######OpenITI# #META# Shamela_short_metadata_record: #META# الكتاب : حقائق المعرفة ¶ المؤلف : الإمام المتوكل على الله أحمد بن سليمان عليه السلام ¶ المحقق : حسن بن يحيى اليوسفي ¶ الناشر : ¶ الطبعة : ¶ عدد الأجزاء : ¶ مصدر الكتاب : ¶ [ الكتاب ] #META# auth: الإمام المتوكل على الله أحمد بن سليمان #META# الكتاب: حقائق المعرفة #META# seal: #META# bkid: 44 #META# authno: 120 #META# comp: 1 #META# bkord: 30 #META# المحقق: حسن بن يحيى اليوسفي #META# ad: 99999 #META# idx: 1 #META# iso: حقائق المعرفه #META# cat: التوحيد وأصول الدين #META# bk: حقائق المعرفة #META# max: 571 #META# المؤلف: الإمام المتوكل على الله أحمد بن سليمان عليه السلام #META# digitization_comments: [ الكتاب ] #META# DownloadSource: al-Maktaba al-Shamela al-Zaydiyya #META# DownloadDate: 2020-04-16 #META# ConversionDate: 2020-08-11 #META#Header#End# ### || CHECK [[مقدمة المؤلف]] # بسم الله الرحمن الرحيم # وبه نستعين # الحمد لله الأول بلا غاية، الآخر بلا نهاية، الذي لا تحتويه الأمكنة، ولا ~~تضمنه الأزمنة، الذي دل على نفسه بما أظهر من عجيب صنعه، المتنزه عن مشابهة ~~خليقته، الذي ابتدأنا بالكرم والجود، وأخرجنا من العدم إلى الوجود، وتفضل ~~علينا بالعقول، وأكد حجته علينا بالكتاب والرسول، {لئلا يكون للناس على ~~الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزا حكيما}[النساء:165]. # وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ~~صلى الله عليه وآله وسلم تسليما، وأن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أخو ~~رسول الله ووصيه، وخليفته في أمته ووليه، وأن الحسن والحسين إمامان عادلان ~~مفترضة طاعتهما، وواجبة على الأمة نصرتهما، وأن الإمامة في ذريتهما محصورة، ~~وعلى غيرهم محظورة، من سار منهم بسيرتهما واحتذا بحذوهما. # أما بعد .. # فإنه لما درس الإسلام، وعطلت الأحكام، وغاض العلم لعدم أهله، وادعاه من ~~لا يعرفه بجهله، رأيت أن أنشر هذا الكتاب، وأبين فيه الحق والصواب، وأذكر ~~طرفا من علم الكلام في الأصول والفروع، والمعقول والمسموع، لينتفع به من ~~يقف عليه، ويرجع من شذ من الحق إليه؛ طالبا بذلك الثواب من الله، ومتعرضا ~~لرضاء الله. وقد اعتمدت في هذا الكتاب على الاختصار وعدلت عن الإطالة ~~والإكثار، وأنا أسأل الله العصمة من الزلل، والإصابة للحق في القول والعمل. PageV01P048 # (ذكر تفاصيل المعارف وتسميتها) # المعارف ثلاثة عشر معرفة: # طريق النظر ووجوبه. # ومعرفة الصنع. # ومعرفة الصانع. # ومعرفة التوحيد. # ومعرفة العدل. # ومعرفة النعمة. # ومعرفة شكر المنعم. # ومعرفة البلاء. # ومعرفة الجزاء. # ومعرفة الكتاب. # ومعرفة الرسول. # ومعرفة الإمام. # ومعرفة الاختلاف. PageV01P049 ### || AUTO باب معرفة النظر # اعلم أيها السامع أن المكلف قد أعطي آلة يبلغ بها -إذا استعملها- ما يصلح ~~دينه ودنياه. أولها وهو أشرفها وأكملها العقل الذكي، ومنها: الحواس ~~الخمس، ومنها: اللسان المترجم لما يفهمه المستمع، ومنها: اعتدال الخلقة في ~~بنية مخصوصة، ومنها: الحياة والروح، وغير ذلك من الآلة المركبة في المكلف ~~لصلاح دينه ودنياه. PageV01P050 ### ||| AUTO فصل في الكلام في العقل # وإنما ms001 بدأنا بذكر العقل؛ لأنه أكبر الآلات وبه تعرف المعارف كلها، وجميع ~~المعلومات. وإنما سمي العقل عقلا؛ لأنه يعقل صاحبه عن المنكرات، وأصل ~~العقل: العلم، وهو عرض ومحله القلب. أجمع الموحد والملحد على أن العقل هو ~~العلم، وأنه عرض؛ إلا فرقة من الزيدية من أهل زماننا وهم أصحاب مطرف بن ~~شهاب، فإنهم قالوا: (العقل) هو القلب، واستدلوا بقول الله تعالى: {إن في ~~ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد}[ق:37]، ونسوا قول الله ~~تعالى: {أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون ~~بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور}[الحج:46]، وقد ~~فسر الهادي إلى الحق عليه السلام قول الله تعالى: {لمن كان له قلب}، قال: ~~لمن كان له قلب يعقل به، ولو كان العقل هو القلب، لما حسد العاقل عليه، ولا ~~ذم بنقصانه، ولا كان يزول عند النوم وشبهه، إذ ليس كل من له قلب بعاقل؛ ~~كالطفل والمجنون والبهيمة؛ وكل من له عقل فله قلب. PageV01P051 # وقالت الفلاسفة: محل العقل الدماغ، ودليلهم أنه عند فساد الدماغ يزول العقل ~~ولا حجة لهم في هذا؛ لأن المجبوب لا تنبت لحيته، والفساد واقع بالجب، وموضع ~~نبات الشعر سالم، لكن هنالك مواد من ناحية الموضع جب، فلما انقطعت تلك ~~المواد لم تنبت الشعر، فكذلك لا يمتنع أن يكون هنالك مواد من ناحية الدماغ ~~إلى القلب، وأيضا فالله جعل اللحية دليلا على الذكر، فإذا جب الذكر لم يكن ~~الله ليجعل دليلا على غير مدلول عليه، فمن هنالك لم تنبت له اللحية، إلا ~~النادر من الناس الذي يسمى (الكوسج) الذي ذمه أمير المؤمنين عليه السلام، ~~فقال: ((لا يوجد في أربعين كوسجا رجل خير )). # والعقل على وجهين: ضروري واختياري؛ فالضروري من فطرة الله تعالى، ~~والاختياري فعل العبد. # فالضروري مثل: معرفة استحسان الحسن، واستقباح القبيح؛ وهذه فطرة من الله ~~فطر المكلفين عليها خاصة. # فأما استجلاب المنافع، والنفار عن المضار فذلك عام في جميع الحيوان، وذلك ~~مشاهد، ولا يسمى عقلا لغير ms002 المكلفين، بل هو إلهام من الله تعالى (لهم)، وهو ~~سبب حياتهم؛ وإبلاغ من الله في النعمة على المكلفين مثل ما ألهم الله تعالى ~~النحل من فعل ما لا يتأتى لصاحب عقل. # وأما العقل الاختياري فهو نظر المكلف وتمييزه واستدلاله واستنباطه. # قال القاسم بن إبراهيم عليه السلام في جواب مسائل سأل عنها ابنه محمد بن ~~القاسم" فقال: سألت عن العقل في الإنسان أطبع هو، أم مستفاد؟ # قال عليه السلام: (هو) الحفظ والذكر، وأصل العقل: فطرة وخلقة. PageV01P052 # وقال عليه السلام في جوابه للملحد: وما يعرف بالعقل شيئآن: # أحدهما: يعرف ويدرك ببديهته مثل: تحسين الحسن، وتقبيح القبيح، ومثل: شكر ~~المنعم وحسن التفضل، وتقبيح كفر المنعم، والجور، وما جانسه. # والوجه الثاني: وهو الاستدلال والاستنباط الذي ينتجه العقل؛ كمعرفة ~~الصانع، وعلم التعديل، والتجوير، والعلم بحقائق الأشياء. # وقال محمد بن القاسم عليهما السلام في شروط الإيمان المنجي: لأن العقل ~~مسكنه القلب، فيصبح أنه غير القلب، وأنه حال فيه. # وقال المؤيد بالله عليه السلام: فصارت الآثار أصلا في أن كل عضو في ~~الإنسان واحد نحو الأنف والذكر ففيه الدية، وما كان فيه اثنان كاليدين ~~والعينين والرجلين ففيه الدية؛ وفي كل واحد منها نصف الدية؛ وهكذا المعاني ~~وإن لم تكن أعضاء، كالصوت والعقل والسمع والبصر، وهذا مما لا خلاف فيه؛ ~~ذكره في شرح التجريد. # وقال الهادي للحق عليه السلام في جواب مسائل الرازي، وقد سأله عن عقل ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وعن عقل أبي جهل؟ # فقال عليه السلام: قد أعطى الله أبا جهل (من العقل) فوق ما يحتاج إليه، ~~فأما أن يعطى مثل عقل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلا، ولا كرامة ~~لأبي جهل. ومثل بمن أعطي شمعة، ومن أعطي شمعتين، وهو ما سأله عن الفؤاد، ~~وإلا كانت الزيادة في اللحمة. PageV01P053 # وقال أيضا عليه السلام في المسترشد في صفة الإنسان: ثم علق في صدره قلبا، ~~ثم ركب فيه لبا، ثم جعله وعاء للعقل الكامل، وحصنا للروح الجائل. وعلى هذا ~~أجمعت العلماء: أهل العدل ms003 والتوحيد من الزيدية والمعتزلة ولم نعلم مخالفا ~~لما قلنا من (العلماء) المتقدمين. # قال عمرو بن بحر الجاحظ في كتاب المعاد والمعاش: وقد أجمعت الحكماء أن ~~العقل المطبوع والكرم الغريزي لا يبلغان غاية الكمال إلا بمعاونة العقل ~~المكتسب، ومثلوا ذلك بالنار والحطب، والمصباح والدهن، وذلك أن العقل ~~الغريزي آلة، والمكتسب مادة، وإنما الأدب عقل غيرك تزيده في عقلك. PageV01P054 ### ||| AUTO فصل في الكلام في الحواس # اعلم: أن الحواس جعلها الله خمسا؛ لأن المحسوسات خمس، فالحواس: السمع ~~والبصر والشم والذوق واللمس. والحواس أجسام، وفعلها أعراض، وهو الحس. # والمحسوسات خمس وهي: مسموع ومبصر ومشموم ومطعوم وملموس، وهي أجسام ~~وأعراض. فالأعراض: الأصوات والألوان والطعوم والروائح والحرارة والبرودة ~~والآلام. والأجسام (هي) محال هذه الأعراض، وهي: المصوت والمبصر والمطعوم ~~والمشموم والملموس؛ وعلى هذا أجمع أهل العدل والتوحيد من الزيدية ~~والمعتزلة، إلا المطرفية فإنهم قالوا: الحواس لا تدرك إلا الأجسام، ~~والأعراض عندهم لا تدرك إلا بالعلم، وقالوا: هي لا توهم ولا تحل ولا تحل، ~~فنقضوا كلامهم وأثبتوها ثم نفوها. # والعقل الضروري يحكم أن كل معلوم غير الله فهو حال أو محلول، وعليه أجمعت ~~الأمة، إلا ما قالت المعتزلة في الإرادة، وسنذكر إن شاء الله تعالى القول ~~والاحتجاج عند ذكر الأجسام والأعراض في باب معرفة الصنع. وكانت هذه الحواس ~~الخمس تؤدي إلى القلب، وكان اللسان ترجمانا له مع سلامة البنية، وحصول ~~الروح والحياة، فأمكن النظر والتمييز، وبلغ بالعقل صاحبه ما يريد من علم ~~الحقائق وسائر المعلومات. PageV01P055 ### ||| AUTO فصل في الكلام في وجوب النظر والاستدلال # اعلم أن العقل يحكم بأن العلم حسن وأن الجهل قبيح، ويحكم أنه يجب على ~~العاقل أن ينظر ويميز إذ قد أعطي آلة النظر والتمييز، ويحكم أنه إن لم ينظر ~~ويميز لم يبلغ إلى استجلاب منفعة، ولا دفع مضرة، ولا يبلغ إلى إصلاح دين ~~ولا دنيا. # واعلم أن العقل هو أصلح الحجج؛ والكتاب والسنة تأكيد له، والدليل على ~~ذلك، أن الكتاب والسنة ما عرفا إلا بالعقل. # ومما يدل على وجوب النظر أن العلم بحقائق الأشياء لا ms004 يتأتى إلا من وجهين: ~~وهما: التقليد والنظر. والتقليد لا يعمل به في الأصول؛ لأن المحق ليس بأولى ~~من المبطل في أن يقلد. # ويؤيد ذلك ما روي عن حذيفة بن اليمان أنه قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم: ((لا تكونوا إمعة تقولون: إن أحسن الناس أحسنا، وإن أساءوا ~~أسأنا، ولكن وطنوا أنفسكم، إن أحسن الناس أن تحسنوا، وإن أساؤا فلا ~~تظلموا)) فبان فساد التقليد، ولم يبق إلا النظر المؤدي إلى الصواب. PageV01P056 # ويدل أيضا على وجوب النظر قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((ستفترق ~~أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها هالكة إلا فرقة واحدة)). وما روي عن أمير ~~المؤمنين عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((لا ~~قول إلا بعمل ، ولا قول ولا عمل إلا بنية، ولا قول ولا عمل ولا نية إلا ~~بإصابة السنة))، فوجب على كل عاقل أن ينظر ويختار (لنفسه) مذهبا يشهد له به ~~العقل والكتاب والرسل والإجماع، وأن يجتهد في إصابة السنة، بالنظر ~~والاستدلال والبينات. PageV01P057 # وقد ندب الله تعالى إلى قبول الحق بالبراهين والحجج، وذم المعرضين ~~والغافلين عن معرفة الآيات والبينات؛ فقال عز من قائل: {وقالوا لن يدخل ~~الجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم ~~صادقين}[البقرة:111]، وقال تعالى في ذم من اتبع الظن والهوى، ومال إلى ~~الغفلة وترك النظر: {ويوم نحشر من كل أمة فوجا ممن يكذب بآياتنا فهم يوزعون ~~، حتى إذا جاءوا قال أكذبتم بآياتي ولم تحيطوا بها علما أم ماذا كنتم ~~تعملون}[النمل:83-84]، وقال عز من قائل: {وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا ~~نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر وما لهم بذلك من علم إن هم إلا ~~يظنون}[الجاثية:24]، وقال عز من قائل: {إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا ~~يغني من الحق شيئا}[النجم:28]، وقال تعالى وعز من قائل: {إن الذين لا يرجون ~~لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها والذين هم عن آياتنا غافلون ، ~~أولئك مأواهم النار...}الآية[يونس:7،8]، وروي عن رسول الله صلى ms005 الله عليه ~~وآله وسلم أنه قال: ((تعلموا القرآن وعلموه الناس ، وتعلموا الفرائض ~~وعلموها الناس، فإني امرؤ مقبوض، وإن العلم سيقبض من بعدي، ويختلف الرجلان ~~فلا يجدان من يفصل بينهما))، وروي عن جابر بن PageV01P058 عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((قوام المرء عقله ، ~~ولا دين لمن لا عقل له))، وروي عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ~~((إنما يدرك الخير كله بالعقل ، ولا دين لمن لا عقل له))، وروي عنه صلى ~~الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((ما تم دين إنسان قط حتى يتم عقله ))، وروي ~~عن النبيء صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((جد الملائكة واجتهدوا في ~~طاعة الله على قدر عقولهم، فأعملهم بطاعة الله أوفرهم عقلا))، وروي عن عمر ~~بن الخطاب أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((ما اكتسب أحد ~~مكتسبا مثل فضل العقل يهدي صاحبه إلى هدى أو يرده عن ردى، وما تم إيمان عبد ~~ولا استقام دينه حتى يكمل عقله))، وروي عن الزهري عن سالم عن أبيه عن ابن ~~عمر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((لكل شيء معدن ومعدن التقوى ~~قلوب العارفين))، وروي عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((الناس ~~يعملون الخير ويعطون أجورهم على قدر عقولهم ))، وروي عن نافع عن ابن عمر ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((إن الرجل يكون من أهل ~~الصلاة ومن أهل الصوم والزكاة والحج وما يجازى يوم القيامة إلا بقدر ~~عقله))، وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((في جسد ابن آدم ~~نطفة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب))، ~~فصح ما قلنا. PageV01P059 # ولا يبلغ العاقل درجة العقل إلا بنظر واستدلال. وهذا لا خلاف فيه. إلا ما ~~روي عن داود الأصبهاني من قوله: بأن العقل ليس بدليل ومن طابقه من الحشوية ~~أهل الظاهر بعدم دلالة العقول. فأنكر ذلك عليهم جميع العلماء. وقال في ms006 ذلك ~~ابن دريد يهجوهم: # قال داود ذو الرقاعة والجهل # بأن العقول ليست بحجة # ولعمري لعقله ذلك العقل # فما أن به يصاب محجة # ثم أصحابه يعومون عوما # من ضلالات جهلهم وسط لجة # وقد تقدم الاحتجاج عليهم من العقل والكتاب والرسول والإجماع. # واعلم أن في الكتاب محكما ومتشابها، وناسخا ومنسوخا. ولا يعلم المحكم من ~~المتشابه ولا الناسخ من المنسوخ إلا بنظر واستدلال عقلي؛ وكذلك السنة ~~وأخذها من الرواة. # واعلم أن الأخبار الواردة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على ~~ثلاثة وجوه: # فمنها: الخبر المشهور المستفيض الذي أجمعت عليه الأمة، وهو مثل: أن رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم دعا إلى الله، وأن القرآن أنزل عليه، وأنه ~~جاهد الكفار ومن عند عن الحق. ومثل ما فعله وأمر به من الطهارة، والصلوات ~~الخمس، والزكاة، والصوم، والحج، وأشباه ذلك؛ وهذا يعلم ضرورة؛ لأن الأمة ~~على كثرتها واتساع مساكنها، واختلاف ألسنتها وأحوالها لا تتفق على كذب، ~~ولقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((لا تجتمع أمتي على ضلالة )). PageV01P060 # ومنها: الخبر المتواتر كقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((علي مني بمنزلة ~~هارون من موسى إلا أنه لا نبيء بعدي))، وهذا يعلم ضرورة، وليس كالأول، فلأن ~~أكثر الفرق -فرق الإسلام- يروونه، ويعرفونه، ومنهم من رواه وتأوله، وهذا لا ~~يتأتى فيه الكذب، ولا التواطؤ بين الرواة؛ لاختلاف أديانهم، وأحوالهم، ~~وألسنتهم، وبعد أوطانهم. # ومنها: خبر الآحاد وهو الذي يرويه الواحد، وهو يقبل بحسن الاجتهاد، ~~وتغليب الظن في صدق راويه في الفروع والشرع. فأما في الأصول فلا يقبل خبر ~~الآحاد لكثرة الرواة، وأهل التدليس في الإسلام من المنافقين والباطنية، ~~وغيرهم من أعداء الرحمن، ولتحرصهم على إفساد أصول الدين على المسلمين كما ~~قد رووا: ((سترون ربكم كالقمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته)). # والدليل على أن خبر الآحاد يقبل في الفروع إجماع الأمة على ذلك، وهو أنهم ~~أجمعوا على أن النبيء صلى الله عليه وآله وسلم كان يبعث العمال في البلاد ~~فيقبل خبر العامل، مثل معاذ بن جبل حيث ms007 بعثه النبيء صلى الله عليه وآله ~~وسلم إلى اليمن. وأنه كان يكتب إلى من هو منتزح عنه فيقبل كتابه، مثل ما ~~روي عن عبد الله بن حكيم قال: كتب إلينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~قبل موته بشهر: ((لا تنتفعوا من الميتة بلحم ولا عصب )). وأجمعت الصحابة ~~على قبول خبر الواحد، كقبولهم خبر عبد الرحمن بن عوف في جزية المجوس، ~~وكقبول خبر أبي بكر في إعطاء الجد السدس. PageV01P061 # وروي عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: كنت إذا سمعت من رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم شيئا نفعني الله به بما شاء، فإذا سمعته من غيره ~~حلفته، فإذا حلف صدقته. وحدثني أبو بكر، وصدق أبو بكر. # وكقبول خبر حمل بن مالك في جنين المرأة. فصح أن خبر الآحادي يقبل في ~~الفروع دون الأصول لما قدمنا. وصح أن النظر أصل من أكبر أصول الدين، لأنه ~~به عرفت الأصول. # فأما القياس فإنه لا يصح في الأصول، وقد يصح أن يقاس الشيء من الفروع ~~بمثله، كما يقاس ما لم يسم، مما يكال مما أخرجت الأرض في وجوب الزكاة على ~~مثله المسمى، مثال ذلك: أن السمسم والدخن وأشباههما لم تسم في الخبر عن ~~النبيء صلى الله عليه وآله وسلم فوجب أن يقاس على ما سمي من التمر والزبيب ~~والحنطة؛ لأنه روي عن النبيء صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((لا تجري ~~الصدقة في تمر ، ولا زبيب، ولا حنطة، ولا ذرة، حتى يبلغ الشيء منها خمسة ~~أوسق))، والوسق: ستون صاعا، وإنما قلنا إنه مثله؛ لأنه وافقه في أكثر ~~أوصافه، وذلك أنه مما أخرجت الأرض، ومما يطعم ويقتات، وأنه مكيل، وليس كذلك ~~قياس أبي حنيفة (في) الخل والنبيذ وسائر المائعات على الماء؛ لأنه مخالف ~~(له) في كل أوصافه، إلا في الرقة والصفاء؛ وهو مخالف له في لونه وطعمه ~~وريحه واسمه وحكمه، فهذا مما لا يجوز من القياس. وقد أنكر عليه القياس ~~العلماء في وقته وبعد وقته. PageV01P062 # وقد روي أنه دخل هو ومحمد بن ms008 أبي ليلى على جعفر بن محمد عليهما السلام وهو ~~في المدينة، فقال لأبي حنيفة في كلام طويل، وقد ذم قياسه الذي كان يقيسه، ~~فقال له جعفر: يا نعمان؛ (إن) أول من قاس إبليس أمره الله أن يسجد لآدم ~~فقال: {أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين }[الأعراف:12]، ثم قال له: ~~أيهما آكد عند الله الصلاة أم الصيام؟ قال: الصلاة، قال: فلم أمر الله ~~الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؛ وهذا آكد من هذا؟ قال: لا علم لي، قال: ~~أيهما أعظم عند الله القتل أم الزنا؟ قال: القتل، قال: فلم أمر الله في ~~القتل بشاهدين وفي الزنا بأربعة؟ قال: لا علم لي. قال: يا نعمان، أيهما ~~أنجس البول أم الجنابة؟ قال: البول. قال: فلم أمر الله بالغسل من الجنابة ~~وأمر بالاستنجاء من البول فقط؟ قال: لا علم لي. قال: يا نعمان، لم جعل الله ~~المرارة في الأذنين، والملوحة في العينين، والرطوبة في المنخرين، والحلاوة ~~في اللسان والشفتين؟ ولم جعل بطن الراحة لا شعر فيه؟ قال: لا أدري. PageV01P063 # فسأله ابن أبي ليلى عن تفسير ذلك؛ فقال: أما قضاء الصيام؛ فلأنه شهر في ~~سنتها، فأمرها الله أن تقضيه لذلك. وأما الصلاة فإنها تصلي في كل يوم وليلة ~~سبع عشرة ركعة الفريضة، والنوافل تسع ركعات، لم يجب (عليها) القضاء لأجل ~~ذلك، يريد من قبل كثرة الصلاة. قال: وأما القتل فإنه فعل واحد بمفعول به، ~~فحكم فيه بشاهدين، والزنا فعل فاعلين فحكم لكل واحد بشاهدين،والبول يخرج من ~~المثانة لا غيرها، فأمر فيه بالاستنجاء، والمني يخرج من بين الصلب ~~والترائب، فأمر فيه بالغسل ليطهر به بدنه كله. # قال أبو حنيفة: أوليس هذا قياس؟ قال: لا، بل أخبرني أبي عن أبيه عن ~~النبيء صلى الله عليه وآله وسلم. # قال: وأما مرارة الأذنين فلئلا تدخل الهوام في خروق الأذنين إلى الدماغ، ~~وأما ملوحة العينين فلأنهما شحمتان، فأمسكهما بالملوحة لئلا يذوبا، وأما ~~الحلاوة في الفم فلأن يجد به طعم الأشياء. # وأما الرطوبة في المنخرين فلأن يجد بهما ms009 ريح الأشياء، ولولا ذلك كانتا ~~كسائر جسده، وجعل بطن الراحة لا شعر فيه ليحس اللمس، فاعلم. # فصح أن القياس لا يجوز إلا فيما ذكرنا وأمثاله. PageV01P064 # واعلم أنه لا يقيس ولا يجتهد إلا من عرف الأصول، والفروع، والمعقول، ~~والمسموع؛ لأنه إذا أفتى بغير علم زل، وضل بغير شك وأضل، وبسبب ذلك هلك ~~أكثر الناس، وقد روي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: (خمس خذوهن عني ~~فلو رحلتم المطي لانظبتموهن قبل أن تجدوا مثلهن: لا يخشى العبد إلا ربه، ~~ولا يخاف إلا ذنبه، ولا يستحي من لا يعلم أن يتعلم، ولا يستحي العالم إذا ~~سئل عما لا يعلم أن يقول: الله أعلم، ومنزلة الصبر من الإيمان كمنزلة الرأس ~~من الجسد، ولا إيمان لمن لا صبر له. # واعلم أن ما ورد عن النبيء صلى الله عليه وآله وسلم مطلقا فإنه يقتضي ~~الوجوب في الأمر، والتحريم في النهي، إلا ما خصه الدليل، مثال ذلك في ~~الأمر: قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((من مسح سالفتيه أمن من الغل يوم ~~القيامة))، فلما قاله على وجه الترغيب في الزيادة، ولم يأمر به مطلقا، علم ~~أن مسح الرقبة مع الرأس سنة. # ومثله: قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((لولا أن أشق على أمتي لفرضت ~~عليهم السواك)) فصح أنه سنة. # وفي النهي قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((لا تستقبلوا القبلة لغائط ولا ~~لبول )). وروي عن ابن عمر قال: اطلعت على رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم (وهو) يقضي حاجته محجورا عليه بلبن، فرأيته مستقبل القبلة، فصح أنه ~~مكروه غير محرم. PageV01P065 # والدليل على صحة ما ذكرناه قول الله تعالى: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما ~~نهاكم عنه فانتهوا}[الحشر:7]، وقوله عز من قائل: {من يطع الرسول فقد أطاع ~~الله }[النساء:80]، والأمة مجمعة على هذا. # والدليل على أن إجماع الأمة حجة قول الله تعالى: {ومن يشاقق الرسول من ~~بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم ~~وساءت مصيرا}[النساء:115]، وقول رسول الله صلى الله ms010 عليه وآله وسلم: ((لا ~~تجتمع أمتي على ضلالة ))، فصح ما ذكرنا ووضح جميع ما قلنا؛ من وجوب النظر، ~~وطريق الاستدلال. PageV01P066 ### || AUTO باب حقيقة معرفة الصنع # اعلم أن الصنع إسم للفعل، وهو مصدر من صنع يصنع صنعا؛ وأصله فعل يفعل ~~فعلا، فصح أن اسمه يدل على أنه فعل، ولا يكون الفعل إلا من فاعل، ولا يكون ~~إلا محدثا لتقدم فاعله عليه. # ولا خلاف في أن العالم يسمى صنعا. والعالم اسم للهواء، وما حوى من الأرض ~~والسماء وما بينهما من جميع خلق الله العلي الأعلى. والعالم اسمه موحد، ~~فإذا جمعت قلت: العالمين؛ قال تعالى: {الحمد لله رب العالمين }[الفاتحة:2]، ~~وهذا الفرق في الجمع والموحد في اللفظ، وأما في المعنى فلا فرق بين العالم ~~والعالمين؛ لأن الاسمين ينبيان عن معنى واحد، وسمي العالم؛ لأنه علم ودليل ~~على صانعه. PageV01P067 ### ||| AUTO فصل في الكلام في الهواء # من ذلك أنا نظرنا إلى الهواء وما فيه من السعة والرقة والصفاء، وكونه ~~مكانا للكثيف واللطيف من الأشياء؛ فإذا هو قد قدر أحسن تقدير، وجعل حياة ~~للكبير من الحيوان والصغير، وجعل صافيا نقيا من الآفات والأكدار، وجعل لونه ~~أخضر يميل إلى السواد لموافقة الأبصار. وقد قالت الأطباء: من ضعف بصره ~~فليدمن النظر إلى زجاجة خضراء مملوءة ماء، فكان كما وصفت الأطباء، وجعله ~~يحمل الأصوات والروائح (والغبار) ثم يمحى ويزول فيعود نقيا، فتجري فيه ~~الرياح بالسحاب والدخان والغبار ثم يزول منه فيعود نقيا، ولو كان يبقى كل ~~ما يحمله من الدخان والغبار والروائح والأصوات؛ لكان ذلك مؤديا إلى الضرر ~~وإباحة الأسرار، والتأذي بكثرة الأصوات والدخان والغبار. وما جعل في سعته ~~ورقته من الصلاح لصنوف المنافع وجولان الأنفاس فيه والأرواح. # فلما وجدنا فيه أثر التدبير وجدناه قد وضع موضعه في صلاح الحيوان بأحسن ~~تقدير؛ علمنا أنه محدث مبدوع، ومخترع مصنوع، علما ضروريا بالمشاهدة؛ إذ لا ~~بد لكل مدبر من مدبر، وكل مقدر لا بد له من مقدر، وإذا ثبت أنه مصنوع ثبت ~~أنه محدث. # وقد قال أهل الدهر -وهم عباد الأهوية: ms011 الهواء هو ربهم لأنه بزعمهم محيط ~~بالأشياء، فيه كل شيء، وهو مع كل شيء. # قالوا: وجدنا فيه الحياة، وعند انقطاعه الموت، فصح قدمه قبل كل شيء ~~بزعمهم. PageV01P068 # والحجة عليهم أنه مع كبره ضعيف، ومع اتساعه لطيف، وصح من ضعفه أنه لا يحدث ~~في الشاهد صغيرا ولا كبيرا، ولا يغني نقيرا ولا قطميرا، وأنه محدود بسواه، ~~منقطع من غيره، متغير بغيره، وأنه يتغير بالأنوار، ويختلف باختلاف الليل ~~والنهار، وأنه يتغير بالروائح والدخان والغبار، وبالرياح والسحاب والأمطار، ~~ويقطع وينقطع، ويضيق ويتسع، ويتحول منه القليل فيتحول، من ذلك هواء البئر ~~إذا دفنت انتقل الهواء الذي كان فيها وزال، وما جاز على القليل جاز على ~~الكثير، وما جرى على الصغير جرى على الكبير. وأيضا: فإنه لا يخلو من ~~الحالتين الحادثتين وهما: الحركة والسكون. # وقد أجمع المتكلمون المتقدمون والمتأخرون على أن الحركة والسكون حالتان ~~حادثتان، إلا أصحاب الاضطراب وهم بعض أتباع بلعام فإنهم زعموا أن العالم لم ~~يزل متحركا بحركات لا نهاية لها، وقالوا: لو ثبت لها أول، أو آخر لثبت حدوث ~~العالم. # والحجة عليهم أن كونه متحركا بعد أن كان ساكنا يدل على حدوث الحركة، ~~وكونه ساكنا بعد أن كان متحركا يدل على حدوث السكون بالمشاهدة والعلم ~~الضروري. # وقال بلعام: العالم متحرك، والحركة الأخرى هي الحركة الأولى معادة. وهذا ~~إقرار منه بحدوث الحركة وأن لها محدثا؛ لأن كل ما كان له أول وآخر محدث، ~~وإذا كانت معادة فلا بد لها من معيد. وقال: العالم قديم وله مدبر، خلافه من ~~جميع المعاني. PageV01P069 # وقال أرسطاطاليس: العالم هيولى قديم. وتفسير الهيولى: هو أصل الأشياء، كما ~~أن القطن أصل الثوب، والهيولى هو المدبر. # واختلف أهل الدهر في ظنونهم. وقالوا: العالم قديم، ودليلهم على أزليته ~~أنهم لا يعاينوا شيئا إلا من شيء. وقالوا: الطائر من البيضة، والبيضة من ~~الطائر، والنطفة من الإنسان، والإنسان من النطفة. وقالوا: لم يزل العالم ~~بصورة قديمة، ومنهم من قال: لا ندري الإنسان كان قبل النطفة، أو النطفة قبل ~~الإنسان؟ ودليلهم: أنهم لم يروا إنسانا ms012 إلا من نطفة، ولا نطفة إلا من إنسان. # وقالوا: العالم وما يتولد منه طبع قديم، والصورة قديمة، والخلق كامن ~~فيها، وأنكروا أن يكون كامن غير صورة فتحتاج إلى مصور، وقاسوا العالم ~~بالدولاب. # وكل هذا من ظنونهم وخرصهم، وقد حكى الله قولهم، وذكر أن قولهم ظن، فقال ~~عز من قائل: {وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا ~~الدهر وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون}[الجاثية:24]. # والحجة عليهم أن إقرارهم بالكمون، والصورة والدولاب، يلزمهم ويبطل قولهم؛ ~~لأن كمون الصورة في الشيء يدل على الانتقال، والانتقال حركة، والحركة ~~حادثة، فوجب أن تكون الصورة المنتقلة حادثة؛ لأنها لا تتعرى عن الحركة ~~والسكون، وكل ما لا يتعرى من الحوادث محدث، وقد قدمنا الكلام في ذلك. ~~والدولاب أيضا مصنوع بالمشاهدة، فكذلك العالم. PageV01P070 # ودليل آخر: أن الصورة قد علمنا علما ضروريا أنها حادثة -لكونها بعد أن لم ~~تكن- بالمشاهدة؛ لأن النطفة لا صورة فيها؛ ثم كذلك العلقة والمضغة، ليس ~~فيهما صورة إنسان، فحدثت بعد عدمها، فكان ذلك دليلا مبينا. وقد احتج الله ~~عليهم، فقال عز من قائل: {ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ، ثم جعلناه ~~نطفة في قرار مكين ، ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا ~~المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن ~~الخالقين}[المؤمنون:12-14]، فلما كان له ابتداء وانتهاء كان محدثا، وكذلك ~~سائر المصنوعات، فصح الحدث وانتفى القدم. # والرد عليهم في قولهم: العالم وما تولد منه حصل من الطبيعة الهيولية؛ أن ~~يقال لهم: الطبع فعل الفاعل، وهو غير الطابع والمطبوع، كما أن الفعل فعل ~~الفاعل، وهو غير الفاعل والمفعول، فصح أن الطبع في ذاته فعل الفاعل، وإذا ~~صح أنه فعل الفاعل صح أنه محدث. PageV01P071 # ودليل آخر: أن الطبيعة لا بد لها من أن تكون حية قادرة، أو تكون غير حية ~~قادرة. فإن قيل: هي حية قادرة. قلنا: هذا محال؛ لأن النخلة لو شق ساقها أو ~~موضع الطلع منها، وحشي في جوفها رطب لم يخرج ذلك ms013 الرطب إلا بمخرج حي قادر ~~غيرها، فلو كانت النخلة حية قادرة لأخرجت ذلك الرطب من جوفها، ولكانت تطلع ~~في وقت خراجها، وفي غيره. وأيضا فإن هذا الرطب الذي في النخلة وجدناه بعد ~~أن لم نجده، ولا بد من أن يكون أوجد نفسه وهو معدوم، أو أوجده غيره. فإن ~~قيل: أوجد نفسه، فلا بد من أن يوجدها وهو موجود، أو يوجد نفسه وهو معدوم، ~~وإيجاد الموجود محال، وكذلك إيجاد المعدوم موجودا محال، فصح أنه موجود ~~أوجده غيره، وصح أنه محدث، وكذلك النخلة محدثة، وما جاز في النخلة جاز في ~~جميع العالم لما يوجد فيه من الزيادة والنقصان، والتغيير والانتقال، وأنه ~~لا يتعرى من الحالتين الحادثتين، فكلما وجدنا للواحد منه ابتداء وانتهاء ~~كذلك جميعه؛ وما كان بهذه الصفات فهو محدث، علما عقلا ضروريا. ومنهم من ~~يثبت حدوث الصنع، ويثبت له صانعا قديما؛ ويقول: إن الأشياء المصنوعة حدثت ~~من الأصول الأربعة، أو الطبايع، أو العناصر، على اختلاف عباراتهم في ذلك؛ ~~وبه قالت المطرفية، وليس للكلام معهم معنى في أنه محدث، وأن له محدثا ~~قديما؛ لأنا نحن وهم مجمعون على ذلك. # وإنما الكلام معهم في قولهم: إن الأشياء حدثت من هذه الأصول بالتركيب لا ~~بالقصد والعمد من القديم فيما يتولد من هذه الأصول. PageV01P072 # فنقول: إن الأفعال لا تكون إلا لحي قادر، والجمادات ليست بحية ولا قادرة، ~~فصح أنها لا فعل لها ولا تدبير. # ودليل آخر: فنقول: أخبرونا عن الأصول الأربعة ما هي؟ # فإن قالوا: الماء، والهواء، والنار، والرياح. قلنا: فهل هذه الأصول هي ~~الفروع المتولدة منها، أو غيرها؟ # فإن قالوا: لا، أحالوا؛ لأن ابن الإنسان غيره، فضلا عن أن يكون نارا أو ~~ماء أو ريحا وهواء، فصح أن الفروع غير الأصول. وإذا ثبت ذلك وجب أن تكون ~~الأصول التي ذكروا أنها تحدث الأشياء موجودة أو معدومة. # فإن قالوا: هي موجودة. قلنا: أين موضعها؟ فإن قالوا: في العالم. قلنا: ~~كيف يكون وجود الأصل في الفروع، هل يكون الأصل كامنا في الفروع أو ظاهرا فيها؟ # فإن ms014 قالوا: هو كامن فيها كالنار. قلنا: النار فرع حادث في العود؛ لأنه لا ~~يجتمع الماء والنار في العود؛ لأن اجتماع المتضادين لا يصح، وليست النار ~~عندنا كامنة في العود، ولا في الحجر. PageV01P073 # وغيرنا يقول: إنها كامنة فيهما ككمون الزيت في الزيتون، والدهن في السمسم. ~~قلنا: هما من أجزاء السمسم والزيتون، وهو لا يكون إلا جزءا من الأشياء ~~وبعضا منها. فإن قالوا: هو ظاهر فيه، أحالوا، لأن الماء غير النار، والنار ~~غير الماء، وكذلك جميع الأشياء، ولو كانت النار ظاهرة في الماء لأطفأها ~~الماء، ولو كانت ظاهرة في العود أو القطن لأحرقته فبطل ذلك، ولم يبق إلا أن ~~الأصول قد عدمت وبطلت، وإذا ثبت أنها قد عدمت، فكيف يتهيأ للمعدوم فعل؟! ~~وكذلك كان يجب أن تكون هذه الحوادث التي تحدث اليوم قديمة؛ إذ ليس المتقدم ~~بأولى من المتأخر بالتقديم، فبطل ما قالوا، وصح أن الجمادات لا صنع لها، ~~وقد احتج الله عليهم فقال عز من قائل: {أفرأيتم ما تمنون ، أأنتم تخلقونه ~~أم نحن الخالقون}[الواقعة:58،59]، ثم قال: {أفرأيتم ما تحرثون ، أأنتم ~~تزرعونه أم نحن الزارعون}[الواقعة:63،64]، وقال عز من قائل: {ومن كل شيء ~~خلقنا زوجين لعلكم تذكرون}[الذاريات:49]. وقال القاسم بن إبراهيم عليهما ~~السلام في الدليل الصغير: أما أوائل الأشياء فخلقت لا من شيء، وأما ما حدث ~~بعد أوائل الأشياء فمنها ما حدث لا من شيء، ومنها ما أحدث من شيء. PageV01P074 # وقال عليه السلام في موضع آخر في قول الله تعالى: {أفرأيتم ما تمنون ، ~~أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون}[الواقعة:58،59]، فالله هو الخالق ونحن ~~الممنون، ليس لنا في ذلك -غير إمناء المني- من صنع، ولا نقدر بعد لما قدر ~~بيننا من الموت على منع، من تقدير صنعنا وتدبيره، وتبديل خلقنا -إن شاء ~~خالقنا- وتغييره، إلا ما تولاه ربنا، وكان منه لا منا، قال سبحانه: ~~{أفرأيتم ما تحرثون ، أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون}[الواقعة:63،64]، ~~فالله هو الزارع ونحن الحارثون، ليس لنا في الزرع سوى حرثه من حيلة موجودة، ~~ولا نقدر بعد الحرث على الإنشاء منه لسنبلة مذمومة ولا محمودة، ms015 فقدرتنا ~~إنما هي على الحرث والأعمال، وعلى خلافهما من الترك والإغفال، وكذلك فلله ~~من القدرة بعد على إبطال الزرع وإبلائه، مثل الذي كان له من القدرة على ~~تثميره وإنمائه، ولا يقدر على أمر إلا من يقدر على خلافه، وعلى فعل ما كان ~~من نوعه وأصنافه، فمن لم يكن كذلك ويصح صفته بذلك، كان بريا من القدرة ~~عليه، وكان العجز في ذلك منسوبا إليه. PageV01P075 # وقال محمد بن يحيى عليه السلام في كتاب الإيضاح: إن سأل سائل فقال: هل يصح ~~للجمادات فعل من الأفعال، ويجوز ذلك في الاعتقاد والمقال؟ قيل له -ولا قوة ~~إلا بالله: لا يصح الفعل من الجمادات إلا على مجاز الكلام، فأما الطبائع ~~فمن ذي الجلال والإكرام، لما في ذلمك من الفضل والإنعام؛ لأن الحيوانات ~~إنما استقامت أرواحها بطبائع الأطعمة والشراب، وذلك من حكمة رب الأرباب، ~~ومصلح الأسباب بالأسباب؛ لأن الأغذية لا تعقل أعاجيب التدبير، ولا يتم ~~إصلاح الأمور وعجائب الحكمة والتصوير إلا الله العليم الخبير. ألا ترى: إلى ~~ما صنع من غذاء الأشجار بما نزل من الأهوية من الأمطار، وأجرى من العيون ~~والأنهار في صلاح الحيوان والثمار، وجعل في الأشجار مداخل للمياه بمنزلة ~~الحلوق والأفواه، فجعل لكل حبة من الثمر مستقى، وجعله للماء طريقا، وأجرى ~~ذلك بلطفه في العروق، وجعلها بمنزلة الحلوق. وليس من طبع الماء أن يصعد ~~علوا، ولا يسمو إلى أعالي الشجر سموا، وإنما طبع على الثقل، والانحدار، ~~وعلى الثبات في الأرض والقرار، فلما رأيناه يطلع إلى بواسيق الأغصان، علمنا ~~أن ذلك من الواحد المنان الرحمن. # وكذلك فعل سيدنا عيسى عليه السلام فليس منه، وإنما نسب إليه، وإنما فعله: ~~الحركات والسكون والضمير، والتقليب للطين والتصوير، وذلك فلا يوجد الحياة ~~بعد الممات، ولا يوجد الأرواح في الجمادات ...إلى آخر الكلام. ولا خلاف في ~~ذلك عند أهل العدل والتوحيد من الزيدية والمعتزلة، وهو إجماع الأمة. PageV01P076 ### ||| AUTO فصل في الكلام في الأنوار واختلاف الليل والنهار # ونظرنا إلى تضاد الظلم والأنوار، واختلاف الليل والنهار، وما في ذلك من ~~النعمة السابغة، ms016 والحكمة البالغة، فإذا هو أمر عجيب، ونفع قريب، وكذلك ما ~~نشاهده من سماء الدنيا؛ من ارتفاعها وصفائها، وسعتها وبهائها، وما فيها من ~~النيرات -التي ملأ ضياؤها ما بين الأرضين والسماوات- من الشمس والقمر ~~والنجوم المختلفات، فإذا فيها من عجيب الصنعة، وبديع الحكمة، ما لا يقدر ~~مخلوق على وصف عشير عشره، لكن معرفة قليلة تجزئ عن معرفة كثيرة. PageV01P077 # ومن ذلك أن الشمس قريب نفعها، بعيد ضرها، فإنها لما قدرت وجعلت سراجا -لمن ~~في السماوات ومن في الأرض وما بينهما- وهاجا جعلت بعيدة المكان، لسلامة ~~الأجساد منها والأعيان، ولدفع ضررها عن الأشجار والمياه والحيوان، ولو كانت ~~قريبة منها لأتلف شعاعها الأبصار، ولأحرق لهيبها الأجساد والأشجار، ولأزال ~~برد الماء وأيبس الأنهار. وقدرت تطلع حينا وتغرب حينا لدفع هذه المضار، ~~وإصلاح الحيوان والأشجار، وليستريح ويسكن بعد مغيبها أهل الحرص في العمل ~~والإكثار، وجعل القمر، وفيه بعض الضياء لمن أراد السرى بالليل لبعض ~~الأسباب، وليهتدى به عدد السنين والحساب. وجعلت النجوم إذا غابت الشمس ~~والقمر تسد مسدا لمن احتاج إلى الذهاب، وليهتدي بها في البر والبحر أهل ~~الاغتراب، وجعلت البروج الإثنا عشر مقدرة، لا يختلف سيرها، ولا يجتمع ~~مفترقها، ولا يفترق مجتمعها، وجعلت الشمس تقطع البروج في سنة من الحمل إلى ~~الحمل؛ تقطع في كل يوم درجة، والبرج ثلاثون درجة، فالبروج كلها ثلاثمائة ~~وخمس وستون درجة كعدد أيام السنة. والقمر يقطع البروج كلها في شهر، يقطع ~~(في) كل يوم منزلة، والبرج منزلتان وثلث. والزهرة تقيم في البرج خمسة ~~وعشرين نهارا، وعطارد كذلك، وزحل يقيم في البرج ثلاثين شهرا، والمشتري يقطع ~~البرج في سنة وشهر، والمريخ يقطع البرج في سنة ونصف. ومسير هذه النيرات ~~السبع التي هي: الشمس، والقمر، والزهرة، والمشتري، وزحل، والمريخ، وعطارد، ~~إلى جهة المشرق، والفلك يدور بها إلى المغرب، PageV01P078 وذلك يتبين لك في أسرعها سيرا وهو القمر فكذلك سائرها، وقد مثل العلماء ~~سيرها مثل دبيب النملة في الرحا، فهي تسير ذات اليمين والرحا تدور بها ذات ~~الشمال. # فلما رأينا هذه النيرات قد وضعت مواضعها، وأعدت ms017 لصلاح الحيوان، ورأينا ~~فيها أثر الصنعة والتدبير، ودلائل الإنشاء والتقدير، علمنا أنها محدثة. # وقد قال قوم: شيئان خالقان قديمان: نور وظلمة، فخالق خير وهو النور، ~~وخالق شر وهو الظلمة، وقالوا: هما ممتزجان وغلبوا الظلمة على النور. قالوا: ~~والدليل على ذلك أن الخير لما وجد ثبت أن له فاعلا من جنسه، أو أرفع منه ~~منزلة، وأن الشر لما وجد ثبت أن له فاعلا من جنسه، أو أبلغ منه منزلة. # والحجة عليهم أنا وجدنا النور والظلمة متضادين، ووجدنا النور يزيل الظلمة ~~إذا حضر، وتغشى الظلمة إذا غاب، ورأينا أحدهما يزول بحضور الآخر، ويحضر ~~بزوال ضده، فثبت أنهما محدثان ضعيفان عاجزان؛ لأن أحدهما يزول بحضور الآخر؛ ~~ولأن أحدهما مغير للثاني، وإذا عجز عن نفسه وكان الآخر مغيرا له فهو عن خلق ~~غيره أعجز. # وتبين فساد قولهم أنهم قالوا: النور والظلمة ممتزجان، ومنهم من قال: هما ~~منفصلان ومعهما ثالث معدل؛ والانفصال والامتزاج يدلان على الحدث؛ لأن ~~الانفصال هو الانتقال؛ وهو حركة، والامتزاج أيضا المجاورة، وكل منتقل أو ~~مجاور محدث؛ لأنهما لا يتعريان من الحوادث. PageV01P079 # ودليل آخر: أن كل ما كان له أول وآخر فهو محدث، والنور والظلمة لهما أول ~~وآخر، ولا يمتنعون من أن يقولوا: أول النهار وآخره، وأول الليل وآخره. # ودليل آخر: أن الظلمة التي قالوا: هي تغلب النور وهي تفعل الشر فإذا كان ~~النور مغلوبا كان ضعيفا، والضعيف لا يكون خالقا. # وأيضا فإنا رأينا في الظلمة خيرا كثيرا -وصلاحا للحيوان والأشجار- شهيرا، ~~من ذلك: أن الليل يبرد حرارة الشمس، ويعدل الزمان، وفيه يستريح الناس ~~ويهدءون، وينامون ويسكنون، ولو كان النهار سرمدا إلى يوم القيامة لزال ~~الصلاح، وعدمت الراحة والفلاح. وإذا كان فعلهما لا يتم إلا بمعدل كانا أيضا ~~عاجزين عن الخلق؛ لأنهما إذا عجزا عن التعديل، عجزا عن الخلق للدقيق ~~والجليل، فبطل ما قالوا. # وقال قوم -وهم عباد النجوم، وهم بعض البراهمة: العالم قديم، والمدبرات ~~منه السبعة: الشمس، والقمر، والزهرة، والمشتري، وزحل، والمريخ، وعطارد. ~~والبروج الإثنا عشر: الحمل، والثور، والجوزاء، والسرطان، والأسد، والسنبلة، ms018 ~~والميزان، والعقرب، والقوس، والجدي، والدلو، والحوت، هي بزعمهم المتحركات ~~بالخير والشر، والحياة والموت. # والحجة عليهم أنها تنتقل وتزول، وتغيب (وتحول)، ويغيبها الأفول، وبذلك ~~عابها إبراهيم الخليل صلى الله عليه وآله وسلم، وأنها تجري بها الفلك، ~~وتحويها الحبك، وتنقص، وتزيد، وتتحرك، وهذه الحالات كلها محدثة، فوجب أن ~~تكون هي في ذاتها محدثة؛ لأنها لا تتعرى من هذه الحوادث. PageV01P080 # ودليل آخر: أن أكبر هذه النيرات الشمس والقمر، فإنهما يصابان في أنفسهما ~~بالكسوف، فيدخلان في باب من يرمى بالمصائب والحتوف، وينقص القمر في كل شهر ~~حتى لا يبقى منه إلا الأقل ثم يعود فيكون كاملا. فلو كانا خالقين، أو ~~قادرين، أو مدبرين، لأزاحا عن أنفسهما الضرر، ولتحصنا عن النقصان والغير، ~~فلما كانت لا تملك نفسها، ولا تدفع عنها شرا، ولا تدفع مكروها ولا ضررا، ~~كانت عن ملك غيرها أعجز، وعلمنا أنها مصنوعة مبدوعة لتغيرها وانتقالها، ~~وضعفها ونقصانها وزوالها؛ ولأنها بغيرها محدودة، وحالة ومتحركة ومحدودة، ~~وهذه الحالات دالة على حدوثها، فبطل ما قالوا. PageV01P081 ### ||| AUTO فصل في الكلام في الأرض # ونظرنا إلى هذه الأرض، وما فيها من الطول والعرض، وكم عسى أن نصف مما قد ~~جعل الله فيها من العجائب، والأمر البديع والغرائب. قد وضع كل شيء منها في ~~مكانه، وأعد كل أمر منها لشأنه. # وجملة الأمر أن كل شيء منها قد جعل لمصلحة -عرفها من عرفها، وجهلها من ~~جهلها- من الحيوان والطين والماء والأشجار والحجارة -وما كان من جنسها- ~~والنار. ونظرنا فإذا هي بعيدة الأطراف، ومتراكمة الأرداف، ثقيلة طويلة، ~~عريضة عميقة، ومن بعدها أنه ما أخبر أحد من الآدميين أنه بلغ حدها، إلا ما ~~حكاه الله من ذي القرنين، وكان ذلك معجزا، وكان له من الله تأييدا بسبب ~~نبيء كان معه. ومن عمقها أنه ما خرقها أحد؛ وقد قال الله تعالى: {إنك لن ~~تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا }[الإسراء:37]. # ونظرنا فإذا هي على الماء مبسوطة، وفي الهواء معلقة منوطة. # ومما دلنا على أنها على الماء مبسوطة أن البحار بها محيطة، وأنها تتفجر ~~الأنهار من خلالها، ms019 ويوجد الماء أينما حفر من سهولها، وجبالها، قريبا ~~وبعيدا، إلا في المواضع التي لا يمكن حفرها لشدتها، ولبعد مائها، ~~وارتفاعها، وقد قال الله تعالى: {وكان عرشه على الماء }[هود:7]. # ومما يدل على أنها في الهواء معلقة منوطة أنها إذا وقعت فيها زلزلة، أو ~~تردت من جبالها صخرة عظيمة رجفت، وتحركت، وأجابت. PageV01P082 # ومما يدل أيضا على أنها معلقة منوطة أنا وجدنا لها جهة واحدة، وهي الجهة ~~العليا، فعلمنا أن لها جهة سفلى؛ وهي حدها الأسفل، ولا يكون شيء له أعلى ~~إلا وله أسفل، وقدام وخلف، ويمين وشمال. # ونظرنا وإذا هي قد قدرت على أربعة معان وهي: اللين، والخشونة، والحرارة، ~~والبرودة؛ وإذا هي لم تخل من هذه الأربعة المعاني. # ونظرنا فإذا الزمان على أربعة معان: صيف، وخريف، وربيع، وشتاء. فالصيف ~~حار يابس، والخريف بارد يابس، والربيع حار رطب، والشتاء بارد رطب. ووجدنا ~~الأجساد بنيت على أربعة أمزاج: مرة صفراء، ومرة سوداء، ودم، وبلغم. ~~فالصفراء حارة يابسة تكثر في الصيف، والسوداء باردة يابسة تكثر في الخريف، ~~والدم حار رطب يكثر في الربيع، والبلغم بارد رطب يكثر في الشتاء، فعلمنا ~~أنها محدثة مقدرة، محكمة مدبرة، لظهور الصنع والتدبير فيها. # ومما يدل على حدوثها أنها لا تخلو من الزيادة والنقصان، والتغيير في ~~الأحوال والأعيان، وأنها لا تنفك من الأوقات والأزمان، وكما كان للأيام ~~والليالي أول وآخر ثبت حدثها، وإذا ثبت حدثها ثبت حدث ما لا ينفك منها. # والزمان هو وقت حركة العالم وسكونه، وقالت العلماء قبلنا: الزمان مقدار ~~الحركة، وقد أحسنوا فيه القول. ألا ترى أن السنة هي مسير الشمس في البروج ~~من الحمل إلى الحمل؟! PageV01P083 # وقال الجالينوس ومن قال بقوله من أهل الدهر: الأربع الطبائع التي هي اللين، ~~والخشونة، والحرارة، والبرودة؛ هي المدبرة بزعمهم، قالوا: والدليل على ذلك ~~أن الإنسان لما كان لا يدرك إلا هذه الأربعة الأشياء كانت مدبرة قديمة. # وقالت الفلاسفة: الطبائع الأربع قديمة، وخامس معها هو خلافها، وأثبتوا ~~الحركات، وزعموا أن حركة قبل حركة ...إلى ما لا نهاية له. # وقال بلعام ms020 بن باعورا: إن العالم قديم، وله مدبر بخلافه. وأثبت الحركات، ~~إلا أنه قال: الحركة الأولى هي الحركة الأخرى معادة. # والحجة عليهم أنهم قد أقروا بحدث الحركات؛ لأن قولهم: (إن حركة قبل حركة) ~~دليل على حدث الحركات؛ لأنه إذا كانت الحركة الآخرة قبلها حركة فهي محدثة ~~لتقدم غيرها عليها، وكذلك سائر الحركات. وكذلك قول بلعام: الحركة الأولى هي ~~الحركة الأخرى معادة، فهذا إقرار منه بحدث الحركات؛ لأن كل شيء له أول وآخر ~~فهو محدث. وقوله: (معادة) إقرار بأن لها معيدا. فلما كانت الحركة والسكون ~~حالتين حادثتين، ثبت حدوث الطبائع؛ لأنها لا تخلو من أن تكون الحركة ~~والسكون، أو تكون المتحرك الساكن. فإن كانت أجساما متحركة وساكنة، فالحركة ~~والسكون دليل على حدثها؛ لأنها لا تخلو من الحركة والسكون، وإن كانت ~~الأعراض الحركة والسكون فقد بينا حدث الحركة والسكون؛ لأنا رأينا الشيء في ~~زمان ساكنا ثم رأيناه في زمان متحركا، ثم رأيناه متحركا بعد السكون، فصح ~~حدث الحركة والسكون، وهذا مشاهد بين لا إشكال فيه. PageV01P084 # ودليل آخر: أن كل واحد من هذه الطبائع لا يخرج مما ركب عليه من الحرارة ~~والبرودة، والرطوبة واليبوسة، وإذا كانت لا تخرج مما ركبت عليه صح أنها لا ~~تملك أنفسها فكيف تدبر غيرها؟! وأيضا فلها حد لا تتجاوزه، ولا تنقص منه، ~~ولا تزيد عليه، وبعضها ضد لبعض ومعدل لبعض؛ فصح أنها لا تصنع شيئا، وأن ~~المضاد بينها والمعدل لبعضها ببعض غيرها، فثبت أنها مقدرة مدبرة، فبطل ما قالوا. # ونظرنا إلى ما أعد في الأرض من النبات والماء، والمعادن والآلات، وما خول ~~سكانها من المنافع والأقوات، فإذا هي قد أتقن خلقها، وأحسن رتقها وفتقها. PageV01P085 ### ||| AUTO فصل في الكلام في خلق الإنسان # فإنا نظرنا في خلق الإنسان، فإذا لخلقه ابتداء وانتهاء في الدنيا، ~~فرأيناه نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظاما، ثم كسيت العظام لحما، ثم طفلا، قد ~~أعد فيه جميع ما يصلح له دينه ودنياه قبل حاجته إليه؛ فأعطي عينين للبصر، ~~وأذنين للسمع، وأنفا للشم، ولسانا للذوق وللكلام، وفما ms021 لإدخال الغذاء، ~~وسبيلين لإخراج الأذى، ويدين للبطش واللمس، ورجلين للمشي، وأشياء من دقائق ~~الخلقة لا يهتدي واصفها، ولا يحسن كشفها من عروق منسوجة، ومعدة وأمعاء ~~للأغذية، وعصب ودم، وجلد وشعر، وغير ذلك مما يكثر فيه الكلام. ورأيناه يزيد ~~شيئا فشيئا، ويكبر قليلا قليلا، حتى يبلغ أشده، وقد أعطي العقل الذكي فعند ~~ذلك يستنفع بجميع جوارحه، فيما يصلح دينه ودنياه، وقبل ذلك يستنفع بها فيما ~~يصلح دنياه، فلما رأينا فيه أثر الخلقة، ورأيناه كان بعد أن لم يكن، علمنا ~~أنه محدث بالمشاهدة، والعقل الضروري، وأنه مخلوق مقدر، ومصنوع مدبر. # ونظرنا إلى ما في الأرض من الحيوان من الدواب والطير [مخلوقة] لمنافع ~~الإنسان، فمنها ما جعل نعمة، ومنها ما جعل بلية. فرأينا في جميعها ما يدل ~~على حدوثها، وأنها مصنوعة مصورة، مخلوقة مقدرة. PageV01P086 ### ||| AUTO فصل في الكلام في الجسم والعرض # اعلم أن الجسم سمي جسما لطوله وعرضه وعمقه. والعرب تسمي ما زاد في الطول ~~والعرض والعمق جسما، يقول القائل منهم: فرسي جسيم، وجملي أجسم من جمل فلان، ~~يريد أنه بالغ فيما له سمي جسما، وهو الطول والعرض والعمق؛ قال الله تعالى: ~~{قال إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم}[البقرة:247]، وقال ~~الشاعر وهو عامر بن الطفيل: # وقد علم الحي من عامر .... بأن لنا ذروة الأجسم # وللجسم دلائل منها أن يكون طويلا عريضا عميقا؛ ومنها أن يكون قائما ~~بنفسه، ومنها أنه يكون محدودا بالجهات الست التي هي فوق وتحت، وقدام وخلف، ~~ويمين وشمال. فما كان من المصنوعات بهذه الصفات فهو جسم، وما لم يكن بهذه ~~الصفات فهو عرض، إذ لا يوجد شيء من المصنوعات ولا يعلم إلا جسما أو عرضا. ~~وقد أثبت بعض المعتزلة جوهرا لا جسما ولا عرضا، وقالوا: هو الأجزاء ~~المتماثلة الشاغلة للمكان. ومعنى المتماثلة عندهم: أن يسد الجزء مسد الجزء ~~الآخر، وهذا شيء لا يعقل ولا يعلم. # واعلم أن الغرض المقصود في ذكر الأجسام والأعراض هاهنا أن يفرق بين الجسم ~~والعرض، وبين أفعال الله وأفعال خلقه. # فأما الأجسام فقد ms022 تكلمنا فيها بما فيه كفاية، وهذا موضع الكلام في ~~الأعراض فنقول: PageV01P087 # إن العرض سمي عرضا لاعتراضه في الأوهام؛ ولأنه لا يوجد منفردا من الأجسام؛ ~~ولأنه يضعف عن القيام بنفسه، ويزول بضده، وقد سمى الله سبحانه وتعالى متاع ~~الحياة الدنيا عرضا، لضعفه وزواله، قال تعالى: {تبتغون عرض الحياة الدنيا ~~}[النساء:94]، فلذلك سمي العرض عرضا وهو على وجهين: ضروري واختياري، ~~فالضروري فطرة من فطرة الله سبحانه، والاختياري من فعل العبد. فكل ما كان ~~يوجد ضرورة لا يمكن الإنسان رده فهو العرض الضروري، وهو من فعل الله ~~سبحانه، وما كان يمكن العبد فعله ويمكنه تركه فهو العرض الاختياري. # والضروري على أفنان: وهو الألوان والطعوم والروائح، والحركات والسكون في ~~الجمادات، وقد يكون في الحيوان أيضا مثل ذلك كضربان العروق. # ومن الضروري أيضا إلهام الله تعالى لجميع الحيوانات مصالحهم الحاضرة، من ~~استجلاب المنافع، والنفار عن المضار، فهذا اشترك فيه المكلف وغيره من سائر ~~الحيوان. ثم زاد الله تعالى المكلف جودة النظر، والمعرفة لمصالحه العاجلة ~~والآجلة. والزيادة هاهنا التي هي من الله فطرة، كاستحسان الحسن، واستقباح ~~القبيح، وأشباه ذلك، فهذه الأعراض وما شاكلها مما لا يمكن الإنسان الإمتناع ~~منها، فهو فطرة من الله تعالى. PageV01P088 # ومثل ذلك ما فطر الله عليه الحواس من الحس مما لا يكون اختيارا للإنسان؛ من ~~ذلك أن الله تعالى قد فطر الأذن على سماع الأصوات مما يريد الإنسان سماعه ~~ومما لا يريد سماعه، ألا ترى أن الإنسان إذا لم يرد سماع صوت لم يمكنه ذلك ~~إلا أن يسد أذنه أو يبعد عن المصوت. وكذلك البصر فإنه لو فتح عينيه وقباله ~~شيء مما يرى بالأعيان لرآه ولو لم يرد بصره، ولا يمنعه من بصره إلا أن يغمض ~~عينيه عنه؛ ولأجل ذلك أن الإنسان إذا فاجأه شيء مما لا يحل له نظره فنظره ~~مفاجأة فلا إثم عليه في النظرة التي لم يقصدها ولم يتعمدها، وكذلك الشم ~~والذوق، هذا ما لم يكن للإنسان فيه صنع، فأما ما تعمده الإنسان وقصده من ~~استعمال الحواس والقلب والجوارح، ms023 فهو عرض اختياري من فعل الإنسان. # والذي يدل على أن الحس عرض أن الإنسان إذا نام لم تحس حواسه شيئا، وأيضا ~~فإن الحس لا يقوم بنفسه، فصح أنه عرض لبطلانه ولكونه قائما في سواه. # والاختياري أيضا على أفنان: فمنه فعل القلب الاختياري الذي هو العقل ~~المكتسب مثل النظر، والتمييز، والاستنباط، والنية، والاعتقاد، وأشباه ذلك، ~~فهذه أعراض من فعل العبد. PageV01P089 # ومما يزيد ما قلناه قول الله تعالى: {أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون ~~إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا}[الفرقان:44]، وقال عز من قائل -حاكيا ~~قول أهل النار: {وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب ~~السعير}[الملك:10]، فلم ينف عنهم القلوب، ولا العقل الغريزي؛ لأنه لو نفى ~~عنهم العقل الغريزي لم يكن عليهم حجة، فصح أنه نفى عنهم العقل المكتسب، ~~وذكر أن تركهم للنظر ذنب فقال تعالى: {فاعترفوا بذنبهم فسحقا لأصحاب ~~السعير}[الملك:11]، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((الناس ~~يعملون الخير ويعطون أجورهم على قدر عقولهم )). # والحس الذي يقصده الإنسان ويتعمده عرض اختياري من فعل الإنسان. وكذلك ~~الكلام الذي ينطق به الإنسان، وخلق له اللسان والأدوات والأنفاس واللهوات. ~~وفعل العبد فيه الهمة، وتصعيد الأنفاس، وتحريك اللسان. فكان الصوت وظهوره ~~من تصعيد النفس في الحلق. وكان الكلام من تقطيع اللسان واللهوات للنفس، ~~فصار حروفا وكلاما مفهوما. PageV01P090 # ألا ترى أن الإنسان إذا مد الصوت ولم يحرك به لسانه ولهواته أن ذلك لا يكون ~~كلاما، وقد حكى الله ذلك فقال عز من قائل: {لا تحرك به لسانك لتعجل به } ~~[القيامة:16]، وقال عز من قائل -فيما حكى عن أهل النار: {وقالوا لجلودهم لم ~~شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء وهو خلقكم أول مرة وإليه ~~ترجعون}[فصلت:21]، ففعل الله في ذلك خلق الأدوات والجوارح وجميع الآلات. # واعلم أن النطق بالكلام على وجهين: حكاية ومبتدأ. فالمبتدأ، ما ينطق به ~~الإنسان، ويبتدعه من نفسه من الكلام. والحكاية ما ينطق به من كلام غيره؛ من ~~ذلك القرآن، ففعله فيه الحكاية إذا ms024 تلاه، والمحكي هو فعل الله. وكذلك ما ~~حكي من كلام المتكلمين؛ فذلك الكلام لمن ابتدعه، وهو مفعول له لما حكاه، ~~كما أن البناء والنجار (والنحات) والصانع والنساخ فعلهم التأليف والحركة ~~والسكون. وفعل الله الأجسام، وهي مفعول لهم، وكذلك القراءة لهم فعل والقرآن ~~مفعول لهم وهو فعل الله وهو عرض. PageV01P091 # واعلم أن العرض لا بد له من شبح؛ لأنه لا يقوم بنفسه، وشبحه في حال الكلام ~~المتكلم، وشبحه بعد ذلك الهواء؛ لأن الله قد فطر الهواء على حمل الأصوات ~~إلى الآذان السامعات؛ لأن العرض لا يقوم بنفسه ولا يقطع المسافة. وكذلك ~~المصوت لا يقطع المسافة أيضا بنفسه ولا يدخل في أذن السامع ولا ينتقل إليه، ~~فلما لم يمكن ملاصقة المصوت لأذن السامع ولا انتقاله إليه، ولم يمكن قيام ~~العرض بنفسه من غير شبح ولا قطع لمسافة؛ لم يبق إلا أن الهواء هو الذي حمله ~~وهو شبحه. # ومن هاهنا غلط قوم من الزيدية وهم المطرفية فإنهم قالوا: إن السامع لم ~~يسمع الصوت، ولكنه يسمع المصوت ولا يسمع عندهم الكلام، وقالوا: لا يسمع ~~القرآن وإنما يسمع القارئ. وقال بعضهم: ليس القرآن بحروف وإنما هو معنى في ~~النفس. وقالوا: لم يفارق قلب الملك. وقالوا: هذا القرآن إنما هو حكاية عنه ~~ودليل عليه. # وعلتهم (في ذلك) أن القرآن عرض، والعرض لا يجوز عليه البقاء، وأنه إجالة ~~الألسن، وأنه لا يقوم بنفسه، ولا يقطع المسافة، وأن الحروف كانت قد حصلت مع ~~الناس قبل نزوله. فصح أن الحروف بزعمهم هي الحكاية دون المحكي. واستدلوا ~~على أنه لا يسمع الكلام، وإنما يسمع المتكلم بقول الله تعالى: {إننا سمعنا ~~مناديا ينادي للإيمان }[آل عمران:193]، ولقول الله تعالى: {قالوا سمعنا فتى ~~يذكرهم يقال له إبراهيم}[الأنبياء:60]. PageV01P092 # والحجة عليهم من العقل أنهم مجمعون معنا على أن حجج الله على خلقه ثلاث؛ ~~وهي العقل والكتاب والرسول، وهم أيضا مجمعون معنا على أن الله تعالى تعبد ~~المكلفين بمعقول ومسموع. # فنقول: لا يخلو الكتاب المسموع كله من أن يكون الكلام أو المتكلم. # فإن قالوا: هو ms025 المتكلم [نفسه] أوجبوا أن كل متكلم بالمسموع حجة في ذاته، ~~فيصير كل إنسان ممن يتكلم بالمسموع حجة لله بذاته، فهذا ما لا يتكلم به عاقل. # وإن قالوا: الحجة الملك الذي لم يفارق القرآن قلبه، أو القرآن الذي هو في ~~قلبه لم يفارقه. قلنا: فليس بمسموع؛ لأنا لم نسمع الملك، وإذا لم ينزل ~~القرآن، ولم يفارقه فليس بحجة، فبطل أن يكون المتكلم حجة، إلا الرسول صلى ~~الله عليه وآله وسلم، ونحن فلم نسمعه بذاته، لكن سمعنا كلامه، وما جاء به، ~~إذ لم نشاهده، فصح أن الحجة هو الكلام المسموع. # ومن الكتاب قوله تعالى: {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ~~ترحمون}[الأعراف:204]، وقوله: {إنا سمعنا قرآنا عجبا}[الجن:1]، وقوله: {إنا ~~سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى }[الأحقاف:30]، وقوله تعالى: {وأنا لما سمعنا ~~الهدى آمنا به }[الجن:13]، وأمثال ذلك كثير في الكتاب. # وأيضا فنقول لهم: أخبرونا عن الكلام الذي سمعه موسى من الشجرة، هل سمع ~~الشجرة ولم يسمع الكلام، أو سمع الكلام؟ PageV01P093 # فإن قالوا: سمع الشجرة ولم يسمع الكلام. أحالوا وخالفوا جميع الأئمة ~~والأمة، وهذا ما لا يقول به عاقل؛ ولأنه لو سمع الشجرة ولم يسمع الكلام ~~لكانت الشجرة هي الحجة دون الكلام، وهذا ما لا يعقل. وأيضا ففي الكلام الذي ~~سمعه موسى من الشجرة: {إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة ~~لذكري}[طه:14]، فهذا خطاب من الله لموسى، وخبر وأمر ونهي، فلو كانت الشجرة ~~مسموعة والكلام غير مسموع لكانت الشجرة هي: المخبرة الآمرة الناهية. ولو ~~كان الكلام معلوما غير مسموع وكان الجسم هو المسموع وكلامه معلوم لكان يعلم ~~الكلام من المتكلم ومن غير المتكلم، ولما كان للكلام معنى إذا لم يكن ~~مسموعا، وهذا جهل كبير لم يقل به أحد من الناس غير هذه الفرقة، وقد قال ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((إني تارك فيكم ما إن تمس كتم به لن ~~تضلوا من بعدي أبدا كتاب الله وعترتي أهل بيتي، إن اللطيف الخبير نبأني ~~أنهما لن يفترقا حتى يردا علي ms026 الحوض)). PageV01P094 # وقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((زينوا القرآن بأصواتكم ، فإن الصوت الحسن ~~يزيد القرآن حسنا)). وقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((كل صلاة لا يقرأ فيها ~~بأم الكتاب وسورة معها )) وفي بعض الأخبار: وثلاث آيات معها فهي خداج)). ~~وقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله )). وروي عن ~~علي عليه السلام أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((إن أحق ~~الناس بالصلاة الكثيرة في السر والعلانية حامل القرآن، وإن أحق الناس ~~بالصوم الكثير في السر والعلانية حامل القرآن، وينبغي لحامل القرآن أن يعرف ~~في ليله إذا الناس نيام، وفي نهاره إذا الناس مفطرون، وفي حزنه إذا الناس ~~يفرحون، وفي صمته إذا الناس يخلطون، يا حامل القرآن تواضع لله يرفعك الله ~~ولا تعزز فيذلك الله، وتزين لله فيزينك الله، ولا تزين للناس فيضعك الله، ~~الله أفضل لك من كل شيء هو دون الله، من وقر القرآن فقد وقر الله، ومن ~~استخف بحق القرآن فقد استخف بحق الله، وحرمة القرآن عند الله كحرمة الوالد ~~على ولده، وحملة القرآن يدعون في التوراة المخصوصين برحمة الله الملبسين ~~نور الله، المعلمين كلام الله، من والاهم فقد والى الله، ومن عاداهم فقد ~~عادى الله، يدفع الله عن مستمع القرآن بلوى الدنيا، ويدفع الله عن تالي ~~القرآن بلوى [الدنيا PageV01P095 و]الآخرة)). وقال أمير المؤمنين عليه السلام: آية من كتاب الله تركها الناس ~~وهي: {بسم الله الرحمن الرحيم}. وقال زيد بن علي عليهما السلام: أما بعد يا ~~قارئ القرآن، فإنك لن تتلو القرآن حق تلاوته، حتى تعرف الذي حرفه [وهو الله ~~تعالى]. وقال القاسم بن إبراهيم عليه السلام في مديح القرآن: كتاب أنزله ~~الرحمن الأعلى برحمته من السماوات العلى، فأقر في أرضه قراره، وثبت في ~~عباده أنواره ...إلى قوله: سماوي أحله الله برحمته أرضه، وأحكم به بين ~~العباد فرضه. وذكر قوما حرفوه فقال: بل حتى كادت تجعل فاءه ألفا وألفه فاء، ~~للجهل بالله. وقال في موضع آخر: كيف بما في حواميمه من ms027 غرائب حكمه، وفي ~~طواسينه من عجائب مكنونه، وفي (ق)، و(طه)، و(يس)، من علم جم للمتعلمين، وما ~~في (كهيعص)، والمرسلات من سائر العلوم الخافيات. فبين أنه كلام، وأنه في ~~الأرض حال، وأنه حروف، وأنه مسموع؛ لأنه قال فيه: فإنك إن تسمع منه بأذن ~~واعية ثم تقبل عليه منك بنفس لحكمة راعية، تسمع صوتا منه بالهدى صيتا، ~~وتعرف من جعله الله حيا ممن جعله ميتا. PageV01P096 # وقال ولده محمد بن القاسم عليهما السلام في تفسير قول الله تعالى: {وكلم ~~الله موسى تكليما }[النساء:164]، معنى كلام الله لموسى عليه السلام عند أهل ~~العلم به أنه أنشأ كلاما أحدثه كما شاء، فسمعه موسى وفهمه، ولم يجعل الله ~~بينه وبين موسى ملكا رسولا، وأسمعه النداء فقال: {إني أنا الله رب العالمين ~~}[القصص:30]، والنداء غير المنادي، والمنادي هو الله جل ثناؤه، والنداء غير ~~الله تباركت أسماؤه. وما كان غير الله فهو محدث بعد أن لم يكن. # وقال الهادي للحق عليه السلام في كتاب الأصول: وإن القرآن أنزله الله على ~~نبيئه صلى الله عليه وآله وسلم، وأنشأه وخلقه، ووصله وفصله، وألفه وأحدثه. ~~وقال عليه السلام في مسائل الرازي -وقد سأله: كيف يأخذ جبريل الوحي من ~~الله، وكيف يعلمه، وكيف السبيل فيه حتى يفهمه؟- فقال الهادي للحق عليه ~~السلام: اعلم هداك الله أن القول فيه عندنا كما قد روي فيه عن رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم أنه سأل جبريل عن ذلك فقال: ((آخذه من ملك فوقي ، ~~ويأخذه الملك من ملك فوقه، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: كيف يأخذه ذلك ~~الملك ويعلمه؟ فقال جبريل صلى الله عليه: يلقى في قلبه إلقاء، ويلهمه ~~إلهاما)). # قال الهادي إلى الحق عليه السلام: وكذلك هو عندنا أنه يلهمه الملك الأعلى ~~إلهاما. فيكون ذلك الإلهام من الله وحيا، كما ألهم تبارك وتعالى النحل لما ~~تحتاج إليه، وعرفها سبيلها. # وسأله: كيف كان الكلام من الله لموسى صلوات الله عليه؟ PageV01P097 # فقال عليه السلام: كان معنى ذلك أن الله تعالى خلق له كلاما في الشجرة سمعه ms028 ~~موسى بأذنه، كما كان يسمع ما يأتي به الملك إليه من وحي ربه، فكان فهم موسى ~~-صلى الله عليه- وسماعه لذلك الكلام الذي شاء الله إسماعه إياه لما أراد من ~~كرامته واجتبائه، ففي ما هاهنا كفاية. # ولم يقل أحد مثل مقالة هذه الفرقة؛ إلا أن قوما من المجبرة قالوا في ~~القرآن قريبا من قول هذه الفرقة؛ في أن القرآن ليس بمسموع ولا هو كلام، ولا ~~هو حروف، وقالوا: هو قديم، وهو معنى في النفس. فاحتج عليهم السيد أبو طالب ~~عليه السلام في التبصرة في كتاب الهادي فقال: وأيضا فإن كلامه تعالى لا ~~يخلو من أن يكون من جنس الكلام المعقول فيما بيننا، وهو أن يتركب من جنس ~~الأصوات والحروف، أو مخالفا لذلك. فإن كان من جنس الأصوات والحروف وإلا لم ~~يكن يدرك الأجسام والأعراض، فلا شبهة في حدوثه، وإن كان مخالفا لذلك لم يصح ~~أن يكون كلاما وأن يفهم به شيء، فالمثبت لكلام مخالف للكلام المعقول فيما ~~بيننا، فإنه في حكم من يثبت جسما مخالفا للأجسام المعقولة فيما بيننا، ~~ويثبت مع الله تعالى جسما قديما مخالفا لسائر الأجسام. ومن يزعم أن الكلام ~~معنى في النفس، وأن الحروف المسموعة دلالة عليه، فهو في التجاهل بمنزلة من ~~يزعم أن الصوت معنى في النفس، وأن المسموع منه دلالة عليه؛ وأن اللون معنى ~~في النفس، والمرئي منه دلالة عليه، فتبين جهل من يقول بهذه المقالة، وقد ~~قال الله تعالى: {وإن أحد من المشركين استجارك فأجره PageV01P098 حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه}[التوبة:6]. وروي عن رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم أنه سمع خفق نعل وهو يصلي، وهو ساجد، فلما فرغ من صلاته ~~قال: ((من هذا الذي سمعت خفق نعله ))، فقال أنا يا رسول الله، قال: ((فما ~~صنعت؟)) قال: وجدتك ساجدا فسجدت [معك]، قال: ((هكذا فاصنعوا، ولا تعتدوا ~~بها ، ومن وجدني قائما أو راكعا أو ساجدا فليكن معي على حالتي التي أنا ~~عليها)) فبين أنه سمع خفق النعل، وخفق النعل هو غير النعل. # وقول من ms029 يقول: إن كلام الله لا يسمع مكذب لكتاب الله، وقد قال الهادي إلى ~~الحق عليه السلام في كتاب المسترشد: فلما سمعت حاسة الأذن صوتا علم السامع ~~أنه له مصوتا منه كان، ومن بعد خروجه من حلقه بان لسامعه. وهذا عكس ما ~~قالوا: من أن المتكلم يسمع ويعلم الكلام، وقد قال الله تعالى: {ولا يضربن ~~بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن}[النور:31]، فبين أن الجسم معلوم، وأن ~~الصوت مسموع، وقد قال تعالى: {فلما أحس عيسى منهم الكفر }[آل عمران:52]، ~~بمعنى سمع منهم الكفر، فصح أن الكلام محسوس، وفي هذا بيان لمن كان له قلب، ~~ولا يمتنع أن نقول: سمعنا زيدا يتكلم، بمعنى أنا سمعنا الكلام منه، وأنه ~~مسمع، وهذا معنى قول الله تعالى: {إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان }[آل ~~عمران:193]. PageV01P099 ### ||| AUTO فصل في الكلام في الألوان والطعوم والروائح # اعلم أن هذه أعراض؛ وهي صفات ضرورية للأجسام، والدليل على أنها أعراض ~~أنها لا تقوم بنفسها، وأنها تبطل بأضدادها؛ وكذلك الضياء والظلمة، واللين ~~والخشونة، والحرارة والبرودة. ومعرفة هذه الجملة فروع، ومن تأول في الفروع ~~فأخطأ لم يحكم عليه باسم الكفر، ولا يحكم عليه باسم الفسق، ولا يحكم عليه ~~بأنه معاقب بذلك. # فأما الأصول فإن من تأولها فأخطأ فإنه معاقب مأثوم. فإن كان في خطائه ~~مخالفا للمسلمين، موافقا فيه للكافرين، فهو كافر لموافقة الكافرين في ~~قولهم، مثال ذلك: من زعم أن القرآن قديم، ومن يزعم أن الله يرى يوم القيامة ~~(بالأعيان)، ومن يزعم أن الله أجبره على فعله، وهؤلاء قد خالفوا المسلمين، ~~ووافقوا الكفار في قولهم. أما موافقة الكفار فإن الكفار الثنوية ادعو إلهين ~~قديمين، وهؤلاء يقولون: القرآن قديم مع الله، فأثبتوا إلهين قديمين. والذين ~~يقولون: إن الله يرى يوم القيامة وافقوا الكفار في توهمهم أن الله يرى ~~بالأعيان فقالوا: يا موسى (أرنا الله جهرة) . ومن يزعم أن الله أجبره على ~~فعل القبيح والحسن، فإنهم وافقوا الكفار في قولهم: {لو شاء الله ما أشركنا ~~}[الأنعام:148]، وبموافقتهم للكافرين خالفوا المسلمين. ومن كان في خطائه ~~وتأويله موافقا ms030 للفاسقين مخالفا للمؤمنين فهو فاسق، من ذلك: من يتأول خلاف ~~الكتاب والسنة والإجماع وليس معه علم من الكتاب والسنة والإجماع، فيكون ~~فاسقا لحكمه بخلاف ما أنزل الله؛ قال الله تعالى: PageV01P100 # {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون }[المائدة:47]. # فأما من تأول في مسائل الاجتهاد فأخطأ فلا إثم عليه إذا لم يجد المسألة ~~في كتاب الله، ولا في سنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، ولا في الإجماع، ~~وكان عالما بالكتاب والسنة والإجماع. # ويؤيد هذا ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال لمعاذ بن ~~جبل حين بعثه إلى اليمن: ((بم تحكم ؟)) قال: بكتاب الله، قال: ((فإن لم ~~تجد؟)) قال: فبسنة رسول الله، قال: ((فإن لم تجد)) قال: فأجتهد رأيي لا آلو ~~اجتهادا، فقال: ((الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما وفق له رسول الله ~~)). والصفات التي ذكرنا هي من مسائل الاجتهاد، وليس في الكتاب ولا في السنة ~~أن الله تعبد الخلق بمعرفتها. وقد اختلف فيها العلماء من العامة، وفي غيرها ~~من الأعراض. # فقال أبو الهذيل، ومعمر، ومن قال بقولهما بالأعراض وأثبتوا جوهرا قابلا ~~للأعراض، قالوا: والدليل على الجوهر أنهم لما رأوا البسرة خضراء وعينها ~~قائمة، ثم رأوها حمراء وعينها قائمة علموا أن ثم معنى وجوهرا قابلا ~~للألوان، ومحال أن يكون اللون والطعم جسما واحدا، ومحال أن يكونا جسمين في ~~مكان واحد. وقال هشام بن الحكم ومن قال بقوله، وأبو بكر الأصم ومن قال ~~بقوله: ليس في العالم عرض لأنه لا يعقل إلا الجسم الطويل العريض الشاغل ~~للمكان، ومحال أن يكون ليس بشاغل، ومن ثم نفوا الأعراض. PageV01P101 # وقال بشر بن المعتمر ومن قال بقوله: اللون والطعم والرائحة والصوت والحس ~~وما أشبه ذلك أعراض وأن جوهرا قابلا لها، وزعموا أن الحركة ليست بأعراض ولا ~~أجسام؛ لأن الأعراض تبقى زمنين، والحركة لا تبقى زمنين ماض وحال. قال: وقد ~~كفانا أبو الهذيل مؤنة مناظرتهم. ذكر الإمام الناصر لدين الله أحمد بن يحيى ~~عليهما السلام في كتاب النجاة: ms031 أن أبا الهذيل ناظر حفصا من أصحاب بشر بن ~~المعتمر وقد نفى الحركات، فقال له أبو الهذيل: أخبرني كم حد الزاني؟ قال ~~حفص: مائة جلدة. قال أبو الهذيل: فكم حد القاذف؟ قال حفص: ثمانون. قال أبو ~~الهذيل: فأخبرني هل الجلد هو الجلاد؟ قال حفص: لا. قال أبو الهذيل: فهل هو ~~جنب المجلود؟ قال حفص: لا. قال: فهل هو السوط؟ قال: لا. قال أبو الهذيل: ~~فأرني لا شيء، زاد على لا شيء عشرين. فانقطع حفص ولم يجد جوابا. # وقال إبراهيم النظام، ومن قال بقوله: إن الألوان وما أشبه ذلك أجسام، ~~وإنه ليس في العالم إلا جسم، إلا الحركات فإنها أعراض، قالوا: والدليل على ~~ذلك أنه لما رؤي الجسم الطويل العريض العميق، فمن حيث ما رؤي الجسم واللون ~~فيه فكان كذلك اللون جسما طويلا عريضا عميقا. PageV01P102 # هذا ما علمناه من خلاف المتقدمين من أهل الإسلام. فأما أهل البيت" فلا خلاف ~~بينهم في العرض وثبوته، وأنه مدرك إلا الحركات. وأن المدرك بالحواس تسعة: ~~الألوان، والروائح، والطعوم، والحرارة، والبرودة، والرطوبة، واليبوسة، ~~والأصوات، والآلام، وسنورد أقوالهم في ذلك في موضع الاحتجاج إن شاء الله ~~تعالى على مخالفيهم. # وقالت المطرفية: الأعراض كلها تعلم ولا تدرك بالحواس، وقالوا: هي لا تحل ~~ولا تحل ولا تتوهم، وأثبتوها شيئا لا يرى. # وقالوا: لا يرى اللون ولكنه يعلم، ولا يسمع الصوت لكنه يسمع الجسم ~~المصوت، ولا يدرك عندهم الطعم، ولا الرائحة، ولا الحرارة، ولا البرودة، ولا ~~الآلام، لكن تدرك الأجسام وتعلم الأعراض. # فأول ما يحتج به عليهم من العقل أن الله قد خلق للإنسان، وغيره من ~~الحيوان خروقا في جسده لما يدخل ويخرج. فمنها ما خلق لما يدخل ويخرج لصلاح ~~العبد وهو: الفم والمنخران، فالداخل هو المطعوم، والمشروب، والرائحة، وما ~~يستنشق من الهواء. والخارج: الأنفاس، والقيء، وشبهه. ومنها ما خلق لما يخرج ~~وهو السبيلان. ومنها ما خلق لما يدخل وهما الأذنان، ولا خلاف في ذلك. # فنقول لهم: أخبرونا عن هذا الداخل في الأذنين ما هو أجسم أم عرض؟ # فإن قالوا: ms032 جسم. قلنا: وأي الأجسام هو؟ أتقولون: هو المتكلم على الكمال، ~~أو جزء من جسمه؟ # فإن قالوا: هو الإنسان على الكمال، فالخرق ضيق لا يسعه. وأيضا فلم ينتقل ~~من موضعه الذي يتكلم فيه إلى أذن السامع. PageV01P103 # وإن قالوا: الداخل هو جزء منه. قلنا: هذا باطل من القول أن يكون الإنسان ~~بعضه مستقرا وبعضه منتقلا، فبطل دخول الجسم من هذا المعنى، وصح أن الله ~~تعالى ما جعل خرق الأذنين إلا طريقا للأصوات دون المصوتين. # فإن قالوا: فإذا قلتم: العرض مسموع فكيف يدخل العرض في أذن السامع، ~~والعرض لا يقوم بنفسه؟ قلنا: إنا قد بينا الكلام فيما تقدم أن الهواء هو ~~الذي يحمل الأصوات، وقد فطره الله على حمل الأصوات، والدخول بها في الآذان ~~السامعات، وهو شبحها بعد انقطاع كلام المتكلم، والمتكلم شبحها في حال كلامه. # ومما يدل على أن الهواء هو الذي يحمل الأصوات: أن المصوت إذا كان منتزحا ~~من المستمع، لم يسمع المستمع الصوت عند نطق المصوت به، بل يلبث على قدر ~~بعده، وذلك مشاهد فيمن يضرب بزبرة في حجر أجوف أن المستمع له من مكان بعيد ~~يراه عند ما يهوي بالزبرة إلى الحجر، ولا يسمع صوت الزبرة هويه للضرب، بل ~~يسمعه بعد، فلما كان الصوت يلبث شيئا، علمنا أن الهواء هو الذي لبث به، ~~وقطع به المسافة، ومما يؤيد ذلك أن الرياح ترده إذا قابلته. # ومما يبين لك أن الهواء هو الذي يحمل الأصوات أن المنادي قد ينادي في ~~عسكر كثير يكون فيه ألوف من الناس، فيسمع كلهم صوته، فلم يكن المصوت ينقسم ~~بين ألوف من الآذان فصح أن الهواء هو الذي يحمل الصوت. PageV01P104 # ودليل آخر: أنه لا يعلم الكلام من غير طريق السمع، ألا ترى أن الأصم، ومن ~~يسد أذنيه لو رأى إنسانا يحرك لسانه وشفتيه بغير كلام أنه لا يفرق بينه ~~وبين من يتكلم، فبطل قولهم: أن المتكلم يسمع ويعلم الكلام. وقد قدمنا ~~الاحتجاج عليهم من كتاب الله في هذا، ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وآله ms033 ~~وسلم، ومن أقوال الأئمة الهادين ". # فأما قولهم: إن العرض شيء لا يوهم ولا يحل ولا يحل، وهو يعلم ولا يحس؛ ~~ولأنهم يقولون في العرض: كونه فناؤه، فإنهم لو نفوا العرض ولم يثبتوه شيئا ~~معلوما لكان أصلح لهم وأوفق لهم من أن يصفوه بصفات الله تعالى؛ لأن الله ~~شيء يعلم ولا يحل ولا يحل ولا يحس ولا يوهم، وقد غلطوا في هذا غلطا كبيرا؛ ~~ولأنه إذا لم يكن حالا في الجسم فليس هو في الهواء، ولا في الأرض، ولا في ~~السماء، وإذا لم يكن في الهواء، ولا في الأرض، ولا في السماء فعدمه ووجوده ~~[على] سواء، ولا معنى له ولا نفاعة فيه. # وإذا لم يكن أيضا محسوسا، ولا موهوما، لم يكن مشابها للأجسام ولا ~~للأعراض؛ وكان متنزها عن النقصان والأعراض. PageV01P105 # قال أمير المؤمنين عليه السلام في الدرة اليتيمة: (ما تخيل فالتشبيه له ~~مقارن، وما توهم فالتنزيه له مباين) وهو يريد بذلك أن الله تعالى لا يتخيل، ~~ولا يتوهم. فإذا كان العرض بهذه الصفة، فالتشبيه له مباين، والتنزيه له ~~مقارن، ولم يقل أحد بمثل هذه المقالة غير هذه الفرقة. ولأنهم أقروا بالعرض ~~ثم نفوه؛ فقالوا: الجسم هو الهواء وما حوى من الأرض والسماء وما بينهما من ~~جميع الأشياء، فإذا لم يكن في الهواء، ولا في الأرض، ولا في السماء، ولا ~~بينهما، ولا هو من الأشياء التي بينهما، فليس هو بشيء يعلم فمن هاهنا نفوه. PageV01P106 # واعلم أن هؤلاء القوم قد أصل لهم مشايخهم في الكلام أصولا، وبنوا عليها، ~~وعرفوها وأنكروا سواها، وصارت دينا لهم لا يرون الخروج منه أصلا، ولا ~~يقبلون فيه حجة محتج عليهم، بل ينسبون من قال بغير قولهم إلى الجهل والخطأ، ~~ولا يرون أن تنقض أصول مشايخهم التي أصلوها، ولو كانت ناقضة لكتاب الله ~~وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، ولا يلزمهم ما يحتج به (عليهم) (من ~~كتاب الله)، ولقد سمعت رجلا منهم يقول: إن القرآن خلقه الله في غير محل، ~~وليس يتعلق بحي ولا محل؛ فافتتحت عليه الحجة ms034 من كتاب الله تعالى بقوله ~~تعالى: {بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم وما يجحد بآياتنا إلا ~~الظالمون}[العنكبوت:49]، فقال: هذا فرع، وقام ولم تلزمه حجة القرآن، وذلك ~~أنهم استكثروا علم نفوسهم، واستقلوا علم أهل بيت نبيئهم الذين هم في عصرهم، ~~وجهلوا علم المتقدمين منهم. وإذا علموا من كتاب الله، أو من سنة رسوله صلى ~~الله عليه وآله وسلم، أو من أقوال الأئمة الهادين شيئا ينقض عليهم أصولهم ~~تأولوه على ما يوافقهم. PageV01P107 # وقد روي عن جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام: أن سديرا الصيرفي دخل عليه ~~فقال: ما بال هذا الاختلاف الذي نسمعه بين أهل النحلة من الشيعة، وكيف ~~اختلفوا وفي أيديهم الكتاب، والسنة، وأنت بين ظهرانيهم، وأمثالك من الأئمة؟ ~~فأطرق مليا ثم قال: يا سدير، أما قوم ردوا ما سمعوا من كتاب الله وسنة ~~رسوله صلى الله عليه وآله وسلم إلى مقاييس عقولهم استصغارا لكلام أئمتهم، ~~واستكبارا لأنفسهم، وإني لأحدث أحدهم بالحديث من العلم، فلا يخرج من عندي ~~حتى [يكون] قد تأوله وفسره على محبوب نفسه، وقاسه بتمييزه وفكره، ويزعم أن ~~لذلك باطنا غير ظاهره، وأن الباطن هو الذي كلف معرفته، حتى كأن الله عز وجل ~~قد وكل جميع الخلق إلى نظره وتمييزه). # فمن أصولهم التي أصلوها أنهم قالوا: إن العرض شيء موجود، وقالوا: ليس ~~بحال في الأجسام، ولا هو يوهم ولا يحس. وقالوا: إنهم يسمعون المتكلم سماع ~~حس، ويسمعون الكلام سماع علم. وقالوا: ليس يسمع القرآن، وإنما يسمع القارئ، ~~وهذه الجملة لا خلاف عندهم فيها. وإنما اختلفوا في نزول القرآن، فقال ~~بعضهم: ليس هذا الذي مع الناس القرآن، وإنما هو دليل عليه. # وقال بعضهم: هو القرآن، لكنه لا يسمع، وإنما يسمع القارئ، ويعلم القرآن. # وقالوا جميعا -إلا الأقل منهم: القرآن في قلب الملك الأعلى حالة له، صفة ~~ضرورية لا يفارقه. والعرض الضروري عندهم هو الذي لا يفارق شبحه. PageV01P108 # ثم نقضوا هذه الأصول فقالوا: العالم هو الهواء، وما حوى من الأرض والسماء ~~وما بينهما من جميع الأشياء، فنفوا ms035 العرض بعد ما أثبتوه، إذ جعلوا جميع ~~العالم وما كان فيه جسما، فنقضوا قولهم: (إن العرض شيء موجود)، وقالوا: ~~القرآن في قلب الملك واللون في الملون، فأثبتوا حلول العرض في الجسم ونقضوا ~~قولهم: (إن العرض لا يحل في الجسم). وقالوا: إن الله تعبد خلقه بمعقول ~~ومسموع، فنقضوا قولهم: (المسموع هو المسمع)؛ ولأنهم لا يقولون: إن الله ~~تعالى تعبد خلقه بمسمع. # ومن الرد عليهم في قولهم: ليس العرض بحال في الجسم: من كتاب الله تعالى ~~قول الله تعالى: {بل هو قرآن مجيد ، في لوح محفوظ}[البروج:21،22]، وقوله: ~~{والطور ، وكتاب مسطور ، في رق منشور} [الطور:13]، وقال: {بل هو آيات بينات ~~في صدور الذين أوتوا العلم وما يجحد بآياتنا إلا الظالمون}[العنكبوت:49]، ~~وقال تعالى: {إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية ~~الجاهلية}[الفتح:26]، وقال: {في قلوبهم مرض }[البقرة:10]، وقال: {فعلم ما ~~في قلوبهم }[الفتح:18]، وقال: {وقذف في قلوبهم الرعب } [الحشر:2]، فدلت هذه ~~الآيات على أن العرض يحل في الجسم؛ لأن كون العرض في الجسم يوجب حلوله فيه؛ ~~لأن (في) حرف يوجب التضمين، ومحل الشيء في الشيء. PageV01P109 # وقد استدلت المشبهة على قولهم: (إن الله في مكان) بقوله تعالى: {أأمنتم من ~~في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور}[الملك:16]. وتأويل هذه الآية ~~عندنا: أم أمنتم إله من في السماء. وتأويل قوله تعالى: {وهو الذي في السماء ~~إله وفي الأرض إله }[الزخرف:84] أنه إله من في السماء، وإله من في الأرض. ~~وروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((لا يدخل الجنة من ~~كان في قلبه مثقال حبة خردل من كبر )). وقال أمير المؤمنين عليه السلام: ~~(لأن الصفة على نفسها تدل وفي غيرها تحل). وقال القاسم بن إبراهيم عليهما ~~السلام في القرآن: سماوي أحله الله برحمته أرضه. وقال الهادي إلى الحق عليه ~~السلام في صفة الإنسان: ثم علق في صدره قلبا، وركب فيه لبا، وجعله وعاء ~~للعقل الكامل، وحصنا للروح الجائل. PageV01P110 # وأما قولهم: ليس العرض يوهم ولا يحس، وإنما يحس الجسم ويعلم العرض، فمن ms036 ~~الرد عليهم: أن البهائم عندنا وعندهم لا عقول لها تعلم بها وتميز، وقد ~~رأيناها بالمشاهدة تسمع الأصوات. وقد حكى الله تعالى أنها تسمع الدعاء قال ~~عز من قائل: {ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء ~~صم بكم عمي فهم لا يعقلون}[البقرة:171]، فنص الله على أنها تسمع الدعاء ~~والنداء، والدعاء غير الداعي، والنداء غير المنادي بالإجماع، فصح أنها تسمع ~~الأصوات وقال الله تعالى: {إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ~~ولوا مدبرين}[النمل:80]، وقال تعالى: {ولا يسمع الصم الدعاء إذا ما ينذرون ~~}[الأنبياء:45]، وقال تعالى: {فلما أحس عيسى منهم الكفر } [آل عمران:52]، ~~وقال تعالى: {هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا}[مريم:98]. وقال المؤيد ~~بالله: وروي عن القاسم عليهما السلام أنه قال: الركز: الصوت، ذكره في جواب ~~مسائل سئل عنها. وسئل عليه السلام عن قول الله: {وخشعت الأصوات للرحمن فلا ~~تسمع إلا همسا}[طه:108]، قال: الهمس هو حس الأقدام، الذي ليس معه صوت ولا ~~كلام. وقال المؤيد بالله -قدس الله روحه- في شرح التجريد: الركز الصوت ~~الخفي، وقال الله تعالى: {لا يسمعون حسيسها }[الأنبياء:102]، وقال تعالى: ~~{لا يسمعون PageV01P111 فيها لغوا ولا تأثيما ، إلا قيلا سلاما سلاما}[الواقعة:25،26]، وقال تعالى: ~~{إذا ألقوا فيها سمعوا لها شهيقا وهي تفور }[الملك:7]، وهذا في القرآن كثير ~~إذا كان يلزمهم. # وللهادي إلى الحق عليه السلام في المسترشد أقوال تبين أن الأعراض تحس، ~~أعني: ما كان منها محسوسا مثل الأصوات والروائح والذوق واللون. وتدل على أن ~~العرض يحل في الجسم، وتدل على أن الصوت يسمع ويعلم المصوت، بخلاف قول ~~المطرفية، وتدل على أن العقل غير القلب، وأنه حال في القلب. فمن ذلك قوله ~~عليه السلام في صفة العينين: جعلهما الله -جل جلاله عن أن يحويه قول أو ~~يناله- شحمتين اختص أوساطهما بالسواد ...