، ولستم هناك وأنى يكون ذلك كذلك ومنا النبي
~~ومنكم المكذب (1) ومنا أسد الله ومنكم أسد الأحلاف (2) ومنا سيدا شباب أهل
~~الجنة ومنكم صبية النار (3) ومنا خير نساء العالمين، ومنكم حمالة الحطب (4)
~~في كثير مما لنا عليكم فإسلامنا ما قد سمع، وجاهليتكم لا تدفع (5) وكتاب
~~الله يجمع لنا ما شذ عنا، وهو قوله تعالى: " وأولوا الأرحام بعضهم أولى
~~ببعض في كتاب الله " وقوله تعالى: " إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه
~~وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين " فنحن مرة أولى بالقرابة
~~وتارة أولى بالطاعة.
# ولما احتج المهاجرون على الأنصار يوم السقيفة برسول الله صلى الله عليه
~~وآله فلجوا عليهم
# PageV01P261
# فإن يكن الفلج به فالحق لنا دونكم، وإن يكن بغيره فالأنصار على دعواهم
~~(1).
# وزعمت أني لكل الخلفاء حسدت، وعلى كلهم بغيت، فإن يكن ذلك كذلك فليس
~~الجناية عليك فيكون العذر إليك.
# وتلك شكاة ظاهر عنك عارها وقلت: إني كنت أقاد كما يقاد الجمل المخشوش حتى
~~أبايع، ولعمر الله لقد أردت أن تذم فمدحت، وأن تفضح فافتضحت، وما على
~~المسلم من غضاضة (2) في أن يكون مظلوما ما لم يكن شاكا في دينه، ولا مرتابا
~~في يقينه، وهذه حجتي إلى غيرك قصدها، ولكني أطلقت لك منها بقدر ما سنح من
~~ذكرها.
# ثم ذكرت ما كان من أمري وأمر عثمان فلك أن تجاب عن هذه لرحمك منه فأينا
~~كان أعدى له وأهدى إلى مقاتلته، أم من بذل له نصرته فاستقعده واستكفه؟
# أم من ms180 استنصره فتراخى عنه وبث المنون إليه حتى أتى عليه قدره؟ كلا والله
~~لقد علم الله المعوقين منكم والقائلين لأخوانهم هلم إلينا، ولا يأتون البأس
~~إلا قليلا، وما كنت لأعتذر من أني كنت أنقم عليه أحداثا، فإن كان الذنب
~~إليه إرشادي وهدايتي له، فرب ملوم لا ذنب له، وقد يستفيد الظنة المتنصح،
~~وما أردت إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه
~~أنيب.
# وذكرت أنه ليس لي ولا لأصحابي عندك إلا السيف، ولقد أضحكت بعد استعبار،
~~متى ألفيت بنو عبد المطلب عن الأعداء ناكلين (3) وبالسيوف مخوفين فألبث
~~قليلا يلحق الهيجاء (4) حمل، فسيطلبك من تطلب، ويقرب منك ما تستبعد
# PageV01P262
# وأنا مرقل (1) نحوك في جحفل من المهاجرين والأنصار والتابعين بإحسان،
~~شديد زحامهم، ساطع قتامهم (2) متسربلين سرابيل الموت (3) أحب اللقاء إليهم
~~لقاء ربهم، وقد صحبتهم ذرية بدرية، وسيوف هاشمية، قد عرفت مواقع نصالها (4)
~~في أخيك، وخالك، وجدك (5) وأهلك، وما هي من الظالمين ببعيد وكتب أيضا عليه
~~السلام (6) - إلى معاوية -:
# أما بعد فإنا كنا نحن وأنت على ما ذكرت من الألفة والجماعة، ففرق بيننا
~~وبينكم بالأمس إنا آمنا وكفرتم، واليوم إنا استقمنا وفتنتم، وما أسلم
~~مسلمكم إلا كرها (7) وبعد أن كان أنف الإسلام كله لرسول الله حزبا (8).
# وذكرت إني قتلت طلحة والزبير، وشردت بعايشة، ونزلت بين المصرين (9) وذلك
~~أمر غبت عنه، فلا الجناية عليك، ولا العذر فيه إليك، وذكرت أنك زائري في
~~المهاجرين والأنصار، وقد انقطعت الهجرة يوم أسر أخوك (10) فإن كان فيك
# PageV01P263
# عجل فاسترفه (1) فإني إن أزرك فذلك جدير أن يكون الله عز وجل إنما بعثني
~~للنقمة منك، وإن تزرني فكما قال أخو بني أسد.
# مستقبلين رياح الصيف تضربهم * بحاصب بين أغوار وأنجاد وعندي السيف الذي
~~أعضضته بجدك وخالك وأخيك في مقام واحد (2)، وإنك والله ما علمت الأغلف
~~القلب المقارب (3) للعقل، والأولى أن يقال لك:
# إنك رقيت سلما أطلعك مطلع سوء عليك لا لك، لأنك نشدت غير ضالتك (4) ورعيت
~~غير سائمتك (5) وطلبت أمرا لست من أهله، ولا في معدنه، فما أبعد ms181 قولك من
~~فعلك! وقريب ما اشبهت من أعمام وأخوال حملتهم الشقاوة وتمني الباطل، على
~~الجحود بمحمد صلى الله عليه وآله، فصرعوا بمصارعهم حيث عملت لم يدفعوا
~~عظيما، ولم يمنعوا حريما، بوقع سيوف ما خلا منها الوغى، فلم يماشها الهوينا
~~(6) وقد أكثرت في قتلة عثمان فادخل فيما دخل فيه الناس (7) ثم حاكم القوم
~~إلي أحملك وإياهم على كتاب الله.
# PageV01P264
# وأما تلك التي تريد (1) فإنها خدعة الصبي عن اللبن في أول الفصال،
~~والسلام لأهله.
# وكتب عليه السلام إلى معاوية وفي كتاب آخر (2).
# فسبحان الله ما أشد لزومك للأهواء المبتدعة، والحيرة المتبعة (3)، مع
~~تضييع الحقايق، واطراح الوثايق، التي هي لله طلبة، وعلى عباده حجة، فأما
~~إكثارك الحجاج في عثمان وقتلته، فإنك إنما نصرت عثمان حيث كان النصر لك
~~وخذلته حيث كان النصر له والسلام.
# وروى أبو عبيدة (4) قال: كتب معاوية إلى أمير المؤمنين عليه السلام إن لي
~~فضائل كثيرة، كان أبي سيدا في الجاهلية، وصرت ملكا في الإسلام، وأنا صهر
~~رسول الله صلى الله عليه وآله، وخال المؤمنين، وكاتب الوحي.
# فقال أمير المؤمنين عليه السلام: أبالفضائل يبغي علي ابن آكلة الأكباد؟
~~(5) أكتب إليه يا غلام:
# PageV01P265
# محمد النبي أخي وصنوي * وحمزة سيد الشهداء عمي وجعفر الذي يمسي ويضحى *
~~يطير مع الملائكة ابن أمي وبنت محمد سكني وعرسي * مسوط لحمها بدمي ولحمي
~~وسبطا أحمد ولداي منها * فأيكم له سهم كسهمي سبقتكم إلى الإسلام طرا *
~~غلاما ما بلغت أوان حلمي وصليت الصلاة وكنت طفلا * مقرا بالنبي في بطن أمي
~~وأوجب لي ولايته عليكم * رسول الله يوم غدير خم فويل ثم ويل ثم ويل * لمن
~~يلقى الإله غدا بظلمي (1) أنا الرجل الذي لا تنكروه * ليوم كريهة أو يوم
~~سلم فقال معاوية: أخفوا هذا الكتاب لا يقرأه أهل الشام فيميلوا إلى ابن أبي
~~طالب عليه السلام.
# وروي عن الصادق عليه السلام أنه قال: لما قتل عمار بن ياسر (2) ارتعدت
# PageV01P266
# فرائص خلق كثير، وقالوا: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " عمار تقتله
~~الفئة الباغية " PageV01P267
# فدخل عمرو على معاوية ms182 وقال يا أمير المؤمنين قد هاج الناس واضطربوا، قال:
~~لماذا قال: قتل عمار فقال: قتل عمار فماذا؟ قال: أليس قال رسول الله صلى
~~الله عليه وآله: " تقتله الفئة الباغية " فقال معاوية: دحضت في قولك أنحن
~~قتلناه؟ إنما قتله علي بن أبي طالب عليه السلام لما ألقاه بين رماحنا،
~~فاتصل ذلك بعلي بن أبي طالب عليه السلام قال: فإذا رسول الله صلى الله عليه
~~وآله هو الذي قتل حمزة لما ألقاه بين رماح المشركين.
# وكتب عليه السلام (1) إلى عمرو بن العاص في أثناء كتاب:
# فإنك جعلت دينك تبعا لدنيا امرء ظاهر غيه، مهتوك ستره، يشين الكريم
~~بمجلسه، ويسفه الحليم بخلطته، فاتبعت أثره، وطلبت فضله اتباع الكلب للضرغام
~~(2) يلوذ إلى مخالبه، وينتظر ما يلقى إليه من فضل فريسته، فأذهبت دنياك
~~وآخرتك ولو أخذت بالحق أدركت ما طلبت، فإن يمكني الله منك ومن ابن أبي
~~سفيان أخبرتكما بما قدمتما (3) فإن نعجز أو تبقيا فما أمامكما شر لكما
~~والسلام.
# وقال عليه السلام - في عمرو جوابا عما قال فيه -: عجبا لابن النابغة (4)
~~يزعم
# PageV01P268
# لأهل الشام أن في دعابة (1) وأني امرء تلعابة (2) أعانس (3) وأمارس (4)
~~لقد قال باطلا ونطق آثما، أما وشر القول الكذب، إنه يقول فيكذب ويعد فيخلف
~~ويسأل فيحلف، ويسأل فينجل ويخون العهد، ويقطع الإل (5) فإذا كان عند الحرب
~~فأي زاجر وآمر هو ما لم تأخذ السيوف ما أخذها، فإذا كان ذلك كان أكبر
~~مكيدته أن يمنح القوم أسته (6) أما والله إني ليمنعني من اللعب ذكر الموت
~~وإنه ليمنعه من قول الحق نسيان الآخرة، وإنه لم يبايع معاوية حتى شرط له أن
~~يؤتيه على البيعة آية (7) ويرضخ له على ترك الدين رضيخة (8).
# * * * وكتب محمد بن أبي بكر (9) إلى معاوية احتجاجا عليه بسم الله الرحمن
~~الرحيم من محمد بن أبي بكر، إلى الغاوي معاوية بن صخر، سلام الله على أهل
~~طاعة الله ممن هو أهل دين الله وأهل ولاية الله.
# PageV01P269
# أما بعد فإن الله بجلاله وسلطانه خلق خلقا بلا عبث منه، ولا ضعف به، في
~~PageV01P270
# قوة، ms183 ولكنه خلقهم عبيدا فمنهم شقي وسعيد، وغوي ورشيد، ثم اختارهم على علم
~~منه، واصطفى وانتخب منهم محمدا صلى الله عليه وآله واصطفاه لرسالته،
~~وائتمنه على وحيه فدعا إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، فكان أول من
~~أجاب وأناب، وأسلم وسلم، أخوه وابن عمه علي بن أبي طالب عليه السلام فصدقه
~~بالغيب المكتوم وآثره على كل حميم، ووقاه من كل مكروه، وواساه بنفسه في كل
~~خوف، وقد رأيتك تساويه وأنت أنت وهو هو المبرز والسابق في كل خير، وأنت
~~اللعين ابن اللعين لم تزل أنت وأبوك تبغضان وتبغيان في دين الله الغوائل،
~~وتجتهدان على إطفاء نور الله، تجمعان الجموع على ذلك، وتبذلان فيه الأموال،
~~وتخالفان عليه القبائل، على ذلك مات أبوك، وعليه خلفته أنت، فكيف لك الويل
~~تعدل عن علي وهو وارث علم رسول الله ووصيه، وأول الناس له اتباعا وآخرهم به
~~عهدا؟! وأنت عدوه وابن عدوه، فتمتع بباطلك ما استطعت، وتبدد بابن العاص في
~~غوايتك، فكأن أجلك قد انقضى، وكيدك قد وهي، ثم تستبين لك لمن تكون العاقبة
~~العليا، والسلام على من اتبع الهدى. PageV01P271
# فأجابه معاوية هذا إلى الزارئ (1) على أبيه محمد بن أبي بكر، سلام على
~~أهل طاعة الله، أما بعد فقد أتاني كتابك تذكر فيه ما الله أهله في قدرته
~~وسلطانه مع كلام ألفته ورصفته (2) لرأيك فيه، وذكرت حق علي وقديم سوابقه
~~وقرابته من رسول الله صلى الله عليه وآله ونصرته ومواساته إياه في كل خوف
~~وهول، وتفضيلك عليا وعيبك لي بفضل غيرك لا بفضلك، فالحمد لله الذي صرف ذلك
~~عنك وجعله لغيرك وقد كنا وأبوك معنا في زمن نبينا صلى الله عليه وآله نرى
~~حق علي عليه السلام لازما لنا، وسبقه مبرزا علينا، فلما اختار الله لنبيه
~~ما عنده وأتم له ما وعده، قبضه الله إليه، وكان أبوك وفاروقه أول من ابتزه
~~(3) وخالفه على ذلك، واتفقا ثم دعواه على أنفسهما، فأبطأ عليهما، فهما به
~~الهموم، وأرادا به العظيم، فبايع وسلم لأمرهما، لا يشركانه في أمرهما، ولا
~~يطلعانه ms184 على سرهما، حتى قضى الله من أمرهما ما قضى، ثم قام بعدهما ثالثهما
~~يهدي بهداهما، ويسير بسيرتهما، فعبته أنت وأصحابك حتى طمع فيه الأقاصي من
~~أهل المعاصي حتى بلغتما منه مناكما، وكان أبوك مهد مهاده فإن يك ما نحن فيه
~~صوابا فأبوك أوله، وإن يك جورا فأبوك سنه، ونحن شركائه وبهداه اقتدينا،
~~ولولا ما سبقنا إليه أبوك ما خالفنا عليا ولسلمنا له، ولكنا رأينا أباك فعل
~~ذلك فأخذنا بمثاله، فعب أباك أو دعه، والسلام على من تاب وأناب.
# * * * احتجاجه (ع) على الخوارج * لما حملوه على التحكم ثم أنكروا عليه
~~ذلك ونقموا عليه أشياء فأجابهم (ع) عن ذلك بالحجة وبين لهم أن الخطأ من
~~قبلهم بل وإليهم يعود.
# PageV01P272
# روي أن رجلا من أصحابه قام إليه فقال: إنك نهيتنا عن الحكومة ثم أمرتنا
~~بها، فما ندري أي الأمرين أرشد، فصفق عليه السلام إحدى يديه على الأخرى ثم
~~قال:
# هذا جزاء من ترك العقدة (1)، أما والله لو أني حين أمرتكم بما أمرتكم به
~~حملتكم على المكروه الذي جعل الله فيه خيرا كثيرا (2) فإن استقمتم هديتكم
~~وإن اعوججتم قومتكم، وإن أبيتم تداركتكم (3) لكانت الوثقى، ولكن بمن وإلى
~~من (4) أريد أن أداوي بكم وأنتم دائي؟! كناقش الشوكة بالشوكة،
# PageV01P273
# وهو يعلم أن ضلعها معها (1). اللهم قد ملت أطباء الداء الدوي (2) وكلت
~~النزعة بأشطان الركى (3).
# فقال عليه السلام (4) وقد خرج إلى معسكرهم وهم مقيمون على إنكار الحكومة
~~بعد كلام طويل:
# ألم تقولوا - عند رفعهم المصاحف حيلة، وغيلة، (5) ومكرا، وخديعة -:
# إخواننا، وأهل دعوتنا. استقالونا، واستراحوا إلى كتاب الله سبحانه،
~~فالرأي القبول منهم، والتنفيس عنهم، (6) فقلت لكم: هذا أمر ظاهره إيمان،
~~وباطنه عدوان وأوله رحمة، وآخره ندامة، فأقيموا على شأنكم، والزموا
~~طريقتكم، وعضوا على الجهاد بنواجذكم (7) ولا تلتفتوا إلى ناعق نعق (8)، إن
~~أجيب أضل وإن ترك ذل، فلقد كنا مع رسول الله وإن القتل ليدور بين الآباء
~~والأبناء، والإخوان والقرابات، فما نزداد على كل مصيبة وشدة إلا إيمانا،
~~ومضيا على الحق، وتسليما للأمر، وصبرا على مضض الجراح (9) ولكنا إنما ms185
~~أصبحنا نقاتل إخواننا في الإسلام
# PageV01P274
# على ما دخل فيه من الزيغ والاعوجاج (1) والشبهة والتأويل، فإذا طعمنا في
~~خصلة يلم الله بها شعثنا، ونتدانى بها إلى البقية فيما بيننا، رغبنا فيها
~~وأمسكنا عما سواها وقال عليه السلام - في التحكيم (2) -:
# إنا لم نحكم الرجال (3) وإنما حكمنا القرآن، وهذا القرآن إنما هو خط
~~مسطور بين الدفتين، لا ينطق بلسان ولا بد له من ترجمان وإنما ينطق عنه
~~الرجال ولما أن دعانا القوم إلى أن يحكم بيننا القرآن لم نكن الفريق
~~المتولي عن كتاب الله عز وجل وقد قال الله سبحانه: " وإن تنازعتم في شئ
~~فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر (4) " فرده إلى
~~الله أن نحكم بكتابه، ورده إلى الرسول أن نأخذ بسنته، فإذا حكم بالصدق في
~~كتاب الله فنحن أحق الناس به وإذا حكم بسنة رسوله فنحن أولادهم به (5)،
~~وأما قولكم لم جعلت بينك وبينهم أجلا في التحكيم؟ فإنما فعلت ذلك ليتبين
~~الجاهل (6) ويتثبت العالم (7) ولعل الله أن يصلح في هذه الهدنة أمر هذه
~~الأمة ولا تؤخذ بإكظامها (8) فتعجل عن تبين
# PageV01P275
# الحق وتنقاد لأول الغي (1)؟
# وروي أن أمير المؤمنين عليه السلام أرسل عبد الله بن العباس إلى الخوارج
~~وكان بمرأى منهم ومسمع قالوا له في الجواب:
# إنا نقمنا يا بن عباس على صاحبك خصالا كلها مكفرة، موبقة، تدعوا إلى
~~النار أما " أولها " فإنه محي اسمه من إمرة المؤمنين (2) ثم كتب بينه وبين
~~معاوية فإذا لم يكن أمير المؤمنين ونحن المؤمنون لسنا نرضى بأن يكون
~~أميرنا.
# وأما " الثانية " فإنه شك في نفسه حين قال للحكمين: " انظروا فإن كان
~~معاوية أحق بها فاثبتاه، وإن كنت أولى بها فأثبتاني " فإذا هو شك في نفسه
~~ولم يدر أهو المحق أم معاوية، فنحن فيه أشد شكا.
# و " الثالثة " إنه جعل الحكم إلى غيره وقد كان عندنا أحكم الناس.
# و " الرابعة " إنه حكم الرجال في دين الله ولم يكن ذلك إليه.
# و " الخامسة ": إنه قسم بيننا الكراع والسلاح يوم البصرة ومنعنا النساء
~~والذرية و " السادسة ms186 " إنه كان وصيا فضيع الوصية.
# قال ابن عباس: قد سمعت يا أمير المؤمنين مقالة القوم، وأنت أحق بجوابهم
~~فقال: نعم.
# ثم قال: يا بن عباس قل لهم ألستم ترضون بحكم الله وحكم رسوله؟
# قالوا: نعم.
# PageV01P276
# قال: ابدأ على ما بدأتم به (1) في بدئ الأمر.
# ثم قال: كنت أكتب لرسول الله صلى الله عليه وآله الوحي، والقضايا،
~~والشروط، والأمان يوم صالح أبا سفيان، وسهيل بن عمرو فكتبت:
# بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما اصطلح عليه محمد رسول الله أبا سفيان صخر
~~بن حرب، وسهيل بن عمرو فقال سهيل: لا نعرف الرحمن الرحيم، ولا نقر أنك رسول
~~الله، ولكنا نحسب ذلك شرفا لك أن تقدم اسمك على أسمائنا وإن كنا أسن منك
~~وأبي أسن من أبيك.
# فأمرني رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: اكتب - مكان بسم الله الرحمن
~~الرحيم -:
# " باسمك اللهم " فمحوت ذلك وكتبت: " باسمك اللهم " ومحوت " رسول الله "
~~وكتبت " محمد بن عبد الله " فقال لي " إنك تدعى إلى مثلها فتجيب وأنت مكره
~~(2) " وهكذا كتبت بيني وبين معاوية وعمرو بن العاص: " هذا ما اصطلح عليه
~~أمير المؤمنين ومعاوية وعمرو بن العاص " فقالا: لقد ظلمناك بأن أقررنا بأنك
~~أمير المؤمنين وقاتلناك، ولكن اكتب: علي بن أبي طالب " فمحوت كما محي رسول
~~الله صلى الله عليه وآله، فإن أبيتم ذلك فقد جحدتم، فقالوا: هذه لك خرجت
~~منها.
# قال: وأما قولكم " إني شككت في نفسي حيث قلت للحكمين: انظرا فإن كان
~~معاوية أحق بها مني فاثبتاه " فإن ذلك لم يكن شكا مني، ولكن أنصفت في
~~القول، قال الله تعالى: " وأنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين (3) "
# PageV01P277
# ولم يكن ذلك شكا وقد علم الله أن نبيه على الحق، قالوا: وهذه لك.
# قال: وأما قولكم: " إني جعلت الحكم إلى غيري وقد كنت عندكم أحكم الناس "
~~فهذا رسول الله صلى الله عليه وآله قد جعل الحكم إلى سعد يوم بني قريظة وقد
~~كان من أحكم الناس وقد قال الله تعالى: " لقد كان لكم في رسول ms187 الله أسوة
~~حسنة (1) " فتأسيت برسول الله صل الله عليه وآله، قالوا: وهذه لك بحجتنا.
# قال: وأما قولكم: " إني حكمت في دين الله الرجال " فما حكمت الرجال وإنما
~~حكمت كلام ربي، الذي جعله الله حكما بين أهله، وقد حكم الله الرجال في طائر
~~فقال: " ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل
~~منكم (2) " فدماء المسلمين أعظم من دم طائر قالوا: وهذه لك بحجتنا.
# قال: وأما قولكم: " إني قسمت يوم البصرة لما ظفرني الله بأصحاب الجمل
~~الكراع والسلاح ومنعتكم النساء والذرية " فإني مننت على أهل البصرة كما من
~~رسول الله على أهل مكة، فإن عدوا علينا أخذناهم بذنوبهم، ولم نأخذ صغيرا
~~بكبير فأيكم كان يأخذ عائشة في سهمه؟ قالوا: وهذه لك بحجتنا.
# قال: وأما قولكم: " إني كنت وصيا فضيعت الوصية فأنتم كفرتم وقدمتم علي،
~~وأزلتم الأمر عني، وليس على الأوصياء الدعاء إلى أنفسهم، إنما يبعث الله
~~الأنبياء عليهم السلام فيدعون إلى أنفسهم، وأما الوصي فمدلول عليه مستغن عن
~~الدعاء إلى نفسه، وذلك لمن آمن بالله ورسوله، ولقد قال الله جل ذكره: "
~~ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا (3) " فلو ترك الناس الحج لم
~~يكن البيت ليكفر بتركهم إياه، ولكن كانوا يكفرون بتركهم، لأن الله تعالى قد
~~نصبه لهم علما وكذلك نصبني علما حيث قال رسول الله صلى الله عليه وآله: "
~~يا علي أنت مني بمنزلة هارون من موسى وأنت مني بمنزلة الكعبة تؤتى ولا تأتي
~~" فقالوا: وهذه لك بحجتنا.
# PageV01P278
# فاذعنوا فرجع بعضهم وبقي منهم أربعة آلاف لم يرجعوا ممن كانوا قعدوا عنه
~~فقاتلهم وقتلهم.
# * * * احتجاجه (ع) في الاعتذار من قعوده عن قتال من تأمر عليه من الأولين
~~وقيامه إلى قتال من بغي عليه من الناكثين والقاسطين والمارقين.
# روي أن أمير المؤمنين عليه السلام كان جالسا في بعض مجالسه بعد رجوعه من
~~نهروان (1) فجرى الكلام حتى قيل له: لم لا حاربت أبا بكر وعمر كما حاربت
~~طلحة والزبير ومعاوية؟
# فقال علي عليه السلام إني كنت ms188 لم أزل مظلوما مستأثرا على حقي (2) فقام
~~إليه الأشعث بن قيس فقال: يا أمير المؤمنين لم لم تضرب بسيفك، ولم تطلب
~~بحقك؟
# فقال: يا أشعث قد قلت قولا فاسمع الجواب وعه، واستشعر الحجة، إن لي أسوة
~~بستة من الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين.
# أولهم نوح حيث قال: " رب إني مغلوب فانتصر (3) " فإن قال قائل: إنه قال
~~هذا لغير خوف فقد كفر، وإلا فالوصي أعذر.
# وثانيهم لوط حيث قال: " لو أن لي بكم قوة أو آوى إلى ركن شديد (4) " فإن
~~قال قائل: إنه قال هذا لغير خوف فقد كفر، وإلا فالوصي أعذر.
# وثالثهم إبراهيم خليل الله حيث قال: " واعتزلكم وما تدعون من دون الله
~~(5) "
# PageV01P279
# فإن قال قائل: إنه قال هذا لغير خوف فقد كفر، وإلا فالوصي أعذر.
# ورابعهم موسى عليه السلام حيث قال: " ففررت منكم لما خفتكم (1) " فإن قال
~~قائل: إنه قال هذا لغير خوف فقد كفر، وإلا فالوصي أعذر.
# وخامسهم أخوه هارون حيث قال: " يا بن أم إن القوم استضعفوني وكادوا
~~يقتلونني (2) " فإن قال قائل: إنه قال هذا لغير خوف فقد كفر، وإلا فالوصي
~~أعذر وسادسهم أخي محمد خير البشر صلى الله عليه وآله حيث ذهب إلى الغار
~~ونومني على فراشه فإن قال قائل: إنه ذهب إلى الغار لغير خوف فقد كفر، وإلا
~~فالوصي أعذر.
# فقام إليه الناس بأجمعهم فقالوا: يا أمير المؤمنين قد علمنا أن القول
~~قولك ونحن المذنبون التائبون، وقد عذرك الله.
# وعن إسحاق بن موسى (3) أبيه موسى بن جعفر عن أبيه جعفر بن محمد عن آبائه
~~عليهم السلام قال: خطب أمير المؤمنين عليه السلام خطبة بالكوفة فلما كان في
~~آخر كلامه قال: ألا وإني لأولى الناس بالناس وما زلت مظلوما منذ قبض رسول
~~الله صلى الله عليه وآله فقام إليه أشعث بن قيس فقال: يا أمير المؤمنين لم
~~تخطبنا خطبة منذ قدمت العراق إلا وقلت: " والله إني لأولى الناس بالناس فما
~~زلت مظلوما منذ قبض رسول الله " ولما ولي تيم (4) وعدي (5) إلا ضربت بسيفك
~~دون ظلامتك؟
# فقال ms189 أمير المؤمنين: يا بن الخمارة قد قلت قولا فاسمع مني والله ما منعني
~~من ذلك إلا عهد أخي رسول الله صلى الله عليه وآله أخبرني وقال لي: " يا أبا
~~الحسن إن الأمة ستغدر بك وتنقض عهدي، وإنك مني بمنزلة هارون من موسى " فقلت
~~يا رسول الله فما تعهد إلي إذا كان ذلك كذلك، فقال: " إن وجدت أعوانا فبادر
~~إليهم وجاهدهم
# PageV01P280
# وإن لم تجد أعوانا فكف يدك واحقن دمك حتى تلحق بي مظلوما " فلما توفي
~~رسول الله صلى الله عليه وآله اشتغلت بدفنه والفراغ من شأنه ثم آليت يمينا
~~(1) أني لا أرتدي إلا للصلاة حتى أجمع القرآن ففعلت، ثم أخذته وجئت به
~~فأعرضته عليهم قالوا:
# لا حاجة لنا به، ثم أخذت بيد فاطمة، وابني الحسن والحسين، ثم درت على أهل
~~بدر، وأهل السابقة، فأنشدتهم حقي، ودعوتهم إلى نصرتي، فما أجابني منهم إلا
~~أربعة رهط: سلمان، وعمار والمقداد، وأبو ذر، وذهب من كنت أعتضد بهم على دين
~~الله من أهل بيتي، وبقيت بين حفيرين قريبي العهد بجاهلية عقيل والعباس.
# فقال له الأشعث: كذلك كان عثمان لما لم يجد أعوانا كف يده حتى قتل.
# فقال له أمير المؤمنين: يا بن الخمارة ليس كما قست، إن عثمان جلس في غير
~~مجلسه، وارتدى بغير ردائه، صارع الحق، فصرعه ألحق، والذي بعث محمدا بالحق
~~لو وجدت يوم بويع أخو تيم أربعين رهط لجاهدتهم في الله إلى أن أبلي عذري ثم
~~قال:
# أيها الناس إن الأشعث لا يزن عند الله جناح بعوضة، وإنه أقل في دين الله
~~من عفطة عنز (2).
# وروى جماعة من أهل النقل من طرق مختلفة عن ابن عباس قال: كنت عند أمير
~~المؤمنين بالرحبة (3) فذكرت الخلافة وتقدم من تقدم عليه
# PageV01P281
# فتنفس الصعداء (1) ثم قال:
# أما والله لقد تقمصها ابن أبي قحافة (2) وإنه ليعلم أن محلي منها محل
~~القطب
# PageV01P282
# من الرحى (1) ينحدر عني السيل، ولا يرقى إلى الطير، فسدلت ودونها ثوبا
~~(2) وطويت عنها كشحا (3) وطفقت أرتأي بين أن أصول بيد جذاء أو أصبر على
~~طخية ms190 عمياء (4)، يشيب فيها الصغير، ويهرم فيها الكبير، ويكدح فيها مؤمن حتى
~~يلقى ربه (5)، فرأيت أن الصبر على هاتا أحجى (6)، فصبرت وفي العين قذى،
# PageV01P283
# وفي الحلق شجا (1) أرى تراثي نهبا (2) حتى إذا مضى الأول لسبيله فأدلى
~~بها إلى عمر من بعده، فيا عجبا بينا هو يستقيلها في حياته، إذ عقدها لآخر
~~بعد وفاته (3)، لشد ما تشطرا ضرعيها (4)، ثم تمثل بقول الأعشى (5)، شتان ما
~~يومي على كورها * ويوم حيان أخي جابر فصيرها في ناحية خشناء يجفو مسها،
~~ويغلظ كلمها (6)،
# PageV01P284
# ويكثر العثار فيها، والاعتذار منها (1)، فصاحبها كراكب الصعبة إن أشنق
~~لها خرم، وإن أسلس لها تقحم (2)، فمني الناس لعمر الله بخبط وشماس، وتلون
~~واعتراض (3)، فصبرت على طول المدة، وشدة المحنة! حتى إذا مضى لسبيله،
# PageV01P285
# فجعلها شور في جماعة زعم أني أحدهم (1) فيا لله وللشورى، متى اعترض الريب
~~في مع الأول منهم حتى صرت أقرن إلى هذه النظائر، لكنني أسففت إذ أسفوا،
~~وطرت إذ طاروا (2)، فصبرت على طول المحنة، وانقضاء المدة، فمال رجل منهم
~~لضغنه، وصغى الآخر لصهره، مع هن وهن (3)
# PageV01P286
# إلى أن قام ثالث القوم نافجا حضنيه بين نثيله ومعتلفه (1)، وقام معه بنو
~~أبيه يخضمون مال الله خضم الإبل نبتة الربيع (2)، إلى أن انتكث عليه فتله،
~~وكبت به بطنته، وأجهز عليه عمله (3)، فما راعني إلا والناس رسل إلي كعرف
~~الضبع، ينثالون علي من كل جانب (4)، حتى لقد وطئ الحسنان، وشق عطفاي (5)،
~~مجتمعين حولي كربيضة الغنم (6)،
# PageV01P287
# فلما نهضت بالأمر نكثت طائفة، ومرقت أخرى، وفسق آخرون (1)، كأنهم لم
~~يسمعوا الله سبحانه وتعالى يقول: " تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا
~~يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين (2) " بلى والله لقد
~~سمعوها ووعوها، ولكن حليت الدنيا في أعينهم، وراقهم زبرجها (3).
# أما والذي فلق الحبة وبرئ النسمة، لولا حضور الحاضر، وقيام الحجة بوجود
~~الناصر، وما أخذ الله على أولياء الأمر: أن لا يقروا على كظة ظالم، ولا سغب
~~مظلوم، لألقيت حبلها على غاربها، ولسقيت آخرها بكأس أولها، ولألفيتم دنياكم
~~عندي أهون من عفطة عنز.
# قال: فقام إليه ms191 رجل من أهل السواد فناوله كتابا فقطع كلامه، فأقبل ينظر
~~إليه فرغ من قرائته، قال ابن عباس: قلت له: يا أمير المؤمنين لو أطردت
~~مقالتك من حيث أفضيتها.
# قال: يا بن عباس هيهات هيهات تلك شقشقة هدرت ثم قرت.
# قال ابن عباس: فما أسفت على شئ ولا تفجعت كتفجعي على ما فاتني من كلام
~~أمير المؤمنين عليه السلام.
# وأمثال هذه الأخبار من كلام أمير المؤمنين عليه السلام كثيرة، أوردنا
~~طرفا منها للإيجاز والاختصار.
# ومما يوضح ما أثبتناه ما روي عن أم سلمة زوجة رسول الله صلى الله عليه
~~وآله أنها قالت:
# كنا عند رسول الله تسع نسوة، وكانت ليلتي ويومي من رسول الله صلى الله
~~عليه وآله فأتيت الباب فقلت أدخل يا رسول الله صلى عليه وآله؟ فقال: لا.
# PageV01P288
# قالت: فكبوت كبوة شديدة، مخافة أن يكون ردني من سخط أو نزل في شئ من
~~السماء، ثم لم ألبث أن أتيت الباب ثانية فقلت أدخل يا رسول الله صلى الله
~~عليه وآله فقال: لا. فكبوت كبوة أشد من الأولى.
# ثم لم ألبث أن أتيت الباب ثالثة فقلت: أدخل يا رسول الله صلى الله عليه
~~وآله؟ فقال ادخلي يا أم سلمة، فدخلت وعلي جاث بين يديه وهو يقول: فداك أبي
~~وأمي يا رسول الله صلى الله عليه وآله إذا كان كذا وكذا فما تأمرني فقال:
~~آمرك بالصبر، ثم أعاد عليه القول ثانية، فأمره بالصبر، ثم أعاد عليه القول
~~ثالثة فأمره بالصبر، ثم أعاد عليه القول رابعة فقال له: يا علي يا أخي إذا
~~كان ذلك منهم فسل سيفك وضعه على عاتقك، واضرب به قدما حتى تلقاني وسيفك
~~شاهر يقطر من دمائهم.
# ثم التفت إلي وقال: ما هذه الكآبة يا أم سلمة، قلت: للذي كان من ردك إياي
~~يا رسول الله، فقال لي والله ما رددتك إلا لشئ خبرت من الله ورسوله، لكن
~~أتيتيني وجبرئيل يخبرني بالأحداث التي تكون من بعدي، وأمرني أن أوصي بذلك
~~عليا، يا أم سلمة اسمعي واشهدي، هذا علي ms192 بن أبي طالب عليه السلام وزيري في
~~الدنيا، ووزيري في الآخرة، يا أم سلمة اسمعي واشهدي، هذا علي بن أبي طالب،
~~وصيي، وخليفتي من بعدي، وقاضي عداتي، والذائد عن حوضي، اسمعي واشهدي، هذا
~~علي بن أبي طالب، سيد المسلمين، وإمام المتقين، وقائد الغر المحجلين، قاتل
~~الناكثين والمارقين والقاسطين، قلت: يا رسول الله من الناكثون قال: الذين
~~يبايعونه بالمدينة وينكثون بالبصرة قلت: من القاسطون؟ قال: معاوية وأصحابه
~~من أهل الشام قلت: من المارقون؟ قال: أصحاب نهروان.
# وروي أن أمير المؤمنين (ع) قال في أثناء خطبة خطبها بعد فتح البصرة
~~بأيام:
# حاكيا عن رسول الله صلى الله عليه وآله قوله. يا علي إنك باق بعدي،
~~ومبتلى بأمتي ومخاصم بين يدي الله، فأعدد للخصومة جوابا، فقلت: بأبي وأمي
~~أنت بين لي ما هذه الفتنة التي ابتلى بها؟ وعلى ما أجاهد بعدك؟ فقال: لي
~~إنك ستقاتل بعدي PageV01P289
# الناكثة، والقاسطة، والمارقة، وحلاهم وسماهم رجلا رجلا، وتجاهد من أمتي
~~كل من خالف القرآن وسنتي، ممن يعمل في الدين بالرأي، ولا رأي في الدين إنما
~~هو أمر الرب ونهيه، فقلت: يا رسول الله فأرشدني إلى الفلح عند الخصومة يوم
~~القيامة، فقال: نعم. إذا كان ذلك كذلك فاقتصر على الهدى، إذا قومك عطفوا
~~الهدى على الهوى، وعطفوا القرآن على الرأي، فتأولوه برأيهم بتتبع الحجج من
~~القرآن لمشتهيات الأشياء الطارية عند الطمأنينة إلى الدنيا، فاعطف أنت
~~الرأي على القرآن، وإذا قومك حرفوا الكلمة عند مواضعه عند الأهوال الساهية،
~~والأمراء الطامحة، والقادة الناكثة، والفرقة القاسطة، والأخرى المارقة أهل
~~الإفك المردي والهوى المطغي، والشبهة الخالفة، فلا تنكلن عن فضل العاقبة،
~~فإن العاقبة للمتقين.
# وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: لما نزلت: " يا أيها النبي جاهد الكفار
~~والمنافقين الخ (1) " قال النبي صلى الله عليه وآله: لأجاهدن العمالقة،
~~يعني الكفار والمنافقين فأتاه جبرئيل فقال: أنت أو علي عليه السلام.
# وعن جابر بن عبد الله الأنصاري: (2) قال: إني كنت لأدناهم من رسول
# PageV01P290
# الله صلى الله عليه وآله في حجة الوداع بمنى فقال: لأعرفنكم ms193 ترجعون بعدي
~~كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض، وأيم الله لو فعلتموها لتعرفنني في الكتيبة
~~التي تضاربكم، ثم التفت إلى خلفه، فقال، أو علي، أو علي، أو علي، ثلاث
~~مرات، فرأينا على أثر ذلك أن جبرئيل عليه السلام غمزه، فأنزل الله تعالى
~~على أثر ذلك: " فإما تذهبن بك فإنا منهم منتقمون أو نرينك الذي وعدنا هم
~~فإنا عليهم مقتدرون (1) ".
# وعن ابن عباس: أن عليا عليه السلام كان يقول - في حياة رسول الله - إن
~~الله يقول: " وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل
~~انقلبتم على أعقابكم (2) " والله لا ننقلب على أعقابنا بعد إذ هدانا الله
~~والله، لئن مات أو قتل لأقاتلن على ما قاتل عليه حتى أموت، لأني أخوه وابن
~~عمه، ووارثه، فمن أحق به مني.
# وعن أحمد بن همام (3) قال: أتيت عبادة بن الصامت في ولاية أبي بكر، فقلت:
~~يا عبادة أكان الناس على تفضيل أبي بكر قبل أن يستخلف، فقال: يا أبا ثعلبة
~~إذا سكتنا عنكم فاسكتوا، ولا تبحثونا، فوالله لعلي بن أبي طالب كان أحق
~~بالخلافة من أبي بكر، كما كان رسول الله صلى الله عليه وآله أحق بالنبوة من
~~أبي جهل، قال: وأزيدكم إنا كنا ذات يوم عند رسول الله صلى الله عليه وآله
~~فجاء علي عليه السلام، وأبو بكر وعمر إلى باب رسول الله صلى الله عليه
~~وآله، فدخل أبو بكر، ثم دخل عمر، ثم دخل علي عليه السلام على أثرهما،
~~فكأنما سفي على وجه رسول الله الرماد، ثم قال: يا علي أيتقدمانك هذان، وقد
~~أمرك الله عليهما، فقال أبو بكر: نسيت يا رسول الله، وقال عمر:
# سهوت يا رسول الله، فقال رسول: ما نسيتما ولا سهوتما، وكأني بكما قد
~~سلبتماه ملكه، وتحاربتما عليه، وأعانكما على ذلك أعداء الله، وأعداء رسوله،
~~وكأني بكما قد تركتما المهاجرين والأنصار يضرب بعضهم وجوه بعض بالسيف على
~~الدنيا ولكأني بأهل بيتي وهم المقهورون المشتتون في أقطارها، وذلك لأمر قد
~~قضي،
# PageV01P291
# ثم بكى رسول الله صلى ms194 الله عليه وآله حتى سالت دموعه، ثم قال: يا علي
~~الصبر الصبر حتى ينزل الأمر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، فإن
~~لك من الأجر في كل يوم ما لا يحصيه كاتباك، فإذا أمكنك الأمر: فالسيف
~~السيف، القتل القتل، حتى يفيئوا إلى أمر الله، وأمر رسوله، فإنك على الحق
~~ومن ناواك على الباطل، وكذلك ذريتك من بعدك إلى يوم القيامة.
# وعن جعفر بن محمد الصادق عليه السلام عن أبيه عن آبائه عن علي عليه
~~السلام قال: كنت أنا ورسول الله صلى الله عليه وآله في المسجد بعد أن صلى
~~الفجر، ثم نهض ونهضت معه، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا أراد أن
~~يتجه إلى موضع أعلمني بذلك، وكان إذا أبطأ في ذلك الموضع صرت إليه لأعرف
~~خبره، لأنه لا يتصابر قلبي على فراقه ساعة واحدة فقال لي: أنا متجه إلى بيت
~~عائشة، فمضى صلى الله عليه وآله ومضيت إلى بيت فاطمة الزهراء عليها السلام
~~فلم أزل مع الحسن والحسين فأنا وهي مسروران بهما، ثم إني نهضت وسرت إلى باب
~~عائشة، فطرقت الباب فقالت: من هذا؟ فقلت لها: أنا علي فقالت: إن النبي
~~راقد، فانصرفت، ثم قلت: النبي راقد وعائشة في الدار، فرجعت وطرقت الباب
~~فقالت لي عائشة: من هذا؟ فقلت لها: أنا علي فقالت: إن النبي صلى الله عليه
~~وآله على حاجة فانثنيت مستحييا من دق الباب، ووجدت في صدري ما لا أستطيع
~~عليه صبرا، فرجعت مسرعا فدققت الباب دقا عنيفا، فقالت لي عائشة: من هذا؟
~~فقلت: أنا علي فسمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: يا عائشة افتحي له
~~الباب، ففتحت ودخلت، فقال لي:
# أقعد يا أبا الحسن أحدثك بما أنا فيه، أو تحدثني بإبطائك عني، فقلت يا
~~رسول الله حدثني فإن حديثك أحسن، فقال: يا أبا الحسن كنت في أمر كتمته من
~~ألم الجوع، فلما دخلت بيت عائشة، وأطلت القعود ليس عندها شئ تأتي به، فمددت
~~يدي وسألت الله القريب المجيب، فهبط علي ms195 حبيبي جبرئيل عليه السلام ومعه هذا
~~الطير ووضع إصبعه على طائر بين يديه، فقال: إن الله عز وجل أوحى إلي: أن
~~آخذ هذا الطير وهو أطيب طعام في الجنة فآتيك به يا محمد، فحمدت الله عز وجل
~~كثيرا، وعرج جبرئيل فرفعت يدي إلى السماء فقلت: " اللهم يسر عبدا يحبك
~~ويحبني PageV01P292
# يأكل معي من هذا الطير " فمكثت مليا فلم أر أحدا يطرق الباب، فرفعت يدي
~~ثم قلت: " اللهم يسر عبدا يحبك ويحبني وتحبه وأحبه يأكل معي من هذا الطير "
~~فسمعت طرق الباب وارتفاع صوتك، فقلت لعائشة: أدخلي عليا فدخلت، فلم أزل
~~حامدا لله حتى بلغت إلي إذ كنت تحب الله وتحبني ويحبك الله وأحبك، فكل يا
~~علي، فلما أكلت أنا والنبي الطائر، قال لي: يا علي حدثني فقلت: يا رسول
~~الله لم أزل منذ فارقتك أنا وفاطمة والحسن والحسين مسرورين جميعا، ثم نهضت
~~أريدك فجئت فطرقت الباب فقالت لي عائشة: من هذا؟ فقلت: أنا علي فقالت:
# إن النبي راقد، فانصرفت، فلما أن صرت إلى بعض الطريق الذي سلكته رجعت.
# فقلت: النبي صلى الله عليه وآله راقد وعائشة في الدار لا يكون هذا، فجئت
~~فطرقت الباب فقالت:
# لي من هذا؟ فقلت لها: أنا علي فقالت: إن النبي صلى الله عليه وآله على
~~حاجة فانصرفت مستحييا، فلما انتهيت إلى الموضع الذي رجعت منه أول مرة، وجدت
~~في قلبي ما لا أستطيع عليه صبرا وقلت: النبي صلى الله عليه وآله على حاجة
~~وعائشة في الدار، فرجعت فدققت الباب الدق الذي سمعته، فسمعتك يا رسول الله
~~وأنت تقول لها: ادخلي عليا فقال النبي: صلى الله عليه وآله أبى الله إلا أن
~~يكون الأمر هكذا، يا حميراء ما حملك على هذا؟ قالت: يا رسول الله اشتهيت أن
~~يكون أبي يأكل من هذا الطير فقال لها:
# ما هو بأول ضغن بينك وبين علي، وقد وقفت لعلي - إن شاء الله - لتقاتلنه.
# فقالت: يا رسول الله وتكون النساء يقاتلن الرجال؟
# فقال لها: يا عائشة إنك لتقاتلين عليا، ويصحبك ويدعوك ms196 إلى هذا نفر من أهل
~~بيتي وأصحابي، (1) فيحملونك عليه، وليكونن في قتالك له أمر يتحدث به
~~الأولون والآخرون، وعلامة ذلك أنك تركبين الشيطان، ثم تبتلين قبل أن تبلغي
~~إلى الموضع الذي يقصد بك إليه، فتنبح عليك كلاب الحوأب، فتسألين
# PageV01P293
# الرجوع فتشهد عندك قسامة أربعين رجلا: ما هي كلاب الحوأب، فتنصرفين إلى
~~بلد أهله أنصارك، (1) وهو أبعد بلاد على الأرض من السماء، وأقربها إلى
~~الماء ولترجعن وأنت صاغرة بالغة ما تريدين، ويكون هذا الذي يردك مع من يثق
~~به من أصحابه، وإنه لك خير منك له، ولينذرنك بما يكون الفراق بيني وبينك في
~~الآخرة، وكل من فرق علي بيني وبينه بعد وفاتي ففراقه جائز.
# فقالت يا رسول الله ليتني مت قبل أن يكون ما تعدني.
# فقال لها: هيهات هيهات! والذي نفسي بيده ليكونن ما قلت، حق كأني أراه ثم
~~قال لي: قم يا علي فقد وجبت صلاة الظهر، حتى آمر بلالا بالأذان فأذن بلال
~~وأقام وصلى وصليت معه ولم يزل في المسجد.
# احتجاجه عليه السلام فيما يتعلق بتوحيد الله وتنزيهه عما لا يليق به من
~~صفات المصنوعين من الجبر والتشبيه والرؤية والمجيئ والذهاب والتغيير
~~والزوال والانتقال من حال إلى حال في أثناء خطبه ومجاري كلامه ومخاطباته
~~ومحاوراته.
# الحمد لله الذي لا يبلغ مدحته القائلون، ولا يحصي نعمه العادون، ولا يؤدي
~~حقه المجتهدون (2)
# PageV01P294
# الذي لا يدركه بعد الهمم، ولا يناله غوص الفطن، (1) الذي ليس لصفته حد
~~محدود ولا نعت موجود، ولا وقت معدود، ولا أجل ممدود، (2) فطر الخلايق
~~بقدرته، ونشر الرياح برحمته، ووتد بالصخور ميدان أرضه، (3) أول الدين
~~معرفته،
# PageV01P295
# وكمال معرفته التصديق به، وكمال تصديقه توحيده، وكمال توحيده الإخلاص له
~~وكمال الإخلاص له نفي الصفات عنه، (1) لشهادة كل صفة أنها غير الموصوف،
~~وشهادة كل موصوف أنه غير الصفة، فمن وصف الله سبحانه فقد قرنه، ومن قرنه
~~فقد ثناه، ومن ثناه فقد جزأه، ومن جزأه فقد جهله، (2) ومن أشار إليه فقد
~~حده ومن حده فقد عده، ومن قال: " فيم؟ " فقد ضمنه، ومن قال: ms197 " على م؟ " فقد
~~أخلي منه، (3) كائن لا عن حدث، موجود لا عن عدم، مع كل شئ لا بمزايلة فاعل
~~لا بمعنى الحركات والآلة، بصير إذ لا منظور إليه من حلقه، متوحد إذ لا
# PageV01P296
# سكن يستأنس به، ولا يستوحش لفقده (1) أنشأ الخلق إنشاءا: وابتدأه ابتداءا
~~بلا روية أجالها، ولا تجربة استفادها، ولا حركة أحدثها، ولا همامة نفس
~~اضطرب فيها، أحال الأشياء لأوقاتها، ولائم بين مختلفاتها، وغرز غرائزها،
~~وألزمها
# PageV01P297
# أشباحها، عالما بها قبل ابتدائها، محيطا بحدودها وانتهائها، عارفا
~~بقرائنها وأحنائها (1) وقال عليه السلام في خطبة أخرى: (2) أول عبادة الله
~~معرفته، وأصل معرفته توحيده، ونظام توحيده نفي الصفات عنه، جل أن تحله
~~الصفات بشهادة العقول: إن كل من حلته الصفات فهو مصنوع وشهادة العقول: أنه
~~جل جلاله صانع ليس بمصنوع، بصنع الله يستدل عليه، وبالعقول يعتقد معرفته،
~~وبالفكر تثبت حجته، جعل الخلق دليلا عليه، فكشف به ربوبيته، هو الواحد
~~الفرد في أزليته، لا شريك له في إلهيته، ولا ند له في ربوبيته، بمضادته بين
~~الأشياء المتضادة علم أن لا ضد له، وبمقارنته بين الأمور المقترنة
# PageV01P298
# علم أن لا قرين له.
# وقال عليه السلام في خطبة أخرى:
# دليله آياته، ووجوده إثباته، ومعرفته توحيده، وتوحيده تمييزه من خلقه
~~وحكم التمييز بينونة صفة لا بينونة عزلة، إنه رب خالق غير مربوب مخلوق، كل
~~ما تصور فهو بخلافه.
# ثم قال - بعد ذلك -:
# ليس بآله من عرف بنفسه هو الدال بالدليل عليه، والمؤدي بالمعرفة إليه.
# وقال عليه السلام في خطبة أخرى: (1).
# لا يشمل بحد، ولا يحسب بعد، وإنما تحد الأدوات أنفسها، وتشير الآلات إلى
~~نظائرها، منعتها منذ القدمة، وحمتها قد الأزلية، وجنبتها لولا التكملة، بها
~~تجلى صانعها للعقول، وبها امتنع عن نظر العيون (2) لا تجري عليه الحركة
# PageV01P299
# والسكون، وكيف يجري عليه ما هو أجراه، ويعود إليه ما هو أبداه، ويحدث فيه
~~ما هو أحدثه، إذا لتفاوتت ذلته، ولتجزأ كنهه، ولامتنع من الأزل معناه،
~~ولكان له وراء إذا وجد له إمام، ولالتمس التمام إذ لزمه النقصان، وإذا
~~لقامت آية ms198 المصنوع فيه، ولتحول دليلا بعد أن كان مدلولا عليه، (1) وخرج
~~بسلطان
# PageV01P300
# الامتناع من أن يؤثر فيه ما يؤثر في غيره، (1) الذي لا يحول، ولا يزول،
# PageV01P301
# ولا يجوز عليه الأفول، (1) لم يلد فيكون مولودا، ولم يولد فيصير محدودا
~~(2) جل عن اتخاذ الأبناء، وطهر عن ملامسة النساء، لا تناله الأوهام فتقدره،
~~ولا تتوهمه الفطن فتصوره، ولا تدركه الحواس فتحسه، ولا تلمسه الأيدي فتمسه،
~~ولا يتغير بحال، ولا يتبدل بالأحوال، ولا تبليه الليالي والأيام، ولا يغيره
~~الضياء والظلام، ولا يوصف بشئ من الأجزاء، ولا الجوارح والأعضاء، ولا بعرض
~~من الأعراض ولا بالغيرية والأبعاض، ولا يقال له حد ولا نهاية، ولا انقطاع
~~ولا غاية، ولا أن الأشياء تحويه، فتقله أو تهويه، ولا أن شيئا يحمله فيميله
~~أو يعدله، (3) ليس في الأشياء بوالج، ولا عنها بخارج، يخبر لا بلسان
~~ولهوات، ويسمع لا بخروق وأدوات، يقول ولا يلفظ، ويحفظ ولا يتحفظ، ويريد ولا
~~يضمر، يحب ويرضى من غير رقة، ويبغض ويغضب من غير مشقة، ويقول - لما أراد
~~كونه -: " كن فيكون " لا بصوت يقرع، ولا نداء يسمع، وإنما كلامه سبحانه فعل
~~منه أنشأه ومثله لم يكن من قبل ذلك كائنا، ولو كان قديما لكان إلها ثانيا،
~~(4) ولا يقال
# PageV01P302
# له: " كان بعد أن لم يكن " فتجري عليه صفات المحدثات، ولا يكون بينه
~~وبينها فصل، ولا له عليها فضل، فيستوي الصانع والمصنوع، ويتكافأ المبتدع
~~والبديع (1) خلق الخلائق على غير مثال خلا من غيره (2) ولم يستعن على خلقها
~~بأحد من خلقه أنشأ الأرض فأمسكها من غير اشتغال، وأرساها على غير قرار (3)
~~وأقامها بغير قوائم، ورفعها بغير دعائم، وحصنها من الأود والاعوجاج، ومنعها
~~من التهافت والانفراج (4) أرسى أوتادها، وضرب أسدادها، واستفاض عيونها، وخد
~~أوديتها (5) فلم يهن ما بناه، ولا ضعف ما قواه، هو الظاهر عليها بسلطانه
~~وعظمته، والباطن لها بعلمه ومعرفته، والعالي على كل شئ منها بجلالته وعزته،
~~لا يعجزه شئ منها طلبه، ولا يمتنع عليه فيغلبه، ولا يفوته السريع منها
~~فيسبقه، ولا يحتاج إلى ذي مال فيرزقه، خضعت الأشياء له، ms199 وظلت مستكينة
~~لعظمته (6) لا تستطيع الهرب من سلطانه إلى غيره، فتمتنع من نفعه وضره، ولا
~~كفؤ له فيكافئه (7) ولا نظير له فيساويه، هو المفني لها بعد وجودها، حتى
~~يصير موجودها كمفقودها، وليس فناء الدنيا بعد ابتداعها بأعجب من إنشائها
~~واختراعها، وكيف! ولو اجتمع
# PageV01P303
# جميع حيوانها: من طيرها، وبهائمها، وما كان من مراحها، وسائمها، وأصناف
~~أشباحها، وأجناسها، ومتلبدة أممها وأكياسها (1) على إحداث بعوضة ما قدرت
~~على إحداثها، ولا عرفت كيف السبيل إلى إيجادها ولتحيرت عقولها في علم ذلك
~~وتاهت، وعجزت قواها وتناهت، ورجعت خاسئة حسيرة (2) عارفة بأنها مقهورة مقرة
~~بالعجز عن إنشائها، مذعنة بالضعف عن إفنائها، وأنه يعود سبحانه بعد فناء
~~الدنيا وحده لا شئ معه، كما كان قبل ابتدائها، كذلك يكون بعد فنائها، لا
~~وقت ولا مكان، ولا حين ولا زمان، عدمت عند ذلك الآجال والأوقات، وزالت
~~السنون والساعات، فلا شئ إلا الواحد القهار، الذي إليه مصير جميع الأمور،
~~بلا قدرة منها كان ابتداء خلقها، وبغير امتناع منها كان فنائها، ولو قدرت
~~على الامتناع لدام بقائها، لم يتكاده صنع شئ منها إذا صنعه، ولم يؤده منها
~~خلق ما براه وخلقه، ولم يكونها لتشديد سلطان، ولا لخوف من زوال ونقصان، ولا
~~للاستعانة بها على ند مكاثر، ولا للاحتراز بها من ضد مساور (3) ولا
~~للإزدياد بها في ملكه ولا لمكاثرة شريك في شركته، ولا لوحشة كانت منه فأراد
~~أن يستأنس إليها، ثم هو يفنيها بعد تكوينها لا لسأم دخل عليه من تصريفها
~~وتدبيرها، ولا لراحة واصلة إليه، ولا لثقل شئ منها عليه، لا يمله طول
~~بقائها فيدعوه إلى نزعة إفنائها، لكنه سبحانه دبرها بلطفه، وأمسكها بأمره،
~~وأتقنها بقدرته، ثم يعيدها بعد الفناء من غير حاجة منه إليها، ولا استعانة
~~بشئ منها عليها، ولا لانصراف من حال وحشة إلى حال استيناس، ولا من حال جهل
~~وعمى إلى حال علم والتماس، ولا من فقر ولا حاجة إلى غنى وكثرة، ولا من ذل
~~وضعة إلى عز وقدرة.
# PageV01P304
# ومن خطبة له عليه السلام: (1) الحمد لله الذي ms200 لا تدركه الشواهد (2) ولا
~~تحويه المشاهد، ولا تراه النواظر ولا تحجبه السواتر، الدال على قدمه بحدوث
~~خلقه، وبحدوث خلقه على وجوده وباشتباههم على أن لا شبه له، الذي صدق في
~~ميعاده، وارتفع عن ظلم عباده، وقام بالقسط في خلقه، وعدل عليهم في حكمه،
~~مستشهد بحدوث الأشياء على أزليته وبما وسمها به من العجز على قدرته، وبما
~~اضطرها إليه من الفناء على دوامه، واحد لا بعدد، ودائم لا بأمد، وقائم لا
~~بعمد، تتلقاه الأذهان لا بمشاعرة (3) وتشهد له المرائي لا بمحاضرة (4) لم
~~تحط به الأوهام بل تجلى لها بها، وبها امتنع منها، وإليها حاكمها (5) ليس
~~بذي كبر امتدت به النهايات فكبرته تجسيما ولا بذي عظم تناهت به الغايات
~~فعظمته تجسيدا، بل كبر شانا، وعظم سلطانا.
# ومنها في الاستدلال عليه تعالى بعجيب خلقه من أصناف الحيوان وغيرها:
# ولو فكروا في عظيم القرة، وجسيم النعمة، لرجعوا إلى الطريق، وخافوا عذاب
~~الحريق، ولكن القلوب عليلة، والأبصار مدخولة، أفلا ينظرون إلى صغير ما خلق
~~كيف أحكم خلقه، وأتقن تركيبه، وفلق له السمع والبصر، وسوى له العظم والبشر
~~انظروا إلى النملة في صغرة جثتها، ولطافة هيئتها، لا تكاد تنال بلحظ البصر،
~~ولا بمستدرك الفكر، كيف دبت على أرضها، وصبت على رزقها، تنقل الحبة إلى
~~جحرها، وتعدها في مستقرها، تجمع في حرها لبردها، وفي ورودها لصدورها،
~~مكفولة برزقها، مرزوقة بوفقها، لا يغفلها المنان، ولا يحرمها الديان، ولو
~~في
# PageV01P305
# الصفاء اليابس، والحجر الجامس، ولو فكرت في مجاري أكلها، وفي علوها
~~وسفلها وما في الجوف من شراسيف بطنها، وما في الرأس من عينها وأذنها، لقضيت
~~من خلقتها عجبا، ولقيت من وصفها تعبا، فتعالى الذي أقامها على قوائمها،
~~وبناها على دعائمها، ولم يشركه في فطرتها فاطر، ولم يعنه على خلقها قادر،
~~ولو ضربت في مذاهب فكرك لتبلغ غاياته ما دلتك الدلالة إلا على أن فاطر
~~النملة هو فاطر النحلة، لدقيق تفصيل كل شئ، وغامض اختلاف كل حي، وما الجليل
~~واللطيف والثقيل والخفيف، والقوي والضعيف في خلقه إلا سواء، كذلك السماء ms201
~~والهواء، والريح والماء، فانظر إلى الشمس والقمر والنبات والشجر، والماء
~~والحجر، واختلاف هذا الليل والنهار، وتفجر هذه البحار والأنهار، وكثرة هذه
~~الجبال وطول هذه القلال، وتفرق هذه اللغات والألسن المختلفات، فالويل لمن
~~أنكر المقدر، أو جحد المدبر، وزعموا أنهم كالنبات ما لهم زارع، ولا لاختلاف
~~صورهم صانع، لم يلجؤا إلى حجة فيما ادعوا، ولا تحقيق فيما أوعوا، وهل يكون
~~بناء من غير بأن، أو جناية من غير جان، وإن شئت قلت في الجرادة: إذ خلق لها
~~عينين حمراوين، وأسرج لها حدقتين قمراوين، وجعل لها السمع الخفي، وفتح لها
~~الفم السوي، وجعل لها الحس القوي، ونابين بهما تقرض، ومنجلين بهما تقبض
~~ترهبها الزراع في زرعهم، ولا يستطيعون ذبها ولو أجمعوا بجمعهم، حتى ترد
~~الحرث من نزواتها، وتقضي منه شهواتها، وخلقها كله لا يكون إصبعا مستدقة،
~~فتبارك الله الذي يسجد له من في السماوات والأرض طوعا وكرها، ويعفر له خدا
~~ووجها، ويلقي بالطاعة له سلما وضعفا، ويعطي له القياد رهبة وخوفا، والطير
~~مسخرة لأمره، أحصى عدد الريش منها والنفس، وأرسى قوائمها على الندى واليبس
~~قدر أقواتها وأحصى أجناسها، فهذا غراب، وهذا عقاب، وهذا حمام، وهذا نعام
~~دعا كل طائر باسمه، وكفل له برزقه، وأنشأ السحاب الثقال فأهطل ديمها، وعدد
~~قسمها، قبل الأرض بعد جفوفها، وأخرج نبتها بعد جدوبها. PageV01P306
# وروي أنه وفد وفد من بلاد الروم إلى المدينة على عهد أبي بكر وفيهم راهب
~~من رهبان النصارى فأتى مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله ومعه بختي موقر
~~ذهبا وفضة وكان أبو بكر حاضرا وعنده جماعة من المهاجرين والأنصار.
# فدخل عليهم، وحياهم، ورحب بهم، وتصفح وجوههم، ثم قال:
# أيكم خليفة رسول الله وأمين دينكم؟
# فأومي إلى أبي بكر فأقبل إليه بوجهه ثم قال أيها الشيخ ما اسمك؟ قال،
~~عتيق. قال ثم ماذا؟ قال: صديق. قال: ثم ماذا؟ قال: لا أعرف لنفسي اسما غيره
~~فقال: لست بصاحبي فقال له: وما حاجتك؟
# قال: أنا من بلاد الروم جئت منها ببختي موقر ذهبا وفضة، لأسأل أمين ms202 هذه
~~الأمة من مسألة إن أجابني عنها أسلمت، وبما أمرني أطعت، وهذا المال بينكم
~~فرقت وإن عجز عنها رجعت إلى الوراء بما معي ولم أسلم، فقال له أبو بكر: سل
~~عما بدا لك.
# فقال الراهب: والله لا أفتح الكلام ما لم تؤمني من سطوتك وسطوة أصحابك
~~فقال أبو بكر: أنت آمن، وليس عليك بأس، قل ما شئت.
# فقال الراهب: أخبرني عن شئ: ليس لله، ولا من عند الله، ولا يعلمه الله.
# فارتعش أبو بكر ولم يحر جوابا، فلما كان بعد هنيئة قال - لبعض أصحابه -:
# ائتني بأبي حفص عمر. فجاء به فجلس عنده ثم قال:
# أيها الراهب سله. فأقبل بوجهه إلى عمر وقال له مثل ما قال لأبي بكر فما
~~يحر جوابا ثم أتى بعثمان، فجرا بين الراهب وعثمان مثل ما جرى بينه وبين أبي
~~بكر وعمر فلم يحر جوابا.
# فقال الراهب: أشياخ كرام، ذووا فجاج لإسلام. ثم نهض ليخرج.
# فقال أبو بكر: يا عدو الله لولا العهد لخضبت الأرض بدمك.
# فقام سلمان الفارسي رضي الله عنه، أتى علي بن أبي طالب عليه السلام وهو
~~PageV01P307
# جالس في صحن داره مع الحسن والحسين عليهما السلام، وقص عليه القصة.
# فقام علي عليه السلام وخرج ومعه الحسن الحسين عليهما السلام حتى أتى
~~المسجد، فلما رأى القوم عليا عليه السلام، كبروا الله، وحمدوا الله، وقاموا
~~إليه أجمعهم، فدخل علي عليه السلام وجلس فقال أبو بكر: أيها الراهب سله
~~فإنه صاحبك وبغيتك، فأقبل الراهب بوجهه إلى علي عليه السلام ثم قال:
# يا فتى ما اسمك؟
# قال: اسمي عند اليهود " إليا " وعند النصارى " إيليا " وعند والدي " علي
~~" وعند أمي " حيدرة " قال: ما محلك من نبيكم؟
# قال: أخي وصهري وابن عمي لحا.
# قال: الراهب: أنت حاصبي ورب عيسى، أخبرني عن شئ ليس لله، ولا من عند
~~الله، ولا يعلمه الله.
# قال: عليه السلام على الخبير سقطت:
# أما قولك " ما ليس لله ": فإن الله تعالى أحد ليس له صاحبة ولا ولد.
# وأما قولك " ولا من عند الله ": فليس من ms203 عند الله ظلم لأحد.
# وأما قولك " لا يعلمه الله ": فإن الله لا يعلم له شريكا في الملك.
# فقام الراهب، وقطع زناره، وأخذ رأسه وقبل ما بين عينيه، وقال: " أشهد أن
~~لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله وأشهد أنك أنت الخليفة وأمين هذه
~~الأمة، ومعدن الدين والحكمة، ومنبع عين الحجة، لقد قرأت اسمك في التوراة
~~إليا، وفي الإنجيل إيليا، وفي القرآن عليا، وفي الكتب السابقة حيدرة،
~~ووجدتك بعد النبي وصيا، وللإمارة وليا، وأنت أحق بهذا المجلس من غيرك،
~~فخبرني ما شأنك وشأن القوم؟ " فأجابه بشئ فقام الراهب وسلم المال إليه
~~بأجمعه، فما برح علي عليه السلام مكانه حتى فرقه في مساكين أهل المدينة،
~~ومحاويجهم، وانصرف الراهب إلى قومه مسلما. PageV01P308
# وروي أنه اتصل بأمير المؤمنين عليه السلام أن قوما من أصحابه خاضوا في
~~التعديل والتجريح فخرج حتى صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال، أيها
~~الناس إن الله تبارك وتعالى لما خلق خلقه، أراد أن يكونوا على آداب رفيعة،
~~وأخلاق شريفة، فعلم أنهم لم يكونوا كذلك إلا بأن يعرفهم: ما لهم، وما
~~عليهم، والتعريف لا يكون إلا بالأمر والنهي، والأمر والنهي لا يجتمعان إلا
~~بالوعد والوعيد، والوعد لا يكون إلا بالترغيب والوعيد لا يكون إلا بالترهيب
~~والترغيب لا يكون إلا بما تشتهيه أنفسهم، وتلذ أعينهم، والترهيب لا يكون
~~إلا بضد ذلك، ثم خلقهم في داره وأراهم طرفا من اللذات، ليستدلوا به على ما
~~ورائهم من اللذات الخالصة التي لا يشوبها ألم، ألا وهي الجنة، وأراهم طرفا
~~من الآلام ليستدلوا به على ما ورائهم من الآلام الخالصة التي لا يشوبها
~~لذة، ألا وهي النار فمن أجل ذلك ترون نعيم الدنيا مخلوطا بمحنها، وسرورها
~~ممزوجا بكدرها وهمومها قيل: فحدث الجاحظ (1) بهذا الحديث، فقال: هو جماع
~~الكلام الذي دونه الناس في كتبهم، وتحاوره بينهم.
# قيل: ثم سمع أبو علي الجبائي (2) بذلك، فقال صدق الجاحظ هذا ما لا يحتمله
~~الزيادة والنقصان.
# PageV01P309
# وروي عن علي بن محمد العسكري عليهما السلام - في رسالته إلى أهل ms204 الأهواز
~~في نفي الجبر والتفويض (1) -: أنه قال:
# روي عن أمير المؤمنين عليه السلام: أنه سأله رجل بعد انصرافه من الشام
~~فقال:
# يا أمير المؤمنين أخبرنا عن خروجنا إلى الشام أبقضاء وقدر؟
# فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: نعم يا شيخ ما علوتم تلعة (2) ولا
~~هبطتم بطن واد إلا بقضاء من عند الله وقدر.
# فقال الرجل: عند الله أحتسب عنائي، والله ما أرى لي من الأجر شيئا.
# فقال علي عليه السلام: بلى فقد عظم الله لكم الأجر في مسيركم وأنتم
~~ذاهبون، وعلى منصرفكم وأنتم منقلبون، ولم يكونوا في شئ من حالاتكم مكرهين،
~~ولا إليه مضطرين.
# فقال الرجل: وكيف لا نكون مضطرين والقضاء والقدر ساقانا، وعنهما كان
~~مسيرنا؟!
# فقال أمير المؤمنين عليه السلام لعلك أردت قضاءا لازما، وقدرا حتما ولو
~~كان كذلك لبطل الثواب والعقاب، وسقط الوعد والوعيد، والأمر من الله والنهي،
~~وما كانت تأتي من الله لائمة لمذنب، ولا محمدة لمحسن، ولا كان المحسن أولى
~~بثواب الإحسان من المذنب،
# PageV01P310
# ولا المذنب أولى بعقوبة الذنب من المحسن، تلك مقالة إخوان عبدة الأوثان،
~~وجنود الشيطان، وخصماء الرحمن، وشهداء الزور والبهتان، وأهل العمى والطغيان
~~(1) هم قدرية هذه الأمة ومجوسها، إن الله تعالى أمر تخييرا، وكلف يسيرا،
~~ولم يعص مغلوبا، ولم يطع مكرها، ولم يرسل الرسل هزلا، ولم ينزل القرآن
~~عبثا، ولم يخلق السماوات والأرض وما بينهما باطلا، ذلك ظن الذين كفروا،
~~فويل للذين كفروا من النار ثم تلى عليهم: " وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه
~~" (2) قال: فنهض الرجل مسرورا وهو يقول:
# أنت الإمام الذي نرجو بطاعته * يوم النشور من الرحمن رضوانا أوضحت من
~~ديننا ما كان ملتبسا * جزاك ربك عنا فيه إحسانا وليس معذرة في فعل فاحشة *
~~قد كنت راكبها فسقا وعصيانا كلا ولا قائلا ناهيه أوقعه * فيه عبدت إذا يا
~~قوم شيطانا ولا أحب ولا شاء الفسوق ولا * قتل الولي له ظلما وعدوانا أنى
~~يحب وقد صحت عزيمته * على الذي قال أعلن ذاك إعلانا وروي أن رجلا قال: فما
~~القضاء والقدر الذي ms205 ذكرته يا أمير المؤمنين؟ قال:
# الأمر بالطاعة، والنهي عن المعصية، والتمكين من فعل الحسنة وترك المعصية،
~~والمعونة على القربة إليه، والخذلان لمن عصاه، والوعد والوعيد، والترغيب
~~والترهيب، كل ذلك قضاء الله في أفعالنا، وقدره لأعمالنا، وأما غير ذلك فلا
~~تظنه فإن الظن له محبط للأعمال.
# فقال الرجل: فرجت عني يا أمير المؤمنين فرج الله عنك.
# وروي أنه سئل عن القضاء والقدر فقال:
# لا تقولوا: وكلهم الله عليه أنفسهم فتوهنوه، ولا تقولوا أجبرهم على
~~المعاصي فتظلموه، ولكن قولوا: الخير بتوفيق الله، والشر بخذلان الله، وكل
~~سابق في علم الله.
# PageV01P311
# وروى أهل السير: أن رجلا جاء إلى أمير المؤمنين عليه السلام فقال:
# يا أمير المؤمنين خبرني عن الله أرأيته حين عبدته؟
# فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: لم أك بالذي أعبد من لم أره.
# فقال له: كيف رأيته يا أمير المؤمنين؟
# فقال له: يا ويلك لم تره العيون بمشاهدة العيان، لكن رأته العقول بحقايق
~~الإيمان، معروف بالدلالات، منعوت بالعلامات، لا يقاس بالناس، ولا يدرك
~~بالحواس فانصرف الرجل وهو يقول: الله أعلم حيث يجعل رسالته.
# وروي أن بعض الأحبار جاء إلى أبي بكر فقال له:
# أنت خليفة نبي هذه الأمة؟
# فقال: نعم.
# قال: فإنا نجد في التوراة أن خلفاء الأنبياء أعلم أممهم، فخبرني عن الله
~~أين هو أفي السماء أم في الأرض؟
# فقال له أبو بكر: في السماء على العرش.
# قال اليهودي: فأرى الأرض خالية منه، وأراه - على هذا القول - في مكان دون
~~مكان.
# فقال أبو بكر: هذا كلام الزنادقة أعزب عني (1) وإلا قتلتك.
# فولى الرجل متعجبا يستهزئ بالإسلام، فاستقبله أمير المؤمنين عليه السلام
~~فقال له: يا يهودي قد عرفت ما سألت عنه، وما أجبت به، وإنا نقول:
# إن الله عز وجل أين الأين فلا أين له، وجل عن أن يحويه مكان، وهو في كل
~~مكان، بغير مماسة ولا مجاورة، يحيط علما بها، (2) ولا يخلق شئ من تدبيره
~~تعالى، وإني مخبرك بما جاء في كتاب من كتبكم يصدق ما ذكرته لك، فإن عرفته ms206
~~أتؤمن به؟ قال اليهودي: نعم. قال:
# PageV01P312
# ألستم تجدون في بعض كتبكم: أن موسى بن عمران كان ذات يوم جالسا إذ جاءه
~~ملك من المشرق، فقال له: من أين جئت؟ فقال: من عند الله. وجاءه ملك آخر من
~~المغرب فقال له: من أين جئت؟ فقال: من عند الله. ثم جاءه ملك فقال: من أين
~~جئت؟ فقال: قد جئتك من السماء السابعة من عند الله عز وجل.
# وجاء ملك آخر قال: قد جئتك من الأرض السابعة السفلى من عند الله عز وجل
~~فقال موسى عليه السلام: سبحان من لا يخلو منه مكان، ولا يكون إلى مكان أقرب
~~من مكان، فقال اليهودي: أشهد أن هذا هو الحق المبين، وأنك أحق بمقام نبيك
~~ممن استولى عليه.
# وروى الشعبي: أنه سمع أمير المؤمنين عليه السلام رجلا يقول: " والذي
~~احتجب بسبع طباق " فعلاه بالدرة ثم قال له:
# يا ويلك إن الله أجل من أن يحتجب عن شئ، أو يحتجب عنه شئ، سبحان الذي لا
~~يحويه مكان، ولا يخفى عليه شئ في الأرض ولا في السماء، فقال الرجل:
# فأكفر عن يميني يا أمير المؤمنين؟.
# قال: لم تحلف بالله فيلزمك كفارة، فإنما حلفت بغيره.
# وعن أبي عبد الله الصادق عليه السلام قال:
# جاء حبر من الأحبار إلى أمير المؤمنين عليه السلام فقال: يا أمير
~~المؤمنين متى كان ربك؟
# فقال له: ثكلتك أمك ومتى لم يكن حتى يقال: متى كان؟! كان ربي قبل القبل
~~بلا قبل، وبعد البعد بلا بعد، ولا غاية ولا منتهى لغايته انقطعت الغايات
~~عنه فهو منتهى كل غاية.
# فقال: يا أمير المؤمنين أفنبي أنت؟ فقال: ويلك إنما أنا عبد من عبيد
~~محمد.
# * * * PageV01P313
# احتجاجه (ع) على اليهود من أحبارهم ممن قرأ الصحف والكتب في معجزات النبي
~~صلى الله عليه وآله وكثير من فضائله.
# روي عن موسى بن جعفر عن أبيه عن آبائه عليهم السلام عن الحسين بن علي
~~عليهما السلام قال: إن يهوديا من يهود الشام وأحبارهم كان قد قرأ التوراة
~~والإنجيل والزبور وصحف الأنبياء عليهم ms207 السلام وعرف دلائلهم، جاء إلى مجلس
~~فيه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وفيهم علي بن أبي طالب، وابن عباس،
~~وابن مسعود، وأبو سعيد الجهني.
# فقال: يا أمة محمد ما تركتم لنبي درجة، ولا لمرسل فضيلة، إلا أنحلتموها
~~نبيكم، فهل تجيبوني عما أسألكم عنه؟ فكاع القوم عنه (1).
# فقال علي بن أبي طالب عليه السلام: نعم ما أعطى الله نبيا درجة، ولا
~~مرسلا فضيلة إلا وقد جمعها لمحمد صلى الله عليه وآله وزاد محمدا على
~~الأنبياء أضعافا مضاعفة.
# فقال له اليهودي: فهل أنت مجيبي؟
# قال له: نعم سأذكر لك اليوم من فضائل رسول الله صلى الله عليه وآله ما
~~يقر الله به عين المؤمنين، ويكون فيه إزالة لشك الشاكين في فضائله صلى الله
~~عليه وآله، إنه كان إذا ذكر لنفسه فضيلة قال: " ولا فخر " وأنا أذكر لك
~~فضائله غير مزر بالأنبياء، ولا منتقص لهم، ولكن شكرا لله على ما أعطى محمدا
~~صلى الله عليه وآله مثل ما أعطاهم، وما زاده الله وما فضله عليهم.
# قال له اليهودي: إني أسألك فأعد له جوابا.
# قال له علي عليه السلام: هات.
# قال اليهودي: هذا آدم عليه السلام أسجد الله له ملائكته، فهل فعل لمحمد
~~شيئا من هذا؟
# فقال له علي عليه السلام: لقد كان كذلك، أسجد الله لآدم ملائكته فإن
~~سجودهم له لم يكن سجود طاعة، وإنهم عبدوا آدم من دون الله عز وجل، ولكن
~~اعترافا بالفضيلة، ورحمة من الله له، ومحمد صلى الله عليه وآله أعطي ما هو
~~أفضل من هذا، إن الله
# PageV01P314
# عز وجل صلى عليه في جبروته والملائكة بأجمعها، وتعبد المؤمنين بالصلاة
~~عليه فهذه زيادة له يا يهودي.
# قال له اليهودي: فإن آدم عليه السلام تاب الله عليه بعد خطيئته؟
# قاله له علي عليه السلام: لقد كان كذلك، ومحمد نزل فيه ما هو أكبر من هذا
~~من غير ذنب أتى، قال الله عز وجل: " ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما
~~تأخر " (1) إن محمدا غير مواف يوم القيامة بوزر، ms208 ولا مطلوب فيها بذنب.
# قال اليهودي: فإن هذا إدريس رفعه الله عز وجل مكانا عليا، وأطعمه من تحف
~~الجنة بعد وفاته؟
# قال له علي عليه السلام: لقد كان كذلك، ومحمد صلى الله عليه وآله أعطي ما
~~هو أفضل من هذا إن الله جل ثناؤه قال فيه: " ورفعنا لك ذكرك " (2) فكفى
~~بهذا من الله رفعة، ولئن أطعم إدريس من تحف الجنة بعد وفاته، فإن محمدا
~~أطعم في الدنيا في حياته: بينما يتضور جوعا فأتاه جبرئيل عليه السلام بجام
~~من الجنة فيه تحفة، فهلل الجام وهللت التحفة في يده، وسبحا، وكبرا، وحمدا،
~~فناولها أهل بيته، ففعلت الجام مثل ذلك، فهم أن يناولها بعض أصحابه
~~فتناولها جبرئيل عليه السلام وقال له: كلها فإنها تحفة من الجنة أتحفك الله
~~بها، وأنها لا تصلح إلا لنبي أو وصي نبي، فأكل منها صلى الله عليه وآله
~~وأكلنا معه، وإني لأجد حلاوتها ساعتي هذه.
# قال اليهودي: فهذا نوح عليه السلام صبر في ذات الله تعالى، وأعذر قومه إذ
~~كذب؟
# قال له علي عليه السلام: لقد كان كذلك، ومحمد صلى الله عليه وآله صبر في
~~ذات الله عز وجل فأعذر قومه إذ كذب، وشرد، وحصب بالحصا، وعلاه أبو لهب بسلا
~~ناقة وشاة، فأوحي الله تبارك وتعالى إلى جابيل ملك الجبال، أن شق الجبال
~~وانته إلى أمر محمد فأتاه فقال: إني أمرت لك بالطاعة فإن أمرت أن أطبق
~~عليهم الجبال فأهلكتهم بها، قال صلى الله عليه وآله: " إنما بعثت رحمة رب
~~أهد أمتي فإنهم لا يعلمون " ويحك يا يهودي إن نوحا لما شاهد غرق قومه رق
~~عليهم رقة القرابة، وأظهر عليهم شفقة
# PageV01P315
# فقال: " رب إن ابني من أهلي (1) " فقال الله تعالى: " إنه ليس من أهلك
~~إنه عمل غير صالح (2) " أراد جل ذكره أن يسليه بذلك، ومحمد صلى الله عليه
~~وآله لما غلبت عليه من قومه المعاندة شهر عليهم سيف النقمة، ولم تدركه فيهم
~~رقة القرابة، ولم ينظر إليهم بعين رحمة.
# فقال اليهودي: فإن نوحا دعا ربه، فهطلت السماء بماء ms209 منهمر؟
# قال له عليه السلام: لقد كان كذلك، وكانت دعوته دعوة غضب، ومحمد صلى الله
~~عليه وآله هطلت له السماء بماء منهمر رحمة، وذلك أنه صلى الله عليه وآله
~~لما هاجر إلى المدينة أتاه أهلها في يوم جمعة فقالوا له: يا رسول الله صلى
~~الله عليه وآله احتبس القطر، واصفر العود، وتهافت الورق، فرفع يده المباركة
~~حتى رأي بياض إبطه، وما ترى في السماء سحابة، فما برح حتى سقاهم الله حتى
~~أن الشاب المعجب بشبابه لهمته نفسه في الرجوع إلى منزله فما يقدر على ذلك
~~من شدة السيل، فدام أسبوعا، فأتوه في الجمعة الثانية فقالوا: يا رسول الله
~~تهدمت الجدر، واحتبس الركب والسفر، فضحك صلى الله عليه وآله وقال: هذه سرعة
~~ملالة ابن آدم، ثم قال: " اللهم حوالينا ولا علينا اللهم في أصول الشيح
~~ومراتع البقع " (3) فرأي حوالي المدينة المطر يقطر قطرا، وما يقع بالمدينة
~~قطرة، لكرامته صلى الله عليه وآله عز وجل.
# قال له اليهودي: فإن هذا هود قد انتصر الله من أعدائه بالريح، فهل فعل
~~لمحمد صلى الله عليه وآله شيئا من هذا؟
# قال له علي عليه السلام: لقد كان كذلك، ومحمد صلى الله عليه وآله أعطي ما
~~هو أفضل من هذا إن الله عز وجل قد انتصر له من أعدائه بالريح يوم الخندق،
~~إذ أرسل عليهم ريحا تذروا الحصى، وجنودا لم يروها، فزاد الله تعالى محمدا
~~صلى الله عليه وآله بثمانية ألف ملك، وفضله على هود، بأن ريح عاد ريح سخط،
~~وريح محمد ريح رحمة، قال الله تعالى:
# PageV01P316
# " يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جائكم جنود فأرسلنا
~~عليهم ريحا وجنودا لم تروها (1) " قال له اليهودي: فهذا صالح أخرج الله له
~~ناقة جعلها لقومه عبرة؟
# قال علي عليه السلام لقد كان كذلك، ومحمد صلى الله عليه وآله أعطي ما هو
~~أفضل من ذلك، إن ناقة صالح لم تكلم صالحا، ولم تناطقه ولم تشهد له بالنبوة،
~~ومحمد صلى الله عليه وآله بينما نحن معه في بعض ms210 غزواته إذا هو ببعير قد
~~دنا، ثم رغا فأنطقه الله عز وجل فقال:
# " يا رسول الله فلانا استعملني حتى كبرت، ويريد نحري، فأنا أستعيذ بك منه
~~" فأرسل رسول الله صلى الله عليه وآله إلى صاحبه فاستوهبه منه، فوهبه له
~~وخلاه، ولقد كنا معه فإذا نحن بأعرابي معه ناقة له يسوقها، وقد استسلم
~~للقطع لما زور عليه من الشهود فنطقت الناقة فقالت: " يا رسول الله إن فلأنا
~~مني برئ، وإن الشهود يشهدون عليه بالزور، وإن سارقي فلان اليهودي ".
# قال له اليهودي: فإن هذا إبراهيم قد تيقظ بالاعتبار على معرفة الله تعالى
~~وأحاطت دلالته بعلم الإيمان؟
# قال له علي عليه السلام: لقد كان كذلك وأعطي محمدا أفضل منه، وتيقظ
~~إبراهيم وهو ابن خمسة عشر سنة ومحمد ابن سبع سنين، قدم تجار من النصارى
~~فنزلوا بتجارتهم بين الصفا والمروة، فنظر إليه بعضهم فعرفه بصفته ورفعته،
~~وخبر مبعثه وآياته، فقالوا: يا غلام ما اسمك؟ قال: محمد قالوا: ما اسم
~~أبيك؟ قال: عبد الله قالوا: ما اسم هذه؟ وأشاروا بأيديهم إلى الأرض قال:
~~الأرض قالوا، وما اسم هذه؟ وأشاروا بأيديهم إلى السماء قال: السماء قالوا:
~~فمن ربهما؟ قال: الله. ثم انتهرهم وقال: أتشككوني في الله عز وجل؟! ويحك يا
~~يهودي لقد تيقظ بالاعتبار على معرفة الله عز وجل مع كفر قومه إذ هو بينهم:
~~يستقسمون بالأزلام، ويعبدون الأوثان، وهو يقول: لا إله إلا الله.
# قال له اليهودي: فإن إبراهيم عليه السلام حجب عن نمرود بحجب ثلاث؟
# PageV01P317
# قال علي عليه السلام: لقد كان كذلك، ومحمد صلى الله عليه وآله حجب عمن
~~أراد قتله بحجب خمس، فثلاثة بثلاثة واثنان فضل، قال الله عز وجل - وهو يصف
~~أمر محمد صلى الله عليه وآله -:
# " وجعلنا من بين أيديهم سدا " فهذا الحجاب الأول " ومن خلفهم سدا " فهذا
~~الحجاب الثاني " فأغشيناهم فهم لا يبصرون (1) " فهذا الحجاب الثالث ثم قال:
~~" إذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا
~~(2) " فهذا الحجاب الرابع ثم قال: " فهي إلى الأذقان فهم مقمحون ms211 " فهذه حجب
~~خمس.
# قال له اليهودي: فإن هذا إبراهيم قد بهت الذي كفر ببرهان نبوته؟
# قال علي عليه السلام: لقد كان كذلك، ومحمد صلى الله عليه وآله أتاه مكذب
~~بالبعث بعد الموت وهو: أبي بن خلف الجمعي معه عظم نخر ففركه ثم قال: يا
~~محمد " من يحيي العظام وهي رميم (3) "؟ فأنطق الله محمدا بمحكم آياته،
~~وبهته ببرهان نبوته، فقال:
# " يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم (4) " فانصرف مبهوتا.
# قال له اليهودي: فهذا إبراهيم جذ أصنام (5) قومه غضبا لله عز وجل؟
# قال علي عليه السلام: لقد كان كذلك، ومحمد صلى الله عليه وآله قد نكس عن
~~الكعبة ثلاثمائة وستين صنما، ونفاها عن جزيرة العرب، وأذل من عبدها بالسيف.
# قال له اليهودي: فإن إبراهيم قد أضجع ولده وتله للجبين (6)؟
# فقال علي عليه السلام: لقد كان كذلك، ولقد أعطي إبراهيم بعد الاضطجاع
~~الفداء، ومحمد أصيب بأفجع منه فجيعة إنه وقف على عمه حمزة أسد الله، وأسد
~~رسوله وناصر دينه، وقد فرق بين روحه وجسده، فلم يبن عليه حرقة، ولم يفض
~~عليه عبرة، ولم ينظر إلى موضعه من قلبه وقلوب أهل بيته ليرضي الله عز وجل
~~بصبره ويستسلم لأمره في جميع الفعال، وقال صلى الله عليه وآله: لولا أن
~~تحزن صفية لتركته حتى
# PageV01P318
# يحشر من بطون السباع، وحواصل الطير، ولولا أن يكون سنة بعدي لفعلت ذلك.
# قال له اليهودي: فإن إبراهيم عليه السلام قد أسلمه قومه إلى الحريق فصبر
~~فجعل الله عز وجل عليه النار بردا وسلاما (1) فهل فعل بمحمد شيئا من ذلك؟
# قال له علي عليه السلام: لقد كان كذلك، ومحمد صلى الله عليه وآله لما نزل
~~بخيبر سمته الخيبرية فصير الله السم في جوفه بردا وسلاما إلى منتهى أجله،
~~فالسم يحرق إذا استقر في الجوف كما أن النار تحرق، فهذا من قدرته لا تنكره.
# قال له اليهودي: فإن هذا يعقوب عليه السلام أعظم في الخير نصيبه إذ جعل
~~الأسباط من سلالة صلبه، ومريم بنت عمران من بناته؟
# قال علي عليه ms212 السلام: لقد كان كذلك، ومحمد صلى الله عليه وآله أعظم في
~~الخير نصيبا إذ جعل فاطمة سيدة نساء العالمين من بناته، والحسن والحسين من
~~حفدته.
# قال له اليهودي: فإن يعقوب عليه السلام قد صبر عليه فراق ولده حتى كاد
~~يحرض (2) من الحزن.
# قال له علي عليه السلام: لقد كان كذلك، حزن يعقوب حزنا بعده تلاق، ومحمد
~~صلى الله عليه وآله قبض ولده إبراهيم عليه السلام قرة عينه في حياته منه،
~~فخصه بالاختيار، ليعظم له الادخار فقال صلى الله عليه وآله: يحزن النفس،
~~ويجزع القلب، وأنا عليك يا إبراهيم لمحزونون، ولا نقول ما يسخط الرب، في كل
~~ذلك يؤثر الرضا عن الله عز وجل، والاستسلام له في جميع الفعال.
# قال له اليهودي: فإن هذا يوسف قاسى مرارة الفرقة، وحبس في السجن توقيا
~~للمعصية، والقي في الجب وحيدا؟
# قال له علي عليه السلام: لقد كان كذلك، ومحمد صلى الله عليه وآله قاسى
~~مرارة الغربة، وفراق الأهل والأولاد والمال، مهاجرا من حرم الله تعالى
~~وأمنه، فلما رأى الله عز وجل كآبته واستشعاره والحزن، أراه تبارك اسمه رؤيا
~~توازي رؤيا يوسف في تأويلها
# PageV01P319
# وأبان للعالمين صدق تحقيقها، فقال: " لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق
~~لتدخلن المسجد الحرام إنشاء الله آمنين محلقين رؤسكم ومقصرين لا تخافون (1)
~~" ولئن كان يوسف عليه السلام حبس في السجن، فلقد حبس رسول الله نفسه في
~~الشعب ثلاث سنين، وقطع منه أقاربه وذووا الرحم والجأوه إلى أضيق المضيق،
~~ولقد كادهم الله عز ذكره له كيدا مستبينا، إذ بعث أضعف خلقه فأكل عهدهم
~~الذي كتبوه بينهم في قطيعة رحمه، ولئن كان يوسف ألقي في الجب، فلقد حبس
~~محمد نفسه مخافة عدوه في الغار حتى قال لصاحبه لا تحزن إن الله معنا، ومدحه
~~إليه بذلك في كتابه.
# فقال له اليهودي: فهذا موسى بن عمران آتاه الله عز وجل التوراة التي فيها
~~حكمه؟
# قال له علي عليه السلام: فلقد كان كذلك، ومحمد صلى الله عليه وآله أعطي
~~ما هو أفضل منه أعطي محمد البقرة ms213 وسورة المائدة بالإنجيل، وطواسين وطه ونصف
~~المفصل والحواميم بالتوراة، وأعطي نصف المفصل والتسابيح بالزبور، وأعطي
~~سورة بني إسرائيل وبرائة بصحف إبراهيم وموسى عليهما السلام، وزاد الله عز
~~وجل محمدا السبع الطوال (2) وفاتحة الكتاب (3) وهي السبع المثاني والقرآن
~~العظيم وأعطي الكتاب والحكمة.
# قال له اليهودي: فإن موسى ناجاه الله على طور سيناء؟
# قال له علي عليه السلام: لقد كان كذلك، ولقد أوحى الله إلى محمد صلى الله
~~عليه وآله عند سدرة المنتهى، فمقامه في السماء محمود، وعند منتهى العرش
~~مذكور.
# قال اليهودي: فلقد ألقى الله على موسى بن عمران محبة منه؟
# قال علي عليه السلام: لقد كان كذلك، وقد أعطي محمد صلى الله عليه وآله ما
~~هو أفضل من هذا، لقد ألقى الله محبة منه فمن هذا الذي يشركه في هذا الاسم
~~إذ تم من الله به
# PageV01P320
# الشهادة فلا تتم الشهادة إلا أن يقال: " أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد
~~أن محمدا رسول الله " ينادى به على المنابر فلا يرفع صوت بذكر الله إلا رفع
~~بذكر محمد صلى الله عليه وآله معه.
# قال له اليهودي: فلقد أوحى الله إلى أم موسى لفضل منزلة موسى عليه السلام
~~عند الله قال له علي عليه السلام: لقد كان كذلك، ولقد لطف الله جل ثناؤه
~~لأم محمد صلى الله عليه وآله بأن أوصل إليها اسمه، حتى قالت: أشهد
~~والعالمون: أن محمدا رسول الله منتظر وشهد الملائكة على الأنبياء أنهم
~~أثبتوه في الأسفار، وبلطف من الله ساقه إليها، وأوصل إليها اسمه لفضل
~~منزلته عنده، حتى رأت في المنام أنه قيل لها: إن ما في بطنك سيد، فإذا
~~ولدته فسميه محمدا، فاشتق الله له اسما من أسمائه، فالله المحمود وهذا محمد
~~قال له اليهودي: فإن هذا موسى بن عمران قد أرسله الله إلى فرعون وأراه
~~الآية الكبرى؟
# قال له علي عليه السلام: لقد كان كذلك، ومحمد أرسل إلى فراعنة شتى، مثل
~~أبي جهل بن هشام، وعتبة بن ربيعة، وشيبة، وأبي البختري، والنضر بن الحرث،
~~وأبي بن ms214 خلف، ومنبه ونبيه ابني الحجاج، وإلى الخمسة المستهزئين: الوليد بن
~~المغيرة المخزومي، والعاص بن وائل السهمي، والأسود بن عبد يغوث الزهري،
~~والأسود بن المطلب، والحرث بن أبي الطلالة، فأراهم الآيات في الآفاق وفي
~~أنفسهم حتى يتبين لهم أنه ألحق.
# قال له اليهودي: لقد انتقم الله عز وجل لموسى من فرعون؟
# قال له علي عليه السلام: لقد كان كذلك، ولقد انتقم الله جل اسمه لمحمد
~~صلى الله عليه وآله من الفراعنة، فأما المستهزؤون فقال الله: " إنا كفيناك
~~المستهزئين " (1) فقتل الله خمستهم كل واحد منهم بغير قتلة صاحبه في يوم
~~واحد، فأما الوليد بن المغيرة:
# فمر بنبل لرجل من جزاعة قد راشه (2) ووضعه في الطريق فأصابه شظية (3) منه
# PageV01P321
# فانقطع أكحله (1) حتى أدماه، فمات وهو يقول: " قتلني رب محمد " وأما
~~العاص ابن الوائل السهمي: فإنه خرج في حاجة له إلى موضع فتدهده (2) تحته
~~حجر، فسقط فتقطع قطعة قطعة، فمات وهو يقول: (قتلي رب محمد) وأما الأسود بن
~~عبد يغوث: فإنه خرج يستقبل ابنه زمعة، فاستظل بشجرة، فأتاه جبرئيل فأخذ
~~رأسه فنطح به الشجرة، فقال لغلامه: امنع هذا عني فقال: ما أرى أحدا يصنع
~~شيئا إلا نفسك، فقتله وهو يقول: " قتلني رب محمد " وأما الأسود بن الحرث:
~~فإن النبي صلى الله عليه وآله دعا عليه أن يعمي الله بصره، وأن يثكله ولده،
~~فلما كان في ذلك اليوم خرج حتى صار إلى موضع أتاه جبرئيل بورقة خضراء فضرب
~~بها وجهه فعمي، فبقي حتى أثكله الله ولده، وأما الحرث بن أبي الطلالة: فإنه
~~خرج من بيته في السموم فتحول حبشيا، فرجع إلى أهله فقال: أنا الحرث، فغضبوا
~~عليه فقتلوه وهو يقول: " قتلني رب محمد ".
# وروي أن الأسود بن الحرث أكل حوتا مالحا فأصابه غلبة العطش، فلم يزل يشرب
~~الماء حتى انشق بطنه، فمات وهو يقول: " قتلني رب محمد " (3) كل ذلك في ساعة
~~واحدة، وذلك أنهم كانوا بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله فقالوا له:
~~يا محمد ننتظر بك إلى الظهر فإن رجعت عن قولك ms215 وإلا قتلناك، فدخل النبي صلى
~~الله عليه وآله منزله فأغلق عليه بابه مغتما لقولهم، فأتاه جبرئيل عن الله
~~من ساعته فقال: يا محمد السلام يقرأ عليك السلام وهو يقول لك: " اصدع بما
~~تؤمر وأعرض عن المشركين " (4) يعني أظهر أمرك لأهل مكة، وادعهم إلى
~~الإيمان، قال، يا جبرئيل كيف أصنع بالمستهزئين وما أوعدوني؟ قال له: " إنا
~~كفيناك المستهزئين " قال: يا جبرئيل كانوا الساعة بين يدي قال: كفيتهم،
~~وأظهر أمره عند ذلك، وأما بقية الفراعنة: قتلوا يوم
# PageV01P322
# بدر بالسيف، (1) فهزم الله الجميع وولوا الدبر.
# قال له اليهودي: فإن هذا موسى بن عمران قد أعطي العصا فكان تحول ثعبانا؟
# قال له علي عليه السلام: لقد كان كذلك، ومحمد صلى الله عليه وآله ما هو
~~أفضل من هذا، إن رجلا كان يطالب أبا جهل بدين ثمن جزور قد اشتراه، فاشتغل
~~عنه وجلس يشرب، فطلبه الرجل فلم يقدر عليه، فقال له بعض المستهزئين: من
~~تطلب؟
# فقال: عمرو بن هشام - يعني أبا جهل - لي عليه دين، قال، فأدلك على من
~~يستخرج منه الحقوق؟ قال: نعم. فدله على النبي صلى الله عليه وآله وكان أبو
~~جهل يقول:
# ليت لمحمد إلي حاجة فأسخر به وأرده، فأتى الرجل النبي صلى الله عليه وآله
~~فقال: يا محمد بلغني أن بينك وبين عمرو بن هشام حسن صداقة، وأنا أستشفع بك
~~إليه، فقام معه رسول الله صلى الله عليه وآله فأتى بابه، فقال له، قم يا
~~أبا جهل فأد إلى الرجل حقه، وإنما كناه بأبي جهل ذلك اليوم، فقام مسرعا حتى
~~أدى إليه حقه، فلما رجع إلى مجلسه قال له بعض أصحابه: فعلت ذلك فرقا من
~~محمد (2) قال: ويحكم أعذروني، إنه لما أقبل رأيت عن يمينه رجالا معهم (3)
~~حراب تتلألأ، وعن يساره ثعبانين تصطك أسنانهما، وتلمع النيران من أبصارهما،
~~لو امتنعت لم آمن أن يبعجوا بالحراب بطني (4) وتقضمني الثعبانان، هذا أكبر
~~مما أعطي موسى، وزاد الله محمدا ثعبانا
# PageV01P323
# وثمانية أملاك معهم الحراب، ولقد كان النبي صلى الله عليه وآله يؤذي
~~قريشا بالدعاء، ms216 فقام يوما فسفه أحلامهم، وعاب دينهم، وشتم أصنامهم، وضلل
~~آبائهم، فاغتموا من ذلك غما شديدا، فقال أبو جهل: والله للموت خير لنا من
~~الحياة، فليس فيكم معاشر قريش أحد يقتل محمدا فيقتل به، قالوا: لا. قال،
~~فأنا أقتله فإن شائت بنو عبد المطلب قتلوني به، وإلا تركوني، قال: إنك إن
~~فعلت ذلك اصطنعت إلى أهل الوادي معروفا لا تزال تذكر به، قال: إنه كثير
~~السجود حول الكعبة فإذا جاء وسجد أخذت حجرا فشدخته (1) به فجاء رسول الله
~~صلى الله عليه وآله فطاف بالبيت أسبوعا، ثم صلى وأطال السجود، فأخذ أبو جهل
~~حجرا فأتاه من قبل رأسه، فلما أن قرب منه أقبل فحل قبل رسول الله صلى الله
~~عليه وآله فاغرا فاه نحوه، فلما أن رآه أبو جهل فزع منه وارتعدت يده، وطرح
~~الحجر فشدخ رجله، فرجع مدمى، متغير اللون، يفيض عرقا، فقال له أصحابه: ما
~~رأيناك كاليوم؟! قال: ويحكم أعذروني، فإنه أقبل من عنده فحل فاغرا فاه فكاد
~~يبتلعني، فرميت بالحجر فشدخت رجلي، قال اليهودي: فإن موسى قد أعطي اليد
~~البيضاء، فهل فعل بمحمد شيئا من ذلك؟
# قال له علي عليه السلام، لقد كان كذلك، ومحمد صلى الله عليه أعطي ما هو
~~أفضل من هذا، إن نورا كان يضئ عن يمينه حيثما جلس، وعن يساره حيثما جلس،
~~وكان يراه الناس كلهم.
# قال له اليهودي: فإن موسى عليه السلام قد ضرب له طريق في البحر، فهل فعل
~~بمحمد شئ من هذا؟
# فقال له علي عليه السلام، لقد كان كذلك، ومحمد أعطي ما هو أفضل هذا،
~~خرجنا معه إلى حنين فإذا نحن بواد يشخب، فقدرناه فإذا هو أربعة عشر قامة،
~~فقالوا: يا رسول الله العدو من ورائنا والوادي أمامنا، كما قال أصحاب موسى:
# " إنا لمدركون " فنزل رسول الله ثم قال: " اللهم إنك جعلت لكل مرسل
~~دلالة، فأرني قدرتك " وركب صلوات الله عليه، فعبرت الخيل لا تندى حوافرها،
~~والإبل
# PageV01P324
# لا تندى أخفافها، فرجعنا فكان فتحنا.
# قال له اليهودي: فإن موسى عليه السلام قد ms217 أعطي الحجر فانبجست منه اثنتي
~~عشرة عينا قال علي عليه السلام: لقد كان كذلك، ومحمد صلى الله عليه وآله
~~لما نزل الحديبية وحاصره أهل مكة، قد أعطي ما هو أفضل من ذلك، وذلك: إن
~~أصحابه شكوا إليه الظمأ وأصابهم ذلك حتى التقت خواصر الخيل، فذكروا له صلى
~~الله عليه وآله، فدعا بركوة يمانية ثم نصب يده المباركة فيها، فتفجرت من
~~بين أصابعه عيون الماء، فصدرنا وصدرت الخيل رواء، وملأنا كل مزادة وسقاء،
~~ولقد كنا معه بالحديبية فإذا ثم قليب جافة، فأخرج صلى الله عليه وآله سهما
~~من كنانته فناوله البراء بن عازب وقال له! اذهب بهذا السهم إلى تلك القليب
~~الجافة فاغرسه فيها، ففعل ذلك فتفجرت اثنتا عشرة عينا من تحت السهم، ولقد
~~كان يوم الميضاة عبرة وعلامة للمنكرين لنبوته، كحجر موسى حيث دعا بالميضاة
~~فنصب يده فيها ففاضت الماء وارتفع، حتى توضأ منه ثمانية آلاف رجل فشربوا
~~حاجتهم، وسقوا دوابهم، وحملوا ما أرادوا.
# قال اليهودي: فإن موسى عليه السلام أعطي المن والسلوى فهل أعطي لمحمد
~~نظير هذا قال له علي عليه السلام: لقد كان كذلك، ومحمد صلى الله عليه وآله
~~أعطي ما هو أفضل من هذا، أن الله عز وجل أحل له الغنائم ولأمته، ولم تحل
~~الغنائم لأحد غيره قبله، فهذا أفضل من المن والسلوى، ثم زاده أن جعل النية
~~له ولأمته بلا عمل عملا صالحا ولم يجعل لأحد من الأمم ذلك قبله، فإذا هم
~~أحدهم بحسنة ولم يعملها كتبت له حسنة فإن عملها كتبت له عشر.
# قال له اليهودي: إن موسى عليه السلام قد ضلل عليه الغمام؟
# قال له علي عليه السلام: لقد كان كذلك، وقد فعل ذلك بموسى في التيه،
~~وأعطي محمد صلى الله عليه وآله أفضل من هذا، إن الغمامة كانت تظله من يوم
~~ولد إلى يوم قبض في حضره وأسفاره، فهذا أفضل مما أعطي موسى.
# قال له اليهودي: فهذا داود عليه السلام قد لين الله له الحديد، فعمل منه
~~الدروع؟
# قال له علي عليه السلام: ms218 لقد كان كذلك، ومحمد صلى الله عليه وآله قد أعطي
~~ما هو أفضل PageV01P325
# من هذا، إنه لين الله له الصم الصخور الصلاب وجعلها غارا، (1) ولقد غارت
~~الصخرة تحت يده ببيت المقدس لينة حتى صارت كهيئة العجين، (2) وقد رأينا ذلك
~~والتمسناه تحت رايته.
# قال له اليهودي: هذا داود بكى على خطيئته حتى سارت الجبل معه لخوفه قال
~~له علي عليه السلام: لقد كان كذلك، ومحمد صلى الله عليه وآله أعطي ما هو
~~أفضل من هذا، إنه كان إذا قام إلى الصلاة سمع لصدره وجوفه أريز كأريز
~~المرجل على الأثافي من شدة البكاء، (3) وقد آمنه الله عز وجل من عقابه،
~~فأراد أن يتخشع لربه ببكائه فيكون إماما لمن اقتدى به، ولقد قام صلى الله
~~عليه وآله عشر سنين على أطراف أصابعه حتى تورمت قدماه واصفر وجهه، يقوم
~~الليل أجمع، حتى عوتب في ذلك فقال الله عز وجل: " طه ما أنزلنا عليك القرآن
~~لتشقى " (4) بل لتسعد به، ولقد كان يبكي حتى يغشى عليه، فقيل له: يا رسول
~~الله أليس الله غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: بلى أفلا أكون عبدا
~~شكورا؟ ولئن سارت الجبال وسبحت معه لقد عمل بمحمد صلى الله عليه وآله ما هو
~~أفضل من هذا: إذ كنا معه على جبل حراء إذ تحرك الجبل فقال له: " قر فإنه
~~ليس عليك إلا نبي أو صديق شهيد " فقر الجبل مطيعا لأمره ومنتهيا إلى طاعته،
~~ولقد مررنا معه بجبل وإذا الدموع تخرج من بعضه، فقال له النبي صلى الله
~~عليه وآله: " ما يبكيك يا جبل؟ فقال: يا رسول الله كان المسيح مر بي وهو
~~يخوف الناس من نار وقودها الناس والحجارة، وأنا أخاف أن أكون من تلك
~~الحجارة، قال له: " لا تخف تلك الحجارة الكبريت " فقر الجبل وسكن وهدأ
~~وأجاب لقوله صلى الله عليه وآله.
# PageV01P326
# قال له اليهودي: فإن هذا سليمان أعطي ملكا لا ينبغي لأحد من بعده؟
# فقال علي عليه السلام: لقد كان كذلك، ومحمد صلى الله عليه وآله ms219 أعطي ما
~~هو أفضل من هذا إنه هبط إليه ملك لم يهبط إلى الأرض قبله، وهو: ميكائيل
~~فقال له: يا محمد عش ملكا منعما وهذه مفاتيح خزائن الأرض معك، ويسير معك
~~جبالها ذهبا وفضة، ولا ينقص لك مما ادخر لك في الآخرة شئ، فأومى إلى جبرئيل
~~- وكان خليله من الملائكة - فأشار عليه، أن تواضع فقال له: بل أعيش نبيا
~~عبدا آكل يوما ولا آكل يومين، والحق بإخواني من الأنبياء فزاده الله تبارك
~~وتعالى الكوثر، وأعطاه الشفاعة، وذلك أعظم من ملك الدنيا من أولها إلى
~~آخرها سبعين مرة، ووعده المقام المحمود، فإذا كان يوم القيامة أقعده الله
~~عز وجل على العرش، فهذا أفضل مما أعطي سليمان.
# قال له اليهودي: فإن هذا سليمان قد سخرت له الرياح، فسارت به في بلاده
~~غدوها شهر ورواحها شهر؟
# قال له علي عليه السلام: لقد كان كذلك، ومحمد صلى الله عليه وآله أعطي ما
~~هو أفضل من هذا: إنه أسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى مسيرة
~~شهر، وعرج به في ملكوت السماوات مسيرة خمسين ألف عام، في أقل من ثلث ليلة،
~~حتى انتهى إلى ساق العرش، فدنى بالعلم فتدلى من الجنة رفرف أخضر، وغشى
~~النور بصره فرأى عظمة ربه عز وجل بفؤاده، ولم يرها بعينه، فكان كقاب قوسين
~~بينه وبينها أو أدنى، فأوحى الله إلى عبده ما أوحى، وكان فيما أوحى إليه:
~~الآية التي في سورة البقرة قوله: " لله ما في السماوات وما في الأرض وإن
~~تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء
~~والله على كل شئ قدير " (1) وكانت الآية قد عرضت على الأنبياء من لدن آدم
~~عليه السلام إلى أن بعث الله تبارك وتعالى محمدا، وعرضت على الأمم فأبوا أن
~~يقبلوها من ثقلها، وقبلها رسول الله وعرضها على أمته فقبلوها، فلما رأى
~~الله تبارك وتعالى منهم القبول علم أنهم لا يطيقونها،
# PageV01P327
# فلما أن سار إلى ساق العرش كرر عليه الكلام ليفهمه، فقال: " آمن الرسول
~~بما ms220 أنزل إليه من ربه - فأجاب صلى الله عليه وآله مجيبا عنه وعن أمته -
~~والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله "
~~(1) فقال جل ذكره لهم الجنة والمغفرة على أن فعلوا ذلك، فقال النبي صلى
~~الله عليه وآله: أما إذا فعلت ذلك بنا، فغفرانك ربنا وإليك المصير، يعني
~~المرجع في الآخرة، قال: فأجابه الله عز وجل قد فعلت ذلك بك وبأمتك، ثم قال
~~عز وجل: أما إذا قبلت الآية بتشديدها وعظم ما فيها وقد عرضتها على الأمم
~~فأبوا أن يقبلوها وقبلتها أمتك حق علي أن أرفعها عن أمتك وقال: " لا يكلف
~~الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت - من خير - وعليها ما اكتسبت " (2) من شر
~~فقال النبي صلى الله عليه وآله - لما سمع ذلك -: أما إذا فعلت ذلك بي
~~وبأمتي فزدني قال: سل، قال: " ربنا لا تؤاخذنا أن نسينا أو أخطأنا " (3)
~~قال الله عز وجل لست أؤاخذ أمتك بالنسيان والخطأ لكرامتك علي، وكانت الأمم
~~السالفة إذا نسوا ما ذكروا به فتحت عليهم أبواب العذاب، وقد دفعت ذلك عن
~~أمتك وكانت الأمم السالفة إذا أخطأوا أخذوا بالخطأ وعوقبوا عليه، وقد رفعت
~~ذلك عن أمتك لكرامتك علي، فقال صلى الله عليه وآله: " اللهم إذا أعطيتني
~~ذلك فزدني " قال الله تبارك وتعالى له:
# سل، قال: " ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا " (4)
~~يعني بالأصر: الشدائد التي كانت على من كان من قبلنا، فأجابه الله عز وجل
~~إلى ذلك، وقال تبارك اسمه: قد رفعت عن أمتك الآصار التي كانت على الأمم
~~السالفة كنت لا أقبل صلاتهم إلا في بقاع معلومة من الأرض اخترتها لهم وإن
~~بعدت، وقد جعلت الأرض كلها لأمتك مسجدا وطهورا، فهذه من الآصار التي كانت
~~على الأمم قبلك فرفعتها عن أمتك، وكانت الأمم السالفة إذا أصابهم أذى من
~~نجاسة قرضوه من أجسادهم، وقد جعلت الماء لأمتك طهورا، فهذا من الآصار التي
~~كانت عليهم فرفعتها عن أمتك، وكانت الأمم السالفة تحمل قرابينها على
~~أعناقها ms221 إلى بيت المقدس، فمن قبلت ذلك منه أرسلت عليه نارا فأكلته فرجع
~~مسرورا، ومن لم
# PageV01P328
# أقبل منه ذلك رجع مثبورا (1) وقد جعلت قربان أمتك في بطون فقرائها
~~ومساكينها فمن قبلت ذلك منه أضعفت ذلك له أضعافا مضاعفة، ومن لم أقبل ذلك
~~منه رفعت عنه عقوبات الدنيا، وقد رفعت ذلك عن أمتك وهي من الآصار التي كانت
~~على الأمم من كان من قبلك، وكانت الأمم السالفة صلواتها مفروضة عليها في
~~ظلم الليل وأنصاف النهار، وهي من الشدائد التي كانت عليهم، فرفعتها عن أمتك
~~وفرضت صلاتهم في أطراف الليل والنهار، وفي أوقات نشاطهم، وكانت الأمم
~~السالفة قد فرضت عليهم خمسين صلاة في خمسين وقتا وهي من الآصار التي كانت
~~عليهم، فرفعتها عن أمتك وجعلتها خمسا في خمسة أوقات، وهي إحدى وخمسون ركعة،
~~وجعلت لهم أجر خمسين صلاة، وكانت الأمم السالفة حسنتهم بحسنة وسيئتهم بسيئة
~~وهي من الآصار التي كانت عليهم، فرفعتها عن أمتك وجعلت الحسنة بعشرة
~~والسيئة بواحدة وكانت الأمم السالفة إذا نوى أحدهم حسنة فلم يعملها لم تكتب
~~له، وإن عملها كتبت له حسنة، وأن أمتك إذا هم أحدهم بحسنة فلم يعملها كتبت
~~له حسنة، وإن عملها كتبت له عشرة، وهي من الآصار التي كانت عليهم فرفعتها
~~عن أمتك، وكانت الأمم السالفة إذا هم أحدهم بسيئة فلم يعملها لم تكتب عليه،
~~وإن عملها كتبت عليه سيئة، وأن أمتك إذا هم أحدهم بسيئة ثم لم يعملها كتبت
~~له حسنة، وهذه من الآصار التي كانت عليهم فرفعتها عن أمتك، وكانت الأمم
~~السالفة إذا أذنبوا كتبت ذنوبهم على أبوابهم، وجعلت توبتهم من الذنوب: إن
~~حرمت عليهم بعد التوبة أحب الطعام إليهم، وقد رفعت ذلك عن أمتك وجعلت
~~ذنوبهم فيما بيني وبينهم وجعلت عليهم ستورا كثيفة، وقبلت توبتهم بلا عقوبة،
~~ولا أعاقبهم بأن أحرم عليهم أحب الطعام إليهم، وكانت الأمم السالفة يتوب
~~أحدهم إلى الله من الذنب الواحد مائة سنة، أو ثمانين سنة، أو خمسين سنة، ثم
~~لا أقبل توبته دون أن أعاقبه في الدنيا ms222 بعقوبة، وهي من الآصار التي كانت
~~عليهم فرفعتها عن أمتك، وإن الرجل من أمتك ليذنب عشرين سنة، أو ثلاثين سنة،
~~أو أربعين سنة، أو مائة سنة
# PageV01P329
# ثم يتوب ويندم طرفة عين فاغفر ذلك كله، فقال النبي صلى الله عليه وآله:
~~إذا أعطيتني ذلك كله فزدني قال: سل، قال: " ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا
~~به " (1) قال تبارك اسمه: قد فعلت ذلك بأمتك، وقد رفعت عنهم عظم بلايا
~~الأمم، وذلك حكمي في جميع الأمم: أن لا أكلف خلقا فوق طاقتهم، فقال النبي
~~صلى الله عليه وآله: " واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا " (2) قال
~~الله عز وجل: قد فعلت ذلك بتائبي أمتك ثم قال صلى الله عليه وآله: "
~~فانصرنا على القوم الكافرين " (3) قال الله جل اسمه: إن أمتك في الأرض
~~كالشامة البيضاء في الثور الأسود، هم القادرون، وهم القاهرون، يستخدمون ولا
~~يستخدمون، لكرامتك علي، وحق علي أن أظهر دينك على الأديان، حتى لا يبقى في
~~شرق الأرض وغربها دين إلا دينك، ويؤدون إلى أهل دينك الجزية.
# قال اليهودي: فإن هذا سليمان سخرت له الشياطين، يعملون له ما يشاء:
# من محاريب، وتماثيل؟
# قال له علي عليه السلام: لقد كان كذلك، ولقد أعطي محمد صلى الله عليه
~~وآله أفضل من هذا إن الشياطين سخرت لسليمان وهي مقيمة على كفرها، ولقد سخرت
~~لنبوة محمد صلى الله عليه وآله الشياطين بالإيمان، فأقبل إليه من الجنة
~~التسعة من أشرافهم، واحد من جن نصيبين، والثمان من بني عمرو بن عامر من
~~الأحجة (4) منهم شضاه، ومضاه (5) والهملكان، والمرزبان، والمازمان، ونضاه،
~~وهاضب، وهضب، وعمرو، وهم الذين يقول الله تبارك اسمه فيهم: " وإذ صرفنا
~~إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن " (6) وهم التسعة، فأقبل إليه الجن
~~والنبي صلى الله عليه وآله ببطن النخل فاعتذروا بأنهم ظنوا كما ظننتم أن لن
~~يبعث الله أحدا، ولقد أقبل إليه أحد وسبعون ألفا منهم فبايعوه على:
# PageV01P330
# الصوم، والصلاة، والزكاة، والحج، والجهاد، ونصح المسلمين، واعتذروا بأنهم
~~قالوا على الله شططا، وهذا أفضل مما أعطي سليمان، ms223 فسبحان من سخرها لنبوة
~~محمد صلى الله عليه وآله بعد أن كانت تتمرد، وتزعم أن لله ولد، ولقد شمل
~~مبعثه من الجن والإنس ما لا يحصى.
# قال له اليهودي: هذا يحيى بن زكريا عليه السلام يقال: إنه أوتي الحكم
~~صبيا، والحلم، والفهم، وإنه كان يبكي من غير ذنب، وكان يواصل الصوم؟
# قال له علي عليه السلام: لقد كان كذلك، ومحمد صلى الله عليه وآله أعطي ما
~~هو أفضل من هذا: إن يحيى بن زكريا كان في عصر لا أوثان فيه ولا جاهلية،
~~ومحمد صلى الله عليه وآله أوتي الحكم والفهم صبيا بين عبدة الأوثان، وحزب
~~الشيطان، فلم يرغب لهم في صنم قط، ولم ينشط لأعيادهم، ولم ير منه كذب قط،
~~وكان أمينا، صدوقا، حليما، وكان يواصل الصوم الأسبوع والأقل والأكثر فيقال
~~له في ذلك فيقول:
# إني لست كأحدهم، إني أظل عند ربي، فيطعمني، ويسقيني، وكان يبكي صلى الله
~~عليه وآله حتى تبتل مصلاه خشية من الله عز وجل من غير جرم.
