######OpenITI# #META# comp: 1 #META# max: 488 #META# Shamela_short_metadata_record: #META# الكتاب : الموجز لأبي عمار عبد الكافي تخريج عميرة #META# ndata: من مكتبة5BEF92833 مسيحي. #META# bk: الموجز لأبي عمار عبد الكافي تخريج عميرة #META# bkord: 56 #META# archive: 1 #META# الكتاب: الموجز لأبي عمار عبد الكافي تخريج عميرة #META# cat: العقيدة #META# iso: الموجز لابي عمار عبد الكافي تخريج عميره #META# bkid: 730 #META# ScrapeDate: 13-03-2020 #META# ScrapedFrom: ShamelaIbadiyya #META#Header#End# ### | CHECK الموجز لأبي عمار عبد الكافي تخريج عميرة ج1 # من مكتبة التراث # الموجز # لأبي عمار عبد الكافي الأباضي # الجزء الأول # خرج أحاديثه وعلق على نصوصه # الدكتور # عبد الرحمن عميرة # دار الجيل # بيروت # تمهيد بقلم المؤلف # إن الحمد لله رب العالمين، [و] صلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه، ~~[و] الحمد لله مبطل كيد الجاحدين، والكاشف بأنوار حججه أستار المبطلين، ~~والمبين ما طمس أهل الزيغ والعمى من سبيل المهتدين. # أما بعد _أيدك الله (¬1) _ فإني نظرت في جميع أصول الملحدين (¬2) فإذا هي ~~أربعة أصول، ثم نظرت في كل أصل منها فإذا هو محصور على ثلاثة فصول، فاقتصرت ~~لك بذلك عن تصنيف مقالاتهم قولا قولا، وعن تعديد فصولهم فصلا فصلا، ليتيسر ~~ذلك للناظر، ويسهل على المتعلم، ويخف على الحافظ، والله ولي التوفيق. # أما الأصل الأول منها: فهو قول أهل الدهر المنكرين لحدوث العالم. والأصل ~~الثاني: قول الثنوية القائلين بالنور والظلمة. # والأصل الثالث: المنكرون لرسالة الرسل، صلى الله على محمد وعلى جميع ~~المرسلين. # ¬__________ # (¬1) - في (ب) لفظ "التوفيق والسداد". # (¬2) - لحد بلسانه إلى كذا مال. قال تعالى: {لسان الذي يلحدون إليه} ~~(سورة النحل:103). من لحد وقرئ (يلحدون من ألحد، وألحد فلان مال عن الحق). ~~والإلحاد ضربان: # إلحاد إلى الشرك بالله، وإلحاد إلى الشرك بالأسباب، فالأول ينافي الإيمان ~~ويبطله، والثاني: يوهن عراه ولا يبطله، ومن هذا النحو قوله تعالى: {ومن يرد ~~فيه بإلحاد نذقه عذاب أليم} (سورة الحج:25). # وقوله تعالى: {الذين يلحدون في أسمائه} (سورة الأعراف: 180). والإلحاد في ~~أسمائه على وجهين: أحدهما: أن يوصف بما لا يصح وصفه به، والثاني: أن يتأول ~~أوصافه على ما لا يليق به. # والتحد إلى كذا مال إليه، قال تعالى: {ولن تجد من دونه ملتحدا} (سورة ~~الكهف:27). أي التجاء، أو موضع التجاء. PageV01P001 # والأصل الرابع: هو ما يتعلق به أهل التشبيه من هذه الأمة المنتحلين (¬1) ~~لهذه الملة (¬2) ، فهذه الأصول الأربعة. # ... # فصول الأصل الأول: # الفصل الأول من الأصل الأول هو ما انتحله المنجمون، والفصل الثاني هو قول ~~أهل الطبائع، والفصل الثالث ms001 مذهب أرسطاطاليس وأصحابه. وسنأتي على صفة كل ~~فصل منها إذا نحن صرنا إلى موضع الرد عليهم إن شاء الله. # فصول الأصل الثاني: # ¬__________ # (¬1) - النحلة والنحلة: عطية على سبيل التبرع، وهو أخص من الهبة إذ كل ~~هبة نحلة، وليس كل نحلة هبة. # والانتحال: ادعاء الشيء وتناوله، ومنه يقال فلان ينتحل الأمر. راجع ~~مفردات غريب القرآن: 485. # (¬2) - الملة: كالدين، وهو اسم لما شرع الله تعالى لعباده على لسان ~~الأنبياء ليتوصلوا به إلى جوار الله، والفرق بينها وبين الدين: أن الملة لا ~~تضاف إلا إلى النبي -عليه الصلاة والسلام- الذي تسند إليه، نحو "اتبعوا ملة ~~إبراهيم"، "واتبعت ملة آبائي"، ولا تكاد توجد مضافة إلى الله ولا إلى آحاد ~~أمة النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولا تستعمل إلا في جملة الشرائع دون ~~آحادها، لا يقال: ملة الله، ولا يقال: ملتي وملة زيد، كما يقال: دين الله ~~ودين زيد، ولا يقال: الصلاة ملة الله. وأصل الملة: من أمللت الكتاب، قال ~~تعالى: {فليملل الذي عليه الحق فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا أو ~~لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل} (البقرة: 282). وتقال الملة ~~باعتبار الشيء الذي شرعه الله، والدين يقال اعتبارا بمن يقيمه إذ كان معناه ~~الطاعة. والله أعلم. PageV01P002 # أما الفصل الأول: منها مقالة المنانية، والثاني مقالة الديصانية، والثالث ~~قول المرقيونية، والمنكرون لرسالة صلى الله على محمد وعلى جميع المرسلين ~~على ثلاثة فصول: الأول مذهب البراهمة، والثاني مقالة المجوس، والثالث مذاهب ~~أهل الكتاب على اختلاف مللهم، فهم جميعا مجمعون على التكذيب لرسالة نبينا ~~محمد -صلى الله عليه وسلم-، وعلى جميع المرسلين. # المشبهة: (¬1) # فأما المشبهة من هذه الأمة، فإنها تنازعت في معبودها على أقاويل يكثر ~~تعدادها، وترجع بجملتها إلى فصول ثلاثة لا رابع لها. # ¬__________ # (¬1) - المشبهة صنفان: صنف شبهوا ذات الباري بذات غيره، وصنف آخرون شبهوا ~~صفاته بصفات غيره، وكل صنف من هذين الصنفين مفترقون على أصناف شتى. # ومن الصنف الأول: السبئية أتباع عبد الله بن سبأ. (راجع التعريفات لأبي ~~البقاء ص79)، ومنهم البيانية أتباع بيان ms002 بن سمعان: الذي زعم أن معبوده ~~إنسان من نور على صورة الإنسان في أعضائه. # ومنهم: المغيرية أتباع المغيرة بن سعيد العجلي: الذي زعم أن معبوده ذو أعضاء. # ومنهم المنصورية: أتباع أبي منصور العجلي: الذي شبه نفسه بربه، وزعم أنه ~~صعد إلى السماء. راجع الفرق بين الفرق ص243، 244. # ومنهم الخطابية: الذين قالوا بإلهية الأئمة وبإلهية أبي الخطاب الأسدي (ت 143ه). # وهذه الأصناف خارجة عن دين الإسلام وإن انتسبوا إليه في الظاهر. # ومن الصنف الثاني: الخابطية: أتباع أحمد بن خابط، وكان يشبه عيسى بن ~~مريم، وزعم أنه الإله الثاني. راجع الفرق بين الفرق 277. # ومنهم الكرامية: أتباع محمد بن كرام: التي ادعت أن الله تعالى جسم له حد ~~ونهاية، وأنه محل الحوادث، وأنه مماس لعرشه: {كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن ~~يقولون إلا كذبا} (سورة الكهف: 5). راجع اعتقاد فرق المسلمين ص57، والتنبيه ~~25 و 148، والجور العين ص154، وشرح نهج البلاغة لابن ابن الحديد 2/309، ~~والسفاريني 1/80، والفرق بين الفرق 226، 227. PageV01P003 # الفصل الأول من ذلك: مقالة أهل التشبيه القائلين بالتجسيم على حقيقة ~~التجسيم. # والثاني: مذهب المجردين للتجسيم بالتسمية دون التشبيه بزعمهم. # والثالث: مقالة المشبهة الغالطين في التأويل، الحائدين عن التسمية ~~بالتجسيم، فهذا اثنا عشر فصلا في أربعة فصول، تحتوي على جميع مذاهب القوم، ~~وتتضمنها إن شاء الله، والله ولي التوفيق. # الرد على المنكرين لحدوث الأشياء: # نبدأ بجواب المنكرين لحدوث الأشياء من هذه الأصناف. # فإن سألنا سائل من أهل الدهر فقال: وما يدريكم بأن هذه الأشياء محدثة؟ ~~ولعلها قديمة لم تزل، قيل له: علمنا حدوثها ذلك من وجوه: PageV01P004 # أما أحدها: فإنا نظرنا في هذا العالم فوجدناه صنفين لا ثالث لهما: إما ~~جسم، أو عرض صفة له، ثم نظرنا في العرض فإذا هو صفات متضادة، متعاقبة في ~~الجسم، فقلنا: لا تخلو هذه الأشياء من أن تكون قديمة أو محدثة، فبطل أن ~~تكون قديمة، لكونها متعاقبة في الجسم (¬1) آتية وذاهبة، وليس في إتيان ~~الآتي منها أكثر من حدوثه، ولا في ذهاب الذهاب أكثر من بطلانه وفنائه، وبطل ~~أن ms003 تكون هذه الأشياء مجتمعة مع تضادها في الجسم بحال واحدة، لبطلان الوصف ~~له بها في حال واحدة، ولو كان الأمر كذلك لجاز أن يسمى الجسم مجتمعا ~~متفرقا، ومتحركا ساكنا، مع سائر تلك الصفات في حال واحدة، فلما بطل الوصف ~~للجسم بهذه الأشياء المتضادة (¬2) في حال واحدة ثبت أن بطلان ما بطل منها ~~لم يبطل إلا بحدوث ضده، وإن ما حدث منها لم يحدث غلا بفناء ضده وبطلانه، ~~فلما كان الأمر هكذا علمنا أن تلك الأشياء بجميعها محدثة كائنة، بعد أن لم ~~تكن، ونظرنا في الجسم فوجدناه لا يخلو من هذه الأشياء المحدثات ولا ينفك ~~عنها، ولا يوجد قبلها ولا بعدها، ولا يوجد إلا وهي معه، ولو أن متوهما توهم ~~الجسم غير مجتمع ولا متفرق ولا متحرك ولا ساكن كان قد توهم ضربا من المحال ~~فاسدا، ووجها من الخطأ مضمحلا؛ لأنه إذا توهم ذلك توهم بطلان وجوده، وفساد ~~كونه، والله ولي التوفيق. # ¬__________ # (¬1) - الجسم: جوهر بسيط لا تركيب فيه بحسب الخارج أصلا، وهذا عند ~~أفلاطون، فإنه لم يقل إلا بالصورة الجسمية، وأما عند أرسطو فالجسم مركب من ~~حال ومحل، فالحال هو الصورة، والمحل هو الهيولى. # (¬2) - الضدان في اصطلاح المتكلمين: عبارة عما لا يجتمعان في شيء واحد من ~~جهة واحدة، وقد يكونان وجوديين كما في السواد والبياض، وقد يكون أحدهما ~~سلبا وعدما، كما في الوجود والعدم، والضدان لا يجتمعان لكن يرتفعان، ~~كالسواد والبياض، والنقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان، كالوجود والعدم، ~~والحركة والسكون. المعجم الفلسفي. PageV01P005 # ثم رجعنا إلى القول في الجسم فقلنا: لما كان الجسم غير عار من هذه ~~الأعراض ولا منفك عنها في حال من أحواله، ولم يوجد (¬1) إلا وهي به، ولا ~~يتقدمها بحال واحدة، ولا يجوز أن يتأخر بعدها حالا واحدة، وهي بجميعها ~~محدثة _كما وصفنا_ قضينا على الجسم بالحدوث، كما (¬2) قضينا على العرض ~~بالحدوث، إذ لم يسبقها ولم يكن قبلها، ولو كان الجسم قبل هذا العرض المحدث ~~موجودا منفكا منه لكان ينبغي أن يكون قديما لوجوده قبل المحدث، فلما بطل ms004 عن ~~الجسم أن يوجد قبل هذا العرض المحدث _كما وصفنا_ بطل عنه عند ذلك الوصف ~~بالقدم، وثبت أنه محدث، إذ لم يسبق العرض المحدث، ولم يكن قبله، ولعل قائلا ~~من أهل الدهر يقول: فإذا قضيتم بحدوث هذه الأعراض المتعاقبة في الجسم على ~~حدوث الجسم فينبغي لكم أن تقضوا على أنه قد حدث في أي حال وجدتموه موصوفا ~~بشيء من هذه الأعراض، أو تقضوا على أنه يحدث في كل حال من أحواله، لحدوث ~~الأعراض إليه في كل حال، وهذا ما قد بان في فساده. # ¬__________ # (¬1) - سقط من (أ) لفظ (يوجد). # (¬2) - سقط من (ب) لفظ (كما). PageV01P006 # قيل لهم: قد دللنا بحدوث العرض في الجسم على حدوث الجسم، وعلى بطلان قدمه ~~حتما، فلما أن ثبت حدوث الجسم، وبطل عنه أن يكون قديما _لما ذكرنا_ كانت ~~مسألته إيانا في إثبات (¬1) حدوث الجسم، في حين ما شاهدناه لحلول الأعراض ~~فيه، دون حال لم نشاهده فيها مسألة ساقطة، وكذلك قوله: يحدث في كل حال من ~~أحواله لحدوث العرض فيه بكل حال قول فاسد محال، من أجل أن حدوثه في حال ~~يبطل حدوثه في التي تليها وينفيه، كما يبطل حدوثه في الحال التي قبل حال ~~حدوثه، وهذان القولان جميعا ساقطان، وليس في سقوطهما سقوط مقالتنا في نفي ~~القدم عن الجسم، وإثبات الحدوث له، وليس من قال: إن هذا الجسم لا يكون ~~قديما في كل حال، كمن يقول: إن هذا الجسم يحدث في كل حال، فإن قال أيضا: ~~فإذا قضيتم بحدوث العرض المحدث على حدوث الجسم حين لم يسبقه الجسم ولم ~~يتقدمه، ولم يوجد قبله، فكذلك فاقضوا بفناء هذه الأعراض وبطلانها على فناء ~~الجسم وبطلانه، إذ كان الجسم لا يبقى بعدها ولا يتأخر عنها، فإن قلتم بذلك ~~وجب عليكم أن تقولوا باستحالة بقاء الأجسام، وألا تجعلوا منها جسما يجوز ~~عليه أن يبقى أبدا، وإلا بطل دليلكم (¬2) الذي استدللتم به (¬3) من حدوث ~~العرض على حدوث الجسم. # ¬__________ # (¬1) - سقط من (ب) لفظ (إثبات). # (¬2) - في (ب) بدلا من (دليلكم). # (¬3) - في (ب) ms005 بها بدلا من (به). PageV01P007 # قيل لهم: نعم قد يجوز في الوهم، وليس بمستحيل فيه أن يكون الجسم يفنى عند ~~حال فناء شيء من هذه الأعراض، ويبطل عند بطلانها، ويجوز ألا يفنى، ويبقى ~~إلى حال أخرى غيرها، وأخرى غير تلك الأخرى، أو حال أخرى غير تلك الأخرى، ~~وليس ذلك مما يبطل عنه الفناء، إذ لم تكن شريطة بطلان الفناء على الشيء ~~بقاءه حالا أو حالتين أو ثلاثة أو أكثر من ذلك، فليس سبيل القدم والحدوث ~~هكذا؛ وذلك أن وصفك للشيء بالقدم ينفي عنه الحدوث في كل حال، ووصفك له (¬1) ~~بالبقاء لا ينفي عنه الفناء في كل حال، فبالجملة إنك متى ما ذكرت شيئا بأن ~~يبقى بعد الحدوث، ولم تنف عنه أن يكون يفنى، ومتى ما وصفته بالقدم فقد أحلت ~~عنه أن يكون يحدث أبدا. # ومن الدلالة على حدوث الأشياء أنا نظرنا إلى أدنى (¬2) حركات الأجسام ~~إلينا وحركات الفلك فوجدناها آخر ما مضى منها، فعلمنا عند ذلك أن لجميع ما ~~مضى منها أولا، كما كان له آخر، فلما ثبت أن لجميع ما مضى منها أولا، علمنا ~~أنها جميعا محدثة كائنة بعد إذ (¬3) لم تكن، وبطل بذلك قول من زعم أنها لم تزل. # ¬__________ # (¬1) - البقاء: هو سلب العدم اللاحق للوجود، أو استمرار الوجود في ~~المستقبل إلى غير نهاية، وهما بمعنى كما في شرح "الإرشاد" وهو أعم من ~~الدوام. # والدائم الباقي: هو الله تعالى بافتقار الموجودات إلى مريم، كافتقار ~~المعدومات إلى موجد. # والباقي تعالى هو باق لذاته، خلافا للأشعري فإنه عنده هو ببقاء قائم بذاته. # والباقي بنفسه لا إلى مدة هو الباري، وما عداه باق بغيره، وباق بشخصه إلى ~~أن يشاء الله أن يفنيه، كالأجرام السماوية، والباقي بنوعه وجنسه دون شخصه ~~وجزئه كالإنسان والحيوانات، والباقي بشخصه في الآخرة كأهل الجنة، وبنوعه ~~وجنسه هو ثمار أهل الجنة كما في الحديث، وكل عبادة يقصد بها وجه الله فهي ~~الباقيات الصالحات. راجع التعريفات للجرجاني. # (¬2) - سقط من (ب) لفظ (أدنى). # (¬3) - في (أ) أن بدلا من (إذ). PageV01P008 # وقد تكلم ms006 قوم من أهل التوحيد فقالوا: إن قول أهل الدهر لم تزل الأشياء ~~تحدث قول محال فاسد متناقض؛ لأن قولهم لم تزل يبطل الحدوث، وقولهم: تحدث ~~يبطل لم تزل، والقول إذا كان فيه (¬1) إثبات شيء، وفيه صار باطلا فاسدا ~~متناقضا، وقد ضرب قوم من أهل التوحيد مثلا لقول أهل الدهر حين قالوا: إن ~~هذه الأشياء التي تحدث شيئا بعد شيء، وشيئا قبل شيء، وأنه لا يقع شيء منها، ~~ولا يحدث إلا وقبله شيء آخر فقالوا: إن مثل قول (¬2) أهل الدهر في ذلك كمثل ~~من قال: إن زيدا لا يدخل هذا الدار حتى يدخل قبلها (¬3) دارا غيرها، ولا ~~يدخل تلك الغير حتى يدخل قبلها غيرها، ولا يدخل الثالثة حتى يدخل قبلها ~~الرابعة، ولا يدخل الرابعة حتى يدخل الخامسة قبلها، إلى ما لا ينتهي، ~~فقالوا: إنه يبطل ويفسد أن يدخل شيئا من هذه الدور أبدا، (¬4) # ¬__________ # (¬1) - سقط من (ب) لفظ (فيه). # (¬2) - في (أ) بزيادة لفظ (قول). # (¬3) - سقط من (ب) لفظ (قبلها). # (¬4) - الأبد: لا يثنى ولا يجمع، والآباد مولد الآبدين، وأبد الآبدين ~~معناه: دهر الداهرين وعصر الباقين، أي يبقى ما بقي دهر وداهر. # وآخر الأبد: كناية عن المبالغة في التأبيد، والمعنى: الأبد الذي هو آخر ~~الأوقات. راجع كليات أبي البقاء. PageV01P009 # إذا كان دخول شيء منها مشروطا معلقا بدخول غيره، وذلك الغير مشروطا معلقا ~~بدخول غيره، وذلك الغير مشروطا معلقا بغير آخر إلى ما لا يتناهى، لكن وقوع ~~شيء مشروط بوقوع غيره قبله إلى ما لا يتناهى بطلان وقوع شيء منها، فلو ~~استثنينا واحدا من هذه الأشياء من هذا الشرط لكان غير مستحيل وقوع ما بعده ~~وحدوثه، والقول في العدد أيضا كالقول فيما ذكرنا؛ وذلك أن العدد لا يقع إلا ~~وله أول يبتدأ منه، ولولا أنه كان له أول يتبدئ منه لم يجب وقوع شيء منه ~~أبدا، فإذا كان له أول يبتدئ منه ثبت وقوع شيء مما بعده، ولعل قائلا منهم ~~يقول: إن هذه الأشياء التي استدللتم بحدوثها على حدوث الجسم كانت كامنة في ~~الجسم ms007 تظهر في حال، وتكمن في حال، وهي مع ذلك قديمة بقدم الجسم، فيقال له: ~~كيف يجوز أن يكمن السكون في موضع هو متحرك، أو تكمن الحركة (¬1) # ¬__________ # (¬1) - الحركة: هي عبارة عن كون الجسم في مكان عقيب كونه في مكان آخر، ~~وقيل: الحركة كونان في آنين في مكانين. # والمتكلمون إذا أطلقوا الحركة وأرادوا بها الحركة الأينية المسماة ~~بالنقلة، وهي المتبادرة في استعمال اللغة، وقد تطلق عندهم على الوضعية دون ~~الكمية والكيفية. # والحركة لا تقع وصفا بالذات إلا للمتحيز بالذات، والحركة أعم من النقلة ~~لوجود الحركة بدونها فيمن يدور في مكانه. # والحركة الكمية كحركة النمو: وهو أن يزداد مقدار الجسم في الطول والعرض ~~والعمق، وذهب الرازي إلى أن النمو والذبول ليسا من الحركة، وكلام الشريف ~~يميل إليه، والحركة الكيفية المحسوسة كحركة الماء من البرودة إلى السخونة، ~~والحركة الكيفية النفسانية: كحركة النفس في المعقولات، فتسمى فكرا، كما ~~أنها من المحسوسات تسمى تخيلا. # والحركة الوضعية: كحركة الجسم من وضع إلى وضع آخر، ككون القاعد قائما، ~~وكحركة الفلك في مكانه على الاستدارة. # والحركة الأينية: كحركة الجسم من مكان إلى مكان آخر، راجع المعجم ~~الفلسفي. PageV01P010 # في موضع هو ساكن، أو يكمن الافتراق في جزءين مجتمعين، أو يكمن الاجتماع ~~في جزءين مفترقين، وهل يكون ذلك إلا وقد حل الشيء ومضاده (¬1) في محل واحد، ~~في حالة واحدة، فهذا يوجب المعنى الأول الذي أنبأنا على فساده في ماضي ~~كلامنا في إثبات الجسم ساكنا متحركا في حال واحدة، مجتمعا متفرقا في حال ~~واحدة، وعلى أنه لو لم يجب ذلك، وكان ما زعم هذا الزاعم من كمون هذه ~~الأعراض صحيحا لكان الكلام قائما والسؤال لازما، من قبل أن هيئة الجسم في ~~حال كمون الكامن فيه، بخلاف هيئته في حال ظهوره فيه، وإذا اختلفت هيئته ~~بالظهور والكمون (¬2) # ¬__________ # (¬1) - الضد والضديد واحد، والأضداد، وقد يكون الضد جماعة قال الله ~~تعالى: {ويكونون عليهم ضدا} (سورة مريم:82)، وقد ضاده مضادة وهما متضادان، ~~ولا ضديد له: أي لا نظير له ولا كفء له. راجع التعريفات للجرجاني. ms008 # (¬2) - الكمون: فإن طائفة ذهبت إلى أن النار كامنة في الحجر، وذهبت طائفة ~~إلى أبطال هذا وقالت: إنه لا نار في الحجر أصلا. وهو قول ضرار بن عمرو. # وضرار ينسب إلى مخالفيه أنهم يقولون: إن النخلة بطولها وعرضها وعظمها ~~كامنة في النواة، وأن الإنسان بطوله وعرضه، وعمقه وعظمه كامن في المني. # وخصومه ينسبون إليه أنه يقول: إنه ليس في النار حر، ولا في العنب عصير، ~~ولا في الزيتون زيت، ولا في الإنسان دم. ويقول ابن حزم: وكلا القولين جنون ~~ومكابرة للحواس والعقول، والحق من ذلك: أن في الأشياء ما هو كامن كالدم في ~~الإنسان، والعصير في العنب. # وذهب الباقلاني وسائر الأشعرية: إلى أنه ليس في النار حر، ولا في الثلج ~~برد، ولا في الزيتون زيت. # يقول ابن حزم: وهذا أمر ناظرنا عليه من لقيناه منهم. راجع الفصل 5/185 ~~وما بعدها. PageV01P011 # فقد تضاد عليه أمران يوجد كل واحد منهما بعدم صاحبه، ويعدم بوجوده، فقد ~~صار الجسم بذلك لا يخلو من هذين الحادثين ولا ينفك منهما، فذلك يوجب حدوثه ~~إذا كان ما لم يسبق الحادث فهو حادث مثله، فقد عاد الأمر الذي هربوا منه ~~بحاله في الدلالة على حدوث الأجسام، وقد كان بعض أهل العلم من المتقدمين ~~سألهم في هذا الباب عن مسألة فقال لهم: أخبروني عن شيخ رأيتموه قاعدا ~~بحضرتكم ذا شيبة، تزعمون أنه لم يزل على ما شاهدتموه عليه في تلك الحال، أم ~~قد كان طفلا، ثم نشأ ثم شب، ثم شاخ؟ فإن قالوا: لم يزل على ما شاهدناه عليه ~~من هذه الهيئة ظهر أمرهم لكل ضعيف وقوي، وعلم كل عاقل أنهم يدفعون ما ~~يعلمونه ضرورة، فإن قالوا: قد كان طفلا، ثم ناشئا، ثم شابا، ثم شيخا على ~~هذه الهيئة، فيقال لهم (¬1) أفحدث شيء قد كان به كبيرا بعد أن كان صغيرا، ~~أو شيخا بعد أن كان شابا؟ فإن قالوا: لا، قيل (¬2) لهم: فهو إذا على ما كان ~~وهو شاب وطفل، وهذا يشهد بفساده العيان والمشاهدة. فإن قالوا: وإن لم يحدث ms009 ~~شيء فقد ظهر شيء كامن له صار به شيخا بعد أن كان شابا، قيل لهم: فاحسبوا ~~الأمر على ما تقولون من ظهور شيء كامن صار به شيخا بعد أن كان شابا. أفحدث ~~ظهور بعد كمون، أو لم يحدث ظهور بعد كمون؟ عاد الكلام الأول، وقال لهم: فهو ~~إذا على ما كان قبل ظهور الكامن، وإلا فلم صار شيخا بعد أن كان شابا؟ فإن ~~قالوا: حدث شيء لم يكن له صار به شيخا بعد أن كان شابا أقروا بحدوث (¬3) # ¬__________ # (¬1) - سقط من (ب) لفظ (لهم). # (¬2) - سقط من (ب) لفظ (لهم). # (¬3) - الحدوث: الخروج من العدم إلى الوجود، أو كون الوجود مسبوقا بالعدم ~~اللازم للوجود، أو كون الوجود خارجا من العدم اللازم للموجود. # وأظهر التعريفات للحدوث: هو أنه حصول الشيء بعدما لم يكن، وقول ~~المتكلمين: هو الخروج من العدم إلى الوجود فهو تعريف مجازي، إذ العدم ليس ~~بظرف للمعدوم ولا حقيقة فيه. والحدوث الذاتي عند الحكماء: هو ما يحتاج ~~وجوده إلى الغير، فالعالم بجميع أجزائه محدث بالحدوث الذاتي عندهم، كما أن ~~القدم الذاتي: هو أن يكون وجوده من الغير، وهو الباري جل شأنه. والقدم ~~المطلق: هو أن يكون وجوده مسبوقا بالعدم. # وأما الحدوث الزماني: فهو ما سبق العدم على وجوده سبقا زمانيا. PageV01P012 # الحدث، ودخلوا في جميع ما هربوا منه، والذي يلزم النافين للأعراض ~~والمنكرين للحوادث أمور كثيرة، لو استقصيناها لخرج الكتاب عن اسمه، ولذهب ~~عن معناه، والذي ذكرنا من ذلك في هذا الموضع كاف عما لم نذكره إن شاء الله، ~~إذ لم يكن غرضنا ها هنا، إقامة الدليل على ثبوت الأعراض، والرد على النافين ~~لها، وإنما ذكرنا هذه اللمع لنستشهد بها على حدوث الجسم وبطلان قدمه، والله ~~الموفق للصواب. PageV01P013 # ... فإن سأل سائل فقال: قد دللتم على حدوث الأشياء لا من شيء، فهل تقولون ~~إن لها محدثا أحدثها؟ ولعل هذه الأشياء حدثت لغير محدث، ولعلها حدثت (¬1) ~~من تلقائها، وما دلكم على حاجتها إلى محدث يحدثها؟ قيل له: لا تخلو هذه ~~الأشياء من وجهين لا ms010 ثالث لهما: إما أن تكون حدثت بمحدث أحدثها، أو حدثت من ~~تلقائها بلا محدث، وبطل أن تكون تحدث من تلقاء نفسها؛ لأنها لو كانت كذلك ~~لحدثت قبل وقت حدوثها أو بعده، ولكان المتقدم منها متأخرا، والمتأخر ~~متقدما، والمتوسط متقدما أو متأخرا، أو متقدمة جميعا، أو متأخرة جميعا، ~~فلما أن وجدناها حدثت في وقت حدوثها، دون ما قبل ذلك الوقت، ودون ما بعده، ~~ووجدنا المتقدم منها متقدما، والمتوسط متوسطا، والمتأخر متأخرا علمنا أن ~~ذلك لم يكن إلا بإرادة محدث أحدثها، فقدم منها ما أراد أن يقدمه، ووسط ما ~~أراد أن يوسطه، وأخر ما أراد أن يؤخره، وبطل عندما ذكرنا القول بأن الأشياء ~~حدثت من تلقاء نفسها بغير محدث، وثبت القول الثاني بأن الأشياء محتاجة إلى ~~محدث يحدثها في أوقات حدوثها، يقدم ما أراد تقديمه منها، ويؤخر ما أراد ~~تأخيره. فإن قال: وما يدريكم لعل هذه الأشياء أحدثت أنفسها (¬2) # ¬__________ # (¬1) - سقط من (ب) لفظ (حدثت). # (¬2) - يقول الشيخ نديم الجسر: هناك ثلاثة فروض لا رابع لها أبدا الأول: ~~أن تكون من صنع الله، الثاني: أن تكون من صنع ذي المادة، الثالث: أن تكون ~~هذه التنوعات حدثت بطريق المصادفة. أما الفرض الأول: فيقول به المؤمنون ~~بالله، وأما الفرض الثاني فلا يقول به أحدا مطلقا لا المؤمنون ولا ~~الماديون، بل إن هؤلاء الماديين أنكروا إنكارا قاطعا أن يكون لعناصر المادة ~~إرادة وقصد وغاية. # إذا قد أصبحنا أمام فرضين لا ثالث لهما: فإما أن تكون تنوعات العالم من ~~خلق الله وصنعه، وإما أن تكون نتيجة للمصادفة. # ونظرة في ملكوت السماوات والأرض من الذرة إلى المجرة، وعدد ما يربط بينها ~~في عالم الأمر من روابط وعلائق على اختلاف النواميس والأقدار، والمدد ~~والأشكال، والحركات والأوضاع، ثم ما في هذا الكون الكبير من تقدير، واتزان ~~وتنظيم، وترتيب وإحكام، وإتقان تنفي نفيا قاطعا أن يكون للصدفة مكان في هذا ~~الخلق العجيب. # قال تعالى: {إنا كل شيء خلقناه بقدر} (سورة القمر: 49)، وقال تعالى: {وكل ~~شيء عنده بمقدار} (سورة الرعد: 8)، وقال تعالى: ms011 {صنع الله الذي أتقن كل ~~شيء} (سورة النمل:88)، وقال تعالى: {والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي ~~وأنبتنا فيها من كل شيء موزون} (سورة الحجر: 8)، إلى غير ذلك من الآيات ~~البينات التي تنفي نفيا قاطعا أن تكون هذه الأشياء أحدثت نفسها أو حدثت عن ~~طريق العفوية والمصادفة. راجع قصة الإيمان للشيخ نديم الجسر، باب حظ ~~المصادفة 295 297 بتصرف. PageV01P014 # ولعل المحدث لها هي بأنفسها؟ قيل له: لا تخلو هذه الأشياء بعدما ثبت ~~حدوثها وثبت أن لها محدثا أحدثها، وأنها غير مستغنية عن ذلك من وجهين لا ~~ثالث لها: إما أن تكون أحدثت نفسها، أو أن تكون أحدثها غيرها، ويبطل أن ~~تكون أحدثت نفسها من قبل؛ لأنها لا تخلو في حال حدوثها من أن تكون معدومة ~~أو موجودة، فإن كانت معدومة فالمعدوم (¬1) لا يحدث شيئا: نفسه ولا غيره، ~~فإن تكن موجودة فما حاجتها إلى أن توجد نفسها وهي موجودة بعد؟ فلما فسد ~~هذان الوجهان ثبت أن لها محدثا أحدثها، وهو غيرها موجود قبل إيجاده لها، ~~ذلكم الله رب العالمين. # إثبات الوحدانية: # ¬__________ # (¬1) - العدم: الفقد، وضد الوجود [وهو عبارة عن لا وجود، ولا وجود نفي ~~للوجود] والعدم المطلق: هو الذي لا يضاف إلى شيء، والمقيد: ما يضاف إلى شيء ~~نحو: عدم كذا، والعدم السابق: هو المتقدم على وجود الممكن، والعدم اللاحق: ~~هو الذي بعد وجوده، والعدم المحض: هو الذي لا يوصف بكونه قديما، ولا حادثا ~~ولا شاهدا، ولا غائبا. # والعدم المطلق: بمعنى لا يتحقق لا ذهنا ولا خارجا. راجع شرح المقاصد، فصل ~~الوجود والعدم 1/327 وما بعدها. PageV01P015 # ... فإن قال: وما يدريكم أن محدث هذه الأشياء واحد؟ ولعل محدثها اثنان أو ~~أكثر من ذلك، قيل له: لا يخلو محدث الأشياء بعدما ثبت أنه غيرها من وجهين ~~لا ثالث لهما: إما أن يكون واحدا كما قلنا، أو أكثر من واحد، ويبطل أن يكون ~~أكثر من واحد من قبل، أنه لا يخلو أن يكون جميعا موصوفين بصفة واحدة متفقة، ~~أو يكون كل واحد منهما موصوفا بصفة غير ms012 صفة صاحبه، فإنا كانا جميعا موصوفين ~~بصفة واحدة متفقة فهذا معنى الواحد، وليس لذكر الاثنين أو أكثر من اثنين ~~وجه، وإنما ذلك عبارة بلفظ الاثنين عن معنى الواحد، أو يكون كل واحد منهما ~~موصوفا بغير صفة صاحبه، فالخارج منهما عن صفة القديم المحدث للأشياء غير ~~مستحق أن يحدث شيئا، فلما بطل عن هذا أن يكون يحدث شيئا ثبت أن محدث ~~الأشياء هو الموصوف بصفة القديم الخارج عن صفة المحدث. # لقد تكلم قوم من أهل التوحيد في هذا الباب بكلام قريب من هذا المعنى ~~فقالوا: لا يخلو الاثنان من وجهين: إما أن يكونا متفقين أو مختلفين، فإن ~~يكونا متفقين؛ فهو الذي قلنا من إثبات الواحد، وإن كانا مختلفين؛ فالمخالف ~~منهما لصفة الربوبية غير مستحق لأن يحدث شيئا، وثبت أن إحداث الأشياء لواحد ~~قديم ذلك الله رب العالمين. # وقالوا أيضا في فساد القول بالاثنين (¬1) ، # ¬__________ # (¬1) - وقال الله تعالى: {لا تتخذوا إلهين اثنين، إنما هو إله واحد فإياي ~~فارهبون} (سورة النحل:51)، لقد أمر الله ألا يتخذ إلهين اثنين، إنما هو إله ~~واحد لا ثاني له، وهو كذلك مالك واحد {وله ما في السماوات والأرض} (سورة ~~النحل:52)، (وله الدين واصبا) (سورة النحل:52)، أي واصلا منذ ما وجد الدين، ~~فلا دين إلا دينه، ومنعم واحد {وما بكم من نعمة فمن الله} (سورة النحل:53). # وهكذا ينفرد سبحانه وتعالى بالألوهية، والملك، والدين، والنعمة والتوجه. PageV01P016 # أو أكثر من الاثنين: لا يخلو كل واحد منهما من أن يكون قادرا على صاحبه، ~~أو غير قادر عليه، فإن كان كل واحد منهما قادرا على صاحبه، فهذا معنى ~~الواحد، وإن كان كل واحد منهما غير قادر على صاحبه كانا موصوفين بالعجز، ~~فكيف يكون العاجز مستحقا لإحداث شيء من الأشياء؟ وقالوا أيضا في فساد القول ~~بالاثنين: لا يخلو كل واحد منهما من أن يكون يقدر على أن يفني صاحبه، فهذا ~~هو الوصف بالواحد، وليس لذكر الاثنين مع هذه الصفة وجه، أو يكون كل واحد ~~منهما لا يقدر على أن يفني صاحبه، فيكونا جميعا ms013 قد دخلا في باب العجز؛ ~~فالداخل في باب العجز غير مستحق أن يحدث شيئا. # وقالوا أيضا في فساد القول بالاثنين: لا يخلو كل واحد منهما من أن يكون ~~يخفي عن صاحبه أمرا، أو لا يخفيه، فإن كان كل واحد منهما يخفي عن صاحبه ~~أمرا ويستره دونه، فقد دارت القصة من حيث ما دارت إلى أن يكون الاثنان ~~الموصوفان بصفة واحدة في معنى الواحد، وبطل ذكر الاثنين واللفظ بهما، أو ~~يكون كل واحد منهما لا يخفي دونه صاحبه أمرا، كانا جميعا موصوفين بالجهل ~~والعجز، وفي صفة إياهما بذلك ما يخرجهما من حد إحداث الأشياء، والتدبير ~~لها، فلما ثبت القول بما قلنا من هذا، وفسد القول بغير ذلك مما رسمناه في ~~كلامنا هذا صح أن محدث الأشياء واحد لا اثنان، ولا أكثر من ذلك، وربنا محمود. # دفع التشبيه (¬1) # ¬__________ # (¬1) - نشأ مبدأ التشبيه من مذاهب الحلولية والتناسخية، ومن مذاهب اليهود ~~والنصارى، فقد شبهت اليهود الخالق بالخلق، وشبهت النصارى الخالق بالخلق، ~~وسرت هذه الشبهات في أذهان الغلاة. # وقد اعتمد الغلاة التشبيه لهدم مبدأ الألوهية؛ لأن التشبيه يجعل المشبه ~~والمشبه به على مستوى واحد، وعلى مستويات متقاربة، ونتسائل: كيف يتصور ~~الشبه بين القديم والمحدث؟ ومن زعم أن الباري سبحانه في مكان، أو على مكان، ~~أو متصل بمكان، أو يتصور على الضمير أو يتخايل في الأوهام، أو يدخل تحت ~~الصفة أو النعت فقد أشرك. راجع الغلو والفرق الغالية ص146. PageV01P017 # فإن قال: وما يدريكم بأن محدث هذه الأشياء غير مشبه لها؟ لعله مشبه لهذه ~~الأشياء أو مشبه لبعضها، قيل له: لا يخلو المحدث للأشياء من أحد وجهين لا ~~ثالث لهما: إما أن يكون مشبها لها أو غير مشبه لها، وبطل القول بأنه يشبهها ~~من قبل أنه لو أشبهها للزمه من الحدوث ما لزمها، ونحن قد دللنا فيما قبل ~~على حدوثها، ولو لزمه من الحدوث ما لزمها لكان هو أيضا محتاجا إلى محدث ثان ~~يحدثه، ولكان ذلك المحدث الثاني محتاجا هو أيضا إلى محدث ثالث، والقول في ~~الثالث ms014 كالقول في الثاني، والقول في الرابع كالقول في الثالث، فيكون الأمر ~~متسلسلا إلى ما لا نهاية له من الفساد، فلما فسد القول بهذا ثبت أن محدث ~~الأشياء غير مشبه لها، ولا مشبه لبعضها في وجه من وجوه الإشباه؛ وذلك أن ~~هذه الأشياء دالة بجميع وجوهها على عجزها وحاجتها وحدوثها، فلو كان الذي ~~أحدثها مشبها لها، أو مشبها لشيء منها بوجه من هذه الوجوه للزمه مما ذكرنا ~~ما لزم ذلك الشيء، يتعالى عن ذلك رب العالمين. # انتهى الكلام في حدوث الأشياء، والدلالة على بطلان قدمها، وإثبات المحدث ~~أنه واحد، وأنه غير مشبه للأشياء، بما هو مقنع إن شاء الله، والله ولي ~~التوفيق. # النقض على الدهرية (¬1) : # ¬__________ # (¬1) - الدهرية: هم فرقة خالفت ملة الإسلام، وادعت قدم الدهر، وأسندت ~~الحوادث إليه، كما حد القرآن الكريم عنهم {وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا ~~نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر} (سورة الجاثية:24). وذهبوا أيضا إلى ترك ~~العبادات لزعمهم أنها لا تفيد. # والدهر بما يقتضيه مجبول من حيث الفطرة على ما هو عليه، فما ثم إلا أرحام ~~تدفع، وأرض تبلع، وسماء تقلع، وسحاب يقشع، وهواء يقمع، ويسمون بالملاحدة. ~~ويمكن رد أصل الدهرية إلى مدارس الفلسفة الإغريقية. ويفرق الإمام الغزالي ~~في كتابه "المنقذ من الضلال" بين الدهرية والطبيعيين. # وتقول دائرة المعارف الإسلامية: تقدم علماء المشرق تقدما كبيرا نحو ~~الدهرية عندما تغلغل بينهم العلم الطبيعي الأوروبي كمذهب "داروين" ومذهب ~~المادية، وغير ذلك، وقد رد على الدهرية (جمال الدين الأفغاني) في رسالته ~~بعنوان (رسالة في إبطال مذهب الدهريين)، ويتضح من ذلك إذن أن المادية ~~مرادفة للدهرية، ويجيز فقهاء اللغة أيضا النطق بكلمة (الدهرية) بضم الدال ~~عملا بقاعدة تغير الحركة، وهو أمر مألوف في النسبة. # راجع: # 1 دائرة المعارف للبستاني مجلد 8، مؤسسة مطبوعاتي إسماعيليان. # 2 مفاتيح العلوم لطاش كبرى زادة، ط فان فلتن، ص 35. # 3 الملل والنحل للشهرستاني. # 4 الحيوان للجاحظ ج2 ص50. # 5 دائرة المعارف الإسلامية بتصرف ج9 ص338، 339، 340. PageV01P018 # ... ونحن الآن مبتدئون سؤالنا عن أهل الدهر، وناقضون عليهم في كل ms015 ما ~~ذهبوا إليه، ولا قوة إلا بالله. # ... اعلم _أيدك_ الله أن الدهرية جميعا متفقون على قدم العالم، وإبطال ~~حدوثه، واختلافهم بعد ذلك في وجوه تصرف العالم في ذاته على ما سنذكره إن ~~شاء الله. # ... يقال لهم جميعا: ما الذي دعاكم إلى القول بقدم العالم؟ قالوا: لأنا ~~وجدناه من حين ما وجدناه هكذا، متصلا بعضه ببعض، ليس لاتصاله أول، فقضينا ~~بما شاهدنا من ذلك على ما كان قبله مما لم نشاهده، لصحة الاستدلال بالشاهد ~~على الغائب، وبالبعض على الكل، ويقال لهم: أو قد شاهدتم هذا العالم أو شيئا ~~منه، قديما لم يحدث؟ فإن قالوا: نعم بان كذبهم؛ لأنهم لم يكونوا قدماء ~~فيكونوا مشاهدين لقدم ما ادعوا قدمه من ذلك، مع أنه لو شوهد ذلك بالعيان ~~كما قالوا لما اختلف فيه اثنان، فإن رجعوا وقالوا: لما شاهدناه متصلا لا ~~غاية لاتصاله، قضينا بذلك على أن لا غاية له. قيل لهم: وما في اتصال بعضه ~~ببعض ما يفسد حدوثه، ونحن إنما سألناكم عن الدليل (¬1) # ¬__________ # (¬1) - الدليل: المرشد إلى المطلوب يذكر ويراد به الدال، ثم اسم الدليل ~~يقع على كل ما يعرف به المدلول، حسيا كان أو شرعيا أو قطعيا، حتى سمي الحس، ~~والعقل، والنص، والقياس، وخبر الواحد، وظواهر النصوص كلها أدلة. # والدليل عند الأصولي: هو ما يمكن التوصل به بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري. # ودلائل الشرع خمسة: الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس. والعقليات المحضة ~~كالتلازم والتفاني والدوران، والثلاثة الأول نقلية، والباقيان عقليان. # ولا يخلو الدليل من أن يكون على طريق الانتقال من الكلي إلى الكلي، فيسمى ~~برهانا، أو من الكلي إلى البعض فيسمى استقراء، أو من البعض إلى البعض فيسمى ~~تمثيلا. راجع التعريفات للجرجاني ص93. PageV01P019 # فجعلتم دعواكم دليلكم، بل لو رجعتم إلى ما شاهدتم من ذلك لعلمتم أن هذا ~~العالم غير قديم، ولقضيتم عليه بالحدوث؛ لأنكم لم تزالوا من حين ما ~~شاهدتموه ترون فيه جائيا حادثا، وذاهبا فانيا، وهل نفس الحدوث إلا وجود ~~الشيء بعد عدمه؟ أو هل نفس الفناء إلا بطلان الشيء ms016 بعد وجوده؟ فإن قالوا: ~~إنه يستحيل في أوهامنا أن يحدث شيء من غير شيء، قيل لهم: وكيف يستحيل في ~~أوهامكم أن يحدث شيء لا من شيء، ولم يستحل أن يوجد شيء لم يكن قبل وجوده؟ ~~أم كيف يستحل ما ذكرتم من حدوث شيء من غير شيء، ولا يستحيل فناؤه إلى غير ~~شيء؟ فلما أن وجدنا شيئا أو أشياء تفنى إلى غير شيء، ولو لم يتصور ذلك في ~~أوهامنا علمنا أنها تحدث من غير شيء، ولو لم يتصور حدوثها في أوهامنا، وقد ~~مضى القول في حدوث العالم، والدلالة على ذلك في أول كتابنا بما هو مقنع إن ~~شاء الله، وبه الحول والتوفيق. # الرد على المنجمين (¬1) : # ¬__________ # (¬1) - إن النجوم أجسام وصور مركبات تحركها القدرة، وما كان هذا سبيله ~~كان محدثا، والمحدث لا يكون محدثا للحوادث. والدليل على أن النجوم حادثة: ~~انتقالها من برج إلى برج، فإن صح أن النجوم محدثات لم يجز أن يكون لها ~~أفعال؛ لأن المحدث لا يفعل في غيره شيئا، ولا يوجد عدما، ولا يعدم وجودا، ~~فبطل أن يكون للنجوم تأثير في إيجاد ما يوجد، وإعدام ما يعدم. وإذا كان هذا ~~حال النجوم فإن حال المنجمين كذلك، والله أعلم. راجع كتاب النور ص36. بتصرف ~~للعالم الفقيه بن أبي عبد الله الأصم. PageV01P020 # ... ويسأل المنجمون منهم في زعمهم أن هذا العالم بما فيه متصل بالنجوم، ~~وأن النجوم هي التي تضطره إلى جميع ما يحدث فيه، ويكون منه، فيقال لهم: ~~أخبرونا عن هذه النجوم أليست هي أجسام بمكان دون مكان؟ فلا بد من بلى، ~~فيقال لهم: كيف تضطر هذه النجوم التي هي في السماء شيئا هو في الأرض؟ وهل ~~يفعل الجسم في مكان ليس هو فيه، ولم يشغله؟ فما أنكرتم هذا المعنى أن يكون ~~الإنسان في الأرض وهو يضطر النجوم ويحملها على ما كان منها، والإنسان حي ~~والنجوم موات، فهو أولى بأن يضطرها إلى ما يكون منها، من أن تكون النجوم هي ~~التي تضطر الإنسان، ثم يقال لهم: أخبرونا عن هذه الأشياء ms017 التي في الأرض، ~~أليست إنما تتحرك وتسكن بتحريك الأفلاك إياها وتسكينها لها؟ فيقولون: بلى، ~~قيل لهم: والأفلاك أيضا إنما تتحرك وتسكن بتحريك ما فوقها إياها، وبتسكينه ~~لها، فيتصل ذلك إلى غير غاية أو إلى غاية؟ فإن قالوا: إلى غاية أثبتوا ~~النهاية، وخرجوا من قولهم، فإن قالوا: إلى غير غاية أحالوا، وقد دللنا في ~~غير موضع من كلامنا على فساد وجود ما لا غاية من الأشياء. # الرد على أصحاب الطبائع (¬1) : # ... ويسأل أصحاب الطبائع في زعمهم أن الأشياء تتكون من طبائع أربعة: # ¬__________ # (¬1) - يقول صاحب كتاب النور: الطبائع هي: الحرارة، والبرودة، والرطوبة، ~~واليبوسة، فقالوا باجتماعها صح تركيب العالم، وهذا لا يصح؛ لأن الحرارة ضد ~~البرودة، والرطوبة ضد اليبوسة، ولا يجوز اجتماع الضدين في ذات واحدة، كما ~~أن الحركة ضد السكون، والسواد ضد البياض، فلا يجوز اجتماع هذه المتضادات، ~~فبطل ما قالوه: إن باجتماعهما تركيب العالم؛ لأن الطبائع محتاجة إلى ~~المكان، وليست بقائمة بأنفسها، فتكون غير مستطيعة على القيام بنفسها على ~~حدثها، إذ حقيقة القديم استغناؤه عن المكان والزمان، والله تعالى أعلم. ~~كتاب النور، ص42، للعالم الفقيه عثمان بن عبد الله الأصم. PageV01P021 # من حر وبرد، ويبس ورطوبة، فيقال لهم: أخبرونا عن هذه الطبائع أحيوان هي ~~أم موات؟ فيحيدون عند ذلك عن الجواب، فلا يقولون حيوان ولا موات، ولا ~~يجيبون إلا بمثل هذيان وتخليط، ويقولون: إن الطبائع إذا امتزجت بضرب من ~~الامتزاج تكون عند امتزاجها صفة كذا، وإذا امتزجت بضرب آخر من الامتزاج ~~يخالف الامتزاج الأول تكون عند ذلك الامتزاج شيء بخلاف الصفة الأولى، قيل ~~لهم: فإنا نظرنا إلى هذه الصنائع التي تكون منا من: الحياكة، والصبغ، ~~والصياغة، والبناء، وضرب النقش، وما يشبه ذلك فوجدناه لا يقع، ولا يكون إلا ~~ممن به حياة وعلم وقدرة، ولا تتكون عن طبيعة ما أبدا، فلم جعلتم ما هو أعجب ~~من ذلك صنعا من تأليف الحيوان، وتركيبه، وزيادته، ونقصانه، ونموه، وتناسله، ~~وغير ذلك من صنوف عجائب التدبير، يكون بالطبائع، من غير حياة ولا علم ولا ~~قدرة؟ وفي فساد ms018 تكون ما هو دون ذلك من صنائع، ووقوعه عن الطبائع بطلان تكون ~~ما هو أعجب من ذلك صنعا، وألطف منه حكما عن الطبائع. # ثم يقال لهم: أخبرونا عن هذه الألوان التي توجد في الأشياء: من بياض ~~وحمرة وسواد وصفرة وخضرة، أعن طبائع تكونت؟ فإن قالوا: نعم: قيل لهم: فما ~~بال الأبيض منها نجده حارا تارة، وتارة باردا، فنجد الأسود يابسا تارة، ~~وتارة لدنا، ونجد الأبيض حلوا تارة، وتارة حامضا، والأسود حامضا تارة، ~~وتارة حلوا، وتختلف في اللون والطعم، وتتفق في الحرارة والبرودة، وفي اليبس ~~واللدونة، فهلا كان الحامض حيث ما وجدناه رطبا أو يابسا، والأبيض حيث ما ~~وجدناه حارا أو باردا؟ وفي وجودنا اتفاق هذه الألوان، وهذه الطعوم، على غير ~~اتفاق الطبائع التي ذكرتم، ووجودنا اختلاف هذه الألوان، وهذه الطعوم على ~~غير اختلاف الطبائع التي بنيتم عليها تكون الأشياء فساد القول بالطبائع. PageV01P022 # الرد على أصحاب أرسطوطاليس (¬1) : # ... ويقال لأصحاب أرسطوطاليس في زعمهم أن الهيولي قديم لم يزل ومعه قوة ~~قديمة، والهيولي غير ذي أعراض، والقوة كذلك، حتى غلبت القوة الهيولي فحدث ~~عن تغلبها الأعراض، ويقال لهم: أخبرونا عن تغلب القوة الهيولي، أطبع هو أم ~~اختيار؟ فإن قالوا: طبع، قيل لهم: فكيف غلبته بعدما لم تغلبه؟ والطبع لشيء ~~غير مفارق له، فلو كان تغلب القوة الهيولي (¬2) # ¬__________ # (¬1) - أرسطوطاليس: هو ابن نيوقرماقوس، من أهل "اصطخر" ولد سنة 384 قبل ~~الميلاد في مدينة (اصطخر)، كان أبوه طبيبا للملك المقدوني "أمنتاس" الثاني ~~جد الإسكندر، وتعلم مع "فيلبس" أبي الإسكندر، والتحق بأكاديمية "أفلاطون" ~~فلزمها عشرين سنة إلى أن توفي "أفلاطون"، من كلماته المشهورة: أحب الحق ~~وأحب أفلاطون، وأوثر الحق على أفلاطون، استدعاه "فيلبس" المقدوني ليتولى ~~تربية ابنه الإسكندر، وأنشأ مدرسة المشائين، وأنشأ مكتبة كانت الأولى من ~~نوعها في العصر القديم، واتهم بالإلحاد، وألف كتبا كثيرة في المنطق والعلوم ~~الطبيعية والأخلاق والسياسة، مات عام 322 ق.م (راجع الملل والنحل ج2 ص 362 هامش). # (¬2) - الهيولي: لفظ يوناني بمعنى الأصل والمادة، وفي الاصطلاح: هو جوهر ~~في الجسم قابل لما ms019 يعرض لذلك الجسم من الاتصال والانفصال محل للصورتين ~~الجسمية والنوعية "تعريفات الجرجاني". # وقال ابن سينا: الهيولي المطلقة: فهي جوهر، ووجوده بالفعل إنما يحصل ~~لقبول الصورة الجسمية لقوة فيه قابلة للصور، وليس له في ذاته صورة تخصه إلا ~~معنى القوة، ومعنى قولي لها: هي جوهر. راجع النجاة ص 49، للرئيس أبو علي بن سينا. PageV01P023 # بالطبيعة كما زعمتم لكانت تغلبه فيما لم يزل، كما أنها لم تزل معه، فإن ~~قالوا: إن تغليب القوة الهيولي اختيار ولا يقولونه، قيل لهم: وما يدريكم ~~إذا كان تغليب القوة الهيولي اختيارا أنها لم تكن غلبته قبل ما غلبته؟ ولعل ~~القوة قد غلبت الهيولي قبل ذلك ولا تعلمون به؟ ويسألون عن كون القوة في ~~الهيولي، أعلى المماسة هو أم على غير المماسة؟ فإن قالوا: على غير المماسة ~~أبطلوا قولهم في التغليب، وكيف يغلب شيء شيئا ولم يماسه؟ فإن قالوا: على ~~المماسة أثبتوا معنى ثالثا غير الهيولي، وغير القوة وهو المماسة، فبطل ~~قولهم: إن الهيولي غير ذي أعراض، والمماسة عرض. ويقال لهم: أخبرونا عن ~~الهيولي، أليس هو لم يزل غير ذي لون، ولا طعم، ولا حركة، ولا سكون، ولا ~~أعراض، فإن قالوا: إنه لم يزل ليس بذي أعراض، قيل: فأنى حدثت فيه هذه ~~الأعراض، وهو لم يزل ليس بذي أعراض؟ مع ما يقال لهم في القوة أليست غير ذات ~~أعراض؟ فمن قولهم: بل فيقال لهم: فما بال القوة غلبت الهيولي دون أن يكون ~~الهيولي غلبها، وهما بصفة واحدة؟ أم كيف سميتم القوة قوة، ولم تسموها ~~هيولي؟ أم كيف سميتم الهيولي هيولي دون أن تسموه قوة؟ وهما جميعا بصفة ~~واحدة؟ (¬1) ولا يوصف أحدهما إلا بما يوصف به صاحبه (¬2) مع ما يقال لهم: ~~أخبرونا عن الهيولي والقوة، أمختلفان هما أم متفقان؟ فإن قالوا: مختلفان ~~أثبتوا الأعراض، (¬3) # ¬__________ # (¬1) - سقط من (ب) لفظ (واحدة). # (¬2) - في (ب) الآخر بدلا من (صاحبه). # (¬3) - العرض: ما لا يقوم بذاته؛ وهو الحال في الموضوع، فيكون أخص من ~~مطلق الحال. # والعرض عندنا موجود قائم بمتحيز، وعند المعتزلة ما لو ms020 وجد لقام بالمتحيز. # وعند الحكماء ماهية إذا وجدت في الخارج كانت في موضوع أي محل يقوم لما حل فيه. # والمختار أن العرض هو الوجود الذي لا يتصور بقاؤه في زمانين، وفيه احتراز ~~عن الإعدام، إذ هي غير موجودة. # والمراد من قوله: العرض ما لا قيام له بذاته ما لا وجود له بذاته لا ~~القيام الذي هو ضد القعود؛ لأن ذلك وصف زائد على نفس الماهية. والعرض يقوم ~~بالعرض عند بعض المتكلمين، يعني به الإنصاف، يقال: هذه رائحة طيبة، وتلك ~~منتنة، وهذا الفعل حسن، وذاك قبيح، ويمتنع عند جمهور المتكلمين. # والعرض العام هو: إما لازم كالتنفس والتحرك للإنسان، أو مفارق وهو: إما ~~سريع الزوال كحمرة الخجل وصفرة الوجل، أو بطيء كالشيب والشباب، راجع كتاب ~~النجاة 325، ومعيار العلم، طبعة مصر 1329ه، ومفاتيح العلوم 86. والجوهر: ~~الذات، الماهية، المقولات، والمعجم الفلسفي 2/70. PageV01P024 # وليس ذلك من قولهم؛ لأن الاختلاف لا يكون إلا بالصفات المختلفة، فإن ~~قالوا متفقان عاد إليهم الكلام الأول: لم سميتم الهيولي هيولي والقوة قوة، ~~وهما جميعا بصفة واحدة؟ # مسألة في النهايات: # ... يقال لأهل الدهر في نفيهم نهاية العالم، وفي زعمهم أنه منبسط غير ~~متناه ولا محدود: اخبرونا عن هذه الأرض عن جميع هذا العالم، هل يخلو من أن ~~يكون له وسط أم ليس له وسط؟ فإن زعموا أن ليس للأرض وسط، ولا هذا العالم ~~وسط بان كذبهم؛ لأن هذه الأرض جزائر متفرقة، وأقاليم متباينة، فلو استحال ~~على الأرض أن يكون لها وسط لاستحال على جزيرة من هذه الجزائر، وإقليم من ~~هذه الأقاليم أن يكون له وسط، فلما ثبت عند جميع الناس أن لكل كورة من هذه ~~الكور _كور الأرض_ وسطا وأطرافا ثبت أن لجميعها وسطا وأطرافا، وإلا لبطل ~~القضاء بالبعض على الكل. # ... أخرى: ويقال لهم: أخبرونا عمن هو بأرض الروم، أليس هو أقرب إلى مهب ~~الشمال ممن هو بأرض فارس؟ وعمن هو بأرض فارس، أليس هو بأقرب إلى مهب الجنوب ~~ممن هو بأرض الروم؟ فإن قالوا: لا بان كذبهم، وإن قالوا: نعم ms021 بان فساد ~~مذهبهم. # ... أخرى: ويقال لهم: أخبرونا لو أن طائرين يطيران من مهب الشمال إلى مهب ~~الجنوب، وأحدهما يزيد على طيران صاحبه كل يوم ذراعا، هل لمسافة ما بينهما ~~نهاية؟ فإن قالوا: لا أبطلوا النهاية، وإن قالوا: نعم أثبتوا النهاية لجميع ~~العالم. # ... أخرى: ويقال لهم: أخبرونا عمن سار من بلاد الأندلس إلى أرض الهند، هل ~~نقص من ناحية الجنوب شيئا، وزاد في ناحية الشمال؟ فإن قالوا:لا بان كذبهم، ~~فإن قالوا: بل نقص من جهة الجنوب، وزاد في جهة الشمال أقروا بالنهاية؛ لأن ~~ما يزاد فيه وينقص منه فله نهاية. PageV01P025 # ... أخرى: ويقال لهم: أخبرونا عن الذي بين الصين وبين طنجة (¬1) من ~~الأرض، هل يخلو من أن يكون بعضا لهذه الأرض كلها، أو ليس ببعض لها؟ فإن ~~زعموا أنه بعض الأرض، قيل لهم: فهل يجيء ذلك في نصف الأرض، أو في ربعها، أو ~~في عشرها، أو في عشر معشارها، أو جزء من أجزاء الأرض بالغا ما بلغ؟ فإن ~~أنكروا ذلك أحالوا، وإن قالوا: بل هو بعض هذه الأرض وجزء منها أثبتوا للأرض ~~النهاية. # ... أخرى: ويقال لهم: أخبرونا لو أن متوهما توهم، هل يجوز أن يكون مثل ~~هذا العالم، أو مثل نصفه، أو مثل ربعه، أو يزاد إليه؟ فإن قالوا: إن ذلك ~~مما لا يتوهم بان كذبهم، وإن قالوا: بل يتوهم أن يزاد إليه مثله، أو مثل ~~نصفه، أو مثل ربعه أثبتوا نهاية العالم، وأقروا بها، ويدخل عليهم في ~~النقصان من العالم نصف، وربع، كما يدخل عليهم في الزيادة سواء، وأنت -رحمك ~~الله- إذا تأملت دلائل نهاية حدود العالم وجدتها من دلائل نهاية حدوثه، ~~فكذلك ما يدل على نهاية حدوثه فهو مما يدل على نهاية حدوده، إذا أنت أعملت ~~النظر في كل ذلك وأحسنته، والله الموفق للصواب. # ¬__________ # (¬1) - مدينة بالمملكة المغربية على مضيق جبل طارق، ترجع إلى العهد ~~الفينيقي، ثم تعاقب عليها الرومان والبرتغاليون، والعرب والأسبان ~~والمغاربة، وفي القرن 19 أصبحت محل نزاع بين القوى الأوروبية المتنافسة على ~~المغرب، فأصبحت منطقة دولية، وكان يحكم ms022 المنطقة بمقتضى اتفاق عقده 1925م ~~مجلس تمثل فيه الدول الكبرى، وجمعية تشريعية يرأسها ممثل سلطان المغرب ~~(الخليفة)، وفي 29 أكتوبر 1956م ألغى النظام الدولي للمنطقة، وعادت جزءا من ~~المملكة المغربية، يبلغ عدد سكانها 200,000 نسمة. راجع الموسوعة العربية ~~الميسرة 1164:2، ومعجم البلدان لياقوت الحموي، مادة الطاء والنون. PageV01P026 # الرد على السمنية: (¬1) # ¬__________ # (¬1) - السمنية: فرقة من فرق الهند، كانت تعبد الأصنام وتدين بتعدد ~~الآلهة، وتؤمن بعقيدة التناسخ، ويقال إنهم ينكرون المعرفة، ولا يعترفون إلا ~~بالأشياء المحسوسة، ومما يروى عن الإمام أحمد بن حنبل: أنهم كانت لهم ~~مساجلات مع جهم بن صفوان حتى أوقعوه في الشك. # ولقد تكلم الإمام ابن تيمية عنهم كثيرا في كتابه "الرد على المنطقيين" ~~ص329، وراجع مجموع الفتاوى 32:5، 33. # ويرى بعض العلماء أن السمنية: دين من أديان الهند الأساسية بجانب ~~البرهمة، وأنها دين يتدين به أهل الصين. ويرى البعض الآخر أن السمنية ~~فرقتان: فرقة ترى أن "البد" كان من الأنبياء المرسلين، وأخرى تزعم أن ~~"البد" هو البارئ، ظهر للناس في صورته. راجع دائرة معارف القرن العشرين. PageV01P027 # ... وأما السمنية من أهل الدهر، فإنهم زعموا أن هذه الأرض لم تزل تهوي ~~سفلا، وأنها لا تزال تهوي، وبانت بهذا الأمر عن سائر الدهرية، وزعموا أن ~~الذي ألجأهم إلى القول بذلك قالوا: وجدنا هذه الأرض جسما ثقيلا متكاثفا، ~~راسبا، ووجدنا الهواء جسما خفيفا خواريا (¬1) ، فالجسم الراسب لا يقاوم ~~الجسم الخفيف، إلا بأن ينحدر فيه، ويرسب، وزعموا أن ما دلهم على أن الأرض ~~في الهواء وجودهم ظاهر الأرض الذي هم عليه، ملاقيا للهواء من هذه الجهة ~~(¬2) ، قالوا: فعلمنا أنها تلقى الجو من جميع نواحيها (¬3) ، إذا كانت ~~تلقاه من أعلاها، فكذلك تلقاه من سفلاها، ومن جوانبها، فلما كانت كذلك ~~علمنا أنها لا تثبت في الهواء، إلا أن تكون منحدرة فيه أبدا. # ¬__________ # (¬1) - خار الثور (خوارا) صاح، ومنه قوله تعالى: {فأخرج لهم عجلا جسدا له ~~خوار} (سورة طه: 88). وخار الحر، والرجل يخور "خؤورة" بوزن فعولة ضعف ~~وانكسر. والخور: الضعف، ورجل (خوار) بالتشديد، والجمع (خور) بوزن طور. ms023 # (¬2) - الجهة والحيز متلازمان في الوجود، والجهة قسمان: حقيقية لا تتبدل ~~أصلا: وهي الفوق والتحت، وإنما يتبدلان بتبدل جهة الرأس والرجل في ~~الحيوانات، كما في النملة والذباب وأشباههما؛ حيث تدب منتكسة تحت السقف ~~وعلى مقعرها، وغير حقيقية: وهي تتبدل بالعرض؛ وهي الأربعة الباقية. # (¬3) - يقول صاحب كتاب الفرق: وأصحاب التناسخ من السمنية قالوا بقدم ~~العالم، وقالوا أيضا بإبطال النظر والاستدلال، وزعموا أنه لا معلوم إلا من ~~جهة الحواس الخمس، وأنكر أكثرهم المعاد والبعث بعد الموت، وقال فريق منهم ~~بتناسخ الأرواح في الصور المختلفة، وأجازوا أن ينقل روح الإنسان إلى حيوان ~~وروح الحيوان إلى إنسان إلخ. راجع الفرق بين الفرق 270. PageV01P028 # ... أما قولهم في أن الأرض لم تزل (¬1) ، فقد أنبأنا (¬2) عن فساد أقاويل ~~أهل الدهر جميعا، في كل ما قالوا فيه أنه لم يزل، وأبطلنا جميع ما تعلقوا ~~به من ذلك، بما قصصنا (¬3) من الشواهد والأعلام، وأثبتنا حدوث العالم بما ~~فيه من سماء وأفلاك وأرض وحيوان، بما يغني عن تكراره في هذا الموضع. # ... وأما قولهم في الأرض أنها تهوي وتنحدر، فإن بعض المتقدمين من أهل ~~العلم سألهم في ذلك عن مسألة كشف بها عوراهم (¬4) ، وأفحمهم بأن قال لهم: ~~أخبرونا عن الأرض ألستم إنما زعمتم أنها تهوي لثقلها ورزانتها؟ فقالوا: ~~بلى، فقال لهم: أي شيء أثقل وأرزن، الأرض بجبالها وأكنافها وصخورها ورمالها ~~وما فيها وعليها، أو ريشة من الريش؟ فقالوا: بل الأرض أثقل وأرزن من ~~الريشة، فقال لهم: ما بال الريشة إذا ألقيت من أعلى جبل مشرف، أو من فوق ~~سطح عال، تصل الأرض وتلحقها ولم تفتها الأرض فتسبقها، إذا كانت أرضكم هذه ~~ترسب وتهوي؟ فسكتوا عند ذلك ولم يحيروا جوابا. # ... ثم يقال لهم: ألستم ترون الريح تحمل شيئا ثقيلا تقله في الهواء؟ ~~فيقولون: بلى، فيقال لهم: ما أنكرتم مع هذا أن يكون شيء أقوى من الريح من ~~تحت الأرض، يقل الأرض ويرفعها، فلم قلتم: أنها تهوي سفلا، دون أن تقولوا: ~~ترتفع صعودا؟ # ¬__________ # (¬1) - حصر ابن حزم اعتراضات القائلين: بأن العالم لم يزل، وأنه لا ms024 مدبر ~~له في أربعة اعتراضات، ورد عليها جميعا، وأفسد تصوراتهم، وأبطل حججهم. راجع ~~كتاب "الفصل في الملل والأهواء والنحل" بتحقيقنا 1/4755. # (¬2) - في (ب) أبنا فساد بدلا من (أنبأنا عن فساد). # (¬3) - في (ب) قدمنا بدلا من (قصصنا). # (¬4) - العوار: العيب، يقال: سلعة ذات عوار، والعوراء بوزن العرجاء: ~~الكلمة القبيحة، وهي السقطة. PageV01P029 # الرد على السفسطائية (¬1) : # ¬__________ # (¬1) - السوفسطائية: طائفة من المعلمين متفرقين في بلاد اليونان اتخذوا ~~التدريس حرفة، فكانوا يرحلون من بلد إلى بلد يلقون المحاضرات، منهم "بروتا ~~جوراس" كان يعلم قواعد النجاح في السياسة، و"هدباس" وكان يعلم التاريخ ~~والطبيعة والرياضة. والمقياس الذي قامت عليه فلسفتهم هو: الإنسان مقياس كل ~~شيء، وتكاد تكون فلسفة "البرجماتزم" التي لا تريد أن تعترف بحقيقة في ذاتها ~~قريبة الشبه جدا بتعاليم السوفسطائين، ولسنا نخطئ إذا قلنا: إنها سوفسطائية ~~العصر الحديث، ولا ريب أن موضوع الخطأ عند "بروتا جوراس" قديما، ومذهب ~~"البرجماتزم" حديثا؛ وهو الاعتماد على الحواس وتجاهل العقل. راجع قصة ~~الفلسفة اليونانية ص8، ط لجنة التأليف والترجمة والنشر 1368ه. PageV01P030 # ... وأما السفسطائية المتجاهلة، فإنهم زعموا أن لا علم يثبت ولا معرفة ~~تستقيم، فزعموا أن لا شيء موجود على حقيقة من الحقائق (¬1) ، ولا موصوف ~~بصفة دون صفة من الصفات، فقالوا: إنك متى ما اعتقدت شيئا على صفة، واعتقده ~~غيرك على صفة أخرى تخالف الصفة الأولى، فإن ذلك الشيء موجود بكلتا الصفتين ~~جميعا، وليس واحدة منها أولى به من الأخرى وقالوا: إنا وجدنا السراب قد ~~يراه الرائي من بعيد شيئا موجودا، والقريب منه لا يجده شيئا، فعلمنا أن ~~السراب شيء لا شيء، موجود لا موجود، ووجدنا من به صفراء يذوق العسل فيجد به ~~مرارة، والذي ليس له ذلك الداء قد يذوقه فيجده حلوا لا مرارة فيه، فعلمنا ~~أن العسل حلو مر في أشياء من هذا تركنا ذكرها، إذ كان عناء ذكرها أكثر من ~~فائدة معناها. (¬2) # ¬__________ # (¬1) - راجع ما كتبه ابن حزم عنهم في كتابه الفصل 1/43 وما بعدها، حيث ~~استعرض الكثير من آرائهم ورد عليها. # (¬2) - مما يحكى عن أستاذ سفسطائي أنه ms025 اتفق مع تلميذ له على أن يخرجه ~~للدفاع في القضاء والمنازعات العامة، خلال سنتين بأجر متفق عليه، فلما ~~انتهت السنتان طلب الأستاذ أجره. وقال التلميذ: بل أناقشك في هذا الأجر هل ~~تستحقه بعملك أو تطلبه بغير حق...؟ فإن أقنعتك بأنك لا تستحقه فلا حق لك ~~فيه باعترافك، وسكوتك حجة على هذا الاعتراف، وإن لم أقنعك فلا حق لك فيه، ~~لأنك لم تعلمني كيف أقيم البرهان على دعواي. # وكان جواب الأستاذ كمثال تلميذه مثلا للبرهان المطلوب في هذه الصناعة. ~~فقال له: إنني أقبل أن أناقشك؛ ولكن على غير النتيجة التي خلصت إليها، ~~أناقشك في حقي فتعطيه مرة إذا ثبت عليك، وتعطيه مرتين إذا لم أثبته أمامك؛ ~~لأنني علمت تلميذا ما يغلب به أستاذه في صناعة البرهان. راجع التفكير فريضة ~~إسلامية، للعقاد. PageV01P031 # يقال لهم: أخبرونا عن قولكم هذا الذي قلتموه من زعمكم: أن لا شيء على ~~الحقيقة، أذلك القول منكم على الحقيقة أم على غير الحقيقة؟ فإن قالوا: على ~~غير الحقيقة خرجوا من حد المناظرة، على أنهم خارجون من حدها أولا، وإن ~~قالوا: على الحقيقة أثبتوا الحقائق، وأقروا بها، ونقضوا مذهبهم، وكذلك ~~يسألون عن قول من خالفهم، أخطأ هو أم غير خطأ؟ فإن قالوا: خطأ قيل لهم: على ~~حقيقة الخطأ أم على غير حقيقته؟ فإن قالوا: على حقيقة الخطأ أقروا بالحقائق ~~وأثبتوها، وإن قالوا: على غير الحقيقة قيل لهم: فكيف تنكرون على من خالفكم ~~إذا كان الذي ادعيتم إنما قلتموه على غير الحقيقة، ولم تثبتوا خطأ من ~~خالفكم على حقيقة الخطأ. وذكر أبو عيسى الوراق (¬1) # ¬__________ # (¬1) - يقول الدكتور عمار طالبي: أبو عيسى الوراق: محمد بن هارون، يعتبره ~~الشيعة من متكلمي الإمامية، ومن أقدم من ألف في فرق الشيعة راجع كتاب ~~المقالات والفرق: (تحقيق الدكتور محمد جواد مشكور، مطبعة "حيدري" طهران ~~1963، (ص) يج من المقدمة)، أما ريتر Ritter فقد جعله من مؤلفي كتب الشيعة ~~فحسب (الأشعري: مقالات الإسلاميين فهرست)، ونسبه الزركلي في الإسلام إلى ~~المعتزلة، وكذلك فعل ستيرن في دائرة المعارف الإسلامية، الطبعة ms026 الثانية، ~~وجزم ابن النديم بأنه من الزنادقة وبأنه ما نوى مشهور، قرنه بذكر أبي ~~العباس الناشئ، والجبهاني محمد بن أحمد (الفهرست ص 474)، وينقل عنه أكثر ~~مؤلفي المقالات، وآراء الفرق غير الإسلامية كالمانوية والديصانية، مثل ~~القاضي عبد الجبار في (الفرق غير الإسلامية من "المغني")، والأشعري في ~~المقالات، والشهرستاني في الملل وغيرهم..وقد كتب أبو عيسى الوراق في الرد ~~على المسيحية أكمل رد في علم الكلام، ووصلنا مؤلفه في هذا عن طريق رد يحيى ~~بن عدي في (مخطوطين في باريس رقم 113/114)، وكتابه يشتمل على قسمين أساسين: ~~الرد على الثالوث الذي تأثر فيه بالكندي أبي يعقوب، وهذا النص محفوظ في ~~(مخطوط رقم 169، باريس)، والقسم الثاني: موجز في الاتحاد والحلول؛ وهو ~~الجزء الذي استفاد منه الباقلاني في كتابه التمهيد في فصل الرد على ~~النصارى، كما استفاد منه الجاحظ في رده على النصارى أيضا، وقد نشرت ~~المختصرات الصغيرة ليحيى بن عدي سنة 1920م في باريس، نشرهاA. Perier ، ~~وأغلب الظن أن أبا عيسى كان شيعيا إماميا ثم اعتزل، رغم أن ابن النديم ~~والقاضي عبد الجبار يزعمان أنه ثنوي، وقال الشهرستاني: إنه كان مجوسيا في ~~الأصل، ولهذا كان ذا معرفة بالفرق والآراء، وتذكر بعض المصادر (دائرة ~~المعارف الإسلامية 3/15 تحت كلمة إنجيل) أن يحيى بن عدي المسيحي؛ وهو تلميذ ~~الفارابي ألف كتابا يدافع فيه عن المسيحية، وأهداه إلى أبي عيسى الوراق يرد ~~فيه على نقد الكندي لفكرة التثليث المسيحية، وتوفي أبو عيسى في 247ه، 861م، ~~وقد شك Stern في هذا التاريخ، ولأبي عيسى من الكتب: كتاب اختلاف الشيعة ~~والمقالات، وكتاب المقالات في الإمامية، وكتاب المجالس، نقل عنه المسعودي ~~في المروج 7/236، ونسب إليه المانورية زورا كتاب الغريب المشرقي، وكتاب ~~النوح على البهائم، فيما يقول المرتضى في الشافعي ص17، هذا وقد ألف ~~المستشرق A. Abel سفرا في أبي عيسى الوراق Abu Isa al Warraq . [عمار ~~الطالبي]. PageV01P032 # أن رجلا من هؤلاء المساكين أتى إلى رجل ليناظره في هذا المعنى على بغلة ~~له، قال أبو عيسى: فعمدوا إلى البغلة فغيبوها، ms027 فلما أحب الانصراف دعا ~~بالبغلة، فقيل له: لم تأت إلينا بالبغلة، فقال لهم: بل أتيتكم بها، فقالوا: ~~بل لم تأتنا بها، فقال: بل أتيتكم بها، فقيل له: ثبت فيما قلت، لعلك أيها ~~الرجل لم تأت على بغلة، فقال لهم: قد ثبت، وعلمت أني أتيت على بغلة بلا شك، ~~ولا مرية، فقيل له: أعلى الحقيقة كان ذلك أم على غير الحقيقة؟ فقال: بل على ~~الحقيقة، فقالوا: أفيكون شيء ويثبت على الحقيقة؟ قال أبو عيسى: فأقر عند ~~ذلك بالحقائق، ورجع عن القول بالسفسطة. (¬1) # الأصل الثاني من أصول الملحدين وهو قول الثنوية (¬2) : # ¬__________ # (¬1) - ذكر بعض المتكلمين أن السوفسطائية ثلاثة أصناف: فصنف منهم نفى ~~الحقائق جملة، وصنف منهم شكوا فيها، وصنف منهم قالوا هي حق عند من هي عنده ~~حق، وهي باطل عند من هي عنده باطل. راجع كتاب الفصل 1/43. # ولقد رد ابن حزم عليهم فقالوا: يقال للشكاك منهم _وبالله تعالى التوفيق_ ~~أشككم موجود صحيح منكم أم غير صحيح ولا موجود...؟ فإن قالوا: هو صحيح منا ~~أثبتوا أيضا حقيقة "ما"، وإن قالوا: هو غير موجود نفوا الشك وأبطلوه، وفي ~~إبطال الشك إثبات الحقائق أو القطع على إبطالها. المصدر السابق ص 44. # (¬2) - يرى ابن حزم الثنوية من المجوس الذين يرون أن الباري تعالى هو ~~"أورمن"، و"إبليس" وهو "اهرمن"، و"كام" وهو الزمان، و"جام" وهو المكان، وهو ~~الخلاء أيضا، و"توم" وهو الجوهر، وهو أيضا "الهيولي"، وهو أيضا "الطينة"، و ~~"الخميرة" خمسة لم تزل، وأن "اهرمن" هو فاعل الشرور، وأن "أورمن" فاعل ~~الخيرات، وأن "توم" هو المفعول فيه كل ذلك. # ويقول ابن حزم: وقد أفردنا كتابا في نقض كلام محمد بن زكريا الرازي ~~الطبيب في كتابه الموسوم "بالعلم الإلهي". راجع كتاب الفصل 1/ 86. # = ويرى النهانوي: أنهم فرقة من الكفرة يقولون بأثنية الآلهة، ووافق في ~~ذلك ما كتبه عضد الدين الإيجي في كتابه المواقف، وما كتبه الجيلي في كتابه ~~"الإنسان الكامل". راجع ما كتبه علي سامي النشار في كتابه الفكر الفلسفي في ~~الإسلام ج1، وكشاف اصطلاحات الفنون 1/178، 179. PageV01P033 # ... فأول ما ms028 نبدأ به من ذلك مقالة المنانية (¬1) حين زعموا أن الأشياء ~~تكونت من أصلين قديمين: نور وظلمة، وأنهما جميعا فعالان، دراكان حساسان، ~~وأنهما لم يزالا مفترقين، حتى بغت الظلمة على النور فمازجته، فعند ذلك ~~تكونت الأشياء عند امتزاجها، فكل ما حدث من نور، وخير، وعلم، وبر فهو من ~~أصل النور، وكل ما يحدث من ظلمة، وشر، وجهل، وفجور، وكل شيء قبيح فهو من ~~أصل الظلمة (¬2) . # ¬__________ # (¬1) - أصحاب ماني بن بابك الثنوي صاحب القول بالنور والظلمة، ظهر أيام ~~سابور بن أردشير ملك الفرس، فاتبعه قليلا ثم رجع إلى المجوسية. ويقال: إن ~~ماني من "همدان"، انتقل أبوه إلى بابل، وكان ينزل المدائن، فتوجه منها إلى ~~بيت الأصنام، فسمع من الهيكل هاتفا يقول: يا فتق لا تأكل لحما، ولا تشرب ~~خمرا، فدان بهذا المذهب، وكانت امرأته حاملا "بماني"، فلما ولد نشأ على دين ~~أبيه، وكان على صغره ينطق بالحكمة، ولما تم اثنتي عشرة سنة زعموا أن الوحي ~~يأتيه، ودعا إلى ديانة، وتبعه خلق كثير من المجوس، فقتله "سابور بن بهرام"، ~~وقيل إن قاتله هو "بهرام بن هرمز بن سابور". راجع الفرق بين الفرق 271، ~~والملل والنحل للشهرستاني 2/73، ودائرة المعارف الإسلامية. # (¬2) - يقول صاحب كتاب الفرق بين الفرق: إن "ماني" قال في بعض كتبه: إن ~~الأرواح تفارق الأجساد فتكون في نوعين: أرواح الصديقين، وأرواح أهل ~~الضلالة، فأرواح الصديقين إذا فارقت أجسادها سرت في عمود الصبح إلى النور ~~الذي فوق الفلك، فبقيت في ذلك العالم على السرور الدائم، وأرواح أهل الضلال ~~إذا فارقت الأجساد وأرادت اللحوق بالنور الأعلى ردت منعكسة إلى السفل، ~~فتتناسخ في أجسام الحيوانات إلى أن تصفو من شوائب الظلمة، ثم تلتحق بالنور ~~العالي. راجع الفرق بين الفرق 271، وراجع أصول الدين، ص53، والمغني للقاضي ~~عبد الجبار ج14 ص 15، ومقالات الإسلاميين للأشعري، ص332. PageV01P034 # يقال لهم: أخبرونا عن مفارقة النور والظلمة قبل الممازجة (¬1) ، لطبيعة ~~كان ذلك أم لغير الطبيعة؟ فإن زعموا أنها لطبيعة أبطلوا الممازجة؛ لأن ما ~~كان لطبيعة فلا ينقلب، والطبيعة غير منقلبة، فإن قالوا: افتراقهما ms029 اختيار، ~~قيل لهم: فكيف قلتم إنهما امتزاجا بعد أن افترقا؟ وما يدريكم لعلها امتزاجا ~~قبل هذا الافتراق، ثم افترقا قبل ذلك الامتزاج، إذ كان افتراقهما اختيارا، ~~أم كيف قضيتم بأنهما لم يمتزجا قبل الافتراق؟ وذلك كله منهما اختيار. ثم ~~يقال لهم: أخبرونا عنهما، أليسا لم يزالا مفترقين؟ قالوا: بلى، قيل لهم: ~~فكيف حتى قلتم: إنهما امتزجا بعد ذلك، وبطل الافتراق الذي لم يزالا به؟ ~~وكيف يبطل ما لم يزل؟ وقد أنبأنا عن فساد بطلان الشيء إذا كان لم يزل في ~~غير موضع، ثم يقال لهم: أخبرونا عن ممازجة النور والظلمة، أحدث عن ~~ممازجتهما شيء أم لم يحدث شيء؟ فإن قالوا: لم يحدث شيء، قيل لهم: فكيف ~~امتزجا، ولم يحدث عن الممازجة شيء؟ فهلا قلتم: إنهما على مفارقتهما الأولى، ~~إذا لم يحدث لهما شيء لم يكن، فإن رجعوا وقالوا: قد حدث عن ممازجتهما شيء، ~~قيل لهم: فما هو ذلك الشيء، أظلمة أم نور، أم شيء غير الظلمة والنور؟ فإن ~~زعموا أن الحادث شيء ليس بنور ولا ظلمة نقضوا أصلهم الذي بنوا عليه مذهبهم، ~~وأثبتوا حالا ثالثة لا نور ولا ظلمة، (¬2) # ¬__________ # (¬1) - سقط من (ب) لفظ "الممازجة". # (¬2) - يقول ابن حزم: لقد ناظر "ماني" أذرباذ بن ماركسفند موبذ موبذان ~~(هو فقيه الهند ورئيس الديانة عندهم كقاضي عند المسلمين) في مسألة قطع ~~النسل وتعجيل فراغ العالم، فقال له الموبذ: أنت الذي تقول بتحريم النكاح ~~ليستعجل فناء العالم ورجوع كل شيء إلى شكله، وأن ذلك حق وواجب...؟ # فقال له "ماني": واجب أن يعان النور على خلاصه بقطع النسل مما هو فيه من ~~الامتزاج. # فقال له "أذربان": فمن الحق الواجب أن يعجل لك هذا الخلاص الذي تدعو ~~إليه، وتعان على إبطال هذا الامتزاج المذموم، فانقطع ماني فأمر بهرام بقتل ~~"ماني". PageV01P035 # فإن قالوا: نور، قيل لهم: فقد وجدنا شيئا من النور حادثا، فلم لا تجعلونه ~~كله حادثا، إذ كان شيء منه حادثا، وأنتم تزعمون أن الشاهد يدل على الغائب، ~~فإذا كان شيء واحد تشهدون له بالحدوث، إذا ms030 كان الشاهد يدل على الغائب، وإن ~~كنتم تحكمون على كمال الشيء بجزئه، وعلى كثيره بقليله، أفلا حكمتم على ما ~~لم تروه منه بالحدوث، إذا وجدتم منه شيئا حادثا؟ وكذلك يقال لهم: إن زعمتم ~~أن الحادث عند المزاج ظلمة، مثل ما قيل لهم في النور، ويقال لهم: أخبرونا ~~عن علة الامتزاج بعد الافتراق ما هي؟ فإن قالوا: إن الظلمة لم تزل في ~~بلادها متعلقة متحركة تدنو منه الأول فالأول حتى صارت إليه فمازجته، قيل ~~لهم: هل لتحركها أول حتى صارت إليه؟ فإن قالوا: ليس لتحركها أول ولا ~~ابتداء، قيل لهم: فكيف أفضت إليه؟ والذي قطعت من المسافة لا يتناهى، فإن ~~قالوا لتحركها أولا وابتداء أثبتوا السكون قبل الحركة، قيل لهم: ذلك السكون ~~من طبعها أم ليس من طبعها؟ فإن قالوا: من طبعها أبطلوا عنها أن تتحرك أبدا، ~~وإن قالوا: ليس من طبعها السكون، وليس من طبعها الحركة أثبتوا الاختيار، ~~وأقروا بالحادث، وانهدم جميع أساس مذهبهم، وكل ما يدخل على الدهرية في ~~زعمهم أن الأشياء لم تزل، فهو داخل على هؤلاء الآخرين حرفا حرفا، ويقال ~~لهم: أخبرونا عن قولكم في النور (¬1) # ¬__________ # (¬1) - النور: هو الجوهر المضيء، ويطلق اسم النور على الهداية كما في ~~قوله تعالى: {يخرجهم من الظلمات إلى النور} (سورة البقرة: 257) أي الهداية، ~~وقوله تعالى: {أفمن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا} (سورة الأنعام:122) ~~أي هداية، وقوله تعالى: {الله نور السماوات والأرض} (سورة النور: 35) أي ~~هادي أهلهما. والنور من جنس واحد..بخلاف الظلمة إذ ما من جنس من أجناس ~~الأجرام إلا وله ظل، وظله الظلمة، وليس لكل جرم نور، وهذا كوحدة الهدى ~~وتعدد الضلال؛ لأن الهدى سواء أكان المراد به الإيمان أو الدين هو واحد، ~~أما الأول فظاهر، وأما الثاني فلأن الدين مجموع الأحكام الشرعية، والمجموع ~~واحد، والضلال متعدد على كلا التقديرين، أما الأول فلكثرة الاعتقادات ~~الزائفة، وأما على الثاني فلانتفاء المجموع بانتفاء أحد الأجزاء، فيتعدد ~~الضلال بتعدد الانتفاء. راجع الفرق بين الفرق ص 271. PageV01P036 # والظلمة إنهما يتخلصان بعد هذا الامتزاج، ثم لا ms031 يعودان في الامتزاج، ما ~~علمكم بذلك؟ ولعلهما يتخلصان مائة ألف مرة، ويمتزجان مثل ذلك، ولعلهما ليس ~~لامتزاجهما وتخلصهما مرة بعد أخرى نهاية وإن اعتلوا بالأخبار، وتركوا ~~مشاهدة العيان، فذلك الذي سألناهم عنه من افتراقهما بعد الامتزاج أنه لم ~~يكن لهم فيعاينوه، ولا ههنا مشاهد، فأين لهم بالأمان من عودة بعد عودة إلى ~~ما لا يتناهى من المزاج؟ ويقال لهم في قولهم: إن الخير فعل النور، والشر ~~فعل الظلمة، والخير هو الوفاء والصدق والبر، وجميع أفعال الخير، فذلك كله ~~من شأن النور، ومن شأن الظلمة القتل والسرقة والزنا، وجميع أفعال الفجور، ~~فيقال لهم في ذلك: أخبرونا عن رجل قتل رجلا، من القاتل؟ فإن قالوا: النور ~~تركوا قولهم، وزعموا أن النور يفعل الشر، فإن قالوا: الظلمة قتلته قيل لهم: ~~فإن هو جاء فاعترف بأنه قتله، وتاب عن قتله، من المقر التائب؟ فإن قالوا: ~~الظلمة قيل لهم: فقد صدقت، والصدق خير، وهذا فساد المذهب، وإن قالوا: المقر ~~التائب هو النور، قيل لهم: أو كان النور فعل شيئا فيقر به؟ فإن قالوا لم ~~يقتل، وإنما أقر أنه قتل، قيل لهم: فقد كذب وظلم نفسه، والكذب شر، وليس ذلك ~~من فعل النور (¬1) ، فلا بد من أحد أمرين: إما أن تقر الظلمة بالقتل وتعترف ~~بأنها قد قتلت (¬2) فتصدق، والصدق خير، والخير لا يكون منها، وإما أن يقر ~~النور بأنه قتل وهو لم يفعل، فهذا كذب، والكذب شر، وليس هو من فعله، ويقال ~~لهم: ما تقولون فيمن غضب على رجل ثم (¬3) # ¬__________ # (¬1) - من مبادئ المانوية: إنهم لا يرون الذبائح ولا إيلام الحيوان، ولا ~~يعرفون من الأنبياء عليهم السلام إلا عيسى -عليه السلام- وحده، ويقرون ~~بنبوة "زرادشت"، ويقولون بنبوة "ماني". # (¬2) - في (ب) قاتله بدلا قوله (قد قتلت). # (¬3) - في (ب) بزيادة لفظ (قد).. PageV01P037 # رضي عنه؟ فالذي غضب هو الذي رضي، أم الذي غضب غير الذي رضي؟ وعن الذي ~~يعطي، أهو الذي يمنع، أم الذي يعطي هو غير الذي يمنع؟ وعن الذي يرحم غير ~~الذي يسخط؟ فإن قالوا: الذي يفعل الخير ms032 من هذه هو الذي يفعل الشر تركوا ~~مذهبهم (¬1) ، وصاروا إلى مذهب الحق (¬2) ، فإن قالوا: الذي يغضب غير الذي ~~يرضى، والذي يعطي غير الذي يمنع، والذي يرحم غير الذي يسخط، فهذا من أعجب ~~قول في الدنيا، أو ما يعلم الرجل منا أنه إذا غضب على رجل فجاءه واعتذر ~~إليه، فرضي عنه وقبل منه، إن الذي قبل العذر فرضي هو الذي كان غضب عليه، ~~وإن الذي منعه أولا هو الذي أعطاه آخرا، والذي ضربه أولا هو الذي رحمه آخرا. # ¬__________ # (¬1) - تركوا مذهبهم أي أبطلوه، واعتقدوا أن ما قعدوه من القواعد، وشرعوه ~~من الشرائع لا يوافق الواقع، ولا يتفق مع طبيعة العقل. # (¬2) - أي ما قعده رجال الإسلام، ويتوافق مع كتاب الله تعالى وسنة الرسول ~~_صلى الله عليه وسلم_، ورضيه جماعة المسلمين. PageV01P038 # وعن رجل أراد أن يقتل رجلا ظلما له، فجاءه رجل آخر فشفع إليه وأخبره ~~بظلمه، فرجع عن ذلك وخلاه (¬1) ، أخبرونا عن الذي أراد قتله، أهو النور أو ~~الظلمة؟ فإن قالوا: النور تركوا قولهم، وجعلوا النور قاتلا، وإن قالوا: ~~الظلمة، قيل: فالشفيع من هو، نور أو ظلمة؟ فإن قالوا: ظلمة جعلوا الظلمة ~~راحمة، وإن قالوا: النور، قيل: فالذي قبل من النور فعفا، من هو؟ فإن قالوا: ~~الظلمة فقد جعلوها تعفو، والعفو خير، وإن قالوا: الذي عفا هو النور، قيل: ~~أوليس الذي عفا هو الذي هم بالقتل، فقد هم النور بالقتل، وذلك شر، فإن ~~قالوا: إن الذي عفا هو النور، والذي هم بالقتل هو الظلمة، قيل: فكيف عفا ~~النور؟ وهو لم يهم، ولم يرد شرا، فيخبر أنه ترك قوله، وهم لم يرد ذلك قط، ~~فهذا منه كذب، والكذب ليس من شأن النور في زعمكم، وعمن قال أنا ظلام، هل ~~صدق أم كذب؟ فإن كذب فالنور لا يكذب، وإن صدق فالظلمة لا تصدق (¬2) . # ¬__________ # (¬1) - تقول: أنا منه خلاء، أي براء، لا يثنى ولا يجمع لأنه مصدر، وأنا ~~منك (خلي)، أي بريء، فيثنى ويجمع لأنه اسم، والخلاء: المكان الذي لا شيء ~~به، والخلية: الناقة تطلق من ms033 عقالها ويخلى عنها، ويقال للمرأة أنت خلية: ~~كناية عن الطلاق. # (¬2) - هذا والحق يقال من أنفس الأدلة العقلية، التي تفحم الخصم، ولا ~~تترك له مجالا أن يكابر أو يجادل، فجزى الله المؤلف عنا وعن الإسلام غير ~~الجزاء. PageV01P039 # الفصل الثاني من الأصل الثاني هو مذهب الديصانية (¬1) # ¬__________ # (¬1) - رئيسهم يسمى ابن ديصان: فيلسوف سرياني من أصل فرئي، ويعرف باسمه ~~السرياني "أبرديصان" كان أبوه يدعى نهامة، وأمه تدعى نهشيران، هاجر كلاهما ~~من فارس الرهاء بعد عام 139، وولد ابنهما عام 154م، وأخذ اسمه من نهر ديصان ~~الذي يروي الرهاء، ونشأ في بلاط الملك معنو مع ابنه أبجر، ودرس الفلك ~~والتنجيم، وفي عام 179م اعتنق المسيحية على يد الأسقف "هستاسب" الذي ابتدع ~~نظرية في نظام الكون تتمشى مع مذهب اللاأدرية. وتوفي ابن ديصان عام 222م، ~~واختلف الديصانية على فرقتين: فرقة زعمت أن النور خالط الظلمة باختيار منه ~~ليصلحها، فلما حصل فيها ورام الخروج عنها امتنع ذلك عليه، وفرقة زعمت أن ~~النور أراد أن يرفع الظلمة عنه لما أحس بخشونتها ونتنها وتشابكها بغير ~~اختيار. # وكان أصحاب ابن ديصان بنواحي البطائح جنوبي الفرات، كما كان بعضهم الآخر ~~متفرقا في خراسان والصين، ويعتبر ابن ديصان عادة ممهدا للمانوية، ويظهر أنه ~~كان في الحقيقة منجما. # وكان يذهب إلى أن الكائنات خاضعة لقوى مدبرة أو حاكمة هي الأجرام ~~السماوية، وأن ما يسمى بالقدر ليس إلا فعل الله في الأجرام والعناصر، وهذا ~~الفعل يؤثر في العقول في هبوطها إلى الأنفس، وفي الأنفس في هبوطها إلى ~~الأبدان، وحياة الإنسان خاضعة للقوانين الطبيعية كما هي خاضعة للقدر، وليست ~~حرية الإنسان إلا النضال مع هذا القدر، والحد من قوته على قدر المستطاع. # راجع الفهرست 1/338، وابن حزم الفصل 1/36، والشهرستاني 194 وما بعدها، ~~والمسعودي: التنبيه، ص130135، ومطهر المقدس في المبدأ والتاريخ 1/91. [عمار ~~الطالبي]. PageV01P040 # ... وذلك أن الديصانية زعمت أن هذه الأشياء تكونت من أصلين قديمين: نور ~~وظلمة، على مثال مقالة المنانية، إلا أن هؤلاء زعموا أن النور حي، والظلمة ~~موات، والنور هو الذي مازج الظلمة، ms034 وعلة (¬1) # ¬__________ # (¬1) - العلة لغة: عبارة عن معنى يحل بالمحل فيتغير به حال المحل، وفي ~~التلويح: ما يثبت به الشيء، وعند الأصولي: ما يجب به الحكم، والعلة عند غير ~~الأصولي: ما يحتاج إليه، سواء كان المحتاج الوجود أو العدم، أو الماهية عند ~~العامة. # وقد توجد العلة بدون المعلول لمانع، وأما المعلول بلا علة فهو محال. ولا ~~يجوز عقلا اجتماع علتين على معلول واحد سواء عرفت بالمؤثر، أم المعرف، أو ~~الباعث. وكلام العقلاء في جميع العلوم من المتكلمين، والأصوليين، والنحاة، ~~والفقهاء مطابق لهذا. الكليات 3/ 222 224 بتصرف. PageV01P041 # ممازجته إياه في زعمهم: أنه كان يلقاه منها في أشياء سخيفة، ذكروها في ~~ممازجة النور للظلمة، وتخليط كثير، وانتشار كثير، كرهت ذكره لقذارته، وقبح ~~التكليم به، يقال لهم: أخبرونا عن ممازجة النور والظلمة، أخير هو أم شر؟ ~~فإن قالوا: خير، قيل: وكيف تكون ممازجة (¬1) الخير للشر خيرا، وإن قالوا: ~~لأنه ولو مازجها بعد ما لم يمازجها هو قادر على التخلص منها فيما بعد، فلما ~~أن كان قادرا على التخلص منها فيما بعد لم تكن ممازجته إياها شرا، وكانت ~~خيرا، قيل لهم: أفليس أن لو لم يمازجها رأسا (¬2) وبقي على حاله الأولى من ~~التخلص والمفارقة، ألم يكن ذلك أصلح له وأولى الأمرين به من ممازجته إياها، ~~ثم هو يطلب المفارقة لها، والتخلص منها بعد الممازجة، وأنتم تزعمون أن فعل ~~الحكمة (¬3) # ¬__________ # (¬1) - الممازجة: المخالطة، يقال مزج الشراب خلطه، من باب نصر، ومزاج ~~الشراب ما يمزج به، ومزاج البدن ما ركب عليه من الطبائع. # (¬2) - رأسا: أي أصلا، فلم يحدث امتزاج. # (¬3) - ماذا يقصد بالحكمة في هذا الموضع..؟ أيقصد بها العدل، والعلم، ~~والحكم، والنبوة، والقرآن، والإنجيل، ووضع الشيء في موضعه، وصواب الأمر ~~وسداده؟ أم يقصد بها ما في عرف العلماء من استعمال النفس الإنسانية باقتباس ~~العلوم النظرية، واكتساب الملكة التامة على الأفعال الفاضلة قدر طاقتها..؟ ~~أم يقصد بها معرفة الحقائق على ما هي عليه بقدر الاستطاعة: وهي العلم ~~النافع المعبر عنه بمعرفة ما لها وما عليها، المشار إليه بقوله تعالى: ms035 {ومن ~~يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا}؟ (سورة البقرة: 269). # إننا نرجع أن المقصود بالحكمة: هي معرفة الحقائق على ما هي عليه. PageV01P042 # والخير أولى به من فعل الخير والشر، فإن قالوا: إنما دعاه إلى ممازجتها ~~الذي يلقاه منها من خشونة، ويأتيه من تلقائها من السوء، فمازجها ليدع فيها ~~شيئا من جنسه، فيستلذ ناحيتها، فيكون ذلك فيها، قيل لهم: وما يؤمنكم أن ~~يتخلص ذلك الجزء الذي هو من جنسه منها حين ينفرد، فيعود مثل ما كانت عليه؟ ~~ويقال لهم: أخبرونا عن الظلمة أليست مواتا؟ فإذا قالوا: بلى، قيل لهم: ~~أوليس النور حيوانا (¬1) وهو الفاعل لكل خير، ولكل حسن وجميل؟ فيقولون: ~~بلى، فيقال لهم: أخبرونا عن هذه الفواحش والقبائح والظلم والجور والعدوان ~~والكذب، ممن هو؟ من النور أو من الظلمة؟ فإن زعموا أنه من الظلمة، قيل لهم: ~~وكيف جعلتم ذلك منها وهي موات لا تفعل، ولا تعقل؟ فإن قالوا: إن ذلك كله من ~~النور، قيل لهم: وكيف وصفتموه بالكذب والظلم والجور والعدوان، وهو في ~~قولكم: صاحب خير، ولا يفعل الشر؟ ثم يقال لهم: ألستم تعلمون أن في العلم من ~~كذبكم، وكذب أقاويلكم، وزعم أنها باطل، ومنهم من أثبت ذلك وزعم أنه حق، فإن ~~قالوا: نعم، قيل لهم: فمن فعل هذين الشيئين المتناقضين؟ والأشياء المتناقضة ~~في العالم من إجازة المحال، ونفي العيان، فمن نفى العيان مرة، وأثبته مرة ~~أخرى، ومن صدق نفسه، ومن كذبها، ومن فعل هذا الذي وصفناه كله من التناقض (¬2) ؟ # ¬__________ # (¬1) - حيوانا: أي حياة، قال تعالى: {وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب ~~وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون} (سورة العنكبوت: 64). # (¬2) - التناقض _عند المناطقة_: اختلاف الجملتين بالنفي والإثبات اختلافا ~~يلزم منه لذاته كون إحداهما صادقة والأخرى كاذبة، فإن كانت القضية شخصية أو ~~مهملة فتناقضها بحسب الكيف، وهو الإيجاب والسلب بأن تبدله، فإن كان إيجابا ~~فتناقضها بحسب أن تبدله سلبا، وبالعكس: كالإنسان حيوان، ليس الإنسان ~~بحيوان، وإن كانت القضية محصورة بأن تقدمها سور فتناقضها يذكر نقيض سورها. # والتناقض: يمنع صحة الدعوى، ms036 ولهذا قالوا: إقرار مال لغيره كما يمنع ~~الدعوى لنفسه يمنعها لغيره بوكالة أو وصاية؛ لأن فيه تناقضا، والمراد من ~~التناقض أن يتضمن دعوى المدعي إنكار بعد الإقرار. التعريفات للجرجاني. PageV01P043 # فإن زعموا أن الظلمة فعلته فقد نقضوا قولهم وجعلوها حية فاعلة، وإن زعموا ~~أن هذا كله من فعل النور، قيل لهم: فمن أجهل ممن قال شيئا، وهو عنده صدق، ~~ثم أكذب نفسه؟ ومن قال: إن شيئا هو كذب، ثم أخبر أنه صدق؟ ومن غضب من شيء، ~~ثم رضي عنه؟ ومن أثنى على شيء بالثناء الحسن، ثم أساء الثناء عليه؟ وليس ~~شيء من الجهل والخطأ، واعتقاد الباطل، ونفي الحق إلا وهو منه، فكيف زعمتم ~~أن هذا حكيم، وأنتم تضيفون إليه هذه الأشياء المتناقضة، وهذا الجهل الفاحش؟ # ويسألون عما سئلت عنه المنانية، فيقال لهم: أخبرونا عن مفارقة النور ~~الظلمة ألطبع (¬1) هو أم لاختيار؟ فإن زعموا أنه لطبع أبطلوا الممازجة بعد ~~المفارقة، فإن قالوا باختيار فيلزمهم أن يكونوا لا يدرون لعلة قد مازجها ~~قبل تلك المفارقة، ثم تخلص منها، ثم مازجها مائة ألف مرة، إذ كانت الممازجة ~~والمفارقة اختيارا لا طبعا، في جميع ما سئلت عنه المنانية، حرفا حرفا، ~~وعليهم أكثر مما ذكرنا، وفيما ذكرنا من ذلك كفاية عما لم نذكره. # ¬__________ # (¬1) - الطبع: قوة للنفس في إدراك الدقائق، والسليقة: قوة في الإنسان بها ~~يختار الفصيح من طرق التراكيب من غير تكلف، وتتبع قاعدة موضوعة لذلك مثل ~~اتفاق طباع العرب الأولين على رفع الفاعل، ونصب المفعول، وجر المضاف إليه، ~~وغير ذلك من الأحكام المستنبطة من تراكيبهم. PageV01P044 # الفصل الثالث مقالة المرقيونية (¬1) : # ... زعموا أن الأشياء من شيئين قديميين: نور وظلمة، وثالث متوسط بينهما ~~وهو الإنسان، يقال لهؤلاء: أخبرونا عن الظلمة والنور، أجنسان مختلفان هما ~~أم جنس (¬2) # ¬__________ # (¬1) - المرقيونية: بالراء لا بالزين: نسبة إلى "مرقيون" أحد زعماء ~~النصرانية، ولد في بداية القرن الثاني الميلادي في سينوب، وأظهر العداوة ~~لليهودية، ويقول بالنور والظلمة، ولكنه يضيف الجامع المعدل كأمر ثالث يجمع ~~بين النور والظلمة، ويقال: إن ماني أخذ بمذهب مرقيون، ms037 وإنما خالفه في ~~المعدل أو الجامع. والمرقيونية: قالت بتنزيه الله عن الشرور، وأنه خالق ~~جميع الأشياء، واختلفوا في الكون الثالث فقالت طائفة منهم: هو الحياة، وهو ~~عيسى عليه السلام، وللمرقيونية كتاب يختصون به ويكتبون بد دياناتهم، ~~ولمرقيون كتاب سماه الإنجيل، ولأصحابه عدة كتب غير موجودة، وهم يتسترون ~~بالنصرانية، وكان يوجد منهم في خراسان عدد كثير في حياة ابن النديم. # والمرقيونية: لا ترى ذبح الحيوان ولا المناكحة. ويقول عبد المسيح الكندي: ~~إن المرقيونية هم الذين يقولون بالثالوث وآلهة ثلاثة متفرقة (عدل، رحيم، ~~شرير)، وأن القرآن الكريم حين قال: {لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ~~ثلاثة} (سورة المائدة: 73) إنما يرد على المرقيونية لا على النصارى. # راجع ابن النديم ص 474، والمغني للقاضي عبد الجبار 3_ 17، والملل والنحل ~~للشهرستاني 1/252 253، ومقالات الإسلاميين ص 308/ 333 338. # (¬2) - الجنس _عند المناطقة_: عبارة عن لفظ يتناول كثيرا، ولا تتم ماهيته ~~بفرد من هذا الكثير، كالجسم. # والجنس من الطبيعيات الكلية، وهي موجودة خارجية كما ذهب إليه البعض، ~~ورجحه البيضاوي؛ حيث أشار إليه من قوله تعالى: {إن مع العسر يسرا} (سورة ~~الشرح: 6). # والجنس الخاص: ما يشتمل على كثيرين متفاوتين في أحكام الشرع كالإنسان. # والجنس العالي: هو الذي تحته جنس وليس فوقه جنس، كالجوهر على القول ~~بجنسيته. # = والجنس: ضرب من الشيء، والنوع أخص منه، وعند الأصولي: الجنس أخص من النوع. # والجنس عند النحويين والفقهاء: هو اللفظ العام، فكل لفظ عم شيئين فصاعدا ~~فهو جنس لما تحته # = سواء اختلف نوعه أو لم يختلف، وعند الآخرين لا يكون جنسا حتى يختلف ~~بالنوع، نحو: الحيوان؛ فإنه جنس للإنسان والفرس والطائر ونحو ذلك، فالعام ~~جنس، وما تحته نوع. # راجع التعريفات للجرجاني، والكليات لأبي البقاء 2/149 بتصرف. PageV01P045 # واحد؟ فإن قالوا جنس واحد قيل: وكيف سميتم بعض الجنس بالنور، وسميتم ~~البعض الآخر بالظلمة، وهو كله جنس واحد؟ فإن قالوا: جنسان مختلفان، قيل ~~لهم: فأيهما طلب المزاج فمازج؟ فإن قالوا: الظلمة سئلوا عما سئلت عنه ~~المنانية، وإن قالوا: النور سئلوا عما سئلت عنه الديصانية، وإن قالوا: ~~الإنسان المتوسط ms038 بينهما طلب أن يمازجهما، قيل لهم: فما دعاه إلى ذلك، إذا ~~كان خبيرا حكيما، يعرف ما له وما عليه؟ فما هي ممازجة النور الظلمة من ~~الحكمة؟ وإن كان شريرا جاهلا فلم جعلتموه ثالثا بينهما، وهو جاهل؟ وكيف لم ~~تقولوا ظلمة؟ والظلمة شر، وإن كان خيرا فكيف لم تلحقوه بالنور؟ ثم يقال ~~لهم: أخبرونا عن هذا المتوسط، هل له حقيقة من علم أو جهل؟ فإن قالوا: نعم ~~قيل لهم: فعلى أي الأمرين هو؟ فإن قالوا: على الجهل (¬1) قيل: فهو إذن ~~ظلمة، وإن قالوا: على العلم قيل لهم: فهو إذن نور، فأيما قالوا من ذلك ~~صاروا به إلى أحد القولين، فيدخل عليهم جميع ما أدخلناه على إخوانهم ~~الأولين. # ¬__________ # (¬1) - الجهل: يطلق الجهل عند المتكلمين على معنيين: الأول: هو الجهل ~~البسيط، وهو عدا العلم عما من شأنه أن يكون عالما، فلا يكون ضد العلم، بل ~~مقابلا له، تقابل العدم والملكة، ويقرب منه السهو والغفلة والذهول. # الثاني: الجهل المركب: وهو اعتقاد جازم غير مطابق للواقع، وإنما سمي ~~مركبا لأنه يعتقد الشيء على خلاف ما هو عليه. فهذا جهل أول، ويعتقد أنه ~~يعتقده على ما هو عليه، وهذا جهل آخر قد تركبا معا، وهو ضد العلم. "راجع ~~كشاف اصطلاحات الفنون للتهانوي: 1/278 279". # والجهل أنواع: باطل لا يصلح عذرا، وهو جهل الكافر بصفات الله تعالى ~~وأحكامه، وكذا جهل الباغي، وجهل من خالف اجتهاده الكتاب والسنة، بخلاف ~~الجهل في موضع الاجتهاد فإنه يصلح عذرا. PageV01P046 # ... فقد فرغنا من الكلام في إقامة الدلائل على حدوث العالم وإثبات ~~المحدث، ومن الأجوبة لمن سألنا في ذلك، ومن نقض أقاويل الدهرية وأصحاب ~~الاثنين، وتبيين فساد ما ذهبوا إليه، بالذي هو كاف عما لم نذكره من ذلك، ~~والله ولي التوفيق. # القول في إثبات الرسالة للرسل صلى الله عليهم، والرد على من لم يثبتها. # ... وأما الأصل الثالث من أصول الملحدين: فهم الذين أقروا بحدوث العالم، ~~وإثبات الصانع، ثم اختلفوا بعد ذلك في تثبيت الرسالة وإبطالها على ما ~~سنذكره فيما بعد، إن شاء الله. # الفصل ms039 الأول من ذلك: مذهب البراهمة (¬1) : # ¬__________ # (¬1) - برهم: هو المعبود الأول والأكبر عند الهنود، وهو عندهم أصل كل ~~الموجودات، واحد غير متغير، وغير مدرك، أزلي مطلق، سابق كل مخلوق، خلق ~~العالم كله بمجرد ما أراد دفعة واحدة بقوله: "أوم"، أي كن، وعلى ذلك يكون ~~برهم تشخيصا لكل القوى الباطنة والظاهرة للطبيعة، وكثيرا ما يجعلون اسم ~~برهم اسما للأقانيم الثلاثة المؤلف منها ثالوث الهنود في: "برهما" و"شنو" ~~و"سيوا"، ويقال لبرهم: "سوايمبواي"، أي القائم بذاته، ويسمى أيضا "سرفان ~~آلباران"، ومعناه الأزل؛ لأن هذه الكلمة في الكتب الفارسية المعروفة ~~بالزند، معناه الزمان غير المحدود أو الأبدية. والخلاصة انه يراد بذلك ~~السرمدي، ويسمى أيضا "برامند"، أي أبا المخلوقات. # أصحاب الرتبة الأولى من عبدة برهم الهنود الذين ولدوا من برهان بن برهما ~~قيل: إن أصلهم من سلالة رؤساء الهند الفاتحين؛ لأنهم كانوا الرتبة الشريفة ~~العلمية في إيران، وكان بعضهم يتكهن فسموا بذلك، من: "بر" الفارسية ومعناها ~~فوق، و"مان" ومعناها رجل حكيم. # والبراهمة: كهنة الهنود وحكماؤهم وعلماؤهم ورؤساء الدين والعلم والأدب، ~~ويشتغلون بالصلاة والتسبيح، والطب والتنجيم، وهم قليلو الكلام، لا يأكلون ~~لحم الحيوان، بل يقتصرون في قوتهم على النبات والثمار ولبن البقر والأرز، ~~ويكثرون الصوم. # والبراهمة: يعتقدون خلود النفس والتناسخ. # وعدد البراهمة في آسيا يقارب المائتي مليون نسمة، يسلم منهم في كل عام ~~خلق كثير. # راجع دائرة المعارف للبستاني: 5/375 377 بتصرف، ودائرة معارف القرن ~~العشرين 2/154 164. PageV01P047 # ... وذلك أن البراهمة أنكروا جميع الرسل، وأبطلوا الرسالة، وزعموا أن ~~الذي حملهم على ما قالوا: أنه لما كان الله تبارك وتعالى خلق عباده محتملين ~~لأمره ونهيه ثبت أنه لم يأمرهم ولم ينههم، إلا وقد جعل فيهم آلة يميزون بها ~~ما بين الأمر والنهي، والطاعة، والمعصية، والحسن، والقبيح فأغناهم بذلك عن ~~كل علم، من علم دينه، وليس في بعث الرسل بزعمهم مع هذا حكمة، فمن هذا الوجه ~~أبطلوا رسالة الرسل، وزعموا أنها ليست من الحكمة (¬1) ومنهم من أثبت رسالة ~~آدم (¬2) # ¬__________ # (¬1) - الحكمة: هي العدل، والحكم، والعلم، والنبوة، والقرآن، والإنجيل، ~~ووضع الشيء ms040 في موضعه، وصواب الأمر وسداده، وأفعال الله كذلك. # وفي عرف العلماء: هي استعمال النفس الإنسانية باقتباس العلوم النظرية، ~~واكتساب الملكة التامة على الأفعال الفاضلة قدر طاقتها، وقال بعضهم: الحكمة ~~هي معرفة الحقائق على ما هي عليه بقدر الاستطاعة، وهي العلم النافع المشار ~~إليه بقوله تعالى: {ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا} (سورة البقرة: 269). # راجع بصائر ذوي التمييز 2/157، والمفردات في غريب القرآن الكريم ص 127. # (¬2) - رسل: أصل الرسل: الانبعاث على التودد، ويقال ناقة رسلة: سهلة ~~السير، وابل مراسيل: منبعثة انبعاثا سهلا، ومنه الرسول المنبعث، وتصور منه ~~تارة الرفق، فقيل على رسلك إذا أمرته بالرفق، وتارة الانبعاث، فاشتق منه ~~الرسول، والرسول تارة يقال للقول المتحمل كقول الشاعر: ألا أبلغ أبا حفص ~~رسولا، وتارة لمحتمل القول والرسالة، والرسول يقال للواحد والجمع، قال ~~تعالى: {لقد جاءكم رسول من أنفسكم} (سورة التوبة: 128) وقال: {إنا رسول رب ~~العالمين} (سورة الشعراء: 16). # وجمع الرسول: رسل، ورسل الله تارة يراد بها الملائكة، قال تعالى: {إنه ~~لقول رسول كريم} (سورة الحاقة:10)، وقوله: {إنا رسل ربك لن يصلوا إليك} ~~(سورة هود:81)، ومن الأنبياء: {وما محمد إلا رسول} (سورة آل عمران:144). PageV01P048 # -صلى الله على محمد وعليه-، وأنكروا رسالة من سواه من الرسل، فيقال لهم: ~~لم أنكرتم بعث الرسل من الله تعالى إلى خلقه؟ فإن قالوا: لأنا وجدنا الخلق ~~مستغنين عن كل علم، وعن كل أمر، لما يجدونه في عقولهم من المعرفة، فيقال ~~لهم: ألستم تجدون تذكار العباد بعضهم لبعض وتنبيه بعضهم بعضا، وتعليمهم ~~إياهم مما يزيد في علومهم، وفي مخافتهم من الله، ومن مراعاتهم لطاعته، ~~وشكرهم على نعمائه؟ فإن زعموا أن ذلك مما لا يزيد في علوم العباد، ولا في ~~مخافتهم من الله تعالى، أبطلوا ما في عادة الخلق، وأحالوا ما توجبه العقول، ~~فإن قالوا: بل قد يزيد ذلك في علوم العباد وفي طاعتهم الله تبارك وتعالى ~~ومراعاتهم لأمره، قيل لهم: فما أنكرتم مع هذا أن يكون بعث الله عز وجل رسله ~~إلى عباده على جهة التذكار لهم، والزيادة في الشرائع ms041 والنقصان منها على ~~أقدر أزمانهم، ومصالح شؤونهم؟ وكيف قضيتم بأن بعث الرسل من الله تعالى إلى ~~عباده ليس من الحكمة رأسا، وتحكمتم في ذلك؟ PageV01P049 # أوليس توافر رسل الله تعالى إلى خلقه، وتجديد عهده إلى عباده على ألسنة ~~رسله، وتتابع وعظه، وتذكاره على أسماعهم مما يستدعي إلى (¬1) طاعته، ويندب ~~إلى عبادته؟ وكيف يدع الأمر المستدعي إلى طاعته، والزاجر عن معصيته إلى ~~غيره من الأمر الذي زعمتم: من ترك بعث الرسل إليهم حتى تحكمتم في ذلك، ~~وقضيتم بأنه جور وعبث غير حكمة؟ ومما يدل على قوة ما ذكرنا في إرسال الله ~~تعالى الرسل أن ذلك حكمة وعدل ليس بعبث كما قالوا: لو أن ملكا أو سلطانا ~~خرج عليه بعض جنده في مخالفة أمره، فأرسل ذلك الملك إليهم رسولا ليرجعوا عن ~~مخالفة أمره ويرتدعوا عن معاندته، والخروج من طاعته، أليس هذا الوجه أولى ~~بالحكمة والعدل، والرفق والاستصلاح منه إذا هو باطشهم (¬2) # ¬__________ # (¬1) - في (ب) بدون (إلى). # (¬2) - البطشة: السطوة والأخذ بالعنف، وقد بطش به من باب ضرب ونصر، ~~وباطشه مباطشة.. PageV01P050 # على غير إعذار منه إليهم، وأخذهم على غرة، من غير إنذار منه لهم؟ ويقال ~~لهم: أخبرونا عنكم، ألستم تقولون بحدوث العالم، وإثبات المحدث له، وتقرون ~~بالصانع والصنعة؟ قالوا: بلى، قيل لهم: من أين علمتم ذلك، ومن أي وجه ~~استدللتم عليه؟ فإن قالوا: وجدنا هذه الصنعة محتملة التدبير لما فيها من ~~آثار التقدير، فعلمنا أن ذلك لم يكن إلا من صانع مدبر حكيم، ووجدنا هذه ~~الخلائق غير محتملين لأن يكونوا فاعلين لشيء من هذه الأشياء لظهور عجزهم، ~~وقصر منتهى قدرتهم على أن يفعلوا شيئا منا يشبه هذه الصنعة، قيل لهم: فهذه ~~الأشياء الظاهرة على أيدي الرسل، والأجسام الحادثة من أجل دعواهم، أهي مما ~~يحتمل الخلق أن يفعله، أو مما لا يحتمله؟ فإن قالوا: مما يحتمل الخلق فعله، ~~قيل لهم: كيف حتى احتملوا فعل شيء من هذه العجائب التي ظهرت على أيدي ~~الرسل، ولم يحتملوا الأمر الأول؟ وكل ذلك ليس هو من جنس أفعال الخلق، ولا ms042 ~~من جنس ما يأتون بمثله، ولو كانوا عليه جميعا متظاهرين، فإن قالوا: إن ظهور ~~هذه الأشياء التي أدعيتم أنها ظهرت على أيدي الرسل لم يثبت عندنا تحقيقها، ~~وإنما هي بأخبار، والأخبار عندنا لا تثبت حجة، قيل لهم: فهل تحقق عندكم قط، ~~أو وقع في قلوبكم شيء من العالم بأن في هذا العالم وفي هذه الأرض من أول ~~الزمان (¬1) # ¬__________ # (¬1) - الزمان: هو عبارة عن امتداد موهوم غير قار الذات، متصل الأجزاء، ~~يعني أي جزء يفرض في ذلك الامتداد لا يكون نهاية لطرف أو بداية لطرف آخر. # والزمان عند أرسطو ومتابعيه من المشائين: هو مقدار حركة الفلك الأعظم ~~الملقب بالفلك الأطلسي لخلوه من النقوش، كالثوب الأطلسي إن صح، والآن الذي ~~هو حد الزمانين: الماضي والمستقبل نهاية الزمان، ونهاية الشيء خارجة عنه. # والزمان: من أقسام الأعراض، وليس من المشخص، فإنه غير قار، والحال فيه قار. # راجع الكليات 2/405 406 بتصرف، والمعجم الفلسفي 2/210 بتصرف. PageV01P051 # إلى يومنا هذا أناسا يقولون: إن الله بعثهم إلى خلقه، ويدعون أنهم رسل ~~الله إلى عباده؟ فإن قالوا: لم يبلغنا خبر قط كذبوا أسماعهم، وأنكروا شيئا ~~موجودا في أسماع أهل الدنيا، وعلما محققا في قلوبهم، فإن قالوا: علمنا ذلك ~~مما تواتر (¬1) # ¬__________ # (¬1) - التواتر: هو إما لفظي أو معنوي: فالتواتر اللفظي: هو خبر جمع ~~يمتنع عادة توافقهم عن الكذب عن محسوس، والمعنوي: هو نقل رواة الخبر قضايا ~~متعددة بينها قدر مشترك، كنقل بعضهم عن حاتم مثلا أنه أعطى دينارا، وآخر ~~قوسا، وآخر حجلا، وهكذا. # والتواتر من حيث الرواية: هو أن يرويه جماعة لا يتصور تواطؤهم على الكذب ~~فيكفر جاحده. # راجع الكليات والتعريفات 63. PageV01P052 # لدينا من أخبارهم، قيل لهم: فأنى سمعتم بأخبارهم وبلغتكم مقالاتهم، ولم ~~تسمعوا بخبر ما ظهر من تلك الدلائل على أيديهم؟ ولم يبلغكم شيء من جميع ما ~~كان من ذلك، وهذا كله قد وصل إلى الناس وإليكم وصولا واحدا، وجاءكم الخبر ~~بجميعه مجيئا متصلا، وقد استفاض في أخبار الناس، واشتهر في أحاديثهم، ورسخ ~~في قلوبهم أحاديث القرون الأولى، والأمم ms043 الخالية، وما كان من رسلهم إليهم ~~كعاد وثمود، وفرعون ذي الأوتاد، والنمرود وأشياعهم، وما جاء من إهلاكهم ~~وتدميرهم على أيدي رسلهم، نطق بذلك الخطباء والشعراء في الجاهلية وفي ~~الإسلام، وفي قديم الدهر وحديثه، ولو تتبعنا ذلك لكان هو الكتاب وحده، وقد ~~بعث الله موسى _صلى الله على محمد_، وعلى موسى، وعلى جميع المرسلين، ~~والغالب على الناس إذ ذاك أمر السحر (¬1) ، # ¬__________ # (¬1) - سحر: السحر: طرف الحلقوم والرئة، وقيل انتفخ سحره، وقيل منه اشتق ~~السحر، وهو أصابه السحر، والسحر يقال على معان: الأول: الخداع وتخييلات لا ~~حقيقة لها، نحو ما يفعله المستعبد بصرف الأبصار عما يفعله لخفة يده، وما ~~يفعله النمام بقول مزخرف عائق للأسماع، وعلى ذلك قول الله تعالى: {سحروا ~~أعين الناس واسترهبوهم} (سورة الأعراف:116)، وبهذا النظر سموا موسى عليه ~~السلام ساحرا، قال تعالى: {يا أيها الساحر أدع لنا ربك} (سورة الزخرف:49) ~~رواية عن كلامهم. # والثاني: استجلاب معاونة الشيطان بضرب من التقرب إليه، كقوله تعالى: {هل ~~أنبئكم على من تنزل الشياطين تنزل على كل أفاك أثيم} (سورة الشعراء:222)، ~~وهناك أنواع أخرى لا داعي لذكرها، وبالله التوفيق. PageV01P053 # وقد فشا فيهم حتى اتخذوه صناعة، يوجد عند كبيرهم وعند صغيرهم، فأظهر الله ~~على يدي موسى عليه السلام من العلامات والشواهد والمعجزات، ما دوخ به أمر ~~جميع السحرة، وأعجزهم عن الإتيان بمثله، وأعلمهم أنه ليس من جنس ما يأتون ~~به من السحر بوجه ولا سبب، من انقلاب العصا حية تسعى، وثعبانا مبينا حتى ~~استرطت (¬1) جميع حبالهم، وابتلعت جميع عصيهم، فذهبت ولم يوجد لها أثر، مع ~~ما جاء به من اليد، إذا هو أخرج يده صارت بيضاء صافية من غير برص ولا سوء، ~~وما كان من رجوع مياههم دما، وما سلط عليهم من الجراد والقمل والضفادع، ~~وفلق البحر حتى صار برا يابسا، ونقعا ساطعا، فشقه موسى ومن معه، فخرجوا منه ~~سالمين، فأتبعهم فرعون بجنوده على أثرهم فظلوا فيه غارقين، في سائر تلك ~~الآيات المشهورة على يدي موسى عليه السلام، فتبين للسحرة عند ذلك أن الذي ~~جاء ms044 به موسى ليس من فعله، ولا من فعل أحد من البشر، لمعرفتهم بنهاية السحر ~~ومبلغه، فاتضحت لهم الحجة، فآمنوا بموسى وبما جاء به، وكفروا بفرعون وما ~~يدعو إليه، فإيمان السحرة حجة على فرعون ومن معه، وقطع لمعاذيرهم، ومعاذير ~~جميع المبطلين المكذبين بالرسالة (¬2) ، وبعث الله عيسى عليه السلام، ~~والغالب على أهل زمانه الطب والتداوي، وبه يفتخرون وفيه يتنافسون، فآتاهم ~~عيسى عليه السلام من عند الله بإحياء موتاهم، ويبرئ لهم الأكمة والأبرص، ~~ويخلق من الطين كهيئة الطير، فينفخ فيه فيكون طائرا بإذن الله، فأول ذلك: ~~أنه لما أبرأ لهم الأكمة (¬3) # ¬__________ # (¬1) - سرط الشيء بلعه، وبابه فهم، واسترطه ابتلعه، وفي المثل: لا تكن ~~حلوا فتسترط، ولا مرا فتعفى، أي ترمى من الفم للمرارة. # (¬2) - قال تعالى على لسان السحرة: {قالوا آمنا برب العالمين رب موسى ~~وهارون} (سورة الأعراف:121). # (¬3) - المعروف عند العرب من معنى "الكمه" العمى. يقال: منه كمهت عينه ~~فهي تكمه، وأكمهتها أنا إذا أعميتها، كما قال سويد بن أبي كاهل: # كمهت عينيه حتى أبيضتا ... ... فهو يلحي نفسه لما نزع # ومنه قول رؤبة: # هرجت فارتد ارتداد الأكمة ... ... ... ... في غائلات الحائر المتهته ~~PageV01P054 والأبرص (¬1) حاروا وشكوا، وقالوا: هذا شبيه ما يأتي به أهل ~~صناعة الطب، فلما أن أحيا لهم الموتى زادت الدلالة وتأكدت الحجة، حتى خلق ~~لهم شيئا لم يكونوا يرونه بين أيديهم، ونفخ فيه فأحياه لهم، فجاءهم بأعظم ~~من الثانية والأولى، وبعث الله محمدا _صلى الله عليه وسلم_، والغالب على ~~العرب حينئذ الفصاحة والبلاغة في الخطب والشعر، فتنافسوا في ذلك وتسابقوا ~~إليه، إلى أن صار كل من أنشأ منهم قصيدة أو أشدى خطبة يفتخر بها، حتى إن ~~منهم من علق شعره على الكعبة، ومنه سميت المعلقات (¬2) # ¬__________ # (¬1) - البرص: داء معروف، وبابه ضرب، فهو أبرص، وأبرصه الله. وسام أبرص ~~من كبار الوزغ، وهو معرفة، تعريف جنس، وهما اسمان جعلا واحدا، فإن شئت ~~أعربت الأول وأضفته إلى الثاني، وإن شئت بنيت الأول على الفتح، وأعربت ~~الثاني بإعراب ما لا ينصرف. # (¬2) - عرفت حينا بالمعلقات السبع، وحينا آخر بالمذهبات، ms045 وسميت كذلك ~~بالسموط، والمشهورات، والمشهورة كما سماها الباقلاني في إعجاز القرآن. ~~والشهرة المستفيضة لهذه المعلقات أنها علقت على ركن من أركان الكعبة. يقول ~~ابن خلدون (808) في مقدمته: حتى انتهوا إلى المناغاة في تعليق أشعارهم ~~بأركان البيت الحرام موضع حجهم وبيت إبراهيم، كما فعل امرؤ القيس بن حجر، ~~والنابغة الذبياني، وزهير بن أبي سلمى، وعنترة بن شداد، وطرفة بن العبد، ~~وعلقمة بن عبدة، والأعشى من أصحاب المعلقات السبع وغيرهم. راجع المقدمة ص ~~532، والخزانة للبغدادي 1/61 بولاق.. PageV01P055 # المشهورات؛ لأن أصحابها أو غيرهم من العرب علقوها عند الكعبة، أو في سوق ~~عكاظ على اختلاف الروايات في ذلك، فأتاهم رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ ~~بهذا القرآن العظيم، والذكر الحكيم، وما فيه من اتساق الكلم، وعجائب النظم، ~~مع ما تضمن من أخبار القرون الأولى، وأحاديث الأمم الخالية، والرسول _صلى ~~الله عليه وسلم_، قد نشأ بين أظهرهم، وربي في حجورهم، غير معروف بشيء من ~~مثل ما أتاهم، ولا منسوب إليه شيء من علم ما جاء به، فتحداهم الله تعالى ~~على أن يأتوا بمثله، فقال عز وجل: {أم يقولون تقوله بل لا يؤمنون فليأتوا ~~بحديث مثله إن كانوا صادقين} (¬1) ، وقال: {لئن اجتمعت الإنس والجن على أن ~~يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا} (¬2) ، ~~فلما أن عجزوا عن الإتيان بمثله تحداهم على أن يأتوا ببعضه، فقال عز وجل: ~~{فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم ~~صادقين} (¬3) ، فلما أن عجزوا عن الإتيان بعشر سور مثله تحداهم على أن ~~يأتوا بسورة واحدة من مثل سوره، فقال: {وإن كنتم في ريب مما نزلنا على ~~عبدنا فأتوا بسورة من مثله} (¬4) الآية، وقال: {أم يقولون افتراه قل فأتوا ~~بسورة مثله} (¬5) # ¬__________ # (¬1) - سورة الطور، آية رقم 34. # (¬2) - سورة الإسراء، آية رقم 88. # (¬3) - سورة هود، آية رقم 13، وقد جاءت هذه الآية محرفة في المطبوعة؛ حيث ~~ذكرت "ما" بدلا من "من". # (¬4) - سورة البقرة، آية رقم (3). # (¬5) - سورة يونس، آية رقم 38، وهذا هو المقام الثالث في التحدي، فإنه ms046 ~~تعالى تحداهم ودعاهم إن كانوا صادقين في دعواهم أنه من عند محمد، فليعارضوه ~~بنظير ما جاء به وحده، وليستعينوا بمن شاءوا، وأخبرهم أنهم لا يقدرون على ~~ذلك، ولا سبيل لهم إليه فقال تعالى: {قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن ~~يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا} ( سورة ~~الإسراء، آية رقم 88).. PageV01P056 # الآية، فلما أن ظهر عجزهم على أن يأتوا بمثله، أو بعشر سور (¬1) مثله، أو ~~بسورة واحدة من مثله (¬2) أثبت عليهم الحجة وقطع معاذيرهم، فقال لرسوله ~~وللمؤمنين: {فإن لم تستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله} (¬3) لا ~~بعلم البشر، ففي عجز أولئك القوم، وهم أهل الفصاحة والبلاغة، مع ما هم فيه ~~من شدة الحرص، والاجتهاد في التكذيب للنبي عليه السلام، والرد على الإتيان ~~بمثل ما أتى به _صلى الله عليه وسلم_ أعظم الحجة، وأثبت الدلالة، وأقطع ~~لمعاذيرهم ومعاذير غيرهم من الناس، ممن هو في زمانهم، ومن بعدهم إلى يوم ~~القيامة، مع ما في القرآن من أخبار الغيوب (¬4) ، # ¬__________ # (¬1) - قال تعالى: {قل فأتوا بعشر سور مفتريات وادعوا من استطعتم من دون ~~الله إن كنتم صادقين} (سورة هود:13). # (¬2) - قال تعالى: {وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من ~~مثله} (سورة البقرة:23). # (¬3) - سورة هود، آية رقم 14، وتكملة الآية { وأن لا إله إلا هو فهل أنتم ~~مسلمون}. # (¬4) - الغيب: مصدر غائب الشمس وغيرها، إذا استترت عن العين، يقال: غاب ~~عن كذا، قال تعالى: {أم كان من الغائبين}، واستعمل في كل غائب عن الحاسة، ~~وهما يغيب عن علم الإنسان بمعنى الغائب، قال تعالى: {وما من غائبة في ~~السماء والأرض إلا في كتاب مبين}، ويقال للشيء غيب وغائب باعتباره بالناس ~~لا بالله تعالى، فإنه لا يغيب عنه شيء، كما لا يعذب عنه مثقال ذرة في ~~السماوات ولا في الأرض. وقوله تعالى: {عالم الغيب والشهادة} (سورة الزمر: ~~46)، أي ما يغيب عنكم وما تشهدونه. والغيب في قوله تعالى: {يؤمنون بالغيب} ~~(البقرة: 2) ما لا يقع تحت الحواس ولا تقضيه بداية العقول، وإنما ms047 يعلم بخبر ~~الأنبياء عليهم السلام، وبدفعه يقع على الإنسان اسم الألحاد.. PageV01P057 # وما أخبر عنه _صلى الله عليه وسلم_ من الغيوب في غير القرآن (¬1) ، مما ~~لا يعلم علمه إلا الله الذي أعلمه إياه في آيات كثيرة، وأعلام بينة، وعجائب ~~عظيمة، ظهرت على يديه عليه السلام، سوف نخبر بها إذا صرنا إلى موضع الذكر ~~لها، إن شاء الله، والله ولي التوفيق. # القول على المجوس (¬2) : # ¬__________ # (¬1) - وذلك مثل الحديث الذي رواه الإمام البخاري في صحيحه، ومسلم، ~~والترمذي، وأحمد بن حنبل في مسنده: "ويح " عمار تقتله الفئة الباغية". # (¬2) - المجوس: هم أصحاب الاثنين، ويقال لهم: (الدين الأكبر)، والملة ~~العظمى، وكانت ملوك العجم كلها على ملة إبراهيم، وجميع من كان في زمن واحد ~~منهم من الرعايا، وكان للملوك مرجع هو (موبذ موبذان) أعلم العلماء وأقدم ~~الحكماء _في رأيهم_ يصدرون عن أمره، ولا يرجعون إلا إلى رأيه، ويعظمونه ~~تعظيم السلاطين. (راجع دائرة القرن العشرين، 8: 446). # ومسائل (المجوس) كلها تدور على قاعدتين: # أ إحداهما بيان سبب امتزاج النور بالظلمة. # ب الثانية بيان سبب خلاص النور من الظلمة. # وجعلوا الامتزاج مبدأ الخلاص والميعاد، وهناك من المجوس من زعم أن ~~الأصليين لا يجوز أن يكونا قديميين أزليين، بل النور أزلي، والظلمة محدثة، ~~ثم لهم اختلاف في سبب حدوثها... أمن النور حدثت، والنور لا يحدث شرا جزئيا، ~~فكيف يحدث أصل الشر؟ (راجع الملل والنحل، 2/71). # وبيوت النيران عند المجوس، وأول بيت للنار بناه (أفريدون) في (طوس)، وآخر ~~بمدينة (بخارى)، ويسمى (تروسون)، واتخذ بهما بيتا في (سجستان) يدعى ~~(كركرة)، ويعظم المجوس النار لمعان منها: # 1_ إنها جوهر شرف علوي. # 2_ وأنها لم تحرق (إبراهيم) وكانت عليه بردا وسلاما. # 3_ وأن تعظيمها ينجيهم من عذابها يوم الميعاد. # وعلى كل فهي قبلة لهم ووسيلة، وإشارة إلى أهل الأهواء والنحل. راجع الملل ~~والنحل، 2/92، ودائرة معارف القرن العشرين، 8/458. PageV01P058 # وأما المجوس فإنهم زعموا أن لهذا العالم مدبرا محدثا، وسموه هرمزا، ~~وزعموا أنه هو المدبر لجميع الخير، والخالق لكل الحسن، وأن الشيطان (¬1) # ¬__________ # (¬1) - الشيطان: هو من شطن: ms048 أي تباعد، ومنه بئر شطون، وشطنت الدار، ~~فالنون فيه أصلية، وقيل زائدة من شاط يشيط احترق غضبا، فالشيطان مخلوق من ~~النار كما دل عليه قوله تعالى: {وخلق الجان من مارج من نار}، ولكونه من ذلك ~~اختص بفرط القوة الغضبية، والحمية الذميمة، وامتنع من السجود لآدم. # قال أبو عبيدة: الشيطان اسم لكل عارم من الجن والإنس والحيوانات، قال ~~تعالى: {شياطين الإنس والجن} (سورة الأنعام: 112)، وقال أيضا: {إن الشياطين ~~ليوحون} (سورة الأنعام: 121)، وقال: {وإذا خلوا إلى شياطينهم} (سورة ~~البقرة: 13)، أي أصحابهم من الجن والإنس، والله أعلم. راجع مفردات غريب ~~القرآن. PageV01P059 # هو الخالق لجميع الشرور ولكل فعل قبيح، وقالوا: إن هرمزا قديم، وإن ~~الشيطان محدث، وإنه إنما أحدث من فكرة فكرها هرمز في نفسه فقال: إني تخوفت ~~أن يدخل علي في ملكي من ينازعني فيه ويضادني، فحدث الشيطان عن تلك الفكرة، ~~وأن هرمزا صالح الشيطان فتركه إلى أن يفنيه بعد ذلك، ويزيله كما أحدثه، ~~وزعموا أن جميع الأشياء الحسنة من: العدل والحكمة والعلم، وجميع مصالح ~~الخلق، وجميع الأشياء النافعة كلها من فعل هرمز، وأن الأشياء القبيحة كلها ~~من: الباطل والكذب والعدوان والفحش، والمضار من جميع الأمور، والهوام ~~المؤذية، والسباع والعقارب، والحيات، وما يشبه ذلك من فعل الشيطان، وهو ~~الخالق لجميعها، وبانوا (¬1) # ¬__________ # (¬1) - المباينة: المفارقة، وتباين القوم تهاجروا، وغراب البين هو ~~الأبقع، وقال أبو الغوث: هو الأحمر المنقار والرجلين، فأما الأسود فهو ~~الحاتم.. PageV01P060 # بهذا الفصل من سائر المثبتين لحدوث الأشياء، المقرين بالصانع، فيقال لهم: ~~أخبرونا عن هرمز، أليس هو خبيرا عليما حكيما، فلذلك نفيتم عنه فعل الشرور، ~~وخلق جميع القبائح؟ فإن قالوا: بلى، قيل لهم: فالشيطان الذي هو رأس ~~الخطيئة، الفاعل لجميع الشرور، الخالق لكل قبيح وخبيث، أخير حسن هو أم قبيح ~~شرير؟ فإن قالوا: حسن خير، قيل لهم: فكيف وهو الخالق لجميع هذه الشرور؟ فإن ~~قالوا: لا يكون بخلقه هذه الشرور، وهذه القبائح شريرا ولا قبيحا، قيل لهم: ~~فما أنكرتم عن هرمز أن يكون هو الخالق لهذه الشرور والفاعل لها، وليس هو مع ms049 ~~ذلك شريرا ولا قبيحا، إذ لا يكون الشيطان بفعله القبائح قبيح، وبخلقه الشر ~~شرير، قيل لهم: فهرمز حين خلق الشرير وفاعل القبيح الذي هو الشيطان، أحسن ~~هو أم قبيح شرير؟ فإن قالوا: إن هرمزا خير لا يكون شريرا، قيل لهم: وكيف ~~وهو الذي خلق رأس الشر الذي منه جميع الشرور؟ (¬1) # ¬__________ # (¬1) - هذه الحجج التي ساقها المؤلف: هي _الحق يقال_ من أنفس الأقوال ~~والأدلة التي تفحم الخصوم وتجعلهم يتخبطون في ضلالهم، وليس لديهم حجة تقال، ~~ولا دليل ينصف باطلهم.. PageV01P061 # فإذا كان الشيطان شريرا بفعله الشر فهرمز أولى بالشر منه؛ إذ خلق رأس ~~جميع الشرور، وسبب جميع القبائح، فإن قالوا: إن هرمزا شرير قبيح بخلقه ~~الشيطان انهدمت جميع أصولهم، وانهدم جميع بنيانهم الفاسد، ويقال لهم: ما ~~يؤمنكم أن هرمزا إذا كان إنما أحدث الشيطان من فكرته، لعله تفكر فكرة ~~مثلها، وألف فكرة؟ ولعل هذه القبائح كلها من فكرة حدثت، فضلا عن أن تكون ~~حدثت من الشيطان، وما يدريكم على هذا المعنى بأن هذه الشرور والقبائح من ~~الشيطان دون هرمز، فإن اعتلوا بالأخبار، وادعوا علم ما قالوا من ذلك أنهم ~~علموه من قبل الأخبار، قيل لهم: فلعل المخبر لكم بذلك كاذب، ولعل ذلك الخبر ~~إنما جاءكم من قبل الشيطان الذي لا يأتي من قبله إلا كل كذب وقبيح، ويقال ~~لهم في قولهم: إنه سوف يفنيه فيما يأتي من الدهر، (¬1) # ¬__________ # (¬1) - الدهر في الأصل اسم لمدة العالم من مبدأ وجوده إلى انقضائه، وعلى ~~ذلك قوله تعالى: {هل أتى على الإنسان حين من الدهر} (سورة الدهر آية رقم ~~1). ثم يعبر به عن كل مدة كثيرة، وهو خلاف الزمان، فإن الزمان يقع على ~~المدة القليلة والكثيرة. والدهر عند المتكلمين: لا وجود له في الخارج؛ لأنه ~~عندهم مقارنة عن حادث لحادث، والمقارنة أصل اعتباري عدمي، ولذا ينبغي في ~~التحقيق أن لا يكون عند من حده من الحكماء بمقدار حركة الفلك، وأما عند من ~~عرفه منهم بأنه حركة الفلك فإنه وإن كان وجوديا إلا أن لا يصلح للتأثير. ms050 # وقوله عليه الصلاة والسلام: "لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر" (البخاري ~~في الأدب 101، ومسلم في الألفاظ 4، وصاحب الموطأ في الكلام 3). قد قيل ~~معناه: إن الله فاعل ما يضاف إلى الدهر من الخير والشر والمسرة والمساءة، ~~فإذا سببتم الذي تعتقدون أنه فاعل ذلك فقد سببتموه تعالى الله عن ذلك. PageV01P062 # أخبرونا عن اليوم، هل كان يقدر على أن يفنيه؟ فإن قالوا لا، قيل لهم: ~~فكيف يقدر بعد اليوم على ما لا يقدر عليه اليوم؟ وأنى له القدرة بعد هذا ~~على شيء، أليست له قدرة عليه اليوم؟ فإن قالوا: بأنه قادر على أن يفنيه ~~اليوم، وبعد اليوم، قيل لهم: أفتركه يفعل الشرور، ويحدث القبائح، ويفسد في ~~الأرض ولا يصلح ألوفا من السنين، وهو قادر على أن يفنيه، فأي شر تضيفون إلى ~~هرمز، وأي قبيح تنسبون إليه أعظم من هذا وأشنع منه؟ ويسألون عن الذي يسأل ~~عنه أهل الدهر وغيرهم من أصحاب الاثنينن فيقال لهم: أخبرونا عن الشيطان، ~~أبطبع يفعل الشر أم باختيار؟ فإن قالوا: باختيار، قيل لهم: فهو إذن يترك ~~فعل الشر، ويفعل الخير؛ إذ كان فعل الشر منه اختيارا لا طبعا، فكيف حتى ~~قلتم: إنه لا يكون من فعله إلا القبح والشر دون الحسن والجميل؟ فإن قالوا: ~~فعل الشر منه طبع غير اختيار قيل لهم: وكيف كان طبعا وهو قد كان ولا يفعل ~~ثم فعل بعد ذلك، والطبع لا يفارق الشيء ولا يزايله، مع أن هذه الأفعال التي ~~أضافوها إليه مختلفة الأجناس، متضادة المعاني، وليست هي من جنس ما يطبع ~~الشيء عليه، وكل ما يدخل على من قال بالاثنين من جميع ما رسمناه في كلامنا ~~فهو داخل على هؤلاء القوم حرفا حرفا، وأما تكذيب المجوس (¬1) بالمرسلين ~~فذلك أمر يشملهم مع غيرهم، مع جميع أهل التكذيب، والرد على جميعهم واحد، ~~والله ولي التوفيق. # أهل الكتاب: # ... وأما أهل الكتاب فإنهم مع اختلاف مللهم، وتفاوت أقاويلهم مجمعون على ~~تكذيب نبينا (¬2) # ¬__________ # (¬1) - يرى ابن حزم أن المجوس يقرون ببعض الأنبياء دون بعض. راجع الفصل ~~1/177 ms051 بتحقيقنا. # (¬2) - نبي: النبي بغير همز، فقد قال النحويون: أصله الهمز فترك همزه، ~~واستدلوا بقولهم: مسيلمة نبي سوء. # وقال بعض العلماء: هو من النبوة أي الرفعة، وسمي نبيا لرفعة محله عن سائر ~~الناس، المدلول عليه بقوله تعالى: {ورفعناه مكانا عليا} (سورة مريم: 57)، ~~فالنبي بغير الهمز أبلغ من النبيء بالهمز؛ لأنه ليس كل منبئ رفيع القدر ~~والمحل، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام لمن قال: يا نبي الله. فقال: "لست ~~بنبيء الله، ولكن نبي الله"، لما رأى أن الرجل خاطبه بالهمز لبغض منه، ~~والنبوة والنباوة: الارتفاع. PageV01P063 # محمد _صلى الله عليه وسلم_، فرأيت أن أبدأ من ذلك بالأمر الذي هو شامل ~~لجميعهم من الرد عليهم، في إنكارهم لنبوة نبينا محمد _صلى الله عليه وسلم_، ~~والنقض عليهم باطلهم، وأن أذكر من حجج الله التي شد بها على أعضاد (¬1) ~~الناصرين لدينه، مما أظهره الله تبارك وتعالى في القرآن وفي غير القرآن، ~~ونشره أولوا العلم من قبلنا، من أعلامه وشواهده _صلى الله عليه وسلم_، ~~بالذي يحضرني من ذلك، ثم نثني بعد ذلك بذكر ما يختلف فيه القوم، إن شاء ~~الله تعالى، والله ولي التوفيق. # الدلالة على آيات نبينا محمد _صلى الله عليه وسلم_ ومعجزاته: # ¬__________ # (¬1) - أعضاد: جمع عضد، والعضد: الساعد؛ وهو من المرفق إلى الكتف. وفيه ~~أربع لغات: (عضد) بضم الضاد وكسرها وسكونها، وعضد بوزن فعل، وعضده من باب ~~نصره وأعانه، واعتضد به استعان. PageV01P064 # وقد كنا نبهنا في باب إثبات الرسالة للرسل _صلى الله عليهم وسلم_، والنقض ~~على البراهمة على إثبات آيات الأنبياء ومعجزاتهم، (¬1) من الذي أعطى موسى ~~عليه السلام من العصا واليد وفلق البحر في سائر ذلك، والذي أوتي عيسى عليه ~~السلام، من أنه يبرئ الأكمة والأبرص، ويحيي الموتى، وغيره بإذن الله، وما ~~أوتي محمد _صلى الله عليه وسلم_ من آيات القرآن، ومعجزه الذي لا يقدر أحد ~~من البشر أن يأتي بمثله ولو كانوا عليه متظاهرين، ولو تأمل متأمل ما أوتي ~~النبي محمد _صلى الله عليه وسلم_ من جهة التفهم من آيات القرآن، وفكر في ~~ذلك ms052 بحقيقة التفكر لهلم أنه أعظم من جميع ما أوتي غيره من الأنبياء، إذ لا ~~يعترض معترض في القرآن بالإنكار له والجحد، ولا بالشك في أنه نزل على محمد ~~_صلى الله عليه وسلم_؛ لقيام القرآن بين ظهراني هذا العالم إلى يوم الدين، ~~ولا يعترض فيه معترض بأنه يدعي أنه لو شاهد القرآن لأمكنه، أو أمكن غيره من ~~الناس أن يأتي بمثله، بل هو قائم بين أعينهم، متلو على آذانهم ليلا ونهارا، ~~باق فيهم ما بقيت السماء والأرض، ولم يخل كل عالم في كل زمان من شاعر فصيح، ~~أو خطيب بليغ، وفيهم من لا يحتشم في كثير من المجالس من الإفصاح بالإلحاد، ~~والطعن على النبي عليه السلام، والقدح في القرآن (¬2) ، # ¬__________ # (¬1) - المعجزة: أمر خارق للعادة يظهره الله تعالى على يد مدعي النبوة ~~والرسالة، كانشقاق القمر، وانقلاب العصا حية، وإحياء الموتى، ونبع الماء من ~~بين الأصابع، وغير ذلك كثير، والله أعلم. راجع مقدمة ابن خلدون، والمقاصد: ~~سعد الدين التفتازاني، والمواقف، لعضد الدين الإيجي، ومشارق أنوار العقول ~~للسالمي. # (¬2) - لقد سمعت الجن كلام الله فقالوا: {إنا سمعنا قرآنا عجبا}(سورة ~~الجن: 1). هذا ما قاله الجن عندما سمعوا كلام الله، فماذا قال شياطين الإنس ~~على كلام الله دون أن يسمعوه...؟ # قالت دائرة المعارف السوفيتية: القرآن الكتاب المقدس الأساسي للمسلمين ~~مجموعة من المواد الدينية المذهبية والأسطورة القانونية، وقد وضع القرآن ~~وشرع خلال حكم ثالث الخلفاء العرب عثمان، ثم أدخلت عليه فيما بعد أشياء حتى ~~بداية القرن الثامن _وفق ما بلغنا من المعلومات_ بعض التغييرات، ووفقا ~~للتراث الإسلامي للتاريخ الديني يعتبر محمد هو مشرع القرآن، كما يعتبر مؤسس ~~الإسلام إلى آخر هذا الخلط العجيب، وصدق الله العظيم في قوله تعالى: {كبرت ~~كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا} (سورة الكهف: 5). راجع ما كتبناه ~~ردا على هذا الهوس من دائرة المعارف السوفيتية 12/64 في كتابنا "المذاهب ~~المعاصرة وموقف الإسلام منها 152 154". PageV01P065 # فهل تهيأ لأحد منهم قط أن يعارض سورة من سور القرآن بشيء يكون عند أهل ~~اللغة والفصاحة مقاربا ms053 للقرآن في النظم والتأليف، وحسن المعاني، وعذوبة ~~الألفاظ، فضلا عن المساواة له؟ مع ما تضمنه القرآن من علم الغيوب التي لا ~~يعلم علمها، ولا يقدر على أن يطلع عليها أحد غير الله؛ وذلك أنه أخبر في ~~القرآن عن أمور قبل كونها، فكانت على ما أتت به الأخبار، من ذلك قوله ~~تعالى: {ألم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون} (¬1) ، ~~وكانت فارس غلبت الروم على أرض الجزيرة، وهي أدنى أرض الروم من سلطان فارس، ~~فسر بذلك مشركو قريش، وكان المسلمون يحبون أن يظهر الروم على أهل فارس؛ لأن ~~الروم أهل كتاب، وفارس مجوس، فساءهم أن غلبوهم على شيء من بلادهم، فأنزل ~~الله عز وجل: {وهم من بعد غلبهم سيغلبون}، أي الروم بعد أن غلبوا سيغلبون ~~أهل فارس في بضع سنين، والبضع عند أهل اللغة: ما فوق الثلاثة ودون العشرة، ~~فغلبت الروم أهل فارس، وأخرجوهم من ديارهم يوم الحديبية (¬2) ، وذلك بعد ~~سبع سنين، ثم قال الله عز وجل: {لله الأمر من قبل ومن بعد} (¬3) ، أي له ~~القضاء بالغلبة لمن يشاء من قبل ومن بعد، {ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله} ~~(¬4) ، أهل الكتاب على المجوس، وبتصديق الله عز وجل ما وعد من ذلك، ومن ~~أعجب ما في الآية: تحديد الله عز وجل للوقت في بضع سنين، ولم يقل: {وهم من ~~غلبهم سيغلبون} فيما بعد، ثم قال مؤكدا لما وعد محققا: {وعد الله لا يخلف ~~وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون} (¬5) ، # ¬__________ # (¬1) - سورة الروم، آية رقم 1 4. # (¬2) - راجع ما كتبه ابن هشام في سيرته ج2، وما كتبه ابن كثير في كتابه ~~القيم البداية والنهاية. # (¬3) - سورة الروم، آية رقم 4. # (¬4) - سورة الروم، آية رقم 5. # (¬5) - سورة الروم، آية رقم 6.. PageV01P066 # والقصة في هذا مشهورة بين أبي بكر الصديق _رضي الله عنه_ وبين أبي بي خلف ~~_لعنه الله_ (¬1) . # خبر آخر: # ... قوله عز وجل: {سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه ~~الحق} (¬2) الآية، في الآفاق: فتح القرى، وفي أنفسهم: فتح مكة (¬3) ، فتبين ~~لهم عند ذلك ms054 أن الذي جاءهم به النبي هو الحق. # خبر آخر: # قوله للنبي عليه السلام: {إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد} (¬4) ~~، ومعاد الرجل بلده، سمي معادا لأنه ينصرف في البلاد ويضرب في الأرض، ثم ~~يعود إليه، وهذه الآية نزلت على رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ حين خرج من ~~مكة يريد المدينة، وكان خرج منها محزونا لمفارقته وطنه، فبشره الله بالظهور ~~والغلبة، وأعلمه أنه سيعود إلى مكة. # خبر آخر: # قوله عز وجل: {هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ~~ولو كره المشركون} (¬5) ، وهذا أمر بين، وأهله غالبون على كل أمة. # خبر آخر: # ¬__________ # (¬1) - هو أبي بن خلف بن وهب بن حذافة، كان والده أحد الرجال الصناديد ~~الذين عرفوا حلو الحياة ومرها، والذي عاش حياته في جهد ونصب، وجاب أقطار ~~الأرض بتجارته، وأخوه أمية بن خلف الذي وقف في وجه الرسول الكريم يصده عن ~~تبليغ دعوته. راجع رجال أنزل الله فيهم قرآنا للمحقق 4/314 وما بعدها. # (¬2) - سورة فصلت، آية رقم 53. # (¬3) - راجع ما كتبه ابن كثير في تفسيره 4/103، 105، وما سطرته براعة ~~الكاتب الكبير سيد قطب في كتابه "في ظلال القرآن" 5/313 3131. # (¬4) - سورة القصص، آية رقم 85. # (¬5) - سورة التوبة، آية رقم 33. PageV01P067 # قوله عز وجل في سورة اقتربت الساعة وهي مكية: {سيهزم الجمع ويولون الدبر} ~~(¬1) يعني المشركين يوم بدر، فهزمهم الله عز وجل يومئذ بأعد ما كانوا من ~~السلاح والمال والرجال الأباطل، وكان عددهم ما بين تسعمائة إلى الألف، وعدد ~~المسلمين ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا، يعتقب العدد منهم البعير الواحد، ولا ~~فرس معهم يومئذ إلا فرس للمقداد (¬2) ، # ¬__________ # (¬1) - سورة القمر، آية رقم 45. # (¬2) - المقداد بن عمرو، ويعرف بابن الأسود الكندي البهراني الحضرمي أبو ~~معبد، أو أبو عمرو، صحابي من الأبطال، وهو أحد السبعة الذين كانوا أول من ~~أظهر الإسلام، وهو أول من قاتل على فرس في سبيل الله، وفي الحديث: "إن الله ~~عز وجل أمرني بحب أربعة، وأخبرني أنه يحبهم: علي، والمقداد، وأبو ذر، ~~وسلمان"، وكان في الجاهلية من سكان حضرموت، ms055 سكن المدينة وتوفي على مقربة ~~منها عام 33ه، له 48 حديثا. # راجع الإصابة ت 8185، وتهذيب 10/285، وصفة الصفوة 1/167، وحلية الأولياء ~~1/172، وذيل المذيل 10، والسالمي 1/160، ومجمع الزوائد 9/306، والجرح ~~والتعديل 4، القسم 1 426. PageV01P068 # وفرس للزبير (¬1) ، وأمكن الله من صناديدهم وكماتهم، فقتل منهم خمسون ~~رجلا، وأسر منهم نحو ذلك، ورجعوا خائبين منكوبين، وكان أراهم مصارع القوم ~~قبل اللقاء (¬2) ، وقال: كأنكم يا أعداء الله بهذه الضلع الحمراء مقتلون، ~~ثم رماهم بقبضة من الحصى، وقال: شاهت الوجوه (¬3) ، # ¬__________ # (¬1) - الزبير بن العوام بن خويلد الأسدي أبو عبد الله، الصحابي الشجاع، ~~أحد العشرة المبشرين بالجنة، ولد عام 38ق.ه، وتوفي عام 36ه. راجع تهذيب ابن ~~عساكر 5/355، والجمع 150، وصفة الصفوة 1/132، وحلية الأولياء 1/89، وذيل ~~المذيل 11، وتاريخ الخميس 1/172، والبدء والتاريخ 5/83، والرياض النضرة 262 ~~280، وخزانة البغدادي 2/468، ثم 4/350. # (¬2) - من ذلك أن عاتكة بنت عبد المطلب رأت رؤيا أرعبتها، وخلاصتها: أن ~~قريشا تخرج لمصارعها في ثلاث، ورأت رجلا يقف على جبل أبي قبيس ويقذف بحجر ~~ضخم، فتناثرت أجزاؤه، فلم يبق بيت من بيوت مكة إلا أصابته فلقة من هذا ~~الحجر، فترصد للعباس بن عبد المطلب حتى وجده يطوف بالبيت ثم قال له: "متى ~~حدثت فيكم هذه النبية...."؟ ثم قال: أما رضيتم أن يتنبأ رجالكم حتى تتنبأ ~~نساؤكم...؟ راجع هذه الرؤية في سيرة ابن هشام، تحقيق محيي الدين عبد الحميد ~~2/244 245. # (¬3) - هذا جزء من حديث طويل رواه الإمام مسلم في كتاب الجهاد والسير، 28 ~~باب في غزوة حنين، 81 (1777) _حدثنا عمر بن يونس الحنفي، حدثنا عكرمة بن ~~عمار، حدثني إياس بن مسلمة، حدثني أبي قال: غزونا مع رسول الله _صلى الله ~~عليه وسلم_ حنينا، فلما واجهنا العدو تقدمت فأعلو ثنيه، فاستقبلني رجل من ~~العدو فأرميه بسهم، فتوارى عني، فما دريت ما صنع...،.ومررت على رسول الله ~~منهزما وهو على بغلته الشهباء، فقال رسول الله _صلى الله عليه وسلم_: لقد ~~رأى ابن الأكوع فزعا، فلما غشوا رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ نزل عن ~~البغلة، ثم قبض قبضة ms056 من تراب من الأرض، ثم استقبل بها وجوههم فقال وذكره. # ورواه الدارمي في السيرة 15، وأحمد بن حنبل في المسند 1/308، 368، 5/286، ~~310 (حلبي). PageV01P069 # ولم يكن بعدها إلا هزيمة القوم، لقول الله عز وجل: {وما رميت إذ رميت ~~ولكن الله رمى} (¬1) أي شد رميتك، فصدق الله ما وعده من النصر، وصدق ما قدم ~~في الكتب المتقدمة من ذكر هذه الوقعة على لسان إشعياء (¬2) ، وهو قوله: ~~ينزل البلاء بمشركي العرب، ويهزمون بين يدي سيوف مسلولة، وقسي موترة، ومن ~~شدة الملحمة (¬3) ، ولا يستطيع أحد أن يحتال في قوله: {سيهزم الجمع} (¬4) ~~ويتأوله للسين التي هي في معنى سوف، وهذه السين سوف لا يكونان أبدا إلا ~~لأمر لم يقع، ومما يزيد في وضوح هذه الآية قوله في سورة أخرى: {ولقد صدقكم ~~الله وعده إذ تحسونهم بإذنه} (¬5) أي تقتلونهم. # خبر آخر: # ¬__________ # (¬1) - سورة الأنفال، آية رقم 17. # (¬2) - إشعيا: أشهر أنبياء العبرانيين الكبار، واسمه بالعبرانية "يشيعا"، ~~ومعناه: خلاص الرب، ويقال: إن والده اسمه آموص، كان من نسب الملوك، والظاهر ~~أنه صرف حياته في "أورشليم"، وتنبأ نحو 60 سنة: من 759 ق.م إلى 700 ق.م، ~~ويستدل من سفره أنه كان وديعا شفوقا متواضعا، يتنبأ إلى أيام "منسى" الملك، ~~وأن هذا الملك قتله نشرا في جذع شجرة عندما تبوأ تخت الملك. راجع دائرة ~~المعارف للبستاني. # (¬3) - الملحمة: هي المعارك والحروب، ومن هنا قال الرسول _صلى الله عليه ~~وسلم_: أنا نبي الرحمة والملحمة. # (¬4) - سورة القمر، آية رقم 45. # (¬5) - سورة آل عمران، آية رقم 152. PageV01P070 # إن النبي _صلى الله عليه وسلم_ وعد المسلمين أن يغنمهم إحدى الطائفتين، ~~وكانت إحداهما ذات بز وطيب وأدم وأموال، ولا رجال فيها إلا عدة يسيرة، ~~والطائفة الأخرى ذات شوكة ورجال، وعدة، فمال المسلمون بأهوائهم إلى ذات ~~الغنيمة، وكرهوا الأخرى، فأبى الله لهم إلا ذات الشوكة، فقال: {وإذ يعدكم ~~الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ويريد ~~الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين، ليحق الحق ويبطل الباطل ولو ~~كره المجرمون} (¬1) ، وهذا أيضا مما لا ms057 يستطاع دفعه بحيلة ولا بتأويل؛ لأن ~~وعد الله إياهم إحدى الطائفتين لا يكون إلا قبل اللقاء، ولا يجوز أن يعد ~~شيئا قد وقع. # خبر آخر: # ¬__________ # (¬1) - سورة الأنفال، آية رقم 7، 8. PageV01P071 # ... قوله عز وجل: {لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام ~~إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين} (¬1) فكان الأمر في ذلك كما قال، ~~وكان نزول ذلك في قصة مشهورة؛ وذلك أن رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ رأى ~~بالمدينة رؤيا دلته (¬2) على أمور يوقعها الله له، منها: أنه سيدخل المسجد ~~الحرام، وسيحلق رأسه ببطن مكة، ومكة يومئذ دار شرك، فوعد رسول الله أصحابه ~~بدخول المسجد الحرام، وخرج معتمرا طامعا في الوصول إلى البيت من عامه ذلك ~~للرؤيا التي رآها، وخرج معه جماعة من المسلمين، فلما قربوا من مكة صدهم ~~المشركون عند دخولها، فأعلمهم رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ أنه لم يأت ~~لحرب وأنه إنما أتى معظما لهذا البيت، فقالوا: لا تدخلها على هذا الحال، أي ~~على غرة وغفلة أبدا، ودعوه إلى الهدنة (¬3) ، # ¬__________ # (¬1) - سورة الفتح، آية رقم 27. # (¬2) - روى الطبراني قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله ~~تعالى: {لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق} قال: قال لهم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: إني قد رأيت أنكم ستدخلون المسجد الحرام محلقين رؤوسكم ومقصرين ~~فلما نزل الحديبية ولم يدخل ذلك العام طعن المنافقون في ذلك فقالوا: أين ~~رؤياه...؟ فقال الله {لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق}. # (¬3) - راجع ما كتبه ابن جرير الطبري عن صلح الحديبية في تفسيره عند قوله ~~تعالى: {هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام والهدى معكوفا أن يبلغ ~~محله} (سورة الفتح: 25) الجزء 26/95 106، وما قاله ابن كثير في تفسيره ~~4/193 200.. PageV01P072 # ووضع الحرب عشر سنين، على أن يرجع هو وأصحابه من عامهم ذلك، فإذا كان من ~~قابل دخلوا إن شاؤوا، فأجابهم رسول الله إلى ذلك، وحل من إحرامه بالحديبية، ~~فماج المسلمون يومئذ، حتى قال قوم منهم لرسول الله: ألست وعدتنا أنك ستدخل ~~المسجد الحرام؟ ms058 فقال: أفقلت لكم إن ذلك يكون في شهري هذا؟ فقالوا: لا، ~~فقال: فسيكون ذلك، فأنزل الله {لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن ~~المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين، لا تخافون فعلم ما ~~لم تعلموا فجعل من ون ذلك فتحا قريبا} (¬1) . فأكد بذلك وعد رسول الله، ~~وحقق قوله، وأعلمهم أن ذلك سيكون، فكان الأمر في ذلك كما قال. # خبر آخر: # قوله: {وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه وكف أيدي الناس ~~عنكم ولتكون آية للمؤمنين ويهديكم صراطا مستقيما وأخرى لم تقدروا عليها قد ~~أحاط الله بها وكان الله على كل شيء قديرا} (¬2) ، # ¬__________ # (¬1) - سورة الفتح، آية رقم 27، جاءت هذه الآية محرفة في المطبوعة؛ حيث ~~سقط منها لفظ (الله). # وجاءت هذه الآية محرفة في المطبوعة حيث ذكرت (فعجل) بدلا من (فجعل). # (¬2) - سورة الفتح، آية رقم 20، 21. # والأخرى التي لم يقدروا عليها هي خيبر. روى ابن جرير بسننه قال: سمعت ~~الضحاك يقول في قوله تعالى: {وأخرى لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها} يعني ~~خيبر، بعثهم رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ يومئذ فقال: "لا تمثلوا ولا ~~تغلوا ولا تقتلوا وليدا". PageV01P073 # فكان الذي عجله الله له من المغانم ما أفاءه الله على المسلمين، وفتحه ~~عليهم من أرض المشركين وديارهم وأموالهم، إلى الوقت الذي أنزل الله هذا ~~فيه، ثم وعد الله المؤمنين ما لم يكونوا يقدرون عليه، ولا صار في أيديهم ~~حينئذ، فقال: {وأخرى لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها} (¬1) ، أي أنها ~~سيفتحها عليكم، ويمكنكم منها بلطفه لكم، ونصره إياكم، فكان الأمر في ذلك ~~كما قال بالظهور على مكة، وعلى فارس والروم، وبفتوح الشام والعراق، وغير ~~ذلك من البلدان، وما أفاءه الله من أموال المشركين. # ... ومما يشهد لنبوته ... _صلى الله عليه وسلم_ من القرآن أيضا: ما كان ~~من وعيد الله لرجال من الكفار، مسمين بأعيانهم بالخزي في عاجل الدنيا، مع ~~عذاب الآخرة، فجاءت الأخبار فيهم من الله بأنهم يصيرون إلى النار، فلم يسلم ~~منهم أحد، وقد صنع مثل صنيعهم ms059 قوم علم أنهم يدخلون في الإسلام، فلم يأت ~~إليه من عند الله فيهم خبر بعذاب، ولا ختم عليهم به. وكان مما أنزل الله من ~~القرآن بمكة مما أجمع العلماء أنه أول قرآن أنزل بمكة قوله: {اقرأ باسم ~~ربك} (¬2) ، فقال فيها: {كلا لئن لم ينته لنسفعا بالناصية، ناصية} (¬3) ~~قالت خديجة (¬4) : # ¬__________ # (¬1) - سورة الفتح، آية رقم 21. # (¬2) - سورة العلق، آية رقم 1. # (¬3) - سورة العلق، آية رقم 15، 16. # (¬4) - هي خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى، ولدت سنة 68 ق ه، 556م ~~بمكة، ونشأت بها، وكانت ذات مال كثير تتاجر به، تزوج بها النبي _صلى الله ~~عليه وسلم_ قبل النبوة فولد له منها القاسم، وعبد الله، ورقية، وأم كلثوم، ~~وزينب، وفاطمة، وهي أول من أسلم من النساء، ساعدت النبي في الشدة وآزرته، ~~توفيت عام 3 ق ه / 620 م. # راجع صفة الصفوة 2/2، طبقات ابن سعد 8/ 7 11، الإصابة ت 333. PageV01P074 # إن هذا الوعيد نزل في أبي جهل (¬1) ، ثم نزل أيضا في قولهم حين مشوا إلى ~~أبي طالب (¬2) ، فسألوا النبي _صلى الله عليه وسلم_ عن أشياء فدعاهم إلى ~~قول: لا إله إلا الله فتفرقوا، وقالوا: {أجعل الآلهة إلها واحدا} (¬3) إلى ~~قوله: {جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب} (¬4) وذلك بمكة قبل الحرب، وقال: ~~{تبت يدا أبي لهب وتب ما أغنى عنه ماله وما كسب، سيصلى نارا ذات لهب، ~~وامرأته حمالة الحطب في جيدها حبل من مسد} (¬5) # ¬__________ # (¬1) - وقال أيضا بعض العلماء: نزلت هذه الآية في أبي جهل ((عمرو بن ~~هشام)) قال ذلك الإمام الطبري في تفسيره 3/164 165، والقرطبي في تفسيره ~~2/127، والخازن، والبغوي في تفسيرهما 7/225، والإمام ابن كثير في تفسيره، ~~4/529، والشوكاني في تفسيره، 5/458، وصاحب الدر المنثور 6/369، وراجع تفسير ~~الفخر الرازي 8/467، وقاله الإمام الواحدي في أسباب النزول 493. # وراجع في ترجمة أبي جهل دائرة المعارف الإسلامية 443، وابن هشام 2/33، ~~وطبقات ابن سعد 3/194، 3/55، وابن الأثير 1/23، 25، 27، 38، واليعقوبي ~~2/27، وراجع رجال أنزل الله فيهم قرآنا للمحقق 4/234 260. # (¬2) - هو عبد مناف بن عبد المطلب بن هاشم ms060 بن قريش، أبو طالب، والد علي ~~(رضي الله عنه)، وعم النبي _صلى الله عليه وسلم_ وكافله ومربيه كان من ~~أبطال بني هاشم، ولد عام 85 ق.ه، وتوفي عام 3 ق.ه، نشأ النبي في بيته، ~~وسافر معه إلى الشام في صباه، ولما أظهر الدعوة إلى الإسلام وقف أبو طالب ~~بجانبه، واستمر على ذلك حتى توفي أبو طالب. راجع طبقات ابن سعد 1/75، وابن ~~الأثير 2/34، وشرح الشواهد 135، والخميس 1/299، وخزانة البغدادي 1/261. # (¬3) - سورة ص، آية رقم 5. # (¬4) - سورة ص، آية رقم 11. # (¬5) - سورة المسد كاملة. # وقد اتفق رجال التفسير والحديث أن هذه السورة نزلت في أبي لهب، قال ذلك ~~الإمام ابن كثير في تفسيره، وقال الإمام القرطبي، وقال الفخر الرازي، وقال ~~صاحب أسباب النزول الإمام الواحدي. PageV01P075 # نزل ذلك وهما حيان سليمان، وماتا على كفرهما، وكان قوم يقولون مثل قول ~~أبي لهب ويؤذون أذاه ممن علم أنه سيسلم، فلم ينزل فيهم قرآن، ولم يختم ~~عليهم بعذاب، وقال في: {لا أقسم} (¬1) {أولى لك فأولى} (¬2) نزلت في أبي ~~جهل، فقال أبو جهل: يهددني رب محمد وأنا أعز أهل البطحاء وأكرم، فنزل في: ~~{حم، الدخان} (¬3) في هذا من قوله في هزئه بالزقوم (¬4) فقال: {إن شجرة ~~الزقوم} (¬5) إلى قوله: {ذق أنك أنت العزيز الكريم} (¬6) بزعمك، وهو يومئذ ~~حي سليم، ومن ذلك قوله: {إنا كفيناك المستهزئين} (¬7) نزلت في أربعة رجال ~~معروفين: الوليد بن المغيرة المخزومي (¬8) ، والعاص بن وائل (¬9) # ¬__________ # (¬1) - سورة القيامة، آية رقم (1)، وتكملة الآية (بيوم القيامة)، وقد ~~جاءت في المطبوعة محرفة؛ حيث نسب الآية إلى سورة الإنسان. # (¬2) - سورة القيامة، آية رقم 34. # (¬3) - سورة الدخان، آية رقم 1. # (¬4) - عبارة عن أطعمة كريهة في النار، ومنه استعير زقم فلان، وتزقم إذا ~~ابتلع شيئا كريها. # (¬5) - سورة الدخان، آية رقم 43. # (¬6) - سورة الدخان، آية من 43 49. # (¬7) - سورة الحجر، آية رقم 95. # (¬8) - هو الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم أبو عبد شمس: ~~من قضاة العرب في الجاهلية، ومن زعماء قريش ومن زنادقتها يقال له: ~~((العدل)) لأنه كان عدل قريش كلها، كانت قريش تكسو ms061 البيت جميعها، والوليد ~~يكسو وحده، وكان ممن حرم الخمر في الجاهلية، وضرب ابنه هشاما على شربها، ~~وأدرك الإسلام فعداه وقاوم دعوته، مات بعد الهجرة بثلاثة أشهر، ودفن ~~بالحجون، وهو والد سيف الله خالد بن الوليد. راجع الكامل لابن الأثير 2/26، ~~واليعقوبي 1/215، ورغبة الأمل 5/29، وراجع المجر 174، 237، 337. # (¬9) العاص بن وائل السهمي: لم نعثر له على ترجمة وافية فيما رجعنا إليه ~~من مراجع.. PageV01P076 # السهمي، والأسود بن المطلب الأسدي، والأسود بن عبد يغوث الزهري، وقال ~~بعضهم في المستهزئين كانوا خمسة، وبعضهم يقول: إن كفار مكة هم المستهزئون ~~والله أعلم، فأمات الله كل واحد منهم ميتة معروفة، وكفاهم رسول الله _صلى ~~الله عليه وسلم_ كما وعده، وصيرهم إلى النار، فلم يسلم منهم أحد، وفي ~~الوليد بن المغيرة أنزل الله: {ذرني ومن خلقت وحيدا فجعلت له مالا ممدودا ~~وبنين شهودا ومهدت له تمهيدا ثم يطمع أن أزيد} (¬1) فلم يزده مالا ولا ولدا ~~بعد هذا، إلى قوله: {سأصليه سقر} (¬2) نزل ذلك فيه وهو حي سليم، ثم مات ~~كافرا، ومن ذلك قول العاص بن وائل السهمي: إن محمدا أبتر لا ذكر له، وإذا ~~مات انقطع ذكره، فأنزل الله تعالى: {إن شانئك هو الأبتر} (¬3) ، # ¬__________ # (¬1) اتفق العلماء ورجال التفسير على أن المقصود بهذه الآيات الوليد بن ~~المغيرة. # قاله صاحب الدر المنثور 6/282، وصاحب المستدرك 2/6، 7، والإمام الطبري ~~29/96، والقرطبي 19/72، والإمام البغوي 7/146، وابن كثير 4/443، وصاحب ~~أسباب النزول الإمام الواحدي. # (¬2) سورة المدثر الآيات: من 11 إلى 26، وقد سقطت من بين الآيات في ~~المطبوعة (ومهدت له تمهيدا) الآية 14 من السورة وبعدها الآية 15. # (¬3) سورة الكوثر، آية رقم 3. # ولقد قال ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وقتادة: نزلت في العاص بن وائل. # وقال محمد بن إسحاق عن يزيد بن رومان قال: كان العاص بن وائل إذا ذكر ~~رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ يقول: دعوه فإنه رجل أبتر لا عقب له، فإذا ~~أهلك انقطع ذكره، فأنزل الله هذه السورة. وقال شمر بن عطية نزلت في عقبة بن ~~معيط. ms062 راجع تفسير ابن كثير 4/559، وتفسير ابن جرير 30/328 329. PageV01P077 # وفيه أيضا أنزل الله: {أفريت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالا وولدا} ~~(¬1) إلى قوله: {ونرثه ما يقول _من المال والولد_ ويأتينا فردا} (¬2) ، ~~أنزل الله تعالى فيه ذلك وهو حي سليم، فمات على كفره كما قال الله، وأنزل ~~الله في الأخنس بن شريق الثقفي، حليف بني زهرة: {ويل لكل همزة لمزة} (¬3) ~~إلى قوله: {لينبذن في الحطمة} (¬4) ، وفيه أيضا: {ولا تطع كل خلاف مهين ~~هماز مشاء بنميم، مناع للخير معتد أثيم، عتل بعد ذلك زنيم} (¬5) وفي النضر ~~بن الحارث (¬6) # ¬__________ # (¬1) سورة مريم، آية رقم 77. # (¬2) سورة مريم، آية رقم 80. # (¬3) سورة الهمزة، آية رقم 1. # (¬4) سورة الهمزة، آية رقم 4. # (¬5) سورة القلم الآيات: من 10 إلى 13، وقد جعلها في المطبوعة آية واحدة ~~فقط رقم 13. # (¬6) هو النضر بن الحارث بن علقمة بن كلدة بن عبد مناف من بني عبد الدار ~~من قريش، صاحب لواء المشركين ببدر، كان من شجعان قريش ووجوهها ومن شياطينها ~~(كما يقول ابن إسحاق)، له اطلاع على كتب الفرس وغيرهم، قرأ تاريخهم في ~~الحيرة، وقيل: هو أول من غنى على العود بألحان الفرس، وهو ابن خالة النبي ~~_صلى الله عليه وسلم_، ولما ظهر الإسلام استمر على عقيدة الجاهلية، وآذى ~~رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ كثيرا، شهد وقعة "بدر" مع مشركي قريش، ~~فأسره المسلمون وقتلوه بالأثيل (قرب المدينة) بعد انصرافهم من الوقعة، وهو ~~أبو "قتيلة"صاحبة الأبيات المشهورة التي منها: # ... ما كان ضرك لو مننت وربما ... ... ... من الفتى وهو المغيظ المحنق # راجع الكامل لابن الأثير 2/26، وزهر الآداب 2/33، 34، ومعجم البلدان ~~1/112، ومطالع البدور 1/232، وجمهرة الأنساب 117، والبيان والتبيين 4/43، ~~44، ونهاية الأرب للنويري 16/219، 230، 271 . PageV01P078 # أخي بن عبد الدار، ويقال: إنه لم ينزل في مشركي قريش ما نزل فيه، وكان ~~شديد الرد على الله ورسوله، وقد كان ورد الحيرة ووجد بها أحاديث عن رستم، ~~واسفندياد، والفرس، فاشتراها وقدم بها مكة، فكان النبي _صلى الله عليه ~~وسلم_، إذ قام من مقعده خلفه فيه النضر يحدثهم بتلك الأحاديث، ms063 ويقول: حديث ~~محمد عن عاد، وثمود، والأمم، وأنا أحدث أحسن من هذا، فأنزل الله في سورة ~~لقمان: {ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم، ~~ويتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا كأن ~~لم يسمعها كأن في أذنيه وقرا فبشره بعذاب أليم} (¬1) ، وفي الحج أيضا: {ومن ~~الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير ثاني عطفة} (¬2) أي ~~صاد بوجهه {ليضل عن سبيل الله له في الدنيا خزي ونذيقه يوم القيامة عذاب ~~الحريق} (¬3) الخزي في الدنيا أنه قتل ببدر، وفي الجاثية فيه: {ويل لكل ~~أفاك أثيم يسمع آيات الله تتلى عليه ثم يصر مستكبرا كأن لم يسمعها فبشره ~~بعذاب أليم وإذا علم من آياتنا شيئا اتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين من ~~ورائهم جهنم} (¬4) ، نزل هذا كله فيه وهو حي سليم (¬5) ، # ¬__________ # (¬1) - سورة لقمان، آية رقم 6، 7، وفي المطبوعة ذكر أنها آية رقم 7 فقط، ~~وهذا خطأ. # (¬2) - سورة الحج آية رقم 8، 9 وتكملة الآية {ليضل عن سبيل الله له في ~~الدنيا خزي ونذيقه يوم القيامة عذاب الحريق}. # (¬3) - سورة الحج آية رقم 9. # (¬4) - سورة الجاثية من الآيات: 7 إلى 10، وتكملة الآية العاشرة {ولا ~~يغني عنهم ما كسبوا شيئا ولا ما اتخذوا من دون الله أولياء ولهم عذاب عظيم}. # (¬5) - وأيضا نزل فيه قوله تعالى: {وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد ~~سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا إن هذا إلا أساطير الأولين}. سورة الأنفال ~~الآيات: 21، 32. # قال ذلك الإمام ابن كثير في التفسير 2: 304 والإمام القرطبي 7: 397 وصاحب ~~الدر المنثور 3: 181 وصاحب سيرة ابن هشام 1: 320 وصاحب أسباب النزول 135. PageV01P079 # فالعذاب المهين، والأسر والقتل ببدر. # قال ابن إسحق (¬1) : والعامة نزعم أن النبي _صلى الله عليه وسلم_ ضرب ~~عنقه صبرا، وغير هؤلاء يذكر أنه أسر يوم بدر، وقد أثبته جراحه، وأن السيف ~~ذهب بقحف (¬2) رأسه، فقال: لا أذوق لهم طعاما ولا شرابا ما دمت في أيديهم، ~~فمات وصار إلى النار، فأي ذلك كان فقد أذاقه الله ms064 الخزي في الدنيا، وصار ~~إلى النار. # ¬__________ # (¬1) - هو محمد بن إسحاق بن يسار المدني، من أقدم مؤرخي العرب من أهل ~~المدينة، له السيرة النبوية، هذبها ابن هشام، ومن الأصل أجزاء مخطوطة، كتبت ~~سنة 506ه في خزانة القرويين بفاس، وكتاب الخلفاء، وكتاب المبدأ، وكان ~~قدريا، ومن حفاظ الحديث، زار الإسكندرية سنة 119، وسكن بغداد فمات بها، ~~ودفن بمقبرة الخيزران أم الرشيد عام 151ه. # (¬2) - القحف: الجمجمة، أو ما انفلق وبان منها. PageV01P080 # وقال النضر بن الحارث أيضا: إن الملائكة بنات الرحمن، فلما أنزل الله: ~~{قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين} (¬1) قال: ألا ترون أنه صدقني، ~~فقال أمية بن خلف (¬2) _وكان أفصح منه_: ما صدقك، وما كذبك، فقال: ما كان ~~للرحمن ولد، قال: فضحك النضر، وقال أيضا: {اللهم إن كان هذا هو الحق من ~~عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو أئتنا بعذاب أليم} (¬3) ، فأنزل الله: ~~{وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم، وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون} (¬4) . # ¬__________ # (¬1) - سورة الزخرف، آية رقم 81. # (¬2) - هو أمية بن خلف بن وهب من بني لؤي، أحد جبابرة قريش في الجاهلية، ~~ومن ساداتهم، أدرك الإسلام ولم يسلم، وهو الذي عذب بلالا مؤذن الرسول _صلى ~~الله عليه وسلم_، حتى كانت غزوة بدر أسره عبد الرحمن بن عوف _رضي الله ~~عنه_، فرآه بلال فصاح بالناس: رأس الكفر أمية بن خلف، لا نجوت إن نجا، ~~وقتله عام 2ه. راجع سيرة ابن هشام 2/52، والكامل لابن الأثير 2/48، وعيون ~~الأثر 1/259، ورجال أنزل الله فيهم قرآنا 4/311. # (¬3) - سورة الأنفال، آية رقم 32. # (¬4) - سورة الأنفال، آية رقم 33. PageV01P081 # وعن الحسن أنه قال: لم يعذب الله أمة حتى يخرج الله نبيئها من بين ~~أظهرها، ولم يعذب أمة وفيها من يتوب في علمه، فقوله: {وهم يستغفرون} أي وهم ~~يتوبون، وقال أيضا: {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم ~~في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم، ~~وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني ولا يشركون بي شيئا، ومن كفر بعد ذلك ms065 ~~فأولئك هو الفاسقون} (¬1) فصدقت أخبار الله، وتمت على ما أخبر به، وظهر دين ~~الله على من خالفه من الأديان، واستخلف الله أهل دينه في الأرض، كما استخلف ~~الذين من قبلهم، ومكن لهم دينهم الذي ارتضى لهم، وبدلهم من بعد الخوف أمنا، ~~كما وعده في كتابه. فهذا وأشباهه من أخبار القرآن دلالة واضحة، وحجة ظاهرة، ~~وشهادة عادلة، مما لا يقدر مكذب أن يقدح فيه، ولا مشغب أن يحتال على صدق ~~النبي _صلى الله عليه وسلم_، وصحة نبوته، والحمد لله رب العالمين. # ¬__________ # (¬1) - سورة النور، آية رقم 55. PageV01P082 # ... ثم لرسول الله _صلى الله عليه وسلم_ بعد ذلك أخبار ظاهرة أخبر بها ~~قبل كونها، وأمور غائبة لا سبيل إلى علمها إلا بوحي من الله، فكان الأمر في ~~جميعها على ما قاله عليه السلام، فمن ذلك ما أخبر به _صلى الله عليه وسلم_: ~~أنه أسرى به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى (¬1) ، وأنه مضى ورجع من ~~ليلته، وجعل رسول الله يصف لهم بيت المقدس، لا يغادر من صفته شيئا، قال ~~لهم: وآية ذلك أني مررت في طريقي بعير لبني فلان، فضل لهم بعير فدللتهم ~~عليه، وأني مررت في طريقي بعير بني فلان والقوم نيام، فوجدت لهم إناء ~~مملوءا قد غطوه، فشربت ما فيه، ورددت عليه غطاءه، وهي الآن تطلع عليكم من ~~ثنية كذا، يقدمها جمل أورق (¬2) ، عليه غرارتان: إحداهما سوداء، والأخرى ~~زرقاء، فابتدر المشركون الثنية (¬3) فوجدوا أمر البعير كما قال لهم رسول ~~الله _صلى الله عليه وسلم_، وسألوا أهل البعير عن أمر الإناء فأخبروا أنهم ~~غطوا الإناء مملوءا، وأنهم وجدوه فارغا، ثم جاءت البعير الأخرى فسألوا ~~أهلها عن البعير الناد (¬4) لهم فأخبروا به، كما أخبر رسول الله _صلى الله ~~عليه وسلم_. # ¬__________ # (¬1) قال تعالى: {سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى ~~المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير}. ~~(سورة الإسراء، آية رقم 1). # (¬2) جمل أورق: أي لا زال في مقتبل العمر والفتوة، وفي لونه سواد إلى ~~بياض. وقال أبو ms066 عبيدة: الأورق أطيب الإبل لحما وأقلها شدة على العمل ~~والسير. وأورق الشجر أخرج ورقه، قال الأصمعي: يقال (ورق) الشجر و (أورق) ~~والألف أكثر، ورق أيضا (توريقا)، والوراقة: الشجرة الخضراء الورق الحسنة. ~~ويقال للحمامة ورقاء لأن في لونها بياض إلى سواد. # (¬3) الثنية: واحدة (الثنايا)، وهي أيضا الطريق. # (¬4) البعير الناد: أي البعيد الذي توغل بعيدا عن القافلة. PageV01P083 # (¬1) # ومن ذلك أخباره بما يفتح الله على المسلمين من فارس والروم، وبأن كنوز ~~كسرى ملك الفرس، وقيصر ستنفق في سبيل الله، ولذلك قال بعض المنافقين يوم ~~الخندق: يعدنا محمد كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا لا يأمن أن يذهب لحاجته (¬2) ، ~~وفي ذلك قال الله: {وإذ يقول المنافقون والذي في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ~~ورسوله إلا غرورا} (¬3) فكان الأمر في جميع ذلك كما وعد رسول الله _صلى ~~الله عليه وسلم_. # ¬__________ # (¬1) هذا جزء من حديث رواه أبو يعلي في مسنده عن محمد بن إسماعيل ~~الأنصاري عن ضمرة بن ربيعة عن يحيى بن أبي عمرو الشيباني عن أبي صالح عن أم ~~هانئ، ورواه الحافظ أبو القاسم الطبراني من حديث عبد الأعلى بن أبي المساور ~~عن عكرمة عن أم هانئ، ورواه ابن كثير في تفسيره كاملا 3/22. # (¬2) الذي تكلم بهذا الكلام معتب بن قشير، وأوس بن قيظي، وغيرهما من ~~المنافقين. # (¬3) سورة الأحزاب، آية رقم 12. # وقال ابن أبي حاتم: "حدثنا أحمد بن عاصم الأنصاري، حدثنا أبو عامر وحدثنا ~~أبي حدثنا أبو عامر العقدي، حدثنا الزبير _يعني ابن عبد الله مولى عثمان ~~_رضي الله عنه_ عن ربيع بن عبد الرحمن بن أبي سعيد عن أبيه عن أبي سعيد ~~_رضي الله عنه_ قال: قلنا يوم الخندق يا رسول الله: هل من شيء نقول قد بلغت ~~القلوب الحناجر...؟ قال _صلى الله عليه وسلم_: نعم، قولوا اللهم استر ~~عوراتنا، وآمن روعاتنا، قال: فضرب وجوه أعدائه بالريح فهزمهم الريح". وكذا ~~رواه الإمام أحمد بن حنبل عن أبي عامر العقدي. PageV01P084 # كتب عمر بن الخطاب _رضي الله عنه_ إلى سعد (¬1) بعد فتح المدائن وما ~~والاها من بلاد ms067 الفرس يذكره نعم الله عز وجل على أصحاب رسول الله _صلى الله ~~عليه وسلم_، وما كانوا فيه من الجهل والفقر على عهد رسول الله _صلى الله ~~عليه وسلم_، ثم يقول له: ومحمد رسول الله بين أظهرنا على تلك من حالنا، ~~يقسم لنأخذن كنوز كسرى وقيصر، فنافق من قوله ذلك منافقون، فأبقاك الله حتى ~~رأيت ذلك بعينك، ووليته بنفسك، ورأيناه معك، وقال الله عز وجل: {يا أيها ~~الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة} (¬2) ، ~~نزلت (¬3) في حاطب بن أبي بلتعة (¬4) # ¬__________ # (¬1) هو سعد بن أبي وقاص مالك بن أهيب بن عبد مناف القرشي الزهري أبو ~~إسحاق، الصحابي الأمير، فاتح العراق، ومدائن كسرى، وأحد الستة الذين عينهم ~~عمر للخلافة، وأول من رمى بسهم في سبيل الله، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، ~~أسلم وعمره 17 عاما، وشهد بدرا، وفتح القادسية، ونزل أرض الكوفة، توفي عام ~~55ه، له في كتب الحديث 271 حديثا. راجع الرياض النضرة 2/292 301، وتاريخ ~~الخميس 1/499، والتهذيب 3/483، والبدء والتاريخ 5/84، وطبقات ابن سعد 6:6، ~~والإصابة 3187. # (¬2) سورة الممتحنة، آية رقم 1. # (¬3) قال ذلك الإمام ابن كثير في التفسير 4/344، وصاحب الدر المنثور ~~6/203 205، والإمام القرطبي 18/5052، والإمام الطبري 28/3840، والخازن ~~والبغوي 7/6263، والإمام الواحدي ص 447. # (¬4) هو حاطب بن أبي بلتعة اللخمي، صحابي: شهد الوقائع كلها مع رسول الله ~~_صلى الله عليه وسلم_، وكان من أشد الرماة، وكانت له تجارة واسعة، بعثه ~~النبي _صلى الله عليه وسلم_ بكتابة إلى المقوقس صاحب الإسكندرية، ومات في ~~المدينة عام 30ه، وكان أحد فرسان قريش وشعرائها في الجاهلية. راجع الإصابة ~~1/300، والأعلام 2/159، والاستيعاب في معرفة الأصحاب 2/256.. PageV01P085 # حليف بني أسد، حين أراد رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ الخروج إلى مكة، ~~فكتب إليهم حاطب مع امرأة من أهل مكة فلحقها علي والزبير، فوجدا الكتاب ~~معها، فأتيا به النبي _صلى الله عليه وسلم_، فسأل رسول الله حاطبا، فاعترف ~~بما فعل من ذلك، وقال عز وجل: {فترى الذي في قلوبهم مرض يسارعون فيهم ~~يقولون نخشى ms068 أن تصيبنا دائرة} (¬1) نزلت في عبد الله بن أبي سلول (¬2) حين ~~هم رسول الله بقتل قينقاع، وكانوا حلفاء الخزرج، فقال عبد الله: إني امرؤ ~~أخاف الدوائر، يعني أمر النبي عليه السلام، فأنزل الله في عبد الله بن أبي ~~بن سلول ذلك. # وقال عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا ~~أماناتكم وأنتم تعلمون} (¬3) نزلت في أبي لبابة (¬4) # ¬__________ # (¬1) سورة المائدة، آية رقم 52، وتكملة الآية (فعسى الله أن يأتي بالفتح ~~أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين) # (¬2) هو عبد الله بن أبي بن مالك بن الحارث أبو الحباب، المشهور بابن ~~سلول، وسلول جدته لأبيه من خزاعة، رأس المنافقين في الإسلام من أهل ~~المدينة، كان سيد الخزرج في آخر جاهليتهم، وأظهر الإسلام بعد وقعة بدر. ~~وكان كلما نزل بالمسلمين نازلة شمت بهم، وكلما سمع بسيئة نشرها، وله في ذلك ~~أخبار، ولما مات تقدم النبي _صلى الله عليه وسلم_ فصلى عليه، فنزل قول الله ~~تعالى: {ولا تصل على أحد منهم مات أبدا}، وكان ذلك عام 9ه. راجع كتاب ~~الخميس 2/140، وإمتاع الأسماع 1/99، 105، 120، 165، 449، 450، وطبقات ابن ~~سعد، القسم الثاني من الجزء الثالث 90، وجمهرة الأنساب 335. # (¬3) سورة الأنفال، آية رقم 27. # (¬4) قاله صاحب الإصابة 4/167، وصاحب سيرة ابن هشام 3/247، وصاحب الروض ~~الأنف 2/196، وصاحب الدر المنثور 3/178، وتفسير الطبري 13/481، وتفسير ابن ~~كثير 2/300، وتفسير البغوي والخازن 3/20، والإمام الواحدي صاحب كتاب أسباب ~~النزول 134. # وهو أبو لبابة بن عبد المنذر الأنصاري، وزوجه خنساء بنت خدام الأنصارية، ~~وهي من الأوس، وابنته لبابة وبها كان يكنى، تزوجها زيد بن الخطاب _رضي الله ~~عنه_، ولقد أسلم مبكرا على يد مصعب بن عمير. راجع الاستيعاب في معرفة ~~الأصحاب 4/1826، وسيرة ابن هشام 2/49، ورجال أنزل الله فيهم قرآنا 1/299 309. PageV01P086 # حين أتى بني قريظة، وما تكلم مع ذلك إلا إيماء. # ومما يدل على نبوته _صلى الله عليه وسلم_، أعلام ظهرت عليه، ومعجزات ~~اتفقت له، سوى ما ذكرناه منها أنه _صلى الله عليه وسلم_ أوتي ms069 بكف من تمر ~~يوم الخندق، وكانت شدة ومجاعة، فطعم منه أصحابه، وملأ من الناس يأتون ~~ويذهبون، والتمر يفيض من أطراف الثوب. ومنها نزوله والمسلمون عام الحديبية ~~على ماء قليل حين غرز فيه سهما من كنانته، وفارت البئر حتى استوى ماؤها ~~بشفير البئر، واغترف الناس منها اغترافا. ومثل ذلك ما جرى له _صلى الله ~~عليه وسلم_ في غزوة تبوك، وقد كانوا أيضا عام الحديبية أصابهم جوع شديد حتى ~~هموا بالظهر، فدعا رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ بالإنطاع (¬1) ، فبسطت، ~~وألقى في الإنطاع باقي أزودتهم (¬2) ، فدعا فيه النبي _صلى الله عليه وسلم_ ~~وبارك عليه، فأتى الناس بأوعيتهم فملأوها حتى إن منهم من أخذ ما لا يجد له محملا. # ¬__________ # (¬1) النطع فيه أربع لغات: (نطع) كطلع، و(نطع) كتبع، و(ونطع) كدرع، ~~و(نطع) كضلع، والجمع (نطوع) وأنطاع، وتنطع في الكلام تعمق. # (¬2) جمع زاد، ويجمع الزاد على أزودة على غير قياس، ومنه حديث أبي هريرة ~~_رضي الله عنه_: (ملأنا أزودتنا). PageV01P087 # ومنه كلام الذئب إياه، وكلام البعير، وكلام الذراع المسموم حين أتت به ~~امرأة سلام بن مشكم، واسمها زينب بنت الحارث، من اليهود، وقد دعا _صلى الله ~~عليه وسلم_ غير مرة إلى طعام، فدعا جماعات كثيرة مما لا يحتملهم أضعاف ذلك ~~الطعام، فأكلوا منه جميعا وصدروا، فكفاهم في أشياء مثل هذا كثير من الأمور ~~المشهورة عنه _صلى الله عليه وسلم_. وقد علم الموافق والمخالف، والوافر ~~والناقص أن رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ كان من أكمل الناس رأيا، وأصحهم ~~تدبيرا، والمؤمنون يجعلون ذلك من وصفه لباس نبوة خصه الله بها، والملحدون ~~وأهل الملل الزائغة يجعلون ذلك ذريعة إلى وصفه بلطف الحيلة، وشدة التمويه ~~على الناس، وليس يجوز من إنسان عاقل كامل قصده التمويه (¬1) ، كما زعموا أن ~~يؤكد أخباره عن الغيوب فيما لا يأمن أن لا يتفق له الأمر فيه، كما يقول، ~~فيكون ذلك سبب انتقاض أمره، أو يقول لهم الدليل على صحة قولي أن أحدا منكم ~~لا يتهيأ له أن يعارضني على سورة من الكتاب الذي أتيت ms070 به، وهو يعلم، ولا ~~يأمن أن ينتدب له بعض الناس فيفضحه ويهتكه، وليس يحمل نفسه على مثل هذا إلا ~~أجهل الناس وأقلهم معرفة؛ وذلك مخالف لصفة رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ ~~عند كل عاقل، ولو حمل نفسه على ذلك لم تتفق له السلامة في جميع ما وصفنا ~~وعددنا. # ¬__________ # (¬1) موه الشيء (تمويها) طلاه بفضة أو ذهب وتحت ذلك نحاس أو حديد، ومنه ~~(التمويه) وهو التلبيس وتغيير الحقائق. PageV01P088 # فهذا باب إذا فكر فيه العالم علم أن الأمر فيه على ما قلنا. ووجه آخر أن ~~هذه العلامات التي نقلها جل أصحاب رسول الله _صلى الله عليه وسلم_، وكتبها ~~من بعدهم العلماء في سيرهم، مما لا يجوز الاتفاق عليه، ولا على السكوت عن ~~تكذيبها، لو كانت على ما زعم أهل التكذيب، فضلا عن التصديق لها، ولو جاز ~~ذلك لجاز أن ينقل أحد من الناس عن أصحاب رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ أن ~~يكون راو منهم يروي أن من أعلام رسول الله فلق البحر، وانقلاب العصا حية، ~~فلا ينكر ذلك عليه المسلمون، ولا يكذبونه؛ لأن فيه تأكيدا للإسلام، وزيادة ~~في أعلام النبي _صلى الله عليه وسلم_، وهذا وجه بين لمن تدبره، والحمد لله ~~رب العالمين. # القول في نسخ (¬1) الشرائع والرد على اليهود في ذلك: # ولليهود في نسخ الشرائع مقالان بعد أطباقهم على أن حكم التوراة لا ينسخ ~~أبدا، فقال بعضهم: إن ذلك غير جائز في حكم العقول، ويزعم أن في إجازته ~~إجازة البداء (¬2) # ¬__________ # (¬1) النسخ: إزالة شيء بشيء يتعقبه، كنسخ الشمس الظل، والظل الشمس، ~~والشيب الشباب، فتارة يفهم منه الإزالة، وتارة يفهم منه الإثبات، وتارة ~~يفهم منه الأمران. ونسخ الكتاب إزالة الحكم بحكم يتعقبه، قال تعالى: {ما ~~ننسخ من آية أو ننسها نأت بخبر منها} (سورة البقرة: 106)، قيل معناه: ما ~~نزل العمل بها، أو نحذفها من قلوب العباد، وقيل معناه: ما نوجده وننزله، من ~~قولهم: نسخت الكتاب، وقال تعالى: {فينسخ الله ما يلقي الشيطان} (سورة الحج: ~~52)، ونسخ الكتاب نقل صورته المجردة إلى ms071 كتاب آخر؛ وذلك لا يقتضي إزالة ~~الصورة الأولى، بل يقتضي إثبات مثلها في مادة أخرى. وقد يعبر بالنسخ عن ~~الاستنساخ، قال تعالى: {إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعلمون}، والله أعلم. # (¬2) البداء: بدأ الشيء، وأبدأه أنشأه واخترعه، والبداءة: بالهمزة وهو ~~الصواب. # وبدا لي في الأمر: أي تغير رأيي فيه عما كان، قاله التبريزي، ونقله ~~الزركشي عن صاحب "المحكم" عن سيبويه. # والبداء في وصف الباري تعالى محال؛ لأن منشأه الجهل بعواقب الأمور. ولا ~~يبدو له تعالى شيء كان عنه غائبا. وكان يقول به المختار بن أبي عبيد ~~الثقفي، ويجيء بدا بمعنى أراد، كما في حديث الأقرع والأعمى والأبرص. بدا ~~الله: أي أراد، والله أعلم. وراجع المقالات للأشعري 1/39، والملل والنحل 1/238. # ويقول ابن حزم: البداء من صفات من يهم بالشيء ثم يبدو له غيره، وهذه صفة ~~المخلوقين لا صفة من لم يزل، ولا يخفى عليه شيء في المستأنف. الفصل في ~~الملل والأهواء والنحل 1/259. PageV01P089 # على الله، واستحداث العلم بأمر لم يكن عالما بعاقبته، وقال البعض الآخر: ~~إن النسخ لا يفسد من هذه الجهة، ولكن موسى عليه السلام قد وقف الناس على أن ~~شريعة التوراة لا تنسخ، وأن السبب لا يجوز أن يحل أبدا. # ويقال للذين أبوا النسخ، ولم يجوزوه من جهة فساده في العقل، والوصف له ~~تبارك وتعالى بما لا يجوز أن يوصف به: أخبرونا عن تحريم السبت (¬1) ، هل هو ~~تحريم لغيره من الأيام؟ فإن قالوا: لا، قيل لهم وكيف جوزتم أن يحرم في يوم ~~ما يحل في غيره من الأيام، ولم تجوزوا أن يحرم في شهر وفي دهر ما يحل في ~~غيره من الشهور والدهور في شريعة واحدة، على لسان نبي واحد؟ وكيف إذا كان ~~ذلك في شرائع شتى على ألسنة أنبياء شتى؟ وهل الذي أنكرتم علينا من تحريم ~~شيء بعد تحليل، وتحليله بعد تحريم، إلا مثل هذا الذي قلتم في السبت دون ~~غيره من الأيام سواء؟ وهذا مما لا يخفى عن كل ذي لب. # ¬__________ # (¬1) قال تعالى: {ولقد علمتم الذين ms072 اعتدوا منكم في السبت} (البقرة، آية ~~65)، وقال تعالى: {فنردها على أدبارها أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت} ~~(سورة النساء: 47)، وقال تعالى: {وقلنا لهم لا تعدوا في السبت وأخذنا منهم ~~ميثاقا غليظا} (سورة النساء: 154). PageV01P090 # ويقال لهم: أوليس الله جل جلاله قد خالف بين أحوال الناس وأحوال أزمانهم، ~~فأحيا شيئا مدة ثم أماته، وجعل شيئا مواتا مدة ثم أحياه، وجعل ليلا ونهارا ~~وشتاء وصيفا، يكون واحد منهما في زمان ثم ينقضي ويجيء مكانه خلافه، ويكون ~~الإنسان فقيرا وقتا وغنيا وقتا، وصحيحا مرة وسقيما مرة، في أشباه ذلك من ~~صنوف الأشياء التي خالف الله بها بين أحوال الناس، وقدر كل شيء منها في ~~زمان دون زمان؟ أفيجب بذلك أن يكون ما يوجد بهذا الاختلاف دليلا على أن ~~فاعله ذو بدوات، وأنه يريد شيئا ثم يكرهه، وأنه يستحدث علما لشيء لم يكن به ~~عالما؟ فإن قالوا نعم ظهر جهلهم، ولزمهم مع ذلك ألا ينكروا النسخ مع إجازة ~~البداء فيه، وإن كان هذا كله لا يوجب البداء، ولا يدل على خلاف العلم، ولا ~~على أن ذلك ليس من فعل حكيم، فما الفصل بين هذا وبين اختلاف الشرائع (¬1) # ¬__________ # (¬1) الشرع: البيان والإظهار، والمراد بالشرع المذكور على لسان الفقهاء: ~~بيان الأحكام الشرعية. # والشرع: كل فعل أو ترك مخصوص من نبي من الأنبياء صريحا أو دلالة، فإطلاقه ~~على الأصول الكلية مجاز وإن كان شائعا، بخلاف الملة فإن إطلاقها على الفروع ~~مجاز، وتطلق على الأصول حقيقة كالإيمان بالله وملائكته وكتبه، وغير ذلك، ~~ولهذا لا تتبدل بالنسخ، ولا يختلف فيها الأنبياء، ولا تطلق على آحاد ~~الأصول. PageV01P091 # في أن لا يكون اختلافها دليلا على البداء، أو على أنها ليست من فعل حكيم؟ ~~هذا كله والتوراة التي في أيدي اليهود يقرأونها وهي تنطق بالنسخ، وتفصح به؛ ~~وذلك أن فيها الأخبار عن حدوث شريعة الختان (¬1) وشبهه، بعد أن لم يكن ~~مشروعا، وأن حكمه إنما حدث بعد مولد إسحاق عليه السلام بأن يختتن المولود ~~في اليوم الثامن من مولده، فختن إبراهيم ابنه إسحاق في ms073 اليوم الثامن من ~~مولده، وختن نفسه في ذلك الوقت بعد أن صار شيخا، وختن ابنه إسماعيل وهو ~~غلام ابن بضع عشرة سنة، وختن من كان على مذهبه ودينه حينئذ من الناس، فصارت ~~سنة الختان في اليوم الثامن من ولادة المولود، وهذا الذي ذكرناه منصوص ~~عندهم في التوراة، وأيضا فإن التوراة عندهم الجمع بين الأختين قد كان حلالا ~~مطلقا، وأن يعقوب جمع بين الأختين إلى أن حرم الله ذلك بحكم التوراة. # وأيضا فإن في التوراة أن إسرائيل جعل على نفسه لما ناله ضلع (¬2) في رجله ~~من عرق النسا ألا يأكل العروق، فصار ذلك سنة في بني إسرائيل، وقد كان ~~إسرائيل قبل ذلك لا يجتنبها. # ¬__________ # (¬1) الختن: كل من كان من قبل المرأة مثل الأب والأخ؛ وهما (الأختان)، ~~وختنت الصبي من باب ضرب ونصر، والاسم (الختان) و(الختانة)، والختان: موضع ~~القطع من الذكر، ومنه قوله عليه السلام: "إذا التقى الختانان وجب الغسل". ~~رواه الإمام مسلم في كتاب الحيض 88 بسنده عن أبي موسى الأشعري بلفظ: "ومس ~~الختان الختان فقد وجب الغسل". راجع صحيح الإمام مسلم، والمفردات في غريب ~~القرآن. # (¬2) الضلع: بوزن العنب، واحد الضلوع والأضلاع، وتسكين اللام جائز، ~~والضالع: الجائر، والضلع بوزن الضرع: الميل والجنف، وبابه قطع، قال رسول ~~الله _صلى الله عليه وسلم_: "أعوذ بك من ضلع الدين"، أي ثقل الدين، يقال ~~ضلعك مع فلان أي ميلك معه وهواك، وفي المثل: لا تنقشي الشوكة بالشوكة فإن ~~ضلعها معها. PageV01P092 # وأيضا فإن في التوراة أن الله أحل لنوح وبنيه من المآكل الأشياء كلها، ~~إلا المخنوق الذي دمه فيه، ثم جاءت شريعة موسى بتحريم كل ما لم يجتر، وكل ~~ما لم يكن مشقوق الظلف. وكل هذا دليل على النسخ وعلى فساد قولهم في ~~الامتناع من جوازه، وعلى أنه قد كان مباحا لولد آدم _صلى الله عليه وسلم_ ~~من صلبه أن يتزوج الأخ منهم أخته، وذكر ذلك شائع في الأمم، وظاهر على ألسنة ~~الناس، ومعروف عند أهل الكتاب، والدليل عليه من التوراة حاضر، يذكر آدم ~~وزوجته ms074 على سبيل الأخبار بأنهما أصلان للبشر، وأطباق أهل الكتاب على أن ~~الناس جميعا أولاد آدم وحواء، ولا يكون ذلك كذلك إلا وقد تزوج الأخ منهم ~~أخته، وبدون هذا يقع الفصل في هذا الباب، فإن تركوا هذا القول وذهبوا إلى ~~ما ذهب إليه قوم من اليهود أنهم لا يمتنعون من القول بجواز النسخ (¬1) # ¬__________ # (¬1) النسخ لغة: إزالة الشيء دون أن يقوم آخر مقامه، واصطلاحا يختلف ~~المراد منه عند عامة السلف عنه عند علماء الأصول، فهو عند أهل الأصول: رفع ~~الحكم بجملته، كرفع حكم آية الوصية بآية المواريث، واختلف العلماء في تعيين ~~المعنى الذي وضع له لفظ النسخ. فقال بعضهم: إنه حقيقة في الإزالة، مجاز في ~~النقل، وهو رأي ابن سلامة، والحسن البصري، والرازي، والبيضاوي. # وقال القفال: إنه مجاز في الإزالة، حقيقة في النقل، وقيل: مشترك بينهما، ~~وإلى ذلك ذهب الآمدي، والغزالي والباقلاني. PageV01P093 # في الشرائع من جهة العقول، ولكنهم يأبون ذلك لما في شريعة موسى عليه ~~السلام، لأن فيها عهد إليهم موسى أن أمرهم بالتمسك بشرائع التوراة، وتحريم ~~السبت دائما أبدا، يقال لهم في ذلك: من أين علمتم أن موسى عهد إليكم أن حكم ~~التوراة وتحريم السبت لا ينسخ أبدا؟ ونحن نطالبكم بالدليل على ما ادعيتموه ~~من ذلك، فلم تأتونا إلا بالدعوى بأن موسى عهد إليكم، بل إنما جعلتم دعواكم ~~هذه من أن موسى عهد إليكم بما قلتم ذريعة إلى تكذيبكم بالمرسلين، وكراهية ~~الرجوع إلى ما أتوا به من الشرائع _صلى الله عليه وسلم وعليهم_، وهؤلاء ~~النصارى يدعون أن عيسى عليه السلام أخبرهم بأن حكم التوراة منسوخ ببعثته ~~عليه السلام، وأهل ملة (¬1) # ¬__________ # (¬1) الملة: كالدين، وهو اسم لما شرع الله تعالى لعباده على لسان ~~الأنبياء ليتوصلوا به إلى جوار الحق، والفرق بينهما وبين الدين أن الملة لا ~~تضاف إلا إلى النبي عليه الصلاة والسلام الذي تسند إليه نحو {فاتبعوا ملة ~~إبراهيم} (سورة آل عمران: 95) {واتبعت ملة آبائي} (سورة يوسف: 38). # ولا تكاد توجد مضافة إلى الله ولا إلى آحاد أمة النبي _صلى الله ms075 عليه ~~وسلم_. ولا تستعمل إلا في جملة الشرائع دون آحادها. لا يقال ملة الله ولا ~~يقال: ملتي وملة زيد كما يقال دين الله ودين زيد، وأصل الملة من أمللت ~~الكتاب، قال تعالى: {وليملل الذي عليه الحق} (سورة البقرة: 282). وتقال ~~الملة اعتبارا بالشيء الذي شرعه الله، والدين يقال اعتبارا بمن يقيمه إذا ~~كان معناه الطاعة، والله أعلم. PageV01P094 # الإسلام يقولون بأن حكم التوراة منسوخ ببعثة محمد _صلى الله عليه وسلم_، ~~وهل تنفصلون من النصارى أو من أهل هذه الملة في دعواكم بفصل؟ فإن قالوا: ~~الفصل بيننا وبينهم أنهم جامعونا على موسى، ولم نجامعهم على عيسى، ولا على ~~محمد، قلنا: وعلى أنهم جامعوكم على موسى أنه رسول الله، لم يجامعوكم على ما ~~ادعيتم عليه من أنه عهد إليكم بأن حكم التوراة (¬1) لا ينسخ أبدا، فإن دعوا ~~أن النقل جاءهم بذلك عن نقل لا يكذب مثله، قلنا: ومتى اتصل لكم النقل بما ~~ادعيتم من ذلك فيما بينكم وبين موسى عليه السلام، مع ما لا تشكون فيه من ~~غلبة (بختنصر) (¬2) # ¬__________ # (¬1) التوراة: التاء فيه مقلوب، وأصله من الورى، وبناؤها عند الكوفيين ~~ووراة: تفعلة، وقال بعضهم: هي تفعل، نحو تتفل، وليس في كلامهم تفعل اسما، ~~وعند البصريين وؤرى، هي فوعل نحو حوفل. والتوراة: معناها الضياء والنور. ~~راجع معترك الأقران في إعجاز القرآن 2: 6، والمفردات في غريب القرآن. # (¬2) بخت نصر: يذكر البيروني أن الصيغة الفارسية لاسم بختنصر هي "بخت ~~نرس"، وقيل في تفسيره: إنه كثير البكاء والأنين، أما الصيغة العربية له فهي ~~بختنصر. # وقد وردت قصته في الكتاب المقدس عن اليهود والنصارى، وجعله بعض المؤرخين ~~مرزبانا على العراق يحكم باسم ملك الفرس، حيث كانت دار مملكته بلخ ~~(المسعودي: مروج الذهب، 1: 117)، وبعد أن فتح بيت المقدس سجن الملك منسى. # وجاء في الكتاب المقدس أن الذي سبحن هو صدقيا (الطبري 1: 491). # ويقول المسعودي: إن عدة من سباهم بختنصر من بني إسرائيل ثمانية عشر ألفا، ~~وأنه أخذ التوراة وطرحها في بئر، ولما رجع بنو إسرائيل إلى بلادهم أخرجوا ~~التوراة من البئر. (المصدر ms076 السابق). PageV01P095 # على بيت المقدس، وتحريق أسفار التوراة، وسائر ما في أيدي بني إسرائيل من ~~كتب التوراة، ومن قتل جميع رجالهم، وسبي من سبي من صبيانهم، وحملهم إلى ~~أقاليم بابل (¬1) ، # ¬__________ # (¬1) بابل هي مدينة ببيلون القديمة على شاطئ الفرات، وهي على خط عرض 41، ~~30، 32 شمالا، وخط طول 30، 23 شرقي جرينوتش، وكان لهذه المدينة شأن عند ~~المسلمين. # وقيل: إن آدم نفسه بعد خروجه من الجنة، وكذلك قابيل وهابيل كان مقامهم في ~~بابل (ياقوت 1: 45). ويقول ابن الفقيه ص 196: إن أول مدينة بنيت في العالم ~~هي حران، والثانية بابل، وينسب برج بابل إلى النمرود، ويسمى (المجدل)، راجع ~~البكري 136. وكانت مقام النمرود بن كنعان؛ وهو أول من ملك الأرض، واستشار ~~المنجمين، وشق القنوات (انظر ابن الفقيه 199، والاصطخري ص 101/860، ~~والمسعودي كتاب التنبيه 94 نقلا عن التوراة، وص 105 / 106 مروج الذهب). PageV01P096 # فكيف يصح مع هذا نقل ما نقل إليكم من ألفاظ التوراة وغير التوراة حتى ~~تتيقنوا أنه لا زيادة فيه ولا نقصان؟ فإن قالوا: إن العزيز كان ممن سباه ~~بختنصر من صبيان بني إسرائيل، فجدد الله عز وجل به التوراة؛ بأن ألهمه ~~إياها، حتى كتبها على هيئتها بعد غلبة بختنصر، وخراب بيت المقدس، قلنا: وأي ~~جماعة دونت لكم ذلك عن العزيز، وحفظت عنه، واستفاض منها؟ أوليس المحفوظ من ~~أهل المعرفة بالتواريخ أن إلهام الله العزيز التوراة إنما كان في آخر عمره ~~وعند وفاته؟ وأنه لما كتبها اشتكى شكيته التي مات منها، ودفعها إلى تلميذ ~~من تلاميذه، وأمره أن يقرأها على الناس بعد وفاته، فعن ذلك التلميذ أخذها ~~الناس ودونوها، وزعموا أن ذلك التلميذ هو الذي أفسد أشياء من التوراة ~~وحرفها، وزاد فيها، ونقص منها، فما كان هذا سبيله، وهذا قول أهل الأخبار ~~فيه، فكيف يجوز لكم الثقة به والرجوع إليه. وبعد فإن ألفاظ التوراة شاهدة ~~بأنها من تأليف لسان إنسان بعد موسى عليه السلام (¬1) ، يخبر بما كان من ~~أمر موت موسى عليه السلام، وعهده إلى يوشع بن نون (¬2) ، # ¬__________ # (¬1) راجع ما كتبه ابن حزم في ms077 كتابه الفصل في الملل والأهواء والنحل "كيف ~~حرفت التوراة" الجزء 1: 285 بتحقيقنا، وما كتبه ديورانت في قصة الحضارة 2: ~~367 368، وتاريخ العالم للدكتور أحمد شلبي، ص89. # (¬2) هو يوشع بن نون من أنبياء بني إسرائيل، دعا بني إسرائيل وأخبرهم أن ~~الله قد أمره أن يقاتل الجبارين فقاتلهم يوم الجمعة قتالا شديدا حتى غربت ~~الشمس، فدعا الله تعالى فردت عليهم فهزمهم. (راجع الطبري 1: 227)، والملل ~~والنحل 2: 10 نشر محمود توفيق سنة 1948م.. PageV01P097 # وحزن بني إسرائيل على موسى، وبكائهم عليه بألفاظ تعبر عن ذلك كله بعد ~~وقوعه، فكيف يشكل على عاقل مع ذلك أن ذلك ليس من كلام موسى، ولا مما أنزل ~~الله على موسى؟ على أن التوراة التي توجد في أيدي العبرانيين (¬1) بينها ~~وبين التوراة التي توجد في أيدي السامرة (¬2) # ¬__________ # (¬1) هم بنو إسرائيل، وينقسم تاريخ الإسرائيليين إلى خمسة أدوار الأول: ~~من عهد إبراهيم عليه السلام إلى خروجهم من مصر، الثاني: من خروجهم من مصر ~~إلى تأسيسهم الملكية، الثالث: من تأسيسهم الملكية إلى أسر بابل، الرابع: من ~~أسر بابل إلى خراب بيت المقدس بيد الملك أدريان، الخامس: من عهد تفرقهم في ~~الأرض إلى اليوم. # وفي الدور الثاني من سنة 1645 إلى 1080 ق.م اتجه الإسرائيليون تحت قيادة ~~موسى إلى أرض كنعان التي سموها بالأرض الموعود بها، فاجتازوا في طريقهم ~~الخليخ الغربي من البحر الأحمر، ثم تاهوا في الصحراء أربعين عاما فسموا ~~بالعبرانيين. راجع دائرة معارف القرن العشرين 1: 280 وما بعدها. # (¬2) السامرة أو السامرية: وهم يقولون إن مدينة القدس هي نابلس، وهي من ~~بيت المقدس على ثمانية عشر ميلا، ولا يعرفون حرمة بيت المقدس ولا يعظمونه، ~~ولهم توراة غير التوراة التي بأيدي سائر اليهود، ويبطلون كل نبوة كانت في ~~بني إسرائيل بعد موسى عليه السلام، وبعد "يوشع". # ويقول ابن حزم: والسامرة يزعمون أن توراتهم هي المنزلة، ويقطعون أن ~~التوراة التي بأيدي اليهود محرفة مبدلة، وسائر اليهود يقولون: إن التي ~~بأيدي السامرية محرفة مبدلة. الفصل في الملل والأهواء والنحل 1: 202، ~~والملل والنحل للشهرستاني 1: 218 219. PageV01P098 # في التاريخ ألف ms078 سنة ونيف، وفي أيدي النصارى توراة أخرى فيها زيادة في ~~تواريخ السنين على التوراة العبرانية ألف سنة وأربعمائة ونيف، وكيف يجوز مع ~~تضاد هذا وتنافيه أن يكون ذلك من عند الله أو من عند أنبيائه الصادقين ~~عليه؟ (¬1) # ¬__________ # (¬1) راجع الفصل الذي كتبه ابن حزم في كتابه الفصل بعنوان (مناقضات ظاهرة ~~وتكاذيب واضحة في الكتاب الذي تسميه اليهود التوراة، وفي سائر كتبهم، وفي ~~الأناجيل الأربعة يتيقن بذلك تحريفها وتبديلها، وأنها غير الذي أنزل الله ~~عز وجل) 1: 201. PageV01P099 # وبعد فاليهود جميعا مجمعون بأن موسى عليه السلام قد شهد بالنبوة لمن يأتي ~~بعده من الناس وإن اختلفوا في صفته، وقد نطقت بذلك التوراة، وإذا كان الأمر ~~كذلك فكيف يمتنع أن يكون حكم التوراة، وتحريم السبت مشروطا معلقا بتوقيف ~~الأنبياء بعد موسى عليه السلام، وإذا كان هذا هكذا لم يجز لأحد من اليهود ~~أن يتطرق إلى إبطال نبوة النبي _صلى الله عليه وسلم_؛ لأنه جاء بنسخ ~~التوراة، وإجلال السبت، إذ كانت التوراة نفسها قد أجازت ذلك، وأطمعت فيه ~~ببشارتها بنبي يأتي بعد موسى عليه السلام، ومع ذلك فإن من تدبر التوراة علم ~~أن فيها البشارة لمحمد عليه السلام (¬1) ، # ¬__________ # (¬1) قال تعالى:}ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد{سورة الصف، آية ~~رقم6، يعني أن التوراة قد بشرت بعيسى، وأن عيسى عليه السلام بشر بمحمد _صلى ~~الله عليه وسلم_، فعيسى عليه السلام _وهو خاتم أنبياء بني إسرائيل_ قد أقام ~~في ملإ بني إسرائيل مبشرا بمحمد _وهو أحمد خاتم الأنبياء والمرسلين_ الذي ~~لا رسالة بعده ولا نبوة، وقد أورد الإمام البخاري قال: حدثنا أبو اليمان ~~حدثنا شعيب عن الزهري قال: أخبرني محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه قال: سمعت ~~رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ يقول: «إن لي أسماء، أنا محمد، وأنا أحمد، ~~وأنا الماحي الذي يمحو الله به الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على ~~قدمي، وأنا العاقب». ورواه مسلم من حديث الزهري به نحوه.. PageV01P100 # والدلالة عليه بصفته ونعته في غير موضع؛ وذلك أن في السفر الخامس ms079 منها، ~~فيما قاله الله لموسى في بني إسرائيل: إنس سأقيم لهم نبيا من إخوتهم مثلك، ~~وأجعل كلاما في فمه، فيقول لهم كما أوصيه به، وهذه صفة النبي _صلى الله ~~عليه وسلم_؛ لأنه من إخوة بني إسرائيل لا من أنفسهم، ولأنه مثل موسى في ~~الأنبياء، إذ كان صاحب شريعة وسنة وسلطان، ولأن تأويل قوله: أجعل كلاما في ~~فمه أنه لا يكتب بيده وإنما يؤدي ما أوحي إليه بلسانه ويحفظه في قلبه (¬1) ~~، وليس في زعم من زعم من اليهود أن البشارة إنما هي ليوشع بن نون بشيء (¬2) ~~؛ لأنه قال من إخوتهم، ولم يقل من أنفسهم، ويوشع من (¬3) بني إسرائيل، ~~والبشارة (¬4) # ¬__________ # (¬1) قال تعالى: {لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرءانه فإذا ~~قرأناه فاتبع قرآنه} (سورة القيامة: 16 إلى 18). وقال: {هو الذي بعث في ~~الأميين رسولا منهم} (سورة الجمعة: 2). # (¬2) سبق الترجمة له في كلمة وافية. # (¬3) في (ب) بزيادة لفظ (رسول). # (¬4) البشارة: اسم لخير يغير بشارة الوجه مطلقا سارا كان أو محزنا، إلا ~~أنه غلب استعمالها في الأول، وصار اللفظ حقيقة له بحكم العرف حتى لا يفهم ~~منه غيره. # وقال بعضهم: البشارة المطلقة في الخير، ولا تكون في الشر إلا بالتقييد. PageV01P101 # إنما هي لنبي من إخوة بني إسرائيل؛ وإسرائيل هو يعقوب بن إسحاق، وإخوتهم ~~أولاد إسماعيل، ولن يجوز أن تكون هذه البشارة لأحد من أنبياء بني إسرائيل، ~~لا يوشع، ولا داود، ولا عيسى، ولا غيرهم من أنبيائهم البتة، ومع هذا إن في ~~التوراة أن مثل موسى في بني إسرائيل لا يكون، وفي ترجمة أخرى: ولن يقوم في ~~بني إسرائيل أحد مثل موسى، فقد تبين بما وصفنا أن النبي المبشر به في هذا ~~الكلام لا يجوز أن يكون يوشع ولا أحدا من بني إسرائيل، وأنه محمد _صلى الله ~~عليه وسلم_؛ لأنه من ولد إسماعيل الذين هم أولاد إخوة ولد إسحاق، ولأنه مثل ~~موسى في الشريعة والسنة، والسلطان، ومن التوراة أيضا في السفر (¬1) الخامس ~~أن موسى قال: (أتانا الله من سيناء، وأشرق من ms080 ساعير، واستعلن من جبال ~~فاران) (¬2) # ¬__________ # (¬1) السفر: بالكسر الكتاب، والجمع أسفار، قال الله تعالى: {كمثل الحمار ~~يحمل أسفارا} (سورة الجمعة: 5)، والسفير: الرسول المصلح بين القوم، والجمع ~~سفراء كفقيه وفقهاء، وسفر بين القوم سفارة أي أصلح، وسفرت المرأة كشفت عن ~~وجهها فهي "سافر". # (¬2) الذي جاء عند ابن حزم في كتابه الفصل في الملل والأهواء هو: "جاء ~~الله من سيناء، وأشرق من ساعير، واستعلن من جبال فاران". # يقول الدكتور الطالبي: ولقد تفضل الأب قنواتي، وأرشدني إلى النص الذي ورد ~~في التوراة المترجم إلى الفرنسية، ثم ذكره. # وكلمة فاران كلمة عبرية _وهي جبال مكة بدلالة التوراة_ حيث إن إبراهيم ~~عليه السلام أسكن هاجر وإسماعيل فاران (المقدس: البدء والتاريخ 5: 23). # ويطلق على الجبل الممتد بين الشام وبادية العرب؛ ولكن الحجاز هي المخصوصة ~~بهذا الاسم بدلالة التوراة في قصة إسماعيل الذي كان يتعلم الرمي في برية ~~فاران (التكوين 21/ 20 21). # وساعير: جبال فلسطين _راجع المقدس: البدء والتاريخ 5: 32 33. [عمار ~~الطالبي]. PageV01P102 # فهذه البشارة بنبوة المسيح ومحمد عليهما السلام؛ لأن ساعير هو الموضع ~~الذي جاء منه المسيح، وأظهر منه دعوته، وفاران مكة ونواحي الحجاز. وتأويل ~~هذا الكلام إذا تأمله المتأمل، أن وحي الله جل وعلا نزل على موسى بطور ~~سيناء (¬1) ، وأنه نزل على المسيح بساعير وناحيته، وأنه نزل على محمد ~~بالحجاز، وناحية مكة مشهور بين العلماء أن جبال فاران مكة ونواحيها. وفي ~~كتب أشعياء من صفة النبي _صلى الله عليه وسلم_ وصفة بلده، وسلطانه كثيرة ~~واضحة بينة (¬2) ، وفي بعضها تسميته بسمه أحمد، وأنه يأتي بالعدل والقسط ~~وبأمور جديدة، وقتل الأعداء، فإن أردت أن تقف على ما قلناه من هذا فالتمس ~~(¬3) كتب أشعياء فإنك ستجد فيها جميع ذلك إن شاء الله. # ¬__________ # (¬1) الطور: بلدة بمصر، في شبه جزيرة سيناء، على خليج السويس، بها جبل ~~موسى، ومحجر صحي للحجاج، تعدادها حوالي 4355 نسمة. دائرة المعارف: الموسوعة ~~الثقافية. # وطور سيناء: جبل مشهور في تواريخ اليهود والنصارى والمسلمين، إذ أنزل ~~الله فيه الشريعة على نبي إسرائيل، وتجلى لموسى الكليم، وهو في حقيقته ~~سلاسل ms081 جبال، أعظمها سلسلتان لكل منهما عدة رؤوس، موقعهما في شبه جزيرة تعرف ~~ببرية الطور، تمتد مثلثة الزوايا بين خليج العقبة وخليج السويس، وعند ~~ملتقاهما قنن كثيرة، لكل قنة منها اسم مخصوص كجبل فاران المذكور في ~~التوراة، وجبل كاترينا نسبة إلى دير، كان فيه للقديسة كاترينه، وجبل موسى ~~المعروف الآن بطور سيناء وغير ذلك. راجع دائرة معارف البستاني 11/354. # (¬2) سقط من (ب) لفظ (بينة). # (¬3) في (ب) بزيادة لفظ (ذلك في). PageV01P103 # وكل هذا دليل على صحة أمر النبي _صلى الله عليه وسلم_ ووجوب قبول قوله ~~فيما أتى به من إحلال السبت، ونسخ شريعة اليهود، وربما اعتل قوم من اليهود ~~في دفع نبوة النبي عليه السلام بأن يقولوا للمسلمين: أنتم موافقون لنا على ~~صحة نبوة موسى، ونحن نخالفكم في نبوة محمد، فيجب أن نأخذ بما اتفقنا عليه، ~~وندع ما نختلف فيه، فيكون ديننا صحيحا لهذه العلة (¬1) ودينكم فاسدا، وهذا ~~الاحتجاج فاش (¬2) في عوام اليهود، وإن كان ذلك عند متكلميهم اعتلالا ساقطا ~~واهيا لا معنى له عند جماعة المتكلمين وأهل النظر، من قبل أن المذاهب ~~والديانات لا تصح بموافقة الموافقين عليها، ولا تفسد بمخالفتهم لها، وإنما ~~تصح بالدلائل والحجج، فيقال لمن يعتل بذلك من اليهود: أخبرونا عمن أقر ~~بنبوة إبراهيم وجحد نبوة موسى، واحتج عليكم بمثل هذا الاعتلال، سواء أيكون ~~هذا مصيبا في دفع نبوة موسى؟ ولو كان هذا حجة في دفع نبوة نبي من الأنبياء ~~لكان حجة لمن دفع الرسل، وأنكر أن يكون الله بعث رسولا، فتقول البراهمة لنا ~~ولكم ولسائر المقرين بالرسل: قد اجتمعنا نحن وأنتم على الصانع، واستعمال ما ~~يجب في العقول، وانفردتم أنتم بادعاء الرسل، فيجب أن نأخذ بما اجتمعنا عليه ~~من التمسك بما يجب في العقول، وندع ما اختلفنا فيه من ادعائكم الرسل، وهذا ~~أوضح بطلانا من أن يتكلم فيه بأكثر من هذا، والله ولي التوفيق. # القول على النصارى (¬3) : # ¬__________ # (¬1) في (ب) السبب بدلا من (العلة). # (¬2) فشا الخبر: ذاع، وبابه سما، والفواشي: كل شيء منتشر من المال كالغنم ~~والسائمة ms082 والإبل، وغيرها، وفي الحديث "ضموا فواشيكم حتى تذهب فحمة العشاء". # (¬3) النصارى: جمع، وأحدهم نصران، كما واحد السكارى سكران، وواحد النشاوى ~~نشوان، وكذلك جمع كل نعت كان واحده على فعلان، فإن جمعه على "فعال"، إلا أن ~~المستفيض من كلام العرب في واحد النصارى "نصراني"، وقد حكى عنهم سماحا ~~"نصران" بطرح الياء، ومنه قول الشاعر: # تراه إذا زار العشي محنفا ويضحي لديه وهو نصران شامس # وسمع منهم في الأنثى نصرانة، قال الشاعر: # فكلتاهما خرت وأسجد رأسها كما سجدت نصرانة لم تحنف # وقيل: إنهم سموا نصارى من أجل أنهم نزلوا أرضا يقال لها "ناصرة". راجع ~~تفسير الطبري 2: 144، وتفسير القرطبي عند تفسير قوله تعالى: {إن الذين ~~آمنوا والذين هادوا والنصارى} (سورة البقرة: 62). PageV01P104 # اعلم وفقنا الله وإياك أن النصارى الذين عقد لهم المسلمون الذمة، وأخذوا ~~منهم الجزية يخالفوننا في ضربين: أحدهم أنهم جحدوا نبوءة نبينا محمد _صلى ~~الله عليه وسلم_، وقد مضى الكلام في تثبيت نبوته _صلى الله عليه وسلم_، ~~والحجة في ذلك بالذي يغني عن تكراره على النصارى في هذا الموضع، والوجه ~~الآخر أنهم قالوا في أمر معبودهم، وفي المسيح بما لا يجوز القول به، وهم في ~~ذلك على ثلاث فرق: الملكنية (¬1) ، واليعقوبية، والنسطورية، فهذه الفرق ~~المختلفة تتفق في أمر معبودها في موضعين: أحدهم في الأمر الذي أثبتوه في ~~القدم؛ وذلك أنهم جميعا مقرون بأن ثلاثة أقانيم لم تزل: أب، وابن، وروح ~~القدس، لا يختلفون في ذلك، ثم اختلفوا في غيره، فتقول اليعقوبية ~~والنسطورية: إنها ثلاثة أقانيم لم يزل جوهرها واحدا، وليس الجوهر معنى ~~غيرها، وتقول الملكنية: بل هو ثلاثة أقانيم لم تزل ذات جوهر واحد، ويزعمون ~~أن الجوهر هو معنى غير الأقانيم، ولا يعدونه رابعا معها. # ¬__________ # (¬1) الملكانية: طائفة مسيحية من الطقس البيزنطي منتشرة في سورية ومصر ~~وفلسطين، ومنها جالية هامة في أمريكا، وكنيستهم تسمى أيضا كنيسة الروم، ~~ويتكلم معظمهم العربية، ويرأسهم بطريرك يقيم في دمشق والقاهرة، سموا ~~الملكيين لأنهم أيدوا القرار الذي اتخذه مجمع خلقدونية عام 451م ضد بدعة ~~"أوطيخا" المونوفيزية القائلة ms083 بطبيعة واحدة للمسيح، فلقبهم مخالفوهم ازدراء ~~لهم بالملكيين لوقوفهم في صف "مرقيانوس" الذي كان يعاضد المجمع، ومنهم ~~كاثوليك يعترفون برياسة بابا روما، ويسمون الروم الكاثوليك. راجع الموسوعة ~~العربية الميسرة ص 1742، وكتاب الفصل في الملل والأهواء والنحل 1: 110111، ~~والملل والنحل للشهرستاني 1: 222. PageV01P105 # فهذا اختلافهم في الأمر الذي أثبتوه في القدم، ثم يختلفون في الموضع ~~الآخر من صفة معبودهم؛ وهو اختلافهم في أمر المسيح، فتقول الملكنية: إن ~~المسيح أقنوم واحد وطبيعتان: طبيعة ناسوتية، وطبيعة لاهوتية (¬1) وتقول ~~اليعقوبية (¬2) : المسيح أقنوم واحد وطبيعة واحدة، حدثا عن أقنوم إنسي، ~~وطبيعة إنسية، وأقنوم لاهوتي، وطبيعة لاهوتية، اتحدا فصارا أقنوما واحدا، ~~وطبيعة واحدة. وقالت النسطورية (¬3) : # ¬__________ # (¬1) يضيف ابن حزم قولهم: "إن عيسى عليه السلام إله تام كله وإنسان تام ~~كله، ليس أحدهما غير الآخر، وأن الإنسان منه هو الذي صلب وقتل، وأن الإله ~~منه لم ينله شيء من ذلك، وأن مريم ولدت الإله الإنسان، وأنهما معا شيء واحد ~~ابن الله. قاتلهم الله أنى يؤفكون، وكبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون ~~إلا كذبا". الفصل 1: 111. # (¬2) اليعقوبية: فرقة مسيحية تنسب إلى يعقوب، وهي إحدى فرق ثلاث اختلفت ~~حول طبيعة المسيح. عاش اليعاقبة في مصر والنوبة والحبشة، يدور مذهبهم على ~~القول بأن المسيح هو الله والإنسان، اتحدا في طبيعة واحدة هي المسيح، ~~واشتغل كثير منهم في ظل الإسلام بنقل الفلسفة اليونانية، وكتبها إلى ~~السريانية ثم إلى العربية، ولقوا من الخلفاء المسلمين كل تشجيع وتقدير، ~~فكان لذلك أثره في تاريخ الحياة العقلية الإسلامية، ولا سيما من الناحيتين ~~الكلامية والفلسفية. المصدر السابق 111، 112، والموسوعة العربية الميسرة. # (¬3) النسطورية: تنسب إلى (نسطور) الذي كان بطريرك القسطنطية عام 431م، ~~ويقال (نسطور الحكيم)، وقد تصرف في الأناجيل وأضاف إليها. # يقول (نسطور) شارحا مذهبه: # إن مريم لم تلد إلها؛ لأن ما يولد في الجسد ليس إلا جسدا، ولأن المخلوق ~~لا يلد الخالق، فمريم ولدت إنسانا ولكن كان إلها للاهوت، وعلى هذا لا تسمى ~~(مريم) والدة إله، بل والدة (المسيح) الإنسان، وقد جاء اللاهوت لعيسى بعد ~~ولادته، أي أن عيسى اتحد ms084 بعد الولادة بالإقنوم الثاني اتحادا مجازيا، فمنحه ~~الله المحبة، ووهبه النعمة، وقد اتخذت الكنائس موقفا معارضا من آراء ~~(نسطور)، وعلى الرغم من طرده من منصبه فإن مذهبه لم يمت بل انتشر في الشرق، ~~وهو منتشر في شمال العراق والجزيرة. # ويقول (نسطور): إن الله واحد ذو أقانيم (الوجود والعلم والحياة)، وهي ~~ليست زائدة على الذات ولا هي هو، واتحدت الكلمة بجسد (عيسى) لا على طريق ~~الامتزاج (كما قالت الملكانية)، ولا على طريق الظهورية (كما قالت ~~اليعقوبية)، ولكن كإشراق الشمس في كوة أو على بلور، أو كظهور النقش في ~~الخاتم. راجع الملل والنحل 2: 64، ودائرة معارف القرن العشرين 10: 183، ~~والمدخل إلى دراسة الأديان والمذاهب 1: 234. PageV01P106 # المسيح أقنومان وطبيعتان: أقنوم لاهوتي وطبيعة لاهوتية، وأقنوم ناسوتي، ~~وطبيعة ناسوتية، وأن كل واحد منهما في الاتحاد قائم بذاته، حافظ لجوهره، ~~وإن هذه الفرق تزعم أن الابن كلمة الأب الأزلي، وأن الأب إنما يعلم الأشياء ~~بكلمته، وأن روح القدس هو الحياة التي من أجلها وجب أن يكون الأب حيا. فهذا ~~جملة ما يتفقون فيه ويختلفون، ونحن سائلوهم جميعا مسألة واحدة: أخبرونا عن ~~هذه الأقانيم الثلاثة أكل واحد منها غير الآخر، أم كل واحد منها هو الآخر؟ ~~فإن قالوا: كل واحد منها هو الآخر، قيل لهم: فلم جعلتموها ثلاثة، ولم ~~تقولوا فيما بينها بالمغايرة؟ وهل العدد نفسه إلا المغايرة؟ أو هل المغايرة ~~معناها إلا العدد؟ فقولكم: ثلاثة يثبت المغايرة، وقولكم كل واحد من ~~الأقانيم هو الآخر ينفي المغايرة، فقد أثبتم بكلامكم ما نفيتم، ونفيتم ما ~~أثبتم، وإن قالوا: إن كل واحد من الأقانيم غير الآخر، قيل لهم: فهل تبينون ~~كل واحد منها عما سواه بصفة أو لا تبينونه من غيره بصفة؟ فإن قالوا: لا ~~نبين كل واحد من الأقانيم عن صاحبه بصفة عاد عليهم الكلام الأول بأن ~~الأقانيم الثلاثة واحد من الأقانيم عن صاحبه بصفة، عاد عليهم الكلام الأول ~~بأن الأقانيم الثلاثة واحد، وإنما عبروا عنها بلفظ الثلاثة، وهي في الحقيقة ~~واحد، ولا فائدة ها هنا في ذكر الثلاثة، وإن قالوا: ms085 كل واحد منها موصوف ~~بصفة غير صفة صاحبه أثبتوا فيها الأعراض والتغاير، وأبطلوا عنها أن تكون ~~قديمة، ويدخل عليهم جميعا ما أدخلناه على الدهرية وأشياعهم من إثبات حدوث ~~جميع ما يوصف بالأعراض والتغاير، ويقال لهم: أخبرونا عن المسيح أليس هو ابن ~~الله؟ تعالى الله عن ذلك، فإن قالوا: نعم، قيل لهم: أخبرونا عن الروح التي ~~هي فيه من اللاهوت (¬1) # ¬__________ # (¬1) عند "أوجست كونت" الحالة اللاهوتية: هي الحالة الأولى من حالات ~~العقل، وفيها يبحث عن كنه الكائنات وأصلها ومصيرها، وقد تدرج في ذلك ثلاث درجات. # كانت الأولى: الفيتشية، وفيها يضيف إلى الكائنات الطبيعية حياة روحية ~~شبيهة بحياة الإنسان. # وكانت الدرجة الثانية: تعدد الآلهة، وهي أكثر الدرجات تمييزا للحالة ~~اللاهوتية، يسلب فيها عن الكائنات الطبيعية ما خلع عليها من حياة، ويضيف ~~أفعالها إلى موجودات غير متطورة تؤلف عالما علويا. # وكانت الدرجة الثالثة: التوحيد، أي الاعتراف بإله واحد فرد صمد. انظر علم ~~اللاهوت، والمعجم الفلسفي: مراد وهبه 264. PageV01P107 # أهي الابن؟ فإذا قالوا: نعم، قيل لهم: فهي بعض الله، فإن زعموا أنها بعض ~~الله، قيل لهم: فإذا كانت الأبعاض كلها قديمة فما معنى قولكم: إنه ابن ~~لبعض، وهما قديمان جميعا؟ وما جعل هذا البعض أولى بأن يكون ابنا للبعض ~~الآخر من أن يكون ذلك البعض ابنه؟ فإن زعموا أن ذلك أولى لأنه أقل من هذا ~~قيل لهم: فكل بعض الشيء هو أقل من البعض الآخر فهو ابن له، فإذا كان ذلك ~~كذلك عدد عليهم جميع ما في العالم، فجعل كل بعض أقل من بعض ابنا للبعض ~~الأكثر، وهذا مما لا يعقله أحد في قصة ولا يجده في صحيح معنى، فإن قالوا: ~~إن الكل في ذلك البدن، قيل لهم: فأي شيء منه الابن، وأي شيء منه روح القدس (¬1) ، # ¬__________ # (¬1) هو أحد الأقانيم الثلاثة المؤلفة لله تعالى في اعتقاد بعض النصارى. # قالت دائرة معارف القرن العشرين الفرنسية: جاء لفظ روح الله ونفحة الله ~~في التوراة ولم يقصد بها إلا أصل القدرة الإلهية، أو طريقة تأثير تلك ~~القدرة. ms086 فجاء في التوراة: # "إن الأرض في مبدأ تكوينها حين كانت خالية خاوية مجللة بالظلمات كان روح ~~الله يتحرك على مياهها، فلما سوى الله الإنسان من الطين، ونفخ فيه من روحه ~~فاستوى بشرا سويا، ثم سحب روحه منه فعاد طينا كما كان أولا، ولكن الله أعاد ~~له روحه ثانية، ومن نفخة الله أو روحه نشأت جميع الكائنات الأرضية". # وقد جاء في الأناجيل: ذكر الأب والابن والروح القدس، ولكن لا يوجد فيها ~~إشارة إلى التثليث ولا إلى ما يشير إليه العلم اللاهوتي اليوم، فالإله الذي ~~كان يتكلم عنه عيسى عليه السلام وحواريه هو الله الواحد رب الأنبياء الذي ~~تجب له العبادة وحده، وكان عيسى عليه السلام يدعو هذا الإله "الآب"، ولا ~~يدعو ربا سواه. ثم قالت دائرة المعارف الفرنسية: الكلام على الروح القدس ظل ~~مدة طويلة كثير التخالف ومرتبكا فقال هرمس: الجزء الإلهي في عيسى هو الروح ~~القدس، يعني الابن المخلوق، قبل أن يخلق شيء في العالم. # وكان جوستان وتيوفيل: "يعتبران الروح القدس تارة كشكل خاص لمظهر الكلمة، ~~وتارة كصفة من صفات الله؛ ولكنهما لم يعتبراها قط شخصا إلهيا". # وقال اثيناغور (110 180) بأن روح القدس هو قوة من الله تخرج منه وتعود ~~إليه كشعاع الشمس. # ولما اجتمع مجمع (نيسية) سنة 325 وحدد وحدة أزلية الآب والابن ترك للناس ~~الحرية في الاختلاف على الروح القدس. [عمار الطالبي]. PageV01P108 # والكل هو الأب، والكل هو الابن، والكل هو روح القدس؟ فإن قالوا: نعم، ~~قيل: فالأب هو الابن، والأب هو روح القدس، فإن يكن ذلك كذلك فالأب ابن ~~لنفسه، والابن أب لنفسه؛ لأن هذا كله من واحد، وهذا المحال من الكلام الذي ~~قد بان اختلاطه، وإن هم جزأوا فجعلوا جزءا مما في البدن ابنا، وجعلوا جزءا ~~روح القدس، وجعلوا جزءا آخر أبا، قيل لهم في ذلك كما قيل لهم في الكلام ~~الأول قبل هذا، وهو أن يقال: ما جعل البعض أولى أن يكون ابنا من البعض ~~الآخر، وأن يكون أبا من البعض الآخر؟ ولا نعلم في ذلك ms087 حيلة ولا جوابا، ثم ~~يقال لهم: أخبرونا عن معنى الأب أهو معنى الابن وروح القدس؟ وعن معنى الابن ~~أهو معنى الأب وروح القدس؟ وعن معنى روح القدس أهو معنى الأب والابن؟ أو ~~معنى كل واحد منهما غير معنى الآخر؟ فإن قالوا: معنى كل واحد منها هو معنى ~~الآخر قيل لهم: فلم سميتم الأب أبا دون أن تسموه ابنا أو روح القدس؟ أو لم ~~سميتم الابن ابنا دون أن تسموه أبا أو روح القدس؟ أو لم سميتم الروح القدس ~~روح القدس، دون أن تسموه أبا أو ابنا؟ وكل معنى واحد منها هو معنى الآخر، ~~فإن قالوا: معنى كل واحد منها غير معنى الآخر، كررنا عليهم المسألة الأولى ~~من اتفاق الصفات واختلافها، حتى يخرجوا إلى بطلان قدم الأب والابن وروح ~~القدس جميعا، فذلك الذي أردناه منهم، ويقال لهم: أخبرونا عن الأقنوم (¬1) # ¬__________ # (¬1) الأقنوم: واحد الأقانيم، ويرى بعض رجال الكنيسة أن الأقانيم ثلاثة: ~~الآب، والابن، وروح القدس.. PageV01P109 # اللاهوتي، والطبيعة اللاهوتية، واتحادهما وصيرورتهما إلى الإنسان، أعن ~~سبيل النقلة من القديم كان لك أم على سبيل غير النقلة؟ فإن قالوا: عن سبيل ~~النقلة أثبتوا مكانين؛ لأن النقلة لا تكون إلا عن مكان إلى مكان، فإن ~~قالوا: على غير سبيل النقلة ولن يجدوا ذلك المعنى؛ لأن التحويل من شيء لا ~~يجيء إلا على سبيل النقلة في الأماكن، فإن قالوا: إنما قلنا إن في المسيح ~~من الروح اللاهوتي ومن الطبيعة اللاهوتية، لما يجري على يديه من اختراع ~~الأجسام، وإحداث الأجرام، وتصيير الموتى أحياء، فعلمنا أن ذلك من الأفعال ~~التي لا تحتملها طبيعة الإنسان، ولا روح الإنسان، قيل لهم: فإن كنتم إنما ~~قلتم ما قلتم من ذلك لهذه العلة، فينبغي لكم أن تقولوا في جميع من ظهر على ~~يديه مثل هذه الأشياء بأن فيه من الروح اللاهوتي والطبيعة اللاهوتية، فهذا ~~موسى عليه السلام تحدث على يديه العجائب العظيمة، والأمور الجليلة، فينبغي ~~لكم أن تقولوا في موسى بمثل الذي قلتموه في المسيح، وأنتم تقولون: إن عيسى ~~أحيا أربعة أنفس، ms088 وتقرون أن حزقائيل أحيا ألوفا في وقت واحد، فما جعل ~~المسيح أولى بما قلتم من حزقائيل؟ وقلتم: إن المسيح أشبع جماعة كثيرة من ~~طعام يسير، وكانت أرغفة قليلة، ثم حمل منها بعد ما شبع الجماعة زنبيل، ~~وأنتم تقرون أن الياه أحدث في إناء دقيقا ولم يكن فيه، وأحدث في إناء زيتا ~~ولم يكن فيه زيت، وهذا أعجب من إحداث طعام من طعام، وكان له أصل، وهذا الذي ~~أحدث الياه بزعمكم من غير أصل كان، فافرقوا في ذلك بين المسيح وبين الياه، ~~وما جعل المسيح أولى بالذي قلتم فيه من الياه؟ فإن زعمتم أن المسيح صير ماء ~~خمرا فقد تقرون أن المسيح ملأ عدة من الآنية ماء لامرأة، ثم صيرها زيتا، ~~فهذا أعجب من ذلك؛ لأن الخمر أقرب شبها بالماء من الزيت به، وإن قلتم: إن ~~المسيح مشى على الماء فأنتم تقرون أن يوشع (¬1) # ¬__________ # (¬1) هو يوشع بن نون من أنبياء بني إسرائيل، بعثه الله نبيا، فدعا بني ~~إسرائيل وأخبرهم أنه نبي، وأن الله قد أمره أن يقاتل الجبارين، فقاتلهم يوم ~~الجمعة قتالا شديدا حتى أمسوا وغربت الشمس، ودعا الله تعالى فردت عليه ~~الشمس فهزم الجبارين (الطبري 1: 227) نقلا عن هامش الملل والنحل 2: 10، نشر ~~مكتبة الحسين التجارية 1948م). PageV01P110 # ابن نون وأن الياه واليسع قد مشوا على الماء، فما جعل المسيح أولى بما ~~قلتم فيه منهم؟ وإن قلتم: إن المسيح استحق ذلك واستوجبه بأنه رفع إلى ~~السماء فأنتم تقرون بأن الياه قد ارتفع إلى السماء بمشهد من جماعة كثيرة، ~~ويقال لهم: ألستم تقرون أن المسيح قد قتل وصلب (¬1) ، واستخفت به اليهود ~~واستهزأوا به، وهو إنما أظهر العجائب من إحياء الموتى، وإبراء الأكمه ~~والأبرص ليعظم ويصدق ويوصف بالصفات التي تصفونه أنتم بها، فلم أمكن نفسه من ~~اليهود؟ يستخفون به ويستهزئون به، ثم قتلوه بزعمكم وصلبوه، فكيف حتى أعقب ~~فعل العجائب العظيمة بالأفاعيل التي تدعو إلى التصغير والاستخفاف به؟ فهذا ~~كله ومثله يدل على فساد قولكم في المسيح _صلى الله عليه وسلم_، ويدل على ~~نبي ms089 من أنبياء الله تعالى، ورسوله _صلى الله عليه وسلم_ وعليهم جميعا، لا ~~أكثر من ذلك ولا أقل، تعالى الله عن جميع ما يقول المبطلون علوا كبيرا. # الأصل الرابع من أصول الملحدين وهم المشبهة (¬2) # ¬__________ # (¬1) قال تعالى: {وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وما ~~قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به ~~من علم إلا إتباع الظن وما قتلوه يقينا بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزا ~~حكيما} (سورة النساء: 157 158). # (¬2) التشبيه: هو الغلو، بل هو أبرز مظاهر الغلو، وهو تشبيه بعض الأئمة ~~والأشخاص بذات الله تعالى، وأما التقصير فهو تشبيه الإله سبحانه بواحد من الخلق. # ولقد نشأ مبدأ التشبيه من مذاهب الحلولية والتناسخية، ومن مذاهب اليهود ~~والنصارى، فقد شبهت (اليهود) الخالق بالخلق، وسرت هذه الشبهات في أذهان ~~الغلاة. وقد اعتمد الغلاة التشبيه لهدم مبدأ الألوهية؛ لأن التشبيه يجعل ~~المشبه والمشبه به على مستوى واحد، وعلى مستويات متقاربة. راجع الغلو ~~والفرق الغالية 136، والملل والنحل 1: 197، والمدخل إلى دراسة الأديان ~~والمذاهب 1: 66. PageV01P111 # وذلك أن جميع من شبه الله بخلقه، ووصفه بغير صفته، على اختلاف أقاويلهم ~~وتفاوت مذاهبهم يرجعون في جملتهم إلى فصول ثلاثة: # فالفصل الأول من ذلك هو القول بالتشبيه على محض التشبيه، والوصف لله جل ~~جلاله بالتجسيم على حقيقة التجسيم، وهؤلاء هم الذين يثبتون معبودهم على ما ~~يعقلونه من أنفسهم، ويحصرونه بأوهامهم، وعلى ما يشاهدون بأبصارهم، وزعموا ~~أن معبودهم جسم كالأجسام: لحم ودم، عريض طويل، محدود في مكان دون مكان في ~~جميع صفات الأجسام، حتى إن منهم من يحصره في صورة إنسان سبعة أشبار، كائنا ~~ما كان ذلك الشبر، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا. # الفصل: الثاني: # قول من يقول منهم بمجرد التجسيم دون أن يثبتوا معاني الأجسام، ويزعمون ~~أنه جسم لا كالأجسام، ونور لا كالأنوار، وأبوا أن يكون لحما ودما، ولا ~~عريضا ولا طويلا، فاقتصروا بالتسمية بالجسم على معنى الجسم زعموا. # الفصل الثالث: PageV01P112 # مقالة الغالطين في تأويل متشابه كتاب الله عز ms090 وجل، المحرفين لكلامه، ~~المتعلقين بالحديث عن رسول الله _صلى الله عليه وسلم_، وهؤلاء مع ما هم فيه ~~من التشبيه فإنهم حائدون عن التسمية بالجسم بزعمهم، وهذا الصنف من المشبهة ~~على أنهم يستنكفون عن عبادة التجسيم، فإن قلوبهم مع ذلك طاغية إلى التصريح ~~بغاية التشبيه، وأهواؤهم مائلة إلى التبريح بنهايته، وحتى إن عوامهم يبوحون ~~بأفحش التشبيه وأقبحه أحيانا، وإن محدثيهم ليفصحون به أوقاتا، ومتى تورع ~~أحد من علمائهم في شيء من مذاهبهم، أو نوظروا كادت المناظرة تضطرهم إلى ما ~~ذكرت لك من ذلك، وتلجئهم إليه، إلا أن يشم أحد من علمائهم برائحة علم ~~الكلام فيقتصر دون غاية ما ينتهي إليه عوامهم، وهذا الصف هم الذين يسمون ~~الحشوية (¬1) ، وأصحاب الحديث، وكل هذه الفرق مع اختلافهم فإنهم مجمعون على ~~أن الله يرى يوم القيامة بالأبصار، وأنه حال على العرش، تعالى الله عما ~~يقولون علوا كبيرا، وهذه الفصول التي ذكرناها تتضمن جميع مذاهب المشبهة ~~وأقاويلهم المختلفة على كثرتها في معبودهم إن شاء الله، ونحن ذاكرون ما ~~احتجوا به من كتاب الله عز وجل، وما تعلقوا به من حديث رسول الله _صلى الله ~~عليه وسلم_، ثم نتبع ذلك بالرد عليهم في باطلهم، وما أساءوا فيه الثناء على ~~ربهم، والنظر لأنفسهم، ونذكر جميع ما غلطوا فيه من تأويل الآي التي ~~انتحلوها من كتاب الله عز وجل، وأحاديث رسول الله _صلى الله عليه وسلم_، ~~حتى نأتي على ذلك الأول فالأول، ولا قوة إلا بالله. # ¬__________ # (¬1) الحشوية: فرقة عقائدية من فرق المعتزلة، سموا كذلك نسبة إلى الحشو، ~~ويقصد به أسافل الناس، كما يقصد به الزائد من الكلام أي اللغو، ذلك أن ~~الحشوية أو أهل الحشو أخذوا بظواهر القرآن دون تبصر حتى وقعوا في الاعتقاد ~~بالتجسيم. راجع القاموس الإسلامي 2: 102. PageV01P113 # وكان مما احتجت به المشبهة من كتاب الله عز وجل أن قالوا: إن الله وصف ~~نفسه في كتابه على لسان نبيه محمد _صلى الله عليه وسلم_، وهو أعرف بصفته ~~منكم فقال: {الرحمن على العرش استوى} (¬1) وقال: {خلق السماوات والأرض وما ms091 ~~بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش} (¬2) والعرش معروف أنه جسم. عن ابن ~~شهاب: "أن رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ سأل جبريل أن يتراءى له في صورته ~~قال: إنك لا تطيق ذلك، قال: إني أحب أن تفعل، فخرج رسول الله _صلى الله ~~عليه وسلم_ إلى المصلى في ليلة مقمرة، فأتاه جبريل عليه السلام في صورته، ~~فغشي على رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ حين رآه، حتى أفاق وجبريل مسنده ~~فقال: سبحان الله سبحان الله، ما كنت أرى أن شيئا من الخلق هكذا، فقال ~~جبريل: فكيف لو رأيت إسرافيل إن له اثني عشر جناحا: جناح منها بالمشرق، ~~وجناح بالمغرب، وإن العرش على كاهله، وإنه ليتضاءل أحيانا لعظمة الله، حتى ~~يعود مثل الوضع حتى لا يحمل عرشه إلا عظمته" (¬3) # ¬__________ # (¬1) سورة طه، آية رقم 5. # (¬2) سورة الفرقان، آية رقم 59. # (¬3) هذا الأثر مرسل، وابن شهاب من صغار التابعين، ومن أوعية الحفظ ~~والإتقان. قال أبو الزناد: كنا نكتب الحلال والحرام، وكان ابن شهاب يكتب ~~كلما سمع، فلما احتيج إليه علمت أنه أعلم الناس، ولكن قال أحمد بن سنان: ~~كان يحيى بن سعيد لا يرى إرسال الزهري وقتادة شيئا، ويقول: هو بمنزلة ~~الريح، ويقول: هؤلاء قوم حفاظ كانوا إذا سمعوا الشيء عقلوه. وقال الذهلي: ~~لست أدفع رواية معمر عن الزهري. وقد ثبت من طرق أن الرسول -صلى الله عليه ~~وسلم- رأى جبريل بصورته مرتين، وإذا تعارض حديثان قدم أصحها سندا، والله أعلم.. PageV01P114 # قالوا: وذكر ابن عيينة (¬1) عن عمرو (¬2) عن عطاء (¬3) وابن جدعان (¬4) ~~عن سعيد بن المسيب (¬5) # ¬__________ # (¬1) هو سفيان بن عيينة بن أبي عمران ميمون الهلالي أبو محمد الكوفي، سكن ~~مكة، قيل: إن أباه هو المكي أبا عمران، روى عن عبد الملك بن عمير، وأبي ~~إسحاق السبعي وزياد بن علاقة، والأسود بن قيس وآخرين، وعنه الأعمش، وابن ~~جريج، وشعبة، والثوري وآخرين. قال الشافعي: لولا مالك وسفيان لذهب علم ~~الحجاز. مات سنة 198ه. # (¬2) هو عمرو بن دينار الجمحي بالولاء، أبو محمد الأثرم: فقيه، كان مفتي ~~أهل ms092 مكة، فارسي الأصل، مولده بصنعاء عام 46 ه، ووفاته بمكة عام 126ه. قال ~~شعبة: ما رأيت أثبت في الحديث منه، وقال النسائي: ثقة، واتهمه أهل المدينة ~~بالتشيع والتحامل على ابن الزبير، ونفى الذهبي ذلك. قال ابن المديني: له ~~خمسمائة حديث. راجع تاريخ الذهبي 5: 114، وتهذيب التهذيب 8: 30، وطبقات ~~فقهاء اليمن لابن سمرة، وفيه مات سنة 127. # (¬3) هو عطاء بن أسلم بن أبي رباح بن صفوان: تابعي من أجلاء الفقهاء، كان ~~عبدا أسود، ولد في جند (باليمن) عام 27ه، ونشأ بمكة، فكان مفتي أهلها ~~ومحدثهم، توفي بها عام 114ه. تذكرة الحفاظ 1: 92، وتهذيب التهذيب 7: 199، ~~وصفة الصفوة 2: 119، وميزان الاعتدال 2: 197. # (¬4) هو علي بن زيد بن أبي مليكة زهير بن عبد الله بن جدعان أبو الحسن ~~القرشي التميمي، فقيه ضرير، من حفاظ الحديث الأئمة، وليس بالثقة القوي، من ~~أهل البصرة. قال الذهبي: أحد أوعية العلم في زمانه، توفي عام 129ه. راجع ~~خلاصة تهذيب الكمال 232، وتاريخ الإسلام الذهبي 5: 283. # (¬5) سبق الترجمة له في كلمة وافية قريبا من هذا.. PageV01P115 # قال: قال رسول الله _صلى الله عليه وسلم_: أنا أول من تنشق عنه الأرض ~~فأجد موسى _صلى الله عليه وسلم_ متعلقا بالعرش، _زاد أحدهما_ ولا أدري لعله ~~جوزي بالصعقة التي أصابتهم" (¬1) فقالوا: إنما مثل ذلك على قوله: {أهكذا ~~عرشك قالت كأنه هو} (¬2) وقال: {ولها عرش عظيم} (¬3) قالوا: وليس بين قوله: ~~{ورفع أبويه على العرش} (¬4) وبين قوله: # { # ¬__________ # (¬1) الحديث رواه الإمام البخاري في كتاب الأنبياء، 31 باب وفاة موسى ~~عليه السلام، 3408 بسنده عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: أستب رجل من ~~المسلمين ورجل من اليهود فقال المسلم: والذي اصطفى محمد -صلى الله عليه ~~وسلم- على العالمين -في قسم يقسم به-، فقال اليهودي: والذي اصطفى موسى على ~~العالمين، فرفع المسلم عند ذلك يده فلطم اليهودي، فذهب اليهودي إلى النبي ~~-صلى الله عليه وسلم- فأخبره الذي كان من أمره وأمر المسلم، فقال: لا ~~تخيروني على موسى، فإن الناس يصعقون، فأكون أول من يفيق، فإذا موسى باطش ~~بجانب العرش فلا أدري أكان فيمن صعق فأفاق قبلي أو ms093 كان ممن استثنى الله. ~~ورواه أيضا في باب الخصومات، كتاب التوحيد 31، ورواه الإمام مسلم في كتاب ~~الفضائل 160، 162 بسنده عن أبي هريرة، وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول ~~الله -صلى الله عليه وسلم- وذكره. ورواه الإمام أحمد في المسند 2: 264 3: ~~41. وأورده البيهقي في كتاب الأسماء والصفات ص 394 395. # (¬2) سورة النمل، آية رقم 42. # (¬3) سورة النمل، آية رقم 23. # (¬4) سورة يوسف، آية رقم 100. PageV01P116 # استوى على العرش} (¬1) فرق، وقالوا: بل علمنا بالقياس أن يكون سواء حتى ~~يفرق بينهما كتاب الله أو خبر، أو يكون في مخرجه دلالة، قالوا: وقد أجمعوا ~~على أن الحملة الثمانية ملائكة، ثم جاءت الأخبار بعد ذلك تخبر عن اختلاف ~~صورهم، قالوا: ويؤكد ما قلناه من هذا قوله: {الذين يحملون العرش ومن حوله} ~~(¬2) دلالة على أن العرش جسم يطاف به، وبدن يدار حوله، وكذلك قوله: {وترى ~~الملائكة حافين من حول العرش} (¬3) ، قالوا ومما يؤكد قولنا، قول النبي ~~-صلى الله عليه وسلم- لسعد بن معاذ حيث حكم في بني قريظة: قد حكمت بحكم ~~الله من فوق سبع سموات (¬4) ، # ¬__________ # (¬1) سورة الأعراف آية رقم 54، وسورة يونس آية رقم 3، وسورة الرعد آية ~~رقم 2، وسورة الفرقان آية رقم 59، وسورة السجدة آية رقم 4، وسورة الحديد ~~آية رقم 4. # (¬2) سورة غافر آية رقم 7. # (¬3) سورة الزمر آية رقم 75. # (¬4) الحديث رواه الإمام مسلم في كتاب الجهاد والسير، 21 باب إخراج ~~اليهود والنصارى من جزيرة العرب، 64 (1768) بسنده عن أبي سعيد الخدري، ~~ورواه البخاري في كتاب الجهاد 168، والمغازي 30، والمناقب 12، وأحمد بن ~~حنبل في المسند 3: 22، 6: 142 (حلبي). # . PageV01P117 # ولو كان الله على ما قلتم في كل مكان لما قال: لقد حكمت بحكم الله من فوق ~~سبع سموات، وقال: اهتز العرش لموت سعد (¬1) ، والاهتزاز لا يكون إلا ~~للأجسام، ومما احتجت به أيضا قوله عز وجل: {ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو ~~أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى ما كذب الفؤاد ما رأى أفتمارونه على ما يرى، ~~ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى عندها جنة المأوى إذ يغشى السدرة ما ~~يغشى ما زاغ البصر ms094 وما طغى} (¬2) ، وقال: {وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ~~ناظرة} (¬3) وقال: {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} (¬4) ، فالحسنى الجنة، ~~والزيادة الرؤية، ويؤكد ما قلنا في الرؤية قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ~~إنكم سترون ربكم لا تضامون في رؤيته، كما لا تضامون في القمر ليلة البدر (¬5) ، # ¬__________ # (¬1) الحديث رواه البخاري في صحيحه عن أبي موسى، وأخرجه الإمام مسلم عن ~~أبي سفيان عن جابر -رضي الله عنه-. ومن حديث قتادة عن أنس -رضي الله عنه-، ~~وأورده البيهقي في الأسماء والصفات، وقد في الحديث أن الملائكة تستبشر بروح ~~المؤمن، ورواه أحمد في مسنده عن أنس وعن جابر، والترمذي وابن ماجه عن جابر، ~~وأخرجه النسائي بلفظ: "تحرك عرش الرحمن"، عن طريق محمد بن عمرو عن أبي ~~الهادي وغيره، عن معاذ بن رفاعة، وقال الذهبي: إن رواية قتادة عن أنس حديث ~~صحيح، والإسناد إلى عائشة إسناد حسن، واعتبره الذهبي متواترا والله أعلم. # (¬2) سورة النجم الآيات من 8- 17. # (¬3) سورة القيامة آية 22 23. # (¬4) سورة يونس آية رقم 26. # (¬5) الحديث رواه ابن ماجة في المقدمة 13 باب فيما أنكرت الجهمية 177 ~~بسنده عن جرير بن عبد الله عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وفيه زيادة ~~"فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا"، ~~ثم قرأ: {وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب} [سورة ق: 39]. # ورواه البخاري في المواقيت 16، 26، والتوحيد 24، ورواه الإمام مسلم في ~~كتاب الإيمان 302 بسنده عن أبي سعيد الخدري 81، باب معرفة طريق الرؤية، ~~وأبو داود في السنة 19، والترمذي في الجنة 15، 17، 20، وأحمد بن حنبل في ~~المسند 3: 16، 4: 12 (حلبي). PageV01P118 # وقال في الفجار: {إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون} (¬1) وقال: {وما كان لبشر ~~أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب} (¬2) وذكروا صفة الحجب وصنوفها، ~~ومما احتجت به أيضا قول الله عز وجل: {وجاء ربك والملك صفا صفا} (¬3) ولا ~~يجوز أن يجيء إلى مكان هو فيه، ولو جاز أن يجيء إلى مكان هو فيه جاز أن ~~يخرج منه وهو فيه، قالوا: فإذا أخبر الله أنه في السماوات ms095 وفي الأرض، وقلتم ~~إن الدنيا كلها لا تخلو منه، وأنه فيها، فإذا كان الأمر كذلك، وكانت الدنيا ~~محدودة كان الذي يكون في بعضها أو في كلها محدودا، إذا كان لم يجاوزها، ولو ~~جاوزها لخرج لا إلى مكان، ولا يجوز أن يخرج منها إلا إلى مكان. قالوا: وقد ~~أخبر أنه في السماوات وفي الأرض، والله لا يخاطب عباده إلا بما يعقلون، ~~قالوا: وقد قال الله عز وجل لموسى عليه السلام -ولسنا نعدو ما قال-: ~~{ولتصنع على عيني} (¬4) فقلنا: إنه له عينا كما قال، قالوا: وقد قال الله: ~~{ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام} (¬5) ، وقال: {إنما نطعمكم لوجه الله} ~~(¬6) ، وقال: {يريدون وجه الله} (¬7) فعلمنا بهذا أن له عينا ووجها كما ~~قال، قالوا: وقد قال الله لموسى عليه السلام: {واصطنعتك لنفسي} (¬8) ، وقال ~~عيسى عليه السلام لربه: {تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك} (¬9) ، ~~قالوا: والدليل على أن له يدا قوله: {بل يداه مبسوطتان} (¬10) ، وقوله: {ما ~~منعك أن تسجد لما خلقت بيدي} (¬11) ، # ¬__________ # (¬1) سورة المطففين آية رقم 5، وقد جاءت الآية محرفة في المطبوعات حيث ~~قال: "عنده" بدلا من "عن". # (¬2) سورة الشورى آية رقم 51. # (¬3) سورة الفجر آية رقم 22. # (¬4) سورة طه آية رقم 39. # (¬5) سورة الرحمن آية رقم 27. # (¬6) سورة الإنسان آية رقم 9. # (¬7) سورة الروم آية رقم 38، وتكملة الآية {وأولئك هم المفلحون}. # (¬8) سورة طه آية رقم 41. # (¬9) سورة المائدة آية رقم 116. # (¬10) سورة المائدة آية رقم 64. # (¬11) سورة ص آية رقم 75.. PageV01P119 # وأعلنوا أيضا بقوله: {والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات ~~بيمينه} (¬1) ، فقالوا: قد أخبرنا أن له يمينا، وإنما خاطبنا بما نعقل، ~~وعلى ما نعرف من اليمين والقبضة، قالوا: وقد قال الله عز وجل حكاية عن قول ~~الكافر: {يا حسرتى على فرطت في جنب الله} (¬2) ، قالوا: فهذه الأخبار كلها ~~في كتاب الله عز وجل، يخبر به عن نفسه وصفته، ولن نعدو ما قال الله، وهو ~~أعرف بصفته منكم، ويؤكد جميع ما تلونا من هذه الآي الحديث المروي: إن الله ~~خلق آدم على صورته (¬3) ، فهذا الذي يتعلق به أهل التشبيه، ms096 ويتطرقون به إلى ~~تشبيههم من آي القرآن، ومن الحديث قد ذكرناه. # ونحن مبينون ما غلطوا فيه، ومفسرون ما ذهبوا به عن فصول الصواب، بعد أن ~~نجيب بجملة كافية، تأتي على ما ذكروا من هذا كله، وسطروه إن شاء الله، ولا ~~قوة إلا بالله. # ¬__________ # (¬1) سورة الزمر آية رقم 67. # (¬2) سورة الزمر آية رقم 56. # (¬3) الحديث رواه الإمام مسلم في كتاب البر والصلة والآداب، 32 باب النهي ~~عن ضرب الوجه 116 بسنده عن أبي هريرة أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ~~قال: وذكره، ولفظه: "إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه، فإن الله خلق آدم ~~على صورته"، ورواه الإمام البخاري في كتاب الاستئذان، ورواه أحمد بن حنبل ~~في المسند 2: 244، 251، 315، 323، 334 (حلبي). PageV01P120 # فنقول للقوم: أخبرونا عن جميع ما خاطب الله به عباده في كتابه مما دلهم ~~به على صفته، وعلى فعله، وغير ذلك من أخباره، وأخبار رسوله -صلى الله عليه ~~وسلم-، أيحمل جميع ذلك على ظاهره دون سائغه، وعلى معقوله دون مفهومه، وعلى ~~حقيقته دون مجازه، أو يحمل على ما يسوغ في حكمة الله تعالى وعدله، وعلى ما ~~يليق به في صفته، دون ما لا يليق به، وعلى ما تستعمله أهل اللغة والناس ~~بينهم في خطابهم، مما تقتضيه دلالة القياس دون عبارة اللفظ؟ فإن هم قالوا: ~~إن جميع ذلك يحمل على المعقول دون المفهوم وعلى الظاهر دون السائغ، ولو أن ~~ذلك الظاهر والمعقول يخرج إلى غاية الفساد من القول، ونهاية المتناقض من ~~الكلام، قيل لهم: أليس قد قال الله عز وجل: {إن شر الدواب عند الله الصم ~~البكم الذين لا يعقلون} (¬1) ، وقال: {صم بكم عمي فهم لا يعقلون} (¬2) ~~وقال: {صم بكم عمي فهم لا يرجعون} (¬3) ، وقال: {وجعلنا من بين أيديهم سدا ~~ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون} (¬4) ، وقال: {أفأنت تسمع الصم أو ~~تهدي العمى} (¬5) ، وقال: {ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون} (¬6) ، # ¬__________ # (¬1) سورة الأنفال آية رقم 22. # (¬2) سورة البقرة آية رقم 171. # (¬3) سورة البقرة آية رقم 18. # (¬4) سورة يس آية رقم 9. # (¬5) سورة الزخرف آية رقم 40. # (¬6) سورة ms097 هود آية رقم 20.. PageV01P121 # أتحملون هذا كله على الظاهر دون السائغ من الكلام، وعلى المعقول من ~~الخطاب دون المفهوم؟ فإن قالوا: نعم، قلنا: فهم إذن صم لا أسماع لهم يسمعون ~~بها ما يخاطبون به، وعمي لا أنظار لهم يبصرون بها ما يدلون عليه، ولا عقول ~~لهم يعقلون بها ما يكلفون به، وبكم لا ألسنة لهم فينطقون بما يلزمهم، ~~فينبغي على هذا المعنى أن يكون الله عز وجل خاطب من لا يسمع ولا يبصر، وذمه ~~بأنه لا يسمع ولا يبصر، وكلف من لا يفهم التكليف ولا يحتمله ولا يعقله، ~~فهذا فعل العابث السفيه، ومن القول الذي لا يقول به أحد من الناس: عالم ولا ~~جاهل، تعالى الله عن ذلك، مع أن الله عز وجل قد قال أيضا: {وجعلنا لهم سمعا ~~وأبصارا وأفئدة فما أغنى سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء} (¬1) ، فأي ~~هذين الخبرين أولى بأن تأخذوا، وتحملوا عليه مراد مثل هذا الكلام؟ فإن ~~رجعوا وقالوا: إن العرب قد تسمي المتعامي أعمى، والمتصامي أصم، ويقولون لمن ~~عمل عمل من لا يعقل لا يعقل، وإنما هذا الكلام محمول على كلام؛ وذلك أن ~~المتعامي إذا تعامى صار في الجهل كالأعمى، فلما أشبهه من وجه سمي باسمه، ~~قلنا: قد صدقتم، ولكن ما الأصل المستعمل في تسميتهم بالعمى؟ فإن قالوا: هو ~~الذي لا نظر له، قلنا: فلم زعمتم أن لهذا الذي سماه الله أعمى ناظرا، ~~وأخذتهم بالمجاز والتشبيه، وتركتم الأصل الذي هو هذا الاسم مطلق له؟ قالوا: ~~إنما قلنا ذلك من أجل أن الأول لا يجوز على الله، والثاني جائز عليه، والله ~~لا يتكلم بكلام إلا ولذلك الكلام وجه، قالوا: فإذا نظرنا في كلام الله وهو ~~عندنا عدل غير جائز، وهو يقول: {صم بكم عمي فهم لا يعقلون} (¬2) # ¬__________ # (¬1) سورة الأحقاف آية رقم 26. # (¬2) سورة البقرة آية رقم 171.. PageV01P122 # علمنا أنهم لو كانوا منقوصين غير وافرين كانوا قد كلفوا ما لا تحتمله ~~خلقتهم، والمكلف لعباده ما لا تحمله خلقتهم، والمخاطب لهم بما لا تفي به ~~حواسهم جائر ظالم، ms098 قالوا: فإذا كان الله لا يليق به ذلك علمنا أنهم كانوا ~~وافرين غير عاجزين ولا منقوصين، وإذا كانوا كذلك صار الواجب (¬1) أن يحكم ~~بالمفهوم دون المعقول، وبالسائغ دون الظاهر، فقلنا: هم صم بكم عمي لا ~~يعقلون، ما أنهم تعاموا وتصاموا وعملوا عمل من لا يعقل، فإذا قالوا ذلك، ~~قلنا لهم: فإنا لم نعد هذا المذهب في جميع ما سألتمونا عنه من الآي التي ~~تلوتموها علينا، والأحاديث التي رويتموها لنا، فقد حملنا جميع ذلك على ~~المفهوم (¬2) # ¬__________ # (¬1) الواجب الشرعي: ما أثم تاركه، والواجب المطلق: هو ما لا يتوقف وجوبه ~~على وجود مقدمة وجوده من حيث هو كذلك، كالصوم مثلا فإنه واجب مطلقا بالقياس ~~إلى النية. والواجب المقيد: ما يتوقف وجوده على وجود مقدمة وجوده من حيث هو ~~كذلك، فهو كالصوم مثلا فإنه مقيد بالقياس إلى البلوغ. # (¬2) المفهوم: هو الصورة الذهنية سواء وضع بإزائها الألفاظ أو لا، كما أن ~~المعنى هو الصورة الذهنية من حيث وضع بإزائها الألفاظ، وقيل: هو ما دل عليه ~~اللفظ لا في محل النطق. # والمفهوم الكلي: هو أمر واحد في نفسه متكثر بحسب ما صدق عليه، فقد اجتمع ~~فيه الوحدة والكثرة من جهتين، ويسمى واحدا نوعيا إن كان نوعا لجزئياته ~~كالإنسان، وجنسيا وفصليا على قياس النوعي، وأفراده كثيرة من حيث نواتها ~~واحدة من حيث جزئيات المفهوم الواحد في نفسه، وتسمى واحدا بالنوع أو بالجنس ~~أو بالفصل. # والمفهوم عند بعض أصحاب الشافعي قسمان: مفهوم المخالفة، ويسمى بدليل ~~الخطاب: وهو أن يثبت الحكم في المسكوت عنه على خلاف ما ثبت في المنطوق. # ومفهوم المخالفة: هو أن يكون المسكوت موافقا للمنطوق في الحكم، كالجزاء ~~فوق المثقال في قوله تعالى: {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره} (سورة الزلزلة: ~~7)، وهو تنبيه بالأدنى على أنه في غيره أولى. PageV01P123 # من الكلام دون المعقول، وعلى السائغ في صفة الله تعالى واللائق به، ~~والجائز في لغة العرب مما تقتضيه دلالة القياس دون عبارة اللفظ، ويؤكده ما ~~سواه من نص القرآن، الذي لا يعتريه تحريف التأويل، ولا يعارضه ms099 منحول ~~التفسير، ولو حملت جميع هذه الآيات التي تلوتموها، والأحاديث التي رويتموها ~~على أظهر ظاهرها لخرجت إلى أفحش الفحش من الكلام، وأقبح القبيح من المقال، ~~فما لا يقول به أحد من الناس، ولا يجوزه مشبه ولا غير مشبه، فإذا تناظرت ~~الأخبار، وتقاومت المعاني رجع بها إلى أسوغها في صفة الله تعالى، وأليقها ~~به في عدله عز وجل وحكمته، وأولاها بمخاطبة العرب فيما بينها في كلامها، ~~ويحمل جميع ذلك على ما تقتضيه دلالة القياس التي لا يكذب مثلها، ولا يتناقض ~~معناها؛ إذ لا يكون في أخباره جل جلاله تكاذب، ولا في كلامه عز اسمه تناقض، ~~وهكذا الجواب لهم، والكلام عليهم في جميع ما يتعلقون به من هذه المعاني، ~~فحين نبهتكم على ذلك عرفتم عامته إن شاء الله، فهذه المعارضة أصل لكل هذا ~~الكلام الذي يدور بيننا وبين هؤلاء القوم في تأويل جميع ما ذكروه، وما لم ~~يذكروا مما هو مشبه لما ذكروا، فينبغي أن يكون محفوظا، ويتخذ أصلا وإماما، ~~وإن نظرت فيه وجدته كما وصفت لك إن شاء الله. # مسألة الاستواء: # رجع الكلام إلى الاعتلال بالاستواء وما يدور به، فأول ذلك أن قول القائل: ~~"كذا وكذا على كذا وكذا" يتجه على وجوه كثيرة، فمنها قوله تعالى: {فإذا ~~استويت أنت ومن معك على الفلك} (¬1) وهذا على معنى الالتزاق والفوق، ووجه ~~آخر كقوله: {وعلى الوارث مثل ذلك} (¬2) وهذا مثل قولهم: على دين وعليه ندر، ~~ووجه آخر كقوله: {سلام عليكم بما صبرتم} (¬3) أي وأنتم في سلام وسلامة، ~~وهذا كقول الشاعر: # ¬__________ # (¬1) سورة المؤمنون آية رقم 28. # (¬2) سورة البقرة آية رقم 233. # (¬3) سورة الرعد آية رقم 24. PageV01P124 # سلام الله يا مطر عليها ... ... وليس عليك يا مطر السلام (¬1) # ووجه آخر: كقوله تعالى: {عليكم أنفسكم} (¬2) ، وهذا كقول الشاعر: # عليكم دياري فاهدموها فإنها ... ... تراث كريم لا يراعي العواقبا (¬3) # على الإغراء لا على غير ذلك، وهو مثل قول القائل: عليك الجادة، عليك ~~الطريق الأعظم، ووجه آخر: وهو كقوله تعالى: {أو كالذي مر على قرية وهي ~~خاوية على عروشها} (¬4) وإنما يريد أنه مر ms100 بحيالها ولم يرد أنه مر من ~~فوقها، وعلى مثل ذلك قول الشاعر: # مررنا على قيسية عامرية ... لها بشر صافي الأديم هجان # ووجه آخر: وهو خارج من هذا كله أجمع، وهو قول الله: {وعلى الله قصد ~~السبيل} (¬5) وقد يقول الدليل لأصحابه: ليست عليكم هداية الطريق، إنما هي ~~علي دونكم. ووجه آخر: وهو قول الله: {والله غالب على أمره} (¬6) ، وهو ~~كقوله: {الرحمن على العرش استوى} (¬7) وكقوله: {وهو القاهر فوق عباده} (¬8) . # قال الشاعر: # ¬__________ # (¬1) هذا البيت متن كلام الأحوص الأنصاري، وكان يهوى امرأة ويشبب بها ولا ~~يفصح عنها، فتزوجها رجل اسمه مطر، فغلب الوجد والعشق على الأحوص، فقال هذا ~~الشعر، وهذا البيت من شواهد ابن عقيل رقم 203، وشاهد ابن عقيل فيه قوله: ~~"يا مطر" حيث نون المنادى المفرد العلم، وأبقاه على الضم حين اضطر لإقامة الوزن. # (¬2) سورة المائدة آية رقم 105. # (¬3) لا يقصد الشاعر مطلقا أن دياره جاثمة عليهم ولا هي فوقهم، وإنما ~~يقصد أن دياره ماثلة أمامهم، وهي تكاد أن تكون بين أيديهم، فإن أرادوا ~~الإبقاء عليها فعلوا، وإن أرادوا الثانية كانت بين أيديهم. # (¬4) سورة البقرة آية رقم 259. # (¬5) سورة النحل آية رقم 9. # (¬6) سورة يوسف آية رقم 21. # (¬7) سورة طه آية رقم 5. # (¬8) سورة الأنعام آية رقم 18. PageV01P125 # قد استوى بشر على العراق ... ... من غير سيف ودم مهراق (¬1) # وهذه الكلمات الثلاثة متساوية السبك، متقاربة المعنى، فإذا تأمل ذلك ~~متأمل وجده كما قلناه؛ وذلك أن قوله: (الرحمن) مثل قوله: (الله)، ومثل ~~قوله: (وهو)، وكذلك قوله: (على ) مكان قوله (على)، ومكان قوله: (فوق)، ~~وكذلك قوله: (استوى) مكان قوله: (غالب)، ومكان قوله: (القاهر)، وكذلك قوله: ~~(العرش) مكان قوله: (أمره)، ومكان قوله: (عباده). فهذه الكلم الثلاث ~~متشابهة في العبارة والإشارة، فلا تجوزن أيدك الله بالذي فسرنا منها صفحا ~~توفق إن شاء الله. # ¬__________ # (¬1) قد ذكر الإمام القرطبي هذا البيت في تفسيره عند قوله تعالى: {ثم ~~استوى على العرش} دون أن ينسبه لقائله، وذكر أقوال علماء الكلام فقال: ~~والأكثر من المتقدمين والمتأخرين أنه إذا وجب تنزيه الباري سبحانه عن الجهة ~~والتحيز فمن ms101 ضرورة ذلك ولواحقه اللازمة عليه عند عامة المسلمين المتقدمين ~~وقادتهم من المتأخرين تنزيه الله تعالى عن الجهة، فليس بجهة فوق عندهم؛ ~~لأنه يلزم من ذلك متى اختص بجهة أن يكون في مكان أو حيز، ويلزم على المكان ~~والحيز الحركة والسكون للمتحيز، والتغير والحدوث. راجع تفسير القرطبي 7: 219. PageV01P126 # وبعد فإذا كان -على- يتصرف بهذه الوجوه كلها فلم حملتم قوله: (على العرش) ~~على معنى الالتزاق والفوق دون هذا الذي ذكرنا وعددنا؟ وأما الذي ذكروه في ~~تثبيت العرش على المعقول، وما احتجوا به على ذلك فإن الذين زعموا من ~~المتكلمين أن قوله: (عرش (¬1) )، إنما هو مثل ومجاز من مجازات العرب، وليس ~~في السماء شيء يقال له عرش، وإنما هو عندهم على معنى قوله: (لقد كاد أن يهد ~~عرشي لولا أن تداركني منه برحمة) وعلى مجرى قول العرب: قد ثل عرش بني فلان، ~~وقد شالت نعامتهم (¬2) ، وعلى قول الشاعر: # رفعت بني حواء إذ مال عرشهم ... ... ... وذلك مني في صريم مصلل # وعلى قول الشماخ: # ولما رأيت الأمر عرش هوية ... ... ... تسليت حاجات النفوس بشمرا # وقالوا في الكرسي (¬3) # ¬__________ # (¬1) روي أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- رؤي في المنام فقيل ما فعل بك ~~ربك...؟ فقال: "لولا أن تداركني برحمته لثل عرشي". # (¬2) يقال: شالت نعامته إذا خف وغضب ثم سكن، وشالت نعامتهم: إذا تفرقت ~~كلمتهم، أو ذهب عزهم، أو ماتوا، والنعامة: الجماعة، والشول: بقية الماء في ~~الدلو أو السقاء. # (¬3) الكرسي: في تعارف العامة: اسم لما يقعد عليه، قال: "وألقينا على ~~كرسيه جسدا ثم أناب" (سورة: ص 34)، وهو في الأصل المنسوب إلى الكرس، أي ~~المتلبد، أي المجتمع، ومنه الكراسة للمتكرس من الأوراق، وكرست البناء فتكرس. # قال العجاج: # يا صاح هل تعرف رسما مكرسا ... ... ... قال: نعم أعرفه، وأبلسا # والكرس أصل الشيء، يقال: هو قديم الكرس، وكل مجتمع من الشيء كرس، والكروس ~~المتركب بعض أجزاء رأسه إلى بعض لكبره، وقوله تعالى: {وسع كرسيه السموات ~~والأرض} (سورة البقرة: 255)، وقد روي عن ابن عباس أن الكرسي العلم. وقيل: ~~كرسية ملكه، وقال بعضهم: هو اسم الفلك ms102 المحيط بالأفلاك، قال: "ويشهد لذلك ~~ما روي: ما السموات السبع في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة". راجع ~~تفسير القرطبي عند تفسير هذه الآية، وتفسير الطبري أيضا، والمفردات في غريب ~~القرآن. PageV01P127 # مثل ذلك، وأنشدوا: # كراسي بالأحداث بيض وجوههم ... ... ... كأنهم في الساجيات الكواكب # قد فروا من شيء، وليس في ذلك الشيء الذي فروا منه شيء ينقض عليهم من ~~قولهم شيئا، فقلنا في هذا: إنه لما كان أسفل الأشياء الثرى، وما تحت الثرى، ~~وكان أعلى الأشياء السماء السابعة، ثم الكرسي، ثم العرش، وكان الله قد جعل ~~للأعلى في القلوب من التعظيم والقدر والشرف ما لم يجعل للأسفل، كما عظم بعض ~~الشهور وبعض الأيام، وبعض الليالي، وبعض الساعات، وبعض البقاع، وكان قد جعل ~~للعرش ما لم يجعل للكرسي، وجعل للكرسي ما لم يجعل للسماء السابعة، فذكر ~~العرش والكرسي والسماء بما لم يذكر به شيئا من سائر خلقه، وذكر مرة العرش ~~والكرسي والسماء في جملة الخلق، وأنه عال على جميعها بالقدرة وبالسلطان ~~والقوة، حيث قال: {وهو على كل شيء قدير} (¬1) وقال: {وكان الله على كل شيء ~~قديرا} (¬2) ، وحيث قال: {إن ربي على كل شيء حفيظ} (¬3) وقال: {وهو القاهر ~~فوق عباده} (¬4) وقال: {وكان الله على كل شيء مقتدرا} (¬5) والعرش شيء، وهو ~~عال عليه بالقدرة، وظاهر عليه بالسلطان، وخصه بالذكر إذ كان مخصوصا ~~بالنباهة، وأنه فوق جميع الخلق، فذكره مرة بالجملة، ومرة بالإبانة، وقال: ~~{وسع كرسيه السماوات والأرض، ولا يؤوده حفظهما وهو العلي العظيم} (¬6) ، # ¬__________ # (¬1) سورة المائدة آية رقم 120. # (¬2) سورة الأحزاب آية رقم 27. # (¬3) سورة هود آية رقم 57، وقد جاءت هذه الآية محرفة في المطبوعة، وقد ~~أشار إليها المحقق في الهامش؛ ولكن آيات القرآن يجب أن تصحح ويشار إلى ذلك ~~في الهامش. # (¬4) سورة الأنعام آية رقم 18. # (¬5) سورة الكهف آية رقم 45. # (¬6) سورة البقرة آية رقم 255.. PageV01P128 # فأخبر أنه عال عليه، وحافظه، ومقيم له، ومانع له من الزوال، وقوله: عرشه ~~(كرسيه) كقولك بيته، ولو كان متى ذكر كرسيا وعرشا وجب الجلوس عليهما، كان ~~متى ذكر بيته فقد وجب أنه ينزله ms103 ويسكنه، وليس بين بيته وعرشه وكرسيه وسمائه ~~فرق، ولو كنا إذا قلنا سماؤه فقد جعلناه فيها، كنا إذا قلنا أرضه فقد ~~جعلناه فيها، قال الله: {من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكائيل ~~فإن الله عدو للكافرين} (¬1) ، فأدخلهما في جملة الملائكة، ثم أبانهما إذ ~~كانا بائنين من بين سائر الملائكة، وقال: {فيهما فاكهة ونخل ورمان} (¬2) ، ~~وكذلك سبيل القول في العرش وفي الكرسي، والسماء دون الأرض، والحوت والثرى ~~وما تحت الثرى، ومتى ما ذكر أنه عال على العرش، وظهر عليه فقد أخبر أنه عال ~~على كل شيء، فمرة يذكر العرش، ومرة يذكر الكرسي دون العرش، ومرة يذكر ~~السماء دون الأرض، ومرة يذكر السماء والأرض جميعا، ومرة يقول: {وهو الله في ~~السماوات وفي الأرض} (¬3) ومرة: {وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله} ~~(¬4) ، ومرة يقول: {أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض} (¬5) ، وترك ~~ذكر الأرض، فلو كان إذا ذكر السماء دون الأرض كان ذلك دليلا على أنه ليس في ~~الأرض، كان في ذكره أنه على العرش دليل على أنه ليس في السماء، وقد قال: ~~{أم أمنتم من في السماء} (¬6) فمرة يذكر معاظم الأمور، وجلائل الخلق وكبار ~~الأجسام وأعالي الأجرام، ومرة يذكر كل شخص حيث كان وأينما كان بقوله: {ما ~~يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ~~ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا} (¬7) وقال: {ونحن أقرب إليه من حبل ~~الوريد} (¬8) ، { # ¬__________ # (¬1) سورة البقرة آية رقم 98. # (¬2) سورة الرحمن آية رقم 68. # (¬3) سورة الأنعام آية رقم 3. # (¬4) سورة الزخرف آية رقم 84. # (¬5) سورة الملك آية رقم 16. # (¬6) سورة الملك آية رقم 17. # (¬7) سورة المجادلة آية رقم 7. # (¬8) سورة ق آية رقم 16.. PageV01P129 # ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون} (¬1) . فيقال للقوم: على ماذا ~~تحملون ما ذكرنا من أخبار الله تعالى عن كونه في هذه الأشياء كلها، أعلى ما ~~يعقل من كون الجسم في المكان؟ فإذا قالوا: نعم، قيل لهم: فكيف وقد قال ~~الله: {على العرش} (¬2) {وفي السماء} (¬3) {وفي الأرض} (¬4) {وفي المشرق}، ms104 ~~عند نجوى الثلاثة {وفي المغرب} عند نجوى الخمسة، وفي {القطر الآخر} عند ~~أدنى من ذلك، وفي {الآخر} عند أكثر، وقد قال عز وجل: {إلا هو معهم أينما ~~كانوا} (¬5) فإن قالوا: على معنى القدرة، أو على معنى العلم، أو على غير ~~ذلك من التأويل، قلنا: قد صرتم إلى المجازات وتركتم المعقولات مما عليه ~~ظاهر الكلام، فلم أبيتم ذلك علينا حين زعمنا أن تأويل قوله: {الرحمن على ~~العرش استوى} (¬6) ليس هو على كون الملك على سريره؟ بل هو على معنى العلم ~~والحفظ والقدرة والإحاطة والظهور بالسلطان والقدرة، وهذا أيدك الله من ~~الأصل الذي وصينا بحفظه أولا. # وأما تأويل قوله: {استوى على العرش} (¬7) فقد زعم أصحاب التفسير عن عبد ~~الله بن عباس -وهو صاحب التأويل، والناس عليه عمال- أن تأويل (استوى): ~~استولى، وأنشدوا: # قد استوى بشر على العراق ... ... ... من غير سيف ودم مهراق (¬8) # قال الله عز وجل: {ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما} (¬9) # وقال الشاعر يرثي ابنه: # حين استوى وعلا الشباب به ... ... ... وبدا منير الوجه كالبدر # ¬__________ # (¬1) سورة الواقعة آية رقم 85. # (¬2) {الرحمن على العرش استوى} (سورة طه آية رقم 5). # (¬3) {وفي السماء رزقكم وما توعدون}، {وهو الذي في السماء إله وفي الأرض ~~إله} (سورة الزخرف آية رقم 84). # (¬4) قال تعالى: {وهو الله في السماوات وافي الأرض يعلم سركم وجهركم ~~ويعلم ما تكسبون} (الأنعام آية رقم 3). # (¬5) سورة المجادلة آية رقم 7. # (¬6) سورة طه آية رقم 5. # (¬7) سورة الأعراف آية رقم 54. # (¬8) سبق تخريج هذا البيت. # (¬9) سورة يوسف آية رقم 22. PageV01P130 # وأما قوله عز وجل: {ثم استوى} (¬1) فإن -ثم- قد يكون على الاستئناف وعلى ~~غير الاستئناف، وإنما أراد بقوله: {ثم استوى على العرش} أي هو مع خلقه ~~السموات والأرض قد استوى على العرش، ولم يرد أن ذلك شيء بعد شيء وقد قال: ~~{أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيما ذا مقربة أو مسكينا ذا متربة ثم كان من ~~الذين آمنوا} (¬2) ، ولم يرد أنه فعل ما فعل، ثم كان بعد فعله من الذين ~~آمنوا، وقال عز وجل: {ثم لنحن أعلم بالذين هم أولى بها ms105 صليا} (¬3) فلو أراد ~~بذلك الاستئناف لكان يجب أن يكون الله تعالى مستأنفا لعلم ما قد علم من ~~ذلك، وأما قوله: {ثم استوى إلى السماء وهي دخان} (¬4) فكيف يتهيأ الاستواء ~~على الدخان إذا كان ذلك على ما يتوهمه المشبهة من الحلول؟ وكذلك قوله: {على ~~العرش استوى} (¬5) ، ولو كان ذلك ما يتوهمونه من الاستواء بعد الاعوجاج (¬6) # ¬__________ # (¬1) سورة الأعراف آية رقم 54. # (¬2) سورة البلد آية رقم 14، 15، 16، 17، وقد جاء في المطبوعة أنها آية ~~18 وهو خطأ. # (¬3) سورة مريم آية رقم 70. # (¬4) سورة فصلت آية رقم 11. # (¬5) سورة طه آية رقم 5، وقد جاءت في المطبوعة على أنها سورة الأعراف 54 ~~وهو خطأ. # (¬6) يقول الإمام ابن كثير: نسلك في هذا المقام مذهب مالك، والأوزاعي، ~~والثوري، والليث بن سعد، والشافعي، وأحمد، وإسحاق بن راهويه، وغيرهم من ~~أئمة المسلمين قديما وحديثا، وهو إمرارها كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه ~~ولا تعطيل، والظاهر المتبادر إلى أذهان المشبهين منفي عن الله، فإن الله لا ~~يشبهه شيء من خلقه، وليس كمثله شيء وهو السميع البصير، بل الأمر كما قال ~~الأئمة؛ منهم نعيم بن حماد الخزاعي -شيخ البخاري- قال: من شبه الله بخلقه كفر.. PageV01P131 # لكان ينبغي أن يكون الله جل جلاله في أول ما جلس على العرش لم يكن ~~متمكنا، فهو إذن يعجز عن حسن الجلسة، حتى يريد أن يتأتى له، ويمكن نفسه، ~~وما يخلو المتوهم بهذا أو القائل به من أن يكون غبيا منقوصا، أو معاندا ~~عابثا، تعالى الله عن جميع ما قالوا علوا كبير. # القول في المجيء: # فإن قالوا: ما معنى قوله: {وجاء ربك والملك صفا صفا} (¬1) ؟ قلنا لهم: ~~وقد قال أيضا: {ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم} (¬2) ، أتقولون: إنه جاء ~~إليهم في الأرض وهو في السماء بزعمكم؟ وقال: {فأتى الله بنيانهم من ~~القواعد} (¬3) أفتقولون: إنه ظهر لهم من تحت الأرض؟ وقال: {ذهب الله ~~بنورهم} (¬4) أفتقولون ذهب به من الأرض إلى السماء، أو ما تقولون في أمثال ~~هذا من أخبار الله تعالى عن نفسه بالإتيان والذهاب، وهو كثير؟ فإن قلتم: ~~إنما جاءهم ms106 الكتاب من عند الله ولم يأتهم الله بنفسه، وقلتم: إن معنى قوله: ~~{فأتى الله بنيانهم من القواعد} (¬5) أي: أبطل مكرهم بالنبي -صلى الله عليه ~~وسلم- وكيدهم له، {ذهب الله بنورهم} (¬6) أي أذهب نورهم، قلنا لهم: قد صرتم ~~إلى المجازات وتركتم قطع الشهادات، فكذلك قولنا في قوله: {وجاء ربك والملك ~~صفا صفا} (¬7) أي جاء أمره وثوابه وعقابه (¬8) ، # ¬__________ # (¬1) سورة الفجر آية رقم 22. # (¬2) سورة الأعراف آية رقم 52. # (¬3) سورة النحل آية رقم 26. # (¬4) سورة البقرة آية رقم 17. # (¬5) سورة النحل آية رقم 26. # (¬6) سورة البقرة آية رقم 17، قد جاءت في المطبوعة محرفة؛ حيث قال: ~~"وذهب" بزيادة (الواو). # (¬7) سورة الفجر آية رقم 23. # (¬8) ساق الفخر الرازي في هذا المعنى فصلا مشبعا في قوله تعالى: {يأتيهم ~~الله}، وقوله: {وجاء ربك} أخبار عن حال القيامة، ثم ذكر هذه الواقعة بعينها ~~في سورة النحل فقال: هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي أمر ~~ربك..فصار هذا الحكم مفسرا لذلك المتشابه؛ لأن كل هذه الآيات لما وردت في ~~واقعة واحدة لم يبعد حمل بعضها على بعض، وقال تعالى: {وقضى الأمر} ولا شك ~~أن الألف واللام للمعهود السابق، فلا بد وأن يكون قد جرى ذكر أمر قبل ذلك ~~حتى تكون الألف واللام إشارة إليه، وما ذاك إلا الذي أضمرناه من أن قوله: ~~{يأتيهم الله} أي يأتيهم أمر الله. PageV01P132 # وقد يقول الرجل: لعبده لا جاء الله بك ولا ذهب بك، وليس يريد أن لله في ~~نفسه ذهابا ومجيئا، فعلى هذا المعنى قال الله: {وقال ربك} وقد نقول: الآخرة ~~آتية وجائية، والدنيا ذاهبة وفانية وماضية، وإنما نعني أنها فانية، ليس ~~أنها تخرج من مكان إلى مكان، وكذلك إذا قلنا: الآخرة جائية، وليس نريد أنها ~~تخرج من مكان إلى مكان، وقد قال: {وجيء يومئذ بجهنم} (¬1) ليس يريد أن جهنم ~~تحمل وترفع من مكان إلى مكان، وإنما يريد أنها حاضرة موجودة، وهذا بحمد ~~الله واضح، وكذلك روي في التفسير عن الكلبي (¬2) عن أبي صالح، عن ابن عباس ~~-رضي الله عنهما- في قوله: {وجاء ربك} (¬3) أي جاء أمر ربك وقضاؤه، ms107 وكذلك ~~في قوله: {أن يأتيهم الله} (¬4) أي أن يأتيهم أمره وقضاؤه (¬5) # ¬__________ # (¬1) سورة الفجر آية رقم 23. # (¬2) هو محمد بن السائب بن بشر بن عمرو بن الحارث الكلبي، أو النضر، ~~نسابة، راوية، عالم بالتفسير والأخبار، وأيام العرب، من أهل الكوفة، مولده ~~ووفاته بها عام 46ه، صنف كتابا في التفسير، وهو ضعيف الحديث. قال النسائي: ~~حدث عنه ثقات الناس، ورضوه في التفسير، وأما الحديث ففيه مناكير، وقيل: كان ~~سبئيا، وهو أبو هشام صاحب كتاب الأصنام. راجع تهذيب التهذيب 9: 178، ووفيات ~~الأعيان 1: 493، وميزان الاعتدال 3: 61. # (¬3) سورة الفجر آية رقم 22. # (¬4) سورة البقرة آية رقم 210. # (¬5) يقول الإمام الطبري عند تفسيره لهذه الآية: وقال آخرون معنى قوله: ~~{هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله} يعني به هل ينظرون إلا أن يأتيهم أمر الله، ~~كما يقال: قد خشينا أن يأتينا بنو أمية، يراد به: حكمهم. # وقال آخرون: بل معنى ذلك: هل ينظرون إلا أن يأتيهم ثوابه وحسابه وعذابه، ~~كما قال عز وجل: {بل مكر الليل والنهار} سورة سبأ 33، وكما يقال: قطع ~~الوالي اللص أو ضربه وإنما قطعه أعوانه، والله أعلم. PageV01P133 # فيفصل بينهم، وهو قول الحسن ومجاهد. قال الحسن: يعني بأمره وقضائه، وكذلك ~~قال أبو صالح -صاحب التفسير-: وجاء أمر ربك أي قضاؤه. فإن قالوا: ما معنى ~~قوله: {وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناضرة} (¬1) وقوله: {تحيتهم يوم يلقونه ~~سلام} (¬2) ؟ قلنا: فقد قال أيضا: {ألم تر إلى ربك كيف مد الظل} (¬3) فهو ~~إذن يرى عند امتداد جميع الظل، فإن قالوا: إنما أراد ألم تر إلى امتداد ~~الظل كيف مده الله، قيل لهم: من أين جاز لكم أن تحملوه على المجاز دون ~~المعقول؟ فإن قالوا: من قبل أن الله تعالى لا يوصف بالظهور عند جميع ~~الظلال، قيل لهم: نعد هذا الجواب في جميع ما سألتم عنه من هذا ومثله، فنقول ~~في قوله: {من كان يرجو لقاء ربه} (¬4) و{يوم يلقونه} (¬5) و {هم بلقاء ربهم ~~كافرون} (¬6) إنما هو على معنى يلقون ما وعد لهم من الثواب والعقاب، ولو ~~كان ذلك ما يتوهمونه من أن المؤمنين ms108 يلقونه ويرونه دون الكافرين لما قال: ~~{بل هم بلقاء ربهم كافرون} (¬7) ، وأنتم تزعمون أن الكافرين لا يلقونه، ~~وقوله: {وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناضرة} (¬8) فقد قال أهل التفسير: إن ~~النظر ها هنا على معنى الانتظار (¬9) . # ¬__________ # (¬1) سورة القيامة آية رقم 23. # (¬2) سورة الأحزاب آية رقم 44. # (¬3) سورة الفرقان آية رقم 45. # (¬4) سورة الكهف آية رقم 110، وسورة العنكبوت آية رقم 15. # (¬5) سورة الأحزاب آية رقم 44، وتكملة الآية {سلام وأعد لهم أجرا كريما}. # (¬6) سورة السجدة آية رقم 10، وقد جاءت الآية في المطبوعة بدون (بل). # (¬7) سورة السجدة آية رقم 10. # (¬8) سورة القيامة آية رقم 23. # (¬9) قال الطبري: حدثنا أبو كريب قال: ثنا عمر بن عبيد، عن منصور عن ~~مجاهد {وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناضرة} قال: تنتظر الثواب. # وعن مجاهد أنه سئل: إن ناسا يقولون إنه يرى، قال: يرى ولا يراه شيء. PageV01P134 # جويبر (¬1) عن الضحاك (¬2) عن ابن عباس أنه رأى رجلا يدعو ربه شاخصا بصره ~~إلى السماء، رافعا يده فوق رأسه، فنهاه ابن عباس عن ذلك، فقال: إنك لن ~~تراه، ولن تناله، فقال الرجل: ولا في الآخرة؟ فقال: ولا في الآخرة، فقال ~~الرجل: فما وجه قول الله عز وجل: {وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناضرة} (¬3) ~~فقال ابن عباس: ألست تقرأ قوله: {لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار} (¬4) ~~ثم قال ابن عباس: (¬5) إن أولياء الله تنضر وجوههم يوم القيامة، أي تشرق، ~~ثم ينظرون إلى ربهم متى يأذن لهم في دخول الجنة، بعد الفراغ من الحساب ~~وقال: {وجوه يومئذ باسرة} (¬6) # ¬__________ # (¬1) هو أبو القاسم بن سعيد الأزدي، ويقول الدكتور الطالبي راجع فهرس ~~الجامع الصحيح، مسند الربيع ابن حبيب ص 28، ويقول أيضا: ويبدو أنه من أهل ~~القرن الثاني للهجرة لأخذه عن الضحاك. وفي (د) جوير، وصوابه جويبر. راجع ~~مسند الربيع 3: 17. # (¬2) هو الضحاك بن مزاحم البلخي الخراساني، أبو القاسم، كان معلما ~~للصبيان، ويقال كان يطوف على أكثر من 3000 صبي على حماره، ويعد من ~~المفسرين، وله مؤلف فيه، وثقه الإمام أحمد وابن معين، توفي بخراسان سنة ~~105ه 723م. راجع العبر 1: 124، والمحبر 475، وميزان الاعتدال ms109 1: 471. # (¬3) سورة القيامة آية رقم 23. # (¬4) سورة الأنعام آية رقم 103. # (¬5) هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب القرشي الهاشمي أبو العباس، حبر ~~الأمة، الصحابي الجليل، ولد بمكة عام 3 ق. ه، ونشأ في بدء عصر النبوة، ~~فلازم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وروى عنه الأحاديث الصحيحة، وشهد مع ~~علي الجمل وصفين، وكف بصره في آخر عمره فسكن الطائف، وتوفي بها، له في ~~الصحيحين وغيرهما 1660 حديثا. قال ابن مسعود: نعم ترجمان القرآن ابن عباس، ~~ينسب إليه كتاب في تفسير القرآن. راجع الإصابة ت 4772، وصفة الصفوة 1: 314، ~~وحلية 1: 314، وتاريخ الخميس 1: 167. # (¬6) سورة القيامة آية رقم 24.. PageV01P135 # يعني كالحة، {تظن أن يفعل بها فاقرة} (¬1) قال: يتوقعون العذاب بعد ~~العذاب، وكذلك قوله: {إلى ربها ناظرة} ينتظر أهل الجنة الثواب بعد الثواب ~~والكرامة بعد الكرامة، وروي مثل ذلك عن علي بن أبي طالب (¬2) في قوله: ~~{وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناضرة}، قال: تنظر وجوههم إلى ربها، ناظرة قال: ~~تنتظر متى يأذن لهم ربهم في دخول الجنة، ولا يعني الرؤية؛ لأن الأبصار لا ~~تدركه كما قال: {لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير} ~~(¬3) وروي مثل ذلك عن محمد بن المنكدر، (¬4) وقال محمد: ما رأيت أحدا له ~~عقل يقول: إن الله يراه أحد من خلقه، وتلا هذه الآية: {وقال الذين لا يرجون ~~لقاءنا لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا، لقد استكبروا في أنفسهم ~~وعتوا عتوا كبيرا} (¬5) ثم قال: {يوم يرون الملائكة}. (¬6) # ¬__________ # (¬1) سورة القيامة آية رقم 25. # (¬2) هو علي بن أبي طالب بن عبد المطلب الهاشمي القرشي أبو الحسن، أمير ~~المؤمنين، ورابع الخلفاء الراشدين، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، وابن عم ~~الرسول -صلى الله عليه وسلم-، أول الناس إسلاما بعد خديجة، ولد بمكة عام 23 ~~ق.ه، وربي في حجر النبي -صلى الله عليه وسلم- ولم يفارقه، وكان اللواء بيده ~~في كثير من المشاهد، قتل عام 40ه. راجع صفة الصفوة 1: 118، واليعقوبي 2: ~~154، وشرح نهج البلاغة 2: 579. # (¬3) سورة الأنعام آية رقم 103. # (¬4) هو محمد بن المنكدر بن عبد الله بن الهدير بن عبد العزى القرشي ms110 ~~التيمي (من بني تيم بن مرة) المدني، زاهد، من رجال الحديث، من أهل المدينة، ~~أدرك بعض الصحابة وروى عنهم، له نحو مائتي حديث. قال ابن عيينة: ابن ~~المنكدر من معادن الصدق، توفي بعد عام 130ه. راجع تاريخ الإسلام للذهبي 5: ~~155 158، وتهذيب التهذيب 9: 473، وخلاصة تهذيب الكمال 308. # (¬5) سورة الفرقان آية رقم 21 # (¬6) سورة الفرقان آية رقم 22 PageV01P136 ومثل هذا روي عن مالك بن أنس ~~(¬1) المدني، وتلا مالك هذه الآية: {وقال الذين لا يرجون لقاءنا} (¬2) إلى ~~قوله: {وعتو عتوا كبيرا} (¬3) ، فقال: أشركوا شركا عظيما، وقال علي بن أبي ~~طالب وعبد الله بن عباس، وعائشة أم المؤمنين، ومجاهد، وإبراهيم النخعي (¬4) ~~والحسن بن أبي الحسن البصري، ومكحول الدمشقي (¬5) # ¬__________ # (¬1) هو مالك بن أنس بن مالك الأصبحي الحميري، أبو عبد الله، إمام دار ~~الهجرة، وأحد الأئمة الأربعة عند أهل السنة، وإليه تنسب المالكية، مولده ~~عام 93ه، ووفاته 179ه بالمدينة، كان صلبا في دينه، بعيدا عن الأمراء ~~والملوك، وشي به إلى جعفر عم المنصور العباسي فضربه سياطا انخلعت لها كتفه، ~~صنف الموطأ، وله رسالة في الوعظ ورسالة في الرد على القدرية، وكتاب في ~~تفسير غريب القرآن. راجع الديباج المذهب 17 30، والوفيات 1: 439، وتهذيب ~~التهذيب 10 5، وصفة الصفوة 2: 99. # (¬2) جاء في المطبوعة أنها آية 121 من سورة الفرقان وهو خطأ، صوابه 21. # (¬3) جاء في المطبوعة أنها آية 122من سورة الفرقان وهو خطأ، صوابه 22. # (¬4) هو إبراهيم بن يزيد بن قيس بن الأسود أبو عمران النخعي، من مذجح، من ~~أكابر التابعين صلاحا وصدقا ورواية وحفظا للحديث، من أهل الكوفة، مات ~~مختفيا من الحجاج. قال فيه الصلاح الصفدي: فقيه العراق، كان إماما مجتهدا ~~له مذهب، ولما بلغ الشعبي موته قال: والله ما ترك بعده مثله. راجع طبقات ~~ابن سعد 6: 188، 199، وتهذيب التهذيب 4: 219، وطبقات القراء 1: 29. # (¬5) هو مكحول بن أبي مسلم شهراب بن شاذل أبو عبد الله، الهذلي بالولاء، ~~فقيه الشام في عصره، من حفاظ الحديث، أصله من فارس، ومولده بكابل، سبي وصار ~~مولى لامرأة بمصر من هذيل فنسب إليها، واعتق وتفقه، ورحل في طلب الحديث إلى ms111 ~~العراق والمدينة، وطاف كثيرا من البلدان، واستقر في دمشق، وتوفي بها عام ~~112ه. قال الزهري: لم يكن في زمنه أبصر منه بالفتيا..راجع تذكرة الحفاظ 1: ~~101، وحسن المحاضرة 119، وتهذيب التهذيب 10: 289، والجرح والتعديل 4، القسم ~~1: 407. PageV01P137 # وعطاء بن يسار (¬1) ، وسعد بن المسيب (¬2) ، وسعد بن جبير (¬3) ، # ¬__________ # (¬1) هو عطاء بن يسار الهلالي أبو محمد المدني القاص، مولى ميمونة زوج ~~النبي _صلى الله عليه وسلم_، وهو أخو سليمان وعبد الملك وعبد الله بن يسار، ~~روى عن معاذ بن جبل _وفي سماعه منه نظر_، وعن أبي ذر، وأبي الدرداء، وعبادة ~~بن الصامت، وزيد بن ثابت، ومعاوية بن الحكم السلمي، وأبي أيوب وغيرهم. روى ~~عنه أبو سلمة بن عبد الرحمن _وهو من أقرانه_، ومحمد بن عمر بن عطاء وغيرهم. ~~قال البخاري وابن سعد: سمع من ابن مسعود، وقال ابن معين وأبو زرعة والنسائي ~~ثقة. مات سنة ثلاث ومائة، وقال غيره سنة 94، وقيل توفي بالإسكندرية. راجع ~~تهذيب التهذيب 7: 217 218. # (¬2) هو سعيد بن المسيب بن حزن بن أبي وهب المخزومي القرشي أبو محمد، سيد ~~التابعين، وأحد الفقهاء السبعة بالمدينة، جمع بين الحديث والفقه والزهد ~~والورع، وكان يعيش من التجارة بالزيت لا يأخذ عطاء، وكان أحفظ الناس لأحكام ~~عمر بن الخطاب وأقضيته، حتى سمي راوية عمر. توفي بالمدينة عام 94ه. راجع ~~طبقات بن سعد 5: 88، والوفيات 1: 206، وصفة الصفوة 2: 44، وحلية 2: 261. # (¬3) سعيد بن جبير الأسدي بالولاء الكوفي أبو عبد الله، تابعي، كان ~~أعلمهم على الإطلاق، وهو حبشي الأصل من موالي بني والبة بن الحارث بن أسد، ~~أخذ العلم عن عبد الله بن عباس وابن عمر. قبض عليه خالد القسري، وأرسله إلى ~~الحجاج فقتله، فقال أحمد بن حنبل: قتل الحجاج سعيدا، وما على وجه الأرض ~~مفتقر إلى علمه، وكان ذلك عام 95ه. راجع وفيات الأعيان 1: 204، وطبقات ابن ~~سعد 6: 178، وتهذيب التهذيب 4: 11، وحلية الأولياء 4: 272.. PageV01P138 # والضحاك بن مزاحم، وأبو صالح صاحب التفسير، وعكرمة (¬1) ، ومحمد بن كعب ~~القرظي (¬2) وابن شهاب الزهري (¬3) : إن الله لا يراه أحد من خلقه، وأما ~~تأويل المشبهة لقول الله تعالى: {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} (¬4) # ¬__________ # (¬1) هو ms112 عكرمة بن عبد الله البربري المدني أبو عبد الله، مولى عبد الله ~~بن عباس، تابعي، كان من أعلم الناس بالتفسير والمغازي، طاف البلدان، وروى ~~عنه زهاء ثلاثمائة رجل؛ منهم أكثر من سبعين تابعيا، وذهب إلى نجدة الحروري، ~~فأقام عنده ستة أشهر، ثم كان يحدث برأي نجدة، وخرج إلى بلاد المغرب فأخذ ~~عنه أهلها رأي الصفرية، وعاد إلى المدينة فطلبه أميرها، فتغيب عنه حتى مات ~~105ه. راجع تهذيب التهذيب 7: 263، وحلية الأولياء 3: 326، وميزان الاعتدال ~~2: 208، وابن خلكان 1: 319. # (¬2) هو محمد بن كعب بن سليم بن أسد القرظي أبو حمزة، وقيل أبو عبد الله ~~المدني، من حلفاء الأوس، وكان أبوه من سبي قريظة، سكن الكوفة ثم المدينة، ~~روى عن العباس بن عبد المطلب، وعلي، وابن مسعود، وعمرو بن العاص، روى عنه ~~أخوه عثمان، والحكم بن عتبة، ويزيد بن أبي زياد وغيرهم. قال ابن سعد: ثقة ~~كثير الحديث ورعا، وقال العجلي: مدني تابعي ثقة، مات سنة 118ه. راجع تهذيب ~~التهذيب 9: 421 422. # (¬3) هو محمد بن مسلم بن عبد الله بن شهاب الزهري، أول من دون الحديث، ~~وأحد كبار الحفاظ والفقهاء، تابعي من أهل المدينة، كان يحفظ ألفين ومائتي ~~حديث، نصفها مسند، وعن أبي الزناد كان يطوف مع الزهري ومعه الألواح والصحف، ~~ويكتب كل ما يسمع، نزل الشام واستقر بها. قال ابن الجوزي مات بشغب آخر حد ~~الحجاز وأول حد فلسطين عام 124ه. راجع تذكرة الحفاظ 1: 102، ووفيات الأعيان ~~1: 451، وتهذيب التهذيب 9: 445، وتاريخ الإسلام للذهبي 5: 136. # (¬4) سورة يونس آية رقم 26..وقد قيل: إن الزيادة أن تضاعف الحسنة عشر ~~حسنات إلى أكثر من ذلك، وروي عن ابن عباس، وروي عن علي بن أبي طالب _رضي ~~الله عنه_: الزيادة غرفة من لؤلؤة واحدة لها أربعة آلاف باب، وقال مجاهد: ~~"الحسنى حسنة مثل حسنة، والزيادة: مغفرة من الله ورضوان". راجع تفسير ~~القرطبي 8: 331. PageV01P139 # فقالوا: إن الحسنى هي الجنة، ولا نجد ما يزيدهم بعد الجنة إلا أن يريهم ~~الله إياه، فهذا من التأويل باستكراه شديد، وتعسف قبيح، غير أن القوم متى ~~سمعوا بذكر شيء قريب من ms113 الذي تميل إليه أهواؤهم، أو بعيد منهم ذهبوا به إلى ~~ما تهوى أنفسهم من تشبيههم، وقال ابن عباس، والحسن البصري (¬1) : الحسنى ~~بالحسنة، والزيادة التسع، قال الله: {من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها} (¬2) ~~، {فله خير منها} (¬3) وقال مجاهد: الحسنى بالحسنى، والزيادة مغفرة الله ~~ورضوانه، وقال الشعبي (¬4) : الزيادة دخول الجنة، وقال محمد بن كعب: ~~الزيادة التي يزيدهم الله من الثواب والكرامة، وقال عبد الرحمن بن أبي ليلى (¬5) : # ¬__________ # (¬1) هو الحسن بن يسار البصري أبو سعيد، تابعي، كان إمام أهل البصرة، ~~وحبر الأمة في زمنه، وهو أحد العلماء الفقهاء الفصحاء النساك، ولد بالمدينة ~~عام 21ه، واستكتبه الربيع بن زياد والي خراسان في عهد معاوية، وسكن البصرة، ~~وعظمت هيبته في القلوب، فكان يدخل على الولاة فيأمرهم وينهاهم، له كتاب ~~"فضائل مكة"، توفي بالبصرة عام 110ه. # (¬2) سورة الأنعام، آية رقم 160. # (¬3) سورة النحل، آية رقم 89، وتكملة الآية {وهم من فزع يومئذ آمنون}. # (¬4) هو عامر بن شراحبيل بن عبد ذي كبار الشعبي الحميري أبو عمرو، راوية ~~من التابعين، يضرب المثل بحفظه، ولد ونشأ ومات فجأة بالكوفة عام 103ه، كان ~~ضئيلا نحيفا، ولد لسبعة أشهر عام 19ه، وهو من رجال الحديث الثقات، استقضاه ~~عمر بن عبد العزيز، وكان فقيها شاعرا. راجع تهذيب التهذيب 5: 65، والوفيات ~~1: 244، وحلية الأولياء 4: 310، وتهذيب ابن عساكر 7: 138، وتاريخ بغداد 12: 227. # (¬5) هو عبد الرحمن بن أبي ليلى أبو عيسى الكوفي، ولد بالكوفة عام 21ه، ~~والتقى بالصحابة، وأخذ عن عثمان وعلي وغيرهما، والتقى بعمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه، شهد وقعة الجمل، وكان صاحب راية علي، سمع من مجاهد، ويقال إنه ~~غرق مع ابن الأشعث سنة 83ه.. PageV01P140 # أحسنوا وحدوا الله، والحسنى الجنة، والزيادة ما يزيدهم الله من فضله ~~ورحمته، وقال أبو حازم المدني: الزيادة نعم الله التي أنعم بها عليهم، ~~أعطاهم إياها، لم يحاسبهم عليها، ولم يصنع بهم ما صنع بالآخرين، وقال علي ~~بن أبي طالب: الزيادة لؤلؤة لها أربعة أبواب، ومعناهم كلهم واحد، لأن ذلك ~~كله ثواب، وللمشبهة تأويل آخر وهو أشد استكراها من هذا التأويل، وأشد ~~تعسفا؛ ms114 وذلك أن المشبهة سمعت الله يقول: {يوم يكشف عن ساق} (¬1) فقالوا: هي ~~ساق الله، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا، قالوا: ويصدق هذا التأويل ~~الحديث: "إن جهنم تشكو الخلاء حتى يضع الجبار فيها قدمه" (¬2) ، # ¬__________ # (¬1) سورة القلم آية رقم 42، قال جمهور العلماء: يكشف عن شدة، وأنشدوا: ~~"وقامت الحرب على ساق"، وقال آخر: "وإن شمرت عن ساقها الحرب شمرا". # قال ابن قتيبة: وأصل هذا أن الرجل إذا وقع في أمر عظيم يحتاج إلى معناة ~~الجد، فيه شمر عن ساقه، فاستعيرت الساق في موضع الشدة، وهذا قول الفراء، ~~وأبي عبيدة، وتغلب، وكثير من اللغويين. # (¬2) الحديث رواه الإمام البخاري في كتاب التفسير، 1 باب وتقول هل من ~~مزيد، 4849، بسنده عن أبي هريرة رفعه، وأكثر ما كان يوقفه أبو سفيان، يقال ~~لجهنم هل امتلأت...؟ وتقول هل من مزيد...؟، فيضع الرب تبارك وتعالى قدمه ~~عليها فتقول: قط قط، ورواه الترمذي في التفسير، 51 باب ومن سورة "ق" 3272 ~~بسنده عن أنس بن مالك أن نبي الله _صلى الله عليه وسلم_ قال: وذكره، قال ~~الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه، وفيه عن أبي هريرة. # يقول جار الله الزمخشري في كتابه (الفائق في غريب الحديث): وضع القدم على ~~الشيء مثل للردع والقمع، فكأنه قال: يأتيها أمر الله فيكفها عن طلب المزيد ~~فترتدع. ه. # قلت: والواجب علينا أن نعتقد أن ذات الله عز وجل لا تتبعض ولا يحويها ~~مكان، ولا توصف بالتغيير ولا بالانتقال. وقد حكى أبو عبيد الهروي عن الحسن ~~البصري أنه قال: القدم هم الذين قدمهم الله لها من شرار خلقه، وأثبتهم لها. # وقال أبو منصور الأزهري: القدم الذين تقدم القوم بتخليدهم في النار، يقال ~~لمن قدم قدم، ولما هدم هدم، ويؤيد هذا قوله: وأما الجنة فينشئ لها خلقا. # ووجه ثان: أن كل قادم عليها يسمى قدما، فالقدم جمع قادم، ومن يرويه بلفظ ~~الرجل فإنه يقال: رجل من جراد، فيكون المراد يدخلها جماعة يشبهون في كثرتهم ~~الجراد، فيسرعون التهافت فيها. PageV01P141 # قلنا للقوم: قد ms115 وجدنا لهذه الكلمة مواضع كثيرة، فهل تفسرون الجميع بهذا ~~من معقول اللفظ دون مفهومه أو لا؟ وليس يجب في هذا الكلام إلا أن يكون ~~الساق أبدا في اللغة إلا على معنى ساق الإنسان، ولكن احسبوا الأمر على هذا ~~الكلام لا يحتمل إلا ساق بدن من الأبدان، ما الدليل على أنه لم يعن إلا ساق ~~الله عز وجل دون ساق أحد من جميع الخلق؟ وقد يقول الرجل لصاحبه: والله ~~لأتجردن لك، وليس يريد من ثيابه، وإنما يريد الجد والاجتهاد، وقد تقول ~~العرب: قد قامت الحرب بنا على ساق، وليس تريد أن لها رجلا وساقا، وقد قال ~~الشاعر: # وقام الشر منه على ساق. # وقال آخر: # أخو الحرب إن عضت به الحرب عضها ... وإن شمرت عن ساقها الحرب شمرا (¬1) # وقال آخر: # وذاقت كموج البحر تعبو عبابها ... وقامت على ساق وحان التلاحق # ¬__________ # (¬1) راجع ديوان حاتم المطبوع في بيروت، وحاتم هو بن عبد الله بن سعد بن ~~الحشرج الطائي القحطاني أبو عدي، فارس، شاعر، جواد، جاهلي، يضرب المثل ~~بجوده، كان من أهل نجد، وزار الشام فتزوج ماوية بنت حجر الغسانية، ومات في ~~عوارض (جبل في بلاد طي). قال ياقوت: وقبر حاتم عليه شعر كثير ضاع معظمه، ~~وله ديوان صغير، توفي عام 46ق. ه. راجع تهذيب ابن عساكر 3: 420، وتاريخ ~~الخميس 1: 255. PageV01P142 # وإنما ذكرنا تأويل المشبهة لهذه الآية؛ لأنه يشبه تأويل أصحاب الرؤية ~~للآية التي ذكر الله فيها الزيادة. عن عاصم بن كليب قال: رأيت سعيد بن جبير ~~غضب غضبا شديدا لم أره غضب مثله قط، فقال: أتقولون قولا عظيما، يعني ~~التشبيه الذي ذكروا، قال سعيد: إنما يعني يوم يكشف عن الأمر الشديد (¬1) ، ~~ثم قال سعيد في حديث ابن كليب: لو علمت من يقول هذا التشبيه لفعلت وفعلت، ~~فإن قالوا: قد قال الله عز وجل لموسى _صلى الله عليه وسلم_: {ولتصنع على ~~عيني} (¬2) فوجب علينا أن نجعل له عينا كما قال، قلنا: فقد قال لنوح _صلى ~~الله عليه وسلم_: {واصنع الفلك بأعيننا} (¬3) ، وقال: {تجري بأعيننا} (¬4) ~~، فقالوا: إن ms116 له عيونا، ويجب عليكم إذا قضيتم بظاهر اللفظ على المعاني، ولم ~~تصرفوه إلى ما يجوز أن تقولوا: لا ندري لعل له ثلاثة أعين، أو ثلاثين عينا؛ ~~لأن قوله أعين يحتمل ذلك وغيره، وأنتم إذا جعلتم له عينا فإنما تذهبون إلى ~~ما تعرفون من صورة آدم _صلى الله عليه وسلم_، وذلك على قولكم: إن الله خلق ~~آدم على صورته (¬5) ، # ¬__________ # (¬1) يؤيد ذلك ما يرويه الطبري عند تفسيره لهذه الآية قال: قال جماعة من ~~الصحابة والتابعين من أهل التأويل: يبدو عن أمر شديد، وقال: حدثنا ابن حميد ~~قال: "ثنا مهران عن سفيان عن المغيرة عن إبراهيم عن ابن عباس يوم يكشف عن ~~ساق" قال: عن أمر عظيم. # (¬2) سورة طه آية رقم 39. # (¬3) سورة هود آية رقم 37. # (¬4) سورة القمر آية رقم 14. يقول الزمخشري: "بأعيننا" في موضع الحال ~~بمعنى أصنعها محفوظا برعايتنا. ويقول الرازي في أساس التقديس عند الكلام ~~على العين: لا بد من المصير إلى التأويل؛ وذلك هو أن يحمل هذه الألفاظ على ~~شدة العناية والحراسة، والوجه في حسن هذا المجاز: أن من عظمت عنايته بشيء ~~وميله إليه ورغبته فيه كان كثير النظر إليه، فجعل لفظ العين التي هي آلة ~~لذلك النظر كناية عن شدة العناية". # (¬5) سبق تخريج هذا الأثر قريبا من هذا.. PageV01P143 # فإذا جعلتم له عيونا فلا أنتم بقول إخوانكم من أصحاب الضياء الخالص قلتم، ~~ولا على الرواية بأنه (خلق آدم على صورته)، قلتم: وإذا جعلنا الشيء عينا ~~ووجها وجب علينا أن نجعل له رأسا وقفا، وغير ذلك، ولو كان الأمر أيضا في ~~قوله:{ويبقى وجه ربك} (¬1) على تأويلهم لوجب أن يهلك من معبودهم كل شيء سوى ~~الوجه، وقالوا: الدليل على أن له يدا قوله تعالى لإبليس لعنه الله: {ما ~~منعك أن تسجد لما خلقت بيدي} (¬2) ، وقوله: {بل يداه مبسوطتان} (¬3) ، ~~قلنا: وقد قال الله: {أو لم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما} ~~(¬4) ، فإن كنتم جعلتم له يدين على ظاهر هذا الكلام، اجعلوا له الأيدي ~~الكثيرة على كلامه، إذا كان قوله: _يد_ لا ms117 يحتمل النعمة ولا غير النعمة، ~~مما يجري على الله، ويحسن في صفته جل جلاله، وليس له وجه عندكم إلا يد ~~مركبة في ساعد، وقد تكون اليد جارحة، وقد تكون اليد نعمة، وتكون قوة إذا ~~كانت اليد يبطش بها، وقد يقول الرجل: أمرك بيدي على معنى الحكم على الشيء، ~~وليس يريد الجارحة. وقال علي بن أبي طالب: (لما خلقت بيدي) أي لما خلقت ~~أنا، وكذلك قال: (مما عملت أيدينا) يقول عملنا، وقال الضحاك مثل ذلك. وقال ~~الحسن: (لما خلقت بيدي) أي بأمري، واعتلوا أيضا بقوله: {والسموات مطويات ~~بيمينه} {والأرض جميعا قبضته} (¬5) # ¬__________ # (¬1) سورة الرحمن آية رقم 27. # (¬2) سورة ص آية رقم 75. # (¬3) سورة المائدة آية رقم 64. # (¬4) سورة يس آية رقم 71، اليد في اللغة بمعنى النعمة والإحسان، ومعنى ~~قول اليهود: (يد الله مغلولة) أي محبوسة عن النفقة، واليد القوة، يقولون: ~~"له بهذا الأمر يد، وقوله بل يداه مبسوطتان" أي نعمة وقدرته، وقوله: "لما ~~خلقت بيدي" أي بقدرتي ونعمتي. وقال الحسن "يد الله فوق أيديهم" أي منته ~~وإحسانه. # (¬5) سورة الزمر آية رقم 67.. PageV01P144 # فقالوا: قد أخبرنا أن له يمينا، وإنما خاطبنا بما نعقل، وعلى ما نعرف، ~~قلنا فإن كان ذلك كذلك فلسنا نعرف أحدا له يمين إلا له يسار، وقد يكون ~~الرجل أيمن إذا كان أكثر عمله بيمينه، وقد يكون أعسر إذا كان عمله بيساره، ~~وقد يكون أعسر أيسر إذا كان عمله بهما جميعا سواء، فعلى أي هذه تعزمون من ~~صفات معبودكم (¬1) ، ولا صفة إلا ما ذكرنا؟ وليس من صفات الإنسان أكمل من ~~أن يكون أعسر أيسر، وقد ينبغي أن تقولوا أعسر أيسر كما قال الشاعر: # كلا يدي عمرو الغداة يمين # ولو كنا متى سمعنا بيمين لم يكن بد من أن يكون اليمين يدا جارجة، كأن إذا ~~قال الشاعر: # فلما تغشى كل شهر ظلامه ... وألقى يدا في كافر الشمس مغرب # وقال آخر يصف ظليما ونعامة: # فتذكرا ثقلا وئيدا بعدما ... ... ... ألقت ذكاء يمينها في كافر (¬2) # ¬__________ # (¬1) معبودهم الذي يصورنه بصورة الإنسان. وكل هذه الأفكار دخيلة على ~~المسلمين، ms118 جاءت إليهم من اتصالهم بفلسفة اليونان وفلسفة الفرس، وخزعبلات ~~اليهود، وكل هذه الأشياء تعتقد بتجسيم الإله. ألم يقل اليهود لموسى عليه ~~السلام: "أرنا الله جهرة"؟ ألم يتخذوا العجل إلها لهم...؟ # وكذلك فلسفة اليونان وفلسفة الفرس لا تؤمنان إلا بالتجسيم، وعلى المسلمين ~~أن يتخلصوا من هذه الأشياء، ويهتدوا بهدي الوحي الذي جاءهم من عند الله. # (¬2) جاءت في المطبوعة: رئيدا بدلا من (وئيدا) وهو تحريف، والمعروف أن ~~الشمس هي كوكب من الكواكب التي خلقها الله سبحانه وتعالى: وهي مخلوق عجيب ~~ملتهب، وليست لها أيادي ولا أقدام، ولكن الشاعر أنزلها منزلة الإنسان الذي ~~له يدان ورجلان على طريقة المجاز لا الحقيقة، وأي فهم غير هذا الفهم يحمل ~~في طياته التعنت والمكابرة، والله أعلم. PageV01P145 # وجب أن يجعل للشمس يدين يسارا ويمينا، فإذا جعلنا لشيء يسارا ويمينا وجب ~~أن نجعل له رأسا ووجها وغير ذلك، وقال الله جل جلاله: {والمحصنات من النساء ~~إلا ما ملكت أيمانكم} (¬1) ، وقد علمنا أن الله لم يعن يمينا ولا شمالا، ~~ولو كان الكلام يوجب أن نأخذ بظاهره، وندع باطنه لكانت الآية خاصة في كل من ~~له يمين دون الأقطع من أصل المنكب، وكذا قال الله لنبيه _صلى الله عليه ~~وسلم_: {ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط} (¬2) ، ولم يرد ~~الله بذكره هذا اليد المركبة في بدنه، وإنها نهاه عن البخل، والسرف جميعا؛ ~~لأن هذا النهي قد وقع على الأعسم (¬3) ، وعلى الأجذم (¬4) ، وعلى من لا يد ~~له إذا كان ذا جدة، وعلى هذا المعنى قالت اليهود: {يد الله مغلولة غلت ~~أيديهم ولعنوا بما قالوا} (¬5) ، وليس أن اليهود من دينها ومن اعتقادها أن ~~لله يدا كأيدينا، وأنها مغلولة إلى عنقه على مثال الغل الذي نعرف، وقال ~~الشاعر يهجو رجلا: # بسط اليدين بما في رجل صاحبه ... ... ... جعد اليدين بما في رجله قطط # فالعرب تذكر اليد والكف والذراع والباع، وهي تريد غير ذلك، قال الشاعر: # له نار تهب كل ريح ... ... ... إذا الظلماء جللت القناعا # وما إن كان أكثرهم سواما ... ... ... ولكن كان ms119 أرحبهم ذراعا # ¬__________ # (¬1) سورة النساء آية رقم 24. # (¬2) سورة الإسراء آية رقم 29. # (¬3) العسم: يبس في المرفق والرسغ، تعوج منه اليد والقدم، ويطلق على ~~انتشار رسغ اليد من الإنسان. راجع لسان العرب. # (¬4) جذم الرجل صار (أجذم)، وهو المقطوع اليد، وبابه طرب، وفي الحديث: ~~"من تعلم القرآن ثم نسيه لقي الله وهو أجذم"، والجمع (جذمى) مثل حمقى، ~~والجذام: داء، وقد جذم الرجل بضم الجيم فهو مجذوم، ولا يقال أجذم. # (¬5) سورة المائدة آية رقم 64. PageV01P146 # وليس يريد الذراع، وإنما يريد سعة الصدر والاحتمال، وقال الله: {إلا أن ~~يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح} (¬1) ، وقالوا أيضا: قد قال الله ~~تعالى موسى _صلى الله عليه وسلم_: {واصطنعتك لنفسي} (¬2) ، وقال قال عيسى ~~أيضا لربه: {تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك} (¬3) ، قلنا قد يقول ~~الرجل لصاحبه: أتيتك بنفسي، وهو ليس يريد النفس والروح، بل يريد أني لم أكل ~~المجيء إليك إلى غيري، ولم أرض لك برسولي ولا كتابي، قال الله تبارك ~~وتعالى: {لقد جاءكم رسول من أنفسكم} (¬4) ، وقال في مكان آخر: {كما أرسلنا ~~فيكم رسولا منكم} (¬5) ، فكان قوله: (منكم)، (ومن أنفسكم) سواء، وقالوا ~~أيضا: وقد قال الله حكاية عن قول الكافر: {يا حسرتى على ما فرطت في جنب ~~الله} (¬6) قلنا: قد يقول الرجل لصاحبه: هذا يسير في جنب رضاك. # وقد قال الشاعر: # ... وفي جنبي ما أوليتني منك نعمة ... ... ... تقل لك العتبى وإن لم تكلم # ¬__________ # (¬1) سورة البقرة آية رقم 237. # (¬2) سورة طه آية رقم 41. # (¬3) سورة المائدة آية رقم 116. # (¬4) سورة التوبة آية رقم 128. # (¬5) سورة البقرة آية رقم 151. # (¬6) سورة الزمر آية رقم 56. # ويقولون: فرط في جنبه وفي جانبه يريدون في حقه. قال سابق البربري: # أما تتقين الله في جنب وامق ... ... ... له كبد حرى عليك تقطع # قال السيد محمد الألوسي في تفسيره (روح المعاني): لا يمكن إبقاء الكلام ~~على حقيقته لتنزهه عز وجل عن الجنب بالمعنى الحقيقي، وكلهم مجمعون على ~~التنزيه، وسبحان من ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. وقال العلامة ~~القاسمي: أي في جانب أمره ونهيه. PageV01P147 # والمعنى في ms120 قوله: (فرطت في جنب الله) عند أهل التفسير، أي في أمر الله، ~~وأصل الكلمة على المقارنة، فمتى ما قارنت شيئا بشيء، وكان أحدهم بجنب الآخر ~~صغيرا، قيل: هذا صغير في جنب ذلك، والجواب في كل ما سألوا عنه من آي ~~القرآن، وحديث النبي عليه السلام كالجواب في الذي ذكرنا، فإن سألوا عن ~~قوله: {كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون} (¬1) قيل لهم: فقد قال الضحاك عن ~~علي بن أبي طالب _رضي الله عنه_ وابن عباس في ذلك أنه لم يزل يحجبهم عن ~~رحمته وثوابه، ولا ينظر إليهم برحمته، وروي عن مجاهد مثله، وعن علي بن أبي ~~طالب أنه مر بقصاب ورجل يستزيده، فقال له القصاب: لا والذي احتجب بسبع ~~سماوات لا أزيدك، فعلاه علي بالدرة، وفي الروايات فنخسه علي بيده اليمنى في ~~جنبه الأيسر فقال: ويحك إن الله لا يحجبه شيء عن شيء، فقال القصاب: أفأكفر ~~عن يميني يا أمير المؤمنين؟ فقال: لا إنما حلفت بغير الله، وقوله: {ما كذب ~~الفؤاد ما رأى أفتمارونه على ما يرى ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى ~~عندها جنة المأوى إذ يغشي السدرة ما يغشى ما زاغ البصر وما طغى} (¬2) ، # ¬__________ # (¬1) سورة المطففين آية رقم 15. # (¬2) سورة النجم الآيات من 11 إلى 17.. PageV01P148 # جبير عن الضحاك عن ابن عباس _رضي الله عنهما_ أنه قال: رأى رسول الله ~~_صلى الله عليه وسلم_ جبريل على صورته مرتين فتلا هذه الآية، وروى جبير عن ~~الضحاك عن ابن عباس في قوله: {إذ يغشي السدرة ما يغشى}، قال: يغشاها جلال ~~الله وعظمته، قال: {لقد رأى من آيات ربه الكبرى}، فجبريل من أكبر آيات الله ~~تعالى، ولقد قالت عائشة مثل ذلك، وقالت: من زعم أن محمدا رأى ربه فقد أعظم ~~على الله الفرية (¬1) ، وقوله: {وقدمنا إلى ما عملوا من عمل} (¬2) ، يقول ~~الحسن ومجاهد: وعدنا إلى ما عملوا من عمل. # ¬__________ # (¬1) روى الطبري بسنده عن مسروق عن عائشة _رضي الله عنها_ قالت له: يا ~~أبا عائشة من زعم أن محمدا رأى ربه فقد ms121 أعظم الفرية على الله، والله يقول: ~~{لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير}، وقال: {وما كان ~~لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب}، قال: وكنت متكئا فجلست ~~وقلت: يا أم المؤمنين انتظري ولا تعجلي، ألم يقل الله تعالى: {ولقد رآه ~~نزلة أخرى} وقال: {ولقد رآه بالأفق المبين}، فقالت: أنا أول من سألت رسول ~~الله _صلى الله عليه وسلم_ عن ذلك فقال: "لم أر جبريل على صورته إلا هاتين ~~المرتين منهبطا من السماء سادا، عظم خلقه ما بين السماء والأرض". # (¬2) سورة الفرقان آية رقم 23. PageV01P149 # سئل ابن عباس عن قول الله: {الله نور السماوات والأرض} (¬1) فقال: الله ~~عدل السماوات والأرض، وهو هادي من في السماوات والأرض، ألا ترى إلى قوله: ~~{مثل نوره كمشكاة} (¬2) وليس لله مثل، وكذلك قال الحسن وقتادة وعمر بن محمد ~~وأبو مسلم المكي ومجاهد معناه: الله عدل السماوات والأرض، وهو هادي من ~~فيهما، فإن قالوا: ما معنى قول الحواريين (¬3) لعيسى: {هل يستطيع ربك أن ~~ينزل علينا مائدة من السماء} (¬4) ؟ قالوا: وهذا يدل على أنه في السماء دون ~~الأرض، قلنا: وقد قالت بنو إسرائيل لموسى: {فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت ~~الأرض من بقلها وقثائها} (¬5) وقال أيضا: {وأنزل لكم من الأنعام ثمانية ~~أزواج} (¬6) وقال: {وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد} (¬7) ، # ¬__________ # (¬1) الخبر عند الربيع بن حبيب في مسنده، باب 26 في قوله: "الله نور ~~السماوات والأرض" 868، قال جابر بن زيد: سئل ابن عباس -رضي الله عنه- عن ~~قول الله: {الله نور السماوات والأرض} قال ابن عباس، والحسن، وقتادة، وعمرو ~~بن محمد، وأبو مسلم المكي. ومجاهد، وذكره. # (¬2) سورة النور آية رقم 35. # (¬3) الحور: قيل ظهور قليل من البياض في العين من بين السواد، وأحورت ~~عينه، وذلك نهاية الحسن من العين، وقيل حورت الشيء بيضته، والحواريون أنصار ~~عيسى _صلى الله عليه وسلم_ قيل: كانوا قصارين، وقيل: كانوا صيادين، وقال ~~بعض العلماء: إنما سمو حوارين لأنهم كانوا يطهرون نفوس الناس بإفادتهم ~~الدين والعلم، قال: وإنما كانوا صيادين لاصطيادهم نفوس الناس ms122 من الحيرة، ~~وقودهم إلى الحق. قال _صلى الله عليه وسلم_: "لكل نبي حواري وحواري ~~الزبير"، فتشبيه لهم في النصرة؛ حيث قال: "من أنصاري إلى الله قال ~~الحواريون نحن أنصار الله". # (¬4) سورة المائدة آية رقم 112. # (¬5) سورة البقرة آية رقم 61، وجاءت محرفة في المطبوعة؛ حيث قال: "ادع" ~~بدلا من "فادع". # (¬6) سورة الزمر آية رقم 6. # (¬7) سورة الحديد آية رقم 25.. PageV01P150 # ولم يرد هاهنا إنزالا من السماء، وأما مسألة الحواريين لعيسى إنما يريدون ~~بذلك أن نزول المائدة من السماء أدل للخلق، وأوضح في الإجابة، وأعظم في ~~الآية، مما لا يقدر الخلق على أن يدعوه، لا ساحر، ولا كاهن، ولو كان متى ~~ذكر السماء أنه فيها دون الأرض لكان إذا ذكر الأرض يدل على أنه في الأرض ~~دون السماء، وقد مضى الكلام في هذا بالذي يغني عن تكراره، إلا أنه لا ينبغي ~~أن ندع شيئا مما يتعلقون به إلا أفحصنا (¬1) عن تأويله. وجاء عن رسول الله ~~_صلى الله عليه وسلم_ أنه قال: "لو حفرتم لصاحبكم في ماء ثم دليتموه لوجدتم ~~الله" (¬2) ، # ¬__________ # (¬1) الفحص: البحث عن الشيء وقد فحص عنه، من باب قطع، وتفحص وافتحص ~~بمعنى، والأفحوص بوزن العصفور مجثم القطاة؛ لأنها تفحصه، وكذا المفحص بوزن ~~المذهب، يقال ليس له مفحص قطاة، وفي الحديث: "فحصوا عن رؤوسهم كأنهم حلقوا ~~وسطها وتركوها مثل (أفاحيص) القطا". # (¬2) هذا جزء من حديث طويل رواه البيهقي في كتاب الأسماء والصفات، وفيه ~~زيادة، قال أبو هريرة: ثم قرأ رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ "هو الأول ~~والآخر والظاهر والباطن". يقول البيهقي: والذي روي في آخر هذا الحديث إشارة ~~إلى نفي المكان، وأن العبد أينما كان فهو في القرب والبعد من الله تعالى ~~سواء، وأنه الظاهر، فيصح إدراكه بالأدلة، الباطن فلا يصح إدراكه بالكون في ~~مكان، واستدل أصحابنا على نفي المكان بقول النبي _صلى الله عليه وسلم_: ~~"أنت الظاهر فليس فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك شيء".. PageV01P151 # وجاء عن ابن عمر (¬1) أنه قال: لا تقل والله حيث كان فإن الله بكل مكان، ~~قال: وجاء ms123 رجل إلى ابن مسعود (¬2) فقال: إني رأيت رجلا يصلي عند كل إسطوانة ~~ركعتين، فقال ابن مسعود: لو علم المصلي أن الله عند أدنى إسطوانة منها ما ~~جاوزها إلى غيرها، وقد جاء الحديث المشهور: "إن أربعة أملاك التقوا: واحد ~~من السماء السابعة، وآخر من الأرض السابعة، وآخر من المشرق، وآخر من ~~المغرب، فتساءلوا فيما بينهم فقال كل واحد منهم: جئت من عند ربي" (¬3) ، # ¬__________ # (¬1) هو عبد الله بن عمر بن الخطاب العدوي، أبو عبد الرحمن، صحابي من أعز ~~بيوتات قريش في الجاهلية، كان جرئيا جهيرا، نشأ في الإسلام وهاجر إلى ~~المدينة مع أبيه، وشهد فتح مكة، ومولده ووفاته فيها، أفتى الناس في الإسلام ~~ستين سنة، ولما قتل عثمان عرض عليه نفر أن يبايعوه بالخلافة فأبى، وغزا ~~إفريقيا مرتين: الأولى مع ابن سرح، والثانية مع معاوية بن خديج، وكف بصره ~~في آخر حياته، له في كتب الحديث 2630 حديثا، توفي عام 73ه. راجع معالم ~~الإيمان 1: 70، والإصابة 4835، وتهذيب الأسماء 1: 378. # (¬2) هو عبد الله بن مسعود بن غافل بن حبيب الهذلي أبو عبد الرحمن، صحابي ~~من أكابرهم فضلا وعقلا وقربا من رسول الله _صلى الله عليه وسلم_، وهو من ~~أهل مكة، ومن السابقين إلى الإسلام، وأول من جهر بقراءة القرآن بمكة، وكان ~~خادم رسول الله الأمين وصاحب سره، نظر إليه عمر يوما وقال: وعاء ملئ علما، ~~ولي بيت مال الكوفة بعد وفاة الرسول _صلى الله عليه وسلم_ ثم قدم المدينة ~~في خلافة عثمان فتوفي بها عن نحو ستين عاما، وكان ذلك عام 32ه، له 848 ~~حديثا، وأورد الجاحظ في البيان والتبيين خطبة له ومختارات من كلامه. # (¬3) سورة الأعراف آية رقم 143.. PageV01P152 # وتأويل ذلك كله: إن الله في جميع الأشياء كائن وفي كل الخلق موجود، على ~~معنى الأحداث والإنشاء والزيادة فيها، والنقصان منها، والإحاطة والحفظ لها، ~~وقد يقولون: أمير المؤمنين في المظالم، والناس في الصلاة، لا يريدون أن ذلك ~~يكون لهم وعاء ومكانا، فإن سألوا عن قول موسى عليه السلام: {رب أرني أنظر ~~إليك} (¬1) # ¬__________ # (¬1) سورة الأعراف ms124 آية رقم 143. # وفي رواية الحسن عن أبي هريرة _رضي الله عنه_ انقطاع، ولا ثبت سماعه من ~~أبي هريرة، وروي من وجه آخر منقطع عن أبي ذر _رضي الله عنه_. PageV01P153 # فإنا نروي عن عبد الله بن عباس _وهو ترجمان الكتاب_ أنه قال ذلك على وجه ~~الأعذار إلى قومه، ليريهم الله آية من آياته، فيئسوا من رؤية الله، جبير عن ~~الضحاك في قوله: {تبت إليك} (¬1) أي من مسألتي أن أنظر إليك، وأنا أول ~~المؤمنين المصدقين بأنك لا يراك أحد، قال الحسن: {لن تراني} (¬2) ، ولا ~~ينبغي لبشر أن يراني، وقال مجاهد: تجلى أمره للجبل، وقال ابن عباس: {وأنا ~~أول المؤمنين} (¬3) بأنك لا يراك أحد في الدنيا ولا في الآخرة، فإن سألوا ~~عن معنى روايات رووها عن النبي عليه السلام منها: "أنكم سترون ربكم لا ~~تضامون في رؤيته، كما لا تضامون في القمر ليلة البدر (¬4) "، "ولن تمتلئ ~~جهنم حتى يضع الجبار فيها قدمه (¬5) "، "وإن الله خلق آدم على صورته (¬6) # ¬__________ # (¬1) جاء في لسان العرب: أبصر فلان نظر ببصره فرأى، وأبصر الشيء رآه، ~~وجاء عند محمد الحفيش: والبصر الأسود الذي وسط العين، وبه يكون الإبصار، أو ~~القوة المودعة في ذلك الأسود، أو في العصبتين المؤديتين إليه، وقد يطلق على ~~العين لأنها المؤدية إليه (تيسير التفسير 2: 373)، وجاء عند محمد عبده: ~~وأبصرت الشيء رأيته، وقيل البصر حاسة الرؤية. ابن سيده: البصر حسن العين، ~~والجمع أبصار، ذكره في اللسان. وقال الراغب: يقال للجارحة الناظرة نحو قوله ~~تعالى: {كلمح البصر} (النحل: 77)، وقوله: {وإذ زاغت الأبصار} (الأحزاب: 10) ~~وللقوة التي فيها. راجع تفسير المنار ط/دار المنار 7: 651. # (¬2) سورة الأعراف آية رقم 143. # (¬3) سورة الأعراف آية رقم 143، وقد جاءت الآية محرفة في المطبوعة؛ حيث ~~إنها ذكرت بدون (الواو). # (¬4) سبق تخريج هذا الحديث قريبا من هذا. # (¬5) سبق تخريج هذا الحديث قريبا من هذا. # (¬6) سبق تخريج هذا الحديث قريبا من هذا.. PageV01P154 # "، "وإن القلوب بين أصبعين من أصابع الله يقلبها كيف يشاء (¬1) "، "وهل ~~تدرون ما يضحك الرب من عبده (¬2) "، وقالوا أيضا: فإن عيسى عليه السلام قال ~~في ms125 الإنجيل لربه: (يا رب إن كان من مسرتك أن تصرف هذه الكأس عن أحد فاصرفها ~~عني (¬3) # ¬__________ # (¬1) الحديث رواه الإمام مسلم في كتاب القدر، 3 باب تصريف الله تعالى ~~القلوب كيف شاء 17 (2654) بسنده عن عبد الله بن عمرو بن العاص يقول: إنه ~~سمع رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ يقول: وذكره وفيه زيادة، ثم قال رسول ~~الله _صلى الله عليه وسلم_: "اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك"، ~~ورواه الترمذي في كتاب القدر، 7 باب ما جاء أن القلوب بين إصبعي الرحمن ~~2140، بسنده عن أنس قال: كان الرسول رسول _صلى الله عليه وسلم_ يكثر أن ~~يقول: وذكره. # قال الترمذي: وفي الباب عن النواس بن سمعان، وأم سلمة، وعبد الله بن ~~عمرو، وعائشة، وهذا حديث حسن. ورواه ابن ماجه في المقدمة 13، وأحمد بن حنبل ~~في المسند 2: 168، 173، 6: 182، 251، 302، 315 (حلبي). # (¬2) الحديث عند ابن ماجه في المقدمة 13 باب فيما أنكرت الجهمية 191 ~~بسنده عن أبي هريرة قال: رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ وذكره. # (¬3) يقول الدكتور عمار الطالبي: وقد تفضل الأب قنواتي فأرشدني إلى النص ~~الوارد في الإنجيل المترجم إلى الفرنسية # "Pere, si tu veux, eloigne de moi ce calice, mais que ce ne soit pas ~~ma volonte, mais la tienne, que se fasse". Evangile selon saint Luc, ~~XXII, 42. # وفي الترجمة العربية: "يا أبتاه إن شئت أن تجيز عني هذه الكأس، ولكن لتكن ~~لا إرادتي بل إرادتك"، وجاء قبلها و"خرج ومضى كالعادة إلى جبل الزيتون، ~~وتبعه أيضا تلاميذه "40"، ولما صار إلى المكان قال لهم: صلوا لكي لا تدخلوا ~~في تجربة "41"، وانفصل عنهم نحو رمية حجر، وجثا على ركبتيه، وصلى "42" ~~قائلا: يا أبتاه". إلخ (إنجيل لوقا 22/ 40 42). PageV01P155 # )، يعني كأس المنية، قالوا: فوصفه عيسى بالمسرة كما ترون، وقالوا: وقد ~~قال رسول الله _صلى الله عليه وسلم_: "لله أسر بتوبة العبد من رجل ضلت ~~ناقته بأرض في الله برحله، وزاده ومائه فوجدها (¬1) ". وجوابنا في هذه ~~الأحاديث وأمثالها إن كانت صحيحة على ما قالوا، إن معناها ms126 على موافقة ~~القرآن لا على مخالفته، وقد جاء عن النبي _صلى الله عليه وسلم_ ورجلاه ~~تخطان في الأرض أنه قال: (أيها الناس إنكم لا تمسكون عني شيئا، أني لا أحل ~~إلا ما أحل القرآن، ولا أحرم إلا ما حرم القرآن، وكيف أقول بخلافه، وبه ~~هداني الله (¬2) # ¬__________ # (¬1) الحديث رواه الإمام مسلم في كتاب التوبة، (1) باب في الحض على ~~التوبة والفرح بها (3) (2744) بسنده عن الحارث بن سويد قال: دخلت على عبد ~~الله أعوده وهو مريض، فحدثنا بحديثين: حديثا عن نفسه وحديثا عن رسول الله ~~_صلى الله عليه وسلم_ قال: سمعت رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ يقول: الله ~~أشد فرحا بتوبة عبده المؤمن من رجل في أرض دوية مهلكة معه راحلته عليها ~~طعامه وشرابه، فنام فاستيقظ وقد ذهبت، فطلبها حتى أدركه العطش، ثم قال: ~~ارجع إلى مكاني الذي كنت فيه فأنام حتى أموت، فوضع رأسه على ساعده ليموت، ~~فاستيقظ وعنده راحلته، وعليها زاده وطعامه وشرابه، فالله أشد فرحا بتوبة ~~العبد المؤمن من هذا براحلته وزاده"، ورواه ابن ماجه في الزهد 30، والترمذي ~~في الدعوات 98. # (¬2) هو شريح بن الحارث بن قيس بن الجهم الكندي أبو أمية، من أشهر القضاة ~~الفقهاء في صدر الإسلام، أصله من اليمن، ولي قضاء الكوفة في زمن عمر، ~~وعثمان، وعلي، ومعاوية، واستعفى في أيام الحجاج فأعفاه سنة 77ه، وكان ثقة ~~في الحديث، مأمونا في القضاء، له باع في الأدب والشعر، عمر طويلا، ومات ~~بالكوفة.. PageV01P156 # )، وروي عن علي أنه قال: قال رسول الله _صلى الله عليه وسلم_:" إذا جاءكم ~~عني حديث فرأيتموه مضيئا، ليس بذي تفاقم ولا تخاون فهو عني، وإن رأيتموه ذا ~~تفاقم وتخاون فليس عني"، وقد جاء عن النبي _صلى الله عليه وسلم_: "يحمل هذا ~~العلم من كل خلف عدو له، ينفون عن تحريم الغالين، وانتحال المبطلين وتأويل ~~الجاهلين". PageV01P157 # وعن شريح(425) أنه قال:إن للحديث جهابذة كجهابذة الورق، ومعنى الحديث: ~~تعلمون أن لكم ربا، لا تشكون فيه، ولا يجوز أن تعتريكم الشكوك والريب، كما ~~لا يجوز ذلك في العلم ms127 بأن القمر قمر ليلة البدر، لا على أن الأبصار تدركه ~~جهرة، ومعنى الرواية الأخرى: لن تمتلئ جهنم حتى يضع الجبار فيها قدمه (¬1) ~~، يريد ما قدم لها من أهل الشقاوة الذين في علمه أنهم صائرون إلى جهنم، قال ~~الله عز وجل: {وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم} (¬2) ، ومعنى: ~~(خلق آدم على صورته) (¬3) أي خلقه الله بالغا، ولم ينقله من نطفة إلى علقة، ~~ومن علقة إلى مضغة، ومن طفولية إلى غير ذلك، وقال بعض أهل العلم في ذلك: إن ~~الله خلق آدم على صورته، أي على صورة آدم التي اختار الله له من بين الصور، ~~وبعضهم يقول: إن رسول الله سمع رجلا يقبح بذمه غلاما له في صورة وجهه، فقال ~~_صلى الله عليه وسلم_: "لا تقبحوا الوجوه فإن الله خلق آدم على صورته (¬4) # ¬__________ # (¬1) سبق الحديث عن هذا الخبر قريبا من هذا. # (¬2) سورة يونس آية رقم 2. # (¬3) يقول الراغب الأصفهاني: الصورة أراد بها ما خص الإنسان بها من ~~الهيئة المدركة بالبصر والبصيرة، وبها فضله على كثير من خلقه، وإضافته إلى ~~الله سبحانه على سبيل الملك لا سبيل البعضية والتشبيه _تعالى عن ذلك_، وذلك ~~على سبيل التشريف له، كقوله: بيت الله، وناقة الله، ونحو ذلك. # (¬4) سبق تخريج هذا الحديث. وقد قال أبو سليمان الخطابي: "خلق آدم على ~~صورته" الهاء وقعت كناية بين اسمين ظاهرين، فلم تصلح أن تصرف إلى الله عز ~~وجل لقيام الدليل على أنه ليس بذي صورة _سبحانه_ "ليس كمثله شيء"، فكان ~~مرجعها إلى آدم عليه السلام، "فالمعنى أن ذرية آدم إنما خلقوا أطوارا، ~~كانوا في مبدأ الخلقة نطفة ثم علقة، ثم مضغة، ثم صاروا صورا أجنة، إلى أن ~~تتم مدة الحمل، فيولودون أطفالا، وينشأون صغارا إلى أن يكبروا"..راجع كتاب ~~الأسماء والصفات للبيهقي 290 وما بعدها. PageV01P158 # "، يعني على صورة المقبح، وكل هذا تأويل، وقلنا في معنى بين إصبعين على ~~معنى الحكم على الشيء والقدرة عليه، كقوله تعالى: {والأرض جميعا قبضته يوم ~~القيامة} (¬1) ، وقد يقول الرجل لصاحبه: ما فلان إلا ms128 في قبضتي، وهذا الأمر ~~في يدي، وكل هذا في لغة العرب شائع (¬2) سائغ. وقال الحسن: تعلموا العربية، ~~وحسن العبارة، والذي ذكروا من الضحك، والمسرة وأشباه تلك الألفاظ ومعناها ~~معنى الرضا والمحبة، وربما يأتي الغلط في أمثال هذه العبارات عن ترجمة ~~المترجم، وقد يكون يسمع بذكر الرضا والمحبة فيترجمها بالضحك والسرور، ولو ~~نظرت في الكتب المتقدمة عن الله جل جلاله، المنقولة عن لغاتها إلى العربية ~~لوجدت فيها من التشبيه الفاحش، والكلام السمج، ما لا يجوزه موحد ولا ملحد، ~~والمترجم لا يكون مترجما حتى يكون في الغاية والثقة من معرفة اللغتين ~~جميعا، ويكون مع ذلك متكلما عارفا بما يجوز على الله تعالى مما لا يجوز ~~عليه، ولولا عزيمتكم _حفظكم الله_ على نشر هذا الباب معنى معنى، وتتبع ~~وجوهه واحدا واحدا لتخف مؤنته على المبتدئين من أصحابنا _أعانهم الله على ~~معرفة الهدى_ لاقتصرت ببعض هذا عن كله، ولاجتزيت بقليله عن كثيره، بل ~~الجملة التي نصبناها كفاية عما سواها، وبالأصل الذي وضعنا إماما لما هو ~~مثله، والحمد لله على موافقة القول بالصواب، وله الشكر والفضل على مصادقة ~~الفصل للخطاب. # ¬__________ # (¬1) سورة الزمر آية رقم 67. # (¬2) القبضة واليمين في كلام العرب قد تكون بمعنى القدرة والملك، ومنه ~~قوله تعالى: {أو ما ملكت أيمانكم} يريد به الملك، وقال: {لأخذنا منه ~~باليمين} أي بالقوة والقدرة، أي لأخذنا قوته وقدرته. قال الفراء والمبرد: ~~اليمين القوة والقدرة، وأنشدا: # إذا ما راية رفعت لمجد ... ... ... تلقاها عرابة باليمين # وقال آخر: # ولما رأيت الشمس أشرق نورها ... ... ... تناولت منها حاجتي بيميني # قتلت شنيفا ثم فاران بعده ... ... ... وكان على الآيات غير أمين ~~PageV01P159 التجسيم على مذهب القائسين (¬1) : # ومما تسأل عنه المشبهة، ونحن مبتدئون بالمسألة على من قال بالتشبيه، وجرد ~~التجسيم على مذهب القائسين دون المحتجين بالحديث والقرآن، فنقول لهم: أليس ~~الجسم ما كان ذا طول وعرض، وعمق، وجهات، وحدود، وحركات وسكون، وما يكون ذا ~~نصفين، ويحتمل التجزئة، ويكون ذا هيئة من الهيئات، وقدر من الأقدار؟ فإن ~~زعموا أن الله جسم، وليس بموصوف بشيء مما ذكرنا وعددنا، ms129 قيل لهم: فلم ~~سميتموه جسما، ولا تضيفون إليه صفة واحدة من صفات الأجسام؟ وليس بين صفة ~~واحدة وبين صفتين فرق، ولا بين صفتين وثلاث صفات فرق، ولا بين البعض والكل ~~فرق، فهلا سميم العرض جوهرا، والجوهر (¬2) # ¬__________ # (¬1) قاس الشيء بالشيء قدره على مثاله، والقياس: هو عبارة عن التقدير، ~~يقال: قاس النعل إذا قدره، وقاس الجراحة بالميل إذا قدر عمقها به، وهو ~~يستعمل في التشبيه، وهو تشبيه الشيء بالشيء. # وهؤلاء القائسين على رأي المؤلف هم الذين يقولون بالتشبيه والتجسيم، ~~ويشبهون الله تعالى بخلقه، وتجاهلوا قول الله تعالى: {ليس كمثله شيء وهو ~~السميع البصير} (سورة الشورى: 11). # (¬2) الجوهر: لم يكن لفكرة الجوهر في الفلسفة المدرسية الشرقية ما كان ~~لها من الشأن في مدارس الغرب، والجوهر بحسب النظرية اليونانية عند المفكرين ~~المسلمين هو ما يقوم بذاته، وما ليس مفتقرا إلى غيره في وجوده ولو من ~~الناحية المنطقية، فهو من حيث علاقته به يعد جوهرا، كما أن اللون من حيث ~~علاقته بالجسم يعد عرضا، على أن قيمة فكرة الجوهر ليست منطقية فحسب وإنما ~~هي ميتافيزيقية أيضا. # والمفكرون المسلمون: قالوا عن الجوهر البسيط: هو ما ليس له أجزاء ولا ~~يقبل الفساد بالتالي، وعلى هذا فابن سينا عندما أراد أن يبرهن على خلود ~~النفس برهن على أنها جوهر بسيط، ومن هنا تأدى إلى أنها غير تالفة، وهذا ~~يعني أن قيمة النظرية تستند إلى فكرة البساطة. # ويعرف صاحب "التعريفات" الجوهر بأنه ماهية إذا وجدت في الأعيان كانت لا ~~في موضع، وهو منحصر في خمسة: هيولي، وصورة، وجسم، ونفس، وعقل. راجع ~~الجرجاني التعريفات، والنسفي العقائد ومعه شرح التفتازاني ص 47، 52، 70، ~~ودائرة المعارف الإسلامية 7: 174. PageV01P160 # عرضا، واللون حركة، والحركة لونا، والحر بردا، والبرد حرا؟ إذ كنتم تسمون ~~ما ليس بطويل ولا عريض، ولا عميق، ولا بذي نصفين، ولا بذي قدر، ولا هيئة ~~جسما، فإن أقروا بالطول والعرض والعمق والحدود والجهات، والسكون، والحركات، ~~والقدر، والهيئة، وأثبتوه مع ذلك قديما، سألناهم عن مسائلنا على الدهرية. ~~وهل من فرق بين من قال: إن الجسم قديم، ms130 وبين من قال: إن القديم جسم؟ ~~ويلزمهم مع تثبيت الحركة والسكون أن الله لم ينفك عن الحدث قط، إذ كان كل ~~جسم لا ينفك من الحركة، والسكون، والاجتماع، والافتراق، وبعد فليخبرونا عن ~~الأجسام لأي أمر صارت محدثة، مخلوقة، محتملة للمزاج، ألنفسها أم للدلالة ~~التي لا تفارقها؟ أم لأنها ممزوجة؟ وهل القول في الشائب إلا كالقول في ~~المشوب؟ أو ليس الشائب نفسه مشوبا بغيره؟ وما تقولون في جسم رأيناه مشوبا ~~بغيره؟ وجسم رأيناه غير مشوب بغيره؟ وهل يفرق بينهما في الحدث ما في أحدهما ~~من المزاج والشوب؟ فإن قالوا: لا، قلنا: فسووا إذن بين ما سوت بينهما ~~الصفات، ووافقوا بين ما وافقت بينهما الأعمال والعلل والفروع، إذ اتفاق ~~الفروع يدل على اتفاق الأصول، وهل بين تكون ممزوجة وبين أن تكون محتملة ~~للمزاج من فرق؟ فإن كانت الأجسام إنما صارت محدثة مخلوقة محتملة للمزاج ~~لأنفسها، وأنفسها أجسام، فكل جسم محدث، وكل جسم يحتمل المزاج، امتزج أو لم يمتزج. PageV01P161 # فإن قالوا: ليست العلة ذلك، ولكن العلة أن يكون الجسم يحتمل الزيادة ~~والنقصان والفناء والبطلان، قلنا: وما جعل بعضها أحق بذلك من بعض؟ وكلها ~~متساوية في الصفات، متفقة في العلل، وهل احتمل الجسم الزيادة أو النقصان ~~والفناء والبطلان إلا لأنه جسم محدود، متناه، ذو طول، وعرض، وعمق، وحركة، ~~وسكون، أم لأمر غير ذلك؟ فإن كان ذلك للذي وصفنا فالأمر كما ذكرنا، وإن كان ~~لغير أنه محدود ذو حركة وسكون، واحتمال التنصيف والتصريف، فما العلة التي ~~لها احتمل الفناء، والبطلان والزيادة والنقصان، فإن قالوا: إنما يعتريه ذلك ~~لأنه متناهي القوة، قلنا: ولم تتناه قوته إلا لتناهي جسمه، أو ليس إذا ~~استوت الأعمال واتفقت الصفات في وجوه الخاص (¬1) والعام (¬2) ، فذلك الذي ~~يوجب التسوية في الحكم؟ فإن قالوا: إنما قلنا جسم لأنه فاعل، والفاعل لا ~~يكون إلا جسما، قلنا: قد أخطأتم وجه القياس (¬3) ، # ¬__________ # (¬1) الخاص: عند الأصوليين كل لفظ وضع لمعنى معلوم على الانفراد، والمراد ~~بالمعنى ما وضع له اللفظ عينا كان أو عرضا، والمقصود بالانفراد اختصاص ms131 ~~اللفظ بذلك المعنى. # والخاص: نقيض العلم، وهو ما يشمل نوعا واحدا أو فردا واحدا. # (¬2) العام في اللغة: الشامل، يقال مطر عام وتعليم عام، وفي تعريفات ~~الجرجاني: العام لفظ وضع وضعا واحدا لكثير غير محصور، مستغرق جميع ما يصلح له. # (¬3) القياس عند المناطقة: هو المركب من قضايا، يستلزم لذاته قولا آخر، ~~وينقسم إلى الاقتراني: وهو ما كان مشتملا على النتيجة أو نقيضها بالقوة ~~نحو: العالم متغير، وكل متغير حادث. # والاستثنائي: هو المعروف بالشرط لكونه مركبا من قضايا شرطية، وهو المشتمل ~~على النتيجة أو نقيضها بالفعل نحو: ((لو كان النهار موجودا لكانت الشمس ~~طالعة، ولو لم يكن النهار موجودا لما كانت الشمس طالعة)). # وقياس الخلف: وهو إثبات المطلوب بإبطال نقيضه لقولنا: شريك الباري غير ~~موجود لأنه لو وجد إما أن يكون واجبا ممكنا، والأول باطل، ولا يلزم تعدد ~~الواجب، وكذا الثاني. PageV01P162 # ولم تصادفوا حقيقة العلة؛ إذ ليس كل جسم فاعلا، وأنتم تزعمون أنه إنما ~~كان جسما لعلة أنه فاعل، فيلزمكم أن تجعلوا كل جسم فاعلا، وتبطلوا عما ليس ~~بفاعل أن يكون جسما، ونحن نجد أجسما كثيرة وليست بفاعلة، فإن قالوا: لا نجد ~~ها هنا ولا نعقل فيما بيننا فاعلا إلا جسما، قلنا: فإن كنتم على المعقول ~~تثبتونه جسما، فهل ثبتموه بجميع ما تجدون من صفات الأجسام؟ وليس بين أن ~~يخرج الشيء عن المعقول في وجه، وبين أن يخرج في وجهين فرق، وكذلك أكثر من ~~ذلك، على أنهم لو رجعوا بصفة معبودهم إلى ما يجدون ويعقلون لأبطلوا عنه ~~التسمية بالجسم، وإلا فليوجدونا جسما يخترع سماء وأرضا، ويعلم السر ~~والضمير، وما يكون قبل أن يكون، فإن زعموا أنهم يعقلون ذلك ويتوهمونه صاروا ~~إلى التحكم، وخرجوا من التصادق، وليس مع المباهتة (¬1) محاجة، ولا مع ~~المجاحدة مناظرة (¬2) ، # ¬__________ # (¬1) المباهتة: يقال بهته أخذه بغتة، وبابه قطع، ومنه قوله تعالى: {بل ~~تأتيهم بغتة فتبهتهم} سورة الأنبياء آية 40، وبهته أيضا: قال عليه ما لم ~~يفعله، فهو مبهوت، وبابه قطع، وقال تعالى: {فبهت الذي كفر} سورة البقرة آية ~~258، أي دهش ms132 وتحير، وقال تعالى: {هذا بهتان عظيم} سورة النور آية 16، أي ~~كذب، وقال تعالى: {يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن} سورة الممتحنة ~~آية 12، كناية عن الزنا، وقيل: بل ذلك لكل فعل شنيع يتعاطينه باليد والرجل. # (¬2) المناظرة: هي النظر بالبصيرة من الجانبين في النسبة بين الشيئين ~~إظهارا للصواب، وقد يكون مع نفسه. # والمجادلة: هي المنازعة في المسألة العلمية لإلزام الخصم، سواء أكان ~~كلامه في نفسه فاسدا أو لا، وإذا علم بفساد كلامه وكلام صاحبه فنازعه فهي ~~المعاندة. # وأما المغالطة: فهو قياس مركب من مقدمات شبيهة بالحق، ويسمى سفسطة أو ~~شبيهة بالمقدمات المشهورة، ويسمى مشاغبة. # وأما المناقضة المصطلح عليها في علم الجدل: فهي تعليق أمر على مستحيل، ~~إشارة إلى استحالة وقوعه، كقوله تعالى: (ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في ~~سم الخياط) سورة الأعراف آية 40. PageV01P163 # وإن زعموا أنهم لا يعقلون ذلك ولا يتوهمونه، قلنا فقد أقررتم بما لا ~~تعقلون، ومن جعل بعض ما لا يعقل حقا، وبعضه باطلا؟ وما تنكرون أن لا يكون ~~الله جسما إذ كان فعالا للأجسام، وإذ كان يعلم ما يكون قبل أن يكون، كما لم ~~تعقلوا جسما غيره يخترع الأجسام، ويعلم ما يكون قبل أن يكون، إذ كنتم إنما ~~بنيتم أصلكم على ما تعقلون، ويقال لهم: فإذا كنتم لا تبنون إلا على ما ~~تعقلون ولا تقضون إلا بما تجدون، فأين وجدتم جسما ليس بذي لون، ولا طعم، ~~ولا ريح، ولا لمس، ولا يشم، ولا يذاق، ولا هو خفيف ولا ثقيل، ولا حار ولا ~~بارد، ولا فاتر ولا خشن، ولا لين ولا رقيق، ولا كثيف ولا صلب ولا رخو، ولا ~~حسن ولا قبيح، ولا صبيح ولا مليح، ولا يمنع الأبصار، ولا تحله الألوان؟ فقد ~~أخرجتموه من المعقول، وللخروج من المعقول قلتم بزعمكم بالتجسيم والتشبيه، ~~وقد قلنا: إنه ليس بين أن يخرج الشيء في وجه واحد من المعقول، وبين أن يخرج ~~في وجهين فرق، وكذلك أكثر من ذلك. # المشبهة تسأل: # ومما تسألنا عنه المشبهة قولهم: لم جعلتموه شيئا لا كالأشياء، وحيا ms133 لا ~~كالأحياء، وأبيتم أن يكون جسما لا كالأجسام؟ قلنا: إن تأويل قولنا شيء (¬1) # ¬__________ # (¬1) حقيقة الشيء عند الأباضية: هو المخبر عنه، وعند الأشعرية هو ~~الموجود. أما المعدوم فليس بشيء، وعند الأباضية شيء معدوم، والعدم أيضا ليس ~~بشيء ((البرادي: رسالة الحقائق ص35))، وفي هذا المعنى يقول ابن أبي سنة: ~~((فالشيء حينئذ أعم من الوجود على ما ذهب إليه أصحابنا، وهو الذي تقتضيه ~~اللغة)). حاشية على شرح الكتاب. # وقد أورد الأشعري في المقالات آراء الفرق الإسلامية في معنى قولهم: ((إن ~~الله شيء)) المقالات 281:1 و 202:2، ويقول بلقاسم بن حسن: ويبدو أن أغلب ~~مفكري الإسلام يجيزون إطلاق لفظ الشيء على اسم الله تعالى، ولكنهم يجمعون ~~على نفي الجسمية عنه نفيا قاطعا في أي شكل من الأشكال. راجع آراء الماتريدي ~~الكلامية ص195. PageV01P164 # مخالف لتأويل قولنا جسم، فإذا قلنا: شيء فذلك اسم لكل موجود وموهوم. وجسم ~~إنما يراد به التجزي والتسديس، فإذا قلنا: إن الله جسم ليس كالأجسام فكأننا ~~قلنا هو، وإن كان مسدسا ذا أجزاء فلا خالق إلا هو، ولو قلنا: هو جسم لا ~~كالأجسام، ونريد ذلك؛ لكنا إنما قلنا إنه مسدس متجزئ، وليس بمسدس ولا ~~متجزئ، وليس لهذا القول وجه غير هذين الوجهين؛ لأن قولك جسم إما أن يكون ~~وصفا للذات دون الإخبار عن جنس فعله ما هو، وكيف هو، وإما أن يكون لا ~~كالأجسام إخبارا عن فعله أنه لا يشبه فعل الأجسام، فإن كنت عن الذات تخبر ~~فقد جعلته مسدسا متجزيا، وإن كنت الفعل أردت فقد صار قولك كقول من قال إن ~~النار جسم لا كالأجسام، وليس يريد أن النار غير مسدسة ولا متجزية، وإنما ~~يريد أن لا محرق إلا النار حيثما كانت، ولو لم يعن القائل ما قلنا، لكان ~~إنما قال النار جسم وليست بجسم، وكذلك إذا زعم أن الله جسم وليس كالأجسام، ~~وقولنا شيء اسم لكل موجود وموهوم، وقولنا لا كالأشياء: أردنا أن صفاته ~~بخلاف صفات الأشياء، وليس في قولنا شيء (¬1) # ¬__________ # (¬1) الله سبحانه وتعالى شيء، وهو أعظم الأشياء ms134 وأفضلها، وليس يشبهه شيء، ~~ويقول الدكتور فرحات الجعبيري: ونرد ذلك على الجهمية والمشبهة الذين ~~يعتبرون الشيء والجسم بمعنى شيء واحد، ثم يختلفون فيذهب الجهمية إلى نفي ~~الشيئية عن الله فيعطلون، ويذهب المشبهة إلى إقرار الشيئية فيجسمون. وخطرهم ~~ناجم عن خلط لغوي؛ ذلك أن اللغة تميز بين الشيء والجسم، وتعتبر الشيء أهم ~~من الجسم؛ لأن كل جسم شيء، وليس كل شيئا جسما. قال تعالى: {لقد جئتم شيئا ~~إدا} (سورة مريم 89)، يعني قولهم وفعلهم، وهو ليس بجسم. (أبو عمار عبد ~~الكافي: حاشية على كتاب الجهالات ص 157 158 نقلا من رسالة دكتوراه للدكتور ~~فرحات الجعبيري ص 170.. PageV01P165 # بخلاف الأشياء ما يخرجه من أن يكون شيئا، وليس سبيل القول بأنه جسم لا ~~كالأجسام سبيل القول بأنه شيء لا كالأشياء، وقد نقول: إن الإنسان حي، نريد ~~أنه حي بحياة فيه، ونريد أنه ليس بميت، ولم بميت، ولا يموت، وقد نقول ~~للإنسان الحي ميت إذا كان بليدا، ونقول للإنسان هو حي إذا كان حي الذهن، ~~وإذا قلنا: إن الله حي لا كالأحياء فقد أخبرنا أن حياته ليست كحياة الخلق، ~~وقولنا: جسم إنما هو مقصور على التجزي والتسديس فقط، وبعد فمن أين صار ~~قولي: هو حي لا كالأحياء يبيح القول بأنه جسم لا كالأجسام، وكذلك إن سألوا ~~عن سميع وسميع، وبصير وبصير، وعالم وعالم، فالجواب لهم في جميع ذلك كالجواب ~~في حي وحي، فتثبت في ذلك جدا، والله ولي التوفيق. # الفصل الثاني من المشبهة: PageV01P166 # وأما الذين قالوا من المشبهة باللحم والدم، وصورة الإنسان، والسبعة (¬1) # ¬__________ # (¬1) الذين قالوا بذلك هم الهشامية أتباع هشام بن الحكم الرافض الذي شبه ~~معبوده بالإنسان، وزعم لأجل ذلك أن سبعة أشبار بشبر نفسه، وأنه جسم ذو جلد ~~ونهاية، وأنه طويل عريض عميق، وذو لون، وطعم، ورائحة، وقد روى عنه أن ~~معبوده كسبييكة الفضة، قاتله الله. راجع الفرق بين الفرق 227.. PageV01P167 # الأشبار على صورة آدم، فيقال لهم: أخبرونا لأية علة صار الله قديما ~~مخترعا للأجسام، ألعلة الذات، أم لغير علة الذات؟ فإن قالوا: لعلة الذات، ms135 ~~قلنا: فكيف والذاتان متفقتان؟ فإن قالوا: لعلة غير الذات، قلنا: ما هي؟ فإن ~~قالوا: هي القدرة، قلنا: وما جعل هذه القدرة توجب القدم، واختراع الأجسام، ~~دون أن تكون الأخرى توجب ذلك؟ فإن قالوا: لأن هذه غير متناهية، وتلك ~~متناهية قلنا: وما جعل هذه غير متناهية، دون أن تكون تلك أيضا غير متناهية؟ ~~أو ما جعل تلك متناهية دون أن تكون هذه أيضا متناهية؟ والذاتان في زعمكم ~~متفقتان، أو ليس اتفاق الذاتين مما يوجب اتفاق القدرتين، وفي اتفاق ~~القدرتين اتفاق الأعمال؟ أو ليس إذا استوت الأعمال، واتفقت الصفات في وجوه ~~الخاص والعام، فذلك هو الذي يوجب التسوية بين الحكم؟ أو ليس الدليل على ~~مخالفة الثلج للنار، وموافقة النار النار، الذي رأينا من اتفاق الأعمال ~~واختلافها، وحتى قضينا باتفاق الأعمال واختلافها، وحتى قضينا باتفاق الجسم ~~وباختلافه، وعلى جميع ذلك بالحدث؟ فليس بين السبيلين سبيل، ولا بين القولين ~~قول، إما أن تقولوا باتفاق الصفات في باب القدم، والأعمال في باب الاختراع، ~~لاتفاق الذاتين، أو تقولوا باتفاق الصفات في باب الحدث، واتفاق عدم الأعمال ~~في باب العجز، فعلى أي هذين القولين تعزمون من صفة معبودكم؟ وعلى أيهما ~~تعتمدون، وهكذا السؤال عليهم في جميع الصفات وفي جميع الأفعال، فلو كنا ~~تتبعنا ذلك واحدا واحدا لما انفصلنا منه إلى غيره، إلا أن شاء الله، فمن ~~فهم ما ذكرنا من هذا فهم ما لم نذكر منه، إن شاء الله. PageV01P168 # وبعد فكيف يكون بيننا جسم ساكن أحدث جسما لم يكن، من غير أن يتحرك ذلك ~~الساكن أو يعتمد، أو يضمر إرادة، أو تجيئه مادة، ثم يحدث جسما في طول ~~الأرض، وعرض الأرض، وعمق الأرض، وحالات الفاعل والمفعول سواء؟ وما جعل ذلك ~~الجسم الساكن الذي لم يتغير عن أمره بوجه من الوجوه أحق بذلك الحدث من ~~غيره؟ وبعد فما الذي أخر ذلك الحادث إن كان تأخر؟ وما الذي قدمه إن كان ~~تقدم، والفاعل على أمر واحد قبل وبعد؟ ولم جاء أيضا جسما وإن تحرك ألف سنة؟ ~~ولم جاء جسما ms136 كبيرا دون أن يجيء جسما صغيرا، ولم جاء أسود دون أن يجيء ~~أبيض، ولم جاء خفيفا دون أن يجيء ثقيلا؟ وإن زعموا أنه له لم يحدث حركة لما ~~أحدث جسما، لأنه لو لم يحدثها لكان على أمره الأول، ومتى كان في حال فعل ~~الجسم وقبله وبعده على هيئة واحدة لم يكن كون ذلك الحادث دون غيره، قلنا: ~~احسبوه قد تحرك، لم جاء جسم في ثخن (¬1) الأرض وطولها وعرضها؟ ولم جاء أسود ~~دون أن يجيء أبيض، وحارا دون أن يجيء باردا؟ ولم جاء منه جسمان: أحدهما ~~خفيف والآخر ثقيل في حال واحدة؟ والحركة الواحدة في الجهة الواحدة، والجنس (¬2) # ¬__________ # (¬1) ثخن: ثخن الشيء من باب ظرف، أي غلظ وصلب فهو (ثخين)، وأثخنته ~~الجراحة أوهنته، يقال أثخن في الأرض قتلا. # (¬2) الجنس هو عبارة عن لفظ يتناول كثيرا، ولا تتم ماهيته بفرد من هذا ~~الكثير كالجسم. # والجنس الخاص: ما يشتمل على كثيرين متفاوتين في أحكام الشرع كالإنسان. # والنوع الخاص: هو ما يشتمل على كثيرين متفقين في الحكم كالرجل. # والجنس العالي: هو الذي تحته جنس وليس فوقه جنس كالجوهر على القول ~~بجنسيته. # والجنس السافل: هو الذي فوقه جنس وليس تحته جنس كالحيوان. # والجنس المتوسط: هو الذي فوقه جنس وتحته جنس كالجسم النامي. # والجنس المفرد: هو الذي ليس فوقه جنس ولا تحته جنس. # قالوا: ولم يوجد له مثال. # والجنس عند النحويين والفقهاء: هو اللفظ العام، فكل لفظ عم شيئين فصاعدا ~~فهو جنس لما تحته، سواء اختلف نوعه أو لم يختلف. وعند آخرين لا يكون جنسا ~~حتى يختلف بالنوع، نحو الحيوان فإنه جنس للإنسان والفرس والطائر ونحو ذلك. ~~راجع الكليات 2: 149 150 بتصرف. PageV01P169 # الواحد لا يوجب كون المختلف، وحدوث المتضاد، فإن زعموا أن الأجسام إنما ~~اختلفت لاختلاف الجهات، قلنا: فهل تخلو حركته إذا أراد أن يصنع المختلف من ~~أن تكون في الست الجهات معا، أو تكون كل واحدة بعد الأخرى؟ فإن كانت معا ~~فلا قول أبعد عن المعقول من هذا القول، بل لا يكون كلام أدخل في ms137 باب المحال ~~منه، وإن كان هو من بين الأجسام يفعل ست حركات في ست جهات معا، فما تنكرون ~~أيضا أن يكون من بين الفاعلين ليس بجسم؟ ويقال لهم: أخبرونا عن الله أصار ~~خالقا للأجسام، وعالما بالغيب (¬1) # ¬__________ # (¬1) الغيب في كلام العرب: كل ما غاب عنك، وأغابت المرأة فهي مغيبة إذا ~~غاب عنها زوجها، والغيابة: الأجمة، وهي جماع الشجر يغاب فيها، والغيب: كل ~~ما أخبر به الرسول عليه السلام مما لا تهتدي إليه العقول: من أشراط الساعة، ~~وعذاب القبر، والحشر والنشر، والجنة والنار. وقال عبد الله بن مسعود: ما ~~آمن مؤمن أفضل من إيمان بغيب ثم قرأ: {الذين يؤمنون بالغيب}. سورة البقرة ~~آية 3.. PageV01P170 # من أجل كثرة أجزائه، وعظم جسمه، أو لأن ذاته على خلاف كل ذات، خرجوا من ~~المذهب، وتركوا القول بالتجسيم، وإن كان إنما يخلق لكثرة الأجزاء فقد كان ~~ينبغي لكل جسم يخلق على قدر أجزائه، وإن قالوا: ليست العلة في ذلك كثرة ~~الأجزاء ولا قلتها، فإذا كان ذلك كذلك، فلعله أصغر من الهيئات وأقل من كل ~~قليل، ويلزم المشبهة أيضا أن يكونوا لا يدرون لعل الذرة (¬1) # ¬__________ # (¬1) الذرة في الأصل: هي الجزء الفرد، أو الجزء الذي لا يتجزأ، أثبتها ~~(ديمقريطس) و(أبيقوروس) و(لوكرس)، فقال ديمقريطس: إن الجواهر الفردة أبدية ~~ومتجانسة، وثابتة لا تختلف بعضها عن بعض إلا بصورها وأوضاعها وحركاتها، ~~وقال المتكلمون الذين أثبتوا ذلك أن الجوهر الفرد ذو وضع لا يقبل القسمة ~~أصلا لا قطعا، ولا كسرا، ويطلق المحدثون لفظ الذرة على أصغر جزء من عنصر ~~مادي ما، يصح أن يدخل في التفاعلات الكيماوية، وهذه الأجزاء المادية ثابتة ~~الكيفيات، وقد أطلق العلماء خلال هذه السنوات الأخيرة لفظ الذرة على أجزاء ~~فيزيائية محدودة ومنفصلة لا تقبل الانقسام، كالذرات الكهربائية أي ~~(الإكترونات)، وأطلق الفلاسفة لفظ الذرة على العناصر النفسية التي لا ~~تنقسم، وسموه بالذرات النفسية.. PageV01P171 # والبعوضة أكبر جسما من إلههم، من غير الوجه الذي ألزمناه قبل؛ لأن الله ~~لا يخلوا من أن يكون محدودا أو غير محدود، فإن كان الله محدودا ms138 فلا يجوز أن ~~يفعل العالم منه على هذا القياس إلا الجزء المحدود، إذا كان الكل لا يقع ~~إلا على المتناهي، والفاعل لا يخلو من أن يكون محدودا أو غير محدود، فإن ~~كان الله محدودا فلا بد أن تكون الدنيا مثل نصفه، أو جسمه، أو عشره، أو جزء ~~من ألف جزء منه؛ لأن تضاعيف المتناهي لا يكون أبدا إلا متناهيا، فإذا كان ~~ذلك كذلك فقد خلق الله الدنيا في مثل عشره، وقدرته على مثل ما خلق، كقدرته ~~على ما خلق، وكذلك قدرته على مثليه، وثلاثة أمثاله، إلى عشرة أمثاله، وإلى ~~أن يبلغ إلى مثل مقداره ومساحته في طوله وعرضه وعمقه، فإذا كان ذلك جائزا، ~~وليست مساواته في المقدار، والذرع مساواة في القدرة، فما تنكرون أن يكون ما ~~خلق الله أكثر ذرعا، وأعظم جسما منه، ولا يكون ذلك بالذي يوجب له مثل ~~قدرته، فإن جوزوا له ذلك قلنا فلعله نصف الدنيا، فإذا جوزوا ذلك قلنا: ~~فلعله مثل ربعها، أو ثمنها، أو عشرها، إلى أن يصيروا إلى الذرة والبعوضة، ~~ويقال لهم: هل تخلو حركته يمنة أن تخالف حركته يسرة لاختلاف الجهتين، أو ~~تكونا مختلفتين في أنفسهما؟ فإن جعلوا سبب اختلافهما اختلاف جهاتهما قلنا: ~~ولم اختلفتا لاختلاف غيرهما؟ وإن كانتا مختلفتين في أنفسهما، فقد صار الجسم ~~الواحد قد تجيء منه الأجناس المختلفة، والأفعال المتضادة، فإن لم يجوزوا ~~ذلك في سائر الأجسام، وخصوه بأنه يفعل الحركتين المختلفتين في الجهتين فقد ~~أقروا بأنه بخلاف ما يعقلون ويجدون فيها بينهم، وينبغي للأجسام التي يحدثها ~~الله أن تكون إنما تعظم على قدر شدة الحركة منه، وهذا يوجب أنه إذا سعى كان ~~الجسم الحادث أكبر منه إذا مشى، وإذا عدا كان الجسم الحادث أكبر منه إذا ~~سعى، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. PageV01P172 # ويلزم هذا الصنف من المشبهة القائلين بأنه على صورة الإنسان لعلهم قد ~~يكونون يشاهدونه، ويلقونه في بعض المسالك، ولا يدرون أن هو، وقد بلغنا عن ~~عبد الرحمن (¬1) بن كيسان قال: نازع ضرار (¬2) بن عمرو رجلا من ms139 علمائهم، ~~فما أقلع عنه إلى أن اضطره إلى أنه في صورة الإنسان، وحتى أنه قد يكون ~~يلقاه في بعض الأزقة، ولا يدري أنه هو. قال عبد الرحمن: قال له ضرار: لعلي ~~أنا هو _وكان ضرار رجلا ذميم الصورة_ فقال: أنت قبيح وهو حسن. فينبغي على ~~قياس هذا القول لو كان السائل له جميلا أن يشك لعله هو رب العالمين، تعالى ~~الله عما يقولون علوا كبيرا. # الفصل الثالث: # ¬__________ # (¬1) هو عبد الرحمن بن كيسان، أبو بكر الأصم، فقيه معتزلي مفسر، قال ابن ~~المرتضى: كان من أفصح الناس وأفقههم وأورعهم، خلا أنه كان يخطئ عليا _عليه ~~السلام_ في كثير من أفعاله، ويصوب معاوية في بعض أفعاله، وله تفسير وصف ~~بأنه عجيب، ومقالات في الأصول، ومناظرات مع أبي الهذيل العلاف. قال ابن ~~حجر: هو من طبقة ابن الهذيل وأقدم منه. وقال القاضي عبد الجبار كان جليل ~~القدر. توفي عام 225ه. راجع طبقات المعتزلة 56، ولسان الميزان 3: 427، وفضل ~~الاعتزال287. # (¬2) ضرار بن عمرو الغطفاني: قاضي من المعتزلة، طمع برياستهم في بلده فلم ~~يدركها فخالفهم، فكفروه بقوله (إن لله ماهية، تدرك بحاسة سادسة، تخلق يوم ~~القيامة). راجع مقالات الإسلاميين 1: 281، والفصل لابن حزم 4: 192 195، ~~وصنف نحو ثلاثين كتابا: بعضها في الرد على المعتزلة، والبعض في الرد على ~~الخوارج، وفيها ما هو مقالات خبيثة، وشهد عليه الإمام أحمد بن حنبل عند ~~القاضي سعيد ابن عبد الرحمن الجمحي، فأفتى بضرب عنقه فهرب، وقيل إن يحيى بن ~~خالد البرمكي أخفاه. قال الجشمي: ومن عده من المعتزلة فقد أخطأ لأنا نتبرأ ~~منه. راجع لسان الميزان 3: 303، وفضل الاعتزال 391، والفرق بين الفرق ~~للبغدادي 213. PageV01P173 # ويقال للمشبهة من أصحاب الغلط في تأويل كتاب الله، أهل التحريف لحديث ~~رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ ممن يأبى التسمية بالجسم بزعمهم، أخبرونا ~~عن قول الله عز وجل: {الرحمن على العرش استوى} (¬1) ، ما تأويله عندكم، وما ~~مخرجه؟ أعلى ما يعقل من الحلول والتمكن على العرش كما يستوي الملك على ~~سريره، أم على الذي قلناه في ذلك من معنى الاستيلاء والملك ms140 والحفظ والقدرة، ~~والمنع له من الزوال، كما استوى على جميع خلقه: من العرش وغيره؟ فإن قالوا: ~~على ما يعقل من الحلول والتمكن من العرش، كما استوى على سريره لحقوا ~~بإخوانهم من أهل التشبيه المحض، القائلين بالتجسيم على حقيقته، فكان النقض ~~عليهم كهو على إخوانهم المتقدمين، وإن قالوا: إن الاستواء على غير سبيل ~~الحلول والتمكن والملازقة، قلنا: فعلى ماذا إذا؟ قالوا: إنا لا نعدو ما قال ~~الله عز وجل، ولا نجاوزه إلى ما سواه، ولا نقول على المعقول من المحلول (¬2) # ¬__________ # (¬1) سورة طه آية رقم 5. # (¬2) الحلول: اصطلاح فلسفي من حل، ومن استعمالاته القديمة في علم الكلام ~~في الإسلام: علاقة بين جسم ومكانه، أو عرض وذاته، ويستعمل الحلول أيضا ~~للدلالة على الاتحاد الجوهري بين الروح والبدن أو الجسم، أو بين العقل ~~الفعال والإنسان. (الفارابي: آراء أهل المدينة الفاضلة)، وكذلك يستعمل ~~الحلول للدلالة على حلول اللاهوت في الناسوت (عند النصارى). على أن جميع ~~المتكلمين المسلمين رفضوا هذه النظرية، وإن كان بعضهم يقره في حلول الملاك ~~أو الجن في جسم الإنسان، وينكرونه على معنى حلول الذات الإلهية في جسم ~~الإنسان، أي التجسيد، أو انتقالها من جسم إلى آخر بالتناسخ. # ومن الذين قالوا بالحلول غلاة الشيعة: السبئية، والبيانة، والجناحية، ~~والخطابية، والنجدية (النصيرية) والمقنعية، والرزامية، والباطنية، ~~والعزاقرة، والدروز، والشباسية، وأنصار وحدة الوجود الاتحادية. راجع منتهى ~~المدارك، طبعة القاهرة: 1293ه، ج 2 ص 84 86، وانظر مادة (ابن العربي) ~~والسلمي: غلطات الصوفية، والهجويري كشف المحجوب ص 260 264، والغزالي: ~~المقصد الأسنى: القاهرة 1324ه، التهانوي: كشاف اصطلاحات الفنون. PageV01P174 # والتمكن، وغير ذلك، قلنا: بل قد جاوزتم ما قال الله عز وجل من ذلك؛ إذ ~~زعمتم أنكم لا تقولون في الاستواء على ما قال الله عز وجل، من معنى ~~الاستيلاء والحفظ والقدرة، مما دل عليه نص القرآن، والحديث عن رسول الله ~~_صلى الله عليه وسلم_، وعن أصحابه، وأيمة المسلمين بعدهم، من الذين ذكرنا ~~وبينا، فإن قالوا: لا نقول في الاستواء بمعنى الاستيلاء والحفظ والقدرة ~~والملك، ولا بمعنى الاستقرار والحلول والتمكن، ولكنا نقول: ms141 إن الله عز وجل ~~فعل في العرش فعلا يسمى به مستويا، ولا نصف ذلك، ولا نحده، قلنا: فإنا لا ~~نجد للاستواء في لغة العرب معنى إلا ما ذكرنا وبينا من الاستيلاء والحفظ ~~والملك والقدرة، أو على معنى ما يعقل من الحلول والتمكن، فعلى أي هذين ~~الأمرين تعزمون من قولكم؟ وعلى أيهما تعتمدون؟ ونحن لا ندعكم حتى تخرجوا ~~بنا إلى أحد الوجهين: إما إلى قول إخوانكم من أصحاب المعقول والتمكن ~~والاحتواء والحدود، فذلك أروح لكم، وأقيد لمقالتكم من الإقامة على اللبسة ~~والرضا بالشبهة، أو ترجعوا إلى الذي منه فررتم من قولنا، وليس بين القولين ~~قول، ولا بين السبيلين سبيل. PageV01P175 # وكذلك يسألون عن قوله تعالى: {وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناضرة} (¬1) ، ~~فيقال لهم: أذلك عندكم على معنى رؤية الأبصار، ودرك الألوان في ضروب من ~~الألوان، وتحديد المكان، إذا كان الذي يرى في مكان غير مكان الذي يرى فيه، ~~أم على معنى غير ذلك من الذي فسرنا وبينا، من أن النظر إنما أراد به ~~الانتظار والترقب لما يأتي من عند الله من جزيل ثوابه؟ فإن قالوا: إنما ذلك ~~على ما يوجد في المعقول: من رؤية الأبصار، ودرك الألوان، وتحديد المكان، ~~كفيت مؤونتهم، وألحقناهم بإخوانهم الأولين، فكان الرد عليهم واحدا، وإن ~~قالوا: إنا لا نقول في ذلك بمثل قولهم، ولا نرضى بمنزلتهم؛ ولكنا نقول كما ~~قال إنه يرى، ولا نثبت لونا، ولا غير لون، ولا تحديدا في مكان، ولا غير ~~مكان، ولا نعدو ما قال عز وجل من ذلك، قلنا: بل عدوتم إلى غير الذي قال جل ~~اسمه، حين زعمتم أنه يرى بالأبصار، ويدرك بالأعيان، وهو يقول: {لا تدركه ~~الأبصار وهو يدرك الأبصار} (¬2) ، # ¬__________ # (¬1) سورة القيامة آية رقم 22/ 23. # (¬2) سورة الأنعام آية رقم 103. بين سبحانه أنه منزه عن سمات الحدوث، ~~ومنها الإدراك بمعنى الإحاطة والتحديد. واختلف السلف في رؤية نبينا عليه ~~السلام ربه، ففي صحيح مسلم عن مسروق قال: كنت متكئا عند عائشة فجلست فقلت ~~يا أم المؤمنين انظريني ولا تعجليني، ألم يقل الله عز ms142 وجل: {ولقد رآه ~~بالأفق المبين}، {ولقد رآه نزلة أخرى} فقالت: أنا أول هذه الأمة من سأل عن ~~ذلك رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ فقال: إنما هو جبريل لم أره على صورته ~~التي خلق عليها غير هاتين المرتين رأيته منهبطا من السماء سادا، عظم ما بين ~~السماء والأرض، فقالت: ألم تسمع أن الله عز وجل يقول: {لا تدركه الأبصار ~~وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير}، أولم تسمع أن الله عز وجل يقول: {وما ~~كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا}..فقال ومن ~~زعم أن محمدا _صلى الله عليه وسلم_ كتم شيئا من كتاب الله فقد أعظم على ~~الله الفرية، والله تعالى يقول: {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك ~~وإن لم تفعل فما بلغت رسالته} (سورة المائدة: 67)، قالت: ومن زعم أنه يخبر ~~بما يكون في غد فقد أعظم على الله الفرية، والله تعالى يقول: {قل لا يعلم ~~من في السماوات والأرض الغيب إلا الله} (سورة النحل:65). PageV01P176 # ولم تقولوا في قوله: (ناظرة) بالذي قال عز وجل ورسوله _صلى الله عليه ~~وسلم_، وأصحابه، والأئمة من بعدهم، من الذين بينا فيما مضى من كلامنا، ~~ورويناه في غير حديث، واستشهدنا عليه من أن النظر إنما هو على الانتظار، لا ~~على رؤية الأبصار، وليس لكم بين أحد الوجهين وجه تذهبون إليه، ولا ملجأ ~~تأوون إليه، إما أنكم عزمتم على مقالة إخوانكم، فيلزمكم جميع ما يلزمهم، أو ~~رجعتم إلى الذي قلنا صاغرين. PageV01P177 # وكذلك يسألون عن قوله: {يد الله فوق أيديهم} (¬1) ، وعن قوله: {والسماوات ~~والأرض مطويات بيمينه} (¬2) ، وعن قوله: {ولتصنع على عيني} (¬3) ، وعن ~~قوله: {وجاء ربك} (¬4) في مثل ذلك من جميع ما تقدم ذكره فيما مضى من ~~كلامنا، فيقال لهم: على ماذا تحملون هذا كله من قول الله؟ وعلى أي وجه ~~تتأولونه، أعلى ما يعقل من الجوارح، المركبة في الأبدان: من اليد التي هي ~~مركبة في ساعد، والساعد في مرفق، والمرفق في عضد، والعضد في منكب، والمنكب ~~في الكتف، ms143 وعلى ما يعقل من اليمين التي هي ليست بيسار، وعلى ما يعقل من ~~العين التي مركبة في وجه، والوجه في رأس، والرأس في القفا، وعلى ما يعقل من ~~المجيء والذهاب والنزول والطلوع، والحركة والنقلة من مكان إلى مكان، أم على ~~غير الجوارح، وما يعقل من الإنسان؟ فإن قالوا على المعقول من الجوارح مما ~~ذكرتم من ذلك، وما لم تذكروا، كانوا أيضا قد لحقوا بإخوانهم من أهل حقيقة ~~التجسيم، القائلين باللحم والدم، والمعتقدين لصورة الإنسان، العازمين على ~~سبعة أشبار، وما ينحو ذلك من كلامهم، وكفى الله مؤنتهم، فإن لم يتجاسروا ~~على هذا لخشونة القول به، ولفظاعته، ولاتضاح فساد المذهب فيه، وقالوا: لسنا ~~نقول بهذا الذي يقتحم عليه هؤلاء القوم، ونحن مع ذلك لا ندخل في الذي ~~دعوتمونا إليه من تأويلكم؛ ولكنا نقول كما قال الله عز وجل، ولا نعدوه، إلى ~~ما سواء، وليس عليه من البحث والتفتيش في هذا ومثله شيء، قلنا: بل يجب لله ~~عليكم أن تصفوه بحق صفاته، وتعزموا على أنه بغير صفات خلقه، وتدعوا ما وراء ~~ذلكم من تشبيهكم الله بخلقه، ووقوفكم دون ما قال الله جل اسمه، ودون ما قال ~~رسول الله _صلى الله عليه وسلم_، وأصحابه، وأئمة المسلمين من بعدهم، مع ~~أنكم قد بحثتم وفتشتم وقلتم، وتجاوزتم وأخطأتم، حين زعمتم أن الله يرى ~~بالأبصار # ¬__________ # (¬1) سورة الفتح آية رقم 10. # (¬2) سورة الزمر آية رقم 67. # (¬3) سورة طه آية رقم 39. # (¬4) سورة الفجر آية رقم 22. PageV01P178 # وأنه يدرك بالعيان، وأنه على العرش استوى، وحل فوقه دون غير العرش، وأنه ~~يجيء ويذهب، وينزل عشية عرفة إلى سماء الدنيا، فيباهي الملائكة بأهل عرفة، ~~وأنه ينزل للنصف من شعبان، وأنه له عينا، ووجها، ويدا، وقبضة، ويمينا، ~~وجنبا، وساقا، في جميع ما تجاسرتم عليه من ذلك _تعالى الله عما يقولون علوا ~~كبيرا_، فهكذا السؤال عليهم والجواب لهم في جميع ما يدور بيننا وبينهم من ~~هذه المعاني وأشباهها، فحين نبهتكم عليها عرفتم عامتها، وهو من الأصل الذي ~~وصيناكم بحفظه أولا، والحمد لله رب العالمين. PageV01P179 # وإن هم ms144 سألونا فقالوا: ما تنكرون أن يكون الله جل جلاله وله القدرة على ~~جميع الأشياء، قد حول أبصار أوليائه عن معناها في المعاد، فيكون الله مدركا ~~بها؟ قلنا: لا يعدوه هذا الذي سألتم عنه وجهين لا ثالث لهما: أما أن يكون ~~الله جل جلاله قد غير الأبصار عن معناها، وحولها عن صفاتها، فتكون الأبصار ~~حينئذ ليست أبصارا، فإذا تحولت الأبصار على هذا الوجه، وصارت غير أبصار بطل ~~عنها الوصف بأنها ترى وتبصر، فإذا بطل عنها أن ترى وتبصر بطل ما ذهبتم إليه ~~من الرؤية والدرك، وأنتم إنما أردتم بسؤالكم هذا إثبات الرؤية (¬1) ، فإنا ~~نراكم أبطلتموها بالذي أردتم إثباتها بها، أو تكونوا تذهبون إلى أن يكون ~~الله جل جلاله هو الذي يتغير في ذاته، ويتحول في صفته، فيصير لونا من ~~الألوان، وشخصا من الأشخاص، فيكون مدركا بالأبصار، مشاهدا بالعيان، فإن ~~كنتم إلى هذا الوجه تذهبون أن يتحول الباري جل جلاله عن صفة القديم (¬2) # ¬__________ # (¬1) الرؤية إذا أضيفت إلى الأعيان كانت بالبصر، وقد يراد بها العلم ~~مجازا بالقرينة، ومنه قوله تعالى: {ألم تر إلى ربك}، وقوله عليه الصلاة ~~والسلام: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته"، وكذا يراد بها الكينونة عند ~~الإضافة إلى مكان لتعارف الناس، ومنه قول الأعمى (رأينا الهلال بالكوفة)، ~~والرؤية بالحاسة نحو {لترون الجحيم}، وبما يجري مجرى الرؤية نحو {إنه يراكم ~~هو وقبيله من حيث لا ترونهم}، وبالوهم والتخييل نحو {إذ يتوفى الذين كفروا ~~الملائكة}، وبالعكس نحو: {إني أرى ما لا ترون}. # (¬2) القديم في اللغة: ما مضى على وجوده زمان طويل، ويطلق في الفلسفة ~~العربية على الموجود الذي ليس لوجوده ابتداء، ويرادفه الأول. قال ابن سينا: ~~"يقال قديم للشيء إما بحسب ذاته، وإما بحسب الزمان، فالقديم بحسب الذات هو ~~الذي ليس لذاته مبدأ هي به موجودة، والقديم بحسب الزمان هو الذي لا أول ~~لزمانه". راجع النجاه 355. # والقديم بحسب الذات هو الذي له مبدأ يتعلق به، وهو الواحد الحق (رسالة ~~الحدود 102). راجع المعجم الفلسفي 2: 188. PageV01P180 # اللائق إلى صفة المحدث المخلوق، ففي هذا ما فيه، وكذلك ms145 إن سألوا فقالوا: ~~ما أنكرتم أن يكون الله عز وجل قد زاد في أبصاركم قوة فتدركونه بها؟ قلنا: ~~لا تخلو هذه القوة الزائدة من أن تكون تخرج بالأبصار عن معناها، وتحولها عن ~~صفتها، فتكون إذ ذاك ليست أبصارا، فتصير على وجه الحواس الأخرى، وعلى غير ~~ذلك من الأشياء، فإذا كانت على وجه الحواس الأخرى كانت الأبصار منقولة ~~محولة عن جهة الدرك للألوان، والمشاهدة للأشخاص، وصارت بجهة الدرك للروائح، ~~والملامس والاستذواق، والأصوات، وبطل الوصف عنها حينئذ بأنها ترى وتبصر، أو ~~تكون هذه القوة التي تزاد في الأبصار ليست مما يخرجها عن معناها، ولكنها ~~زيادة في قوة الناظر، فإذا كان هذا على هذا الوجه فليس في هذا ما يوجب لها ~~أن تكون تدرك ما ليس بلون، أو ترى ما ليس بشخص، وإنما هذا مما يوجب للأبصار ~~أن تكون تدرك من الألوان الخفيفة، والأشخاص الضئيلة، والأشياء البعيدة ~~المسافة ما لم تكن تدركه قبل زيادة القوة، ألا ترون أن الأسد إنما كان يرى ~~في جوف ظلمة الليل ما لم يكن يراه ما سواه من الحيوان لشدة بصره، ولقوة ~~ناظره، فإذا اشتد البصر، وقوي الناظر زاد في الدرك للألوان، والرؤية ~~للأشخاص، كما أنه إذا ضعف الناظر ضعف الدرك للأشخاص، والتمييز للألوان، فلا ~~يدرك صاحبه إلا ما جل من ذلك دون ما دق، على قدر ضعف البصر وقوته، إلى أن ~~يذهب جميعه، فلا يكون البصر عند ذلك يدرك لونا، ولا يرى شخصا، كما أن النار ~~إذا قويت قوي إحراقها وتمييزها، وليس في زيادة قوتها ما يخرجها عن معنى ~~الإحراق والتمييز، وكذلك الثلج كلما تقوى أو كثر قوي تبريده للأشياء، ~~وتجميده إياها، ولا تخرجه قوته عن صفته ومعناه. PageV01P181 # وكذلك إن سألوا وقالوا: ما أنكرتم أن يكون الله جل جلاله يحدث لهم في ~~المعاد حاسة سادسة، فيكونون يدركونه بها؟ قلنا: هذا ومثله من المسألة ~~الأولى، فإن كنتم أردتم أن تكون هذه الحاسة السادسة على معنى الإبصار وعلى ~~صفتها فقد أنبأناكم أولا بأن الأبصار مقصورة على درك الألوان، والأشخاص ms146 ~~مطبوعة على أنها لا يكون منها إلا ذلك، وإن أردتم أن تكون الحاسة المستحدثة ~~لهم بخلاف صفة الإبصار فقد أبطلتم عنها أن تكون ترى وتبصر، وفي إبطالكم ~~عنها ذلك إبطال لقولكم، ويقال لهم: خبرونا لأية علة صار معبودكم لها يرى في ~~دار المعاد ولا يرى لها في دار الدنيا، أللذات كان ذلك أم للخبر؟ فإن قلتم ~~للذات، فالذات لا تتغير، وإن قلتم للخبر قلنا: وما ذلك الخبر؟ فإن قلتم: ~~{وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناضرة} (¬1) قلنا: فهذا الخبر عندكم إنما هو ~~للرؤية في المعاد، وأين الخبر الذي لا يرى له في دار الدنيا؟ فلستم تجدونه ~~إلا أن يقولوا هو قوله: {لا تدركه الأبصار}، فإذا قلتم ذلك قلنا: أهذا ~~الخبر خبر عن الذات، أم خبر عن وقت دون وقت؟ فإن قلتم خبر عن الذات فقد ~~قلتم: إن الذات لا تتغير، إذ كان في تغير الذات تغير من صفة القديم إلى صفة ~~المحدث، فإن قلتم: خبر عن وقت دون وقت فيلزمكم أن تقولوا بمثل ذلك في جميع ~~ما أخبر الله به عن نفسه، ودل عباده عليه في صفته، من قوله تعالى: {لا ~~تأخذه سنة ولا نوم} (¬2) ، {ولا يؤوده حفظهما وهو العلي العظيم} (¬3) ، {لا ~~يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في والأرض} (¬4) ، {وعنده مفاتح الغيب ~~لا يعلمها إلا هو} (¬5) ، {لا يجليها لوقتها إلا هو} (¬6) # ¬__________ # (¬1) سورة القيامة آية رقم 23. # (¬2) سورة البقرة آية رقم 255. # (¬3) سورة البقرة آية رقم 255. # (¬4) سورة سبأ آية رقم 3، وجاءت هذه الآية محرفة في المطبوعة، حيث قال: ~~"ولا" بزيادة (الواو). # (¬5) سورة الأنعام آية رقم 59. # (¬6) سورة الأعراف آية رقم 187.. PageV01P182 # فتكون هذه الأخبار في كتاب الله عز وجل وأمثالها في صفة الله جل جلاله ~~إنما هي لوقت دون وقت، فإن قالوا: قد استثنى في قوله: {لا تدركه الأبصار} ~~(¬1) بقوله: {وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناضرة} (¬2) قلنا: وكذلك استثنى ~~أيضا في قوله: {لا يعلمها إلا هو} (¬3) ، {ولا يجليها لوقتها إلا هو} (¬4) ~~، {لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض} (¬5) في جميع ms147 ما أخبر ~~به عن نفسه أنه يعلمه بقوله: {ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم} (¬6) ~~وبقوله: {وليعلم الله من ينصره} (¬7) ، {وسيرى الله عملكم ورسوله} (¬8) ~~فيكون الله قد استثنى بهذا في علم الغيوب، فيجب على هذا الوجه أن لا يكون ~~الله يعلم شيئا مما يكون حتى يكون، فإن قالوا: إن في وصفنا الله بهذا ~~وأمثاله وصفا منا بالجهل له، واستحداث العلم؛ وذلك من صفات المحدث المخلوق ~~_تعالى الله عن ذلك_، فلذلك أبينا أن يكون الله استثنى في هذا الوجه، قلنا ~~وكذلك وصفنا إياه بأنه يرى بالأبصار، ويدرك بالعيان، وصفنا إياه بأنه لون ~~من الألوان المركبة في الأجسام، والأجسام محدودة في مكان دون مكان؛ وذلك من ~~صفات المحدث المخلوق، فلذلك أبينا أن يكون استثنى في هذا الوجه، كما أنكم ~~أبيتم أن يكون استثنى في معنى العلم، وقد ترادف عليكم معشر المشبهة في ~~اتخاذكم بالرؤية للرب _تعالى عن ذلك_ أمران قبيحان: أحدهما تبديل صفات الله ~~جل جلاله، والثاني تكذيب لخبره عز اسمه. # ¬__________ # (¬1) سورة الأنعام آية رقم 103. # (¬2) سورة القيامة آية رقم 23. # (¬3) سورة الأنعام آية رقم 59. # (¬4) سورة الأعراف آية رقم 187. # (¬5) سورة سبأ آية رقم 3، وقد جاءت الآية محرفة في المطبوعة، حيث قال: ~~"ولا" بزيادة (الواو) بدلا من (لا). # (¬6) سورة الأنفال آية رقم 23. # (¬7) سورة الحديد آية رقم 25. # (¬8) سورة التوبة آية رقم 94. PageV01P183 # وكل ما سألناهم عنه في هذا الباب، وما أجبناهم به فهو من أصلك الأول، ~~فمتى لم تقيد الفرع بالأصل، ولم تقض بالأصل على الفرع وهن عملك، وضعف قوى ~~معرفتك، وليس يكون المتكلم مستحقا لاسم الكلام حتى يكون ثاقب النظر، مدركا ~~للعواقب، عالما بكل ما عليه وله. ومدار الأمر في هذا على صحة الذهن ثم ~~الطبيعة المناسبة لصناعة الكلام المسهل ذلك عليها، ولا بد من كثرة السماع، ~~ومدارسة أهل النصائح من العلماء، وإرادة الله بذلك رأس الأمر كله، وعلى قدر ~~ما ينقص من هذه الأسباب ينقص علم أهل النظر. PageV01P184 # وتسأل الجهمية (¬1) ، ومن قال بقولكم من الروافض (¬2) # ¬__________ # (¬1) أتباع جهم بن صفوان الذي قال بالإجبار والاضطرار إلى ms148 الأعمال، وأنكر ~~الاستطاعات كلها، وزعم أن الجنة والنار تبيدان وتفنيان، وزعم أن الإيمان هو ~~المعرفة بالله تعالى فقط، وأن الكفر هو الجهل به فقط، وزعم أن علم الله ~~تعالى حادث، وامتنع من وصف الله تعالى بأنه شيء أو حي، أو عالم، أو مريد، ~~وقال: لا أصفه بوصف يجوز إطلاقه على غيره، وكان جهم يحمل السلاح ويقاتل ~~السلطان، وقتله سلم ابن أحوز المازني في آخر زمان بني مروان. راجع التبصير ~~ص 62، والملل والنحل 1: 86، والفرق بين الفرق 211. # (¬2) الروافض: مجموعة فرق منهم السبئية، وقد أظهروا بدعتهم في زمان علي ~~_رضي الله عنه_ فقال بعضهم لعلي: أنت الأله فأحرق علي قوما منهم، ونفي ابن ~~سبأ إلى ساباط المدائن، ومنهم الإمامية والكيسانية والغلاة. ويرى صاحب كتاب ~~الفرق بين الفرق أن الزيدية من الرافضة؛ والزيدية أتباع زيد بن علي، ~~الباقين على اتباعه (انظر مقالات الإسلاميين 1: 129، وكذلك مروج الذهب 3: ~~220)، والرافضة الذين كانوا معه ثم تركوه، لأنهم طلبوا إليه أن يتبرأ من ~~الشيخيين، فقال: لقد كانا وزيري جدي فلا أتبرأ منهما فرفضوه، وتفرقوا عنه. ~~راجع مروج الذهب 3: 87.. PageV01P185 # في زعمهم أن علم الله محدث، وأنه لا يكون أن يعلم الأشياء حتى تكون، ~~وزعموا أن ما دلهم على ذلك أن قالوا: وجدنا الله حكيما عليما، ووجدنا ~~الحكيم العليم لن يرسل رسولا في حاجة إلى من عنده به العلم أنه غير قاض ~~لحاجته، لو فعل ذلك لكان عابثا في إرساله، فلما تبين أنهم غير مجيبين له ~~علمنا بهذا أنه غير عالم بما العباد له عالمون، قالوا فلهذه العلة قلنا: إن ~~علمه محدث، ولهذه العلة التي حكيناها عنهم، وصفوا الله أيضا جل جلاله ~~بالبداء _تعالى الله عن ذلك_، وتعلقوا في وصفهم إياه بالبداء بقوله: {يمحو ~~الله ما يشاء ويثبت} (¬1) ، ويقال لهم: أما من ذهبتم إليه من حدوث العلم ~~إلى الله جل جلاله، وما أعلنتم به على ذلك، فإن الله أخبرنا عن إبليس أنه ~~قائل في الآخرة قولا، لقول الله وحكايته عنه: {وقال الشيطان لما قضي الأمر: ~~إن الله وعدكم وعد الحق، ووعدتكم ms149 فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا ~~أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم} (¬2) فهل علم الله في ~~حين إخباره إيانا بما أخبر عن الشيطان من قوله: فإن زعموا أنه أخبر من ذلك ~~بما لا علم له به، وصفوه بأكثر مما حاولوا نفيه عنه من العبث في إرساله، ~~إلى من يعلم أنه لا يجيب؛ وذلك أنهم نزهوه عن العبث في وصفهم الذي ظنوا أنه ~~عبث، وهو غاية الحكمة، ثم وصفوه بالكذب في خبره، فإن قالوا: بل كان عالما ~~بما أخبر به عن إبليس، وعن ما راجع به الذين استكبروا والذين استضعفوا، ~~وأصحاب الأعراف، وبما حكاه عن مالك، وجوابه لأهل النار، واستغاثة أهل النار ~~به، تركوا قولهم، وكذلك يقال لهم: أخبرونا عن قوله: {وقضينا إلى بني ~~إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا} (¬3) # ¬__________ # (¬1) سورة الرعد آية رقم 39. # (¬2) سورة إبراهيم آية رقم 22. # (¬3) سورة الإسراء آية رقم 4.. PageV01P186 # إلى آخر القصة، هل هو عالم بما أخبر به من ذلك، أم هو غير عالم به؟ فإن ~~قالوا: غير عالم به، قلنا: فالمخبر عما لا يعلم أنه يكون أو لا يكون بأنه ~~يكون، أيس هو أكذب الكاذبين؟ والذي قال هؤلاء الضعفاء ترك لنص القرآن ~~مواجهة مع ما يلزمهم في قولهم إن علم الله محدث، بأن يقال لهم: لا يخلو هذا ~~العلم المحدث من أن يكون الله هو الذي استحدثه لنفسه، أو يكون غير الله ~~أحدثه لله، فإن كان الله هو الذي استحدثه لنفسه فهو من قبل أن يستحدثه ~~جاهل، والجاهل لا يستحدث علما ولا غير علم، وإن كان غيره استحدثه له فالذي ~~استحدثه له أولى بالربوبية والعلم منهن _تعالى الله عن هذا القول علوا ~~كبيرا_، ولما بطل أن يوصف الله جل جلاله باستحداث العلم بطل كذلك ما ذهبوا ~~إليه من وصفهم إياه بالبداء، وإن هم سألونا عن معنى قول الله: {وليعلم الله ~~من ينصره ورسله بالغيب} (¬1) ، {ولما يعلم الله الذين جاهدوا (¬2) منكم ~~ويعلم الصابرين}، {ولنبلونكم حتى نعلم} (¬3) ، {وسيرى الله عملكم ms150 ورسوله} ~~(¬4) ، قلنا: معناه عن أهل التفسير حتى يكون ما علمه منهم موجودا، ويراه ~~كائنا كما علمه قبل حال وجوده، أي يراهم فاعلين، ويعلمهم فاعلين، و _حتى_ و ~~_اللام_ عندهم واقعتان على المعلوم لا على العلم، وهذه المقالة أوهن ~~الأقاويل شوكة، وأدحضها حجة، والحمد لله. # ¬__________ # (¬1) سورة الحديد آية رقم 25. # (¬2) سورة آل عمران آية رقم 142، وقد جاءت الآية محرفة في المطبوعة، وقد ~~أشار الدكتور الطالبي إليها في الهامش. # (¬3) سورة محمد آية رقم 31. # (¬4) سورة التوبة آية رقم 94. PageV01P187 # ويقال للجهمية أيضا في إبطالهم عن الله أن يكون شيئا: أخبرونا عن الله جل ~~جلاله، هل تصفونه بصفة من الصفات، أو تخبرون عنه بوجه من الوجوه، أو ~~تذكرونه بمعنى من المعاني؟ فإن قالوا: لا نصف الله، ولا نخبر عنه، ولا ~~نذكره، أبطلوه، وجعلوه في حد العدم والتلاشي، وصاروا مع ذلك بهذا القول إلى ~~مقالة أصحاب أرسطاطاليس (¬1) من أهل الدهر الذين قالوا بقدم الهيولي (¬2) ، ~~وينفون عنه أن يكون ذا صفات، وكفى لمن صار به قوله إلى مقالة أهل الإلحاد ~~خزيا، ويدخل عليهم ما أدخلناهم على أولئك، وقد وصف الله نفسه في غير موضع ~~من كتابه فقال: {هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن ~~الرحيم} (¬3) # ¬__________ # (¬1) سبق الترجمة له في كلمة وافية في هذا الجزء. # (¬2) الهيولي: لفظ مرادف للمادة، وقد رد أرسطو الأشياء إلى مبدأين: ~~الصورة والهيولي، فكل شيء هو جزء من المادة الأولية، اكتسب صفات معينة حددت ~~طبيعته ووظيفته وهي صورته، والهيولي ليست موضوع معرفة، ثم هي ليست من بين ~~المقولات؛ إذ أن هذه تحمل عليها في حين أنها هي لا تحمل على شيء، إنها مجرد ~~قوة في مقابل الصورة التي هي فعل، والهيولي: جوهر في الجسم قابل لما يعرض ~~لذلك الجسم من الاتصال والانفصال، محل للصورتين الجسمية والنوعية. [راجع ~~تعريفات الجرجاني]، والهيولي: جوهر، وليس له في ذاته صورة تخصه إلا معنى ~~القوة، ومعنى قولي لها هي جوهر: هو أن وجودها حاصل لها بالفعل لذاتها. راجع ~~ابن سينا: رسائل في الحدود. ms151 # (¬3) سورة الحشر آية رقم 23.. PageV01P188 # الآيات، ووصفه المؤمنون من عباده بما وصف به نفسه من صفاته جل جلاله، فإن ~~رجعوا وقالوا: بل نصف الله بما وصف به نفسه من صفاته، ونخبر عنه بالذي أخبر ~~به عن نفسه، قلنا: وكيف تصفون ما ليس بشيء، وتخبرون عما ليس بشيء، ~~وتذكرونه، ولو جاز أن يوصف ما ليس بشيء، ويخبر عما ليس بشيء ويذكر لجاز أن ~~يكون شيء ولا يوصف، ولا يخبر عنه، ولا يذكر، فلما بطل أن يكون شيء لا يوصف ~~ولا يخبر عنه، ولا يذكر بطل أيضا أن يوصف ويخبر عما ليس بشيء، وقد قال الله ~~عز وجل: {قل أي شيء أكبر شهادة قل الله} (¬1) ، فأخبر عن نفسه أنه شيء، فإن ~~قالوا: إنما نفينا عنه ما نفينا من عبارة شيء؛ لأن معناها عندنا معنى جسم، ~~فإذا زعمنا أن الله شيء أثبتناه أنه جسم، قيل لهم: فإنا نجد الله جل جلاله ~~قد ذكر معاني فسماها أشياء، وليست مع ذلك أجساما، قال الله عز وجل: {قل يا ~~أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل} (¬2) ، فدل على أنه ~~إن هم أقاموا التوراة والإنجيل يكونوا على شيء من الدين، فسمى الله تعالى ~~الدين شيئا، وهو ليس بجسم، ثم قال: {وقالوا اتخذ الرحمن ولدا، لقد جئتم ~~شيئا إدا} (¬3) فسمى قولهم في ذلك شيئا، وقال: {يا أيها الذين آمنوا لا ~~تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم، وإن تسألوا عن حين ينزل القرآن تبد لكم ~~عفا الله عنها} (¬4) # ¬__________ # (¬1) سورة الأنعام آية رقم 19. # (¬2) سورة المائدة آية رقم 68. # (¬3) سورة مريم آية رقم 88، 89. # (¬4) سورة المائدة آية رقم 101.. PageV01P189 # فسمى هذه المعاني التي يسأل عنها المؤمنون رسول الله أشياء، مع أنكم قد ~~غلطتم في أصل علتكم في شيء وجسم أنتم وهؤلاء المشبهة؛ وذلك إنكم وإياهم قد ~~اجتمعتم على أن معنى شيء معنى جسم، ومعنى جسم معنى شيء، فلما اتفقتم على ~~ذلك أبيتم أنتم أن تقولوا: إن الله شيء، حتى لا يكون جسما، وقالوا هم إن ~~الله جسم إذ كان شيئا، فعمدتم ms152 جميعا إلى علتين مختلفتين غير متفقتين، ~~متباينتين غير مشتبهتين، فجعلتموهما علة واحدة حين قلتم: إن علة كون الشيء ~~شيئا أنه جسم، وعلة كون الجسم جسما أنه شيء، فأبطلتم أنتم بذلك عن الله ~~الشيئية، وأثبتت المشبهة بذلك لله الجسمية، حتى لا تفرقوا أنتم ولا هم بين ~~شيء وجسم، فيجب عليكم معشر الجهمية (¬1) لما ثبت بالدليل أن الله شيء أن ~~تقولوا: إنه جسم، لئلا تفرقوا بينهما، ويلزم المشبهة حين ثبت بالدليل أن ~~الله ليس بجسم أن يبطلوا عنه أن يكون شيئا، فحينئذ ترجع المشبهة جهمية، ~~والجهمية مشبهة، وهذا الفساد كله إنما أتى من قبل فساد العلة، والبنيان على ~~غير الأس، ولو أنكم بنيتم على الأس وعملتم على صحة العلم، فقلتم إن العلة ~~في شيء غير العلة في الجسم، فجعلتموها علتين متفرقتين متباينتين، فقلتم: إن ~~العلة في شيء ما كان موجودا أو موهوما مخبرا عنه موصوفا، والعلة في الجسم ~~ما كان متجزيا، مسدسا، مصرفا، منصفا، محتملا للزيادة والنقصان، مقارنا ~~للحركة والسكون، ذا قدر من الأقدار، وهيئة من الهيئات، لكنتم إنما بنيتم ~~على الأس، وعملتم على صحة العلة. # ¬__________ # (¬1) الجهمية: أتباع جهم بن صفوان، الذي قال بالإجبار والاضطرار إلى ~~الأعمال، وأنكر الاستطاعات كلها، وزعم أن الجنة والنار تبيدان وتفنيان، ~~وزعم أن الإيمان هو المعرفة بالله فقط، وأن الكفر هو جهل به فقط. أنظر في ~~شأن هذه الفرقة: التبصير ص62، والملل والنحل1: 86، والفرق بين الفرق 211، ~~وراجع ميزان الاعتدال في ترجمة جهم 1482. PageV01P190 # فهذه الجملة قطب هذا الكلام الذي يدور عليه، وكيف رأيت _أيدك الله_ زيادة ~~صفة جسم على صفة شيء، لزيادة صفة الأخص عن الأعم؛ وذلك أن للأخص جميع صفات ~~الأعم، ويزيد عليها الأخص الخصوصية، وأعم الأسماء شيء، وهو أعم من محدث، ~~ومحدث أخص من شيء، وهو أعم من جسم، وجسم أخص منه، وحين نبهتك على هذا عرفت ~~باقيه إن شاء الله، وهذه الطائفة الذين هم الجهمية على أنهم ينتحلون اسم ~~الكلام فإنهم عند جماعة المتكلمين أرداهم مذهبا، وأبخسهم مقالا، وأخسهم ~~كلاما (¬1) فنعوذ بالله من الضلالة، ms153 ومن الحيرة. # القول في صفات الله سبحانه وتعالى: # ¬__________ # (¬1) يقول صاحب الفرق بين الفرق عند حديثه عن جهنم: وأكفره أصحابنا في ~~جميع ضلالاته، وأكفرته القدرية في قوله بأن الله تعالى خالق أفعال العباد. ~~فاتفق أصناف الأمة على تكفيره. الفرق بين الفرق 212. PageV01P191 # فمن سألنا عن الله جل جلاله، فقال: هل تصفون ربكم أم لا تصفونه بصفة؟ ~~قلنا: نعم، إنا نصف الله جل جلاله بصفاته الحسنى التي لا تليق إلا به، ~~وننفي عنه صفات المحدثين؛ وذلك إنا نصفه بالقدم (¬1) ، # ¬__________ # (¬1) بقي: دام وثبت، والبقاء: هو استمرار الوجود في المستقبل إلى غير ~~نهاية، فمن قال: إن الشيء باق لذاته جعل البقاء نفس الوجود في الزمان ~~الثاني، لا أمرا زائدا عليه، ومن قال إن البقاء صفة زائدة على الوجود جعل ~~البقاء متجددا، بمعنى أن وجود الشيء في الزمان الأول لا يستلزم وجوده في ~~الزمان الثاني بالضرورة. والباقي بنفسه ولذاته عند الفلاسفة هو الله تعالى، ~~وما عداه باق بغيره، وعند ((ديكارات)) هو الإبداع المتصل الدائم، بل الله ~~عنده هو المبدع والمبقي، ولا بقاء للعالم إلا لأن الله يديم وجوده. راجع ~~تفسير ما بعد الطبيعة 3: 1631، والمعجم الفلسفي 1: 216.. PageV01P192 # إذ لا بدء لوجوده تعالى، وننفي عنه الحدوث لما ثبت من حاجة المحدث إلى ~~محدث يحدثه، وقد بينا فساد تسلل ذلك إلى مالا غاية له من الفساد في أول ~~كتابنا، فوجب بذلك أنه قديم لا أول لوجوده، ونصفه بأنه باق لا يفنى، ~~لاستحالة الفناء على ما يستحيل عليه الحدوث، لأنه لما كان سبحانه وتعالى ~~موجودا لا بعد عدم بطل عنه أن يكون معدوما بعد وجود، ونصفه بأنه حي عليم ~~حكيم قدير مريد، سميع بصير، لاستحالة وجود الأفعال من الأموات، وبطلان ~~وقوعها من الجاهلين العاجزين، يتعالى ربنا عن صفات النقص علوا كبيرا، فإن ~~قال: أخبروني عن هذه الأشياء التي وصفتموه بها من الحياة، والعلم، والحكمة، ~~والقدرة، والإرادة، والعزة، والسمع، والبصر، أهو شيء لم يزل به أم هو شيء ~~استحدثه لنفسه؟ أم كيف القصة في ذلك؟ قلنا: إن الله تعالى لم ms154 يزل موصوفا ~~بما ذكرنا: من الحياة، والعلم، والحكمة، والقدرة، والإرادة، والعزة، ~~والسمع، والبصر، في سائر تلك الصفات، ولا يزال موصوفا بها، من قبل أنه لا ~~تعدو تلك الصفات إذا كانت حادثة إليه وجوها ثلاثة: إما أن تكون حدثت إليه ~~من غير محدث أحدثها، أو حدثت بمحدث أحدثها له، وهو غيره، أو أن يكون ~~استحدثها لنفسه، وبطل أن تكون تحدث من غير محدث، لما بينا من فساد القول ~~بأن شيئا يحدث بلا محدث في غير موضع من كلامنا، وفسد أن يكون غيره أحدثها ~~له، إذ كان ذلك الغير يجب فيه من القول مثل ما يجب في هذا الموصوف، ولا ~~ينفك مما لا ينفك منه هذا الموصوف، فيتسلسل ذلك إلى ما لا نهاية له، وفسد ~~أن يكون هو الذي أحدثها لنفسه؛ لأنه لو كان الأمر كذلك لوجب أن يكون من قبل ~~أن يستحدثها لنفسه ليس بحي ولا عالم، ولا حكيم، ولا قادر، ولا سميع، ولا ~~بصير، فمن كان بهذه الهيئة لم يقدر على أن يحدث علما، ولا قدرة، ولا شيئا ~~من الأشياء، فلما بطلت هذه الوجوه الثلاثة، واضمحل القول بها لم يبق إلا ~~القول بأنه لم يزل ربنا جل وعلا PageV01P193 حيا، عالما، قديرا، سميعا، ~~بصيرا في سائر صفاته، ولا يزال كذلك، والله ولي التوفيق. # ومن سألنا عن عدل الله وحكمته، فقال: أخبروني عن الله حيث زعمتم أنه ~~حكيم، عليم، عادل، فيما وصفتموه به من ذلك، وقلتم: إن جميع أفعاله وأموره ~~لا تقع ولا تأتي إلا على معنى العدل، والحكمة (¬1) ، # ¬__________ # (¬1) الحكمة: هي الكلام الذي يقل لفظه، ويجل معناه، والجمع حكم، كالأمثال ~~وجوامع الكلم، والحكمي: هو المنسوب إلى الحكم، والحكميون: هم الفلاسفة. # والحكمة الإلهية: علم يبحث في أحوال الموجودات الخارجية المجردة عن ~~المادة، التي لا تتعلق بقدرتنا ولا باختيارنا. راجع بصائر ذوي التمييز. PageV01P194 # والعلم، أخبرونا ما وجه الحكمة في خلقه لما خلق من الأشياء، وأنتم تزعمون ~~أنه غير مستظهر بخلق ما خلق، ولا بذي حاجة إلى فعل شيء مما فعل؟ ولم خلق ما ms155 ~~خلق، ولأية علة ترك خلق ما لم يخلق؟ ولأية علة أمر ونهى، وأثاب وعاقب؟ وما ~~وجه الحكمة في ذلك؟ وكذلك إن سأل في وجوه العبادات من صنوف الشرائع: من ~~الصلاة وما يدور بها، والصيام، والزكاة، وفعل المناسك في معانيها، فقال: ما ~~وجه الحكمة في الاستعباد بهذه الأشياء؟ ونحن لم يتضح لنا في معقول شاهد ما ~~يدل على معنى الحكمة فيها، بل تدعو أشياء منها إلى أمور شبيهة بالعبث ~~والسخافة، وكذلك إن سأل عن إيلامه للحيوان، وتعذيبه إياهم، ولا سيما من لا ~~جرم له منها، ولا ذنب، وما وجه الحكمة العادلة في تسخيره الحيوان بعضها ~~لبعض، واستطعام شيء منها لشيء، واستعباده طائفة من ذلك لطائفة، في أمثال ~~هذه الأفعال الظاهرة منه في خلقه؟ ونحن لا نعرف وجه الحكمة في إظهاره لذلك. PageV01P195 # فجوابنا لمن سألنا عن هذا وأشباهه أن نقول له: لما ثبت بالدليل الذي لا ~~يبطل، وبالشاهد الذي لا يكذب، إن الله جل جلاله حكيم في عدله، عدل في ~~حكمته، مستوجب لذلك في ذاته، مستحق له في قدمه، لم يستحدث حكمة، ولا عدلا، ~~ولا علما، فيكون قبل ما لم يستحدثها موصوفا بخلافها، وقد دللنا على ذلك في ~~المسألة التي قبل هاته، فلما أن كان الله جل جلاله كذلك قلنا في جميع ما ~~يظهر لنا من أفعاله عز وجل مما نعرف وجه الحكمة فيه، وما لا نعرف: إن ذلك ~~كله حكمة، وعدل، لا يكون منه شيء جهلا، ولا عبثا للعلة التي قدمنا، فكل ما ~~دلنا ربنا على وجه الحكمة فيه، والعدل كنا قد عرفناه، وما لم يدلنا على وجه ~~الحكمة فيه علمنا أنه حكمة وعدل، إذ كان الاستحقاق للوصف بذلك لمعنى الذات، ~~والذات لا تتغير عن معناها، ولا تتبدل عن صفتها، فنفينا لهذه العلة عن شيء ~~من أفعاله أن يكون عبثا أو خطأ، أو يكون السائل عن هذا غير مثبت للصانع، ~~ولا مقر بالصنعة، فكيف يسأل عن الفرع ويدع الأصل، وهو غير مقر به، فنرجع به ~~إلى الأصل حتى يقر به، ويثبته ms156 بالأعلام والشواهد التي نصبناها في أول ~~كتابنا، وبما لم نذكره من ذلك، فإذا ثبت ذلك عنده كان الجواب له بعد ذلك ما ~~أجبنا به آنفا، وهذه الجملة كافية في هذا الباب إن شاء الله. # أسماء الله الحسنى (¬1) : # ¬__________ # (¬1) يقول الله تعالى في سورة الأعراف: {ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها} ~~آية 180، وقد جاء في كتاب الترمذي، وسنن ابن ماجه وغيرهما حديث عن أبي ~~هريرة عن النبي _صلى الله عليه وسلم_ نص فيه أن لله تسعة وتسعين اسما، في ~~أحدها ما ليس في الآخر، وذكر الحديث، وهو ليس بالمتواتر، وإن كان قال فيه ~~أبو عيسى: "هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث صفوان بن صالح، وهو ثقة عند ~~أهل الحديث، وإنما المتواتر منه قوله _صلى الله عليه وسلم_: إن لله تسعة ~~وتسعين اسما مائة إلا واحدا، من أحصاها دخل الجنة". PageV01P196 # ومن سألنا في أسماء الله عز وجل وصفاته فقال: ما تأويلها عندكم؟ وما ~~معناها؟ وما معنى قولكم: الله الرحمن الرحيم؟ قلنا: معنى الله أنه اسم ~~للمعبود الذي لا يستحق العبادة إلا هو، وقال قوم: إن معناه من العلو في ~~الصفة، من قوله: تألهت الشمس إذا علت، وحكى بعض أهل العلم أنه تبنى عليه ~~الصفات، والقول في هذا أنه اسم للمعبود الذي لا يستحق العبادة إلا إياه، ~~ولا ينبغي هذا الاسم إلا له، والرحمن من الرحمة وهو على معنى المبالغة، ~~والرحيم من ذلك، والملك الظاهر بالسلطان والغلبة، والمالك بالألف على ~~الميم، أي يملك خلقه، ويحكم عليهم وفيهم، وقال: {يوم لا تملك نفس لنفس ~~شيئا} (¬1) ، وقرئت: {مالك يوم الدين} (¬2) # ¬__________ # (¬1) سورة الانفطار آية رقم 19. # (¬2) سورة الفاتحة آية رقم 3.. PageV01P197 # بالألف، وفسروها: خالق يوم الدين، والرب هو الذي له الخلق، وهو والمالك ~~سواء، والواحد والأحد: أي واحد في ذاته، واحد في صفته، واحد في فعله، ~~والقدوس: المنزه عن صفات الخلق، ومعاني النقص، والسلام: الذي لا يأتي من ~~قبله ظلم ولا جور ولا خطأ، والخلق في سلامة من أن ينالهم من قبله شيء من ~~ذلك، والمؤمن: ms157 المصدق لرسله ولأخباره بالأعلام والشواهد، والمصدق لوعده ~~ووعيده بالإنجاز، والمصدق لكل صدق يأتي من عنده بالحجة الظاهرة، والمهيمن: ~~الشاهد الذي لا تكذب شهادته، ولا تبطل عدالته، والعزيز: الذي لا تجري عليه ~~المذلة، والعزيز: الذي أذل خلقه بما جعل فيهم من أعلام الذل، والجبار: الذي ~~تجبر عن صفات خلقه، ولا يرضى أن يضاف إليه شيء منها، والمتكبر: الذي كبر عن ~~صفات خلقه، أي كبرت نفسه عن أن يوصف بشيء منها، والخالق: المنشئ على غير ~~مثال، والباري كذلك والمصور: هو المقدر لجميع ما خلق على ما يشاء، والغني: ~~أي استغنى بنفسه عن خلقه، والغني عن طاعة عباده، ولا تنقصه معصية من عصاه، ~~والغني الذي لا ينفد ما عنده، ولا يبيد ما لديه، والحميد: المستحق للحمد ~~بما أظهر من عدله، وحكمته، وفضله، والأول: الذي كان قبل خلقه، وهو من تأويل ~~قديم، والآخر: الذي لا يفنى، وهو من تأويل الباقي، والظاهر لخلقه بالدلائل ~~الظاهرة، وقيل: الظاهر: لظهور الدلائل عليه، والباطن: عن حواسهم وعما يدرك ~~به بعضهم بعضا، والعالم: الذي علم لا بعد جهل، ولا يجهل بعد علم، والسميع: ~~الذي لا تخفى عليه الأصوات، والبصير: الذي لا تخفى عليه الألوان، والحي: ~~الذي لا يجري عليه أن يموت. وقال قوم في الحي إشارة إلى أنه فعال، والقيوم (¬1) : # ¬__________ # (¬1) القيوم: من قام، أي القائم بتدبير ما خلق، عن قتادة وقال الحسن: ~~معناه القائم على كل نفس بما كسبت حتى يجازيها بعملها، من حيث هو عالم بما ~~لا يخفى عليه شيء منها، وقال ابن عباس: معناه الذي لا يحول ولا يزول. # قال أمية بن أبي الصلت: # لم تخلق السماء والنجوم ... ... ... والشمس معها قمر يقوم # قدره مهيمن قيوم ... ... ... والحشر والجنة والنعيم # إلا لأمر شأنه عظيم # قال البيهقي: ورأيت في عيون التفسير لإسماعيل الضرير في تفسير القيوم ~~قال: ويقال هو الذي لا ينام، وكأنه أخذه من قوله عز وجل عقيبه في آية ~~الكرسي {لا تأخذه سنة ولا نوم}، وقال الكلبي: القيوم الذي لا بدء له. ذكره ~~أبو بكر الأنباري، وأصل ms158 قيوم من قيووم، اجتمعت الواو والياء، وسبقت إحداهما ~~بالسكون، فادغمت الأولى في الثانية. PageV01P198 # الذي لا يزول، كذلك جاء عن ابن عباس _رضي الله عنه_ وقال قوم: القائم على ~~خلقه بالتدبير والحفظ، والعلي من العلو في الصفة والمجد، والعالي كذلك، ~~والمتعالي عن أن يوصف بما يوصف به خلقه، والعظيم: الذي عظم عن صفات خلقه، ~~والكبير: كذلك، والشاهد والشهيد: الذي لا تغيب عنه غائبة في خلقه، ولا يغيب ~~عن شيء منه بحفظه إياه، وتدبيره له، والشاكر والشكور: الذي يقبل اليسير، ~~ويعطي الكثير، والحق: أي أنه حق، ليس بباطل أي وجوده حق لا كما يقول ~~المبطلون، والمبين: البين أي الذي ليس بذي خفاء فلا يعرف، والواسع في فضله ~~على خلقه، والقريب في إجابة دعاء عباده، والقريب في رحمته على خلقه، ~~والحفيظ الذي لا يضيع شيئا، ولا يخفى عنه شيء، والودود: المحبب إلى خلقه ~~بنعمته عليهم. # فإن قالوا: ما تأويل الصمد وما معناه؟ قلنا: فإن عبد الله بن عباس _رضي ~~الله عنهما_، وهو صاحب التأويل، سئل عن ذلك فقال: هو السيد الذي قد انتهى ~~في السؤدد، ثم أنشد قول الشاعر: # ألا بكر الناعي بخيري بني أسد ... بعمرو بن مسعود وبالسيد الصمد # وسئل عنه عبد الله بن مسعود فقال: السيد المصمود إليه في الحوائج. # وقال الحسن هو صمد (¬1) # ¬__________ # (¬1) الصمد: الذي يصمد إليه، كما قال تعالى: {ثم إذا مسكم الضر فإليه ~~تجأرون} (سورة النحل: 53). وقال أهل اللغة: الصمد السيد، وقال قوم: الصمد ~~الدائم الباقي الذي لم يزل ولا يزال، وقيل تفسيره ما بعده: {لم يلد ولم يولد}. # قال أبي بن كعب: الصمد الذي لا يلد ولا يولد؛ لأنه ليس شيء يولد إلا ~~سيموت، وليس شيء يموت إلا يورث. # وقال علي، وابن عباس أيضا، وأبو وائل شقيق بن سلمة، وسفيان: الصمد هو ~~السيد الذي انتهى إليه السؤدد في أنواع الشرف، ومنه قول الشاعر: # علوته بحسام ثم قلت له ... ... ... خذها حذيف فأنت السيد الصمد # وقال أبو هريرة: إنه المستغني عن كل أحد، والمحتاج إليه كل أحد. وقال ms159 ~~السدي: إنه المقصود في الرغائب، والمستعان في المصائب. وقال الحسين بن ~~الفضل: إنه الذي يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. وقال مقاتل: إنه الكامل الذي ~~لا عيب فيه، ومنه قول الزبرقان: # سيروا جميعا بنصف الليل واعتمدوا ... ... ... ولا رهينة إلا سيد صمد. # راجع تفسير القرطبي 20: 245، زاد المسير 9: 267 268. # البيت لسبرة بن عمرو الأسدي، وهو في مجاز القرآن 2: 316، وتهذيب الألفاظ ~~270، والسمط 933، والطبري 30: 347، واللسان: صمد. PageV01P199 # العباد، يصمدون إليه في حوائجهم، وقال سعيد بن جبير مثل ذلك. # انتهى الجزء الأول من كتاب الموجز في تحصيل السؤال، وتلخيص المقال في ~~الرد على أهل الخلاف بحمد الله وعونه، يتلوه الجزء الثاني إن شاء الله. PageV01P200 ### | CHECK الموجز لأبي عمار عبد الكافي تخريج عميرة ج2 # الجزء الثاني # مقدمة المؤلف # ¶ صلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما. # الحمد الله المقدر للأشياء على اختلاف أجناسها، (¬1) المدبر لها على ما ~~هي به من تفاوتها، ليس شيء منها مستغنيا بنفسه، ولا ممتنعا من تدبير مدبره، ~~ولا قائما بغير تقدير إلهه، قضى كل شيء فقدره، وصنع كل شيء فأتقنه، (¬2) ~~فلم يذر لطاعن في الحق حجة إلا أزهقها، (¬3) ولا عورة إلا كشفها، شد بحججه ~~الواضحة على أعضاد الناصرين لدينه، الذابين على ما نزل به الروح الأمين من ~~وحيه على رسله، وقطع حجج المعاندين له في سلطانه، وأبطل معاذير الجاعلين ~~لأنفسهم من القدرة مثل الذي جعلوا له، فلله عز وجل الحمد، وهو المشكور على ~~حسن معونته فيما هدى له من الصراط المستقيم، والطريقة المثلى. # ¬__________ # (¬1) الجنس في اللغة: الضرب من كل شيء، وهو أعم من النوع، يقال: الحيوان ~~جنس والإنسان نوع. قال ابن سينا: الجنس: هو مقول على الكثيرين مختلفين ~~بالأنواع، أي بالصورة والحقائق الذاتية، وهذا يخرج النوع، والخاصة، والفصل ~~القريب. # والجنس عند قدماء الفلاسفة ثلاث مراتب هي: الجنس العالي، وهو الجنس الذي ~~لا يوجد فوقه جنس آخر، ويسمى جنس الأجناس، و الجنس المتوسط: وهو الجنس الذي ~~يكون فوقه وتحته جنس، والجنس السافل: وهو الجنس الذي لا يكون تحته جنس ~~كالحيوان. # (¬2) قال ms160 تعالى: (صنع الله الذي أتقن كل شيء إنه خبير بما تفعلون) سورة ~~النمل آية رقم 88. # (¬3) قال تعالى: (وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا) سورة ~~الإسراء آية 81 PageV02P001 أما بعد _على أثر ذلك أيدك الله_ فإني لما ~~تخلصت من أمثال ما ندبتني إليه من الكلام في باب التوحيد، والرد على أهل ~~الإلحاد، وفرغت من سفر القول في ذلك، رأيت من حسن الرأي إن شاء الله أن ~~أشفعه بأخيه، وأثنيه بصنوه، ليكون الكتاب بإيجازه واختصاره، وقريب مأخذه، ~~كاملا في الفن (¬1) # ¬__________ # (¬1) الفن بالمعنى العام: جملة من القواعد المنبثقة لتحصيل غاية معينة، ~~جمالا كانت أو خيرا أو منفعة، فإذا كانت هذه الغاية تحقيق الجمال سمي الفن ~~بالفن الجميل، وإذا كانت تحقيق الخير سمي الفن بفن الأخلاق، وإذا كانت ~~تحقيق المنفعة سمي الفن بالصناعة. # ويطلق اصطلاح الفنون على الفنون السبعة التي كانت تدرس في المعاهد ~~القديمة: قواعد اللغة، البلاغة، المنطق، الحساب، الهندسة، الفلك، الموسيقى. PageV02P002 # الذي وضع فيه، شاملا للنوع الذي هو منه، في ذكر أقاويل المخالفين من أهل ~~القبلة، والرد عليهم في خلافهم، وتبيين وجه الحق في كل ذلك من غيره بشواهده ~~وأعلامه، بمبلغ العلم، ومنتهى الفهم، مقتفيا لآثار السلف، متبعا لأعلام ~~الخلف _رحمة الله عليهم_، غير مبتدع لغير ما قالوا، ولا مستنبطا في غير ~~الذي أصلوا، ورأيت أن أبدأ من ذلك بالقول في القدر وفي إثباته، لعظم بلية ~~ذلك على الضعفة، وشدة مؤنته على العامة، ولتشغيب أهله على الناس، ولأنه أصل ~~عظيم من أصول دين الله، (¬1) الذي لا يقوم إلا به، بعد أن أذكر مقدمات في ~~ترتيب المعاني، وتفصيل المباني، تكون تنبيها للمستفيد إذا سأل، وتثبيتا ~~للمفيد إذا أجاب. # ¬__________ # (¬1) روى الإمام مسلم بسنده عن ابن بريدة عن يحيى بن يعمر قال: كان أول ~~من قال في القدر بالبصرة معبد الجهني، فانطلقت أنا وحميد بن عبد الرحمن ~~الحميري حاجين أو معتمرين، فقلنا: لو لقينا أحدا من أصحاب رسول الله _صلى ~~الله عليه وسلم_ فسألناه عما يقول هؤلاء في القدر، فوفق ms161 لنا عبد الله بن ~~عمر بن الخطاب داخلا المسجد فاكتنفته أنا و صاحبي، أحدنا عن يمينه والآخر ~~عن شماله، فظننت أن صاحبي سيكل الكلام إلي فقلت: أبا عبد الرحمن إنه قد ظهر ~~قبلنا ناس يقرؤون القرآن ويتقفرون العلم، وذكر من شأنهم، وأنهم يزعمون أن ~~لا قدر، وأن الأمر أنف. قال: "فإذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم، ~~وأنهم براء مني، والذي يحلف به عبد الله بن عمر لو أن لأحدهم مثل أحد ذهبا ~~فأنفقه ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر". رواه الإمام مسلم في كتاب إيمان، ~~(1) باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان، ووجوب الإيمان بإثبات قدر الله ~~سبحانه وتعالى، وبيان الدليل على التبري ممن لا يؤمن بالقدر، وإغلاظ القول ~~في حقه، ورواه الترمذي في كتاب الإيمان، 4 باب ما جاء في وصف جبريل للنبي ~~_صلى الله عليه وسلم_ الإيمان والإسلام 2610، وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح. PageV02P003 # والله أسأل حسن المعونة وجزيل المثوبة، وإليه أرغب أن يجعل ما نويته من ~~ذلك لوجهه خالصا، ولما عنده طالبا، فأول ذلك: # باب في النظر (¬1) : # والنظر يجري بين المتكلمين على سبعة قوانين وثلاثة توابع: # القانون الأول: السؤال، والثاني: الجواب، والثالث: العلة، والرابع: ~~الدليل، والخامس: قلب السؤال، والسادس: طرد العلة في المعلول، والسابع: ~~برهان الخلف (¬2) . # والتوابع: المعارضة، والإلزام، والتسليم. # ¬__________ # (¬1) للنظر تعريفات بحسب المذاهب، فأرباب التعاليم يقولون: إن النظر ~~ترتيب أمور معلومة للتأدي إلى مجهول. # والرازي يقول: إن النظر ترتيب تصديقات يتوصل بها إلى تصديقات أخرى. ومنهم ~~من يقول: إن النظر هو البحث، وهو أعم من القياس (كليات أبي البقاء). ومنهم ~~من يقول: إن النظر ينقسم إلى صحيح يؤدي إلى المطلوب، وفاسد لا يؤدي إليه، ~~ومنهم من يرى أن النظر والفكر يختصان بالمعقولات الصرفة، لا يجريان في ~~غيرها (راجع اصطلاحات الفنون للتهانوي). # (¬2) برهان الخلف: هو الذي يقصد فيه إثبات المطلوب بإبطال نقيضه. PageV02P004 # فالسؤال هو الاستخبار، والجواب: مقابلة استحقاق السؤال وكيفيته بالإخبار. ~~والعلة: ما يوجد بوجوده وجود المعلول، وبعدمه عدم المعلول. والدليل: ما ~~يثبت الدعوى عنده. وقلب ms162 السؤال: أن يجيب المجيب ولم يقنع السائل، فيقلب ~~المجيب عليه السؤال. وطرد العلة في المعلول: أن يجعل المجيب في جوابه علة ~~يعلق كلامه بها، والسائل يعلم أن للمجيب مذهبا، ويقول فيه بغير هذه العلة، ~~فيطالبه فيه بطرد علته في كل المعلول. وبرهان الخلف: أن يأتي المجيب بدليل ~~فلا يسلم السائل، ويقول في كل دليل يأتي به المجيب: ما دليلك على ذلك؟ حتى ~~يخرج به المجيب إلى أحد أمرين: إما إلى شاهد العيان، أو إلى شاهد القياس، ~~مما يقر به السائل، مثال ذلك: أن يسأل دليلا على حدوث الجسم، ويجاب كونه ~~غير سابق للحادث ما دل على أنه غير سابق للحادث وجوده غير عار من الحادث، ~~ما دل على أنه غير عار من الحادث بطلان التوهم له بغير حادث، ثم يسأل ~~فيقول: ما دل على حدوث الحادث تعاقبه وتضاده، ما دل على تعاقبه وتضاده ~~بطلان الوصف له، وما في بطلان الوصف له تناقض القول وتكاذبه. # ... والمعارضة (¬1) : # ¬__________ # (¬1) المعارضة في اللغة: هي المقابلة على سبيل الممانعة، وعند الشكاك ~~اليونانيين: مقابلة كل دليل بدليل يسويه، لذلك قالوا: إن لكل دليل دليلا ~~يقابله ويساويه في القوة. # والمعارضة عند الأصوليين: إقامة الدليل على خلاف ما أقام الدليل عليه ~~الخصم، والمعارض للمنطق: هو الخارج عن القوانين الوضعية. راجع التعريفات ~~للجرجاني 197 بتصرف، والكافية في الجدل: 412، وهو برهان إلزام لا برهان ~~إيضاح، ونعني بذلك أنه يرغم العقل على التسليم بالنتائج من غير أن يرجع ~~القضية المراد إثباتها إلى الأوليات الواضحة. راجع النجاة ص 103. PageV02P005 # مطالبة السائل للمسئول بإزالة علته لعلة أخرى؛ وذلك أن يجيب المجيب جوابا ~~ويعطي فيه علة، فيقول السائل: ما أنكرت أن يكون لجهة كذا وكذا؟ فيعتل بعلة ~~غير علته، أو يقول له: ما الفرق بينك وبين من يقول: كذا وكذا لشيء لا يجيب ~~به المجيب. # والإلزام: ضرب من المعارضة؛ وذلك أن يوجب المجيب حكما في شيء دون شيء، ~~فيقول السائل: يلزمك أن توجب هذا الحكم فيما هو دون ما قلت، أو فيما هو ~~فوقه، وإلا ms163 فما الفرق؟ فيلزمه أن يأتي بالفرق أو يسلم. # ... والتسليم: واجب من النصفة والعقل، إذا علم السائل أن الكلام بلغ إلى ~~النهاية وما بقي له زيادة فقد لاح الحق، فيجب ألا يعانته بغير حجة ويسلم. # ... والسؤال سؤالان: سؤال تفويض، وسؤال حجر، فسؤال الحجر أن يقول السائل: ~~أخبرني عن الجسم أمحدث هو أم قديم؟ فلا يجيب إلا بأحد أمرين على عبارة ~~السائل. وسؤال التفويض أن يقول السائل: ما دلك على حدوث الجسم، فيجيب بالذي ~~يجيب على ما تهيأ له من الدليل. # ... والسؤال كله تسعة أنواع أولها (¬1) : هل هو؟ وكم هو؟ وأي هو؟ وكيف ~~هو؟ وأين هو؟ ومتى هو؟ ولم هو؟ ومن هو؟ ولكل سؤال جواب خاص، لا يشبه الآخر. # ... والسؤال يسقط من خمسة أوجه: من تناقض، واضطراب، وإثبات، ودخول سؤال ~~تحت المحال، وجمع بين (¬2) سؤالين. # فالمتناقض: أخبرني عن الجسم إذ لا ينفك عن العرض (¬3) ، هل يكون بغير ~~عرض؟ والمضطرب أخبرني عن العرض ولم كان حركة؟ فيجعل الأعم في الأخص. # ¬__________ # (¬1) سقط في (ب) أولها. # (¬2) سقط في (ب) لفظ (بين). # (¬3) قال الإمام الغزالي: العرض اسم مشترك، فيقال: عرض لكل موجود في محل، ~~ويقال: عرض لكل موجود في موضوع، ويقال: عرض للمعنى الكلي المحمول على ~~كثيرين. # وقال الخوارزمي: العرض هو ما يتميز به الشيء عن الشيء لا في ذاته، ~~كالبياض والسواد، والحرارة والبرودة. # وقال ابن سينا: يقال عرض لكل موجود في موضوع. راجع النجاة 325، ومعيار ~~العلم طبعة مصر 1329 ه، ص 194، ومفاتيح العلوم 86. PageV02P006 # والإثبات: أخبرني عن لون الحركة وما هو؟ والمجيب لا يثبت رؤية الحركة، ~~ومثل ذلك، وما الدليل على حدوث الجسم؟ فيجاب له، ثم يكرر فيقول: ما الدليل ~~على إبطال قدم الجسم؟ والرابع: أن يدخل سؤالا تحت المحال فيقول: هل يقدر ~~الله على أن يجعل الإنسان حيا ميتا، أو صامتا ناطقا في حال واحدة؟ وهل يقدر ~~على أن يكون على صفات الخلق؟ تعالى الله عن ذلك. فهذا ومثله من السؤال ~~الساقط (¬1) ، وهذا المعنى أولى بالسؤال الساقط من سؤال التكرار، والله أعلم. # والجمع: أن ms164 يسأل سؤالين مختلفين في دفعة واحدة، فيطلب بها جوابا واحدا ~~ودليلا واحدا، وذلك الذي يطلب فيهما مختلف غير متفق، فيبطل سؤاله لذلك ويسقط. # في الهيئات: # ماهية (¬2) الشيء، ماهية الموجود، ماهية المعدوم، ماهية القديم، ماهية ~~الحادث، ماهية المخلوق، ماهية الباقي، ماهية الفاني، ماهية المعاد، ماهية ~~الجسم، ماهية العرض. # ¬__________ # (¬1) عقد الشيخ نور الدين السالمي في كتابه "مشارق أنوار العقول" فصلا عن ~~الألفاظ الممتنع بها السؤال عن المولى جلا وعلا فراجعه. المصدر المذكور ص ~~64، 65. # (¬2) الماهية: لفظ "منسوب إلى ما" والأصل: المائية قلبت الهمزة هاء، لئلا ~~يشتبه بالمصدر المأخوذ من لفظ "ماء" والأظهر أنه نسبة إلى ما هو، جعلت ~~الكلمتان ككلمة واحدة. والماهية عند أرسطو: هي مطلب ما هو، كسؤالك ما ~~الخلاء، فمعناه بحسب الاسم ما المراد بالخلاء أو كسؤالك: ما الإنسان...؟ ~~فمعناه بحسب الذات ما هي حقيقة الإنسان. # والماهية إذن هي ما به يجاب عن السؤال بما هو، والماهية غالبا تطلق عن ~~الأمر المتعقل، والأمر المتعقل من حيث هو مقول في جواب ما هو يسمى ماهية، ~~ومن حيث ثبوته في الخارج يسمى حقيقة، ومن حيث امتيازه عن الأغيار هوية. ~~راجع تعريفات الجرجاني، والنجاة لابن سينا ص 105، وكليات أبي البقاء، وكشاف ~~اصطلاحات الفنون 2/1531، 1255. PageV02P007 # أما هيئة الشيء: فالمخبر عنه، وأما هيئة الموجود: فالحاضر، وقد يسمى ~~الآتي موجودا توسعا، وأما هيئة المعدوم: فالغائب عن الوجود، وأما هيئة ~~القديم: فالذي لا أول لوجوده، وهيئة الحادث (¬1) : ما لوجوده أول وآخر، ~~هيئة القديم: ما وجد لا بعد أن لم يوجد، وهيئة الحادث: ما وجد بعد أن لم ~~يوجد، وآخر: هيئة القديم ما وجد لا بعد عدم، وهيئة الحادث: ما وجد بعد عدم، ~~وبعض الأجوبة من بعض. # أما هيئة المخلوق: فالمقدر المصنوع، آخر: هيئة المخلوق: الخارج من العدم ~~إلى الوجود. أما هيئة الباقي: فما وجد بعد وجود، أما هيئة الفاني: فما عدم ~~بعد وجود، ويسمى الصائر إلى الفناء (¬2) # ¬__________ # (¬1) الهيئة: لغة حال الشيء وكيفيته، وهي والعرض متقاربا المفهوم؛ إلا أن ~~العرض يطلق على جميع مقولات الأعراض باعتبار عروضه ms165 لها، والهيئة تطلق عليها ~~من حيث إنها حاصلة في موضوعاتها. وكثر استعمال لفظ الهيئة من الخارج، ولفظ ~~الوصف في الأمور الذهنية. راجع الكليات لأبي البقاء 5: 84، رسالة ابن سينا ~~في أقسام العلوم الفعلية؛ تسع رسائل في الحكمة والطبيعيات، الرسالة الخامسة ~~ص 111 112. # (¬2) فناء الشيء زوال وجوده، والفرق بينه وبين الفساد أن فناء الشيء ~~عدمه، على حين أن فساده تحوله إلى شيء آخر. # قال ابن سينا: "في التفريق بين مادة الأجسام السماوية ومادة هذا العالم ~~فيكون حدوثها (أي مادة الأفلاك) على سبيل الإبداع لا على سبيل التكوين من ~~شيء آخر، وفقدها على سبيل الفناء، لا على سبيل الفساد إلى شيء آخر". راجع ~~الأجرام ص 45. # والفناء عند الصوفية: عدم شعور الشخص بنفسه أو بشيء من لوازم نفسه، فإذا ~~قال الصوفي: ليس في الوجود إلا الله عبر بذلك عن فناء ذاته في الذات ~~الإلهية. ويقول الجرجاني: "وإليه أشار المشايخ بقولهم: الفقر سواد الوجه في ~~الدارين، يعني الفناء في العالمين". راجع التعريفات 217. PageV02P008 # فانيا توسعا وبلاغة، أما هيئة المعاد: فما وجد بعد وجود وبعد عدم. وأما ~~هيئة الجسم: فما كان مؤتلف الأجزاء، وأما هيئة العرض: فالعارض في الجسم، ~~الطارئ عليه، سمي عرضا لقلة مكثه في الجسم. # في الفئات: # ما فئة الاستطاعة؟ ما فئة الزمانة؟ ما فئة العجز؟ ما فئة الحركة؟ ما فئة ~~النقلة؟ ما فئة السكون؟ ما فئة اللبث؟ ما فئة الحلول؟ ما فئة الغير؟ ما فئة ~~الخلاف؟ ما فئة الضد؟ # ... أما فئة الاستطاعة: ما به يوجد الفعل، وأما فئة الزمانة: فما به يعدم ~~الفعل (¬1) ، وأما فئة العجز: فالمانع من الفعل، وأما فئة الحركة: فما لا ~~يتكون منه جزءان في مكان واحد، وأما فئة النقلة: فما به يصير من مكان إلى ~~مكان، وأما فئة السكون: فما يتكون منه جزءان في مكان واحد، وأما فئة اللبث: ~~فكونه حالين في مكان واحد، وأما فئة الحلول: فكون شيء في شيء دون غيره، ~~وأما فئة الغير: فهو ما كان متغايرا مع شيء كانت صفة أو لم تكن، وأما فئة ~~الخلاف: ms166 فما كان بصفة تخالف صفة الآخر، وأما فئة الضد: فما كان منافرا لشيء ~~متنافيا معه. # في الكيفيات (¬2) : # ¬__________ # (¬1) للفعل في اصطلاح الفلاسفة عدة معان: # فالفعل بالمعنى العام يطلق على كون الشيء مؤثرا في غيره، ومثاله أفعال ~~الطبيعة، كتأثير النار في التسخين، فهي فاعلة، والمتسخن منفعل، وتأثير ~~الخطيب في الجمهور، وتأثير المربي في الطفل، وتأثير الطبيب في الشفاء. # (¬2) الكيفية: اسم لما يجاب به عن السؤال بكيف، كما أن الكمية اسم لما ~~يجاب به عن السؤال بكم. # ومعناها صفة الشيء وصورته وحاله. وهي إحدى مقولات أرسطو. وقد عرفها ~~القدماء بقولهم: الكيف "هيئة قارة في الشيء لا يقتضي قسمة ولا نسبة لذاته". # أما المحدثون: فإنهم يعرفون الكيفية بقولهم: إنها هيئة أو صفة يمكن ~~إثباتها في الشيء، أو نفيها عنه، ولذلك قسم "كانت" مقولة الكيف ثلاثة ~~أقسام: وهي الإيجاب، والسلب، والتحديد. راجع كشاف اصطلاحات الفنون 2: 1255، ~~والتعريفات 239 240. PageV02P009 # ما كيفية الحدوث؟ ما كيفية الخلق؟ ما كيفية الخلق؟ ما كيفية الكسب؟ ما ~~كيفية القصد؟ ما كيفية الاختيار؟ ما كيفية الجبر؟ ما كيفية الاضطرار؟ ما ~~كيفية الإكراه؟ ما كيفية الطبع؟. # أما كيفية الحدوث: فكون ما لم يكن قبل الكون، وأما كيفية الخلق: فالإنشاء ~~والاختراع، آخر: أما كيفية الخلق: فالإخراج من العدم إلى الوجود، وأما ~~كيفية الفعل: فما وقع عن إرادة، وأما كيفية الكسب: فما جاء عن رؤية النفس، ~~وأما كيفية القصد: فالإرادة للفعل دون غيره، وأما كيفية الاختيار: فما ~~اختير من الفعل المفعول دون المتروك، وأما كيفية الجبر: فما فعل بالشيء من ~~غير إرادته، وأما كيفية الاضطرار: فما اضطر إليه وأكره عليه، والإكراه ~~مثله، وأما كيفية الطبع: فما طبع عليه ولا يزايله، والجبل مثله. # في العينيات: # ما عين (¬1) التوحيد؟ ما عين الشرك؟ ما عين الإيمان؟ ما عين الكفر؟ ما ~~عين المعصية؟ ما عين الطاعة؟ ما عين الإسلام؟ ما عين النفاق؟ ما عين ~~الكبيرة؟ ما عين الصغيرة، ما عين العبادة؟. # ¬__________ # (¬1) العين: ما يدل بإحدى الحواس الظاهرة، ويسمى بالصورة، ويقابله ~~المعنى، أي ما لا يمكن إدراكه بالحواس، كالصدقة ms167 والعداوة، والعين أيضا ما ~~قام بنفسه جوهرا كان أو جسما، ويقابله المعنى، وهو ما قام بالغير كالأعراض. # واسم العين هو الاسم الدال على معنى يقوم بنفسه كزيد، واسم المعنى هو ~~الاسم الدال على معنى لا يقوم بنفسه وجوديا كان كالعلم، أو عدميا كالجهل. ~~وجاء لفظ العين في القرآن الكريم بمعنى النظر (ولتصنع على عيني) (طه: 39)، ~~وبمعنى الحفظ والرعاية (تجري بأعيننا) (القمر: 14)، ونهر بني إسرائيل ~~(فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا) (البقرة: 60)، وبمعنى النحاس: (وأسلنا له ~~عين القطر) (سبأ: 12). راجع بصائر ذوي التمييز 4: 5 6، والتعريفات: 205. PageV02P010 # أما عين التوحيد: فالإفراد للقديم من صفات المحدث، وأما عين الشرك: ~~فالتسوية بين الخالق والمخلوق، وأما عين الإيمان: فما وجب عليه من الله ~~الثواب، وأما عين الكفر: فما وجب عليه من الله العقاب، وأما عين الطاعة: ~~فما وقع من الفعل عن أمر، وأما عين المعصية: فما وقع من الفعل عن نهي، وأما ~~عين الإسلام: فإسلام الأمر والوجه والنفس إلى الله، آخر: الإسلام هو ~~الاستسلام لأمره، وأما عين النفاق: فخلف الوعد لله، وأما عين الكبيرة: فما ~~توعد الله عليه، وأما عين الصغيرة: فمعصية جاء من الله فيها لفاعلها ~~استثناء، وعين العبادة: كل فعل فيه التقرب إلى المعبود. # في الكليات: # كل (¬1) # ¬__________ # (¬1) الكل في اللغة: اسم لمجموع أجزاء الشيء، وهو يفيد الاستغراق لأفراد ~~ما يضاف إليه أجزائه، نحو قوله تعالى: (كل امرئ بما كسب رهين) (سورة الطور: 21). # قال ابن رشد: الكل يدل به على الذي يحوي جميع الأجزاء، وليس يوجد خارجا ~~عنه شيء، وهو بالجملة مرادف لما يدل عليه اسم التمام بالوجه الأول من أوجه ~~دلالته. # والكل: اسم من أسماء الله تعالى باعتبار الحضرة الأحدية الإلهية الجامعة ~~للأسماء، ولذا يقال: أحد بالذات كل بالأسماء. # والكل يقال على جملة العالم من جهة ما هو واحد، ومشتمل على كل ما هو ~~موجود في الزمان والمكان. راجع تعريفات الجرجاني، ورسالة الحدود لابن سينا، ~~والكليات لأبي البقاء. PageV02P011 # توحيد إيمان وليس كل إيمان توحيدا، كل توحيد طاعة وليس كل طاعة توحيدا، ~~كل طاعة إيمان، ms168 وكل إيمان طاعة، كل إيمان إسلام، وكل إسلام إيمان، كل عبادة ~~طاعة وليست كل طاعة عبادة، كل عبادة تقرب وليس كل تقرب عبادة، كل ملة دين ~~وليس كل دين ملة (¬1) ، كل دين شريعة، وكل شريعة دين، وقد قالوا: دين ~~الأنبياء واحد، وشرائعهم شتى، والله أعلم. كل شرك كفر وليس كل كفر شركا، كل ~~شرك معصية وليست كل معصية شركا، وكل كفر معصية وليست كل معصية كفرا، كل كفر ~~كبيرة، وكل كبيرة كفر، كل نفاق خلف، وكل خلف نفاق، وكل نفاق كفر وليس كل ~~كفر نفاقا، كل نفاق معصية وليست كل معصية نفاقا. # في المائيات: # مائية (¬2) # ¬__________ # (¬1) الملة: كالدين، وهو اسم لما شرع الله تعالى لعباده على لسان ~~الأنبياء، ليتوصلوا به إلى جوار الله، والفرق بينهما وبين الدين: أن الملة ~~لا تضاف إلا إلى النبي _عليه الصلاة والسلام_ الذي تسند إليه، نحو (اتبعوا ~~ملة إبراهيم حنيفا) (سورة آل عمران: 95)، (واتبعت ملة آبائي) (سورة يوسف: ~~38)، ولا تكاد توجد مضافة إلى الله ولا إلى آحاد أمة النبي _صلى الله عليه ~~وسلم_، ولا تستعمل إلا في جملة الشرائع دون آحادها. لا يقال: ملتي الله، ~~ولا يقال: ملتي وملة زيد، كما يقال: دين الله ودين زيد. راجع المفردات في ~~غريب القرآن 471 472، وبصائر ذوي التمييز 4: 517 518. # (¬2) المائية أو الماهية: ما به الشيء هو هو وهي من حيث هي هي لا موجودة ~~ولا معدومة، ولا كلي ولا جزئي، ولا خاص ولا عام. وقيل: منسوب إلى ما، ~~والأصل: المائية، قلبت الهمزة هاء لئلا يشتبه بالمصدر المأخوذ من "ما". ~~والأظهر أنه نسبة إلى ما هو، جعلت الكلمتان ككلمة واحدة. # وتطلق الماهية غالبا على الأمر المتعقل، مثل المتعقل من الإنسان وهو ~~الحيوان الناطق، مع قطع النظر عن الوجود الخارجي. راجع تعريفات الجرجاني ص ~~171، وابن سينا النجاة ص 105، وكليات ابن البقاء 4: 287. PageV02P012 # الاسم، مائية المسمى، مائية الصفة، مائية الموصوف، مائية التسمية، مائية الوصف. # أما مائية الاسم: فما به عرف الشيء من غيره، وأما مائية الصفة: فما به ~~بان الشيء من غيره، ms169 وأما مائية المسمى: فالمستوجب للاسم، وأما مائية ~~الموصوف: فالمستحق للصفة المتصف بها، وأما مائية التسمية: فالإخبار عن اسم ~~الشيء، وأما مائية الوصف: فالإبانة عن صفة الشيء. # في الجهات: # جهات المحدث: الحاجة إلى محدث يحدثه، والعجز عن إحداث نفسه، وليس بممتنع ~~من التصرف. جهات الجسم: الطول مع العرض، جهة الجسم: التحيز (¬1) ، جهة ~~الجسم: احتمال البقاء، جهة الجسم: قبول الأعراض، وجهات التحيز: يمنة، ~~ويسرة، وفوق، وتحت، وخلف، وتجاه. # ¬__________ # (¬1) التحيز: هو عبارة عن نسبة الجوهر إلى الحيز بأنه فيه، والحيز هو ~~المكان أو تقدير المكان، والمراد بتقدير المكان كونه في المكان، ولم نقل هو ~~المكان؛ لأنه المتحيز: هو الجوهر، والحيز من لوازم الجوهر لا انفكاك له ~~عنه. راجع الكليات 2: 111. PageV02P013 # آخر: جهة الجسم: اللون لدرك البصر، والطعم لدرك الذوق، والرائحة لدرك ~~الشم، والمجسة (¬1) لدرك اللمس. وجهة العرض: الحاجة إلى الجسم، جهة العرض: ~~لزوم الفناء، جهة العرض: غير مشاهد بالعيان، جهة العرض: مخالفة الجسم، جهة ~~العرض: صفة للجسم. وجهة الفعل: الاختيار، جهة الفعل: الحسن والقبيح، جهة ~~الفعل: الطاعة والمعصية، جهة الفعل: وجوب المدح والذم، جهة الفعل: مخالفة ~~الفاعل، وكل جهة للعرض فهي جهة للفعل، وكل جهة للمحدث فهي جهة للجسم والعرض جميعا. # في المعنيات: # في معنى متحرك إثبات معنى ثان غير المتحرك وهو الحركة، وفي معنى ساكن ~~إثبات معنى ثان غير الساكن وهو السكون، وفي معنى مفارق إثبات معنى ثان وهو ~~الافتراق، وفي معنى مجامع إثبات معنى ثان هو الاجتماع، وفي معنى مستطيع ~~إثبات معنى ثان غير المستطيع وهو الاستطاعة (¬2) ، # ¬__________ # (¬1) الجس: المس باليد كالاجتساس، وموضعه المجسة وتفحص الأخبار، وفي ~~المثل: أحناكها أو يقال أفواهها مجاسها، وفلان ضيق المجسة: أي غير رحيب ~~الصدر، وجسه بعينه: أحد النظر إليه ليستثبت، والجساسة: دابة تجس الأخبار ~~فتأتي بها الدجال، والجساس ككتان: الأسد المؤثر في الفريسة ببراثنه، وعبد ~~الرحمن بن جساس: من أتباع التابعين. راجع ترتيب القاموس المحيط 1: 492 وما بعدها. # (¬2) الاستطاعة في اللغة: إنما هي مصدر استطاع يستطيع، والمصدر هو فعل ~~الفاعل، وصفته كالضرب هو فعل الضارب، ms170 والصفة والفعل عرضان بلا شك في الفاعل ~~منا، وفي الموصوف والمصادر هي أفعال المسمين، فالأسماء بإجماع من أهل كل لسان. # والمستطيع جوهر، والجوهر لا ضد له، فصح بالضرورة أن الاستطاعة هي غير ~~المستطيع بلا شك. # والاستطاعة: ليست عجزا، فإن من استطاع على شيء وعجز عن أكثر منه ففيه ~~استطاعة على ما يستطيع عليه. راجع كتاب الفصل لابن حزم 4: 39 وما بعدها بتصرف. PageV02P014 # وفي معنى زمن إثبات معنى ثان وهو الزمانة، وفي معنى فاعل إثبات معنى ثان ~~وهو الفعل، وإلا فهشامية (¬1) ولا فائدة للقول، وليس هنالك معنى زائد على ~~ما قلنا، وإلا فمعمرية، ولا تحصيل للقول. # في الحقيقات (¬2) : # ما حقيقة العلم؟ ما حقيقة الجهل؟ ما حقيقة الشك؟ ما حقيقة الظن؟ ما حقيقة ~~الفهم؟ ما حقيقة التقليد؟ ما حقيقة البرهان؟ ما حقيقة الحجة؟ ما حقيقة ~~الشبهة؟ ما حقيقة الاستحسان؟ ما حقيقة المعقول؟ ما حقيقة النظر؟ ما حقيقة ~~القياس؟ ما حقيقة الجدل؟ ما حقيقة الاجتهاد؟. # ¬__________ # (¬1) يقول الدكتور الطالبي: الظاهر والله أعلم أنه نسبة إلى هشام بن سالم ~~المعتزلي، أي وإن لم نقل: إن الاستطاعة مثلا معنى أي وصف زائد على ~~المستطيع، بل هي بعض المستطيع كما هو مذهب هشام المذكور وضرار بن عمرو. ~~والحقيقة أن هشام بن سالم من الشيعة، واعتبره صاحب كتاب الفرق بين الفرق ~~أنه صاحب فرقة "الولقية". راجع خطط المقريزي 2: 368، ط بولاق. وحكى ~~البغدادي عنه سالم هذا أنه كان يقول: في أفعال العباد إنها أجسام؛ لأنه لا ~~شيء في العالم إلا الأجسام، وأجاز أن يفعل العباد الأجسام، وروى مثل هذا ~~القول عن شيطان الطاق. راجع الفرق بين الفرق 69. # (¬2) الحقيقة: تستعمل تارة في الشيء الذي له ثبات ووجود، كقوله _صلى الله ~~عليه وسلم_ لحارثة: لكل شيء حقيقة فما حقيقة إيمانك...؟ وتارة تستعمل في ~~الاعتقاد. وأما في تعارف الفقهاء والمتكلمين: فهي اللفظ المستعمل فيما وضع ~~له في أصل اللغة. # وحقيقة الشيء: ما به الشيء هو، كالحيوان الناطق للإنسان، بخلاف مثل ~~الضاحك والكاتب مما يمكن تصور الإنسان بدونه، وقد يقال إن ما ms171 به الشيء هو ~~باعتبار تحققه حقيقة، وباعتبار تشخصه هوية، ومع قطع النظر عن ذلك ماهية. ~~راجع المفردات في غريب القرآن 126، والتعريفات ص 79، 80، والكليات 2: 192 ~~وما بعدها. PageV02P015 # أما حقيقة العلم: فتبين الشيء على ما هو به، وحقيقة الجهل: ألا يستبان ~~الشيء على ما هو به، آخر: حقيقة العلم: درك الشيء على ما هو به، وحقيقة ~~الجهل: ألا يدرك الشيء على ما هو به، آخر: حقيقة العلم: اعتقاد الشيء على ~~ما هو به، وحقيقة الجهل: اعتقاد الشيء على خلاف ما هو به، أما حقيقة الفهم: ~~فهو اتفاق الشيء على الوجه الذي هو به عن نظر، وحقيقة الفقه: عبارة عن كل ~~علم يتيقنه العالم به عن فكر، وأما حقيقة الشك: فهو الوقوف بين صفتي الشيء ~~من غير ترجيح لإحداهما على الأخرى، وأما حقيقة الظن: فهو تغليب إحدى ~~الصفتين على الأخرى، وأما حقيقة التقليد: فقبول قول القائل ممن لا يؤمن ~~عليه الخطأ، من غير دلالة ولا حجة، وأما حقيقة البرهان: فهو ما أثبت المعنى ~~في النفس، وأما حقيقة الحجة: فهو ما يقطع به المناظر حقيقة الشيء المنظور ~~فيه، وأما حقيقة الشبهة: فهو ما يتخيل للناظر أن ما نظر فيه دليل، وهو ~~بخلاف ذلك. وأما حقيقة الاستحسان: فهو شهوة النفس، والميل بالهوى إلى ~~القول، وأما حقيقة المعقول: فهو ما سبق إلى الفهم من حكم الخطاب، وأما ~~حقيقة النظر: فهو استعمال الفكر في قوة الدلالة، والقياس مثله، وأما حقيقة ~~الجدل (¬1) : # ¬__________ # (¬1) الجدل: هو في اصطلاح المنطقيين قياس مؤلف من مقدمات مشهورة أو ~~مسلمة، والغرض منه إلزام الخصم وإفحام من هو قاصر عن إدراج مقدمات البرهان. # الجدل في الأصل من الحوار والمناقشة. قال أفلاطون: الجدلي هو الذي يحسن ~~السؤال والجواب، والغرض منه الارتقاء من تصور إلى تصور. # وقال صاحب المفردات: الجدل المفاوضة على سبيل المنازعة والمغالبة، وأصله ~~من جدلت الحبل أي أحكمت فتله، ومنه الجديل، والأجدل الصقر المحكم البنية، ~~والمجدل القصر المحكم البناء، ومنه الجدال، وقيل الأصل في الجدال الصراع ~~وإسقاط الإنسان صاحبه على الجدالة: وهي الأرض ms172 الصلبة، قال تعالى: (وجادلتهم ~~بالتي هي أحسن) سورة النحل آية 125، وقال تعالى: (وكان الإنسان أكثر شيء ~~جدلا) سورة الكهف آية 54. راجع المفردات 89، 90، وتعريفات الجرجاني، ~~وكرايتل ص 390. PageV02P016 # فتردد الكلام بين المتناظرين، وأما حقيقة الاجتهاد: فهو الحمل على النفس ~~ما يشق عليها. # باب القول في القدر وفي إثباته، والرد على من قال بغير الحق في ذلك: # اختلف الناس في القدر وفي إثباته على أصل قولين: فقالت المعتزلة (¬1) : # ¬__________ # (¬1) المعتزلة: للباحثين والمؤرخين آراء كثيرة مختلفة حول تسمية المعتزلة ~~بهذا الاسم: فالبعض يرى أنها للقول بالمنزلة بين المنزلتين، أي باعتزال ~~صاحب الكبيرة عن المؤمنين والكافرين جميعا، والبعض يرى أنها لاعتزال أقوال ~~المحدثة والمبتدعة، والبعض يرى أنها لمجانبة تقصير المرجئة وغلو الخوارج في ~~مسألة مرتكب الكبيرة، والبعض يرى أنها لاعتزالهم قول الأمة بأسرها في قولهم ~~بالمنزلتين. والسبب المشهور اعتزال واصل بن عطاء للحسن البصري بعد أن أقصاه ~~عن مجلسه لقوله بالمنزلة بين المنزلتين. راجع المعتزلة لزهدي جار الله، ~~وضحى الإسلام 3: 96، ومروج الذهب للمسعودي 6: 20، 7: 234، والبغدادي في ~~الفرق بين الفرق 114 115، والتبصير: 40، والملل والنحل للشهرستاني 1: 46، ~~ودراسات في الأصول الإباضية: بكير بن سعيد أعوشت، والتراث اليوناني في ~~الحضارة الإسلامية 173 217.. PageV02P017 # إن الله لم يخلق حركات المكتسبين ولا سكونهم، ولا شيئا من أفعالهم، ~~وزعموا أن ذلك كله فعل العباد، انفردوا بإحداثه، وتوحدوا بتقديره، فليس شيء ~~من ذلك لله بخلق، ولا له فيه تدبير، ولا يجري له عليه ملك ولا سلطان، وأن ~~جميع ذلك عندهم مضاف إلى العباد، قد أمروا بما كان منه من طاعة، ونهوا عما ~~كان منه من معصية، وثبت حمد الله لهم على طاعتهم إياه، وذم الله لهم على ~~معصيتهم له، قالوا: فلا يثبت ذم لمذموم على ما تولى خلقه غيره، وكذلك لا ~~يثبت حمد لمحمود على ما تولى تقديره من سواه، قالوا: لهذه العلة: إن أعمال ~~العباد كلها ليست لله بخلق ولا له فيها ملك، ولا يجري له عليها سلطان، ثم ~~افترقوا بعد ذلك فيما بينهم في سائر أفعال العباد من تدافع الرياح، وحركات ~~الأشجار، واضطراب ms173 المياه وجريها، وسكون الجبال وغير الجبال من الأشياء ~~الجامدات، وكل حركة ظهرت من خلق الله، وسكون مما غاب عن العيان، أو شوهد به ~~فيما لا ذم فيه ولا حمد، على ثلاث طوائف: فقالت طائفة منهم: إن ذلك كله فعل ~~الطبائع التي ظهرت منها تلك الأشياء، ليست لله بخلق، ولا هي له في ملك، ولا ~~هي أفعال الخلق، وهي أفعال الطبائع لا باكتساب، قالوا بافترائهم: لأنها لو ~~كانت فعلا لله لجاز أن يوصف بتركها، والقدرة على ألا يفعلها، وذلك غير ~~معقول ولا موهوم، وكذلك قالوا: لو زعمنا أن ذلك فعل الخلق الذي ظهر ذلك عنه ~~على معنى الكسب لوصفناهم بالقدرة على تركه، ولتوهمنا كيفية تركهم له، فيكون ~~من وصف بالتحرك والسكون خارجا منهما، وذلك غير معقول. PageV02P018 # وقالت طائفة منهم في جميع ما يحدث في العالم من حركات الاضطرار، وسكون ~~الاضطرار، من الذي وصفنا في مقالة إخوانهم على ما وصفناه: إن ذلك كله أفعال ~~وأحداث ليس لها فاعل ولا محدث، فجوز هؤلاء أن يقال: فعل لا فاعل له، وحدث ~~لا محدث له، واعتلوا في نفيهم خلق الله عنها، ونفي اكتساب الخلق فيها، بمثل ~~علة إخوانهم المتقدمين، وأبوا أن يقولوا بمثل مقالتهم: إنها فعل الطبائع، ~~وقالوا: إن الطبائع لا توصف بالقدرة على هذه الأفعال ولا على تركها، ~~والفاعل لا يكون موصوفا بالفعل إلا وهو موصوف بالقدرة على ذلك الفعل وعلى ~~تركه. وقالت الطائفة الثالثة منهم: بأن ما عدا أفعال المكتسبين من حركاتهم ~~وسكونهم من جميع الأشياء الظاهرة من الخلق، إن ذلك كله فعل الله وخلقه، إذ ~~ليس لأحد من الخلق فيه اختيار، ولا قصد ولا رؤية، قالوا: وإنما نفينا عن ~~الله خلق أفعال (¬1) العباد لما وجدنا فيها من اكتساب الفاعلين، وقصدهم إلى ~~ما فعلوا، ووجوب الذم عليهم، والمدح لهم فيما أتوا، وكل فعل ظهر عن الخلق ~~مما ليس فيه لمن ظهر منه قصد ولا رؤية، ولا يجب عليه فيه ذم، ولا وجب له ~~فيه حمد، علمنا أنه خلق الله، إذ ليس فيه لغيره ms174 صنع، ولا تدبير. # ¬__________ # (¬1) يراجع كتاب "خلق أفعال العباد" للإمام محمد بن إسماعيل البخاري ~~بتحقيقنا. وما كتبه الشيخ السالمي في كتابه مشارق أنوار العقول 1: 215، ~~وكتاب الفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم 5: 149، 151 بتحقيقنا، ~~ودراسات إسلامية في الأصول الإباضية. PageV02P019 # وللقدرية علل غير هذه، ومسائل يشبهون بها على ضعفة أصحاب المخلوق، ~~ويعللون بها ضعفة أصحابهم من أهل مذهبهم في القدر، يكثرونها في السؤال ~~بتقليبهم الألفاظ المختلفات على معنى واحد من معاني السؤال، عملوها من نفس ~~مقالتهم ليوهموا سامعيهم أنها دلائل على صحة مذهبهم، وهي ليست بدلائل وإنما ~~هي علل معلولة من نفس المقالة، سوف نأتي على ذكر المقالة وكشف عوارها بعد ~~الإخبار بمقالة أهل الحق، واستحرار مسائلهم على القدرية في نقض ما ذهبوا ~~إليه من باطلهم، إن شاء الله ولا قوة إلا بالله. # خلق الأفعال: # قال: جميع الفرق من أهل القبلة: الخوارج (¬1) ، الإباضية (¬2) ، والشيعة (¬3) ، # ¬__________ # (¬1) يرى صاحب كتاب دراسات إسلامية في الأصول الإباضية: أن الخوارج هم ~~الأزارقة، والنجدية والصفرية، فيرون أن مرتكب الكبيرة كافر كفر شرك. # ويقول البغدادي: إن الذي يجمع الخوارج على افتراق مذاهبها إكفار علي ~~وعثمان والحكمين، وأصحاب الجمل، وكل من رضي بتحكيم الحكمين، والإكفار ~~بارتكاب الذنوب، ووجوب الخروج على الإمام الجائر. راجع دراسات إسلامية في ~~الأصول الإباضية ص 29، والفرق بين الفرق للبغدادي 73، ومقالات الإسلاميين ~~1: 156، والفصل في الملل والأهواء والنحل 5: 51، ط دار عكاظ. # (¬2) الإباضية: نسبة إلى عبد الله بن إباض، وهو تابعي عاصر معاوية، وتوفي ~~في أواخر عبد الملك بن مروان، وهذا المذهب يعد من أقدم المذاهب الإسلامية ~~على الإطلاق، مصادره: الكتاب، والسنة، والإجماع والقياس، أما في الحديث ~~الشريف فيعتمد على الجامع الصحيح للإمام الربيع بن حبيب المتوفى سنة 370 ه، ~~والإباضية حاليا يوجدون في الجزائر وتونس وليبيا وعمان وزنجبار. راجع ~~دراسات إسلامية في الأصول الإباضية 136. # (¬3) الشيعة: المدلول اللغوي: الأنصار والأتباع، وأما المدلول السياسي: ~~فيقصد به الحزب المناصر لآل البيت، وكل إمام لا ينسب إلى هذه البيت تعد ~~سلطته غير شرعية. # وفرق الشيعة الآن هي: الزيدية، الإمامة، العلويون، الإسماعيلية. ms175 راجع ~~دراسات إسلامية في الأصول الإباضية، والفكر الشيعي والنزعات الصوفية ص 20، ~~وفجر الإسلام لأحمد أمين ص 266، وتاريخ المذاهب الإسلامية لمحمد أبي زهرة ~~1: 32، 33. PageV02P020 # والمرجئة (¬1) : إن العالم وما فيه من جوهر وعرض، وخير وشر، وطاعة ومعصية ~~ما يرى من ذلك وما لا يرى، مما كان منه وما سيكون، وما يتوهم كونه، إن لو ~~كان كيف كان يكون، فهو خلق الله، وتدبير له، والله المقدر لجميع ذلك ~~والمدبر له، وهو الصانع له، والمالك، وليس شيء منه بخارج من تدبير الله ~~وتقديره، وملكه، وسلطانه، وإرادته، وعلمه، ما يضاف إلى العباد من ذلك، وما ~~لا يضاف إليهم، وليس في أنه مضاف إلى العباد بأنهم قد اكتسبوه واختاروه، ~~وتحركوا به، وسكنوا، وأطاعوا به وعصوا، ما يزيل تدبير الله عنه، ولا ما ~~يخرجه من خلقه، وتقديره، وقدرته، وسلطانه، وعلمه، كما أنه ليس تدبير الله ~~لذلك، وخلقه له، وجعله على ما هو به من كيفيته في عينه، بالذي يزيل عنه أن ~~يكون كسبا للعباد، واختيارا لهم، وهذا الذي ذكرناه من هذا القول هو ما عليه ~~جمهور الأمة، وصدر الإسلام. ونحن سائلو القدرية (¬2) # ¬__________ # (¬1) المرجئة ثلاثة أصناف: صنف منهم قالوا بالإرجاء في الإيمان وبالقدر ~~على مذاهب القدرية، فهم معدودون في القدرية والمرجئة، كأبي شمر المرجئ، ~~ومحمد بن شبيب البصري، والخالدي،وصنف منهم قالوا بالإرجاء في الإيمان، ~~ومالوا إلى قول جهم في الأعمال والأكساب،فهم من جملة الجهمية والمرجئة، ثم ~~البخارية وهي مجموعة من الفرق. راجع الفرق بين الفرق 25، 26، ودراسات ~~إسلامية ص 142، ومقالات الإسلاميين 1: 198، والملل والنحل 1: 126، والتفكير ~~الفلسفي في الإسلام 197. # (¬2) يطلق اسم القدرية على القائلين بقدرة العبد على خلق أفعاله، ومن هنا ~~كانت تسميتهم بهذا الاسم، وقيل: لأنهم في رأيهم ذلك منكرون للقدر، وقيل: ~~لأنهم اتخذوا من القدر موضوعا لبحثهم ودراستهم..ويذكر الملطي عدة أصناف ~~للقدرية: فصنف منهم يزعمون أن الحسنات والخير من الله، والشر والسيئات من ~~أنفسهم، وصنف يقال لهم المفوضة: زعموا أنهم موكلون إلى أنفسهم أنهم يقدرون ~~على الخير كله بالتفويض، وصنف أنكروا أن الله عز وجل خلق ولد الزنا، أو ms176 ~~قدره، أو شاءه، أو علمه. راجع الإبانة عن أصول الديانة 73، 74، والتنبه ~~والرد للمالطي ص 165، 186، وتاريخ الفرق الإسلامية للدكتور مصطفى الغرابي ص 21. PageV02P021 # ولا حول ولا قوة إلا بالله، فنقول لهم: حدثونا عن هذه الأفعال التي زعمتم ~~أنها غير مخلوقة لله، هل تخلو من أن تكون حركة أو سكونا؟ قالوا: لا تخلو من ~~ذلك، قلنا: أمحدثة هي أم غير محدثة؟ فإن قالوا: غير محدثة أبطلوا، وإن ~~قالوا: محدثة، قلنا: من أحدثها؟ فإن زعموا أن العباد أحدثوها، قلنا: ~~فالعباد هم الذين أحدثوا هذه الأفعال: من الحركات والسكون، وجعلوها محدثة ~~غير قديمة، فإذا قالوا: نعم، قلنا: فهل تدل بحدوثها على حدوث من حلت به ~~ووصف بها؟ فإن قالوا: لا، أبطلوا، وصاروا إلى مذهب المبطلين من أهل الدهر (¬1) ، # ¬__________ # (¬1) الدهرية: الدهر في الأصل اسم لمدة من العالم من مبدأ وجوده إلى ~~انقضائه، وعلى ذلك قوله تعالى: (هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن ~~شيئا مذكورا) سورة الإنسان، آية 1، ثم يعبر عن كل مدة كثيرة، وهو خلاف ~~الزمان. # والدهرية: نسبة إلى الذين جحدوا بالله، وزعموا أن العالم وجد بدون الله ~~عز وجل، _تعالى عن ذلك_، وقالوا: (وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ~~ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر) الجاثية، آية 24. # وقد أحسن أبو علي الثقفي عندما قال: # ... يا عابث الدهر إذا نابه ... ... ... لا تلم الدهر على غدره # ... الدهر مأمور له آمر ... ... ... وينتهي الدهر إلى أمره # ... كم كافر أمواله جمة ... ... ... تزداد أضعافا على كفره # ... ومؤمن ليس له درهم ... ... ... يزداد إيمانا على فقره PageV02P022 ~~فكان الرد عليهم جميعا واحدا، فإن رجعوا وقالوا: إنها تدل بحدوثها على حدوث ~~من حلت به ووصف بها، قلنا: من جعلها دالة على حدوث الموصوف بها؟ فإن زعموا ~~أن العباد تولوا ذلك منها، قلنا: فالعباد إذن محمودون على أن جعلوا أفعالهم ~~تدل على حدوث الأجسام وإبطال قدمها، فإن هم أجابوا إلى ذلك، قلنا: أفيجب ~~على ذلك للعباد الحمد وحسن الثناء؟ فإن قالوا: نعم، قلنا: فينبغي أن يكون ~~العاصون محمودين على معاصيهم التي هي ms177 حركاتهم وسكونهم؛ حيث جعلوها دلالة ~~على حدوث أجسامهم، فإذا قالوا: نعم، أبطلوا على العاصين الذم، وأدخلوها في ~~باب الحمد والثناء، فإن قالوا: لا يجب الحمد للعاصين، وليسوا هم الذين ~~جعلوا أفعالهم دالة على حدوث أجسامهم فيحمدون على ذلك، قلنا: من جعلها إذن ~~تدل على حدوث من قامت به ووصف بها؟ فلا يجدون إلا أن يقولوا إن الله جعل ~~هذه الأفعال من حركات العباد وسكونهم، واجتماعهم، وافتراقهم دالة على حدوث ~~أجسامهم، وجعل ذلك دلالة على وحدانيته جل ثناؤه وربوبيته (¬1) ، كما جعل ~~سائر الأفعال من الأشياء كذلك، إذ كانت الأشياء متساوية في وجه الدلالة على ~~الله جل جلاله. # ¬__________ # (¬1) توحيد الربوبية: الإقرار بأنه خالق كل شيء، وأنه ليس للعالم صانعان ~~متكافئان في الصفات والأفعال، وهذا التوحيد حق لا ريب فيه، وهو الغاية عند ~~كثير من أهل النظر. وهذا التوحيد لم يذهب إلى نقيضه طائفة معروفة من بني ~~آدم، بل القلوب مفطورة على الإقرار به أعظم من كونها مفطورة على الإقرار ~~بغير الموجودات، كما قالت الرسل فيما حكى الله عنهم: (قالت رسلهم أفي الله ~~شك فاطر السماوات والأرض) سورة إبراهيم آية، رقم 10. راجع العقيدة الطحاوية ~~1: 9، وفتاوى ابن تيمية، ط الرياض. PageV02P023 # ويقال لهم: أخبرونا عن هذه الأفعال هل تدل بعجزها عن أن تقوم بنفسها ~~وبحاجتها إلى أن تقوم بغيرها، على أنها محدثة كائنة بعد أن لم تكن؟ فإن ~~قالوا: نعم، قلنا: من جعلها عاجزة عن القيام بنفسها، محتاجة إلى أن تقوم ~~بغيرها، وجعل ذلك دلالة على حدوثها؟ فإن زعموا أن العباد جعلوا ذلك كذلك، ~~كان الإدخال عليهم في هذه المسألة كهو عليهم في المسألة الأولى، ويقال لهم: ~~من جعل الأفعال ملازمة للفناء، وأعجزها عن البقاء، أو من جعل ذلك منها يدل ~~على حدوثها وعجزها وحاجتها؟ فإن زعموا أن العباد جعلوا ذلك كذلك كانت ~~المسألة عليهم في هذا كهي عليهم فيما مضى من المسائل، إلا أن يرجعوا إلى أن ~~الله هو الذي جعل الأفعال عاجزة محتاجة ملازمة للفناء، مستحيلا عنها ~~البقاء، وجعلها محدثة غير قديمة، ms178 كائنة بعد أن لم تكن، وجعلها دالة على ~~حدوث الأجسام، وعلى قدم محدث جميع ذلك، وثبوت ربوبيته، ووحدانيته، وهكذا ~~يجدد عليهم السؤال في جميع ما تسألهم عنه في هذا الباب، واحذرهم أن يزلوا ~~بك من وجه إلى وجه، وأن يخرجوا بك من مسألة إلى مسألة، حتى يتضح لك الحق ~~ببرهانه، ويضمحل الباطل لفساده، وإنما عمدت إلى هذا النوع من المسائل في ~~باب التوحيد مع كثرة ما يدخل على القدرية من المسائل، ويلزمهم من الدلائل ~~ليتبين للناظر أنه أصل في هذا المعنى من أصول التوحيد الذي لا يتم إلا به، ~~ولا يقوم إلا عليه. PageV02P024 # ثم يقال لهم أيضا: أخبرونا عمن جعل الأفعال غير مدركة بالحواس، ولا ~~مشاهدة بالعيان؟ أهو الذي جعل الحواس غير مدركة للأفعال، والعيان غير مشاهد ~~لها؟ فإن قالوا: إن الجاعل لذلك كله واحد، قلنا: ما هو؟ فإن قالوا: الإنسان ~~تولى فعل ذلك كله من الحواس (¬1) ومن الأفعال، بان باطلهم، وإن قالوا: إن ~~الذي جعل الحواس غير مدركة للأفعال، والعيان غير مشاهد لها غير الذي جعل ~~الأفعال غير مدركة بالحواس، ولا مشاهدة بالعيان ناقضوا، إذ ليس في جعل ~~الحواس غير مدركة للأفعال أكثر من أن الأفعال لا تدرك بالحواس، وكل هذا ~~معنى واحد، ولن يجدوا إلى التفرقة بينه سبيلا. # ¬__________ # (¬1) الحواس: المشاعر الخمس، يقال: حستت وحسست فحسست على وجهين أحدهما: ~~أصبته بحس نحو عنته، والثاني: أصبت حاسته نحو كبدته، ولما كان ذلك قد يتولد ~~منه القتل عبر به عن القتل فقيل حسسته أي قتلته، كقوله تعالى: (ولقد صدقكم ~~الله وعده إذ تحسونهم بإذنه) آل عمران آية 152، والحسيس: القتيل. راجع ~~بصائر ذوي التمييز 2: 153. PageV02P025 # ويقال لهم: أخبرونا عن الفعل من جعله لا يخلو من أن يكون حركة أو سكونا؟ ~~أو من جعل الحركة والسكون غير المتحرك والساكن؟ أو من جعل الحركة غير ~~السكون، والسكون غير الحركة؟ أو من خالف بين الحركة والسكون، فجعل الحركة ~~تقطع بها الأماكن الكثيرة ويجاوز بها المفاوز البعيدة، وجعل السكون ملازما ~~للمكان؟ أو من جعل الحركة متعبة ms179 مؤلمة مؤذية، وجعل السكون مريحا للمكان من ~~التعب؟ فإن زعموا أن العباد تولوا فعل ذلك كله، وجعلوه على ما وصفنا، قيل ~~لهم: فكيف ونحن قد وجدنا الفاعلين لا يتأتى لهم أن يقصدوا إلى فعل شيء من ~~جميع ما ذكرنا، ولا تخطر معرفته على بالهم، بل قد علمنا أن منهم من لا يوصف ~~بالمعرفة لشيء منه؛ وذلك أن من الفاعلين بهائم لا يتأتى لهم، وليس في ~~معارفهم أكثر من أن يخرجوا من مكان إلى مكان، أو يقيموا في مكان دون مكان، ~~بل قد وجدنا كثيرا من غير البهائم بتلك الحال، بل قد وجدنا كثيرا ممن ينتحل ~~العلم، وهو لا يعرف أن الحركة (¬1) # ¬__________ # (¬1) الحركة: ضد السكون، ولها عند القدماء عدة تعريفات، وهي أولا: الخروج ~~من القوة إلى الفعل على سبيل التدريج، ثانيا: شغل الشيء حيزا بعد أن كان في ~~حيز آخر، أو هي كونان في آنين ومكانين، بخلاف السكون الذي هو كونان في آنين ~~ومكان واحد. # الحركة كمال أول لما بالقوة من جهة ما هو بالقوة. راجع ابن سينا في ~~النجاة ص 169. # ويرى أبو الهذيل العلاف من المعتزلة: أن الأجسام قد تتحرك في الحقيقة ~~وتسكن في الحقيقة، والحركة والسكون هما غير الكون والجسم في حال خلق الله ~~له، لا ساكن ولا متحرك (مقالات الإسلاميين 2: 19). PageV02P026 # غير المتحرك، ولا أن السكون غير الساكن، ولا أن الحركة غير السكون، ولا ~~أن السكون غير الحركة، لكثرة أقاويل المختلفين في ذلك، وليس هذا موضع ذكره، ~~فلما أن وجدنا الفاعلين ليس من قصدهم ولا من معرفتهم أن تكون حركتهم غيرهم، ~~ولا سكونهم غيرهم، ولا حركتهم غير سكونهم، ولا سكونهم غير حركتهم، وليس من ~~قصدهم ولا مما يتأتى لهم أن يجعلوا حركتهم متعبة مؤلمة مؤذية، ولا أن ~~يجعلوها ناقلة لهم في الأماكن الكثيرة، قاطعة بهم مفاوز ومسافات في البر ~~والبحر، ولا أن يجعلوا سكونهم بخلاف ذلك، علمنا أن الذي تولى تدبير ذلك من ~~الأفعال على ما هي به من الذي وصفنا غير المتحرك والساكن، مع ما في ذلك ms180 من ~~سقوط الذم واللائمة، وإبطال الحمد، وحسن الثناء لهم، وما فيه من كراهتهم ~~لذلك، إذا هو أتى على غير قصدهم، ويقال لهم: أخبرونا عمن جعل الأكل مخالفا ~~للشرب، والشرب مخالفا للأكل، والصوم مخالفا للإفطار، وجعل كثرة الأكل ~~متخما، والشرب مرويا، وجعل الصوم مجيعا معطشا، والإفطار بخلاف ذلك؟ فإن ~~زعموا أن العباد جعلوا ذلك على ما وصفنا، لزمهم في هذه ما ألزمناهم في ~~الأولى، فإن عارض في هذا منهم معارض، فقال: فإن زعمتم أن الله تولى جعل هذه ~~الأفعال على ما وصفتم من ذلك، وكونها على ما قلتم، فهل تصفونه بالقدرة على ~~أن يجعلها بخلاف ذلك، فينقلها من هيئتها التي هي عليها، فيجعل الأفعال ~~مدركة بالحواس، مشاهدة بالعيان، ويجعل الحركة منها سكونا، والسكون حركة، ~~ويجعل السكون متعبا مؤلما، والحركة مريحة من التعب، ويجعل الأكل مرويا، ~~ويجعل الشراب متخما؟ فإن كنتم تصفونه بالقدرة على تحويل هذه الأشياء عن ~~هيئاتها ثبت لكم ما أضفتموه إليه من ذلك، وإلا كيف تضيفون إليه فعل شيء من ~~الأشياء وأنتم لا تصفونه بالقدرة على تركه، ولا على جعله بخلاف ما هو به؟ ~~وهذه المعارضة من أقوى معارضات القدرية عند أنفسهم، فيقال لهم: أليس قد جاز ~~أن يقال إن هذه PageV02P027 الأفعال في أنفسها على ما هي به، واستحال أن ~~تكون على غير ما هي به، ولم تكن استحالة كونها على غير ما هي به مبطلا أن ~~تكون كائنة على ما هي به، فلم لا كان هذا مجوزا أن يقال: إنها مجعولة على ~~ما هي به، وإن استحال أن يكون الجاعل الذي جعلها على ما هي به؟ # ثم يقال لهم بعد ذلك: أخبرونا عن حركات الاضطرار: من جرية المياه ~~واضطرابها، وحركات الأفلاك (¬1) # ¬__________ # (¬1) ذهب بعض الحكماء كأرسطو وأتباعه، والجبائي من المعتزلة إلى أن بين ~~كل حركتين مستقيمتين كصاعدة وهابطة سكونا، فالحجز إذا صعد قسرا ثم رجع فلا ~~بد أن يكون فيما بينهما، فإن كل حركة مستقيمة لا بد أن تنتهي إلى سكون؛ ~~لأنها لا تذهب على الاستقامة إلى غير ms181 النهاية، ومنعه غيرهم كأفلاطون، وأكثر ~~المتكلمين من المعتزلة. # وحركات الأفلاك وما في أجرامها لها أسماء: الحركة البسيطة، وتسمى ~~متشابهة، وبالحركة حول المركز أيضا، وبالحركة حول النقطة أيضا: وهي حركة ~~تحدث بها عند مركز الفلك في أزمنة متساوية. راجع شرح المواقف 2 147، 181، ~~وكشاف اصطلاحات الفنون 2: 99، 100. PageV02P028 # وجري الشمس والقمر والنجوم، وعن سكون الجبال والأجسام والجامدات، من جعل ~~ذلك كله على ما هو به في عينه، من اتفاق ما اتفق منهن واختلاف ما اختلف، ~~فإن أضافوا ذلك إلى غير الله أبطلوا، وإن قالوا: إن الله هو الجاعل لذلك ~~على ما هو في عينه من حركته وسكونه واتفاقه واختلافه، قيل لهم: فهل تصفونه ~~بالقدرة على تغيير شيء من ذلك عن هيئته وتحويله عن كيفيته التي هو بها، حتى ~~يكون يجعل ما لا يدرك منه بالحواس مدركا، وما لا يشاهد بالعيان مشاهدا، أو ~~يجعل الحركة منه متحركا، والسكون ساكنا، أو يجعل الحركة سكونا، والسكون ~~حركة، في غير ذلك من المعاني؟ فإن قالوا: إن الله لا يوصف بالقدرة على شيء ~~مما ذكرتم؛ لأنه من المحال الذي لا يتوهم كونه، ولا يثبت وجوده، فيوصف ~~بالقدرة على تكوينه، قلنا: لن نعدو هذا الجواب فيما سألتمونا عنه في ~~الأفعال من قولكم، هل تصفون الله بالقدرة على أن يجعل الأفعال بخلاف ~~هيئاتها، وينقلها عن معانيها؟ فنقول لكم: إن ذلك من المحال الذي لا يتوهم ~~كونه، ولا يستقيم وجوده، وليس في أن نصف الله بالقدرة على قلب أعيان ~~الأشياء عن هيئاتها ما يزيل عنه أن يكون هو الجاعل لها في أعيانها، والمدبر ~~لها على ما هي به، كما نقول: إن الله جل جلاله هو الجاعل للأجسام في ~~أعيانها على ما هي به متجزية مسدسة، محتملة البقاء، قابلة للأعراض (¬1) ، # ¬__________ # (¬1) العرض: ضد الجوهر؛ لأن الجوهر هو ما يقوم بذاته، ولا يفتقر إلى غيره ~~ليقوم به، على حين أن العرض هو الذي يفتقر إلى غيره ليقوم به، فالجسم يقوم ~~بذاته، أما اللون فهو عرض؛ لأنه لا قيام له إلا بالجسم. والعرض ضد الماهية: ms182 ~~وهو ما لا يدخل في تقويم طبيعة الشيء أو تقويم ذاته كالقيام والقعود ~~للإنسان، فهما لا يدخلان في تقويم ماهيته. والفلاسفة يقسمون العرض إلى لازم ~~ومفارق. # فالعرض اللازم: هو ما يمتنع انفكاكه عن الماهية، والعرض المفارق هو ما لا ~~يمتنع انفكاكه عن الشيء، وهو إما سريع الزوال كحمرة الخجل وصفرة الوجل، ~~وإما بطيء الزوال كالشيب والشباب. راجع تعريفات الجرجاني، والنجاة لابن ~~سينا 325، ومعيار العلم، ص 194. PageV02P029 # وجعل الأعراض بخلاف ذلك، ونحن مع هذا كله لا نصفه بالقدرة على تحويل ~~الأجسام عن هيئاتها إلى صفة الأعراض، ولا بالقدرة على تبديل الأعراض عن ~~معناها إلى معنى الأجسام، بل هو الجاعل لذلك على ما هو به في عينه، والجاعل ~~لجميعه محدثا كائنا بعد أن لم يكن، ونحن مع ذلك لا نصفه بالقدرة على أن ~~يجعل شيئا منه غير محدث، وهذا الجواب مبطل لمعارضتهم، وهو مع ذلك داخل على ~~من قال منهم بالطبائع (¬1) وعلى من قال بغير الطبائع، ممن يزعم أن الأفعال ~~في كيفيتها جعل لغير جاعل، وفعل لغير فاعل، وحدث لغير محدث، وناقص لعللهم ~~التي ذكرناها عنهم في وصف مقالتهم أول الباب. # ¬__________ # (¬1) ذهبت الأشعرية إلى إنكار الطبائع جملة، وقالوا: ليس في النار حر، ~~ولا في الثلج برد، ولا في العالم طبيعة أصلا، وقالوا: إنما حدث حر النار ~~جملة وبرد الثلج عند الملامسة؛ ولكن الله تعالى يخلق منه ما يشاء، وقد كان ~~ممكنا أن يحدث من مني الرجل جملا، ومن مني الحمار إنسانا. ويرد عليهم ابن ~~حزم قائلا: إن اللغة التي نزل بها القرآن تبطل قولكم؛ لأن من لغة العرب ~~القديمة ذكر الطبيعة والخليقة والسليقة والنخيرة والغريزة والسجية والشيمة ~~والجبلة، ولا شك أن النبي _صلى الله عليه وسلم_ سمع هذه الألفاظ ولم ~~ينكرها، ولا أنكرها أحد من الصحابة رضي الله عنهم. # قال امرؤ القيس: # ... وإن كنت قد ساءتك مني خليقة ... ... فسلي ثيابي من ثيابك تنسل # وقال حميد بن ثور الهلالي: # ... لكل امرئ يا أم عمرو طبيعة ... ... وتفرق ما بين الرجال الطبائع # وقال النابغة: # ... لهم ms183 شيمة لم يعطها الله غيرهم ... ... من الجود والأحلام غير عوازب # وغير ذلك كثير. راجع كتاب الفصل لابن حزم بتحقيقنا 5: 115، 116، 117. PageV02P030 # باب معارضة القدرية (¬1) ب: لو جاز: # ¬__________ # (¬1) القدرية: نسبة إلى القدر، بفتح الدال وسكونها. قال النووي في شرح ~~مسلم: يقال القدر والقدر بفتح الدال وسكونها لغتان مشهورتان، وحكاهما ابن ~~قتيبة عن الكسائي وغيره، ويقرر شارح الطحاوية: إن الصحيح في أحاديث ذم ~~القدرية أنها موقوفة، ولقد أدرك ابن تيمية هذه المسألة غاية الإدراك وتفطن ~~إليها؛ حيث ذكر أن الأحاديث المروية في ذم القدرية والمرجئة كالتي رواها ~~ابن ماجة، وابن أبي داود في السنن طعن فيها العلماء وضعفوها، وبعض الناس ~~يميل إلى تقويتها وإثباتها، وذكر أن الثابت في ذم القدرية وأمثالهم إنما هو ~~عن الصحابة: كابن عمر وابن عباس _رضي الله عنهما_. "راجع ابن تيمية: مجموع ~~الرسائل الكبرى، القاهرة 1385 1966، 1/26، شرح الطحاوية بتحقيقنا". PageV02P031 # ومما عارضت به القدرية في هذا الباب أن قالوا: وجدنا هذا الفعل جزءا ~~واحدا لا يحتمل التجزئة ولا التغاير، ولا يجوز أن يكون من فاعلين، لاستحالة ~~الفعل الواحد أن يكون يفعله فاعلان، لأنه لو جاز أن يكون فعل واحد من ~~فاعلين لجاز أن تكون حركة واحدة من متحركين، وسكون واحد من ساكنين. وقالوا: ~~لو جاز أن يكون فعل واحد من فاعلين لجاز أن يكون مكان واحد لمتمكنين، ~~وقالوا: لو جاز أن يكون فعل واحد من فاعلين لجاز أن يكون قول واحد من ~~قائلين، وقالوا في وجه آخر: وجدنا أفعال الخلق فيها القبيح من: الجور ~~والخطأ، والكذب، والزور، والافتراء، قالوا: فلو جاز أن يفعل الجور والخطأ، ~~والزور والافتراء، والكذب من لا يوصف بذلك لجاز أن يوصف بالجور، والخطأ، ~~والزور والكذب، والافتراء من لم يفعل الجور، والخطأ، والزور، والكذب ~~والافتراء. وقالوا في وجه آخر: لو جاز أن يكون فعل العبد خلقا لله لجاز أن ~~يقال: إن العبد فعل خلق الله، فلما لم يجز أن يقال: إن العبد فعل خلق الله ~~بطل أن يكون فعل العبد خلق الله. وقالوا: لو جاز أن ms184 يكون الله مريدا لأفعال ~~العباد وجب أن يكون مريدا للكفر والمعصية، والزور والافتراء، فهذا مما لا ~~يوصف الله عز وجل بأنه أراده. وقالوا: لو جاز أن يقدرنا الله على أفعالنا ~~_وهي خلق له_ لجاز أن يقدرنا الله على أسماعنا، وأبصارنا، وسائر ذلك من ~~الخلق، وهو خلقه، فلما لم يجز أن يكون الله يقدرنا على أسماعنا وأبصارنا ~~وغيرها من الخلق، لم يجز أن يكون الله يقدرنا على شيء مما خلق. # جواب أصحاب المخلوق للقدرية في: لو جاز: # قال أصحاب المخلوق: أما قول القدرية لو جاز أن يكون فعل واحد من فاعلين ~~لجاز أم تكون حركة واحدة من متحركين، وسكون واحد من ساكنين، فإنه حكم بغير ~~حجة، وتمثيل (¬1) # ¬__________ # (¬1) يطلق التمثيل في اللغة الحديثة على قيام الشيء مقام الآخر، يقال: ~~مثل قومه في دولة أو مؤتمر أو مجلس: ناب عنهم، وتمثل الشيء تصوره. # وقياس التمثيل: هو الحكم على شيء معين لوجود ذلك الحكم في شيء آخر معين، ~~أو أشياء أخرى معينة، على أن ذلك الحكم على المعنى المتشابه فيه. راجع ~~النجاة لابن سينا ص 9. وقد زعم (رابيه) أن قياس التمثيل يشتمل على استقرار ~~متبوع باستنتاج. راجع الاستقرار والمنطق الحديث ومناهج البحث: د. محمود ~~قاسم، ص 49، 55. PageV02P032 # بغير علة، وإنما اغتروا منه باستواء اللفظ في الوزن لا غير؛ ذلك لأن ~~المتحرك إنما سمي متحركا لحلول الحركة فيه، وكذلك الساكن سمي ساكنا لحلول ~~السكون فيه، وإذا حلت حركة في جسم أو سكون بطل واستحال أن يحلا بغيره من ~~الأجسام، وفي إبطال حلول الحركة في جسمين، أو سكون في جسمين إبطال أن يوصف ~~بحركة واحدة أو سكون واحد جسمان، وكذلك سبيل القول في كل فاعلين يفعلان من ~~جهة واحدة، ولا يجوز أن يقال في ذلك فعل من فاعلين، إذ كان الذي يحل في كل ~~واحد منهما غير الذي يحل في الآخر، وليس هذا سبيل الوصف منا لله بأنه خالق ~~للفعل، والعبد فاعل للفعل، إذ كان الله جل جلاله لا تحله أفعاله، بل إنما ~~تحل في غيره ms185 من خلقه، فلما أن كانت العلة منه في إبطال حركة من متحركين، ما ~~ذكرنا من أنه إنما سمي المتحرك متحركا لحلول الحركة فيه، والحركة لا تحل في ~~متحركين فيوصفان بها، كان الوصف منا الله بأنه خالق لفعل العباد غير مشبه ~~للذي مثلوا، وكذلك القول في المتمكنين في مكان واحد كالقول في متحركين ~~بحركة واحدة؛ لأن المتمكن إنما سمي متمكنا لأنه شاغل للمكان، والمكان لا ~~يشغله جسمان، فيسميان بأنهما متمكنان في مكان واحد، فلما أن كانت العلة في ~~فساد متمكنين في مكان واحد ما وصفنا فسد التمثيل بذلك الفعل من فاعلين، ~~ويقال لهم في هذا المعنى: أليس اللون يضاف إلى اثنين على وجهين مختلفين: ~~أحدهما الخلق، والآخر الحلول، فيقال: هو خلق الله حل في جسد فلان، أو بياض ~~فلان؟ فإذا قالوا: نعم، قيل لهم: فهل يجوز أن يضاف إلى ثنين على وجهين ~~متفقين؟ فيقال: خلق لهما، أو بياض لهما، أو حال فيهما؟ فإذا قالوا: لا ~~_وذلك قولهم_ فقد فرقوا بين إضافة الشيء إلى اثنين على وجهين مختلفين، وبين ~~إضافته إليهما على وجهين متفقين، وبان لكم صحة ما نقول في هذا الباب. PageV02P033 # ويقال لهم: ألستم تقولون: إن الله بكل مكان (¬1) ، والجسم في مكان؟ وأنتم ~~لم تجدوا فاعلين في مكان واحد على جهة التمكن، ووجدتم على ذلك وجهين ~~مختلفين: أحدهما بالتدبير والآخر بالحلول، وإنما جاز هذا فيهما لما ذكرنا ~~من اختلاف وجودهما في المكان، فإذا جاز أن يكون في مكان واحد فاعلان على ~~وجهين مختلفين: أحدهما قديم والآخر محدث، فلم لم يجز مثل ذلك في المحدثين؟ ~~وإنما تتفق الأحكام إذا اتفقت العلل، وأما إذا اختلفت فلا. # بعد فلم جعلتم استحالة فعل واحد من فاعلين على جهة واحدة دليلا على ~~استحالة فعل واحد من فاعلين على جهتين مختلفتين؟ وأما قولهم: لو جاز أن ~~يكون فعل واحد من فاعلين لجاز أن يكون قول واحد من قائلين، فإنه مثل ما مضى ~~في الفساد، والحكم بغير حجة؛ وذلك أن القائل سمي قائلا لأحد معنيين: إما أن ~~يكون ms186 مبتدئا للقول أو حاكيا له، فمن ابتدأ القول سمي قائلا، واحدا كان أو ~~أكثر، ومن حكاه سمي قائلا حاكيا، واحدا كان أو أكثر، أو يكونوا ذهبوا في ~~قولهم قولا من قائلين إلى ما يحل القائلين من القول الذي هو فعلهم، فقد ~~أخبرنا بداء أن الأجسام لا تتعداها أفعالها فتحل في غيرها، فيكون ذلك الغير ~~موصوفا بها، وليس يوجد في هذه المسألة أكثر من هذا إن شاء الله. # ¬__________ # (¬1) المكان عند الحكماء: هو السطح الباطن من الجسم الحاوي، المماس للسطح ~~الظاهر من الجسم المحوي. وعند المتكلمين: هو الفراغ المتوهم الذي يشغله ~~الجسم وينفذ فيه أبعاده. # والمكان عند المحدثين: وسط مثالي غير متداخل الأجزاء، حاو للأجسام ~~المستقرة فيه، محيط بكل امتداد متناه. راجع رسالة الحدود 94، وتعريفات ~~الجرجاني 203. PageV02P034 # وأما قولهم: لو جاز أن يفعل الجور والخطأ، والكذب والافتراء من لم يكن ~~جائرا ولا مخطئا، ولا كاذبا ولا مفتريا لجاز أن يكون جائرا أو ظالما ومخطئا ~~وكاذبا من لم يفعل الجور والخطأ والافتراء والكذب، فإن هذا الاعتلال وهو من ~~مقالتهم نفسها، وذلك إنا لا نرسل الجواب إرسالا، فنقول: إن الله فعل الجور ~~والخطأ، وغير ذلك مما ذكروا؛ ولكنا نقول: إن الله خلق الجور والخطأ والكذب ~~من الجائر المخطئ الكاذب، فجعله في عينه جورا مخالفا للعدل، وجعل الخطأ ~~مخالفا للحق، وجعل الكذب مخالفا للصدق، ولا يجوز أن يفعل الجور من جهة ما ~~يحكم بالجور إلا جائر، ولا أن يفعل الخطأ من جهة ما يختار فعله عن فعل ~~الصواب إلا مخطئ، ولا أن يفعل الكذب من جهة الإخبار به إلا كاذب، وأما من ~~جعل الخبر كذبا لغيره، والجور والخطأ والعبث جورا وخطأ وعبثا لغيره، موصوفا ~~به فلا يكون بذلك كاذبا، ولا جائرا، ولا مخطئا، ولا عابثا، كما جعل حركة ~~الاضطرار، وسكون الاضطرار للمتحركين الساكنين بهما، ولم يكن بذلك متحركا ~~ولا ساكنا، وكما جعل الولد لغيره ولدا، والصاحبة لغيره صاحبة، ولا يسمى ~~بذلك، ولا يوصف به جل وعلا عن ذلك علوا كبيرا، فكان غيره بذلك متحركا ~~وساكنا ms187 ووالدا. PageV02P035 # وأما قولهم: لو كان فعل العبد خلقا لله لجاز أن يقال: إن العبد فعل خلق ~~الله (¬1) ، فالجواب عن هذا أنه إنما يعبر عن القول من جهة ما تحسن العبارة ~~عنه، إنما يقال: خلق الله فعل العبد، إذ ليس من فعل العبد ما لم يخلق الله، ~~ولا يقال فعل العبد خلق الله؛ لأن من خلق الله ما لم يفعل العبد، وإنما هذا ~~من جهة الأعم والأخص لا غير ذلك. # وأما قولهم: لو جاز أن يكون الله مريدا لأفعال العباد لجاز أن يكون مريدا ~~للكفر والمعصية، فتحكموا وقالوا: هذا مما لا يجوز أن يوصف الله أنه يريده، ~~فالجواب عن ذلك: إن كان القائل يذهب بقوله: يريد الكفر إلى أنه يحب الكفر، ~~ويأمر به، ويرضاه فهذا فاسد، وإن كان يذهب بقوله: يريد الكفر إلى أنه يريد ~~الكفر أن يكون في عينه كفرا قبيحا مذموما، معذبا عليه، مخالفا للإيمان، غير ~~مأمور به، ولا مثاب عليه، فالجواب عن هذا بصلاته أنه جائز سائغ، ولا يجاب ~~به مرسلا دون صلاته، لإزالة سوء الظنون عن أوهام السامعين عند ورود الجواب ~~على أوهامهم، غير مفسر ولا موصول بصلاته التي يتبين الجواب بها ويصح. # ¬__________ # (¬1) روى الكعبي عن الجاحظ: أن لا فعل للإنسان إلا الإرادة، فلو صدق ~~الكعبي فيما يقوله عن الجاحظ لزمه أن لا يكون الإنسان مصليا، ولا صائما، ~~ولا حاجا، ولا زانيا، ولا سارقا، ولا قاذفا؛ لأنه لم يفعل عنده صلاة، ولا ~~صوما، ولا حجا، ولا زنى، ولا سرقة، ولا قتلا، ولا قذفا؛ لأن هذه الأفعال ~~عنده غير الإرادة. راجع الفرق بين الفرق 176. PageV02P036 # وأما قولهم: لو جاز أن يقدرنا الله على أفعالنا _وهي خلقه_ لجاز أن ~~يقدرنا على أسماعنا وأبصارنا، وسائر ذلك من الخلق _وهي خلقه_ فالجواب عن ~~هذا أن نقول: لم يقدرنا على أفعالنا أن نخلقها، ولا أن نجعلها في أعيانها ~~على ما هي به موافقة لما وافقت، ومخالفة لما خالفت من الأشياء، وإنما ~~أقدرنا عليها لنتحرك بها، ونسكن، ونطيع، ونعصي، ونؤمن، ونكفر، وليس في ms188 أن ~~أقدرنا على أفعالنا أن نتحرك بها، ونسكن، ونطيع بها ونعصي _إذ هي خلقه_ ما ~~يوجب أن يكون يقدرنا على أن نفعل أسماعنا وأبصارنا، وغير ذلك من الخلق، كما ~~أنا جميعا نقول: إنه قد أقدرنا على أفعالنا _وهي معلومة له، وهي غيره_، ~~وليس في أن أقدرنا على أن نفعلها وهي معلومة له _وهي غيره_ ما يوجب أن يكون ~~يقدرنا على جميع معلوماته، وعلى جميع ما هو غيره. # وقد كنت أنبأتك أول هذا الباب أن مسائل القوم مأخوذة من مقالتهم نفسها، ~~معلومة من أصل دعواهم (¬1) وبعضها من بعض، وقد يأتي على جميعها جواب واحد، ~~وإنما أجبنا عن كل واحدة لتفرقتهم إياها في أصل سؤالهم. # باب مسائل القدرية ب: هل ثم: # وسألت القدرية فقالوا: هل ثم إلا الله وما خلق؟ قالوا: فإن قلتم: ليس ثم ~~إلا الله وما خلق، قيل لكم: عذب الكافر، على ماذا عذبه؟ على نفسه أو على ~~خلقه؟ فإن قلتم: عذبه على نفسه فينبغي أن يكون عذب جميع خلقه لعلة نفسه، ~~وإن قلتم: عذبه على خلقه فينبغي أن يعذب جميع خلقه لعلة خلقه، وقالوا: هل ~~ثم إلا الله وما خلق؟ فإن قلتم: ليس ثم إلا الله وما خلق، قيل: غضب على ~~الكافر، مماذا غضب من نفسه أو من خلقه؟ فإن قلتم: غضب من نفسه، ففيه ما ~~فيه، وإن قلتم: غضب من خلقه فينبغي أن يغضب من جميع خلقه، وهذا أفسد ~~الفساد. # ¬__________ # (¬1) يراجع ما كتبه الأشعري في مقالات الإسلاميين، حيث حكى الكثير من هذه ~~الأقوال 2: 80 81 وما بعدها. PageV02P037 # وقالوا: هل ثم إلا الله وما خلق؟ فإن قلتم: ليس ثم إلا الله وما خلق، ~~قيل: ذم الكافر على ماذا؟ على نفسه أو على خلقه؟ فإن قلتم: ذم الكافر على ~~نفسه فينبغي أن يكون الله عز وجل ذم العباد على أنه هو، وإن قلتم: ذمه على ~~خلقه فيجب أن يكون ذم الكافر على جميع خلقه. # وقالوا: هل ثم إلا الله وما خلق؟ فإن قلتم: ليس ثم إلا الله وما خلق، ms189 ~~قيل: أمر الإنسان بماذا؟ بنفسه أو بخلقه؟ فإن قلتم: أمره بنفسه ففيه ما ~~فيه، وإن قلتم أمره بخلقه فينبغي أن يكون أمره بجميع خلقه. # وقالوا: هل ثم إلا الله وما خلق؟ فإن قلتم: ليس ثم إلا الله وما خلق، ~~قيل: نهى الإنسان عماذا عن نفسه أو عن خلقه؟ فإن قلتم: نهاه عن نفسه ~~أبطلتم، وإن قلتم: نهاه عن خلقه فينبغي أن يكون نهاه عن جميع ما خلق، وفي ~~هذا من الفساد ما لا يخفى في نظائرها من المسائل. # مسألة في الجهات (¬1) : # ¬__________ # (¬1) الجهة في الأصل: هي الجانب والناحية، قال ابن سينا: إننا نعني ~~بالجهة شيئا إليه مأخذ حركة أو إشارة. # والجهة نهاية البعد، ويمكن أن يفرض في كل جسم أبعاد غير متناهية العدد ~~فيكون كل طرف منها جهة، إلا أن المقرر عند عامة الفلاسفة يمكن أن يفرض فيه ~~أبعاد ثلاثة متقاطعة على زوايا قائمة، ولكل منها طرفان، فكل جسم إذن ست جهات. # والجهة النحو، تقول: فعلت كذا على جهة كذا أي نحوه وقصده، ومن قبيل ذلك ~~قول ابن سينا: "فإن الشيء الواحد من جهة واحدة". راجع النجاة 372، 380، ~~وجامع البدائع 154. PageV02P038 # ... (قدمها صاحب الكتاب على جواب أصحاب المخلوق للقدرية في هذا الباب). ~~قال صاحب الكتاب: والعلم بالجهات هو عمود هذا الباب الذي يرفع عليه سمكه، ~~وأسه الذي تقوم عليه دعائمه، فيقال للقوم: أخبرونا عن جهة الشيء في الفعل، ~~أهي جهة محدث؟ فإن قالوا: نعم، أثبتوا أن كل شيء محدث، فإن قالوا: إنهما ~~جهتان فهو ما نقول، ثم يقال لهم: أخبرونا عن جهة محدث في الفعل، أهي جهة ~~عرض؟ فإن قالوا: نعم، أثبتوا أن كل محدث عرض، فإن قالوا: بأنهما جهتان فهو ~~ما نقول. ثم نقول لهم: أخبرونا عن جهة العرض في الفعل، أهي جهة حركة؟ فإن ~~قالوا: نعم أثبتوا أن كل عرض حركة، فإن قالوا: هما جهتان فهو ما نقول. ثم ~~يقال لهم: أخبرونا عن جهة حركة في الفعل، أهي جهة كسب؟ فإن قالوا: نعم، ~~أثبتوا أن كل حركة كسب، فإن قالوا: ms190 هما جهتان فهو ما نقول. ثم يقال لهم: ~~أخبرونا عن جهة حركة في الفعل؟ أهي جهة سكون؟ فإن قالوا: نعم، أثبتوا أن كل ~~حركة سكون، فإن قالوا: هما جهتان فهو ما نقول. ثم يقال لهم: أخبرونا عن جهة ~~كسب في الفعل، أهي جهة طاعة؟ فإن قالوا: نعم، أثبتوا أن كل كسب طاعة، فإن ~~قالوا: هما جهتان فهو ما نقول. ثم يقال لهم: أخبرونا عن جهة طاعة في الفعل ~~أهي جهة توحيد؟ فإن قالوا: نعم، أثبتوا أن كل طاعة توحيد، وليس ذلك من ~~قولهم، فإن قالوا: بأنهما جهتان فهو ما نقول. ثم يقال لهم: أخبرونا عن جهة ~~كسب في الفعل، أهي جهة معصية؟ فإن قالوا: نعم، أثبتوا أن كل معصية كسب ~~_كذا_، ثم يقال لهم: أخبرونا عن جهة معصية في الفعل، أهي جهة كفر؟ فإن ~~قالوا: نعم، أثبتوا أن كل معصية كفر، وليس من قولهم، وإن قالوا: بأنهما ~~جهتان فهو ما نقول. فعلى هذا التثقيف تكرر المساءلة عليهم، والمجاوبة لهم ~~في كل ما يسألون عنه في هذا الباب، فاتخذوه أصلا، وغماما، وأسا تبنون عليه ~~تهتدوا إن شاء الله. # عود الكلام إلى جواب أصحاب المخلوق للقدرية: PageV02P039 # ثم يعود الكلام إلى جواب أصحاب المخلوق للقدرية فيه: "هل (¬1) ثم". # ¬__________ # (¬1) هل: هي لطلب التصديق الإيجابي، أي الحكم بالثبوت أو الانتفاء، ولا ~~تستعمل إلا في الاستفهام، لا بمعنى أنها بنفسها علم الاستفهام، بل لا بد من ~~ملاحظة أداة الاستفهام قبلها، إما ملفوظة أو مقدرة، وهل بسيطة إن طلب بها ~~وجود الشيء أو عدمه في نفسه، نحو: هل وجد زيد، وهل عدم عمرو...؟ ومركبة إن ~~طلب بها وجود الشيء محصلا أو معدولا للشيء الآخر، نحو: هل قام زيد...؟ وهل ~~زيد لا قام...؟ وهل تأتي بمعنى "قد" نحو: (هل أتى على الإنسان حين من ~~الدهر) [سورة الإنسان، آية 1]، وبمعنى (إلا) نحو قوله تعالى: (هل أدلكم) ~~[سورة طه: 4، والقصص 12، والصف: 10]، وبمعنى (إن) نحو قوله تعالى: (هل في ~~ذلك قسم لذي حجر) [سورة الفجر: 4]، وبمعنى (بل) نحو: هل في ms191 الدار أغيار..؟ ~~وبمعنى (ما) النافية نحو: (هل جزاء الإحسان إلا الإحسان) [سورة الرحمن آية ~~60]، وبمعنى الأمر نحو (فهل أنتم منتهون) [سورة المائدة 91]. PageV02P040 # قال أصحاب المخلوق قد كثرت القدرية في السؤال بتقليبهم الألفاظ المختلفة ~~على معنى واحد، من معنى السؤال، ولقد كان يجيب على من بنى سؤاله على خصومة ~~أن يعرف كيف تكون عاقبة سؤاله إذا حرر الخصوم عليه الجواب، والجواب في جميع ~~ما سألوا عنه في "هل ثم"، وفي "لو جاز" جواب واحد، ويدخل بعضه في بعض؛ وذلك ~~أن نقول لهم: ليس ثم إلا الله وما خلق، لا على نفي الاكتساب، ولا يجوز ~~إرسال الجواب حتى يوصل بالصلة التي يتبين بها الجواب، لإزالة سوء الظنون من ~~أوهام السامعين عند ورود الجواب على أوهامهم غير مفسر، ولا موصول بصلته ~~التي يصح بها، فإن قالوا عند هذا: على ماذا عذب الله الكافر أو مماذا غضب ~~من نفسه أو من خلقه؟ إلى آخر ألفاظهم التي هي بمعنى واحد، قيل لهم: غضب من ~~فعل العبد الذي هو لله خلق، ولا يقال: غضب من خلقه، فإن قالوا: أليس فعل ~~العبد خلقه؟ قلنا: فعل العبد من حيث وصف بأنه فعل، وهو خلق الله بأن جعله ~~خلافا لما خالفه، غير محتمل للبقاء، ولا مجتلى للعيان، ولا يقال: فعل العبد ~~خلق الله مرسلا، كما أنه يقال فيما اجتمعنا نحن وأنتم عليه: إن الله عالم ~~بفعل العبد، وإن الفعل معلوم له، وإن الفعل غير الله، ولا يقال: إن الله ~~غضب على العبد؛ لأن فعله غيره، ولا لأنه معلوم له، ولا لأنه غير الله وغير ~~العبد، إذ ليس من الجائز أن يغضب الله على الكافر إن كان عمله غير الله، ~~فلو جاز أن يقال: غضب الله على الكافر لأن فعله غير الله، ويسخط أن يكون ~~الفعل غير الله، ويعذب على ذلك، ليجوزن أن يكون الله يرضى أن يكون فعل ~~العبد هو الله، ويثيب على أن يكون فعل العبد هو الله، ويحب ذلك، فهذا غاية ~~الفساد في صفة الله جل جلاله. ms192 PageV02P041 # ويقال لهم: الذي غضب منه ويسخطه لأنه كفر، أهو الذي لم يسخطه ولم يغضب ~~منه لأنه غير الله؟ فإن زعموا أن الذي غضب الله منه وأسخطه في أن كان كفرا ~~غير الذي لا يسخطه ولا يغضب منه إن كان غير الله، وإن كان غير الفاعل، وإن ~~كان معلوما لله أوجبوا على الفعل التجزي والتغاير، وصاروا إلى مقالة أصحاب ~~المعاني، وإن قالوا: إن الذي غضب الله منه وأسخطه في أن كان كفرا هو الذي ~~لم يغضب منه ولم يسخطه إن كان غير الله، وإن كان معلوما له، وإن كان غير ~~الفاعل أوجبوا على الفعل الذي لا يتجزأ الجهات. وهكذا الجواب لهم في جميع ~~ما سلسلوا من ذلك لغير فائدة. وقد كان عارضهم فيما بلغنا بعض أهل العلم ~~بالتثبيت في هذا الكلام بأمر مقنع؛ وهو أن قال لهم: أليس الكفر (¬1) # ¬__________ # (¬1) الكفر في اللغة: ستر الشيء، ووصف الليل بالكافر لستره الأشخاص، ~~والزراع لستره البذر في الأرض، وليس ذلك باسم لهما، كما قال بعض أهل اللغة: ~~ألقت ذكاء يمينها في كافر. # وكفر النعمة وكفرانها سترها بترك أداء شكرها، قال تعالى: (فلا كفران ~~لسعيه) سورة الأنبياء آية 94، "وأعظم الكفر جحود الوحدانية". راجع المفردات ~~في غريب القرآن 433 434، وكليات أبي البقاء 4: 74. PageV02P042 # غير خلق الله؟ فقالوا: بلى، فقال لهم: هل عذب عليه لأنه غير خلق الله؟ ~~فلو قالوا: نعم للزمهم التعذيب على كل ما لم يخلق، قياسا على قولهم: إذا ~~عذب على الكفر، وهو غير خلق له، جاز أن يعذب على كل ما هو غير خلق له، ~~ويقال لهم: أليس الكفر شيئا ومحدثا وعرضا وحركة أو سكونا؟ فإن قالوا: بلى ~~هو كذلك، قيل لهم: فهل غضب منه لأنه حركة، أو لأنه سكون؟ فإن قالوا: نعم ~~غضب منه لأنه كذلك، قيل لهم: فيجب أن يكون غضب من كل شيء، ومن كل محدث، ومن ~~كل عرض، ومن كل حركة. فإن قالوا: نعم إن الذي غضب منه لأنه كفر، غير الذي ~~لم يغضب منه لأنه شيء، ولأنه محدث، ولأنه ms193 عرض، ولأنه حركة أو سكون أثبتوا ~~التغاير على الفعل والتجزية، وصاروا إلى قول أصحاب المعاني في الفساد. فإن ~~قالوا: إن الذي غضب منه لأنه كفر هو الذي لم يغضب منه لأنه شيء، ولأنه ~~محدث، ولأنه عرض، ولأنه حركة أو سكون أوجبوا على الفعل الذي لا يتجزأ ~~الجهات. ويقال لهم: أرأيتم الفعل الذي أقدرنا الله عليه، هل أقدرنا عليه ~~لأنه فعل؟ قالوا نعم، قلنا: فالذي أقدرنا عليه لأنه فعل، أهو الذي لم ~~يقدرنا عليه لأنه شيء، ولأنه محدث، ولأنه عرض، ولأنه حركة، أو سكون أم الذي ~~أقدرنا عليه لأنه فعل غير الذي لم يقدرنا عليه لأنه شيء، ولأنه محدث، ولأنه ~~عرض، ولأنه حركة، أو سكون؟ فإن قالوا: الذي أقدرنا عليه لأنه فعل الذي لم ~~يقدرنا عليه، لأنه شيء، ولأنه محدث، ولأنه عرض، ولأنه حركة أثبتوا على ~~الفعل التغاير والتجزئة، فإن قالوا: الذي أقدرنا عليه لأنه فعل هو الذي لم ~~يقدرنا عليه لأنه شيء، ولأنه محدث، ولأنه عرض، ولأنه حركة، أثبتوا للفعل ~~الجهات. PageV02P043 # ويقال لهم بعد هذا: فما أنكرتم من مذهب أهل الحق أن ما فعلوه، وصارت ~~قدرتهم عليه، فهو فعلهم من حيث قدروا عليه، وهو خلق الله من حيث ثبوت عجزهم ~~عنه. ويقال للآخرين: إذا جاز عندكم أن يكون فعل العبد وهو بجهة من الجهات ~~ليس بجعل للعبد، فما أنكرتم أن يكون من تلك الجهات التي ليست بجعل للعبد ~~فعلا لله؟ فإن قالوا: لأنه محال أن يكون فعل واحد جميعه للعبد وجميعه لله، ~~قيل لهم: فقد قلتم بما هو أكبر من هذا، فجوزتم أن يكون فعل واحد جميعه ~~للعبد، وجميعه ليس بجعل لجاعل، وهذا الجواب منكم هو معنى ما أنكرتم. # مسألة للقدرية في المعارضة التي يذكرون فيها الشركة: PageV02P044 # قالوا: وجدنا هذا الفعل شيئا واحدا لا يحتمل التجزئة، ولا يوصف بالتغاير، ~~قلنا: لا يخلو هذا الشيء من الفعل من منازل ثلاثة: إما أن يكون خلقا لله، ~~أو يكون للعبد فعلا، وإما أن يكون لهما جميعا، فإن قالوا: كان للعبد فعلا ~~فهو ما ms194 قلنا، وبطل أن يكون لله خلقا، وإن كان لله خلقا بطل أن يكون للعبد ~~فعلا، وإن كان لهما جميعا فهذا معنى الشركة، والشركة عن الله منفية، ولا ~~نعلم لأهل القدر معارضة أوثق في نفوسهم من هذه، ولا مسألة أوكد عندهم من ~~هذه المسألة التي يذكرون فيها الشركة، وهي عند المبتدئين من أهل الإثبات ~~مسألة ساقطة، ومعارضة واهية، فضلا عن حذاق متكلميهم؛ وذلك أن أهل الإثبات ~~قالوا: أما قول القدرية إن الفعل لا يعدو ثلاث منازل فهو منهم دعوى وتحكم ~~بغير حجة ولا دليل، بل يعدو الفعل جميع ما قالوا من ذلك إلى غير ما قالوا، ~~إذ لا يجوز أن يكون الفعل بجميع جهاته مضافا إلى العبد، ولا منسوبا إليه، ~~ولا موصوفا بالقدرة على تلك المعاني من الفعل؛ وذلك أن من جهات الفعل أنه ~~شيء، وأنه محدث، ومخترع، وخارج من معنى العدم إلى معنى الوجود، وأنه عرض، ~~وأنه حركة أو سكون، وأنه ملازم للفناء، غير موصوف بالبقاء، وأنه غير مدرك ~~بالأبصار، ولا متجل للعيان، وأنه مخالف لما خالف من الأشياء، موافق لما ~~وافق، فبطل أن تكون هذه المعاني من الفعل مضافة إلى العبد، ولا منسوبة ~~إليه، لثبوت عجز العبد، وإبطال قدرته على أن يكون جعله كذلك. فلما كان ~~الأمر على ما وصفنا من هذا تبين أن الفعل قد عدا هذا الوجه، وخلا منه، وبطل ~~أيضا أن يكون الفعل مضافا إلى الله عز وجل من الجهة التي يضاف بها إلى ~~العبد، من أنه تحرك، أو سكن، أو قارف أو عنا، أو عالج، أو آمن، أو كفر، أو ~~أطاع، أو عصى، لما كانت هذه الإضافات لا تحسن إلى الله بهذه المعاني، ولا ~~تجوز النسبة إليه بها. PageV02P045 # وأما ما ذكروا من الشركة فتهويل من القول لا محصول له؛ وذلك أن للشركة ~~موضعين: أحدهما حقيقة، والثاني استعارة ومجاز. # الحقيقة من ذلك كالرجلين يشتركان في ملك مال من إرث أو تجارة، عبدا كان ~~أو حيوانا، أو غير ذلك من المال، فيكون كل واحد منهما شريك صاحبه ms195 على قدر ~~التسميات، وذلك لاتفاق جهاتهما في الملك، فهذه حقيقة الشركة، وكل هذا الذي ~~قلنا اشتركاه بينهما فهو لله ملك ومال، قال: (وآتوهم من مال الله الذي ~~آتاكم) (¬1) والعبد من ذلك عبد لله، وهو مع ذلك تعالى غير موصوف بالشركة ~~لهما، ولا لأحدهما، ولا يقال لهما ولا لأحدهما: إنه شريك لله تعالى عن ذلك، ~~لاختلاف جهات الملك. # ¬__________ # (¬1) سورة النور آية رقم 33، وتكملة الآية: (ولا تكرهوا فتياتكم على ~~البغاء إن أردن تحصنا لتبتغوا عرض الحياة الدنيا ومن يكرههن فإن الله من ~~بعد إكراههن غفور رحيم). PageV02P046 # والوجه الثاني من الشركة على معنى المعاونة والاتفاق، وذلك كرجلين ملكا ~~ملكا، أو أمرا أميرا، أو جيشا جيشا، أو هزما جندا، أو فتحا ثغرا، أو ~~استعملا، أو استقضيا، أو اعتزلا، أو كانا ملاحين فسارا بسفينة في البحر، أو ~~قتلا رجلا بأي وجه من وجوه القتل، ولو أنهما أجاعاه، أو أعطشاه حتى مات، أو ~~دفعا شجرة فخرت، أو تجاذبا ثوبا فانخرق، أو اتفقا على أمر من الأمور ~~فأمضياه، فإنه قد يقال في هذين: إنهما اشتركا على معنى: تعاونا واتفقا، ~~وليست الشركة هاهنا حقيقة، بل هي مجاز واستعارة، وسمي هذان شريكين في الفعل ~~إذ كان فعلهما من جهة واحدة، ولا يجوز أن يقال: إن الله شاركهما، ولا شارك ~~أحدهم في تمليك ملك، ولا في تأمير أمير، ولا في تجنيد جند، وهو تبارك ~~وتعالى قد قوي على ذلك كله بالعدة والعدة، والمال والبسطة، إذ كانت الجهتان ~~في ذلك مختلفين غير متفقين، وكذلك لا يجوز أن يقال: إن الله تبارك وتعالى ~~شارك الملاحين في سير السفينة بالريح التي جعلها تجري بها السفينة، على أن ~~الملاحين يقال: إنهما اشتركا في الرئاسة لذلك، وكذلك اللذان قلنا إنهما ~~اشتركا في قتل رجل قد يكون أن يبعث الله إلى مقتولهما شيئا من الهوام ~~الضارية، ومن السباع العادية فتعين في قتله، وذلك عند أكثرهم من فعل الله، ~~أو يكون الله يمنع عنه الطعام والشراب، ويمنعان هما ذلك عنه إذا كان ~~عندهما، ولا يقال مع ms196 هذا: إن الله شريك لهما، ولا أنهما أو أحدهم شريك لله ~~في فعله، لاختلاف جهات الإضافة في الفعل ومعانيه. وكذلك اللذان دفعا شجرة، ~~أو تجاذبا ثوبا، قد تكون الريح تعينهما على فعلهما، ولا يجوز أن يقال مع ~~ذلك: إن الله شريكهما، أو لأحدهما، ولا أنهما أو أحدهم شريك لله في وقوع ~~الشجرة، وانخراق الثوب؛ لأن الله فعل ذلك من غير الجهة التي فعلا منها، ~~وهما فعلا من جهة غير الجهة التي فعل الله منها، ولسنا نجد للشركة وجها غير ~~هذين الوجهين. PageV02P047 # وسبيل خلق الله لفعل العبد واختراعه إياه، وإخراجه له من معنى العدم (¬1) ~~إلى معنى الوجود (¬2) ، وجعله على ما هو به من أنه شيء ومحدث، وعرض، وحركة، ~~وسكون، وملازم للفناء غير موصوف بالبقاء، ولا مدرك بالأبصار، ولا متجل ~~للعيان، مخالف لما خالف، موافق لما وافق، هو سبيل ما أضفناه إلى الله تعالى ~~من الأملاك التي ذكرناها، والأفعال التي عددناها، ونسبناها إليه، ونفينا عن ~~الله في جميعها الشركة، مع إضافتنا ذلك إليه، لاختلاف جهات الإضافة في ~~معاني الملك والفعل جميعا. # ¬__________ # (¬1) العدم ضد الوجود، وهو مطلق أو إضافي، فالعدم المطلق هو الذي لا يضاف ~~إلى شيء، والعدم الإضافي أو المفيد هو المضاف إلى شيء، لقولنا: عدم الأمن، ~~وعدم الاستقرار، وعدم التأثير. # قال ابن سينا: البالغ في النقص غايته، فهو المنتهي إلى مطلق العدم، ~~فبالحري أن يطلق معنى العدم المطلق. راجع الإشارات 69 70. # (¬2) الوجود مقابل للعدم، وهو بديهي فلا يحتاج إلى تعريف إلا من حيث إنه ~~مدلول للفظ دون آخر، فيعرف تعريفا لفظيا يفيد فهمه من ذلك اللفظ لا تصوره ~~في نفسه. # والوجود عند الفلاسفة: مقابل للماهية؛ لأن الماهية هي الطبيعة المعقولة ~~للشيء، والوجود هو التحقق الفعلي له، وكون الشيء حاصلا في التجربة غير كونه ~~ذا طبيعة معقولة. راجع منطق المشرقيين ص 22. PageV02P048 # وسبيل اختيار العبد لفعله، واكتسابه (¬1) ، وتحركه به، وسكونه، وإيمانه، ~~وكفره، وطاعته به، ومعصيته هو سبيل ما ذكرنا من فعل الرجلين اللذين ذكرنا ~~أنهما شريكان فيما اشتركا، ألا ترى أنك تقول: ms197 إنهما مشتركان، لاتفاق جهات ~~الملك واختلاف وجهات الفعل، ولا تقول ذلك في صفة الله جل جلاله، لاختلاف ~~جهات الملك، واختلاف جهات الفعل. وقد كررت في هذا المعنى وأطلت لينقطع ذكر ~~الشركة من هذه المسألة، إذ ليست الشركة منها في وجه ولا في سبب. # ولما بطلت هذه الوجوه الثلاثة التي ذكروا، واضمحل القول بها تبين أن ~~الفعل قد عدا ما قالوا من ذلك، وخلا منه إلى غيره، مما قلنا، والله ولي ~~التوفيق. # حجج القدرية من النقل # ¬__________ # (¬1) يراجع ما كتبه الأشعري في كتابه مقالات الإسلاميين عند الحديث عن ~~أفعال العباد وبأنهما مخلوقة لله تعالى، وليس للإنسان فيها غير اكتسابه: أي ~~أن الفاعل الحقيقي هو الله، وما الإنسان إلا مكتسب للفعل. وأيضا كتاب اللمع ~~من 38 39 46 47، والملل والنحل عند شرحه لمذهب الأشعري 1: 124 130. PageV02P049 # ... وكان مما احتجت به القدرية من كتاب الله عز وجل على نفيهم لخلق أفعال ~~العباد قول الله حيث يقول: (فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله) (¬1) ، وقوله: ~~(قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا) (¬2) ، وقوله: (وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ~~ورسوله والمؤمنون) (¬3) ، وقوله: (فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين ~~جزاء بما كانوا يعملون) (¬4) ، (بما كانوا يكسبون) (¬5) قالوا: فأضاف الله ~~ذلك إليهم، وقالوا: قال الله عز وجل: (حسدا من عند أنفسهم) (¬6) ، وقال: ~~(ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله) (¬7) قالوا: فنفى أن يكون ~~حسدهم فعل أولئك الآخرين من عنده كما ترون، وقالوا قال الله: (ما جعل الله ~~من بحيرة ولا سآئبة ولا وصيلة ولا حام) (¬8) ، # ¬__________ # (¬1) سورة المائدة آية رقم 30، وتكملة الآية: (فأصبح من الخاسرين(. # (¬2) الآية 18 من سورة يوسف، وتكملة الآية: (فصبر جميل والله المستعان ~~على ما تصفون). # (¬3) سورة التوبة آية رقم 105، وتكملة الآية: (وستردون إلى عالم الغيب ~~والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون). # (¬4) الآية 17 من سورة السجدة. # (¬5) الآية 95 من سورة التوبة، وقد جاءت في المطبوعة محرفة بزيادة ~~"الواو" في أولها. # (¬6) الآية 109 من سورة البقرة، وتكملة الآية: (من بعد ما تبين ms198 لهم الحق ~~فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره إن الله على كل شيء قدير). # (¬7) الآية 78 من سورة آل عمران. # (¬8) الآية 103 من سورة المائدة، وتكملة الآية: (ولكن الذين كفروا يفترون ~~على الله الكذب وأكثرهم لا يعقلون).. PageV02P050 # فنفى عن نفسه أن يكون جعل شيئا من فعل المشركين. # قال أهل الإثبات: ليس تلزمنا معارضات القدرية بهذه الآي التي أضاف الله ~~فيها أفعال العباد إلى العباد، ونحن نقول: إنها أفعالهم، ولا نأبى أن تكون ~~أنفسهم سولت لهم، ولا أن نفسه طوعت له قتل أخيه فقتله، ولا أنهم يكسبون ~~ويعلمون، وأنهم أمروا بأن يعملوا، وليس في الإضافات التي أضاف الله إلى ~~العباد بأنهم يعملون ويكسبون، وتطوع لهم أنفسهم وتسول، بالذي ينقض علينا من ~~قولنا شيئا، وإنما ذلك على الجهمية (¬1) # ¬__________ # (¬1) يقول الشهرستاني عن الجهمية: أصحاب جهم بن صفوان _وهو من الجبرية ~~الخالصة_ ظهرت بدعته بترمذ، وقتله سلم بن أحوز. ويؤكد البغدادي أن جهما قال ~~بالإجبار والاضطرار إلى الأعمال، وأنكر الاستطاعات كلها. ويورد الأشعري قول ~~الجهمية: إنه لا فعل لأحد في الحقيقة إلا الله وحده، وإنه هو الفاعل، وإن ~~الناس إنما تنسب إليهم أفعالهم على المجاز إلا أنه خلق للإنسان قوة كان بها ~~الفعل، وخلق له إرادة للفعل، واختيارا له منفردا بذلك. # وإذن فجهم على أساس رواية الأشعري لم ينكر الاستطاعات كلها كما ذكر ~~البغدادي، ولم يسلب عن الإنسان الاستطاعة كما ذكر الشهرستاني. راجع الملل ~~والنحل 1: 79، والبداية والنهاية 1: 27، والفرق بين الفرق ص 211، ومقالات ~~الإسلاميين 1: 312، نشأة الفكر الفلسفي 1: 245. PageV02P051 # وأصحابهم الذين لا يقولون بالاختيار للعباد، ولا يثبتون الاكتساب لهم، ~~ولا يقولون بالتطويع ولا بالتسويل ولا بشيء من ذلك، وكذلك قوله: (حسدا من ~~عند أنفسهم) (¬1) فنحن نقول: إن أفعالهم وحسدهم، وبغيهم، من عند أنفسهم ~~فعلا لا خلقا، وقوله: (ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله) (¬2) ، ~~فإنه قد قال أيضا: (فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله مباركة طيبة) (¬3) ~~أفيجب بهذا كله من قوله أن يكون سلام العباد بعضهم على بعض، وتحيتهم فيما ~~بينهم مخلوقة ms199 لله عندهم، لقوله: (من عند الله)، فإن قالوا: إنما أراد بذلك ~~أن الله أمر بالتحية والسلام، فلذلك أضافهما إلى نفسه، قلنا: فكذلك قوله: ~~(ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله) يريد أن تحريف اليهود (¬4) ~~للكتاب ليس هو من الكتاب، ولا من عند الله، نزل ردا عليهم في قولهم: إنه من ~~الكتاب، ومن عند الله نزل، ولم تكن اليهود تذهب في قولها ذلك إلى خلق الله ~~الفعل، فيكون الله قدر عليهم في ذلك. وهذا أوضح من أن يغلط في تأويله غالط. # ¬__________ # (¬1) الآية 109 من سورة البقرة. # (¬2) الآية 78 من سورة آل عمران. # (¬3) الآية 61 من سورة النور. # (¬4) اليهود: نسبوا إلى يهوذا، وهو أكبر ولد يعقوب عليه السلام، فقلبت ~~العرب الذال دالا. وقيل: سموا بذلك لتوبتهم عن عبادة العجل. # هاد: تاب، والهائد التائب، قال الشاعر: "إلى امرئ من حبه هائد" أي تائب، ~~وفي التنزيل: (إنا هدنا إليك) أي تبنا، وقال ابن عرفة: أي سكنا إلى أمرك، ~~والهوادة: السكون والموادعة، ومنه قوله تعالى: (إن الذين آمنوا والذين ~~هادوا(. PageV02P052 # وأما قوله: (ما جعل الله من بحيرة ولا سآئبة ولا وصيلة ولا حام) (¬1) فهو ~~نظير قوله: (وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين) (¬2) ، ومثل ~~قوله: (وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا) (¬3) أي أنه أراد: لم ~~يخلق السماوات والأرض وما بينهما للعب ولا للباطل، كما قال أهل التكذيب ~~بالله والإنكار لأمره: من الرسل، والبعث، بل خلق السماوات والأرض وما ~~بينهما، ليحق الحق ويبطل الباطل، ويدل على ذلك بقوله: (ما خلقناهما إلا ~~بالحق) (¬4) ، وكذلك قوله: (ما جعل الله من بحيرة ولا سآئبة ولا وصيلة ولا ~~حام) (¬5) يقول: إنه لم يجعل هذه الأنعام لأن تبحر، ولا أن تسيب، ولا أن ~~تتخذ وصيلة ولا حاما، كما قالوا، بل جعلها حمولة، ومأكولة، لا كما قال ~~المشركون. فليس هذا من الذي ذهب إليه أهل القدر في شيء، وهو أبين من أن ~~يغلط في تأويله غالط، والله ولي التوفيق. # أدلة أخرى: # ¬__________ # (¬1) سورة المائدة آية رقم 103. # (¬2) الآية ms200 38 من سورة الدخان، وذكر في المطبوعة أنها آية الأنبياء 16، ~~وآية الأنبياء (وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين(. # (¬3) الآية 27 من سورة ص، وتكملة الآية: (ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين ~~كفروا من النار). # (¬4) الآية 39 من سورة الدخان، وتكملة الآية: (ولكن أكثرهم لا يعلمون(. # (¬5) سورة المائدة آية رقم 103، وتكملة الآية: (ولكن الذين كفروا يفترون ~~على الله الكذب وأكثرهم لا يعقلون). وقد سقطت في المطبوعة (سائبة ولا). PageV02P053 # قد أجبناهم فيما سألونا عنه، وأبطلنا معارضتهم في كل الذي عارضوا به، ثم ~~نحن عائدون بالمسألة عليهم، ومجددوها إليهم، ومؤكدون عليهم من حجج الله ~~التي جعلها دلالة على ربوبيته وشهادات على وحدانيته، فنقول لهم: أخبرونا عن ~~حركة المختار هل كانت حركة لمعنى الحركة، أو لمعنى غير الحركة؟ فإن قالوا: ~~لمعنى غيرها أحالوا، إذ لا يتوهم ارتفاع ذلك المعنى، ووجود الحركة بغير صفة ~~الحركة، فإن قالوا: بل هي حركة لمعناها، قلنا لهم: أخبرونا عن حركة المضطر ~~لم كانت حركة لعينها أو لعلة غيرها؟ ولن يجدوا إلا أن يجيبوا في حركة ~~المضطر، مثل الذي أجابوا به في حركة المختار، فإذا أجابوا بذلك قلنا: قد ~~ثبت أن حركة الاضطرار مثل حركة الاختيار في عينها، وإنما اختلفتا لعلة ~~الأمر والنهي، فإذا ثبت اتفاقهما لأعيانهما كان الحكم عليهما واحدا، أما أن ~~تكونا مخلوقتين أو غير مخلوقتين، ولا نجد أن نخرجهما من خلق الله، بل الله ~~خالق لهما، ولا يجوز أن تستوي الأشياء في باب الحديث وتتفق، ثم تختلف في ~~باب الاختراع والخلق؛ لأنه لو جاز أن يكون محدث غير مخلوق لجاز أن يكون ~~مخلوق غير محدث، فلما استحال أن يكون مخلوق غير محدث استحال أن يكون محدث ~~غير مخلوق، كما أنه لو جاز أن يكون محدثا مخلوقا، ومحدث غير مخلوق ليجوزن ~~أن يكون قديم خالقا وقديم غير خالق، فلما استحال أن يكون قديم خالقا، وقديم ~~غير خالق استحال أن يكون محدث مخلوقا، ومحدث غير مخلوق. PageV02P054 # ثم يقال لهم: أليست هذه الأفعال محدثة كائنة بعد أن لم تكن، ms201 وخارجة من ~~معنى العدم إلى معنى الوجود؟ فمن قولهم: بلى، قيل لهم: فهل في أنها محدثة ~~مخلوقة بعد إذ لم تكن خارجة من معنى العدم إلى معنى الوجود أكثر من أنها ~~مخلوقة، وهل في أنها مخلوقة أكثر من أنها محدثة كائنة بعد أن لم تكن خارجة ~~من العدم إلى الوجود؟ فإن كان الله هو الذي أحدث الأفعال وكونها بعد إذ لم ~~تكن، وأخرجها من العدم إلى الوجود فهو الذي خلقها، وإن كان العبد هو الذي ~~أحدث الأفعال وكونها بعد إذ لم تكن، وأخرجها من العدم إلى الوجود فهو الذي ~~خلقها، ويسألون عن الفرق فلا يجدونه أبدا، وربما تجاسر جسورهم فيقول: بلى ~~إنها مخلوقة للعبد، وذلك أنهم لا يترددون في أنها غير مخلوقة لله، ويترددون ~~في أنها مخلوقة للعبد أو غير مخلوقة له، إلا أن يتجاسر متجاسرهم على ذلك. ~~ولعمري أنه لقياس مقالة القوم، إذ كان الله عز وجل إنما سمي خالقا لأنه ~~ينشئ ويخترع، والعباد على مثل ذلك من الصفة عندهم، فيقال لهذا المتجاسر: ~~إذا كانت مخلوقة للعبد فينبغي أن تكون مملوكة له ومربوبة له، بل التي ~~تجاسرت عليها أشنع من هاتين وأفحش منهما، فإذا جوز هاتين قيل له: فينبغي أن ~~تكون مألوهة للعبد، فحينئذ يكون العبد خالقا لأفعاله، ومالكا لها، وربا ~~وإلها. فمن قال: لا خالق غير الله ولا رب سواه، وأن لا إله إلا هو كان ~~مخطئا، فعند ذلك يقال لقائلها: كيف وها هنا من الخالقين والأرباب والآلهة ~~ما لا يحصى، على قياس هذا المذهب. ألا ترون إلى ما أصار هؤلاء القوم خذلان ~~الله عز وجل إليه من اضطراب الكلمة وتشتيت الأهواء في تقليد الكبراء، ~~فنعيذكم بالله وإيانا من التورط في المهلكة، وقد قال الله عز وجل: (هل من ~~خالق غير الله) (¬1) # ¬__________ # (¬1) الآية 3 من سورة فاطر، وتكملة الآية: (يرزقكم من السماء والأرض لا ~~إله إلا هو فأنى تؤفكون).. PageV02P055 # وقال: (فأروني ماذا خلق الذين من دونه) (¬1) فيمكن على قياس هذا القول أن ~~يرد عليه فيقال: إن الذي ms202 من هو دونه أكثر مما خلق؛ لأن أفعال خلقه أكثر من ~~خلقه في قولهم، وقال عز وجل: (أروني ماذا خلقوا من الأرض) (¬2) ، وقال عز ~~وجل: (أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم قل الله خالق كل ~~شيء) (¬3) ردا على من أخرج شيئا من كل الأشياء من أن يكون من خلقه، فأخرج ~~الكلمة في: مخرج العموم (¬4) ، فمن ادعى فيها الخصوص ولم يأت بآية مجتمع ~~عليها، أو خبر مجتمع عليه يخص به ما أخرج به الكلام مخرج عموم فقد أراد أن ~~يثبت دعواه بغير برهان، وبغير ما يثبت به الدعوى، وليس ما نظروا به من هذه ~~الآية من قوله: (تدمر كل شيء بأمر ربها) (¬5) # ¬__________ # (¬1) الآية 11 من سورة لقمان، وتكملة الآية: (بل الظالمون في ضلال مبين). ~~وقد جاءت الآية محرفة في المطبوعة حيث قال: "أروني" بدلا من (فأروني). # (¬2) الآية 40 من سورة فاطر، وتكملة الآية: (أم لهم شرك في السماوات أم ~~آتيناهم كتابا فهم على بينت منه بل إن يعد الظالمون بعضهم بعضا إلا غرورا). # (¬3) الآية 16 من سورة الرعد، وتكملة الآية: (وهو الواحد القهار(. # (¬4) العموم: ضد الخصوص، وهو في اللغة عبارة عن الإحاطة بالأفراد دفعة. ~~وللعموم عند الفلاسفة معنيان: أحدهم مجرد، والآخر مشخص؛ فالعموم بالمعنى ~~المجرد صفة العام من حيث شموله لجميع الأفراد المستغرقة فيه، قال ابن سينا: ~~لو كانت الحيوانية توجب أن لا يقال عليها عموم أو خصوص لم يكن حيوان خاص أو ~~حيوان عام. راجع الشفاء 487 488. # (¬5) الآية 25 من سورة الأحقاف، وتكملة الآية: (فأصبحوا لا يرى إلا ~~مساكنهم كذلك نجزي القوم المجرمين).. PageV02P056 # وبقوله: (فتحنا عليهم أبواب كل شيء) (¬1) وبقوله: (وأوتيت من كل شيء) ~~(¬2) نظيرا؛ لأن هذا كله الشاهد على خصوصه إجماعهم، وخصومهم عليه، والآية ~~في أنه: )خالق كل شيء( أخرجها مخرج عموم، ولم يجامعهم خصومهم على أن الله ~~أراد بها الخصوص، كما جامع أهل القدر من خالفهم على خصوص الآي التي ناظروا ~~بها الآيات الشاهدات على صدق أهل الإثبات في قولهم، وقد امتدح عز وجل ms203 ~~بقوله: )خالق كل شيء( بإجماع، ولو جاز لأحد أن يقول: هي خاصة لجاز لمن يزعم ~~أن إبليس (¬3) ليس بمخلوق، وأن جميع الشرور ليست بمخلوقة لله على مقالة ~~المنانية (¬4) ، # ¬__________ # (¬1) الآية 44 من سورة الأنعام، وقد جاءت الآية محرفة في المطبوعة، حيث ~~قال: فتحنا أبواب، وصحتها (فتحنا عليهم أبواب(. # (¬2) الآية 23 من سورة النمل. # (¬3) إبليس: اشتقاقه من الإبلاس؛ لأن الله أبلسه من رحمته وآيسه من ~~مغفرته. قال ابن الأنباري: لا يجوز أن يكون مشتقا من أبلس؛ لأنه لو كان ~~مشتقا لصرف. قال أبو إسحاق: فلما لم يصرف دل على أنه أعجمي. قال ابن جرير: ~~لم يصرف وإن كان عربيا لقلة نظره في كلامهم، فشبهوه بالأعجمي. وقال ~~الواحدي: الاختيار أنه ليس بمشتق، لاجتماع النحويين على أنه يمنع من الصرف ~~للعجمة والعلمية. # (¬4) المنانية: أصحاب ماني بن فاتك الذي ظهر في زمن (شابور بن أردشير) ~~الذي تولى الملك عام 242 م، وقتله بهرام بن شابور. وأصل الكلمة بالفارسية ~~(زندكر) ومعناها: حياة الدهر أو بقاء الدهر. # يقول ماني بنبوة عيسى، ولا يقول بنبوة (موسى)، وادعى أنه النبي الذي بشر ~~به (عيسى)، وأنه خاتم النبيين. # يقولون بالحلول وبالتناسخ وأن العالم مركب من أصلين النور والظلمة. راجع ~~الغلو والفرق الغالية 23، وفجر الإسلام 129، ودائرة معارف القرن العشرين 8: 453. PageV02P057 # وكيف تكون دعواهم أولى من دعوى غيرهم، وقد قال عز وجل: (وأسروا قولكم أو ~~اجهروا به إنه عليم بذات الصدور، ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير) (¬1) ~~فدل على أن ما أسر العباد وما أظهروه فهو خلقه بقوله: (ألا يعلم من خلق)، ~~يقول تبارك وتعالى: كيف لا يعلم ذلك من خلقه، محتجا على من قال لا يكون ~~الفعل مخلوقا، وقال عز وجل: (ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من ~~فضله) (¬2) فكيف يكون الابتغاء للفضل الذي هو عمل العباد من آيات الله، ~~وليس فيه لله تدبير، ولا هو له بخالق؟ وقال عز وجل: (هو الذي يسيركم في ~~البر والبحر) (¬3) وذلك فعلهم، فأضافه إلى نفسه كما ترى، وقال: (أم أمنتم ~~أن يعيدكم فيه ms204 تارة أخرى) (¬4) ، والعودة في البحر هي رجوعهم ثانية إلى ~~البحر، وذلك فعلهم، وقال عز وجل: (خلق السماوات والأرض وما بينهما) (¬5) ، ~~وأفعال الخلق بين السماء والأرض، وقال: (والله خلقكم وما تعملون) (¬6) ، ~~وقال: (إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء) (¬7) وقال: (يضل من ~~يشاء ويهدي من يشاء) (¬8) ، # ¬__________ # (¬1) الآيتين 13 و 14 من سورة الملك. # (¬2) سورة الروم آية رقم 23. # (¬3) الآية 22 من سورة يونس. # (¬4) الآية 69 من سورة الإسراء. # (¬5) الآية 59 من سورة الفرقان. # (¬6) الآية 96 من سورة الصافات. # (¬7) الآية 56 من سورة القصص. # (¬8) الآية 93 من سورة النحل.. PageV02P058 # وقد ذهب قوم من أهل القدر في تأويل هذه الآية من قوله: (يضل من يشاء ~~ويهدي من يشاء) إلى أن ذلك على وجه التسمية، والحكم عليهم بالضلالة ~~وبالهداية، وقال فريق منهم: يضلهم: ينسبهم إلى الضلالة، ويهديهم: يبين لهم ~~ويرشدهم، فخالفوا بين الحكمين، وليس ما ذهبوا إليه من ذلك بشيء، ونحن جميعا ~~ننسب الهادي إلى الهداية ونسميه بها، ونحكم بها عليه، وننسب الضال إلى ~~الضلالة ونسميه بها، ونحكم بها عليه. فما معنى هذه الإضافة التي أضافها ~~الله إلى نفسه، واستخص بها دون خلقه بأنه: (يضل من يشاء ويهدي من يشاء) ~~(¬1) ؟ وما فائدتها لو كان الأمر على ما ذهب إليه أهل القدر من ذلك؟ مع ~~إطباق أهل اللغة على أنهم لا يجدون شيئا من لغة العرب أفعلت الرجل بمعنى ~~نسبته، وإنما يقال: في معنى نسبته فعلت: كفرت الرجل، وخينته وسرقته، ~~وخطأته، وظلمته، وضللته، وفسقته، وفجرته، ولحنته، ولا يقال في مثل هذا ~~أفعلته، وأنت تريد نسبته إلى ذلك. هكذا حفظ من الأصمعي (¬2) والكسائي (¬3) # ¬__________ # (¬1) الآية 93 من سورة النحل. # (¬2) هو عبد الملك بن قريب بن علي، أبو سعيد الأصمعي: راوية العرب، وأحد ~~أئمة العلم باللغة والشعر والبلدان، نسبته إلى جده أصمع. كان الرشيد يسميه ~~شيطان الشعر. قال الأخفش: ما رأينا أحدا أعلم بالشعر من الأصمعي. وقال أبو ~~الطيب: كان أتقن القوم لغة، وتصانيفه كثيرة منها: الأضداد وخلق الإنسان، ~~وللمستشرق الألماني وليم أهلورد كتاب ms205 سماه "الأصمعيات"، توفي عام 216 ه. ~~راجع جمهرة الأنساب 234، وابن خلكان 1: 288، وتاريخ بغداد 10: 410. # (¬3) هو علي بن حمزة بن عبد الله الأسدي، أبو الحسن الكسائي، إمام في ~~اللغة والنحو والقراءة، من أهل الكوفة، ولد في إحدى قراها، وتنقل في ~~البادية، وسكن بغداد، وتوفي بالري عام 189 ه، وهو مؤدب الرشيد العباس وابنه ~~الأمين، له تصانيف منها: (معاني القرآن)، "والمصادر"، و"النوادر"..راجع ~~غاية النهاية 1: 535، وابن خلكان 1: 230، وتاريخ بغداد 11: 403، وطبقات ~~النحويين 138. PageV02P059 # وغيرهما من أئمة اللغة، وأنشدوا قول لبيد (¬1) : # ... إن تقوى ربنا خير نفل ... ... وبقدر الله ريثي وعجل # ... من هداه سبل الخير اهتدى ناعم البال ومن شاء أضل (¬2) # ¬__________ # (¬1) هو لبيد بن ربيعة بن مالك، أبو عقيل العامري، أحد الشعراء الفرسان ~~الأشراف في الجاهلية، من أهل عالية نجد، أدرك الإسلام ووفد على النبي _صلى ~~الله عليه وسلم_، ويعد من الصحابة ومن المؤلفة قلوبهم، وترك الشعر فلم يقل ~~في الإسلام إلا بيتا واحدا، قيل هو: # ... ما عاتب المرء الكريم كنفسه ... ... والمرء يصلحه الجليس الصالح # وهو أحد أصحاب المعلقات، توفي عام 41 ه 661 م. راجع خزانة الأدب البغدادي ~~1: 337 339، وآداب اللغة 1: 111، والشعر والشعراء، 231، 343، والنقائض 201. # (¬2) راجع ديوانه ص 39. PageV02P060 # أفترى لبيدا أراد بقوله: (من شاء أضل) أنه سماه ضالا، لا لعمرك ما عرف ~~هذا لبيد، ولا وجده في شيء من اللغات، وفي كتاب الله عز وجل ما يدل على ~~إثبات القدر شيء كثير، ويؤيد ذلك ما جاء فيه من السنة عن النبي _صلى الله ~~عليه وسلم_ ومن الآثار، ومن الإجماع. روي عن النبي _عليه السلام_ أنه قال: ~~"لكل أمة مجوس ومجوس هذه الأمة القدرية" (¬1) سموا مجوسا لأنهم يضيفون ~~القدر إلى أنفسهم، وغيرهم يجعله لله دون نفسه، ومدعي الشيء لنفسه أولى بأن ~~يسمى به، دون من جعله لغيره؛ ولأنهم ضارعوا المجوس (¬2) ، # ¬__________ # (¬1) الحديث رواه الطبراني وأبو داود وغيرهما عن ابن عمر مرفوعا. قال ~~الفتى: لا أصل له، وقال القزويني: موضوع وإن صححه الحاكم على شرط الشيخين، ~~فيما يقول النووي في شرحه على صحيح مسلم. وقيل: في إسناده جعفر بن ms206 الحارث ~~وهو ليس بشيء. قال عنه صاحب كتاب المجروحين: أصله من الكوفة، سكن واسطا، ~~وكان مكفوفا، يروي عن منصور وعاصم، وعنه محمد بن يزيد الواسطي ووكيع ويزيد، ~~كان يخطئ في الشيء بعد الشيء ولم يكثر خطؤه حتى يصير من المجروحين في ~~الحقيقة؛ ولكنه ممن لا يحتج به إذا انفرد، وهو من الثقات. كتاب المجروحين ~~1: 212. # (¬2) المجوس: هم أصحاب الاثنين، ويقال لهم: "الدين الأكبر" و "الملة ~~العظمى"، ومسائلهم تدور على قاعدتين: # ... أ أحدهم: بيان سبب امتزاج النور بالظلمة. # ... ب الثانية: بيان سبب خلاص النور من الظلمة. # وجعلوا الامتزاج مبدأ والخلاص معادا، ويعظم المجوس النار لمعان منها: ~~أنها جوهر شرف علوي، وأنها لم تحرق إبراهيم عليه السلام، وكانت عليه بردا ~~وسلاما، وأن تعظيمهم إياها ينجيهم من عذابها يوم المعاد. # ومن أشهر فرقهم: الثنوية، والكيومرثية، المرقونية، الديصانية. راجع دائرة ~~معارف القرن العشرين 8: 448، والغلو والفرق الغالبة 22، والملل والنحل 2: ~~89، والقاموس الإسلامي 3: 59. PageV02P061 # بل زادوا على المجوس، وذلك أن المجوس نفت عن الله خلق الشرور، وزادت ~~القدرية نفي خلق الخير من جميع أفعال الخلق عن الله عز وجل، وروي عنه _صلى ~~الله عليه وسلم_ أنه قال: "لو أن الرفق خلق يرى لم يكن شيء أحسن منه، ولو ~~أن الخرق خلق يرى لم يكن شيء أقبح منه (¬1) " والرفق والخرق فعل العباد ~~يمدحون به ويذمون عليه، وروي عنه _صلى الله عليه وسلم_ أنه قال لمعاذ بن ~~جبل (¬2) : # ¬__________ # (¬1) الحديث المشهور الذي رواه مسلم عن عائشة _رضي الله عنها_: "إن الرفق ~~لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه". ورواية العسكري عن ~~عائشة: بلفظ: "ما كان الرفق في قوم إلا نفعهم، ولا كان الخرق في قوم إلا ~~ضرهم". وروى العسكري عن أنس مرفوعا: "ما كان الرفق في شيء قط إلا زانه، ولا ~~كان الخرق في شيء قط إلا شانه". ورواه عن جرير: "من يحرم الرفق يحرم الخير ~~كله". وعند الدارقطني في الأفراد عن أنس: "إذا أراد الله بأهل بيت خيرا ~~نفعهم في الدين، ووقر غيرهم كبيرهم، ورزقهم ms207 الرفق في معيشتهم، والقصد في ~~نفقاتهم، وبصرهم بعيوبهم، فيتوبوا منها، وإذا أراد بهم غير ذلك تركهم هملا". # (¬2) هو معاذ بن جبل بن عمرو بن أوس الأنصاري الخزرجي، أبو عبد الرحمن، ~~صحابي جليل، كان أعلم الأمة بالحلال والحرام، وهو أحد الستة الذين جمعوا ~~القرآن على عهد النبي _صلى الله عليه وسلم_، وشهد بدرا وأحدا والخندق ~~والمشاهد كلها مع رسول الله _صلى الله عليه وسلم_، بعثه رسول الله قاضيا ~~ومرشدا لأهل اليمن، له 157 حديثا، توفي عقيما عام 18 ه بناحية الأردن، ومن ~~كلام عمر: لولا معاذ لهلك عمر. راجع طبقات ابن سعد 3: 120، والإصابة ت ~~8039، وأسد الغابة 4: 376، وحلية الأولياء 1: 228.. PageV02P062 # "إن الله لم يخلق شيئا هو أحب إليه من العتاق _يعني مما رغب فيه من غير ~~فرض_، ولم يخلق شيئا أبغض إليه من الطلاق" (¬1) . يعني مما هو دون ما نهى ~~عنه من المعصية، وقد علمنا أن العتاق والطلاق فعل العباد، وروي عنه أنه قيل ~~له: يا رسول الله لو سعرت لنا سعرا فقال: "إن الله هو المسعر (¬2) # ¬__________ # (¬1) الحديث رواه الدارقطني عن معاذ مرفوعا بلفظ: يا معاذ ما خلق الله ~~شيئا أحب إليه من العتاق، ولا خلق شيئا على وجه الأرض أبغض إليه من الطلاق، ~~فإذا قال الرجل لمملوكه أنت حر إن شاء الله فهو حر لا استثناء له، وإذا قال ~~لامرأته أنت طالق إن شاء الله فله استثناؤه، ولا طلاق عليه انتهى. راجع كشف ~~الخفاء ومزيل الإلباس 1: 28. # (¬2) الحديث روي من حديث أنس، ومن حديث أبي جحيفة، ومن حديث ابن عباس، ~~ومن حديث الخدري. # فحديث أنس: أخرجه أبو داود والترمذي في البيوع، وابن ماجه في التجارات عن ~~حماد بن سلمة عن قتادة وحميد، ثلاثتهم عن أنس، وفيه زيادة: إن الله هو ~~المسعر القابض الباسط الرازق، وإني لأرجو أن ألقى الله وليس أحد منكم ~~يطالبني بمظلمة من دم ولا مال. # قال الترمذي: حديث حسن صحيح انتهى. ورواه الدارمي والبزار وأبو يعلى ~~الموصلي في مسانيدهم، ورواه ابن حبان في صحيحه، ولم يذكر فيه المسعر. وأما ms208 ~~حديث أبي جحيفة فرواه الطبراني في معجمه: حدثنا عبد الله بن محمد بن عزيز ~~الموصلي ثنا غسان بن الربيع ثنا أبو إسرائيل عن الحكم عن أبي جحيفة قالوا: ~~يا رسول الله سعر لنا الحديث. # وأما حديث ابن عباس: فرواه الطبراني في معجمه الصغير: حدثنا محمد بن يزيد ~~بن عبد الوارث ثنا يحيى بن صالح الوحاظي ثنا عيسى بن يونس عن الأعمش عن ~~سالم بن أبي الجعد عن كريب عن ابن عباس بلفظ حديث أبي جحيفة. # وأما حديث الخدري فرواه الطبراني في معجمه الأوسط: حدثنا محمد بن محمد ~~النجار ثنا أبو معن الرقاش ثنا عبد الأعلى ثنا سعيد الجريري عن أبي نضرة عن ~~أبي سعيد الخدري قال: وذكره. PageV02P063 # والعباد يحمدون على أن يرخصوا الأسعار، ويذمون إذا أغلوها". وروي عنه أنه ~~مر على جنازة رجل من الأنصار فقال: "اللهم نقه من الذنوب والخطايا كما تنقي ~~الثوب الأبيض من الدنس" (¬1) ، والعباد هم الذين يقصرون الثياب، وأضاف رسول ~~الله ذلك إلى الله كما ترى؛ لأنه المقدر لذلك، والمجرى له على أيدي العباد. # ¬__________ # (¬1) الحديث رواه ابن ماجه في كتاب الجنائز، 23 باب ما جاء في الدعاء في ~~الصلاة على الجنازة، عن حبيب بن عبيد عن عوف بن مالك قال: وذكره. ورواه ~~الإمام مسلم في كتاب الجنائز، 26 باب الدعاء للميت في الصلاة (85)، 963 ~~بسنده عن عوف بن مالك أيضا وذكره. PageV02P064 # ومن الآثار: ما روي عن علي بن أبي طالب أنه سئل عن الأفعال التي يستوجب ~~بها العباد السخط من الله، الشيء من الله أم من العباد؟ فقال: من الله خلقا ~~ومن العباد فعلا. وروي عن حذيفة بن اليمان (¬1) _رضي الله عنه_ أنه قال: إن ~~الله خلق كل صانع وصنعته. وروي عن ابن عباس _رضي الله عنه_ أنه قال: العجز ~~والكيس بقدر، وهما فعل العباد يحمدون به ويذمون عليه، وروي عن ابن عباس ~~أيضا أنه قال: الزنا بقدر، وشرب الخمر بقدر، والسرقة بقدر. وقد روي: جرى ~~القلم بذلك عن عدة من أصحاب رسول الله. وروي ms209 عن وهب (¬2) # ¬__________ # (¬1) هو حذيفة بن حسل بن جابر العبسي، أبو عبد الله، صحابي من الولاة ~~الشجعان الفاتحين، كان صاحب سر النبي _صلى الله عليه وسلم_ في المنافقين، ~~لم يعلمهم أحد غيره، ولما ولي عمر الخلافة سأله: أفي عمالي أحد من ~~المنافقين؟ فقال: نعم، واحد، قال: من هو؟ قال: لا أذكره. وحدث حذيفة بهذا ~~الحديث بعد حين، فقال: وقد عزله عمر وكأن الله قد دله عليه. وولى عمر حذيفة ~~على المدائن بفارس، فلما قدم المدائن، استقبله أهلها، فقرأ عهده، فقالوا: ~~سلنا ما شئت، فطلب ما يكفيه من القوت. له في كتب الحديث 225 حديثا، توفي ~~بالمدائن عام 36 ه. راجع ابن عساكر 4: 93، وتهذيب التهذيب 2: 219، والإصابة ~~1: 317، وصفة الصفوة 1: 249. # (¬2) هو وهب بن منبه الصنعاني، أبو عبد الله، مؤرخ، كثير الأخبار عن ~~الكتب القديمة، عالم بأساطير الأولين ولا سيما الإسرائيليات، يعد في ~~التابعين، أصله من أبناء الفرس الذين بعث بهم كسرى إلى اليمن، وأمه من ~~حمير. ولد عام 34 ه، وتوفي عام 114 ه، ولاه عمر بن عبد العزيز، وينسب إليه: ~~"إذا دخلت الهدية من الباب، خرج الحق من الكوة". واتهم بالقدر، ورجع عنه. ~~ويقال: ألف فيه كتابا، ثم ندم عليه. وفي طبقات الخواص أنه صحب ابن عباس ~~ثلاث عشرة سنة. من كتبه: ذكر الملوك المتوجة من حمير. راجع ابن خلكان في ~~مجلد واحد..راجع المعارف 202، وتاريخ الإسلام للذهبي 5: 14 16، وشذرات ~~الذهب من 1: 150، ووفيات الأعيان 2: 180، وطبقات الخواص 161. PageV02P065 # بن منبه أنه قال: في بعض كتب الله: إني الله لا إله إلا أنا خالق الخير ~~والشر، فطوبى لمن خلقته ليكون الخير على يديه، وويل لمن خلقته ليكون الشر ~~على يديه. وروي عن أبي سعيد الخدري (¬1) أنه قال: من كذب بقدر الله كبه ~~الله في النار ورأسه أسفل. وروي عن أبي هريرة (¬2) أنه قال: من قال لا قدر ~~فاقتلوه. وروي عن عبد الله بن عمر _رضي الله عنه_ أنه قيل له: إن قبلنا ~~قوما يقولون لا قدر، فقال: أخبروهم أني منهم بريء. # ¬__________ # (¬1) هو سعد بن مالك ms210 بن سنان الدري الأنصاري الخزرجي، أبو سعيد، صحابي، ~~كان من ملازمي النبي _صلى الله عليه وسلم_، وروي عنه أحاديث كثيرة، غزا ~~اثنتي عشرة غزوة، وله 1170 حديثا، توفي بالمدينة عام 74 ه. راجع تهذيب ~~التهذيب 3: 479، وحلية ألأولياء 1: 369، وابن عساكر 6: 180. # (¬2) هو عبد الرحمن من بن صخر الدوسي، الملقب بأبي هريرة. كان أكثر ~~الصحابة حفظا للحديث ورواية له، قدم المدينة ورسول الله _صلى الله عليه ~~وسلم_ بخيبر، فأسلم سنة 7ه، ولزم النبي _صلى الله عليه وسلم_، فروي عنه ~~5374 حديثا، جمع شيخ الإسلام تقي الدين السبكي جزءا سمي "فتاوى أبي هريرة". ~~توفي عام 59 ه. راجع تهذيب التهذيب 2: 270، وحلية الأولياء 1: 376، ~~والذريعة 7: 114. PageV02P066 # ومن الإجماع أن هذه الأمة قويها وضعيفها، صغيرها وكبيرها مجمعة على أن ~~الله خالق وما سواه مخلوق، وأنه رب وما سواه مربوب، لا يقصدون إلى شيء دون ~~شيء، ولا يوقف صغير ولا كبير على شيء غير الله، ويمتنعون من القول بأن الله ~~خلقه، ولا يعرفون غير ذلك، ولا يدعون إلى سواه، قد نشوا عليه، وغذوا به، لا ~~تنازعهم أنفسهم إلى غيره، فكان ذلك من إجماع من لم ينظر في الكلام دلالة ~~على أنه أصل من أصول التوحيد. وروي عن قتادة (¬1) أنه قال: ما زالت العرب ~~تثبت القدر في الجاهلية والإسلام، وأنشدوا قول امرئ القيس (¬2) حيث يقول: # ... قد كنت أعذل في السفاهة أهلها ... ... وأعجب لما تأتي به الأيام # ... فاليوم أعذرهم وأعلم أنها ... ... سبل الغواية والهدى أقسام (¬3) # ¬__________ # (¬1) هو قتادة بن دعامة بن قتادة، أبو الخطاب السدوسي البصري، مفسر، ~~حافظ، ضرير، أكمه. قال الإمام أحمد بن حنبل: قتادة أحفظ أهل البصرة. وكان ~~مع علمه بالحديث رأسا في العربية، ومفردات اللغة، وكان يرى القدر، وقد يدلس ~~في الحديث. مات بواسط في الطاعون عام 118ه. راجع تذكرة الحفاظ 1: 115، ونكت ~~الهميان 230، والمعارف 203، وطبقات المدلسين 16. # (¬2) هو امرؤ القيس بن حجر بن الحارث، من بني آكل المرار، أشهر شعراء ~~العرب على الإطلاق، يماني الأصل، اشتهر بلقبه، واختلف المؤرخون في اسمه. ~~وكان أبوه ملك أسد وغطفان، وأمه أخت المهلهل ms211 الشاعر. أبعده أبوه إلى دمون ~~بحضرموت وهو في نحو العشرين من عمره. قتل والده، فعمل على الأخذ بثأره، له ~~ديوان مطبوع. راجع تهذيب ابن عساكر 3: 104، والشعر والشعراء 31، ودائرة ~~المعارف الإسلامية 2: 622. # (¬3) جاءت الأبيات في كتاب العقد الفريد، تحقيق الأستاذ محمد سعيد ~~العريان، ط الرسالة، ونسبها إلى الشاعر امرئ القيس 3: 250. PageV02P067 # وأنشدوا للبدوي (¬1) : # ... كل شيء حتى أخوك متاع ... ... وبقدر تفرق واجتماع # وقال المرار (¬2) : # ... ومن سابق الأقدار إذ دانت به ... ... ومن نائل شيئا إذا لم يقدر # وقال جميل (¬3) : # ... أقدر أمرا لست أدري أنا له ... ... وما يقدر الإنسان والله قادر # ¬__________ # (¬1) هو أبو بكر بن عبد الله بن محمد بن أحمد، أبو البقاء، تقي الدين ~~الدمشقي، أديب عارف بالتاريخ والشعر، ولد بدمشق عام 847 ه، وسكن القاهرة، ~~ومات بغزة عائدا من الحج عام 894 ه. من كتبه: "غرر الصباح في وصف الوجوه ~~الصباح"، وديوان شعر، وسحر العيون. راجع الضوء اللامع من 11: 41، وكشف ~~الظنون 1941. # (¬2) لعله المرار بن سعيد بن حبيب الفقعسي، أبو حسان، شاعر إسلامي من ~~شعراء الدولة الأموية. وهو القائل: # ... إذا افتقر المرار لم ير فقره ... ... ... وإن أيسر المرار أيسر صاحبه # نسبته إلى فقعس من بني أسد بن خزيمة. قال المرزباني عنه: كان كثير الشعر. ~~ويقول الشيخ أحمد شاكر في تحقيقه لكتاب الشعر والشعراء: المرارون من ~~الشعراء سبعة: المرار الفقعسي، والمرار العدوي، والمرار العجلي، والمرار ~~الطائي، والمرار الشيباني، والمرار الكلبي، والمرار الحرشي. راجع خزانة ~~للبغدادي من 2: 196، والشعر والشعراء من 680 683. # (¬3) هو جميل بن عبد الله بن معمر العذري القضاعي أبو عمرو، شاعر من عشاق ~~العرب، افتتن ببثينة من فتيات قومه، فتناقل الناس أخبارهما، شعره يذوب رقة، ~~أقل ما فيه المدح، وأكثره في النسيب والغزل والفخر، وفد على عبد العزيز بن ~~مروان بمصر فأكرمه عبد العزيز وأمر له بمنزل فأقام قليلا ومات فيه، ولعباس ~~محمود العقاد: "جميل بثينة". راجع ابن خلكان 1: 115، وابن عساكر 3: 395، ~~والآمدي 72، والشعر والشعراء 166، وخزانة البغدادي 1: 191. PageV02P068 # وقال ابن الأحمر (¬1) : # ... شربنا وداوينا وما كان ضرنا ... ... إذا الله حم القدر إلا تداويا (¬2) # وقال الراعي (¬3) : # ... وهن يحاذرن ms212 الردى أن يصيبني ... ... ... ومن قبل خلقي خط ما كنت لاقيا # ¬__________ # (¬1) هو عمرو بن أحمر بن العمرد بن عامر الباهلي أبو الخطاب، شاعر مخضرم، ~~عاش نحو 90 عاما، من شعراء الجاهلية، وأسلم وغزا مغازي في الروم، وأصيبت ~~إحدى عينيه، ونزل بالشام مع خيل خالد بن الوليد، حين وجهه إليها أبو بكر، ~~ثم سكن الجزيرة، وأدرك أيام عبد الملك بن مروان، له مدائح في عمر وعثمان ~~وعلي وخالد، لم يلق أبا بكر، وهجا يزيد بن معاوية فطلبه يزيد ففر منه. عده ~~ابن سلام من الطبقة الثالثة من الإسلاميين، ومن محاسن شعره: # ... متى ما تطلب المعروف في غير أهله ... ... ... تجد مطلب المعروف غير يسير # ... إذا أنت لم تجعل لعرضك جنة ... ... من الذم سار الذم كل مسير # توفي عام 65 ه. راجع خزانة الأدب للبغدادي 3: 38، وابن سلام 129، ~~والإصابة ت 6468، والآمدي 37، والشعر والشعراء 129، وجمهرة أشعار العرب 158. # (¬2) راجع الشعر والشعراء 1: 317، وآمال المرتضى 1: 370. # (¬3) هو عبيد بن حصين بن معاوية بن جندل النميري أبو جندل: شاعر من فحول ~~المحدثين، كان من جلة قومه، ولقب بالراعي لكثرة وصفه الإبل، وكان بنو نمير ~~أهل بيت وسؤدد، وقيل: كان راعي إبل من أهل بادية البصرة، عاصر جرير ~~والفرزدق، وكان يفضل الفرزدق، فهجاه جرير هجاء مرا، وهو من أصحاب الملحمات، ~~وسماه بعض الرواة "حصين بن معاوية". ومن بديع ما أورده المبرد من شعره. # ... قتلوا ابن عفان الخليفة محرما ... ... ... ودعا فلم أر مثله مخذولا. # ... فتفرقت من بعد ذاك عصاهم ... ... ... شققا وأصبح سيفهم مفلولا # توفي عام 90 ه. راجع الأغاني 20: 168، وجمهرة أشعار العرب 172، وشرح ~~الشواهد 116، وابن سلام 117، وخزانة البغدادي 1: 504، والشعر والشعراء 156. PageV02P069 # وقال التغلبي (¬1) : # ... لعمرك ما يدري الفتى كيف يتقي ... ... إذا هو لم يجعل له الله واقيا (¬2) # وقال الشماخ (¬3) : # ... وإني عداني عنكما غير ماقت ... ... ... نواران مكتوب علي بقاهما (¬4) # ¬__________ # (¬1) هو صريم بن معشر بن ذهل بن تميم، من بني تغلب، شاعر جاهلي، يماني ~~الأصل. مات في بادية الشام نحو 60 ق ه، لقب بأفنون لقوله في أبيات: "إن ~~للشبان أفنونا". راجع شرح شواهد المغني ms213 54، ورغبة الآمل 1: 52، والشعر ~~والشعراء 159، وشعراء النصرانية 192. # (¬2) راجع الشعر والشعراء 1: 382. وفيه: "ما يدري امرؤ" بدلا من قوله ~~"الفتى". # (¬3) هو الشماخ بن ضرار بن حرملة بن سنان الذبياني الغطفاني، شاعر مخضرم، ~~أدرك الجاهلية والإسلام، وهو من طبقة لبيد والنابغة، جمع بعض شعره في ديوان ~~ثم طبع، شهد القادسية، وتوفي في غزوة موقان عام 22 ه. قال البغدادي وآخرون: ~~اسمه معقل بن ضرار، والشماخ لقبه. راجع الإصابة، الترجمة 3913، والأغاني 8: ~~97، وخزانة البغدادي 1: 526، والتبريزي 3: 65. # (¬4) راجع ديوان الشماخ ص 88، ط القاهرة 1327 ه. PageV02P070 # مكتوب: أي مقدر، علي بقاهما طلابهما في شعر كثير جاهلي وإسلامي، وإنما ~~غلطت المعتزلة في نفي خلق أفعال العباد من حيث غلطت الجهمية، وأصناف ~~المجبرة في إثبات الجبر للعباد، وأوتي على الفريقين جميعا من قبل غلطهم في ~~جهات الفعل، وجهلهم بها؛ وذلك أن المعتزلة قالت: لما ثبت حمد الله على ~~الفعل وذمه، ووصف الفاعل بالاختيار له ثبت أنه فعله، وبطل أن يضاف إلى ~~غيره؛ لأنه غير متجز، وغير جائز أن يكون فعلا من فاعلين. وقالت الجهمية ~~(¬1) : لما كانت الأعمال بمعانيها التي هي بها من اختلاف ما اختلف منها، ~~واتفاق ما اتفق، وثبت عجز العباد عنها من هذه الوجوه أن تكون لهم فعلا بطل ~~أن تكون للعباد فعلا بوجه من الوجوه؛ لأن الفعل غير متجزئ، ولا يجوز أن ~~يكون مضافا إلى فاعلين، فغلط أهل الجبر، ولم ينظروا إلى ما ثبت من الحمد ~~والذم، والأمر والنهي، والاختيار للفعل المفعول عن المتروك، وغلط أهل القدر ~~حين لم ينظروا إلى ما ثبت من عجز العباد عن أن يجعلوا أفعالهم على ما هي به ~~من كيفيتها، وأعيانها من اختلاف ما اختلف منها واتفاق ما اتفق، وفي غلط ~~الفريقين فيما غلطوا فيه دليل على أن الفعل من جهة عجز الفاعل عنه، ونفى أن ~~تكون له فيه قدرة عليه خلق الله، وأنه من جهة ما يثبت قدرة الفاعل عليه ~~واختياره، وإجازة الإضافة به إليه فعله. # ¬__________ # (¬1) كتبت كلمة عن الجهمية في ص 105 الآتية. ويراجع نشأة الآراء والمذاهب ~~والفرق الكلامية ms214 1: 175، والمقالات 1: 312، والفرق بين الفرق ص 211، ~~والتبصير ص 64. PageV02P071 # ... ومسائل القدر وجواباتهم لأصحاب المخلوق مسائل أصحاب المخلوق ~~وجواباتهم للمجبرة (¬1) ، ومسائل المجبرة وجواباتهم لأصحاب المخلوق مسائل ~~أصحاب المخلوق وجواباتهم للقدرية، وعبارة كل واحد من الفريقين هي عبارة ~~أصحاب المخلوق للفريق الآخر. # وأنت حفظك الله إذا قابلت بين هذه الجوابات وبين هذه المعارضات عرفت ~~تظالم القوم، وعجزهم عن معرفة ما يلزمهم، وكل واحد ما دل الله به على ~~ربوبيته ووحدانيته في إحداثه الأشياء وخلقه لها، فهو دلالة على ربوبيته ~~ووحدانيته في إحداثه الأفعال وخلقه لها، وكل ما دل على عجز الخلق على ~~القيام بنفسه، وعلى حاجة بعضه إلى بعض، وعجز جميع ذلك كله عن القيام بنفسه ~~دون مقيمه، وحاجة جميعه إلى محوجه فهو دلالة على عجز الأفعال عن القيام ~~بنفسها، وحاجتها إلى من يقوم بها، وذلك كله دلالة واضحة، وحجة بالغة على أن ~~الله معجز جميع ذلك، ومحوجه، ومقيمه، ومدبره، وخالقه، وكل ما دللنا به على ~~إثبات حدوث الأشياء وإيجاب خلقها، والنقض على أهل الإلحاد في صدر السفر ~~الأول من الكتاب، فهو دلالة على خلق الأفعال، لما كانت الأفعال داخلة في ~~جملة الأشياء، وجملة الأشياء مشتملة على الأفعال، وكل ذلك نقض على القدرية ~~فيما أتوا من ذلك. ولو تتبعت هذا الباب دليلا من كتاب الله عز وجل، ومن سنة ~~نبيه _صلى الله عليه وسلم_، ومن آثار الأئمة، ومن إجماع الأمة، وشاهد ~~القياس الذي لا تزور شهادته، ولا تجرح عدالته لكان بذلك شغلا عما سواه. # ¬__________ # (¬1) الجبرية عدها من الفرق كل من البغدادي في كتابه "الفرق بين الفرق"، ~~يذكرهم بأسماء فروعهم من الجهمية والبكرية والضرارية والنجارية ص 211، 213. ~~وكذلك يفعل الاسفراييني في التبصير من 107 110. ويذكرهم باسمهم العام ~~الرازي في كتابه: "اعتقاد فرق المسلمين"، ويقول: والمعتزلة يسمون أصحاب هذا ~~الرأي: الجبرية والمجبرة ص 103 106. PageV02P072 # وقد قال الله عز وجل: (ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من ~~بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله) (¬1) التي جعلها دالة على ربوبيته، ~~وشهادات على وحدانيته، وقال عز ms215 وجل: (وما أوتيتم من العلم إلا قليلا) (¬2) ~~لما كان علم الخلق ذا نهاية، ألا ترى إلى قوله: (وفوق كل ذي علم عليم) (¬3) ~~فجعل نهاية علم كل عالم علم عليم فوقه، حتى ينتهي العلم إلى العليم الذي لا ~~فوقه عليم، فالناظر بعين الاستغراق (¬4) إلى العلم، واللاحظ له بلحظ ~~الاستفراغ ناظر في تأهيل عين الشمس، فعند ذلك ينقلب إليه بصره خاسئا، ويرجع ~~إليه عقله حسيرا، وفهمه كليلا، وكاللاطم بجهله أمواج البحر، والممارس بضعفه ~~قوى عواصف الرياح، وهيهات هيهات متى يدرك ما لا يدرك، مما وقع به مرارة ~~اليأس، وانقطعت دونه سبل الأوهام، وأنه بينه وبين مرام ذلك حيرة الحكماء، ~~وبهت العلماء، ووهن التقصير، وهو إنما خوطب ببعض أجزاء المعلوم من المنظور ~~إليه والمشهود، وهو عما يرى محجوب. # باب القول في إدارة الله عز وجل هل هي صفة لله في ذاته أم فعل من أفعاله؟ ~~والنقض على من قال بغير الحق في ذلك # ¬__________ # (¬1) الآية 27 من سورة لقمان. # (¬2) الآية 85 من سورة الإسراء. # (¬3) الآية 76 من سورة يوسف. # (¬4) استغراق الحد: شموله لجميع الأفراد، بحيث لا يخرج منها شيء. مثال ~~ذلك: أن استغراق الموضوع في القضايا الكلية استغراق كلي، وفي القضايا ~~الجزئية استغراق جزئي، وفي القضايا السالبة استغراق كلي. والاستغراق عند ~~المتصوفين ألا يلتفت قلب الذاكر إلى الذاكر في أثناء الذكر، ولا إلى القلب. ~~وأول شروط التصوف كما قال الغزالي: تطهير القلب بالكلية عما سوى الله، ~~ومفتاحه القلب بالكلية بذكر الله. راجع المنقذ من الضلال ص 106. PageV02P073 # قالت المعتزلة كلها إلا إبراهيم (¬1) النظام إن الإرادة من الله فعل من ~~أفعاله، وهي عين الأمر بالطاعة، فإذا أحدث الإرادة للإيمان أمر بالإيمان، ~~ولا يجوز أن يكون يأمر بالشيء وهو غير مريد له، فإذا أراد أمر به، فالإرادة ~~عين الأمر. # ¬__________ # (¬1) هو إبراهيم بن سيار بن هانئ البصري، أبو إسحاق النظام، من أئمة ~~المعتزلة. قال الجاحظ: الأولون يقولون في كل ألف سنة يوجد رجل لا نظير له، ~~فإن صح ذلك فأبو إسحاق من أولئك. تبحر في علوم ms216 الفلسفة، واطلع على أكثر ما ~~كتبه رجالها، رئيس فرقة من المعتزلة، سميت النظامية نسبة إليه. وفي كتاب ~~الفرق بين الفرق: أن النظام عاشر في شبابه السمنية، وخالط ملاحدة الفلاسفة، ~~وأخذ عن الجميع. وفي لسان الميزان أنه متهم بالزندقة. توفي عام 231 ه. راجع ~~تاريخ بغداد 6: 97، وللباب 3: 230، وخطط المقريزي 1: 346. PageV02P074 # وقال إبراهيم النظام: الإرادة (¬1) من الله فعل، وهي على ثلاثة أوجه: ~~إرادة الأمر، وإرادة حكم، وإرادة ثواب، فعلى هذا إنه لا حق بهم؛ حيث زعم أن ~~الإرادة من فعل الله فعل، ونفى أن تكون الإرادة صفة ذات. # ¬__________ # (¬1) قال المتكلمون: إنها صفة تقتضي رجحان أحد طرفي الجائز على الآخر، لا ~~في الوقوع بل في الإيقاع. وقال في شرح المواقف: الإرادة من الكيفيات ~~النفسانية. فعند كثير من المعتزلة: هي اعتقاد النفع أو ظنه. قالوا: إن نسبة ~~القدرة إلى طرفي الفعل على السوية، فإذا حصل اعتقاد النفع أو ظنه في أحد ~~طرفيه ترجح على الآخر عند القادر، وأثرت فيه. وعند الأشاعرة هي صفة مخصصة ~~لأحد طرفي المقدور بالوقوع في وقت معين، والميل المذكور ليس إرادة، فإن ~~الإرادة بالاتفاق صفة مخصصة لأحد المقدورين بالوقوع. راجع كشاف اصطلاحات ~~الفنون 3: 32 36. PageV02P075 # فقولنا إن إرادة الله عز وجل صفة في ذاته واجبه له؛ لأن الاستكراه عن ~~الله منفي، لا يجوز أن يوصف به في حين من الأحيان، كما لا يجوز أن يوصف ~~بالضعف، ولا بالعجز، ولا بالجهل، فلما بطل الوصف لله بالاستكراه كما بطل ~~الوصف له بما ذكرنا كان لكل ضد من هذه الأضداد المنفيات عن الله لفظ به ~~أزال العباد عنه ضد ذلك اللفظ، فأزالوا الجهل بقولهم : عالم لم يزل، ~~وأزالوا الضعف بقولهم: قوي لم يزل، وأزالوا العجز بقولهم: قدير لم يزل، ~~والذل بقولهم: عزيز لم يزل، وكذلك مريد لم بزل صفة ينفي بها الاستكراه عن ~~الله عز وجل، ومع هذا فإنا لا ننكر أن يقال: إن الله أراد طاعته من عباده ~~على معنى أمرهم بها، ودعاهم إليها، وليس ذلك بصفة له في ذاته التي هي نفي ms217 ~~الاستكراه عنه، وليس يجوز أن تكون إرادة الله هي المراد، ولو كانت الإرادة ~~هي المراد لكان العلم هو المعلوم، والقدرة هي المقدور عليه، والعزة هي ~~المتعزز عليه، وفي فساد أن يكون العلم هو المعلوم، وسائر هذه الصفات ما يدل ~~على أن الإرادة غير المراد، فلما كان جميع فعل الله مرادا له أن يكون كما ~~أراد بطل أن يكون شيء منه إرادة لله عز وجل، وثبت أن إرادته صفة ذاته ~~_تعالى عن أن يكون مستكرها أو مغلوبا_. PageV02P076 # فإن قال قائل: فهل تصفونه لم يزل بأنه مريد؟ قلنا: نعم، فإن قالوا: ومعنى ~~مريد عندكم نفي الكره، وليس الأزل بموضع فعل فينفي فيه الكره، قلنا: إن ~~الكره لا يتقدم الوقت الذي يكون فيه الفعل، كما لا يتقدم الجهل الوقت الذي ~~يكون فيه المعنى المعلوم، فنفى أن يكون في الأزل مالا يكون، وكذلك ينفي في ~~الأزل أن يكون مع الله خالق يستكرهه، أو يحدث له مانعا يكون من أجله ~~مستكرها على ما يكون من فعله. وهذا الذي ذكرنا من النفي ومثله نفي عن الذات ~~أن تكون موصوفة بهذه المعاني التي نفيناها من الجهل والضعف والاستكراه فقط، ~~لا على أن هنالك أشياء موجودة تنفي الله عز وجل، فإن قال: فإذا كان لم يزل ~~مريدا لأن تكون الأشياء، فلم لا كانت الأشياء لم تزل؟ قيل له: ليست العلة ~~في أن كانت الأشياء هي أن كان الله مريدا، ولو كانت لأنه كان مريدا، ما ~~كانت الأشياء مختلفة، إذ الإرادة غير موصوفة بالاختلاف، ولكن العلة في أن ~~كان كل شيء من الأشياء كلها علة أخرى من الأشياء، فالأشياء بعضها علة لبعض، ~~وغير جائز أن يقال: إن لها علة في أن كان جميعها. PageV02P077 # ومسألة السائل في لم كانت الأشياء لا تخرج؟ منواله أن يكون أراد أن يجعل ~~لها علة غير الأشياء، وغير المكون لها. وهذا محال؛ لأنه لا شيء يخرج من ~~الأشياء، أو أن يكون حاول أن يجعل الصانع علة في أن كانت الأشياء، فيثبت ~~قدم الأشياء لقدم العلة، ms218 أو يزعم أن الصانع الذي هو علة في أن كانت الأشياء ~~محدثة مصنوعة. فكل هذا فاسد، فيبطل سؤال السائل عن العلة في أن كانت ~~الأشياء لما ذكرنا، وصح أنه إن سأل عن شيء بعينه لم كان، أن يقال له: لعلة ~~كذا، فالأشياء بعضها علة بعض، مع أننا نقول في أصل قولنا: إن الله لم يزل ~~مريدا لأن تكون الأوقات؟ قلنا: نعم، فإن قال: فما بال الأوقات لم تك لم ~~تزل؟ قلنا: لأنه أراد أن تكون الأوقات أوقاتا للأشياء الكائنات فيها، وأراد ~~أن تكون الأشياء إذا كانت الأوقات، فبطل قوله في أزلية الأوقات للأشياء ~~الكائنات في الأوقات، كما أننا نقول نحن ومن خالفنا: إن الله لم يزل يعلم ~~الأشياء، ولم يزل قادرا على كون الأشياء والأوقات، وغير جائز أن يقال: إن ~~الأشياء الكائنات في الأوقات لم تزل. PageV02P078 # فإن قال قائل: هل أراد الله أن يعصى؟ قيل له: إن كنت تريد أراد الله أن ~~يعصى بمعنى أمر بالمعصية فلا، بل أراد الله أن يطاع بهذا المعنى، وإن كنت ~~تريد أراد المعصية أي جعلها خلافا للطاعة، غير مستكره على أن تكون المعصية ~~من العصاة والكفر من الكافرين، فهذا ما نقول، فالإرادة في هذا الموضع نفي ~~الكره، فلما نفى عنه الكره في المعصية من طريق إضافتها إلى العباد، قلنا: ~~يستحيل أن ينفي الكره عنه في فعل غيره، والجائز أن ينفي عن الفاعل الكره في ~~فعله. فلما كانت المعصية مضافة إلى الله أنه خلقها وجعلها خلافا لما خالفها ~~من الأشياء، وجعلها غير محتملة للبقاء ولا متجلية للعيان كان الله موصوفا ~~بأنه مريد لها من جهة ما أضيفت إليه أنه خلقها كذا، وهو غير مستكره على أن ~~يخلقها كذا، ولما كان غير جائز أن تضاف إلى الله من جهة ما أضيفت إلى ~~العباد بطل أن يوصف بالإرادة لها من جهة ما أضيفت إلى العباد، ففسد لهذه ~~العلة أن يقال: إن الله أراد أن يعصى، وجاز أن يقال: إن الله أراد المعصية ~~من جهة أن خلقها. PageV02P079 # فإن ms219 قال: فهل أراد الله الطاعة (¬1) من العاصين؟ قلنا: قد أنبأنا بأنه قد ~~يقال: إن الله أراد الطاعة بمعنى أمر بها، أو كنت تذهب بقولك أراد الطاعة ~~ممن لا تكون الطاعة كائنة منه في علم الله، فالله عز وجل غير موصوف بأنه ~~مريد لكون الطاعة منه، وهي غير كائنة؛ لأنه لا ينفي عنه الكره فيما لا ~~يكون، كما كان مستحيلا أن ينفي عنه الجهل فيما لا يكون. ومما يدل على صحة ~~ما قلنا في أنه لا يكون شيء إلا والله لأن يكون بما هو به شاء مريد، قول ~~الله عز وجل: (وما تشاءون إلا أن يشاء الله) (¬2) ، وقوله: (ولو شاء الله ~~ما أشركوا) (¬3) ، وقوله: (ولو شاء ربك ما فعلوه) (¬4) ، وقوله: (ولو شاء ~~الله ما اقتتلوا) (¬5) يقول: لو كان موصوفا بالمشيئة لأن يكون الاتفاق ما ~~اختلفوا، يقول: لا يكون أن يكون الله منفيا عنه الكره في كون شيء من ~~الأشياء إلا وذلك الشيء مما يكون، وقال: (ولو أننا نزلنا إليهم الملآئكة ~~وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء ~~الله) (¬6) # ¬__________ # (¬1) الطوع: الانقياد، ويضاده الكره، قال تعالى: (ائتيا طوعا أو كرها(، ~~والطاعة مثله؛ لكن أكثر ما تقال في الائتمار لما أمر، والارتسام فيما رسم، ~~قال تعالى: (ويقولون طاعة(، وقال: (طاعة وقول معروف) أي أطيعوا. والتطوع في ~~الأصل: تكلف الطاعة، وهو في التعارف التبرع بما لا يلزم كالتنفل، قال ~~تعالى: (فمن تطوع خيرا فهو خير له(. # (¬2) الآية 30 من سورة الإنسان. # (¬3) الآية 107 من سورة الأنعام. # (¬4) الآية 112 من سورة الأنعام. # (¬5) الآية 253 من سورة البقرة. # (¬6) الآية 111 من سورة الأنعام.. PageV02P080 # يقول: لا يكون أن يكونوا مختارين للإيمان قاصدين إليه ولو نزلت عليهم ~~الملائكة، وكلمهم الموتى، وحشرنا عليهم كل شيء قبلا، وما كانوا ليؤمنوا ~~ليختاروا الإيمان، والله غير موصوف بأنه يكون شائيا مريدا، كما لا يكون أن ~~يكونوا مختارين للإيمان قاصدين إليه، والله يكون غير موصوف بأنه عالم بذلك، ~~فإن قال قائل إنما قوله: (ولو شاء الله ما ms220 اقتتلوا) (¬1) يقول: لو شاء الله ~~أن يضطرهم على الإيمان فلا يختلفون، قيل له: لو كان إنما أراد أنه لو شاء ~~اضطرهم على الإيمان لكانوا إذن مضطرين على الفعل، كانوا غير موصوفين بأنهم ~~مؤمنون؛ لأنه لا يجوز أن يكون مؤمنا من كان مستعملا في فعله، مضطرا عليه، ~~لإبطال وجود الكسب عمن اضطر على فعل من الأفعال. ويقال للمعتزلة في قولهم: ~~إن الإرادة من الله فعل يفعله، وهو عين الأمر بالطاعة، فإذا أحدث الإرادة ~~لشيء فعله، وإذا أحدث الإرادة للإيمان أمر بالإيمان، ولا يجوز أن يكون يأمر ~~بالشيء، وهو غير مريد له، فإذا أراده أمر به، فالإرادة غير الأمر. ويقال ~~لهم: أرأيتم الإرادة لخلق ما خلق من الخلق، هل هي غير خلقه له؟ فقالوا: لا، ~~ولكن الإرادة لأن يخلق الخلق هي خلقه له، فقيل لهم: إذا كانت العلة في ~~إرادته الإيمان أنها عين الأمر به هي أنه لا يكون أن يأمر به إلا وقد ~~أراده، فكذلك يلزمكم في أنه لا يخلق شيئا من الخلق إلا وقد أراده، فالإرادة ~~متقدمة للخلق، كما كانت في الإيمان متقدمة للأمر به، وقد قال الله عز وجل ~~ما يؤكد أن الإرادة غير الخلق لقوله: (إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول ~~له كن فيكون) (¬2) # ¬__________ # (¬1) سورة البقرة آية رقم 253. # (¬2) الآية 40 من سورة النحل.. PageV02P081 # فدل أن القول منه لأن يكون الشيء بعد الإرادة منه له، وفي إيجاب إقراركم ~~أن الإرادة من الله للإيمان غير الأمر به، لما اعتللتم به من أنه لا يأمر ~~به وقد أراده ما يقضي عليكم أن الإرادة من الله لأن يخلق الأشياء غير الخلق ~~للأشياء؛ لأنه لا يخلق إلا ما أراد، فالإرادة قبل خلق له. # وهذا الذي قلنا به في الإرادة هو قول الإباضية (¬1) والزيدية (¬2) ~~والمرجئة (¬3) والعامة، وما عليه صدر الإسلام، بنقلهم الجملة التي ~~يتوارثونها عن الماضين من الأسلاف: "إن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم ~~يكن". تبارك الله رب العالمين. # باب القول في العدل (¬4) وفي إثبات العدل. # والرد على من ms221 قال بغير الحق في ذلك. # ¬__________ # (¬1) سبقت الترجمة عن هذه الفرقة في هذا الجزء ص 20. # (¬2) أنظر الترجمة عن هذه الفرقة في هذا الجزء ص 94. # (¬3) سبقت الترجمة عن هذه الفرقة في هذا الجزء ص 21. # (¬4) العدل: خلاف الجور. يقال: عدل عليه في القضية فهو عادل، والعدل ~~ضربان: مطلق يقتضي العقل حسنه، ولا يكون في شيء من الأزمنة منسوخا، نحو ~~الإحسان إلى من أحسن إليك، وعدل يعرف كونه عدلا بالشرع، ويمكن أن يكون ~~منسوخا في بعض الأزمنة، كالقصاص، وأرش الجنايات، قال تعالى: (فمن اعتدى ~~عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) (سورة البقرة آية 194). ويقال: ~~فلان يعادل هذا الأمر إذا ارتبك فيه ولم يمضه. # قال الشاعر: # ... إذا الهم أمسى وهو داء فامضه ... ... فلست بمضيه وأنت تعادله # راجع بصائر ذوي التمييز 4: 30. PageV02P082 # ... قالت الجهمية ومن ضارعهم من أهل الجبر: لما ثبت عجز العباد عن أن ~~يجعلوا حركاتهم وسكونهم بغير ما هي به من الوجود في وقت، ثم لا يوجد في ~~غيره، وتثبت قدرة الله على ذلك، وإضافة حركات العباد وسكونهم إلى الله ~~بالتقدير لها، والخلق لذلك، والتدبير له، ثبت أن حركاتهم وسكونهم فعل الله ~~من جميع الجهات، وأنها ليست بفعل لأحد غير الله بمعنى من المعاني، وزعموا ~~أن الله عذب الخلق على ما فعل، لا على ما فعلوا هم، وكل ما كان من فعل فهو ~~فعل الله في الحقيقة، وهو مضاف إلى الإنسان، مثل قولك: طلعت الشمس، وهبت ~~الريح، ومات فلان، واستدلوا على ذلك، زعموا أنهم لما وجدوا الله فعالا ~~للأشياء لا من شيء، ومن صفته الفعال، فلن يجوز أن يوافق الله أحد في صفته؛ ~~لأن الفعال هو الخلاق، ولا يجوز أن يكون الخلاق غير الله، فأهل النار في ~~النار يألمون على غير فعل فعلوه، وأهل الجنة يتلذذون على غير فعل فعلوه، ~~وإنما هو أن الله أعطاهم. وغلطوا من طريق ما غلط فيه أهل القدر في إزالتهم ~~الخلق عن فعل العباد؛ وذلك أنهم قالوا: لما ثبت النهي من الله عن معصيته، ~~والأمر بطاعته، وثبت أن ms222 للعباد القدرة على أن يتحركوا ويسكنوا ثبت أن ~~التحرك والسكون هو فعلهم، وإذا ثبت أنهما من فعلهم فلن يجوز أن يضافا إلى ~~أحد سواهم بجهة من الجهات، ولا بمعنى من المعاني، وغلطت الجهمية وأصناف ~~المجبرة، كما غلطت القدرية، وقد ذكرنا في باب إثبات القدر. PageV02P083 # وقال أهل الحق: إن الله قدر جميع الأفعال وخلقها، وقضاها من فاعليها، ~~ولسنا نقول: إنه جبر أحدا على ما كان منه من طاعة أو معصية، ولا نقول: إن ~~أحدا أوتي في شيء من التقصير عن طاعة ربه من قبل الله في تقديره لما كان من ~~فعله ولا قضائه، ولا علمه أنه سيكون منه، والجبر منع واستكراه، ولم نر أحدا ~~من العالمين للطاعة والمعصية مستكرهين على شيء من فعلهم، وهم لكل ما فعلوه ~~من ذلك مريدون، ولجميع ما أتوا من الفعل المفعول عن المتروك مختارون، وإليه ~~قاصدون، فبطل بذلك قول جهم ومن قال بقوله من أصناف المجبرة. # ... ونحن سائلوهم فنقول لهم: ما وجه الحكمة من الله في أمره لمن أمر من ~~عباده، أو نهيه لمن نهاه منهم؟ إذا كان القول عندكم في الأفعال على معنى ما ~~ذكرتم من قول القائل: طلعت الشمس، وهبت الريح، ومات الرجل؟ فهلا أمر الشمس ~~ونهاها بالطلوع، والريح بالهبوب، والرجل بأن يموت، أو ينهى عن ذلك إذا كان ~~الأمر في جميع ذلك على ما قلتم؟ وفي إبطال الأمر في هذه الأشياء والنهي ~~عنها، وإثبات الأمر والنهي في غيرها من أفعال العباد ما يوجب التفرقة بين ~~ما سويتم بينه من ذلك، فهل تتفق التسوية بين الحكم إلا باتفاق العلل، وأما ~~إذا اختلفت العلل فلا. PageV02P084 # ... ثم يقال لهم: ما وجه الحكمة من الله في ذمه من ذم، وعذابه من عذب إذ ~~ليس له فعل؟ وهل يجوز تعذيب النبيين والمرسلين وغيرهم من المؤمنين على غير ~~فعل فعلوه، ويؤلمهم بالنار كما آلم من ذكرنا من أهلها على غير فعل فعلوه؟ ~~وما وجه حكمه على القاتل بقتله، والسارق بقطع يده، والزاني بجلده ورجمه، إذ ~~ليس لواحد منهم جرم ms223 فيما نسب إليه؟ وهل يجوز أن يحكم على هؤلاء بأحكامه ~~للمؤمنين، ويحكم للمؤمنين الصادقين عليه في صفته بمثل أحكامه على الكافرين ~~الكاذبين عليه من أهل عداوته؟ إذ ليس لواحد منهم فعل على الحقيقة، ويقال ~~لهم: أخبرونا عن المخالف لكم في المذهب من أهل القدر،وغيرهم، هل تصفونه ~~بالكذب على الله والخروج من دينه؟ فإن زعمتم ذلك أكذبتم أنفسكم بقولكم: إنه ~~ليس أحد بكاذب على الله ولا واصف له بما لا يجوز من ذلك؛ لأن الله هو ~~الكاذب على نفسه في قولكم، والواصف له بما يتعالى عنه من اتخاذ الصاحبة ~~والولد، وغير ذلك مما قاله فيه أصناف المشركين، فهو القائل لجميع ذلك في ~~الحقيقة في نفسه، لا أن أحدا منهم قائل ذلك ولا فاعل له، ويقال لهم: أكان ~~جائزا على الله تعالى في صفته وعدله وحكمته أن ينهي عن القبيح عما هو به من ~~القبح، ويأمره بأن يكون حسنا؟ وينهي القصير عن قصره، ويأمره بأن يكون ~~طويلا؟ والأعمى أن يكون بصيرا؟ وينهي البصير عن أن يكون بصيرا؟ فإذا أجازوا ~~الأمر بذلك، وأجازوا المحمدة فيه والمذمة عليه، أو يأمره أن يكون طويلا، ~~وأوجبوا في ذلك الثواب والعقاب، قيل: إذا جاز هذا فأنتم لا تدرون لعله يجوز ~~أن يتعبد الميت في حالة موته بالحياة، أو الحي بالموت، ثم يعاقب الميت على ~~أن لا يكون حيا، والحي على أن يكون ميتا، فإن تجاسروا على هذا قيل: أفجائز ~~أن يأمر بشيء ويذكر أنه طاعة، وينهي عن شيء ويذكر أنه معصية، ثم يعاقب على ~~طاعته ويثيب على معصيته؟ فإن زعموا أن ذلك جائز، قيل: فما وجه الأمر فيه ~~والنهي؟ أم كيف PageV02P085 يوصف هذا الفعل بأنه طاعة إذا جعل عليها عقابا؟ ~~أم كيف كانت المعصية معصية إذ جعل عليها ثوابا؟ فإن قالوا: لا يجوز أن ~~يعاقب على ما أمر به، ولا أن يثيب على ما نهى عنه، قيل: ولم وكلا الأمرين ~~فعله، والعاصي المعاقب المذموم، والمطيع المثاب المحمود لا فعل لهما في ~~الحقيقة يحمدان عليه أو يذمان؟ وإنما ms224 ذلك كله لله ومنه عز وجل عما يقول ~~المبطلون، مع ما وجدنا من إبطال أمر الله ونهيه، وسقوط الحجة على أهل ~~الزمانات وبسط المعذرة لهم، فقال تعالى: (ليس على الأعمى حرج ولا على ~~الأعرج حرج، ولا على المريض حرج) (¬1) # ¬__________ # (¬1) سورة الفتح آية رقم 17.. PageV02P086 # وما سقط من فرض الحج والجهاد على المقعد، وعلى الأخرس من الإقرار ~~بالتوحيد فيما ألزمه غيرهم من الأصحاء السالمين، لاستحالة وجود ذلك مع ما ~~هم عليه من الزمانات ما يوجب لمن كان في مثل أحوالهم من المضطرين المجبرين ~~على ما كان منهم من العذر وإزالة الفرض، وفي إيجاب الأمر والنهي والحمد ~~والذم والثواب والعقاب للعاملين دليل على أنهم ليسوا ما قالت المجبرة في ~~أنهم كأهل الزمانات والضرورات من المنع عما لم يفعلوا، والاستكراه على ما ~~فعلوا، وهذا غلط عظيم من الجهمية وأصناف المجبرة، بمثل هذه الأباطيل عاب ~~الملحدون على ضعفة الأمة، وحاولوا بذلك إبطال ما أثبتوا من وحدانية الله ~~وأمره ونهيه، وثوابه وعقابه، تعالى الله عما يقول المبطلون، فإن سأل سائلهم ~~فقال: أخبرونا هل يكون من العباد إلا ما شاء الله أنه يكون منهم، وعلم أنه ~~سيكون، وليس أحد من العباد مجاوزا مشيئة الله، ولا علمه إلى غير ذلك؟ ~~قالوا: فإن قلتم: بأنه لا يكون من العباد إلا ما شاء الله أنه يكون وعلم، ~~قيل لكم: فهل أبقيتم للعباد من معنى الكسب والاختيار بعد قولكم بهذا شيئا؟ ~~فنقول: الذي سألتمونا عنه من هذا أنه ليس في قولنا الله شاء لجميع ما يكون ~~من الخلق عمل العباد وغيره، وأنه عالم بجميع ذلك، وليس شيء بخارج عن علمه، ~~ولا مجاوز لإرادته ومشيئته مما يوجب أن يكون الله مكرها للعاملين على ~~أعمالهم، ولا جابرا لهم على ما يكون منهم من اختيارهم، كما أنا وإياكم ~~جميعا نقول: إن الله عالم بجميع ما يحدثه في خلقه، ومريد لما يقدره عليهم، ~~ولا يكون من ذلك إلا ما علم وأراد، وليس في ذلك أيضا ما يوجب أن يكون الله ~~جل جلاله مجبورا على ms225 أفعاله في خلقه، ولا مضطرا عليها إذا كان لا يجاوز شيء ~~من ذلك علمه ولا إرادته، وليس العلم والإرادة بالذين يجبران أحدا على فعل ~~ما فعل، ولا بمانعين له عن فعل ما لم يفعل، فإن قالوا: أليس الشقي شقيا في ~~بطن أمه، PageV02P087 والسعيد سعيدا في بطن أمه؟ قيل لهم: بلى، إن الله ~~عالم بما يكون من الخلق فعل العباد وغيره قبل أن يكون، ولم يزل بذلك عالما، ~~ولم يستحدث علما لم يكن يعلمه، ولم يزل يعلم الشقي من السعيد، والسعيد من ~~الشقي، وهو العالم بما يكون من ذلك منهم قبل أن يصيروا في بطون أمهاتهم، ~~وعالم به وهم له فاعلون، وقد أخبرناكم قبل هذا أن علمه جل جلاله بالأشياء ~~ليس بجابر أحدا على فعل شيء من شقوة أو سعادة، ولا مكره له على ذلك، والشقي ~~شقي في بطن أمه بما علم الله أنه يشقى به من فعله، وسوء اختياره لنفسه، ~~وجرأته على ربه، وكذلك السعيد سعيد في بطن أمه بما علم الله أنه سيسعد به ~~من فعله، ولإتباعه لأمر ربه، وحسن نظره لنفسه. فإن قالوا: ما معنى قول رسول ~~الله _صلى الله عليه وسلم_: لن يدخل الجنة أحد بعمله، قيل: ولا أنت يا رسول ~~الله، قال: "ولا أنا إلا يتغمدني الله برحمته" (¬1) # ¬__________ # (¬1) الحديث رواه الإمام البخاري في كتاب الرقاق، 18 باب القصد والمداومة ~~على العمل 6463، عن سعيد المقبري عن أبي هريرة _رضي الله عنه_ قال رسول ~~الله _صلى الله عليه وسلم_ وذكره، وفي رواية أبي داود الطيالسي عن ابن أبي ~~ذئب: "ما منكم من أحد ينجيه عمله"، وأخرجه أبو نعيم من طريقه، وفي كفارة ~~المرض من طريق أبي عبيد عن أبي هريرة بلفظ: "لم يدخل أحد علمه الجنة". ~~وأخرجه الإمام مسلم في كتاب المنافقين من طريق ابن عون عن محمد بن سيرين عن ~~أبي هريرة: "ليس أحد منكم ينجيه عمله"، ومن ريق الأعمش عن أبي صالح عن أبي ~~هريرة أنه قال: "لن ينجو أحد منكم بعمله"، وله من حديث ms226 جابر: "لا يدخل أحد ~~منكم عمله الجنة ولا يجيره من النار"، وأورده الربيع في مسنده عن أبي عبيدة ~~عن جابر بن زيد عن ابن عباس 2: 73. # قال ابن بطال في الجمع بين هذا الحديث وقوله تعالى: (وتلك الجنة التي ~~أورثتموها بما كنتم تعملون) ما محصله: أن تحمل الآية على أن الجنة تنال ~~المنازل فيها بالأعمال، وأن يحمل الحديث على دخول الجنة والخلود فيها. PageV02P088 # قيل: إن معنى ذلك من قول رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ على مثل قولهم: ~~لا حول ولا قوة إلا بالله، أراد رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ أن أحدا لا ~~ينال شيئا من الخير الذي هو طاعة الله، ولا يستعصم عن شيء من معصية الله، ~~فيدخل بذلك الجنة إلا أن يعينه الله على ذلك، ويوفقه له، ويغمده برحمته، ~~التي لا يخيب من تغمد بها. وعلى هذا المعنى أمر الله المؤمنين أن يدعوه بأن ~~يقولوا: (اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ~~ولا الضالين) (¬1) ، وهذا من باب العون من الله لأوليائه، والهداية لأهل ~~دينه، وليس هذا من معنى ما ذهبتم إليه في شيء، من أنه يضطر العباد على ~~أفعالهم، ويجبرهم عليها، فلا يذمون ولا يحمدون. # ¬__________ # (¬1) سورة الفاتحة الآيات 5، 6، 7. PageV02P089 # ومن سألنا من الجهمية فقال: ما معنى قول الله عز وجل: (ختم الله على ~~قلوبهم وعلى سمعهم) (¬1) ، وقوله: (بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون ~~إلا قليلا) (¬2) ، وقوله: (أفرأيت من اتخذ آلهة هواه وأضله الله على علم ~~وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله) (¬3) ، ~~وكذلك لو سأل فقال: ما معنى قوله: (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره ~~للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا) (¬4) الآية، وقوله: (يضل من ~~يشاء ويهدي من يشاء) (¬5) ، (أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا) (¬6) ، ~~(ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا) (¬7) # ¬__________ # (¬1) سورة البقرة آية رقم 7، وتكملة الآية: (وعلى أبصارهم غشاوة ولهم ~~عذاب عظيم( # (¬2) سورة النساء آية رقم 155. # (¬3) سورة الجاثية ms227 آية رقم 23. # (¬4) سورة الأنعام آية رقم 125، وقد جاءت الآية محرفة في المطبوعة حيث ~~قال (من) بدلا من (فمن). # (¬5) سورة فاطر آية رقم 8. # (¬6) سورة الرعد آية رقم 31، وقد جاءت الآية محرفة في المطبوعة حيث قال ~~"وأن" بدلا من (أن) بدون الواو. # (¬7) سورة يونس آية رقم 99.. PageV02P090 # في أشباهها من الآي التي يحتج بها أهل الإثبات على أهل القدر، فقالوا: ما ~~تأويل هذه الآي عندكم، إن كان الأمر على ما تقولون: إن للعباد في إيمانهم ~~وكفرهم ضلالتهم وهدايتهم حكما؟ فنقول لهم: شأنكم والقدرية بهذه الآيات التي ~~تلوتموها وسألتمونا عن معناها، فهم الزاعمون أن ليس لله في فعل العباد مما ~~يفعله بقلبه، و ما يكون من فعله بسمعه وبصره، وسائر ذلك من جوارحه من تدبير ~~ولا تقدير، وليس في جميع ما يكون منه من ذلك حكم، ولا له عليه ملك ولا ~~سلطان، وإن ذلك غير مضاف إلى الله، ولا منسوب إليه بوجه من الوجوه ولا بسبب ~~من الأسباب، وكذلك قوله: )يضل من يشاء ويهدي من يشاء( في أمثالها، فإنما ~~تسألون عن ذلك، وتحتجون به على أهل الإزالة الذين لا يضيفون إلى الله ~~هدايتهم ولا ضلالتهم، ولا شيئا من أفعالهم بوجه من الوجوه، ولا معنى من ~~المعاني، وأما من يقول: بأن الله ختم على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم، ~~وطبع عليها بكفرهم الذي اكتسبوه واختاروه، فجعل الكفر في نفسه خاتما وطابعا ~~على قلوبهم، حيث خلقه في عينه خلافا لعين الإيمان ومضادا له، فهما لا ~~يجتمعان في قلب، ولا في سمع، ولا في بصر، ولا في جارحة، فاختيار الكافر ~~الكفر هو المانع له، والطابع على قلبه، والخاتم على سمعه وبصره، حتى لا ~~يكون يفعل ضده من الإيمان في حال فعله الكفر، وأضاف الله ذلك إلى نفسه ~~فقال: (طبع الله على قلبه، وختم على سمعه، وجعل على بصره غشاوة، إذ جعل ~~كفره في عينه كفرا مخالفا للإيمان، مضادا له منافرا معه، لا يقاومه ولا ~~يجتمعان في قلب، ولا في سمع، ولا في بصر، ولا في حاجة). PageV02P091 # وهكذا ms228 الجواب للمجبرة في جميع ما يسألون عنه من المسائل التي يسأل عنها ~~أهل الإثبات، ويحتجون بها على أهل القدر، أن يقال لهم: دونكم القدرية فإنهم ~~نظراؤكم في الضلالة والغي، قرناؤكم في الغباوة والجهل، فاسألوهم عن هذا ~~ومثله، وافتصلوا فيما بينكم، ولن نرى لكم جميعا أنتم وإياهم فصلا فاصلا ~~بينكم إلا أن ترجعوا إلى الذي دللناكم عليه بالشواهد التي لا تكذب، وأقمنا ~~عليكم فيه بالحجة والإعلام التي لا تبطل، مما فيه قطع لمعاذر المبطلين، ~~وإنما أوتيتم جميعا أنتم والقدرية في هذا الباب من قبل فساد العلة والبنيان ~~على غير الأس؛ وذلكم أنكم وإياهم اتفقتم في بدء أمركم على أن الفعل جزء ~~واحد، وأنه لا يحتمل التجزئة وغير متجه، لا يوصف بالجهات، فاتفقتم على ذلك، ~~وقلتم جميعا: لا يخلو هذا الفعل من أن يكون جميعه لله، أو يكون جميعه ~~للعبد، فلما اتفقتم على هذا من قولكم رجعتم فيما بينكم فاختلفتم على وجهين ~~مختلفين متباعدين، كلاهما بعيد عن وجه الصواب وفصل الخطاب، فقلتم أنتم معشر ~~المجبرة بأن الفعل ما كان بهذه الصفة، لا يحتمل التجزئة، ولا يوصف بالجهات، ~~فينبغي أن يكون الفعل بذلك مضافا جميعه إلى الله عز وجل، لأنه أضاف إلى ~~نفسه بأن خلقه وجعله في قلوب الفاعلين فأضلهم الله به وهداهم، ولثبوت عجز ~~العبد عن أن يجعله بكيفيته التي هو بها. PageV02P092 # وقالت القدرية: بل لما وجدنا هذا الفعل غير متجزئ ولا محتمل للجهات على ~~مثل علة المجبرة، ووجدناه مضافا إلى العبد بأنه يكتسبه ويختاره، ويذم عليه ~~ويحمده، وغير جائز أن يضاف إلى الله بأنه يتحرك به أو يسكن، ويؤمن به أو ~~يكفر، أو يطيع به ويعصى، فيجب أن يكون الفعل لما ذكرنا جميعا مضافا إلى ~~العبد بجميع وجوهه، وليس لله فيه حكم ولا تدبير، ولا له عليه ملك ولا ~~سلطان، فانتشرت عليكم الأمور وتفرقت بكم السبل عن سبيل الله؛ وذلكم أنكم ~~عمدتم إلى علتين مختلفتين وجهتين متفاوتتين، فجعلتموها علة واحدة، وجهة ~~واحدة، وهو أن للفعل جهتين متفرقتين، متباينتين غير متفقتين: إحداهما ms229 جهة ~~الخلق لله والتدبير والتقدير، والأخرى جهة التحرك للعبد والسكون والطاعة ~~والمعصية، فجعلتم هاتين الجهتين المختلفتين جهة واحدة، فأبطلت المجبرة ~~واحدة، وأبطلت القدرية واحدة، فضللتم بذلك جميعا عن سبيل الله ضلالا بعيدا، ~~(إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب) (¬1) . # ولهذه المسألة نظائر في مثل هذا المعنى، فينبغي أن يعود لذلك دون ما سواه ~~كتاب تصحح فيه بغاية التصحيح إن شاء الله، ولا قوة إلا بالله. # باب القول في الإيمان وفي تثبيت الإيمان (¬2) والتسمية به، والرد على من ~~قال بغير الحق في ذلك. # اختلف الناس في الإيمان وفي تثبيته على أصل قولين: # ¬__________ # (¬1) سورة ص آية رقم 26. # (¬2) كتبت كلمة عن الإيمان، ويراجع ما كتبه علي بن علي بن محمد ابن أبي ~~العز الحنفي في شرحه للعقيدة الطحاوية، من ص 57 88 ج 2 بتحقيقنا، وكشاف ~~اصطلاحات الفنون 1: 134 140، وكتاب المواقف ص 274 290، وصحيح البخاري ~~كتاب الإيمان، ودائرة المعارف الإسلامية 5: 413 415. PageV02P093 # قالت المرجئة: إن الإيمان هو ما تعبد الله به عباده، ودعاهم إليه من ~~توحيد بصفاته، ونفي الأشباه والأنداد عنه في جميع ما لا يليق به من صفات ~~خلقه، فكل من وحد الله بصفته، ونفى عنه صفة خلقه سمي مؤمنا مستكمل الإيمان، ~~وما عدا ذلك من جميع ما أمر الله به عباده، وتعبدهم به: من فعل جميع ما ~~افترض عليهم من الفرائض، وترك جميع ما نهاهم عنه من المعاصي فليس ذلك ~~بإيمان ولا هو لله بدين ولا إسلام، ثم افترقوا فيما بينهم على طوائف ثلاث: ~~فقالت طائفة منهم: إن الإيمان من ذلك هو المعرفة لله بالقلب، والاعتقاد ~~بالضمير (¬1) دون الإقرار بذلك باللسان. وقالت الثانية: بل الإيمان هو ~~الإقرار بتوحيد الله، ونفي الأشباه عنه باللسان دون المعرفة بالقلب، ~~والضمير في النفس (¬2) . وقالت الطائفة الثالثة: بل لا يكون كل واحد منهما ~~إيمانا دون الآخر، فمتى اجتمع من ذلك إقرار باللسان، وضمير بالقلب سمي ~~جميعه إيمانا (¬3) ، وسمي فاعله مؤمنا، وإذا كان أحدهم دون الآخر بطلت ~~التسمية له بأن يكون ms230 إيمانا، وبطل أن يسمى فاعل بعض ذلك دون بعض مؤمنا، ~~وشبهوا ذلك فيما زعموا بالأبلق الذي لا يسمى بأحد اللونين أبلق، وإذا اجتمع ~~عليه كلا اللونين سمي أبلق. # ¬__________ # (¬1) هم الغسانية: أصحاب (غسان الكوفي)، وزعم أن أبا حنيفة يقول بقوله، ~~وهذا غلط منه؛ لأن أبا حنيفة قال: إن الإيمان هو المعرفة والإقرار بالله ~~تعالى وبرسوله وبما جاء من الله تعالى، ورسله في الجملة دون تفصيل. راجع في ~~شأن هذه الفرقة: التبصير، ص 60، والملل والنحل 1: 141، والفرق بين الفرق 203. # (¬2) هم اليونسية: أصحاب يونس بن عون السمري. راجع في شأن هذه الفرقة: ~~التبصير 60، والملل 1/ 140، والمقالات 1: 198. # (¬3) هو التومنية: أصحاب أبي معاذ التو مني. راجع مقالات الإسلاميين 1: ~~204 326، والملل 1: 144، والتومني: بضم التاء وفتح الميم. (انظر معجم ~~البلدان 2: 432). PageV02P094 # وقال جميع الفرق: من الأزارقة (¬1) ، والإباضية، والزيدية، والمعتزلة، ~~والحشوية: إن الإيمان هو جميع ما أمر الله به عباده، وتعبدهم به: من فعل ~~جميع ما افترض عليهم من الفرائض، وترك جميع ما نهاهم عنه من المعاصي، فكل ~~ذلك إيمان لله، ودين له وإسلام، وكله إيمان، وبعضه إيمان، ما كان من ذلك ~~توحيدا لله، وما كان منه غير توحيد. فمن استكمل ذلك سمي مؤمنا، ومن لم ~~يستكمل ذلك، واقتصر على فعل التوحيد دون فعل الفرائض وترك المعاصي بطل أن ~~يسمى مؤمنا، إلا ما استخصت به الحشوية (¬2) # ¬__________ # (¬1) كتبت عنهم كلمة وافية ص 94. ويراجع اعتقاد فرق المسلمين والمشركين ~~للفخر الرازي 54. # (¬2) فرقة من الفرق الإسلامية، أجمعت على الجبر والتشبيه، وينكرون الخوض ~~في الكلام والجدل، ويقولون على التقليد وظواهر الروايات والتشبيه، ولهذا ~~تسمى بالمشبهة. وتنسب هذه الفرقة إلى محمد بن كرام الذي نشأ في سجستان، ~~وتوفي ببيت المقدس سنة 869 ه. راجع دراسات إسلامية في الأصول الإباضية ص ~~138، لبكير بن سعيد أعوشت. # وقال السبكي في شرح أصول ابن الحاجب: الحشوية طائفة ضلوا عن سواء السبيل، ~~يجرون آيات الله على ظاهرها، ويعتقدون أنه المراد، سموا بذلك لأنهم في حلقة ~~الحسن البصري، فوجدهم يتكلمون كلاما، فقال: ردوا هؤلاء إلى حشاء الحلقة، ~~فنسبوا إلى حشاء، فهم ms231 حشوية بفتح الشين، وقيل سموا بذلك لأن منهم المجسمة ~~أو هم والجسم حشو، فعلى هذا القياس فيه الحشوية _بسكون الشين_ نسبة إلى ~~الحشو. وقيل المراد بالحشوية طائفة لا يرون البحث في آيات الصفات التي ~~يتعذر إجراؤها على ظاهرها، بل يؤمنون بما أراده الله، مع جزمهم بأن الظاهر ~~غير مراد، ويفوضون التأويل إلى الله تعالى. وقيل طائفة يجوزون أن يخاطبنا ~~الله بالمهمل، ويطلقون الحشو على الدين، فإن الدين يتلقى من الكتاب والسنة، ~~وهما حشو أي واسطة بين الله ورسوله وبين الناس. كذا ذكر الخفاجي في سورة ~~البقرة في حاشية البيضاوي في تفسير قوله تعالى: (فإما يأتينكم مني هدى) ~~البقرة آية 38. راجع كشاف اصطلاحات الفنون 2: 166 167. PageV02P095 # في التسمية باسم المؤمن؛ وذلك أن الحشوية مخالفة للمرجئة في إثبات ~~الإيمان؛ حيث زعموا أن العمل بجميع طاعة الله مما أمر به عباده إيمان ما ~~كان من ذلك قولا أو عملا موافقة لهم في التسمية بالإيمان، حيث زعموا أن ~~المؤمن مؤمن مع ترك الإيمان الذي هو طاعة لله من العمل بجميع الفرائض التي ~~هي دون التوحيد، ومع ركوبه جميع ما نهى عنه من معصيته التي هي دون الشرك، ~~فخالفوا المرجئة في التثبيت، ووافقوهم في التسمية. PageV02P096 # ونحن مبتدئون بالمسألة على من قال من المرجئة: بأن الإيمان معرفة دون ~~إقرار بأن الله واحد وهم الجهمية، فنقول لهم: أخبرونا عن الإقرار بأن الله ~~واحد لا شريك له في ملكه ولا شبيه ولا نظير، وأنه لم يتخذ صاحبة ولا ولدا، ~~ولم يكن له كفوا أحد، أهذا الإقرار ممن هو منه إيمان؟ فإن قالوا: لا، قلنا: ~~فالمنكر لجميع ذلك، المكذب لله في ربوبيته، والواصف له بصفات خلقه من ~~الأنداد والأشباه، وبأنه اتخذ صاحبة وولدا _تعالى الله عن ذلك_، فهل تقولون ~~في هذا إنه كافر بالله؟ فإن قالوا: ليس بكافر، خرجوا مما أجمع عليه الإسلام ~~صراحا، مع تكذيبهم لقول الله حيث يقول: (لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ~~ثلاثة) (¬1) ، وقال: (لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم) ~~(¬2) ، وقال: ms232 (وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ~~ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل) (¬3) فسمى قولهم في كل ~~ما قالوا من ذلك كفرا، وقال الله: (وقالوا اتخذ الرحمن ولدا لقد جئتم شيئا ~~إدا، تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ~~ولدا) (¬4) # ¬__________ # (¬1) سورة المائدة آية 73. # (¬2) سورة المائدة آية رقم 17. # (¬3) سورة التوبة آية رقم 30. # (¬4) سورة مريم آية رقم 88 91. في المطبوعة يكاد بدلا من (تكاد) وهو ~~تحريف.. PageV02P097 # فإن قالوا: من كذب بالله، ووصفه بصفات خلقه، وشبهه بغيره مما ذكرتم فقد ~~كفر بالله، قيل لهم: فيجب أن يكون ضد ذلك من الإقرار لله بوحدانيته، والوصف ~~له بصفاته إيمانا، إذا كان ضده من التكذيب به، والوصف له بصفة خلقه كفرا، ~~ثم يقال لهم: أخبرونا عن الإقرار لله بالربوبية وإثبات الوحدانية له، ~~أتوحيد هو وإيمان أم غير توحيد ولا إيمان؟ فإن قالوا: ليس بتوحيد ولا إيمان ~~قيل لهم: وكذلك ضده من الإنكار لربوبيته والجحد لوحدانيته، لا يكون شركا ~~بالله ولا كفرا، فإن قالوا: إن الجحد لربوبية الله والإنكار لوحدانيته هو ~~شرك بالله وليس بكفر، كما أن الإقرار بذلك توحيد وليس بإيمان، قيل: أفيكون ~~توحيد الله من الفعل ما ليس بإيمان، ويكون شركا بالله من الفعل ما ليس ~~بكفر، وهذا مما لا يقول به إلا ذو مرار هائج (¬1) ، أو من به جنة مولعة (¬2) ، # ¬__________ # (¬1) هاج النبت هيجا: يبس واصفر. قال تعالى: (ثم يهيج فتراه مصفرا) سورة ~~الحديد آية رقم 20. وهاج الشر، وهاجت الحرب بينهم، وهاجت الإبل: عطشت، ~~وهايج فلان فلانا: أثاره وقاتله، وتهيج الشيء مبالغة في هاج، والهائج: ~~الفورة والغضب، والهيج: الحرب، وكذلك الهيجاء. # (¬2) ولع به يولع ولعا وولوعا، علق به شديدا، ولج في أمره وحرص على ~~إيذائه، والوالع: الكذاب، والمولع، يقال: رجل مولع فيه لمع من برص به، وفرس ~~مولع: استطال بلقه وتفرق، الولوع: الشديد التعلق.. PageV02P098 # وقد قال رسول الله _صلى الله عليه وسلم_: أمرت أن أقاتل الناس حتى ~~يقولوا: لا إله إلا الله، ms233 فإن قالوها حقنوا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها (¬1) . # ¬__________ # (¬1) الحديث رواه الإمام مسلم في كتاب الإيمان 8، باب الأمر بقتال الناس ~~حتى يقولوا: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا ~~الزكاة 32 (20)، بسنده عن أبي هريرة قال: لما توفي رسول الله _صلى الله ~~عليه وسلم_ واستخلف أبو بكر بعده، وكفر من كفر من العرب، قال عمر بن الخطاب ~~لأبي بكر: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله _صلى الله عليه وسلم_، وذكره. ~~ورواه الإمام البخاري في كتاب الإيمان 17، 28، وفي كتاب الاعتصام 2: 28. ~~ورواه الإمام الترمذي في التفسير، سورة 88. والنسائي في الزكاة 3. وابن ~~ماجة في الفتن 1، 3. PageV02P099 # ولا يكونون يحقنون دماءهم وأموالهم إلا بأن يؤمنوا بالله ورسوله. فدل على ~~أن قولهم: لا إله إلا الله إيمان، فإن قالوا: ليس الإقرار بذلك إيمانا ~~وإنما الإيمان هو المعرفة بالقلب دون الإقرار، والإقرار دلالة على ما في ~~القلب من الإيمان، قيل لهم: وما في الإقرار باللسان مما يدل على ما في ~~القلب؟ أو ليس قد يقر المقر بلسانه على أمر، وفي قلبه خلاف ذلك الذي هو مقر ~~به، ومن أعلم رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ والأئمة من بعده بأن في قلوب ~~المقرين بلا إله إلا الله من المعرفة بما تقر به ألسنتهم من ذلك، ولو أن ~~ذلك الإقرار لم يكن من نفس الإيمان لما حقنوا به دماءهم وأموالهم، وهذا كله ~~مما يوجب أن يكون الإقرار من الإيمان، مع ما اجتمع عليه أهل التفسير في ~~معنى قول الله: (يا أيها الذين آمنوا) (¬1) أينما هو في كتاب الله عز وجل ~~أي أقروا، ولا نعلم لهم في ذلك اختلافا. فدل ذلك من إجماعهم على أن الإقرار ~~من الإيمان. # ¬__________ # (¬1) سورة آل عمران آية: 102، 118، 130، 149، 156، 200، وسورة النساء ~~آية: 19، 29، 43، 59، 71، وسورة المائدة آية: 1، 2، 6، 8، 11، 35، 51، 54، ~~وغير ذلك كثير في كتاب الله تعالى. PageV02P100 # وأما الذين زعموا منهم أن الإيمان إقرار باللسان دون المعرفة فيلزمهم أن ~~يكون من جهل الله، واعتقد على أنه بخلاف ربوبيته ووحدانيته مؤمنا مع جهله ~~واعتقاده لذلك، مع ما يلزمهم ms234 فيمن أخرس الله لسانه، إذ هو عرف الله بقلبه ~~أن يكون غير مؤمن، إذ كان الإيمان لا يكون عندهم إلا الإقرار باللسان فقط، ~~وقد قال الله عز وجل: (قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم) (¬1) فأضاف ~~الإيمان إلى القلوب كما ترى، وقد قال الله عز وجل: (وإذا جاؤوكم قالوا آمنا ~~وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به) (¬2) فسمى ما في قلوبهم كفرا، ولن يجوز ~~أن يكون ما في قلوبهم من اعتقادهم كفرا، إلا بأن يكون خلاف ذلك من الذي في ~~قلوب المؤمنين من اعتقادهم إيمانا، مع ما روي عن النبي _صلى الله عليه ~~وسلم_ في غير ما رواية أنه يقول: الإيمان ها هنا (¬3) فيشير إلى صدره. وهذا ~~كله مما يدل على أن الإقرار بالله والمعرفة به جميعا من الإيمان. # ثم يقال للمرجئة جميعا: أخبرونا عن الإيمان ما هو؟ قالوا: الإقرار بالله ~~أنه واحد، والإقرار بمحمد أنه رسول الله، وما جاء به أنه الحق، قيل لهم: ~~هذه خصال ثلاث بعضها غير بعض، قد يقر بشيء منها من ينكر شيئا، فإن كان ~~الإقرار بالله أنه واحد إيمانا، لأنه إقرار بالله بطل أن يكون غيره من ~~الإقرار بمحمد أنه رسول الله، إنما كان إيمانا لأنه إقرار برسول الله، بطل ~~أن يكون الإقرار بالله أنه واحد إيمانا. # ¬__________ # (¬1) سورة المائدة آية رقم 41. # (¬2) سورة المائدة آية رقم 61، وقد جاءت الآية محرفة في المطبوعة حيث لم ~~يذكر لفظ (قد). # (¬3) لم نعثر على هذا الحديث بهذا اللفظ على كثرة البحث والتقصي في كتب ~~السنة والصحاح. PageV02P101 # ويقال لهم: ما تقولون في الإقرار بموسى وعيسى _عليهما السلام_ بأنهما ~~رسولا رب العالمين، والإقرار بغيرهما من المرسلين أنهم رسل الله، والإقرار ~~بالبعث والثواب والعقاب، والملائكة والكتب والنبيين، أذلك كله من الإيمان ~~أم ليس من الإيمان؟ فإن قالوا: ليس من الإيمان، قيل لهم: فيجب أن يكون ~~المنكر لرسالة موسى وعيسى وغيرهما من المرسلين مؤمنا مع إنكاره لذلك، ومع ~~إنكاره للبعث والثواب والعقاب، والملائكة والكتب والنبيين، وقد قال الله: ~~(ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ms235 ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالا بعيدا) ~~(¬1) فسمى كل ذلك إيمانا، فإن قالوا: لا يكون مؤمنا مع إنكاره رسالة أحد من ~~المرسلين، ولا مع إنكاره شيئا مما ذكرتم، قيل لهم: فنراكم قد أثبتم للإيمان ~~خصائل كثيرة، فلم لا جوزتم لغيركم أن يجعل جميع ما أمر الله به من طاعته، ~~وأوجب عليه ثوابه إيمانا؟ وقد قال الله عز وجل: (وما أمروا إلا ليعبدوا ~~الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة) ~~(¬2) فسمى صلاتهم وزكاتهم دينا، وقال: (وما كان لله ليضيع إيمانكم) (¬3) أي ~~صلاتكم نحو بيت المقدس؛ وذلك أن اليهود قالوا لهم: ما حال صلاتكم نحو بيت ~~المقدس؟ وأنتم تزعمون أن من صلى إليها اليوم كافر؟ فأجابهم الله: (وما كان ~~الله ليضيع إيمانكم) فسمى صلاتهم نحو بيت المقدس إيمانا، وقال عز وجل: ~~(فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا) (¬4) أي يعملون بما في السورة من ~~الفرائض فيزدادوا بذلك إيمانا، وقال: (هو الذي أنزل السكينة في قلوب ~~المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم) (¬5) ، # ¬__________ # (¬1) سورة النساء آية رقم 136. # (¬2) سورة البينة آية رقم 5. # (¬3) سورة البقرة آية رقم 143. # (¬4) سورة التوبة آية رقم 124. # (¬5) سورة الفتح آية رقم 4.. PageV02P102 # فهؤلاء قوم مؤمنون مستكملون الإيمان، قد أخبر الله عنهم أنهم مع ذلك ~~يزدادون إيمانا مع إيمانهم، فدل بذلك على أن الإيمان خصائل كثيرة تزداد وتنقص. # ومما تسألنا عنه المرجئة أن قالوا: لم سميتم ببعض الكفر كافرا، ولم تسموا ~~ببعض الإيمان مؤمنا، أو ليس الإيمان أولى بأن يسمى به لفضيلته دون أن يتسمى ~~بالكفر؟ فما جعل التسمية ببعض الكفر أولى من التسمية ببعض الإيمان؟ أو ليس ~~في لغة العرب أن كل اسم مشتق من فعله، وما الاسم الذي يتسمى به من آمن ~~بالله وبمحمد رسول الله، وآمن بجميع رسل الله، وملائكته، وكتبه ورسله، ~~واليوم الآخر إذا هو ضيع الفرائض، وارتكب القبائح، قيل لهم: سمينا ببعض ~~الكفر كافرا، ولم نسم ببعض الإيمان مؤمنا، لما كانت التسمية بالإيمان ~~مشروطة معلقة باستكمال الإيمان، ولم تكن التسمية بالكفر مشروطة ولا معلقة ~~باستكمال الكفر؛ ms236 ولكن كانت التسمية بالإيمان والكفر جميعا معلقة منوطة ~~بأحكام المسلمين وشروطهم، وقد فرق الله عز وجل بين أحكام المؤمن وشروطه ~~وبين أحكام الكافر وشروطه، فمن شروط المؤمن: وجوب الولاية والمودة في ~~الدين، والاستغفار له، قال: (رحماء بينهم) (¬1) وقال: (واستغفر لذنبك ~~وللمؤمنين والمؤمنات) (¬2) ، وتجويز الشهادة، وتثبيت العدالة والتزكية، ~~والقيام بأمر دين الله، والأمر بالمعروف وعمله، والنهي عن المنكر وتركه. ~~ومن أحكام الكافر وشروطه: وجوب العداوة والبغضاء والشتم واللعنة، قال: (لا ~~تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله) (¬3) ~~الآية، وقال: (ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا) (¬4) ، وقال: ~~(أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون) (¬5) # ¬__________ # (¬1) سورة الفتح آية رقم 29. # (¬2) سورة محمد آية رقم 19، وقد جاءت الآية في المطبوعة محرفة حيث قال: ~~استغفر بدلا من قوله: واستغفر. # (¬3) سورة المجادلة آية رقم 22. # (¬4) سورة الأحزاب آية رقم 61. # (¬5) سورة البقرة آية رقم 159.. PageV02P103 # مع تجريح الشهادة، وإبطال العدالة، وإقامة الحدود عليهم: من القطع، ~~والرجم والقتل والجلد، وقال الله عز وجل في جلد الزانيين: (وليشهد عذابهما ~~طائفة من المؤمنين) (¬1) ، ولا يجوز أن يكون المجلود المحدود ممن يشهد ~~عذابهما، وقال في القاذف: (ولا تقلبوا لهم شهادة أبدا) (¬2) ، فلو كان ~~الزاني والقاذف مع فعلهما مؤمنين كانا عدلين، وشهادتهما ماضية مقبولة، وفي ~~جملة المؤمنين عند إقامة الحدود على الزناة داخلين، فلما كان المحدود ~~المجلود ليس هو الذي يشهد عذابهما علمنا أن الزاني والقاذف قد خرجا من جملة ~~المؤمنين، وقال: (ولا تأخذكما بهما رأفة في دين الله) عند إقامة الحدود ~~عليهما، ثم قال يمدح نبيه: (بالمؤمنين رءوف رحيم) (¬3) ، فلو كان الزانيان ~~مع زناهما مؤمنين كان رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ بهما رؤوفا رحيما، ~~ولو كان الزاني والقاذف والقاتل والسارق مع توحيدهم مؤمنين كانوا مفلحين، ~~لقول الله عز وجل: (قد أفلح المؤمنون) (¬4) ، ثم وصفهم فقال: (الذين هم في ~~صلاتهم خاشعون والذين هم عن اللغو معرضون والذين هم للزكاة فاعلون) (¬5) ~~إلى آخر المدحة، وقال: (إنما المؤمنين الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا ~~تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون) ms237 (¬6) ، ثم بين من هم ~~فقال: (الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون) (¬7) ، ثم أكد ما قلنا ~~بقوله: (أولئك هم المؤمنون حقا) (¬8) . # ¬__________ # (¬1) سورة النور آية رقم 2. # (¬2) سورة النور آية رقم 4. # (¬3) سورة التوبة آية رقم 128. # (¬4) سورة المؤمنون آية رقم 1. # (¬5) سورة المؤمنون آية رقم 2، 3، 4. # (¬6) سورة الأنفال آية رقم 2. # (¬7) سورة الأنفال آية رقم 3. # (¬8) سورة الأنفال آية رقم 4، وتكملة الآية (لهم درجات عند ربهم ومغفرة ~~ورزق كريم(. PageV02P104 # فلما كانت هذه الشروط معلقة مقرونة بالتسمية بالإيمان تبين أن ذوي ~~الكبائر من أهل التوحيد ليسوا بمؤمنين، ولما كانوا غير مؤمنين ثبت أنهم ~~كافرون، وليس بين الاسمين اسم، ولا بين الحكمين حكم، وقال _صلى الله عليه ~~وسلم_: "لا يزني الزاني وهو مؤمن" (¬1) وقال: "ليس بين العبد والكفر إلا ~~تركه الصلاة" (¬2) . # ¬__________ # (¬1) الحديث رواه ابن ماجه في كتاب الفتن، 3 باب النهي عن النهبة 3936، ~~عن عقيل، عن ابن شهاب، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، عن أبي ~~هريرة أن رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ قال: "لا يزني الزاني حين يزني ~~وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق ~~وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة يرفع الناس إليه أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن". # (¬2) رواه الإمام مسلم، وأبو داود والترمذي عن جابر بن زيد _رضي الله ~~عنه_ بلفظ: "بين الرجل وبين الشرك ترك الصلاة". وهذه رواية مسلم، وفي رواية ~~الترمذي: "بين الكفر والإيمان ترك الصلاة"، وله في أخرى: بين العبد وبين ~~الشرك أو الكفر ترك الصلاة، وفي أخرى: بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة، ~~وفي رواية أخرى رواها النسائي والترمذي عن بريدة _رضي الله عنه_ قال رسول ~~الله _صلى الله عليه وسلم_: "العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها ~~فقد كفر". # ورواية الإمام مسلم في كتاب الإيمان، باب بيان إطلاق اسم الكفر على من ~~ترك الصلاة، وأبو داود في السنة، باب في رد الإرجاء، والترمذي في الإيمان، ~~باب ما جاء في ترك الصلاة، ورواية النسائي في الصلاة، باب الحكم في تارك ms238 ~~الصلاة. ورواه أيضا أحمد في المسند، وابن ماجه والنسائي وابن حبان والحاكم ~~وصححه، ووافقه الذهبي. وهو حديث صحيح، ورواه أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ~~ابن عباس، مسند الربيع 1: 61. PageV02P105 # وفضيلة الإيمان التي ذكروها قد حرمها أهل الكبائر أنفسهم ومنعوها إياها، ~~ولو أنهم أقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وأمروا بالمعروف وعملوه، ونهوا عن ~~المنكر وتركوه لكانوا لتلك الفضيلة حارزين، ولاسمها مستحقين؛ لأن هذه ~~الأسماء التي يسمي الله بها أولياءه من المؤمنين والمتقين والبارين ~~والمهتدين، فإنما هي من مجازاتهم على إيمانهم وبرهم وتقواهم، كما أن ~~الأسماء التي سمى بها أعداءه من الكافرين والظالمين والفاسقين والضالين ~~والفجار مجازاة لهم على أفعالهم وفجورهم وظلمهم، فجعل تسمية كل واحد من ~~الفريقين مجازاة لهم على أفعالهم. # وأما سؤالهم عن الاسم الذي يسمى به من آمن بالله وبمحمد رسول الله، وآمن ~~برسل الله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، إذا هو ضيع الفرائض وارتكب ~~الكبائر فإنا نسميه بالذي سماه الله به، فنقول الذي آمن، ولا نقول: "مؤمن"، ~~قال الله عز وجل: (يا أيها الذين آمنوا) (¬1) فبذلك يسميهم ويناديهم في كل ~~موضع من كتابه، ونسميه موحدا بالله غير مشرك به، مقرا بالله وبالرسل ~~والملائكة والكتب واليوم الآخر، غير جاحد لذلك ولا منكر له. # ¬__________ # (¬1) سورة البقرة آية رقم 90. PageV02P106 # وأما قولهم: إن كل اسم في لغة العرب مشتق من فعله، فإنا نجد ها هنا ~~أفعالا كثيرة وليس لها أسماء مشتقة منها؛ وذلك أنا نجد من يبني بيتا واحدا، ~~ويخيط ثوبا واحدا، ويصوغ خاتما، لا يسمى بانيا، ولا خياطا، ولا صائغا، لقلة ~~استمراره على الفعل بذلك، وإنما الاسم للغالب، وكذلك الذي أقر بالله، وترك ~~ما سوى ذلك من فعل الإيمان لا يسمى مؤمنا، وقال عز وجل في المنافقين: (ولا ~~يذكرون الله إلا قليلا) (¬1) ، وقال: (إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون ~~أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا ~~بين ذلك سبيلا أولئك هم الكافرون حقا) (¬2) ، وقال: (أفتؤمنون ببعض الكتاب ~~وتكفرون ببعض) (¬3) فدل على أن من كان ms239 معه بعض الإيمان وبعض الكفر أنه ~~الكافر حقا، وعلى هذا المعنى جاءت التسمية بأسماء الدين وأحكامه؛ لأنه لا ~~يخلو هذا الذي معه بعض الإيمان وبعض الكفر من أن يكون يسمى بهما جميعا، أو ~~يكون يسمى بأحدهما دون الآخر، فبطلت التسمية بهما جميعا، إذ لا يجوز أن ~~يكون يجري عليه حكمان مختلفان متضادان، فيكون من أهل الولاية (¬4) # ¬__________ # (¬1) سورة النساء آية رقم 142، وقد جاءت الآية في المطبوعة بدون (الواو)، ~~حيث قال "لا". # (¬2) سورة النساء آية رقم،151، وتكملة الآية (واعتدنا للكافرين عذابا ~~مهينا(. # (¬3) سورة البقرة آية رقم 85، وتكملة الآية (فما جزاء من يفعل ذلك منكم ~~إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله ~~بغافل عما تعملون(. # (¬4) الولاية لغة: القرب والقيام للغير بالأمر والنصر، والاهتمام ~~بالمصالح، والحفظ، والاتصال، يقال فلان موال لفلان إذا كان مقربا له، ~~وقائما بأمره، ونصره، ومهتما بمصالحه، وحافظا لغيبته، ومتصلا به. # قال القطب: وعلى هذا تنبني الولاية الشرعية. وخالفه الشيخ السالمي في ذلك ~~فقال: أما ولاية الله لعباده فهي توفيقه إياهم لطاعته، وإعانتهم عليها، ~~ونصرته لهم على أعدائهم. راجع مشارق أنوار العقول 337 355 بتصرف. PageV02P107 # والمودة والرحمة والاستغفار ووجوب الثواب العظيم، ثم هو من أهل العداوة ~~والبغضاء واللعنة ووجوب العقاب الأليم. فلما استحال أن يجتمع عليه هذا ~~الحكمان استحال أن يوصف بأسمائهما، وبطل أيضا أن يسمى مؤمنا، للذي معه من ~~الفعل الذي يستحق فاعله ما ذكرنا من العداوة والبغضاء والشتمة واللعنة، ~~ووجوب العقاب الأليم، وتجريح الشهادة، وبطلان العدالة، وغير ذلك مما ذكرناه ~~وما لم نذكره. فلما بطل هذان الوجهان عن مرتكب الكبائر، المضيع للفرائض بطل ~~أن يسمى مؤمنا، ولم يبق إلا التسمية بأنه كافر، وها أنتم تسمون القدرية ~~ضالين غير مهتدين، على ما معهم من الهدى الذي هو توحيد الله وحده، والإقرار ~~بنبيه وكتابه ورسله واليوم الآخر، وغير ذلك من دين الله، وما سميتموهم ~~ضالين إلا بتكذيبهم القدر، ولم تسموهم بجميع ما معهم من الهدى مهتدين، ~~وسميتم الخوارج مارقين من الدين مبتدعين، وقد علمتم ms240 ما هم عليه وفيه من ~~الدين، بأنهم يؤمنون بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ويأمرون ~~بالمعروف، وينهون عن المنكر، ويقيمون الصلاة، ويؤتون الزكاة، وهم راكعون، ~~ولم تنقموا منهم إلا لأنهم يكفرونكم ويستعرضونكم بالسيف، فسميتموهم مارقين ~~من الدين، كما يمرق السهم من الرمية، مبتدعين خارجين من الدين (¬1) ، # ¬__________ # (¬1) الدين: يقال للطاعة والجزاء، واستعير للشريعة، والدين كالملة لكنه ~~يقال اعتبارا بالطاعة والانقياد للشريعة. قال تعالى: (ومن أحسن من الله ~~دينا) النساء آية 125، أي طاعة، وقوله: (لا تغلو في دينكم) النساء 171، حث ~~على اتباع دين النبي _صلى الله عليه وسلم_. # وقال بعضهم: الدين الجزاء، دنته دينا ودينا والإسلام، وقد دنت به، ~~والعادة، قال: # تقول إذا درأت لها وضيني ... ... ... أهذا دينه أبدا وديني # = والطاعة، والغلبة، والحكم، والتوحيد، وفي الحديث: إن الدين يسر، وفيه: ~~إن دين الله الحنيفية السمحة، وقال: إن الدين متين فأوغل فيه برفق. # والدين: ورد في القرآن بمعنى التوحيد والشهادة: (إن الدين عند الله ~~الإسلام) آل عمران آية 19، وبمعنى الحساب والمناقشة، قال تعالى: (الذين ~~يكذبون بيوم الدين) سورة المطففين آية 11، وبمعنى الملة، قال تعالى: (وذلك ~~دين القيمة) البينة، آية 5. PageV02P108 # ولم تلتفتوا إلى ما هم عليه وفيه من دين الله، والقيام بأمره، والعمل ~~بكتابه وسنة رسوله _صلى الله عليه وسلم_ فتسمونهم بما معهم من ذلك، داخلين ~~في الدين غير خارجين منه ولا مارقين، ومتبعين للسنة غير مبتدعين. فهذا كله ~~منكم معنى ما أنكرتم. # باب الوعد والوعيد والرد على من قال بغير الحق في ذلك. PageV02P109 # ثم اختلف الناس في إثبات وعد الله ووعيده على اختلافهم في التسمية ~~بالإيمان، فقالت المرجئة والحشوية (¬1) : كل من سميناه بأنه مؤمن للذي أتى ~~به من توحيد الله عز وجل، مع تضييعه ما أمر الله به من الفرائض التي هي دون ~~التوحيد، ومع ركوبه الذي نهى الله عنه من المعاصي التي هي دون الشرك، فواجب ~~له وعد الله عز وجل بثوابه في المعاد (¬2) # ¬__________ # (¬1) الحشوية: فرقة من الفرق الإسلامية، أجمعت على الجبر والتشبيه، ~~وينكرون الخوض في الكلام والجدل، ويقولون على ms241 التقليد وظواهر الروايات ~~والتشبيه، ولهذا تسمى بالمشبهة، وتنسب هذه الفرقة إلى محمد بن كرام الذي ~~نشأ في سجستان، وتوفي في بيت المقدس سنة 869 م. راجع دراسات إسلامية في ~~الأصول الإباضية ص 138، والفرق بين الفرق عند الحديث عن الكرامية ص 215، ~~وانظر اللباب 3: 32، ولسان الميزان 5: 353. # (¬2) المعاد: مما دل عليه الكتاب والسنة والعقل والفطرة السليمة، فأخبر ~~الله سبحانه عنه في كتابه، وأقام الدليل عليه، قال تعالى: (يومئذ تعرضون لا ~~تخفى منكم خافية) سورة الحاقة، آية 18، والمكذب به مرتد عن دينه لأنه أنكر ~~ما عرف من الدين بالضرورة. راجع أضحوية في أمر الميعاد لابن سينا.. PageV02P110 # على كل حال، وتوقفوا في إنجاز وعيد الله لمن كان بهذه الصفة التي ~~ذكرناها، واضطربت فيه كلمتهم، وتشتت أمرهم، فمن قائل يقول: بأن أمة محمد لا ~~تعرض على النار، ومن قائل يقول بأنه يعذب المذنبين منهم على قدر ذنوبهم، ثم ~~يخرجون فينجز لهم بعد ذلك ما وعد لهم من الثواب، ومن قائل بالتوقف عن ذلك، ~~والشك فيه، ولذلك سموا مرجئة؛ لأنهم أرجوا أهل الكبائر، أي أخروهم، وتركوا ~~القول فيهم، ولم يقطعوا عليهم عذرا، وقيل سموا مرجئة لأنهم أرجوا العمل، ~~ولم يجعلوه إيمانا مع القول، وفي مثل هذا من القول ما روي عن النبي _صلى ~~الله عليه وسلم_ (لعنت المرجئة على لسان سبعين نبيا) قيل: وما المرجئة يا ~~رسول الله؟ قال: (الذين يقولون الإيمان قول بلا عمل) (¬1) ، وقيل: إنهم ~~سموا مرجئة لأنهم أرجأوا عليا ولم يعدوه رابعا من الخلفاء، وعلى هذا كله ~~أنهم مرجئة فقط. # ¬__________ # (¬1) الحديث أخرجه الربيع بن حبيب في الجامع الصحيح 3: 201، في باب الحجة ~~على من قال: إن الإيمان قول بلا عمل. ورواه الدارقطني في السنن عن علي _رضي ~~الله عنه_، وقال السيوطي في الجامع الصغير ضعيف. PageV02P111 # واتفق جمهور من ذكرنا في صدر المقالة من الأمة على أن الله منجز وعده ~~ووعيده، ومصدقهما بتمام ذلك، وإمضائه في جميع من وعده وتوعده لا تبديل ~~لكلمات الله، ولا تحويل لأمره، قال عز وجل: (لا تختصموا لدي وقد قدمت ms242 إليكم ~~بالوعيد ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد) (¬1) ، وقال: (إن الله لا ~~يخلف الميعاد) (¬2) ، وقال: (جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون) (¬3) ؛ وذلك أن ~~الله عز وجل وعد قوما وتوعد آخرين، فجعل وعده الجنة لأوليائه المؤمنين، ~~وجعل وعيده النار لأعدائه الكافرين، ولن يجوز أن يكون وعده أو وعيده مبدلا ~~ولا محولا، ولا مستثنى فيه، ولا مرجوعا عنه، إذ لا يجوز أن تكن أخباره _جل ~~جلاله_ متكاذبة ولا متناقضة، فلو كان وعده أو وعيده مبدلا أو محولا، أو ~~مستثنى فيه لكانت جميع أخباره _جل جلاله_ ذات تكاذب وتناقض (¬4) ، # ¬__________ # (¬1) سورة ق آية رقم 29. # (¬2) سورة الرعد آية رقم 31. # (¬3) سورة الأنعام آية رقم 146. # (¬4) نقض الشيء: أفسده بعد إحكامه، ونقض اليمين أو العهد نكثه، ونقض ما ~~أبرمه فلان أبطله، وناقض غيره خالفه. # والتناقض في اصطلاح الفلاسفة: هو اختلاف تصورين أو قضيتين بالإيجاب ~~والسلب. # وقال ابن سينا: التناقض هو اختلاف قضيتين بالإيجاب والسلب بحيث يلزم عنه ~~لذاته أن تكون إحداهما صادقة والأخرى كاذبة. والتناقض عند الأصوليين: هو ~~تقابل الدليلين المتساويين على وجه لا يمكن معه الجمع بينهما، ويسمى ~~بالتعارض أو المعارضة. # ومبدأ النقيض: "هو القول إن الشيء نفسه لا يمكن أن يكون حقا وباطلا معا". ~~راجع منطق المشرقيين ص 7، والتعريفات 60، والكليات 2: 91، 92. PageV02P112 # وهل الوعد والوعيد إلا أخبار منه _عز وجل_ بأنه أعد للفريقين ما وعدهم به ~~وتوعدهم، وقال: (واتقوا النار التي أعدت للكافرين) (¬1) ، وقال: (قل ~~أفأنبئكم بشر من ذلكم النار وعدها الله الذين كفروا) (¬2) ، وكيف يخبر بأنه ~~أوعد ما لم يوعد، أو وعد ما لم يعد؟ أو يكون يعد ويوعد ثم لا يفي بما وعد، ~~ولا بما أوعد؟ ولا يوجد شيء من ذلك على ما أخبر به. وهذا غاية الوصف لله ~~_جل جلاله_ بالكذب، تعالى الله عما يقول المبطلون علوا كبيرا، وقال الله عز ~~وجل في إبليس: (يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا) (¬3) # ¬__________ # (¬1) سورة آل عمران آية رقم 131. # (¬2) سورة الحج آية رقم 72، وتكملة الآية: (وبئس المصير). # (¬3) سورة النساء آية رقم 120. قال الفخر الرازي: والغرور هو ms243 أن يظن ~~الإنسان بالشيء أنه نافع ولذيذ ثم يتبين اشتماله على أعظم الآلام والمضار، ~~وجميع أحوال الدنيا كذلك. راجع التفسير الكبير 6: 51.. PageV02P113 # فحاش لله أن تكون مواعيده كمواعيد الشيطان، ولعل قائلا يقول: فإنا قد ~~وجدنا ها هنا فيما بيننا من خلف التوعد ما قد يكون تارة من الكرم والجود ~~والأفضال، فلم لا جوزتم على الله _جل ثناؤه_ أن يكون يتوعدهم، ثم هو لا يفي ~~لهم بذلك؟ قيل له: ويحك قد ناظرت ما لم يكن نظيرا، وشبهت ما ليس بشبيه؛ ~~وذلك أن أحدا منا قد يعد ويوعد، وهو لا علم له بالذي تصير إليه عاقبة وعده ~~وتوعده، ثم يكون من بعد ذلك تبدو له أمور يتبين بها أن عاقبة وعيده إذا هو ~~أمضاه تصير إلى فساد، وتنتهي إلى هلاك، فيرى أن الخلف للذي توعد به أصلح من ~~إمضائه وإتمامه، فيقصر عندما بدا له من إنجاز ما توعد به، والله عز وجل غير ~~موصوف بأن يكون يجهل عاقبة أمر من الأمور، فيكون يبدو له ما لم يكن يعلم من ~~ذلك، ولو كان الله عز وجل يعد أحدا أو يتوعده، ثم هو لا يفي له بذلك لوقع ~~التوهم في جميع موعوداته (¬1) عز وجل، والشك في جميع أخباره ألا يأتي شيء ~~منها على ما وعد ولا على ما أخبر، وهذا إبطال التصديق لله عز وجل في جميع ~~ما يخبر به أو يعده أو يتوعد به، ولا يخلو المتوهم لهذا، والقائل به من أن ~~يكون غبيا منقوصا، أو سفيها عبثا، تعالى الله عن ذلك، ولعله يقول: أو ليس ~~الله جل جلاله رحيما بخلقه، غنيا عن عذابهم يمن برحمته (¬2) ، ولا يظلم ~~بعذابه، وهو قد وعد ثوابه على الطاعة، وتوعد بعقابه على المعاصي، فلم جعلتم ~~ما توعد به من العقاب أمضى وأنجز من الذي وعد به الثواب؟ قيل له: لسنا ننكر ~~بل نقول بأن الله عز وجل رحيم بخلقه، لطيف بعباده، يمن بالرحمة، ولا يظلم ~~بالعذاب. # ¬__________ # (¬1) راجع ما كتبه صاحب منهج الطالبين عن الوعد والوعيد، والرد على ms244 ~~القائلين بأن الله سبحانه وتعالى ينجز وعده ولكنه يمكن أن يخلف وعيده 1: 48. # (¬2) قال تعالى: (ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة ~~والذين هم بآياتنا يؤمنون) الأعراف آية 156. PageV02P114 # ومعنى ذلك: أنه متفضل على خلقه برحمته، يصيب بها من يشاء من عباده، على ~~غير استحقاق منهم، ولا استيجاب، ولا يظلم بالعذاب فيؤاخذهم على غير ما ~~عملوا، أو يعذبهم على ما لم يفعلوا، وليس هذا من الذي قلنا بأنه يثيب ~~أولياءه بأعمالهم على ما وعدهم، ويعاقب أعداءه على ما توعدهم في شيء. # ومسألة إيانا بأن قال: لم جعلتم ما توعد به من العقاب أمضى وأنجز من الذي ~~وعد به من الثواب، مسألة ساقطة ومعارضة واهية من وجوه كثيرة؛ وذلك أنه لا ~~يخلو ما سأل عنه في هذا المعنى من وجوه ثلاثة: إما أن يكون الله عز وجل ~~يجمع لهم الثواب والعقاب جميعا، فيكونون معذبين مثابين في حال واحدة، فهذا ~~من أمحل المحال الذي لا يتوهم وجوده، أو يكون يقدم أحدهم على الآخر، فيكون ~~المقدم منقطعا زائلا، والمؤخر متصلا باقيا، فأيهما المتصل وأيهما المنقطع؟ ~~فكل ما ثبت من ذلك دون الآخر فهو دعوى منه بغير دليل، فمن أراد أن يثبت ~~دعواه بغير دليل أو بما لا تثبت به الدعوى فهو متحكم. # والوجه الثاني أن يكون الله أثاب على بعض الطاعات، وترك العقوبة على بعض ~~المعاصي، فإنا لسنا نجد للثواب على شيء من فعل الطاعات وجها، إلا بأن يكون ~~المثاب ليس معه من فعل المعاصي التي توعد الله عليها العقاب، وأما إذا كان ~~معه من فعل ما توعد الله عليه العقاب فلا؛ لأن في ذلك إبطال وعيد الله عز ~~وجل وتكذيب خبره، فلما بطل هذان الوجهان لم يبق إلا الوجه الثالث بأن يكون ~~المثاب ليس معه فعل شيء مما توعد الله عليه العقاب، فيكون الثواب حينئذ ~~للمؤمنين المستكملين الإيمان على ما وعدهم، كيف وعدهم، والعقاب للكافرين ~~الراكبين ما وعدهم عقابه عليه، فهذا الذي قلنا. PageV02P115 # ووجه آخر في سقوط مسألته: أنه لا يخلو المثاب ms245 المعاقب من أن يكون مؤمنا ~~وكافرا جميعا، أو مؤمنا دون كافر، أو كافرا دون مؤمن، فبطل أن يكون مؤمنا ~~كافرا معا، لما في ذلك من الاختلاط الذي لا يسوغ به قول، ولا يوصف معه حكم، ~~وأن يكون مؤمنا معذبا في النار، معاقبا في الجحيم. فهذا غاية التكذيب لله ~~عز وجل، قال: (أولئك عنها مبعدون) (¬1) في أمثالها، أو أن يكون كافرا دون ~~مؤمن، فيكون معذبا على كفره، معاقبا على عصيانه لربه، فهو ما نقول. # ووجه آخر في سقوط مسألته: أنه لو كان مثابا معاقبا لم يخل من أن يكون من ~~أهل الثواب في الجنة أو من أهل العقاب في النار، أو من أهلهما جميعا، فبطل ~~أن يكون من أهلهما جميعا، لما في ذلك من غاية الفساد، أو أن يكون من أهل ~~الجنة، فيكون معذبا معاقبا في النار، وهذا غاية التكذيب لله عز وجل. وقد ~~قال: (أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا) (¬2) ، أو أن يكون من أهل ~~النار معذبا على عصيانه لربه وكفره به، فهو ما قلنا، ويبطل عنه عند ذلك أن ~~يكون من أهل الجنة ومن أهل الثواب. # ¬__________ # (¬1) سورة الأنبياء آية رقم 101. قال الفخر الرازي: قال أهل العفو: معناه ~~أولئك عنها مخرجون، واحتجوا عليه بوجهين الأول: قوله تعالى: (وإن منكم إلا ~~واردها) سورة مريم آية 71. أثبت الورود وهو الدخول، فدل على أن هذا الإبعاد ~~هو الإخراج. # الثاني: إن إبعاد الشيء عن الشيء لا يصح إلا إذا كانا متقاربين لأنهما لو ~~كانا متباعدين استحال إبعاد أحدهما عن الآخر؛ لأن تحصيل الحاصل محال. راجع ~~التفسير الكبير 11: 266. # (¬2) سورة الفرقان آية رقم 24. PageV02P116 # ووجه آخر: أنه لو جاز أن يكون مثابا معاقبا لم يخل أن يكون من أهل ولاية ~~الله أو من أهل عداوته، فإن كان من أهل ولاية الله فالله غير معاقب من كان ~~له وليا (¬1) ، أو يكون من أهل عداوة الله فإن الله لا يكون مثيبا بجنته من ~~هو له عدو ومن أهل عداوته، فهذا الذي قلنا. # ووجه آخر في سقوط مسألته: ms246 أنه لو جاز أن يدخل النار من يخرج منها ليجوزن ~~أن يدخل الجنة من يخرج منها. # ووجه آخر: لو جاز أن يدخل النار مؤمن لجاز أن يدخل الجنة كافر. # ¬__________ # (¬1) قال تعالى: (ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون). سورة ~~يونس آية رقم 62. PageV02P117 # ووجه آخر في سقوط مسألته: أنه لا يخلو هذا المثاب المعاقب من أن يكون ~~خالدا في الجنة أو خالدا في النار، أو خالدا فيهما جميعا، فبطل أن يكون ~~خالدا فيهما جميعا، لما في ذلك من المحال الذي لا يتوهم كونه، أو أن يكون ~~خالدا في الجنة، فهذا أيضا لا يجوز أن يسمى خالدا في الجنة، وهو قد خلد في ~~النار زمانا كثيرا ودهرا طويلا، أو أن يكون خالدا في النار، فهو الذي قلنا: ~~إن من دخلها فهو خالد فيها، قال عز وجل: (يريدون أن يخرجوا من النار وما هم ~~بخارجين منها ولهم عذاب مقيم) (¬1) ، وقال: (ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك ~~قال إنكم ماكثون) (¬2) ، وقال: (كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها) ~~(¬3) ، وقال: (ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله ~~عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما) (¬4) ، وقال: (والذين لا يدعون مع الله ~~إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك ~~يلق آثاما يضاعف له العذاب يوم القيامة، ويخلد فيه مهانا إلا من تاب) (¬5) ~~، وقال: (يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون ~~تجارة عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما ومن يفعل ذلك ~~عدوانا وظلما فسوف نصليه نارا وكان ذلك على الله يسيرا) (¬6) وقال: (إن ~~الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون ~~سعيرا) (¬7) # ¬__________ # (¬1) سورة المائدة آية رقم 37. # (¬2) سورة الزخرف آية رقم 77. # (¬3) سورة السجدة آية رقم 20. # (¬4) سورة النساء آية رقم 93. # (¬5) سورة الفرقان آية رقم 68، 69، 70، وتكملة الآية: (وآمن وعمل عملا ~~صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما) سورة الفرقان ~~آية ms247 رقم 70. # (¬6) سورة النساء آية رقم 29، 30. # (¬7) سورة النساء آية رقم 10.. PageV02P118 # وقال: (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم ~~بعذاب أليم يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم ~~هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون) (¬1) وقال: (أضاعوا الصلاة ~~واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا) (¬2) وقال: (ويل للمطففين) (¬3) وقال: (يا ~~أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين فإن لم ~~تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله) (¬4) وقال: (يا أيها الذين آمنوا ما ~~لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض _إلى قوله_: إلا ~~تنفروا يعذبكم عذابا أليما) (¬5) وقال: (يا أيها الذين أمنوا إذا لقيتم ~~الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا ~~لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير) (¬6) . # ¬__________ # (¬1) سورة التوبة آية رقم 34، 35، وقد جاءت الآية محرفة في المطبوعة حيث ~~قال: (إن الذين) بدلا من (والذين). # (¬2) سورة مريم آية رقم 59. # (¬3) سورة المطففين آية رقم 1. # (¬4) سورة البقرة آية رقم 278، 279. # (¬5) سورة التوبة آية رقم 38. # (¬6) سورة الأنفال آية رقم 15، 16. PageV02P119 # وهذا كله من كتاب الله عز وجل وعيد لأهل الكبائر من أهل الملة على ~~كبائرهم، أو يقول قائل: إنه وعيد للمشركين على هذه الكبائر، وليس بوعيد ~~لأهل الكبائر من أهل التوحيد؟ ويقال عند ذلك: فكذلك النهي عن هذه الكبائر ~~إنما هو نهي للمشركين، وليس هو لأهل الكبائر من أهل التوحيد، لما كان هذا ~~الوعيد جاء مقرونا بهذا النهي، ولا يجد في ذلك فرقا أبدا، مع ما في قوله ~~بذلك من الفساد الذي لا تتوهم غايته ولا تكيف نهايته، إذا كان الوعيد ~~للمشركين أن يكون الله إنما حض المشركين على أن لا يولوا أدبارهم للمسلمين، ~~ويتوعدهم على أن فعلوا ذلك فيقول: (ومن يولي دبره من المشركين للمؤمنين فقد ~~باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير) ويقول للمشركين: (وما لكم إذا ~~قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض) (¬1) ، ويقول ms248 لهم: (إلا ~~تنفروا) فتغزوا المؤمنين يعذبكم عذابا أليما، ويقول للمشركين: (لا تكنزوا ~~الذهب والفضة ولكن أنفقوهما في سبيل الله الذي أنتم عليه) من قتالكم محمدا ~~_رسول الله_ وجهادكم المؤمنين، وهذا من الهذيان (¬2) الذي لا يتكلم به إلا ~~المجنونون المغلوبون على عقولهم، أو من هو في مثل حالهم. فإن سألوا عن قول ~~الله عز وجل: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) (¬3) ~~قيل لهم: فقد قال الله أيضا: (إن الله يغفر الذنوب جميعا) (¬4) ، ولم يخص ~~ذنبا من ذنب، ولا غير شرك من شرك. # ¬__________ # (¬1) سورة التوبة آية رقم 38، وتكملة الآية: (أرضيتم بالحياة الدنيا من ~~الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل(. # (¬2) هذى فلان هذيا وهذيانا: نكلم بغير معقول لمرض أو غيره فهو هاذ ~~وهذاء، ويقال: هذى فلان بالشيء إذا ذكره هذيانه. والهذيان: اضطراب عقلي ~~مؤقت يتميز باختلاط أحوال الوعي. # (¬3) سورة النساء آية رقم 48. # (¬4) سورة الزمر آية رقم 53. PageV02P120 # فيجب بهذا من قول الله أن يكون يغفر الشرك وغير الشرك، والقرآن يصدقه ~~بعضه بعضا، ولا يكذب بعضه بعضا. والذي قال أهل التفسير في تأويل قول الله ~~عز وجل: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) يقول: لا ~~يتجاوز عن شرك لقيه به عبده، ويغفر ما دون الشرك من الذنوب لمن يشاء، ~~فقالوا :إنما دون الكبائر مغفور لأهله متروك لهم، إذا هم اجتنبوا الكبائر، ~~فوقع الغفران على الصغائر التي يوجب عليها العقاب، وأكد ذلك بقوله: (إن ~~تجتبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم) (¬1) فدل على أنهم إن ~~اجتنبوا الكبائر كفرت عنهم سيئاتهم التي هي دون الكبائر، فإن لم يجتنبوها ~~فلا، وقوله عز وجل: )لمن يشاء( فقد شاء أن يغفر لمجتنب الكبائر ما دون ~~الكبائر، ولم يشأ أن يغفر لمرتكبها إذا هو لقي الله بها، وقال عز وجل: ~~(الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم) (¬2) يريد من ألم منهم بما ~~دون الكبائر، فقال: (إن ربك واسع المغفرة) (¬3) # ¬__________ # (¬1) سورة النساء ms249 آية رقم 31، وقد جاءت الآية محرفة في المخطوطة حيث قال ~~(يكفر) بدلا من (نكفر). # (¬2) سورة النجم آية رقم 32. # (¬3) سورة النجم آية رقم 32، واللمم: هي الصغائر التي لا يسلم من الوقوع ~~فيها إلا من عصمه الله وحفظه، وقد اختلف في معناها، فقال أبو هريرة وابن ~~عباس والشعبي: اللمم كل ما دون الزنى. وقال ابن مسعود، وأبو سعيد الخدري، ~~وحذيفة ومسروق: إن اللمم ما دون الوطء من القبلة والغمزة والنظرة ~~والمضاجعة. وقال ابن عباس: هو الرجل يلم بذنب، قال ألم تسمع النبي _صلى ~~الله عليه وسلم_ كان يقول: # ... إن يغفر الله يغفر جما ... ... ... وأي عبد لك لا ألما # ودليل هذا قوله تعالى: (والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا ~~الله فاستغفروا لذنوبهم) سورة آل عمران آية رقم 135، ثم قال: (أولئك جزاؤهم ~~مغفرة من ربهم) سورة آل عمران آية 136. فضمن لهم المغفرة كما قال عقيب ~~اللمم: (إن ربك واسع المغفرة) سورة النجم. راجع تفسير القرطبي 10709. PageV02P121 # وهو تأويل سهل قريب، والحمد لله. # ولو كان قوله: )لمن يشاء( على ما ذهبوا إليه أنها كانت لغوا ليست ~~باستثناء كان يكون قوله عز وجل: (وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله ~~أحباؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق يغفر لمن يشاء) (¬1) أن ~~يكون اليهود (¬2) والنصارى (¬3) # ¬__________ # (¬1) سورة المائدة آية رقم 18. # (¬2) نسبوا إلى يهوذا وهو أكبر ولد يعقوب عليه السلام، فقلبت العرب الذال ~~دالا؛ لأن الأعجمية إذا عربت غيرت عن لفظها، وقيل: سموا بذلك لتوبتهم عن ~~عبادة العجل. هاد: تاب، والهائد التائب. قال الشاعر: إني امرؤ من حبه هائد ~~أي تائب، وفي التنزيل: (إنا هدنا إليك) أي تبنا. وقال ابن عرفة: هدنا إليك ~~أي سكنا إلى أمرك، والهوادة السكون والموادعة. # (¬3) النصارى: جمع واحد نصراني، وقيل: نصران بإسقاط الياء، وهذا قول ~~سيبويه، والأنثى نصرانة، كندمان وندمانة، وهو نكرة يعرف بالألف واللام. قال ~~الشاعر: # صدت كما صد عما لا يحل له ... ... ... ساقي نصارى قبيل الفصح صوام # فوصفه بالنكرة. وقال الخليل: واحد النصارى نصري، كمهري ومهارى، وأنشد ~~سيبويه ms250 شاهدا على قوله: # تراه إذا دار العشا متحنفا ... ... ... ويضحي لديه وهو نصران شامس # ولكن لا يستعمل نصران ونصرانة إلا بياءي النسب؛ لأنهم قالوا: رجل نصراني ~~وامرأة نصرانية، ونصره جعله نصرانيا. وفي الحديث: فأبواه يهودانه أو ~~ينصرانه. وقال عليه السلام: لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي أو نصراني ~~ثم لم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار. PageV02P122 # مغفورا لهم بغير استثناء ولا شريطه، ولو كان ما ذهب إليه أهل الإرجاء أن ~~ما دون الشرك مغفور لأهله، غير مؤاخذين به على حال لكان يجب أن يغفر ~~للمشركين ما دون شركهم من معاصيهم التي هي: قتلهم للمؤمنين، وسفكهم ~~لدمائهم، وأخذهم لأموالهم، وقتلهم لأولادهم سفها بغير علم، وفعلهم الفواحش ~~التي نهاهم الله عما ظهر منها وما بطن، وشربهم للخمور وبيعهم لها من الذي ~~لعنوا عنه، وتركهم النهي عن المنكر الذي لعنوا به على لسان داود وعيسى ابن ~~مريم، فيكون المشركون مغفورا لهم هذه الأفعال وأمثالها من معاصي الله عز ~~وجل؛ لأنه قال: (لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك) (¬1) جميعا على ~~مقالتهم. # ¬__________ # (¬1) سورة النساء آية رقم 48. PageV02P123 # وهذا بحمد الله بين لمن أراد الله توفيقه وهداه، فإن قالوا: وقول الله عز ~~وجل لبني إسرائيل: (وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم) (¬1) قيل لهم: قد قال أهل ~~التفسير بأن الله أمر بني إسرائيل بأن يقولوا حطة، أي أحطط عنا ذنوبنا ~~(فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم) (¬2) فقالوا: حنطة، وليس هذا من ~~الذي يذهب إليه أهل الإرجاء في شيء: أن من قال لا إله إلا الله غفرت له ~~جميع ذنوبه، وهو مقيم عليها، مصر على فعلها، ولم يكن بنو إسرائيل قوما ~~مشركين بالله حتى يكون الله عز وجل يأمرهم بأن يقولوا لا إله إلا الله ~~ليغفر بها خطاياهم، بل هم كانوا مع موسى عليه السلام على دينه من لا إله ~~إلا الله، مقرين بموسى (¬3) وهارون أنهما رسولا رب العالمين. # باب القول في حجة الله على الخلق كيف قامت وبم قامت، ms251 والرد على من قال ~~بغير الحق في ذلك. # ¬__________ # (¬1) سورة البقرة آية رقم 58، وتكملة الآية: (وسنزيد المحسنين(، وقد جاءت ~~محرفة في المطبوعة، حيث قال: يغفر بدلا من (نغفر). # (¬2) سورة البقرة آية رقم 59، وتكملة الآية (فأنزلنا على الذين ظلموا ~~رجزا من السماء بما كانوا يفسقون(، وقد جاءت الآية محرفة في المطبوعة ~~بزيادة لفظ ظلموا (منهم). # (¬3) موسى: اسم معرب، أصله موشا، ومو بالعبرية الماء، وشا الشجر سمى به ~~لأنه وجد في الماء والشجر الذي كان حول قصر فرعون في عين الشمس وهو موضع ~~بمصر لا ينبت شجر البلسان إلا فيه، سئل النبي _صلى الله عليه وسلم_ ما بال ~~الله أكثر ذكر موسى في القرآن الكريم؟ فقال: لأن الله يحبه ومن أحب شيئا ~~أكثر ذكره. راجع بصائر ذوي التمييز 6: 61 وما بعدها. PageV02P124 # اختلف من أثبت الوعيد لأهل الكبائر وأسمائهم، وفي كبائرهم ما هي؟ بعد ~~إجماعهم على ثبوت الوعيد لهم، ونفي التسمية عنهم بالإيمان، فقالت الصفرية ~~(¬1) : إن كبائرهم كفر شرك، وأسماءهم كفار مشركون، محاربون كأهل حرب النبي ~~_صلى الله عليه وسلم_، تسفك دماؤهم، وتسبى ذراريهم، وتغنم أموالهم، وهم مع ~~ذلك قد تورث أموالهم، وتنكح نساؤهم، وتؤكل ذبائحهم، ويحج معهم، ويصلي معهم، ~~فقسمت الأزارقة (¬2) واختارت، فأخذوا ما أحبوا، وتركوا ما كرهوا. # وقالت المعتزلة: كبائرهم فسق وضلال ليست بكفر، وأسماؤهم فاسقون ضالون ~~ليسوا بكافرين ولا مؤمنين، فأثبت هؤلاء منزلة ثالثة، ليست بإيمان ولا كفر، ~~وادعوا اسما ثالثا لا مؤمنا ولا كافرا. # وقالت الإباضية والزيدية (¬3) : # ¬__________ # (¬1) هم أتباع زياد بن الأصفر. وقولهم في الجملة كقول الأزارقة في أن ~~أصحاب الذنوب مشركون، غير أن الصفرية لا يرون قتل أطفال مخالفيهم ونسائهم، ~~والأزارقة يرون ذلك، وهم ثلاث فرق. ويرى صاحب الأصول الإباضية أن التقية ~~عندهم توجب في القول أما العمل فلا. راجع دراسات إسلامية في الأصول ~~الإباضية ص 14، والفرق بين الفرق ص 90، ومقالات الإسلاميين 1: 169، ~~والتبصير ص 31، والملل والنحل للشهرستاني 1: 137. # (¬2) الأزارقة: هم أتباع نافع بن الأزرق الحنفي المكنى بأبي راشد، ولم ~~تكن للخوارج فرقة أكثر عددا ولا أشد منهم شوكة، ms252 ويرون أن صاحب الكبيرة كافر ~~كفر شرك. وزعم نافع أن دار مخالفيهم دار كفر ويجوز فيها قتل الأطفال ~~والنساء، وأنكرت الأزارقة الرجم كما يقول صاحب كتاب الفرق بين الفرق. راجع ~~مقالات الإسلاميين 1: 157، والتبصير 29، والملل والنحل للشهرستاني 1: 118، ~~ودراسات في الأصول الإباضية ص 138. # (¬3) الزيدية: فرقة من فرق الشيعة، فنسبها يعود إلى زيد بن علي بن ~~الحسين، وهي أقرب الفرق الشيعية إلى السنة. # فالإمامة عندهم تكون عن طريق الخيار في نسل العلويين والفاطميين، وأن ~~إمامة علي تمت عن طريق الوصف لا عن طريق التشخيص الثابت، فهم لا يتبرأون من ~~أبي بكر وعمر وابن الخطاب، ولا يطعنون في خلافتهما، فهم يجوزون إمامة ~~المفضول مع وجود الأفضل، وقد تأثروا في عقائدهم بمدرسة المعتزلة. راجع ~~الأصول الإباضية ص 140، ومقالات الإسلاميين 1: 129، ومروج الذهب 3: 220. PageV02P125 # كبائرهم كفر نفاق لا كفر شرك، وأسماؤهم كافرون منافقون، ليسوا بمشركين ~~ولا مؤمنين (مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء) (¬1) لا إلى ~~المشركين في الحكم والسيرة، ولا إلى المؤمنين في الاسم والثواب، كما قال عز ~~وجل: (ما هم منكم ولا منهم) (¬2) ، نفاهم من المؤمنين أن يكونوا معهم في ~~التسمية بالإيمان والمودة في الدين، ونفاهم من المشركين أن يكونوا معهم في ~~التسمية بالشرك وأحكام المشركين. فهذه أحكام ثلاثة لأسماء ثلاثة: القتل ~~للمشركين، والسبي والغنيمة، وتحريم الذبائح، وتحريم المناكحة والموارثة ~~والمدافنة معهم، إلا ما يحل من أهل العهد من ذلك. # ¬__________ # (¬1) سورة النساء آية رقم 143، وتكملة الآية (ومن يضلل الله فلن تجد له ~~نصيرا) . # (¬2) سورة المجادلة آية رقم 14، وتكملة الآية (ويحلفون على الكذب وهم ~~يعلمون) . PageV02P126 # وتحريم القتل للمنافقين، إذا هم لم يظهروا نفاقهم، وتحريم السبي والغنيمة ~~منهم، وتحليل الذبائح والمناكحة والموارثة والمدافنة معهم، وتجريح شهادتهم، ~~وإبطال عدالتهم، وإقامة الحدود عليهم وفيهم، ولذلك يروى عن الحسن (¬1) أنه ~~قال: إن الحدود في المنافقين، وللمؤمنين وجوب الولاية والمودة والمحبة في ~~الدين، والاستغفار لهم، وتجويز شهادتهم، وإثبات عدالتهم، والتزكية لهم، ~~فهذه أحكام ثلاثة لأسماء ثلاثة، قال الله عز وجل: (إنا عرضنا الأمانة على ~~السماوات والأرض والجبال فأبين أن ms253 يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه ~~كان ظلوما جهولا، ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ~~ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات وكان الله غفورا رحيما) (¬2) فجعلهم ~~ثلاث منازل معروفة غير مجهولة في كتاب الله عز وجل، وقال عز وجل في ~~المنافقين: (ويحلفون بالله إنهم لمنكم) (¬3) يقوله للمؤمنين، أي في النصر ~~والتسمية بالإيمان والوفاء، فقال عز وجل تكذيبا للمنافقين: (وما هم منكم) ~~(¬4) يقوله للمؤمنين، أي ليسوا منكم في الوفاء، ولا تجرى عليهم أسماؤكم، ثم ~~بين ما الذي لم يكونوا به من المؤمنين فقال: (ولكنهم قوم يفرقون) (¬5) أي ~~يجبنون عن الحرب وعن قتال العدو، فبذلك ومثله من أفعالهم،لم يكونوا من ~~المؤمنين، ثم قال: (ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله فأن له نار جهنم) ~~(¬6) يقول: قد علموا ذلك ودل على أنهم من أهل التصديق. # ¬__________ # (¬1) لعله الحسن بن يسار البصري أبو سعيد، تابعي، كان إمام أهل البصرة، ~~وحبر الأمة في زمنه، ولد عام 12 ه، وتوفي عام 110 ه. راجع تهذيب التهذيب، ~~ووفيات الأعيان، وميزان الاعتدال 1: 254، وحيلة الأولياء 2: 131. # (¬2) سورة الأحزاب آية رقم 73. # (¬3) سورة التوبة آية رقم 56. # (¬4) سورة التوبة آية رقم 56 . # (¬5) سورة التوبة آية رقم 56. # (¬6) سورة التوبة آية رقم 63. PageV02P127 # وقال مفرقا بين المؤمنين والمنافقين: (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء ~~بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ~~ويطيعون الله ورسوله) (¬1) إلى آخر الآية، ثم قال: (والمنافقون والمنافقات ~~بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ويقبضون أيديهم نسوا الله) ~~(¬2) يعني النفقة في سبيل الله، فبين ما به فرق بين المؤمنين وبين ~~المنافقين، من أفعال المنافقين التي هي ليست شركا وإنما هي كبائر دون ~~الشرك. ومما يؤثر عن رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ في حيلة المنافقين أنه ~~قال: (المنافق إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أؤتمن خان) (¬3) . فدل على ~~أن هذه الأفعال من النفاق، ودل بذلك على أن المنافقين ليسوا بمشركين. # ¬__________ # (¬1) سورة التوبة آية رقم 71، وقد جاءت الآية محرفة في المطبوعة حيث قال: ~~المؤمنون بدلا من (والمؤمنون). # (¬2) سورة التوبة آية ms254 رقم 67، وقد جاءت الآية محرفة في المطبوعة حيث قال: ~~(والمنافقون) بدلا من (المنافقون). # (¬3) الحديث أخرجه الإمام البخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن أبي هريرة ~~_رضي الله عنه_ قال رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ وذكره، وزاد مسلم: وإن ~~صام وصلى وزعم أنه مسلم. ورواية البخاري 1: 83 في الإيمان، باب علامات ~~المنافق، وفي الشهادات، باب من أمر بإنجاز الوعد، وفي الوصايا، باب قول ~~الله تعالى: (من بعد وصية يوصى بها أودين(، وفي الأدب، باب قول الله تعالى: ~~(يا أيها الذين آمنوا اتقوا وكونوا مع الصادقين(. ورواية مسلم رقم 59 في ~~الإيمان، باب بيان خصال المنافق. والترمذي رقم 2633 في الإيمان، باب ما جاء ~~في علامة المنافق. والنسائي 8: 117 في الإيمان، باب علامة المنافق. PageV02P128 # نسأل الصفرية عن الشرك ما هو؟ وما معناه في اللغة؟ فإن قالوا: هو ~~المساواة بالله غيره، كما أن التوحيد إفراد لله من غيره، أبطلوا أن يكون ~~ترك الفرائض والعمل بالكبائر شركا؛ لأن أهلها لم يساووا الله بغيره، وإنما ~~أتوا ما أتوا شهوة ولذة، وهم مقرون بتحريمه، دائنون به. وإن قالوا: إن ~~المعصية لله إنما كانت شركا لأنها طاعة لإبليس، واعتلوا بقول الله عز وجل: ~~(وإن أطعتموهم إنكم لمشركون) (¬1) فقالوا: إذا أطعتم المشركين في أكل ~~الميتة فأكلتموها أشركتم. قيل لهم: لم يشركوا بأكل الميتة وإنما أشركوا ~~باستحلالها؛ وذلك أن المشركين جادلوا المؤمنين فقالوا لهم: تأكلون ما ~~قتلتم، ولا تأكلون ما قتل الله لكم، فأنزل الله: (ولا تأكلوا مما لم يذكر ~~اسم الله عليه وإنه لفسق وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن ~~أطعتموهم إنكم لمشركون) (¬2) وذلك إذا أطاعوهم في استحلال أكل الميتة. ~~ويلزمهم إذا كان كل من عصا الله في شيء أطاع إبليس أنه عابد لإبليس، مشرك ~~بالله، أن يكون آدم _صلى الله عليه وسلم_ حيث قال: (وعصا آدم ربه فغوى) ~~(¬3) عابدا لإبليس، مشركا بالله في معصيته لله حين أكل من الشجرة التي نهاه ~~الله عنها، أو غيره من الأنبياء، قال الله لنبيه _صلى الله عليه وسلم_ (عفا ~~الله عنك ms255 لم أذنت لهم) (¬4) ، ولا يكون أن يعفو عنه ما ليس بمعصية، وكذلك ~~قول يونس عليه السلام حيث يقول: (سبحانك إني كنت من الظالمين) (¬5) ، وموسى ~~إذ يقول: (سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين) (¬6) # ¬__________ # (¬1) سورة الأنعام آية رقم 121. # (¬2) سورة الأنعام آية رقم 121. # (¬3) سورة طه آية رقم 121. # (¬4) سورة التوبة آية رقم 43، وتكملة الآية : (حتى يتبين لك الذين صدقوا ~~وتعلم الكاذبين). # (¬5) سورة الأنبياء آية رقم 87. # (¬6) سورة الأعراف آية رقم 143.. PageV02P129 # أن يكون هؤلاء من الأنبياء عابدين الشيطان مشركين بالرحمن، وحاشا لله ~~ولأنبيائه ولرسله وخيرته من خلقه من هذا القول، وما يجر إليه من الضلال. # فإن قال قائل منهم: لم جعلتم جميع طاعة الله إيمانا ولم تجعلوا جميع ~~معصيته كفرا؟ قيل لهم: من قبل أن الإيمان إنما كان إيمانا لوجوب الثواب ~~عليه، فكل طاعة لله عز وجل فالثواب عليها واجب، فكانت لذلك إيمانا، وليست ~~كل معصية لله عليها عقاب، فتكون كلها كفرا. وقد اجتمعت الأمة على أن كل ~~كبيرة معصية، ولم يجمعوا على أن كل معصية كبيرة (¬1) ، فلو كانت كل معصية ~~كبيرة كانت الأمة تجمع ألا معصية إلا كبيرة، كما أجمعوا أن لا كبيرة إلا ~~عصيان. ألا ترى أن الله قال في كتابه: (ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا ~~كبيرة إلا أحصاها) (¬2) ، وقال: (وكل صغير وكبير مستطر) (¬3) ، وقال: (إن ~~تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما) (¬4) ~~فكل ما كان مغفورا لأهله، متروك المؤاخذة عليه فهو صغير غير كبير، وغير ~~كفر. فعلمنا لذلك أن جميع طاعة الله إيمان، وليس جميع معصيته كفرا ولا ~~كبيرا، فإن قالو:ا قد أخبر الله أن (ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا ~~مبينا) (¬5) فينبغي أن تكون كل المعاصي كبيرة، قيل لهم: قد استثنى في ~~المعاصي فقال: (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم) (¬6) # ¬__________ # (¬1) راجع ما كتبه الشيخ السالمي في كتابه مشارق أنوار العقول عن الكبائر ~~وأقسام الكبائر 374 395. # (¬2) سورة الكهف آية رقم 49. # (¬3) سورة القمر آية رقم 53. # (¬4) سورة النساء آية رقم 31. # (¬5) سورة الأحزاب آية ms256 رقم 36، وقد جاءت الآية محرفة في المطبوعة حيث ~~قال: بعيدا بدلا (مبينا). # (¬6) سورة النساء آية رقم 36، وتكملة الآية: (وندخلكم مدخلا كريما).. PageV02P130 # والسيئات عام والمعاصي عام، فاستثنى في الاسم العام، فعلمنا أن ليس كل ~~معصية ضلالا؛ لأن المعصية اسم عام، ولأن بعضها من بعض، فقلنا صغير ~~باستثنائه في الاسم العام من السيئات. فإن قالوا: لم كفرتم الجبابرة ولم ~~تشركوهم؟ قيل لهم: ليس كل كفر شركا، كما أن كل شرك كفر، فكل فعل أوعد الله ~~عليه العقاب، وأضاف فاعله إلى النار علمنا أنه كفر، والشرك إنما هو مقصور ~~على المساواة بالله غيره، كما أن التوحيد إفراد لله من غيره. فلما أن وجدنا ~~من ذكرتم ليسوا بمساوين لله بغيره في شيء من أفعالهم، وإنما أتوا ما أتوا ~~من ذلك شهوة ولذة دائنين بتحريمه، غير مستحلين له، علمنا أنهم كافرون غير ~~مشركين. فإن قالوا: فكيف حتى قلتم بتحليل دمائهم، ولم تقولوا بتحليل ~~أموالهم، وسبي (¬1) ذراريهم؟ قيل لهم: ليس كل من حل دمه فقد حل ماله، وجاز ~~سبيه. ألا ترون أن القاتل للنفس التي حرم الله قد يقتل، ولا يحل ماله، ولا ~~سبيه. وقد يرجم الزاني المحصن (¬2) ولا يحل سبيه ولا ماله. والقاطع طريق ~~المسلمين، والدال على عوراتهم، فليس أحد من هؤلاء يحل ماله ولا سبيه، وقال ~~الله عز وجل: (فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله) (¬3) ، # ¬__________ # (¬1) يقال: سبته الغانية أسرته، والسبي: المأسور، وصف بالمصدر، يقال: قوم ~~سبي والنساء؛ لأنهن يسبين القلوب، والسبي: المأسور والمأسورة، وهي سبية ~~أيضا، والسبية: الدرة يخرجها الغواص من البحر. # (¬2) حصن المكان حصانة: منع فهو حصين، والمرأة حصنا وحصانة عفت وتزوجت ~~فهي حصان، وأحصن الرجل: تزوج وعف فهو محصن وهي محصنة، وفي التنزيل قال ~~تعالى: (والمحصنات من النساء). # (¬3) سورة الحجرات آية رقم 9.. PageV02P131 # وقد جرى في سالف هذه الأمة بينهم في الدماء ما هو مشهور غير مستور، معروف ~~غير مجهول، فهل سمعتم فيما بينهم بتحليل في مال، أو سبي في ذرية، حتى كنتم ~~أول من أحدث هذا الحدث، وفتحتم بابه، ms257 وزعمتم أن المحدثين من أهل القبلة ~~مشركون كأهل حرب رسول الله _صلى الله عليه وسلم_، فسفكتم دماءهم، وأخذتم ~~أموالهم، وسبيتم ذراريهم، وانتحلتم الهجرة، وزعمتم أنها فريضة على الناس أن ~~يهاجروا أوطانهم، ويفارقوا ديارهم أينما كانوا في شرق الأرض وغربها، حتى ~~يلحقوا ببيضتكم (¬1) ، أينما كنتم، وحيثما ما كنتم. ومما يؤثر عن النبي ~~_صلى الله عليه وسلم_ أنه قال: "لا هجرة بعد فتح مكة"، وقد أقر الناس على ~~منازلهم بعد فتح مكة وغيرها من البلدان، فلم يضيق على أحد منهم في اللحوق ~~به صلى الله عليه وسلم. # ¬__________ # (¬1) بيضة الشيء أصله، وبيضة القوم: حوزتهم وحماهم، وبيضة الدار: وسطها. ~~ويقال: أفرخت بيضته: ظهر مكتوم أمره، وفلان بيضة البلد: إذا عرف بالسيادة. ~~ويقال للشيء الذي لا يقع إلا مرة واحدة بيضة الديك. وبيضة الصيف: شدة حره. PageV02P132 # ونحن محتجون على المعتزلة فنقول لهم: أخبرونا أليس قد اتفقنا نحن وأنتم ~~جميعا على أن الوعيد لأهل الكبائر ثابت، وأنهم غير مؤمنين؟ وبعد فأخبرونا ~~من أين علمتم بتفسيقهم ولم تعلموا بتكفيرهم؟ وهل سميتموهم فاسقين إلا لأن ~~سميتموهم غير مؤمنين، ولأن ثبتم وعيدهم؟ فإن كنتم لهذين الوجهين سميتموهم ~~فاسقين فيجب عليكم أن تسموهم كافرين كما سميتموهم فاسقين، إذا كان الوعيد ~~إنما هو للكافرين والفاسقين، وإذ كان من بطلت عنه التسمية بالإيمان لم تبطل ~~عنه إلا لأن ثبت وعيده، وسمي كافرا، فإن كنتم لا تسمونهم كافرين فيجب عليكم ~~أن تسموهم مؤمنين، وتبطلوا وعيدهم، فتصيروا إلى مذهب المرجئة، وليس لكم بين ~~القولين قولا ولا بين السبيلين سبيل، إما أن تكونوا تزيلون وعيد أهل ~~الكبائر وتسمونهم مؤمنين، أو تكونوا تثبتون وعيدهم فتسمونهم كافرين، ~~فانظروا على أي هذين القولين تعزمون، وعلى أيهما تعتمدون. ومقالتنا على كل ~~حال أقرب لكم من مقالة المرجئة؛ لأنكم خالفتم المرجئة في معنيين: في إثبات ~~الوعيد، ونفي التسمية بالإيمان، وما وافقتموهم إلا في شيء واحد، وهي نفي ~~التسمية بالكفر، ووافقتمونا في معنيين: في إثبات الوعيد، ونفي التسمية ~~بالإيمان، ولم تخالفونا في عبارة التسمية بالكفر. وأما جميع معاني الكفر ~~ووجوهه: ms258 من إثبات الوعيد، والخلود في النار، والتسمية لهم بجميع أسماء أهل ~~الكفر: من الضالين، والفاسقين، والظالمين، والفجار، وأعداء الله فقد أثبتم ~~جميع ذلك وسميتموهم به، فلم شنعتم (¬1) # ¬__________ # (¬1) شنع به شنعا: استنكره واستقبحه، وشنع شناعة: اشتد قبحه فهو شنيع، ~~وشنع الشيء: قبحه على فلان، فضحه وشوه سمعته، وتشنع: غلب عليه القبح، وتشنع ~~القوم: قبح أمرهم باختلافهم واضطراب رأيهم. ويقال فعلة شنعاء: قبيحة بالغة ~~القبح.. PageV02P133 # النظر عن عبارة التسمية بالكفر، وأنتم أثبتم معناها؛ لأن في نفيكم ~~التسمية بالإيمان تسمية بالكفر، كما أن في نفي التسمية بالكفر تسمية ~~بالإيمان، وليست التسمية بالفسق مما يقابل لكم التسمية بالإيمان، ولا مما ~~يضادها، ولا مما يسد مسدها وينافيها، وإنما يضاد المؤمن الكافر، والكافر ~~يضاد المؤمن، ويضاد الموحد المشرك، كما أن المشرك يضاد الموحد ويضاد المطيع ~~العاصي، كما أن العاصي يضاد المطيع، ويضاد الضال المهتدي، كما أن المهتدي ~~يضاد الضال، ويضاد الفاجر البار، كما يضاد البار الفاجر، ويضاد العدو ~~الولي، كما أن الولي يضاده العدو، ويضاد الفاسق الصالح، كما أن الصالح يضاد ~~الفاسق، وكذلك يضاد المؤمن الكافر، كما أن الكافر يضاد المؤمن. فمن تدبر ما ~~قلنا من هذا وجده كما وصفنا، إن شاء الله. # ويقال لهم: أخبرونا لأية علة صار الإيمان (¬1) # ¬__________ # (¬1) الإيمان عند صاحب التعريفات: في اللغة التصديق بالقلب، وفي الشرع: ~~هو الاعتقاد بالقلب، والإقرار باللسان. قيل: من شهد وعمل ولم يعتقد فهو ~~منافق، ومن شهد ولم يعمل واعتقد فهو فاسق، ومن أخل بالشهادة فهو كافر. # ويقول صاحب الأصول الإباضية: الإباضية يرون أن الدين والإيمان والإسلام ~~أسماء لشيء واحد: وهو طاعة الله تعالى، وتطبيق قواعد الإسلام تطبيقا عمليا ~~على حسب (ما قاله علماء الإباضية). راجع كتاب الوضع ص 14 16، ومقدمة ~~التوحيد لأبي حفص عمر بن جميع ص 50، والأصول الإباضية ص 56، 57، والتعريفات ص 34. PageV02P134 # إيمانا؟ فإن قالوا: لأنه تصديق أبطلوا عن الفرائض التي هي غير تصديق أن ~~تكون إيمانا، وليس ذلك من قولهم، فإن قالوا: إنما كان الإيمان إيمانا لوجوب ~~الثواب عليه، قيل لهم: فيجب عليكم أن ms259 يكون الكفر كفرا لوجوب العقاب عليه، ~~فيدخل في حد الكفر جميع ما أوجب الله عليه العقاب، كما دخل في حد الإيمان ~~جميع ما أوجب الله عليه الثواب، ويقال لهم: أليس من الإيمان تصديق وغير ~~تصديق؟ قالوا: بلى، وهو قولهم، قيل لهم: فكذلك الكفر تكذيب وغير تكذيب، ~~فالإيمان الذي هو تصديق ضد الكفر الذي هو تكذيب، والإيمان الذي هو غير ~~تصديق ضد الكفر الذي هو غير تكذيب. ثم يقال لهم: أخبرونا عن الإقرار بأن ~~دماءكم حرام، وأن دينكم حق وعدل، هل الإقرار بهذا عندكم إيمان أو ليس ~~بإيمان؟ قالوا: بلى هو إيمان، وهو قولهم، قيل لهم: فالجحد لذلك، والقول بأن ~~دماءكم حلال، وأن دينكم باطل، فلم لا كان كفرا؟ قالوا: إن كان ذلك القول من ~~المتأولين من أهل القبلة فليس هو بكفر، قيل لهم: لم قلتم ذلك والإقرار به ~~إيمان؟ وهل رأيتم شيئا يكون الإقرار به إيمانا، ولا يكون الإنكار له كفرا، ~~فإن قالوا: فإن الله عز وجل قال: (وأما الذين فسقوا فمأواهم النار) (¬1) ~~قيل لهم أيضا: فقد قال الله عز وجل: (قل أفأنبئكم بشر من ذلكم النار وعدها ~~الله الذين كفروا) (¬2) وقال: (وكذلك حقت كلمة ربك على الذين كفروا أنهم ~~أصحاب النار) (¬3) ، وقال: (وإن جهنم لمحيطة بالكافرين) (¬4) # ¬__________ # (¬1) سورة السجدة آية رقم 20، وتكملة الآية: (كلما أرادوا أن يخرجوا منها ~~أعيدوا فيها وقيل لهم ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون). # (¬2) سورة الحج آية رقم 72، وتكملة الآية: (وبئس المصير)، وقد جاءت الآية ~~محرفة في المطبوعة حيث قال: (للذين) بدلا من (الذين). # (¬3) سورة غافر آية رقم 6. # (¬4) سورة العنكبوت آية رقم 54.. PageV02P135 # فاسم الكافرين، والفاسقين، والضالين، والظالمين، والفجار مشتمل على جميع ~~أسماء أهل النار، كما أن اسم المؤمنين والمسلمين، والمهتدين، والبارين ~~مشتمل على جميع أسماء أهل الجنة، فمرة سمي أهل النار كافرين، فقال: (واتقوا ~~النار التي أعدت للكافرين) (¬1) ومرة سماهم ضالين فقال: (وأما إن كان من ~~المكذبين الضالين فنزل من حميم وتصلية جحيم) (¬2) ومرة سماهم فجار فقال: ~~(كلا إن كتاب الفجار لفي سجين) (¬3) ، ومرة ms260 سماهم ظالمين فقال: (فويل للذين ~~ظلموا من عذاب يوم أليم) (¬4) ومرة سماهم أعداء الله فقال: (ويوم يحشر ~~أعداء الله إلى النار فهم يوزعون) (¬5) ، وقد قال الله عز وجل: (فإن الله ~~عدو للكافرين) (¬6) فهم أعداء الله، وهو لهم عدو؛ لأنه قال: (عدو ~~للكافرين)، وليس في أن سماهم ضالين ما يزيل عنهم كافرين أو شيئا من ~~أسمائهم، ولا أن سماهم كافرين بالذي يزيل عنهم ضالين ولا شيئا من أسمائهم ~~فدل بهذا الذي قلنا أن هذه الأسماء كلها مقرونة بإثبات الوعيد، منوطة بوجوب ~~العقاب، ولن يجوز أن يكون وجوب العقاب إلا للكفر، كما لا يجوز أن يكون وجوب ~~الثواب إلا للإيمان، وقال عز وجل: (يوم تبيض وجوه وتسود وجوه) (¬7) فدل على ~~أنهم في القيامة على هاتين الحالتين، ثم قال: (فأما الذين اسودت وجوههم ~~أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون) (¬8) # ¬__________ # (¬1) سورة آل عمران آية رقم 131. # (¬2) سورة الواقعة الآيات: رقم 92 93 94. # (¬3) سورة المطففين آية رقم 7. # (¬4) سورة الزخرف آية رقم 60. # (¬5) سورة فصلت آية رقم 19. # (¬6) سورة البقرة آية رقم 98. # (¬7) سورة آل عمران آية رقم 106. # (¬8) سورة آل عمران آية رقم 106.. PageV02P136 # فجعل علة أن ذاقوا العذاب علة الكفر بقوله: (بما كنتم تكفرون)، وقال: ~~(وجوه يومئذ مسفرة ضاحكة مستبشرة ووجوه يومئذ عليها غبرة ترهقها قترة أولئك ~~هم الكفرة الفجرة) (¬1) ، وهل بقي يومئذ وجوه أخرى غير هاتين ولم يذكرها ~~الله عز وجل، أو أغفلها، أو نسيها مما قلتم، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. ~~وقد قال عز وجل: (خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن) (¬2) فدل على أنه ليس فيما ~~خلق منهم بين هذين الاسمين اسم، ولا بين هاتين المنزلتين منزلة، فالدخول في ~~الإيمان هو الخروج من الكفر، كما أن الدخول في الكفر هو الخروج من الإيمان، ~~وقال: (إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا) (¬3) ردا على من قال إن ~~بينهما اسما ثالثا، لقوله: "إما" مكسورة مكررة. وقال سليمان عليه السلام: ~~(هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر) (¬4) ، وقال عز وجل: (ولله على ~~الناس حج البيت من استطاع ms261 إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين) ~~(¬5) . وفي مثل ذلك ما روي عن النبي _صلى الله عليه وسلم_ حين سأله الرجل ~~عن فريضة الحج فقال: أفي كل عام يا رسول الله؟ فقال _صلى الله عليه وسلم_: ~~"لو قلت نعم لوجبت، ولو وجبت ما قدرتم إذا لكفرتم" (¬6) ، # ¬__________ # (¬1) سورة عبس آية رقم 38 42، وقد جاءت الآية 42 محرفة في المطبوعة حيث ~~قال: "والفجرة" بزيادة (الواو) بدلا من (الفجرة). # (¬2) سورة التغابن آية رقم 2. # (¬3) سورة الإنسان آية رقم 3. # (¬4) سورة النمل آية رقم 40. # (¬5) سورة آل عمران آية رقم 97. # (¬6) الحديث أخرجه الترمذي 3057 في التفسير، باب ومن سورة المائدة، ورقم ~~814 في الحج، باب ما جاءكم فرض الحج..وأخرجه ابن ماجة رقم 2884 في الحج، ~~باب فرض الحج، وفي سنده منصور بن وردان الأسدي الكوفي لم يوثقه غير ابن ~~حبان، وأبو البختري، وهو سعيد بن فيروز يرسل عن علي ولم يلقه ولم يسمعه ~~منه، فالمسند منقطع؛ ولكن للحديث شواهد دون ذكر سبب النزول عند الإمام ~~مسلم، وأحمد والنسائي من حديث أبي هريرة، وعند أحمد وأبي داود والنسائي ~~وابن ماجة والبيهقي والحاكم من حديث ابن عباس، وعند ابن ماجة من حديث أنس. ~~ولذلك قال الترمذي: حديث حسن غريب. PageV02P137 # ثم قال _صلى الله عليه وسلم_: ألا لا ألفينكم رجعتم بعدي كفارا يضرب ~~بعضكم رقاب بعض على الدنيا (¬1) ، وقوله _صلى الله عليه وسلم_: "ليس بين ~~العبد والكفر إلا تركه الصلاة" (¬2) . فقد أجمعت الأمة على هذه الأحاديث ~~يرويها الموافق والمخالف عن رسول الله _صلى الله عليه وسلم_، وكل ما ~~أدخلناه على المعتزلة في نفيهم التسمية بالكفر فهو داخل على المرجئة سواء. # النقض على جهم بن صفوان (¬3) # ¬__________ # (¬1) الحديث رواه الإمام البخاري في كتاب العلم، 43 باب الإنصات للعلماء ~~121، عن أبي زرعة عن جرير أن النبي _صلى الله عليه وسلم_ قال له في حجة ~~الوداع: استنصت الناس، فقال: وذكره. وادعى بعضهم أن لفظ (له) زيادة، لأن ~~جرير إنما أسلم بعد حجة الوداع بنحو من شهرين. فقد جزم ابن عبد ms262 البر بأنه ~~أسلم قبل موت النبي _صلى الله عليه وسلم_ بأربعين يوما، وما جزم به يعارضه ~~قول البغوي وابن حبان أنه أسلم في رمضان سنة عشر. # ورواه الإمام مسلم في كتاب الإيمان، 29 باب بيان معنى قول النبي _صلى ~~الله عليه وسلم_: لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض، 118 (65)، عن ~~محمد بن جعفر عن شعبة، وحدثنا عبيد الله ابن معاذ واللفظ له، حدثنا أبي ~~حدثنا شعبة عن علي بن مدرك سمع أبا زرعة يحدث عن جده جرير قال: قال النبي ~~_صلى الله عليه وسلم_ وذكره، ورواية أبي داود في كتاب السنة 4686، قال واقد ~~بن عبد الله: أخبرني عن أبيه أنه سمع أن عمر يحدث عن النبي _صلى الله عليه ~~وسلم_ وذكره، ورواية الترمذي في الفتن 28، والدارمي في المناسك 76، وأحمد ~~بن حنبل في المسند 2: 85، 87 (حلبي). # (¬2) سبق تخريج هذا الحديث. # (¬3) جهم بن صفوان: هو أبو محرز جهم بن صفوان الراسبي. قال عنه الذهبي في ~~تذكرة الحفاظ رقم 1584 : "الضال المبتدع رأس الجهمية، هلك في زمان صغار ~~التابعين، وما علمته روى شيئا، ولكنه زرع شرا عظيما". # وقال الطبري عنه: "إنه كان كاتبا للحارث بن سريج الذي خرج في خراسان في ~~آخر دولة بني أمية". أنظر حوادث سنة 128، وكان جهم تلميذا للجعد بن درهم ~~الزنديق الذي كان أول من ابتدع القول بخلق القرآن، وفيه يقول الذهبي في ~~ميزان الاعتدال رقم 1482: الجعد بن درهم عداده في التابعين، مبتدع ضال، زعم ~~أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا، ولم يكلم موسى تكليما، فقتل على ذلك ~~بالعراق يوم النحر. راجع الفرق بين الفرق 311، وميزان الاعتدال 1: 197، ~~وتذكرة الحفاظ، وتاريخ الطبري، والتبصير 62، والملل والنحل 1: 86، ولسان ~~الميزان 2: 142، والرد على الجهمية والزنادقة بتحقيقنا/ ط دار اللواء ~~الرياض. PageV02P138 # تسأل الجهمية (¬1) # ¬__________ # (¬1) أتباع جهم بن صفوان الذي قال بالإجبار والاضطرار إلى الأعمال، وأنكر ~~الاستطاعات كلها، وزعم أن الجنة والنار تبيدان وتفنيان، وزعم أيضا أن ~~الإيمان هو المعرفة بالله تعالى فقط، وأن الكفر هو الجهل به فقط، وقال: لا ~~فعل ولا عمل ms263 لأحد غير الله تعالى، وإنما تنسب الأعمال إلى المخلوقين على ~~المجاز. # وفي مقالات الإسلاميين: قال جهم: "إن علم الله محدث، هو أحدثه فعلم به، ~~وأنه غير الله، وقد يجوز عنده أن الله يكون عالما بالأشياء قبل وجودها بعلم ~~يحدثه قبلها". راجع مقالات الإسلاميين 2: 494، والملل والنحل 1: 86، والفرق ~~بين الفرق 211، والتعريفات للجرجاني 71. PageV02P139 # عن قولهم بأن الجنة والنار بما فيهما من الثواب والعقاب، ومن فيهما من ~~أهل الثواب والعقاب غير باقيين ولا دائمين، فيقال لهم: ويلكم كيف منكم حتى ~~اعترضتم على أخبار الله عز وجل بالرد على جميع ذلك بالدوام ولأهلهما ~~بالخلود، وتجاسرتم عليها بالنقض، وانفردتم بمخالفة الأمة؟ قالوا: لما وجدنا ~~الله عز وجل قديما لا يحدث، باقيا لا يفنى، ولن يجوز أن يساويه أحد في ~~صفته، فلذلك أبطلنا عما دونه من الخلق أن يكون باقيا، كما أبطلنا عنه أن ~~يكون قديما. قيل لهم: ويحكم قد اتقيتم الأبرة، وبلعتم الزبرة (¬1) ، ووقعتم ~~في أشد مما هربتم منه، أليست العلة في إن كان القديم قديما أنه لم يحدث قط؟ ~~وليست العلة في إن كان الباقي باقيا أنه لم يفن قط، والباقي قد يكون باقيا، ~~ثم يفنى ويكون باقيا ولا يفنى، والقديم لا يكون قديما إلا بأن لم يحدث قط. # وبعد فمن أين ناظرتم (¬2) # ¬__________ # (¬1) الزبرة: بالضم القطعة من الحديد، قال الله تعالى: (آتوني زبر ~~الحديد) سورة الكهف آية 96. وزبر أيضا بضم الباء، قال تعالى: (فتقطعوا ~~أمرهم بينهم زبرا) سورة المؤمنون آية 53 أي قطعا. والزبر: الزجر والانتهار، ~~وبابه نصر، والزبر بالكسر الكتاب، والجمع زبور كقدر وقدور، ومنه قرأ بعضهم: ~~(وآتينا داود زبورا) سورة الإسراء آية 55. # (¬2) النظير: المثل، والجمع: نظراء، وأصله المناظر، كأن كل واحد منهما ~~ينظر إلى صاحبه فيباريه. والمناظرة: المباحثة والمباراة في النظر واستحضار ~~كل ما يراه ببصيرته. # والنظر: "البحث، وهو أعم من القياس؛ لأن كل قياس نظر، وليس كل نظر ~~قياسا". PageV02P140 # الباقي بالقديم؟ وصرتم لنا مع أهل الدهر عديلتين قرينتين، فإذا ما ~~احتججنا على الدهرية عارضونا بكم، وإذا احتججنا عليكم عارضتمونا بالدهرية ~~قبحا ms264 لكم، ولمقالتكم بين سائر المتكلمين! ويقال لهم: أخبرونا عن هذه ~~الأجسام الباقية، من أبقاها وأدامها؟ قالوا: الذي خلقها هو الذي أبقاها ~~وأدامها، قيل لهم: أبقدرة فعل ذلك أم بغير قدرة؟ قالوا: بقدرة، قيل لهم: ~~فهل لقدرته في إبقائه لها من نهاية أم ليس لها نهاية؟ فإن قالوا: بأن لها ~~نهاية وصفوا ربهم بصفات الأجسام؛ حيث زعموا أن قدرته ذات نهاية، وإن قالوا: ~~غير متناهية، قيل لهم: فإذا كانت غير متناهية فلم زعمتم أنه لا يجوز على ~~الله، ولا على قدرته أن يكون يبقي هذه الأشياء إلى غير نهاية؟ ثم يقال لهم: ~~أخبرونا عن المدة في الذي انتحلتم من ذلك ما هي؟ وكم هي؟ قالوا: لا نجد لها ~~حدا إلا أنا عرفنا بأنها منقطعة، كما عرفنا أن الدنيا منقطعة، ولو أنا لا ~~نجد أجلها، ولا نعد مدتها، قيل لهم: قبحا لكم إنا إنما قلنا إن الدنيا ~~منقطعة الأجل لعلمنا بما وراءها من الآخرة، فهل تعلمون للآخرة وراء يعرف به ~~أنها منقطعة كما عرف أن الدنيا منقطعة بما وراءها من الآخرة؟ ويقال لهم: هل ~~تصفون الله عز وجل بأنه دائم؟ قالوا: نعم، قيل لهم: فإنه قد قال الله عز ~~وجل في صفة الجنة: (أكلها دائم وظلها) (¬1) أفترون أن الله عز وجل وصف ~~الجنة بصفة نفسه؟ تعالى الله عن مقالات الجهمية علوا كبيرا. # النقض على من زعم أن القرآن غير مخلوق # ¬__________ # (¬1) سورة الرعد آية رقم 35، وتكملة الآية: (تلك عقبى الذين اتقوا وعقبى ~~الكافرين النار). PageV02P141 # يقال لمن زعم أن القرآن غير مخلوق: أخبرونا عن القرآن وجميع الكتب ~~المنزلة من الله إلى خلقه على ألسنة رسله، أهي أشياء أم ليست بأشياء؟ فإن ~~قالوا: بأنها غير أشياء أبطلوها، وجعلوها في حد العدم والتلاشي، فيقال لهم: ~~فما الذي زعمتم أنه ليس بمخلوق؟ إذ ليس ثم شيء يكون غير مخلوق، أو خلقا. ~~وبطل على هذا المعنى أن تكون رسل الله جاءت من عند الله بشيء، وإن الله ~~أنزل على أنبيائه شيئا، وقد قال الله عز وجل: (وما ms265 قدرا الله حق قدره إذ ~~قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء) (¬1) فقال ردا عليهم: (قل من أنزل ~~الكتاب الذي جاء به موسى) (¬2) ، فلما تبين أن كتاب الله شيء من الأشياء ~~قلنا: لا يخلو هذا الشيء من وجهين لا ثالث لهما: إما أن يكون محدثا أو غير ~~محدث، فإن قالوا: غير محدث أبطلوا، وردوا على الله حيث قال: (وما يأتيهم من ~~ذكر من الرحمن محدث إلا كانوا عنه معرضين) (¬3) ، فإن قالوا: محدث، قيل: من ~~أحدثه؟ فإن أضافوا حدوثه إلى غير الله أبطلوا، وإن قالوا: إن الله أحدثه ~~أقروا بخلقه، ويقال: هل كان القرآن دالا على الله في ربوبيته، شاهدا عليه ~~في وحدانيته؟ فإن قالوا: لا أبطلوا، وإن قالوا: بل هو دال على الله، وشاهد ~~عليه كما كان سائر الأشياء من الخلق دالا على الله، قلنا من جعله دالا على ~~الله؟ ولا يجدون إلا أن يقولوا الله جعله دلالة على ربوبيته، وشهادة على ~~وحدانيته، كما جعل سائر الخلق كذلك، فإن قالوا ذلك أقروا بخلقه. # ¬__________ # (¬1) سورة الأنعام الآية رقم 91، وقد جاءت الآية محرفة في المطبوعة حيث ~~قال: (ما أنزل على بشر) دون ذكر لفظ الله. # (¬2) سورة الأنعام آية رقم 91. # (¬3) سورة الشعراء آية رقم 5. PageV02P142 # ويقال لهم: أخبرونا عن القرآن أليس هو محدثا كائنا بعد أن لم يكن؟ فإن ~~قالوا لا أبطلوا، وجعلوه قديما مع الله، وصاروا إلى مذهب الاثنين (¬1) ممن ~~أنبأنا عن باطلهم فيما مضى، فإن قالوا محدث كائن بعد إذ لم يكن أقروا ~~بخلقه. والحدوث هو الخلق، كما أن الخلق هو الحدوث، وإنما شنعوا عبارة الخلق ~~لغباوتهم وجهلهم، وهم قد أتوا بجميع معاني الخلق، ولن يجوز أن يكون محدثا ~~غير مخلوق، كما لا يجوز أن يكون مخلوقا غير محدث، ولن يجوز أن يكون محدثا ~~غير مخلوق، كما لا يجوز أن يكون قديما غير خالق. # ¬__________ # (¬1) منهم المانوية: أصحاب ماني بن فاتك الذي ظهر في زمان سابور بن ~~أردشير، ومنهم المزدكية أصحاب مزدك. حكى الوراق أن قول المزدكية كقول كثير ~~من ms266 المانوية في الكونين والأصلين. ومنهم الديصانية أصحاب ديصان، أثبتوا ~~أصلين نورا وظلاما. ومنهم المرقيونية أصحاب مرقيون. راجع الملل والنحل 2: ~~57 وما بعدها. PageV02P143 # وما أدخلناه على أهل القدر من الحجة في نفيهم خلق الأفعال، وهو داخل على ~~من زعم أن القرآن غير مخلوق، وداخل على كل من حاول إخراج شيء من جميع ~~العالم أن يكون خلقا لله وتدبيرا له، ومع هذا كله إنا وجدنا الله عز وجل ~~وصف القرآن بما وصف به غيره من سائر الخلق فقال عز وجل: (إنا جعلناه قرآنا ~~عربيا) (¬1) ، وقال في غير القرآن من الخلق: (وجعلنا الليل والنهار آيتين) ~~(¬2) ، وقال: (وجعلنا السماء سقفا محفوظا) (¬3) ، وقال: (هو الذي جعل الشمس ~~ضياء والقمر نورا) (¬4) ، في أمثالها في القرآن: (إنا أنزلناه في ليلة ~~القدر) (¬5) ، وقال: (إنا نحن نزلنا الذكر) (¬6) ، وقال في غير القرآن من ~~الخلق: (وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد) (¬7) ، وقال: (وأنزل لكم من الأنعام ~~ثمانية أزواج) (¬8) ، وقال في القرآن: (وإنا له لحافظون) (¬9) ، وقال في ~~غير القرآن: (وحفظناها من كل شيطان رجيم) (¬10) ، وقال في القرآن: (ما ~~يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون) (¬11) ، وقال: (أو ~~يحدث لهم ذكرا) (¬12) ، وقال: (أفمن هذا الحديث تعجبون) (¬13) ، وقال في ~~غير القرآن من الخلق: (ومن الناس من يشتري لهو الحديث) (¬14) ، وقال في ~~القرآن: (كتابا متشابها) (¬15) ، وقال: (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات ~~محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات) (¬16) ، ثم قال: (فيتبعون ما تشابه ~~منه) (¬17) ، # ¬__________ # (¬1) سورة الزخرف آية رقم 3. # (¬2) سورة الإسراء آية رقم 12. # (¬3) سورة الأنبياء آية رقم 32. # (¬4) سورة يونس آية رقم 5. # (¬5) سورة القدر آية رقم 1 . # (¬6) سورة الحجر آية رقم 9 . # (¬7) سورة الحديد آية رقم 25 . # (¬8) سورة الزمر آية رقم 6. # (¬9) سورة الحجر آية رقم 9. # (¬10) سورة الحجر آية رقم 17 . # (¬11) سورة الأنبياء آية رقم 2 . # (¬12) سورة طه آية رقم 113 . # (¬13) سورة النجم آية رقم 59. # (¬14) سورة لقمان آية رقم 6. # (¬15) سورة الزمر آية رقم 23. # (¬16) سورة آل عمران آية رقم 7. # (¬17) سورة آل عمران آية رقم 7.. PageV02P144 # وقال في غير القرآن من الخلق: (والنخل والزرع مختلفا أكله ms267 والزيتون ~~والرمان متشابها وغير متشابه) (¬1) ، وقال في القرآن: (كتاب فصلت آياته) ~~(¬2) ، وقال: (ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم) (¬3) ، وقال في غير ~~القرآن من الخلق: (وكل شيء فصلناه تفصيلا) (¬4) ، وقال في القرآن: (وإن أحد ~~من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه) (¬5) ، ~~وقال: (إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى) (¬6) (إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي ~~إلى الرشد) (¬7) ، وقال في غير القرآن من الخلق: (قد سمع الله قول التي ~~تجادلك في زوجها) (¬8) ، وقال: (لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ~~ونحن أغنياء) (¬9) ، وقال: (يستمعون القول فيتبعون أحسنه) (¬10) ، وقال في ~~القرآن: (هدى ورحمة لقوم يؤمنون) (¬11) ، وقال في رسول الله _صلى الله عليه ~~وسلم_: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) (¬12) ، وقال في غير القرآن من ~~الخلق: (أولئك على هدى من ربهم) (¬13) ، يعني ما هم عليه من الإيمان، وقال ~~في القرآن: (آيات بينات) (¬14) ، وقال: (آية للناس) (¬15) ، # ¬__________ # (¬1) سورة الأنعام آية رقم 141، وقد جاءت هذه الآية محرفة في المطبوعة ~~حيث سقط منها كلمة (والزيتون). # (¬2) سورة فصلت آية رقم 3. # (¬3) سورة الأعراف آية رقم 52. # (¬4) سورة الإسراء آية رقم 12. # (¬5) سورة التوبة آية رقم 6. # (¬6) سورة الأحقاف آية رقم 30. # (¬7) سورة الجن آية رقم 1، 2. # (¬8) سورة المجادلة آية رقم 1، وقد جاءت الآية في المطبوعة محرفة حيث ~~قال: (وقد سمع) بزيادة "واو". # (¬9) سورة آل عمران آية رقم 181. # (¬10) سورة الزمر آية رقم 18. # (¬11) سورة الأعراف آية رقم 52. # (¬12) سورة الأنبياء آية رقم 107. # (¬13) سورة البقرة آية رقم 5، وتكملة الآية (وأولئك هم المفلحون(. # (¬14) سورة البقرة آية رقم 99. # (¬15) سورة مريم آية رقم 21، وتكملة الآية (ورحمة منا وكان أمرا مقضيا(.. PageV02P145 # وقال في غير القرآن من الخلق: (ولنجعلك آية للناس) (¬1) ، وقال: (وجعلنا ~~الليل والنهار آيتين) (¬2) . ومثل هذا في كتاب الله عز وجل من التمثيل ~~والتشبيه للقرآن بغيره من الخلق مما يوجب أن القرآن داخل في جملة الخلق، ~~غير خارج منها، فيجب عليكم أن تقضوا على القرآن بأنه خلق، كما قضيتم على ~~سائره مما ذكرنا وما لم نذكره بأنه خلق، كما وقع في التمثيل به في الصفة، ~~والتشبيه له ms268 في الحلية، أو تقضوا على سائر القرآن مما ذكرنا من الخلق الذي ~~سوى الله بينه وبين القرآن في الصفة، على أن ذلك كله ليس بخلق، إذ كنتم ~~تقضون بالتسوية في الصفة على التسوية في الحكم إن كنتم تعلمون، بل أنتم قوم ~~تجهلون. وهذه الجملة كافية في هذا الباب، إن شاء الله تعالى. # باب القول في حجة (¬3) الله على الخلق كيف قامت وبم قامت، # والرد على من قال بغير الحق في ذلك. # ¬__________ # (¬1) سورة البقرة آية رقم 259، وتكملة الآية (وانظر إلى العظام كيف ~~ننشزها ثم نكسوها لحما فلما تبين له قال أعلم أن الله على شيء قدير(. # (¬2) سورة الإسراء آية رقم 12. # (¬3) الحجة: الدلالة المبينة للمحجة أي المقصد المستقيم، والذي يقتضي صحة ~~أحد النقيضين. ووردت في القرآن بمعنى المنافرة والمخاصمة، قال تعالى: (ألم ~~تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه) سورة البقرة آية 258، ووردت بمعنى البرهان ~~تارة من المؤمنين مع الكفار، قال تعالى: (لا حجة بينا وبينكم(. سورة الشورى ~~آية رقم 15، وتارة من الكفار بحسب اعتقادهم، قال تعالى: (ما كان حجتهم إلا ~~أن قالوا ائتوا بآبائنا(. الجاثية آية رقم 25، وتارة من الحق إلى الخلق ~~بآيات القرآن وإظهار البرهان، قال تعالى: (قل فلله الحجة البالغة) البقرة ~~آية 150. راجع المفردات 107، والبصائر 2: 431، 432. PageV02P146 # اختلف الناس في قيام حجة الله التي يثبت بها فرض الدين على عباده، ~~ووصولها إلى خلقه في جميع ما دعاهم إليه من طاعته وزجرهم عنه من معصيته، ~~بعد إجماعهم على أن الله كلف عباده البالغين أشدهم من الأصحاء، وأنهم ~~محجوجون مقطوعو العذر فيما أتوا وفيما تركوا، وأن الله مستدع إلى طاعته، ~~نادب إلى عبادته، ولم يؤت أحد من الخلق في تقصير من قبل الله، وإنما أوتوا ~~فيما أمروا به ونهوا عنه من قبل أنفسهم، وأن الله لم يقطع عليهم إلا ~~بالبيان الواضح لئلا يؤتوا في شبهة من قبل الله على أصل قولين: فقالت ~~المعتزلة: إن حجة الله على عبادة التي قطع بها عذرهم فيما تعبدهم به من ~~الإقرار بوحدانيته (¬1) ، والإذعان لربوبيته، ما ركبه ms269 فيهم من العقول ~~الصحيحة السالمة من شوائب الآفات. فكل من صحت له جارحة العقل، وسلمت له ~~غريزة الفكر فعليه أن يعرف بعقله أن الله واحد لا شريك له في خلقه، ولا ~~يشبهه شيء من بريته، لما يجده من الدلالة على ذلك في هذا الخلق، مما يشاهد ~~من عجز الخلق عن إحداث بعضه لبعض، وحاجة بعضه إلى بعض، فدل ذلك على حاجة ~~جميعه إلى محدث يحدثه ومدبر يدبره. # ¬__________ # (¬1) الوحدانية: الفردانية، وقال أبو القاسم الراغب: الواحد في الحقيقة ~~هو الشيء الذي لا جزء له البتة، ثم يطلق على كل موجود حتى إنه ما من عدد ~~إلا ويصح به فيقال عشرة واحدة، ومائة واحدة، فالواحد لفظ مشترك يستعمل على ~~وجوه. راجع البصائر 5: 170 بتصرف. PageV02P147 # قالوا: فإذا نظر في هذا بأحسن النظر، وفكر فيه بحقيقة الفكر عرف بعقله ما ~~بين الدليل والمدلول عليه، فيستدل على أن لهذا الخلق خالقا خلقه، ومدبرا ~~دبره، ولا يشبهه خالقه في وجه من الوجوه، وزعموا أن الناس قد يسلمون في أمر ~~دينهم لما جعل الله في عقولهم من الكفاية، ولا حاجة لهم إلى منبه، ولا معبر ~~يعبر عن الله في شيء من أمره، وأن ما وراء هذا من المعارف برسل الله ~~وبكتبه، وأن محمدا رسول الله، وبأن ما جاء به محمد أنه هو الحق، فقد يسلم ~~الناس عندهم بجهالة ذلك. وقد زعموا أنهم يسلمون بجهل جميع ما أتى به محمد ~~_صلى الله عليه وسلم_ من ذلك من الفرائض، وأنهم يسلمون بترك جميع ذلك، ~~وأنهم يسلمون بفعل جميع ما حرم الله على لسان نبيه من المحارم، وأنهم غير ~~مأمورين بمعرفة شيء من ذلك ولا بعمل شيء مما كان منه فرضا، ولا بترك شيء ~~مما كان منه محرما، وأنهم ليسوا بمنهيين عن جهل شيء من ذلك، ولا عن ترك شيء ~~مما كان منه فرضا، ولا عن مقارفة شيء مما كان منه محرما، إذا كانوا لا ~~يجدون في عقولهم المعرفة لشيء من ذلك حتى تكون الحجة قائمة عليهم. ووافقهم ~~على ما ms270 وصفنا من مقالتهم من الإباضية (¬1) عيسى بن عمير. # ¬__________ # (¬1) الإباضية: نسبة إلى عبد الله بن أباض، وهو تابعي عاصر معاوية، وتوفي ~~في آخر أيام عبد الملك بن مروان. وهذا المذهب يعد من أقدم المذاهب ~~الإسلامية على الإطلاق. مصادره: الكتاب والسنة والإجماع والقياس، وأما في ~~الحديث الشريف فيعتمد على الجامع الصحيح للإمام الربيع بن حبيب المتوفى سنة ~~170 ه. ويوجد الإباضية حاليا في الجزائر، وتونس، وليبيا، وعمان، وزنجبار. ~~راجع دراسات إسلامية في الأصول الإباضية ص 136. PageV02P148 # وقال أهل الحق في ذلك: إن حجة الله التي يثبت بها فرض دينه على عباده ~~فيما تعبدهم به من طاعته، وزجرهم به عن معصيته قد قامت على الناس من جميع ~~البالغين أشدهم من الأصحاء برسل الله التي أرسلها إلى خلقه، دالة على ~~وحدانيته، شاهدة بربوبيته، داعية إلى طاعته، زاجرة عن معصيته، وإن الناس لن ~~ينالوا شيئا من معرفة الله في الدلالة على توحيده، ولا من معرفة شيء من ~~دينه إلا بتوقيف الله لهم على ألسنة رسله، وتنبيه منه على أيديهم، وإن ~~الناس لا يسلمون بجهالة رسل الله إلى خلقه، ولا بجهالة كتبه التي نزلها على ~~ألسنتهم، وأنهم لا يسلمون بجهالة محمد _صلى الله عليه وسلم_، ولا بجهالة ما ~~جاء به محمد أنه الحق من عند الله، وإنهم لا يسلمون بترك شيء من الفرائض ~~التي فرضها الله على لسانه _صلى الله عليه وسلم_، وإنهم بها مأمورون ~~ملزمون، وإنهم لا يسلمون بمقارفة شيء مما حرم الله على لسان نبيه _صلى الله ~~عليه وسلم_، علموا بشيء من ذلك أو لا يعلموا. وهذا الذي وصفنا من هذا القول ~~هو ما عليه جمهور الأمة، لا يعرفون غيره ولا يدعون إلى ما سواه. # فإن سأل سائل فقال: إذا زعمتم أن حجة الله إنما قامت بدعوة رسول الله إلى ~~خلقه، فما الحال من لم تبلغه حجة رسول الله _صلى الله عليه وسلم_، ولم ~~يسمعها من الديلم (¬1) ، # ¬__________ # (¬1) الديلم: هم من الدول التي تفرعت عن الدولة العباسية، أصلهم مهاجرون ~~هاجروا إلى علي بن أبي ms271 طالب، ثم صار لهم ملك في القرن الثالث في كيلان ~~ومازندران، وتغلبوا على الخليفة العباسي إلى سنة 420 ه، ثم تغلبت عليهم ~~ملوك غزنة. # والديلم: الموت، والديلم: الأعداء، والديلم: الموت الأسود، والديلم جبل ~~سموا بأرضهم في قول بعض أهل الأثر، وليس باسم لأب لهم. راجع دائرة معارف ~~القرن العشرين 4: 106، ومعجم البلدان 2: 544. PageV02P149 # والصقالبة (¬1) ، ويأجوج ومأجوج، ومن بأقطار الأرض من مشرق الشمس ~~ومغربها؟ قلنا: لا يخلو جميع من ذكرتم من أحد رجلين لا ثالث لهما: إما رجل ~~كان على دين نبي من أنبياء الله تعالى عليهم السلام متمسكا بشريعته، ولم ~~يسمع بدعوة رسول الله _صلى الله عليه وسلم_، ولم تقم عليه الحجة بأنه قد ~~جاء، فهذا واسع له أن يقيم على ما هو عليه من حجة الله التي تمسك بها من ~~شريعة أنبيائه، أو رجل كافر بالله جاهل بأمره غير متمسك بشيء من دين الله ~~الذي بعث به رسله إلى خلقه، فهذا لا يسعه أن يقيم على كفره طرفة عين. وعلى ~~هذا المعنى كانت دعوة رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ إلى من لا تمكنه ~~مشافهته، ولا تبلغه مراسلته أن يوسع على من كان منهم على دين نبي من أنبياء ~~الله؛ لأن دين الله واحد، وحجته متصلة، لا يبطل آخرها أولها، كما لا يخالف ~~أولها آخرها، ويضيق على من كان على كفره، وليس هو على شيء من دين الله الذي ~~بعث به أنبياءه. ألا ترى لو أن رجلا مضى من عند رسول الله _صلى الله عليه ~~وسلم_ على فرض شيء، أو على تحريم شيء أو تحليله، فغاب عنه، أليس هذا واسع ~~له أن يقيم على ما مضى به من عند رسول الله، حتى يلقي الحجة بتحويل شيء من ~~ذلك على رسول الله _صلى الله عليه وسلم_. # ¬__________ # (¬1) الصقالبة: هم جيل من الناس بين بلاد البلغار والقسطنطينية، وهم ~~الذين يطلق عليهم اليوم السلافيون، وهم ليسوا محصورين بين البلغار ~~والقسطنطينية فقط ولكنهم منتشرون في الشمال الشرقي لأوروبا وفي غرب ~~البلغار. المصدر السابق 5: 531. PageV02P150 # فإن قال: ms272 فما حال الصم البكم الذين لا يعقلون الكلام، ولا يسمعون الحجة، ~~ولا يفهمونها، وكيف حتى ألزمتموهم المعرفة بالله، إذ كانت عندكم لا تنال ~~بالعقل، ولا تدرك بالفكر؟ أو حال من في جزيرة من جزائر البحر كجزائر القمر ~~(¬1) ، وجزائر الخالدات (¬2) ، # ¬__________ # (¬1) جزر القمر (كومورو): جمهورية إفريقية حديثة، تقع في المحيط الهندي ~~الجنوبي، تتألف أساسا من أربع جزر، تقع إلى الشرق من ساحل موزنبيق وإلى ~~الشمال الغربي من مدغشقر، مساحتها 2179 كم²، السكان من أصول عربية وإفريقية ~~وهندية، يدينون بالمذهب الشافعي، باستثناء أقلية كانت تمثل سلطنة إسلامية ~~في القرن 19، ثم أصبحت مقاطعة فرنسية، ثم استقلت عام 1975، لغتها العربية ~~والسواحيلية. راجع القاموس السياسي لأحمد عطية الله. # (¬2) يسميها صاحب كتاب معجم البلدان جزائر السعادة، وهي واقعة على المحيط ~~الأطلسي، وبها عاش مجموعة من الحكماء، وتقسم إلى 6 جزائر، بإزاء طنجة. ~~وسميت بالسعيدة لما يوجد فيها من أصناف الفواكه الطيبة والرياحين العطرة. ~~راجع معجم البلدان، مادة جزائر.. PageV02P151 # وأشباهها من الجزائر، التي لا يؤتى إليها ولا منها؟ فإن كنتم ألزمتم ~~هؤلاء فريضة المعرفة بالله، وأنتم لا تقولون بحجة العقل، ولا بداية الفكر، ~~فإنما ألزمتموهم فعل ما لا يصلون إلى فعله، لعجز خلقتهم، فهذا مما لا يجوز ~~على الله عز وجل أن يكلف أحدا من عباده، فعل شيء مما لا يطيقونه، ولا ~~تحتمله خلقتهم، أو كنتم تحطون عنه الفرض بمعرفة الله وحده لا شريك له، ~~فتجيزون لهم الإشراك بالله، والجحد لربوبيته، قيل له: قد أجبنا في مثل هذه ~~المسألة، ونحن نجيب في هذه الأخرى إن شاء الله، ونقول: إنه لا يخلو من في ~~جزيرة من الجزائر من أن يكون على شيء من دين الله الذي هو دين أنبيائه، ~~فهذا واسع عليه أن يقيم على ما هو عليه من ذلك في جزيرة كان أو في برية، أو ~~حيثما كان، وأينما كان، أو يكون على غير دين الله ممن هو على الكفر بالله، ~~والجهالة بدينه، وأنبيائه ورسله، فهذا لا يسعه أن يقيم على كفره لصحة بصره ~~كما قلنا، وليس ms273 في قولنا بأن الإقامة لا تسعه على الكفر الذي هو فعله ~~باكتساب منه واختيار، ومما قد يوجب بأنا قد ألزمناهم فعل ما تحتمله خلقتهم، ~~ولا تقوم به بنيتهم. # وأما ما ذكرتم من الصم (¬1) # ¬__________ # (¬1) الصم: انسداد الأذن وثقل السمع، صم يصم بفتحها، وأصمه الله، قال ~~تعالى: (فأصمهم وأعمى أبصارهم) سورة محمد آية 23. وهم أصم، والجمع: صم وصمان. # وشبه بالأصم من لا يصغي إلى الحق ولا يقبله فقال تعالى: (صم بكم عمي) ~~سورة البقرة آية 18، 171. والصماء: الداهية. PageV02P152 # البكم فإنهم إن كانوا ممن يكتب أو يكتب له، أو يفهم أو يفهم عنه لزمه ما ~~لزم أشياعه، وإلا فهو منقوص غير وافر، معذور لانطباقه. فإن قالوا: ليس ~~العقل علة التكليف، فلم لا قلتم بأن المعرفة للذي كلفوا بالعقل تنال دون ما ~~سواه، وفرقتم بين العلة والمعلول؟ قيل لهم: ما أبعد ذهابكم يا أهل القدر عن ~~الحق! وإلى متى، وحتى متى يقوم عوجكم؟ وإنما قال المتكلمون بأن العقل علة ~~التكليف لما كان العاقل يفهم بعقله ما خوطب به من الأمر والنهي، ويتهيأ له ~~أن يمتثل فعل ما أمر به بالاتصاف دون اليأفوف الذي تهجم خلطته على ما يقع ~~منه هجوما، وتنبعث به فورته انبعاثا، ولذلك قالوا أو قال بعضهم: إن ما يقع ~~من المعتوه (¬1) ومن النائم والسكران وأشكالهم إن ذلك منهم اضطرار غير ~~اكتساب، وليس في أن قلنا إن العقل علة التكليف، وميزنا بذلك بين العقل ~~والانطماس ما يوجب أن يكون العقل يدرك ما ليس من طبعه أن يكون مدركا له، ~~دون منبه ينبهه ومرشد يرشده إليه، فإن قالوا عن قول إبراهيم عليه السلام: ~~(فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي) (¬2) ، (فلما رأى القمر بازغا ~~قال هذا ربي) (¬3) ، (فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر) (¬4) # ¬__________ # (¬1) عته عتاها وعتاهة، عته فهو معتوه، وعته فلان في فلان أولع بإيذائه ~~ومحاكاة كلامه. والعتاه الباكر: هو الفصام، وهو ضعف عقلي يصيب المراهقين. ~~والعتاهة: ضلال الناس، والعتاهية: الأحمق، والمعته: ناقص العقل، مضطرب الخلق. # (¬2) سورة ms274 الأنعام آية رقم 76. # (¬3) سورة الأنعام آية رقم 77. # (¬4) سورة الأنعام آية رقم 78.. PageV02P153 # هل تزعمون أن إبراهيم عليه السلام يقول للكوكب وللقمر وللشمس هذا ربي إلا ~~بأن يستدل بالصنعة على الصانع؟ قيل: فإن هفوتم هذه الأخرى، أو قد كان ~~إبراهيم عليه السلام قبل ما ينظر إلى الكوكب والقمر والشمس جاهلا بالله، ~~غير عارف به، شاكا في الكوكب والشمس والقمر مترددا في ذلك؟ فكيف ويحكم وهو ~~نبي الله ورسوله؟ أو لم تسمعوا ما قال في أول الآية من قوله: (وكذلك نري ~~إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين) (¬1) أفترون أن غير ~~إبراهيم من جميع الناس أوتي من ذلك ما أوتي إبراهيم عليه السلام؟ وإنما ذلك ~~منه _صلى الله عليه وسلم_ على وجه التوبيخ لقومه، ليريهم أن الذي عبدوا من ~~دون الله من الشمس والقمر والكواكب غير مستحق للعبادة، ولا هو لها بأهل، ~~فدل على ذلك قوله في آخر الآية: (يا قوم إني بريء مما تشركون إني وجهت وجهي ~~_أي عبادتي_ للذي فطر السماوات _وما فيها من الشمس والقمر والكواكب_ والأرض ~~حنيفا وما أنا من المشركين) (¬2) ، فإن قالوا ما معنى قول الله عز وجل: (أو ~~لم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء) (¬3) وقوله: (إن ~~في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب) (¬4) ~~وقوله: (إن في ذلك لآيات للمتوسمين) (¬5) ، و(لقوم يعقلون) (¬6) # ¬__________ # (¬1) سورة الأنعام آية رقم 25. # (¬2) سورة الأنعام آية رقم 79. # (¬3) سورة الأعراف آية رقم 185. # (¬4) سورة آل عمران آية رقم 190. # (¬5) سورة الحجر آية رقم 75. # (¬6) 164 البقرة، وهناك آيات كثيرة مختومة بهذا المقطع وهي: 4 الرعد، 12 ~~النحل، 67 النحل، 35 العنكبوت، 24 الروم، 28 الروم، 5 الجاثية.. PageV02P154 # في أمثالها؟ قلنا وهل أبينا ويحكم أن يكون جميع ما خلق الله دلالة على ~~وحدانيته، وشهادة على ربوبيته (لأولي الألباب) و(للمتوسمين) و(لقوم ~~يعقلون)، ولجميع العالمين؟ وإنما نقمنا من مقالتكم بأن العقول تكون تهجم ~~على هذه المعارف في وجوه دقائق الاستدلالات الغامضة، دون منبه ينبهها على ~~ذلك ومرشد يرشدها إليه، وفي الذي تلوتم علينا ms275 من هذه الآيات لو نظرتم ~~لعرفتم تصديق ما قلنا، لقوله عز وجل: (فبأي حديث بعده يؤمنون) (¬1) يعني ~~بالحديث القرآن، وبقوله: (لقوم يسمعون) (¬2) # ¬__________ # (¬1) سورة المرسلات آية رقم 50. # (¬2) سورة يونس آية 67، والروم آية 23.. PageV02P155 # أي يفهمون ما يسمعون، وإنما نبههم الله في كتابه على تلك الآيات، وأوقفهم ~~عليها، ولم يرد بذلك جل جلاله أن يكون العباد يهجمون على تلك المعارف في ~~وجوه الدلالات بغير تنبيه منه وتعليم، ونحن نجد ما دون ذلك من هذه الصناعات ~~الموجودات عند من لا يوجد عنده شيء من معرفة الله ولا معرفة دينه، كما ~~الحياكة والصباغة والكتابة والنقش، وغير ذلك من وجوه الصناعات التي هي دون ~~معرفة الله ومعرفة دينه، لا يتأتى لأحد من البشر، ولا يتهيأ لهم أن يتمثلوا ~~شيئا منها، إلا بأن يوقفوا عليه، ويرشدوا إليه، وقد تجدهم يتعلمونها بأجرة ~~لمعلميهم بذلك، فكيف ما هو أدق منه وأغمض، وأصعب على العقول من معرفة الله، ~~ومعرفة دينه، وفرائضه وحلاله وحرامه من الذي زعموا أن للعقل سبيلا إلى ~~التوصل إلى معرفته؟ فلو كان الأمر على ما ذهب إليه أهل القدر وأشياعهم من ~~ذلك لما بعث الله رسولا إلى خلقه، ولا أنزل عليهم كتابا، ولا شرع لهم دينا، ~~ولا أحل حلالا، ولا حرم حراما، ولا أوجب، ولا حط، حيث كان العباد مكتفين ~~بما يجدونه في عقولهم من المعارف من أول يوم خلق الله الدنيا، إلى أن تقوم ~~الساعة، فسبحان الله عما يصفون، ما أفظعها من مقالة! ولعمري إنها لمقالة ~~ممتثلة من مقالة المعطلين أهل التكذيب، الذين أنبأنا عن باطلهم في كتاب ~~التوحيد، والرد على أهل الإلحاد من البراهمة (¬1) # ¬__________ # (¬1) الديانة البرهمية: أقدم من البوذية بقرون كثيرة، ويظهر أن أصل ~~الديانة البرهمية الهند، وتصعد إلى أبعد عهد من عصورهم التاريخية، وتختلط ~~بجميع أدوارهم الاجتماعية. # والكتب المقدسة لهذه الديانة هي "الفيدا"، ثم كتاب (منافادا ماساسترا) أي ~~قوانين مانو. # ومذهب الديانة البرهمية في الديانة البرهمية أصلان رئيسيان: هما وحدة ~~الوجود والتناسخ، أي عودة الروح إلى أجساد في عالم الدنيا سواء أكان ms276 إنسانا ~~أو حيوانا، وهي من أخص عقائدهم. راجع دائرة معارف القرن العشرين 2: 160 وما ~~بعدها. وتحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة: 27. PageV02P156 # المنكرين للرسل، لما زعمت البراهمة أن في العقول من المعرفة بأن الله ~~واحد لا شريك له في خلقه، وأنه أمر بالعدل والتسوية فيما بينهم، ناه عن ~~الظلم والإساءة، على مقالة هؤلاء. اكتفوا بذلك بزعمهم عن الرسل، وعن تنبيه ~~الله عز وجل، وإرشاده للعباد، وتذكاره إياهم برسله وبكتبه. فلهذه العلة ~~أنكرت البراهمة الرسل وكذبوا بها، حتى إنهم قالوا: إن بعث الرسل من الله ~~إلى خلقه لما كان الخلق على هذه الصفة عبث منه غير حكمة، وخطأ منه غير عدل، ~~بل قالوا: إن ذلك مفسدة للخلق غير مصلحة، ومضرة غير منفعة، إذ كانت الرسل ~~تزيد عليهم في الشرائع، وتحمل عليهم ثقل الفرائض، ولذلك كذبت البراهمة ~~الرسل، وأنكروها جميعا. وإلا فما وجه الحكمة في إرسال الله الرسل إلى خلقه، ~~وإنزال كتبه إلى عباده إذا كانت العقول كافية عن كل ذلك، نائبة عن جميعه ~~للذي يوجد فيها من المعارف في وجوه الدين: من العبادات والفرائض والحلال ~~والحرام، ولا أشك بل أعلم علما يقينا أن المقالة مأخوذة من الأخرى، معمولة ~~عنها. وهذا كله من أهل القدر وأشياعهم، بعد قول الله عز وجل: (إنا أوحينا ~~إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل ~~وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وآتينا داود ~~زبورا ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك وكلم الله موسى ~~تكليما) (¬1) ، ثم قال عز وجل: (رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على ~~الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزا حكيما) (¬2) ، وقال: (أن تقولوا ما ~~جاءنا من بشير ولا نذير) (¬3) ، وقال عز وجل محتجا عليهم، وقاطعا عذرهم: ~~(فقد جاءكم بشير ونذير) (¬4) # ¬__________ # (¬1) سورة النساء آية رقم 164. # (¬2) سورة النساء آية رقم 165. # (¬3) سورة المائدة آية رقم 19. # (¬4) سورة المائدة آية رقم 19.. PageV02P157 # فهلا قال لهم: فقد أوتيتم عقولا وأفكارا، وقال: (أن تقولوا إنما أنزل ~~الكتاب ms277 على طائفتين من قبلنا) (¬1) يعني بالطائفتين: اليهود والنصارى، ~~وقال: (ثم أرسلنا رسلنا تترى كلما جاء أمة رسولها كذبوه فاتبعها بعضهم ~~بعضا) (¬2) ، وقال: (وإن من أمة إلا خلا فيها نذير) (¬3) ، وقال: (كلما ~~ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير قالوا بلى) (¬4) ، وقال: (أو لم ~~تك تأتيكم رسلكم بالبينات) (¬5) في أشباهها، وكيف لم تحتج عليهم الملائكة ~~بالعقول كما قالوا؟ وقال: (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم ~~فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء) (¬6) ، فدل على أنهم لن يضلوا ولن يهتدوا ~~إلا من بعد ما تبين لهم الرسل. وهذا كله من كتاب الله عز وجل مما يدل على ~~أن الله قطع على الخلق بحجة الرسل، وأنهم لن ينالوا شيئا من معرفته، ولا من ~~معرفة دينه إلا على أيدي رسله إليهم، لقوله عز وجل: (ولو أنا أهلكناهم ~~بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك من قبل أن ~~نذل ونخزى) (¬7) ، وقوله: (ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم فيقولوا ~~ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين) (¬8) . فدل ~~على أن الله لو أهلكهم قبل أن يرسل إليهم الرسل لكانت لهم الحجة، وإلا فأنى ~~رأيتم أو سمعتم بأمة ضالة كافرة معذبة، وهي غير مكذبة للرسل؟ قال الله عز ~~وجل: (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) (¬9) ، فما باله لم يقل: حتى يكونوا ~~غير مفكرين؟ وقال عز وجل: (كل كذب الرسل فحق وعيد) (¬10) # ¬__________ # (¬1) سورة المائدة آية رقم 156. # (¬2) سورة المؤمنون آية رقم 14. # (¬3) سورة فاطر آية رقم 24. # (¬4) سورة الملك آية رقم 8، 9. # (¬5) سورة غافر آية رقم 50. # (¬6) سورة إبراهيم آية رقم 4. # (¬7) سورة طه آية رقم 134. # (¬8) سورة القصص آية رقم 47. # (¬9) سورة الإسراء آية رقم 15. # (¬10) سورة ق آية رقم 14.. PageV02P158 # في جميع ما ذكر من تكذيب الأمم لرسلها، وتعذيب الله الأمم على أيدي ~~رسلهم، وتدميره إياهم. وهل رأيتم أو سمعتم بأمة مهتدية مؤمنة على دين الله، ~~ناجية من عذابه وهي غير مصدقة للرسل، ولا متبعة لهم على دينهم؟ وقال عز ~~وجل: (فلولا كان من ms278 القرون من قبلكم أولوا بقية ينهون عن الفساد في الأرض ~~إلا قليلا ممن أنجينا منهم) (¬1) يعني ممن هو مع الرسل، وقال: (فلولا كانت ~~قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في ~~الحياة الدنيا) (¬2) ، وقال: (ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون) ~~(¬3) ، وقال: (من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم ~~يسجدون) (¬4) . وعلى أثر هذا كله يقال لأهل الكفر أخبرونا عن البالغ في أول ~~حال بلوغه، هل عليه في تلك الحال المعرفة بأن الله واحد لا شريك له، أم لا ~~حتى يكفر، ويستدل بوجوه الاستدلالات بالصنعة على الصانع؟ فإن قالوا: إنما ~~عليه في حال البلوغ الفكرة، وليس عليه المعرفة أباحوا له الإشراك بالله في ~~حين بلوغه. # ¬__________ # (¬1) سورة هود آية رقم 116، وقد جاءت الآية محرفة في المطبوعة حيث قال: ~~"من قبلكم" بزيادة (أو). # (¬2) سورة يونس آية رقم 98. # (¬3) سورة الأعراف آية رقم 159. # (¬4) سورة آل عمران آية رقم 113. PageV02P159 # وما الفرق بين الحال الأولى من حال البلوغ والحال الثانية؟ وإن كان يسعه ~~الجهل بالله في حال من الأحوال، فقد يجب أن يسعه ذلك الحال في حال، وإن ~~قالوا: إن المعرفة بالله واجبة عليه في أول حال بلوغه، وليس ذلك من قولهم ~~أبطلوا ما ذهبوا إليه من الفكر؛ لأنه لا يخلو في تلك الحال من أن يكون ~~جاهلا أو عارفا، فإن كان عارفا فما لحاجته إلى الفكر في تلك الحال، وهو ~~فيها عارف، وإن كان جاهلا ثبت أنه لم يغن عنه فكره شيئا، إذ كان لم ينقذه ~~من الجهل بالله عز وجل، والشك في صفته، وهو بالغ صحيح العقل حتى يفكر ~~ويستدل، مع ما يقال لهم: أخبرونا عن المفكر في أول حال البلوغ التي هي حال ~~الفكر، أعارف بالله (¬1) هو فيها أم جاهل؟ فإن قالوا عارف أبطلوا الفكر، ~~وإن قالوا جاهل بالله قيل: أموحد هو أم مشرك؟ فقالوا: إن الكاف ما عليه شيء ~~ما دام مفكرا، حتى يستدل بوجوه الاستدلالات، قيل لهم: هذا الكاف هو ms279 شاك أم ~~غير شاك؟ أو معتقد هو أم غير معتقد؟ وما هو إن مات في حال الفكر والكف؟ ~~أمؤمن هو أم كافر؟ أو غير مؤمن ولا كافر؟ أم من أهل الجنة هو أم من أهل ~~النار؟ أو ليس هو من أهل الجنة ولا من أهل النار؟ فأيما أجابوا به من هذا ~~كله بان باطلهم. # ¬__________ # (¬1) يقول ابن سينا: المنصرف بفكره إلى الله مستديما لشروق نور الحق في ~~سره: يخص باسم العارف. # وإذا كان الزاهد قد يكون في الوقت نفسه عابدا، والعابد زاهدا فإن العارف ~~ينطوي على الزهد والعبادة؛ ولكن زهده إنما هو تنزه عما يشغل سره عن الحق، ~~وتكبر على كل شيء غير الحق، وعبادته إنما هو تطويع النفس الأمارة للنفس ~~المطمئنة، حتى يتجه بكليته إلى الله، لا يعوقه عن ذلك خيال فاسد، أو وهم ~~ضال، أو شهوة جامحة. راجع النمط التاسع في مقامات العارفين الإرشادات لابن سينا. PageV02P160 # ويقال لهم أيضا: أخبرونا عن هذه المعارف التي زعمتم أنها موجودة في ~~العقل، أهي مما يكتسب العباد أم مما يضطرون عليه؟ فإن قالوا مما يضطرون ~~عليه صاروا إلى مذاهب الروافض (¬1) # ¬__________ # (¬1) اعلم أن الروافض يجمعهم ثلاث فرق؛ الزيدية، والإمامية والكسانية، ~~والغلاة، وافترقت الزيدية فرقا، والإمامية فرقا، والغلاة فرقا، كل فرقة ~~منها تكفر سائرها، وجميع فرق الغلاة خارجون عن فرق الإسلام. # وقد جعل أصحاب كتب الفرق الزيدية من الروافض، مع أن الزيدية أتباع زيد بن ~~علي الباقين على اتباعه. (انظر مقالات الإسلاميين 1: 129، وكذلك مروج الذهب ~~3: 220) والرافضة الذين كانوا معه ثم تركوه؛ لأنهم طلبوا إليه أن يتبرأ من ~~الشيخين فقال: لقد كانا وزيري جدي، فلا أتبرأ منهما فرفضوه وتفرقوا عنه. # والزيدية: من الشيعة، وقد يطلق بعض الناس اسم الرفض على كل من يتولى أهل ~~البيت، وعلى هذا جاء قول الذي يقول: # إن كان رفضا حب آل محمد ... ... فليشهد الثقلان أني رافض # راجع الفرق بين الفرق 21، والتبصير ص 27، ومروج الذهب 3: 336، 4: 199. PageV02P161 # الذين زعموا أن المعرفة بالله والجهل به اضطرار، وليس ذلك من قولهم، ولا ~~يكون العلم ms280 بالاستدلالات اضطرارا، فإن قالوا بأنها اكتساب قيل: فأنى ~~اكتسبوها؟ قالوا: إذا فكروا علموا، قلنا: قد نجد من يتفكر ولا يعلم، قالوا: ~~لا يكون من يتفكر من جهة التفكر إلا وقد علم، كما لا يجوز عندكم أن يستدل ~~من جهة الاستدلال إلا وقد علم، قلنا: ومن جعل الاستدلال نظيرا للفكر؟ ~~والاستدلال نفسه هم العلم بالدليل والمدلول عليه، والفكر في نفسه عندكم ليس ~~بعلم، وإنما هو سبب له، ومع ذلك لا يكون الاستدلال من المستدل إلا من دال ~~يدله على الاستدلال، وليس الفكر كذلك حين زعمتم أن صاحبه ليس بذي حاجة إلى ~~مرشد يرشده إلى الفكر، وعلى أن العقول لو رجعوا إلى ما يجدونه في عقولهم، ~~ويعرفونه في أنفسهم لعلموا أنهم لا يصلون إلى علم شيء مما ذكرتم إلا بأن ~~ينبهوا عليه ويرشدوا إليه، وقد وجدناهم فكروا بغاية الفكر، وقاسوا نهاية ~~القياس، فأزالوا بفكرهم الربوبية، وأبطلوا بقياسهم الوحدانية، وفكروا ~~فقالوا: إلهين اثنين، وفكروا فقالوا: ثالث ثلاثة، وفكروا فقالوا: جسم من ~~الأجسام، في جميع ما أخطأ فيه أهل الفكر، على أن الله يناديهم ب (إنني أنا ~~الله لا إله إلا أنا) (¬1) ، وأنا (الحق المبين) (¬2) ، ولأصحاب الاثنين: ~~(لا تتخذوا إلهين اثنين) (¬3) ، (ولا تجعلوا مع الله إلها آخر) (¬4) ، ~~وللنصارى: (لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة) (¬5) ، ولأهل التجسيم: ~~(فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون) (¬6) ، وللمجوس (¬7) وأهل القدر: (هل ~~من خالق غير الله) (¬8) . # ¬__________ # (¬1) سورة طه آية رقم 14. # (¬2) سورة النور آية رقم 25. # (¬3) سورة النحل آية رقم 51، وقد جاءت الآية محرفة في المطبوعة حيث قال: ~~"ولا" بدلا من "لا". # (¬4) سورة الذاريات آية رقم 51. # (¬5) سورة المائدة آية رقم 75. # (¬6) سورة البقرة آية رقم 22. # (¬7) سبق الحديث عن المجوس في كلمة وافية. # (¬8) سورة فاطر آية رقم 3. PageV02P162 # هذا وهو يدلهم ويرشدهم، ويؤكد عليهم الحجج، ويجدد لهم الأدلة على ألسنة ~~رسل تترى، في كتب تتلى، وهم مع ذلك وفي كل ذلك على ما ترون، فكيف لو أن ~~الله أسلمهم إلى عقولهم، وأكلهم إلى أفكارهم من أول إنسان خلقه الله إلى ~~إنسان تقوم ms281 عليه الساعة لما كان منهم عارف بالله، ولا مؤمن به إلا أن يشاء ~~الله. وهذا مذهب بعيد من كتاب الله عز وجل، ومن سنة رسول الله _صلى الله ~~عليه وسلم_، ومن معالم دين الله جدا. PageV02P163 # ويقال لهم في إباحتهم لأهل الكفر: ما حرم الله عليهم من نكاح ذوات ~~المحارم، وشرب المسكرات، وأكل الميتة والدم المسفوح، ولحم الخنزير، وأكل ~~الربا، وأخذ أموال المواريث على غير ما هي من قسمة شرائع الرسل، أخبرونا عن ~~هذه الأشياء إذا اختلف فيها أهل الفكر فيما بينهم، فأحل قوم ما حرم آخرون، ~~وقسم قوم قسمة، وقسم آخرون أخرى، ووقعت بينهم مشاكسة فيما يأخذون ويعطون من ~~الدية والجروح والقصاص، والقود في الأنفس، وسائر ذلك من أمور شرائع ~~الأنبياء؟ فما المرجوع إليه في هذا لهم؟ وهم لا يعرفون شريعة (¬1) ، ولا ~~يثبتون رسولا، وقد وجدنا أهل الإقرار بالشرائع المثبتين للرسل والسنن، مع ~~إجماعهم على أن لهم أصولا يرجعون إليها فيما يختلفون فيه، قد كثر بينهم ~~التنازع، وكيف بمن لا يثبت رسولا، ولا يقول بشريعة؟ وبعد كيف الحكم إذا ~~قامت حجة الرسل بالتحريم على الأخت وهي تحت الأخ، وعلى البنت وهي تحت الأب، ~~ولم تقم بذلك حجة الشرائع على الأخ ولا على الأب؟ والحجة عندكم قليلا ما ~~تقوم على حد إلا بأن يتفق عليه المختلفون، المتشتتة أهواؤهم، المتفرقة ~~آراؤهم لبعدهم من التعارف، وتباينهم على التواطؤ، مع عدم احتراز منافعهم، ~~ودفع مضارهم. فمتى يتفق قيام الحجة على هذا الجواب؟ وقد أحسن الإمام رضي ~~الله عنه حيث يقول: فما يستدل به على هذا القول بأقبح منه، مع كثرة اختلاف ~~أقاويلكم في قيام حجتكم على المفكر فيما يسعه جهله عندكم، من مثل هذا على ~~ما سيأتي عند ذكر أقوال المختلفين في الحجة فيما يسع الناس جهله، بعقب هذا ~~الباب إن شاء الله. # ¬__________ # (¬1) الشريعة: هي مورد الإبل إلى الماء الجاري، ثم استعير لكل طريقة ~~موضوعة بوضع إلهي ثابت من نبي من الأنبياء، والشريعة: اسم للأحكام الجزئية ~~التي يتهذب بها المكلف معاشا ومعادا، سواء ms282 كانت منصوصة من الشارع أو راجعة ~~إليه. راجع الكليات 3: 56. PageV02P164 # فمتى لم تقم الحجة على أهل دين الفكر فيما وصفنا كان لهم أن يتنازعوا ~~فيما يحل أو يحرم، فيحرم قوم ما يحله آخرون، ويحلل آخرون ما يحرمه آخرون، ~~ويوجب آخرون حكما، ويسقطه آخرون، على قدر أفكارهم، وتنازع الأخت مع الأخ في ~~التحريم، والبنت مع الأب في التحريم، إذا قامت الحجة على بعض ولم تقم على ~~بعض، في مثل هذا من التخليط الذي لا يقوم لله به دين، ولا يثبت عليه أمر ~~ولا نهي، ولا يصفو معه حكم. وهذا لتعلموا أن مذاهب القوم مأخوذة من مذاهب ~~أهل التعطيل، محتملة عليها، فصار هذا القول لا ملجأ له يأوي إليه إلا مقالة ~~المعطلين للشرائع، المنكرين للسنن، فنعوذ بالله من الحيرة، ومن متابعة ~~الأهواء، وتقليد الكبراء. # باب فيمن قال إن حجة رسول الله عليه السلام لا تقوم إلا بسماع # قال عبد الله بن يزيد (¬1) # ¬__________ # (¬1) الباحث في كتب التراجم يرى عشرات الأفراد بل مئات ممن تسموا باسم ~~عبد الله بن يزيد، فهناك عبد الله بن يزيد بن حصين بن عمرو، وعبد الله بن ~~يزيد بن الصلت الشيباني، وعبد الله بن يزيد ابن مقسم، وعبد الله بن يزيد ~~رضيع عائشة بصري، وغيرهم كثير. # فلعله عبد الله بن يزيد العدوي أصله من ناحية البصرة، وقيل من ناحية ~~الأهواز، سكن مكة، وروى عن كهمس بن الحسن وموسى بن علي بن رباح، وروى عنه ~~بشر بن موسى بن شيخ بن صالح بن عميرة الأسدي. قال أبو حاتم: صدوق. وقال ~~النسائي: ثقة، وقال الخليل: ثقة. قال البخاري: مات بمكة سنة 212ه. راجع ~~تهذيب التهذيب 6: 83. PageV02P165 # وأصحابه: إن حجة رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ لا تقوم على أحد من ~~الناس إلا بأن يسمعها، ثم قالوا: وليس أحد منهم إلا وقد سمعها، إما سمعوا ~~في حال طفولتهم، أو سمعوا في حال بلوغهم. وقال سعيد الحذاء (¬1) : إن حجة ~~رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ قامت على الناس جميعا من البالغين أشدهم ~~الأصحاء، ولزمتهم ms283 كافة، سمعوا بها أو لم يسمعوا، وليس في أن لم يسمع منهم ~~من لم يسمع ما يسقط عنه المعرفة برسول الله _صلى الله عليه وسلم_، ولا مما ~~يسقط له المعذرة بجهالة رسول الله _صلى الله عليه وسلم_. # ¬__________ # (¬1) هو سعيد بن يحيى بن مهدي بن عبد الرحمن بن عبد كلال، أبو سفيان ~~الحميري الحذاء الواسطي، روى عن معمر وعوف الأعرابي والضحاك بن حمزة ~~وغيرهم، وعنه إسحاق بن راهويه، وأحمد بن سنان القطان، وابنا أبي شيبة، ~~ومحمد بن موسى بن عمران القطان وغيرهم. قال أبو داود: ثقة، وقال الدارقطني: ~~متوسط الحال ليس بالقوي، وقال الخطيب: كان صدوقا، وذكره ابن حبان في ~~الثقات. مات لأربع بقين من شعبان، سنة اثنين ومائتين، وذكر الكلاباذي أن ~~مولده سنة 112ه. راجع تهذيب التهذيب 4: 99. PageV02P166 # واحتج كل واحد منهما بالذي يرى أنه يقوي مذهبه ومقالته؛ وذلك أن عبد الله ~~بن يزيد قال لسعيد: أليست الحجة فيما اختلف فيه المختلفون أن يرجعوا به إلى ~~ما اتفقوا عليه من الأصل الذي لم يختلفوا فيه، فكل من وافق قوله منهم ما ~~أجمعوا عليه في الأصل الأول كانت الشهادة والإقرار له دون من كان قوله ~~مخالفا للأصل الأول الذي اجتمعوا عليه، فأجاب له سعيد: ببلا، فقال له عبد ~~الله: أليس مما خالفنا عليه أهل القدر، ونقمنا من مقالتهم أن قالوا: إن حجة ~~الله على خلقه إنما قامت عليهم بعقولهم دون الرسل، فأجابه سعيد: ببلا، فقال ~~له عبد الله: فإذا كان الأمر هكذا، وزعمت أنت أن حجة رسول الله _صلى الله ~~عليه وسلم_ قد قامت على الناس سمعوا أو لم يسمعوا فأنت إنما ذهبت بقولك: أو ~~لم يسمعوا إلى أن يحتج عليهم بما في عقولهم، فترجع إلى الذي عبنا جميعا على ~~القوم؛ لأنه ليس بين العقول والسماع وجه ثالث، أما أن يكون يحتج عليهم ~~بالعقول، فذلك ما نقمنا جميعا على من قال به، وأما أن تكون تحتج بالرسل فلا ~~يكون أن تقوم حجة الرسل على الناس وهم لم يسمعوا، فأجابه سعيد بأن ms284 قال له: ~~مهلا عليك لا تعجل، ولكن تثبت فيما سألت عنه وفيما احتججت به، وفيما أجبت ~~من جوابك حتى تعرف ما يلزمك خصمك، وحتى تعلم أينا أقرب إلى مقالة من ذكرت ~~من أهل الخطأ، وأينا أميل إلى جوابهم، فقال له عبد الله: هات، فقال له ~~سعيد: أليس الذي فارقنا عليه أصحاب الفكر بأن قالوا: إن حجة الله على عباده ~~موجودة في عقولهم، مكتفون بأفكارهم عن حجة الرسل (¬1) ، # ¬__________ # (¬1) راجع ما كتبه الدكتور عبد الحليم محمود في كتابه "التوحيد الخالص أو ~~الإسلام والعقل، في فصل (القرآن هاد للعقل، ص 13، ورده على من يقول بهذه ~~المقالة). وما كتبه الإمام الغزالي في كتابه المنقذ من الضلال نحو هذا ~~الصدد، وكذلك إحصاء العلوم للفارابي.. PageV02P167 # وأنه ليس على الناس من حجة الرسل ولا من معرفتهم، ولا من معرفة محمد _صلى ~~الله عليه وسلم_ إلا بأن يسمعوا بها، فأما أن لم يسمعوا بذلك فلا؟ فأجابه ~~عبد الله: بنعم، فقال سعيد: فكيف منك حتى خالفتني إلى مقالة القوم، بعدما ~~عبناها عليهم أنا وأنت جميعا، فزعمت أن حجة رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ ~~غير قائمة على أحد من الناس، ولا لازمة لهم، إلا بأن يسمعوها كما قال أصحاب ~~الفكر؟ كأنك عذرت بجهالة محمد _صلى الله عليه وسلم_ من لم يسمع بحجته، كما ~~عذرت أصحاب الفكر في معرفة محمد _صلى الله عليه وسلم_ من لم يسمع بذلك، ثم ~~إنك بعد ذلك ترفع على قولك برقعة محتاجة إلى رقعة أخرى، وقلت: قد سمعوا ~~جميعا، فمتى علمت بأنهم سمعوا جميعا؟ ولولا ما قلت بأنهم سمعوا جميعا لكنت ~~داخلا في مقالة من عذر بجهالة محمد _صلى الله عليه وسلم_، وأسقط على الناس ~~حجته، إذا هم لم يسمعوا بها، وأنت تعظم على من عذر بجهالة محمد _صلى الله ~~عليه وسلم_ لمقالته بغاية التعظيم، فقال عبد الله بن يزيد: معاذ الله أن ~~أكون ممن عذر بجهالة محمد _صلى الله عليه وسلم_، وزعم أن حجته ساقطة عن ~~الخلق، غير لازمة لهم، فقال له سعيد: ms285 فإذا كنت كذلك فينبغي لك أن لا تقول: ~~إن حجة رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ لا تقوم، ولا تلزم أحدا من الناس، ~~إلا بأن يسمعها على مقالة من عذر بجهالة محمد _صلى الله عليه وسلم_، وأسقط ~~على الناس حجته حتى يسمعوا بها، وليس ما قلت بأنهم قد سمعوا مما يرقع عليك، ~~حتى قلت: لا تقوم حجته إلا على من سمع؛ لأنك أجبت في أول مسألتك بما هو عند ~~جميع السامعين خطأ من الذي يجيب به من قال بالفكر، فأزال حجة محمد _صلى ~~الله عليه وسلم_ عن الناس حتى يسمعوا بها، ثم صرت بعد ذلك ترقع جوابك بأمر ~~لا يجامعك أحد من الناس، خصمك ولا غير خصمك، في قولك: قد سمعوا جميعا، فمن ~~يرقع الخطأ بالخطأ فلا يزال مرقعا أبدا. PageV02P168 # وأما قولك بأني إنما ذهبت في قولي: أو لم يسمعوا، إلى أن أثبت أن حجة ~~رسول الله تقوم بالعقل، على مقالة من قال بالعقل، فكيف حتى غلطت على هذه ~~الغلطة؟ وهل من أصحاب الفكر أحد يزعم أن حجة رسول الله _صلى الله عليه ~~وسلم_ واجبة على أحد بالعقل، وإنما قالوا إنها لا تجب على أحد من الناس ~~أبدا، إلا بأن يسمعوا بها على مثل مقالتك، وألزمتني العيب في قولي: إن حجة ~~رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ قد قامت على الناس جميعا ولزمتهم، سمعوا ~~بها أو لم يسمعوا، وهو لك ألزم، وإنما قلت: ولو لم يسمعوا، حتى لا أكون ممن ~~يبسط المعذرة بجهالة محمد _صلى الله عليه وسلم_ لأحد من الناس، سمع بذلك أم ~~لم يسمع به، كما بسطها أهل الخطأ من أصحاب الفكر لجميع الناس حتى يسمعوا. PageV02P169 # وبعد فأي المقالتين أقرب إلى مقالة من ذكرت من أهل الخطأ، وأيتهما أثبت ~~على الأصل الأول، من أن حجة الرسول قائمة على الناس كافة، ولازمة لهم ~~جميعا؟ وأيتهما أنفر من مقالة أهل الخطأ؛ حيث زعموا أن حجة الرسل غير قائمة ~~على الناس، ولا لازمة لهم جميعا حتى يسمعوا؟ وقلت أنت أيضا: لا ms286 تقوم حجة ~~الرسل على الناس إلا بأن يسمعوا بها، ثم رقعت بأنهم قد سمعوا. وقلنا نحن ~~بأن حجة الرسل قائمة على الناس لازمة لهم، سمعوا أو لم يسمعوا، فلما كان ~~هذا من قول الرجلين، نظر المسلمون فرأوا أن مقالة سعيد أقرب إلى الرشد، ~~وأبعد من مقالة من أجمعوا على تخطئته ممن قال بحجة الفكر، وأسقط على الناس ~~حجة الرسل حتى يسمعوا بها، ورأوا أن مقالة من زعم أن حجة الرسل لا تقوم على ~~الناس إلا بسماع أقرب إلى مقالة أهل الفكر؛ حيث زعموا أن حجة الرسل ساقطة ~~عن الناس بما يجدونه في أفكارهم من المعارف، حتى يكونوا سمعوا بحجة الرسل، ~~ولولا ما رقع به صاحب هذه المقالة بأنهم قد سمعوا لما كان منفصلا عن مقالة ~~أهل الفكر في شيء ممن اتفقنا جميعا على تخطئته فيما قالوا، فتبين عند ~~المسلمين أن من قال بأن حجة الرسل قد قامت على الناس كافة ولزمتهم جميعا، ~~سمعوا بها أو لم يسمعوا أقرب إلى الهدى، وأبعد من مقالة أهل الخطأ لما كان ~~قول من يقول إن حجة الرسل لا تقوم إلا بالسماع، ولا تلزم إلا به، ثم يرقع ~~بعد ذلك بأنهم قد سمعوا لا يكون مساويا لقول من يقول: قد قامت على الناس ~~كافة، ولزمتهم جميعا من سمع منهم ومن لم يسمع، في المقاربة من الأصل المجمع ~~عليه، وفي المباعدة من قول أهل الخطأ من أهل القدر. PageV02P170 # ثم إن سعيدا قال لعبد الله بن يزيد: إنك قد وهمت في هذين الوجهين من باب ~~الحجة، أحدهم: أنك قلت: بأن حجة رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ لا تقوم ~~على الناس جميعا ولا تلزمهم إلا بأن يسمعوا، ووافقت في ذلك مقالة أهل ~~الخطأ، وأوهمت السامعين بأنك عذرت بجهالة حجة رسول الله _عليه السلام_ من ~~لم يسمع بها، وليس ذلك من أصلك، والوجه الثاني: أنك زعمت بأن الناس جميعا ~~قد سمعوا بحجة رسول الله _صلى الله عليه وسلم_، وقرعت دعوته جميع أسماعهم ~~ترقيعا منك بذلك لفساد أول كلامك، ms287 وأنا سائلك في هذا الوجه الثاني ~~بمسألتين، فإن كنت أجبتني عنهما، وإلا تبين فساد هذا الوجه الثاني من كلامك ~~كما فسد الأول، أحدهم: أن تخبرني هل يكون أحد على دين عيسى عليه السلام، أو ~~على غير دين عيسى عليه السلام من الأنبياء بعد مبعث الرسول _صلى الله عليه ~~وسلم_، وكان واسعا له أن يقيم على ما هو عليه من دينه (¬1) ؟ قال نعم، ~~فقال: وكيف وسعه أن يقيم على ما هو عليه من دينه، والناس عندك جميعا قد ~~سمعوا بدعوة رسول الله _صلى الله عليه وسلم_؟ أو كنت تخص هذا الذي هو على ~~دين نبي من أنبياء الله بأنه لم يسمع بدعوة رسول الله من دون الناس، وأنت ~~زعمت أن جميع الناس سمعوا بها؟ فكيف صم هو عن حجة سمعها من في المشرق ومن ~~في المغرب؟ وهو أحرى أن يسمع بها؛ لأنه يتوكف ذلك ويتوقع حدوثه. # ¬__________ # (¬1) قال عليه الصلاة والسلام: "لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا ~~نصراني ثم لم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار". راجع تفسير ~~القرطبي 1: 433 434. PageV02P171 # والمسألة الثانية: أن قال له: أخبرني عن جميع ما فرض الله من الفرائض على ~~لسان نبيه _صلى الله عليه وسلم_، هل سمع الناس بها جميعا حتى نالوا معرفتها ~~أم لم يسمعوا؟ فإن كنت زعمت أنهم سمعوا بها فكيف سمع جميع من في المشرق من ~~يأجوج ومأجوج، والسند (¬1) ، # ¬__________ # (¬1) السند: بلاد بجهات الهند، ويطلق هذا اللفظ أيضا على طائفة متاخمة ~~للهند صفر الوجوه. # وقال ياقوت الحموي في معجمه: إن السند بلاد بين الهند وكرمان وسجستان، ~~قصبتها المنصورة، واسمها بلغة الهند برهمناباذ على مرحلة من الملتان. راجع ~~دائرة معارف القرن العشرين 5: 307. وقال صاحب معجم البلدان: والسند أيضا ~~ناحية من أعمال طلبيرة من الأندلس، والسند أيضا مدينة في إقليم فريش ~~بالأندلس، والسند أيضا قرية من قرى بلدة نسا من بلاد خراسان. راجع معجم ~~البلدان 3: 267. PageV02P172 # والهند (¬1) ، ومن من بالمغرب من الإفرنج، والشياكمة، والجلالقة أن يكون ~~هؤلاء كلهم سمعوا بدقائق ms288 الفرائض في وجوه معمولاتها؟ فمن ادعى ذلك كان ~~الوجود شاهدا بكذبه، ناقضا عليه دعواه، أو تكون تقول: إن العمل بجميع تلك ~~الفرائض على من ذكرنا محطوط حتى يسمعوا به، وليس ذلك من مذهبك ولا من مذهب ~~الإباضية إلا من شذ منهم ممن ذكرنا، ولحق بمذهب أهل القدر؛ لأن مذهب ~~الإباضية أن قالوا: لا يسع ترك شيء من الفرائض، علم التارك لها أو جهل، ولا ~~تسع مقارفة شيء من المحارم، علم المقارف لها أو جهل. فلما كانت الحجة في ~~عمل الفرائض قائمة على الناس كافة، واجبة عليهم جميعا، سمعوا بها أو لم ~~يسمعوا كان القول في حجة رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ في الجملة بأنها ~~قائمة على الناس، واجبة عليهم، سمعوا بها أو لم يسمعوا مثل ذلك، فما بلغنا ~~أن عبد الله بن يزيد أجاب لسعيد في هاتين المسألتين جوابا. # ¬__________ # (¬1) الهند: يقول صاحب دائرة معارف القرن العشرين: هي أحد أشباه الجزائر ~~الثلاث التي توجد في آسيا الجنوبية، وهي بانحصارها بين شبه جزيرة العرب ~~وشبه جزيرة الهند الصينية تشبه إيطاليا من أوربا، ولكنها بشكلها الجملي ~~يمكن تشبيهها بأفريقيا، فهي عبارة عن مثلث غير منتظم السيقان، قاعدته جبال ~~هيماليا، ورأسه رأس كومورين، يغمرها من جهة الغرب خليج العرب، ومن الشرق ~~خليج بنغال، ويحيط بها من جهتين نهرا الأندوس، وهي تتاخم من جهة الغرب ~~الأراضي التي تسكنها القبائل الأفغانية. راجع دائرة معارف القرن العشرين ~~10: 540 وما بعدها. PageV02P173 # وأنا بنفسي قد سألت عن هذه المسألة في السماع بالفرائض بعض علمائهم فما ~~علمت أنه أجابني عنها بجواب أقدر على حكايته، على الحرص مني على ذلك، وقد ~~بلغنا بأن من ضعفة القوم من يتكلف بالجواب عن عبد الله في هذه المسألة، ~~بأمر قد تبين فيه عوار ما تكلف به، بأن قال: إنهم حين سمعوا بالجملة (¬1) ~~قد سمعوا بالفرائض، لما كانت الفرائض داخلة في الجملة. ويقال لهذا: متى ~~جومعت على السماع لجميع الناس بالجملة، حتى تجعله أصلا تبني عليه سماع ~~الفرائض، ومع ذلك أحسب الأمر على ms289 ما قلت، فمن أين كان السماع بالجملة مؤديا ~~إلى السماع بدقائق الفرائض؟ وهل يوجد في الجملة من المعرفة شيء من الفرائض ~~يهتدي إلى عملها سماع الجملة؟ فلما لم يكن سماع الجملة مؤديا إلى شيء من ~~الفرائض، ولا تكون الفرائض مسموعة منها، ولا معروفة من قبلها، فلم لا كان ~~سماع الجملة كسماع سائرها من جميع أقاويل الناس، وهذا أوضح بيانا من أن ~~يتكلم فيه بأكثر من هذا. # ¬__________ # (¬1) راجع ما كتبه الشيخ السالمي بشأن الجملة عند الإباضية، وتعليق الشيخ ~~أحمد بن حمد الخليلي مفتي عام السلطنة في مشارق أنوار العقول بتحقيقنا، 2: 150. PageV02P174 # ويقال لهم: أخبرونا عن قولكم: بأن دعوة رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ ~~قد سمعها جميع الناس في أول يوم بعثه الله، ودعا بمكة: (يا أيها الناس إني ~~رسول الله إليكم جميعا) (¬1) ، متى سمعوا في حين دعائه أم بعد ذلك؟ فإن ~~قالوا: في حين دعائه، قيل لهم: فهل كان جميع الناس موجودين كلهم في ذلك ~~الحين حتى سمعوا بها أو لم يسمعوا؟ أم كيف القصة في ذلك؟ أم كيف حتى يكون ~~من بالمشرق ومن بالمغرب يسمع دعوة رجل بمكة، وهم عنها نايون، إلا أن يكون ~~ذلك على جهة الإعجاز (¬2) ، فحينئذ يتفق جميع الناس بأنهم قد سمعوا بها، ~~ونكون نحن اليوم لها سامعين، وهذا ما قد بان فساده. # وفي هذا الباب حجج كثيرة لم أذكر منها إلا اليسير، فمن أجل ذلك أخذ ~~المسلمون (¬3) بمقالة سعيد في الحجة، واحتملوا عليها، وتركوا مقالة ~~الآخرين. # فإن سأل سائل فقال: أخبروني عن حجة رسول الله _صلى الله عليه وسلم_، هل ~~كانت قائمة على الناس كافة، لازمة لهم جميعا؟ قيل له نعم: فإن قال: فكيف ~~قيامها على الناس، وأنتم تفرقون بين قيام الحجة وبين السماع بها؟ قيل له: ~~بلى قد فرقنا بين ذلك؛ لأن السماع (¬4) # ¬__________ # (¬1) سورة الأعراف آية رقم 158. # (¬2) إعجاز القرآن: "ارتقاؤه في البلاغة إلى أن يخرج عن طوق البشر، ~~ويعجزهم عن معارضته على ما هو الرأي الصحيح، لا الأخبار عن المغيبات، ولا ~~عدم التناقض، ms290 ولا الاختلاف، ولا الأسلوب الخاص، ولا صرف العقول عن ~~المعارضة، ولا إيجاز اللفظ أو كثرة المعنى، وليس إعجازه لمعناه فقط بل هو ~~في المعنى التام كما هو في النظم، ولو كان حاصلا بدون النظم لم يكن مختصا ~~بالقرآن، بل يكون بعض الأحاديث معجزا أيضا، وهذا خرق الإجماع ". راجع ~~الكليات 1: 238. # (¬3) يقول الدكتور عمار الطالبي: المسلمون عند المؤلف هم الإباضية، ~~والمخالفون لهم يسميهم الإباضيون موحدين. # (¬4) يهتم رجال التصوف بالاستماع، ويتلون قول الله تعالى: (فبشر عبادي ~~الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه(. # وروي عن ابن جرير انه كان يرخص في السماع فقيل له: إذا أتى بك يوم ~~القيامة، ويؤتى بحسناتك وسيئاتك ففي أي الجانبين سماعك..؟ # فقال: لا في الحسنات ولا في السيئات، يعني أنه من المباحات. # وسئل الشبلي عن السماع فقال: "ظاهره فتنة، وباطنه، عبرة فمن عرف الإشارة ~~حل له استماع العبرة، وإلا فقد استدعى الفتنة وتعرض للبلية". راجع الرسالة ~~القشيرية 2: 637 وما بعدها. PageV02P175 # لا يكون إلا بمشافهة الكلام، فيكون السامع سامعا بمخاطبة من يخاطبه، ولا ~~يكون ذلك إلا والمخاطب بحضرة الذي يخاطبه. وقيام الحجة معناه: أن يكون رسول ~~الله _صلى الله عليه وسلم_ في دعوته وتبليغ رسالته مشافها بالكلام لمن ~~بحضرته ممن تمكنه مشافهته، ومرسلا، وكاتبا إلى من لا تمكنه مشافهته ~~بالكلام، مضيقا على من لا تمكنه مراسلته ولا تبلغه مكاتبته إذا هو لم يكن ~~على شيء من دين الله، موسعا على من هو على دين الله ودين أنبيائه، فلهذا ~~كان السماع ضربا من التبليغ، وليس معناهما واحدا، فإن قال: فمن أين علمتم ~~بأن حجة رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ قائمة على الناس جميعا، سمعوا أو ~~لم يسمعوا؟ قيل له من قبل قول الله عز وجل: (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل ~~إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته) (¬1) ، ثم قال عز وجل لرسوله: ~~(فتول عنهم فما أنت عنهم بملوم) (¬2) ، فدل على أنه قد فعل من ذلك ما أمر ~~به _صلى الله عليه وسلم_، ولو لم يكن رسول الله عليه ms291 السلام مبلغا لرسالة ~~الله التي أرسله بها إلى خلقه لكان يجب أن يكون مفرطا، ملوما، وحاش له من ~~ذلك _صلى الله عليه وسلم_. # فإن سأل سائل: قد ذكرت أقاويل المختلفين في الحجة فيما لا يسع الناس ~~جهله، وثبتت أن الحجة لله على خلقه قد قامت عليهم بالرسل التي أرسلها ~~إليهم، ودلت أن حجة الرسل واجبة على الناس جميعا (¬3) ، # ¬__________ # (¬1) سورة المائدة آية رقم 67، وقد جاءت الآية محرفة في المطبوعة حيث ~~قال: رسالاته بدلا من (رسالته). # (¬2) سورة الذاريات آية رقم 54. # (¬3) قال تعالى: (وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه) سورة الأنعام آية ~~رقم 83. # والحجة ما جرى بينه وبين قومه من الاستدلال على حدوث الكواكب والقمر ~~والشمس، وعيبهم إذ سووا بين الصغير والكبير، وعبدوا من لا ينطق، وإلزامه ~~إياهم الحجة (آتيناها إبراهيم) أرشداه إليها بالإلهام. وقال مجاهد: الحجة ~~قول إبراهيم: (فأي الفريقين أحق بالأمن). راجع زاد المسير 3: 78، وتفسير ~~ابن جرير 11: 504. PageV02P176 # بالغة إليهم في معرفة جميع ما لا يسعهم جهله، وفي فعل جميع ما لا يسعهم ~~تركه، وفي ترك مالا يسعهم فعله، ودللت على أن ما جاءت به الرسل من ذلك واجب ~~على العباد امتثاله على ما جاءت به الرسل من المعرفة والعمل والترك جميعا، ~~سمعوا بذلك أو لم يسمعوا، فالآن أخبرني ما الحجة فيما يسع الناس جهله ما ~~هي؟ وما الوجه الذي إذا أورد عليهم كانت المعرفة به واجبة في جميع ما ورد ~~به من ذلك؟ قيل له: ولا قوة إلا بالله، إن هذه المسألة التي سألت عنها قد ~~تنازعت الأمة في جوابها على أقاويل لا تحصى عدتها كثرة، لما يوجد من اختلاف ~~كل طائفة منهم في فروع ما بينهم، سوى الاختلاف في مقالات المختلفين في ~~أصولهم، فلذلك يتعذر تتبعه إلى أقصى غايته؛ لكنني أحصل لك جميعه في ثلاث ~~صفات تحتوي على مذاهب القوم في أصولهم وفي فروعهم، وتكتفي بذلك عن تعدادها ~~إن شاء الله. # فأما الوجه الأول منها: فمذهب أهل العدد (¬1) الذين يذهبون إلى أن العدد ~~هو الحجة، على قدر اختلافهم في ms292 الأعداد، وأكثر القائلين بهذا من الناس أهل القدر. # والوجه الثاني: ما ذهب إليه أهل التواتر (¬2) # ¬__________ # (¬1) العدد: أحد المفاهيم العقلية الأساسية، وهو بهذا الاعتبار لا يحتاج ~~إلى التعريف، إلا أن بعض العلماء يعرفونه بنسبته إلى غيره من المعاني ~~القريبة منه فيقولون: العدد هو الكمية المؤتلفة من الوحدات، أو الكمية ~~المؤلفة من نسبة الكثرة إلى الواحد، ويسمى بالكم المنفصل؛ لأن كل واحد من ~~أجزائه منفصل عن الآخر دون اشتراك بينهما. # وعلم العدد: هو العلم الرياضي المحض، وينقسم إلى علم الكم المنفصل ~~كالحساب والجبر، وعلم الكم المتصل كعلم الهندسة وعلم اللانهايات. راجع ~~التعريفات 128، 129، والكليات 3: 253، 254. # (¬2) التواتر: من حيث الرواية هو أن يرويه جماعة لا يتصور تواطؤهم على ~~الكذب، فيكفر جاحده. # وأما التواتر: من حيث ظهور العمل به قرنا فقرنا من غير ظهور المنع ~~والنكير عليهم في العمل به، غير أنهم ما رووه على التواتر؛ لأن ظهور العمل ~~به أغناهم عن روايته، فجاحد هذا المتواتر لا يكفر لمعنى عرف في أصول الفقه. # ويقول صاحب كتاب جامع الشمل: التواتر خبر أقوام عدول زال عنهم اسم ~~الجهالة، موثوق بقولهم عن أمر محسوس، يستحيل تواطؤهم على الكذب عادة، بخلاف ~~النظري لجواز الغلط فيهم، فإن الجمع العظيم لو أخبر عن حدوث العالم أو غيره ~~من النظريات لم يحصل للعلم بخبرهم. راجع الكليات 2: 96، والتعريفات ص: 63، ~~وجامع الشمل في أحاديث خاتم الرسل 2: 349، 350. PageV02P177 # ممن يزعم أن الحجة لا تقوم فيما يسع الناس جهله حتى تتواتر به الأخبار، ~~فحينئذ تتأكد المعرفة، ولهم في صفة التواتر اختلاف وتنازع كثير، تغنيك هذه ~~الجملة عن تفصيله إن شاء الله. # والوجه الثالث: مقالة من يقول إن ورود الحق على الناس بصفته التي هو بها ~~الحجة عليهم في معرفة جميع ما يسعهم جهله من قبل وروده، ولا تعتبر في ذلك ~~عندهم عدة الواصفين قلوا أو كثروا، ولا ينتظر به تواتر الأخبار حتى تتفق أو ~~تختلف، فإلى هذه الوجوه الثلاثة تأوي جميع مذاهبهم في هذا الباب إن شاء الله. # فإن قال: قد فهمت محصول هذه الوجوه الثلاثة المتضمنة ms293 لجميع أقاويل الناس ~~فيما سألت عنه من هذا، فأخبرني عن مذهبك في هذه الوجوه، وإلى أيها تميل ~~بجوابك؟ قيل له: لما كان العدد في الحجة لا يجب القطع به ولو كثر، إذا كان ~~مخالفا للصفة، مع عدم الدلالة في شيء من تلك الأعداد دون شيء كان القول به ~~قولا فاسدا، ولما كان التواتر يتعذر اتفاقه، ولا يتهيأ ايتلافه إلا بعد ~~شكوك معارضة للحجة، بعد كثير سماعها كان القول بأن لا تقوم الحجة، ولا تلزم ~~المعرفة بما دون التواتر قولا مضطربا غير ذي حد معروف، إلا بأن يتواتر ~~الخبر بما لا يدفع له من التواتر اضطرارا، وهذا بعيد الحد. ولما كان هذان ~~الوجهان على ما وصفنا كان الحق في نفسه حجة على من سمعه، كثير الموردون له ~~أو قلوا، على أنا لا ندفع أن يكون كثير العدد في الحجة، ولا نأبى أن يكون ~~تواتر الخبر فيها موجبا للمعرفة، بل ذلك كله حجة، وما دونه حجة، وإنما ~~الاختلاف في المعنى الذي لا تقوم الحجة ولا تلزم المعرفة إلا به. فإن قال: ~~فإني أراك تذهب إلى أن الحق في نفسه حجة على من سمع به، ولم تلتفت إلى عدة ~~القائلين في ذلك، فهل تقول إن الواحد من الناس في الحق حجة؟ قيل له: نعم إن ~~الواحد حجة في جميع دين الله، إذا كان هو من أهل دين الله، ولا يوجد على ما ~~وصف من حجة الله مزيد، ولا لما قال من ذلك خلاف. PageV02P178 # فإن قال: فمن أين علمت ذلك من الأصل (¬1) أو من الفرع؟ قيل له: من الأصل ~~ومن الفرع جميعا، أما من الأصل: فإني وجدت الله حاج عباده فيما تعبدهم به ~~برسول واحد، وقطع بذلك عذرهم، ولو كان الواحد لا يكون حجة لما كان الله ~~يقيم به حجته على خلقه، ويقطع بذلك معاذيرهم، ثم إني وجدت من فعل رسول الله ~~_صلى الله عليه وسلم_ أنه يرسل إلى الناس في آفاقهم رسولا واحدا يحتج به ~~عليهم، ولو كان لا يكون حجة إلا ما ms294 ذكروا من العدد لما كان رسول الله يرسل ~~إلى الناس إلا جماعات، وفي هذا أيضا ما يفسد على أهل التواتر مذهبهم، إلا ~~يكون رسول الله يقطع على أحد من الناس إلا بأن يعلم بتواتر الأخبار عليهم. # وأما من الفرع: فإني وجدت الأمة تولي واحدا، وتستفتي واحدا، وتستعمل ~~واحدا، وتستقضي واحدا، فيكون ذلك الواحد حجة عندهم في كل ما هو فيه، ولو ~~كان لا يكون الواحد حجة لما كانت الأمة تجتمع على ما وصفنا من فعلهم ذلك. # ¬__________ # (¬1) الأصل: في اللغة عبارة عما يفتقر إليه ولا يفتقر هو إلى غيره. وفي ~~الشرع عبارة عما يبني عليه غيره، ولا يبني هو على غيره. والأصل ما يثبت ~~حكمه بنفسه ويبني عليه غيره. # والأصول من حيث إنها مبنى وأساس لفرعها سميت قواعد، ومن حيث إنها مسالك ~~واضحة إليها سميت مناهج، ومن حيث إنها علامات لها سميت أعلاما. راجع ~~التعريفات 22، والكليات 1: 189، ومقدمة ابن خلدون 284. PageV02P179 # ووجه آخر: لما كان العدد غير قاطع به إذا هو أخطأ في الصفة، وخالف في ~~الحق، وجب أن يكون الحق في نفسه حجة. فإن قال: قد فهمت ما وصفت في هذا من ~~قولك: إن الحق في نفسه حجة، قل الموردون له أو كثروا، غير أني أخذت عليك في ~~واحدة، حيث اشترطت أن يكون المورد للحجة من أهل الحجة، كأنك عارضت قولك، ~~فلم لا قلت: إن الحق في نفسه حجة يكون المورد له من شاء من الناس؟ قيل له: ~~قلت ذلك لقول الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ ~~فتبينوا) (¬1) ، فدل على أنه لو كان غير فاسق (¬2) لما وجب عليهم أن ~~يتبينوا، وفي هذه الآية إشارة إلى أن الواحد حجة إذا كان غير فاسق، على أني ~~رأيت أكثر أصحابنا أكثر ما تميل أجوبتهم إلى أن الواحد لا يكون حجة حتى ~~يزيد معه ثان غيره، كأنهم ناظروا ذلك بالشهادات في الأحكام، والله أعلم. # ¬__________ # (¬1) سورة الحجرات آية رقم 6، وتكملة الآية (أن تصيبوا قوما بجهالة ~~فتصبحوا على ما فعلتم نادمين). وذكرت ms295 الآية في المطبوعة على أنها رقم (5). # (¬2) فسق فلان: خرج عن حجر الشرع، وذلك من قولهم فسق الرطب إذا خرج عن ~~قشره، وهو أعم من الكفر، والفسق يقع بالقليل من الذنوب وبالكثير، لكن تعورف ~~فيما كان كثيرا، وأكثر ما يقال الفاسق: لمن التزم حكم الشرع وأقر به ثم أخل ~~بجميع أحكامه أو ببعضه، وإذا قيل للكافر يا فاسق فلأنه أخل بحكم ما ألزمه ~~العقل واقتضته الفطرة، قال تعالى: (ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون). ~~سورة النور آية 55، وقال تعالى: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم ~~الفاسقون). سورة النساء آية 47، والفاسق أعم من الكافر. راجع بصائر ذوي ~~التمييز 4: 192، والمفردات ص 380. PageV02P180 # وقد قال بعض علمائنا: بأن الواحد لا يكون حجة، ولو أنه أتى بصفة الحق ~~التي لا يوجد عليها مزيد، ولا لها خلاف حتى يكون ذلك الواحد في الغاية من ~~العلم بجميع دين الله، فذهب بقوله إلى أن يكون القائم بالحق منظورا إليه، ~~معمولا على قوله، لا تعتري الشكوك (¬1) عند الضعفاء ممن تقوم عليه الحجة ~~فيما يقول به، ولبعضهم إشارات إلى أن الحق في نفسه حجة، لا تعتبر ثقة ~~الواصف له، كما لا تعتبر عدته، كائنا من كان من الناس. وهذه أربعة أقاويل ~~لأصحابنا، تدبروا منها ما قوي مما ضعف، وفيما ذكرت من أقاويل أصحابنا في ~~الحجة دون من سواهم ما ينبئك عن كثرة أقاويل المختلفين من الأمة في ذلك. # فإن قال: ما معنى قول بعض العلماء: إن الحجة فيما يسع الناس جهله أن ~~تعلمه من كتاب الله، أو من سنة رسول الله، أو مما أجمع عليه المسلمون مما ~~دانوا به؟ قيل له: هذا قول غير مختلف فيه، فكل من فهم الحق من الكتاب، أو ~~من السنة، أو من أقاويل المسلمين التي دانوا بها وعرفه منها، كانت معرفته ~~عليه حجة واجبة، وإنما الاختلاف فيمن ورد عليه وجه من الحق، وخوطب به أنه ~~من كتاب الله، أو من سنة رسول الله، أو من آثار الأئمة مما أجمعوا عليه، ~~والمخاطب لا يعلم ms296 ذلك، ففي هذا اختلف الناس، متى تقوم الحجة عليه فيه؟ # ¬__________ # (¬1) الشكوك جمع شك، والشك هو التردد بين النقيضين بلا ترجيح لأحدهما على ~~الآخر عند الشاك، وقيل: الشك ما استوى طرفاه، وهو الوقوف بين الشيئين لا ~~يميل القلب إلى أحدهم، فإذا ترجح أحدهم ولم يطرح الآخر فهو ظن، فإذا طرحه ~~فهو غالب الظن، وهو بمنزلة اليقين. # وقال الجويني: الشك ما استوى فيه اعتقادان أو لم يستويا، ولكن لم ينته ~~أحدهم إلى درجة الظهور الذي يبني عليه العاقل الأمور المعتبرة. # والشك كما يطلق على ما لا يترجح أحد طرفيه يطلق أيضا على مطلق التردد. ~~راجع التعريفات 168، والكليات 3: 62، 63. PageV02P181 # وأما ما ذكر عن قوم من الإباضية في الحجة أنهم قالوا: إن الحجة لا تقوم ~~على الناس فيما يسعهم جهله من دين الله، إلا بأن يجتمع عليها جميع العلماء، ~~فلست أدري ما يذكر عنهم من هذا، بعد إذ سألت فيه من أخذت عنه من علمائنا، ~~وشافهت بعض علمائهم، فما أوقفوني على محصول ذلك، ولم أقف عليه فيما درست، ~~مع شدة الحرص مني فيه، وكثرة البحث، فإن كان القوم يذهبون إلى أنه لا يكون ~~حجة إلا ما يجتمع عليه العلماء دون ما يختلفون فيه فهذا وجه، أو يكونوا ~~يذهبون إلى أن الحجة لا تقوم على أحد من الناس فيما يسعهم جهله من دين ~~الله، إلا بمحضر جميع العلماء، فإن كان القوم إلى هذا يذهبون، وإياه يريدون ~~فما أراهم جعلوا للحجة وجها تقوم به، كأنهم أرادوا ألا يوجبوا على الناس ~~حجة في جميع ما يسعهم جهله أبدا، فيكون هذا القول منهم شبيها بالذي يذكر ~~عنهم من توسعة الجهل بجميع الفرائض التي هي دون التوحيد على من فرضت عليه، ~~وإن الذي يجب على الناس من ذلك أن يفعلوا دون أن يعلموا، والله أعلم بما ~~يذكر عنهم من هذا، فلست أكون كرامي سهم في ليلة ظلماء ولا يرى غرضا. # باب القول في إن الملل (¬1) المخالفة لملة الإسلام مشركون # ¬__________ # (¬1) الملة كالدين، وهو اسم لما شرع الله تعالى لعباده ms297 على لسان الأنبياء ~~ليتوصلوا به إلى جوار الله. والفرق بينهما وبين الدين أن الملة لا تضاف إلا ~~إلى النبي عليه الصلاة والسلام الذي تسند إليه، قال تعالى: (اتبعوا ملة ~~إبراهيم)، وقال: (واتبعت ملة آبائي). ولا تكاد توجد مضافة إلى الله ولا إلى ~~آحاد أمة النبي _صلى الله عليه وسلم_، ولا تستعمل إلا في جملة الشرائع دون ~~آحادها، لا يقال: ملة الله، ولا يقال: ملتي وملة زيد كما يقال: دين الله ~~ودين زيد. راجع المفردات في غريب القرآن ص 471، 472. PageV02P182 # اجتمعت الأمة ولا نعلم لهم خلافا أن الملة المخالفة لملة الإسلام مشركون، ~~يحكم عليهم بأحكام المشركين: من القتل، وسبي الذرية، وغنيمة المال، وأخذ ~~الجزية من أهل العهد منهم، وغير ذلك من أحكام المشركين، إلا ما كان من ~~هؤلاء الرهط الذين هم شعث بن عمير وابن أبي المقداد، فإنهم خالفوا في ~~التسمية باسم الشرك دون أحكام الشرك، فلما كانت الأمة مجتمعة على أن هذه ~~الأحكام التي ذكرناها: من القتل، والسبي، والغنيمة، وغير ذلك أنها أحكام ~~المشركين، بانوا بها من الموحدين، صار إجماعهم حجة على من أراد أن يزيل ~~عنهم اسم المشركين، والأمة لا تجتمع على شيء ثم تختلف فيه، وأجمعوا على ~~القول بأن هذه الملل ملل الشرك، ففي إجماعهم على القول بأنها ملل الشرك ~~دليل على بطال ما ذهب إليه من زعم أنهم غير مشركين، وأجمعت الأمة على أن ~~أهل هذه الملل إذا هم حاربوا، وبانوا بدارهم أن دارهم دار شرك، واجتمعت ~~الأمة على أن من خرج من دينه راجعا إلى ملة من هذه الملل انه مرتد إلى ~~الشرك، واجتمعت الأمة على أن أهل هذه الملل إذا قوتلوا أو سبوا أو غنموا ~~فإن ذلك من قبل ما أنهم مشركون، وأجمعوا على أن مناكحتهم محرمة؛ لأنهم ~~مشركون، وأن ما حل من ذلك بخصوصية الله إياه بقوله عز وجل: (والمحصنات من ~~الذين أوتوا الكتاب) (¬1) ، وإلا فالجميع باق على تحريمه من قوله عز وجل: ~~(ولا تنكحوا المشركات) (¬2) ( # ¬__________ # (¬1) سورة المائدة آية رقم 5. # (¬2) سورة البقرة آية رقم ms298 221، وتكملة الآية: (حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير ~~من مشركة ولو أعجبتكم ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ولعبد مؤمن خير من ~~مشرك ولو أعجبكم أولئك يدعون إلى النار والله يدعو إلى الجنة والمغفرة ~~بإذنه ويبين آياته للناس لعلهم يتذكرون).. PageV02P183 # ولا تنكحوا المشركين) (¬1) ، فعلى مدعي الخلاف أن يوجدنا وجها به حرم ~~إنكاح رجالهم من الكتاب، أو من السنة، أو من الإجماع، إلا من قول الله: ~~(ولا تنكحوا المشركين) (¬2) ، أو يوجدنا وجها به أحل قتالهم، إلا من قول ~~الله عز وجل: (وقاتلوا المشركين كافة) (¬3) ، ومن قوله: (قاتلوا الذين لا ~~يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون ~~دين الحق من الذين أوتوا الكتاب _إلى قوله_: ولو كره المشركون) (¬4) ، فدل ~~على أنهم مشركون، وأجمعوا على أنهم إنما عرفوا جميع ما أجمعوا عليه في هذا ~~من الكتاب، ومن سنة رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ في فعله، وفي سيرته ~~عليه السلام. فلما كان من إجماع الأمة ما وصفنا، والرسول _صلى الله عليه ~~وسلم_ يقول: (لن يجمع الله أمتي على ضلال) (¬5) تبين أن الخارج عن إجماعهم، ~~والنائي عن كافتهم في ضلال، والله أعلم بما هو في ضلالته تلك. # ¬__________ # (¬1) سورة البقرة آية رقم 221 # (¬2) سورة البقرة آية رقم 221. # (¬3) سورة التوبة آية رقم 36. # (¬4) سورة التوبة آية رقم 29 33. # (¬5) سبق تخريج هذا الحديث قريبا من هذا. PageV02P184 # ثم نحن مع هذا كله سائلوا القوم بما لا جواب لهم فيه، ولا قبل لهم به إن ~~شاء الله، ولا قوة إلا بالله، فنقول لهم: أخبرونا عن أهل هذه الملل؟ أليسوا ~~مكذبين للرسل، جاحدين لحجج الله التي دل بها على رسالتهم، منكرين ~~لمعجزاتهم، وآياتهم؟ فلا بد من بلى، فيقال لهم: أخبرونا عن هذه الآيات التي ~~أعجز الله بها خلقه عن الإتيان بها وبأمثالها، ولو كانوا على ذلك متظاهرين ~~(¬1) أهي مما يحتمل البشر أن يأتوا به أو بمثله، أو مما لا يحتملونه؟ فإن ~~قالوا: مما يحتملونه قيل لهم: فلم صارت إذا آيات ومعجزات إذا كان البشر ~~يأتون بها ms299 وبأمثالها؟ فيجب على هذا المعنى أن تكون غير دالة على صدق من ~~ظهرت على يديه، وهذا مما لا يقول به إلا الجاحد لها، المكذب بصدقها. فإن ~~قالوا: إنها مما لا يحتمل البشر أن يأتوا به ولا بمثله، قيل: فكيف لا يشرك ~~من نفاها عن الله عز وجل، وأضافها إلى سواه من الخلق، كما أشرك من نفى عنه ~~خلق هذه الأجسام، وأضاف ذلك إلى غيره من خلقه، وكلا الأمرين في باب إعجاز ~~الخلق وامتناعهم عن إيجاد مثله سواء، أو ليس إذا اتفقت العلل، واستوت ~~الصفات فذلك هو الذي يوجب التسوية بين الحكم؟ ولا أعلم للقوم في هذه ~~المسألة جوابا إلا بمثل هذيان، فيقولون: لو كان الجاحدون لهذه المعجزات ~~أقروا بأنها لا يحتملها إلا الله، ثم كذبوا بأنها من عند الله كانوا قد ~~أشركوا. # ¬__________ # (¬1) قال تعالى: (قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا ~~القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا) سورة الإسراء آية رقم 88. ~~راجع ما كتبه القرطبي، باب ذكر نكت في إعجاز القرآن وشرائط المعجزة ~~وحقيقتها 1: 69 وما بعدها. PageV02P185 # تأملوا حفظكم الله هذا الجواب، لتعلموا ما خصكم الله به من الهداية ~~إياكم، فينبغي على هذا الجواب أن يكون من أنكر شيئا من خلق الله أن يكون ~~الله خلقه، لا يشرك حتى يثبت قبل ذلك، ويقر بأنه لا يحتمل خلقه وإيجاده إلا ~~الله، فأما متى لم يقر بذلك فلا يشرك، فهل أحد ممن له قليل عقل يقول بهذا ~~التناقض الذي وصفوه حتى يكون مشركا أو غير مشرك أن يقول: إن هذا الفعل مما ~~لا يحتمله إلا الله، ثم يرجع فيقول: إنه ليس من فعل الله، ومع ذلك يقال ~~لهم: أليس هذا المكذب بالرسل، الجاحد برسالتهم مكذبا بالله (¬1) في خبره؟ ~~فكيف لا يشرك وقد وصف الله بالكذب، وألزمه من مهانة الكذب ما ألزم ~~الكاذبين؟ فقالوا: لا يكون مكذبا بالله حتى يقر بأنهم رسل الله ثم يكذبهم، ~~فحينئذ يكون مكذبا بالله، وأما من لم يقر بأنهم رسل الله، ms300 فكذب بأنهم رسل ~~من عند الله فإنما وقع التكذيب ها هنا للمرسلين دون المرسل، قيل لهم: هذا ~~من الكلام الأول الذي أنبأنا أولا عن تناقضه مما لا يقول به أحد من الناس، ~~ونحن مع ذلك نجيب فنقول: أو ليس المرسل قد شهد للمرسلين بالذي أظهره الله ~~على أيديهم من إحداث الأجسام، وإيجاد الأجرام في جميع تلك المعجزات التي ~~أحدثها الله على أيدي المرسلين، وقال: إنه أرسلهم بالذي أظهره الله على ~~أيديهم؟ فكيف لا يكون المكذب للمرسلين على هذا المعنى مكذبا للمرسل؟ وهل ~~تكذيبه بعدما أقر بأنهم مرسلون إلا هو تكذيبه قبل ما لم يقر بأنهم مرسلون؟ ~~وليس في جميعه أكثر من أنه كذب المرسلين، وزعم أنهم ليسوا من عند الله ~~مرسلين فقط. # ¬__________ # (¬1) قال تعالى: (من يطع الرسول فقد أطاع الله) سورة النساء آية رقم 80. # وقال الرسول _صلى الله عليه وسلم_ فيما رواه الإمام مسلم عن أبي هريرة: ~~"من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله". PageV02P186 # ويقال لهم: ما تقول فيمن شبه الله بخلقه من أهل هذه الملل، ووصفه بصفة ~~خلقه ممن قال: (إن الله ثالث ثلاثة) (¬1) (إن الله هو المسيح ابن مريم) ~~(¬2) وإن المسيح والعزيز أبناء الله، وإن هرمزا والشيطان خالقان، وغير ذلك ~~من كلام أهل هذه الملل، تعالى الله عن جميع ما قالوا؟ هل تشركونهم بما ~~قالوا من ذلك؟ فإن قالوا: نعم قيل لهم: فهل تحكمون فيهم وعليهم بحكم غير ~~حكم من لم يقل بذلك كله من أهل مللهم إلا أنه كذب بالرسل فقط؟ فإن قالوا: ~~إن الحكم عليهم وفيهم حكم واحد، قيل: وكيف سويتم بينهم في الحكم، وفرقتم ~~بينهم في الصفة؟ أو ليس اتفاق الحكم مما يوجب اتفاق الصفة، كما أن اتفاق ~~الصفة مما يوجب اتفاق الحكم عند جماعة أهل النظر من المتكلمين؟ ثم يقال ~~لهم: أليس مما أطبقت عليه الإباضية في مذهبها واعتقادها، وعليه خالفوا من ~~خالفوا، ووافقوا من وافقوا، بأن الكفر كفران: كفر شرك، وكفر نفاق؟ فلا بد ~~من أن يقولوا: بلى، فيقال: ms301 من أين استحدثتم أنتم الكفر الثالث الذي خالفتم ~~فيه من قولكم: إنه كفر آخر، لا هو كفر شرك، ولا هو كفر نفاق، مما لا يقول ~~به أحد من هذه الأمة، موافق أو مخالف، وليس له في كتاب الله عز وجل، ولا في ~~سنة رسول الله _صلى الله عليه وسلم_، ولا في أثر من الآثار أصل ولا فرع. ~~وعليهم في هذا حجج كثيرة، وبدون هذا يقع الفصل في هذا الباب؛ لأنه فرع من ~~فروع باب الحجة، وقد تكلف بعض أصحاب عيسى في هذا المعنى مسائل، حاول بها ~~إبطال حجج الله الظاهرة على أهل دينه، فكان النقض عليه من الأئمة الراشدين ~~الناصرين لدين الله، رحمهم الله، وسلك بنا طريقتهم بما فيه الكفاية، والحمد ~~لله رب العالمين. # باب القول في أسماء الله جل جلاله وصفاته هل هي محدثة # مخلوقة أم ليست كذلك؟ # ¬__________ # (¬1) سورة المائدة آية رقم 73. # (¬2) سورة المائدة آية رقم 72. PageV02P187 # اعلم وفقنا الله وإياك أن الاختلاف من هذا الباب وقع في مواضع ثلاثة: أما ~~أحدها ففي الاسم والصفة ما هما؟ والثاني: في الذي يسمى الله به في الأزل ~~مما لا يسمى به، والثالث: ما القول في ولاية الله وعداوته، وحبه، وبغضه، ~~وسخطه، ورضاه، هل هي صفات له في ذاته أم فعل من أفعاله؟ فإن سأل سائل فقال: ~~ما الاسم وما الصفة عندكم؟ قيل له: فالاسم والصفة جميعا ما بان به الشيء من ~~غيره على ما هو به في ذاته ونفسه، وصفه الواصفون أو لم يصفوه، وليس القول ~~على ما غلط فيه من زعم أن الاسم والصفة هي التسمية من المسمى، والوصف من ~~الواصف؛ لأنه لو كان الأمر على ذلك لكانت الأشياء في ذواتها وفي أنفسها غير ~~موجودة بصفة من الصفات، ولا مستحقة لاسم من الأسماء، حتى تكون التسمية لها ~~من المسمين، والوصف من الواصفين، وفي ذلك إبطال وجود الأشياء بحقائقها ~~ومعانيها التي بان بعضها من بعض. ألا ترى أنه لو كان اللون لا يكون صفة ~~للملون، والحرارة والبرودة لا تكونان صفة للحار ms302 ولا للبارد، وكذلك الحركة ~~والسكون لو كانتا لا تكونان صفة للمتحرك والساكن حتى يكون الوصف من ~~الواصفين لذلك لكانت هذه الأشياء موجودة بغير هذه الصفات، وفي ذلك إبطال ~~وجود تلك الأشياء بحال. فلما ثبت ما قلنا من هذا على ما وصفنا ثبت أن صفات ~~الأشياء هي حقائقها التي لا توجد إلا بها، وبطل القول بأن صفات الأشياء ~~وأسماءها هو ما يوجد من وصف الواصفين لها، وتسميتهم إياها، ألا ترى أنه لو ~~لم يصف الواصف، ولم يسم لكان جائزا أو متفقا أن تكون الأشياء موجودة بغير ~~صفة من الصفات، ولا حقيقة من الحقائق، وهذا ما قد بان فساده جدا. PageV02P188 # وكذلك القول في علم الله، وقدرته، وعزته، وحياته، وسمعه، وبصره لو جاز ~~ألا تكون صفة لله في ذاته موجودا بها في أزليته حتى يكون الوصف له بذلك ~~لكان يجب أن يكون الله موجودا من قبل أن يصفه الواصفون على خلاف هذه الصفات ~~من الجهل، والعجز والمذلة والموت، والصم والعمى، تعالى الله عن هذه المقالة ~~علوا كبيرا، وعما تجر إليه من الخطأ، وقد أبطلنا مثل هذا من الكلام بما ~~تقدم لنا من الأدلة في غير موضع من كتابنا. فإن آثرت أن تجوز عليهم المسألة ~~بأن تقول لهم: أخبروني عن نفس علم الله، ونفس قدرته، ونفس حياته، وعزته ~~وسمعه وبصره؟ أذلك صفات لله فيما لم يزل أم ليس بصفات له إلا بعد إحداثه ~~الأشياء عندما يوصف بذلك؟ فإن زعموا أن نفس العلم، ونفس القدرة، ونفس ~~الحياة، والعزة والسمع والبصر ليست صفات له فيما لم يزل، إلا بعد أن يوصف ~~بذلك أثبتوا أضدادها من الجهل، والعجز، والمذلة، والموت، في سائر تلك ~~الصفات، فإن قالوا بأن الله موجود بهذا المعاني التي ذكرتم، غير أنه لا ~~يجوز أن يقال إنها صفات لله، وإنما الصفات عبارات الواصفين وألفاظهم عاد ~~عليهم الكلام الأول، بأن يكون علم الله وقدرته وحياته وعزته غير صفات لله، ~~وإذا كانت غير صفات لله وجب أن يكون أضدادها من الآفات التي ذكرناها هي ~~صفات له؛ ms303 لأنه لا يجوز أن يكون موجودا بغير هذه الصفات: من العلم والقدرة ~~والعزة والحياة، إلا بأن يكون موجودا بأضدادها من تلك الآفات التي لا تجوز ~~على الله جل جلاله ولا تليق به. فإن قال: بأن العلم والقدرة والحياة والعزة ~~والسمع والبصر صفات لله لم يزل بها، والوصف له منا مع ذلك تلك الصفات صفات ~~له أخرى. PageV02P189 # قيل لهم: هذان وجهان متباينان وغير متفقين، متباعدان غير متقاربين، ~~فالعلم والقدرة والحياة والعزة صفات لله في ذاته، موجود بها في أزليته، ~~وعباراتكم وألفاظكم التي هي وصفكم له وتسميتكم إياه إنما ذلك أفعالكم ~~وصفاتكم التي تصفونه، فانظروا على أي هذين الوجهين تعزمون على أنها صفات ~~معبودكم، وعلى أيهما تعتمدون؟ فإن كنتم عازمين على أن العلم والقدرة ~~والحياة والعزة والسمع والبصر في سائرها هي صفات لله في ذاته، موجود بها في ~~أزليته بطل بذلك ما تعلقتم به من ألفاظكم التي هي أفعالكم وصفاتكم لأنفسكم، ~~أن يكون ذلك الذي هو صفاتكم صفات لله وأسماء له، يتعالى ربنا عن ذلك، أو ~~تكونون تعزمون على أن هذه الألفاظ التي هي أفعالكم وصفاتكم هي صفات الله ~~وأسماء له دون علمه وقدرته وحياته وعزته، فيلزمكم في هذا من القول وجوه ~~ثلاثة كلها فاسدة غير صحيحة. أما أحدها: هو الذي قدمنا آنفا، إذا كان الله ~~غير موصوف بالعلم ولا بالقدرة ولا بالحياة ولا بالعزة، ولا بشيء من تلك ~~الصفات وجب أن يكون موصوفا بأضدادها من الآفات التي ذكرنا وعددنا. # والوجه الثاني: أن تكونوا تصفون الله بما هو ليس بصفة له: من العلم ~~والقدرة والحياة والعزة فتكونوا كاذبين عليه، مخطئين في صفته، حين وصفتموه ~~بما ليس له بصفة. # والثالث: أن تكون صفاتكم التي هي أفعالكم وألفاظكم صفات لله، فيكون الله ~~عز وجل موصوفا بصفاتكم، وتكونون أنتم موصوفين بصفاته، وهذا غاية التشبيه ~~لله عز وجل بغيره، ولست أعرف للقوم في هذا الباب مذهبا يذهبون إليه، ولا ~~ملجأ يأوون إليه، إلا ما ذكرت لكم من هذا، فتراني قد دللت على فساده بأوضح ~~الأدلة، والقول ms304 في الأسماء كالقول في الصفات حرفا حرفا، فحين نبهتكم على ~~ذلك عرفتموه إن شاء الله. PageV02P190 # وقد كان بعض من أدركت من أهل العلم ممن يرى أنه مشفق على لحمه ودمه قد ~~كان يدقق النظر في هذا الباب، متفهما لا متجنيا بأمور تكل عنها أفهام هؤلاء ~~القوم، ولا تبلغه أوهامهم إلا ما شاء الله، ملتمسا لهم في المخرج مما ~~تورطوا فيه، فما رأيته وجد لهم من مقالتهم مخرجا، ولا من مذهبهم مخلصا، ~~فنعوذ بالله من اللجاج في الضلالة، والإقدام على المهلكة. PageV02P191 # فإن سأل سائل فقال: هل تعرفون الله جل جلاله بأسمائه وصفاته؟ قيل له: فهل ~~يعرف الشيء ويحك إلا باسمه وصفته التي بان بها من سائر الأشياء؟ لا على أن ~~تكون الأسماء والصفات معارف العارفين، واعتقاداتهم في قلوبهم، فإن سألوا عن ~~التأنيث والتذكير، والجمع والإفراد في أمثال تلك الوجوه الواقعة على ~~الألفاظ الجارية عليها في لغة العرب دون المعاني، قيل لهم: وهل يغلط في مثل ~~هذا، ويلكم من له قليل فهم؟ أو لستم تقولون: إن قدرة الله هي هو لا غيره، ~~وإن إرادة الله هي هو لا غيره، وإن ذات الله ذات قديمة مخترعة للأجسام، وإن ~~نفس الله ليست شيئا غيره، أفيجب على هذا من القول أن يكون ما ذكرنا من هذا ~~كله داخلا في معنى التأنيث؟ تعالى الله عن هذه المقالة علوا كبيرا. وبمثل ~~هذا من المعارضة عارض قوم من أهل الدهر، بأن سألوا عن الأسماء مذكرها ~~ومؤنثها، أرادوا بذلك أن يطعنوا في أسماء الله عز وجل، وقالوا: ما جعل ~~الاسم المذكر أولى به من المؤنث؟ قد ذكر ذلك محمد بن شبيب (¬1) في كتاب ~~التوحيد، فأجابهم محمد بقريب من الذي أجبنا به هؤلاء القوم، فكفى خزيا لمن ~~لا له معارضة إلا من معارضة الملحدين أهل التعطيل. # ¬__________ # (¬1) أبو بكر محمد بن عبد الله بن شبيب البصري، نسب إلى جده، ويبدو أنه ~~من رجال منتصف القرن الثالث الهجري إذ كان من أصحاب النظام، جمع بين ~~الإرجاء ونفي القدر، ولكن الشهرستاني جعله ms305 من رجال الخوارج. ويرى محمد بن ~~شبيب استحالة بقاء الحركة والسكون واستحالة بقاء الأعراض عامة، وأن البقاء ~~ليس معنى زائدا على الباقي. أما الأشعري فقد جعله رئيس فرقة من فرق ~~المرجئة، وأن الإيمان عنده يتبعض، وأن مرتكب الكبيرة مؤمن بما معه من ~~الإيمان، وفاسق بما معه من الفسق. راجع التبصير في الدين ص 15، والملل ~~والنحل للشهرستاني 1: 138، وأصول الدين 42 51، ومقالات الإسلاميين 137 138. PageV02P192 # وكذلك إن سألوا عن العدد، والتغاير، والإضافة، وأشباهها كان الجواب لهم ~~في كل ذلك كالجواب لهم فيما تقدم، وبمثل هذا من الغلط غلط أبو بكر الأشعري ~~(¬1) وأصحابه في صفات الله عز وجل، لما قالوا فيها بالتغاير، والعدد؛ وذلك ~~أن هؤلاء الآخرين لما سمعوا بذكر العلم والقدرة والحياة والعزة والسمع ~~والبصر وسائر الصفات قالوا: فلن تجوز أن تكون هذه المعاني كلها معنى واحد، ~~بل هي معان متغايرة متعددة، فلما أن أثبتوا صفات الله معاني متغايرة متعددة ~~التمسوا لهذه المعاني المتغايرة المتعددة محلا يحلونها به، ومقام يقيمونها ~~فيه فلم يجدوه، لما كان الله في أزيلته ليس معه شيء غيره، فلما لم يجدوا ~~لما أقدموا عليه من القول بهذا مخرجا سقط في أيديهم، ورأوا أنهم قد ضلوا، ~~فتجاسروا على القول بأنها حالة بالصانع جل جلاله، قائمة بذاته، تعالى الله ~~عن ذلك علوا كبير. # ¬__________ # (¬1) هو محمد بن الطيب بن محمد بن جعفر أبو بكر: قاض من كبار علماء ~~الكلام، انتهت إليه الرياسة في مذهب الأشاعرة، ولد في البصرة عام 338ه، ~~وسكن بغداد فتوفي بها عام 403ه. # كان جيد الاستنباط، سريع الجواب، وجهه عضد الدولة سفيرا عنه إلى ملك ~~الروم، فجرت له في القسطنطينية مناظرات مع علماء النصرانية بين يدي ملكها. ~~من كتبه "إعجاز القرآن"، و"الإنصاف"، و"مناقب الأئمة"، و"دقائق الكلام"، ~~و"الملل والنحل"، و"كشف أسرار الباطنية" وغير ذلك كثير. راجع وفيات الأعيان ~~1: 481، وقضاة الأندلس 37 40، وتاريخ بغداد 5: 379، ودائرة المعارف ~~الإسلامية 3: 394، والوافي بالوفيات 3: 177، وتبيين كذب المفتري 217 226. PageV02P193 # وما أنساني هؤلاء أن أذكرهم بالرد عليهم في موضعهم إلا الشيطان، وما عسى ~~أن أرد عليهم بأقبح ms306 من مقالتهم، حيث زعموا أن الله جل جلاله محل للأشياء، ~~وأثبتوا أن ذاته مقام للمعاني، وضاهوا بذلك قول اليعقوبية (¬1) من النصارى، ~~حين قالوا: إنها ثلاثة أقانيم (¬2) # ¬__________ # (¬1) اليعقوبية: أصحاب يعقوب، قالوا بالأقانيم الثلاثة، إلا أنهم قالوا ~~انقلبت الكلمة لحما ودما فصار الإله هو المسيح، وهو الظاهر بجسده بل هو هو، ~~وعنهم أخبرنا القرآن الكريم: (لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن ~~مريم) المائدة آية 72، فمنهم من قال: إن المسيح هو الله تعالى، ومنهم من ~~قال: ظهر اللاهوت بالناسوت فصار ناسوت المسيح مظهر الجوهر لا على طريق حلول ~~جزء فيه، ولا على سبيل اتحاد الكلمة التي هي في حكم الصفة بل صار هو هو. # وزعم أكثر اليعقوبية أن المسيح جوهر واحد وأقنوم واحد إلا أنه من جوهرين، ~~وربما قالوا طبيعة واحدة من طبيعتين. راجع الملل والنحل للشهرستاني ج2 ص30، ~~31، والفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم 2: 193 194. # (¬2) الأقنوم: الأصل والجوهر. والأقانيم الثلاثة عند المسيحيين هي الأب، ~~والابن، والروح القدس. وعند الإسكندرانيين هي النفس الكلية، والعقل، ~~والواحد. وقيل: إن أفلوطين أول من أدخل هذا اللفظ في اللغة الفلسفية، ثم ~~استعمله كتاب عصره من المسيحيين، وأطلقوه على الأب والابن والروح القدس. # وجملة القول: إن الأقنوم عند قدماء الفلاسفة هو الحقيقة الوجودية. # والأقنومي هو الجوهري، ويطلق عند اللاهوتيين على اتحاد الطبيعة الإنسانية ~~بالطبيعة الإلهية، بحيث تكون الثاني هي الحامل أو الجوهر الذي به تقوم ~~الأولى. PageV02P194 # لم تزل ذات جوهر واحد على ما وصفنا من مقالة اليعقوبية في موضعها، بل زاد ~~هؤلاء الأشعريون على النصارى لما كانت النصارى تأبى من التغاير، ولا تقول ~~به، وهؤلاء الأشعريون يثبون التغاير، والعدد الكثير الزائد على عدد ~~النصارى، تعالى الله عن جميع مقالات المبطلين علوا كبيرا. # وكذلك غلطت هذه الفرقة الناكثة لما سمعوا بعبارات التأنيث والتذكير، ~~والجمع والإفراد، والعدد والتغاير، والإضافة، وأشباه هذه الوجوه الواقعة ~~على الألفاظ الجارية عليها في لغة العرب لا على المعاني، وقالوا: إن هذه ~~الوجوه كلها لا تجري على علم الله، وعلى قدرته ms307 وحياته وسمعه وبصره، وإنما ~~يجري ذلك من العبارة على الألفاظ والأوصاف، فأبطلوا لهذه العلة أن يكون علم ~~الله وقدرته وحياته وعزته وسمعه وبصره صفات لله عز وجل، وأن يكون الله ~~موصوفا بشيء منها، وأثبتوا ألفاظهم التي هي أفعالهم صفات لله عز وجل، تعالى ~~الله عن ذلك. PageV02P195 # وفي غلط الفريقين جميعا دليل على صدق مقالتنا بأن علم الله وقدرته وحياته ~~وعزته وسمعه وبصره صفات له في ذاته لم يزل موصوفا به، موجودا في أزليته، ~~مستحقا لها، وأنها هي الله ليست شيئا غيره، وأنها لا يجري عليها العدد، ولا ~~التغاير، ولا التأنيث ولا التذكير، ولا الجمع ولا الإفراد، ولا الإضافة، ~~ولا الملك، إذ كان ذلك كله من معاني المحدث المصنوع، وأن عبارات الواصفين ~~التي هي أفعالهم وصفاتهم، من حركاتهم وسكونهم ليس شيء من ذلك بصفة لله ولا ~~باسم له، كما دللنا على فساد القول بذلك في أول كلامنا، مع أننا وهؤلاء ~~القوم جميعا قد نقمنا على أهل الإزالة مقالتهم، فيما زعموا أن إرادة الله ~~محدثة، وأنها فعل من أفعاله، فأبطلنا عليهم ذلك بما قدمنا من الشواهد ~~والأعلام في حشو هذا الكتاب، وبما لم نذكره من ذلك، فكيف حتى زادوا على أهل ~~الإزالة بأن زعموا أن صفات الله وأسماءه محدثة مخلوقة كائنة بعد إذ لم تكن، ~~ظنوا بغباوتهم وحسبوا أنهم منفصلون من أهل الإزالة في مقالتهم بذلك، وليسوا ~~بحمد الله عنهم بمنفصلين. # وقد كان عارضهم عيسى بن علقمة المصري _رحمة الله عليه_ في كتاب التوحيد ~~الكبير بأمر مقنع بما فيه الكافية، لما عارضهم بمقابلة أصحاب الأرسطاطاليس (¬1) # ¬__________ # (¬1) كانت شخصية أرسطو معروفة عند أهل الشرق عن طريق ما تناقلوه من ~~الأساطير وما ورثوه من العلم، فقد تناولته الأساطير من جهة أنه الحكيم الذي ~~علم ذا القرنين، وذكرت الروايات العلمية ترجمته ومجمل آرائه، كما وجدت أيضا ~~بالسريانية مقتطفات وشروح وترجمات لكتاب ايساغوجس لفرفوريوس ولبعض مصنفات ~~أرسطو وخاصة في المنطق كالمقولات، والعبارة، وتحليل القياس. # ولم تعرف على وجه التحقيق أخبار سيرة هذا الفيلسوف، فقد خلط مؤرخو ms308 العرب ~~(كاليعقوبي) بين أبي أرسطو ونيقوماخس الفيثاغوري. وأثر أرسطو في المسلمين ~~منذ القرن الثالث عشر الميلادي يكاد يقتصر على علم المنطق. راجع دائرة ~~المعارف الإسلامية 2: 581 585، وقد ذكرت مجموعة ضخمة من المراجع والمصادر. PageV02P196 # من أهل الدهر، حين زعموا أن الهيولي (¬1) قديم لم يزل، ليس بذي أعراض، ~~ولا بذي صفات، إلى أن صار في زعمهم بعد ذلك موصوفا بالأعراض والصفات، وناظر ~~مقابلة هؤلاء القوم من الناكثة حين زعموا أن الله قديم لم يزل، وأن صفاته ~~محدثة مخلوقة كائنة بعد إذ لم تكن، كمقالة من ذكرنا من أهل الدهر سواء، فلم ~~ينفصلوا عند معارضة عيسى إياهم من مقالة أهل الدهر، ولم يتخلصوا من الذي ~~يلزمهم في ذلك بحمد الله سبحانه، ولعمري أن مثل عيسى لمن حذاق متكلمي أهل ~~هذه الدعوة المباركة فيما بلغنا عنه. # ¬__________ # (¬1) الهيولي لفظ يوناني بمعنى الأصل والمادة. وفي الاصطلاح: هي جوهر في ~~الجسم قابل لما يعرض لذلك الجسم من الاتصال والانفصال محل للصورتين الجسمية ~~والنوعية. وقال ابن سينا: الهيولي المطلقة فهي جوهر، ووجوده بالفعل إنما ~~يحصل لقبول الصورة الجسمية لقوة فيه قابلة للصور، وليس له في ذاته صورة ~~تخصه إلا معنى القوة. والهيولي عند القدماء: على أربعة أقسام: وهي الهيولي ~~الأولى: وهو جوهر غير جسم قابل لما يعرض لذلك الجسم من الاتصال والانفصال ~~محل للصورة الجسمية، الهيولي الثانية: وهي جسم قام به صورة كالأجسام ~~بالنسبة إلى صورها النوعية. الهيولي الثالثة: وهي الأجسام مع الصورة ~~النوعية التي صارت محلا لصور أخرى كالخشب لصورة السرير. الهيولي الرابعة ~~وهي أن يكون الجسم مع الصورتين محلا للصورة كالأعضاء لصورة البدن. راجع ~~التعريفات، وكشاف اصطلاحات الفنون، والحدود. PageV02P197 # فإن سأل سائل من أصحاب الأشعرية، أو نسأل لهم أنفسنا فنقول: فإذا زعمتم ~~أن صفات الله عز وجل غير متغايرة ولا متعددة، وإنما هي الله، وليست شيئا ~~غيره، وليس شيء منها غير شيء، فهل تقولون: إن الله هو قدرته، وإن قدرته هي ~~علمه، وكل معنى من ذلك هو الآخر؟ قيل لهم: إنا لم نأب ما سألهم ms309 عنه من ذلك ~~من وجه التغاير، ولا من وجه العدد، كما توهتموه من الذي غلطتم فيه، وإنما ~~أبينا من القول بأن علم الله هو قدرته، وإن قدرته هي إرادته في سائر ذلك، ~~لما يوجبه القول في معنى يقدر، ولا يوجبه في معنى يريد، ولا في معنى يعلم، ~~ومن ذلك أن معنى يعلم يقع على الفعل وغير الفعل، ومعنى يقدر ويريد لا يقعان ~~إلا على الفعل، وأيضا فإن معنى يقدر يقع على كائن وغير كائن مما ليس كونه ~~بمحال، ومعنى يعلم ويريد لا يقعان إلا على كائن، فاتفق القول في باب يعلم ~~ويريد من هذا الوجه، كما اتفق معنى يقدر ويريد في أنهما لا يقعان إلا على ~~الفعل، وليس ذلك لاختلاف القدرة والعلم والإرادة، وإنما ذلك لاختلاف ~~المقدور عليه، والمراد، والمعلوم. PageV02P198 # ووجه آخر في جواب ما سألتم عنه: أن قول القائل بأن العلم هو القدرة، ~~والقدرة هي الإرادة يوهم السامع أن هنالك أشياء غير الموصوف بها، فيقال: إن ~~هذا هو هذا، أو هذا غير هذا، إلا أن يذهب السائل بأن العلم هو القدرة، ~~والقدرة هي العلم، إلى أن يكون العالم هو القادر، والقادر هو العالم، فهذا ~~مما لا يجاب به إلا بصلته التي تزيل سوء الظنون عن السامعين عند ورود ~~الجواب على أوهامهم غير مفسر، ولا موصول بصلته التي يتبين الجواب بها ويصح. PageV02P199 # فإن قال: فأوجدوني شيئين من الأشياء ليس أحدهم هو الآخر، ولا هو غيره، ~~وهذا منكم غلط على اللغة، وعلى الوهم جميعا، قيل له: فإنا نوجدك ذلك في نفس ~~مقالتك، فضلا عن سواها، ألست تزعم أن علمه وقدرته وعزته وحياته وسائر صفاته ~~ليس شيء من ذلك هو الله، ولا هو شيء غيره، وذلك أن هؤلاء الأشعريين يقولون ~~بالتغاير بين الصفات، ولا يقولون بذلك بين الصفات والموصوف، ويزعمون أن ~~الصفات ليست هي الموصوف، وليست بغيره، ويفرقون بالجواب بين هاتين ~~المسألتين، مع ما وجدنا في صفات الأشياء من أنه لا يقال في صفة منها بأنها ~~هي الصفة الأخرى، ولا بأنها غيرها، ms310 وإلا فأخبرني عن شيئة الحركة أهي حدثها ~~أم غير حدثها؟ وعن حدثها أهو عرضها أم غير عرضها؟ وعن عرضها أهو كسبها أم ~~هو غير كسبها؟ وعن كسبها أهو طاعتها أم هو غير طاعتها؟ في أشباه هذه ~~الوجوه، فإن زعم أن كل صفة من ذلك هي الأخرى، دخل عليه من الفساد مالا يقوم ~~به، وإن زعم أن شيئة الحركة غير حدثها، وأن حدثها غير عرضها، وأن عرضها غير ~~كسبها، وأن كسبها غير طاعتها دخل في مقالة معمر (¬1) # ¬__________ # (¬1) هو معمر بن عباد السلمي، معتزلي من الغلاة، من أهل البصرة، سكن ~~بغداد، وناظر النظام، وكان أعظم القدرية غلوا، انفرد بمسائل من أجلها سمي ~~"صاحب المعاني"، منها: أن الإنسان يدبر الجسد وليس بحال فيه، والإنسان عنده ~~ليس بطويل ولا عريض، ولا ذي لون وتأليف وحركة، ولا حال ولا متمكن، وإنما هو ~~شيء غير هذا الجسد، وهو حي عالم قادر مختار... إلخ، فوصف الإنسان بوصف ~~الألوهية. # ومن أقواله: إن الله تعالى لم يخلق شيئا غير الأجسام، فأما الأعراض فهي ~~من اختراعات الأجسام إما بالطبع وإما بالاختيار، وتنسب إليه طائفة تعرف ~~بالمعمرية، توفي عام 215ه. راجع خطط المقريزي 2: 347، ولسان الميزان 6: 71. # وفي اللباب: المعمرية فرقة من القدرة ينسبون إلى معمر، وله فضائح، وانظر ~~الملل والنحل للشهرستاني 1: 89. PageV02P200 # صاحب المعاني، مما اجتمع المتكلمون على فساده. # وليس هذا موضع إيضاح فساد القول بالمعاني. فإن قالوا: ليس جهة شيء غير ~~جهة حدث، وإن جهة حدث غير جهة عرض، وإن جهة عرض غير جهة كسب، قيل لهم: ما ~~هذا التغاير الذي ذكرتم، تغاير في نفس الصفات، أم تغاير في الوصف والقول؟ ~~فإن زعموا بأنه تغاير في نفس الصفات صاروا إلى ما ذكرنا من قول أصحاب ~~المعاني، وإن قالوا بأنه تغاير في القول، لا تغاير في المعاني، قيل لهم: ~~فكذلك القول بأنه يقدر غير القول بأنه يعلم، والقول بأنه يعلم غير القول ~~بأنه يريد، ومثل هذه المناظرة عند جماعة المتكلمين مناظرة المسألة بالأخرى، ~~لا مناظرة الشيء بالشيء، فإن قال: فهل تصفون الصفة ms311 أم لا تصفونها؟ قيل له: ~~إن أردت أنا نصف الصفة بأن نخبر عنها بأنها كذا فنعم، وإن ذهبت إلى أن نجعل ~~للصفة أخرى غيرها، ولتلك الأخرى غيرها فهذا من أمحل المحال عند المتكلمين، ~~فإن قال: أليس أنه علم غير أنها قدرة، أم أنه علم هو أنها قدرة؟ قيل له: ~~القول بأنه علم غير القول بأنها قدرة، والقول بأنها قدرة غير القول بأنه ~~علم، على ما دللنا في أول المسألة، فإن قال: فإذا زعمتم أن علم الله هو، ~~وإن قدرته هو، أفتقولون: إن الله هو العلم، وإن الله هو القدرة، أم كيف ~~يكون شيء شيئا آخر، ولا يكون الشيء الآخر هو ذلك الشيء؟ قيل له فقولنا: إن ~~علم الله هو، وإن قدرته هو أردنا بذلك أن الله العالم القادر بذاته ليس ثم ~~شيء غيره، ولم يستحدث علما ولا قدرة ولا صفة من الصفات، والقول بأن الله ~~علم غير مطلق ولا مقيد معنى، والصفات قد تكون عندهم هي الموصوف، ولا يجوز ~~أن يكون الموصوف نفسه صفة، وقد يجوز القول بأن الله عالم قادر، ولا يجوز أن ~~يقال: علم الله عالم، ولا قدرته قادرة، وليس هذا مذهبا فيحتاج إلى الكلام ~~فيه بأكثر من هذا. # عودة إلى مناقشة الأسماء PageV02P201 رجع الكلام إلى ما كنا فيه قبل ورود ~~ذكر هؤلاء الأشعريين (¬1) فنقول: إن الموضع الثاني من الخلاف في مسألة ~~الأسماء ما القول فيما يسمى الله به في أزليته مما لا يسمى به؟ فإن قال ~~قائل: فهل تسمون الله جل جلاله في أزليته خالقا رازقا محييا ميتا باعثا ~~وارثا في أمثلها؟ قيل له: نعم قد سميناه بذلك في أزليته وبعد إحداثه ~~الأشياء، ولم يزل ربنا خالقا رازقا محييا ميتا باعثا وارثا، ولا يزال كذلك ~~من قبل ما وجدنا أن هذه الأسماء موضوعة في كتاب الله عز وجل، مستعملة لمعان ~~ثلاثة، كلها قد سمى الله بها نفسه ووصفها بها، أما أحدهم فللذات والمدحة، ~~والثاني: فللفعل الآتي دون ما قد فعل، والثالث: لما فعل فقط. # ¬__________ # (¬1) أصحاب أبي ms312 الحسن علي بن إسماعيل الأشعري، المنتسب إلى أبي موسى ~~الأشعري _رضي الله عنهما_. وسمعت من عجيب الاتفاقات أن أبا موسى الأشعري ~~_رضي الله عنه_ كان يقرر عين ما يقرر الأشعري أبو الحسن في مذهبه، ولقد ~~اجتذب الأشعري عددا من طلاب المعرفة، وبذلك تأسست مدرسة له، وكان موقف ~~الأشاعرة من العقائد عرضة للهجوم من الحنابلة الذين رأوا أن استخدام ~~الأشاعرة للحجج العقلية بدعة منكرة، ومن الماتريدية الذين كانوا يدافعون عن ~~مذهب السنة بالطرق العقلية قد وجدوا أن بعض مواقف الأشاعرة تبدو ممعنة في ~~المحافظة، والواضح أن الأشعرية رغم هذه المعارضات غدت المذهب السائد في ~~كثير من البلاد الإسلامية. راجع دائرة المعارف الإسلامية 3: 437، والملل ~~والنحل 1: 94، 96. PageV02P202 # أما ما وصف به نفسه لمعنى للذات والمدحة فقوله عز وجل: (إن ربكم لرءوف ~~رحيم) (¬1) وقوله: (رحيم ودود) (¬2) ، و(غفور شكور) (¬3) ، و(جواد كريم) ~~(¬4) ، و(فعال لما يريد) (¬5) في أشباهها من كتاب الله عز وجل مما أخبر به ~~عن صفته في ذاته وقدرته، كان الفعل بذلك أو لم يكن. والذات لا توصف ~~بالتغيير والمدحة لا تكون ناقصة فيكون الله عز وجل مخبرا عن نفسه ومادحا ~~لها بأمر يكون أو لا يكون. # والوجه الثاني: ما أخبر به عن نفسه بأنه سيفعله بعد، قال الله عز وجل: ~~(إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا وجاعل ~~الذين اتبعوك فوق الذين كفروا) (¬6) وقال: (إنك جامع الناس ليوم لا ريب ~~فيه) (¬7) ، وقال: (إني منزلها عليكم) (¬8) ، وقال: (إني جاعل في الأرض ~~خليفة) (¬9) ، وقالت الملائكة: (أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء) ~~(¬10) ومثله في كتاب الله عز وجل كثير فاعل على أن سيفعل. # ¬__________ # (¬1) سورة النحل آية رقم 7. # (¬2) سورة هود آية رقم 90. # (¬3) سورة فاطر آية رقم 30، والشورى آية رقم 23. # (¬4) لا توجد آية بهذا المنطوق، وإن الشرع لا يمنع من إطلاق لفظ "الجواد" ~~ولفظ "الكرم" على الله سبحانه وتعالى. # (¬5) سورة هود آية رقم 107، وسورة البروج آية رقم 16. # (¬6) سورة آل عمران آية رقم 55، وقد جاءت الآية محرفة في المطبوعة حيث ~~قال: وإذ بدلا ms313 من (إذ). # (¬7) سورة آل عمران آية رقم 9. # (¬8) سورة المائدة آية رقم 115. # (¬9) سورة البقرة آية رقم 30. # (¬10) سورة البقرة آية رقم 30. PageV02P203 # والوجه الثالث: ما كان من التسمية بذلك لما قد فعل بعد، فقال: (الحمد لله ~~فاطر السماوات والأرض جاعل الملائكة رسلا) (¬1) ، وقال: (فالق الحب والنوى) ~~(¬2) ، وقال: (وجعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا) (¬3) وقال: (آخذ ~~بناصيتها) (¬4) . # وهذه الوجوه الثلاثة موجودة معلومة، كلا قد سمى الله به نفسه، ووصفها به ~~في كتابه عز وجل، وهي سائغة في كلام العرب في خطبها وأشعارها، مستعمل ذلك ~~فيما بينهم، وشهرته تغني عن الاستشهاد عليه، فإذا كانت التسمية بهذه ~~الأسماء تتصرف على هذه الوجوه الثلاثة جميعا فلم حملت التسمية بفاعل وخالق ~~ورازق في أمثالها على بعض هذه الوجوه دون بعض؟ فاكتف بهذه الجملة في هذا ~~الباب واقطع شغلك مما سواها. # الموضع الثالث من الخلاف في مسألة الأسماء # وأما القول في ولاية الله عز وجل، وعداوته وحبه وبغضه وسخطه ورضاه فإن ~~ذلك صفات لله عز وجل لم يزل موصوفا بها في أزليته، مستحقا لذلك بذاته، من ~~قبل أنه لا تخلو هذه الصفات من وجهين لا ثالث لهما: إما أن تكون صفات لله ~~لم يزل بها على ما قلنا، أو أن تكون فعلا من أفعاله، وبطل بأن تكون فعلا من ~~أفعاله، من قبل أن ذلك الفعل لا يعدو أحد وجهين لا ثالث لهما: إما أن يكون ~~ثوابا أو غير ثواب، فإن يكن ثوابا بطلت التسمية عن الله عز وجل بهذه ~~الصفات، حتى يكون الثواب واقعا، فهذا يقتضي أن يكون الله عز وجل غير موال ~~ولا معاد، ولا محب (¬5) # ¬__________ # (¬1) سورة فاطر آية رقم 1، وتكملة الآية: (أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع ~~يزيد في الخلق ما يشاء إن الله على كل شيء قدير). # (¬2) سورة الأنعام آية رقم 95. # (¬3) سورة الأنعام آية رقم 96. # (¬4) سورة هود آية رقم 56. # (¬5) قال تعالى: (إن الله يحب المحسنين) البقرة آية رقم 195. # و(إن الله يحب المقسطين) الممتحنة آية 7، والحجرات 9. # و(إن الله لا يحب كل خوان كفور) الحج آية 38. # و(إنه لا ms314 يحب الكافرين) سورة الروم آية رقم 45. PageV02P204 # ولا مبغض، ولا ساخط (¬1) ولا راضي (¬2) إلا بعد وجود الثواب والعقاب في ~~دار المعاد، وإذا كان الأمر كذلك وجب أن يكون جميع ما وصف الله به نفسه من ~~ذلك، وأخبر به عنها في غير موضع من كتابه على لسان نبيه _صلى الله عليه ~~وسلم_ على غير ما وصف، وعلى خلاف ما أخبر، وهذا غاية التكذيب لله عز وجل، ~~تعالى الله عما يقول الجاهلون، أو أن يكون هذا الفعل غير ثواب، فإذا كان ~~غير ثواب لم يخل من وجهين لا ثالث لهما: إما أن يكون واقعا على ما علم ~~الله، أو على ما فعل العباد، فإذا كان واقعا على ما فعلوا فيجب أن يكون ~~الله على هذا المعنى مواليا لأهل عقابه، معاديا لأهل ثوابه في مثل ذلك، ~~عندما يكون من أفعالهم التي هم عنها يتحولون، ولم يبق بعد هذا إلا القول ~~بأن ولاية الله وعداوته وحبه وبغضه وسخطه ورضاه إنما ذلك من الله للعلم على ~~ما العباد له فاعلون، وإليه صائرون. # ¬__________ # (¬1) قال تعالى: (أفمن اتبع رضوان الله كمن باء بسخط من الله) آل عمران ~~آية 162. # وقال تعالى: (لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم) المائدة آية 80. # (¬2) قال تعالى: (رضي الله عنهم ورضوا عنه) المائدة آية 119. # وقال تعالى: (إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا) طه آية 109. PageV02P205 # ولعل قائلا منهم يقول: إن الولاية هي التسمية لهم بالإيمان، والعداوة هي ~~التسمية بالكفر، قيل له: هذا الذي ذكرت داخل في جوابنا آنفا؛ لأنه لا تعدو ~~التسمية من أن تكون لهم على ما فعلوا، أو على ما علم الله أنهم إليه ~~صائرون، فإن كان على ما فعلوا فيجب في ذلك من الفساد ما قدمنا، وأن تكون ~~ولاية الله لأهل عقابه، وعداوته لأهل ثوابه إذا كانت التسمية واقعة لهم على ~~ما فعلوا، وإن كانت التسمية على ما علم الله مما العباد إليه صائرون فقد ~~دارت القصة من حيث ما دارت، إلى أن الولاية والعداوة وتلك الصفات ms315 قد آلت ~~إلى العلم، وانتظمت إليه، فلما كان ما قلنا من هذا على ما وصفنا ثبت أن ~~ولاية الله وعداوته وحبه وبغضه وسخطه ورضاه صفات له، لم يزل موصوفا بها، ~~كما لم يزل بأنه عالم بما العباد له فاعلون وإليه صائرون. PageV02P206 # ولعل قائلا يقول: أرأيتم إذا كان الله غير محدث لهذا الخلق، ولا موجد ~~لأحد ممن يوالي، ولا لأحد ممن يعادي، أكان جائزا عندكم أن يكون الله موصوفا ~~بالولاية والعداوة على هذا الوجه؟ قيل له: أو لست تصف الله بأن لم يزل بهذه ~~الأشياء على ما هي به من صفاتها، في اتفاق ما اتفق منها، وفي اختلاف ما ~~اختلف؟ أفترى أن ذلك العلم الذي وصفته به لهذه الأشياء ليس بصفة لله في ~~ذاته، ولا هو مستحق لها في أزليته، لعلة أن الخلق يكون أو لا يكون، وليس ~~العلم مختلفا في أن كان الخلق أو لا يكون؟ فإذا كان الله به عالما، وإذا لم ~~يكن الخلق ألم يجز القول بأن الله به عالم، والعلم لا يقع إلا على كائن، ~~وكان عالما بأنه لا يكون، وكذلك القول في الولاية والعداوة، إذا كان في علم ~~الله أنه سيكون من يصير إلى ثوابه كان الله موجبا له الثواب على ما علم، ~~وإذا كان في علمه أنه سيكون من يصير إلى عقابه كان الله موجبا له العقاب، ~~وهذا حتم في علم الله، وإذا كان لا يكون شيء من ذلك كان في حتمه أنه لا ~~يكون، وهذا علم على صفة. فإن قال: أفتقولون: إنه موال ومعاد، ولو أنهم لا ~~يكونون؟ قيل له: أفتقولون: إنه عالم بهم ولو أنهم لا يكونون؟ وهذا من ذلك ~~سواء. فإن قال: فإذا كان لا يجوز أن يقال الله موال إلا لمن يكون فلم زعمتم ~~أن الولاية صفة له، فإذا كان لا يجوز أن يقال لله عالم بما لا يكون فلم ~~زعمتم أن العلم صفة له؟ وليس في قولنا بأن العلم لا يقع إلا على كائن ما ~~يوجب أن يكون العلم ليس ms316 بصفة لله في ذاته، وكذلك ليس في قولنا إن الولاية ~~والعداوة لا تكونان إلا لكائن، ما يوجب أنهما ليستا بصفة لله في ذاته، وكلا ~~الأمرين واحد. PageV02P207 # فإن قال: أولستم حين زعمتم أن يكون الله لم يزل مواليا، فقد أثبتم وجود ~~الموالي لم يزل ؟ قيل له: ليس في قولنا: إن الله لم يزل مواليا ما يوجب أن ~~يكون الموالي لم يزل كما نعتقد، ونقول: إن الله لم يزل عالما بالأشياء، ~~وليس في ذلك من قولنا ما يوجب أن تكون الأشياء لم تزل مع الله سبحانه، فإن ~~قال: أفتقولون: إنهم لم يزالوا في ولاية الله وفي عداوته، قيل له: إن كنت ~~تريد أن الله لم يزل مواليا لهم ومعاديا فذلك الذي تقول، وإن ذهبت إلى أن ~~يكون الموالي والمعادي لم يزالا مع الله فهذا فاسد. وجوابنا في هذه المسألة ~~كجوابنا لأهل الإلحاد، حين سألوا وقالوا: هل تقولون: إن الأشياء لم تزل في ~~علم الله؟ كان الجواب لهم أن يقال: إن أردتم بقولكم: لم تزل الأشياء في علم ~~الله أن الله لم يزل عالما بالأشياء فهو ما نقول، وإن ذهبتم إلى أن تكون ~~الأشياء هي التي لم تزل مع الله قديمة فالقول بهذا فاسد، وكلا المسألتين ~~واحدة، والجواب فيهما واحد. PageV02P208 # والذي حررنا من المسألة على أنفسنا في هذا الباب مع كثير ما فيه من الحجج ~~كاف عما سواه، إن شاء الله، ولا بد من تنبيه عن بعض ذلك ببعض فنقول: أو ليس ~~الله مخبرا عن نفسه بأنه ولي المؤمنين، وعدو للكافرين، فلا يخلو ما أخبر به ~~عن نفسه من ذلك من أن يكون وليا لجميع المؤمنين وعدوا لجميع الكافرين، أو ~~لبعض دون بعض، فإن كان وليا لجميع المؤمنين وعدوا لجميع الكافرين دخل في ~~هاتين الكافيتين من لم يكن في حين إخباره مؤمنا ولا كافرا، بل قد دخل في ~~ذلك من المؤمنين ومن الكافرين من لم يكن حينئذ موجودا رأسا، وهذا يوجب ما ~~قلناه، أو أن يكون الله غير ولي ولا عدو، وإن لم ms317 يوجد من المؤمنين ومن ~~الكافرين بعد، فهذا يوجب أن يكون الله غير ولي إلا لثلث المؤمنين دون ~~الثلثين، وقد أخبر رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ بأن مؤمني هذه الأمة هما ~~ثلثا (¬1) أهل الجنة، وإن الله غير ولي لهم، على قياد هذه المقالة. # ¬__________ # (¬1) الحديث رواه الإمام البخاري في كتاب الرقاق 45، وإيمان 3، والأنبياء ~~7، ورواه أبو داود في كتاب الجهاد 162، والترمذي في الجنة 13، وابن ماجه في ~~كتاب الزهد، 34 باب صفحة أمة محمد _صلى الله عليه وسلم_ 4283 بسنده عن عبد ~~الله: قال كنا مع رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ في قبة فقال: "أترضون أن ~~تكونوا ربع أهل الجنة...؟ قلنا: بلى. قال: أترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنة؟ ~~قلنا: نعم، قال والذي نفسي بيده إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة؛ وذلك ~~أن الجنة لا يدخلها إلا نفس مسلمة، وما أنتم في أهل الشرك إلا كالشعرة ~~البيضاء في جلد الثور الأسود، أو كالشعرة السوداء في جلد الثور الأحمر". PageV02P209 # وكذلك القول في الذين أخبر عنهم رسول الله أنهم على دين أبي جهل، ممن ~~تقوم عليه الساعة، أن يكون الله غير معاد لهم؛ لأنهم لم يكونوا بعد، وقد ~~قال عز وجل: (ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد) (¬1) ، وقال: (والذين ~~اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم) (¬2) ، وقد قالت العلماء: إنهم تابعون إلى ~~يوم الدين، وقال: (يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك ~~وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم) (¬3) ، وقال: (ورحمتي وسعت كل شيء ~~فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون الذين يتبعون ~~الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل (¬4) # ¬__________ # (¬1) سورة الصف آية رقم 6. # (¬2) سورة التوبة آية رقم 100. # (¬3) سورة هود آية رقم 48. # (¬4) الإنجيل: إفعيل من النجل وهو الأصل، ويجمع على أناجيل، فالإنجيل أصل ~~لعلوم وحكم، ويقال: لعن الله ناجليه يعني والديه، وقيل هو من نجلت الشيء ~~إذا استخرجته، فالإنجيل مستخرج به علوم وحكم، ومنه سمي الولد والنسل نجلا ~~لخروجه، كما قال الشاعر: # ... إلى ms318 معشر لم يورث اللؤم جدهم ... ... أصاغرهم وكل فحل لهم نجل # راجع تفسير القرطبي 3: 5. # ويقول الدكتور محمد الصادقي: الإنجيل كلمة يونانية أصلها (ايفتغليون)، ~~وهي من (EU أيو، بمعنى مرحى، جيد، حقيقي)، وانغليون هي البشارة أو التبشير ~~بالفعل، فمعناها الأصيل: "التبشير بالسعادة الحقيقية". راجع المقارنات ~~العلمية بين الكتب السماوية، ص 13. PageV02P210 # يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ~~ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه ~~واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون) (¬1) فلا يخلو هؤلاء كلهم ~~الذين أخبر الله عنهم، قبل أن يكونوا من أن يكونوا في ولاية الله أو في غير ~~ولايته، فإن كانوا في ولايته فهو الذي نقول، أو يكونوا في غير ولايته فيكون ~~سبحانه يخبر أنه قد أوجب لهم رحمته، وسماهم مفلحين، وأنهم رسله، وبشر بهم ~~من سيأتون بعدهم، وأنه قد رضي عنهم، وأنهم تابعون، وكل هذا منه وهم في غير ~~ولايته، فهذا خلف من الكلام القبيح، مما يتعالى الله عن أن يوصف بمثله، وقد ~~قال أيضا: (فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس استكبر وكان من الكافرين) ~~(¬2) ولم يكن إذ ذاك كافر غير إبليس، فنسبه إلى الكافرين الذين هو منهم على ~~ما علم أنهم كافرون، ومع هذا كله يقال لهم: ما تقولون في إبليس حين كان ~~عابدا مع الملائكة في السماء قائما: (آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ~~ويرجوا رحمة ربه) (¬3) # ¬__________ # (¬1) سورة الأعراف آية رقم 157. # (¬2) سورة ص آية رقم 74. # (¬3) سورة الزمر آية رقم 9، سقط في المطبوعة ألف الجماعة من (ويرجوا).. PageV02P211 # هل تزعمون أن إبليس إذ ذاك في ولاية الله وحبه ورضاه، وأن الله موال له ~~ومحبه وراض عنه؟ فإن تجاسروا على القول بهذا مع فظاعته فإنهم قوم متجاسرون، ~~فيقال لهم: أجل أرأيتم إن أطلع الله جبريل وميكائيل وإسرافيل على ما سيكون ~~من إبليس من الجحد لربوبيته، والإنكار لوحدانيته، والدعاء عبادة نفسه؟ ~~أفتزعمون أن إبليس يكون في ولاية الملائكة مع ما أطلعها الله عليه من ذلك؟ ~~فإن قالوا نعم، قيل ms319 لهم: أفيكون جائزا ومتفقا للملائكة مع ما أطلعها الله ~~عليه من الذي إليه إبليس صائر، أن تدعو الله لإبليس وتقول: ربنا ق إبليس ~~عذاب الجحيم، ربنا وأدخله جنات عدن التي وعدته، وقه السيئات، (ومن تق ~~السيئات يومئذ فقد رحمته وذلك هو الفوز العظيم)؟ وهذا من مجرأة النقض على ~~الله وعلى دينه، وعلى ملائكته، ودين ملائكته، فإن رجعوا وقالوا: إن إبليس ~~لا يجوز أن يكون في ولاية الملائكة، إذ هي مطلعة على ما إبليس إليه صائر، ~~قيل ويحكم ولم ذلك؟ وهل هو إلا لأنه علمت الملائكة من عند الله ما إليه ~~صائر وبما هو له فاعل، وكيف يكون إبليس مع هذا لا في عداوة الله، لما كان ~~الله لم يزل عالما بما إبليس له عامل، وبما هو إليه صائر؟ فدل هذا على أن ~~الله لم يزل عدوا لإبليس، وعدوا للكافرين، وقال لإبليس: (فإنك رجيم) (¬1) ، # ¬__________ # (¬1) سورة ص آية رقم 77، وجاءت في المطبوعة على أنها سورة غافر آية رقم ~~9، وجاءت آية في سورة الحجر آية 34.. PageV02P212 # فلا يخلو من أن يكون إبليس رجيما في علم الله لم يزل الله عالما أنه ~~رجيم، أو يكون الله لم يعلم بأنه رجيم إلا عند منعه السجدة، وهذه مقالة ~~الجهمية، وقد دللنا على فسادها عند موضعها في كتاب التوحيد، وكل ما نقضنا ~~به على الجهمية في زعمهم بأن الله لا يكون أن يعلم الأشياء حتى تكون موجودة ~~فهو نقض على هؤلاء القوم، كما أن النقض على الروافض في وصفهم الله بالبداء ~~(¬1) تعالى الله عن ذلك، فهو نقض على من قال بتقليب الولاية والعداوة، وكل ~~ذلك أصل واحد. # ¬__________ # (¬1) يذكر الشهرستاني البداء باعتباره بدعة من بدع الغلاة من الشيعة، إلا ~~أن الأشعري يوسع الدائرة فيقول: "كل الروافض إلا شرذمة قليلة يزعمون أنه ~~يريد الشيء ثم يبدو له فيه". ونحن نعلم أن أول من اشتهر عنه القول بالبداء ~~هو المختار، وكان يقول: "إذا جاز النسخ في الأحكام جاز النسخ في الأخبار". # ويقول الشيخ محمد رضا المظفر (قال الصادق): من ms320 زعم أن الله تعالى بدا له ~~في شيء بداء ندامة فهو عندنا كافر بالله العظيم. راجع عقائد الإمامية ص 45، ~~والانتصار ص96، والملل والنحل 1: 155، والمقالات 2: 107، وأوائل المقالات ~~53، وتصحيح الاعتقاد: 25. PageV02P213 # وكذلك يقال لهم: ما تقولون في الذي آتاه الله آياته: (فانسلخ منها فأتبعه ~~الشيطان فكان من الغاوين) (¬1) ؟ فإن زعمتم أن هذا في ولاية الله، والله ~~عالم بأن ينسلخ من آياته، ويكون من الغاوين، قيل: أرأيتم إن أطلع الله موسى ~~عليه السلام، أو غير موسى من أنبيائه على ما سيكون من هذا الرجل بأنه ~~سينسلخ من آيات الله، ويكون من الغاوين، وأنه سيصير في مثل الكلب إن تحمل ~~عليه يلهث أو تتركه يلهث؟ أفينبغي لموسى أن يكون مواليا لهذا على ما علم من ~~هذه الصفة، داعيا إلى الله له أن يرحمه ويدخله جنته؟ فإن قالوا: لا، قيل ~~لهم: فكيف جوزتم في صفة الله من التبديل (¬2) والتحويل والتغيير والتقلب ~~والبداء ما لم تجوزوه في صفة غيره من الخلق، والخلق لا يعلم بعضهم من بعض ~~إلا ما أطلعهم الله على العلم به. # ¬__________ # (¬1) سورة الأعراف آية رقم 175. # (¬2) التبديل: تغيير الشيء عن حاله، والإبدال جعل الشيء مكان آخر، وحاصله ~~معناه إيراد الشيء بدلا عن شيء. والتبديل عند الأصوليين هو النسخ، وعند أهل ~~البديع هو العكس، وعند أهل التعمية وضع حرف بلا توسط. راجع كشاف المصطلحات ~~1: 208، 209. PageV02P214 # ويقال لهم: ما تقولون في عمر بن الخطاب (¬1) _رضي الله عنه_ حيث كان على ~~دين قومه، مذكورا عنه ما قد علمتم؟ هل هو إذ ذاك في ولاية الله أو في ~~عداوته؟ فإن قالوا: في عداوته قيل لهم: فإذا أطلع الله رسوله محمدا _صلى ~~الله عليه وسلم_ على ما سيكون من إيمان عمر، وقيامه بدين الله هل يكون عمر ~~مع ذلك عند رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ في عداوته والدعاء عليه ألا ~~يؤمن، وأن يموت على ما هو عليه من دين قومه، فيصير إلى عذاب الله؟ فإن ~~قالوا: لا يتفق هذا لرسول الله مع علمه بما عمر إليه من طاعة الله ms321 صائر. ~~قيل: فكيف جوزتم التحويل في ولاية الله مع قولكم بأن الله لم يزل عالما بما ~~العباد له فاعلون، وبما هم إله صائرون، ولم تجوزوا ذلك في ولاية الخلق، ~~وعداوتهم بعضهم بعضا، إذ كان الله لهم مطلعا على ما سيكون من تلك الأشياء، ~~وبعد هذا كله أجمع فهل كانت ولاية الخلق بعضهم لبعض وعداوتهم إلا لما ترون ~~من فعلهم بالإيمان، وفعلهم بالكفر؟ وعلموا من ذلك، والله لم يزل رائيا بما ~~يكون من جميع الخلق وعالما به، فيجب بهذا أن يكون الله لم يزل مواليا ~~ومعاديا على ما علم، مما العباد له عاملون وإليه صائرون. # انتبهوا حفظكم الله إلى أمثال هذه المعارضات، فإنها دالة على صدق ~~مقالتكم، هاتكة لأستار مقالة أهل الخطأ، وهي من المحفوظات القديمة، فحين ~~نبهتكم عليها عرفتم باقيها إن شاء الله. # ¬__________ # (¬1) عمر بن الخطاب ولد عام 40 ق. ه، وتوفي عام 23ه. راجع ابن الأثير 3: ~~19، والطبري 1: 187-217، واليعقوبي 2: 117، والإصابة، الترجمة 5738، وصفة ~~الصفوة 1: 101، وحلية الأولياء 1: 38، والخميس 1: 259، وأخبار القضاة لوكيع ~~1: 105، والبدء والتاريخ 5: 88، 167. PageV02P215 # باب القول في المرأة المأتية (¬1) فيما دون الفرج والدلالة # على تفسيقها وإثبات وعيدها # قال أصحابنا ومن وافقهم من الزيدية والمعتزلة والخوارج بتفسيق المرأة ~~الموطوءة فيما دون الفرج، طائعة غير مكرهة، وإثبات الوعيد لها، واجتمعت هذه ~~الفرق على أنها فاسقة يبرأ منها، ويشهد على فعلها بالضلالة وأنها كافرة ~~بدين، إلا ما كان من تردد المعتزلة في التسمية لها بالكفر، ولسائر أهل ~~الكبائر. # ¬__________ # (¬1) قال أصحاب أبو حنيفة: إنه عندنا ولائط الذكر سواء في الحكم؛ ولأن ~~القدر والأذى في موضع النجو أكثر من دم الحيض فكان أشنع، وقد حرم الله ~~تعالى الفرج حال الحيض لأجل النجاسة العارضة، فأولى أن يحرم الدبر لأجل ~~النجاسة اللازمة، وهناك أحاديث صحيحة رواها عن رسول الله _صلى الله عليه ~~وسلم_ اثنا عشر صحابيا بمتون مختلفة كلها متواردة على تحريم إتيان النساء ~~في الأدبار، ذكرها أحمد بن حنبل في مسنده، وأبو داود والنسائي والترمذي ~~وغيرهم. وقد جمعها أبو الفرج ابن الجوزي بطرقها في جزء سماه ms322 تحريم المحل ~~المكروه. ولأبي العباس "إظهار أدبار من أجاز الوطء في الأدبار". وروى ~~الدارمي في مسنده عن سعيد بن يسار أبي الحباب قال: قلت لابن عمر ما تقول في ~~الجواري حين أحمض بهن؟ قال: وما التحميض؟ فذكرت له الدبر، فقال: هل يفعل ~~ذلك أحد من المسلمين. وعن أبي هريرة عن النبي _صلى الله عليه وسلم_ قال: ~~"من أتى امرأة في دبرها لم ينظر الله تعالى إليه يوم القيامة". تفسير ~~القرطبي بتصرف 2: 94، 95. PageV02P216 # فإن قال قائل: ما دلكم على تفسيق هذه المرأة، وإثبات الوعيد لها؟ فيقال ~~له: قد علمنا ذلك، ودللنا عليه من كتاب الله عز وجل، ومن سنة رسول الله ~~_صلى الله عليه وسلم_، ومن القياس على ما فيهما، ومن الإجماع، قال الله عز ~~وجل: (والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم ~~غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون) (¬1) ، فقلنا لا تخلو ~~هذه المرأة، وصاحبها من أن يكونا حافظين لفروجهما، أو غير حافظين، ولن يجوز ~~أن يكونا حافظين لقول الله عز وجل: (فمن ابتغى وراء ذلك) من الأزواج وما ~~ملكت اليمين فأولئك هم العادون، فلما تبين أنهما غير حافظين وجب أن يكونا ~~عاديين، وقال لقوم لوط: (أتأتون الذكران من العالمين وتذرون ما خلق لكم ~~ربكم من أزواجكم بل أنتم قوم عادون) (¬2) ، فلما غلظ عليهم في الاسم، واشتد ~~عليهم في الشتم قال: (بل أنتم قوم عادون)، ولعل اللاطة عند هؤلاء القوم ~~أيضا لم يكفروا بدين، وقوله عز وجل: (إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم ~~فإنهم غير ملومين) (¬3) ، وقد تبين لنا أن هذا الفاعل الذي فعل بها ما قد ~~ذكرنا أنه غير حافظ لفرجه، وأنه مذموم ملوم، غير محمود؛ لأنها ليست له ~~بزوجة، ولا مملوكة اليمين، والملوم هو المعاقب، قال الله عز وجل: (فتول ~~عنهم فما أنت بملوم) (¬4) ، وقال: (فتقعد ملوما محسورا) (¬5) و(مذموما ~~مخذولا) (¬6) ، # ¬__________ # (¬1) سورة المؤمنون آية رقم 5، 6، 7. # (¬2) سورة الشعراء آية رقم 166. # (¬3) سورة المؤمنون آية رقم 6. # (¬4) سورة الذاريات آية رقم 54. # (¬5) سورة الإسراء آية رقم ms323 29. # (¬6) سورة الإسراء آية رقم 22.. PageV02P217 # وهي من أسماء أهل العقاب، فإن قال: فإنها حافظة من قبل أن ذلك منها فيما ~~دون الفرج قيل: فإن الآية قد عمت في كل الحفظ من العين واليد والفرج جميعا، ~~ولم تستثن حفظا من حفظ، فلما كانت الآية على العموم في جميع الحفظ من العين ~~واليد والفرج جميعا كان مدعي الخصوص مريدا لأن يثبت دعواه بغير دليل، وبما ~~لا يثبت به الدعوى، وقال عز وجل: (ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة) (¬1) ~~فعظم الزنا بأن سماه فاحشة، فلا يخلو فعل هذين الإنسانين من أن يكون فاحشة ~~أو غير فاحشة، فأجمع الناس على أنه فاحشة، من قبل أنك لو سألت هؤلاء أو ~~غيرهم من الناس من أين علموا عصيانها لم يجدوه إلا من قول الله عز وجل: (قل ~~إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن) (¬2) ، وفي إجماعهم على أنه ~~فاحشة ما يدل على أنه داخل في باب الزنا، ولن يجوز أن يكون الزنا غير كبيرة ~~عند جميع من أنفذ الوعيد، وقوله عز وجل: (قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر ~~منها وما بطن) هو الزنا، فقد قال فيه أهل التفسير: إن ما ظهر هو: كشف ~~العورة، وما بطن هو: الزنا، فسمى كشف العورة فاحشة، فكل فاحشة كبيرة، وكل ~~كبيرة متوعد عليها، وقال عز وجل: (وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها ~~آباءنا والله أمرنا بها، قل إن الله لا يأمر بالفحشاء) (¬3) ، # ¬__________ # (¬1) سورة الإسراء آية رقم 32. # (¬2) سورة الأعراف آية رقم 33. # (¬3) سورة الأعراف آية رقم 28. # والفحش والفحشاء والفاحشة: ما عظم قبحه من الأفعال والأقوال، قال تعالى: ~~(من يأت منكن بفاحشة مبينة) سورة الأحزاب آية 30، وقال: (إن الذين يحبون أن ~~تشيع الفاحشة)، وقال: (إنما حرم ربي الفواحش). # وفحش فلان: صار فاحشا، ومنه قول الشاعر: # ... ... ... ... "عقيلة مال الفاحش المتشدد" PageV02P218 # فقال أهل التفسير: إن ذلك لما كان من تعريهم عند المسجد الحرام، فسماه ~~الله فاحشة، فلما كان فاحشة كان كبيرة. وفعل هذه المرأة مع صاحبها أكثر ~~وأكبر وأعظم من كشف العورة ms324 الذي سماه الله فاحشة. # وقد سئل رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ فيما بلغنا عن السرقة والزنا ~~وشرب الخمر فقال: هن من الفواحش، وفيهن عقوبة (¬1) # ¬__________ # (¬1) الحديث رواه الإمام مالك في كتاب الموطأ، كتاب قصر الصلاة في السفر ~~23 باب العمل في جامع الصلاة 72- حدثني مالك عن يحي بن سعيد عن النعمان بن ~~مرة أن رسول الله _صلى اله عليه وسلم_ قال: ما ترون في الشارب والسارق ~~والزاني؟ وذلك قبل أن ينزل فيهم، قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "هن فواحش ~~وفيهن عقوبة". "وأسوأ السرقة التي يسرق صلاته". # قالوا: "وكيف يسرق صلاته يا رسول الله...؟ قال: لا يتم ركوعها ولا ~~سجودها". # قال ابن عبد البر: لم يختلف الرواة عن مالك في إرسال هذا الحديث عن ~~النعمان بن مرة. وهو حديث صحيح، مسند من وجوه من حديث أبي هريرة وأبي سعيد. PageV02P219 # وقال: (الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش) فقرن ذكر الفواحش بذكر ~~الكبائر، ثم قال: (إلا اللمم) (¬1) فاستثنى فيما دون الفواحش والكبائر ما ~~لم يستثن في الكبائر والفواحش، فدل على أن ما لم يستثن فيه كبائر متوعد ~~عليها، وقد قال: (الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق أولئك لهم ~~عذاب أليم) (¬2) ، فلا يخلو فاعل هذا الفعل بها إذا هو أكرهها على نفسها، ~~وابتزها باطن جسدها، متلذذا بذلك من أن يكون ظالما لها، أو غير ظالم، ومن ~~سنة رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ فيما روت الرواة عنه أنه قال: "إن ~~العين تزني وزناها النظر، واليد تزني وزناها اللمس (¬3) # ¬__________ # (¬1) سورة النجم آية رقم 32. # (¬2) سورة الشورى آية رقم 42. # (¬3) الحديث رواه الإمام مسلم في كتاب القدر (5) باب قدر على ابن آدم حظه ~~من الزنى وغيره (20) (2657)، عن ابن طاووس عن أبيه عن ابن عباس قال: ما ~~رأيت شيئا أشبه باللمم مما قال أبو هريرة أن النبي _صلى الله عليه وسلم_ ~~قال: إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنى أدرك ذلك لا محالة وذكره. # ورواه الإمام البخاري في كتاب القدر (12: 62)، عن ابن طاووس عن ms325 أبيه عن ~~ابن عباس قال: وذكره. PageV02P220 # ". وقال _صلى الله عليه وسلم_: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن" (¬1) ~~. فلما ثبت أنهما غير مؤمنين ثبت أنهما كافران، وقال _صلى الله عليه وسلم_: ~~"لعن الله الناظر والمنظور إليه" (¬2) . # ¬__________ # (¬1) الحديث رواه ابن ماجه في كتاب الفتن، 3 باب النهي عن النهبة 3936، ~~عن عقيل عن ابن شهاب عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحرث بن هشام عن أبي ~~هريرة _رضي الله عنه_ أن رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ قال: "لا يزني ~~الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يسرق ~~السارق حين يسرقها وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة يرفع الناس إليه أبصارهم حين ~~ينهبها وهو مؤمن". # (¬2) لم نعثر على هذا الحديث بلفظه على كثرة البحث والتقصي، وإن كان ابن ~~ماجه قد عنون في كتاب النكاح بابا سماه (باب التستر عند الجماع)، وفيه ~~1921- ثنا الأحوص بن حكيم عن أبيه، وراشد ابن سعد وعبد الأعلى بن عدي عن ~~عتبة بن عبد السلمي قال: قال رسول الله _صلى الله عليه وسلم_: "إن أحدكم ~~أهله فليستتر ولا يتجرد تجرد العيرين". # وفي الزوائد: إسناده ضعيف لجهالة تابعيه. # وأيضا 1922 عن سفيان عن منصور عن موسى بن عبد الله بن يزيد عن مولى ~~لعائشة عن عائشة قالت: "ما نظرت أو ما رأيت فرج رسول الله _صلى الله عليه ~~وسلم_". PageV02P221 # وقال: "ملعون من نظر إلى عورة أخيه، أو قال إلى فرج أخيه". وقال: ملعون ~~من أبدى عورته الناس. وقال: من نظر نظرت حرام كحلت عيناه بمسامير من نار، ~~أو قال: "بحسير من نار"، وأما من الإجماع: فإن الأمة مجتمعة على أن من وثب ~~على امرأة ليفعل بها مثل ذلك الفعل مكرها لها فإن عليها أن تدفعه بأشد ~~الدفع، وتقابله بما قد يكون فيه من القتال ما هو حقيقة، وإن لم تفعل فكانت ~~راضية زانية، وعلى من شاهد هذه من الناس مثل ما عليها من ذلك، وإن الدماء ~~لا تحل إلا على كبيرة. وأجمع ms326 جميع من أنفذ الوعيد على أن القذف الكبيرة من ~~الكبائر متوعد عليه وفسق، والحد من الله فيه واجب، وأجمعوا على أن من فعل ~~هذا الفعل بامرأة مكرها لها غاضبا لجسدها أن ذلك الفعل أكبر من القذف وأقبح ~~منه، بل قد علمنا وعلم جميع الناس أن من قذف مستورة من المسلمات بالزنا ~~أيسر عليها وأخف مؤونة من الذي يبتزها من ثيابها من وسط جموع الناس، ويدعها ~~مكشوفة، بل قد علم جميع الخلائق أن من جرد امرأته التي هي زوجته في ملأ من ~~الناس أن ذلك أكبر منه فعلا، وأعظم بلية من أن يقول لها: اذهبي يا زانية، ~~وكيف لو نال منها شبيه ما ذكروا في ملإ من الناس وجموعهم وهي امرأته. # وقد اتفقت العلماء على أنهما إذا وجدا في لحاف واحد، وكانا غير زوجين ~~أنهما يعزران، والتعزيز عندنا وعندهم لا يحب إلا على كبيرة من الكبائر. ~~أرأيتهم إذا كانت هذه المبتلاة ذات بعل، فرفضت بعلها، وظهرت للفساق تتبعهم ~~في كل خربة (¬1) ، # ¬__________ # (¬1) خرب الموضع بالكسر خرابا فهو خرب، ودار خربة، وخربوا بيوتهم شدد ~~لفشو الفعل أو للمبالغة. # والعجيب أن المؤلف قال هذا الكلام عندما كانت الناس ناسا يئورون على ~~مرتكب الفواحش، وينالون منهم حتى القتل، أما في القرن العشرين فليست هناك ~~خرائب يرتكب فيها الفاحشة، وإنما هي القصور العالية والفنادق الشاهقة، ~~والتي يقام عليها الحراس المدججون بالسلاح لحماية أصحاب الرذيلة من أن ينال ~~منهم أو يصل إلى أسماعهم ما يجرح شعورهم _إن كان هناك شعور_، والأمر لله ~~أولا وآخرا. PageV02P222 # يفعلون بها ما ذكروا؟ أليست كانت تكون عن بعلها ناشزة، والناشزة عندنا ~~وعندهم عاصية لربها، فاسقة، محرم عليها أزواج الدنيا وأزواج الآخرة إلا أن ~~تتوب، وقد قال جابر بن زيد (¬1) _رضي الله عنه_ لعبد الملك بن مروان (¬2) # ¬__________ # (¬1) هو جابر بن زيد الأزدي التابعي أبو الشعثاء: تابعي فقيه من الأئمة ~~من أهل البصرة، أصله من عمان، صحب ابن عباس، وكان من بحور العلم، وصفه ~~الشماخي (وهو من علماء الإباضية) أنه أصل المذهب ms327 وأسه الذي قامت عليه ~~آطامه، نفاه الحجاج إلى عمان. وفي كتاب الزهد للإمام أحمد: لما مات جابر بن ~~زيد قال قتادة: "اليوم مات أعلم أهل العراق". راجع السير للشماخي 70-77، ~~وتذكرة الحفاظ 1: 67، وتهذيب التهذيب 2: 38، وحلية الأولياء 3: 85، وحاشية ~~الجامع الصحيح للسالمي 1: 7، والبداية والنهاية 9: 93 95. # (¬2) هو عبد الملك بن مروان بن الحكم الأموي القرشي أبو الوليد، من أعاظم ~~الخلفاء ودهاتهم، نشأ في المدينة فقيها واسع العلم متعبدا ناسكا، وشهد يوم ~~الدار مع أبيه، واستعمله معاوية على المدينة وهو ابن 16 سنة، وانتقلت إليه ~~الخلافة بموت أبيه سنة 65ه، فضبط أمورها وظهر بمظهر القوة، فكان جبارا على ~~معانديه، واجتمعت عليه الكلمة بعد مقتل مصعب وعبد الله ابني الزبير في ~~حربهما مع الحجاج الثقفي، ونقلت في أيامه الدواوين من الفارسية والرومية ~~إلى العربية، توفي في دمشق عام 86ه 705م. راجع ابن الأثير 4: 198، والطبري ~~8: 56، واليعقوبي 3: 14، وميزان الاعتدال 2: 153، وفيه "سفك الدماء وفعل ~~الأفاعيل"، والمحبر 377، وفيه كان كاتبا على ديوان المدينة زمن معاوية، ~~وتاريخ الخميس 2: 308، وفيه كان يلقب برشح الحجر لبخله. وفوات الوفيات 2: ~~14، وفيه لما أفضى الأمر إلى عبد الملك كان المصحف في حجره فأطبقه، وقال: ~~هذا فراق بيني وبينك.. PageV02P223 # لما بلغه أنه ضرب عنق الأعرابي لما أمسك امرأة أبيه، فقال جابر: أحسن عبد ~~الملك، أو قال أجاد، ومن أعلم عبد الملك أن الأعرابي ينتهي من امرأة أبيه ~~إلى أكثر من هذا الذي وصفوا؟ وكيف حتى اجتمعت الأمة كلها مصيبها ومخطئها ~~على قتل الوليد بن يزيد المرواني (¬1) ، على أن أمسك جواري أبيه يزيد، مع ~~ما اشتهر من فسق الوليد وجرأته على الله في كل أمر عظيم، فلم تعظم الأمة ~~على الوليد ذلك كله كتعظيمها لما فعل من إمساك جواري أبيه، ومن أعلم الأمة ~~أن الوليد مجاوز معهن هذا الذي وصفوا، وما القول فيمن أمسك امرأة أبيه على ~~هذا أو جاريته يفعل بها مثل هذا الفعل الذي ذكروا؟ أو أمسك أمه أو أخته ~~حينا من الدهر، مقيما على ذلك، مصرا عليه، ما أقذرها من مقالة، وأقبح منها ~~القائلون ms328 بها. فلما كان من إجماع الأمة ما ذكرنا علمنا أن ذلك الفعل كبيرة ~~من الكبائر، وأنهما فاسقان، ضالان، كافران بدين، خارجان من حد الولاية إلى ~~حد العداوة. # ¬__________ # (¬1) هو الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان أبو العباس، من ملوك ~~الدولة المروانية بالشام، كان من فتيان بني أمية، يعاب بالانهماك في اللهو ~~وسماع الغناء، له شعر فيه مجون، وولع بالموسيقى. قال أبو الفرج: له أصوات ~~صنعها مشهورة، وكان يضرب بالعود، ويوقع بالطبل، ويمشي بالدف. وقال السيد ~~المرتضي: كان مشهورا بالإلحاد، متظاهرا بالعناد. وقال ابن خلدون: ساءت ~~القالة فيه كثيرا. ولي الملك سنة 125ه بعد وفاة عمه هشام بن عبد الملك، ~~فمكث سنة وثلاثة أشهر، ونقم عليه الناس لحبه للهو، فبايعوا سرا ليزيد بن ~~الوليد بن عبد الملك، قتل عام 126ه. راجع ابن الأثير 5: 103، واليعقوبي 3: ~~71، وابن خلدون 3: 106، والأغاني 7: 1، و 9: 374 وتاريخ الإسلام للذهبي 5: ~~173- 179. PageV02P224 # ويقال لأصحاب عبد الله بن يزيد وعبد الله بن عبد العزيز (¬1) وأبو المؤرج ~~(¬2) السدوسي، وجماعتهم من أين علمتم عصيانها بدين، ولم تعلموا تفسيقها ~~بدين؟ ولن يجدوه إلا من قوله عز وجل: (قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها ~~وما بطن) (¬3) ، # ¬__________ # (¬1) يقول صاحب المدونة الصغرى: كان عبد الله بن عبد العزيز معاصرا لأبي ~~المؤرج، واشتهر بالقياس الفقهي، ويقال: روى عن أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة. # (¬2) المؤرج المؤثر، وأبو المؤرج السدوسي معاصر لأبي عبيدة مسلم بن ~~كريمة، المتوفى نحو 145ه 762م، فقد ورد في مدونة أبي غانم الصغرى: حدثني ~~أبو عبيدة بلسان أبي المؤرج، وهو معاصر لأبي غانم نفسه إذ يروي عنه فيقول: ~~سألت أبا المؤرج، وله رأي في القضاء، قال أبو المؤرج: ما أحب أن يجعل على ~~قضاء المسلمين إلا رجل منهم ورع، عالم بالكتاب والسنة، عالم بالأشباه ~~والأمثال والاختلاف في أبواب الأحكام وغوامض الأقضية. # (¬3) سورة الأعراف آية رقم 33، وتكملة الآية (والإثم والبغي بغير الحق ~~وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون). # روى روح بن عبادة عن ms329 زكريا بن إسحاق عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: ما ~~ظهر منها: نكاح الأمهات في الجاهلية، وما بطن: الزنى. وقال قتادة: سرها ~~وعلانيتها، وهذا فيه نظر، فإنه ذكر الإثم والبغي فدل أن المراد بالفواحش بعضها. # والإثم قال الحسن: الخمر، قال الشاعر: # ... شربت الإثم حتى ضل عقلي ... ... ... كذاك الإثم تذهب بالعقول # والبغي: الظلم وتجاوز الحد. PageV02P225 # قيل لهم: فمن أين علمتم أن فعلها فاحشة حتى تقولوا بتحريمه؟ ولن يجدوا ~~بحمد الله سبيلا إلى المعرفة بأن فعلها محرم، ولا بأنه فاحشة إلا من قبل ~~الوجوه التي استدللنا بها على تفسيقها وتكفيرها، وإثبات الوعيد لها، وإلا ~~فليس فعلها ذلك بمعصية كما لم يكن كبيرة، ومن تعاطى منهم ذلك وحاوله فعليه ~~أن يأتي به، وإلا فقد قامت الحجة عليهم بتكفيرها بدين، وإيجاب وعيدها، ولزم ~~التسليم والرجوع إلى الحق، خير من التمادي على الباطل. فإن قالت المعتزلة: ~~لم كفرتموها؟ قلنا: قد فرغنا من مثل هذا في باب التسمية لأهل الكبائر، أو ~~تردوها بدعة؟ فقلنا: كفرناها لأنكم فسقتموها، فقالوا: فسقناها لأنها غير ~~مؤمنة، قلنا: سميناها كافرة لأنها غير مؤمنة، قالوا: فسموها إذا مشركة كما ~~سميتموها كافرة، قلنا: فسموها إذا مؤمنة كما سميتموها غير كافرة، قالوا: ~~أجمعنا مع المرجئة على أنها غير كافرة، فقلنا: أجمعنا مع الصفرية على أنها ~~كافرة، قالوا: فسموها إذا مشركة، كما سمت الصفرية، قلنا: فسموها إذا مؤمنة ~~كما سمت المرجئة (¬1) ، قالوا: ولو قلنا لكنا مرجئة (¬2) ، قلنا: ولو قلنا ~~لكنا صفرية، قالوا: فحين سميتم كافرة فأنتم صفرية، قلنا: فحين سميتم غير ~~كافرة فأنتم مرجئة، قالوا: وليس كل فاسق كافرا، قلنا: وليس كل كافر مشركا، ~~قالوا: فالكافر بعض الفاسق، قلنا: فالمشرك بعض الكافر، قالوا: أجمعوا على ~~أنها فاسقة، ولم يجمعوا على أنها كافرة، قلنا: من قبل ما أجمعوا على أنها ~~فاسقة علمنا بأنها كافرة، ولو لم تجمعوا على أنها كافرة، كما قد علمنا ~~بأنها معاقبة من قبل ما أجمعوا على أنها فاسقة، ولو لم يجمعوا على أنها ~~معاقبة. # ¬__________ # (¬1) سبق الحديث عنها في كلمة وافية. ms330 # (¬2) سبق الحديث عنها وعن بعض معتقداتها في هذا الجزء. PageV02P226 # ثم يقلب عليهم السؤال بأن يقال لهم: لم سميتموها فاسقة؟ قالوا: لأنها غير ~~مؤمنة، قلنا: فيجب أن تسموها كافرة لأنها غير مؤمنة، فقد قال عز وجل: ~~(فمنكم كافر ومنكم مؤمن) (¬1) فإن قالوا: سميناها فاسقة لأنها معاقبة، ~~قلنا: فيجب أن تسموها كافرة لما كانت معاقبة، وقد قال: (أعدت للكافرين) ~~(¬2) ولم سميتموها فاسقة ولم تسموها كافرة؟ وقد قال الله: (فذوقوا العذاب ~~بما كنتم تكفرون) (¬3) ، (وبما كنتم تفسقون) (¬4) ولم سميتموها ظالمة ولم ~~تسموها كافرة؟ وقد قال الله: (والكافرون هم الظالمون) (¬5) ولم سميتموها ~~عدوة لله ولم تسموها كافرة؟ وقد قال الله: (فإن الله عدو للكافرين) (¬6) ~~ولم سميتموها ضالة ولم تسموها كافرة؟ وقد قال الله: (إن الذين كفروا بعد ~~إيمانهم ثم ازدادوا كفرا لن تقبل توبتهم وأولئك هم الضالون) (¬7) ، وهكذا ~~المناظرة في التسمية لأهل الكبائر، والحمد لله على معرفة الهدى. # مسألة: # ¬__________ # (¬1) سورة التغابن آية رقم 2. # (¬2) سورة البقرة آية رقم 24، وصدر الآية: (فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا ~~فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة). # (¬3) سورة آل عمران آية 106، وصدر الآية: (يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما ~~الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم). # (¬4) سورة الأحقاف آية رقم 20، وقد جاءت الآية محرفة في المطبوعة حيث ~~قال: (بما) وهي (وبما)، وصدر الآية: (ويوم يعرض الذين كفروا على النار ~~أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها فاليوم تجزون عذاب الهون ~~بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير الحق وبما). # (¬5) سورة البقرة آية رقم 254. # (¬6) سورة البقرة آية رقم 98. # (¬7) سورة آل عمران آية رقم 90. PageV02P227 # إن سأل سائل فقال: ما تقولون في رجلين مسلمين من أهل ولايتكم تقاتلا أو ~~تلاعنا، أو ادعى أحدهم قبل صاحبه حقا، وأنكره الآخر، وأنتم لا تدرون أيهما ~~الظالم من المظلوم، ولا المحق منهما من المبطل، هل يكونان عندكم فيما فيه ~~من الحكم الأول، أو ينتقلان عن ذلك إلى حكم البراءة، أو إلى غيرها؟ فالجواب ~~لأصحابنا في هذه المسألة وأمثالها أنهم قالوا: بالثبوت على ما هم عليه من ~~الحكم الأول، والأصل ms331 المقدم حتى يبينوا ما أشكل عليهم من ذلك، وإلا فهم ~~باقون على ما هم عليه، وفيه من حكم الولاية المتقدمة لهم على علم وفريضة، ~~والقياس في ذلك هو ما قالوا، والحجة لهم من قبل أن كل بلية نزلت ولم يوجد ~~علمها، وأن كل شبهة عرضت ولم يعلم مخرجها فحكم ذلك كله كحكم ما لم يقع ولم ~~يوجد رأسا، كانت الحجة للذين قالوا بالثبوت على الأصل الأول والحكم ~~المتقدم، حتى يستبين مخرج البلية، ويعلم ما وجهها، وإلا فحكمها حكم ما لم ~~يقع ولم ينزل رأسا، لما كان لم يحدث في كلا الوجهين علم ما يجب به حكم، أو ~~يسقط به حكم من الأحكام، والحكم لا يجب ولا يسقط إلا بعلم، والعلم معدوم ~~غير موجود في هذين الوجهين جميعا سواء. وأيضا لو جاز لنا أن نمنع المؤمنين ~~ما استحقوه منا من الولاية والمحبة، والمدح والتعظيم لإيمانهم وطاعتهم لله، ~~من غير أن يصح لهم عندنا ما يستحقون به زوال الولاية، وتغيير الحال لجاز ~~لنا أن نبرأ منهم، وأن نذمهم ونبغضهم، من غير أن يتبين لنا منهم ما يستحقون ~~به منا البراءة والبغض والذم، فلما كان من تبرأ من المؤمنين، وبغضهم وذمهم ~~من غير أن يصح عندنا أنهم قد استحقوا ذلك كان عاصيا لله، ظالما للمؤمنين، ~~كان أيضا من منعهم ما استحقوه من الولاية والمدح والمحبة والتعظيم لإيمانهم ~~السالف، من غير أن يعلم منهم ما قد يستحقون به زوال الولاية والمودة والمدح ~~والتعظيم ظالما لهم، عاصيا لله في ذلك. PageV02P228 # فإن قال قائل: ما تقولون في رجل من أهل ولايتكم أتى كبيرة من الكبائر مما ~~يسع جهله عند ضعيف من ضعفه المسلمين الذين لا معرفة لهم قبلهم بوجوه ~~الكبائر؟ قيل له: ليس على الضعيف من هذا حكم يجب أو يسقط، بل يكون على ما ~~هو عليه من أصل الولاية الأولى، حتى يلقى العلماء فيخبرونه بالمخرج، وإلا ~~فذلك الفعل الذي لا يعلم ما هو كالفعل الذي لم يكن، ولم يوجد من فاعله ~~أصلا، وكلاهما في باب ms332 الحكم مستويان، كما أنهما في باب ما لم يعلم سواء. ~~فإن قال: أوليست السلامة لهذا الضعيف أن يقف في المتولي حيث لا يدري ما ~~فعله، وفعله عند العلماء كبيرة، حتى لا يكون لذي الكبيرة مواليا، قيل له: ~~بل الضعيف ليست السلامة له في الذي ذكرت أن يكون يخرج المتولي من حكم ~~الولاية إلى غيرها بغير حجة ظاهرة ولا بدلالة قائمة، فيكون حينئذ خارجا من ~~العلم إلى الجهل، تاركا للفرض إلى غير الفرض، والتارك للفرض إلى غيره مختار ~~للهلكة على النجاة، فإن قال أوليس رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ واقفا في ~~عائشة (¬1) ، وصفوان بن المعطل (¬2) # ¬__________ # (¬1) هي عائشة بنت أبي بكر الصديق _رضي الله عنهما_، وأم المؤمنين زوج ~~النبي _صلى الله عليه وسلم_، ولدت عام 9ق.ه، وتوفيت عام 58ه. راجع الإصابة، ~~كتاب النساء، ت 701، والسمط الثمين 29، وطبقات ابن سعد 8: 39، والطبري 3: ~~67، وفيه تفصيل حديث الإفك، وذيل المذيل 7، وأعلام النساء 2: 76، وحلية ~~الأولياء 2: 43، ومنهاج السنة 2: 182- 186 و 192- 198. # (¬2) هو صفوان بن المعطل بن رحضة السلمي الذكواني أبو عمرو، صحابي، شهد ~~الخندق والمشاهد كلها، وحضر فتح دمشق، واستشهد بأرمينية، وقيل في سميساط ~~عام 19ه، وهو الذي قال أهل الإفك فيه وفي عائشة ما قالوا. روى عن النبي ~~_صلى الله عليه وسلم_ حديثين. راجع ابن عساكر 6: 438 واللباب 1: 443.. PageV02P229 # عند مقالة من قال فيهما قبل ما لم تنزل براءتهما، ولم تأت طهارتهما؟ قيل ~~له: معاذ الله أن يكون رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ يقف في ولاية ~~المؤمنين، ويكون مخرجا لهم من ولايتهم التي أوجب الله عز وجل على رسوله ~~_صلى الله عليه وسلم_ للمؤمنين إلى غيرها، بمقالة أهل الإفك، ولو كان ذلك ~~كذلك لكان رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ شاكا لعل أهل الإفك صادقون فيما ~~تكلموا به من البهتان، وظانا أن ذلك منهم على ما قالوا، كيف وقد وبخ الله ~~عز وجل عن هذه الصفة، وقال: (لولا إن سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات ~~بأنفسهم خيرا _يعني بإخوانهم الذين هم مؤمنين مثلهم_ وقالوا هذا إفك مبين) ~~(¬1) ، ثم ms333 قال جل اسمه: (ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا ~~سبحانك هذا بهتان عظيم) (¬2) ، ثم أكد ما قلنا بقوله: (يعظكم الله أن ~~تعودوا لمثله أبدا إن كنتم مؤمنين) (¬3) فوعظهم ألا يشكوا في مقالة أهل ~~الإفك والبهتان، ولا يستمعوا لها، ولو فعلوا ذلك لكانوا غير مؤمنين، وليس ~~من أحد يقول بأن رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ وقف في عائشة وصفوان، ~~فيجامعه على مقالته تلك أحد من هذه الأمة. فإن قال: فأصحاب السواري الذين ~~خلفوا قبل ما لم تنزل توبتهم ولم تأت براءتهم؟ قيل له: قد أخبرناك أنه لا ~~يكون رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ تاركا الولاية من هو عنده من المؤمنين ~~بشبهة عارضة، وبأمر غير مبين، فيكون رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ ملتبسا ~~عليه في دينه، لا يدري ما يفعل منه، ولا ما يدع، وحاش له من ذلك، بل كان ~~_صلى الله عليه وسلم_ على بصيرة من الله، ومن اتبعه من المؤمنين. # ¬__________ # (¬1) سورة النور آية رقم 12. # (¬2) سورة النور آية رقم 16. # (¬3) سورة النور آية رقم 17. PageV02P230 # فإن قال: فإذا كان رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ لم يقف عندكم في أصحاب ~~السواري فهلا قطع فيهم قطعا من قبل أن تنزل توبتهم من عند الله؟ قيل له: لم ~~يكن رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ ليتقدم بين يدي الله فيقول بما لم يعلم ~~من عند الله، ولم يأت إليه من الله فيه قرآن ولا وحي، وليس في أن لم يقطع ~~في تخلفهم عن الخروج معه قطعا، ما يوجب أنه _صلى الله عليه وسلم_ ممسك عن ~~ولايتهم، تارك لها إلى غيرها من الذي ذكرتم، فإن قال: فقد أخبر الله رسوله ~~_صلى الله عليه وسلم_ بأن من أهل المدينة من قد مرد على النفاق، وأن رسول ~~الله عليه السلام لا يعلمهم، فهل تقولون: إن رسول الله _صلى الله عليه ~~وسلم_ قد كان مواليا لجميع أهل المدينة، وقد أعلمه الله أن فيهم منافقين؟ ~~قيل له: هذه المسألة عليك لا لك، ms334 فمثل هذا كان يجب على من بنى سؤاله على ~~خصومة أن يكون يعرف عاقبة سؤاله إذا جرد الخصوم عليه الجواب، فينبغي على ~~قياد هذه المسألة أن يكون رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ عندما أعلمه الله ~~أن في أهل المدينة منافقين لا يعلمهم، شاكا في جميع المؤمنين، تاركا ~~لولايتهم ممن احتوت عليه مدينته، ويبقى رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ لا ~~مؤمن واحد معه غير موال لأحد من جميع من في المدينة من المهاجرين والأنصار، ~~فمن لم يعرف البدعة فليعرف ما الذي إليه قائدة، وإليه جارة، فنعوذ بالله من ~~الحيرة بعد الهداية، والجهالة بعد المعرفة. # فإن قال: أوليست الولاية (¬1) # ¬__________ # (¬1) الولاية لغة: القرب والقيام للغير بالأمر والنصر، وشرعا: الترحم ~~والاستغفار للمؤمنين لإسلامهم وطاعتهم والثناء عليهم، مع الحب في القلب. ~~راجع الذهب الخالص. # وقال صاحب البصائر: الولاية النصرة، ونفى الله الولاية بين المؤمنين ~~والكافرين، قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى ~~أولياء بعضهم أولياء بعض) سورة المائدة آية 51، وجعل بين الكافرين ~~والشياطين موالاة في الدنيا، ونفى عنهم الموالاة في الآخرة، قال تعالى: ~~(إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون) الأعراف آية 27. راجع البصائر ~~5: 281. PageV02P231 # عندكم والبراءة والوقوف فرائض واجبة؟ قيل له: أما الولاية لمن علمنا منه ~~خيرا من الوفاء بدين الله الذي أوجب الله عليه لفاعله ثوابا فهي فريضة ~~واجبة، وحق لازم، كما أن البراءة (¬1) ممن علمنا منه كبائر مما توعد الله ~~عليه لفاعله العقاب كان واجبا علينا أن نتبرأ ممن هذه صفته، قال الله عز ~~وجل لرسوله: (واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين فإن عصوك فقل إني بريء مما ~~تعملون) (¬2) ألا ترى أن الله عز وجلا أمر رسوله _صلى الله عليه وسلم_ أن ~~يتبرأ منهم إذا هم عصوا رسوله، وخالفوا أمر ربهم، فإن قال: فالوقوف؟ قيل ~~له: أما الوقوف في كل من لا تعلم منه إيمانا ولا كفرا فإن ذلك من الواجب ~~علينا أن لا نمضي فيما لا نعلم، فنكون متقدمين بين يدي الله بالقول فيما لم ~~يجعل ms335 لنا إلى القول فيه سبيلا، وقد قال عز وجل: (ولا تقف ما ليس لك به علم) ~~(¬3) وقال: (ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله) (¬4) فأما إذا شاهدنا ~~إيمانا أو كفرا وعرفنا ذلك من فاعله كان الوقوف فيه بعد ذلك محرما علينا، ~~منهيا عنه، قال الله عز وجل: (ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم ~~تعلمون) (¬5) # ¬__________ # (¬1) البراءة لغة: البعد عن الشيء والتخلص، وأما في الاصطلاح الشرعي: ~~تعني الشتم واللعن للكافر لكفره، وهجرة مرتكبي الكبائر حتى يتوبوا. راجع ~~الذهب الخالص. # (¬2) سورة الشعراء آية رقم 215، 216. # (¬3) سورة الإسراء آية رقم 36. # (¬4) سورة القصص آية رقم 50. # (¬5) سورة البقرة آية رقم 42.. PageV02P232 # ولو كان الأمر على أن كل من رأى من مؤمن أو من كافر فعلا لا يدري ما هو، ~~وذلك الفعل مما يسع جهله وجب عليه أن يخرجه من الولاية أو من البراءة، ~~فيكون تاركا للعلم إلى الجهل، وللفرض إلى غير الفرض، كان يجب ألا تثبت على ~~هذه الصفة ولاية أحد من الناس ولا براءة؛ لأنه لا ينفك كل إنسان من فعل لا ~~يعرف سببه، ولا يدري ما وجهه، وهذا إبطال أحكام دين الله التي فرضها الله ~~عز وجل على عباده المؤمنين، ولا يصفو مع هذه المقالة أمر ولا نهي، ولا حكم ~~في شهادة أو في قضاء، أو في حد من حدود الله، فهذا غاية التلبس، ونهاية ~~الاختلاط، وفيما ذكرنا من ها قناعة وكفاية لمن كان شأنه النظر لنفسه. # باب في الإمامة (¬1) : # بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله. # ¬__________ # (¬1) الإمامة بالكسر في اللغة: إمامة الصلاة، وعند المتكلمين: هي خلافة ~~الرسول _عليه السلام_ في إقامة الدين، وحفظ حوزة الإسلام، بحيث يجب إتباعه ~~على كافة الأمة، والذي هو خليفة يسمى إماما. ويرى الجمهور على أن أهل ~~الإمامة: من هو مجتهد في الأصول والفروع، شجاع، ذو رأي، وقيل لا تشترط هذه ~~الصفات الثلاث، نعم يجب أن يكون عدلا، عاقلا، بالغا، ذكرا حرا، فهذه الشروط ~~معتبرة بالإجماع، وهناك صفات أخر: # منها: أن يكون قرشيا، ms336 قاله الأشاعرة والجبائية، ومنعه الخوارج وبعض ~~المعتزلة. # ومنها: أن يكون هاشميا، واشترطه الشيعة. # ومنها: أن يكون عالما لجميع مسائل الدين، شرطه الإمامية أيضا. # ومنها: ظهور الكرامة على يديه، وبه قال الغلاة، ولم يشترطها هذه الثلاثة ~~الأشاعرة. # ومنها: أن يكون معصوما، شرطها الإمامية والإسماعيلية، ولم يشترطها ~~الأشاعرة. راجع كشاف اصطلاحات الفنون 1: 132، ودائرة المعارف الإسلامية 4: ~~391، والمارودي في الأحكام السلطانية 3: 33، والمسعودي في مروج الذهب 1: ~~70، 6: 24، وابن خلدون المقدمة 1: 342، ومحمد صادق حسن خان: إكليل الكرامة ~~في تبيان الإمامة. PageV02P233 # الحمد لله المؤيد على إدراك الحق، الداعي إلى صراط مستقيم، والهادي من ~~يشاء إلى سبيل المهتدين. # أما بعد على أثر ذلك فإن الكلام في الإمامة بين الناس كثير، والتنازع ~~فيها بين الأمة غير قليل، مما لو أفرد له سفر لما احتمله، لكني أذكر من ذلك ~~ما إليه الحاجة ماسة، والفاقة وافقة، ولا قوة إلا بالله، فنقول: إن الله عز ~~وجل بتفضيله، وحسن نظره لعباده، وإرادته أن يستحق المطيعون منهم ثوابه، ~~والعاصون يؤخذون بذنوبهم وجريمتهم، فأمر بإقامة الحدود، والقيام بالقسط، ~~والأخذ فوق يد الغشوم، فأنزل بذلك الكتب، وبعث به الرسل، وضرب فيه الأمثال، ~~وأحل الحلال، وحرم الحرام، وعرف الحدود والأحكام، ومدح الأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر، وذم الآمرين بالمنكر والناهين عن المعروف في غير آية من ~~كتابه المفصل، على لسان نبيه المرسل _صلى الله عليه وسلم_، وقد قال عز وجل: ~~(لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس ~~بالقسط) (¬1) وقال: (يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ~~ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين) (¬2) ، وقال: (يا أيها الرسول بلغ ~~ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته) (¬3) ، وقال: (كنتم خير ~~أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله) (¬4) ~~وقال: (فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم ~~إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون) (¬5) ، وقال: (يا داود إنا جعلناك خليفة في ~~الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى) (¬6) ، وقال: (خصمان بغى ~~بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق ms337 ولا تشطط واهدنا إلى سواء الصراط) (¬7) ، # ¬__________ # (¬1) سورة الحديد آية رقم 25. # (¬2) سورة النساء آية رقم 135. # (¬3) سورة المائدة آية رقم 67. # (¬4) سورة آل عمران آية رقم 110. # (¬5) سورة التوبة آية رقم 123. # (¬6) سورة ص آية رقم 26. # (¬7) سورة ص آية رقم 22.. PageV02P234 # وقال: (وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا) (¬1) ، وقال: (لولا ينهاهم ~~الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم، وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يصنعون) ~~(¬2) ، وقال: (كتب عليكم القصاص في القتلى) (¬3) ، وقال: (ولكم في القصاص ~~حياة يا أولي الألباب) (¬4) ، وقال: (ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه ~~سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا) (¬5) ، وقال: (الزانية والزاني ~~فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة) (¬6) ، وقال: (والذين يرمون المحصنات ثم ~~لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة) (¬7) ، وقال: (والسارق ~~والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسب نكالا من الله) (¬8) ، وقال: (إنما ~~جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا ~~أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض) (¬9) ، وقال: (وقاتلوا ~~المشركين كافة) (¬10) ، وقال: (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم ~~الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا ~~الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) (¬11) . # ¬__________ # (¬1) سورة السجدة آية رقم 24. # (¬2) سورة المائدة آية رقم 63. # (¬3) سورة البقرة آية رقم 178. # (¬4) سورة البقرة آية رقم 179. # (¬5) سورة الإسراء آية رقم 33. # (¬6) سورة النور آية رقم 7. # (¬7) سورة النور آية رقم 4. # (¬8) سورة المائدة آية رقم 38. # (¬9) سورة المائدة آية رقم 33. # (¬10) سورة التوبة آية رقم 36. # (¬11) سورة التوبة آية رقم 29. PageV02P235 # في آي كثير من كتاب الله عز وجل يأمر فيها بإقامة الأمر بالمعروف، والنهي ~~عن المنكر بحدوده التي عرفها في كتابه عز وجل، على لسان نبيه _صلى الله ~~عليه وسلم_، ولو لم يأمر الله عباده بحسن نظره لهم بالأمر بالمعروف والنهي ~~عن المنكر لم يكن للحق قوام، ولا للإسلام نظام، وكان الشيطان وأولياؤه هم ~~الغالبون على عباد الله وبلاده، ولكن الله بتفضيله ورأفته ورحمته بين ~~الحدود والأحكام والقصاص، وشرع الدين، وبعث محمدا _صلى الله عليه وسلم_ ~~بالأمر بالمعروف ms338 والنهي عن المنكر (ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون) ~~(¬1) فقام رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ بأمر الله (وداعيا إلى الله ~~بإذنه وسراجا منيرا) (¬2) آخذا فوق يد الظالم، مانعا للغشوم، لئلا يظهر ~~الفساد في بلاد الله بين عباده، وقد قال الله عز وجل: (والله لا يحب ~~الفساد) (¬3) ، وقال: (والله لا يحب المفسدين) (¬4) ، # ¬__________ # (¬1) سورة التوبة آية رقم 33. # (¬2) سورة الأحزاب آية رقم 46. # (¬3) سورة البقرة آية رقم 205. # (¬4) سورة المائدة آية رقم 64.. PageV02P236 # فلم يزل ذلك من فعل رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ قائما بدين الله، ~~مانعا لأهل الباطل عن الفساد في بلاد الله وعباده ودينه حتى قبضه الله إليه ~~وهو عنه راض، والأمة راضية، وحاش الله أن يكون يأخذ رسوله على غرة من أمره، ~~فيدع خلقه في شبهة من دينه، بل قد أقام الله تعالى رسوله عليه السلام بين ~~أظهرهم حتى وسم لهم معالم دينهم الذي ارتضاه لهم، وحتى أوصى كبيرهم ~~بصغيرهم، وقويهم بضعيفهم، ومالكهم بمملوكهم، ثم قبضه الله _صلوات الله عليه ~~ورحمته وبركاته_ فخلف فيهم خليفة ليقوم لأمته من بعده بالقسط فيما بينهم، ~~متبعا لسنته، مقتفيا لأثره، فلم يأل للإسلام نصحا، ولا لدين الله نصرا، ~~ولذلك أمره رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ لما ضعف عن الصلاة بالمسلمين أن ~~يقوم لهم مقامه الذي لا يقوم فيه أحد غيره، فقال: مروا أبا بكر فليصل ~~بالناس، فقال بعض أزواجه: يا رسول الله إن أبا بكر رقيق، ضعيف الصوت، كثير ~~البكاء إذا قرأ القرآن وقام في مقامك، فقال عليه السلام: مروا أبا بكر ~~فليصل بالناس، ثم أعيد عليه _صلى الله عليه وسلم_ بمثل المقالة الأولى في ~~أبي بكر، حتى قال عليه السلام: إنكن صواحب يوسف فمروا أبا بكر فليصل بالناس (¬1) . # ¬__________ # (¬1) الحديث رواه الإمام البخاري في كتاب الأنبياء 19، باب 3384، عن سعد ~~بن إبراهيم قال: سمعت عروة بن الزبير عن عائشة _رضي الله عنها_ أن النبي ~~_صلى الله عليه وسلم_ قال لها: وذكره. # ورواه الترمذي في كتاب المناقب 3672 بسنده عن هشام بن عروة ms339 عن أبيه عن ~~عائشة أن النبي _صلى الله عليه وسلم_ قال وذكره، وفيه زيادة. وقال الترمذي: ~~هذا حديث حسن صحيح. # ورواه صاحب الموطأ في كتاب قصر الصلاة في السفر 24 باب جامع الصلاة 83، ~~وحدثني عن مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة زوج النبي _صلى الله عليه ~~وسلم_ وذكره. # وأخرجه الدارمي في المقدمة 14، وأحمد بن حنبل في المسند 6: 96، 109 ~~(حلبي). PageV02P237 # وحدث جماعة من أهل النقل أن عمر قام بذاك مصليا بالناس وكان أبو بكر ~~غائبا، فلما كبر وسمع رسول الله صلى عليه وسلم صوته فقال عليه السلام أين ~~أبو بكر يأبى الله ذلك و المسلمون، يأبى الله ذلك والمسلمون، يأبى الله ذلك ~~والمسلمون (¬1) ، # ¬__________ # (¬1) الحديث رواه ابن سعد في طبقاته 2: 220، أخبرنا محمد بن عمر حدثني ~~محمد بن عبد الله عن الزهري عن عبد الملك بن أبي بكر عن عبد الرحمن عن أبيه ~~عن عبد الله بن زمعة بن الأسود قال: عدت رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ في ~~مرضه الذي توفي فيه، فجاءه بلال يؤذنه بالصلاة، فقال لي رسول الله _صلى ~~الله عليه وسلم_ مر الناس فليصلوا. قال عبد الله: فخرجت فلقيت ناسا لا ~~أكلمهم، فلما لقيت عمر بن الخطاب لم أبغ من وراءه، وكان أبو بكر غائبا فقلت ~~له: صل بالناس يا عمر، فقام عمر في المقام، وكان عمر رجلا مجهرا، فلما كبر ~~سمع رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ صوته فقال عليه السلام وذكره. # وأخرجه مرة ثانية: حدثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي سبرة عن محمد بن عبد ~~الله بن أبي صعصعة عن أبيه عن أبي سعيد الخدري قال: وذكره. PageV02P238 # فبعث إلى أبي بكر فجأة بعد أن صلى عمر تلك الصلاة فصلى بالناس، فقال عمر: ~~والله ما رأيت حين قيل لي: صل بالناس إلا أن ذلك من رسول الله _صلى الله ~~عليه سلم_، فلولا ذلك ما صليت بالناس، وقال الله عز وجل: (وما أتاكم الرسول ~~فخذوه وما نهاكم فانتهوا) (¬1) ، وقد أخذ عن رسول الله ms340 _صلى الله عليه ~~وسلم_ أنه قال: (عمود الدين الصلاة) (¬2) ، فلما أن ولاه _صلى الله عليه ~~وسلم_ الأمر الذي هو العمود عرف المسلمون أن ما سوى العمود محمول على ~~العمود، فلذلك اجتمعوا على بيعة أبي بكر، وقد رأوا من صنيع رسول الله _صلى ~~الله عليه وسلم_ ومن قوله: يأبى الله ذلك والمسلمون، وقد علم صلى الله عليه ~~وسلم أنهم لا يجتمعون على خطأ، وقد قال ذلك في غير ما رواية: "لن تجتمع ~~أمتي على ضلال" (¬3) ، # ¬__________ # (¬1) سورة الحشر آية رقم 7. # (¬2) سبق تخريج هذا الحديث، وراجع الترمذي كتاب الإيمان، 8 باب ما جاء في ~~حرمة الصلاة 2616، وأحمد بن حنبل في المسند 5: 231 (حلبي). # (¬3) الحديث رواه ابن ماجه في كتاب الفتن 3950 بسنده، ثنا الوليد بن ~~مسلم، ثنا معان بن رفاعة السلامي، حدثني أبو خلف الأعمى قال: سمعت أنس بن ~~مالك يقول: سمعت رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ يقول: وذكره. # في الزوائد: في إسناده أبو خلف الأعجمي، واسمه حازم بن عطاء وهو ضعيف، ~~وقد جاء الحديث بطرق في كلها نظر. قاله الشيخ الحافظ العراقي في تخريج ~~أحاديث البيضاوي. PageV02P239 # وقد قال الله عز وجل: (ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه ~~الذين يستنبطونه منهم) (¬1) وقال: (يا أيها الذين ءامنوا أطيعوا الله، ~~وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) (¬2) ، فبأي بيان أبين بيانا، وأي دلالة ~~وأوضع دلالة مما ذكرنا على خلافة الصديق رضي الله عنه، وإثبات إمامته، قال ~~الله عز وجل: (قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد ~~تقاتلونهم أو يسلمون فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا، وإن تتلوا كما ~~توليتم من قبل يعذبكم عذابا أليما) (¬3) . اتفق العلماء على أنهم بنو حنيفة (¬4) ، # ¬__________ # (¬1) سورة النساء آية رقم 83. # (¬2) سورة النساء آية رقم 59. # (¬3) سورة الفتح آية رقم 16. # (¬4) قال العلماء في ذلك ستة أقوال: # _ أحدها: أنهم فارس، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال عطاء بن أبي ~~رباح وعطاء الخراساني، وابن أبي ليلى، وابن جريج. # _ الثاني: فارس والروم، قاله الحسن، ms341 ورواه ابن أبي نجيح عن مجاهد. # _ الثالث: أنهم أهل الأوثان، رواه ليث عن مجاهد. # _ الرابع: أنهم الروم، قاله كعب. # _ الخامس: أنهم هوازن وغطفان وذلك يوم حنين، قاله سعيد بن جبير. # _ السادس: بنو حنيفة يوم اليمامة، وهم أصحاب مسيلمة الكذاب، قاله الزهري، ~~وابن السائب ومقاتل. راجع زاد المسير 7: 431. PageV02P240 # وأن الداعي إلى قتالهم الصديق _رضي الله عنه_، فدل بقوله: (فإن تطيعوا ~~يأتكم الله أجرا حسنا) على وجوب طاعة الداعي لهم إن تولوا عن طاعة الداعي ~~عذبوا عذابا أليما. فإن قال قائل: لعل الداعي للمخلفين من الأعراب كان رسول ~~الله _صلى الله عليه وسلم_، قيل له: فأين قول الله لنبيه عليه السلام: (فقل ~~لن تخرجوا معي أبد ولن تقاتلوا معي عدوا) (¬1) ، وقوله: (سيقول المخلفون ~~إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها ذرونا نتبعكم يريدون أن يبدلوا كلام الله ~~قل لن تتبعونا كذلكم قال الله من قبل) (¬2) ، ثم قال على إثر هذا: (قل ~~للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد) (¬3) الآية، وهذا مما ~~لا يقدر محرف على أن يتأول فيه بغير ما قلنا إن شاء الله. # ¬__________ # (¬1) سورة التوبة آية رقم 83. # (¬2) سورة الفتح آية رقم 15. # (¬3) سورة الفتح آية رقم 16. PageV02P241 # ويقال للزيدية في قولهم بالأولى: أخبرونا عن الأمة هل كانت عندكم مجتمعة ~~على الجهالة الأولى؟ قالوا: لم تكن الأمة لتجهل ذلك، وإنما فعلوا ما فعلوا ~~لتسليم علي لأبي بكر في حقه، ولذي الحق أن يدع حقه إذا شاء عند جميع الناس، ~~قيل لهم: ومن أين ساغ لكم أن عليا أولى بالإمامة، وأن حقه فيها دون غيره ~~ثابت، وأنتم في ذلك مصوبون للأمة ما فعلت، وليسوا عندكم فيه بمخطئين؟ ~~فقالوا: من قبل ما اجتمع في علي من الخلال ولم تجتمع لغيره، قيل لهم: فعن ~~نفس أجبتم سئلتم، فمتى اجتمع لعلي من ذلك الذي زعمتم ما لم يجتمع لغيره، ~~وعلي يقول: أفضل هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر، أو كنتم تخطئون الأمة ~~فيما فعلوا من تولية الصديق، وتستجهلونهم على مثل مقالة ms342 الروافض، وإلا فليس ~~لكم بين المقالتين مقالة، إما أن تعتمدوا على مقالة الروافض بأن الأمة قد ~~كفرت وارتدت بعد نبيها، وارتد معها علي حين سلم الخلافة لأبي بكر، أو ~~تقولوا بالذي قال به جماعة المسلمين بأن الأمة مصيبة في تولية الصديق غير ~~مخطئة، وإن الصديق أولى بالإمامة من سائر المسلمين، وليس بين هذين المذهبين ~~مذهب يتوهمه متوهم، أو يعتقد عليه معتقد، ويدخل عليهم في خلافة عمر _رضي ~~الله عنه_ ومن بعده ما أدخلناه عليهم في خلافة الصديق، ولم يخف عن أحد من ~~أهل العلم ما قد فعل عمر _رضي الله عنه_ في أهل الشورى (¬1) لما طعن، ~~ومقالته في أبي عبيدة (¬2) # ¬__________ # (¬1) أهل الشورى هم: " عثمان، وعلي، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن ~~عوف، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام". # (¬2) هو عامر بن عبد الله بن الجراح بن هلال الفهري القرشي، الأمير ~~القائد، فاتح الديار الشامية، والصحابي، وأحد العشرة المبشرين بالجنة. قال ~~ابن عساكر: داهيتا قريش أبو بكر وأبو عبيدة، وكان لقبة أمين الأمة، ولد ~~بمكة عام 40 ق..ه، وهو من السابقين إلى الإسلام، وشهد المشاهد كلها، وولاه ~~عمر قيادة الجيش الزاحف إلى الشام بعد خالد بن الوليد، توفي بطاعون عمواسي، ~~ودفن في غور بيسان عام 18 ق.ه، له في كتب الحديث 14 حديثا، كان خفيف ~~العارضين، أثرم الثنيتين (انتزع بأسنانه نصلا من جبهة النبي _صلى الله عليه ~~وسلم_ يوم أحد فهتم). وفي الحديث: لكل نبي أمين وأميني أبو عبيدة بن ~~الجراح. راجع طبقات ابن سعد، والإصابة، وحلية 1: 100، والبدء والتاريخ 5: ~~87، وصفة الصفوة 1: 142، وتاريخ الخميس 2: 244. # والكلمة التي قالها عمر: "لو كان أبو عبيدة حيا استخلفته، ولو كان سالم ~~مولى أبو حذيفة حيا لاستخلفته". PageV02P242 # لما طعن، وما كان من فعل عبد الرحمن (¬1) وغيره من المسلمين بعدما قضى ~~عمر رحمة الله عليه. وقد علم جميع الناس من الوافر والناقص أن عليا قد كان ~~مبايعا لكل من تولى من الأئمة، ولا ينكر ذلك إلا مباهت متجاحد، وفي هذا حجج ~~كثيرة معروفة تركناها لما ms343 نبهت عليها، وإنما هذا من الرموز على الزيدية ~~خاصة؛ لأنهم يتعاطون المناظرة، ومضاهاة الإباضية في مذاهبهم، فلست أعلم لهم ~~خلافا إلا في ثلاثة أمور: قولهم في الإمامة بالأولى، مع تركهم التخطئة لكل ~~من ولي، ثم تجويزهم لعلي تحكيم الحكمين، وقولهم بتشريك أهل التأويل ممن ~~يزعم أن الله يرى يوم القيامة، على مقالة طائفة من الإباضية في التشريك، ~~ولا غنى عن تلويحات في ذلك عند خاتمة الكتاب إن شاء الله. وليست البغية منا ~~لغير الزيدية من غالية الرافضة المتظاهرة على خلاف كتاب الله، المعلنة ~~للفرية على الله، لما جاوزت مذاهبهم نص كل كتاب، وفاقت بدعتهم رد كل سنة، ~~وعدت ضلالهم كل إجماع، فلذلك نكبت عن ذكر مقالتهم في كل باب جانبا، وتجافيت ~~عن الرد عليهم لما كانوا هكذا، وسموا رافضة لرفضهم زيد بن علي ابن الحسين ~~بن علي بن أبي طالب (¬2) ، # ¬__________ # (¬1) هو عبد الرحمن بن عوف بن عبد الحارث أبو محمد الزهري القرشي، صحابي ~~من أكابرهم، وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة، وأحد الستة أصحاب الشورى ~~الذين جعل عمر الخلافة فيهم، وأحد السابقين إلى الإسلام، اسمه في الجاهلية ~~عبد الكعبة أو عبد عمرو، وسماه رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ عبد الرحمن، ~~ولد عام 44 ق.ه بعد الفيل بعشر سنوات، وأسلم وشهد بدرا وأحدا والمشاهد ~~كلها، وأعتق في يوم واحد ثلاثين عبدا، وكان يحترف التجارة، له 65 حديثا، ~~ووفاته بالمدينة عام 32 ه. راجع صفة الصفوة 1: 135، وحلية الأولياء 1: 98، ~~وتاريخ الخميس 2: 257، والبدء والتاريخ 5: 86. # (¬2) هو علي بن أبي طالب بن عبد المطلب، ولد عام 23ق.ه، وتوفي عام ~~40ه..راجع ابن الأثير حوادث سنة 40، والطبري 6: 83، والبدء والتاريخ 5: 73، ~~وصفة الصفوة 1: 118، واليعقوبي 2: 154، ومقاتل الطالبيين 14. PageV02P243 # وقيل للشيعة زيدية ورافضة. # وأما الذي قالت به النجدات (¬1) من الخوارج بأن الناس لا يحتاجون إلى ~~إمام، وإنما عليهم أن يقيموا كتاب الله فيما بينهم فليس ذلك من قولهم بشيء، ~~ولو جامعهم عليه ناس من الإباضية لما كان الذي ذهبوا إليه من ذلك داعيا إلى ~~السائبة في دين الله، والتعطيل لحدود الله، وتضييع ms344 الأمر بالمعروف والنهي ~~عن المنكر، وقد فرض الله عز وجل أن يؤمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وأن ~~تقام حدود الله على ما بينها في كتابه وفصلها، كما قدمنا ذكر ذلك في أول ~~هذا الباب. واجتمعت الأمة أن هذه الحدود مع وجوبها لا تقام ولا توجد إلا ~~بالأئمة وولاتهم، وفي إبطال الإمامة وإزالة فرضها إبطال إقامة الحدود (¬2) # ¬__________ # (¬1) هم أتباع نجدة بن عامر الحنفي، وافترقوا ثلاث فرق: فرقة صارت مع ~~عطية بن الأسود الحنفي، وفرقة صارت مع أبي فديك خربا على نجدة، وهم الذين ~~قتلوا نجدة، وفرقة عذروا نجدة في أحداثه وأقاموا على إمامته. ومن ضلالات ~~نجدة أنه أسقط حد الخمر، ومنها أيضا أنه قال: من نظر نظرة صغيرة، أو كذب ~~كذبة صغيرة فهو مشرك، إلى غير ذلك. راجع الفرق بين الفرق 87، ومقالات ~~الإسلاميين 1: 162، والتبصير ص 30، والملل والنحل للشهرستاني 1: 122، وخطط ~~المقريزي 2: 354. # (¬2) الحد: الحاجز بين الشيئين الذي يمنع اختلاط أحدهم بالآخر، يقال: ~~حددت كذا جعلت له حدا يميزه. والحدود جاءت في القرآن على سبعة أوجه: الأول ~~حد الاعتكاف لإخلاص العبادة، قال تعالى: (وأنتم عاكفون في المساجد تلك حدود ~~الله) البقرة آية 187. الثاني: حد الخلع لبيان الفدية، قال تعالى: (فيما ~~افتدت به تلك حدود الله) سورة البقرة آية 229. الثالث: حد الطلاق لبيان ~~الرجعة (وتلك حدود الله يبينها لقوم يعلمون) سورة البقرة آية 230. الرابع: ~~حد العدة لمنع الضرار وبيان المدة. الخامس حد الميزان لبيان القسمة، قال ~~تعالى: (ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده) سورة النساء آية 14..السادس: حد ~~الظهار لبيان الكفارة، قال تعالى: (فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا) إلى ~~قوله: (وتلك حدود الله) سورة المجادلة آية 4. السابع: حد الطلاق لبيان مدة ~~العدة، قال تعالى: (لا تخرجوهن من بيوتهن) إلى قوله (وتلك حدود الله) سورة ~~الطلاق آية 1. PageV02P244 # والأحكام، وإزالة فرضها على المسلمين، والقول بإضاعتها، فبأي حجة أزيلت ~~الحدود عمن استحقها من السراق والزناة والقذفة بعد إيجاب الله إياها عليهم؟ ~~فلما كان من إجماعهم ما وصفنا ثبت أن عقد الإمامة على المسلمين فرض واجب ~~وحق ms345 لازم، ولما كانت الفروض التي ذكرناها منوطة بالإمامة ألا تقام إلا ~~معها، فكل ما كان من الفرض لا يتم إلا به فهو فرض مثله، والأمة لا تجتمع ~~على شيء ثم تختلف فيه. PageV02P245 # وبعد فكيف يتكلف المسلمون بعد نبي الله عليه السلام من أمر الإمامة ما قد ~~تكلفوا، وهي عندهم ليست من الواجب، وفي الذي ذكرنا من خلافة أبي بكر على ~~لسان رسول الله _صلى الله عليه وسلم_، وسمي بذلك خليفة رسول الله، وما جدد ~~له المسلمون منه فساد ما ذهب إليه من زعم أن الإمامة ليست بواجبة، مع ما ~~كان من استخلاف أبي بكر لعمر رضي الله عنهما، وإن عمر لما احتضر جعلها شورى ~~بين رهط (¬1) ستة، وأوصى بأنهم إذا اجتمعوا على شيء من أمر الإمامة فخالفهم ~~فيه مخالف أن يقتلوا مخالفهم، فكيف يكون عمر _رضي الله عنه_ في علمه بالله ~~وبدينه يأمر بأن تهرق دماء المسلمين على أمر يستوي تركه وفعله؟ ومثل هذا من ~~قول عمر _رضي الله عنه_ يحفظ عن مسلم ابن أبي كريمة أبي عبيدة (¬2) # ¬__________ # (¬1) سبق الحديث عنهم، ويراجع في ذلك طبقات ابن سعد، فقد ذكر فيه طعن أبو ~~لؤلؤة عمر بن الخطاب _رضي الله عنه_، وكيف أنه دعا ستة نفر وجعلهم مجلس ~~الشورى لاختيار الخليفة من بعده، ثم أمر صهيبا أن يصلي بالناس. طبقات ابن ~~سعد 3: 340. # (¬2) هو مسلم بن أبي كريمة التميمي بالولاء البصري، أبو عبيدة: فقيه من ~~علماء الإباضية، أخذ المذهب عن جابر بن زيد، ثم صار مرجعا فيه تشد إليه ~~الرحال، وكان أعور، ويقال له القفاف. وكان يحرض على الخروج، وذكر شخصا ~~فقال: إن أراد الدين كما يزعم فليلحق بصاحبنا بحضرموت عبد الله بن يحيى ~~فليقاتل بين يديه حتى يموت، وقيل له: ما يمنعك من الخروج، ولو خرجت ما تخلف ~~عنك أحد..؟ فقال: ما أحب ذلك، ولو أني فعلت ما أحببت أن أقيم بين الظهر ~~والعصر مخافة الأحكام. توفي عام 145ه، وله رسالة تسمى (الزكاة)، ط/وزارة ~~التراث القومي والثقافة بعمان. راجع سلم العامة ms346 والمبتدئين 6، وحاشية ~~الجامع الصحيح للسالمي 1: 6، والسير للشماخي 83، ولسان الميزان 6: ~~32..ويقول محمد علي دبوز في كتابه المغرب الكبير 3: 150 153: كان أبو ~~عبيدة زنجيا أسود اللون، أعور فقيرا، وكان يقتات بعمل السعف يصنع منه قفافا ~~فلقب بالقفاف، ولكنه كان سيد البيض بعلمه وعقله وفقهه. هامش كتاب إزالة ~~الوعثاء عن أتباع أبي الشعثاء، ص33. PageV02P246 # _رحمة الله عليه_ أنه قال في شأن الإمامة للرهط الناهضين من عنده إلى جهة ~~المغرب إذا رأوا أنهم يقدرون على أمور الإمامة أن يولوا أحدهم، فإن هو ~~استعصى عليهم وامتنع أمرهم أبو عبيدة بأن يقتلوه، ومثل هذه من الآثار ~~محفوظة عند أصحابنا، موجودة في أيديهم يأثرونها كابر عن كابر، فيها سادوا ~~من سواهم من طوائف الإباضية وغلبوهم، والحمد لله على ذلك كثيرا. PageV02P247 # فإن سأل سائل فقال: ما حد ما به تجب الإمامة عندكم؟ وما المقدار الذي إذا ~~هو استجمع للمسلمين كان واجبا عليهم أن يولوا؟ قيل له: إذا كان المسلمون ~~ذوي عدة وقوة في المال والعلم بدين الله، وإقامة أمره وحدوده، مكتفون بما ~~معهم من المال والعلم لما يأتي عليهم من حوادث الأمور، ويغشاهم من متشابه ~~النوازل، وصاروا مع ذلك بالعدة في النصف لمن يليهم من أعدائهم الذين يتقون ~~شوكتهم كان الواجب عليهم أن يختاروا من أفاضلهم إماما يقيم لهم شأن دينهم ~~الذي افترضه الله عليهم، ويعدل بينهم في الحكومة، ويقسم بينهم بالسوية، لا ~~يألوا الله نصحا، ولا لدينه نصرا، متبعا لآثار السلف، مقتفيا لأعلام الخلف، ~~فإذا كان الإمام بما وصفنا من هذه الحال كان الواجب على المسلمين كافة من ~~حاضرهم وباديهم، وقريبهم وبعيدهم أن يؤدوا له حقوقه التي جعلها الله لأئمة ~~المسلمين على عامتهم، من الولاية له والنصر، والإجابة في كل ما دعا إليه من ~~أمر الله، فمن تخلف منهم عن إجابة دعوته، أو ضيع من واجب حقه، أو تهاون ~~بشيء من طاعته كان عاصيا لله مخالفا لأمره، قال الله عز وجل: (أطيعوا الله ~~وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) (¬1) فقرن طاعة الأئمة بطاعته عز وجل، ~~وبطاعة رسول الله ms347 _صلى الله عليه وسلم_، ثم قال: (فليحذر الذين يخالفون عن ~~أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم) (¬2) ، فإن قال: أرأيت إذا كان ~~المسلمون بالحال التي وصفت من العدد والعدة وغيرهما من الشروط التي عددت ~~كلها، ثم هم لم يفعلوا ما ذكرت من عقد الإمامة، قيل له: فإذن كانوا يكونون ~~مميتين لدين الله، مذلين له، وهم قادرون على إعزازه، راضين بالدنية لأنفسهم ~~في دينهم، ولن يرضى الله بأن يميتوا دينه مع القدرة منهم على إحيائه، قال ~~الله عز وجل: (فاتقوا الله ما استطعتم) (¬3) # ¬__________ # (¬1) سورة النساء آية رقم 59. # (¬2) سورة النور آية رقم 63. # (¬3) سورة التغابن آية رقم 16.. PageV02P248 # وهؤلاء قد تركوا أن يتقوا الله مع أنهم قد استطاعوا. فإن قال: أرأيت إن ~~كان المسلمون بحال دون الحال التي وصفت من القوة، مع أنهم على ذلك تكلفوا ~~أمر الإمامة فعقدوها؟ هل كانوا يكونون مطيعين لله في فعلهم لذلك أم لا؟ قيل ~~له: كان يكون المسلمون حينئذ مطيعين بفعل ما لم يجب عليهم ولم يلزمهم، قال ~~الله عز وجل: (فمن تطوع خيرا فهو خير له) (¬1) غير أن وجوب الإمامة إنما ~~يلزمهم بالذي وصفنا من حال القوة في العدة والعدد والمال والعلم، قال الله ~~عز وجل: (يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال إن يكن منكم عشرون صابرون ~~يغلبوا مائتين) (¬2) الآية، وهذا عند العلماء في صدر الإسلام، والمسلمون إذ ~~ذاك في عدة قليلة، فلما أن فتح الله على رسوله، وأظهره الله على دينه نقلهم ~~إلى الرخصة والتخفيف، وقال: (الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن ~~منكم مئة صابرة يغلبوا مائتين) (¬3) الآية، فإذا كان المسلمون لم يبلغوا من ~~عدد عدوهم في النصف، وليست لهم مقدرة بأمر الإمامة كان أحب الأمور إلى ~~العلماء وأولاها أن يقيم المسلمون على ما هم عليه من حال الكتمان، فكان ذلك ~~واسعا لهم، إلا أن يجعلوها حال الشراء، والشراء من أحب الأمور إلى الله عز ~~وجل وإلى المسلمين إن لم يكونوا يقدرون على الظهور والدولة، وهي أقرب ~~المسالك إلى ms348 الظهور، غير أن علماءنا لم يجعلوا حال الشراء في الوجوب والفرض ~~كحال الظهور والدولة، فمن شاء فليشر نفسه ابتغاء مرضاة الله، ومن شاء أقدم ~~مكتتما بين ظهراني قومه. # ¬__________ # (¬1) سورة البقرة آية رقم 184. # (¬2) سورة الأنفال آية رقم 65. # (¬3) سورة الأنفال آية رقم 66، وفقد جاءت الآية محرفة في المطبوعة، حيث ~~جاءت (تكن) بدلا من (يكن). PageV02P249 # هذه سيرة المسلمين لم ينقسم فيها خارجهم من مقيمهم، ولا مقيمهم من ~~خارجهم، وليس الأمر في ذلك على ما ذهبت إليه غالية الخوارج أن المسلمين لا ~~تسعهم الإقامة مع الجبابرة في الكتمان، مقدرين أو غير مقدرين، قال الله عز ~~وجل: (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) (¬1) ، وقد أقام رسول الله _صلى الله ~~عليه وسلم_ برهة من الزمان بمكة بعدما نزل عليه الوحي مكتتما غير ظاهر. # باب النقض على المعتزلة: # ¬__________ # (¬1) سورة البقرة آية رقم 286. PageV02P250 # قالت المعتزلة بتحريم دم عثمان (¬1) ودم أهل الدار، وأنها دم سفكت عندهم ~~حراما على ظلم وعدوان، ثم قالوا في حرب طلحة (¬2) والزبير (¬3) في أهل ~~البصرة: إن حربهما لعلي كان خطأ، على أن طلحة والزبير وأهل البصرة إنما ~~قاموا وحاربوا على الطلب بدم عثمان، وزعموا أن فعلهما في الحرب وسفكهما ~~الدماء الحرام كان خطأ بتأويل دون فسق، وليس عندهم كبيرة، مع أن المعتزلة ~~ممن يثبت الوعيد ويقول به في أهل الملة، وإن سفك الدماء الحرام عندهم من ~~الكبائر لقول الله عز وجل: (ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها ~~وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما) (¬4) ، وزعموا أنها عامة في كل ~~القاتلين ماخلا ما كان من طلحة والزبير من فعلهما، ثم قالوا في حرب معاوية ~~بن أبي سفيان (¬5) # ¬__________ # (¬1) هو عثمان بن عفان بن أبي العاص، أمير المؤمنين، ذو النورين، ثالث ~~الخلفاء الراشدين. ولد عام 47 ق.ه وتوفي عام 35 ه. راجع ابن الأثير: حوادث ~~سنة 35، وغاية النهاية 1: 507، وشرح نهج البلاغة 2: 61، واليعقوبي 2: 239، ~~وحلية الأولياء 1: 551. # (¬2) هو طلحة بن عبيد الله بن عثمان أبو محمد، صحابي شجاع من الأجواد، ~~وهو أحد العشرة المبشرين، وأحد ms349 الستة أصحاب الشورى، وأحد الثمانية السابقين ~~إلى الإسلام. ولد عام 28 ق.ه وتوفي عام 36ه. راجع ابن سعد 3: 152، وتهذيب ~~التهذيب 5: 20. والبدء والتاريخ 5: 83، والجمع بين رجال الصحيحين 230، ~~وتهذيب ابن عساكر 7: 71. # (¬3) هو الزبير بن العوام بن خويلد الأسدي أبو عبد الله، الصحابي الشجاع، ~~أحد العشرة المبشرين بالجنة، وأول من سل سيفه في الإسلام، وهو ابن عمة ~~الرسول _صلى الله عليه وسلم_. ولد عام 38 ق.ه، وتوفي عام 36ه. # (¬4) سورة النساء آية رقم 93. # (¬5) هو معاوية بن أبي سفيان، صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس، مؤسس ~~الدولة الأموية في الشام. ولد بمكة 20 ق.ه، وتعلم الكتابة والحساب، تولى ~~الخلافة سنة 41 ه، مات في دمشق عام 60 ه..له 130 حديثا، اتفق البخاري ومسلم ~~على أربعة منها، وانفرد البخاري بأربعة، ومسلم بخمسة. راجع ابن الأثير 4: ~~2، والطبري 6: 18، ومنهاج السنة 2: 201 226، واليعقوبي 2: 192، والخميس 2: ~~291 296. PageV02P251 # وأهل الشام وقتالهم عليا: إن ذلك من معاوية وأهل الشام كان ظلما وعدوانا، ~~وفسقا وضلالا، والوعيد من الله لهم عليه واجب، على أنهم طالبون دم عثمان ~~الذي هو مقتول عند المعتزلة، وهو مظلوم. تأملوا هذه الأربعة الأقاويل من ~~المعتزلة فإن في تأملها والكشف عن عوارها قناعة عن الرد عليهم وكفاية، ومع ~~هذا كله يقال لهم في دم عثمان: أخبرونا عن قتلة عثمان؟ أليسوا عندكم ظالمين ~~معتدين، فمن قولهم: بلى يقال لهم: فما تقولون في بيعة المسلمين لعلي بن أبي ~~طالب بعد مقتل عثمان؟ أليس هي عندكم بيعة حق، وإمامة صدق؟ فمن قولهم: بلى ~~قيل لهم: فكيف بايع المسلمون عليا، وهو قد آوى قتلة عثمان ولم يقدهم ~~بعثمان؟ وعثمان قتل مظلوما عند المسلمين في زعمكم، والمشهور عن محمد بن أبي ~~(¬1) بكر أنه القاتل والأشتر (¬2) # ¬__________ # (¬1) هو محمد بن أبي بكر الصديق، أمه أسماء بنت عميس الخثعمية، ولد عام ~~حجة الوداع، ثم كان في حجر علي بن أبي طالب إذ تزوج أمه أسماء، وكانت على ~~الرحالة يوم الجمل، وشهد معه صفين، ثم ولاه مصر فقتل بها، قتله معاوية بن ~~خديج صبرا، وذلك في ms350 سنة 38 ه، وكان ممن حضر قتل عثمان، وقيل إنه شارك في ~~دمه، وقيل لما قال له عثمان: لو رآك أبوك لم يرض منك هذا المقام خرج عنه ~~وتركه، ثم دخل عليه من قتله. راجع الاستيعاب في معرفة الأصحاب 3: 1366 1367. # (¬2) هو مالك بن الحارث بن عبد يغوث النخعي المعروف بالأشتر، أمير من ~~كبار الشجعان، كان رئيس قومه، أدرك الجاهلية، وأول ما عرف عنه أنه حضر خطبة ~~عمر في الجابية، وسكن الكوفة، وشهد اليرموك وذهبت عينه فيها، وكان ممن ألب ~~على عثمان وحضر حصره في المدينة، وشهد موقعة الجمل وأيام صفين مع علي، ~~وولاه على مصر فقصدها فمات في الطريق عام 37 ه. راجع الإصابة ت 8343، ~~والتبريزي 1: 75، ودائرة المعارف الإسلامية 2: 210.. PageV02P252 # وجماعتهم، وكان هؤلاء من أخص الناس بعلي، أرأيتم من آوى أبا لؤلؤة قاتل ~~عمر _رضي الله عنه_ أليس كان يكون من آواه من أفسق الفساق، وأعظمهم فجورا؟ ~~وكيف يكون من فعل ذلك واليا على المسلمين وإماما لهم في دينهم؟ ففي الذي ~~ذكرنا من بيعة المسلمين لعلي وهو قد آوى قتلة عثمان وضمهم دلالة واضحة أن ~~عليا كان ممن رضي بقتل عثمان، وسفك دمه، مع ما اشتهر من قول علي: (من كان ~~سائلا عن دم عثمان فإن الله قتله وأنا معه) (¬1) فإن قال قائل: إنما أراد ~~علي بقوله: إن الله قتل عثمان وإنه سيقتله هو، وروي ذلك عن محمد بن سيرين (¬2) # ¬__________ # (¬1) يقول ابن السيد البطليوسي (ت 521 ه): إن الله قتله وسيقتلني معه، ~~وقال: إن الخوارج تأولته على أنه عطف على الضمير الفاعلي في قوله قتلته، ~~ويرى أن الضمير المعطوف عليه هو الضمير المفعول في قوله قتله لا الفاعل. ~~راجع كتاب الإنصاف في التنبيه على الأسباب التي أوجبت الاختلاف بين ~~المسلمين وآرائهم ص 24. # (¬2) هو محمد بن سيرين البصري الأنصاري أبو بكر: إمام وقته في علوم الدين ~~بالبصرة، تابعي من أشراف الكتاب، مولده في البصرة عام 33ه 653 م ووفاته بها ~~عام 110 ه 729 م، نشأ بزازا، في أذنه صمم، وتفقه ms351 وروى الحديث واشتهر بالورع ~~وتعبير الرؤيا، واستكتبه أنس بن مالك بفارس، وكان أبوه مولى لأنس ينسب له ~~كتاب "تعبير الرؤيا". راجع تهذيب التهذيب 9: 214، ووفيات الأعيان 1: 453، ~~وحلية الأولياء 2: 263، ودائرة المعارف الإسلامية 1: 202.. PageV02P253 # قيل له: لو أراد علي هذا المعنى لقال: إن الله قتله وإياي، وهكذا يصح ~~القول بهذا المعنى، فإن زعموا أن قتلة عثمان ومحاصريه والمتمالين عليه قد ~~تابوا جميعا عند علي، قيل له: فمتى ظهرت عن محمد بن أبي بكر والأشتر ~~وجماعته توبة؟ ومتى ذكر ذلك في شيء من الأخبار؟ وأي توبة نقلت عن المصريين ~~الذين كانوا حاصروا عثمان، ونسب قتله إليهم، وهم الذين دخلوا عليه الدار ~~مثل كنانة بن بشر (¬1) ومن كان معه، وقد كانوا بعد ذلك مع علي، وكان بعضهم ~~ولاة له، فإن قال: ليس يصحح قتل عثمان على رجل لاختلاف الأخبار في ذلك، ~~ولأنهم لم يجمعوا على رجل بعينه يقول أنا قاتل عثمان، قيل لهم: أوليس ~~بالمحفوظ عن أصحاب النقل أو أول ما خاطب به علي أهل الشام حين اجتمعوا ~~بصفين (¬2) ورأوا هلال صفر، فنادى مناد أن أمير المؤمنين وأصحاب رسول الله ~~_صلى الله عليه وسلم_ يقولون: لم يمنعنا من قتالكم يا أعداء الله إلا الشهر ~~الحرام، وأنه قد انسلخ، وأنا قد نابذناكم على سواء (إن الله لا يحب ~~الخائنين) (¬3) ، # ¬__________ # (¬1) هو كنانة بن بشر التجيبي: ثائر، كان من رؤساء الجيش الذي زحف من مصر ~~لخلع عثمان _رضي الله عنه_ أيام الفتنة في المدينة، وشارك في مقتله، وطلبه ~~معاوية بن أبي سفيان بدم عثمان فقبض عليه بمصر مع ابن حذيفة وابن عديس، ~~وسجنهم في لد "بفلسطين"، فهربوا فأدركهم والي فلسطين فقتلهم عام 36ه. راجع ~~الإصابة، ت 7504. # (¬2) صفين: بكسرتين وتشديد الفاء موضع بقرب الرقة وبالس، وكانت وقعة صفين ~~بين علي _رضي الله عنه_ ومعاوية في سنة 37 صفر، وقتل في الحرب بينهما سبعون ~~ألفا، وقتل مع علي خمسة وعشرون صحابيا بدريا، منهم عمار بن ياسر الذي قال ~~عنه الرسول _صلى الله عليه وسلم_ "عمار تقتلك الفئة الباغية". راجع البداية ms352 ~~والنهاية لابن كثير 7: 253 254، ومعجم البلدان 3: 414 415. # (¬3) سورة الأنفال آية رقم 58.. PageV02P254 # ثم قال علي لأصحابه مهلا مهلا عباد الله، حتى تتبينوا ما نقمتم عليهم ~~وعلام تقاتلونهم، وانطلق نفر من أصحاب علي فدعوهم إلى كتاب الله وسنة نبيه ~~_صلى الله عليه وسلم_، فقال أهل الشام ما بيننا وبينكم مناظرة في كتاب الله ~~ولا في سنة نبيه _صلى الله عليه وسلم_ دون أن تدفعوا لنا قتلة عثمان، فإذا ~~نحن قتلناهم كانت المناظرة بيننا وبينكم، فرد عليهم علي بأن قال لهم: فإنا ~~نعرض نحن وأنتم أعمال عثمان على كتاب الله وسنة نبيه، فإن حل لنا دمه تبتم ~~من ولايته، وإن حرم علينا دمه دفعنا إليكم قاتله، وتبنا إلى الله من ~~البراءة منه، والرضا بقتله. ومن نقل آخر أن المسلمين لما أتاهم أبو الدرداء (¬1) # ¬__________ # (¬1) يقول ابن كثير: وخرج أبو الدرداء وأبو أمامة فدخلا على معاوية، ~~فقالا له: يا معاوية على ما تقاتل هذا الرجل..؟ فوالله إنه أقدم منك ومن ~~أبيك إسلاما، وأقرب منك إلى رسول الله _صلى الله عليه وسلم_، وأحق بهذا ~~الأمر منك. فقال: أقاتله على دم عثمان وأنه آوى قتلته، فاذهبا إليه فقولا ~~له فليقدنا من قتله عثمان، ثم أنا أول من بايعه من أهل الشام. فذهبا إلى ~~علي فقالا له ذلك، فقال: هؤلاء الذين تريان، فخرج خلق كثير فقالوا: كلنا ~~قتلة عثمان فمن شاء فليرمنا. قال: فرجع أبو الدرداء وأبو إمامة فلم يشهدا ~~لهم حربا. راجع البداية والنهاية 7: 260.. PageV02P255 # وأصحابه طالبين للمهادنة بين الفئتين، وذكروا قتلة عثمان، فابتدرهم جماعة ~~من المسلمين عند علي، وكل يقول نحن قتلناه، ومثل هذا أكثر من أن يحصى، ~~وأشهر من أن ينكر، مع ما اشتهر من كثرة أحداث عثمان وأفعاله التي كان يتوب ~~منها في كل حين للمسلمين ثم هو يعود إليها، وإلى أشد منها، حتى كان منهم ~~إليه ما قد كان، وإنما قصدت إلى الاستشهاد ببيعة المسلمين لعلي مع قتلهم ~~لعثمان لأنه مما لا يجد فيه أحد من المعتزلة أو غيرهم متعلقا، وهم يثبتون ~~بيعتهم ms353 لعلي أنها كانت على حق وصواب، وأما الذي قالت به المعتزلة من طلب ~~المخرج لطلحة (¬1) والزبير (¬2) ، # ¬__________ # (¬1) سبقت الترجمة له قريبا من هذا. # (¬2) سبقت الترجمة له قريبا من هذا.. PageV02P256 # وبسط المعذرة لهما فيما أتيا فإنه يقال لهم: ما العلة التي بها ومن أجلها ~~فسقتم معاوية وعمرا وأهل الشام، وضللتموهم، وبرئتم منهم، وأثبتم وعيدهم، ~~وسميتموهم أعداء الله في محاربتهم عليا وأهل العراق؟ قالوا: من قبل نكثهم ~~البيعة، وشقهم العصا، وتركهم الرضا، والدخول فيما دخل فيه المسلمون وأصحاب ~~محمد _صلى الله عليه وسلم_ في إمامة من وجبت على المسلمين إمامته، وفرضت ~~على الناس طاعته، في مثل ذلك من الكلام، قيل لهم: أوليس طلحة والزبير ~~ناكثين للبيعة، شاقين للعصا، خارجين عن الرضا، والدخول فيما دخل فيه ~~المسلمون وأصحاب محمد _صلى الله عليه وسلم_، ومن إمامة من ذكرتم على مثل ~~مقالتكم في معاوية وعمرو (¬1) وأهل الشام سواء، فلم يجدوا بحمد الله علة في ~~تفسيق معاوية وعمرو وأهل الشام، وإثبات وعيدهم إلا ونحن موجدوها لهم في ~~طلحة والزبير وأهل البصرة، إلا بأن يقولوا بأنهما فاسقان ضالان، ثابت لهما ~~الوعيد، كمقالتهم في معاوية وعمرو وأهل الشام في محاربتهم عليا والمسلمين، ~~كما بسطوها لطلحة والزبير وأهل البصرة، وكلا الفعلين عند جميع الناس سواء، ~~وليس للمعتزلة من هذه المعارضة فصل ينفصلون به، والحمد لله. # ¬__________ # (¬1) هو عمرو بن العاص بن وائل السهمي القرشي أبو عبد الله، فاتح مصر، ~~وأحد دهاة العرب، وأولي الرأي والحزم والمكيدة فيهم، كان في الجاهلية من ~~الأشداء على الإسلام، وأسلم في هدنة الحديبية، وولاه النبي _صلى الله عليه ~~وسلم_ إمرة الجيش في غزوة (ذات السلاسل)، وأمده بأبي بكر وعمر، ثم استعمله ~~على عمان، وهو الذي افتتح قنسرين وصالح أهل حلب وإنطاكية، وولاه عمر فلسطين ~~ثم مصر فافتتحها، وعزله عثمان، ولما كانت الفتنة كان عمرو مع معاوية فولاه ~~على مصر سنة 38ه. توفي بالقاهرة عام 43ه. راجع الاستيعاب بهامش الإصابة 2: ~~501، والإصابة، ت 5884، وتاريخ الإسلام للذهبي 2: 235 240، وجمهرة الأنساب 154. PageV02P257 # ويقال لهم: أخبرونا عنهما أليسا كانا ظالمين ms354 في قتالهما، متعديين، سافكين ~~للدماء الحرام بغير حلها، قاتلين أنفسهما في غير سبيل الله؟ قالوا: بلى ولا ~~بد لهم من ذلك. قيل لهم: ومتى كان من مذهبكم في إثبات الوعيد، وتفسيق أهل ~~التأويل، أن شيئا من هذا يكون خطأ دون كبيرة؟ فلأية علة استخص لها الزبير ~~وطلحة بهذا المعنى دون غيرهما من جميع أهل الكبائر، وأهل الخطأ في التأويل؟ ~~فلا أعلم لمعاشر المعتزلة في هذه المسألة جوابا يثبتون به تخصيص ما ادعوا ~~تخصيصه لمعارضة مقالتهم في هذين الرجلين في تثبيت وعيد أهل الكبائر، وتفسيق ~~جميع أهل التأويل، وطعنت في كل ما قالوا به من ذلك عند موافقيهم في إثبات ~~الوعيد قاطبة. فإن قال قائل من أصحاب النظام: فإنهما قد كانا تائبين راجعين ~~إلى الله مما فعلا قيل له: لسنا عن التوبة سألناكم، وإنما سألناكم عن نفس ~~فعلهما نفسه من نكث البيعة، وشق العصا، وحربهما للمسلمين، وسفكهما للدم ~~الحرام، هل ذلك الفعل نفسه كبيرة من الكبائر مما يوجب العقاب من الله ~~لفاعله عليه، وثبت الوعيد (¬1) # ¬__________ # (¬1) يرى صاحب كتاب منهج الطالبين: أن الوعد هو ما وعد الله به أهل طاعته ~~من الثواب في الآخرة وهو حق، والوعيد ما أوعد الله به أهل الكفر والمعاصي ~~من العقاب في الآخرة وهو حق. ومن زعم أن الله تعالى: (أوعد قوما النار ثم ~~لم يدخلهم إياها) فقد كذب على الله تعالى، والله تعالى يقول: (ما يبدل ~~القول لدي وما أنا بظلام للعبيد) سورة ق آية رقم 29. # وقال: (ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعد ربنا حقا فهل ~~وجدتم ما وعد ربكم حقا؟ قالوا: نعم، فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على ~~الظالمين) سورة الأعراف آية 43 44. # فهذا يدل على بطلان قول من يقول: "إن الله ينجز وعده ويبطل وعيده". # وكيف يسوغ هذا في عقول ذوي الألباب، والله تعالى يقول: (ما يبدل القول ~~لدي وما أنا بظلام للعبيد) سورة ق آية 29. راجع منهج الطالبين 1: 421. PageV02P258 # له فيه أم لا؟ ولا يخلوان من أن يكونا ms355 ظالمين لعلي وللمسلمين أو غير ~~ظالمين، وإن كانا لهم غير ظالمين كان يجب أن يكون علي ومن معه من المسلمين ~~هم الظالمون لطلحة والزبير، وليس ذلك من قول المعتزلة أن يكونا هم الظالمين ~~المعتدين، وليس يكون من الظلم والاعتداء في الدماء وأمثالها من هذه الأمور ~~إلا من أكبر الكبائر عند جميع المعتزلة، وأما الذي قيل من توبتها فباطل ~~محال فاسد، من قبل أن طلحة قتل في المعركة، وأن الآخر فر منهزما حتى لحق ~~بوادي السباع فقتل به هاربا. فإن قال قائل: فكيف تجهم علي لعمر بن جرموز ~~التميمي (¬1) # ¬__________ # (¬1) هو قاتل الزبير بن العوام ومعه فضالة بن حابس، ونفيع بن حابس ~~التميمي، وأخذوا سيفه، وأخذ ابن جرموز رأسه فحمله حتى أتى به وبسيفه عليا، ~~فأخذه علي وقال: سيف والله طال ما جلا به عن وجه رسول الله _صلى الله عليه وسلم_. # وقال بشر: قاتل ابن صفية بالنار. راجع طبقات ابن سعد 3: 110، 111، وتاريخ ~~الطبري 4: 510. PageV02P259 # حين آتاه قاتلا له، وهو عندكم غير تائب؟ قيل له: إنما ذلك لنهي علي على ~~إتباع المدبر، والإجازة على الجريح، فإن قال: أو ليس مسيره إلى المدينة ~~التي حكمها بيد علي والمسلمين دلالة على توبته؟ قيل له: لا يكون ذلك توبة ~~منه، وإنما التوبة على مثل فعل عائشة وغيرها من أهل البصرة حين أتوا عليا ~~واضعين أيديهم في يده، تائبين إلى الله، راجعين من الذي غروا به، مظهرين ~~الندامة على ذلك، ومن لم يفعل كفعل هؤلاء كان حكمه عند المسلمين حكم إصرار، ~~مثل ما كان من عبد الله بن الزبير، وطائفة حين فروا، وانحازوا إلى مكة، ~~وليس من أحد يقول بأن الزبير كان تائبا من يوم الجمل (¬1) ، ودع عنك من قد ~~قتل في المعركة وفي الهزيمة، فالقائل بتوبتهما مدع لما لا دليل له عليه، ~~وما لا يجامعه عليه أحد من الأمة. وهذه اللمع التي ذكرناها تنبيه على ما لم ~~نذكره من هذا إن شاء الله. # باب النقض على الزيدية # ¬__________ # (¬1) راجع ما كتبه ابن كثير عن موقعة ms356 الجمل، وكيف أن الكثير من المسلمين ~~تجمعوا في مكة، فقامت عائشة أم المؤمنين تخطبهم وتحثهم على القيام بطلب دم ~~عثمان، فاستجاب الناس لها وطاوعوها على ما تراه من الأمر بالمصلحة، ثم حملت ~~أم المؤمنين في هودج على جمل اسمه عسكر اشتراه يعلى بن أمية، وقد أمروا في ~~مسيرهم ليلا بماء يقال له الحوأب، فنبحتهم كلاب عنده، فلما سمعت ذلك عائشة ~~قالت: ما اسم هذا المكان..؟ قالوا: الحوأب فضربت بإحدى يديها على الأخرى ~~وقالت: إنا لله وإنا إليه راجعون، ما أضنني إلا راجعة قالوا: ولم....؟ ~~قالت: سمعت رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ يقول لنسائه: ليت شعري أيتكن ~~التي تنبحها كلاب الحوأب...؟ إلخ. البداية والنهاية 7: 231، 232. PageV02P260 # قال سليمان بن جرير الزيدي (¬1) _وهو إمامهم في علم الكلام_ ومن وافقه ~~بجواز حكومة الحكمين، وإن عليا إنما حكم لما خاف من عسكره الفساد، وكان ~~الأمر عنده بينا واضحا، فنظر للمسلمين أن يتألفهم، وإنما أمرهما أن يحكما ~~بكتاب الله وسنة نبيه _صلى الله عليه وسلم_، فخالفاهما اللذان أخطيا وأصاب ~~هو، واعتلوا في ذلك أن رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ وادع أهل مكة، ورد ~~أبا جندل بن سهيل بن عمرو (¬2) # ¬__________ # (¬1) رئيس فرقة السليمانية أو الجريرية من الزيدية من الشيعة، قال: إن ~~الإمامة شورى، وأنها تنعقد بين رجلين من خيار الأمة، وأجاز إمامة المفضول، ~~وأثبت إمامة أبي بكر وعمر، وزعم أن الأمة تركت الأصلح في البيعة لهما؛ لأن ~~عليا كان أولى بالإمامة منهما، وكفر عثمان بالأحداث التي نقمها الناقمون ~~منه، وأهل السنة يكفرون سليمان بن جرير من أجل أنه كفر عثمان _رضي الله ~~عنه_. راجع الفرق بين الفرق 32-33، والتبصير في الدين 28، ط عالم الكتب، ~~والملل والنحل 1: 159 160. # (¬2) هو أبو جندل بن سهيل بن عمرو القرشي العامري، أسلم بمكة فطرحه أبوه ~~في الحديد، فلما كان يوم الحديبية جاء يرسف في الحديد إلى رسول الله _صلى ~~الله عليه وسلم_، ولكن أباه وهو أحد طرفي العقد رفض هجرته، ولكنه انفلت منه ~~ولحق بأبي بصير الثقفي، وقطعوا على قريش ms357 طريق القوافل، واستشهد في الطاعون ~~بالأردن سنة 18 ه. راجع الاستيعاب 4: 1621.. PageV02P261 # إلى المشركين يحجل في قيوده، وقال غير سليمان من علمائهم: إن عليا حكم ~~للتقية، وإن التقية تسعه إذا خاف على نفسه، وأما الحكومة فهي عند هؤلاء ~~حرام إلا من جهة التقية، فيقال لهؤلاء منهم: حدثونا عن الإمام الطاهر، ~~القائم بحجة الله، الداعي إلى دينه، أليس إنما ظهر من الكتمان ليقيم أمر ~~الله وحدوده على ما افترضها الله في تنزيله، خارجا من حد الكتمان إلى حد ~~الظهور، فلا بد من نعم، قيل لهم: فأنى جوزتم التقية في تحليل ما حرم الله ~~والحكم بغير ما أنزل الله، لمن هذه صفته؟ وهذا يقتضي أن يكون الإمام واسعا ~~له أن يتقي في ترك إقامة الحدود بأسرها، وفي تحريف كتاب الله وسنة نبيه ~~_صلى الله عليه وسلم_ والعمل بخلاف ما فيهما، إذا كان متقيا، وكفى بمثل هذا ~~من القول خزيا لقائله، وهو مقالة غالية الرافضة صراحا، فإن رجعوا وقالوا ~~بمثل مقالة إخوانهم من أن التحكيم جائز لعلي، وواسع له اتقى أو لم يتق؛ لأن ~~ذلك استصلاح المسلمين وائتلافهم لكلمتهم، وللإمام النظر في ذلك وأشكاله. PageV02P262 # قيل لهم جميعا: أخبرونا عن تحكيم علي لهما أليس إنما حكمهما بأن يرضى ~~بالذي حكما به أصابا أم أخطيا؟ فإن قالوا: يجب عليه الرضا بذلك على أية حال ~~هو، قيل لهم: فهو إذا مخلوع، والإمام معاوية بن أبي سفيان، فبذلك وقع الحكم ~~منهما، وهذا يوجب عليه أن يكون راضيا بحكومتهما، داخلا في إمامة معاوية ~~والتسليم له، فأي عار عليه وعلى شيعته أخزى من هذا وأشنع! فإن قالوا: إنما ~~حكمهما على أن يحكما بكتاب الله وسنة نبيه عليه السلام، فإن هما خالفا ما ~~فيهما كان حكمهما حكما منبوذا لا يجب التسليم له، وهو قول جمهور الزيدية، ~~قيل لهم: فإذا كان الأمر على ما وصفتم من هذا فلم حكمهما وهو يعلم، ~~والمسلمون معه يعلمون ما في كتاب الله وسنة نبيه _صلى الله عليه وسلم_؟ ~~وليس الحكم بما في الكتاب وفي السنة راجعا ms358 إلى عبد الله بن قيس (¬1) وعمرو ~~بن العاص، فهلا أقام على بصيرة من أمره، ماضيا في جهاد عدوه كما أمره الله ~~في كتابه والمسلمون من أفاضل أصحاب محمد _صلى الله عليه وسلم_، إذا كان ~~إنما حكمهما على أن يزيدا في حكم الكتاب ولا ينقصا منه، فمن حيث دارت هذه ~~الحكومة دارت إلى باطل، والحمد لله. # ¬__________ # (¬1) هو عبد الله بن قيس بن سليم بن حضار بن حرب، أبو موسى، من بني ~~الأشعر من قحطان، صحابي من الشجعان الولاة الفاتحين وأحد الحكمين الذين رضي ~~بهما علي ومعاوية بعد حرب صفين، ولد في زبيد باليمن عام 21 ق. ه، وقدم مكة ~~عند ظهور الإسلام فاسلم وهاجر إلى أرض الحبشة، ثم استعمله رسول الله _صلى ~~الله عليه وسلم_ على زبيد وعدن، وولاه عمر بن الخطاب البصرة سنة 17 ه. توفي ~~بالكوفة عام 44ه. راجع طبقات ابن سعد 4: 79، والإصابة ت 4889، وغاية ~~النهاية 1: 442، وصفة الصفوة 1: 225، وحلية الأولياء 1: 256، والمناوي 1: 48. PageV02P263 # وقد قال الحسن بن أبي الحسن البصري (¬1) ، وقد ذكر عنده تحكيم علي ~~الحكمين، فقال: لم تحكم الحكمين لا أبا لك وأنت على الحق، ألا تمضي قدما؟ ~~فلو أن إماما حكم حكمين في سارق، أو في زان، أو في قاذف، أو في قاتل، ~~والحكم في كل هؤلاء موجود منصوص في كتاب الله وسنة نبيه _صلى الله عليه ~~وسلم_ لكان في حال تحكيمه لهما في ذلك مخطئا غير مصيب، عاصيا لله، تاركا ~~لحكم كتابه عند جميع الأمة، ولو أن ذينك بالحكمين حكما بما شاءا من حق أو ~~باطل، وليس الذي ناظروا به من قول الله عز وجل: (فابعثوا حكما من أهله ~~وحكما من أهلها) (¬2) نظيرا لما ذكرنا، ولا الذي ذكروا في آية الصيد من ~~قوله تعالى: (يحكم به ذوا عدل منكم) (¬3) شبيها به؛ لأنه إنما أمرهم الله ~~أن يحكموا في الصيد لما لم يذكر في كتابه مقدار كل نوع في الصيد جزاءه من ~~النعم ومن غيرها، أمرهم أن يناظروا كل شكل بشكله مما هو مساو له. # ¬__________ # (¬1) هو الحسن ms359 بن يسار البصري أبو سعيد، تابعي، كان إمام أهل البصرة وحبر ~~الأمة في زمنه، وهو أحد العلماء الفقهاء الفصحاء الشجعان النساك، ولد ~~بالمدينة عام 21ه، وشب في كنف علي بن أبي طالب، واستكتبه الربيع بن زياد ~~والي خراسان في عهد معاوية، وسكن البصرة وعظمت هيبته في القلوب، فكان يدخل ~~على الولاة يأمرهم وينهاهم. قال الغزالي: كان الحسن البصري أشبه الناس ~~كلاما بكلام الأنبياء. توفي بالبصرة عام 110 ه. راجع تهذيب التهذيب، ووفيات ~~الأعيان، وميزان الاعتدال 1: 254، وحلية ألأولياء 2: 131، وذيل المذيل 93، ~~وأمالي المرتضى 1: 106. # (¬2) سورة النساء آية 35. # (¬3) سورة المائدة آية رقم 95، وتكملة الآية: (هديا بالغ الكعبة أو كفارة ~~إطعام مسكين أو عدل ذلك صياما ليذوق وبال أمره عفا الله عما سلف ومن عاد ~~فينتقم الله منه والله عزيز ذو انتقام). PageV02P264 # وأما الحكمان فيما بين الزوج والمرأة فإنهما ينظران فيما بينهما، فإن ~~علما أو ظنا أنهما يصطحبان على أمر الله، وتأدية حقوقه بينهما، وفقا ما ~~بينهما، أو خشيا أنهما لا يريد كل واحد منهما إصلاحا فرقا بينهما بحسن ~~نظرهما، وليس السبيل في كل ما هو منصوص في كتاب الله عز وجل مشروع في سنة ~~نبيه _صلى الله عليه وسلم_ بين الحكم فيه سبيل ما ذكروا من جزاء الصيد ~~والحكم بين الزوج والمرأة. أرأيتم إذا وجب حد من حدود الله على الأشعث بن ~~قيس (¬1) أو من كان في مثل حاله أكان ينبغي ألا تقام عليهم الحدود لاستصلاح ~~الرعية واستئلاف الجماعة، حتى لا تكون فتنة أو تقع فرقة؟ أو هل كان ينبغي ~~أن يرد أمر هذا وأمثاله إلى الحكمين، وينتظر به ماذا يحكمان، والحكم فيه ~~موجود منصوص في كتاب الله عز وجل، وسنة نبيه عليه السلام؟ وهذا مما لا يخفى ~~فساده على أحد ممن أراد الله هدايته وتوفيقه، وقد قال الله عز وجل لنبيه ~~محمد _صلى الله عليه وسلم_: (قل أفغير الله أبتغي حكما وهو الذي أنزل إليكم ~~الكتاب مفصلا) (¬2) ، # ¬__________ # (¬1) أبو محمد الأشعث بن قيس الكندي، ولد 33 ق.ه / 600 م، قدم من حضرموت ~~إلى ms360 النبي (ص) وأسلم، وكان ممتنعا من الزكاة، وأرسل مكبلا إلى أبي بكر فعفا ~~عنه، من الصحابة ثم ارتد ثم أسلم وحسن إسلامه، اشتهر بالشجاعة والجود، وكان ~~شريفا في قومه مطاعا، وهو من أجل قواد علي في معركة صفين، وكانت له راية ~~كندة، وهو الذي غلب على الماء، وأزال عنه أبا العور السلمي وجماعته، وحضر ~~معركة النهروان. توفي سنة 40 ه بالكوفة، له سبعة أحاديث في البخاري ومسلم، ~~ويعتبره الشهرستاني أشد الخوارج مروقا من الدين. راجع العبر 1: 46، والطبري ~~4: 569، والملل والنحل 1: 114، وابن عساكر 3: 64، ودائرة المعارف الإسلامية 2: 16. # (¬2) سورة الأنعام آية رقم 114.. PageV02P265 # فدل أنه إنما أنزل عليه الكتاب وفيه تفصيل كل شيء، غنى وقناعة عن حكم أحد ~~دون حكم كتابه عز وجل، وقال: (أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما ~~لقوم يوقنون) (¬1) ، وقال: (ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين) (¬2) ، وقال: ~~(ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) (¬3) و(الظالمون) (¬4) ~~و(الفاسقون) (¬5) فإن كان علي إنما قاتل معاوية وعمرا وأهل الشام بحكم ~~الكتاب فكيف جاز له أن يترك حكم الكتاب إلى حكم أبي موسى وعمرو، أو يكون ~~إنما قاتلهم بغير حكم الكتاب، فهذه شهادة عليه وعلى من معه من أفاضل ~~المسلمين أصحاب محمد _صلى الله عليه وسلم_ بالضلالة، ومعاذ الله من ذلك، ~~فلما ثبت أنه إنما قاتل أهل الشام بحكم الكتاب ثبت أن رجوعه من ذلك إلى حكم ~~أبي موسى (¬6) وعمرو (¬7) أنه رجوع من حكم الكتاب إلى غيره من الحكم بغير ~~ما أنزل الله، لما لم يكن بين هذين الوجهين وجه يعرفه عارف، أو يعتقد عليه ~~معتقد، والقول في قتال من قاتله بعد التحكيم على مثل هذا، وإن كان إنما ~~قاتل أهل النهر (¬8) # ¬__________ # (¬1) سورة المائدة آية رقم 50. # (¬2) سورة الأنعام آية رقم 62. # (¬3) سورة المائدة آية رقم 44. # (¬4) سورة المائدة آية رقم 45. # (¬5) سورة المائدة آية رقم 47. # (¬6) سبقت الترجمة له قريبا من هذا. # (¬7) سبقت الترجمة له قريبا من هذا. # (¬8) راجع معجم البلدان مادة "نهروان"، وتاريخ الطبري 5: 91-92، وفيه أن ~~الرسل توالت بين علي وبينهم، ثم كان القتال، ms361 ثم بحثوا عن المخرج فالتمسوه ~~فوجدوه تحت قتيلين في ساقية.. PageV02P266 # على أنهم لم يرضوا بالحكومة، فكيف حتى قاتل الخريت بن راشد (¬1) وأصحابه ~~على أنهم رضوا بالحكومة وصوبوها ودعوا إليها، وليس بين الأمرين أمر يتوهمه ~~متوهم، أو يعتقد عليه معتقد، ولذلك كان يخطبهم تارة ويقول: أيها الناس ~~نظرنا في أمر الحكمين فوجدناه ضلالا، قد برئنا إلى الله ممن يرضى بهما في ~~كلام له من مثل هذا، وتارة يخطبهم ويقول: أيها الناس نظرنا في أمر الحكمين ~~فأصبناه هدى، فمن أنكر ذلك علينا فليبد لنا صفحة. وكل هذا منه قبل أن يبعث ~~بأبي موسى إلى دومة الجندل (¬2) أو بعدما بعثه، في حجج كثيرة على الزيدية ~~في هذا وأمثاله معروفة تغني شهرتها عن ترسيمها، والحمد لله على معرفة الهدى. # ¬__________ # (¬1) هو الخريت بن راشد الناجي: صحابي ثائر من الزعماء الشجعان المقدمين ~~من بني ناجية، كان من أشياع علي _رضي الله عنه_ وجاءه من البصرة بثلاث مائة ~~من بني ناجية فشهدوا معه الجمل وصفين وأقاموا بالكوفة، ولما كان التحكيم ~~خرج الخريت بمن معه إلى بلاد فارس، فسير علي معقل بن قيس وجهز معه جيشا ~~لقتاله، فكانت المعركة في الأهواز، وكثرت جموع الخريت، فنصب معقل راية ~~ونادى: من لحق بها فهو آمن، فانصرف إليها كثير من أصحاب الخريت، فانهزم ~~فقتله النعمان بن صهبان الراسبي عام 39ه. راجع الكامل لابن الأثير 3: 145، ~~والإصابة 2: 109، وفيها أن الخريت كان على مضر كلها يوم الجمل، واستعمله ~~عبد الله بن عامر على كورة من كور فارس، وأنه كان على بني ناجية في حروب الردة. # (¬2) دومة الجندل: عدها ابن الفقيه من أعمال المدينة، سميت بدوم بن ~~إسماعيل بن إبراهيم، وهي قرية من دمشق، وبينها وبين مدينة الرسول _ صلى ~~الله عليه وسلم_ مسافة قرية، وسميت دومة الجندل لأن حصنها مبني بالجندل. # وقال أبو عبيد الكرهي: حصن وقرى بين الشام والمدينة قرب جبلي طيء، كانت ~~به بنو كنانة من كلب. راجع معجم البلدان 2: 488. PageV02P267 # الإمامة (¬1) والعلم: # ¬__________ # (¬1) قال قوم: الإمامة رياسة عامة في أمور الدين ms362 والدنيا ونقض بالنبوة، ~~والأولى أن يقال: هي خلافة الرسول في إقامة الدين بحيث يجب اتباعه على ~~الأمة كافة، وبهذا القيد يخرج من ينصبه الإمام في ناحية، والمجتهد، والآمر ~~بالمعروف. ونصب الإمام عندنا واجب علينا سمعا. وقالت المعتزلة والزيدية: بل ~~عقلا. وقال الجاحظ: بل عقلا وسمعا. وقال الإمامية والإسماعيلية: بل على ~~الله، إلا أن الإمامية أوجبوه لحفظ قوانين الشرع، والإسماعيلية ليكون معرفا ~~لله. وقالت للخوارج: لا يجب أصلا. راجع المواقف في علم الكلام، ص 395، ~~ط/المبني، القاهرة. PageV02P268 # وفي الإمامة أيضا قال قائلون من أهل الشغب: إن الإمام إذا ولي أمر ~~المسلمين وفيهم من هو أعلم منه فإن إمامته في زعمهم باطلة غير ثابتة، على ~~مثل مقالته الرافضة في ولاية أبي بكر الصديق _رضي الله عنه_، فقال أهل ~~الشغب بهذا قدحا منهم في الإمامة العادلة الرستمية، وحيدا عن إجابتها ~~والدخول في طاعتها، وطعنا في الدين، كما فعلت الرافضة في ولاية الصديق _رضي ~~الله عنه_، ولو أنهم جميعا قالوا: سمعنا وأطعنا لكان خيرا لهم وأقوم، وقد ~~قال رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ في معاذ بن جبل (¬1) أنه يأتي إمام ~~العلماء يوم القيامة بنبذة "وأن زيدا أفرض الأمة" (¬2) وأن عبد الله بن ~~مسعود كنيف مليء علما (¬3) # ¬__________ # (¬1) الحديث رواه الإمام أحمد في مسنده بسنده عن شريح بن عبيدة وراشد بن ~~سعد، 1: 18، عن عمر بن الخطاب _رضي الله عنه_ قال: سمعت رسول الله _صلى ~~الله عليه وسلم_ يقول: إن لكل نبي أمينا وأميني أبو عبيدة بن الجراح، فأنكر ~~القوم ذلك وقالو: ما بال عليا قريش، يعنون بني فهر، ثم قال: فإن أدركني ~~أجلي وقد توفي أبو عبيدة استخلف معاذ بن جبل، فإن سألني ربي عز وجل لم ~~استخلفه، قلت: سمعت رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ يقول: "إنه يحشر يوم ~~القيامة بين يدي العلماء نبذة". # (¬2) الحديث رواه الإمام أحمد في مسنده بسنده عن أنس 3: 184 قال رسول ~~الله _صلى الله عليه وسلم_: "أرحم أمتي أبو بكر، وأشدها في دين الله عمر، ~~وأصدقها حياء عثمان، وأعلمها ms363 بالحلال والحرام معاذ بن جبل، وأقرؤها لكتاب ~~الله أبي، وأعلمها بالفرائض زيد بن ثابت". # (¬3) لم نعثر على هذا الحديث بهذا اللفظ، وإن كانت هناك أحاديث كثيرة في ~~فضل علم ابن مسعود، من ذلك قول الرسول _صلى الله عليه وسلم_ "خذوا القرآن ~~من أربعة: من ابن أم عبد فبدأ به، ومعاذ بن جبل، وأبي بن كعب، وسالم مولى ~~أبي حذيفة". رواه الإمام مسلم في كتاب فضائل الصحابة 116 (2464).. PageV02P269 # و"أنه صلى الله عليه وسلم دعا لابن عباس: اللهم فقهه في الدين وعلمه ~~التأويل" (¬1) ، # ¬__________ # (¬1) الحديث رواه الإمام مسلم في كتاب فضائل الصحابة 30 باب فضائل عبد ~~الله بن عباس _رضي الله عنهما_ 138-2477 بسنده عن عبيد الله بن أبي يزيد ~~يحدث عن أبي عباس _رضي الله عنهما_ أن النبي _صلى الله عليه وسلم_ أتى ~~الخلاء فوضعت له وضوءا، فلما خرج قال: من وضع هذا..؟ قلت: ابن عباس: قال: ~~اللهم فقهه. # ورواه البخاري في الوضوء 10، وأحمد بن حنبل في المسند 1: 266، 314، 328، ~~335 (حلبي). PageV02P270 # وأن عمر _رضي الله عنه_ جعلها شورى بين رهط ستة، ولا تجتمع الأمة على أن ~~هذه الستة كانوا أعلم جميع أصحاب رسول الله _صلى الله عليه وسلم_، ومعروف ~~غير مجهول أن بعض هؤلاء الستة كانوا أعلم من بعض، فلم لا اقتصر عمر رضي ~~الله عنه بالذي هو أعلمهم من غيره في الإمامة، وهذا بعد أن قال عمر: "لو ~~كان أبو عبيدة (¬1) حيا أو سالم مولى حذيفة ما خالجني فيهما شك"، ولم يكونا ~~بأعلم من جميع من بين يدي عمر _رضي الله عنه_. # ¬__________ # (¬1) سبقت الترجمة له في كلمة وافية. PageV02P271 # وقد علم الوافر والناقص أن ليس عثمان بأعلم القوم جميعا فتراه قد ولوه ~~واتفقوا على إمامته كما ترون، وليس الله بجامعهم على ضلال كما قال رسول ~~الله _صلى الله عليه وسلم_، وهؤلاء القوم حسبوا أنهم إنما أزروا على ~~الإمامة الرستمية بهذه المقالة دون غيرهم، بل إنما أزروا قبل على رسول الله ~~_صلى الله عليه وسلم_ وصاحبيه وكافة المهاجرين والأنصار، ثم على الأئمة ms364 ~~الرستمية _رحمة الله عليهم_، وهذا القول منهم بعدما مضى أسلافهم ممن ~~يتولونهم على تصويب إمامة من ذكروا من الأئمة الرستمية _رحمة الله عليهم_، ~~وذلك أن يقال لهم: حدثونا عن هذه الأئمة، هل هي مستحقة للإمامة، مستوجبة ~~لها أو غير مستحقة؟ فإن قالوا: إنها مستحقة للإمامة أثبتوها في أعناقهم، ~~وأقروا بأن طاعتها عليهم واجبة، وبطل ما كانوا يفترون، فإن زعموا أنهم غير ~~مستحقين للإمامة كانوا طاعنين على من مضى من أسلافهم الذين ولوهم فأثبتوا ~~إمامتهم وماتوا على ذلك، فيجب عليهم أن يتبرأوا منهم حيث ولوهم وهم عندهم ~~غير مستحقين لها، فإن قالوا: إنما ولوهم على شريطة ألا يقطعوا أمرا دون رهط ~~مسمين، ثم إن الأئمة لم يفعلوا من ذلك ما اشترط عليهم، قالوا: فبذلك أبطلنا ~~إمامتهم، قيل لهم: حدثونا عن هذه الشروط في حق كانت أم في باطل؟ فإن كانت ~~في باطل فهي باطلة كما أن الباطل كله باطل، وإن كانت في حق فإن الحق غير ~~محتاج إلى شروط ولا اتفاق، فعلى الإمام أن يقضي بالحق، جامعه عليه مجامع أو ~~خالفه مخالف، ولو أن سارقا سرق، أو قاذفا قذف، أو زانيا زنى، أو قاتلا أقر ~~عند الإمام بما فعل أكان جائزا للإمام، واسعا له أن ينتظر به اجتماع من ~~يجتمع عليه ممن ذكروا أو يقضي عليه بالذي أوجب الله عليه؟ فإن هم قالوا: إن ~~الإمام لا يقطع في الحدود قطعا دون الرهط المسمين خالفوا الأمة مصيبها ~~ومخطئها، فإن جوزوا للإمام إنفاذ الأحكام دون حضرة من ذكروا صار قولهم في ~~الشروط ودعواهم فيها دعوى PageV02P272 فاسدة باطلة، وضل عنهم ما كانوا ~~يفترون. # باب القول في تفسيق أهل التأويل وإثبات # كفرهم كفرا غير شرك: # فإن سأل سائل بعد هذا كله وقال: ما قولكم في المخطئين من أهل التأويل ~~المقرين بالتنزيل؟ فقولنا: إن من دان بدين من المتأولين فكان به على الله ~~شاهدا، وفي شهادته عليه كاذبا أنه يبرأ منه، ويشهد على فعله بالضلالة ~~والكفر؛ لأن الله أجمل الخبر في الكاذبين عليه بالوعيد والتكفير، قال ms365 الله ~~عز وجل: (ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة أليس في جهنم ~~مثوى للمتكبرين) (¬1) ، وقال: (فمن أظلم ممن كذب على الله وكذب بالصدق إذ ~~جاءه أليس في جهنم مثوى للكافرين) (¬2) فقرن الكاذب عليه والمكذب بصدقه في ~~الوعيد والتكفير كما ترى، وقال: (ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب ~~بالحق لما جاءه أليس في جهنم مثوى للكافرين) (¬3) ، وكل هذا قد أجمل الخبر ~~وعمه في المكذبين عليه، فلم يخصص كاذبا عليه في تأويل من كاذب عليه في ~~تنزيل، وإماما، قالت به المعتزلة في تفسيق أهل التأويل، واستخصاصهم طلحة ~~والزبير من بين سائر المتأولين، فقد مضى الحجاج عليهم في كتاب الإمامة، ~~وأنبأنا عن ضعف اعتراضهم في ذلك، وشنعة اعتراضهم عند العامة من موافقيهم في ~~إثبات الوعيد كفوا بها عن الإقدام فيما لزمهم الإقدام عليه بأمر مقنع إن ~~شاء الله. # ¬__________ # (¬1) سورة الزمر آية رقم 60. # (¬2) سورة الزمر آية رقم 32. # (¬3) سورة العنكبوت آية رقم 68، وقد جاءت الآية محرفة في المطبوعة، حيث ~~جاءت "فمن" بالفاء بدلا من (ومن). PageV02P273 # فإن قال قائل: إلى أي الكفرين تضيفون أهل التأويل وهما عندكم كفران؟ قيل ~~له: كل متأول مخطئ في تأويله، دائن بما هو عليه من الخطأ، فهو بتأويله ذلك ~~منافق كافر غير مشرك، ما لم يكن رادا للمنصوص، منكرا للتنزيل. فإن قال: ~~أرأيتم من زعم أن الله يرى يوم القيامة، وتأول قوله: (وجوه يومئذ ناضرة إلى ~~ربها ناظرة) (¬1) قيل له: نعم هذا متأول مخطئ في التأويل، كاذب على الله في ~~صفته، وهو منافق كافر غير مشرك من قبل تأويله لما ذكرت. # فإن قال: فالذين وافقوكم في إثبات الوعيد وفي التكفير من الزيدية وأفنان ~~الإباضية قالوا بتشريك هؤلاء ووافقهم النظام على مقالتهم بذلك، وزعموا أن ~~كل متأول مخطئ في صفة الله عز وجل لا يكون بتأويله في مثل ذلك إلا كافرا ~~مشركا، مساويا لله بخلقه، مشبها له بغيره، قيل له: بل لا يكون هؤلاء ~~مشركين، ولو أن من ذكرت قالوا بتشريكهم؛ وذلك أن بيننا وبينهم ms366 فصولا فاصلة، ~~وأدلة قاطعة؛ لأنا وإياهم مجمعون على تكفير الجهمية في زعمهم أن الله لا ~~يكون أن يعلم الأشياء حتى تكون موجودة، ونحن وهم جميعا مع ذلك غير قائلين ~~بتشريكهم. فلم لم يشرك الجهمية وهم مخطئون في صفة معبودهم، كاذبون عليه؟ # فإن قال: إن الجهمية لا يكونون مشركين بذلك ما لم يكونوا واصفين لله ~~بالجهل، قيل له: وكذلك الذين قالوا بأن الله جل جلاله مرئي في دار المعاد ~~لا يكونون مشركين ما لم يصفوه بأنه لون من الألوان. # ¬__________ # (¬1) سورة القيامة آية رقم 23. PageV02P274 # فإن قيل: أوليس أنهم حين زعموا أنه مرئي قد وصفوه بأنه لون، لما كانت ~~الأبصار في طبعها أنها لا ترى ولا تدرك إلا لونا؟ قيل له: لسنا ممن يثبت ~~لهم ما لم يقولوا، وإن كانت مقالتهم قائدة إلى ذلك ما لم يصرحوا به، كما لم ~~يثبت أن الجهمية حيث زعمت أن الله لا يكون أن يعلم الأشياء حتى تكون موجودة ~~واصفة لله بالجهل، تعالى الله عن ذلك، ألا ترى أنهم حين وصفوه بأنه لا يجوز ~~أن يكون يعلم ما لم يكن من قياد مقالتهم أنه يجهل؟ ولسنا مع ذلك نلزمهم غير ~~ما قالوا، ومن الأدلة على ما قلنا إنا وإياهم مجمعون على أن من زعم أن ~~القرآن لا يكون مخلوقا أنه كاذب على الله، مخطئ في صفة الله عز وجل، وليس ~~هو عندنا وعندهم جميعا مشركا، مع ذلك ما لم يزعم أن القرآن قديم مع الله ~~غير محدث، على أن المخلوق هو المحدث غير القديم، والقديم هو غير المحدث ~~المخلوق. ولسنا ممن يثبت لأحد من المخطئين في تأويلهم أمرا لم يقولوا به، ~~ولو كان تأويلهم ذلك قائدا لهم إلى ذلك الأمر ما لم يصرحوا به، فلذلك قال ~~في النهاية في هذا العلم _رحمة الله عليه_ عندما ذكر أقاويل أهل التأويل: ~~فلولا ما حجزهم من التأويل لألزمناهم اسم الشرك، ولكن تأويلهم وإن أخطأوا ~~فيه وجه العدل منعنا من تسميتهم بالشرك. # ومن الأدلة على ما قلنا أن أهل القدر ms367 حيث زعموا أن الله غير خالق للأفعال ~~لا يكونون عندنا وعندهم مشركين مع ما هم فيه من الخطأ في صفة الله عز وجل، ~~ونفيهم قدرته جل جلاله عن الأفعال، ما لم يصفوه بالعجز، وقد علمنا أن من ~~نفى قدرة الله على شيء موجود فإنه واصف لله بالعجز عز وجل عن ذلك، وأن من ~~نفى عن شيء من الأشياء أن يكون مخلوقا فهو ناف عنه أن يكون محدثا، واصف له ~~بالقدم، مساويا له بالله في صفته، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، ولسنا مع ~~ذلك كله مثبتين لهم غير ما قالوا، ولو أن تأويلهم جار إلى ذلك. PageV02P275 # وإن قال: إن الذي نفى عن الأفعال أن تكون مخلوقة فإنما أخطأ في صفة ~~الأفعال، حيث نفى عنها أن تكون مخلوقة، ولم يخطئ في صفة الله بقوله ذلك قيل ~~له: فعلى هذا الجواب إن الذي زعم أن الله يرى يوم القيامة إنما أخطأ في صفة ~~البصر إذ جعله يرى ما ليس من شأنه أن يكون يراه، ولم يخطئ في صفة الله عز ~~وجل، ولو لم يكن من نفى عن الأفعال أن تكون مخلوقة لله مخطئا في صفته عز ~~وجل لما كان عندنا وعندهم كافرا، أرأيتم من زعم أن هذه الأجسام غير مخلوقة؟ ~~فهل تقولون إنه غير مخطئ في صفة الله، لما كان خطؤه في صفة الأجسام دون صفة ~~الله؟ بلى إن كل من نفى عن شيء من هذا العالم أن يكون خلقا لله مخطئ في صفة ~~الله عز وجل، فإن كان ذلك مما يحتمل وينسب إلى العباد فعله كان من نفاه عن ~~الله أن يكون خلقه متأولا منافقا غير مشرك، وما عدا ذلك مما لا ينسب إليهم ~~أنهم فعلوه، فكل من نفى عن الله أن يكون خلقه فهو مشرك غير متأول. # ومن الأدلة على ما قلنا إن الجهمية وأصناف المجبرة لما زعموا أن الله جبر ~~العباد على ما كان منهم من طاعة ومعصية أثبتوا أن الله عز وجل مؤاخذهم على ~~ما لم يفعلوا، ومعذبهم ms368 على ما لم يختاروا ولم يكتسبوا، وتأولوا قول الله عز ~~وجل: (يضل من يشاء ويهدي من يشاء) (¬1) كانوا بذلك متأولين غير مشركين، على ~~أنا قد علمنا أن من وصف الله عز وجل بأنه يؤاخذ أحدا على غير فعله، ويعاقب ~~على ما قد جبره عليه كان واصفا له بالجور والخطأ والظلم، فالواصف لله ~~بالجور والظلم مشرك بالله، واصف له بأقبح ما يوصف به الخلق من صفاتهم، ~~نافيا عنه صفاته من العدل والحكمة، تعالى الله عن ذلك، ونحن مع هذا غير ~~قائلين بتشريك المجبرة، ولا مضيفين لهم إلى أن أكثر من أنهم منافقون ~~متأولون غير جاحدين. # ¬__________ # (¬1) سورة النحل آية رقم 93، وتكملة الآية: (ولتسألن عما كنتم تعملون). PageV02P276 # ومن الأدلة على ما قلنا إن من نفى عن الله جل جلاله أن يكون شيئا مثبت ~~أنه في معنى العدم والتلاشي والبطلان مخرجه من معنى الوجود والإثبات، وهذه ~~الجهمية تنكر أن يكون الله شيئا، وتأبى ذلك، ونحن أيضا لا نقول بأنهم ~~مشركون ما داموا على القول بأنه موجود، وكذلك من زعم أن أسماء الله وصفاته ~~محدثة مخلوقة، كائنة بعد إذ لم تكن متأول غير مشرك ما لم يزعم أن علمه ~~وقدرته وإرادته محدثة مخلوقة كائنة بعد إذ لم تكن، أو زعم أن الله والرحمن ~~والخالق محدث مخلوق كائن بعد إذ لم يكن، فحينئذ لا يكون له تأويل يمنعه من ~~الشرك. ولو أنك تتبعت أهل التأويل واحدا فواحدا فيما أخطأوا فيه من تأويلهم ~~لوجدت أكثرهم على مثل ما وصفنا. # فإن قال: أرأيتم من زعم أنه يرى في دار الدنيا على مقالة أصحاب عبد ~~الواحد بن زيد (¬1) من أصحاب الوسواس، وتأولوا قوله في النجم: (وهو بالأفق ~~الأعلى) (¬2) الآية قيل له: هؤلاء قوم مشركون رادون للمنصوص من خبر الله عز ~~وجل: (لا تدركه الأبصار) (¬3) ، وليس لهم تأويل يحجزهم عن الشرك. # ¬__________ # (¬1) هو عبد الواحد بن زيد البصري الزاهد. يقال: إنه صلى الصبح بوضوء ~~العشاء أربعين سنة، وله مواعظ وحكم، روى عنه الحسن البصري من مواعظه: ألا ~~تستحيون من ms369 طول ما لا تستحيون. قال عنه الذهبي: متروك الحديث. توفي عام 177 ~~ه 793 م. راجع العبر 1: 270. # (¬2) سورة النجم آية رقم 7. # (¬3) سورة الأنعام آية رقم 103. PageV02P277 # فإن قال: فكيف حتى شركت هؤلاء ولم تشرك الأولين قيل له: لما كان الأولون ~~متأولين في قول الله تعالى: (وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة) (¬1) وادعوا ~~في الآية الأولى من قول الله: (لا تدركه الأبصار) أنها خاصة في الدنيا دون ~~الآخرة كما ادعت القدرية خصوصا في قوله: (خالق كل شيء) (¬2) ، فأنكروا بذلك ~~خلق الأعمال، وادعى من نفى خلق القرآن مثل ذلك، وادعت الجهمية في قوله: ~~(وهو بكل شيء عليم) (¬3) مثل ما ادعى هؤلاء، وكل فيما هم فيه من دعواهم ~~مخطئون متأولون مقرون بالتنزيل، غير منكرين له. # فإن قال: فما حال من زعم أن الله عز وجل جسم كالأجسام سبعة أشبار، على ~~مقالة هشام (¬4) # ¬__________ # (¬1) سورة القيامة آية رقم 23. # (¬2) سورة الأنعام آية رقم 102. # (¬3) سورة البقرة، آية رقم 29. # (¬4) هشام بن الحكم أبو محمد الشيباني ولاء، ولد بالكوفة ونشأ بواسط ~~وأقام ببغداد، كان شيخا للإمامية في عصره، تتلمذ ليحيى بن خالد البرمكي، ~~وله مؤلفات منها: الرد على المعتزلة في طلحة والزبير، الرد على الزنادقة، ~~الرد على من قال بإمامة المفضول. الرد على هشام الجواليقي، القدر الدلالات ~~على حدوث الأشياء. هلك بالكوفة، وكان مختفيا حين نكب البرامكة. وفاته في ~~نحو سنة 190 ه/805. # يقول الشيخ المفيد محمد بن النعمان المتوفى سنة 413: إن هشاما بن الحكم ~~خالف الشيعة كافة في أسماء الله وفي معاني الصفات. أما فضل الله الزنجاني ~~الشيعي المعلق على كتاب أوائل المقالات فإنه يرى أنه رجع عن القول ~~بالتجسيم، وأن ما يقوله عنه خصومه من المعتزلة كالنظام والجاحظ غير صحيح ~~فيما يتعلق بالصفات؛ لأنه لم تبلغنا أقواله إلا عن طريق هؤلاء الخصوم ~~المتحاملين، وإذا كان هشام يقول بأن الله جسم ونور فإنه يكون متأثرا ~~بالغنوصية؛ لأن النور والظلام عندها مادة فالمانوية Manicheisme ترى أن كل ~~موجود مادي بالضرورة. وكان القديس أوغسطين حينما تأثر بالمانوية يتصور الله ~~جسما ms370 نيرا لطيفا. PageV02P278 # الرافضي، وتأول قول الله عز وجل: (يد الله فوق أيديهم)، ووجه الله، وأنه ~~خلق آدم على صورته؟ قيل له: هذا مشرك بالله، قاصدا بعبارته إلى صورة، ليس ~~لهذا على حال تأويل يحجزه عن الشرك. # فإن قال: أرأيت من زعم منهم أنه جسم لا كالأجسام، ونور لا كالأنوار وتلا ~~(الله نور السماوات والأرض) (¬1) قيل له: هذا من الأول ليس له تأويل، ولا ~~يغني عنه قوله لا كالأجسام والأنوار شيئا ما أثبته جسما ونورا، بل هو مشرك ~~وصف الله بصفة خلقه، عز وجل عن ذلك، راد للمنصوص، قال الله عز وجل: (ليس ~~كمثله شيء) (¬2) ، وقال: (فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون) (¬3) . # باب في وسم الكبائر بسمة الوعيد: # ¬__________ # (¬1) سورة النور آية رقم 35. # (¬2) سورة الشورى آية رقم 11. # (¬3) سورة البقرة آية رقم 22، وقد جاءت الآية محرفة في المطبوعة، حيث ~~جاءت (ولا) بالواو بدلا من (فلا). PageV02P279 # إن سأل سائل عن تارك الصلاة ومانع الزكاة وغيرهما، وأراد معرفة وجوب ~~وعيدهما، والقول بتكفيرهم، الجواب وبالله التوفيق أن الله عز وجل قال في ~~كتابه: (فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون) (¬1) والويل عذاب، وقال: ~~(أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا) (¬2) ، ومن السنة قوله ~~_صلى الله عليه وسلم_: "ليس بين العبد والكفر إلا تركه الصلاة" (¬3) وهو ~~معنى قوله _صلى الله عليه وسلم_: إنها صلة بين العبد وربه (¬4) ، ومن الأثر ~~قول عمر رضي الله عنه: لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة، وقد اتفقوا على ~~إسقاط شهادة تارك الصلاة وإزالة عدالته، فاجمعوا على أن تركها كبيرة من ~~الكبائر. وقال في حابس الزكاة: (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها ~~في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم) (¬5) ، واتفق العلماء على أن لا وجه لوعيد ~~الله في كنز الذهب والفضة إلا أن لا يؤدي منهما الزكاة وأمثالها، وقال عز ~~وجل: (وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) (¬6) فدل أنهم ~~إن أمسكوا عن النفقة في سبيل الله فقد ألقوا بها إلى التهلكة، وقال: (ومن ~~يبخل فإنما يبخل عن نفسه والله ms371 الغني وأنتم الفقراء وإن تتولوا يستبدل قوما ~~غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم) (¬7) ، فتوعدهم بعذاب الاستئصال عن تركهم ~~النفقة في سبيل الله، وقال: (ويمنعون الماعون) (¬8) وهو الزكاة أدخلها في ~~الويل مع الصلاة، كما أدخلها في الأمر فقال: (وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة) (¬9) ، # ¬__________ # (¬1) سورة الماعون آية رقم 5. # (¬2) سورة مريم آية رقم 59. # (¬3) سبق تخريج هذا الحديث قريبا في هذا الجزء. # (¬4) لم نعثر على هذا الأثر على كثرة البحث والتقصي. # (¬5) سورة التوبة آية رقم 34. # (¬6) سورة البقرة آية رقم 195. # (¬7) سورة محمد آية رقم 38. # (¬8) سورة الماعون آية رقم 7. # (¬9) سورة البقرة آية رقم 43.. PageV02P280 # ومن السنة قوله عليه السلام: "ألا لا صلاة لمانع الزكاة"، ثم قال: ~~والمعتدي فيها كمانعها، وقالت العلماء: إن المعتدي فيها هو الواضع لها في ~~غير أهلها والمانع لها عن أهلها، وقال أبو بكر _رضي الله عنه_: والله لو ~~منعوا مني عقالا مما كانوا يؤدونه لرسول الله _صلى الله عليه وسلم_ ~~لقاتلتهم عليه حتى ألحق بالله أو يعطوا ما منعوا، ولا تحل الدماء إلا على ~~كبيرة. وهذا الذي أجبنا به في الزكاة هو ما عليه عامة الإباضية والزيدية ~~والنظام وأبو الهذيل (¬1) وعامة المعتزلة من كل موافق في إثبات الوعيد، ما ~~خلا عيسى بن عمير فإنه قد توقف في حابس الزكاة، ولو أنه مات ولم يؤدها ولو ~~يوص بها، واشترط فيه لضعف اعتراه هو وشيعته، فامتنعوا له عن الجواب فيما قد ~~تبين الجواب فيه وبالله التوفيق. # ¬__________ # (¬1) هو أبو الهذيل محمد بن الهذيل العبدي، نسبة إلى عبد القيس، وكان ~~يلقب بالعلاف؛ لأن داره بالبصرة كانت في العلافين، وهو من أهل البصرة ورد بغداد. # سئل عن مولده فقال: ولدت سنة خمس وثلاثين ومائة. وقال أبو القاسم ولد أبو ~~الهذيل سنة أربع وثلاثين ومائة، أخذ العلم عن عثمان الطويل، ولم يلق واصلا ~~ولا عمرا، ونظر في شيء من كتب الفلاسفة وطالع كثيرا منها، وخلط كلامهم ~~بكلام المعتزلة. # من كتبه "ميلاس" على اسم مجوس، أسلم على يده، وللأستاذ مصطفى الغرابي: ~~"أبو الهذيل العلاف". راجع الفهرست لابن النديم ص 56، وطبقات ms372 المعتزلة ص ~~44، وتاريخ بغداد 3: 366، ومروج الذهب 2: 298، ومجلة المجمع 21: 107، ~~ودائرة المعارف الإسلامية 1: 416. PageV02P281 # فإن قال: فما حال التارك للصيام في شهر رمضان وهو في أهله مقيم صحيح؟ قيل ~~له: هذا مما اجتمعت الأمة على تعظيمه، وليس بينهم في أنه كبيرة من الكبائر ~~اختلاف، وقال عليه السلام: إن الصوم جنة، والجنة تستر من العذاب، وفي حديث ~~آخر: أن رجلا أتاه وقد واقع أهله نهارا في شهر رمضان فقال يا رسول الله: ~~هلكت وأهلكت. ولم يبلغنا أنه _صلى الله عليه وسلم_ نقم عليه من قوله هلكت ~~وأهلكت. وقد أتى عمر بن الخطاب _رضي الله عنه_ برجل يأكل في شهر رمضان فقال ~~له عمر _رضي الله عنه_: للمنخرين صبياننا صيام وأنت تأكل، وقول عمر ~~للمنخرين دلالة على الوعيد، وهو بمعنى قولهم فسحقا وتعسا وأمثالها. واتفقت ~~العلماء على بطلان شهادة التارك للصيام وبطلان عدالته، فلهذا وأمثاله ~~أجمعوا على أن التارك لفرض الله من الصيام في شهر رمضان، المزدرد للطعام ~~والشراب هالك غير سالم. # فإن قال قائل: فالتارك للحج وهو مستطيع واجد للسبيل إليه؟ قيل له: إن من ~~كان على هذه الصفة التي ذكرت فمات ولم يحج، ولم يجعل على نفسه أن يحج عنه ~~فهو هالك غير ناج، قال الله عز وجل: (ولله على الناس حج البيت من استطاع ~~إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين) (¬1) ، وقال عليه السلام: ~~"لو قلت نعم لوجبت، ولو وجبت ثم تركتموها إذن لكفرتم (¬2) ". ثم قال ابن ~~عباس: لو تركوها ما نوظروا. # ¬__________ # (¬1) سورة آل عمران آية رقم 97. # (¬2) الحديث رواه ابن ماجه في كتاب مناسك الحج 2884، عن أبي البختري عن ~~علي قال: "لما نزلت: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) ~~قالوا: يا رسول الله الحج في كل عام ...؟ فسكت ثم قالوا: أفي كل عام...؟ ~~فقال: "لا، ولو قلت: نعم لوجبت". وفي رواية: "ولو وجبت لم تقوموا بها ولو ~~لم تقوموا بها عذبتم". # ورواه الترمذي في كتاب التفسير 5: 15، والنسائي في المناسك 1، والدارمي ~~في المناسك 4، وأحمد بن حنبل في ms373 المسند 1: 255، 291، 371، 372 (حلبي). PageV02P282 # فإن قال قائل: لأية علة وسعت في فريضة الحج، وجعلتها فيما دون الموت، ولم ~~تقل بمثل ذلك في الصلاة والزكاة والصيام؟ قيل له: لما كانت الحجة واحدة في ~~العمر كان واجبا أن لا يقضى على تاركها بالمعصية ما دام العمر غير نافد، ~~فليست فريضة الصوم كذلك وإنما هو شهر معلوم، فمن ترك الصيام فيه كان في ~~حينه تاركا للفرض، مستحقا لاسم المعصية، والصلاة بأوقاتها، فإذا دخل وقت ~~الصلاة منها فهو خروج وقت ما تقدمها من الصلاة، ولا تدخل فريضة على أخرى ~~على قدر اختلافهم في الأوقات، والزكاة مثل ذلك. # فإن قال: فما حال التارك للجهاد في سبيل الله وقد دعي إليه؟ قيل له: إذا ~~كان الداعي إلى الجهاد في سبيل الله في أئمة العدل الذين يحللون حلال الله ~~ويحرمون حرمه كان واجبا عليهم أن يجيبوه فيما دعاهم إليه من ذلك، قال الله ~~عز وجل: (يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم) ~~(¬1) ، فدل عز وجل أن جهاد المؤمنين أعداءهم حياة لهم في دينهم ودنياهم، ~~وهو من فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فمن ترك شيئا من ذلك وهو ~~قادر عليه كان مميتا لدين الله، مذللا له مع القدرة على إعزازه، قال الله ~~عز وجل: (يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله ~~اثاقلتم إلى الأرض) (¬2) إلى قوله: (إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما) ~~فتوعدهم على ترك الجهاد بالعذاب الأليم، ثم قال: (ويستبدل قوما غيركم) (¬3) ~~بأن يستأصلهم ويبدل مكانهم قوما آخرين هم خير منهم لدين الله، والقيام ~~بأمره، وهذا كله من الله وعيد. # ¬__________ # (¬1) سورة الأنفال آية رقم 24. # (¬2) سورة التوبة آية رقم 38. # (¬3) سورة التوبة آية رقم 39، وتكملة الآية: (ولا تضروه شيئا والله على ~~كل شيء قدير). PageV02P283 # فإن قال: فما حال قاتل النفس التي حرم الله بغير الحق، أو أكل أموال ~~الناس بغير حلها؟ قيل له: أما قاتل النفس التي حرم الله فقد أجمع كل من ~~أثبت الوعيد على أن فعله كبيرة ms374 متوعد عليه، لقول الله عز وجل: (ومن يقتل ~~مؤمنا متعمدا) (¬1) الآية، وقال: (والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا ~~يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق) (¬2) ، كما أجمعوا على وعيد من أكل ~~أموال الناس بغير حلها، لقوله عز وجل: (لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ~~إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم) (¬3) إلى قوله: (إن الله كان بكم رحيما)، ~~وقال: (ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما) (¬4) إلى آخر الآية، فقرنهما جميعا في ~~الوعيد، وكذلك أكل أموال اليتيم، فقد أجمعوا على وعيده، قال الله عز وجل: ~~(الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما) (¬5) الآية، غير أن أبا الهذيل (¬6) # ¬__________ # (¬1) سورة النساء آية رقم 93. # (¬2) سورة الفرقان آية رقم 68. # (¬3) سورة النساء آية رقم 29، وقد جاءت الآية محرفة في المطبوعة، حيث قال ~~"ولا" بزيادة (الواو) بدلا من (لا). # (¬4) سورة النساء آية رقم 30. # (¬5) سورة النساء آية رقم 10. # (¬6) سبقت الترجمة له قريبا من هذا.. PageV02P284 # وبعض المعتزلة قالوا: كل ما بلغ من ذلك في جميع ما يجنيه أو يغصبه من مال ~~أو جراحة أو هدم، أو غير ذلك من أرش ثوب وما يشبه خمسة دراهم، فهي كبيرة ~~مقيسة على حابس الزكاة، وعلى ما يجب فيه القطع، وليس الذي قاسوا في هذه ~~المسألة واعتبروه قياسا؛ وذلك أن الله توعد في أموال الناس وفي أموال ~~اليتيم، وترك أن يحد في شيء من ذلك دون شيء، فالحجة أن الوعيد ثابت في ~~قليلها وكثيرها، ولا يكون الوعيد متعلقا في شيء من المال بخمسة دراهم، ~~وإنما ذكر الخمسة الدراهم عند العلماء، وربع دينار وأربعة دراهم على قدر ~~الاختلاف في قطع السارق من الحرز، وقد يكون أن يأخذ السارق من غير الحرز ~~أكثر مما اتفقوا على وجوب القطع فيه إذا هو أخذه من الحرز، ثم لا يقطع ~~عندهم جميعا، مع اتفاقهم على إثبات الوعيد في ذلك. PageV02P285 # فإن قال: فبائع الحر؟ قيل: ليس يكون شيء من ظلم الناس في أنفسهم وأموالهم ~~غير كبيرة، قال الله عز وجل: (الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير ~~الحق أولئك لهم ms375 عذاب أليم) (¬1) الآية، وقد فرق عيسى بن عمير بين بائع الحر ~~وبائع الحرة، وزعم أن بائع الحرة كافر لما أباح من وطئها، وكان ذلك عنده ~~بمنزلة من وطئها بغير حل، وتوقف في بائع الحر، ولم يعتبر عيسى بن عمير أن ~~بائع الحر قد أباح تمليك رقبته وخدمته، واستهانته في غير حق، والحر والحرة ~~في كل ذلك سيان، ولا فرق بينهما. وأجمعوا على شهادة الزور أنها كبيرة (¬2) ~~؛ لأن الله ذكرها ولم يستثن في شيء منها أنه صغيرة، وكذلك الحكم بغير ما ~~أنزل الله كبيرة، من قبل أن الله عظمه وسماه ظلما وكفرا وفسقا، ولم يستثن ~~في بعض ذلك أنه صغيرة، وأكل الربا قد توعده الله على أكله الربا، وسماه ~~محاربا له ولرسوله (¬3) ، والزاني القاذف كذلك قد دللنا على تفسيقهما، ~~وإثبات وعيدهما في باب إثبات الوعيد والرد على المرجئة. # ¬__________ # (¬1) سورة الشورى آية رقم 42. # (¬2) قال تعالى: (فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور) آية 20 ~~سورة الحج. وقال تعالى: (والذين لا يشهدون الزور) الفرقان آية 72. # (¬3) قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا ~~إن كنتم مؤمنين فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله) سورة البقرة آية ~~رقم 278، 279. PageV02P286 # فإن قال قائل: ما تقولون في شارب الخمر وآكل الميتة والدم المسفوح ولحم ~~الخنزير؟ قيل له: قد اجتمعت الأمة على وجوب الحد في الخمر، وأجمعوا على ~~إبطال عدالة السكران وتجريح شهادته، وإن الله لا يغفر لمدمنها في غير حديث ~~عنه _صلى الله عليه وسلم_ (¬1) . ففي إجماعهم على ما وصفنا دلالة على أنه ~~كبيرة، والعقوبة فيه واجبة. والميتة والدم ولحم الخنزير فقد حرمها عز وجل، ~~وسمى ذلك كله رجسا، كما قال في الأوثان: (فاجتنبوا الرجس من الأوثان) (¬2) ~~، ثم قال في إباحة ذلك عند الضرورة: (فمن اضطر غير باغ ولا عاد) (¬3) فدل ~~على أن من أكل من هذه الوجوه غير مضطر إلى أكلها فإنه باغ وعاد؛ والباغي ~~والعادي عندهم من أسماء الضلال، كما قال في قوم لوط لما شدد عليهم في ms376 ~~الشتم، وغلظ لهم في الإثم: (بل أنتم قوم عادون) (¬4) ، وليس من أحد يشك في ~~ضلالة قوم لوط، وقد قال بعض العلماء في توكيد التحريم، لقوله تعالى: (حرمت ~~عليكم) (¬5) أنه كبيرة، كأنهم أرادوا _والله أعلم_ أن كل معصية جاءت فيها ~~صفة زائدة على النهي في كتاب الله، وفي سنة رسوله، وفي آثارهم أن ذلك دلالة ~~على وجوب العقاب وكونها كبيرة، والله أعلم وأحكم بالصواب. # ¬__________ # (¬1) قال رسول الله _صلى الله عليه وسلم_: (مدمن الخمر كعابد وثن). رواه ~~ابن ماجه في كتاب الأشربة. # (¬2) سورة الحج آية رقم 30، وقد جاءت الآية محرفة في المطبوعة، حيث قال: ~~اجتنبوا بدون (الفاء). # (¬3) سورة البقرة آية رقم 173. # (¬4) سورة الشعراء آية رقم 166. # (¬5) سورة المائدة آية رقم 3، وبعدها (الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل ~~لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ~~ذكيتم وما ذبح على النصب وأن تستقسموا بالأزلام ذلكم فسق). PageV02P287 # وإنما قصدنا في كل كتابنا إلى أصول الديانة من أمهات المسائل، وإلى عيون ~~الأدلة، ومعاظم الحجج، فيما احتججنا به على أهل الخلاف، وفيما سألونا عنه، ~~واجتزينا عن تصنيف مقالاتهم بذكر أصولها، وعن كثير ذلك بمختصره، وتنكبت عن ~~القول فيما هو دونه من السكون والحركات، والجواهر والعرضيات، والمختلفات ~~بالصفات، والمتضادات للأعيان، والمتجزئات والمتولدات، ونمو الناميات ~~والمعارف والجهالات، والمعلومات والمجهولات، والمخلوقات الباقيات والفانيات ~~في مثل هذا النوع، على أن إلى كل ذلك حاجة ماسة وفاقة وافقة، لكون هذا ~~العلم بعضه شادا لبعض، وليس هو أيضا من بين سائر العلوم كذلك، وربما ولعل وعسى. # وأما القول في الاستطاعة فقد ينبغي أن يفرد له، ولما ينحو الاستطاعة من ~~مسائل: العون والأمر والإرادة كتاب على حال إن شاء الله. # خاتمة # دعاني إلى ما ترون _حفظكم الله_ على عجز التقصير، ووهن العلم، مع انقسام ~~الهمة، واشتراك الفطنة بما قد تعلمون من تواتر الزلازل، وترادف البلابل، ~~رأفة بكم، وتحننا لكم، وشفقة عليكم، لكي يتألف لكم مفترق هذا في كثير من ~~المواضع، ويلتئم مشتته في سائر الدفاتر، فإلى الله أدعوا وإليه ms377 أرغب أن ~~يعفو بخير شرا، ويمحو بحسن سيئا، ويتجاوز بكثير معتمد الصواب عن يسير زلل ~~الخطأ، وأن يجعل هذا وسيلة لديه، وذخيرة عنده، وأن يصلي على محمد خاتم ~~الأنبياء وسيد الأصفياء، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. (¬1) # ¬__________ # (¬1) تم تبييض كتاب الموجز، تأليف المرحوم أبي عمار عبد الكافي _رضي الله ~~عنه_، بيد الفقير لرحمة مولاه صدقي محمد بن أيوب الميزابي الجزائري 2 ربيع ~~الأول 10 نوفمبر. # 1373 ه 1953 م. # وختمت بهذه الخاتمة: قد كمل هذا الكتاب المبارك بالتمام والكمال والحمد ~~لله على كل حال، وصلى الله على محمد خاتم الإرسال سيد الرجال من كاتبه ~~المسعود بن إبراهيم السعر. اللهم أغفر لنا ولكافة المسلمين أجمعين يا أرحم ~~الراحمين يا رب العالمين، وهو حسبي ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله ~~العلي العظيم. # يوم 23 جمادى الثانية سنة 1331 ه القمر، يوم 31 ماي سنة 1913 مسيحي.وإنما ~~قصدنا في كل كتابنا إلى أصول الديانة من أمهات المسائل، وإلى عيون الأدلة، ~~ومعاظم الحجج، فيما احتججنا به على أهل الخلاف، وفيما سألونا عنه، واجتزينا ~~عن تصنيف مقالاتهم بذكر أصولها، وعن كثير ذلك بمختصره، وتنكبت عن القول ~~فيما هو دونه من السكون والحركات، والجواهر والعرضيات، والمختلفات بالصفات، ~~والمتضادات للأعيان، والمتجزئات والمتولدات، ونمو الناميات والمعارف ~~والجهالات، والمعلومات والمجهولات، والمخلوقات الباقيات والفانيات في مثل ~~هذا النوع، على أن إلى كل ذلك حاجة ماسة وفاقة وافقة، لكون هذا العلم بعضه ~~شادا لبعض، وليس هو أيضا من بين سائر العلوم كذلك، وربما ولعل وعسى. # وأما القول في الاستطاعة فقد ينبغي أن يفرد له، ولما ينحو الاستطاعة من ~~مسائل: العون والأمر والإرادة كتاب على حال إن شاء الله. # خاتمة # دعاني إلى ما ترون _حفظكم الله_ على عجز التقصير، ووهن العلم، مع انقسام ~~الهمة، واشتراك الفطنة بما قد تعلمون من تواتر الزلازل، وترادف البلابل، ~~رأفة بكم، وتحننا لكم، وشفقة عليكم، لكي يتألف لكم مفترق هذا في كثير من ~~المواضع، ويلتئم مشتته في سائر الدفاتر، فإلى الله أدعوا وإليه ms378 أرغب أن ~~يعفو بخير شرا، ويمحو بحسن سيئا، ويتجاوز بكثير معتمد الصواب عن يسير زلل ~~الخطأ، وأن يجعل هذا وسيلة لديه، وذخيرة عنده، وأن يصلي على محمد خاتم ~~الأنبياء وسيد الأصفياء، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. (¬1) # ¬__________ # (¬1) تم تبييض كتاب الموجز، تأليف المرحوم أبي عمار عبد الكافي _رضي ~~الله عنه_، بيد الفقير لرحمة مولاه صدقي محمد بن أيوب الميزابي الجزائري 2 ~~ربيع الأول 10 نوفمبر. # 1373 ه 1953 م. # وختمت بهذه الخاتمة: قد كمل هذا الكتاب المبارك بالتمام والكمال والحمد ~~لله على كل حال، وصلى الله على محمد خاتم الإرسال سيد الرجال من كاتبه ~~المسعود بن إبراهيم السعر. اللهم أغفر لنا ولكافة المسلمين أجمعين يا أرحم ~~الراحمين يا رب العالمين، وهو حسبي ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا ~~بالله العلي العظيم. # يوم 23 جمادى الثانية سنة 1331 ه القمر، يوم 31 ماي سنة 1913 مسيحي. # ----NO PAGE NO------ ms379