إلى قوله: (فلو كان مكان سواد ~~أطباقهما ناصعا ببياض نطاقهما لقصرتا عن بلوغ مناظرهما)، فصرح أن للسواد ~~مكانا، والمكان محل، فصح أن اللون يحل في الجسم. ثم قال عليه السلام: (ثم ~~جعل ms037 فيهما -من بعد إتقان تدبيرهما- شعرا مسودا ظاهرا عليهما، ليزيد سواده ~~في قوة نظرهما). فبين أن السواد مرئي. وقال عليه السلام في صفة الأنف: ~~(وجعله هواء معتدلا سواء، ولولا ما دبر فيه، وركب من الإحكام عليه لم يؤد ~~بلطيف اعتباره، ودقيق اختياره المحسوس إلى قراره). فبين أن الرائحة مدركة ~~بحاسة الأنف. # وقال عليه السلام في ذكر الطعم، وحاسة الذوق: (وأجرى فيه عذوبة ريقه ~~ليميز بين مختلف ذوقه)، فبين أن الذوق مدرك بحاسة الفم. PageV01P112 # وقال عليه السلام في صفة السمع: (وألبس [في] أرجاء السمع أذنا لاستقرار ~~جولان الوحي في مجاله، وإزاحة الشك النازل به وإبطاله، ثم عطف سبحانه أطراف ~~غضروفهما على البواطن من خروقهما للحوق جولان الأصوات، ولولا ذلك لعجزت عن ~~إدراك المقالات)، فبين أن الأصوات مدركة بحاسة الأذن، وصرح بالقول فيه ~~بخلاف قول المطرفية. # وقال عليه السلام: (فلما سمعت حاسة الأذن صوتا، علم السامع أن له مصوتا)، ~~فنص وصرح بالقول بأن الصوت يسمع وأن المصوت يعلم، بخلاف قولهم. # وقال عليه السلام في صفة القلب: (ثم علق في صدره قلبا وركب فيه لبا ثم ~~جعله وعاء للعقل الكامل، وحصنا للروح الجائل)، فدل على أن العقل غير القلب، ~~ومثل هذا كثير في كتاب الله تعالى، وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم، وفي قول الأئمة الهادين "، وهو إجماع أهل البيت"، وإجماع الموحدين من ~~المعتزلة، وغيرهم من المسلمين. # وأما قول الله تعالى: {إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان } [آل ~~عمران:193]، وقوله: {قالوا سمعنا فتى يذكرهم }[الأنبياء:60]، فالمراد به ~~بأنهم علموا المنادي، وسمعوا النداء، كما قال الهادي إلى الحق عليه السلام: ~~فلما سمعت حاسة الأذن صوتا علم السامع أن له مصوتا. PageV01P113 # وأيضا فإن في القرآن دلائل كثيرة، مثل قوله تعالى: {وإذ صرفنا إليك نفرا من ~~الجن يستمعون القرآن}[الأحقاف:29]، وقوله: {إنا سمعنا قرآنا عجبا ~~}[الجن:1]، وقوله تعالى: {إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى }[الأحقاف:30]، ~~وقوله تعالى: {وأنا لما سمعنا الهدى آمنا به }[الجن:13]. # وقال الهادي إلى الحق عليه السلام في جوابه لابنه محمد بن ms038 يحيى عليهما ~~السلام -وقد سأله عن النبوءة والإمامة- فأجابه عن ذلك ثم قال: (إن الله ~~سبحانه تعبد عباده بمعقول ومسموع، فالمعقول ما أدرك بالتمييز والنظر ~~بالعقول، والمسموع فهو ما يسمع بالآذان من المسموع المؤدى عن نبيء أو وصي ~~أو إمام مهتد، وإذا كان فرض الله وتعبده لخلقه بالمسموع، وكانت حاجة السامع ~~إلى تأدية المسموع لازمة، إذ كانت حجة الاستماع على المستمع واجبة)، فبين ~~أن المسموع غير المسمع؛ ولأنه ذكر المسموع والمسمع والسامع، وبين أن ~~المسموع هو المؤدى عن نبيء أو وصي أو إمام مهتد فصح ما قلناه. # وأما قولهم: إن القرآن لم يفارق قلب الملك، وأن هذا الذي معنا دليل عليه. ~~فنقول: هل حجة الله علينا الدليل أو المدلول عليه؟ فإن قالوا: الحجة ~~المدلول عليه. قلنا: فلم ينزل الله على زعمكم حجة، إذ قلتم: القرآن لا ~~يفارق قلب الملك؟ PageV01P114 # وإن قالوا: الحجة الدليل. قلنا: فقد وجدنا فيه ما يدل على أنه هو القرآن؛ ~~من ذلك قول الله تعالى: {وقال الرسول يارب إن قومي اتخذوا هذا القرآن ~~مهجورا }[الفرقان:30]، وقال الله تعالى: {إن هذا القرآن يقص على بني ~~إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون }[النمل:76]، وقال تعالى: {إنا أنزلنا ~~عليك الكتاب للناس بالحق }[الزمر:41]، وقال تعالى: {الله نزل أحسن الحديث ~~كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم ~~وقلوبهم إلى ذكر الله ذلك هدى الله يهدي به من يشاء ومن يضلل الله فما له ~~من هاد}[الزمر:23]، وقال تعالى: {كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته ~~وليتذكر أولوا الألباب}[ص:29]، وقال تعالى: {أفلا يتدبرون القرآن أم على ~~قلوب أقفالها }[محمد:24]، وقال تعالى: {ويقول الذين آمنوا لولا نزلت سورة ~~فإذا أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون ~~إليك نظر المغشي عليه من الموت فأولى لهم}[محمد:20]. PageV01P115 # وأيضا فإن الكفار جحدوا نزول القرآن، وقد حكى الله قولهم، فقال تعالى: ~~{قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا وما أنزل الرحمن من شيء إن أنتم إلا ~~تكذبون}[يس:15]، وقال تعالى حاكيا قول الوليد: ms039 {ثم نظر ، ثم عبس وبسر ، ثم ~~أدبر واستكبر ، فقال إن هذا إلا سحر يؤثر ، إن هذا إلا قول البشر ، سأصليه ~~سقر}[المدثر:21-26]، وقال تعالى: {إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء قل ~~من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس تجعلونه قراطيس تبدونها ~~وتخفون كثيرا وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم قل الله ثم ذرهم في ~~خوضهم يلعبون}[الأنعام:91]، ففي بعض ما هاهنا كفاية (وبيان). PageV01P116 # وقد روى القاسم بن إبراهيم عليهما السلام عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه ~~سأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم أنزلت: {الم ، أحسب الناس أن ~~يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون}[العنكبوت:1،2]؟ فأخبر بذلك. ثم قال ~~له: ((فلا يكونن خصومك أولى بالقرآن منك ، فإن من الفلج في الدنيا أن يخالف ~~خصمك سنة رسول الله، وأن تخالف القرآن)). وجميع الأئمة، والأمة مجمعة على ~~أن هذا القرآن الذي مع الناس؛ هو القرآن الذي أنزله الرحمن، على نبيئه صلى ~~الله عليه وآله وسلم. إلا فرقة من فرق المجبرة فإنهم قالوا: إن القرآن معنى ~~في النفس، وهذا دليل عليه. فصح أن القرآن هو هذا الذي مع الناس، وهو مع ~~الملك الأعلى، كما هو مع من يحفظه من الملائكة، وغيرهم من المكلفين ~~المؤمنين. PageV01P117 # فإن قال قائل منهم: إذا كان هذا القرآن هو فعل الله، فأخبرونا عن الصلاة ~~فعل من هي؟ فإن قلتم: هي فعل الله، فكيف يثيب على فعله؟ وأيضا: فقد قال ~~تعالى: {الذين هم في صلاتهم خاشعون }[المؤمنون:2]، فنسبها إلى المؤمنين. ~~وإن قلتم: هي فعلكم وفعل الله، فقد صرتم شركاء لله في فعله. وإن قلتم: هي ~~فعلكم أوجبتم أن القرآن فعلكم. فنقول: الصلاة هي نيتنا وقيامنا وتكبيرنا ~~وقراءتنا وركوعنا وسجودنا وتسبيحنا وتشهدنا وتسليمنا، وليس القرآن في ذاته ~~بصلاة، إذ ليس كل من قرأ القرآن بمصل، فصح أن صلاتنا هي فعلنا ولا يتم ~~فعلنا الذي هو الصلاة إلا بقيامنا بفعل الله وقراءتنا له. كما أن الزكاة ~~فعلنا، ولا تتم إلا بحصول المزكى، وهو من فعل ms040 الله، وقد قال تعالى: {والذين ~~هم للزكاة فاعلون }[المؤمنون:4]، فصح أن الزكاة فعلنا، وهي النية وإخراج ما ~~أوجب الله في الأموال، وهو يسمى زكاة على المجاز، وكذلك الصدقة، قال الله ~~تعالى: {إنما الصدقات للفقراء والمساكين }[التوبة:60]، فسمى المخرج صدقة ثم ~~قال: {لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة}[النساء:114]، فبين أن ~~الصدقة هي الإخراج، فصح أن الزكاة هي فعل المزكي على الحقيقة، وأن المخرج ~~يسمى زكاة على المجاز. وقد يوجد في كتاب الله أشياء تسمى بأسماء على ~~الحقيقة، وأشياء تسمى بأسماء على المجاز من ذلك قول الله تعالى: {وقرن في ~~بيوتكن }[الأحزاب:33]، PageV01P118 وقوله تعالى: {لا تدخلوا بيوت النبي }[الأحزاب:53]، والبيوت للنبيء على ~~الحقيقة، وبيوت نسائه على المجاز. وكذلك قال عز من قائل: {أما السفينة ~~فكانت لمساكين يعملون في البحر }[الكهف:79]، فنسبها إليهم. ثم قال تعالى: ~~{وله الجواري المنشآت في البحر كالأعلام }[الرحمن:24]، وقال تعالى: {ولله ~~ما في السماوات وما في الأرض }[آل عمران:109]، وقال تعالى: {أنما أموالكم ~~وأولادكم فتنة } [الأنفال:28]، فالملك لله على الحقيقة، ولأن السيد يملك ~~عبده وما ملك. # ومما يدل على حلول العرض في الجسم أن الحركة والسكون لا يخلو العالم ~~منهما، وهما أكبر الحجج على حدث العالم، فلما ثبت أن الحركة والسكون حالتان ~~قائمتان في العالم صح أن لهما محلا وشبحا. ومما يؤيد ذلك قول أمير المؤمنين ~~عليه السلام في الدرة اليتيمة: (كل معروف بنفسه مصنوع، وكل قائم في سواه ~~معلول). فثبت أن الأعراض خالة في الأجسام، وبطل قولهم: إن العرض لا يحل ولا ~~يحل ولا يوهم. PageV01P119 # وأما الحجة في أن الألوان شيء فنقول: إنا لما رأينا الشعر الأسود في حالة ~~أسود، ثم رأيناه في حالة أبيض، وعينه قائمة، علمنا أن البياض شيء، وأن ~~السواد شيء، وأنهما ضدان، يبطل أحدهما بحضور الآخر، ولا يكون العدم ضدا ~~لغيره يبطله، ولا يكون أيضا العدم يحدث ويبطل، فكذلك البسرة تكون تارة ~~خضراء، وتارة حمراء، وعينها قائمة، فصح أن اللون شيء. ومما يؤيد ذلك قول ~~الله تعالى: {ومن آياته ms041 خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن ~~في ذلك لايات للعالمين}[الروم:22]، فذكر أن اللون من آياته، فصح أنه شيء؛ ~~لأنه لا يكون شيء من آيات الله عدما. وأيضا فإن الأمة مجمعة على ذلك، فبطل ~~قولهم: إن الصفة هي الوصف، ولا صفة في الجسم غيره. وثبت أن في الجسم صفة ~~غير حالة فيه غير الوصف. وقال علي بن الحسين عليهما السلام في توحيده: (ضاد ~~الظلمة بالنور، والجلاية بالبهم، والخشونة باللين، والصرد بالحرور). # والدليل على أن اللون يرى بالأعيان أن الأعمى لا يتأتى له أن يصف شيئا ~~بلونه، وكذلك من لا يرى الشيء لا يصفه بلون، ولا يوصل إلى معرفة اللون من ~~طريق السمع، ولا من طريق الشم، ولا من طريق الذوق، ولا من طريق اللمس، فلما ~~لم يكن يوصلنا إلى معرفة اللون من أي هذه الطرق، وكانت تحصل معرفة اللون من ~~طريق النظر؛ علم أنه يرى بالأعيان. PageV01P120 # ودليل آخر: أن البسرة لما رأيناها خضراء، ثم رأيناها حمراء، ثم رأيناها ~~صفراء، وعينها قائمة، فلو كان اللون يعلم ولا يرى لما فرق من ينظر البسرة ~~بين الخضرة والحمرة والصفرة، إذ البسرة قائمة العين، والألوان يحدث بعضها ~~ويبطل بعضها، فلو فرق بين الخضرة والحمرة والصفرة بغير النظر لصح ما قالوا. ~~ولما صح أنه لا يفرق بين هذه الألوان إلا بالنظر صح أنها مرئية. # فإن قالوا: أوجدونا شيئين -في مكان واحد- جسما ولونا، فلا يشاهد غير ~~الجسم الملون. # قلنا: أما قولكم أوجدونا شيئين في مكان واحد، فإن كنتم أردتم أن نثبت لكم ~~شيئين: جسما وعرضا، فقد بينا ثبوت العرض، واحتججنا عليه بما فيه كفاية، وإن ~~كنتم أردتم أن نوجدكم شيئين قائمين بنفوسهما شاغلين للمكان، فإن العرض لا ~~يكون قائما بنفسه شاغلا للمكان، وإنما هو قائم في الجسم، صفة للجسم، ولا ~~يقوم بنفسه فيكون شيئا شاغلا للمكان، فلا حجة لهم بهذا السؤال. PageV01P121 # والحجة من كتاب الله على صحة ما ذهبنا إليه قول الله تعالى: {وإذ قال موسى ~~لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا أتتخذنا هزوا ms042 قال أعوذ بالله أن ~~أكون من الجاهلين ، قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي قال إنه يقول إنها ~~بقرة لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك فافعلوا ما تؤمرون ، قالوا ادع لنا ربك ~~يبين لنا ما لونها قال إنه يقول إنها بقرة صفراء فاقع لونها تسر ~~الناظرين}[البقرة:67-69]، فعرفهم الله بذاتها، وبجميع صفاتها، فكان مما ~~وصفها به اللون، فصح أنه شيء وأنه مرئي، إذ لو لم يروا لونها لما زالت عنهم ~~الشبهة، ولبقيت الجهالة، ولو لم تكن الصفرة مرئية لما فرقوا بين الصفرة ~~وغيرها من الألوان، فلما وصفها الله بالصفرة، وبالغ في صفتها بالفقاعة -فلم ~~يكونوا يبلغون إلى معرفة هذه الصفة إلا بالنظر- صح أنها مرئية. PageV01P122 # ويكفي من هذا الاحتجاج أن الأعمى لو لمس البقرة لما عرف لونها، فسقط قولهم: ~~(إن اللون يعلم ولا يرى). وأيضا فإن الله أرسل موسى عليه السلام إلى فرعون ~~وملائه بمعجزتين إحداهما جسم، والأخرى عرض، فقال تعالى فيما حكى عنه: ~~{فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين ، ونزع يده فإذا هي بيضاء ~~للناظرين}[الأعراف:107،108]، فالجسم الثعبان، والعرض بياض اليد، فبين أنه ~~مرئي بقوله: {فإذا هي بيضاء للناظرين}، فمن قال: (إن اللون لا يرى ~~بالأعيان) فقد أكذب القرآن، وكفر ببعض آيات الله، ومن كفر ببعضها فقد كفر ~~بكلها، وقد قال تعالى في آية أخرى: {إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون ~~أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا ~~بين ذلك سبيلا ، أولئك هم الكافرون حقا}[النساء:151،152]، وقد روي عن رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((فاتقوا النار، واتقوا النساء ، ~~واتقوا الغضب، فإنه جمرة يتوقد في قلب ابن آدم، ألا ترون إلى انتفاخ ~~أوداجه، وحمرة عينيه)) فصح أن الحمرة ترى، وإجماع الأمة أيضا (يحجهم)، فإن ~~الأمة أجمعت على رؤية الألوان. PageV01P123 # ويدل على رؤية الألوان قول القاسم بن إبراهيم عليهما السلام في المسترشد في ~~الرد على من زعم أن الله يرى يوم القيامة: (ويقال لهم: هل يدرك البصر إلا ~~لونا، أو شخصا؟) وكررنا القول ms043 برؤية اللون مرارا، وإجماع الأمة أيضا ~~(يحجهم). وقال أمير المؤمنين عليه السلام في خطبته التي وصف فيها الطاووس: ~~وإذا تصفحت شعرة من شعره أرتك حمرة وردية، وتارة خضرة زبرجدية، وأحيانا ~~(أرتك) صفرة عسجدية. وقال عليه السلام في خطبة التوحيد: وكل سميع غيره يخفى ~~عنه غميض الأصوات، ويصمه كثيرها، ويذهب عنه ما بعد منها، وكل بصير غيره، ~~يعمى عنه خفي الألوان ولطيف الأجسام. # وأجمعت الأمة على رؤية الألوان إلا من نفى الأعراض أصلا، وهو هشام بن ~~الحكم، وأبو بكر الأصم، فإنها عندهم أجسام، ولا ينكرون رؤيتها. # واختلف أهل الكلام في لون الماء. فقال قوم: لونه أبيض. وقال قوم: لونه ~~أسود. وقال قوم: ليس له لون، وهو يتلون مع الأشياء. # واستدل من قال: (هو يتلون مع الأشياء) أنه إذا جعل في أجانة خضراء رؤي ~~أخضر، وإذا كان في بيضاء رؤي أبيض وأشباه ذلك. # وقال من زعم أن لونه أسود: إنه لما رؤي الكثير منه أسود، كالذي يكون في ~~الغدير العظيم، والبحر، والبئر العميقة، علم أن لونه أسود. # واستدل من يقول: (إن لونه أبيض) بأنه إذا رمي به في الهواء أنه يرى أبيض. ~~فلما كان كل هؤلاء لا يستدلون عليه إلا بالنظر علم أنه مرئي. PageV01P124 # وللأئمة " أقوال تدل على صحة ما ذهبنا إليه؛ منها قول القاسم بن إبراهيم ~~عليهما السلام في مناظرته للملحد: (فالبصر طريق الهيئات، والألوان). وقال ~~في رده على المجبرة: والعقل روحاني [لطيف] لا يرى بالعيون، لأنه ليس بشبح ~~ولا لون ولا جسم. وقال عليه السلام في رده على الملحد: على أنا نجد الصور ~~والهيئات والألوان والصفات بعد أن لا نجدها فيها، ووجود الشيء بعد عدمه أدل ~~الدلالة على حدوثه، فحدثني عن الصورة من أي شيء حدثت؟ # فإن قلت: إنها قديمة أحلت، وذلك أنها لو كانت قديمة لكانت في هذا المصور ~~الذي ظهرت الصورة فيه أو في عنصره الذي يسمونه هيولى. فإن كانت في هذا ~~المصور بان فساد قولكم ودعواكم، إذ قد نجده على خلاف هذه الصورة، وإن كانت ~~في الذي ms044 تسمونه هيولى فلا بد إذا ظهرت أن تكون قد انتقلت عنه إلى هذا. # فإن قلت: انتقلت أحلت، لأن الأعراض لا يجوز عليها الانتقال، على ان في ~~الصورة ما يرى بالعيان، فإن كانت متنقلة فما بالها خفيت عند الانتقال، ~~وظهرت عند اللبث. PageV01P125 # وقال الهادي إلى الحق عليه السلام في كتاب المسترشد: (فلما أن وجدت العقول ~~والحواس أجساما مثلها، مصورات في الخلق كتصويرها، وأعراضا لا تقوم إلا ~~بغيرها، استدللت على الفاعل بفعله) فدل كلامه هذا على أن العقول والحواس ~~تدرك الأجسام والأعراض؛ لأنه عطف الأعراض على الأجسام بواو النسق، وإعرابها ~~إعرابها. وقوله: (أجساما مثلها مصورات في الخلق كتصويرها) يريد أنها مثلها ~~في الحدث؛ لأنه احتج على أهل التشبيه بأن العقول والحواس لا تقع إلا على ~~مثلها في الحدث، ولم يرد أنها أجسام مثلها؛ ولأن العقل غير الجسم. # وقد بين في المسترشد وفي مسائل الرازي أن العقل ليس بجسم، وكذلك في ~~الأحكام قال: (والنوم المزيل للعقل ينقض الطهارة) فصح أنه عنى به العرض؛ ~~لأن القلب لا يزول بالنوم، فثبت أنه أراد أنها مثلها في الحدث لا أنها جسم. # وأما قوله: (مصورات في الخلق كتصويرها)، فهو يريد به الأجسام خاصة، ثم ~~عطف العرض على الأجسام بأنها مدركة، وأنها مثلها في الحدث لا أنها جسم. ~~ويوضح صحة ما ذهبنا إليه قول أمير المؤمنين عليه السلام في الدرة اليتيمة ~~قال: (لأن الصفة على نفسها تدل وفي مثلها تحل). # قوله عليه السلام: (وفي مثلها) يريد في الحدث لا أنها مثل الجسم في ~~الجسمية. وقوله: (تحل) يدل على أن الأعراض تحل (الأجسام). PageV01P126 # وقال السيد أبو طالب عليه السلام ردا على من اعتقد الرؤية فقال: لأن الرائي ~~بالبصر إنما يرى الشيء إذا كان مقابلا له، أو في حكم المقابل، كما يرى وجهه ~~في المرآة، أو كان حالا فيما قابله، كما يرى السواد في الجسم الأسود إذا ~~كان الجسم مقابلا له. # وقال في شرح كتاب البالغ المدرك في الأعراض: (إنها تختلف في أنفسها، ~~وتدرك في أينيتها خلافا لبعض أهل الكلام ms045 من المعتزلة وغيرهم من العوام، وقد ~~بينا فيما خالفوا. فصح أن جميع الألوان مرئية بالأعيان؛ وكذلك النور ~~والظلمة القياس واحد فهو سواد وبياض. (والشعاع جسم لطيف يرى بالأعيان). # وأيضا فإنه روي عن ابن عباس أن عبد المطلب بن هاشم مر بولده عبد الله على ~~يهودية يقال لها: فاطمة بنت مرة الخثعمية، وأن نور النبوءة في وجهه... ~~الخبر، فدل على أن النور يرى. وروي عن النبيء صلى الله عليه وآله وسلم أنه ~~قال: ((التفكر حياة قلب البصير كما يمشي المستنير في الظلمات بالنور)) وهذا ~~معروف عند الناس، يقول القائل: رأيت ضياء القمر، ورأيت ظلمة الليل؛ قال ~~الشاعر: # أيها العبد كن لما لست ترجو # من نجاح أرجى لما أنت راج # إن موسى مضى ليقبس نارا # من ضياء رآه والليل داج # يقول: إنه لما رأى الضياء حسبه ضياء نار، فمضى ليقتبس من النار. PageV01P127 # وقد قال القاسم بن إبراهيم عليهما السلام في رده على ابن المقفع: وقد ترى ~~الأبصار إن أشرقت الأنوار فحينئذ ترى الأشياء، وترى الظلمة والضياء وهو ~~سواد وبياض، والشعاع جسم يرى بالأعيان. # وقد قال القاسم بن إبراهيم عليهما السلام: والحجة عليهم في أن الريح شيء ~~غير المشموم أنا نشاهد الأترنجة في حال غضاضتها لها ريح ثم تطيب فيبطل ذلك ~~الريح، ويحدث لها ريح غيره، وعينها قائمة، فصح أن الذي بطل وأن الذي حدث ~~عرض في الأترنجة غيرها. # والحجة [عليهم] من كتاب الله قوله عز من قائل فيما حكى عن يعقوب عليه ~~السلام: {إني لأجد ريح يوسف لولا أن تفندون}[يوسف:94]، وفي هذا بيان ~~وكفاية. وهو مدرك بحاسة الأنف، والهواء هو الذي يحمله إلى الأنف، كما يحمل ~~الكلام إلى الأذن. # وأما ما كان يتجزأ ويقوم بنفسه كالدخان والبخار وشبهه، فهو جسم وله ~~رائحة. ولم تختلف الأمة في أن الريح يدرك بحاسة الأنف، بل هم مجمعون على ذلك. PageV01P128 # ومن المعقول المشاهد أن البهائم تعرف أولادها بالريح، وتفرق بين أولادها ~~وبين أولاد غيرها، وكذلك السباع تدرك ما جعل الله لها فيه متاعا بالريح من ~~مكان ms046 بعيد؛ وهذا فيه كفاية وبيان. والطعوم أعراض كالروائح، ألا ترى أنك تجد ~~ريح الأترنجة وتجد لها طعما في ابتدائها؟ ثم تجد لها طعما غيره في ~~انتهائها؟ وكذلك سائر الكرم فإنك تجده في ابتدائه حامضا، وبعد ذلك ممتزجا، ~~ثم تجده عند انتهائه حلوا، وعينه قائمة، فصح أن هذه الصفات التي تحدث وتبطل ~~شيئا غيرها وأنها مدركة بالفم، ولو كانت الحموضة والحلاوة وأشباههما وصف ~~الواصف لا غير لما كان أحد يفرق بين الحلو والحامض، ولو لم يكن مدركا بحاسة ~~الفم لكان الإنسان يجد طعم الشيء ويعلمه بغير الذوق، ألا ترى أنه لو لمس ~~جسما أو نظره أن ذلك لا يؤدي إلى علم الطعم، ولما كان يجد طعم الشيء إذا ~~ذاقه علم أنه أدركه بحاسة الذوق، فصح أن الطعم عرض قائم في المطعوم ومدرك ~~بحاسة الذوق، وقد قال الله تعالى: {وأنهار من لبن لم يتغير طعمه ~~}[محمد:15]، فصح أن له طعما سواه؛ ولأنه قد يتغير الطعم واللبن بحاله في ~~لونه وجنسه واسمه. PageV01P129 # والحرارة والبرودة أيضا حالتان يعتوران الجسم، تحدث حالة وتبطل أخرى والجسم ~~قائم بعينه، وهذه كلها مدركة باللمس، وقد قال القاسم عليه السلام في جواب ~~الملحد: (اعلم أن طرق العلم بالأشياء مختلفة، فمنها ما يعرف بالحس، ومنها ~~ما يعرف بالنفس، ومنها ما يعرف بالعقل، ومنها ما يعرف بالظن والحسبان. # فأما ما يعرف بالحس فطرقه خمس: سمع، بصر، شم، ذوق، لمس؛ فالسمع طريق ~~الصوت. والبصر طريق الهيئات والألوان. والذوق طريق الطعوم. والشم طريق ~~الروائح. واللمس طريق اللين والخشونة ...إلى قوله: ولو حاولت كل علم من غير ~~طريقه لعسر عليك، وكنت كمن طلب علم الألوان بالسمع وعلم الذوق بالعين). PageV01P130 # فأما أحوال الأجسام فإنما طريق المعرفة بها من جهة البصر، والبصر يؤدي إلى ~~الإنسان؛ لأن الأجسام لا تخلو من هذه الصفات، فصح بيان ما قلنا في الأعراض. ~~والقرآن عرض وشبحه قلوب الحافظين له والمصاحف والقارئ له، كما روي عن ~~النبيء صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((القرآن يوجد في ثلاثة مواضع : ~~في القلوب محفوظا، ms047 وعلى الألسن متلوا، وفي المصحف مكتوبا)). وفعل الإنسان ~~فيه هو: الكتابة والتلاوة والحفظ؛ وفعل العبد لهذه اختياري إن شاء فعله وإن ~~شاء لم يفعله، وفعل الله الذي هو ذات القرآن ضروري لا يجوز عليه البطلان ~~وإنما تبطل أفعال الناس فيه، وهذا مراد المؤيد بالله قدس الله روحه بقوله ~~في الإفادة: (والقرآن عرض لا يجوز عليه البقاء)، يريد أنه لا يجوز (عليه) ~~البقاء على الحكاية، فأما المحكي فلو كان يبطل لبطلت حجة الله. وقد قال ~~الهادي إلى الحق عليه السلام في المسترشد: (ولو بطل من القرآن يسير لبطل ~~منه كثير، ولو بطل بعضه لأشبه الباطل كله. بل هو يؤكد بعضه بعضا، فلن يبطل ~~منه حرف أبدا، وكيف يبطل أو يتناقض ما أحكمه ذو الجلال والإكرام والسلطان، ~~وحفظه من كل سوء الرحمن، ألا تسمع كيف يقول: {وإنه لكتاب عزيز ، لا يأتيه ~~الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد}[فصلت:41-42]؟، وقال ~~جل جلاله عن أن يحويه قول أو يناله: {بل هو قرآن مجيد ، في لوح ~~محفوظ}[البروج:21،22]، كيف يتناقض أو يبطل ما حفظه الكريم، وحاطه من كل باطل PageV01P131 أو دنس ذميم وخيم، ومنعه وحجره من الشيطان الرجيم. كذب العادلون بالله، ~~وضلوا ضلالا بعيدا). # فصح أنه لا يبطل في ذاته وإنما تبطل حركات العباد فيه كما تبطل حركاتهم ~~في مفعولهم من الأجسام، والأجسام باقية، كما تبطل حركات البناء (التي هي ~~التأليف، والنقل، والوضع)، والحجر والمدر باقيات، فصح ما قلنا، ووضح ما ~~إليه ذهبنا. وأما الحركات فإنها تعلم ولا ترى بالإجماع، فاعلم ففي بعض ما ~~هنا كفاية. PageV01P132 ### ||| AUTO فصل في الكلام في الروح # اعلم أن الروح جسم لطيف مجانس للهواء. # والدليل على أنه جسم أنه قائم بنفسه بل لا يعلم الحيوان ولا يقدر إلا به؛ ~~ألا ترى أن الدواب تحمل الأثقال، فإذا زايلها الروح لم تحمل أنفسها فضلا عن ~~حمل غيرها، فصح أنه جسم، ولو كان عرضا لضعف عن القيام بنفسه، ومن الحمل ~~لغيره، وقد قال القاسم عليه السلام في جواب مسائل سئل ms048 عنها: وسألته عن ~~الروح الذي يكون في الحيوان، فقال: هو المتحرك الذي به يحيى الحيوان، ~~ويذهب، ويقبل ويدبر، ويعرف وينكر، وهو شيء لا يعرف بالعين، وإنما يعرف ~~بالدليل واليقين. # وقال الهادي إلى الحق عليه السلام في جواب مسائل الرازي: وسألت عن الروح، ~~وهو شيء خلقه الله وصوره وافتطره بحكمته، وجعله تحيا به الأبدان والأعضاء ~~تعيش به مما جعل الله في الأبدان من الأشياء، به تبصر الأعيان المبصرة، وبه ~~تسمع الآذان السامعة، وبه تنطق الألسن الناطقة، وتشم الأنف، وتبطش اليدان، ~~ويميز القلب، وتمشي الرجلان، وجعله قواما لما حملت الأبدان، ودليلا على ~~قدرة الرحمن ...إلى قوله: ولم يوصف الروح بغير ما وصفنا، ولم يستدل عليه ~~بغير ما دللنا؛ وقد قال الله تعالى: {ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ~~ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا}[الإسراء:85]. PageV01P133 # وقال المؤيد بالله -قدس الله روحه- في تعليق شرح الإفادة: الروح والهواء ~~جسمان لطيفان، والعقل عرض، قال: واختلف العلماء في الروح. فقيل: يبقى بعد ~~مفارقة الجسد حتى يفنى عند أزف القيامة؛ كما قال الله تعالى: {كل من عليها ~~فان }[الرحمن:26]. وقيل: لا يكون حيا بعد مفارقة الجسد. # ونقول: إنا لم نكلف حقيقة معرفته لقول الله تعالى: {ويسألونك عن الروح قل ~~الروح من أمر ربي}[الإسراء:85]، والذي علينا، أن نعلم أنه شيء من خلق الله، ~~وحكمته ونعمته، ولولا هو ما كان شيء من الحيوان يعلم شيئا، ولا يقدر على ~~شيء. فاعلم (ذلك) ففيه كفاية. PageV01P134 ### || AUTO باب حقيقة معرفة الصانع # اعلم أنا لما وجدنا هذا العالم، ووجدنا فيه أثر الصنعة، ووجدناه محدثا ~~-وقد دللنا على حدوثه، وبينا ذلك فيما تقدم- علمنا أن له صانعا، وهو الله ~~جل وعلا؛ إذ لا يكون صنع إلا من صانع، ولا مبدوع إلا من بادع، وفي المشاهد ~~أنه لا يوجد محدثا إلا وله محدث. # واعلم أن مثل هذا العالم كمثل بيت قد أعد فيه كل ما يحتاج إليه، ووضع كل ~~شيء منه في موضعه؛ فالسماء سقفه، والأرض فراشه، والشمس والقمر مثل الشمعتين ~~في البيت، والنجوم مثل ms049 القناديل، وما أعد في الأرض من العيون والفواكه ~~والزروع والمعادن مثل ما يكون في البيت من الآلة والمتاع والذخائر؛ والعبد ~~كالمخول [في] ذلك البيت وما فيه، والعقل الضروري يحكم أنه لا يوجد بيت فيه ~~أثر البناء وعلامة الصنعة إلا وله صانع، فكما لا يكون بناء إلا وله بناء، ~~ولا كتابة إلا من كاتب، علمنا أن لهذا الصنع صانعا مبتدئا بادعا وهو الله ~~أحسن الخالقين. PageV01P135 ### ||| AUTO فصل في الكلام في أن الله تعالى شيء # اعلم أن أعم الأشياء قولنا: شيء، وهو ما يعلم أو يدل عليه، أو يشاهد أو ~~يخبر عنه، فكل هذه الأشياء تستحق اسم الشيء. وما لم يكن يعلم أو يدل عليه ~~أو يشاهد أو يخبر عنه فليس يستحق اسم الشيء وهو معدوم، والعدم لا شيء، ولا ~~منزلة ثالثة (تكون) غير الشيء الموجود وغير المعدوم الذي ليس بشيء، فعلمنا ~~أن الله تعالى هو شيء لا كالأشياء، وقد سمى نفسه شيئا، قال تعالى: {قل أي ~~شيء أكبر شهادة قل الله شهيد...}الآية[الأنعام:19]. # وقلنا: إنه شيء لا كالأشياء لإثبات الموجود ونفي التشبيه، لأنه لو لم يكن ~~شيئا لكان منفيا لا حكم له، ولو كان كالأشياء لكان مشبها للمحدثات، وإذا ~~كان مشبها للمحدثات كان محدثا، وإذا كان محدثا كان مصنوعا، فتعالى الله عن ~~ذلك علوا كبيرا. فصح أن الله شيء لا كالأشياء. # ولا يلزم على هذا قول من يقول: إنه جسم لا كالأجسام؛ لأن الجسم هو الطويل ~~العريض العميق، الشاغل للمكان، وإذا كان بهذه الصفة كان جسما، وإذا كان ~~جسما كان محدثا؛ لأن جميع الأجسام لا تتعرى من الأحوال الحادثة التي هي ~~الحركة والسكون والزيادة والنقصان، وإذا كان كذلك كان محدثا. وإذا لم يكن ~~طويلا عريضا عميقا محويا بالجهات شاغلا للمكان لم يكن جسما، فبطل تعلق من ~~تعلق بهذا، وصح أن الله ليس بجسم ولا عرض. PageV01P136 ### ||| AUTO فصل في الكلام في أن الله حي قادر # اعلم أنا لما رأينا المصورات في الشاهد على ضربين: فمصور حي قادر، ومصور ~~غير حي ولا قادر. ورأينا ms050 المصورات غير الحيوان التي ليست بحية ولا قادرة لا ~~تتم ولا تقع إلا من حي قادر، ورأينا الأموات وجميع الجمادات لا فعل لها، ~~فعلمنا أن الله أولى بأن يوصف بالحياة والقدرة من الذي ليس في فعله حياة ~~ولا قدرة، فصح أن الله حي قادر. # ودليل آخر: أنا لما رأينا هذا الصنع دائم التدبير حسن الصورة والتقدير، ~~استدللنا بذلك على حياة اللطيف الخبير. # فإن قيل: فإذا كان الله حيا قادرا، وكان العبد حيا قادرا، فما الفرق ~~بينهما؟ # قلنا: إن الله تعالى حي لنفسه قادر لنفسه، والعبد حي بحياة هي غيره، قادر ~~بقدرة هي غيره وهي الاستطاعة. وليس العبد يسمى حيا قادرا إلا على المجاز في ~~بعض الوجوه، وإنما هو محيا ومقدر؛ لأن الله تعالى جعله حيا قادرا، وجعله ~~سميعا بصيرا. ألا ترى أنه خلق له آلة السمع والبصر، قال عز من قائل: {إنا ~~خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا}[الإنسان:2]، ~~والله سميع بصير على الحقيقة، حي قادر على الحقيقة. PageV01P137 # وحياة العبد، وقدرته ناقصتان؛ لأن حياته تعود إلى الموت، وقدرته ترجع إلى ~~العجز. ألا ترى أنه لو اجتمع الخلق، وتظاهروا على أن يخلقوا بعوضة، أو أن ~~يحييوا ميتا أو يدفعوا الموت عمن أراد الله موته ما قدروا ولا استطاعوا ~~ذلك، فصح أن الله الحي القادر على الحقيقة، وغيره حي قادر على المجاز في ~~بعض الوجوه، فهذا الفرق البين. PageV01P138 ### ||| AUTO فصل في الكلام في أن الله عالم حكيم # اعلم أنا لما رأينا هذا العالم قد قدر وجعل كل شيء منه في موضعه، وأعد كل ~~أمر منه لشأنه، ورأينا هذا الصنع المشاهد حسن التقدير، محكم التدبير، لا ~~خلل فيه ولا تفاوت؛ علمنا أن صانعه عالم حكيم. # ونظرنا في خلق الإنسان، ورزقه، من ابتدائه إلى انتهائه، فإنه عندما تحمله ~~أمه ينقطع عنها الحيض ليكون الدم رزقا له، كما يكون مح البيضة رزقا للفرخ ~~في وسط البيضة المحضونة، فإذا ولد أحدث الله له رزقا في ثدي أمه لم يكن من ~~قبل، ويولد وقد جعل ms051 الله له آلة لا يستعملها في الحال، ولا يستغني عنها في ~~المآل، فدل ذلك على أن صانعه عالم حكيم. # ودليل آخر: أنا نظرنا إلى الآدميين، وإلى ما يملكون من الحيوان، فإذا هم ~~لا يشتبه منهم اثنان في صورة الوجوه ولهجة الأصوات، وكذلك لا يشتبه من ~~الأنعام والخيل والدواب اثنان، على كثرتهم وسعتهم. # وبيان العلم في اختلافهم أن الله لما كان عالما بكل معلوم لم يشتبه من ~~الناس اثنان، ولا يشتبه مما يملكون ن الحيوان اثنان، قال عز من قائل: {ألا ~~يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير}[الملك:14]. PageV01P139 # ووجه الحكمة أنه لو اشتبه من الناس رجلان أو امرأتان لوقع الفساد؛ لأنه لو ~~غاب أحدهما فأتى شبيهه إلى امرأة الغائب لأفسد في زوجته وماله، وكذلك لو ~~اشتبه امرأتان لأشكل أمرهما على زوجيهما، ولما عرف أحدهما زوجته من زوجة ~~الثاني. وجعل الله اختلاف صورة الوجه للنهار، وجعل اختلاف الأصوات لليل، ~~وكذلك فرق بين البهائم، ولو اشتبه اثنان من الثمانية الأزواج، والخيل، ~~والبغال، والحمير، لدخل على مالكها الضرر ولادعى الشيء غير مالكه. ولما لم ~~يدخل على أحد ضرر في اشتباه الطير والسباع والسمك أمكن فيهما التشابه، فهل ~~يدبر هذا ويقدره (ويحكمه) إلا عالم حكيم؟ # وكذلك القول في السميع البصير أنه بمعنى العليم الحكيم. PageV01P140 ### ||| AUTO فصل في الكلام في معرفة الصانع # اعلم أنه لما كانت العقول والحواس والأوهام والظنون لا تكون إلا حالة أو ~~محلولة، ولا تكون إلا محدثة مجعولة، لم ندرك إلا أمثالها في الحدث وأشباهها ~~في المحل والمحلول، فصح أن الله تعالى لا يدرك بوجه من الوجوه، لا بعقل ولا ~~بحس ولا بوهم ولا بظن، وإنما تدرك معرفته بالاستدلال والنظر، وقد دل على ~~هذا في كتابه فقال عز من قائل: {أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما ~~خلق الله من شيء وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم فبأي حديث بعده ~~يؤمنون}[الأعراف:185]، وقال عز من قائل: {إن في السماوات والأرض لايات ~~للمؤمنين ، وفي خلقكم وما يبث من دابة آيات لقوم يوقنون ، واختلاف الليل ~~والنهار ms052 وما أنزل الله من السماء من رزق فأحيا به الأرض بعد موتها وتصريف ~~الرياح آيات لقوم يعقلون ، تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق فبأي حديث بعد ~~الله وآياته يؤمنون}[الجاثية:3-6]، ثم أخبرنا الله تعالى بنظر إبراهيم ~~خليله واستدلاله عليه بخلقه ومناظرته لنفسه، فقال عز من قائل: {وكذلك نري ~~إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين ، فلما جن عليه الليل ~~رأى كوكبا قال هذا ربي PageV01P141 فلما أفل قال لا أحب الآفلين ، فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي فلما أفل ~~قال لئن لم يهدني ربي لاكونن من القوم الضالين ، فلما رأى الشمس بازغة قال ~~هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت قال ياقوم إني بريء مما تشركون ، إني وجهت وجهي ~~للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين}[الأنعام:75-79]، فصح ~~أنه ما عرف ربه إلا بخلقه، ولا استدل عليه إلا بصنعه، وقد قيل في قول ~~إبراهيم عليه السلام {هذا ربي} خمسة أقاويل: # أحدها: أنه قال: هذا ربي في ظني؛ لأنه في حال تغليب ظن واستدلال. # والثاني: أنه قال ذلك اعتقادا أنه ربه في الوقت الذي لم يعرف الناس ~~يعبدون إلا الأصنام، فرأى النيرات أشرف من الأصنام؛ وهو قول ابن عباس. # والثالث: أنه قال ذلك في حال الطفولية والصغر؛ لأن أمه ولدته في مغارة ~~حذرا من النمرود عليه، فلما خرج منها قال هذا القول قبل قيام الحجة عليه. # والرابع: أن يكون قال ذلك على وجه الإنكار لعبادة الأصنام، إذ كان الكوكب ~~والشمس والقمر لم يصنعهن ولا عملهن بشر، فلم تكن معبودة لزوالها، والأصنام ~~التي هي دونها أولى أن لا تكون معبودة. # والخامس: أنه قال ذلك توبيخا للمشركين، على وجه الإنكار الذي معه [يكون] ~~ألف استفهام، وتقديره: أهذا ربي؟ ومثله موجود في لغة العرب، قال الشاعر: # رقوني وقالوا يا خويلد لم ترع PageV01P142 فقلت وأنكرت الوجوه: هم هم # أراد: أهم هم. # ولا يجوز عندنا أن يقول ذلك اعتقادا، ولو قال ذلك اعتقادا لكان ذلك شركا، ~~وهو بريء من الشرك، ومن أهله. # فأما الأقوال الأربعة فيجوز أن ms053 تحمل الآية على أحدها، إذ ليس في أيها ما ~~يوجب الشرك عليه. وأقربها إلي أنه قال ذلك في وقت صغره وقبل بلوغه على وجه ~~الاستدلال وتغليب الظن؛ ولأن في الآية ما يدل على ذلك؛ وهو قوله: {فلما رأى ~~القمر بازغا قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لاكونن من القوم ~~الضالين}، فصح أنه دعا إلى ربه أن يهديه إلى معرفته، وقطع على نفسه أن الله ~~إن لم يهده ليكونن من القوم الضالين، وهو في وقت دعائه ونظره واستدلاله قد ~~علم أن لهذا الصنع صانعا، وأنه لا يجوز عليه صفة نقص. فنظر في الشمس والقمر ~~والكواكب فكانت أشرف المصنوعات، فلما رآها لا تخلو من صفات النقص رفضها، ~~وعلم أن الله لا يدرك بالأبصار، ولا يشبه شيئا، ولا يشبهه شيء، ويؤيد ذلك ~~ما حكى الله عنه من قوله: {أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ~~ولكن ليطمئن قلبي}[البقرة:260]، فصح أنه كان في وقت النظر والاستدلال. PageV01P143 # ونقول: إن من ولد على فطرة الإسلام أنه يجب عليه أن ينظر ويميز ويستدل على ~~معرفة ربه بما أوجد من صنعه، حتى ترسخ معرفة ربه في قلبه، ويعرف ذلك معرفة ~~حقيقية، ولا يجزئه الإقرار باللسان؛ لأن معرفة الله تعالى عقلية، والمسموع ~~غير المعقول، فصح ما ذكرنا من وجوب النظر في صنع الله والاستدلال به عليه، ~~وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((من أخذ دينه عن ~~التفكر في آلا ء الله تبارك وتعالى، وعن التدبر لكتابه، والتفهم لسنتي، ~~زالت الرواسي ولم يزل، ومن أخذه من أفواه الرجال، وقلدهم فيه، ذهبت به ~~الرجال من يمين إلى شمال وكان من دين الله على أعظم زوال)). PageV01P144 ### ||| AUTO فصل في الكلام في صفات الله والفرق بين الأسماء والصفات # اعلم أن الله تعالى يوصف بصفات راجعة إلى ذاته، ويوصف بصفات راجعة إلى ~~فعله. فالصفات الراجعة إلى ذاته هي التي لا تضاد ولا تنافى كقولك: الحي، ~~القادر، العالم، القديم، فهذه وما كان من ms054 صفات العظمة لا تضاد ولا تنافى؛ ~~لأنه يستحيل أن نقول: يعلم ولا يعلم، ويقدر ولا يقدر. # فأما الصفات الراجعة إلى الفعل فهي كقولك: الرازق، الخالق، ولا يستحيل أن ~~يدخل عليها التضاد والتنافي؛ لأنك تقول: يخلق ولا يخلق، ويرزق ولا يرزق، ~~وجميع هذه الأسماء يثبت لله معانيها وينتفي عنه أضدادها. # فينتفي عن الله الموت بالحياة، والجهل بالعلم، والعجز بالقدرة، والحدث ~~بالقدم. ومعنى قولنا: لله حياة؛ بمعنى أنه حي، ومعنى قولنا: إن له قدما؛ ~~بمعنى أنه قديم، ومعنى قولنا: إن له قدرة؛ بمعنى أنه قادر، وأن له مقدورا. ~~ومعنى قولنا: إن له علما؛ بمعنى أنه عالم، وأن له معلوما. فهو حي لنفسه لا ~~بحياة هي غيره، وهو عالم لنفسه لا بعلم هو غيره، وهو قادر لا بقدرة هي ~~غيره. وذهب قوم من المشبهة القائلين بقدم المعاني -وتسميهم العلماء ~~الصفاتية- أن الله عالم بعلم هو غيره، وقادر بقدرة هي غيره، وحي بحياة هي ~~غيره، وهذه المعاني عندهم هي قديمة. PageV01P145 # فيرد عليهم أن الله تعالى لو وصف بمعان هي القدرة والعلم والحياة، والسمع ~~والبصر والقدم، لم تخل هذه المعاني من أن تكون قديمة أو محدثة أو معدومة، ~~ولا يجوز أن تكون معدومة لأن العدم لا يوجب حكما، ولا يجوز أن تكون محدثة ~~لأنها لو كانت محدثة لوجب أن يكون الله تعالى قبل حدوثها غير قادر ولا عالم ~~ولا حي ولا سميع ولا بصير؛ ولو كان كذلك لم يصح منه إحداث هذه المعاني، ولا ~~يجوز أن تكون قديمة لأنها لو كانت قديمة لوجب أن يكون مع الله قديم سواه؛ ~~لأن كونه قديما من أخص أوصافه، وما يشارك الشيء في أخص أوصافه يجب أن يكون ~~مثله، فبطل ما قالت الصفاتية، وصح أن الله تعالى قديم لنفسه، عالم لنفسه، ~~حي لنفسه، سميع بصير لنفسه. # ولما ثبت أنه عالم لنفسه ثبت أنه عالم بجميع المعلومات، وقد دل الله على ~~ذلك بقوله: {وفوق كل ذي علم عليم }[يوسف:76]، فأخبر أن كل عالم بعلم فعلم ~~الله فوقه. ومعنى قوله تعالى: {أنزله ms055 بعلمه }[النساء:166]، أي أنزله وهو ~~عالم به. # ومعنى قوله تعالى: {ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء }[البقرة:255]، ~~يريد من معلومه، ولو كان علمه هو هو لكان منقسما، فبعضه يحاط به وبعضه لا ~~يحاط به؛ لأنه استثنى شيئا منه فقال: {إلا بما شاء}، فصح أن علم الله ليس ~~هو الله. # اختلف الناس من أهل التوحيد في صفات العظمة على قولين: # فقال قوم: الصفات هي لله، وقال قوم: هي الله. وعندنا وعند المعتزلة: هي لله. PageV01P146 # وعند فرقة المجبرة وهم الذين قالوا: القرآن معنى في النفس، وعند (أصحاب) ~~مطرف بن شهاب: أنها هي الله، فإنهم قالوا: اسم الله هو هو. # والرد عليهم بأن نقول: أخبرونا هل الله مستحق لهذه الأسماء أو غير مستحق ~~لها؟ فإن قالوا: ليس بمستحق لها خرجوا من العقل والإجماع والكتاب والسنة. ~~وإن قالوا: هو المستحق لها صح أن المستحق غير المستحق، وثبت أنها له، فإذا ~~استدلوا على قولهم بقول الله تعالى: {تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام ~~}[الرحمن:78]، وبقوله: {فسبح باسم ربك العظيم }[الواقعة:74]، وبقوله: {سبح ~~اسم ربك الأعلى }[الأعلى:1]، وبقوله: {في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها ~~اسمه }[النور:36]. قلنا: إن معنى {تبارك اسم ربك} هو تبارك ربك، وسبح ربك، ~~ويذكر فيها الله، والاسم هاهنا صلة. ومثل هذا موجود في لغة العرب، قال طرفة ~~بن العبد: # إلى الحول ثم اسم السلام عليكما # ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر # أراد: ثم السلام عليكما. # ونقول لهم: أخبرونا عن أسماء الله هل هي موجودة في الكتب وفي صدور ~~العارفين؟ أم ليست في صدور المؤمنين ولا في كتب رب العالمين؟ PageV01P147 # فإن قالوا: ليست في صدور المؤمنين، ولا في كتب رب العالمين. خالفوا الإجماع ~~والعقل والكتاب والسنة؛ وإن أقروا بها وقالوا: هي توجد في الصحف وسائر ~~الكتب، وفي صدور المؤمنين، صح أنها غيره وأنها له؛ ويؤيد ذلك قول الله ~~تعالى: {له الأسماء الحسنى }[الحشر:24]، وقوله تعالى: {ولله الأسماء الحسنى ~~فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه}[الأعراف:180]، وقال تعالى: {قل ~~ادعوا ms056 الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء ~~الحسنى}[الإسراء:110]، فصح أنها له؛ لأنه لم يقل: وهو الأسماء الحسنى، ولا ~~قال: فادعوها. # وقال أمير المؤمنين عليه السلام في الدرة اليتيمة: له سبحانه من أسمائه ~~معناها، وللحروف مجراها، إذ الحروف مبدوعة، والأنفاس مصنوعة. # وروي عنه عليه السلام أنه قال: من عبد الاسم دون المعنى فقد كفر، ومن عبد ~~الاسم والمعنى فقد أشرك، ومن عبد المعنى بحقيقة المعرفة فهو مؤمن حقا. # وقال عليه السلام في الدرة اليتيمة: إن قلت: متى؟ فقد سبق الوقت كونه، ~~وإن قلت: قبل، فالقبل بعده، وإن قلت: هو، فالهاء والواو خلقه. # وقال علي بن الحسين عليهما السلام: (فأسماؤه تعبير، وأفعاله تفهيم، وذاته ~~حقيقة) فصح أن التعبير غير المعبر عنه. # وقال عليه السلام: ليس مذ خلق استحق اسم الخالق، ولا بإحداثه البرايا ~~استحق البراة. PageV01P148 # وقال القاسم بن إبراهيم عليهما السلام -في جواب مسائل سئل عنها: معنى {اقرأ ~~باسم ربك }[العلق:1]، وإنما اسم ربه الذي أمر أن يقرأ به {بسم الله الرحمن ~~الرحيم} الذي قدمه في صدر كل سورة. وقال عليه السلام في معنى قول الله ~~تعالى: {شهد الله أنه لا إله إلا هو }[آل عمران:18] -وسؤال الملحد: هل شهد ~~الاسم للمسمى، أو شهد المسم للاسم؟- فقال: الشاهد هو الله، أي علم، والاسم ~~فهو إسم الله، وما كان لله فليس هو الله، ولله الأسماء الحسنى، والمسمى فواحد. # وقال ولده محمد بن القاسم عليهما السلام -في كتاب الشرح والتبيين في صفة ~~الله تعالى: لم يزل الجود له صفة، وإن كان من يجود عليه غير موجود، وكذلك ~~كان رحيما ولا مرحوم بالقوة التي يرحم بها المرحوم إذ خلقه، ورضاه الرحمة، ~~وإنها عنده محمودة من فعله له مدحه، ولا يجوز أن يقال: إن الله لم يزل لهذه ~~المخلوقات فاعلا قبل فعلها، ولكن يقال: كان خالقا بالقوة إذا أراد أن ~~يخلقه، وعالم وإن لم يكن معلوم، ورحيم لرضاه بالرحمة، وإنها من صفته وإن لم ~~يكن مرحوم، وحكيم بقدرته التامة على الحكمة، ولا محكمات قبل خلقه ms057 لها، ~~وسأضرب لكم في ذلك مثلا: ألا تعلمون أن العالم بالبناء القوي عليه بناء وإن ~~لم يبن، وكذلك النجار والطبيب والعالم والفارس ...إلى قوله: فسمي بهذه ~~الأسماء إذ هي واجبة له قبل وجود الأشياء). PageV01P149 # وقال جعفر الصادق عليه السلام -في رده على صاحب الهليلجة عندما قال له: كيف ~~جاز للخلق أن يتسموا بأسماء الخالق؟- فقال: إن الله جل ثناؤه، وتقدست ~~أسماؤه أباح الأسماء، فقد يقول القائل للواحد من الناس: واحد وقوي، والله ~~واحد قوي. وصانع والله صانع، فمن قال: الله واحد، والإنسان واحد، فلم يشبهه ~~في المعنى، وإنما الأسماء هي دلالات على المسمى. # وقال علي بن موسى الرضى عليهما السلام في أحد مجالسه لعمران الصابيء عند ~~المأمون: وكذلك صار اسم كل شيء غير المسمى، وصفة كل شيء غير الموصوف...إلى ~~قوله: أفهمت؟ قال: نعم. # قال عمران: يا سيدي؛ وصفاته هي نفسه؟ # قال الرضى: إن أسماءه وصفاته غيره، وهو غيرهما، ولا يخلو إذا كانت غيره ~~من الدلالة عليه وعلى وجوده. وتحقيقه والمثل في ذلك والدليل عليه قولك إذا ~~قلت: السماء؛ وإنما ذكرت خمسة أحرف. # وقال الهادي إلى الحق عليه السلام في كتاب الأحكام محتجا على من قرأ في ~~الركعتين الأخيرتين مسرا فذكر فضل أم الكتاب وقال: هي السبع المثاني التي ~~ليس في التوراة والإنجيل والزبور مثلها. وروي ذلك عن النبيء صلى الله عليه ~~وآله وسلم قال: وذلك أنها أم الكتاب، ولما فيها من أسماء رب الأرباب ~~وتوحيده جل جلاله ...إلى قوله: وإنما جعل الله القرآن منفعة لكل إنسان، ~~وأمر نبيئه بتبيينه للعالمين، وإقراره في آذان السامعين. PageV01P150 # وقال الهادي إلى الحق عليه السلام في مسائل الرازي -وقد سأله: عن الفرق بين ~~الاسم، والمسمى- فقال عليه السلام: الفرق بينهما أنا لما رأينا الاسم ~~الواحد، ينتقل في المسميين، علمنا أن الاسم غير المسمى، وأنه دلالة على ~~المسمى وعلامة له، ليست به ولا هو بها، وهذا فأبين ما يكون، ولن يغلط في ~~الفرق بين الاسم والمسمى حتى يقول: إن الاسم المسمى؛ إلا جاهل عمي، وضال ~~أبله غوي. # فصح ms058 ما قلنا من أن أسماء الله له، وأنها ليست هو. وأي حجة أبهر من كتاب ~~الله، ومن إجماع أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقد قال رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((إني تارك فيكم ما إن تمسكتم ب ه لن تضلوا ~~من بعدي أبدا، كتاب الله وعترتي أهل بيتي...))الخبر. PageV01P151 ### ||| AUTO فصل في الكلام في أن الله تعالى قديم # اعلم أنه لما ثبت حدث العالم -وقد دللنا على حدوثه فيما تقدم- وقد دل ~~الله تعالى عليه بقوله: {إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار ~~...}الآية[آل عمران:190]، وبقوله: {ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ، ~~ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ، ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة ~~فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله ~~أحسن الخالقين}[المؤمنون:12-14]، فدللنا على حدث العالم بحدث هذه الحوادث، ~~وبالحركات والتنقل والزيادة والنقصان، وهذا أكبر الدلائل العقلية على حدث ~~العالم، فلما صح حدث العالم، ووجب أن له محدثا صح أن محدثه متقدم له؛ وفي ~~المشاهد والعقل الضروري: أن كل صانع متقدم لصنعه، إذ هو موجد لصنعه. ولما ~~ثبت أن الله تعالى موجد للعالم، ثبت أنه لا موجد له (غيره). ولو كان له ~~صانع متقدم له لكان للصانع صانع إلى ما لا نهاية له، فصح أن الله قديم. PageV01P152 ### || AUTO باب حقيقة معرفة التوحيد # اعلم أنه لما ثبت أن لهذا العالم صانعا [صنعه]، وأنه حي، قادر، قديم، ~~عالم، سميع، بصير، وجب أن يكون واحدا؛ ولأنه لو كان معه إله غيره، أو آلهة ~~(معه) لجاءتنا كتبهم ورسلهم، ولتبين لنا صنعهم وعملهم، إذ لا يحكم بشيء ~~لغير مدع، فلما لم تصلنا الكتب والرسل إلا لواحد علمنا أنه لا رب سواه ولا ~~إله غيره. # ودليل آخر: أنا لما رأينا هذا العالم على غاية من التدبير، والصنع المتقن ~~والتقدير، فرأينا شمسه وقمره ونجومه قد قدرت على غاية من الصلاح، ورأيناها ~~لا يفترق مجتمعها، ولا يجتمع مفترقها، ولا تفاوت فيها ولا غيار؛ ورأينا ~~الهواء ms059 وما نشاهد من السماء والأرض وما فيهما قد وضع كل شيء منها في موضعه، ~~وأعد كل شيء منها لشأنه، قال الله تعالى: {ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت ~~فارجع البصر هل ترى من فطور}[الملك:3]، فعلمنا أن صانع هذا الصنع ومدبره ~~واحد، ولو كان معه غيره لم يخل من أن يريد أحدهما صنع شيء ويريد الآخر ~~خلافه، كأن يريد أحدهما حياة زيد، ويريد الآخر موته، ولو كان ذلك كذلك لوجب ~~التضاد والتمانع، ولفسد الصنع ولما اتسق وانتظم إلا لمدبر واحد. PageV01P153 # وقد دل الله تعالى على ذلك في كتابه على لسان نبيئه صلى الله عليه وآله ~~وسلم فقال: {لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما ~~يصفون}[الأنبياء:22]، وقال تعالى: {لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا ~~إلى ذي العرش سبيلا}[الإسراء:42]، وقال تعالى: {ما اتخذ الله من ولد وما ~~كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على ~~بعض}[المؤمنون:91]، وقال تعالى: {قل هو الله أحد ، الله الصمد ، لم يلد ولم ~~يولد ، ولم يكن له كفوا أحد}[الإخلاص:1-4]. # واعلم أن الكفار افترقوا على مقالات: # ففرقة نفوا الصانع نفيا محضا، وقد حكى الله قولهم حيث يقول تعالى: ~~{وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا ~~الدهر}[الجاثية:24]، وهو باطن الباطنية واعتقادهم الذي لا يطلعون عليه إلا ~~من استحلفوه واستوثقوا منه؛ ولأنهم جمعوا بين الفلسفة والشريعة، فأقروا ~~بالإسلام واعتقدوا الكفر، وزعموا أن لكل ظاهر باطنا، ولزموا مسائل من ~~متشابه الكتاب. وقالوا في توحيدهم: لا يقال إن الله موجود، ولا يقال غير ~~موجود، ولا عالم ولا غير عالم، ولا حي ولا غير حي، ولا قادر ولا غير قادر. PageV01P154 # قالوا: لأنك إذا قلت: إنه موجود حي قادر عالم، فقد شبهته بما سواه؛ وإذا ~~قلت: ليس كذلك فقد نفيته. وغرضهم بهذا القول التوصل إلى الكفر. وإذا لم يكن ~~موجودا فهو معدوم بلا شك؛ لأنه لا منزلة ثالثة تعلم؛ وكذلك إذا لم يكن حيا ~~فهو موات، وإذا لم يكن ms060 قادرا فهو عاجز، وإذا لم يكن عالما فهو جاهل ... ~~تعالى الله [عن ذلك] علوا كبيرا. # وقد بينا الفرق بينه، وبين من سمي حيا قادرا عالما موجودا من خلقه فيما تقدم. # وقالت فرقة من الملحدة وهم من الفلاسفة: الهواء هو الله. ووصفوه بأنه مع ~~الأشياء ومحيط بالأشياء، وأنه بعيد قريب، وقد قدمنا الرد عليهم. # وقال قوم: النور والظلمة الصانعان، وقد قدمنا الرد عليهم. # وقال قوم من الفلاسفة بإثبات الصانع، وزعموا بأنه فاعل في ما لم يزل، وأن ~~العالم ظهر منه كظهور ضياء الشمس من الشمس، وحر النار من النار. وقال قوم ~~من الفلاسفة: بقدم الزمان والمكان والهيولى والنفس. # وقالت النصارى بقدم الأقانيم الثلاثة: أقنوم أب، وأقنوم ابن، وأقنوم روح ~~القدس، وقالوا: ليس الأقنوم الأول الأقنوم الثاني ولا الثالث ولا غيرهما، ~~وهذا القول ظاهر الفساد، إذ لا يكون شيء لا شيء ولا لا شيء. # وقالت الثنوية بقدم النور والظلمة، وغلبوا الظلمة على النور. PageV01P155 # وأثبت كفار العرب الصانع، وأشركوا بعبادتهم الأصنام، وقالوا: ما نعبدهم إلا ~~ليقربونا إلى الله زلفى، وقد حكى الله ذلك فقال: {ولئن سألتهم من خلق ~~السماوات والأرض ليقولن الله }[لقمان:25][الزمر:38]. ومنهم من قال: الجن ~~شركاء لله، وقالوا: الملائكة إناث، وجعلوا لله بنين وبنات، فقال الله ~~تعالى: {وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير علم ~~سبحانه وتعالى عما يصفون ، بديع السماوات والأرض أنى يكون له ولد ولم تكن ~~له صاحبة وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم ، ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو ~~خالق كل شيء فاعبدوه وهو على كل شيء وكيل ، لا تدركه الأبصار وهو يدرك ~~الأبصار وهو اللطيف الخبير}[الأنعام:100-103]، وقال تعالى: {فاستفتهم ألربك ~~البنات ولهم البنون ، أم خلقنا الملائكة إناثا وهم شاهدون ، ألا إنهم من ~~إفكهم ليقولون ، ولد الله وإنهم لكاذبون ، أاصطفى البنات على البنين ، ما ~~لكم كيف تحكمون ، أفلا تذكرون ، أم لكم سلطان مبين ، فأتوا بكتابكم إن كنتم ~~صادقين ، وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا ولقد علمت الجنة إنهم PageV01P156 لمحضرون ، سبحان الله عما يصفون ، إلا ms061 عباد الله ~~المخلصين}[الصافات:149-160]، فأخبر الله تعالى بقولهم. ثم قال: {أم لكم ~~سلطان مبين} أي حجة. وقوله: {ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون} يقول: لقد علمت ~~الجنة إنهم لمعذبون، ثم استثنى المؤمنين منهم، فقال: {إلا عباد الله ~~المخلصين} ومحضرون هاهنا بمعنى معذبين قال الله تعالى: {قال تالله إن كدت ~~لتردين ، ولولا نعمة ربي لكنت من المحضرين}[الصافات:56،57]، وقال تعالى: ~~{فكذبوه فإنهم لمحضرون ، إلا عباد الله المخلصين}[الصافات:127،128]، وقال ~~تعالى: {وجعلوا له من عباده جزءا إن الإنسان لكفور مبين ، أم اتخذ مما يخلق ~~بنات وأصفاكم بالبنين ، وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمان مثلا ظل وجهه مسودا ~~وهو كظيم ، أومن ينشؤا في الحلية وهو في الخصام غير مبين ، وجعلوا الملائكة ~~الذين هم عباد الرحمن إناثا أشهدوا خلقهم ستكتب شهادتهم ~~ويسألون}[الزخرف:15-19]، فاحتج الله عليهم بحجة بالغة، وأي حجة أبهر من حجة ~~الله بأن قال: {أم اتخذ مما يخلق بنات وأصفاكم بالبنين ، وإذا بشر أحدهم ~~بما ضرب للرحمن مثلا ظل PageV01P157 وجهه مسودا وهو كظيم}، يقول: إن أحد هؤلاء الكفار إذا بشر بالأنثى اغتم ~~وتعب، وإذا بشر بالذكر فرح واستبشر، فهل يكون الله اختار لهم الذكور، ويأخذ ~~الإناث له؟ وقد عابهم بقوله: {أومن ينشأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين ~~}[الزخرف:18]، عز الله عما يقول الكافرون. # فأما عباد الأصنام والأوثان فإن الرد عليهم ظاهر قريب، وذلك أن الحجارة ~~والأصنام موات لا حياة فيها، ولا قدرة، ولا علم، ولا تنفع، ولا تدفع، وقد ~~بين الله تعالى ذلك فقال: {وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف ~~الطالب والمطلوب}[الحج:73]، يريد أن الذباب لو أخذ من الصنم شيئا لم ~~يستنقذوه منه، ضعف الصنم والذباب. وقال تعالى: {ومن أضل ممن يدعو من دون ~~الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون}[الأحقاف:5]، ~~وقال تعالى: {مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت ~~بيتا وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون}[العنكبوت:41]، وقال ~~تعالى: {قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ms062 ~~ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته قل حسبي الله عليه يتوكل ~~المتوكلون}[الزمر:38]، وقال تعالى PageV01P158 حاكيا قول إبراهيم عليه السلام: {أتعبدون ما تنحتون ، والله خلقكم وما ~~تعملون}[الصافات:95،96]، يريد: والحجارة التي تنحتون. # ومن الكفار من ادعى الربوبية كالنمرود، وفرعون، وغيرهما من الملحدين. وقد ~~ذكر الله احتجاج إبراهيم عليه السلام حين قال إبراهيم: {ربي الذي يحيي ~~ويميت }، {قال} الذي كفر: {أنا أحيي وأميت قال إبراهيم فإن الله يأتي ~~بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم ~~الظالمين}[البقرة:258] فثبتت حجج الله عليه، وغلبت أولياء الله، وأهلكت ~~أعداء الله. وقد أوردنا من الحجج على جميع فرق الكفار ما في بعضه كفاية. PageV01P159 ### ||| AUTO فصل في الكلام في أصل التوحيد وحقيقته # اعلم أن أصل التوحيد وحقيقته هو إثبات الصانع، ونفي كل صفة نقص عنه. وقد ~~قدمنا الكلام في إثبات الصانع، وهذا موضوع نفي صفات النقص عنه، فنقول: # إن كل صفة نقص لا تجوز على الله لا في دنيا ولا في آخرة؛ لأنه إذا كانت ~~فيه صفة نقص كان عاجزا، وإذا كان عاجزا لم يكن قادرا حكيما، والله يتعالى ~~عن ذلك. # فمن صفات النقص أن يكون والدا أو مولودا، أو يكون له صاحب أو صاحبة أو حد ~~أو ضد أو ند، أو يكون معه سواه في القدم، أو يكون في مكان، أو يكون حالا أو ~~محلولا، أو يكون له جوارح وأعضاء من يدين وجنب، ووجه وعينين، أو أنه يرى في ~~دنيا أو آخرة، أو يدرك بحاسة أو وهم أو ظن، وإذا كان بهذه الصفات كان مشبها ~~للمحدثات ولم يكن مستحقا للمدح، فتعالى الله عن ذلك، بل تمدح بأنه لا يشبه ~~شيئا ولا يشبهه شيء، فقال تعالى: {ليس كمثله شيء }[الشورى:11]، فلو كان ~~والدا لكان مولودا، وإذا كان مولودا ثبت أنه محدث، وإذا كان محدثا كان ~~مصنوعا. PageV01P160 # ولو كان له صاحبة لكان محتاجا، ولو كان محتاجا لم يكن غنيا، وإذا لم يكن ~~غنيا كان عاجزا، وإذا كان عاجزا كان مصنوعا. وإذا ms063 كان له ضد كان له مانعا ~~عما يريد، وإذا كان له مانع كان ضعيفا، وإذا كان ضعيفا كان مصنوعا، وإذا ~~كان له ند كان له شبيها، وإذا كان له شبيه لم يكن صانعا للعالم وكان ~~مصنوعا. وكذلك لو كان معه غيره في القدم لكان له شبيها، ولو كان في مكان ~~لوجب أن يكون محويا، ولو كان محويا لكان مصنوعا ولكان بعض المواضع منه ~~خاليا، وإذا كان في مكان دون مكان كان عن المكان الذي ليس هو فيه غائبا، ~~وإذا كان عنه غائبا كان له ولما يحدث فيه جاهلا، وإذا كان عن شيء جاهلا كان عاجزا. # ومعنى قول الله تعالى: {وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله ~~}[الزخرف:84]، أنه إله من في السماء، وإله من في الأرض؛ كما يقال: فلان ~~أمير في بلد كذا، وبلد كذا، وإن لم يكن فيهما ساكنا. وقوله تعالى: {أأمنتم ~~من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور}[الملك:16]، أراد أأمنتم إله ~~من في السماء؛ ولأنه تعالى كان ولا مكان، ولو كان المكان الذي يكون فيه ~~قديما لوجب أن يكون له في القدم شبيها، ولو كان المكان الذي يكون فيه محدثا ~~لكان منتقلا، وإذا كان منتقلا كان محدثا؛ لأن الانتقال دليل الحدث. PageV01P161 # ونقول: إنه ليس بخارج من الأماكن، كخروج الشيء من الشيء، ولا بغائب منها، ~~ولو كان كذلك لأدى ذلك إلى الانتقال والجهل ... تعالى الله عن ذلك علوا ~~كبيرا. ولو كان حالا أو محلولا لكان جسما أو عرضا، ولو كان جسما أو عرضا ~~لكان محدثا، ولو كان محسوسا أو موهوما لكان محدثا ضعيفا؛ لأن المحسوس ~~والموهوم لا يكونان إلا حالا أو محلولا، ولا يكون الحال والمحلول إلا جسما ~~أو عرضا، ولا يكون المدرك بالحواس والوهم إلا مقابلا -أو في حكم المقابل- ~~كمن يرى وجهه في المرآة، أو حالا في الجسم كالألوان؛ وإذا كان كذلك كان ~~ضعيفا عاجزا، وإذا كان عاجزا كان مصنوعا. ولو كان يرى في الآخرة لوجب أن ~~يرى في الدنيا، ولو كان يرى لزال ms064 عنه المدح ووجب له النقص لأنه تعالى يقول: ~~{لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار }[الأنعام:103]، فمدح نفسه بذلك، فلو ~~جاز أن يرى في الآخرة لزال عنه المدح، ووجب له النقص. كما أنه مدح نفسه ~~بأنه لا تأخذه سنة ولا نوم، فلو جاز أن تأخذه سنة في وقت من الأوقات لزال ~~المدح، ووجب النقص، والله يتعالى عن ذلك. ولو كان له جارحة يد أو وجه أو ~~جنب أو عين لكان جسما، ولو كان جسما لكان مصنوعا. والأعضاء والجوارح لا ~~تكون إلا مصورة، والصورة لا بد لها من مصور؛ ولو كان كذلك لكان هذا غاية ~~التشبيه والإلحاد وخلاف التوحيد. PageV01P162 # فأما ذكر الوجه -في القرآن- واليد والعين والجنب، فإن الوجه هو الذات، ~~والعين هو العلم، واليدين البسط والقبض، والجنب السبيل. وهذا موجود في لغة ~~العرب لأن القرآن نزل بلغة العرب، قال الشاعر: # وقد يهلك الإنسان من وجه أمنه # وينجو بإذن الله من حيث يحذر # وتقول العرب: لفلان علي يد أي نعمة. والعين عند العرب قد تكون الحدقة، ~~وقد تكون عين الماء، وقد تكون عين الركبة، وكذلك العلم. فقوله تعالى: {تجري ~~بأعيننا }[القمر:14]، أي بعلمنا، وقوله تعالى: {ياحسرتا على ما فرطت في جنب ~~الله }[الزمر:56] أي في سبيل الله، وقوله: {بل يداه مبسوطتان ينفق كيف ~~يشاء}[المائدة:64] يريد نعمته وبليته، وقوله: {ويبقى وجه ربك ذو الجلال ~~والإكرام }[الرحمن:27] أراد ويبقى ربك ذو الجلال والإكرام. # والدليل على أن وجهه ذاته وأنه لا جارحة له قوله تعالى: {كل شيء هالك إلا ~~وجهه }[القصص:88] فأوجب الهلاك على الجوارح واستثنى الوجه وهي لا تكون إلا ~~شيئا، فكيف تهلك الجوارح ويبقى الوجه؟ فصح أنه لا جارحة له، وأن وجهه ذاته. ~~وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((خمس لا يعذر ~~بجهلهن أحد : معرفة الله سبحانه، لا يشبهه بشيء، ومن شبه الله بشيء، أو زعم ~~أن الله يشبهه شيء، فهو من المشركين...)) الخبر. فصح أن الله تعالى منزه عن ~~صفات النقص غير مشبه بشيء، ولا شيء مشبه ms065 له، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. PageV01P163 # وقول الله تعالى: {فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك ~~بعبادة ربه أحدا}[الكهف:110]، تأويله أن اللقاء في كتاب الله هو يوم الحساب ~~والموقف، والعرب تسمي الاجتماع والحشد لقاء، ولما كان الله هو الذي جمعهم ~~سمي لقاء الله، ألا ترى أن الأمير لو أمر بلقائه ولم ير فيه، أن القائل ~~يقول: كنا في لقاء الأمير. واللقاء الجزاء والثواب؛ يدل عليه قول الله ~~تعالى: {فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه ~~وبما كانوا يكذبون}[التوبة:77]، ولأن المشبهة مجمعة على أن أهل النار لا يرونه. # وروي عن الناصر عليه السلام أنه روى بإسناده أن رجلا أتى إلى النبيء صلى ~~الله عليه وآله وسلم فقال: يا رسول الله إني أتصدق بشيء من مالي أريد به ~~وجه الله، وأحب أن أذكر بالخير، فأنزل الله هذه الآية: {فمن كان يرجوا لقاء ~~ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا}[الكهف:110]. PageV01P164 ### ||| AUTO فصل في الكلام فيما اتفق عليه أهل القبلة وما اختلفوا فيه من ~~التوحيد # فاتفق الشيعة والمعتزلة والصفاتية والخوارج والحشوية على أن الله تعالى ~~لا مثل له. وأجمعوا على القول بأنه يرى ولا يرى، وهو بالمنظر الأعلى. ~~واتفقوا في أنه لا تدركه الأبصار في الدنيا، واتفقوا على أن الله تعالى ~~عالم فيما لم يزل ولا يزال، ويجب ذلك له ويستحيل [عليه] خلافه. واتفقوا في ~~أن القرآن تنزيل الله، ووحيه. # واختلفوا فيما له كان الله عالما، فقالت الزيدية، والمعتزلة: إن الله ~~تعالى عالم لذاته، وعالم لنفسه؛ ومعنى عالم لذاته: أنه تعالى عالم يجب ذلك ~~له، لا لشيء سوى ذاته، وكذلك قالوا في أن الله تعالى حي، قادر، قديم، سميع، ~~بصير، ولم يثبتوا قديما سوى الله تعالى، ونسبوا من أثبت معه قديما (أو ~~قدماء) إلى الكفر وقالوا: هو مذهب النصارى قد دس في الإسلام. وأن القرآن محدث. # وقالت الصفاتية من الكلابية والأشعرية: إن الله تعالى عالم بمعنى سموه ~~علما، وقادر بمعنى سموه قدرة، وحي ms066 بمعنى سموه حياة. # وروي عن بعض الأشعرية مثل قولنا. وقد قدمنا الاحتجاج عليهم فيما تقدم. # ولم يختلفوا في أن القرآن قديم، واختلفوا في هذا المتلو، فقال قوم: إن ~~القرآن المتلو ليس هو كلام الله تعالى على الحقيقة بل هو عبارة عنه، وكذلك ~~قالوا في التوراة والإنجيل والزبور، وقالت الحشوية منهم: إن المتلو هو ~~القديم. PageV01P165 # فنقول: إذا كان الله قديما (والصوت قديما) فقد اشتبها في القدم، وصارا ~~قديمين اثنين، وكذلك إذا كان له شيء يقدر به وكان قديما كان مشابها له، ~~وأشبه ذلك قول النصارى في الأقانيم الثلاثة [أنها] جوهر واحد. وقد قال الله ~~تعالى: {وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث إلا كانوا عنه ~~معرضين}[الشعراء:5]، وقال: {ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم ~~يلعبون}[الأنبياء:2]، وقال تعالى: {ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة وهذا ~~كتاب مصدق لسانا عربيا...}الآية[الأحقاف:12]. # وأيضا فقد أجمعت الأمة على أن في الكتاب محكما ومتشابها، وناسخا ومنسوخا، ~~قال الله تعالى: {هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب ~~وأخر متشابهات...}الآية [آل عمرن:7]، وقال: {ما ننسخ من آية أو ننسها نأت ~~بخير منها أو مثلها}[البقرة:106]، فإذا ثبت أن فيه ناسخا ومنسوخا ثبت أن ~~الناسخ بعد المنسوخ، وأن المنسوخ قبله، وإذا صح أن الناسخ بعد المنسوخ ثبت ~~حدث الناسخ، وإذا كان بعضه محدثا وجب أن يكون البعض الثاني محدثا. PageV01P166 # وأيضا فإنه أنزل على لغة العرب، وفيه الماضي والمستقبل، فيخبر عن الماضي ~~بما يحسن وقوعه في أمس، ويخبر عن المستقبل بما يحسن وقوعه في غد، قال عز من ~~قائل: {الم ، غلبت الروم ، في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم ~~سيغلبون}[الروم:1-3]، وقد أجمعت الأمة على أن القرآن لم ينزل على النبيء ~~صلى الله عليه وآله وسلم جملة واحدة في وقت واحد وإنما نزل متفرقا، فكان ~~ينزل بحسب الحاجة إليه عند النازلة التي تنزل والحادثة التي تحدث، ولا يقدم ~~الشيء ويدخره ويعده قبل الحاجة إليه إلا العاجز الذي يخشى أن يطلب الشيء ~~عند حاجته إليه فيتعذر عليه، ms067 والله تعالى لا يتعذر عليه شيء ولا يعجزه شيء. ~~فصح أن الله تعالى أحدثه [في] وقت حاجة المكلفين إليه. # وأيضا فإن الكلام الذي سمعه موسى عليه السلام من الشجرة لا يخلو من أن ~~تكون الشجرة محلا له، أو يكون الله محلا له نطق به كما ينطق ذو الآلة. # فإن قالوا: الشجرة محل له خلقه الله فيها، فهذا قولنا، وهو يدل على أنه ~~محدث؛ لأن الشجرة محدثة، وإذا كان المحل محدثا كان الحال محدثا، ولا يصح أن ~~يقال: إن الشجرة قديمة، ولا أن كلام الله الذي سمعه موسى قديم فيها، ولا ~~يجوز أن يكون الكلام في غير محل. # وإن قالوا: الله هو الذي نطق بالكلام، كما ينطق ذو اللسان، فقولهم: نطق ~~يدل على الحدث؛ لأنه بمعنى: فعل، وخرج من أن يكون قديما. PageV01P167 # وإن قالوا: هو المتكلم فيما لم يزل. قلنا: هذا يدل على العبث، والهذيان ~~تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. # وإن قالوا: هو ينطق حينا ويصمت حينا. قلنا: وهذا دليل على الحدث، حدث ~~النطق والناطق؛ لأنه يكون متحركا حينا وساكنا حينا، وقد صح أن السكون بعد ~~الحركة محدث، وأن الحركة من بعد السكون محدثة، فصح أنه محدث؛ لأن فيه دليل الحدث. # وأيضا فإذا كان ينطق بآلة لم تكن الآلة إلا مصورة، وإذا كانت مصورة ثبت ~~أن لها مصورا، فبطل ما قالوا من أن الله ينطق، وأن كلامه قديم، وقد روي عن ~~النبيء صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((ما خلق الله شيئا أعظم من آية ~~الكرسي ، وما خلق الله شيئا أحب إليه من سورة الإخلاص)) فدل على أن القرآن محدث. # فإن قالوا: إذا لم يكن متكلما وجب أن يكون أخرس. قلنا: إن الخرس آفة في ~~اللسان، والله ليس بذي لسان ولا جارحة، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. PageV01P168 # وأما قول من يقول: إن القرآن المتلو ليس هو القرآن على الحقيقة، وإنما هو ~~عبارة عنه. فنقول: إن الله تعبد المؤمنين بهذا المتلو، ولم يتعبدهم بقرآن ~~غيره، وتحدى الكافرين بأن يأتوا ms068 بسورة من هذا المتلو، ولم يتحدهم بقرآن ~~غيره، فقال تعالى: {فاقرءوا ما تيسر من القرآن }[المزمل:20]، وقال: {وإذا ~~قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون}[الأعراف:204]، وقال: {فبأي ~~حديث بعده يؤمنون }[الأعراف:185]، وقال تعالى: {أم يقولون تقوله بل لا ~~يؤمنون ، فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين}[الطور:33،34]، وقال: {لئن ~~اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان ~~بعضهم لبعض ظهيرا}[الإسراء:88]، وقال: {أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة ~~مثله}[يونس:38]. # وقول من يقول: (إن هذا المتلو عبارة عن القرآن)، يشبه قول السوفسطائية ~~الذين نفوا الحقائق؛ لأنه إذا كان هذا المتلو لا حقيقة له؛ أمكن في كل ~~الأشياء أن يكون لا حقيقة لها، فبطل قول من يقول: إن المتلو عبارة عنه. ولا ~~فائدة في شيء لم يقف عليه المكلفون، ولا تعبدوا به. PageV01P169 # وأما احتجاجهم على قدم المعاني بقول الله تعالى: {أنزله بعلمه } ~~[النساء:166]، وقوله: {ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء }[البقرة:255]، ~~وبقوله: {إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين } [الذاريات:58]، وبقول الناس: ~~انظروا إلى قدرة الله. فإن معنى قوله: {أنزله بعلمه} أي: أنزله وهو عالم ~~به. وقوله: {ولا يحيطون بشيء من علمه} أي: من معلومه، وقوله: {ذو القوة ~~المتين} معناه: القوي المتين. وقول الله تعالى: {سبحان ربك رب العزة عما ~~يصفون }[الصافات:180]، المعنى: سبحان ربك العزيز. وقد تكون العزة لله إسما ~~وحكما غيره تنفي عنه اسم الذلة وحكمها كما قال تعالى: {ولله العزة ولرسوله ~~وللمؤمنين }[المنافقون:8]. وأما قول الناس: انظرو إلى قدرة الله؛ فالمعنى: ~~انظروا إلى اقتدار الله؛ لأنهم لا يقولون ذلك إلا إذا رأوا خلقا من خلق ~~الله عظيما، قال الله تعالى: {وكان أمر الله قدرا مقدورا }[الأحزاب:38]. # وقالت الصفاتية: يصح أن يرى الله تعالى من طريق العقل، ونراه في الآخرة ~~قطعا، وإنما يراه المؤمنون دون المعاقبين. ومنهم من جوز أن يراه أهل النار، ~~واستدلوا بقول الله تعالى: {وجوه يومئذ ناضرة ، إلى ربها ~~ناظرة}[القيامة:22،23]، وبما روي عن النبيء صلى الله عليه وآله وسلم قال: ~~((سترون ربكم ms069 يوم القيامة كالقمر ليلة البدر)). PageV01P170 # والرد عليهم -من طريق العقل- أن المرئي يحتاج إلى شروط يصح أن يرى لحصول ~~الشروط، وهي المقابلة أو ما يكون في حكمها، كمن يرى وجهه في المرآة، أو أن ~~يكون المرئي حالا في المقابل كحلول السواد والبياض في الجسم، وهذا اعتلال ~~أهل العدل والتوحيد من الزيدية والمعتزلة، وإذا كان الله مقابلا، أو في حكم ~~المقابل، أو حالا في المقابل، احتاج أن يرى بالحاسة، ولو جاز أن يرى بغير ~~هذه الشروط لاستوى في ذلك الأعمى والبصير، وهذا هو التشبيه -جل الله عن ~~ذلك، وتعالى علوا كبيرا. # ومن الشروط ألا يكون بين الرائي، والمرئي حائل، يمنع من نظره. # ومن الشروط أن تكون آلة الرائي صحيحة. # ومن الشروط أن لا يكون المرئي لطيفا تمنع لطافته من الرؤية. # ومن الشروط التحديق إلى المرئي وفتح العين وتقليب الحدقة. # وهذه الشروط كلها توجب أن المرئي محدود (في مكان) وأنه حال أو محلول أو ~~في حكم الحال، أو جسم أو لون، وإذا كان بهذه الصفات كان محدثا مصنوعا ~~-تعالى الله عن ذلك. PageV01P171 # وأيضا فإن الله تعالى تمدح بقوله: {لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو ~~اللطيف الخبير}[الأنعام:103]، والآية تدل على التمدح من قوله: {بديع ~~السماوات والأرض }[البقرة:117]، وإذا زال موجب التمدح وجب النقص. وقد مدح ~~نفسه بأنه لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، وأنه لم يتخذ صاحبة ولا ~~ولدا، وأنه لا يظلم العباد. فلو جاز أن يفعل شيئا مما نفاه عن نفسه في وقت ~~من الأوقات لزال التمدح ووجب النقص، وكذلك الإدراك والرؤية. PageV01P172 # وأما معنى قول الله تعالى: {وجوه يومئذ ناضرة ، إلى ربها ~~ناظرة}[القيامة:22،23]، فهو أن يكون النظر إلى الله بالعقل، كما قال تعالى: ~~{ألم تر إلى ربك كيف مد الظل }[الفرقان:45]، وقوله: {ألم تر كيف فعل ربك ~~بأصحاب الفيل }[الفيل:1]. وفي آخر الآية ما يدل على هذا التأويل؛ وهو قوله: ~~{ووجوه يومئذ باسرة ، تظن أن يفعل بها فاقرة}[القيامة:24،25]، فعلق ذكر ~~الظن بالوجوه، والظن لا يتعلق بالوجوه، فوجب أن يكون ms070 المراد بها العقل. ~~ويحتمل أن يكون المراد بقوله تعالى: {إلى ربها ناظرة} أي منتظرة، قال الله ~~تعالى: {فنظرة إلى ميسرة }[البقرة:280]، والمعنى: فانتظار إلى ميسرة. وقال ~~تعالى حاكيا قول بلقيس: {وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع ~~المرسلون}[النمل:35]، أي منتظرة، ومثل ذلك موجود في لغة العرب، قال الشاعر: # وجوه يوم بدر ناظرات # إلى الرحمن يأتي بالخلاص # وقال غيره: # وكنا ناظريك بكل فج # كما للغيث ينتظر الغمام # ويحتمل أن يكون المراد بقوله: {إلى ربها ناظرة} أي إلى رحمة ربها ناظرة، ~~كما قال الله حاكيا عن إبراهيم عليه السلام: {إني ذاهب إلى ربي سيهدين ~~}[الصافات:99]، أراد إني ذاهب إلى حيث أمرني ربي؛ وقد روي هذا التفسير عن ~~أمير المؤمنين عليه السلام وعن ابن عباس وغيرهما. PageV01P173 # وأيضا فإن النظر غير الرؤية. والنظر هو تقليب الحدقة وفتحها إلى جهة ~~المرئي؛ ويدل على ذلك أن من ينظر الهلال، يقال: نظر إلى الهلال، وإن لم يره. # وأما استدلالهم بالخبر: ((سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر لا ~~تضامون في رؤيته)) فإنه من خبر الآحاد، وخبر الآحاد لا يقبل في الأصول. ~~وهذا الخبر أيضا مروي عن قيس بن حازم، وقيس هذا لا تقبل روايته لأنها ~~مطعونة من وجوه: # أحدها: بغض علي عليه السلام وكفى بذلك طعنا فيه لأن أقل أحواله الفسق. ~~والذي يدل على ضعفه وأنه ليس من النبيء صلى الله عليه وآله وسلم أنه يقتضي ~~التشبيه؛ ولأن الكاف في لغة العرب تدخل للتشبيه؛ قال الله تعالى: {يوم تكون ~~السماء كالمهل ، وتكون الجبال كالعهن}[المعارج:8،9]، وقال: {يوم يكون الناس ~~كالفراش المبثوث ، وتكون الجبال كالعهن المنفوش}[القارعة:4،5]، والعرب ~~تقول: زيد كعمرو، وفرسي كفرس فلان. وقوله: ((كما ترون القمر)) وهذا هو ~~التشبيه المحض لأن القمر يرى في مكان دون مكان، ويرى مدورا على صفة مخصوصة. ~~وهو جسم، وإذا كان الله يرى في مكان دون مكان، وكان محويا بالجهات، وكان ~~مدورا بصورة مخصوصة، فهل هو إلا جسم مشبه للأجسام، فكيف يكون التشبيه غيره ~~هذا؟ تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. فصح أنه ms071 ليس من رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم. PageV01P174 # وإن قال قائل مستفيد: ما تقولون لو كان صحيحا، ما يكون تأويله؟ قلنا: ليس ~~هو بصحيح، فإن صح فمعناه: تعلمون ربكم علم ضرورة كما تعلمون القمر علم ~~ضرورة بالمشاهدة؛ لأن المشاهد يعلم علم ضرورة، والله تعالى يعلم في الدنيا ~~علم استدلال، ويعلم في الآخرة علم ضرورة بغير مشاهدة؛ ولأن الاستدلال يسقط ~~في الآخرة لأنه تكليف وبحث وإزالة تشبيه، وقد سقط في الآخرة التكليف، فصح ~~أنه يعلم في الآخرة علم ضرورة. ولأن العبد عندما يرى صدق الوعد والوعيد، ~~يعلم ربه علم ضرورة، وقد سأل موسى ربه أن يريه آية من آيات الآخرة حتى يعلم ~~ربه علم ضرورة، فقال: {رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل ~~فإن استقر مكانه فسوف تراني}[الأعراف:143]، ويحتمل أن يكون سأل ربه أن يبين ~~له نفي الرؤية إذ سأله قومه الرؤية، فقال: {لن تراني}. و(لن) عند أهل اللغة ~~للقطع والتأبيد، قال الله تعالى: {لن ينال الله لحومها ...}الآية[الحج:37]، ~~وقال: {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون }[آل عمران:92]، ولأن الله ~~عاقب الذين سألوا موسى أن يريهم الله ولم يعاقب موسى، ولو كان موسى سأله ~~كسؤالهم لكان معاقبا مثلهم. وقد حكى الله عن موسى عليه السلام أنه نسب ذلك ~~إلى بعض قومه، ونفاه عن نفسه بقوله: {أتهلكنا بما فعل السفهاء منا ~~}[الأعراف:155]. وأما توبة موسى فإنها من سؤاله البيان قبل الاستئذان. ~~والأنبياء لا يقيمون PageV01P175 على صغيرة ولا يسألون ربهم حتى يستأذنوه؛ قال الله تعالى حاكيا عن نوح: ~~{ونادى نوح ربه فقال رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين ~~، قال يانوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسألني ما ليس لك به علم ~~إني أعظك أن تكون من الجاهلين ، قال رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به ~~علم وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين}[هود:45-47]، فاستغفر ربه من ~~سؤاله قبل استئذانه. ولو كان موسى سأل ربه أن ms072 يريه نفسه، كما سأله قومه، ~~لأصابه ما أصابهم من العقوبة، ولما قال: {أتهلكنا بما فعل السفهاء منا} وقد ~~حكى الله قولهم فقال: {وإذ قلتم ياموسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة ~~فأخذتكم الصاعقة...}[البقرة:55]، وقال عز من قائل لنبيئنا صلى الله عليه ~~وآله وسلم: {يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء فقد سألوا ~~موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة...}الآية[النساء:153]، فلو كان ~~يجوز أن يرى في وقت من الأوقات، لما عاقبهم الله على ما يجوز في وقت من ~~الأوقات. ألا ترى أن العبد يسأل ربه وهو في الدنيا المغفرة والجنة والثواب ~~فلا يعاقب في ذلك. وقد سأل قوم عيسى صلى الله عليه المائدة فلم يعاقبوا ~~بسؤالهم ذلك قبل PageV01P176 وقته؛ فبطل قول المشبهة. # وقد وردت الأخبار عن النبيء صلى الله عليه وآله وسلم تعارض خبر المشبهة، ~~وتوافق العقول والقرآن، منها قوله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((إنكم ~~لن تروا الله في الدنيا و[لا في] الآخرة)). وروي عن عائشة عن النبيء صلى ~~الله عليه وآله وسلم مثله. # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((المصورون لن ~~يدخلوا الجنة ، قيل: يا رسول الله، ومن المصورون؟ قال: الذين يصورون الله ~~بعقولهم)). وروي عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((من شبه الخالق ~~بالمخلوق فقد كفر ، ومن شبه الله بخلقه فقد كفر)). وعن علي عليه السلام في ~~خطبه ما يدل على ذلك. # وأما استدلال الحشوية بقول الله تعالى: {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ~~}[يونس:26]، بأن قالوا: الزيادة هي الرؤية. فهذا غلط من وجوه: # منها أن الزيادة لا تكون أرفع من المزيد عليه. # ومنها أن الزيادة لا تكون إلا من جنس المزيد عليه، قال الله تعالى: ~~{والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم }[محمد:17]، وقال تعالى: {فيوفيهم ~~أجورهم ويزيدهم من فضله }[النساء:173]. # ومنها أنه قد روي أن الزيادة قصر في الجنة، فلا تعلق لهم بهذا. PageV01P177 # فإن قال قائل [منهم] متعنت أو مستفيد: إذا لم يكن يرى ولا تدركه ms073 الأبصار، ~~فهل هو يرى نفسه؟ قلنا: إن كنت تعني بقولك: يرى ذاته، أي يعلمها فكذلك ~~نقول. وإن كنت تقول: يرى نفسه كما يرى الواحد منا نفسه فلا؛ لأنا قد بينا ~~أن ذاته غير مرئية، فلا يجوز أن يرى نفسه، كما يرى الرائي المرئي. # وإذا قيل: إذا لم يكن جسما، ولا عرضا، ولا حالا، ولا محلولا، ولا تدركه ~~الأبصار في دنيا ولا في آخرة، فكيف يتصوره المكلف في نفسه؟! PageV01P178 # قلنا: لا يجوز أن يتصور القديم تعالى؛ لأن الصورة لا تقع إلا على ما له مثل ~~يشاهد، فيتصور على حسب ما شوهد من مثله. فلما كان الله تعالى لا مثل له، ~~علمنا أنه لا يجوز أن يتصوره المتصورون، ولا يتصور إلا ما يجب عليه الحدث، ~~ويلحقه النقص، فصح أن الله لا يتصور، ولهذا سمى نفسه لطيفا باطنا، وسمى ~~نفسه ظاهرا قريبا، فقال تعالى: {لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو ~~اللطيف الخبير}[الأنعام:103]، وقال تعالى: {هو الأول والآخر والظاهر ~~والباطن }[الحديد:3]، وقال تعالى: {ونحن أقرب إليه من حبل الوريد}[ق:16]، ~~وقال: {ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون }[الواقعة:85]، وقال: {ما يكون ~~من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا ~~أكثر إلا هو معهم}[المجادلة:7]، فدل على أنه ظاهر باطن، قريب بعيد. فمن رام ~~إدراكه بالعقل، أو بالحواس، أو بالوهم، أو بالظن أو التصور، فهو أبعد ما ~~يكون، ولن يبلغ إلى شيء مما طلب، بل ترجع الأبصار حاسرة والعقول والأوهام ~~حائرة. ومن طلب معرفته واستدل عليه بصنعه فهو أقرب من كل قريب وأكبر من كل ~~موجود، فهو الظاهر القريب بما أوجد من صنعه، وهو الباطن، البعيد، اللطيف من ~~أن يدرك أو يتوهم أو يتصور، وقد قصرت الأبصار والحواس والعقول عن صفة جسم ~~مرئي بصورة مخصوصة -وهو PageV01P179 الشمس- فلم يقف على حقيقتها، فكيف من خلقها وصورها؟! فإذا قصرت عن صفة ~~حقيقية جسم مشاهدة فهي عن درك صانعه أقصر. # وقد حكي عن أهل النجوم وأهل الطب والفلاسفة أنهم اختلفوا في ms074 الشمس وحقيقة ~~صفتها؛ فقال قوم: هي فلك أجوف مملوء نارا، له فم يجيش بهذا الوهج والشعاع. # وقال قوم: هي اجتماع أجزاء نارية، يرفعها البخار الرطب. # وقال قوم: هي سحابة ملتهبة. # وقال قوم: هي جسم زجاجي يرسل علينا شعاعه. # وقال قوم: هي صفوة لطيفة تصعد من البحر. # وقال قوم: هي أجزاء كثيرة مجتمعة من النار. # وقال قوم: هي من جوهر خامس سوى الجواهر الأربعة. # وقال قوم: هي بمنزلة صحيفة عريضة. # وقال قوم: هي كالجرة المدحرجة. # وقال قوم: هي مثل الأرض. # وقال قوم: هي أضعاف ذلك. # وقال قوم: هي أعظم من الجزيرة الكبيرة. # ذكر ذلك عنهم وحكاه أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ في كتاب الدلائل. وقال: ~~ففي اختلاف هذه الأقاويل منهم في الشمس دليل على أنهم لم يقفوا على الحقيقة ~~من أمرها. فإذا كانت هذه الشمس التي يقع عليها البصر، ويدركها الحس، قد ~~عجزت العقول عن الوقوف على حقيقتها، فكيف بالحد لما لطف عن الحس واستسر عن الوهم. # فإن قالوا: لم استسر؟ قلنا: لم يستسر بحيلة يخلص إليها كمن احتجب عن ~~الناس بالأبواب والستور. وإنما معنى قولنا: (إنه استسر) أنه لطف عن مدى ما ~~تبلغه الأوهام كما لطفت الشمس وارتفعت عن إدراكها بالبصر. PageV01P180 # فإن قالوا: ولم لطف؟ -وتعالى عن ذلك- كان خطأ من القول لأنه لا يليق بالذي ~~هو صانع كل شيء إلا أن يكون فائتا لكل شيء، متعاليا عن كل شيء. # فإن قالوا: فكيف يعقل إن كان فائتا لكل شيء متعاليا عن كل شيء؟ قلنا: إن ~~الذي يطلب معرفته من الشيء أربعة أوجه: # أولها: أن ينظر أهو موجود؟ # والثاني: أن يعرف ما هو في ذاته وجوهره. # الثالث: أن ينظر كيف هو وما صفته؟ # الرابع: لماذا هو؟ ولأي علة هو؟ # فليس من هذه الوجوه شيء يمكن المخلوق أن يعرفه من الخالق حق معرفته سوى ~~أنه موجود فقط. فأما ما هو؟ وكيف هو؟ فممتنع عليه كنهه وكمال المعرفة به، ~~وأما لماذا؟ فهو ساقط في صفة الخالق؛ لأنه جل ثناؤه صانع كل شيء، وليس ms075 شيء ~~بصانع له. # ثم ليس علم الإنسان بأنه موجود يوجب له أن يعلم ما هو؟ وكيف هو؟ كما أن ~~علمه بوجود النفس لا يوجب له أن يعلم ما هي؟ وكيف هي؟ وكذلك الأمور ~~الروحانية اللطيفة. # فإن قالوا: أفرطتم فيما تصفون، من قصور العلم عنه حتى كأنه غير معلوم. ~~قلنا: كذلك من جهة إذا رام العقل معرفة كنهه، والإحاطة به، وهو من جهة أخرى ~~أقرب من كل قريب إذا استدل عليه بالدلائل الشافية. # وقال أرسطاطاليس في الجو تشبيها بهذا القول في كتابه الذي يسميه بغذاء ~~الطبيعة، فإنه وصفه بهذه الصفة فقال: هو قريب بعيد؛ لأنه من جهة كالواضح لا ~~يخفى على أحد، وهو من جهة كالغائب لا يدركه أحد، وكذلك العقل أيضا ظاهر ~~بشواهده مستتر في ذاته. PageV01P181 ### ||| AUTO فصل في الكلام في الإرادة # أجمعت الأمة أن الله سبحانه يريد ويشاء، واختلفوا في حقيقة الإرادة ~~والمشيئة؛ فعندنا أن إرادة الله ومشيئته في فعله: إرادة حتم وخلق وإحداث ~~وجبر وحكم ووعد ووعيد، وأنه لا تسبق إرادته مراده، وأن إرادته خلقه، وأن ~~خلق الشيء هو الشيء، وفناء الأجسام هو هي، وليس هو غيرها، وأن إرادته في ~~فعل خلقه: إرادة نهي، وأمر، وأن رضى الله ومحبته [هما] رحمته وثوابه، وأن ~~سخط الله وكراهته وغضبه نقمته وعقابه، فمن رضي الله عنه وأحبه فقد حكم له ~~بالرحمة والثواب، ومن سخط عليه وكره أفعاله فقد حكم عليه بالنقمة والعقاب، ~~فهذه إرادة الحكم. # وقالت المعتزلة: لله إرادة غير المراد، وهي محدثة، وهي في غير محل، ~~وقالوا: لا يكون مريدا لنفسه؛ لأنه لو كان مريدا لنفسه، لكان مريدا لكل ~~المرادات، كما أنه لما كان عالما لنفسه كان عالما بجميع المعلومات. PageV01P182 # قالوا: والدليل على أن إرادة الله غير مراده أنه آمر ومخبر، ولا يكون الآمر ~~آمرا إلا أن يريد كون المأمور، ولا يكون مخبرا إلا إذا أراد إيقاع الحروف، ~~واستدلوا بقول الله تعالى: {يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من ~~قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم}[النساء:26]، وبقوله: {والله يريد أن ms076 ~~يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما} [النساء:27]، ~~وبقوله: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر}[البقرة:185]، وذلك كثير، ~~وهذا مذهب البصريين منهم. فأما قول البغداديين فمثل قولنا. # والرد على المعتزلة أن الأمة مجمعة على أنه لا يكون شيء موجود -غير الله- ~~إلا في العالم. فإن كانت الإرادة في العالم فقد صار العالم لها مكانا، وإن ~~كانت في غير العالم فماذا غير العالم إلا الله أو العدم؟ PageV01P183 # فإن قالوا: هي في العدم، فيكون العدم باطلا، فكيف كون شيء فيه فإذا لم تكن ~~نية ولا ضميرا، ولا كانت الخلق نفسه، ولا كانت في مكان، فهل هي إلا عدم؟ ~~ولا يعقل شيء موجود لا يكون حالا ولا محلولا إلا الله تعالى. فبطل ما ~~قالوا، وصح أن إرادة الله هي خلقه لا غير. وقول الله تعالى: {يريد} بمعنى: ~~يخلق، ويحكم، ويثيب، ويعاقب. وإنما خاطب الله العرب بلغتهم وبما يعرفون؛ ~~كما قال تعالى: {ياحسرة على العباد ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به ~~يستهزئون}[يس:30]، فخاطبهم بما يعرفون. والله تعالى لا يتحسر؛ لأنه لا ~~يتحسر على شيء إلا من فاته وأعجزه، والله لا يفوته شيء ولا يعجزه؛ ولأنه لو ~~كانت إرادته غير مراده لم تكن إلا نية أو همة، أو مشبهة للنية والهمة. وهم ~~فلا يقولون هي همة ولا نية، إذا كانت شيئا غير المراد أشبهت النية المتقدمة ~~للفعل، ولا يتقدم الفعل ويريد فعله قبل فعله إلا من يفعل بآلة، والله ~~يتعالى عن ذلك. # وأما قول الله تعالى: {إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون ~~}[النحل:40]، فإنهم مجمعون معنا أنه ليس ثم قول غير إيجاد الشيء كما لم يكن ~~ثم قول غير إيجاد القول، كذلك ليس ثم إرادة غير إيجاد الشيء. PageV01P184 # وإذا كان الكلام مع الصفاتية قلنا: إذا كان الكاف والنون غير الكائن كانا ~~قولا، وإذا كانا قولا فلا يكون القول هذا إلا أمرا. فإذا كان القول لموجود ~~فإيجاد الموجود محال، وإذا كان لمعدوم فمحال أيضا أن يؤمر المعدوم، فبطل ms077 ما ~~قالوا، وصح أنه لا قول غير إيجاد الشيء. ومثل هذا موجود في لغة العرب قال ~~الشاعر: # امتلأ الحوض وقال قطني # مهلا رويدا قد ملأت بطني # والحوض لم يكن منه قول غير الامتلاء. # وقال آخر: # وقالت له العينان سمعا وطاعة # وحدرتا كالدر لما يثقب # ولم يكن من العينين قول غير تحدير الدمع. # وقالت الصفاتية: (الله مريد بإرادة قديمة)، كما قالوا: (عالم بعلم قديم). # والدليل على أن إرادة الله محدثة أنك تقول: الله يريد، ولا يريد، كما ~~تقول: يخلق ولا يخلق، ويرزق ولا يرزق. فجاز أن تصفه بصفات الفعل وأضدادها. ~~وليس كذلك صفات الأزل. ألا ترى أن الله لما كان عالما فيما لم يزل استحال ~~الجهل عليه، ويؤيد ذلك أن الله إذا أراد حياة زيد ثم أراد موته، ألا ترى أن ~~الإرادة التي هي الموت حادثة، وقد قال الله تعالى: {يريد الله بكم اليسر ~~ولا يريد بكم العسر}[البقرة:185]. PageV01P185 # والرد عليهم في قولهم: (إن الله يريد بهمة ونية) أن الهمة والنية لا يكونان ~~إلا لمن يعمل الشيء بآلة ومثال وجولان فكر، وتصور للصنع وضمير، وهذه ~~الأشياء كلها من صفات المحدثين -تعالى عنها رب العالمين- وهذه الأشياء ~~(كلها) تكلف وإدارة حيلة، ولا يتكلف ويحتال ويفعل الشيء بالمثال إلا عاجز ~~ضعيف، والضمير والنية لا يكونان إلا عرضان، ولا يكون العرض إلا حالا في ~~غيره، وإذا كان محلا للعرض كان جسما -تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا- فبطل ~~قول المشبهة. # واعلم أن إرادة الله هي فعله، وهي تخرج على وجوه: # منها إرادة حتم وجبر كخلق السماوات والأرض ومن فيهن وما خلق الله. # ومنها إرادة أمر ونهي، فهذه الإرادة إرادة تخيير وتمكين وليست إرادة حتم ~~وجبر؛ لأنه قد أراد من عباده الطاعة، فلو كانت الإرادة إرادة حتم وجبر ~~لأنفذ ما أراده وأمضاه، ولما قدر أحد (على) أن يخرج من الطاعة إلى المعصية، ~~فصح أن هذه الإرادة منه إرادة تخيير وتمكين. # ومنها إرادة حكم ووعد ووعيد، وهي إرادة خبر وليست إرادة حتم وجبر؛ لأنها ~~لو كانت إرادة حتم وجبر ms078 لأنفذ ما أراده وأمضاه، ولكان قد خلق الوعد والوعيد ~~والآخرة وما فيها، فصح أنها إرادة خبر لا غير. PageV01P186 # واعلم أن أمم الأنبياء " قد اختلفوا مثل اختلاف أمة نبيئنا محمد صلى الله ~~عليه وآله وسلم من ذلك ما قالت اليهود وهم [على] ثلاثة أصناف: فقال منهم ~~رأس الجالوت -وهو سلطانهم الذي يقولون: هو من ذرية موسى وهارون-: إن إلههم ~~أبيض الرأس واللحية، وقالوا: وجدوا في سفر شعيا: رأيت قديم الأيام قاعدا ~~على كرسي حوله الأملاك، فرأيته أبيض الرأس واللحية. # وقالت العنانية منهم بنفي التشبيه، وزعمت أن العزير ابن الله على مثل ~~قولك: إبراهيم خليل الله. # وقالت الأصبهانية -وهم عامة اليهود- بنفي التشبيه، إلا أنهم قالو: عزير ~~ابن الله على معنى القربة. # وقالت السامرية بنفي التشبيه، والاستطاعة قبل الفعل، وأنكرت نبوءة داود، ~~ولم تؤمن إلا بما في التوراة. # وقالت النصارى: إن الله ثلاثة أقانيم-: أب وابن وروح قدس- جوهر واحد؛ ~~وهذا منهم غلط في الحساب فضلا عن خطائهم في اعتقادهم؛ لأن ثلاثة في العدد ~~لا تكون واحدا؛ ولو جاز ذلك في ثلاثة لجاز في أكثر منها؛ من أربعة وخمسة ~~وعشرة وغير ذلك. # وإن كانت الأعداد الكثيرة شيئا واحدا فهذا غلط بين لا يغبى على عاقل ولا جاهل. # وقالت الملكانية منهم: [إن] الله اسم لمعنيين: لماسح وممسوح. فالماسح هو ~~الله، والممسوح هو الإنس، وهو متحيز بالبدن، قالوا: والعلم غيره وهو قديم. ~~وقالوا: كان عيسى عليه السلام ناسوتا فصار لاهوتا. PageV01P187 # وقالت القولية منهم: قولك: (الله) اسم لمعنى واحد، والعلم غيره، وزعمت أن ~~المسيح ابن الله على وجه الرحمة، كما سمي إبراهيم خليلا، وقد قال الله ~~تعالى: {لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله ~~واحد}[المائدة:73]. # واختلفوا قبلنا في الاستطاعة، فقالت اليهود قولين: # فقال رأس الجالوت ومن تبعه: لا إرادة لله غير ما يستطيع العبد، ولا ~~يستطيع العبد غير ما فعل. # وقالت العنانية: الاستطاعة قبل الفعل، وإن شاء العبد صرف استطاعته في ~~طاعة أو معصية. # وقالت النصارى: الاستطاعة قبل الفعل. # وقالت المجوس ms079 -لعنهم الله- والثنوية والديصانية بالجبر كلها، فزعم ~~المجوسي أن الله قضى عليه بنكاح أمه وابنته وغيرهما من المحرمات، وأنه لا ~~يستطيع ترك ذلك، وأنه لو استطاع غيره لتركه، وهذه علة القدرية من هذه الأمة ~~ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((القدرية مجوس هذه الأمة )). PageV01P188 ### || AUTO باب حقيقة معرفة العدل # اعلم أن معنى قولنا: (إن الله عدل) هو أنه منزه عن صفات النقص في أفعاله، ~~وهو أنه لا يفعل القبيح، ولا يرضاه، ولا يحبه، ولا يريده، ولا يجبر العبد ~~عليه، ولا يكلف أحدا فوق طاقته، وأنه لا يمنع المكلف الاستطاعة، وأنه لا ~~يجور ولا يظلم أحدا، ولا يكذب، ولا يخلف الوعد والوعيد. # والدليل على أنه منزه عن هذه الصفات التي توجب النقص من طريق العقل أنه ~~قد ثبت أن الله عالم لنفسه، قادر، حكيم، غني، فثبت أن العالم القادر الحكيم ~~الغني لا يفعل القبيح، ولا يرضاه، ولا يأمر به، والعقل يشهد أن فعل القبيح ~~قبيح، وأن من أمر به أو رضي بفعله يكون كمن فعل القبيح. والعقل أيضا يحكم ~~ويشهد على أنه لا يفعل القبيح إلا من جهل قبحه، أو احتاج إلى فعل القبيح ~~لشهوة داعية، أو غضب مؤذ، أو طمع فيما لا يجوز، أو سفاهة أو سخف رأي، أو ~~استماع مشورة مضل أو جاهل. # فمن كان فيه بعض هذه الصفات لم يؤمن منه فعل القبيح، أو الرضى به، أو ~~الأمر به، مع ان فاعله وإن كان بهذه الصفات مذموما بفعله للقبيح، أو أمره ~~به، أو رضاه به. PageV01P189 # وكل مكلف من موحد أو ملحد يستحسن فعل الحسن ويحب أن يذكر به، ويستقبح ~~القبيح ويكره أن يذكر به. ألا ترى أن الملحد لو رأى صبيا يريد أن يتردى في ~~بئر أو في نار، أو يمد يده ليلزم حية، أنه يمنعه من ذلك، ويستحسن منعه، ~~ويستقبح تركه وإن لم يكن برحم؟ فإذا كان فعل القبيح يقبح بالعبد الجاهل ~~المحتاج الضعيف، فكيف لا يقبح من العالم الحكيم القادر؟ فوجب أن يكون ~~القديم ms080 تعالى منزها متعاليا عن فعل القبيح. لأنه تعالى عالم بقبح القبيح، ~~ولأنه غير محتاج إليه، لا لجر نفع إليه، ولا لدفع ضرر عنه، ولا لسخف رأي، ~~ولا لطمع فيما ليس له، ولا لمشورة مضل أو جاهل. فلما كان منزها عن فعل ~~القبيح، وكان الظلم والجور والكذب وخلف الوعد والوعيد، وفعل الفواحش وجميع ~~المنكرات قبيحا، والرضى بذلك والأمر به، صح أن الله تعالى لا يفعل شيئا من ~~ذلك ولا يرضى به ولا يأمر به، ولو فعل ذلك لدخل عليه من النقص والذم أكثر ~~مما يدخل على العبد؛ لأنه عالم لذاته، قادر لذاته، والعبد جاهل محتاج، فكان ~~ذم العبد أقل لجهله وحاجته. ألا ترى أن العالم الغني من الناس إذا فعل ~~قبيحا؛ كان ذمه عند الناس ولومه أكثر من ذم الجاهل الفقير إذا فعل مثل فعل ~~العالم؟ فصح أن الله تعالى لا يفعل ظلما ولا جورا، ولا يجبر الخلق على فعل، ~~ولا يكلف أحدا فوق طاقته، ولا يفعل قبيحا، ولا يريده، ولا يحبه، ولا يرضاه، ~~ولا يأمر به، ولا يكذب، ولا يخلف وعدا ولا وعيدا؛ قال عز من قائل: {إن الله PageV01P190 يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي ~~يعظكم لعلكم تذكرون}[النحل:90]، فصح أن الله عادل، وأنه منزه عن القبائح. # فإن اعترض علينا معترض في هذه الجملة فقال: إنه قد يوجد في خلق الله ~~القبيح والناقص، كالسباع والهوام والقمل والدود والذباب والبق، وما لا صلاح ~~ظاهرا في خلقه، وكالصورة القبيحة من الناس، وكمن يولد أعمى، أو أصم، أو ~~مقعدا، أو ناقصا في جوارحه، كأن يولد بغير يدين أو شبه ذلك. # قلنا: لا يلزمنا هذا الاعتراض؛ لأن فعل جميع هذه الأشياء حسن وليس بقبيح ~~-وإن قبح عند الجهال. فأما من أنصف عقله، وفكر في حكمة الله، ونظر في دقائق ~~التدبير فإن عقله يحكم بأن فعل هذه الأشياء التي يستقبح فعلها الجهال حسن ~~وصواب في الحكمة والتدبير، إما في الحال أو في المآل، وإما لها وإما ~~لغيرها. فإنك إذا نظرت وفكرت ms081 في خلق السباع والحيات والعقارب؛ وجدت في ~~خلقها وكونها مصالح للعبد؛ منها أنها تذكر بمصائب الآخرة وهوامها، ولعل ~~عبدا موقنا إذا رآها ذكرته العقاب ويوم الحساب فازدجر واتعظ. # ومنها أن من نظرها وفكر في حالها علم أنها بلية ابتلى الله بها العباد ~~ليصغر الدنيا في أعينهم ويزهدهم في نعمها، إذ لو كان فيها نعيم دائم لم يكن ~~فيها هذه الأشياء. PageV01P191 # ومنها أن من أراد السرى في ما لا يرضاه الله، وذكرها، امتنع من السرى من ~~خوفها. وهذه الأشياء تدل على أن فعل الله لها حسن وأنه غير قبيح. وكذلك ~~الدود والقمل والبق والبعوض والذباب وجميع ما يؤذي الإنسان فيها مصالح، ~~عرفها من عرفها، وجهلها من جهلها؛ وجملتها البلية والتذكير، وتصغير الدنيا ~~في أعين الناس. # فأما قبح خلق بعض الناس والنقصان الذي يكون فيه فليس ذلك بقبيح قطعا وإن ~~قبح في أعين الناس، بل هو حسن، وذلك أن المنقوص ينتفع بما نقص فيه في الحال ~~وفي المآل؛ أما في الحال فيمنعه النقصان عن ارتكاب المعاصي، وتصغر في عينه ~~الدنيا، ويخفف عليه التكليف. # وأما في المآل فإنه بلية ابتلاه الله بها، فإن صبر عليها عوضه الله في ~~الآخرة أفضل مما نقصه في الدنيا؛ من تمام الخلق والزيادة في الدرجات. # وكذلك من يكون خلقه جافيا يستقبحه الناس، فإذا صبر على البلية عوضه الله ~~أضعاف ذلك. وإذا رأى حسن الخلق الكامل قبيح الخلق أو الناقص وشكر الله ~~على حسن خلقه وتمامه زاده الله في الآخرة من الأجر والثواب، فكان النقصان ~~نافعا للمنقوص وغيره. # وكذلك جفا الخلق. ألا ترى أن العبد الزنجي غليظ الخلق قوي البنية وهو مع ~~ذلك راض بخلقه غير مستوحش من نفسه. فإذا نظر إليه الكامل العاقل المالك ~~لنفسه علم أن الله قد فضله عليه وأتم خلقه وأحسن إليه، فإذا علم ذلك وشكر ~~الله على ذلك استحق الأجر والزيادة بالشكر. وإذا صبر العبد وأطاع ربه جزاه ~~أيضا، وأعطاه عوض ذلك في الآخرة. PageV01P192 # واعلم أن الدنيا دار بلية وامتحان، والله يبتلي عباده بالخير ms082 والشر لعلهم ~~يرجعون. # وأيضا فإن أكثر العبيد المماليك لو ملكوا نفوسهم، وسلموا من الرق ~~واستخدام الأحرار لهم لخرجوا من الحدود ولظهر منهم البطر والأشر والضرر ما ~~لا يظهر من غيرهم، وهذه الأمور المؤذية موجودة فيهم إذا اجتمعوا في موضع مع ~~الرق، فكيف لو ملكوا أنفسهم. # وأيضا فإن في خلق الله كثيرا من الأشياء يدق علينا النظر فيها، ويخفى ~~علينا كثير من معانيه، بل إنا نقطع ونقول: إن الله حكيم، ولا يفعل الحكيم ~~شيئا إلا وفيه حكمة أو حكم. وقد يوجد في أفعال العقلاء من المكلفين ما يدق ~~ويخفى على أكثر الناس، وقد حكى الله ذلك من أفعال الأنبياء والصالحين؛ من ~~ذلك ما أخبر الله من أفعال الخضر عليه السلام حيث صحبه موسى عليه السلام ~~وقدم إليه أن لا يسأله عن أمر حتى يبينه له، ففعل فعالا استنكرها موسى ودق ~~عليه ولم يعلم معناها، وذلك قوله تعالى: {فارتدا على آثارهما قصصا ، فوجدا ~~عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما ، قال له موسى ~~هل أتبعك على أن تعلمني مما علمت رشدا ، قال إنك لن تستطيع معي صبرا ، وكيف ~~تصبر على ما لم تحط به خبرا ، قال ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك ~~أمرا ، قال فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك PageV01P193 منه ذكرا ، فانطلقا حتى إذا ركبا في السفينة خرقها قال أخرقتها لتغرق أهلها ~~لقد جئت شيئا إمرا ، قال ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا ، قال لا تؤاخذني ~~بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا ، فانطلقا حتى إذا لقيا غلاما فقتله قال ~~أقتلت نفسا زكية بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا ، قال ألم أقل لك إنك لن ~~تستطيع معي صبرا ، قال إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني ~~عذرا ، فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما ~~فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه قال لو شئت لاتخذت عليه أجرا ، قال ~~هذا فراق بيني وبينك سأنبئك ms083 بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا ، أما السفينة ~~فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كل ~~سفينة غصبا ، وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغيانا ~~وكفرا ، فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما ، وأما الجدار ~~فكان لغلامين يتيمين في PageV01P194 المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحا فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ~~ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك وما فعلته عن أمري ذلك تأويل ما لم تسطع عليه ~~صبرا}[الكهف:6482]، فكان هذه الفعال مما دق على موسى عليه السلام ولم يعلمه ~~حتى أعلمه الخضر عليه السلام بتأويله. # وكذلك فعل يوسف عليه السلام جعل السقاية في رحل أخيه، ثم أذن مؤذن: أيتها ~~العير إنكم لسارقون. وهم لم يسرقوا الصواع، وإنما سرقوا يوسف عليه السلام ~~وألقوه في الجب، وقد قيل: إنهم أيضا هم الذين باعوه بالدراهم المعدودة، ~~وذلك أنه لما عرس السفر عند البئر، فأتى رجل منهم يرد الماء، فأطلعه من ~~البئر، وكان إخوة يوسف في جبل قريبا منهم، فلما رأوهم أقبلوا إليهم وقالوا: ~~هو عبد، فباعوه إلى السفر بثمن بخس -كما قال الله تعالى- فكان فعال يوسف ~~عليه السلام ذلك من أمر الصواع مما دق على الناس. PageV01P195 # وكذلك فعل طالوت حيث بعثه النبيء شمؤول، حيث مر على النهر فقال: من شرب منه ~~فليس مني، ومن لم يطعمه فإنه مني؛ ولأنه لما خرج لجالوت وكثر جنده -وكان ~~منهم الصادق والمنافق- فخشي أن يتواكنوا ويفشلوا ويتنازعوا في الأمر ~~فينكسروا، فينكسر ولا يبلغون في عدوهم مبلغا، فأراد أن يتميز بعضهم من بعض ~~فامتحنهم بالنهر، وعلم أنه من صبر منهم على الظمأ فهو يصبر على [الحروب ~~و]القتل، ومن لم يصبر عن الماء لم يصبر في الحرب. وكان أيضا لا يمكنه ~~تمييزهم إلا بما فعل، ومثل ذلك كثير موجود في أفعال العقلاء، قال الشاعر: # يدق على الأفكار ما أنت صانع # فيترك ما يخفى ويؤخذ ما بدى # فإذا كان في أفعال الناس ما يدق على بعضهم -وكان ذلك حسنا- كان ذلك في ~~فعل ms084 الله أولى. # وقد جهل هذا المعنى أصحاب مطرف بن شهاب، فنفوا عن الله تعالى خلق بعض هذه ~~الأشياء التي يستقبحها الناس، مثل نقصان الخلق، واحتجوا بقول الله تعالى: ~~{لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم }[التين:4]، وقالوا: لم يقصد الله الخنثى ~~لكونها خنثى، وكذلك من ولد أعمى، أو مقعدا، أو أصم، أو بغير يدين، وقالوا: ~~ذلك من العوارض وليس بقصد من الله وعمد. وكذلك خلق الدود وشبهه. وقالوا: إن ~~الله قد فطر الأشياء؛ تحيل وتستحيل، ونسبوا ذلك إلى الفطرة والعوارض. وقد ~~قدمنا الكلام في أن الجمادات لا فعل لها. ولو صح ما قالوا لكانت الفطرة ~~مشاركة لله في الصنع، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. PageV01P196 # وإذا كان العقلاء من الملائكة عليه السلام والإنس والجن لو اجتمعوا ~~وتظاهروا على خلق بعوضة ما قدروا، ولا تم لهم ذلك، مع أنهم قد جعلهم الله ~~عقالا، أحياء قادرين، فكيف يصح للفطرة فعل وليست بعاقلة ولا حية ولا ~~قادرة؟! # وأما احتجاجهم بقول الله تعالى: {لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم} ~~فالمراد به الأعم والأكثر، ولم يرد الكل بل خص ناسا دون ناس، ومذهبنا بناء ~~العام على الخاص، قال الله تعالى: {والعصر ، إن الإنسان لفي خسر ، إلا ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات}[العصر:1-3]، فلو أراد به كل الناس لكان الطفل ~~من أهل الخسر، إذ لم يستثنه مع الذين آمنوا من الخسر فلا حجة لهم بهذه ~~الآية. وأيضا فقد قدمنا الحديث في أن الله لا يخلق قبيحا وإن قبح في أعين ~~الناس، فلعل ذلك المعنى دق عليهم علمه. ألا ترى أن الخنثى من أكثر الناس ~~بلية وحسرة، وأقلهم في الدنيا نعمة؛ لأنها ممنوعة من النكاح ومن مجالسة ~~الرجال -إلا من يحرم عليها- لو كانت امرأة؛ ومن مجالسة النساء -إلا من يحرم ~~عليه- لو كان رجلا، فهذا من أكبر البلايا والمحن، فإذا صبر وقدر على منع ~~نفسه عما حرم الله عليه كان له في الآخرة عند الله منزلة رفيعة وأجر عظيم، ~~ومن نظره أيضا من أهل الكمال، فشكر فله أجر كبير على شكره، ms085 ومن جهل هذه ~~الجملة فقد جهل خلق الله ونعمته وبليته، ومن جهل نعمة الله وبليته فقد جهله ~~وجهل لماذا خلق الخلق، وكفى بالجهل لذلك ذنبا وخطيئة. PageV01P197 ### ||| AUTO فصل في الكلام في اختلاف أهل القبلة في العدل وذكر ما أجمعوا ~~عليه وما اختلفوا فيه # (فإنهم) أجمعوا على القول: (أن الله عدل، وأنه منزه عن صفة النقص) لأنهم ~~جميعا يقولون لله: سبوح قدوس. وتأويله التنزيه له من صفات النقص. وأجمعوا ~~على أنه لا يظلم العباد، ولا يحب الفساد ولا يرضاه، وأجمعوا على أنه صادق ~~الوعد، وأجمعوا على أنه لا يكلف نفسا إلا وسعها، وأن المؤمن مخلد في الجنة، ~~وأن الكافر مخلد في النار. # واختلفوا في فعل العباد وفي الاستطاعة، وفي الوعيد وفي الإرادة، وفي ~~الهداية والإضلال. فعندنا وعند المعتزلة: أن أفعال العبد له خالصة، وأنها ~~لا تنسب إلى الله، وأنه لا يجبرهم على فعلها، ولا يأمر بالمعاصي، ولا يرضى بها. # وعند جهم بن صفوان ومن قال بقوله من الصفاتية: هي أفعال الله خالصة، وليس ~~للعبد فيها صنع وإنما هو كالظرف والوعاء. # وقالت النجارية والأشعرية: إن الله وعبده مشتركان في فعل العبد؛ فقالوا: ~~إن الله يخلق أفعال العباد، ويحدثها، والعبد مع ذلك مكتسب لفعله. # وقالت النجارية: هي فعله على الحقيقة. # وقالت الأشعرية: هي فعله على المجاز، وحجتهم قول الله تعالى: {الله خالق ~~كل شيء }[الزمر:62]، وقوله: {أتعبدون ما تنحتون ، والله خلقكم وما ~~تعملون}[الصافات:95،96]. PageV01P198 # وقد قدمنا الرد عليهم من المعقول أن الله منزه عن صفات النقص، وأي نقص أكبر ~~من أن يكون فاعلا لكل فاحشة ومنكر ومعروف وخير وشر، ولو صح ذلك لكان جائرا ~~ظالما عابثا؛ لأنه إذا كان يجبر العباد على أفعالهم كانوا مطيعين له كلهم، ~~وإذا أجبر العبد على الكفر ثم أدخله النار كان جائرا ظالما، وإذا نهى العبد ~~عن فعل شيء وجبره على فعله لكان عابثا -تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. ~~وكذلك إذا أمره بالإيمان، وسلبه الاستطاعة عليه يكون أيضا ظالما عابثا ~~-تعالى الله عما يقول المشبهون. # ونرد عليهم من ms086 المسموع: أما احتجاجهم بقول الله تعالى: {الله خالق كل ~~شيء} فهو خاص فيما خلق الله دون ما فعل العباد. كما قال تعالى في بلقيس: ~~{وأوتيت من كل شيء }[النمل:23]، المراد به خاص فيما يصلح لها، ويكون لمثلها ~~في عصرها؛ لأنها لم تؤت ذكرا ولا لحية، وقال الله تعالى: {وضرب الله مثلا ~~قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان}[النحل:112]، المراد ~~به من كثير من المواضع، وليس من جميع الأماكن حتى لا يبقى مكان لا يأتيها ~~رزقها منه، فسقط تعلقهم بهذا. PageV01P199 # واستدلوا أيضا على قولهم بقول الله تعالى: {قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك ~~من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء}[آل عمران:26]، ~~وتأويل الآية: أن الله تعالى يؤتي الملك من يستحقه وهو النبوءة والرسالة ~~والإمامة، كما قال تعالى: {الله أعلم حيث يجعل رسالته }[الأنعام:124]، ~~وينزعه ممن لا يستحقه، ويعز أولياءه ويذل أعداءه. # وأما ما حكى الله من قول إبراهيم: {أتعبدون ما تنحتون ، والله خلقكم وما ~~تعملون}[الصافات:95،96]، فالمراد به: الله خلقكم وخلق ما تنحتون، فسمى محل ~~الفعل فعلا، والمراد به محل الفعل، قال الله تعالى في عصا موسى عليه ~~السلام: {فإذا هي تلقف ما يأفكون }[الأعراف:117]، وهي لم تلقف أفعالهم، ~~وإنما تلقف محل الفعل. PageV01P200 # ومما يبين أن أفعال العباد منسوبة إليهم قول الله تعالى: {يومئذ يصدر الناس ~~أشتاتا ليروا أعمالهم ، فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ، ومن يعمل مثقال ذرة ~~شرا يره}[الزلزلة:6-8]، وقال تعالى: {ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ~~ولا هدى ولا كتاب منير ، ثاني عطفه ليضل عن سبيل الله له في الدنيا خزي ~~ونذيقه يوم القيامة عذاب الحريق ، ذلك بما قدمت يداك وأن الله ليس بظلام ~~للعبيد}[الحج:8-10]، وقال تعالى: {ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر للجوا ~~في طغيانهم يعمهون}[المؤمنون:75]، وقال تعالى: {والذين كفروا أعمالهم كسراب ~~بقيعة يحسبه الظمآن ماء...}الآية[النور:39]، وقال تعالى: {أفي قلوبهم مرض ~~أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله بل أولئك هم ~~الظالمون}[النور:50]، وقال تعالى حاكيا ms087 قول السحرة لفرعون: {إنا آمنا بربنا ~~ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر والله خير وأبقى}[طه:73]، ولم ~~يقولوا: وما أكرهنا عليه الله. وقال تعالى: {من جاء بالحسنة فله خير منها ~~ومن جاء بالسيئة فلا يجزى الذين عملوا السيئات إلا ما PageV01P201 كانوا يعملون}[القصص:84]، وقال تعالى: {فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا ~~أنفسهم يظلمون}[الروم:9]، وقال تعالى: {ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب ~~وهو يدعى إلى الإسلام والله لا يهدي القوم الظالمين}[الصف:7]، وقال تعالى: ~~{إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله وأولئك هم ~~الكاذبون}[النحل:105]، وهل يكون أحد أكذب ممن يفعل الفاحشة ثم يبرئ نفسه ~~وينزهها وينسبها إلى الله؟ وقد قال الله تعالى: {ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم ~~يرم به بريئا فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا}[النساء:112]، وهذا كثير في ~~القرآن، وقد قال الله تعالى: {براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من ~~المشركين }[التوبة:1]، والله لم يتبرأ من خلقهم ولا من رزقهم، فلم يبق إلا ~~أنه تبرأ من أفعالهم، فلو كان فاعلا لها لما تبرأ منها. وأيضا فلو كان ~~أفعال العباد من الله لما استحقوا عليها الثواب والعقاب في الآخرة، ولا ~~المدح والذم في الدنيا. PageV01P202 # وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((القدرية مجوس هذه ~~الأ مة))، وروي عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((القدرية خصماء الله ~~، وشهداء إبليس)) ومعنى شهداء إبليس أن الله حكى عنه أنه قال: {فبما ~~أغويتني }[الأعراف:16]، فنسب الإغواء إلى الله، ولم يفعل كذلك آدم عليه ~~السلام بل قال: {ربنا ظلمنا أنفسنا }[الأعراف:23]. # وروي عن النبيء صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((ينادي مناد يوم ~~القيامة: أين القدرية خصماء الله وشهداء إبليس، فتقوم طائفة من أمتي يخرج ~~من أفواههم دخان أسود)). # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: إضمنوا لي ستة أضمن ~~لكم الجنة: لا تظلموا عند قسم مواريثكم، ولا تغلوا غنائمكم، ولا تجبنوا عن ~~قتال عدوكم، وامنعوا ظالمكم من مظلومكم، وأنصفوا الناس من ms088 أنفسكم، ولا ~~تحملوا على الله ذنوبكم)). # وروي عن مكحول عن أبي هريرة أن رجلا من خثعم قام إلى النبيء صلى الله ~~عليه وآله وسلم فقال: متى يرحم الله عباده؟ قال: ((ما لم يعملوا بالمعاصي ~~ثم يزعمون أنها من الله تعالى، فإذا فعلوا ذلك انتزعت عنهم الرحمة انتزاعا. ~~قال الخثعمي: يا رسول الله، أيضل الرجل وهو يقرأ القرآن؟ قال: إذا قال هذا ~~القول طبع على قلبه)). # وروي عن أنس بن مالك قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ~~((ما هلكت أمة حتى يكون الجبر قولهم )). PageV01P203 # وعن أبي ذر رحمه الله عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ~~((يقول الله عز وجل: يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما ~~فلا تظالموا)). # واعلم أن القول بالعدل هو إجماع المهاجرين والأنصار، فمن ذلك: ما روي عن ~~أمير المؤمنين عليه السلام أنه لما انصرف من صفين، قام إليه شيخ من أهل ~~الحجاز، فقال: يا أمير المؤمنين أخبرنا عن مسيرنا إلى الشام أكان بقضاء ~~الله وقدره؟ فقال أمير المؤمنين عليه السلام: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ~~ما هبطنا واديا ولا علونا تلعة إلا بقضاء من الله وقدر. فقال الشيخ: في ~~الله أحتسب عنائي ومسيري، والله ما أحسب لي من الأجر شيئا. فقال أمير ~~المؤمنين عليه السلام: لقد عظم الله لكم الأجر في مسيركم وأنتم ذاهبون، وفي ~~منقلبكم وأنتم منصرفون، ولم تكونوا في شيء من حالاتكم مكرهين، ولا إليها ~~مضطرين. # قال الشيخ: كيف يكون ذلك والقضاء والقدر ساقانا، وعنهما كان مسيرنا؟ PageV01P204 # قال أمير المؤمنين عليه السلام: لعلك تظن قضاء لازما وقدرا حتما؛ لو كان ~~ذلك كذلك لبطل الثواب والعقاب، وسقط الوعد والوعيد، وما كانت تأتي من الله ~~لائمة لمذنب ولا محمدة لمحسن، وما كان المحسن أولى بثواب الإحسان من ~~المذنب، ولا المذنب أولى بعقوبة الذنب من المحسن، تلك مقالة إخوان الشيطان، ~~وعبدة الأوثان، وخصماء الرحمن، وشهداء الزور، وأهل البغي والفجور، هم قدرية ~~هذه الأمة ومجوسها، إن الله تعالى ms089 أمر تخييرا، ونهى تحذيرا، ولم يكلف ~~عسيرا، ولا بعث الأنبياء عبثا، ولا أرى عجائب الآيات باطلا {ذلك ظن الذين ~~كفروا فويل للذين كفروا من النار}[ص:27]. فقال: وما ذلك القضاء الذي ساقنا؟ ~~فقال أمير المؤمنين عليه السلام: أمر الله تعالى بذلك وإرادته له، ثم تلا ~~عليهم: {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا}[الإسراء:23]. # فنهض الشيخ مسرورا بما سمع وهو يقول: # أنت الإمام الذي نرجو بطاعته # يوم النشور من الرحمن رضوانا # أوضحت من ديننا ما كان مشتبها # جزاك ربك عنا فيه إحسانا # وروي أن أبا بكر سئل وهو على منبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن ~~الكلالة فقال: ما سمعت فيها شيئا، وسأقول فيها برأيي -فإن أصبت فالله ~~وفقني، وإن أخطأت فالخطأ مني، ومن الشيطان، والله ورسوله منه بريان- أراه ~~ما خلا الوالد والولد. فلما ولي عمر قال: أستحي أن أرد قضاء، قضى به أبو بكر. PageV01P205 # وروي أن كاتبا كتب عند عمر: هذا ما أرى الله عمر، فقال عمر: امحه، واكتب ~~هذا ما رأى عمر، فإن كان صوابا فمن الله، وإن يكن غير صواب فمن عمر. # وروي أن ابن مسعود سئل عن امرأة مات عنها زوجها، ولم يفرض لها صداقا ~~فقال: أقول فيها برأيي -فإن يكن صوابا فمن الله، وإن يكن خطأ فمني، ومن ~~الشيطان، والله ورسوله منه بريان- لها مثل صداق امرأة من نسائها، لا وكس ~~ولا شطط، ولها الميراث، وعليها العدة. # وروي عن علي بن عبد الله بن العباس قال: كنت جالسا عند أبي، فقال له رجل: ~~يا أبا العباس إن هاهنا قوما يزعمون أنهم أتوا من قبل الله تعالى، وأن الله ~~أجبرهم على المعاصي. فقال: لو علمت أن هاهنا أحدا منهم لقبضت على حلقه ~~فعصرته حتى تزهق نفسه. # وروي مثل ذلك في العدل عن جابر بن عبد الله، وحذيفة بن اليمان، وغيرهم، ~~وهو قول أهل البيت " والمعتزلة. # وروي أن الحجاج بن يوسف كتب إلى الحسن بن أبي الحسن البصري، وإلى واصل بن ~~عطاء، وإلى عمرو بن عبيد؛ يسألهم ms090 عن العقوبة على أفعال الشر، وهل هي من ~~أفعال الله تعالى، أو من أفعال الفاعلين؟ # فكتب إليه الحسن يقول: ما سمعت في ذلك إلا قول علي عليه السلام، فإنه ~~قال: (أترى الذي نهاك دهاك؟! إنما دهاك أسفلك وأعلاك، والله بريء من ذاك). # وكتب إليه واصل بن عطاء: ما سمعت فيه إلا قول علي عليه السلام، فإنه قال: ~~(أيدلك الطريق ويلزم عليك المضيق تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا). PageV01P206 # وكتب إليه عمرو بن عبيد: ما سمعت في ذلك إلا قول علي عليه السلام، فإنه ~~قال: (إذا كان القضاء حتما كانت عقوبة المأمور ظلما). # فلما وصلت الكتب وكلها مسندة إلى أمير المؤمنين عليه السلام قال: قاتلهم ~~الله، لقد أخذوها من عين صافية. # وروي أن أول من أظهر الجبر: معاوية -لعنه الله، فروي عنه أنه قام خطيبا ~~بالشام فقال: يا أهل الشام إنما أنا خازن من خزان الله، أعطي من أعطى الله، ~~وأمنع من منع الله. فقام إليه أبو ذر فقال: كذبت يا معاوية، إنك تعطي من ~~منعه الله، وتمنع من أعطاه الله. فقام عبادة بن الصامت فقال: صدق أبو ذر. ~~فقام أبو الدرداء فقال: صدق عبادة. قال: فنزل من المنبر وهو يقول: فنعم ~~إذا، فنعم إذا. # ومعاوية ممن لا يعتد بقوله؛ لأن العلماء من الأمة والفضلاء مجمعون على ~~فسقه، ومنهم من يعده كافرا مرتدا، ورووا فيه أخبارا عن النبيء صلى الله ~~عليه وآله وسلم. PageV01P207 # روي عن أبي سعيد الخدري وعبد الله بن مسعود وجابر بن عبد الله الأنصاري ~~وحذيفة بن اليمان؛ كلهم يروون عن النبيء صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ~~((إذا رأيتم معاوية يخطب على منبري فاضربوا عنقه)) قال: فلم يفعلوا فأذلهم ~~الله. وروي عن النبيء صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((إذا رأيتم معاوية ~~يطلب الملك فاضربوا عنقه)). وروي عن النبيء صلى الله عليه وآله وسلم أنه ~~قال: ((إن هذا يريد الأمر من بعدي -يريد معاوية- وأشار بيده إليه، فمن ~~أدركه منكم وهو يريده فليبقر بطنه)). وروي عن عبد ms091 الله بن عمر قال: تركت ~~أبي يتهيأ للمضي إلى النبيء صلى الله عليه وآله وسلم فدخلت على رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم فسمعته يقول: ((ليدخلن علي رجل يكون على غير ملتي ~~)) فرهبت أن يكون أبي فما زالت عيني إلى الطريق حتى دخل معاوية)). وروي أنه ~~مات وفي عنقه صليب. فمن قبل هذا أنه لا يقتدى بقوله. PageV01P208 ### ||| AUTO فصل في الكلام في الاستطاعة # اختلفوا في الاستطاعة قبل الفعل وبعده (ومعه): # فعندنا وعند علماء المعتزلة أن الاستطاعة قبل الفعل، والاستطاعة الواحدة ~~تكون على الشيء وضده، وإن الله لا يسلب عبده الاستطاعة على شيء ثم يأمره بفعله. # وقالت المجبرة من النجارية والجهمية والأشعرية: الاستطاعة مع الفعل، ~~وقالوا: الاستطاعة على الكفر هي غير الاستطاعة على الإيمان، ولا تكون ~~الاستطاعة على الشيء وضده، فمن كان مستطيعا للإيمان لا يكون مستطيعا للكفر، ~~ومن كان مستطيعا للكفر لا يكون مستطيعا للإيمان، ودليلهم أنهم قالوا: إنا ~~محتاجون إلى الله في كل وقت نحتاج فيه إلى الاستطاعة، فلما كانت حاجتنا ~~إليه عند كل فعل، والتمكين منه عند كل شيء، علمنا أن استطاعتنا مع فعلنا. ~~قالوا: ولأن أحدنا قد يريد الفعل قبل أن يريد الحركة، فإذا فعل تحرك، وإذا ~~تحرك فعل، فصح الاستطاعة مع الفعل. # وقال أبو حنيفة، ومن قال بقوله من المرجئة، (وابن النجار) وابن التمار، ~~ومن قال بقوله من الزيدية: الاستطاعة مع الفعل، والشيء الذي يفعل به ~~الإيمان هو الشيء الذي يفعل به الكفر، وعلتهم: أن الكافر لما أمر بالإيمان، ~~حول القوة والحركة التي كان يستعملها في الكفر. # وقال أبو حنيفة: الأمر مع الفعل. # وقال ابن التمار: الأمر قبل الفعل، وهو مشغول مع الفعل، ودليله: أنك لا ~~تفعل فعلين في وقت واحد. PageV01P209 # وقال صاحب الطاق، وهشام الجواليقي: الاستطاعة قبل الفعل، ولا يكون الفعل ~~إلا أن يشاء الله؛ وعلتهم: أن أحدا لا يفعل في سلطان الله شيئا إلا أن يشاء ~~الله ذلك. # وقال هشام بن جرول: الاستطاعة مثل الفاس والدلو والإبرة. # وقالت الفضلية -وهم أصحاب فضيل الرقاشي- والشمرية ms092 -وهم أصحاب أبي شمر- ~~والميمونية -وهم صنف من الخوارج-: الاستطاعة قبل الفعل، وإنما هي سلامة ~~الجوارح. # وقال بشر بن المعتمر، ومن قال بقوله: الاستطاعة قبل الفعل، وهي عرض، وهي ~~السلامة وحدها، [قال] وعند الله عون أعطاه أولياءه ومنعه أعداءه، ودليله ~~قوله تعالى: {إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها ~~خاضعين}[الشعراء:4]، وقال تعالى: {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ~~}[الأنعام:125]،. # وقال أبو الهذيل العلاف، ومن قال بقوله: الاستطاعة قبل الفعل، وهي عرض من ~~الأعراض، ودليله أن الاستطاعة لا تبقى زمنين لأنه إذا فعل الفعل كان غير ~~محتاج إلى الاستطاعة يفعل بها الفعل الموجود. # وقال معمر: الاستطاعة قبل الفعل، والبدن موات يفعل بالطبيعة، والإنسان ~~يفعل بالاختيار. # وقال حفص الفرد، وصالح قبة: الاستطاعة قبل الفعل، وهي مع الفعل. # وقال بعض الإمامية، منهم أبو مالك الحضرمي: الاستطاعة مع الفعل له، ~~ولتركه، وقبل الفعل. PageV01P210 # وقال ضرار بن عمرو ومن قال بقوله: الاستطاعة قبل الفعل، وهي بعض الإنسان، ~~ودليله على أنها بعض الإنسان؛ أنه لما رأى الإنسان لا ينفك من لون وطعم ~~ورائحة ومحسة وسمع وبصر وقوة وعجز، فلما كان اللون بعضه كذلك كان العجز ~~والقوة بعضه. # وقال إبراهيم النظام: أنت مستطيع قبل الفعل، وأحال أن تكون الاستطاعة غير ~~المستطيع، وعلته أنه لو كانت الاستطاعة غيره لكانت مفسدة عليه ولكانت غير ~~معينة له. # وللمتكلمين في هذا كلام طويل، ونحن عمدنا في كتابنا هذا [إلى] الاختصار. # ونحن نقول: إن الاستطاعة قبل الفعل، وهي جسم وعرض. فالجسم هو الحواس ~~واللسان واليدان والرجلان وسائر الجوارح، والعرض قوة النفس، وهي قبل الفعل، ~~فإذا أراد الفعل تحركت له النفس. PageV01P211 # وقوة النفس عرض حال في الجسم، يتناول بها المعصية كما يتناول بها الطاعة، ~~والعبد قادر بها على الفعل، قادر بها على تركه؛ ولأن الله قد جعلها في ~~العبد وجعله مالكا لها ولم يجعلها مالكة له، ومكنه بها على فعل الطاعة التي ~~خلقه لها، وجعله مستطيعا بها على فعل المعصية ليبلوه، ولولا ذلك ما استحق ~~الحمد والثواب على فعله ms093 للطاعات ولزوم نفسه عن المنكرات، ولما استحق الذم ~~والعقاب على فعله للمحرمات وتركه للواجبات. ولو كانت الاستطاعة مع الفعل، ~~وكانت الاستطاعة على الشيء ولا تكون على ضده؛ كان الله قد كلف ما لا يطاق، ~~ولو كلف العبد ما لا يطيقه لكان (ذلك) ظلما وعبثا. ألا ترى أنه لو كلف ~~العاصي الطاعة وسلبه الاستطاعة ثم عذبه لكان ظلما؟ تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. # والدليل على أن الاستطاعة جسم وعرض أنه لولا الآلة لم يكن الإنسان ~~مستطيعا بقوة النفس، ولولا قوة النفس لم يكن مستطيعا بالجوارح، وقد تكون ~~الاستطاعة قوة النفس، والآلة مستطيعة. # ومما يدل على أن الاستطاعة قبل الفعل أن سلطانا لو كلف نجارا، أو صائغا، ~~أو حدادا، على عمل من الأعمال وليس لأيهم شيء من آلات الصناعة، ولا قوة ~~نفوس؛ أنه لا يتم لهم صنع شيء مما كلفهم عليه إلا أن تكون قد حصلت لهم ~~الآلة والقوة. ألا ترى أنه كلفهم ما لا يطيقون، وظلمهم في تكليفه لهم ~~المعسور. وكذلك الطفل إذا كلف عمل شيء يكون من يكلفه ما لا يطيق ظالما. PageV01P212 # وكذلك إذا كلف الله عبدا عمل شيء، ولم يكن قد أعطاه الاستطاعة عليه يكون ~~ظالما في تكليفه للعبد ما لا يطيق، وأعظم من ذلك: أن يسلب الكافر الاستطاعة ~~على الإيمان ثم يعذبه ويتوعده بأصناف العذاب إذا لم يفعل ما لا يطيق، فهل ~~هذا إلا صريح الظلم وخلاف العدل؟! تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا؛ قال الله ~~تعالى: {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا}[آل عمران:97]. وروي ~~عن النبيء صلى الله عليه وآله وسلم أنه سئل عن الاستطاعة على الحج فقال: ~~((هي الزاد والراحلة )). ألا ترى أنه لم يجب إلا بعد حصول الاستطاعة، وأن ~~الله تعالى ما كلف الحج إلا من استطاع إليه؟ فصح أن الاستطاعة قبل الفعل، ~~وقال الله تعالى: {فاتقوا الله ما استطعتم }[التغابن:16]، وقال تعالى: {لا ~~يكلف الله نفسا إلا وسعها }[البقرة:286]، وقال تعالى: {ليس على الأعمى حرج ~~ولا على الأعرج حرج ولا ms094 على المريض حرج}[النور:61]، وقال تعالى: {يريد الله ~~بكم اليسر ولا يريد بكم العسر}[البقرة:185]، وقال تعالى: {وما ربك بظلام ~~للعبيد }[فصلت:46]، وأبو حنيفة والشافعي يوافقاننا في أن الاستطاعة على ~~الحج قبل الفعل -وهو الزاد والراحلة- فصح أن الاستطاعة قبل الفعل، وأن الله ~~لا يكلف المعسور. PageV01P213 ### ||| AUTO فصل في الكلام في الوعد والوعيد # أما الوعد فلا خلاف بين أهل القبلة فيه، وإنما اختلفوا في صدق الوعيد. # فعندنا، وعند المعتزلة؛ أن الله صادق الوعيد، كما أنه صادق الوعد، وأن من ~~مات مصرا على معصية أنه مخلد في النار وإن كان من أهل القبلة. # وقالت الحشوية، والمرجئة: لا يستحق أهل القبلة العذاب، واستدلوا بقول ~~الله تعالى: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن ~~يشاء}[النساء:48]، ونفوا المنزلة بين المنزلتين. وقالوا: الناس مؤمن وكافر، ~~وحجتهم قول الله تعالى: {هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن ~~}[التغابن:2]. # وقالت المرجئة: يجوز أن يعذبهم، ويجوز أن يعفو عنهم، وهو قول بعض ~~المعتزلة، وعلتهم أنهم قالوا: ليس العفو بقبيح، ألا ترى أن إنسانا لو توعد ~~عبده بالعذاب والضرب، والحبس ثم قدر عليه وعفا عنه أن ذلك لا يكون قبيحا. # واستدلوا عليه بقول الشاعر: # وإني إن أوعدته أو وعدته # لمخلف إيعادي ومصدق موعدي # وقد روي أن عمرو بن عبيد رحمه الله تناظر هو ورجل من المرجئة، فاحتج ~~المرجئ بقول الشاعر: # لمخلف إيعادي ومصدق موعدي # فاحتج عليه عمرو بن عبيد بقول الله تعالى: {ونادى أصحاب الجنة أصحاب ~~النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا قالوا ~~نعم}[الأعراف:44]. # وبقول الشاعر: # إن أبا ثابت لمجتمع الرأي PageV01P214 شريف الآباء والبيت # لا يخلف الوعد والوعيد # ولا يصبح من ثاره على فوت # وقال قوم من المرجئة: يعذبه الله في النار ثم يخرجه. استدلوا بما روي: ~~((يخرج رجل من النار قد ذهب حبره وسبره )). # فنقول: إن من دخل الجنة لا يخرج منها أبدا، وهذا مجمع عليه؛ فكذلك من دخل ~~النار لا يخرج منها أبدا. # فأما قول الله تعالى: ms095 {ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود ، وما ~~نؤخره إلا لأجل معدود ، يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه فمنهم شقي وسعيد ، ~~فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق ، خالدين فيها ما دامت ~~السماوات والأرض إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد ، وأما الذين سعدوا ~~ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير ~~مجذوذ}[هود:103-108]، فإن الاستثناء هاهنا من الحكم في الدنيا للشقي باسم ~~الشقاء، وللسعيد باسم السعادة. وليست المشيئة بمستثناة من الخلود، وإنما هي ~~مستثناة ممن حكم له في الدنيا باسم، ثم رجع عما كان عليه. تقديره: فأما ~~الذين حكم عليهم باسم الشقاء في الدنيا، ففي النار خالدين فيها، إلا أن ~~يتوبوا في الدنيا. فهذا الاستثناء هو المراد بقوله: {إلا ما شاء ربك}. ~~وكذلك في الذين سعدوا تقديره: وأما الذين كتب لهم اسم السعادة في الدنيا، ~~ففي الجنة خالدين فيها PageV01P215 ما دامت السماوات والأرض، إلا أن يخرجوا من الطاعة إلى المعصية في الدنيا. ~~وهو المراد بقوله: {إلا ما شاء ربك}. # ومما يؤيد ذلك أن الذين سعدوا لا يخرجون من الجنة أبدا إذا ماتوا سعداء ~~بالإجماع. فلو جاز خروج أحد من النار، جاز خروج من يدخل الجنة؛ لأن ~~الاستثناء هاهنا في ذكر الجنة والنار. فبطل تعلقهم بهذه الآية. # وقد قيل: [إن] معنى {إلا ما شاء ربك} المراد به: وقت الحساب. # وأما الخبر الذي رووه عن النبيء صلى الله عليه وآله وسلم فهو خبر ضعيف؛ ~~لأنه من خبر الآحاد، وإن صح فالمراد به: من حكم له بأنه من أهل النار ثم ~~تاب في الدنيا خرج مما حكم عليه به. # ويدل على هذا التأويل ما روي عن النبيء صلى الله عليه وآله وسلم أنه سمع ~~مؤذنا يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله. فقال صلى ~~الله عليه وآله وسلم: ((خرج من النار )). PageV01P216 # ونحن نعارضهم بالكتاب والسنة، قال الله تعالى: {ومن يقتل مؤمنا متعمدا ~~فجزاؤه جهنم خالدا فيها ms096 وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا ~~عظيما}[النساء:93]، وقال تعالى: {وإن الفجار لفي جحيم ، يصلونها يوم الدين ~~، وما هم عنها بغائبين}[الإنفطار:14-16]، وقال تعالى: {ما يبدل القول لدي ~~وما أنا بظلام للعبيد}[ق:29]، وقال تعالى: {إن المجرمين في عذاب جهنم ~~خالدون }[الزخرف:74]، وقال تعالى: {ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله ~~نارا خالدا فيها وله عذاب مهين}[النساء:14]، وقال تعالى: {بلى من كسب سيئة ~~وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون}[البقرة:81]، ومعنى ~~قول الله تعالى: {إن الله يغفر الذنوب جميعا }[الزمر:53] المراد به مع ~~التوبة؛ لأنه ذكر عقيب هذه الإنابة بقوله: {وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من ~~قبل أن يأتيكم العذاب}[الزمر:54]، فشرط التوبة. وروي عن أبي هريرة قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده ~~يجأ بها بطنه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا، ومن تردى من جبل فقتل ~~نفسه فهو يتردى في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا، ومن تحسى سما فقتل نفسه ~~فهو يتحساه في نار PageV01P217 جهنم خالدا فيها مخلدا أبدا)). وروي عن النبيء صلى الله عليه وآله وسلم أنه ~~قال: ((إياكم والزنا ، فإن فيه أربع خصال: يذهب بالبهاء من الوجه، ويقطع ~~الرزق، ويسخط الرحمن، ويخلد في النيران)). وروي عن النبيء صلى الله عليه ~~وآله وسلم أنه قال: ((من تعلم العلم ليباهي به العلماء ، ويمارى به ~~السفهاء، أو يباهي به في المجالس لم يرح رائحة الجنة)). وروي في الأخبار: ~~((يؤمر بالعالم الفاسق إلى النار قبل عبدة الأوثان. ويقال: ليس من يعلم كمن ~~لا يعلم)). # وروي عن النبيء صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((لا يقطع رجل حق امرئ ~~مسلم بيمينه إلا حرم الله عليه الجنة، وأوجب له النار، فقال رجل من القوم: ~~يا رسول الله وإن كان شيئا يسيرا؟ قال: وإن كان سواكا من إراك)). وروي عن ~~النبيء صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((تحرم الجنة على أربعة : المنان، ~~والغياب، والنمام، ومدمن الخمر)). فبطل ما قالوا. # فإن اعترض ms097 معترض علينا فقال: ليس من العدل أن يعصي العبد عند اقتراب أجله ~~فيعذبه الله بمعصية واحدة صادفت موته، ويخلد في النار ما دامت السماوات ~~والأرض، وهو من أهل القبلة. PageV01P218 # قلنا: ليس هذا بلازم لنا؛ لأنهم مجمعون معنا على أن إنسانا لو كفر وقت ~~بلوغه -وهو من أولاد المشركين- ثم صادف ذلك موته، أنه يكون في النار خالدا ~~مخلدا فيها، مع أنهم قالوا: أطفال المشركين في النار، ولسنا نقول به. فإذا ~~كان هذا كفر عند بلوغه فدخل النار بكفره، فالذي يعصي ربه مع معرفته به ~~وبالحلال والحرام أحق بالعذاب والنكال، لما روي: ((يؤمر بالعالم الفاسق إلى ~~النار قبل عبدة الأوثان. ويقال: ليس من يعلم كمن لا يعلم)). # ويؤيد ذلك أن الكافر يعصي الله وهو يظن أنه لا يراه، والمسلم العالم يعصي ~~الله وهو يعلم أنه يراه، فلا يحتشم منه، ولا يمتنع من فعل الفاحشة، ولو علم ~~أن إنسانا يراه -رفيعا أو وضيعا- لاحتشم منه، وامتنع من مواقعة الفاحشة. ~~ألا ترى أنه لا يحتشم من ربه، واحتشم من أشر خلقه، فجعل ربه أهون الناظرين ~~إليه، فهذا يخلد في النيران، ويكون حقيقا بالخزي، والهوان. PageV01P219 # وأما احتجاجهم بقول الله تعالى: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ~~ذلك لمن يشاء}[النساء:48]، فإن المراد به الصغائر، والتوبة أيضا من ~~الكبائر؛ والدليل على ذلك قول الله تعالى: {الذين يجتنبون كبائر الإثم ~~والفواحش إلا اللمم إن ربك واسع المغفرة}[النجم:32]، فأخبر أنه واسع ~~المغفرة؛ لمن اجتنب كبائر الإثم والفواحش، وأنه لا يغفر الفواحش والكبائر؛ ~~إلا لمن تاب لقوله تعالى: {وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى ~~}[طه:82]، وقوله: {وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم }[الرعد:6]، المراد ~~به إذا تابوا وأخلصوا، وذلك موجود في القرآن كثير. PageV01P220 ### ||| AUTO فصل في الكلام في المنزلة بين المنزلتين # فعندنا، وعند المعتزلة أن الفاسق ليس بمؤمن، ولا كافر جحود، بل هو كافر نعمة. # وقال حسين النجار، ومن قال بقوله، والأشعرية: الفاسق فاسق بفسقه، مؤمن ~~بإيمانه، والإيمان عندهم هو التصديق بالقلب. # وذهبت ms098 الخوارج إلى أنه مشرك. # وقال الحسن البصري: هو منافق، واستدلوا بقول الله عز وجل: {لا يصلاها إلا ~~الأشقى ، الذي كذب وتولى}[الليل:15،16]، وقد قال: {إن الذين يأكلون أموال ~~اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا}[النساء:10]، فأوجب ~~لهم النار، وقد أخبر أنه لا يصلاها إلا الأشقى الذي كذب وتولى، فعلمنا أنهم ~~مكذبون، ولقوله: {وإن جهنم لمحيطة بالكافرين }[التوبة:49]. # وحجة النجارية والأشعرية: أن إنسانا كافرا لو صدق بقلبه بالله وبكتبه ~~وملائكته ورسله واليوم الآخر ثم مات أنه يموت مؤمنا. PageV01P221 # فنقول: إن اسم المؤمن منقول من اللغة إلى العرف؛ لأن الإيمان في اللغة هو ~~التصديق، فنقل إلى اسم الدين، فمن اعتقد بقلبه ما جاء به رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم وأقر به بلسانه وعمل به كان مؤمنا، فصار هذا الاسم ~~منقولا إلى العرف. ومثل ذلك: اسم الصلاة كان موضوعا في اللغة للدعاء فنقلت ~~إلى الصلاة المخصوصة، ومن ذلك الغائط، والدابة، وأمثال ذلك. واسم الكفر في ~~اللغة كان موضوعا للتغطية، فنقل إلى من جحد وكذب وكفر؛ وكذلك اسم الفاسق؛ ~~كان في اللغة لخروج الشيء من موضعه، كما يقال للفأرة إذا خرجت من جحرها: ~~فويسقة. وإذا خرجت النواة من الرطبة قيل: فسقت النواة، أي خرجت، فنقل إلى ~~اسم العاصي المتهتك، وكان في العرف اسم المؤمن مدحا له، ألا ترى أن من مدح ~~إنسانا قال: هو مؤمن؟ واسم الكافر ذم له، وكذلك اسم الفاسق. ويد على ذلك: ~~أن الكافر والفاسق يغضبان إذا قيل لهما: يا كافر، ويا فاسق، ويكرهان ذلك، ~~وأن المؤمن يحب أن يقال له: يا مؤمن، ويرضى به، فلما صح أن الفاسق مذموم ~~بفسقه، صح أنه لا يكون مذموما محمودا في وقت واحد؛ ولأن المدح والذم ضدان، ~~ولا يجتمع ضدان في وقت واحد ومحل واحد، كما لا يجتمع السواد والبياض في محل واحد. PageV01P222 # فأما قول العرب والمتكلمين من العلماء في أن الفرس [إذا] داخل فيه البياض ~~والسواد واجتمعا سمي أبلق، ولا يسمى أبلق بأحدهما؛ فإن مرادهم إذا كان بعض ~~جسد الفرس ms099 أبيض وبعضه أسود؛ لأن السواد والبياض لو اجتمعا في موضع واحد لم ~~يكونا سوادا ولا بياضا، وكانا لونا آخر، فصح أن الفاسق لا يجتمع فيه الحمد ~~والذم معا، ولا يبقى له اسم الإيمان تاما، ولا يكون كافرا جاحدا بل يكون ~~كافر نعمة؛ قال الله تعالى: {ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا ~~}[إبراهيم:28]. # والمؤمن عندنا من اعتقد بقلبه التصديق بالله وبملائكته وكتبه ورسله، ~~واليوم الآخر، وما جاء به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأقر به ~~بلسانه، وعمل ما أمر بعمله من الطاعات، واجتنب ما نهي عنه من المنكرات، فمن ~~اجتمع فيه ما ذكرنا فهو مؤمن. PageV01P223 # والدليل على ما قلنا من كتاب الله قوله عز من قائل: {قد أفلح المؤمنون ، ~~الذين هم في صلاتهم خاشعون ، والذين هم عن اللغو معرضون ، والذين هم للزكاة ~~فاعلون ، والذين هم لفروجهم حافظون ، إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم ~~فإنهم غير ملومين ، فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون ، والذين هم ~~لأماناتهم وعهدهم راعون ، والذين هم على صلواتهم يحافظون ، أولئك هم ~~الوارثون ، الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون}[المؤمنون:1-11]، وقال: ~~{إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم ...}الآية[الأنفال:2]، وقال ~~تعالى: {والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا ونصروا ~~أولئك هم المؤمنون حقا}[الأنفال:74]، وقال تعالى: {قالت الأعراب آمنا قل لم ~~تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم وإن تطيعوا الله ~~ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئا إن الله غفور رحيم ، إنما المؤمنون الذين ~~آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله ~~أولئك هم الصادقون} PageV01P224 [الحجرات:14،15]، وقال تعالى: {بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ~~}[الحجرات:11]، وقال تعالى: {ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم ~~وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان}[الحجرات:7]، وقال تعالى: {منهم ~~المؤمنون وأكثرهم الفاسقون }[آل عمران:110]، وقال تعالى: {ياأيها الذين ~~آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه...} إلى قوله: {واستشهدوا ~~شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء ~~أن ms100 تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى}[البقرة:282]، فأمر المؤمنين ~~بالإشهاد. ثم نهى عن قبول شهادة الفاسق؛ فقال في من قذف، ولم يأت بالشهداء: ~~{ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون}[النور:4]، وقال: {ياأيها ~~الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ~~ما فعلتم نادمين}[الحجرات:6]، وقال تعالى في صفة النبيء صلى الله عليه وآله ~~وسلم: {حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم }[التوبة:128]، وقال في صفة ~~المؤمنين: {أشداء على الكفار رحماء بينهم }[الفتح:29]، ثم قال في الزاني، ~~والزانية: {ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن PageV01P225 كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر}[النور:2]. وروي عن رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم أنه قال: ((لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ، ولا يشرب ~~الخمر وهو مؤمن، قالوا: يا رسول الله، كيف يفعل إذا وقع شيء من ذلك؟ قال: ~~إن راجع التوبة راجع الإيمان، وإن لم يتب لم يكن مؤمنا)). # وروي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه سئل عن البغاة -أهل النهروان- ~~فقيل له: أكفار هم؟ قال: (من الكفر هربوا)، فقيل: أمؤمنون هم؟ قال: (لو ~~كانوا مؤمنين ما قاتلناهم، ولكنهم إخواننا بالأمس بغوا علينا). فصح أن ~~البغاة ليسوا بمؤمنين ولا كافرين، وأن لهم منزلة بين المنزلتين. # ونقول: إنهم من أهل النار مخلدون فيها، وعذاب الكفار أشد من عذابهم، ولا ~~يحكم عليهم باسم النفاق؛ لأن المنافق مقر في الظاهر، مستحل في الباطن، وحكم ~~الفاسق في الدنيا حكم المؤمن إلا في الموالاة والمعاداة والشهادات ~~وأمثالها، فإنه يجب أن يتبرأ منه ولا يوالى، لكنه يرث ويورث، وينكح وينكح، ~~ويدفن في مقابر المسلمين. # وقد اختلف أهل البيت" في ذبيحته؛ فمنهم من نهى عنها، ومنهم من أجازها، ~~وأنا لا أريدها ولا أجعلها ميتة؛ لأنه ليس بمؤمن ولا بكافر جاحد، هذا إذا ~~كان مقيما للصلاة مؤتيا للزكاة غير مدمن خمر. PageV01P226 # وأما إذا كان متهتكا فذبيحته ميتة لا يجوز أكلها. وقد ذكر الهادي عليه ~~السلام أنه لا بأس بذبيحة الفاسق ما لم يبلغ فسقه الكفر. وقال في مسائل ~~الطبريين: وسألت عن ms101 رجل يعرف العدل والتوحيد، وهو يشرب الخمر هو وامرأته، ~~أو يكذب، أو يستحل مال مسلم فقلت: هل يجوز أكل ذبيحته؟ # واعلم رحمك الله أن من شرب الخمر أو استحل أموال المسلمين، فليس هو عند ~~من عرف الحق من المؤمنين، ومن لم يكن من المؤمنين، فأفعاله كلها أفعال ~~أضداد المسلمين، ومن كان ضدا للمسلمين فلا يجوز أكل ذبيحته لأحد من ~~المؤمنين. PageV01P227 ### ||| AUTO فصل في الكلام في الهداية والإضلال # اختلف الناس في الهداية والإضلال. # فذهب الذين قالوا: الاستطاعة مع الفعل، وسائر المجبرة إلى أن الله أجبر ~~المهتدين على الهدى، وأجبر الضالين على الضلال؛ واستدلوا بظاهر قول الله ~~تعالى: {كذلك يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء }[المدثر:31]. # وعندنا وعند المعتزلة: أن الهدى من الله على ثلاثة وجوه: # فهدى تفضل ابتدأ الله به المكلفين، يستوي فيه المؤمن والكافر، والبر ~~والفاجر؛ وهو العقل الضروري الذي هو استحسان الحسن واستقباح القبيح. قال ~~الله تعالى: {إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا}[الإنسان:3]، وقال ~~تعالى: {ألم نجعل له عينين ، ولسانا وشفتين ، وهديناه ~~النجدين}[البلد:8-10]، فهذا هو الهدى المبتدا، وهو حجة الله على العبد. PageV01P228 # وكذلك الكتاب، والرسول، هدى الله بهما الناس؛ قال تعالى في الكتاب: {شهر ~~رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى ~~والفرقان}[البقرة:185]، وقال في الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: {هو الذي ~~بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب ~~والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين...} إلى قوله: {ذلك فضل الله يؤتيه ~~من يشاء}[الجمعة:2-4]، وقال تعالى: {وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم ~~}[الشورى:52]، فصح أنه هدى [أي القرآن] من الله تفضل به على جميع عباده، ~~وقال تعالى: {هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ~~ولو كره المشركون}[الصف:9]. PageV01P229 # والثاني: هدى جزاء وهو الجنة، قال الله تعالى: {والذين قاتلوا في سبيل الله ~~فلن يضل أعمالهم ، سيهديهم ويصلح بالهم ، ويدخلهم الجنة عرفها ~~لهم}[محمد:4-6]، ولأن الذين قاتلوا، قد قتل منهم في الحال قوم، فصح أن ~~الهدى الذي وعدهم الله في ms102 الآخرة؛ لأنهم لم يبقوا لهداية الدنيا. وقد قرأ ~~أبو عمرو: {والذين قتلوا في سبيل الله ...}الآية. ومما يؤكد هذا قول الله ~~تعالى: {إنك لا تهدي من أحببت }[القصص:56]، أراد به هدى الجزاء على ~~الحقيقة؛ لأنه لا يثيب من أحب في الآخرة. # فلو كان المراد بالهداية هاهنا في الدنيا، لكان هذا مخالفا للكتاب ~~والسنة، ناقضا للأصول؛ لأنه قد هدى في الدنيا من أحب ومن لم يحب، وأثاب ~~أيضا في الدنيا من أحب، فصح أن المراد: أنك لا تثيب في الآخرة من أحببت، ~~وصح أن الجزاء يسمى هدى، وقول الله تعالى: {إن الله لا يهدي القوم الظالمين ~~}[المائدة:51]، وقوله: {إن الله لا يهدي القوم الفاسقين }[المنافقون:6]، ~~فهو يريد هداية الثواب؛ لأنه قد هداهم في الدنيا فلم يهتدوا، قال عز من ~~قائل: {وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى }[فصلت:17]. PageV01P230 # والثالث: هدى زيادة في الثواب في الآخرة، وتوفيق وتسديد في الدنيا، قال ~~الله تعالى: {والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم}[محمد:17]، وقال ~~تعالى: {ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله والله يرزق من يشاء ~~بغير حساب}[النور:38]، وقال تعالى: {ومن يؤمن بالله يهد قلبه ~~}[التغابن:11]، فصح أن الزيادة على الأجر تسمى هدى. وقوله تعالى: {وآتاهم ~~تقواهم} يريد ثوابهم. # فأما التوفيق والتسديد في الدنيا فهو مثل قوله: {ولكن الله حبب إليكم ~~الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم ~~الراشدون ، فضلا من الله ونعمة}[الحجرات:7،8]، فبين أنه فضل، والفضل غير ~~الجزاء. PageV01P231 # وأما الإضلال من الله تعالى، فلا يكون من الله تعالى إضلال لأحد، إلا أن ~~يكون جزاء على معصية، قال الله تعالى: {يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما ~~يضل به إلا الفاسقين ، الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر ~~الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك هم الخاسرون}[البقرة:26،27]، وقال ~~تعالى: {كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق وجاءهم ~~البينات والله لا يهدي القوم الظالمين}[آل عمران:86]، وقال تعالى: {كلا بل ~~ران على قلوبهم ما كانوا ms103 يكسبون}[المطففين:14]، فصح أن الإضلال من الله ~~جزاء للفاسقين على فسقهم. ويؤيد ذلك قول الله تعالى: {ونقلب أفئدتهم ~~وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم ~~يعمهون}[الأنعام:110]، وكذلك الطبع والختم بكونان أيضا من بعد الكفر والفسق ~~جزاء لهم على كفرهم وفسقهم، قال الله تعالى: {إن الذين كفروا سواء عليهم ~~أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون ، ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى ~~أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم}[البقرة:6،7]، وقال تعالى: {ومنهم من يستمع ~~إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين PageV01P232 أوتوا العلم ماذا قال آنفا أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا ~~أهواءهم}[محمد:16]، فدل على أنه جزاؤهم لاتباعهم أهواءهم. # وقد ذكر بعض مشائخ المعتزلة: أن الطبع والختم سمة وعلامة جعلها الله في ~~قلوب الكافرين والفاسقين يعرفهم بها الملائكة "، قالوا: لأن الختم والطبع ~~في الشاهد لا يمنع من الكسر. # وقال سائر المعتزلة: الإضلال من الله حكم، وكذلك الختم والطبع، وأنشدوا ~~عليه قول الكميت بن زيد: # وطائفة قد كفروني بجمعهم # وطائفة قالوا مسيء ومذنب # ومما يدل على أن الهداية من الله جزاء، وأن الإضلال من الله جزاء ما روي ~~عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((ألا إنه من زهد في الدنيا ~~وقصر فيها أمله أعطاه الله علما بغير تعلم، وهدى بغير هداية، ألا ومن رغب ~~في الدنيا وأطال فيها أمله أعمى الله قلبه على قدر رغبته فيها)). # والذي يدل على صحة ما ذهبنا إليه من أن الإضلال من الله لأعدائه هو ~~الجزاء على عصيانهم قوله تعالى: {إن المجرمين في ضلال وسعر ، يوم يسحبون في ~~النار على وجوههم ذوقوا مس سقر}[القمر:47،48]، فصح أن الإضلال هو العذاب، ~~وهو جزاء لهم بما فعلوا. PageV01P233 # وأما قول الله تعالى: {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن ~~يضله يجعل صدره ضيقا حرجا}[الأنعام:125]، فالمراد به ما ذكرنا من الجزاء، ~~والزيادة في الدنيا للمؤمنين من سعة الصدور، واليقين والرحمة للمؤمنين. # ومن كفر أو فسق، وعند عن الحق، جزاه الله على فعاله، ms104 وجعله ضيق الصدر. ~~وليس جعل حتم وجبر، لكنه جعل حكم وإرسال، وزيادة في الأعمار والأموال ~~والأولاد وسلامة الأحوال. # والمراد بالآية أن الله وسع صدر المؤمن [العالم] بالعلم، وترك الآخر على ~~أصله؛ لأن أصله الجهل. وقد قيل: العلم سعة، والجهل ضيق. # وقد قال الله تعالى: {أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا ~~}[مريم:83]، والمراد به أنه أرسلهم وخلاهم وتركهم. # ومما يدل على أن ذلك، ومثله جزاء من الله تعالى لهم على معصيتهم؛ قول ~~الله تعالى: {سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله ما لم ينزل ~~به سلطانا ومأواهم النار وبئس مثوى الظالمين}[آل عمران:151]. PageV01P234 # ومما يؤيد أن الله لم يضلهم ابتداء، بل أضلوا أنفسهم، وأضلهم بعضهم؛ فحكم ~~الله عليهم باسم الضلال، وجزاهم به عذاب جهنم، قول الله تعالى: {ويوم ~~يحشرهم وما يعبدون من دون الله فيقول أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا ~~السبيل ، قالوا سبحانك ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء ولكن ~~متعتهم وآباءهم حتى نسوا الذكر وكانوا قوما بورا}[الفرقان:17،18]، فبان أن ~~الله ما أضلهم، ولكن أضلوا أنفسهم، وأضل بعضهم بعضا؛ قال الله تعالى: {ويوم ~~يعض الظالم على يديه يقول ياليتني اتخذت مع الرسول سبيلا ، ياويلتي ليتني ~~لم أتخذ فلانا خليلا ، لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني وكان الشيطان ~~للإنسان خذولا}[الفرقان:27-29]، وقال: {فماذا بعد الحق إلا الضلال ~~}[يونس:32]، وقال تعالى حاكيا قول إبراهيم عليه السلام: {قال إبراهيم رب ~~اجعل هذا البلد آمنا واجنبني وبني أن نعبد الأصنام ، رب إنهن أضللن كثيرا ~~من الناس}[إبراهيم:35،36]، وقال تعالى: {وأضلهم السامري }[طه:85]، وقال: ~~{وأضل فرعون قومه وما هدى }[طه:79]، فبرأ الله نفسه من الإضلال، ونسبه إلى ~~أعدائه. PageV01P235 # وأما إغواء الشيطان وإضلاله للإنسان، فقد يكون الإغواء والإضلال من شياطين ~~الإنس ومن شياطين الجن. # فأما شياطين الإنس فذلك ظاهر بين. وأما شياطين الجن فقد يكون بالمقاربة ~~والمداناة من غير مباشرة، ولا ممازجة، ولا مخالطة، ولا كلام. وقالت ~~الحشوية: الشيطان يمازج الإنسان، ويدخل في صدره ويخالطه. # فنقول: لو كان يمازجه كما ms105 يقولون لكان الإنسان غير مخير، ولا ممكن، ولو ~~كان غير مخير ولا ممكن لكان الله قد كلفه ما لا يطيق، وقد قدمنا الاحتجاج ~~عليهم، ولو كانت نفس تدخل في صدر نفس وتمازجها وتشاركها في فعلها لكان ذلك ~~من أقبح ما يكون، والله بريء من فعل القبيح وقد قال الله: {إن عبادي ليس لك ~~عليهم سلطان }[الحجر:42]، وقال تعالى: {ولولا فضل الله عليكم ورحمته ~~لاتبعتم الشيطان إلا قليلا}[النساء:83]، وقد قال الله تعالى حاكيا ما يقول ~~إبليس يوم القيامة: {وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ~~ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا ~~تلوموني ولوموا أنفسكم...