# قال له اليهودي فإن هذا عيسى بن مريم يزعمون أنه: تكلم في المهد صبيا؟
# قال له علي عليه السلام: لقد كان كذلك، ومحمد صلى الله عليه وآله سقط من
~~بطن أمه واضعا يده اليسرى على الأرض، ورافعا يده اليمنى إلى السماء، يحرك
~~شفتيه بالتوحيد وبدا من فيه نور رأى أهل مكة منه: قصور بصرى من الشام وما
~~يليها، والقصور الحمر من أرض اليمن وما يليها، والقصور البيض من اسطخر وما
~~يليها، ولقد أضائت الدنيا ليلة ولد النبي صلى الله عليه وآله حتى فزعت الجن
~~والإنس والشياطين، وقالوا حدث في الأرض حدث، ولقد رأي الملائكة ليلة ولد
~~تصعد، وتنزل، وتسبح، وتقدس، وتضطرب النجوم وتتساقط، علامة لميلاده، ولقد هم
~~إبليس بالظعن في السماء لما رأى من الأعاجيب في تلك الليلة، وكان له مقعد
~~في السماء الثالثة، والشياطين يسترقون السمع، فلما رأوا العجائب أرادوا أن
~~يسترقوا السمع، فإذا هم PageV01P331
# قد حجبوا من السماوات كلها، ورموا بالشهب، دلالة (1) لنبوته صلى الله
~~عليه وآله. ms224
# قال له اليهودي: فإن عيسى عليه السلام يزعمون أنه قد أبرأ الأكمه والأبرص
~~بإذن الله؟
# فقال له علي عليه السلام: لقد كان كذلك، ومحمد صلى الله عليه وآله أعطي
~~ما هو أفضل من ذلك: أبرأ ذا العاهة من عاهته، بينما هو جالس صلى الله عليه
~~وآله إذ سأل عن رجل من أصحابه فقالوا: يا رسول الله إنه قد صار من البلاء
~~كهيئة الفرخ الذي لا ريش عليه، فأتاه صلى الله عليه وآله فإذا هو كهيئة
~~الفرخ من شدة البلاء، فقال له: قد كنت تدعو في صحتك دعاء؟ قال: نعم كنت
~~أقول: " يا رب أيما عقوبة أنت معاقبي بها في الآخرة فعجلها لي في الدنيا "
~~فقال له النبي صلى الله عليه وآله: ألا قلت: " اللهم آتنا في الدنيا حسنة
~~وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار " فقالها الرجل فكأنما نشط من عقال، وقام
~~صحيحا وخرج معنا، ولقد أتاه رجل من جهينة أجذم يتقطع من الجذام فشكا إليه
~~صلى الله عليه وآله، فأخذ قدحا من ماء فتفل عليه، ثم قال: امسح به جسدك
~~ففعل فبرأ حتى لم يوجد عليه شئ، ولقد أتي النبي بأعرابي أبرص فتفل صلى الله
~~عليه وآله من فيه عليه فما قام من عنده إلا صحيحا، ولئن زعمت أن عيسى أبرأ
~~ذا العاهات من عاهاتهم، فإن محمدا صلى الله عليه وآله بينما هو في أصحابه
~~إذ هو بامرأة فقالت: يا رسول الله إن ابني قد أشرف على حياض الموت كلما
~~أتيته بطعام وقع عليه التثاؤب، فقام النبي صلى الله عليه وآله وقمنا معه
~~فلما أتيناه قال له: جانب يا عدو الله ولي الله، فأنا رسول الله، فجانبه
~~الشيطان فقام صحيحا وهو معنا في عسكرنا، ولئن زعمت أن عيسى أبرأ العميان،
~~فإن محمدا قد فعل ما هو أكبر من ذلك: إن قتادة بن ربيع كان رجلا صحيحا،
~~فلما أن كان يوم أحد أصابته طعنة في عينه فبدرت حدقته، (2) فأخذها بيده ثم
~~أتى بها إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال: يا ms225 رسول الله إن امرأتي الآن
~~تبغضني، فأخذها رسول الله من يده ثم وضعها مكانها فلم تكن تعرف إلا بفضل
~~حسنها وفضل ضوئها
# PageV01P332
# على العين الأخرى، ولقد جرح عبد الله بن عبيد (1) وبانت يده يوم حنين،
~~فجاء إلى النبي صلى الله عليه وآله فمسح عليه يده فلم تكن تعرف من اليد
~~الأخرى، ولقد أصاب محمد ابن مسلم يوم كعب بن أشرف مثل ذلك في عينه ويده،
~~فمسحه رسول الله صلى الله عليه وآله فلم تستبينا، ولقد أصاب عبد الله بن
~~أنيس مثل ذلك في عينه، فمسحها فما عرفت من الأخرى، فهذه كلها دلالة لنبوته
~~صلى الله عليه وآله.
# قال له اليهودي: فإن عيسى يزعمون: أنه أحيى الموتى بإذن الله؟
# قال له علي عليه السلام: لقد كان كذلك، ومحمد سبحت في يده تسع حصيات تسمع
~~نغماتها في جمودها، ولا روح فيها لتمام حجة نبوته، ولقد كلمه الموتى من بعد
~~موتهم، واستغاثوه مما خافوا تبعته، ولقد صلى بأصحابه ذات يوم فقال: ما
~~هاهنا من بني النجار أحد وصاحبهم محتبس على باب الجنة بثلاثة دراهم لفلان
~~اليهودي، وكان شهيدا، ولئن زعمت أن عيسى كلم الموتى فلقد كان لمحمد ما هو
~~أعجب من هذا: إن النبي لما نزل بالطايف وحاصر أهلها، بعثوا إليه بشاة
~~مسلوخة مطلية بسم، فنطق الذراع منها فقالت: يا رسول الله لا تأكلني فإني
~~مسمومة فلو كلمته البهيمة وهي حية لكانت من أعظم حجج الله على المنكرين
~~لنبوته، فكيف وقد كلمته من بعد ذبح وسلخ وشي (2)! ولقد كان رسول الله صلى
~~الله عليه وآله يدعو بالشجرة فتجيبه، وتكلمه البهيمة، وتكلمه السباع، وتشهد
~~له بالنبوة، وتحذرهم عصيانه، فهذا أكثر مما أعطي عيسى عليه السلام.
# قال له اليهودي: إن عيسى يزعمون أنه أنبأ قومه بما يأكلون وما يدخرون في
~~بيوتهم؟
# قال له علي عليه السلام: لقد كان كذلك، ومحمد كان له أكثر من هذا: إن
~~عيسى أنبأ قومه بما كان من وراء الحايط ومحمد أنبأ عن مؤتة (3) وهو عنها
~~غائب ووصف
# PageV01P333
# حربهم ومن استشهد ms226 منهم وبينة وبينهم مسيرة شهر، وكان يأتيه الرجل يريد أن
~~يسأله عن شئ فيقول صلى الله عليه وآله: تقول أو أقول: فيقول: بل قل يا رسول
~~الله فيقول:
# جئتني في كذا وكذا حتى يفرغ من حاجته، ولقد كان صلى الله عليه وآله يخبر
~~أهل مكة بأسرارهم بمكة حتى لا يترك من أسرارهم شيئا، منها: ما كان بين
~~صفوان بن أمية وبين عمير بن وهب، إذ أتاه عمير فقال: جئت في فكاك ابني فقال
~~له: كذبت بل قلت لصفوان بن أمية وقد اجتمعتم في الحطيم وذكرتم قتلى بدر
~~وقلتم: والله للموت أهون علينا من البقاء مع ما صنع محمد بنا، وهل حياة بعد
~~أهل القليب، فقلت أنت: لولا عيالي، ودين علي لأرحتك من محمد، فقال صفوان:
~~علي أن أقضي دينك، وأن أجعل بناتك مع بناتي يصيبهن ما يصيبهن من خير أو شر،
~~فقلت أنت:
# فاكتمها علي وجهزني حتى أذهب فأقتله، فجئت لقتلي، فقال: صدقت يا رسول
~~الله فأنا أشهد: أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، وأشباه هذا مما لا
~~يحصى.
# قال له اليهودي: فإن عيسى يزعمون: أنه خلق من الطين كهيئة الطير فنفخ فيه
~~فكان طيرا بإذن الله؟
# فقال له علي عليه السلام: لقد كان كذلك، ومحمد صلى الله عليه وآله قد فعل
~~ما هو شبيه لهذا إذ أخذ يوم حنين حجرا فسمعنا للحجر تسبيحا وتقديسا، ثم قال
~~للحجر: انفلق فانفلق ثلاث فلق، يسمع لكل فلقة منها تسبيحا لا يسمع للأخرى،
~~ولقد بعث إلى شجرة يوم البطحاء فأجابته، ولكل غصن منها تسبيح وتهليل
~~وتقديس، ثم قال لها: انشقي، فانشقت نصفين، ثم قال لها: التزقي، فالتزقت، ثم
~~قال لها: اشهدي لي بالنبوة فشهدت، ثم قال لها ارجعي إلى مكانك بالتسبيح
~~والتهليل والتقديس ففعلت، وكان موضعها حيث الجزارين بمكة.
# قال له اليهودي: فإن عيسى يزعمون أنه كان سياحا؟
# قال له علي عليه السلام: لقد كان كذلك، ومحمد كانت سياحته في الجهاد،
~~واستنفر PageV01P334
# في عشر سنين ما لا يحصى من حاضر وباد، ms227 وأفنى فئاما من العرب (1) من منعوت
~~بالسيف لا يدارى بالكلام (2) ولا ينام إلا عن دم، ولا يسافر إلا وهو متجهز
~~لقتال عدوه.
# قال له اليهودي: فإن عيسى يزعمون: أنه كان زاهدا؟
# قال له علي عليه السلام: لقد كان كذلك، محمد صلى الله عليه وآله أزهد
~~الأنبياء عليهم السلام: كان له ثلاثة عشر زوجة سوى من يطيف به من الإماء،
~~ما رفعت له مائدة قط وعليها طعام، ولا أكل خبز برقط، ولا شبع من خبز شعير
~~ثلاث ليال متواليات قط، توفي رسول الله صلى الله عليه وآله ودرعه مرهونة
~~عند يهودي بأربعة دراهم، ما ترك صفراء ولا بيضاء مع ما وطئ له من البلاد،
~~(3) ومكن له من غنائم العباد، ولقد كان يقسم في اليوم الواحد الثلثمائة ألف
~~وأربعمائة ألف ويأتيه السائل بالعشي فيقول:
# والذي بعث محمدا بالحق ما أمسى في آل محمد صاع من شعير، ولا صاع من بر،
~~ولا درهم، ولا دينار.
# قال له اليهودي: فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وأشهد
~~أنه ما أعطى الله نبيا درجة ولا مرسلا فضيلة إلا وقد جمعها لمحمد صلى الله
~~عليه وآله، وزاد محمدا على الأنبياء أضعاف درجات.
# فقال ابن عباس لعلي بن أبي طالب عليه السلام: أشهد يا أبا الحسن إنك من
~~الراسخين في العلم.
# فقال ويحك وما لي لا أقول ما قلت في نفس من استعظمه الله عز وجل في عظمته
~~فقال: " وإنك لعلى خلق عظيم " (4).
# PageV01P335
# احتجاجه (ع) على بعض اليهود وغيره في أنواع شتى من العلوم (1).
# عن صالح عن عقبة (2) عن الصادق عليه السلام قال: لما هلك أبو بكر واستخلف
~~عمر، خرج عمر إلى المسجد فقعد، فدخل عليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين إني
~~رجل من اليهود، وأنا علامتهم، قد أردت أن أسئلك عن مسائل إن أخبرتني بها
~~أسلمت قال: وما هي؟ قال: ثلاث، وثلاث وواحدة، فإن شئت سئلتك، وإن كان في
~~القوم أحد أعلم منك فارشدني، قال: عليك بذاك الشاب يعني علي بن أبي ms228 طالب
~~عليه السلام فأتى عليا عليه السلام فسأل فقال له: قلت: ثلاثا وثلاثا وواحدة
~~ألا قلت سبعا؟ قال إني إذا لجاهل، إن لم تجبني في الثلاث اكتفيت. قال: فإن
~~أجبتك تسلم؟
# قال: نعم.
# قال: سل.
# قال: أسألك عن أول حجر وضع على وجه الأرض، وأول عين نبعت، وأول شجرة
~~نبتت؟
# قال: يا يهودي أنتم تقولون: أول حجر وضع على وجه الأرض الحجر الذي في بيت
~~المقدس، وكذبتم، هو: " الحجر الأسود " الذي نزل مع آدم عليه السلام من
~~الجنة قال: صدقت والله إنه لبخط هارون وإملاء موسى عليه السلام.
# قال أمير المؤمنين عليه السلام: وأما العين فأنتم تقولون، إن أول عين
~~نبعت على
# PageV01P336
# وجه الأرض: العين التي ببيت المقدس، وكذبتم وهي: " عين الحياة " التي غسل
~~فيها النون موسى، وهي العين التي شرب منها الخضر، وليس يشرب منها أحد إلا
~~حي.
# قال: صدقت والله إنه لبخط هارون وإملاء موسى.
# قال علي عليه السلام وأما الشجرة فأنتم تقولون، إن أول شجرة نبتت على وجه
~~الأرض الزيتون وكذبتم، وهي: " العجوة " نزل بها آدم عليه السلام من الجنة.
# قال: صدقت والله إنه لبخط هارون وإملاء موسى عليهما السلام.
# قال: والثلاث الأخرى كم لهذه الأمة من إمام هدى لا يضرهم من خذلهم؟
# قال، اثني عشر إماما.
# قال: صدقت والله إنه لبخط هارون وإملاء موسى.
# قال: وأين يسكن نبيكم من الجنة؟
# قال: أعلاها درجة، وأشرفها مكانا: في جنات عدن.
# قال: صدقت والله إنه لبخط هارون وإملاء موسى.
# قال، فمن ينزل معه في منزله؟
# قال: اثني عشر إماما.
# قال: صدقت والله إنه لبخط هارون وإملاء موسى.
# قال: قد بقيت السابعة.
# قال، كم يعيش وصيه بعده؟ قال ثلاثين سنة.
# قال: ثم هو يموت أو يقتل؟
# قال: يضرب على قرنه فتخضب لحيته.
# قال: صدقت والله إنه لبخط هارون وإملاء موسى ثم أسلم وحسن إسلامه.
# وعن أصبغ بن نباته قال: كنت جالسا عند أمير المؤمنين عليه السلام فجاء
~~ابن الكوا (1) فقال:
# PageV01P337
# يا أمير المؤمنين من البيوت في قول الله عز وجل: ms229 " وليس البر بأن تأتوا
~~البيوت من ظهورها ولكن البر من اتقى وأتوا البيوت من أبوابها (1) "؟
# قال علي عليه السلام نحن البيوت التي أمر الله بها أن تؤتى من أبوابها،
~~نحن باب الله وبيوته التي يؤتى منه، فمن تابعنا وأقر بولايتنا فقد أتى
~~البيوت من أبوابها ومن خالفنا وفضل علينا غيرنا فقد أتى البيوت من ظهورها
~~فقال: يا أمير المؤمنين وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم؟
# فقال علي عليه السلام: نحن أصحاب الأعراف: نعرف أنصارنا بسيماهم، ونحن
~~الأعراف يوم القيامة بين الجنة والنار، ولا يدخل الجنة إلا من عرفنا
~~وعرفناه، ولا يدخل النار إلا من أنكرنا وأنكرناه، وذلك بأن الله عز وجل لو
~~شاء عرف للناس نفسه حتى يعرفوه وحده ويأتوه من بابه، ولكنه جعلنا أبوابه
~~وصراطه وبابه الذي يؤتى منه، فقال - فيمن عدل عن ولايتنا وفضل علينا غيرنا
~~-: " فإنهم عن الصراط لناكبون " (2).
# وعن الأصبغ بن نباتة أيضا قال أتى ابن الكوا أمير المؤمنين فقال:
# والله إن في كتاب الله آية اشتدت على قلبي، ولقد شككت في ديني.
# فقال أمير المؤمنين عليه السلام: ثكلتك أمك وعدمتك، ما هي؟
# قال: قول الله تبارك وتعالى: " والطير صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه "
~~(3) فما هذا الصف؟ وما هذه الطيور؟ وما هذه الصلاة؟ وما هذا التسبيح؟
# فقال علي عليه السلام: ويحك يا بن الكوا إن الله خلق الملائكة على صور
~~شتى ألا وإن لله ملكا في صورة ديك، أبح، أشهب، براثنه في الأرضين السفلى،
~~وعرفه
# PageV01P338
# مثني تحت عرش الرحمن، له جناح بالمشرق من نار، وجناح بالمغرب من ثلج فإذا
~~حضر وقت كل صلاة قام على براثنه، ثم رفع عنقه من تحت العرش، ثم صفق بجناحيه
~~كما تصفق الديكة في منازلكم، فلا الذي من نار يذيب الثلج، ولا الذي من
~~الثلج يطفئ النار، ثم ينادي: " أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له،
~~وأشهد أن محمدا عبده ورسوله سيد النبيين، وأن وصيه خير الوصيين، سبوح،
~~قدوس، رب الملائكة والروح " قال: فتصفق الديكة بأجنحتها في ms230 منازلكم بنحو من
~~قوله، وهو قول الله تعالى: " كل قد علم صلاته وتسبيحه " من الديكة في الأرض
~~وعن الأصبغ بن نباتة أيضا قال: سأل ابن الكوا أمير المؤمنين عليه السلام
~~فقال:
# أخبرني عن بصير بالليل وبصير بالنهار؟ وعن أعمى بالليل وأعمى بالنهار؟
# وعن أعمى بالليل بصير بالنهار؟ وعن أعمى بالنهار بصير بالليل؟
# فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: ويلك سل عما يعنيك، ولا تسأل عما لا
~~يعنيك ويلك أما بصير بالليل وبصير بالنهار فهو: رجل آمن بالرسل والأوصياء
~~الذين مضوا، وبالكتب والنبيين، وآمن بالله ونبيه محمد صلى الله عليه وآله،
~~وأقر لي بالولاية فأبصر في ليله ونهاره.
# وأما أعمى بالليل أعمى بالنهار فرجل: جحد الأنبياء والأوصياء، والكتب
~~التي مضت، وأدرك النبي فلم يؤمن به، ولم يقر بولايتي، فجحد الله عز وجل
~~ونبيه صلى الله عليه وآله فعمي بالليل وعمي بالنهار.
# وأم بصير بالليل أعمى بالنهار فرجل: آمن بالأنبياء والكتب، وجحد النبي
~~صلى الله عليه وآله وأنكرني حقي، فأبصر بالليل وعمي بالنهار.
# وأما أعمى بالليل وبصير بالنهار فرجل: جحد الأنبياء الذين مضوا،
~~والأوصياء والكتب، وأدرك محمدا صلى الله عليه وآله، فآمن بالله وبرسوله
~~محمد صلى الله عليه وآله، وآمن بإمامتي وقبل ولايتي، فعمي بالليل وأبصر
~~بالنهار.
# ويلك يا بن الكوا، فنحن بنو أبي طالب بنا فتح الله الإسلام وبنا يختمه.
# قال الأصبغ فلما نزل أمير المؤمنين عليه السلام من المنبر تبعته فقلت: يا
~~سيدي PageV01P339
# يا أمير المؤمنين قويت قلبي بما بينت فقال لي: يا أصبغ من شك في ولايتي
~~فقد شك في إيمانه، ومن أقر بولايتي فقد أقر بولاية الله عز وجل، ولايتي
~~متصلة: بولاية الله كهاتين - وجمع بين إصبعيه - يا أصبغ من أقر بولايتي فقد
~~فاز، ومن أنكر ولايتي فقد خاب وخسر، وهوى في النار، ومن دخل في النار لبث
~~فيها أحقابا.
# وعن الأصبغ أيضا قال: قام ابن الكوا إلى علي بن أبي طالب عليه السلام وهو
~~على المنبر فقال:
# يا أمير المؤمنين أخبرني عن ذي القرنين أنبيا كان أم ms231 ملكا؟ وأخبرني عن
~~قرنيه أمن ذهب كان أم من فضة؟
# فقال: لم يكن نبيا، ولا ملكا، ولم يكن قرناه من ذهب ولا فضة، ولكنه كان
~~عبدا أحب الله فأحبه الله، ونصح لله فنصح الله له، وإنما سمي " ذا القرنين
~~" لأنه دعا قومه إلى الله عز وجل فضربوه على قرنه، فغاب عنهم حينا ثم عاد
~~إليهم فضرب على قرنه الآخرة وفيكم مثله (1).
# عن الصادق (2) عن آبائه عليهم السلام أن أمير المؤمنين كان ذات يوم جالسا
~~في
# PageV01P340
# الرحبة، والناس حوله مجتمعون، فقام إليه رجل فقال:
# يا أمير المؤمنين أنت بالمكان الذي أنزلك الله به وأبوك معذب في النار؟
# فقال له علي بن أبي طالب: مه فض الله فاك، والذي بعث محمدا بالحق نبيا لو
~~شفع أبي في كل مذنب على وجه الأرض لشفعه الله فيهم، أبي معذب في النار
~~وابنه قسيم الجنة والنار؟! والذي بعث محمدا بالحق نبيا إن نور أبي يوم
~~القيامة ليطفئ أنوار الخلايق كلهم إلا خمسة أنوار: نور محمد صلى الله عليه
~~وآله، ونوري، ونور الحسن، ونور الحسين، ونور تسعة من ولد الحسين، فإن نوره
~~من نورنا خلقه الله تعالى قبل أن يخلق آدم عليه السلام بألفي عام (1).
# * * *
# PageV01P341
#
# PageV01P341
# احتجاجه (ع) على من قال بزوال الأدواء بمداوات الأطباء دون الله سبحانه
~~وعلى من قال بأحكام النجوم من المنجمين وغيرهم من الكهنة والسحرة.
# وبالإسناد المقدم ذكره عن أبي محمد العسكري عن علي بن الحسن زين العابدين
~~عليهم السلام أنه قال: كان أمير المؤمنين عليه السلام قاعدا ذات يوم، فأقبل
~~إليه رجل من اليونانيين المدعين للفلسفة والطب، فقال له: PageV01P342
# يا أبا الحسن بلغني خبر صاحبك وأن به جنونا، وجئت لأعالجه فلحقته قد
~~PageV01P343
# مضى لسبيله، وفاتني ما أردت من ذلك، وقد قيل لي إنك ابن عمه وصهره وأرى
~~PageV01P344
# بك صفارا قد علاك، وساقين دقيقين، ولما أراهما تقلانك، فأما الصفار فعندي
~~دوائه PageV01P345
# وأما الساقان الدقيقان فلا حيلة لي لتغليظهما، والوجه أن ترفق بنفسك في
~~المشي PageV01P346
# تقلله ولا تكثره، وفيما تحمله على ظهرك وتحتضنه بصدرك، ms232 أن تقللهما ولا
~~تكثرهما PageV01P347
# فإن ساقيك دقيقان لا يؤمن عند حمل ثقيل انقصافهما، وأما الصفار فدوائه
~~عندي PageV01P348
# وهو هذا، وأخرج دوائه وقال: PageV01P349
# هذا لا يؤذيك، ولا يخيسك (1) ولكنه تلزمك حمية من اللحم أربعين صباحا ثم
~~يزيل صفارك.
# فقال له علي بن أبي طالب عليه السلام: قد ذكرت نفع هذا الدواء لصفاري فهل
~~تعرف شيئا يزيد فيه ويضره؟ فقال الرجل: بلى حبة من هذا - وأشار إلى دواء
~~معه - وقال: إن تناوله إنسان وبه صفار أماته من ساعته، وإن كان لا صفار به
~~صار به صفار حتى يموت في يومه.
# فقال علي عليه السلام فأرني هذا الضار، فأعطاه إياه.
# فقال له: كم قدر هذا؟ قال: قدره مثقالين سم ناقع، قدر كل حبة منه يقتل
~~رجلا.
# PageV01P350
# فتناوله علي عليه السلام فقمحه (1) وعرق عرقا خفيفا، وجعل الرجل يرتعد
~~ويقول في نفسه: الآن أؤخذ بابن أبي طالب، ويقال: قتلته ولا يقبل مني قولي
~~إنه هو الجاني على نفسه.
# فتبسم علي بن أبي طالب عليه السلام وقال: يا عبد الله أصح ما كنت بدنا
~~الآن لم يضرني ما زعمت أنه سم.
# ثم قال: فغمض عينيك، فغمض، ثم قال: افتح عينيك ففتح، ونظر إلى وجه علي بن
~~أبي طالب عليه السلام، فإذا هو أبيض أحمر مشرب حمرة، فارتعد الرجل لما رآه.
# وتبسم علي عليه السلام وقال: أين الصفار الذي زعمت أنه بي.
# فقال: والله لكأنك لست من رأيت، قبل كنت مضارا، فإنك الآن مورد.
# فقال علي عليه السلام: فزال عني الصفار الذي تزعم أنه قاتلي.
# وأما ساقاي هاتان ومد رجليه وكشف عن ساقيه، فإنك زعمت أني أحتاج إلى أن
~~أرفق ببدني في حمل ما أحمل عليه، لئلا ينقصف الساقان، (2) وأنا أريك أن طب
~~الله عز وجل على خلاف طبك، وضرب بيده إلى أسطوانة خشب عظيمة، على رأسها سطح
~~مجلسه الذي هو فيه، وفوقه حجرتان، أحدهما فوق الأخرى وحركها فاحتملها،
~~فارتفع السطح والحيطان وفوقهما الغرفتان، فغشي على اليوناني.
# فقال علي عليه السلام: صبوا عليه ماء فصبوا عليه ماء ms233 فأفاق وهو يقول:
~~والله ما رأيت كاليوم عجبا.
# فقال له علي عليه السلام: هذه قوة الساقين الدقيقين واحتمالهما أفي طبك
~~هذا يا يوناني؟
# فقال اليوناني أمثلك كان محمدا؟
# فقال علي عليه السلام: وهل علمي إلا من علمه، وعقلي إلا من عقله، وقوتي
~~إلا من قوته، ولقد أتاه ثقفي وكان أطب العرب، فقال له:
# PageV01P351
# إن كان بك جنون داويتك؟
# فقال له محمد صلى الله عليه وآله: أتحب أن أريك آية تعلم بها غناي من طبك
~~وحاجتك إلى طبي؟
# قال: نعم.
# قال: أي آية تريد؟
# قال: تدعو ذلك العذق وأشار إلى نخلة سحوق فدعاه، فانقلع أصلها من الأرض
~~وهي تخد الأرض خدا حتى وقفت بين يديه.
# فقال له: أكفاك؟
# قال: لا.
# قال: فتريد ماذا؟
# قال تأمرها أن ترجع إلى حيث جاءت منه، وتستقر في مقرها الذي انقلعت منه.
# فأمرها، فرجعت واستقرت في مقرها.
# فقال اليوناني لأمير المؤمنين عليه السلام: هذا الذي تذكره عن محمد صلى
~~الله عليه وآله غائب عني، وأنا أريد أن اقتصر منك على أقل من ذلك، أتباعد
~~عنك فادعني وأنا لا أختار الإجابة، فإن جئت بي إليك فهي آية.
# قال أمير المؤمنين عليه السلام: إنما يكون آية لك وحدك، لأنك تعلم من
~~نفسك أنك لم ترده، وأني أزلت اختيارك من غير أن باشرت مني شيئا، أو ممن
~~أمرته بأن يباشرك، أو ممن قصد إلى اختيارك وإن لم آمره، إلا ما يكون من
~~قدرة الله القاهرة، وأنت يا يوناني يمكنك أن تدعي ويمكن غيرك أن يقول: إني
~~واطأتك على ذلك، فاقترح أن كنت مقترحا ما هو آية لجميع العالمين.
# قال له اليوناني: إن جعلت الاقتراح إلي فأنا اقترح: أن تفصل أجزاء تلك
~~النخلة، وتفرقها وتباعد ما بينها، ثم تجمعها وتعيدها كما كانت:
# فقال علي عليه السلام هذه آية وأنت رسولي إليها - يعني إلى النخلة - فقل
~~لها: PageV01P352
# إن وصي محمد رسول الله يأمر أجزائك: أن تتفرق وتتباعد.
# فذهب فقال لها: ذلك، فتفاصلت، وتهافتت، وتنثرت، وتصاغرت أجزائها حتى لم
~~ير لها عين ms234 ولا أثر، حتى كأن لم تكن هناك نخلة قط.
# فارتعدت فرائص اليوناني وقال: يا وصي محمد رسول الله قد أعطيتني اقتراحي
~~الأول، فاعطني الآخر، فأمرها أن تجتمع وتعود كما كانت، فقال: أنت رسولي
~~إليها فعد فقل لها: يا أجزاء النخلة إن وصي محمد رسول الله يأمرك أن تجتمعي
~~كما كنت وأن تعودي.
# فنادى اليوناني فقال ذلك، فارتفعت في الهواء كهيئة الهباء المنثور، ثم
~~جعلت تجتمع جزو جزو منها، حتى تصور لها القضبان، والأوراق، وأصول السعف
~~وشماريخ الأعذاق، ثم تألفت، وتجمعت، وتركبت، واستطالت، وعرضت، واستقر أصلها
~~في مقرها، وتمكن عليها ساقها، وتركب على الساق قضبانها، وعلى القضبان
~~أوراقها، وفي أمكنتها أعذاقها، وكانت في الابتداء شماريخها متجردة لبعدها
~~من أوان الرطب، والبسر، والخلال.
# فقال اليوناني: وأخرى أحب أن تخرج شماريخها أخلالها، وتقلبها من خضرة إلى
~~صفرة وحمرة، وترطيب وبلوغ، لتأكل وتطعمني ومن حضرك منها.
# فقال علي عليه السلام أنت رسولي إليها بذلك، فمرها به.
# فقال لها اليوناني: ما أمره أمير المؤمنين عليه السلام فأخلت، وأبسرت،
~~واصفرت واحمرت، وترطبت، وثقلت أعذاقها برطبها.
# فقال اليوناني: وآخرها أحبها أن تقرب من بين يديي أعذاقها، أو تطول يدي
~~لتنالها، وأحب شئ إلي: أن تنزل إلي إحديهما، وتطول يدي إلى الأخرى التي هي
~~أختها.
# فقال أمير المؤمنين عليه السلام: مد اليد التي تريد أن تنالها وقل: يا
~~مقرب البعيد قرب يدي منها، واقبض الأخرى التي تريد أن ينزل العذق إليها
~~وقل: يا مسهل العسير سهل لي تناول ما يبعد عني منها ففعل ذلك فقاله، فطالت
~~يمناه فوصلت إلى PageV01P353
# العذق، وانحطت الأعذاق الأخر فسقطت على الأرض وقد طالت عراجينها.
# ثم قال أمير المؤمنين عليه السلام: إنك إن أكلت منها ولم تؤمن بمن أظهر
~~لك من عجائبها، عجل الله عز وجل إليك من العقوبة التي يبتليك بها ما يعتبر
~~به عقلاء خلقه وجهالها.
# فقال اليوناني: إني إن كفرت بعد ما رأيت فقد بالغت في العناد، وتناهيت في
~~التعرض للهلاك، أشهد أنك من خاصة الله، صادق في جميع أقاويلك عن ms235 الله
~~فأمرني بما تشاء أطعك.
# قال علي عليه السلام: آمرك أن: تقر لله بالوحدانية، وتشهد له بالجود
~~والحكمة وتنزهه عن العبث والفساد، وعن ظلم الإماء والعباد، وتشهد أن محمدا
~~الذي أنا وصيه سيد الأنام، وأفضل رتبة في دار السلام، وتشهد أن عليا الذي
~~أراك ما أراك، وأولاك من النعم ما أولاك، خير خلق الله بعد محمد رسول الله،
~~وأحق خلق الله بمقام محمد صلى الله عليه وآله بعده، وبالقيام بشرايعه
~~وأحكامه، وتشهد أن أوليائه أولياء الله، وأعدائه أعداء الله، وأن المؤمنين
~~المشاركين لك فيما كلفتك، المساعدين لك على ما أمرتك به خيرة أمة محمد صلى
~~الله عليه وآله، وصفوة شيعة علي.
# وآمرك: أن تواسي إخوانك المطابقين لك على تصديق محمد صلى الله عليه وآله
~~وتصديقي والانقياد له ولي، مما رزقك الله وفضلك على من فضلك به منهم، تسد
~~فاقتهم، وتجبر كسرهم وخلتهم، ومن كان منهم في درجتك في الإيمان ساويته من
~~مالك بنفسك، ومن كان منهم فاضلا عليك في دينك آثرته بما لك على نفسك، حتى
~~يعلم الله منك أن دينه آثر عنك من مالك، وأن أوليائه أكرم عليك من أهلك
~~وعيالك وآمرك: أن تصون دينك، وعلمنا الذي أودعناك وأسرارنا التي حملناك ولا
~~تبد علومنا لمن يقابلها بالعناد، ويقابلك من أهلها بالشتم، واللعن،
~~والتناول من العرض والبدن، ولا تفش سرنا إلى من يشنع علينا، وعند الجاهلين
~~بأحوالنا ولا تعرض أوليائنا لبوادر الجهال.
# وآمرك: أن تستعمل التقية في دينك، فإن الله عز وجل يقول: " لا يتخذ
~~PageV01P354
# المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في
~~شئ إلا أن تتقوا منهم تقاة " (1) وقد أذنت لك في تفضيل أعدائنا إن لجأك
~~الخوف إليه وفي إظهار البراءة منا إن حملك الوجل عليه، وفي ترك الصلاة
~~المكتوبات إن خشيت على حشاشتك (2) الآفات والعاهات، فإن تفضيلك أعدائنا
~~علينا عند خوفك لا ينفعهم ولا يضرنا، وأن إظهارك برائتك منا عند تقيتك لا
~~يقدح فينا ولا ينقصنا، ولأن تبرأت منا ساعة بلسانك وأنت موال ms236 لنا بجنانك
~~لتبقي على نفسك روحها التي بها قوامها، وما لها الذي به قيامها، وجاهها
~~الذي به تماسكها، وتصون من عرف بذلك وعرفت به من أوليائنا وإخواننا من بعد
~~ذلك بشهور وسنين إلى أن يفرج الله تلك الكربة، وتزول به تلك الغمة فإن ذلك
~~أفضل من أن تتعرض للهلاك، وتنقطع به عن عمل الدين وصلاح إخوانك المؤمنين،
~~وإياك ثم إياك أن تترك التقية التي أمرتك بها، فإنك شائط بدمك ودم إخوانك،
~~معرض لنعمتك ونعمهم على الزوال مذل لك ولهم في أيدي أعداء دين الله، وقد
~~آمرك الله بإعزازهم، فإنك إن خالفت وصيتي كان ضررك على نفسك وإخوانك أشد من
~~ضرر المناصب لنا، الكافر بنا وعن سعيد بن جبير (3) قال: استقبل أمير
~~المؤمنين عليه السلام دهقان من دهاقين الفرس فقال له - بعد التهنية -:
# PageV01P355
# يا أمير المؤمنين تناحست النجوم الطالعات، وتناحست السعود بالنحوس، وإذا
~~كان مثل هذا اليوم وجب على الحكيم الاختفاء، ويومك هذا يوم صعب، قد اتصلت
~~فيه كوكبان، وانقدح من برجك النيران، وليس لك الحرب بمكان، فقال أمير
~~المؤمنين عليه السلام: ويحك يا دهقان المنبئ بآثار، والمحذر من الأقدار، ما
~~قصة صاحب الميزان، وقصة صاحب السرطان، وكم المطالع من الأسد والساعات في
~~المحركات، وكم بين السراري والذراري؟
# قال: سأنظر وأومئ بيده إلى كمه، وأخرج منه أصطرلابا ينظر فيه.
# فتبسم علي عليه السلام وقال: أتدري ما حدث البارحة؟ وقع بيت بالصين،
~~وانفرج برج ماجين، وسقط سور سرنديب، وانهزم بطرق الروم بأرمينية، وفقد ديان
~~اليهود بابلة، وهاج النمل بوادي النمل، وهلك ملك إفريقية، أكنت عالما بهذا؟
# قال: لا يا أمير المؤمنين.
# فقال: البارحة سعد سبعون ألف عالم، وولد في كل عالم سبعون ألفا،
~~PageV01P356
# والليلة يموت مثلهم، وهذا منهم - وأومى بيده إلى سعد بن مسعدة الحارثي
~~لعنه الله وكان جاسوسا للخوارج في عسكر أمير المؤمنين عليه السلام - فظن
~~الملعون: أنه يقول: خذوه، فأخذ بنفسه فمات، فخر الدهقان ساجدا.
# فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: ألم أروك من عين التوفيق؟
# قال: بلى يا أمير ms237 المؤمنين.
# فقال أمير المؤمنين عليه السلام: أنا وأصحابي لا شرقيون ولا غربيون، نحن
~~ناشئة القطب وأعلام الفلك، أما قولك انقدح من برجلك النيران، فكان الواجب
~~عليك أن تحكم لي به إلا علي، أما نوره وضياؤه فعندي، وأما حريقه ولهبه
~~فذاهب عني، وهذه مسألة عميقة احسبها إن كنت حاسبا.
# وروي أنه عليه السلام لما أراد المسير إلى الخوارج قال له بعض أصحابه: إن
~~سرت في هذا الوقت خشيت أن لا تظفر بمرادك من طريق علم النجوم.
# فقال عليه السلام: أتزعم أنك تهدي إلى الساعة التي من سار فيها صرف عنه
~~السوء، وتخوف الساعة التي من سار فيها حاق به الضر، فمن صدقك بهذا فقد كذب
~~القرآن، واستغنى عن الاستعانة بالله في نيل المحبوب ودفع المكروه، وينبغي
~~في قولك للعامل بأمرك أن يوليك الحمد دون ربه، لأنك بزعمك أنت هديته إلى
~~الساعة التي نال فيها النفع وأمن الضر.
# أيها الناس إياكم وتعلم النجوم، إلا ما يهتدى به في بر أو بحر، فإنه يدعو
~~إلى الكهانة، المنجم كالكاهن، والكاهن كالساحر، والساحر كالكافر، والكافر
~~في النار، سيروا على اسم الله وهونه، ومضى فظفر بمراده صلوات الله عليه.
# * * * PageV01P357
# احتجاجه (ع) على زنديق جاء مستدلا عليه بأي من القرآن متشابهة، تحتاج إلى
~~التأويل، على أنها تقتضي التناقض والاختلاف فيه، وعلى أمثاله في أشياء
~~أخرى.
# جاء بعض الزنادقة إلى أمير المؤمنين علي عليه السلام وقال له: لولا ما في
~~القرآن من الاختلاف والتناقض لدخلت في دينكم.
# فقال له عليه السلام: وما هو؟
# قال: قوله تعالى: " نسوا الله فنسيهم " (1) وقوله: " فاليوم ننساهم كما
~~نسوا لقاء يومهم هذا " (2) وقوله: " وما كان ربك نسيا " (3) وقوله: " يقوم
~~الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا " (4)
~~وقوله: " والله ربنا ما كنا مشركين " (5) وقوله تعالى: " يوم القيامة يكفر
~~بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا " (6) وقوله: " إن ذلك لحق تخاصم أهل النار "
~~(7) وقوله: " لا تختصموا لدي " (8) وقوله: " اليوم نختم على أفواههم
~~وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون " (9) وقوله تعالى: " وجوه ms238
~~يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة " (10) وقوله: " لا تدركه الأبصار وهو يدرك
~~الأبصار " (11) وقوله: " ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى " (12)
~~وقوله:
# " لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا الآيتين " (13)
~~وقوله:
# PageV01P358
# " ما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا " (1) وقوله: " كلا إنهم يومئذ
~~لمحجوبون " (2) وقوله: " هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك "
~~(3) وقوله: " بل هم بلقاء ربهم كافرون " (4) وقوله: " فأعقبهم نفاقا في
~~قلوبهم إلى يوم يلقونه " (5) وقوله: " فمن كان يرجو لقاء ربه " (6) وقوله:
~~" ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها " (7) وقوله: " ونضع الموازين
~~القسط ليوم القيامة " (8) وقوله: " فمن ثقلت موازينه، ومن خفت موازينه "
~~(9).
# فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: فأما قوله تعالى: " نسوا الله فنسيهم
~~" إنما يعني نسوا الله في دار الدنيا لم يعملوا بطاعته، فنسيهم في الآخرة
~~أي: لم يجعل لهم من ثوابه شيئا، فصاروا منسيين من الخير، وكذلك تفسير قوله
~~عز وجل:
# " فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا " يعني بالنسيان: أنه لم يثيبهم
~~كما يثيب أوليائه، والذين كانوا في دار الدنيا مطيعين ذاكرين حين آمنوا به
~~وبرسوله وخافوه بالغيب.
# وأما قوله: " وما كان ربك نسيا " فإن ربنا تبارك وتعالى علوا كبيرا ليس
~~بالذي ينسى، ولا يغفل، بل هو الحفيظ العليم، وقد تقول العرب: نسينا فلان
~~فلا يذكرنا: أي إنه لا يأمر لهم بخير، ولا يذكرهم به.
# قال علي عليه السلام وأما قوله عز وجل: " يوم يقوم الروح والملائكة صفا
~~لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا " وقوله: " والله ربنا ما كنا
~~مشركين " وقوله عز وجل " يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا "
~~وقوله عز وجل يوم القيامة " إن ذلك لحق تخاصم أهل النار " وقوله: " لا
~~تختصموا
# PageV01P359
# لدي وقد قدمت إليكم بالوعيد " وقوله: " اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا
~~أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون " فإن ذلك في مواطن غير واحد من
~~مواطن ذلك اليوم الذي كان مقداره خمسين ألف سنة، المراد: يكفر أهل المعاصي
~~بعضهم ببعض، ويلعن بعضهم بعضا، والكفر في هذه ms239 الآية: " البراءة " يقول:
~~فيبرأ بعضهم من بعض، ونظيرها في سورة إبراهيم قول الشيطان: " إني كفرت بما
~~أشركتمون من قبل " وقول إبراهيم خليل الرحمن: " كفرنا بكم " يعني تبرأنا
~~منكم.
# ثم يجتمعون في مواطن أخر يبكون فيها، فلو أن تلك الأصوات فيها بدت لأهل
~~الدنيا لا زالت جميع الخلق عن معايشهم، وانصدعت قلوبهم إلا ما شاء الله ولا
~~يزالون يبكون حتى يستنفدوا الدموع، ويفضوا إلى الدماء.
# ثم يجتمعون في موطن آخر فيستنطقون فيه، فيقولون: " والله ربنا ما كنا
~~مشركين " وهؤلاء خاصة هم: المقرون في دار الدنيا بالتوحيد، فلا ينفعهم
~~إيمانهم بالله لمخالفتهم رسله، وشكهم فيما أتوا به عن ربهم، ونقضهم عهودهم
~~في أوصيائهم واستبدا لهم الذي هو أدنى بالذي هو خير، فكذبهم الله فيما
~~انتحلوه من الإيمان بقوله: " انظر كيف كذبوا على أنفسهم " فيختم الله على
~~أفواههم، ويستنطق الأيدي والأرجل والجلود، فتشهد بكل معصية كانت منهم، ثم
~~يرفع عن ألسنتهم الختم فيقولون لجلودهم: لم شهدتم علينا؟ قالوا: أنطقنا
~~الله الذي أنطق كل شئ.
# ثم يجتمعون في موطن آخر فيفر بعضهم من بعض لهول ما يشاهدونه من صعوبة
~~الأمر، وعظم البلاء فذلك قوله عز وجل: " يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه
~~وصاحبته وبنيه الآية ".
# ثم يجتمعون في موطن آخر يستنطق فيه أولياء الله وأصفياؤه، فلا يتكلم أحد
~~إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا، فيقام الرسل فيسألون عن تأدية الرسالة
~~التي حملوها إلى أممهم، وتسأل الأمم فتجحد كما قال الله تعالى: " فلنسألن
~~الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين " فيقولون: " ما جائنا من بشير ولا نذير
~~" فتشهد PageV01P360
# الرسل رسول الله صلى الله عليه وآله فيشهد بصدق الرسل، وتكذيب من جحدها
~~من الأمم، فيقول - لكل أمة منهم -: " بلى قد جائكم بشير ونذير والله على كل
~~شئ قدير " أي: مقتدر على شهادة جوارحكم عليكم بتبليغ الرسل إليكم رسالاتهم،
~~كذلك قال الله - لنبيه -: " فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على
~~هؤلاء شهيدا فلا يستطيعون رد شهادته، خوفا من أن يختم الله على أفواههم،
~~وأن ms240 تشهد عليهم جوارحهم بما كانوا يعملون، ويشهد على منافقي قومه، وأمته،
~~وكفارهم بإلحادهم، وعنادهم، ونقضهم عهده، وتغييرهم سنته، واعتدائهم على أهل
~~بيته، وانقلابهم على أعقابهم، وارتدادهم على أدبارهم، واحتذائهم في ذلك سنة
~~من تقدمهم من الأمم الظالمة، الخائنة لأنبيائها، فيقولون بأجمعهم: " ربنا
~~غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ظالمين ".
# ثم يجتمعون في موطن آخر يكون فيه مقام محمد صلى الله عليه وآله وهو: "
~~المقام المحمود " فيثني على الله بما لم يثن عليه أحد قبله، ثم يثني على
~~الملائكة كلهم، فلا يبقى ملك إلا أثنى عليه محمد، ثم يثني على الأنبياء بما
~~لم يثن عليه أحد قبله، ثم يثني على كل مؤمن ومؤمنة، يبدأ بالصديقين
~~والشهداء، ثم الصالحين، فيحمده أهل السماوات وأهل الأرضين، فذلك قوله
~~تعالى: " عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا " فطوبى لمن كان له في ذلك المكان
~~حظ ونصيب، وويل لمن لم يكن له في ذلك المقام حظ ولا نصيب.
# ثم يجتمعون في موطن آخر ويزال بعضهم عن بعض، وهذا كله قبل الحساب فإذا
~~أخذ في الحساب شغل كل إنسان بما لديه، نسأل الله بركة ذلك اليوم.
# قال علي عليه السلام وأما قوله: " وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة " ذلك
~~في موضع ينتهي فيه أولياء الله عز وجل، بعدما يفرغ من الحساب، إلى نهر
~~يسمى:
# " نهر الحيوان " فيغتسلون منه، ويشربون من آخر فتبيض وجوههم، فيذهب عنهم
~~كل أذى وقذى ووعث، ثم يؤمرون بدخول الجنة، فمن هذا المقام ينظرون إلى ربهم
~~كيف يثيبهم، ومنهم يدخلون الجنة فذلك قول الله عز وجل - في تسليم
~~PageV01P361
# الملائكة عليهم -: " سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين " فعند ذلك قوله
~~تعالى:
# أثيبوا بدخول الجنة والنظر إلى ما وعدهم الله عز وجل، فلذلك قوله تعالى:
# " إلى ربها ناظرة " والناظرة في بعض اللغة هي: المنتظرة ألم تسمع إلى
~~قوله تعالى:
# " فناظرة بم يرجع المرسلون " أي: منتظرة بم يرجع المرسلون؟ وأما قوله:
# " ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى " يعني: محمدا كان عند سدرة
~~المنتهى حيث لا يجاوزها خلق من خلق ms241 الله عز وجل، وقوله - في آخر الآية -: "
~~ما زاغ البصر وما طغى لقد رأى من آيات ربه الكبرى " وأي جبرئيل في صورته
~~مرتين: هذه مرة، ومرة أخرى، وذلك إن خلق جبرئيل خلق عظيم، فهو من
~~الروحانيين الذين لا يدرك خلقهم، ولا صفتهم إلا الله رب العالمين قال علي
~~عليه السلام وأما قوله: " ما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء
~~حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء " كذلك قال الله تعالى قد كان
~~الرسول يوحي إليه رسل من السماء فتبلغ رسل السماء إلى الأرض وقد كان الكلام
~~بين رسل أهل الأرض وبينه من غير أن يرسل بالكلام مع رسل أهل السماء وقد قال
~~رسول الله صلى الله عليه وآله: " يا جبرئيل هل رأيت ربك؟ " فقال جبرئيل: "
~~إن ربي لا يرى ".
# فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " من أين تأخذ الوحي؟ " قال: " آخذه
~~من إسرافيل " قال: " ومن أين يأخذه إسرافيل؟ " قال: " يأخذه من ملك فوقه من
~~الروحانيين " قال: " ومن أين يأخذه ذلك الملك؟ " قال: " يقذف في قلبه قذفا
~~".
# فهذا وحي، وهو كلام الله عز وجل، وكلام ليس بنحو واحد، منه:
# ما كلم الله به الرسل، ومنه ما قذف في قلوبهم، ومنه رؤيا يراها الرسل،
~~ومنه وحي وتنزيل يتلى ويقرأ فهو كلام الله عز وجل.
# قال علي عليه السلام وأما قوله: " كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون "
~~فإنما يعني به يوم القيامة عن ثواب ربهم لمحجوبون. وقوله تعالى: " هل
~~ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك " يخبر
~~محمدا عن المشركين PageV01P362
# المنافقين، الذين لم يستجيبوا لله ولرسوله، فقال: " هل ينظرون إلا أن
~~تأتيهم الملائكة " وحيث لم يستجيبوا لله ولرسوله، أو يأتي ربك أو يأتي بعض
~~آيات ربك يعني بذلك: العذاب، يأتيهم في دار الدنيا كما عذب القرون الأولى،
~~فهذا خبر يخبر به النبي صلى الله عليه وآله عنهم، ثم قال: " يوم يأتي بعض
~~آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت ms242 من قبل الآية " يعني: لم تكن
~~آمنت من قبل أن تأتي هذه الآية، وهذه الآية هي: طلوع الشمس من مغربها، وقال
~~- في آية أخرى -:
# " فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا " يعني: أرسل عليهم عذابا، وكذلك إتيانه
~~بنيانهم حيث قال: " فأتى بنيانهم من القواعد " يعني: أرسل عليهم العذاب.
# قال علي عليه السلام: وأما قوله عز وجل: " بل هم بلقاء ربهم كافرون "
~~وقوله " الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم " وقوله: " إلى يوم يلقونه " وقوله:
~~" فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا " يعني: البعث، فسماه الله
~~لقاء، كذلك قوله " من كان يرجوا لقاء الله فإن أجل الله لآت " يعني: من كان
~~يؤمن أنه مبعوث فإن وعد الله لآت: من الثواب، والعقاب، فاللقاء هاهنا ليس
~~بالرؤية، واللقاء هو: البعث، وكذلك: " تحيتهم يوم يلقونه سلام " يعني: أنه
~~لا يزول الإيمان عن قلوبهم يوم يبعثون.
# قال علي عليه السلام: وأما قوله عز وجل: " ورأى المجرمون النار فظنوا
~~أنهم مواقعوها " يعني: تيقنوا أنهم يدخلونها، وكذلك قوله: " إني ظننت أني
~~ملاق حسابيه " وأما قوله عز وجل - للمنافقين -: " ويظنون بالله الظنونا "
~~فهو: ظن شك وليس ظن يقين، والظن ظنان: ظن شك، وظن يقين، فما كان من أمر
~~المعاد من الظن فهو ظن يقين، وما كان من أمر الدنيا فهو ظن شك.
# قال علي عليه السلام: وأما قوله عز وجل: " ونضع الموازين القسط ليوم
~~القيامة فلا تظلم نفس شيئا " فهو: ميزان العدل، يؤخذ به الخلايق يوم
~~القيامة، بدين الله تبارك وتعالى، الخلايق بعضهم من بعض، ويجزيهم بأعمالهم،
~~ويقتص للمظلوم من الظالم، ومعنى قوله: " فمن ثقلت موازينه، ومن خفت موازينه
~~" فهو: قلة PageV01P363
# الحساب وكثرته، والناس يومئذ على طبقات ومنازل، فمنهم: من يحاسب حسابا
~~يسيرا وينقلب إلى أهله مسرورا، ومنهم الذين يدخلون الجنة بغير حساب، لأنهم
~~لم يتلبسوا من أمر الدنيا، وإنما الحساب هناك على من تلبس بها هاهنا، ومنهم
~~من يحاسب على النقير والقطمير ويصير إلى عذاب السعير، ومنهم أئمة الكفر
~~وقادة الضلالة، فأولئك لا يقيم لهم يوم القيامة وزنا، ولا ms243 يعبؤ بهم بأمره
~~ونهيه يوم القيامة وهم في جهنم خالدون، وتلفح وجوههم النار، وهم فيها
~~كالحون.
# ومن سؤال هذا الزنديق أن قال أجد الله يقول: " قل يتوفاكم ملك الموت الذي
~~وكل بكم (1) ".
# ومن موضع آخر يقول: " والله يتوفى الأنفس حين موتها " (2) " والذين
~~تتوفاهم الملائكة طيبين " (3) " وما أشبه ذلك فمرة يجعل الفعل لنفسه، ومرة
~~لملك الموت، ومرة للملائكة.
# وأجده يقول: " ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه " (4)
~~ويقول، " وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى " (5) أعلم في الآية
~~الأولى: أن الأعمال الصالحة لا تكفر، وأعلم في الثانية، أن الإيمان
~~والأعمال الصالحات لا تنفع إلا بعد الاهتداء.
# واجده يقول: " واسأل من أرسلنا قبلك من رسلنا " (6) فكيف يسأل الحي من
~~الأموات قبل البعث والنشور.
# واجده يقول: " إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن
~~يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا " (7) فما هذه
~~الأمانة ومن هذا الإنسان؟ وليس من صفته العزيز العليم التلبيس على عباده.
# واجده قد شهر هفوات أنبيائه بقوله: " وعصى آدم ربه فغوى " (8)
# PageV01P364
# وبتكذيبه نوحا لما قال: " إن ابني من أهلي " (1) بقوله: " إنه ليس من
~~أهلك " (2) وبوصفه إبراهيم بأنه: عبد كوكبا مرة، ومرة قمرا، ومرة شمسا،
~~وبقوله في يوسف:
# " ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه " (3) وبتهجينه موسى حيث
~~قال: " رب أرني أنظر إليك قال لن تراني الآية " (4) وببعثه على داود جبرئيل
~~وميكائيل حيث تسور المحراب، وبحبسه يونس في بطن الحوت حيث ذهب مغضبا وأظهر
~~خطأ الأنبياء وزللهم، ووارى اسم من اغتر وفتن خلقا وضل وأضل، وكنى عن
~~أسمائهم في قوله: " ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع
~~الرسول سبيلا يا ويلتي ليتني لم أتخذ فلانا خليلا لقد أضلني عن الذكر بعد
~~إذ جائني " (5) فمن هذا الظالم الذي لم يذكر من اسمه ما ذكر من أسماء
~~الأنبياء؟
# واجده يقول: " وجاء ربك والملك صفا صفا " (6) " وهل ينظرون إلا أن يأتي
~~ربك أو يأتي بعض آيات ربك " (7) " ولقد جئتمونا فرادى ms244 " (8) فمرة يجيئهم،
~~ومرة يجيئونه واجده: يخبر أنه يتلو نبيه شاهد منه، وكان الذي تلاه عبد
~~الأصنام برهة من دهره.
# واجده يقول: " ولتسألن يومئذ عن النعيم " (9) فما هذا النعيم الذي يسأل
~~العباد عنه؟
# وأجده يقول: " بقية الله خير لكم " (10) ما هذه البقية؟
# وأجده يقول: " يا حسرتي على فرطت في جنب الله " وأينما تولوا فثم وجه
~~الله " (11) " وكل شئ هالك إلا وجهه " (12) " وأصحاب اليمين ما أصحاب
# PageV01P365
# اليمين " (1) وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال " (2) ما معنى: الجنب،
~~والوجه واليمين، والشمال، فإن الأمر في ذلك ملتبس جدا؟
# واجده يقول: " الرحمن على العرش استوى " (3) ويقول: " أأمنتم من في
~~السماء " (4) " وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله " (5) " وهو معكم
~~أينما كنتم " (6) " ونحن أقرب إليه من حبل الوريد " (7) " وما يكون من نجوى
~~ثلاثة إلا هو رابعهم الآية " (8) واجده يقول: " وإن خفتم ألا تقسطوا في
~~اليتامى فأنكحوا ما طاب لكم من النساء " (9) وليس يشبه القسط في اليتامى
~~نكاح النساء، ولا كل النساء أيتام فما معنى ذلك؟
# واجده يقول: " وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون " (10) فكيف يظلم
~~الله ومن هؤلاء الظلمة؟
# وأجده يقول: " إنما أعظكم بواحدة " (11) فما هذه الواحدة؟
# وأجده يقول: " وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين " (12) وقد أرى مخالفي
~~الإسلام معتكفين على باطلهم، غير مقلعين عنه، وأرى غيرهم من أهل الفساد
~~مختلفين في مذاهبهم، يلعن بعضهم بعضا، فأي موضع للرحمة العامة لهم المشتملة
~~عليهم؟
# واجده قد بين فضل نبيه على سائر الأنبياء، ثم خاطبه في أضعاف ما أثنى
~~عليه في الكتاب من الازراء عليه، وانتقاص محله، وغير ذلك من تهجينه
~~وتأنيبه، ما لم يخاطب أحدا من الأنبياء، مثل قوله: " ولو شاء الله لجمعهم
~~على الهدى فلا تكونن من الجاهلين " (13) وقوله: " لولا أن ثبتناك لقد كدت
~~تركن إليهم
# PageV01P366
# شيئا قليلا " (1) " إذن لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك
~~علينا نصيرا " (2) وقوله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله
~~أحق أن تخشاه " (3) وقوله: " وما أدري ما يفعل بي ولا بكم " (4) وقال: " ما
~~فرطنا في الكتاب من شئ ms245 " " وكل شئ أحصيناه في إمام مبين " (5) فإذا كانت
~~الأشياء تحصى في الإمام وهو وصي النبي فالنبي أولى أن يكون بعيدا من الصفة
~~التي قال فيها: وما أدري ما يفعل بي ولا بكم، وهذه كلها صفات مختلفة،
~~وأحوال متناقضة، وأمور مشكلة، فإن يكن الرسول والكتاب حقا فقد قلت لشكي في
~~ذلك، وإن كانا باطلين فما علي من بأس.
# فقال أمير المؤمنين عليه السلام: سبوح قدوس، رب الملائكة والروح، تبارك
~~وتعالى، هو الحي الدائم، القائم على كل نفس بما كسبت، هات أيضا ما شككت فيه
~~قال: حسبي ما ذكرت يا أمير المؤمنين.
# قال: سأنبئك بتأويل ما سألت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه
~~أنيب، وعليه فليتوكل المتوكلون.
# فأما قوله: الله يتوفى الأنفس حين موتها، وقوله يتوفاكم ملك الموت،
~~وتوفته رسلنا، والذين تتوفاهم الملائكة طيبين، والذين تتوفاهم الملائكة
~~ظالمي أنفسهم، فهو تبارك وتعالى أجل وأعظم من أن يتولى ذلك بنفسه، وفعل
~~رسله وملائكته فعله، لأنهم بأمره يعملون، فاصطفى جل ذكره من الملائكة رسلا
~~وسفرة بينه وبين خلقه، وهم الذين قال الله فيهم: الله يصطفي من الملائكة
~~رسلا ومن الناس فمن كان من أهل الطاعة تولت قبض روحه ملائكة الرحمة، ومن
~~كان من أهل المعصية تولت قبض روحه ملائكة النقمة، ولملك الموت أعوان من
~~ملائكة الرحمة والنقمة، يصدرون عن أمره، وفعلهم فعله، وكل ما يأتون منسوب
~~إليه، وإذا كان فعلهم فعل ملك الموت، وفعل ملك الموت فعل الله، لأنه يتوفى
~~الأنفس على يد من
# PageV01P367
# يشاء، ويعطي ويمنع، ويثيب ويعاقب على يد من يشاء، وإن فعل أمنائه فعله،
~~كما قال: وما تشاؤن إلا أن يشاء الله.
# وأما قوله: ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه، وقوله وإني
~~لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى، فإن ذلك كله لا يغني إلا مع
~~الاهتداء، وليس كل من وقع عليه اسم الإيمان كان حقيقا بالنجاة مما هلك به
~~الغواة، ولو كان ذلك كذلك لنجت اليهود مع اعترافها، بالتوحيد، وإقرارها
~~بالله ونجى ساير المقرين بالوحدانية، ms246 من إبليس فمن دونه في الكفر، وقد بين
~~الله ذلك بقوله الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم
~~مهتدون وبقوله: الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم، وللإيمان حالات
~~ومنازل يطول شرحها، ومن ذلك: أن الإيمان قد يكون على وجهين: إيمان بالقلب،
~~وإيمان باللسان، كما كان إيمان المنافقين على عهد رسول الله، لما قهرهم
~~بالسيف وشملهم الخوف فإنهم آمنوا بألسنتهم، ولم تؤمن قلوبهم، فالإيمان
~~بالقلب هو التسليم للرب، ومن سلم الأمور لمالكها لم يستكبر عن أمره، كما
~~استكبر إبليس عن السجود لآدم، واستكبر أكثر الأمم عن طاعة أنبيائهم، فلم
~~ينفعهم التوحيد كما لم ينفع إبليس ذلك السجود الطويل، فإنه سجد سجدة واحدة
~~أربعة آلاف عام، ولم يرد بها غير زخرف الدنيا، والتمكين من النظرة، فلذلك
~~لا تنفع الصلاة والصدقة إلا مع الاهتداء إلى سبيل النجاة، وطرق الحق، وقد
~~قطع الله عذر عباده بتبيين آياته، وإرسال رسله، لئلا يكون للناس على الله
~~حجة بعد الرسل، ولم يخل أرضه من عالم بما يحتاج إليه الخليقة، ومتعلم على
~~سبيل النجاة، أولئك هم الأقلون عددا، وقد بين الله ذلك في أمم الأنبياء
~~وجعلهم مثلا لمن تأخر، مثل قوله - في قوم نوح -: وما آمن معه إلا قليل،
~~وقوله - فيمن آمن من أمة موسى -: ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون،
~~وقوله - في حواري عيسى حيث قال لسائر بني إسرائيل -: من أنصاري إلى الله
~~قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون، يعني: بأنهم
~~مسلمون لأهل الفضل فضلهم PageV01P368
# ولا يستكبرون عن أمر ربهم، فما أجابه منهم إلا الحواريون، وقد جعل الله
~~للعلم أهلا، وفرض على العباد طاعتهم بقوله: أطيعوا الله وأطيعوا الرسول
~~وأولي الأمر منكم، وبقوله: ولو ردوه إلى الله وإلى الرسول وإلى أولي الأمر
~~منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم، وبقوله: اتقوا الله وكونوا مع الصادقين،
~~وبقوله: وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم، وأتوا البيوت من
~~أبوابها، والبيوت هي: بيوت العلم الذي استودعته الأنبياء، وأبوابها
~~أوصيائهم، فكل من ms247 عمل من أعمال الخير فجرى على غير أيدي أهل الاصطفاء،
~~وعهودهم، وشرائعهم، وسننهم، ومعالم دينهم، مردود وغير مقبول، وأهله بمحل
~~كفر، وإن شملتهم صفة الإيمان، ألم تسمع إلى قوله تعالى: وما منعهم أن تقبل
~~منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى
~~ولا ينفقون إلا وهم كارهون، فمن لم يهتد من أهل الإيمان إلى سبيل النجاة لم
~~يغن عنه إيمانه بالله مع دفع حق أوليائه، وهبط عمله، وهو في الآخرة من
~~الخاسرين، وكذلك قال الله سبحانه: فلم يك ينفعهم أيمانهم لما رأوا بأسنا،
~~وهذا كثير في كتاب الله عز وجل، والهداية هي: الولاية كما قال الله عز وجل:
~~ومن يتولى الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون، والذين
~~آمنوا في هذا الموضع هم: المؤتمنون على الخلائق من الحجج، والأوصياء في عصر
~~بعد عصر، وليس كل من أقر أيضا من أهل القبلة بالشهادتين كان مؤمنا إن
~~المنافقين كانوا يشهدون: أن لا إلا إلا الله وأن محمدا رسول الله، ويدفعون
~~عهد رسول الله بما عهد به: من دين الله، وعزائمه، وبراهين نبوته، إلى وصيه
~~ويضمرون من الكراهة لذلك، والنقض لما أبرمه منه عند إمكان الأمر لهم، فيما
~~قد بينه الله لنبيه بقوله: " فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكمونك فيما شجر
~~بينهم ثم لا يجدون في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما " وبقوله: " وما
~~محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم "
~~ومثل قوله: " لتركبن طبقا عن طبق " أي: لتسلكن سبيل من كان قبلكم من الأمم:
~~في الغدر بالأوصياء بعد الأنبياء، وهذا كثير في كتاب الله عز وجل، وقد شق
~~على النبي ما يؤول إليه PageV01P369
# عاقبة أمرهم، واطلاع الله إياه على بوارهم، فأوحى الله عز وجل إليه، "
~~فلا تذهب نفسك عليهم حسرات " " ولا تأس على القوم الكافرين " وأما قوله: "
~~واسأل من أرسلنا قبلك من رسلنا " فهذا من براهين نبينا التي آتاه الله
~~إياها، وأوجب به الحجة على سائر خلقه، ms248 لأنه لما ختم به الأنبياء، وجعله
~~الله رسولا إلى جميع الأمم، وسائر الملل، خصه الله بالارتقاء إلى السماء
~~عند المعراج وجمع له يومئذ الأنبياء، فعلم منهم ما أرسلوا به وحملوه من:
~~عزائم الله وآياته وبراهينه، وأقروا أجمعون بفضله، وفضل الأوصياء والحجج في
~~الأرض من بعده وفضل شيعة وصيه من المؤمنين والمؤمنات، الذين سلموا لأهل
~~الفضل فضلهم، ولم يستكبروا عن أمرهم، وعرف من أطاعهم وعصاهم من أممهم،
~~وسائر من مضى ومن غبر، أو تقدم أو تأخر.
# وأما هفوات الأنبياء عليهم السلام وما بينه الله في كتابه، ووقوع الكناية
~~من أسماء من اجترم أعظم مما اجترمته الأنبياء، ممن شهد الكتاب بظلمهم، فإن
~~ذلك من أدل الدلائل على: حكمة الله عز وجل الباهرة، وقدرته القاهرة، وعزته
~~الظاهرة لأنه علم: أن براهين الأنبياء تكبر في صدور أممهم، وأن منهم من
~~يتخذ بعضهم إلها، كالذي كان من النصارى في ابن مريم، فذكرها دلالة على
~~تخلفهم عن الكمال الذي تفرد به عز وجل، ألم تسمع إلى قوله في صفة عيسى حيث
~~قال فيه وفي أمه:
# " كانا يأكلان الطعام " يعني: أن من أكل الطعام كان له ثقل: ومن كان له
~~ثقل فهو بعيد مما ادعته النصارى لابن مريم، ولم يكن عن أسماء الأنبياء
~~تبجرا وتعزرا (1) بل تعريفا لأهل الاستبصار.
# إن الكناية عن أسماء أصحاب الجرائر العظيمة من المنافقين في القرآن ليست
~~من فعله تعالى، وإنها من فعل المغيرين والمبدلين، الذين جعلوا القرآن عضين
~~واعتاضوا الدنيا من الدين، وقد بين الله تعالى قصص المغيرين بقوله: " الذين
~~يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا "
~~وبقوله
# PageV01P370
# " وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب " وبقوله: " إذ يبيتون ما لا
~~يرضى من القول " بعد فقد الرسول مما يقيمون به أود باطلهم (1) حسب ما فعلته
~~اليهود والنصارى بعد فقد موسى وعيسى من: تغيير التوراة والإنجيل، وتحريف
~~الكلم عن مواضعه، وبقوله: " يريدون ليطفؤا نور الله بأفواههم ويأبى الله
~~إلا أن يتم نوره ولو كره المشركون " يعني: أنهم أثبتوا في ms249 الكتاب ما لم
~~يقله الله ليلبسوا على الخليقة فأعمى الله قلوبهم حتى تركوا فيه ما دل على
~~ما أحدثوه فيه، وبين عن إفكهم، وتلبيسهم وكتمان ما عملوه منه، ولذلك قال
~~لهم: لم تلبسون الحق بالباطل، وضرب مثلهم بقوله: " فأما الزبد فيذهب جفاء
~~وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض " فالزبد في هذا الموضع كلام الملحدين
~~الذين أثبتوه في القرآن، فهو يضمحل، ويبطل ويتلاشى عند التحصيل، والذي ينفع
~~الناس منه: فالتنزيل الحقيقي الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من
~~خلفه، والقلوب تقبله، والأرض في هذا الموضع فهي:
# محل العلم وقراره.
# وليس يسوغ مع عموم التقية التصريح بأسماء المبدلين، ولا الزيادة في آياته
~~على ما أثبتوه من تلقائهم في الكتاب، لما في ذلك من تقوية حجج أهل التعطيل
~~والكفر، والملل المنحرفة عن قبلتنا، وإبطال هذا العلم الظاهر الذي قد
~~استكان له الموافق والمخالف بوقوع الاصطلاح على الايتمار لهم، والرضا بهم،
~~ولأن أهل الباطل في القديم والحديث أكثر عدا من أهل الحق، فلأن الصبر على
~~ولاة الأمر مفروض لقول الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وآله: " فاصبر كما
~~صبر أولوا العزم من الرسل " وإيجابه مثل ذلك على أوليائه، وأهل طاعته،
~~بقوله: " لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة " فحسبك من الجواب عن هذا
~~الموضع ما سمعت، فإن شريعة التقية تخطر التصريح بأكثر منه.
# وأما قوله: وجاء ربك والملك صفا صفا، وقوله: " ولقد جئتمونا فرادى "
~~وقوله: " هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض
# PageV01P371
# آيات ربك " فذلك كله حق، وليست جيئته جل ذكره كجيئة خلقه، فإنه رب كل شئ.
# ومن كتاب الله عز وجل يكون تأويله على غير تنزيله، ولا يشبه تأويله بكلام
~~البشر، ولا فعل البشر وسأنبئك بمثال لذلك تكتفي به إنشاء الله تعالى وهو
~~حكاية الله عز وجل عن إبراهيم عليه السلام حيث قال: " إني ذاهب إلى ربي "
~~فذهابه إلى ربه توجهه إليه في عبادته واجتهاده، ألا ترى أن تأويله غير
~~تنزيله، وقال:
# " وأنزل ms250 لكم من الأنعام ثمانية أزواج " وقال: " وأنزلنا الحديد فيه بأس
~~شديد " فإنزاله ذلك: خلقه إياه.
# وكذلك قوله: " إن كان للرحمن ولد فإنا أول العابدين " أي: الجاحدين
~~والتأويل في هذا القول باطنه مضاد لظاهره.
# ومعنى قوله: " فهل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي
~~بعض آيات ربك " فإنما خاطب نبينا محمدا صلى الله عليه وآله هل ينتظر
~~المنافقون والمشركون إلا أن تأتيهم الملائكة فيعاينونهم، أو يأتي ربك أو
~~يأتي بعض آيات ربك يعني بذلك: أمر ربك، والآيات هي: العذاب في دار الدنيا،
~~كما عذب الأمم السالفة، والقرون الخالية، وقال: " أولم يروا أنا نأتي الأرض
~~ننقصها من أطرافها " يعني بذلك: ما يهلك من القرون فسماه إتيانا، وقال: "
~~قاتلهم الله أنى يؤفكون " أي لعنهم الله أنى يؤفكون، فسمى اللعنة قتالا،
~~وكذلك قال: " قتل الإنسان ما أكفره " أي: لعن الإنسان، وقال: " فلم تقتلوهم
~~ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى " فسمى فعل النبي صلى الله
~~عليه وآله فعلا له، ألا ترى تأويله على غير تنزيله ومثل قوله: " بل هم
~~بلقاء ربهم كافرون " فسمى البعث: لقاء، وكذلك قوله:
# " الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم " أي: يوقنون أنهم مبعوثون، ومثله قوله:
~~" ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم " أي: ليس يوقنون أنهم مبعوثون،
~~واللقاء عند المؤمن: البعث، وعند الكافر: المعاينة والنظر.
# وقد يكون بعض ظن الكافر يقينا، وذلك قوله: " ورأى المجرمون النار
~~PageV01P372
# فظنوا أنهم مواقعوها " أي: تيقنوا أنهم مواقعوها، وأما قوله في
~~المنافقين: " ويظنون بالله الظنونا " فليس ذلك بيقين ولكنه شك، فاللفظ واحد
~~في الظاهر، ومخالف في الباطن، وكذلك قوله: " الرحمن على العرش استوى "
~~يعني: استوى تدبيره وعلا أمره، وقوله، " وهو الذي في السماء إله وفي الأرض
~~إله " وقوله: " هو معكم أينما كنتم " وقوله: " ما يكون من نجوى ثلاثة إلا
~~هو رابعهم " فإنما أراد بذلك استيلاء أمنائه بالقدرة التي ركبها فيهم على
~~جميع خلقه، وأن فعله فعلهم.
# فافهم عني ما أقول لك، فإني إنما أزيدك في الشرح لا ثلج في صدرك ms251 وصدر من
~~لعله بعد اليوم يشك في مثل ما شككت فيه، فلا يجد مجيبا عما يسأل عنه، لعموم
~~الطغيان، والافتنان، واضطرار أهل العلم بتأويل الكتاب، إلى الاكتتام
~~والاحتجاب، خيفة أهل الظلم والبغي.
# أما إنه سيأتي على الناس زمان يكون الحق فيه مستورا، والباطل ظاهرا
~~مشهورا، وذلك إذا كان أولى الناس به أعدائهم له، واقترب الوعد الحق، وعظم
~~الإلحاد، وظهر الفساد، هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا، ونحلهم
~~الكفار أسماء الأشرار، فيكون جهد المؤمن أن يحفظ مهجته من أقرب الناس إليه
~~ثم يتيح الله الفرج لأوليائه، ويظهر صاحب الأمر على أعدائه.
# وأما قوله: " ويتلوه شاهد منه " فذلك حجة الله أقامها على خلقه، وعرفهم
~~أنه لا يستحق مجلس النبي إلا من يقوم مقامه، ولا يتلوه إلا من يكون في
~~الطهارة مثله، لئلا يتسع لمن ماسه حس الكفر في وقت من الأوقات انتحال
~~الاستحقاق بمقام رسول الله صلى الله عليه وآله، وليضيق العذر على من يعينه
~~على إثمه وظلمه، إذ كان الله قد خطر على من ماسه الكفر تقلد ما فوضه إلى
~~أنبيائه وأوليائه، بقوله لإبراهيم:
# " لا ينال عهدي الظالمين " أي: المشركين، لأنه سمى الظلم شركا بقوله: "
~~إن الشرك لظلم عظيم " فلما علم إبراهيم عليه السلام أن عهد الله تبارك
~~وتعالى اسمه بالإمامة لا ينال عبدة الأصنام، قال: " فاجنبني وبني أن نعبد
~~الأصنام " واعلم أن من آثر المنافقين على الصادقين، والكفار على الأبرار،
~~فقد افترى PageV01P373
# إثما عظيما، إذا كان قد بين في كتابه الفرق بين المحق والمبطل، والطاهر
~~والنجس والمؤمن والكافر، وأنه لا يتلوا النبي عند فقده إلا من حل محله
~~صدقا، وعدلا، وطهارة، وفضلا.
# وأما الأمانة التي ذكرتها فهي: الأمانة التي لا تجب ولا تجوز أن تكون إلا
~~في الأنبياء وأوصيائهم، لأن الله تبارك وتعالى ائتمنهم على خلقه، وجعلهم
~~حججا في أرضه والسامري ومن أجمع معه وأعانه من الكفار على عبادة العجل عند
~~غيبة موسى ما تم انتحال محل موسى من الطغام، والاحتمال لتلك الأمانة التي
~~لا ينبغي إلا لطاهر من الرجس، ms252 فاحتمل وزرها ووزر من سلك سبيله من الظالمين
~~وأعوانهم ولذلك قال النبي صلى الله عليه وآله: ومن استن سنة حق كان له:
~~أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ولهذا القول من النبي صلى الله
~~عليه وآله شاهد من كتاب الله، وهو: قول الله عز وجل في قصة قابيل قاتل
~~أخيه: " من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو
~~فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيى الناس جميعا
~~" والإحياء في هذا الموضع تأويل في الباطن ليس كظاهره، وهو من هداها، لأن
~~الهداية هي: حياة الأبد، ومن سماه الله حيا لم يمت أبدا، إنما ينقله من دار
~~محنة إلى دار راحة ومنحة.
# وأما ما كان من الخطاب بالانفراد مرة، وبالجمع مرة، من صفة الباري جل
~~ذكره، فإن الله تبارك وتعالى اسمه، على ما وصف به نفسه بالانفراد
~~والوحدانية، هو: النور الأزلي القديم الذي ليس كمثله شئ، لا يتغير، ويحكم
~~ما يشاء ويختار، ولا معقب لحكمه، ولا راد لقضائه، ولا ما خلق زاد في ملكه
~~وعزه ولا نقص منه ما لم يخلقه، وإنما أراد بالخلق إظهار قدرته، وإبداء
~~سلطانه، وتبيين براهين حكمته، فخلق ما شاء كما شاء، وأجري فعل بعض الأشياء
~~على أيدي من اصطفى من أمنائه، وكان فعلهم فعله، وأمرهم أمره، كما قال: "
~~ومن يطع الرسول فقد أطاع الله " وجعل السماء والأرض وعاء لمن يشاء من خلقه،
~~ليميز الخبيث من الطيب، مع سابق علمه بالفريقين من أهلها، وليجعل ذلك مثالا
~~PageV01P374
# لأوليائه وأمنائه، وعرف الخليقة فضل منزلة أوليائه، وفرض عليهم من طاعتهم
~~مثل الذي فرضه منه لنفسه، وألزمهم الحجة بأن خاطبهم خطابا يدل على انفراده
~~وتوحده وبأن له أولياء تجري أفعالهم وأحكامهم مجرى فعله، فهم: " العباد
~~المكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون " " هو الذي (1) أيدهم بروح
~~منه " وعرف الخلق اقتدارهم على علم الغيب بقوله: " عالم الغيب فلا يظهر على
~~غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول " وهم: النعيم الذي يسأل ms253 العباد عنه، لأن
~~الله تبارك وتعالى أنعم بهم على من اتبعهم من أوليائهم.
# قال السائل: من هؤلاء الحجج؟
# قال: هم رسول الله، ومن حل محله من أصفياء الله الذين قرنهم الله بنفسه
~~ورسوله، وفرض على العباد من طاعتهم مثل الذي فرض عليهم منها لنفسه، وهم
~~ولاة الأمر الذين قال الله فيهم: " أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر
~~منكم " وقال فيهم: " ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين
~~يستنبطونه منهم " قال السائل: ما ذاك الأمر؟
# قال علي عليه السلام: الذي به تنزل الملائكة في الليلة التي يفرق فيها كل
~~أمر حكيم، من: خلق، ورزق، وأجل، وعمل، وعمر، وحياة وموت، وعلم غيب السماوات
~~والأرض، والمعجزات التي لا تنبغي إلا لله وأصفيائه والسفرة بينه وبين خلقه،
~~وهم وجه الله الذي قال: فأينما تولوا فثم وجه الله " هم بقية الله يعني
~~المهدي يأتي عند انقضاء هذه النظرة، فيملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما
~~وجورا، ومن آياته: الغيبة والاكتتام، عند عموم الطغيان، وحلول الانتقام،
~~ولو كان هذا الأمر الذي عرفتك بأنه للنبي دون غيره، لكان الخطاب يدل على
~~فعل ماض، غير دائم ولا مستقبل، ولقال: " نزلت الملائكة " " وفرق كل أمر
~~حكيم " ولم يقل: " تنزل الملائكة " ويفرق كل أمر حكيم " وقد زاد جل ذكره في
~~التبيان، وإثبات الحجة، بقوله - في أصفيائه وأوليائه عليهم السلام -: " أن
~~تقول نفس
# PageV01P375
# يا حسرتي على ما فرطت في جنب الله " تعريفا للخليقة قربهم، ألا ترى أنك
~~تقول:
# " فلان إلى جنب فلان " إذا أردت أن تصف قربه منه.
# وإنما جعل الله تبارك وتعالى في كتابه هذه الرموز التي لا يعلمها غيره،
~~وغير أنبيائه وحججه في أرضه، لعلمه بما يحدثه في كتابه المبدلون، من: إسقاط
~~أسماء حججه منه، وتلبيسهم ذلك على الأمة ليعينوهم على باطلهم، فأثبت به
~~الرموز، وأعمى قلوبهم وأبصارهم، لما عليهم في تركها وترك غيرها، من الخطاب
~~الدال على ما أحدثوه فيه، وجعل أهل الكتاب المقيمين به، والعالمين بظاهره
~~وباطنه من:
# شجرة أصلها ثابت وفرعها في السماء ms254 تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، أي: يظهر
~~مثل هذا العلم لمحتمليه في الوقت بعد الوقت، وجعل أعدائها، أهل الشجرة
~~الملعونة الذين حاولوا إطفاء نور الله بأفواههم، فأبي الله إلا أن يتم
~~نوره، ولو علم المنافقون لعنهم الله: ما عليهم من ترك هذه الآيات التي بينت
~~لك تأويلها، لأسقطوها مع ما أسقطوا منه، ولكن الله تبارك اسمه ماض حكمه
~~بإيجاب الحجة على خلقه، كما قال الله تعالى، " فلله الحجة البالغة " أغشى
~~أبصارهم، وجعل على قلوبهم أكنة عن تأمل ذلك، فتركوه بحاله، وحجبوا عن تأكيد
~~الملتبس بإبطاله، فالسعداء ينهون عليه، والأشقياء يعمون عنه، ومن لم يجعل
~~الله له نورا فما له من نور.
# ثم إن الله جل ذكره لسعة رحمته، ورأفته بخلقه، وعلمه بما يحدثه المبدلون
~~من تغيير كتابه، قسم كلامه ثلاثة أقسام، فجعل قسما منه: يعرفه العالم
~~والجاهل وقسما: لا يعرفه إلا من صفى ذهنه، ولطف حسه، وصح تميزه، ممن شرح
~~الله صدره للإسلام، وقسما: لا يعرفه إلا الله، وأمناؤه، والراسخون في
~~العلم، وإنما فعل الله ذلك لئلا يدعي أهل الباطل من المستولين على ميراث
~~رسول الله صلى الله عليه وآله من علم الكتاب ما لم يجعل الله لهم، وليقودهم
~~الاضطرار إلى الايتمار لمن ولاه أمرهم فاستكبروا عن طاعته، تعزرا (1)
~~وافتراء على الله عز وجل، واغترارا بكثرة من ظاهرهم، وعاونهم، وعاند الله
~~عز وجل ورسوله.
# PageV01P376
# فأما ما علمه الجاهل والعالم، فمن فضل رسول الله في كتاب الله، فهو قول
~~الله عز وجل: " من يطع الرسول فقد أطاع الله " وقوله: " إن الله وملائكته
~~يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما " ولهذه
~~الآية ظاهر وباطن فالظاهر قوله: " صلوا عليه " والباطن قوله: " وسلموا
~~تسليما " أي سلموا لمن وصاه واستخلفه، وفضله عليكم، وما عهد به إليه
~~تسليما، وهذا مما أخبرتك: أنه لا يعلم تأويله إلا من لطف حسه، وصفى ذهنه،
~~وصح تمييزه، وكذلك قوله:
# " سلام على آل يس " لأن الله سمى به النبي صلى الله عليه وآله حيث قال: "
~~يس ms255 والقرآن الحكيم * إنك لمن المرسلين " لعلمه بأنهم يسقطون قول الله: سلام
~~على آل محمد كما أسقطوا غيره، وما زال رسول الله صلى الله عليه وآله
~~يتألفهم، ويقربهم، ويجلسهم عن يمينه وشماله، حتى أذن الله عز وجل في
~~إبعادهم بقوله: " واهجرهم هجرا جميلا " وبقوله، " فما للذين كفروا قبلك
~~مهطعين * عن اليمين وعن الشمال عزين * أيطمع كل امرء منهم أن يدخل جنة نعيم
~~* كلا إنا خلقناهم مما يعلمون " وكذلك قول الله عز وجل: " يوم ندعو كل أناس
~~بإمامهم " ولم يسم بأسمائهم. وأسماء آبائهم وأمهاتهم.
# وأما قوله: " كل شئ هالك إلا وجهه " فإنما أنزلت كل شئ هالك إلا دينه،
~~لأنه من المحال أن يهلك منه كل شئ ويبقى الوجه، هو أجل وأكرم وأعظم من ذلك،
~~إنما يهلك من ليس منه، ألا ترى أنه قال: " كل من عليها فان ويبقى وجه ربك
~~ذو الجلال والإكرام " ففصل بين خلقه ووجهه.
# وأما ظهورك على تناكر قوله: " فإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى فأنكحوا
~~ما طاب لكم من النساء " وليس يشبه القسط في اليتامى نكاح النساء. ولا كل
~~النساء أيتام، فهو: مما قدمت ذكره من إسقاط المنافقين من القرآن، وبين
~~القول في اليتامى وبين نكاح النساء من الخطاب والقصص أكثر من ثلث القرآن
~~وهذا وما أشبهه مما ظهرت حوادث المنافقين فيه لأهل النظر والتأمل، ووجد
~~المعطلون وأهل الملل المخالفة للإسلام مساغا إلى القدح في القرآن، ولو شرحت
~~لك كلما أسقط PageV01P377
# وحرف وبدل مما يجري هذا المجري لطال، وظهر ما تخطر التقية إظهاره من
~~مناقب الأولياء، ومثالب الأعداء (1).
# PageV01P378
# وأما قوله: " وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون " فهو تبارك اسمه أجل
~~وأعظم من أن يظلم، ولكن قرن أمناءه على خلقه بنفسه، وعرف الخليقة جلالة
~~قدرهم عنده، وأن ظلمهم ظلمه، بقوله، " وما ظلمونا " ببغضهم أولياءنا ومعونة
~~أعدائهم عليهم " ولكن كانوا أنفسهم يظلمون " إذ حرموها الجنة، وأوجبوا
~~عليها خلود النار.
# وأما قوله: " إنما أعظكم بواحدة " فإن الله جل ذكره نزل عزائم الشرائع
~~وآيات الفرائض، في أوقات مختلفة، كما خلق السماوات ms256 والأرض في ستة أيام، ولو
~~شاء لخلقها في أقل من لمح البصر، ولكنه جعل الأناة والمداراة أمثالا
~~لأمنائه وإيجابا للحجة على خلقه، فكان أول ما قيدهم به: الإقرار بالوحدانية
~~والربوبية والشهادة بأن لا إله إلا الله، فلما أقروا بذلك تلاه بالاقرار
~~لنبيه صلى الله عليه وآله بالنبوة والشهادة له بالرسالة، فلما انقادوا ذلك
~~فرض عليهم الصلاة، ثم الصوم، ثم الحج ثم الجهاد، ثم الزكاة، ثم الصدقات،
~~وما يجري مجراها من مال الفيئ، فقال المنافقون: هل بقي لربك علينا بعد الذي
~~فرضه شئ آخر يفترضه. فتذكره لتسكن أنفسنا إلى أنه لم يبق غيره، فأنزل الله
~~في ذلك: " قل إنما أعظكم بواحدة " يعني: الولاية، وأنزل، " إنما وليكم الله
~~ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون " وليس
~~بين الأمة خلاف أنه لم يؤت الزكاة يومئذ أحد وهو راكع غير رجل، ولو ذكر
~~اسمه في الكتاب لأسقط مع ما أسقط من معناها المحرفون فيبلغ إليك وإلى
~~أمثالك، وعند ذلك قال الله: " اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي
~~ورضيت لكم الإسلام دينا ".
# وأما قوله للنبي: " وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين " وأنك ترى أهل الملل
~~المخالفة للإيمان ومن يجري مجراهم من الكفار مقيمين على كفرهم إلى هذه
~~الغاية PageV01P379
# وأنه لو كان رحمة عليهم لاهتدوا جميعا ونجوا من عذاب السعير، فإن الله
~~تبارك وتعالى إنما عنى بذلك: أنه جعله سببا لأنظار أهل هذه الدار لأن
~~الأنبياء قبله بعثوا بالتصريح لا بالتعريض، وكان النبي صلى الله عليه وآله
~~منهم إذا صدع بأمر الله وأجابه قومه سلموا وسلم أهل دارهم من سائر الخليقة،
~~وإن خالفوه هلكوا وهلك أهل دارهم بالآفة التي كان نبيهم يتوعدهم بها،
~~ويخوفهم حلولها ونزولها بساحتهم، من:
# خسف، أو قذف، أو رجف، أو زلزلة، أو غير ذلك من أصناف العذاب التي هلكت
~~بها الأمم الخالية.
# وأن الله علم من نبينا صلى الله عليه وآله ومن الحجج في الأرض: الصبر على
~~ما لم يطق من تقدمهم من الأنبياء الصبر على مثله، فبعثه، فبعثه ms257 الله
~~بالتعريض لا بالتصريح، وأثبت حجة الله تعريضا لا تصريحا بقوله - في وصيه -:
~~" من كنت مولاه فهذا مولاه ".
# و " هو مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي " وليس من خليقة
~~النبي ولا من النبوة أن يقول قولا لا معنى له، فلزم الأمة أن تعلم: أنه لما
~~كانت النبوة والأخوة موجودتين في خلقة هارون، ومعدومتين فيمن جعله النبي
~~صلى الله عليه وآله بمنزلته أنه قد استخلفه على أمته كما استخلف موسى
~~هارون، حيث قال له:
# " أخلفني في قومي " ولو قال لهم: لا تقلدوا الإمامة إلا فلانا بعينه وإلا
~~نزل بكم العذاب، لأتاهم العذاب وزال باب الإنظار والإمهال.
# وبما أمر بسد باب الجميع وترك بابه، ثم قال: ما سددت ولا تركت ولكني أمرت
~~فأطعت، فقالوا سددت بابنا وتركت لأحدثنا سنا.
# فأما ما ذكروه من حداثة سنه، فإن الله لم يستصغر يوشع بن نون حيث أمر
~~موسى أن يعهد بالوصية إليه، وهو في سن ابن سبع سنين، ولا استصغر يحيى وعيسى
~~لما استودعهما عزائمه وبراهين حكمته، وإنما جعل ذلك جل ذكره لعلمه بعاقبة
~~الأمور، وأن وصيه لا يرجع بعده ضالا ولا كافرا.
# وبأن عمد النبي صلى الله عليه وآله إلى سورة براءة، فدفعها إلى من علم أن
~~الأمة تؤثره على وصيه، وأمره بقرائتها على أهل مكة، فلما ولى من بين يديه
~~أتبعه بوصيه PageV01P380
# وأمر بارتجاعها منه، والنفوذ إلى مكة ليقرأها على أهلها، وقال: " إن الله
~~جل جلاله أوحى إلي أن لا يؤدي عني إلا رجل مني " دلالة منه على خيانة من
~~علم أن الأمة اختارته على وصيه.
# ثم شفع ذلك بضم الرجل الذي ارتجع سورة براءة منه، ومن يوازره في تقدم
~~المحل عند الأمة، إلى علم النفاق " عمرو بن العاص " في غزاة ذات السلاسل،
~~ولاهما عمرو: حرس عسكره.
# وختم أمرهما بأن: ضمهما عند وفاته إلى مولاه أسامة بن زيد، وأمرهما
~~بطاعته، والتصريف بين أمره ونهيه، وكان آخر ما عهد به في أمر أمته قوله:
# " أنفذوا جيش أسامة " يكرر ذلك على ms258 أسماعهم، إيجابا للحجة عليهم في إيثار
~~المنافقين على الصادقين.
# ولو عددت كلما كان من أمر رسول الله صلى الله عليه وآله في إظهار معائب
~~المستولين على تراثه لطال، وأن السابق منهم إلى تقلد ما ليس له بأهل قام
~~هاتفا على المنبر لعجزه عن القيام بأمر الأمة، ومستقيلا (1) مما قلدوه
~~لقصور معرفته على تأويل ما كان يسأل عنه، وجهله بما يأتي ويذر.
# ثم أقام على ظلمه، ولم يرض باحتقاب عظيم الوزر في ذلك حتى عقد الأمر من
~~بعده لغيره، فأتى التالي بتسفيه رأيه، والقدح والطعن على أحكامه، ورفع
~~السيف عمن كان صاحبه وضعه عليه، ورد النساء اللاتي كان سباهن إلى أزواجهن
~~وبعضهن حوامل، (2) وقوله: " قد نهيته عن قتال أهل القبلة فقال لي: إنك لحدب
~~على أهل الكفر وكان هو في ظلمه لهم أولى باسم الكفر منهم ".
# ولم يزل يخطئه، ويظهر الأرزاء عليه، ويقول على المنبر: " كانت بيعة أبي
~~بكر فلتة، وقى الله شرها، فمن دعاكم إلى مثلها فاقتلوه " وكان يقول: قبل
# PageV01P381
# ذلك قولا ظاهرا ليته حسنة من حسناته، ويود أنه كان شعرة في صدره، وغير
~~ذلك من القول المتناقض المؤكد لحجج الدافعين لدين الإسلام.
# وأتى من أمر الشورى وتأكيده بها: عقد الظلم والإلحاد، والغي والفساد، حتى
~~تقرر على إرادته ما لم يخف - على ذي لب موضع ضرره -.
# ولم تطق الأمة الصبر على ما أظهره الثالث من سوء الفعل، فعاجلته بالقتل
~~فاتسع بما جنوه من ذلك لمن وافقهم على ظلمهم وكفرهم ونفاقهم: محاولة مثل ما
~~أتوه من الاستيلاء على أمر الأمة.
# كل ذلك لتتم النظرة التي أوحاها الله تعالى لعدوه إبليس، إلى أن يبلغ
~~الكتاب أجله، ويحق القول على الكافرين، ويقترب الوعد الحق، الذي بينه في
~~كتابه بقوله: " وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات لنستخلفنهم في
~~الأرض كما استخلف الذين من قبلهم " (1) وذلك: إذا لم يبق من الإسلام إلا
~~اسمه ومن القرآن إلا رسمه، وغاب صاحب الأمر بإيضاح الغدر له في ذلك،
~~لاشتمال الفتنة على القلوب حتى يكون أقرب الناس إليه ms259 أشدهم عدواة له.
# وعند ذلك يؤيده الله بجنود لم تروها، ويظهر دين نبيه صلى الله عليه وآله
~~- على يديه - على الدين كله ولو كره المشركون.
# وأما ما ذكرته من الخطاب الدال على تهجين النبي صلى الله عليه وآله،
~~والأرزاء به، والتأنيب له، مع ما أظهره الله تعالى في كتابه من تفضيله إياه
~~على سائر أنبيائه فإن الله عز وجل جعل لكل نبي عدوا من المشركين، كما قال
~~في كتابه، وبحسب جلالة منزلة نبينا صلى الله عليه وآله عند ربه، كذلك عظم
~~محنته لعدوه الذي عاد منه في شقاقه ونفاقه كل أذى ومشقة لدفع نبوته،
~~وتكذيبه إياه، وسعيه في مكارهه، وقصده لنقض كل ما أبرمه، واجتهاده ومن
~~مالأه على كفره، وعناده، ونفاقه، وإلحاده في إبطال دعواه، وتغيير ملته،
~~ومخالفته سنته، ولم ير شيئا أبلغ في تمام كيده من تنفيرهم من موالاة وصيه،
~~وإيحاشهم منه، وصدهم عنه، وإغرائهم بعداوته،
# PageV01P382
# والقصد لتغيير الكتاب الذي جاء به، وإسقاط ما فيه من فضل ذوي الفضل، وكفر
~~ذوي الكفر، منه وممن وافقه على ظلمه، وبغيه، وشركه، ولقد علم الله ذلك منهم
~~فقال: " إن الذين يلحدون في آياتنا لا يخفون علينا " وقال: " يريدون أن
~~يبدلوا كلام الله " ولقد أحضروا الكتاب كملا مشتملا على التأويل، والتنزيل.
# والمحكم، والمتشابه، والناسخ، والمنسوخ، لم يسقط منه: حرف ألف ولا لام،
~~فلما وقفوا على ما بينه الله من: أسماء أهل الحق والباطل، وأن ذلك إن أظهر
~~نقص ما عهدوه قالوا: لا حاجة لنا فيه، نحن مستغنون عنه بما عندنا، وكذلك
~~قال: " فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون ".
# دفعهم الاضطرار بورود المسائل عليهم عما لا يعلمون تأويله، إلى جمعه،
~~وتأليفه، وتضمينه من تلقائهم ما يقيمون به دعائم كفرهم، فصرخ مناديهم: من
~~كان عنده شئ من القرآن فليأتنا به، ووكلوا تأليفه ونظمه إلى بعض من وافقهم
~~على معادات أولياء الله، فألفه على اختيارهم، وما يدل للمتأمل له على
~~اختلال تمييزهم، وافترائهم، وتركوا منه ما قدروا أنه لهم، وهو عليهم،
~~وزادوا ms260 فيه ما ظهر تناكره وتنافره، وعلم الله أن ذلك يظهر ويبين، فقال، "
~~ذلك مبلغهم من العلم " وانكشف لأهل الاستبصار عوارهم، وافترائهم.
# والذي بدا في الكتاب من الازراء على النبي صلى الله عليه وآله من فرقة
~~الملحدين ولذلك قال: " ويقولون منكرا من القول وزورا " ويذكر جل ذكره لنبيه
~~صلى الله عليه وآله ما يحدثه عدوه في كتابه من بعده بقوله: " وما أرسلنا من
~~قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما
~~يلقى الشيطان ثم يحكم الله آياته " يعني: أنه ما من نبي تمنى مفارقة ما
~~يعاينه من نفاق قومه، وعقوقهم، والانتقال عنهم إلى دار الإقامة، إلا ألقى
~~الشيطان المعرض لعداوته عند فقده في الكتاب الذي أنزل عليه، ذمه، والقدح
~~فيه، والطعن عليه، فينسخ الله ذلك من قلوب المؤمنين فلا تقبله، ولا تصغي
~~إليه غير قلوب المنافقين، والجاهلين، ويحكم الله آياته بأن:
# يحمي أوليائه من الضلال والعدوان، ومشايعة أهل الكفر والطغيان، الذين لم
~~يرض PageV01P383
# الله أن يجعلهم كالأنعام حتى قال: " بل هم أضل سبيلا ".
# فافهم هذا واعلمه، واعمل به، واعلم أنك ما قد تركت مما يجب عليك السؤال
~~عنه أكثر مما سألت عنه، وأني قد اقتصرت على تفسير يسير من كثير لعدم حملة
~~العلم، وقلة الراغبين في التماسه، وفي دون ما بينت لك بلاغ لذوي الألباب.
# قال السائل: حسبي ما سمعت يا أمير المؤمنين، شكرا لله لك على استنقاذي من
~~عماية الشرك، وطخية الإفك، وأجزل على ذلك مثوبتك، إنه على كل شئ قدير، وصلى
~~الله أولا وآخرا على أنوار الهدايات، وأعلام البريات، محمد وآله أصحاب
~~الدلالات الواضحات، وسلم تسليما كثيرا.
# عن الأصبغ بن نباتة قال: لما بويع أمير المؤمنين عليه السلام، خرج إلى
~~المسجد متعمما بعمامة رسول الله صلى الله عليه وآله، لابسا بردته، منتعلا
~~بنعل رسول الله، ومتقلدا بسيف رسول الله صلى الله عليه وآله، فصعد المنبر،
~~فجلس متمكنا، ثم شبك بين أصابعه فوضعها أسفل بطنه، ثم قال:
# يا معشر الناس سلوني قبل أن ms261 تفقدوني: وهذا سفط العلم، هذا لعاب رسول الله
~~صلى الله عليه وآله، هذا ما زقني رسول الله زقا زقا، سلوني فإن عندي علم
~~الأولين والآخرين.
# أما والله لو ثنيت لي الوسادة فجلست عليها، لأفتيت أهل التوراة بتوراتهم
~~وأهل الإنجيل بإنجيلهم، وأهل الزبور بزبورهم، وأهل القرآن بقرآنهم، حتى
~~ينطق كل كتاب من كتب الله فيقول: " صدق علي لقد أفتاكم بما أنزل الله في "
~~وأنتم تتلون القرآن ليلا ونهارا فهل فيكم أحد يعلم: ما أنزل الله فيه،
~~ولولا آية في كتاب الله لأخبرتكم: بما كان، وما يكون، وما هو كائن إلى يوم
~~القيامة وهي هذه الآية: " يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب " (1).
# ثم قال: سلوني قبل أن تفقدوني، فوالذي فلق الحبة وبرئ النسمة، لو
~~سألتموني عن: آية آية في ليل نزلت أم في نهار نزلت، مكيها ومدنيها، سفريها
# PageV01P384
# وحضريها، وناسخها ومنسوخها، ومحكمها ومتشابهها، وتأويلها وتنزيلها
~~لأنبأتكم.
# فقام إليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين هل رأيت ربك؟
# فأجابه بما تقدم ذكرنا إياه (1).
# قال: فسلوني قبل أن تفقدوني.
# فقام إليه رجل من أقصي المجلس فقال: يا أمير المؤمنين دلني على عمل
~~ينجيني الله به من النار، ويدخلني الجنة!
# قال: اسمع، ثم افهم، ثم استيقن، قامت الدنيا بثلاث: بعالم ناطق مستعمل
~~لعلمه، وبغني لا يبخل بماله على أهل دين الله، وبفقير صابر.
# فإذا كتم العالم علمه، وبخل الغني بماله، ولم يصبر الفقير على فقره،
~~فعندها الويل والثبور، وكادت الأرض أن ترجع إلى الكفر بعد الإيمان.
# أيها السائل لا تغترن بكثرة المساجد، وجماعة أقوام أجسادهم مجتمعة
~~وقلوبهم متفرقة، فإنما الناس ثلاث: زاهد، وراغب، وصابر.
# أما الزاهد فلا يفرح بالدنيا إذا أتته، ولا يحزن عليها إذا فاتته.
# وأما الصابر فيتمناها بقلبه، فإن أدرك منها شيئا صرف عنها نفسه لعلمه
~~بسوء العاقبة.
# وأما الراغب فلا يبالي من حل أصابها أم من حرام.
# ثم قال: يا أمير المؤمنين فما علامة المؤمن في ذلك الزمان؟
# قال ينظر إلى ولي الله فيتولاه، وإلي عدو الله فيتبرأ منه وإن كان ms262 حميما
~~قريبا.
# قال: صدقت والله يا أمير المؤمنين ثم غاب فلم ير.
# فقال: هذا أخي الخضر عليه السلام تمام الخبر.
# وعن الأصبغ بن نباتة قال: خطبنا أمير المؤمنين عليه السلام على منبر
~~الكوفة فحمد الله وأثني عليه، ثم قال:
# PageV01P385
# أيها الناس سلوني فإن بين جوانحي علما جما.
# فقام إليه ابن الكوا فقال: يا أمير المؤمنين ما الذاريات ذروا؟
# قال: الرياح.
# قال: فما الحاملات وقرا؟
# قال: السحاب.
# قال: فما الجاريات يسرا؟
# قال: السفن.
# قال: فما المقسمات أمرا.
# قال: الملائكة.
# قال: يا أمير المؤمنين وجدت كتاب الله ينقض بعضه بعضا.
# قال: ثكلتك أمك يا بن الكوا كتاب الله يصدق بعضه بعضا، ولا ينقض بعضه
~~بعضا، فسل عما بدا لك.
# قال: يا أمير المؤمنين سمعته يقول: " رب المشارق والمغارب " وقال في آية
~~أخرى: " رب المشرقين ورب المغربين " وقال في آية أخرى: " رب المشرق والمغرب
~~".
# قال: ثكلتك أمك يا بن الكوا، هذا المشرق وهذا المغرب، وأما قوله: رب
~~المشرقين ورب المغربين، فإن مشرق الشتاء على حدة، ومشرق الصيف على حدة أما
~~تعرف ذلك من قرب الشمس وبعدها؟ وأما قوله: رب المشارق والمغارب، فإن لها
~~ثلاثمائة وستين برجا، تطلع كل يوم من برج، وتغيب في آخر، فلا تعود إليه إلا
~~من قابل في ذلك اليوم.
# قال: يا أمير المؤمنين كم بين موضع قدمك إلى عرش ربك؟
# قال: ثكلتك أمك يا بن الكوا سل متعلما، ولا تسأل متعنتا، من موضع قدمي
~~إلى عرش ربي أن يقول قائل مخلصا: " لا إله إلا الله ".
# قال: يا أمير المؤمنين فما ثواب من قال: لا إله إلا الله؟
# قال: من قال لا إله إلا الله مخلصا طمست ذنوبه، كما يطمس الحرف
~~PageV01P386
# الأسود من الرق الأبيض، فإن قال ثانية لا إله إلا الله مخلصا خرقت أبواب
~~السماوات وصفوف الملائكة حتى يقول الملائكة بعضها لبعض: اخشعوا لعظمة الله
~~فإذا قال ثالثة لا إله إلا الله مخلصا، تنته دون العرش، فيقول الجليل: "
~~اسكني فوعزتي وجلالي لأغفرن لقائلك بما كان فيه " ثم تلا هذه ms263 الآية: " إليه
~~يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه " يعني إذا كان عمله صالحا ارتفع
~~قوله وكلامه.
# قال: يا أمير المؤمنين أخبرني عن قوس قزح.
# قال: ثكلتك أمك لا تقل: قوس قزح فإن قزحا اسم شيطان، ولكن قل:
# قوس الله، إذا بدت يبدو الخصب والريف.
# قال: أخبرني يا أمير المؤمنين عن المجرة التي تكون في السماء.
# قال: هي شرج في السماء، وأمان لأهل الأرض من الغرق، ومنه غرق الله قوم
~~نوح بماء منهمر قال: يا أمير المؤمنين أخبرني عن المحو الذي يكون في القمر.
# قال: عليه السلام: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، رجل أعمى يسأل عن
~~مسألة عمياء، أما سمعت الله تعالى يقول: " وجعلنا الليل والنهار آيتين
~~فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة " (1).
# قال: يا أمير المؤمنين أخبرني عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله.
# قال: عن أي أصحاب رسول الله تسألني؟
# قال: يا أمير المؤمنين أخبرني عن أبي ذر الغفاري.
# قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: " ما أظلت الخضراء، ولا
~~أقلت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر ".
# قال: يا أمير المؤمنين فأخبرني عن سلمان الفارسي.
# قال: بخ بخ سلمان منا أهل البيت، ومن لكم بمثل لقمان الحكيم، علم علم
~~الأول والآخر.
# PageV01P387
# قال يا أمير المؤمنين أخبرني عن حذيفة بن اليماني.
# قال: ذاك امرء علم أسماء المنافقين، أن تسألوه عن حدود الله تجدوه بها
~~عالما.
# قال: يا أمير المؤمنين فأخبرني عن عمار بن ياسر.
# قال: ذاك امرء حرم الله لحمه ودمه على النار أن تمس شيئا منها.
# قال: يا أمير المؤمنين فأخبرني عن نفسك.
# قال: كنت إذا سألت أعطيت، وإذا سكت ابتدئت.
# قال: يا أمير المؤمنين أخبرني عن قول الله عز وجل: " قل هل ننبئكم
~~بالأخسرين أعمالا " الآية.
# قال: كفرة أهل الكتاب، اليهود والنصارى، وقد كانوا على الحق فابتدعوا في
~~أديانهم، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا.
# ثم نزل عن المنبر وضرب بيده على منكب ابن الكوا.
# ثم قال: يا بن الكوا وما أهل ms264 النهروان منهم ببعيد.
# فقال: يا أمير المؤمنين ما أريد غيرك، ولا أسأل سواك.
# قال: فرأينا ابن الكوا يوم النهروان فقيل له: ثكلتك أمك، بالأمس تسأل
~~أمير المؤمنين عما سألته، وأنت اليوم تقاتله فرأينا رجلا حمل عليه فطعنه
~~فقتله وعن جعفر بن محمد عن أبيه عن آبائه عليهم السلام عن علي عليه السلام
~~قال: سلوني عن كتاب الله عز وجل، فوالله ما نزلت آية من كتاب الله في ليل
~~ونهار، ولا مسير ولا مقام، إلا وقد أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وآله،
~~وعلمني تأويلها.
# فقام إليه ابن الكوا فقال: يا أمير المؤمنين فما كان ينزل عليه وأنت غائب
~~عنه؟
# قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله ما كان ينزل عليه من القرآن وأنا
~~غائب عنه حتى أقدم عليه، فيقرأنيه ويقول لي: يا علي أنزل الله علي بعدك كذا
~~وكذا، وتأويله كذا وكذا فيعلمني تنزيله وتأويله.
# وجاء في الآثار: أن أمير المؤمنين عليه السلام كان يخطب فقال في خطبته:
~~سلوني قبل أن تفقدوني، فوالله لا تسألوني عن فتنة تضل مائة وتهدي مائة إلا
~~أنبأتكم PageV01P388
# بناعقها، وسائقها إلى يوم القيامة.
# فقام إليه رجل (1) فقال: يا أمير المؤمنين أخبرني كم في رأسي ولحيتي من
~~طاقة شعر.
# فقال أمير المؤمنين عليه السلام: والله لقد حدثني خليلي رسول الله صلى
~~الله عليه وآله بما سألت عنه، وإن على كل طاقة شعر في رأسك ملكا يلعنك،
~~وعلى كل طاقة شعر في لحيتك شيطانا يستفزك، وإن في بيتك لسخلا يقتل ابن رسول
~~الله، ذلك مصداق ما أخبرتك به ولولا أن الذي سألت يعسر برهانه لأخبرتك به،
~~ولكن آية ذلك ما نبأتك به من لعنك، وسخلك الملعون، وكان ابنه في ذلك الوقت
~~صبيا صغيرا يحبو فلما كان من أمر الحسين عليه السلام ما كان تولي قتله،
~~وكان الأمر كما قال أمير المؤمنين عليه السلام.
# * * * احتجاجه (ع) على من قال بالرأي في الشرع والاختلاف في الفتوى وأن
~~يتعرض للحكم بين الناس من ليس لذلك بأهل وذكر الوجه لاختلاف ms265 من أختلف في
~~الدين والرواية عن رسول الله (ص).
# روي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: ترد على أحدهم القضية في حكم
~~من الأحكام فيحكم فيها برأيه، ثم ترد تلك القضية بعينها على غيره فيحكم
~~فيها بخلاف قوله، ثم يجتمع القضاة بذلك عند الإمام الذي استقضاهم فيصوب
~~آرائهم جميعا، وإلههم واحد، ونبيهم واحد، وكتابهم واحد، أفأمرهم الله
~~سبحانه بالاختلاف فأطاعوه، أم نهاهم عنه فعصوه، أم أنزل الله دينا ناقصا
~~فاستعان بهم على إتمامه أم كانوا شركاء له فلهم أن يقولوا وعليه أن يرضى،
~~أم أنزل الله سبحانه دينا تاما فقصر الرسول صلى الله عليه وآله عن تبليغه
~~وأدائه، والله سبحانه يقول: " ما فرطنا في الكتاب من شئ " (2) " وفيه تبيان
~~كل شئ " وذكر أن الكتاب يصدق بعضه
# PageV01P389
# بعضا، وأنه لا اختلاف فيه فقال سبحانه: " ولو كان من عند غير الله لوجدوا
~~فيه اختلافا كثيرا " وأن القرآن ظاهره أنيق، وباطنه عميق، لا تفني عجائبه،
~~ولا تنقي غرائبه، ولا تكشف الظلمات إلا به.
# وروي أنه عليه السلام قال: إن أبغض الخلايق إلى الله تعالى رجلان:
# رجل وكله الله إلى نفسه، فهو جائر عن قصد السبيل، سائر بغير علم ولا
~~دليل، مشعوف بكلام بدعة، (1) ودعاء ضلالة، فهو: فتنة لمن افتتن به، ضال عن
~~هدي من كان قبله، مضل لمن اقتدى به في حياته وبعد وفاته، حمال خطايا غيره،
~~رهن بخطيئته.
# ورجل قمش جهلا، فوضع في جهال الأمة، غار في أغباش الفتنة، قد لهج منها
~~بالصوم والصلاة، عمي في عقد الهدنة، سماه الله: عاريا منسلخا، وسماه أشباه
~~الناس: عالما وليس به، ولما يغن في العلم يوما، سالما بكر فاستكثر من جمع
~~ما قل منه خير مما كثر، حتى إذا ارتوى من آجن، وأكثر من غير طائل جلس بين
~~الناس مفتيا، قاضيا، ضامنا لتلخيص ما التبس على غيره، إن خالف من سبقه: لم
~~يأمن من نقض حكمه من يأتي من بعده، كفعله بمن كان قبله فإن نزلت به إحدى
~~المبهمات هيأ لها حشوا رثا من ms266 رأيه، ثم قطع به فهو من لبس الشبهات في مثل
~~نسج العنكبوت، خباط جهالات، وركاب عشوات، ومفتاح شبهات، فهو لا يدري أصاب
~~الحق أم أخطأ، إن أصاب خاف أن يكون قد أخطأ، وإن أخطأ رجا أن يكون قد أصاب،
~~فهو من رأيه في مثل نسج غزل العنكبوت الذي إذا مرت به النار لم يعلم بها،
~~لم يعض على العلم بضرس قاطع، فيغنم بذري الروايات إذراء الريح الهشيم،
~~لأملي والله بإصدار ما ورد عليه، لا يحسب العلم في شئ مما أنكره، ولا يرى
~~أن من وراء ما ذهب فيه مذهب ناطق ما بلغ منه مذهبا لغيره، وإن قاس شيئا بشئ
~~لم يكذب رأيه، كيلا يقال له: لا يعلم شيئا، وإن خالف قاضيا سبقه لم يؤمن
~~فضيحته حين خالفه، وإن أظلم عليه أمر اكتتم به لما
# PageV01P390
# يعلم من جهل نفسه، تصرخ من جور قضائه الدماء، وتعج منه المواريث، إلى
~~الله أشكو معشرا يعيشون جهالا، ويموتون ضلالا، لا يعتذر مما لا يعلم فيسلم،
~~وتولول منه الفتيا، وتبكي منه المواريث، ويحلل بقضائه الفرج الحرام، ويحرم
~~بقضائه الفرج الحلال، ويأخذ المال من أهله فيدفعه إلى غير أهله.
# وروي أنه صلوات الله عليه قال - بعد ذلك -:
# أيها الناس عليكم بالطاعة والمعرفة بمن لا تعتذرون بجهالته، فإن العلم
~~الذي هبط به آدم وجميع ما فضلت به النبيون إلى خاتم النبيين في عترة نبيكم
~~محمد صلى الله عليه وآله فأنى يتاه بكم؟! بل أين تذهبون؟! يا من نسخ من
~~أصلاب أصحاب السفينة!
# هذه مثلها فيكم فاركبوها، فكما نجى في هاتيك من نجى فكذلك ينجو في هذه من
~~دخلها، أنا رهين بذلك قسما حقا وما أنا من المتكلفين، والويل لمن تخلف ثم
~~الويل لمن تخلف، أما بلغكم ما قال فيكم نبيكم حيث يقول - في حجة الوداع -:
# " إني تارك فيكم الثقلين، ما أن تمسكتم بهما لن تضلوا: كتاب الله وعترتي
~~أهل بيتي، وأنهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض فانظروا كيف تخلفوني فيهما
~~" ألا هذا عذب فرات فاشربوا منه، وهذا ms267 ملح أجاج فاجتنبوا.
# وروي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال - لرأس اليهود -: على كم
~~افترقتم؟
# فقال على كذا وكذا فرقة.
# فقال علي عليه السلام: كذبت ثم أقبل على الناس فقال:
# والله لو ثنيت لي الوسادة: لقضيت بين أهل التوراة بتوراتهم، وبين أهل
~~الإنجيل بإنجيلهم، وبين أهل الزبور بزبورهم، وبين أهل القرآن بقرآنهم.
# افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، سبعون منها في النار وواحدة ناجية
~~في الجنة، وهي: التي اتبعت يوشع بن نون وصي موسى عليه السلام.
# وافترقت النصارى على اثنين وسبعين فرقة، إحدى وسبعون فرقة في النار
~~وواحدة بالجنة، وهي: التي اتبعت شمعون الصفا وصي عيسى عليه السلام.
# وتفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، اثنتان وسبعون فرقة في النار
~~PageV01P391
# وواحدة في الجنة، وهي التي اتبعت وصي محمد صلى الله عليه وآله، وضرب بيده
~~على صدره ثم قال:
# ثلاثة عشر فرقة من الثلاث وسبعين فرقة كلها تنتحل مودتي، وحبي، واحدة
~~منها في الجنة، وهي: النمط الأوسط واثنتا عشرة في النار.
# عن مسعدة بن صدقة، (1) عن جعفر بن محمد عليهما السلام قال: خطب أمير
~~المؤمنين عليه السلام فقال:
# سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: " كيف أنتم إذا لبستم الفتنة،
~~ينشؤ فيها الوليد، ويهرم فيها الكبير، ويجري الناس عليها حتى يتخذونها سنة،
~~فإذا غير منها شئ قيل أتى الناس بمنكر، غيرت السنة، ثم تشتد البلية، وتنشؤ
~~فيها الذرية وتدقهم الفتن كما تدق النار الحطب، وكما تدق الرحا بثقالها،
~~يتفقه الناس لغير الدين، ويتعلمون لغير العمل، ويطلبون الدنيا بعمل الآخرة
~~".
# ثم أقبل أمير المؤمنين عليه السلام ومعه ناس من أهل بيته، وخاص من شيعته،
~~فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على النبي صلى الله عليه وآله ثم
~~قال:
# لقد عمل الولاة قبلي بأمور عظيمة خالفوا فيها رسول الله متعمدين لذلك،
~~ولو حملت الناس على تركها وحولتها إلى مواضعها التي كانت عليها على عهد
~~رسول الله لتفرق عني جندي، حتى أبقى وحدي إلا قليلا من شيعتي، الذين عرفوا
~~فضلي وإمامتي ms268 من كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله، أرأيتم لو أمرت
~~بمقام إبراهيم عليه السلام فرددته إلى المكان الذي وضعه فيه رسول الله،
~~ورددت فدك إلى ورثة فاطمة سلام الله عليها، ورددت صاع رسول الله ومده إلى
~~ما كان، وأمضيت إلى قطايع كان رسول الله صلى الله عليه وآله أقطعها للناس
~~سنين، ورددت دار جعفر بن أبي طالب إلى ورثته، وهدمتها وأخرجتها من المسجد،
~~ورددت الخمس إلى أهله، ورددت قضاء كل من قضى بجور، ورددت سبي ذراري بني
~~تغلب، ورددت ما قسم من أرض
# PageV01P392
# خيبر، ومحوت ديوان العطاء، وأعطيت كما كان يعطي رسول الله صلى الله عليه
~~وآله، ولم أجعلها دولة بين الأغنياء.
# والله لقد أمرت الناس: أن لا يجمعوا في شهر رمضان إلا في فريضة، فنادى
~~بعض أهل عسكري ممن يقاتل وسيفه معي: " أنعى الإسلام وأهله غيرت سنة عمر "
~~ونهى أن يصلى في شهر رمضان في جماعة، حتى خفت أن يثور في ناحية عسكري على
~~ما لقيت، ولقيت هذه الأمة من أئمة الضلالة، والدعاة إلى النار.
# وأعظم من ذلك سهم ذوي القربى، الذي قال الله تبارك وتعالى فيه " واعلموا
~~أنما غنمتم من شئ فإن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين
~~وابن السبيل " (1) وذلك لنا خاصة إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا
~~يوم الفرقان، نحن والله عنى بذوي القربى، الذين قرنهم الله بنفسه ونبيه،
~~ولم يجعل لنا في الصدقة نصيبا، أكرم الله سبحانه وتعالى نبيه وأكرمنا أن
~~يطعمنا أوساخ أيدي الناس.
# فقال له رجل: إني سمعت من سلمان، وأبي ذر، والمقداد، أشياء في تفسير
~~القرآن والرواية عن النبي صلى الله عليه وآله، وسمعت منك تصديق ما سمعت
~~منهم، ورأيت في أيدي الناس أشياء كثيرة في تفسير القرآن والأحاديث عن النبي
~~صلى الله عليه وآله وأنتم تخالفونهم، وتزعمون أن ذلك باطل، فترى الناس
~~يكذبون متعمدين على النبي صلى الله عليه وآله، ويفسرون القرآن بآرائهم؟
# قال: فأقبل علي عليه السلام عليه فقال له: سألت فافهم الجواب: إن في ms269 أيدي
~~الناس حقا وباطلا، وصدقا وكذبا، وناسخا ومنسوخا، وخاصا وعاما، ومحكما
~~ومتشابها، وحفظا ووهما، وقد كذب على رسول الله وهو حي، حتى قام خطيبا فقال:
# " أيها الناس قد كثرت علي الكذابة، فمن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من
~~النار ".
# PageV01P393
# وإنما أتاك بالحديث: أربعة رجال ليس لهم خامس.
# رجل منافق: مظهر للإيمان، متصنع بالإسلام، لا يتأثم، ولا يتحرج، يكذب على
~~رسول الله صلى الله عليه وآله متعمدا، فلو علم الناس: أنه منافق، كاذب، لم
~~يقبلوا منه، ولم يصدقوا قوله، ولكنهم قالوا: " صاحب رسول الله، رآه وسمع
~~منه، ولقف عنه " فيأخذون بقوله، وقد أخبرك الله تعالى عن المنافقين بما
~~أخبرك، ووصفهم بما وصفهم به لك، ثم بقوا بعده صلى الله عليه وآله فتقربوا
~~إلى أئمة الضلالة، والدعاة إلى النار بالزور والبهتان، فولوهم الأعمال،
~~وجعلوهم حكاما على رقاب الناس وأكلوا بهم الدنيا، وإنما الناس مع الملوك
~~والدنيا، إلا من عصم الله تعالى، فهذا أحد الأربعة.
# ورجل: سمع من رسول الله صلى الله عليه وآله شيئا لم يحفظه على وجهه فوهم
~~فيه، ولم يتعمد كذبا فهو في يديه، يرويه، ويعمل به، ويقول: إنما سمعت من
~~رسول الله صلى الله عليه وآله، فلو علم المسلمون أنه وهم فيه، لم يقبلوه
~~منه، ولو علم هو أنه كذلك لرفضه.
# ورجل ثالث: سمع من رسول الله صلى الله عليه وآله شيئا يأمر به، ثم نهى
~~عنه، وهو لا يعلم، أو سمعه نهى عن شئ ثم أمر به وهو لا يعلم، فحفظ المنسوخ،
~~ولم يحفظ الناسخ، فلو علم أنه منسوخ لرفضه، ولو علم المسلمون إذ سمعوه منه
~~أنه منسوخ لرفضوه، وآخر لم يكذب على الله، ولا على رسوله، مبغض للكذب خوفا
~~لله تعالى، وتعظيما لرسول الله صلى الله عليه وآله، ولم يهم به بل حفظ ما
~~سمع على وجهه، فجاء به على ما سمعه، لم يزد فيه ولم ينقص منه، وحفظ الناسخ
~~فعمل به، وحفظ المنسوخ وجنب عنه، وعرف الخاص والعام فوضع كل شئ موضعه، وعرف
~~المتشابه والمحكم.
# وقد ms270 كان يكون من رسول الله صلى الله عليه وآله الكلام له وجهان: فكلام
~~خاص، وكلام عام، فيسمعه من لا يعرف ما عنى الله تعالى به، ولا ما عنى به
~~رسول الله صلى الله عليه وآله فيحمله السامع ويوجهه على غير معرفة بمعناه،
~~ولا ما قصد به، وما خرج من PageV01P394
# أجله، وليس كل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله يسأله ويستفهمه، حتى
~~أن كانوا ليحبون أن يجيء الأعرابي أو الطاري فيسأله صلى الله عليه وآله حتى
~~يسمعوا كلامه، وكان لا يمر بي من ذلك شئ إلا سألته عنه، وحفظته، فهذه وجوه
~~ما عليه الناس في اختلافهم، وعللهم في رواياتهم.
# وعن يحيى الحضرمي (1) قال سمعت عليا عليه السلام يقول:
# كنا جلوسا عند النبي صلى الله عليه وآله وهو نائم ورأسه في حجري.
# قيل لي: ما الدجال؟
# فاستيقظ النبي صلى الله عليه وآله محمر وجهه، فقال: فيما أنتم؟
# فقلت له: يا رسول الله سألوني عن الدجال.
# فقال: لغير الدجال أنا أخوف عليكم من الدجال، الأئمة الضالون المضلون
~~يسفكون دماء عترتي، أنا حرب لمن حاربهم، وسلم لمن سالمهم.
# * * * جواب مسائل الخضر (ع) للحسن بن علي بن أبي طالب (ع) بحضرة أبيه
~~(ع).
# عن أبي هاشم داود بن القاسم الجعفري (2) عن أبي جعفر بن محمد بن علي
~~الثاني عليهم السلام قال:
# PageV01P395
# أقبل أمير المؤمنين ذات يوم ومعه الحسن بن علي عليهما السلام، وسلمان
~~الفارسي " ره " وأمير المؤمنين عليه السلام متكئ على يد سلمان، فدخل المسجد
~~الحرام فجلس، فأقبل رجل حسن الهيئة واللباس فسلم على أمير المؤمنين عليه
~~السلام، فرد عليه السلام فجلس ثم قال:
# يا أمير المؤمنين أسألك عن ثلاث مسائل، إن أخبرتني بهن علمت أن القوم
~~ركبوا من أمرك ما أفضى إليهم أنهم ليسوا بمأمونين في دنياهم ولا في آخرتهم.
# وإن يكن الأخرى علمت أنك وهم شرع سواء.
# فقال أمير المؤمنين عليه السلام: سلني عما بدا لك.
# فقال: أخبرني، عن الرجل إذا نام أين تذهب روحه، وعن الرجل كيف يذكر
~~وينسى، وعن الرجل ms271 كيف يشبه ولده الأعمام والأخوال؟
# فالتفت أمير المؤمنين عليه السلام إلى أبي محمد الحسن بن علي عليه السلام
~~فقال: يا أبا محمد أجبه فقال عليه السلام: PageV01P396
# أما ما سألت عنه من أمر الإنسان إذا نام أين تذهب روحه، فإن: روحه متعلقة
~~بالريح، والريح متعلقة بالهواء إلى وقت ما يتحرك صاحبها لليقظة، فإن أذن
~~الله برد تلك الروح على صاحبها، جذبت تلك الروح الريح، وجذبت تلك الريح
~~الهواء، فرجعت فسكنت في بدن صاحبها، وإن لم يأذن الله عز وجل برد تلك الروح
~~على صاحبها، جذبت الهواء الريح، فجذبت الريح الروح، فلم ترد على صاحبها إلى
~~وقت ما يبعث.
# وأما ما ذكرت من أمر الذكر والنسيان فإن: قلب الرجل في حق، وعلى الحق
~~طبق، فإن صلى الرجل عند ذلك على محمد وآل محمد صلاة تامة، انكشف ذلك الطبق
~~عن ذلك الحق، فأضاء القلب، وذكر الرجل ما كان نسي، وإن لم يصل على محمد وآل
~~محمد، أو نقص من الصلاة عليهم، انطبق ذلك الطبق على ذلك الحق، فأظلم القلب،
~~ونسي الرجل ما كان ذكره.
# وأما ما ذكرت من أمر المولود الذي يشبه أعمامه وأخواله فإن: الرجل إذا
~~أتى أهله فجامعها بقلب ساكن، وعروق هادئة، وبدن غير مضطرب، فأسكنت تلك
~~النطفة جوف الرحم خرج الولد يشبه أبه وأمه، وإن هو أتاها بقلب غير ساكن
~~وعروق غير هادية، وبدن مضطرب، اضطربت النطفة فوقعت في حال اضطرابها على بعض
~~العروق: فإن وقعت على عرق من عروق الأعمام أشبه الولد أعمامه، وإن وقعت على
~~عرق من عروق الأخوال أشبه الولد أخواله.
# فقال الرجل أشهد أن لا إله إلا الله، ولم أزل أشهد بها، وأشهد أن محمدا
~~رسول الله، ولم أزل أشهد بذلك، وأشهد أنك وصي رسول الله القائم بحجته -
~~وأشار إلى أمير المؤمنين عليه السلام - ولم أزل أشهد بها، وأشهد أنك وصيه
~~والقائم بحجته - وأشار إلى الحسن عليه السلام - وأشهد أن الحسين بن علي وصي
~~أبيك والقائم بحجته بعدك، وأشهد على علي بن الحسين أنه القائم بأمر ms272 الحسين
~~بعده، وأشهد على محمد ابن علي عليه السلام أنه القائم بأمر علي بن الحسين
~~بعده، وأشهد على جعفر بن محمد أنه القائم بأمر محمد بن علي بعده، وأشهد على
~~موسى بن جعفر أنه القائم بأمر جعفر بن PageV01P397
# محمد بعده، وأشهد على علي بن موسى الرضا بأنه القائم بأمر موسى بن جعفر
~~بعده وأشهد على محمد بن علي أنه القائم بأمر علي بن موسى، وأشهد على علي بن
~~محمد أنه القائم بأمر محمد بن علي، وأشهد على الحسن بن علي أنه القائم بأمر
~~علي بن محمد، وأشهد على رجل من ولد الحسن بن علي لا يكنى ولا يسمى حتى يظهر
~~أمره فيملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا، والسلام عليك يا أمير
~~المؤمنين ورحمة الله وبركاته.
# ثم قام فمضى. فقال أمير المؤمنين للحسن: يا أبا محمد اتبعه فانظر أين
~~يقصد.
# فخرج في أثره فقال: فما كان إلا أن وضع رجله خارج المسجد فما دريت أين
~~أخذ من أرض الله، فرجعت إلى أمير المؤمنين عليه السلام فأعلمته.
# فقال عليه السلام: يا أبا محمد أتعرفه؟
# قلت، الله ورسوله وأمير المؤمنين أعلم.
# قال: هو الخضر عليه السلام.
# * * * جوابه عن مسائل جاءت من الروم ثم من الشام الجاري مجرى الاحتجاج
~~بحضرة أبيه عليهما السلام.
# روى محمد بن قيس (1) عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر عليهما السلام قال:
# بينا أمير المؤمنين في الرحبة والناس عليه متراكمون، فمن بين مستفتي، ومن
~~بين مستعدي، إذ قام إليه رجل فقال:
# السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته.
# فقال: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته، من أنت؟
# قال: أنا رجل من رعيتك وأهل بلادك.
# PageV01P398
# فقال له: ما أنت برعيتي وأهل بلادي، ولو سلمت علي يوما واحدا ما خفيت
~~علي.
# فقال: الأمان يا أمير المؤمنين.
# فقال: هل أحدثت منذ دخلت مصري هذا؟
# قال: لا.
# قال: فلعلك من رجال الحرب؟
# قال: نعم.
# قال: إذا وضعت الحرب أوزارها فلا بأس.
# قال: أنا رجل بعثني إليك معاوية متغفلا لك، أسألك عن ms273 شئ بعث به ابن
~~الأصفر إليه. وقال له: إن كنت أحق بهذا الأمر والخليفة بعد محمد فأجبني عما
~~أسألك، فإنك إن فعلت ذلك اتبعتك، وبعثت إليك بالجائزة، فلم يكن عنده جواب
~~وقد أقلقه فبعثني إليك لأسألك عنها.
# فقال: أمير المؤمنين عليه السلام: قاتل الله ابن آكلة الأكباد، وما أضله
~~وأعماه ومن معه، حكم الله بيني وبين هذه الأمة، قطعوا رحمي، وأضاعوا أيامي،
~~ودفعوا حقي، وصغروا عظيم منزلتي، وأجمعوا على منازعتي، يا قنبر علي بالحسن،
~~والحسين، ومحمد، فاحضروا.
# فقال: يا شامي هذان ابنا رسول الله، وهذا ابني، فاسأل أيهم أحببت.
# فقال: اسأل ذا الوفرة يعني: الحسن عليه السلام فقال له الحسن عليه
~~السلام: سلني عما بدا لك.
# فقال الشامي: كم بين الحق والباطل؟ وكم بين السماء والأرض؟ وكم بين
~~المشرق والمغرب؟ وما قوس قزح؟ وما العين التي تأوي إليها أرواح المشركين
~~وما العين التي تأوي إليها أرواح المؤمنين؟ وما المؤنث؟ وما عشرة أشياء
~~بعضها أشد من بعض؟
# فقال الحسن عليه السلام: بين الحق والباطل أربع أصابع، فما رأيته بعينك
~~فهو PageV01P399
# الحق، وقد تسمع بأذنيك باطلا كثيرا.
# فقام الشامي: صدقت.
# قال: وبين السماء والأرض دعوة المظلوم، ومد البصر، فمن قال لك غير هذا
~~فكذبه.
# قال: صدقت يا بن رسول الله.
# قال: وبين المشرق والمغرب مسيرة يوم للشمس، تنظر إليها حين تطلع من
~~مشرقها، وتنظر إليها حين تغيب في مغربها.
# قال: صدقت. فما قوس قزح؟
# قال: ويحك لا تقل قوس قزح فإن قزح اسم الشيطان، وهو قوس الله، وهذه علامة
~~الخصب، وأمان لأهل الأرض من الغرق.
# وأما العين التي تأوي إليها أرواح المشركين فهي عين يقال لها: " برهوت "
~~وأما العين التي تأوي إليها أرواح المؤمنين فهي عين يقال لها: " سلمى ".
# وأما المؤنث فهو الذي لا يدرى أذكر أم أنثى فإنه: ينتظر به فإن كان ذكرا
~~احتلم، وإن كان أنثى حاضت، وبدا ثديها، وإلا قيل له: " بل على الحايط " فإن
~~أصاب بوله الحايط فهو ذكر، وإن انتكص بوله كما ينتكص بول البعير فهي امرأة. ms274
# وأما عشرة أشياء بعضها أشد من بعض فأشد شئ خلقه الله الحجر، وأشد من
~~الحجر الحديد يقطع به الحجر، وأشد من الحديد النار تذيب الحديد، وأشد من
~~النار الماء يطفي النار، وأشد من الماء السحاب يحمل الماء، وأشد من السحاب
~~الريح تحمل السحاب، وأشد من الريح الملك الذي يرسلها، وأشد من الملك ملك
~~الموت الذي يميت الملك، وأشد من ملك الموت الموت الذي يميت ملك الموت، وأشد
~~من الموت أمر الله الذي يميت الموت.
# فقال الشامي: أشهد أنك ابن رسول الله حقا، وأن عليا أولى بالأمر من
~~معاوية ثم كتب هذه الجوابات وذهب بها إلى معاوية، فبعثها إلى ابن الأصفر.
~~PageV01P400
# فكتب إليه ابن الأصفر: يا معاوية لم تكلمني بغير كلامك، وتجيبني بغير
~~جوابك، أقسم بالمسيح ما هذا جوابك، وما هو إلا من معدن النبوة، وموضع
~~الرسالة، وأما أنت فلو سألتني درهما ما أعطيتك.
# * * * احتجاج الحسن بن علي بن أبي طالب عليهما السلام على جماعة من
~~المنكرين لفضله وفضل أبيه من قبل بحضرة معاوية.
# روي عن الشعبي وأبي مخنف (1) ويزيد بن أبي حبيب المصري (2) أنهم
# PageV01P401
# قالوا: لم يكن في الإسلام يوم في مشاجرة قوم اجتمعوا في محفل، أكثر ضجيجا
~~ولا أعلى كلاما ولا أشد مبالغة في قول، من يوم اجتمع فيه عند معاوية بن أبي
~~سفيان عمرو بن عثمان بن عفان، وعمرو بن العاص، وعتبة بن أبي سفيان، والوليد
~~ابن عقبة بن أبي معيط، والمغيرة بن أبي شعبة، وقد تواطؤا على أمر واحد.
# فقال عمرو بن العاص: لمعاوية ألا تبعث إلى الحسن بن علي فتحضره، فقد أحيى
~~سنة أبيه، وخفقت النعال خلفه، أمر فأطيع، وقال فصدق، وهذان يرفعان به إلى
~~ما هو أعظم منهما، فلو بعثت إليه فقصرنا به وبأبيه، وسببناه وسببنا أباه،
~~وصغرنا بقدره وقدر أبيه، وقعدنا لذلك حتى صدق لك فيه، فقال لهم معاوية: إني
~~أخاف أن يقلدكم قلايد يبقى عليكم عارها، حتى يدخلكم قبوركم، والله ما رأيته
~~قط إلا كرهت جنابه، وهبت عتابه، وإني إن بعثت إليه لأنصفنه ms275 منكم.
# قال عمرو بن العاص: أتخاف أن يتسامى باطله على حقنا، ومرضه على صحتنا
~~قال: لا قال: فابعث إذا إليه.
# فقال عتبة: هذا رأي لا أعرفه، والله ما تستطيعون أن تلقوه بأكثر ولا أعظم
~~مما في أنفسكم عليه، ولا يلقاكم بأعظم مما في نفسه عليكم، وإنه لأهل بيت
~~خصم جدل، فبعثوا إلى الحسن فلما أتاه الرسول قال له: يدعوك معاوية.
# قال: ومن عنده؟
# قال الرسول: عنده فلان وفلان، وسمى كلا منهم باسمه.
# فقال الحسن عليه السلام: ما لهم خر عليهم السقف من فوقهم، وأتاهم العذاب
~~من حيث لا يشعرون.
# ثم قال: يا جارية أبلغيني ثيابي.
# ثم قال: " اللهم إني أدرأ بك في نحورهم، وأعوذ بك من شرورهم، وأستعين بك
~~عليهم، فاكفنيهم بما شئت، وأنى شئت، من حولك وقوتك، يا أرحم الراحمين "
~~وقال للرسول: هذا كلام الفرج، فلما أتى معاوية رحب به، وحياه وصافحه.
# فقال الحسن عليه السلام: إن الذي حييت به سلامة، والمصافحة أمن.
~~PageV01P402
# فقال معاوية: أجل إن هؤلاء بعثوا إليك وعصوني ليقروك: أن عثمان قتل
~~مظلوما، وأن أباك قتله، فاسمع منهم، ثم أجبهم بمثل ما يكلمونك، فلا يمنعك
~~مكاني من جوابهم.
# فقال الحسن: فسبحان الله البيت بيتك والإذن فيه إليك! والله لئن أجبتهم
~~إلى ما أرادوا إني لأستحيي لك من الفحش، وإن كانوا غلبوك على ما تريد، إني
~~لأستحيي لك من الضعف، فبأيهما تقر، ومن أيهما تعتذر، وأما إني لو علمت
~~بمكانهم واجتماعهم، لجئت بعدتهم من بني هاشم مع أني مع وحدتي هم أوحش مني
~~من جمعهم، فإن الله عز وجل لوليي اليوم وفيما بعد اليوم، فمرهم فليقولوا
~~فأسمع، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
# فتكلم عمرو بن عثمان بن عفان فقال: ما سمعت كاليوم أن بقي من بني عبد
~~المطلب على وجه الأرض من أحد بعد قتل الخليفة عثمان بن عفان، وكان ابن
~~أختهم، والفاضل في الإسلام منزلة، والخاص برسول الله إثرة، فبئس كرامة الله
~~حتى سفكوا دمه اعتداء، وطلبا للفتنة، وحسدا، ونفاسة، وطلب ما ليسوا ms276 بأهلين
~~لذلك، مع سوابقه ومنزلته من الله، ومن رسوله، ومن الإسلام، فيا ذلاه أن
~~يكون حسن وساير بني عبد المطلب قتلة عثمان، أحياء يمشون على مناكب الأرض
~~وعثمان بدمه مضرج، مع أن لنا فيكم تسعة عشر دما بقتلي بني أمية ببدر ثم
~~تكلم عمرو بن العاص: فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أي ابن أبي تراب بعثنا
~~إليك لنقررك أن أباك سم أبا بكر الصديق، واشترك في قتل عمر الفاروق وقتل
~~عثمان ذي النورين مظلوما، وادعى ما ليس له حق، ووقع فيه، وذكر الفتنة،
~~وعيره بشأنها؟
# ثم قال: أنكم يا بني عبد المطلب لم يكن الله ليطيعكم الملك فتركبون فيه
~~ما لا يحل لكم، ثم أنت يا حسن تحدث نفسك بأنك كائن أمير المؤمنين وليس عندك
~~عقل ذلك، ولا رأيه، وكيف وقد سلبته، وتركت أحمق في قريش، وذلك لسوء عمل
~~أبيك، وإنما دعوناك لنسبك وأباك. PageV01P403
# ثم إنك لا تستطيع أن تعيب علينا، ولا أن تكذبنا به، فإن كنت تري أنا
~~كذبناك في شئ، وتقولنا عليك بالباطل، وادعينا عليك خلاف الحق فتكلم، وإلا
~~فاعلم أنك وأباك من شر خلق الله، فأما أبوك فقد كفانا الله قتله وتفرد به،
~~وأما أنت فإنك في أيدينا نتخير فيك، والله أن لو قتلناك ما كان في قتلك إثم
~~عند الله، ولا عيب عند الناس ثم تكلم عتبة بن أبي سفيان، فكان أول ما ابتدأ
~~به أن قال:
# يا حسن إن أباك كان شر قريش لقريش، أقطعه لأرحامها، وأسفكه لدمائها وإنك
~~لمن قتلة عثمان، وإن في ألحق أن نقتلك به، وإن عليك القود في كتاب الله عز
~~وجل، وإنا قاتلوك به، وأما أبوك فقد تفرد الله بقتله فكفانا أمره، وأما
~~رجاؤك الخلافة فلست فيها، لا في قدحة زندك، ولا في رجحة ميزانك.
# ثم تكلم الوليد بن عقبة بن أبي معيط بنحو من كلام أصحابه فقال:
# يا معشر بني هاشم كنتم أول من دب بعيب عثمان وجمع الناس عليه، حتى
~~قتلتموه حرصا على الملك، وقطيعة للرحم، واستهلاك ms277 الأمة، وسفك دمائها، حرصا
~~على الملك، وطلبا للدنيا الخبيثة، وحبا لها، وكان عثمان خالكم، فنعم الخال
~~كان لكم، وكان صهركم، فكان نعم الصهر لكم، قد كنتم أول من حسده وطعن عليه،
~~ثم وليتم قتله، فكيف رأيتم صنع الله بكم.
# ثم تكلم المغيرة بن شعبة: فكان كلامه وقوله كله وقوعا في علي عليه السلام
~~ثم قال:
# يا حسن إن عثمان قتل مظلوما فلن لم يكن لأبيك في دلك عذر برئ، ولا اعتذر
~~مذنب، غير أنا يا حسن قد ظننا لأبيك في ضمه قتلة عثمان، وإيوائه لهم، وذبه
~~عنهم، أنه بقتله راض، وكان والله طويل السيف واللسان، يقتل الحي ويعيب
~~الميت، وبنو أمية خير لبني هاشم من بني هاشم لبني أمية، ومعاوية خير لك يا
~~حسن منك لمعاوية، وقد كان أبوك ناصب رسول الله صلى الله عليه وآله في حياته
~~وأجلب عليه قبل موته، وأراد؟؟ قتله، فعلم ذلك من أمره رسول الله صلى الله
~~عليه وآله ثم كره أن يبايع أبا بكر PageV01P404
# حتى أتي به قودا، ثم دس عليه فسقاه سما فقتله، ثم نازع عمر حتى هم أن
~~يضرب رقبته، فعمد في قتله، ثم طعن على عثمان حتى قتله، كل هؤلاء قد شرك في
~~دمهم فأي منزلة له من الله يا حسن: وقد جعل الله السلطان لولي المقتول في
~~كتابه المنزل فمعاوية ولي المقتول بغير حق، فكان من الحق لو قتلناك وأخاك،
~~والله ما دم علي بأخطر من دم عثمان، وما كان الله ليجمع فيكم فيكم يا بني
~~عبد المطلب الملك والنبوة.
# ثم سكت فتكلم أبو محمد الحسن بن علي عليهما السلام فقال:
# الحمد لله الذي هدى أولكم بأولنا، وآخركم بآخرنا، وصلى الله على جدي محمد
~~النبي وآله وسلم.
# اسمعوا مني مقالتي وأعيروني فهمكم وبك أبدء يا معاوية: إنه لعمر الله يا
~~أزرق ما شتمني غيرك وما هؤلاء شتموني، ولا سبني غيرك وما هؤلاء سبوني ولكن
~~شتمتني، وسببتني، فحشا منك، وسوء رأي، وبغيا، وعدوانا، وحسدا علينا، وعداوة
~~لمحمد صلى الله عليه وآله، ms278 قديما وحديثا، وأنه والله لو كنت أنا وهؤلاء يا
~~أزرق مشاورين في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وحولنا المهاجرون
~~والأنصار ما قدروا أن يتكلموا به، ولا استقبلوني بما استقبلوني به.
# فاسمعوا مني أيها الملأ المجتمعون المتعاونون علي، ولا تكتموا حقا
~~علمتوه، ولا تصدقوا بباطل إن نطقت به، وسأبدأ بك يا معاوية ولا أقول فيك
~~إلا دون ما فيك.
# أنشدكم بالله هل تعلمون أن الرجل الذي شتمتموه صلى القبلتين كلتيهما وأنت
~~تراهما جميعا وأنت في ضلالة تعبد اللات والعزى، وبايع البيعتين كلتيهما
~~بيعة الرضوان وبيعة الفتح، وأنت يا معاوية بالأولى كافر، وبالأخرى ناكث.
# ثم قال: أنشدكم بالله هل تعلمون أن ما أقول حقا، أنه لقيكم مع رسول الله
~~صلى الله عليه وآله يوم بدر ومعه راية النبي صلى الله عليه وآله والمؤمنين،
~~ومعك يا معاوية راية المشركين وأنت تعبد اللات والعزى، وترى حرب رسول الله
~~صلى الله عليه وآله فرضا واجبا، ولقيكم يوم أحد ومعه راية النبي، ومعك يا
~~معاوية راية المشركين، ولقيكم يوم الأحزاب PageV01P405
# ومعه راية رسول الله صلى الله عليه وآله، ومعك يا معاوية راية المشركين،
~~كل ذلك يفلج الله حجته، ويحق دعوته، ويصدق أحدوثته، وينصر رايته، وكل ذلك
~~رسول الله يرى عنه راضيا في المواطن كلها ساخطا عليك.
# ثم أنشدكم بالله هل تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وآله حاصر بني
~~قريضة وبني النظير، ثم بعث عمر بن الخطاب ومعه راية المهاجرين، وسعد بن
~~معاذ ومعه راية الأنصار فأما سعد بن معاذ فجرح وحمل جريحا، وأما عمر فرجع
~~هاربا وهو يجبن ويجبن أصحابه ويجبنه أصحابه، فقال رسول الله صلى الله عليه
~~وآله: " لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، كرار
~~غير فرار، ثم لا يرجع حتى يفتح الله عليه يديه " فتعرض لها أبو بكر وعمر،
~~وغيرهما من المهاجرين والأنصار وعلي يومئذ أرمد شديد الرمد، فدعاه رسول
~~الله صلى الله عليه وآله فتفل في عينيه فبرأ من رمده، وأعطاه الراية فمضى
~~ولم يثن ms279 حتى فتح الله عليه بمنه وطوله، وأنت يومئذ بمكة عدو لله ولرسوله.
~~فهل يستوي بين رجل نصح لله ولرسوله، ورجل عادى الله ورسوله ثم أقسم بالله
~~ما أسلم قلبك بعد، ولكن اللسان خائف فهو يتكلم بما ليس في القلب.
# أنشدكم بالله أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وآله استخلفه على
~~المدينة في غزاة تبوك ولا سخط ذلك ولا كراهة، وتكلم فيه المنافقون فقال: لا
~~تخلفني يا رسول الله فإني لم أتخلف عنك في غزوة قط، فقال رسول الله صلى
~~الله عليه وآله: أنت وصيي وخليفتي في أهلي بمنزلة هارون من موسى ثم أخذ بيد
~~علي عليه السلام فقال: أيها الناس من تولاني فقد تولى الله، ومن تولى عليا
~~فقد تولاني، ومن أطاعني فقد أطاع الله، ومن أطاع عليا فقد أطاعني، ومن
~~أحبني فقد أحب الله، ومن أحب عليا فقد أحبني.
# ثم قال: أنشدكم بالله أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال في
~~حجة الوداع: أيها الناس إني قد تركت فيكم ما لم تضلوا بعده: كتاب الله
~~وعترتي أهل بيتي فأحلوا حلاله، وحرموا حرامه، واعملوا بمحكمه، وآمنوا
~~بمتشابهه، وقولوا: آمنا PageV01P406
# بما أنزل الله من الكتاب، وأحبوا أهل بيتي وعترتي، ووالوا من والاهم،
~~وانصروهم على من عاداهم، وأنهما لن يزالا فيكم حتى يردا علي الحوض يوم
~~القيامة.
# ثم دعا وهو على المنبر عليا فاجتذبه بيده فقال: اللهم وال من والاه، وعاد
~~من عاداه، اللهم من عادى عليا فلا تجعل له في الأرض مقعدا، ولا في السماء
~~مصعدا، واجعله في أسفل درك من النار؟
# وأنشدكم بالله أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال له: أنت
~~الذائد عن حوضي يوم القيامة تذود عنه كما يذود أحدكم الغريبة من وسط إبله؟
# أنشدكم بالله أتعلمون أنه دخل على رسول الله صلى الله عليه وآله في مرضه
~~الذي توفي فيه فبكى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال علي:
# ما يبكيك يا رسول الله؟
# فقال: يبكيني أني أعلم: أن لك في قلوب ms280 رجال من أمتي ضغائن، لا يبدونها لك
~~حتى أتولى عنك؟
# أنشدكم بالله أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وآله حين حضرته الوفاة
~~واجتمع عليه أهل بيته قال: " اللهم هؤلاء أهل بيتي وعترتي، اللهم وال من
~~ولاهم وعاد من عاداهم " وقال: " إنما مثل أهل بيتي فيكم كسفينة نوح، من دخل
~~فيها نجى، ومن تخلف عنها غرق؟
# وأنشدكم بالله أتعلمون: أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله قد سلموا
~~عليه بالولاية في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وحياته؟
# أنشدكم بالله أتعلمون أن عليا أول من حرم الشهوات كلها على نفسه من أصحاب
~~رسول الله، فأنزل الله عز وجل: " يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما
~~أحل لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين * وكلوا مما رزقكم الله حلالا
~~طيبا واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون " (1) وكان عندهم علم المنايا، وعلم
~~القضايا، وفصل الكتاب، ورسوخ العلم، ومنزل القرآن، وكان رهط لا نعلمهم
~~يتممون عشرة،
# PageV01P407
# نبأهم الله أنهم مؤمنون، وأنتم في رهط قريب من عدة أولئك لعنوا على لسان
~~رسول الله صلى الله عليه وآله، فأشهد لكم وأشهد عليكم: أنكم لعناء الله على
~~لسان نبيه كلكم وأنشدكم بالله هل تعلمون: أن رسول الله صلى الله عليه وآله
~~بعث إليك لتكتب له لبني خزيمة حين أصابهم خالد بن الوليد فانصرف إليه
~~الرسول فقال: " هو يأكل " فأعاد الرسول إليك ثلاث مرات كل ذلك ينصرف الرسول
~~إليه ويقول " هو يأكل " فقال رسول الله " اللهم لا تشبع بطنه " فهي والله
~~في نهمتك، وأكلك إلى يوم القيامة ثم قال: أنشدكم بالله هل تعلمون أن ما
~~أقول حقا إنك يا معاوية كنت تسوق بأبيك على جمل أحمر يقوده أخوك هذا
~~القاعد، وهذا: يوم الأحزاب، فلعن رسول الله القائد والراكب والسائق، فكان:
~~أبوك الراكب، وأنت يا أزرق السائق، وأخوك هذا القاعد القائد؟
# أنشدكم بالله هل تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وآله لعن أبا سفيان
~~في سبعة مواطن أولهن: حين خرج من مكة إلى ms281 المدينة وأبو سفيان جاء من الشام،
~~فوقع فيه أبو سفيان فسبه، وأوعده، وهم أن يبطش به، ثم صرفه الله عز وجل
~~عنه.
# والثانية: يوم العير حيث طردها أبو سفيان ليحرزها من رسول الله.
# والثالثة: يوم أحد قال رسول الله: الله مولانا ولا مولى لكم، وقال أبو
~~سفيان لنا العزى ولا عزى لكم، فلعنه الله، وملائكته، ورسله، والمؤمنون
~~أجمعون.
# والرابعة يوم حنين: يوم جاء أبو سفيان يجمع قريش وهوازن، وجاء عينية
~~بغطفان واليهود، فردهم الله بغيظهم لم ينالوا خيرا، هذا: قول الله عز وجل
~~أنزل في سورتين في كلتيهما يسمي أبا سفيان وأصحابه كفارا، وأنت يا معاوية
~~يومئذ مشرك على رأي أبيك بمكة، وعلي يومئذ مع رسول الله صلى الله عليه وآله
~~وعلى رأيه ودينه.
# والخامسة: قول الله عز وجل: " والهدي معكوفا أن يبلغ محله " (1) وصددت
~~أنت وأبوك ومشركو قريش رسول الله، فلعنه الله لعنة شملته وذريته إلى يوم
~~القيامة.
# PageV01P408
# والسادسة: يوم الأحزاب يوم جاء أبو سفيان بجمع قريش، وجاء عينية بن حصين
~~بن بدر بغطفان، فلعن رسول الله القادة والأتباع، والساقة إلى يوم القيامة.
# فقيل: يا رسول الله أما في الأتباع مؤمن؟
# قال: لا تعيب اللعنة مؤمنا من الأتباع، أما القادة فليس فيهم مؤمن، ولا
~~مجيب، ولا ناج.
# والسابعة: يوم الثنية، يوم شد على رسول الله صلى الله عليه وآله اثنا عشر
~~رجلا، سبعة منهم من بني أمية، وخمسة من سائر قريش، فلعن الله تبارك وتعالى
~~ورسول الله من حل الثنية غير النبي صلى الله عليه وآله وسائقه وقائده.
# ثم أنشدكم بالله هل تعلمون أن أبا سفيان دخل على عثمان حين بويع في مسجد
~~رسول الله صلى الله عليه وآله فقال:
# يا بن أخي هل علينا من عين؟
# فقال: لا.
# فقال أبو سفيان: تداولوا الخلافة يا فتيان بني أمية فوالذي نفس أبي سفيان
~~بيده، ما من جنة ولا نار.
# وأنشدكم بالله أتعلمون أن أبا سفيان أخذ بيد الحسين حين بويع عثمان وقال:
~~يا بن أخي أخرج معي إلى بقيع الغرقد، ms282 فخرج حتى إذا توسط القبور اجتره فصاح
~~بأعلى صوته:
# يا أهل القبور! الذي كنتم تقاتلونا عليه صار بأيدينا وأنتم رميم.
# فقال الحسين بن علي عليه السلام: قبح الله شيبتك، وقبح وجهك، ثم نتر يده
~~وتركة، فلو لا النعمان بن بشير أخذ بيده ورده إلى المدينة لهلك.
# فهذا لك يا معاوية فهل تستطيع أن ترد علينا شيئا.
# ومن لعنتك يا معاوية إن أباك أبا سفيان كان يهم أن يسلم، فبعثت إليه بشعر
~~معروف مروي في قريش وغيرهم، تنهاه عن الإسلام وتصده.
# ومنها أن عمر بن الخطاب ولاك الشام فخنت به، وولاك عثمان فتربصت به
~~PageV01P409
# ريب المنون، ثم أعظم من ذلك جرأتك على الله ورسوله: أنك قاتلت عليا عليه
~~السلام وقد عرفته وعرفت سوابقه، وفضله وعلمه على أمر هو أولى به منك، ومن
~~غيرك عند الله وعند الناس، ولأذيته بل أوطأت الناس عشوة، وأرقت دماء خلق من
~~خلق الله بخدعك وكيدك وتمويهك، فعل من لا يؤمن بالمعاد، ولا يخشى العقاب،
~~فلما بلغ الكتاب أجله صرت إلى شر مثوى، وعلي إلى خير منقلب، والله لك
~~بالمرصاد.
# فهذا لك يا معاوية خاصة، وما أمسكت عنه من مساويك وعيوبك فقد كرهت به
~~التطويل.
# وأما أنت يا عمرو بن عثمان فلم تكن للجواب حقيقا بحمقك، أن تتبع هذه
~~الأمور فإنما مثلك مثل البعوضة إذ قالت للنخلة: استمسكي فإني أريد أن أنزل
~~عنك، فقالت لها النخلة: ما شعرت بوقوعك، فكيف يشق علي نزولك. وإني والله ما
~~شعرت أنك تجسر أن تعادي لي فيشق علي ذلك، وإني لمجيبك في الذي قلت: إن سبك
~~عليا عليه السلام أينقص في حسبه، أو يباعده من رسول الله، أو بسوء بلائه في
~~الإسلام، أو بجور في حكم أو رغبة في الدنيا؟ فإن قلت واحدة منها فقد كذبت.
# وأما قولك: إن لكم فينا تسعة عشر دما بقتلى مشركي بني أمية ببدر، فإن
~~الله ورسوله قتلهم، ولعمري لتقتلن من بني هاشم تسعة عشر وثلاثة بعد تسعة
~~عشر ثم يقتل من نبي أمية تسعة عشر ms283 وتسعة عشر في موطن واحد سوى ما قتل من
~~بني أمية لا يحصي عددهم إلا الله، وأن رسول الله صلى الله عليه وآله قال:
~~إذا بلغ ولد الوزغ ثلاثين رجلا: أخذوا مال الله بينهم دولا، وعباده خولا،
~~وكتابه دغلا، فإذا بلغوا ثلاثمائة وعشر حقت اللعنة عليهم ولهم، فإذا بلغوا
~~أربعمائة وخمسة وسبعين كان هلاكهم أسرع من لوك تمرة، فأقبل الحكم بن أبي
~~العاص وهم في ذلك الذكر والكلام فقال رسول الله: أخفضوا أصواتكم فإن الوزغ
~~يسمع، وذلك حين رآهم رسول الله صلى الله عليه وآله ومن يملك بعده منهم أمر
~~هذه الأمة - يعني في المنام - فساءه ذلك وشق عليه، فأنزل الله عز وجل في
~~كتابه، " وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة PageV01P410
# للناس والشجرة الملعونة في القرآن " (1) يعني: بني أمية، وأنزل أيضا "
~~ليلة القدر خير من ألف شهر " فأشهد لكم، وأشهد عليكم، ما سلطانكم بعد قتل
~~علي إلا ألف شهر التي أجلها الله عز وجل في كتابه.
# وأما أنت يا عمرو بن العاص الشاني اللعين الأبتر، فإنما أنت كلب أول
~~أمرك، أن أمك بغية، وأنك ولدت على فراش مشترك، فتحاكمت فيك رجال قريش منهم
~~أبو سفيان بن الحرب، والوليد بن المغيرة، وعثمان بن الحرث، والنضر بن الحرث
~~بن كلدة، والعاص بن وايل، كلهم يزعم أنك ابنه، فغلبهم عليك من بين قريش
~~ألأمهم حسبا، وأخبثهم منصبا، وأعظمهم بغية، ثم قمت خطيبا وقلت: أنا شاني
~~محمد، وقال العاص بن وايل: إن محمدا رجل أبتر لا ولد له، فلو قد مات انقطع
~~ذكره، فأنزل الله تبارك وتعالى: " إن شانئك هو الأبتر " وكانت أمك تمشي إلى
~~عبد قيس تطلب البغية، تأتيهم في دورهم ورجالهم وبطون أوديتهم ثم كنت في كل
~~مشهد يشهده رسول الله من عدوه أشدهم له عداوة، وأشدهم له تكذيبا ثم كنت في
~~أصحاب السفينة: الذين أتوا النجاشي والمهجر الخارج إلى الحبشة في الإشاطة
~~بدم جعفر بن أبي طالب وساير المهاجرين إلى النجاشي، فحاق المكر السئ بك،
~~وجعل جدك الأسفل، وأبطل أمنيتك، ms284 وخيب سعيك، وأكذب أحدوثتك، وجعل كلمة الذين
~~كفروا السفلى، وكلمة الله هي العليا.
# وأما قولك في عثمان، فأنت يا قليل الحياء والدين الهبت عليه نارا، ثم
~~هربت إلى فلسطين تتربص به الدوائر، فلما أتاك خبر قتله حبست نفسك على
~~معاوية، فبعته دينك يا خبيث بدنيا غيرك، ولسنا نلومك على بغضنا، ولم نعاتبك
~~على حبنا، وأنت عدو لبني هاشم في الجاهلية والإسلام، وقد هجوت رسول الله
~~صلى الله عليه وآله بسبعين بيتا من شعر، فقال رسول الله: " اللهم إني لا
~~أحسن الشعر، ولا ينبغي لي أن أقوله فالعن عمرو بن العاص بكل بيت ألف لعنة "
~~ثم أنت يا عمرو المؤثر دنياك على دينك أهديت إلى النجاشي الهدايا، ورحلت
~~إليه رحلتك الثانية، ولم تنهك الأولى عن
# PageV01P411
# الثانية، كل ذلك ترجع مغلوبا، حسيرا، تريد بذلك هذاك جعفر وأصحابه، فلما
~~أخطأك ما رجوت وأملت أحلت على صاحبك عمارة بن الوليد.
# وأما أنت يا وليد بن عقبة فوالله ما ألومك أن تبغض عليا وقد جلدك في
~~الخمر ثمانين جلدة، وقتل أباك صبرا بيده يوم بدر، أم كيف تسبه وقد سماه
~~الله مؤمنا في عشرة آيات من القرآن، وسماك فاسقا، وهو قول الله عز وجل: "
~~أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستون " (1) وقوله: " إن جاءكم فاسق بنبأ
~~فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين " (2) وما أنت
~~وذكر قريش وإنما أنت ابن علج من أهل صفورية اسمه: " ذكوان " وأما زعمك أنا
~~قتلنا عثمان فوالله ما استطاع طلحة، والزبير، وعائشة، أن يقولوا ذلك لعلي
~~بن أبي طالب فكيف تقوله أنت، ولو سألت أمك من أبوك إذ تركت ذكوان فألصقتك
~~بعقبة بن أبي معيط، اكتسبت بذلك عند نفسها سناء ورفعة، مع ما أعد الله لك
~~ولأبيك ولأمك من العار والخزي في الدنيا والآخرة، وما الله بظلام للعبيد.
# ثم أنت يا وليد والله أكبر في الميلاد ممن تدعى له، فكيف تسب عليا ولو
~~اشتغلت بنفسك لتثبت نسبك إلى أبيك لا إلى من تدعى له، ولقد قالت ms285 لذلك أمك "
~~يا بني أبوك والله ألأم وأخبث من عقبة ".
# وأما أنت يا عتبة بن أبي سفيان: فوالله ما أنت بحصيف فأجاوبك، ولا عاقل
~~فأعاقبك، وما عندك خير يرجى، وما كنت ولو سببت عليا لأعير به عليك، لأنك
~~عندي لست بكفو لعبد علي بن أبي طالب فأرد عليك، وأعاتبك، ولكن الله عز وجل
~~لك ولأبيك وأمك وأخيك لبالمرصاد، فأنت ذرية آبائك الذين ذكرهم الله في
~~القرآن فقال: " عاملة ناصبة * تصلى نارا حامية * تسقى من عين آنية * - إلى
~~قوله - من جوع " (3).
# وأما وعيدك إياي أن تقتلني، فهلا قتلت الذي وجدته على فراشك مع
# PageV01P412
# حليلتك، وقد غلبك على فرجها وشركك في ولدها حتى الصق بك ولدا ليس لك ويلا
~~لك لو شغلت نفسك بطلب ثارك منه كنت جديرا، ولذلك حريا، إذ تسومني القتل
~~وتوعدني به، ولا ألومك أن تسب عليا وقد قتل أخاك مبارزة، واشترك هو وحمزة
~~بن عبد المطلب في قتل جدك حتى أصلاهما الله على أيديهما نار جهنم وأذاقهما
~~العذاب الأليم، ونفى عمك بأمر رسول الله.
# وأما رجائي الخلافة، فلعمر الله إن رجوتها فإن لي فيها لملتمسا، وما أنت
~~بنظير أخيك، ولا بخليفة أبيك، لأن أخاك أكثر تمردا على الله، وأشد طلبا
~~لإهراقه دماء المسلمين، وطلب ما ليس له بأهل، يخادع الناس ويمكرهم، ويمكر
~~الله والله خير الماكرين.
# وأما قولك: " إن عليا كان شر قريش لقريش " فوالله ما حقر مرحوما ولا قتل
~~مظلوما.
# وأما أنت يا مغيرة بن شعبة! فإنك لله عدو، ولكتابه نابذ، ولنبيه مكذب
~~وأنت الزاني وقد وجب عليك الرجم، وشهد عليك العدول البررة الأتقياء، فأخر
~~رجمك، ودفع الحق بالأباطيل، والصدق بالأغاليط (1) وذلك لما أعد الله لك
# PageV01P413
# من العذاب الأليم، والخزي في الحياة الدنيا، ولعذاب الآخرة أخزى، وأنت
~~الذي ضربت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله حتى أدميتها وألقت ما في
~~بطنها، استدلالا منك لرسول الله صلى الله عليه وآله ومخالفة منك لأمره،
~~وانتهاكا لحرمته وقد قال لها رسول الله صلى الله عليه وآله: " يا فاطمة ms286 أنت
~~سيدة نساء أهل الجنة " والله مصيرك إلى النار، وجاعل وبال ما نطقت به عليك،
~~فبأي الثلاثة سببت عليا، أنقصا في نسبه، أم بعدا من رسول الله، أم سوء بلاء
~~في الإسلام، أم جورا في حكم، أم رغبة في الدنيا؟! إن قلت بها فقد كذبت
~~وكذبك الناس، أتزعم أن عليا عليه السلام قتل عثمان مظلوما؟!
# فعلي والله أتقى وأنقى من لائمه في ذلك، ولعمري لئن كان علي قتل عثمان
~~مظلوما فوالله ما أنت من ذلك في شئ، فما نصرته حيا ولا تعصبت له ميتا، وما
~~زالت الطائف دارك تتبع البغايا، وتحيي أمر الجاهلية، وتميت الإسلام، حتى
~~كان ما كان في أمس.
# وأما اعتراضك في بني هاشم وبني أمية فهو ادعاءك إلى معاوية.
# وأما قولك في شأن الإمارة وقول أصحابك في الملك الذي ملكتموه، فقد ملك
~~فرعون مصر أربعمائة سنة، وموسى وهارون نبيان مرسلان عليهما السلام يلقيان
~~ما يلقيان من الأذى، وهو ملك الله يعطيه البر والفاجر، وقال الله: " وإن
~~أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين " وقال: " وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا
~~مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا ". PageV01P414
# ثم قام الحسن فنفض ثيابه وهو يقول: " الخبيثات للخبيثين والخبيثون
~~للخبيثات " هم والله يا معاوية: أنت وأصحابك هؤلاء وشيعتك، " والطيبون
~~للطيبات - أولئك مبرؤون مما يقولون لهم مغفرة ورزق كريم " ثم: علي بن أبي
~~طالب عليه السلام وأصحابه وشيعته.
# ثم خرج وهو يقول لمعاوية: ذق وبال ما كسبت يداك وما جنت، ما قد أعد الله
~~لك ولهم من الخزي في الحياة الدنيا والعذاب الأليم في الآخرة.
# فقال معاوية لأصحابه: وأنتم فذوقوا وبال ما جنيتم.
# فقال الوليد بن عقبة: والله ما ذقنا إلا كما ذقت، ولا اجترأ إلا عليك.
# فقال معاوية: ألم أقل لكم إنكم لن تنتقصوا من الرجل فهلا أطعتموني أول
~~مرة فانتصرتم من الرجل إذ فضحكم، فوالله ما قام حتى أظلم علي البيت، وهممت
~~أن أسطو به فليس فيكم خير اليوم ولا بعد اليوم.
# قال: وسمع مروان بن الحكم ms287 بما لقي معاوية وأصحابه المذكورون من الحسن بن
~~علي عليهما السلام، فأتاهم فوجدهم عند معاوية في البيت فسألهم:
# ما الذي بلغني عن الحسن وزعله؟
# قالوا: قد كان كذلك.
# فقال لهم مروان: أفلا أحضرتموني ذلك. فوالله لأسبنه ولأسبن أباه وأهل
~~البيت سبا تتغنى به الإماء والعبيد.
# فقال معاوية والقوم: لم يفتك شئ وهم يعلمون من مروان بذو لسان وفحش فقال
~~مروان: فأرسل إليه يا معاوية فأرسل معاوية إلى الحسن بن علي.
# فلما جاء الرسول قال له الحسن عليه السلام ما يريد هذا الطاغية مني؟
~~والله إن أعاد الكلام لأوقرن مسامعه ما يبقى عليه عاره وشناره إلى يوم
~~القيامة، فأقبل الحسن فلما جائهم وجدهم بالمجلس على حالتهم التي تركهم
~~فيها، غير أن مروان قد حضر معهم في هذا الوقت، فمشى الحسن عليه السلام حتى
~~جلس على السرير مع معاوية وعمرو بن العاص. PageV01P415
# ثم قال الحسن لمعاوية: لم أرسلت إلي؟
# قال: لست أنا أرسلت إليك ولكن مروان الذي أرسل إليك.
# فقال مروان: أنت يا حسن السباب لرجال قريش؟
# فقال له الحسن: وما الذي أردت؟
# فقال مروان: والله لأسبنك وأباك وأهل بيتك سبا تتغنى به الإماء والعبيد.
# فقال الحسن عليه السلام: أما أنت يا مروان فلست أنا سببتك ولا سببت أباك،
~~ولكن الله عز وجل لعنك ولعن أباك، وأهل بيتك، وذريتك، وما خرج من صلب أبيك
~~إلى يوم القيامة، على لسان نبيه محمد والله يا مروان ما تنكر أنت ولا أحد
~~ممن حضر هذه اللعنة من رسول الله صلى الله عليه وآله لك ولأبيك من قبلك،
~~وما زادك الله يا مروان بما خوفك إلا طغيانا كبيرا، وصدق الله وصدق رسوله
~~يقول الله تبارك وتعالى:
# " والشجرة الملعونة في القرآن ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا "
~~وأنت يا مروان وذريتك الشجرة الملعونة في القرآن، وذلك عن رسول الله صلى
~~الله عليه وآله عن جبرئيل عن الله عز وجل.
# فوثب معاوية فوضع يده على فم الحسن وقال: يا أبا محمد ما كنت فحاشا ولا
~~طياشا، فنفض الحسن ms288 عليه السلام ثوبه، وقام فخرج، فتفرق القوم عن المجلس
~~بغيظ، وحزن، وسواد الوجوه في الدنيا والآخرة.
# * * * مفاخرة الحسن بن علي صلوات الله عليهما على معاوية ومروان بن الحكم
~~والمغيرة بن شعبة والوليد بن عقبة وعتبة بن أبي سفيان.
# قيل: وفد الحسن بن علي عليهما السلام على معاوية فحضر مجلسه، وإذا عنده
~~هؤلاء القوم، ففخر كل رجل منهم على بني هاشم، ووضعوا منهم، وذكروا أشياء
~~ساءت الحسن بن علي وبلغت منه.
# فقال الحسن بن علي عليه السلام: أنا شعبة من خير الشعب، وآبائي أكرم
~~العرب، لنا الفخر والنسب، والسماحة عند الحسب ونحن من خير شجرة، أنبتت
~~PageV01P416
# فروعا نامية، وأثمارا زاكية، وأبدانا قائمة، فيها أصل الإسلام، وعلم
~~النبوة، فعلونا حين شمخ بنا الفخر، واستطلنا حين امتنع بنا العز، ونحن بحور
~~زاخرة لا تنزف، وجبال شامخة لا تقهر.
# فقال مروان بن الحكم: مدحت نفسك، وشمخت بأنفك، هيهات هيهات يا حسن، نحن
~~والله الملوك السادة، والأعزة القادة، لا تبجحن فليس لك عز مثل عزنا، ولا
~~فخر كفخرنا، ثم أنشأ يقول:
# شفينا أنفسا طابت وقورا * فنالت عزها فيمن يلينا فابنا بالغنيمة حيث ابنا
~~* وابنا بالملوك مقرنينا ثم تكلم مغيرة بن شعبة فقال: نصحت لأبيك فلم يقبل
~~النصح، ولولا كراهية قطع القرابة لكنت في جملة أهل الشام، فكان يعلم أبوك
~~أني أصدر الوارد عن مناهلها، بزعارة قيس، وحلم ثقيف، وتجاربها للأمور على
~~القبائل.
# فتكلم الحسن عليه السلام فقال: يا مروان أجبنا، وخورا، وضعفا، وعجزا، زعم
~~أني مدحت نفسي، وأنا ابن رسول الله، وشمخت بأنفي وأنا سيد شباب أهل الجنة
~~وإنما يبذخ ويتكبر ويلك من يريد رفع نفسه، ويتبجح من يريد الاستطالة، فأما
~~نحن فأهل بيت الرحمة، ومعدن الكرامة، وموضع الخيرة، وكنز الإيمان، ورمح
~~الإسلام، وسيف الدين، ألا تصمت ثكلتك أمك قبل أن أرميك بالهوائل، وأسمك
~~بميسم تستغني به عن اسمك، فأما إيابك بالنهاب والملوك أفي اليوم الذي وليت
~~فيه مهزوما، وانخجرت مذعورا، فكانت غنيمتك هزيمتك، وغدرك بطلحة حين غدرت به
~~فقتلته، قبحا لك ما أغلظ جلدة ms289 وجهك.
# فنكس مروان رأسه، وبقي مغيرة مبهوتا، فالتفت إليه الحسن عليه السلام
~~فقال:
# أعور ثقيف ما أنت من قريش فأفاخرك، أجهلتني يا ويحك؟! أنا ابن خيرة
~~الإماء، وسيدة النساء، غذانا رسول الله صلى الله عليه وآله بعلم الله تبارك
~~وتعالى، فعلمنا تأويل القرآن، ومشكلات الأحكام، لنا العزة العليا، والفخر
~~والسناء، وأنت من قوم لم يثبت هم في الجاهلية نسب، ولا لهم في الإسلام
~~نصيب، عبد آبق، ما له PageV01P417
# والافتخار عند مصادمة الليوث، ومجاحشة الأقران، نحن السادة، ونحن
~~المذاويد القادة، نحمي الذمار، وننفي عن ساحتنا العار، وأنا ابن نجيبات
~~الأبكار، ثم أشرت زعمت إلى خير وصي خير الأنبياء، وكان هو بعجزك أبصر،
~~وبجورك أعلم وكنت للرد عليك منه أهلا لو عزك في صدرك، وبدو الغدر في عينك،
~~هيهات لم يكن ليتخذ المضلين عضدا، وزعمك أنك لو كنت بصفين بزعارة قيس، وحلم
~~ثقيف، فبماذا ثكلتك أمك؟ أبعجزك عند المقامات، وفرارك عند المجاحشات؟
# أما والله لو التفت عليك من أمير المؤمنين الأجاشع، لعلمت أنه لا يمنعه
~~منك الموانع، ولقامت عليك المرنات الهوالع.
# وأما زعارة قيس: فما أنت وقيسا؟ إنما أنت عبد آبق فثقف فسمي ثقيفا، فاحتل
~~لنفسك من غيرها، فلست من رجالها، أنت بمعالجة الشرك وموالج الزرائب أعرف
~~منك بالحروب.
# فأما الحلم فأي الحلم عند العبيد القيون؟ ثم تمنيت لقاء أمير المؤمنين
~~عليه السلام فذاك من قد عرفت: أسد باسل، وسم قاتل، لا تقاومه الأبالسة، عند
~~الطعن والمخالسة فكيف ترومه الضبعان، وتناله الجعلان، بمشيتها القهقري.
# وأما وصلتك: فمنكورة، وقربتك فمجهولة، وما رحمك منه إلا كبنات الماء من
~~خشفان الظباء، بل أنت أبعد منه نسبا.
# فوثب المغيرة والحسن يقول لمعاوية: اعذرنا من بني أمية إن تجاوزنا بعد
~~مناطقة القيون، ومفاخرة العبيد.
# فقال معاوية: ارجع يا مغيرة، هؤلاء بنو عبد مناف، لا تقاومهم الصناديد،
~~ولا تفاخرهم المذاويد.
# ثم أقسم على الحسن عليه السلام بالسكوت فسكت.
# وروي أن عمرو بن العاص قال لمعاوية: ابعث إلى الحسن بن علي فمره أن يصعد
~~المنبر ويخطب الناس، فلعله أن ms290 يحصر فيكون ذلك مما نعيره به في كل محفل،
~~فبعث إليه معاوية فأصعده المنبر، وقد جمع له الناس، ورؤساء أهل الشام
~~PageV01P418
# فحمد الله الحسن صلوات الله عليه وأثنى عليه، ثم قال:
# أيها الناس من عرفني فأنا الذي يعرف، ومن لم يعرفني فأنا الحسن بن علي بن
~~أبي طالب، ابن عم نبي الله، أول المسلمين إسلاما، وأمي فاطمة بنت رسول الله
~~صلى الله عليه وآله، وجدي محمد بن عبد الله نبي الرحمة، أنا ابن البشير،
~~أنا ابن النذير، أنا ابن السراج المنير، أنا ابن من بعث رحمة للعالمين، أنا
~~ابن من بعث إلى الجن والإنس أجمعين، فقطع عليه معاوية فقال، يا أبا محمد
~~خلنا من هذا وحدثنا في نعت الرطب أراد بذلك تخجيله.
# فقال الحسن عليه السلام: نعم التمر الريح تنفخه، والحر ينضجه، والليل
~~يبرده ويطيبه.
# ثم أقبل الحسن عليه السلام: فرجع في كلامه الأول فقال: أنا ابن مستجاب
~~الدعوة أنا ابن الشفيع المطاع، أنا ابن أول من ينفض عن رأسه التراب، أنا
~~ابن من يقرع باب الجنة فيفتح له فيدخلها، أنا ابن من قاتل معه الملائكة،
~~وأحل له المغنم ونصر بالرعب من مسيرة شهر فأكثر، في هذا النوع من الكلام،
~~ولم يزل به حتى اظلمت الدنيا على معاوية، وعرف الحسن من لم يكن عرفه من أهل
~~الشام وغيرهم ثم نزل فقال له معاوية: أما إنك يا حسن قد كنت ترجو أن تكون
~~خليفة، ولست هناك، فقال الحسن عليه السلام: أما الخليفة فمن سار بسيرة رسول
~~الله صلى الله عليه وآله، وعمل بطاعة الله عز وجل، وليس الخليفة من سار
~~بالجور، وعطل السنن، واتخذ الدنيا أما وأبا، وعباد الله خولا، وماله دولا،
~~ولكن ذلك أمر ملك أصاب ملكا فتمتع منه قليلا، وكان قد انقطع عنه، فأتخم
~~لذته وبقيت عليه تبعته، وكان كما قال الله تبارك وتعالى: " وإن أدري لعله
~~فتنة لكم ومتاع إلى حين " " متعناهم سنين ثم جاءهم ما كانوا يوعدون " " وما
~~أغنى عنهم ما كانوا يمتعون " وأومى بيده إلى معاوية، ms291 ثم قام فانصرف. فقال
~~معاوية لعمرو: والله ما أردت إلا شيني حين أمرتني بما أمرتني، والله ما كان
~~يرى أهل الشام أن أحدا مثلي في حسب ولا غيره، حتى قال الحسن عليه السلام ما
~~قال، قال عمرو: وهذا شئ لا يستطاع دفنه، ولا تغييره، PageV01P419
# لشهرته في الناس، واتضاحه، فسكت معاوية وروى الشعبي أن معاوية قدم
~~المدينة فقام خطيبا فقال: أين علي بن أبي طالب؟
# فقام الحسن بن علي فخطب وحمد الله وأثنى عليه ثم قال:
# إنه لم يبعث نبي إلا جعل له وصي من أهل بيته، ولم يكن نبي إلا وله عدو من
~~المجرمين، وإن عليا عليه السلام كان وصي رسول الله من بعده، وأنا ابن علي،
~~وأنت ابن صخر، وجدك حرب، وجدي رسول الله، وأمك هند وأمي فاطمة، وجدتي خديجة
~~وجدتك نثيله، فلعن الله ألأمنا حسبا، وأقدمنا كفرا، وأخملنا ذكرا، وأشدنا
~~نفاقا، فقال عامة أهل المجلس: آمين. فنزل معاوية فقطع خطبته وروي أنه لما
~~قدم معاوية الكوفة قيل له: إن الحسن بن علي مرتفع في أنفس الناس فلو أمرته
~~أن يقوم دون مقامك على المنبر فتدركه الحداثة والعي فيسقط من أنفس الناس
~~وأعينهم، فأبى عليهم وأبو عليه إلا أن يأمره بذلك فأمره، فقام دون مقامه في
~~المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
# أما بعد أيها الناس فإنكم لو طلبتم ما بين كذا وكذا لتجدوا رجلا جده نبي
~~لم تجدوا غيري وغير أخي، وإنا أعطينا صفقتنا هذا الطاغية - وأشار بيده إلى
~~أعلى المنبر إلى معاوية - وهو في مقام رسول الله صلى الله عليه وآله من
~~المنبر ورأينا حقن دماء المسلمين أفضل من إهراقها، وإن أدري لعله فتنة لكم
~~ومتاع إلى حين، وأشار بيده إلى معاوية.
# فقال له معاوية: ما أردت بقولك هذا؟
# فقال: ما أردت به إلا ما أراد الله عز وجل، فقام معاوية فخطب خطبة عيية
~~فاحشة، فسب فيها أمير المؤمنين عليه الصلاة السلام، فقام إليه الحسن بن علي
~~عليهما السلام فقال له - وهو على المنبر -: ويلك يا ms292 بن آكلة الأكباد أو أنت
~~تسب أمير المؤمنين عليه السلام وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
~~" من سب عليا فقد سبني، ومن سبني فقد سب الله، ومن سب الله أدخله الله نار
~~جهنم خالدا فيها مخلدا وله عذاب مقيم "؟
# ثم انحدر الحسن عليه السلام عن المنبر ودخل داره، ولم يصل هناك بعد ذلك
~~أبدا تم الجزء الأول من كتاب الاحتجاج بحمد الله ومنه ويتلوه بمن الله
~~وعونه الجزء الثاني. PageV01P420
# احتجاج الحسن بن علي عليهما السلام على معاوية في الإمامة، من يستحقها
~~ومن لا يستحقها بعد مضي النبي.
# وقد جرى قبل ذلك إيراد كثير من الحجج لعبد الله بن جعفر بن أبي طالب،
~~وعبد الله بن عباس، وغيرهما، على معاوية في الإمامة وغيرها، بمحضر من الحسن
~~عليه السلام، والفضل بن عباس، وغيرهما.
# روى سليم بن قيس قال: سمعت عبد الله بن جعفر بن أبي طالب قال: قال لي
~~معاوية:
# ما أشد تعظيمك للحسن والحسين، ما هما بخير منك، ولا أبوهما بخير من أبيك،
~~ولولا أن فاطمة بنت رسول الله لقلت: ما أمك أسماء بنت عميس بدونها.
# قال: فغضبت من مقالته، وأخذني ما لا أملك، فقلت: أنت لقليل المعرفة بهما،
~~وبأبيهما، وأمهما، بلى والله أنهما خير مني، وأبوهما خير من أبي، وأمهما
~~خير من أمي، ولقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول فيهما وفي أبيهما
~~وأنا غلام فحفظته منه، ورعيته.
# فقال معاوية - وليس في المجلس غير الحسن والحسين عليهما السلام، وابن
~~جعفر رحمه الله، وابن عباس، وأخيه الفضل -: هات ما سمعت! فوالله ما أنت
~~بكذاب.
# فقال إنه أعظم مما في نفسك.
# قال: وإن كان أعظم من أحد وحرى، فآته! ما لم يكن أحد من أهل الشام أما
~~إذا قتل الله طاغيتكم، وفرق جمعكم، وصار الأمر في أهله ومعدنه، فما نبالي
~~ما قلتم، ولا يضرنا ما ادعيتم.
# قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: (أنا أولى بالمؤمنين من
~~أنفسهم، فمن كنت أولى به من نفسه فأنت ms293 يا أخي أولى به من نفسه) وعلي بين
~~يديه في البيت، والحسن، والحسين، وعمرو بن أم سلمة، وأسامة بن يزيد، وفي
~~البيت فاطمة عليها السلام وأم أيمن، وأبو ذر، والمقداد، والزبير بن العوام،
~~وضرب رسول الله صلى الله عليه وآله على PageV02P003
# عضده وأعاد ما قال فيه ثلاثا، ثم نص بالإمامة على الأئمة تمام الاثني عشر
~~عليهم السلام ثم قال صلوات الله عليه: (لأمتي اثنا عشر إمام ضلالة، كلهم
~~ضال مضل عشرة من بني أمية، ورجلان من قريش، وزر جميع الاثنا عشر وما أضلوا
~~في أعناقهما، ثم سماهما رسول الله صلى الله عليه وآله وسمى العشرة منهما).
# قال: فسمهم لنا.
# قال: فلان وفلان، وصاحب السلسلة وابنه من آل أبي سفيان، وسبعة من ولد
~~الحكم بن أبي العاص، أولهم مروان.
# قال معاوية: لئن كان ما قلت حقا هلكت، وهلكت الثلاثة قبلي، وجميع من
~~تولاهم من هذه الأمة، ولقد هلك أصحاب رسول الله من المهاجرين والأنصار
~~والتابعين من غيركم وأهل البيت وشيعتكم.
# قال ابن جعفر: فإن الذي قلت والله حق سمعته من رسول الله صلى الله عليه
~~وآله.
# قال معاوية - للحسن والحسين وابن عباس -: ما يقول ابن جعفر؟
# قال ابن عباس: ومعاوية بالمدينة أول سنة اجتمع عليه الناس بعد قتل علي
~~عليه السلام أرسل إلى الذي سمى، فأرسل إلى عمرو بن أم سلمة، وأسامة، فشهدوا
~~جميعا أن الذي قال ابن جعفر حق، قد سمعوا من رسول الله صلى الله عليه وآله
~~كما سمعه.
# ثم أقبل معاوية إلى الحسن، والحسين، وابن عباس، والفضل، وابن أم سلمة،
~~وأسامة.
# قال: كلكم على ما قال ابن جعفر؟
# قالوا: نعم.
# قال معاوية: فإنكم يا بني عبد المطلب لتدعون أمرا، وتحتجون بحجة قوية إن
~~كانت حقا، وأنكم لتبصرون على أمر وتسترونه والناس في غفلة وعمى، ولئن كان
~~ما تقولون حقا لقد هلكت الأمة، ورجعت عن دينها، وكفرت بربها وجحدت نبيها،
~~إلا أنتم أهل البيت ومن قال بقولكم، وأولئك قليل في الناس.
# فأقبل ابن عباس على معاوية فقال: قال الله ms294 تعالى: (وقليل من عبادي
~~PageV02P004
# الشكور) وقال: (وقليل ما هم).
# وما تعجب مني يا معاوية أعجب من بني إسرائيل: إن السحرة قالوا لفرعون
~~(إقض ما أنت قاض) فآمنوا بموسى وصدقوه، ثم سار بهم ومن اتبعهم من بني
~~إسرائيل فأقطعهم البحر، وأراهم العجائب، وهم مصدقون بموسى وبالتوراة يقرون
~~له بدينه، ثم مروا بأصنام تعبد فقالوا: (يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم
~~آلهة قال إنكم قوم تجهلون) وعكفوا على العجل جميعا غير هارون فقالوا:
# (هذا إلهكم وإله موسى) وقال لهم موسى - بعد ذلك -: (ادخلوا الأرض
~~المقدسة) فكان من جوابهم ما قص الله عز وجل عليهم: (فقال موسى رب إني لا
~~أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين).
# فما اتباع هذه الأمة رجالا سودوهم وأطاعوهم، لهم سوابق مع رسول الله صلى
~~الله عليه وآله ومنازل قريبة منها، وأصهاره مقرين بدين محمد صلى الله عليه
~~وآله وبالقرآن، حملهم الكبر والحسد أن خالفوا إمامهم ووليهم، بأعجب من قوم
~~صاغوا من حليهم عجلا ثم عكفوا عليه يعبدونه، ويسجدون له، ويزعمون أنه رب
~~العالمين، واجتمعوا على ذلك كلهم غير هارون وحده، وقد بقي مع صاحبنا الذي
~~هو من نبينا بمنزلة هارون من موسى من أهل بيته ناس: سلمان، وأبو ذر،
~~والمقداد، والزبير، ثم رجع الزبير وثبت هؤلاء الثلاثة مع إمامهم حتى لقوا
~~الله.
# وتعجب يا معاوية أن سمى الله من الأئمة واحدا بعد واحد، وقد نص عليهم
~~رسول الله بغدير خم وفي غير موطن، واحتج بهم عليهم، وأمرهم بطاعتهم، وأخبر
~~أن أولهم علي بن أبي طالب ولي كل مؤمن ومؤمنة من بعده، وأنه خليفته فيهم
~~ووصيه وقد بعث رسول الله صلى الله عليه وآله جيشا يوم مؤتة فقال: عليكم
~~بجعفر، فإن هلك فزيد، فإن هلك فعبد الله بن رواحة، فقتلوا جميعا، أفترى
~~يترك الأمة ولم يبين لهم من الخليفة بعده، ليختاروا هم لأنفسهم الخليفة،
~~كأن رأيهم لأنفسهم أهدى لهم وأرشد من رأيه واختياره، وما ركب القوم ما
~~ركبوا إلا بعد ما بينه، وما تركهم رسول ms295 الله صلى الله عليه وآله في عمى ولا
~~شبهة. PageV02P005
# فأما ما قال الرهط الأربعة الذين تظاهروا على علي عليه السلام وكذبوا على
~~رسول الله، وزعموا أنه قال: إن الله لم يكن ليجمع لنا أهل البيت النبوة
~~والخلافة فقد شبهوا على الناس بشهادتهم، وكذبهم، ومكرهم.
# قال معاوية: ما تقول يا حسن؟
# قال: يا معاوية قد سمعت ما قلت، وما قال ابن عباس، العجب منك يا معاوية
~~ومن قلة حيائك، ومن جرأتك على الله حين قلت: (قد قتل الله طاغيتكم، ورد
~~الأمر إلى معدنه) فأنت يا معاوية معدن الخلافة دوننا، ويل لك يا معاوية
~~وللثلاثة قبلك الذين أجلسوك هذا المجلس، وسنوا لك هذه السنة، لأقولن كلاما
~~ما أنت أهله، ولكني أقول ليسمعه بنو أبي هؤلاء حولي.
# إن الناس قد اجتمعوا على أمور كثيرة ليس بينهم اختلاف فيها، ولا تنازع
~~ولا فرقة، على: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله عبده،
~~والصلوات الخمس، والزكاة المفروضة، وصوم شهر رمضان، وحج البيت، ثم أشياء
~~كثيرة من طاعة الله لا يحصى ولا يعدها إلا الله، واجتمعوا على تحريم الزنا،
~~والسرقة والكذب، والقطيعة، والخيانة، وأشياء كثيرة من معاصي الله لا يحصى
~~ولا يعدها إلا الله، واختلفوا في سنن اقتتلوا فيها، وصاروا فرقا يلعن بعضهم
~~بعضا، وهي:
# (الولاية) ويتبرأ بعضهم عن بعض، ويقتل بعضهم بعضا، أيهم أحق وأولى بها،
~~إلا فرقة تتبع كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله، فمن أخذ بما عليه
~~أهل القبلة الذي ليس فيه اختلاف، ورد علم ما اختلفوا فيه إلى الله، سلم
~~ونجا به من النار، ودخل الجنة، ومن وفقه الله ومن عليه واحتج عليه بأن نور
~~قلبه بمعرفة ولاة الأمر من أئمتهم ومعدن العلم أين هو، فهو عند الله سعيد،
~~ولله ولي، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (رحم الله امرء علم حقا
~~فقال أو سكت فسلم).
# نحن نقول أهل البيت أن الأئمة منا، وأن الخلافة لا تصلح إلا فينا، وأن
~~الله جعلنا أهلها في كتابه ms296 وسنة نبيه، وأن العلم فينا ونحن أهله، وهو عندنا
~~مجموع كله بحذافيره، وأنه لا يحدث شئ إلى يوم القيامة حتى أرش الخدش إلا
~~PageV02P006
# وهو عندنا مكتوب بإملاء رسول الله صلى الله عليه وآله وبخط علي عليه
~~السلام بيده.
# وزعم قوم: أنهم أولى بذلك منا حتى أنت يا بن هند تدعي ذلك، وتزعم:
# أن عمر أرسل إلى أبي أني أريد أن أكتب القرآن في مصحف فابعث إلي بما كتبت
~~من القرآن، فأتاه فقال: تضرب والله عنقي قبل أن يصل إليك.
# قال: ولم؟
# قال: لأن الله تعالى قال: (والراسخون في العلم) إياي عنى، ولم يعنك ولا
~~أصحابك، فغضب عمر ثم قال:
# يا بن أبي طالب تحسب أن أحدا ليس عنده علم غيرك، من كان يقرأ من القرآن
~~شيئا فليأتني به، إذا جاء رجل فقرأ شيئا معه يوافقه فيه آخر كتبه وإلا لم
~~يكتبه.
# ثم قالوا: قد صاغ منه قرآن كثير، بل كذبوا والله بل هو مجموع محفوظ عند
~~أهله، ثم أمر عمر قضاته وولاته: اجتهدوا آرائكم واقضوا بما ترون أنه الحق
~~فلا يزال هو وبعض ولاته قد وقعوا في عظيمة، فيخرجهم منها أبي ليحتج عليهم
~~بها، فتجمع القضاة عند خليفتهم وقد حكموا في شئ واحد بقضايا مختلفة فأجازها
~~لهم، لأن الله تعالى لم يؤته الحكمة وفصل الخطاب، وزعم كل صنف من مخالفينا
~~من أهل هذه القبلة: أنهم معدن الخلافة والعلم دوننا، فنستعين بالله على من
~~ظلمنا وجحدنا حقنا، وركب رقابنا، وسن للناس علينا ما يحتج به مثلك، وحسبنا
~~الله ونعم الوكيل.
# إنما الناس ثلاثة: مؤمن يعرف حقنا ويسلم لنا ويأتم بنا، فذلك ناج محب لله
~~ولي.
# وناصب لنا العداوة يتبرأ منا، ويلعننا، ويستحل دمائنا، ويجحد حقنا، ويدين
~~الله بالبراءة منا، فهذا كافر مشرك، وإنما كفر وأشرك من حيث لا يعلم كما
~~يسبوا الله عدوا بغير علم، كذلك يشرك بالله بغير علم.
# ورجل آخذ بما لا يختلف فيه، ورد علم ما أشكل عليه إلى الله، مع ولايتنا
~~PageV02P007
# ولا يأتم بنا، ولا يعادينا، ولا ms297 يعرف حقنا، فنحن نرجو أن يغفر الله له،
~~ويدخله الجنة، فهذا مسلم ضعيف.
# فلما سمع معاوية أمر لكل منهم بمائة ألف درهم، غير الحسن والحسين وابن
~~جعفر، فإنه أمر لكل واحد منهم بألف ألف درهم.
# احتجاجه (ع) على من أنكر عليه مصالحة معاوية ونسبه إلى التقصير في طلب
~~حقه.
# عن سليم بن قيس قال: قام الحسن بن علي بن أبي طالب عليه السلام على
~~المنبر حين اجتمع مع معاوية، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:
# أيها الناس إن معاوية زعم: أني رأيته للخلافة أهلا ولم أر نفسي لها أهلا
~~وكذب معاوية، أنا أولى الناس بالناس في كتاب الله وعلى لسان نبي الله،
~~فأقسم بالله لو أن الناس بايعوني وأطاعوني ونصروني، لأعطتهم السماء قطرها،
~~والأرض بركتها، ولما طمعتم فيها يا معاوية، ولقد قال رسول الله صلى الله
~~عليه وآله: (ما ولت أمة أمرها رجلا قط وفيهم من هو أعلم منه إلا لم يزل
~~أمرهم يذهب سفالا حتى يرجعوا إلى ملة عبدة العجل).
# وقد ترك بنو إسرائيل هارون واعتكفوا على العجل وهم يعلمون أن هارون خليفة
~~موسى، وقد تركت الأمة عليا عليه السلام وقد سمعوا رسول الله صلى الله عليه
~~وآله يقول لعلي: (أنت مني بمنزلة هارون من موسى غير النبوة فلا نبي بعدي)
~~وقد هرب رسول الله صلى الله عليه وآله من قومه وهو يدعوهم إلى الله حتى فر
~~إلى الغار، ولو وجد عليهم أعوانا ما هرب منهم، ولو وجدت أنا أعوانا ما
~~بايعتك يا معاوية.
# وقد جعل الله هارون في سعة حين استضعفوه وكادوا يقتلونه، ولم يجد عليهم
~~أعوانا، وقد جعل الله النبي في سعة حين فر من قومه لما لم يجد أعوانا عليهم
~~كذلك أنا وأبي في سعة من الله حين تركنا الأمة وبايعت غيرنا ولم نجد
~~أعوانا، وإنما هي السنن والأمثال يتبع بعضها بعضا. PageV02P008
# أيها الناس إنكم لو التمستم فيما بين المشرق والمغرب لم تجدوا رجلا من
~~ولد النبي غيري وغير أخي.
# وعن حنان بن سدير (1) عن أبيه ms298 سدير (2) عن أبيه (3) عن أبي سعيد عقيصي
~~(4) قال: لما صالح الحسن بن علي بن أبي طالب معاوية بن أبي سفيان دخل عليه
~~الناس فلامه بعضهم على بيعته فقال عليه السلام:
# ويحكم ما تدرون ما عملت، والله الذي عملت لشيعتي خير مما طلعت عليه الشمس
~~أو غربت، ألا تعلمون أني إمامكم، ومفترض الطاعة عليكم، واحد سيدي شباب أهل
~~الجنة بنص من رسول الله علي؟
# PageV02P009
# قالوا: بلى.
# قال: أما علمتم أن الخضر لما خرق السفينة، وأقام الجدار، وقتل الغلام كان
~~ذلك سخطا لموسى بن عمران عليه السلام إذ خفي عليه وجه الحكمة في ذلك، وكان
~~ذلك عند الله تعالى ذكره حكمة وصوابا؟ أما علمتم أنه ما منا أحد إلا ويقع
~~في عنقه بيعة لطاغية زمانه إلا القائم (عج)؟ الذي يصلي خلفه روح الله عيسى
~~بن مريم عليه السلام، فإن الله عز وجل يخفي ولادته ويغيب شخصه لئلا يكون
~~لأحد في عنقه بيعة إذا خرج، ذاك التاسع من ولد أخي الحسين، ابن سيدة
~~الإماء، يطيل الله عمره في غيبته ثم يظهره بقدرته في صورة شاب دون أربعين
~~سنة، ذلك ليعلم أن الله على كل شئ قدير.
# عن زيد بن وهب الجهني (1) قال: لما طعن الحسن بن علي عليه السلام
~~بالمدائن أتيته وهو متوجع، فقلت:
# ما ترى يا بن رسول الله فإن الناس متحيرون؟ فقال:
# أرى والله أن معاوية خير لي من هؤلاء، يزعمون أنهم لي شيعة، ابتغوا قتلي
~~وانتهبوا ثقلي، وأخذوا مالي، والله لئن آخذ من معاوية عهدا أحقن به دمي،
~~وأومن به في أهلي، خير من أن يقتلوني فتضيع أهل بيتي وأهلي، والله لو قاتلت
~~معاوية لأخذوا بعنقي حتى يدفعوني إليه سلما، والله لئن أسالمه وأنا عزيز
~~خير من أن يقتلني وأنا أسير، أو يمن علي فيكون سنة على بني هاشم آخر الدهر
~~ولمعاوية لا يزال يمن بها وعقبه علي الحي منا والميت.
# (قال): قلت: تترك يا بن رسول الله شيعتك كالغنم ليس لها راع؟
# PageV02P010
# قال: وما أصنع يا أخا جهينة أني ms299 والله أعلم بأمر قد أدى به إلي ثقاته:
# أن أمير المؤمنين عليه السلام قال لي - ذات يوم وقد رآني فرحا -: يا حسن
~~أتفرح كيف بك إذا رأيت أباك قتيلا؟! كيف بك إذا ولي هذا الأمر بنو أمية،
~~وأميرها الرحب البلعوم، الواسع الإعفجاج، (1) يأكل ولا يشبع، يموت وليس له
~~في السماء ناصر ولا في الأرض عاذر، ثم يستولي على غربها وشرقها، يدين له
~~العباد ويطول ملكه، يستن بسنن أهل البدع الضلال، ويميت الحق وسنة رسول الله
~~صلى الله عليه وآله يقسم المال في أهل ولايته، ويمنعه من هو أحق به، ويذل
~~في ملكه المؤمن، ويقوى في سلطانه الفاسق، ويجعل المال بين أنصاره دولا،
~~ويتخذ عباد الله خولا يدرس في سلطانه الحق، ويظهر الباطل، ويقتل من ناواه
~~على الحق، ويدين من لاواه على الباطل، فكذلك حتى يبعث الله رجلا في آخر
~~الزمان، وكلب من الدهر، (2) وجهل من الناس، يؤيده الله بملائكته، ويعصم
~~أنصاره، وينصره بآياته، ويظهره على أهل الأرض حتى يدينوا طوعا وكرها، يملأ
~~الأرض قسطا وعدلا، ونورا وبرهانا، يدين له عرض البلاد وطولها، لا يبقى كافر
~~إلا آمن به ولا صالح إلا صلح، ويصطلح في ملكه السباع، وتخرج الأرض نبتها،
~~وينزل السماء بركتها، وتظهر له الكنوز، يملك ما بين الخافقين أربعين عاما،
~~فطوبى لمن أدرك أيامه، وسمع كلامه.
# وعن الأعمش (3) عن سالم بن أبي الجعد (4) قال: حدثني رجل منا
# PageV02P011
# قال: أتيت الحسن بن علي عليه السلام فقلت:
# يا بن رسول الله أذللت رقابنا، وجعلتنا معشر الشيعة عبيدا، ما بقي معك
~~رجل قال: ومم ذاك؟
# قال: قلت: بتسليمك الأمر لهذا الطاغية.
# قال: والله ما سلمت الأمر إليه إلا أني لم أجد أنصارا، ولو وجدت أنصارا
~~لقاتلته ليلي ونهاري حتى يحكم الله بيني وبينه، ولكني عرفت أهل الكوفة،
~~وبلوتهم، ولا يصلح لي منهم من كان فاسدا، إنهم لا وفاء لهم. ولا ذمة في قول
~~ولا فعل، إنهم لمختلفون، ويقولون لنا: أن قلوبهم معنا، وأن سيوفهم لمشهورة
~~علينا، قال: وهو يكلمني إذ تنخع الدم، ms300 فدعا بطست فحمل من بين يديه ملئ مما
~~خرج من جوفه من الدم.
# فقلت له: ما هذا يا بن رسول الله صلى الله عليه وآله إني لأراك وجعا؟
# قال: أجل دس إلي هذا الطاغية من سقاني سما فقد وقع على كبدي وهو يخرج
~~قطعا كما ترى.
# قلت: أفلا تتداوى؟
# قال: قد سقاني مرتين وهذه الثالثة لا أجد لها دواء، ولقد رقى إلي: أنه
~~كتب إلى ملك الروم يسأله أن يوجه إليه من السم القتال شربة، فكتب إليه ملك
~~الروم: أنه لا يصلح لنا في ديننا أن نعين على قتال من لا يقاتلنا، فكتب
~~إليه أن هذا ابن الرجل الذي خرج بأرض تهامة، وقد خرج يطلب ملك أبيه، وأنا
~~أريد أن أدس إليه من يسقيه ذلك، فأريح العباد والبلاد منه، ووجه إليه
~~بهدايا وألطاف فوجه إليه ملك الروم بهذه الشربة التي دس فيها فسقيها واشترط
~~عليه في ذلك شروطا. PageV02P012
# وروي أن معاوية دفع السم إلى امرأة الحسن بن علي عليهما السلام، جعدة بنت
~~الأشعث، فقال لها: (اسقيه فإذا مات هو زوجتك ابني يزيد) فلما سقته السم
~~ومات عليه السلام، جاءت الملعونة إلى معاوية الملعون فقالت: (زوجني يزيد)
~~فقال:
# (اذهبي فإن امرأة لم تصلح للحسن بن علي لا تصلح لابني يزيد).
# احتجاج الحسين بن علي عليهما السلام على عمر بن الخطاب في الإمامة
~~والخلافة.
# روي أن عمر بن الخطاب كان يخطب الناس على منبر رسول الله صلى الله عليه
~~وآله، فذكر في خطبته أنه أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فقال له الحسين عليه
~~السلام - من ناحية المسجد -:
# إنزل أيها الكذاب عن منبر أبي رسول الله لا منبر أبيك!
# فقال له عمر: فمنبر أبيك لعمري يا حسين لا منبر أبي من علمك هذا أبوك علي
~~بن أبي طالب؟
# فقال له الحسين عليه السلام: إن أطع أبي فيما أمرني فلعمري أنه لها وأنا
~~مهتد به، وله في رقاب الناس البيعة على عهد رسول الله، نزل بها جبرئيل من
~~عند الله تعالى لا ينكرها إلا جاحد ms301 بالكتاب، قد عرفها الناس بقلوبهم
~~وأنكروها بألسنتهم وويل للمنكرين حقنا أهل البيت، ماذا يلقاهم به محمد رسول
~~الله صلى الله عليه وآله من إدامة الغضب وشدة العذاب!!
# فقال عمر: يا حسين من أنكر حق أبيك فعليه لعنة الله، أمرنا لناس فتأمرنا
~~ولو أمروا أباك لأطعنا.
# فقال له الحسين: يا بن الخطاب فأي الناس أمرك على نفسه قبل أن تؤمر أبا
~~بكر على نفسك ليؤمرك على الناس، بلا حجة من نبي ولا رضا من آل محمد، فرضاكم
~~كان لمحمد صلى الله عليه وآله رضا؟ أو رضا أهله كان له سخطا؟! أما والله لو
~~أن للسان مقالا يطول تصديقه، وفعلا يعينه المؤمنون، لما تخطأت رقاب آل
~~محمد، PageV02P013
# ترقى منبرهم، وصرت الحاكم عليهم بكتاب نزل فيهم، لا تعرف معجمه، ولا تدري
~~تأويله، إلا سماع الآذان، المخطئ والمصيب عندك سواء، فجزاك الله جزاك،
~~وسألك عما أحدثت سؤالا حفيا.
# (قال): فنزل عمر مغضبا، فمشى معه أناس من أصحابه حتى أتى باب أمير
~~المؤمنين عليه السلام فاستأذن عليه فأذن له، فدخل فقال:
# يا أبا الحسن ما لقيت اليوم من ابنك الحسين، يجهرنا بصوت في مسجد رسول
~~الله ويحرض علي الطغام وأهل المدينة، فقال له الحسن عليه السلام: على مثل
~~الحسين ابن النبي صلى الله عليه وآله يشخب بمن لا حكم له، أو يقول بالطغام
~~على أهل دينه؟
# أما والله ما نلت إلا بالطغام، فلعن الله من حرض الطغام.
# فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: مهلا يا أبا محمد فإنك لن تكون قريب
~~الغضب ولا لئيم الحسب، ولا فيك عروق من السودان، إسمع كلامي ولا تعجل
~~بالكلام فقال له عمر: يا أبا الحسن إنهما ليهمان في أنفسهما بما لا يرى
~~بغير الخلافة فقال أمير المؤمنين: هما أقرب نسبا برسول الله من أن يهما،
~~أما فارضهما يا بن الخطاب بحقهما يرض عنك من بعدهما.
# قال: وما رضاهما يا أبا الحسن؟
# قال: رضاهما الرجعة عن الخطيئة، والتقية عن المعصية بالتوبة.
# فقال له عمر: أدب يا أبا الحسن ابنك أن ms302 لا يتعاطى السلاطين الذين هم
~~الحكماء في الأرض.
# فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: أنا أؤدب أهل المعاصي على معاصيهم،
~~ومن أخاف عليه الزلة والهلكة، فأما من والده رسول الله ونحله أدبه فإنه لا
~~ينتقل إلى أدب خير له منه، أما فارضهما يا بن الخطاب.
# قال: فخرج عمر فاستقبله عثمان بن عفان، وعبد الرحمان بن عوف.
# فقال له عبد الرحمن: يا أبا حفص ما صنعت فقد طالت بكما الحجة؟
# فقال له عمر: وهل حجة مع ابن أبي طالب وشبليه؟! PageV02P014
# فقال له عثمان: يا بن الخطاب، هم بنو عبد مناف، الأسمنون والناس عجاف
~~فقال له عمر: ما أعد ما صرت إليه فخرا فخرت به بحمقك، فقبض عثمان على مجامع
~~ثيابه ثم نبذ به ورده، ثم قال له: يا بن الخطاب، كأنك تنكر ما أقول، فدخل
~~بينهما عبد الرحمن وفرق بينهما، وافترق القوم.
# احتجاج الحسين (ع) بذكر مناقب أمير المؤمنين وأولاده عليهم السلام حين
~~أمر معاوية بلعن أمير المؤمنين (ع) وقتل شيعته، وقتل من يروي شيئا من
~~فضائله.
# عن سليم بن قيس قال: قدم معاوية بن أبي سفيان حاجا في خلافته فاستقبله
~~أهل المدينة، فنظر فإذا الذين استقبلوه ما فيهم أحد من قريش، فلما نزل قال:
# ما فعلت الأنصار وما بالها لم تستقبلني؟
# فقيل له: إنهم محتاجون ليس لهم دواب.
# فقال معاوية: فأين نواضحهم؟
# فقال قيس بن سعد بن عبادة - وكان سيد الأنصار وابن سيدها -: أفنوها يوم
~~بدر واحد وما بعدهما من مشاهد رسول الله صلى الله عليه وآله، حين ضربوك
~~وأباك على الإسلام حتى ظهر أمر الله وأنتم كارهون، فسكت معاوية، فقال قيس:
# أما أن رسول الله صلى الله عليه وآله عهد إلينا أنا سنلقي بعده إثرة.
# فقال معاوية: فما أمركم به؟
# فقال: أمرنا أن نصبر حتى نلقاه.
# قال: فاصبروا حتى تلقوه!
# ثم إن معاوية مر بحلقة من قريش فلما رأوه قاموا غير عبد الله بن عباس
~~فقال له:
# يا بن عباس ما منعك من القيام كما قام أصحابك، إلا لموجدة ms303 أني قاتلتكم
~~بصفين، فلا تجد من ذلك يا بن عباس! فإن ابن عمي عثمان قد قتل مظلوما!
~~PageV02P015
# قال ابن عباس: فعمر بن الخطاب قد قتل مظلوما.
# قال: إن عمر قتله كافر.
# قال ابن عباس: فمن قتل عثمان؟
# قال: قتله المسلمون.
# قال: فذلك أدحض لحجتك.
# قال: فإنا قد كتبنا في الآفاق ننهى عن ذكر مناقب علي وأهل بيته، فكف
~~لسانك.
# فقال: يا معاوية أتنهانا عن قراءة القرآن؟!
# قال: لا.
# قال: أتنهانا عن تأويله؟!
# قال: نعم.
# قال: فنقرأه ولا نسأل عما عنى الله به؟ ثم قال: فأيهما أوجب علينا قرائته
~~أو العمل به؟
# قال: العمل به.
# قال: فكيف نعمل به ولا نعلم ما عنى الله؟!
# قال: سل عن ذلك من يتأوله غير ما تتأوله أنت وأهل بيتك.
# قال: إنما أنزل القرآن على أهل بيتي فأسأل عنه آل أبي سفيان يا معاوية
~~أتنهانا أن نعبد الله بالقرآن بما فيه من حلال وحرام؟! فإن لم تسأل الأمة
~~عن ذلك حتى تعلم تهلك وتختلف.
# قال: اقرؤا القرآن وتأولوه ولا ترووا شيئا مما أنزل الله فيكم، وارووا ما
~~سوى ذلك.
# قال: فإن الله يقول في القرآن: (يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى
~~الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون).
# قال: يا بن عباس أربع على نفسك، وكف لسانك، وإن كنت لا بد فاعلا
~~PageV02P016
# فليكن ذلك سرا لا يسمعه أحد علانية.
# ثم رجع إلى بيته فبعث إليه بمائة ألف درهم، ونادى منادي معاوية أن قد
~~برئت الذمة ممن يروي حديثا من مناقب علي وفضل أهل بيته، وكان أشد الناس
~~بلية أهل الكوفة، لكثرة من بها من الشيعة، فاستعمل زياد ابن أبيه وضم إليه
~~العراقين:
# الكوفة والبصرة، فجعل يتتبع الشيعة وهو بهم عارف، يقتلهم تحت كل حجر ومدر
~~وأخافهم، وقطع الأيدي والأرجل، وصلبهم في جذوع النخل، وسمل أعينهم، وطردهم
~~وشردهم، حتى نفوا عن العراق فلم يبق بها أحد معروف مشهور، فهم بين مقتول أو
~~مصلوب، أو محبوس، أو طريد، أو شريد.
# وكتب معاوية إلى جميع عماله في ms304 جميع الأمصار: أن لا تجيزوا لأحد من شيعة
~~علي وأهل بيته شهادة، وانظروا قبلكم من شيعة عثمان ومحبيه ومحبي أهل بيته
~~وأهل ولايته، والذين يروون فضله ومناقبه فأدنوا مجالسهم، وقربوهم،
~~وأكرموهم، واكتبوا بمن يروي من مناقبه واسم أبيه وقبيلته، ففعلوا، حتى كثرت
~~الرواية في عثمان، وافتعلوها لما كان يبعث إليهم من الصلات والخلع
~~والقطايع، من العرب والموالي، وكثر ذلك في كل مصر، وتنافسوا في الأموال
~~والدنيا، فليس أحد يجئ من مصر من الأمصار فيروي في عثمان منقبة أو فضيلة
~~إلا كتب اسمه، وأجيز، فلبثوا بذلك ما شاء الله.
# ثم كتب إلى عماله: إن الحديث في عثمان قد كثر وفشا في كل مصر، فادعوا
~~الناس إلى الرواية في معاوية وفضله وسوابقه، فإن ذلك أحب إلينا، وأقر
~~لأعيننا، وأدحض لحجة أهل هذا البيت، وأشد عليهم، فقرأ كل أمير وقاض كتابه
~~على الناس، فأخذ الرواة في فضائل معاوية على المنبر في كل كورة وكل مسجد
~~زورا، وألقوا ذلك إلى معلمي الكتاتيب فعلموا ذلك صبيانهم، كما يعلمونهم
~~القرآن، حتى علموه بناتهم ونساؤهم وحشمهم، فلبثوا بذلك ما شاء الله.
# وكتب زياد بن أبيه إليه في حق الحضرميين: أنهم على دين علي، وعلى رأيه
~~فكتب إليه معاوية: أقتل كل من كان على دين علي ورأيه فقتلهم ومثل بهم.
~~PageV02P017
# وكتب كتابا آخر انظروا من قبلكم من شيعة علي واتهموه بحبه فاقتلوه وإن لم
~~تقم عليه البينة فاقتلوه على التهمة والظنة والشبهة تحت كل حجر، حتى لو كان
~~الرجل تسقط منه كلمة ضربت عنقه، حتى لو كان الرجل يرمى بالزندقة والكفر كان
~~يكرم ويعظم ولا يتعرض له بمكروه، والرجل من الشيعة لا يأمن على نفسه في بلد
~~من البلدان لا سيما الكوفة والبصرة، حتى لو أن أحدا منهم أراد أن يلقي سرا
~~إلى من يثق به لأتاه في بيته فيخاف خادمه ومملوكه، فلا يحدثه إلا بعد أن
~~يأخذ عليهم الأيمان المغلظة: ليكتمن عليه، ثم لا يزداد الأمر إلا شدة، حتى
~~كثر وظهر أحاديثهم الكاذبة، ونشأ عليه الصبيان يتعلمون ms305 ذلك.
# وكان أشد الناس في ذلك القراء المراؤون المتصنعون الذين يظهرون الخشوع
~~والورع، فكذبوا وانتحلوا الأحاديث وولدوها فيحظون بذلك عند الولاة والقضاة
~~ويدنون مجالسهم، ويصيبون بذلك الأموال والقطايع والمنازل، حتى صارت
~~أحاديثهم ورواياتهم عندهم حقا وصدقا، فرووها وقبلوها وتعلموها وعلموها،
~~وأحبوا عليها وأبغضوا من ردها أو شك فيها، فاجتمعت على ذلك جماعتهم، وصارت
~~في يد المتنسكين والمتدينين منهم الذين لا يحبون الافتعال إلى مثلها،
~~فقبلوها وهم يرون أنها حق، ولو علموا بطلانها وتيقنوا أنها مفتعلة لأعرضوا
~~عن روايتها ولم يدينوا بها، ولم يبغضوا من خالفها، فصار الحق في ذلك الزمان
~~عندهم باطلا والباطل عندهم حقا، والكذب صدقا، والصدق كذبا.
# فلما مات الحسن بن علي ازداد البلاء والفتنة، فلم يبق لله ولي إلا خائف
~~على نفسه، أو مقتول، أو طريد، أو شريد. فلما كان قبل موت معاوية بسنتين حج
~~الحسين بن علي عليه السلام وعبد الله بن جعفر، وعبد الله بن عباس معه. وقد
~~جمع الحسين بن علي عليه السلام بني هاشم، رجالهم ونساءهم، ومواليهم،
~~وشيعتهم، من حج منهم ومن لم يحج، ومن الأنصار ممن يعرفونه، وأهل بيته، ثم
~~لم يدع أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله ومن أبنائهم والتابعين،
~~ومن الأنصار المعروفين بالصلاح والنسك إلا جمعهم فاجتمع عليه بمنى أكثر من
~~ألف رجل، والحسين عليه السلام في سرادقه PageV02P018
# عامتهم التابعون وأبناء الصحابة، فقام الحسين عليه السلام فيهم خطيبا،
~~فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:
# أما بعد: فإن الطاغية قد صنع بنا وبشيعتنا ما قد علمتم ورأيتم وشهدتم
~~وبلغكم، وأني أريد أن أسألكم عن أشياء فإن صدقت فصدقوني، وإن كذبت فكذبوني،
~~اسمعوا مقالتي، واكتموا قولي، ثم ارجعوا إلى أمصاركم وقبائلكم من أمنتموه
~~ووثقتم به فادعوهم إلى ما تعلمون، فإني أخاف أن يندرس هذا الحق ويذهب،
~~والله متم نوره ولو كره الكافرون، فما ترك الحسين شيئا أنزل الله فيهم من
~~القرآن إلا قاله وفسره، ولا شيئا قاله الرسول في أبيه وأمه وأهل بيته إلا
~~رواه، وكل ذلك يقول الصحابة: ms306 (اللهم نعم، قد سمعناه وشهدناه) ويقول
~~التابعون: (اللهم قد حدثنا من نصدقه ونأتمنه) حتى لم يترك شيئا إلا قاله ثم
~~قال:
# أنشدكم بالله إلا رجعتم وحدثتم به من تثقون به، ثم نزل وتفرق الناس على
~~ذلك.
# احتجاجه عليه السلام على معاوية توبيخا له على قتل من قتله من شيعة أمير
~~المؤمنين وترحمه عليهم.
# عن صالح بن كيسان (1) قال: لما قتل معاوية حجر بن عدي وأصحابه حج ذلك
~~العام فلقي الحسين بن علي عليه السلام فقال:
# يا أبا عبد الله هل بلغك ما صنعنا بحجر، وأصحابه، وأشياعه، وشيعة أبيك؟
# فقال عليه السلام: وما صنعت بهم؟
# قال: قتلناهم، وكفناهم، وصلينا عليهم.
# فضحك الحسين عليه السلام ثم قال: خصمك القوم يا معاوية، لكننا لو قتلنا
~~شيعتك .
# PageV02P019
# ما كفناهم، ولا صلينا عليهم، ولا قبرناهم، ولقد بلغني وقيعتك في علي
~~وقيامك ببغضنا، واعتراضك بني هاشم بالعيوب، فإذا فعلت ذلك فارجع إلى نفسك،
~~ثم سلها الحق عليها ولها، فإن لم تجدها أعظم عيبا فما أصغر عيبك فيك، وقد
~~ظلمناك يا معاوية فلا توترن غير قوسك، ولا ترمين غير غرضك، ولا ترمنا
~~بالعداوة من مكان قريب، فإنك والله لقد أطعت فينا رجلا ما قدم إسلامه، ولا
~~حدث نفاقه، ولا نظر لك فانظر لنفسك أو دع - يعني: (عمرو بن العاص).
# وقال عليه السلام - في جواب كتاب كتب إليه معاوية على طريق الإحتجاج -:
# أما بعد: فقد بلغني كتابك أنه بلغك عني أمور أن بي عنها غنى، وزعمت أني
~~راغب فيها، وأنا بغيرها عنك جدير، أما ما رقى إليك عني فإنه رقاه إليك
~~الملاقون المشاؤن بالنمائم المفرقون بين الجمع، كذب الساعون الواشون ما
~~أردت حربك ولا خلافا عليك وأيم الله إني لأخاف الله عز ذكره في ترك ذلك،
~~وما أظن الله تبارك وتعالى براض عني بتركه، ولا عاذري بدون الاعتذار إليه
~~فيك، وفي أولئك القاسطين الملبين حزب الظالمين، بل أولياء الشيطان الرجيم،
~~ألست قاتل حجر بن عدي أخي كندة وأصحابه الصالحين المطيعين العابدين، كانوا
~~ينكرون الظلم، ويستعظمون المنكر والبدع، ويؤثرون ms307 حكم الكتاب، ولا يخافون في
~~الله لومة لائم، فقتلتهم ظلما وعدوانا، بعدما كنت أعطيتهم الإيمان المغلظة،
~~والمواثيق المؤكدة، لا تأخذهم بحدث كان بينك وبينهم، ولا بأحنة تجدها في
~~صدرك عليهم، أو لست قاتل عمرو ابن الحمق صاحب رسول الله، العبد الصالح الذي
~~أبلته العبادة فصفرت لونه، ونحلت جسمه، بعد أن أمنته وأعطيته من عهود الله
~~عز وجل وميثاقه ما لو أعطيته العصم ففهمته لنزلت إليك من شعف الجبال، ثم
~~قتلته جرأة على الله عز وجل، واستخفافا بذلك العهد، أو لست المدعي زياد بن
~~سمية، المولود على فراش عبيد عبد ثقيف، فزعمت أنه ابن أبيك، وقد قال رسول
~~الله: (الولد للفراش وللعاهر الحجر) فتركت سنة رسول الله واتبعت هواك بغير
~~هدى من الله، ثم سلطته على أهل العراق فقطع أيدي المسلمين وأرجلهم وسمل
~~أعينهم، وصلبهم على جذوع النخل PageV02P020
# كأنك لست من هذه الأمة، وليسوا منك؟ أو لست صاحب الحضرميين الذين كتب
~~إليك فيهم ابن سمية أنهم: على دين علي ورأيه، فكتبت إليه اقتل كل من كان
~~على دين علي عليه السلام ورأيه فقتلهم، ومثل بهم بأمرك، ودين علي والله
~~وابن علي الذي كان يضرب عليه أباك، وهو أجلسك بمجلسك الذي أنت فيه ولولا
~~ذلك لكان أفضل شرفك وشرف أبيك تجشم الرحلتين اللتين بنا من الله عليكم
~~فوضعهما عنكم؟ وقلت فيما تقول أنظر نفسك ولدينك ولأمة محمد صلى الله عليه
~~وآله، واتق شق عصا هذه الأمة، وأن تردهم في فتنة، فلا أعرف فتنة أعظم من
~~ولايتك عليها، ولا أعلم نظرا لنفسي وولدي وأمة جدي أفضل من جهادك، فإن
~~فعلته فهو قربة إلى الله عز وجل، وإن تركته فأستغفر الله لذنبي وأسأله
~~توفيقي لإرشاد أموري، وقلت فيما تقول إن أنكرك تنكرني، وإن أكدك تكدني، وهل
~~رأيك الأكيد الصالحين منذ خلقت؟! فكدني ما بدا لك إن شئت فإني أرجو أن لا
~~يضرني كيدك، وأن لا يكون على أحد أضر منه على نفسك، على أنك تكيد فتوقظ
~~عدوك، وتوبق نفسك، كفعلك بهؤلاء الذين قتلتهم ومثلث ms308 بهم بعد الصلح والأيمان
~~والعهد والميثاق فقتلتهم من غير أن يكونوا قتلوا إلا لذكرهم فضلنا،
~~وتعظيمهم حقنا، بما به شرفت وعرفت، مخافة أمر لعلك لو لم تقتلهم مت قبل أن
~~يفعلوا، أو ماتوا قبل أن يدركوا، أبشر يا معاوية بقصاص، واستعد للحساب،
~~واعلم أن لله عز وجل كتابا لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها وليس الله
~~تبارك وتعالى بناس أخذك بالظنة، وقتلك أولياءه بالتهمة، ونفيك إياهم من دار
~~الهجرة إلى دار الغربة والوحشة وأخذك الناس ببيعة ابنك، غلام من الغلمان،
~~يشرب الشراب، ويلعب بالكعاب لا أعلمك إلا قد خسرت نفسك، وشريت دينك، وغششت
~~رعيتك، وأخزيت أمانتك، وسمعت مقالة السفيه الجاهل، وأخفت التقي الورع
~~الحليم.
# قال: فلما قرأ معاوية كتاب الحسين عليه السلام قال: لقد كان في نفسه ضب
~~علي ما كنت أشعر به.
# فقال ابنه يزيد، وعبد الله بن أبي عمير بن جعفر: أجبه جوابا شديدا
~~PageV02P021
# تصغر إليه نفسه، وتذكر أباه بأسوء فعله وآثاره.
# فقال: كلا أرأيتما لو أني أردت أن أعيب عليا محقا ما عسيت أن أقول، إن
~~مثلي لا يحسن به أن يعيب بالباطل، وما لا يعرف الناس، ومتى عبت رجلا بما لا
~~يعرف لم يحفل به صاحبه ولم يره شيئا، وما عسيت أن أعيب حسينا، وما أرى
~~للعيب فيه موضعا إلا أني قد أردت أن أكتب إليه وأتوعده وأهدده، وأجهله ثم
~~رأيت لا أفعل.
# قال: فما كتب إليه بشئ يسوءه، ولا قطع عنه شيئا كان يصله به، كان يبعث
~~إليه في كل سنة ألف ألف درهم سوى عروض وهدايا من كل ضرب.
# احتجاجه صلوات الله عليه بإمامته على معاوية وغيره وذكر طرف من مفاخراته
~~ومشاجراته التي جرت له مع معاوية وأصحابه.
# عن موسى بن عقبة (1) أنه قال: لقد قيل لمعاوية: إن الناس قد رموا أبصارهم
~~إلى الحسين عليه السلام، فلو قد أمرته يصعد المنبر ويخطب فإن فيه حصرا أو
~~في لسانه كلالة.
# فقال لهم معاوية: قد ظننا ذلك بالحسن، فلم يزل حتى عظم في أعين الناس ms309
~~وفضحنا، فلم يزالوا به حتى قال للحسين: يا أبا عبد الله لو صعدت المنبر
~~فخطبت.
# فصعد الحسين عليه السلام على المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على
~~النبي صلى الله عليه وآله فسمع رجلا يقول:
# من هذا الذي يخطب؟
# فقال الحسين عليه السلام: نحن حزب الله الغالبون، وعترة رسول الله صلى
~~الله عليه وآله الأقربون، وأهل بيته الطيبون، واحد الثقلين اللذين جعلنا
~~رسول الله صلى الله عليه وآله ثاني كتاب الله تبارك وتعالى، الذي فيه تفصيل
~~كل شئ، لا يأتيه الباطل من بين يديه .
# PageV02P022
# ولا من خلفه، والمعول علينا في تفسيره، لا يبطينا تأويله، بل نتبع
~~حقايقه.
# فأطيعونا فإن طاعتنا مفروضة، أن كانت بطاعة الله ورسوله مقرونة، قال الله
~~عز وجل: (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شئ
~~فردوه إلى الله والرسول) وقال: (ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منكم
~~لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته لا تبعتم الشيطان
~~إلا قليلا).
# وأحذركم الاصغاء إلى هتوف الشيطان بكم فإنه لكم عدو مبين فتكونوا
~~كأوليائه الذين قال لهم لا غالب لكم اليوم من الناس وأني جار لكم فلما
~~تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال إني برئ منكم فتلقون للسيوف ضربا وللرماح
~~وردا وللعمد حطما وللسهام غرضا ثم لا يقبل من نفس إيمانها لن تكن آمنت من
~~قبل أو كسبت في إيمانها خيرا قال معاوية: حسبك يا أبا عبد الله قد بلغت.
# وعن محمد بن السايب (1) أنه قال: قال مروان بن الحكم يوما للحسين ابن علي
~~عليه السلام.
# لولا فخركم بفاطمة بم كنتم تفتخرون علينا؟ فوثب الحسين عليه السلام -
~~وكان عليه السلام شديد القبضة - فقبض على حلقه فعصره، ولوى عمامته على عنقه
~~حتى غشي عليه، ثم تركه، وأقبل الحسين عليه السلام على جماعة من قريش فقال:
# أنشدكم بالله إلا صدقتموني إن صدقت أتعلمون أن في الأرض حبيبين كانا أحب
~~إلى رسول الله صلى الله عليه وآله مني ومن أخي؟ أو على ظهر الأرض ابن بنت ms310
~~نبي غيري وغير أخي؟
# قالوا: اللهم لا.
# قال: وأني لا أعلم أن في الأرض ملعون ابن ملعون غير هذا وأبيه، طريدي
~~رسول الله، والله ما بين جابرس وجابلق أحدهما بباب المشرق والآخر بباب
~~المغرب رجلان ممن ينتحل الإسلام أعدى لله ولرسوله ولأهل بيته منك ومن أبيك
~~إذا كان وعلامة قولي فيك أنك: إذا غضبت سقط رداؤك عن منكبك.
# .
# PageV02P023
# قال: فوالله ما قام مروان من مجلسه حتى غضب فانتفض وسقط رداؤه عن عاتقه.
# احتجاجه عليه السلام على أهل الكوفة بكربلا. عن مصعب بن عبد الله (1) لما
~~استكف الناس بالحسين عليه السلام ركب فرسه واستنصت الناس، حمد الله وأثنى
~~عليه، ثم قال:
# تبا لكم أيتها الجماعة وترحا وبؤسا لكم! حين استصرختمونا ولهين،
~~فأصرخناكم موجفين، فشحذتم علينا سيفا كان في أيدينا، وحمشتم علينا نارا
~~أضرمناها على عدوكم وعدونا، فأصبحتم إلبا على أوليائكم، ويدا على أعدائكم
~~من غير عدل أفشوه فيكم، ولا أمل أصبح لكم فيهم، ولا ذنب كان منا إليكم،
~~فهلا لكم الويلات إذ كرهتمونا والسيف مشيم، والجأش طامن، والرأي لم يستحصف
~~ولكنكم أسرعتم إلى بيعتنا كطيرة الدبا، وتهافتم إليها كتهافت الفراش، ثم
~~نقضتموها سفها وضلة، فبعدا وسحقا لطواغيت هذه الأمة! وبقية الأحزاب، ونبذة
~~الكتاب، ومطفئي السنن، ومؤاخي المستهزئين، الذين جعلوا القرآن عضين، وعصاة
~~الإمام، وملحقي العهرة بالنسب، ولبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم
~~وفي العذاب هم خالدون.
# أفهؤلاء تعضدون، وعنا تتخاذلون!! أجل والله، خذل فيكم معروف، نبتت عليه
~~أصولكم، واتذرت عليه عروقكم، فكنتم أخبث ثمر شجر للناظر، وأكلة للغاصب، ألا
~~لعنة الله على الظالمين الناكثين الذين ينقضون الأيمان بعد توكيدها وقد
~~جعلوا الله عليهم كفيلا، ألا وإن الدعي ابن الدعي قد تركني بين السلة
~~والذلة وهيهات له ذلك مني! هيهات منا الذلة! أبى الله ذلك لنا ورسوله
~~والمؤمنون .
# PageV02P024
# وحجور طهرت وجدود طابت، أن يؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام، الأواني
~~زاحف بهذه الأسرة على قلة العدد، وكثرة العدو، وخذلة الناصر، ثم تمثل فقال
~~شعرا:
# فإن نهزم فهزامون قدما وإن ms311 نهزم فغير مهزمينا وما أن طبنا جبن ولكن
~~منايانا ودولة آخرينا فلو خلد الملوك إذا خلدنا ولو بقي الكرام إذا بقينا
~~فقل للشامتين بنا أفيقوا سيلقى الشامتون بما لقينا وقيل: أنه لما قتل أصحاب
~~الحسين عليه السلام وأقاربه وبقي فريدا ليس معه إلا ابنه علي زين العابدين
~~عليه السلام، وابن آخر في الرضاع اسمه عبد الله، فتقدم الحسين عليه السلام
~~إلى باب الخيمة فقال:
# ناولوني ذلك الطفل حتى أودعه! فناولوه الصبي جعل يقبله وهو يقول:
# يا بني ويل لهؤلاء القوم إذا كان خصمهم محمد صلى الله عليه وآله، قيل:
~~فإذا بسهم قد أقبل حتى وقع في لبة الصبي فقتله، فنزل الحسين عن فرسه وحفر
~~للصبي بجفن سيفه ورمله بدمه ودفنه، ثم وثب قائما وهو يقول:
# كفر القوم وقدما رغبوا * عن ثواب الله رب الثقلين قتلوا قدما عليا وابنه
~~* حسن الخير كريم الطرفين حنقا منهم وقالوا اجمعوا * نفتك الآن جميعا
~~بالحسين يالقوم من أناس رذل جمعوا * الجمع لأهل الحرمين ثم صاروا وتواصوا
~~كلهم * باحتياج لرضاء الملحدين لم يخافوا الله في سفك دمي * لعبيد الله نسل
~~الكافرين وابن سعد قد رماني عنوة * بجنود كوكوف الهاطلين لا لشئ كان مني
~~قبل ذا * غير فخري بضياء الفرقدين بعلي الخير من بعد النبي * والنبي القرشي
~~الوالدين خيرة الله من الخلق أبي * ثم أمي فأنا ابن الخيرتين PageV02P025
# فضة قد خلقت من ذهب * فأنا الفضة وابن الذهبين من له جد كجدي في الورى *
~~أو كشيخي فإنا ابن القمرين فاطم الزهراء أمي وأبي * قاصم الكفر ببدر وحنين
~~عروة الدين علي المرتضى * هادم الجيش مصلي القبلتين وله في يوم أحد وقعة *
~~شفت الغل بقبض العسكرين ثم بالأحزاب والفتح معا * كان فيها حتف أهل
~~القبلتين في سبيل الله ماذا صنعت * أمة السوء معا بالعترتين عترة البر
~~التقي المصطفى * وعلى القرم يوم الجحفلين عبد الله غلاما يافعا * وقريش
~~يعبدون الوثنين وقلى الأوثان لم يسجد لها * مع قريش لا ولا طرفة عين طعن
~~الأبطال لما برزوا * يوم بدر وتبوك وحنين ثم تقدم ms312 الحسين عليه السلام حتى
~~وقف قبالة القوم وسيفه مصلت في يده آيسا من نفسه، عازما على الموت، وهو
~~يقول:
# أنا ابن علي الطهر من آل هاشم * كفاني بهذا مفخرا حين أفخر وجدي رسول
~~الله أكرم من مشى * ونحن سراج الله في الخلق نزهر وفاطم أمي من سلالة أحمد
~~* وعمي يدعى ذو الجناحين جعفر وفينا كتاب الله أنزل صادقا * وفينا الهدى
~~والوحي بالخير تذكر ونحن أمان الله للناس كلهم * نطول بهذا في الأنام ونجهر
~~ونحن حماة الحوض نسقي * ولاتنا بكأس رسول الله ما ليس ينكر وشيعتنا في
~~الحشر أكرم شيعة * ومبغضنا يوم القيامة يخسر PageV02P026
# احتجاج فاطمة الصغرى على أهل الكوفة.
# عن زيد بن موسى بن جعفر (1) عن أبيه عن آبائه عليهم السلام قال:
# خطبت فاطمة الصغرى عليها السلام بعد أن ردت من كربلا فقالت:
# الحمد لله عدد الرمل والحصى، وزنة العرش إلى الثرى، أحمده وأومن به
~~وأتوكل عليه، وأشهد: أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده
~~ورسوله، وأن أولاده ذبحوا بشط الفرات من غير دخل ولا تراث، اللهم إني أعوذ
~~بك أن أفتري عليك الكذب، وأن أقول خلاف ما أنزلت عليه من أخذ العهود لوصيه
~~علي بن أبي طالب عليه السلام، المسلوب حقه، المقتول من غير ذنب، كما قتل
~~ولده بالأمس في بيت من بيوت الله، وبها معشر مسلمة بألسنتهم، تعسا لرؤوسهم!
# ما دفعت عنه ضيما في حياته ولا عند مماته، حتى قبضته إليك محمود النقيبة،
~~طيب الضريبة، معروف المناقب، مشهور المذاهب، لم تأخذه فيك لومة لائم، ولا
~~عذل عاذل، هديته يا رب للإسلام صغيرا، وحمدت مناقبه كبيرا، ولم يزل ناصحا
~~لك ولرسولك صلى الله عليه وآله صلواتك عليه وآله حتى قبضته إليك، زاهدا في
~~الدنيا غير حريص عليها، راغبا في الآخرة مجاهدا لك في سبيلك، رضيته
~~فاخترته، وهديته إلى طريق مستقيم.
# أما بعد يا أهل الكوفة! يا أهل المكر والغدر والخيلاء، أنا أهل بيت
~~ابتلانا الله بكم، وابتلاكم بنا، فجعل بلائنا حسنا، وجعل علمه عندنا ms313 وفهمه
~~لدينا، فنحن عيبة علمه، ووعاء فهمه وحكمته، وحجته في الأرض في بلاده
~~لعباده، أكرمنا الله بكرامته، وفضلنا بنبيه صلى الله عليه وآله على كثير من
~~خلقه تفضيلا، فكذبتمونا، وكفرتمونا، ورأيتم قتالنا حلالا، وأموالنا نهبا،
~~كأنا أولاد الترك أو كابل،
# PageV02P027
# كما قتلتم جدنا بالأمس، وسيوفكم تقطر من دمائنا أهل البيت لحقد متقدم،
~~قرت بذلك عيونكم، وفرحت به قلوبكم، اجتراءا منكم على الله، ومكرا مكرتم
~~والله خير الماكرين، فلا تدعونكم أنفسكم إلى الجذل بما أصبتم من دمائنا (1)
~~ونالت أيديكم من أموالنا، فإن ما أصابنا من المصائب الجليلة، والرزايا
~~العظيمة في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير لكيلا تأسوا على ما
~~فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم والله لا يحب كل مختال فخور.
# تبا لكم! فانتظروا اللعنة والعذاب، فكأن قد حل بكم، وتواترت من السماء
~~نقمات فيسحتكم بما كسبتم (2) ويذيق بعضكم بأس بعض، ثم تخلدون في العذاب
~~الأليم يوم القيامة بما ظلمتمونا، ألا لعنة الله على الظالمين، ويلكم
~~أتدرون أية يد طاعنتنا منكم، أو أية نفس نزعت إلى قتالنا، أم بأية رجل
~~مشيتم إلينا، تبغون محاربتنا؟ قست قلوبكم، وغلظت أكبادكم، وطبع على
~~أفئدتكم، وختم على سمعكم وبصركم، وسول لكم الشيطان وأملى لكم وجعل على
~~بصركم غشاوة فأنتم لا تهتدون.
# تبا لكم يا أهل الكوفة! كم تراث لرسول الله صلى الله عليه وآله قبلكم،
~~وذحوله لديكم، ثم غدرتم بأخيه علي بن أبي طالب عليه السلام جدي، وبنيه عترة
~~النبي الطيبين الأخيار، وافتخر بذلك مفتخر فقال:
# (نحن قتلنا عليا وبني علي بسيوف هندية ورماح، وسبينا نساؤهم سبي ترك
~~ونطحناهم فأي نطاح).
# فقالت: بفيك أيها القائل الكثكث (3) ولك الأثلب (4) افتخرت بقتل قوم
~~زكاهم الله وطهرهم، وأذهب عنهم الرجس، فاكظم واقع كما أقعى أبوك، وإنما لكل
~~امرء ما قدمت يداه، حسدتمونا ويلا لكم على ما فضلنا الله.
# PageV02P028
# فما ذنبنا أن جاش دهر بحورنا * وبحرك ساج لا يواري الدعامصا (1) ذلك فضل
~~الله يؤتيه من يشاء ومن لم يجعل الله له نورا فما له من ms314 نور.
# قال: فارتفعت الأصوات بالبكاء وقالوا: حسبك يا بنت الطيبين! فقد أحرقت
~~قلوبنا، وأنضجت نحورنا، وأضرمت أجوافنا، فسكتت عليها وعلى أبيها وجدها
~~السلام خطبة زينب بنت علي بن أبي طالب بحضرة أهل الكوفة في ذلك اليوم
~~تقريعا لهم وتأنيبا.
# عن حذيم بن شريك الأسدي (2) قال لما أتى علي بن الحسين زين العابدين
~~بالنسوة من كربلاء، وكان مريضا، وإذا نساء أهل الكوفة ينتدبن مشققات
~~الجيوب، والرجال معهن يبكون.