}الآية[إبراهيم:22]، ويوم القيامة موضع صدق، وليس ~~كقوله في الدنيا: {فبما أغويتني }[الأعراف:16]، لأنه في الدنيا يمكنه ~~الكذب، ويوم القيامة لا يقبل منه الكاذب، ولا يقر عليه، ولا يصدقه أحد، ولا ~~ينتفع بالكذب في شيء، قال الله تعالى: {يوم يبعثهم PageV01P236 الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم ويحسبون أنهم على شيء ألا إنهم هم ~~الكاذبون}[المجادلة:18]، يقول: يحسبون أن الكذب ينفعهم في شيء، وأنهم ~~يصدقون كما كانوا إذا حلفوا في الدنيا صدقوا. فصح أن الشيطان ليس له سلطان ~~على المؤمنين قال الله تعالى: {فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان ~~الرجيم ، إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون ، إنما ~~سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون}[النحل:98100]، فصح أنه ليس ~~له إحسان في الدخول في صدر الإنسان. وقال الله تعالى: {إن كيد الشيطان كان ~~ضعيفا }[النساء:76]، فثبت أنه ليس له قوة على الإنسان ولا له حيلة في ~~الدخول في صدر الإنسان، فبطل ما قالت الحشوية. PageV01P237 # واعلم أن الأمة مجمعة على أن الشيطان يضل الإنسان؛ وقد نطق بذلك القرآن. ~~واختلفوا في كيفية إضلاله. فقالت الحشوية: بالممازجة، وقد قدمنا الكلام ~~والاحتجاج عليهم. وعندنا أن إضلاله بمعنى المداناة للإنسان والمقاربة؛ ~~ولأنه يعرف في وجه الإنسان ما يدل على ما في قلبه، فيدنو منه إذا علم منه ~~المعصية وهو من ms106 جنس النفس؛ لأن النفس تدعو إلى الشهوات، وهو والنفس ضدان ~~للعقل، فإذا اجتمع ضدان على ضد لهما واحد كادا يغلبانه إلا أن يكون قويا. ~~ألا ترى أن إنسانا لو كان في بعض جسده جرح، ويكون ذلك الجرح مما حدث من ~~الحرارة ثم يدنوا من النار ولا يماسها أنه يجد حر النار في الجرح، ولا يجده ~~في سائر جسده، وذلك لاجتماع حرارة الجرح وحرارة النار، فكذلك إذا دنا ~~الشيطان من الإنسان توافق هو والنفس، وذلك فليس بأمر من الله ولا جبر. وقد ~~جعل الله للمكلف عقلا يغلب به النفس والشيطان إذا استعمله، فإذا أهمل عقله، ~~وأرخى نفسه، وتبع هواه، كان الشيطان في حكم الغالب عليه، قال الله تعالى: ~~{استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب ~~الشيطان هم الخاسرون}[المجادلة:19]، وقال الله تعالى: {يابني آدم لا ~~يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما ~~سوآتهما إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين PageV01P238 لا يؤمنون}[الأعراف:27]، وقال تعالى: {وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ~~}[الأنعام:121]، وقال تعالى: {ألم أعهد إليكم يابني آدم أن لا تعبدوا ~~الشيطان إنه لكم عدو مبين}[يس:60]، وقال تعالى: {ولقد أضل منكم جبلا كثيرا ~~أفلم تكونوا تعقلون}[يس:62]، وقال تعالى حاكيا عن موسى عليه السلام: {قال ~~هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين}[القصص:15]، وقال الله تعالى: {وإذا ~~رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره وإما ~~ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين}[الأنعام:68]، وقال ~~تعالى حاكيا عن صاحب موسى: {وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره }[الكهف:63]، ~~وقال تعالى: {وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى ~~الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته والله ~~عليم حكيم ، ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية ~~قلوبهم وإن الظالمين لفي شقاق بعيد ، وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ~~ربك فيؤمنوا به فتخبت له ms107 قلوبهم وإن PageV01P239 الله لهاد الذين آمنوا إلى صراط مستقيم}[الحج:52-54]، ومعنى {تمنى} قرأ. ~~وتأويل {ألقى الشيطان في أمنيته} المراد به في قراءته، وليس المراد به أنه ~~يلقي في قلب الرسول ولا على لسان الرسول، ولكن المراد (به أنه) يلقي في ~~قراءة بعض من يقرأ ما يأتي به الرسول، وذلك الإلقاء مثل الغلط والنسيان، ~~والزيادة والنقصان. وقد سئل القاسم بن إبراهيم عليه السلام عن تأويل هذه ~~الآية فقال: تأويل {تمنى} هو قرأ، وتأويل {ألقى الشيطان في أمنيته} تأويله ~~ألقى الشيطان في قراءته. وقراءته ( عليه السلام) هو ما ألقى من القرآن إلى ~~أمته، وإلقاء الشيطان فيما يقرؤون من آياته هو إلقاء من الشيطان في أمنيته ~~وقراءته. والإلقاء في القراءة من الشيطان ليس إلقاء في قلب الرسول، ولا ~~فيما جعله الله له من اللسان، ولكنه إلقاء في القراءة من الشيطان، بزيادة ~~منه في القراءة أو نقصان. وقد رأينا نحن في دهرنا هذا بين من يقرأ آيات ~~القرآن اختلافا كثيرا في الزيادة والنقصان، فما كان من ذلك صدقا وحقا فمن ~~القرآن، وما كان منه كذبا وباطلا فهو من الشيطان. وفي أيدي الروافض والغلاة ~~من ذلك ما قد سمعت وسمعناه. وقد أمر الله نبيئه صلى الله عليه وآله وسلم ~~بالاستعاذة من الشياطين وهمزاتهم فقال تعالى: {وقل رب أعوذ بك من همزات ~~الشياطين ، وأعوذ بك رب أن يحضرون}[المؤمنون:97،98]، وقال تعالى: {وإما ~~ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ PageV01P240 بالله إنه هو السميع العليم}[فصلت:36]، وقال تعالى: {فإذا قرأت القرآن ~~فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم }[النحل:98]، وقال تعالى: {قل أعوذ برب ~~الناس } إلى آخر السورة. # وقد جاء عن النبيء صلى الله عليه وآله وسلم ما يوافق الكتاب، من الأمر ~~بالتعوذ من الشيطان الرجيم. وروي عن زيد بن أرقم قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم: ((إن هذه الحشوش محتضرة فإذا دخل أحدكم فليقل: اللهم ~~إني أعوذ بك من الخبث والخبائث)). وروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم أنه قال: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يخلو ms108 بامرأة ليست له ~~بمحرم ، فإن ثالثهما الشيطان)). وعن النبيء صلى الله عليه وآله وسلم أنه ~~قال: ((لا يزال إبليس هائبا مذعورا من المؤمن ما حافظ على الصلوات الخمس، ~~فإذا ضيعهن تجرأ عليه فألقاه في العظائم)). وروي عنه صلى الله عليه وآله ~~وسلم أنه قال: ((إن الشيطان ليأتي أحدكم فينفخ بين إليتيه فلا ينصرف حتى ~~يجد ريحا أو يسمع صوتا)). وروي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه كان إذا ~~دخل المخرج قال: ((بسم الله، اللهم إني أعوذ بك من الرجس النجس، الخبيث ~~المخبث، الشيطان الرجيم)). PageV01P241 # وقولنا: إن الشيطان يستدل إذا نظر في وجه الإنسان على ما في قلبه؛ ومثل ذلك ~~قد يعرفه أهل الفطنة من الناس في الغضب والرضا؛ وقد قال الله تعالى: {تعرف ~~في وجوه الذين كفروا المنكر يكادون يسطون بالذين يتلون عليهم ~~آياتنا}[الحج:72]، فلولا أن الإنسان يمكنه الامتناع من الشيطان وإضلاله لما ~~أمر الله بالتعوذ منه. وقد يمكن أن يكون إضلال الشيطان للإنسان بالإرسال من ~~الله والتخلية، عقوبة للإنسان على معصيته، قال الله تعالى: {إن الذين آمنوا ~~ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ~~ليهديهم سبيلا}[النساء:137]، وقال الله تعالى: {ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض ~~له شيطانا فهو له قرين ، وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم ~~مهتدون}[الزخرف:36،37]، ويحمل على هذا المعنى قول الله تعالى: {زينا لهم ~~أعمالهم }[النمل:4]، والعشو هو المسير في غير الطريق، قال الشاعر: # متى تأتهم تعشو إلى ضوء نارهم # تجد خير نار عندها خير موقد PageV01P242 ### || AUTO باب حقيقة معرفة النعمة # اعلم أنه لما ثبت أن المنعم حكيم، وثبت أنه لا يفعل قبيحا، ثبت أن إظهار ~~الحسن وإيجاده حسن، وإذا ثبت أن إيجاد الحسن حسن، وثبت أن الله لا يفعل ~~قبيحا، ثبت أن إيجاد الله للعالم حسن. # ولما ثبت أن الله غني عن العالم، ثبت أنه لم يخلقه لنفسه بل خلقه لعباده ~~نعمة منه وتفضلا، فصح أن الله خلق العالم نعمة وتفضلا، وقوله تعالى: {وما ~~خلقت الجن والإنس إلا ms109 ليعبدون ، ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون ، ~~إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين}[الذاريات:56-58]، فبين أنه ما خلقهم ~~له، وأخبر أنه غني عنهم، وكذلك هو غني عن عبادتهم ونفعها لهم لا له، فلما ~~أمرهم بالعبادة وأعطاهم الاستطاعة عليها قبل وجوب الأمر؛ ثم أثابهم عليها ~~وضاعف لهم الثواب، صح أن التعبد نعمة وتفضل منه ابتدأ الله به عباده ~~المكلفين، فصح أن الله ما خلق الخلق إلا نعمة وتفضلا على عباده، فكان ~~إظهاره للحكمة ابتداء منه بالنعمة. # واعلم أنه لا يوجد شيء من خلق الله إلا وفيه نعمة لبعض خلق الله، تفضل ~~الله بها عليه؛ وكذلك لا يفطر العبد على فطرة إلا وفيها له نعمة من الله ~~تعالى، ولا يؤمر بأمر إلا وله فيه نعمة، ولا ينهى عن فعل شيء إلا وفي تركه ~~له نعمة معجلة أو مؤجلة. PageV01P243 ### ||| AUTO فصل في الكلام فيما خلق الله من النعم # من ذلك خلق الهواء، وما جعل الله فيه من السعة والصفاء، وكونه مكانا ~~للكبير والصغير من الحيوان والجماد؛ وما جعل الله فيه للعباد من المنافع ~~والمصالح والمواد. وجملة الأمر أن من فارق الهواء مات، وبانت عنه عند ~~مفارقته الحياة؛ فصح أنه نعمة من النعم الكبار، على الكبار من الحيوان ~~والصغار. # ومن ذلك خلق السماء، وسعتها، وبعدها، وموافقة لونها للأبصار. وما جعل ~~الله فيها من الأفلاك والشمس والقمر والنجوم لصالح الحيوان، وقد قدمنا ~~الكلام فيها، فهل هي إلا من النعم الجسام؟! # ومن ذلك خلق السحاب المسخر بين السماء والأرض، وما فيه من المنافع ~~والمصالح [والنعم] الجسام. # ومن ذلك [خلق] الرياح وتسخير الله لها بين السماء والأرض ليثير بها ~~السحاب وتصلح بها الأجساد والأشجار، ويزيل بها من الهواء العفونات والغبار، ~~فهل هي إلا من النعم الجسام؟! # ومن ذلك خلق الأرض وما جعل الله فيها من الطول والعرض. وجعل جبالها ~~أوتادا لأن لا تميد بأهلها. وجعل الإنسان مخولا لحزنها وسهلها. وبث فيها من ~~كل دابة، وجعل فيها من الفواكه والكروم والزروع والنخيل والأعناب، وصنوف ~~المعايش ms110 والأرزاق؛ وجعل ذلك مادة ونعمة للإنسان. PageV01P244 # ومن ذلك خلق الإنسان فإن الله خلقه من طين، وجعل نسله من سلالة من ماء ~~مهين، ثم نقله في بطن أمه من حالة إلى حالة، ثم أحدث له رزقا في ثدي أمه ~~لبنا خالصا سائغا موافقا للطفل، ثم أحدث الله له الرحمة في قلب أمه وقلب ~~أبيه رحمة من الله ونعمة. فإذا علم الله أنه قوي على أكل الطعام أحدث الله ~~له أسنانا وأضراسا. ولما علم الله أن البهائم لا تقدر على ما يقدر عليه ~~الناس من تربية أولادهم؛ جعل أولاد البهائم بخلاف أولاد الناس؛ فإن البهيمة ~~تلد ولدها، وقام من ساعته يطلب ضرع أمه. وقد فطره الله من وقت ولادته على ~~اجتلاب المنافع والنفار عن المضار رحمة من الله ونعمة وسببا لحياة المولود. ~~ثم أنعم الله على العبد بنعم كثيرة لا يحصي عددها في نفسه؛ فجعل له عينين، ~~ولسانا وشفتين، وأنفا وأذنين، ويدين ورجلين، وغير ذلك من الآلة والبنية ~~المخصوصة. وطرق ما يدخل مما يتغذى به، وطرق ما يخرج. وجعل له نفسا يستنشق ~~به الهواء، وهو سبب الحياة والنماء. وجعل له طريقا أجوف مفتوحا لا ينطبق ~~وهو الحلقوم؛ وذلك لضعف النفس وكثرة تتابعه. وجعل للطعام والماء طريقا ~~منطبقا -وهو المرى- ينفتح بالماء والطعام. وجعل المعدة مستقرا للغذاء، وجعل ~~صفوه ينقسم على جميع الجسد والأعضاء. وجعل المخارج ترمي بالثفل والأذى. PageV01P245 # وقد ذكر عمرو بن بحر الجاحظ رحمه الله مثل هذا، ومثل فأحسن في كتاب الدلائل ~~فقال: فكر في تقدير هذه القوى للحاجات إليها، والمآرب فيها، وما في ذلك من ~~التدبير والحكمة، فلولا القوى الجاذبة لما كان الإنسان يتحرك لطلب الغذاء ~~الذي به قوام البدن، ولولا الممسكة كيف كان الطعام يلبث في الجوف حتى تهضمه ~~المعدة، ولولا الهاضمة كيف كان ينطبخ حتى يخلص منه الصفو الذي يغذو البدن، ~~ويسد خلله، ولولا الدافعة لما كان الثفل الذي تخلفه الهاضمة يندفع ويخرج ~~أولا أولا. أفلا ترى كيف وكلت هذه القوى بالبدن، والقيام بما فيه صلاحه، ~~فصار البدن يمنزلة ms111 دار للملك فيها له حشم وصبية وقوام موكلون بالدار، فواحد ~~لاقتضاء حوائج الحشم وإيرادها عليهم، وآخر لقبض ما يرد وخزنه إلى أن يعالج ~~ويهيأ، وآخر لعلاج ذلك وتهيئته وتفريقه في الحشم، وآخر لكسح ما في الدار من ~~الأقذار وإخراجه منها. فالملك في هذا المثل هو الخلاق الحكيم، ملك ~~العالمين، والدار هي البدن، والحشم هم الأعضاء، والقوام هي هذه القوى ~~الأربع، فهل هذا إلا تفضل ونعمة من الله تعالى، بل هذه الأفعال التي تحدث ~~حالا بعد حال أفعال الله سبحانه، يفعل ذلك في أوقات حدوثه لما يعلم من ~~مصالح خلقه، ولا يكل ذلك إلى تدبير غيره، وإنما كان ضرب المثال لتقريب ذلك ~~إلى الأفهام. # ومما يدل على عظم هذه المواهب والنعم أن العبد الفقير المملوك الذي يكون ~~من أدنى الناس منزلة، وأقلهم نعمة فإنه قد أعطي جميع ما ذكرنا من تمام ~~الخلق، وحصول الآلة، والصحة والسلامة والعافية. PageV01P246 # ألا ترى أنه لو قيل له: أتحب أن تعطى ملكا عظيما في الدنيا، ويكون جزاء على ~~أن تسلب مادة من أحد المواد التي وهبها الله تعالى له كالسمع والبصر، أو ~~قطع يده أو رجله، أو سلب (إحدى) القوى التي ذكرنا ما أراد ذلك، ولو أعطي ~~الدنيا بأسرها. ألا ترى أنه قد أعطاه الله من الآلة والسلامة، ما هو خير له ~~من الدنيا وما فيها. # ويوضح صحة ما ذكرنا أن سلطانا ممن له مال كثير وهيئة واسعة لو دخل عليه ~~حصنه عدو له أو قرب منه أنه يهرب بنفسه إذا أمكنه الهرب، ويخلي حصنه وأهله ~~وأمواله، ألا ترى أنه رأى نفسه خيرا له من ذلك؛ فهذا دليل على عظم النعمة ~~وكبرها. PageV01P247 # ومن ذلك: ما خول الإنسان من الأرزاق والمال والخدام، فإنه جعل للأحرار ~~عبيدا من بني آدم لتبلغ النعمة وتظهر الحكمة، ولو جعلهم سواء لا يملك ~~الأحرار المماليك، لدخل عليهم الضرر، ولأدى ذلك إلى أن يتولى الإنسان جميع ~~الأعمال بنفسه التي لا يستغني عنها، ولو كان كل إنسان يتولى خدمة نفسه ~~لاشتغل كل إنسان بمصالح ms112 نفسه وقوته عن العلم وطلبه وعن أعمال الآخرة وعن ~~الجهاد، ولكان من أراد الاستئجار على الأعمال تستوعب ماله الأجرة، وقد قال ~~تعالى: {أهم يقسمون رحمة ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ~~ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ورحمة ربك خير مما ~~يجمعون}[الزخرف:32]، فأنعم الله على المالك بملك المملوك، وسخره له في ~~دنياه، فإن صبر العبد على هذه البلية، وأطاع ربه أعاضه في الآخرة، وكان ~~الثواب له نعمة آجلة، وملك سيده له نعمة عاجلة، وأن النعمة الآجلة خير من ~~النعمة العاجلة؛ لأن العاجلة فانية، والآجلة باقية، فصح أن ملك المملوك ~~نعمة للمالك والمملوك، فإن شكر المالك كان أفضل لقوله صلى الله عليه وآله ~~وسلم: ((اليد العليا خير من اليد السفلى )) ولأنه قد أعطي نعمة الدنيا ~~ونعمة الآخرة؛ وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ~~((ثلاثة على كثبان المسك يوم القيامة : رجل تعلم القرآن وأم به قوما يطلب ~~به وجه الله وما عنده، ورجل يأتي كل يوم وليلة بخمس صلوات يطلب بها وجه PageV01P248 الله وما عنده، ومملوك لم يمنعه رق الدنيا من طاعة ربه)). # ومما خولهم أثمان الأشياء المبيعة، وهي الذهب والفضة، وكذلك اللؤلؤ ~~والياقوت وأشباه ذلك. وجعلها قليلة بعيدة التناول؛ لأن في قلتها نفعا، وفي ~~كثرتها ضررا. أما النفع في قلتها فلأن تكون عزيزة عند الناس محبوبة؛ لأنها ~~لو كثرت حتى تكون كالحجارة لما بلغ أحد بها غرضا ولا قبلت منه ثمنا لشيء، ~~ومن هاهنا أنها لو كثرت لكان في كثرتها ضرر؛ ولأنها لا تقتات، وصح أن ~~النفاعة بسبب قلتها. فلو كانت تقتات بنفسها، لكان في قلتها ضرر كبير، ولما ~~كان ما يقتات ولا يستغنى منه إذا قل وانقطع هلكت الناس وتلفوا جعله الله ~~كثيرا رخيصا يمكن كل إنسان أن يطلبه ممن له قدرة، ومن لم يكن له قدرة على ~~طلبه سهله الله له. # ومما يوضح ما ذكرنا من جزيل النعم والكرم من الله والرحمة: أن كل ما كان ~~لا حياة ms113 للناس إلا به أنه كثير ورخيص، من ذلك: الطعام والماء واللبن والصوف ~~والوبر، وليس كذلك الذهب والفضة والدر وما كان من جنسه، والمسك والعنبر وما ~~كان من جنسهما، والحرير والخز؛ فلما كانت هذه الأشياء يوجد من دونها ما ~~يغني عنها، وكان عدمها لا يؤدي إلى هلاك الحيوان؛ كانت قليلة غالية، وكان ~~في قلتها صلاح الناس. ألا ترى أن من كثرت هذه الأصناف عنده، -أو بعضها- ولم ~~ينفقها في سبيل الله أنها تدعوه إلى الأشر والبطر وظلم الناس والبغي في ~~الأرض بغير الحق. PageV01P249 # ولما كانت حاجة الناس إلى الماء أكثر من حاجتهم إلى الطعام جعل الله الماء ~~كثيرا وأرخص من الطعام؛ ولأنهم يحتاجونه للتطهر به والغسل والشرب وسقي ~~الأراضي والبهائم، فمن هاهنا جعله الله أكثر وأرخص، نعمة منه وتفضلا. # فإن قيل: لم جعل الله الرزق يقل ويكثر ويتيسر -وحينا يتعسر- وجعل أكثر ~~الرزق في الضرب في الأرض والتكسب والطلب، والتجارة والصناعات، والمؤآجرة ~~والحرث، وأصناف الطلب؛ ولم يجعله سهلا يأكل الإنسان من فوقه ومن تحت رجليه، ~~وكان يكون أتم للنعمة؟ # قلنا: لو كان ذلك كما تقول لأدى إلى وجوه من المضار. # منها أنه كان يؤدي إلى حب الدنيا؛ ولأنه من كان في (مثل) هذه النعم لم ~~يحب مفارقة الدنيا، واطمأن إليها ورضي بها، وقد ذم الله من رضي بالحياة ~~الدنيا واطمأن [إليها]، فقال تعالى: {إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا ~~بالحياة الدنيا واطمأنوا بها والذين هم عن آياتنا غافلون ، أولئك مأواهم ~~النار بما كانوا يكسبون}[يونس:7،8]، وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم أنه قال: ((حب الدنيا رأس كل خطيئة )). # ومنها أنهم لو كانوا يأكلون من فوقهم وتحتهم لأدى ذلك إلى البطر والأشر ~~والبغي، ولتفرغوا للفساد؛ وقد قال الله تعالى: {ولو بسط الله الرزق لعباده ~~لبغوا في الأرض ولكن ينزل بقدر ما يشاء إنه بعباده خبير بصير}[الشورى:27]. PageV01P250 # ومنها أنه لو كانت المعائش كذلك، وكان الإنسان يأكل من حيث توجه لأدى ذلك ~~إلى البطنة والتخم، وكان أسرع لهلاك الناس. # وقد قال بعض أهل ms114 الطب: إن إدخال الطعام على الطعام هو الذي أهلك البرية، ~~وقتل السباع في البرية. # ومنها أنه لو كان الرزق موجودا بغير سبب لم يكن له في قلوب الناس محبة ~~كمحبتهم لما يكسبون. والقليل أيضا من المال محبوب، وقد أنزل الله على بني ~~إسرائيل المن والسلوى فلم يصبروا عليه، وسألوا موسى عليه السلام أن يدعو ~~ربهم أن يبدلهم به ما هو دونه، فقال تعالى -حاكيا قولهم: {وإذ قلتم ياموسى ~~لن نصبر على طعام واحد فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها ~~وقثائها وفومها وعدسها وبصلها قال أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو ~~خير}[البقرة:61]. # ومنها أن اكتساب الرزق في الدنيا دليل على الآخرة، فكما أن الدنيا يحصل ~~الرزق فيها بالاكتساب والطلب، كذلك الآخرة لا تحصل للمكلفين إلا بطلب ~~واكتساب، فصح أن ذلك نعمة من الله وحكمة. # ومما خول الله الإنسان: الأكنان والبيوت التي يسكنها ويأمن فيها من الخوف ~~والحر والبرد والمطر. PageV01P251 # ومما خول (الإنسان): اللباس ليستر به سوأته، وليتجمل به، والجنن ليتقي بها ~~من البأس، وقد ذكر الله هذه النعم فقال: {والله جعل لكم من بيوتكم سكنا ~~وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم ومن ~~أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين، والله جعل لكم مما خلق ~~ظلالا وجعل لكم من الجبال أكنانا وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم ~~بأسكم كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون ، فإن تولوا فإنما عليك البلاغ ~~المبين ، يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها وأكثرهم الكافرون}[النحل:80-83]، ~~وقال عز من قائل: {خلق السماوات والأرض بالحق تعالى عما يشركون ، خلق ~~الإنسان من نطفة فإذا هو خصيم مبين ، والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ~~ومنها تأكلون ، ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون ، وتحمل أثقالكم إلى ~~بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس إن ربكم لرءوف رحيم ، والخيل والبغال ~~والحمير لتركبوها وزينة ويخلق ما لا تعلمون ، وعلى الله قصد السبيل ومنها PageV01P252 جائر ولو شاء لهداكم أجمعين ، هو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه ms115 شراب ~~ومنه شجر فيه تسيمون ، ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل ~~الثمرات إن في ذلك لاية لقوم يتفكرون ، وسخر لكم الليل والنهار والشمس ~~والقمر والنجوم مسخرات بأمره إن في ذلك لايات لقوم يعقلون ، وما ذرأ لكم في ~~الأرض مختلفا ألوانه إن في ذلك لاية لقوم يذكرون ، وهو الذي سخر البحر ~~لتأكلوا منه لحما طريا وتستخرجوا منه حلية تلبسونها وترى الفلك مواخر فيه ~~ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون ، وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم ~~وأنهارا وسبلا لعلكم تهتدون ، وعلامات وبالنجم هم يهتدون ، أفمن يخلق كمن ~~لا يخلق أفلا تذكرون ، وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الله لغفور ~~رحيم}[النحل:3-18]. PageV01P253 # فأخبر الله بجمل من جزيل نعمه ثم أخبر أنها لا يحصى لها عدد. وتبيين ذلك: ~~أن كل ما تقلب فيه المكلف، وما أعطي من النعم التوام، والأيادي الجزيلة ~~الجسام، لو أراد أن يعد تكرار نعمة واحدة مما أعطي، ما قدر على عدها وهي ~~النفس، وما أحسب أنه يقدر (أن) يعد أنفاسه يوما وليلة، وإذا لم يقدر على ~~ذلك، كيف يقدر على عد أنفاس عمره، وإذا لم يقدر على عد أنفاسه، وهي نعمة ~~واحدة فكيف يعد النعم كلها، قال الله تعالى: {وما بكم من نعمة فمن الله ثم ~~إذا مسكم الضر فإليه تجأرون}[النحل:53]. # ومما أنعم الله به على المكلف: الكتاب والرسول، قال الله تعالى: {لقد من ~~الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ~~ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين}[آل عمران:164]، ~~وقال تعالى: {آلم ، تلك آيات الكتاب الحكيم ، هدى ورحمة ~~للمحسنين}[لقمان:1-3]. PageV01P254 ### ||| AUTO فصل في الكلام في ما فطر الله عليه العبد # اعلم أن الله (قد) فطر الحيوان (كله) على استجلاب المنافع العاجلة، ~~والنفار عن المضار العاجلة، وفطر بعض الحيوان على الحاجة إلى الأكل والشرب ~~والنوم والجماع. وجعل للحيوان آلة يبلغ بها الأشياء رحمة منه ونعمة؛ وجعل ~~ذلك سببا لحياته -وهي أفعال الحيوان- وليس لله فيها فعل غير الإلهام، ~~والاستطاعة التي أعطاه ms116 على فعل هذه الأشياء، والحاجة الداعية إلى فعل ~~الأشياء إلا النوم فإن الحيوان مضطر إليه، وليس له فيه إلا التعرض له، وهو ~~عرض ضروري يغشيه الله الحيوان. ومما يبين لك أنه ضروري أن الإنسان قد يريد ~~أن ينام ويتعرض لذلك في بعض الأوقات فلا يحصل له النوم، وقد [أيضا] يغشيه ~~الله النوم ويريد أن لا ينام فلا يتم له ذلك في بعض الأوقات ويغلبه النوم، ~~فصح أنه ضروري، قال الله تعالى: {إذ يغشيكم النعاس أمنة منه }[الأنفال:11]، ~~وقال تعالى: {ومن آياته منامكم بالليل والنهار }[الروم:23]، فلو كان ~~اختيارا للعبد لم يكن آية من آيات الله. # واعلم أن فيه منافع للعبد، ونعما من الله سبحانه وتعالى. # منها: الاستراحة والسلو. # ومنها: السكون لهضم الطعام. # ومنها: أنه يشغل كثير من الناس عن المآثم والفساد. PageV01P255 # ومنها: أنه دليل على الموت، ومشبه به، ومذكر بالموت، قال الله تعالى: {الله ~~يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ~~ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى إن في ذلك لايات لقوم يتفكرون}[الزمر:42]. # ومما فطر الله عليه المكلف: استحسان الحسن واستقباح القبيح، وهو العقل ~~الغريزي، وهو عطية من الله ونعمة من أعظم النعم والعطايا، ولولا هو ما عرف ~~المنعم ولا عرفت النعم، وهو حجة الله على عباده. # وفطرهم على السمع والبصر، قال تعالى: {وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة ~~لعلكم تشكرون}[النحل:78]، فجعل الله لهم السمع يسمعون به الأصوات ~~والمسموعات؛ وجعل لهم البصر ينظرون به الألوان والهيئات. وجعل لهم الأفئدة ~~يعقلون بها المعلومات، فكان من الله الآلة، والإنسان مستعمل لها، وحجة الله ~~هي الآلة والاستطاعة، قال تعالى: {أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب ~~يعقلون بها }[الحج:46]، فدل على أن العقل غير القلب، كما أنك تقول: لك يدان ~~تبطش بهما، ورجلان تمشي بهما، وسيف تضرب به. فصح أن الضرب غير السيف، ~~والبطش غير اليدين، والمشي غير الرجلين، فكذلك العقل غير القلب. PageV01P256 # ومما أنعم الله به على العبد: اللسان المترجم للقلب، قال الله تعالى: {ومن ~~آياته خلق ms117 السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لايات ~~للعالمين}[الروم:22]. # والكلام عندنا هو إلهام من الله، والدليل على ذلك أن الله عده من آياته، ~~ولولا هو إلهام منه لما عده من آياته، وأيضا فإن الطفل ينطق باسم أبيه وأمه ~~قبل أن يتلقن مثله، وكذلك سائر الكلام، أعني معرفة أسماء الأشياء. وقول أبي ~~علي من المعتزلة مثل قولنا. وقال أبو هاشم: معرفة الأسماء اصطلاح اصطلح ~~عليه الناس. # ومما فطره الله عليه الشهوة، والنفار، والكراهة، والفرح، والسرور، والغم، ~~والخوف، والأمن، والجوع، والشبع، والجهل، والعلم الضروري، والذكر، ~~والنسيان، وهذه كلها موجودة في الإنسان، فطره الله عليها. وكذلك استعجال ~~الخير وأشباه ذلك؛ فهذه كلها نعم من الله وإحسان. PageV01P257 # ومما يدل على أنها كلها نعم؛ أن أدونها وأضعفها النسيان، فإن الإنسان لو ~~كان لا ينسى لكان ذلك مؤديا إلى تنغيص النعمة في كل وقت وحين؛ لأنه لو كان ~~يذكر المصائب ولا ينساها، ويذكر الموت ولا يجهل وقت هجومه عليه في كل وقت ~~لما طابت له نعمة، ولا فارقه هم ولا غم، وكان ذلك سيشغله عن كثير من ~~الأعمال المباحة والمستحبة، ولربما أيضا دعاه ذلك إلى الحزن المؤدي إلى ~~الموت أو العمى، فقد عمي يعقوب عليه السلام من شدة حزنه على ولده يوسف عليه ~~السلام قال الله تعالى حاكيا قول يعقوب عليه السلام: {وتولى عنهم وقال ~~ياأسفى على يوسف وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم}[يوسف:84]. # والدليل على أن الله فطر الناس على الجهل؛ أن الإنسان يولد جاهلا، قال ~~الله تعالى: {والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا }[النحل:78]، ~~وقال تعالى: {علم الإنسان ما لم يعلم }[العلق:5]، وقال تعالى: {وعلى الله ~~قصد السبيل ومنها جائر}[النحل:9]، أراد: وعلى الله تبيين قصد السبيل. وقال ~~تعالى: {خلق الإنسان من عجل سأريكم آياتي فلا تستعجلون}[الأنبياء:37]، ~~أراد: فطر الإنسان على استعجال الخير؛ لأن العجل فعل المستعجل، ولم يرد أنه ~~خلق الإنسان من فعله الذي هو العجل. وليس قولنا: إن الله تعالى فطره على ~~شيء من فعله، بمعنى أنه جبره، ولكن المراد ms118 به: أن الله جعل له داعيا إلى ~~ذلك للنعمة والبلية. PageV01P258 # فمنها: الحاجة الداعية إلى فعل الشيء كالجوع والشهوة وأمثال ذلك. # ومنها: إلهام من الله تعالى كاستحسان الحسن، واستقباح القبيح، وذلك هو ~~أصل الدين الصحيح، قال الله تعالى: {فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي ~~فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا ~~يعلمون}[الروم:30]. PageV01P259 ### ||| AUTO فصل في الكلام في أن ما أمر الله به العبد فهو له نعمة # اعلم أنه لا يؤمر العبد بأمر إلا وله فيه نعمة، عاجلة أو آجلة، أو عاجلة وآجلة. # فمن النعمة العاجلة الأمر بالمباح كقوله تعالى: {كلوا من طيبات ما ~~رزقناكم }[البقرة:57]، وقوله تعالى: {كلوا واشربوا }[البقرة:60]، وكقوله ~~تعالى: {فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله }[البقرة:222]، وكقوله: {فإذا ~~قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله}[الجمعة:10]، وكقوله: ~~{وإذا حللتم فاصطادوا }[المائدة:2]، فهذا الأمر ليس بموجب وإنما هو مبيح ~~بالإجماع. ونفعه عاجل. # والأمر الذي فيه نعمة عاجلة وآجلة، وهو واجب، فهو أكثر الأمر بالعبادة، ~~وهو معرفة الله تعالى حق معرفته، ومعرفة أصول الدين وفروعه، والطهارة ~~والصلاة، وبر الوالدين، وصلة القرابة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ~~وموالاة أولياء الله، ومعاداة أعداء الله، وأمثال ذلك، فإن الأمر بهذه ~~الفرائض نعمة من الله، وللعبد في فعلها نعمة عاجلة ونعمة آجلة. أما النعمة ~~الآجلة في التطهر فثواب الله، وأما [النعمة] العاجلة فالتطهر من النجاسات، ~~والتنزه عن المنكرات. PageV01P260 # وأما معرفة الله ومعرفة الأصول والفروع، فإن النعمة العاجلة الشرف والرفعة ~~التي جعلهما الله تعالى للعالم، قال الله تعالى: {ياأيها الذين آمنوا إذا ~~قيل لكم تفسحوا في المجالس فافسحوا يفسح الله لكم وإذا قيل انشزوا فانشزوا ~~يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات والله بما تعملون ~~خبير}[المجادلة:11]، وأما النعمة العاجلة في الطهارة فإنه لولا التطهر عن ~~النجاسات والوضوء للصلوات لكان الإنسان أقبح شيء وأقذره. # ألا ترى أن من هجر الماء لسخافته وكسله وسقاطة نفسه أن ذلك يدل من نظره ~~على دناءته وسخافته وكسله، وقد ms119 يتطهر ويتنزه كثير من الناس لحسن التنزه ~~وقبح النجاسة لا لرجاء ثواب. # وفي التطهر أيضا وجوه من النفع العاجل: # منها أنه يفسح الصدر، ويزيل الهم، ويظهر سيما الصالحين، والنفع العاجل في ~~الاغتسال من الجنابة أنه يشد الجسد، ويذهب بالكلال، ويزيل النجس. وفيه ~~نفاعة أخرى وهو لولا خوف مشقة الاغتسال وخوف مؤنته وكلفته لكان بعض الناس ~~لا يكاد يفتر من الجماع في أكثر وقته، وكان ذلك يضر به، ويضعف جسده. # والنفاعة العاجلة في الصلاة: أنها علامة المسلم، وأنها تنهى عن الفحشاء ~~والمنكر، أي تنهى صاحبها عن فعل المنكرات، وتجنبه من الفواحش، قال الله ~~تعالى: {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر}[العنكبوت:45]. PageV01P261 # والزكاة نفعها الآجل للمعطي، ونفعها العاجل للمستعطي. # والصوم نفعه آجل، وربما كان فيه نفع عاجل، وهو أنه يذل النفس ويقوي ~~صاحبها عليها. # والحج نفعه آجل، وربما كان فيه نفع عاجل لمن طلب الإجارة والتجارة مع ~~الحج، مثل أن يحج لغيره بالأجرة إذا كان قد حج عن نفسه، ومثل من يبيع ~~ويشتري مع الحج إذا لم يكن البيع والشراء أكثر همه. # وبر الوالدين وصلة القرابة، فالنفع العاجل فيه ظاهر للوالدين والأقربين، ~~وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((صلة الرحم تزيد ~~في العمر )). PageV01P262 # والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر نفعه العاجل عام لجميع الناس، قال الله ~~تعالى: {ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ~~...}الآية[الحج:40]، فمن تمام النعمة أن الله أمر بما يستحسنه العقل، وينفع ~~في العاجل، ثم وعد عليه الثواب الآجل، قال الله تعالى: {اليوم أكملت لكم ~~دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا}[المائدة:3]، وقد روي عن ~~كميل بن زياد النخعي، قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: (يا سبحان الله ~~ما أزهد كثيرا من الناس في الخير، عجبت لرجل يأتيه أخوه المسلم في حاجة فلا ~~يرى نفسه للخير أهلا، فوالله لو كنا لا نرجو جنة ولا ثوابا، ولا نخشى نارا ~~ولا عقابا لكان ينبغي لنا أن نطلب مكارم الأخلاق فإنها ms120 تدل على سبيل ~~النجاة)، فقام إليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين، أسمعت هذا من رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم؟ قال: نعم وما هو خير منه: لما أتي بسبايا طي وقعت ~~جارية حميا، حوا، لعسا، لميا، عبطاء، شماء الأنف، معتدلة القامة، درما ~~الكعبين، خدلجة الساقين، لفا الفخذين، خميصة الخصرين، مضمرة الكشحين، فلما ~~رأيتها أعجبت بها، وقلت: لأطلبن إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن ~~يجعلها في فيئي، فلما تكلمت نسيت جمالها لما سمعت من فصاحتها، فقالت: يا ~~محمد إن رأيت أن تخلي عني ولا تشمت بي العرب فإني ابنة سراة قومي، كان أبي ~~يفك العاني، ويقوي PageV01P263 الضعيف، ويقرئ الضيف، ويشبع الجائع، ويفرج عن المكروب، ويطعم الطعام، ويفشي ~~السلام، وما رد طالب حاجة قط، أنا ابنة حاتم الطائي. فقال النبيء صلى الله ~~عليه وآله وسلم: ((هذه صفات المؤمن ، لو كان أبوك إسلاميا لترحمنا عليه، ~~خلوا عنها، فإن أباها كان يحب مكارم الأخلاق، والله سبحانه يحب مكارم ~~الأخلاق)). فقام أبو بردة فقال: يا رسول الله، الله يحب مكارم الأخلاق؟ ~~فقال: ((نعم، يا أبا بردة، لا يدخل أحد الجنة إلا بحسن الخلق )). فصح أن ~~الله ما أمر إلا بمكارم الأخلاق. PageV01P264 ### ||| AUTO فصل في الكلام في أن الله نهى عن فعل ما يستقبحه العقل ويضر ~~في الحال والمآل # فمما نهى الله عنه الظلم. والظلم مما يستقبحه العقل ويضر الظالم والمظلوم ~~في الحال والمآل. # ومما يدل على أن الظلم قبيح: أنك تستقبح أن يظلمك غيرك ويضرك ذلك في ~~الحال، فكما أنه قبيح من غيرك كذلك هو قبيح منك. # واعلم أن الظلم على وجهين: فظلم يظلم العبد فيه نفسه لا غيرها. وظلم يظلم ~~فيه نفسه وغيرها من المخلوقين. # فأما الظلم الخاص من نفسه لنفسه فهو معصيته لربه، مثل كفر الجحود، وكفر ~~النعمة، وقلة الصبر على البلية، وترك العمل بالطاعة، وما جرى مجرى ذلك، ~~فهذا ظلم لقوله تعالى: {إن الشرك لظلم عظيم }[لقمان:13]، ولم يظلم به إلا ~~نفسه. وقال الله تعالى: {وما ظلمناهم ولكن ms121 كانوا أنفسهم يظلمون ~~}[النحل:118]. # والظلم الثاني الذي يظلم فيه نفسه وغيره من المخلوقين فهو ما نقص به غيره ~~من المخلوقين من عرضه كالغيبة أو ماله كالغصب أو دمه كالقتل والجرح ~~أو حقه كترك معاونة من أمر بمعاونته، فهذا الظلم وأمثاله مما يضر به ~~مخلوقا، فإنه فيه ظالم لنفسه ولمن ضره، فصح أن الله نهى عما يستقبح ويضر في ~~الحال والمآل. # ومما نهى الله عنه: الزنا، ومما يدل على قبحه ومضرته في الحال أنك تكرهه ~~وتستقبحه من حرمتك، ويضرك ذلك في الحال، فكذلك حرمة غيرك. PageV01P265 # ومما نهى الله عنه: الخمر والميسر، ومما يدل على قبح الخمر وضره في الحال ~~أن الإنسان يكون عاقلا ثم يشرب الخمر فيسكر فيصير سكرانا لا عقل له، ولا ~~يدري ما يفعل به، فهل شيء أضر على الإنسان وأقبح من أن يزيل عقل نفسه بعد ~~أن أكمل الله له العقل؟! والميسر أيضا يشغل عن الطاعات، ويدعو إلى الضغناء ~~والعداوات، قال الله تعالى: {إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة ~~والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم ~~منتهون}[المائدة:91]، فبين الله تعالى الحكم والعلة، فصح أنه مستقبح ضار في ~~الحال والمآل. # ومثل ذلك: ما نهى الله عنه من أكل الميتة والدم والخنزير، فثبت أن الله ~~نهانا عن [فعل] الخبائث، وصح أن الله ما أمرنا إلا بما يستحسنه العقل، وما ~~نهانا إلا عما يستقبحه العقل، وهذا من تمام النعمة وكمال الرحمة، فالحمد ~~لله الذي أسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة. # وأيضا فإنه يمكن أن يكون فيما نهانا عنه أشياء من المضار العاجلة لا ~~نعلمها، ويؤيد ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((لا يغتسل ~~الجنب حتى يبول ، وإلا تردد فيه بقية المني، فكان منه داء لا دواء له)). ~~وفيما ذكرنا دليل على ما لم نذكر. # ومن تمام النعمة أن الله أمر عباده بما تستحسنه العقول، وينفع في الحال، ~~ثم أثابهم وأعطاهم الأجر الكثير في الآخرة على فعله. ونهاهم عما يضرهم في ~~الحال والمآل وتستقبحه ms122 العقول، وعاقبهم على فعله في الآخرة. PageV01P266 # ومن كمال النعمة أنه ما كلف أحدا فوق طاقته بل أمر المكلفين بالإنفاق ~~ورغبهم فيه، ونهاهم عن الإنفاق الذي يضر بهم، فقال تعالى: {ولا تلقوا ~~بأيديكم إلى التهلكة }[البقرة:195]، وقال تعالى: {والذين إذا أنفقوا لم ~~يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما}[الفرقان:67]، وقال تعالى: {لا يكلف ~~الله نفسا إلا وسعها }[البقرة:286]، وقال: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد ~~بكم العسر}[البقرة:185]، فالحمد لله على نعمه عدد نعمه. PageV01P267 ### || AUTO باب حقيقة معرفة شكر المنعم # اعلم أن العقل الضروري يحكم بوجوب شكر المنعم، وأن شكر المنعم حسن، وأن ~~كفر النعمة قبيح. # وفي الشاهد أن إنسانا لو أنعم على ملحد وأحسن إليه أن الملحد يشكره ويثني ~~عليه، فثبت أن شكر المنعم في العقل واجب. # والذي يدل على وجوبه من كتاب الله قوله تعالى: {فاذكروني أذكركم واشكروا ~~لي ولا تكفرون}[البقرة:152]، وقوله تعالى: {ولتكبروا الله على ما هداكم ~~ولعلكم تشكرون}[البقرة:185]، وقوله تعالى: {ياأيها الذين آمنوا كلوا من ~~طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون}[البقرة:172]، وقوله ~~تعالى: {فكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا واشكروا نعمة الله إن كنتم إياه ~~تعبدون}[النحل:114]، وقال تعالى: {إن ربك لذو فضل على الناس ولكن أكثرهم لا ~~يشكرون}[النمل:73]، وقال تعالى: {وقليل من عبادي الشكور }[سبأ:13]. وقد روي ~~عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((من أودع عرفا فليشكره ، ~~فإن لم يمكنه فلينشره، فإذا نشره فقد شكره، وإذا كتمه فقد كفره)). PageV01P268 # واعلم أن الكفر هو الجحد، وهو على وجهين: فكفر بالله، وكفر بنعمة الله، ومن ~~لم يشكر الله فهو كافر بنعمة الله، والكافر بنعمة الله فاسق، وهو من أهل ~~النار، وإن الشكر ضد الكفر، قال الله تعالى: {إن تكفروا فإن الله غني عنكم ~~ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم}[الزمر:7]، وقال تعالى -حاكيا ~~عن سليمان عليه السلام: {قال هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم ~~أكفر}[النمل:40]، وقال تعالى: {أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله هم ~~يكفرون}[النحل:72]، وقال تعالى: {ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة ms123 الله كفرا ~~}[إبراهيم:28]، وقال تعالى: {وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم ~~إن عذابي لشديد}[إبراهيم:7]، وقال تعالى: {يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها ~~وأكثرهم الكافرون}[النحل:83]، وقال تعالى: {ومن يبدل نعمة الله من بعد ما ~~جاءته فإن الله شديد العقاب}[البقرة:211]، وقال تعالى: {ثم لتسألن يومئذ عن ~~النعيم }[التكاثر:8]. PageV01P269 ### ||| AUTO فصل في الكلام في حقيقة الشكر # اعلم أن أول ما يجب من شكر المنعم أن تعرف المنعم، وتعرف النعمة، فإذا ~~عرفت المنعم والنعمة وجب عليك أن تعرف ما أمرك به وما نهاك عنه، وتعرف ~~أولياءه فتواليهم، وتعرف أعداءه فتعاديهم، فإذا عرفت هذه الجملة، وعرفت صدق ~~الوعد والوعيد، وجب عليك أن تعمل بما أمرك (به) المنعم، وتتجنب ما نهاك عنه. # واعلم أن شكر المنعم على ثلاثة وجوه: اعتقاد بالقلب، وقول باللسان، وعمل ~~بالنفس والأركان. PageV01P270 ### ||| AUTO فصل في الكلام فيما يجب أن يعتقد بالقلب من الشكر # أما الشكر بالقلب فهو الاعتقاد والعلم؛ وهو أن تؤمن بالله، وتعرفه حق ~~معرفته، وتنفي عنه كل صفة نقص في ذاته وفي أفعاله، وأن تؤمن بملائكته وكتبه ~~ورسله ومن تخلفهم من الأوصياء، والأئمة الأتقياء، واليوم الآخر، والبعث ~~والحساب، والجنة والنار، والتصديق بالوعد والوعيد، وخلود أهل الجنة في ~~الجنة، وأهل النار في النار، وأن الله عدل في جميع أفعاله، وأنه لا يكلف ~~فوق الطاقة، ولا يسلب مكلفا الاستطاعة ثم يعاقبه على ترك ما لا يطيق. وأن ~~يعرف موجبات العلم وموجبات العمل، ويعلم علم الأصول وعلم الفروع. # واعلم أن موجبات العلم هي ما عرفنا الله ورسوله، وحكم به العقل من معرفة ~~الله، ومعرفة الأصول التي ذكرنا ومعرفة الفروع أيضا، ومعرفة طاعة الله، ~~ومعرفة معصية الله، ومعرفة ما كان من قصص الأولين، وما يكون في يوم الدين ~~وأمثال ذلك. وموجبات العمل هو الأمر بفعل الطاعات، والنهي عن فعل المحرمات. # والأصول هي التي سميناها في كتابنا هذا وهي ثلاثة عشر بابا وهي: معرفة ~~النظر والاستدلال، ومعرفة الصنع، ومعرفة الصانع، ومعرفة التوحيد، ومعرفة ~~العدل، ومعرفة النعمة، ومعرفة شكر المنعم، ومعرفة البلاء، ومعرفة الجزاء، ~~ومعرفة ms124 الكتب، ومعرفة الرسل، ومعرفة الإمامة، ومعرفة الاختلاف. PageV01P271 # ولولا معرفة الاختلاف لما عرفت الفرقة الناجية، ولا تحقق وأيقن صاحب الحق ~~أنه محق، فلما لم تكمل معرفة الأصول إلا به علم أن معرفة الوفاق والخلاف هو ~~أصل من الأصول وهو سبب الولاء والبراء، ولولا ذلك لما عرف الولي من العدو. # واعلم أن هذه الأصول أجمع عليها جميع العلماء الصالحين من الملائكة ~~والمرسلين "، ومن كافة المؤمنين. ولم ينسخ منها شيء ولا بدل، قال الله ~~تعالى: {إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يكن من المشركين ، شاكرا ~~لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم ، وآتيناه في الدنيا حسنة وإنه في ~~الآخرة لمن الصالحين ، ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان ~~من المشركين}[النحل:120-123]، وقال تعالى: {وجاهدوا في الله حق جهاده هو ~~اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم ~~المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على ~~الناس}[الحج:78]، وقال تعالى: {ذرية من حملنا مع نوح إنه كان عبدا ~~شكورا}[الإسراء:3]، وقال تعالى عن نوح عليه السلام: {قال ياقوم إني لكم ~~نذير مبين ، أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعوني ، يغفر لكم من PageV01P272 ذنوبكم...}الآية[نوح:2-4]، وقال تعالى: {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا ~~والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا ~~تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه الله يجتبي إليه من يشاء ~~ويهدي إليه من ينيب}[الشورى:13]، وقال تعالى: {آمن الرسول بما أنزل إليه من ~~ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله ~~وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير}[البقرة:285]، وقال تعالى: ~~{ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا وقال الله ~~إني معكم لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعزرتموهم وأقرضتم ~~الله قرضا حسنا لأكفرن عنكم سيئاتكم...}الآية[المائدة:12]، وقال تعالى: {ما ~~يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك ...}[فصلت:43]، وقال تعالى: {وتمت ~~كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل ms125 لكلماته وهو السميع العليم}[الأنعام:115]، ~~وقال تعالى: {سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله ~~تبديلا}[الفتح:23]، فصح PageV01P273 ما قلنا من أن هذه الجملة لم يختلف فيها، ولم ينسخ منها شيء، وليس يقبل في ~~هذه الأصول خبر الآحاد، ولا فيما ينقضها، مثل ما روى أهل التشبيه وأهل ~~القدر والغلاة وغيرهم ممن دس في الإسلام ما ليس منه. # ومما يجب أن يعتقد في القلب؛ موالاة أولياء الله، ومعاداة أعداء الله، ~~وهو أن يعتقد حب أولياء الله وبغض أعداء الله، قال الله تعالى في صفة ~~المؤمنين: {أشداء على الكفار رحماء بينهم}[الفتح:29]، وقال تعالى: {ياأيها ~~الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم ~~بالمودة}[الممتحنة:1]، وقال تعالى: {لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر ~~يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو ~~عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من ~~تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن ~~حزب الله هم المفلحون}[المجادلة:22]. PageV01P274 # ومما يجب أن يعتقد بالقلب: النية والإخلاص لله، والذكر لله، والصدق ~~والاستقامة والخشوع لله في جميع العبادة، قال الله تعالى: {فاعبد الله ~~مخلصا له الدين ، ألا لله الدين الخالص}[الزمر:2،3]، وقال تعالى: {قل الله ~~أعبد مخلصا له ديني }[الزمر:14]، وقال تعالى: {قل إني أمرت أن أعبد الله ~~مخلصا له الدين ، وأمرت لأن أكون أول المسلمين}[الزمر:11،12]، وقال تعالى: ~~{فادعوا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون}[غافر:14]، وقال رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم: ((الأعمال بالنيات ، وإنما لكل امرئ ما نوى)). # وقال الله تعالى في ذكر الخشوع: {قد أفلح المؤمنون ، الذين هم في صلاتهم ~~خاشعون}[المؤمنون:1،2]، وروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أنه ~~نظر رجلا يعبث بلحيته في صلاته فقال: ((أما هذا لو خشع قلبه لخشعت جوارحه ~~)). وقال الله تعالى في الصدق والاستقامة: {رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه ~~فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا ، ليجزي الله الصادقين ~~بصدقهم}[الأحزاب:23،24]، وقال ms126 تعالى في الاستقامة: {إن الذين قالوا ربنا ~~الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون}[الأحقاف:13]. PageV01P275 # ومن واجبات القلب تعظيم أولياء الله، وشعائر الله، وحرمات الله؛ قال الله ~~تعالى: {وتعاونوا على البر والتقوى }[المائدة:2]، وقال: {رحماء بينهم ~~}[الفتح:29]، وقال: {إنما المؤمنون إخوة }[الحجرات:10]، وقال: {ومن يعظم ~~حرمات الله فهو خير له عند ربه }[الحج:30]، وقال: {ومن يعظم شعائر الله ~~فإنها من تقوى القلوب }[الحج:32]. # وقال تعالى في الصبر: {ياأيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن ~~الله مع الصابرين}[البقرة:153]، وقال تعالى: {والصابرين في البأساء والضراء ~~وحين البأس}[البقرة:177]، وقال: {إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين ~~والمؤمنات والقانتين والقانتات والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات ~~والخاشعين والخاشعات والمتصدقين والمتصدقات والصائمين والصائمات والحافظين ~~فروجهم والحافظات والذاكرين الله كثيرا والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجرا ~~عظيما}[الأحزاب:35]. وقد روي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: (منزلة ~~الصبر من الإيمان كمنزلة الرأس من الجسد، ولا إيمان لمن لا صبر له). PageV01P276 # ومما يجب بالقلب: اليقين والتقوى، قال الله تعالى: {هذا بصائر للناس وهدى ~~ورحمة لقوم يوقنون }[الجاثية:20]، وقال: {رب السماوات والأرض وما بينهما إن ~~كنتم موقنين}[الشعراء:24]، وقال تعالى: {اتقوا الله حق تقاته }[آل ~~عمران:102]، وقال تعالى: {فاتقوا الله ما استطعتم واسمعوا ~~وأطيعوا}[التغابن:16]. # ويجب الذكر والتفكر في صنع الله بالقلب، قال الله: {الذين يذكرون الله ~~قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت ~~هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار}[آل عمران:191]. # ومن واجبات القلوب: التوبة، والندم، والتواضع، والمحبة والرحمة لأولياء ~~الله، والبغض والعداوة لأعداء الله، وإنكار المنكر. # فهذه الأصول والفروع يجب معرفتها بالقلب، ويجب نفي أضدادها عن القلب؛ فضد ~~الإيمان الكفر، وهو جحد أو شرك أو شك، والجهل ضد العلم، والشك ضد اليقين، ~~والرياء ضد الإخلاص، والشكر ضد الكفر، قال تعالى: {فويل للمصلين ، الذين هم ~~عن صلاتهم ساهون ، الذين هم يراءون ، ويمنعون الماعون}[الماعون:4-7]. وروي ~~عن أنس أنه قال: الحمد الله كما قال: {الذين هم عن صلاتهم ساهون}، ولم يقل: ~~(في صلاتهم ساهون) ذكره المؤيد بالله في الزيادات. PageV01P277 # واعلم أن ms127 الرياء والمباهاة يبطلان الأعمال، ويفسدان الأفعال؛ وقد روي عن ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((إذا كان يوم القيامة فأول ما ~~يدعى رجل جمع القرآن فيقول الله له: عبدي ألم أعلمك ما أنزلت على رسولي؟ ~~فيقول: بلى يا رب. فيقول: ماذا عملت فيما علمت؟ فيقول: يا رب كنت أقوم به ~~الليل والنهار. فيقول الله تعالى: كذبت بل أردت أن يقال: فلان قارئ، فقد ~~قيل ذلك، إذهب فليس لك اليوم عندنا شيء. ثم يدعى بصاحب المال فيقول الله ~~تعالى: عبدي ألم أنعم عليك؟ ألم أفضل عليك؟ ألم أوسع عليك؟ فيقول: بلى يا ~~رب، فيقول: ماذا عملت فيما آتيتك؟ فيقول: يا رب كنت أصل الرحم، وأتصدق، ~~وأفعل؛ فيقول الله تعالى: كذبت بل أردت أن يقال: فلان جواد، فقد قيل ذلك، ~~إذهب فليس لك اليوم عندنا شيء. ويدعى بالمقتول فيقول الله تعالى: عبدي فيم ~~قتلت؟ فيقول: يا رب (قتلت) فيك وفي سبيلك. فيقول الله له: كذبت بل أردت أن ~~يقال: فلان جريء فقد قيل ذلك، إذهب فليس لك اليوم عندنا شيء. ثم قال رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم: أولئك الثلاثة أول خلق يسعر بهم في النار)). PageV01P278 # ومما يجب أن ينفى من القلب: الكبر والحسد، قال الله تعالى: {أم يحسدون ~~الناس على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة ~~وآتيناهم ملكا عظيما}[النساء:54]، وروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم أنه قال: ((الحسد يأكل الإيمان كما تأكل النار الحطب))، وقال الله ~~تعالى: {إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا ~~كبر ما هم ببالغيه فاستعذ بالله إنه هو السميع البصير}[غافر:56]، وكان أول ~~من تكبر وحسد إبليس لعنه الله فقال الله تعالى: {ما يكون لك أن تتكبر فيها ~~...}الآية[الأعراف:13]. وروي عن عبد الله بن سلام أنه مر في السوق وعلى ~~رأسه حزمة حطب فقيل له، فقال: إني أردت أن أخلع الكبر، وقال: إني سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وآله ms128 وسلم يقول: ((لا يدخل الجنة عبد في قلبه [مثقال] ~~حبة خردل من كبر )). # ومما يجب أن ينفى من القلب: الظن الكاذب، وتكذيب الصادق، قال الله تعالى: ~~{إن بعض الظن إثم }[الحجرات:12]، وقال: {إن يتبعون إلا الظن وما تهوى ~~الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى}[النجم:23]. PageV01P279 # ومما يجب أن ينفى من القلب: الغفلة عن ذكر الله، وذكر الوعد والوعيد، وذكر ~~الموت، قال الله تعالى: {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم ~~وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون}[الأنفال:2]. # وفي ذكر الموت ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ~~((أذكروا هادم اللذات )) يعني: الموت. # ومما يجب أن ينفى من القلب: كراهة الحق وأهله، قال الله تعالى: {كتب ~~عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا ~~شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون}[البقرة:216]. PageV01P280 ### ||| AUTO فصل في الكلام في واجبات اللسان # من ذلك الإقرار بالله تعالى، وملائكته، وكتبه، ورسله، والنعمة، والبلية، ~~والموت، والبعث، والحساب، والثواب، والعقاب، والخلود. # ومما يجب باللسان: التوحيد والعدل. # ومما يجب باللسان: قراءة ما تيسر من القرآن، قال الله تعالى: {فاقرءوا ما ~~تيسر من القرآن علم أن سيكون منكم مرضى...}الآية[المزمل:20] في الصلاة. # ومما يجب باللسان: رد السلام، قال الله تعالى: {وإذا حييتم بتحية فحيوا ~~بأحسن منها أو ردوها }[النساء:86]، ويجب باللسان الأذان على المنفرد ~~والإقامة. # ومما يجب باللسان: تكبيرة الإحرام، وقراءة فاتحة الكتاب في ركعة وثلاث ~~آيات معها، وما تيسر من التسبيح، وقول المأموم: ربنا لك الحمد -في الصلاة- ~~قال الله تعالى: {فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون ، وله الحمد في ~~السماوات والأرض وعشيا وحين تظهرون}[الروم:17،18]، وقال: {فسبح باسم ربك ~~العظيم }[الواقعة:74]. # ومما يجب باللسان: التشهد الأخير مشتملا على الصلاة على النبيء وآله ~~-صلوات الله عليهم جميعا- والتسليم. # ومما يجب باللسان: التعلم [والتعليم] وسؤال العلماء، ودراسة كتب الأصول ~~وكتب الشرع. # ومما يجب باللسان: أداء الشهادة، قال الله تعالى: {والذين هم بشهاداتهم ~~قائمون }[المعارج:33]، وقال تعالى: {ياأيها الذين ms129 آمنوا كونوا قوامين لله ~~شهداء بالقسط }[المائدة:8]. PageV01P281 # ومما يجب باللسان: الإصلاح بين الناس، والأمر بالصدقة والمعروف، قال الله ~~تعالى: {لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين ~~الناس}[النساء:114]. # ومما يجب باللسان: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال الله تعالى: ~~{ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك ~~هم المفلحون}[آل عمران:104]. وروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~أنه قال: ((من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم ~~يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان)). # ومما يجب باللسان: الدعاء إلى الله وإلى الحق على ما يستحق الإجابة، قال ~~الله تعالى: {ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من ~~المسلمين}[فصلت:33]. # ومما يجب باللسان: الدفع بالتي هي أحسن، قال الله تعالى: {وإذا خاطبهم ~~الجاهلون قالوا سلاما }[الفرقان:63]. # ومما يجب باللسان: الحكم بما أنزل الله، قال الله تعالى: {ومن لم يحكم ~~بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون }[المائدة:47]. # ومما يجب باللسان: الحمد لله والثناء عليه، فإن الله تعالى افتتح كتابه ~~بالحمد لله رب العالمين. قال: {وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ~~}[الإسراء:111]. # ومما يجب باللسان: الإقرار بما يكون على العبد من الحقوق متى سأله صاحب الحق. PageV01P282 # ومما يجب باللسان: تعليم الجاهل -إذا سأل ذلك ولم يكن يدخل على المعلم مشقة كبيرة. # ومما يجب باللسان: مناظرة المخالفين؛ روي عن رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم أنه قال: ((لمقام أحدكم في الدنيا يتكلم بكلمة يرد بها باطلا أو ~~يحيي بها حقا أفضل من هجرة معي)). # فهذه واجبات اللسان؛ وما كان من جنسها مما ورد به الكتاب والسنة، وفيهما ~~بيان واجبات اللسان، وما يستحب وما يكره وما يحرم. # ومما يحرم النطق به: القول بالجحدان، والكفر، والشرك، قال الله تعالى: ~~{والذين لا يدعون مع الله إلها آخر }[الفرقان:68]، وقال تعالى: {ففروا إلى ~~الله إني لكم منه نذير مبين }[الذاريات:50]، وقال الله تعالى: {ولا تجعلوا ~~مع الله إلها ms130 آخر إني لكم منه نذير مبين}[الذاريات:51]. # ومما يحرم النطق به: الاستخفاف بحق الله وملائكته، ومثل النطق بالإثم ~~والعداون، ولعل الناطق بالإثم يكره أن يسمعه الناس، ويسره منهم أو من بعضهم ~~استحياء لهم ورهبة منهم، ولا يستحيي من ربه وملائكته، ولا يرهب ربه، فهل ~~يكون إثم مثل هذا؟! وقد قال الله تعالى: {يستخفون من الناس ولا يستخفون من ~~الله }[النساء:108]. وروي عن بعض الصالحين أنه رأى رجلا يتكلم فيما لا ~~يعنيه فقال: يا هذا إنما تملي على حافظيك كتابا إلى ربك. PageV01P283 # ومما يحرم النطق به: الافتراء على الله، والكذب عليه؛ بما يدخل عليه النقص، ~~في ذاته أو في أفعاله مثل قول المجبرة: إن الله يرى يوم القيامة. وقولهم: ~~له جوارح وأعضاء، وهو في مكان. وقولهم: إنه جبرهم على أفعالهم، وكلف الكافر ~~بالإيمان وهو لا يستطيعه ثم يعذبه، فهذا أكبر الكذب والفرية على الله، ~~تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. قال عز من قائل: {ومن أظلم ممن افترى على ~~الله الكذب وهو يدعى إلى الإسلام والله لا يهدي القوم الظالمين}[الصف:7]، ~~وقال عز من قائل: {انظر كيف يفترون على الله الكذب وكفى به إثما مبينا ~~}[النساء:50]، وقال تعالى: {سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا ~~آباؤنا ولا حرمنا من شيء كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل ~~عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا ~~تخرصون}[الأنعام:148]. # ومما يحرم النطق به: الكذب على رسول الله، روي عن رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم أنه قال: ((من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار)). PageV01P284 # ومما يحرم النطق به: الاستخفاف بحق الإمام والعالم والمؤمن لما روي عن رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((ثلاثة لا يستخف بحقهم إلا منافق ~~بين النفاق : الإمام المقسط، وذو الشيبة في الإسلام، ومعلم الخير)). ويحرم ~~الكذب على جميع الناس. # ويحرم من النطق: الحكم بغير ما أنزل الله. # ومما يحرم النطق به: شهادة الزور، قال الله تعالى: {والذين لا ms131 يشهدون ~~الزور وإذا مروا باللغو مروا كراما}[الفرقان:72]، وقال الله تعالى: ~~{واجتنبوا قول الزور }[الحج:30]. # ومما يحرم النطق به: مخاصمة أهل الحق، والمجادلة بالباطل؛ قال الله ~~تعالى: {هذان خصمان اختصموا في ربهم فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من ~~نار}[الحج:19]، وقال تعالى: {ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا فلا ~~يغررك تقلبهم في البلاد}[غافر:4]، ومن المجادلة في آيات الله قول من يقول: ~~لم ينزل كتاب الله. وقول من يقول: ليس يسمع كتاب الله. # ويحرم على الجنب والنفساء والحائض قراءة القرآن. # ومما يحرم النطق به: الغيبة، قال الله تعالى: {ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب ~~أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه واتقوا الله إن الله تواب ~~رحيم}[الحجرات:12]. PageV01P285 # ويحرم النطق باليمين الكاذبة، وبالنميمة، قال الله تعالى: {ولا تطع كل حلاف ~~مهين ، هماز مشاء بنميم}[القلم:10،11]، وروي عن رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم أنه قال: ((الغيبة والنميمة يفطران الصائم ، وينقضان الوضوء)). ~~وروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((لا يدخل الجنة قتات ~~)) والقتات النمام. # ومما يحرم النطق به: أذى المسلم، والقذف للمؤمنين والمؤمنات بغير بينة ~~عادلة؛ قال الله تعالى: {والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا ~~فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا}[الأحزاب:58]. # ومما يحرم النطق به: الهزؤ، قال الله تعالى حاكيا عن قوم موسى حيث قالوا ~~لموسى: {أتتخذنا هزوا قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين}[البقرة:67]، ~~فسمى الهزؤ جهلا، والجهل يجب الخروج منه. # ومما يحرم النطق به: الغناء، واللهو، والشعر بالأصوات الملهية، وذكر الحب ~~والمحب؛ ولأنه من اللهو، ومما يقوي هوى النفس. # فهذه الأشياء، وما كان من جملتها يحرم النطق بها والخوض فيها. PageV01P286 ### ||| AUTO فصل في الكلام في واجبات السمع # ومما يجب أن يسمع: كتاب الله قال الله: {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له ~~وأنصتوا لعلكم ترحمون}[الأعراف:204]. وقال رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم: ((إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا كبر فكبروا وإذا قرأ القرآن ~~فأنصتوا)). # ومما يجب استماعه: الأذان والإقامة. # ومما يجب أن يسمع: كلام رسول الله صلى الله ms132 عليه وآله وسلم، وكلام الأئمة ~~الهادين، وكلام معلمي الخير. وقد ذم الله تعالى الذين لا يستمعون كتابه، ~~وما جاء به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال عز من قائل: {والذين لا ~~يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى أولئك ينادون من مكان بعيد}[فصلت:44]، ~~وقال تعالى: {والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا ~~}[الفرقان:73]، وقال الله تعالى: {ياأيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا ~~وقولوا انظرنا واسمعوا}[البقرة:104]، وقال الله تعالى: {ولا تكونوا كالذين ~~قالوا سمعنا وهم لا يسمعون }[الأنفال:21]. PageV01P287 # وتأويل قوله: {لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا} روي عن ابن عباس أن (راعنا) ~~عند اليهود كلمة ذم، وهي عند العرب بمعنى أنظرنا، ويقول القائل منهم: أرعني ~~سمعك والمعنى اسمع مني. فكانت اليهود يأتون إلى النبيء صلى الله عليه وآله ~~وسلم فيقولون: راعنا، وأرعنا سمعك. وغرضهم السب له بلسانهم، فإذا خلا بعضهم ~~إلى بعض قالوا: قد كنا نسب محمدا سرا، فقد صرنا نسبه علنا. فأنزل الله هذ ~~الآية، وخاطب بها المؤمنون، لئلا يتشبه بهم اليهود إذا قالوا: راعنا. # ومما يجب استماعه على القاضي: قول المدعي، وقول المدعى عليه، وقول ~~الشهود، ويجب استماع حكم القاضي على الخصمين. # فهذه الأشياء، وما جانسها يجب استماعها. # ومما يحرم استماعه: اللهو والغناء، وصوت المزمار، والطنبور، وجميع ~~الملاهي، واللغو قال الله تعالى: {والذين هم عن اللغو معرضون ~~}[المؤمنون:3]، وقال تعالى: {والذين لا يشهدون الزور وإذا مروا باللغو مروا ~~كراما}[الفرقان:72]. PageV01P288 ### ||| AUTO فصل في الكلام في واجبات البصر # ومما يجب بالبصر: النظر إلى عجيب صنع الله، قال الله تعالى: {أفلم يسيروا ~~في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى ~~الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور}[الحج:46]، وقال تعالى: {أفلا ~~ينظرون إلى الإبل كيف خلقت ، وإلى السماء كيف رفعت ، وإلى الجبال كيف نصبت ~~، وإلى الأرض كيف سطحت}[الغاشية:17-20]. # ومما يجب أن ينظره العبد: كتاب الله، وكتب الأصول، وكتب الشرع، وما كان ~~يؤدي إلى العلم والعمل، ويدل على الخير، ويجنب الشر. PageV01P289 # ومما يحرم [بصره]: ms133 النظر إلى العورات من الرجال والنساء، وحد العورة من ~~الرجل من السرة إلى تحت الركبة، وهو مفصل الفخذ من الساق، لقول رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم: ((كل شيء أسفل من سرته إلى ركبته عورة ))، وروي ~~عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((الفخذ من العورة )). ~~والنساء كلهن عورات، لا يحل نظرهن إلا للزوج والمحرم؛ قال الله تعالى: {قل ~~للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم...} إلى قوله: {وقل للمؤمنات ~~يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن}[النور:30،31]، وقال رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم: ((النساء عي وعورات فاستروا عيهن بالسكوت وعوراتهن ~~بالبيوت)). فأما الزوج فإنه لا يحرم عليه نظر شيء من امرأته. وأما من يحرم ~~نكاحه على المرأة، من نسب أو رضاع، فإنه يحل له أن ينظر إلى ما ظهر منها، ~~وهو الوجه، وما ظهر من شعر الرأس، واليدان والقدمان، وقد يكون الذراعان مما ~~ظهر، وكذلك أسفل الساقين، ويحرم ما وراء ذلك؛ قال الله تعالى: {قل للمؤمنين ~~يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون ، ~~وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر ~~منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن PageV01P290 أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بني ~~إخوانهن أو بني أخواتهن أو نسائهن أو ما ملكت أيمانهن أو التابعين غير أولي ~~الإربة من الرجال أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء ولا يضربن ~~بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون ~~لعلكم تفلحون}[النور:30،31]. # ومعنى قوله تعالى: {ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها} يريد لمن استثناه ~~بقوله: {إلا لبعولتهن...}إلى آخر الآية. # وقوله: {وليضربن بخمرهن على جيوبهن} فأوجب التقنع والتستر. والجيب هو ~~الفقرة من القميص والمدرعة. # وقوله: {إلا لبعولتهن} فاستثنى بعولتهن؛ لأنه لولا الاستثناء هذا لكان من ~~جملة من يحرم عليه نظر زينتهن، ومن حال الاستثناء أنه لولا هو لدخل ~~المستثنى في جملة من ms134 لم يستثن. # وقوله: {أو نسائهن} دليل على ما قلنا: أنه لولا استثنى نسائهن لحرم عليهن ~~أن يبدين زينتهن عليهن. PageV01P291 # وقوله: {أو ما ملكت أيمانهن} يريد من الإماء، دون العبيد الذكران، فإنه ~~يحرم عليهن أن يبدين زينتهن عليهم. وإنما استثنى الله النساء والإماء لأنه ~~لولا هذا الاستثناء لحرم عليهن أن يبدين لهن زينتهن. ونساؤهن: هن المسلمات، ~~دون المشركات، وعلى هذا لا يجوز أن يبدين زينتهن للمشركات والذميات. # وقوله: {أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال} والتابعون: هم ذوو ~~الرضاعة: الابن من الرضاعة، والأخ من الرضاعة، وابن الإبن، وابن الأخ، وابن ~~الأخت من الرضاعة، وأشباه ذلك؛ ولأن الرضاع يتبع النسب في التحريم، لما روي ~~عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال لعلي أمير المؤمنين عليه ~~السلام: ((أما علمت أنه يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب )). # وقوله: {غير أولي الإربة من الرجال} والإربة هي الحاجة، قال الله تعالى: ~~{وما تلك بيمينك ياموسى ، قال هي عصاي أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي ولي ~~فيها مآرب أخرى}[طه:17،18]، يريد حاجات أخرى، والإربة هاهنا هي النظر ~~للشهوة، فاستثنى الله من ينظر للشهوة من ذوي الرضاع، ولم يستثن ذلك من ذوي ~~النسب؛ لأن الرحم يلزم ما لا يلزم الرضاع، وقد روي عن رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم أنه قال: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يخلو بامرأة ~~ليست له بمحرم ، فإن ثالثهما الشيطان)) إلا مع امرأة يحرم عليه نكاحها من ~~نسب أو صهر. PageV01P292 # وقوله: {أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء} وهم الذين لم يدروا ما ~~يطلب الرجال من النساء لصغرهم، وهو يكون من ست سنين أو سبع، أو قريبا من ~~ذلك، والله أعلم. # واعلم أن هذا النهي شامل للناظر والمنظور من الرجال والنساء. ولا يحرم ~~النظر إلى الصبية الصغيرة على هذا القياس إلا أن يكون يؤدي إلى الشهوة. ~~وكذلك النظر إلى ما ظهر من الأمة المملوكة للغير لما روي عن رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم أنه قال: ms135 ((لا تجالسوا أولاد الأغنياء فإن لهم شهوة ~~كشهوة النساء)) فمن هاهنا يحرم النظر إلى أمة الغير إذا كان النظر إليها ~~يؤدي إلى الشهوة. فإذا لم يكن يؤدي إلى الشهوة كالزنجية وشبهها فلا يحرم ~~النظر إلى ما ظهر منها. # قال القاسم عليه السلام: (يجوز أن تصلي الأمة بغير خمار) فصح أنها كالرجل ~~في العورة، إلا ما ذكرنا مما يدعو إلى الشهوة. PageV01P293 ### ||| AUTO فصل في الكلام في واجبات اليدين # فإنه يجب أن يستعمل العبد يديه فيما أمر الله به من العمل باليدين؛ من ~~ذلك: الطهارة والصلاة، والكتابة في التعليم، والحج والجهاد، وأمثال ذلك. # ومما يحرم عليه باليدين: أخذ مال الغير، وبخس الميزان، وتطفيف المكيال. ~~ويحرم لمس ما يحرم نظره باليدين وبجميع الجسد. # ويحرم بسط اليد لقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، قال الله تعالى: {من ~~قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها ~~فكأنما أحيا الناس جميعا}[المائدة:32]، وكذلك يحرم بسط اليد إلى الغير ~~للضرر، والجرح، وجميع أنواع الظلم. PageV01P294 ### ||| AUTO فصل في الكلام في واجبات النفس على الكمال # فإنه يجب على النفس الطهارة، والصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، وبر ~~الوالدين، وصلة القرابة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وموالاة أولياء ~~الله، ومعاداة أعداء الله. # ومما يجب بالنفس: طلب العلم؛ قال الله تعالى: {فلولا نفر من كل فرقة منهم ~~طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم}[التوبة:122]، ~~وروي عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((طلب العلم فريضة على كل مسلم ~~)). وروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((العلماء ورثة ~~الأنبياء ، وإن الأنبياء لم يخلفوا دينارا ولا درهما، وإنما ورثوا العلم، ~~فمن أخذ منه أخذ بحظ وافر)). وروي عن المسيح عليه السلام أنه قال: (من علم ~~وعمل بما علم دعي عظيما في ملكوت السماوات). وروي عن رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم أنه قال: ((فضل العلم خير من فضل العبادة وخير دينكم ~~الورع)). # ومما يجب على النفس: الورع فإنه روي عن رسول ms136 الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم أنه قال: ((الورع سيد الأعمال )). # ومما يجب على النفس أيضا: دفع الضر والظلم عن النفس والوالدين والأقربين ~~والصاحب بالجنب والجار. PageV01P295 # ومما يحرم فعله على النفس: الظلم، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، ~~والزنا، وشرب الخمر، وجميع ما يسكر ويفتر لما روي عن رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم أنه قال: ((ما أسكر كثيره فقليله حرام ))، ولما روي عنه صلى ~~الله عليه وآله وسلم: ((أنه نهى عن كل مسكر ومفتر )). # ومما يحرم على النفس فعله: الربا، قال الله تعالى: {ياأيها الذين آمنوا ~~اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين ، فإن لم تفعلوا فأذنوا ~~بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا ~~تظلمون}[البقرة:278،279]. # ومما يحرم على النفس: الوقوف على الجهل، قال الله تعالى: {ولا تكونوا ~~كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون ، إن شر الدواب عند الله الصم البكم ~~الذين لا يعقلون ، ولو علم الله فيهم خيرا لاسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم ~~معرضون}[الأنفال:21-23]. # ومما يحرم على النفس: اتباع الهوى، فيما لايجوز، قال الله تعالى: {وأما ~~من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى ، فإن الجنة هي ~~المأوى}[النازعات:40،41]. # ومما يحرم على النفس: ترك الواجبات، والعمل بالمحرمات. # ومما يحرم على النفس: ترك الصبر، وترك الحلم. PageV01P296 # ويجب كظم الغيظ، قال الله تعالى: {والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله ~~يحب المحسنين}[آل عمران:134]. # ومما يحرم على النفس: الرضا بالظلم، والسكوت لأهل المنكر، قال الله ~~تعالى: {كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا ~~يفعلون}[المائدة:79]، (وأمثال ذلك). PageV01P297 ### ||| AUTO فصل في الكلام في حقيقة الشكر # اعلم أنه لما ثبت أن كل نعمة على العبد فهي من الله لقوله تعالى: {وما ~~بكم من نعمة فمن الله }[النحل:53]، وقوله: {ما أصابك من حسنة فمن الله وما ~~أصابك من سيئة فمن نفسك}[النساء:79]، وجب أن يشكره عبده على كل نعمة أنعمها ~~عليه، لقوله تعالى: {إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا ~~}[الإسراء:36]، وقال: {ثم لتسألن يومئذ ms137 عن النعيم }[التكاثر:8]. PageV01P298 # واعلم أن العبد لا يقدر [على] أن يبلغ غاية شكر الله كما لا يحصي عد نعم ~~الله، ولا يتم ذلك لبشر كائنا من كان، لقول الله تعالى: {ولو يؤاخذ الله ~~الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة}[فاطر:45]، وقد حكى الله عن ~~الأنبياء " التوبة والاستغفار، فقال تعالى -حاكيا عن آدم عليه السلام ~~وحواء: {قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من ~~الخاسرين}[الأعراف:23]، وقال تعالى -حاكيا عن نوح عليه السلام: {رب اغفر لي ~~ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنا وللمؤمنين والمؤمنات}[نوح:28]، وقال تعالى ~~-حاكيا عن إبراهيم عليه السلام: {الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل ~~وإسحاق إن ربي لسميع الدعاء ، رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ربنا وتقبل ~~دعاء ، ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب}[إبراهيم:39-41]، ~~وقال تعالى -حاكيا عن موسى عليه السلام: {قال رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي ~~فغفر له إنه هو الغفور الرحيم}[القصص:16]، وقال تعالى -حاكيا عن داود عليه ~~السلام: {فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب }[ص:24]، وقال تعالى -حاكيا عن ~~سليمان عليه السلام: {رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من PageV01P299 بعدي إنك أنت الوهاب}[ص:35]، وقال تعالى لنبيئنا صلى الله عليه وآله وسلم: ~~{إنا فتحنا لك فتحا مبينا ، ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم ~~نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما}[الفتح:1،2]، وليس خطايا الأنبياء جميعا ~~-صلوات الله عليهم أجمعين- بتعمد منهم لمعصية الله سبحانه، ولكنهم يغفلون ~~ويسهون، ويفترون وينسون، إلا في تبليغ الرسالة فإنهم معصومون عن النسيان ~~والغفلة، وأشباه ذلك. # وأما فيما يخصهم في أنفسهم فليسوا بمعصومين بل يسهون، وينسون ويغفلون، بل ~~إنهم معصومون من الكبائر، وليسوا بمعصومين من الصغائر. # والدليل على أن النبيء لا ينسى ما أرسل به قول الله تعالى: {سنقرئك فلا ~~تنسى ، إلا ما شاء الله}[الأعلى:6،7]، ومعنى {ما شاء الله} يريد وقت النوم ~~والموت، وعلى ذلك فطرهم الله. وغيرهم من الناس، قال الله تعالى: {وخلق ~~الإنسان ضعيفا }[النساء:28]. PageV01P300 # فأما الملائكة صلوات الله عليهم فإنهم ms138 لا يفترون عن عبادة الله ولا ينسون، ~~وقد حكى الله ذلك عنهم، فقال تعالى: {يسبحون الليل والنهار لا يفترون ~~}[الأنبياء:20]، وقال تعالى: {تكاد السماوات يتفطرن من فوقهن والملائكة ~~يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض}[الشورى:5]، ولم يذكر عنهم أنهم ~~يستغفرون لأنفسهم، وذلك أن الله تعالى قد خلقهم شدادا أهل قوة، قال الله ~~تعالى: {علمه شديد القوى ، ذو مرة فاستوى}[النجم:5،6]، وقال: {عليها ملائكة ~~غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون}[التحريم:6]، فوصفهم ~~بالقوة والشدة، وعصمهم عن الغذاء والنكاح، وخوف الخلق، فأمكنهم ما هم عليه ~~من طاعة الله تعالى. # واعلم أنه لا يكون العبد شاكرا لربه حتى يكون مستصغرا لحسناته، مستعظما ~~لسيئاته، وذلك لكثرة نعم الله عليه، وعلمه بسره وجهره وقدرته عليه. وقد روي ~~أن أعرابيا سأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن صفة المحبين للرحمن، ~~فأمر عليا عليه السلام أن يخبره، فقال له علي عليه السلام: (يا بادي خذ عني ~~صفة المحبين: عبد استصغر بذله في الله، واستعظم ذنبه، وظن أنه ليس في ~~السماوات ولا في الأرض مأخوذ غيره) قال: فصعق الأعرابي، فلما أفاق قال: ~~أخبرنا يا ابن أبي طالب: هل يكون في حالة أحد أعلا من هذا العبد؟ قال: نعم؛ ~~سبعين درجة. PageV01P301 # ومما يدل على صحة ما قلنا: أنك لو عظمت أجنبيا لا نعمة له عليك؛ أنه يستكثر ~~منك النعمة ويستعظمها، ويكون ذلك منك إليه عظيما، وأنك إذا عظمت والديك، أو ~~عظم العبد سيده أن ذلك يصغر عند الوالدين ويقل من حقهما، وذلك لكثرة ~~نعمتهما عليك، وإحسانهما إليك، وكذلك السيد يستصغر تعظيم عبده له، فإذا كان ~~هذا معقولا في الآدميين وجب على العبد أن يستصغر شكره لرب العالمين المنعم ~~المتفضل ويستعظم ذنبه، ويخاف ربه، قال الله تعالى: {والذين هم من عذاب ربهم ~~مشفقون ، إن عذاب ربهم غير مأمون}[المعارج:27،28]. # ومما يكبر المعصية ويعظمها أن العاصي لا يعصي إلا وهو في نعم الله، ألا ~~ترى أنه لو مد زيد يده إلى عمرو ليعطيه عطية جزيلة يحتاج إليها ولا ms139 يستغني ~~عنها، فمد عمرو يده ليلطم زيدا ألا ترى أن ذنبه كان عظيما، وقد روي عن رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((يقول الله تعالى: يا ابن آدم ما ~~تنصفني أتحبب إليك بالنعم، وتتمقت إلي بالمعاصي، وخيري إليك ينزل، وشرك إلي ~~صاعد، ولا يزال ملك كريم يأتيني عنك في كل يوم بعمل قبيح، يا ابن آدم لو ~~سمعت وصفك من غيرك وأنت لا تدري من الموصوف لسارعت إلى مقته)). وروي عن بعض ~~الصالحين أنه سئل عن الشكر فقال: ألا تستعين بنعمة من نعم الله على معصية ~~من معاصي الله. PageV01P302 ### ||| AUTO فصل في الكلام في الهجرة # واعلم أن من شكر المنعم الهجرة من أعدائه إلى أوليائه. فإن كان في الزمان ~~إمام حق فالهجرة إليه، وإن لم يكن في الزمان -الذي يكون فيه المؤمن- إمام ~~حق وجب عليه أن يهاجر من الظلمة والفسقة إلى حيث غلب في ظنه أنه ينجو فيه ~~مما فر منه -إن أمكنه ذلك- وإن لم يمكنه فلا إثم عليه، قال الله تعالى: {إن ~~الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في ~~الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم ~~وساءت مصيرا ، إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ~~ولا يهتدون سبيلا ، فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفوا غفورا ، ~~ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما كثيرا وسعة ومن يخرج من بيته ~~مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله وكان الله ~~غفورا رحيما}[النساء:97-100]، وقال الله تعالى: {فاستجاب لهم ربهم أني لا ~~أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض فالذين هاجروا وأخرجوا من ~~ديارهم وأوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا لاكفرن عنهم PageV01P303 سيئاتهم ولادخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ثوابا من عند الله والله ~~عنده حسن الثواب}[آل عمران:195]، وقال الله تعالى: {ثم إن ربك للذين هاجروا ~~من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من ms140 بعدها لغفور رحيم}[النحل:110]. # واعلم أن الهجرة هي سنة الأنبياء صلوات الله عليهم، وقد حكى الله ذلك ~~عنهم فقال -حاكيا عن إبراهيم عليه السلام: {وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين ~~}[الصافات:99]، وقال تعالى: {فآمن له لوط وقال إني مهاجر إلى ربي إنه هو ~~العزيز الحكيم}[العنكبوت:26]، وقال تعالى -حاكيا عن موسى عليه السلام: {قال ~~رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيرا للمجرمين }[القصص:17]، وقال لنبيئه صلى ~~الله عليه وآله وسلم: {فتول عنهم فما أنت بملوم }[الذاريات:54]، وقد روي عن ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((خمس لا يعذر بجهلهن أحد : ~~معرفة الله سبحانه لا يشبهه بشيء -ومن شبه الله بشيء أو زعم أن الله يشبه ~~شيئا فهو من المشركين- والحب في الله، والبغض في الله، والأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر، واجتناب الظلمة)). وكذلك فعل الأئمة الهادون": هاجر أمير ~~المؤمنين عليه السلام من المدينة إلى الكوفة. وهاجر القاسم عليه السلام إلى ~~جبال الرس. وهاجر الهادي إلى الحق عليه السلام إلى الغيل من PageV01P304 صعدة، وغيرهم من الأئمة". PageV01P305 ### ||| AUTO فصل في الكلام في التجارة # واعلم أنه يجب على المؤمن أن ينظر فيما يصلح دينه ودنياه ويزيد في علمه ~~ويقينه فما حق عنده أو غلب على ظنه أنه أسلم لدينه فعل ما يمكنه فعله في ~~الحال، ويقدم لما يصلحه في المآل، كما أن التاجر ينظر فيما يبيع ويشتري فما ~~علم أنه يربح فيه -أو غلب في ظنه- شراه وكسبه، وما كان يعلم -أو يغلب على ~~ظنه- أنه يخسر فيه لم يشتره، ويتجنبه؛ وكذلك يجب على المؤمن أن ينظر في ~~دينه، فما كان يزيد في حسناته فعله وتقدم إليه، وما كان ينقص حسناته ويزيد ~~سيئاته تجنبه؛ ولأن الدين تجارة قال الله تعالى: {ياأيها الذين آمنوا هل ~~أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم ، تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في ~~سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون}[الصف:10،11]، ~~وقال تعالى: {من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث ~~الدنيا نؤته منها وما ms141 له في الآخرة من نصيب}[الشورى:20]. PageV01P306 # وقد دلنا الله تعالى على التجارة، وضمن لنا الربح؛ وأخبرنا بما يزيد في ~~العمل ويوجب الربح. وأخبرنا بما يفسد عملنا ويبطل فعلنا. وأخبرنا باجتهاد ~~الصالحين قبلنا في التجارة الربيحة. وأخبرنا بمن فسد عليه عمله فقال تعالى: ~~{من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا ~~مثلها}[الأنعام:160]، وقال تعالى: {إن تقرضوا الله قرضا حسنا يضاعفه لكم ~~}[التغابن:17]، وقال: {من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له وله أجر ~~كريم}[الحديد:11]، وقال تعالى: {آمنوا بالله ورسوله وأنفقوا مما جعلكم ~~مستخلفين فيه فالذين آمنوا منكم وأنفقوا لهم أجر كبير}[الحديد:7]، وقال ~~تعالى: {مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل ~~في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم}[البقرة:261]، ~~فأعطى الله عباده الثواب الجزيل، واستقرضهم بما أعطاهم القليل ثم ذخره لهم ~~إلى وقت حاجتهم إليه، وكثره لهم وزاد عليه. PageV01P307 # ثم أخبرنا بما يبطل الصدقات فقال عز من قائل: {ياأيها الذين آمنوا لا ~~تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس}[البقرة:264]، ~~وقال تعالى: {أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب تجري من تحتها ~~الأنهار له فيها من كل الثمرات وأصابه الكبر وله ذرية ضعفاء فأصابها إعصار ~~فيه نار فاحترقت كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون}[البقرة:266]. ~~فمثل الله تعالى من يكون له عمل صالح يستحق به الجنة، فيبطله، بمن يكون له ~~في الدنيا جنة من نخيل على ما وصف، فتصيبها ريح فيها نار فتحرقها فاحترقت. ~~وقوله تعالى: {وأصابه الكبر} يريد أنه يكون يوم القيامة كمن أصابه الكبر في ~~الدنيا لا يمكنه أن يستعيض جنة أخرى. وقوله: {وله ذرية ضعفاء} يقول: إنه ~~محتاج إليها كما يحتاج الشيخ الكبير الذي له ذرية ضعفاء إلى من يقوم به ~~وبذريته. PageV01P308 # وقال تعالى: {ياأيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا ~~تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا ~~تشعرون}[الحجرات:2]، وقال تعالى: {ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط ms142 الله وكرهوا ~~رضوانه فأحبط أعمالهم}[محمد:28]، وقال تعالى: {قل هل ننبئكم بالأخسرين ~~أعمالا ، الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون ~~صنعا}[الكهف:103،104]. ثم أخبرنا بصفة الصالحين فقال تعالى: {التائبون ~~العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون ~~عن المنكر والحافظون لحدود الله وبشر المؤمنين}[التوبة:112]، وقال تعالى: ~~{أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه قل هل ~~يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب}[الزمر:9]. PageV01P309 # وقد مثل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الصلاة بالتجارة؛ فكذلك سائر ~~أعمال البر؛ فإنه روي عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال لأمير المؤمنين ~~عليه السلام: ((يا علي مثل الذي لا يتم صلاته كحبلى حبلت ، فلما دنى نفاسها ~~أسقطت، فلا هي ذات حمل، ولا ذات ولد، ومثل المصلي مثل التاجر لا يخلص ربحه ~~حتى يأخذ رأس ماله؛ كذلك المصلي لا تقبل له نافلة حتى يؤدي الفريضة)) فصح ~~أن الدين تجارة. # ومما يدل على وجوب تدبر العاقبة فيما يستقبل فعله العبد: ما روي عن رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال لعلي عليه السلام: ((عليك باليأس مما ~~في أيدي الناس فإنه الغنى الحاضر))، فقلت: زدني يا رسول الله صلى الله ~~عليك، فقال: ((يا علي إياك والطمع فإنه الفقر الحاضر)) فقلت: زدني يا رسول ~~الله صلى الله عليك، فقال: ((إذا هممت بأمر فتدبر عاقبته ، فإن يك خيرا ~~فاتبعه وإن يك غيا فدعه))، ثم قال: ((يا علي إن من اليقين أن لا ترضي أحدا ~~بسخط الله ، ولا تحسد أحدا على ما آتاه الله، ولا تذم أحدا على ما لم يؤتك ~~الله فإن الرزق لا يجره حرص حريص، ولا يصرفه كراهة كاره، إن الله بحكمه ~~وفضله جعل الروح والفرح في الرضا، وجعل الهم والحزن في الشك والسخط)). PageV01P310 # واعلم أنه يجب على تاجر الآخرة أن يكون على تجارته أشد حرصا واجتهادا من ~~تاجر الدنيا على تجارته؛ لأن تجار الدنيا يجتهدون في تجارتهم، وينفقون فيها ~~نفوسهم وأموالهم، ويسهرون الليل، ويخدمون، ms143 ويجوعون ويعطشون، ويخافون ~~ويعرون، ويصبرون على ما قابلهم من الشرور والمحن. # ورأيناهم يعملون أفكارهم فيما يصلح تجارتهم، ويتدبرون عاقبة تجارتهم فإن ~~علموا فيها ربحا تقدموا فيها، وإن علموا فيها خسرانا توقفوا. وإذا ابتاع ~~رجل منهم شيئا بدينار اجتهد في أخذ الجيد، واستشار فيه من يعرفه، واستنقده ~~ولم يرض بنقاد واحد. # فإذا كان هذا فعال تاجر الدنيا فتاجر الآخرة أحق بالحرص والاجتهاد وإعمال ~~الفكر في سلامة رأس المال وحصول الربح. وكذلك يجب أن يكون اجتهاده في ~~انتقاد دينه ومعرفة من يأخذه عنه أشد من اجتهاد تاجر الدنيا في استنقاد ~~ديناره، وقد روي عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((إن ~~هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم)). PageV01P311 # واعلم أن تاجر الدنيا يستكثر من التجارة التي يعلم أن له فيها ربحا حتى أنه ~~لا يقنع بتجارته بنفسه حتى يستعين غيره يتجر له، ويستأجر آخرين، ويشارك ~~آخرين، حتى يجتمع له الربح من مواضع كثيرة، فكذلك يجب على تاجر الآخرة أن ~~يستكثر من الأرباح، ولا يقنع بالشيء منها بل يطلب المزيد عليه، كما فعل ~~رجال من عباد الله الصالحين، منهم الهادي عليه السلام فإنه لم يقنع بكثرة ~~جهاده وهداه للناس إلى الحق، واجتهاده، وصلواته وقيامه، وصدقاته وحجه ~~وصيامه، ودعائه إلى رب العالمين، وإعزازه للمؤمنين، وإرغامه للفاسقين، ~~ومباينته للظالمين، فلم يقنع بما فعل من البر في حياته حتى زاد أوصى أن ~~يتصدق عنه بعد وفاته؛ فإنه سأل بنيه وبني عمومته والصالحين من شيعته وأهل ~~مودته أن يتصدقوا عنه بعد مماته، ولا يستقل المتصدق عنه شيئا من حسناته، ~~فعليه من الله أفضل سلامه وتحياته. # واعلم أن خير التجارة العلم والورع لقول رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم: ((فضل العلم خير من فضل العبادة ، وخير دينكم الورع)). # واعلم أن أشرف التجارة أكثرها تعبا مع الإخلاص لله لما روي عن رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((أشرف الإيمان أن يأمنك الناس ، وأشرف ~~الإسلام أن تسلم الناس من يدك ولسانك، وأشرف ms144 الهجرة أن تهجر السيئات، وأشرف ~~الجهاد أن تقتل وتعقر فرسك في سبيل الله)). PageV01P312 ### ||| AUTO فصل في الكلام في التوبة # فإن التوبة من واجبات الشكر على (العبد) المذنب. والتوبة هي الندم من فعل ~~المعاصي، والمباينة للمعاصي، والإقلاع عنها، ورد المظالم إلى أهلها. # والتوبة على وجهين: توبة من كفر. وتوبة من فسق. # فالتائب من الكفر لا يجب عليه قضاء فرض، ولا رد مظلمة، لقول الله تعالى: ~~{قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف }[الأنفال:38]، ولقول رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((الإسلام يجب ما قبله )). PageV01P313 # وأما التائب من الفسق فإنه يقضي ما ترك من الفروض، كالصلاة، والزكاة، ~~والصوم، وكفارة الأيمان، والنذور، وذلك لقول رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم: ((من نسي صلاة أو نام عنها فليقضها إذا ذكرها)) وكذلك الزكاة، ~~والصوم، وكفارة الأيمان، والنذور. فأما سائر حقوق الله فلا يجب على من ~~ضيعها قضاؤها إذا تاب، لقول الله تعالى: {قل ياعبادي الذين أسرفوا على ~~أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور ~~الرحيم}[الزمر:53]، ولقوله تعالى: {وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن ~~السيئات ويعلم ما تفعلون}[الشورى:25]، ولقوله تعالى: {وإني لغفار لمن تاب ~~وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى }[طه:82]، ولقوله تعالى: {فمن تاب من بعد ظلمه ~~وأصلح فإن الله يتوب عليه إن الله غفور رحيم}[المائدة:39]. وروي عن علي ~~عليه السلام [أنه] قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ((من ~~قال: (أستغفر الله الذي لا إله إلا هو وأتوب إليه) غفرت له ذنوبه ولو كانت ~~أكثر من زبد البحر ورمل عالج)). PageV01P314 # قال السيد أبو طالب: والمراد: يقوله ويضم إليه عقد القلب في الندم على ما ~~كان منه، والعزم على ترك أمثاله. فأما حقوق الآدميين فإنه يجب عليه الخروج ~~(إليهم) منها، فإن كان الحق في دم أقاد نفسه للقصاص، وإن كان في مال قضاه ~~من ماله، وإن كان في عرض سأله الحل إذا اغتابه وبلغته الغيبة، وإن لم تبلغه ~~لم ms145 يعلمه وتاب إلى الله تعالى؛ ولأنه إذا أعلمه بشيء لم يعلمه من قبل أدخل ~~عليه الغم. # والغيبة هي أن يتكلم على المؤمن في غيبته بما لا يتكلم في حضرته؛ يريد ~~بذلك نقصه وإظهار عيبه، وهو أن يذكر منه ذنب فعله ويمكن أن يكون قد تاب منه ~~فيسميه باسم قد خرج منه، وقد قال تعالى: {بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ومن ~~لم يتب فأولئك هم الظالمون}[الحجرات:11]، وقال تعالى: {إن الذين يحبون أن ~~تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم ~~وأنتم لا تعلمون}[النور:19]، وإما أن يتكلم في المؤمن بما لم يفعل فذلك ~~أكبر من الغيبة، وهو بهتان وافتراء وإثم عظيم لقول الله تعالى: {وتحسبونه ~~هينا وهو عند الله عظيم }[النور:15]. # وأما الفاسق المصر على فسقه فلا إثم في غيبته. PageV01P315 # ويجب على القاذف إذا قذف مؤمنا ولم يأت بأربعة شهداء التوبة وتسليم نفسه ~~إلى الإمام ليأخذ منه حد القذف للمقذوف أو لورثته، إلا أن يعفو عنه المقذوف ~~أو ورثته قبل المطالبة إلى الإمام، وإن لم يكن إمام سأل المقذوف الحل، وعلى ~~من طلب منه الحل في هذا أو في الغيبة أن يحل ويعفو، لما روي عن رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((أفضل الفضائل أن تعطي من حرمك ، وتصفح ~~عمن شتمك، وتصل من قطعك)). # وحقيقة التوبة الندم عن فعل الذنب كائنا ما كان -ترك فريضة، أو عمل ~~معصية- فهذا يجب الندم من فعل المعاصي، وترك الواجبات، والعزم على أن لا ~~يفعل معصية، ولا يترك واجبا، والخروج عن المظالم. # ومن الندم أن لا يتوب من ذنب ويرتكب ذنبا مثله؛ وهذا مروي عن القاسم بن ~~إبراهيم عليه السلام، وهو قول جميع الزيدية، وبه قال أبو هاشم وأكثر ~~المعتزلة. وقال أبو علي وأبو القاسم البلخي: (تصح توبته من ذنب، وإن كان ~~مصرا على غيره) وهذا لا أصل له؛ لأن من اعتذر إلى زيد في قتل ولده، وهو مع ~~ذلك غير مقلع عن ظلمه لا يكون معذورا في قتله، ms146 وكذلك من امتنع من شرب الخل ~~لحموضته فأكل أحماض الأترنج لا يكون ممتنعا من الحامض فصح أنه لا يكون ~~تائبا ما دام مصرا على معصية. والصغائر مع الإصرار تكون كبائر (وهو قول ~~الناصر عليه السلام). PageV01P316 ### || AUTO باب حقيقة معرفة البلاء # وأصل البلاء الاختبار، وهو على أفنان كثيرة. # فمنها بلاء التعبد؛ وهو الأمر بفعل الواجبات، والنهي عن فعل المحرمات، ~~وفائدته أن يعرض الله المتعبدين لثوابه، ويخوفهم من عقابه؛ قال الله تعالى: ~~{الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا }[الملك:2]، فصح أن الدنيا ~~دار بلاء، وأن الحياة والموت بلاء. # ومن البلاء: النعم التي تفضل الله بها على العباد، قال الله تعالى -حاكيا ~~عن سليمان عليه السلام: {فلما رآه مستقرا عنده قال هذا من فضل ربي ليبلوني ~~أأشكر أم أكفر}[النمل:40]، وقال تعالى: {فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه ~~فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن}[الفجر:15]. PageV01P317 # ومن البلاء: التمحيص للعبد المؤمن قال تعالى: {وليمحص الله الذين آمنوا ~~ويمحق الكافرين }[آل عمران:141]، وقال تعالى: {ولنبلونكم بشيء من الخوف ~~والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين}[البقرة:155]، وقال ~~تعالى: {كل نفس ذائقة الموت ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ~~ترجعون}[الأنبياء:35]، وقال تعالى: {إنما أموالكم وأولادكم فتنة ~~}[التغابن:15]، والفتنة من التمحيص. وقال تعالى: {والفتنة أشد من القتل ~~}[البقرة:191]، وذلك لأن القتل في سبيل الله حسن، والفتنة تمحيص؛ قال الله ~~تعالى: {قل هل تتربصون بنا إلا إحدى الحسنيين }[التوبة:52]، فسمى الشهادة حسنا. PageV01P318 # ومن التمحيص ما ذكر الله تعالى من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس ~~والثمرات والأمراض؛ ونقصان الأنفس مثل الموت ونقصان الخلق. وقد يبتلي الله ~~عبده بالفقر لينظر صبره، قال الله تعالى: {وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه ~~رزقه فيقول ربي أهانن}[الفجر:16]، وقد روي أن في التوراة: (يا موسى إني لم ~~أفقر الفقير بذنب قدمه إلي ولم أغن الغني بصنيعة قدمها إلي، وإنما أفقرت ~~الفقير لأنظر صبره، وأغنيت الغني لأنظر شكره، يا موسى فلا الفقير صبر ولا ~~الغني شكر). وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ms147 أنه قال: ((إن ~~المؤمن إذا أصابه السقم ثم عافاه الله منه كان كفارة لما مضى من ذنوبه، ~~وموعظة له فيما يستقبل، وإن المنافق إذا مرض ثم عوفي منه كان كالبعير عقله ~~أهله ثم أرسلوه، فلم يدر لم عقلوه؟ ولم أرسلوه؟ فقال رجل: يا رسول الله، ~~وما الأسقام والله ما مرضت قط؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم: قم عنا فلست ~~منا)). وروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال لعلي عليه ~~السلام: ((يا علي غم العيال ستر من النار ، وطاعة الخالق أمان من العذاب، ~~والصبر على الفاقة جهاد، وأفضل من عبادة ستين سنة)). PageV01P319 # وعن علي عليه السلام أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ~~((يقول الله عز وجل: أيما عبد من عبادي ابتليته ببلاء على فراشه فلم يشك ~~على (أحد) من عواده أبدلته لحما خيرا من لحمه، ودما خيرا من دمه، فإن قبضته ~~فإلى رحمتي، وإن عافيته فليس له ذنب. قيل: يا رسول الله وكيف ينبت له لحم ~~غير لحمه، ودم غير دمه؟ قال: لحم لم يذنب)). # وعن أم العلى قالت: عادني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأنا مريضة ~~فقال: ((أبشري يا أم العلى فإن مرض المسلم يذهب الله به خطاياه [وسيئاته] ~~كما تذهب النار خبث الذهب والفضة)). وعن النبيء صلى الله عليه وآله وسلم ~~أنه قال: ((عظم الجزاء على عظم البلاء ، فإن الله إذا أحب قوما ابتلاهم، ~~فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط)). وقال القاسم بن إبراهيم عليه ~~السلام في المكنون: ولربما أدب الله عبده بالفقر، وابتلاه بالعسر اختبارا ~~له ليجعل له في عاقبة ذلك خيرا. PageV01P320 # واعلم أنه لولا البلاء لما عرف الله، ولما عرف المطيع من العاصي، ولما عرفت ~~النعمة؛ ولأن العبد إذا مسه ضر دعا ربه [منيبا إليه] وتضرع إليه؛ قال الله ~~تعالى: {وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه منيبا إليه ثم إذا خوله نعمة منه نسي ~~ما كان يدعو إليه من قبل وجعل لله أندادا ليضل ms148 عن سبيله قل تمتع بكفرك ~~قليلا إنك من أصحاب النار}[الزمر:8]. وأيضا إنه لولا البلاء لما عرف فضل ~~النعمة، وفي الشاهد أن المعافى لا يعرف فضل العافية حتى يبتلى، فإذا أصابه ~~ألم وضر ومرض تمنى العافية، وعرف فضلها وقدرها. وكذلك من أضر به الجوع ~~والظمأ إذا وجد الطعام والماء عرف فضل النعمة بعد البلية. # وفي البلية منافع أخرى، منها أنها تذكر العبد عذاب الآخرة وألمها، ولولا ~~البلاء في الدنيا ما صدق العبد بوعيد الله في الآخرة. # ومنها أن البلاء يمنع العبد عن كثير من المعاصي، ويرغبه في الطاعة، ~~ويزهده في الدنيا. ولما كان في الشاهد أن الأطباء والحكماء من الناس يداوون ~~الأعلاء بدواء مؤلم لهم في الحال، نافع لهم في المآل، كالفصد، والكي، وشرب ~~العقاقير، وأمثال ذلك، حكم العقل الضروري أن البلاء من الله حسن، وأنه نافع ~~للمبتلى قال الله تعالى: {وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم ~~يرجعون}[الأعراف:168]، يريد أنه بلاهم بالخير ليشكروا، وبلاهم بالشر ~~ليحذروا. والشكر والحذر رجوع إلى الله تعالى. PageV01P321 # واعلم أن الله تعالى قد ابتلى العبد بالخير لينظر شكره، وابتلاه بالشر ~~لينظر صبره، ولولا البلاء لما عرف المطيع من العاصي. PageV01P322 ### ||| AUTO فصل في الكلام في امتزاج النعمة والمحنة # اعلم أنه لا يوجد نعمة في الدنيا إلا وبجنبها محنة، فمن ذلك زوال النعمة ~~فإنه محنة، ومنه ما جعل الله للعبد من الاستطاعة فإنه جعله مستطيعا للإيمان ~~ومستطيعا للكفر، ومستطيعا للطاعة ومستطيعا للمعصية. # ومن البلية أنه عجل الدنيا الفانية، وأخر الآخرة الباقية وجعلها مغيبة ~~خافية، قال عز من قائل: {إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما ~~تسعى}[طه:15]، يريد أنه لم يجعلها مشاهدة في الدنيا ولم يبدها، وأخرها ~~وأخبر عنها. ومعنى إخفاء الله لها أنه أخفى عينها ووقتها، ولم يخف خبرها. # ومن البلية أن الباطل قد يشبه الحق في بعض المواضع، ولا يفصل بينهما إلا ~~ذو العلم والحجا، وذلك في مثل مسائل الاجتهاد؛ مثال ذلك الجمع بين الأختين ~~في ملك اليمين، وقد سئل عن ذلك أمير المؤمنين فقال: أحلتهما آية وحرمتهما ms149 ~~آية، فغلب الحظر على الإباحة فحرمهما. # وقال عليه السلام في خطبة له: (ألا إن الحق لو خلص لم يخف على ذي حجا، ~~وإن الباطل لو خلص لم يخف على ذي حجا، ولكنه يؤخذ من هذا ضغث ومن هذا ضغث ~~فيمزجان فيمتزجان معا، فحينئذ يستولى الشيطان على حزبه، ونجا حزب الله ~~الذين سبقت لهم من الله الحسنى. ألا إن الباطل خيل شمس ركبها أهلها فأرسلوا ~~لها أزمتها فسارت حتى انتهت بهم إلى نار وقودها الناس والحجارة. ألا وإن ~~الحق مطايا ذلل ركبها أهلها وأعطوا أزمتها فسارت بهم الهوينا حتى انتهت بهم ~~ظلا ظليلا. فعليكم بالحق فاسلكوا سبله واعملوا به تكونوا من أهله). PageV01P323 # واعلم أن امتزاج الحق بالباطل؛ مثل فعال المنافقين، فإنهم أقروا بالإيمان ~~واعتقدوا الكفر فأجراهم الله ورسوله مجرى المسلمين، ولم يبدهم بأعيانهم ~~-للبلية- فقال تعالى: {ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا تبتغون ~~عرض الحياة الدنيا}[النساء:94]. وروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~أنه قال: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: (لا إله إلا الله محمد رسول ~~الله)، فإذا قالوها حقنوا عني دماءهم وأموالهم)) فلما قبل منهم الظاهر، لم ~~يكلف الله النبيء صلى الله عليه وآله وسلم معرفة باطنهم، ولا كلف المؤمنين ~~ذلك. فمن هاهنا امتزج الحق بالباطل، فصار المنافقون يروون عن رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم شيئا لم يقله، فيصدقوا لتغطيهم بالإسلام، ولو كانوا ~~مظهرين للكفر لم يصدقوا. فمن هاهنا أفسدوا الإسلام، فهذا من البلية قال ~~الله تعالى: {أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم ، ولو ~~نشاء لاريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول والله يعلم ~~أعمالكم ، ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو ~~أخباركم}[محمد:29-31]، فأخبر أن ترك تعريف المنافقين بلية للمؤمنين. PageV01P324 # ومن البلية أيضا: متشابه القرآن، فإنه لو كان كله محكما لم يحتج أحد بعده ~~إلى العلماء، ولما وجد المخالف للحق سببا يتعلق به، ولو كان ذلك كذلك لزال ~~الامتحان وسقط التكليف. # ومن البلية: موت رسول الله صلى الله عليه ms150 وآله وسلم ومن تخلفه، فبسبب ~~موته وقع الاختلاف. # ومن البلايا: معادات أعداء الله، والجهاد في سبيل الله، ولولا ذلك لما ~~عرف الصابر من العاجز المتواني، قال الله تعالى: {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ~~ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين }[آل عمران:142]. PageV01P325 ### ||| AUTO فصل في الكلام في الرزق # اعلم أن الرزق جعله الله للناس، والدواب، والطير، متاعا، وجعل هذه ~~الأصناف لا تحيا إلا به، وجعل الحاجة إليه بلية. # واعلم أن الرزق ينقسم قسمين: فقسم منه أنعم الله به على عباده؛ كالمواريث ~~والمطر والشجر والثمر والعافية وتمام الاستطاعة، وأمثال ذلك. وقسم يحصل ~~بالاكتساب والطلب؛ كالتجارة والضرب في الأرض، والإجارة والصناعة والحرث، ~~وأشباه ذلك. فجعل الله بعض الرزق لا يحصل إلا بالاكتساب. والطلب بلية ومحنة ~~وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال لعلي عليه السلام: ~~((يا علي غم العيال ستر من النار ، وطاعة الخالق أمان من العقاب، والصبر ~~على الفاقة جهاد، وأفضل من عبادة ستين سنة)). # واعلم أن الرزق من الله عام لجميع المرزوقين، المكلفين وغير المكلفين، ~~المطيعين والعاصين. والرزق من تمام الخلق، ولولا الرزق من الله لما حي ~~المرزوق، ولكانت الحجة على الخالق للمخلوق -تعالى الله عن ذلك، بل خلق ~~ورزق، وأسبغ النعمة وأكمل له على خلقه الحجة. PageV01P326 # وذهبت المطرفية إلى أن الله لم يرزق العاصي، وأن كل ما تناوله العاصي من ~~الحلال والحرام غصب اغتصبه، وليس برزق له، ولم يسمعوا قول الله تعالى: ~~{الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم هل من شركائكم من يفعل من ~~ذلكم من شيء}[الروم:40]، وهذا خطاب من الله يقال للمشركين، وقال تعالى: ~~{كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا}[الإسراء:20]، ~~وقال تعالى: {ذرني ومن خلقت وحيدا ، وجعلت له مالا ممدودا ، وبنين شهودا ، ~~ومهدت له تمهيدا ، ثم يطمع أن أزيد}[المدثر:11-15]، وقال تعالى: {لإيلاف ~~قريش ، إيلافهم رحلة الشتاء والصيف ، فليعبدوا رب هذا البيت ، الذي أطعمهم ~~من جوع وآمنهم من خوف}[قريش:14]، وقال تعالى: {ولا تقتلوا أولادكم ms151 خشية ~~إملاق نحن نرزقهم وإياكم}[الإسراء:31]، وقال تعالى -حاكيا عن إبراهيم عليه ~~السلام: {وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر قال ومن ~~كفر فأمتعه قليلا}[البقرة:126]، وقال: {ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول ~~مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم}[الأنعام:94]، وهذا في القرآن كثير. ومن ~~أنكر هذا فقد أنكر نعمة الله. PageV01P327 # وروي عن النبيء صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((لا يتوارث أهل ملتين )) ~~وعلى هذا لو أن ذميا مات وله ولدان أحدهما مسلم والآخر كافر لقضي بماله ~~لولده الكافر ولم يكن للمسلم شيء. والميراث رزق من الله تعالى بالإجماع ~~فسقط قولهم. # واعلم أن أكرم الناس عند الله أكثرهم بلية، وأكبر البلايا أكثرها ثوابا؛ ~~من ذلك ما ابتلى الله به الأنبياء صلوات الله عليهم من إبلاغ الرسالة، ~~وتحمل كلفة الأمر وسياسة الناس، وفي خلال ذلك بلايا تصيبهم؛ مثل الجوع ~~والعطش والخوف، والعلل المؤلمة، والأمراض المتعبة، مثل ما ابتلى الله به ~~أيوب عليه السلام من الضر الذي ذكره الله، وقيل: إنه الجذام. # ومثل ما لقي يونس عليه السلام من الغرق، والتقام الحوت له. PageV01P328 # ومثل ما كان نبيئنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم يلقى من الخصاصة، والجوع، ~~وذلك بسبب إيثاره على نفسه، واختياره للفقر لما علم فيه من الأجر، وقد قال ~~الله تعالى فيه، وفي علي وفاطمة والحسن والحسين": {ويطعمون الطعام على حبه ~~مسكينا ويتيما وأسيرا ، إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا ~~شكورا}[الإنسان:8،9]. وروي عن سويد بن علقمة قال: (أصابت عليا عليه السلام ~~خصاصة، فقال لفاطمة+: لو أتيت النبيء صلى الله عليه وآله وسلم فسألتيه، ~~فأتته وكانت عنده أم أيمن، فدقت الباب، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم: ((إن هذا الداق فاطمة ، وقد أتتنا في ساعة ما عودتنا أن تأتينا في ~~مثلها، فقومي فافتحي لها الباب))، فقال عليه السلام: ((يا فاطمة لقد أتيتنا ~~في ساعة ما عودتنا أن تأتينا في مثلها؟)) فقالت: يا رسول الله هذه الملائكة ~~إن طعامها التسبيح والتهليل، والتحميد والتمجيد، فما طعامنا؟ ms152 قال: ((والذي ~~نفس محمد بيده ما اقتبس لآل محمد نار منذ ثلاثة أيام، وقد أتينا بأعنز فإن ~~شئت فخذي خمس أعنز، وإن شئت علمتك خمس كلمات علمنيهن جبريل عليه السلام؟)) ~~قالت: بل علمني الكلمات، قال: قولي: ((يا أول الأولين، ويا آخر الآخرين، ~~ويا ذا القوة المتين، ويا رازق المساكين، ويا أرحم الراحمين)) فانصرفت حتى ~~دخلت على علي عليه السلام فقال: ما وراءك؟ فقالت: ذهبت من عندك إلى الدنيا ~~فأتيتك بالآخرة، قال: خير أيامك، خير أيامك). PageV01P329 # فاختار صلى الله عليه وآله وسلم الفقر له، ولأهل بيته "، وكان الغنى ممكنا ~~له، لما روي عن محمد بن أبي طلحة الأنصاري عن أبيه قال: لبث رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم ثلاثة أيام لم يطعم شيئا فخرج علينا اليوم الرابع ~~مستبشرا مسرورا، فقلنا له: بشرك الله يا رسول الله، وأقر عينك، بشرنا ~~بآبائنا وأمهاتنا، قال: ((نعم، جاءني حبيبي جبريل عليه السلام في صورة لم ~~يأتني في مثلها قط، شعره كالمرجان والدر، براق الثنايا، على فرس من أفراس ~~الجنة، سرجه من ذهب، ولجامه من ذهب، تحته قطيفة من استبرق، فقال لي: يا ~~رسول الله، السلام يقرؤك السلام، ويقول لك: أتحب أن أجعل لك تهامة ذهبا، ~~وفضة، تزول معك حيث تزول، ولا ينقصك ذلك مما وعدك الله في الآخرة جناح ~~بعوضة، فقلت له: أعمر ما خرب الله يا جبريل؟! إن الدنيا دار من لا دار له، ~~ومال من لا مال له، ويجمعها من لا عقل له، فقال جبريل عليه السلام له صلى ~~الله عليه وآله وسلم: يا رسول الله وفقك الله [يا رسول الله] لقد أخبرني ~~بكلامك هذا إسرافيل تحت العرش من قبل أن آتيك)) فصح أنه صلى الله عليه وآله ~~وسلم اختار الفقر على الغنى. PageV01P330 # ولم يبتل أحد بمثل ما ابتلى الله به خليله إبراهيم عليه السلام، فإنه ~~ابتلاه بذبح ولده إسماعيل عليه السلام من بعد أن دعى ربه أن يهب له ولدا ~~صالحا لتوحده وانفراده من الأولاد والأصحاب. فلما وهب له ولدا صالحا ms153 أمره ~~بذبحه؛ فهذا هو البلاء العظيم الذي لم يبل به سواه، قال الله تعالى حاكيا ~~عن إبراهيم عليه السلام: {وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين ، رب هب لي من ~~الصالحين ، فبشرناه بغلام حليم ، فلما بلغ معه السعي قال يابني إني أرى في ~~المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال ياأبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء ~~الله من الصابرين ، فلما أسلما وتله للجبين ، وناديناه أن ياإبراهيم ، قد ~~صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين ، إن هذا لهو البلاء المبين ، وفديناه ~~بذبح عظيم}[الصافات:99107]، ومثل هذا البلاء لا تطيقه النفوس، وقد تطيقه ~~الأجساد. وقول الله تعالى: {ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به ~~}[البقرة:286]، المراد: ولا تحملنا ما لا تطيقه نفوسنا. فأما الأجساد فإن ~~الله لا يحملها ما لا تطيق؛ وذلك لا نخاف وقوعه من الله، وإنما أمرنا الله ~~بالدعاء مما نخاف وقوعه منه أن لا يوقعه بنا. PageV01P331 ### ||| AUTO فصل في الكلام في الصبر على البلية # اعلم أن حقيقة الصبر على البلية هو الرضا بالقضا، وترك السخط منه والشكا، ~~وأما من ابتلي ببلاء فلم يرض به وسخط منه وشكاه فليس ذلك بصابر، وقد روي عن ~~جعفر بن محمد عليهما السلام: (أنه وفد عليه شقيق البلخي فقال له: من أين ~~أتيت؟ فقال: من خراسان. فقال: كيف التوكل هنالك؟ قال: إذا رزقوا أكلوا، ~~وإذا منعوا صبروا. فقال جعفر بن محمد عليهما السلام: هكذا كلاب المدينة ~~عندنا إذا رزقت أكلت، وإذا منعت صبرت، فقال شقيق: فكيف هو عندك يا ابن رسول ~~الله؟ قال: التوكل عندنا إذا رزقنا آثرنا، وإذا منعنا شكرنا). فدل كلامه ~~على أن من لم يرض بالبلية فليس بصابر عليها؛ لأن الكلاب لا ترضى بالمنع، ~~ولا فضل لمن لم يجد بدا من الصبر فصبر وهو غير راض به، وهذه صفة البهائم. ~~وإنما الصابر من رضي بالبلية، ورجا ثوابها من الله، ولم يشك ما أصابه إلى ~~المخلوق. PageV01P332 # ومن أفضل الصبر أن لا يدعو إلى الله لزوال البلية إلا إذا أجهده الأمر ولم ~~يجد للصبر ms154 موضعا، كما فعل أيوب عليه السلام، فإنه دعا إلى الله، قال الله ~~تعالى: {واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه أني مسني الشيطان بنصب وعذاب}[ص:41]، ~~وكذلك قال يعقوب عليه السلام: {إنما أشكو بثي وحزني إلى الله }[يوسف:86]، ~~ولم يدعوا ربهما بزوال البلية إلا عندما أجهدهما الأمر، ولم يجدا للصبر ~~موضعا؛ ولأنهما لو سألا ربهما زوال البلية في مبتدئها لم يكونا راضيين ~~بالبلية. ولا يكون العبد صابرا على البلية إلا إذا كان راضيا بها وكان يقدر ~~على الخروج منها فيختار الصبر عليها، مثل أن يصيبه الله بألم فيرضى به ولا ~~يسخط منه ولا يشكوه إلى مخلوق. ومثل من يصبر على الفقر وهو يقدر على الغنى، ~~ويصبر على كظم الغيظ وهو يقدر على الانتصار، وقد روي عن رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم أنه قال: ((ألا إنه سيكون أقوام لا يستقيم لهم الملك إلا ~~بالقتل والتجبر، ولا يستقيم لهم الغنى إلا بالبخل والفجور، ولا تستقيم لهم ~~المحبة في الناس إلا باتباع الهوى، فمن أدرك ذلك منكم فصبر على الذل وهو ~~يقدر على العز، وصبر على الفقر وهو يقدر على الغنى، وصبر على البغضة في ~~الناس وهو يقدر على المحبة، لا يريد بذلك إلا وجه الله والدار الآخرة، ~~أثابه الله تعالى ثواب خمسين صديقا)). PageV01P333 # واعلم أن أعظم ما ابتلي به الإنسان الشهوة والكراهة، قال الله تعالى: {زين ~~للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة ~~والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا}[آل عمران:14]، ~~فهذه الأشياء التي سماها الله، هي أجل ما ولعت النفوس بشهوته، فأشدها محبة ~~النساء ثم البنون ثم هي على هذا الترتيب المرتب في الآية إلى الحرث. فكانت ~~الشهوة لهذه الأشياء، والحاجة إليها بلية ابتلى الله بها الناس، فمن صبر ~~عنها وامتنع من الهوى فلزم نفسه من اتباع الشهوات فاز بالحسنى وكان عند ~~الله من الكرماء، قال الله تعالى: {فأما من طغى ، وآثر الحياة الدنيا ، فإن ~~الجحيم هي المأوى}[النازعات:37-39]، وقال عز من قائل: {إن أكرمكم عند الله ms155 ~~أتقاكم }[الحجرات:13]، فكانت الشهوة من أعظم البلايا. PageV01P334 # وكذلك الغضب من البلايا الكبار فإنه لا يكاد يصبر على كظم الغيظ عند الغضب ~~مع القدرة على الانتصار إلا ذو حظ عظيم كما قال الله تعالى: {ادفع بالتي هي ~~أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم ، وما يلقاها إلا الذين ~~صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم}[فصلت:34،35]، وقال تعالى: {ولمن صبر وغفر ~~إن ذلك لمن عزم الأمور}[الشورى:43]. وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم أنه قال: ((اتقوا النساء، واتقوا الغضب ، فإنه جمرة يتوقد في جوف ~~ابن آدم، ألا ترون إلى انتفاخ أوداجه، وحمرة عينيه، فإذا أحس أحدكم بشيء من ~~ذلك فليذكر الله سبحانه وتعالى)). وعنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال ~~لعلي عليه السلام: ((يا علي إن من اليقين أن لا ترضي أحدا بسخط الله ، ولا ~~تحمد أحدا على ما آتاك الله، ولا تذم أحدا على ما لم يؤتك الله، فإن الرزق ~~لا يجره حرص حريص، ولا يصرفه كراهة كاره، إن الله بحكمه وفضله جعل الروح ~~والفرح في الرضا، وجعل الهم والحزن في الشك والسخط)). # وروي عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((من كظم غيظا وهو قادر على ~~أن ينفذه دعاه الله عز وجل [يوم القيامة] على رؤوس الخلائق حتى يخيره في أي ~~جواره شاء)). PageV01P335 ### ||| AUTO فصل في الكلام في الموت # اعلم أن الموت آخر بلايا المؤمنين، وأول نقمة العاصين وفيه نعمة، وثلاث بلايا. # أما النعمة فإن الله جعله موعظة للمؤمنين، وعبرة للمسلمين، وتذكرة لجميع ~~المكلفين، وتحذيرا وتخويفا للمعتدين، ولولا ذكر الموت وخوفه ما ازدجر من ~~اتباع الهوى مزدجر، ولا فعل ما يؤمر به مؤتمر إلا من علم الله. # وأما البلايا الثلاث: فواحدة منهن عامة لجميع المكلفين، وواحدة خاصة ~~لعيال الميت وأقاربه وأصحابه، ومن يضره موته، وواحدة خاصة للميت في نفسه. PageV01P336 # فأما البلية العامة لجميع المكلفين: فإن الله جعل الموت والفناء بلية ابتلى ~~بها عباده لينظر من يؤمن بالآخرة، ويصدق بالغيب، ويعمل ما يأمره به، ms156 وينتهي ~~عما نهاه عنه فيثيبه ويجزيه، ويخلده في الجنان، وينظر من يكذب بالآخرة ~~والوعد والوعيد، ولا يأتمر بأمره ولا ينتهي عن نهيه، فيخلده في النيران ~~ويعذبه بالخزي والهوان، ولو لم يكن موت ولا فناء ولم تكن الجنة والنار ~~غائبتين، وكانتا حاضرتين مشاهدتين في الدنيا لم يكن إيمان من يؤمن بهما ~~عجيبا، ولا كان من يعمل للجنة المشاهدة ويخاف النار المشاهدة مستحقا للأجر؛ ~~لأن البهائم قد تستجلب المنافع المشاهدة، وتنفر عن المضار المشاهدة، فصح أن ~~الله جعل الموت بلية، وأن من آمن بالغيب يكون مستحقا للثواب، ومن كذب به ~~يكون مستحقا للعذاب؛ قال الله تعالى: {الم ، ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى ~~للمتقين ، الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ~~ينفقون}[البقرة:13]، فمدح الله من يؤمن بالغيب. PageV01P337 # وأما البلية الخاصة لعيال الميت وأقاربه وأصحابه: فإن الله تعالى جعل الناس ~~يحتاج بعضهم إلى بعض، ولم يجعل لبعضهم غنى عن بعض، وقد روي عن أمير ~~المؤمنين عليه السلام قال: قلت وأنا عند النبيء صلى الله عليه وآله وسلم: ~~(اللهم لا تحوجني إلى أحد من خلقك). فقال النبيء صلى الله عليه وآله وسلم: ~~((مه يا علي لا تقولن هكذا ، فإنه ليس أحد إلا وهو يحتاج إلى الناس، قال: ~~فقلت: كيف أقول يا رسول الله؟ قال: قل: اللهم لا تحوجني إلى شرار خلقك. ~~قال: قلت: يا رسول الله ومن شرار خلقه؟ قال: الذين إذا أعطوا منوا وإذا ~~منعوا عابوا)). فصح أن موت الإنسان بلية لمن كان محتاجا إلى الميت. PageV01P338 # وأما البلية التي تخصه في نفسه، فهدم ما كان منه مبنيا، ومصيره إلى الضعف ~~بعد ما كان قويا، وكونه مواتا جمادا بعد ما كان حيوانا سويا مع تجرعه ~~للمرارات، وكونه من الموت في الغمرات والألم الشديد، والكرب المفني له ~~المبيد، وحسرة الولي وغمه، وشماتة العدو العنيد، ومفارقته لما يحب من الناس ~~والأموال والعافية والسلامة والجمال، وكفى بالموت واعظا وزاجرا عن ~~المحرمات، ومرغبا في أفعال الطاعات، فلو لم يشاهد الإنسان العاقل ميتا ولم ~~يره ثم أخبر عنه مخبر ms157 صادق لوجب أن يخاف الموت ويزهد في الدنيا الفانية، ~~ويرغب في الآخرة الباقية؛ فكيف وهو يشاهد أباه وولده وأخاه وصاحبته وأمته ~~وأولياءه تنزع أرواحهم في حجره ثم يحمل الواحد منهم فيدفنه في قبره، ثم ~~ينسى ذلك ويلهو بفسقه وكفره، قال الله تعالى: {قتل الإنسان ما أكفره ، من ~~أي شيء خلقه ، من نطفة خلقه فقدره ، ثم السبيل يسره ، ثم أماته فأقبره ، ثم ~~إذا شاء أنشره ، كلا لما يقض ما أمره}[عبس:17-23]. # واعلم أن الصبر على الموت هو الرضا به، وترك السخط منه؛ ولأنه لا بد لكل ~~نفس من الموت لمن صبر ولمن لم يصبر؛ قال الله تعالى: {كل نفس ذائقة الموت ~~}[آل عمران:185]، وقال تعالى: {كل من عليها فان ، ويبقى وجه ربك ذو الجلال ~~والإكرام}[الرحمن:26،27]. PageV01P339 # واعلم أن الله تعالى أخفى وقت الساعة ووقت هجوم الموت ليكون العبد خائفا ~~لقيام الساعة وهجوم الموت في كل وقت وحين، وليكون مستعدا للموت ونزوله في ~~جميع الأوقات، وليكون ذلك أقرب للبلاء وأنفع للمبتلى؛ ولأنه لو كان العبد ~~يعلم وقت قيام الساعة ووقت هجوم الموت عليه لكان أكثر الناس يتبع الشهوات ~~ويلهو عن الصلوات وجميع الواجبات، فإذا قرب منه الموت وعلمه وتحققه تاب ~~ورجع من سيء أفعاله وأناب، وكان هذا خارجا من الحكمة ومجانبا للبلية، وسببا ~~لكثرة الفساد، ومسقطا لحقوق الله وحقوق العباد، وإغراء بالمعصية، فصح أن ~~الله تعالى أخفى وقت الساعة، ووقت هجوم الموت لصلاح العباد. # واعلم أن الغفلة ونسيان الموت وطول الأمل أضر ما يكون على الإنسان؛ ولأن ~~ذلك يدعو إلى اتباع الهوى، وبيع الباقي بما يزول ويفنى. وقد روي عن رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((أخوف ما أخاف على أمتي الهوى وطول ~~الأمل، أما الهوى فيضل عن الحق، وأما طول الأمل فيصد عن الآخرة، وهذه ~~الدنيا مرتحلة ذاهبة، والآخرة قادمة؛ ولكل واحد منهما بنون، فإن استطعتم أن ~~تكونوا من أبناء الآخرة فافعلوا، وأنتم اليوم في دار عمل ولا حساب، وأنتم ~~غدا في دار حساب ولا عمل، وأنتم اليوم في المضمار ms158 وغدا في السباق، والسابق ~~إلى الجنة، والمتخلف إلى النار، وبالعفو تنجون، وبالرحمة تدخلون، وبأعمالكم ~~تقتسمون)). PageV01P340 # وعن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ~~((اذكروا الموت، وكونوا من الله على حذر ، فمن كان يؤمل أن يعيش غدا فإنه ~~يؤمل أن يعيش أبدا، ومن يؤمل أن يعيش أبدا يقس قلبه)). PageV01P341 ### ||| AUTO فصل في الكلام في الآجال # اعلم أن الأجل أجلان: أجل محتوم، وأجل مخروم. # أما الأجل المحتوم فمن الله تعالى (جعله) كما شاء، ومتى شاء،وكيف شاء، ~~وحتمه وقدره، قال عز من قائل: {نحن قدرنا بينكم الموت وما نحن بمسبوقين ، ~~على أن نبدل أمثالكم وننشئكم في ما لا تعلمون}[الواقعة:60،61]، وقال تعالى: ~~{وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا}[آل عمران:145]، فهذا هو ~~[الأجل] المحتوم. PageV01P342 # و[الأجل] المخروم من فعل العباد، وهو كل ما كان يجب فيه القصاص أو الدية أو ~~كان قصاصا بذاته، أو حدا، فهذا الأجل من فعل العباد، ولا ينسب إلى الله ~~تعالى؛ ولأن الله قد أعطى العباد الاستطاعة على فعل الطاعة وعلى فعل ~~المعصية، وعلى فعل الشيء وتركه، ومكنهم وخلاهم للبلية. وقد يصرف التعدي ~~والظلم عن بعض خلقه لمصلحة في ذلك، ويكون الصرف منه باللطف، ويكون بالقهر ~~كصرفه لفرعون عن موسى عليه السلام في صغره باللطف، فإن الله أوجد له في قلب ~~فرعون وقلب امرأته رحمة ورأفة، وصرفه عنه في كبره بالقهر حيث فرق له البحر ~~فأنجى وليه وأغرق عدوه، وذلك لما أراد من موسى عليه السلام من تبليغ ~~الرسالة والهدى للناس من الجهل والضلالة والردى. وكذلك إبراهيم عليه السلام ~~لما رمي به في النار فجعلها الله بردا وسلاما، وكذلك عيسى بن مريم عليه ~~السلام فإن الله فداه ببعض الذين أرادوا قتله، قال الله تعالى: {وما قتلوه ~~وما صلبوه ولكن شبه لهم }[النساء:157]. PageV01P343 # فأما من لم يصرف عنه ظلم ظالمه فوجه الحكمة في هذه البلية من الله أنه يعيض ~~القتيل المؤمن المظلوم في الجنة ثوابا عظيما، ويعذب الظالم له عذابا أليما، ~~وذلك لأن ms159 الدنيا فانية وعذابها فان، وكذلك نعيمها فان، والآخرة باقية ~~ونعيمها باق، وكذلك عذابها باق، فاختار الله لأوليائه الآخرة ونعيمها، قال ~~عز من قائل: {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ~~يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل ~~والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو ~~الفوز العظيم}[التوبة:111]، وقال تعالى: {ولينصرن الله من ينصره ~~}[الحج:40]، فأوجب على نفسه لمن قتل في سبيل الله الأجر، وضمن له بالإنتقام ~~والنصر، وانتصار الله تعالى للشهيد في الآخرة، وقد يكون بعض النصر في ~~الدنيا، قال الله تعالى: {إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ~~ويوم يقوم الأشهاد ، يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء ~~الدار}[غافر:51،52]، وقال تعالى فيما أوعد الظالمين: {ومن يقتل مؤمنا ~~متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا ~~عظيما}[النساء:93]. PageV01P344 # وقد روي عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((ما ~~من أحد يدخل الجنة فيحب أن يرجع إلى الدنيا ولو أن له ما على الأرض إلا ~~الشهيد فإنه يتمنى أن يرجع، فيقتل عشر مرات لما يرى من الكرامة)). وعن زيد ~~بن علي عليه السلام عن أبيه عن جده عن علي " قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم: ((للشهيد سبع درجات : فأول درجة من درجاته أن يرى منزلته ~~من الجنة قبل خروج نفسه فيهون عليه ما به. # والثانية: أن تبرز إليه زوجته من حور العين فتقول: أبشر يا ولي الله، ~~فوالله ما عند الله خير لك مما عند أهلك. # والثالثة: إذا خرجت نفسه جاء خزنة من الجنة فتولوا غسله وكفنوه وحنطوه ~~وطيبوه من طيب الجنة. # والرابعة: فإنه لا يهون على مسلم خروج نفسه مثل ما يهون على الشهيد. # والخامسة: أنه يبعث يوم القيامة وجرحه يشخب مسكا، ويعرف الشهداء بروائحهم ~~يوم القيامة. # والسادسة: ليس أحد أقرب من عرش الرحمن من الشهداء. # والسابعة: أن لهم في كل جمعة ms160 زورة فيحيون بتحية الكرامة، ويتحفون بتحف ~~الجنة فيقال: هؤلاء زوار الله تعالى)). ومعنى قوله صلى الله عليه وآله ~~وسلم: ((إن لهم في كل جمعة زورة )) يريد في كل مقدار جمعة إذ ليس ثم أيام ~~ولا ليالي، وقد قال الله تعالى: {خلق السماوات والأرض في ستة أيام ~~}[الأعراف:54] المراد به: في مقدار ستة أيام؛ لأن الأيام والليالي أحدثها ~~الله تعالى بعد خلق السماوات والأرض، وهي مقدار حركة العالم، فثبت أنها بعده. PageV01P345 # واختلف الناس في الآجال: فذهبت المجبرة ومن قال بقولهم إلى أن الآجال كلها ~~محتومة من الله تعالى، وأنه لو لم يكن من الجاني جناية لمات المجني عليه في ~~ذلك الوقت، واستدلوا بقول الله تعالى: {وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله ~~كتابا مؤجلا}[آل عمران:145]، وبقوله: {ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا ~~يستأخرون ساعة ولا يستقدمون}[الأعراف:34]. PageV01P346 # والرد عليهم: أن الله تعالى نهى عن قتل النفس التي حرم الله فقال تعالى: ~~{من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها ~~فكأنما أحيا الناس جميعا}[المائدة:32] فلم يكن الله ليحرم قتل النفس ويأذن ~~به، ولا كان يعذب القاتل على فعل غيره. وقوله: {ومن أحياها فكأنما أحيا ~~الناس جميعا} المراد به: من منعها من القتل وصرف ظلم الظالم عنها. ولو كان ~~من يقتل لو سلم من القتل لمات في ذلك الوقت، لكان من يذبح بهيمة غيره ~~مأجورا غير مأزور، ولم يحكم عليه لصاحبها بشيء لأنه لو تركها لماتت، فكانت ~~ميتة، فكأنه قد أحسن إلى صاحبها، وكذلك القاتل لا يجب عليه قود ولا دية في ~~جرح من قد أذن الله بموته؛ ولو كان ذلك كذلك لكان خارجا من الحكمة أن ينهى ~~الله عن شيء ويأذن به، ويعذب عليه من فعله. وأما قوله تعالى: {وما كان لنفس ~~أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا}[آل عمران:145] فإن الموت غير القتل، ~~قال الله تعالى: {وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإين مات أو قتل ~~انقلبتم على أعقابكم}[آل عمران:144] ms161 فصح أن الموت فعل الله، والقتل فعل ~~القاتل. وقوله: {ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا ~~يستقدمون}[الأعراف:34] يريد: أجل الموت الذي هو غير القتل. PageV01P347 # وقوله تعالى: {قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى ~~مضاجعهم}[آل عمران:154] المراد بالكتاب هاهنا العلم، يقول: لبرز الذين علم ~~الله أنهم يقتلون إلى مضاجعهم، وعلم الله سابق غير سائق. # وذهبت المطرفية إلى أن الآجال ليست من الله، إلا أجل من بلغ مائة وعشرين ~~سنة، فمن بلغ مائة وعشرين سنة ومات، فالله أماته، ومن مات قبل ذلك فلم يرد ~~الله موته وإنما ذلك بتعدي من تعدى وظلم [من ظلم]، وبأسباب وأعراض وأمراض ~~ليست من الله ولا قصدها، ولا قصد موت الميت، إلا إذا بلغ الحد الذي ذكروه ~~وقالوا: هو العمر الطبيعي، واحتجوا بقول الله تعالى: {وما خلقت الجن والإنس ~~إلا ليعبدون }[الذاريات:56]. وقالوا: إن الله تعالى ساوى بين الناس في ستة ~~أشياء: في الخلق والرزق، والموت والحياة، والتعبد والمجازاة. وهذا منهم غلط ~~عظيم، وخطأ من القول وخيم. PageV01P348 # أما قولهم: إن الله تعالى ساوى بين [الناس في] الخلق، فليس الذكر كالأنثى، ~~ولا الكامل كالناقص، ولا الفصيح كالأعجم، ولا الصبيح كالقبيح، ولا الأبيض ~~كالأسود، ولا العربي كالزنجي، ولا الشريف كالوضيع، ولا المالك كالمملوك؛ ~~وهذا مشاهد بين لا ينكره عاقل، ولا يماري فيه إلا جاهل، وقد قال الله ~~تعالى: {أهم يقسمون رحمة ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ~~ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ورحمة ربك خير مما ~~يجمعون}[الزخرف:32]، فبين أنه رفع بعضهم فوق بعض درجات، وقال تعالى: {ضرب ~~الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء ومن رزقناه منا رزقا حسنا فهو ينفق ~~منه سرا وجهرا هل يستوون الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون}[النحل:75]، وقال ~~عز من قائل حاكيا عن امرأة عمران: {إذ قالت امرأة عمران رب إني نذرت لك ما ~~في بطني محررا فتقبل مني إنك أنت السميع العليم ، فلما وضعتها قالت رب إني ~~وضعتها أنثى ms162 والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى}[آل عمران:35،36]، ~~وقال تعالى: {الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض ~~}[النساء:34]. فصح أن الله تعالى ما ساوى بين الناس في الخلق. PageV01P349 # وكذلك لم يساو بينهم في الرزق، بل رزق بعضهم أكثر من بعض، وذلك مشاهد ظاهر، ~~وقل ما يوجد أخوان لأب وأم مستويان في الرزق، ولو كانت صنعتهما واحدة، ~~واستطاعتهما [واحدة]، فكيف يستوي جميع الناس؟! وبعضهم رزق في ذاته لبعض مثل ~~الولد للوالد، والمملوك للمالك، فإن الولد رزق للوالد، والمملوك رزق ~~للمالك، فكيف يستوي الرزق والمرزوق، وقد رأينا أرضا ينزل (الله) عليها ~~المطر في كل وقت يحتاج الناس إليه، ويصرف عنها الآفات، ورأينا أرضا لا يكاد ~~أهلها يعرفون المطر، ولا يزالون في عسر وعسير، ورأينا أرضا يكون فيها الزرع ~~والثمر، فيصيبها الله بالريح وبالجراد والبرد، وهذا مشاهد بين، فأين ~~المساواة من الله؟ إلا أن يقولوا: ليس الغيث من الله، والريح والجراد ~~والبرد؛ فإن قالوا ذلك جحدوا بعض خلق الله وبليته ونعمته؛ وقد قال الله ~~تعالى: {والله فضل بعضكم على بعض في الرزق }[النحل:71]، وقال تعالى: {يخلق ~~ما يشاء يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور ، أو يزوجهم ذكرانا ~~وإناثا ويجعل من يشاء عقيما إنه عليم قدير}[الشورى:49،50]. PageV01P350 # وأيضا فإن المواريث رزق من الله بالإجماع، وليست المواريث سواء؛ وقد جعل ~~الله لبعض الورثة كل المال، ولبعضهم نصفه، وجعل لبعضهم ثلثه، ومنهم من جعل ~~له الربع، ومنهم من جعل له السدس، ومنهم من جعل له الثمن، فأين المساواة من ~~الله في المواريث؟ فهذا منهم غلط في الحساب وفي اعتقادهم!! وأعجب من هذا في ~~المواريث: أنه لو ماتت امرأة وتركت زوجها وأمها، وإخوتها لأمها، وأخاها ~~لأبيها وأمها؛ أنه يقضى لزوجها من مالها بالنصف، ولأمها بالسدس، ولإخوتها ~~لأمها الثلث، ولا شيء لأخيها لأبيها وأمها، فبطل ما قالوا من المساواة في الرزق. # وأما قولهم: (إن الله ساوى بين الناس في الموت والحياة) فإن الله لم يساو ~~بينهم في الموت والحياة فيما زاد على مائة وعشرين ms163 سنة، وقد فرق بينهم في ~~الموت والعمر فيما فوق مائة وعشرين، فمن الناس من عمر مائة وثلاثين وأكثر ~~من ذلك إلى ألف سنة؛ قال الله تعالى في نوح عليه السلام: {فلبث فيهم ألف ~~سنة إلا خمسين عاما }[العنكبوت:14]، وكما كان الاختلاف موجودا في الزائد ~~على مائة وعشرين كذلك فيما دون المائة والعشرين. # وأما قولهم: (إنه لا يموت أحد قبل هذا الحد الذي حدوه بقضاء الله وفعله، ~~بل بسبب عارض لم يرده الله)، وهذا القول ينتقض عليهم من وجوه: PageV01P351 # منها أن الطبيعة لا تكون أكثر من العوارض والفساد، ولو كان الفساد غالبا ~~على الطبيعة لكان الفساد غالبا للصلاح، ولو كان ذلك كذلك لكان فعل الله ~~مغلوبا؛ ولأنه لا يكاد يبلغ المائة والعشرين إلا القليل، مع أن من بلغ هذا ~~الحد يكون عاجزا ضعيفا، قال الله تعالى: {ومن نعمره ننكسه في الخلق أفلا ~~يعقلون }[يس:68]. # ومنها أن الله تعالى لم يهمل الخلق، ولا ضيع العباد، قال الله تعالى: ~~{أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون}[المؤمنون:115]، وقال ~~تعالى: {وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل ~~للذين كفروا من النار}[ص:27]. وإذا كان موت من يموت قبل هذا الحد بغير تعد ~~من أحد ولم يكن من الله، فمن فاعل الموت الذي لم يشاهد للميت قاتل؟ مثل من ~~يناله مرض فيموت منه، ولم يكن من الميت استجلاب له، ولا تضييع لنفسه، مثل ~~من تأكله الحية في حرزه، ومثل من تصيبه برقة في منزله، ومثل موت النفساء ~~على أولادها، فإذا كان هؤلاء وأمثالهم لم يجنوا على أنفسهم، ولا جنى عليهم ~~آدمي، ولا كان موتهم من قبل الله، فمن فاعل موتهم؟ فإذا لم يكن من الله ~~بلية يجزي الميت بها، ولم يكن من متعد عليه فيجب عليه القود، ولا من مخط ~~عليه فتجب الدية، فهل يكون إلا مهملا مضيعا مصابه في الدنيا والآخرة؟ PageV01P352 # وإن قالوا: إن كل من أصيب بالموت قبل هذا الحد فإن مصابه من قبل تعدي من ~~يتعد عليه، أو ms164 تفريطه في نفسه؟ قلنا: الطفل إذا أصيب بمصيبة الموت، ولم يكن ~~من أحد تعد عليه ولا تعدى على نفسه؟! # فإن قالوا: مصابه بتعد وتفريط من وليه. قلنا: فلا يكون المتعدي عليه إلا ~~مأثوما، وإذا كان كذلك كان مصابا بمصيبتين: إحداهما موت ولده، والأخرى: ~~الإثم في تفريطه فيه وترك منعه للموت عنه، وهذا ما لا يقول به أحد غير هذه ~~الفرقة، وقد روي أن إبراهيم إبن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مات وهو ~~ابن ستة عشر شهرا فإلى من ينسبون موته؟ وقد قال الله تعالى: {هو الذي خلقكم ~~من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم يخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ثم لتكونوا ~~شيوخا ومنكم من يتوفى من قبل ولتبلغوا أجلا مسمى ولعلكم تعقلون}[غافر:67]، ~~وقال تعالى: {الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك ~~التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى إن في ذلك لايات لقوم ~~يتفكرون}[الزمر:42]. PageV01P353 # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان إذا أراد أن ينام جعل ~~يده اليمنى تحت خده ثم قال: ((اللهم باسمك وضعت جنبي وبك أرفعه، اللهم إن ~~أمسكت روحي فاغفر لي وارحمني برحمتك، وإن أطلقته فاحفظني بما تحفظ به ~~الصالحين))، فهل خاف النبيء صلى الله عليه وآله وسلم أن يمسك الله روحه قبل ~~وقت إمساكه؟ أو جهل هذا الحد الذي حده المطرفية؟ فصح أنه صلى الله عليه ~~وآله وسلم كان يتوقع الموت في ليله ونهاره. وقد روي عنه صلى الله عليه وآله ~~وسلم أنه قال: ((من كان يؤمل أن يعيش غدا فإنه يؤمل أن يعيش أبدا، ومن كان ~~يؤمل أن يعيش أبدا يقس قلبه)). وروي عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ~~((أخوف ما أخاف على أمتي الهوى وطول الأمل)). ومن طول الأمل أن يقول ~~القائل: إن الله لا يريد له موتا حتى يعمر مائة وعشرين سنة، وقد قال تعالى ~~لنبيئه صلى الله عليه وآله وسلم: {فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين ms165 ، واعبد ~~ربك حتى يأتيك اليقين}[الحجر:98،99] واليقين هاهنا هو الموت. والأمة مجمعة ~~على أن النبيء صلى الله عليه وآله وسلم مات بقضاء الله وقدره، وهو ابن ثلاث ~~وستين سنة. وروي عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((معترك منايا أمتي ~~ما بين الستين إلى السبعين )). وقد قال الله تعالى: {نحن قدرنا بينكم الموت ~~وما نحن بمسبوقين ، على أن نبدل أمثالكم وننشئكم في ما لا ~~تعلمون}[الواقعة:60،61]. PageV01P354 # ومن تقدير الله للموت بين الناس أنهم يولدون ويموتون على مهل وهون، ولا ~~يكاد يجتمع موت ناس كثير فيشتهر ذلك اشتهارا ظاهرا، وكذلك لا يكاد يجتمع ~~ولادة ناس كثير فيشتهر ذلك اشتهارا ظاهرا كثيرا. # ولا يموت الناس معا كصريم الزرع بل يأخذهم الموت شيئا شيئا على مهل، ~~وكذلك ولادة من يولد منهم، فلا هم باقون ولا هم منقطعون، فمثلهم كمثل قوم ~~يدخلون دارا مفترقين ويخرجون منها مفترقين، والدار هي الدنيا، ومنهم من ~~يقيم فيها كثيرا، ومنهم من يقيم فيها قليلا، فهل هذا إلا بتقدير من الله تعالى. # واعلم أن اعتقاد هذه الفرقة يؤدي إلى جحدان النعمة والبلية، وضياع الشكر ~~والصبر والأجر، وذلك في طفل يختار الله له ما لديه ويخلصه من بلاء الدنيا ~~والآخرة، وينعم عليه، ويبتلي بموته والديه، فيجهلا ذلك القضا، ويجانبا ~~الصبر عليه والرضا ويبديا السخط منه والشكى، ولا يظنا أنه من الله نعمة على ~~الطفل، وبلية لهما، فإذا كان ذلك كذلك كانا قد جحدا النعمة والبلية، وتركا ~~الشكر والصبر، وضيعا الأجر. # واعلم أن هذه الفرقة تكابر في أشياء من المسائل بغير حجة ولا برهان من ~~كتاب ولا سنة. PageV01P355 # وأما ما احتجوا به من قول الله تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ~~}[الذاريات:56]، فالمراد به المتعبدون منهم كما قال تعالى: {والعصر ، إن ~~الإنسان لفي خسر ، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات} [العصر:13]، والأطفال ~~من الناس لم يؤمنوا ولا عملوا الصالحات فلما لم يستثنهم من الخسر (ولم ~~يكونوا ممن استثنى) علمنا أن الآية خاصة للمتعبدين من الناس، فكذلك الآية ~~الأولى، فلا حجة لهم بهذه ms166 الآية. # وأما ما روي عن القاسم، والمؤيد بالله عليهما السلام في ذكر العمر ~~الطبيعي فإن مرادهما غاية العمر، وأكثر ما يعمر أهل العصر؛ لأنهما ذكرا ~~المفقود، وليس غرضهما (أنه) العمر الذي لا يأذن الله بموت أحد قبله. # وقد قال محمد بن القاسم عليهما السلام -في كتاب الآجال في مسائل علي بن ~~جهشيار الطبري ردا على من زعم أن القتل بقضاء الله: PageV01P356 # ولقد قال تعالى: {ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم ~~وإياكم}[الإسراء:31]، فلو لم يجعل الله أجلا وأرزاقا ثم ابتلاهم لم يكن ~~ليقول: {نحن نرزقهم وإياكم} وما كان الله يعدهم الرزق وقد قضى عليهم الموت، ~~إلا أنهم حين أطاعوا ربهم وانتهوا رزقوا هم وأولادهم إلى ما شاء الله من ~~آجالهم،فمن شاء تبارك وتعالى أن يقدم أجله قدمه، ومن شاء أن يؤخر أجله أخره ~~إلى أجله، إذا ترك آباؤهم الاعتداء عليهم. وقد سئل قوم عن قول الله تعالى: ~~{وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا}[آل عمران:145]. # فقالوا: القتل هو الموت. ولسنا والحمد لله ننكر أن النفس لا تموت إلا ~~بإذن الله، ولكن الأجل في ذلك أجلان: أجل العباد فيه مبتلون، وأجل إلى ~~الله، فإن ترك العباد فيه الاعتداء على العبد، فإن شاء الله أن يقبضه في ~~تلك الساعة فعل، وإن شاء أن يؤخره فعل، والأمر في ذلك إلى الله في الموت ~~والحياة، إن شاء الله أن يصرف اعتداء العباد فعل، وإن شاء أن يتركهم ~~واعتداءهم فعل، وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ~~((الدعاء يرد القضا ، وإن البر يزيد في العمر، وإن الحج ينفي الفقر، وإن ~~صدقة النهار تنفي ميتة السوء، وإن صدقة الليل تطفئ غضب الرب)). PageV01P357 # وروي عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((صلة الرحم تزيد في العمر )). ~~وعن علي عليه السلام أنه قال: (وصلة الرحم فإنها ثروة في المال، ومنساة في ~~الأجل، وتكثير في العدد) فصح ما قلنا من أن الله تعالى يقبض روح من يشاء ~~كما يشاء ومتى ms167 شاء صغيرا أو كبيرا، وأنه لا حد للعمر محدود. وبطل قول ~~المطرفية في المساواة في الموت والحياة. # وأما قولهم: (إن الله ساوى بين الناس في التعبد)، فإن في الشاهد أن الله ~~تعالى تعبد الأنبياء صلوات الله عليهم بتبليغ الرسالة، والقيام بصلاح ~~الرعية، وتعبد الأئمة بإقامة الحدود، وتنفيذ الأحكام، والقيام مقام ~~الأنبياء ". فصح أن الناس على فرقتين: رعاة ورعية، ولم يساو في التعبد بين ~~الرعاة والرعية. وأيضا فلم يتعبد المملوك بمثل ما تعبد المالك، فإن المملوك ~~لا يجب عليه الحج إلا بإذن مولاه، ولا الجمعة، ولا الخروج في الجهاد ولا ~~الهجرة إلا بإذن سيده، ولا زكاة عليه. # والمرأة أيضا لم يتعبدها الله بمثل ما تعبد به الرجال، فإنه لا يجب عليها ~~الجهاد، ولا الجمعة، وصلاتها ناقصة عن صلاة الرجل، وقد روي عن رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال في النساء: ((ما رأيت ناقصات عقل ودين ~~أغلب لعقول ذوي الألباب منهن . قيل: وما نقصان عقولهن؟ قال: شهادة امرأتين ~~بشهادة رجل، ونقصان دينهن أن إحداهن تمكث نصف عمرها لا تصلي)) وفي بعض ~~الأخبار ((شطر عمرها))، وفي بعض الأخبار: ((تمكث الليالي والأيام)) فصح أن ~~الله ما ساوى بين الناس في التعبد. PageV01P358 # وأما قولهم: (إن الله ساوى بين الناس في المجازاة). فالجزاء من الله على ~~وجهين: جزاء واجب للعبد، أوجبه الله على نفسه، كقوله تعالى: {فمن يعمل ~~مثقال ذرة خيرا يره ، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره}[الزلزلة:7،8]، وكقوله: ~~{إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة...} إلى قوله: ~~{وعدا عليه حقا}[التوبة:111]، وكقوله: {ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ~~ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله}[النساء:100]، وقوله: {من ~~يعمل سوءا يجز به }[النساء:123]، وقوله تعالى: {وقع} بمعنى: وجب. فهذا ~~وأمثاله هو الجزاء الواجب، وليس الناس فيه بسواء بل يجزى كل بقدر عمله، ~~والأعمال مختلفة. ونقول: إن الله ساوى بينهم في أنه يجزي كلا منهم على عمله ~~ولا يظلم أحدا منهم شيئا. # والجزاء الثاني هو الزيادة على الأجر، وليس ms168 بسواء بل قد زاد الله بعض ~~الناس أكثر من بعض، وزاد أيضا فضل بعض الأعمال على بعض في الأزمان والمكان ~~والحال. # أما الزمان فإن الله تعالى فضل الأعمال في شهر رمضان، وفي يوم الجمعة على ~~سائر الزمان. # وأما المكان فإن الله فضل الكعبة، وبيت المقدس، ومسجد رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم، وفضل الأعمال فيها على سائر المواضع. PageV01P359 # وأما الحال فإن الله جعل جزاء الصدقة في غير الجهاد عشر أمثالها، وجعل ~~الصدقة في الجهاد بجزاء سبعمائة ضعف، فقال تعالى: {مثل الذين ينفقون ~~أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله ~~يضاعف لمن يشاء}[البقرة:261]. # ففي فضل الأوقات ما يقول الله تعالى: {إنا أنزلناه في ليلة القدر ، وما ~~أدراك ما ليلة القدر ، ليلة القدر خير من ألف شهر}[القدر:1-3]. وروي عن ~~أمير المؤمنين عليه السلام في خطبة له: (أيها الناس إن الله لما خلق خلقه ~~فضل بعضهم على بعض، فكان فيما فضل من الأيام يوم الجمعة، فجعله للمسلمين ~~سناء ورفعة، وكان فيما فضل من الشهور شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن). # وفي تفضيل بعض الناس على بعض ما يقول الله تعالى: {وهو الذي جعلكم خلائف ~~الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم في ما آتاكم إن ربك سريع العقاب ~~وإنه لغفور رحيم}[الأنعام:165] فبين تعالى الحكم والعلة، وقال تعالى: {انظر ~~كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا}[الإسراء:21]. PageV01P360 # وروي عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((إنما أجلكم ~~في أجل من خلا من الأمم من قبلكم كما بين صلاة العصر إلى مغرب الشمس، وإنما ~~مثلكم ومثل أهل الكتابين قبلكم كمثل رجل استعمل رجلا عملا فقال: من يعمل ~~إلى نصف النهار بقيراط؟ فعملت اليهود، ثم قال: من يعمل إلى صلاة العصر ~~بقيراط؟ فعملت النصارى على ذلك ثم انتم الذين تعملون من صلاة العصر إلى ~~مغرب الشمس بقيراطين، (قال) فغضبت اليهود والنصارى وقالوا: نحن أكثر أعمالا ~~وأقل عطاء)). # وقال القاسم بن ms169 إبراهيم عليهما السلام في كتاب تثبيت الإمامة: (الحمد لله ~~فاطر السماوات والأرض، مفضل بعض مفطورات خلقه على بعض، بلوى منه تعالى ~~للمفضلين بشكره، واختبارا للمفضولين بما أراد في ذلك من أمره، ليزيد ~~الشاكرين في الآخرة بشكرهم من تفضيله، وليذيق المفضولين بسخط إن كان منهم ~~في ذلك من تنكيله، ابتداء في ذلك للفاضلين بفضله، وفعلا فعله في المفضولين ~~عن عدله). # ومثل هذا موجود كثير في الكتاب والسنة، وقد جعل الله اختلاف الأشياء، ~~وتفضيل بعضها على بعض من آياته، قال عز من قائل: {وفي الأرض قطع متجاورات ~~وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد ونفضل بعضها ~~على بعض في الأكل إن في ذلك لايات لقوم يعقلون}[الرعد:4]. PageV01P361 # واعلم أن الزيادة من الله لبعض خلقه لا تدخل عليه جورا ولا ظلما بل قد أعطى ~~كل واحد من المكلفين في الدنيا من الاستطاعة ما يبلغ به مراده في الدنيا ~~والآخرة، وزاد بعض المكلفين ما شاء في الدنيا والآخرة، واقتنع كل بما أعطاه ~~في آخرته ودنياه. PageV01P362 ### || AUTO باب حقيقة معرفة الجزاء # اعلم أن الله لما ثبت أنه عدل حكيم عالم، وأنه لم يهمل الخلق، ولا ضيع ~~التدبير، ورأينا الناس ظالما ومظلوما، ولا يكاد يوجد في الناس غيرهما، ولا ~~يوجد أحد من المكلفين إلا مطيعا أو عاصيا، ورأينا العصاة يظلمون المطيعين ~~ويقتلونهم، ورأينا المطيعين مقيدين لألسنتهم وأفواههم وأيديهم وفروجهم مما ~~حرم الله عليهم، ورأينا العاصين مطلقين لما قيد المطيعون، ورأيناهم في ~~دنياهم أهل نعم وتنعم، وأهل ثروة في المال، وهيبة في الدنيا وجمال، فلما ~~رأينا الظالمين العاصين ماتوا ولم ينتصر منهم للمظلومين المطيعين، ولا ~~عوقبوا لهم في الدنيا، ورأينا المطيعين المظلومين ماتوا ولم ينتصروا من ~~الظالمين ولا عوقبوا لهم في الدنيا، علمنا علما عقلا ضروريا أن العدل ~~الحكيم العالم جل وعلا لا يترك خلقه مهملا، ولا يضيع لعامل عملا، وأنه ~~سيحدث دارا للجزاء يثيب فيها المطيعين المظلومين، ويعاقب فيها الظالمين ~~العاصين، وأنه لا يعجزه ذلك كما لم يعجزه خلق الدنيا وما فيها، والجزاء ms170 ~~تمام العدل ونظامه، ولولا ذلك لكان خلق الدنيا وما فيها عبثا -تعالى الله ~~عن ذلك. # ألا ترى أن إنسانا لو بنى دارا وأكملها، فلما تمت وكملت هدمها لغير معنى، ~~ألا ترى أنه يكون عابثا؟ فإن هدمها لفساد فيها، أو لأن يعمر خيرا منها أن ~~ذلك يكون منه حسنا، فلو لم تكن دار غير هذه الدار، يثاب فيها الأبرار، ~~ويعاقب فيها الفجار، لكان ذلك ضد العدل والحكمة، وكان عبثا -تعالى الله عن ~~ذلك- فصح أن الآخرة آتية لا شك فيها ولا ريب، ولا خلف ولا كذب. PageV01P363 # واعلم أن للنشور بعد الموت دليلين مبينين، وشاهدين في الشاهد منيرين وهما: ~~استيقاظ النائم بعد النوم من المنام، وحياة الأرض الميتة بالماء، فإن ~~الإنسان إذا نام يصير مثل الميت لا يعقل ولا يسمع ولا يبصر، ولا يدري ما ~~يفعل به، ولا في أي موضع هو، ولا يبقى فيه من الحياة غير النفس، ثم يستيقض ~~فيرجع إليه روحه وعقله وذهنه وسمعه وبصره، وكذلك يبعث الله من يموت، قال ~~الله تعالى: {الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك ~~التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى}[الزمر:42]، فصح أن النوم ~~مثل الموت. PageV01P364 # وأيضا فإن الأرض الميتة تنظرها هامدة لا شجر فيها ولا نبات، فينزل الله ~~عليها الماء، فتنبت به الأشجار والزرع وصنوف الثمار فيحييها الله بعد ~~الموت، وتصير مخضرة بعد الهلاك والفوت، وقد قال الله تعالى: {الله الذي ~~يرسل الرياح فتثير سحابا فيبسطه في السماء كيف يشاء ويجعله كسفا فترى الودق ~~يخرج من خلاله فإذا أصاب به من يشاء من عباده إذا هم يستبشرون ، وإن كانوا ~~من قبل أن ينزل عليهم من قبله لمبلسين ، فانظر إلى آثار رحمة الله كيف يحي ~~الأرض بعد موتها إن ذلك لمحيي الموتى وهو على كل شيء قدير}[الروم:48-50]، ~~وقال تعالى: {وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت ~~من كل زوج بهيج ، ذلك بأن الله هو الحق وأنه يحيي الموتى وأنه على كل شيء ~~قدير ، وأن الساعة ms171 آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في ~~القبور}[الحج:5-7]. ففي هذا بيان وكفاية. PageV01P365 # واعلم أن الأمة لم تختلف في أن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من ~~في القبور، ولم يختلفوا في أن الجنة والنار حق، وكذلك أهل الكتابين لم ~~يختلفوا في ذلك. وجحد الكفار البعث والنشور، والحساب، والجنة والنار، إلا ~~فرقة من كفار العرب فإنهم يرون البعث والنشور، وقالوا: من نحرت على قبره ~~ناقة من ماله أتى يوم القيامة راكبا لها، ومن لم تنحر على قبره ناقة أتى ~~ماشيا على رجليه، وقال في ذلك خراشة بن الأصم يوصي ابنه: # أبني إما أهلكن فإنني # أوصيك إن أخا الوصاة الأقرب # لا تتركن أباك يعثر خلفهم # تعبا يسير على اليدين وينكب # واستبق لي مما تركت مطية # في الناس أركبها إذا قيل اركبوا PageV01P366 فأما سائر الكفار من العرب والعجم فإنهم نفوا البعث. وقالوا: كيف يحيا من ~~قد مات ودفن ثم صار عظاما ثم ترابا، ونسوا كونهم من تراب، ثم من نطفة، ثم ~~من علقة، ثم من مضغة، ثم خلقت المضغة عظاما، ثم كسيت [العظام] لحما، ثم ~~أنشأها الله خلقا آخر، ذكرا أو أنثى، ثم أخرجه طفلا، أولم يعلموا أن الذي ~~خلقه من تراب يعيده؟ ولو كان قد صار ترابا، وقد ذكر الله قولهم واحتج به ~~عليهم فقال تعالى: {أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين ~~، وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحي العظام وهي رميم ، قل يحييها الذي ~~أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم ، الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا ~~أنتم منه توقدون ، أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم ~~بلى وهو الخلاق العليم ، إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون ، ~~فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون}[يس:77-83]، وقال تعالى: {ق ~~والقرآن المجيد ، بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم فقال الكافرون هذا شيء عجيب ~~، أئذا متنا وكنا ترابا ذلك رجع بعيد ، قد علمنا ما تنقص ms172 الأرض منهم وعندنا ~~كتاب حفيظ ، بل كذبوا PageV01P367 بالحق لما جاءهم فهم في أمر مريج ، أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف ~~بنيناها وزيناها وما لها من فروج ، والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي ~~وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج ، تبصرة وذكرى لكل عبد منيب ، ونزلنا من ~~السماء ماء مباركا فأنبتنا به جنات وحب الحصيد ، والنخل باسقات لها طلع ~~نضيد ، رزقا للعباد وأحيينا به بلدة ميتا كذلك الخروج ، كذبت قبلهم قوم نوح ~~وأصحاب الرس وثمود ، وعاد وفرعون وإخوان لوط ، وأصحاب الأيكة وقوم تبع كل ~~كذبالرسل فحق وعيد ، أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق ~~جديد}[ق:115]، وقال تعالى: {أيحسب الإنسان أن يترك سدى ، ألم يك نطفة من ~~مني يمنى ، ثم كان علقة فخلق فسوى ، فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى ، أليس ~~ذلك بقادر على أن يحيي الموتى}[القيامة:36-40]. فهل ترى حجة أفلج من حجة ~~الله، أو برهانا أبهر من برهان الله؟! PageV01P368 ### ||| AUTO فصل في الكلام فيما اختلفت فيه الأمة من عذاب القبر والنفخ في ~~الصور والميزان والكتاب والصراط والشفاعة وعذاب أطفال المشركين # واعلم أن هذه الجملة قد اختلف فيها. فقال قوم: إن الإنسان يحيا بعد ~~انصراف من يقبره، ويقعد في قبره، ويسأل عن فعله ثم يمات. واستدلوا بما حكاه ~~الله من قول أهل النار: {قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين فاعترفنا ~~بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل}[غافر:11]. وبما روي عن أمير المؤمنين عليه ~~السلام من قوله: (وأقعد في قبره). PageV01P369 # وعندنا أنه ليس بين الدنيا والآخرة غير موتة واحدة؛ والدليل على ذلك قول ~~الله تعالى: {لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى }[الدخان:56]، وقوله ~~حاكيا قول المتسائلين يوم القيامة: {فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون ، قال ~~قائل منهم إني كان لي قرين ، يقول أئنك لمن المصدقين ، أئذا متنا وكنا ~~ترابا وعظاما أئنا لمدينون ، قال هل أنتم مطلعون ، فاطلع فرآه في سواء ~~الجحيم ، قال تالله إن كدت لتردين ، ولولا نعمة ربي لكنت من المحضرين ، ~~أفما نحن بميتين ، إلا موتتنا الأولى وما نحن بمعذبين}[الصافات:50-59]. فصح ~~أنه ليس غير ms173 موتة واحدة. ومعنى قول الله فيما حكى من قول أهل النار فيها: ~~{ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين}: أن مبتدأ خلق الإنسان من الموات، وهو ~~الطين والنطفة والمضغة والعلقة، فهو في هذه الحال ميت، فهذه موتة، والموتة ~~الثانية المشهورة بين الدنيا والآخرة. وأما قول أمير المؤمنين عليه السلام: ~~(وأقعد في قبره) فالمراد به عند بعثه ونشره [والخلاف في إحيائه في القبر ~~وإماتته ميتة ثانية. فأما عذاب القبر للعاصين فنقول به ونصدق به، وقد ورد ~~في ذلك أخبار عن النبيء صلى الله عليه وآله وسلم، ولم يؤثر في وقته أثر، ~~والله أعلم. ونحسب أنه عند بعثه والله أعلم، والقول عليه عندنا: أنه يعذب عند PageV01P370 بعثه ونشره] ويؤيد ما قلنا قول زيد بن علي": (أيها الناس إن الله خلقكم ~~ليبلوكم أيكم أحسن عملا، جعل موتا بين حياتين: موتا بعد حياة، وحياة ليس ~~بعدها موت). وهذا نص فيما ذهبنا إليه، وذلك أن مقام الإنسان في القبر قليل، ~~ولذلك سماه الله زيارة للقبر فقال تعالى: {ألهاكم التكاثر ، حتى زرتم ~~المقابر}[التكاثر:1،2]،ومن فن الزائر أنه لا يلبث إلا قليلا، وليس هو ~~كالحال. وقد حكى الله قول أهل النار: {يوم ينفخ في الصور ونحشر المجرمين ~~يومئذ زرقا ، يتخافتون بينهم إن لبثتم إلا عشرا ، نحن أعلم بما يقولون إذ ~~يقول أمثلهم طريقة إن لبثتم إلا يوما}[طه:102-104]. # ومعنى قوله تعالى: {ونحشر المجرمين يومئذ زرقا} أي يدخل سواد عيونهم في ~~بياضها. # وقال تعالى: {ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة كذلك ~~كانوا يؤفكون ، وقال الذين أوتوا العلم والإيمان لقد لبثتم في كتاب الله ~~إلى يوم البعث فهذا يوم البعث ولكنكم كنتم لا تعلمون}[الروم:55،56]. PageV01P371 ### ||| AUTO فصل في الكلام في الصور # وقد اختلف في قول الله تعالى: {ونفخ في الصور }[يس:51]. فقيل: معناه: ~~ونفخ في الصور. وروي عن ابن عباس أنه قال: الصور: قرن ينفخ فيه إسرافيل. # وعندنا أنه صوت يحدثه الله تعالى يفزع منه من في السماوات والأرض، وقد ~~قال الله تعالى: {ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن ms174 في الأرض إلا من ~~شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون}[الزمر:68]، وقال تعالى: ~~{يومئذ يتبعون الداعي لا عوج له وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا ~~همسا}[طه:108]، وقال تعالى: {يوم يدع الداع إلى شيء نكر ، خشعا أبصارهم ~~يخرجون من الأجداث كأنهم جراد منتشر، مهطعين إلى الداع يقول الكافرون هذا ~~يوم عسر}[القمر:6-8]، وقال تعالى: {واستمع يوم يناد المنادي من مكان قريب ، ~~يوم يسمعون الصيحة بالحق ذلك يوم الخروج}[ق:41،42]، فصح أنه صوت يسمعه ~~السامعون. PageV01P372 ### ||| AUTO فصل في الكلام في الميزان # وقد اختلف في الميزان فقيل فيه ثلاثة أقوال: # فمن الناس من حمل الآية على ظاهرها؛ أن الأعمال توزن. والآيات التي فيها ~~ذكر الوزن قول الله تعالى: {ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس ~~شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين}[الأنبياء:47]، ~~وقوله تعالى: {فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ، ومن خفت موازينه ~~فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون} [المؤمنون:102،103]، وقوله ~~تعالى: {فأما من ثقلت موازينه ، فهو في عيشة راضية ، وأما من خفت موازينه ، ~~فأمه هاوية ، وما أدراك ما هيه ، نار حامية}[القارعة:611]. PageV01P373 # وعندنا وعند المعتزلة أن الأعمال لا توزن بالميزان المعقول؛ لأن الأعمال ~~أعراض، والأعراض لا تقوم بأنفسها، ولا يوزن في الشاهد إلا الأجسام، ~~والميزان عندنا هو الحق والقسط قال الله تعالى: {والوزن يومئذ الحق ~~}[الأعراف:8]، وقال تعالى: {الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان وما ~~يدريك لعل الساعة قريب}[الشورى:17]، وقال تعالى: {والسماء رفعها ووضع ~~الميزان ، ألا تطغوا في الميزان ، وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا ~~الميزان}[الرحمن:7-9] فصح أن الميزان هو الحق، والوزن هو الحكم بالحق، ~~وإنما جعل الله ذكر الميزان مثلا. فمثل الحكم بالحق كوزن الأجسام بالميزان ~~المعروف. # واعلم أن معنى هذا المثل: أن من كانت له حسنة وسيئة أن الحسنة في المثل ~~بعشر وزنات بالميزان، والسيئة بوزنة واحدة؛ فعلى هذا يكون الرجحان للعشر، ~~وهذا إذا كان الخاتمة من الأعمال صالحة. # ويدل على صحة ما ذكرنا قول الله تعالى: {إن الحسنات يذهبن السيئات ~~}[هود:114] وهذا هو ms175 المراد بقوله تعالى: {من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ~~ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها}[الأنعام:160] وليس المراد به أنه إذا ~~أطعم مسكينا خبزة أنه يطعم عشر خباز، ولا إذا كسى عاريا مستحقا ثوبا أنه ~~كسى عشرة ثياب، ولو كان ذلك كذلك لأدى [ذلك] إلى الإنقطاع والفناء. PageV01P374 # واعلم أن هذا المثل بالوزن، والميزان يدل على أنه لا يكاد يوجد من الناس من ~~تكون أعماله حسنات كلها ولا سيئة له؛ لأن في الشاهد أنه لا يجعل في أحد ~~كفتي الميزان شيء والأخرى معطلة لا شيء فيها، ولا يصح الوزن إلا أن يكون في ~~كل واحدة من كفتي الميزان شيء، قليلا كان أو كثيرا، ولا يعقل وزن شيء إلا ~~بشيء، فثبت أن الإنسان المكلف لا يخلو من سيئة. # واعلم أن كل عامل مسؤول عن عمله -المطيع والعاصي- ومحاسب على فعله، قال ~~الله تعالى: {فأما من أوتي كتابه بيمينه ، فسوف يحاسب حسابا ~~يسيرا}[الإنشقاق:7،8] فدل على أنه لا بد من الحساب والمسألة، قال الله ~~تعالى: {ثم لتسألن يومئذ عن النعيم }[التكاثر:8]، وقال تعالى: {وقفوهم إنهم ~~مسئولون }[الصافات:24]، وهذا السؤال، سؤال تقرير وتوبيخ، وقول الله تعالى: ~~{فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان }[الرحمن:39] يريد: أنه لا يسأل سؤال ~~جهل واستفهام، بل سؤال تقرير وتوبيخ، ويؤيد ذلك قول الله: {يوم تأتي كل نفس ~~تجادل عن نفسها }[النحل:111]، وقوله تعالى: {كل نفس بما كسبت رهينة ، إلا ~~أصحاب اليمين ، في جنات يتساءلون ، عن المجرمين ، ما سلككم في سقر ، قالوا ~~لم نك من المصلين...}الآيات[المدثر:38-43]، وأصحاب اليمين الذين استثناهم ~~الله الأطفال؛ ويدل على ذلك سؤالهم للمجرمين عما أدخلهم النار؛ لأنهم لم ~~يكن معهم PageV01P375 خبر عما أدخلهم النار، وقد قال الله تعالى: {وكنتم أزواجا ثلاثة ، فأصحاب ~~الميمنة ما أصحاب الميمنة ، وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة ، والسابقون ~~السابقون ، أولئك المقربون} [الواقعة:711]، فكانت الناس على ثلاثة أفنان: ~~فسابق وهو الذي يدخل الجنة بعمله، قال الله تعالى في آخر الآية: {جزاء بما ~~كانوا يعملون }[الواقعة:24]، وفن وهم أهل النار، وفن وهم الأطفال؛ وهم ms176 ~~يدخلون الجنة بغير عمل منهم بل تفضلا من الله، تفضل عليهم بالجنة، وعوضا ~~منه على ما أصابهم من الضر والأمراض والموت. # وكذلك البهائم فإن الله يثيبها ويعوضها بتمليكه الناس إياها وتسخيرها ~~لهم، فيعوضها في الجنة؛ وكذلك الوحوش، وجميع ما خلق الله من الحيوان، فإنه ~~قد نالها الضر في هذه الدنيا من الجوع والعطش، والخوف والموت، وغير ذلك. # والدليل على ما قلنا من طريق العقل: أنه قد ثبت أن الله تعالى عدل ~~[حكيم]، وأنه رحيم رؤوف كريم، وأن عفوه يرجى عمن أذنب، فكيف من لم يذنب؟ ~~وهي تألم، وتجوع، وتضمأ، وتهزل، وقد رأينا الناس يكدون البهائم كدا عنيفا، ~~ويستخدمونها حتى تبلغ الغاية من الهزال والموت. ومنها ما يذبحه الناس ~~ويطبخونه بالنار ويأكلونه، وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~أنه قال: ((في كل كبد حرى أجر )). PageV01P376 # وروي أيضا الخبر المشهور: ((تقربوا إلى الله بإكرام البهائم )). وروي النهي ~~عن الإغراء بين البهائم. وروي أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رأى ~~حمارا موسوما في وجهه فلعن من وسمه. فدل ذلك على أنها تألم، وذلك بين ~~مشاهد، فصح أن الله تعالى يعيضها بما سخرها للناس وذللها لهم وملكهم إياها، ~~ولو لم يعضها بذلك لكان ذلك ظلما لها -تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. # وقد صح بنص القرآن وبالإجماع أن جميع الحيوان يحيا يوم القيامة ويحشر، ~~قال الله تعالى: {وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم ~~أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون}[الأنعام:38]. # فإذا كانت تحشر بلا شك فلا بد لها بعد حشرها من أحد ثلاثة وجوه: إما أن ~~تدخل النار. أو الجنة، أو تمات وتفنى. # فإن قيل: إنها تمات. فلأي شيء حشرت ثم أميتت وأفنيت؟ فلو كان ذلك كذلك ~~لكان عبثا إحياؤها يوم القيامة وإماتتها. فصح أن الآخرة هي دار الحيوان، ~~وأنه لا يذوق أحد موتا بعد الحشر والنشور. PageV01P377 # وإن قيل: تدخل النار. فما ذنبها الذي تدخل به النار؟ وهذا ما ms177 لا يعقل ولا ~~يقول به أحد، ولم يبق إلا إدخال الله لها الجنة، وفي رحمة الله ما يسعها ~~-الذي وسعت رحمته كل شيء- وقد قال تعالى: {يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها ~~}[النحل:111] والبهائم من ذوات النفوس، وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم أنه قال: ((أفضل الجهاد أن تقتل وتعقر فرسك في سبيل الله )) فإذا ~~كان الرجل يأتي يوم القيامة يجادل عن نفسه فكذلك الفرس الذي يعقر تحته تأتي ~~يوم القيامة تجادل عن نفسها. وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~أنه قال: ((من قتل عصفورا عبثا أوقف به يوم القيامة فيقول: يا رب إن هذا ~~قتلني عبثا)) -أو قريبا من هذا- فإني حفظت المعنى ونسيت اللفظ. # فأما السباع والحيات والعقارب وما يؤذي الإنسان من الحيوان، فيجوز أن ~~يجعلها الله من عذاب النار ولا تكون النار تؤذيها -كخزنة النار- وروي في ~~التفسير مثل هذا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. # ومن مشايخ المعتزلة من قال: الميزان هو الميزان المعقول بين الناس، وأنه ~~يجعل مكان الحسنة في الميزان نورا، ومكان السيئة ظلمة، وتوزن فيكون الحكم ~~للراجح. ومنهم من قال: لكل واحد ميزان. ومنهم من قال: هو ميزان واحد. وقد ~~ذكرنا ما يدل على فساد هذا القول من أن الأعراض لا يصح وزنها، ولا توزن إلا ~~الأجسام. PageV01P378 ### ||| AUTO فصل في الكلام في الكتاب # واختلف في الكتاب الذي يوتى الإنسان يوم القيامة: # فقال قوم من المعتزلة: هو العلم. # وعندنا وعند بعض المعتزلة وسائر الأمة أنه الكتاب المعقول، وأن الله ~~تعالى وكل الملائكة -صلى الله عليهم- على جميع المكلفين من الآدميين يكتبون ~~ما يفعلون، وقد ورد بذلك القرآن، قال الله تعالى: {وإن عليكم لحافظين ، ~~كراما كاتبين ، يعلمون ما تفعلون}[الإنفطار:10-12]، وقال تعالى: {إذ يتلقى ~~المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد ، ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب ~~عتيد}[ق:17،18]، وقال تعالى: {إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم ~~وكل شيء أحصيناه في إمام مبين}[يس:12]، وقال تعالى حاكيا قول النادمين ms178 يوم ~~القيامة: {ياويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ~~ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا}[الكهف:49]، وقال تعالى: {يومئذ ~~تعرضون لا تخفى منكم خافية ، فأما من أوتي كتابه بيمينه فيقول هاؤم اقرءوا ~~كتابيه ، إني ظننت أني ملاق حسابيه ، فهو في عيشة راضية ، في جنة عالية ، ~~قطوفها دانية ، كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية ، وأما من ~~أوتي كتابه بشماله PageV01P379 فيقول ياليتني لم أوت كتابيه ، ولم أدر ما حسابيه ، ياليتها كانت القاضية ، ~~ما أغنى عني ماليه ، هلك عني سلطانيه}[الحاقة:18-29]، وقال تعالى: {وكل ~~إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا ، ~~اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا}[الإسراء:13،14]، وقال تعالى: {وكل ~~شيء فعلوه في الزبر ، وكل صغير وكبير مستطر}[القمر:52،53]. فصح أن الكتاب ~~هو الكتاب المعقول. # ومعنى قول الله تعالى: {ألزمناه طائره في عنقه} يريد: فعله، خيره وشره، ~~وسعادته وشقاوته، قال الله تعالى: {قالوا إنا تطيرنا بكم لئن لم تنتهوا ~~لنرجمنكم وليمسنكم منا عذاب أليم ، قالوا طائركم معكم أئن ذكرتم بل أنتم ~~قوم مسرفون}[يس:18،19]. وحجة من قال: (الكتاب هو العلم) قول الله تعالى: ~~{وقال الذين أوتوا العلم والإيمان لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث ~~فهذا يوم البعث ولكنكم كنتم لا تعلمون}[الروم:56]. قالوا: المراد به: لقد ~~لبثتم في علم الله. وقد يمكن أن يحمل معنى الآية على هذا، ويمكن أن يكون ~~المراد به: لقد لبثتم فيما وجدنا في كتاب الله الذي هو القرآن أنكم لبثتم ~~إلى يوم البعث. PageV01P380 # واعلم أن للكتاب في كتاب الله أربعة معان: فكتاب وهو العلم، وكتاب وهو ~~الكتاب المكتوب بالقلم -وقد ذكرنا ذلك- وكتاب وهو الفرض؛ قال الله تعالى: ~~{كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم}[البقرة:183]، وقال تعالى: ~~{كتب عليكم القتال وهو كره لكم}[البقرة:216] يريد: فرض عليكم. وكتاب هو ~~الحكم؛ قال الله تعالى: {كتب الله لاغلبن أنا ورسلي إن الله قوي ~~عزيز}[المجادلة:21] يريد: حكم الله. وقد يمكن أن يحمل الكتاب على معنى خامس ~~وهو أن يمكن أن ms179 يكون كتب الله بمعنى: جعل الله، وذلك قول الله تعالى: ~~{أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه}[المجادلة:22]، يقول: إنه قد ~~أرسخ في قلوبهم الإيمان حتى صار مثل الخلق، كما قال تعالى: {ولكن الله حبب ~~إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم }[الحجرات:7]. PageV01P381 ### ||| AUTO فصل في الكلام في الصراط # واختلفوا في الصراط؛ فعندنا وعند المعتزلة أن الصراط هو الطريق. والطريق ~~طريقان: طريق الحق، وطريق الباطل. والصراط المستقيم هو طريق الحق. # وقالت الحشوية: هو أحد من السيف، وأدق من الشعرة، ولو كان كما قالوا لكان ~~ذلك تكليف ما لا يطاق. وأيضا فإن التكليف قد سقط في الآخرة لقول رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم: ((الدنيا دار عمل ولا حساب ، والآخرة دار حساب ~~ولا عمل)). # والذي يدل على صحة ما قلنا قول الله تعالى: {اهدنا الصراط المستقيم ، ~~صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين}[الفاتحة:6،7]، فلو ~~كان صراطا واحدا للمطيع والعاصي لما أبدل وبين، ولقال: اهدنا الصراط، ولم ~~يقل: المستقيم، ولا قال: {صراط الذين أنعمت عليهم}، فلما قال: {اهدنا ~~الصراط المستقيم} علم السامع أن ثم صراطا غير مستقيم، ثم زاد بيانا، فقال: ~~{صراط الذين أنعمت عليهم} وهذا يسمى بدل البيان، فبين بيانا ثانيا أن [ثم] ~~لغير هؤلاء صراطا. # ومما يوضح ما ذكرنا في البدل أنك إذا قلت لرجل: (أدع الرجل زيد بن عمرو) ~~أن هذا البدل يكون بيانا؛ لأنك لو قلت: (أدع الرجل)، لأشكل على المأمور من ~~الرجل؟ لأن الرجال كثير، فلما قلت (زيد بن عمرو) بينت له ففهم قولك فصح ما قلنا. PageV01P382 # وقول الله تعالى: {غير المغضوب عليهم ولا الضالين} دليل على أن الله قد ~~أنعم عليهم فاستثناهم من الذين هداهم الصراط المستقيم؛ ولأنه من شرط ~~الاستثناء أنه لولا هو لدخل المستثنى في جملة من استثني منه، فلو لم ينعم ~~على المغضوب عليهم والضالين لما استثناهم ولأجزأ قوله: {صراط الذين أنعمت ~~عليهم} ولم يقل: {غير المغضوب عليهم ولا الضالين} فصح ما قلنا. PageV01P383 # وقال تعالى: {وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم ، صراط الله ms180 الذي له ما في ~~السماوات وما في الأرض}[الشورى:52،53]، وقال تعالى: {وسيق الذين كفروا إلى ~~جهنم زمرا حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها وقال لهم خزنتها ألم يأتكم رسل منكم ~~يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا بلى ولكن حقت كلمة ~~العذاب على الكافرين ، قيل ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى ~~المتكبرين ، وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا حتى إذا جاءوها وفتحت ~~أبوابها وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين ، وقالوا الحمد ~~لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء فنعم أجر ~~العاملين ، وترى الملائكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم وقضي بينهم ~~بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين}[الزمر:71-75] فبين أنهم يساقون زمرا، ~~و[بين] أن للنار أبوابا، وللجنة أبوابا. وقال الله تعالى في النار: {لها ~~سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم}[الحجر:44]، فلو كان الصراط كما قالت ~~الحشوية، لما كانوا يساقون زمرا، PageV01P384 ولما كان للجنة أبوب وللنار أبواب، فصح أن الصراط هو الطريق. # قال الشاعر: # دعسنا أرضهم بالخيل حتى # تركناهم أذل من الصراط # وأن للجنة طريقا، وللنار طريقا. # وقد اختلف في عدد أبواب الجنة، وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم: أنها ثمانية أبواب، وروي عنه ما يدل (على) أنها أكثر من ذلك. وروي عن ~~أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((من اجتنب من ~~الرجال أربعا ، وعمل من النساء أربعا، فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل ~~من أيها شاء، من اجتنب من الرجال: الدماء، والأموال، والفروج، والأشربة. ~~والمرأة: إذا حصنت فرجها، وصلت خمسها، وصامت شهرها، وأطاعت زوجها)). وروي ~~عن سلمان [رضي الله عنه] قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((من ~~صلى ثماني ركعات من الليل ، والوتر، يداوم عليهن حتى يلقى الله بهن فتح ~~الله له اثني عشر بابا من الجنة يدخل من أي باب شاء)). فدل على أن أبواب ~~الجنة أكثر من ثمانية. ويحمل الخبر الأول في الثمانية الأبواب أنها لجنس ms181 من ~~الناس، والله أعلم. PageV01P385 ### ||| AUTO فصل في الكلام في الشفاعة # اختلفت الأمة في الشفاعة. # فعندنا وعند المعتزلة أن الشفاعة للتائبين، وقد تكون أيضا في الدرجات، ~~والزيادات. # وذهبت المجبرة إلى أن الشفاعة لأهل الكبائر، واستدلوا بما روي عن النبيء ~~صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي )). ونحن ~~نعارض قولهم بكتاب الله، وبقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. قال ~~الله تعالى في الملائكة صلوات الله عليهم: {ولا يشفعون إلا لمن ارتضى ~~}[الأنبياء:28]، وقال تعالى: {ما للظالمين من حميم ولا شفيع ~~يطاع}[غافر:18]، وقال تعالى: {فما تنفعهم شفاعة الشافعين }[المدثر:48]، ~~وقال تعالى: {واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها شفاعة ولا ~~يؤخذ منها عدل}[البقرة:48]، وقال تعالى: {وما أدراك ما يوم الدين ، ثم ما ~~أدراك ما يوم الدين ، يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ ~~لله}[الإنفطار:17-19] فصح أن الشفاعة لا تكون لأهل الكبائر. PageV01P386 # وقد ورد في الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أن الشفاعة ~~للتائبين دون العاصين؛ من ذلك ما روي عنه صلى الله عليه وآله وسلم، روي عن ~~محمد بن الحسين بن علي بن الحسين عن أبيه عن علي " قال: (زارنا رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم ففعلنا له خزيرة، وأهدت لنا أم أيمن قعبا من لبن، ~~وزبدا، وصحفة من تمر فأكل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأكلنا معه، ~~ثم توضأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فمسح وجهه ولحيته بيده، ثم ~~استقبل القبلة فدعا الله جل ذكره بما شاء، ثم أكب إلى الأرض بدموع غزيرة ~~مثل المطر، ثم أكب إلى الأرض ففعل ذلك ثلاث مرات، فهبنا أن نسأله صلى الله ~~عليه وآله وسلم، فوثب الحسين عليه السلام على رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم فبكى وضمه إليه وقال: ((بأبي [أنت] وأمي ما يبكيك ؟ فقال: يا أبت إني ~~رأيتك تصنع ما لم تكن تصنع مثله، قال: يا بني، إني سررت بكم سرورا عظيما لم ms182 ~~استر بكم قبله، وإن حبيبي جبريل -صلى الله عليه وسلم- أتاني فأخبرني بأنكم ~~قتلى، وأن مصارعكم شتى، فأحزنني ذلك، فدعوت الله لكم. فقال الحسين عليه ~~السلام: يا رسول الله صلى الله عليك من يزورنا على تشتتنا وتباعد قبورنا؟ ~~فقال صلى الله عليه وآله وسلم: طائفة من أمتي يريدون بذلك بري وصلتي، إذا ~~كان يوم القيامة زرتهم الموقف فأخذت بأعضادهم فأنجيتهم من أهوالها ~~وشدائدها)). # وعن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((من حفظ على ~~أمتي أربعين حديثا في السنة كنت له شفيعا يوم القيامة)). PageV01P387 # وعن علي بن موسى الرضا عن آبائه عن علي" قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم: ((ثلاثة أنا شفيع لهم يوم القيامة : الضارب بسيفه أمام ذريتي، ~~والقاضي لهم حوائجهم عند اضطرارهم إليه، والمحب لهم بقلبه ولسانه)). فصح ~~أنه صلى الله عليه وآله وسلم لا يشفع إلا للمحسنين. # ومما يؤيد ذلك ما روي عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه قال: كان رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا دعي إلى جنازة سأل عنها فإن أثني عليها ~~بخير صلى عليها، وإن أثني عليها بغير ذلك قال: ((شأنكم بها ))، ولم يصل ~~عليها. فلو كان يشفع في الآخرة لأهل الكبائر لجاز له أن يصلي عليهم، ويدعو ~~لهم في الدنيا. PageV01P388 ### ||| AUTO فصل في الكلام في أطفال المشركين # اختلفت الأمة في أطفال المشركين، فعندنا وعند المعتزلة أنهم في الجنة، ~~وأنهم كأطفال المسلمين إلا في الميراث والقبر، فإن آباءهم يرثونهم ~~ويقبرونهم في مقابرهم. # وذهبت المجبرة إلى أنهم معذبون مع آبائهم في النار، واستدلوا بما رووا عن ~~خديجة + أنها سألت النبيء صلى الله عليه وآله وسلم فقالت: أين أطفالي منك؟ ~~قال: ((في الجنة . فقالت: فأين أطفالي من غيرك؟ قال: في النار وإن شئت ~~أسمعتك ضغاءهم)). وبما رووا عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ~~((الوائدة والموءودة في النار )) ولم يصح الخبر عندنا. فإن صح -أي خبر ~~خديجة- فالمراد بذكره الكبار، وقد تسمي العرب الغلام الشاب البالغ ms183 طفلا. ~~قال الشاعر: # عرضت لعامر والخيل تردي .... بأطفال الحروب مشمرات # وأما الموءودة فإن صح الخبر فالمراد (به) الكبيرة؛ ومما يؤيد ذلك قول ~~الله تعالى: {وإذا الموءودة سئلت ، بأي ذنب قتلت}[التكوير:8،9] فدل على ~~أنها كبيرة؛ لأن الصغيرة لا تسأل، ولا ذنب لها، ولا حساب عليها. والموءودة: ~~هي التي تدفن في القبر حية، وكانت الكفار تفعل ذلك، والموئد هو المثقل قال ~~الله تعالى: {ولا يئوده حفظهما وهو العلي العظيم}[البقرة:255] المراد به ~~ولا يثقله. PageV01P389 # وأما قول الله تعالى -حاكيا عن نوح عليه السلام: {ولا يلدوا إلا فاجرا ~~كفارا }[نوح:27]، فالمراد به أن عاقبتهم إذا سلموا أن يكونوا مثل آبائهم ~~فجارا كفارا. قال الله تعالى: {ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس ~~}[الأعراف:179] يريد: أن عاقبتهم إلى جهنم. وقال تعالى في موسى عليه ~~السلام: {فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا}[القصص:8] المراد به: أن ~~عاقبته أن يكون لهم عدوا وحزنا، ومثل ذلك موجود في لغة العرب، قال بعض ~~الحكماء: # لدوا للموت وابنوا للخراب .... فكلكم يصير إلى ذهاب PageV01P390 ### ||| AUTO فصل في الكلام في أزواج أهل الجنة # اعلم أن الله تعالى يزوج عبيده من إمائه يوم القيامة بمن يشاء وكيف يشاء. ~~فأما من مات مؤمنا وله زوجة مؤمنة فلم تخلف بعده زوجا فأحسب -والله أعلم- ~~أنها زوجته يوم القيامة، وكذلك لو ماتت ولم يتزوج أختها، ولا من يحرم عليه ~~الجمع بينهما، فإن تزوج أختها -بعدها- أو عمتها أو خالتها فزوجته في الجنة ~~الأخرى دون الأولى. وإن مات وتزوجت بعده فهي للزوج الآخر في الجنة؛ والدليل ~~على ما قلنا ما روي عن الهادي إلى الحق عليه السلام في جوابه للرازي يرفعه ~~إلى النبيء صلى الله عليه وآله وسلم أنه سئل عن زوجة المؤمن هل تكون له ~~زوجة في الجنة إذا كانت مؤمنة؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((نعم يجمع ~~الله بين أهل البيت إذا كانوا مؤمنين في دار ثواب المتقين)). PageV01P391 # وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أن الزوجية تنقطع بينهما، واستدلوا بما روي عن ~~رسول الله صلى الله عليه ms184 وآله وسلم أنه قال: ((كل سبب ونسب منقطع يوم ~~القيامة إلا سببي ونسبي)) فهذا الخبر محمول (عندنا) على الشفاعة دون ~~الزوجية. وقول الله تعالى: {فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا ~~يتساءلون }[المؤمنون:101] المراد به أنه لا ينفع النسب يوم القيامة، وقوله: ~~{ولا يتساءلون} المراد به أن كل إنسان مشغول بنفسه في الموقف ويوم الحساب، ~~قال الله تعالى: {يوم يفر المرء من أخيه ، وأمه وأبيه ، وصاحبته وبنيه ، ~~لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه}[عبس:34-37]، فأما في الجنة فإنهم يتساءلون، ~~قال الله تعالى: {وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون ، قالوا إنا كنا قبل في ~~أهلنا مشفقين ، فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم ، إنا كنا من قبل ندعوه ~~إنه هو البر الرحيم}[الطور:25-28]. # وكذلك أيضا أهل النار يتساءلون في النار: {قالوا إنكم كنتم تأتوننا عن ~~اليمين ، قالوا بل لم تكونوا مؤمنين ، وما كان لنا عليكم من سلطان بل كنتم ~~قوما طاغين}[الصافات:28-30] فصح أن المراد به: ولا يتساءلون في الموقف، ولا ~~أنساب بينهم نافعة لهم. PageV01P392 # ويدل أيضا على صحة ما قلنا أن الميت إذا مات فقد خرج من أحكام الدنيا، وصار ~~من أهل الآخرة، وقد جاء [أيضا] عن الصالحين من الصحابة وغيرهم من المؤمنين ~~أن الرجل يغسل زوجته إذا ماتت إذا أراد ذلك، والمرأة تغسل زوجها؛ وقد روي ~~عن عائشة أنها قالت: لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما غسل رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم غير نسائه، ولم ينكر ذلك عليها أحد. وروي عن النبيء ~~صلى الله عليه وآله وسلم أنه دخل على عائشة وهي تقول: وارأساه، فقال صلى ~~الله عليه وآله وسلم: ((لا عليك لو مت قبلي لغسلتك وكفنتك وحنطتك ودفتك)). # وروي أن أمير المؤمنين عليه السلام غسل فاطمة +. # وروي أن أسماء بنت عميس غسلت زوجها أبا بكر ولم ينكر أحد من الصحابة ذلك. ~~فلو كانت الزوجية قد انقطعت بينهما لما جاز لواحد منهما أن يغسل صاحبه. # فإن ماتت المرأة وتزوج أختها فقد قدمنا القول أن الزوجية قد انقطعت بينه ~~وبين ms185 الميتة، وأنها ليست له بزوجة في الجنة بل زوجته الأخرى. وعلى هذا لو ~~ماتت امرأة رجل ثم تزوج أختها قبل أن تغسل وتدفن لم يجز له غسلها هاهنا ولا ~~النظر إلى الميتة. وكذلك لو عقد بامرأة عقدة النكاح ولم يدخل بها ثم ماتت ~~وتزوج بإبنتها قبل أن تغسل وتدفن لم يجز له أن ينظر إلى عورة الميتة. ويؤيد ~~ذلك ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((لا ينظر الله ~~إلى رجل ينظر إلى فرج امرأة وابنتها )) وهذا القول مني اجتهاد، وقياس على ~~ما ذكرنا من الأخبار، والله أعلم. PageV01P393 # ويمكن أيضا أن يكون حكم تزويج الآخرة غير تزويج الدنيا؛ لأن أحكام الآخرة ~~غير أحكام الدنيا، إلا في العدل فإن أحكام الله تستوي (في العدل) في الدنيا ~~والآخرة. # واعلم أن الله تعالى يزوج أولياءه في الجنة من حور العين؛ وحور العين ~~نساء يخلقهن الله تعالى من الجنة كيف شاء وكما شاء أحسن خلق وأجمل صورة، ~~[كما] قال الله تعالى: {وحور عين ، كأمثال اللؤلؤ المكنون}[الواقعة:22،23]، ~~وقال تعالى: {وعندهم قاصرات الطرف عين ، كأنهن بيض مكنون}[الصافات:48،49]، ~~وقال في تزويجه لأوليائه بهن: {كذلك وزوجناهم بحور عين }[الدخان:54]. # وقد اختلف في الجنة هل قد خلقت أم لم تخلق في الدنيا. # فذهب قوم إلى أنها قد خلقت، واستدلوا بقول الله تعالى: {ولقد رآه نزلة ~~أخرى ، عند سدرة المنتهى ، عندها جنة المأوى}[النجم:13-15]. # وعندنا أنها لم تخلق، وأن الله سيحدثها يوم القيامة، ويخلقها كيف شاء ~~وحيث شاء. PageV01P394 # والدليل على ذلك من طريق العقل: أنه لا يعد الشيء ويدخره إلى وقت طويل إلا ~~من يعجز عن إبداعه وقت الحاجة إليه، والله تعالى لا يعجزه شيء ولا يفوته ~~[شيء]. ومن الكتاب: قول الله تعالى: {كل من عليها فان ، ويبقى وجه ربك ذو ~~الجلال والإكرام}[الرحمن:26،27] فدل على زوال الدنيا، وما عليها. وقال ~~تعالى: {يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات}[إبراهيم:48]، وقال تعالى: ~~{يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب }[الأنبياء:104]، وقال تعالى: {والسماوات ~~مطويات بيمينه }[الزمر:67]، وقال تعالى: {إذا السماء ms186 انفطرت }[الإنفطار:1]، ~~وقال تعالى: {إذا السماء انشقت }[الإنشقاق:1]، وقال تعالى: {يوم تكون ~~السماء كالمهل ، وتكون الجبال كالعهن}[المعارج:8،9] فصح أن السماوات تبدل، ~~وكذلك الأرض. فلو كانت الجنة قد خلقت لم تكن إلا في السماء أو في الأرض، ~~وإذا كانت قد خلقت في السماء كيف تبدل السماء وتبقى الجنة التي فيها، وما ~~فيها من الحور والولدان؟ فصح ما قلنا. # فإن قيل: إن مذهبكم أن إرادة الله هي مراده، فهل قد أراد خلق الجنة أم لم يرده؟ PageV01P395 # قلنا: إن الخبر غير المخبر عنه فقد أراد الله الإخبار بالجنة ولم يرد ~~خلقها، ولو أراد خلقها لكانت قد خلقت، قال تعالى: {هو الذي يحيي ويميت فإذا ~~قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون}[غافر:68] وقد قدمنا الكلام في الإرادة في ~~موضعه بما فيه كفاية فلا تعلق لمخالفنا بهذا. # ومعنى قول الله: {والسماوات مطويات بيمينه} يريد بقدرته، ومثل ذلك موجود ~~في لغة العرب، قال الشاعر وهو الشماخ: # إذا ما راية رفعت لمجد # تلقاها عرابة باليمين # يريد بالقوة. PageV01P396 ### ||| AUTO فصل في الكلام في جزاء الأعمال وذكر الخواتم # اعلم أن جزاء العمل موجب، والزيادة على الجزاء فضل من الله تعالى ورحمة، ~~والزيادة ليس لها حد لأنها فضل من الله، وفضل الله لا حد له، وقد قدمنا ~~الكلام [فيه] بما فيه كفاية، ويدل على ذلك ما روي عن ابن عمر قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((الأعمال عند الله سبعة : عملان موجبان، ~~وعملان بأمثالهما، وعمل بعشرة أمثاله، وعمل بسبعمائة، وعمل لا يعلم ثوابه ~~إلا الله تعالى. فأما الموجبان: فمن لقي الله عز وجل يعبده ولا يشرك به ~~شيئا من خلقه وجبت له الجنة، ومن لقي الله وقد أشرك به شيئا وجبت له النار، ~~ومن عمل سيئة جزي بمثلها، ومن أراد أن يعمل حسنة ولم يعمل بها جزي مثلها، ~~ومن عمل حسنة جزي عشرا، ومن أنفق مالا في سبيل الله ضوعفت له نفقته الدرهم ~~بسبعمائة، والدينار بسبعمائة، والصيام لله لا يعلم ثواب عامله إلا الله ~~تبارك وتعالى)). # واعلم ms187 أن الأعمال على خواتمها، فمن وافق موته عملا صالحا فقد فاز وظفر ~~بالخير، ومن وافق موته عملا سيئا كان من المعاقبين النادمين الخاسرين؛ وعلى ~~هذا لو أن عبدا كان على طريقة النجاة مطيعا لربه ثم اعتمد معصية الله ومات ~~عليها أنه قد أبطل عمل نفسه، وأحبط حسناته، وكان كمن لم يطع الله، وكان من ~~أهل النار، ولو أن عبدا كان عاصيا لربه مضيعا للواجبات فاعلا للمحرمات ثم ~~تاب من ظلمه وأناب ثم مات على ذلك، كان عند الله من التائبين، وكان من ~~الناجين الفائزين. PageV01P397 # ووجه العدل في هذا أن الله تعالى قد أمر عبده بطاعته، ونهاه عن معصيته، ~~ووعد من أطاعه ثم استقام على طاعته إلى أن يلقاه الجنة، وأوعد من عصاه ~~واستقام على ذلك إلى أن يلقاه النار، وضمن الثواب، وأخبر بما يبطل (به) ~~على العبد عمله، فإذا خالف أمر ربه وأبطل عمل نفسه كان هو الظالم لنفسه. ~~ألا ترى أن الطبيب إذا أعطى العليل دواء نافعا له، وقال له: تجنب كذا وكذا ~~فإنه يفسد هذا الدواء، فخالفه ولم يتجنب ما حماه عنه أن العليل هو الذي ~~أفسد الدواء، ولم يكن على الطبيب في ذلك لائمة ولا حجة، وقد روي عن رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((إسألوا الله السداد ، فإن الرجل ~~قد يعمل الدهر الطويل على جادة من جواد الجنة فبينما هو كذلك دؤوبا إذ برزت ~~له جادة من جواد النار فيعمل عليها، ويتوجه إليها، ولا يزال دؤوبا دؤوبا ~~حتى يختم له بها فيكون من أهلها، وإن الرجل قد يعمل الدهر الطويل على جادة ~~من جواد النار فبينما هو كذلك دؤوبا إذ برزت له جادة من جواد الجنة فيتوجه ~~إليها ويعمل عليها ولا يزال دؤوبا دؤوبا حتى يختم له بها)). فصح ما قلنا ~~وما إليه ذهبنا. # ونحن نسأل الله السداد، وحسن الاستعداد ليوم المعاد، وأن يهدينا أوضح ~~الجواد، وأن يختم لنا بصالح أعمالنا، ولا يؤاخذنا بسيء أفعالنا إنه لطيف خبير. PageV01P398 ### || AUTO باب حقيقة معرفة الكتاب ms188 # اعلم أن الله تعالى جعل كتابه حجة له على العباد، وداعيا إلى الحق ~~والرشاد، وزاجرا عن الغي والفساد، ومرغبا في الجنة، ومخوفا من النار، وجعله ~~مؤكدا لحجة العقول، وشاهدا بصدق الرسول، وحاكما بين الناس، ومبينا ~~للإلتباس، وجعل فيه جميع ما يحتاج إليه من علم الأصول والفروع، ومعرفة ~~الحلال والحرام، ومعرفة القضاء والأحكام والمواريث وعلم الشرع وقصص ~~الأولين، وبيان ما يكون في يوم الدين، وجعله نورا للمؤمنين، وضياء ~~للمهتدين، وجعله بالغا موجزا، وقريب المتناول معجزا، وقد سماه الله هدى، ~~وموعظة، وذكرا، وعزيزا، ومباركا ونورا، وغير ذلك من الأسماء الحسنة، قال ~~الله تعالى: {شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى ~~والفرقان}[البقرة:185]، وقال تعالى: {وإنه لكتاب عزيز ، لا يأتيه الباطل من ~~بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد}[فصلت:41،42]، وقال تعالى: {كتاب ~~أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب} [ص:29]، وقال ~~تعالى: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون } [الحجر:9]، وقال: {وإنه ~~لذكر لك ولقومك وسوف تسألون}[الزخرف:44]، وقال تعالى: {وكذلك أوحينا إليك ~~روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا PageV01P399 نهدي به من نشاء من عبادنا}[الشورى:52]، وقال تعالى: {فآمنوا بالله ورسوله ~~والنور الذي أنزلنا والله بما تعملون خبير}[التغابن:8]، وقال تعالى: {الله ~~نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة ~~كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها ~~يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله ~~الأمثال للناس والله بكل شيء عليم}[النور:35]، ونور الله هو القرآن. # وقوله تعالى: {نور على نور} معناه: نور مع نور، فالقرآن نور والرسول نور ~~فصار القرآن نورا على نور. وقد سمى الله نبيئه سراجا منيرا فقال: {إنا ~~أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا ، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا ~~منيرا}[الأحزاب:45،46]. # وقول الله تعالى: {الله نور السماوات والأرض} المراد به: الله منور ~~السماوات والأرض. # واعلم أن المثل في هذا الموضع أكبر من الممثل به، وإنما ms189 مثل الله للناس ~~بما يعرفون، وقد تمثل العرب الشيء بأصغر منه، قال الشاعر: # كأن ثبيرا في عرانين وبله # كبير أناس في بجاد مزمل PageV01P400 فمثل الجبل بالإنسان القاعد، والجبل أكبر من الإنسان. وقد قيل: المشكاة ~~الكوة، وأحسب أنها المحراب، ومثله قول الشاعر: # فرضت عليه الخوف حتى كأنما # جعلت عليه الأرض مشكاة رهبان # فدل على أن المشكاة الصومعة والمحراب ومثله. PageV01P401 ### ||| AUTO فصل في الكلام في فضائل القرآن # اعلم أنه لما ثبت أن الله أعظم الأشياء كان كلامه أعظم الكلام، ومعنى ~~قولنا: إن القرآن كلام الله، المراد به أنه وحي الله وخلقه وتنزيله، وقد ~~سماه الله كلاما حيث يقول: {وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع ~~كلام الله}[التوبة:6]، وقال: {وكلم الله موسى تكليما }[النساء:164]، وليس ~~المراد به انه نطق بالكلام كما ينطق ذو اللسان واللهوات والآلة والأدوات، ~~ولو كان ذلك كذلك لدخل عليه التشبيه -تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. وقد ~~قدمنا الاحتجاج على المشبهة (فيما تقدم بما فيه كفاية). # واعلم أن حقيقة كلام الله أنه العلم والنعمة والرحمة، قال عز من قائل: ~~{قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ~~ربي}[الكهف:109]، وقال تعالى: {إذ قالت الملائكة يامريم إن الله يبشرك ~~بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيها في الدنيا والآخرة ومن ~~المقربين}[آل عمران:45]. # فصح أن الكلمة هاهنا هي عيسى بن مريم عليه السلام، وهو نعمة، ورحمة من ~~الله تعالى لمن آمن به وبما جاء به، والكلمات أيضا هي العلم والنعمة ~~والرحمة، فصح أن كلام الله خلقه وفعله. PageV01P402 # ومن ذكر فضائل القرآن [قوله تعالى]: {هذا بصائر للناس وهدى ورحمة لقوم ~~يوقنون}[الجاثية:20]، وقول الله تعالى: {إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم ~~وإنه لكتاب عزيز ، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم ~~حميد...} إلى قوله: {قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في ~~آذانهم وقر وهو عليهم عمى أولئك ينادون من مكان بعيد}[فصلت:41-44]، وقوله ~~تعالى: {حم ، تنزيل من الرحمن الرحيم ، كتاب ms190 فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم ~~يعلمون ، بشيرا ونذيرا فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون}[فصلت:14]، وقال تعالى: ~~{حم، والكتاب المبين ، إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون، وإنه في أم ~~الكتاب لدينا لعلي حكيم}[الزخرف:1-4]، وقال تعالى: {حم ، والكتاب المبين ، ~~إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين ، فيها يفرق كل أمر حكيم ، أمرا ~~من عندنا إنا كنا مرسلين ، رحمة من ربك إنه هو السميع العليم}[الدخان:1-6]. PageV01P403 # وقول الله تعالى: {إنا أنزلناه في ليلة مباركة} يدل على أنه خلقه في قلب ~~الملك الأعلى جملة واحدة، ثم أنزله على نبيئه صلى الله عليه وآله وسلم ~~مفصلا شيئا بعد شيء، وذلك مجمع عليه، فسماه الله نورا وهدى وذكرا، وحكمة ~~وموعظة، وبيانا ورحمة، ونعمة وشفاء، وبصائر وفرقانا. ومعنى اسم الفرقان: ~~أنه البيان الذي يفرق بين الحق والباطل، ويبين الحق، قال الله تعالى: {وما ~~أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم ~~يؤمنون}[النحل:64]. PageV01P404 # وفي فضل القرآن ما روي عن جعفر بن محمد عن أبيه عن آبائه" عن علي عليه ~~السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((أيها الناس إنكم في ~~زمان هدنة على ظهر سفر، وإن السير بكم سريع، وقد رأيتم الليل والنهار كيف ~~يبليان كل جديد، ويقربان كل بعيد، ويأتيان بكل موعود، فأعدوا الجهاز لبعد ~~المقام)). فقام المقداد بن الأسود فقال: يا رسول الله، وما دار الهدنة؟ قال ~~صلى الله عليه وآله وسلم: ((دار بلاء وانقطاع، فإذا التبست عليكم الفتن ~~كقطع الليل المظلم فعليكم بالقرآن فإنه شافع مشفع، وشاهد مصدق، من جعله ~~أمامه قاده إلى الجنة، ومن جعله خلفه ساقه إلى النار، وهو الدليل على خير ~~سبيل، وكتاب تفصيل، وبيان وتحصيل، والفصل ليس بالهزل، لا تحصى عجائبه، ولا ~~تبلى غرائبه، فيه مصابيح الهدى، ومنارات الحكمة، والدليل على المعرفة لمن ~~عرف الطريق، فليولج رجل بصره، وليبلغ الطريقة نظره، ينج من عطب، ويتخلص من ~~نشب، فإن التفكر حياة قلب البصير كما يمشي المستنير في الظلمات بالنور بحسن ~~تخلص وقلة تربص)). وعن النبيء صلى ms191 الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((يا حامل ~~القرآن تواضع لله يرفعك الله ، ولا تعزز فيذلك الله، وتزين لله فيزينك ~~الله، ولا تزين للناس فيضعك الله، [إن] الله أفضل لك من كل شيء هو دون ~~الله، من وقر القرآن فقد وقر الله، ومن استخف بحق القرآن فقد استخف بحق ~~الله، وحرمة القرآن عند الله كحرمة الوالد على ولده، وحملة القرآن يدعون في PageV01P405 التوراة المخصوصين برحمة الله المتلبسين نور الله، المعلمين كلام الله، من ~~والاهم فقد والى الله، ومن عاداهم فقد عادى الله، يدفع عن مستمع القرآن ~~بلوى الدنيا، ويدفع عن تالي القرآن بلوى الآخرة)). # وعن ابن أبي أوفى قال: قام رجل إلى النبيء صلى الله عليه وآله وسلم فقال: ~~يا رسول الله، أي العمل أحب إلى الله عز وجل؟ قال: ((عمل الحال المرتحل)) . ~~قال: يا رسول الله، وما الحال المرتحل؟ قال: ((صاحب القرآن يضرب من أوله ~~إلى آخره، ومن آخره إلى أوله كلما حل ارتحل)). # وروي عن زيد بن علي عن أبيه عن جده " قال: خطب أمير المؤمنين عليه السلام ~~فقال في خطبته: الحق طريق الجنة، والباطل طريق النار، وعلى كل طريق داع ~~يدعو إلى طريقته، فمن أجاب داعي الحق أداه إلى الجنة، ومن أجاب داعي الباطل ~~أداه إلى النار، ألا وإن داعي الحق كتاب الله فيه خبر ما قبلكم، ونبأ ما ~~بعدكم، من عمل به أجر، ومن خالفه دحر، ألا وإن الداعي إلى الباطل عدوكم ~~الذي أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما إنه يراكم ~~هو وقبيله من حيث لا ترونهم، ألا فاعصوا عدوكم، وأطيعوا ربكم، ومن أحق بكم ~~من الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم. # ومما يدل على أن القرآن بخلاف كلام الناس: أن كلام الناس إذا ردد وأعيد ~~مرارا سمج ومل، وإذا أعيد القرآن وردد ازداد حلاوة وعذوبة وحسنا ولذة عند ~~المؤمنين، وقد قال فيه بعض الحكماء: # يزداد في طول التلاوة جدة # ومتى يعد شيء سواه يخلق PageV01P406 ومما يدل على كمال القرآن ms192 وأن فيه كل ما يحتاج إليه الإنسان من الهدى والحق ~~والبرهان أن جميع الأمة تستمد منه وتحتج به، وأن من حسن نظره وتمييزه يجد ~~فيه كل ما طلب؛ ويؤيد ذلك قول الله تعالى: {ما فرطنا في الكتاب من شيء ~~}[الأنعام:38]. # ومما يدل على أن في القرآن كل ما يحتاجه الإنسان من الهدى [والحق] ~~والبرهان ما روي عن أبي هاشم الرماني قال: طلب زيد بن علي عليهما السلام من ~~أخيه أبي جعفر كتابا، فأغفل عنه أبو جعفر عليه السلام ثم ذكره، فأخرج إليه ~~الكتاب، فقال له زيد بن علي عليهما السلام: قد وجدت ما أردته منه في ~~القرآن. فقال له أبو جعفر: فأسألك؟ قال زيد: نعم إسأل عما أحببت. قال أبو ~~هاشم: فافتتح أبو جعفر الكتاب وجعل يسأله وزيد يجيبه بجواب علي عليه السلام ~~كما في الكتاب. فقال له أبو جعفر: بأبي أنت وأمي يا أخي أنت والله نسيج ~~وحدك، بركة الله على أم ولدتك، لقد أنجبت حين أتت بك شبيه آبائك صلوات الله عليهم. # فصح أن في القرآن كل ما يحتاج إليه الإنسان من الهدى والبرهان. PageV01P407 ### ||| AUTO فصل في الكلام في معاني القرآن # اعلم أن القرآن على أفنان: فمنه المحكم، ومنه المتشابه، ومنه الناسخ، ~~ومنه المنسوخ، ومنه المجمل، ومنه المفسر، ومنه ما هو في مخرجه عام وفي ~~معناه خاص، ومنه الخاص، ومنه العام، ومنه ما يوجب العلم، ومنه ما يوجب ~~العمل، ومنه [ما هو] محذوف الجواب، ومنه مفهوم الخطاب، ومنه القصص والأخبار ~~والأمثال، ومنه الأمر والنهي، ومنه المواعظ والزجر، والترغيب والترهيب، ~~وفيه الوعد والوعيد، وغير ذلك. # فالمحكم هو الجلي البين الذي يكون تأويله موافقا لتنزيله، وهو الأكثر ~~والمعمول عليه والأحسن، وهو أصل الكتاب الذي يرجع إليه، والذي وقع الإجماع عليه. # والمتشابه هو ما كان غامضا، وكان تأويله بخلاف ظاهره، وكان مشكلا على من ~~لا علم له، والمتشابه (هو) ما كان يحتمل الوجوه، ولا يعرف المراد بظاهره. ~~والمحكم ما لا يحتمل إلا وجها واحدا، ويعرف المراد بظاهره. PageV01P408 # والعلة في المتشابه البلية ms193 والإمتحان لأهل العقول السنية، وهو مردود إلى ~~المحكم، قال الله تعالى: {هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم ~~الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ~~ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم ~~يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب}[آل عمران:7]، ~~فبين الله تعالى أن الكتاب، منه المحكم والمتشابه، وأخبر أن المحكم هو ~~الأصل المعمول عليه؛ لأن أم الشيء أصله، ولذلك سميت والدة الإنسان [له] ~~أما، وقد قال الله تعالى: {لتنذر أم القرى ومن حولها }[الأنعام:92] يعني ~~مكة لأنها أصل القرى؛ لأن جميع القرى تفرعت منها؛ ويؤيد ذلك قول الله ~~تعالى: {إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا}[آل عمران:96]، فصح أن ~~المحكم أصل الكتاب، وأنه المعمول عليه. ثم ذم من يتبع المتشابه فقال: {فأما ~~الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة}[آل عمران:7] يريد ~~بالفتنة: المجادلة للحق ولأهله. PageV01P409 # والاستدلال بالمتشابه كقول الله تعالى: {وجوه يومئذ ناضرة ، إلى ربها ~~ناظرة}[القيامة:22،23]، وقوله: {أأمنتم من في السماء }[الملك:16]، وقوله: ~~{هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة}[البقرة:210]، ~~وقوله: {وجاء ربك والملك صفا صفا }[الفجر:22]، وقوله علا وعز: {الرحمن على ~~العرش استوى }[طه:5]، وقوله: {ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية ~~}[الحاقة:17]، وقوله: {يضل من يشاء ويهدي من يشاء }[النحل:93]، وقوله: ~~{خالق كل شيء }[الزمر:62]، وأمثال ذلك، فهذه الآيات متشابهات، وقد اتبعتها ~~المشبهة والمجبرة. # وفي أصل الكتاب المحكم المجمع عليه ما يدل على أن تأويل هذه الآيات غير ~~ظاهرها، وهو قوله تعالى: {ليس كمثله شيء }[الشورى:11]، وقوله: {لا تدركه ~~الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير}[الأنعام:103]، وقد بينا هذا، ~~وفسرناه في باب حقيقة معرفة التوحيد بما فيه كفاية. PageV01P410 # وتأويل قول الله تعالى: {هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام} ~~المراد به: بظلل من الغمام، وقد قال الله تعالى -حاكيا عن فرعون: ~~{ولاصلبنكم في جذوع النخل }[طه:71] المراد به: على ms194 جذوع النخل، ومثل هذا ~~موجود في لغة العرب. وكذلك قوله: {وجاء ربك} المراد به: وجاء امر ربك، ~~والملك، وقوله: {الرحمن على العرش استوى} المراد به: على الملك اقتدر. # وكذلك قوله: {ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا ~~أو كرها قالتا أتينا طائعين}[فصلت:11] المراد به: ثم اقتدر على السماء؛ ~~والقول من الله هو الفعل، لا غير، والقول من السماء والأرض هو الإذعان لله ~~والذلة [له]. PageV01P411 # وقوله تعالى: {ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية }[الحاقة:17] المراد به ~~والله أعلم: ويتولى ملك ربك يوم القيامة ثمانية أصناف من الملائكة، ولأنهم ~~خزنة الجنة وخزنة النار، وقد قال الله تعالى في خزنة النار: {عليها تسعة ~~عشر ، وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين ~~كفروا ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ويزداد الذين آمنوا إيمانا ولا يرتاب ~~الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ماذا ~~أراد الله بهذا مثلا كذلك يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء وما يعلم جنود ~~ربك إلا هو وما هي إلا ذكرى للبشر}[المدثر:30،31]، وصح أن الثمانية والتسعة ~~عشر الأصناف كما ذكرنا لقول الله تعالى: {وما يعلم جنود ربك إلا هو ~~}[المدثر:31]. # واعلم: أن من الكتاب ما لم يطلع الله على علمه أحدا مثل قوله تعالى: ~~{الم}، وقوله: {المص }، و{المر }، و{الر}، و{كهيعص }، و{طه }، و{ص }، ~~و{حم}، و{حم ، عسق }، وأمثال ذلك، فإن هذه الحروف لم يطلع على علمها أحد من ~~الناس، ولو أعلم الله بها النبيء صلى الله عليه وآله وسلم لأعلم بها النبيء ~~صلى الله عليه وآله وسلم أمته. PageV01P412 # وقد مدح الله تعالى الراسخين في العلم فسماهم بالرسوخ، فقال تعالى: ~~{والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا}[آل عمران:7]، وقال ~~الله تعالى للملائكة صلوات الله عليهم: {أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم ~~صادقين ، قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا}[البقرة:31،32]، فصح أن في ~~الكتاب ما أخفى الله على الناس تفسيره، تعجيزا للعباد، وامتحانا لأهل ~~الاجتهاد. # واعلم أن تفسير غامض القرآن يخرج ms195 على ثلاثة وجوه: # فمنه ما فسره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وذلك مثل قوله تعالى: ~~{وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة }[البقرة:43]، وقوله: {فمن شهد منكم الشهر ~~فليصمه}[البقرة:185]، وقوله: {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه ~~سبيلا}[آل عمران:97] وأمثال ذلك، فإن هذا الأمر من الله تعالى ورد مجملا، ~~وفسره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. # ومنه ما يستنبطه الأئمة، ويفسره الأئمة (العلماء) الأتقياء، قال الله ~~تعالى: {ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه ~~منهم}[النساء:83]. PageV01P413 # ومنه ما يرجع فيه إلى أهل اللغة، وذلك مثل قول الله تعالى: {فما أصبرهم على ~~النار }[البقرة:175] فهذا اللفظ لفظ التعجب، والله تعالى يجل من أن يتعجب؛ ~~لأنه لا يتعجب من شيء إلا من يجهل وقوعه، أو كان عاجزا عن فعل مثله؛ فهذا ~~معناه: فما اضطرهم على النار، وليس بتعجب، قال الشاعر: # قلت لها أصبر هذا بنا # أمثال بسطام بن قيس قليل PageV01P414 ### ||| AUTO فصل في الكلام في الناسخ والمنسوخ # اعلم أن في الكتاب ناسخا ومنسوخا؛ فالمنسوخ ما نسخ حكمه ولم ينسخ حفظه ~~وكتابته وتلاوته، والأمة مجمعة على ذلك، إلا فرقة ممن لا يعمل على قولها. ~~ومن المنسوخ ما نسخ وجوبه وحرم فعله، كالتوجه بالصلاة إلى بيت المقدس. # ومن المنسوخ ما نسخ وجوبه وبقي جوازه، كصوم يوم عاشوراء. # ومن الدليل على أن في الكتاب ناسخا ومنسوخا قول الله تعالى: {ما ننسخ من ~~آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها}[البقرة:106] وفي هذه الآية تقديم ~~وتأخير أراد: ما ننسخ من آية نأت بخير منها، أو مثلها، أو ننسها فلا ~~ننسخها، ونقرها على حالها، وقد قال الله تعالى: {يمح الله ما يشاء ويثبت ~~وعنده أم الكتاب}[الرعد:39]، وأم الكتاب هو أصله وهو المحكم، وقد روي عن ~~أمير المؤمنين عليه السلام أنه سمع رجلا يعظ الناس ويقص عليهم، فقال له: هل ~~علمت ناسخ القرآن ومنسوخه؟ قال: لا. قال عليه السلام: هلكت وأهلكت. # وسبب الناسخ والمنسوخ ضعف الإسلام في مبتدئه وقوته في منتهاه، وتخفيف من ~~الله ms196 ورحمة للمؤمنين. PageV01P415 # فأول ما نسخ القبلة، وذلك أن الكعبة كانت قبلة النبيء صلى الله عليه وآله ~~وسلم قبل أن يهاجر إلى المدينة، وكانت قبلة أبيه إبراهيم عليه السلام ~~والأنبياء " من قبله. فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى ~~المدينة وكان أهلها لا يعرفون قبلة إلا بيت المقدس، وكان الإسلام غريبا، ~~فأنزل الله تعالى: {ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه ~~الله}[البقرة:115]، فصلى صلى الله عليه وآله وسلم إلى بيت المقدس -على ما ~~روي- ستة عشر شهرا، وقيل: سبعة عشر، فلما تقوى الإسلام، وتوقع صلى الله ~~عليه وآله وسلم الوحي من ربه، وانتظر خبر جبريل صلى الله عليه وسلم ينزل ~~به، فأنزل الله تعالى: {قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها ~~فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره}[البقرة:144] ~~أي نحوه. # ومما نسخ قول الله تعالى: {وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى ~~والمساكين فارزقوهم منه}[النساء:8] نسختها آية المواريث. # ومما نسخ قول الله تعالى: {يسألونك ماذا ينفقون قل العفو}[البقرة:219] ~~يريد: الزائد على كفايتهم. نسختها آية الزكاة. PageV01P416 # ومما نسخ قول الله تعالى: {كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من ~~قبلكم}[البقرة:183]، فكانوا لا يأكلون بالليل بعد الرقاد، ولا يشربون، ولا ~~يجامعون، فنسخ ذلك قول الله تعالى: {أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم ~~هن لباس لكم وأنتم لباس لهن علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم ~~وعفا عنكم فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين ~~لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر}[البقرة:187]. معنى قوله: ~~{وابتغوا ما كتب الله لكم} يريد: إبتغوا الولد. وروي عن رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم أنه سئل عن تفسير الخيط الأبيض من الخيط الأسود فقال: ~~((الليل والنهار )). PageV01P417 # ومما نسخ: نكاح المتعة، وهو قول الله تعالى: {فما استمتعتم به منهن فآتوهن ~~أجورهن فريضة}[النساء:24] نسخها قول الله تعالى: {ياأيها النبي إذا طلقتم ~~النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة}[الطلاق:1]. وقد روي عن رسول الله صلى ~~الله عليه وآله ms197 وسلم أنه اعتمر فشكا إليه الناس العزبة، فقال: ((استمتعوا ~~من هذه النساء ، واجعلوا الأجل بينكم وبينهن ثلاثة أيام)) فلما كان اليوم ~~الثالث أو الرابع من قوله خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى وقف ~~بين الركن والمقام، وأسند ظهره إلى الكعبة ثم قال: ((يا أيها الناس إني كنت ~~قد أمرتكم بالاستمتاع، ألا وإن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة، فمن كان ~~عنده منهن شيء فليخل سبيلها، ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئا)). # وروي أنه قال في آخر كلامه: ((متعة النساء حرام ، متعة النساء حرام)) قال ~~ذلك ثلاث مرات. # وروي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه مر بعبد الله بن العباس وهو يفتي ~~بنكاح المتعة، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: ((قد نهى رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم عنها، وعن لحوم الحمر الأهلية )). # والأمة مجمعة على تحريم المتعة، إلا الإمامية فإنهم يرونها. PageV01P418 # ومما نسخ قول الله تعالى: {ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا ~~}[البقرة:229] وهذا في المختلعة. وقوله: {وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا ~~منه شيئا أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا}[اتلنساء:20] نسخه قول الله تعالى: ~~{إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح ~~عليهما فيما افتدت به}[البقرة:229]. وروي أن أول مختلعة في الإسلام حبيبة ~~بنت سهل كانت عند ثابت بن قيس بن شماس، فأتت النبيء صلى الله عليه وآله ~~وسلم، فقالت: يا رسول الله، لا أنا ولا ثابت، فقال لها النبيء صلى الله ~~عليه وآله وسلم: ((أفتردين عليه ما أخذت منه ؟)) قالت: نعم -وكان ثابت ~~تزوجها على حديقة من نخل- فقال ثابت: هل يطيب ذلك لي يا رسول الله؟ قال: ~~((نعم))، وأمره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بطلاقها. PageV01P419 # ومما نسخ [قوله تعالى]: {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم ~~متاعا إلى الحول غير إخراج فإن خرجن فلا جناح عليكم في ما فعلن في أنفسهن ~~من معروف والله عزيز حكيم}[البقرة:240] كانت عدة المتوفى عنها زوجها سنة، ~~وكانت لها الوصية، ولم يكن ms198 لها ميراث، فنسخت العدة بقوله تعالى: {والذين ~~يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا }[البقرة:234]، ~~وسبب العدة إظهار الحزن على صاحبها وتوقع الولد منه، وهو في هذه المدة ~~يتبين الحمل إن كان. وقد قيل: إنه يكون في أربعين يوما نطفة، وفي أربعين ~~يوما علقة، وفي أربعين يوما مضغة، فإذا بلغ أربعة أشهر وعشرا صار عظاما، ~~ولم يخف كونه ولا يغبأ وجوده، ونسخت الوصية له بآية المواريث؛ وهي قوله ~~تعالى: {ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد فإن كان لكم ولد فلهن ~~الثمن}[النساء:12]. PageV01P420 # ومما نسخ قول الله تعالى: {واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا ~~عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل ~~الله لهن سبيلا}[النساء:15] نسخه قول الله تعالى: {الزانية والزاني فاجلدوا ~~كل واحد منهما مائة جلدة}[النور:2]. وروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم أنه قال: ((خذوهن واقبلوهن قد جعل الله لهن سبيلا: البكر بالبكر جلد ~~مائة ونفي عام، والثيب بالثيب الرجم)). # ومما نسخ قول الله تعالى في أهل الذمة: {فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض ~~عنهم }[المائدة:42] نسخه قول الله تعالى: {وأن احكم بينهم بما أنزل الله ~~}[المائدة:49]. # ومما نسخ قول الله تعالى: {وأشهدوا إذا تبايعتم }[البقرة:282] نسخه قوله ~~تعالى: {فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته}[البقرة:283]. # ومما نسخ حج المشركين، وفي ذلك ما يقول الله تعالى: {ياأيها الذين آمنوا ~~لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد ولا آمين ~~البيت الحرام}[المائدة:2] نسخه الله بقوله: {إنما المشركون نجس فلا يقربوا ~~المسجد الحرام بعد عامهم هذا}[التوبة:28]. PageV01P421 # ومما نسخ قول الله تعالى: {لا إكراه في الدين }[البقرة:256]، وقوله: {وما ~~أنت عليهم بجبار }[ق:45]، وقوله: {لست عليهم بمسيطر }[الغاشية:22]، وقوله: ~~{فاعف عنهم واصفح }[المائدة:13]، فكانت هذه الآيات وما شاكلها نزلت على ~~النبيء صلى الله عليه وآله وسلم قبل الهجرة، فلما هاجر أمره الله بالجهاد، ~~ونسخ الآيات هذه بقوله تعالى: {أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على ~~نصرهم ms199 لقدير ، الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ~~ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها ~~اسم الله كثيرا ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز}[الحج:39،40]، ~~وبقوله: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر }[التوبة:29]، ~~وقوله: {ياأيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم}[التوبة:73]. # ومما نسخ قول الله تعالى: {وما كان المؤمنون لينفروا كافة }[التوبة:122] ~~نسخها الله بقوله: {انفروا خفافا وثقالا }[التوبة:41]. PageV01P422 # واعلم أن سورة براءة نسخت كل عقد كان بين المؤمنين والمحاربين وذمة، ~~وصلح، وشرط، ونسخت الصلح الذي كان في الأشهر الحرم، وفي مكة لقوله تعالى: ~~{فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم }[التوبة:5] إلا ما استثنى الله فيها من ~~قوله: {إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم ~~أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين}[التوبة:4]. # ومما نسخ قول الله تعالى: {والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم ~~من شيء حتى يهاجروا}[الأنفال:72] نسخه الله بقوله: {وأولوا الأرحام بعضهم ~~أولى ببعض }[الأنفال:75]. # ومما نسخ فرض الوصية للوالدين والأقربين، وذلك قول الله تعالى: {كتب ~~عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف ~~حقا على المتقين}[البقرة:180] نسخه الله بآية المواريث. وعلى هذا يحمل قول ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حجة الوداع: ((ألا لا وصية لوارث ، ~~قد نسخ الله ذلك بآية المواريث)) وهذا مما نسخ وجوبه وبقي جوازه، يؤيد ذلك ~~قول الله تعالى: {إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا }[الأحزاب:6]. PageV01P423 # ومما نسخ التغليظ في النهي عن مخالطة اليتامى في النفقة والأكل معهم؛ وذلك ~~قول الله تعالى: {إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في ~~بطونهم نارا وسيصلون سعيرا}[النساء:10]. روي أنه لما نزلت هذه الآية امتنع ~~المسلمون من قبول الوصاية في اليتامى وأن يكفلوهم، وتحرجوا من مخالطتهم، ~~فنسخ الله هذا التغليظ بقوله تعالى: {ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير ~~وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح ولو شاء الله ms200 لأعنتكم ~~إن الله عزيز حكيم}[البقرة:220] يقول: لو شاء لضيق عليكم. وقال تعالى: {ومن ~~كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف}[النساء:6] المراد به ~~والله أعلم: أن من كان غنيا عن المخالطة لهم والأكل معهم، فليستعفف عن ~~المخالطة لهم والأكل معهم، ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف، أي ومن كان ~~فقيرا إلى ذلك فليخالطهم، وليأكل معهم، ولا يتعمد الظلم لهم، و[لا] النقص ~~لهم في مالهم. # وقد اختلف في هذه الآية، فمن الناس من حملها على ظاهرها، وأجاز للوصي ~~الأكل من مال اليتيم إذا كان الوصي فقيرا، وأن ينفق منه على نفسه ومن تلزمه ~~نفقته. ومن الناس من قال: يتناول منه مثل ما يتناول المضارب من المضارب له ~~على سبيل الأجرة. PageV01P424 # وعندنا أن ذلك لا يجوز لقول الله تعالى: {فليأكل بالمعروف} ومن المعروف أن ~~يخرج الوصي لليتيم من ماله مثل ما يخرج لمثله من أولاده ثم يخلطه في نفقة ~~أولاده، ويواسيه بأولاده، ولا ينقصه في ماله ولا في نفقته، فهذا هو ~~المعروف، ويؤيد ذلك قول الله تعالى: {والله يعلم المفسد من المصلح ~~}[البقرة:220]. # ومما نسخ قول الله تعالى: {ياأيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا ~~بين يدي نجواكم صدقة ذلك خير لكم وأطهر فإن لم تجدوا فإن الله غفور ~~رحيم}[المجادلة:12]، وسبب نزول هذه الآية أن المسلمين أكثروا النجوى حتى ~~أضر ذلك برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فأراد الله أن يخفف عنه، ~~فأنزل هذه الآية، فامتنع كثير من الناس من المناجاة. وروي عن أمير المؤمنين ~~عليه السلام أنه قال: (إن في كتاب الله لآية وفرضا ما عمل بهما أحد غيري، ~~ولا يعمل بهما أحد بعدي: لما أنزل الله: {ياأيها الذين آمنوا إذا ناجيتم ~~الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة ذلك خير لكم وأطهر فإن لم تجدوا فإن ~~الله غفور رحيم}[المجادلة:12] كان معي دينار فصرفته، فكنت كلما أردت أن ~~أناجي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تصدقت بدرهم، فلم يفرغ الدينار ~~حتى نسخت الآية الكريمة). PageV01P425 # فنسخها الله بقوله: {أأشفقتم أن تقدموا بين ms201 يدي نجواكم صدقات فإذ لم تفعلوا ~~وتاب الله عليكم فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الله ورسوله والله ~~خبير بما تعملون}[المجادلة:13]. # ومما نسخ قول الله تعالى: {ياأيها المزمل ، قم الليل إلا قليلا ، نصفه أو ~~انقص منه قليلا ، أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا}[المزمل:1-4]. # وروي أن أول هذه السورة نزل على النبيء صلى الله عليه وآله وسلم بمكة، ~~وأنه أمر من الله تعالى بتأخير صلاة العشاء الآخرة، فعمل به رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم، والمؤمنون إلى أن نزل آخر السورة في المدينة بعد ستة ~~أشهر، فنسخ الله ذلك بقوله: {إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ~~ونصفه وثلثه وطائفة من الذين معك والله يقدر الليل والنهار علم أن لن تحصوه ~~فتاب عليكم فاقرءوا ما تيسر من القرآن...}إلى آخر السورة[المزمل:20]. PageV01P426 # ومما نسخ قول الله تعالى: {وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر ~~أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار أولئك أعتدنا لهم ~~عذابا أليما}[النساء:18]، نسخها الله بقوله: {قل ياعبادي الذين أسرفوا على ~~أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور ~~الرحيم ، وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا ~~تنصرون}[الزمر:53،54]، وهذا بشرط التوبة لقوله: {وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا ~~له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون}. ومن شروط التوبة الخروج من حق ~~الآدميين. # ومما نسخ قول الله تعالى: {إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن ~~يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا بأنهم قوم لا ~~يفقهون}[الأنفال:65]، فنسخ الله هذه الآية بقوله: {الآن خفف الله عنكم وعلم ~~أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف ~~يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين}[الأنفال:66]، فهذا ما جاء في ~~الناسخ والمنسوخ. PageV01P427 # ومن الكتاب مجمل، ومنه مفسر للمجمل؛ من ذلك قول الله تعالى: {ولا تأكلوا ~~مما لم يذكر اسم الله عليه }[الأنعام:121]، فهذا مجمل ظاهره يوجب أن ذبيحة ~~الناسي للتسمية، ms202 والصبي الذي لم يبلغ لا تجوز، ثم فسره الله بقوله: {حرمت ~~عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة ~~والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على ~~النصب}[المائدة:3]، فبين أن المراد بالآية الأولى أن النهي إنما ورد عن أكل ~~ما أهل به لغير الله. PageV01P428 # ومن المجمل أيضا قول الله تعالى: {اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا ~~الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين ~~أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين ولا متخذي ~~أخدان ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله وهو في الآخرة من ~~الخاسرين}[المائدة:5]، ثم فسر الله هذا فقال: {ولا تنكحوا المشركات حتى ~~يؤمن }[البقرة:221]، وقال: {إنما المشركون نجس }[التوبة:28]، وقال تعالى: ~~{ياأيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد ~~كفروا بما جاءكم من الحق}[الممتحنة:1]، فبين أن المراد بالآية الأولى: من ~~آمن من أهل الكتاب، ويؤيد ذلك قول الله تعالى: {وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن ~~بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله لا يشترون بآيات الله ثمنا ~~قليلا أولئك لهم أجرهم عند ربهم إن الله سريع الحساب}[آل عمران:199]. PageV01P429 # ومن متشابه الكتاب قول الله تعالى: {لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى ~~تعلموا ما تقولون}[النساء:43]، وقوله: {تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا ~~}[النحل:67]، وقوله: {يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع ~~للناس وإثمهما أكبر من نفعهما}[البقرة:219]، ثم بين الله تعالى تحريم الخمر ~~والميسر بآية محكمة فقال عز من قائل: {ياأيها الذين آمنوا إنما الخمر ~~والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم ~~تفلحون}[المائدة:90]، فبين الله تعالى بهذه الآية تحريم الخمر والميسر. # وقد قال غيرنا: إن الآيات الأولة توجب الترخيص، وقد نسخ الترخيص بهذه ~~الآية، وهي ناسخة له. PageV01P430 # وعندنا أنه لم يكن في الخمر والميسر ترخيص؛ لأن الله تعالى لم يكن لينعم ~~على عباده بالعقول، ويجعلها أكبر حجة عليهم ثم يحل لهم فعل شيء يفسد عليهم ~~عقولهم. ويحمل ms203 قوله تعالى: {لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما ~~تقولون}[النساء:43]، على سكر النوم. ويمكن أيضا أن يكون هذا النهي نزل في ~~أول الإسلام في وقت ضعفه، فلما تمكن الإسلام نهى عنه قطعا وعزما لأن رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم دخل المدينة مهاجرا لو أمر أهل المدينة ~~بكل الفروض لثقل ذلك عليهم ولامتنع أكثرهم عن الدخول في الإسلام؛ ولتسهيله ~~عليهم الدخول في الإسلام صلى إلى بيت المقدس، وكانت قبلته الكعبة؛ وقد روي ~~مثل هذا التفسير عن ابن عباس. PageV01P431 # وأما قوله: {تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا}: فليس هذا بأمر ولا إباحة، وإنما ~~هو إخبار من الله تعالى بفعلهم أنهم يتخذون مما أخرج لهم من الأرض حراما ~~وحلالا. والرزق الحسن هو الحلال، مثل الزبيب والخل وشبهه، ومثل ذلك كثير في ~~الكتاب كقوله تعالى: {الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا ~~يقاتلون في سبيل الطاغوت}[النساء:76]، فهذا إخبار من الله؛ وليس هذا ~~الإخبار يوجب الأمر والإباحة. وقد قيل: إن السكر [هو] حبس الشيء. ويقال: ~~سكر النهر إذا سده، وقال الله تعالى: {ولو فتحنا عليهم بابا من السماء ~~فظلوا فيه يعرجون ، لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم ~~مسحورون}[الحجر:14،15]، فصح أن السكر هو المنع والحبس. # وأما قول الله تعالى: {يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ~~ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما} فإن قول الله تعالى: {قل فيهما إثم ~~كبير} وهذا تحريم عام، وتشديد، وتغليظ، والله لا ينقض ما أكد، ولا يحل ما حرم. PageV01P432 # وقوله: {ومنافع للناس} ليس المراد به منافع للناس فيهما، ولا [في] ثمن ~~الخمر وإنما المراد بالمنافع هاهنا أن الجلد الذي يكون على فاعلهما هو ~~المنافع للناس؛ لأن شارب الخمر إذا جلد ازدجر هو وغيره، فكان جلده نافعا ~~للناس كما قال الله تعالى: {ولكم في القصاص حياة ياأولي ~~الألباب}[البقرة:179]، وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه ~~قال: ((إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم )) فصح ما قلنا. # ومن غامض الكتاب قول الله ms204 تعالى: {ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ ~~بين ذلك سبيلا}[الإسراء:110]، وقد استدلت الباطنية لعنهم الله بهذه الآية ~~على إبطال القرآن وإظهار عيبه، وقالوا: هو ينقض بعضه بعضا، وإذا كان يتناقض ~~كان باطلا، وقالوا: قوله: {ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها} يوجب ترك ~~الصلاة؛ لأنه بزعمهم لا يمكنه أن يصلي بغير جهر ولا مخافتة. PageV01P433 # فنقول: ليس هذا الأمر بمتناقض وإنما أمره أن لا يجهر بكل الصلاة، ولا يخافت ~~بكلها، وأمره بأن يبتغي بين ذلك سبيلا، وقد ابتغى صلى الله عليه وآله وسلم ~~بين ذلك سبيلا، وهو أنه جهر بالقرآة في صلاة الليل وصلاة الفجر، وخافت بها ~~في صلاة الظهر والعصر، وجهر بالأذان، والإقامة والتكبير، وقوله: (سمع الله ~~لمن حمده)، والتسليم في جميع الصلوات؛ وذلك مروي عنه صلى الله عليه وآله ~~وسلم بالأخبار المتظاهرة، وهو إجماع الأمة، وقد أمرنا الله باتباعه فقال: ~~{وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا}[الحشر:7] فبطل قول ~~الباطنية. # ومن القرآن ما هو في مخرجه عام، وفي معناه خاص؛ وذلك مثل قول الله تعالى: ~~{إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين ، ذرية بعضها ~~من بعض والله سميع عليم}[آل عمران:33،34]، فمخرج الآية يدل على أن الله ~~تعالى اصطفى آل إبراهيم وآل عمران على العموم والكمال، والمعنى: أنه خص ~~بالاصطفاء من آل إبراهيم وآل عمران من يستحق الاصطفاء لقوله تعالى: {لا ~~ينال عهدي الظالمين }[البقرة:124]. # ومن الكتاب العام لجميع العباد، مثل قوله تعالى: {ياعباد فاتقون ~~}[الزمر:16]. # ومنه العام لجميع الناس المتعبدين مثل قوله تعالى: {ياأيها الناس اعبدوا ~~ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون}[البقرة:21]. PageV01P434 # ومنه العام للمؤمنين مثل قوله: {ياأيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم ~~الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله}[الجمعة:9]، فهذا الأمر عام للمؤمنين دون ~~الكافرين، وذلك لاستماع المؤمنين الأمر، وبعد الكافرين عن (استماع) الأمر ~~والطاعة. # ومنه الخاص لبعض المؤمنين وهو مثل قوله تعالى: {إنما وليكم الله ورسوله ~~والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون}[المائدة:55]، ~~فهذه الآية خاصة لعلي أمير ms205 المؤمنين عليه السلام إذ لا يكون الولي إلا غير ~~المولى عليه. # ومنه ما يوجب العلم مثل قول الله تعالى: {اعلموا أن الله يحيي الأرض بعد ~~موتها }[الحديد:17] وأشباه ذلك. # ومنه ما يوجب العمل مثل قوله تعالى: {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ~~}[البقرة:43] وأشباه ذلك. # ومنه محذوف الجواب مثل قوله تعالى: {ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت ~~به الأرض أو كلم به الموتى بل لله الأمر جميعا}[الرعد:31]، المراد به: لكان ~~هذا القرآن، فحذف الجواب لعلم السامع. # ومثل قول الله تعالى: {ألهاكم التكاثر ...} إلى قوله: {كلا لو تعلمون علم ~~اليقين ، لترون الجحيم}[التكاثر:1-6]، أراد: كلا لو تعلمون علم اليقين لما ~~ألهاكم التكاثر، فحذف الجواب لعلم السامع. PageV01P435 # ومنه مفهوم الخطاب في مثل قوله تعالى: {فلا تقل لهما أف }[الإسراء:23]، ~~ففهم من هذا الخطاب أنه لا يجوز للولد أن يفعل بالوالدين ما كان فوق قوله: ~~(أف)، كالضرب، والشتم، والغضب، وأمثال ذلك. # ومثله قوله تعالى: {أمرنا مترفيها ففسقوا فيها }[الإسراء:16]، المراد به: ~~أمرنا مترفيها بالطاعة ففسقوا فيها. # ومثله قوله تعالى: {فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا }[المجادلة:4]، ~~المراد به: من قبل أن يتماسا، كسبيله في العتق والصيام، إذ المعنى واحد. ~~ومثل هذا موجود في لغة العرب، قال الشاعر: # عفى الله عنكم كل شاة برجلها # على نفسه يخطي الفتى ويصيب # أراد: كل شاة برجلها معلقة. # وأما القصص، والعبر والأمثال، والمواعظ والأخبار، وأمثال ذلك، فذلك ظاهر ~~لا يحتاج إلى تفسير. # ومن الكتاب آيات مكررة مثناة وذلك لاتساع الكلام، والإبلاغ والبيان من ~~الله تعالى لعباده. فهذا ما نذكر في معاني الكتاب، وفيما ذكرنا دليل على ما ~~لم نذكره. PageV01P436 ### ||| AUTO فصل في الكلام في الاختلاف في الكتاب # اعلم أن جميع الكفار قد اختلفوا [في الكتاب، ونفو الكتاب]. # فقالت كفار العرب: إنه شعر. لما سمعوا فيه من الفصاحة والبلاغة والمعاني ~~الحسنة. # وقال بعضهم: هو سحر. لما عجزوا أن يأتوا بمثله. # وقال أهل الكتابين: هو مأخوذ ومنتزع من كتبهم، وقالوا: النبيء صلى الله ~~عليه وآله وسلم معلم علمه بعضهم. وذلك لما ms206 وجدوا فيه من تصديق ما قبله من ~~الكتب، ولما عرفوا فيه من الحق والقصص والأحكام والمعاني التي يجدونها في ~~كتبهم، وقد ذكر الله قولهم فقال الله تعالى: {أم يقولون افتراه قل إن ~~افتريته فلا تملكون لي من الله شيئا هو أعلم بما تفيضون فيه كفى به شهيدا ~~بيني وبينكم وهو الغفور الرحيم ، قل ما كنت بدعا من الرسل وما أدري ما يفعل ~~بي ولا بكم إن أتبع إلا ما يوحى إلي وما أنا إلا نذير مبين ، قل أرأيتم إن ~~كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله فآمن ~~واستكبرتم إن الله لا يهدي القوم الظالمين}[الأحقاف:810]. والشاهد الذي آمن ~~به من بني إسرائيل هو عبد الله بن سلام رحمه الله، ولذلك قالت اليهود: إنه ~~علم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم القرآن، فأنزل الله تعالى في ذلك ~~آية، وحجة باهرة، حيث يقول تعالى: {ولقد نعلم أنهم يقولون إنما PageV01P437 يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين}[النحل:103]. # وأيضا فإنهم يعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أتى بقرآن قبل ~~أن يسلم عبد الله بن سلام، وأنه لو كان تعلمه منه أو من غيره لتعلم ~~الكتابة، وأنه ما كان يكتب ولا ينبغي له، وأن صورة حروف القرآن بخلاف صورة ~~حروف التوراة والإنجيل، قال الله تعالى: {وكذلك أنزلنا إليك الكتاب فالذين ~~آتيناهم الكتاب يؤمنون به ومن هؤلاء من يؤمن به وما يجحد بآياتنا إلا ~~الكافرون ، وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب ~~المبطلون}[العنكبوت:47،48]، فما بقي لأهل الكتاب من حجة. # وأما كفار العرب فإنهم قالوا: هو شعر، ومنهم من قال: هو سحر. PageV01P438 # وقد علموا أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما كان يقول الشعر، ولا ~~ينبغي له، ولا كان ممن يتعلق بكتب السحر، وأنه كان أميا لا يقرأ كتابا، ولا ~~يخطه، وقد احتج الله تعالى على جميع كفار العرب والعجم بحجة واحدة لم يجدوا ~~لها جوابا بقوله: ms207 {قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن ~~لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا}[الإسراء:88]، وقال تعالى: {أفلا ~~يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ~~}[النساء:82]، وقال تعالى: {وإنه لتنزيل رب العالمين ، نزل به الروح الأمين ~~، على قلبك لتكون من المنذرين ، بلسان عربي مبين ، وإنه لفي زبر الأولين ، ~~أولم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل}[الشعراء:192197]. # وأما من خالف في القرآن من المسلمين فإنهم المجبرة، وهم فيه فرقتان: ~~فقالوا جميعا: (القرآن قديم). ثم افترقوا. # فقالت فرقة: هو هذا المتلو. # وقالت فرقة: ليس هو به، لكنه عبارة عنه، وليس بحروف بل هو معنى في النفس ~~وهذا حكاية عنه. # وقالت فرقة: هو هذا المتلو وهو قديم. وقد قدمنا الاحتجاج عليهم بما فيه كفاية. PageV01P439 # وقالت المطرفية: القرآن صفة لقلب الملك ضرورية لا تفارق قلبه، والضروري ~~عندهم لا يفارق شبحه، وهو عرض حال في قلب الملك موجود فيه. وقالوا: هذا ~~الذي معنا عبارة عنه وحكاية، وليس هو به، وقد قدمنا الرد عليهم بما فيه ~~كفاية عند ذكر الأعراض، إلا أن قولهم: (هو عرض موجود في قلب الملك) ينقض ~~عليهم اعتقادهم أن العرض لا يحل في الجسم. # ومن الرد عليهم وعلى المجبرة: أن الله تعالى ما تعبد العباد إلا بهذا ~~المتلو، ولا تحدى الكفار إلا بهذا المتلو. PageV01P440 ### || AUTO باب حقيقة معرفة النبيء صلى الله عليه وآله وسلم # اعلم أنه لما ثبت أن الله ما خلق الخلق إلا لمصلحة، وما خلق المتعبدين ~~إلا ليعبدوه، وأنه قد أعطاهم من الاستطاعة والعقل ما يبلغون به المراد من ~~التكليف العقلي. # والتكليف العقلي معرفة العبد لخالقه ونفي صفات النقص عنه في ذاته وفي ~~أفعاله، ومعرفة النعمة والبلاء والجزاء، واستحسان الحسن والعمل به، ~~واستقباح القبيح والتجنب له. وكان العقل يحكم بحصول الحاجة الداعية إلى ~~التكليف الشرعي؛ لأن العقل لا يؤدي إلى معرفة كيفية العبادة كالطهارة ~~والصلاة والزكاة والصوم والحج، وأشباه ذلك. # وكان التكليف الشرعي لا يحصل إلا برسول من عند الله ms208 تعالى، وكان إرسال ~~الرسل من تمام الحجة وكمال النعمة. PageV01P441 # ولما كان العقل الذي هو أكبر حجج الله على عبده يجده العبد في نفسه لنفسه ~~ولم يكن العقل غير استحسانه للحسن، واستقباحه للقبيح، ونظره وتمييزه لنفسه ~~بنفسه وجب أن يكون الرسول من الله تعالى إلى الناس من أنفسهم؛ ولأنه لو كان ~~من غيرهم لثقل ذلك عليهم، ولما أنسوا إليه بجميع حوائجهم، فحكم العقل أن ~~الكتاب والرسول من الله من تمام الحجة وكمال النعمة، وقد قال الله تعالى: ~~{كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب ~~بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من ~~بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه ~~من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم}[البقرة:213]، وقال ~~تعالى: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا }[الإسراء:15]، وقال تعالى: {لقد من ~~الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم }[آل عمران:164]. PageV01P442 # قوله تعالى: {من أنفسهم} يريد: من بعضهم؛ قال الله تعالى: {وإذ أخذنا ~~ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم ثم أقررتم وأنتم ~~تشهدون ، ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ~~ديارهم...}الآية[البقرة:84،85]، فصح أنه أراد بقوله: {من أنفسهم} من بعضهم. ~~ومثل هذا قوله تعالى: {هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها ~~زوجها}[الأعراف:189]، يريد أنه خلق الناس بعضهم من بعض وزوج بعضهم ببعض. ~~ولا يصلح رسول إلى شيء إلا من جنسه قال الله تعالى لنبيئه صلى الله عليه ~~وآله وسلم: {قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من ~~السماء ملكا رسولا}[الإسراء:95]، فثبت أن الرسول من الله إلى الناس لا يكون ~~إلا منهم. # ولما صح أن الله تعالى متعال عن مشابهة خلقه، ولم يكن ليشافه أحدا ولا ~~يكلمه كما يكلم ذو اللسان واللهوات، ولم يكن العلم يصل منه إلى العبد إلا ~~بالوحي. # والوحي ينقسم على وجوه: # فمنها الإلهام؛ كما ألهم الله الملك الأعلى -صلى الله عليه- القرآن ms209 وغيره ~~من الكتب. PageV01P443 # ومن الإلهام ما ألهم الله [به] الحيوان من استجلاب المنافع والنفار عن ~~المضار كإلهام النحل، وغيره مما لا يعقل ومما يعقل، فهذا وحي؛ قال الله ~~تعالى: {وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما ~~يعرشون}[النحل:68]. # ومن الوحي ما أراه الله تعالى النبيء صلى الله عليه وآله وسلم في المنام ~~قال الله تعالى -حاكيا عن إبراهيم- صلى الله عليه- من قوله لابنه إسماعيل ~~-صلى الله عليه: {يابني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ~~ترى}[الصافات:102]، وقال الله تعالى لنبيئه صلى الله عليه وآله وسلم: {إذ ~~يريكهم الله في منامك قليلا ولو أراكهم كثيرا لفشلتم ولتنازعتم في ~~الأمر}[الأنفال:43]. # ومن الوحي: الكلام الذي يحدثه الله في بعض ما خلق، مما لا ينطق، كالكلام ~~الذي سمعه موسى صلى الله عليه وسلم من الشجرة. # ومن الوحي ما أتى به جبريل عليه السلام من الملك الأعلى إلى النبيء ~~المصطفى؛ وقد حكى الله مثل ذلك فقال: {وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا ~~أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء إنه علي حكيم ، وكذلك ~~أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب...}الآية[الشورى:51،52]، ~~فصح أن كلام الله هو الوحي، و(أنه) ليس بنطق كما قالت المشبهة. وصح أن كلام ~~الله محدث مخلوق. PageV01P444 # وأما قوله تعالى: {أو من وراء حجاب} أراد: أو كلاما يسمعه العبد من غير ~~ناطق مشاهد، كما سمع موسى -صلى الله عليه- الكلام من الشجرة. وليس بين الله ~~وبين خلقه حجاب؛ لأنه لو كان بينه وبين خلقه حجاب لكان مشابها لخلقه، ولكان ~~غائبا عن المحتجب منه، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. وقد روي عن الحارث عن ~~علي أمير المؤمنين عليه السلام أنه دخل السوق فإذا هو برجل مول ظهره يقول: ~~لا والذي احتجب بالسبع. فضربه علي عليه السلام على ظهره ثم قال: من الذي ~~احتجب بالسبع؟ قال: الله، يا أمير المؤمنين. قال: أخطأت ثكلتك أمك إن الله ~~عز وجل ليس بينه وبين خلقه حجاب؛ ms210 لأنه معهم أينما كانوا، قال: فما كفارة ما ~~قلت يا أمير المؤمنين؟ قال: الله معك أينما كنت. قال: أطعم المساكين؟ قال: ~~لا إنما حلفت بغير ربك. # فلما كان العلم من الله لا يصل إلى الناس إلا من الوحي، وكان الوحي لا ~~يصلح إلى كل الناس لوجوه: # منها أنه لو كان يوحى إلى كل إنسان في نفسه لكان ذلك سببا لفساد الناس، ~~ولكان كل ظالم يدعي أنه أذن له في الظلم، ولما تبين المطيع من العاصي. # ومنها أنه إذا لم يكن أمر الناس إلى واحد افترقوا، وإذا افترقوا تباغضوا ~~وتحاسدوا وفسدوا. PageV01P445 # ومنها: أن أعداء الله لا يستحقون أن يوحي الله إليهم لكفرهم ومعصيتهم. فلما ~~كان ذلك لا يصلح، حكم العقل بأن الله لا يوحي إلا إلى من ارتضى من عباده، ~~وأنه يرسل الرسول إلى أمته ويقرن طاعته بطاعته، فإذا علم الله من الرسول ~~الصدق والإخلاص، والقوة على إبلاغ الرسالة، والصبر والعزم؛ أوحى الله إليه، ~~وأرسله إلى خلقه. # ولو أرسل من لا يعرف بالصدق والصبر والطهارة لأدى إلى وجوه: # منها أن يكون عند الناس من أهل التهمة والظنة، لما يعرف منه من خلاف ~~الصدق، ولم يكن أحد ليصدقه لما قد عرف منه. # ومنها أن الله تعالى لم يكن ليرسل لصلاح الناس من لم يصلح نفسه. # ومنها أنه لم يكن ليبلغ ما أمر به إذا لم يكن صادقا نقيا مخلصا. فصح أن ~~الله لا يرسل إلا الصادق الصابر المخلص البر التقي النقي طيب الباطن ~~والظاهر. # ولما كان الرسول لا يصدق إلا ببرهان بين، وحجة واضحة أظهر الله على يدي ~~الرسول من الدلائل والآيات والبراهين والمعجزات ما يعجز عنه غيره من الناس ~~ليصح ما هو عليه من البناء والأساس. # وقد قص الله قصص الأنبياء"، وذكر معجزاتهم وما كان من اجتهادهم وإظهار ~~براهينهم ودلالاتهم، قال عز من قائل: {ولقد أرسلنا رسلا من قبلك منهم من ~~قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن ~~الله فإذا جاء أمر الله ms211 قضي بالحق وخسر هنالك المبطلون}[غافر:78]. PageV01P446 ### ||| AUTO فصل في الكلام في نبيئنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم # فأول ما نذكر من أمره صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان عارفا لربه مرضيا ~~برا تقيا طاهرا نقيا، وكان عالما بالتكليف العقلي، ضالا عن التكليف الشرعي، ~~وكان يأخذ بعض ما يفعل من البر والتقى من عقله، وأخذ بعضه من جده عبد ~~المطلب، فإنه روي عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((يبعث عبد المطلب ~~يوم القيامة أمة وحده ، قال: وكان لا يستقسم بالأزلام، ولا يعبد الأصنام ~~و(كان) يقول: أنا على دين إبراهيم)). # وقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((إن عبد المطلب سن خمسا من السنن أجراها ~~عز وجل في الإسلام: حرم نساء الآباء على الأبناء، فأنزل الله تعالى: {ولا ~~تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء }[النساء:22]. وسن الدية في القتيل مائة من ~~الإبل فجرت في الإسلام. وكان يطوف بالبيت سبعة أشواط ثم يقف على باب الكعبة ~~فيحمد الله عز وجل ويثني عليه، وكانت قريش تطوف [بالبيت] ما شاءت قل أو ~~كثر، فسن عبد المطلب سبعة سبعة. ووجد كنزا فأخرج خمسه فتصدق به، فجرى ذلك ~~في الإسلام. ولما حفر زمزم سماها سقاية الحاج، فأنزل الله تعالى قرآنا ~~يقول: {أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام ...}الآية[التوبة:19])). ~~وروي عن سفيان بن عيينة قال: قيل لعبد المطلب: لم سميت ابن ابنك محمدا وليس ~~هو من أسماء آبائك؟ قال: أردت أن يحمده أهل السماء وأهل الأرض، فأطرق سفيان ~~ساعة ثم رفع رأسه فقال: # فشق له من اسمه ليجله PageV01P447 فذو العرش محمود وهذا محمد # فهدى الله عبد المطلب إلى اسم النبيء صلى الله عليه وآله وسلم، وصدق ~~رجاءه فيه وأنبته نباتا حسنا، وجعله من أشرف منصب في العرب، وأكرم بيت ~~وأعلاهم شأنا، وأفصحهم لسانا، وأقواهم سلطانا، وأعزهم مكانا، وأمضاهم ~~حساما. وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((إن الله ~~اصطفى كنانة من بني إسماعيل ، واصطفى من كنانة قريشا، واصطفى من قريش بني ms212 ~~هاشم، واصطفاني من بني هاشم)). فلما اختاره الله واصطفاه، أرسله إلى الأبيض ~~والأسود والأحمر. # وكان أول ما ظهر له من المعجزات نزول جبريل عليه السلام عليه صلى الله ~~عليه وآله وسلم، وكان جبريل رسولا من الله إلى محمد صلى الله عليه وآله ~~وسلم قال الله: {جاعل الملائكة رسلا أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع يزيد في ~~الخلق ما يشاء إن الله على كل شيء قدير}[فاطر:1]. # والذي دل محمدا صلى الله عليه وآله وسلم على أن جبريل -صلى الله عليه- ~~رسول من الله (إليه) ما أراه من المعجزة الخاصة لنفسه؛ لأنه لو لم يره ~~معجزة لنفسه لم يتحقق صدقه، كما أنه لا يتحقق صدق النبيء صلى الله عليه ~~وآله وسلم إلا بمعجزة. PageV01P448 # فأول ما نزل جبريل إلى النبيء صلى الله عليه وآله وسلم ما روي عن جعفر بن ~~محمد عن أبيه عن جده عن علي" قال: نزل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم جبريل وعليه جبة من سندس بأعلى الوادي وهو يرعى غنما لأبي طالب، فأخرج ~~[له] درنوكا من درانيك الجنة فأجلسه عليه، ثم أخبره أنه رسول الله (إليه) ~~يأمره بما أراد الله أن يأمره به، فلما أراد جبريل صلى الله عليه أن يقوم ~~أخذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بطرف ثوبه ثم قال له: ما اسمك؟ ~~فقال: جبريل، فقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلحق بالغنم فما مر ~~بشجرة ولا مدرة إلا وهي تسلم عليه تقول: السلام عليك يا رسول الله. # ومن معجزات جبريل -صلى الله عليه- وسلام الخاصة ليصدقه محمد صلى الله ~~عليه وآله وسلم: ما روي أن النبيء صلى الله عليه وآله وسلم رأى جبريل صافا ~~في الهواء قد سد الأفق. وروي أن جبريل جاءه صلى الله عليه وآله وسلم فأخرجه ~~إلى البقيع وانتهى به إلى مقبرة فإذا جثوة في التراب، فضربها برجله وقال: ~~قم بإذن الله، فانتفض التراب فإذا شخص قد صار حيا وهو يقول: يا حسرتا على ~~ما فرطت في جنب الله، ثم ms213 ضربها فعادت إلى ما كانت عليه، وانتهى به إلى جثوة ~~أخرى فضربها فقام صاحبها وهو يقول: الحمد لله، ثم ضربها فعادت إلى ما كانت ~~عليه، فقال: يا محمد فعلى هذا تبعثون. # وأما معجزات محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فكثيرة منها: ما روي ~~بالأخبار المتواترة وإجماع الأمة. PageV01P449 # فمن معجزاته صلى الله عليه وآله وسلم: مجيء الشجرة إليه، ورجوعها إلى ~~موضعها، وإنباء الناس بما في صدورهم، وإعلامهم بما في ضمائرهم، وذلك من ~~إنباء الله بذلك، وإعلامه إياه به، ومثل ما كان منه في شاة أم معبد، و[مثل] ~~ما كان منه من الفعل في التمرات من غداء جابر بن عبد الله، وذلك أنه أخذ ~~كفا من تمر فوضعه في وسط ثوب كبير ثم حركه ودعا فيه، فزاد وربا حتى امتلأ ~~الثوب تمرا، ومثل ما كان منه في عشاء جابر بن عبد الله وهو صاع شعير وعناق ~~صغيرة أكل منها ألف رجل، وما كان منه في الوشل الذي ورده هو والمسلمون في ~~غزوة تبوك فوضع يده تحت الوشل فوشل فيها ملأها من الماء ثم ضربه ودعا فيه ~~فانفجر بمثل عنق البعير. PageV01P450 # ومن معجزاته صلى الله عليه وآله وسلم: ما روي أن يهوديا قال لعلي أمير ~~المؤمنين عليه السلام: إن موسى بن عمران عليه السلام قد أعطي العصا فكان ~~ثعبانا. قال: فقال له علي عليه السلام: قد كان ذلك، ومحمد صلى الله عليه ~~وآله وسلم قد أعطي ما هو أفضل من هذا: إن رجلا كان يطلب أبا جهل بن هشام ~~لعنه الله بدين كان له عنده فلم يقدر عليه، واشتغل عنه وجلس يشرب، فقال له ~~بعض المستهزئين: من تطلب؟ فقال: (أطلب) عمرو بن هشام (يعني أبا جهل) ولي ~~عليه دين. فقالوا: ندلك على من يستخرج لك حقك؟ قال: نعم، فدلوه على النبيء ~~صلى الله عليه وآله وسلم، وكان أبو جهل يقول: ليت لمحمد إلي حاجة فأسخر به ~~وأرده، فأتى الرجل إلى النبيء صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا محمد بلغني ~~أن ms214 بينك وبين أبي الحكم حسبا، وأنا أستشفع بك إليه، فأتاه فقال له: ((قم ~~فأد الرجل حقه )) فقام مسرعا حتى أدى إليه حقه، فلما رجع إلى مجلسه قال له ~~بعض أصحابه: كل ذلك فرقا من محمد؟ قال: ويحكم أعذروني إنه لما أقبل إلي ~~رأيت عن يمينه رجالا بأيديهم حراب تلألأ، وعن يساره ثعبانين تصطك أسنانهما، ~~وتلمع النيران من أبصارهما، فلو امتنعت لم آمن أن يبعجوا بالحراب بطني، ~~ويبتلعني الثعبانان، فهذا أكبر مما أعطي موسى -صلى الله عليه- ثعبان بثعبان ~~موسى، وزاد الله محمدا صلى الله عليه وآله وسلم ثغبانا وثمانية أملاك. PageV01P451 # ومن معجزاته صلى الله عليه وآله وسلم ما روي أنه لما كان في غزوة تبوك ضلت ~~ناقته، فنادى الناس: [أن] أقيموا فإن ناقة رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم قد ضلت، فاجتمع ناس من المنافقين فقالوا: يحدثنا عن القيامة وما يكون ~~في غد وما يعلم مكان ناقته!! فأتاه جبريل -صلى الله عليه- فقال: أترى أولئك ~~الجلوس إنهم يقولون: يحدثنا عن القيامة وما يكون في غد ولا يعلم مكان ~~ناقته. فإن ناقتك في شعب كذا وكذا، متعلق زمامها بشجرة. فنادى النبيء صلى ~~الله عليه وآله وسلم بالصلاة جامعة، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: ((إن ~~أناسا يزعمون أني أحدثهم عن القيامة وما يكون في غد ولا أعلم مكان ناقتي، ~~وإن ناقتي في شعب كذا وكذا متعلق زمامها بشجرة تجتر)) فبادر المسلمون إليها ~~حتى أتوها. # ومن معجزاته صلى الله عليه وآله وسلم ما روي أنه كان يخطب على الجذع من ~~قبل أن ينصب المنبر، فلما نصب وتحول النبيء صلى الله عليه وآله وسلم حن ~~الجذع كما يحن الفصيل فلم يسكن حتى ضمه إليه النبيء صلى الله عليه وآله وسلم . # ومن معجزاته صلى الله عليه وآله وسلم: إذعان البعير الصائل، وإصغاؤه رأسه ~~إليه، وسجوده بين يديه، فقيل له: سجد لك يا رسول الله حين رآك، فقال: ((لا، ~~لا تبلغوا بي ما لم أبلغ فلعمري ما سجد لي ولكن الله سخره لي)). # ومن معجزاته صلى ms215 الله عليه وآله وسلم ما كان من الاستسقاء. PageV01P452 # ومعجزاته صلى الله عليه وآله وسلم كثيرة، وأكبرها القرآن، فإنه من أكبر ~~معجزاته صلى الله عليه وآله وسلم. والدليل على أنه معجز أن الله تحدى به من ~~جحده بأن يأتي بسورة من مثله فما قدروا، قال الله تعالى: {وإن كنتم في ريب ~~مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله}[البقرة:23]، وقال تعالى: {أم ~~يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات }[هود:13]، وقال تعالى: {قل ~~لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو ~~كان بعضهم لبعض ظهيرا}[الإسراء:88]. فتحدى العرب مع فصاحتهم وبلاغتهم، ~~وكانوا يتباهون بالبلاغة، ويتفاخرون بالفصاحة، ويرون ذلك من أشرف المناقب ~~وأفخر المآثر، فكفوا عن المعارضة فيه، وأمسكوا عن المحاورة، مع أنهم كانوا ~~من أحرص الناس في توهين أمر النبيء صلى الله عليه وآله وسلم، وفي إطفاء ~~نوره، قال الله تعالى: {يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ~~ولو كره الكافرون}[الصف:8]. فكان من كفار العرب والعجم أنهم أعرضوا عن هذا ~~التحدي، وعجزوا أن يأتوا بسورة مثله وعادوا إلى الحرب. وفي الشاهد أنه إذا ~~تحدي إنسان بفعل شيء ولم يفعله، وعاد إلى غيره أنه قد أعجزه. PageV01P453 # وأيضا ففي القرآن من الإعلام بالغيب ما قد تبين منه شيء مثل قوله: {إذ ~~يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم }[الأنفال:7] فكان ذلك. ومثل قوله: ~~{الم ، غلبت الروم ، في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون}[الروم:1-3]، ~~فكان ذلك. ومثل قوله: {لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد ~~الحرام إن شاء الله آمنين}[الفتح:27]، فكان ذلك، وأمثال ذلك كثير. # ومن الدليل على أن القرآن من أكبر معجزات النبيء صلى الله عليه وآله وسلم ~~قول الله تعالى: {أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك ~~لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون}[العنكبوت:51]. # وفي القرآن أيضا خلة أخرى وهو أنه سهل معجز، بليغ موجز، ولا يوجد في كلام ~~المخلوقين، مثل قوله تعالى: {قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من ~~المتكلفين ms216 ، إن هو إلا ذكر للعالمين ، ولتعلمن نبأه بعد حين}[ص:8688]، ففي ~~هذه الكلمات من الإبلاغ والإيجاز والمعاني العجيبة والدلائل الغريبة ما ~~يدل على أنه ليس يقدر على مثله أحد من المخلوقين، فالحمد لله رب العالمين. PageV01P454 ### ||| AUTO فصل في الكلام في معنى الرسالة # اعلم أن الله لما خلق عباده، أعد لهم الجنة والنار والثواب والعقاب، فأعد ~~لمن أطاعه الجنة، وأعد لمن عصاه النار. ثم أرسل إليهم رسولا يدعوهم إلى ~~الجنة ويحذرهم من النار، فمن اتبع الرسول دخل الجنة، ومن تخلف عنه دخل ~~النار. وقد روي عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: خرج علينا رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم يوما فقال: ((إني رأيت في المنام كأن جبريل عليه ~~السلام عند رأسي، وميكائيل عند رجلي، فيقول أحدهما لصاحبه: إضرب له مثلا، ~~فقال: إسمع -سمعت أذناك- واعقل -عقل قلبك- إنما مثلك ومثل أمتك كمثل ملك ~~اتخذ دارا، ثم بنى فيها بيتا، ثم جعل فيه مائدة، ثم بعث رسولا يدعو الناس ~~إلى طعامه، فمنهم من أجاب الرسول، ومنهم من تركه، فالله عز وجل هو الملك، ~~والدار الإسلام، والبيت الجنة)) فكان كذلك رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم أبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، وأنذر وحذر، ورغب وعلم، وبصر وبين، وفسر، ~~فهدى الله به إلى الإيمان، وأظهر دينه على الأديان، قال عز من قائل: {هو ~~الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره ~~المشركون}[الصف:9]، وقال تعالى: {هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو ~~عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال ~~مبين ، وآخرين منهم لما يلحقوا بهم وهو العزيز الحكيم ، PageV01P455 ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم}[الجمعة:2-4]، فختم الله ~~به الرسل، ونسخ بملته الملل، فالحمد لله على فضله. PageV01P456 ### ||| AUTO فصل في الكلام في اختلاف الناس في النبيء صلى الله عليه وآله وسلم # فإنه لا خلاف بين الأمة فيما ذكرنا من نبوءة نبيئنا محمد صلى الله عليه ~~وآله وسلم، وأنه خاتم النبيئين، وسيد المرسلين، ورسول رب ms217 العالمين، ~~وبمعجزاته، وأن كل ما جاء به صلى الله عليه وآله وسلم حق، وجميع ما نطق به ~~صلى الله عليه وآله وسلم صدق، وإنما وقع الخلاف بيننا وبين الكفار؛ فإن ~~كفار العرب وكفار العجم جحدوا محمدا صلى الله عليه وآله وسلم وما جاء به من ربه. # وقالت البراهمة بالتكليف العقلي، ونفوا التكليف الشرعي، وجحدوا الرسل، ~~وعلتهم أن الصانع عالم حكيم، والعالم الحكيم لا يرسل الرسل وهو يعلم أنه يعصى. # ومنهم من يقر بآدم و[منهم من يقر] بولده شيث عليهما السلام. ومنهم من يقر ~~بآدم عليه السلام. # والحجة على الذين نفوا جميع الأنبياء قريبة؛ وذلك أنهم قد أقروا بالتكليف ~~العقلي، فكما كان في التكليف العقلي صلاح للعقلاء كذلك التكليف الشرعي، ~~ولما لم يكن التكليف الشرعي يحصل إلا بالإرسال من الله تعالى وجب إرسال الرسل. # والحجة على الذين أقروا بآدم عليه السلام أقرب، وذلك أنه إذا كان في ~~نبوءة آدم وشيث صلاح فكذلك سائر الرسل. PageV01P457 # وأما قولهم: (إن العالم الحكيم لا يرسل الرسل وهو يعلم أنه يعصى). فالحجة ~~[عليهم] أنه لما جاز أن يكلف الله عباده التكليف العقلي، وأراد منهم العمل ~~بما كلفهم -وهو يعلم أن بعضهم يعمل بما كلفه وينتفع به، وبعضهم لا يعمل بما ~~أراد منه ولا ينتفع به- فكذلك التكليف الشرعي يجوز أن يرسل الله الرسل إلى ~~عباده وهو يعلم أن منهم من يطيع وينتفع ومنهم من لا ينتفع ولا يطيع، ولولا ~~إرسال الله الرسل لما تبين المطيع من العاصي، ولو عذب الله العاصي ولم يرسل ~~إليه رسولا لقال: لو جاءني رسول لأطعت ولعملت ما أمرت به. وقد قال الله ~~تعالى: {ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا ~~رسولا فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى}[طه:134]. # وأيضا فإن الله تعالى ما خلق المتعبدين إلا للعبادة، وقد علم أن أكثرهم ~~لا يعبدونه، فلم يمنعه علمه بمعصية من يعصيه عن خلق المتعبدين، وتعبدهم لما ~~علم أنه يلحق المطيعين من الصلاح والانتفاع؛ ولأن تبلغ الحجة على العاصين ~~فكذلك الإرسال ms218 من الله تعالى. # وأنكرت اليهود نسخ الشرائع مع جحدهم لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم وقد ~~عرفوه ووجدوه مكتوبا عندهم في التوراة كما قال تعالى: {النبي الأمي الذي ~~يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل}[الأعراف:157]. ورووا عن موسى ~~عليه السلام أنه قال: (إن شريعتي لا تنسخ أبدا). PageV01P458 # وأقروا بأن قبلة إبراهيم عليه السلام كانت الكعبة. وإذا جاز نسخ الكعبة ~~لموسى عليه السلام إلى بيت المقدس، جاز نسخ بيت المقدس لمحمد صلى الله عليه ~~وآله وسلم إلى الكعبة، فبطل قولهم: إن الشريعة لا تنسخ. # وأما ما رووا من قول موسى عليه السلام: (إن شريعتي لا تنسخ أبدا). فإن ~~شيوخ المعتزلة ذكروا أن العلماء من اليهود الذين يرجع إلى قولهم لم يذكروا ~~أكثر من أن موسى عليه السلام قال لهم: (إن تمسكتم بشريعتي حييتم أبدا). PageV01P459 ### ||| AUTO فصل في الكلام في خطايا الأنبياء عليهم السلام # اعلم أن الأنبياء صلوات الله عليهم بشر من الناس، يأكلون الطعام، ويمشون ~~في الأسواق -كما قال الله تعالى- وأنهم مركبون على الشهوات والكراهة، ~~والغفلة والذكر والنسيان إلا في تبليغ ما أمروا به فإنهم معصومون عن ~~النسيان والغفلة والسهو والكذب؛ لأن الله قد اختارهم لتبليغ رسالته وأداء ~~أمانته، ولا يجوز أن يرسل من ينسى شيئا من تبليغ الرسالة أو يسهو عنها أو ~~يكذب، فهذه الجملة لا تجوز على الأنبياء بل هم معصومون عنها. وكذلك تعمد ~~معصية الله، قال الله تعالى: {لا ينال عهدي الظالمين }[البقرة:124]، فأما ~~في سائر أفعالهم غير تبليغ الرسالة، فإنه يجوز عليهم النسيان والغفلة، ~~والخطأ في التأويل، والعجلة، وقد ذكر الله عنهم ذلك، وذكر توبتهم منه ~~وندمهم وإقلاعهم واستغفارهم، فقال في النسيان والخطأ في آدم عليه السلام: ~~{فنسي ولم نجد له عزما }[طه:115]. # وقال -حاكيا قول موسى للخضر عليهما السلام: {لا تؤاخذني بما نسيت ~~}[الكهف:73]. وقال الله تعالى لنبيئنا صلى الله عليه وآله وسلم: {وإما ~~ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين }[الأنعام:68]. PageV01P460 # وقال تعالى في يونس عليه السلام وعجلته: {وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن ms219 أن ~~لن نقدر عليه}[الأنبياء:87]. وقد قيل: إن سبب إباقه أنه أرسله الله إلى ~~قومه فكذبوه، فوعدهم بنقمة من الله تصيبهم بعد ثلاثة أيام، وقال لهم: ~~وعلامة ذلك أن وجوههم تصبح غبرا أول يوم من هذه الأيام، واليوم الثاني تصبح ~~حمرا، واليوم الثالث تصبح وجوههم سودا ويأتيهم العذاب، ثم إنه تنحى عنهم ~~لئلا يناله ما نالهم، فلما أصبحت وجوههم كما ذكر لهم [في] اليوم الأول ~~واليوم الثاني، صدقوا وخافوا العذاب، فآمنوا به وجأروا إلى الله بالدعاء ~~والتوبة، فرفع الله عنهم العذاب، فلما كان بعد ثلاثة أيام أتى يونس عليه ~~السلام لينظر كيف كانت مصيبتهم من الله تعالى، فأتى وهم سالمون، فاغتم ~~لذلك، وأبق خوفا من أن يكذبوه واستعجل ولم ينتظر الوحي من ربه، فكان من ~~أمره ما حكاه الله [تعالى]، وقد قال الله لنبيئنا صلى الله عليه وآله وسلم: ~~{فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت إذ نادى وهو مكظوم ، لولا أن تداركه ~~نعمة من ربه لنبذ بالعراء وهو مذموم}[القلم:48،49]، فبين أن فعله كان ~~مكروها ومذموما؛ ولأنه نهى نبيئنا صلى الله عليه وآله وسلم أن يكون مثله، ~~وليس ينهاه إلا عن مذموم، فكان ذنبه الاستعجال، وترك الإنتظار لوحي ربه. ~~وكذلك كانت معصية آدم عليه السلام استعجاله في أكل الشجرة قبل أن ينزل إليه ~~وحي ربه. وقال تعالى في داود وتأويله الذي ظن أنه جائز له: {وهل PageV01P461 أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب ، إذ دخلوا على داوود ففزع منهم قالوا لا ~~تخف خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط واهدنا إلى سواء ~~الصراط ، إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة فقال أكفلنيها ~~وعزني في الخطاب ، قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه وإن كثيرا من ~~الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم ~~وظن داوود أنما فتناه فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب}[ص:21-24]، فكان فعاله ~~صلى الله عليه وسلم في ذلك مذموما، فتاب منه وندم. PageV01P462 # وقد روي عن نبيئنا محمد صلى الله ms220 عليه وآله وسلم أنه قال: ((أعطيت ما لم ~~يعط أحد من الأنبياء قبلي : جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، وذلك قول الله ~~تعالى: {فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا }[النساء:43]، وأحل لي المغنم ~~ولم يحل للأنبياء قبلي وذلك قوله تعالى: {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن ~~لله خمسه وللرسول}[الأنفال:41]، ونصرت بالرعب على مسيرة شهر، وفضلت على ~~الأنبياء بثلاث: تأتي أمتي يوم القيامة غرا محجلين معروفين من بين الأمم، ~~ويأتي المؤذنون يوم القيامة أطول الناس أعناقا ينادون بشهادة أن لا إله إلا ~~الله وأن محمدا رسول الله، والثالثة ليس من نبيء إلا وهو يحاسب يوم القيامة ~~بذنب غيري؛ لقول الله تعالى: {ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما ~~تأخر}[الفتح:2])). PageV01P463 # فدل هذا الخبر على صحة ما قلنا في خطايا الأنبياء. ودل أيضا على أن محمدا ~~رسول الله أفضل المرسلين، ويؤيد ذلك ما روي عنه صلى الله عليه وآله وسلم ~~أنه قال: ((من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشر صلوات ومحا عنه عشر ~~سيئات واستبق ملكاه الموكلان به أيهما يبلغ روحي منه السلام)). وقال صلى ~~الله عليه وآله وسلم: ((إكثروا من الصلاة علي يوم الجمعة فإنه يوم تضاعف ~~فيه الأعمال، واسألوا الله لي الدرجة الوسيلة من الجنة، قيل: يا رسول الله ~~وما الدرجة الوسيلة من الجنة؟ قال: هي أعلا درجة من الجنة لا ينالها إلا ~~نبيء أرجو أن أكون أنا هو))، فصح أنه صلى الله عليه وآله وسلم أفضل ~~الأنبياء. # ومما يدل على أن النبيء يسهو وينسى ما روي عن رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم أنه صلى بجماعة الظهر خمس ركعات، فقال له بعض القوم: يا رسول ~~الله هل زيد في الصلاة شيء؟ قال: ((وما ذاك؟)) قال: صليت بنا خمس ركعات، ~~فاستقبل القبلة وهو جالس، وسجد سجدتين، ليس فيهما قراءة ولا ركوع ثم سلم. PageV01P464 # واعلم أنه لا يقال: إن النبيء معصوم عن جميع المذمومات والمعاصي. لأنه لو ~~كان كذلك لم يكن له ثواب في لزمه لنفسه عن المحرمات، ولما ms221 كان محمودا في ~~ترك اتباع الشهوات، ولما كان يوسف عليه السلام في لزمه لنفسه عن امرأة ~~العزيز محمودا ومثابا، وقد قال الله تعالى: {ولقد همت به وهم بها لولا أن ~~رأى برهان ربه}[يوسف:24]، فصح أنه لزم نفسه (عنها) لا عن عصمة. ولا نقول إن ~~الله عصمه منها بل نقول: إن الأنبياء" مخيرون ممكنون كغيرهم من الآدميين بل ~~إنهم أقوى على نفوسهم وعلى لزمها من المحرمات لما شاهدوا من الدلائل ~~والمعجزات والرسالة من الله لهم والآيات. # وقد يمكن أن يصرف الله عنهم بالتوفيق والتسديد كثيرا من المحظورات كما ~~قال الله -حاكيا عن يوسف عليه السلام: {وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن ~~من الجاهلين ، فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن إنه هو السميع ~~العليم}[يوسف:33،34]. PageV01P465 # واعلم أنا لا نقطع على من كان عصى الله معصية عمدا ثم تاب منها وأناب وأخلص ~~واشتهر إخلاصه وتوبته عند الخاص والعام، وظهر صدقه ووفاؤه وطهارته ونقاؤه ~~أنه لا يجوز أن يرسله الله إلى قوم، بل نقول: إنه قد يمكن ويجوز ذلك؛ لأنه ~~قد خرج من جملة الظالمين، وأهل الظنة والمتهمين. ألا ترى أن الشاهد الفاسق ~~إذا تاب من فسقه عند أداء الشهادة أنه لا يقبل منه، ويكون من أهل الظنة، ~~وإذا تاب قبل ذلك بزمان طويل أنه تقبل شهادته، ولا يظن فيه كذب ولا شهادة زور. # والدليل على ما قلنا: ما كان من قصة أولاد يعقوب" من عقوق أبيهم وظلم ~~أخيهم، ثم تابوا من ذلك وسألوا أباهم أن يستغفر لهم فغفر الله لهم، ثم ~~كانوا أنبياء بعد ذلك، وقد ذكرهم الله في جملة الأنبياء قال تعالى: {قولوا ~~آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ~~والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد ~~منهم ونحن له مسلمون}[البقرة:136]، وفي تفسير ابن عباس: أن الأسباط هم ~~أولاد يعقوب، وأنهم أنبياء، وهو إجماع الأمة، ولم يخالف أيضا اليهود في أن ~~الأسباط هم أولاد يعقوب، وأنهم أنبياء. PageV01P466 # والدليل على صحة ms222 ما ذكرنا قول الله تعالى لموسى عليه السلام: {وألق عصاك ~~فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب ياموسى لا تخف إني لا يخاف ~~لدي المرسلون ، إلا من ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء فإني غفور ~~رحيم}[النمل:10،11] فصح ما قلنا، وقول الله: {لا ينال عهدي الظالمين ~~}[البقرة:124]، فليس التائب المخلص بظالم. # ومما يؤيد ما قلنا في خطايا الأنبياء ": ما ذكره المرتضى عليه السلام في ~~كتاب الشرح والبيان قال: إن الأنبياء " غير معصومين، وأنهم يغفلون ويسهون، ~~وأن بنيتهم مركبة على بنية الآدميين. # وقال في قول الله تعالى: {وعصى آدم ربه فغوى ، ثم اجتباه ربه فتاب عليه ~~وهدى}[طه:121،122]: فلا تكون التوبة إلا من بعد الخطيئة. # وقال فيه: من قال إن آدم لم يعص، ولم يظلم موسى نفسه، وكذلك يونس، فقد ~~أكذب كتاب الله تعالى. PageV01P467 ### || AUTO باب حقيقة معرفة الإمام # اعلم أنه لما كانت النبوءة لا تحصل لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم، وأن الله قد ختم به الرسل كما قال تعالى: {ولكن رسول الله وخاتم ~~النبيين }[الأحزاب:40]، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((لا نبيء ~~بعدي )). وكان الناس محتاجين إلى من يقوم [في] مقام النبيء صلى الله عليه ~~وآله وسلم لينفذ الأحكام، ويحل الحلال، ويحرم الحرام، ويكفل الضعفاء ~~والأيتام، وينصف المظلومين من الظالم، ويدعو إلى عز الإسلام وبناء المكارم، ~~ويدفع كل خائن وغاشم، ويدعو إلى الجهاد في سبيل رب العالمين، ويعز ~~المؤمنين، ويذل الفاسقين؛ حكم العقل بوجوب قيام إمام من المؤمنين لصلاح ~~الإسلام والمسلمين، وحكم العقل بأنه إن لم يقم إمام أن الإسلام يضعف، وأن ~~الكفر يتقوى، وأن الفساد يلحق جميع الناس، فوجب قيام الإمام بعد النبيء صلى ~~الله عليه وآله وسلم. وكذلك القول إذا مات الإمام، أو قتل أنه يجب قيام ~~إمام بعده، إلى آخر الدهر. # وحكم العقل أيضا بأن الإمام بعد النبيء صلى الله عليه وآله وسلم يكون ~~مختارا ولا يكون في الأمة من هو أفضل منه، وأن يكون جامعا للخصال المحمودة ~~ولا يكون ms223 في الأمة من هو أجمع منه للمحامد. # فمن الخلال المحمودة: أن يكون أقرب الناس إلى النبيء صلى الله عليه وآله ~~وسلم، وأن يكون أسبقهم إلى طاعته، وأن يكون أكثرهم بذلا وعناء معه، وأن ~~يكون أعلم الناس بالكتاب والسنة، وأن يكون أسخاهم بماله ونفسه. PageV01P468 # والأمة مجمعة على أن هذه الخلال كلها في علي أمير المؤمنين عليه السلام ~~وقائد الغر المحجلين دون غيره من الأمة. # ومما يؤيد ما قلنا من الكتاب في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ~~وقيام الإمام ووجوب دعوته إلى الله قول الله تعالى: {ومن أحسن قولا ممن ~~دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين}[فصلت:33]، وقال تعالى: ~~{ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك ~~هم المفلحون}[آل عمران:104]، وقال تعالى: {كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ~~ولو على أنفسكم...}الآية[النساء:135]، وقال تعالى: {كنتم خير أمة أخرجت ~~للناس ...}[آل عمران:110]، وقال تعالى: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ~~فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى ~~أمر الله}[الحجرات:9]، وقال تعالى: {ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه ~~يعدلون } ..إلى قوله: {وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم أو ~~معذبهم عذابا شديدا قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون}[الأعراف:159-164]، ~~وقال تعالى: {ولقد آتينا موسى الكتاب فلا تكن في مرية من لقائه وجعلناه PageV01P469 هدى لبني إسرائيل ، وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا ~~بآياتنا يوقنون}[السجدة:23،24]، وقال تعالى: {وتلك الأيام نداولها بين ~~الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين ، ~~وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين ، أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما ~~يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين}[آل عمران:140142]، وقال ~~تعالى: {وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من ~~حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول ~~شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس}[الحج:78]، وقال تعالى: {وكذلك ~~جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم ~~شهيدا}[البقرة:143]، ومعنى ms224 قوله: {وسطا} أي خيارا، قال الشاعر: # هم وسط يرضى الأنام بحكمهم # إذا نزلت إحدى الليالي بمعظم PageV01P470 وقال تعالى يذم من لا ينهى عن المنكر: {لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على ~~لسان داوود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون ، كانوا لا يتناهون ~~عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون}[المائدة:78،79]. وقال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم: ((لتأمرن بالمعروف ولتنهن عن المنكر أو ليسلطن الله ~~عليكم شراركم فيدعو خياركم فلا يستجاب لهم))، وروي أنه قال: ((مروا ~~بالمعروف، وانهوا عن المنكر ولو حبوا))، وروي عنه صلى الله عليه وآله وسلم ~~أنه قال: ((لا يحل لعين ترى الله يعصى فتطرف حتى تغير أو تنصرف)) . # وروي عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((من رأى منكم منكرا فليغيره ~~بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان)) ~~فثبت ما ذكرنا من وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، من طريق العقل ~~والكتاب والسنة، وهو إجماع الأمة. وكذلك وجب تقديم الأفضل لقول الله تعالى: ~~{أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى}[يونس:35]، وقال ~~تعالى: {هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا ~~الألباب}[الزمر:9]، وقال تعالى: {إنما يخشى الله من عباده العلماء إن الله ~~عزيز غفور}[فاطر:28]. PageV01P471 ### ||| AUTO فصل في الكلام في إمامة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام # وقد ذكرنا فيما تقدم أن الأمة مجمعة على أنه ما جمع الخلال المحمودة بعد ~~النبيء صلى الله عليه وآله وسلم غيره. # فأول الخلال المحمودة: القرابة من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ~~فإنه أخو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وابن عمه وزوج ابنته، وأبو سبطيه. # ومنها: السبق بالإيمان، والأمة مجمعة (على) أنه أول رجل آمن برسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم، وهي مجمعة على أنه ما عبد صنما، ولا أشرك بالله. ~~وغيره -من أجلاء الصحابة- آمن بعد الشرك. # ومنها: أنه أكثر الناس عناء وجهادا مع رسول الله صلى الله عليه ms225 وآله ~~وسلم، ومن عنائه وبذله لنفسه دون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أنه ~~فداه بنفسه ليلة رقد على فراشه. # ومنها: شجاعته عليه السلام التي خص بها، فإنه نازل الأقران، وقتل ~~الشجعان، وأباد صناديد العرب، وفرج عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~كثيرا من الكرب، فقوي الإسلام بجهاده، وضعف الكفر بصبره واجتهاده. # ومنها: علمه الغزير وفقهه الكثير حتى قال عمر فيه مع مكانه في الفقه: ~~(لولا علي لهلك عمر). وقال: (لا أبقاني الله لمعظلة لا أرى فيها أبا ~~الحسن). # ومنها: كرمه المعروف وسماحه الموصوف، فإنه كان يؤثر غيره في القوت على ~~نفسه ولا يدخر طعاما لغده من أمسه. PageV01P472 # ومنها: زهده في الدنيا مع قدرته على بلوغ كثير من الأشياء، فرضي من قوته ~~بأدونه، ومن لباسه بأخشنه، وفيه ما يقول الله تعالى: {إنما وليكم الله ~~ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ، ومن ~~يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون}[المائدة:55،56]. # وبإجماع الأمة أنه لم يزك أحد راكعا غير علي عليه السلام، فنزلت هذه ~~الآية فيه، فثبت أنه الولي بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. # فإن قيل: فما أنكرتم أن تكون هذه الآية عامة لجميع المؤمنين؟ # قلنا: لا يجوز ذلك لأن الله تعالى ذكر الولي والمولى عليه، فخاطب المولى ~~عليه بقوله: {إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين} فصح أن الولي غير ~~المولى عليه، فثبت أن الآية خاصة لعلي عليه السلام إذ لم يدعيها غيره، ولا ~~تصدق راكعا سواه بإجماع الأمة، فثبت أنه أولى بالإمامة؛ لأن الله تعالى ~~أحله في ولاية المؤمنين محل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. PageV01P473 # ومما يدل على أنه أقرب الناس من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما كان ~~من قصة المباهلة؛ فإنه لما وردت نصارى نجران أنزل الله تعالى آية المباهلة، ~~قال عز من قائل: {فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا ~~وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين}[آل عمران:61]، فدعا ms226 رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم عليا وفاطمة والحسن والحسين، فأحجمت نصارى ~~نجران ولم يباهلوا، فصح أنه من نفس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. ~~وروي أيضا في الأخبار المتظاهرة: أنه لما نزلت البراءة من المشركين أمر ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعشر آيات من أول السورة إلى قريش أبا ~~بكر فأتاه جبريل صلى الله عليه وسلم وقال: (إنه لا يبلغها إلا أنت أو من هو ~~منك) يعني أمير المؤمنين عليه السلام، فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم بأبي بكر يرد ويبلغها أمير المؤمنين إلى قريش، وقرأها عليهم بمكة فصح ~~أنه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. PageV01P474 # وروي عن أنس بن مالك قال: لما خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى ~~غزوة تبوك استخلف علي بن أبي طالب عليه السلام على المدينة وما هنالك، فقال ~~المنافقون عند ذلك: إن محمدا قد شنئ ابن عمه ومله، فبلغ ذلك عليا عليه ~~السلام، فشد رحله، وخرج من ساعته، فهبط جبريل صلى الله عليه وسلم على رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم فأعلمه بقول المنافقين، وخروج علي عليه ~~السلام للحاق، فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مناديا فنادى ~~بالتعريس في مكانكم، فاجتمع الناس إليه يسألونه عن التعريس في غير وقت ~~التعريس، فأخبرهم بما أتى به جبريل صلى الله عليه وسلم عن الله عز وجل، ~~وأخبرهم أن الله تعالى أمره أن يستخلفه في المدينة قال: فركب بعض أصحاب ~~النبيء صلى الله عليه وآله وسلم ليتلقوه، فما زالوا من مواضعهم إلا قليلا، ~~وطلع عليهم علي عليه السلام مقبلا فتلقاه رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم وحوله الناس، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقد تلقاه ~~ماشيا والناس حوله: ((ما أقبل بك يا علي بن أبي طالب ))، وهو يعانقه، فقص ~~عليه القصة، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((يا علي، ما خلفتك ~~إلا بأمر الله سبحانه ، وما كان ms227 يصلح هناك غيري وغيرك، أما ترضى أن تكون ~~خليفتي كما استخلف موسى هارون، أما والله إنك مني بمنزلة هارون من موسى غير ~~أنه لا نبيء بعدي)) فلما أقبل رسول الله قسم للناس فدفع إلى علي سهمين، ~~فأنكر ذلك قوم. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((أيها الناس، هل ~~أحد أصدق مني ؟ قالوا: لا PageV01P475 يا رسول الله، فقال: أيها الناس، أما رأيتم صاحب الفرس الأبلق أمام عسكرنا ~~في الميمنة مرة، وفي الميسرة مرة؟ قالوا: رأيناه يا رسول الله فمن هو؟ قال: ~~ذلكم جبريل -صلى الله عليه- فقال لي: يا محمد إن لي سهما مما فتح الله ~~عليك، وقد جعلته لابن عمك علي بن أبي طالب عليه السلام فتسلمه إليه))، قال ~~أنس بن مالك: فكنت ممن بشر عليا عليه السلام بقول رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم. # وروي عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال يوم غدير خم: ((أيها الناس ~~ألست أولى بكم من أنفسكم ؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: من كنت مولاه ~~فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من ~~خذله)). # وروي عن جابر بن عبد الله قال: جاء علي عليه السلام إلى النبيء صلى الله ~~عليه وآله وسلم يوم أحد، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ~~((إذهب، فقال: والله لا أذهب وأدعك، قال: فقال جبريل: هذه والله المواساة ~~يا محمد، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يا جبريل إنه مني وأنا ~~منه ، فقال جبريل صلى الله عليه: وأنا منكما)). # وروي عن النبيء صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال لعلي عليه السلام: ((أنت ~~أخي في الدنيا والآخرة )). # وروي عن علي عليه السلام أنه كان يقول: (أنا عبد الله وأخو رسول الله). ~~وروي أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال لعلي عليه السلام: ((لا يحبك إلا ~~مؤمن ولا يبغضك إلا منافق)). وروي أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((من ~~آذى عليا فقد آذاني [ومن آذاني ms228 فقد آذى الله] )). PageV01P476 # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال في علي يوم خيبر: ~~((لأعطين الراية رجلا يحب الله ورسوله ، ويحبه الله ورسوله، كرار غير ~~فرار))، ثم دعا بعلي عليه السلام وهو أرمد فتفل في عينيه فبرئ، وأعطاه ~~الراية ففتح الله على يديه، ودعا له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~فقال: ((اللهم انصره وانصر به فإنه عبدك وأخو رسولك، اللهم أدر الحق معه ما ~~دار)). وروي عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((إن الجنة تشتاق إلى ~~علي وعمار وسلمان)). وروي عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((من أحب ~~أن يتمسك بقضيب الياقوت الأحمر الذي غرسه الله تعالى في جنة عدن، فليتمسك ~~بحب علي)) عليه السلام. وروي عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((علي ~~سيد المسلمين ، وإمام المتقين، وقائد الغر المحجلين)) وهذا كثير. # وقد روي عن ابن عباس: أنه مر بناس وهم يتناولون عليا عليه السلام، فوقف ~~فقال: أيكم سب الله؟ فقالوا: ما منا أحد سب الله. قال: فأيكم سب رسول الله؟ ~~قالوا: ولا كان هذا. قال: فأيكم الساب عليا؟ قالوا: قد كان ذلك. قال: فإني ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ((من سب عليا فقد سبني ، ومن ~~سبني فقد سب الله، ومن سب الله فهو في النار)). PageV01P477 # وعن ابن عباس أيضا: أنه سأله رجل من أهل الشام من حمص عن علي عليه السلام، ~~وكان أهل حمص يلعنون عليا، فقال له ابن عباس: له القرابة من رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم، وهو أول الناس إيمانا، قال الشامي: هم لا يجحدون ذلك، ~~ولكنه أحدث أحداثا، وهو أنه قتل قوما مسلمين، فقال له ابن عباس: مثل علي ~~عليه السلام كمثل العبد الصالح الذي لقيه موسى عليه السلام فقص له قصته، ثم ~~قال: وأخبرك أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تزوج زينب بنت جحش بعد ~~ما طلقها زيد بن حارثة فأولم رسول الله صلى الله ms229 عليه وآله وسلم، وكانت ~~وليمته الحيس، فكان يدعو كل عشرة على قطعة ثم كانوا إذا فرغوا استأنسوا ~~الحديث، فأنزل الله تعالى: {ياأيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا ~~أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه}[الأحزاب:53]، قال: فلما نزلت هذه ~~الآية كانوا إذا أكلوا قالوا: الحمد لله المنعم المطعم ثم مضوا ولم ينتظروا ~~الخرق ليمسحوا بها أيديهم. قال: فمكث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~عندها أسبوعا ثم تحول إلى بيت ام سلمة ابنة أبي أمية، فلبث عندها ليلتين، ~~فلما كان من الغد وقد تعالى النهار أتى علي بن أبي طالب عليه السلام فدق ~~عليه الباب دقا خفيفا، فعرفه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأنكرت أم ~~سلمة، قال النبيء صلى الله عليه وآله وسلم: ((قومي يا أم سلمة فافتحي [له] ~~الباب ، قالت: من هذا الذي بلغ من خطره أن أقوم فأفتح له الباب؟ قال رسول ~~الله صلى الله عليه وآله PageV01P478 وسلم: إن طاعتي طاعة الله، ومن يطع الرسول فقد أطاع الله، قومي فافتحي ~~الباب، فإن بالباب رجلا ليس بالخرق ولا بالنزق ولا بالعجل في أمره، يحب ~~الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، فلما فتحت أم سلمة الباب أخذ بعضادتي ~~الباب، فلما يزل قائما حتى خفي عليه الوطي ثم فتح ودخل، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم: يا أم سلمة هل تعرفين الرجل؟ قالت: نعم يا رسول الله ~~هو علي بن أبي طالب وهنيئا له، فقال النبيء صلى الله عليه وآله وسلم: لحمه ~~لحمي، ودمه دمي، وهو مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبيء بعدي، يا ~~أم سلمة هذا علي سيد المسلمين، وأمير المؤمنين، والوصي من بعدي، والخليفة ~~على الأخيار من أمتي، أخي في الدنيا، ورفيقي في الآخرة، يكون معي في السنام ~~الأعلى، إسمعي واشهدي يا أم سلمة أنه يقتل الناكثين، والقاسطين، ~~والمارقين))، قال الشامي: وما الناكثون؟ قال ابن عباس: الذين أقروا ~~بالمدينة، وأنكروا بالبصرة؛ كطلحة والزبير ومن تبعهما. وأما القاسطون ~~فمعاوية وأصحابه، و[أما] ms230 المارقون فأهل النهروان؛ ذو الثدية وأصحابه. قال ~~الشامي: فرجت عني، فرج الله عنك. وروي عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم أتي بطائر مشوي فقال: ((اللهم ائتني بأحب الناس إليك ))، فكان ~~ذلك علي بن أبي طالب. والأخبار فيه كثيرة، وهذه الأخبار متظاهرة مشهورة ~~متواترة تتلقاها الأمة بالقبول، ولا ينكرها ذوو العلم والعقول. PageV01P479 # فثبت أنه عليه السلام أحق الناس بمقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~وأنه ظلم حقه، وجحد من قدم عليه غيره سبقه. PageV01P480 ### ||| AUTO فصل في الكلام في اختلاف الأمة في إمامة علي بن أبي طالب عليه السلام # فقالت الشيعة جميعا: الإمام علي بن أبي طالب بعد رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم، وحجتهم ما قد ذكرنا من العقل والكتاب والسنة. # وقالت المعتزلة والمرجئة وأصحاب الحديث -وهم أهل الظاهر: الإمام أبو بكر، ~~ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي. # وجحدت الخوارج إمامة علي عليه السلام. # واستدل من قدم على علي غيره بحجج لهم: # منها: أنهم قالوا: أبو بكر صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ~~الغار، وقد ذكره الله في كتابه فقال تعالى: {إذ هما في الغار إذ يقول ~~لصاحبه لا تحزن إن الله معنا}[التوبة:40]. # ومنها: أنهم قالوا: إنه المولى في الصلاة. # ومنها: ما رووا عن النبيء صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((إن وليتم ~~أبا بكر وجدتموه قويا في دينه ضعيفا في بدنه، وإن وليتم عمر وجدتموه قويا ~~في دينه قويا في بدنه، وإن وليتم عثمان وجدتموه هاديا مهديا، وإن وليتم ~~عليا -ولا أراكم تفعلون- أكلتم من فوقكم ومن تحت أرجلكم)). # وبما رووا من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((أصحابي كالنجوم بأيهم ~~اقتديتم اهتديتم)). وأكبر حججهم -بزعمهم- إجماع الأمة عليهم، وسكوت علي ~~عليه السلام. وبما رووا من قول أبي بكر أنه سمع رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم يقول: ((إنا معاشر الأنبياء لا نورث )). والأكثر منهم والأعم ~~يقولون: إن مقام أبي بكر كان بالشورى، وبنظر من المسلمين. PageV01P481 # وقالت شرذمة منهم وهي ms231 الأقل: بل كان ذلك بوصاة من رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم. # والرد عليهم -في قولهم واحتجاجهم بالغار- فإنه لم يذكر في الغار بمدح، ~~لكنه ذكر بنهي؛ لأن قول النبيء صلى الله عليه وآله وسلم له: {لا تحزن} دليل ~~على أنه كان قد ظهر منه الحزن والجبن. وأيضا فإن السكينة التي نزلت على ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم تنزل على أبي بكر قال الله تعالى: ~~{فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها}[التوبة:40]، ولم يقل فيه ~~كما قال في المؤمنين: {فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وألزمهم ~~كلمة التقوى...}الآية[الفتح:26]. فصح أن صحبته لا توجب له ما ادعوه. وأيضا ~~فإن كانت له بذلك فضيلة، فصبر أمير المؤمنين ومرقده على فراش رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم أفضل. # وأما قولهم: (إنه المولى في الصلاة). فإنه روي أن رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم: خرج متكئا على كتف علي عليه السلام، والثاني اختلف فيه، ~~فقيل: عبد الله بن العباس، حتى نحى أبا بكر، وصلى بالناس قاعدا، فلو لم ~~ينحه لكان ذلك فضلا. وأيضا فقد يجوز أن يصلي الرجل بأفضل منه، وقد روي أن ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولى ابن أم مكتوم على الصلاة بالمدينة. PageV01P482 # وأما ما رووا من قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((إن وليتم أبا ~~بكر وجدتموه قويا في دينه ضعيفا في بدنه، وإن وليتم عمر وجدتموه قويا في ~~دينه قويا في بدنه، وإن وليتم عثمان وجدتموه هاديا مهديا، وإن وليتم عليا ~~-وما أراكم تفعلون-، أكلتم من فوقكم ومن تحت أرجلكم)) ففي هذا الخبر وجوه: # منها: أنه لم يصح لنا. # ومنها: أنه ليس بأمر لهم، لكنه إخبار منه يما يكون بعده من فعالهم؛ ويدل ~~على ذلك قوله في علي عليه السلام: ((وما أراكم تفعلون)). # ومنها: أن هذه الصفات فيهم تدل على أن الآخر أفضل ممن ذكر قبله، وذلك: أن ~~القوي في دينه وفي بدنه أفضل من القوي في دينه الضعيف ms232 في بدنه لهذا الأمر، ~~فكان على هذا يجب أن يقدم عمر على أبي بكر، والهادي المهدي يكون أفضل من ~~القوي في دينه وبدنه، فعلى هذا يجب أن يقدم عثمان على عمر وأبي بكر وقوله: ~~((إن وليتم عليا -وما أراكم تفعلون- - أكلتم من فوقكم ومن تحت أرجلكم)) ~~وهذه الصفة هي أفضل من صفات المتقدمين، قال الله تعالى: {ولو أن أهل الكتاب ~~آمنوا واتقوا ...} إلى قوله: {لأكلوا من فوقهم ومن تحت ~~أرجلهم}[المائدة:65،66]، فوجب على هذا تقديم علي عليه السلام على جميعهم. ~~وقد روي أنه لم يذكر في الخبر عثمان، وأنه قال بعد ذكر عمر: ((وإن وليتم ~~عليا وجدتموه هاديا مهديا يسلك بكم الطريق المستقيم)). PageV01P483 # وأما ما رووا من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((أصحابي كالنجوم بأيهم ~~اقتديتم اهتديتم))، فهذا الخبر إن صح فإن مخرجه عام ومعناه خاص، والمراد ~~به: أنه أراد بهم أن يقتدى بأصحابه المؤمنين الصالحين في شرائع الدين، ~~ويؤخذ منهم العلم، ويقبل منهم الخبر إذا كان موافقا للكتاب. ولو كان هذا ~~الخبر يؤخذ بظاهره لجاز أن يكون سلمان خليفة وإماما، لو طلب ذلك؛ وكذلك ~~عمار وأبو ذر وسائر الصحابة، فسقط تعلقهم بهذا. # وأما ما رووا من قول أبي بكر: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ~~((إنا معاشر الأنبياء لا نورث ))، فإنه روي عن رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم بالأخبار المتواترة أنه قال: ((ما روي لكم عني فاعرضوه على كتاب ~~الله ، فما وافقه فهو مني، وأنا قلته، وما لم يوافقه فليس مني ولم أقله)) ~~وقد وجدنا في كتاب الله ما يخالف خبر أبي بكر وهو ما قص الله تعالى من ~~وراثة أولاد الأنبياء" لآبائهم، وذكر وراثتهم لهم، فقال تعالى: {وورث ~~سليمان داوود }[النمل:16]، وقال تعالى حاكيا عن زكريا: {وإني خفت الموالي ~~من ورائي وكانت امرأتي عاقرا فهب لي من لدنك وليا ، يرثني ويرث من آل يعقوب ~~واجعله رب رضيا}[مريم:5،6]، فصح أن الخبر الذي رواه أبو بكر لا يصح من رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم. ms233 # وأما احتجاجهم بإجماع الأمة، وسكوت علي عليه السلام عن حقه فليس ذلك لهم ~~بحجة من وجوه: PageV01P484 # منها: أن أكابر الصحابة وعلماء الأمة لم تجمع على ذلك بل أنكروه واجتنبوه، ~~فإنه روي عن الزبير لما امتنع من البيعة لأبي بكر حمل عليه وانتهى الأمر ~~إلى كسر سيفه. وروي أن عمار بن ياسر ضرب، وأن سلمان استخف به إذ لم يبايعا ~~لأبي بكر. وروي أن فاطمة+ هجموا بيتها، لما تأخر علي عليه السلام عن ~~البيعة، وأن سعد بن عبادة لما أظهر الكراهة للبيعة اضطر إلى مفارقة المدينة ~~ثم رمي بسهم في أيام عمر ومات. وروي أنه لما قبض رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم وولي أبو بكر الأمر واجتمع عليه الناس فرقى المنبر خطيبا، واجتمع ~~الناس حول منبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكان ممن قعد عن بيعته ~~اثنا عشر رجلا: ستة من المهاجرين، وستة من الأنصار، فكان من المهاجرين: ~~خالد بن سعيد، وأبو ذر، وعمار، والمقداد، وسلمان، وأبي بن كعب. PageV01P485 # وكان من الأنصار: قيس بن سعد بن عبادة الخزرجي، وأبو الهيثم بن التيهان، ~~وسهل بن حنيف، وأبو بردة الأسلمي، وخزيمة بن ثابت ذو الشهادتين، وأبو أيوب ~~الأنصاري. وفي بعض الأخبار: فكان من المهاجرين: عمرو بن سعيد بن العاص، ~~والمقداد بن الأسود، وعمار بن ياسر، وأبو ذر الغفاري، وسلمان الفارسي، ~~وبريدة الأسلمي. وكان من الأنصار: خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين، وسهل بن ~~حنيف، وعثمان بن حنيف، وأبو أيوب الأنصاري، وأبي بن كعب، فقال بعضهم لبعض: ~~قوموا إلى هذا الرجل فأنزلوه عن منبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ~~فقال بعضهم: إن هذا الرجل اتفقت عليه هذه الأمة، ولكن انطلقوا بنا إلى صاحب ~~هذا الأمر حتى نشاوره ونستطلع رأيه، فانطلق القوم حتى أتوا أمير المؤمنين ~~علي بن أبي طالب عليه السلام فقالوا له: يا أمير المؤمنين كنا في مسجد رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم ورأينا هذا الرجل قد صعد منبر رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم ms234 فأردنا أن ننزله عن منبر رسول الله، وكرهنا أن ننزله ~~دونك، ونحن نعلم أن الحق لك. فقال علي عليه السلام: (أما إنكم لو فعلتم ما ~~كنتم إلا حربا لهم، وما كنتم إلا كالكحل في العين أو كالملح في الزاد، وقد ~~اتفقت هذه الأمة التاركة قول نبيئها، الذين باعوا آخرتهم بدنياهم. وقد ~~شاورت في ذلك أهل بيتي فأبوا إلا السكوت لما يعلمون من وغر صدور القوم ~~وبغضهم لأهل بيت محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ولكن انطلقوا إليه فأخبروه ~~بما سمعتم من قول نبيئكم محمد صلى الله عليه وآله وسلم ولا تتركوه في شبهة ~~من أمره، ليكون ذلك أوكد PageV01P486 في الحجة وأبلغ في العقوبة إذا لقي الله وقد عصاه وخالف أمر نبيئه). فانطلق ~~القوم في يوم جمعة في وقت صلاة الظهر حتى جثوا حول منبر رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم فأقبل أبو بكر فصعد المنبر، فقال المهاجرون للأنصار: قوموا ~~فتكلموا بما سمعتم من قول نبيئكم محمد صلى الله عليه وآله وسلم. فقال ~~الأنصار للمهاجرين: بل أنتم قوموا، فتقدموا فإن الله قدمكم علينا في كتابه ~~فقال: {لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار}[التوبة:117]، فكان أول ~~من تكلم خالد بن سعيد، فقام قائما على قدميه فقال: معاشر المسلمين أنشدكم ~~بالله وبحق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تشهدون بأن رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم قال لي: ((هذا خالد صديق قومه ))؟ قالوا: بلى والله ~~نشهد بذلك. قال: معاشر الناس فأنا أشهد أني سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم وهو يقول: ((علي قائد البررة ، وقاتل الكفرة، وهو أحق بالأمر من ~~بعدي)). ثم جلس. وقام من بعده أبو ذر الغفاري فقال: يا معاشر المسلمين ~~أنشدكم بالله وبحق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تشهدون بأن رسول الله ~~قال: ((رحمك الله يا أبا ذر تموت وحدك، وتدفن وحدك، وتحشر وحدك، وتحاسب ~~وحدك، وتدخل الجنة وحدك، يكرم الله بك سبعة نفر يلون غسلك ودفنك)). قالوا: ~~نشهد والله بذلك. قال: فأنا ms235 أشهد أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم يقول: ((علي أخي وابن عمي وأبو سبطي والحجة من بعدي)). ثم جلس. PageV01P487 # وقام سلمان الفارسي وقال: يا معاشر المسلمين فأنشدكم بالله وبحق رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم تشهدون بأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~قال: ((سلمان منا أهل البيت ))؟ قالوا: بلى والله نشهد بذلك، فقال: فأنا ~~أشهد أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يقول: ((علي إمام ~~المتقين ، وقائد الغر المحجلين، وهو الأمير من بعدي)) ثم جلس. # ثم قام من بعده المقداد بن الأسود الكندي فقال: معشر المسلمين، أشهد أني ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يقول: ((علي مني بمنزلة هارون ~~من موسى إلا أنه لا نبيء بعدي، الفائز من تولاه، والكافر من عاداه)) ثم جلس. # وقام من بعده عمار بن ياسر فقال: معاشر المسلمين فأنشدتكم بالله وبحق ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ألستم تشهدون أن النبيء صلى الله عليه ~~وآله وسلم قال: ((يا آل ياسر أبشروا [فإن] موعدكم الجنة))، وقال: ((عمار مع ~~الحق والحق مع عمار، حيثما دار عمار دار الحق معه))، وقال: ((يا عمار تقتلك ~~الفئة الباغية ، يكون آخر زادك من الدنيا قعب من لبن))؟ قالوا: بلى والله ~~نشهد بذلك، ثم أقبل إلى أبي بكر فقال: يا أبا بكر ارجع عن ضلعك، واقبر شرك، ~~والزم منزلك، وابك على خطيئتك، ورد الأمر على من جعله الله له ورسوله، ولا ~~تركنن إلى الدنيا، ولا يغرك من قريش أوغادها، فعن قليل ترحل عن دنياك ثم ~~تصير إلى ربك فيسألك عما جنته يداك، وما ربك بظلام للعبيد. ثم جلس. PageV01P488 # وقام من بعده أبي بن كعب فقال: يا معاشر المسلمين ألستم تشهدون بأن النبيء ~~صلى الله عليه وآله وسلم رقى المنبر يوم غدير خم، وقام علي إلى جانبه وحط ~~يده اليمنى وشالا أيديهما حتى رؤي بياض آباطيهما ثم قال: ((معاشر الناس من ~~كنت نبيئه فهذا علي وليه ألا من كنت مولاه ms236 فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، ~~وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله)) ثم جلس. # وقام من بعده قيس بن سعد بن عبادة فقال: يا أبا بكر، ألست تشهد بأن ~~النبيء صلى الله عليه وآله وسلم يوم كنا بين يديه فأقبل عليك بوجهه فقال: ~~((يا أبا بكر من أحب عليا فقد أحبني ، ومن أحبني فقد أحب الله، ومن أبغض ~~عليا فقد أبغضني، ومن أبغضني فقد أبغض الله، ومن أبغض الله كان حقيقا على ~~الله أن يكبه على منخريه في نار جهنم))؟ فقال: بلى أشهد بذلك. ثم قال: يا ~~معاشر المسلمين أشهد أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ~~((أنا حرب لمن حارب عليا وسلم لمن سالم عليا)) ثم جلس. # وقام من بعده أبو الهيثم بن التيهان فقال: يا معاشر المسلمين ألستم ~~تشهدون بأن النبيء صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((هذا ابن التيهان ما ~~كذبني منذ آمن بي ، ولا نافقني منذ صدقني))؟ قالوا: بلى نشهد بذلك. قال: ~~فأنا أشهد أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يقول: ((علي ~~سفينة من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق))، أو قال: ((في النار هوى)) ثم جلس. PageV01P489 # وقام من بعده سهل بن حنيف فقال: معاشر المسلمين أشهد أني سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ((علي باب حطة من دخلها كان آمنا)) ثم جلس. # وقام من بعده أبو بردة الأسلمي فقال: معاشر المسلمين أشهد أني سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يقول: ((علي أخي وابن عمي ووارث علمي، ~~وحامل رايتي يوم القيامة، والخليفة من بعدي، المؤمن من تابعه، والكافر من ~~خالفه)) ثم جلس. # وقام من بعده خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين وقال: يا معاشر المسلمين ألستم ~~تشهدون بأن النبيء صلى الله عليه وآله وسلم قبل شهادتي وحدي ولم يزد معي ~~غيري قالوا: بلى نشهد بذلك. قال: أشهد أني سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم وهو يقول: ((ألا إن الله ms237 ربكم، ومحمدا نبيئكم ، والإسلام دينكم، ~~والقرآن إمامكم، وعليا هاديكم، فوالى الله من والاه وعادى من عاداه)) ثم جلس. # وقام من بعده أبو أيوب الأنصاري فقال: يا أبا بكر ألست تذكر هذه الآية ~~يوم أنزلت: {إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا} فقمت أنت وصاحبك فقبلتما ~~بين كتفيه وقلتما: أصبحت والله مولانا ومولى كل مؤمن ومؤمنة؟ فقال: بلى قد ~~كان ذلك. فقال: أشهد أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يقول: ~~((علي عين الله في خلقه ، وولايته الصراط المستقيم، والحجة على الأمة ~~بعدي)) ثم جلس. PageV01P490 # فلما أن سمع أبو بكر ذلك نزل عن المنبر ودخل منزله، فمكث لا يخرج إلى الناس ~~ثلاثة أيام، فلما أن كان اليوم الرابع أتى عمر وعثمان وعبد الرحمن بن عوف، ~~وسالم مولى أبي حذيفة، والأشعث بن قيس، وأبو موسى الأشعري، وقنفذ مولى عمر، ~~مع كل رجل منهم عشرة رجال، شاهرين أسيافهم، حتى أخرجوه من منزله، وعلا ~~المنبر فخطب، وجعلوا يدورون في المدينة وهم يقولون: والله لئن عاد أحد إلى ~~مثل ما تكلم به بالأمس لنعلونه بأسيافنا، فأمسك القوم عند ذلك ولم يردوا جوابا. PageV01P491 # فأين الإجماع من الأمة؟ وهؤلاء كبار الصحابة وعلماء الأمة أنكروا ذلك. فأما ~~إجماع من لا يعتد به من الجهال [ومن الرعية] فليس إجماعهم بحجة؛ لأن الله ~~تعالى ذكر أمم الأنبياء بالتكذيب قال تعالى: {كذبت قبلهم قوم نوح وأصحاب ~~الرس وثمود ، وعاد وفرعون وإخوان لوط}[ق:12،13]، وحكى قول نوح عليه السلام: ~~{قال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا ، إنك إن تذرهم يضلوا ~~عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا}[نوح:26،27]، وقد أخبرنا الله تعالى أنه ~~ما آمن للرسل إلا الأقل من أممهم فقال تعالى: {وما آمن معه إلا قليل ~~}[هود:40]، وقال: {فشربوا منه إلا قليلا }[البقرة:249]، وقال تعالى: ~~{اعملوا آل داوود شكرا وقليل من عبادي الشكور}[سبأ:13]. وقال -فيما حكاه عن ~~داود عليه السلام: {وإن كثيرا من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض إلا الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم}[ص:24]، وقال تعالى: {والعصر ms238 ، إن ~~الإنسان لفي خسر ، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات}[العصر:13] ولا يستثنى ~~من الشيء إلا الأقل. وأخبرنا: أن أكثر الناس لم يؤمنوا ولم يعقلوا فقال ~~تعالى: {ولكن أكثر الناس لا يؤمنون }[هود:17]، وقال تعالى: {ولكن أكثر ~~الناس لا يعلمون }[الأعراف:187]، وقال: {ولكن PageV01P492 أكثر الناس لا يؤمنون} فصح أن إجماع من أجمع من الأمة على إمامة أبي بكر لا ~~يؤخذ به، وإنما يؤخذ بإجماع العلماء والصحابة، والإجماع وقع في علي عليه ~~السلام؛ لأنهم مجمعون معنا أنه مستحق للمقام، وأنه وصي رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم في ديونه وأموره الخاصة، ونحن غير مجمعين معهم في أصحابهم ~~وأئمتهم، فنحن أولى بحجة الإجماع منهم. # وأما سكوت أمير المؤمنين عليه السلام عن حقه: فإنه اجتهد مع رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم في جمع المؤمنين وتألفهم، وخشي إن نازع في حقه أن ~~يفرق ما جمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكان لو نازع القوم ~~وعارضهم لشق عصا الإسلام، وكان عهد الناس بالشرك قريبا، وكان المشركون ~~والكفار، والمنافقون والفاسقون، يريدون ذلك ليشتغل المسلمون بعضهم ببعض، ~~وكان في ذلك فساد الإسلام، فرأى تغطية المسلمين على ما هم عليه أولى، وهو ~~أهون العسرين. فهذا سبب وقوفه وسكوته عن حقه، وقلة أيضا نصيحة أعوانه ~~وأنصاره؛ وليس ذلك بعجيب، قد أخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من ~~بيته، وتبع فاختبأ في الغار للتقية، فلم يعب بذلك؛ فكذلك أمير المؤمنين ~~عليه السلام، وله برسول الله أسوة حسنة، مع أنه عليه السلام لم يسكت عن ~~حقه. روي عنه عليه السلام أنه قال لولده الحسن عليه السلام: (يا بني ما زال ~~أبوك مدفوعا عن حقه، مستأثرا عليه، منذ قبض رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم حتى يوم الناس، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون) فنسب من دفعه عن ~~حقه ظالما، وقد تهدد الله PageV01P493 الظالمين بالعذاب. # وقال أيضا في خطبة له: (أما والله لقد تقمصها ابن أبي قحافة، وإنه ليعلم ~~أن محلي منها محل القطب من الرحى، ms239 ينحدر عني السيل ولا يرقأ إلي الطير، ~~فسدلت دونها ثوبا وطويت عنها كشحا...) إلى آخر كلامه. فلم يسكت عليه ~~السلام، وإنما وقف لما عدم الأنصار. # ومن ظلم أبي بكر الظاهر أنه منع فاطمة + حقها من ميراث أبيها في فدك ~~والعوالي وغير ذلك، ولم يرض بظلمه لها حتى زاد فنسب ذلك إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم، ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليحرم على ~~ابنته وسائر ورثته الميراث منه، وهو يعلم أن الصدقة محرمة عليهم، والنذور ~~والكفارات. وإذا منعوا آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الميراث -وقد ~~أيضا منعوهم الأخماس- فهل هذا إلا أكبر الظلم؟ # والقول في تقديم عمر وعثمان على علي عليه السلام كالقول في تقديم أبي بكر. PageV01P494 # وأما قيام أمير المؤمنين عليه السلام على معاوية بن أبي سفيان فإنه لما قتل ~~المسلمون عثمان، واضطروا إلى علي عليه السلام وألجؤوا إليه من خوف معاوية ~~لعنه الله، ولحاجتهم إلى القائم، فامتنع من القيام بهم لما علم منهم من قلة ~~الوفاء والصدق، ولم يثق بهم لما تقدم منهم من تقديم أبي بكر وعمر وعثمان ~~عليه، فكره ذلك، فما زالوا يطلبونه القيام، ويعدونه الصبر معه والوفاء له، ~~فلما وجبت عليه الحجة بوجود الأنصار، قام وبايعه المسلمون، فما لبث الزبير ~~بن العوام وطلحة ومن والاهما إلا قليلا ثم نكثوا البيعة، وخرجوا بعائشة إلى ~~البصرة لحرب علي عليه السلام. وموجب ذلك أنهم أرادوا الدنيا، وكان أمير ~~المؤمنين عليه السلام يريد الآخرة، فاختلفت نياتهم وقد قال الله تعالى: ~~{أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا ~~تقتلون}[البقرة:87]، فجمعوا على أمير المؤمنين الأعداء، وحاربوه حربا ~~شديدا. وروي عنه عليه السلام أنه قال: (بليت بأربعة لم يبل بهم أحد: بعائشة ~~بنت أبي بكر أطوع الناس في الناس، وبطلحة بن عبيد الله أنطق الناس في ~~الناس، وبالزبير بن العوام أشجع الناس بالناس، وبيعلى بن منبه التميمي الذي ~~يعين علي بأصواع الذهب والفضة). ثم خرج أمير المؤمنين عليه السلام إلى ms240 ~~الكوفة ودعا أصحاب عائشة إلى كتاب الله وسنة رسول الله فأبوا أن يجيبوا، ~~وسألهم الرجوع إليه فلم يرجعوا، فلما أبوا إلا القتال والفساد (في الأرض) ~~حاربهم ووضع فيهم السيف فقتلهم، PageV01P495 وعقر بعير عائشة، فأمر أمير المؤمنين عليه السلام ولده الحسن ومحمد بن أبي ~~بكر أن يمنعا حرم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ففعلا، وأمر معهما ~~عمار بن ياسر، والأشتر النخعي، وسعد بن قيس الهمداني، ونصره الله عليهم، ~~وقتل طلحة بن عبيد الله، وفر الزبير بن العوام، فبات عند عمير بن جرموز ~~فقتله، فأنكر ذلك عليه أمير المؤمنين عليه السلام وقال: سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم يقول: ((بشروا قاتل ابن صفية بالنار )) ثم عاد إلى ~~المدينة، فأقام بها مدة، ثم خرج إلى الكوفة في قتال معاوية، فدعاه إلى كتاب ~~الله، وسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأبى أن يجيبه، فكان بينهما ~~من الحرب ما قد اشتهر وظهر على الناس، إلى أن كان آخر أيام صفين، وأشفق ~~معاوية من علي عليه السلام، ووقع أكثر القتل في أصحاب معاوية، قيل: إنه قتل ~~منهم خمسة وسبعون ألفا، ومن أصحاب علي خمسة وعشرون ألفا، ثم إن معاوية ~~-لعنه الله- أمر عمرو بن العاص -أخزاه الله- فجعل المصاحف على الرماح، وأمر ~~من يحملها أن يقول: بيننا وبينكم كتاب الله وسنة رسوله، فكفت أصحاب علي ~~عليه السلام، فقال لهم علي: (إنها كلمة حق يراد بها باطل) فلم يقدموا عليهم ~~بعد ذلك، فأقبل على أمير المؤمنين عليه السلام أصحابه وسألوه المحاكمة ~~فقال: أنا أحكم عبد الله بن العباس. فأبوا إلا أبو موسى الأشعري لعنه الله. ~~وحكم معاوية عمرو بن العاص لعنهما الله، فخدع أبا موسى الأشعري وقال: إن ~~عليا ومعاوية قد سفكا دماء المسلمين، وشقا العصا، وأهلكا الناس، وأنا أرى PageV01P496 أن تخلع صاحبك عن الأمر، وأخلع صاحبي. فساعده أبو موسى إلى ذلك، وقدمه عمرو ~~فقال للناس: إنه قد خلع عليا عن الأمر، وقال عمرو: قد ولى معاوية الأمر، ~~فقال أبو موسى له: خدعتني. ms241 فأجازها عليه. فافترقت أصحاب علي عليه السلام، ~~فاستقام معه المخلصون لله، ونفر عنه أكثر الناس، فاختلفت الناس في الحكمين ~~على خمس مقالات: # فقالت الخوارج: الحكمان قد كفرا، وكفر علي عليه السلام حين حكمهما، ~~وعلتهم قول الله: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ~~}[المائدة:44]، وفي تكفير علي عليه السلام بتركه القتال، وقد قال الله ~~تعالى: {فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله }[الحجرات:9] وترك القتال كفر. # وقالت الإمامية: إن عليا عليه السلام حكم للتقية، والتقية تسعه لما يخاف ~~على نفسه، واعتلوا أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد كان للتقية ~~يكتم الدين في أول أمره. # وقالت الزيدية، والمرجئة، وإبراهيم النظام، وبشر بن المعتمر: إن عليا ~~عليه السلام كان مصيبا في تحكيمه الحكمين، وأنه إنما حكم حين خاف على عسكره ~~الفساد، وكان الأمر عنده بينا واضحا، فنظر للمسلمين ليتابعهم، وإنما أمرهما ~~أن يحكما بكتاب الله، فخالفا، فهما اللذان اخطئا وأصاب هو، واعتلوا في ذلك ~~أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وادع أهل مكة، ورد أبا الجندل بن ~~سهيل بن عمرو وتحول في قيده. PageV01P497 # وقالت الحشوية: نحن لا نتكلم في هذا، ونرد أمره إلى الله تبارك وتعالى، ~~والله أعلم به حقا كان أو باطلا. # وقال أبو بكر الأصم: نفس خروجه كان خطأ، وتحكيمه خطأ، إلا أن أبا موسى ~~أصاب حين خلعه، حتى يجتمع المسلمون على إمام. # وقال سائر المعتزلة: إن كل مجتهد مصيب، وعلي قد اجتهد، ولسنا نتهمه. # فهذا ما قيل في الحكومة، والصحيح عندنا أنه غلب على أمره وألجئ إلى ~~قبولها، كما غلب على الأمر في أيام أبي بكر وصاحبيه وألجئ إلى القعود. ثم ~~كان من قتله أهل النهروان ما قد اشتهر لتكفيرهم له وخلافهم عليه. ثم قتله ~~اللعين ابن ملجم -لعنة الله- عليه ليلة الأحد لإحدى وعشرين ليلة من شهر ~~رمضان سنة إحدى وثلاثين منذ قبض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهي سنة ~~إحدى وأربعين من الهجرة. وخرج عليه السلام لتهجده لمصادفة ms242 ليلة القدر. # وأجمعت شيعته عليه السلام على القول: بأن مخالفه من أهل النار، وكذلك قال ~~أكثر المعتزلة، ومن شيعته من حكم على مخالفه بالكفر. # واختلفوا في القول فيمن تقدمه أو قدم عليه. PageV01P498 # فقال أبو الجارود، ومن قال بقوله من الزيدية: علي وصي رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم والإمام بعده بلا فصل، وأن الأمة قد كفرت في تركها بيعته. ~~ثم الإمام بعده الحسن والحسين بالنص، ثم هي بينهم شورى، فمن خرج من ~~أولادهما مستحقا للإمامة فهو الإمام. وكذلك قالت الصالحية [أصحاب] الحسن بن ~~صالح بن حي ومن قال بقوله في الإمامة، إلا أنهم قالوا: إن أبا بكر وعمر غير ~~مخطئين، بسبب سكوت علي عليه السلام عن حقه، وكذلك عثمان إلى أن تبرأ منه ~~المسلمون، وتوقف فيه بعد ذلك. # وكذلك قال ابن التمار ومن قال بقوله من الزيدية، إلا أنهم تبرؤا من عثمان ~~بعد ما عزله المسلمون، وشهدوا على من خالف عليا بالكفر. # وقال سليمان بن جرير ومن قال بقوله في علي والحسن والحسين مثل ذلك، وأن ~~بيعة أبي بكر وعمر خطأ، لا يستحقان عليه إسم الفسق من قبل التأويل، وتبرءوا ~~من عثمان، وشهدوا عليه بالكفر. # وقالت الإمامية في علي والحسن والحسين مثل قولنا، وأثبتوا النص، وقالوا: ~~لا يكون الإمام إلا منصوصا عليه من نبيء أو وصي أو إمام، وسنذكر الرد عليهم ~~في موضعه، إن شاء الله تعالى. # وعندنا أن من تقدم على أمير المؤمنين عليه السلام، أو قدم عليه غيره بعد ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقد ظلمه، وجحد حقه، وفسق، وهو كافر ~~نعمة، فاسق ظالم، وقد تهدد الله الظالمين بالنار والخزي والبوار، وقد صح ~~أنهم ظلموه حقه، وأنكروه سبقه، غير جاهلين ولا شاكين، وكذلك من قدم على ~~الحسن، والحسين، والصالح من أولادهما". PageV01P499 ### ||| AUTO فصل في الكلام في إمامة الحسن والحسين عليهما السلام # وقد قدمنا الكلام من العقل والإجماع أنه يجب أن يقدم في الإمامة الأفضل ~~من الأمة؛ والأفضل: من جمع وجوها من المحامد لا يجمعها غيره. ms243 # منها: القرابة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المشبه به بالنص. # ومنها: العلم، والدين، والورع، واليقين، والزهد، والكرم، وطيب المولد، ~~وحسن الشيم. # والأمة مجمعة على أنه ما كان في عصرهما بعد أبيهما أجمع لهذه المحامد ~~منهما، فأما القرابة فلأنهما من ذرية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~ونسله؛ ولأنهما ابنا ابنته وولدا ابن عمه. # والذي يدل على أن ابن البنت من الذرية قول الله تعالى في إبراهيم صلى ~~الله عليه وآله وسلم: {ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا ونوحا هدينا من ~~قبل ومن ذريته داوود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين ~~، وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحين ، وإسماعيل واليسع ويونس ولوطا ~~وكلا فضلنا على العالمين ، ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم واجتبيناهم ~~وهديناهم إلى صراط مستقيم}[الأنعام:84-87]، فبين أن عيسى عليه السلام من ~~ذرية إبراهيم عليه السلام بسبب أمه. والحسن والحسين إلى محمد صلى الله عليه ~~وآله وسلم أقرب من عيسى إلى إبراهيم صلى الله عليهما، فصح أنهما من ذريته ونسله. PageV01P500 # ويؤيد ذلك ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((كل بني ~~أنثى ينتسبون إلى أبيهم غير إبني فاطمة فأنا أبوهما وعصبتهما)) فصح أنهما ~~أقرب الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولم ينازعهما أحد في ~~ادعاء الأمر من بني هاشم، وفي الإشارة ما روي عن ابن عباس رضي الله عنه ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الحسن والحسين: ((من أحبهما ~~في الجنة ومن أبغضهما في النار)). وعن أبي هريرة قال: نظر رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم إلى علي وفاطمة والحسن والحسين فقال: ((أنا حرب لمن ~~حاربهم ، سلم لمن سالمهم)). وعن حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم: ((جاءني ملك من الملائكة لم يهبط إلى الأرض قبل ليلتي هذه ، ~~فاستأذن ربه عز وجل أن يسلم علي فبشرني (أو فأخبرني) أن الحسن والحسين سيدا ~~شباب أهل الجنة، وأن فاطمة سيدة نساء أهل ms244 الجنة)). # وروي عن النبيء صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((الحسن والحسين إمامان ~~قاما أو قعدا )). وروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((الحسن ~~والحسين إمامان وأبوهما خير منهما )) فصح أنهما أولى الناس بمقام رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم بعد أبيهما، وأن النص في إمامة علي، والحسن، ~~والحسين، دون غيرهم. وثبت أيضا أن الحسن الإمام في عصر أخيه القائم، ~~لكبره، وتقدمه، ودعوته، وتسليم [أخيه] الأمر إليه. PageV01P501 # وكان من دعوته عليه السلام: أنه لما قتل والده أمير المؤمنين، وغسله، ~~وكفنه، وقبره، وضربت عنق ابن ملجم -لعنه الله، صعد المنبر فخطب الناس ونعى ~~عليا عليه السلام، فقال في خطبته: (إن رجلا من أعداء الله، المارقة عن دينه ~~اغتال أمير المؤمنين كرم الله وجهه ومثواه في الجنة في مسجده، وهو خارج ~~لتهجده في ليلة يرجو فيها مصادفة ليلة القدر، فقتله، فيا لله من قتيل، ~~فأكرم به وبروحه من روح عرجت إلى الله بالبر والتقوى والإيمان، والهدى ~~والإحسان، لقد أطفأ به نور الله في أرضه، وهدم ركنا من أركان الإسلام، لا ~~يشاد مثله، فإنا لله وإنا إليه راجعون، وعند الله نحتسب مصيبتنا في أمير ~~المؤمنين، ورحمه الله يوم ولد ويوم قتل ويوم يبعث حيا). ثم بكى حتى اختلجت ~~أضلاعه ثم قال: (وقد أوصى بالإمامة إلى ابن رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم وابنه وسليله، وشبهه في خلقه، لأن يجبر الله به ما قد وهى، ويسد به ما ~~ثلم، ويجمع الشمل، ويطفئ نار الفتنة، فبايعوه ترشدوا). PageV01P502 # فبايعه الشيعة كلهم، وهرب قوم فلحقوا بمعاوية، وأرسل معاوية إلى الذين ~~بايعوه، فلم يزل يعمل فيهم بالكتب حتى خذلوه، ودخل عليه قوم منهم فطعنوه ~~بخنجر، وأرادوا قتله وقتل أخيه وأهل بيتهما، وكان قد خرج من المدينة في حرب ~~معاوية، فكتب إليه معاوية لعنه الله يسأله الرجوع إلى المدينة والمهادنة، ~~ويلزم كما لزم أبوه في عصر أبي بكر وعمر وعثمان، وعلى أنه يحكم في أمة محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم بالكتاب والسنة، وعلى ms245 انه يدفع الخمس إليه الذي ~~أوجبه الله لبني هاشم، كما كان يدفع إلى أبيه في وقت أبي بكر وعمر وعثمان، ~~ففعل ذلك، وهادنه لما عدم الأنصار، ورجع المدينة هو وأخوه ومن كان معهما، ~~فما زال معاوية لعنه الله يعمل فيه حتى قتله بالسم. # ثم مات معاوية، وولى أمره ولده يزيد لعنه الله، وهو أول من أظهر الفسق ~~وشرب الخمر في الإسلام، ثم إن قوما من أهل الكوفة استدعوا الحسين بن علي ~~عليهما السلام وبايعوه ووعدوه بالنصر، فخرج إليهم ووالي البلد عبيد الله بن ~~زياد من قبل يزيد بن معاوية لعنهم الله، فحاربه حتى قتله بكربلاء وأهل ~~بيته، ووجه بحرمه وبرأسه إلى يزيد بن معاوية، وردهم يزيد إلى المدينة. ~~فجاهدا عليهما السلام، ولم يتركا لله عليهما حجة، وفعل بهما كما فعل ~~بالأنبياء والأئمة من قبلهما. PageV01P503 ### ||| AUTO فصل في الكلام في الأئمة من بعدهما # وقد قدمنا الكلام في إجماع الأمة على أن الإمام [هو] الجامع للمحامد؛ ~~منها: القرابة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ودللنا على أن الحسن ~~والحسين أقرب الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فكما كانا أقرب ~~الناس إلى رسول الله كذلك أولادهما. # ومن طريق النظر أن الإمامة لو كانت في جميع الناس لأدى ذلك إلى الفساد ~~والإلتباس، ولوضع الشيء في غير أهله، ورد الفرع إلى غير أصله، ولعسر على ~~الناس طلب الإمام، وكان في ذلك فساد الإسلام، وكثر المدعون للمقام وكان ذلك ~~سببا لتعطيل الأحكام. وأيضا فقد جرت سنة الله في الأولين بتقديم ذرية ~~النبيئين صلوات الله عليهم أجمعين. فصح أن الإمامة في ولد الحسن والحسين ~~محصورة، وعلى غيرهم محظورة. والذي يدل على ما ذهبنا إليه قول الله تعالى: ~~{قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى }[الشورى:23]، وقوله: ~~{أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم}[النساء:59]، وقد وصى بمودة ~~ذوي القربى وهي أجر الرسالة، فصح أن ذوي القربى هم أولو الأمر. PageV01P504 # وقد دللنا على أن أولاد الحسن والحسين أقرب ذوي القربى، فثبت أنهم ms246 ولاة ~~الأمر، وقال الله تعالى: {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ~~ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل ~~الكبير}[فاطر:32]، فصح أن أهل الصفوة الذين أورثهم الله كتابه هم الذين أمر ~~الله بمودتهم؛ وهم: علي والحسن والحسين وأولادهما. # وقوله: {فمنهم ظالم لنفسه} فإنه أراد أنه منهم في النسب، وقد ظلم نفسه ~~وأخرجها من الطاعة لربه إذ لم يحل بينه وبين ما أراد الله منه إلا نفسه، ~~وهو العاصي لربه المضيع لحقه. # وقوله: {ومنهم مقتصد} يريد أن منهم من لم يبلغ درجة الإمامة، وهو من حد ~~العالم الذي لم يدع الإمامة إلى حد المتعلم المطيع لربه، وكل هؤلاء مقتصد ~~عن درجة السبق، وليس اقتصادهم بسواء، منهم من لم يمنعه من القيام إلا عدم ~~الأنصار، ومنهم من هو دون ذلك. PageV01P505 # وقوله: {ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله} يريد الإمام الذي دعا الناس إلى ~~طاعة ربه، وباين الظالمين، وعادى الفاسقين، فذلك هو السابق، ويبين ذلك ما ~~يتلو هذه الآية من قوله: {جنات عدن يدخلونها يحلون فيها من أساور من ذهب ~~ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير}[فاطر:33]، فوعد المحسنين السابقين، والمقتصدين، ~~وأوعد الظالمين فقال: {والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليهم فيموتوا ~~ولا يخفف عنهم من عذابها...} إلى قوله: {فذوقوا فما للظالمين من ~~نصير}[فاطر:36،37]، فبين أنهم الذين عنى بقوله: {فمنهم ظالم لنفسه} وذكر ~~الكفر هاهنا هو يجمع كفر الجحدان وكفر النعمة، ثم قال بعد ذلك: {هو الذي ~~جعلكم خلائف في الأرض فمن كفر فعليه كفره ولا يزيد الكافرين كفرهم عند ربهم ~~إلا مقتا ولا يزيد الكافرين كفرهم إلا خسارا}[فاطر:39] فبين ما قلنا. PageV01P506 # وذهبت المطرفية: إلى أن الظالم هو الذي ظلم نفسه درجة السبق، ولو كان مطيعا ~~لله متعلما تقيا، وهذا التفسير خلاف الكتاب والسنة. ولو كان ذلك يسمى ~~ظالما، لكان يستحق النار؛ لأن الله تعالى قد أوعد الظالمين بالنار فقال ~~تعالى: {فما للظالمين من نصير }[فاطر:37]، وقال تعالى: {ترى الظالمين ~~مشفقين مما كسبوا وهو واقع بهم} [الشورى:22]، وقال: {وما ظلمونا ms247 ولكن كانوا ~~أنفسهم يظلمون }[البقرة:57]. # وعن الحسكاني بإسناده عن زيد بن علي عليهما السلام في قول الله تعالى: ~~{ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا ...}الآية[فاطر:32] قال: ~~(الظالم: المختلط منا بالناس، والمقتصد: الفائز، والسابق: الشاهر سيفه يدعو ~~إلى سبيل ربه). وعنه أيضا بإسناده عن علي عليه السلام قال: سألت النبيء صلى ~~الله عليه وآله وسلم عن تفسير هذه الآية فقال: ((هم ذريتك وولدك ، إذا كان ~~يوم القيامة خرجوا من قبورهم على ثلاثة أصناف: الظالم لنفسه يعني الميت ~~بغير توبة، ومنهم مقتصد استوت حسناته وسيئاته من ذريتك، ومنهم سابق ~~بالخيرات: من زادت حسناته على سيئاته من ذريتك))، فسقط قولهم وصح قولنا. ~~فهذا ما جاء في الكتاب من ذكر أهل البيت ". PageV01P507 # ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما نورده، فإنه روي عن رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((تركت فيكم الثقلين ما إن تمسكتم ~~بهما لن تضلوا من بعدي أبدا كتاب الله وعترتي أهل بيتي فإنهما لن يفترقا ~~حتى يردا علي الحوض)). # وروي عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((إتقوا الله في عترتي )) ~~(قال ذلك ثلاث مرات). وعترته هم أهل بيته، وعترة الرجل هم ذريته وأهل بيته، ~~قال الشاعر: # كأن أباهم دارما وكأنهم # لشقشقة من نسل قيس بن عاصم # إذا عترة القوم الشريف تفاخرت # لصلب أب من حي سعد ودارم # وجدت لنا في خندف خير بيتها # إذا لم تجد ندا لنا في الأراقم # فصح أن العترة هم أهل البيت". # وروي عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((مثل أهل بيتي فيكم كمثل ~~سفينة نوح من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق وهوى)). # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((ما بال أقوام من ~~أمتي إذا ذكر عندهم آل إبراهيم استبشرت قلوبهم وتهللت وجوههم، وإذا ذكر ~~عندهم أهل بيتي اشمأزت قلوبهم، وكلحت وجوههم، والذي بعثني بالحق نبيئا لو ~~أن الرجل منهم لقي الله بعمل سبعين نبيئا ثم لم يلقه بولاية ms248 أولي الأمر من ~~أهل بيتي ما قبل الله منه صرفا ولا عدلا)). # وأيضا فإن أهل البيت " مجمعون على أن الإمامة محصورة في ولد الحسن ~~والحسين، وأنها محظورة على غيرهم، وإجماعهم حجة. PageV01P508 # وذهبت بعض المعتزلة إلى أن الإمامة في جميع الناس جائزة. وكذلك قالت ~~الخوارج، إلا النجدات منهم، فإنهم قالوا: لسنا نحتاج إلى إمام، إنما علينا ~~أن نقيم كتاب الله فيما بيننا. # وقد قدمنا الرد على المعتزلة والخوارج في قولهم: الإمامة في كل الناس، ~~بما قدمنا من الكتاب والسنة والعقل. # والرد على النجدات من كتاب الله، قوله تعالى: {ولتكن منكم أمة يدعون إلى ~~الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون}[آل ~~عمران:104]، ولا يصح الدعاء إلى الخير، وإلى الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر إلا للإمام، وقوله تعالى: {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله ~~الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين}[آل عمران:142]، ولا يتم لهم الجهاد إلا ~~مع الإمام. وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((من ~~مات لا يعرف إمام عصره مات ميتة جاهلية)) وتفسير ذلك: أن تعرفه فإن كان ~~عادلا اتبعته، وإن كان جائرا اجتنبته. # وروي عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((إن ~~الجنة لا تحل لعاص ، ومن لقي الله ناكثا بيعته لقي الله وهو أجذم، ومن خرج ~~من الجماعة قيد شبر متعمدا فقد خلع ربقة الدين من عنقه، ومن مات ليس إمام ~~جماعة -ولا لإمام جماعة في عنقه طاعة- أماته الله ميتة جاهلية)). PageV01P509 # والعقل يحكم أن الأمة لا تستغني عن الإمام، وبسبب فقده وعدمه ومعصية الناس ~~له فسد الدين وفسد الناس، والأمة مجمعة على أن قيام الإمام واجب، وأنه لا ~~غنى للناس عنه. وأيضا فإن أهل البيت" مجمعون على أن الإمامة محصورة في ولد ~~الحسن والحسين، محظورة على غيرهم، وإجماعهم حجة. # والدليل على أن إجماعهم حجة قول الله تعالى: {قل لا أسألكم عليه أجرا إلا ~~المودة في القربى }[الشورى:23]، فلما أوجب الله مودتهم وجب ترك مخالفتهم، ~~لأن ms249 مخالفتهم خلاف المودة، والعقل يحكم بذلك، وقال تعالى: {وجاهدوا في الله ~~حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو ~~سماكم المسلمين...