# فقال زين العابدين عليه السلام - بصوت ضئيل وقد نهكته العلة -: إن هؤلاء
~~يبكون علينا فمن قتلنا غيرهم، فأومت زينب بنت علي بن أبي طالب عليهما
~~السلام إلى الناس بالسكوت. قال حذيم الأسدي: لم أر والله خفرة قط أنطق
~~منها، كأنها تنطق وتفرغ على لسان علي عليه السلام، وقد أشارت إلى الناس بأن
~~انصتوا فارتدت الأنفاس وسكنت الأجراس، ثم قالت - بعد حمد الله تعالى
~~والصلاة على رسوله صلى الله عليه وآله - أما بعد يا أهل الكوفة يا أهل
~~الختل (3) والغدر، والخذل!! ألا فلا رقأت العبرة (4) ولا هدأت الزفرة، إنما
~~مثلكم كمثل التي نقضت غزلها من بعد
# PageV02P029
# قوة أنكاثا (1) تتخذون أيمانكم دخلا بينكم (2) هل فيكم إلا الصلف (3)
~~والعجب، والشنف (4) والكذب، وملق الإماء وغمز الأعداء (5) أو كمرعى على
~~دمنة (6) أو كفضة على ملحودة (7) ألا بئس ما قدمت لكم أنفسكم أن سخط الله
~~عليكم وفي العذاب أنتم خالدون، أتبكون أخي؟! أجل والله فابكوا فإنكم أحرى
~~بالبكاء فابكوا كثيرا، واضحكوا قليلا، فقد أبليتم بعارها، ومنيتم بشنارها
~~(8) ولن ترحضوا أبدا (9) وأنى ترحضون قتل سليل خاتم النبوة ومعدن الرسالة،
~~وسيد شباب أهل الجنة، وملاذ حربكم، ومعاذ حزبكم ومقر سلمكم، واسى كلمكم
~~(10) ومفزع نازلتكم، والمرجع إليه عند مقاتلتكم ومدرة حججكم (11) ومنار
~~محجتكم، ألا ساء ما قدمت لكم أنفسكم، وساء ما تزرون ليوم بعثكم، فتعسا
~~تعسا! ونكسا نكسا! لقد خاب السعي، وتبت الأيدي، وخسرت الصفة، وبؤتم بغضب من
~~الله، وضربت عليكم الذلة والمسكنة، أتدرون ويلكم أي كبد لمحمد صلى الله
~~عليه وآله فرثتم؟! وأي عهد نكثتم؟! وأي كريمة له أبرزتم؟! وأي حرمة ms315 له
~~هتكتم؟! وأي دم له سفكتم؟! لقد جئتم شيئا إدا تكاد السماوات يتفطرن منه
~~وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا! لقد جئتم بها شوهاء صلعاء، عنقاء، سوداء،
~~فقماء خرقاء (12) كطلاع الأرض، أو ملأ السماء (13) .
# PageV02P030
# أفعجبتم أن تمطر السماء دما، ولعذاب الآخرة أخزى وهم لا ينصرون، فلا
~~يستخفنكم المهل، فإنه عز وجل لا يحفزه البدار (1) ولا يخشى عليه فوت الثار،
~~كلا إن ربك لنا ولهم لبالمرصاد، ثم أنشأت تقول عليها السلام:
# ماذا تقولون إذ قال النبي لكم * ماذا صنعتم وأنتم آخر الأمم بأهل بيتي
~~وأولادي وتكرمتي * منهم أسارى ومنهم ضرجوا بدم ما كان ذاك جزائي إذ نصحت
~~لكم * أن تخلفوني بسوء في ذوي رحم إني لأخشى عليكم أن يحل بكم * مثل العذاب
~~الذي أودى على ارم ثم ولت عنهم.
# قال حذيم: فرأيت الناس حيارى قد ردوا أيديهم في أفواههم، فالتفت إلي شيخ
~~في جانبي يبكي وقد اخضلت لحيته بالبكاء، ويده مرفوعة إلى السماء، وهو يقول:
~~بأبي وأمي كهولهم خير كهول، ونساؤهم خير نساء، وشبابهم خير شباب ونسلهم نسل
~~كريم، وفضلهم فضل عظيم، ثم أنشد:
# كهولكم خير الكهول ونسلكم * إذا عد نسل لا يبور ولا يخزى فقال علي بن
~~الحسين عليه السلام يا عمة اسكتي ففي الباقي من الماضي اعتبار، وأنت بحمد
~~الله عالمة غير معلمة، فهمة غير مفهمة، إن البكاء والحنين لا يردان من قد
~~أباده الدهر، فسكتت. ثم نزل عليه السلام وضرب فسطاطه، وأنزل نسائه ودخل
~~الفسطاط.
# احتجاج علي بن الحسين عليهما السلام على أهل الكوفة حين خرج من الفسطاط
~~وتوبيخه إياهم على غدرهم ونكثهم.
# قال حذيم بن شريك الأسدي: خرج زين العابدين عليه السلام إلى الناس وأومئ
~~إليهم أن اسكتوا فسكتوا، وهو قائم، فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على نبيه،
~~ثم قال:
# .
# PageV02P031
# أيها الناس من عرفني فقد عرفني! ومن لم يعرفني فأنا علي بن الحسين،
~~المذبوح بشط الفرات من غير دخل ولا تراث، أنا ابن من انتهك حريمه، وسلب
~~نعيمه، وانتهب ماله، وسبي عياله، أنا ابن من قتل صبرا، فكفى ms316 بذلك فخرا.
# أيها الناس ناشدتكم بالله هل تعلمون أنكم كتبتم إلى أبي وخدعتموه،
~~وأعطيتموه من أنفسكم العهد والميثاق والبيعة؟ قاتلتموه وخذلتموه فتبا لكم
~~ما قدمتم لأنفسكم وسوء لرأيكم، بأية عين تنظرون إلى رسول الله صلى الله
~~عليه وآله، يقول لكم: قتلتم عترتي، وانتهكتم حرمتي، فلستم من أمتي.
# قال: فارتفعت أصوات الناس بالبكاء، ويدعو بعضهم بعضا: هلكتم وما تعلمون.
# فقال علي بن الحسين، رحم الله امرءا قبل نصيحتي، وحفظ وصيتي في الله وفي
~~رسوله، وفي أهل بيته، فإن لنا في رسول الله أسوة حسنة.
# فقالوا بأجمعهم؟ نحن كلنا يا بن رسول الله سامعون مطيعون حافظون لذمامك،
~~غير زاهدين فيك، ولا راغبين عنك، فمرنا بأمرك رحمك الله فإنا حرب لحربك،
~~سلم لسلمك، لنأخذن ترتك وترتنا، عمن ظلمك وظلمنا.
# فقال علي بن الحسين عليه السلام: هيهات هيهات!! أيها الغدرة المكرة، حيل
~~بينكم وبين شهوات أنفسكم، أتريدون أن تأتوا إلي كما أتيتم إلى آبائي من قبل
~~كلا ورب الراقصات إلى منى، فإن الجرح لما يندمل!! قتل أبي بالأمس، وأهل
~~بيته معه، فلم ينسني ثكل رسول الله صلى الله عليه وآله، وثكل أبي وبني أبي
~~و جدي شق لهازمي، ومرارته بين حناجري وحلقي، وغصصه تجري في فراش صدري.
# و مسألتي أن لا تكونوا لنا ولا علينا:
# ثم قال عليه السلام:
# لا غرو أن قتل الحسين وشيخه * قد كان خيرا من حسين وأكرما فلا تفرحوا يا
~~أهل كوفة بالذي * أصيب حسين كان ذلك أعظما قتيل بشط النهر نفسي فداؤه *
~~جزاء الذي أرداه نار جهنما PageV02P032
# احتجاجه عليه السلام بالشام على بعض أهلها حين قدم به وبمن معه على يزيد
~~لعنه الله.
# وعن ديلم بن عمر قال: كنت بالشام حين أتي بسبايا آل محمد صلى الله عليه
~~وآله، فأقيموا على باب المسجد حيث تقام السبايا، وفيهم علي بن الحسين،
~~فأتاهم شيخ من أشياخ أهل الشام فقال:
# الحمد لله الذي قتلكم، وأهلككم، وقطع قرون الفتنة. فلم يأل عن سبهم
~~وشتمهم، فلما انقضى كلامه.
# قال له علي بن الحسين عليه ms317 السلام: إني قد أنصت لك حتى فرغت من منطقك،
~~وأظهرت ما في نفسك من العداوة والبغضاء، فانصت لي كما أنصت لك.
# فقال له: هات.
# قال علي عليه السلام: أما قرأت كتاب الله عز وجل؟
# قال: نعم.
# فقال عليه السلام له: أما قرأت هذه الآية (قل لا أسئلكم عليه أجرا إلا
~~المودة في القربى).
# قال: بلى.
# فقال عليه السلام: نحن أولئك فهل تجد لنا في سورة بني إسرائيل حقا خاصة
~~دون المسلمين؟
# فقال: لا.
# فقال: أما قرأت هذه الآية؟ وآت ذا القربى حقه؟
# قال: نعم.
# قال علي عليه السلام: فنحن أولئك الذين أمر الله نبيه أن يؤتيهم حقهم.
# فقال الشامي: إنكم لأنتم هم؟
# فقال علي عليه السلام: نعم. فهل قرأت هذه الآية واعلموا إنما غنمتم من شئ
~~PageV02P033
# فإن لله خمسه وللرسول ولذي القربى؟
# فقال له الشامي: بلى.
# فقال علي عليه السلام: فنحن ذو القربى، فهل تجد لنا في سورة الأحزاب حقا
~~خاصة دون المسلمين؟
# فقال: لا.
# قال علي بن الحسين عليه السلام: أما قرأت هذه الآية: (إنما يريد الله
~~ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا)؟
# قال: فرفع الشامي يده إلى السماء ثم قال:
# اللهم إني أتوب إليك! ثلاث مرات، اللهم إني أتوب إليك من عداوة آل محمد،
~~وأبرء إليك ممن قتل أهل بيت محمد، ولقد قرأت القرآن منذ دهر فما شعرت بها
~~قبل اليوم.
# احتجاج زينب بنت علي بن أبي طالب حين رأت يزيد (لعنه الله) يضرب ثنايا
~~الحسين (ع) بالمخصرة.
# روى شيخ صدوق من مشايخ بني هاشم وغيره من الناس: أنه لما دخل علي ابن
~~الحسين عليه السلام وحرمه على يزيد، وجيئ برأس الحسين عليه السلام ووضع بين
~~يديه في طست، فجعل يضرب ثناياه بمخصرة كانت في يده، وهو يقول:
# لعبت هاشم بالملك فلا * خبر جاء ولا وحي نزل ليت أشياخي ببدر شهدوا * جزع
~~الخزرج من وقع الأسل لأهلوا واستهلوا فرحا * ولقالوا يا يزيد لا تشل
~~فجزيناه ببدر مثللا * وأقمنا مثل بدر فاعتدل لست من خندف إن لم أنتقم ms318 * من
~~بني أحمد ما كان فعل قالوا: فلما رأت زينب ذلك فأهوت إلى حبيبها فشقت، ثم
~~نادت بصوت حزين تقرع القلوب، يا حسيناه! يا حبيب رسول الله! يا بن مكة
~~ومنى! يا بن فاطمة الزهراء سيدة النساء! يا بن محمد المصطفى. PageV02P034
# قال: فأبكت والله كل من كان، ويزيد ساكت، ثم قامت على قدميها، وأشرفت على
~~المجلس، وشرعت في الخطبة، إظهارا لكمالات محمد صلى الله عليه وآله، وإعلانا
~~بأنا نصبر لرضاء الله، لا لخوف ولا دهشة، فقامت إليه زينب بنت علي وأمها
~~فاطمة بنت رسول الله وقالت:
# الحمد لله رب العالمين، والصلاة على جدي سيد المرسلين، صدق الله سبحانه
~~كذلك يقول: (ثم كان عاقبة الذين أساؤا السؤى أن كذبوا بآيات الله وكانوا
~~بها يستهزؤن) أظننت يا يزيد حين أخذت علينا أقطار الأرض، وضيقت علينا آفاق
~~السماء، فأصبحنا لك في أسار، نساق إليك سوقا في قطار، وأنت علينا ذو اقتدار
~~أن بنا من الله هوانا وعليك منه كرامة وامتنانا، وأن ذلك لعظم خطرك، وجلالة
~~قدرك، فشمخت بأنفك، ونظرت في عطفك (1) تضرب أصدريك فرحا (2) وتنقض مذرويك
~~مرحا (3) حين رأيت الدنيا لك مستوسقة (4) والأمور لديك متسقة (5) وحين صفا
~~لك ملكنا، وخلص لك سلطاننا، فمهلا مهلا لا تطش جهلا أنسيت قول الله عز وجل:
~~(ولا تحسبن الذين كفروا إنما نملي لهم خيرا لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا
~~إثما ولهم عذاب مهين).
# أمن العدل يا بن الطلقاء؟! تخديرك حرائرك وإمائك، وسوقك بنات رسول الله
~~سبايا، قد هتكت ستورهن، وأبديت وجوههن، تحدوا بهن الأعداء من بلد إلى بلد،
~~وتستشرفهن المناقل (6) ويتبرزن لأهل المناهل (7) ويتصفح وجوههن القريب
~~والبعيد، والغائب والشهيد، والشريف والوضيع، والدني والرفيع ليس معهن من
~~رجالهن ولي، ولا من حماتهن حمي، عتوا منك على الله (8) وجحودا لرسول الله،
~~ودفعا لما جاء به من عند الله، ولا غرو منك ولا عجب من .
# PageV02P035
# فعلك، وأنى يرتجى مراقبة من لفظ فوه أكباد الشهداء ونبت لحمه بدماء
~~السعداء ونصب الحرب لسيد الأنبياء، وجمع الأحزاب، وشهر الحراب، وهز السيوف
~~في وجه ms319 رسول الله صلى الله عليه وآله، أشد العرب جحودا، وأنكرهم له رسولا،
~~وأظهرهم له عدوانا، وأعتاهم على الرب كفرا وطغيانا، ألا إنها نتيجة خلال
~~الكفر، وصب يجرجر في الصدر لقتلى يوم بدر، فلا يستبطئ في بغضنا أهل البيت
~~من كان نظره إلينا شنفا وإحنا وأظغانا، يظهر كفره برسول الله، ويفصح ذلك
~~بلسانه، وهو يقول: - فرحا بقتل ولده وسبي ذريته، غير متحوب ولا مستعظم -.
# لأهلوا واستهلوا فرحا ولقالوا يا يزيد لا تسل منحنيا على ثنايا أبي عبد
~~الله - وكان مقبل رسول الله صلى الله عليه وآله - ينكتها بمخصرته، قد التمع
~~السرور بوجهه، لعمري لقد نكأت القرحة (1) واستأصلت الشأفة، بإراقتك دم سيد
~~شباب أهل الجنة، وابن يعسوب الدين العرب، وشمس آل عبد المطلب، وهتفت
~~بأشياخك، وتقربت بدمه إلى الكفرة من أسلافك، ثم صرخت بندائك ولعمري لقد
~~ناديتهم لو شهدوك! ووشيكا تشهدهم، ولن يشهدوك ولتود يمينك كما زعمت شلت بك
~~عن مرفقها وجدت، وأحببت أمك لم تحملك وإياك لم يلد، أو حين تصير إلى سخط
~~الله ومخاصمك رسول الله صلى الله عليه وآله.
# اللهم خذ بحقنا، وانتقم من ظالمنا، واحلل غضبك على من سفك دمائنا ونقض
~~ذمارنا، وقتل حماتنا، وهتك عنا سدولنا، وفعلت فعلتك التي فعلت، وما فريت
~~إلا جلدك، وما جززت إلا لحمك، وسترد على رسول الله بما تحملت من دم ذريته،
~~وانتهكت من حرمته، وسفكت من دماء عترته ولحمته، حيث يجمع به شملهم، ويلم به
~~شعثهم، وينتقم من ظالمهم، ويأخذ لهم بحقهم من أعدائهم فلا يستفزنك الفرح
~~بقتلهم، ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم
~~يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله، وحسبك بالله وليا وحاكما، وبرسول
~~الله خصما، وبجبرئيل ظهيرا، وسيعلم من بوأك ومكنك من رقاب المسلمين
# PageV02P036
# أن بئس للظالمين بدلا، وأيكم شر مكانا وأضل سبيلا، وما استصغاري قدرك،
~~ولا استعظامي تقريعك (1) توهما لانتجاع الخطاب فيك (2) بعد أن تركت عيون
~~المسلمين به عبرى، وصدورهم عند ذكره حرا، فتلك قلوب قاسية، ونفوس طاغية،
~~وأجسام محشوة بسخط ms320 الله ولعنة الرسول، قد عشش فيه الشيطان، وفرخ، ومن هناك
~~مثلك ما درج، فالعجب كل العجب لقتل الأتقياء، وأسباط الأنبياء، وسليل
~~الأوصياء، بأيدي الطلقاء الخبيثة، ونسل العهرة الفجرة، تنطف أكفهم من
~~دمائنا (3) وتنحلب أفواههم من لحومنا (4) تلك الجثث الزاكية على الجيوب
~~الضاحية، تنتابها العواسل (5) وتعفرها أمهات الفواعل (6) فلئن اتخذتنا
~~مغنما لتجد بنا وشيكا مغرما حين لا تجد إلا ما قدمت يداك، وما الله بظلام
~~للعبيد فإلى الله المشتكى والمعول، وإليه الملجأ والمؤمل، ثم كد كيدك،
~~واجهد جهدك فوالله الذي شرفنا بالوحي والكتاب، والنبوة والانتخاب، لا تدرك
~~أمدنا، ولا تبلغ غايتنا، ولا تمحو ذكرنا، ولا يرحض عنك عارنا، وهل رأيك إلا
~~فند، وأيامك إلا عدد، وجمعك إلا بدد، يوم يناد المنادي ألا لعن الله الظالم
~~العادي.
# والحمد لله الذي حكم لأوليائه بالسعادة، وختم لأصفيائه بالشهادة، ببلوغ
~~الإرادة، نقلهم إلى الرحمة والرأفة، والرضوان والمغفرة، ولم يشق بهم غيرك،
~~ولا ابتلى بهم سواك، ونسأله أن يكمل لهم الأجر، ويجز لهم الثواب والذخر،
~~ونسأله حسن الخلافة، وجميل الإنابة، إنه رحيم ودود.
# فقال يزيد مجيبا لها:
# يا صيحة تحمد من صوايح * ما أهون الموت على النوائح ثم أمر بردهم. وقيل:
~~أن فاطمة بنت الحسين كانت وضيئة الوجه، وكانت
# PageV02P037
# جالسة بين النساء، فقام إلى يزيد رجل من أهل الشام أحمر فقال:
# يا أمير المؤمنين هب لي هذه الجارية! يعني: فاطمة بنت الحسين، فأخذت
~~بثياب عمتها زينب بنت علي بن أبي طالب عليه السلام فقالت:
# أوتم وأستخدم؟!
# فقالت زينب للشامي: كذبت ولؤمت، والله ما ذاك لك ولا له، فغضب يزيد ثم
~~قال:
# إن ذلك لي ولو شئت أن أفعل لفعلت.
# قالت زينب: كلا، والله ما جعل الله ذلك لك، إلا أن تخرج من ملتنا، وتدين
~~بغير ديننا.
# فقال يزيد: إنما خرج من الدين أبوك، وأخوك.
# قالت زينب: بدين الله، ودين أبي، ودين أخي، اهتديت أنت إن كنت مسلما قال
~~يزيد: كذبت يا عدوة الله.
# فقالت زينب: أنت أمير تشتم ظلما، وتقهر بسلطانك.
# فكأنه استحيى فسكت فعاد الشامي ms321 فقال:
# يا أمير المؤمنين هب لي هذه الجارية.
# فقال يزيد: أغرب وهب الله لك حتفا قاضيا احتجاج علي بن الحسين زين
~~العابدين على يزيد بن معاوية لما أدخل عليه.
# روت ثقات الرواة وعدولهم أنه لما أدخل علي بن الحسين زين العابدين عليه
~~السلام في جملة من حمل إلى الشام سبايا من أولاد الحسين بن علي عليه السلام
~~وأهاليه على يزيد قال له:
# يا علي الحمد لله الذي قتل أباك!
# قال علي عليه السلام: قتل أبي الناس.
# قال يزيد: الحمد لله الذي قتله فكفانيه! PageV02P038
# قال علي عليه السلام: على من قتل أبي لعنة الله، أفتراني لعنت الله عز
~~وجل؟
# قال يزيد: يا علي إصعد المنبر فأعلم الناس حال الفتنة، وما رزق الله أمير
~~المؤمنين من الظفر!
# فقال علي بن الحسين: ما أعرفني بما تريد. فصعد المنبر فحمد الله وأثنى
~~عليه، وصلى على رسول الله صلى الله عليه وآله ثم قال:
# أيها الناس من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا أعرفه بنفسي، أنا ابن
~~مكة ومنى، أنا ابن المروة والصفا، أنا ابن محمد المصطفى، أنا ابن من لا
~~يخفى، أنا ابن من علا فاستعلا فجاز سدرة المنتهى فكان من ربه قاب قوسين أو
~~أدنى.
# فضج أهل الشام بالبكاء حتى خشي يزيد أن يرحل من مقعده، فقال - للمؤذن -:
~~أذن فلما قال المؤذن: (الله أكبر، الله أكبر) جلس علي ابن الحسين على
~~المنبر فقال أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله. بكى علي
~~بن الحسين عليه السلام ثم التفت إلى يزيد فقال:
# يا يزيد هذا أبي أم أبوك؟
# قال: بل أبوك. فانزل. فنزل عليه السلام فأخذ بناحية باب المسجد، فلقيه
~~مكحول صاحب رسول الله عليه السلام فقال:
# كيف أمسيت يا بن رسول الله؟
# قال أمسينا بينكم مثل بني إسرائيل في آل فرعون، يذبحون أبنائهم، ويستحيون
~~نسائهم، وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم.
# فلما انصرف يزيد إلى منزله، دعى بعلي بن الحسين عليه السلام فقال:
# يا علي أتصارع ابني خالد؟ ms322
# قال عليه السلام: وما تصنع بمصارعتي إياه، أعطني سكينا واعطه سكينا
~~فليقتل أقوانا أضعفنا، فضمه يزيد إلى صدره، ثم قال:
# لا تلد الحية إلا الحية، أشهد أنك ابن علي بن أبي طالب عليه السلام.
# ثم قال له علي بن الحسين عليه السلام: يا يزيد بلغني أنك تريد قتلي، فإن
~~كنت PageV02P039
# لا بد قاتلي، فوجه مع هؤلاء النسوة من يؤديهن إلى حرم رسول الله صلى الله
~~عليه وآله.
# فقال له يزيد لعنه الله: لا يؤديهن غيرك، لعن الله ابن مرجانة، فوالله ما
~~أمرته بقتل أبيك، ولو كنت متوليا لقتاله ما قتلته، ثم أحسن جائزته وحمله
~~والنساء إلى المدينة.
# احتجاجه (ع) في أشياء شتى من علوم الدين وذكر طرف من مواعظه البليغة.
# جاء رجل من أهل البصرة إلى علي بن الحسين عليه السلام فقال:
# يا علي بن الحسين إن جدك علي بن أبي طالب قتل المؤمنين، فهملت عينا علي
~~بن الحسين دموعا حتى امتلأت كفه منها، ثم ضرب بها على الحصى، ثم قال:
# يا أخا أهل البصرة لا والله ما قتل علي مؤمنا، ولا قتل مسلما، وما أسلم
~~القوم ولكن استسلموا وكتموا الكفر وأظهروا الإسلام، فلما وجدوا على الكفر
~~أعوانا أظهروه، وقد علمت صاحبة الجدب والمستحفظون من آل محمد صلى الله عليه
~~وآله أن أصحاب الجمل وأصحاب صفين وأصحاب النهروان لعنوا على لسان النبي
~~الأمي وقد خاب من افترى.
# فقال شيخ من أهل الكوفة: يا علي بن الحسين إن جدك كان يقول:
# (إخواننا بغوا علينا).
# فقال علي بن الحسين عليه السلام: أما تقرأ كتاب الله (وإلى عاد أخاهم
~~هودا) فهم مثلهم أنجى الله عز وجل هودا والذين معه وأهلك عادا بالريح
~~العقيم.
# وبالإسناد المقدم ذكره: أن علي بن الحسين عليه السلام كان يذكر حال من
~~مسخهم الله قردة من بني إسرائيل ويحكي قصتهم، فلما بلغ آخرها قال: إن الله
~~تعالى مسخ أولئك القوم لإصطيادهم السمك، فكيف ترى عند الله عز وجل يكون حال
~~من قتل أولاد رسول الله صلى الله عليه وآله، ms323 وهتك حريمه؟! إن الله تعالى
~~وإن لم يمسخهم في الدنيا فإن المعد لهم من عذاب الآخرة أضعاف أضعاف عذاب
~~المسخ. PageV02P040
# فقيل له: يا بن رسول الله فإنا قد سمعنا منك هذا الحديث، فقال لنا بعض
~~النصاب: فإن كان قتل الحسين باطلا فهو أعظم عند الله من صيد السمك في
~~السبت، أفما كان الله غضب على قاتليه كما غضب على صيادي السمك؟
# قال علي بن الحسين عليه السلام: قل لهؤلاء النصاب فإن كان إبليس معاصيه
~~أعظم من معاصي من كفر بإغوائه فأهلك الله من شاء منهم، كقوم: نوح، وفرعون،
~~ولم يهلك إبليس، وهو أولى بالهلاك، فما باله أهلك هؤلاء الذين قصروا عن
~~إبليس في عمل الموبقات، وأمهل إبليس مع إيثاره لكشف المحرمات، أما كان ربنا
~~عز وجل حكيما تدبيره حكمة فيمن أهلك وفيمن استبقى؟ فكذلك هؤلاء الصائدون في
~~السبت، وهؤلاء القاتلون للحسين، يفعل في الفريقين ما يعلم أنه أولى بالصواب
~~والحكمة، لا يسأل عما يفعل وعباده يسألون.
# وقال الباقر عليه السلام: فلما حدث علي بن الحسين عليه السلام بهذا
~~الحديث قال له بعض من في مجلسه: يا بن رسول الله كيف يعاتب الله ويوبخ
~~هؤلاء الأخلاف على قبائح أتاها أسلافهم - وهو يقول: (ولا تزروا وازرة وزر
~~أخرى)؟
# فقال زين العابدين عليه السلام: إن القرآن نزل بلغة العرب فهو يخاطب فيه
~~أهل اللسان بلغتهم، يقول الرجل التميمي - قد أغار قومه على بلد وقتلوا من
~~فيه -:
# أغرتم على بلد كذا، وفعلتم كذا، ويقول العربي: نحن فعلنا ببني فلان، ونحن
~~سبينا آل فلان، ونحن خربنا بلد كذا. لا يريد أنهم باشروا ذلك، ولكن يريد
~~هؤلاء بالعذل وأولئك بالإفتخار: أن قومهم فعلوا كذا، وقول الله عز وجل في
~~هذه الآيات إنما هو توبيخ لأسلافهم، وتوبيخ العذل على هؤلاء الموجودين، لأن
~~ذلك هو اللغة التي نزل بها القرآن، والآن هؤلاء الأخلاف أيضا راضون بما فعل
~~أسلافهم، مصوبون لهم، فجاز أن يقال: أنتم فعلتم أي: إذ رضيتم قبيح فعلهم
~~وعن أبي حمزة الثمالي (1) قال: دخل قاض من ms324 قضاة أهل الكوفة على
# PageV02P041
# علي بن الحسين عليه السلام فقال له:
# جعلني الله فداك! أخبرني عن قول الله عزو جل: (وجعلنا بينهم وبين القرى
~~التي باركنا فيها قرى ظاهرة وقدرنا فيها السير سيروا فيها ليالي وأياما
~~آمنين) قال له: ما يقول الناس فيها قبلكم؟
# قال: يقولون: أنها مكة.
# فقال: وهل رأيت السرق في موضع أكثر منه بمكة.
# قال: فما هو؟
# قال: إنما عنى الرجال.
# قال: وأين ذلك في كتاب الله؟
# فقال: أو ما تسمع إلى قوله عز وجل: (وكأين من قرية عتت عن أمر ربها
~~ورسله) وقال: (وتلك القرى أهلكناهم) وقال: (واسأل القرية التي كنا فيها
~~والعير التي أقبلنا فيها) أفيسأل القرية أو الرجال أو العير؟
# قال: وتلا عليه آيات في هذا المعنى.
# قال: جعلت فداك! فمن هم؟ PageV02P042
# قال: نحن هم.
# فقال: أو ما تسمع إلى قوله: (سيروا فيها ليالي وأياما آمنين)؟
# قال: آمنين من الزيغ.
# وروي أن زين العابدين عليه السلام مر بالحسن البصري وهو يعظ الناس بمنى
~~فوقف عليه السلام عليه ثم قال:
# امسك أسألك عن الحال التي أنت عليها مقيم، أترضاها لنفسك فيما بينك وبين
~~الله إذا نزل بك غدا؟
# قال: لا.
# قال: أفتحدث نفسك بالتحول والانتقال عن الحال التي لا ترضاها لنفسك إلى
~~الحال التي ترضاها؟ (قال): فأطرق مليا ثم قال: إني أقول ذلك بلا حقيقة.
# قال: أفترجو نبيا بعد محمد صلى الله عليه وآله يكون لك معه سابقة؟
# قال: لا.
# قال: أفترجو دارا غير الدار التي أنت فيها ترد إليها فتعمل فيها؟
# قال: لا.
# قال: أفرأيت أحدا به مسكة عقل رضي لنفسه من نفسه بهذا؟ إنك على حال لا
~~ترضاها ولا تحدث نفسك بالانتقال إلى حال ترضاها على حقيقة، ولا ترجو نبيا
~~بعد محمد، ولا دار غير الدار التي أنت فيها فترد إليها فتعمل فيها، وأنت
~~تعظ الناس، قال: فلما ولى عليه السلام قال الحسن البصري: من هذا؟
# قالوا: علي بن الحسين.
# قال: أهل بيت علم فما رأي الحسن البصري بعد ذلك يعظ الناس.
# وعن ms325 أبي حمزة الثمالي قال: سمعت علي بن الحسين عليه السلام يحدث رجلا من
~~قريش قال:
# لما تاب الله على آدم واقع حواء ولم يكن غشيها منذ خلق وخلقت إلا في
~~الأرض، وذلك بعد ما تاب الله عليه، قال: وكان آدم يعظم البيت وما حوله من
~~PageV02P043
# حرمة البيت، فكان إذا أراد أن يغشى حواء خرج من الحرم وأخرجها معه، فإذا
~~جاز الحرم غشيها في الحل، ثم يغتسلان إعظاما منه للحرم، ثم يرجع إلى فناء
~~البيت.
# قال: فولد لآدم من حواء عشرون ذكرا وعشرون أنثى، فولد له في كل بطن ذكر
~~وأنثى، فأول بطن ولدت حواء: (هابيل) ومعه جارية يقال لها:
# (أقليما) قال: وولدت في البطن الثاني: (قابيل) ومعه جارية يقال لها
~~(لوزا) وكانت لوزا أجمل بنات آدم. (قال): فلما أدركوا خاف عليهم آدم الفتنة
~~فدعاهم إليه فقال:
# أريد أن أنكحك يا هابيل لوزا، وأنكحك يا قابيل أقليما.
# قال قابيل: ما أرضى بهذا أتنكحني أخت هابيل القبيحة، وتنكح هابيل أختي
~~الجميلة.
# قال: فأنا أقرع بينكما، فإن خرج سهمك يا قابيل على لوزا، وخرج سهمك يا
~~هابيل على أقليما، زوجت كل واحد منكما التي خرج سهمه عليها.
# (قال): فرضيا بذلك، فاقترعا، (قال): فخرج سهم هابيل على لوزا أخت قابيل،
~~وخرج سهم قابيل على أقليما أخت هابيل. قال: فزوجهما على ما خرج لهما من عند
~~الله. (قال) ثم حرم الله نكاح الأخوات بعد ذلك.
# قال: فقال له القرشي: فأولداهما؟
# قال: نعم.
# قال: فقال القرشي: فهذا فعل المجوس اليوم!
# قال: فقال علي بن الحسين: إن المجوس إنما فعلوا ذلك بعد التحريم من الله.
# ثم قال له علي بن الحسين عليه السلام: لا تنكر هذا، إنما هي الشرايع جرت
~~أليس الله قد خلق زوجة آدم منه ثم أحلها له، فكان ذلك شريعة من شرايعهم، ثم
~~أنزل الله التحريم بعد ذلك.
# لقي عباد البصري علي بن الحسين عليه السلام في طريق مكة فقال له:
# يا علي بن الحسين تركت الجهاد وصعوبته، وأقبلت على الحج ولينه، وأن
~~PageV02P044
# الله ms326 عز وجل يقول: (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم
~~الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون - إلى قوله - وبشر المؤمنين).
# فقال علي بن الحسين: إذا رأينا هؤلاء الذين هذه صفتهم فالجهاد معهم أفضل
~~من الحج.
# وسأل عليه السلام عن النبيذ فقال:
# شربه قوم وحرمه قوم صالحون، فكان شهادة الذين دفعوا بشهادتهم شهواتهم
~~أولى أن تقبل من الذين جروا بشهادتهم شهواتهم.
# وعن عبد الله بن سنان (1) عن أبي عبد الله عليه السلام قال:
# قال رجل لعلي بن الحسين عليه السلام: إن فلانا ينسبك إلى أنك ضال مبتدع!
# فقال له علي بن الحسين عليه السلام: ما رعيت حق مجالسة الرجل حيث نقلت
~~إلينا حديثه، ولا أديت حقي حيث أبلغني عن أخي ما لست أعلمه، إن الموت
~~يعمنا، والبعث محشرنا، والقيامة موعدنا، والله يحكم بيننا، إياك والغيبة!
~~فإنها أدام كلاب النار، واعلم أن من أكثر عيوب الناس شهد عليه الاكثار إنه
~~إنما يطلبها بقدر ما فيه.
# وسأل عليه السلام عن الكلام والسكوت أيهما أفضل فقال عليه السلام.
# لكل واحد منهما آفات، فإذا سلما من الآفات، فالكلام أفضل من السكوت قيل:
~~وكيف ذاك يا بن رسول الله؟
# قال: لأن الله عز وجل ما بعث الأنبياء والأوصياء بالسكوت، إنما يبعثهم
# PageV02P045
# بالكلام، ولا استحقت الجنة بالسكوت، ولا استوجب ولاية الله بالسكوت، ولا
~~توقيت النار بالسكوت، ولا نجنب سخط الله بالسكوت، إنما ذلك كله بالكلام وما
~~كنت لأعدل القمر بالشمس، إنك تصف فضل السكوت بالكلام، ولست تصف فضل الكلام
~~بالسكوت.
# روي عن أبي جعفر الباقر عليه السلام قال: لما قتل الحسين بن علي عليه
~~السلام أرسل محمد بن الحنفية إلى علي بن الحسين عليه السلام فخلا به ثم
~~قال:
# يا بن أخي قد علمت أن رسول الله كان جعل الوصية والإمامة من بعده لعلي
~~ابن أبي طالب عليه السلام، ثم إلى الحسن، ثم الحسين، وقد قتل أبوك رضي الله
~~عنه وصلى عليه ولم يوص، وأنا عمك وصنو أبيك، وأنا في سني وقدمتي أحق بها ms327
~~منك في حداثتك، فلا تنازعني الوصية والإمامة، ولا تخالفني.
# فقال له علي بن الحسين عليه السلام: إتق الله ولا تدع ما ليس لك بحق، إني
~~أعظك أن تكون من الجاهلين، يا عم! إن أبي صلوات الله عليه أوصى إلي قبل أن
~~يتوجه إلى العراق، وعهد إلي في ذلك قبل أن يستشهد بساعة، وهذا سلاح رسول
~~الله صلى الله عليه وآله عندي، فلا تعرض لهذا فإني أخاف عليك بنقص العمر،
~~وتشتت الحال وأن الله تبارك وتعالى أبى إلا أن يجعل الوصية والإمامة إلا في
~~عقب الحسين، فإن أردت أن تعلم فانطلق بنا إلى الحجر الأسود حتى نتحكم إليه
~~ونسأله عن ذلك.
# قال الباقر عليه السلام: وكان الكلام بينهما وهما يومئذ بمكة، فانطلقا
~~حتى أتيا الحجر الأسود فقال علي بن الحسين عليه السلام لمحمد:
# ابتدء فابتهل إلى الله واسأله أن ينطق لك الحجر ثم سله. فابتهل محمد في
~~الدعاء وسأل الله ثم دعا الحجر فلم يجبه، فقال علي بن الحسين عليه السلام:
# أما أنك يا عم لو كنت وصيا وإماما لأجابك!
# فقال له محمد: فادع أنت يا بن أخي! فدعا الله علي بن الحسين عليه السلام
~~بما أراد ثم قال: (أسألك بالذي جعل فيك ميثاق الأنبياء وميثاق الأوصياء
~~وميثاق الناس أجمعين، لما أخبرتنا بلسان عربي مبين من الوصي والإمام بعد
~~الحسين بن علي! PageV02P046
# فتحرك الحجر حتى كاد أن يزول عن موضعه، ثم أنطقه الله بلسان عربي مبين
~~فقال:
# اللهم إن الوصية والإمامة بعد الحسين بن علي بن أبي طالب إلى علي بن
~~الحسين بن علي بن أبي طالب، وابن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله،
~~فانصرف محمد وهو يتولى علي بن الحسين عليه السلام.
# وعن ثابت البناني (1) قال: كنت حاجا وجماعة عباد البصرة مثل: أيوب
~~السجستاني، وصالح المروي، وعتبة الغلام، وحبيب الفارسي، ومالك بن دينار
~~فلما أن دخلنا مكة رأينا الماء ضيقا، وقد اشتد بالناس العطش لقلة الغيث
~~ففزع إلينا أهل مكة والحجاج يسألوننا أن نستسقي لهم، فأتينا الكعبة وطفنا ms328
~~بها ثم سألنا الله خاضعين متضرعين بها فمنعنا الإجابة. فبينما نحن كذلك إذا
~~نحن بفتى قد أقبل وقد أكربته أحزانه، وأقلقته أشجانه، فطاف بالكعبة أشواطا
~~ثم أقبل علينا فقال:
# يا مالك بن دينار! ويا ثابت البناني! ويا أيوب السجستاني! ويا صالح
~~المروي ويا عتبة الغلام! ويا حبيب الفارسي! ويا سعد! ويا عمر! ويا صالح
~~الأعمى! ويا رابعة ويا سعدانة! ويا جعفر بن سليمان!
# فقلنا: لبيك وسعديك يا فتى!
# فقال: أما فيكم أحد يحبه الرحمن؟
# فقلنا: يا فتى علينا الدعاء وعليه الإجابة.
# فقال: ابعدوا عن الكعبة فلو كان فيكم أحد يحبه الرحمن لأجابه، ثم أتى
~~الكعبة فخر ساجدا فسمعته يقول - في سجوده -: (سيدي بحبك لي إلا سقيتهم
~~الغيث). *
# PageV02P047
# قال: فما استتم الكلام حتى أتاهم الغيث كافواه القرب.
# فقلت: يا فتى من أين علمت أنه يحبك؟ قال: لو لم يحبني لم يستزرني، فلما
~~استزارني علمت أنه يحبني، فسألته بحبه لي فأجباني، ثم ولى عنا وأنشأ يقول:
# من عرف الرب فلم تغنه * معرفة الرب فذاك الشقي ما ضر في الطاعة ما ناله *
~~في طاعة الله وماذا لقي ما يصنع العبد بغير التقى * والعز كل العز للمتقي
~~فقلت يا أهل مكة من هذا الفتى؟
# قالوا: علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام.
# وعن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده علي بن الحسين عليه السلام قال:
# نحن أئمة المسلمين، وحجج الله على العالمين، وسادة المؤمنين، وقادة الغر
~~المحجلين، وموالي المؤمنين، ونحن أمان لأهل الأرض، كما أن النجوم أمان لأهل
~~السماء، ونحن الذين بنا يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه، وبنا يمسك
~~الأرض أن تميد بأهلها، وبنا ينزل الغيث، وينشر الرحمة، وتخرج بركات الأرض
~~منا لساخت الأرض بأهلها.
# ثم قال: ولم تخلوا الأرض منذ خلق الله آدم من حجة لله فيها، ظاهر مشهور
~~أو غائب مستور، ولا تخلو إلى أن تقوم الساعة من حجة الله، ولولا ذلك لم
~~يعبد الله.
# وعن أبي حمزة الثمالي عن أبي خالد الكابلي (1) قال:
# PageV02P048
# دخلت ms329 على سيدي علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام فقلت له:
# يا بن رسول الله أخبرني بالذين فرض الله طاعتهم ومودتهم، وأوجب على خلقه
~~الاقتداء بهم بعد رسول الله صلى الله عليه وآله؟
# فقال لي: يا أبا كنكر! إن أولي الأمر الذين جعلهم الله أئمة الناس وأوجب
~~عليهم طاعتهم: أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، ثم انتهى الأمر إلينا، ثم
~~سكت.
# فقلت له: يا سيدي روي لنا عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: (لا
~~تخلو الأرض من حجة الله على عباده) فمن الحجة والإمام بعدك؟
# قال: ابني (محمد) واسمه في التوراة (باقر) يبقر العلم بقرا، هو الحجة
~~والإمام بعدي، ومن بعد محمد ابنه (جعفر) اسمه عند أهل السماء (الصادق).
# فقلت له: يا سيدي فكيف صار اسمه: الصادق، وكلكم صادقون؟
# فقال حدثني أبي عن أبيه: أن رسول الله قال: (إذا ولد ابني جعفر بن محمد
~~بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، فسموه: الصادق، فإن الخامس من ولده
~~الذي اسمه جعفر يدعي الإمامة اجتراء على الله، وكذبا عليه، فهو عند الله
~~(جعفر الكذاب) المفتري على الله، المدعي لما ليس له بأهل، المخالف على
~~أبيه، والحاسد لأخيه، ذلك الذي يكشف سر الله عند غيبة ولي الله).
# ثم بكى علي بن الحسين بكاءا شديدا، ثم قال:
# كأني بجعفر الكذاب وقد حمل طاغية زمانه على تفتيش أمر ولي الله، والمغيب
~~في حفظ الله، والتوكيل بحرم أبيه جهلا منه بولادته، وحرصا على قتله إن ظفر
~~به، طمعا في ميراث أبيه حتى يأخذه بغير حقه.
# قال أبو خالد: فقلت له: يا بن رسول الله وأن ذلك لكائن؟
# فقال: إي وربي إنه المكتوب عندنا في الصحيفة: التي فيها ذكر المحن التي
~~تجري علينا بعد رسول الله صلى الله عليه وآله. PageV02P049
# قال أبو خالد: فقلت: يا بن رسول الله ثم يكون ماذا؟
# قال: ثم تمتد الغيبة بولي الله الثاني عشر من أوصياء رسول الله والأئمة
~~بعده يا أبا خالد! إن أهل زمان غيبته القائلين بإمامته ms330 والمنتظرين لظهوره
~~أفضل أهل كل زمان، لأن الله تعالى ذكره أعطاهم من العقول والأفهام والمعرفة
~~ما صارت به الغيبة عندهم بمنزلة المشاهدة، وجعلهم في ذلك الزمان بمنزلة
~~المجاهدين بين يدي رسول الله بالسيف، أولئك المخلصون حقا وشيعتنا صدقا،
~~والدعاة إلى دين الله سرا وجهرا. وقال عليه السلام: انتظار الفرج من أعظم
~~الفرج.
# وبالإسناد المتقدم ذكره عن علي بن الحسين عليه السلام في تفسير قوله
~~تعالى: (لكم في القصاص حياة) الآية ولكم يا أمة محمد في القصاص حياة لأن من
~~هم بالقتل فعرف أنه يقتص منه فكف لذلك عن القتل، كان حياة للذي هم بقتله،
~~وحياة لهذا الجاني الذي أراد أن يقتل، وحياة لغيرهما من الناس، إذا علموا
~~أن القصاص واجب لا يجسرون على القتل مخافة القصاص، يا أولي الألباب: أولي
~~العقول لعلكم تتقون.
# ثم قال عليه السلام: عباد الله هذا قصاص قتلكم لمن تقتلونه في الدنيا،
~~وتفنون روحه، أفلا أنبئكم بأعظم من هذا القتل، وما يوحيه الله على قاتله
~~مما هو أعظم من هذا القصاص؟
# قالوا: بلى يا بن رسول الله.
# قال: أعظم من هذا القتل أن يقتله قتلا لا يجبر ولا يحيى بعده أبدا.
# قالوا: ما هو؟
# قال: أن يضله عن نبوة محمد، وعن ولاية علي بن أبي طالب، ويسلك به غير
~~سبيل الله، ويغير به باتباع طريق أعداء علي والقول بإمامتهم، ودفع علي عن
~~حقه، وجحد فضله، وألا يبالي بإعطائه واجب تعظيمه، فهذا هو القتل الذي هو
~~تخليد المقتول في نار جهنم خالدا مخلدا أبدا، فجزاء هذا القتل مثل ذلك
~~الخلود في نار جهنم.
# وقال أبو محمد الحسن العسكري صلوات الله عليه: أن رجلا جاء إلى علي بن
~~PageV02P050
# الحسين برجل يزعم أنه قاتل أبيه، فاعترف فأوجب عليه القصاص، وسأله أن
~~يعفو عنه ليعظم الله ثوابه، فكأن نفسه لم تطب بذلك فقال علي بن الحسين -
~~للمدعي الدم الذي هو الولي المستحق للقصاص -: إن كنت تذكر لهذا الرجل عليك
~~فضلا فهب له هذه الجناية، واغفر له هذا الذنب.
# قال: يا ms331 بن رسول الله له علي حق، ولكن لم يبلغ به أن أعفو له عن قتل
~~والدي.
# قال: فتريد ماذا؟
# قال: أريد القود، فإن أراد لحقه علي أن أصالحه على الدية صالحة وعفوت عنه
~~قال: علي بن الحسين عليه السلام فماذا حقه عليك؟
# قال: يا بن رسول الله لقنني توحيد الله، ونبوة رسول الله صلى الله عليه
~~وآله، وإمامة علي والأئمة عليهم السلام.
# فقال علي بن الحسين: فهذا لا يفي بدم أبيك؟ بلى والله هذا يفي بدماء أهل
~~الأرض كلهم من الأولين والآخرين سوى الأنبياء والأئمة، إن قتلوا فإنه لا
~~يفي بدمائهم شئ. تمام الخبر.
# وبالإسناد المقدم ذكره أن محمد بن علي الباقر عليه السلام قال:
# دخل محمد بن مسلم بن شهاب الزهري (1) على علي بن الحسين عليه السلام، وهو
~~كئيب حزين فقال له زين العابدين عليه السلام.
# ما بالك مغموما؟
# قال: يا بن رسول الله غموم وهموم تتوالى علي لما امتحنت به من جهة حساد
# PageV02P051
# نعمي، والطامعين في، وممن أرجو، وممن أحسنت إليه، فيخلف ظني.
# فقال له علي بن الحسين عليه السلام: إحفظ عليك لسانك تملك به إخوانك.
# قال الزهري: يا بن رسول الله إني أحسن إليهم بما يبدر من كلامي.
# قال علي بن الحسين عليه السلام: هيهات هيهات! إياك أن تعجب من نفسك بذلك
~~وإياك أن تتكلم بما يسبق إلى القلوب إنكاره. وإن كان عندك اعتذاره، فليس كل
~~من تسمعه شرا يمكنك أن توسعه عذرا.
# ثم قال: يا زهري من لم يكن عقله من أكمل ما فيه كان هلاكه من أيسر ما
~~فيه. ثم قال: يا زهري أما عليك أن تجعل المسلمين منك بمنزلة أهل بيتك فتجعل
~~كبيرهم بمنزلة والدك، وتجعل صغيرهم بمنزلة ولدك، وتجعل تربك منهم بمنزلة
~~أخيك، فأي هؤلاء أن تظلم، وأي هؤلاء تحب أن تدعو عليه، وأي هؤلاء تحب أن
~~تهتك ستره، وإن عرض لك إبليس لعنه الله بأن لك فضلا على أحد من أهل القبلة،
~~فانظر إن كان أكبر منك فقل: قد سبقني بالإيمان والعمل ms332 الصالح فهو خير مني،
~~وإن كان أصغر منك فقل: قد سبقته بالمعاصي والذنوب فهو خير مني، وإن كان
~~تربك فقل: أنا على يقين من ذنبي في شك من أمره فما لي أدع يقيني لشكي، وإن
~~رأيت المسلمين يعظمونك ويوقرونك ويبجلونك فقل: هذا أفضل أخذوا به، وإن رأيت
~~منهم جفا وانقباضا فقل: هذا الذنب أحدثته، فإنك إذا فعلت ذلك سهل الله عليك
~~عيشك، وكثر أصدقائك، وفرحت بما يكون من برهم، ولم تأسف على ما يكون من
~~جفائهم.
# واعلم أن أكرم الناس على الناس من كان خيره عليهم فايضا، وكان عنهم
~~مستغنيا متعففا، وأكرم الناس بعده عليهم من كان مستعففا، وإن كان إليهم
~~محتاجا، فإنما أهل الدنيا يتعقبون الأموال، فمن لم يزدحمهم فيما يتبقونه
~~كرم عليهم، ومن لم يزاحمهم فيما ومكنهم من بعضها كان أعز وأكرم.
# وبالإسناد المقدم ذكره عن الرضا عليه السلام أنه قال: قال علي بن الحسين:
~~إذا رأيتم الرجل قد حسن سمته وهديه، وتماوت في منطقه، وتخاضع في حركاته
~~PageV02P052
# فرويدا لا يغرنكم، فما أكثر من يعجزه تناول الدنيا وركوب الحرام منها
~~لضعف نيته ومهانته، وجبن قلبه، فنصب الدين فخا لها، فهو لا يزال يختل الناس
~~بظاهره فإن تمكن من حرام اقتحمه، وإذا وجدتموه يعف عن المال الحرام، فرويدا
~~لا يغرنكم! فإن شهوات الخلق مختلفة، فما أكثر من ينبوا عن المال الحرام وإن
~~كثر، ويحمل نفسه على شوها قبيحة، فيأتي منها محرما، فإذا وجدتموه يعف عن
~~ذلك فرويدا لا يغرنكم، حتى تنظروا ما عقدة عقله، فما أكثر من ترك ذلك أجمع
~~ثم لا يرجع إلى عقل متين، فيكون ما يفسد بجهله أكثر مما يصلحه بعقله فإذا
~~وجدتم عقله متينا فرويدا لا يغركم! تنظروا أمع هواه يكون على عقله أم يكون
~~مع عقله على هواه وكيف محبة للرياسات الباطلة وزهده فيها فإن في الناس من
~~خسر الدنيا والآخرة يترك الدنيا للدنيا ويرى أن لذة الرياسة الباطلة أفضل
~~من لذة الأموال والنعم المباحة المحللة فيترك ذلك أجمع طلبا للرياسة حتى
~~إذا قيل ms333 له اتق الله أخذته العزة بالإثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد، فهو يخبط
~~خبط عشواء، يقوده أول باطل إلى أبعد غايات الخسارة، ويمده ربه بعد طلبه لما
~~لا يقدر عليه في طغيانه، فهو يحل ما حرم الله، ويحرم ما أحل الله، لا يبالي
~~ما فات من دينه إذا سلمت له رياسة التي قد شقي من أجلها، فأولئك الذين غضب
~~الله عليهم ولعنهم وأعد لهم عذابا مهينا، ولكن الرجل كل الرجل. نعم الرجل
~~هو: الذي جعل هواه تبعا لأمر الله، وقواه مبذولة في رضى الله، يرى الذل مع
~~الحق أقرب إلى عز الأبد من العز في الباطل، ويعلم أن قليل ما يحتمله من
~~ضرائها يؤديه إلى دوام النعيم في دار لا تبيد ولا تنفذ، وأن كثيرا ما يلحقه
~~من سرائها إن اتبع هواه يؤديه إلى عذاب لا انقطاع له ولا يزول فذلكم الرجل
~~نعم الرجل فيه فتمسكوا وبسنته فاقتدوا وإلى ربكم فتوسلوا فإنه لا ترد له
~~دعوة ولا يخيب له طلبة. PageV02P053
# احتجاج أبي جعفر محمد بن علي الباقر عليهما السلام في شئ مما يتعلق
~~بالأصول والفروع.
# عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر الباقر عليهما السلام في قوله تعالى: (ومن
~~كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى) قال: من لم يدله خلق السماوات والأرض،
~~واختلاف الليل والنهار، ودوران الفلك بالشمس والقمر، والآيات العجيبات، على
~~أن وراء ذلك أمر هو أعظم منه فهو في الآخرة أعمى، قال: فهو عالم يعاين أعمى
~~وأضل سبيلا، سأل نافع بن الأزرق أبا جعفر عليه السلام قال: اخبرني عن الله
~~عز وجل متى كان؟
# قال: متى لم يكن حتى أخبرك متى كان؟! سبحان من لم يزل ولا يزال فردا صمدا
~~لم يتخذ صاحبة ولا ولدا.
# عن عبد الله بن سنان عن أبيه قال: حضرت أبا جعفر عليه السلام وقد دخل
~~عليه رجل من الخوارج فقال له:
# يا أبا جعفر أي شئ تعبد؟
# قال: الله.
# قال: رأيته؟
# قال: بلى. لم تره العيون بمشاهدة الأبصار، ولكن رأته القلوب بحقايق ms334
~~الإيمان، لا يعرف بالقياس، ولا يدرك بالحواس، موصوف بالآيات معروف
~~بالدلالات، لا يجور في حكمه ذلك الله لا إله إلا الله قال فخرج الرجل وهو
~~يقول الله أعلم حيث يجعل رسالته.
# وروى محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام.
# قال: في صفة القديم -: أنه واحد صمد، أحدي المعنى، ليس بمعان كثيرة
~~مختلفة.
# قال: قلت: جعلت فداك أنه يزعم قوم من أهل العراق أنه يسمع بغير الذي
~~PageV02P054
# يبصر، ويبصر بغير الذي يسمع.
# قال: فقال: كذبوا وألحدوا، وشبهوا الله تعالى أنه سميع بصير، يسمع بما به
~~يبصر، ويبصر بما به يسمع.
# قال: فقلت: يزعمون أنه بصير على ما يعقله.
# قال: فقال: تعالى الله إنما يعقل من كان بصفة المخلوق، وليس الله كذلك.
# وروى بعض أصحابنا أن عمرو بن عبيد دخل على الباقر عليه السلام فقال له:
# جعلت فداك! قول الله (ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى) ما ذلك الغضب.
# قال: العذاب يا عمرو! وإنما يغضب المخلوق الذي يأتيه الشئ فيستفزه، ويغره
~~عن الحال التي هو بها إلى غيرها، فمن زعم أن الله يغيره الغضب والرضا،
~~ويزول عن هذا، فقد وصفه بصفة المخلوق.
# وعن أبي الجارود (1) قال: قال: أبو جعفر عليه السلام: إذا حدثتكم بشئ
# PageV02P055
# فسألوني من كتاب الله ثم قال - في بعض حديثه -: أن النبي صلى الله عليه
~~وآله نهى عن القيل والقال، وفساد المال، وكثرة السؤال.
# فقيل له: يا بن رسول الله أين هذا من كتاب الله عز وجل؟
# قال: قوله: (لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو
~~إصلاح بين الناس ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما) وقال:
# (لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم).
# وروى حمران بن أعين (1) قال: سألت أبا جعفر عليه السلام قول الله عز وجل
~~(وروح منه).
# قال: هي مخلوقة خلقها الله بحكمته في آدم وفي عيسى عليهما السلام.
# محمد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر عن قول الله عز وجل (ونفخت فيه من روحي)
~~كيف ms335 هذا النفخ؟
# PageV02P056
# فقال: إن الروح متحرك كالريح، إنما سمي روحا لأنه اشتق اسمه من الريح
~~وإنما أخرجه عن لفظة الريح لأن الروح متجانس للريح، وإنما أضافه إلى نفسه
~~لأنه اصطفاه على ساير الأرواح، كما اصطفى بيتا من البيوت. وقال: (بيتي)
~~وقال - لرسول من الرسل -: (خليلي) وأشباه ذلك مخلوق مصنوع مربوب مدبر.
# وعن محمد بن مسلم أيضا قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عما روي: (أن الله
~~خلق الله آدم على صورته)؟
# فقال: هي صورة محدثة مخلوقة، اصطفاها الله واختارها، على أساس الصور
~~المختلفة، فأضافها إلى نفسه، كما أضاف الكعبة إلى نفسه والروح، فقال (بيتي)
~~وقال: (ونفخت فيه من روحي).
# وعن عبد الرحمن بن عبد الزهري قال: حج هشام بن عبد الملك، فدخل المسجد
~~الحرام متكيا على يد سالم مولاه، ومحمد بن علي بن الحسين جالس فقال له
~~سالم:
# يا أمير المؤمنين هذا محمد بن علي بن الحسين عليه السلام.
# فقال له هشام: المفتون به أهل العراق؟
# قال: نعم.
# قال: اذهب إليه فقل له: يقول لك أمير المؤمنين ما الذي يأكل الناس
~~ويشربون إلى أن يفصل بينهم يوم القيامة؟
# فقال أبو جعفر عليه السلام: يحشر الناس على مثل قرصة البر النقي فيها
~~أنهار متفجرة يأكلون ويشربون حتى يفرغ من الحساب.
# قال: فرأى هشام أنه قد ظفر به. فقال: الله أكبر إذهب إليه فقل له:
# ما أشغلهم عن الأكل والشرب يومئذ!
# فقال له أبو جعفر: هم في النار أشغل، ولم يشغلوا عن أن قالوا: أفيضوا
~~علينا من الماء أو مما رزقكم الله. فسكت هشام لا يرجع كلاما.
# وروي أن نافع بن الأزرق جاء إلى محمد بن علي بن الحسين، فجلس بين
~~PageV02P057
# يديه يسأله عن مسائل في الحلال والحرام. فقال له أبو جعفر - في عرض كلامه
~~- قل لهذه المارقة، بما استحللتم فراق أمير المؤمنين عليه السلام، وقد
~~سفكتم دمائكم بين يديه، وفي طاعته، والقربة إلى الله تعالى بنصرته؟
~~فسيقولون لك أنه حكم في دين الله، فقل لهم: قد حكم الله تعالى في شريعة ms336
~~نبيه رجلين من خلقه، قال جل اسمه: (فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن
~~يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما) وحكم رسول الله صلى الله عليه وآله سعد بن
~~معاذ في بني قريضة، فحكم فيهم بما أمضاه الله، أو ما علمتم أن أمير
~~المؤمنين إنما أمر الحكمين أن يحكما بالقرآن ولا يتعدياه واشترط رد ما خالف
~~القرآن من أحكام الرجال؟ وقال حين قالوا له: حكمت على نفسك من حكم عليك.
~~فقال: ما حكمت مخلوقا فإنما حكمت كتاب الله، فأين تجد المارقة تضليل من أمر
~~الحكم بالقرآن، واشترط رد ما خالفه، ولا ارتكابهم في بدعتهم البهتان.
# فقال نافع بن الأزرق: هذا والله ما طرق بسمعي قط، ولا خطر مني ببال هو
~~الحق إن شاء الله تعالى.
# وعن أبي الجارود قال: قال أبو جعفر عليه السلام: يا أبا الجارود ما
~~يقولون في الحسن والحسين عليهما السلام، قلت: ينكرون عليهما أنهما ابنا
~~رسول الله.
# قال: فبأي شئ احتججتم عليهم؟
# قال: قلت بقول الله في عيسى: (ومن ذريته داود إلى قوله - وكل من
~~الصالحين) فجعل عيسى من ذرية إبراهيم، واحتججنا عليهم بقوله تعالى: (قل
~~تعالوا ندع أبنائنا وأبنائكم ونسائنا ونسائكم وأنفسنا وأنفسكم).
# ثم قال: فأي شئ قالوا:
# قال: قلت: قالوا: قد يكون ولد البنت من الولد ولا يكون من الصلب.
# قال: فقال أبو جعفر: والله يا أبا الجارود لأعطينكم من كتاب الله آية
~~تسميها أنها لصلب رسول الله صلى الله عليه وآله لا يردها إلا كافر.
# قال: قلت: جعلت فداك وأين؟ PageV02P058
# قال: قال: حيث قال: (حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم - إلى قوله -
~~وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم) فسلهم يا أبا الجارود وهل يحل لرسول الله
~~نكاح حليلتيهما؟ فإن قالوا: نعم. فكذبوا والله، وإن قالوا: لا.
# فهما والله ابنا رسول الله لصلبه، وما حرمن عليه إلا للصلب.
# وعن أبي حمزة الثمالي عن أبي الربيع قال: حججت مع أبي جعفر عليه السلام
~~في السنة التي حج فيها هشام بن عبد الملك، وكان معه نافع مولى عمر ms337 بن
~~الخطاب فنظر نافع إلى أبي جعفر عليه السلام في ركن البيت وقد اجتمع عليه
~~الخلق فقال:
# يا أمير المؤمنين من هذا الذي قد تكافأ عليه الناس؟
# فقال: هذا محمد بن علي بن الحسين عليه السلام.
# قال: لآتينه ولأسألنه عن مسائل لا يجيبني فيها إلا نبي أو وصي نبي.
# قال: فاذهب إليه لعلك تخجله، فجاء نافع حتى اتكأ علي الناس وأشرف على أبي
~~جعفر فقال:
# يا محمد بن علي أني قرأت التوراة والإنجيل والزبور والفرقان، وقد عرفت
~~حلالها وحرامها، وقد جئت أسألك عن مسائل لا يجيبني فيها إلا نبي أو وصي نبي
~~أو ابن نبي، فرفع أبو جعفر عليه السلام رأسه فقال:
# سل عما بدا لك!
# قال: اخبرني كم بين عيسى ومحمد من سنة؟
# قال: أجيبك بقولك أم بقولي؟
# قال: أجبني بالقولين!
# قال: أما بقولي فخمسمائة سنة، وأما بقولك فستمائة سنة.
# قال: فأخبرني عن قول الله عز وجل: (واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا
~~أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون) من الذي سأل محمد وكان بينه وبين عيسى
~~خمسمائة سنة؟ قال: فتلا أبو جعفر عليه السلام هذه الآية: (سبحان الذي أسرى
~~بعبده ليلا من المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا) كان
~~PageV02P059
# من الآيات التي أراها محمدا حيث أسرى به إلى بيت المقدس، أنه حشر الله
~~الأولين والآخرين، من النبيين والمرسلين، ثم أمر جبرئيل عليه السلام فأذن
~~شفعا وأقام شفعا وقال في أذانه: (حي على خير العمل) ثم تقدم محمد صلى الله
~~عليه وآله فصلى بالقوم، فلما انصرف قال الله عز وجل: (واسأل من أرسلنا من
~~قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون).
# فقال رسول الله: على ما تشهدون؟ وما كنتم تعبدون؟
# قالوا: نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنك رسول الله، أخذت
~~على ذلك عهودنا ومواثيقنا.
# فقال: صدقت يا أبا جعفر!
# قال: فأخبرني عن قول الله عز وجل: (يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات)
~~أي أرض تبدل؟
# فقال أبو جعفر عليه ms338 السلام: خبزة بيضاء يأكلونها حتى يفرغ الله من حساب
~~الخلايق فقال: إنهم عن الأكل لمشغولون.
# فقال أبو جعفر عليه السلام: أهم حينئذ أشغل أم هم في النار؟
# قال نافع. بل هم في النار.
# قال: فقد قال الله عز وجل: (ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا
~~علينا من الماء أو مما رزقكم الله) ما أشغلهم إذا دعوا بالطعام فأطعموا
~~الزقوم، ودعوا بالشراب فسقوا من الجحيم.
# فقال: صدقت يا بن رسول الله! وبقيت مسألة واحدة.
# قال: وما هي؟
# قال: فأخبرني متى كان الله؟ قال: ويلك أخبرني متى لم يكن حتى أخبرك متى
~~كان؟! سبحان من لم يزل ولا يزال، فردا صمدا لم يتخذ صاحبة ولا ولدا، ثم أتى
~~هشام بن عبد الملك فقال: ما صنعت؟ قال: دعني من كلامك والله هو أعلم الناس
~~حقا وهو ابن رسول الله حقا. PageV02P060
# وعن أبان بن تغلب (1) قال: دخل طاوس اليماني إلى الطواف ومعه صاحب له،
~~فإذا هو بأبي جعفر يطوف أمامه وهو شاب حدث، فقال طاوس لصاحبه:
# (إن هذا الفتى لعالم) فلما فرغ من طوافه صلى ركعتين، ثم جلس وأتاه الناس
~~فقال طاوس لصاحبه: نذهب إلى أبي جعفر عليه السلام ونسأله عن مسألة لا أدري
~~عنده فيها شئ أم لا، فأتياه فسلما عليه ثم قال له طاوس:
# يا أبا جعفر هل تدري أي يوم مات ثلث الناس؟
# فقال: يا أبا عبد الرحمن لم يمت ثلث الناس قط، إنما أردت ربع الناس.
# قال: وكيف ذلك؟
# قال: كان آدم وحواء، وقابيل وهابيل، فقتل قابيل هابيل، فذلك ربع الناس.
# قال: صدقت:
# قال أبو جعفر عليه السلام: هل تدري ما صنع بقابيل؟
# قال: لا.
# قال: علق بالشمس ينضح بالماء الحار إلى أن تقوم الساعة.
# وروي أن عمرو بن عبيد، وفد على محمد بن علي الباقر عليه السلام لامتحانه
~~بالسؤال عنه فقال له:
# جعلت فداك ما معنى قوله تعالى: (أو لم ير الذين كفروا أن السماوات
# PageV02P061
# والأرض كانتا رتقا ففتقناهما) ما هذا الرتق والفتق؟
# فقال أبو جعفر عليه السلام: ms339 كانت السماء رتقا لا تنزل القطر، وكانت الأرض
~~رتقا لا تخرج النبات، ففتق الله السماء بالقطر، وفتق الأرض بالنبات، فانقطع
~~عمرو ولم يجد اعتراضا، ومضى وعاد إليه فقال:
# خبرني جعلت فداك عن قوله تعالى: (ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى) ما غضب
~~الله؟
# فقال له أبو جعفر عليه السلام: غضب الله تعالى عقابه يا عمرو، ومن ظن أن
~~الله يغره شئ فقد هلك.
# وعن أبي حمزة الثمالي قال: أتى الحسن البصري أبا جعفر عليه السلام فقال:
# جئتك لا سألك عن أشياء من كتاب الله.
# فقال أبو جعفر: ألست فقيه أهل البصرة؟
# قال: قد يقال ذلك.
# فقال له أبو جعفر عليه السلام: هل بالبصرة أحد تأخذ عنه؟
# قال: لا.
# قال: فجميع أهل البصرة يأخذون عنك؟
# قال: نعم.
# فقال أبو جعفر: سبحان الله لقد تقلد عظيما من الأمر، بلغني عنك أمر فما
~~أدري أكذاك أنت، أم يكذب عليك؟
# قال: ما هو؟
# قال: زعموا أنك تقول: أن الله خلق العباد ففوض إليهم أمورهم.
# قال: فسكت الحسن.
# فقال: رأيت من قال الله له في كتابه: أنك آمن، هل عليه خوف بعد هذا القول
~~منه.
# فقال الحسن: لا. PageV02P062
# فقال أبو جعفر عليه السلام: إني أعرض عليك آية وأنهي إليك خطابا، ولا
~~أحسبك إلا وقد فسرته على غير وجهه، فإن كنت فعلت ذلك فقد هلكت وأهلكت.
# فقال له: ما هو؟
# قال: أرأيت حيث يقول: (وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى
~~ظاهرة وقدرنا فيها السير سيروا فيها ليالي وأياما آمنين) يا حسن بلغني أنك
~~أفتيت الناس فقلت: هي مكة. فقال أبو جعفر عليه السلام: فهل يقطع على من حج
~~مكة، وهل يخاف أهل مكة، وهل تذهب أموالهم؟
# قال: بلى قال: فمتى يكونون آمنين؟ بل فينا ضرب الله الأمثال في القرآن،
~~فنحن القرى التي بارك الله فيها، وذلك قول الله عز وجل، فمن أقر بفضلنا حيث
~~أمرهم بأن يأتونا فقال: (وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها) أي
~~جعلنا بينهم وبين شيعتهم القرى التي باركنا فيها، ms340 قرى ظاهرة، والقرى
~~الظاهرة الرسل، والنقلة عنا إلى شيعتنا، وفقهاء شيعتنا، إلى شيعتنا، وقوله
~~تعالى: (وقدرنا فيها السير) فالسير مثل للعلم، سير به ليالي وأياما، مثل
~~لما يسير من العلم في الليالي والأيام عنا إليهم، في الحلال والحرام،
~~والفرائض والأحكام، آمنين فيها إذا أخذوا منه، آمنين من الشك والضلال،
~~والنقلة من الحرام إلى الحلال، لأنهم أخذوا العلم ممن وجب لهم أخذهم إياه
~~عنهم، بالمعرفة، لأنهم أهل ميراث العلم من آدم إلى حيث انتهوا، ذرية مصطفاة
~~بعضها من بعض، فلم ينته الاصطفاء إليكم، بل إلينا انتهى، ونحن تلك الذرية
~~المصطفاة لا أنت ولا أشباهك يا حسن، فلو قلت لك حين دعيت ما ليس لك، وليس
~~إليك يا جاهل أهل البصرة! لم أقل فيك إلا ما علمته منك، وظهر لي عنك، وإياك
~~أن تقول بالتفويض، فإن الله عز وجل لم يفوض الأمر إلى خلفه، وهنا منه
~~وضعفا، ولا أجبرهم على معاصيه ظلما.
# والخبر طويل أخذنا منه موضع الحاجة.
# وروي أن سالما دخل على أبي جعفر عليه السلام فقال: PageV02P063
# جئت أكلمك في أمر هذا الرجل.
# قال: أيما رجل؟
# قال: علي بن أبي طالب عليه السلام.
# قال: في أي أموره؟
# قال: في إحداثه.
# قال أبو جعفر: أنظر ما استقر عندك مما جاءت به الرواة عن آبائهم.
# قال: ثم نسبهم، ثم قال: يا سالم أبلغك أن رسول الله بعث سعد بن عبادة
~~براية الأنصار إلى خيبر، فرجع منهزما، ثم بعث عمر بن الخطاب براية
~~المهاجرين والأنصار، فأتى سعد جريحا وجاء عمر يجبن أصحابه ويجبنونه. فقال
~~رسول الله صلى الله عليه وآله: (هكذا يفعل المهاجرون والأنصار) حتى قالها
~~ثلاثا. ثم قال: (لأعطين الراية غدا رجلا كرار ليس بفرار، يحبه الله ورسوله،
~~ويحب الله ورسوله).
# قال: نعم. وقال القوم جميعا أيضا.
# فقال أبو جعفر: يا سالم إن قلت إن الله عز وجل أحبه وهو لا يعلم ما هو
~~صانع فقد كفرت، وإن قلت إن الله عز وجل أحبه وهو يعلم ما هو صانع، فأي حدث
~~ترى له. ms341
# فقال أعد علي:
# فأعاد عليه السلام عليه فقال سالم: عبدت الله على ضلالة سبعين سنة.
# وعن أبي بصير قال: كان مولانا أبو جعفر محمد بن علي الباقر عليه السلام
~~جالسا في الحرم وحوله عصابة من أوليائه، إذ أقبل طاوس اليماني في جماعة من
~~أصحابه ثم قال لأبي جعفر عليه السلام:
# أتأذن لي في السؤال؟
# فقال: أذنا لك فسل!
# قال: اخبرني متى هلك ثلث الناس؟
# قال: وهمت يا شيخ! أردت أن تقول: (متى هلك ربع الناس)؟ وذلك PageV02P064
# يوم قتل قابيل هابيل، كانوا أربعة: آدم، وحواء، وقابيل وهابيل. فهلك
~~ربعهم فقال: أصبت ووهمت أنا فأيهما كان أبا للناس القاتل أو المقتول؟
# قال: لا واحد منهما بل أبوهم شيث بن آدم.
# قال: فلم سمي آدم آدم؟
# قال: لأنه رفعت طينته من أديم الأرض السفلى.
# قال: ولم سميت حواء حواء؟
# قال: لأنها خلقت من ضلع حي، يعني ضلع آدم.
# قال: فلم سمي إبليس إبليس؟
# قال: لأنه أبلس من رحمة الله عز وجل فلا يرجوها.
# قال: فلم سمي الجن جنا؟
# قال: لأنهم استجنوا فلم يروا.
# قال: فأخبرني عن كذبة كذبت، من صاحبها؟
# قال: إبليس حين قال: (أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين).
# قال: فأخبرني عن قوم شهدوا شهادة الحق وكانوا كاذبين؟
# قال: المنافقون حين قالوا لرسول الله صلى الله عليه وآله: (نشهد أنك
~~لرسول الله) فأنزل الله عز وجل: (إذا جائك المنافقون قالوا نشهد أنك لرسول
~~الله والله يعلم أنك لرسوله والله يشهدان المنافقين لكاذبون).
# قال: فأخبرني عن طائر طار مرة ولم يطر قبلها ولا بعدها، ذكره الله عز وجل
~~في القرآن ما هو؟
# فقال: طور سيناء أطاره الله عز وجل على بني إسرائيل حين أظلهم بجناح منه،
~~فيه ألوان العذاب، حتى قبلوا التوراة، وذلك قوله عز وجل: (وإذ نتقنا الجبل
~~فوقهم كأنه ظلة وظنوا أنه واقع بهم) الآية.
# قال: فأخبرني عن رسول بعثه الله تعالى ليس من الجن، ولا من الإنس، ولا من
~~الملائكة، ذكره الله تعالى في كتابه؟ PageV02P065
# قال: الغراب، ms342 حين بعثه الله عز وجل ليري قابيل كيف يواري سوأة أخيه هابيل
~~حين قتله قال الله عز وجل: (فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري
~~سوأة أخيه).
# قال: فأخبرني عمن أنذر قومه ليس من الجن، ولا من الإنس، ولا من الملائكة،
~~ذكره الله عز وجل في كتابه؟
# قال: النملة حين قالت: (يا أيها النمل أدخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان
~~وجنوده وهم لا يشعرون).
# قال: فأخبرني عمن كذب عليه، ليس من الجن، ولا من الإنس، ولا من الملائكة،
~~ذكره الله عز وجل في كتابه؟
# قال: الذئب الذي كذب عليه أخوة يوسف.
# قال: فأخبرني عن شئ قليله حلال وكثيره حرام، ذكره الله عز وجل في كتابه؟
# قال: نهر طالوت. قال الله عز وجل: (إلا من اغترف غرفة بيده).
# قال: فأخبرني عن صلاة فريضة تصلى بغير وضوء، وعن صوم لا يحجز عن أكل ولا
~~شرب، قال: أما الصلاة بغير وضوء فالصلاة على النبي وآله عليه وعليهم
~~السلام، وأما الصوم فقول الله عز وجل: (أني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم
~~اليوم إنسيا).
# قال: فأخبرني عن شئ يزيد وينقص، وعن شئ يزيد ولا ينقص، وعن شئ ينقص ولا
~~يزيد؟
# فقال: الباقر عليه السلام: أما الشئ الذي يزيد وينقص فهو: القمر، والشئ
~~الذي هو يزيد ولا ينقص فهو: البحر، والشئ الذي ينقص ولا يزيد هو: العمر.
# وقد تكرر إيراد أول هذا الخبر لما في آخره من الفوائد.
# وبالإسناد المقدم ذكره عن أبي محمد الحسن العسكري عليه السلام أنه قال:
~~كان علي بن الحسين زين العابدين جالسا في مجلسه فقال يوما في مجلسه أن رسول
~~الله صلى الله عليه وآله PageV02P066
# لما أمر بالمسير إلى تبوك، أمر بأن يخلف عليا بالمدينة. فقال علي عليه
~~السلام: يا رسول الله ما كنت أحب أن أتخلف عنك في شئ من أمورك، وأن أغيب عن
~~مشاهدتك والنظر إلى هديك، وسمتك، فقال رسول الله: يا علي أما ترضى أن تكون
~~مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي، تقيم ms343 يا علي وأن لك في
~~مقامك من الأجر مثل الذي يكون لك لو خرجت مع رسول الله، ولك أجور كل من خرج
~~مع رسول الله صلى الله عليه وآله موقنا طائعا، وأن لك على الله يا علي
~~لمحبتك أن تشاهد من محمد سمته في ساير أحواله، بأن يأمر جبرئيل في جميع
~~مسيرنا هذا أن يرفع الأرض التي يسير عليها، والأرض التي تكون أنت عليها،
~~ويقوي بصرك حتى تشاهد محمدا وأصحابه في ساير أحوالك وأحوالهم، فلا يفوتك
~~الأنس من رؤيته ورؤية أصحابه ويغنيك ذلك عن المكاتبة والمراسلة.
# فقام رجل من مجلس زين العابدين لما ذكر هذا وقال له: يا بن رسول الله صلى
~~الله عليه وآله كيف يكون، وهذا للأنبياء لا لغيرهم؟
# فقال زين العابدين عليه السلام: هذا هو معجزة لمحمد رسول الله لا لغيره،
~~لأن الله إنما رفعه بدعاء محمد، وزاد في نور بصره أيضا بدعاء محمد، حتى
~~شاهد ما شاهد وأدرك ما أدرك، ثم قال له الباقر عليه السلام: يا عبد الله ما
~~أكثر ظلم كثير من هذه الأمة لعلي بن أبي طالب عليه السلام، وأقل أنصارهم،
~~أم يمنعون عليا ما يعطونه ساير الصحابة، وعلي أفضلهم، فكيف يمنع منزلة
~~يعطونها غيره، قيل: وكيف ذاك يا بن رسول الله؟
# قال: لأنكم تتولون محبي أبي بكر ابن أبي قحافة، وتتبرؤون من أعدائه كائنا
~~من كان، وكذلك تتولون عمر بن الخطاب، وتتبرؤون من أعدائه كائنا من كان،
~~وتتولون عثمان بن عفان وتتبرؤون من أعدائه كائنا من كان، حتى إذا صار إلى
~~علي بن أبي طالب عليه السلام، قالوا: نتولى محبيه، ولا نتبرأ من أعدائه بل
~~نحبهم، فكيف يجوز هذا لهم، ورسول الله صلى الله عليه وآله يقول في علي:
~~(اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله)
~~أفترونه لا PageV02P067
# يعادي من عاداه؟! ولا يخذل من خذله؟! ليس هذا بإنصاف. ثم أخرى: أنهم إذا
~~ذكر لهم ما أخص الله به عليا بدعاء رسول الله صلى الله عليه وآله، ms344 وكرامته
~~على ربه تعالى، جحدوه، وهم يقبلون ما يذكر لهم في غيره من الصحابة، فما
~~الذي منع عليا ما جعله لسائر أصحاب رسول الله؟ هذا عمر بن الخطاب إذا قيل
~~لهم: أنه كان على المنبر بالمدينة يخطب إذ نادى في خلال خطبته: يا سارية
~~الجبل وعجب القوم وقالوا ما هذا من الكلام الذي في هذه الخطبة، فلما قضى
~~الخطبة والصلاة قالوا:
# ما قولك في خطبتك يا سارية الجبل؟
# فقال: اعلموا أني وأنا أخطب إذ رميت ببصري نحو الناحية التي خرج فيها
~~إخوانكم إلى غزوة الكافرين بنهاوند، وعليهم سعد بن أبي وقاص، ففتح الله لي
~~الأستار والحجب، وقوى بصري حتى رأيتهم وقد اصطفوا بين يدي جبل هناك، وقد
~~جاء بعض الكفار ليدور خلف سارية، وساير من معه من المسلمين، فيحيطوا بهم
~~فيقتلوهم، فقلت يا سارية الجبل، ليلتجئ إليه، فيمنعهم ذلك من أن يحيطوا به،
~~ثم يقاتلوا، ومنح الله إخوانكم المؤمنين أكتاف الكافرين، وفتح الله عليهم
~~بلادهم، فاحفظوا هذا الوقت، فسيرد عليكم الخبر بذلك، وكان بين المدينة
~~ونهاوند مسيرة أكثر من خمسين يوما.
# قال الباقر عليه السلام: فإذا كان مثل هذا لعمر، فكيف لا يكون مثل هذا
~~لعلي بن أبي طالب عليه السلام؟! ولكنهم قوم لا ينصفون بل يكابرون.
# وعن عبد الله بن سليمان (1) قال: كنت عند أبي جعفر عليه السلام فقال له
~~رجل من أهل البصرة: يقال له: (عثمان الأعمى).
# أن الحسن البصري يزعم أن الذين يكتمون العلم يؤذي ريح بطونهم من يدخل
~~النار.
# فقال أبو جعفر عليه السلام: فهلك إذا مؤمن آل فرعون، والله مدحه بذلك،
# PageV02P068
# وما زال العلم مكتوما منذ بعث الله عز وجل رسوله نوحا، فليذهب الحسن
~~يمينا وشمالا، فوالله ما يوجد العلم إلا هيهنا، وكان عليه السلام يقول:
~~محنة الناس علينا عظيمة، إن دعوناهم يجيبونا، وإن تركناهم لم يهتدوا
~~بغيرنا.
# احتجاج أبي عبد الله الصادق (ع) في أنواع شتى من العلوم الدينية على
~~أصناف كثيرة من أهل الملل والديانات.
# روي عن هشام بن الحكم (1) أنه قال: من ms345 سؤال الزنديق الذي أتى أبا عبد
~~الله عليه السلام أن قال:
# ما الدليل على صانع العالم؟
# فقال: أبو عبد الله عليه السلام وجود الأفاعيل التي دلت على أن صانعها
~~صنعها إلا ترى أنك إذا نظرت إلى بناء مشيد مبني علمت أن له بانيا وإن كنت
~~لم تر
# PageV02P069
# الباني، ولم تشاهده.
# قال: فما هو؟
# قال: هو شئ بخلاف الأشياء، ارجع بقولي شئ إلى إثباته، وأنه شئ بحقيقته
~~الشيئية، غير أنه لا جسم، ولا صورة، ولا يحس، ولا يجس، ولا يدرك بالحواس
~~الخمس، لا تدركه الأوهام، ولا تنقصه الدهور، ولا يغيره الزمان.
# قال السائل: فإنا لم نجد موهوما إلا مخلوقا.
# قال أبو عبد الله عليه السلام: لو كان ذلك كما تقول، لكان التوحيد منا
~~مرتفعا لأنا لم نكلف أن نعتقد غير موهوم، لكنا نقول: كل موهوم بالحواس مدرك
~~بها، تحده الحواس ممثلا، فهو مخلوق، ولا بد من إثبات كون صانع الأشياء
~~خارجا من الجهتين المذمومتين: إحداهما النفي إذا كان النفي هو الإبطال
~~والعدم، والجهة الثانية التشبيه بصفة المخلوق الظاهر التركيب والتأليف، فلم
~~يكن بد من إثبات الصانع لوجود المصنوعين، والاضطرار منهم إليه، أنهم
~~مصنوعون، وأن صانعهم غيرهم، وليس مثلهم، إن كان مثلهم شبيها بهم في ظاهر
~~التركيب والتأليف وفيما يجري عليهم من حدوثهم بعد أن لم يكونوا، وتنقلهم من
~~صغر إلى كبر، وسواد إلى بياض، وقوة إلى ضعف، وأحوال موجودة لا حاجة بنا إلى
~~تفسيرها لثباتها ووجودها.
# قال السائل: فأنت قد حددته إذا ثبت وجوده!
# قال أبو عبد الله عليه السلام: لم أحدده، ولكني أثبته، إذ لم يكن بين
~~الإثبات والنفي منزلة.
# قال السائل: فقوله: (الرحمن على العرش استوى)؟
# قال أبو عبد الله عليه السلام: بذلك وصف نفسه، وكذلك هو مستول على العرش
~~بائن من خلقه، من غير أن يكون العرش محلا له، لكنا نقول: هو حامل، وممسك
~~للعرش، ونقول في ذلك ما قال: (وسع كرسيه السماوات والأرض) فثبتنا من العرش
~~والكرسي ما ثبته، ونفينا أن يكون العرش والكرسي حاويا له، وأن ms346 يكون عز وجل
~~محتاجا إلى مكان، أو إلى شئ مما خلق، بل خلقه محتاجون إليه. PageV02P070
# قال السائل: فما الفرق بين أن ترفعوا أيديكم إلى السماء، وبين أن تخفضوها
~~نحو الأرض؟
# قال أبو عبد الله: في علمه وإحاطته وقدرته سواء، ولكنه عز وجل أمر
~~أوليائه وعباده برفع أيديهم إلى السماء، نحو العرش، لأنه جعله معدن الرزق،
~~فثبتنا ما ثبته القرآن والأخبار عن الرسول، حين قال: (ارفعوا أيديكم إلى
~~الله عز وجل) وهذا تجمع عليه فرق الأمة كلها، ومن سؤاله أن قال: ألا يجوز
~~أن يكون صانع العالم أكثر من واحد؟
# قال أبو عبد الله: لا يخلو قولك أنهما اثنان من أن يكونا: قديمين قويين
~~أو يكونا ضعيفين، أو يكون أحدهما قويا، والآخر ضعيفا، فإن كانا قويين فلم
~~لا يدفع كل واحد منهما صاحبه، وينفرد بالربوبية، وإن زعمت أن أحدهما قوي
~~والآخر ضعيف، ثبت أنه واحد كما نقول، للعجز الظاهر في الثاني، وإن قلت
~~أنهما اثنان، لم يخل من أن يكونا متفقين من كل جهة، أو مفترقين من كل جهة،
~~فلما رأينا الخلق منتظما، والفلك جاريا، واختلاف الليل والنهار والشمس
~~والقمر، دل ذلك على صحة الأمر والتدبير، وايتلاف الأمر، وأن المدبر واحد.
# وعن هشام بن الحكم قال: دخل ابن أبي العوجاء على الصادق عليه السلام فقال
~~له الصادق عليه السلام:
# يا بن أبي العوجاء! أنت مصنوع أم غير مصنوع؟
# قال: لست بمصنوع.
# فقال له الصادق: فلو كنت مصنوعا كيف كنت؟
# فلم يحر ابن أبي العوجاء جوابا، وقام وخرج.
# قال: دخل أبو شاكر الديصاني - وهو زنديق - على أبي عبد الله وقال:
# يا جعفر بن محمد دلني على معبودي!
# فقال أبو عبد الله عليه السلام: إجلس! فإذا غلام صغير في كفه بيضة يلعب
~~بها فقال أبو عبد الله: ناولني يا غلام البيضة! فناوله إياها، فقال أبو عبد
~~الله: يا ديصاني PageV02P071
# هذا حصن مكنون، له جلد غليظ، وتحت الجلد الغليظ جلد رقيق، وتحت الجلد
~~الرقيق ذهبة مايعة، وفضة ذائبة، فلا الذهبة المائعة تختلط بالفضة الذائبة، ms347
~~ولا الفضة الذائبة تختلط بالذهبة المايعة، فهي على حالها، لا يخرج منها
~~خارج مصلح فيخبر عن إصلاحها، ولا يدخل إليها داخل مفسد فيخبر عن إفسادها،
~~لا يدرى للذكر خلقت أم للأنثى، تنفلق عن مثل ألوان الطواويس، أترى له
~~مدبرا؟
# قال: فأطرق مليا ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد
~~أن محمدا عبده ورسوله، وأنك إمام وحجة من الله على خلقه، وأنا تائب مما كنت
~~فيه.
# وعن هشام بن الحكم قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن أسماء الله عز
~~ذكره واشتقاقها، فقلت:
# الله مما هو مشتق؟
# قال: يا هشام الله مشتق من إله، وإله يقتضي مألوها، والاسم غير المسمى،
~~فمن عبد الاسم دون المعنى فقد كفر ولم يعبد شيئا، ومن عبد الاسم والمعنى
~~فقد كفر وعبد الاثنين، ومن عبد المعنى دون الاسم فذاك التوحيد، أفهمت يا
~~هشام؟
# قال: فقلت زدني!
# فقال: إن لله تسعة وتسعين اسما، فلو كان الاسم هو المسمى لكان كل اسم
~~منها آلها، ولكن الله معنى يدل عليه، فهذه الأسماء كلها غيره، يا هشام
~~الخبز اسم للمأكول، والماء اسم للمشروب، والثوب اسم للملبوس، والنار اسم
~~للمحروق، أفهمت يا هشام فهما تدفع به وتناضل به أعدائنا، والمتخذين مع الله
~~غيره؟
# قلت: نعم.
# قال: فقال: نفعك الله به، وثبتك!
# قال هشام: فوالله ما قهرني أحد في علم التوحيد حتى قمت مقامي هذا.
# وعن هشام بن الحكم قال: كان زنديق بمصر يبلغه عن أبي عبد الله عليه
~~السلام PageV02P072
# علم، فخرج إلى المدينة ليناظره، فلم يصادفه بها، وقيل: هو بمكة، فخرج إلى
~~مكة ونحن مع أبي عبد الله عليه السلام، فانتهى إليه - وهو في الطواف - فدنا
~~منه وسلم.
# فقال له أبو عبد الله: ما اسمك؟
# قال: عبد الملك.
# قال: فما كنيتك؟
# قال: أبو عبد الله.
# قال أبو عبد الله عليه السلام: فمن ذا الملك الذي أنت عبده، أمن ملوك
~~الأرض أم من ملوك السماء؟ وأخبرني عن ابنك أعبد إله السماء، أم عبد إله
~~الأرض؟ ms348
# فسكت. فقال أبو عبد الله: قل! فسكت.
# فقال: إذا فرغت من الطواف فأتنا، فلما فرغ أبو عبد الله عليه السلام من
~~الطواف أتاه الزنديق، فقعد بين يديه ونحن مجتمعون عنده. فقال أبو عبد الله
~~عليه السلام:
# أتعلم أن للأرض تحتا وفوقا؟
# فقال: نعم.
# قال: فدخلت تحتها؟
# قال: لا.
# قال: فهل تدري ما تحتها؟
# قال: لا أدري إلا أني أظن أن ليس تحتها شئ.
# فقال أبو عبد الله: فالظن عجز ما لم تستيقن. ثم قال له: صعدت إلى السماء؟
# قال: لا.
# قال: أفتدري ما فيها؟
# قال: لا.
# قال: فأتيت المشرق والمغرب فنظرت ما خلفهما؟
# قال: لا.
# قال: فالعجب لك، لم تبلغ المشرق، ولم تبلغ المغرب، ولم تنزل تحت
~~PageV02P073
# الأرض، ولم تصعد إلى السماء، ولم تخبر ما هناك فتعرف ما خلفهن، وأنت جاحد
~~بما فيهن، وهل يجحد العاقل ما لا يعرف؟!
# فقال الزنديق: ما كلمني بهذا غيرك.
# قال أبو عبد الله عليه السلام: فأنت من ذلك في شك، فلعل هو ولعل ليس هو.
# قال: ولعل ذلك.
# فقال أبو عبد الله عليه السلام: أيها الرجل ليس لمن لا يعلم حجة على من
~~يعلم، ولا حجة للجاهل على العالم، يا أخا أهل مصر، تفهم عني، أما ترى الشمس
~~والقمر والليل والنهار يلجان ولا يستبقان، يذهبان ويرجعان، قد اضطرا ليس
~~لهما مكان إلا مكانهما، فإن كانا يقدران على أن يذهبا فلم يرجعان، وإن كانا
~~غير مضطرين فلم لا يصير الليل نهارا والنهار ليلا؟ اضطرا والله يا أخا أهل
~~مصر إن الذي تذهبون إليه وتظنون من الدهر، فإن كان هو يذهبهم فلم يردهم؟
~~وإن كان يردهم فلم يذهب بهم؟ أما ترى السماء مرفوعة، والأرض موضوعة، لا
~~تسقط السماء على الأرض، ولا تنحدر الأرض فوق ما تحتها، أمسكها والله خالقها
~~ومدبرها. قال: فآمن الزنديق على يدي أبي عبد الله، فقال: هشام خذه إليك
~~وعلمه.
# وعن عيسى بن يونس (1) قال: كان ابن أبي العوجاء من تلامذة الحسن البصري،
~~فانحرف عن التوحيد، فقيل له: تركت مذهب صاحبك ودخلت فيما ms349 لا أصل له ولا
~~حقيقة؟
# قال: إن صاحبي كان مخلطا، يقول طورا بالقدر، وطورا بالجبر، فما أعلمه
~~اعتقد مذهبا دام عليه، فقدم مكة متمردا، وإنكارا على من يحجه، وكان تكره
~~العلماء مجالسته لخبث لسانه، وفساد ضميره، فأتى أبا عبد الله عليه السلام
~~فجلس إليه في جماعة من نظرائه، فقال:
# يا أبا عبد الله! إن المجالس بالأمانات، ولا بد لكل من به سعال أن يسعل
# PageV02P074
# أفتأذن لي في الكلام؟
# فقال: تكلم.
# فقال: إلى كم تدوسون هذا البيدر، وتلوذون بهذا الحجر، وتعبدون هذا البيت
~~المرفوع بالطوب والمدر، وتهرولون حوله كهرولة البعير إذا نفر، إن من فكر في
~~هذا وقدر، علم أن هذا فعل أسسه غير حكيم ولا ذي نظر، فقل فإنك رأس هذا
~~الأمر وسنامه، وأبوك أسسه ونظامه!
# فقال أبو عبد الله: إن من أضله الله وأعمى قلبه، استوخم الحق ولم يستعذبه
~~وصار الشيطان وليه، يورده مناهل الهلكة، ثم لا يصدره، وهذا بيت استعبد الله
~~به عباده، ليختبر طاعتهم في إتيانه، فحثهم على تعظيمه وزيارته، جعله محل
~~أنبيائه، وقبلة للمصلين له، فهو شعبة من رضوانه، وطريق يؤدي إلى غفرانه،
~~منصوب على استواء الكمال، ومجتمع العظمة والجلال، خلقه الله قبل دحو الأرض
~~بألفي عام، فأحق من أطيع فيما أمر وانتهى عما نهى عنه وزجر، الله المنشئ
~~للأرواح والصور.
# فقال ابن أبي العوجاء: ذكرت الله فأحلت على الغائب.
# فقال أبو عبد الله: ويلك! كيف يكون غائبا من هو مع خلقه شاهد، وإليهم
~~أقرب من حبل الوريد، يسمع كلامهم ويرى أشخاصهم، ويعلم أسرارهم؟!
# فقال ابن أبي العوجاء: فهو في كل مكان، أليس إذا كان في السماء كيف يكون
~~في الأرض وإذا كان في الأرض كيف يكون في السماء؟
# فقال أبو عبد الله عليه السلام: إنما وصفت المخلوق الذي إذا انتقل من
~~مكان اشتغل به مكان، وخلا منه مكان، فلا يدري في المكان الذي صار إليه ما
~~حدث في المكان الذي كان فيه، فأما الله العظيم الشأن، الملك الديان، فلا
~~يخلو منه مكان ولا يشتغل به ms350 مكان، ولا يكون إلى مكان أقرب منه إلى مكان.
# وروي أن الصادق عليه السلام قال لابن أبي العوجاء: إن يكن الأمر كما تقول
~~- وليس كما نقول - نجونا ونجوت وإن يكن الأمر كما - نقول وهو كما
~~PageV02P075
# نقول - نجونا وهلكت.
# وروي أيضا: أن ابن أبي العوجاء سأل الصادق عليه السلام عن حدث العالم
~~فقال:
# ما وجدت صغيرا ولا كبيرا إلا إذا ضم إليه مثله صار أكبر، وفي ذلك زوال
~~وانتقال عن الحالة الأولى، ولو كان قديما ما زال ولا حال، لأن الذي يزول
~~ويحول يجوز أن يوجد ويبطل، فيكون بوجوده بعد عدمه دخول في الحدث، وفي كونه
~~في الأزل دخول في القدم، ولن يجتمع صفة الحدوث والقدم في شئ واحد.
# قال ابن أبي العوجاء: هبك علمك في جري الحالتين والزمانين على ما ذكرت
~~استدللت على حدوثها، فلو بقيت الأشياء على صغرها من أين كان لك أن تستدل
~~على حدوثها؟
# فقال عليه السلام: إنا نتكلم على هذا العالم الموضوع، فلو رفعناه ووضعنا
~~عالما آخر كان لا شئ أدل على الحدث ومن رفعنا إياه ووضعنا غيره، لكن أجيبك
~~من حيث قدرت أن تلزمنا، فنقول: إن الأشياء لو دامت على صغرها لكان في الوهم
~~أنه متى ضم شئ منه إلى شئ منه كان أكبر، وفي جواز التغير عليه خروجه من
~~القدم كما إن في تغيره دخوله في الحدث، وليس لك ورائه شئ يا عبد الكريم.
# وعن يونس بن ظبيان (1) قال: دخل رجل على أبي عبد الله عليه السلام قال:
# أرأيت الله حين عبدته؟
# قال: ما كنت أعبد شيئا لم أره.
# PageV02P076
# قال: فكيف رأيته؟
# قال: لم تره الأبصار بمشاهدة العيان، ولكن رأته القلوب بحقايق الإيمان لا
~~يدرك بالحواس، ولا يقاس بالناس، معروف بغير تشبيه.
# وعن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله تعالى (لا
~~تدركه الأبصار) قال: إحاطة الوهم ألا ترى إلى قوله: (قد جائكم بصائر من
~~ربكم) ليس يعني بصر العيون، (فمن أبصر فلنفسه) وليس يعني من أبصر نفسه (ومن ms351
~~عمي فعليها) ليس يعني عمي العيون، إنما عنى: إحاطة الوهم - كما يقال: فلان
~~بصير بالشعر، وفلان بصير بالفقه، وفلان بصير بالدراهم، وفلان بصير بالثياب
~~- الله أعظم من أن يرى بالعين.
# ومن سؤال الزنديق الذي سأل أبا عبد الله عليه السلام عن مسائل كثيرة أنه
~~قال:
# كيف يعبد الله الخلق ولم يروه؟
# قال: رأته القلوب بنور الإيمان، وأثبتته العقول بيقظتها إثبات العيان،
~~وأبصرته الأبصار بما رأته من حسن التركيب، وأحكام التأليف، ثم الرسل
~~وآياتها والكتب ومحكماتها، واقتصرت العلماء على ما رأت من عظمته دون رؤيته.
# قال: أليس هو قادر أن يظهر لهم حتى يروه فيعرفونه فيعبد على يقين؟
# قال: ليس للمحال جواب.
# قال: فمن أين أثبت أنبياء ورسلا؟
# قال عليه السلام: أنا لما أثبتنا أن لنا خالقا صانعا متعاليا عنا وعن
~~جميع ما خلق، وكان ذلك الصانع حكيما، لم يجز أن يشاهده خلقه، ولا أن
~~يلامسوه ولا أن يباشرهم ويباشروه، ويحاجهم ويحاجوه، ثبت أن له سفراء في
~~خلقه وعباده يدلونهم على مصالحهم ومنافعهم، وما به بقاؤهم، وفي تركه
~~فناؤهم، فثبت الآمرون والناهون عن الحكيم العليم في خلقه، وثبت عند ذلك أن
~~له معبرون هم أنبياء الله وصفوته من خلقه، حكماء مؤدبين بالحكمة، مبعوثين
~~عنه، مشاركين للناس في أحوالهم على مشاركتهم لهم في الخلق والتركيب، مؤيدين
~~من عند الحكيم PageV02P077
# العليم بالحكمة والدلائل والبراهين والشواهد من: إحياء الموتى، وإبراء
~~الأكمه والأبرص، فلا تخلو الأرض من حجة يكون معه علم يدل على صدق مقال
~~الرسول ووجوب عدالته.
# ثم قال عليه السلام بعد ذلك: نحن نزعم أن الأرض لا تخلو من حجة ولا تكون
~~الحجة إلا من عقب الأنبياء، ما بعث الله نبيا قط من غير نسل الأنبياء، وذلك
~~أن الله شرع لبني آدم طريقا منيرا، وأخرج من آدم نسلا طاهرا طيبا، أخرج منه
~~الأنبياء والرسل، هم صفوة الله، وخلص الجوهر، طهروا في الأصلاب، وحفظوا في
~~الأرحام، لم يصبهم سفاح الجاهلية، ولا شاب أنسابهم، لأن الله عز وجل جعلهم
~~في موضع لا يكون أعلى درجة ms352 وشرفا منه، فمن كان خازن علم الله، وأمين غيبه
~~ومستودع سره، وحجته على خلقه، وترجمانه ولسانه، لا يكون إلا بهذه الصفة
~~فالحجة لا يكون إلا من نسلهم، يقوم مقام النبي صلى الله عليه وآله في الخلق
~~بالعلم الذي عنده، وورثه عن الرسول، إن جحده الناس سكت، وكان بقاء ما عليه
~~الناس قليلا مما في أيديهم من علم الرسول على اختلاف منهم فيه، قد أقاموا
~~بينهم الرأي والقياس، وأنهم إن أقروا به وأطاعوه وأخذوا عنه، ظهر العدل،
~~وذهب الاختلاف والتشاجر، واستوى الأمر وأبان الدين، وغلب على الشك اليقين،
~~ولا يكاد أن يقر الناس به ولا يطيعوا له أو يحفظوا له بعد فقد الرسول، وما
~~مضى رسول ولا نبي قط لم يختلف أمته من بعده، وإنما كان علة اختلافهم على
~~الحجة وتركهم إياه. قال: فما يصنع بالحجة إذا كان بهذه الصفة؟ قال: قد
~~يقتدى به ويخرج عنه الشئ بعد الشئ مكانه منفعة الخلق وصلاحهم فإن أحدثوا في
~~دين الله شيئا أعلمهم وإن زادوا فيه أخبرهم وإن نفدوا منه شيئا أفادهم.
# ثم قال الزنديق: من أي شئ خلق الله الأشياء؟
# قال: لا من شئ.
# فقال: كيف يجئ من لا شئ شئ؟
# قال عليه السلام: إن الأشياء لا تخلو أما أن تكون خلقت من شئ أو من غير
~~PageV02P078
# شئ، فإن كان خلقت من شئ كان معه، فإن ذلك الشئ قديم، والقديم لا يكون
~~حديثا ولا يفنى ولا يتغير، ولا يخلو ذلك الشئ من أن يكون جوهرا واحدا ولونا
~~واحدا، فمن أين جاءت هذه الألوان المختلفة والجواهر الكثيرة الموجودة في
~~هذا العالم من ضروب شتى؟ ومن أين جاء الموت إن كان الشئ الذي أنشئت منه
~~الأشياء حيا؟! ومن أين جاءت الحياة إن كان ذلك الشئ ميتا؟!
# ولا يجوز أن يكون من حي وميت قديمين لم يزالا، لأن الحي لا يجئ منه ميت
~~وهو لم يزل حيا، ولا يجوز أيضا أن يكون الميت قديما لم يزل لما هو به من
~~الموت، لأن الميت لا قدرة له ms353 ولا بقاء.
# قال: فمن أين قالوا أن الأشياء أزلية؟
# قال: هذه مقالة قوم جحدوا مدبر الأشياء فكذبوا الرسل، ومقالتهم،
~~والأنبياء وما أنبأوا عنه، وسموا كتبهم أساطير، ووضعوا لأنفسهم دينا
~~بآرائهم واستحسانهم، أن الأشياء تدل على حدوثها، من دوران الفلك بما فيه،
~~وهي سبعة أفلاك، وتحرك الأرض ومن عليها، وانقلاب الأزمنة، واختلاف الوقت،
~~والحوادث التي تحدث في العالم، من زيادة ونقصان، وموت وبلى، واضطرار النفس
~~إلى الاقرار بأن لها صانعا ومدبرا، ألا ترى الحلو يصير حامضا، والعذب مرا،
~~والجديد باليا، وكل إلى تغير وفناء؟!
# قال: فلم يزل صانع العالم عالما بالأحداث التي أحدثها قبل أن يحدثها؟
# قال: فلم يزل يعلم فخلق ما علم.
# قال: أمختلف هو أم مؤتلف؟
# قال: لا يليق به الاختلاف ولا الايتلاف، وإنما يختلف المتجزي، ويأتلف
~~المتبعض، فلا يقال له مؤتلف ولا مختلف.
# قال: فكيف هو الله الواحد؟
# قال: واحد في ذاته، فلا واحد كواحد، لأن ما سواه من الواحد متجزي وهو
~~تبارك وتعالى واحد لا يتجزى، ولا يقع عليه العد. PageV02P079
# قال: فلأي علة خلق الخلق وهو غير محتاج إليهم، ولا مضطر إلى خلقهم، ولا
~~يليق به التعبث بنا؟
# قال: خلقهم لإظهار حكمته، وإنفاذ علمه، وإمضاء تدبيره.
# قال: وكيف لا يقتصر على هذه الدار فيجعلها دار ثوابه، ومحتبس عقابه؟
# قال: إن هذه الدار دار ابتلاء، ومتجر الثواب، ومكتسب الرحمة، ملئت آفات،
~~وطبقت شهوات، ليختبر فيها عبيده بالطاعة، فلا يكون دار عمل دار جزاء.
# قال: أفمن حكمته أن جعل لنفسه عدوا، وقد كان ولا عدو له، فخلق كما زعمت
~~(إبليس) فسلطه على عبيده يدعوهم إلى خلاف طاعته، ويأمرهم بمعصيته وجعل له
~~من القوة كما زعمت ما يصل بلطف الحيلة إلى قلوبهم، فيوسوس إليهم فيشككهم في
~~ربهم، ويلبس عليهم دينهم، فيزيلهم عن معرفته، حتى أنكر قوم لما وسوس إليهم
~~ربوبيته، وعبدوا سواه، فلم سلط عدوه على عبيده، وجعل له السبيل إلى
~~إغوائهم؟
# قال: إن هذا العدو الذي ذكرت لا تضره عداوته، ولا تنفعه ولايته، وعداوته
~~لا تنقص من ملكه شيئا، ms354 وولايته لا تزيد فيه شيئا، وإنما يتقى العدو إذا كان
~~في قوة يضر وينفع، إن هم بملك أخذه، أو بسلطان قهره، فأما إبليس فعبد خلقه
~~ليعبده ويوحده، وقد علم حين خلقه ما هو وإلى ما يصير إليه، فلم يزل يعبده
~~مع ملائكته حتى امتحنه بسجود آدم، فامتنع من ذلك حسدا، وشقاوة غلبت عليه،
~~فلعنه عند ذلك، وأخرجه عن صفوف الملائكة، وأنزله إلى الأرض ملعونا مدحورا
~~فصار عدو آدم وولده بذلك السبب، ما له من السلطنة على ولده إلا الوسوسة،
~~والدعاء إلى غير السبيل، وقد أقر مع معصيته لربه بربوبيته.
# قال: أفيصلح السجود لغير الله؟
# قال: لا.
# قال: فكيف أمر الله الملائكة بالسجود لآدم؟ PageV02P080
# قال: إن من سجد بأمر الله، سجد لله، إذا كان عن أمر الله.
# قال: فمن أين أصل الكهانة، ومن أين يخبر الناس بما يحدث؟
# قال: إن الكهانة كانت في الجاهلية في كل حين فترة من الرسل، كان الكاهن
~~بمنزلة الحاكم يحتكمون إليه فيما يشتبه عليهم من الأمور بينهم، فيخبرهم عن
~~أشياء تحدث، وذلك من وجوه شتى، فراسة العين، وذكاء القلب، ووسوسة النفس،
~~وفتنة الروح، مع قذف في قلبه، لأن ما يحدث في الأرض من الحوادث الظاهرة
~~فذلك يعلم الشيطان ويؤديه إلى الكاهن، ويخبره بما يحدث في المنازل
~~والأطراف، وأما أخبار السماء فإن الشياطين كانت تقعد مقاعد استراق السمع إذ
~~ذاك، وهي لا تحجب، ولا ترجم بالنجوم، وإنما منعت من استراق السمع لئلا يقع
~~في الأرض سبب تشاكل الوحي من خبر السماء، فيلبس على أهل الأرض ما جائهم عن
~~الله، لإثبات الحجة، ونفي الشبهة، وكان الشيطان يسترق الكلمة الواحدة من
~~خبر السماء بما يحدث من الله في خلقه فيختطفها، ثم يهبط بها إلى الأرض،
~~فيقذفها إلى الكاهن، فإذا قد زاد كلمات من عنده، فيخلط الحق بالباطل، فما
~~أصاب الكاهن من خبر مما كان يخبر به فهو ما أداه إليه الشيطان لما سمعه،
~~وما أخطأ فيه فهو من باطل ما زاد فيه، فمنذ منعت الشياطين عن استراق السمع
~~انقطعت ms355 الكهانة، واليوم إنما تؤدي الشياطين إلى كهانها أخبارا للناس بما
~~يتحدثون به، وما يحدثونه، والشياطين تؤدي إلى الشياطين ما يحدث في البعد من
~~الحوادث، من سارق سرق ومن قاتل قتل، ومن غائب غاب، وهم بمنزلة الناس أيضا،
~~صدوق وكذوب.
# قال: وكيف صعدت الشياطين إلى السماء وهم أمثال الناس في الخلقة والكثافة
~~وقد كانوا يبنون لسليمان بن داود عليهما السلام من البناء ما يعجز عنه ولد
~~آدم؟
# قال: غلظوا لسليمان كما سخروا وهم خلق رقيق، غذائهم النسيم، والدليل على
~~كل ذلك صعودهم إلى السماء لاستراق السمع، ولا يقدر الجسم الكثيف على
~~الارتقاء إليها بسلم أو بسبب.
# قال: فأخبرني عن السحر ما أصله، وكيف يقدر الساحر على ما يوصف
~~PageV02P081
# من عجائبه، وما يفعل؟
# قال: إن السحر على وجوه شتى:
# وجه منها بمنزلة الطب، كما أن الأطباء وضعوا لكل داء دواء، فكذلك علم
~~السحر، احتالوا لكل صحة آفة، ولكل عافية عاهة، ولكل معنى حيلة.
# ونوع آخر منه خطفة وسرعة، ومخاريق وخفة ونوع آخر ما يأخذ أولياء الشياطين
~~عنهم.
# قال: فمن أين علم الشياطين السحر؟
# قال: من حيث عرف الأطباء الطلب، بعضه تجربة، وبعضه علاج.
# قال: فما تقول في الملكين هاروت وماروت؟ وما يقول الناس بأنهما يعلمان
~~الناس السحر؟
# قال: إنهما موضع ابتلاء، وموقع فتنة، تسبيحهما: اليوم لو فعل الإنسان كذا
~~وكذا لكان كذا وكذا، ولو يعالج بكذا وكذا لكان كذا، أصناف السحر فيتعلمون
~~منهما ما يخرج عنهما، فيقولان لهم إنما نحن فتنة فلا تأخذوا عنا ما يضركم
~~ولا ينفعكم.
# قال: أفيقدر الساحر أن يجعل الإنسان بسحره في صورة الكلب أو الحمار أو
~~غير ذلك؟
# قال: هو أعجز من ذلك، وأضعف من أن يغير خلق الله، إن من أبطل ما ركبه
~~الله وصوره وغيره فهو شريك الله في خلقه، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا لو
~~قدر الساحر على ما وصفت لدفع عن نفسه الهرم والآفة والأمراض، ولنفى البياض
~~عن رأسه، والفقر عن ساحته، وأن من أكبر السحر النميمة، يفرق بها بين
~~المتحابين، ويجلب ms356 العداوة على المتصافيين، ويسفك بها الدماء، ويهدم بها
~~الدور ويكشف بها الستور، والنمام أشر من وطئ الأرض بقدم، فاقرب أقاويل
~~السحر من الصواب أنه بمنزلة الطب، إن الساحر عالج الرجل فامتنع من مجامعة
~~النساء فجاء الطبيب فعالجه بغير ذلك العلاج فأبرء. PageV02P082
# قال: فما بال ولد آدم فيهم شريف ووضيع؟
# قال: الشريف المطيع، والوضيع العاصي.
# قال: أليس فيهم فاضل ومفضول؟
# قال: إنما يتفاضلون بالتقوى.
# قال: فتقول أن ولد آدم كلهم سواء في الأصل لا يتفاضلون إلا بالتقوى؟
# قال: نعم. أني وجدت أصل الخلق التراب، والأب آدم، والأم حواء، خلقهم إله
~~واحد، وهم عبيده، إن الله عز وجل اختار من ولد آدم أناسا طهر ميلادهم، وطيب
~~أبدانهم، وحفظهم في أصلاب الرجال وأرحام النساء، أخرج منهم الأنبياء
~~والرسل، فهم أزكى فروع آدم، فعل ذلك لأمر استحقوه من الله عز وجل. ولكن علم
~~الله منهم حين ذرأهم أنهم يطيعونه ويعبدونه ولا يشركون به شيئا، فهؤلاء
~~بالطاعة نالوا من الله الكرامة والمنزلة الرفيعة عنده، وهؤلاء الذين لهم
~~الشرف والفضل والحسب، وساير الناس سواء، إلا من اتقى الله أكرمه، ومن أطاعه
~~أحبه، ومن أحبه لم يعذبه بالنار.
# قال: فأخبرني عن الله عز وجل كيف لم يخلق الخلق كلهم مطيعين موحدين وكان
~~على ذلك قادرا؟
# قال عليه السلام: لو خلقهم مطيعين، لم يكن لهم ثواب، لأن الطاعة إذا ما
~~كانت فعلهم لم يكن جنة ولا نارا، ولكن خلق خلقه فأمرهم بطاعته، ونهاهم عن
~~معصيته واحتج عليهم برسله، وقطع عذرهم بكتبه، ليكونوا هم الذين يطيعون
~~ويعصون ويستوجبون بطاعتهم له الثواب، وبمعصيتهم إياه العقاب.
# قال: فالعمل الصالح من العبد هو فعله، والعمل الشر من العبد هو فعله؟
# قال: العمل الصالح من العبد بفعله، والله به أمره، والعمل الشر من العبد
~~بفعله، والله عنه نهاه.
# قال: أليس فعله بالآلة التي ركبها فيه؟
# قال: نعم. ولكن بالآلة التي عمل بها الخبر، قدر على الشر الذي نهاه عنه
~~PageV02P083
# قال: فإلى العبد من الأمر شئ؟
# قال: ما نهاه الله عن شئ إلا وقد ms357 علم أنه يطيق تركه، ولا أمره بشئ إلا
~~وقد علم أنه يستطيع فعله، لأنه ليس من صفة الجور، والبعث، والظلم، وتكليف
~~العباد ما لا يطيقون.
# قال: فمن خلقه الله كافرا أيستطيع الإيمان وله عليه بتركه الإيمان حجة.
# قال عليه السلام: إن الله خلق خلقه جميعا مسلمين، أمرهم ونهاهم، والكفر
~~اسم يلحق الفعل حين يفعله العبد، ولم يخلق الله العبد حين خلقه كافرا، إنه
~~إنما كفر من بعد أن بلغ وقتا لزمته الحجة من الله، فعرض عليه الحق فجحده
~~فبإنكاره الحق صار كافرا.
# قال: أفيجوز أن يقدر على العبد الشر، ويأمره بالخير وهو لا يستطيع الخير
~~أن يعمله، ويعذبه عليه.
# قال: إنه لا يليق بعدل الله ورأفته أن يقدر على العبد الشر ويريده منه،
~~ثم يأمره بما يعلم أنه لا يستطيع أخذه، والإنزاع عما لا يقدر على تركه، ثم
~~يعذبه على أمره الذي علم أنه لا يستطيع أخذه.
# قال: بماذا استحق الذين أغناهم وأوسع عليهم من رزقه الغناء والسعة،
~~وبماذا استحق الفقير التقتير والتضييق.
# قال: اختبر الأغنياء بما أعطاهم لينظر كيف شكرهم، والفقراء بما منعهم
~~لينظر كيف صبرهم، ووجه آخر: أنه عجل لقوم في حياتهم، ولقوم أخر ليوم حاجتهم
~~إليه، ووجه آخر فإنه علم احتمال كل قوم فأعطاهم على قدر احتمالهم ولو كان
~~الخلق كلهم أغنياء لخربت الدنيا، وفسد التدبير، وصار أهلها إلى الفناء ولكن
~~جعل بعضهم لبعض عونا، وجعل أسباب أرزاقهم في ضروب الأعمال، وأنواع
~~الصناعات، وذلك أدوم في البقاء، وأصح في التدبير، ثم اختبر الأغنياء
~~بالاستعطاف على الفقراء، كل ذلك لطف ورحمة من الحكيم الذي لا يعاب تدبيره.
# قال: فيما استحق الطفل الصغير ما يصيبه من الأوجاع والأمراض بلا ذنب
~~PageV02P084
# عمله، ولا جرم سلف منه.
# قال: إن المرض على وجوه شتى: مرض بلوى، ومرض عقوبة، ومرض جعل علة للفناء،
~~وأنت تزعم أن ذلك من أغذية ردية، وأشربة وبية، أو من علة كانت بأمه، وتزعم
~~أن من أحسن السياسة لبدنه، وأجمل النظر في أحوال نفسه وعرف الضار مما يأكل
~~من ms358 النافع، لم يمرض، وتميل في قولك إلى من يزعم:
# أنه لا يكون المرض والموت إلا من المطعم والمشرب! قد مات أرسطا طاليس
~~معلم الأطباء، وإفلاطون رئيس الحكماء، وجالينوس شاخ ودق بصره، وما دفع
~~الموت حين نزل بساحته، ولم يألوا حفظ أنفسهم، والنظر لما يوافقها، كم مريضا
~~قد زاده المعالج سقما، وكم من طبيب عالم، وبصير بالأدواء والأدوية ماهر مات
~~وعاش الجاهل بالطب بعده زمانا. فلا ذاك نفعه علمه بطبه عند انقطاع مدته
~~وحضور أجله، ولا هذا ضره الجهل بالطب مع بقاء المدة وتأخر الأجل.
# ثم قال عليه السلام: إن أكثر الأطباء قالوا: إن علم الطب لم تعرفه
~~الأنبياء، فما نصنع على قياس قولهم بعلم زعموا ليس تعرفه الأنبياء الذين
~~كانوا حجج الله على خلقه، وأمناءه في أرضه، وخزان علمه، وورثة حكمته،
~~والأدلاء عليه، والدعاة إلى طاعته؟
# ثم إني وجدت أن أكثرهم يتنكب في مذهبه سبل الأنبياء، ويكذب الكتب المنزلة
~~عليهم من الله تبارك وتعالى، فهذا الذي أزهدني في طلبه وحامليه.
# قال: فكيف تزهد في قوم وأنت مؤدبهم وكبيرهم؟
# قال عليه السلام: إني رأيت الرجل الماهر في طبه إذا سألته لم يقف على
~~حدود نفسه، وتأليف بدنه، وتركيب أعضائه، ومجرى الأغذية في جوارحه، ومخرج
~~نفسه وحركة لسانه، ومستقر كلامه، ونور بصره، وانتشار ذكره، واختلاف شهواته،
~~وانسكاب عبراته، ومجمع سمعه، وموضع عقله، ومسكن روحه، ومخرج عطسته، وهيج
~~غمومه، وأسباب سروره، وعلة ما حدث فيه من بكم وصمم، وغير ذلك، لم يكن عندهم
~~في ذلك أكثر من أقاويل استحسنوها، وعلل فيما بينهم جوزوها. PageV02P085
# قال: فأخبرني عن الله أله شريك في ملكه، أو مضاد له في تدبيره؟
# قال: لا.
# قال: فما هذا الفساد الموجود في العالم. من سباع ضارية، وهوام مخوفة وخلق
~~كثير مشوهة، ودود، وبعوض، وحيات، وعقارب، وزعمت: أنه لا يخلق شيئا إلا
~~لعلة، لأنه لا يعبث؟
# قال: ألست تزعم أن العقارب تنفع من وجه المثانة والحصاة، ولمن يبول في
~~الفراش، وأن أفضل الترياق ما عولج من لحوم الأفاعي، فإن لحومها إذا أكلها ms359
~~المجذوم بشب نفعه، وتزعم أن الدود الأحمر الذي يصاب تحت الأرض نافع للأكلة؟
# قال: نعم.
# قال: عليه السلام: فأما البعوض والبق فبعض سببه أنه جعله أرزاق الطير،
~~وأهان بها جبارا تمرد على الله وتجبر، وأنكر ربوبيته، فسلط الله عليه أضعف
~~خلقه ليريه قدرته وعظمته، وهي البعوض، فدخلت في منخره حتى وصلت إلى دماغه
~~فقتلته، واعلم أنا لو وقعنا على كل شئ خلقه الله تعالى لم خلقه؟ ولأي شئ
~~أنشأه؟ لكنا قد ساويناه في علمه، وعلمنا كلما يعلم، واستغنينا عنه، وكنا
~~وهو في العلم سواء.
# قال: فأخبرني هل يعاب شئ من خلق الله وتدبيره؟
# قال: لا.
# قال: فإن الله خلق خلقه عزلا، أذلك منه حكمة أم عبث؟
# قال: بل منه حكمة.
# قال: غيرتم خلق الله، وجعلتم فعلكم في قطع الغلفة أصوب مما خلق الله لها،
~~وعبتم الأغلف، والله خلقه، ومدحتم الختان وهو فعلكم. أم تقولون أن ذلك من
~~الله كان خطأ غير حكمة؟!
# قال: عليه السلام: ذلك من الله حكمة وصواب، غير أنه سن ذلك وأوجبه على
~~خلقه، كما أن المولود إذا خرج من بطن أمه وجدنا سرته متصلة بسرة أمه،
~~PageV02P086
# كذلك خلقها الحكيم فأمر العباد بقطعها، وفي تركها فساد بين للمولود
~~والأم، وكذلك أظفار الإنسان أمر إذا طالت أن تقلم، وكان قادرا يوم دبر خلق
~~الإنسان أن يخلقها خلقة لا تطول، وكذلك الشعر من الشارب والرأس، يطول فيجز،
~~وكذلك الثيران خلقها الله فحولة، وإخصاؤها أوفق، وليس في ذلك عيب في تقدير
~~الله عز وجل.
# قال: ألست تقول: يقول الله تعالى: (ادعوني أستجب لكم) وقد نرى المضطر
~~يدعوه فلا يجاب له، والمظلوم يستنصره على عدوه فلا ينصره؟
# قال: ويحك ما يدعوه أحد إلا استجاب له، أما الظالم فدعاؤه مردود إلى أن
~~يتوب إليه، وأما المحق فإنه إذا دعاه استجاب له، وصرف عنه البلاء من حيث لا
~~يعلمه، أو ادخر له ثوابا جزيلا ليوم حاجته إليه، وإن لم يكن الأمر الذي سأل
~~العبد خيرا له إن أعطاه أمسك عنه، والمؤمن العارف بالله ms360 ربما عز عليه أن
~~يدعوه فيما لا يدري أصواب ذلك أم خطأ، وقد يسأل العبد ربه هلاك من لم ينقطع
~~مدته أو يسأل المطر وقتا ولعله أوان لا يصلح فيه المطر، لأنه أعرف بتدبير
~~ما خلق من خلقه، وأشباه ذلك كثيرة فافهم هذا.
# قال: اخبرني أيها الحكيم ما بال السماء لا ينزل منها إلى الأرض أحد، ولا
~~يصعد من الأرض إليها بشر، ولا طريق إليها، ولا مسلك، فلو نظر العباد في كل
~~دهر مرة من يصعد إليها وينزل لكان ذلك أثبت في الربوبية، وأنفى للشك وأقوى
~~لليقين، وأجدر أن يعلم العباد أن هناك مدبرا إليه يصعد الصاعد، ومن عنده
~~يهبط الهابط.
# قال: إن كل ما ترى في الأرض من التدبير إنما هو ينزل من السماء، ومنها
~~يظهر، أما ترى الشمس منها تطلع، وهي نور النهار، وفيها قوام الدنيا، ولو
~~حبست حار من عليها، وهلك، والقمر منها يطلع، وهو نور الليل، وبه يعلم عدد
~~السنين والحساب، والشهور والأيام، ولو حبس لحار من عليها وفسد التدبير، وفي
~~السماء النجوم التي يهتدى بها في ظلمات البر، والبحر، ومن السماء ينزل
~~الغيث الذي فيه PageV02P087
# حياة كل شئ، من: الزرع، والنبات، والأنعام، وكل الخلق لو حبس عنهم لما
~~عاشوا، والريح لو حبست إياه لفسدت الأشياء جميعا، وتغيرت، ثم الغيم والرعد
~~والبرق والصواعق، كل ذلك إنما هو دليل على أن هناك مدبرا يدبر كل شئ ومن
~~عنده ينزل، وقد كلم الله موسى وناجاه، ورفع الله عيسى بن مريم، والملائكة
~~تتنزل من عنده، غير أنك لا تؤمن بما لم تره بعينك، وفيما تراه بعينك كفاية
~~أن تفهم وتعقل.
# قال: فلو أن الله رد إلينا من الأموات في كل مائة عام واحدا لنسأله عن من
~~مضى منا. إلى ما صاروا، وكيف حالهم، وماذا لقوا بعد الموت، وأي شئ صنع بهم،
~~ليعمل الناس على اليقين، واضمحل الشك، وذهب الغل عن القلوب.
# قال: إن هذه مقالة من أنكر الرسل وكذبهم، ولم يصدق بما جاءوا به من عند
~~الله، إذ أخبروا ms361 وقالوا: أن الله أخبر في كتابه عز وجل على لسان أنبيائه،
~~حال من مات منا، أفيكون أحد أصدق من الله قولا ومن رسله، وقد رجع إلى
~~الدنيا ممن مات خلق كثير، منهم: (أصحاب الكهف) أماتهم الله ثلاثمائة عام
~~وتسعة ثم بعثهم في زمان قوم أنكروا البعث، ليقطع حجتهم، وليريهم قدرته
~~وليعلموا أن البعث حق، وأمات الله (أرمياء) النبي عليه السلام الذي نظر إلى
~~خراب بيت المقدس وما حوله حين غزاهم بخت نصر وقال: (أنى يحيي هذه الله بعد
~~موتها) (فأماته الله مائة عام ثم أحياه) ونظر إلى أعضائه كيف تلتئم، وكيف
~~تلبس اللحم، وإلى مفاصله وعروقه كيف توصل، فلما استوى قاعدا قال: (أعلم أن
~~الله على كل شئ قدير) وأحيى الله قوما خرجوا عن أوطانهم هاربين من الطاعون،
~~لا يحصى عددهم، وأماتهم الله دهرا طويلا، حتى بليت عظامهم، وتقطعت أوصالهم،
~~وصاروا ترابا، فبعث الله في وقت أحب أن يري خلقه قدرته، نبيا يقال له:
~~(حزقيل) دعاهم فاجتمعت أبدانهم، ورجعت فيها أرواحهم، وقاموا كهيئة يوم
~~ماتوا، لا يفقدون من أعدادهم رجلا، فعاشوا بعد ذلك دهرا طويلا، وأن الله
~~أمات قوما خرجوا مع موسى عليه السلام حين توجه إلى الله فقالوا: (أرنا الله
~~جهرة) PageV02P088
# (فأماتهم الله ثم أحياهم) قال: فأخبرني عمن قال: بتناسخ الأرواح، من أي
~~شئ قالوا ذلك، وبأي حجة قاموا على مذاهبهم.
# قال: إن أصحاب التناسخ قد خلفوا ورائهم منهاج الدين، وزينوا لأنفسهم
~~الضلالات، وأمرجوا أنفسهم في الشهوات (1) وزعموا أن السماء خاوية ما فيها
~~شئ مما يوصف، وأن مدبر هذا العالم في صورة المخلوقين، بحجة من روى أن الله
~~عز وجل خلق آدم على صورته، وأنه لا جنة ولا نار، ولا بعث ولا نشور،
~~والقيامة عندهم خروج الروح من قالبه وولوجه في قالب آخر، فإن كان محسنا في
~~القالب الأول أعيد في قالب أفضل منه حسنا في أعلى درجة من الدنيا، وإن كان
~~مسيئا أو غير عارف صار في بعض الدواب المتعبة في الدنيا، أو هوام مشوهة
~~الخلقة وليس عليهم ms362 صوم ولا صلاة، ولا شئ من العبادة أكثر من معرفة من تجب
~~عليهم معرفته، وكل شئ من شهوات الدنيا مباح لهم، من: فروج النساء، وغير
~~ذلك، من الأخوات، والبنات، والخالات، وذوات البعولة، وكذلك الميتة، والخمر،
~~والدم، فاستقبح مقالتهم كل الفرق، ولعنهم كل الأمم، فلما سئلوا الحجة زاغوا
~~وحادوا، فكذب مقالتهم التوراة، ولعنهم الفرقان، وزعموا مع ذلك أن إلههم
~~ينتقل من قالب إلى قالب، وأن الأرواح الأزلية هي التي كانت في آدم، ثم هلم
~~جرا تجري إلى يومنا هذا في واحد بعد آخر، فإذا كان الخالق في صورة المخلوق
~~فبما يستدل على أن أحدهما خالق صاحبه؟! وقالوا: أن الملائكة من ولد آدم كل
~~من صار في أعلى درجة من دينهم خرج من منزلة الامتحان والتصفية فهو ملك
~~فطورا تخالهم نصارى في أشياء، وطورا دهرية يقولون: أن الأشياء على غير
~~الحقيقة، فقد كان يجب عليهم أن لا يأكلوا شيئا من اللحمان، لأن الذرات
~~عندهم كلها من ولد آدم حولوا من صورهم، فلا يجوز أكل لحوم القربات.
# PageV02P089
# قال: ومن زعم أن الله لم يزل، ومعه طينة مؤذية، فلم يستطع التفصي منها
~~(1) إلا بامتزاجه بها ودخوله فيها، فمن تلك الطينة خلق الأشياء!
# قال: سبحان الله وتعالى! ما أعجز إله يوصف بالقدرة، لا يستطيع التفصي من
~~الطينة! إن كانت الطينة حية أزلية، فكانا إلهين قديمين فامتزجا ودبرا
~~العالم من أنفسهما، فإن كان ذلك كذلك، فمن أين جاء الموت والفناء؟ وإن كانت
~~الطينة ميتة فلا بقاء للميت مع الأزلي القديم، والميت لا يجئ منه حي، وهذه
~~مقالة الديصانية، أشد الزنادقة قولا، وأمهنهم مثلا، نظروا في كتب قد صنفتها
~~أوائلهم، وحبروها بألفاظ مزخرفة من غير أصل ثابت، ولا حجة توجب إثبات ما
~~ادعوا، كل ذلك خلافا على الله وعلى رسله، بما جاءوا عن الله، فأما من زعم
~~أن الأبدان ظلمة، والأرواح نور، وأن النور لا يعمل الشر، والظلمة لا تعمل
~~الخير، فلا يجب عليهم أن يلوموا أحدا على معصية، ولا ركوب حرمة ولا إتيان
~~فاحشة وأن ذلك ms363 عن الظلمة غير مستنكر، لأن ذلك فعلها، ولا له أن يدعو ربا،
~~ولا يتضرع إليه، لأن النور الرب، والرب لا يتضرع إلى نفسه، ولا يستعبد
~~بغيره، ولا لأحد من أهل هذه المقالة أن يقول: (أحسنت) يا محسن أو (أسأت)
~~لأن الإسائة من فعل الظلمة، وذلك فعلها، والإحسان من النور، ولا يقول النور
~~لنفسه أحسنت يا محسن، وليس هناك ثالث، وكانت الظلمة على قياس قولهم، أحكم
~~فعلا، وأتقن تدبيرا، وأعز أركانا من النور، لأن الأبدان محكمة، فمن صور هذا
~~الخلق صورة واحدة على نعوت مختلفة، وكل شئ يرى ظاهرا من الزهر، والأشجار
~~والثمار، والطير، والدواب، يجب أن يكون إلها، ثم حبست النور في حبسها
~~والدولة لها، وأما ما ادعوا بأن العاقبة سوف تكون للنور، فدعوى، وينبغي على
~~قياس قولهم أن لا يكون للنور فعل، لأنه أسير، وليس له سلطان، فلا فعل له
~~ولا تدبير، وإن كان له مع الظلمة تدبير، فما هو بأسير، بل هو مطلق عزيز،
~~فإن لم يكن كذلك، وكان أسير الظلمة، فإنه يظهر في هذا العالم إحسان،
# PageV02P090
# وجامع فساد وشر، فهذا يدل على أن الظلمة تحسن الخير وتفعله، كما تحسن
~~الشر وتفعله، فإن قالوا محال ذلك، فلا نور يثبت ولا ظلمة، وبطلت دعواهم،
~~ورجع الأمر إلى أن الله واحد وما سواه باطل، فهذه مقالة ماني الزنديق
~~وأصحابه.
# وأما من قال: النور والظلمة بينهما حكم، فلا بد من أن يكون أكبر الثلاثة
~~الحكم، لأنه لا يحتاج إلى الحاكم إلا مغلوب أو جاهل أو مظلوم، وهذه مقالة
~~المانوية والحكاية عنهم تطول.
# قال: فما قصة ماني؟
# قال: متفحص أخذ بعض المجوسية فشابها ببعض النصرانية، فأخطأ الملتين ولم
~~يصب مذهبا واحدا منهما، وزعم أن العالم دبر من إلهين، نور وظلمة، وأن النور
~~في حصار من الظلمة على ما حكينا منه، فكذبته النصارى، وقبلته المجوس.
# قال: فأخبرني عن المجوس أفبعث الله إليهم نبيا؟ فإني أجد لهم كتبا محكمة
~~ومواعظ بليغة، وأمثالا شافية، يقرون بالثواب والعقاب، ولهم شرايع يعملون
~~بها.
# قال عليه السلام: ما ms364 من أمة إلا خلا فيها نذير، وقد بعث إليهم نبي بكتاب
~~من عند الله، فأنكروه. وجحدوا كتابه.
# قال: ومن هو فإن الناس يزعمون أنه خالد بن سنان؟
# قال عليه السلام: إن خالدا كان عربيا بدويا، ما كان نبيا، وإنما ذلك شئ
~~يقوله الناس.
# قال: أفزردشت؟
# قال: إن زردشت أتاهم بزمزمة، وادعى النبوة، فآمن منهم قوم وجحده قوم،
~~فأخرجوه فأكلته السباع في برية من الأرض.
# قال: فأخبرني عن المجوس كانوا أقرب إلى الصواب في دهرهم، أم العرب؟
# قال: العرب في الجاهلية، كانت أقرب إلى الدين الحنيفي من المجوس وذلك أن
~~المجوس كفرت بكل الأنبياء، وجحدت كتبهم، وأنكرت براهينهم، ولم تأخذ بشئ من
~~سننهم، وآثارهم، وأن كيخسرو ملك المجوس في الدهر الأول PageV02P091
# قتل ثلاثمائة نبي، وكانت المجوس لا تغتسل من الجنابة، والعرب كانت تغتسل
~~والاغتسال من خالص شرايع الحنيفية، وكانت المجوس لا تختن، وهو من سنن
~~الأنبياء، وأول من فعل ذلك إبراهيم خليل الله، وكانت المجوس لا تغسل موتاها
~~ولا تكفنها، وكانت العرب تفعل ذلك، وكانت المجوس ترمي الموتى في الصحارى
~~والنواويس، والعرب تواريها في قبورها وتلحدها، وكذلك السنة على الرسل، إن
~~أول من حفر له قبر آدم أبو البشر، وألحد له لحد، وكانت المجوس تأتي الأمهات
~~وتنكح البنات والأخوات، وحرمت ذلك العرب، وأنكرت المجوس بيت الله الحرام
~~وسمته بيت الشيطان، والعرب كانت تحجه وتعظمه، وتقول: بيت ربنا، وتقر
~~بالتوراة والإنجيل، وتسأل أهل الكتب وتأخذ، وكانت العرب في كل الأسباب أقرب
~~إلى الدين الحنيفية من المجوس.
# قال: فإنهم احتجوا بإتيان الأخوات أنها سنة من آدم.
# قال: فما حجتهم في إتيان البنات والأمهات، وقد حرم ذلك آدم، وكذلك نوح
~~وإبراهيم وموسى وعيسى، وسائر الأنبياء، وكل ما جاء عن الله عز وجل.
# قال: ولم حرم الله الخمر ولا لذة أفضل منها؟
# قال: حرمها لأنها أم الخبائث، وأس كل شر، يأتي على شاربها ساعة يسلب لبه،
~~ولا يعرف ربه، ولا يترك معصية إلا ركبها، ولا حرمة إلا انتهكها ولا رحم
~~ماسة إلا قطعها، ولا فاحشة ms365 إلا أتاها، والسكران زمامه بيد الشيطان، إن أمره
~~أن يسجد للأوثان سجد، وينقاد حيث ما قاده.
# قال: فلم حرم الدم المسفوح؟
# قال: لأنه يورث القساوة، ويسلب الفؤاد رحمته، ويعفن البدن ويغير اللون
~~وأكثر ما يصيب الإنسان الجذام يكون من أكل الدم.
# قال: فأكل الغدد؟
# قال: يورث الجذام.
# قال: فالميتة لم حرمها؟ PageV02P092
# قال: فرقا بينها وبين ما يذكى ويذكر اسم الله عليه، والميتة قد جمد فيها
~~الدم، وتراجع إلى بدنها، فلحمها ثقيل غير مرئ، لأنها يؤكل لحمها بدمها.
# قال: فالسمك ميتة؟
# قال: إن السمك ذكاته إخراجه حيا من الماء، ثم يترك حتى يموت من ذات نفسه،
~~وذلك أنه ليس له دم، وكذلك الجراد.
# قال: فلم حرم الزنا؟
# قال: لما فيه من الفساد، وذهاب المواريث، وانقطاع الأنساب، لا تعلم
~~المرأة في الزنا من أحبلها، ولا المولود يعلم من أبوه، ولا أرحام موصولة،
~~ولا قرابة معروفة.
# قال: فلم حرم اللواط؟
# قال: من أجل أنه لو كان إتيان الغلام حلالا لاستغنى الرجال عن النساء
~~وكان فيه قطع النسل، وتعطيل الفروج، وكان في إجازة ذلك فساد كثير.
# قال: فلم حرم إتيان البهيمة؟
# قال: كره أن يضيع الرجل ماءه، ويأتي غير شكله، ولو أباح ذلك لربط كل رجل
~~أتانا يركب ظهرها ويغشى فرجها، وكان يكون في ذلك فساد كثير، فأباح ظهورها،
~~وحرم عليهم فروجها، وخلق للرجال النساء ليأنسوا بهن ويسكنوا إليهن، ويكن
~~مواضع شهواتهم، وأمهات أولادهم.
# قال: فما علة الغسل من الجنابة، وأن ما أتى حلالا وليس في الحلال تدنيس؟
# قال عليه السلام: إن الجنابة بمنزلة الحيض، وذلك أن النطفة دم لم يستحكم
~~ولا يكون الجماع إلا بحركة شديدة، وشهوة غالبة، فإذا فرغ تنفس البدن، ووجد
~~الرجل من نفسه رائحة كريهة، فوجب الغسل لذلك، وغسل الجنابة مع ذلك أمانة
~~ائتمن الله عليها عبيده ليختبرهم بها.
# قال: أيها الحكيم! فما تقول فيمن زعم أن هذا التدبير الذي يظهر في العالم
~~تدبير النجوم السبعة؟ PageV02P093
# قال عليه السلام: يحتاجون إلى دليل، أن هذا العالم الأكبر والعالم الأصغر
~~من تدبير ms366 النجوم التي تسبح في الفلك، وتدور حيث دارت، متعبة لا تفتر،
~~وسائرة لا تقف.
# ثم قال: وأن لكل نجم منها موكل مدبر، فهي بمنزلة العبيد المأمورين
~~المنهيين فلو كانت قديمة أزلية لم تتغير من حال إلى حال.
# قال: فمن قال بالطبايع؟
# قال: القدرية، فذلك قول من لم يملك البقاء، ولا صرف الحوادث، وغيرته
~~الأيام والليالي، لا يرد الهرم، ولا يدفع الأجل، وما يدري ما يصنع به.
# قال: فأخبرني عمن يزعم أن الخلق لم يزل يتناسلون ويتوالدون، ويذهب قرن
~~ويجئ قرن، وتفنيهم الأمراض والأعراض، وصنوف الآفات، ويخبرك الآخر عن الأول،
~~وينبئك الخلف عن السلف، والقرون عن القرون، أنهم وجدوا الخلق على هذا الوصف
~~بمنزلة الشجر والنبات في كل دهر يخرج منه حكيم عليم بمصلحة الناس، بصير
~~بتأليف الكلام، ويصنف كتابا قد حبره بفطنته، وحسنه بحكمته، قد جعله حاجزا
~~بين الناس، يأمرهم بالخير ويحثهم عليه، وينهاهم عن السوء والفساد، ويزجرهم
~~عنه، لئلا يتهارشوا، ولا يقتل بعضهم بعضا.
# قال عليه السلام: ويحك إن من خرج من بطن أمه أمس، ويرحل عن الدنيا غدا لا
~~علم له بما كان قبله، ولا ما يكون بعده، ثم إنه لا يخلو الإنسان من أن يكون
~~خلق نفسه، أو خلقه غيره، أو لم يزل موجودا، فما ليس بشئ ليس يقدر أن يخلق
~~شيئا وهو ليس بشئ، وكذلك ما لم يكن فيكون شيئا، يسئل فلا يعلم كيف كان
~~ابتداؤه، ولو كان الإنسان أزليا لم تحدث فيه الحوادث، لأن الأزلي لا تغيره
~~الأيام، ولا يأتي عليه الفناء، مع أنا لم نجد بناء من غير بان، ولا أثرا من
~~غير مؤثر، ولا تأليفا من غير مؤلف، فمن زعم أن أباه خلقه، قيل: فمن خلق
~~أباه، ولو أن الأب هو الذي خلق ابنه، لخلقه على شهوته، وصوره على محبته،
~~ولملك حياته، ولجاز فيه حكمه، ولكنه إن مرض فلم ينفعه، وإن مات فعجز
~~PageV02P094
# عن رده، إن من استطاع أن يخلق خلقا وينفخ فيه روحا حتى يمشي على رجليه
~~سويا، يقدر أن يدفع عنه ms367 الفساد.
# قال: فما تقول في علم النجوم؟
# قال: هو علم قلت منافعه، وكثرت مضراته، لأنه لا يدفع به المقدور، ولا
~~يتقى به المحذور، إن خبر المنجم بالبلاء لم ينجه التحرز من القضاء، وإن
~~أخبر هو بخير لم يستطع تعجيله، وإن حدث به سوء لم يمكنه صرفه، والمنجم يضاد
~~الله في علمه، بزعمه أن يرد قضاء الله عن خلقه.
# قال: فالرسول أفضل أم الملك المرسل إليه؟
# قال: بل الرسول أفضل.
# قال: فما علة الملائكة الموكلين بعباده، يكتبون عليهم ولهم، والله عالم
~~السر وما هو أخفى، قال: استعبدهم بذلك، وجعلهم شهودا على خلقه، ليكون
~~العباد لملازمتهم إياهم أشد على طاعة الله مواظبة، وعن معصيته أشد انقباضا،
~~وكم من عبد يهم بمعصيته فذكر مكانهما فارعوى وكف، فيقول ربي يراني، وحفظتي
~~علي بذلك تشهد، وأن الله برأفته ولطفه أيضا وكلهم بعباده، يذبون عنهم مردة
~~الشيطان، وهوام الأرض، وآفات كثيرة من حيث لا يرون بإذن الله إلى أن يجئ
~~أمر الله.
# قال: فخلق الخلق للرحمة أم للعذاب؟
# قال: خلقهم للرحمة، وكان في علمه قبل خلقه إياهم، أن قوما منهم يصيرون
~~إلى عذابه بأعمالهم الردية، وجحدهم به.
# قال: يعذب من أنكر فاستوجب عذابه بإنكاره، فبم يعذب من وحده وعرفه؟
# قال: يعذب المنكر لإلهيته عذاب الأبد، ويعذب المقر به عذاب عقوبة لمعصيته
~~إياه فيما فرض عليه، ثم يخرج، ولا يظلم ربك أحدا.
# قال: فبين الكفر والإيمان منزلة؟
# قال عليه السلام: لا. PageV02P095
# قال: فما الإيمان وما الكفر؟
# قال عليه السلام: الإيمان: أن يصدق الله فيما غاب عنه من عظمة الله،
~~كتصديقه بما شاهد من ذلك وعاين، والكفر: الجحود.
# قال: فما الشرك وما الشك؟
# قال عليه السلام: الشرك هو: أن يضم إلى الواحد الذي ليس كمثله شئ آخر
~~والشك: ما لم يعتقد قلبه شيئا.
# قال: أفيكون العالم جاهلا؟
# قال عليه السلام: عالم بما يعلم، وجاهل بما يجهل.
# قال: فما السعادة وما الشقاوة؟
# قال: السعادة: سبب الخير، تمسك به السعيد فيجره إلى النجاة، والشقاوة سبب
~~خذلان، تمسك به الشقي فيجره ms368 إلى الهلكة، وكل بعلم الله.
# قال: أخبرني عن السراج إذا انطفى أين يذهب نوره؟
# قال عليه السلام: يذهب فلا يعود.
# قال: فما أنكرت أن يكون الإنسان مثل ذلك إذا مات وفارق الروح البدن، لم
~~يرجع إليه أبدا كما لا يرجع ضوء السراج إليه أبدا إذا انطفى؟
# قال: لم تصب القياس، إن النار في الأجسام كامنة، والأجسام قائمة بأعيانها
~~كالحجر والحديد، فإذا ضرب أحدهما بالآخر، سقطت من بينهما بار، تقتبس منها
~~سراج، له ضوء، فالنار ثابت في أجسامها، والضوء ذاهب، والروح: جسم رقيق، قد
~~ألبس قالبا كثيفا، وليس بمنزلة السراج الذي ذكرت، أن الذي خلق في الرحم
~~جنينا من ماء صاف، وركب فيه ضروبا مختلفة: من عروق، وعصب وأسنان، وشعر،
~~وعظام، وغير ذلك، هو يحييه بعد موته، ويعيده بعد فنائه.
# قال: فأين الروح؟
# قال: في بطن الأرض حيث مصرع البدن إلى وقت البعث.
# قال: فمن صلب فأين روحه؟ PageV02P096
# قال: في كف الملك الذي قبضها حتى يودعها الأرض.
# قال: فأخبرني عن الروح أغير الدم؟
# قال: نعم. الروح على ما وصفت لك: مادتها من الدم، ومن الدم رطوبة الجسم،
~~وصفاء اللون، وحسن الصوت، وكثرة الضحك، فإذا جمد الدم فارق الروح البدن.
# قال: فهل يوصف بخفة وثقل ووزن؟
# قال: الروح بمنزلة الريح في الزق، إذا نفخت فيه امتلأ الزق منها، فلا
~~يزيد في وزن الزق ولوجها فيه، ولا ينقصها خروجها منه، كذلك الروح ليس لها
~~ثقل ولا وزن.
# قال: فأخبرني ما جوهر الريح؟
# قال: الريح هواء إذا تحرك يسمى ريحا، فإذا سكن يسمى هواء، وبه قوام
~~الدنيا، ولو كفت الريح ثلاثة أيام لفسد كل شئ على وجه الأرض ونتن، وذلك أن
~~الريح بمنزلة المروحة، تذب وتدفع الفساد عن كل شئ وتطيبه، فهي بمنزلة الروح
~~إذا خرج عن البدن نتن البدن وتغير، وتبارك الله أحسن الخالقين.
# قال: أفتتلاشى الروح بعد خروجه عن قالبه أم هو باق؟
# قال: بل هو باق إلى وقت ينفخ في الصور، فعند ذلك تبطل الأشياء، وتفنى فلا
~~حس ولا محسوس، ثم ms369 أعيدت الأشياء كما بدأها مدبرها، وذلك أربعمائة سنة يسبت
~~فيها الخلق، وذلك بين النفختين.
# قال: وأنى له بالبعث والبدن قد بلى، والأعضاء قد تفرقت، فعضو ببلدة
~~يأكلها سباعها، وعضو بأخرى تمزقه هوامها، وعضو قد صار ترابا بني به مع
~~الطين حائط؟
# قال: إن الذي أنشأه من غير شئ، وصوره على غير مثال كان سبق إليه، قادر أن
~~يعيده كما بدأه.
# قال: أوضح لي ذلك! PageV02P097
# قال: إن الروح مقيمة في مكانها، روح المحسن في ضياء وفسحة، وروح المسئ في
~~ضيق وظلمة، والبدن يصير ترابا كما منه خلق، وما تقذف به السباع والهوام من
~~أجوافها، مما أكلته ومزقته كل ذلك في التراب. محفوظ عند من لا يعزب عنه
~~مثقال ذرة في ظلمات الأرض، ويعلم عدد الأشياء ووزنها، وأن تراب الروحانيين
~~بمنزلة الذهب في التراب، فإذا كان حين البعث مطرت الأرض مطر النشور، فتربو
~~الأرض ثم تمخضوا مخض السقاء، فيصير تراب البشر كمصير الذهب من التراب إذا
~~غسل بالماء، والزبد من اللبن إذا مخض، فيجتمع تراب كل قالب إلى قالبه،
~~فينتقل بإذن الله القادر إلى حيث الروح، فتعود الصور بإذن المصور كهيئتها،
~~وتلج الروح فيها، فإذا قد استوى لا ينكر من نفسه شيئا.
# قال: فأخبرني عن الناس يحشرون يوم القيامة عراة؟
# قال: بل يحشرون في أكفانهم.
# قال: أنى لهم بالأكفان وقد بليت؟!
# قال: إن الذي أحيا أبدانهم جدد أكفانهم.
# قال: فمن مات بلا كفن؟
# قال: يستر الله عورته بما يشاء من عنده.
# قال: أفيعرضون صفوفا؟
# قال عليه السلام: نعم. هم يومئذ عشرون ومائة ألف صف في عرض الأرض.
# قال: أوليس توزن الأعمال؟
# قال: لا إن الأعمال ليست بأجسام، وإنما هي صفة ما عملوا، وإنما يحتاج إلى
~~وزن الشئ من جهل عدد الأشياء، ولا يعرف ثقلها أو خفتها، وأن الله لا يخفى
~~عليه شئ.
# قال: فما معنى الميزان؟
# قال عليه السلام: العدل.
# قال: فما معناه في كتابه: (فمن ثقلت موازينه)؟ PageV02P098
# قال: فمن رجح عمله.
# قال: فأخبرني أوليس في النار مقتنع أن يعذب خلقه بها ms370 دون الحيات
~~والعقارب.
# قال: إنما يعذب بها قوما زعموا أنها ليست من خلقه، إنما شريكه الذي
~~يخلقه، فيسلط الله عليهم العقارب والحيات في النار ليذيقهم بها وبال ما
~~كذبوا عليه فجحدوا أن يكون صنعه.
# قال: فمن أين قالوا: (أن أهل الجنة يأتي الرجل منهم إلى ثمرة يتناولها
~~فإذا أكلها عادت كهيئتها)؟
# قال: نعم ذلك على قياس السراج يأتي القابس فيقتبس عنه فلا ينقص من ضوئه
~~شيئا، وقد امتلأت الدنيا منه سراجا.
# قال: أليسوا يأكلون ويشربون، وتزعم أنه لا يكون لهم الحاجة؟
# قال: بلى. لأن غذائهم رقيق لا ثقل له، بل يخرج من أجسادهم بالعرق.
# قال: فكيف تكون الحوراء في جميع ما أتاها زوجها عذراء؟
# قال: لأنها خلقت من الطيب لا يعتريها عاهة، ولا يخالط جسمها آفة. ولا
~~يجري في ثقبها شئ، ولا يدنسها حيض، فالرحم ملتزقة ملدم، إذ ليس فيها لسوى
~~الإحليل مجرى.
# قال: فهي تلبس سبعين حلة ويرى زوجها مخ ساقها من وراء حللها وبدنها؟
# قال: نعم. كما يرى أحدكم الدراهم إذا لقيت في ماء صاف قدره قدر رمح.
# قال: فكيف تنعم أهل الجنة بما فيه من النعيم، وما منهم أحد إلا وقد فقد
~~ابنه، وأباه، أو حميمه، أو أمه، فإذا افتقدوهم في الجنة لم يشكوا في مصيرهم
~~إلى النار، فما يصنع بالنعيم من يعلم أن حميمه في النار ويعذب؟
# قال عليه السلام: إن أهل العلم قالوا: أنهم ينسون ذكرهم. وقال: بعضهم
~~انتظروا قدومهم، ورجوا أن يكونوا بين الجنة والنار في أصحاب الأعراف.
# قال عليه السلام: فأخبرني عن الشمس أين تغيب؟
# قال: إن بعض العلماء قال: إذا انحدرت أسفل القبة دار بها الفلك إلى بطن
~~PageV02P099
# السماء صاعدة أبدا، إلى أن تنحط إلى موضع مطلعها يعني: أنها تغيب في عين
~~حامية ثم تخرق الأرض راجعة إلى موضع مطلعها، فتحير تحت العرش حتى يؤذن لها
~~بالطلوع، ويسلب نورها كل يوم، وتجلل نورا آخر.
# قال: فالكرسي أكبر أم العرش؟
# قال: كل شئ خلقه الله في جوف الكرسي ما خلا عرشه فإنه أعظم ms371 من أن يحيط به
~~الكرسي.
# قال: فخلق النهار قبل الليل؟
# قال: خلق النهار قبل الليل، والشمس قبل القمر، والأرض قبل السماء ووضع
~~الأرض على الحوت، والحوت في الماء، والماء في صخرة مجوفة، والصخرة على عاتق
~~ملك، والملك على الثرى، والثرى على الريح العقيم، والريح على الهواء
~~والهواء تمسكه القدرة، وليس تحت الريح العقيم إلا الهواء والظلمات، ولا
~~وراء ذلك سعة ولا ضيق، ولا شئ يتوهم، ثم خلق الكرسي فحشاه السماوات والأرض
~~والكرسي أكبر من كل شئ خلقه الله، ثم خلق العرش فجعله أكبر من الكرسي وعن
~~أبان بن تغلب أنه قال: كنت عند أبي عبد الله عليه السلام، إذ دخل عليه رجل
~~من أهل اليمن، فسلم عليه فرد عليه أبو عبد الله، فقال له: مرحبا يا سعد!
# فقال الرجل: بهذا الاسم سمتني أمي، وما أقل من يعرفني به، فقال له أبو
~~عبد الله:
# صدقت يا سعد المولى! فقال الرجل: جعلت فدك بهذا اللقب كنت القب. فقال أبو
~~عبد الله عليه السلام: لا خير في اللقب، إن الله تبارك وتعالى يقول في
~~كتابه: (ولا تتنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان).
# ما صناعتك يا سعد؟
# قال: جعلت فداك! أنا أهل بيت ننظر في النجوم، لا يقال أن باليمن أحدا
~~أعلم بالنجوم منا.
# فقال أبو عبد الله: كم يزيد ضوء الشمس على ضوء القمر درجة؟
# فقال اليماني: لا أدري. PageV02P100
# فقال: صدقت.
# فقال: فكم ضوء القمر يزيد على ضوء المشتري درجة؟
# قال: اليماني: لا أدري!
# فقال أبو عبد الله عليه السلام: صدقت!
# قال: فكم يزيد ضوء المشتري على ضوء العطارد درجة؟
# قال اليماني: لا أدري!
# فقال أبو عبد الله: صدقت!
# قال: فكم ضوء عطارد يزيد درجة على ضوء الزهرة؟
# قال اليماني: لا أدري!
# قال أبو عبد الله: صدقت!
# قال: فما اسم النجم الذي إذا طلع هاجت الإبل؟
# فقال اليماني: لا أدري!
# فقال له أبو عبد الله عليه السلام: صدقت!
# قال: فما اسم النجم الذي إذا طلع هاجت البقر؟
# فقال اليماني: لا أدري!
# فقال ms372 له أبو عبد الله: صدقت!
# قال: فما اسم النجم الذي إذا طلع هاجت الكلاب؟
# فقال اليماني: لا أدري!
# فقال له أبو عبد الله: صدقت في قولك لا أدري! فما زحل عندكم في النجوم؟
# فقال اليماني: نجم نحس.
# فقال أبو عبد الله عليه السلام: لا تقل هذا فإنه نجم أمير المؤمنين صلوات
~~الله عليه وهو نجم الأوصياء عليهم السلام، وهو النجم الثاقب الذي قال الله
~~تعالى في كتابه.
# فقال اليماني: فما معنى الثاقب؟
# فقال: إن مطلعه في السماء السابعة، فإنه ثقب بضوئه حتى أضاء في السماء
~~PageV02P101
# الدنيا، فمن ثم سماه الله النجم الثاقب.
# ثم قال: يا أخا العرب أعندكم عالم؟
# فقال اليماني: جعلت فداك إن باليمن قوما ليسوا كأحد من الناس في علمهم.
# فقال أبو عبد الله عليه السلام: وما يبلغ من علم عالمهم؟
# فقال اليماني: إن عالمهم ليزجر الطير، ويقفو الأثر في ساعة واحدة مسيرة
~~شهر للراكب المحث.
# فقال أبو عبد الله عليه السلام: فإن عالم المدينة أعلم من عالم اليمن.
# قال اليماني: وما يبلغ علم عالم المدينة؟
# قال: إن علم عالم المدينة ينتهي إلى أن لا يقفو الأثر، ولا يزجر الطير،
~~ويعلم ما في اللحظة الواحدة مسيرة الشمس، تقطع اثني عشر برجا، واثني عشر
~~برا، واثني عشر بحرا، واثني عشر عالما.
# فقال له اليماني: ما ظننت أن أحدا يعلم هذا، وما يدري ما كنهه!
# قال: ثم قام اليماني وخرج.
# وعن سعيد بن أبي الخضيب (1) قال: دخلت أنا وابن أبي ليلى المدينة، فبينما
~~نحن في مسجد الرسول صلى الله عليه وآله إذ دخل جعفر بن محمد عليه السلام،
~~فقمنا إليه فسألني عن نفسي وأهلي ثم قال:
# من هذا معك؟
# فقلت: ابن أبي ليلى قاضي المسلمين!
# فقال: نعم. ثم قال له:
# أتأخذ مال هذا فتعطيه هذا، وتفرق بين المرء وزوجه، ولا تخاف في هذا أحدا؟
# قال: نعم.
# قال: فبأي شئ تقضي؟
# PageV02P102
# قال: بما بلغني عن رسول الله صلى الله عليه وآله، وعن أبي بكر، وعمر.
# قال: فبلغك أن رسول الله صلى ms373 الله عليه وآله قال: (أقضاكم علي بعدي)؟
# قال: نعم.
# قال: فكيف تقضي بغير قضاء علي عليه السلام، وقد بلغك هذا؟
# قال: فاصفر وجه ابن أبي ليلى ثم قال: التمس مثلا لنفسك، فوالله لا أكلمك
~~من رأسي كلمة أبدا.
# وعن الحسين بن زيد (1) عن جعفر الصادق عليه السلام أن رسول الله قال
~~لفاطمة:
# يا فاطمة إن الله عز وجل يغضب لغضبك، ويرضى لرضاك. (قال) فقال المحدثون
~~بها (قال): فأتاه ابن جريج فقال:
# يا أبا عبد الله حدثنا اليوم حديثا استهزأه الناس.
# قال: وما هو؟
# قال: حديث أن رسول الله قال لفاطمة: (إن الله ليغضب لغضبك، ويرضى لرضاك).
# (قال): فقال عليه السلام: إن الله ليغضب فيما تروون لعبده المؤمن، ويرضى
~~لرضاه.
# فقال: نعم.
# قال عليه السلام: فما تنكر أن تكون ابنة رسول الله صلى الله عليه وآله
~~مؤمنة، يرضى الله لرضاها، ويغضب لغضبها.
# قال: صدقت! الله أعلم حيث يجعل رسالاته.
# PageV02P103
# وعن حفص بن غياث (1) قال: شهدت المسجد الحرام وابن أبي العوجاء (2) يسأل
~~أبا عبد الله عليه السلام عن قوله تعالى: (كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا
~~غيرها ليذوقوا العذاب) ما ذنب الغير؟
# قال: ويحك هي هي وهي غيرها!
# قال: فمثل لي ذلك شيئا من أمر الدنيا!
# قال: نعم أرأيت لو أن رجلا أخذ لبنة فكسرها، ثم ردها في ملبنها، فهي هي
~~وهي غيرها.
# وروي أنه سأل الصادق عليه السلام عن قول الله عز وجل في قصة إبراهيم عليه
~~السلام (قال بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون) قال: ما فعله
~~كبيرهم وما كذب إبراهيم عليه السلام.
# قيل: وكيف ذلك؟
# فقال: إنما قال إبراهيم: فاسألوهم إن كانوا ينطقون، فإن نطقوا فكبيرهم
~~فعل، وإن لم ينطقوا فكبيرهم لم يفعل شيئا، فما نطقوا، وما كذب إبراهيم عليه
~~السلام
# PageV02P104
# فسئل عن قوله في سورة يوسف: (أيتها العير أنكم لسارقون)؟.
# قال: إنهم سرقوا يوسف من أبيه، ألا ترى إنه قال لهم حين قالوا: (ماذا
~~تفقدون قالوا نفقد صواع الملك) ولم يقل سرقتم صواع الملك، إنما سرقوا يوسف ms374
~~من أبيه، فسئل عن قول إبراهيم: (فنظر نظرة في النجوم فقال إني سقيم).
# قال: ما كان إبراهيم سقيما، وما كذب إنما عنى سقيما في دينه أي مرتادا.
# وعن عبد المؤمن الأنصاري (1) قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: أن
~~قوما رووا: أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: (اختلاف أمتي رحمة)؟.
# فقال: صدقوا.
# قلت: إن كان اختلافهم رحمة، فاجتماعهم عذاب؟
# قال: ليس حيث تذهب وذهبوا، إنما أراد قول الله عز وجل: (فلو لا نفر من كل
~~فرقة طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم
~~يحذرون) أمرهم أن ينفروا إلى رسول الله، ويختلفوا إليه، ويتعلموا، ثم
~~يرجعوا إلى قومهم فيعلموهم، إنما أراد اختلافهم في البلدان، لا اختلافا في
~~الدين، إنما الدين واحد.
# وروي عنه صلوات الله عليه: أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: ما
~~وجدتم في كتاب الله عز وجل فالعمل لكم به، ولا عذر لكم في تركه، وما لم يكن
~~في كتاب الله عز وجل وكانت في سنة مني فلا عذر لكم في ترك سنتي، وما لم يكن
~~فيه سنة مني فما قال أصحابي فقولوا، إنما مثل أصحابي فيكم كمثل النجوم،
~~بأيها أخذ اهتدي، وبأي أقاويل أصحابي أخذتم اهتديتم، واختلاف أصحابي لكم
~~رحمة.
# PageV02P105
# قيل: يا رسول الله من أصحابك؟ قال: أهل بيتي.
# قال محمد بن الحسين بن بابويه القمي رضي الله عنه: إن أهل البيت لا
~~يختلفون ولكن يفتون الشيعة بمر الحق، وربما أفتوهم بالتقية، فما يختلف من
~~قولهم فهو للتقية، والتقية رحمة للشيعة، ويؤيد. تأويله رضي الله عنه، أخبار
~~كثيرة.
# منها: ما رواه محمد بن سنان، عن نصر الخثعمي (1) قال: سمعت أبا عبد الله
~~يقول: من عرف من أمرنا أن لا نقول إلا حقا فليكتف بما يعلم منا، فإن سمع
~~منا خلاف ما يعلم فليعلم أن ذلك منا دفاع واختيار له.
# وعن عمر بن حنظلة: (2) قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام: عن رجلين من
~~أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث، فتحا ms375 كما إلى السلطان أو إلى
~~القضاة أيحل ذلك؟
# قال عليه السلام: من تحاكم إليهم في حق أو باطل فإنما تحاكم إلى الجبت
~~والطاغوت المنهي عنه، وما حكم له به فإنما يأخذ سحتا وإن كان حقه ثابتا له
~~لأنه أخذه بحكم الطاغوت، ومن أمر الله عز وجل أن يكفر به، قال الله عز وجل:
# (يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به).
# قلت: فكيف يصنعان وقد اختلفا؟
# قال: ينظران من كان منكم ممن قد روى حديثنا، ونظر في حلالنا وحرامنا،
~~وعرف أحكامنا، فليرضيا به حكما، فإني قد جعلته عليكم حاكما، فإذا حكم بحكم
~~ولم يقبله منه فإنما بحكم الله استخف، وعلينا رد، والراد علينا كافر وراد
~~على الله، وهو على حد من الشرك بالله.
# PageV02P106
# قلت. فإن كان كل واحد منهما اختار رجلا من أصحابنا، فرضيا أن يكونا
~~الناظرين في حقهما فيما حكما، فإن الحكمين اختلفا في حديثكم؟.
# قال: إن الحكم ما حكم به أعدلهما، وأفقههما، وأصدقهما في الحديث،
~~وأورعهما، ولا يلتفت إلى ما حكم به الآخر.
# قلت: فإنهما عدلان مرضيان، عرفا بذلك لا يفضل أحدهما صاحبه؟
# قال: ينظر الآن إلى ما كان من روايتهما عنا في ذلك الذي حكما، المجمع
~~عليه بين أصحابك، فيؤخذ به من حكمهما ويترك الشاذ الذي ليس بمشهور عند
~~أصحابك، فإن المجمع عليه لا ريب فيه، وإنما الأمور ثلاث: أمر بين رشده
~~فيتبع، وأمر بين غيه فيجتنب، وأمر مشكل يرد حكمه إلى الله عز وجل وإلى
~~رسوله، حلال بين، وحرام بين، وشبهات تتردد بين ذلك، فمن ترك الشبهات نجا من
~~المحرمات، ومن أخذ بالشبهات ارتكب المحرمات، وهلك من حيث لا يعلم.
# قلت: فإن كان الخبران عنكما مشهورين قد رواهما الثقات عنكم؟.
# قال ينظر ما وافق حكمه حكم الكتاب والسنة وخالف العامة فيؤخذ به، ويترك
~~ما خالف حكمه حكم الكتاب والسنة ووافق العامة.
# قلت: جعلت فداك أرأيت إن كان الفقيهان عرفا حكمه من الكتاب والسنة، ثم
~~وجدنا أحد الخبرين يوافق العامة، والآخر يخالف بأيهما تأخذ من ms376 الخبرين؟.
# قال: ينظر إلى ما هم إليه يميلون، فإن ما خالف العامة ففيه الرشاد.
# قلت جعلت فداك فإن وافقهم الخبران جميعا؟.
# قال: انظروا إلى ما تميل إليه حكامهم وقضاتهم، فاتركوا جانبا وخذوا
~~بغيره.
# قلت: فإن وافق حكامهم الخبرين جميعا؟.
# قال: إذا كان كذلك فارجه وقف عنده، حتى تلقي إمامك، فإن الوقوف عند
~~الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات، والله هو المرشد. PageV02P107
# جاء هذا الخبر على سبيل التقدير، لأنه قل ما يتفق في الأثر أن يرد خبران
~~مختلفان في حكم من الأحكام، موافقين للكتاب والسنة، وذلك مثل غسل الوجه
~~واليدين في الوضوء لأن الأخبار جاءت بغسلهما مرة مرة وغسلهما مرتين مرتين،
~~فظاهر القرآن لا يقتضي خلاف ذلك، بل يحتمل كلتا الروايتين، ومثل ذلك يؤخذ
~~في أحكام الشرع.
# وأما قوله عليه السلام للسائل ارجه وقف عنده حتى تلقي إمامك، أمره بذلك
~~عند تمكنه من الوصول إلى الإمام، فأما إذا كان غائبا ولا يتمكن من الوصول
~~إليه، والأصحاب كلهم مجمعون على الخبرين، ولم يكن هناك رجحان لروايات
~~أحدهما على الآخر بالكثرة والعدالة، كان الحكم بهما من باب التخيير.
# يدل على ما قلنا: ما روي عن الحسن بن الجهم (1) عن الرضا عليه السلام:
~~قال: قلت للرضا عليه السلام: تجيئنا الأحاديث عنكم مختلفة؟.
# قال: ما جاءك عنا فقسه على كتاب الله عز وجل وأحاديثنا، فإن كان يشبهما
~~فهو منا وإن لم يشبهما فليس منا.
# قلت: يجيئنا الرجلان وكلاهما ثقة، بحديثين مختلفين، فلا نعلم أيهما الحق.
# فقال: إذا لم تعلم فموسع عليك بأيهما أخذت.
# وما رواه الحرث بن المغيرة (2) عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا
~~سمعت
# PageV02P108
# من أصحابك الحديث وكلهم ثقة، فموسع عليك حتى ترى القائم فترده عليه.
# وروى سماعة بن مهران (1) قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام قلت: يرد
~~علينا حديثان، واحد يأمرنا بالأخذ به، والآخر به ينهانا عنه؟.
# قال: لا تعمل بواحد منهما حتى تلقي صاحبك فتسأله عنه.
# قال: قلت: لا بد من أن نعمل بأحدهما.
# قال: خذ بما فيه خلاف ms377 العامة، فقد أمر عليه السلام بترك ما وافق العامة،
~~لأنه يحتمل أن يكون قد ورد مورد التقية، وما خالفهم لا يحتمل ذلك.
# وروي عنهم عليهم السلام أيضا أنهم قالوا: إذا اختلف أحاديثنا عليكم فخذوا
~~بما اجتمعت عليه شيعتنا، فإنه لا ريب فيه، وأمثال هذه الأخبار كثيرة لا
~~يحتمل ذكرها هنا، وما أردناه عارض ليس هنا موضعه.
# PageV02P109
# وعن بشير بن يحيى العامري (1) عن ابن أبي ليلى (2) قال: دخلت أنا
# PageV02P110
# والنعمان أبو حنيفة (1) على جعفر بن محمد، فرحب بنا فقال.
# PageV02P111
# يا بن أبي ليلى من هذا الرجل؟
# فقلت: جعلت فداك من أهل الكوفة له رأي وبصيرة ونفاذ.
# قال: فلعله الذي يقيس الأشياء برأيه؟
# ثم قال: يا نعمان! هل تحسن أن تقيس رأسك؟
# قال: لا.
# قال: ما أراك تحسن أن تقيس شيئا فهل عرفت الملوحة في العينين، والمرارة
~~في الأذنين والبرودة في المنخرين، والعذوبة في الفم؟ قال: لا.
# قال: فهل عرفت كلمة أولها كفر وآخرها إيمان؟.
# قال: لا. قال ابن أبي ليلى: قلت: جعلت فداك لا تدعنا في عمياء مما وصفت.
# قال: نعم حدثني أبي عن آبائه عليهم السلام أن رسول الله قال: إن الله خلق
~~عيني ابن آدم شحمتين، فجعل فيها الملوحة، فلولا ذلك لذابتا، ولم يقع فيهما
~~شئ من القذى إلا أذابه، والملوحة تلفظ ما يقع في العين من القذى، وجعل
~~المرارة في الأذنين حجابا للدماغ، وليس من دابة تقع في الأذن إلا التمست
~~الخروج، ولولا ذلك لوصلت إلى الدماغ فأفسدته وجعل الله البرودة في المنخرين
~~حجابا للدماغ، ولولا ذلك لسال الدماغ وجعل العذوبة في الفم منا من الله
~~تعالى على ابن آدم ليجد لذة الطعام والشراب، وأما كلمة أولها كفر وآخرها
~~إيمان فقول لا إله إلا الله ثم قال: يا نعمان إياك والقياس: فإن أبي حدثني
~~عن آبائه عليهم السلام أن رسول الله قال: من قاس شيئا من الدين برأيه قرنه
~~الله تبارك وتعالى مع إبليس، فإنه أول PageV02P114
# من قاس حيث قال: خلقتني من نار وخلقته من طين، فدعوا الرأي ms378 والقياس فإن
~~دين الله لم يوضع على القياس.
# وفي رواية أخرى أن الصادق عليه السلام قال لأبي حنيفة لما دخل عليه:
# من أنت؟
# قال أبو حنيفة:
# قال عليه السلام: مفتي أهل العراق؟
# قال: نعم.
# قال: بما تفتيهم؟
# قال: بكتاب الله.
# قال: عليه السلام: وأنك لعالم بكتاب الله، ناسخه ومنسوخه، ومحكمه و
~~متشابهه؟
# قال: نعم.
# قال: فأخبرني عن قول الله عز وجل: (وقدرنا فيها السير سيروا فيها ليالي
~~وأياما آمنين أي (1) موضع هو؟
# قال أبو حنيفة: هو ما بين مكة والمدينة، فالتفت أبو عبد الله إلى جلسائه.
~~وقال:
# نشدتكم بالله هل تسيرون بين مكة والمدينة ولا تأمنون على دمائكم من
~~القتل، وعلى أموالكم من السرق؟
# فقالوا: اللهم نعم.
# فقال أبو عبد الله: ويحك يا أبا حنيفة! إن الله لا يقول إلا حقا أخبرني
~~عن قول الله عز وجل: (ومن دخله كان آمنا) أي (2) موضع هو؟ قال: ذلك
# PageV02P115
# بيت الله الحرام، فالتفت أبو عبد الله إلى جلسائه وقال: نشدتكم بالله هل
~~تعلمون:
# إن عبد الله بن الزبير وسعيد بن جبير دخلاه فلم يأمنا القتل؟
# قالوا: اللهم نعم.
# فقال أبو عبد الله عليه السلام: ويحك يا أبا حنيفة! إن الله لا يقول إلا
~~حقا.
# فقال أبو حنيفة: ليس لي علم بكتاب الله، إنما أنا صاحب قياس.
# قال أبو عبد الله: فانظر في قياسك إن كنت مقيسا أيما أعظم عند الله القتل
~~أو الزنا؟
# قال: بل القتل.
# قال: فكيف رضى في القتل بشاهدين، ولم يرض في الزنا إلا بأربعة؟ ثم قال
~~له: الصلاة أفضل أم الصيام؟ قال: بل الصلاة أفضل.
# قال عليه السلام: فيجب على قياس قولك على الحايض قضاء ما فاتها من الصلاة
~~في حال حيضها دون الصيام، وقد أوجب الله تعالى عليها قضاء الصوم دون
~~الصلاة.
# قال له: البول أقذر أم المني؟
# قال البول أقذر.
# قال عليه السلام: يجب على قياسك أن يجب الغسل من البول دون المني، وقد
~~وجب الله تعالى الغسل من المني دون البول.
# قال: إنما أنا صاحب رأي. ms379
# قال عليه السلام: فما ترى في رجل كان له عبد فتزوج وزوج عبده في ليلة
~~واحدة، فدخلا بامرأتيهما في ليلة واحدة ثم سافرا وجعلا امرأتيهما في بيت
~~واحد وولدتا غلامين فسقط البيت عليهم، فقتل المرأتين وبقي الغلامان أيهما
~~في رأيك المالك وأيهما المملوك وأيهما الوارث وأيهما الموروث؟
# قال: إنما أنا صاحب حدود.
# قال: فما ترى في رجل أعمى فقأ عين صحيح وأقطع قطع يد رجل، كيف يقام
~~عليهما الحد. PageV02P116
# قال: إنما أنا رجل عالم بمباعث الأنبياء.
# قال: فأخبرني عن قول الله لموسى وهارون حين بعثهما إلى فرعون: (لعله
~~يتذكر أو يخشى) (1) ولعل منك شك؟
# قال: نعم.
# قال: وكذلك من الله شك إذ قال: (لعله)؟
# قال أبو حنيفة: لا علم لي.
# قال عليه السلام: تزعم أنك تفتي بكتاب الله ولست ممن ورثه، وتزعم أنك
~~صاحب قياس وأول من قاس إبليس لعنه الله ولم يبن دين الإسلام على القياس،
~~وتزعم أنك صاحب رأي وكان الرأي من رسول الله صلى الله عليه وآله صوابا، ومن
~~دونه خطأ، لأن الله تعالى قال:
# (فاحكم بينهم بما أراك الله) (2) ولم يقل ذلك لغيره، وتزعم أنك صاحب
~~حدود، ومن أنزلت عليه أولى بعلمها منك، وتزعم أنك عالم بمباعث الأنبياء،
~~ولخاتم الأنبياء أعلم بمباعثهم منك، لولا أن يقال: دخل على ابن رسول الله
~~فلم يسأله عن شئ ما سألتك عن شئ، فقس إن كنت مقيسا.
# قال أبو حنيفة: لا أتكلم بالرأي والقياس في دين الله بعد هذا المجلس.
# قال: كلا إن حب الرياسة غير تاركك كما لم يترك من كان قبلك تمام الخبر.
# وعن عيسى بن عبد الله القرشي (3) قال. دخل أبو حنيفة على أبي عبد الله
~~عليه السلام فقال: يا أبا حنيفة قد بلغني أنك تقيس!
# فقال: نعم.
# فقال: لا تقس فإن أول من قاس إبليس لعنه الله حين قال: خلقتني من نار
~~وخلقته من طين، فقاس بين النار والطين، ولو قاس نورية آدم بنورية النار
~~وعرف
# PageV02P117
# ما بين النورين، وصفاء أحدهما على الآخر.
# وعن الحسن بن ms380 محبوب (1) عن سماعة قال: قال أبو حنيفة لأبي عبد الله (ع):
~~كم بين المشرق والمغرب؟
# قال: مسيرة يوم للشمس بل أقل من ذلك، قال: فاستعظمه.
# قال: يا عاجز لم تنكر هذا أن الشمس تطلع من المشرق، وتغرب في المغرب في
~~أقل من يوم. تمام الخبر.
# عن عبد الكريم بن عتبة الهاشمي (2) قال: كنت عند أبي عبد الله عليه
~~السلام بمكة، إذ دخل عليه أناس من المعتزلة، فيهم عمرو بن عبيد، وواصل بن
~~عطا وحفص بن سالم، وأناس من رؤسائهم، وذلك أنه حين قتل الوليد، واختلف أهل
~~الشام بينهم، فتكلموا فأكثروا وخطبوا فأطالوا.
# فقال لهم أبو عبد الله جعفر بن محمد عليه السلام: إنكم قد أكثرتم علي
~~فأطلتم، فاسندوا أمركم إلى رجل منكم، فليتكلم بحجتكم وليوجز.
# فأسندوا أمرهم إلى عمرو بن عبيد، فأبلغ وأطال، فكان فيما قال أن قال:
# قتل أهل الشام خليفتهم، وضرب الله بعضهم ببعض، وتشتت أمرهم، فنظرنا
~~فوجدنا رجلا له دين وعقل ومروة، ومعدن للخلافة، وهو محمد بن عبد الله بن
~~الحسن فأردنا أن نجتمع معه فنبايعه، ثم نظهر أمرنا معه، وندعو الناس إليه،
~~فمن بايعه كنا معه وكان منا، ومن اعتزلنا كففنا عنه، ومن نصب لنا جاهدناه
~~ونصبنا له على بغية ونرده إلى الحق وأهله، وقد أحببنا أن نعرض ذلك عليك،
~~فإنه لا غنا بنا
# PageV02P118
# عن مثلك، لفضلك ولكثرة شيعتك، فلما فرغ قال أبو عبد الله عليه السلام:
~~أكلكم على مثل ما قال عمرو؟
# قالوا: نعم. فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على النبي ثم قال:
# إنما نسخط إذا عصي الله فإذا أطيع الله رضينا أخبرني يا عمرو لو أن الأمة
~~قلدتك أمرها فملكته بغير قتال ولا مؤنة، فقيل لك: (ولها من شئت) من كنت
~~تولي؟
# قال: كنت أجعلها شورى بين المسلمين.
# قال: بين كلهم؟
# قال: نعم.
# فقال: بين فقهائهم وخيارهم؟
# قال: نعم.
# قال: قريش وغيرهم؟
# قال: العرب والعجم.
# قال: فأخبرني يا عمرو أتتولى أبا بكر وعمر أو تتبرأ منهما؟
# قال: أتولاهما.
# قال: يا عمرو إن كنت رجلا ms381 تتبرأ منهما فإنه يجوز لك الخلاف عليهما، وإن
~~كنت تتولاهما فقد خالفتها، قد عهد عمر إلى أبي بكر فبايعه ولم يشاور أحدا،
~~ثم ردها أبو بكر عليه ولم يشاور أحدا، ثم جعلها عمر شورى بين ستة، فأخرج
~~منها الأنصار غير أولئك الستة من قريش، ثم أوصى الناس فيهم بشئ ما أراك
~~ترضى أنت ولا أصحابك.
# قال: وما صنع؟
# قال: أمر صهيبا أن يصلي بالناس ثلاثة أيام، وأن يتشاور أولئك الستة ليس
~~فيهم أحد سواهم إلا ابن عمر ويشاورونه وليس له من الأمر شئ، وأوصى من كان
~~بحضرة من المهاجرين والأنصار إن مضت ثلاثة أيام ولم يفرغوا ويبايعوه أن
~~يضرب أعناق الستة جميعا PageV02P119
# وإن اجتمع أربعة قبل أن يمضي ثلاثة أيام وخالف اثنان أن يضرب أعناق
~~الاثنين، افترضون بذا فيما تجعلون من الشورى في المسلمين؟
# قالوا: لا.
# قال: يا عمرو دع ذا أرأيت لو بايعت صاحبك هذا الذي تدعو إليه، ثم اجتمعت
~~لكم الأمة ولم يختلف عليكم منها رجلان، فأفضيتم إلى المشركين الذين لم
~~يسلموا ولم يؤدوا الجزية، كان عندكم وعند صاحبكم من العلم ما تسيرون فيهم
~~بسيرة رسول الله صلى الله عليه وآله في المشركين في الجزية؟
# قالوا: نعم.
# قال: فتصنعون ماذا؟
# قالوا: ندعوهم إلى الإسلام فإن أبوا دعوناهم إلى الجزية.
# قال: فإن كانوا مجوسا، وأهل كتاب، وعبدة النيران والبهائم وليسوا بأهل
~~كتاب؟
# قالوا: سواء.
# قال: فأخبرني عن القرآن أتقرأونه؟
# قال: نعم.
# قال: اقرأ (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما
~~حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا
~~الجزية عن يد وهم صاغرون) قال: فاستثنى الله عز وجل واشترط من الذين أوتوا
~~الكتاب فهم والذين لم يؤتوا الكتاب سواء.
# قال: نعم.
# قال عليه السلام: عمن أخذت هذا؟
# قال سمعت الناس يقولونه.
# قال: فدع ذا فإنهم إن أبوا الجزية فقاتلتهم فظهرت عليهم كيف تصنع
~~بالغنيمة؟
# قال: اخرج الخمس واقسم أربعة أخماس بين من قاتل عليها. PageV02P120
# قال: تقسمه بين جميع من قاتل ms382 عليها؟
# قال: نعم.
# قال: فقد خالفت رسول الله في فعله وفي سيرته، وبيني وبينك فقهاء أهل
~~المدينة ومشيختهم، فسلهم فإنهم لا يختلفون ولا يتنازعون في أن رسول الله
~~إنما صالح الأعراب على أن يدعهم في ديارهم، وأن لا يهاجروا، على أنه إن
~~دهمه من عدوه دهم فيستفزهم فيقاتل بهم، وليس لهم من الغنيمة نصيب، وأنت
~~تقول بين جميعهم، فقد خالفت رسول الله صلى الله عليه وآله في سيرته في
~~المشركين، دع ذا ما تقول في الصدقة؟
# قال: فقرأ عليه هذه الآية: (إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين
~~عليها) إلى آخرها.
# قال: نعم فكيف تقسم بينهم؟
# قال: اقسمها على ثمانية أجزاء، فاعطي كل جزء من الثمانية جزء.
# فقال عليه السلام إن كان صنف منهم عشرة آلاف وصنف رجلا واحدا أو رجلين أو
~~ثلاثة، جعلت لهذا الواحد مثل ما جعلت للعشرة آلاف.
# قال: نعم.
# قال: وما تصنع بين صدقات أهل الحضر وأهل البوادي فتجعلهم فيها سواء؟
# قال: نعم.
# قال: فخالفت رسول الله في كل ما أتى به، كان رسول الله يقسم صدقة البوادي
~~في أهل البوادي، وصدقة الحضر في أهل الحضر، ولا يقسم بينهم بالسوية إنما
~~يقسمه قدر ما يحضره منهم، وعلى قدر ما يحضره فإن كان في نفسك شئ مما قلت لك
~~فإن فقهاء أهل المدينة، ومشيختهم كلهم لا يختلفون في أن رسول الله كذا كان
~~يصنع، ثم أقبل على عمرو وقال:
# اتق الله يا عمرو وأنتم أيها الرهط! فاتقوا الله، فإن أبي حدثني وكان خير
~~أهل الأرض وأعلمهم بكتاب الله وسنة رسوله أن رسول الله صلى الله عليه وآله
~~قال: (من PageV02P121
# ضرب الناس بسيفه، ودعاهم إلى نفسه، وفي المسلمين من هو أعلم منه، فهو ضال
~~متكلف).
# وروي عن يونس بن يعقوب (1) قال: كنت عند أبي عبد الله عليه السلام فورد
~~عليه رجل من أهل الشام فقال: أني رجل صاحب كلام وفقه وفرائض، وقد جئت
~~لمناظرة أصحابك.
# فقال له أبو عبد الله: كلامك هذا من كلام رسول الله صلى الله عليه وآله ms383
~~أو من عندك؟
# فقال: من كلام رسول الله بعضه، ومن عندي بعضه.
# فقال أبو عبد الله: فأنت إذا شريك رسول الله! صلى الله عليه وآله قال:
~~لا.
# قال: فسمعت الوحي من الله تعالى؟
# قال: لا.
# قال: فتجب طاعتك كما تجب طاعة رسول الله؟
# قال: لا.
# قال: فالتفت إلي أبو عبد الله فقال: يا يونس هذا خصم نفسه قبل أن يتكلم،
~~ثم قال: يا يونس لو كنت تحسن الكلام كلمته. قال يونس: فيا لها
# PageV02P122
# من حسرة. فقلت: جعلت فداك سمعتك تنهى عن الكلام، وتقول: ويل لأصحاب
~~الكلام، يقولون: هذا ينقاد، وهذا ينساق، وهذا لا ينساق، وهذا نعقله، وهذا
~~لا نعقله!
# فقال أبو عبد الله عليه السلام: إنما قلت: ويل لقوم تركوا قولي بالكلام،
~~وذهبوا إلى ما يريدون ثم قال: اخرج إلى الباب فمن ترى من المتكلمين فادخله!
# قال: فخرجت فوجدت حمران بن أعين، وكان يحسن الكلام، ومحمد بن نعمان
~~الأحول، وكان متكلما، وهشام بن سالم، وقيس الماصر، وكانا متكلمين وكان قيس
~~عندي أحسنهم كلاما، وكان قد تعلم الكلام من علي بن الحسين، فأدخلتهم، فلما
~~استقربنا المجلس وكنا في خيمة لأبي عبد الله عليه السلام، في طرف جبل في
~~طريق الحرم، وذلك قبل الحج بأيام، فأخرج أبو عبد الله رأسه من الخيمة فإذا
~~هو ببعير يخب قال: هشام ورب الكعبة. قال: وكنا ظننا أن هشاما رجل من ولد
~~عقيل، وكان شديد المحبة لأبي عبد الله، فإذا هشام بن الحكم، وهو أول ما
~~اختطت لحيته، وليس فينا إلا من هو أكبر منه سنا، فوسع له أبو عبد الله عليه
~~السلام وقال: (ناصرنا بقلبه ولسانه ويده) ثم قال لحمران:
# كلم الرجل يعني: الشامي. فكلمه حمران وظهر عليه ثم قال: يا طاقي كلمه!
~~فكلمه فظهر عليه محمد بن نعمان. ثم قال لهشام بن سالم: كلمه! فتعارفا ثم
~~قال لقيس الماصر: كلمه! وأقبل أبو عبد الله عليه السلام يتبسم من كلامهما
~~وقد استخذل الشامي في يده، ثم قال للشامي: كلم هذا الغلام! يعني: هشام بن
~~الحكم ms384 فقال: نعم ثم قال الشامي لهشام: يا غلام سلني في إمامة هذا يعني: أبا
~~عبد الله عليه السلام؟
# فغضب هشام حتى ارتعد ثم قال له: أخبرني يا هذا أربك أنظر لخلقه، أم خلقه
~~لأنفسهم؟
# فقال الشامي: بل ربي أنظر لخلقه!
# قال: ففعل بنظره لهم في دينهم ماذا؟
# قال: كلفهم، وأقام لهم حجة ودليلا على ما كلفهم به، وأزاح في ذلك عللهم.
~~PageV02P123
# فقال له هشام: فما هذا الدليل الذي نصبه لهم؟
# قال الشامي: هو رسول الله صلى الله عليه وآله.
# قال هشام: فبعد رسول الله صلى الله عليه وآله من؟ قال: الكتاب والسنة.
# فقال هشام: فهل نفعنا اليوم الكتاب والسنة فيما اختلفنا فيه، حتى رفع عنا
~~الاختلاف، ومكننا من الاتفاق؟
# فقال الشامي: نعم.
# قال هشام: فلم اختلفنا نحن وأنت، جئتنا من الشام تخالفنا، وتزعم أن الرأي
~~طريق الدين، وأنت مقر بأن الرأي لا يجمع على القول الواحد المختلفين؟
# فسكت الشامي كالمفكر. فقال أبو عبد الله عليه السلام!
# ما لك لا تتكلم؟
# قال: إن قلت: أنا ما اختلفنا كابرت، وإن قلت أن الكتاب والسنة يرفعان عنا
~~الاختلاف، أبطلت، لأنهما يحتملان الوجوه، ولكن لي عليه مثل ذلك.
# فقال له أبو عبد الله: سله تجده مليا!
# فقال الشامي لهشام: من أنظر للخلق ربهم أم أنفسهم؟
# فقال: بل ربهم أنظر لهم.
# فقال الشامي: فهل أقام لهم من يجمع كلمتهم، ويرفع اختلافهم، ويبين لهم
~~حقهم من باطلهم؟
# فقال هشام: نعم.
# قال الشامي: من هو؟
# قال هشام: أما في ابتداء الشريعة فرسول الله صلى الله عليه وآله، وأما
~~بعد النبي فعترته.
# قال الشامي: من هو عترة النبي القائم مقامه في حجته؟
# قال هشام: في وقتنا هذا أم قبله؟
# قال الشامي: بل في وقتنا هذا.
# قال هشام: هذا الجالس يعني: أبا عبد الله عليه السلام، الذي تشد إليه
~~الرحال PageV02P124
# ويخبرنا بأخبار السماء وراثة عن جده.
# قال الشامي: وكيف لي بعلم ذلك؟
# فقال هشام: سله عما بدا لك.
# قال الشامي: قطعت عذري، فعلي السؤال.
# فقال أبو عبد الله عليه ms385 السلام: أنا أكفيك المسألة يا شامي: أخبرك عن
~~مسيرك وسفرك، خرجت يوم كذا، وكان طريقك كذا، ومررت على كذا، ومر بك كذا،
~~فأقبل الشامي كلما وصف له شيئا من أمره يقول: (صدقت والله) فقال الشامي:
~~أسلمت لله الساعة!
# فقال له أبو عبد الله عليه السلام: بل آمنت بالله الساعة، أن الإسلام قبل
~~الإيمان وعليه يتوارثون، ويتناكحون، والإيمان عليه يثابون.
# قال: صدقت، فأنا الساعة أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله،
~~وأنك وصي الأنبياء.
# قال: فأقبل أبو عبد الله عليه السلام على حمران فقال: يا حمران تجري
~~الكلام على الأثر فتصيب فالتفت إلى هشام بن سالم فقال: تريد الأثر ولا
~~تعرف! ثم التفت إلى الأحول فقال: قياس رواع، تكسر باطلا بباطل. ألا إن
~~باطلك أظهر ثم التفت إلى قيس الماصر فقال: تكلم وأقرب ما يكون من الخبر عن
~~الرسول صلى الله عليه وآله أبعد ما تكون منه، تمزج الحق بالباطل، وقليل
~~الحق يكفي من كثير الباطل أنت والأحول قفازان حاذقان.
# قال يونس بن يعقوب: فظننت والله أنه يقول لهشام، قريبا مما قال لهما.
# فقال: يا هشام لا تكاد تقع تلوي رجليك إذ هممت بالأرض طرت، مثلك فليكلم
~~الناس إتق الزلة، والشفاعة من ورائك.
# وعن يونس بن يعقوب قال: كان عند أبي عبد الله عليه السلام جماعة من
~~أصحابه فيهم حمران بن أعين، ومؤمن الطاق، وهشام بن سالم، والطيار، وجماعة
~~من أصحابه، فيهم هشام بن الحكم، وهو شاب فقال أبو عبد الله: PageV02P125
# يا هشام!
# قال: لبيك يا بن رسول الله!
# قال: ألا تخبرني كيف صنعت بعمرو بن عبيد وكيف سألته؟ قال هشام: جعلت فداك
~~يا بن رسول الله، إني أجلك وأستحييك، ولا يعمل لساني بين يديك.
# فقال أبو عبد الله عليه السلام: إذا أمرتكم بشئ فافعلوه!
# قال هشام: بلغني ما كان فيه عمرو بن عبيد، وجلوسه في مسجد البصرة، وعظم
~~ذلك علي، فخرجت إليه، ودخلت البصرة يوم الجمعة، وأتيت مسجد البصرة فإذا أنا
~~بحلقة كبيرة، وإذا بعمرو بن عبيد ms386 عليه شملة سوداء مؤتزر بها من صوف وشملة
~~مرتد بها، والناس يسألونه، فاستفرجت الناس فأفرجوا لي، ثم قعدت في آخر
~~القوم على ركبتي، ثم قلت:
# أيها العالم أنا رجل غريب، أتأذن لي فأسألك عن مسألة؟
# قال: اسأل!
# قلت له: ألك عين؟
# قال: يا بني أي شئ هذا من السؤال، إذا كيف تسأل عنه؟
# فقلت: هذا مسئلتي.
# فقال: يا بني! سل وإن كانت مسألتك، حمقى.
# قلت: أجبني فيها.
# قال: فقال لي: سل!
# فقلت: ألك عين؟
# قال: نعم.
# قال: قلت: فما تصنع بها؟
# قال: أرى بها الألوان والأشخاص.
# قال: قلت: ألك أنف؟
# قال: نعم. PageV02P126
# قال: قلت: فما تصنع به؟
# قال: أشم به الرائحة.
# قال: قلت: ألك لسان؟
# قال: نعم.
# قال: قلت: فما تصنع به؟
# قال: أتكلم به.
# قال: قلت: ألك أذن؟
# قال: نعم.
# قلت: تصنع بها؟
# قال: أسمع بها الأصوات قال: قلت: ألك يدان؟
# قال: نعم.
# قلت: فما تصنع بهما؟
# قال: أبطش بهما، وأعرف بهما اللين من الخشن.
# قال: قلت: ألك رجلان؟
# قال: نعم.
# قال: قلت: فما تصنع بهما؟
# قال انتقل بهما من مكان إلى مكان.
# قال: قلت: ألك فم.
# قال: نعم.
# قال: قلت: فما تصنع به؟
# قال: أعرف به المطاعم والمشارب على اختلافها.
# قال: قلت: ألك قلب؟
# قال: نعم. PageV02P127
# قال: قلت: فما تصنع به؟
# قال: أميز به كلما ورد على هذه الجوارح.
# قال: قلت: أفليس في هذه الجوارح غنى عن القلب؟
# قال: لا.
# قلت: وكيف ذاك وهي صحيحة سليمة؟
# قال: يا بني إن الجوارح إذا شكت في شئ شمته أو رأته أو ذاقته، ردته إلى
~~القلب، فتيقن بها اليقين، وأبطل الشك.
# قال: فقلت: فإنما أقام الله عز وجل القلب لشك الجوارح؟
# قال: نعم. قلت: لا بد من القلب وإلا لم يستيقن الجوارح.
# قال: نعم. قلت: يا أبا مروان! إن الله تبارك وتعالى لم يترك جوارحكم حتى
~~جعل لها إماما، يصحح لها الصحيح، وينفي ما شكت فيه، ويترك هذه الخلق كله في
~~حيرتهم، وشكهم، واختلافهم، لا يقيم لهم إماما يردون إليه شكهم، ms387 وحيرتهم
~~ويقيم لك إماما لجوارحك، ترد إليه حيرتك وشكك.
# قال: فسكت ولم يقل لي شيئا.
# قال: ثم التفت إلي فقال لي:
# أنت هشام؟
# قال: قلت: لا.
# فقال لي: أجالسته؟
# فقلت: لا.
# قال: فمن أين أنت؟ قلت: من أهل الكوفة.
# قال: فأنت إذا هو. ثم ضمني إليه، وأقعدني في مجلسه، وما نطق حتى قمت،
~~فضحك أبو عبد الله، ثم قال:
# يا هشام من علمك هذا؟ قلت: يا بن رسول الله جرى على لساني.
# قال: يا هشام هذا والله مكتوب في صحف إبراهيم وموسى. PageV02P128
# وبالإسناد المقدم ذكره عن الصادق عليه السلام أنه قال: قوله عز وجل:
~~(اهدنا الصراط المستقيم) يقول أرشدنا للزم الطريق المؤدي إلى محبتك والمبلغ
~~إلى جنتك من أن نتبع أهوائنا فنعطب، ونأخذ بآرائنا فنهلك، فإن من اتبع
~~هوائه وأعجب برأيه كان كرجل سمعت غثاء الناس تعظمه وتصفه، فأحببت لقائه من
~~حيث لا يعرفني لا نظر مقداره ومحله فرأيته في موضع قد احدقوا به جماعة من
~~غثاء العامة فوقفت منتبذا عنهم، متغشيا بلثام أنظر إليه وإليهم، فما زال
~~يراوغهم حتى خالف طريقهم، وفارقهم، ولم يقر. فتفرقت جماعة العامة عنه
~~لحوائجهم، وتبعته أقتفي أثره، فلم يلبث أن مر بخباز فتغفله فأخذ من دكانه
~~رغيفين مسارقة، فتعجبت منه، ثم قلت في نفسي: لعله معامله، ثم مر بعده بصاحب
~~رمان، فما زال به حتى تغفله فأخذ من عنده رمانتين مسارقة، فتعجبت منه، ثم
~~قلت في نفسي: لعله معامله ثم أقول وما حاجته إذا إلى المسارقة، ثم لم أزل
~~أتبعه حتى مر بمريض، فوضع الرغيفين والرمانتين بين يديه، ومضى وتبعته، حتى
~~استقر في بقعة من صحراء، فقلت له: يا أبا عبد الله لقد سمعت بك وأحببت
~~لقائك، فلقيتك لكني رأيت منك ما شغل قلبي، وأني سائلك عنه ليزول به شغل
~~قلبي.
# قال: ما هو؟
# قلت: رأيتك مررت بخباز وسرقت منه رغيفين، ثم بصاحب الرمان فسرقت منه
~~رمانتين.
# فقال لي: قبل كل شئ حدثني من أنت؟
# قلت: رجل من ولد آدم من أمة محمد صلى ms388 الله عليه وآله.
# قال: حدثني ممن أنت؟
# قلت: رجل من أهل بيت رسول الله.
# قال: أين بلدك؟
# قلت: المدينة.
# قال: لعلك جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليه
~~السلام؟ PageV02P129
# قلت: بلى.
# قال لي: فما ينفعك شرف أصلك مع جهلك بما شرفت به، وتركك علم جدك وأبيك،
~~لأنه لا ينكر ما يجب أن يحمد ويمدح فاعله.
# قلت: وما هو؟
# قال: القرآن كتاب الله.
# قلت: وما الذي جهلت؟
# قال: قول الله عز وجل: (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة
~~فلا يجزى إلا مثلها) وأني لما سرقت الرغيفين، كانت سيئتين، ولما سرقت
~~الرمانتين، كانت سيئتين، فهذه أربع سيئات، فلما تصدقت بكل واحد منها كانت
~~أربعين حسنة، أنقص من أربعين حسنة أربع سيئات، بقي ست وثلاثون.
# قلت: ثكلتك أمك! أنت الجاهل بكتاب الله! أما سمعت قول الله عز وجل:
# (إنما يتقبل الله من المتقين) (1) إنك لما سرقت رغيفين، كانت سيئتين،
~~ولما سرقت الرمانتين كانت سيئتين، ولما دفعتها إلى غيرها من غير رضا
~~صاحبها، كنت إنما أضفت أربع سيئات إلى أربع سيئات، ولم تضف أربعين حسنة إلى
~~أربع سيئات، فجعل يلاحيني فانصرفت وتركته.
# وبالإسناد الذي تقدم: عن أبي محمد الحسن بن علي العسكري عليه السلام أنه
~~قال:
# قال بعض المخالفين بحضرة الصادق عليه السلام لرجل من الشيعة.
# ما تقول في العشرة من الصحابة؟
# قال: أقول فيهم القول الجميل الذي يحط الله به سيئاتي، ويرفع به درجاتي
~~قال السائل: الحمد لله على ما أنقذني من بغضك، كنت أظنك رافضيا تبغض
~~الصحابة.
# فقال الرجل: ألا من أبغض واحدا من الصحابة فعليه لعنة الله.
# قال: لعلك تتأول ما تقول، فمن أبغض العشرة من الصحابة؟
# PageV02P130
# فقال: من أبغض العشرة من الصحابة فعليه لعنة الله، والملائكة، والناس
~~أجمعين. فوثب فقبل رأسه فقال: اجعلني في حل مما قذفتك به من الرفض قبل
~~اليوم.
# قال: أنت في حل وأنت أخي ثم انصرف السائل فقال له الصادق عليه السلام:
~~جودت لله درك! لقد عجبت ms389 الملائكة ومن حسن توريتك، وتلفظك بما خلصك، ولم
~~تثلم دينك، زاد الله في قلوب مخالفينا غما إلى غم وحجب عنهم مراد منتحلي
~~مودتنا في تقيتهم.
# فقال أصحاب الصادق عليه السلام: يا بن رسول صلى الله عليه وآله ما عقلنا
~~من كلام هذا إلا موافقته لهذا المتعنت الناصب.
# فقال الصادق عليه السلام: لئن كنتم لم تفهموا ما عنى، فقد فهمناه نحن،
~~فقد شكره الله له، إن ولينا الموالي لأوليائنا المعادي لأعدائنا إذا ابتلاه
~~الله بمن يمتحنه من مخالفيه، وفقه لجواب يسلم معه دينه وعرضه، ويعظم الله
~~بالتقية ثوابه إن صاحبكم هذا قال: من عاب واحدا منهم فعليه لعنة الله أي:
~~من عاب واحدا منهم، هو: أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام وقال في
~~الثانية: من عابهم وشتمهم فعليه لعنة الله، وقد صدق لأن من عابهم فقد عاب
~~عليا عليه السلام لأنه أحدهم، فإذا لم يعب عليا ولم يذمه فلم يعبهم جميعا،
~~وإنما عاب بعضهم، ولقد كان لحزقيل المؤمن من قوم فرعون الذين وشوا به إلى
~~فرعون مثل هذه التورية كان حزقيل يدعوهم إلى توحيد الله، ونبوة موسى،
~~وتفضيل محمد رسول الله صلى الله عليه وآله على جميع رسل الله وخلقه، وتفضيل
~~علي بن أبي طالب عليه السلام والخيار من الأئمة على سائر أوصياء النبيين،
~~وإلى البراءة من فرعون، فوشى به واشون إلى فرعون، وقالوا إن حزقيل يدعو إلى
~~مخالفتك، ويعين أعدائك على مضادتك.
# فقال لهم فرعون: ابن عمي، وخليفتي في ملكي، وولي عهدي، إن كان قد فعل ما
~~قلتم فقد استحق العذاب على كفره نعمتي وإن كنتم عليه كاذبين فقد استحققتم
~~أشد العذاب لإيثاركم الدخول في مساءته، فجاء بحزقيل وجاء بهم فكاشفوه
~~PageV02P131
# وقالوا: أنت تجحد ربوبية فرعون الملك، وتكفر نعمائه.
# فقال حزقيل: أيها الملك هل جربت علي كذبا قط.
# قال: لا.
# قال: فسلهم من ربهم؟
# قالوا: فرعون.
# قال: ومن خلقكم؟
# قالوا: فرعون هذا.
# قال: ومن رازقكم الكافل لمعايشكم، والدافع عنكم مكارهكم؟
# قالوا: فرعون هذا.
# قال حزقيل: أيها الملك فأشهدك ms390 وكل من حضرك: أن ربهم هو ربي، وخالقهم هو
~~خالقي، ورازقهم هو رازقي، ومصلح معايشهم هو مصلح معايشي، لا رب لي ولا خالق
~~غير ربهم وخالقهم ورازقهم، وأشهدك ومن حضرك: أن كل رب وخالق سوى ربهم
~~وخالقهم ورازقهم فأنا برئ منه، ومن ربوبيته، وكافر بإلهيته.
# يقول حزقيل هذا وهو يعني: أن ربهم هو الله ربي ولم يقل أن الذي قالوا:
# هم أنه ربهم هو ربي، وخفي هذا المعنى على فرعون ومن حضره، وتوهموا أنه
~~يقول: فرعون ربي وخالقي ورازقي، فقال لهم: يا رجال السوء ويا طلاب الفساد
~~في ملكي: ومريدي الفتنة بيني وبين ابن عمي، وهو عضدي، أنتم المستحقون
~~لعذابي، لإرادتكم فساد أمري، وهلاك ابن عمي والفت في عضدي ثم أمر بالأوتاد
~~فجعل في ساق كل واحد منهم وتد وفي صدره وتد، وأمر أصحاب أمشاط الحديد فشقوا
~~بها لحومهم من أبدانهم، فذلك ما قال الله تعالى: (فوقيه الله سيئات ما
~~مكروا) (1) لما وشوا به إلى فرعون ليهلكوه وحاق بآل فرعون سوء العذاب، وهم
~~الذين وشوا بحزقيل إليه لما أوتد فيهم الأوتاد، ومشط عن أبدانهم لحومها
~~بالأمشاط.
# PageV02P132
# ومثل هذه التورية قد كانت لأبي عبد الله عليه السلام في مواضع كثيرة.
# فمن ذلك ما رواه معاوية بن وهب (1) عن سعيد بن سمان (2) قال:
# كنت عند أبي عبد الله إذ دخل عليه رجلان من الزيدية، فقالا له:
# أفيكم إمام مفترض طاعته؟
# قال: فقال: لا.
# فقالا له: قد أخبرنا عنك الثقات أنك تقول به، وسموا أقواما وقالوا:
# هم أصحاب ورع وتشمير، وهم ممن لا يكذب، فغضب أبو عبد الله عليه السلام
~~وقال:
# ما أمرتهم بهذا، فلما رأيا الغضب في وجهه خرجا.
# فقال لي: أتعرف هذين؟
# قلت: هما من أهل سوقنا، وهما من الزيدية، وهما يزعمان: أن سيف رسول الله
~~عند عبد الله بن الحسن.
# فقال: كذبا لعنهما الله، وهو ما رآه عبد الله بن الحسن بعينيه، ولا
~~بواحدة من عينيه. ولا رآه أبوه. اللهم إلا أن يكون رآه عند علي بن الحسين
~~عليه السلام ms391 فإن كانا صادقين فما علامة في مقبضه، وما أثر في موضع مضربه،
~~وأن عندي لسيف رسول الله، وأن عندي لراية رسول الله صلى الله عليه وآله،
~~ودرعه، ولامته، ومغفره، فإن كانا صادقين فما علامة في درع رسول الله صلى
~~الله عليه وآله؟ وأن عندي لراية رسول الله المغلبة، وأن عندي ألواح موسى
~~وعصاه، وأن عندي لخاتم سليمان بن داود وأن عندي الطست الذي كان موسى يقرب
~~بها القربان، وأن عندي الاسم الذي
# PageV02P133
# كان رسول الله إذا وضعه بين المسلمين والمشركين، لم يصل من المشركين إلى
~~المسلمين نشابة، وأن عندي لمثل التابوت الذي جاءت به الملائكة، ومثل السلاح
~~فينا كمثل التابوت في بني إسرائيل، كانت بنو إسرائيل في أي أهل بيت وجد
~~التابوت على أبوابهم أوتوا النبوة، ومن صار إليه السلاح منا أوتي الإمامة،
~~ولقد لبس أبي درع رسول الله صلى الله عليه وآله فخطت على الأرض خططا،
~~ولبستها أنا وكانت تخط على الأرض - يعني: طويلة - مثل ما كانت على أبي،
~~وقائمنا من إذا لبسها ملأها إن شاء الله تعالى.
# وكان الصادق عليه السلام يقول: علمنا غابر ومزبور، ونكت في القلوب، ونقر
~~في الأسماع، وأن عندنا الجفر الأحمر، والجفر الأبيض، ومصحف فاطمة عليها
~~السلام وعندنا الجامعة، فيها جميع ما يحتاج إليه الناس، فسئل عن تفسير هذا
~~الكلام فقال: أما الغابر: فالعلم بما يكون، والمزبور: فالعلم بما كان، وأما
~~النكت في القلوب: فهو الالهام، والنقر في الأسماع: فحديث الملائكة، نسمع
~~كلامهم، ولا نرى أشخاصهم، وأما الجفر الأحمر: فوعاء فيه توراة موسى، وإنجيل
~~عيسى وزبور داود، وكتب الله.
# وأما مصحف فاطمة: ففيه ما يكون من حادث، وأسماء من يملك إلى أن تقوم
~~الساعة.
# وأما الجامعة: فهو: كتاب طوله سبعون ذراعا، إملاء رسول الله من فلق فيه
~~وخط علي بن أبي طالب عليه السلام بيده، فيه والله جميع ما يحتاج الناس إليه
~~إلى يوم القيامة، حتى أن فيه أرش الخدش، والجلدة، ونصف الجلدة.
# ولقد كان زيد بن علي بن الحسين (1) يطمع أن يوصي إليه ms392 أخوه
# PageV02P134
# الباقر عليه السلام، ويقيمه مقامه في الخلافة بعده، مثل ما كان يطمع في
~~ذلك محمد بن PageV02P135
# الحنفية بعد وفاة أخيه الحسين صلوات الله عليه، حتى رأى من ابن أخيه زين
~~العابدين عليه السلام من المعجزة الدالة على إمامته ما رأى، وقد تقدم ذكره
~~في هذا الكتاب، فكذلك زيد رجا أن يكون القائم مقام أخيه الباقر صلوات الله
~~عليه، حتى سمع ما سمع من أخيه، ورأى ما رأى من ابن أخيه، أبي عبد الله
~~الصادق فمن ذلك ما رواه صدقة بن أبي موسى، عن أبي بصير قال: لما حضر أبا
~~جعفر محمد بن علي الباقر عليه السلام الوفاة، دعا بابنه الصادق عليه السلام
~~ليعهد إليه عهدا، فقال له أخوه زيد بن علي:
# لما امتثلت في مثال الحسن والحسين عليهما السلام رجوت أن لا تكون أتيت
~~منكرا.
# فقال له الباقر عليه السلام: يا أبا الحسن إن الأمانات ليست بالمثال، ولا
~~العهود بالرسوم، إنما هي أمور سابقة عن حجج الله تبارك وتعالى، ثم دعا
~~بجابر بن عبد الله الأنصاري فقال:
# يا جابر حدثنا بما عاينت من الصحيفة؟
# فقال له: نعم يا أبا جعفر، دخلت على مولاتي فاطمة بنت رسول الله صلى الله
~~عليه وآله لأهنيها بولادة الحسن عليه السلام، فإذا بيدها صحيفة بيضاء من
~~درة، فقلت يا سيدة النسوان ما هذه الصحيفة التي أراها معك؟
# قالت: فيها أسماء الأئمة من ولدي.
# قلت لها: ناوليني لأنظر فيها!
# قالت: يا جابر لولا النهي لكنت أفعل، ولكنه قد نهي أن يمسها إلا نبي أو
~~وصي نبي، أو أهل بيت نبي، ولكنه مأذون لك أن تنظر إلى باطنها من ظاهرها.
# قال جابر: فقرأت فإذا فيها: أبو القاسم محمد بن عبد الله المصطفى ابن عبد
~~المطلب بن هاشم بن عبد مناف، أمه آمنة. PageV02P136
# أبو الحسن علي بن أبي طالب عليه السلام المرتضى، أمه فاطمة بنت أسد بن
~~هاشم ابن عبد مناف.
# أبو محمد الحسن بن علي البر التقي، أبو عبد الله الحسين بن علي أمهما
~~فاطمة بنت ms393 محمد.
# أبو محمد علي بن الحسين العدل، أمه شهر بانويه بنت يزدجرد بن شهريار.
# أبو جعفر محمد بن علي الباقر، أمه أم عبد الله بنت الحسن بن علي بن أبي
~~طالب.
# أبو عبد الله جعفر بن محمد الصادق، أمه: (أم فروة) بنت القسم بن محمد بن
~~أبي بكر.
# أبو إبراهيم موسى بن جعفر الثقة، أمه جارية اسمها (حميدة) المصفاة.
# أبو الحسن علي بن موسى الرضا، أمه جارية اسمها: (نجمة).
# أبو جعفر محمد بن علي الزكي أمه جارية اسمها: (خيزران).
# أبو الحسن علي بن محمد الأمين، أمه جارية اسمها: (سوسن).
# أبو محمد الحسن بن علي الرضي، أمه جارية اسمها: (سمانة) تكنى أم الحسن.
# أبو القاسم محمد بن الحسن وهو حجة القائم، أمه جارية اسمها: (نرجس) صلوات
~~الله عليهم أجمعين.
# وعن زرارة بن أعين قال: قال لي زيد بن علي وأنا عند أبي عبد الله عليه
~~السلام:
# يا فتى ما تقول في رجل من آل محمد استنصرك؟ قال:
# قلت: إن كان مفروض الطاعة، فلي أن أفعل ولي أن لا أفعل.
# فلما خرج قال أبو عبد الله: أخذته والله من بين يديه ومن خلفه، وما تركت
~~له مخرجا.
# وقيل للصادق عليه السلام: ما يزال يخرج رجل منكم أهل البيت فيقتل ويقتل
~~معه بشر كثير فأطرق طويلا ثم قال: إن فيهم الكذابين وفي غيرهم المكذبين.
# وروي عنه صلوات الله عليه أنه قال: ليس منا أحد إلا وله عدو من أهل بيته،
~~فقيل له: بنو الحسن لا يعرفون لمن الحق؟ PageV02P137
# قال: بلى ولكن يحملهم الحسد.
# عن أبي يعقوب (1) قال: لقيت أنا ومعلى بن خنيس (2) الحسن بن الحسن بن علي
~~بن أبي طالب عليه السلام فقال: يا يهودي فأخبرنا بما قال فينا جعفر ابن
~~محمد عليه السلام فقال: هو والله أولى باليهودية منكما إن اليهودي من شرب
~~الخمر.
# وبهذا الإسناد قال: سمعت أبا عبد الله يقول لو توفي الحسن بن الحسن على
~~الزنا والربا وشرب الخمر، كان خيرا له مما توفي عليه وعن أبي بصير قال: ms394
~~سألت أبا عبد الله عليه السلام عن هذه الآية: (ثم أورثنا الكتاب الذين
~~اصطفينا من عبادنا) (3) قال: أي شئ تقول؟ قلت: إني أقول أنها خاصة لولد
~~فاطمة.
# PageV02P138
# فقال عليه السلام: أما من سل سيفه ودعا الناس إلى نفسه إلى الضلال من ولد
~~فاطمة وغيرهم، فليس بداخل في الآية، قلت: من يدخل فيها قال: الظالم لنفسه
~~الذي لا يدعو الناس إلى ضلال ولا هدى والمقتصد منا أهل البيت هو العارف حق
~~الإمام والسابق بالخيرات هو الإمام.
# عن محمد بن أبي عمير الكوفي (1) عن عبد الله بن الوليد السمان (2) قال:
~~قال أبو عبد الله عليه السلام: ما يقول الناس في أولي العزم وصاحبكم أمير
~~المؤمنين عليه السلام؟
# قال: قلت: ما يقدمون على أولي العزم أحدا.
# قال: فقال أبو عبد الله عليه السلام: إن الله تبارك وتعالى قال لموسى:
~~(وكتبنا له في الألواح من كل شئ موعظة) (3) ولم يقل كل شئ موعظة. وقال (2)
~~خلاصة العلامة ص 111:
# عبد الله بن الوليد السمان - بالسين المهملة والنون أخيرا - النخعي مولى
~~كوفي روى عن أبي عبد الله (ع) ثقة.
# (3) الأعراف - 145
# PageV02P139
# لعيسى: (وليبين لكم بعض الذي تختلفون فيه) (1) ولم يقل كل شئ وقال
~~لصاحبكم أمير المؤمنين عليه السلام: (قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن
~~عنده علم الكتاب) (2) وقال الله عز وجل: (ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب
~~مبين) (3) وعلم هذا الكتاب عنده.
# وعن عبد الله بن الفضل الهاشمي (4) قال: سمعت الصادق عليه السلام يقول:
~~أن لصاحب هذا الأمر غيبة لا بد منها، يرتاب فيها كل مبطل، قلت له: ولم جعلت
~~فداك؟
# قال: الأمر لا يؤذن لي في كشفه لكم.
# قلت: فما وجه الحكمة في غيبته؟
# قال: وجه الحكمة في غيبته، وجه الحكمة في غيبات من تقدمه من حجج الله
~~تعالى ذكره، أن وجه الحكمة في ذلك لا ينكشف إلا بعد ظهوره، كما لم ينكشف
~~وجه الحكمة لما آتاه الخضر من خرق السفينة، وقتل الغلام، وإقامة الجدار
~~لموسى عليه السلام، إلى وقت افتراقهما. يا بن الفضل ms395 إن هذا الأمر أمر من
~~الله، وسر من سر الله، وغيب من غيب الله، ومتى علمنا أنه عز وجل حكيم صدقنا
~~بأن أفعاله كلها حكمة، وإن كان وجهها غير منكشف.
# وعن علي بن الحكم (5) عن أبان قال: أخبرني الأحول أبو جعفر محمد بن
~~النعمان الملقب بمؤمن الطاق: أن زيد بن علي بن الحسين بعث إليه وهو مختف
~~قال: فأتيته فقال لي: يا أبا جعفر ما تقول إن طرقك طارق منا أتخرج معه؟
# PageV02P140
# قال: قلت له: إن كان أبوك أو أخوك خرجت معه.
# قال: فقال لي: فأنا أريد أن أخرج وأجاهد هؤلاء القوم فاخرج معي!
# قال: قلت: لا أفعل جعلت فداك!
# قال: فقال لي: أترغب بنفسك عني؟
# قال: فقلت له: إنما هي نفس واحدة، فإن كان لله تعالى في الأرض حجة
~~فالمتخلف عنك ناج، والخارج معك هالك، وإن لم يكن لله في الأرض حجة،
~~فالمتخلف عنك والخارج معك سواء.
# قال: فقال لي: يا أبا جعفر كنت أجلس مع أبي على الخوان، فيلقمني اللقمة
~~السمينة، ويبرد لي اللقمة الحارة حتى تبرد شفقة علي، ولم يشفق علي من حر
~~النار إذ أخبرك بالدين ولم يخبرني به.
# قال: قلت له: من شفقته عليك من حر النار لم يخبرك، خاف عليك أن لا تقبله
~~فتدخل النار وأخبرني، فإن قبلته نجوت، وإن لم أقبل لم يبال أن أدخل النار،
~~ثم قلت له:
# جعلت فداك أنتم أفضل أم الأنبياء؟
# قال: بل الأنبياء.
# قلت: يقول يعقوب ليوسف: (يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك
~~كيدا) (1) لم لم يخبرهم حتى كانوا لا يكيدونه ولكن كتمه، وكذا أبوك كتمك
~~لأنه خاف عليك.
# قال: فقال: أما والله لئن قلت ذلك فقد حدثني صاحبك بالمدينة أني أقتل
~~وأصلب بالكناسة، وأن عنده لصحيفة فيها قتلي وصلبي.
# قال: فحججت وحدثت أبا عبد الله عليه السلام بمقالة زيد وما قلت له: فقال
~~لي:
# أخذته من بين يديه ومن خلفه، وعن يمينه وعن يساره، ومن فوق رأسه ومن
# PageV02P141
# تحت قدميه، ولم تترك له مسلكا ms396 يسلكه.
# وعن هشام بن الحكم قال: اجتمع ابن أبي العوجاء، وأبو شاكر الديصاني
~~الزنديق، وعبد الملك البصري، وابن المقفع، عند بيت الله الحرام، يستهزؤن
~~بالحاج ويطعنون بالقرآن.
# فقال ابن أبي العوجاء: تعالوا ننقض كل واحد منا ربع القرآن، وميعادنا من
~~قابل في هذا الموضع، نجتمع فيه وقد نقضنا القرآن كله، فإن في نقض القرآن
~~إبطال نبوة محمد، وفي إبطال نبوته إبطال الإسلام، وإثبات ما نحن فيه،
~~فاتفقوا على ذلك وافترقوا، فلما كان من قابل اجتمعوا عند بيت الله الحرام،
~~فقال ابن أبي العوجاء:
# أما أنا فمفكر منذ افترقنا في هذه الآية: (فلما استيأسوا منه خلصوا نجيا)
~~(1) فما أقدر أن أضم إليها في فصاحتها وجميع معانيها شيئا، فشغلتني هذه
~~الآية عن التفكر في ما سواها.
# فقال عبد الملك: وأنا منذر فارقتكم مفكر في هذه الآية (يا أيها الناس ضرب
~~مثل فاستمعوا له أن الذين يدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا
~~له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب) (2) ولم
~~أقدر على الإتيان بمثلها.
# فقال أبو شاكر: وأنا منذ فارقتكم مفكر في هذه الآية: (لو كان فيهما آلهة
~~إلا الله لفسدتا) (3) لم أقدر على الإتيان بمثلها.
# فقال ابن المقفع: يا قوم إن هذا القرآن ليس من جنس كلام البشر، وأنا منذ
~~فارقتكم مفكر في هذه الآية: (وقيل يا أرض ابلعي مائك ويا سماء اقلعي وغيض
~~الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي وقيل بعدا للقوم الظالمين) (4) لم أبلغ
~~غاية المعرفة بها، ولم أقدر على الإتيان بمثلها.
# PageV02P142
# قال هشام بن الحكم: فبينما هم في ذلك، إذ مر بهم جعفر بن محمد الصادق
~~عليه السلام فقال: (قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا
~~القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا) (1) فنظر القوم بعضهم إلى
~~بعض وقالوا:
# لئن كان للإسلام حقيقة لما انتهت أمر وصية محمد إلا إلى جعفر بن محمد،
~~والله ما رأيناه قط إلا هبناه واقشعرت جلودنا لهيبته، ثم تفرقوا مقرين
~~بالعجز.
# ولهذا ms397 الأمر قال محمد بن أبي بكر في خبر عجيب شعرا (2):
# تجملت تبلغت وإن عشت تفيلت لك التسع من الثمن وبالكل تملكت وعن أحمد بن
~~عبد الله البرقي (3) عن أبيه (4) عن شريك بن عبد الله (5)
# PageV02P143
# عن الأعمش قال: اجتمعت الشيعة والمحكمة عند أبي نعيم النخعي بالكوفة (1)
~~وأبو جعفر محمد بن النعمان مؤمن الطاق حاضر، فقال ابن أبي حذرة:
# أنا أقرر معكم أيتها الشيعة أن أبا بكر أفضل من علي ومن جميع أصحاب النبي
~~بأربع خصال لا يقدر على دفعها أحد من الناس، هو ثان مع رسول الله في بيته
~~مدفون، وهو ثاني اثنين معه في الغار، وهو ثاني اثنين صلى بالناس آخر صلاة
~~قبض بعده رسول الله صلى الله عليه وآله، وهو ثاني اثنين الصديق من هذه
~~الأمة. قال أبو جعفر مؤمن الطاق رحمة الله عليه: يا بن أبي حذرة وأنا أقرر
~~معك أن عليا أفضل من أبي بكر وجميع أصحاب النبي صلى الله عليه وآله بهذه
~~الخصال التي وصفتها، وأنها مثلبة لصاحبك، وألزمك طاعة علي من ثلاث جهات، من
~~القرآن وصفا، ومن خبر الرسول نصا، ومن حجة العقل اعتبارا، ووقع الاتفاق على
~~إبراهيم النخعي وعلى أبي إسحاق السبيعي، وعلى سليمان بن مهران الأعمش.
# فقال: أبو جعفر مؤمن الطاق: أخبرني يا بن أبي حذرة عن النبي صلى الله
~~عليه وآله كيف ترك بيوته - التي أضافها الله إليه، ونهى الناس عن دخولها
~~إلا بإذنه - ميراثا لأهله وولده، أو تركها صدقة على جميع المسلمين؟ قل ما
~~شئت.
# فانقطع ابن أبي حذرة لما أورد عليه ذلك، وعرف خطأ ما فيه.
# PageV02P144
# فقال أبو جعفر مؤمن الطاق: إن تركها ميراثا لولده وأزواجه فإنه قبض عن
~~تسع نسوة، وإنما لعايشة بنت أبي بكر تسع ثمن هذا البيت الذي دفن فيه صاحبك،
~~ولا يصيبها من البيت ذراع في ذراع، وإن كان صدقة فالبلية أطم وأعظم فإنه لم
~~يصب من البيت إلا ما لأدنى رجل من المسلمين، فدخول بيت النبي صلى الله عليه
~~وآله بغير إذنه في حياته وبعد ms398 وفاته معصية إلا لعلي بن أبي طالب عليه
~~السلام وولده، فإن الله أحل لهم ما أحل للنبي صلى الله عليه وآله، ثم قال
~~لهم: إنكم تعلمون أن النبي، أمر بسد أبواب جميع الناس التي كانت مشرعة إلى
~~المسجد ما خلا باب علي عليه السلام، فسأله أبو بكر أن يترك له كوة لينظر
~~منها إلى رسول الله فأبى عليه، وغضب عمه العباس من ذلك فخطب النبي صلى الله
~~عليه وآله خطبة وقال:
# إن الله تبارك وتعالى أمر لموسى وهارون أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتا،
~~وأمرهما أن لا يبيت في مسجدهما جنب، ولا يقرب فيه النساء إلا موسى وهارون
~~وذريتهما، وأن عليا هو بمنزلة هارون من موسى، وذريته كذرية هارون، ولا يحل
~~لأحد أن يقرب النساء في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله، ولا يبيت فيه
~~جنب إلا علي وذريته عليهم السلام.
# فقالوا بأجمعهم: كذلك كان.
# قال أبو جعفر: ذهب ربع دينك يا بن أبي حذرة، وهذه منقبة لصاحبي ليس لأحد
~~مثلها، ومثلبة لصاحبك، وأما قولك: (ثاني اثنين إذ هما في الغار) أخبرني هل
~~أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين في غير الغار؟
# قال ابن أبي حذرة: نعم.
# قال أبو جعفر: فقد خرج صاحبك في الغار من السكينة، وخصه بالحزن ومكان علي
~~في هذه الليلة على فراش النبي صلى الله عليه وآله، وبذل مهجته دونه أفضل من
~~مكان صاحبك في الغار.
# فقال الناس: صدقت.
# فقال أبو جعفر: يا بن أبي حذرة ذهب نصف دينك، وأما قولك ثاني اثنين
~~PageV02P145
# الصديق من الأمة، فقد أوجب الله على صاحبك الاستغفار لعلي بن أبي طالب
~~عليه السلام في قوله عز وجل: (والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا
~~ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان) إلى آخر الآية والذي ادعيت إنما هو شئ
~~سماه الناس ومن سماه القرآن وشهد له بالصدق والتصديق أولى به ممن سماه
~~الناس، وقد قال علي عليه السلام على منبر البصرة: أنا الصديق الأكبر، آمنت
~~قبل أن آمن أبو بكر وصدقت قبله. ms399
# قال الناس: صدقت.
# قال أبو جعفر مؤمن الطاق: يا بن أبي حذرة ذهب ثلاثة أرباع دينك.
# وأما قولك في الصلاة بالناس، كنت ادعيت لصاحبك فضيلة لم تتم له، وأنها
~~إلى التهمة أقرب منها إلى الفضيلة، فلو كان ذلك بأمر رسول الله صلى الله
~~عليه وآله لما عزله عن تلك الصلاة بعينها، أما علمت أنه لما تقدم أبو بكر
~~ليصلي بالناس خرج رسول الله صلى الله عليه وآله فتقدم وصلى بالناس وعزله
~~عنها، ولا تخلو هذه الصلاة من أحد وجهين: أما أن تكون حيلة وقعت منه، فلما
~~حس النبي صلى الله عليه وآله بذلك خرج مبادرا مع علته فنحاه عنها لكيلا
~~يحتج بها بعده على أمته فيكونوا في ذلك معذورين. وأما أن تكون هو الذي أمره
~~بذلك، وكان ذلك مفوضا إليه كما في قصة تبليغ براءة، فنزل جبرئيل عليه
~~السلام وقال: لا يؤديها إلا أنت أو رجل منك، فبعث عليا في طلبه وأخذها منه،
~~وعزله عنها وعن تبليغها، فكذلك كانت قصة الصلاة، وفي الحالتين هو مذموم
~~لأنه كشف عنه ما كان مستورا عليه، وفي ذلك دليل واضح أنه لا يصلح للاستخلاف
~~بعده، ولا هو مأمون على شئ من أمر الدين.
# فقال الناس: صدقت.
# قال أبو جعفر مؤمن الطاق: يا بن أبي حذرة ذهب دينك كله، وفضحت حيث مدحت.
# فقال الناس لأبي جعفر: هات حجتك فيما ادعيت من طاعة علي عليه السلام،
~~فقال أبو جعفر مؤمن الطاق: PageV02P146
# أما من القرآن وصفا فقوله عز وجل: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله
~~وكونوا مع الصادقين) (1) فوجدنا عليا بهذه الصفة في القرآن في قوله عز وجل
~~(والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس - يعني في الحرب والشغب - أولئك
~~الذين صدقوا وأولئك هم المتقون) (2) فوقع الاجماع من الأمة بأن عليا عليه
~~السلام أولى بهذا الأمر من غيره، لأنه لم يفر من زحف قط، كما فر غيره في
~~غير موضع.
# فقال الناس: صدقت.
# وأما الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وآله نصا، فقال: (إني تارك فيكم
~~الثقلين، ms400 ما أن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي: كتاب الله وعترتي أهل بيتي،
~~فإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض) وقوله صلى الله عليه وآله: (إنما مثل
~~أهل بيتي كمثل سفينة نوح، من ركبها نجى، ومن تخلف عنها غرق، ومن تقدمها
~~مرق، ومن لزمها لحق) (3) فالمتمسك بأهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله
~~هاد مهتد بشهادة من الرسول والمتمسك بغيرها ضال مضل.
# قال الناس: صدقت يا أبا جعفر: وأما من حجة العقل فإن الناس كلهم يستعبدون
~~بطاعة العالم، ووجدنا الاجماع قد وقع على علي عليه السلام بأنه كان أعلم
~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله، وكان الناس يسألونه ويحتاجون إليه،
~~وكان علي
# PageV02P147
# مستغنيا عنهم، هذا من الشاهد والدليل عليه من القرآن قوله عز وجل: (أفمن
~~يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون)
~~(1) فما اتفق يوم أحسن منه، ودخل في هذا الأمر عالم كثير.
# وقد كانت لأبي جعفر مؤمن الطاق مقامات مع أبي حنيفة. فمن ذلك:
# ما روي أنه قال يوما من الأيام لمؤمن الطاق: إنكم تقولون بالرجعة.
# قال: نعم.
# قال أبو حنيفة: فاعطني الآن ألف درهم حتى أعطيك ألف دينار إذا رجعنا.
# قال الطاقي لأبي حنيفة: فاعطني كفيلا بأنك ترجع إنسانا ولا ترجع خنزيرا.
# وقال له يوم آخر: لم لم يطالب علي بن أبي طالب بحقه بعد وفاة رسول الله
~~إن كان له حق؟
# فأجابه مؤمن الطاق: خاف أن يقتله الجن كما قتلوا سعد بن عبادة بسهم
~~المغيرة بن شعبة. وفي رواية بسهم خالد بن الوليد (2).
# PageV02P148
# وكان أبو حنيفة يوما آخر يتماشى مع مؤمن الطاق في سكة من سكك الكوفة، إذا
~~مناد ينادي من يدلني على صبي ضال؟
# فقال مؤمن الطاق: أما الصبي الضال فلم نره، وإن أردت شيخا ضالا فخذ هذا!
~~عني به: أبا حنيفة.
# ولما مات الصادق عليه السلام رأى أبو حنيفة مؤمن الطاق فقال له:
# مات إمامك؟
# قال: نعم. أما إمامك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم. ms401
# وروي: أنه مر فضال بن الحسن بن فضال الكوفي (1) بأبي حنيفة وهو في جمع
~~كثير، يملي عليهم شيئا من فقهه وحديثه. فقال - لصاحب كان معه -:
# والله لا أبرح حتى أخجل أبا حنيفة.
# فقال صاحبه الذي كان معه: إن أبا حنيفة ممن قد علت حاله، وظهرت حجته.
# PageV02P149
# قال: صه! هل رأيت حجة ضال علت علي حجة مؤمن؟! ثم دنا منه فسلم عليه، فرد
~~ورد القوم السلام بأجمعهم. فقال:
# يا أبا حنيفة أن أخا لي يقول: أن خير الناس بعد رسول الله علي بن أبي
~~طالب عليه السلام، وأنا أقول أبو بكر خير الناس وبعده عمر. فما تقول أنت
~~رحمك الله؟
# فأطرق مليا ثم رفع رأسه فقال: كفى بمكانهما من رسول الله صلى الله عليه
~~وآله كرما وفخرا، أما علمت أنهما ضجيعاه في قبره، فأي حجة تريد أوضح من
~~هذا؟
# فقال له فضال: إني قد قلت ذلك لأخي فقال: والله لئن كان الموضع لرسول
~~الله صلى الله عليه وآله دونهما فقد ظلما بدفنهما في موضع ليس لهما حق فيه،
~~وإن كان الموضع لهما فوهباه لرسول الله صلى الله عليه وآله لقد أساءا وما
~~أحسنا، إذ رجعا في هبتهما، ونسيا عهدهما. فأطرق أبو حنيفة ساعة ثم قال له:
~~لم يكن له ولا لهما خاصة، ولكنهما نظرا في حق عايشة وحفصة فاستحقا الدفن في
~~ذلك الموضع بحقوق ابنتيهما.
# فقال له فضال: قد قلت له ذلك فقال: أنت تعلم أن النبي مات عن تسع نساء،
~~ونظرنا فإذا لكل واحدة منهن تسع الثمن، ثم نظرنا في تسع الثمن فإذا هو شبر
~~في شبر، فكيف يستحق الرجلان أكثر من ذلك، وبعد فما بال عائشة وحفصة ترثان
~~رسول الله صلى الله عليه وآله وفاطمة بنته تمنع الميراث؟!
# فقال أبو حنيفة: يا قوم نحوه عني فإنه رافضي خبيث.
# حكي عن أبي الهذيل العلاف (1) قال:
# PageV02P150
# دخلت الرقة فذكر لي أن بدير زكن رجلا مجنونا حسن الكلام، فأتيته فإذا أنا
~~بشيخ حسن الهيئة جالس على وسادة يسرح رأسه ولحيته، فسلمت عليه ms402 فرد السلام
~~وقال: ممن يكون الرجل؟
# قال: قلت: من أهل العراق.
# قال: نعم. أهل الظرف والأدب.
# قال: من أيها أنت؟ قلت: من أهل البصرة.
# قال: أهل التجارب والعلم.
# قال: فمن أيهم أنت؟
# قلت: أبو الهذيل العلاف.
# قال: المتكلم؟
# قلت: بلى.
# فوثب عن وسادته وأجلسني عليها ثم قال - بعد كلام جرى بيننا -:
# ما تقولون في الإمامة؟
# قلت: أي الإمامة تريد؟
# قال: من تقدمون بعد النبي صلى الله عليه وآله؟
# قلت: من قدم رسول الله صلى الله عليه وآله.
# قال: ومن هو؟ PageV02P151
# قلت: أبا بكر.
# قال لي: يا أبا الهذيل ولم قدمتم أبا بكر؟
# قال: قلت: لأن النبي صلى الله عليه وآله قال: (قدموا خيركم وولوا أفضلكم)
~~وتراضى الناس به جميعا.
# قال: يا أبا الهذيل هاهنا وقعت.
# أما قولك أن النبي صلى الله عليه وآله قال: (قدموا خيركم وولوا أفضلكم)
~~فإني أوجدك (1). أن أبا بكر صعد المنبر قال: (وليتكم ولست بخيركم وعلي
~~فيكم) فإن كانوا كذبوا عليه فقد خالفوا أمر النبي صلى الله عليه وآله، وإن
~~كان هو الكاذب على نفسه فمنبر رسول الله لا يصعده الكاذبون.
# وأما قولك: أن الناس تراضوا به، فإن أكثر الأنصار قالوا منا أمير ومنكم
~~أمير، وأما المهاجرون فإن الزبير بن العوام قال: لا أبايع إلا عليا، فأمر
~~به فكسر سيفه، وجاء أبو سفيان بن حرب وقال: يا أبا الحسن لو شئت لأملأنها
~~خيلا ورجالا يعني: (المدينة) وخرج سلمان فقال بالفارسي: (كرديد ونكرديد،
~~وندانيد كه جه كرديد) (2) والمقداد وأبو ذر، فهؤلاء المهاجرون والأنصار.
# أخبرني يا أبا الهذيل عن قيام أبي بكر على المنبر وقوله: أن لي شيطانا
~~يعتريني، فإذا رأيتموني مغضبا فاحذروني، لا أقع في أشعاركم وأبشاركم (3)
# PageV02P152
# فهو يخبركم على المنبر أني مجنون، وكيف يحل لكم أن تولوا مجنونا؟!
# وأخبرني يا أبا الهذيل عن قيام عمر وقوله: وددت أني شعرة في صدر أبي بكر،
~~ثم قام بعدها بجمعة فقال: (أن بيعة أبي بكر كانت فلتة وقى الله شرها فمن
~~دعاكم إلى مثلها فاقتلوه) (1) فبينما هو يود أن ms403 يكون شعرة في صدره، وبينما
~~هو يأمر بقتل من بايع مثله.
# فأخبرني يا أبا الهذيل عن الذي زعم أن النبي صلى الله عليه وآله لم
~~يستخلف، وأن أبا بكر استخلف عمر، وأن عمر لم يستخلف، فأرى أمركم بينكم
~~متناقضا.
# وأخبرني يا أبا الهذيل عن عمر حين صيرها شورى بين ستة، وزعم: أنهم من أهل
~~الجنة فقال: (إن خالف اثنان لأربعة فاقتلوا الاثنين، وإن خالف ثلاثة
~~لثلاثة، فاقتلوا الثلاثة الذين ليس فيهم عبد الرحمن بن عوف) فهذه ديانة أن
~~يأمر بقتل أهل الجنة؟!!!
# وأخبرني يا أبا الهذيل عن عمر لما طعن دخل عليه عبد الله بن عباس قال:
# فرأيته جزعا فقلت:
# يا أمير المؤمنين ما هذا الجزع؟
# قال: يا بن عباس ما جزعي لأجلي ولكن جزعي لهذا الأمر من يليه بعدي.
# قال: قلت: ولها طلحة بن عبيد الله.
# قال: رجل له حدة، كان النبي صلى الله عليه وآله يعرفه فلا أولي أمر
~~المسلمين حديدا.
# PageV02P153
# قال: قلت: ولها زبير بن العوام.
# قال: رجل بخيل، رأيته يماكس امرأته في كبة من غزل، فلا أولي أمور
~~المسلمين بخيلا.
# قال: قلت: ولها سعد بن أبي وقاص.
# قال: رجل صاحب فرس وقوس، وليس من أحلاس الخلافة (1) قال: قلت: ولها عبد
~~الرحمن بن عوف.
# قال: رجل ليس يحسن أن يكفي عياله.
# قال: قلت: ولها عبد الله بن عمر.
# فاستوى جالسا ثم قال: يا بن عباس! ما الله أردت بهذا أولي رجلا لم يحسن
~~أن يطلق امرأته؟!
# قال: قلت: ولها عثمان بن عفان.
# قال: والله لئن وليته ليحملن بني أبي معيط على رقاب المسلمين، ويوشك أن
~~يقتلوه. قالها ثلاثا.
# قال: ثم سكت لما أعرف من مغائرته لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه
~~السلام.
# فقال: يا بن عباس أذكر صاحبك.
# قال: قلت: فولها عليا.
# قال: فوالله ما جزعي إلا لما أخذنا الحق من أربابه، والله لئن وليته
~~ليحملنهم على المحجة العظمى، وإن يطيعوه يدخلهم الجنة، فهو يقول هذا ثم
~~صيرها شورى بين الستة فويل له من ربه!!!
# قال ms404 أبو الهذيل: فوالله بينما هو يكلمني إذ اختلط، وذهب عقله. فأخبرت
~~المأمون بقصته، وكان من قصته أن ذهب بماله وضياعه حيلة وغدرا، فبعث إليه
~~المأمون، فجاء به وعالجه وكان قد ذهب عقله بما صنع به، فرد عليه ماله
~~وضياعه
# PageV02P154
# وصيره نديما، فكان المأمون يتشيع لذلك، والحمد لله على كل حال.
# وقد جاءت الآثار عن الأئمة الأبرار عليهم السلام: بفضل من نصب نفسه من
~~علماء شيعتهم لمنع أهل البدعة والضلال عن التسلط على ضعفاء الشيعة
~~ومساكينهم، وقمعهم بحسب تمكنهم وطاقتهم، فمن ذلك ما روي: عن أبي محمد الحسن
~~بن علي العسكري عليه السلام، أنه قال:
# قال جعفر بن محمد عليه السلام: علماء شيعتنا مرابطون في الثغر الذي يلي
~~إبليس وعفاريته، يمنعونهم عن الخروج على ضعفاء شيعتنا، وعن أن يتسلط عليهم
~~إبليس وشيعته النواصب، ألا فمن انتصب لذلك من شيعتنا كان أفضل ممن جاهد
~~الروم والترك والخزر ألف ألف مرة، لأنه يدفع عن أديان محبينا، وذلك يدفع عن
~~أبدانهم.
# احتجاج أبي إبراهيم موسى بن جعفر عليهما السلام في أشياء شتى على
~~المخالفين.