}الآية[الحج:78]، وهو تعالى لا يختار شهداء إلا العدول ~~الذين لا يجمعون على خطأ، وليس لأحد أن يقول: (إن) هذا عام في ولد إبراهيم؛ ~~لأن من سوى أهل البيت " خرج من حكم هذه الآية بالإجماع، فبقيت الآية ~~متناولة لهم. # وقالت المرجئة والحشوية، وسائر المجبرة: الإمامة في قريش من صلح منهم ~~للإمامة. وقد قدمنا الاحتجاج عليهم وعلى المعتزلة والخوارج ما فيه كفاية، ~~وقد قال الله تعالى: {قد أنزل الله إليكم ذكرا ، رسولا}[الطلاق:10،11] فسمى ~~رسوله ذكرا، ثم قال: {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون }[النحل:43]. PageV01P510 # وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((إني تارك فيكم الثقلين كتاب ~~الله وعترتي أهل بيتي)). وروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه ~~قال: ((أحبوا الله لما يغذوكم به من نعمته ، وأحبوني لحب الله، وأحبوا أهل ~~بيتي لحبي)) فصح أن لأهل بيته صلى الله عليه وآله وسلم مزية ليست لغيرهم؛ ~~ولأنهم مجمع عليهم، وغيرهم مختلف فيه. # واختلفت الأمة في الإمامة وفي عقدها، فعند الزيدية أن الإمامة تحصل ~~للإمام وتجب عند من تعرف منه القرابة بأن يكون من ولد الحسن والحسين، ويكون ~~عالما بما يحتاج إليه من أصول الدين وفروعه، ويكون جيد التمييز، عارفا ~~لمحكم الكتاب ولمتشابهه، عارفا بجملة من الأخبار عن النبيء المختار صلى ~~الله عليه وآله وسلم، ويكون عارفا بجملة من الوفاق والخلاف، ويكون ورعا ~~عفيفا، طيب المولد والمنشأ، ويكون مستقيم اللسان، معروفا بالكرم والإحسان، ~~غير مهين ولا جبان، فإذا تم فيه ما ذكرنا، ودعا الناس إلى طاعة الله وإلى ~~الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجبت بيعته ولزمت طاعته. PageV01P511 # والإمامة عند جميع الشيعة الزيدية والإمامية حكم من الله تعالى وأمر؛ وهي ~~نعمة وبلية، ومن العبد الائتمار، وهو الشكر على النعمة، والصبر على البلية، ~~وكذلك النبوءة، قال الله تعالى: {وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال ms250 ~~إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي ~~الظالمين}[البقرة:124]، فصح أن النبوءة والإمامة، أمر من الله تعالى، وقد ~~قال الله تعالى: {ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة ~~}[الجاثية:16]، وقال: {وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا ~~بآياتنا يوقنون}[السجدة:24]، وقال تعالى: {أم يحسدون الناس على ما آتاهم ~~الله من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا ~~عظيما}[النساء:54]، وقال تعالى -حاكيا عن موسى عليه السلام: {اذكروا نعمة ~~الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا وآتاكم ما لم يؤت أحدا من ~~العالمين}[المائدة:20]، فصح أن النبوءة والإمامة (أمر) من الله تعالى نعمة وبلية. # وذهبت المطرفية إلى أن النبوءة والإمامة فعل النبيء والإمام. وقد قدمنا ~~الاحتجاج عليهم، وعلى من قال بقولهم في الإمامة بما فيه كفاية. PageV01P512 # وقد نص القاسم بن إبراهيم والهادي إلى الحق عليهما السلام على أن الإمامة ~~من فعل الله تعالى، فقال القاسم عليه السلام في كتاب (تثبيت الإمامة) بعد ~~(أن) ذكر الأنبياء" قال: ثم أبان الإمامة من بعدهم، ودل الأمة فيهم على ~~رشدهم، بدليلين مبينين، وعلمين مضيئين، لا يحتملان لبس تغليط، ولا زيغ شبهة ~~تخليط، لا يطيق خلقهما متقن، ولا يحس تخلقهما محسن، ولي ذلك منهما وفيهما، ~~ومظهر دلالة صنعه عليهما الله رب العالمين، وخالق جميع المحدثين، وهما: ما ~~لا يدفعه عن الله دافع، ولا ينتحل صنعه مع الله صانع؛ من القرابة إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم، وما جعل من احتمال كمال الحكمة في من ~~الإمامة فيه. وحد الحكمة وحقيقة تأويلها: درك حقائق الأحكام كلها، فاسمع ~~لقول الله تعالى فيما ذكرنا من مكان قرابة المرسلين، وما جعل الله من وراثة ~~النبوءة من أبناء النبيئين، قال تعالى: {ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم وجعلنا ~~في ذريتهما النبوة والكتاب فمنهم مهتد وكثير منهم فاسقون}[الحديد:26]. وقال ~~الهادي إلى الحق عليه السلام في كتاب الأحكام: (تثبت الإمامة للإمام، وتجب ~~له على جميع الأنام بتثبيت الله لها فيه، وجعله إياها له. وذلك فإنما يكون ~~من الله إليه إذا ms251 كانت الشروط المتقدمة التي ذكرنا فيه، فمن كان من أولئك ~~كذلك، فقد حكم الله سبحانه له بذلك، رضي بذلك الخلق أم سخطوا) إلى آخر ~~الباب. فإنه جعل لذلك بابا مفردا. وقد غلطت المطرفية في قولها، وخالفوا أهل البيت" PageV01P513 # وشيعتهم، ووافقوا مخالفي أهل البيت. # وقالت المعتزلة والمجبرة والخوارج: تثبت الإمامة للإمام بالشورى. ~~واختلفوا في كمية من تثبت به. فقال قوم: تثبت بالإجماع. وقال قوم: تثبت ~~بالخبر المتواتر. وقال قوم: تثبت بالخبر الذي يضطر إلى قبوله. # وقال أبو الهذيل: تثبت بعشرين رجلا، واستدل بقول الله تعالى: {إن يكن ~~منكم عشرون صابرون }[الأنفال:65]. # وقال قوم: تثبت باثنين كما أنه يقتل القاتل بشهادتهما. وقال قوم: تثبت بواحد. # وقد قدمنا الاحتجاج عليهم أنها لا تثبت إلا بحكم الله. ولم يخالفوا في ~~النبوءة. # وذهبت الإمامية إلى أن الإمامة لا تجب إلا بالنص، وسنورد قولهم والاحتجاج ~~عليهم -إن شاء الله- في موضعه. PageV01P514 ### ||| AUTO فصل في الكلام في إمامة زيد بن علي عليهما السلام ومن قام ~~بعده من الأئمة عليهم السلام # فإنه لما قتل الحسين عليه السلام وأهل بيته، وجرى عليهم ما جرى في ~~كربلاء، ضعفوا لذلك، ولم يسلم من القتل إلا أولاد صغار، منهم علي بن الحسين ~~عليه السلام، ومنهم زيد بن الحسن، والحسن بن الحسن، وأقاموا مدة طويلة لم ~~يقم منهم أحد، وبلغ علي بن الحسين السعي، وانتهى في الدين والعلم والورع ~~والزهد واليقين، وسمي عليه السلام زين العابدين. وقد روي عن النبيء صلى ~~الله عليه وآله وسلم أنه قال للحسين بن علي عليهما السلام: ((يولد لك بعدي ~~غلام يسمى سيد العابدين)). # وروي في الخبر: ((ينادى يوم القيامة: ليقم سيد العابدين ، فيقوم علي بن ~~الحسين عليهما السلام)). PageV01P515 # وكان من أمر زيد بن علي عليهما السلام: أنه لما علم أن الحجة قد وجبت عليه ~~لله دعا إلى طاعة الله، وإلى الجهاد في سبيل الله، وإلى الأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر، وكان في وقت هشام بن عبد الملك، فأجابه قوم، والتأموا ~~إليه بعد مدة، ثم إنه خرج في قتال ms252 هشام، وقد خرج في لقائه يوسف بن عمرو ~~الثقفي فإنه بلغنا عن زيد بن علي عليهما السلام أنه كتب كتائبه، فلما خفقت ~~راياته رفع يديه إلى السماء ثم قال: (الحمد لله الذي أكمل لي ديني، والله ~~ما يسرني أني لقيت محمدا صلى الله عليه وآله وسلم ولم آمر (في) أمته ~~بالمعروف، ولم أنههم عن المنكر، والله ما أبالي إذا أقمت كتاب الله عز وجل، ~~وسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن أججت لي نار ثم قذفت فيها ثم ~~صرت فيما بعد ذلك إلى رحمة الله، والله لا ينصرني أحد إلا كان في الرفيق ~~الأعلى مع محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ونحن بنوه يا معاشر الفقهاء ويا ~~أهل الحجا أنا حجة الله عليكم، ثم هذه يدي مع أيديكم، على أن نقيم حدود ~~الله، ونعمل بكتاب الله، ونقسم بينكم بالسوية، فاسألوني عن معالم دينكم فإن ~~لم أنبئكم عما سألتم عنه فولوا من شئتم ممن علمتم أنه أعلم مني، والله لقد ~~علمت علم أبي علي بن الحسين، وعلم جدي الحسين بن علي، وعلم علي بن أبي طالب ~~وصي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعيبة علمه، وإني لأعلم أهل بيتي، ~~والله ما كذبت كذبة منذ عرفت يميني من شمالي، ولا انتهكت محرما منذ عرفت أن ~~الله يؤاخذني به، هلموا فاسألوني) ثم سار حتى انتهى إلى PageV01P516 الكناسة فحمل على جماعة من أهل الشام كانوا بها، ثم سار إلى الجبانة، ويوسف ~~بن عمرو مع أصحابه على التل فشد بالجمع على زيد وأصحابه. # قال راوي الحديث وهو أبو معمر: فرأيته عليه السلام يشد عليهم كأنه الليث ~~حتى قتلنا منهم أكثر من ألفي رجل، ما بين الحيرة والكوفة، وتفرقنا فريقين، ~~وكنا من أهل الكوفة أشد خوفا. # قال أبو معمر: فلما كان يوم الخميس حاصت منا حيصة (منهم)، واتبعتهم ~~فرساننا فقتلنا أكثر من مائتي رجل، فلما جن الليل -ليلة الجمعة -كثر فينا ~~الجراح، واستبان فينا الفشل، وجعل زيد يدعو ويقول: (اللهم إن هؤلاء يقاتلون ms253 ~~عدوك، وعدو رسولك عن دينك الذي ارتضيته لعبادك فأجزهم أفضل ما جزيت أحدا من ~~عبادك المؤمنين)، ثم قال: احيوا هذه الليلة بقراءة القرآن، والدعاء ~~والتهجد، والتضرع إلى الله، وأنا أعلم والله ما أمسى على وجه الأرض عصابة ~~أنصح لله تعالى ولرسوله عليه السلام وللإسلام منكم. فكان غاية أمره أنه ~~قتله يوسف بن عمرو -لعنه الله- وصلبه في الكوفة، فأقام على الخشبة سنتين ثم ~~أحرقه، ونسف رماده في البحر، لعن الله قاتله وباغضه وخاذله. # ثم قام من بعده ولده يحيى بن زيد عليهما السلام في ولاية يزيد بن عبد ~~الملك، فخرج له عسكره فقتل هو وشيعته بخراسان بموضع يقال له: (جوزجان). ثم ~~انتقم الله من بني أمية بعده ودمرهم، فقطع دابرهم -لعنهم الله- وكانت ~~ولايتهم ألف شهر. # وقيل: إن بني أمية -لعنهم الله- هم الشجرة الملعونة في القرآن. PageV01P517 # ثم آل الأمر بعدهم إلى بني العباس، ثم قام محمد بن عبد الله بن الحسن بن ~~الحسن " وهو النفس الزكية فدعا الناس إلى طاعة الله، فخرج إليه أبو ~~الدوانيق عسكره فقتل عليه السلام وجماعة من أهل بيته وأصحابه رحمهم الله، ~~وسال دمه إلى أحجار الزيت في جانب من المدينة كما جاء في الخبر، فإنه روي ~~عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه خرج ذات يوم فوقف في موضع من ~~المدينة ثم قال لأصحابه: ((ألا إنه سيقتل في هذا الموضع رجل من ولدي إسمه ~~كاسمي، واسم أبيه كاسم أبي، حتى يسيل دمه إلى أحجار الزيت على قاتله ثلث ~~عذاب أهل النار)). # وقد روي عن الهادي إلى الحق عليه السلام أنه قال: بين محمد بن عبد الله ~~النفس الزكية، وبين المهدي عليه السلام خمسة عشر إماما، والمهدي آخر ~~الأئمة". # ثم قام من بعده أخوه إبراهيم بن عبد الله" فدعا الناس إلى طاعة الله، ~~بناحية البصرة، فخرج إليه أبو الدوانيق عسكره، فحاربه حتى قتل عليه السلام ~~بموضع يقال له: باخمرا. # ثم قام الحسين بن علي بن الحسن بن الحسن بن الحسن" فدعا إلى طاعة الله، ~~فبايعه قوم ms254 ثم خرج يريد الحج هو ومن معه، فلما صار بفخ في جانب مكة خرج ~~إليه أمير مكة بعسكره ومن أجابه من الحاج، فحاربوه حتى قتلوه وجماعة من أهل ~~بيته وأصحابه رحمهم الله، والذي جهد في قتله موسى بن محمد بن أبي الدوانيق ~~لعنه الله. PageV01P518 # ثم قام من بعده يحيى بن عبد الله -أخو النفس الزكية"- فبايعه قوم وخرج إلى ~~ناحية طبرستان، فلم يزل هارون بن محمد -لعنه الله- يتعمل فيه، حتى وقع في ~~يده، وكان قد عقد له العقود، وحمل المواثيق المغلظة، فلم ينظر في ذلك وقتله. # ثم قام محمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي ~~بن أبي طالب" بسواد الكوفة، فدعا إلى طاعة الله -وكان ذلك في عصر المأمون- ~~فأدركه الموت بعد أربعة أشهر من مقامه فمات عليه السلام. # وكان المأمون محبا لآل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكان ~~يناظر فقهاء العامة على فضل أمير المؤمنين عليه السلام ويفضله على أبي بكر ~~وعمر وعثمان، ويقول: إنه أولى منهم بمقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. PageV01P519 # ومن حبه لآل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم روي عنه: أنه لما مات محمد ~~بن جعفر الصادق عليهما السلام ركب ليشهده -وكان موته عنده- فلقيهم وقد ~~خرجوا به، فلما نظر السرير، نزل ودخل تحت العمود حتى وضع، وتقدم وصلى عليه، ~~ولم يزل حتى بني عليه، ثم قام على القبر، فقال له عبيد الله بن الحسين ودعا ~~به: يا أمير المؤمنين إنك [قد] تعبت فلو ركبت، قال المأمون: هذه رحم مجفوة ~~منذ مائتي سنة. قال إسماعيل بن محمد بن جعفر: قلت لأخي -وهو إلى جنبي: لو ~~كلمناه في دينه فلا نجده في وقت أقرب من وقتنا هذا، فابتدأ هو فقال: كم ترك ~~أبو جعفر من الدين؟ قلنا: خمسة وعشرين ألف دينار، قال: قد قضى الله عنه، ~~وترجل له إسماعيل بن محمد بن جعفر، قال الشيخ بن الشيخ فأمر له بخمسة ~~وعشرين ألفا بدين أبيه، فصك له بها ms255 إلى الأهواز، يعطى بها الآرز، فغلا ~~الآرز فباعه بخمسين ألف دينار. # وروي أنه كان أمر إلى القاسم بن إبراهيم عليه السلام بمال كثير فرده ولم ~~يقبله اختيارا منه للفقر على الغنى، وزهدا منه عليه السلام في الدنيا وفي ~~أهلها. فلم يفعل فعال المأمون بن هارون من بني العباس سواه. # وروي أنه رد فدكا والعوالي على بني فاطمة، ومثل ذلك فعل عمر بن عبد ~~العزيز من بني أمية، فإنه روي أنه رد فدكا على محمد بن علي الباقر عليهما ~~السلام، وفي عمر بن عبد العزيز يقول كثير عزة: # وليت فلم تشتم عليا ولم تخف # بريا ولم تتبع سجية مجرم # وقلت فصدقت الذي قلت بالذي # فعلت فأضحى راضيا كل مسلم PageV01P520 ثم قام القاسم بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي ~~بن أبي طالب" فدعا إلى طاعة الله، وكان خروجه بغربي مصر فأجابه منهم كثير، ~~وبايعوه وأقام معهم مدة قليلة ثم سألوه عن أبي بكر وعمر فقال: كانت لنا أم ~~صديقة ابنة صديقة ماتت وهي غضبانة عليهما، ونحن غاضبون لغضبها، لقول رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((إن الله يغضب لغضب فاطمة )). فغضبوا عليه، ~~فلما رأى منهم الكراهة له والإدبار عنه لحق بجبال الرس فأقام بها مدة وأظهر ~~دين جده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأظهر علم أهل البيت " ولم ~~يظهر قبله أحد لأجل ولاية بني أمية وبني العباس كما ظهرت علوم العامة، ~~وسنذكر من ذلك طرفا في موضعه إن شاء الله تعالى. فما زال عليه السلام يعلم ~~الناس، وينشر العلم حتى توفي هنالك عليه السلام ثم لزم مجلسه ولده محمد بن ~~القاسم ". PageV01P521 # ثم قام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين بن القاسم بن إبراهيم بن إسماعيل بن ~~إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب"، فخرج إلى اليمن وكان قد ~~استدعاه بعض أهل اليمن، فدعا إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله ~~وسلم، وإلى طاعة الله والجهاد في سبيله، فأجابه ms256 قوم من أهل اليمن وخالفه ~~أكثرهم، فحارب الظالمين وحاربوه، وأخافهم وأخافوه، وباينهم وباينوه، ثم وصل ~~إليه قوم من أهل طبرستان، أهل علم ودين فنصروه، وأظهر من علم أهل البيت" ما ~~لم يظهره غيره (من الأئمة)، وجاهد جهادا شديدا، وبلغ في أعداء الله وأعدائه ~~ما لم يكن يبلغه غيره من الأئمة "، ونفى ولاة بني العباس من اليمن، حتى بلغ ~~بعضهم العراق يطلب النصرة عليه من هنالك، وبلغ له شعر إلى العراق يتهددهم ~~فيه يقول فيه: # فلئن تمكنني المنية فينة # إن المنية قد تعول وتصرع # فعلي أن أوطئ السنابك عنوة # مدن العراق ومن بها يترفع # حتى أجازيهم بما قد قدموا # مثلا بمثل والأنوف تجدع # فأظهر الأحكام، وأعز الإسلام، وكفل الأيتام، وعدل في الرعية، وقسم ~~بالسوية، وأحيا الدين، وأعز المؤمنين، وأذل الفاسقين، وأخرج أكثر أهل اليمن ~~من قول المجبرة المشبهين، ثم توفي بصعدة عليه السلام ورحمه الله يوم ولد ~~ويوم يموت ويوم يبعث حيا. PageV01P522 # ثم قام ولده محمد بن يحيى المرتضى" فبايعه شيعة أبيه، وأمر بالمعروف ونهى ~~عن المنكر مدة ثم ناله مرض، فقام أخوه أحمد بن يحيى الناصر" فدعا إلى طاعة ~~الله، وإلى الجهاد في سبيله، فجاهد القرامطة والظالمين حتى أذلهم وكف حدهم ~~وأوهن عراهم، وطردهم من كثير من البلاد ونفاهم، وأكد شريعة أبيه في اليمن، ~~وأظهر فيه كل الفرائض والسنن. وتوفي هو وأخوه عليهما السلام بصعدة. # وكانت ولاية الهادي إلى الحق عليه السلام خمس عشرة سنة، وتوفي عليه ~~السلام يوم الأحد لعشرين يوما من ذي الحجة سنة ثمان وتسعين ومائتين(298ه) ~~وكانت ولاية المرتضى عليه السلام سنتين، وتوفي في المحرم سنة عشر وثلاثمائة ~~سنة (310ه) وكان في مدة حياته في ولاية أخيه بصعدة، يعضده ويعينه ويقويه ~~ويقول بإمامته. # وبلغنا أنه لما قتل قتلة من القرامطة يقال: إنه قتل منهم ألفي قتيل أبرد ~~إلى أخيه يبشره بذلك، فرد عليه المرتضى عليه السلام الجواب يقول فيه: # ورد البريد مبشرا برسالة # من بعد قتلك للعدى بثلاث # فوددت أني كنت حاضر وقعة # أودت بكل منافق نكاث ms257 # حتى أجول على الحصان بصعدة # ولدى النزال بالمهند جاثي # دون الإمام بن الإمام أخ النهى # أبغي الرضا لخالقي وغياثي # وكانت ولاية أحمد بن يحيى الناصر ثلاثا وعشرين سنة. PageV01P523 # وقام الحسن بن علي الناصر عليه السلام -من ولد الحسين بن علي عليه السلام- ~~في عصر الهادي إلى الحق عليه السلام وجاهد في الديلم فدعا إلى طاعة الله، ~~وجاهد في سبيل الله، وكان أهل الديلم من قبله مشركين، فردهم مؤمنين. # روي عنه عليه السلام أن أصناف الرعية ازدحموا في مجلسه حين دخل آمل، فخطب ~~خطبة قال فيها: (أيها الناس إني دخلت بلاد الديلم وهم مشركون يعبدون الشجر ~~والحجر، لا يعرفون خالقا، ولا يدينون دينا، فلم أزل أدعوهم إلى الإسلام ~~وأتلطف بهم حتى دخلوا فيه أرسالا، وأقبلوا إليه إقبالا، وظهر فيهم الحق، ~~وعرفوا العدل والتوحيد، فهدى الله بي منهم زهاء مائتي ألف من رجل إلى ~~امرأة، فهم الآن يتكلمون بالعدل والتوحيد مستبصرين، ويتناظرون مجتهدين، ~~ويدعون إلى الله محسنين، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويقيمون حدود ~~الصلوات المكتوبات والفرائض المفروضات، وفيهم من لو وجد ألف دينار ملقى على ~~الطريق لم يأخذ ذلك لنفسه، وينصبه على رأس عود ينشده ويعرفه، ثم قاموا ~~بنصرتي، وناصبوا آباءهم وأبناءهم وأكابرهم الحرب، فهم من هواي وأتباع رأيي ~~في نصرة الحق وأهله، لا يولي أحد منهم من عدوه، ولا يعرف غير الإقدام، فلو ~~لقيت منهم ألف جريح، لم تلق منهم جريحا في قفاه وظهره، وإنما جراحاتهم في ~~وجوههم وأحداقهم، يرون الفرار من الزحف كفرا، والقتل شهادة وغنما). ثم قال ~~في آخر خطبته: (وأنتم معاشر الرعية فليس عليكم دوني حجاب، ولا على بابي ~~بواب، وليس على رأسي خلق من الزبانية، ولا أحد من أعوان الظلمة، كبيركم أخي، PageV01P524 وشابكم ولدي، ولا آنس إلا بأهل العلم منكم، ولا أستريح إلا إلى مفاوضتكم، ~~فاسألوني عن جميع أمر دينكم وما يعييكم من العلم وتفسير القرآن، فإنا نحن ~~تراجمته، وأولى الخلق به، وهو الذي قرن بنا وقرنا به، قال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم: ((إني ms258 مخلف فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا من بعدي ~~أبدا، كتاب الله وعترتي أهل بيتي)) الله ولي توفيقكم لرشدكم، وحسبي الله ~~وحده عليه توكلت وإليه أنيب). ثم توفي هنالك عليه السلام. # ثم قام في ناحيته أبو عبد الله محمد بن الحسن بن الداعي عليه السلام فدعا ~~إلى طاعة الله وإلى الجهاد في سبيل الله. # ثم قام بعده المؤيد بالله أحمد بن الحسين بن هارون عليه السلام فدعا إلى ~~طاعة الله وإلى الجهاد في سبيل الله. # وقام من بعده أخوه السيد أبو طالب يحيى بن الحسين بن هارون عليه السلام ~~فدعا إلى طاعة الله. # وقام من بعده أبو الحسن الحسني الحقيني بالديلمان. # ثم قام من بعده الناصر الأخير الحسن من أولاد الناصر الأكبر. # ثم من بعده يحيى بن الحسن الحقيني -من بني الحسن- قام بعد أبيه من بني الحسن. # ثم القاسم بن علي بن عبد الله بن محمد بن القاسم بن إبراهيم" فدعا في ~~اليمن إلى طاعة الله، وجاهد في سبيل الله. PageV01P525 # ثم قام بعده ولده الحسين بن القاسم، فدعا إلى طاعة الله وإلى الجهاد في ~~سبيل الله، ثم بدا منه بعد ذلك أنه هو المهدي، قال: الذي تملأ به الأرض ~~عدلا كما ملئت جورا. وقيل: إنه قال: هو أفضل من رسول الله، وكلامه أبهر من ~~كلام الله، وكان قد طلق زوجة له وانقضت عدتها، وتزوجها رجل، فلما علم ~~بنكاحه لها أخرجها منه بغير طلاق، وتشبه برسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم، واحتج بقول الله تعالى: {وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن ~~تنكحوا أزواجه من بعده أبدا إن ذلكم كان عند الله عظيما}[الأحزاب:53]. PageV01P526 # وقال في كتاب كتبه إلى محسن بن محمد بن المختار بن الناصر بن يحيى الهادي ~~عليه السلام، وكان من فضلاء أهل البيت وعلمائهم، وقد سأله عن مسائل، وأنكر ~~عليه كلامه الذي تكلم به، فرد عليه كلاما فظيعا، وسبه سبا شنيعا، ثم قال في ~~كلامه: (وما عسى أن تكون مسائلك في علمنا، وأدواتك في بحرنا، ms259 وما فضل علمنا ~~على جميع العلوم إلا كفضل الشمس على جميع النجوم، وكل معجزة من الله الواحد ~~الحي القيوم، وما الفرق بيني وبين الأئمة الأخيار إلا كفرق ما بين الليل ~~والنهار، وشتان -يا جاهل- بين النجوم والشمس، وهل يوجد لنا نظير من الجن ~~والإنس؟ وقد علم الله مقتي للفجار، ولكن يجوز ويحسن عند الاضطرار. ثم أغرق ~~في كلامه وأفرط وقال: (ما يكون علم [جميع] الأنبياء -وعد من علي بن أبي ~~طالب عليه السلام إلى أبيه القاسم بن علي عليه السلام- إلا كعشر العشير من ~~علمه، ثم قال: فأحضروا التوراة والإنجيل والفرقان، وكل علم أوجد الرحمن ~~ونزله فإنكم تجدون قولي أقوى من ذلك حججا، وأبين بيانا، وأوضح نورا، وأعظم ~~برهانا، فما عسى أن تكون مسائلك). وذكر كثيرا من جنس هذا. PageV01P527 # فرد عليه محسن بن محمد جواب عاقل عالم، يذم فيه السب، والكلام المعور، ~~وأورد [عليه] من كلام الله حججا مثل قول الله: {لا يحب الله الجهر بالسوء ~~من القول }[النساء:148]، وكقوله: {وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما ~~}[الفرقان:63]، وكقوله: {والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب ~~المحسنين}[آل عمران:134]، ومثل قوله: {فاعفوا واصفحوا }[البقرة:109]، ~~وكقوله: {وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم}[التغابن:14]، ~~وأورد أيضا أبياتا من أشعار العرب، منها قول الشاعر: # ويشتموا فترى الألوان مشرقة # لا عفو ذل ولكن عفو أحلام # واحتج عليه في ادعائه أن كلامه أبلغ من كلام الله، بآيات من كتاب الله ~~منها: أن الله تعالى قد تحدى الجن والإنس بأن يأتوا بسورة من مثله، فما ~~فعلوا ولا قدروا وذلك قول الله تعالى: {قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن ~~يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ~~ظهيرا}[الإسراء:88]، وبقوله: {لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا ~~متصدعا من خشية الله}[الحشر:21] وأمثال ذلك. # وأورد في ذم الإفتخار قوله تعالى: {فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن ~~اتقى}[النجم:32]، وبما أشبه ذلك. PageV01P528 # ونحن ننفي عنه هذا الكلام، ونقول: هو مكذوب عليه، ولا يصح [هذا] عنه، وهذا ~~ادعاء أمر باطل، وفساده ms260 ظاهر، وإنما أردنا أن نبين القول فيه، لأن قوما من ~~بني إخوته وشيعته قد صاروا يرون قوله هذا دينا، وقد صاروا فرقة يناظرون ~~عليه، ويحيون ويموتون عليه، وينسبون من لم يقل به إلى الكفر، ويقولون: لم ~~يقتل ولم يمت ولا يموت حتى يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا، ويقولون: إنه ~~يعلم الغيب، وذلك لجهلهم، وقلة معرفتهم لكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم. # ومن جهلهم أنهم قالوا: هو يحكم بحكم آل داود، فإذا سألهم سائل عن حكم آل ~~داود كيف كان؟ قالوا: يعرف المحق من المبطل من الخصمين قبل أن يتكلما. ولم ~~يعلموا أن داود عليه السلام سئل عن نفسه فلم يعلم وذلك قول الله تعالى: ~~{وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب ، إذ دخلوا على داوود ففزع منهم ~~قالوا لا تخف خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط واهدنا ~~إلى سواء الصراط ، إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة فقال ~~أكفلنيها وعزني في الخطاب ، قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه...} إلى ~~قوله: {وظن داوود أنما فتناه فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب}[ص:21-24]. # واعلم أن قولهم هذا غلط بين من وجوه: PageV01P529 # منها أن الله تعالى يقول: {قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا ~~الله وما يشعرون أيان يبعثون}[النمل:65]، وقولهم: (إنه يعلم الغيب)، تكذيب ~~لكتاب الله. وقال تعالى: {وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض ~~تموت إن الله عليم خبير}[لقمان:34]، وقوله: {ولا يحيطون بشيء من علمه إلا ~~بما شاء}[البقرة:255]. وقولهم: (إن كلامه أبلغ من كلام الله وأقوى حججا)، ~~تكذيب أيضا لكتاب الله؛ لأن الله تعالى يقول: {قل لئن اجتمعت الإنس والجن ~~على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ~~ظهيرا}[الإسراء:88]، وقال تعالى: {ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال ~~أوحي إلي ولم يوح إليه شيء ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله ولو ترى إذ ~~الظالمون في غمرات الموت ms261 والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم ~~تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته ~~تستكبرون}[الأنعام:93]. PageV01P530 # وأما قولهم: إنه أفضل من الملائكة والأنبياء " فهذا ضرب من الجنون، وغلط من ~~ادعاء الربوبية، وذلك أنه قد أتى في كتاب الله أن الملائكة موكلون بأمر ~~الله، قال عز من قائل: {والسابحات سبحا ، فالسابقات سبقا ، فالمدبرات ~~أمرا}[النازعات:3-5]، وقال: {قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ~~}[السجدة:11]، وقال تعالى: {ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد }[ق:18]، ~~فإن كان ممن يموت فملك الموت موكل عليه، والوكيل أفضل من الموكل عليه، وإن ~~كان لا يذوق الموت فهو رب تعالى الله عما يقول الجاهلون علوا كبيرا، وأيضا ~~فإن الملائكة صلوات الله عليهم هم خزنة الجنة وخزنة النار، والخازن يكون ~~أفضل ممن يخزن عليه، فبطل قولهم: هو فوق الملكوتية. PageV01P531 # وأما قولهم: هو أفضل من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم يعلموا ما ~~استحق الإمامة إلا بفضل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وذلك علم رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم، والقرابة من رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم. ولو كان أفضل من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لجعل في مكان ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولأنزل عليه الكتاب والمعجزات، وهذا ~~القول خروج عن الحدود المضروبة، والله تعالى يقول: {فلا تزكوا أنفسكم هو ~~أعلم بمن اتقى}[النجم:32]، وقال تعالى: {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم ~~}[الأحزاب:6]، وقال تعالى: {لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن ~~يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم}[آل ~~عمران:188]. PageV01P532 # وأما قولهم: (هو أفضل من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأنه يملك ~~الأرض كلها، ولم يملك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كل الأرض)، فليس ~~ملك الأرض يوجب فضلا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقد ملك آل ~~داود ما لا يملكه أحد من بعدهم، ولا ملكه أحد من قبل، قال الله تعالى: ms262 ~~{ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسدا ثم أناب ، قال رب اغفر لي وهب لي ~~ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب ، فسخرنا له الريح تجري بأمره ~~رخاء حيث أصاب ، والشياطين كل بناء وغواص ، وآخرين مقرنين في الأصفاد ، هذا ~~عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب}[ص:34-39]، فصح أنه لا يعطى أحد بعده ملكا ~~في الدنيا واقتدارا مثل ما أعطي سليمان عليه السلام. ومع ذلك أن سليمان لم ~~يدع أنه أفضل الأنبياء لما أعطي من ملك الدنيا ما لم يعطوا مع ملك الآخرة. ~~وقد عرض على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ملك الدنيا، فكره ذلك وقال: ~~((الدنيا دار من لا دار له ، ومال من لا مال له، ويجمعها من لا عقل له))، ~~فلو كان الحسين بن القاسم قد ملك الدنيا بأسرها ثم افتخر بملكها وادعى ما ~~ادعى لكان ذلك قبيحا منه، فكيف ولم يكن من ذلك شيء؟ PageV01P533 # وأيضا فإن المؤمن لا يكون مؤمنا حقا حتى يكون مستعظما لسيئاته، مستصغرا ~~لحسناته، قال الله تعالى: {والذين هم من عذاب ربهم مشفقون ، إن عذاب ربهم ~~غير مأمون}[المعارج:27،28]، وبأقل قليل مما تكلم به تسقط إمامته، اللهم إلا ~~أن يكون الكلام مكذوبا عليه. # وممن قام من أهل البيت ": أبو الفتح الناصر بن الحسين الحسني أتى من ~~الديلم إلى اليمن، ودعا إلى طاعة الله، وأجابه قوم من أهل اليمن، وجاهد في ~~سبيل الله، واستشهد في نواحي مذحج. # وممن قام ودعا أيضا يحيى بن أحمد بن المؤيد بالله قدس الله روحه، دعا في ~~أرض الديلم وجيلان، وحارب الباطنية لعنهم الله بحضرموت. # فهؤلاء الذين سمينا من أهل البيت" الذين اشتهر عندنا أمرهم، وثبت عندنا ~~قيامهم، وظهرت دعوتهم. وفي خلال هؤلاء الذين سمينا فضلاء من أهل البيت" لم ~~يمنعهم من القيام إلا عدم الأعوان، فإنهم بلغوا في العلم والزهد، والعبادة ~~والتقى ما لا مزيد عليه؛ مثل علي بن الحسين عليه السلام، ومثل ولده محمد بن ~~علي الباقر، وإنما سمي الباقر لأنه بقر العلم. وروي أن جابر بن ms263 عبد الله ~~عمر حتى لحقه فأقرأه السلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقال: ~~أمرني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن أقرئك عنه السلام. # ومثل عبد الله بن الحسن بن الحسن فإنه روي أنه مكث يصلي صلاة الفجر بوضوء ~~المغرب ستين سنة. PageV01P534 # ومثل أحمد بن عيسى بن زيد "، ومثل جعفر بن محمد الصادق عليه السلام، ومثل ~~موسى بن عبد الله، وعلي بن موسى، ومثل أولاد القاسم بن إبراهيم: محمد ~~والحسين والحسن أولاد القاسم"، ومثل علي بن العباس، ومثل أبي العباس أحمد ~~بن إبراهيم. # فهؤلاء وأمثالهم لم يمنعهم من القيام إلا عدم الأنصار وخوف الأشرار، ~~واستظهار أهل الدولتين الأموية والعباسية. PageV01P535 ### ||| AUTO فصل في الكلام في فرق الشيعة # اختلفت الشيعة على ثلاث فرق، ففرقة هم الزيدية، وقد ذكرناهم بما فيه كفاية. # وفرقة هم الكيسانية فإنهم قالوا: إن الإمام بعد الحسين بن علي أخوه محمد ~~بن الحنفية". # ثم اختلفوا فيما بينهم، فقال السيد الحميري ومن قال بقوله: هو بجبال رضوى ~~أسد عن يمينه ونمر عن شماله، يأتيه رزقه بكرة وعشية، ثم يظهر فيملأ الأرض ~~عدلا كما ملئت جورا. # وقال حيان السراج ومن قال بقوله: هو بجبال رضوى ميت، وأن الله يبعثه ~~فيملأها عدلا كما ملئت جورا. # وقال الصنف الثالث أبو مسلم وأصحابه: إنه مات وقد أوصى إلى ابنه أبي ~~هاشم عبد الله بن محمد وقالوا: هي في ولده بالوصاية. # وفرقة هم الإمامية -ويسميهم أهل العراق الروافض والغلاة- فإنهم قالوا: لا ~~تصح الإمامة إلا بالنص، ولا تقبل الأخبار إلا من إمام ممن نصوا عليه، ولا ~~يجوز عندهم الاجتهاد إلا له، ووصفوه بصفة الله، بأن قالوا: هو يعلم الغيب. ~~ورووا عن بعض أئمتهم أنه قال: كلامي كلام أبي، وكلام أبي كلام جدي، وكلام ~~جدي كلام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فلا يمتنع الرجل منهم -إذا ~~سمع أحد أئمتهم يتكلم بكلام- أن يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم؛ ولهذا امتنعت العلماء من قبول الأخبار منهم. # فمن أئمتهم الذين أجمعوا ms264 عليهم أنهم يقولون: أوصى الحسين بن علي عليهما ~~السلام إلى علي بن الحسين، وأوصى علي بن الحسين إلى محمد بن علي، وأوصى ~~محمد بن علي إلى جعفر بن محمد. PageV01P536 # واختلفوا في جعفر، وفيمن بعده، فقالت الناروسية: إن جعفر بن محمد حي لم ~~يمت، وهو المهدي، ونسبوا إلى رئيس لهم يقال له: ناروس، من أهل البصرة. # وقالت الفطحية: بإمامة عبد الله بن جعفر، وكان أفطح الرأس، فلذلك سموا ~~الفطحية. # وقالت الشمطية: بإمامة محمد بن جعفر، ونسبوا إلى يحيى [بن] الأشمط وكان ~~رئيسا لهم، وقيل: إن الفطحية نسبوا إلى رئيس لهم، يقال له عبد الله بن ~~فطيح، وقد انقضت هذه الفرق. # وفرقة منهم وهم الإسماعيلية، وهم المباركية والخطابية. # فقالت المباركية بإمامة محمد بن إسماعيل. # وقالت الخطابية بإلاهية جعفر -تعالى الله علوا كبيرا- ونسبوا إلى رئيس ~~لهم يقال له: أبو الخطاب لعنه الله. # ومنهم الواقفة الممطورة، وهم الذين قالوا بإمامة موسى بن جعفر، وأنه حي ~~لم يمت. # ومنهم القطعية، وهم فرقة يقولون بإمامة علي بن موسى الرضى الذي سمه يحيى ~~بن خالد في حبس هارون ببغداد في عنب ورطب فمات. # ومنهم فرقة يقال لهم الحمارية، قالوا بإمامة الحسن بن جعفر. فاختلفوا ~~فيه، فمنهم من قال مات. ولم يكن إماما، وكانوا مخطئين في إمامته، وذلك أنهم ~~(كانوا) قالوا: هو المهدي، ولا يموت حتى يملأ الأرض عدلا [كما ملئت جورا]، ~~ورووا في ذلك من أخبارهم الكاذبة، فلما مات وصح موته بانت فضيحتهم، ولهذا ~~سميت هذه الفرقة الحمارية. # وقال قوم منهم: قد مات، ولكنه يحيا وهو المهدي، وقال قوم: ليس له ولد. ~~وقال قوم منهم: له ولد ولد بعده، وهو محمد بن الحسن الذي هو بزعمهم أحد ~~أئمتهم. PageV01P537 # وانتسبت الباطنية إلى الإسماعيلية، وهم فرقة أبطنوا الكفر وأظهروا الإسلام، ~~وقالوا: لكل ظاهر باطن، وجحدوا الرب والبعث والحساب والجنة والنار، ~~واستحلوا المحرمات من الأمهات والبنات والأخوات، وغير ذلك. وقالوا: الحيوان ~~مثل النبات يأتي شيء ويذهب شيء، والأرواح تنتقل في الحيوان، وتنسخ بزعمهم ~~روح الإنسان إلى إنسان أو إلى كلب ms265 أو خنزير أو حمار، وجحدوا الملائكة ~~والأنبياء "، وقالوا: كان قبل آدم آدم إلى ما لا نهاية له، ونفوا الجن، ~~ولبسوا على الناس، واتبعوا متشابه الكتاب، ففتنوا به أهل الحيرة والإرتياب، ~~وقالوا في رسالة لهم يسمونها (البلاغ الأكبر): فأمر صاحبها فيها أن لا يطلع ~~عليها أحد إلا بعد الأيمان المغلظة، والمواثيق المشددة، على كتمان السر، ~~فإذا فعل ذلك لبس عليه، ولم يزل يخلصه من شبهة إلى شبهة إلى حد، قال: فإذا ~~بلغ هذا الحد فاحلل له عقاله وأبح له ما ناله. # والرد على هؤلاء وعلى أهل الكفر واحد. وقد قدمنا الرد عليهم فيما تقدم. # وأيضا فإنهم لا يستقيمون للمناظرة بل يجحدون هذا القول، ويقرون ببطلانه، ~~وبأنه كفر وجحد. وكفى بذلك عليهم حجة أن يبطنوا شيئا ثم يجحدوه ويظهروا ~~غيره عليه. PageV01P538 # وأما قولهم في كتمان الدين وإبطال المذهب؛ فإنه لا يبطن ويسر إلا ما كان ~~معيبا قبيحا، وفي الشاهد أن الإنسان إذا فعل فعالا حسنا أحب أن يظهر فعاله، ~~ويشيع، ويذكر به، وإذا فعل فعالا قبيحا كتمه، وود أن أحدا لا يعلم به. ~~وأيضا فإن وجه الإنسان أفضل من جسده وأحسنه فإنه يظهر، ولما كانت عورته ~~أقبح جسده فأمر بسترها وتغطيتها، وقد أمر الله تعالى بإظهار دينه وتبيينه ~~للناس، وذم قوما كتموا ما أنزل الله، فقال تعالى: {إن الذين يكتمون ما ~~أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم ~~الله ويلعنهم اللاعنون ، إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم ~~وأنا التواب الرحيم}[البقرة:159،160]. # ومن الرد على الإمامية في قولهم بالنص، وأن الأخبار لا تقبل إلا من إمام ~~منصوص عليه فإنهم قطعوا عنهم أسباب الخير بهذين القولين، وتكلفوا بسببهما الكذب. # ومما يبين كذبهم في القولين: أنهم يقولون بإمامة إمام في حياته، ويزعمون ~~أنه المهدي، وأنه لا يموت حتى يظهر أمره ثم يموت، فيتبين كذبهم، فيزيدون ~~كذبة أخرى أكبر من الأولى، أن يبرءوا نفوسهم من الكذب، فيقولون: هو يحيا ~~بعد الموت، ويملأ الأرض عدلا، فهم لا يسلمون من الكذب؛ ms266 إن كان حيا قالوا: ~~هو المهدي وليس يموت، وإن مات ولم يعاينوا موته جحدوا موته، وقالوا: هو ~~غائب لم يمت، فإن صح عندهم موته قالوا: هو يحيا ويبعث في الدنيا بعد ما مات. PageV01P539 # وأما قولهم: إن إمامهم يعلم الغيب. فهذا كذب منهم وكفر وتكذيب بكتاب الله، ~~قال الله تعالى: {قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله وما ~~يشعرون أيان يبعثون}[النمل:65]، وقال الله تعالى: {إن الله عنده علم الساعة ~~وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس ~~بأي أرض تموت إن الله عليم خبير}[لقمان:34] فبطل قولهم. # وأما قولهم: بأن إمامهم قال: (حديثي حديث أبي، وحديث أبي حديث جدي، وحديث ~~جدي حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم) وقولهم هو عام في جميع ~~الكلام. وهذا بطلانه ظاهر من أمور: # منها: أنهم يعلمون أن النبيء صلى الله عليه وآله وسلم لم ينطق بهذا ~~الحديث الذي يقول فيه: (حديثي حديث أبي) ويعلمون أن إمامهم هذا لو قال ~~لخادمه: إسقني ماء أو اعطني ثوبي، أو خذ هذا الثوب، أو يأمر، أو ينهى، أو ~~يستخبر، أن ذلك الحديث لم ينطق به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. ~~وكذلك لو دعا زوجته إلى فراشه، فهذا ما لا يتكلم به عاقل. فأما الخبر الخاص ~~الذي يرويه عن أبيه عن جده عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فإنه ما ~~كان منه موافقا لكتاب الله صدق، وما كان مخالفا لكتاب الله لم يصدق. PageV01P540 # ومما يبطل قولهم في النص، قول الله تعالى: {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ~~ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون}[آل عمران:104]، ~~وقوله: {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون }[النحل:43]، وقد سمى الله ~~تعالى رسوله ذكرا، وقال تعالى: {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا ~~فمنهم ظالم لنفسه...}الآية[فاطر:32]، وقال تعالى: {أطيعوا الله وأطيعوا ~~الرسول وأولي الأمر منكم }[النساء:59]، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم: ((إني تارك فيكم ما إن ms267 تمسكتم به لن تضلوا من بعدي أبدا كتاب الله ~~وعترتي أهل بيتي، إن اللطيف الخبير نبأني أنهما لن يفترقا حتى يردا علي ~~الحوض))، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة ~~نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق وهوى)). PageV01P541 # فهذه الآيات والأخبار لم تخص ولد الحسين دون ولد الحسن، بل كلهم داخل في ~~الأمر لا فرق بينهم فيه؛ وأيضا فإن ولد الحسين لم يدعوا ذلك دون ولد الحسن، ~~بل هم مقرون أنهم في الأمر سواء، وقد روي عن عيسى بن المتوكل بن هارون قال: ~~حدثني أبي المتوكل بن هارون قال: لقيت يحيى بن زيد بعد مقتل أبيه عليه ~~السلام وهو متوجه إلى خراسان فسلمت عليه فقال: من أين أقبلت؟ فقلت: من ~~الحج، قال: فسألني عن أهله وبني عمه، فأخبرته بحزنهم على أبيه، فقال: قد ~~كان عمي أبو جعفر عليه السلام أشار عليه بترك الخروج، وعرفه إلى ما صار ~~إليه أمره. فهل لقيت ابن عمي جعفرا، فقلت: نعم، فقال: فهل سمعته يذكر من ~~أمري شيئا، قلت: جعلت فداك إنك تقتل قتلة أبيك وتصلب، فقال: {يمحوا الله ما ~~يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب}[الرعد:39]، إن الله سبحانه وتعالى يا متوكل ~~أيد هذا الدين بنا، وجعل العلم والسيف فجعلهما لنا، وخص بني عمنا بالعلم ~~وحده، فقلت له: جعلت فداك إني رأيت الناس إلى ابن عمك وإلى أبيه أميل منهم ~~إليك، فقال: إن ابن عمي وأباه دعوهم إلى الحياة ونحن دعوناهم إلى الموت، ~~فقلت له: يابن رسول الله أهم أعلم أم أنتم؟ قال: فأطرق إلى الأرض مليا ثم ~~رفع رأسه فقال: كلنا له علم غير أنهم يعلمون كل ما نعلم، ولا نعلم كل ما ~~يعلمون، ثم قال: أكتسبت من ابن عمي شيئا؟ قلت: نعم، قال: أرنيه، فأخرجت له ~~دعاء أملاه علي أبو عبد الله، أخبرني أن أباه محمدا رحمه الله أملاه عليه ~~وكان يدعو به ويسميه الكامل، فنظر فيه حتى أتى إلى PageV01P542 آخره، فقال: أتأذن لي في نسخه؟ فقلت: يابن ms268 رسول الله أتستأذنني فيما (هو) ~~منكم صار إلي، فقال: لأخرجن إليك صحيفة كان أبي رحمه الله يسميها الكاملة ~~مما حفظها عن أبيه، ولقد أوصاني أبي رضي الله عنه بصونها ومنعها من غير ~~أهلها، فقال المتوكل: فقمت إليه فقبلت رأسه وقلت: يابن رسول الله والله إني ~~لأدينن الله بحبكم وطاعتكم، وأرجو أن يسعدني الله بولايتكم، فرمى بالصحيفة ~~التي دفعتها إليه إلى غلام كان بقربه، وقال: اكتب هذا الدعاء بخط حسن بين، ~~واعرضه علي فإني كنت أطلبه من جعفر فمنعنيه، قال المتوكل: فندمت على ما ~~فعلت، ولم أدر ما أصنع، ولم يكن أبو عبد الله أمرني أن أدفعه إلى أحد، ثم ~~دعا بعيبة فاستخرج منها صحيفة مقفلة مختومة فنظر إلى الخاتم فبكى، وقبله ~~وفضه، وفتح القفل، ونشر الصحيفة فقبلها ووضعها على عينيه وأمرها على وجهه، ~~ثم قال: يا متوكل لولا ما ذكرت لي من قول ابن عمي أني أقتل وأصلب ما دفعتها ~~إليك ولكنت بها ضنينا، ولكني أعلم أن قوله سيصح، وخفت أن يقع مثل هذا العلم ~~والدعاء إلى بني أمية، فيكتبوه ويدخروه في خزائنهم، فدونك هذه الصحيفة ~~فاكتبها وتربص بها، فإذا قضى الله جل ثناؤه من أمري ما هو قاض فهي أمانة في ~~عنقك حتى توصلها إلى ابني عمي؛ محمد وإبراهيم ابني عبد الله بن الحسن بن ~~الحسن " فإنهما القائمان بعدي. قال المتوكل: فأخذت الصحيفة، فلما قتل رحمه ~~الله صرت إلى المدينة فلقيت أبا عبد الله فحدثته بالحديث فبكى فقال: رحم ~~الله ابن عمي وألحقه بآبائه وأجداده، والله يا متوكل ما منعني من دفع PageV01P543 [هذا] الدعاء إليه إلا الذي خافه على صحيفة أبيه فأين الصحيفة؟ فقلت: هاهي ~~هذه، ففتحها فقال: هذا والله خط عمي زيد وإملاء جدي علي بن الحسين "، ثم ~~قال: قم يا إسماعيل فأتني بالدعاء الذي أمرتك بحفظه وصونه، فقام إسماعيل ~~فأخرج صحيفة كأنها الصحيفة التي دفعها إلي يحيى، فقبلها أبو عبد الله ~~ووضعها على عينيه، فقال: هذا خط أبي وإملاء جدي عليهما السلام، فقلت: يابن ~~رسول الله إن ms269 رأيت أن أعارض بها ما كتبت من هذه الصحيفة، فأذن لي في ذلك، ~~فعارضت بصحيفة زيد صحيفة محمد عليهما السلام فلم أجد ما يغادر منها حرفا، ~~ثم استأذن أبا عبد الله في دفعها إلى ابني عبد الله بن الحسن فقال: (إن ~~الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها) فلما نهضت قال: مكانك. ثم وجه ~~ابنه إلى محمد وإبراهيم ابني عبد الله فجاءا فقال: هذا ميراث ابن عمكما من ~~أبيه قد خصكما دون إخوته ونحن مشترطون عليكما فيه شرطا، قالا: قل يرحمك ~~الله، فقولك المقبول. قال: لا تخرجا هذه الصحيفة من المدينة. قالا: ولم ذاك ~~يغفر الله لك؟ قال: إن ابن عمكما خاف عليها أمرا أخافه أنا عليكما. قاال: ~~إنما خاف عليها حين علم أنه يقتل، قال أبو عبد الله: وأنتما فلا تأمنا، ~~فوالله إني أعلم أنكما ستخرجان كما خرج، وستقتلان كما قتل، فقاما وهما ~~يقولان: لا حول ولا قوة إلا بالله. PageV01P544 # وروي أيضا: أنه اجتمع القاسم بن إبراهيم، وأحمد بن عيسى بن زيد بن علي، ~~وموسى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن، وعلي بن موسى الرضى في دار محمد بن ~~منصور المرادي بالكوفة، فتحدث معهم محمد بن منصور، وذكر ما قد لحق الإسلام ~~من الأموية والعباسية، وسألهم أن يبايعوا الرجل فأجمع أمرهم على أن يبايعوا ~~القاسم بن إبراهيم عليهما السلام، فبايعوه في دار محمد بن منصور. # فصح أن بني الحسين لم يدعوا أنهم أولى بالأمر من ولد الحسن، وأنهم لا ~~يقولون بالنص؛ لأن هؤلاء الذين سمينا من ولد الحسين: يحيى بن زيد، وجعفر بن ~~محمد، وأحمد بن عيسى، وعلي بن موسى، فضلاء ولد الحسين وعلماؤهم، والمنظور ~~إليهم في عصرهم، فلم يروا النص، ولا أنكروا قيام من قام من ولد الحسن عليهم ~~جميعا السلام. وولد الحسين -أهل العلم منهم والدين- لا ينكرون ذلك إلى ~~يومنا هذا. فبطل قول الإمامية في النص، وإذا بطل (خبر) النص بطل جميع ما ~~خالفونا فيه. # وأما قولهم: إن الأخبار لا تقبل إلا من أئمتهم، فإن أكثر ms270 أخبار الشرع ~~رواها الحسن بن علي الناصر عن محمد بن منصور عن أحمد بن عيسى عن حسين بن ~~علوان عن أبي خالد عن زيد بن علي". فلو كانت لا تقبل إلا من إمام منصوص ~~عليه، لما قبلها أحمد بن عيسى عن الحسين بن علوان، ولا عن أبي خالد، ولا ~~قبلها الناصر عن محمد بن منصور، فبطل قول الإمامية. وأيضا فلو كان الأمر ~~كما قالوا لم يقبل منهم ما يروون عن أئمتهم. PageV01P545 # وأما قولهم: إنه لا يجتهد إلا إمام منصوص عليه. فقد جاء عن النبيء صلى الله ~~عليه وآله وسلم ما يسقط قولهم، وذلك أنه لما أمر معاذا إلى اليمن قال: بم ~~تحكم ؟ قال: بكتاب الله، قال: فإن لم تجد؟ قال: فبسنة رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم، قال: فإن لم تجد؟ قال: أجتهد رأيي لا آلو اجتهادا، فقال: ~~((الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما وفق له رسول الله)) ولو كان القول ~~كما قالوا، لكان أكبر حجج الله قد سقط وهو العقل، ولو سقطت حجة العقل لما ~~انتفع بالكتاب والسنة، فسقط ما قالوا وثبت قولنا، فالحمد لله الذي أبلج ~~حجتنا، وثبت أقدامنا على الصراط المستقيم. PageV01P546 ### || AUTO باب حقيقة معرفة الاختلاف # وقد ذكرنا جميع مسائل الاختلاف في الأصول، وذكرنا جميع من خالف فيها، ~~وأوردنا على جميع المخالفين من الحجج والبراهين ما فيه كفاية، وذكرنا ذلك ~~في مواضعه، ليسهل تناوله، ويقرب أخذه، فلا معنى لإعادة ذلك. وإنما غرضنا في ~~هذا الباب [حينئذ] إيضاح سبب الاختلاف وتبيين الفرقة الناجية، فأول ما نذكر ~~من ذلك سبب الاختلاف. # واعلم أن سبب الاختلاف بين الأمة البلية، وذلك أن طرق العلم ثلاث وهي: ~~العقل، والكتاب، والرسول. وقد جعل الله عقول المتعبدين مختلفة للبلية، فمن ~~هنالك وقع الاختلاف في المسائل المعقولة على قدر اختلاف العقول. وقد جعل ~~الله تعالى الكتاب محكما ومتشابها، وناسخا ومنسوخا، وعاما وخاصا؛ فمن أجل ~~ذلك وقع الاختلاف في المسائل التي طريقها الكتاب. ولما كان في المسلمين ~~الصادق والمنافق؛ وكان السكوت من الله ms271 ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم عن ~~المنافق وتغطيته بلية، فمن قبل المنافقين وقع الدخل في الأخبار، ووقع فيها ~~أيضا الفساد من طرق أخرى، وهي أن ممن يروي الأخبار الناسي والذاكر، والغائب ~~والحاضر. وفي الأخبار أيضا المتشابه والمنسوخ، ومنها أيضا ما دلس على ~~الرواة، ومنها ما روي مرسلا ولم يشتهر اشتهارا كثيرا، ولا تواترت به ~~الأخبار. # فمن المتشابه: ما روي عن النبيء صلى الله عليه وآله وسلم من قوله: ((لا ~~ينتطح فيها عنزان )). ومن ذلك ما روي عنه من قوله: ((من فارق الجماعة قيد ~~شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه)). ومن ذلك ما روي عنه من قوله في الإبل: ~~إنها خلقت من الشياطين. PageV01P547 # ومثل ما روي عنه صلى الله عليه وآله وسلم من قوله لسودة بنت زمعة في الشاة ~~الميتة: ((هلا انتفعتم بإهابها )) وهذا الخبر عندنا متشابه، والمراد به هلا ~~ذكيتموها فانتفعتم بإهابها؛ لأنه يمكن أن تكون عجفة لا ينتفع بلحمها. وقال ~~غيرنا: الخبر منسوخ، نسخه ما روي عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه كتب قبل ~~موته بشهر قال: ((لا تنتفعوا من الميتة بشيء )). # والمنسوخ مثل ما روي من المسح على الخفين، نسخه آية الغسل في [سورة] ~~المائدة. # وأما المراسيل في الأخبار فكثير، وما دلس على الرواة أكثر، وقد روي عن ~~بعض الملحدين أن السلطان أمر بقتله، فقال: افعلوا ما شئتم فقد حللت لكم ~~الحرام وحرمت عليكم الحلال، ودسست في مذهبكم أربعة آلاف حديث. وروى عن عمر ~~أنه كان ينكر على أبي هريرة كثرة الرواية عن النبيء صلى الله عليه وآله ~~وسلم، وقال له: لتقلن الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أو ~~لأنفيك إلى جبال دوس. PageV01P548 # فهذه الأمور التي ذكرناها هي سبب الاختلاف. وقد جعل الله سبب الاختلاف بلية ~~لعباده؛ لأن يرجعوا إلى أولي الأمر منهم وهم أهل بيت نبيئهم صلى الله عليه ~~وآله وسلم وقد قال تعالى: {وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله ~~}[الشورى:10] أراد بقوله: {فحكمه إلى الله} أن يردوا ما ms272 اختلفوا فيه إلى من ~~أمرهم الله برده إليهم حيث يقول تعالى: {ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي ~~الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم}[النساء:83]، وقد ذكر الله تعالى ~~الاختلاف فقال عز من قائل: {كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ~~ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما ~~اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله ~~الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط ~~مستقيم}[البقرة:213]، وقال تعالى: {ولا يزالون مختلفين ، إلا من رحم ربك ~~ولذلك خلقهم}[هود:118،119]، يريد: أنه خلقهم للرحمة، ولئلا يخالف أهل الحق ~~أهل الباطل. وقد روي عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: سألت النبيء صلى ~~الله عليه وآله وسلم لم أنزلت: {الم ، أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم PageV01P549 لا يفتنون ، ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن ~~الكاذبين}[العنكبوت:1-3]؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((يا ~~علي ويا فاطمة، إن الله قد جعل الفتنة على الذين يقولون: آمنا . ليعلم ~~الذين صدقوا في قولهم، ويعلم الكاذبين في إيمانهم، فهذا وعد واقع واجب، ثم ~~أنزلت {أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا ساء ما ~~يحكمون}[العنكبوت:4]، (ثم) قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((يا ~~علي ويا فاطمة؛ قد علم الرب أن أقواما من بعدي عند الفتنة سيعملون السيئات ~~، ويحسبون أنهم سابقون)). فقال علي عليه السلام: فكيف يحسبون أنهم سابقون ~~يا رسول الله ومن ورائهم الموت؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ~~((يا علي إنهم لم يسبقوا قضاء الله الذي قضى فيهم الموت)). ثم أنزل {من كان ~~يرجو لقاء الله }[العنكبوت:5]، لأنه يعني أن من رجا لقاء الله أن يستعد ~~لأجل الله، فإن يكن تائبا تابعا لطاعته، مجتنبا لخلاف الله ومعصيته، يعلم ~~أن الله يعلم ما يعمل، ويسمع ما يقول؛ ولذلك قال سبحانه: {وهو السميع ~~العليم }[العنكبوت:5]، ثم أنزل سبحانه: {ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه إن ms273 ~~الله لغني عن العالمين}[العنكبوت:6]، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم: قد قضى الله على المؤمنين عند الفتنة بعدي الجهاد، فقال علي: يا رسول ~~الله على ما نجاهد الذين يقولون آمنا؟ فقال PageV01P550 رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((تجاهدونهم على الإحداث في الدين)). ~~فقال علي: يا رسول الله إنك تقول تجاهدونهم كأني سأبقى بعدك إلى مجيء ~~الفتنة، فأعوذ بالله والرسول أن أؤخر بعدك، فادع إلى ربك أن يتوفاني قبل ~~ذلك، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((ما كنت حقيقا أن تأمرني أن ~~أدعو الله لك أن يقدم أجلك قبل ما أجل الله وقضى والله يقول سبحانه: {وما ~~كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا }[آل عمران:145]، فقال علي: يا ~~رسول الله، فما هذا الأحداث التي نجاهدهم عليها؟ قال: ((ما خالف القرآن ~~وخالف سنتي؛ إذا عملوا في الدين بغير الدين. وإنما الدين أمر الرب ونهيه)). ~~فقال علي: يا رسول الله، فإنك قلت لي يوم أحد إذ استشهد من المؤمنين من ~~استشهد. فأخرت عني الشهادة، فرأيت وجدي وأسفي إن الشهادة من ورائك. فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((فإن ذلك إن شاء الله كذلك، وكيف ترى ~~صبرك إذا خضبت هذه من هذا؟)) -وأهوى بيده إلى لحيته ورأسه-. فقال علي: ليس ~~ذلك حينئذ يا رسول الله من مواطن الصبر، ولكنه من مواطن البشر والشكر. فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((فأعدد قبل خصومتك، فإنك مخاصم)). ~~فقال علي: يا رسول الله فأرشدني إلى الفلج عند الخصومة. فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم: ((إئثر الهدى، واعطفه على الهوى من بعدي، إذا عطف ~~قومك الهوى على الهدى وآثروه، واعطف القرآن على الرأي إذا عطف قومك الرأي ~~على القرآن وحرفوا الكلم عن مواضعه بالأهواء العارضة PageV01P551 والآمال الطامحة، والأفئدة الناكثة، والغش المطوي، والإفك المردي، والغفلة ~~عن ذكر الموت والمعاد، فلا يكونن خصومك أولى بالقرآن منك، فإن من الفلح في ~~الدنيا أن يخالف خصمك سنة رسول الله، ms274 وأن يخالف القرآن بعمله يقول الحق ~~ويعمل الباطل، وعند ذلك يملى لهم ليزدادوا إثما، ويضلوا ضلالا كبيرا؛ وعند ~~ذلك لا يدين الناس بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يكون فيهم شهداء لله ~~بالحق، وعند ذلك يتفاخرون بأموالهم وأنسابهم، ويزكون أنفسهم، ويتمنون رحمة ~~ربهم، ويستحلون الحرام والمعاصي بالشبهات والأسماء الكاذبة، فيستحلون الربا ~~بالبيع، والخمر بالنبيذ، والنجس بالزكاة، والسحت بالهدية، ويظهرون الباطل، ~~ويتعاونون على أمرهم، ويتولون الجهلاء، ويفتنون العلماء من أولي الألباب، ~~ويتخذونهم سخريا)). فقال علي: يا رسول الله أفبمنزلة ردة إذا فعلوا ذلك، أم ~~بمنزلة فتنة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((بل بمنزلة فتنة، ~~لو كانوا بمنزلة ردة أتاهم رسول من بعدي يدعوهم إلى الرجعة من بعد الردة، ~~ولكنها فتنة يستنقذهم الله منها إذا تأخرت آجال السعداء بأولياء من ~~أولياء الله، فيهديهم بهم، ويهدي بهم، حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله ~~لله)). فقال علي: من آل محمد الهداة أم من غيرهم؟ فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم: ((بل بنا يختم الله كما فتح بنا، وبنا يستنقذون من الفتنة، ~~كما بنا أنقذوا من الشرك بعد عداوة الشرك فصاروا إخوانا في دينهم)). PageV01P552 # وروي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم يقول: ((أتاني جبريل صلى الله عليه وسلم فقال : إن أمتك مختلفة ~~من بعدك، فقلت: فأين المخرج يا جبريل؟ فقال: ((كتاب الله به يقصم كل جبار ~~عنيد، من اعتصم به نجا، ومن تركه هوى، قول فصل، وليس هو بالهزل، لا تخلقه ~~الألسن، ولا يثقل على طول الرد، ولا تفنى عجائبه، فيه أثر من [كان] قبلكم، ~~وخبر من هو كائن بعدكم)). وروي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: ~~(حفظت ونسيتم)، ثم قال: (ألا وإن بليتكم قد عادت كهيئتها يوم بعث الله ~~نبيئكم، والذي بعثه بالحق [نبيئا] لتبلبلن بلبلة، ولتغربلن غربلة، ولتساطن ~~سوط القدر حتى يعود أسفلكم أعلاكم، وأعلاكم أسفلكم، وليسبقن سباقون كانوا ~~قصروا، وليقصرن سباقون كانوا سبقوا، والله ما كتمت وسمة، ms275 ولا كذبت كذبة، ~~ولقد نبئت بهذا المقام في هذا اليوم). # وروي عنه عليه السلام أنه سأله ابن الكوى عن السنة والبدعة، وعن الجماعة ~~والفرقة. فقال: يابن الكوى؛ حفظت المسألة فافهم الجواب: (السنة والله سنة ~~محمد صلى الله عليه وآله وسلم، والبدعة ما خالفها، والجماعة والله أهل الحق ~~وإن قلوا، والفرقة والله متابعة أهل الباطل وإن كثروا). PageV01P553 ### ||| AUTO فصل في الكلام في الفرقة الناجية # فإنه روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال في خطبة الوداع: ~~((أيها الناس إني امرؤ مقبوض ، وقد نعيت إلي نفسي، ألا وإنه سيكذب علي كما ~~كذب على الأنبياء من قبل ي، فما أتاكم عني فاعرضوه على كتاب الله، فما وافق ~~كتاب الله فهو مني وأنا قلته، وما خالفه فليس مني ولم أقله))، ثم قال صلى ~~الله عليه وآله وسلم: ((أمة أخي موسى افترقت على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت ~~أمة أخي عيسى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق أمتي من بعدي على ثلاث ~~وسبعين فرقة كلها هالكة إلا فرقة واحدة)). فلما سمع ذلك منه ضاق به ~~المسلمون ذرعا وضجوا بالبكاء وأقبلوا عليه قالوا: يا رسول الله كيف لنا ~~بعدك بطريق النجاة، وكيف لنا بمعرفة [الفرقة] الناجية حتى نعتمد عليها؟ ~~فقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا ~~من بعدي أبدا: كتاب الله وعترتي أهل بيتي إن اللطيف الخبير نبأني أنهما لن ~~يفترقا حتى يردا علي الحوض)). # والأمة مجمعة على صحة هذا الخبر، وكل فرقة من فرق الإسلام تتلقاه ~~بالقبول، وتزعم أنها هي الناجية. # والأمة أيضا مجمعة على أن إجماع الأمة حجة لقول رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم: ((لن تجتمع أمتي على ضلالة )). # والأمة أيضا مجمعة على أن الأخذ بالمحكم من كتاب الله أولى من الأخذ ~~بالمتشابه. وهي أيضا مجمعة أن في الكتاب محكما ومتشابها، وناسخا ومنسوخا، ~~فلما كان ذلك كذلك ثبت أن من اجتمعت فيهم هذه الأشياء من الفرق فهم الفرقة ~~الناجية. PageV01P554 # وصح أن الزيدية قد ms276 اجتمعت فيهم هذه الأشياء، وذلك أنهم تمسكوا بالكتاب، ~~وبالعترة، وهم الذين وقع عليهم الإجماع أنهم آل رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم، وفي التمسك بالكتاب ما يقول الله تعالى: {والذين يمسكون بالكتاب ~~وأقاموا الصلاة إنا لا نضيع أجر المصلحين}[الأعراف:170]. والزيدية هم الذين ~~اتبعوا المحكم وتركوا المتشابه، وعملوا بالناسخ وتركوا المنسوخ، وقد بين ~~الله تعالى ذلك فقال عز من قائل: {هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات ~~محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما ~~تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله ~~والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا ~~الألباب}[آل عمران:7]، فبين أنه لا يؤخذ إلا بالمحكم وذم الذين أخذوا ~~بالمتشابه، وقال تعالى: {اتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم }[الزمر:55]، ~~وقال تعالى: {الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله ~~وأولئك هم أولوا الألباب}[الزمر:18]، فدل هذا على أن القرآن كله حسن، وعلى ~~أن بعضه أحسن من بعض، وعلى أن الله أمر باتباع الأحسن، والأحسن هو المحكم، ~~والمجمع على أنه أحسن من المتشابه. والمحكم: هو الذي PageV01P555 لا يخالف تأويله تنزيله. # ومن الدليل على أن الزيدية هم الفرقة الناجية: أنهم أخذوا بالأحسن من ~~كتاب الله -وهو المحكم- كما أمرهم الله، وتركوا المتشابه، وتمسكوا بعترة ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما أمرهم الله ورسوله، وأخذوا بالإجماع ~~وتركوا المختلف فيه، فثبت أنهم على الحق ومن خالفهم على الباطل. # واعلم أنك لا تعرف الفرقة الناجية حتى تعرف الفرق الهالكة، ولن تعرف ~~المحكم من الكتاب حتى تعرف المتشابه، والناسخ والمنسوخ، ولن تعرف الإجماع ~~حتى تعرف الاختلاف؛ ولهذا عددنا معرفة الاختلاف أصلا من الأصول التي سمينا ~~في كتابنا هذا، ومما يؤيد ما قلنا: ما روي عن زيد بن علي عليهما السلام أنه ~~قال في خطبة له: (أما بعد يا قارئ القرآن فإنك لن تتلو القرآن حق تلاوته ~~حتى تعرف الذي يقصه، ولن تعرف الهدى حتى تعرف الضلالة، ولن ms277 تعرف التقي حتى ~~تعرف الذي تعدى. فإذا عرفت البدعة في الدين والتكليف، وعرفت الفرية على ~~الله والتحريف، عرفت كيف هذا من هذا). # واعلم أن الأمة افترقت في بدء الأمر عند وفاة رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم فرقتين:فرقة بايعت أبا بكر طائعين، ورأوا إمامته وإمامة عمر ~~وعثمان. وفرقة توقفوا مع علي أمير المؤمنين عليه السلام. # فلما قام علي وبايعه الناس افترقت الأمة على أربع فرق: PageV01P556 # ففرقة نصحوا لله وله، وأطاعوه، وقالوا بقوله، وبايعوه، وهم الشيعة. وإنما ~~سموا الشيعة لأنهم والوه ونصروه. والشيعة هم الأولياء، قال الله تعالى: ~~{وإن من شيعته لابراهيم ، إذ جاء ربه بقلب سليم}[الصافات:83،84]، وقال ~~تعالى في قصة موسى عليه السلام: {فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من شيعته ~~وهذا من عدوه}[القصص:15]، فصح أن الشيعة هم الأولياء. # وفرقة -وهم المرجئة- وهم الذين قدموا أبا بكر وعمر على علي عليه السلام ~~وأرجئوا عليا وعثمان ومعاوية. وهم الذين قال فيهم السيد الحميري: # رفيقي لا ترجيا واعلما # بأن الهدى غير ما ترجيان # فإرجاء ذي الشك بعد اليقين # ضعف البصيرة بعد البيان # ضلال أزالتهما عنكما # فبئست لعمركما الخصلتان # أيرجا علي إمام الهدى # وعثمان، ما اعتدل المرجئان # ويرجا ابن هند وأحزابه # يقود اليمامة بالنهروان # وافترقت المرجئة فرقتين: فرقة يقال لهم أصحاب الحديث، وفرقة يقال لهم ~~أصحاب الرأي. # وأصحاب الحديث هم أصحاب الظاهر، وهم الذين يقولون: نتبع ما روي لنا، ولا ~~نقيس ولا نجتهد، ويقولون: القرآن مخلوق، ويسمون أيضا الحشوية لحشوهم ~~الأخبار المتناقضة والقول المتناقض، وقد قال فيهم بعض من أنكر عليهم: يروي ~~الأحاديث، ويروي نقضها. # ومنهم المشبهة، وسموا بذلك لقولهم بالتشبيه. PageV01P557 # ومنهم الشكاك، وسموا بذلك لأنهم لم يثبتوا الشهادة على من يشهد الشهادتين ~~أن يكون مؤمنا حتى يقولوا للمؤمن: نرجو أن يكون مؤمنا. # وفرقة من المرجئة -وهم أصحاب الرأي- وسموا بذلك لأنهم يرون القياس والرأي ~~والاجتهاد في الفقه. # ومنهم الجهمية، نسبوا إلى جهم بن صفوان، ويقال لهم مرجئة خراسان. وروي أن ~~جهما كان يكفر أهل التشبيه، ويظهر القول بخلق القرآن، وكان يقول بالجبر وقد ~~ذكرنا ms278 قوله فيما تقدم. # ومنهم الغيلانية، نسبوا إلى غيلان بن مروان، ويقال لهم مرجئة أهل الشام، ~~وكان يخالف جهما وأبا حنيفة في أشياء، منها أنه كان يقول: الإمامة تصلح في ~~غير قريش. ويقول بخلق القرآن. # ومنهم الماضرية، نسبوا إلى قيس بن عمرو الماضري، ويقال لهم مرجئة أهل ~~العراق، وكان يقول: الإمامة في قريش. ويقول بخلق القرآن. # ومنهم الشمرية، نسبوا إلى أبي شمر، وكان يقول: الإمامة في كل الناس. فهذه ~~فرق المرجئة. # وفرقة وهم الخوارج، وهم الذين خرجوا على علي عليه السلام، وحاربوه. ومنهم ~~الأباضية، نسبوا إلى عبد الله بن أباض. # ومنهم الأزارقة، نسبوا إلى نافع بن الأزرق، وكان رئيس الخوارج بالبصرة ~~والأهواز. PageV01P558 # ومنهم النجدات، نسبوا إلى نجدة بن عامر الحنفي، وهم المارقون، وسموا بذلك ~~لأنهم مرقوا من الإسلام، وقد روي عن النبيء صلى الله عليه وآله وسلم أنه ~~قال: ((يكون فيكم قوم تحتقرون صلاتكم مع صلاتهم ، وأعمالكم مع أعمالهم، ~~يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ~~تنظر في النصل فلا ترى شيئا))، وكان سبب خروج هذه الفرقة من الدين أنه لما ~~كان من أمر الحكمين في صفين ما كان، اجتمع قوم من أصحاب أمير المؤمنين عليه ~~السلام منهم عبد الله بن الكوى، وعروة بن جرير، ويزيد بن عاصم المخارقي، ~~وجماعة معهم، فاعتزلوا، وبايعوا عبد الله بن وهب الراسبي وتبرءوا من ~~الحكمين، وكفروا عليا عليه السلام. فهذه الفرق المتقدمة. # ثم تفرقت كل فرقة منهم فرقا كثيرة، وقد ذكرنا فرق الشيعة فيما تقدم بما ~~فيه كفاية. # فأما المعتزلة فكان سبب اعتزالهم أن شيخ المعتزلة واصل بن عطاء كان يرى ~~رأي أهل البيت"، وكان يظهر القول بالعدل والتوحيد ومحبة أهل البيت" في ~~البصرة في وقت غلبة الخوارج، وكان تربى مع أبي هاشم عبد الله بن محمد بن ~~الحنفية رحمه الله، وكان محمد بن الحنفية يراه مثل الولد، وكان يأخذ العلم ~~عن أبي هاشم، ويأخذه أبو هاشم عن أبيه محمد بن علي عليه السلام ويأخذه محمد ~~عن أبيه علي ms279 عليه السلام. وكان اختلف هو والحسن البصري في [مسألة] المنزلة ~~بين المنزلتين. فقال الحسن بن أبي الحسن البصري: الفاسق منافق. وقال واصل: ~~الفاسق ليس بمؤمن ولا كافر بل له منزلة بين المنزلتين. PageV01P559 # وكان عمرو بن عبيد يقول بقول الحسن، ثم رجع إلى قول واصل بن عطاء، وبرجوعه ~~واعتزاله عن قول الحسن سميت المعتزلة معتزلة، مع ما تقدم من اعتزال واصل بن ~~عطاء للخوارج، وإظهاره للتشيع، فبسبب ذلك سميت المعتزلة معتزلة. # ثم افترقت المعتزلة فرقتين: فرقة لزمت بقول واصل بن عطاء في تفضيل أمير ~~المؤمنين عليه السلام وتقديمه على أبي بكر وعمر وعثمان، والقول بإمامة ~~الحسن والحسين، وزيد بن علي، ومحمد وإبراهيم ابني عبد الله"، وهم مشائخ ~~البغداديين، مثل جعفر بن حرب، وجعفر بن مبشر، وأبي عثمان عمرو بن بحر ~~الجاحظ، والمرشد، ومن قال بقولهم وهؤلاء يسمون شيعة المعتزلة، ومعتزلة ~~الشيعة. وسموا الزيدية معتزلة الشيعة، وصوبوا الزيدية في جميع أقوالهم، ~~وذكروا أن الفرقة الناجية هم شيعة المعتزلة ومعتزلة الشيعة، يعنون الزيدية. # وفرقة وهم المعتزلة البصريين فإنهم خالفوا في الإمامة وفي الإرادة، ~~ووافقونا في العدل والتوحيد، وصدق الوعد والوعيد، والنبوءة، وغير ذلك من ~~الأصول. فأما الإمامة فإنهم خالفونا فيها خلافا كثيرا، وذلك أنهم يقولون: ~~الإمام أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي عليه السلام، ثم الإمامة جائزة ~~في كل الناس، وهذا قول فريق منهم. # ومنهم من قال: الإمامة في قريش، وقالوا: إذا اجتمع قرشي ونبطي ولي القرشي ~~على النبطي. # وقال ضرار: إذا اجتمع قرشي ونبطي ولي النبطي لأنه أقل عشيرة وأهون شوكة، ~~وعلته أنه إذا عصى الله كان أسهل لخلعه. PageV01P560 # ومنهم من توقف في تفضيل علي عليه السلام على أبي بكر وعمر، وهم: أبو علي، ~~وأبو هاشم، وقالا: إن صح خبر الطائر المشوي فعلي أفضل من أبي بكر، وإذا كان ~~أفضل منه كان أولى بالمقام منه، وعلتهما: أن راوي خبر الطائر المشوي أنس بن ~~مالك، ومن مذهبهما أنهما لا يقبلان الخبر إلا من اثنين كالشهادة. # وخبر الطائر المشوي: ما روي عن ms280 أنس بن مالك أنه أتي إلى النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم بطائر مشوي ووضع بين يديه فقال: ((اللهم ائتني بأحب خلقك ~~إليك يأكل معي من هذا الطائر)) فلم يحضر غير علي عليه السلام، وعلى ما روي ~~أنه رد من بابه مرة بعد أخرى. # وذكرت شيعة المعتزلة الذين قالوا بفضل علي عليه السلام أن الخبر ذكره ~~أمير المؤمنين عليه السلام يوم الشورى بمحضر من أصحاب الشورى فلم يرد أحد ~~منهم عليه، وشهدوا له بصحة ذلك، ولم يكن ذلك الوقت وقت عصبية معه، ولا ميل ~~إليه. فهذه فرق المعتزلة. # ومن الدليل على أن الزيدية هم الفرقة الناجية أنهم لم يفارقوا الكتاب ولا ~~السنة ولا الإجماع ولا العقل، بل لزموا بهذه الحجج الأربع، وقد قدمنا ~~الكلام في الكتاب والسنة بما فيه كفاية. PageV01P561 # وأما الإجماع فإن الأمة مجمعة على أن الله تعالى واحد قديم، لا قديم معه ~~غيره، وأنه لا مثل له في وجه من الوجوه، وقد أتى في الكتاب والسنة ما قلنا ~~به قال الله تعالى: {ليس كمثله شيء }[الشورى:11]، وقال: {هو الأول والآخر ~~والظاهر والباطن }[الحديد:3]، وقال: {قل هو الله أحد ، الله الصمد ، لم يلد ~~ولم يولد ، ولم يكن له كفوا أحد}[الإخلاص:1-4]. # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((إن الله لا مثل له ~~بوجه من الوجوه في صفة من صفات العظمة)). # ثم قال مخالفونا: الله قديم بقدم، وعالم بعلم، وقادر بقدرة قديمة، ~~وقالوا: القرآن غير مخلوق وهو قديم، فأثبتوا مع الله قديما سواه فخالفوا ~~الإجماع ونقضوا ما كانوا قد أجمعوا عليه، واستقمنا نحن على الإجماع. # وأجمعت الأمة على أن الله ليس كمثله شيء ثم نقضت المشبهة قولهم هذا ~~فقالوا: له وجه ويدان، وجنب وعينان، وجوارح ولسان، وهو يرى يوم القيامة ~~بالأعيان، وهو يستقر في المكان -تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا، فخرجوا ~~عن قولهم الأول: (ليس كمثله شيء)، واستقمنا نحن على الإجماع. PageV01P562 # وأجمعت الأمة على أن معنى (سبحان الله) تنزيه الله من كل صفة نقص في ms281 ذاته ~~وفي أفعاله، وأجمعوا على أنه عدل لا يجور، وأنه لا يفعل القبيح، ولا يأمر ~~بفعله، ولا يريده، ولا يحبه، ولا يرضاه، ثم نقضت المجبرة هذا القول بأن ~~قالوا: الله فاعل كل حسن وقبيح، وقالوا: إن الله أجبرهم على أفعالهم، ~~وقالوا: إن الله أمر الكافر بالإيمان، وسلبه الاستطاعة على الإيمان. فنقضوا ~~قولهم الأول، ونسبوا إلى الله فعل القبيح، ونزهوا أنفسهم، وخرجوا من ~~الإجماع وقد قال الله تعالى فيهم: {ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله ~~وجوههم مسودة أليس في جهنم مثوى للمتكبرين}[الزمر:60]، واستقمنا نحن على ~~الإجماع. # وأجمعت الأمة على أن الله صادق الوعد، ثم نقضت المرجئة هذا الإجماع بأن ~~قالوا: يجوز أن يخلف الوعيد. فنقضوا قولهم في صدق الوعد؛ لأن وعيده ~~للظالمين هو وعده للمظلومين، كما قال تعالى: {إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا ~~في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد}[غافر:51]، فإذا أخلف وعيده للظالمين ~~فقد أخلف وعده للمظلومين -تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. واستقمنا نحن على ~~الإجماع. # وكذلك أخذنا في الإمامة بالإجماع، فإن الخوارج وبعض المعتزلة قالوا: ~~الإمامة في كل الناس. وعلي والحسن والحسين وذريتهما من الناس. PageV01P563 # فأما قول ضرار: يولى النبطي على القرشي، فإن الله تعالى قد جعل النبيء صلى ~~الله عليه وآله وسلم من أشرف بيت في العرب، فكما كان صلى الله عليه وآله ~~وسلم من أشرف بيت في العرب وجب أن يكون الإمام من أشرف بيت في العرب، وأشرف ~~بيت في العرب بيت النبيء صلى الله عليه وآله وسلم. # وقالت المجبرة وبعض المعتزلة: الإمامة في قريش. وعلي والحسن والحسين" من ~~قريش، فثبت لنا الإجماع. # وأما قول الإمامية في النص والغلو، فإنه خلاف لجميع الأمة. # والدليل على أن الإجماع حجة قول الله تعالى: {ومن يشاقق الرسول من بعد ما ~~تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت ~~مصيرا}[النساء:115]، وقال تعالى: {إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا ~~تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم ~~توعدون ، نحن أولياؤكم في الحياة ms282 الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي ~~أنفسكم ولكم فيها ما تدعون ، نزلا من غفور رحيم}[فصلت:30-32]، وقال تعالى: ~~{إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون}[الأحقاف:13]، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((لا تجتمع ~~أمتي على ضلالة )) فصح أن الزيدية هم الفرقة الناجية. PageV01P564 # ومن طريق العقل: أن جميع الفرق لا يجدون علينا طعنا ولا تشنيعا في مقالتنا. # ومما يدل على صحة ما ذهبنا إليه ما يحتج به مخالفونا من كثرتهم وقلتنا، ~~وهذا من الدلائل [الواضحة] على صحة مذهبنا وذلك أن الله تعالى قد أخبرنا في ~~القرآن أن أكثر الناس لا يؤمنون، وأخبرنا أنه لا يؤمن إلا أقل الناس، ~~وأخبرنا أن الأمم قبلنا كذبوا الرسل، فقال تعالى: {كذبت قبلهم قوم نوح ~~وأصحاب الرس وثمود ، وعاد وفرعون وإخوان لوط ، وأصحاب الأيكة وقوم تبع كل ~~كذب الرسل فحق وعيد}[ق:12-14]، وقال تعالى: {وإن يكذبوك فقد كذبت رسل من ~~قبلك وإلى الله ترجع الأمور}[فاطر:4]، وقال تعالى: {إن الساعة لاتية لا ريب ~~فيها ولكن أكثر الناس لا يؤمنون}[غافر:59]، وقال: {ولكن أكثر الناس لا ~~يعلمون }[غافر:57]، وقال: {ولكن أكثر الناس لا يؤمنون }[هود:17]، وقال: ~~{وأكثرهم لا يعقلون}[المائدة:103]، وقال: {وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين ~~}[يوسف:103]، وقال: {ولقد ضل قبلهم أكثر الأولين }[الصافات:71]، وقال ~~تعالى: {وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله }[الأنعام:116]، وقال ~~تعالى: {ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب فمنهم مهتد PageV01P565 وكثير منهم فاسقون}[الحديد:26]، وهذا في القرآن كثير. # ثم ذكر الله المؤمنين المخلصين بالقلة، فقال تعالى: {اعملوا آل داوود ~~شكرا وقليل من عبادي الشكور}[سبأ:13]، {وما آمن معه إلا قليل }[هود:40]، ~~وقال: {فشربوا منه إلا قليلا منهم }[البقرة:249]، وقال: {قليلا ما تذكرون ~~}[الأعراف:3]. # وذكر ما كان من أصحاب موسى عند باب حطة، وقولهم لموسى: {فاذهب أنت وربك ~~فقاتلا إنا هاهنا قاعدون }[المائدة:24]، وذكر قول موسى عليه السلام: {رب ~~إني لا أملك إلا نفسي وأخي }[المائدة:25]، وذكر من قوم موسى رجلين وهم ألوف ~~فقال تعالى: ms283 {قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما ادخلوا عليهم ~~الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون}[المائدة:23]، وقد قيل: إنهما يوشع بن ~~نون، وكالب بن نفثا القناري من أرض قنار. وقيل: إنه المؤمن الذي كان يكتم ~~إيمانه. فصح أن القليل ممدوح، وأن الكثير من الفرق مذموم. # وبسبب قلة الفرقة الناجية تظاهر أعداء الله عليهم. وقد ذكرنا ما فعل بنو ~~أمية وبنو العباس بأولاد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ وذلك أن ~~معاوية لعنه الله لما غلب على الأمر جعل سب أمير المؤمنين عليه السلام سيرة ~~وسجية، حتى كتب إلى وال له من جهته يقول له: أقتل من كان على دين علي، ~~واضرب عنق حجر بن عدي؛ لأنه لم يتبرأ من علي عليه السلام وأنكر سبه. PageV01P566 # وكانوا يلعنون عليا على المنابر، ويدعونه أبا تراب، حتى ولي عمر بن عبد ~~العزيز فمنع ذلك، فقال في ذلك كثير عزة: # طبت بيتا وطاب أهلك أهلا # أهل بيت النبيء والإسلام # لعن الله من يسب عليا # وبنيه من سوقة وإمام # تأمن الطير والوحوش ولا يأ # من أهل البيت عند المقام # وسم الحسن على يدي جعدة بنت الأشعث بن قيس، حتى روي أنه قال: سقيت السم ~~مرارا وما سقيت مثل هذه المرة، ولقد مشت طائفة من كبدي. # وفعل بالحسين بن علي عليهما السلام ما فعل، وخبره مشهور. # وروي أنه لما قتل كتب عبيد الله بن زياد أن توطأ الخيل على ظهره، وحز ~~رأسه وأمر به إلى يزيد بن معاوية لعنهما الله سبحانه وسيق حريمه وأهله ~~على الأقتاب إلى دمشق. # وقتل زيد بن علي" وصلب، ثم قتل ولده يحيى بن زيد" وهرس في المهراس. PageV01P567 # وقتل محمد وإبراهيم ويحيى أولاد عبد الله بن الحسن" وغيرهم من أهل بيت ~~النبيء صلى الله عليه وآله وسلم. ولهم أسوة حسنة بمن سبقهم من الأنبياء" ~~والصالحين، وقد قال الله تعالى: {أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم ~~استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون}[البقرة:87]، وقال تعالى: {وكأين من ~~نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما ms284 أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما ~~استكانوا}[آل عمران:146]، وقال تعالى: {قتل أصحاب الأخدود ، النار ذات ~~الوقود ، إذ هم عليها قعود ، وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود ، وما نقموا ~~منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد}[البروج:4-8]، وكذلك أهل البيت". ~~ولذلك قلت هذه الفرقة الناجية، ولم يشتهر علمهم لأجل ذلك، كما اشتهر علم ~~الفقهاء كأبي حنيفة والشافعي من العامة، ومالك، ومحمد بن الحسن، وأبي يوسف ~~في أكثر الأمصار. وقد روي عن أصحاب أبي حنيفة أنهم كانوا إذا تكلموا في ~~المسائل فأرادوا أن يحكوا قول علي عليه السلام قالوا: قال الشيخ، ولم ~~يفصحوا باسمه خوفا من السلطان، فكيف يظهر علمهم والأمر كذلك مع طول المدة؟ ~~فإن دولة بني أمية انقضت في سنة اثنتين وثلاثين ومائة هجرية، فصار الأمر ~~إلى بني العباس فساروا طريقة بني أمية في قتل أهل البيت" فإنهم قتلوهم ~~بضروب من القتل، فما زالت تلك حالتهم حتى ضعفت دولتهم بظهور الجيل PageV01P568 والديلم. # وأيضا فإن فقهاء العامة الذين سمينا كانوا يرون ولاية آل رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم فرضا، ويشهدون لهم بالتفضيل، ويقولون: إن مودتهم هي ~~أجر الرسالة. وقد روي أن سبب موت أبي حنيفة: أن أبا جعفر -الثاني من خلفاء ~~بني العباس- كتب إليه كتابا، وإلى الأعمش كتابا على لسان إبراهيم بن عبد ~~الله، فلما رأى أبو حنيفة الكتاب الذي كتبه إليه أخذه وقبله وقرأه، ولما ~~رأى الأعمش الكتاب الذي كتب إليه رمى به. وكذلك الشافعي كان يظهر محبة أهل ~~البيت" وهو القائل فيهم: # يا راكبا قف بالمحصب من منى # واهتف بقاطن أهله والناهض # سحرا إذا جاش الحجيج إلى منى # سيلا كملتطم الفرات الفائض # قف ثم ناد بأنني لمحمد # ووصيه وبنيه لست بباغض # إن كان رفضا حب آل محمد # فليشهد الثقلان أني رافضي # وروي أن محمد بن الحسن غضب عليه هارون في ميله إلى أهل البيت فرماه ~~بالدواة فشج رأسه. فصح لنا الإجماع، وصح أن الزيدية هم الفرقة الناجية. # وقد شذ من الزيدية فرقتان في عصرنا هذا: PageV01P569 # إحداهما: المطرفية ms285 الذين قالوا: ليس يسمع القرآن، ولا يسمع الكلام، وأنه ~~صفة ضرورية لقلب الملك لا تفارقه. فأنكروا نزول القرآن، وقالوا: إن الله ~~سبحانه لا يقصد كثيرا مما يحدث من الخلق والرزق والموت والحياة، بل ذلك ~~يحصل بإحالات الأجسام، فأنكروا تدبير الله سبحانه لخلقه حالا بعد حال. ~~وقالوا: إن فعل العبد لا يعدوه، ولا يوجد من الظالم فعل في المظلوم، فنسبوا ~~أكثر الظلم إلى الله سبحانه، وما أشبه ذلك من الجهالات القبيحة، وهذا القول ~~مخالف للكتاب والسنة والإجماع، فخرجوا من الفرقة الناجية بخروجهم عن الكتاب ~~والسنة والعقل والإجماع. # والفرقة الأخرى: الذين قالوا: إن الحسين بن القاسم أفضل من رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم، وكلامه أبهر من كلام الله، وهؤلاء خرجوا من الفرقة ~~الناجية بخروجهم عن العقل والكتاب والسنة والإجماع. # ومن أهل مقالتنا في عصرنا: قوم توانوا وسهلوا في العمل، وغفلوا عن طلب ~~العلم، وركنوا على إصابة الطريق، فضيعوا الدين، وتخلفوا عن طريق المؤمنين، ~~فمثلهم كمثل النائم على الطريق؛ ومثل مخالفهم كمن يمشي مجتهدا في غير ~~الطريق، فكلا الفريقين لا يبلغ المراد، إلا أن يستيقظ النائم، ويرجع الضال ~~عن الطريق إلى الطريق. # نسأل الله أن يوفقنا لما يحب ويرضى من طاعته حتى يصدق قولنا بعملنا، ~~ونسأله أن يتجاوز عن خطايانا وزللنا، وأن يبلغنا صالح آمالنا ويختم لنا ~~بخير أعمالنا. # تم الكتاب والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله خير آل PageV01P570 ms286