# الحسن بن عبد الرحمن الحماني (1) قال: قلت لأبي إبراهيم عليه السلام: أن
~~هشام بن الحكم زعم: أن الله تعالى جسم ليس كمثله شئ، عالم، سميع، بصير
~~قادر، متكلم، ناطق، والكلام والقدرة والعلم يجري مجرى واحد، ليس شئ منها
~~مخلوقا.
# فقال: قاتله الله. أما علم أن الجسم محدود؟! والكلام غير المتكلم؟ معاذ
~~الله وأبرء إلى الله من هذا القول. لا جسم، ولا صورة، ولا تحديد، وكل شئ
~~سواه مخلوق، وإنما تكون الأشياء بإرادته ومشيئته من غير كلام ولا تردد في
~~نفس، ولا نطق بلسان.
# PageV02P155
# وعن يعقوب بن جعفر (1) عن أبي إبراهيم عليه السلام أنه قال: لا أقول أنه
~~قائم فأزيله عن مكان، ولا أحده بمكان يكون فيه، ولا أحده أن يتحرك في شئ من
~~الأركان والجوارح، ولا أحده بلفظ شق فم، ولكن كما قال عز وجل:
# (إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون) (2) بمشيته من غير تردد
~~في ms405 نفس صمدا فردا لم يحتج إلى شريك يدبر له ملكه، ولا يفتح له أبواب علمه.
# وعن يعقوب بن جعفر الجعفري أيضا، عن أبي إبراهيم موسى عليه السلام قال:
# ذكر عنده قوم زعموا: أن الله تبارك وتعالى ينزل إلى السماء الدنيا فقال:
# أن الله لا ينزل، ولا يحتاج أن ينزل، إنما منظره في القرب والبعد سواء لم
~~يبعد منه بعيد، ولا يقرب منه قريب، ولم يحتج إلى شئ بل يحتاج إليه كل شئ،
~~وهو ذو الطول لا إله إلا هو العزيز الحكيم!
# أما قول الواصفين: أنه ينزل تبارك وتعالى عن ذلك علوا كبيرا، فإنما يقول
~~ذلك من ينسبه إلى نقص أو زيادة، وكل متحرك يحتاج إلى من يحركه ويتحرك به
~~(3) فمن ظن بالله الظنون فقد هلك، فاحذروا في صفاته من أن تقفوا له على حد
~~تحدونه بنقص أو زيادة، أو تحريك أو تحرك، زوال أو استنزال، أو نهوض أو
~~قعود، فإن الله جل وعز عن صفة الواصفين، ونعت الناعتين وتوهم المتوهمين.
# PageV02P156
# وعن الحسن بن راشد (1) قال: سئل أبو الحسن موسى عليه السلام عن معنى قول
~~الله تعالى: (الرحمن على العرش استوى) (2) فقال: استولى على ما دق وجل.
# وعن يعقوب بن جعفر الجعفري قال: سأل رجل يقال له عبد الغفار المسمى أبا
~~إبراهيم موسى بن جعفر عليه السلام عن قول الله تعالى: (ثم دنى فتدلى فكان
~~قاب قوسين أو أدنى) (3) قال: أرى هاهنا خروجا من حجب، وتدليا إلى الأرض،
~~وأرى محمدا رأى ربه بقلبه، ونسب إلى بصره، فكيف هذا؟
# فقال أبو إبراهيم: دنى فتدلى، فإنه لم يزل عن موضع ولم يتدل ببدن.
# فقال عبد الغفار: أصفه بما وصف به نفسه حيث قال: (دنى فتدلى) فلم يتدل عن
~~مجلسه إلا وقد زال عنه، ولولا ذلك لم يصف بذلك نفسه.
# فقال أبو إبراهيم عليه السلام: أن هذه لغة في قريش، إذا أراد رجل منهم أن
~~يقول: قد سمعت يقول: قد تدليت، وإنما التدلي: الفهم.
# وعن داود بن قبيصة (4) قال: سمعت الرضا عليه السلام يقول: ms406 سئل أبي عليه
~~السلام هل منع الله عما أمر به، وهل نهى عما أراد، وهل أعان على ما لم يرد؟
# فقال عليه السلام: أما ما سألت: (هل منع الله عما أمر به؟) فلا يجوز ذلك،
~~ولو جاز ذلك لكان قد منع إبليس عن السجود لآدم، ولو منع إبليس لعذره ولم
~~يلعنه.
# PageV02P157
# وأما ما سألت: (هل نهى عما أراد؟) فلا يجوز ذلك، ولو جاز ذلك لكان حيث
~~نهى آدم عن أكل الشجرة أراد منه أكلها، ولو أراد منه أكلها لما نادى عليه
~~صبيان الكتاتيب: (وعصى آدم ربه فغوى) والله تعالى لا يجوز عليه أن يأمر بشئ
~~ويريد غيره.
# وأما ما سألت عنه من قولك: (هل أعان على ما لم يرد؟) ولا يجوز ذلك وجل
~~الله تعالى عن أن يعين على قتل الأنبياء وتكذيبهم، وقتل الحسين بن علي عليه
~~السلام والفضلاء من ولده، وكيف يعين على ما لم يرد وقد أعد جهنم لمخالفيه،
~~ولعنهم على تكذيبهم لطاعته، وارتكابهم لمخالفته؟! ولو جاز أن يعين على ما
~~لم يرد لكان أعان فرعون على كفره وادعائه أنه رب العالمين، أفترى أراد الله
~~من فرعون أن يدعي الربوبية. يستتاب قائل هذا القول، فإن تاب من كذبه على
~~الله وإلا ضربت عنقه.
# وروي عن الحسن بن علي بن محمد العسكري عليه السلام: أن أبا الحسن موسى
~~ابن جعفر عليه السلام قال:
# أن الله خلق الخلق فعلم ما هم إليه صايرون فأمرهم ونهاهم، فما أمرهم به
~~من شئ فقد جعل لهم السبيل إلى الأخذ به، وما نهاهم عنه من شئ فقد جعل لهم
~~السبيل إلى تركه، ولا يكونون آخذين ولا تاركين إلا بأذنه، وما جبر الله
~~أحدا من خلقه على معصيته، بل اختبرهم بالبلوى وكما قال: (ليبلوكم أيكم أحسن
~~عملا) (1).
# قوله: ولا يكونون آخذين ولا تاركين إلا بإذنه، أي: بتخليته وعلمه.
# وروي: أنه دخل أبو حنيفة المدينة ومعه عبد الله بن مسلم فقال له:
# يا أبا حنيفة إن هاهنا جعفر بن محمد من علماء آل محمد فاذهب بنا ms407 إليه
~~نقتبس منه علما، فلما أتيا إذا هما بجماعة من علماء شيعته ينتظرون خروجه أو
~~دخولهم عليه، فبينما هم كذلك إذ خرج غلام حدث فقام الناس هيبة له، فالتفت
~~أبو حنيفة فقال:
# يا ابن مسلم من هذا؟
# PageV02P158
# قال: موسى ابنه.
# قال: والله أخجله بين يدي شيعته قال له: لن تقدر على ذلك.
# قال: والله لأفعلنه، ثم التفت إلى موسى فقال:
# يا غلام أين يضع الغريب في بلدتكم هذه؟
# قال: يتوارى خلف الجدار، ويتوقى أعين الجار، وشطوط الأنهار، ومسقط
~~الثمار، ولا يستقبل القبلة ولا يستدبرها، فحينئذ يضع حيث شاء.
# ثم قال: يا غلام ممن المعصية؟
# قال: يا شيخ لا تخلو من ثلاث:
# أما أن تكون من الله وليس من العبد شئ، فليس للحكيم أن يأخذ عبده بما لم
~~يفعله.
# وأما أن تكون من العبد ومن الله، والله أقوى الشريكين فليس للشريك الأكبر
~~أن يأخذ الشريك الأصغر بذنبه.
# وأما أن تكون من العبد وليس من الله شئ، فإن شاء عفى وإن شاء عاقب.
# قال: فأصابت أبا حنيفة سكتة كأنما ألقم فوه الحجر.
# قال: فقلت له: ألم أقل لك لا تتعرض لأولاد رسول الله. وفي ذلك يقول
~~الشاعر:
# لم تخل أفعالنا اللاتي نذم بها * إحدى ثلاث معان حين نأتيها إما تفرد
~~بارينا بصنعتها * فيسقط اللوم عنا حين ننشيها أو كان يشركنا فيها فيلحقه *
~~ما سوف يلحقنا من لائم فيها أو لم يكن لإلهي في جنايتها * ذنب فما الذنب
~~إلا ذنب جانيها روي عن علي بن يقطين (1) أنه قال: أمر أبو جعفر الدوانيقي
~~يقطين أن
# PageV02P159
# يحفر له بئرا بقصر العبادي، فلم يزل يقطين في حفرها حتى مات أبو جعفر ولم
~~يستنبط منها الماء، وأخبر المهدي بذلك فقال له: احفر أبدا حتى يستنبط الماء
~~ولو أنفقت عليها جميع ما في بيت المال.
# قال: فوجه يقطين أخاه أبا موسى في حفرها، فلم يزل يحفر حتى ثقبوا ثقبا في
~~أسفل الأرض فخرجت منه الريح (قال): فهالهم ذلك، فأخبروا به أبا موسى.
# فقال: انزلوني (قال): فأنزل وكان رأس ms408 البئر أربعين ذراعا في أربعين ذراع،
~~فأجلس في شق محمل ودلي في البئر، فلما صار في قعرها نظر إلى هول، وسمع دوي
~~الريح في أسفل ذلك، فأمرهم أن يوسعوا الخرق فجعلوه شبه الباب العظيم، ثم
~~دلي فيه رجلا في شق محمل فقال: ايتوني بخبر هذا ما هو؟] PageV02P160
# قال: فنزلا في شق محمل فمكثا مليا ثم حركا الحبل فأصعدا، فقال لهما:
# ما رأيتما؟
# قالا: أمرا عظيما. رجالا، ونساءا، وبيوتا، وآنية، ومتاعا، كله ممسوخ من
~~حجارة فأما الرجال والنساء فعليهم ثيابهم، فمن بين قاعد ومضطجع ومتكئ فلما
~~مسسناهم إذا ثيابهم تتفشا شبه الهباء، ومنازل قائمة، قال: فكتب بذلك أبو
~~موسى إلى المهدي، فكتب المهدي إلى المدينة إلى موسى بن جعفر، يسأله: أن
~~يقدم عليه فقدم عليه، فأخبره فبكى بكاءا شديدا، وقال: يا أمير المؤمنين
~~هؤلاء بقية قوم عاد، غضب الله عليهم فساخت بهم منازلهم، هؤلاء أصحاب
~~الأحقاف.
# قال: فقال له المهدي: يا أبا الحسن وما الأحقاف؟ قال: الرمل.
# وحدث. أبو أحمد هاني بن محمد العبدي (1) قال: حدثني أبو محمد رفعه إلى
~~موسى بن جعفر عليه السلام قال: لما أدخلت على الرشيد سلمت عليه فرد علي
~~السلام ثم قال: يا موسى بن جعفر خليفتان يجئ إليهما الخراج؟
# فقلت: يا أمير المؤمنين أعيذك بالله أن تبوء بإثمي وإثمك، فتقبل الباطل
~~من أعدائنا علينا، فقد علمت بأنه قد كذب علينا منذ قبض رسول الله صلى الله
~~عليه وآله، أما علم ذلك عندك، فإن رأيت بقرابتك من رسول الله صلى الله عليه
~~وآله أن تأذن لي أحدثك بحديث أخبرني به أبي عن آبائه عن جدي رسول الله صلى
~~الله عليه وآله؟
# فقال: قد أذنت لك.
# فقلت: أخبرني أي عن آبائه عن جدي رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال:
~~(أن الرحم إذا مست الرحم تحركت واضطربت) فناولني يدك جعلني الله فداك.
# قال: ادن مني! فدنوت منه، فأخذ بيدي ثم جذبني إلى نفسه وعانقني طويلا، ثم
~~تركني وقال: (اجلس يا موسى! فليس عليك بأس، فنظرت إليه ms409 فإذا به قد دمعت
~~عيناه، فرجعت إلى نفسي. فقال: صدقت وصدق جدك صلى الله عليه وآله، لقد
# PageV02P161
# تحرك دمي واضطربت عروقي. حتى غلبت علي الرقة، وفاضت عيناي. وأنا أريد أن
~~أسألك عن أشياء تتلجلج في صدري منذ حين لم أسأل عنها أحدا، فإن أنت أجبتني
~~عنها خليت عنك ولم أقبل قول أحد فيك، وقد بلغني أنك لم تكذب قط فأصدقني
~~فيما أسألك ما في قلبي.
# فقلت: ما كان علمه عندي فإني مخبرك به إن أنت أمنتني.
# قال: لك الأمان إن صدقتني وتركت التقية التي تعرفون بها معاشر بني فاطمة،
~~قلت ليسأل أمير المؤمنين عما يشاء.
# قال: اخبرني لم فضلتم علينا ونحن وأنتم من شجرة واحدة، وبنو عبد المطلب
~~ونحن وأنتم واحد، أنا بنو عباس وأنتم ولد أبي طالب، وهما عما رسول الله صلى
~~الله عليه وآله وقرابتهما منه سواء؟
# فقلت: نحن أقرب.
# قال: وكيف ذاك؟
# قلت: لأن عبد الله وأبا طالب لأب وأم، وأبوكم العباس ليس هو من أم عبد
~~الله ولا من أم أبي طالب.
# قال: فلم ادعيتم أنكم ورثتم النبي صلى الله عليه وآله، والعم يحجب ابن
~~العم، وقبض رسول الله صلى الله عليه وآله وقد توفي أبو طالب قبله والعباس
~~عمه حي؟ فقلت له: إن رأى أمير المؤمنين أن يعفني عن هذه المسألة، ويسألني
~~عن كل باب سواه يريده.
# فقال: لا. أو تجيب.
# فقلت: فآمني.
# قال: آمنتك قبل الكلام.
# فقلت: إن في قول علي بن أبي طالب عليه السلام: أنه ليس مع ولد الصلب ذكرا
~~كان أو أنثى لأحد سهم، إلا الأبوين والزوج والزوجة، ولم يثبت للعلم مع ولد
~~الصلب ميراث، ولم ينطق به الكتاب العزيز والسنة إلا أن تيما وعديا وبني
~~أمية قالوا: (العم والد) رأيا منهم بلا حقيقة، ولا أثر عن رسول الله صلى
~~الله عليه وآله، ومن PageV02P162
# قال بقول علي من العلماء قضاياهم خلاف قضايا هؤلاء، هذا نوح بن دراج يقول
~~في هذه المسألة بقول علي وقد حكم به، وقد ولاه أمير المؤمنين المصرين ms410
~~الكوفة والبصرة، وقضى به، فأنهي إلى أمير المؤمنين فأمر بإحضاره وإحضار من
~~يقول بخلاف قوله، منهم: سفيان الثوري، وإبراهيم المازني، والفضيل بن عياض،
~~فشهدوا أنه قول علي عليه السلام في هذه المسألة. فقال لهم فيما بلغني بعض
~~العلماء من أهل الحجاز: لم لا تفتون وقد قضى نوح بن دراج؟
# فقالوا: جسر وجبنا. وقد أمضى أمير المؤمنين قضيته بقول قدماء العامة عن
~~النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: (أقضاكم علي) وكذلك عمر بن الخطاب قال:
~~(علي أقضانا) وهو اسم جامع، لأن جميع ما مدح به النبي صلى الله عليه وآله
~~أصحابه من القرابة والفرائض والعلم داخل في القضاء.
# قال: زدني يا موسى!
# قلت: المجالس بالأمانات وخاصة مجلسك.
# فقال: لا بأس به.
# فقلت: إن النبي لم يورث من لم يهاجر، ولا أثبت له ولاية حتى يهاجر.
# فقال: ما حجتك فيه.
# قلت: قول الله تبارك وتعالى: (والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من
~~ولايتهم من شئ حتى يهاجروا) (1) وأن عمي العباس لم يهاجر.
# فقال لي: إني أسألك يا موسى هل أفتيت بذلك أحدا من أعدائنا، أو أخبرت
~~أحدا من الفقهاء في هذه المسألة بشئ؟
# فقلت: اللهم لا. وما سألني عنها إلا أمير المؤمنين.
# ثم قال لي: جوزتم للعامة والخاصة أن ينسبوكم إلى رسول الله صلى الله عليه
~~وآله، ويقولوا لكم: يا بني رسول الله، وأنتم بنو علي، وإنما ينسب المرء إلى
~~أبيه، وفاطمة إنما هي وعاء، والنبي جدكم من قبل أمكم.
# PageV02P163
# فقلت: يا أمير المؤمنين لو أن النبي نشر فخطب إليك كريمتك، هل كنت تجيبه؟
# قال: سبحان الله! ولم لا أجبه، بل أفتخر على العرب والعجم وقريش بذلك؟
# فقلت له: لكنه لا يخطب إلي ولا أزوجه.
# فقال: ولم؟
# فقلت: لأنه ولدني ولم يلدك.
# فقال: أحسنت يا موسى! ثم قال: كيف قلتم أنا ذرية النبي والنبي لم يعقب،
~~وإنما العقب الذكر لا الأنثى، وأنتم ولد الابنة ولا يكون ولدها عقبا له.
# فقلت: أسألك بحق القرابة والقبر ومن فيه، إلا أعفيتني عن هذه المسألة. ms411
# فقال: لا أو تخبرني بحجتكم فيه يا ولد علي! وأنت يا موسى يعسوبهم، وإمام
~~زمانهم، كذا أنهي إلي، ولست أعفيك في كل ما أسألك عنه، حتى تأتيني فيه بحجة
~~من كتاب الله، وأنتم تدعون معشر ولد علي أنه لا يسقط عنكم منه شئ ألف ولا
~~واو إلا تأويله عندكم، واحتججتم بقوله عز وجل: (ما فرطنا في الكتاب من شئ)
~~(1) واستغنيتم عن رأي العلماء وقياسهم.
# فقلت: تأذن لي في الجواب؟
# قال: هات.
# فقلت: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم: (ومن ذريته
~~داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين * وزكريا ويحيى
~~وعيسى وإلياس كل من الصالحين) (2) من أبو عيسى يا أمير المؤمنين؟
# فقال: ليس لعيسى أب.
# فقلت: إنما ألحقناه بذراري الأنبياء عليهم السلام من طريق مريم عليها
~~السلام وكذلك ألحقنا بذراري النبي صلى الله عليه وآله من قبل آمنا فاطمة،
~~أزيدك يا أمير المؤمنين؟
# قال: هات
# PageV02P164
# قلت: قول الله عز وجل: (فمن حاجك فيه من بعد ما جائك من العلم فقل تعالوا
~~ندع أبنائنا وأبنائكم ونسائنا ونسائكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة
~~الله على الكاذبين) (1) ولم يدع أحد أنه أدخله النبي صلى الله عليه وآله
~~تحت الكساء عند مباهلة النصارى إلا علي بن أبي طالب عليه السلام وفاطمة،
~~والحسن والحسين أبنائنا الحسن والحسين ونسائنا فاطمة، وأنفسنا علي بن أبي
~~طالب عليه السلام. على أن العلماء قد أجمعوا على أن جبرئيل قال يوم أحد:
~~(يا محمد إن هذه لهي المواساة من علي) قال: (لأنه مني وأنا منه).
# فقال جبرئيل: (وأنا منكما يا رسول الله) (2) ثم قال: لا سيف إلا ذو
~~الفقار ولا فتى إلا علي، فكان كما مدح الله عز وجل به خليله عليه السلام إذ
~~يقول:
# (قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم) (3) إنا نفتخر بقول جبرئيل أنه
~~منا فقال: أحسنت يا موسى! إرفع إلينا حوائجك.
# فقلت له: إن أول حاجة لي أن تأذن لابن عمك أن يرجع إلى حرم جده وإلى
~~عياله.
# فقال: ننظر إن ms412 شاء الله.
# وروي أن المأمون قال لقومه: أتدرون من علمني التشيع؟
# فقال القوم: لا والله ما نعلم ذلك.
# قال: علمنيه الرشيد! قيل له:
# وكيف ذلك، والرشيد يقتل أهل البيت؟!
# قال: كان الرشيد يقتلهم على الملك، لأن الملك عقيم، ثم قال: إنه دخل موسى
~~بن جعفر عليهما السلام على الرشيد يوما فقام إليه، واستقبله وأجلسه في
~~الصدر وقعد بين يديه، وجرى بينهما أشياء، ثم قال موسى بن جعفر عليه السلام
~~لأبي:
# PageV02P165
# يا أمير المؤمنين إن الله عز وجل قد فرض على الولاة عهده: أن ينعشوا
~~فقراء هذه الأمة، ويقضوا عن الغارمين، ويؤدوا عن المثقل، ويكسوا العاري،
~~ويحسنوا إلى العاني، وأنت أولى من يفعل ذلك.
# فقال: أفعل يا أبا الحسن. ثم قام فقام الرشيد لقيامه، وقبل بين عينيه
~~ووجهه، ثم أقبل علي وعلى الأمين والمؤتمن فقال:
# يا عبد الله! ويا محمد! ويا إبراهيم! امشوا بين يدي ابن عمكم وسيدكم،
~~خذوا بركابه، وسووا عليه ثيابه، وشيعوه إلى منزله، فأقبل إلي أبو الحسن
~~موسى بن جعفر عليه السلام سرا بيني وبينه فبشرني بالخلافة. وقال لي: (إذا
~~ملكت هذا الأمر فأحسن إلى ولدي).
# ثم انصرفنا وكنت أجرأ ولد أبي عليه، فلما خلا المجلس قلت:
# يا أمير المؤمنين ومن هذا الرجل الذي أعظمته وأجللته، وقمت من مجلسك إليه
~~فاستقبلته، وأقعدته في صدر المجلس، وجلست دونه، ثم أمرتنا بأخذ الركاب له؟
# قال: هذا إمام الناس، وحجة الله على خلقه، وخليفته على عباده.
# فقلت: يا أمير المؤمنين أو ليست هذه الصفات كلها لك وفيك؟
# فقال: أنا إمام الجماعة في الظاهر بالغلبة والقهر، وموسى بن جعفر إمام
~~حق، والله يا بني أنه لأحق بمقام رسول الله مني ومن الخلق جميعا، ووالله لو
~~نازعتني في هذا الأمر لأخذت الذي فيه عيناك، لأن الملك عقيم.
# فلما أراد الرحيل من المدينة إلى مكة أمر بصرة سوداء فيها مائتا دينار،
~~ثم أقبل على الفضل فقال له:
# إذهب إلى موسى بن جعفر وقل له: يقول لك أمير المؤمنين نحن في ضيقة
~~وسيأتيك برنا بعد ms413 هذا الوقت.
# فقمت في وجهه فقلت: يا أمير المؤمنين! تعطي أبناء المهاجرين والأنصار
~~وسائر قريش وبني هاشم ومن لا تعرف حسبه ونسبه: خمسة آلاف دينار إلى
~~PageV02P166
# ما دونها. وتعطي موسى بن جعفر وقد عظمته وأجللته مائتي دينار، وأخس عطية
~~أعطيتها أحدا من الناس؟
# فقال: اسكت لا أم لك! فإني لو أعطيته هذا ما ضمنته له، ما كنت آمنه أن
~~يضرب وجهي غدا بمائة ألف سيف من شيعته ومواليه، وفقر هذا وأهل بيته أسلم لي
~~ولكم من بسط أيديهم وإغنائهم.
# وقيل: ولما دخل هارون الرشيد المدينة، توجه لزيارة النبي صلى الله عليه
~~وآله ومعه الناس، فقدم إلى قبر النبي صلى الله عليه وآله فقال!
# السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا بن العم، مفتخرا بذلك على
~~غيره.
# فتقدم أبو الحسن موسى بن جعفر إلى القبر فقال:
# السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبة.
# فتغير وجه الرشيد وتبين الغيظ فيه.
# وروي: عن أبي الحسن موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام أنه قال: لما سمعت
~~هذا البيت - وهو لمروان بن أبي حفصة -:
# أنى يكون ولا يكون ولم يكن * لبني البنات وراثة الأعمام دار في ذلك
~~ليلتي، فنمت تلك الليلة فسمعت هاتفا في منامي يقول:
# أنى يكون ولا يكون ولم يكن * للمشركين دعائم الإسلام لبني البنات نصيبهم
~~من جدهم * والعم متروك بغير سهام ما للطليق وللتراث وإنما * سجد الطليق
~~مخافة الصمصام (1)
# PageV02P167
# وبقي ابن نثلة واقفا متلددا * فيه ويمنعه ذوو الأرحام إن ابن فاطمة
~~المنوه باسمه * حاز التراث سوى بني الأعمام وسأل محمد بن الحسن أبا الحسن
~~موسى عليه السلام - بمحضر من الرشيد وهم بمكة - فقال له: أيجوز للمحرم إن
~~يظلل عليه محمله؟
# فقال له موسى عليه السلام: لا يجوز له ذلك مع الاختيار.
# فقال له محمد بن الحسن: أفيجوز أن يمشي تحت الظلال مختارا.
# فقال له: نعم.
# فتضاحك محمد بن الحسن من ذلك.
# فقال له أبو الحسن موسى عليه السلام: أتعجب من سنة النبي وتستهزئ بها؟
# إن رسول الله صلى الله ms414 عليه وآله كشف ظلاله في إحرامه، ومشى تحت الظلال
~~وهو محرم. إن أحكام الله تعالى يا محمد لا تقاس، فمن قاس بعضها على بعض فقد
~~ضل عن السبيل.
# فسكت محمد بن الحسن لا يرجع جوابا.
# وقد جرى لأبي يوسف مع أبي الحسن موسى صلوات الله عليه بمحضر المهدي ما
~~يقرب من ذلك. وهو: أن موسى عليه السلام سأل أبا يوسف عن مسألة ليس فيها
~~عنده شئ. فقال لأبي الحسن موسى عليه السلام: إني أريد أن أسألك عن شئ.
# قال: هات.
# فقال: ما تقول في التظليل للمحرم؟
# قال: لا يصلح.
# قال: فيضرب الخباء في الأرض فيدخل فيه؟
# قال: نعم. PageV02P168
# قال: فما فرق بين هذا وذلك.
# قال أبو الحسن موسى عليه السلام: ما تقول في (الطامث) تقضي الصلاة؟
# قال: لا.
# قال: تقضي الصوم؟
# قال: نعم.
# قال: ولم؟
# قال: إن هذا كذا جاء.
# قال أبو الحسن عليه السلام: وكذلك هذا.
# قال: المهدي لأبي يوسف: ما أراك صنعت شيئا!
# قال: يا أمير المؤمنين رماني بحجة وعن أبي محمد الحسن العسكري عليه
~~السلام قال: قال رجل من خواص الشيعة لموسى بن جعفر عليه السلام - وهو يرتعد
~~بعد ما خلا به -:
# يا بن رسول الله صلى الله عليه وآله ما أخوفني أن يكون فلان بن فلان
~~ينافقك في إظهاره اعتقاد وصيتك وإمامتك.
# فقال موسى عليه السلام: وكيف ذاك؟
# قال: لأني حضرت معه اليوم في مجلس فلان وكان معه رجل من كبار أهل بغداد،
~~فقال له صاحب المجلس:
# أنت تزعم: أن صاحبك موسى بن جعفر إمام دون هذا الخليفة القاعد على سريره؟
# قال له صاحبك هذا: ما أقول هذا، بل أزعم: أن موسى بن جعفر غير إمام، وإن
~~لم أكن أعتقد أنه غير إمام فعلي وعلى من لم يعتقد ذلك لعنة الله والملائكة
~~والناس أجمعين.
# فقال له صاحب المجلس: جزاك الله خيرا، ولعن من وشى بك إلي فقال له موسى
~~بن جعفر عليه السلام: ليس كما ظننت، ولكن صاحبك أفقه PageV02P169
# منك. إنما قال: موسى غير إمام، أي ms415 أن الذي هو غير إمام فموسى غيره، فهو
~~إذا إمام، فإنما أثبت بقوله هذا إمامتي ونفى إمامة غيري (1) يا عبد الله
~~متى يزول عنك هذا الذي ظننته بأخيك هذا من النفاق؟ تب إلى الله. ففهم الرجل
~~ما قاله واغتم، ثم قال:
# يا بن رسول الله ما لي مال فأرضيه به، ولكن قد وهبت له شطر عملي كله، من
~~تعبدي وصلاتي عليكم أهل البيت، ومن لعنتي لأعدائكم.
# قال موسى عليه السلام: الآن خرجت من النار.
# وروي أيضا عنه عليه السلام: أنه قال:
# فقيه واحد ينقذ يتيما من أيتامنا المنقطعين عن مشاهدتنا بتعليم ما هو
~~محتاج إليه، أشد على إبليس من ألف عابد، لأن العابد همه ذات نفسه فقط، وهذا
~~همه مع ذات نفسه ذات عباد الله وإمائه، لينقذهم من يد إبليس ومردته، ولذلك
~~هو أفضل عند الله من ألف عابد، وألف ألف عابد.
# وروي أنه عليه السلام كان حسن الصوت، وحسن القراءة، وقال يوما من الأيام:
# أن علي بن الحسين عليه السلام كان يقرء القرآن فربما مر به المار فصعق من
~~حسن صوته، وأن الإمام لو أظهر من ذلك شيئا لما احتمله الناس، قيل له:
# ألم يكن رسول الله صلى الله عليه وآله يصلي بالناس ويرفع صوته بالقرآن؟
# فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يحمل من خلفه ما يطيقون.
# احتجاج أبي الحسن علي بن موسى الرضا (ع) في التوحيد والعدل وغيرهما على
~~المخالف والمؤالف والأجانب والأقارب.
# دخل عليه رجل فقال له:
# يا بن رسول الله ما الدليل على حدوث العالم؟
# PageV02P170
# فقال: إنك لم تكن ثم كنت، وقد علمت أنك لم تكون نفسك، ولا كونك من هو
~~مثلك.
# وعن محمد بن عبد الله الخراساني (1) خادم الرضا عليه السلام قال: دخل رجل
~~من الزنادقة على الرضا عليه السلام وعنده جماعة.
# فقال له أبو الحسن: أرأيت إن كان القول قولكم - وليس هو كما تقولون -
~~ألسنا وإياكم شرعا سواء، ولا يضرنا ما صلينا وصمنا وزكينا وأقررنا؟
# فسكت. فقال أبو الحسن: وإن لم ms416 يكن القول قولنا، وهو كما نقول، ألستم قد
~~هلكتم ونجونا.
# قال الزنديق: رحمك الله فأوجدني كيف هو، وأين هو؟
# قال: ويلك! إن الذي ذهبت إليه غلط، وهو أين الأين، وكان ولا أين، وهو كيف
~~الكيف، وكان ولا كيف، ولا يعرف بكيفوفية، ولا بأينونية، ولا يدرك بحاسة،
~~ولا يقاس بشئ.
# قال الرجل: فإذن إنه لا شئ، إذ لم يدرك بحاسة من الحواس.
# فقال أبو الحسن: ويلك! لما عجزت حواسك عن إدراكه أنكرت ربوبيته ونحن إذا
~~عجزت حواسنا عن إدراكه أيقنا أنه ربنا، وأنه شئ بخلاف الأشياء.
# قال الرجل: فأخبرني متى كان؟
# قال أبو الحسن عليه السلام: أخبرني متى لم يكن، فأخبرك متى كان؟!
# قال الرجل: فما الدليل عليه؟
# قال أبو الحسن: أني لما نظرت إلى جسدي فلم يمكني فيه زيادة ولا نقصان في
~~العرض والطول، ودفع المكاره عنه، وجر المنفعة إليه، علمت أن لهذا البنيان
~~بانيا فأقررت به، مع ما أرى من دوران الفلك بقدرته. وإنشاء السحاب، وتصريف
~~الرياح، ومجرى الشمس والقمر والنجوم، وغير ذلك من الآيات العجيبات
# PageV02P171
# المتقنات، علمت أن لهذا مقدرا ومنشئا.
# قال الرجل: فلم لا تدركه حاسة البصر؟
# قال: للفرق بينه وبين خلقه الذين تدركهم حاسة الأبصار، منهم ومن غيرهم،
~~ثم هو أجل من أن يدركه بصر، أو يحيط به وهم، أو يضبطه عقل.
# قال: فحده لي!
# قال: لا حد له.
# قال: ولم؟
# قال: لأن كل محدود متناه، وإذا احتمل التحديد احتمل الزيادة، وإذا احتمل
~~الزيادة احتمل النقصان، فهو غير محدود، ولا متزايد ولا متناقص، ولا متجزي،
~~ولا متوهم.
# قال الرجل: فأخبرني عن قولكم: أنه لطيف، وسميع، وبصير، وعليم وحكيم،
~~أيكون السميع إلا بالأذن، والبصير إلا بالعين، واللطيف إلا بعمل اليدين
~~والحكيم إلا بالصنعة؟
# فقال أبو الحسن عليه السلام: إن اللطيف منا على حد إيجاد الصنعة، أو ما
~~رأيت أن الرجل اتخذ شيئا فيلطف في اتخاذه؟ فيقال: ما ألطف فلانا. فكيف لا
~~يقال للخالق الجليل: (لطيف) إذ خلق خلقا لطيفا وجليلا، وركب في الحيوان منه
~~أرواحها، وخلق كل ms417 جنس مباينا من جنسه في الصورة، ولا يشبه بعضه بعضا، فكل
~~به لطف من الخالق اللطيف الخبير في تركيب صورته.
# ثم نظر إلى الأشجار وحملها أطايبها، المأكولة منها وغير المأكولة، فقلنا
~~عند ذلك أن خالقنا (لطيف) لا كلطف خلقه في صنعتهم، وقلنا أنه (سميع) لأنه
~~لا يخفى عليه أصوات خلقه، ما بين العرش إلى الثرى، من الذرة إلى ما أكبر
~~منها، في برها وبحرها، ولا يشتبه عليه لغاتها، فقلنا عند ذلك أنه سميع لا
~~بأذن، وقلنا:
# أنه (بصير) لا ببصر، لأنه يرى أثر الذرة السحماء في الليلة الظلماء على
~~الصخرة السوداء، ويرى دبيب النمل في الليلة الدجية، ويرى مضارها ومنافعها،
~~أثر و PageV02P172
# سفادها، وفراخها ونسلها، فقلنا عند ذلك: أنه (بصير) لا كبصر خلقه قال:
~~فما برح حتى أسلم. وفيه كلام غير هذا.
# وروي عنه عليه السلام في خبر آخر: أنه قال:
# إنما يسمى الله تعالى (بالعالم) لغير علم حادث، علم به الأشياء، واستعان
~~به على حفظ ما يستقبل من أمره، والرؤية فيما يخلق، وإنما سمي العالم من
~~الخلق: (عالما) لعلم حادث، إذ كان قبله جاهلا، وربما فارقهم العلم بالأشياء
~~فصار إلى الجهل وإنما سمي الله: (عالما) لأنه لا يجهل شيئا، فقد جمع الخالق
~~والمخلوق اسم العالم، واختلف المعنى، وهو الله تعالى (قائم).
# وأما القائم فليس على معنى انتصاب وقيام على ساق في كبد، كما قامت
~~الأشياء، ولكنه أخبر أنه قائم يخبر أنه (حافظ) كقولك: (فلان القائم بأمرنا)
~~وهو عز وجل القائم على كل نفس بما كسبت، والقائم أيضا في كلام الناس:
# (الباقي) والقائم أيضا: (الكافي) كقولك للرجل: (قم بأمر كذا) أي: اكفه.
# والقائم منا قائم على ساق، فقد جمعنا الاسم ولم يجمعنا المعنى.
# وأما (الخبير) فالذي لا يعزب عنه شئ ولا يفوته، وليس بالتجربة والاعتبار
~~بالأشياء فتفيده التجربة والاعتبار علما لولاهما لما علم، لأن من كان كذلك
~~كان جاهلا، والله تعالى لم يزل خبيرا بما يخلق، والخبير من الناس المستخبر،
~~فقد جمعنا الاسم واختلف المعنى.
# وأما (الظاهر) فليس من أنه ms418 علا الأشياء بركوب فوقها، وقعود عليها، وتسنم
~~لذراها، ولكن ذلك لقهره وغلبته الأشياء وقدرته عليها كقول الرجل:
# ظهرت على أعدائي، وأظهرني الله على خصمي، إذا أخبر على الفلج والظفر،
~~فهكذا ظهور الله على الأشياء.
# ووجه آخر: أنه الظاهر لمن أراده لا يخفى عليه، لمكان الدليل والبرهان على
~~وجوده في كل ما دبره وصنعه مما يرى، فأي ظاهر أظهر وأوضح أمرا من الله
~~تبارك وتعالى، فإنك لا تعدم صنعته حيثما توجهت، وفيك من آثاره PageV02P173
# ما يغنيك، والظاهر منا البارز بنفسه المعلوم بحده، فقد جمعنا الاسم ولم
~~يجمعنا المعنى.
# وأما (الباطن): فليس على معنى الاستبطان للأشياء بأن يغور فيها، ولكن ذلك
~~منه على استبطانه للأشياء علما وحفظا وتدبيرا، كقول القائل: بطنته بمعنى:
# (خبرته) وعلمت مكنون سره، والباطن منا الغاير في الشئ المستتر فيه، فقد
~~جمعنا الاسم واختلف المعنى.
# قال: وهكذا جميع الأسماء وإن كنا لم نسمها كلها.
# وكان المأمون لما أراد أن يستخلف الرضا، جمع بني هاشم فقال: إني أريد أن
~~استعمل الرضا عليه السلام على هذا الأمر من بعدي.
# فحسده بنو هاشم وقالوا: أتولي رجلا جاهلا، ليس له بصر بتدبير الخلافة؟
# فابعث إليه يأتنا فترى من جهله ما تستدل به!
# فبعث إليه فأتاه فقال له بنو هاشم: يا أبا الحسن إصعد المنبر وانصب لنا
~~علما نعبد الله عليه، فصعد المنبر فقعد مليا لا يتكلم مطرقا ثم انتفض
~~انتفاضة فاستوى قائما وحمد الله تعالى وأثنى عليه، وصلى على نبيه وأهل
~~بيته، ثم قال:
# أول عبادة الله معرفته، وأصل معرفة الله توحيده، ونظام توحيده نفي الصفات
~~عنه، (1) بشهادة العقول أن كل صفة وموصوف مخلوق، وشهادة كل مخلوق أن له
~~خالقا ليس بصفة ولا موصوف، وشهادة كل صفة وموصوف بالاقتران، وشهادة
~~الاقتران بالحدث، وشهادة الحدث بالامتناع من الأزل الممتنع من الحدث، (2)
~~فليس الله عرف من عرف ذاته بالتشبيه، ولا إياه وحد من
# PageV02P174
# اكتنهه، ولا حقيقته أصاب من مثله، ولا به صدق من نهاه، ولا صمد صمده من
~~أشار إليه، ولا إياه عنى من شبهه، ms419 ولا له تذلل من بعضه، ولا إياه أراد من
~~توهمه (1) كل معروف بنفسه مصنوع، وكل قائم في سواه معلول، (2) بصنع الله
~~يستدل عليه، وبالعقول يعتقد معرفته، وبالفطرة تثبت حجته، (3) خلقة الله
~~الخلق حجاب
# PageV02P175
# بينه وبينهم، (1) ومفارقته إياهم مباينة بينه وبينهم، وابتداؤه إياهم
~~دليل على أن لا ابتداء له، لعجز كل مبتدأ عن ابتداء غيره، وأدوه إياهم دليل
~~على أن لا أداة له، لشهادة الأدوات بفاقة المأدين، فأسماؤه تعبير، وأفعاله
~~تفهيم وذاته حقيقة، وكنهه تفريق بينه وبين خلقه، وغيوره تحديد لما سواه،
~~فقد جهل الله من استوصفه، وقد تعداه من استمثله، وقد أخطاه من اكتنهه، (2)
~~ومن قال: (كيف) فقد شبهه، ومن قال: (لم) فقد علله، ومن قال: (متى) فقد
~~وقته، ومن قال: (فيم) فقد ضمنه، ومن قال: (إلى م) فقد نهاه، ومن قال:
# (حتى م) فقد غياه ومن غياه فقد غاياه، ومن غاياه فقد جزاه، ومن جزاه فقد
~~وصفه، ومن وصفه فقد الحد فيه، ولا يتغير الله بتغير المخلوق، كما لا يتحدد
~~بتحديد المحدود، أحد لا بتأويل عدد، ظاهر لا بتأويل المباشرة، متجلي لا
~~باستهلال رؤية، باطن لا بمزايلة، مباين لا بمسافة، قريب لا بمداناة، لطيف
~~لا بتجسم، موجود لا بعد عدم، فاعل لا باضطرار، مقدر لا بجول فكرة، مدبر لا
~~بحركة مريد لا بهمامة، شاء لا بهمة، مدرك لا بمجسة، سميع لا بآلة، بصير لا
~~بأداة
# PageV02P176
# لا تصحبه الأوقات، ولا تضمنه الأماكن، ولا تأخذه السنات، ولا تحده
~~الصفات، ولا تقيده الأدوات، سبق الأوقات كونه، والعدم وجوده، والابتداء
~~أزله، بتشعيره المشاعر عرف أن لا مشعر له، وبتجهيره الجواهر عرف أن لا جوهر
~~له، وبمضادته بين الأشياء عرف أن لا ضد له، وبمقارنته بن الأمور عرف أن لا
~~قرين له، ضاد النور بالظلمة، والجلاية بالبهمة، والجسو بالبلل، والصرد
~~بالحرور، مؤلف بين متعادياتها، مفرق بين متدانياتها، دالة بتفريقها على
~~مفرقها، وبتأليفها على مؤلفها ذلك قوله عز وجل: (ومن كل شئ خلقنا زوجين
~~لعلكم تذكرون) (ففرق) بين قبل وبعد، ليعلم أن لا قبل له ms420 ولا بعد، شاهدة
~~بغرائزها أن لا غريزة لمغرزها دالة بتفاوتها أن لا تفاوت لمفاوتها، مخبرة
~~بتوقيتها أن لا وقت لموقتها، حجب بعضها عن بعض ليعلم أن لا حجاب بينه
~~وبينها غيرها، له معنى الربوبية إذ لا مربوب، وحقيقة الإلهية إذ لا مألوه،
~~ومعنى العالم ولا معلوم، ومعنى الخالق ولا مخلوق، وتأويل السمع ولا مسموع،
~~ليس منذ خلق استحق معنى اسم الخالق ولا باحداثه البرايا استفاد معنى
~~البارئية، كيف ولا يغيبه: (مذ) ولا تدنيه:
# (قد) ولا يحجبه: (لعل) ولا يوقته: (متى) ولا يشتمله: (حين) ولا يقارنه:
# (مع) إنما تحد الأدوات أنفسها، وتشير الآلة إلى نظائرها، وفي الأشياء
~~توجد فعالها، منعتها (منذ) القدمة، وحمتها (قد) الأزلية، وجنبتها لولا
~~(التكملة) افترقت فدلت على مفرقها، وتباينت فأعزت على مباينها، بها تجلى
~~صانعها للعقول وبها احتجب عن الرؤية، وإليها تحاكم الأوهام، وفيها أثبت
~~غيره، ومنها أنبط الدليل، وبها عرف الاقرار، وبالعقول يعتقد التصديق بالله،
~~وبالإقرار يكمل الإيمان به، لا ديانة إلا بعد معرفته، ولا معرفة إلا
~~بالإخلاص، ولا إخلاص مع التشبيه، ولا نفي مع إثبات الصفة للتثنية، وكل ما
~~في الخلق لا يوجد في خالقه وكل ما يمكن فيه يمتنع في صانعه ولا يجري عليه
~~الحركة ولا السكون، وكيف يجري عليه ما هو أجراه، أو يعود فيه ما هو ابتداه،
~~إذا لتفاوتت ذاته، ولتجزى كنهه، ولامتنع من الأزل معناه، ولما كان للباري
~~معنى غير المبروء، ولو وجد له PageV02P177
# وراء وجد له أمام، ولالتمس التمام إذ لزمه النقصان، وكيف يستحق الأزل من
~~لا يمتنع من الحدث، أم كيف ينشئ الأشياء من لا يمتنع من الانشاء، إذا لقامت
~~عليه آية المصنوع، ولتحول دليلا بعد ما كان مدلولا عليه، ليس في محال القول
~~حجة، ولا في المسألة عنه جواب، ولا في معناه لله تعظيم، ولا في إبانته عن
~~الحق ضيم إلا بامتناع الأزلي أن يثنى، ولما بدئ له أن يبدئ لا إله إلا الله
~~العلي العظيم، كذب العادلون بالله وضلوا ضلالا بعيدا، وخسروا خسرانا مبينا،
~~وصلى الله على ms421 محمد وآله الطاهرين.
# وروي عن الحسن بن محمد النوفلي (1): أنه كان يقول: قدم سليمان المروزي
~~متكلم خراسان على المأمون فأكرمه ووصله، ثم قال له: إن ابن عمي علي بن موسى
~~الرضا قدم علي من الحجاز - يحب الكلام - وأصحابه، فعليك أن تصير إلينا يوم
~~التروية لمناظرته.
# فقال سليمان: يا أمير المؤمنين أني أكره أن أسأل مثله في مجلسك في جماعة
~~من بني هاشم، فينتقص عند القوم إذا كلمني ولا يجوز الاستقصاء عليه.
# قال المأمون: إنما وجهت إليك لمعرفتي بقوتك، وليس مرادي إلا أن تقطعه عن
~~حجة واحدة فقط.
# فقال سليمان: حسبك يا أمير المؤمنين! إجمع بيني وبينه، وخلني وإياه.
# فوجه المأمون إلى الرضا عليه السلام، فقال له: إنه قدم علينا رجل من أهل
~~المرو، وهو واحد خراسان من أصحاب الكلام، فإن خف عليك أن تتجشم المصير
~~إلينا فعلت.
# فنهض عليه السلام للوضوء ثم حضر مجلس المأمون، وجرى بينه وبين سليمان
~~المروزي كلام في البداء بمعنى الظهور، لتغير المصلحة، واستشهد عليه السلام
~~بآي كثيرة
# PageV02P178
# من القرآن على صحة ذلك، مثل قول الله: (يبدئ الخلق ثم يعيده) (1) و (يزيد
~~في الخلق ما يشاء) (2) و (يمحو الله ما يشاء ويثبت) (3) و (ما يعمر من معمر
~~ولا ينقص من عمره) (4) و (آخرون مرجون لأمر الله) (5) وأمثال ذلك.
# فقال سليمان: يا أمير المؤمنين لا أنكر بعد يومي هذا البداء، ولا أكذب به
~~إن شاء الله (6).
# فقال المأمون: يا سليمان اسأل أبا الحسن عما بدا لك وعليك بحسن
# PageV02P179
# الاستماع والإنصاف!
# قال سليمان: يا سيدي ما تقول فيمن جعل الإرادة اسما وصفة، مثل حي وسميع
~~وبصير وقدير؟
# قال الرضا عليه السلام: إنما قلتم حدثت الأشياء واختلفت لأنه شاء وأراد،
~~ولم تقولوا:
# (حدثت واختلفت) لأنه سميع بصير، فهذا دليل على أنها ليست مثل سميع وبصير
~~ولا قدير.
# قال سليمان: فإنه لم يزل مريدا؟
# قال: يا سليمان فإرادته غيره؟
# قال: نعم.
# قال: قد أثبت معه شيئا لم يزل!
# قال سليمان: ما أثبت؟
# قال الرضا عليه السلام: أهي محدثة؟
# قال سليمان: ms422 لا، ما هي محدثة! فأعاد عليه المسألة فقال: هي محدثة يا
~~سليمان؟ فإن الشئ إذا لم يكن أزليا كان محدثا، وإذا لم يكن محدثا كان
~~أزليا.
# قال سليمان: إرادته منه كما أن سمعه وبصره وعلمه منه.
# قال الرضا عليه السلام: فإرادته نفسه؟
# قال: لا.
# قال: فليس المريد مثل السميع والبصير.
# قال سليمان: إنما إرادته كما سمع نفسه، وأبصر نفسه وعلم نفسه.
# قال الرضا عليه السلام: ما معنى أراد نفسه، أراد أن يكون شيئا، أو أراد
~~أن يكون حيا، أو سميعا، أو بصيرا أو قديرا؟
# قال: نعم.
# قال الرضا عليه السلام: أفبإرادته كان ذلك؟
# قال سليمان: نعم. PageV02P180
# قال الرضا عليه السلام: فليس لقولك أراد أن يكون حيا سميعا بصيرا معنى،
~~إذ لم يكن ذلك بإرادته.
# قال سليمان: بلى قد كان ذلك بإرادته، فضحك المأمون ومن حوله، وضحك الرضا
~~عليه السلام، ثم قال لهم: ارفقوا بمتكلم خراسان!
# فقال يا سليمان: فقد حال عندكم عن حالة وتغير عنها، وهذا مما لا يوصف
~~الله عز وجل به، فانقطع.
# ثم قال الرضا عليه السلام: يا سليمان أسألك عن مسألة؟.
# قال: سل جعلت فداك!
# قال: أخبرني عنك وعن أصحابك تكلمون الناس بما تفقهون وتعرفون، أو بما لا
~~تفقهون وتعرفون؟
# فقال: بل بما نفقهه ونعلم.
# قال الرضا عليه السلام: فالذي يعلم الناس أن المريد غير الإرادة، وأن
~~المريد قبل الإرادة، وأن الفاعل قبل المفعول، وهذا يبطل قولكم: أن الإرادة
~~والمريد شئ واحد.
# قال: جعلت فداك! ليس ذلك منه على ما يعرف الناس، ولا على ما يفقهون.
# قال: فأراكم ادعيتم على ذلك بلا معرفة، وقلتم: الإرادة كالسمع والبصر إذا
~~كان ذلك عندكم على ما لا يعرف ولا يعقل. فلم يحر جوابا.
# ثم قال الرضا عليه السلام: هل يعلم الله تعالى جميع ما في الجنة والنار؟
# قال سليمان: نعم.
# قال: فيكون ما علم الله عز وجل أنه يكون من ذلك؟
# قال: نعم.
# قال: فإذا كان حتى لا يبقى منه شئ إلا كان أيزيدهم أو يطويه عنهم؟
# قال سليمان: بل ms423 يزيدهم.
# قال: فأراه في قولك قد زادهم ما لم يكن في علمه أنه يكون. PageV02P181
# قال: جعلت فداك! فالمزيد لا غاية له.
# قال: فليس يحيط علمه عندكم بما يكون فيها إذا لم يعرف غاية ذلك، وإذا لم
~~يحط علمه بما يكون فيهما لم يعلم ما يكون فيهما قبل أن يكون، تعالى الله عن
~~ذلك علوا كبيرا.
# قال سليمان: إنما قلت لا يعلمه لأنه لا غاية لهذا لأن الله عز وجل وصفهما
~~بالخلود، وكرهنا أن نجعل لهما انقطاعا.
# قال الرضا عليه السلام: ليس علمه بذلك بموجب لانقطاعه عنهم، لأنه قد يعلم
~~ذلك ثم يزيدهم، ثم لا يقطعه عنهم، ولذلك قال عز وجل في كتابه: (كلما نضجت
~~جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب) (1) وقال لأهل الجنة:
# (عطاء غير مجذوذ) (2) وقال عز وجل: (وفاكهة كثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة)
~~(3) فهو عز وجل يعلم ذلك ولا يقطع عنهم الزيادة، أرأيت ما أكل أهل الجنة
~~وما شربوا أليس يخلف مكانه؟
# قال: بلى.
# قال: أفيكون يقطع ذلك عنهم وقد أخلف مكانه؟
# قال سليمان: لا.
# قال: فكذلك كلما يكون فيها إذا أخلف مكانه فليس بمقطوع عنهم.
# قال سليمان: بلى. يقطعه عنهم ولا يزيدهم.
# قال الرضا عليه السلام: إذا يبيد ما فيها، وهذا يا سليمان إبطال الخلود،
~~وخلاف الكتاب، لأن الله عز وجل يقول: (لهم ما يشاؤن فيها ولدينا مزيد) (4)
~~ويقول عز وجل: (عطاء غير مجذوذ) (5) ويقول عز وجل: (وما هم عنها بمخرجين)
~~(6)
# PageV02P182
# وبقول عز وجل: (خالدين فيها) (1) ويقول عز وجل: (وفاكهة كثيرة لا مقطوعة
~~ولا ممنوعة) (2) فلم يحر جوابا. ثم قال الرضا عليه السلام:
# ألا تخبرني عن الإرادة فعل أم هي غير فعل؟
# قال: بل هي فعل.
# قال: فهي محدثة لأن الفعل كله محدث!
# قال: ليست بفعل.
# قال: فمعه غيره لم يزل؟
# قال سليمان: إن الإرادة هي الأشياء.
# قال: يا سليمان هذا الذي عبتموه على ضرار وأصحابه من قولهم: (أن كل ما
~~خلق الله عز وجل في سماء أو أرض أو بحر أو بر من: كلب أو خنزير ms424 أو قرد أو
~~إنسان أو دابة إرادة الله، وأن إرادة الله تحيى وتموت، وتذهب، وتأكل وتشرب،
~~وتنكح، وتلد وتظلم، وتفعل الفواحش، وتكفر، وتشرك، فتبرأ منها وتعاديها وهذا
~~حدها.
# قال سليمان: إنها كالسمع والبصر والعلم قال الرضا عليه السلام: قد رجعت
~~إلى هذا ثانية! فأخبرني عن السمع والعلم أمصنوع؟
# قال سليمان. لا.
# قال الرضا عليه السلام: فكيف نفيتموه؟ فمرة قلتم لم يرد، ومرة قلتم أراد،
~~وليس بمفعول له.
# قال سليمان: إنما ذلك كقولنا مرة علم ومرة لم يعلم.
# قال الرضا عليه السلام: ليس ذلك سواء لأن نفي المعلوم ليس ينفي العلم،
~~ونفي المراد نفي الإرادة أن تكون، لأن الشئ إذا لم يرد لم تكن إرادة، وقد
~~يكون العلم ثابتا وإن لم يكن المعلوم، بمنزلة البصر فقد يكون الإنسان بصيرا
~~وإن لم يكن المبصر، ويكون العلم ثابتا وإن لم يكن المعلوم.
# فلا يزال سليمان يردد المسألة وينقطع فيها ويستأنف، وينكر ما كان أقر
# PageV02P183
# به، ويقر بما أنكر، وينتقل من شئ إلى شئ، والرضا صلوات الله عليه ينقض
~~عليه ذلك، حتى طال الكلام بينهما، وظهر لكل أحد انقطاعه مرات كثيرة، تركنا
~~إيراد ذلك مخافة التطويل، فآل الأمر إلى أن قال سليمان:
# إن الإرادة هي القدرة.
# قال الرضا عليه السلام: وهو عز وجل يقدر على ما لا يريد أبد الأبدين من
~~ذلك لأنه قال تبارك وتعالى: (ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك) (1) فلو
~~كانت الإرادة هي القدرة كان قد أراد أن يذهب به لقدرته.
# فانقطع سليمان وترك الكلام عند هذا الانقطاع، ثم تفرق القوم.
# وعن صفوان بن يحيى (2) قال: سألني أبو قرة المحدث صاحب شبرمة أن أدخله
# PageV02P184
# على أبي الحسن الرضا عليه السلام، فاستأذنه فأذن له، فدخل فسأله عن أشياء
~~من الحلال والحرام، والفرائض والأحكام، حتى بلغ سؤاله إلى التوحيد فقال له:
# أخبرني جعلني الله فداك عن كلام الله لموسى؟
# فقال: الله أعلم بأي لسان كلمه بالسريانية أم بالعبرانية.
# فأخذ أبو قرة بلسانه فقال: إنما أسألك عن هذا اللسان!
# فقال أبو الحسن: سبحان الله ms425 عما تقول، ومعاذ الله أن يشبه خلقه، أو يتكلم
~~بمثل ما هم به متكلمون، ولكنه تبارك وتعالى ليس كمثله شئ، ولا كمثله قائل
~~ولا فاعل.
# قال: كيف ذلك؟
# قال: كلام الخالق لمخلوق ليس ككلام المخلوق لمخلوق. ولا يلفظ بشق فم
~~ولسان، ولكن يقول له: (كن) فكان بمشيته، ما خاطب به موسى عليه السلام من
~~الأمر والنهي من غير تردد في نفس.
# فقال أبو قرة: فما تقول في الكتب؟
# فقال أبو الحسن عليه السلام: التوراة والإنجيل والزبور والفرقان، وكل
~~كتاب أنزل كان كلام الله، أنزله للعالمين نورا وهدى، وهي كلها محدثة، وهي
~~غير الله، حيث يقول: (ويحدث لهم ذكرا) (1) وقال: (ما يأتيهم من ذكر من ربهم
~~إلا استمعوه وهم يلعبون) (2) والله أحدث الكتب كلها الذي أنزلها.
# فقال أبو قرة: فهل تفنى؟
# فقال أبو الحسن: أجمع المسلمون على أن ما سوى الله فان، وما سوى الله فعل
~~الله، والتوراة والإنجيل والزبور والفرقان فعل الله، ألم تسمع الناس
~~يقولون:
# (رب القرآن) وأن القرآن يقول يوم القيامة: (يا رب هذا فلان - وهو أعرف به
~~منه - قد أظمأت نهاره، وأسهرت ليله، فشفعني فيه) وكذلك التوراة والإنجيل
~~والزبور، وهي كلها محدثة، مربوبة، أحدثها من ليس كمثله شئ، هدى لقوم
# PageV02P185
# يعقلون، فمن زعم أنهن لم يزلن معه فقد أظهر: أن الله ليس بأول قديم، ولا
~~واحد، وأن الكلام لم يزل معه، وليس له بدء، وليس بآله.
# قال أبو قرة: وإنا روينا: أن الكتب كلها تجئ يوم القيامة والناس في صعيد
~~واحد، صفوف قيام لرب العالمين ينظرون حتى ترجع فيه، لأنها منه وهي جزء منه،
~~فإليه تصير.
# قال أبو الحسن عليه السلام: فهكذا قالت النصارى في المسيح أنه روحه، جزء
~~منه ويرجع فيه، وكذلك قالت المجوس: في النار والشمس أنهما جزء منه ترجع
~~فيه، تعالى ربنا أن يكون متجزيا، أو مختلفا، وإنما يختلف ويأتلف المتجزي،
~~لأن كل متجزي متوهم، والكثرة والقلة مخلوقة دالة على خالق خلقها.
# فقال أبو قرة: فإنا روينا: أن الله قسم الرؤية والكلام بين نبيين، ms426 فقسم
~~لموسى عليه السلام الكلام، ولمحمد صلى الله عليه وآله الرؤية.
# فقال أبو الحسن عليه السلام: فمن المبلغ عن الله إلى الثقلين الجن
~~والإنس: أنه لا تدركه الأبصار، ولا يحيطون به علما، وليس كمثله شئ. أليس
~~محمد صلى الله عليه وآله؟
# قال: بلى.
# قال أبو الحسن: فكيف يجئ رجل إلى الخلق جميعا فيخبرهم: أنه جاء من عند
~~الله، وأنه يدعوهم إلى الله بأمر الله، ويقول: أنه لا تدركه الأبصار، ولا
~~يحيطون به علما، وليس كمثله شئ، ثم يقول: أنا رأيته بعيني، وأحطت به علما،
~~وهو على صورة البشر، أما تستحيون؟! ما قدرت الزنادقة أن ترميه بهذا: أن
~~يكون أتى عن الله بأمر ثم يأتي بخلافه من وجه آخر.
# فقال أبو قرة: إنه يقول: (ولقد رآه نزلة أخرى) (1).
# فقال أبو الحسن عليه السلام: إن بعد هذه الآية ما يدل على ما رأى حيث
~~قال:
# (ما كذب الفؤاد ما رأى) (2) يقول: ما كذب فؤاد محمد صلى الله عليه وآله
~~ما رأت عيناه ثم أخبر بما رأت عيناه فقال: (لقد رأى من آيات ربه الكبرى)
~~(3) فآيات الله
# PageV02P186
# غير الله، وقال: (ولا يحيطون به علما) (1) فإذا رأته الأبصار فقد أحاط به
~~العلم ووقعت المعرفة.
# فقال أبو قرة: فتكذب بالرواية؟
# فقال أبو الحسن عليه السلام: إذا كانت الرواية مخالفة للقرآن كذبتها، وما
~~أجمع المسلمون عليه أنه لا يحاط به علما، ولا تدركه الأبصار، وليس كمثله
~~شئ.
# وسأله عن قول الله: (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى
~~المسجد الأقصى) (2) فقال أبو الحسن عليه السلام: قد أخبر الله تعالى: أنه
~~أسرى به، ثم أخبر: أنه لم أسري به، فقال: (لنريه من آياتنا) (3) فآيات الله
~~غير الله، فقد أعذر، وبين لم فعل به ذلك، وما رآه وقال: (فبأي حديث بعد
~~الله وآياته تؤمنون) (4) فأخبر أنه غير الله.
# فقال أبو قرة: أين الله؟
# فقال أبو الحسن عليه السلام: الأين مكان، وهذه مسألة شاهد عن غايب، فالله
~~تعالى ليس بغائب، ولا يقدمه قادم، وهو بكل مكان، موجود، ms427 مدبر صانع، حافظ،
~~ممسك السماوات والأرض.
# فقال أبو قرة: أليس هو فوق السماء دون ما سواها؟
# فقال أبو الحسن عليه السلام: هو الله في السماوات وفي الأرض، وهو الذي في
~~السماء إله وفي الأرض إله، وهو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء، وهو معكم
~~أينما كنتم، وهو الذي استوى إلى السماء وهي دخان، وهو الذي استوى إلى
~~السماء فسواهن سبع سماوات، وهو الذي استوى على العرش، قد كان ولا خلق وهو
~~كما كان إذ لا خلق، لم ينتقل مع المنتقلين.
# فقال أبو قرة: فما بالكم إذ دعوتم رفعتم أيديكم إلى السماء؟
# فقال أبو الحسن عليه السلام: إن الله استعبد خلقه بضروب من العبادة، ولله
~~مفازع
# PageV02P187
# يفزعون إليه، ومستعبد، فاستعبد عباده بالقول، والعلم، والعمل، والتوجه،
~~ونحو ذلك، استعبدهم بتوجيه الصلاة إلى الكعبة، ووجه إليها الحج والعمرة،
~~واستعبد خلقه عند الدعاء والطلب والتضرع، ببسط الأيدي ورفعها إلى السماء
~~لحال الاستكانة وعلامة العبودية والتذلل له.
# قال أبو قرة: فمن أقرب إلى الله الملائكة أو أهل الأرض؟
# قال أبو الحسن عليه السلام: إن كنت تقول بالشبر والذراع، فإن الأشياء
~~كلها باب واحد هي فعله لا يشتغل ببعضها عن بعض، يدبر أعلى الخلق من حيث
~~يدبر أسفله، ويدبر أوله من حيث يدبر آخره، من غير عناء، ولا كلفة، ولا
~~مؤنة، ولا مشاورة، ولا نصب، وإن كنت تقول من أقرب إليه في الوسيلة، فأطوعهم
~~له وأنتم تروون أن أقرب ما يكون العبد إلى الله وهو ساجد، ورويتم أن أربعة
~~أملاك التقوا أحدهم من أعلى الخلق، واحدهم من أسفل الخلق، واحدهم من شرق
~~الخلق، وأحدهم من غرب الخلق فسأل بعضهم بعضا فكلهم قال: (من عند الله)
~~أرسلني بكذا وكذا، ففي هذا دليل على أن ذلك في المنزلة دون التشبيه
~~والتمثيل.
# فقال أبو قرة: أتقر أن الله محمول؟
# فقال أبو الحسن: كل محمول مفعول، ومضاف إلى غيره محتاج، فالمحمول اسم نقص
~~في اللفظ، والحامل فاعل وهو فاعل وهو في اللفظ ممدوح، وكذلك قول القائل:
# فوق، وتحت، وأعلى، وأسفل، ms428 وقد قال الله تعالى: (ولله الأسماء الحسنى
~~فادعوه بها) (1) ولم يقل في شئ من كتبه أنه محمول، بل هو الحامل في البر
~~والبحر، والممسك للسماوات والأرض، والمحمول ما سوى الله، ولم نسمع أحدا آمن
~~بالله وعظمه قط قال في دعائه: (يا محمول).
# قال أبو قرة: أفتكذب بالرواية: أن الله إذا غضب يعرف غضبه الملائكة الذين
~~يحملون العرش، يجدون ثقله في كواهلهم فيخرون سجدا، فإذا ذهب الغضب خف
~~فرجعوا إلى مواقفهم؟
# PageV02P188
# فقال أبو الحسن عليه السلام: أخبرني عن الله تبارك وتعالى منذ لعن إبليس
~~إلى يومك هذا والى يوم القيامة فهو غضبان على إبليس وأوليائه أو عنهم راض؟
# فقال: نعم. هو غضبان عليه.
# قال: فمتى رضي فخف وهو في صفتك لم يزل غضبانا عليه وعلى أتباعه؟
# ثم قال: ويحك كيف تجترئ أن تصف ربك بالتغير من حال إلى حال، وأنه يجري
~~عليه ما يجري على المخلوقين؟! سبحانه لم يزل مع الزائلين ولم يتغير مع
~~المتغيرين.
# قال صفوان: فتحير أبو قرة ولم يحر جوابا حتى قام وخرج.
# عن عبد السلام بن صالح الهروي (1) قال: قلت لعلي بن موسى الرضا عليه
~~السلام:
# يا بن رسول الله ما تقول في الحديث الذي يرويه أهل الحديث: أن المؤمنين
~~يزورون ربهم من منازلهم في الجنة؟
# PageV02P189
# فقال عليه السلام: يا أبا الصلت إن الله تبارك وتعالى فضل نبيه محمدا صلى
~~الله عليه وآله على جميع خلقه، من النبيين والملائكة، وجعل طاعته طاعته،
~~ومبايعته مبايعته، وزيارته في الدنيا والآخرة زيارته، فقال عز وجل: (من يطع
~~الرسول فقط أطاع الله) (1) وقال: (إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد
~~الله فوق أيديهم) (2) وقال النبي صلى الله عليه وآله: (من زارني في حياتي
~~أو بعد موتي فقد زار الله) ودرجة النبي صلى الله عليه وآله في الجنة أرفع
~~الدرجات، فمن زاره في درجته في الجنة من منزلة فقد زار الله تبارك وتعالي.
# قال: قلت: يا بن رسول الله فما معنى الخبر الذي رووه: أن ثواب لا إله إلا
~~الله النظر إلى ms429 وجه الله؟
# فقال عليه السلام: يا أبا الصلت فمن وصف الله بوجه كالوجوه فقد كفر، ولكن
~~وجه الله أنبياءه ورسله وحججه عليهم صلوات الله، هم الذين بهم يتوجه إلى
~~الله عز وجل وإلى دينه ومعرفته، فقال الله عز وجل: (كل من عليها فان، ويبقى
~~وجه ربك ذي الجلال والإكرام) (3) وقال الله عز وجل: (كل شئ هالك إلا وجهه)
~~(4) فالنظر إلى أنبياء الله ورسله وحججه عليهم السلام في درجاتهم ثواب عظيم
~~للمؤمنين، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله: (من أبغض أهل بيتي وعترتي لم
~~يرني ولم أره يوم القيامة) (5) وقال صلى الله عليه وآله: (أن فيكم من لا
~~يراني بعد أن يفارقني) (6) يا أبا الصلت إن الله تبارك وتعالى لا يوصف
~~بمكان، ولا يدرك بالأبصار والأوهام.
# PageV02P190
# قال: فقلت له: يا بن رسول الله فأخبرني عن الجنة والنار: أهما اليوم
~~مخلوقان؟
# قال: نعم. وأن رسول الله صلى الله عليه وآله قد دخل الجنة ورأى النار لما
~~عرج به إلى السماء.
# قال: فقلت له: إن قوما يقولون: أنهما اليوم مقدرتان غير مخلوقتين؟
# فقال: ما أولئك منا ولا نحن منهم، من أنكر خلق الجنة والنار فقد كذب
~~النبي صلى الله عليه وآله وكذبنا، وليس من ولايتنا على شئ، ويخلد في نار
~~جهنم. قال الله عز وجل: (هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون يطوفون بينها
~~وبين حميم آن) (1) وقال النبي صلى الله عليه وآله: (لما عرج بي إلى السماء
~~أخذ بيدي جبرئيل (ع) فأدخلني الجنة فناولني من رطبها فأكلته، فتحول ذلك
~~نطفة في صلبي، فلما هبطت إلى الأرض واقعت خديجة فحملت بفاطمة عليها السلام،
~~ففاطمة حوراء إنسية، فكلما اشتقت إلى رائحة الجنة شممت رائحة ابنتي فاطمة)
~~(2).
# وقال الرضا عليه السلام: في قول الله عز وجل: (وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها
~~ناظرة) (3) قال: يعني - مشرقة - تنظر ثواب ربها.
# وقال عليه السلام: أن النبي صلى الله عليه وآله قال: (قال الله جل جلاله:
~~ما آمن بي من
# PageV02P191
# فسر برأيه كلامي، وما عرفني من شبهني بخلقي، وما ms430 على ديني من استعمل
~~القياس في ديني) وقال: (من رد متشابه القرآن إلى محكمه هدي إلى صراط
~~مستقيم) ثم قال: إن في أخبارنا متشابها كمتشابه القرآن، ومحكما كمحكم
~~القرآن، فردوا متشابهها إلى محكمها، ولا تتبعوا متشابهها دون محكمها
~~فتضلوا.
# وقال: من شبه الله بخلقه فهو مشرك، ومن نسب إليه ما نهى عنه فهو كافر.
# وعن الحسين بن خالد (1) قال: سمعت الرضا عليه السلام يقول: لم يزل الله
~~عز وجل عليما، قادرا، حيا، قديما، سميعا، بصيرا.
# فقلت: يا بن رسول الله إن قوما يقولون: لم يزل عالما بعلم، وقادرا بقدرة
~~وحيا بحياة، وقديما بقدم، وسميعا بسمع، وبصيرا ببصر.
# فقال عليه السلام: من قال ذلك ودان به فقد اتخذ مع الله آلهة أخرى، وليس
~~من ولايتنا على شئ ثم قال عليه السلام: لم يزل الله عز وجل عليما، قادرا،
~~حيا، قديما سميعا، بصيرا - لذاته - تعالى عما يقول المشركون والمشبهون علوا
~~كبيرا.
# وعن الحسين بن خالد قال: قلت للرضا عليه السلام: يا بن رسول الله إن قوما
~~يقولون: أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: (إن الله خلق آدم على
~~صورته).
# فقال: قاتلهم الله! لقد حذفوا أول الحديث، إن رسول الله مر برجلين
~~يتسابان، فسمع أحدهما يقول لصاحبه: (قبح الله وجهك ووجه من يشبهك) فقال له
~~صلى الله عليه وآله: (يا عبد الله لا تقل هذا لأخيك! فإن الله عز وجل خلق
~~آدم على صورته).
# وعن إبراهيم بن أبي محمود (2) قال: قلت للرضا عليه السلام: يا بن رسول
~~الله
# PageV02P192
# ما تقول في الحديث الذي يرويه الناس عن رسول الله صلى الله عليه وآله: أن
~~الله تبارك وتعالى ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا؟
# فقال عليه السلام: لعن الله المحرفين الكلم عن مواضعه، والله ما قال صلى
~~الله عليه وآله كذلك إنما قال صلى الله عليه وآله: (أن الله تبارك وتعالى
~~ينزل ملكا إلى السماء كل ليلة في الثلث الأخير، وليلة الجمعة في أول الليل.
~~فيأمره فينادي أهل من سائل فاعطيه؟ هل من ms431 تائب فأتوب عليه؟ هل من مستغفر
~~فاغفر له؟ يا طالب الخير فأقبل، يا طالب الشر أقصر، فلا يزال ينادي بهذا
~~حتى يطلع الفجر، فإذا طلع الفجر عاد إلى محله من ملكوت السماء) حدثني بذلك
~~أبي عن جدي عن آبائه عن رسول الله صلى الله عليه وآله.
# وعن محمد بن سنان قال: سألت أبا الحسن الرضا عليه السلام: هل كان الله
~~عارفا بنفسه قبل أن يخلق الخلق؟
# قال: نعم.
# قلت: يراها ويسمعها؟
# قال: ما كان محتاجا إلى ذلك لأنه لم يكن يسألها ولا يطلب منها شيئا، هو
~~نفسه، ونفسه هو، قدرته نافذة، فليس بمحتاج إلى أن يسمي نفسه، ولكنه اختار
~~أسماء لغيره يدعوه بها، لأنه إذا لم يدع باسمه لم يعرف، فأول ما اختار نفسه
~~(العلي العظيم) أعلا الأشياء كلها، فمعناه: (الله) واسمه: (العلي العظيم)
~~هو أول أسمائه لأنه علا كل شئ.
# وقال عليه السلام في قوله: (يوم يكشف عن ساق) (1) فساق حجاب من نور يكشف
~~فيقع المؤمنون سجدا، وتدمج أصلاب المنافقين، فلا يستطيعون السجود.
# وسئل عن قوله عز وجل: (كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون) (2) فقال: إن
~~الله تبارك وتعالى لا يوصف بمكان يحل فيه فيحجب عن عباده، ولكنه يعني: عن
~~ثواب ربهم محجوبون.
# وسئل عن قوله عز وجل: (وجاء ربك والملك صفا صفا) (3) فقال: إن
# PageV02P193
# الله لا يوصف بالمجئ والذهاب والانتقال، إنما يعني بذلك: وجاء أمر ربك.
# وسئل عن قوله: (هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ضلل من الغمام
~~والملائكة) (1) قال: معناه: هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله بالملائكة في ظلل
~~من الغمام وهكذا نزلت.
# وسئل عن قوله عز وجل: (سخر الله منهم) (2) وعن قوله: (الله يستهزئ بهم)
~~(3) وعن قوله: (ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين) (4) وعن قوله:
# (يخادعون الله وخادعهم) (5).
# فقال: إن الله لا يسخر، ولا يستهزئ، ولا يمكر، ولا يخادع، ولكنه عز وجل
~~يجازيهم جزاء السخرية، وجزاء الاستهزاء، وجزاء المكر، وجزاء الخديعة تعالى
~~الله عما يقولون الظالمون علوا كبيرا.
# وسئل عن قوله عز وجل: (نسوا الله ms432 فنسيهم) (6) فقال: إن الله تبارك وتعالى
~~لا يسهو، ولا ينسى، إنما يسهو وينسى المخلوق المحدث، ألا تسمعه عز وجل
~~يقول: (وما كان ربك نسيا) (7) وإنما يجازي من نسيه، ونسي لقاء يومه، بأن
~~ينسيهم أنفسهم، كما قال: (نسوا الله فأنساهم أنفسهم) (8) وقال: (فاليوم
~~ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا) (9) أي نتركهم كما تركوا الاستعداد للقاء
~~يومهم هذا، أي نجازيهم على ذلك.
# وسئل عن قول الله عز وجل: (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن
~~يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء) (10) قال: ومن يرد
~~الله أن يهديه بإيمانه في الدنيا إلى جنة ودار كرامة في الآخرة،
# PageV02P194
# يشرح صدره للتسليم لله والثقة به. والسكون إلى ما وعده من ثوابه، حتى
~~يطمئن إليه، ومن يرد أن يضله عن جنته ودار كرامته في الآخرة - لكفره به
~~وعصيانه له في الدنيا - يجعل صدره ضيقا حرجا، حتى يشك في كفره ويضطرب في
~~اعتقاد قلبه حتى يصير كأنما يصعد في السماء، كذلك يجعل الله الرجس على
~~الذين لا يؤمنون.
# أبو الصلت الهروي قال: سأل المأمون الرضا عليه السلام عن قول الله عز
~~وجل:
# (وهو الذي خلق السماوات والأرض في سنة أيام، وكان عرشه على الماء ليبلوكم
~~أيكم أحسن عملا)؟ (1).
# فقال: إن الله تبارك وتعالى خلق العرش والماء ليظهر بذلك قدرته للملائكة
~~فتعلم أنه على كل شئ قدير ثم رفع العرش بقدرته، ونقله فجعله فوق السماوات
~~السبع، ثم خلق السماوات والأرض في ستة أيام، وهو مستول على عرشه، وكان
~~قادرا على أن يخلقها في طرفة عين، ولكنه عز وجل خلقها في ستة أيام ليظهر
~~للملائكة ما يخلفه منها شيئا بعد شئ، فنستدل (بحدوث ما يحدث) على الله
~~تعالى مرة بعد مرة، ولم يخلق العرش لحاجة به إليه، لأنه غني عن العرش، وعن
~~جميع ما خلق، لا يوصف بالكون على العرش، لأنه ليس بجسم تعالى الله عن صفة
~~خلقه علوا كبيرا.
# وأما قوله: (ليبلوكم أيكم أحسن عملا) فإنه عز وجل خلق خلقه ليبلوهم ms433
~~بتكليف طاعته وعبادته، لا على سبيل الامتحان والتجربة، لأنه لم يزل عليما
~~بكل شئ.
# فقال المأمون: فرجت عني يا أبا الحسن فرج الله عنك.
# ثم قال له: يا بن رسول الله فما معنى قول الله عز وجل: (ولو شاء ربك لآمن
~~من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين) (2) وما (ما
~~كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله) (3).
# PageV02P195
# فقال الرضا عليه السلام: حدثني أبي موسى بن جعفر، عن أبيه جعفر بن محمد،
~~عن أبيه محمد بن علي، عن أبيه علي بن الحسين، عن أبيه الحسين بن علي، عن
~~أبيه علي بن أبي طالب عليهم السلام قال: إن المسلمين قالوا لرسول الله صلى
~~الله عليه وآله: لو أكرهت يا رسول الله من قدرت عليه من الناس على الإسلام
~~لكثر عددنا وقوتنا على عدونا!
# فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: (ما كنت لألقى الله عز وجل ببدعة لم
~~يحدث إلي فيها شيئا وما أنا من المتكلفين) فأنزل الله تعالى عليه: يا محمد
~~ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا، على سبيل الالجاء والاضطرار في
~~الدنيا، كما يؤمن عند المعاينة ورؤية البأس في الآخرة، ولو فعلت ذلك بهم لم
~~يستحقوا مني ثوابا ولا مدحا، ولكني أريد منهم أن يؤمنوا مختارين غير
~~مضطرين، ليستحقوا مني الزلفى والكرامة، ودوام الخلود في جنة الخلد، أفأنت
~~تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين.
# وأما قوله عز وجل: (وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله) (1) فليس ذلك
~~على سبيل تحريم الإيمان عليها، ولكن على معنى أنها ما كانت لتؤمن إلا بإذن
~~الله، وإذنه أمره لها بالإيمان بما كانت مكلفة متعبدة بها، وإلجاؤه إياها
~~إلى الإيمان عند زوال التكلف والتعبد عنها.
# فقال المأمون: فرجت عني فرج الله عنك فأخبرني عن قول الله عز وجل:
# (الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكري وكانوا لا يستطيعون سمعا) (2).
# فقال: إن غطاء العين لا يمنع من الذكر، والذكر لا يرى بالعين، ولكن الله
~~عز وجل شبه الكافرين بولاية ms434 علي بن أبي طالب عليه السلام بالعميان، لأنهم
~~كانوا يستثقلون قول النبي صلى الله عليه وآله فيه، ولا يستطيعون له سمعا.
# فقال المأمون: فرجت عني فرج الله عنك.
# وعن عبد العظيم بن عبد الله الحسني رضي الله عنه (3) عن إبراهيم بن
# PageV02P196
# أبي محمود (١) قال: سألت أبا الحسن الرضا عليه السلام عن قول الله عز
~~وجل: ﴿وتركهم في ظلمات لا
~~يبصرون﴾ (2) فقال: إن الله تبارك وتعالى لا يوصف بالترك كما يوصف خلقه،
~~ولكنه متى علم أنهم لا يرجعون عن الكفر والضلال منعهم المعاونة واللطف،
~~وخلى بينهم وبين اختيارهم.
# قال: وسألته عن قول الله عز وجل: (ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم) (3).
# قال: الختم هو: (الطبع) على قلوب الكفار عقوبة على كفرهم، كما قال عز
~~وجل: (بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا) (4).
# قال: وسألته عن الله عز وجل هل يجبر عباده على المعاصي؟
# قال: لا. بل يخيرهم، ويمهلم حتى يتوبوا.
# قلت: فهل يكلف عباده ما لا يطيقون؟
# فقال: كيف يفعل ذلك وهو يقول: (وما ربك بظلام للعبيد) (5).
# ثم قال: حدثني أبي موسى بن جعفر، عن أبيه جعفر بن محمد، عليهم السلام عن
~~أبيه محمد بن علي، عن أبيه علي بن الحسين، عن أبيه الحسين بن علي، عن أبيه
~~علي بن أبي طالب عليهم السلام، أنه قال: من زعم أن الله يجبر عباده على
~~المعاصي ويكلفهم ما لا يطيقون فلا تأكلوا ذبيحته، ولا تقبلوا شهادته، ولا
~~تصلوا وراءه، ولا تعطوه من الزكاة شيئا.
# PageV02P197
# وعن يزيد بن عمير بن معاوية الشامي (1) قال: دخلت على علي بن موسى الرضا
~~بمرو، فقلت له: يا بن رسول الله روي لنا عن الصادق جعفر بن محمد عليه
~~السلام أنه قال: (لا جبر ولا تفويض، بل أمر بين الأمرين) ما معناه:
# فقال: من زعم: أن الله يفعل أفعالنا ثم يعذبنا عليها، فقد قال: (بالجبر)
~~ومن زعم: أن الله فوض أمر الخلق والرزق إلى حججه عليهم السلام فقد قال:
~~(بالتفويض) والقائل ms435 بالجبر كافر، والقائل بالتفويض مشرك.
# فقلت: يا بن رسول الله فما أمر بين الأمرين؟
# فقال: وجود السبيل إلى إتيان ما أمروا به، وترك ما نهوا عنه.
# قلت: وهل لله مشية وإرادة في ذلك؟
# فقال: أما الطاعات، فإرادة الله ومشيته فيها الأمر بها، والرضا لها،
~~والمعاونة عليها، وإرادته ومشيته في المعاصي، النهي عنها، والسخط لها
~~والخذلان عليها.
# قلت: فلله عز وجل فيها القضاء؟
# قال: نعم. ما من فعل يفعله العباد من خير أو شر إلا ولله فيه قضاء.
# قلت: ما معنى هذا القضاء؟
# قال: الحكم عليهم بما يستحقونه من الثواب والعقاب في الدنيا والآخرة.
# وروي أنه ذكر عنده الجبر والتفويض فقال: إن الله لم يطع بإكراه، ولم يعص
~~بغلبة، ولم يهمل العباد في ملكه، هو المالك لما ملكهم، والقادر على ما
~~أقدرهم عليه، فإن إئتمر العباد بطاعة لم يكن الله عنها صادا، ولا منها
~~مانعا، وإن إئتمروا بمعصية فشاء أن يحول بينهم وبين ذلك فعل، وإن لم يحل
~~وفعلوه فليس هو الذي أدخلهم فيه ثم قال عليه السلام: من يضبط حدود هذا
~~الكلام فقد خصم من خالفه.
# وعن الحسين بن خالد عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال: قلت له: يا بن
~~رسول الله أن الناس ينسبوننا إلى القول بالتشبيه والجبر، لما روي من
~~الأخبار في ذلك عن آبائك عليهم السلام.
# PageV02P198
# فقال: يا بن خالد أخبرني عن الأخبار التي رويت عن آبائي الأئمة في الجبر
~~والتشبيه أكثر، أم الأخبار التي رويت من النبي صلى الله عليه وآله في ذلك؟
# فقلت: بل ما رويت عن النبي صلى الله عليه وآله أكثر.
# قال: فليقولوا: أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يقول بالتشبيه
~~والجبر.
# فقلت له: إنهم يقولون: أن رسول الله صلى الله عليه وآله لم يقل شيئا من
~~ذلك وإنما روي عليه.
# قال: فليقولوا في آبائي الأئمة عليهم السلام: أنهم لم يقولوا من ذلك شيئا
~~وإنما روي عليهم. ثم قال: من قال بالتشبيه والجبر فهو كافر مشرك، ونحن براء
~~منه في ms436 الدنيا والآخرة، يا بن خالد إنما وضع الأخبار عنا في التشبيه والجبر
~~(الغلاة) الذين صغروا عظمة الله، فمن أحبهم فقد أبغضنا، ومن أبغضهم فقد
~~أحبنا، ومن والاهم فقد عادانا، ومن عاداهم فقد والانا، ومن وصلهم فقد
~~قطعنا، ومن قطعهم فقد وصلنا، ومن جفاهم فقد برنا، ومن برهم فقد جفانا، ومن
~~أكرمهم فقد أهاننا، ومن أهانهم فقد أكرمنا، ومن قبلهم فقد ردنا، ومن ردهم
~~فقد قبلنا ومن أحسن إليهم فقد أساء إلينا، ومن أساء إليهم فقد أحسن إلينا،
~~ومن صدقهم فقد كذبنا، ومن كذبهم فقد صدقنا، ومن أعطاهم فقد حرمنا، ومن
~~حرمهم فقد أعطانا. يا بن خالد من كان من شيعتنا فلا يتخذن منهم وليا ولا
~~نصيرا.
# احتجاج الرضا عليه السلام على أهل الكتاب والمجوس ورئيس الصابئين وغيرهم.
# روي عن الحسن بن محمد النوفلي أنه قال: لما قدم علي بن موسى الرضا صلوات
~~الله عليه على المأمون، أمر الفضل بن سهل أن يجمع له أصحاب المقالات، مثل:
# الجاثليق، ورأس الجالوت، ورؤساء الصابئين، والهربذ الأكبر، وأصحاب زردشت
~~ونسطاس الرومي، والمتكلمين، ليسمع كلامه وكلامهم، فجمعهم الفضل بن سهل،
~~PageV02P199
# ثم أعلم المأمون باجتماعهم فقال:
# أدخلهم علي ففعل، فرحب بهم المأمون ثم قال لهم:
# إنما جمعتكم لخير، وأحببت أن تناظروا ابن عمي هذا المدني القادم علي،
~~فإذا كان بكرة فاغدوا علي ولا يتخلف منكم أحد.
# فقالوا: السمع والطاعة يا أمير المؤمنين، نحن مبكرون إن شاء الله.
# قال الحسن بن محمد النوفلي: فبينا نحن في حديث لنا عند أبي الحسن الرضا
~~عليه السلام إذ دخل علينا ياسر الخادم - وكان يتولى أمر أبي الحسن - عليه
~~السلام - فقال: يا سيدي أن أمير المؤمنين يقرؤك السلام ويقول: فداك أخوك،
~~أنه اجتمع إلينا أصحاب المقالات، وأهل الأديان، والمتكلمون من جميع أهل
~~الملل فرأيك في البكور علينا إن أحببت كلامهم، وإن كرهت ذلك فلا تتجشم، وإن
~~أحببت أن نصير إليك خف ذلك علينا.
# فقال أبو الحسن عليه السلام: أبلغه السلام وقل: قد علمت ما أردت، وأنا
~~صائر إليك بكرة إن شاء ms437 الله.
# قال الحسن بن محمد النوفلي: فلما مضى ياسر التفت إلينا ثم قال لي: يا
~~نوفلي أنت عراقي ورقة العراقي غير غليظة، فما عندك في جمع ابن عمي علينا
~~أهل الشرك وأصحاب المقالات؟
# فقلت: جعلت فداك يريد الامتحان، ويحب أن يعرف ما عندك، ولقد بنى على أساس
~~غير وثيق البنيان، وبئس والله ما بنى.
# فقال لي: وما بناؤه في هذا الباب؟
# قلت: إن أصحاب الكلام والبدع خلاف العلماء، وذلك: أن العالم لا ينكر غير
~~المنكر، وأصحاب المقالات والمتكلمون وأهل الشرك أصحاب إنكار ومباهتة إن
~~احتججت عليهم بأن الله واحد قالوا: صحح وحدانيته، وإن قلت: أن محمدا صلى
~~الله عليه وآله رسول، قالوا: ثبت رسالته، ثم يباهتون الرجل - وهو مبطل
~~عليهم بحجته - ويغالطونه حتى يترك قوله، فاحذرهم جعلت فداك! PageV02P200
# قال: فتبسم ثم قال لي: يا نوفلي أتخاف أن يقطعوا علي حجتي؟!
# قلت: لا. والله ما خفته عليك قط، وأني لأرجو أن يظفرك الله بهم إن شاء
~~الله.
# فقال لي: يا نوفلي أتحب أن تعلم متى يندم المأمون؟
# قلت: نعم.
# قال: إذا سمع احتجاجي على أهل التوراة بتوراتهم، وعلى أهل الإنجيل
~~بإنجيلهم، وعلى أهل الزبور بزبورهم، وعلى الصابئين بعبرانيتهم، وعلى
~~الهرابذة بفارسيتهم، وعلى أهل الروم بروميتهم، وعلى أهل المقالات بلغاتهم،
~~فإذا قطعت كل صنف، ودحضت حجته، وترك مقالته، ورجع إلى قولي، علم المأمون أن
~~الذي هو بسبيله ليس بمستحق له، فعند ذلك تكون الندامة منه، ولا حول ولا قوة
~~إلا بالله العلي العظيم.
# فلما أصبحنا أتانا الفضل بن سهل فقال له:
# جعلت فداك أن ابن عمك ينتظرك، اجتمع القوم فما رأيك في إتيانه؟
# فقال له الرضا عليه السلام: تقدمني فإني صائر إلى ناحيتكم إن شاء الله،
~~ثم توضأ وضوء الصلاة، وشرب شربة سويق وسقانا، ثم خرج وخرجنا معه، حتى دخل
~~على المأمون، وإذا المجلس غاص بأهله، ومحمد بن جعفر في جماعة الطالبيين
~~والهاشميين والقواد حضور.
# فلما دخل الرضا عليه السلام قام المأمون وقام محمد بن جعفر وجمع بني
~~هاشم، فما زالوا وقوفا ms438 والرضا عليه السلام جالس مع المأمون حتى أمرهم
~~بالجلوس، فجلسوا فلم يزل المأمون مقبلا عليه يحدثه ساعة، ثم التفت إلى
~~الجاثليق فقال:
# يا جاثليق! هذا ابن عمي علي بن موسى بن جعفر وهو: من ولد فاطمة بنت نبينا
~~صلى الله عليه وآله، وابن علي بن أبي طالب عليه السلام، فأحب أن تكلمه
~~وتحاجه وتنصفه.
# فقال الجاثليق: يا أمير المؤمنين كيف أحاج رجلا يحاج علي بكتاب أنا
~~منكره، ونبي لا أؤمن به؟ PageV02P201
# فقال الرضا عليه السلام يا نصراني فإن احتججت عليك بإنجيلك أتقر به؟
# قال الجاثليق: وهل أقدر على دفع ما نطق به الإنجيل، نعم والله أقر به على
~~رغم أنفي.
# فقال له الرضا عليه السلام: سل عما بدا لك واسمع الجواب.
# قال الجاثليق: ما تقول في نبوة عيسى وكتابه هل تنكر منهما شيئا؟
# قال الرضا عليه السلام: أنا مقر بنبوة عيسى وكتابه، وما بشر به أمته،
~~وأقرت به الحواريون، وكافر بنبوة كل عيسى لم يقر بنبوة محمد وكتابه، ولم
~~يبشر به أمته!
# قال الجاثليق: أليس إنما تقطع الأحكام بشاهدي عدل؟
# قال: بلى.
# قال: فأقم شاهدين من غير أهل ملتك على نبوة محمد، ممن لا تنكره النصرانية
~~وسلنا مثل ذلك من غير أهل ملتنا.
# قال الرضا عليه السلام: الآن جئت بالنصفة يا نصراني! ألا تقبل مني العدل
~~والمقدم عند المسيح عيسى بن مريم عليه السلام؟
# قال الجاثليق: ومن هذا العدل سمه لي؟
# قال: ما تقول في (يوحنا) الديلمي؟
# قال: بخ بخ ذكرت أحب الناس إلى المسيح.
# قال: أقسمت عليك هل نطق الإنجيل أن يوحنا قال: أن المسيح أخبرني بدين
~~محمد العربي وبشرني به أنه يكون من بعدي، فبشرت به الحواريين فآمنوا به؟
# قال الجاثليق: قد ذكر ذلك يوحنا عن المسيح، وبشر بنبوة رجل وأهل بيته
~~ووصيه وأهل بيته، ولم يلخص متى يكون ذلك، ولم يسم لنا القوم فنعرفهم.
# قال الرضا عليه السلام: فإن جئناك بمن يقرأ الإنجيل فتلا عليك ذكر محمد
~~وأهل بيته وأمته أتؤمن به؟
# قال: أمر سديد.
# قال الرضا ms439 لفسطاس الرومي: كيف يكون حفظك للسفر الثالث من الإنجيل؟
~~PageV02P202
# قال: ما أحفظني له، ثم التفت إلى رأس الجالوت فقال عليه السلام: ألست
~~تقرأ الإنجيل؟
# قال: بلى لعمري.
# قال: فخذ علي السفر الثالث، فإن كان فيه ذكر محمد وأهل بيته وأمته
~~فاشهدوا لي، وإن لم يكن فيه ذكره فلا تشهدوا لي! ثم قرأ السفر الثالث حتى
~~بلغ ذكر النبي صلى الله عليه وآله وقف ثم قال:
# يا نصراني أني أسألك بحق المسيح وأمه أتعلم أني عالم بالإنجيل؟
# قال: نعم. ثم تلا علينا ذكر محمد وأهل بيته وأمته، ثم قال:
# ما تقول يا نصراني؟ هذا قول عيسى بن مريم، فإن كذبت ما نطق به الإنجيل
~~فقد كذبت موسى وعيسى عليهما السلام، ومتى أنكرت هذا الذكر وجب عليك القتل،
~~لأنك تكون قد كفرت بربك ونبيك وبكتابك.
# قال الجاثليق: لا أنكر ما قد بان لي من الإنجيل، وأني لمقر به.
# قال الرضا عليه السلام: اشهدوا على إقراره! ثم قال:
# يا جاثليق سل عما بدا لك!
# قال الجاثليق: أخبرني عن حواري عيسى بن مريم، كم كان عدتهم، وعن علماء
~~الإنجيل كم كانوا؟
# قال الرضا عليه السلام: على الخبير سقطت. أما الحواريون فكانوا اثني عشر
~~رجلا، وكان أفضلهم وأعلمهم (لوقا) وأما علماء النصارى فكانوا ثلاثة رجال
~~(يوحنا) الأكبر - يا حي - و (يوحنا) بقرقيسيا و (يوحنا) الديلمي بزخار
~~وعنده كان ذكر النبي صلى الله عليه وآله، وذكر أهل بيته، وهو الذي بشر أمة
~~عيسى وبني إسرائيل به. ثم قال:
# يا نصراني والله إنا لنؤمن بعيسى الذي آمن بمحمد صلى الله عليه وآله. وما
~~ننقم على عيسى شيئا إلا ضعفه وقلة صيامه وصلاته.
# قال الجاثليق: أفسدت والله علمك، وضعفت أمرك، وما كنت ظننت إلا
~~PageV02P203
# أنك أعلم أهل الإسلام.
# قال الرضا عليه السلام: وكيف ذلك؟!
# قال الجاثليق: من قولك أن عيسى كان ضعيفا، قليل الصيام والصلاة، وما أفطر
~~عيسى يوما قط، وما نام بليل قط، وما زال صائم الدهر قائم الليل.
# قال الرضا عليه السلام: فلمن كان يصوم ويصلي؟ ms440
# فخرس الجاثليق وانقطع.
# قال الرضا عليه السلام: يا نصراني أني أسألك عن مسألة قال: سل! فإن كان
~~عندي علمها أجبتك.
# قال الرضا عليه السلام: ما أنكرت أن عيسى كان يحيي الموتى بإذن الله.
# قال الجاثليق: أنكرت ذلك من قبل، أن من أحيى الموتى وأبرأ الأكمه
~~والأبرص، فهو: (رب) مستحق لأن يعبد.
# قال الرضا صلوات الله عليه: فإن اليسع قد صنع مثل ما صنع عيسى عليه
~~السلام، مشى على الماء، وأحيى الموتى، وأبرأ الأكمه والأبرص، فلم لا تتخذه
~~أمته رب ولم يعبده أحد من دون الله عز وجل، ولقد صنع حزقيل النبي مثل ما
~~صنع عيسى ابن مريم، فأحيى خمسة وثلاثين ألف رجل من بعد موتهم بستين سنة، ثم
~~التفت إلى رأس الجالوت فقال: يا رأس الجالوت! أتجد هؤلاء في شباب بني
~~إسرائيل في التوراة، اختارهم (بخت نصر) من سبي بني إسرائيل حين غزا بيت
~~المقدس، ثم انصرف بهم إلى بابل، فأرسله الله عز وجل إليهم فأحياهم، هذا في
~~التوراة لا يدفعه إلا كافر منكم؟
# قال رأس الجالوت: قد سمعنا به وعرفناه.
# قال: صدقت.
# ثم قال: يا يهودي خذ علي هذا السفر من التوراة، فتلا عليه من التوراة
~~آيات، فأقبل اليهودي يترجح لقراءته، ويتعجب ثم أقبل على النصراني فقال:
# يا نصراني أفهؤلاء كانوا قبل عيسى أم عيسى كان قبلهم؟ PageV02P204
# قال: بل كانوا قبله.
# قال الرضا عليه السلام: لقد اجتمعت قريش إلى رسول الله فسألوه أن يحيي
~~لهم موتاهم، فوجه معهم علي بن أبي طالب عليه السلام فقال له: (اذهب إلى
~~الجبانة، فناد بأسماء هؤلاء الرهط الذين يسألون عنهم بأعلى صوتك، يا فلان،
~~ويا فلان، ويا فلان يقول لكم رسول الله محمد قوموا بإذن الله) فناداهم
~~فقاموا ينفضون التراب عن رؤوسهم، فأقبلت قريش تسألهم عن أمورهم، ثم أخبروهم
~~أن محمدا قد بعث نبيا فقالوا: وددنا أن أدركناه فنؤمن به، ولقد أبرأ الأكمه
~~والأبرص والمجانين، وكلمته البهائم والطير والجن والشياطين، ولم نتخذه ربا
~~من دون الله، ولم ننكر لأحد من هؤلاء فضلهم، فإن ms441 اتخذتم عيسى ربا جاز لكم
~~أن تتخذوا اليسع وحزقيل ربين، لأنهما قد صنعا مثل ما صنع عيسى بن مريم: من
~~إحياء الموتى وغيره، ثم إن قوما من بني إسرائيل خرجوا من بلادهم من الطاعون
~~وهم ألوف حذر الموت فأماتهم الله في ساعة واحدة، فعمد أهل القرية فحظروا
~~عليهم حظيرة، فلم يزالوا فيها حتى نخرت عظامهم وصاروا رميما، فمر بهم نبي
~~من أنبياء بني إسرائيل فتعجب منهم ومن كثرة العظام البالية، فأوحى الله
~~إليه أتحب أن أحييهم لك فتنذرهم؟
# قال: نعم.
# فأوحى الله إليه أن نادهم فقال: أيتها العظام البالية قومي بإذن الله!
~~فقاموا أحياء أجمعون ينفضون التراب عن رؤوسهم ثم إبراهيم خليل الله عليه
~~السلام حين اتخذ الطير فقطعهن قطعا، ثم وضع على كل جبل منهن جزءا، ثم
~~ناداهن فأقبلن سعيا إليه، ثم موسى بن عمران وأصحابه السبعون الذين اختارهم
~~صاروا معه إلى الجبل فقالوا له: إنك قد رأيت الله فأرناه!
# فقال لهم: إني لم أره.
# فقالوا: لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتهم الصاعقة فاحترقوا عن آخرهم
~~فبقي موسى وحيدا.
# فقال: يا رب اخترت سبعين رجلا من بني إسرائيل فجئت بهم، فأرجع أنا
~~PageV02P205
# وحدي، فكيف يصدقني قومي بما أخبرهم به، فلو شئت أهلكتهم من قبل وإياي
~~أفتهلكنا بما فعل السفهاء منا؟
# فأحياهم الله عز وجل من بعد موتهم، وكل شئ ذكرته لك من هذا لا تقدر على
~~دفعه، لأن التوراة والإنجيل والزبور والفرقان قد نطقت به، فإن كان كل من
~~أحيى الموتى وأبرأ الأكمه والأبرص، والمجانين يتخذ ربا من دون الله فاتخذ
~~هؤلاء كلهم أربابا! ما تقول يا نصراني؟!
# فقال الجاثليق: القول قولك، ولا إله إلا الله.
# ثم التفت إلى رأس الجالوت فقال: يا يهودي أقبل علي أسألك بالعشر الآيات
~~التي أنزلت على موسى بن عمران هل تجد في التوراة مكتوبا نبأ محمد صلى الله
~~عليه وآله وأمته إذا جاءت الأمة الأخيرة أتباع راكب البعير، يسبحون الرب
~~جدا جدا، تسبيحا جديدا، في الكنايس الجدد فليفزع بنو إسرائيل إليهم ms442 وإلى
~~ملكهم لتطمئن قلوبهم فإن بأيديهم سيوفا ينتقمون بها من الأمم الكافرة في
~~أقطار الأرض، هكذا هو في التوراة مكتوب؟
# قال رأس الجالوت: نعم. أنا لنجد ذلك كذلك.
# ثم قال للجاثليق: يا نصراني كيف علمك بكتاب شعيا؟
# قال: أعرفه حرفا حرفا.
# قال لهما: أتعرفان هذا من كلامه: يا قوم أني رأيت صورة راكب الحمار لابسا
~~جلابيب النور، ورأيت راكب البعير ضوءه ضوء القمر؟
# فقالا: قد قال ذلك شعيا.
# قال الرضا عليه السلام: يا نصراني أهل تعرف في الإنجيل قول عيسى: أني
~~ذاهب إلى ربكم وربي، و (الفارقليطا) جائي هو الذي يشهد لي بالحق كما شهدت
~~له، وهو الذي يفسر لكم كل شئ، وهو الذي يبدي فضايح الأمم، وهو الذي يكسر
~~عمود الكفر؟
# فقال الجاثليق: ما ذكرت شيئا من الإنجيل إلا ونحن مقرون به. PageV02P206
# فقال: أتجد هذا في الإنجيل ثابتا؟
# قال: نعم.
# قال الرضا عليه السلام: يا جاثليق ألا تخبرني عن الإنجيل الأول حين
~~افتقدتموه عند من وجدتموه؟ ومن وضع لكم هذا الإنجيل؟
# قال له: ما افتقدنا الإنجيل إلا يوما واحدا حتى وجدناه غضا طريا فأخرجه
~~إلينا يوحنا ومتى.
# فقال الرضا عليه السلام: ما أقل معرفتك بسنن الإنجيل وعلمائه، فإن كان
~~كما تزعم فلم اختلفتم في الإنجيل؟ وإنما الاختلاف في هذا الإنجيل الذي في
~~أيديكم اليوم، فإن كان على العهد الأول لم تختلفوا فيه، ولكني مفيدك علم
~~ذلك، إعلم:
# أنه لما افتقد الإنجيل الأول اجتمعت النصارى إلى علمائهم فقالوا لهم: قتل
~~عيسى ابن مريم وافتقدنا الإنجيل، وأنتم العلماء فما عندكم؟
# فقال لهم ألوقا ومرقانوس ويوحنا ومتى: أن الإنجيل في صدورنا نخرجه إليكم
~~سفرا سفرا، في كل أحد، فلا تحزنوا عليه ولا تخلوا الكنايس، فإنا سنتلوه
~~عليكم في كل أحد سفرا سفرا حتى نجمعه كله.
# فقال الرضا عليه السلام: أن ألوقا ومرقانوس ويوحنا ومتى وضعوا لكم هذا
~~الإنجيل بعد ما افتقدتم الإنجيل الأول، وإنما كان هؤلاء الأربعة تلاميذ
~~تلاميذ الأولين.
# أعلمت ذلك؟
# قال الجاثليق: أما قبل هذا فلم أعلمه وقد علمته الآن، ms443 وقد بان لي من فضل
~~علمك بالإنجيل وقد سمعت أشياء مما علمته شهد قلبي أنها حق، واستزدت كثيرا
~~من الفهم.
# فقال الرضا عليه السلام: فكيف شهادة هؤلاء عندك؟
# قال: جائزة. هؤلاء علماء الإنجيل، وكل ما شهدوا به فهو حق.
# قال الرضا عليه السلام - للمأمون ومن حضره من أهل بيته وغيرهم -: اشهدوا
~~عليه!
# قالوا: شهدنا. PageV02P207
# ثم قال للجاثليق: بحق الابن وأمه، هل تعلم أن (متى) قال في نسبة عيسى:
# أن المسيح بن داود بن إبراهيم بن إسحاق بن يعقوب بن يهود بن خضرون؟
# وقال (مرقانوس) في نسبة عيسى عليه السلام: أنه كلمة الله أحلها في الجسد
~~الآدمي فصارت إنسانا؟ وقال (ألوقا): أن عيسى بن مريم وأمه كانا إنسانين من
~~لحم ودم فدخل فيهما روح القدس؟ ثم إنك تقول في شهادة عيسى على نفسه حقا
~~أقول لكم أنه لا يصعد إلى السماء إلا من نزل منها إلا راكب البعير خاتم
~~الأنبياء، فإنه يصعد إلى السماء وينزل فما تقول في هذا القول؟
# قال الجاثليق: هذا قول عيسى لا ننكره.
# قال الرضا عليه السلام: فما تقول في شهادة ألوقا ومرقانوس ومتى على عيسى
~~وما نسبوا إليه؟
# قال الجاثليق: كذبوا على عيسى.
# قال الرضا عليه السلام: يا قوم أليس قد زكاهم وشهد أنهم علماء الإنجيل
~~وقولهم حق.
# فقال الجاثليق: يا عالم المسلمين أحب أن تعفيني من أمر هؤلاء.
# قال الرضا عليه السلام: قد فعلنا. سل يا نصراني عما بدا لك!
# قال الجاثليق: ليسألك غيري، فوالله ما ظننت أن في علماء المسلمين مثلك.
# فالتفت الرضا عليه السلام إلى رأس الجالوت فقال له: تسألني أو أسألك؟
# قال: بل أسألك. ولست أقبل منك حجة إلا من التوراة، أو من الإنجيل أو من
~~زبور داود، أو ما في صحف إبراهيم وموسى.
# قال الرضا عليه السلام: لا تقبل مني حجة إلا بما تنطق به التوراة على
~~لسان موسى بن عمران عليه السلام، والإنجيل على لسان عيسى بن مريم عليه
~~السلام، والزبور على لسان داود عليه السلام.
# قال رأس الجالوت: من ms444 أين تثبت نبوة محمد؟
# قال الرضا عليه السلام: شهد بنبوته موسى بن عمران، وعيسى بن مريم، وداود
~~خليفة الله في الأرض. PageV02P208
# فقال له: ثبت قول موسى بن عمران!
# قال الرضا عليه السلام: تعلم يا يهودي أن موسى أوصى بني إسرائيل فقال
~~لهم:
# أنه سيأتيكم نبي من إخوانكم فيه فصدقوا، ومنه فاسمعوا، فهل تعلم أن لبني
~~إسرائيل أخوة غير ولد إسماعيل، إن كنت تعرف قرابة إسرائيل من إسماعيل
~~والنسب الذي بينهما من قبل إبراهيم عليه السلام؟
# فقال رأس الجالوت: هذا قول موسى لا ندفعه.
# فقال له الرضا عليه السلام: هل جاءكم من أخوة بني إسرائيل غير محمد صلى
~~الله عليه وآله؟
# قال: لا.
# وفي العيون: فقال الرضا عليه السلام: أفليس قد صح هذا عندكم؟
# قال: نعم. ولكني أحب أن تصححه لي من التوراة.
# فقال له الرضا عليه السلام: هل تنكرون التوراة تقول لكم: جاء النور من
~~قبل طور سيناء، وأضاء للناس من جبل ساعير، واستعلن علينا من جبل فاران؟
# قال رأس الجالوت: أعرف هذه الكلمات وما أعرف تفسيرها.
# قال الرضا عليه السلام: أنا أخبرك به أما قوله: جاء النور من قبل طور
~~سيناء:
# فذلك وحي الله تبارك وتعالى الذي أنزله على موسى على جبل طور سيناء، وأما
~~قوله: وأضاء للناس في جبل ساعير، فهو: الجبل الذي أوحى الله عز وجل إلى
~~عيسى بن مريم عليه السلام وهو عليه، وأما قوله: واستعلن علينا من جبل
~~فاران:
# فذاك جبل من جبال مكة، وبينه وبينها يومان أو يوم.
# قال شعيا النبي - فيما تقول أنت وأصحابك في التوراة - رأيت راكبين أضاء
~~لهما الأرض، أحدهما على حمار، والآخر على جمل، فمن راكب الحمار ومن راكب
~~الجمل؟
# قال رأس الجالوت: لا أعرفهما فخبرني بهما!
# قال: أما راكب الحمار فعيسى، وأما راكب الجمل فمحمد صلى الله عليه وآله
~~أتنكر هذا من التوراة؟
# قال: لا ما أنكره. PageV02P209
# قال الرضا عليه السلام: هل تعرف حيقوق النبي عليه السلام؟
# قال: نعم. أني به لعارف!
# قال: فإنه قال - وكتابكم ينطق به -: جاء ms445 الله تعالى بالبيان من جبل
~~فاران، وامتلأت السماوات من تسبيح أحمد وأمته، يحمل خيله في البحر كما يحمل
~~في البر، يأتينا بكتاب جديد بعد خراب بيت المقدس، يعني بالكتاب:
# القرآن. أتعرف هذا وتؤمن به؟
# قال رأس الجالوت: قد قال ذلك حيقوق النبي عليه السلام ولا ننكر قوله. قال
~~الرضا عليه السلام: فقد قال داود عليه السلام في زبوره - وأنت تقرأه -:
~~اللهم ابعث مقيم السنة بعد الفترة، فهل تعرف نبيا أقام السنة بعد الفترة
~~غير محمد صلى الله عليه وآله؟
# قال رأس الجالوت: هذا قول داود نعرفه ولا ننكره، ولكن عنى بذلك:
# عيسى وأمامه هي الفترة.
# قال الرضا عليه السلام: جهلت أن عيسى لم يخالف السنة، وكان موافقا لسنة
~~التوراة، حتى رفعه الله إليه، وفي الإنجيل مكتوب: أن ابن البرة ذاهب و
~~(الفارقليطا) جائي من بعدي، هو يخفف الآصار، ويفسر لكم كل شئ، ويشهد لي كما
~~شهدت له، أنا جئتكم بالأمثال وهو يأتيكم بالتأويل، أتؤمن بهذا في الإنجيل؟
# قال: نعم. لا أنكره.
# قال الرضا عليه السلام: أسألك عن نبيك موسى بن عمران عليه السلام.
# فقال: سل!
# قال: ما الحجة على أن موسى ثبتت نبوته؟
# قال اليهودي: أنه جاء بما لم يجئ أحد من الأنبياء قبله.
# قال له عليه السلام: مثل ماذا؟
# قال: مثل فلق البحر، وقلبه العصا حية تسعى، وضربه الحجر فانفجر منه
~~العيون وإخراجه يده بيضاء للناظرين، وعلامات لا يقدر الخلق على مثلها.
# قال له الرضا عليه السلام: صدقت في أنها كانت حجته على نبوته، إنه جاء
~~بما PageV02P210
# لا يقدر الخلق على مثله، أفليس كل من ادعى أنه نبي وجاء بما لا يقدر
~~الخلق على مثله وجب عليكم تصديقه؟
# قال: لا. لأن موسى لم يكن له نظير لمكانه من ربه وقربه منه، ولا يجب
~~علينا الاقرار بنبوة من ادعاها حتى يأتي من الأعلام بمثل ما جاء.
# قال الرضا عليه السلام: فكيف أقررتم بالأنبياء الذين كانوا قبل موسى، ولم
~~يفلقوا البحر ولم يفجروا من الحجر اثنتي عشر عينا، ولم يخرجوا أيديهم ms446 مثل
~~إخراج موسى يده بيضاء، ولم يقلبوا العصا حية تسعى؟!
# قال له اليهودي: قد خبرتك أنه متى جاءوا على نبوتهم من الآيات بما لا
~~يقدر الخلق على مثله ولو جاءوا بمثل ما لم يجئ به موسى، أو كانوا على ما
~~جاء به موسى وجب تصديقهم.
# قال الرضا عليه السلام: يا رأس الجالوت! فما يمنعك من الاقرار بعيسى بن
~~مريم، وكان يحيي الموتى، ويبرئ الأكمه والأبرص، ويخلق من الطين كهيئة الطير
~~ثم ينفخ فيه فيكون طائرا بإذن الله؟!
# قال رأس الجالوت: يقال: أنه فعل ذلك، ولم نشهده.
# قال الرضا عليه السلام: أرأيت ما جاء به موسى من الآيات وشاهدته! أليس
~~إنما جاء الأخبار من ثقات أصحاب موسى أنه فعل ذلك؟
# قال: بلى.
# قال: كذلك أيضا أتتكم الأخبار المتواترة بما فعل عيسى بن مريم. فكيف
~~صدقتم بموسى ولم تصدقوا بعيسى؟!
# فلم يحر جوابا.
# فقال الرضا عليه السلام: وكذلك أمر محمد صلى الله عليه وآله وما جاء به،
~~وأمر كل نبي بعثه الله، ومن آياته أنه كان يتيما فقيرا راعيا أجيرا، ولم
~~يتعلم، ولم يختلف إلى معلم.
# ثم جاء بالقرآن الذي فيه قصص الأنبياء عليهم السلام وأخبارهم حرفا حرفا،
~~وأخبار من مضى ومن بقي إلى يوم القيامة، ثم كان يخبرهم بأسرارهم وما يعملون
~~PageV02P211
# في بيوتهم، بآيات كثيرة لا تحصى.
# قال رأس الجالوت: لم يصح عندنا خبر عيسى، ولا خبر محمد، ولا يجوز لنا أن
~~نقر لهما بما لا يصح عندنا.
# قال الرضا عليه السلام: فالشاهد الذي يشهد لعيسى ومحمد صلى الله عليه
~~وآله شاهد زور؟
# فلم يحر جوابا.
# ثم دعا بالهربذ الأكبر. فقال له الرضا عليه السلام: أخبرني عن زردشت الذي
~~تزعم: أنه نبي ما حجتك على نبوته؟
# قال: إنه أتى بما لم يأتنا به أحد قبله، ولم نشهده. ولكن الأخبار من
~~أسلافنا وردت علينا بأنه: أحل لنا ما لم يحله لنا غيره فاتبعناه.
# قال: أفليس إنما أتتكم الأخبار فاتبعتموه؟
# قال: بلى.
# قال: فكذلك سائر الأمم السالفة، أتتهم الأخبار بما أتى به النبيون، ms447 وأتى
~~به موسى وعيسى ومحمد صلى الله عليه وآله، فما عذركم في ترك الاقرار بهم، إذ
~~كنتم إنما أقررتم بزردشت من قبل الأخبار الواردة بأنه: جاء بما لم يجئ به
~~غيره؟
# فانقطع الهربذ مكانه.
# فقال الرضا عليه السلام: يا قوم إن كان فيكم أحد يخالف الإسلام وأراد أن
~~يسأل فليسأل غير محتشم!
# فقام إليه عمران الصابي - وكان واحدا من المتكلمين - فقال: يا عالم
~~الناس!
# لولا أنك دعوت إلى مسألتك لم أقدم عليك بالمسائل، ولقد دخلت الكوفة
~~والبصرة والشام والجزيرة، ولقيت المتكلمين فلم أقع على أحد يثبت لي واحدا
~~ليس غيره قائما بوحدانيته، أفتأذن أن أسألك؟
# قال الرضا عليه السلام: إن كان في الجماعة عمران الصابي فأنت هو!
# قال: أنا هو.
# قال: سل يا عمران وعليك بالنصفة، إياك والخطل والجور! PageV02P212
# قال: والله يا سيدي ما أريد إلا أن تثبت لي شيئا أتعلق به. فلا أجوزه!
# قال: سل عما بدا لك!
# فازدحم الناس وضم بعضهم إلى بعض.
# فقال: أخبرني عن الكائن الأول وعما خلق؟
# قال: سألت فافهم الجواب!
# أما الواحد فلم يزل كائنا واحدا، لا شئ معه، بلا حدود، ولا أعراض، ولا
~~يزال كذلك. ثم خلق خلقا مبتدعا، مختلفا، بأعراض وحدود مختلفة، لا في شئ
~~أقامه، ولا في شئ حده، ولا على شئ حذاه ومثله، فجعل الخلق من بعد ذلك صفوة
~~وغير صفوة لله، واختلافا وايتلافا، وألوانا، وذوقا، وطعما، لا لحاجة كانت
~~منه إلى ذلك، ولا لفضل منزلة لم يبلغها إلا به، ولا رأى لنفسه فيما خلق
~~زيادة ولا نقصانا، تعقل هذا يا عمران؟
# قال: نعم والله يا سيدي.
# قال: واعلم يا عمران! أنه لو كان خلق ما خلق لحاجة، لم يخلق إلا من
~~يستعين به على حاجته، ولكان ينبغي أن يخلق أضعاف ما خلق، لأن الأعوان كلما
~~كثروا كان صاحبهم أقوى.
# ثم طال السؤال والجواب بين الرضا عليه السلام وبين عمران الصابي، وألزمه
~~عليه السلام في أكثر مسائله، حتى انتهت الحال إلى أن قال:
# أشهد أنه يا سيدي كما وصفت، ولكن ms448 بقيت مسألة!
# قال: سل عما أردت!
# قال: أسألك عن: (الحكيم) في أي شئ، وهل يحيط به شئ، وهل يتحول من شئ إلى
~~شئ، أو هل به حاجة إلى شئ؟
# قال الرضا عليه السلام: أخبرك يا عمران فاعقل ما سألت عنه، فإنه من أغمض
~~ما يرد على المخلوقين في مسائلهم، وليس يفهمه المتقارب عقله العازب حلمه،
~~ولا يعجز عن فهمه أولو العقل المنصفون. PageV02P213
# أما أول ذلك. فلو كان خلق ما خلق لحاجة منه لجاز لقائل أن يقول: يتحول
~~إلى ما خلق لحاجته إلى ذلك، ولكنه عز وجل لم يخلق شيئا لحاجة، ولم يزل
~~ثابتا لا في شئ، إلا أن الخلق يمسك بعضه بعضا، ويدخل بعضه في بعض، ويخرج
~~منه.
# والله جل وتقدس بقدرته يمسك ذلك كله، وليس يدخل في شئ، ولا يخرج منه ولا
~~يؤده حفظه، ولا يعجز عن إمساكه، ولا يعرف أحد من الخلق كيف ذلك إلا الله عز
~~وجل، ومن اطلعه عليه من رسله وأهل سره، والمستحفظين لأمره، وخزانه القائمين
~~بشريعته، وإنما أمره كلمح البصر أو هو أقرب، إذا شاء شيئا فإنما يقول له:
~~(كن) فيكون بمشيته وإرادته، وليس شئ من خلقه أقرب إليه من شئ، ولا شئ أبعد
~~منه من شئ، أفهمت يا عمران؟
# قال: نعم يا سيدي فهمت، وأشهد أن الله على ما وصفت ووحدت، وأن محمدا عبده
~~المبعوث بالهدى ودين الحق، ثم خر ساجدا نحو القبلة وأسلم.
# قال الحسن بن محمد النوفلي: فلما نظر المتكلمون إلى كلام عمران الصابي -
~~وكان جدلا لم يقطعه عن حجته أحد قط - لم يدن من الرضا عليه السلام أحد، ولم
~~يسألوه عن شئ، وأمسينا فنهض المأمون والرضا عليه السلام فدخلا وانصرف
~~الناس.
# ثم قال الرضا عليه السلام - بعد أن عاد إلى منزله -: يا غلام صر إلى
~~عمران الصابي فأتني به!
# فقلت: جعلت فداك! أنا أعرف موضعه هو عند بعض إخواننا من الشيعة.
# قال: فلا بأس قربوا إليه دابة.
# فصرت إلى عمران فأتيته به، فرحب به، ودعا بكسوة فخلعها عليه، ودعا بعشرة ms449
~~آلاف درهم فوصله به.
# قلت: جعلت فداك! حكيت فعل جدك أمير المؤمنين عليه السلام.
# قال: هكذا يجب. ثم دعا عليه السلام بالعشاء فأجلسني عن يمينه، وأجلس
~~عمران عن يساره، حتى إذا فرغنا قال لعمران: انصرف مصاحبا وبكر علينا نطعمك
~~طعام المدينة. PageV02P214
# فكان عمران بعد ذلك يجتمع إليه المتكلمون من أصحاب المقالات فيبطل عليهم
~~أمرهم حتى اجتنبوه. ووصله المأمون بعشرة آلاف درهم، وأعطاه الفضل مالا
~~جزيلا، وولاه الرضا عليه السلام صدقات البلخ فأصاب الرغائب.
# وروي عن علي بن الجهم أنه قال: حضرت مجلس المأمون وعنده الرضا عليه
~~السلام فقال له المأمون:
# يا بن رسول الله أليس من قولك: (أن الأنبياء معصومون)؟ (1).
# قال: بلى.
# قال: فما معنى قول الله عز وجل: (وعصى آدم ربه فغوى)؟ (2).
# فقال: إن الله تبارك وتعالى قال لآدم عليه السلام: (أسكن أنت وزوجك الجنة
~~وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين) (3)
~~ولم يقل لهما لا تأكلا من هذه الشجرة، ولا مما كان من جنسها، فلم يقربا تلك
~~الشجرة، وإنما أكلا من غيرها إذ وسوس الشيطان إليهما وقال: (ما نهاكما
~~ربكما عن هذه الشجرة) (4) وإنما نهاكما أن تقربا غيرها، ولم ينهكما عن
~~الأكل منها: (إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين) (5) (وقاسمهما أني
~~لكما من الناصحين) (6) ولم يكن آدم وحوا شاهدا قبل ذلك من يحلف بالله
~~كاذبا، (فدلاهما بغرور) (7)
# PageV02P215
# فأكلا منها ثقة بيمينه بالله، وكان ذلك من آدم قبل النبوة، ولم يكن ذلك
~~بذنب كبير استحق دخول النار، وإنما كان من الصغائر الموهوبة التي تجوز على
~~الأنبياء قبل نزول الوحي عليهم، فلما اجتباه الله تعالى وجعله نبيا كان
~~معصوما لا يذنب صغيرة ولا كبيرة. قال الله تعالى: (وعصى آدم ربه فغوى ثم
~~اجتباه ربه فتاب عليه وهدى) وقال عز وجل: (إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل
~~إبراهيم وآل عمران على العالمين) (1).
# قال المصنف (ره): لعل الرضا صلوات الله عليه أراد (بالصغائر الموهوبة):
# ترك المندوب وارتكاب المكروه من الفعل، دون الفعل القبيح الصغير بالإضافة ms450
~~إلى ما هو أعظم منه، لاقتضاء أدلة العقول والأثر المنقول لذلك، ورجعنا إلى
~~سياق الحديث.
# ثم قال المأمون: فما معنى قول الله عز وجل: (فلما آتاهما صالحا جعلا له
~~شركاء فيما آتاهما) (2).
# فقال الرضا عليه السلام: أن حوا ولدت خمسمائة بطن، في كل بطن ذكر وأنثى
~~وأن آدم وحوا عاهدا الله ودعواه قالا: (لئن آتيتنا صالحا لنكونن من
~~الشاكرين) (3) فلما آتاهما صالحين من النسل، خلقا سويا بريئا من الزمانة
~~والعاهة، كان ما آتاهما صنفين: صنفا ذكرانا وصنفا إناثا، جعل الصنفان لله
~~تعالى شركاء فيما آتاهما ولم يشكراه شكر أبويهما له عز وجل. قال الله
~~تعالى: (فتعالى الله عما يشركون) (4).
# فقال المأمون: أشهد أنك ابن رسول الله صلى الله عليه وآله حقا، فأخبرني
~~عن قول الله عز وجل في إبراهيم: (فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا
~~ربي؟) (5).
# فقال الرضا عليه السلام: أن إبراهيم وقع على ثلاثة أصناف: صنف يعبد
~~(الزهرة)، وصنف يعبد (القمر)، وصنف يعبد (الشمس) ذلك حين خرج من
# PageV02P216
# من السرب الذي أخفى فيه.
# فلما جن عليه الليل رأى (الزهرة) قال: (هذا ربي؟!) على الانكار
~~والاستخبار. (فلما أفل (الكوكب) قال لا أحب الآفلين) (1) لأن الأفول من
~~صفات المحدث ولا من صفات القديم.
# (فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي؟!) (2) على الانكار والاستخبار.
# (فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين) (3) يقول: لو
~~لم يهدني ربي لكنت من القوم الضالين.
# (فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر) (4) من الزهر والقمر؟!
# على الانكار والاستخبار، لا على سبيل الإخبار والإقرار.
# (فلما أفلت قال - للأصناف الثلاثة من: عبدة الزهرة، والقمر، والشمس - يا
~~قوم إني برئ مما تشركون * إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا
~~وما أنا من المشركين) (5) فإنما أراد إبراهيم عليه السلام بما قال: أن يبين
~~لهم بطلان دينهم، ويثبت عندهم: أن العبادة لا تحق لمن كان بصفة الزهرة
~~والقمر والشمس، وإنما تحق العبادة لخالقها خالق السماوات والأرض. وكان مما
~~احتج به على قومه مما ms451 ألهمه الله عز وجل وآتاه، كما قال الله عز وجل: (وتلك
~~حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه) (6).
# فقال المأمون: لله درك يا بن رسول الله! فأخبرني عن قول إبراهيم: (رب
~~أرني كيف تحيي الموتى قال أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي) (7).
# قال الرضا عليه السلام: إن الله تبارك وتعالى كان أوحى إلى إبراهيم عليه
~~السلام: (إني متخذ من عبادي خليلا إن سألني إحياء الموتى أحييت له) فوقع في
~~نفس إبراهيم أنه ذلك الخليل فقال: (ربي أرني كيف تحيي الموتى قال أو لم
~~تؤمن قال بلى ولكن
# PageV02P217
# ليطمئن قلبي) على الخلة: (قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على
~~كل جبل منهن جزءا ثم أدعهن يأتينك سعيا واعلم أن الله على كل شئ قدير) (١)
~~فأخذ إبراهيم نسرا وبطا وطاووسا وديكا، فقطعهن وخلطهن ثم جعل على كل جبل من
~~الجبال التي حوله - وكانت عشرة - منهن جزءا، وجعل مناقيرهن بين أصابعه، ثم
~~دعاهن بأسمائهن، ووضع عنده حبا وماء، فتطايرت تلك الأجزاء بعضها إلى بعض
~~حتى استوت الأبدان، وجاء كل بدن حتى انضم إلى رقبته ورأسه فخلى إبراهيم
~~عليه السلام عن مناقيرهن، فطرن ثم وقعن فشربن من ذلك الماء والتقطن من ذلك
~~الحب؟
# وقلن: يا نبي الله أحييتنا أحياك الله!
# فقال إبراهيم: (بل الله يحيي ويميت وهو على كل شئ قدير).
# فقال المأمون: بارك الله فيك يا أبا الحسن! فأخبرني عن قول الله:
# (فوكزه موسى فقضى عليه قال هذا من عمل الشيطان) (٢).
# قال الرضا عليه السلام: إن موسى دخل مدينة من مدائن فرعون على حين غفلة
~~من أهلها - وذلك بين المغرب والعشاء - (فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من
~~شيعته وهذا من عدوه فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه فوكزه موسى)
~~فقضى موسى على العدو بحكم الله تعالى ذكره فمات. قال: (هذا من عمل الشيطان)
~~(٣) يعني الاقتتال الذي وقع بين الرجلين، لا ما فعله موسى من قتله إياه
~~(أنه - يعني:
# الشيطان - عدو مضل مبين) (٤).
# قال المأمون فما معنى قول موسى: ms452 ﴿رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي﴾ (٥)؟
# قال: يقول: إني وضعت نفسي غير موضعها، بدخولي هذه المدينة، فاغفر لي أي:
~~استرني من أعدائك. لئلا يظفروا بي فيقتلوني ﴿فغفر له﴾ (٦) أي:
# ستره من عدوه، ﴿إنه هو الغفور
~~الرحيم﴾ (7) قال: (ربي بما أنعمت علي) (8)
# PageV02P218
# من القوة حتى قتلت رجلا بوكزة، (فلن أكون ظهيرا للمجرمين) (1) بل أجاهد
~~في سبيلك بهذه القوة حتى ترضى. (فأصبح موسى في المدينة خائفا يترقب فإذا
~~الذي استنصره بالأمس يستصرخه قال له موسى إنك لغوي مبين) (2) قاتلت رجلا
~~بالأمس، وتقاتل هذا اليوم لأؤدبنك، فلما أراد أن يبطش بالذي هو عدو لهما ظن
~~الذي هو من شيعته أنه يريده (قال: - يا موسى - أتريد أن تقتلني كما قتلت
~~نفسا بالأمس إن تريد إلا أن تكون جبارا في الأرض وما تريد أن تكون من
~~المصلحين) (3).
# قال المأمون: جزاك الله عن أنبيائه خيرا يا أبا الحسن! فما معنى قول موسى
~~لفرعون: (فعلتها إذا وأنا من الضالين) (4)؟
# قال الرضا عليه السلام: إن فرعون قال لموسى لما أتاه: (وفعلت فعلتك التي
~~فعلت وأنت من الكافرين) (5) (قال موسى فعلتها إذا وأنا من الضالين) عن
~~الطريق بوقوعي إلى مدينة من مدائنك، (ففررت منكم لما خفتكم فوهب لي ربي
~~حكما وجعلني من المرسلين) (6) وقد قال الله لنبيه محمد صلى الله عليه وآله:
~~(ألم يجدك يتيما فآوى) (7) يقول: ألم يجدك وحيدا فآوى إليك الناس؟ (ووجدك
~~ضالا) يعني:
# عند قومك (فهدى) (8) أي: هداهم إلى معرفتك. (ووجدك عائلا فأغنى) (9)
~~يقول: أغناك بأن جعل دعاءك مستجابا.
# قال المأمون: بارك الله فيك يا بن رسول الله! فما معنى قول الله: (ولما
~~جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني) الآية
~~(10) كيف يكون كليم الله موسى بن عمران لا يعلم أن الله تعالى ذكره لا يجوز
# PageV02P219
# عليه الرؤية حتى يسأله هذا السؤال؟!
# فقال الرضا عليه السلام: إن كليم الله موسى بن عمران علم أن الله ms453 جل عن
~~أن يرى بالأبصار، ولكنه لما كلمه الله تعالى وقربه نجيا، رجع إلى قومه
~~فأخبرهم:
# أن الله عز وجل كلمه وقربه، فقالوا: لن نؤمن لك حتى نسمع كلامه كما سمعت،
~~وكان القوم سبعمائة ألف رجل، فاختار منهم سبعين ألفا، ثم اختار منهم سبعة
~~آلاف، ثم اختار منهم سبعمائة، ثم اختار منهم سبعين رجلا لميقات ربه، فخرج
~~بهم إلى طور سيناء، فأقامهم في سفح الجبل وصعد موسى إلى الطور، وسأل الله
~~عز وجل أن يكلمه ويسمعهم كلامه، فكلمه الله تعالى: وسمعوا كلامه من فوق
~~وأسفل ويمين وشمال، ووراء وأمام، لأن الله عز وجل أحدثه في الشجرة، ثم جعله
~~منبعثا منها حتى سمعوه من جميع الوجوه. فقالوا: لن نؤمن لك بأن هذا الذي
~~سمعناه كلام الله حتى نرى الله جهرة، فلما قالوا هذا القول العظيم
~~واستكبروا وعتوا، بعث الله عليهم صاعقة فأخذتهم بظلمهم فماتوا.
# فقال موسى: يا رب ما أقول لبني إسرائيل إذا رجعت إليهم وقالوا: إنك ذهبت
~~بهم فقتلتهم لأنك لم تكن صادقا فيما ادعيت من مناجاة الله إياك؟
# فأحياهم الله وبعثهم معه، فقالوا: إنك لو سألت الله أن يريك تنظر إليه
~~لأجابك، وكنت تخبرنا كيف هو فنعرفه حق معرفته.
# فقال موسى: يا قوم! إن الله لا يرى بالأبصار ولا كيفية له، وإنما يعرف
~~بآياته ويعلم بعلاماته.
# فقالوا: لن نؤمن لك حتى تسأله.
# فقال موسى: رب إنك قد سمعت مقالة بني إسرائيل وأنت أعلم بصلاحهم، فأوحى
~~الله جل جلاله إليه يا موسى سلني ما سألوك فلن أؤاخذك بجهلهم، فعند ذلك قال
~~موسى: (رب أرني أنظر إليك) (قال لن تراني ولكن أنظر إلى الجبل فإن استقر
~~مكانه - وهو يهوى - فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل - بآية من PageV02P220
# آياته - جعله دكا وخر موسى صعقا فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك) يقول:
# رجعت إلى معرفتي بك؟ عن جهل قومي، (وأنا أول المؤمنين) منهم بأنك لا ترى.
# فقال المأمون: لله درك يا أبا الحسن! فأخبرني عن قول الله عز وجل:
# ولقد همت به وهم ms454 بها لولا أن رأى برهان ربه) (1)؟
# فقال الرضا عليه السلام همت به ولولا أن رأى برهان ربه لهم بها كما همت
~~به لكنه كان معصوما والمعصوم لا يهم بذنب ولا يأتيه، ولقد حدثني أبي عن
~~أبيه الصادق أنه قال: همت بأن تفعل وهم بأن لا يفعل.
# فقال المأمون: لله درك يا أبا الحسن! فأخبرني عن قول الله عز وجل:
# (وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه. الآية) (2)؟
# فقال الرضا عليه السلام: ذلك يونس بن متى، ذهب مغاضبا لقومه، فظن بمعنى:
# استيقن أن لن نقدر عليه، أي: نضيق عليه رزقه، ومنه قوله عز وجل: (وأما
~~إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه) (3) أي: ضيق وقتر، (فنادى في الظلمات) ظلمة
~~الليل، وظلمة البحر، وظلمة بطن الحوت، (أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت
~~من الظالمين) بتركي العبادة التي قد قرت عيني بها في بطن الحوت. فاستجاب
~~الله له. وقال عز وجل: (فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم
~~يبعثون) (4).
# فقال المأمون: لله درك يا أبا الحسن! أخبرني عن قول الله عز وجل:
# (حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا)؟ (5).
# قال الرضا عليه السلام: يقول الله: حتى إذا استيأس الرسل من قومهم، وظن
~~قومهم أن الرسل قد كذبوا، جاء الرسل نصرنا.
# فقال المأمون: لله درك يا أبا الحسن! فأخبرني عن قول الله: (ليغفر لك
~~الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر)؟ (6).
# PageV02P221
# قال الرضا عليه السلام: لم يكن أحد عند مشركي أهل مكة أعظم ذنبا من رسول
~~الله صلى الله عليه وآله، لأنهم كانوا يعبدون من دون الله ثلاثمائة وستين
~~صنما، فلما جاءهم بالدعوة إلى كلمة الإخلاص كبر ذلك عليهم وعظم، وقالوا:
~~(أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشئ عجاب * فانطلق الملأ منهم أن امشوا
~~واصبروا على آلهتكم إن هذا لشئ يراد * ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة إن
~~هذا إلا اختلاق) (1) فلما فتح الله عز وجل على نبيه مكة قال له: يا محمد
~~(إنا ms455 فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر) (2) عند
~~مشركي أهل مكة بدعائك إياهم إلى توحيد الله فيما تقدم وما تأخر، لأن مشركي
~~مكة أسلم بعضهم وخرج بعضهم عن مكة، ومن بقي منهم لا يقدر على إنكار التوحيد
~~عليه إذا دعى الناس إليه، فصار ذنبه عندهم مغفورا بظهوره عليهم.
# فقال المأمون: لله درك يا أبا الحسن! فأخبرني عن قول الله عز وجل:
# (عفا الله عنك لم أذنت لهم) (3).
# فقال الرضا عليه السلام: هذا مما نزل (بإياك أعني واسمعي يا جارة) خاطب
~~الله بذلك نبيه صلى الله عليه وآله وأراد به أمته، وكذلك قوله تعالى: (لئن
~~أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين) (4) وقوله عز وجل: (ولولا أن
~~ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا) (5).
# قال المأمون: صدقت يا بن رسول الله! فأخبرني عن قول الله عز وجل:
# (وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله
~~وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه) (6).
# قال الرضا عليه السلام: أن رسول الله صلى الله عليه وآله قصد دار زيد بن
~~حارثة بن شراحيل الكلبي في أمر أراده، فرأى امرأته تغتسل فقال لها: (سبحان
~~الذي خلقك) وإنما
# PageV02P222
# أراد بذلك تنزيه الله عن قول من زعم: أن الملائكة بنات الله، فقال الله
~~عز وجل:
# (أفأصفاكم ربكم بالبنين واتخذ من الملائكة إناثا إنكم لتقولون قولا
~~عظيما) (1) فقال النبي صلى الله عليه وآله لما رآها تغتسل: (سبحان الذي
~~خلقك) أن يتخذ ولدا يحتاج إلى هذا التطهير والاغتسال، فلما عاد زيد إلى
~~منزله أخبرته امرأته بمجئ رسول الله صلى الله عليه وآله، وقوله لها سبحان
~~الذي خلقك، فلم يعلم زيد ما أراد بذلك وظن أنه قال ذلك لما أعجبه من حسنها،
~~فجاء إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال: يا رسول الله إن امرأتي في خلقها
~~سوء، وإني أريد طلاقها.
# فقال له النبي: (أمسك عليك زوجك واتق الله) وقد كان الله عرفه عدد أزواجه
~~وأن ms456 تلك المرأة منهن، فأخفى ذلك في نفسه ولم يبده لزيد، وخشي الناس أن
~~يقولوا: أن محمدا يقول لمولاه أن امرأتك ستكون لي زوجة، فيعيبوه بذلك،
~~فأنزل الله عز وجل: (وإذ تقول للذي أنعم الله عليه) يعني: بالإسلام (وأنعمت
~~عليه) يعني: بالعتق (أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه
~~وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه) (2) ثم إن زيد بن حارثة طلقها واعتدت منه
~~فزوجها الله عز وجل من نبيه محمد صلى الله عليه وآله، وأنزل بذلك قرآنا
~~فقال عز وجل:
# (فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكيلا يكون على المؤمنين حرج في أزواج
~~أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا وكان أمر الله مفعولا) (3) ثم علم عز وجل أن
~~المنافقين سيعيبوه بتزويجها فأنزل الله: (ما كان على النبي من حرج فيما فرض
~~الله له) (4).
# فقال المأمون: لقد شفيت صدري يا بن رسول الله، وأوضحت لي ما كان ملتبسا
~~فجزاك الله عن أنبيائه وعن الإسلام خيرا.
# قال علي بن الجهم: فقام المأمون إلى الصلاة، وأخذ بيد محمد بن جعفر
# PageV02P223
# ابن محمد - وكان حاضر المجلس - وتبعتهما فقال له المأمون: كيف رأيت ابن
~~أخيك؟
# فقال: عالم. ولم نره يختلف إلى أحد من أهل العلم.
# فقال المأمون: إن ابن أخيك من أهل بيت النبوة الذين قال فيهم النبي صلى
~~الله عليه وآله:
# (ألا إن أبرار عترتي، وأطايب أرومتي، أحلم الناس صغارا، وأعلم الناس
~~كبارا فلا تعلموهم فإنهم أعلم منكم، لا يخرجونكم من باب هدى ولا يدخلونكم
~~في باب ضلالة).
# وانصرف الرضا عليه السلام إلى منزله، فلما كان من الغد غدوت إليه،
~~وأعلمته ما كان من قول المأمون وجواب عمه محمد بن جعفر له، فضحك الرضا عليه
~~السلام ثم قال:
# يا بن الجهم لا يغرنك ما سمعته منه، فإنه سيغتالني والله ينتقم لي منه.
# احتجاجه صلوات الله عليه فيما يتعلق بالإمامة وصفات من خصه الله تعالى
~~بها وبيان الطريق إلى من كان عليها وذم من يجوز اختيار الإمام ولؤم من غلا
~~فيه وأمر الشيعة ms457 بالتورية والتقية عند الحاجة إليهما وحسن التأدب.
# أبو يعقوب البغدادي (1) قال: إن ابن السكيت (2) قال - لأبي الحسن الرضا
~~عليه السلام -:
# PageV02P224
# لماذا بعث الله موسى بن عمران بيده البيضاء، وبآية السحر، وبعث عيسى بآية
~~الطلب، وبعث محمدا صلى الله عليه وآله بالكلام والخطب؟
# فقال له أبو الحسن عليه السلام: أن الله لما بعث موسى عليه السلام كان
~~الغالب على أهل عصره السحر فأتاهم من عند الله بما لم يكن في وسع القوم
~~مثله، وبما أبطل به سحرهم، وأثبت به الحجة عليهم.
# وأن الله بعث عيسى عليه السلام في وقت قد ظهرت فيه الزمانات، واحتاج
~~الناس إلى الطلب، فأتاهم من عند الله بما لم يكن عندهم مثله، وبما أحيا لهم
~~الموتى وأبرأ الأكمه والأبرص بإذن الله، وأثبت به الحجة عليهم.
# وأن الله بعث محمدا صلى الله عليه وآله في وقت كان الأغلب على أهل عصره
~~الخطب والكلام - وأظنه قال والشعر - فأتاهم من عند الله من مواعظه وأحكامه
~~ما أبطل به قولهم وأثبت به الحجة عليهم.
# قال: فما زال ابن السكيت يقول له: والله ما رأيت مثلك قط! فما الحجة على
~~الخلق اليوم؟
# فقال عليه السلام العقل يعرف به الصادق على الله فيصدقه، والكاذب على
~~الله فيكذبه.
# فقال ابن السكيت: هذا والله هو الجواب، قد ضمن الرضا عليه السلام في
~~كلامه هذا أن العالم لا يخلو في زمان التكليف من صادق من قبل يلتجئ المكلف
~~إليه فيما اشتبه عليه من أمر الشريعة، صاحب دلالة تدل على صدقه عليه تعالى،
~~يتوصل المكلف إلى معرفته بالعقل، ولولاه لما عرف الصادق من الكاذب، فهو حجة
~~الله تعالى PageV02P225
# على الخلق أولا.
# وعن القسم بن مسلم (١) عن أخيه عبد العزيز بن مسلم (٢) قال:
# كنا في أيام علي بن موسى الرضا عليه السلام بمرو، فاجتمعنا في جامعها في
~~يوم جمعة في بدو قدومنا، فأدار الناس أمر الإمامة وذكروا كثرة اختلاف الناس
~~فيها فدخلت على سيدي ومولاي الرضا عليه السلام فأعلمته ما خاض الناس فيه،
~~فتبسم ثم قال:
# يا عبد ms458 العزيز جهل القوم وخدعوا عن أديانهم، إن الله تبارك وتعالى لم
~~يقبض نبيه صلى الله عليه وآله حتى أكمل له الدين، وأنزل عليه القرآن فيه
~~تفصيل كل شئ، بين فيه الحلال والحرام، والحدود والأحكام، وجميع ما يحتاج
~~إليه كملا.
# فقال عز وجل: (ما فرطنا في الكتاب من شئ) (٣) وأنزل في حجة الوداع وهو
~~آخر عمره: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام
~~دينا) (٤) فأمر الإمامة من تمام الدين، ولم يمض صلى الله عليه وآله حتى بين
~~لأمته معالم دينه وأوضح لهم سبيله، وتركهم على قصد الحق، وأقام لهم عليا
~~عليه السلام علما وإماما وما ترك شيئا يحتاج إليه الأمة إلا بينه، فمن زعم
~~أن الله عز وجل لم يكمل دينه فقد رد كتاب الله عز وجل، ومن رد كتاب الله
~~فهو كافر. هل تعرفون قدر الإمامة ومحلها من الأمة فيجوز فيها اختيارهم. إن
~~الإمامة أجل قدرا وأعظم شأنا وأعلى مكانا وأمنع جانبا وأبعد غورا من أن
~~يبلغها الناس بعقولهم، أو ينالونها بآرائهم، فيقيموها باختيارهم. إن
~~الإمامة خص الله عز وجل بها إبراهيم الخليل بعد النبوة والخلة، مرتبة ثالثة
~~وفضيلة شرفه الله بها، فأشاد بها ذكره فقال عز وجل:
# ﴿إني جاعلك للناس إماما)﴾ (٥) فقال
~~الخليل - سرورا بها -: ﴿ومن ذريتي﴾
~~(٦) قال الله عز وجل: ﴿لا ينال عهدي
~~الظالمين﴾ (7) فأبطلت هذه الآية إمامة كل
# PageV02P226
# ظالم إلى يوم القيامة، وصارت في الصفوة، ثم أكرمه الله عز وجل بأن جعل في
~~ذريته أهل الصفوة والطهارة، فقال تعالى: (ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة
~~وكلا جعلنا صالحين * وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات
~~وأقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين) (1) فلم: تزل في ذريته
~~يرثها بعض عن بعض قرنا فقرنا، حتى ورثها النبي صلى الله عليه وآله فقال
~~الله عز وجل: (إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين
~~آمنوا والله ولي المؤمنين) (2) فكانت ms459 له خاصة، فقلدها النبي صلى الله عليه
~~وآله عليا عليه السلام بأمر الله على رسم ما فرض الله، فصارت في ذريته
~~الأصفياء الذين آتاهم الله العلم والإيمان بقوله عز وجل: (وقال الذين أوتوا
~~العلم والإيمان لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث) (3) فهي في ولد علي
~~عليه السلام خاصة إلى يوم القيامة إذ لا نبي بعد محمد صلى الله عليه وآله،
~~فمن أين يختار هؤلاء الجهال؟
# إن الإمامة منزلة الأنبياء وإرث الأوصياء.
# إن الإمامة خلافة الله عز وجل، وخلافة الرسول، ومقام أمير المؤمنين،
~~وميراث الحسن والحسين.
# إن الإمامة زمام الدين، ونظام المسلمين، وصلاح الدنيا وعز المؤمنين.
# إن الإمامة رأس الإسلام النامي، وفرعه السامي.
# بالإمام تمام الصلاة والزكاة والصيام، والحج والجهاد، وتوفير الفئ
~~والصدقات وإمضاء الحدود والأحكام، ومنع الثغور والأطراف.
# الإمام يحل حلال الله، ويحرم حرام الله، ويقيم حدود الله، ويذب عن دين
~~الله، ويدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة والحجة البالغة.
# الإمام كالشمس الطالعة للعالم وهي في الأفق، بحيث لا تناله الأيدي
~~والأبصار.
# الإمام: البدر المنير، والسراج الزاهر، والنور الساطع، والنجم الهادي في
~~غياهب الدجى والبيداء القفار ولجج البحار.
# PageV02P227
# الإمام: الماء العذب على الظلماء، والدال على الهدى، والمنجي من الردى.
# الإمام: النار على البقاع الحارة لمن اصطلى، والدليل على المسالك، من
~~فارقه فهالك.
# الإمام: السحاب الماطر، والغيث الهاطل، والشمس المضيئة، والأرض البسيطة
~~والعين الغزيرة، والغدير والروضة.
# الإمام: الأمين الرفيق، والوالد الشفيق، والأخ الشقيق، ومفزع العباد في
~~الداهية.
# الإمام: أمين الله في أرضه، وحجته على عباده، وخليفته في بلاده، الداعي
~~إلى الله، والذاب عن حريم الله.
# الإمام: المطهر من الذنوب، المبرأ من العيوب، مخصوص بالعلم، موسوم.
# بالحلم، نظام الدين، وعز المسلمين، وغيظ المارقين، وبوار الكافرين.
# الإمام: واحد دهره، لا يدانيه أحد، ولا يعادله عدل، ولا يوجد له بديل ولا
~~له مثيل ولا نظير، مخصوص بالفضل كله من غير طلب منه ولا اكتساب، بل اختصاص
~~من المتفضل الوهاب فمن ذا يبلغ معرفة الإمام ويمكنه اختياره؟ هيهات هيهات!
# ضلت العقول، وتاهت ms460 الحلوم، وحارت الألباب، وحسرت العيون، وتصاغرت العظماء
~~وتحيرت الحكماء، وتقاصرت الحلماء، وحصرت الخطباء، وجهلت الألباب وكلت
~~الشعراء، وعجزت الأدباء، وعيت البلغاء، عن وصف شأن من شأنه، أو فضيلة من
~~فضائله فأقرت بالعجز والتقصير، وكيف يوصف أو ينعت بكنهه، أو يفهم شئ من
~~أمره، أو يوجد من يقوم مقامه، ويغني غناه، لا وكيف وأنى وهو بحيث النجم من
~~أيدي المتناولين، ووصف الواصفين! فأين الاختيار من هذا، وأين العقول عن
~~هذا، وأين يوجد مثل هذا، ظنوا أن دخل يوجد في غير آل رسول الله صلى الله
~~عليه وآله؟
# كذبتهم والله أنفسهم ومنتهم الباطل، فارتقوا مرتقا صعبا دحضا تزل عنه إلى
~~الحضيض أقدامهم، راموا إقامة الإمام بعقول حائرة بائرة ناقصة، وآراء مضلة،
~~فلم يزدادوا منه إلا بعدا. PageV02P228
# قاتلهم الله أنى يؤفكون! لقد راموا صعبا، وقالوا إفكا، وضلوا ضلالا بعيدا
~~ووقعوا في الحيرة، إذ تركوا الإمام من غير بصيرة، وزين لهم الشيطان أعمالهم
~~فصدهم عن السبيل، وكانوا مستبصرين، رغبوا عن اختيار الله واختيار رسوله،
~~إلى اختيارهم والقرآن يناديهم: (وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم
~~الخيرة سبحان الله وتعالى عما يشركون) (1) وقال عز وجل: (وما كان لمؤمن ولا
~~مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم) (2) وقال عز
~~وجل:
# (وما لكم كيف تحكمون * أم لكم كتاب فيه تدرسون * أن لكم فيه لما تخيرون *
~~أم لكم أيمان علينا بالغة إلى يوم القيامة أن لكم لما تحكمون * سلهم أيهم
~~بذلك زعيم * أم لهم شركاء فليأتوا بشركائهم إن كانوا صادقين) (3) وقال عز
~~وجل:
# (أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها) (4) (أم طبع الله على قلوبهم
~~فهم لا يفقهون (5) (قالوا سمعنا وهم لا يسمعون * إن شر الدواب عند الله
~~الصم البكم الذين لا يعقلون ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم
~~لتولوا وهم معرضون) (6) (وقالوا سمعنا وعصينا بل هو فضل الله يؤتيه من يشاء
~~والله ذو الفضل العظيم) (7).
# فكيف لهم باختيار الإمام؟! والإمام عالم لا يجهل، راع لا ينكل، معدن
~~القدس والطهارة، ms461 والنسك والزهادة، والعلم والعبادة، ومخصوص بدعوة الرسول
~~وهم نسل مطهرة البتول، لا مغمز فيه في نسب، ولا يدانيه ذو حسب، في البيت من
~~قريش، والذروة من هاشم، والعترة من آل الرسول، والرضا من الله، شرف
~~الأشراف، والفرع من عبد مناف، نامي العلم، كامل الحلم، مضطلع بالإمامة عالم
~~بالسياسة، مفروض الطاعة، قائم بأمر الله، ناصح لعباد الله، حافظ لدين الله.
# إن الأنبياء والأئمة يوفقهم الله، ويؤتيهم من مخزون علمه وحكمه ما
# PageV02P229
# لا يؤتيه غيرهم، فيكون علمهم فوق علم أهل زمانهم في قوله عز وجل: (أفمن
~~يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أم من لا يهدي إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون)
~~(1) وقوله عز وجل: (ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا) (2) وقوله عز وجل
~~- في طالوت -: (إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم والله
~~يؤتي ملكه من يشاء والله واسع عليم) (3) وقال عز وجل لنبيه: (وكان فضل الله
~~عليك عظيما) (4) وقال عز وجل - في الأئمة من أهل بيته وعترته -: (أم يحسدون
~~الناس على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة
~~وآتيناهم ملكا عظيما فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه وكفى بجهنم سعيرا)
~~(5).
# وأن العبد إذا اختاره الله لأمور عباده شرح صدره لذلك، وأودع قلبه ينابيع
~~الحكمة، وألهمه العلم إلهاما، فلم يعي بعده الجواب، ولا يحير فيه عن الصواب
~~وهو معصوم مؤيد، موفق مسدد، قد أمن الخطايا والزلل والعثار، فخصه الله بذلك
~~ليكون حجته على عباده، وشاهده على خلقه، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله
~~ذو الفضل العظيم، فهل يقدرون على مثل هذا، فيختاروه أو يكون مختارهم بهذه
~~الصفة فيقدموه، تعدوا وبيت الله الحق، ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم
~~لا يعلمون، وفي كتاب الله: (فنبذوه وراء ظهورهم واتبعوا أهواءهم) (6) فذمهم
~~الله ومقتهم أنفسهم فقال عز وجل: (ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله
~~إن الله لا يهدي القوم الظالمين) (7) وقال عز وجل: (فتعسا لهم وأضل
~~أعمالهم) (8) وقال عز وجل: ms462 (كبر مقتا عند الله وعند الذين آمنوا كذلك يطبع
~~الله على كل قلب متكبر جبار) (9).
# وروي عن الحسن بن علي بن فضال عن أبي الحسن علي بن موسى الرضا عليه
~~السلام:
# PageV02P230
# أنه قال: للإمام علامات: يكون أعلم الناس، وأحكم الناس، وأتقى الناس،
~~وأشجع الناس، وأسخى الناس، وأعبد الناس، ويولد مختونا، ويكون مطهرا ويرى من
~~خلفه كما يرى من بين يديه، ولا يكون له ظل، وإذا وقع إلى الأرض من بطن أمه
~~وقع على راحتيه رافعا صوته بالشهادتين، ولا يحتلم، ولا ينام عينه ولا ينام
~~قلبه، ويكون محدثا ويستوي عليه درع رسول الله صلى الله عليه وآله، ولا يرى
~~له بول ولا غائط، لأن الله قد وكل الأرض بابتلاع ما يخرج منه، وتكون رائحته
~~أطيب من رائحة المسك، ويكون أولى الناس منهم بأنفسهم، وأشفق عليهم من
~~آبائهم وأمهاتهم، ويكون أشد الناس تواضعا لله عز وجل، ويكون آخذ الناس بما
~~يأمر به وأكف الناس عما ينهى عنه، ويكون دعاؤه مستجابا، حتى أنه لو دعى على
~~صخرة لانشقت بنصفين، أو يكون عنده سلاح رسول الله وسيفه ذو الفقار، وتكون
~~عنده صحيفة فيها أسماء شيعته إلى يوم القيامة، وصحيفة فيها أسماء أعدائه
~~إلى يوم القيامة ويكون عنده الجامعة، وهي صحيفة فيها سبعون ذراعا، فيها
~~جميع ما يحتاج إليه ولد آدم، ويكون عنده الجفر الأكبر والأصغر، وهو إهاب
~~كبش فيها جميع العلوم حتى أرش الخدش، حتى الجلدة ونصف الجلدة وثلث الجلدة،
~~ويكون عنده مصحف فاطمة عليها السلام.
# وروى خالد بن الهيثم الفارسي (1) قال: قلت لأبي الحسن الرضا عليه السلام:
~~إن الناس يزعمون: أن في الأرض أبدالا فمن هؤلاء الأبدال؟
# قال: صدقوا، الأبدال هم: الأوصياء، جعلهم الله في الأرض بدل الأنبياء إذا
~~رفع الأنبياء وختم بمحمد صلى الله عليه وآله.
# وقد روي عن أبي الحسن الرضا عليه السلام: من ذم الغلاة والمفوضة وتكفيرهم
~~وتضليلهم والبراءة منهم وممن والاهم، وذكر علة ما دعاهم إلى ذلك الإعتقاد
~~الفاسد الباطل، ما قد تقدم ذكر طرف منه في هذا الكتاب. ms463
# وكذلك روي عن آبائه وأبنائه عليهم السلام، في حقهم والأمر بلعنهم،
~~والبراءة منهم، وإشاعة
# PageV02P231
# حالهم، والكشف عن سوء اعتقادهم، كي لا يغتر بمقالتهم ضعفاء الشيعة، ولا
~~يعتقد من خالف هذه الطائفة أن الشيعة الإمامية بأسرهم على ذلك، نعوذ منه
~~وممن اعتقده وذهب إليه. فمما ذكره الرضا عليه السلام عن علة وجه خطأهم
~~وضلالهم عن الدين القيم: ما رويناه بالإسناد الذي تقدم ذكره عن أبي محمد
~~الحسن العسكري: أن الرضا عليه السلام والصلوات والتحيات قال:
# إن هؤلاء الضلال الكفرة ما أتوا إلا من قبل جهلهم بمقدار أنفسهم، حتى
~~اشتد إعجابهم بها وكثرة تعظيمهم لما يكون منها، فاستبدوا بآرائهم الفاسدة،
~~واقتصروا على عقولهم المسلوك بها غير سبيل الواجب، حتى استصغروا قدر الله
~~واحتقروا أمره، وتهاونوا بعظيم شأنه، إذ يعلموا أنه القادر بنفسه الغني
~~بذاته، الذي ليست قدرته مستعارة ولا غناه مستفادا، والذي من شاء أفقره ومن
~~شاء أغناه، ومن شاء أعجزه بعد القدرة، وأفقره بعد الغنى، فنظروا إلى عبد قد
~~اختصه الله بقدرة ليبين بها فضله عنده، وآثر بكرامته ليوجب بها حجته على
~~خلقه، وليجعل ما أتاه من ذلك ثوابا على طاعته، وباعثا على اتباع أمره،
~~ومؤمنا عباده المكلفين من غلظ من نصبه عليهم حجة ولهم قدوة، فكانوا كطلاب
~~ملك من ملوك الدنيا ينتجعون فضله ويؤملون نائله، ويرجون التفيوء بظله
~~والانتعاش بمعروفه، والانقلاب إلى أهليهم بجزيل عطائه الذي يعينهم على طلب
~~الدنيا، وينقذهم من التعرض لدني المكاسب وخسيس المطالب، فبينا هم يسألون عن
~~طريق الملك ليترصدوه وقد وجهوا الراغبة نحوه، وتعلقت قلوبهم برؤيته، إذ قيل
~~لهم: سيطلع عليكم في جيوشه ومواكبه وخيله ورجله، فإذا رأيتموه فأعطوه من
~~التعظيم حقه، ومن الاقرار بالمملكة واجبه، وإياكم أن تسموا باسمه غيره، أو
~~تعظموا سواه كتعظيمه، فتكونوا قد بخستم الملك حقه وأزريتم عليه، واستحققتم
~~بذلك منه عظيم عقوبته فقالوا:
# نحن كذلك فاعلون جهدنا وطاقتنا، فما لبثوا أن طلع عليهم بعض عبيد الملك
~~في خيل قد ضمها إليه سيده، ورجل قد جعلهم في جملته، وأموال قد حباه ms464 بها،
~~فنظر هؤلاء - وهم للملك طالبون - فاستكثروا ما رأوه بهذا العبد من نعم
~~سيده، ورفعوه PageV02P232
# أن يكون هو من المنعم عليه بما وجدوا معه، فأقبلوا يحيونه تحية الملك
~~ويسمونه باسمه ويجحدون أن يكون فوقه ملك وله مالك، فأقبل عليهم العبد
~~المنعم عليه وسائر جنوده بالزجر والنهي عن ذلك، والبراءة مما يسمونه به،
~~ويخبرونهم: بأن الملك هو الذي أنعم بهذا عليه واختصه به، وأن قولكم ما
~~تقولون يوجب عليكم سخط الملك وعذابه، ويفوتكم كلما أملتموه من جهته، وأقبل
~~هؤلاء القوم يكذبونهم ويردون عليهم قولهم، فما زالوا كذلك حتى غضب الملك
~~لما وجد هؤلاء قد سووا به عبده، وأزروا عليه في مملكته وبخسوه حق تعظيمه،
~~فحشرهم أجمعين إلى حبسه، ووكل بهم من يسومهم سوء العذاب.
# فكذلك هؤلاء لما وجدوا أمير المؤمنين عبدا أكرمه الله ليبين فضله، ويقيم
~~حجته، فصغروا عندهم خالقهم أن يكون جعل عليا له عبدا، وأكبروا عليا عن أن
~~يكون الله عز وجل له ربا، فسموه بغير اسمه فنهاهم هو وأتباعه من أهل ملته
~~وشيعته وقالوا لهم: يا هؤلاء أن عليا وولده عباد مكرمون مخلوقون ومدبرون لا
~~يقدرون إلا على ما أقدرهم عليه لله رب العالمين، ولا يملكون إلا ما ملكهم،
~~ولا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا، ولا قبضا ولا بسطا، ولا حركة ولا
~~سكونا إلا ما أقدرهم عليه وطوقهم، وأن ربهم وخالقهم يجل عن صفات المحدثين،
~~ويتعالى عن نعت المحدودين، وأن من اتخذهم أو واحدا منهم أربابا من دون الله
~~فهو من الكافرين وقد ضل سواء السبيل.
# فأبى القوم إلا جماحا وامتدوا في طغيانهم يعمهون، فبطلت أمانيهم، وخابت
~~مطالبهم، وبقوا في العذاب.
# وروينا أيضا بالإسناد المقدم ذكره عن أبي محمد العسكري عليه السلام: أن
~~أبا الحسن الرضا عليه السلام قال:
# إن من تجاوز بأمير المؤمنين عليه السلام العبودية فهو من المغضوب عليهم
~~ومن الضالين.
# وقال أمير المؤمنين عليه السلام: لا تتجاوزوا بنا العبودية، ثم قولوا
~~فينا ما شئتم ولن تبلغوا، وإياكم والغلو كغلو النصارى فإني برئ من الغالين. ms465
~~PageV02P233
# فقام إليه رجل فقال: يا بن رسول الله صف لنا ربك! فإن من قبلنا قد
~~اختلفوا علينا.
# فوصفه الرضا عليه السلام أحسن وصف، ومجده ونزهه عما لا يليق به تعالى.
# فقال الرجل: بأبي أنت وأمي يا بن رسول الله! فإن معي من ينتحل موالاتكم
~~ويزعم أن هذه كلها من صفات علي عليه السلام، وأنه هو الله رب العالمين.
# (قال): فلما سمعها الرضا عليه السلام، ارتعدت فرائصه وتصببب عرقا وقال:
# سبحان الله عما يشركون، سبحانه عما يقول الكافرون علوا كبيرا، أوليس علي
~~كان آكلا في الآكلين، وشاربا في الشاربين، وناكحا في الناكحين، ومحدثا في
~~المحدثين. وكان مع ذلك مصليا خاضعا، بين يدي الله ذليلا، وإليه أواها منيبا
~~أفمن هذه صفته يكون إلها؟! فإن كان هذا إلها فليس منكم أحد إلا وهو إله
~~لمشاركته له في هذه الصفات الدالات على حدث كل موصوف بها.
# فقال الرجل: يا بن رسول الله إنهم يزعمون: أن عليا لما أظهر من نفسه
~~المعجزات التي لا يقدر عليها غير الله، دل على أنه إله، ولما ظهر لهم بصفات
~~المحدثين العاجزين لبس ذلك عليهم، وامتحنهم ليعرفوه، وليكون إيمانهم
~~اختيارا من أنفسهم.
# فقال الرضا عليه السلام: أول ما هاهنا أنهم لا ينفصلون ممن قلب هذا عليهم
~~فقال:
# لما ظهر منه (الفقر والغاقة) دل على أن من هذه صفاته وشاركه فيها الضعفاء
~~المحتاجون لا تكون المعجزات فعله، فعلم بهذا أن الذي أظهره من المعجزات
~~إنما كانت فعل القادر الذي لا يشبه المخلوقين، لا فعل المحدث المشارك
~~للضعفاء في صفات الضعف.
# وروي: أن المأمون كان يحب في الباطن سقطات أبي الحسن الرضا عليه السلام
~~وأن يغلبه المحتج، ويظهره غيره، فاجتمع يوما عنده الفقهاء والمتكلمون، قدس
~~إليهم أن ناظروه في الإمامة!
# فقال لهم الرضا عليه السلام: اقتصروا على واحد منكم يلزمكم ما يلزمه.
# فرضوا برجل يعرف بيحيى بن الضحاك السمرقندي، ولم يكن بخراسان مثله.
~~PageV02P234
# فقال له الرضا عليه السلام: يا يحيى أخبرني عمن صدق كاذبا على نفسه، أو
~~كذب صادقا على نفسه، ms466 أيكون محقا مصيبا، أم مبطلا مخطيا؟
# فسكت يحيى.
# فقال له المأمون: أجبه!
# فقال: يعفيني أمير المؤمنين عن جوابه.
# فقال المأمون: يا أبا الحسن عرفنا الغرض في هذه المسألة!
# فقال: لا بد ليحيى من أن يخبرني عن أئمته: أنهم كذبوا على أنفسهم أو
~~صدقوا، فإن زعم أنهم كذبوا فلا إمامة للكاذب، وإن زعم أنهم صدقوا فقد قال
~~أولهم: (أقيلوني وليتكم ولست بخيركم) وقال ثانيهم: (بيعة أبي بكر كانت فلتة
~~وقى الله شرها، فمن عاد لمثلها فاقتلوه) فوالله ما رضي لمن فعل مثل فعله
~~إلا بالقتل، فمن لم يكن بخير الناس والخيرية لا تقع إلا بنعوت، منها:
~~العلم.
# ومنها: الجهاد. ومنها: ساير الفضائل وليست فيه، ومن كانت بيعته فلتة يجب
~~القتل على من فعل مثلها، كيف يقبل عهده إلى غيره، وهذه صفته؟! ثم يقول على
~~المنبر: أن لي شيطانا يعتريني، فإذا مال بي فقوموني، وإذا أخطأت فأرشدوني
~~فليسوا أئمة إن صدقوا وإن كذبوا فما عند يحيى شئ في هذا.
# فعجب المأمون من كلامه. وقال: يا أبا الحسن ما في الأرض من يحسن هذا
~~سواك!
# وروي عنه عليه السلام أنه قال: أفضل ما يقدمه العالم من محبينا وموالينا
~~أمامه ليوم فقره وفاقته، وذله ومسكنته، أن يغيث في الدنيا مسكينا من محبينا
~~من يد ناصب عدو لله ولرسوله، فيقوم من قبره والملائكة صفوف، من شفير قبره
~~إلى موضع محله من جنان الله، فيحملوه على أجنحتهم، ويقولون: طوبى لك طوباك
~~طوباك يا دافع الكلاب عن الأبرار، ويا أيها المتعصب للأئمة الأخيار.
# وبالإسناد الذي تكرر عن أبي محمد الحسن العسكري عليه السلام قال: دخل على
~~أبي الحسن الرضا عليه السلام رجل فقال: يا بن رسول الله لقد رأيت اليوم
~~شيئا عجبت منه. PageV02P235
# قال: وما هو؟
# قال: رجل كان معنا يظهر لنا أنه: من الموالين لآل محمد المتبرين من
~~أعدائهم فرأيته اليوم عليه ثياب قد خلعت عليه، وهو ذا يطاف به ببغداد،
~~وينادي المنادي بين يديه: معاشر المسلمين اسمعوا توبة هذا الرجل الرافضي ثم
~~يقول: قل!
# فقال: ms467 (خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وآله أبا بكر) فإذا قال
~~ذلك ضجوا وقالوا:
# قد تاب، وفضل أبا بكر على علي بن أبي طالب عليه السلام.
# فقال الرضا عليه السلام إذا خلوت فأعد علي هذا الحديث!
# فلما خلى أعاد عليه. فقال له:
# إنما لم أفسر لك معنى كلام الرجل بحضرة هذا الخلق المنكوس، كراهة أن ينقل
~~إليهم فيعرفوه ويؤذوه، لم يقل الرجل خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه
~~وآله (أبو بكر) فيكون قد فضل أبا بكر على علي عليه السلام، ولكن قال: خير
~~الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وآله (أبا بكر) فجعله نداء لأبي بكر
~~ليرضي من يمشي بين يديه من بعض هؤلاء، الجهلة، ليتوارى من شرورهم. إن الله
~~تعالى جعل هذه التورية مما رحم به شيعتنا.
# وبهذا الإسناد عن أبي محمد العسكري عليه السلام أنه قال: لما جعل المأمون
~~إلى علي ابن موسى الرضا عليه السلام ولاية العهد، دخل عليه آذنه فقال:
# إن قوما بالباب يستأذنون عليك، يقولون: (نحن من شيعة علي عليه السلام).
# فقال: أنا مشغول فاصرفهم!
# فصرفهم إلى أن جاءوا هكذا يقولون ويصرفهم شهرين، ثم أيسوا من الوصول
~~فقالوا: (قل لمولانا إن شيعة أبيك علي بن أبي طالب عليه السلام قد شمت بنا
~~أعداؤنا في حجابك لنا، ونحن ننصرف عن هذه الكرة، ونهرب من بلادنا خجلا
~~وأنفة مما لحقنا، وعجزا عن احتمال مضض ما يلحقنا من أعدائنا).
# فقال علي بن موسى عليهما السلام: إئذن لهم ليدخلوا، فدخلوا عليه فسلموا
~~عليه فلم يرد عليهم، ولم يأذن لهم بالجلوس، فبقوا قياما. PageV02P236
# فقالوا: يا بن رسول الله ما هذا الجفاء العظيم، والاستخفاف بعد هذا
~~الحجاب الصعب، أي باقية تبقى منا بعد هذا؟
# فقال الرضا عليه السلام: اقرؤا: (وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم
~~ويعفو عن كثير) (1) والله ما اقتديت إلا بربي عز وجل وبرسوله وبأمير
~~المؤمنين ومن بعده من آبائي الطاهرين عليهم السلام، عتبوا عليكم فاقتديت
~~بهم.
# قالوا: لماذا يا بن رسول الله؟ ms468
# قال: لدعواكم أنكم شيعة أمير المؤمنين! ويحكم إن شيعته: الحسن والحسين
~~وسلمان، وأبو ذر، والمقداد، وعمار، ومحمد بن أبي بكر الذين لم يخالفوا شيئا
~~من أوامره، وأنتم في أكثر أعمالكم له مخالفون، وتقصرون في كثير من الفرائض
~~وتتهاونون بعظيم حقوق إخوانكم في الله، وتتقون حيث لا تجب التقية، وتتركون
~~التقية حيث لا بد من التقية، لو قلتم: إنكم مواليه ومحبوه، والموالون
~~لأوليائه والمعادون لأعدائه، لم أنكره من قولكم، ولكن هذه مرتبة شريفة
~~ادعيتموها إن لم تصدقوا قولكم بفعلكم هلكتم، إلا أن تتدارككم رحمة ربكم.
# قالوا: يا بن رسول الله! فإذا نستغفر الله ونتوب إليه من قولنا بل نقول
~~كما علمنا مولانا: نحن محبوكم ومحبوا أوليائكم، ومعادوا أعدائكم.
# قال الرضا عليه السلام: فمرحبا بكم إخواني، وأهل ودي، ارتفعوا! فما زال
~~يرفعهم حتى ألصقهم بنفسه. ثم قال لحاجبه.
# كم مرة حجبتهم؟
# قال: ستين مرة.
# قال: فاختلف إليهم ستين مرة متوالية، فسلم عليهم وأقرأهم سلامي فقد محوا
~~ما كان من ذنوبهم باستغفارهم وتوبتهم، واستحقوا الكرامة لمحبتهم لنا
~~وموالاتهم، وتفقد أمورهم وأمور عيالاتهم، فأوسعهم نفقات ومبرات وصلات ودفع
~~معرات.
# PageV02P237
# احتجاج أبي جعفر محمد بن علي الثاني عليهما السلام في أنواع شتى من
~~العلوم الدينية.
# روى أبو داود بن القسم الجعفري (1) قال: قلت لأبي جعفر الثاني عليه
~~السلام:
# قل هو الله أحد، ما معنى الأحد؟
# قال: المجمع عليه بالوحدانية، أما سمعته يقول: (ولئن سألتهم من خلق
~~السماوات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله) (2) ثم يقولون بعد ذلك له
~~شريك وصاحبة.
# فقلت: قوله: (لا تدركه الأبصار) (3)؟
# قال: يا أبا هاشم! أوهام القلوب أدق من أبصار العيون، أنت قد تدرك بوهمك
~~السند والهند. والبلدان التي لم تدخلها، ولم تدرك ببصرك ذلك. فأوهام القلوب
~~لا تدركه، فكيف تدركه الأبصار.
# وسئل عليه السلام: أيجوز أن يقال لله: أنه شئ؟
# فقال: نعم. تخرجه من الحدين: حد الإبطال، وحد التشبيه.
# وعن أبي هاشم الجعفري قال: كنت عند أبي جعفر الثاني عليه السلام فسأله
~~رجل فقال:
# PageV02P238
# أخبرني عن الرب تبارك وتعالى أله ms469 أسماء وصفات في كتابه، وهل أسماؤه
~~وصفاته هي هو؟
# فقال أبو جعفر عليه السلام: أن لهذا الكلام وجهين: إن كنت تقول: (هي هو)
~~أنه: ذو عدد وكثرة، فتعالى الله عن ذلك، وإن كنت تقول: هذه الأسماء والصفات
~~لم تزل، فإن ما لم تزل محتمل على معنيين: فإن قلت لم تزل عنده في علمه، وهو
~~يستحقها فنعم، وإن كنت تقول: لم تزل صورها وهجاؤها وتقطيع حروفها فمعاذ
~~الله أن يكون معه شئ غيره، بل كان الله تعالى ذكره ولا خلق، ثم خلقها وسيلة
~~بينه وبين خلقه، يتضرعون بها إليه ويعبدون، وهي: (ذكره) وكان الله سبحانه
~~ولا ذكر، والمذكور بالذكر هو الله القديم الذي لم يزل، والأسماء والصفات
~~مخلوقات، والمعني بها هو الله، لا يليق به الاختلاف ولا الايتلاف، وإنما
~~يختلف ويتألف المتجزي، ولا يقال له قليل ولا كثير، ولكنه القديم في ذاته،
~~لأن ما سوى الواحد متجزي والله واحد ولا متجزي، ولا متوهم بالقلة والكثرة
~~وكل متجزي أو متوهم بالقلة والكثرة فهو مخلوق دال على خالق له، فقولك: (إن
~~الله قدير) خبرت أنه لا يعجزه شئ، فنفيت بالكلمة العجز، وجعلت العجز لسواه،
~~وكذلك قولك : (عالم) إنما نفيت بالكلمة الجهل، وجعلت الجهل لسواه، فإذا
~~أفنى الله الأشياء أفنى (الصورة والهجاء والتقطيع) فلا يزال من لم يزل
~~عالما.
# فقال الرجل: فكيف سمينا ربنا سميعا؟
# فقال: لأنه لا يخفى عليه ما يدرك بالأسماع، ولم نصفه بالسمع المعقول في
~~الرأس، وكذلك سميناه (بصيرا) لأنه لا يخفى عليه ما يدرك بالأبصار من:
# لون أو شخص أو غير ذلك، ولم نصفه ببصر طرفة العين. وكذلك سميناه (لطيفا)
~~لعلمه بالشئ اللطيف مثل: (البعوضة) وما هو أخفى من ذلك، وموضع المشي منها
~~والشهوة والسفاد، والحدب على أولادها، وإقامة بعضها على بعض، ونقلها الطعام
~~والشراب إلى أولادها في الجبال والمغاور والأودية والقفار، وعلمنا بذلك أن
~~خالقها لطيف بلا كيف، إذ الكيف للمخلوق المكيف، وكذلك سمينا ربنا (قويا)
~~بلا PageV02P239
# قوة البطش المعروف من الخلق، ولو كانت قوته قوة البطش المعروف من ms470 الخلق
~~لوقع التشبيه واحتمل الزيادة، وما احتمل الزيادة احتمل النقصان، وما كان
~~ناقصا كان غير قديم، وما كان غير قديم كان عاجزا، فربنا تبارك وتعالى لا
~~شبه له، ولا ضد ولا ند، ولا كيفية، ولا نهاية، ولا تصاريف، محرم على القلوب
~~أن تحتمله، وعلى الأوهام أن تحده، وعلى الضمائر أن تصوره، عز وجل عن أداة
~~خلقه، وسمات بريته، تعالى عن ذلك علوا كبيرا.
# عن الريان بن شبيب (1) قال: لما أراد المأمون أن يزوج ابنته أم الفضل أبا
~~جعفر محمد بن علي عليه السلام بلغ ذلك العباسيين فغلظ عليهم ذلك، واستنكروا
~~منه وخافوا أن ينتهي الأمر معه إلى ما انتهى مع الرضا عليه السلام، فخاضوا
~~في ذلك واجتمع منهم أهل بيته الأدنون منه، فقالوا: ننشدك الله يا أمير
~~المؤمنين أن تقيم على هذا الأمر الذي قد عزمت عليه من تزويج ابن الرضا عليه
~~السلام فإنا نخاف أن يخرج به عنا أمر قد ملكناه الله، وينتزع منا عزا قد
~~ألبسناه الله، وقد عرفت ما بيننا وبين هؤلاء القوم قديما وحديثا وما كان
~~عليه خلفاء الراشدون قبلك من تبعيدهم والتصغير بهم، وقد كنا في وهلة من
~~عملك مع الرضا ما عملت، وكفانا الله المهم من ذلك، فالله الله أن ترديا إلى
~~غم قد انحسر عنا، واصرف رأيك عن ابن الرضا عليه السلام وأعدل إلى من تراه
~~من أهل بيتك يصلح لذلك دون غيره.
# فقال لهم المأمون: أما ما بينكم وبين آل أبي طالب فأنتم السبب فيه، ولو
~~أنصفتم القوم لكان أولى بكم، وأما ما كان يفعله من قبلي بهم، فقد كان به
~~قاطعا للرحم، وأعوذ بالله من ذلك، ووالله ما ندمت على ما كان مني من
~~استخلاف الرضا ولقد سألته أن يقوم بالأمر وأنزعه من نفسي فأبى، وكان أمر
~~الله قدرا مقدورا.
# وأما أبو جعفر محمد بن علي، فقد اخترته لتبريزه على كافة أهل الفضل في
~~العلم والفضل، مع صغر سنه والأعجوبة فيه بذلك، وأنا أرجو أن يظهر للناس
# PageV02P240
# ما قد عرفته منه، ms471 فيعلموا أن الرأي ما رأيت.
# فقالوا: إن هذا الفتى وإن راقك منه هديه فإنه صبي لا معرفة له ولا فقه،
~~فأمهله ليتأدب ثم اصنع ما ترا بعد ذلك.
# فقال لهم: ويحكم أني أعرف بهذا الفتى منكم، وأن هذا من أهل بيت علمهم من
~~الله تعالى ومواده وإلهامه، لم يزل آباؤه أغنياء في علم الدين والأدب عن
~~الرعايا الناقصة عن حد الكمال، فإن شئتم فامتحنوا أبا جعفر بما يتبين لكم
~~به ما وصفت لكم من حاله.
# قالوا: لقد رضينا لك يا أمير المؤمنين ولأنفسنا بامتحانه، فخل بيننا
~~وبينه لننصب من يسأله بحضرتك عن شئ من فقه الشريعة، فإن أصاب في الجواب عنه
~~لم يكن لنا اعتراض في حقه، وظهر للخاصة والعامة سديد رأي أمير المؤمنين فيه
~~وإن عجز عن ذلك فقد كفينا الخطب في معناه.
# فقال لهم المأمون: شأنكم وذلك متى أردتم.
# فخرجوا من عنده واجتمع رأيهم على مسألة يحيى بن أكثم - وهو يومئذ قاضي
~~الزمان - على أن يسأله مسألة لا يعرف الجواب فيها، ووعدوه بأموال نفيسة على
~~ذلك، وعادوا إلى المأمون فسألوه أن يختار لهم يوما للاجتماع فأجابهم إلى
~~ذلك، واجتمعوا في اليوم الذي اتفقوا عليه، وحضر معهم يحيى بن أكثم، وأمر
~~المأمون أن يفرش لأبي جعفر دست ويجعل له فيه مسورتان ففعل ذلك، وخرج أبو
~~جعفر عليه السلام وهو يومئذ ابن تسع سنين وأشهر، فجلس بين المسورتين، وجلس
~~يحيى بن أكثم بين يديه. فقام الناس في مراتبهم، والمأمون جالس في دست متصل
~~بدست أبي جعفر عليه السلام.
# فقال يحيى بن أكثم للمأمون: تأذن لي يا أمير المؤمنين أن أسأل أبا جعفر
~~عن مسألة؟
# فقال المأمون: استأذنه في ذلك.
# فأقبل عليه يحيى بن أكثم فقال: أتأذن لي جعلت فداك في مسألة؟ PageV02P241
# فقال أبو جعفر عليه السلام: سل إن شئت!
# فقال يحيى: ما تقول جعلت فداك في محرم قتل صيدا؟
# فقال أبو جعفر عليه السلام: قتله في حل أو حرم، عالما كان المحرم أو
~~جاهلا قتله عمدا أو خطأ، حرا كان ms472 المحرم أو عبدا، صغيرا كان أو كبيرا،
~~مبتدئا بالقتل أو معيدا، من ذوات الطير كان الصيد أم من غيرها، من صغار
~~الصيد أم من كباره مصرا على ما فعل أو نادما، في الليل كان قتله للصيد أم
~~بالنهار، محرما كان بالعمرة إذ قتله أو بالحج كان محرما؟
# فتحير يحيى بن أكثم وبان في وجهه العجز والانقطاع، وتلجلج حتى عرف جماعة
~~أهل المجلس عجزه.
# فقال المأمون: الحمد لله على هذه النعمة والتوفيق لي في الرأي، ثم نظر
~~إلى أهل بيته فقال لهم: أعرفتم الآن ما كنتم تنكرونه؟ ثم أقبل إلى أبي جعفر
~~فقال له:
# أتخطب يا أبا جعفر؟
# قال: نعم. يا أمير المؤمنين.
# فقال له المأمون: اخطب لنفسك جعلت فداك! فقد رضيتك لنفسي وأنا مزوجك أم
~~الفضل ابنتي وإن رغم أنوف قوم لذلك.
# فقال أبو جعفر عليه السلام: الحمد لله إقرارا بنعمته، ولا إله إلا الله
~~إخلاصا لوحدانيته، وصلى الله على سيد بريته، والأصفياء من عترته.
# أما بعد: فقد كان من فضل الله على الأنام أن أغناهم بالحلال عن الحرام
~~فقال سبحانه: (وانكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا
~~فقراء يغنيهم الله من فضله والله واسع عليم) (1) ثم إن محمد بن علي بن موسى
~~يخطب أم الفضل بنت عبد الله المأمون، وقد بذل لها من الصداق مهر جدته فاطمة
~~بنت محمد عليهما السلام، وهو: (خمسمائة درهم) جيادا فهل زوجته يا أمير
~~المؤمنين بها
# PageV02P242
# على هذا الصداق المذكور؟
# فقال المأمون: نعم. قد زوجتك يا أبا جعفر أم الفضل ابنتي على الصداق
~~المذكور، فهل قبلت النكاح؟
# قال أبو جعفر عليه السلام: نعم. قد قبلت ذلك ورضيت به.
# فأمر المأمون أن يقعد الناس على مراتبهم من الخاصة والعامة.
# قال الريان: ولم نلبث أن سمعنا أصواتا تشبه الملاحين في محاوراتهم، فإذا
~~الخدم يجرون سفينة مصنوعة من فضة تشد بالحبال من الإبريسم، على عجلة مملوة
~~من الغالية، فأمر المأمون أن تخضب لحى الخاصة من تلك الغالية ففعلوا ذلك،
~~ثم مدت إلى دار العامة فتطيبوا ms473 بها، ووضعت الموائد فأكل الناس، وخرجت
~~الجوائز إلى كل قوم على قدرهم.
# فلما تفرق الناس وبقي من الخاصة من بقي قال المأمون لأبي جعفر عليه
~~السلام:
# جعلت فداك! إن رأيت أن تذكر الفقه فيما فصلته من وجوه قتل المحرم لنعلمه
~~ونستفيده.
# فقال أبو جعفر عليه السلام: نعم إن المحرم إذا قتل صيدا في الحل وكان
~~الصيد من ذوات الطير وكان من كبارها فعليه شاة، وإن أصابه في الحرم فعليه
~~الجزاء مضاعفا، وإذا قتل فرخا في الحل فعليه حمل قد فطم من اللبن، فإذا
~~قتله في الحرم فعليه الحمل وقيمة الفرخ، فإذا كان من الوحش وكان حمار وحش
~~فعليه بقرة وإن كان نعامة فعليه بدنة، وإن كان ظبيا فعليه شاة، فإن كان قتل
~~شيئا من ذلك في الحرم فعليه الجزاء مضاعفا هديا بالغ الكعبة، وإذا أصاب
~~المحرم ما يجب عليه الهدي فيه وكان إحرامه للحج نحره بمنى، وإن كان إحرام
~~بعمرة نحره بمكة وجزاء الصيد على العالم والجاهل سواء، وفي العمد عليه
~~المأثم، وهو موضوع عنه في الخطأ، والكفارة على الحر في نفسه، وعلى السيد في
~~عبده، والصغير لا كفارة عليه، وهي على الكبير واجبة، والنادم يسقط ندمه عنه
~~عقاب الآخرة، والمصر يجب عليه العقاب في الآخرة. PageV02P243
# فقال المأمون: أحسنت يا أبا جعفر أحسن الله إليك. فإن رأيت أن تسأل يحيى
~~عن مسألة كما سألك؟
# فقال أبو جعفر ليحيى: أسألك؟
# قال: ذلك إليك جعلت فداك، فإن عرفت جواب ما تسألني عنه وإلا استفدته منك.
# فقال أبو جعفر عليه السلام: أخبرني عن رجل نظر إلى امرأة في أول النهار
~~فكان نظره إليها حراما عليه، فلما ارتفع النهار حلت له، فلما زالت الشمس
~~حرمت عليه، فلما كان وقت العصر حلت له، فلما كانت الشمس حرمت عليه، فلما
~~دخل وقت العشاء الآخرة حلت له، فلما كان وقت انتصاف الليل حرمت عليه، فلما
~~طلع الفجر حلت له، ما حال هذه المرأة، وبماذا حلت له وحرمت عليه؟
# فقال له يحيى بن أكثم: لا والله لا اهتدي ms474 إلى جواب هذا السؤال، ولا أعرف
~~الوجه فيه، فإن رأيت أن تفيدنا.
# فقال أبو جعفر عليه السلام: هذه أمة لرجل من الناس، نظر إليها أجنبي في
~~أول النهار فكان نظره إليها حراما عليه، فلما ارتفع النهار ابتاعها من
~~مولاها فحلت له، فلما كان عند الظهر أعتقها فحرمت عليه، فلما كان وقت العصر
~~تزوجها فحلت له، فلما كان وقت المغرب ظاهر منها (1) فحرمت عليه، فلما كان
~~وقت العشاء الآخرة كفر عن الظهار فحلت له، فلما كان نصف الليل طلقها طلقة
~~واحدة فحرمت عليه، فلما كان عند الفجر راجعها فحلت له.
# (قال): فأقبل المأمون على من حضر من أهل بيته وقال لهم: هل فيكم من يجيب
~~عن هذه المسألة بمثل هذا الجواب، أو يعرف القول فيما تقدم من السؤال؟
# قالوا: لا والله إن أمير المؤمنين أعلم بما رأى.
# فقال: ويحكم إن أهل هذا البيت خصوا من الخلق بما ترون من الفضل،
# PageV02P244
# وإن صغر السن لا يمنعهم من الكمال، أما علمتم أن رسول الله صلى الله عليه
~~وآله افتتح دعوته بدعاء أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، وهو
~~ابن عشر سنين، وقبل منه الإسلام وحكم له به، ولم يدع أحدا في سنه غيره،
~~وبايع الحسن والحسين عليهما السلام وهما دون الست سنين ولم يبايع صبيا
~~غيرهما؟ أو لا تعلمون الآن ما اختص الله به هؤلاء القوم وأنهم ذرية بعضها
~~من بعض، يجري لآخرهم ما يجري لأولهم؟
# قالوا: صدقت يا أمير المؤمنين.
# ثم نهض القوم، فلما كان من الغد حضر الناس وحضر أبو جعفر عليه السلام،
~~وصار القواد والحجاب والخاصة والعمال لتهنئة المأمون وأبي جعفر عليه السلام
~~فأخرجت ثلاثة أطباق من الفضة، فيها بنادق مسك وزعفران معجون في أجواف تلك
~~البنادق ورقاع مكتوبة بأموال جزيلة وعطايا سنية، وإقطاعات. فأمر المأمون
~~بنثرها على القوم من خاصته، فكان كل من وقع في يده بندقة أخرج الرقعة التي
~~فيها والتمسه فأطلق له، ووضعت البدر فنثر ما فيها على القواد وغيرهم،
~~وانصرف الناس وهم أغنياء بالجوائز ms475 والعطايا، وتقدم المأمون بالصدقة على
~~كافة المساكين، ولم يزل مكرما لأبي جعفر عليه السلام معظما لقدره مدة
~~حياته، يؤثره على ولده وجماعة أهل بيته.
# وروي: أن المأمون بعدما زوج ابنته أم الفضل أبا جعفر، كان في مجلس وعنده
~~أبو جعفر عليه السلام ويحيى بن أكثم وجماعة كثيرة.
# فقال له يحيى بن أكثم: ما تقول يا بن رسول الله في الخبر الذي روي:
# أنه (نزل جبرئيل عليه السلام على رسول الله صلى الله عليه وآله وقال: يا
~~محمد إن الله عز وجل يقرؤك السلام ويقول لك: سل أبا بكر هل هو عني راض فإني
~~عنه راض) (1).
# PageV02P245
# فقال أبو جعفر عليه السلام: لست بمنكر فضل أبي بكر ولكن يجب على صاحب هذا
~~الخبر أن يأخذ مثال الخبر الذي قاله رسول الله صلى الله عليه وآله في حجة
~~الوداع: (قد كثرت علي الكذابة وستكثر بعدي فمن كذب علي متعمدا فليتبوأ
~~مقعده من النار فإذا أتاكم الحديث عني فاعرضوه على كتاب الله وسنتي، فما
~~وافق كتاب الله وسنتي فخذوا به، وما خالف كتاب الله وسنتي فلا تأخذوا به)
~~وليس يوافق هذا الخبر كتاب الله قال الله تعالى: (ولقد خلقنا الإنسان ونعلم
~~ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد) (1) فالله عز وجل خفي عليه
~~رضاء أبي بكر من سخطه حتى سأل عن مكنون سره، هذا مستحيل في العقول.
# ثم قال يحيى بن أكثم: وقد روي: (أن مثل أبي بكر وعمر في الأرض كمثل
~~جبرئيل وميكائيل في السماء).
# فقال: وهذا أيضا يجب أن ينظر فيه، لأن جبرئيل وميكائيل ملكان لله مقربان
~~يم يعصيا الله قط، ولم يفارقا طاعته لحظة واحدة، وهما قد أشركا بالله عز
~~وجل وإن أسلما بعد الشرك. فكان أكثر أيامهما الشرك بالله فمحال أن يشبههما
~~بهما.
# قال يحيى: وقد روي أيضا: (أنهما سيدا كهول أهل الجنة) (2) فما تقول فيه؟
# PageV02P246
# فقال عليه السلام: وهذا الخبر محال أيضا، لأن أهل الجنة كلهم يكونون
~~شبابا ولا يكون فيهم كهل، وهذا الخبر وضعه بنو ms476 أمية لمضادة الخبر الذي قال
~~رسول الله صلى الله عليه وآله في الحسن والحسن عليهما السلام: بأنهما (سيدا
~~شباب أهل الجنة).
# فقال يحيى بن أكثم: وروي: (أن عمر بن الخطاب سراج أهل الجنة).
# فقال عليه السلام: وهذا أيضا محال، لأن في الجنة ملائكة الله المقربين،
~~وآدم ومحمد، وجميع الأنبياء والمرسلين، لا تضئ الجنة بأنوارهم حتى تضئ بنور
~~عمر.
# فقال يحيى: وقد روي: (أن السكينة تنطق على لسان عمر) (1).
# فقال عليه السلام: لست بمنكر فضل عمر، ولكن أبا بكر أفضل من عمر: فقال -
~~على رأس المنبر -: (أن لي شيطانا يعتريني، فإذا ملت فسددوني).
# PageV02P247
# فقال يحيى: قد روي: أن النبي صلى الله عليه وآله قال: (لو لم أبعث لبعث
~~عمر) (1).
# فقال عليه السلام: كتاب الله أصدق من هذا الحديث، يقول الله في كتابه:
~~(وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح) (2) فقد أخذ الله ميثاق
~~النبيين فكيف يمكن أن يبدل ميثاقه، وكل الأنبياء عليهم السلام لم يشركوا
~~بالله طرفة عين، فكيف يبعث بالنبوة من أشرك وكان أكثر أيامه مع الشرك
~~بالله، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله:
# نبئت وآدم بين الروح والجسد).
# فقال يحيى بن أكثم: وقد روي أيضا: أن النبي صلى الله عليه وآله قال: (ما
~~احتبس عني الوحي قط إلا ظننته قد نزل على آل الخطاب) (3).
# PageV02P248
# فقال عليه السلام: وهذا محال أيضا، لأنه لا يجوز أن يشك النبي صلى الله
~~عليه وآله في نبوته قال الله تعالى: (الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن
~~الناس) (1) فكيف يمكن أن ينتقل النبوة ممن اصطفاه الله تعالى إلى من أشرك
~~به.
# قال يحيى: روي: أن النبي صلى الله عليه وآله قال: (لو نزل العذاب لما نجى
~~منه إلا عمر).
# فقال عليه السلام: وهذا محال أيضا، لأن الله تعالى يقول: (وما كان الله
~~ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون) (2) فأخبر سبحانه أنه
~~لا يعذب أحدا ما دام فيهم رسول الله صلى الله عليه وآله وما داموا
~~يستغفرون.
# وعن عبد العظيم الحسني ms477 رضي الله عنه قال: قلت لمحمد بن علي بن موسى عليهم
~~السلام:
# يا مولاي أني لأرجو أن تكون القائم من أهل بيت محمد الذي يملأ الأرض قسطا
~~وعدلا كما ملئت ظلما وجورا.
# PageV02P249
# فقال عليه السلام: ما منا إلا قائم بأمر الله، وهاد إلى دين الله، ولكن
~~القائم الذي يطهر الله به الأرض من أهل الكفر والجحود ويملأ الأرض قسطا
~~وعدلا هو:
# الذي يخفى على الناس ولادته، ويغيب عنهم شخصه، ويحرم عليهم تسميته، وهو
~~سمي رسول الله وكنيه، وهو الذي تطوى له الأرض، ويذل له كل صعب، يجتمع إليه
~~من أصحابه عدة أهل بدر: (ثلاثمائة وثلاثة عشر) رجلا من أقاصي الأرض وذلك
~~قول الله: (أينما تكونوا يأت بكم الله جميعا إن الله على كل شئ قدير) (1)
~~فإذا اجتمعت له هذه العدة من أهل الإخلاص، أظهر الله أمره، فإذا كمل له
~~العقد وهو: (عشرة آلاف) رجل خرج بإذن الله، فلا يزال يقتل أعداء الله حتى
~~يرضى عز وجل.
# قال عبد العظيم: فقلت له: يا سيدي فكيف يعلم أن الله قد رضي؟
# قال: يلقي في قلبه الرحمة، فإذا دخل المدينة أخرج اللات والعزى فأحرقهما.
# احتجاج أبي الحسن علي بن محمد العسكري (ع) في شئ من التوحيد وغير ذلك من
~~العلوم الدينية والدنياوية على المخالف والمؤالف.
# سئل أبو الحسن عليه السلام عن التوحيد فقيل له: لم يزل الله وحده لا شئ
~~معه ثم خلق الأشياء بديعا واختار لنفسه الأسماء، ولم تزل الأسماء والحروف
~~له معه قديمة؟
# فكتب: لم يزل الله موجودا ثم كون ما أراد، لا راد لقضائه، ولا معقب
~~لحكمه، تاهت أوهام المتوهمين، وقصر طرف الطارفين، وتلاشت أوصاف الواصفين
~~واضمحلت أقاويل المبطلين عن الدرك لعجيب شأنه، أو الوقوع بالبلوغ على علو
~~مكانه، فهو بالموضع الذي لا يتناهى، وبالمكان الذي لم يقع عليه عيون بإشارة
~~ولا عبارة، هيهات هيهات!!
# PageV02P250
# وحدثنا أحمد بن إسحاق (1) قال كتبت إلى أبي الحسن علي بن محمد العسكري
~~أسأله عن الرؤية وما فيه الخلق فكتب:
# لا تجوز الرؤية ما لم ms478 يكن بين الرائي والمرئي هواء ينفذه البصر، فمتى
~~انقطع الهواء وعدم الضياء لم تصح الرؤية، وفي جواب اتصال الضيائين الرائي
~~والمرئي وجوب الاشتباه، والله تعالى منزه عن الاشتباه، فنثبت أنه لا يجوز
~~عليه سبحانه الرؤية بالأبصار، لأن الأسباب لا بد من اتصالها بالمسببات.
# وعن العباس بن هلال (2) قال: سألت أبا الحسن علي بن محمد عليه السلام عن
~~قول الله عز وجل: (الله نور السماوات والأرض) (3). فقال عليه السلام: يعني
~~هادي من في السماوات ومن في الأرض.
# ومما أجاب به أبو الحسن علي بن محمد العسكري عليه السلام في رسالته إلى
~~أهل الأهواز حين سألوه عن الجبر والتفويض أن قال: اجتمعت الأمة قاطبة لا
~~اختلاف بينهم في ذلك: أن القرآن حق لا ريب فيه عند جميع فرقها، فهم في حالة
~~الاجماع عليه مصيبون، وعلى تصديق ما أنزل الله مهتدون، ولقول النبي صلى
~~الله عليه وآله: (لا تجتمع أمتي على ضلالة) فأخبر عليه السلام أن ما اجتمعت
~~عليه الأمة ولم يخالف بعضها بعضا هو الحق، فهذا معنى الحديث لا ما تأوله
~~الجاهلون (4)، ولا ما قاله المعاندون
# PageV02P251
# ومن إبطال حكم الكتاب واتباع حكم الأحاديث المزورة والروايات المزخرفة،
~~اتباع الأهواء المردية المهلكة التي تخالف نص الكتاب، وتحقيق الآيات
~~الواضحات النيرات. ونحن نسأل الله أن يوفقنا للصواب، ويهدينا إلى الرشاد.
# ثم قال عليه السلام: فإذا شهد الكتاب بتصديق خبر وتحقيقه فأنكرته طائفة
~~من الأمة، وعارضته بحديث من هذه الأحاديث المزورة، فصارت بإنكارها ودفعها
~~الكتاب كفارا ضلالا، وأصح خبر ما عرف تحقيقه من الكتاب مثل الخبر المجمع
~~عليه من رسول الله صلى الله عليه وآله حيث قال: (إني مستخلف فيكم خليفتين:
~~كتاب الله وعترتي، ما أن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي، وأنهما لن يفترقا حتى
~~يردا علي الحوض) (1) واللفظة الأخرى عنه في هذا المعنى بعينه قوله عليه
~~السلام: (إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، وأنهما لم
~~يفترقا حتى يردا علي الحوض ما أن تمسكتم بهما لن تضلوا) فلما وجدنا شواهد
~~هذا الحديث نصا ms479 في كتاب الله مثل قوله: (إنما وليكم الله ورسوله والذين
~~آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون) (2) ثم اتفقت روايات
~~العلماء في ذلك لأمير المؤمنين عليه السلام:
# أنه تصدق بخاتمه وهو راكع فشكر الله ذلك له وأنزل الآية فيه، (3) ثم
~~وجدنا رسول الله صلى الله عليه وآله قد أبانه من أصحابه بهذه اللفظة: (من
~~كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه) (4) وقوله صلى
~~الله عليه وآله: (علي يقضي ديني وينجز موعدي وهو خليفتي عليكم بعدي) وقوله
~~صلى الله عليه وآله حيث استخلفه على المدينة فقال:
# يا رسول الله أتخلفني على النساء والصبيان؟
# فقال: (أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي)
~~(5)
# PageV02P252
# فعلمنا إن الكتاب شهد بتصديق هذه الأخبار، وتحقيق هذه الشواهد، فلزم
~~الأمة الاقرار بها إذا كانت هذه الأخبار وافقت القرآن، ووافق القرآن هذه
~~الأخبار فلما وجدنا ذلك موافقا لكتاب الله، ووجدنا كتاب الله لهذه الأخبار
~~موافقا، وعليها دليلا، كان الاقتداء بهذه الأخبار فرضا لا يتعداه إلا أهل
~~العناد والفساد.
# ثم قال عليه السلام: ومرادنا وقصدنا الكلام في الجبر والتفويض وشرحهما
~~وبيانهما وإنما قدمنا ما قدمنا ليكون اتفاق الكتاب والخبر إذا اتفقا دليلا
~~لما أردناه، وقوة لما نحن مبينوه من ذلك إن شاء الله.
# (فقال): الجبر والتفويض يقول الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام، عندما
~~سئل عن ذلك فقال: لا جبر ولا تفويض، بل أمر بين الأمرين.
# قيل: فماذا يا بن رسول الله؟
# فقال: صحة العقل، وتخلية السرب، والمهلة في الوقت، والزاد قبل الراحلة
~~والسبب المهيج للفاعل على فعله، فهذه خمسة أشياء فإذا نقص العبد منها خلة
~~كان العمل عنه مطرحا بحسبه، وأنا أضرب لكل باب من هذه الأبواب الثلاثة وهي:
~~الجبر، والتفويض، والمنزلة بين المنزلتين، مثلا يقرب المعنى للطالب، ويسهل
~~له البحث من شرحه، ويشهد به القرآن بمحكم آياته، ويحقق تصديقه عند ذوي
~~الألباب، وبالله العصمة والتوفيق.
# ثم قال عليه السلام: فأما الجبر. فهو: قول من زعم أن ms480 الله عز وجل جبر
~~العباد على المعاصي وعاقبهم عليها، ومن قال بهذا القول فقد ظلم الله وكذبه،
~~ورد عليه قوله: (ولا يظلم ربك أحدا) (1) وقوله جل ذكره: (ذلك بما قدمت يداك
~~وأن الله ليس بظلام للعبيد) (2) مع آي كثيرة في مثل هذا، فمن زعم أنه مجبور
~~على المعاصي فقد أحال بذنبه على الله وظلمه في عقوبته له، ومن ظلم ربه فقد
~~كذب كتابه، ومن كذب كتابه لزمه (الكفر) بإجماع الأمة، فالمثل المضروب في
~~ذلك:
# PageV02P253
# مثل رجل ملك عبدا مملوكا لا يملك إلا نفسه، ولا يملك عرضا من عروض الدنيا
~~ويعلم مولاه ذلك منه، فأمره - على علم منه بالمصير - إلى السوق لحاجة يأتيه
~~بها ولم يملكه ثمن ما يأتيه به، وعلم المالك أن على الحاجة رقيبا لا يطمع
~~أحد في أخذها منه إلا بما يرضى به من الثمن، وقد وصف به مالك هذا العبد
~~نفسه بالعدل والنصفة وإظهار الحكمة ونفي الجور، فأوعد عبده إن لم يأته
~~بالحاجة يعاقبه، فلما صار العبد إلى السوق، وحاول أخذ الحاجة التي بعثه
~~بها، وجد عليها مانعا يمنعه منها إلا بالثمن ولا يملك العبد ثمنها، فانصرف
~~إلى مولاه خائبا بغير قضاء حاجة، فاغتاظ مولاه لذلك وعاقبه على ذلك، فإنه
~~كان ظالما متعديا مبطلا لما وصف من عدله وحكمته ونصفته، وإن لم يعاقبه كذب
~~نفسه، أليس يجب أن لا يعاقبه والكذب والظلم ينفيان العدل والحكمة، تعالى
~~الله عما يقول المجبرة علوا كبيرا.
# ثم قال العالم عليه السلام: - بعد كلام طويل -: فأما التفويض الذي أبطله
~~الصادق عليه السلام وخطأ من دان به، فهو: قول القائل: (إن الله عز وجل فوض
~~إلى العباد اختيار أمره ونهيه وأهملهم).
# وهذا الكلام دقيق لم يذهب إلى غوره ودقته إلا الأئمة المهدية عليهم
~~السلام من عترة آل الرسول صلوات الله عليهم فإنهم قالوا: (لو فوض الله أمره
~~إليهم على جهة الاهمال لكان لازما له رضا ما اختاروه واستوجبوا به الثواب،
~~ولم يكن عليهم فيما اجترموا العقاب إذ كان الاهمال واقعا، وتنصرف هذه
~~المقالة ms481 على معنيين: أما أن تكون العباد تظاهروا عليه فالزموه اختيارهم
~~بآرائهم - ضرورة - كره ذلك أم أحب فقد لزمه الوهن، أو يكون جل وتقدس عجز عن
~~تعبدهم بالأمر والنهي عن إرادته ففوض أمره ونهيه إليهم، وأجراهما على
~~محبتهم إذ عجز عن تعبدهم بالأمر والنهي على إرادته فجعل الاختيار إليهم في
~~الكفر والإيمان، ومثل ذلك: مثل رجل ملك عبدا ابتاعه ليخدمه ويعرف له فضل
~~ولايته، ويقف عند أمره ونهيه وادعى مالك العبد: أنه قاهر قادر عزيز حكيم،
~~فأمر عبده ونهاه، ووعده على اتباع أمره عظيم الثواب وأوعده على معصيته أليم
~~العقاب، فخالف العبد إرادة مالكه، ولم يقف عند أمره PageV02P254
# ونهيه، فأي أمر أمره به أو نهاه عنه لم يأتمر على إرادة المولى، بل كان
~~العبد يتبع إرادة نفسه، وبعثه في بعض حوائجه وفيما الحاجة له فصار العبد
~~بغير تلك الحاجة خلافا على مولاه وقصد إرادة نفسه واتبع هواه، فلما رجع إلى
~~مولاه نظر إلى ما أتاه فإذا هو خلاف أمره فقال العبد: اتكلت على تفويضك
~~الأمر إلي فاتبعت هواي وإرادتي لأن المفوض إليه غير محظور عليه لاستحالة
~~اجتماع التفويض والتحظير.
# ثم قال عليه السلام: فمن زعم أن الله فوض قبول أمره ونهيه إلى عباده فقد
~~أثبت عليه العجز، وأوجب عليه قبول كلما عملوا من خير أو شر، وأبطل أمر الله
~~ونهيه.
# ثم قال: إن الله خلق الخلق بقدرته وملكهم استطاعة ما تعبدهم به من الأمر
~~والنهي، وقبل منهم اتباع أمره ونهيه ورضي بذلك لهم، ونهاهم عن معصيته وذم
~~من عصاه وعاقبه عليها، ولله الخيرة في الأمر والنهي يختار ما يريده ويأمر
~~به، وينهى عما يكره ويثبت ويعاقب بالاستطاعة التي ملكها عباده لاتباع أمره
~~واجتناب معاصيه لأنه العدل ومنه النصفة والحكومة، بالغ الحجة بالإعذار
~~والإنذار، وإليه الصفوة يصطفي من يشاء من عباده، اصطفى محمدا صلوات الله
~~عليه وآله وبعثه بالرسالة إلى خلقه ولو فوض اختيار أموره إلى عباده لأجاز
~~لقريش اختيار أمية بن أبي الصلت وأبي مسعود الثقفي إذ كانا عندهم أفضل من ms482
~~محمد صلى الله عليه وآله لما قالوا: (لولا أنزل هذا القرآن على رجل من
~~القريتين عظيم) (1) يعنونهما بذلك فهذا هو: (القول بين القولين) ليس بجبر
~~ولا تفويض، بذلك أخبر أمير المؤمنين عليه السلام حين سأله عتابة بن ربعي
~~الأسدي عن الاستطاعة.
# فقال أمير المؤمنين: تملكها من دون الله أو مع الله؟
# فسكت عتابة بن ربعي.
# فقال له: قل يا عتابة!
# قال: وما أقول؟
# قال: إن قلت تملكها مع الله قتلتك، وإن قلت تملكها من دون الله قتلتك.
# PageV02P255
# قال: وما أقول يا أمير المؤمنين؟
# قال: تقول تملكها بالله الذي يملكها من دونك، فإن ملككها كان ذلك من
~~عطائه، وإن سلبكها كان ذلك من بلائه، وهو المالك لما ملكك، والمالك لما
~~عليه أقدرك، أما سمعت الناس يسألون الحول والقوة حيث يقولون: (لا حول ولا
~~قوة إلا بالله).
# فقال الرجل: وما تأويلها يا أمير المؤمنين؟
# قال: لا حول لنا عن معاصي الله إلا بعصمة الله، ولا قوة لنا على طاعة
~~الله إلا بعون الله.
# قال: فوثب الرجل وقبل يديه ورجليه.
# ثم قال عليه السلام في قوله تعالى: (ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم
~~والصابرين ونبلوا أخباركم) (1) وفي قوله: (سنستدرجهم من حيث لا يعلمون) (2)
~~وفي قوله: (أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون) (3) وقوله: (ولقد فتنا سليمان
~~(4) وقوله: (فإنا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامري) (5) وقول موسى عليه
~~السلام:
# (إن هي إلا فتنتك) (6) وقوله: (ليبلوكم فيما آتاكم) (7) وقوله: (ثم صرفكم
~~عنهم ليبتليكم) (8) وقوله: (إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة) (9) وقوله:
~~(ليبلوكم أيكم أحسن عملا) (10) وقوله: (وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات) (11)
~~وقوله: (ولو شاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض) (12) أن جميعها
~~جاءت في القرآن بمعنى الاختيار.
# PageV02P256
# ثم قال عليه السلام: فإن قالوا ما الحجة في قول الله تعالى: (يهدي من
~~يشاء ويضل من يشاء) (1) وما أشبه ذلك؟
# قلنا: فعلى مجاز هذه الآية يقتضي معنيين: أحدهما عن كونه تعالى قادرا على
~~هداية من يشاء وضلالة من يشاء، ولو أجبرهم على أحدهما لم يجب لهم ثواب ms483 ولا
~~عليهم عقاب، على ما شرحناه. والمعنى الآخر: أن الهداية منه (التعريف) كقوله
~~تعالى: (وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى) (2) وليس كل آية
~~مشتبهة في القرآن كانت الآية حجة على حكم الآيات اللاتي أمر بالأخذ بها
~~وتقليدها، وهي قوله: (هو الذي أنزل عليكم الكتاب منه آيات محكمات هن أم
~~الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه
~~ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله. الآية) (3) وقال: (فبشر عبادي الذين يستمعون
~~القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب) (4)
~~وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى، ويقرب لنا ولكم الكرامة والزلفى، وهدانا
~~لما هو لنا ولكم خير وأبقى، إنه الفعال لما يريد، الحكيم المجيد.
# عن أبي عبد الله الزيادي (5) قال: لما سم المتوكل، نذر لله إن رزقه الله
~~العافية أن يتصدق بمال كثير، فلما سلم وعوفي سأل الفقهاء، عن حد (المال
~~الكثير) كم يكون؟ فاختلفوا. فقال بعضهم: (ألف درهم) وقال بعضهم: (عشرة
~~آلاف) وقال بعضهم: (مائة ألف) فاشتبه عليه هذا.
# فقال له الحسن حاجبه: إن أتيتك يا أمير المؤمنين من هذا خبرك بالحق
~~والصواب فما لي عندك؟
# فقال المتوكل: إن أتيت بالحق فلك عشرة آلاف درهم، وإلا أضربك مائة مقرعة.
# PageV02P257
# فقال: قد رضيت. فأتى أبا الحسن العسكري عليه السلام فسأله عن ذلك.
# فقال أبو الحسن عليه السلام: قل له: يتصدق بثمانين درهما. فرجع إلى
~~المتوكل فأخبره. فقال: سله ما العلة في ذلك؟
# فسأله فقال: إن الله عز وجل قال لنبيه صلى الله عليه وآله: (ولقد نصركم
~~الله في مواطن كثيرة) (1) فعددنا مواطن رسول الله صلى الله عليه وآله فبلغت
~~ثمانين موطنا.
# فرجع إليه فأخبره ففرح، وأعطاه عشرة آلاف درهم.
# وعن جعفر بن رزق الله (2) قال: قدم إلى المتوكل رجل نصراني فجر بامرأة
~~مسلمة، فأراد أن يقيم عليه الحد فأسلم.
# فقال يحيى بن أكثم: قد هدم إيمانه شركه وفعله، وقال بعضهم: يضرب ثلاثة
~~حدود، وقال بعضهم: يفعل به كذا وكذا.
# فأمر المتوكل بالكتاب إلى أبي الحسن العسكري وسؤاله ms484 عن ذلك.
# فلما قرأ الكتاب كتب عليه السلام: يضرب حتى يموت، فأنكر يحيى وأنكر فقهاء
~~العسكر ذلك، فقالوا: يا أمير المؤمنين سله عن ذلك فإنه شئ لم ينطق به كتاب،
~~ولم يجئ به سنة.
# فكتب إليه: إن الفقهاء قد أنكروا هذا، وقالوا: لم يجئ به سنة ولم ينطق به
~~كتاب، فبين لنا لم أوجبت علينا الضرب حتى يموت؟
# فكتب: بسم الله الرحمن الرحيم: (فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده
~~وكفرنا بما كنا به مشركين فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا الآية) (3)
~~فأمر به المتوكل فضرب حتى مات.
# سأل يحيى بن أكثم أبا الحسن العالم عليه السلام عن قوله تعالى: (سبعة
~~أبحر ما نفدت كلمات الله) (4) ما هي؟
# PageV02P258
# فقال: هي: (عين الكبريت) و (عين اليمن) و (عين البرهوت) و (عين الطبرية)
~~و (جمة ماسيدان) وجمة (أفريقا) و (عين ما جروان) ونحن الكلمات التي لا تدرك
~~فضائلنا ولا تستقصى.
# وروي عن الحسن العسكري عليه السلام: أنه اتصل بأبي الحسن علي بن محمد
~~العسكري عليه السلام: أن رجلا من فقهاء شيعته كلم بعض النصاب فافهمه بحجته
~~حتى أبان عن فضيحته، فدخل إلى علي بن محمد عليه السلام وفي صدر مجلسه دست
~~عظيم منصوب وهو قاعد خارج الدست، وبحضرته خلق من العلويين وبني هاشم، فما
~~زال يرفعه حتى أجلسه في ذلك الدست، وأقبل عليه فاشتد ذلك على أولئك
~~الأشراف، فأما العلوية فأجلوه عن العتاب، وأما الهاشميون فقال له شيخهم: يا
~~بن رسول الله هكذا تؤثر عاميا على سادات بني هاشم من الطالبيين
~~والعباسيين؟!
# فقال عليه السلام إياكم وإن تكونوا من الذين قال الله تعالى فيهم: (ألم
~~تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم
~~يتولى فريق منهم وهم معرضون) (1) أترضون بكتاب الله حكما؟
# قالوا: بلى.
# قال: أليس الله يقول: (يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في
~~المجالس فافسحوا يفسح الله لكم إلى قوله يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين
~~أوتوا العلم درجات) (2) فلم يرض ms485 للعالم المؤمن إلا أن يرفع على المؤمن غير
~~العالم، كما لم يرض للمؤمن إلا أن يرفع على من ليس بمؤمن، أخبروني عنه قال:
# (يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات)؟ أو قال: (يرفع
~~الذين أوتوا شرف النسب درجات)؟ أوليس قال الله: (هل يستوي الذين يعلمون
~~والذين لا يعلمون) (3) فكيف تنكرون رفعي لهذا لما رفعه الله؟! إن كسر هذا
~~(لفلان) الناصب بحجج الله التي علمه إياها، لأفضل له من كل شرف في النسب.
# PageV02P259
# فقال العباسي: يا بن رسول الله قد أشرفت علينا هو ذا تقصير بنا عمن ليس
~~له نسب كنسبنا، وما زال منذ أول الإسلام يقدم الأفضل في الشرف على من دونه
~~فيه.
# فقال عليه السلام: سبحان الله أليس عباس بايع أبا بكر وهو (تيمي) والعباس
~~(هاشمي)؟ أوليس عبد الله بن عباس كان يخدم عمر بن الخطاب وهو (هاشمي) أبو
~~الخلفاء وعمر (عدوي)؟! وما بال عمر أدخل البعداء من قريش في الشورى ولم
~~يدخل العباس؟ فإن كان رفعنا لمن ليس بهاشمي على هاشمي منكرا فأنكروا على
~~عباس بيعته لأبي بكر، وعلى عبد الله بن عباس خدمته لعمر بعد بيعته، فإن كان
~~ذلك جائزا فهذا جائز، فكأنما ألقم الهاشمي حجرا.
# وروي عن علي بن محمد الهادي عليه السلام أنه قال: لولا من يبقى بعد غيبة
~~قائمكم عليه السلام من العلماء الداعين إليه، والدالين عليه، والذابين عن
~~دينه بحجج الله والمنقذين لضعفاء عباد الله من شباك إبليس ومردته، ومن فخاخ
~~النواصب، لما بقي أحد إلا ارتد عن عن دين الله، ولكنهم الذين يمسكون أزمة
~~قلوب ضعفاء الشيعة كما يمسك صاحب السفينة سكانها، أولئك هم الأفضلون عند
~~الله عز وجل.
# احتجاج أبي محمد الحسن بن علي العسكري عليهما السلام في أنواع شتى من
~~علوم الدين.
# وبالإسناد المقدم ذكره: أن أبا محمد العسكري عليه السلام قال - في قوله
~~تعالى -:
# (ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم) (1)
~~أي: وسمها بسمة يعرفها من يشاء من ملائكته إذا نظروا إليها ms486 بأنهم الذين لا
~~يؤمنون وعلى سمعهم كذلك بسمات، وعلى أبصارهم غشاوة، وذلك: أنهم لما أعرضوا
~~عن النظر فيما كلفوه، وقصروا فيما أريد منهم، وجهلوا ما لزمهم الإيمان به،
~~فصاروا
# PageV02P260
# كمن على عينيه غطاء لا يبصر ما أمامه، فإن الله عز وجل يتعالى عن العبث
~~والفساد وعن مطالبة العباد بما منعهم بالقهر منه، فلا يأمرهم بمغالبته، ولا
~~بالمصير إلى ما قد صدهم بالقسر عنه، ثم قال: ولهم عذاب عظيم يعني: في
~~الآخرة العذاب المعد للكافرين، وفي الدنيا أيضا لمن يريد أن يستصلحه بما
~~ينزل به من عذاب الاستصلاح لينبهه لطاعته، أو من عذاب الاصلاح ليصيره إلى
~~عدله وحكمته.
# وروى أبو محمد العسكري عليه السلام مثل ما قال هو في تأويل هذه الآية من
~~المراد بالختم على قلوب الكفار عن الصادق عليه السلام بزيادة شرح لم نذكره
~~مخافة التطويل لهذا الكتاب.
# وبالإسناد المتكرر من أبي محمد عليه السلام أنه قال - في تفسير قوله
~~تعالى -:
# (الذي جعل لكم الأرض فراشا.. الآية) (1) جعلها ملائمة لطبايعكم، موافقة
~~لأجسادكم، لم يجعلها شديدة الحمى والحرارة فتحرقكم، ولا شديدة البرودة
~~فتجمدكم، ولا شديدة طيب الريح فتصدع هاماتكم، ولا شديدة النتن فتعطبكم، ولا
~~شديدة اللين كالماء فتغرقكم، ولا شديدة الصلابة فتمتنع عليكم في حرثكم
~~وأبنيتكم ودفن موتاكم، ولكنه جعل فيها من المتانة ما تنتفعون به، وتتماسكون
~~وتتماسك عليها أبدانكم وبنيانكم، وجعل فيها من اللين ما تنقاد به لحرثكم
~~وقبوركم وكثير من منافعكم، فلذلك جعل الأرض فراشا لكم.
# ثم قال: (والسماء بناء) يعني: سقفا من فوقكم محفوظا، يدير فيها شمسها
~~وقمرها ونجومها لمنافعكم.
# ثم قال: (وأنزل من السماء ماء) يعني: المطر ينزله من علو ليبلغ قلل
~~جبالكم وتلالكم وهضابكم وأوهادكم، ثم فرقه رذاذا ووابلا وهطلا وطلا، لينشقه
~~أرضوكم، ولم يجعل ذلك المطر نازلا عليكم قطعة واحدة، ليفسد أرضيكم وأشجاركم
~~وزروعكم وثماركم.
# ثم قال: (وأخرج به من الثمرات رزقا لكم) يعني: مما يخرجه من الأرض
# PageV02P261
# رزقا لكم، (فلا تجعلوا لله أندادا) أشباها وأمثالا من الأصنام التي لا
~~تعقل، ولا تسمع، ولا ms487 تبصر، ولا تقدر على شئ، (وأنتم تعلمون) أنها لا تقدر
~~على شئ من هذه النعم الجليلة التي أنعمها عليكم ربكم.
# وبالإسناد الذي مضى ذكره عن أبي محمد العسكري عليه السلام في قوله تعالى:
# (ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني) (١) إن الأمي منسوب إلى (أمه)
~~أي: هو كما خرج من بطن أمه، لا يقرأ ولا يكتب، (لا يعلمون الكتاب) المنزل
~~من السماء ولا المتكذب به، ولا يميزون بينهما (إلا أماني) أي: إلا أن يقرأ
~~عليهم ويقال لهم: إن هذا كتاب الله وكلامه، لا يعرفون إن قرأ من الكتاب
~~خلاف ما فيه، (وإن هم إلا يظنون) أي ما يقرأ عليهم رؤساؤهم من تكذيب محمد
~~صلى الله عليه وآله في نبوته وإمامة علي سيد عترته، وهم يقلدونهم مع أنه
~~(محرم عليهم) تقليدهم، ﴿فويل للذين
~~يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله تعالى.. الخ﴾ (2)
~~هذا: القوم اليهود، كتبوا صفة زعموا أنها صفة محمد صلى الله عليه وآله، وهي
~~خلاف صفته، وقالوا للمستضعفين منهم: هذه صفة النبي المبعوث في آخر الزمان
~~أنه: طويل عظيم البدن والبطن، أهدف، (3) أصهب الشعر، ومحمد صلى الله عليه
~~وآله بخلافه، وهو يجئ بعد هذا الزمان بخمسمائة سنة، وإنما أرادوا بذلك أن
~~تبقى لهم على ضعفائهم رياستهم، وتدوم لهم إصاباتهم، ويكفوا أنفسهم مؤنة
~~خدمة رسول الله صلى الله عليه وآله وخدمة علي عليه السلام وأهل بيته
~~وخاصته، فقال الله عز وجل: (فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون)
~~من هذه الصفات المحرفات والمخالفات لصفة محمد صلى الله عليه وآله وعلي عليه
~~السلام: الشدة لهم من العذاب في أسوء بقاع جهنم، وويل لهم: الشدة في العذاب
~~ثانية مضافة إلى الأولى، بما يكسبونه من الأموال التي يأخذونها إذا ثبتوا
~~عوامهم على الكفر بمحمد رسول الله صلى الله عليه وآله، والحجة لوصيه وأخيه
~~علي بن أبي طالب عليه السلام ولي الله.
# PageV02P262
# ثم قال عليه السلام: قال رجل للصادق عليه السلام: فإذا كان هؤلاء ms488 القوم
~~من اليهود لا يعرفون الكتاب إلا بما يسمعونه من علمائهم لا سبيل لهم إلى
~~غيره، فكيف ذمهم بتقليدهم والقبول من علمائهم، وهل عوام اليهود إلا كعوامنا
~~يقلدون علماءهم؟
# فقال عليه السلام: بين عوامنا وعلمائنا وعوام اليهود وعلمائهم فرق من جهة
~~وتسوية من جهة.
# أما من حيث استووا: فإن الله قد ذم عوامنا بتقليدهم علمائهم كما ذم
~~عوامهم.
# وأما من حيث افترقوا فلا.
# قال: بين لي يا بن رسول الله!
# قال عليه السلام: إن عوام اليهود كانوا قد عرفوا علماءهم بالكذب الصراح،
~~وبأكل الحرام والرشاء، وبتغيير الأحكام عن واجبها بالشفاعات والعنايات
~~والمصانعات، وعرفوهم بالتعصب الشديد الذي يفارقون به أديانهم، وأنهم إذا
~~تعصبوا أزالوا حقوق من تعصبوا عليه وأعطوا ما لا يستحقه من تعصبوا له من
~~أموال غيرهم، وظلموهم من أجلهم، وعرفوهم يقارفون المحرمات، واضطروا بمعارف
~~قلوبهم إلى أن من فعل ما يفعلونه فهو فاسق لا يجوز أن يصدق على الله ولا
~~على الوسائط بين الخلق وبين الله، فلذلك ذمهم لما قلدوا من قد عرفوه ومن قد
~~علموا أنه لا يجوز قبول خبره ولا تصديقه في حكايته، ولا العمل بما يؤديه
~~إليهم عمن لم يشاهدوه ووجب عليهم النظر بأنفسهم في أمر رسول الله صلى الله
~~عليه وآله، إذ كانت دلائله أوضح من أن تخفى، وأشهر من أن لا تظهر لهم.
# وكذلك عوام أمتنا إذا عرفوا من فقهائهم الفسق الظاهر، والعصبية الشديدة
~~والتكالب على حطام الدنيا وحرامها، وإهلاك من يتعصبون عليه وإن كان لإصلاح
~~أمره مستحقا، وبالترفرف بالبر والإحسان على من تعصبوا له وإن كان للإذلال
~~والإهانة مستحقا، فمن قلد من عوامنا مثل هؤلاء الفقهاء فهم مثل اليهود
~~الذين ذمهم الله بالتقليد لفسقة فقهائهم، فأما من كان من الفقهاء صائنا
~~لنفسه، حافظا لدينه، مخالفا على هواه، مطيعا لأمر مولاه، فللعوام أن
~~يقلدوه، وذلك لا يكون PageV02P263
# إلا بعض فقهاء الشيعة لا جميعهم، فإنه من ركب من القبايح والفواحش مراكب
~~فسقة العامة فلا تقبلوا منا عنه شيئا، ولا كرامة، وإنما كثر التخليط فيما
~~يتحمل ms489 عنا أهل البيت لذلك لأن الفسقة يتحملون عنا فيحرفونه بأسره بجهلهم،
~~ويضعون الأشياء على غير وجهها لقلة معرفتهم، وآخرون يتعمدون الكذب علينا
~~ليجروا من عرض الدنيا ما هو زادهم إلى نار جهنم، ومنهم قوم (نصاب) لا
~~يقدرون على القدح فينا، يتعلمون بعض علومنا الصحيحة فيتوجهون به عند
~~شيعتنا، وينتقصون بنا عند نصابنا، ثم يضيفون إليه أضعاف وأضعاف أضعافه من
~~الأكاذيب علينا التي نحن براء منها، فيتقبله المستسلمون من شيعتنا، على أنه
~~من علومنا، فضلوا وأضلوا وهم أضر على ضعفاء شيعتنا من جيش يزيد على الحسين
~~بن علي عليه السلام وأصحابه، فإنهم يسلبونهم الأرواح والأموال، وهؤلاء
~~علماء السوء الناصبون المتشبهون بأنهم لنا موالون، ولأعدائنا معادون،
~~ويدخلون الشك والشبهة على ضعفاء شيعتنا فيضلونهم ويمنعونهم عن قصد الحق
~~المصيب، لا جرم أن من علم الله من قلبه من هؤلاء القوم أنه لا يريد إلا
~~صيانة دينه وتعظيم وليه لم يتركه في يد هذا المتلبس الكافر، ولكنه يقيض له
~~مؤمنا يقف به على الصواب، ثم يوفقه الله للقبول منه، فيجمع الله له بذلك
~~خير الدنيا والآخرة، ويجمع على من أضله لعنا في الدنيا وعذاب الآخرة.
# ثم قال: قال رسول الله: (أشرار علماء أمتنا: المضلون عنا، القاطعون للطرق
~~إلينا، المسمون أضدادنا بأسمائنا، الملقبون أضدادنا بألقابنا، يصلون عليهم
~~وهم للعن مستحقون، ويلعنونا ونحن بكرامات الله مغمورون، وبصلوات الله
~~وصلوات ملائكته المقربين علينا عن صلواتهم علينا مستغنون).
# ثم قال: قيل لأمير المؤمنين عليه السلام: من خير خلق الله بعد أئمة
~~الهدى، ومصابيح الدجى؟
# قال: العلماء إذا صلحوا.
# قيل: فمن شرار خلق الله بعد إبليس، وفرعون، ونمرود، وبعد المتسمين
~~PageV02P264
# بأسمائكم، والمتلقبين بألقابكم، والآخذين لأمكنتكم، والمتأمرين في
~~ممالككم؟
# قال: العلماء إذا فسدوا، هم المظهرون للأباطيل، الكاتمون للحقايق، وفيهم
~~قال الله عز وجل: (أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون إلا الذين تابوا..
# الآية) (1).
# وبالإسناد المقدم ذكره عن أبي يعقوب يوسف بن محمد بن زياد، وأبي الحسن
~~علي بن محمد بن سيار، أنهما قالا: قلنا للحسن أبي القائم عليهما السلام: إن
~~قوما ms490 عندنا يزعمون: أن هاروت وماروت ملكان اختارتهما الملائكة لما كثر
~~عصيان بني آدم وأنزلهما الله مع ثالث لهما إلى الدنيا، وأنهما افتتنا
~~بالزهرة وأراد الزنا بها، وشربا الخمر، وقتلا النفس المحرمة، وأن الله
~~يعذبهما ببابل، وأن السحرة منهما يتعلمون السحر، وأن الله مسخ هذا الكوكب
~~الذي هو (الزهرة).
# فقال الإمام عليه السلام: معاذ الله من ذلك، إن ملائكة الله معصومون
~~محفوظون من الكفر والقبايح، بألطاف الله فقال عز وجل فيهم: (لا يعصون الله
~~ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون) (2) وقال: (ولله من في السماوات والأرض ومن
~~عنده - يعني: الملائكة - لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون * يسبحون
~~الليل والنهار لا يفترون) (3) وقال في الملائكة: (بل عباد مكرمون لا
~~يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون) إلى قوله (مشفقون) (4) كان الله قد جعل
~~هؤلاء الملائكة خلفائه في الأرض، وكانوا كالأنبياء في الدنيا، وكالأئمة،
~~أفيكون من الأنبياء والأئمة قتل النفس والزنا وشرب الخمر؟!!
# ثم قال: أو لست تعلم أن الله لم يخل الدنيا من نبي أو إمام من البشر؟
# أوليس يقول: (وما أرسلنا قبلك من رسلنا - يعني إلى الخلق - إلا رجالا
~~نوحي إليهم من أهل القرى) (5) فأخبر أنه لم يبعث الملائكة إلى الأرض
~~ليكونوا أئمة
# PageV02P265
# وحكاما، وإنما أرسلوا إلى أنبياء الله.
# قالا. قلنا له: فعلى هذا لم يكن إبليس ملكا!
# فقال: لا. بل كان من الجن! أما تسمعان الله تعالى يقول: (وإذ قلنا
~~للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن) (1) فأخبر أنه كان من
~~الجن، وهو الذي قال: (والجان خلقناه من قبل من نار السموم) (2).
# وقال الإمام عليه السلام: حدثني أبي، عن جدي، عن الرضا، عن أبيه، عن
~~آبائه، عن علي عليهم السلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله أن الله
~~اختارنا معاشر آل محمد، واختار النبيين، واختار الملائكة المقربين، وما
~~اختارهم إلا على علم منه بهم: أنهم لا يواقعون ما يخرجون به عن ولايته،
~~وينقطعون به من عصمته، وينضمون به إلى المستحقين لعذابه ونقمته.
# قالا: فقلنا: فقد روي لنا: أن عليا صلوات ms491 الله عليه لما نص عليه رسول
~~الله بالإمامة، عرض الله ولايته على فيام وفيام (3) من الملائكة فأبوها،
~~فمسخهم الله ضفادع.
# فقال: معاذ الله! هؤلاء المتكذبون علينا، الملائكة هم: رسل الله كساير
~~أنبياء الله إلى الخلق، أفيكون منهم الكفر بالله؟
# قلنا: لا.
# قال: فكذلك الملائكة! إن شأن الملائكة عظيم وإن خطبهم لجليل.
# وبالإسناد الذي تكرر عن أبي يعقوب وأبي الحسن أيضا أنهما قالا: حضرنا عند
~~الحسن بن علي أبي القائم عليهما السلام فقال له بعض أصحابه: جاءني رجل من
~~إخواننا الشيعة قد امتحن بجهال العامة، يمتحنونه في الإمامة ويحلفونه، فكيف
~~يصنع حتى يتخلص منهم؟
# فقلت له: كيف يقولون؟
# PageV02P266
# قال: يقولون: (أتقول أن فلانا هو الإمام بعد رسول الله صلى الله عليه
~~وآله؟ فلا بد لي أن أقول نعم وإلا أثخنوني ضربا، فإذا قلت: (نعم) قالوا لي:
~~قل: (والله) فقلت لهم: (نعم) وأريد به (نعما) من الأنعام: (الإبل والبقر
~~والغنم).
# قلت: فإذا قالوا: والله فقل ولي أي ولي تريد عن أمر كذا، فإنهم لا يميزون
~~وقد سلمت.
# فقال لي: فإن حققوا علي فقالوا قل: (والله) وبين الهاء.
# فقلت: قل والله برفع الهاء، فإنه لا يكون يمينا إذا لم يخفض.
# فذهب ثم رجع إلي فقال: عرضوا علي وحلفوني، فقلت كما لقنتني.
# فقال له الحسن عليه السلام: أنت كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله:
~~(الدال على الخير كفاعله) لقد كتب الله لصاحبك بتقيته بعدد كل من استعمل
~~التقية من شيعتنا وموالينا ومحبينا حسنة، وبعدد من ترك التقية منهم حسنة،
~~أدناها حسنة لو قوبل بها ذنوب مائة سنة لغفرت، ولك بإرشادك إياه مثل ما له.
# وبالإسناد المتكرر ذكره عن الحسن العسكري عليه السلام أنه قال: أعرف
~~الناس بحقوق إخوانه وأشدهم قضاء لها أعظمهم عند الله شأنا، ومن تواضع في
~~الدنيا لإخوانه فهو عند الله من الصديقين ومن شيعة علي بن أبي طالب عليه
~~السلام حقا، ولقد ورد على أمير المؤمنين عليه السلام أخوان له مؤمنان أب
~~وابن، فقام إليهما، وأكرمهما وأجلسهما في صدر ms492 مجلسه، وجلس بين أيديهما، ثم
~~أمر بطعام فأحضر فأكلا منه ثم جاء قنبر بطست وإبريق خشب ومنديل لييس وجاء
~~ليصب على يد الرجل ماءا فوثب أمير المؤمنين عليه السلام فأخذ الإبريق ليصب
~~على يد الرجل فتمرغ الرجل في التراب وقال:
# يا أمير المؤمنين الله يراني وأنت تصب على يدي؟!
# قال: اقعد واغسل يدك فإن الله عز وجل وأخوك الذي لا يتميز منك ولا يتفضل
~~عليك يخدمك، يريد بذلك في خدمه في الجنة مثل عشرة أضعاف عدد أهل الدنيا
~~وعلى حسب ذلك في ممالكه فيها. PageV02P267
# فقعد الرجل فقال له علي عليه السلام: أقسمت عليك بعظيم حقي الذي عرفته
~~وبجلته وتواضعك لله بأن ندبني لما شرفك به من خدمتي لك، لما غسلت مطمئنا
~~كما كنت تغسل لو كان الصاب عليك قنبرا، ففعل الرجل.
# فلما فرغ ناول الإبريق محمد بن الحنفية وقال: يا بني لو كان هذا الابن
~~حضرني دون أبيه لصببت على يده، ولكن الله يأبى أن يسوي بين ابن وأبيه إذا
~~جمعهما مكان، لكن قد صب الأب على الأب، فليصب الابن على الابن، فصب محمد
~~ابن الحنفية على الابن.
# ثم قال الحسن العسكري عليه السلام: فمن اتبع عليا عليه السلام على ذلك
~~فهو الشيعي حقا.
# احتجاج الحجة القائم المنتظر المهدي صاحب الزمان صلوات الله عليه وعلى
~~آبائه الطاهرين.
# سعد بن عبد الله القمي الأشعري (1) قال: بليت بأشد النواصب منازعة فقال
~~لي يوما - بعد ما ناظرته -: تبا لك ولأصحابك! أنتم معاشر الروافض تقصدون
~~المهاجرين والأنصار بالطعن عليهم، وبالجحود لمحبة النبي لهم، فالصديق هو
~~فوق الصحابة بسبب سبق الإسلام، ألا تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وآله
~~إنما ذهب به
# PageV02P268
# ليلة الغار لأنه خاف عليه كما خاف على نفسه، ولما علم أنه يكون الخليفة
~~في أمته وأراد أن يصون نفسه كما يصون عليه السلام خاصة نفسه، كي لا يختل
~~حال الدين من بعده. ويكون الإسلام منتظما؟ وقد أقام عليا على فراشه لما كان
~~في علمه أنه لو قتل لا يختل الإسلام بقتله. ms493 لأنه يكون من الصحابة من يقوم
~~مقامه لا جرم لم يبال من قتله؟!
# قال سعد: إني قلت على ذلك أجوبة لكنها غير مسكتة.
# ثم قال: معاشر الروافض تقولون: أن (الأول والثاني) كانا ينافقان،
~~وتستدلون على ذلك بليلة العقبة.
# ثم قال لي: أخبرني عن إسلامهما كان من طوع ورغبة أو كان عن إكراه وإجبار؟
# فاحترزت عن جواب ذلك وقلت مع نفسي إن كنت أجبته بأنه كان عن إكراه وإجبار
~~لم يكن في ذلك الوقت للإسلام قوة حتى يكون إسلامهما بإكراه وقهر، فرجعت عن
~~هذا الخصم على حال ينقطع كبدي، فأخذت طومارا وكتبت بضعا وأربعين مسألة من
~~المسائل الغامضة التي لم يكن عندي جوابها، فقلت: أدفعها إلى صاحب مولاي أبي
~~محمد الحسن بن علي عليهما السلام الذي كان في قم أحمد بن إسحاق (1) فلما
~~طلبته كان هو قد ذهب فمشيت على أثره فأدركته وقلت الحال معه.
# فقال لي: جئ معي إلى سر من رأى حتى نسأل عن هذه المسائل مولانا الحسن بن
~~علي عليهما السلام.
# فذهبت معه إلى سر من رأى ثم جئنا إلى باب دار مولانا عليه السلام
~~فاستأذنا عليه فأذن لنا، فدخلنا الدار وكان مع أحمد بن إسحاق جراب قد ستره
~~بكساء طبري، وكان فيه مائة وستون صرة من الذهب والورق، على كل واحدة منها
~~خاتم
# PageV02P269
# صاحبها الذي دفعها إليه، ولما دخلنا ووقع أعيننا على أبي محمد الحسن
~~العسكري عليهما السلام كان وجهه كالقمر ليلة البدر وقد رأينا على فخذه
~~غلاما يشبه المشتري في الحسن والجمال، وكان على رأسه ذؤابتان، وكان بين
~~يديه رمان من الذهب قد حلي بالفصوص والجواهر الثمينة قد أهداه واحد من
~~رؤساء البصرة، وكان في يده قلم يكتب به شيئا على قرطاس، فكلما أراد أن يكتب
~~شيئا أخذ الغلام يده فألقى الرمان حتى يذهب الغلام إليه ويجئ به فلما ترك
~~يده يكتب ما شاء.
# ثم فتح أحمد بن إسحاق الكساء ووضع الجراب بين يدي العسكري عليه السلام،
~~فنظر العسكري إلى الغلام فقال: فض الخاتم عن هدايا ms494 شيعتك ومواليك!
# فقال: يا مولاي أيجوز أن أمد يدا طاهرة إلى هدايا نخسة وأموال رجسة؟!
# ثم قال: يا بن إسحاق أخرج ما في الجراب ليميز بين الحلال والحرام!
# ثم أخرج (صرة) فقال الغلام: هذا (لفلان بن فلان) من محلة (كذا) بقم،
~~مشتمل على اثنين وسبعين دينارا، فيها من ثمن حجرة باعها وكانت إرثا عن أبيه
~~خمسة وأربعون دينارا، ومن أثمان سبعة أثواب أربعة عشر دينارا، وفيه من أجرة
~~الحوانيت ثلاثة دنانير.
# فقال مولانا عليه السلام صدقت يا بني! دل الرجل على الحرام منها.
# فقال الغلام: في هذه العين دينار بسكة الري تاريخه في سنة (كذا) قد ذهب
~~نصف نقشه عنه، وثلاثة اقطاع قراضة بالوزن (دانق ونصف) في هذه الصرة الحرام
~~هذا القدر. فإن صاحب هذه الصرة في سنة كذا في شهر كذا كان له عند نساج -
~~وهو من جملة جيرانه - من وربع، فأتى على ذلك زمان كثير فسرقه سارق من عنده
~~فأخبره النساج بذلك فما صدقه وأخذ الغرامة بغزل أدق منه مبلغ من ونصف، ثم
~~أمر حتى نسج منه ثوب وهذا الدينار والقراضة من ثمنه. ثم حل عقدها فوجد
~~الدينار والقراضة كما أخبر، ثم أخرجت (صرة) أخرى.
# فقال الغلام: هذا (لفلان بن فلان) من المحلة (الفلانية) بقم والعين فيها
~~(خمسون دينارا) ولا ينبغي لنا أن ندني أيدينا إليها. PageV02P270
# قال: لم؟
# فقال: من أجل أن هذه الدنانير ثمن الحنطة، وكانت هذه الحنطة بينه وبين
~~حراث له، فأخذ نصيبه بكيل كامل وأعطى نصيبه بكيل ناقص.
# فقال مولانا الحسن بن علي عليهما السلام: صدقت يا بني!
# قال: يا بن إسحاق إحمل هذه الصرور وبلغ أصحابها وأوص بتبليغها إلى
~~أصحابها، فإنه لا حاجة بنا إليها.
# ثم قال: جئ إلي بثوب تلك العجوز.
# فقال أحمد بن إسحاق: كان ذلك في حقيبة فنسيته، ثم مشى أحمد بن إسحاق ليجئ
~~بذلك فنظر إلي مولانا أبو محمد العسكري عليه السلام وقال:
# ما جاء بك يا سعد؟
# فقلت: شوقني أحمد بن إسحاق إلى لقاء مولانا.
# قال: المسائل التي أردت ms495 أن تسأل عنها؟
# قلت: على حالها يا مولاي.
# قال: فاسأل قرة عيني - وأومى إلى الغلام - عما بدا لك!
# فقلت: يا مولانا وابن مولانا روي لنا: أن رسول الله صلى الله عليه وآله
~~جعل طلاق نسائه إلى أمير المؤمنين، حتى أنه بعث يوم الجمل رسولا إلى عائشة
~~وقال: إنك أدخلت الهلاك على الإسلام وأهله بالغش الذي حصل منك، وأوردت
~~أولادك في موضع الهلاك بالجهالة، فإن امتنعت وإلا طلقتك. فأخبرنا يا مولاي
~~عن معنى الطلاق الذي فوض حكمه رسول الله صلى الله عليه وآله إلى أمير
~~المؤمنين عليه السلام؟
# فقال: إن الله تقدس اسمه عظم شأن نساء النبي صلى الله عليه وآله فخصهن
~~لشرف الأمهات فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا أبا الحسن إن هذا شرف
~~باق مادمن لله على طاعة، فأيتهن عصت الله بعدي بالخروج عليك فطلقها من
~~الأزواج، وأسقطها من شرف أمية المؤمنين.
# ثم قلت: أخبرني عن الفاحشة المبينة التي إذا فعلت المرأة ذلك يجوز لبعلها
~~أن يخرجها من بيته في أيام عدتها؟ PageV02P271
# فقال عليه السلام: تلك الفاحشة السحق (1) وليست بالزنا لأنها إذا زنت
~~يقام عليها الحد، وليس لمن أراد تزويجها أن يمتنع من العقد عليها لأجل الحد
~~الذي أقيم عليها، وأما إذا ساحقت فيجب عليها الرجم، والرجم هو الخزي، ومن
~~أمر الله تعالى برجمها فقد أخزاها ليس لأحد أن يقربها.
# ثم قلت: أخبرني يا بن رسول الله عن قول الله تعالى لنبيه موسى: (فاخلع
~~نعليك إنك بالواد المقدس طوى) (2) فإن فقهاء الفريقين يزعمون: أنها كانت من
~~إهاب الميتة؟
# فقال عليه السلام: من قال ذلك فقد افترى على موسى واستجهله في نبوته،
~~لأنه ما خلا الأمر فيها من خطبين: أما أن كانت صلاة موسى فيها جائزة أو غير
~~جائزة، فإن كانت صلاة موسى جائزة فيها، فجاز لموسى أن يكون لابسها في تلك
~~البقعة وإن كانت مقدسة مطهرة، وإن كانت صلاته غير جائزة فيها فقد أوجب أن
~~موسى لم يعرف الحلال والحرام، ولم يعلم ما جازت الصلاة فيه مما ms496 لم يجز وهذا
~~(كفر).
# قلت: فأخبرني يا مولاي عن التأويل فيها؟
# قال: إن موسى عليه السلام كان بالوادي المقدس فقال: يا رب إني أخلصت لك
~~المحبة مني وغسلت قلبي عمن سواك، وكان شديد الحب لأهله فقال الله تبارك
~~وتعالى: فاخلع نعليك أي: انزع حب أهلك من قلبك إن كانت محبتك لي خالصة
~~وقلبك من الميل إلى من سواي مغسولا.
# فقلت: أخبرني عن تأويل كهيعص.
# قال: هذه الحروف من أنباء الغيب، أطلع الله عليها عبده زكريا ثم قصها على
~~محمد صلى الله عليه وآله، وذلك: أن زكريا عليه السلام سأل ربه: أن يعلمه
~~الأسماء الخمسة، فأهبط عليه جبرئيل فعلمه إياها، فكان زكريا إذا ذكر محمدا
~~وعليا وفاطمة والحسن
# PageV02P272
# سرى عنه همه، وانجلى كربه، وإذا ذكر اسم الحسين عليه السلام خنقته
~~العبرة، ووقعت عليه البهرة.
# فقال - ذات يوم -: إلهي ما بالي إذا ذكرت أربعا منهم تسليت بأسمائهم من
~~همومي، وإذا ذكرت الحسين تدمع عيني وتثور زفرتي. فأنبأه الله تبارك وتعالى
~~عن قصته فقال: (كهيعص) فالكاف اسم (كربلاء) والهاء (هلاك العترة) والياء
~~(يزيد) وهو ظالم الحسين والعين (عطشه) والصاد (صبره) فلما سمع بذلك زكريا
~~عليه السلام لم يفارق مسجده ثلاثة أيام ومنع فيهن الناس من الدخول عليه،
~~وأقبل على البكاء والنحيب، وكان يرثيه:
# إلهي أتفجع خير جميع خلقك بولده؟
# إلهي أتنزل بلوى هذه الرزية بفنائه؟
# إلهي أتلبس عليا وفاطمة ثوب هذه المصيبة؟
# إلهي تحل كربة هذه المصيبة بساحتهما؟
# ثم كان يقول: إلهي ارزقني ولدا تقر به عيني على الكبر، فإذا رزقتنيه
~~فافتني بحبه، ثم افجعني به كما تفجع محمدا حبيبك بولده.
# فرزقه الله يحيى وفجعه به، وكان حمل يحيى ستة أشهر وحمل الحسين كذلك.
# فقلت: أخبرني يا مولاي عن العلة التي تمنع القوم من اختيار الإمام
~~لأنفسهم؟
# قال: مصلح أو مفسد؟
# فقلت: مصلح.
# قال: هل يجوز أن يقع خيرتهم على المفسد بعد أن لا يعلم أحد ما يخطر ببال
~~غيره من صلاح أو فساد.
# قلت: بلى.
# قال: فهي (العلة) أيدتها لك ببرهان يقبل ms497 ذلك عقلك.
# قلت: نعم.
# قال: أخبرني عن الرسل الذين اصطفاهم الله، وأنزل عليهم الكتب، وأيدهم
~~PageV02P273
# بالوحي والعصمة، إذ هم أعلام الأمم، فأهدى إلى ثبت الاختيار ومنهم موسى
~~وعيسى هل يجوز مع وفور عقلهما وكمال علمهما إذ هما على المنافق بالاختيار
~~أن يقع خيرتهما، وهما يظنان أنه مؤمن؟
# قلت: لا.
# قال: فهذا موسى كليم الله مع وفور عقله، وكمال علمه، ونزول الوحي عليه
~~اختار من أعيان قومه ووجوه عسكره لميقات ربه سبعين رجلا ممن لم يشك في
~~إيمانهم وإخلاصهم، فوقع خيرته على المنافقين. قال الله عز وجل: (واختار
~~موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا. الآية) (1) فلما وجدنا اختيار من قد اصطفاه
~~الله للنبوة واقعا على الأفسد دون الأصلح وهو يظن أنه الأصلح دون الأفسد،
~~علمنا أن لا اختيار لمن لا يعلم ما تخفي الصدور وما تكن الضمائر، وينصرف
~~عنه السرائر. وأن لا خطر لاختيار المهاجرين والأنصار بعد وقوع خيرة
~~الأنبياء على ذوي الفساد لما أرادوا أهل الصلاح.
# ثم قال مولانا عليه السلام: يا سعد من ادعى: أن النبي صلى الله عليه وآله
~~- وهو خصمك - ذهب بمختار هذه الأمة مع نفسه إلى الغار فإنه خاف عليه كما
~~خاف على نفسه لما علم أنه الخليفة من بعده على أمته، لأنه لم يكن من حكم
~~الاختفاء أن يذهب بغيره معه وإنما أقام عليا على مبيته لأنه علم أنه إن قتل
~~لا يكون من الخلل بقتله ما يكون بقتل أبي بكر، لأنه يكون لعلي من يقوم
~~مقامه في الأمور، لم لا تنقض عليه بقولك:
# أو لستم تقولون: أن النبي صلى الله عليه وآله قال: (إن الخلافة من بعدي
~~ثلاثون سنة) وصيرها موقوفة على أعمار هؤلاء الأربعة: (أبو بكر، وعمر،
~~وعثمان، وعلي) فإنهم كانوا على مذهبكم خلفاء رسول الله؟ فإن خصمك لم يجد
~~بدا من قوله: بلى.
# قلت له: فإذا كان الأمر كذلك فكما أبو بكر الخليفة من بعده كان هذه
~~الثلاثة خلفاء أمته من بعده، فلم ذهب بخليفة واحد وهو (أبو بكر) إلى الغار
~~ولم يذهب ms498 بهذه الثلاثة؟ فعلى هذا الأساس يكون النبي صلى الله عليه وآله
~~مستخفا بهم دون
# PageV02P274
# أبي بكر فإنه يجب عليه أن يفعل بهم ما فعل بأبي بكر، فلما لم يفعل ذلك
~~بهم يكون متهاونا بحقوقهم وتاركا للشفقة عليهم بعد أن كان يجب أن يفعل بهم
~~جميعا على ترتيب خلافتهم ما فعل بأبي بكر.
# وأما ما قال لك الخصم: بأنهما أسلما طوعا أو كرها، لم لم تقل بل أنهما
~~أسلما طمعا، وذلك أنهما يخالطان مع اليهود ويخبران بخروج محمد صلى الله
~~عليه وآله واستيلائه على العرب من التوراة والكتب المقدسة وملاحم قصة محمد
~~صلى الله عليه وآله، ويقولون لهما:
# يكون استيلاؤه على العرب كاستيلاء (بخت نصر) على بني إسرائيل إلا أنه
~~يدعي النبوة ولا يكون من النبوة في شئ، فلما ظهر أمر رسول الله فساعدا معه
~~على شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله طمعا أن يجدا من جهة
~~ولاية رسول الله ولاية بلد إذا انتظم أمره، وحسن باله، واستقامت ولايته،
~~فلما أيسا من ذلك وافقا مع أمثالهما ليلة العقبة وتلثما مثل من تلثم منهم،
~~فنفروا بدابة رسول الله لتسقطه ويصير هالكا بسقوطه بعد أن صعد العقبة فيمن
~~صعد، فحفظ الله تعالى نبيه من كيدهم ولم يقدروا أن يفعلوا شيئا، وكان
~~حالهما كحال طلحة والزبير إذ جاءا عليا عليه السلام وبايعاه طمعا أن تكون
~~لكل واحد منهما ولاية، فلما لم يكن ذلك وأيسا من الولاية نكثا بيعته وخرجا
~~عليه حتى آل أمر كل واحد منهما إلى ما يؤل أمر من ينكث العهود والمواثيق.
# ثم قام مولانا الحسن بن علي عليهما السلام لصلاته وقام القائم معه، فرجعت
~~من عندهما وطلبت أحمد بن إسحاق فاستقبلني باكيا فقلت:
# ما أبطأك وما أبكاك؟
# قال: قد فقدت الثوب الذي سألني مولاي إحضاره.
# قلت: لا بأس عليك فأخبره!
# فدخل عليه وانصرف من عنده متبسما وهو يصلي على محمد وأهل بيته.
# فقلت: ما الخبر؟
# فقال: وجدت الثوب مبسوطا تحت قدمي مولانا عليه السلام يصلي عليه.
~~PageV02P275
# قال ms499 سعد: فحمدنا الله جل ذكره على ذلك وجعلنا نختلف بعد ذلك اليوم إلى
~~منزل مولانا عليه السلام أياما فلا نرى الغلام بين يديه، فلما كان يوم
~~الوداع دخلت أنا وأحمد بن إسحاق وكهلان من أهل بلدنا، فانتصب أحمد بن إسحاق
~~بين يديه قائما وقال:
# يا بن رسول الله قد دنت الرحلة، واشتدت المحنة، فنحن نسأل الله أن يصلي
~~على المصطفى جدك، وعلى المرتضى أبيك، وعلى سيدة النساء أمك فاطمة الزهراء
~~وعلى سيدي شباب أهل الجنة عمك وأبيك، وعلى الأئمة من بعدهما آبائك. وأن
~~يصلي عليك وعلى ولدك، ونرغب إليه أن يعلي كعبك، ويكبت عدوك، ولا جعل الله
~~هذا آخر عهدنا من لقائك.
# (قال): فلما قال هذه الكلمة استعبر مولانا عليه السلام حتى استهملت دموعه
~~وتقاطرت عبراته ثم قال:
# يا بن إسحاق لا تكلف في دعائك شططا، فإنك ملاق الله في صدرك هذا، فخر
~~أحمد مغشيا عليه، فلما أفاق قال:
# سألتك بالله وبحرمة جدك إلا ما شرفتني بخرقة أجعلها كفنا، فأدخل مولانا
~~يده تحت البساط فأخرج ثلاثة عشر درهما فقال:
# خذها ولا تنفق على نفسك غيرها فإنك لن تعدم ما سألت والله لا يضيع أجر
~~المحسنين.
# قال سعد: فلما صرنا بعد منصرفنا من حضرة مولانا عليه السلام من حلوان على
~~ثلاثة فراسخ، حم أحمد بن إسحاق وثارت عليه علة صعبة أيس من حياته بها، فلما
~~وردنا حلوان ونزلنا في بعض الخانات، دعا أحمد بن إسحاق رجلا من أهل بلده
~~كان قاطنا بها ثم قال: تفرقوا عني هذه الليلة واتركوني وحدي!
# فانصرفنا عنه ورجع كل واحد إلى مرقده.
# (قال) سعد: فلما حان أن ينكشف الليل عن الصبح أصابتني فكرة ففتحت عيني،
~~فإذا أنار بكافور الخادم خادم مولانا أبي محمد وهو يقول: PageV02P276
# أحسن الله بالخير عزاكم، وختم بالمحبوب رزيتكم، قد فرغنا من غسل صاحبكم
~~ومن تكفينه، فقوموا لدفنه فإنه من أكرمكم محلا عند سيدكم، ثم غاب عن
~~أعيننا، فاجتمعنا على رأسه بالبكاء والنحيب والعويل حتى قضينا حقه وفرغنا
~~من أمره رحمه الله.
# وعن ms500 الشيخ الموثوق أبي عمرو العمري - ره - (1) قال: تشاجر ابن أبي غانم
# PageV02P277
# القزويني وجماعة من الشيعة في (الخلف) فذكر ابن أبي غانم: أن أبا محمد
~~عليه السلام مضى ولا خلف له، ثم إنهم كتبوا في ذلك كتابا وأنفذوه إلى
~~الناحية، وأعلموه بما تشاجروا فيه.
# فورد جواب كتابهم بخطه صلى الله عليه وعلى آبائه:
# بسم الله الرحمن الرحيم عافانا الله وإياكم من الفتن، ووهب لنا ولكم روح
~~اليقين، وأجارنا وإياكم من سوء المنقلب، أنه أنهي إلي ارتياب جماعة منكم في
~~الدين، وما دخلهم من الشك والحيرة في ولاة أمرهم، فغمنا ذلك لكم لا لنا،
~~وساءنا فيكم لا فينا، لأن الله معنا فلا فاقة بنا لي غيره، والحق معنا فلن
~~يوحشنا من قعد عنا، ونحن صنايع ربنا والخلق بعد صنايعنا.
# يا هؤلاء ما لكم في الريب تترددون، وفي الحيرة تنعسكون، أو ما سمعتم الله
~~يقول: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم)
~~(1) أو ما علمتم ما جاءت به الآثار مما يكون ويحدث في أئمتكم، على الماضين
~~والباقين منهم السلام؟ أو ما رأيتم كيف جعل الله لكم معاقل تأوون إليها،
~~وأعلاما تهتدون بها، من لدن آدم عليه السلام إلى أن ظهر الماضي عليه
~~السلام، كلما غاب علم بدا علم، وإذا أفل نجم طلع نجم، فلما قبضه الله إليه
~~ظننتم: أن الله أبطل دينه، وقطع السبب بينه وبين خلقه، كلا ما كان ذلك ولا
~~يكون، حتى تقوم الساعة ويظهر أمر الله وهم كارهون، وأن الماضي عليه السلام
~~مضى سعيدا فقيدا على منهاج آبائه عليهم السلام، (حذو النعل بالنعل) وفينا
~~وصيته وعلمه، ومنه خلفه ومن يسد مسده، ولا ينازعنا موضعه إلا ظالم آثم، ولا
~~يدعيه دوننا إلا كافر جاحد، ولولا أن أمر الله لا يغلب، وسره لا يظهر ولا
~~يلعن، لظهر لكم من حقنا ما تبتز منه عقولكم، ويزيل شكوكم
# PageV02P278
# ولكنه ما شاء الله كان، ولكل أجل كتاب، فاتقوا الله وسلموا لنا وردوا
~~الأمر إلينا فعلينا الإصدار كما كان منا الايراد، ولا ms501 تحاولوا كشف ما غطي
~~عنكم، ولا تميلوا عن اليمين وتعدلوا إلى اليسار، واجعلوا قصدكم إلينا
~~بالمودة على السنة الواضحة فقد نصحت لكم، والله شاهد علي وعليكم، ولولا ما
~~عندنا من محبة صاحبكم ورحمتكم، والإشفاق عليكم، لكنا عن مخاطبتكم في شغل
~~مما قد امتحنا به من منازعة الظالم العتل، الضال المتتابع في غيه، المضاد
~~لربه، المدعي ما ليس له، الجاحد حق من افترض الله طاعته، الظالم الغاصب،
~~وفي ابنة رسول الله صلى الله عليه وآله وعليها إلي أسوة حسنة، وسيتردى
~~الجاهل رداء عمله، وسيعلم الكافر لمن عقبى الدار.
# عصمنا الله وإياكم من المهالك والأسواء، والآفات والعاهات كلها برحمته
~~إنه ولي ذلك والقادر على ما يشاء، وكان لنا ولكم وليا وحافظا، والسلام على
~~جميع الأوصياء والأولياء والمؤمنين ورحمة الله وبركاته، وصلى الله على
~~النبي محمد وآله وسلم تسليما.
# وعن سعد بن عبد الله الأشعري، عن الشيخ الصدوق أحمد بن إسحاق بن سعد
~~الأشعري (ره): أنه جاء بعض أصحابنا يعلمه أن جعفر بن علي كتب إليه كتابا
~~يعرفه نفسه، ويعلمه أنه القيم بعد أخيه، وأن عنده من علم الحلال والحرام ما
~~يحتاج إليه، وغير ذلك من العلوم كلها.
# قال أحمد بن إسحاق: فلما قرأت الكتاب كتبت إلى صاحب الزمان عليه السلام
~~وصيرت كتاب جعفر في درجه، فخرج إلي الجواب في ذلك:
# بسم الله الرحمن الرحيم أتاني كتابك أبقاك الله والكتاب الذي أنفذت درجه،
~~وأحاطت معرفتي بجميع ما تضمنه على اختلاف ألفاظه، وتكرر الخطأ فيه، ولو
~~تدبرته لوقفت على بعض ما وقفت عليه منه، والحمد لله رب العالمين حمدا لا
~~شريك له على إحسانه إلينا وفضله علينا، أبى الله عز وجل للحق إلا إتماما،
~~وللباطل إلا زهوقا، وهو شاهد PageV02P279
# علي بما أذكره، ولي عليكم بما أقوله، إذا اجتمعنا اليوم الذي لا ريب فيه،
~~ويسألنا عما نحن فيه مختلفون.
# وأنه لم يجعل لصاحب الكتاب على المكتوب إليه ولا عليك ولا على أحد من
~~الخلق جميعا إمامة مفترضة، ولا طاعة ولا ذمة، وسأبين لكم جملة تكتفون ms502 بها
~~إن شاء الله.
# يا هذا يرحمك الله! إن الله تعالى لم يخلق الخلق عبثا، ولا أهملهم سدى،
~~بل خلقهم بقدرته، وجعل لهم أسماعا وأبصارا وقلوبا وألبا، ثم بعث النبيين
~~عليهم السلام مبشرين ومنذرين، يأمرونهم بطاعته وينهونهم عن معصيته،
~~ويعرفونه ما جهلوه من أمر خالقهم ودينهم، وأنزل عليهم كتابا وبعث إليهم
~~ملائكة، وباين بينهم وبين من بعثهم إليهم بالفضل الذي جعله لهم عليهم، وما
~~آتاهم الله من الدلائل الظاهرة والبراهين الباهرة، والآيات الغالبة. فمنهم:
~~من جعل النار عليه بردا وسلاما واتخذه خليلا، ومنهم: من كلمه تكليما وجعل
~~عصاه ثعبانا مبينا، ومنهم: من أحيى الموتى بإذن الله وأبرأ الأكمه والأبرص
~~بإذن الله، ومنهم من علمه منطق الطير وأوتي من كل شئ.
# ثم بعث محمدا صلى الله عليه وآله رحمة للعالمين وتمم به نعمته، وختم به
~~أنبياءه: وأرسله إلى الناس كافة، وأظهر من صدقه ما أظهر، وبين آياته
~~وعلاماته ما بين، ثم قبضه صلى الله عليه وآله حميدا فقيدا سعيدا، وجعل
~~الأمر من بعده إلى أخيه وابن عمه ووصيه ووارثه علي بن أبي طالب عليه
~~السلام، ثم إلى الأوصياء من ولده واحدا بعد واحد، أحيى بهم دينه، وأتم بهم
~~نوره، وجعل بينهم وبين أخوتهم وبني عمهم والأدنين فالأدنين من ذوي أرحامهم
~~فرقا بينا، تعرف به الحجة من المحجوج، والإمام من المأموم بأن: عصمهم من
~~الذنوب، وبرأهم من العيوب، وطهرهم من الدنس، ونزههم من اللبس، وجعلهم خزان
~~علمه، ومستودع حكمته، وموضع سره، وأيدهم بالدلائل ولولا ذلك لكان الناس على
~~سواء، ولادعى أمر الله عز وجل كل أحد، ولما عرف الحق من الباطل، ولا العلم
~~من الجهل.
# وقد ادعى هذا المبطل المدعي على الله الكذب بما ادعاه، فلا أدري بأية
~~حالة PageV02P280
# هي له، رجا أن يتم دعواه بفقه في دين الله؟! فوالله ما يعرف حلالا من
~~حرام ولا يفرق بين خطأ وصواب، أم بعلم؟! فما يعلم حقا من باطل، ولا محكما
~~من متشابه، ولا يعرف حد الصلاة ووقتها، أم بورع؟! فالله شهيد على تركه ms503
~~الصلاة الفرض (أربعين يوما) يزعم ذلك لطلب الشعوذة، ولعل خبره تأدى إليكم،
~~وهاتيك ظروف مسكره منصوبة، وآثار عصيانه لله عز وجل مشهورة قائمة، أم
~~بآية؟!
# فليأت بآية، أم بحجة؟! فليقمها، أم بدلالة؟! فليذكرها. قال الله عز وجل
~~في كتابه: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم
~~حم تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم ما خلقنا السماوات والأرض وما
~~بينهما إلا بالحق وأجل مسمى والذين كفروا عما أنذروا معرضون * قل أرأيتم ما
~~تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السماوات
~~إئتوني بكتاب من قبل هذا أو إثارة من علم إن كنتم صادقين * ومن أضل ممن
~~يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون *
~~وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين﴾ (1).
# فالتمس تولى الله توفيقك من هذا الظالم ما ذكرت لك، وامتحنه واسأله عن
~~آية من كتاب الله يفسرها، أو صلاة يبين حدودها وما يجب فيها، لتعلم حاله
~~ومقداره، ويظهر لك عواره ونقصانه، والله حسيبه.
# حفظ الله الحق على أهله، وأقره في مستقره، وأبى الله عز وجل أن تكون
~~الإمامة في الأخوين إلا في الحسن والحسين، وإذ أذن الله لنا في القول ظهر
~~الحق واضمحل الباطل، وانحسر عنكم. وإلى الله أرغب في الكفاية، وجميل الصنع
~~والولاية وحسبنا الله ونعم الوكيل، وصلى الله على محمد وآل محمد.
# محمد بن يعقوب الكليني (2) عن إسحاق بن يعقوب قال: سألت محمد بن عثمان
# PageV02P281
# العمري رحمه الله (1) أن يوصل لي كتابا قد سألت فيه عن مسائل أشكلت علي
# PageV02P282
# فورد التوقيع بخط مولانا صاحب الزمان عليه السلام:
# أما ما سألت عنه أرشدك الله وثبتك، ووقاك من أمر المنكرين لي من أهل
~~بيتنا وبني عمنا.
# فاعلم: أنه ليس بين الله عز وجل وبين أحد قرابة، ومن أنكرني فليس مني
~~وسبيله سبيل ابن نوح.
# وأما سبيل ابن عمي جعفر وولده، فسبيل أخوة يوسف عليه السلام.
# وأما الفقاع فشربه حرام ولا بأس بالشلماب.
# وأما ms504 أموالكم فلا نقبلها إلا لتطهروا، فمن شاء فليصل ومن شاء فليقطع، وما
~~آتانا الله خير مما آتاكم.
# وأما ظهور الفرج فإنه إلى الله وكذب الوقاتون.
# وأما قول من زعم أن الحسين لم يقتل، فكفر وتكذيب وضلال.
# وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنهم حجتي عليكم
~~وأنا حجة الله.
# وأما محمد بن عثمان العمري، فرضي الله عنه وعن أبيه من قبل، فإنه ثقتي
~~وكتابه كتابي.
# وأما محمد بن علي بن مهزيار الأهوازي، فسيصلح الله قلبه، ويزيل عنه شكه.
# وإماما وصلتنا به، فلا قبول عندنا إلا لما طاب وطهر، وثمن المغنية حرام.
# وأما محمد بن شاذان بن نعيم، فإنه رجل من شيعتنا أهل البيت.
# وأما أبو الخطاب محمد بن أبي زينب الأجدع، ملعون وأصحابه ملعونون فلا
~~تجالس أهل مقالتهم، فإني منهم برئ، وآبائي عليهم السلام منهم براء.
# وأما المتلبسون بأموالنا، فمن استحل منها شيئا فأكله فإنما يأكل النيران
~~وأما الخمس، فقد أبيح لشيعتنا وجعلوا منه في حل إلى وقت ظهور أمرنا
~~PageV02P283
# لتطيب ولادتهم، ولا تخبث.
# وأما ندامة قوم شكوا في دين الله علي ما وصلونا به، فقد أقلنا من استقال
~~فلا حاجة إلى صلة الشاكين.
# وأما علة ما وقع من الغيبة، فإن الله عز وجل يقول: (يا أيها الذين آمنوا
~~لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم) (1) أنه لم يكن أحد من آبائي إلا وقد
~~وقعت في عنقه بيعة لطاغية زمانه، وأني أخرج حين أخرج ولا بيعة لأحد من
~~الطواغيت في عنقي.
# وأما وجه الانتفاع بي في غيبتي، فكالإنتفاع بالشمس إذا غيبها عن الأبصار
~~السحاب، وأني لأمان لأهل الأرض كما أن النجوم أمان لأهل السماء، فاغلقوا
~~أبواب السؤال عما لا يعنيكم، ولا تتكلفوا علم ما قد كفيتم، وأكثروا الدعاء
~~بتعجيل الفرج، فإن ذلك فرجكم، والسلام عليك يا إسحاق بن يعقوب وعلى من اتبع
~~الهدى.
# أبو الحسن علي بن أحمد الدلال القمي (2) قال: اختلف جماعة من الشيعة في
~~أن الله عز وجل فوض إلى الأئمة صلوات الله عليهم أن يخلقوا ms505 ويرزقوا، فقال
~~قوم: هذا محال لا يجوز على الله تعالى، لأن الأجسام لا يقدر على خلقها غير
~~الله عز وجل، وقال آخرون: بل الله أقدر الأئمة على ذلك وفوض إليهم فخلقوا
~~ورزقوا، وتنازعوا في ذلك نزاعا شديدا، فقال قائل: ما بالكم لا ترجعون إلى
~~أبي جعفر محمد بن عثمان فتسألوه عن ذلك ليوضح لكم الحق فيه، فإنه الطريق
~~إلى صاحب الأمر، فرضيت الجماعة بأبي جعفر وسلمت وأجابت إلى قوله، فكتبوا
~~المسألة وأنفذوها إليه، فخرج إليهم من جهته توقيع، نسخته:
# PageV02P284
# إن الله تعالى هو الذي خلق الأجسام، وقسم الأرزاق لأنه ليس بجسم ولا حال
~~في جسم، ليس كمثله شئ، وهو السميع البصير.
# وأما الأئمة عليهم السلام، فإنهم يسألون الله تعالى فيخلق، ويسألونه
~~فيرزق إيجابا لمسألتهم، وإعظاما لحقهم.
# عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي - ره - (1) قال:
# حدثني محمد بن إبراهيم بن إسحاق الطالقاني (2) قال: كنت عند الشيخ أبي
~~القاسم
# PageV02P285
# الحسين بن روح رضي الله عنه (1) مع جماعة منهم علي بن عيسى القصري، فقام
~~إليه رجل فقال له:
# أريد أن أسألك عن شئ.
# فقال له: سل عما بدا لك.
# PageV02P286
# فقال الرجل: أخبرني عن الحسين بن علي عليهما السلام أهو ولي الله؟
# قال: نعم.
# قال: أخبرني عن قاتله لعنه الله أهو عدو لله؟
# قال: نعم.
# قال الرجل: فهل يجوز أن يسلط الله عز وجل عدوه على وليه؟
# فقال أبو القاسم قدس الله روحه: إفهم عني ما أقول لك! إعلم أن الله تعالى
~~لا يخاطب الناس بمشاهدة العيان، ولا يشافههم بالكلام، ولكنه جلت عظمته يبعث
~~إليهم من أجناسهم وأصنافهم بشرا مثلهم، ولو بعث إليهم رسلا من غير صنفهم
~~وصورهم لنفروا عنهم، ولم يقبلوا منهم، فلما جاؤوهم وكانوا من جنسهم يأكلون
~~الطعام ويمشون في الأسواق، قالوا لهم: أنتم بشر مثلنا لا نقبل منكم حتى
~~تأتونا بشئ نعجز من أن نأتي بمثله، فنعلم أنكم مخصوصون دوننا بما لا نقدر
~~عليه، فجعل الله عز وجل لهم المعجزات التي يعجز الخلق عنها.
# فمنهم: من ms506 جاء بالطوفان بعد الإعذار والإنذار فغرق جميع من طغى وتمرد.
# ومنهم: من ألقي في النار فكانت عليه بردا وسلاما.
# ومنهم: من أخرج من الحجر الصلب الناقة، وأجرى من ضرعها لبنا.
# ومنهم: من فلق له البحر وفجر له من العيون، وجعل له العصا اليابسة ثعبانا
~~تلقف ما يأفكون.
# ومنهم: من أبرأ الأكمه والأبرص وأحيى الموتى بإذن الله، وأنبأهم بما
~~يأكلون وما يدخرون في بيوتهم.
# ومنهم: من انشق له القمر وكلمته البهائم، مثل البعير والذئب وغير ذلك.
# فلما أتوا بمثل ذلك وعجز الخلق من أممهم عن أن يأتوا بمثله، كان من تقدير
~~الله جل جلاله ولطفه بعباده وحكمته: أن جعل أنبياءه مع هذه المعجزات في حال
~~غالبين وأخرى مغلوبين، وفي حال قاهرين وأخرى مقهورين، ولو جعلهم الله في
~~جميع أحوالهم غالبين وقاهرين، ولم يبتلهم ولم يمتحنهم لأتخذهم الناس آلهة
~~PageV02P287
# من دون الله عز وجل، ولما عرف فضل صبرهم على البلاء والمحن والاختيار،
~~ولكنه جعل أحوالهم في ذلك كأحوال غيرهم، ليكونوا في حال المحنة والبلوى
~~صابرين وفي حال العافية والظهور على الأعداء شاكرين، ويكونوا في جميع
~~أحوالهم متواضعين غير شامخين ولا متجبرين، وليعلم العباد أن لهم عليهم
~~السلام إلها هو خالقهم ومدبرهم فيعبدوه ويطيعوا رسله، وتكون حجة الله ثابتة
~~على من تجاوز الحد فيهم، وادعى لهم الربوبية، أو عاند وخالف، وعصى وجحد،
~~بما أتت به الأنبياء والرسل، وليهلك من هلك عن بينة، ويحيى من حي عن بينة.
# قال محمد بن إبراهيم بن إسحاق (ره): فعدت إلى الشيخ أبي القاسم الحسين
~~ابن روح (ره) في الغد وأنا أقول في نفسي: أتراه ذكر لنا ما ذكر يوم أمس من
~~عند نفسه فابتدأني وقال: يا محمد بن إبراهيم لئن أخر من السماء فتختطفني
~~الطير أو تهوي بي الريح في مكان سحيق أحب إلي من أن أقول في دين الله
~~برأيي، ومن عند نفسي، بل ذلك عن الأصل، ومسموع من الحجة صلوات الله عليه
~~وسلامه.
# ومما خرج عن صاحب الزمان صلوات الله عليه، ردا على الغلاة من ms507 التوقيع
~~جوابا لكتاب كتب إليه على يدي محمد بن علي بن هلال الكرخي.
# يا محمد بن علي تعالى الله وجل عما يصفون، سبحانه وبحمده، ليس نحن شركاؤه
~~في علمه ولا في قدرته، بل لا يعلم الغيب غيره، كما قال في محكم كتابه
~~تباركت أسماؤه: (قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله) (1).
# وأنا وجميع آبائي من الأولين: آدم ونوح وإبراهيم وموسى، وغيرهم من
~~النبيين، ومن الآخرين محمد رسول الله، وعلي بن أبي طالب، وغيرهم ممن مضى من
~~الأئمة صلوات الله عليهم أجمعين، إلى مبلغ أيامي ومنتهى عصري، عبيد الله عز
~~وجل يقول الله عز وجل: (من أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم
~~القيامة أعمى * قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا * قال كذلك أتتك
~~آياتنا
# PageV02P288
# فنسيتها وكذلك اليوم تنسى) (1).
# يا محمد بن علي قد آذانا جهلاء الشيعة وحمقاؤهم، ومن دينه جناح البعوضة
~~أرجح منه.
# فأشهد الله الذي لا إله إلا هو وكفى به شهيدا، ورسوله محمد صلى الله عليه
~~وآله، وملائكته وأنبياءه، وأولياءه عليهم السلام.
# وأشهدك، وأشهد كل من سمع كتابي هذا، أني برئ إلى الله وإلى رسوله ممن
~~يقول: إنا نعلم الغيب، ونشاركه في ملكه، أو يحلنا محلا سوى المحل الذي رضيه
~~الله لنا وخلقنا له، أو يتعدى بنا عما قد فسرته لك وبينته في صدر كتابي.
# وأشهدكم: أن كل من نبرأ منه فإن الله يبرأ منه وملائكته ورسله وأولياءه
~~وجعلت هذا التوقيع الذي في هذا الكتاب أمانة في عنقك وعنق من سمعه أن لا
~~يكتمه لأحد من موالي وشيعتي حتى يظهر على هذا التوقيع الكل من الموالي لعل
~~الله عز وجل يتلافاهم فيرجعون إلى دين الله الحق، وينتهون عما لا يعلمون
~~منتهى أمره، ولا يبلغ منتهاه، فكل من فهم كتابي ولا يرجع إلى ما قد أمرته
~~ونهيته، فقد حلت عليه اللعنة من الله وممن ذكرت من عباده الصالحين.
# روى أصحابنا: أن أبا محمد الحسن السريعي كان من أصحاب أبي الحسن علي ابن ms508
~~محمد عليهم السلام، وهو أول من ادعى مقاما لم يجعله الله فيه من قبل صاحب
~~الزمان عليه السلام وكذب على الله وحججه عليهم السلام، ونسب إليهم ما لا
~~يليق بهم وما هم منه براء، تم ظهر منه القول بالكفر والإلحاد، وكذلك كان
~~محمد بن نصير النميري من أصحاب أبي محمد الحسن عليه السلام، فلما توفي ادعى
~~البابية لصاحب الزمان، ففضحه الله تعالى بما ظهر منه من الالحاد والغلو
~~والتناسخ، وكان يدعي أنه رسول نبي أرسله علي بن محمد عليه السلام، ويقول
~~بالإباحة للمحارم، وكان أيضا من جملة الغلاة أحمد بن هلال الكرخي، وقد كان
~~من قبل في عدد أصحاب أبي محمد عليه السلام، ثم تغير عما كان عليه وأنكر
~~بابية أبي جعفر محمد بن عثمان، فخرج التوقيع بلعنه من قبل صاحب الأمر
# PageV02P289
# والزمان وبالبراءة منه، في جملة من لعن وتبرء منه، وكذا كان أبو طاهر
~~محمد بن علي بن بلال، والحسين بن منصور الحلاج، ومحمد بن علي الشلمغاني
~~المعروف بابن أبي العزاقري، لعنهم الله، فخرج التوقيع بلعنهم والبراءة منهم
~~جميعا، على يد الشيخ أبي القاسم الحسين بن روح (ره) ونسخته:
# عرف أطال الله بقاك! وعرفك الله الخير كله وختم به عملك، من تثق بدينه
~~وتسكن إلى نيته من إخواننا أدام الله سعادتهم: بأن (محمد بن علي المعروف
~~بالشلمغاني) عجل الله له النقمة ولا أمهله، قد ارتد عن الإسلام وفارقه،
~~وألحد في دين الله وادعى ما كفر معه بالخالق جل وتعالى، وافترى كذبا وزورا،
~~وقال بهتانا وإثما عظيما، كذب العادلون بالله وضلوا ضلالا بعيدا، وخسروا
~~خسرانا مبينا.
# وأنا برئنا إلى الله تعالى وإلى رسوله صلوات الله عليه وسلامه ورحمته
~~وبركاته منه، ولعناه عليه لعاين الله تترى، في الظاهر منا والباطن، في السر
~~والجهر، وفي كل وقت وعلى كل حال، وعلى كل من شايعه وبلغه هذا القول منا
~~فأقام على تولاه بعده.
# أعلمهم تولاك الله! أننا في التوقي والمحاذرة منه على مثل ما كنا عليه
~~ممن تقدمه من نظرائه، من: (السريعي، والنميري، ms509 والهلالي، والبلالي) وغيرهم.
# وعادة الله جل ثناؤه مع ذلك قبله وبعده عندنا جميلة، وبه نثق وإياه
~~نستعين وهو حسبنا في كل أمورنا ونعم الوكيل (1).
# PageV02P290
#
# PageV02P290
# وأما الأبواب المرضيون، والسفراء الممدوحون في زمان الغيبة:
# فأولهم: الشيخ الموثوق به أبو عمرو (عثمان) بن سعيد العمري. نصبه أولا
~~أبو الحسن علي بن محمد العسكري، ثم ابنه أبو محمد الحسن، فتولى القيام
~~بأمورهما حال حياتهما عليهما السلام، ثم بعد ذلك قام بأمر صاحب الزمان عليه
~~السلام، وكان توقيعاته وجواب المسائل تخرج على يديه.
# فلما مضى لسبيله، قام ابنه أبو جعفر (محمد) بن عثمان مقامه، وناب منابه
~~في جميع ذلك.
# فلما مضى هو، قام بذلك أبو القاسم (حسين بن روح) من بني نوبخت.
# فلما مضى هو، قام مقامه أبو الحسن (علي) بن محمد السمري (1) ولم يقم
# PageV02P296
# أحد منهم بذلك إلا بنص عليه من قبل صاحب الأمر عليه السلام، ونصب صاحبه
~~الذي تقدم عليه، ولم تقبل الشيعة قولهم إلا بعد ظهور آية معجزة تظهر على يد
~~كل واحد منهم من قبل صاحب الأمر عليه السلام، تدل على صدق مقالتهم، وصحة
~~بابيتهم.
# فلما حان سفر أبي الحسن السمري من الدنيا وقرب أجله قيل له:
# إلى من توصي؟
# فأخرج إليهم توقيعا نسخته:
# بسم الله الرحمن الرحيم يا علي بن محمد السمري أعظم الله أجر إخوانك فيك،
~~فإنك ميت ما بينك وبين ستة أيام، فاجمع أمرك ولا توص إلى أحد فيقوم مقامك
~~بعد وفاتك، فقد وقعت الغيبة التامة، فلا ظهور إلا بعد إذن الله تعالى ذكره،
~~وذلك بعد طول الأمد، وقسوة القلوب، وامتلاء الأرض جورا.
# وسيأتي إلى شيعتي من يدعي المشاهدة، ألا فمن ادعى المشاهدة قبل خروج
~~السفياني والصيحة فهو كذاب مفتر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
# فنسخوا هذا التوقيع وخرجوا، فلما كان اليوم السادس عادوا إليه وهو يجود
~~بنفسه.
# فقال له بعض الناس: من وصيك من بعدك؟
# فقال: لله أمر هو بالغه، وقضى فهذا آخر كلام سمع منه (ره).
# (ذكر طرف مما خرج أيضا عن صاحب ms510 الزمان عليه السلام من المسائل الفقهية
~~وغيرها، في التوقيعات على أيدي الأبواب الأربعة وغيرهم).
# عن محمد بن يعقوب الكليني، رفعه عن الزهري، قال: طلبت هذا الأمر طلبا
~~PageV02P297
# شافيا حتى ذهب لي فيه مال صالح، فوقعت إلى العمري وخدمته ولزمته، فسألته
~~بعد ذلك عن صاحب الزمان عليه السلام.
# قال: ليس إلى ذلك وصول، فخضعت له.
# فقال لي: بكر بالغداة.
# فوافيت، فاستقبلني ومعه شاب من أحسن الناس وجها، وأطيبهم ريحا، وفي كمه
~~شئ، كهيئة التجار، فلما نظرت إليه دنوت من العمري، فأومى إليه فعدلت إليه
~~وسألته فأجابني عن كل ما أردت.
# ثم مر ليدخل الدار وكانت من الدور التي لا يكترث بها.
# فقال العمري: إن أردت أن تسأل فاسأل فإنك لا تراه بعد ذا.
# فذهبت لأسأل فلم يستمع ودخل الدار وما كلمني بأكثر من أن قال:
# ملعون ملعون من أخر العشاء إلى أن تشتبك النجوم، ملعون ملعون من أخر
~~الغداة إلى أن تنقضي النجوم، ودخل الدار.
# وعن أبي الحسن محمد بن جعفر الأسدي (1) قال: كان فيما ورد علي من الشيخ
~~أبي جعفر محمد بن عثمان العمري قدس الله روحه في جواب مسائل إلى صاحب
~~الزمان:
# أما ما سألت عنه من الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها، فلئن كان كما
~~يقول الناس: (إن الشمس تطلع بين قرني شيطان وتغرب بين قرني شيطان) فما أرغم
~~أنف الشيطان شئ أفضل من الصلاة، فصلها وارغم الشيطان أنفه.
# وأما ما سألت عنه من أمر الوقف على ناحيتنا، وما يجعل لنا ثم يحتاج إليه
~~صاحبه، فكل ما لم يسلم فصاحبه فيه بالخيار، وكل ما سلم فلا خيار لصاحبه فيه
# PageV02P298
# احتاج أو لم يحتج، افتقر إليه أو استغنى عنه.
# وأما ما سألت عنه من أمر من يستحل ما في يده من أموالنا ويتصرف فيه تصرفه
~~في ماله من غير أمرنا، فمن فعل ذلك فهو ملعون، ونحن خصماؤه يوم القيامة،
~~وقد قال النبي صلى الله عليه وآله: (المستحل من عترتي ما حرم الله ملعون
~~على لساني ولسان كل نبي مجاب) ms511 فمن ظلمنا كان في جملة الظالمين لنا، وكانت
~~لعنة الله عليه لقوله عز وجل: (ألا لعنة الله على الظالمين) (1).
# وأما ما سألت عنه عن أمر المولود الذي نبتت غلفته بعد ما يختن مرة أخرى
~~فإنه يجب أن يقطع غلفته فإن الأرض تضج إلى الله تعالى من بول الأغلف أربعين
~~صباحا.
# وأما ما سألت عنه من أمر المصلي والنار والصورة والسراج بين يديه، هل
~~يجوز صلاته؟
# فإن الناس قد اختلفوا في ذلك قبلك، فإنه جائز لمن لم يكن من أولاد عبدة
~~الأصنام والنيران أن يصلي والنار والسراج بين يديه، ولا يجوز ذلك لمن كان
~~من أولاد عبدة الأوثان والنيران.
# وأما ما سألت عنه عن أمر الضياع التي لناحيتنا، هل يجوز القيام بعمارتها
~~وأداء الخراج منها، وصرف ما يفضل من دخلها إلى الناحية، احتسابا للأجر،
~~وتقربا إليكم؟
# فلا يحل لأحد أن يتصرف في مال غيره بغير إذنه، فكيف يحل ذلك في مالنا من
~~فعل ذلك بغير أمرنا فقد استحل منا ما حرم عليه، ومن أكل من أموالنا شيئا
~~فإنما يأكل في بطنه نارا وسيصلى سعيرا.
# وأما ما سألت عنه من أمر الرجل الذي يجعل لناحيتنا ضيعة، ويسلمها من قيم
~~يقوم بها ويعمرها، ويؤدي من دخلها خراجها ومؤنتها، ويجعل ما بقي من الدخل
~~لناحيتنا فإن ذلك جائز لمن جعله صاحب الضيعة قيما عليها، إنما لا يجوز ذلك
~~لغيره.
# PageV02P299
# وأما ما سألت عنه من الثمار من أموالنا يمر به المار فيتناول منه ويأكل،
~~هل يحل له ذلك؟
# فإنه يحل له أكله ويحرم عليه حمله.
# وعن أبي الحسين الأسدي أيضا قال: ورد علي توقيع من الشيخ أبي جعفر محمد
~~بن عثمان العمري - قدس الله روحه - ابتداء لم يتقدمه سؤال عنه، نسخته:
# بسم الله الرحمن الرحيم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، على من استحل
~~من أموالنا درهما.
# قال أبو الحسين الأسدي (ره): فوقع في قلبي أن ذلك فيمن استحل من مال
~~الناحية درهما دون من أكل منه غير مستحل، وقلت في نفسي: أن ذلك في جميع ms512 من
~~استحل محرما، فأي فضل في ذلك للحجة عليه السلام على غيره؟!
# قال: فوالذي بعث محمدا صلى الله عليه وآله بالحق بشيرا، لقد نظرت بعد ذلك
~~في التوقيع فوجدته قد انقلب إلى ما كان في نفسي:
# بسم الله الرحمن الرحيم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين على من أكل من
~~مالنا درهما حراما.
# وقال أبو جعفر بن بابويه في الخبر الذي روي فيمن أفطر يوما من شهر رمضان
~~متعمدا أن عليه ثلاث كفارات فإني أفتي به فيمن أفطر بجماع محرم عليه أو
~~بطعام محرم عليه لوجود ذلك في روايات أبي الحسن الأسدي (ره) فيما ورد عليه
~~من الشيخ أبي جعفر محمد بن عثمان (ره).
# وعن عبد الله بن جعفر الحميري (1) قال: خرج التوقيع إلى الشيخ أبي جعفر
~~محمد بن عثمان قدس الله روحه في التعزية بأبيه (ره) في فصل من الكتاب:
# PageV02P300
# إنا لله وإنا إليه راجعون، تسليما لأمره، ورضا بقضائه، عاش أبوك سعيدا
~~ومات حميدا، فرحمه الله وألحقه بأوليائه ومواليه عليهم السلام. فلم يزل
~~مجتهدا في أمرهم ساعيا فيما يقربه إلى الله عز وجل، نضر الله وجهه، وأقاله
~~عثرته.
# وفي فصل آخر: أجزل الله لك الثواب، وأحسن لك العزاء، رزيت ورزينا وأوحشك
~~فراقه وأوحشنا، فسره الله في منقلبه، كما كان من كمال سعادته أن رزقه الله
~~ولدا مثلك يخلفه من بعده، ويقوم مقامه بأمره، ويترحم عليه، وأقول:
# الحمد لله، فإن النفس طيبة بمكانك، وما جعله الله عز وجل فيك وعندك،
~~أعانك الله وقواك، وعضدك ووفقك، وكان لك وليا وحافظا، وراعيا وكافيا.
# ومما خرج عن صاحب الزمان صلوات الله عليه من جوابات المسائل الفقهية
~~أيضا: ما سأله عنها محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري فيما كتب إليه وهو:
# بسم الله الرحمن الرحيم أطال الله بقاك، وأدام الله عزك، وتأييدك،
~~وسعادتك، وسلامتك، وأتم نعمته عليك، وزاد في إحسانه إليك، وجميل مواهبه
~~لديك، وفضله عندك، وجعلني من السوء فداك، وقد مني قبلك الناس يتنافسون في
~~الدرجات، فمن قبلتموه كان مقبولا، ومن دفعتموه كان ms513 وضيعا، والخامل من
~~وضعتموه، ونعوذ بالله من ذلك وببلدنا أيدك الله جماعة من الوجوه يتساوون
~~ويتنافسون في المنزلة، وورد أيدك الله كتابك إلى جماعة منهم في أمر أمرتهم
~~به من معاونة ص.
# وأخرج علي بن محمد بن الحسين بن الملك المعروف بملك بادوكة (1) وهو ختن ص
~~رحمه الله من بينهم فاغتم بذلك، وسألني أيدك الله أن أعلمك ما ناله من ذلك،
~~فإن كان من ذنب فاستغفر الله منه، وإن يكن غير ذلك عرفته ما تسكن نفسه إليه
~~إن شاء الله.
# التوقيع: لم نكاتب إلا من كاتبنا.
# وقد عودتني أدام الله عزك من تفضلك ما أنت أهل أن تخبرني على العادة،
~~وقبلك أعزك الله فقهاؤنا قالوا: محتاج إلى أشياء تسأل لي عنها.
# PageV02P301
# روي لنا عن العالم عليه السلام: أنه سئل عن إمام قوم صلى بهم بعض صلاتهم
~~وحدثت عليه حادثة كيف يعمل من خلفه؟
# فقال: يؤخر ويتقدم بعضهم، ويتم صلاتهم، ويغتسل من مسه.
# التوقيع: ليس على من نحاه إلا غسل اليد، وإذا لم يحدث حادثة يقطع الصلاة
~~تمم صلاته مع القوم.
# وروي عن العالم عليه السلام: أن من مس ميتا بحرارته غسل يده، ومن مسه وقد
~~برد فعليه الغسل، وهذا الإمام في هذه الحالة لا يكون إلا بحرارة، فالعمل في
~~ذلك على ما هو، ولعله ينحيه بثيابه ولا يمسه، فكيف يجب عليه الغسل؟
# التوقيع: إذا مسه على هذه الحال لم يكن عليه إلا غسل يده.
# وعن صلاة جعفر: إذا سها في التسبيح في قيام أو قعود، أو ركوع أو سجود
~~وذكره في حالة أخرى قد صار فيها من هذه الصلاة، هل يعيد ما فاته من ذلك
~~التسبيح في الحالة التي ذكرها أم يتجاوز في صلاته؟
# التوقيع: إذا سها في حالة من ذلك ثم ذكر في حالة أخرى، قضى ما فاته في
~~الحالة التي ذكره.
# وعن المرأة: يموت زوجها، يجوز أن تخرج في جنازته أم لا؟
# التوقيع: تخرج في جنازته.
# وهل يجوز لها في عدتها أن تزور قبر زوجها أم لا؟
# التوقيع: ms514 تزور قبر زوجها ولا تبيت عن بيتها.
# وهل يجوز لها أن تخرج في قضاء حق يلزمها، أم لا تبرح من بيتها وهي في
~~عدتها.
# التوقيع: إذا كان حق خرجت فيه وقضته، وإن كانت لها حاجة ولم يكن لها من
~~ينظر فيها خرجت بها حتى تقضيها، ولا تبيت إلا في بيتها.
# وروي في ثواب القرآن في الفرائض وغيرها: أن العالم عليه السلام قال: عجبا
~~لمن لم يقرأ في صلاته: (إنا أنزلناه في ليلة القدر) كيف تقبل صلاته؟
~~PageV02P302
# وروي: ما زكت صلاة من لم يقرأ (قل هو الله أحد).
# وروي: أن من قرأ في فرائضه (الهمزة) أعطي من الثواب قدر الدنيا، فهل يجوز
~~أن يقرأ (الهمزة) ويدع هذه السور التي ذكرناها، مع ما قد روي: أنه لا تقبل
~~صلاة ولا تزكوها إلا بهما؟
# التوقيع: الثواب في السور على ما قد روي، وإذا ترك سورة مما فيها الثواب
~~وقرأ (قل هو الله أحد، وإنا أنزلناه) لفضلهما أعطي ثواب ما قرأ، وثواب
~~السورة التي ترك، ويجوز أن يقرأ غير هاتين السورتين وتكون صلاته تامة، ولكن
~~يكون قد ترك الفضل.
# وعن وداع شهر رمضان: متى يكون؟ فقد اختلف فيه أصحابنا، فبعضهم يقول: يقرأ
~~في آخر ليلة منه، وبعضهم يقول: هو في آخر يوم منه إذا رأى هلال شوال؟
# التوقيع: العمل في شهر رمضان في لياليه والوداع يقع في آخر ليلة منه،
~~فإذا خاف أن ينقص الشهر جعله في ليلتين.
# وعن قول الله عز وجل: (إنه لقول رسول كريم) (1) أرسول الله صلى الله عليه
~~وآله المعني به، (ذي قوة عند ذي العرش مكين) (2) ما هذه القوة؟!
# (مطاع ثم أمين) (3) ما هذه الطاعة وأين هي؟ ما خرج لهذه المسألة جواب.
# فرأيك أدام الله عزك بالتفضل علي بمسألة من تثق به من الفقهاء عن هذه
~~المسائل فأجبني عنها منعما مع ما تشرحه لي من أمر علي بن محمد بن الحسين بن
~~الملك المقدم ذكره بما يسكن إليه، ويعتد بنعمة الله عنده، وتفضل علي بدعاء
~~جامع لي ولإخواني في ms515 الدنيا والآخرة فعلت مثابا إن شاء الله.
# التوقيع: جمع الله لك ولاخوانك خير الدنيا والآخرة.
# كتاب آخر لمحمد بن عبد الله الحميري (4) أيضا إليه عليه السلام في مثل
~~ذلك:
# PageV02P303
# فرأيك أدام الله عزك في تأمل رقعتي والتفضل بما أسأل من ذلك لأضيفه إلى
~~ساير أياديك عندي ومنك علي واحتجت أدام الله عزك أن يسألني بعض الفقهاء عن
~~المصلي إذا قام من التشهد الأول إلى الركعة الثالثة هل يجب عليه أن يكبر؟
# فإن بعض أصحابنا قال: لا يجب عليه التكبير، ويجزيه أن يقول بحول الله
~~وقوته أقوم وأقعد؟
# الجواب: إن فيه حديثين:
# أما أحدهما: فإنه إذا انتقل من حالة إلى حالة أخرى فعليه التكبير.
# وأما الآخر: فإنه روي: أنه إذا رفع رأسه من السجدة الثانية فكبر ثم جلس
~~ثم قام فليس عليه في القيام بعد القعود تكبير وكذلك في التشهد الأول يجري
~~هذا المجرى، وبأيها أخذت من جهة التسليم كان صوابا.
# وعن الفص الخماهن: هل يجوز فيه الصلاة إذا كان في إصبعه؟
# الجواب: فيه كراهية أن يصلي فيه، وفيه أيضا إطلاق والعمل على الكراهة.
# وعن رجل اشترى هديا لرجل غاب عنه، وسأله أن ينحر عنه هديا بمنى فلما أراد
~~نحر الهدي نسي اسم الرجل ونحر الهدي، ثم ذكره بعد ذلك، أيجزي عن الرجل أم
~~لا؟
# الجواب: لا بأس بذلك، وقد أجزأ عن صاحبه.
# وعندنا حاكة مجوس، يأكلون الميتة. ولا يغتسلون من الجنابة، وينسجون لنا
~~ثيابا، فهل يجوز الصلاة فيها من قبل أن تغسل؟
# الجواب: لا بأس بالصلاة فيها.
# وعن المصلي: يكون في صلاة الليل في ظلمة، فإذا سجد يغلط بالسجادة
~~PageV02P304
# ويضع جبهته على (مسح أو نطع) فإذا رفع رأسه وجد السجادة، هل يعتد بهذه
~~السجدة أم لا يعتد بها؟
# الجواب: ما لم يستو جالسا فلا شئ عليه في رفع رأسه لطلب الخمرة.
# وعن المحرم: يرفع الظلال هل يرفع خشب العمارية أو الكنيسية ويرفع
~~الجناحين أم لا؟
# الجواب: لا شئ عليه في ترك رفع الخشب.
# وعن المحرم: يستظل من المطر بنطع أو ms516 غيره، حذرا على ثيابه وما في محمله
~~أن يبتل، فهل يجوز ذلك؟
# الجواب: إذا فعل ذلك في المحمل في طريقه، فعليه دم.
# والرجل: يحج عن أحد، هل يحتاج أن يذكر الذي حج عنه عند عقد إحرامه أم لا،
~~وهل يجب أن يذبح عمن حج عنه وعن نفسه أم يجزيه هدي واحد؟
# الجواب: قد يجزيه هدي واحد، وإن لم يفصل فلا بأس.
# وهل يجوز للرجل أن يحرم في كساء خز أم لا؟
# الجواب: لا بأس بذلك، وقد فعله قوم صالحون.
# وهل يجوز للرجل أن يصلي في بطيط لا يغطي الكعبين أم لا يجوز؟
# الجواب: جائز.
# ويصلي الرجل وفي كمه أو سراويله سكين أو مفتاح حديد، هل يجوز ذلك؟
# الجواب: جائز.
# وعن الرجل: يكون معه بعض هؤلاء ويكون متصلا بهم، يحج ويأخذ على الجادة
~~ولا يحرم هؤلاء من المسلخ، فهل يجوز لهذا الرجل أن يؤخر إحرامه إلى ذات عرق
~~فيحرم معهم لما يخاف الشهرة أم لا يجوز إلا أن يحرم من المسلخ؟
# الجواب: يحرم من ميقاته ثم يلبس الثياب، ويلبي في نفسه، فإذا بلغ إلى
~~ميقاتهم أظهر.
# وعن لبس المعطون، فإن بعض أصحابنا يذكر أن لبسه كريه؟ PageV02P305
# الجواب: جايز، ولا بأس به.
# وعن الرجل: من وكلاء الوقف مستحلا لما في يده، ولا يرع عن أخذ ماله ربما
~~نزلت في قريته وهو فيها، أو أدخل منزله - وقد حضر طعامه - فيدعوني إليه،
~~فإن لم آكل من طعامه، عاداني وقال: فلان لا يستحل أن يأكل من طعامنا فهل
~~يجوز لي أن آكل من طعامه وأتصدق بصدقة؟ وكم مقدار الصدقة؟ وإن أهدى هذا
~~الوكيل هدية إلى رجل آخر فأحضر فيدعوني إلى أن أنال منها، وأنا أعلم أن
~~الوكيل لا يرع عن أخذ ما في يده، فهل علي فيه شئ إن أنا نلت منها؟
# الجواب: إن كان لهذه الرجل مال أو معاش غير ما في يده فكل طعامه، واقبل
~~بره، وإلا فلا.
# وعن الرجل ممن يقول بالحق ويرى المتعة، ويقول بالرجعة، إلا أن له أهلا
~~موافقة له ms517 في جميع أموره، وقد عاهدها: ألا يتزوج عليها، ولا يتمتع، ولا
~~يتسرى وقد فعل هذا منذ تسعة عشر سنة. ووفى بقوله، فربما غاب عن منزله
~~الأشهر فلا يتمتع ولا تتحرك نفسه أيضا لذلك، ويرى أن وقوف من معه من أخ
~~وولد وغلام ووكيل وحاشية مما يقلله في أعينهم، ويجب المقام على ما هو عليه
~~محبة لأهله وميلا إليها، وصيانة لها ولنفسه، لا لتحريم المتعة بل يدين الله
~~بها، فهل عليه في ترك ذلك مأثم أم لا؟
# الجواب: يستحب له أن يطيع الله تعالى بالمتعة ليزول عنه الحلف في المعصية
~~ولو مرة.
# وفي كتاب آخر لمحمد بن عبد الله الحميري إلى صاحب الزمان عليه السلام من
~~جواب مسائله التي سأله عنها، في سنة سبع وثلاثمائة.
# سأل عن المحرم: يجوز أن يشد الميزر من خلفه على عقبه بالطول، ويرفع طرفيه
~~إلى حقويه ويجمعهما في خاصرته ويعقدهما، ويخرج الطرفين الآخرين من بين
~~رجليه ويرفعهما إلى خاصرته، ويشد طرفيه إلى وركيه، فيكون مثل السراويل يستر
~~ما هناك، فإن الميزر الأول كنا نتزر به إذا ركب الرجل جمله PageV02P306
# يكشف ما هناك، وهذا ستر؟
# فأجاب عليه السلام: جاز أن يتزر الإنسان كيف شاء إذا لم يحدث في الميزر
~~حدثا بمقراظ ولا إبرة يخرجه به عن حد الميزر، وغزره غزرا ولم يعقده، ولم
~~يشد بعضه ببعض، وإذا غطى سرته وركبتيه كلاهما فإن السنة المجمع عليها بغير
~~خلاف تغطية السرة والركبتين، والأحب إلينا والأفضل لكل أحد شده على السبيل
~~المألوفة المعروفة للناس جميعا إن شاء الله.
# وسأل: هل يجوز أن يشد عليه مكان العقد تكة؟
# فأجاب: لا يجوز شد الميزر بشئ سواه من تكة ولا غيرها.
# وسأل عن التوجه للصلاة أن يقول على ملة إبراهيم ودين محمد صلى الله عليه
~~وآله، فإن بعض أصحابنا ذكر: أنه إذا قال على دين محمد فقد أبدع، لأنا لم
~~نجده في شئ من كتب الصلاة خلا حديثا في كتاب القاسم بن محمد عن جده عن
~~الحسن بن راشد: أن الصادق عليه السلام ms518 قال للحسن:
# كيف تتوجه؟
# فقال: أقول لبيك وسعديك.
# فقال له الصادق عليه السلام: ليس عن هذا أسألك. كيف تقول وجهت وجهي للذي
~~فطر السماوات والأرض حنيفا مسلما؟
# قال الحسن: أقول.
# فقال الصادق عليه السلام: إذا قلت ذلك فقل: على ملة إبراهيم، ودين محمد،
~~ومنهاج علي بن أبي طالب، والايتمام بآل محمد، حنيفا مسلما وما أنا من
~~المشركين.
# فأجاب عليه السلام: التوجه كله ليس بفريضة، والسنة المؤكدة فيه التي هي
~~كالإجماع الذي لا خلاف فيه: وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض، حنيفا
~~مسلما على ملة إبراهيم ودين محمد وهدي أمير المؤمنين، وما أنا من المشركين.
~~إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا
~~من المسلمين. اللهم اجعلني من المسلمين، أعوذ بالله السميع العليم، من
~~الشيطان الرجيم PageV02P307
# بسم الله الرحمن الرحيم ثم اقرأ الحمد. قال الفقيه الذي لا يشك في علمه:
~~أن الدين لمحمد والهداية لعلي أمير المؤمنين لأنها له صلى الله عليه وآله
~~وفي عقبه باقية إلى يوم القيامة، فمن كان كذلك فهو من المهتدين، ومن شك فلا
~~دين له، ونعوذ بالله من الضلالة بعد الهدى.
# وسأله: عن القنوت في الفريضة إذا فرغ من دعائه، يجوز أن يرد يديه على
~~وجهه وصدره للحديث الذي روي: (أن الله عز وجل أجل من أن يرد يدي عبده صفرا
~~بل يملأها من رحمته) أم لا يجوز؟ فإن بعض أصحابنا ذكر أنه عمل في الصلاة.
# فأجاب عليه السلام: رد اليدين من القنوت على الرأس والوجه غير جايز في
~~الفرائض والذي عليه العمل فيه، إذا رجع يده في قنوت الفريضة وفرغ من
~~الدعاء، أن يرد بطن راحتيه مع صدره تلقاء ركبتيه على تمهل، ويكبر ويركع،
~~والخبر صحيح وهو في نوافل النهار والليل دون الفرائض، والعمل به فيها أفضل.
# وسأل: عن سجدة الشكر بعد الفريضة، فإن بعض أصحابنا ذكر أنها (بدعة) فهل
~~يجوز أن يسجدها الرجل بعد الفريضة؟ وإن جاز ففي صلاة المغرب هي بعد الفريضة
~~أو بعد الأربع ركعات النافلة؟ ms519
# فأجاب عليه السلام: سجدة الشكر من ألزم السنن وأوجبها، ولم يقل أن هذه
~~السجدة بدعة إلا من أراد أن يحدث بدعة في دين الله.
# فأما الخبر المروي فيها بعد صلاة المغرب والاختلاف في أنها بعد الثلاث أو
~~بعد الأربع فإن فضل الدعاء والتسبيح بعد الفرائض على الدعاء بعقيب النوافل
~~كفضل الفرائض على النوافل، والسجدة دعاء وتسبيح فالأفضل أن تكون بعد الفرض
~~فإن جعلت بعد النوافل أيضا جاز.
# وسأل: أن لبعض إخواننا من نعرفه ضيعة جديدة بجنب ضيعة خراب، للسلطان فيها
~~حصة وأكرته ربما زرعوا حدودها وتوذيهم عمال السلطان ويتعرضون في الكل من
~~غلات ضيعته، وليس لها قيمة لخرابها وإنما هي بائرة منذ عشرين سنة، وهو
~~يتحرج من شرائها لأنه يقال أن هذه الحصة من هذه الضيعة كانت قبضت عن الوقف
~~قديما PageV02P308
# للسلطان، فإن جاز شراؤها من السلطان، وكان ذلك صلاحا له وعمارة لضيعته،
~~وأنه يزرع هذه الحصة من القرية البائرة لفضل ماء ضيعته العامرة، وينحسم عنه
~~طمع أولياء السلطان، وإن لم يجز ذلك عمل بما تأمره به إن شاء الله تعالى؟
# فأجاب: الضيعة لا يجوز ابتياعها إلا من مالكها أو بأمره أو رضاء منه
~~وسأل: عن رجل استحل امرأة خارجة من حجابها، وكان يحترز من أن يقع ولد فجاءت
~~بابن، فتحرج الرجل ألا يقبله فقبله وهو شاك فيه، وجعل يجري النفقة على أمه
~~وعليه حتى ماتت الأم، وهو ذا يجري عليه غير أنه شاك فيه ليس يخلطه بنفسه،
~~فإن كان ممن يجب أن يخلط بنفسه ويجعله كساير ولده فعل ذلك وإن جاز أن يجعل
~~له شيئا من ماله دون حقه فعل؟
# فأجاب عليه السلام الاستحلال بالمرأة يقع على وجوه، والجواب يختلف فيها
~~فليذكر الوجه الذي وقع الاستحلال به مشروحا ليعرف الجواب فيما يسأل عنه من
~~أمر الولد إن شاء الله.
# وسأله الدعاء له فخرج الجواب:
# جاد الله عليه بما هو جل وتعالى أهله، إيجابنا لحقه، ورعايتنا لأبيه رحمه
~~الله وقربه منا، وقد رضينا بما علمناه من جميل نيته، ووقفنا عليه ms520 من
~~مخاطبته، المقر له من الله التي يرضى الله عز وجل ورسوله وأولياؤه عليهم
~~السلام والرحمة بما بدأنا، نسأل الله بمسألته ما أمله من كل خير عاجل وآجل،
~~وأن يصلح له من أمر دينه ودنياه ما يجب صلاحه، إنه ولي قدير.
# وكتب إليه صلوات الله عليه أيضا في سنة ثمان وثلاثمائة كتابا سأله فيه عن
~~مسائل أخرى كتب:
# بسم الله الرحمن الرحيم أطال الله بقاك وأدام عزك وكرامتك وسعادتك
~~وسلامتك، وأتم نعمته عليك وزاد في إحسانه إليك، وجميل مواهبه لديك، وفضله
~~عليك، وجزيل قسمه لك، وجعلني من السوء كله فداك، وقدمني قبلك. PageV02P309
# إن قبلنا مشايخ وعجايز يصومون رجبا منذ ثلاثين سنة وأكثر، ويصلون بشعبان
~~وشهر رمضان.
# وروى لهم بعض أصحابنا: أن صومه معصية؟
# فأجاب عليه السلام: قال الفقيه: يصوم منه أياما إلى خمسة عشر يوما، إلا
~~أن يصومه عن الثلاثة الأيام الفائتة، للحديث: (إن نعم شهر القضاء رجب).
# وسأل: عن رجل يكون في محمله والثلج كثير بقامة رجل، فيتخوف إن نزل الغوص
~~فيه، وربما يسقط الثلج وهو على تلك الحال ولا يستوي له أن يلبد شيئا منه
~~لكثرته وتهافته، هل يجوز أن يصلي في المحمل الفريضة؟ فقد فعلنا ذلك أياما
~~فهل علينا في ذلك إعادة أم لا؟
# فأجاب: لا بأس به عند الضرورة والشدة.
# وسأل: عن الرجل يلحق الإمام وهو راكع فيركع معه ويحتسب تلك الركعة. فإن
~~بعض أصحابنا قال: إن لم يسمع تكبيرة الركوع فليس له أن يعتد بتلك الركعة؟
# فأجاب: إذا لحق مع الإمام من تسبيح الركوع تسبيحة واحدة اعتد بتلك الركعة
~~وإن لم يسمع تكبيرة الركوع.
# وسأل: عن رجل صلى الظهر ودخل في صلاة العصر، فلما إن صلى من صلاة العصر
~~ركعتين استيقن أنه صلى الظهر ركعتين، كيف يصنع؟
# فأجاب: إن كان أحدث بين الصلاتين حادثة يقطع بها الصلاة أعاد الصلاتين
~~وإن لم يكن أحدث حادثة جعل الركعتين الآخرتين تتمة لصلاة الظهر، وصلى العصر
~~بعد ذلك.
# وسأل: عن أهل الجنة هل يتوالدون إذا دخلوها أم لا؟
# فأجاب: ms521 إن الجنة لا حمل فيها للنساء ولا ولادة، ولا طمث ولا نفاس، ولا
~~شقاء بالطفولية. وفيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين، كما قال سبحانه، فإذا
~~اشتهى المؤمن ولدا خلقه الله بغير حمل ولا ولادة على الصورة التي يريد كما
~~خلق آدم عبرة. PageV02P310
# وسأل: عن رجل تزوج امرأة بشئ معلوم إلى وقت معلوم، وبقي له عليها وقت،
~~فجعلها في حل مما بقي له عليها وقد كانت طمثت قبل أن يجعلها في حل من
~~أيامها بثلاثة أيام، أيجوز أن يتزوجها رجل معلوم إلى وقت معلوم عند طهرها
~~من هذه الحيضة أو يستقبل بها حيضة أخرى؟
# فأجاب: يستقبل حيضة غير تلك الحيضة، لأن أقل تلك العدة حيضة وطهرة تامة.
# وسأل: عن الأبرص والمجذوم وصاحب الفالج هل يجوز شهادتهم، فقد روي لنا:
~~أنهم لا يأمون الأصحاء.
# فأجاب: إن كان ما بهم حادثا جازت شهادتم، وإن كان ولادة لم يجز.
# وسأل: هل يجوز للرجل أن يتزوج ابنة امرأته؟
# فأجاب: إن كانت ربيت في حجره فلا يجوز، وإن لم تكن ربيت في حجره وكانت
~~أمها في غير عياله فقد روي: أنه جائز.
# وسأل: هل يجوز أن يتزوج بنت ابنة امرأة ثم يتزوج جدتها بعد ذلك؟
# فأجاب: قد نهي عن ذلك.
# وسأل: عن رجل ادعى على رجل ألف درهم وأقام به البينة العادلة، وادعى عليه
~~أيضا خمسمائة درهم في صك آخر، وله بذلك بينة عادلة، وادعى عليه أيضا
~~ثلاثمائة درهم في صك آخر، ومائتي درهم في صك آخر، وله بذلك كله بينة عادلة،
~~ويزعم المدعى عليه أن هذه الصكاك كلها قد دخلت في الصك الذي بألف درهم،
~~والمدعي منكر أن يكون كما زعم، فهل يجب الألف الدرهم مرة واحدة أو يجب عليه
~~كلما يقيم البينة به؟ وليس في الصكاك استثناء إنما هي صكاك على وجهها.
# فأجاب: يؤخذ من المدعى عليه ألف درهم مرة وهي التي لا شبهة فيها، ويرد
~~اليمين في الألف الباقي على المدعي فإن نكل فلا حق له.
# وسأل عن طين القبر: يوضع مع الميت ms522 في قبره هل يجوز ذلك أم لا؟
# فأجاب: يوضع مع الميت في قبره، ويخلط بخيوطه إن شاء الله.
# وسأل فقال: روي لنا عن الصادق عليه السلام: أنه كتب على أزار ابنه
~~إسماعيل PageV02P311
# يشهد: أن لا إله إلا الله، فهل يجوز أن نكتب مثل ذلك بطين القبر أم غيره؟
# فأجاب: يجوز ذلك.
# وسأل: هل يجوز أن يسبح الرجل بطين القبر، وهل فيه فضل؟
# فأجاب: يسبح الرجل به فما من شئ من السبح أفضل منه، ومن فضله أن الرجل
~~ينسى التسبيح ويدير السبحة فيكتب له التسبيح.
# وسأل: عن السجدة على لوح من طين القبر، وهل فيه فضل؟
# فأجاب: يجوز ذلك وفيه الفضل.
# وسأل: عن الرجل يزور قبور الأئمة عليه السلام، هل يجوز أن يسجد على القبر
~~أم لا؟ وهل يجوز لمن صلى عند بعض قبورهم عليهم السلام أن يقوم وراء القبر
~~ويجعل القبر قبلة، ويقوم عند رأسه ورجليه؟ وهل يجوز أن يتقدم القبر ويصلي
~~ويجعل القبر خلفه أم لا؟
# فأجاب: أما السجود على القبر، فلا يجوز في نافلة ولا فريضة ولا زيارة
~~والذي عليه العمل: أن يضع خده الأيمن على القبر.
# وأما الصلاة فإنها خلفه، ويجعل القبر أمامه، ولا يجوز أن يصلي بين يديه
~~ولا عن يمينه ولا عن يساره، لأن الإمام صلى الله عليه وآله لا يتقدم ولا
~~يساوى.
# وسأل فقال: يجوز للرجل إذا صلى الفريضة أو النافلة وبيده السبحة أن
~~يديرها وهو في الصلاة؟
# فأجاب: يجوز ذلك إذا خاف السهو والغلط.
# وسأل: هل يجوز أن يدير السبحة بيده اليسار إذا سبح، أو لا يجوز؟
# فأجاب: يجوز ذلك والحمد لله رب العالمين.
# وسأل فقال: روي عن الفقيه في بيع الوقف خبر مأثور: إذا كان الوقف على قوم
~~بأعيانهم وأعقباهم، فاجتمع أهل الوقف على بيعه وكان ذلك أصلح لهم أن
~~يبيعوه، فهل يجوز أن يشترى من بعضهم إن لم يجتمعوا كلهم على البيع، أم لا
~~يجوز إلا أن يجتمعوا كلهم على ذلك؟ وعن الوقف الذي لا يجوز بيعه؟
~~PageV02P312
# فأجاب: إذا كان الوقف ms523 على إمام المسلمين فلا يجوز بيعه، وإن كان على قوم
~~من المسلمين فليبع كل قوم ما يقدرون على بيعه مجتمعين ومتفرقين إن شاء
~~الله.
# وسأل: هل يجوز للمحرم أن يصير على إبطه المرتك والتوتيا لريح العرق أم لا
~~يجوز؟
# فأجاب: يجوز ذلك وبالله التوفيق.
# وسأل: عن الضرير إذا شهد في حال صحته على شهادة، ثم كف بصره ولا يرى خطه
~~فيعرفه، هل يجوز شهادته أم لا؟ وإن ذكر هذا الضرير الشهادة، هل يجوز أن
~~يشهد على شهادته أم لا يجوز؟
# فأجاب: إذا حفظ الشهادة وحفظ الوقت، جازت شهادته.
# وسأل: عن الرجل يوقف ضيعة أو دابة ويشهد على نفسه باسم بعض وكلاء الوقف،
~~ثم يموت هذا الوكيل أو يتغير أمره ويتولى غيره، هل يجوز أن يشهد الشاهد
~~لهذا الذي أقيم مقامه إذا كان أصل الوقف لرجل واحد أم لا يجوز ذلك؟
# فأجاب: لا يجوز ذلك، لأن الشهادة لم تقم للوكيل وإنما قامت للمالك، وقد
~~قال الله: (وأقيموا الشهادة لله) (1).
# وسأل: عن الركعتين الأخراوين قد كثرت فيها الروايات فبعض يروي:
# أن قراءة الحمد وحدها أفضل، وبعض يروي: أن التسبيح فيهما أفضل، فالفضل
~~لأيهما لنستعمله؟
# فأجاب: قد نسخت قراءة أم الكتاب في هاتين الركعتين التسبيح والذي نسخ
~~التسبيح قول العالم عليه السلام: كل صلاة لا قراءة فيها فهو خداج إلا
~~للعليل، أو يكثر عليه السهو فيتخوف بطلان الصلاة عليه.
# وسأل فقال: يتخذ عندنا رب الجوز لوجع الحلق والبحبحة، يؤخذ الجوز الرطب
~~من قبل أن ينعقد ويدق دقا ناعما، ويعصر ماؤه ويصفى ويطبخ على النصف ويترك
~~يوما وليلة ثم ينصب على النار، ويلقى على كل ستة أرطال منه رطل عسل
# PageV02P313
# ويغلي رغوته، ويستحق من النوشادر والشب اليماني من كل واحد نصف مثقال
~~ويداف بذلك الماء، ويلقي فيه درهم زعفران المسحوق، ويغلى ويؤخذ رغوته حتى
~~يصير مثل العسل ثخينا، ثم ينزل عن النار ويبرد ويشرب منه، فهل يجوز شربه أم
~~لا؟
# فأجاب: إذا كان كثيره يسكر أو يغير، فقليله وكثيره حرام، وإن كان لا يسكر ms524
~~فهو حلال.
# وسأل: عن الرجل يعرض له الحاجة مما لا يدري أن يفعلها أم لا، فيأخذ
~~خاتمين فيكتب في أحدهما: (نعم إفعل) وفي الآخر: (لا تفعل) فيستخير الله
~~مرارا، ثم يرى فيهما، فيخرج أحدهما فيعمل بما يخرج، فهل يجوز ذلك أم لا؟
# والعامل به والتارك له أهو مثل الاستخارة أم هو سوى ذلك؟
# فأجاب: الذي سنة العالم عليه السلام في هذه الاستخارة بالرقاع والصلاة.
# وسأل: عن صلاة جعفر بن أبي طالب (ره) في أي أوقاتها أفضل أن تصلي فيه،
~~وهل فيها قنوت؟ وإن كان ففي أي ركعة منها؟
# فأجاب: أفضل أوقاتها صدر النهار من يوم الجمعة، ثم في أي الأيام شئت وأي
~~وقت صليتها من ليل أو نهار فهو جائز، والقنوت فيها مرتان: في الثانية قبل
~~الركوع، وفي الرابعة بعد الركوع.
# وسأل: عن الرجل ينوي إخراج شئ من ماله وأن يدفعه إلى رجل من إخوانه ثم
~~يجد في أقربائه محتاجا، أيصرف ذلك عمن نواه له أو إلى قرابته؟
# فأجاب: يصرفه إلى أدناهما وأقربهما من مذهبه، فإن ذهب إلى قول العالم
~~عليه السلام:
# (لا يقبل الله الصدقة وذو رحم محتاج) فليقسم بين القرابة وبين الذي نوى
~~حتى يكون قد أخذ بالفضل كله.
# وسأل: فقال: اختلفت أصحابنا في مهر المرأة.
# فقال بعضهم: إذا دخل بها سقط المهر ولا شئ لها.
# وقال بعضهم: هو لازم في الدنيا والآخرة، فكيف ذلك؟ وما الذي يجب فيه؟
# فأجاب: إن كان عليه بالمهر كتاب فيه ذكر دين فهو لازم له في الدنيا
~~PageV02P314
# والآخرة، وإن كان عليه كتاب فيه ذكر الصداق سقط إذا دخل بها، وإن لم يكن
~~عليه كتاب، فإذا دخل بها سقط باقي الصداق.
# وسأل فقال: روي لنا عن صاحب العسكر عليه السلام أنه سئل عن الصلاة في
~~الخز الذي يغش بوبر الأرانب فوقع: يجوز، وروي عنه أيضا: أنه لا يجوز. فأي
~~الخبرين يعمل به؟
# فأجاب: إنما حرم في هذه الأوبار والجلود، فأما الأوبار وحدها فكل حلال.
# وقد سأل بعض العلماء عن معنى قول الصادق عليه ms525 السلام: لا يصلى في الثعلب
~~ولا في الأرنب، ولا في الثوب الذي يليه، فقال: إنما عنى الجلود دون غيرها.
# وسأل فقال: يتخذ بأصفهان ثياب عتابية على عمل الوشا من قز أو إبريسم هل
~~يجوز الصلاة فيها أم لا؟
# فأجاب: لا يجوز الصلاة إلا في ثوب سداه أو لحمته قطن أو كتان.
# وسأل: عن المسح على الرجلين وبأيهما يبدأ باليمين أو يمسح عليهما جميعا
~~معا؟
# فأجاب عليه السلام: يمسح عليهما معا فإن بدأ بإحداهما قبل الأخرى فلا
~~يبتدئ إلا باليمين.
# وسأل: عن صلاة جعفر في السفر هل يجوز أن يصلي أم لا؟
# فأجاب عليه السلام: يجوز ذلك.
# وسأل: عن تسبيح فاطمة عليها السلام: من سهى فجاز التكبير أكثر من أربع
~~وثلاثين هل يرجع إلى أربع وثلاثين أو يستأنف؟ وإذا سبح تمام سبعة وستين هل
~~يرجع إلى ستة وستين أو يستأنف؟ وما الذي يجب في ذلك؟
# فأجاب: إذا سها في التكبير حتى يجوز أربعة وثلاثين عاد إلى ثلاثة وثلاثين
~~وبنى عليها، وإذا سها في التسبيح فتجاوز سبعا وستين تسبيحة عاد إلى ستة
~~وستين وبنى عليها، فإذا جاوز التحميد مائة فلا شئ عليه.
# وعن محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري أنه قال: خرج التوقيع من الناحية
~~PageV02P315
# المقدسة حرسها الله - بعد المسائل -:
# بسم الله الرحمن الرحيم لا لأمره تعقلون، حكمة بالغة فما تغني النذر عن
~~قوم لا يؤمنون.
# السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين.
# إذا أردتم التوجه بنا إلى الله وإلينا، فقولوا كما قال الله تعالى:
# (سلام على آل يس) (1).
# السلام عليك يا داعي الله ورباني آياته.
# السلام عليك يا باب الله وديان دينه.
# السلام عليك يا خليفة الله وناصر خلقه.
# السلام عليك يا حجة الله ودليل إرادته.
# السلام عليك يا تالي كتاب الله وترجمانه.
# السلام عليك يا بقية الله في أرضه.
# السلام عليك يا ميثاق الله الذي أخذه ووكده.
# السلام عليك يا وعد الله الذي ضمنه.
# السلام عليك أيها العلم المنصوب، والعلم المصبوب، والغوث والرحمة الواسعة
~~وعدا غير مكذوب.
# السلام عليك حين ms526 تقعد السلام عليك حين تقوم.
# السلام عليك حين تقرأ وتبين.
# السلام عليك حين تصلي وتقنت.
# السلام عليك حين تركع وتسجد.
# السلام عليك حين تكبر وتهلل.
# السلام عليك حين تحمد وتستغفر.
# السلام عليك حين تمسي وتصبح.
# PageV02P316
# السلام عليك في الليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى.
# السلام عليك أيها الإمام المأمون.
# السلام عليك أيها المقدم المأمول.
# السلام عليك بجوامع السلام.
# أشهدك يا مولاي أني أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا
~~عبده ورسوله لا حبيب إلا هو وأهله، وأشهد أن أمير المؤمنين حجته، والحسن
~~حجته، والحسين حجته، وعلي بن الحسين حجته، ومحمد بن علي حجته، وجعفر ابن
~~محمد حجته، وموسى بن جعفر حجته، وعلي بن موسى حجته، ومحمد بن علي حجته،
~~وعلي بن محمد حجته، والحسن بن علي حجته، وأشهد أنك حجة الله.
# أنتم الأول والآخر، وأن رجعتكم حق لا شك فيها يوم لا ينفع نفسا إيمانها
~~لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا، وأن الموت حق، وأن ناكرا
~~ونكيرا حق، وأشهد أن النشر والبعث حق، وأن الصراط والمرصاد حق، والميزان
~~والحساب حق، والجنة والنار حق، والوعد والوعيد بهما حق.
# يا مولاي شقي من خالفكم وسعد من أطاعكم.
# فاشهد على ما أشهدتك عليه، وأنا ولي لك برئ من عدوك، فالحق ما رضيتموه،
~~والباطل ما سخطتموه، والمعروف ما أمرتم به. والمنكر ما نهيم عنه، فنفسي
~~مؤمنة بالله وحده لا شريك له، وبرسوله، وبأمير المؤمنين، وبأئمة المؤمنين
~~وبكم يا مولاي. أولكم وآخركم، ونصرتي معدة لكم، فمودتي خالصة لكم آمين
~~آمين.
# الدعاء عقيب هذا القول:
# بسم الله الرحمن الرحيم اللهم إني أسألك أن تصلي على محمد نبي رحمتك،
~~وكلمة نورك، وأن تملأ قلبي نور اليقين، وصدري نور الإيمان، وفكري نور
~~الثبات، وعزمي نور العلم، وقوتي نور العمل، ولساني نور الصدق، وديني نور
~~البصائر من عندك، وبصري نور الضياء PageV02P317
# وسمعي نور وعي الحكمة، ومودتي نور الموالاة لمحمد وآله عليهم السلام، حتى
~~ألقاك وقد وفيت بعهدك وميثاقك، فلتسعني رحمتك ms527 يا ولي يا حميد.
# اللهم صل على حجتك في أرضك، وخليفتك في بلادك، والداعي إلى سبيلك والقائم
~~بقسطك، والثائر بأمرك، ولي المؤمنين، وبوار الكافرين، ومجلي الظلمة ومنير
~~الحق، والساطع بالحكمة والصدق، وكلمتك التامة في أرضك، المرتقب الخائف
~~والولي الناصح، سفينة النجاة، وعلم الهدى، ونور أبصار الورى، وخير من تقمص
~~وارتدى، ومجلي العمى، الذي يملأ الأرض عدلا وقسطا كما ملئت ظلما وجورا إنك
~~على كل شئ قدير.
# اللهم صل على وليك وابن أوليائك الذين فرضت طاعتهم، وأوجبت حقهم وأذهبت
~~عنهم الرجس وطهرتهم تطهيرا.
# اللهم انصر وانتصر به أولياءك وأولياءه، وشيعته وأنصاره واجعلنا منهم:
# اللهم أعذه من كل باغ وطاغ، ومن شر جميع خلقك. واحفظه من بين يديه ومن
~~خلفه، وعن يمينه وعن شماله، واحرسه، وامنعه، من أن يوصل إليه بسوء واحفظ
~~فيه رسولك وآل رسولك، وأظهر به العدل وأيده بالنصر، وانصر ناصريه واخذل
~~خاذليه، واقصم به جبابرة الكفرة، واقتل به الكفار والمنافقين، وجميع
~~الملحدين، حيث كانوا في مشارق الأرض ومغاربها، برها وبحرها، واملأ به الأرض
~~عدلا، وأظهر به دين نبيك، واجعلني اللهم من أنصاره وأعوانه، وأتباعه
~~وشيعته، وأرني في آل محمد ما يأملون، وفي عدوهم ما يحذرون إله الحق آمين،
~~يا ذا الجلال والإكرام، يا أرحم الراحمين.
# ذكر كتاب ورد من الناحية المقدسة - حرسها الله ورعاها - في أيام بقيت من
~~صفر، سنة عشر وأربعمائة على الشيخ المفيد أبي عبد الله محمد بن محمد بن
~~النعمان قدس الله روحه ونور ضريحه، (1) ذكر موصله أنه يحمله من ناحية متصلة
~~بالحجاز، نسخته:
# PageV02P318
# للأخ السديد، والولي الرشيد، الشيخ المفيد، أبي عبد الله محمد بن محمد بن
~~النعمان أدام الله إعزازه، من مستودع العهد المأخوذ على العباد.
# بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد: سلام عليك أيها الولي المخلص في الدين،
~~المخصوص فينا باليقين فإنا نحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، ونسأله
~~الصلاة على سيدنا ومولانا ونبينا محمد وآله الطاهرين، ونعلمك - أدام الله
~~توفيقك لنصرة الحق، وأجزل مثوبتك على نطقك عنا بالصدق -: أنه قد أذن ms528 لنا في
~~تشريفك بالمكاتبة، وتكليفك ما تؤديه عنا إلى موالينا قبلك، أعزهم الله
~~بطاعته، وكفاهم المهم برعايته لهم وحراسته، فقف أيدك الله بعونه على أعدائه
~~المارقين من دينه على ما أذكره، وأعمل في تأديته إلى من تسكن إليه بما
~~نرسمه إن شاء الله.
# نحن وإن كنا ناوين بمكاننا النائي عن مساكن الظالمين، حسب الذي
~~PageV02P322
# أراناه الله تعالى لنا من الصلاح ولشيعتنا المؤمنين في ذلك ما دامت دولة
~~الدنيا للفاسقين، فإنا نحيط علما بأنبائكم، ولا يعزب عنا شئ من أخباركم،
~~ومعرفتنا بالذل الذي أصابكم مذ جنح كثير منكم إلى ما كان السلف الصالح عنه
~~شاسعا، ونبذوا العهد المأخوذ وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون.
# أنا غير مهملين لمراعاتكم، ولا ناسين لذكركم، ولولا ذلك لنزل بكم اللأواء
~~(1) أو اصطلمكم الأعداء (2) فاتقوا الله جل جلاله وظاهرونا على انتياشكم
~~(3) من فتنة قد أنافت عليكم (4) يهلك فيها من حم أجله (5) ويحمى عنها من
~~أدرك أمله، وهي أمارة لأزوف حركتنا (6) ومباثتكم بأمرنا ونهينا، والله متم
~~نوره ولو كره المشركون.
# اعتصموا بالتقية! من شب نار الجاهلية، يحششها (7) عصب أموية، يهول بها
~~فرقة مهدية، أنا زعيم بنجاة من لم يرم فيها المواطن، وسلك في الطعن منها
~~السبل المرضية، إذا حل جمادى الأولى من سنتكم هذه فاعتبروا بما يحدث فيه،
~~واستيقظوا من رقدتكم لما يكون في الذي يليه.
# ستظهر لكم من السماء آية جلية، ومن الأرض مثلها بالسوية، ويحدث في أرض
~~المشرق ما يحزن ويقلق، ويغلب من بعد على العراق طوائف عن الإسلام مراق،
~~تضيق بسوء فعالهم على أهله الأرزاق، ثم تنفرج الغمة من بعد ببوار طاغوت من
~~الأشرار، ثم يستر بهلاكه المتقون الأخيار، ويتفق لمريدي الحج من الآفاق ما
~~يؤملونه منه على توفير عليه منهم واتفاق، ولنا في تيسير حجهم على الاختيار
~~منهم والوفاق شأن يظهر على نظام واتساق.
# فليعمل كل امرء منكم بما يقرب به من بمحبتنا، ويتجنب ما يدنيه من
# PageV02P323
# كراهتنا وسخطنا، فإن أمرنا بغتة فجاءة حين لا تنفعه توبة ولا ينجيه من
~~عقابنا ندم على حوبة. ms529
# والله يلهمكم الرشد، ويلطف لكم في التوفيق برحمته.
# نسخة التوقيع باليد العليا على صاحبها السلام:
# هذا كتابنا إليك أيها الأخ الولي، والمخلص في ودنا الصفي، والناصر لنا
~~الوفي، حرسك الله بعينه التي لا تنام، فاحتفظ به! ولا تظهر على خطنا الذي
~~سطرناه بما له ضمناه أحدا! وأد ما فيه إلى من تسكن إليه، وأوص جماعتهم
~~بالعمل عليه إن شاء الله، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.
# ورد عليه كتاب آخر من قبله صلوات الله عليه، يوم الخميس الثالث والعشرين
~~من ذي الحجة، سنة اثني عشر وأربعمائة. نسخته:
# بسم الله الرحمن الرحيم سلام الله عليك أيها الناصر للحق، الداعي إليه
~~بكلمة الصدق، فإنا نحمد الله إليك الذي لا إله إلا هو، إلهنا وإله آبائنا
~~الأولين، ونسأله الصلاة على سيدنا ومولانا محمد خاتم النبيين، وعلى أهل
~~بيته الطاهرين.
# وبعد: فقد كنا نظرنا مناجاتك عصمك الله بالسبب الذي وهبه الله لك من
~~أوليائه، وحرسك به من كيد أعدائه، وشفعنا ذلك الآن من مستقر لنا ينصب في
~~شمراخ، من بهماء صرنا إليه آنفا من غماليل ألجأنا إليه السباريت من
~~الإيمان، ويوشك أن يكون هبوطنا إلى صحصح من غير بعد من الدهر ولا تطاول من
~~الزمان ويأتيك نبأ منا بما يتجدد لنا من حال، فتعرف بذلك ما نعتمده من
~~الزلفة إلينا بالأعمال، والله موفقك لذلك برحمته، فلتكن حرسك الله بعينه
~~التي لا تنام أن تقابل لذلك فتنة تسبل نفوس قوم حرثت باطلا لاسترهاب
~~المبطلين، يبتهج لذمارها المؤمنون، ويحزن لذلك المجرمون، وآية حركتنا من
~~هذه اللوثة حادثة بالجرم المعظم من رجس منافق مذمم، مستحل للدم المحرم،
~~يعمد بكيده أهل الإيمان ولا يبلغ بذلك غرضه من الظلم والعدوان، لأننا من
~~وراء حفظهم بالدعاء الذي PageV02P324
# الذي لا يحجب عن ملك الأرض والسماء، فليطمئن بذلك من أوليائنا القلوب،
~~وليثقوا بالكفاية منه، وإن راعتهم بهم الخطوب، والعاقبة بجميل صنع الله
~~سبحانه تكون حميدة لهم ما اجتنبوا المنهي عنه من الذنوب.
# ونحن نعهد إليك أيها الولي المخلص المجاهد فينا الظالمين أيدك ms530 الله بنصره
~~الذي أيد به السلف من أوليائنا الصالحين، أنه من اتقى ربه من إخوانك في
~~الدين وأخرج مما عليه إلى مستحقيه، كان آمنا من الفتنة المبطلة، ومحنها
~~المظلمة المظلة ومن بخل منهم بما أعاده الله من نعمته على من أمره بصلته،
~~فإنه يكون خاسرا بذلك لأولاه وآخرته، ولو أن أشياعا وفقهم الله لطاعته على
~~اجتماع من القلوب في الوفاء بالعهد عليهم لما تأخر عنهم اليمن بلقائنا،
~~ولتعجلت لهم السعادة بمشاهدتنا على حق المعرفة وصدقها منهم بنا، فما يحبسنا
~~عنهم إلا ما يتصل بنا مما نكرهه ولا نؤثره منهم، والله المستعان وهو حسبنا
~~ونعم الوكيل، وصلاته على سيدنا البشير النذير محمد وآله الطاهرين وسلم وكتب
~~في غرة شوال من سنة اثني عشر وأربعمائة.
# نسخة التوقيع باليد العليا صلوات الله على صاحبها:
# هذا كتابنا إليك أيها الولي الملهم للحق العلي، بإملائنا وخط ثقتنا،
~~فاخفه عن كل أحد، واطوه واجعل له نسخة يطلع عليها من تسكن إلى أمانته من
~~أوليائنا شملهم الله ببركتنا إن شاء الله.
# الحمد لله والصلاة على سيدنا محمد النبي وآله الطاهرين.
# احتجاج الشيخ المفيد السديد أبي عبد الله محمد بن محمد بن النعمان رضي
~~الله عنه.
# حدث الشيخ أبو علي الحسن بن محمد الرقي (1) بالرملة في شوال من سنة ثلاث
~~وعشرين وأربعمائة عن الشيخ المفيد أبي عبد الله محمد بن محمد بن النعمان
~~(ره) أنه قال:
# PageV02P325
# رأيت في المنام سنة من السنين كأني قد اجتزت في بعض الطرق فرأيت حلقة
~~دائرة فيها ناس كثير، فقلت:
# ما هذا؟
# قالوا: هذه حلقة فيها رجل يقص.
# فقلت: من هو؟
# قالوا: عمر بن الخطاب.
# ففرقت الناس ودخلت الحلقة، فإذا أنا برجل يتكلم على الناس بشئ لم أحصله
~~فقطعت عليه الكلام، وقلت:
# أيها الشيخ أخبرني ما وجه الدلالة على فضل صاحبك أبي بكر عتيق ابن أبي
~~قحافة من قول الله تعالى: (ثاني اثنين إذ هما في الغار)؟ (1).
# فقال: وجه الدلالة على فضل أبي بكر من هذه الآية في ستة مواضع:
# الأول: أن الله ms531 تعالى ذكر النبي صلى الله عليه وآله وذكر أبا بكر فجعله
~~ثانيه، فقال:
# (ثاني اثنين إذ هما في الغار).
# والثاني: أنه وضعهما بالاجتماع في مكان واحد، لتأليفه بينهما فقال: (إذ
~~هما في الغار).
# والثالث: أنه أضاف إليه بذكر الصحبة ليجمعه بينهما بما يقتضي الرتبة،
~~فقال: (إذ يقول لصاحبه).
# والرابع: أنه أخبر عن شفقة النبي صلى الله عليه وآله عليه ورفقه به
~~لموضعه عنده فقال: (لا تحزن).
# والخامس: أنه أخبر أن الله معهما على حد سواء ناصرا لهما ودافعا عنهما
~~فقال: (إن الله معنا).
# والسادس: أنه أخبر عن نزول السكينة على أبي بكر لأن رسول الله صلى الله
~~عليه وآله لم تفارقه السكينة قط، فقال: (فأنزل الله سكينته عليه).
# PageV02P326
# فهذه ستة مواضع تدل على فضل أبي بكر من آية الغار، لا يمكنك ولا لغيرك
~~الطعن فيها.
# فقلت له: حبرت بكلامك في الإحتجاج لصاحبك عنه، وأني بعون الله سأجعل جميع
~~ما أتيت به كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف.
# أما قولك: أن الله تعالى ذكر النبي صلى الله عليه وآله وجعل أبا بكر
~~ثانيه، فهو إخبار عن العدد، لعمري لقد كانا اثنين، فما في ذلك من الفضل؟!
~~ونحن نعلم ضرورة أن مؤمنا ومؤمنا، أو مؤمنا وكافرا، اثنان، فما أرى لك في
~~ذكر العدد طائلا تعتمده.
# وأما قولك: أنه وصفهما بالاجتماع في المكان، فإنه كالأول لأن المكان يجمع
~~المؤمن والكافر كما يجمع العدد المؤمنين والكفار، وأيضا: فإن مسجد النبي
~~صلى الله عليه وآله أشرف من الغار، وقد جمع المؤمنين والمنافقين والكفار،
~~وفي ذلك قوله عز وجل: (فما للذين كفروا قبلك مهطعين عن اليمين وعن الشمال
~~عزين) (1) وأيضا: فإن سفينة نوح قد جمعت النبي، والشيطان، والبهيمة،
~~والكلب، والمكان لا يدل على ما أوجبت من الفضيلة، فبطل فضلان.
# وأما قولك: أنه أضاف إليه بذكر الصحبة، فإنه أضعف من الفضلين الأولين:
# لأن اسم الصحبة يجمع بين المؤمن والكافر، والدليل على ذلك قوله تعالى:
~~(قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من ms532 نطفة ثم سواك
~~رجلا) (2) وأيضا: فإن اسم الصحبة تطلق بين العاقل وبين البهيمة، والدليل
~~على ذلك من كلام العرب الذي نزل القرآن بلسانهم، فقال الله عز وجل: (وما
~~أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه) (3) أنهم سموا الحمار صاحبا فقالوا:
# إن الحمار مع الحمار مطية * فإذا خلوت به فبئس الصاحب وأيضا: قد سموا
~~الجماد مع الحي صاحبا، قالوا ذلك في السيف شعرا:
# زرت هندا وذاك غير اختيان * ومعي صاحب كتوم اللسان
# PageV02P327
# يعني: السيف. فإذا كان اسم الصحبة يقع بين المؤمن والكافر، وبين العاقل
~~والبهيمة، وبين الحيوان والجماد، فأي حجة لصاحبك فيه؟!
# وأما قولك: أنه قال: (لا تحزن) فإنه وبال عليه ومنقصة له، ودليل على
~~خطئه، لأن قوله: (لا تحزن) نهي وصورة النهي قول القائل: (لا تفعل) لا يخلوا
~~أن يكون الحزن وقع من أبي بكر طاعة أو معصية، فإن كان (طاعة) فإن النبي صلى
~~الله عليه وآله لا ينهى عن الطاعات بل يأمر بها ويدعو إليها، وإن كان
~~(معصية) فقد نهاه النبي صلى الله عليه وآله عنها، وقد شهدت الآية بعصيانه
~~بدليل أنه نهاه.
# وأما قولك: أنه قال: (إن الله معنا) فإن النبي صلى الله عليه وآله قد
~~أخبر أن الله معه، وعبر عن نفسه بلفظ الجمع، كقوله: (إنا نزلنا الذكر وإنا
~~له لحافظون) (١) وقيل أيضا في هذا: إن أبا بكر قال: (يا رسول الله حزني على
~~أخيك علي بن أبي طالب ما كان منه) فقال له النبي صلى الله عليه وآله:
# (لا تحزن إن الله معنا) أي: معي ومع أخي علي بن أبي طالب عليه السلام.
# وأما قولك: أن السكينة نزلت على أبي بكر، فإنه ترك للظاهر: لأن الذي نزلت
~~عليه السكينة هو الذي أيده بالجنود، وكذا يشهد ظاهر القرآن في قوله:
# (فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود، لم تروها) (٢) فإن كان أبو بكر هو
~~صاحب السكينة فهو صاحب الجنود، وفي هذا إخراج للنبي صلى الله عليه وآله من
~~النبوة على أن هذا الموضع لو كتمته عن صاحبك كان خيرا، ms533 لأن الله تعالى أنزل
~~السكينة على النبي صلى الله عليه وآله في موضعين كان معه قوم مؤمنون فشركهم
~~فيها، فقال - في أحد الموضعين -: (فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى
~~المؤمنين وألزمهم كلمة التقوى) (٣) وقال في الموضع الآخر: ﴿أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا
~~لم تروها﴾ (4) ولما كان في هذا الموضع خصه وحده بالسكينة قال: (فأنزل
~~الله سكينته عليه) فلو كان معه مؤمن لشركه معه في السكينة كما
# PageV02P328
# شرك من ذكرنا قبل هذا من المؤمنين، فدل إخراجه من السكينة على خروجه من
~~الإيمان، فلم يحر جوابا وتفرق الناس واستيقظت من نومي.
# احتجاج السيد الأجل علم الهدى المرتضى أبي القاسم علي رضي الله عنه
~~وأرضاه على أبي العلاء المعري الدهري في جواب ما سأل عنه مرموزا (1 و 2)
~~دخل أبو العلاء المعري على السيد المرتضى قدس الله روحه فقال: أيها السيد
~~ما قولك في الكل؟
# قال السيد: ما قولك في الجزء؟
# فقال: ما قولك في الشعرى؟
# فقال: ما قولك في التدوير؟
# PageV02P329
#
# PageV02P329
# قال: ما قولك في عدم الانتهاء؟
# قال: ما قولك في التحيز والناعورة فقال: ما قولك في السبع؟
# فقال: ما قولك في الزايد البري من السبع؟
# فقال: ما قولك في الأربع؟
# فقال: ما قولك في الواحد والاثنين؟
# فقال: ما قولك في المؤثر؟
# فقال: ما قولك في المؤثرات؟
# فقال: ما قولك في النحسين؟
# فقال: ما قولك في السعدين؟ فبهت أبو العلاء.
# (قال): فقال السيد المرتضى قدس الله روحه - عند ذلك - ألا كل ملحد ملهد!
# فقال أبو العلاء: من أين أخذته؟
# قال: من كتاب الله (يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم) (1).
# وقام وخرج فقال السيد رضي الله عنه: قد غاب عنا الرجل وبعد هذا لا يرانا.
# PageV02P334
# فسئل السيد (ره) عن كشف هذه الرموز والإشارات فقال:
# سألني عن الكل، وعنده الكل قديم، ويشير بذلك إلى عالم سماه (العالم
~~الكبير) فقال: ما قولك فيه؟ أراد أنه قديم.
# فأجبته عن ذلك وقلت له: ما قولك في ms534 الجزء؟ لأن عندهم الجزء (محدث) وهو
~~متولد عن (العالم الكبير) وهذا الجزء عندهم هو (العالم الصغير) وكان مرادي
~~بذلك: أنه إذا صح أن هذا العالم محدث، فذلك الذي أشار إليه إن صح فهو محدث
~~أيضا، لأن هذا من جنسه على زعمه، والشي الواحد لا يكون بعضه قديما وبعضه
~~محدثا، فسكت لما سمع ما قلته.
# وأما الشعرى: أراد أنها ليست من الكواكب السيارة.
# فقلت له: ما قولك في التدويرات؟ أردت (الفلك) في التدويرات والدوران
~~والشعرى لا يقدح في ذلك.
# وأما عدم الانتهاء، أراد بذلك أن العالم لا ينتهي لأنه قديم.
# فقلت له: قد صح عندي (التحيز والتدوير) وكلاهما يدلان على الانتهاء.
# وأما السبع: أراد بذلك (النجوم السيارة) التي هي عندهم ذوات الأحكام.
# فقلت له: هذا باطل بالزايد البري الذي يحكم فيه بحكم لا يكون ذلك الحكم
~~منوطا بهذه الكواكب السيارة، التي هي: (الزهرة، والمشتري، والمريخ وعطارد،
~~والشمس، والقمر، وزحل).
# وأما الأربع أراد بها (الطبايع) (2).
# فقلت له: في الطبيعة الواحدة النارية يتولد منها دابة بجلدها تمس الأيدي
~~ثم يطرح ذلك الجلد على النار فتحرق الزهومات، فيبقى الجلد صحيحا، لأن
~~الدابة خلقها الله على طبيعة النار والنار لا تحرق النار، والثلج أيضا
~~تتولد فيه الديدان وهو على طبيعة واحدة، والماء في البحر على طبيعتين يتولد
~~منه السموك .
# PageV02P335
# والضفادع، والحيات، والسلاحف، وغيرها. وعنده لا يحصل الحيوان إلا بالأربع
~~فهذا مناقض بهذا.
# وأما المؤثر، أراد به: (الزحل).
# فقلت له: ما قولك في المؤثرات؟ أردت بذلك: أن المؤثرات كلهن عنده مؤثرات،
~~فالمؤثر القديم كيف يكون مؤثرا؟!
# وأما النحسين، أراد بهما: أنهما من النجوم السيارة، إذا اجتمعا يخرج من
~~بينهما سعد.
# فقلت له: ما قولك في السعدين؟ إذا اجتمعا خرج من بينهما نحس، هذا حكم
~~أبطله الله تعالى، ليعلم الناظر أن الأحكام لا يتعلق بالمسخرات، لأن الشاهد
~~يشهد أن (العسل والسكر) إذا اجتمعا لا يحصل منهما (الحنظل). (والعلقم
~~والحنظل) إذا اجتمعا لا يحصل منهما (الدبس والسكر) هذا دليل على بطلان
~~قولهم.
# وأما قولي ألا كل ملحد ملهد، ms535 أردت: أن كل مشرك ظالم، لأن في اللغة:
# ألحد الرجل إذ عدل من الدين، وألهد إذا ظلم، فعلم أبو العلاء ذلك وأخبرني
~~عن علمه بذلك، فقرأت: (يا بني لا تشرك بالله الآية).
# وقيل: أن المعري لما خرج عن العراق سئل عن السيد المرتضى (ره) فقال:
# يا سائلي عنه لما جئت أسأله * ألا هو الرجل العاري من العار لو جئته
~~لرأيت الناس في رجل * والدهر في ساعة والأرض في دار احتجاجه قدس الله روحه
~~في التعظيم والتقديم لأئمتنا عليهم السلام على سائر الورى ما عدا نبينا
~~عليه السلام بطريقة لم يسبقه إليها أحد ذكرها في رسالة الموسومة بالرسالة
~~الباهرة في فضل العترة الطاهرة.
# قال: ومما يدل أيضا على تقديمهم وتعظيمهم على البشر: أن الله تعالى دلنا
~~على أن المعرفة بهم كالمعرفة به تعالى، في أنها: (إيمان وإسلام) وأن الجهل
~~بهم والشك فيهم كالجهل به والشك فيه، في أنه (كفر وخروج من الإيمان)
~~PageV02P336
# وهذه منزلة ليس لأحد من البشر إلا لنبينا صلى الله عليه وآله، وبعده
~~لأمير المؤمنين والأئمة من ولده عليهم السلام، لأن المعرفة بنبوة الأنبياء
~~المتقدمين من آدم إلى عيسى عليهم السلام غير واجبة علينا، ولا تعلق لها بشئ
~~من تكاليفنا، ولولا أن القرآن ورد بنبوة من سمي فيه من الأنبياء المتقدمين
~~فعرفناهم تصديقا للقرآن، وإلا فلا وجه لوجوب معرفتهم علينا، ولا تعلق لها
~~بشئ من أحوال تكاليفنا.
# وبقي علينا أن ندل على أن الأمر على ما ادعيناه.
# والذي يدل على أن المعرفة بإمامة من ذكرناه عليهم السلام من جملة
~~الإيمان، وأن الاخلال بها كفر ورجوع عن الإيمان: (إجماع) الشيعة الإمامية
~~على ذلك فإنهم لا يختلفون فيه، وإجماعهم حجة، بدلالة أن قول الحجة المعصوم
~~الذي قد دلت العقول على وجوده في كل زمان في جملتهم وفي زمرتهم، وقد دللنا
~~على هذه الطريقة في مواضع كثيرة من كتبنا، واستوفينا ذلك في جواب المسائل
~~التبانيات خاصة، وفي كتاب نصرة ما انفردت به الشيعة الإمامية من المسائل
~~الفقهية، فإن هذا الكتاب مبني على ms536 صحة هذا الأصل.
# ويمكن أن يستدل على وجوب المعرفة بهم عليهم السلام: (بإجماع الأمة) مضافا
~~إلى ما بيناه من إجماع الإمامية.
# وذلك: أن جميع أصحاب الشافعي يذهبون إلى أن الصلاة على نبينا في التشهد
~~الأخير فرض واجب، وركن من أركان الصلاة، متى أخل بها الإنسان فلا صلاة له،
~~وأكثرهم يقول: أن الصلاة في هذا التشهد على آل النبي عليهم الصلاة والسلام
~~في الوجوب واللزوم ووقوف أجزاء الصلاة عليهم كالصلاة على النبي صلى الله
~~عليه وآله، والباقون منهم يذهبون: إلى أن الصلاة على الآل مستحبة وليست
~~بواجبة، فعلى القول الأول لا بد لكل من وجبت عليه الصلاة من معرفتهم من حيث
~~كان واجبا عليه الصلاة عليهم، فإن الصلاة عليهم فرع على المعرفة بهم، ومن
~~ذهب إلى أن ذلك مستحب فهو من جملة العبادة، وإن كان مسنونا مستحبا،
~~والتعبدية يقتضي التعبد بما لا يتم إلا به من المعرفة. PageV02P337
# ومن عدى أصحاب الشافعي لا ينكرون أن الصلاة على النبي وآله عليهم السلام
~~في التشهد مستحبة، وأي شبهة تبقى مع هذا في أنهم عليهم السلام أفضل الناس
~~وأجلهم، وذكرهم واجب في الصلاة، وعند أكثر الأمة من الشيعة الإمامية،
~~وجمهور أصحاب الشافعي: أن الصلاة تبطل بتركه، وهل مثل هذه الفضيلة لمخلوق
~~سواهم أو يتعداهم.
# ومما يمكن الاستدلال به على ذلك: أن الله تعالى قد ألهم جميع القلوب وغرس
~~في كل النفوس تعظيم شأنهم، وإجلال قدرهم، على تباين مذاهبهم، واختلاف
~~ديانتهم ونحلهم، وما أجمع هؤلاء المختلفون والمتباينون مع تشتت الأهواء
~~وتشعب الآراء على شئ كإجماعهم على تعظيم من ذكرنا وإكباره، فإنهم يزورون
~~قبورهم ويقصدون من شاحط البلاد وشاطها مشاهدهم، ومدافنهم، والمواضع التي
~~رسمت بصلاتهم فيها، وحلولهم بها، وينفقون في ذلك الأموال، ويستنفدون
~~الأحوال.
# فقد أخبرني من لا أحصيه كثرة: أن أهل نيشابور ومن والاها من تلك البلدان
~~يخرجون في كل سنة إلى طوس لزيارة الإمام أبي الحسن علي بن موسى الرضا صلوات
~~الله عليهما بالجمال الكثيرة، والإهب التي لا يوجد مثلها إلا للحج إلى بيت
~~الله ms537 الحرام، هذا مع أن المعروف من انحراف أهل خراسان عن هذه الجهة،
~~وازورارهم عن هذا الشعب، وما تسخير هذه القلوب القاسية، وعطف هذه الأمم
~~النائية، إلا كالخارقات للعادات، والخارج عن الأمور المألوفات، وإلا فما
~~الحامل للمخالفين لهذه النحلة، المنحازين عن هذه الجملة، على أن يراوحوا
~~هذه المشاهد ويغادوها، ويستنزلوا عندها من الله تعالى الأرزاق، ويستفتحوا
~~بها الاغلاق، ويطلبوا ببركتها الحاجات، ويستدفعوا البليات، والأحوال
~~الظاهرة كلها لا توجب ذلك، ولا تقتضيه ولا تستدعيه، وإلا فعلوا ذلك فيمن
~~يعتقدونهم أو أكثرهم إمامته وفرض طاعته، وأنه في الديانة موافق لهم غير
~~مخالف، ومساعد غير معاند، ومن المحال أن يكونوا فعلوا ذلك لداع من دواعي
~~الدنيا، فإن الدنيا عند غير هذه الطائفة موجودة، وعندها هي مفقودة، ولا
~~لتقية واستصلاح، فإن التقية هي فيهم لا منهم، ولا خوف من جهتهم، ولا سلطان
~~لهم، وكل خوف إنما PageV02P338
# هو عليهم، فلم يبق إلا داعي الدين، وذلك هو الأمر الغريب العجيب الذي لا
~~تنفذ في مثله إلا مشية الله، وقدرة القهار التي تذلل الصعاب، وتقود بأزمتها
~~الرقاب.
# وليس لمن جهل هذه المزية أو تجاهلها أو تعامى عنها وهو يبصرها، أن يقول:
~~إن العلة في تعظيم غير فرق الشيعة لهؤلاء القوم ليست ما عظمتموه وفخمتموه
~~وادعيتم خرقه للعادة وخروجه عن الطبيعة، بل هي لأن هؤلاء القوم من عترة
~~النبي صلى الله عليه وآله، وكل من عظم النبي صلى الله عليه وآله فلا بد أن
~~يكون لعترته وأهل بيته معظما ومكرما، وإذا انضاف إلى القرابة الزهد، وهجر
~~الدنيا، والعفة، والعلم، زاد الاجلال والإكرام لزيادة أسبابها.
# والجواب عن هذه الشبهة الضعيفة: أن قد شارك أئمتنا عليهم السلام والصلاة
~~في نسبهم وحسبهم وقرابتهم من النبي صلى الله عليه وآله غيرهم، وكانت لكثير
~~منهم عبادات ظاهرة وزهادة في الدنيا بادية، وسمات جميلة، وصفات حسنة، من
~~ولد أبيهم عليه وآله السلام ومن ولد عمهم العباس رضوان الله عليهم، فما
~~رأينا من الاجماع على تعظيمهم، وزيارة مدافنهم، والاستشفاع بهم في الأغراض
~~والاستدفاع بمكانهم للأعراض والأمراض، ms538 ما وجدنا مشاهدا معاينا في هذا
~~الاشتراك، وإلا فمن الذي أجمع على فرط إعظامه وإجلاله من ساير صنوف العترة،
~~يجري في هذا الحال مجرى الباقر والصادق والكاظم والرضا صلوات الله عليهم
~~أجمعين، لأن من عدا من ذكرناه من صلحاء العترة وزهادها ممن يعظمه فريق من
~~الأمة ويعرض عنه فريق، ومن عظم منهم وقدمه لا ينتهي في الاجلال والإعظام
~~إلى الغاية التي ينتهي إليها فيمن ذكرناه ولولا أن تفصيل هذه الجملة ملحوظ
~~معلوم لفصلناها على طول ذلك، ولسمينا من كنينا عنه، ونظرنا بين كل معظم
~~مقدم من العترة، ليعلم أن الذي ذكرناه هو الحق الواضح وما عداه هو الباطل
~~الماضح (1).
# وبعد: فمعلوم ضرورة أن الباقر والصادق ومن وليهما من أئمة أبنائهما
~~عليهما السلام كانوا في الديانة والاعتقاد وما يفتون به من حلال وحرام على
~~خلاف ما يذهب إليه
# PageV02P339
# مخالفوا الإمامية، وإن ظهر شك في ذلك كله فلا شك ولا شبهة على منصف في
~~أنهم لم يكونوا على مذاهب الفرق المختلفة المجمعة على تعظيمهم والتقرب إلى
~~الله تعالى بهم، وكيف يعترض ريب فيما ذكرناه؟! ومعلوم ضرورة أن شيوخ
~~الإمامية وسلفهم في ذلك الأزمان كانوا بطانة للباقر وللصادق صلوات الله
~~عليهما ومن وليهما أجمعين السلام، وملازمين لهم متمسكين بهم، ومظهرين أن كل
~~شئ يعتقدونه وينتحلونه ويصححونه أو يبطلونه فعنهم تلقوه ومنهم أخذوه، فلو
~~لم يكونوا عليهم السلام بذلك راضين وعليه مقرين لأبوا عليهم نسبة تلك
~~المذاهب إليهم، وهم منها بريئون خليون، ولنفوا ما بينهم من مواصلة ومجالسة،
~~وملازمة وموالاة، ومصافاة، ومدح وإطراء وثناء، ولأبدلوه، باللوم والذم،
~~والبراءة والعداوة، فلو لم يكن أنهم عليهم السلام لهذه المذاهب معتقدون
~~وبها راضون، لبان لنا واتضح، ولو لم يكن إلا هذه الدلالة لكفت وأغنت، وكيف
~~يطيب قلب عاقل، أو يسوغ في الدين لأحد:
# أن يعظم في الدين من هو على خلاف ما يعتقد أنه الحق وما سواه باطل، ثم
~~ينتهي في التعظيمات والكرامات إلى أبعد الغايات وأقصى النهايات، وهل جرت
~~بمثل ذلك عادة؟ أو مضت عليه سنة؟ ms539 أو لا يرون أن الإمامية لا تلتفت إلى من
~~خالقها من العترة، وحاد عن جادتها في الديانة، ومحجتها في الولاية، ولا
~~تسمح له بشئ من المدح والتعظيم، فضلا عن غايته وأقصى نهايته، بل تبرأ منه
~~وتعاديه، وتجريه في جميع الأحكام مجرى من لا نسب له ولا حسب، ولا قرابة ولا
~~علقة، وهذا يوقظ على أن الله تعالى خرق في هذه العصابة العادات، وقلب
~~الجبلات، ليبين من عظيم منزلتهم، وشريف مرتبتهم، وهذه فضيلة تزيد على
~~الفضائل، وتوفي على جميع الخصائص والمناقب، وكفى به برهانا لائحا، وحجابا
~~راجحا. قطعنا هذا الكتاب على كلام السيد علم الهدى قدس الله روحه، والحمد
~~لله رب العالمين، والصلاة على خير خلقه محمد وآله الطيبين الطاهرين
~~المعصومين، وحسبنا الله ونعم الوكيل.# PageV02P340 ms540