######OpenITI# #META# comp: 1 #META# max: 402 #META# Shamela_short_metadata_record: #META# الكتاب : العدل والإنصاف للوارجلاني #META# ndata: بسم الله300821FBري بعضه. #META# bk: العدل والإنصاف للوارجلاني #META# bkord: 187 #META# archive: 1 #META# الكتاب: العدل والإنصاف للوارجلاني #META# cat: أصول الفقه والقواعد الفقهية #META# iso: العدل والانصاف للوارجلاني #META# bkid: 100 #META# ScrapeDate: 13-03-2020 #META# ScrapedFrom: ShamelaIbadiyya #META#Header#End# ### | CHECK العدل والإنصاف للوارجلاني # بسم الله الرحمن الرحيم # صلى الله على سيدنا محمد # كتاب العدل والانصاف في معرفة أصول الفقه والاختلاف # ... قال الشيخ الإمام الفقيه النبيه الوجيه المج الأرشد أبو يعقوب يوسف ~~بنإبراهيم بن مناد السدراتي رحمه الله . # ... الحمد لله الذي خلق الخلق لا لحاجة ولا لاستفادة ، وخلق الملائكة ~~المقربين للقرب والسعادة ، وخلق الجن والأنس للابتلاء والعبادة ، وخلق سائر ~~الخلق للدلالة والشهادة ، والصلاة على نبي الرحمة ، هادي الأمة ، محمد بن ~~عبدالله خاتم النبيين ، رسول رب العاملين . وعلى جميع الأنبياء والمرسلين ، ~~وعلى سائر المؤمنين والمؤمنات أجمعين . آمين رب العالمين. # ... أما بعد ، فإن الحكمة الإلهية قد اقتضت وجود الخلق ، واقتضى وجود ~~الخلق وجود العقل ، واقتضى وجود العقل وجود التكليف ، واقتضى وجود التكليف ~~/ وجود الجزاء ، وهو الحق ، قال الله تعالى : { وما خلقنا السموات والأرض ~~وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار } (¬1) . ~~ثم إن الله عز وجل بعد أن خلق الخلائق أرسل رسلا تترى ، وأنزل كتبا تتلى ~~ليتفكر متفكر فينظر ، وينظر ناظر فيبصر ، ويبصرمبصر فيعتبر ، ويعتبر معتبر ~~فيتذر ، ويتذكر فيزدجر ، ويزدجر مزدجر فيتستبشر ، ويستبشر مستبشر فيشكر ، ~~ويشكر شاكر فيؤمن ، ويؤمن مؤمن فيحسن ، { الذين أحسنوا الحسنى وزيادة } . ~~وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟ والاحسان الأول هو الإيمان ، والإحسان ~~الثاني هو السعادة الأبدية ، وللإيمان باب ومدخل ،وعليه إقليد ومقفل ، وهو ~~الكتاب والسنة والرأي . / ومفتاح الباب أصول اللسان وأصول الجنان ، فأصول PageV01P001 # اللسان اللغة والنحو ، وأصول الجنان المنطق والفقه ، وهذه الأربعة الأصول ~~لا غنى لسبيل الهداية عنها ، إذ باللغة يكون البيان ، وبالنحو يكون التبيان ~~، والمنطق تظهر (¬1) حجج البرهان ، وبأصول الفقه تظهر معاني القرآن فنسبة ~~صناعة المنطق إلى العقل في المعقولات كنسبة صناعة النحو إلى اللسان في ~~المقولات ، وإنما المرء بأصغريه فؤاده ولسانه ، قال القائل (¬2) : # ... لسان الفتى نصف ونصف فؤاده ... ولم يبق إلا صورة اللحم والدم # فإذا كانت الحاجة ماسة إلى هذه المعاني الأربعة ، لا سيما لمن يتعاطى ~~طريق الهدى طريقا، واتخذه إماما رفيقا ، وجعله أليفا صديقا (وسلك مجدا) ~~(¬3) حقيقا ، فرأينا أصولي اللسان ؛ اللغة والنحو ms001 قد لحبت (¬4) سبيلها / ~~واستقامت أصولهما فرأينهما كالمجمتع عليهام ، وقد تصدى لهما أقوام فألقوا ~~فيهما ما فيه الكفاية لمن أراد الله إرشاده وهداه ، فكفينا المئونه فيهما . ~~وإن كان المنطق بمثابتهما في اتساق مباينة وصحة معانيه ، لكنه عوص المسلك ~~على الأقوام ،سريع الدثور على الأفهام . فلذلك غامت فنونه وانطمست عيونه ، ~~واندمجت قوانينه ، وتعطلت براهينه ، فالتحق بالأولين في البيان وقصر عن ~~التبيان. # ... فأما معرفة الفقه وأصوله فإنها غير مضبوطة بكثرة الاختلاف في فصولها ~~، وقلة الاتفاق على أصولها ، وكثرة التنازع في محصولها ، لأنها بنيت على ~~أمارة وإشارة. وبراهينها مقصورة على تلويحات وتنبيهات ولم تكن براهينها ~~عقليات مطردات منعكسا بحججها ، غير مقطوع بها ولا متفق / عليها فلذلك أردنا ~~أن نشير إلى الطريقة الوسطى منها، ونستعمل الجواد ، ونطرح الشواذ ، ونسلك ~~مسلكا قصدا بين الغلو والتقصير PageV01P002 # ليقرب المأخذ على المقتصد و )تهون) (¬1) المشقة على المجتهد، والله ولي ~~التوفيق والفضل والهداية والطول. # ومعولنا -بعد حمد الله- في استخراج الحق من خلل الباطل أمران؛ أحدهما ~~خبر، والآخر. # أما الخبر فقول رسول الله عليه السلام: «يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ~~ينفون عنه تأويل الجاهلين وتحريف الغالين وانتحال المبطلين» (¬2) وذلك أن ~~الله ركب في طباع البشر عشق صنايعهم والشغف بها والدب عنها والحياطة لها ~~وتخليصها من الشوايب والمعايب. وإيثارها على المطاعم والمشارب والمفارش ~~والمراكب، لا سيما صناعة العلوم خصوصا قد ائتلفت القلوب والهمم والطبايع ~~والشيم من العرب / والعجم على تلخيص هذه المعاني وتخليصها من الميون والكذب ~~والأماني، ولا سيما هذه الأربعة وهي الخادمة لأصول الدين، فائتلفت القلوب ~~على اختلاف البلدان والأماكن، وتباعد الأقطار والمساكن، وتنافر أهل المدائن ~~والمواطن، وهو أدب اله تعالى في القرون الماضية والأجيال الخاليه، وهو دأبه ~~في الأمم الجائية الآتية { ولن تجد لسنة الله تبديلا } (¬3) ، { ولن تجد ~~لسنة الله تحويلا (¬4) } وهو معنى الحديث الذي ذكرناه أولا. # ... وأما النظر، فاستعمال كل شيء من العلوم في موضعه، وإعطاء كل ذي حق ~~حقه. وعول على الأصول التي اجتمعت عليها الأمة واجعلها منارك، واتخذها ~~معيارك، وأرد الله يردك، واضرب العلوم بعضها ms002 ببعض يخلص لك الذهب من الخبث، ~~والمخض من بين الدم والفرث. وقد جعل الله للإسلام ضوءا ومنارا كمنار الطريق ~~/ وحلاوة وطلاوة في اللها والحلوق، وسكونا وقبولا PageV01P003 # في النفوس والقلوب، والحق يصدق بعضه بعضا ولا يكذب بعضه بعضا. وأجتنب ~~التقليد فيما يخالف التقييد والمنكر في الصدور و(الشواذ) (¬1) في الأمور. ~~والد ... ين بين الغلو والتقصير. واستعمل الحذر في مظان التهم والعلم في ~~حناديس الظلم، واستعمل الاثنى عشرية تسلم؛ وذلك أن (سعادة) (¬2) الآخرة ~~العلم، ثم الإيمان، ثم العلم، ثم التوفيق، ثم حسن الخاتمة، فإذا لم يكن حسن ~~الخاتمة لم يكن التوفيق، فإذا لم يكن التوفيق لم يكن العمل الذي يجدي، وإذا ~~لم يكن العمل الذي يجدي لم يكن الإيمان الذي يجزي، وإذا لم يكن الإيمان ~~الذي يجزي لم يكن العلم الذي يغني، وإذا لم يكن العلم الذي يغني خسر المرء ~~الدنيا والآخرة؛ { ذلك هو الخسران المبين } (¬3) ثم إني نظرت في العلم وهو ~~الباب الأول فرأيته منحدبا من آفات كثيرة فلم يسلم العبد من واحدة منها بله ~~جملتها. فرأيت من التوفيق -إن شاء الله- وهو من ملاك الأمر، استعمال آيتين ~~من كتاب الله، وحديثين من حديث رسول الله - عليه السلام - ، وخبرين عن أبي ~~بكر الصديق - رضي الله عنه - ، وأثرين عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - . ~~ونظرين عن علي بن أبي طالب، وأوكدها وأشدها استعمال أمرين من أمور أبي ~~عبدالله محمد بن بكر - رضي الله عنه - . فأول الآفات ألا تكون للعبد همة في ~~الطلب بعد الجهل وللهو واللعب، وألا يريده، فإن سلم وطلب وأراد وأحب ~~استقبلته آفة أخرى، وهو أنى له بالعلم الصافي من كدرات الكذب، ولقول رسول ~~الله - عليه السلام - : «اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع» (¬4) PageV01P004 ولقوله - عليه السلام - : «العلم علمان / علم باللسان وعلم ~~بالجنان؛ فأما العلم باللسان فذلك حجة الله على ابن آدم، وأما العلم ~~بالجنان فذلك هو العلم النافع» (¬1) # ومنها التقليد للآباء والأجداد، وانتصار الأخلاق للأسلاف لأجل الصبا ~~السابق واللهو اللاحق. وتفضيل العصار على الأعمار. والمألوف على المعروف، ~~ولم يجعلوا ms003 للنهي في أنفسهم نصيبا. ومنها قطاع الطرق على ذوي الحق، وسراق ~~العقول من أهل الألحاد والفرق، وتلبيس إبليس عند لوائح الصدق. فأما الآيتان ~~من كتب الله فقوله تعالى: { وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل ~~فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم ~~يحذرون } (¬2) والآية الأخرى قوله تعالى: { اتقوا الله ويعلمكم الله } (¬3) ~~فمن اتقى علم، ومن علم تفقه. اللهم فقهنا في الدين، وعلمنا التأويل يا رب ~~العالمين. # وأما الحديثان فقوله - عليه السلام - : «من يرد الله به خيرا يفقهه في ~~الدين ويعلمه / التأويل ويلهمه رشده» (¬4) . # وأما الحديث الثاني فقوله - عليه السلام - : «لن يتفقه أحدكم كل الفقه ~~حتى يرى للقرآن وجوها كثيرة» (¬5) . وهو معنى قوله تعالى: { وقل رب زدني ~~علما } (¬6) وفقر الأعمى إلى الرؤية أشد من فقر الرائي إلى كثرة الوجوه. ~~وهاتان الآيتان والحديثان ترغيب في التقوى وتوفيق في الطلب وإلهام في نيل الأدب. PageV01P005 # وأما الخبران عن أبي بكر الصديق فقوله: (ما من عالم إلا وفي علمه مأخوذ ~~ومتروك ما عدا صاحب هذا القبر) والتفت عن يمينه وأشار إلى قبر رسول الله - ~~عليه السلام - وهو على المنبر، وهذا الحديث يدل على التخيير بين أقاويل ~~العلماء. # والخبر الآخر قوله: (أي أرض تقلني، وأي سماء تظلني إن أنا فسرت القرآن ~~برأيي!؟) (¬1) وهذا الحديث صيانة للعلم عن الكذبة والخونة والتقليد. # وأما الأثران عن عمر فقوله: جردوا / الحديث وأنا شريككم في الأجر (¬2) . ~~وهذا الحديث صيانة لرسول الله - عليه السلام - لا يلتبس بغيره لأنه أوتي ~~جوامع الكلم. # والثاني: أنه يكتب إلى عماله وأمراء الأجناد أن علموا أولادكم النحو ~~والعربية وهما لسانا الدين ومفتاحاه وركناه. # وأما النظران، فقول علي حيث قال: (لا تكونن إمعة). وهذا نهي عن التقليد. ~~والثاني: قوله: (عدو المرء ما جهل), وصدق الله تعالى: { بل كذبوا بما لم ~~يحيطوا بعلمه } (¬3) وكما قال - عليه السلام - : «ما من رجل يحدث قوما بما ~~لم تبلغه عقولهم إلا كان فتنة على بعضهم» (¬4) . والداء العضال في الأمرين ~~قول أبي عبدالله محمد بن بكر - رضي ms004 الله عنه - : (من أراد الطريق فليقطع ~~عليه من فوق). والثاني، قوله لسائله وقد سأله عن الرخصة في مسألة وألح ~~عليه، فقال الشيخ: أرأيتك لو أجبتكها أكنت تعمل بها؟ فقال له السائل: نعم، ~~ولا ألتفت ولا أبالي. # فقال له الشيخ: لا، ولكن تزن كل ما قلت لك بميزان الهندي إلى عين الشمس (¬5) . PageV01P006 # فمن استعمل هذه الاثنا عشرة ووزن بميزانها سلم من الطغيان والخسران وأداه ~~إلى حقيقة الدين والإيمان. وأما أصول الديانات فهناك الداء العياء، والداء ~~العضال، إذ لا يسع أحد خلاف دين الله الذي شرع، وحكمه الذي صدع، ونوره الذي ~~سطع. فها هنا تورط الخلايق وتغشمروا (¬1) وتقحموا وتهوروا وتغشموا. وعول ~~على ما استحسن واستسلف. فجرى الخلف على منهاج السلف فكل قد ركب أشقر صدف في ~~سنن التلف. وأقربهم قربى من تتبع الشبه واتخذه إماما لنفسه، وزماما لعيسه، ~~ولا يدرون إن العلم حياة القلوب، وغذاء الأرواح، والحي يحتاج إلى غذاء ~~ودواء؛ أن صح تغذى، وإن مرض تداوي ولا ينفع المريض الغذاء، ولا الصحيح ~~الدواء. فالغذاء هو العلم النافع / المعقول، والدواء هو الشرع الناقع (¬2) ~~المنقول. ومن استعمل كلا في موضعه أحكم أمره وقل خطره. فذلك هو الطبيب ~~الحاذق والعالم الصادق. ومن خلط الأصول بالفصول، والفصول بالأصول، وهو حال ~~الأكثرين ، انتكس وارتكس. # فلما ابتلي الجمهور بهذه الأمور اختلفت الأغراض والمطالب، وكثرت الآراء ~~والمذاهب، فاقتصروا على رأيهم في مناظراتهم، وعرجوا على اعتقاداتهم في ~~محاوراتهم. فجدوا في محاولاتهم وكدوا في مجاولاتهم، وفرحو بما عندهم من ~~العلم، { وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون } . فهنالك ذهبوا شذر مذر (¬3) ، ~~وتفرقوا شغر بغر (¬4) . فبعض ذهب به تلفيق الآباء وتقليد الأسلاف كل مذهب ~~فهؤلاء أصحاب الحديث. وبعض قد استولى عليهم العمى PageV01P007 # والشبهات أينما تقلب، فهؤلاء المارقة. وبعض قد انشعب بهم اللهو والشبهات ~~كل مشعب فهؤلاء المرجئة. وبعض قد استعملوا التقييد زعمهم وتجنبوا التقليد ~~جهدهم حتى تعمق ونشب فهؤلاء القدرية. وبعض حول العيون، عور القلب أشتبه ~~عليهم الخالق والمخلوق فحادوا يسار الطريق، فهؤلاء المجسمة. وبعض غليظ ~~القفا حليف الجفا عليه العفاء (¬1) ، يسترط ms005 (¬2) السفى، ويزعم أنه الشفاء، ~~يقول لا إله إلا الخلفاء من ذرية علي والمصطفى، حسبي الله وكفي، فهؤلاء ~~الرافضة والغالية من الشيعة. تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا. # وبعض قادة التوفيق والتسديد، وحداه العون والتأييد، وساقه التمهيد ~~والتوطيد، وغذاه الألطاف ورباه الإسعاف حتى ظفر بعزيز المطلب كريم المنصب ~~دين الله الأصوب، وهم المسلمون كما قال أبو نوح صالح الدهان (¬3) : ولدت ~~زمان مقتل عثمان بن عفان فأدركت الناس ثلاثة أصناف: فوم يزينون أمر عثمان ~~ولا يفرطون في الإرجاء، وقوم يزينون أمر علي ولا يفرطون في التشيع، ~~والمسلمون بعد على هداهم وما رزفهم الله من التوفيق. # فإن قال قائل: أراك قد نلت ونلت (¬4) ، وعبت وغبت، ورميت الأمة بالأمة ~~(¬5) ، والملة بالقلة، وشملت السانح والبارح. وخلطت الساذج بالطازج ومدحت ~~نفسك بالوفاء، ونبزت غيرك باللفاء (¬6) ، فكيف وحتام بلغت المنى، وفاز غيرك ~~بالمنى (¬7) ، ومن عاب اجتنب المعيب، ومن طاب استعمل الطيب. وأراك PageV01P008 # قد وضعت أمورا متشاكهة (¬1) متلاحقة (¬2) ، وأشياء متشابكة متلابكة (¬3) ~~. فأين السنى (¬4) والسدى (¬5) من اللحمة (¬6) والطعمة (¬7) وأين الضياء ~~والنور من السدفة/ والظلمة؟ ألك علم بغيب العباد، أم ظهرت لك أحكام البارئ ~~غدا في المعاد؟ فإن كان فانصب منوا لك وأنسج عليه أقوالك، حتى يظهر الحق ~~ولسان الصدق عند جميع الخلق، وإلا التحقت بالأخرين أعمالا المبطلين أقوالا. # فأقول، والله الموفق للصواب، والهادي إلى سبيل الرشاد: لا جرم أن من ادعى ~~منهاج المحجة فعليه إيضاح الحجة، وعند شواهد الإمتحان تظهر فضايح الإنسان ~~والتبرز في الميدان. # واعلم أن لله - عز وجل - طريقا في الدنيا يقوم بها العدل ويتبين بها ~~الجور والميل. قال الله تعالى في محم كتابه: { ونضع الموازين القسط ليوم ~~القيامة } (¬8) . وقال: { ولقد أرسلنا رسلنا بالبينات، وأنزلنا معهم الكتاب ~~والميزان ليقوم الناس بالقسط } (¬9) . وقال أيضا سبحانه: { الرحمن علم ~~القرآن. خلق الإنسان. علمه البيان. الشمس والقمر بحسبان. والنجم والشجر ~~يسجدان. والسماء رفعها ووضع الميزان. الأ تطغوا في الميزان. وأقيموا الوزن ~~بالقسط ولا تخسروا الميزان } (¬10) . PageV01P009 # فلا تكونن من الأغبياء الغفال فتظن أن هذا الميزان ميزان الأنقال ~~والأحمال. ذكر الله عز وجل ms006 صنيعة الإنسان، وأنه امتن عليه بتعليم البيان، ~~لعجايب ما أودعه الله تعالى في القرآن، فذكر الشمس والقمر، والنجم والشجر، ~~عجائب ملكوت السموات بحسبان. وعجائب ملكوت الأرض، وهي النجم والشجر يسجدان. ~~ثم ذر رفع السموات ووضع الأرض، ووضع الميزان فجعل السماء والرض طر في شاهد ~~للميزان، فابتدأ بالسماء ورفعها، وعقب بذكر الأرض ووضعها؛ بالسماء وشاهداها ~~الشمس والقمر، والأرض وشاهداها النجم والشجر دلالة على نباهة هذا الميزان ~~العظيم للأمر الجسيمن وهو الإشارة إلى ميزان العقل لا ميزان الثقل فالثقيل ~~يراد لمعاملة الأغبياء في الدنيا، والعقل يراد / لمعاملة الأتقياء للأخرى. # ثم وصف الميزان فقال: { .. ووضع الميزان، ألا تطغوا في الميزان } ~~فالطغيان في الميزان انتحال الألوهية للأوثان. والخسران في الميزان تقصيرها ~~عن الرحمن. # فأول موازين الله - عز وجل - كتبه المنزلة، وأنبياؤه المرسلة، والأولياء ~~المحدثة المروعة، والحواس المطبوعة المسخرة، والعقول المضيئة المنورة. فمن ~~بهذه الموازين فزاد وطغى، أو نقص فبغى، ضل وغوى وهلك وتردى. ومن وزن وعدل ~~وتحرى الصدق ولم يمل فاز ونجا. وأنا أدعو إلى هذه الموازين على أن تكون لي ~~وعلي. ومن حكم على غيره كما يحكم على نفسه فقد عدل، ومن أحب لغيره مثل ما ~~يحب لنفسه فقد أنصف. وأنا أدعو إلى طريق العدل والإنصافن وأنهى عن الجور ~~والإنحراف فمن أجاب اصاب، ومن أبى واستكبر فقد خسر وخاب/: # سل السيف يا صيقل ... ... أيكما يقتل.!؟ # وميزان خالقنا ..... ... ... هو الحق لا الأميل # وميزانك،م مائل ... ... دعوه ولا تسألوا # وإلا هلم نزن ... ... تروا أيكم أعدل # أعمالي أعمى لي. أعمالك أعمى لك. أحوالي أحوى لي، أحوالك أحو لك. أفعالي ~~أفعى لي. أفعالك أفعى لك ، فهذا مثل ينبئك بالمالك والهالك. PageV01P010 # وأنا أشرع -إن شاء الله- فيما أنا بسبيله، وأستعين الله وأستهديه لمراشد ~~الأمور، فإن أصبت فبتوفيق من الله، وإن أخطأت فمن نفسي ومن الشيطان. ~~وأستغفر الله وأسأله المنتوبة. اللهم أرنا الحق حقا وأرزقنا اتباعه، وأرنا ~~الباطل باطلا وأرزقنا اجتنابه، وأعذنا من أن يشتبه علينا/ فنتبع أهواءنا ~~بغير هدى منك يا أرحم الراحيمن. واستعتب كل مسلم قرأ هذا الكتاب أن ms007 يحمل ~~كلامنا على أحسن وجوهه. وهو دين الله تعالى الذي تعبد به عباده وشرع فيه ~~مراده، وقد قال الله تعالى: { الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه } (¬1) ~~الآية. وحسبنا ما لا ينفك عنه الآدمي في غالب الحال من الخطأ والسهو ~~والنسيان. وقد أوسع الله عز وجل عذر المستنبطين في فروع الشريعة في ألفاظهم ~~ومعانيهم فليوسعنا عذرا كما أننا توسعه أعذارا في مثل ذلك. فليس أحد أكثر ~~معاذيرا من الله - عز وجل - وقد قال: فخذوا بأحسنها. وقال الإمام (¬2) - ~~رضي الله عنه - : إذا أتى أحد بوجه يحتمل الوجوه في دين الله - عز وجل - ~~وأن يحمل على المعول دون المموه الصريح (¬3) . وإلى الله أشكو عجزي وبجري ~~ممن أكدي فهمه، وقل/ علمه، تخاطبه بكلام خاصي، ويراجعك بكلام عامي، ولسن ~~لقن يستلين الأخشن، وستخشن الألين، ويركب الكوذان يحسبه من أفره الحصن، ~~ويزعم أنه أبن من ومن. وآخر طاغ باغ يقول ما على الرسول إلا البلاغ، وهو ~~نصراني الصباغ. اللهم نور قلوبنا بأنوار الحكم، واشرح صدورنا لفهم جوامع ~~الكلم، وأعذنا من زلات القدم في حنادس الظلم. ومن طغيان القلم في مظان التهم. PageV01P011 وأعوذ # بك عنن العنن ومنن المنن عن سنن السنن، والإفتتان في غير فن. ونعوذ بك من ~~حيرة الحصر وفضول الهدر، والإنهمار في غير بر، وعافنا من العفو والعافية ~~ومن آثار القافية، وارزقنا العفو والعافية في الدنيا والآخرة. ولا تكتبنا ~~في ديوان الأشقياء ولا تحرمنا عوايد الأتقياء، وحطنا حياطة الأولياء، ~~واكفنا كفاية الأكفياء، إنك على كل شيء قدير. وصلى الله على نبينا محمد ~~وآله وسلم تسليما والحمد لله رب العالمين. # وصية جامعة لأهل الأدب والنهى والطلب # ونريد أن نقدم ها هنا بابا من الأدبيات لطلب العلم. # إعلم أن طلاب العلوم تدعوهم أنفسهم أولا لتحقيق مآربهم وتصحيح مطالبهم، ~~فإذا دخلوا فيها وتوغلوا وارتقوا إلى المناظرة دعتهم أنفسهم إليها فنعما ~~رأوا. حتى غذا حصلوا وجمحت بهم أنفسهم إلى المجادلة في الميزان الشهي ~~الرضي، لا قتل ولا قتال ولكن الغلبة والنضال. واعتقاد النفوس فيها الدب عن ~~الدين. والدعاء إلى الحق ms008 المبين. # حتى إذا غالتهم الغول، وذهب بهم القول ، نشبوا فغلوا وطغو وبغوا غلا ~~المحسنين { فأولئك ما عليهم من/ سبيل } (¬1) وقيل ما هم. فالمذاكرة من شأن ~~الطلبة المجتهدين. والناظرة هي دأب الفقهاء المحققين. والمجادلة ديوان ~~السفهاء الجاهلين إلا المحسنين. قال الله تعالى: { ولا تجادلوا أهل الكتاب ~~إلا بالتي هي أحسن } (¬2) وقال: { إن جادلوك فقل: الله أعلم بما تعملون } ~~(¬3) وقال لرسوله عليه السلام: { وجادلهم بالتي هي أحسن } (¬4) وعني بالتي ~~هي أحسن: البلاعة في المقال، والمناصحة في الفعال، والأعراض عن النضال. # وقد قال الله عز وجل: { وكان الإنسان أكثر شيء جدلا } (¬5) ذما مطلقا لا ~~حمدا مواثقا. PageV01P012 # الأولى: فينبغي للطلبة إذا أرادوا ركوب هذه السفينة المنجية، وخوض لجة ~~هذه البحار المهلكة المردية، أن يقدموا بين أيديهم تقوى الله، فإن التقوى ~~رأس كل بر، وسبب كل خير، وحاصل خير الدنيا والآخرة./ فلن ينفعك شيء إى ~~بالتقوى. ولا قبول إى من المتقين، وقال رسول الله عليه السلام لمعاذ بن ~~جبل: «اتق الله في حكمك إذاحكمت» (¬1) . # الثانية: إخلاص النية لله فيما تحاول وتقاول فإن الله عز وجل لن يقبل من ~~العمل إلا ما أريد به وجهه خالصا مخلصا. قال الله تعالى: { وما أمروا إلا ~~ليعبدوا الله مخلصين له الدين } (¬2) وقال عليه السلام: «إنما الأعمال ~~بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» (¬3) . # الثالثة: قبول الحق ممن جاء به، والإعتراف له والإقرار به، والإذغان له، ~~وأن يستنكف عن صفات من وصفه الله بالاستنكاف عن الحق. ومن امتنع عن قبول ~~الحق علما خدع نفسه، ومن أباه جهلا أوتع (¬4) نفسه. قال الله تعالى: { ~~يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون } (¬5) وقال ~~أيضا: { قلوبهم منكرة وهم مستكبرون } (¬6) وقال: { وجحدوا بها واستيقنتها ~~أنفسهم ظلما وعلوا فانظر كيف كان اقبة المفسدين } (¬7) . # الرابعة: ألا يعود نفسه المجادلة في كل شيء؛ قال الله تعالى: { وكان ~~الإنسان أكثر شيء جدلا } والمجادلة تدعو إلى اللجاجة، وتدعو إلى المجادلة، ~~وإلى إغماض الناس، وإعجاب النفوس. وهي حبالة إبليس. وقد غلط الناس قديما في ~~أشعارهم وأنثارهم. وقد نهى الله ms009 عنها لنصرة الحق. فما ظنك بمن جادل بالباطل ~~ليدحض به الحق؟! # قال الله تعالى وعيدا وتهديدا: { وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق } (¬8) . PageV01P013 # الخامسة: أن يراعي العدل والإنصاف بينه وبين خصمه، فلن تتم مرؤة أحدكم ما ~~لم تجتمع فيه هاتان الخصتان، ولا تقوى حتى يجمعها. وقد نصبنا العدل وافنصاف ~~ميزانا بين كل خصمين. فمن حاد حاذه (¬1) / آد آده واستمنت منته، وخابت ~~حجته، ومن لاذ كاده نال مراده وفلجت حجته. والحذر كل الحذر أن تظلم خصمك ~~مثقال حبة من خردل فيكون ربك خصمك وظلمك وقصك. قال رسول الله عليه السلام: ~~«الظلم ظلمات يوم القيامة» (¬2) . # السادسة: أن يحسن خلقه ويستعمل الأدب بين يدي ربه، ويستعمل الوقار والعلم ~~والتقى والحلم، ولا يهمز ولا يغمز ولا يلمز. وليقابل مناظره بكل وجهه، ~~ويظهر البشر والتبسم في وجهه، والإعظام والذب عنه في مغيبه. # فأول ما يحسن أدبه مع الله عز وجل إذا سمع كلامه أن يظهر إجلاله وإعزاز، ~~ويصغي إلى الفائدة منه. وإنما ظهرت فوائده على قدر عقولنا، لأن فيه علم ~~الأولين والآخرين. وقد قال علي بن أبي طالب: ما من شيء إى وفي القرآن علمه، ~~ولكن عقول الرجال تعجز عنه. ولهل العلم في / توعيته فوائد وعوائد. PageV01P014 # ولا ينبغي له أن يخلط كلام رب العالمين بكلام غيره، ولا يقطعه عن خصمه، ~~ولا يماري فيه ولا يداري. قال رسول الله عليه السلام: «لا تماروا في القرآن ~~فإن مراء فيه كفر» (¬1) وقال عليه السلام: (اقرأوا القرآن ما ائتلفت عليه ~~قلوبكم فإذا اختلفتم فقوموا» (¬2) . ولا يضرب بعضه ببعض، سواء كان ذلك منه ~~وحده أو مع خصمه. فإن نزع خصمه آية من كتاب الله عز وجل فليتربص وليلق ~~السمع وهو شهيد، لئلا يحصل في الوعيد: قال الله تعالى: { وكأين من آية في ~~السموات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون } (¬3) وقد قالوا: ينبغي خفض ~~الصوت في ثلاثة مواطن: عند قراءة القرآن، وعند الجنائز، وعند القتال. # فإذا ظهرت لك من أحد مثل هذه الأخلاق فانصحه فإنه لغو، فإن أبى فإعرض عنه ~~واقطع كلامك دونه. ms010 قال الله تعالى: { وإذا مروا باللغو/ مروا كراما } (¬4) ~~وقال تعالى: { وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فإعرض عنهم حتى يخوضوا في ~~حديث غيره، فإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين } ~~(¬5) وكذلك قول رسول الله عليه السلام، ينبغي له أن يوقره ويعزره حتى كأنه ~~حاضر معه. فالإيمان به غائبا PageV01P015 # كالإيمان به حاضرا وأفضل. ويتتبع فوائده، فإنه قد أوتي جوامع الكلم. وقد ~~عوتب في قلة الكلام فقال لأصحابه: «أعذروني فإني رسول مبلغ (¬1) « ولينته ~~عند أمره ونهيه، قال الله تعالى: { فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم ~~فتنة أو يصيبهم عذاب أليم } (¬2) وقال بعضهم: ما قطع كلام رسول الله عليه ~~السلام أحد عن أحد إلا أصابته فتنة في دينه. ونعوذ بالله من سوابق ~~الشقاء.وينبغي (له) (¬3) أن يستعمل الأصغاء والقبول، ولا يقابله بالرد ~~والعدول ولا يضرب بين أقواله ولا يناقضها بأفعاله، وليؤمن ويصدق، أو ليتوفق ~~حتى يقق، ولا يستقبلها بالتكذيب إذا ظهر/ فيها شيء من التشبيه بل يطلب لها ~~تأويلا يحملها عليه تحميلا، ويقول: غن صح الحديث. وليقتصر في كلامه على ~~أدنى ما يبلغ به مراده فإنه البلاغة. وما زاد فعي. وليجتنب التكرار ~~والترداد فإنه من العي، وليجتنب التقعير (¬4) فإنه التنفير. واليجتنب ~~التشدق (¬5) والتفيهق (¬6) والتعمق (¬7) والتوهق (¬8) والتعمق (¬9) ، ~~وليراع العقول الحضرة، ومن وراء ذلك الحفظة الكرام البررة. وليستعمل في ~~كلامه إذا تلكم ألا يخطب ولا يطنب، ولا يسهب ولا يعجب ولا يطرب # ولا يصخب ولا يغضب ولا يكذب، وليحذر أن يستب فإن المستبين شيطانان ~~يتهاتران، ولا يغتب أحدا. وليجتنب ما يعتذر منه، ولا يعذر نفسه في المواطن ~~التي لا يعذر فيها غيره، ولكن عدلا وسطا بينه وبين ربه، وبينه وبين خصمه. PageV01P016 # تمت الصدرة. من ها هنا/ مشره في المقصود الذي أردناه، ونبتدئ بطرق العلم ~~ونوطدها توطيدا، ونمهدها تمهيدا إن شاء الله, ولا حولة ولا قوة إلا بالله. # باب # أقسام العلوم # أعلم أن الطرق التي تطرق فيها العلوم إلى العباد ثلاثة أقسام: حس متصل، ~~وحس منفصل، وحس بنية. فالحس المنفصل كاللمس والذوق، والحس ms011 المنفصل هو ~~الرؤية والسمع والشم. وحس البنية ما يجده الإنسان من نفسه من غير طريق ~~الحاسة كالألم واللذة، والفرح والحزن، والوجود والعدم، والحدوث والقدم. # وتنقسم العقليات ثلاثة أقسام: واجب، وجائز، ومستحيل. فأما الواجب فهو ما ~~لا بد من كونه كمعرفة الفاعل بعد ثبوت الفعل. قال الله تعالى: { أفي الله ~~شك فاطر السموات والأرض } (¬1) فأثبت الشك عمن انتفى عنه/ جهل الفطور، فليس ~~بعد انتفاء الشك إلا العلم. ومن قبيله شكر المنعم، بعد حصول النعم، وكفره. # ومن الواجبات أيضا ثبوت القدرة لمن ثبت له العقل، وثبوت العلم لمن ثبتت ~~له القدرة، وثبوت الحياة لمن ثبت له العلم، وثبوت الوجود لمن ثبتت له ~~الحياة، فهذه مقتبسة من أوائل العقول في مثلها. # وأما المستحيل فكاجتماع الضدين ووجود شيء واحد في مكانين، وتحرك الجسم ~~إلى جهتين، ومحال فاعل غير قادر، وقادر غير عالم، وعلام غير حي، وحي غير موجود. # وأما الجائز فما عرى منهمان وسيوغ في العقل وجوده وعدمه. # وينقسم الشرع المسموع ثلاثة أقسام: أصل ومعقول أصل، واستصحاب حال الأصل. # وينقسم الأصل ثلاثة أقسام: الكتاب والسنة والإجماع. وينقسم معقول الأصل/ ~~ثلاثة أقسام: لحن الخطاب، وفحوى الخطاب، ومعنى الخطاب، وهو العبرة. وينقسم ~~اتصحاب حال الأصل ثلاثة أقسام: براءة الذمة، وشغل الذمة، والاستحسان. PageV01P017 # فأما براءة الذمة، فإن الأصل في الفرائض براءة الذمة منها، لا فرض إلا ~~بثبوت المشرع عليه، فمن ادعى بشغلها فعليه الدليل، وما ثبت من الفرائض ~~فالأصل شغل الذمة، ومن نفاه بعد ثبوته فعليه الدليل، وأما الاستحسان فقول ~~بتقليد، لا تقييد ولا دليل ولا برهان, وأما فحوى الخطاب فالذي يقتضيه ~~المعنى المذكور دون ما ذكر، كقول الله تعالىك { ولا تقل لهما أف ولا ~~تنهرهما .. } (¬1) فالشتم والضرب والأذىوالقتل أولى بالنهي. # وأما لحن الخطاب، فالضمير الذي لا يتم الكلام إلا به، كقوله تعالى: { فمن ~~كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية.. } (¬2) أي: إن حلق وقوله:/ { فمن ~~تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي } (¬3) أي: فعليه ما استيسر من ~~الهدي. وقوله: { ولكم في القصاص حياة ms012 } (¬4) أي: إن فعلتم. وقوله: { وما ~~تفعلوا من خير يعلمه } (¬5) أي: فينبئكم عليه، في مثل هذا. # وأما معنى الخطاب الذي هو العبرة، فسيأتي معناه، إذا صرنا إليه. # باب في ترتيب العلوم # أعلم أن العلم ينقسم: محدث وغير محدث. فغير المحدث علم القديم سبحانه، ~~والمحدث علم المحدث. وعلم المحدث ينقسم قسمين: ضروريا ومكتسبا. فالضروري ~~ينقسم أقساما: PageV01P018 # أولهما علم البنية، وهو علم الإنسان بوجوده وبذاته وأفعاله وصفاته، وما ~~يختلف عليه من حالاته، وما يجد من آلامه ولذاته، وقتبس من ذلك استمرار هذه ~~الأشياء على جميع أبناء جنسه ولداته (¬1) . وإن كان/ هذا العلم ضروريا ~~فربما تختل عليه هذه الأمور إذا كانت البنية مأفوهه (¬2) أو معتوهه: فتلتبس ~~الحقائق بالخيال، والدقائق بالجلال، مثل ما يعترض المبرسمين (¬3) من ~~العقلاء والمجانين. # الثاني: ما علما من العقليات الواجبات والجائزات والمستحيلات، فهذه ~~العلوم ضرورية، وربما تفع في نفس الإنسان من أول وهلة، وربما تقع بعد تردد ~~الخاطر فيها. فأما وقوعها من أول وهلة فكالحادثات في اقتقارها إلى محدث، ~~والبناء إلى بان، والكتابة إلى كاتب، وسبق النفوس إلى استحسان الفاعل لحسن ~~فعله، وذمه لسوء فعله. # فأما ما يكون عن تردد الخاطر فما يعد من الأعداد كالألوف عند الآلاف في ~~حق أناس، والآلاف عند المئين في حق آخرين، وفوق ذلك إلى ما دون ذلك في حق ~~آخرين حتى ينتهي إلى ما سبق عند النفس علمه/ من التفرقة بين الواحد ~~والأثنين والبعض من الكل، والأقل من الأكثر. # والجائزات كذلك؛ فمنها ما يقع العلم به من أول وهلة، كالممعتاد من الأمور ~~في الشمس والقمر والنجوم والسحاب والمطر والنبات، والشجر والسماء والأرض ~~والدواب والبشر. PageV01P019 # ومنه ما لا يقع من أول وهلة، كبعثة الرسل، وتزول الكتب، وإثبات صانع ليس ~~بجسم، وفاعل في غير ذاته، وعالم لا بحلول العلم في قلبه، وحدوث الدار ~~الآخرة، ونشر الأموات. فلذلك استعمل أهل الجحود والإنكار الإنكار والكفران ~~بالنشأة الأخرة بعد إقرارهم بالنشأة الأولى، فصدموا قوارع القرآن قبل محك ~~الإمتحان. # والمستحيلات أيضا كذلك؛ ربما تقع من أول وهلة، كاجتماع الشيء وضده وكون ms013 ~~شيء معدوم مع وجوده. فأما ما لا يقع من أول وهلة فإثبات البداية للمحدثات/ ~~واستمرار النهايات للموجودات، وإثبات العالم بأسره محدثا والصانع القديم جسما. # والثالث: ما يعلم من جهة الحاسة. كلها ضروري، أما من جهة البصر فالأدوات ~~والألوان، والصور والأكوان. وأما من جهة السمع، فالأصوات بأصنافها. وأما من ~~جهة الذوق، فالطعوم بأصنافها من الحلو والمر والقارص والبشيع وغير ذلك. ~~وربما يقع الغلط في هذه الحواس وإن كان علمها ضروريا، كالذي يجري للبصر، قد ~~يغلط في عشرة أمكنة: # أولها: يرى البعيد قريبا والقريب بعيدا. # والثاني: يرى الصغير كبيرا والكبير صغيرا. # والثالث: يرى المتحرك ساكنا والساكن متحركا. # والرابع: يرى الأسود أبيضا، والأبيض أسودا. # والخامس: يرى الواحد اثنين والأثنين واحدا. # والسادس: يرى الخيال فيتوهنه حيوانا أو مواتا. # والسابع: يرى الأشياء على غير ما هي عليه كالسحر. # والثامن: يرى ذا الزوايا مدورا، والمدور مسطحا. # والتاسع: يرى القائم نائما والنائم قائما كالذي يعرض لأهل الميد (¬1) ~~والدوار. # والعاشر: السمادير ضعف البصر، ويقال: هو الشيء الذي يعتري الإنسان من ضعف ~~بصره عند السكر من الشراب وغيره. # وأما غلط حاسة السمع في المسموعات كالذي يجري للسمع من النبأة (¬2) ~~والدوي تحسبها أصواتا من بعيد، والبعيد منها قريبا والقريب بعيدا. وكغلط في الجهة. PageV01P020 # وأما غلط حاسة الذوق في المطعومات فكالذي يعرض لأهل الصفراء يذوقوم العسل ~~فيمرار عندهم فيحلوا عند/ آخرين كما قال أبو الطيب المتنبئ (¬1) : # ومن يك ذا فم مر مريض ... يجد مرا به العذب الزلالا # وأما غلط اللمس في الملموسات فكالذي يعرض للمبرودين والمحرورين، يجد ~~أحدهم الحار باردا والبارد حارا والسمندل (¬2) المعشش في النار وأشجار ~~الآطام. # وأما ما يعرض من غلط الشم فكالجعل الذي يستطيب النتن ويستخبث الورد، ~~والعرب التي تستطيب بنة الأبل الصادرة عن المسك الأذفر، فالطيب في حقه خبيث ~~والخبيث في حقه طيب. # ولا يوثق بحاسة واحدة حتى تعضده حاسة أخرى كالنبأة يسمعها الإنسان، فإن ~~رأى شخصا تيقن، وإلا خيف عليه الغلط والوهم. ولأمر ما جعل الله تعالى ~~الشهادة في الأحكام عدلين اثنين بما يعرض للواحد من ms014 الوهم/ والغلط والغفلة ~~وإن كان عليها ضروريا والله أعلم. # الرابع: من الضروريات ما يعلمه من جهة الأخبار المتواترة. وهو يتوزع بين ~~الضروري وبين المكتسب، فبدايته كسب ونهايته ضرورة. وهذا كالأخبار عن القرون ~~الماضية المشهورة، والقصص المعلومة المذكورة، والأمثال السائرة المأثورة. ~~وذلك كمعرفتنا بوجود إقليم الصين والهند وخراسان والبر الكبير. والعراقات ~~والشامات والحجاز ومكة واليمن والحرمين ومصر وأفريقيا والأندلس. PageV01P021 # وأما الأخبار والقصص فكحرب مهلهل وداحس والغبراء، والفتوحات، وقبائل ~~العرب والعجم كربيعة ومضر، والترك والديلم، والفرس والبربرن ومن الأمثال ~~السائرة المروية: أغرب من العنقاء، وأهدى من صرد/ وأحذر من غراب، وأسمع من ~~فرس، وأشعار امرئ القيس، والمعلقات التسع. وخطب أبي حمزة المختار رحمه الله ~~وما أشبه ذلك. واعلم أن الحواس الخمس خاصتها الحس، وفعلها الإحساس وبه سميت ~~على اختلاف أفعالها ومحسوساتها، وهي السمع والبصر والشم والذوق واللمس. ~~وعملها وتأثيرها في اليافوخ وخاصية اليافوخ الشعور. والحواس حافظة لصور ~~المحسوسات ومؤديتها إلى اليافوخ واليافوخ حافظ لما استحفظ ومؤديه إلى ~~الدماغ، وفي الدماغ ثلاث قوى: # القوة المتقدمة خيالية، وهي الغالبة على الصبيان والمجانين والمبرسمين ~~والمعتوهين، وفعلها الخيال. # والقوة الوسطى وهي المفكرة ، فهي حافظة لما استحفظتها والخيالية ومؤديته/ ~~إلى القوة الثالثة التي هي في مؤخر الدماغ، وهي القوة الحافظة والدماغ، وهي ~~القوة الحافظة والدماغ حافظ لصور المحسوسات (¬1) حتى تنظر فيها النظر فيها ~~النفس والروح والعقل. فالنفس جوهرية دموية بها قوام الجسد، ولها صفات أربع: ~~الشهوة والغضبة، والرغبة والرهبة. فالشهوة داعية لتوفر الجسد وتقديم صورته. ~~والغضبة حامية الجسد عن هلاكه وآفاته، والرغبة مقحمة ومقدمة على طلب ~~الأوطار. والرهبة محجمة عن الآفات والأخطار. فبقاء الجسد ببقاء النفس وبقاء ~~النفس ببقاء الجسد. وبالجملة إن النفس هي المعنى الجامع # للصفات المذمومة من الإنسان. ومهما تمكنت هذه الصفات من أفعالها بغير ~~واسطة العقل دمرت وتبرت، وهو معنى قول الصديق -صلى الله على نبينا وعليه- ~~حين قال: { إن النفس لإمارة بالسوء/ إلا ما رحم ربي إن ربي غفور رحيم } (¬2) . # باب في علوم الكسب PageV01P022 # وعلوم الكسب تقع من أوجه؛ أحدها: ما يقع من جهة ms015 الاستدلال بما أدركت ~~الحواس وما دل عليه ما أدركته الحواس. فاالاستدلال بما أدركت الحواس كالصوت ~~تدركه الحاسة إذاكان موزونا منغما ومؤلفا دل على حسن قائلة أو ذمه، وعلى ~~جهله أوعلمه. والذي يدل عليه هذا الصوت المنغم المؤلف المنظم من أمر ونهي ~~وخبر واستخبار وهو ما دل عليه ما أدركت الحواس. # الثاني: ماوقع العلم به من جهة النظر والبحث من علوم الشرائع والفقه، وهي ~~علوم معنوية كعلوم الفقه والشرائع والطب والعبارة والفتاوى # الثالث: ما وقع العلم به من جريان العدة في علم الصناعات والحرف. # وأختلف الناس في حد العلم على ثلاثة أقوال:/ فقولنا حد العلم معرفة الشيء ~~على ما هو به. والأحسن عندي درك الشيء على ما هو به. وقد قصرت العرب ~~المعرفة على درجة في نهاية العلم وسبق أمور تلوح للعارف. والأصل في المعرفة ~~درك تقدمه علم. وبعضهم يقول في حد العلم: هو معرفة المعلوم على ما هو به، ~~وهو قول الأشعرية، وهربوا من الشيء إلى المعلوم وقالوا: إن معلوما موجودا ~~ومعدوما وشيئا وغير شيء. ولهم فيه حدود زهاء عشرين. # والثالث: منهم أيضا من يقول: لا حد له، هو أظهر من أحد يحد. وإنما قال ~~هذا (¬1) القائل هذا القول لتعذر حضره وعظم خطره # باب القول في الروح والقعل PageV01P023 # ... والروح أمر رباني نسب الله معرفة علمه إليه، لا سبيل إلى القول فيه ~~إذ لم يأذن الله لنبيه عليه السلامفيه. وقد ذكر الله تعالى خلقه أبينا آدم ~~عليه السلام فنسب جسده إلى الطين/ ونسب روحه إليه فقال عز من قائل: { وبدأ ~~خلق الإنسان من طين. ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين. ثم سواه ونفخ فيه ~~من روحه } (¬1) وقال أيضا: { فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين ~~} (¬2) ثم قال أيضا: { ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم ~~من العلم إلا قليلا } (¬3) . لكن أفعال الإنسان الشريفة (العلية) (¬4) مع ~~أضرارها منسوبة إلى الروح من الفطنة والعلم والجهل والكبر والشرف والرئاسة ~~والسيادة وسمو الهمة والعجب والإفضال والجود والكرم وما ms016 أشببها. # أما الحياة فيه اجتماع الروح والجسد وكونه فيه وهي عرض من الأعراض، ~~والروح والنفس جوهران. وأما العقل فقد اختلف فيه على أربعة أقوال: # أحدهما: أنه غريزة في القلب يتهيأ بها درك العلوم النظرية/ الاستدلالية ~~اختيارية. والإشارة في هذا إلى الطبيعة. # الثاني: أنه جوهر روحاني بسيط مركوزة في جبلته العلوم العقلية المنسوبة ~~إليه الفطرية، يعلمها لا بتعلم ولا تعليم ولا يتخالجه الشك فيها. # الثالث: أنه العلوم العقلية نفسها من الواجبات والجائزات والمستحيلات وهو ~~مصدر من قوله: علمت علما، وعقلت عقلا، فعلى هذا القول هو من أفعال القلب. # الرابع: أنه العلوم التجريبية النظرية، وهو من أفعال القلب، غير أن هذا ~~كسب وتلك ضرورة، فالأولان جوهران والآخران عرضان. # والأصل أنه جسماني بسيط مركوزة فيه علومه الجبلية، ويستعملها للعلوم ~~التتجريبية والنظرية، وينفرد عن البهائم بذكر ما مضى، ويعلم ما يأتي وما ~~يذر، ويزداد بالتجارب استحكاما./ ولقد جاءت الشريعة بهذه المعاني:- PageV01P024 # أما الذي قال أنه جسم روحاني فإليه الإشارة بقوله عليه السلام: «أول ما ~~خلق الله القل فقال له: أقبل، فأقبل، ثم قال له: أدبر، فأدبر. فقال: وعزتي ~~وجلالي ما خلفت خلقا أكرم علي منك. بك آخذ وبك أعطي وبك أثيب وبك أعاقب» ~~(¬1) . وقول من قال أنه العلوم النظرية التجريبية مأخوذ من قول رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب: «إذا تقرب الناس بأبواب البر إلى ~~الله فتقرب إليه أنت بعقلك» (¬2) وقوله عليه السلام لأبي الدرداء: «إزدد ~~عقلا تزدد من الله قربا» (¬3) . # ... وأعلم أن العلوم العقلية لا يتخالج فيها الشك لأهلها ولمن أثمر عقله ~~المعرفة فسلم من شوائب الغفلة وآفات التقليد. وجل احتجاج القرآن على أهل ~~الأوثان عقليات. وعرفنا الله عز وجل الاحتجاج ونبهنا عليه في مواطن/ من ~~كتابه. وجل السور المكية مشحونة به. # وجه الإحتجاج بالميزان العقلي: # فمن أراده فليأخذه عن الله أولا، ثم عن الخليل صلوات الله عليه ثانيا - ~~ثم عن سائر الأنبياء عليهم السلام ثالثا. PageV01P025 # أما أحتجاج الله عز وجل عن الفكرة بالعقليات فمنظوم في سورة الأنعام، ~~وذلك أن ms017 الله تعالى ذكر ما شرعه الكفار في أديانهم وما أحلوا مما حرم الله، ~~وما حرموا مما أحل الله، وذكرها خصلة خصلة. قال الله تعالى: { وجعلوا لله ~~مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا فقالوا: هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا، ~~فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله، وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم ساء ~~ما يحكمون. وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم ليردوهم ~~وليلبسوا عليهم/ دينهم، ولو شاء الله ما فعلوه فذرهم وما يفترون. وقالوا ~~هذه أنعام وحرث حجر لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم، وإنعام حرمت ظهورها، ~~وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها افتراء عليه، سيجزيهم بما كانوا يفترون. ~~وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا، ,إن يكن ~~ميتة فهم فيه شركاء، سيجزيهم وصفهم إنه حكيم عليم. قد خسر الذين قتلوا ~~أولادهم سفها بغير علم وحرموا ما رزقهم الله افتراء على الله، قد ضلوا وما ~~كانوا مهتدين. وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات والنخل والزرع ~~مختلفا أكله والزيتون والرمان متشابها وغير متشابه كلوا من ثمره غذا أثمر ~~وآتوا حقه يوم حصاده ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين إنه لا يحب المسرفين. ~~ومن الأنعام حمولة وفرشا/ كلوا مما رزقكم الله ولا تتبعوا خطوات الشيطان ~~إنه لكم عدو مبين. ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين. # قل آلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين؟ نبؤني بعلم ~~إن كنتم صادقين ومن الإبل انثين ومن البقر انثنين، قل: آلذكرين حرم أم ~~الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين، أم كنتم شهداء PageV01P026 إذ ~~وصاكم الله بهذا .. } (¬1) فها هنا حاجهم الله تعالى وطالبهم بالعلة التي ~~حرموا بها بعض الأنعام فقال: { الذكرين حرم أم الأنثيين ... } لأجل ~~ذكوريتهما أم لأجل أنوثيتهما أم لأجل اشتمال الرحم عليهما؟ فقال: أنبئوني ~~بعلم عقلي مبني على علة صحيحة، فسألهم علما فقال: { إن كنتم صادقي } . # { ومن الأبل انثنين ومن البقر اثنين .. / .. } فقال: { آلذكرين حرم أم ~~الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين } فطالبهم أيضا بالعلة، ms018 فقال لهم: ~~فإذا لم يكن بهذا علم عقلي، فأنبهم فقال أو { وصاكم اله بهذا } فإن قلتم لا ~~مجال للعقل ها هنا فقالوا إذا شرع شرعه الله عز وجل ووصانا به. فإن قلتموه، ~~فمتى وصاكم الله عز وجل بهذا؟! فانظر كيف عقب بالوعيد والتهديد لهذا ~~الإلحاد العظيم والجحود فقال: { فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ليضل ~~الناس بغير علم، إن الله لا يهدي القوم الظالمين } (¬2) فكل من انتحل علما ~~وانتحله دينا لا شرعا ولا عقلا فهو من الظالمين. # وجه احتجاج الخليل صلوات الله عليه بالميزان العقلي: # قال الله تعالى حكاية عن خليله إبراهيم في مناظرته الذي كفر بالله فقال: ~~{ ألم تر إلى الذي حاج/ إبراهيم في ربه .. } (¬3) والمحاجة بين اثنين لغة. ~~والهاء تصلح لإبراهيم والكافر في { أن آتاه الله الملك } (¬4) والهاء أيضا ~~من ربه كذلك. ثم قال إبراهيم: { ربي الذي يحي ويميت } (¬5) . # وها هنا ثلاث مقدمات: الواحدة أن إبراهيم أثبت نفسه عبدا مربوبا ، فسلم ~~ذلك له الكافر. # والثانية: أن لا بد للمربوب من رب. فسلم الكافر .. PageV01P027 # والمقدمة الثالثة: أن الذي يحي ويميت هو الرب فسلم الكافر أيضا لكن ~~اختلفا بعد هذه الثلاثة، فأثبت إبراهيم عليه السلام صفة الرب وصفا، وقصرها ~~الكافر على نفسه وجاء يشبهة، وهو أنه أطلق رجلين من سجنه فقتل أحدهما ومول ~~الآخر، والغرض منهما استلاب عقول الحاضرين. فلو وقعت المجاحدة في المقدمات ~~الثلاث لاحتاج إباهيم عليه السلام إلى إقامة البرهان عليهن وأولاهن إقامة ~~البرهان/ على أن إبراهيم مربوب، والبرهان: الحاجة والعجز بالمشاهدة والحدوث ~~بالدليل. # وأما الثانية: أن لا بد للمربوب من رب، فهي من الواجبات عقلا. # وأما الثالثة: فأن الله الربوبية لمن كلمت له الصفتان، الإحياء والإماتة، ~~وهما لله رب العالمين. وأما انتحال الكافر هاتبن الصفتين فمجاز لا حقيقة، ~~وهما في الله حقيقة لا مجازا, فلما فطن إبراهيم عليه السلام بمراد الكافر، ~~وهو أن يستميل عقول العامة، عارضه إبراهيم عليه السلام بنفس الدليل، ولكنه ~~احترز، فقال { إن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب } (¬1) ولم ms019 ~~يقل إبراهيم: فأت بها أن من المشرق احترازا من أن يقول الكافر أنا آتي بها ~~من المشرق غدا، أو أنا أتبت بها بالأمس، فكان الشبهة قائمة إلى الآن. لكن ~~احترز من ذلك فقال: { فأت بها من المغرب } قياسا؛ لأن المغرب/ مثل المشرق ~~فمن قدر أن يأتي بها من المشرق قدر أن يأتي بها من المغرب، ولأن المغرب ~~والمشرق سيان. ولم ينكر الكافر في هذه المقايسة مخافة أن تأخذ عليه العامة ~~فلما أعيت المذهب بهت الذي كفر. وهذا من أعظم الدلة على إقامة البرهان من ~~طريق العقول بحكم الخليل PageV01P028 # وأما احتجاج الأنبياء عليهم السلام بالميزان العقلي: قال الله تعالى: ~~حكاية عن جميع المرسلين صلوات الله عليهم أجمعين في محاجتهم أممهم بقول ~~واحد يشملهم، وجواب الأمم أجمعين على أسلوب واحد يعمهم قال الله تعالى: { ~~ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم لا ~~يعلمهم إى الله جائتهم رسلهم بالبينات } (¬1) انظر كيف أخبرنا الله تعالى ~~أن الذي جاءت به الأنبياء إلى الأمم هو البينات. ثم قال: { فردوا أيديهم في ~~أفواههم } (¬2) إجماعا وإزماعا على تكذيبهم/ رسلهم فقالوا: { إنا كفرنا بما ~~أرسلتم به } (¬3) ففي الكفران الجحود، ومكابرة القوم الشهود. ثم قالو: { ~~وإنا لي شك مما تدعوننا إليه مريب } (¬4) فكأنهم رجعوا عن الكفران إلى ~~الشك، والشك دال على جهالتهم، وكأنهم رجعوا عن الشك بما فيه من نقيصتهم إلى ~~الريبة بعد الشك والكفران، فالكفران مكابرة والشك جهالة. والريبة فيها بعض ~~النقص وبعض المعذرة. { قالت رسلهم: أفي الله شك فاطر السموات والأرض؟ ... } ~~(¬5) تقريعا وتوبيخا بعد الإقرار بفطور السموات والأرض. وفيه مكابرة الحكم ~~العقلي إقرارا بالحدوث وإنكارا للمحدث، فهذه من الجوابات التي انطبقت عليها ~~العقول الاسلمة من الآفات. ثم قالت الأنبياء: { يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم ~~ويؤخركم إلى أجل مسمى } (¬6) . فهذه من الجائزات، غير مستنكر في عقل كل/ ~~أحد ... ثم قالت الأمم: { إن أنتم إلا بشر مثلنا } (¬7) . كأنهم أشاروا إلى ~~(أن) النبياء بشر وهم بشر، فمن أين لكم ما قلتم؟ فهذه من الاستشهاد بالشاهد ms020 ~~على الغائب وحكم التسوية، غير أنهم لم يغيبوا وجه الدليل فقالوا: { تريدون ~~أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا } (¬8) . PageV01P029 وقد صدقوا، مراد الأنبياء أن يصدوهم ~~عما يعبد آباؤهم من الأوثان إلىعبادة الرحمن فقالوا: { فأتونا بسلطان مبين ~~} (¬1) { قالت لهم رسلهم: إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء ~~من عباده } (¬2) فعارضتهم الأنبياء بالجائز، وإثبات القادر أن يمنعلى من ~~يشاء، غير مستحيل في الجائزات أن من الله عليهم بالرسالة. وقالت الرسل: { ~~وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان إلا بإن الله } (¬3) صدقوا؛ لأنهم إنما طلبوا ~~ما تعجز العقول/ البشرية فيه ليستبين صدقهم. وقالت الأنبياء: { إلا بإذن ~~الله } وصدقت، وفيه رد على بعض الموحدين الذين يقولون لا بد للرسول من آية ~~وإلا سقطت دعوته .. وبدليلقوله أيضا حكاية الرسل الثلاثة حين قال: { فعززنا ~~بثالث فقالوا إنا إليكم مرسلون. قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا، وما أنزل ~~الرحمن من شيء إن أنتم إلا تكذبون. قالوا: ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون. ~~وما علينا إلا البلاغ المبين } (¬4) صدقت الأنبياء وبلغت الرسل، ونحن على ~~ما قال ربنا ومولانا من الشاهدين. # ثم قالت الرسل (¬5) : { وعلى الله فليتوكل المؤمنون } فلحن الخاطاب أنهم ~~توعدوهم، فعند ذلك قالت الأنبياء: { وما لنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا ~~سبلنا ولنصبرن على ما آذيتمونا وعلى الله فليتوكل المتوكلون. وقال الذين ~~كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا .. } (¬6) برح الخفاء ~~وانقطعت المحاجة/ ورجعت مسايفة ومغالبة، فليغلبن مغالب الغلاب (¬7) . # قال الله تعالى: { فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين ولنسكننكم الأرض من ~~بعدهم } (¬8) . # فصل PageV01P030 الإلهام علوم الملائكة، ويسوغ لهم ~~الإجتهاد والرأي، ورأيهم كله صواب لا خطأ فيه. واجتهادهم ظاهر في طينة آدم ~~عليه السلام. والنبؤة والوحي والإرسال وحي الأنبياء. والروع في الروع ~~والإلقاء والنفث علم الأولياء والأصفياء العارفين، لقوله عليه السلام: «ما ~~من نبي إلا وفي فومه مروع ومحدث، وإن يكن فيكم فعمر» (¬1) وقال عليه ~~السلام: «إحذروا فراسة المؤمن فإنه بنور الله يبصر» (¬2) ومنه قوله لواصبة ~~حين سأله فقال: يا رسول الله، إني أتيتك لأسألك ms021 عن أمرين فإني أنسيتهما. ~~قال رسول الله عليه السلام: «جئت تسأل عن البر والإثم، أما البر فما اطمأنت ~~إليه النفس وأما الإثم/ فما حاك في الصدر. واستفت نفسك يا واصبة وإن أفتوك ~~وأفتوك» (¬3) . # والفقه في الدين والأحكام. والاستنباط علم الفقهاء وأهل الفتاوى، والوعظ ~~والحكم علم العلماء بالله. والأصول المتكلمين والأصوليين. والعبارة علم ~~الرؤيا. وعلم الخضر عليه السلام منوط بعلم الملائكة وليس على الشرعيين من ~~علومه شيء، ولا عليه من علوم الشرعيين شيء، علومه مرتبطة به يتلقاها من لدن ~~الله عز وجل. ولا عليه من إنكار المنكر الظاهر شيء ولا أمر بمعروف وأشباهه. # وكذلك الجن. وليس عليهم ولا عليه إظهار أنفسهم إلى الناس. ولا أن يشهروا ~~أنفسهم غلى هذه الخليقة وليس عليهم من تبليغ الشهادات، ولا تقويم الحكومات ~~شيء. وأحكام الجن فيما بيننا وبينهم كذلك وأحكامهم بينهم كأحكامنا بيننا ~~وأن ظهروا/ كانت أحكامهم وأحكامنا واحدة. وليس ظهور الأصوات بظهور بل ~~الأجساد. وليس علينا من ولايتهم قصد إلى أحد وإن ظهر كلامه. وتجزينا ~~ولايتهم في الجملة وهذا لمن قامت الحجة بهم. PageV01P031 # ... وذكر الشيخ بدر بن سابغور عن الشيخ عمو بن أفلح رحمهم الله وقد كان ~~استكتب عنده رقية يعزم عليهم فيقتلهم بها، يريد هؤلاء الذين يصرعون الناس ~~ويخنقونهم، أن لا حرمة لهم لمن قدر على ذلك، والله أعلم. # فصل # ... وقلب الحقائق من أفعال الله عز وجل، والمثيل فعل الملائكة والتخييل ~~فعل الجن والسحرة والمشعوذين. والمكلفون: الإنس والجن والملائكة. والثقلان: ~~الأنس والجن، ولا ينسب العقل إلا إلى هؤلاء الثلاثة. وقد تبتلى الملائكة ~~ببني آدم، وبنو آدم بالملائكة وابتلي محمد بجبريل في الحديث المذكور/ ~~المشهور. وابتليت الملائكة في فضيةالميت المقبوض بين القريتين. وابتلي ~~هاروت وماروت ببني آدم بأرض بابل. # واعلم أنه لا يقدر على قلب الحقائق إلى غيرها إلا الله تدريجا وتلوينا, ~~ولبعض الأطباء ملابسات دون بلوغ النهايات، واستأثر الله بالكمال، ولم يبرأ ~~أحد من النقصان. # وأما قلبه الأشياء فكقلب عصا موسى حية، والنار على إبراهيم بردا وسلاما. # وأما التمثيل فهو مقدور الملائكة، وذلك ms022 أن ذوات الملائكة تتمثل # بأي صورة شاءت، والذوات لم تتقلب ولم تتغير لكن الصور تختلف عليها ~~وتقلبها وتقبل التمثيل، ولا تقدر على التمثيل ولا على انقلاب في العيون. ~~مثال ذلك: سبيكة ذهب، فإنها زوايا تقبل الزوايا والأشكال وتختلف عليها ~~الصور والأمثال والعين واحدة لم تنقلب، لو شئت صورت منها صورة إنسان أو ~~ثعبان أو سطحا/ ذا زوايا أو مدورا أو مستطيلا. # وأما التخييل والتخيل فهو مقدور الجن، وذلك أن تحول بينك وبين الجن صورة ~~غيره من انقلا في ذاته ولا تغييير عن صفته فتبصر جذع مخلة تحسبه سبعا رابضا ~~أو شيئا جاثما أو تبصر ملتويا تحسبه ثعبانا منطويا وقد ذكرنا هذا فيما يغول ~~الأبصار عن الإبصار في الأبشار ... # في النظر # ... اتفق الجمهور إلا الشذوذ أن النظر الصحيح في دليل مثمر أنه مؤد إلى ~~العلم الصحيح. والنظر نظران: PageV01P032 # أحدهما: النظر في أصول الشريعة فلا يؤدي إلا إلى الحق أو إلى خروج عن الدين. # والنظر في فروع الشريعة: إما غانم، وإما سالم، فالمصيب غانم والمخطئ سالم. # وأما نظر العامة فعلى وجهين: أما من شدا شيئا من العلم فنظره في العلم ~~والدليل. ولكن العلماء تتهير أقاويل العلماء ما/ تستعمله وتمتثله مما تراه ~~وتظنه أنه صواب عند الله. وأما غيره فليتخير في العلماء من يراه أنه أسلم ~~لدينه ودنيا. # فصل # إختلف الناس في النظر؛ فقال بعضهم: جوازه من جهة العقل، وقد أمر الله به، ~~قال تعالى: { قل انظروا ماذا في السموات والأرض وما # تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون } (¬1) وقال: { أولم ينظروا في ~~ملكوت السموات والأرض وما خلق الله من شيء ... } (¬2) . وقال بعضهم: من جهة ~~الشرع لا من جهة العقل. # واعلم أنه كل ما أوصل إليه النظر الصحيح من شيء فهو علم وإلا كان ظانا. ~~ولا بد أن يكون الناظر في دليل صحيح لا في شبهة، ويكون عاريا من التقليد ~~والاستحسان. # ويحتاج الناظر إلى معرفة طرق العلماء ومواضعاتت أهل الشريعة، وعامة ما ~~اجتمعت عليه الأمة، فمهما استقامت له/ هذه الأمور كان نظره علما، ms023 وإن اختل ~~شيء من هذه الشروط كان ظنا، ولا بد أن يكون عاقلا مميزا. # القول في الدليل: الدليل والدلالة والمستدل به والحجة والبرهان والسلطان، ~~هذه أسماء متعاورة على مسمى واحد، وهو كل ما يتوصل به إلى معرفة الأمور ~~النظرية لا الضرورية. والدال: هو الناصب للدليل، وهو الله رب العالمين، ~~والدلالة فعله، والمدلول مفعوله. والمستدل قد يقع طالبا أو ناصبا، ~~والاستدلال فعله، والمستدل به والمستدل له والمستدل عليه كل يحوم على ~~الدلالة. # أما المتسدل به فهو الدليل، وأما له فالمفعول وأما عليه فالحكم, وسوغ أن ~~يسمى الدال دليلا كقوله عالم وعليم وقادر وقدير. # فصل PageV01P033 # والأدلة على وجهين: عقلي ووضعي. فالعقلي ضروري حقيقي/ والوضعي اختياري ~~مجازي. والعقلي ما قدمناه من وجوب الواجبات، وجواز الجائزات واستحالة ~~المستحيلات. # والوضعي: كاللقظ والخط والرمز والإشارة وهو من مواضعة الناس. والقول في ~~العلة والمعلول كالقول في الدليل والمدلول. تقول: علة ومعلل ومعلل ومعتل ~~ومعلول ومستعل ومستعل. # القول في وجوب النظر # قالت القدرية: إن على الإنسان النظر بعقله حال البلوغ في معرفة الله عز ~~وجل وفيما للعقل عليه دليل من جميع المحرمات فيمتثل هذا ويجتنب هذا وما سوى ~~ذلك فليس عليه شيء في المعرفة الرسل والملائكة والكتب والمعاد. # وقالت الأشعرية: يجب عهليه النظر في الحالة الأولى فإن مات فيها كان لا ~~مؤمنا ولا كافرا، وما بعدها فمقطوع العذر لا يسعه/ إلايمان أو الكفر. # وقال بعضهم: يسعه ما دام كافا ناظرا في الدليل. وعورضوا في النظر في هذا ~~الدليل: أواجب أم ليس عليه منه شيء. فقال بعضهم فرض واجب ولم يفترض عليه ~~غيره، فإذا نظر وعرف وجبت عليه معرفة البارئ سبحانه. ونقضوا أصلهم حيث ~~قالوا: لا يجب عليه من معرفة البارئ سبحانه شيء. وكيف يكلفه البارئ سبحانه ~~الفرايض ولما يعرفه. # وقال بعضهم: ليس النظر بفرض، ولكن لا بد له أن ينظر. وهذا القول لا يحتمل ~~فرضا ويحتمل طبعا، فإن كان فرضا كان كالأول. وإن كان طبعا أوجبوه ضروريا. ~~وقد ينظر فيخطئ أو يصيب فيبطئز فسبحان الله لقوم أوجبوا النظر ms024 ولم يوجبوا ~~معرفة الله سبحانه. فإن وقع الموت فعلى من أجره أعلى من لم يعرفه ولم يفرض ~~عليه معرفته أم عليهم/ هم الذين كلفوه النظر. # وللجاحظ أسوأ من هذا؛ وهو أنه إن لم يستعمل النظر فليس عليه شيء، وإن ~~استعمل النظر واجتهد فقد أصاب ولو أخطأ دين الإسلام وأخطأ معرفة البارئ ~~سبحانه لأنه لا يعرفه ولو اجتهد. # وقال أهل الحق: ليس للعقل وصول إلى معرفة البارئ سبحانه وتعالى إلا ~~بتنبيه أو إلهام على استعمال الدليل. وذلك كله من أفعال PageV01P034 الغير ~~ولا يتسع له استعمال الأدلة لمعرفة البارئ سبحانه إلا إلى أحوال بعد المخبر ~~والمنبه، فكيف ولا مخبر ولا منبه؟ وإنما نظره ومهلة التكليف قد سبقت له ~~أيام الترعرع وانتهاز البلوغ. وقد جعل الله تعالى في حاسة الصبي -اعني ~~غريزته- ما يقبل هذه العلوم شيئا بعد شيء سماعا. وقد أمكنه أيام المراهقة ~~استعماله لهذه الأمور التي تخصه فيكون ذلك مهلة/ وفسحة لتعذر حال البلوغ من ~~حال الغلمة. ولله تعالى ألطاف خفية وأمور قدرية تحار فيها العقول. فما لهم ~~وللبالغ العاقل أن يشرعوا له جهل الله سبحانه؟ والله أرأف منهم وأرحم ~~بعباده. # وعذرت القدرية كل من أتى شيئا من محارم الله عز وجل من الأمور كلها التي ~~ليس للعقل عليها دليل حتى تقوم عليه الحجة. والحجة عندهم اثنان في قول ~~بعضهم، ولا يقولون بأخبار الآحاد. وبعض أربعة قياسا على شهود الزنا. وبعض ~~خمسةن وجعله حد التواتر من أسفل شروطه. وبعض عشرون لقوله تعالى: { إن يكن ~~منكم عشرون صابرون يغلبوا مأتين } (¬1) وبعض مائة، لقوله تعالى: { وإن تكن ~~مائة صابرة ... } (¬2) وبعض مأتين، وبعض سبعون وبعض اثنى عشر. وبعض حتى يقع ~~العلم المتواتر الضروري والكلام في هذا عند الكلام في أصول الدين. # باب في الأفعال # ... اختلف الناس في حد الفعل، فقالت القدرية: ما كان مقدورا لفاعله قبل ~~وجوده، على أصلهم في القدرة قبل الفعل. وعند المحققين أنه الموجود ~~بقدرةفاعله على أصلنا في أن القدرة مع الفعل وفيه # حد الفعل ما لم يكن ثم كان. والله تعالى ms025 خالق أفعالنا، فهي من الله خلق ~~ومن فعل، خلافا للمعتزلة والجهمية. أما المعتزلة فقالوا: هي لهم دون الله ~~عز وجل. وأما الجهمية فقالت: هي لله تعالى دوننا. وأهل الحق يقولون: هي بين ~~بين؛ كانت منا فعلا ومن الله خلقا. # فصل PageV01P035 وأفعال المكلفين على ضربين: ظاهر ~~وباطن. أما الظاهر فكالحركات والسكون. وأما الباطن فكالاعتقادات والإرادات. ~~ومرجوع الإرادات والإعتقادات إلى الحركات والسكنات. لا يتحرك بحركتين. ~~وكذلك السكون. ولا يتعداه فعله، وبعض المتولدات/ أفعاله مجاز لا حقيقة. ~~كالصوت (لأن) (¬1) الصوت جسم. وإنما له علىالحقيقة التصويت وهو عرض من ~~الأعراض. وهو كاسب لفعله ومختار له ومريده. ولا يجوز خالقه ولا منشئه ولا ~~موجده ولا مبدعه. والله الخالق المبتدع المنشيء المخترع. والعبد هو الفاعل ~~الكاسب المريد المختار. فحواسه كلها أجسام ولنطقه وكلامه وقوله كلها أفعاله ~~وهيي أعراض وصوته ولونه وريحه وطعمه كلها أجسام. # فصل # وتنقسم أفعاله كلها ثلاثة أقسام: قسم اختياري، وقسم ضروري، وقسم كراهة. ~~فأما الأختياري: فما أختاره واكتسبه عن إرادة، وأما الكراهة: PageV01P036 # فما فعله مضطرا إليه بالضرب والقتل والأذى، فهذا ختياري ضروري فلا يعذر ~~في شيء من هذا إلا ما يتقلق باللسان غذا ظهرت الضرورة من ضرب أو قتل. وأما ~~غير ذلك من منع الفضل أو ظلم المال والأصل من وضع أو رفع أو أكل أو شرب ~~وجميع المنافع، وصرف جميع المضار فلا يسع. وأجاز بعض المعتزلة الضرورة في ~~هذا قياسا على اللسان في جميع المعاصي إلا ما كانت فيه مظلمة للغير. وهو ~~أيضا قول ابن الحسين. وأما الضرورة فمعذور فيها لا إثم ولا غرم؛ مثل أن ~~يسحب أو يرمى به من فوق فيهلك أحد على يديه. وقال بعضهم: إن المضطر بالسيف ~~يسوغ له كل شيء من شرب الخمر والزنا والقتل وأخذ الأموال. وهذا خطأ محض. ~~وبعضهم يقول: لا يسوغ له الكفر إلا بالتورية، واستدلوا بقول رسول الله عليه ~~السلام وقد كبت إلى ناس قبل موته بشهر: «إلا تنتفعوا بالميتة بإهاب ولا عصب ~~ولا تشركوا بالله شيئا ولو عذبتم أو أحرقتم بالنار» (¬1) . # في ms026 أقسام الأفعال في الشرع # وأقسام الأفعال في الشرع خمسة: واجب ، ومندوب، ومباح، وحرام (¬2) ، ~~ومكروه. وزاد بعضهم: الصحيح والفاسد. # فالواجب هو الفرض وهو اللازم وهو الحتم وهو المكتوب. وحده: ما كان في ~~فعله ثواب وفي تركه عقاب. وذهب آخرون إلى أن الواجب منزلة بين الفرض ~~والمندوب في قبالة المكروه، واستعملوه لأوكد السنن. # وحد المندوب: ما كان في اكتسابه ثواب وليس في تركه عقاب. # وحد المباح: ما ليس في فعله ثواب وليس في تركه عقاب. # وحد المكروه: ما في تركه ثواب وليس في فعله عقاب (¬3) . PageV01P037 # وأما صحيح وفاسد فمن مواضعات الفقهاء بينهم البين. فما أمروا بإنفاذه ~~قالوا صحيحن كالصلاة في الدار المغصوبة، وما أمروا فيه بإعادته قالوا فاسد؛ ~~كالصلاة للحاقن. والحمد لله رب العالمين. # باب # أحكام الخطاب الوارد من الله تعالى # أعلم أن الخطاب الوارد من الله تعالى ومن الرسول عليه السلام ومن الأئمة ~~الخلفاء الراشدين الهادين/ المهتدين الذين يقضون بالحق وبه يعدلون رحمه ~~الله، لا يخلو من أن يكون حقيقة أو مجازا (¬1) . # فالحقيقة كل لفظ استعمل له كفول العرب: هذا أسد، للشجاع، ويحر للسخي، ~~ونجم للأهتداء. وقال الله تعالى في محكم كتابه في عقلاء مبصرين سميعين: { ~~صم عمي بكم فهم لا يعقلون } (¬2) ومعلوم أنهم يسمعون ويبصرون ويعقلون، ~~لكنهم تصاموا وتباكموا وتعاموا، وفعلوا أفعال من لا يعقل ولا يسمع ولا يبصر. # فصل في الحقيقة # والحقيقة تنقسم قسمين: مثجمل ومفصل. فالمجمل ما لا ينفهم المارد به من ~~لفظه، ويفتقر في بيانه إلى غيره، كقوله تعالى: { وآتوا حقه يوم حصاده ولا ~~تسرفوا } (¬3) فالحق مجهول الجنس والنصاب. ولقوله تعالى: { ولكل جعلنا ~~مواليا مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه PageV01P038 # أو كثر نصيبا / مفروضا } (¬1) . وينقسم المفصل فسمين: محتملا وغير محتمل. ~~فغير المحتمل هو النص؛ وهو ما رفع في البيان إلى أقصى غايته كقوله تعالى: { ~~لا لا إله إلا هو الحي القيوم } (¬2) وقوله: { إنما الله إله واحد } (¬3) . ~~وقوله: { محمد رسول الله } (¬4) وقوله: { خلقكم ثم رزقكم } (¬5) . ، { وخلق ~~الليل والنهار } (¬6) ، { والشمس والقمر والنجوم مسخرات } (¬7) ، { وسخر ~~لكم الفلك لتجري في ms027 البحر بأمره } (¬8) ، وقوله: { يتربصن بأنفسهن أربعة ~~أشهر وعشرا .. } (¬9) وما أشبه ذلك. والمحتمل ينقسم فسمين: ظاهرا وباطنا. # فالظاهره ما سبق إلى النفوس معناه كقول الله تعالى: { كلوا واشربوا } ~~(¬10) ، { واذكروا الله ذكرا كثيرا وسبحوه بكرة وأصيلا } (¬11) ، { وكلوا ~~من ثمره .. } (¬12) ، { وجعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من ~~رزقه وإليه / النشور } (¬13) ..، { وافعلوا الخير لعلكم تفلحون } (¬14) ~~والباطن مللا يسبق إلى النفوس معناه كقول الله تعالى: { وجاء ربك والملك ~~صفا صفا } (¬15) وقوله: { والأرض جميعا فبضته يوم القيامة والسموات مطويات ~~بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون } (¬16) . PageV01P039 # وكذلك جميع ما يؤول من أوصاف البارئ سحانه إلى صفات البشر لأنه؛ { ليس ~~كمثله شيء وهو السميع البصير } (¬1) . وقوله: { ذق إنك أنت العزيز الكريم } ~~(¬2) . فظاهر أمره مدح وباطنه ذم وتهوين. وقوله: { ما يكون من نجوى ثلاثة ~~إلا هو رابعهم .. } الآية (¬3) فالظاهر ينقسم قسمين، عاما وخاصا. فالعام ما ~~عم شيئين فصاعدا. والخاص إخراج بعض ما رسمه اللفظ من الحكم. # والعام كقوله تعالى: { والله بكل شيء عليم } (¬4) ، { والله على كل شيء ~~قدير } (¬5) وقوله: (كل من عليها فان } (¬6) . وقوله: { كل نفس / ذائقة ~~الموت } (¬7) وقوله: { قاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة } (¬8) ~~وقوله: { جاهد الكفار والمنافقين } (¬9) . وقوله { أحل الله البيع وحرم ~~الربا } (¬10) وقوله: { أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم } (¬11) ~~وشرح العام والخاص سيأتي فيما بعد إن شاء الله. # والعام والخاص ينقسمان إلى قسمين: أمر وخبر. فالأمر إذا دخلت عليه (لا) ~~صار نهيا. والخبر إذا دخل عليه (الألف) صار استخبارا. وهذه الأربعة المعاني ~~إليها تؤول لغة العرب كلها وإليها تنقسم ونحن نشير إن شاء الله إلى لمع في ~~اللغة تخصنا محتاج إلى معناها باختصار. # باب الكلام # وحد الكلام ما استحق (¬12) لمن سمي به متكلما، وكلام الله تعالى وقوله ~~وخطابه واحد. # واختلف الناس في كلام عزوجل، وقوله وخطابه وأمره ونهيه. قالت الأشعرية: ~~هذا كله صفة/ الله عز وجل في ذاته، لم يزل موصوفا بها كالعلم، والقدرة، ~~وأنه تكلم في الأزل كما تقول علم وكلم موسى في الأزل كما تقول علمه. PageV01P040 # وقول الباقين: إن كلام الله ms028 عز وجل وكل ما ذكرناه آنفا فعل من أفعال الله ~~عز وجل، وأن الكىم فعل المتكلم، وكذا قوله وخطابه وأمره ونهيه. # ومن محصول كلام الأشعري أن الكلام معنى في النفس قائم لا يختلف، كالعلم ~~والقدرة، ولا يوصف بحرف ولا صوت. ونسبة الأمر إليه نسبة النهي، وإنما وإنما ~~وقع الاختلاف في العبارة باللسان في الألفاظ والبيان. فالكلمة من الله عز ~~وجل ينفهم منها لأهل الأمر أمرهم ولأهل النهي نهيهم. فالعام فيه هو الخاص ~~والظاهر هو الباطن، لا يحتمل الوجوه، وإنما الاختلاف في ظاهر العبارة. ~~واستدلوا بقول الأخطل النصراني حيث يقول/ (¬1) : # ... إن الكلام لفي الفؤاد وإنما ... جعل اللسان على الفؤاد دليلا # ويؤخذ عليهم في هذا الاستدلال من ثلاثة أوجه: # أحدهما: استدلالهم بكلام كافر نصراني غير مأمون على الشريعة. # والثاني: التقول على اللغة، وإنما يقبل فيها عن مثله القول لا التقول. # ... ولو كنا ممن يصغي إلى ما شرعته لنا العرب عن الله عز وجل في أشعارها ~~لجوزنا قول القائل (¬2) : # ... أبني لبينى لا أحبكم ... ... وجد الإلاه بكم كما أجدا # وقول الشاعر: # ... وذو العرش محمول على ظهر سبعة ... ولولاه ما راموا النهوض ولا كادوا # وقول الشاعر: # ... وإنالله ذاق حلوم قيس ... فلما رءا خفتها قلاها # فلو عكس عليه هذا الشعر بعض نظرائه فقال: # إن الكلام لفي اللسان وإنما جعل اللسانعلى الفؤاد رقيبا ... أو أميرا ... ~~أو دليلا، لما زاد. # والثالث/: قد رد الله عز وجل قوله بقوله: # { PageV01P041 # يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم } (¬1) فأثبت القول في اللسان دون ~~الفؤاد. ونفاه عن الفؤاد دون اللسان، بدليل قوله: { ذلكم قولكم بأفواهكم ~~والله يقول الحق وهو يهدي السبيل } (¬2) . وقوله: { اليوم نختم على ~~أفواههمن وتكلمنا أيديهم، وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون } (¬3) . منعهم من ~~الكلام بأفواههم حيث كذبوا بألسنتهم وقصرهم إلى الجوارح لا الفؤاد. وقول ~~رسول الله عليه السلام: «إن الله غفر لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم ~~(¬4) «. # والنطق في اللسان بإجماع الأمة. ولو طولبوا بإقامة الكلام في الفؤاد ~~لخرجوا من المعقول. ولو أن حالفا حلف لا يكلم فلانا ولم ms029 يكن منه إليه إلا ~~حديث النفس لما حنث. ولو حلف ليكلمنه لما بر إلا أن ينطق بلسانه. PageV01P042 # ومن أدلتهم قول الله عز وجل: { وأسروا قولكم أو اجهروا } (¬1) فالإسرار/ ~~باللسان والإجهار به، ولو لم يكن فؤاد ولا قلب وإنما الإعتقاد في القلب. ~~واستدلوا بقوله: { ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول } (¬2) . ~~فإنا نقول: إن القول باللسان عند نفسه. ولم يقل: وتقول نفسه، على أن نفسه ~~هو هي ولو قاله. وأما قوله { في أنفسهم } فربما يتوجه بينهم كقوله عز وجل: ~~{ فسلموا على أنفسكم } (¬3) . وقوله: { ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم ~~رحيما } (¬4) . وإنما يريد يتساررون بينهم البين. والحق الحقيقي أن القول ~~باللسان، وفي القلب مجاز بدليل قوله: كلمته، وقلت له، وخاطبته، لا يصح إلا ~~باللسان، وهو المعقول وهو الظاهر إلا بدليل. ومن أين الدليل على معقول قول ~~الله تعالى: { فأجره حتى يسمع كلام الله } (¬5) إلا بأذنيه من لسان قائلة ~~لا من فؤاده. وهذا المسموع محدث، فليقولوا ما شاءوا، والكلام في هذه ~~المسألة في أصول الديانات. # فصل # واختلفوا في اللغة، هل هي توقيف أو مواضعه؟ فالأشعرية تقول توقيف وبعض ~~القدرية. وبعضهم يقول مواضعة. والأصل أن المعنيين سائغان؛ يجوز أن تكون ~~توقيفا، ويجوز أن تكون مواضعة، ويجوز أن تكون توقيفا، ومواضعة، وعقلا، ~~والله أعلم كيف كانت فعلا. # والغرض فيمن لم يسمع قط صوتا هل يصح منه كلام؟ أو هل يصح عقل من لم يسمع ~~الصوت؟. PageV01P043 # فأهل التوقيف يقولون: من لم يصح له سماع صوت لم يصح منه كلام، ومن لم يصح ~~منه كلاملم يصح له عقل. واستدلوا بقول الله تعالى: { منهم من يستمعون إليك ~~أفأنت تسمع الصم ولو كانوا لا يعقلون. ومنهم من ينظر إليك، أفانت تهدي ~~العمي ولو كانوا لا يبصرون } (¬1) فسلب العقل عمن / سلب السماع كما سلب ~~البصر عمن وصفه بالعمى. وعلى قول أهل التوقيف فمعذور حتى يقتبس من الكلام ~~ما يقتبسه العقل من الكلام ولو عدم التوقيف، ولكن تتعذر منه لغة لم يعرفها ~~ولم يقف عليها، ويئول مذهب هؤلاء إلى ms030 أن العقل هو التجربة لأن الكلام يوضح ~~المعاني، وفهم المعاني نتيجة العقل. # وقال الباقون: من لم يسمع صوتا قط قد يصح منه الكلام مهما انفتق لسانه به ~~ولو عدم التوقيف، ولكن تعذر منه لغة لم يعرفها إلا إن ألهمها، وربما يتواضع ~~مع نفسه أو مع (¬2) غيره على المعاني كالذي يجري بيننا وبين البهائم من ~~الواضعة كقولك عه عه للإبل إذا زجرتها، وتعاه للخيل إذا دعوتها، وشاه للجمل ~~إذا استحثته، ومنه قول رسول الله عليه السلام للحسن بن علي (حين) (¬3) أخذ ~~تمرة من تمر الصدقة ووضعها في فيه: (كخ كخ)/ فألقاها. فقال عليه السلام: ~~«أما علمت أن الصدقة لا تحل لمحمد ولالآل محمد» (¬4) . الا ترى إلى الصم ~~غذا اجتمعوا إلى أبناء جنسهم كيف يتواضعون بينهم كلاما يبعارفونه بإشارة ~~ورموز يؤدي بها المعاني بعضهم إلى بعض، ولو انفتقت ألسنتهم لصح منهم ~~الكلام، وليسوا بأنقص حالا من البكم الذين يتواضعون مع اللسن. وأجاز PageV01P044 # هذا الفريق أن يخلق الله إنسانا بإلغاء صحيح العقل وينطق لسانه بلغة ~~العرب أو بأي لغة شاءها الله عز وجل فيهتدي بها من غير مواضعة وتوقيف. ~~ودليل ذلك حين تبلبلت ألسنتهم ببابل، وللفريقين فيه متعلق. فقال أهل ~~المواضعة: إن اهل كل ناحية مكثوا زمانا يتواضعون بينهم حين سلبوا ~~السريانية. وقال آخرون: بل أصبح كل فريق قد انفتقت ألسنتهم بكلامهم ,انسوا ~~السريانية فاستوحش بعضهم من بعض فافترقوا/ في البلاد. واستدل الفريقان أيضا ~~بأبينا آدم عليه السلام حين نفخ فيه الروح، وجبريل الروح الأمين قاعد عند ~~رأسه فلما دار الروح في أنفاسه عطس فقال له جبريل عليه السلام: قل الحمد ~~لله يا آدم، أو يا أبا محمد. فقال آدم: الحمد لله. فقال له جبريل عليه ~~السلام: يرحمك الله يا آدم أو يا أبا محمد، وهي الرحمة التي سبقت إليه حين ~~قال الله تعالى: (سبقت رحمتي غضبي يا آدم) فتاب عليه حين عصى (¬1) . فتعلق ~~الفريقان، أهل التوقيف وأهل المواضعة في هذه النكته. فقال أهل التوقيف: ألا ~~ترى إلى جبريل عليه السلام حين لقنه ms031 أن يقول الحمد لله. وقالت الفرقة ~~الأخرى: ومن أنبأه بمعنى (قال) ولم يتقدم له توقيف على معنى (قل) مواضعة. ~~وفي الرؤيا عبرة أن الرائي يسمع كلاما لا يعرف من أي لغة كانت فينفهم له ~~المعنى الذي يريده، ويبصر شخاصا لا يعرفه فينعرف له، وبلدا لم يدخله قط ~~فيثبته وينطلق / لسانه بما يشاء فيفهم وينفهم. وقالوا: إن الأخرس إذا انفتق ~~لسانه لا يهتدي لمعنى الجمل والفرس وإلى قولهما إلا بعد توقيف. وقول ~~الآخرين: يهتدي بمواضعة إلى معنى الجمل والفرس بغيرهما. # والأصل كما قلنا أن الله تعالى قادر أن يخلق خلقا بالغا عاقلا، ويركب ~~(¬2) فيه معرفة أي لغة أرادها فيتكلم بها عند فتق اللسان بما أراد من # البيان، وامتنعوا من قلب الحقائق. PageV01P045 # وأنا أظن أن خلقة الملائكة صوات الله عليهم على هذا النمط. وإنما التوقيف ~~في أهل الصبا الذين لم تكمل خلقتهم، وفي أهل المحشر ما يدل على التعارف ~~وجميع هذه المعاني حتى قالوا أنه يقرأ السواد من لم يقرأه منهم قط. ويفهم ~~الكل كلام الكل، وما ذلك على الله بعزيز والحمد لله رب العالمين. # ... واختلفوا في اللغة هل فيها قياس؟ فقال بعضهم: اللغة لا تقاس فالجمل ~~الأول والفصيل الأول يجري عليهما الأسمان جميعا توقيفا وعلى من بعدهما ~~استقراءا كما لزمت الأولتين، ولم يقصروهما على الأولين دون الثانيين. ~~وبعضهم يقول: تسمية هؤلاء قياس فمن ها هنا وقع الاختلاف في تسمية النبيذ ~~المسكر خمرا فحرمه الأولون من جهة (الحكم) (¬1) في تحريم الخمر وقول رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: «كل مسكر حرام» (¬2) . وحرمه الآخرون قياسا على ~~الخمر، وكذلك تسميتهم النباش سارقا وواطئ البهيمة زانيا واللواطي على ~~أصولهم. # فصل # والاسم مشتق من السمو لا من السمة خلافا لنحاة الكوفة وأهل الرأي منهم ~~الذين يقولون: مشتق من السمة. والأول يقول: إن الاسم / سما بمسماه فأوضحه ~~وكشف معناه. # وقال الآخرون: إن الاسم علامة للمسمى من جهة السمة. والكل سائغ؛ الأول ~~على اللغة والثاني على المعنى، والمعاني إنما تعرف باللغة، والأول أصح وهو ~~الذي عضده الدليل. وإنما ms032 تعرف الأسماء المتعله برجوعها إلى أصولها وإدخالها ~~التصغير عليها. وتصغير اسم سمي على (قول) (¬3) أهل اللغة # وعلى قول أهل التسمية وسيم فصح الأول . PageV01P046 # ... والاسم هو المسمى في حق البارئ سبحانه عند المحققين، وفي أسماء ~~الأجناس أيضا، كالجسم والعرض والسماء والأرض والهواء والماء والحيوان ~~والموتان. وعند النحاة الاسم غير المسمى وذلك من أجل تواضعهم على ذلك عند ~~التعلم والتعليم. وأما أسماء الألقاب فيهي غير المسمى. فالهوهية في الأول ~~حقيقة وفي الثاني مجاز. ولا يسمى/ البارئ باسم لقب. وذلك كقوله تعالى: { ما ~~تعبدوزن من دونه إى أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم } (¬1) . # على الاسم أنه المسمى. وما عبدوا إلا أصناما وهي الأسماء. وقال الآخرو: ~~سميتموها تدل على الأسماء وتدل على الأصنام، لأنهم لم يفعلوا الأصنام كما ~~فعلوا الأسماء. واستدل الآخرون بقول الله تعالى: { ولله الأسماء الحسنى } ~~(¬2) هي له على التمليك فدل أنها ألفاظ العباد وهي أيضا جمع. وبقوله عليه ~~السلام: «إن لله تسعا وتسعين إسما، مائة غير واحد، من أحصاها دخل الجنة» ~~(¬3) . فالعقل يحيل أن يكون الله معدودا، والأسماء معدودة. وأما قولهم: له ~~الآسماء على التمليك، ليس فيها تمليك، له العلم والقدرة، وله بالذات/ وله ~~الألوهية. وأما الجمع فالمراد التسميات بأسمائه ألا تراه يقول: { فادعوه ~~بها } (¬4) . واستدلوا بقول الشاعر: # ... ... ما كل من قال نار أحرقت فاه # وقال الآخرون: أما اسم النار فهو النار، وأما تسميةالنار باسمها فهي غير ~~النار، وهي قولي النار لا ذات النار، وإنما القول فعل القائل PageV01P047 # والصحيح أن أهل اللغة ألقوا الاسم على الذات وأطلقته النحاةعلى اللفظ ~~لحاجتهم إلى إعراب الألفاظ مواضعة. فالأولون على الأصل، وهؤلاء على الفعل. ~~والنحو طارئ، والطارئ مجاز، وغيره الحقيقة بدليل قولهم هذا زيد. فإن كان هو ~~زيد فلا معنى للغيرية. وقولك جاء زيد فالذات هي التي جاءت وهي زيد وإن كان ~~الاشتراك قد وقع وتعذر الانفصال / على الغير. فالله هو الله، والرحمن هو ~~الرحمن فلئن كان الأول إسما والثاني مسمى فهو هو، ولئن كان الأول مسمى ~~والثاني إسما لهو هو وليس بعد الهوهية إلا الذات. # فصل ms033 # واختلفوا في أعم الأسماء وأخصها. فأعمها على مذهبنا (شيء) وعند الأشعرية ~~معلوم، ومذكور، وشبههما. ولا يجعلون المعدوم شيئا. وعند الأولين هو شيء ~~معدوم، وعند الأشعرية ليس بشيء. والعدم عندنا وعندهم في الحيقيفة ليس بشيء. # واختلفوا في الاسم الواحد هل يجري على متضادين؟ # قال بعضهم: يجوز، كالجلل يجري على الصغير والكبير، ومن امتنع جعله مجازا ~~في حق أحدهما. وأما المتضادان لا بد وأن يجمعهما الأسم الأعم كاللون للأبيض ~~(¬1) كذلك الأسماء المشتركة كالعين والبيضة يجرينا على أمور/ مختلفة، ~~والمختلف أبعد شبها من المتضاد. ولذلك تقول: الله مخالف لخلقه ولا تقول ~~مضاد له. # فصل # اختلف الناس في أقل الجمع. فقال عثمان بن عفان وزيد بن ثابت: أقل الجمع ~~اثنان. وقال ابن عباس: أقل الجمع ثلاثة. وبه قال أبو حنيفة والشافعي. ~~ولمالك فيهما القولان جميعا. فاستدل أهل اللغة بأن الله تعالى جعل للواحد ~~صورة وللأثنين صورة وللثلاثة صورة. فلو كان لفظ # الأنثين جمعا لكان لفظ الجمع اثنين ولكان لفظ الواحد اثنين ولفظ الاثنين ~~واحدا. فلما اختلفت صورة فولهم (رجلان) وصورة قولهم (رجال) وجب أن تختلف ~~المعاني. ولو جاز هذا لجاز أن تقول: رأيت اثنين رجالا. ولو كان قولهم اثنا ~~يقيد جمعا لجاز ذلك كما قالوا: ثلاثة رجال. PageV01P048 # ولا ينكر أن يسمى الواحد باسم الجماعة في بعض / المواطن للعلة الطارئة، ~~نحو قوله تعالى: { إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون } (¬1) بمعنى ~~الأبهة. وأن يسمى الأثنان باس الجماعة، كما قال في داوود وسليمان { إذ ~~يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكيا لحكمهم شاهدين } (¬2) ولقوله: ~~{ فإن كان له إخوة فلأمه السدس } (¬3) . فإن وقع كان مجازا لا حقيقة. ومن ~~ها هنا وقع الاختلاف في آية الكلالة؛ قال الجميع: إن الأثنين من الخوة ~~يحجبان الأم عن الثلث إلى السدس. وقال ابن عباس: لا يحجبها من الأخوة إلا ~~ثلاثة ويورثهم الأسلاف وتواترته الأخلاف وسارت به الركبان في جميع البلدان ~~أولى أن يتبع. وقد سمى الله تعالى باسم الجمع في قصة موسى وهارون، وهما ~~اثنان، فقال: { اذهبا بآياتنا إنا ms034 معكم مستمعون } (¬4) وقال منتصر ابن ~~عباس: أرادها ها هنا موسى وهارون/ وفرعون. وفي قصة داوود وسليمان { وكنا ~~لحكمهم شاهدين } (¬5) يريد هما والخصم. وقال عن يعقوب عليه السلام: { عسى ~~الله أن يأتيني بهم جميعا } (¬6) يريد يوسف وبنيامين ويهودا. واستدلوا ~~بقوله: { إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما وإن تظاهرا عليه ... } (¬7) . ~~قالوا: العرب # تكره الجمع بين تثنتين أو جمعين، واستدلوا بقوله: { وإن طائفتان من ~~المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما } (¬8) فعورضوا بقوله: { فأصلحوا بين ~~أخويكم } (¬9) وبقوله: { نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب } (¬10) والخصم يجري ~~على الواحد والاثنين والجمع والذكر والأنثى ولكل بدليل قوله: { فاقطعوا ~~أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله } (¬11) . وقال: { والسارق والسارقة ~~فاقطعوا أيديهما جزاء ..... } فهما لهما أربعة أيد. # فصل PageV01P049 # اتفق الجميع أن وجود الله تعالى على الحقيقة ووجود الأشياء على الحقيقة/ ~~وقال أبو العباس الناشيء البغدادي: وجودنا في جنب وجود الله عز وجل مجازز ~~وقوله هذا يدعو إلى السفسطة. ومرادنا ها هنا بالمجاز في الأقوال دون ~~الأفعال. فالعلم كل موجود على الحقيقة، والبارئ أحق منه وحياة البارئ ~~سبحانه أحق من الحياة الحي. وحياة الحيوان في جنب حياة النبات والأشجار ~~والمعادن أحق. والقرآن موجود على الحقيقة في صدور الذين أوتوا العلم. ومن ~~وصف به البارئ سبحانه لاشاه، وحاشاه أن يكون بعد حدوثه ونزوله وجعله صفة ~~البارئ حاشاه. # فصل # واختلفوا في القرآن هل فيه مجاز أو كله حقيقة لا مجاز فيه. قال بعضهم: ~~كله حقيقة لا مجاز فيه لأنه حق، والمجاز باطل، وكيف يكون الحق مجازا؟. وهذا ~~أخذ بظاهر من القول أين ذهب به. والصحيح أن فيه المجاز وليس باطل/ وإنما ~~المجاز في اللفظ لا في المعنى، والمعنى المراد PageV01P050 منه الحقيقي. ~~قال الله تعالى: { فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه } (¬1) والإرادة ~~من أوصاف الحيوان لا من أوصاف الجدران، والمعنى يريد مال كأنه رجل هم ~~بالوقوع. وقوله: { والذين يؤذون الله ورسوله } (¬2) فالله تعالى لا يتأذى ~~ولا يناله الأذى. وقوله: { واسأل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا ~~فيها ... } (¬3) وقوله: { الله نور السموات والأرض مثل ms035 نوره كمشكاة فيها ~~مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة .. } ~~(¬4) وقد يتعارف النسا على أسماء كان في البداية مجازا رجعت بالعرف حقائق ~~كالغائط والنجو والنكاح والإيمان والكفر والنفاق والصلاة والزكاة والحج وما ~~أشبه ذلك. وقد غيرت الشريعة كثيرا من اللغة، وجعلتها حقائق في الشرع ومجازا ~~في اللغة بعدما كانت بالعكس. ومنه قوله/ عليه السلام لعمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه -وقد سأله عن الجنابة تصيب الرجل من الليل- فقال له: «توضى واغسل ~~ذكرك» (¬5) أراد غسل يديه ثم ذكره، ولم يرد وضوء الصلاة. # فصل # جميع ما في القرآن عربي. والدليل قول الله عز وجل: { بلسان عربي مبين } ~~(¬6) . وقوله: { إنا جعلناه قرآنا عربيا } (¬7) واستدل من أجاز أن يكون فيه ~~غير العربي من سائ لغات العجم قال: وذلك أن الله تعالى بعث محمدا عليه ~~السلام إلى الناس كافة بقوله: { وما أرسلناك إلا كافة PageV01P051 # للناس } (¬1) وبقول رسول الله عليه السلام: «بعثت إلى الأحمر والأسود» ~~(¬2) وفي أمته العربي والعجمي والبربري والتركي وسائر أهل اللغات. وقد قال ~~الله تعالى: { وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه } (¬3) فدل هذا على أن في ~~القرآن من كل اللغات، فإن يشتمل على لغة كل من أرسل إليه. فهذا خرق. فليته ~~سكت/ ولم ينطق. وهل في القرآن ما يكفي أهل كل لغة ويفي لهم بجميع ما خوطبوا ~~به؟! وفائدة اللغة أن يصخ صاحبها بمضمونها يلزم صاحب هذا القول أن تكون ~~أمته كلها وقومه، فيكون رسول الله عليه السلام روميا عجميا كما أنه قريشي. ~~والثانية أن محمدا عليه السلام تكلم بلغة كل من أرسل إليه. وإلا خرج أهل كل ~~لغة لم يتكلم بها أن يكونوا من أمته!! غاب عنهم المراد وفقدوا السداد حين ~~فارقوا الظاهر والباطن جميعا. وذلك أن كل نبي إنما أرسل بلغة فومه إلى كل ~~من أرسل إليه .. # واستدلوا بحروف من العجميه عربتها العرب وتكلمت بها كانت في القرآن ~~كالمشكاة في الحبشية: الكوة، والقسطاس بالرومية: الميزان. والاستبرق ~~بالفارسية: الديباج، وحسبهم قولهم: عربتها العرب،/ وإنما رجعت عربية ms036 إذ ~~عربتها العرب. وانقطع العتاب، ومن وراء ذلك قول الله تعالى: { ولو جعلناه ~~قرآنا عجميا لقالوا لولا فصلت آياته أأعجمي وعربي } (¬4) . # باب المجمل # والمجمل في القرآن قوله تعالى: { وآتوا حقه يوم حصاده } (¬5) فالمجمل كل ~~كلام في العربية لا ينفهم الغرض بظاهره حتى يرد بيان بمراده، كالحق PageV01P052 # ها هنا مجهول الجنس والنصاب. وكذلك قوله عز وجل: { ولكل جعلنا موالي مما ~~ترك الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا } (¬1) فالنصيب ~~مجهول الكم. واختلفوا في الصلاة والزكاة والحج والصوم والأسماء الشرعية ~~كلها. فقال بعضهم: إن هذا كله مجمل لأنه لا يتوقف على حقيقته إلا بالشرع ~~الوارد ببيانه. وكذلك تحريم الأمهات والبنات/ وذوات المحارم كلها، لا سيما ~~أنها منقولة عن لغة العرب إلى مقتضى الشرع؛ لأن التحريم يقتضي معاني. فما ~~الذي حرم منها؟ الضرب، أم القتل، أم السب، أم السفاح، أم النكاح؟ والمعنى ~~المحرم مجهول. وهذا ليس بشيء؛ لأن الأسماء التي تخرج إلى أسماء مختلفة لا ~~بد أن يكون أحدها هو الأظهر في لغة العرب فيتوجه المراد إلى ذلك حتى يرد من ~~الشرع ما يشمله مع غيره أو يخصه عن غيره؛ كالأمر؛ فإن صيغته تحتمل أمورا ~~كثيرة، والأصل في تلك الصيغ كلها إذا كانت عارية من القرائن الأمر المطلق، ~~إلا إن كانت قرينة تدل على خلاف ذلك. ولهذا قال بعضهم: إن هذه الأشياء ~~المذكورة كلها مفصلة لا مجملة وهو الأصح، وإنما المجمل المجهول الجنس. وهذه ~~الأمور التي يحتوي عليها التحريم تعرفها/ العرب. فإن الصلاة عندهم دعاء، ~~والزكاة طهارة ونماء، والصوم إمساك، والحج قصد. والتحريم الظاهر في سورة ~~النساء النكاح والعقد، فكل معروف مراده. # باب المفصل # والمفصل هو المبين، والبيان هو الإيضاح والإعلام والدلالة والإرشاد ~~والهداية والإيذان. فجميع الوجوه التي تنفهم منها (¬2) المعاني لأهل اللسان ~~فهو بيان لما في القرآن والسنة والأثر وجميع الكلام ويقع البيان بأوجه: PageV01P053 # أولها: البيان بالقرآن لما في القرآن. والبيان الثاني: بيان القرآن ~~والثالث: بالظاهر دون الباطن إلا أن منع من الظاهر نظر أو عقل أو قياس. ~~والرابع: العام ms037 ما لم يقع تخصيص. والخامس: الخاص لأحكام العموم. والسادس: ~~بيان المجمل من الكتاب أو السنة أو الأثر. والسابع: البيان بالعقل، ~~والثامن: الإجماع. # فصل # قال الله عز وجل/: { ما فرطنا في الكتاب من شيء } (¬1) وقال: { فإذا ~~قرأناه فاتبع قرآنه. ثم إن علينا بيانه } (¬2) وقال: { يبين الله لكم أن ~~تظلوا } (¬3) وقال: { وانظر كيف نبين لهم الآيات ثم انظر أنى يؤفكون } (¬4) ~~وقال: { ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة } (¬5) وقال: { وأن ~~احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهوائهم } (¬6) . وقال: { أولم يكفهم ~~أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون } ~~(¬7) وقال: { سورة أنزلناها وفرضناها وأنزلنا فيها آيات بينات لعلكم تذكرون ~~} (¬8) . # ... ومن بيان القرآن لما في نفس القرآن بيان مجمله به كقوله: { نصيبا ~~مفروضا } (¬9) فبينه وقال: { يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين ~~.. } (¬10) حتى أتى على آخر الآية في أحكام المورايث. # وقال: { وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقاته أربعين ليلة ~~} (¬11) ./ ولولا ما نص على الأربعين لاحتمل قوله أن الثلاثين هي التي أتمت ~~بالعشرة. PageV01P054 # وقال: { فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ~~ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة } (¬1) . ولولا ذلك ~~لوقع الوهم على الثلاثة مع الأربعة أنها سبعة، فأتمها بسبعة. (¬2) # هذا كله رد على أهل الباطن الذين يقولون إن ظاهر القرآن ليس فيه بيان، ~~وإنما البيان في التأويل، والتأويل عندهم لا يعلمه إى الله عز وجل ومن علمه ~~إيان من من عترة المصطفى عليه السلام. يقولون: إن التفسير هو ما شرعه الله ~~لمن لم يرسخ الإيمان في قلبه لكي يستعمله حتى يرسخ الإيمان في قلبه فيطرحه ~~عن نفسه كالصلاة والزكاة والصوم. فهذه الأمور إنما أريدت لشيء آخر لا ~~لعينها؛ فغذا بلغ البد النهاية في الإيمان أسقط الله عنه هذه الخصال إذا ~~جاوز حد الظاهر/ إلى حد السريرة وكان من الخلصين. وأما من كان من أهل ~~الظاهر كانت عليه هذه الصلاة والزكاة عذابا وعقابا لمن اقتصر على ms038 الظاهر ~~وعطل السرائر. وللقرآن ظواهر، وللظواهر تفاسير، وللتفاسير تأويل. فمن وقف ~~في حد الظواهر كلف الفرائض عقوبة، فإن جاوز إلى حد التفسير إلى حد المئال ~~كان من المخلصين المحققين حل له الحلال والحرام، إذ ليس في الآخرة أكثر من ~~هذا. فمن بلغ في الدنيا تلك الدرجة حلت له الدنيا، وهذا (¬3) المئال في ~~الأخرى. وسيأتي بيان مذهبهم بأشبع (¬4) من هذا في موضعه إن شاء الله. # باب # في بيان القرآن # فمن البيان المبين ما قصه الله علينا ونصه لنا من أخبار القرون الماضية ~~والأمم الخالية، ونبأ المرسلين صلوات الله عليهم أجمعين. قال الله تعالى: { ~~كذبت قوم نوح المرسلين. إذ قال لهم أخوهم نوح ألا تتقون # أني لكم رسول/ أمين. فاتقوا الله وأطيعون } (¬5) وكذلك قصص الأنبياء ~~صلوات الله عليهم أجمعين. PageV01P055 # وأوامر الله تعالى في القرآن عن بيان كقوله: { اركعوا واسجدوا } (¬1) ، { ~~وقولوا للناس حسنا } (¬2) ، { واذكروا الله ذكرا كثيرا } (¬3) ، { وكلوا ~~واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود } (¬4) ، } ولا تيمموا ~~الخبيث منه تنفقون } (¬5) وكذلك جميع أوامره ونواهيه، وجميع استخباراته ~~فإنها بيان لأولي الألباب من العباد ومن ألقى السمع وهو شهيد. وأما الظاهر ~~والباطن والعام والخاص. فسنذكر وجه البيان فيها إن شاء الله. وأما البيان ~~بالسنة: قال الله تعالى: { وما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا ~~أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون. بالبينات والزبر وأنزلنا إليك الذكر/ لتبين ~~للناس ما نزل إليهم } (¬6) . وقال: { وما أنزلنا عليك القرآن إلا لتبين لهم ~~الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون } (¬7) . وقال : { وما آتاكم ~~الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا } (¬8) . فأوجب أن بيان الرسول عليه ~~السلام لما في القرآن بيان وهو سنته. وقد أمرنا الله عز وجل بالصلاة مجملة ~~فبينها عليه السلام فقال: «تحريمها التكبير وتحليلها التسليم» (¬9) . ~~وقوله: «صلاتنا هذه لا يصح فيها شيء من كلام الآدميين» (¬10) ونهيه عن ~~القراءة PageV01P056 # في الركوع والسجود وقوله: «كل صلاة لم يقرأ (فيها) بفاتحة الكباب فهي ~~خداج» (¬1) . وفوله للذي يعلمه الصلاة: «إذا افتتحت الصلاة وقرأت فيها ما ~~فتح الله لك فكبر واركع ms039 حتى تطمئن راكعا، ثم ارفع حتى تطمئن قائما، ثم اهو ~~إلى السجود حتى تطمئن ساجدا، ثم ارفع (رأسك حتى تطمئن قاعدا، ثم أهو إلى ~~السجود حتى) (¬2) تطمئن/ ساجدا، ثم ارفع رأسك وقم إلى الركعة الثانية وافعل ~~فيها ما فعلت في الركعة الأولى، فإذا أنت قعدت وقلت فقد تمت صلاتك» (¬3) . ~~وبيانه في أوقات الصلاة وأعدادها وأساميهن وما يفعل فيهن. وقال عليه ~~السلام: «خذوا عني مناسككم» (¬4) , و «صلوا كما رأيتموني أصلي» (¬5) . ~~وبيانه (في) النصب في الزكاة، قوله: «ليس فيما دون عشرين مثقالا نصف مثقال» ~~(¬6) ، و «ليس فيما دون خمسة أوساق من التمر صدقة» (¬7) . وفي بعض ~~المصنفات: «من الحب». و «في خمس من الإبل شاة، وفي عشر شاتان، وفي خمس ~~وعشرين بنت مخاض» (¬8) . PageV01P057 # وفي الصوم: «إذا غابت القرص من ها هنا، وطلع الليل من ها هنا أفطر ~~الصائم» (¬1) . وقوله: «إذا سمعتم أذان بلال فكلوا، وإذا سمعتم إذان ابن أم ~~مكتوم فكفوا» (¬2) ./ وقوله: «لا صوم لمن لم يبيت الصيام من الليل» (¬3) . # وفي الحج «الحج هو الثج والعج والتلبية» (¬4) . وبيان المواقيت للإحرام. ~~وقوله على الصفا: «نبدأ بما بدأ الله به» (¬5) . # وأما بيانه بالفعل: فلقوله عليه السلام: «خذوا عني مناسككم» و «صلوا كما ~~رأيتموني أصلي» وأشكاله كلها في الصلاة من قيام وقعود وركوع وسجود، وفع ~~ووضع، وتكبير وتسليم، فهي بيان للصلاة، وقراءة الجهر، وسجدتا السهو وطول ~~القنوت وغيره. # وأما بالترك: فكتركه القنوت بعد الاستعمال (¬6) وترك مسح الركنين ~~الشاميين (¬7) ، وتركه لباس خاتم الذهب، ورمى به وقال: أما هذا فلا ألبسه ~~أبدا (¬8) . وتركه أهل مكة في بيوتهم وقد دخلها عليهم عنوة (¬9) . # وأما الإقرار: فكل شيء أقر عليه أمته وتركهم وفعله بين يديه وكان ذلك ~~عندهم / واجبا أو ندبا أو مباحا فهو من سنته. PageV01P058 # وأما الواجب فما فعلوه وتركهم وفعله فكالاستنجاء بالماء فصار سنة. وأمر ~~المرأة التي هربت من مكة في هدنة الديبية فطلبها المشركون يردوها فأبى ~~عليهم المسلمون. فقال رسول الله عليه السلام للمشركين إن شئتم رددناها ~~جذعة. فلم يردوها على المشتركين. # وأما وقوع البيان بالإجماع: فإنه يقع ms040 قولا وفعلا وتركا. فأما القول: إذا ~~قال بعضهم وسكت الباقون، أو قال بعضهم وترك الآخرون النكير عليهم: كقول أبي ~~بكر الصديق رضي الله عنه للأنصار: نحن الأمراء وأنتم الوزراء. وقوله أيضا ~~قياسا: الله واحد، والرسول واحد. فطاعوا لقوله وأطبقوا. وقوله: وأيم الله/ ~~لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة. وقوله: لو منعوني عقالا مما كانوا ~~يؤدونه إلى رسول الله عليه السلام لقاتلتهم عليه حتى ألحق به. وتخميسه أهل الردة. # وأما البيان بالترك: فكتركهم توريث العبيد وتوريث الأموات. وتسويتهم بين ~~الأمة والعبد في الحدود، وإعتاق شقص منهم. # وأما البيان بالعقل: فجميع حجج الله تعالى في القرآن على المشركين، كما ~~قال: { ومن يدع مع الله إلاها آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه .. } ~~(¬1) وقوله: { لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا } (¬2) وقوله: { أفمن ~~يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون } (¬3) وقوله: { أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا ~~وأنكم إلينا لا ترجعون } (¬4) . وقوله: { ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة إن ~~هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد } (¬5) . PageV01P059 # وقوله: { أتعبدون ما تنحتون والله خلقكم وما تعملون } (¬1) وقوله: { ~~وضرب/ لنا مثلا ونسي خلقه، قال من يحي العظام وهي رميم؟ قل يحييها الذي ~~أنشأها أول مرة وهو بكل شيء عليم } (¬2) وقوله في الأصنام : { ألهم أرجل ~~يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها أم لهم آذان يسمعون بها بها } (¬3) . # فصل # ... واجتمعت الأمة على أنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة. واختلفوا ~~في تأخيره عند وقت ورود الخطاب. فأجازه بعض وأبطله آخرون. فعامة الفقهاء قد ~~أجازوه، ومنعت منه القدرية والشذوذ من غيرهم. ودليل الأولين قوله تعالى: { ~~فإذا قرأنه فاتبع قرآنه ثم إن عليها بيانه } (¬4) وثم للتراخي. ودليل ~~الآخرين ا، ذلك لا يجوز كما لا يجوز خطاب الموتى وخطاب من لا يفهم معنى ما ~~خوطب به، كما استحال خطاب العربي بالفارسية، والفارسي بالعربية. واعلم أن ~~خطاب هؤلاء غير مستحيل وجائز، بشرط إحياء الميت/ وبقاء الفارسي حتى يفهم أو ~~يجيء من يفهمه، وكذلك المعدوم بشرط إذا كان من يبلغه ويفهم ms041 عنه إلى حين ~~وجود المعدوم وبلوغه الخطاب كما أنا خوطبنا نحن في الجملة وجميع من يأتي من ~~الأمة -على عهد الرسول عليه السلام. واعتلوا بالبلاغ وقرنوه بالبيان. ~~قالوا: فكذلك يجوز تأخير البلاغ إذا جاز تأخير البيان. قلنا: ولا سواء؛ أما ~~البلاغ فمتعين الآن. وأما البيان فلا يتعين إلا عند حصول الفعل وحضور ~~النازلة. فكما أن الفعللة وقت، وليس للابلاغ (¬5) وقت، وجميع الأوقات ~~للإبلاغ وقت، وجميع أوقات الأفعال فمتراخية. فبطل ما اعتلوا به. PageV01P060 # ومن الأدلة علىجواز تأخير البيان قول الله عز وجل { أنا مهلكوا أهل هذه ~~القرية إن إهلها كانوا ظالمين } (¬1) حكاية عن الملائكة، ولولا ما وسع ~~الناس من تأخير البيان إلى وقت الحاجة للزم/ إبراهيم أن يحكم على أهل ~~القرية بالهلاك وبالبراءة من جميع أهل القرية. لكن إبراهيم علم أن للعموم ~~خصوصا وبيانا، فقال: { إن فيها لوطا } ، مستفهما. { قالوا: نحن أعلم بمن ~~فيها } (¬2) . وقوله: { إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة } (¬3) وأخر بيان ~~نعتها. { واعلموا أن ما غنمتم من شيء فأن لله خمسه } (¬4) فذكر الأصناف ~~وأخر القسمة. وحد ذوي القربى منهم بنو هاشم وبنو المطلب دون عبد شمس ونوفل. ~~ومن جهة السنة: أن سائلا سأل رسول الله عليه السلام عن أوقات الصلاة، فأخر ~~الجواب حتى صلى بهم صلاة يومين فقال: أين السائل عن أوقات الصلوات؟ فقال: ~~«ما بين هذين أوقات الصوات» (¬5) . # فصل # واختلف الناس في العموم والظاهر وأخبار الآحاد إذا تعارضت أيها أقوى. قال ~~بعضهم: إن أخبار الآحاد/ أقوى من الظاهر. واستدلوا بقول أبي بكر الصديق رضي ~~الله عنه عن رسول الله عليه السلام: »نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما ~~تركناه صدقة» (¬6) وقال بعضهم: العموم أولى. ألا ترى إلى عمر كيف أبطل حديث ~~فاطمة بنت قيس وقال: لا ندع كتاب الله عز وجل إلى قول امرأة لا تدري أصابت ~~أم أخطأت. فأوجبالنفقة والسكنى للمبتوتة (¬7) . # والظاهر والعام وأخبار الآحاد هي طرق مستعملة فإذا تقاومت غلبوا عليها ~~الرأي والقياس واستصحاب الأصل. # باب في الأمر والنهي PageV01P061 # اعلم أنه لا أحد تجب طاعته إلا لله ms042 تعالى (¬1) أو من أمر هو بطاعته من ~~نبيء أو خليفة أو حاكم أو والدين أو غيرهما. واتفق الجميع في مقتضى اللغة ~~أن الأمر لا يفيد حسن المأمور به (¬2) ، ولا النهي (¬3) قبح المنهي عنه. أن ~~هذا حسن/ وأن هذا قبيح. وإنما يعلمان من جهة الشرع ولا يعلمان (¬4) من جهة ~~المصلحة خلافا للقدرية (¬5) الذين يقولون إن الله عز وجل لا يكلف عباده إلا ~~من جهة المصلحة بدليل قول الله تعالى: { فبظلم من هادوا حرمنا عليهم طيبات ~~أحلت، وبعدهم عن سبيل الله كثيرا. وأخذهم الربا وقد نهو عنه، وأكلهم أموال ~~الناس بالباطل، واعتدنا للكافرين منهم عذابا أليما } (¬6) . # وقد يكون التكليف والأمر ابتلاء ويكون رحمة. فمن الشرع يقتبس حسن الحسن ~~وقبح القبيح لا من جهة العقل، إلا ما يتعلق بالعقل من جهة الواجبات ~~وأخواتها. والمباح خارج من حد الحسن والقبح، كما أنه خارج من حد الطاعة ~~والمعصية. # فصل PageV01P062 # اعلم أن الأمر يتصرف في اللغة على وجهين: الشأن والقصة، وجمعه: أمور. كما ~~قال الله تعالى: { وإلى الله/ ترجع الأمور } (¬1) . والثاني: أمر الله ~~ونهيه، وجمع الأمر منه : أوامر. وهو القول المقتضى منه الفعل من المأمور. ~~وهذا في الخطاب . وأما في الإيجاب فلا. وأما حد الأمر: فهو طلب الفعل ~~واقتضاءه على غير وجه المسألة. والفرق بين الأمر والسؤال، أن الأمر بالشيء ~~نهي عن ضده، والسؤال عن الشيء ليس بنهي عن ضده. فمن أثبت نهي تأديب أثبت ~~(أمر تأديب) (¬2) والسمر القرق بينهما، ومن امنتع من ذلك قصر الأمر على ~~الواجب (¬3) ، والنهي على الزجر، ومن أجازهما أوجب التأديب فيهما. وقد يعبر ~~عن الأمر (¬4) بالقول وبالإشارة وبصورة الخبر. # أما من جهة القول: فقول الله عز وجل: { قل .. أحد } (¬5) وقوله عز وجل: { ~~وقولوا .... خطايكم } (¬6) . # وأما بالإشارة فقول رسول الله عليه السلام لأبي بكر الصديق رضي الله عنه: ~~«يا أبا بكر (¬7) ، ما منعك أن تصلي بالناس إذ أمرتك» وذلك / حين أم أبو ~~بكر الناس، فلما أبصر رسول الله عليه السلام تكعكع، فأشار إليه رسول الله ~~عليه السلام ودفع في ظهرة امتنع فتقدم ms043 رسول الله عليه السلام فأتم بالناس ~~الصلاة. فلما انصرف من الصلاة قال لأبي بكر: «يا أبا بكر، ما منعك أن تصلي ~~بالناس إذ أمرتك؟» ولم يكن هناك إلا الأشارة. فقال أبو بكر رضي عنه: ما كان ~~الله ليرى ابن أبي قحافة في مقام نبيه. PageV01P063 # وأما من جهة الرموز (¬1) فقوله عز وجل حكاية عن زكريا عليه السلام: { ~~آيتك .... إلا رمزا } (¬2) ولا معنى لكلامه إى بأمر أو نهي أو خبر أو ~~استخبار. وهي جميع أقسام الكلام، لأن الرمز ينوب مناب الخطاب، ولقوله: { ~~فأوحى .... وعشيا } (¬3) وأما من جهة الخبر فقول الله عز وجل: { والوالدات ~~.... الرضاعة } (¬4) الآية وقوله: { وإذ أخذنا ...... إحسانا } (¬5) . # مسألة # اختلف الناس في الأمر، هل له من صيغة وصورة أم لا صيغة ولا صورة له؟ فقال ~~أكثر الفقهاء: إن للأمر صيغة وصورة، وهي قولك: إفعل. وكذا (¬6) النهي له ~~صورة وهي قولك: لا تفعل. وهو الأصح، خلافا للأشعرية الذين يقولون أن الأمر ~~والنهي لا صيغة لهما. والدليل على قول الفقهاء استعمال أهل البيان، وهم ~~أرباب الشأن. وذلك أنهم قسموا الكلام اربعة اقسام وقالوا: أمر ونهي وخير ~~واستخبار. فالأمر قولك: افعل. والنهي قولك: لا تفعل. والخبر قولك خرج زيد، ~~والاستخبار قولك: أخرج زيد؟ .. ولم يشترطوا له قرينة تفرد الأمر ولا النهي ~~من غيره. والأمر والنهي هما الأصل، وما عداهما ففرع. وكذلك الخبر ~~والاستخبار. كما أنهم جعلوا للواحد صيعة يعرف بها يجرى عليه/ الخطاب بها، ~~وللأثنين # صيغة، وللثلاثة فصاعدا (¬7) صيغة، وكذلك للواحدة من النساء وللأثنين ~~والجمع صيغ. ثم ينقسم كل واحد من هذه الأربعة أقساما كثيرة. فيكون الأمر ~~أمرا وسوءالا ودعاء ونداء. ويكون النهي نهيا وزجرا وإغلاظا وتهديدا. ويكون ~~الخبر خبرا وتمنيا وجحودا ومجازاة وتلهفا. ويكون الاستخبار استخبارا ~~واستفهاما وتقريرا وإنكارا وتعجبا وتوبيخا وقسما ومثلا. PageV01P064 # فصورة المر وصيغته تشترك مع غيرها في صيغها. فمع اندل قول الله تعالى: { ~~وافعلوا الخير (لعلكم 00تفلحون) } (¬1) (¬2) . ومع الإذن: { افعل ما تؤمر } ~~(¬3) ، ومع الإطلاق: { فإذا قضيتم (فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم) ~~(¬4) } (¬5) ومع الإباحة: { فإذا .... فاصطادوا } (¬6) . # ومع الوعيد: { اعملوا ما ms044 شئتم } (¬7) . مع التحدي: { فأتوا ... مثله } ~~(¬8) ، ومع التعجيز: { كونوا حجارة أو حديدا } الآية (¬9) ومع النداء:/ { ~~قل يا .... الله } (¬10) . ومع الدعاء: { ربنا اغفر لنا ذنوبنا } (¬11) ومع ~~التكوين: { إنما .... كن فيكون } (¬12) ومع التعجب : { أسمع ... يأتوننا } ~~(¬13) ، أي ما أسمعهم وأبصرهم. ومطلق المر هو الأصل مع ملطق غيره، إذ لا بد ~~لغيره من ذكر القرينة والتقييد. # فصل PageV01P065 # وإذا ورد الأمر من الله عزو جل اقتضى الوجب دون الندب. قال الله تعالى: { ~~فليحذر .... أليم } (¬1) . خلافا لمن قال من الأشعرية -إنه يحمل على الندب، ~~ولمن قال بالوقوف أيضا. فاطلق ولم يقيد فوجب أنه على الوجوب. قال الله ~~تعالى: { وما كان .... مبينا } (¬2) . وقوله أيضا: { وإذا قيل ... للمكذبين ~~} (¬3) . فذكره في معرض الذم, وقوله عز وجل لإبليس: { ما منعك/.... أمرتك } ~~(¬4) وقول رسول الله عليه السلام لبريرة في زوجها مغيث: «لو راجعته» فقالت: ~~يا رسول الله، أبأمرك؟ فقال: لا، إنما أنا شافع. فقالت لا حاجة لي به» (¬5) ~~ففرق رسول الله عليه السلام بين الشفاعة والأمر؛ لن طاعته في الشفاعة مندوب ~~إليها، وأمره واجب. ولو قال لها: عن، أمري لما تخلفت عن مراجعته. ومما يؤكد ~~هذا قول رسول الله عليه السلام: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند ~~كل صلاة وعند كل وضوء» (¬6) . ومعلوم أنه ندبهم، فصح أنه لم يأمرهم. # والدليل أيضا على وجوب الأمر عقلا أن السيد إذ قال لعبده: أسقني ماء، أو ~~قم، أو أقعد، فلم يقه، ولم يقم، ولم يقعد، حسن من السيد ومن كل أحد لومه ~~وتوبيخه وعقوبته. فهذا دليل الوجوب. وعارضوا في هذا بقول/ PageV01P066 # السيد لعبده: إلبس هذه الخلعة، أو إلبس هذا التاج، أترونه عاصيا إن لم ~~يلبسها؟ قلت: هاتان معهما قرينة تدل على غير الأمر، وهو التبجيل والإكرام، ~~وليس هو بموضع للعبد إلا إذا كان أهلا لذلك بعد أن يكون عبدا رايعا. والعبد ~~يتوقف لهذه العلة عن درجة ومرتبة لم يبلغهما إلا إن كان يليق لذلك فترجع ~~القصة كما كانت. ولسنا ننكر أن لفظة إفعل ترد أمرا وترد بخلافه. وإنما ~~الكلام على ورودها مطلقة ولكنا ms045 نفول: إن وردت بغير قرينة فالأصل فيها الأمر ~~ثم الوجوب على قول بعضهم حتى ترد معها قرينة وتقتضي غير الأمر. وقالوا ~~أيضا: لو قال للصباغ اصبغ لي هذا الثوب لجاز له التوقف حتى يعلم أي لون ~~يريد، فهذا لا يلزم لأن الألوان تشترك إلا إن كان صباغ البلد معروفا، فيكون ~~عاصيا/ إن لم يمتثل. وأما إن كانت متساوية فيسوغ له التوقف. ولا بد في ~~الخطاب من ظاهر تسبق إليه النفوس فيحتاج من دونه إلى قرينة. وكذلك لو قال ~~اضرب الدابة خلافا لقوله اضرب الحمار إى إن كان للبلد عادة فهو أقعد. # فصل # والمندوب إليه مأمور به خلافا للشافعي؛ لكونه طاعة الله عز وجل وعبادة ~~ووقع الثواب عليه، والحسن والخير والمدح. والفرق بينه وبين الواجب وجب ~~الثواب وسقوط العقاب عنه وهما في الواجب جميا. والفرق بينهما وبين الإباحة ~~أن الإباحة لا ثواب ولا عقاب. وقد اجتمعت الأمة أن النوافل كلها طاعة لله ~~عز وجل ومندوب إليها وليست بواجبة. والذي أختاره أنها غير مأمور بها لما ~~قدمناه من الوعيد على المتخلف عن أوامر الله تعالى. وقوله/ عليه السلام: ~~«لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة، وعند كل وضوء« (¬1) ~~وهو قول عمروس بن فتح حين امتنع أن يقول إن الإيمان إنما كان PageV01P067 ~~إيمانا لعلة الأمر به، لئلا تدخل فيه النوافل. على أن الشيخ أبا الربيع ~~سليمان بن يخلف رضي الله عنه قال: من قال إن النوافل لم يأمر الله بها ولا ~~إنها طاعة فهو كافر. والذي يتوجه إليه هذا الكلام أنه يريد من نفاها من ~~الطاعة فهو كافر، وأما الأمر فالله أعلم. وقد اجتمعت الأمة على أن الله ~~تعالى ندب إلى النوافل ودعا إليها وإنما وقع الاختلاف في الأمر. # فصل # وإذا وردت لفظة افعل بعد الحظر، وعريت من القرائن كانت إباحة، وهو الأليق ~~بهده لأنها مبينة على التيسير، قال الله تعالى: { يريد الله ..... العسر } ~~(¬1) . وقال: { وما جعل ..... الدين/ من حرج } (¬2) # قال بعضهم: تحمل على الوجوب كقول الله تعالى: { فإذا طعمتم ms046 فانتشروا } ~~(¬3) { وإذا حللتم فاصطادوا } (¬4) { فإذا قضيت الصلاة فانتشروا .. } (¬5) ~~والأصل هو الأول، وإن وردت بعد الندب كانت أمرا واجبا. والأصل في هذا كله ~~أنها إباحات لا واجبات كما قدمنا، ويراعى في هذا كله أنفاس الأمة. # باب # اختلاف الناس في أمر الله ونهيه # وكلامه وقوله وخطابه # اختلف الناس في امر الله تعالى ما هو؟. قالت المعتزلة: خطابه الموجود في ~~القرآن هو كلامه وأمره ونهيه وهو قوله بحروف واصوات مقطعة. # وقالت الأشعرية: أمر الله تعالى ونهيه وكلامه وخطابه وقوله صفاته في ~~ذاته، والقرآن فرع من الكلام وهو صفة الله تعالى في ذاته على هذا النعت. # وقال المسلمون: أمر الله تعالى ونهيه يتصرف على/ وجهين: وجه كقول ~~المعتزلة أنه خطاب مسموع وقول معرفو مفهوم مقول بحروف مقطعة وأصوات مسموعة. PageV01P068 # والوجه الآخر: أن الأمرهو الإيجاب، أمر؛ أي أوجب أو ندب خطابا، أو إلزاما ~~لا خاطابا، فالإيجاب والإلزام أوامر. أما المعتزلة فقصروا أمر الله عز وجل ~~على الخطاب الموجود في القرآن وكذلك قالو: من لم يسمع لم يؤمر. وأما ~~الأشعرية فقد ردوه إلى صفة الذات، والمسلمون بين بين، وأثبتوا الأمرين ~~جميعا، وهما الخطاب والإيجاب، وأبطلوا الصفة والذات ولذلك لا يعذرون من لم ~~يسمع كما عذرته المعتزلة. # مسألة # اختلف الناس في المعدوم هل هو مأمور على الحقيقة أم لا؟ قالت القدرية: لا ~~يجوز امر المعدوم لا بشرط وجوده، ولا بغير شرط وجوده/ وقالت الأشعرية: # أمر المعدوم صحيح جائز بشرط وجوده يوما ما أو بشرط وجوده من يبلغه إذا ~~وجد. واستدلوا بظاهر قوله تعالى: { ويا أيها الناس } ، { يا أيها الذين ~~آمنوا } وأمثاله، فلما (¬1) لزمتهم الأسماء لزمتهم الأوامر. فالإنسان الذي ~~يوجد بعد مائة سنة هو إنسان الآن (¬2) ، وأنه صفة (¬3) في ذاته. فالله ~~تعالى آخر (به) (¬4) لم يزل، وناه لم يزل، وقد أمرهم ونهاهم في الأزل كما ~~تقول: علمهم في الأزل وقدر عليهم. وسلك المسلمون طريقا بين بين فوافقوا ~~المعتزلة في خلق الأمر (والنهي) (¬5) واختلفوا معهم في أنه آمر وناه فمنعته ~~القدرية وجوزه المسلمون ووافقوا الأشعرية أن الله تعالى آمر ms047 ناه لم يزل، ~~وخلفوهم في أن الأمر والهي صفتان، وخالفوهم أيضا في أ، الله أمرهم ونهاهم ~~لم يزل.فالمسلمون جوزوا على الله تعالى أنه آمر وناه في الأزل/ وأبطلوا أنه ~~أمر ونهي كما جوزوا عليه أنه خالق لم يزل فاعل لم يزل، وأبطلوا خلق وفعل ~~وأمر. وليس الأمر والنهي والخلق والفعل بصفات الله تعالى ألبية، وإنما هي ~~أفعال لا صفات. # فصل PageV01P069 # قال الشيخ أبو الربيع (سليمان) (¬1) بن يخلف رضي الله عنه (¬2) : "فإن ~~قال قائل: ما معنى أمر الله بهذا؟ قيل له: خلق الأمر به لا من أحد، وكذلك ~~النهي. وقيل له أمر الله أي خلقه في عينه # أمرا لا من أحد. وكذلك قولنا: طاعة الله ومعيته؛ أي خلق الأمر بها والنهي ~~عنها لا من أحد. ومعنى قولنا (لا من أحد) أي لا فعل لأحد في أمره ونهيه. ~~وقلنا: لا من أحد لئلا يكون كل أمر خلقه الله عز وجل أمرا له ... ويقال ~~لأمر النبي صلى الله عليه وسلم أمر الله، ولنهيه نهي الله، أي عن أمر الله ~~كان وعن نهي الله كان". # واحترز الشسخ رضي الله عنه في أمر النبي عليه السلام ونهيه، ولم يطلق أنه ~~أمر الله إلا بتقييد. وماذا عليه لو أطلق؟ فإن أمر محمد عليه السلام ونهيه ~~هو أمر/ الله ونهيه على الحقيقة، لأنه خلقه وأمر به. وإنما يتوفى ما خلقه ~~ولم يأمر به، وأما ما خلقه وأمر به فلا. وكذلك كل من أمر بالطاعة التي أمر ~~الله بها، أو نتهي عن المعصية التي نهى الله عنها. فإن أمر الله ونهيه هو ~~أمر الله مطلقا لا مقيدا في أعينهما وقد خلق وأمر ونهي واجتمعت العلتان. PageV01P070 # وسئل عن محل الأمر والنهي والكلام أن يكون حالا في المأمور والمنهي ~~والمخاطل بالكلام فيكون هؤلاء أولى أن يكونوا آمرين ناهيين متكلمين منهم أن ~~يكونوا مأمورين منهيين مخاطبين. ولما لم يكن الله تعالى محلا للحوادث، ~~وبطل/ أن يكون المر حالا في المأمور صح أنه صفة الآمر لا فعله، وكذلك النهي ~~والكلام قلنا (¬1) : وليس ms048 في جهلنا بمحل الأمر والنهي والكلام ما يثبت أنها ~~صفات البارئ سحانه (على المعقول) (¬2) ، وعلى المتقول الدليل. والخلق (كله) ~~(¬3) بعضه محل (¬4) لبعض. ولو سئلوا عن الروح لما أمكنهم فيه كلام إلا أن ~~يتقولوا على الله فيما رد علمه إليه، وأنى وهو يقولون بخلقه # وأما معنى قول الشيخ إن الله أمر بهذا أي خلق الأمر به لا من أحد لم يوف ~~شروط النسبة، وكذلك قوله: "ما معنى: ولله الحجة البالغة؛ أي خالقها ~~ومالكها" (¬5) . فقد أجاب بأمر يشمل سائر الخلق، وبقيت الفائدة التي بها ~~سميت الحجة بالغة والغرض الذي ذكرت به ها هنا بلاغهان فبلاغها: بيانها، ~~وبلوغها: قيامهاعلى العبد بما يقطع العذر ويوجب الأمر. # باب التبليغ # قد/ اجتمعت الأمة على أن رسول الله (¬6) عليه السلام بعث إلى الأنس والجن ~~كافة. أما الأنس قلقول الله عز وجل: { وما أرسلناك ... للناس } (¬7) وقوله: ~~{ يا أيها .... جميعا } (¬8) . PageV01P071 # أما الجن فلقول الجن -قال الله عز وجل: { وإذ صرفنا .... مبين } (¬1) . ~~وقوله: { يا معشر الجن والإنس } (¬2) وقوله: { فبأي .... تكذبان } (¬3) . ~~وأن الأمة مجتمعة (¬4) على أنه قد بلغ السالة التي أرسل بها وأدى الأمانة ~~ونصح الأمة. # وقال/ رسول الله عليه السلام وهو بعرفات خطيبا: أي يوم هذا وأي شهر هذا ~~وأي بلد هذا؟ # قالوا: يوم حرام وشهر حرام وبلد حرام. فقال عليه السلام: إن دمائكم # وأموالكم وأعراضكم (عليكم) (¬5) حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في ~~بلدكم هذا. ألا هل بلغت؟ فقالوا: اللهم نعم. فقال: اللهم فاشهد. ألا فليبلغ ~~الشهاد (منكم) (¬6) الغائب. ولم يكلف أكثر من مقدرته (¬7) ، فمن شاهده ~~أبلغه، ومن غاب كتب ورأرسل إليه وأوصى، وقال الله عز وجل: { لأنذركم به ومن ~~بلغ } (¬8) فمن بغي بعد هذا من أمته؟ إما رجل على دين نبي من الأنبياء قبله ~~فواسع له ما لم يسمع. أو رجل على غير دين فلا يسعه. # فصل # واختلف الناس في السامعين، فقال بعضهم: ليس عليه إلا ما سمع، وليس عليه ~~ما تضمنته الجملة. # وقال بعضهم: عليه جميع ما تضمنته الجملة، وليس عليه من الطارئ حتى يسمع. ~~وكذلك ms049 قولهم (¬9) فيمن كان على دين نبي من/ الأنبياء إنه يسعه المقام عليه ~~ما لم يسمع، فإذا سمع بمبعث النبي عليه السلام فعليه الإقامة على مذهبه حتى ~~تقوم عليه الحجة بشريعة محمد عليه السلام. ويسع الملي الإنتقال من شريعته ~~إلى الشريعة التي بعده، ولا يسعه الإنتقال إلى شريعة قبله. PageV01P072 # وسئل هل تهتلف الشرائع في التوحيد فيكون التوحيد الذي كلفناه هو التوحيد ~~الذي كلفته الأمم من لدن آدم عليه السلام إلى هلم جرا؟ أو يختلف فيكلف ~~بعضهم معرفة الجمل من الملائكة والنبيين والمرسلين والكتب ويحط (عن) (¬1) ~~الآخرين. # أو هل يسوغ أن يكلف الله تعالى بعض الأمم معرفته وحده دون الجمل ودون ~~المعد، أو يكلف (الله) (¬2) بعضهم ما حطه عنا أو يكلفه لنا؟ وهل يجوز في ~~نفس الأمة أن يكلف بعضهم الجملة وشرحها ويحط عمن بعدت داره بعض شرحها؟ وهل ~~في ذلك تفرقة بين مشرك أو بالغ فآمن ولم يذق (¬3) ومن أجاب إلى/ شريعتنا من ~~أهل الكتاب هل يأثم بتضييع جميع (¬4) ما في شريعته أو لا يأثم ولو كان ~~عندنا واجبا؟ وهل يصح أن يكون على شريعة نبيء ولم يكن عنده اسم ذلك النبيء؟ ~~والذي قالوه أن نوحا صلوات الله عليه لم يبعث إلى قومه إى بلكمة لا إله إلا ~~الله صحيح أو غير صحيح؟ فمن كان عنده الجواب فليكشف الغمة ويشف الهموم، ~~كفاه الله وشفاه (¬5) . PageV01P073 # إن سأل سائل عن من قال: إن العقل حجة الله على ابن آدم، وإن الخلق كله ~~حجة عليه. وإن الرسل والكتب حجة، أو قال: إن حجة الله العقل دون الكتب ~~والرسل، أو الكتب والرسل حجة الله دون العقل. أو قال: العقل تنال به معرفة ~~البارئ عز وجل من ذات نفسه بشاهد الخلق من غيره منبه على وجه الحجة فيه ولا ~~مخبر أو قال بغير إلهام. أو من قال: لا ينفك مكلف من إلهام، وقد قامت الحجة ~~على العاقلين من جهة الإلهام. أو قال بالفكر إنه حجة/ الله ويسعه (ما دام ~~متفكرا) (¬1) أو يسعه إلى مدة. أو من ms050 حط عمن لم يسمع كل ما ليس للغقل عليه ~~دليل على حسنه وقبحه. ومن قال بالحجة لا تقوم بالواحد أو بالاثنين من أهل ~~دين الله، أو بالأربعة أو بالخمسة أو بالاثنى عشر أو بعشرين أو بسبعين أو ~~بالمائة أو بالماتين حتى يبلغ حد التواتر. أو شك فيما شهد عليه الشهود في ~~جميع ما لا يسع قارنت الشهود ريبة أم لا؟ وهذا الباب كالأول، نريد من ينص ~~على كل مسألة منهما (¬2) بجواب صريح بدليل صحيح أو بتقليد صحيح. # فصل # مسألة: وهل يصح أن يكلف الله عباده ويأمرهم وينهاهم بأوامره ونواهيه ولا ~~عقوبة ولا مثوبة؟ وهل يسوغ أن يأمرهم وينهاهم، ويجعل مثوبتهم ترك عقابهم إن ~~أطاعوا، وأما أن عصوا فيما قبهم؟ وعكس # ذلك. أن يأجرهم على الطاعة ولا يعاقبهم/ على المعصية، وتكون مؤاجرة ~~الطائعين ثوابهم. وحرمان الثواب للعاصين عقوبة (¬3) لهم؟ وهل يسوغ أن يجعل ~~التكليف مؤبدا لا آخر له والثواب والعقاب في خلال ذلك، لا آخر للتكليف ولا ~~للجزاء، وهل يسوغ -في العقل- أن يكون الجزاء متقطعا كما ينقطع العمل، أو ~~يجعل إحدى المثوبتين منقطعة والأخرى دائمة؟ PageV01P074 # الجواب: إن هذا كله سائغ في العقل لا استحالة له، وليس فيه شيء يبطل ~~الحكمة إلا المسألة الأولى رهو أن يلكلفهم لا مثوبه (لهم) (¬1) ولا عقوبة، ~~وإلى الرد على أهله أشار القرآن الحكيم فيما ذكرناه أ,لا { ذلك ظن ~~......... النار } (¬2) منع منه الشرع والعقل جميعا؛ أما الشرع فالذي سمعت، ~~وأما العقل ففيه طرق (¬3) من العبث. كما قال الله تعالى: { أفحسبتم ~~........ لا ترجعون } (¬4) على تناقض المعنى؛ أن يكون التكليف/ ولا ثواب ~~ولا عقاب فهذا عين الإباحة ورجوع الوجوب (¬5) إباحة والإباحة واجبة عين ~~التناقض (¬6) ، وذلك محال إذ لا معنى يدعوهم إلى فعل ما أمروا به، ولا معنى ~~يزجرهم عن فعل ما نهوا عنه وهو عين الإباحة أو عين العبث. ومن أوجب شكر ~~المنعم (ومنع) (¬7) كفره عقلا، وهو قول (¬8) المعتزله، أجازوا التكليف بلا ~~ثواب. وحرمان الثواب فرع العقوبة ينوب عن العقاب. والسلامة من العقاب فرع ~~من الثواب. وباقي الفصل سائغ ms051 غير مستحيل. وهذا بعد تبديل الخلقة وتغيير ~~الصورة. وأما على حالتهم هذه فلا يليق بهم، والحكمة تركهم على ما هم عليه ~~كما قال عمر بن لعجيل الزبيدي (¬9) ؛ PageV01P075 # وذلك أن قومه بنو زبيد ارتدوا حين بلغتهم وقاة رسول الله عليه السلام، ~~وكان ابن العجيل مسلما مهاجرا، فقام في قومه خطيبا فقال في آخر كلامه: إن ~~الله تعالى جعل/ الحكم على ما ظهر والجزاء على ما بطن. ولو أراد تبارك ~~وتعالى أن يأخذ الناس بأمر عيانا ويقطع أسباب الرجاء والخوف لحول الصنعة ~~عما هي عليه حتى يزيد في الإنذار. وأبطلت القدرية دوام التكليف؛ لأن في ~~دوامه -قالوا- بطلان الجزاء، ولا أدري قولهم إذا كان الجزاء في خلال ذلك؛ ~~ونسوا فولهم أن شكر المنعم واجب عقلا، والمكلف لا ينفك من النعمة، ولم ~~يدروا أن قضاء الواجبات دين، ولا ثواب على قضاء الديون. وفي سلب النعم أعظم النقم. # باب # هل كان رسول الله عليه السلام متعبدا عارفا بالله عز وجل ويدينه قبل ~~مبعثه، أو هل هو متعبد الشريعة أحد ممن كان قبله من الرسل صلوات الله عليهم ~~أجمعين؟ اعلم أن بعض الفقهاء تكلموا في هذا على قدر حدسهم وظنهم. قالت ~~الأشعرية: قد عرف الله عز ووجل وعرف دينه الذي يخصه/ قبل مبعثه؛ وذلك أنه ~~أمر وقع إليه في قلبه من قبل الله عز وجل فصانه به حتى جاءه الحق في غار ~~حراء. والدليل عليه قول عائشة رضي الله عنها، قالت: كان رسول الله عليه ~~السلام يتحنث في غار حراء أيام رجب حتى أتاه الحق وهو بغار حراء. وكان قبل ~~مبعثه، صلى الله عليه وسلم، يرى الرؤيا فتجيئ مثل فلق الصبح (¬1) . وحديثه ~~ايضا مع زيد بن عمرو، قال: إنه لأول من بغض إلي عبادة الأوثان؛ وذلك أنه ~~لقيه بطريق الطائف ومعه زيد بن حارثه، وكان زيد مهجورا عند أهل مكة فلقيه ~~قرب المزدلفة قد عاه (¬2) رسول الله عليه السلام وقال: هلم # إلى السفرة. فقال: يا ابن أخي، إن كان مما تذبحونعلى أصنامكم فلا حاجة لي ~~فيه ms052 (¬3) . ومع قريش طرف من دين أبيهم إبراهيم عليه السلام ومناسك الحج. PageV01P076 # وقالت المعتزلة: أمر أدركه بعقله من معرفة توحيد ربه وما يقتضي العقل/ من ~~مفروضاته. # وقال بالوقف أهل الوقف. وأجاز الآخرون الأمرين جميعا لكنهم لم يقطعوا على ~~أحدهما. وقال (¬1) آخرون: ذاق بدليل قول الله تعالى: { ووجدك ضالا فهدى } ~~(¬2) وقوله: { وما كنت .... ولا الإيمان } (¬3) . وبالإشارة في { قل يا ~~أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون. ولا أنتم عابدون ما أعبد. ولا أنا عابد ~~ما عبدتم } ولم يقل: ولا أنتم عابدون ما عبدت { لكم دينكم ولي دين } (¬4) ~~أثبت عبادة الأوثان للكافرين في الماضي والاستقبال، وتبرأ منها في ~~الإستقبال دون الماضي وهو قوله: { ولا أنا عابد ما عبدتم ولا أنتم عابدون ~~ما أعبد } ولو قال: ما عبدت ولكن قال: { ما أعبد } . وهذا أمر لم يؤثر فيه ~~شيء عن رسول الله عليه السلام إلا ما ذكرنا. ولو كان ما خفي عن قومه وأهل ~~قطرة ولم يذكر عنه صلى الله عليه وسلم ما يدل على أنه (على) (¬5) شريعة أو ~~طريق مهيعة. # فصل # هل كان رسول الله عليه السلام متعبدا بشريعة أحد الأنبياء حين/ أرسل أليه ~~قبل أن تشرع له شريعته؟ وهل نسخت شريعته كل شريعة كانت قبله، أو نسخت ~~الشرايع التي قبله بقوله: { يا أيها الناس .....جميعا } (¬6) ؟ # الجواب: اختلف الفقهاء في هذه المسائل، قال بعضهم: إنه أمر أول وهلة ~~بشريعة نوح عليه السلام بدليل قوله تعالى: { إنا أوحينا إليك كما أوحينا ~~إلى نوح والنبيين من بعده } (¬7) . فهذه الآية لا تقتضي أكثر من أنه شملهم ~~بالوحي. PageV01P077 # وقال بعضهم: بعث أولا بشرائع أولى العزم/ من الرسل لقول رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: «أنا أحق بعيسى بن مريم لأنه لا نبيء بيني وبينه» (¬1) ~~وبمكان وضعه كفة على صورة عيسى ومريم أيام دخوله الكعبة حين أكر عثمان بن ~~طلحة أن يمحو الصور التي في الكعبة كلها إلا ما تحت يده. # وقال بعضهم: بعث أولا بشرائع أولى العزم/ من الرسل، وأمر باتباعهم بدليل ~~قوله: { فاصبر كما صبر أولو العزم من ms053 الرسل } (¬2) . # وقال بعضهم: بل تعبد بشريعة موسى عليه السلام ألا تراه ليلة المعراج كيف ~~حط من ثقل الصلاة. # وقال بعضهم: بل تعبد بشريعة أبيه إبراهيم صلوات الله عليهما بدليل قوله ~~عليه السلام: «جئتكم بالحنيفية السمحة السهلة» (¬3) . وبدليل قول (الله عز ~~وجل): { وما جعل ...... من قبل } (¬4) وبقوله: { ومن .... نفسه } (¬5) ~~وقال: { ثم أوحينا # إليك ..... المشركين } (¬6) . # الأصل في هذه المسألة أن رسول عليه السلام بعث إلى الناس كافة فنسخت ~~شريعته كانت قبله، إلا ما ينسخ من مكارم الأخلاق والتوحيد، ولذلك أمره الله ~~تعالى بعد ذكر الأنبياء عليهم السلام فقال: { فبهداهم اقتده } (¬7) . يريد/ ~~ما هم عليه من التوحيد ومكارم الأخلاق وما ذكره الله تعالى حكاية عنهم في ~~القرآن لم ينسخ (¬8) . # فصل PageV01P078 # هل يجوز أن يبعث الله تعالى رسولين بشريعة واحدة أو رسولين بشريعتين ~~مختلفتين إلى أمتين أو إلى أمة واحدة، ويكون الخيار إلى الأمة أيهما أحبت ~~أجابت له؟ أو رسولا بشريعة يختلف فيها حكم القبائل وحكم الأجناس كالسودان ~~والبيضان ويختلفون في العبادات؟ أو رسولا يدعوا إلى شريعة محدثة من لم يكن ~~على شريعة ويوسع على من كان على شريعة أحد من الأنبياء أن يقيم عليها ومن ~~لم يكن على شريعة أن يجيب له أو يحضر بعض الشرائع على أهلها ويدع آخرين على ~~شريعتهم؟ أو يرسل رسولا فيكله إلى الإجتهاد والرأي، أو رسولين بالرأي ~~والإجتهاد يجتهد كل واحد منهما رأيه ويسع الناس/ اتباع كل واحد مهما والأخذ ~~برأيه، وينتقل الناس من رأي أحدهما إلى رأي الآخر؛ فإن كان هذا هكذا فما ~~حال الناس فيما تئول إليه أمورهم من الأحكام والدماء والفروج والمواريث ~~والأموال؟ # اعلم أن هذا كله سائغ، ليس في العقل ما يحيله، ولا في الشرع ما يبطله. # التخليص: أما بعث رسولين في عصر واحد فقد كان ذلك في عهد إبراهيم ولوط ~~عليهما السلام، بعثه الله عز وجل ولوطا رسولين في زمان واحد إلى أمتين ~~مختلفتين. وعلى عهد موسى وهارون إلى أمة واحدة صلوات الله عليهما. وعند ~~أصحاب القرية في الرسولين اللذين آزرهما بالثالث وعززهما ms054 به. وكذلك أن ~~يكونا رسولين بشريعتين مختلفتين متتا بعتين أو معا أو رسولا إلى أمتين، أو ~~رسولين إلى أمة واحدة (واحدا) (¬1) بعد آخر وما يشبه ذلك. PageV01P079 # وفي وجودهما (¬1) في هذه الأمة اختلاف حكم/ الذكور والإناث، والأحرار ~~والعبيد، وما خص الله به طوائف من هذه الأمة كثقيف حين شرطت على رسول الله ~~عليه السلام أن يحرم واديها على من يرعاه دونهم فمن وجدوه فيه سلبوه. وحكم ~~الحرمين وتحريمهما، وما حكم به أبو بكر الصديق رضي الله عنه في أهل الردة، ~~أبى أن يقبل إسلامهم حتى يقاسموه الأموال وتنزع (منهم) (¬2) الكراع ~~والسلاح. وما فعله رسول الله عليه السلام بأهل دومة الجندل حين اشترط عليهم ~~الضاحية من البعل وشبه هذا. وقوله: «لا يقتل قريشي صبرا بعد هذا اليوم» ~~(¬3) وقوله: «الولاية في قريش ما دام منهم رجلان» (¬4) وتحريم الصدقة على ~~آل محمد. # وأسهامهم (¬5) -دون الجيش- من الخمس. ولا تقبل الجزية من بعض الكفار ~~(وتقبل من بعض) (¬6) ، وهذا حكم البيضان والسودان (والذكور والإناث) (¬7) . ~~وكذلك أن يخير الناس في اتباع أي الرسولين شاؤوا، ولا يسع أحدا الإنفكاك ~~إلا بإذن الرسول. ويسوغ / كل واحد من السولين هذا للناس. ولا يحجر أحد ~~منهما على الناس في اتباع أي شريعة شاءها ابتداء، ويكون الإنتقال على إذن ~~الرسولين وكذلك في الإنتقال على هاتين الشريعتين إلى غيرهما، لا يسوغ إلا ~~بإذن الرسولين. # فصل PageV01P080 # وأما قوله هل يرسل الله تعالى ويبعث نبيئا بالحط أو بالرؤيا أو بالصواع ~~أو بالفراسة أو بمنطق الطير والحكل فيؤدي البسول إلى الناس أوامهر ونواهيه ~~أو يسله بغير واسطة الملائكة فيكلمه تكليما، أو يلهمه الهاما، أو يعلمه ~~إلاما ضرريا أو أختيارا فذلك كله سائغ. # وأما أن يرسل رسولا فيقبضه قبل بلوغه أمته أو يقبض أمته قبل وصوله إليها، ~~فذلك ضرب من البداء لا يجوز على الله تعالى. وأما أن يرسل امرأة أو عبدا ~~فسائغ أيضا، أو يرسل رسولا من بني آدم إلى الطير بمصالحها، أو إلى النمل/ ~~أو إلى البهائم غير ذات العقل (¬1) . فهذا كله جائز. وكذلك يرسل إلى ms055 كل جنس ~~من هؤلاء رسولا إليها وإلى غيرها بمصالحها وتفهم عن رسولها. اعمل أن هذا ~~كله سائغ في العقل، ويجعل لها الثواب إن أطاعته والعقاب إن عصت في الدنيا ~~وأما في الأخرة فلا، فهي بمثابة أطفالنا في الدنيا، ومصداق هذا كله ما ~~شاهدناه من PageV01P081 # النمل (¬1) والنحل والحمير والبغال والخيل والسباع والوحوش والطير ~~والهوام والحشرات. ما من صيف منها إلا وفيه عجائب من طاعتها لأكابرها ~~وتربيتها لأصاغرها والسمع والطاعة لملوكها، والأبهة والهيبة من سلاطينها، ~~وقبول التأديب والإهتداء، والتهذيب لصنائعها بحسن الترتيب. وأصدق من هذا ~~وأجب قول أصدق القائلين حكاية عن صنفين منها (¬2) . أحدهما ذكر (له) (¬3) ~~الله عز وجل في محم كتابه أفعالا في الحكم لا يهتدي/ لها أكثر العقلاء، من ~~حسن السياسة، والإصغاء إلى أهل النصيحة، والتحصن في معاقلها خوفا من معرة ~~من لا طاقة لها بمقابلته، والتحرز من الشر قبل الوقوع فيه، والمعذرة ~~لسليمان عليه السلام من معرة (¬4) جيشه، وعظم منة الله عليه في أن أفهمه ~~الحكل من منطق النمل فعرف محاوتها وفهم مراجعتها حتى استخفه الطرب لأعجب ~~العجب (¬5) أن تبسم ضاحكا وقال: { رب أوزعني أن ....... الصالحين } (¬6) ~~والإشارة إلى داود عليه السلام في تأويب الجبال وتسبيحها بالعشي والإشراق. ~~ثم إن سليمان تفقد الطير { فقال مالي ..... الغائبين } (¬7) فقص قصته. وفي ~~ظاهر كباب الله عز وجل أعظم بيان / وأوضح برهان على ما أردناه حتى قال: { ~~لأعذبنه ........ فمكث غير بعيد فقال أحطت بما لم تحط به } (¬8) مفتخرا على ~~سليمان بقوة PageV01P082 # العلم في محاورات ومراجعات، ورسائل ومكاتبات، ومهارات ومراسلات، وإسلام ~~وفتوحات، واصطناع الهيكل العظيم والصرح الممر الجسيم. وشأ، بناء العرش ~~العظيم كخبر هذا الهدهد العليم. ومن وراء هذا كله أن بعث الروح الأمين إلى ~~محمد خاتم النبيئين صلوات الله عليهم أجمعين بهذا الخطب العظيم ليبلغه ~~المصطفى أمته مقتبسين منه جلال الله تعالى ومنته على أوليائه وأهل طاعته. # والعجب ممن يذهب في هذا كله إلى الأمثال دون الفعال، وحاد به عن الحقائق ~~إلى الخيال. قصر قدرة الله تعالى وفضله على مقدوراته هو وفعله، وحكم أن ms056 علم ~~تعالى لا يجاوز/ علمه، وسلك بأخبار الله تعالى مسلك أهل السمر في ظل القمر، ~~كأخبار كليلة ودمنة وندماني جذيمة، وجحا وخرافة اسبندباد، وأحاديث بديع ~~الزمان وعلامة همدان والحريري (والسروجي) (¬1) ، أجهل بمن ذهب هذا المذهب ~~وسلك هذا المسلك وأقدر به. بل لا نشك ولا نرتاب أن حكاية الله تعالى عن النمل PageV01P083 # على ظاهرها، وأن فضيلة الله تعالى على سليمان عليه السلام التي شكرها، ~~ونعمته التي أولاه أياها حق، وأنه هو الحق المبين. وليس العجب فيما قلنا ~~عنها بأعجب مما خلق الله تعالى لها من الأسماع والأبصار والقوى والأبشارن ~~والإهتداء للمنافع والمضار والإهتداء لمعاشها، والانتفاع برياشها هو { الذي ~~...... مهين } / (¬1) فضرب له مثلا ونسي خلقه، وما ربك بغافل عما يعملون. { ~~قال من ............خلق عليم } (¬2) . # فصل # أما إرسال رسل بتكذيب بعضها بعضا أو نقض أحكامها أو إمرار نقضها (¬3) ، ~~أو رسولين بإطال ما يقول (كل) (¬4) واحد منهما، أو يقطع كل واحد منهما عذر ~~من اتبع صاحبه، أو بأن يشرع أحدهما ما ينسخه الأخر أو ينسخ ما شرعه الآخر، ~~فهذا كله غير جائز عقلا ولا شرعا. أو أن يرسله بخلاف ما تقتضيه العقول فإن ~~ذلك كذب. # وأما أن يرسلهما الله تعالى ويأمرها بالإجتهاد ويختلفا كاختلاف المجتهدين ~~من أمة واحدة فيسع كل واحد منهما القول بما قال والفعل به، فجائز هذا كله ~~كما وسع أمة محمد صلوات الله عليه، فإن وقعت / مشاجرة في مسألة فالحكم فيها ~~إلى الحكام، ولا يحل ولا يسوغ لأحدهما شيء إلا بحكومة حاكم، فإن عدم الحاكم ~~فاستصحاب الحال والمطلوب هو المدان والطالب هو المعان. # مسألة: ويتصل بهذا ما الحكم في الأشياء قبل ورود الشرع؟ # الجواب: قال بعضهم: الحظر، وقال بعضهم: الإباحة.وقال أهل الوقف بالوقف. ~~وقد كان جواب المشائخ قبل هذا أن الأصل في الأشياء قبل ورود الشرع الحظر، ~~وكان جواب الشيخ أبي زكريا يحى بن أبي بكر رحمه الله. فبلغ ذلك أبا يحي ~~زكريا بن أبي بكر رضي الله عنه فقال: علام يقول يحى هذا؟ ألم يقل الله عز ~~وجل: { وسخر ...... منه ms057 } (¬5) فتوقف عن الجواب فيها بعد ذلك ورجع والله أعلم. PageV01P084 # وأما الذين قالوا بالوقوف فالأشعرية. وأما الذين قالوا بالحظر فالمعتزلة/ ~~وأما الذين قالوا بالكف ففرغ من الحظر. والأصح أن الأشياء على الإباحة قبل ~~ورود الشرع. وقولنا قبل ورود الشرع، معنانا: قبل ورود الحظر والأمر ~~والإباحة؛ (لأن هذه (¬1) أسماء مقتبسة من الشرع) (¬2) والقدرية بقول ~~بالإباحة إى ما يوجبه العقل. # وأما من قال بالحظر فإنه منعه من التقدم إلى شيء إلا بإذن من المالك ~~وبأمر مبتدأ، وبدليل قوله: { ولا تقف ما ........ مسئولا } (¬3) . # وأما الذين قالوا بالإباحة، قالوا: إن الله تعالى خلق خلقه وخلقهم ~~محتاجين إلى أمرو تقوم بنيتهم لها. ولم يكن ليخلقهم ويحوجهم ثم يحرجهم في ~~تناول ما به قوامهم؛ ألا تراهم قد احتاجوا إلى التنفس في الهواء والكون على ~~وجه الأرض، ولا ينفكون منه ولا يستغنون/ عنه؟ وكذلك النظر بالأبصار ~~والإصغاء بالآذان، وقد فتق الأبصار وشق الآذان وأطلق اللسان واحتاج إلى ~~الاستعمال ويؤذنها بالمقال والإمتثال. # فصل # ومن فروع هذه المسائل أيضا من أجاب إلى شريعة نبي من الأنبياء. # قال بعضهم: ليس عليه إلا ما بلغه وقامت به عليه الحجة من تلك الشريعة. ~~وكذلك من أجاب إلى شريعة نبينا محمد عليه السلام. وسواء كان المجيب على دين ~~أو على غير دين، فليس عليه صلاة ولا صيام ولا زكاة ولا حج حتى يسمع كلام ~~الله. فإن الأصل في الأشياء قبل ورود الشرع الإباحة. PageV01P085 # وقال من قال إن الأشياء على الحظر: لا يسعه أن يتخلف عن شيء من دينه، ولا ~~أن يركب شيئا من خلافه ويؤثمونه بذلك. ويفرقون بين من كان على دين الله ~~فأجاب إلى شريعة من بعده وبين من كان على الشرك. فالأول/ يسعه والثاني لا ~~يسعه. وكذلك من قبل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الجملة التي يدعو (¬1) ~~إليها من التوحيد لا مشركا كان (¬2) أولا على دين فيسعه التخلف معما ورد ~~بعده من الشريعة. وأما ما كان مشروعا في الجملة التي قبل عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فلا يعه ms058 التخلف عن جميع ما تضمنته تلك الجملة. وهذا أشبه ~~الأقاويل. وللعجب عندنا أنا ضيقنا على المشرك في جميع ما خالف فيه شريعة ~~محمد عليه السلام سمع أو لم يسمع، فإذا اجبا إلى شريعة من قبله ولم يسمع ~~حطوا عنه جميع ما أوجبوه أول مرة من شريعة محمد عليه السلام إلا ما في ~~شريعته هذه. # وأما الذي ذكرنا من الأشعرية والمعتزلة فيوسعون عليه في كل شيء حتى يسمع. ~~وأما (¬3) من قال بالوقف من الأشعرية توقف لا يدري. # ... القول فيمن كان في جزيرة من جزائر البحر حيث لا يبلغه خبر النبي عليه ~~السلام ولا خبر أحد من/ النبياء عليهم السلام، ما الذي يعه في توحيد ربه ~~والإيمان بالرسل وما الذي عليه أن يمتثله من دين الله عز وجل. # اختلف الناس في هذا على قدر أقاويلهم: # قالت القدرية: عليه أن يؤمن بالله ويوحده؛ لأن ذلك يتضمن العقل علمه إذ ~~استعمل الدلائل. فمن لم يؤمن ولم يعرف فهو كافر. واختلفوا هم والأشعرية في المدة. # فمن قائل: الحالة الأولى تسعه، ومن قائل: ما دام مفكرا. فأما الذين قالوا ~~بالفكر في الحجة فقد وسعوا الشرك على الجاهل وعطلوا التوحدي على البالغ. PageV01P086 # وأما الذين قالوا إن مدة الصبا هي مدة الفكر فأشبه قليلا، قير أن الأمة ~~قد أجمعت أن الرسل والكتب هي الحجة، حجة الله على خلقه { لئلا ....... ~~الرسل } (¬1) . ومع ذلك لا يقدر أن ينال الحجة (بها) (¬2) في حالةولا في ~~أحوال قليلة ومع ذلك لا يسعه، وكذلك قول أهل الفكر. # والذي/ أختاره (أنا) (¬3) أن العقل وجوده حجة الله على العبد في التكليف. ~~والخلق كله حجة الله. والرسل والكتب حجة الله لئلا يكون للناس على الله ~~حجة، والإلهام والإخبار، هذا كله حجج الله على عباده. والحجة العظمى وحود ~~العقل، أدرك به شيئا أو لم يدرك، استعمله أو لم يستعمله، وكذلك الكتب ~~والرسل حجج الله تعالى وإن كان لا يقدر أن يتعرف ما عند الأنبياء والكتب في ~~حالة ولا سيما إذا كان بينه وبين النبي والكتاب مسافة فلا تنفع ms059 شيئا وقد ~~قامت الحجة أول حال وجود العقل. # ... ورأينا في الكتاب الذي جاءنا من جهة الجبل قال: ما تقول فيمن عرف ~~الله وآمن به ولم يبلغه خبر الأنبياء ولا الرسل ولا الملائكة ولا الكتب أنه ~~واسع له إن كف عما نهى الله عنه؟ ثم عقب فقال: إن كان يكون ذلك. والله أعلم. # وأما ابن الحسين فأوجب معرف البعث، وأن معرفته من/ العقليات الواجبات ~~لأنه لا بد من ثواب وعقاب، ولا ثواب ولا عقاب إلى الآن، فلا بد من كونه. ~~فهذه من الواجباتو وقد سنحت لي مسألة، فمن لقي نبيئا فشرع له دين. # الله وتوحيده فقبله عنه، فقال: أما إثبات نبوتك فلا علم لي إلا بمعجزة، ~~هل يسعه ذلك؟. # وقد أجمعت الأمة في الخطاب الوارد من الله إذا كان مجملا أن البيان لا ~~يتأخر عن وقت الحاجة أن هذا من البيان الذي لا يتأخر عن وقت الحاجة أم لا؟ ~~فالله أعلم. PageV01P087 # وقول أهل الدعوة فيمن كان في جزيرة من جزائر البحر حيث لا يبلغه علم ~~الشرائع في قومه وأمته: لا يخلو من أن يكون مجيبا لآبائه على ما هم عليه من ~~الشرك، أو (على) (¬1) غير ذلك. ومحال أن يكون على غير دين آبائه، عادة الله ~~التي قد خلت إلا إن أتى من قبل الله عز وجل ما ينقله عما تربى عليه. ومحال ~~أن يهتدي لدين الله من غير منبه ولا مخبر يدعوه/ فيشرع له الدين. فإن كان ~~على شرك آبائه لم يعذر فيما يدركه بعقله و(لا) (¬2) فيما لا يدركه به، ~~بدليل قول الله تعالى: { قلنا اهبطوا ....... خالدون } (¬3) . # فصل # وأما من وقع في جزيرة من البحر مولودا أو فطيما أو مع السباع أو مع ~~البهائم فعض غير صحيح العقل، فهذا على من ذهب في العقل مذهب أهل التجارب. ~~وأما إن كان يسمع الأصوات فعلى مذهب أهل المواضعة، يصح عقله وإن لم يسمع ~~صوتا ولم ينطق. ومن قال بالتوقف فهو بالمذهب الأول أشبه. # وقال المسلمون: من كان على هذه الصفة فصح عقله سلك ms060 سبيل الأولين في ~~التكليف. وإن لم يصح عقله سقط التكليف ولا يعذر أحد في جهالة/ التوحيد حالة ~~واحدة إن صح عقله. وأما من كان على شريعة نبي من الأنبياء فإنه يسعه شرعه ~~حتى يسمع، كما قال الله تعالى: { وما كان ........ ما يتقون } (¬4) . # فدليل الخطاب في هذه المسألة أنه مقطوع العذر سمع أو لم يسمع. والهداية ~~هنا الإسماع، وهذا لمن لم يكن على دين. # فصل PageV01P088 # ... اختلف الناس في هذا المختلف فيه من الديانات بعد تنافر النفوس قال ~~بعضهم: الحجة فيه انثان. وقال بعضهم أربعة: وقال بعضهم اثنى عشر و (قال) ~~(¬1) بعضهم: سبعون. و(قال) بعضهم: مائة. و(قال) بعضهم: عدد يوجب علم ~~التواتر ولو كان ألفا. وقال بعضهم بالواحد، وهم الذين يقولون بأخبار ~~الآحاد. استدل هؤلاء بقول الله تعالى: { يا أيها ........ نادمين } (¬2) ~~وقد قال: { أفمن كان ....... لا يستوون } (¬3) . ومن امتنع من قبو لالعدل ~~المؤمن فقد ساواه بالفاسق في رد الشهادة. والأصل في الآحاد أن يكون عالما ~~غاية معروفا مشهورا مقبول القول. أو من أورد الحجة بكمالها حتى لا يوجد على ~~قوله مزيد. ومن قال بالإثنين حمله قياسا # على الأحكام، وليس الدين بأخسر منزلة من الأحكام كما قال الله تعالى: { ~~وأشهدوا ذوي عدل منكم } (¬4) . # والذين قالوا بالأربعة شبهمه شهود الزنا. (¬5) . # والذين قالوا انثى عشر: قال الله تعالى: { ولقد أخذنا ...... نقيبا } (¬6) . # والذين قالوا بالعشرين أخذوه من قول الله عز وجل: { إن يكن ....... مأتين ~~} (¬7) . # والذين قالوا بالسبعين أخذوه من قول الله عز وجل: { واختار ...... ~~لميقاتنا } (¬8) . # / والذين قالوا بالمائة أخذوه من قول الله عز وجل: { إن تكن ..... مع ~~الصابرين } (¬9) . # وأصحاب الألف هم أصحاب التواتر. ومن قال إن حجة الله لا تقوم إلا ~~بالتواتر، الألف فما فوقه، وهو قول أحمد بن الحسين، أزرى به على الدين وقدح ~~في جماع المسلمين، وأبطل فائدة الأنبياء والمرسلين. PageV01P089 # والأصل في هذه المسألة أن أخبار الآحاد مقبولة في نقل الشريعة. ومن قصد ~~فهمه عن الحجة وقارنته قرينة الإرتياب فيسعه التوقف ولو كثروا وليس ذلك ~~بقدح في المسلمين. وهذا كله ما لم تقع فيه ms061 البلوى. فإن وقعت البلوى واحتاج ~~ألا يتخلف عن الحق. ويسعه ما لم يحوجه الله إلى الفعل فيتخلف عن سبيل ~~المؤمنين أو تبرأ (¬1) بواحد من المسلمين # أو وقف فيه أو قطع عذره أو تقول خلافهم في دين/ الله رب العالمين وتولى ~~من كان على خلاف دين المسلمين وهو عندي قول (أبي الشعثاء) (¬2) جابر بن زيد ~~رضي الله عنه ظني فيه حين ذكر ما يسع ثم قال: لا يجوز للعالم أن يقول ~~للجاهل اعلم مثل علمي وإلا قعطت عذرك. ولا يجوز للجاهل أن يقول للعالم: ~~اجهل مثل جهلي وإلا قطعت عذرك. فمن قاله منهما لصاحبه قطع الله عذره. ~~وسنشير إلى طرف من هذه المسائل إذا صرنا إلى مواضعها. # باب # الأمر المجرد العاري من # القرائن هل يقتضي التكرار أم لا؟ # الجواب: إنه لا يقتضي التكرار خلافا لمن قال يقتضيه من الشافعية ولمن قال ~~بالتوقف من لأشعرية. ؟لأنه قد امتثل وفعل ما أمر به، وخرج من العهدة وصلح ~~له الاسم فهو مصل وصائم فكما لا يقتضي الخبر التكرار فكذلك الأمر. ولو قال ~~خبرا: صلى زيد لم يقتض التكرار ولا يدل إلا على صلاة واحدة، فكذلك الأمر. ~~ومن/ حلف ليفعلن بر بمرة واحدة. واستدل من قال يقتضي التكرار لأن عليه ~~استدامة الفعل حتى تأتي قرينة تدل على الترك كالنهي. فإذا نهي عن شيء فعليه ~~استدامة الترك. # قلنا: إن لفظة النهي تدل على استدامة الترك بخلاف الفعل. واستدلوا بقضية ~~الشارب حين قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم اضربوه فضربوه وكرروا ~~عليه الضرب. فلو لم يقتض الأمر تكرار مما يقتضي الأمر من الضرب. # قيل لهم: إن قوله عليه السلام: اضربوا الشارب. مقترن بقرينة الردع PageV01P090 # والزجر. ولا ينزجر بأدنى ما يقع عليه اسم الضرب. فكان الأمر ها هنا غير ~~مجرد من القرائن، بل معه قرينة تدل على التكرار وهو الردع والزجر. ويعكس ~~عليهم بضربه أبدا حتى يموت. واستدلوا بأن لو حلف أن لا يفعل الشيء لم يبر ~~إلا باستدامة/ الترك. # قلنا: النهي خلاف الأمر ومقتضاهما مختلف. ms062 وإنما يدل على عكس ما في النهي. ~~فإذا كانت الاستدامة في النهي فأحرى أن تكون في الأمر بل هو أولى. واستدلوا ~~بتكرار الصلاة والصيام والزكاة. وعورضوا بالحج. واستدلوا بتكرار الاعتقاد. ~~وينقض عليهم بمأمور (¬1) مرة واحدة أو بمرار محدودة فإنه يبر بالعدد ويجب ~~عليه تكرار الإعتقاد ولا يجب عليه تكرار الفعل. والدليل الدال قول رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أمرتكم بشيء فآتوا منه ما استطعتم، وإذا ~~نهيتكم فانتهوا» (¬2) . وقد تعلق الفريقان بهذا الحديث، ولكل متعلق (¬3) ؛ ~~أما الأولون قالوا: التحديد قد وقع، وأقله الاستطاعة. وقال آخرون: فلو ~~استطاع الأبد لكان عليه مثل ما عليه من استدامة النهي حتى يقع التحديد. ~~والكل قاصر. # والذي يتوجه إليه الحديث أنه إن قدر أن يفعل ذلك الشيء كله فعله وإن/ لم ~~يقدر إلا على بعضه فعل ما قدر عليه. ألا تراه يقول: «فأتوا منه ما استطعتم» ~~ولم يرد تكرارهم، وهو الأليق برأفة الرحيم أن يقصرهم على أدنى ما يقع لهم ~~به الاسم. وأما الدوام فشاق، وأما ما ذهب إليه الآخرون فربما أن يكون ندبا ~~أمروا أن يفعلوه ما استطاعوا بدليل قوله عز وجل: { وافعلوا الخير } (¬4) أي ~~: دوموا على فعل PageV01P091 # الخير. ودليل آخر، إن سراقة بن مالك أو الأقرع بن حابس سأل رسول الله ~~عليه السلام عن فريضة الحج، أللعام أم للأبد؟ فانتهره رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال: «لو قلت نعم لوجبت» (¬1) . فدل أن أهل اللسان عولوا على ~~الدوام ولو لم يعقلوه من خطابهم لما ذهب عنهم. وعكس الآخرون حيث انتهره ~~النبي عليه السلام على الدوام حتى قصر. وقال الآخرون: إنما أخذ عليهم من ~~طريق الشرع لا من طريق اللسان. # فصل # الأمر إذا تكرر لا يقتضي تكرار المأمور به. وقال/ بعضهم يقتضي التكرار ~~والأول أصح. وهو مذهب الفقهاء الثلاثة أبي حنيفة ومالك والشافعي. وقالوا: ~~أنه ليس في تكراره فائدة غير التأكيد. والذي يدل عليه اللفظ الأول هو الذي ~~يدل عليه اللفظ الثاني. وقالوا إن اللفظ الثاني يحتمل الاستئناف فوجب تكرار ~~الفعل لتكرار اللفظ. ms063 # قلنا: هذا أمر مظنون. وكما أن الأمر يحتمل الوجوب والندب ولسنا ندع الأصل ~~إلى الفصل. دليل آخر: أن السيد إذا قال لبعده: أسقني، أسقني. أنه لا يتكرر ~~سقيه لتكرر لفظه مرتين، وكذلك ها هنا. وهذا إذا تكرر بلفظ واحد أو بلفظين ~~مختلفين معناهما واحد. وأما إذا تكرر الأمر بلفظين مختلفي المعنى واللفظ ~~فذلك مأمور أن يجب امتثالهما. وأما إن اتفق المعنى واختلف اللفظ فذلك مأمور ~~واحد وكذلك في فعل لا يتكرر كقولك: اعتق عبدك، اعتق عبدك. أو اقتل زيدا، ~~اقتل زيدا/ وأما تكرير لفظ واحد في سخصين فيجب الامتثال فيهما كقولك: اضرب زيدا، PageV01P092 # أضرب عمرا. وأما اضرب زيدا وأضرب زيدا بحرف النسق فإن الشيء لا يعطف على ~~نفسه. فليس هناك إلا فعل مرة واحدة. وأما في الأخبار فتكرار المعارف تكرار ~~والنكرات أغيار كقول الله عز وجل: { فإن مع ............ يسرا } (¬1) فلو ~~قال رأيت رجلا فقلت: من هو؟ فقال: الرجل زيد، لكان واحدا. ولو قال رأيت ~~رجلا فسقاني رجل دل أيضا على الغيرية. # فصل # وإذا علق الأمر بشرط أو صفة فإنه لا يقتضي التكرار، وقال بعضهم: يقتضي ~~التكرار، كقولك (¬2) : اخرج إن شئت أو إن شاء فلان وإذا حانت الظهيرة فصل، ~~أو أخرج إذا طلعت الشمس. والقول الأول أصح. وإنما الشرط والصفة بيان لوقت ~~الفعل وصفة. # واختلفوا أيضا في تكرر/ الشرط والصفة كاختلافهم أول مرة وأما إن قال: ~~كلما طلعت الشمس فصل، أو كلما شاء فلان فطلق زوجته، فإن هذا يجب حمله على ~~التكرار في قول من قال بالعموم. وأما من قال بالوقف ومن لا يرى التعميم فلا ~~يكرر واستدلوا بقوله: { إذا نودي .......... الله } (¬3) . فأجابوا (¬4) أن ~~القرينة فعل الرسول صلى الله عليه وسلم لا من جهة الأمر. # مسألة # اعلم أن المخير بينهما في الأفعال يجب أن يكون حكمهما واحدا في الوجوب ~~وفي الندب وفي الإباحة. فإن لم يكن كذلك بطل التخيير. # والأفعال المخير فيها على ضربين: ضرب لا يجتمع كالتأجيل والتعجيل بمنى. ~~وضرب يجتمع كالإطعام والصيام والعتق، فالواجب منها واحد غير معين إن ms064 أردت ~~على جهة الوجوب خلافا لأبي حنيفة، لموجبها (¬5) كلها حتى يفعل واحدا بعينه. ~~خلافا لمن قال: أغلاها ثمنا وباقيها/ تطوع. وتعلق بأن الثواب تعلق بأخلاها ~~ثمنا وليس بصحيح. وخلافا لمن قال: الواجب منها أدناها وهو الذي اشتغلت به ~~الذمة وطولب به المكلف فإذا فعله برئ وما سواه تطوع به. PageV01P093 # والرد عليهم أن العقاب يبعلق بواحد إذا تركها كلها وهو غير معين. فبطل ما قالوا. # ومن الأفعال ما يجب التخيير بينهما ولا يصح الجمع بينها كالولي في ~~الأكفاء والأمة في الخلفاء. وأما ما يقضي العقل باستخالته فلا يقع التخيير ~~فيه كالجمع بين الضدين كما لا يصح التخيير بين واجبين. وأما إن كان أحدهما ~~واجبا والآخر مندوبا إليه والآخر مباحا فلا يصح التخيير بينها لأن ذلك يخرج ~~كل واحد منها عن صفته. وأما التخيير بين جميع ما يملكه أن يقضي منه الحقوق فجائز. # مسألة # الفرض الواجب الموسع وقته إذا فعل في أول الوقت أجزى بالإجماع. واختلفوا/ ~~في حين وجوبه. فقالت الشافعية: يجب أول الوقت، وصار آخر الوقت توقيتا ~~للأداء وتمييزا له من القضاء. وقال الحنفيون: آخر أوقاته هو وقت الوجوب فإن ~~فعل أول الوقت فعل نفلا وفي آخر الوقت واجبا. والصحيح أن الوقت كله من أوله ~~إلى آخره هو وقت الوجوب ووقت الأداء لا وقت القضاء # وبه قال المالكيون. واستدل أبو حنيفة بأنه لو مات قبل آخر الوقت ألس هو ~~غير آثم؟ قلنا: بلى. قال: هذه صفة الندب قلنا: أليس إذا مر عليه آخر الوقت ~~ولم يفعل فيه شيئا وقد تقدم أليس قد ترك الواجب ولم يفعله؟ فتلك بتلك. ~~وقالوا في الوضوء قبل الوقت ويصير في الوقت واجبا. قلنا: هذا شيء يراد ~~لغيره. وإنما فرضه ألا يصلي إلا وهو متوضيء، وليس في هذه المسألة أكثر من ~~المغالطات، والمعنى واحد وإنما الاختلاف في الألفاظ. # /مسألة # واختلفوا في الأمر المطلق، هل هو على التراخي أو على الفور ففيها جوابان: # بعض الفقهاء يقول بالتراخي وبعضهم بالفور، والأول أصح وحجته أنه كما يصلح ~~أن يفعله في ms065 كل الأمكنة كذلك يصلح أن يفعله في كل الأزمنة ولا يتعين عليه ~~زمان ولا مكان إلا ببيان. وقالوا في الحج أن كل موسم له موسم. PageV01P094 # وحجة الآخرين اجتماعهم على جواز فعله عقب الأمر. فمن ادعى جوازه وتأخيره ~~بعد ذلك فعليه الدليل. ودليل آخر: جواز الموت عليه إن كان عاصيا صح أنه على ~~الفور. وإن لم يكن عاصيا كان ندبا ولا ثالث لهما. وجواب الآخرين الامتثال ~~عند غلبة الظن أنه يموت أو يفوت كالحج وتعليم الصبيان القرآن وأمر دينهم ~~وتأديب الأهل مأمور به كالحج وهو واسع ما دام يغلب عليه ظنه أنه يدركه. ~~كذلك قضاء الديون المؤجلة والمعجلة. فإن فاجأه الموت فالوصية تنوب مناب ~~التضييع. # والأشعرية/ تقول بالوقف. ويلزمها على أصولها ألا يقطعوا. وأما أبو حنيفة ~~فيقول بالتراخي إلى الموت. وإن حضره الموت فلا فرض. هذا نوع من الندب. ~~والصواب أن يكون الجواب بين هذين: أن يكون على التراخي وهو الأليق برأفة ~~الله تعالى، فإن حضره الموت فالوصية تنوب عن المعصية. # مسألة # اختلف الناس في قضاء الفوائت. قال بعضهم: لا يجب إلا بأمر ثان وقال ~~بعضهم: واجب بالأمر أول أو قياسا عليه. وحجة الأولين أن تعليق الفعل بوقت ~~معين كتعليقه بشخص معين، فكما لا يجب قضاؤك في شخص معين فكذلك لا يجب قاؤك ~~على وقت معين. # واستدل الآخرون بأن الدين لا يسقط بمضي الوقت، فالعبادة أولى ألا تسقط ~~بمضي الوقت. ولقول رسول الله عليه السلام: «أحق ما وفيتم به دين الله» (¬1) . PageV01P095 # وقال آخرون: إن العلة في الدين أنه واجب في كل الأوقات في الأجل وبعده. ~~وإنما تأجيله ترك المطالبة/ ولا يسقط الدين بفوات الأجل ولا بفوات الغريم ~~ولا المديان والورثة بمقامهما (¬1) . والعبادة (¬2) إنما بأمر ثان في ~~عبادات كالصلاة والصيام. قال رسول الله عليه السلام: «من نام عن صلاة أو ~~نسيها فليصلها إذا ذكرها» (¬3) فذلك وقتها وهو المراد بقوله: «ودين الله ~~أحق أن يؤدى» (¬4) وإنه لدين ملازم وقج قال الله عز وجل: { وأقم الصلاة ~~لذكري } (¬5) وقال عز من قائل في الصوم: { فعدة ms066 من أيام أخر } (¬6) . # وهناك فرائض لم يوجب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها القضاء كالجمعة ~~إذا فاتت ظروفها صلى الظهر أربعا. والمجتهدون مختلفون فيما بين ذلك مما لم ~~يذكر فيه قضاء ولا أداء. بعضهم يوجب عليه القضاء وبعضهم يسقط عليه القضاء ~~كالكافر الأصلي، والأول كالمضيع الملي # وبعضهم يجعله كالكافر الأصلي إلا فيما يتعلق بالمظالم. وأما العبادات ~~كالصلاة والصوم فلا شيء عليه. # باب # /هل يدخل النبي عليه السلام # في الأوامر الواردة في القرآن أم لا؟ PageV01P096 # ومن الأوامر ما يخص النبي عليه السلام دون أمته كقول الله تعالى: { يا ~~أيها ..... إليك } (¬1) . وقوله: { فاصدع بما تؤمر } (¬2) . وقوله: { يا ~~أيها المدثر } (¬3) ، { يا أيها الزمل } (¬4) . وما أشبه ذلك مما لا يدخل ~~أحد معه في ذلك الاسم. وربما يرد الخطاب خصوصا له وعموما لأمته كقوله: { يا ~~أيها النبي .... العدة } (¬5) . وأما الاسم الجامع له ولأمته قداخل في ~~الخطاب معهم كقوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا } ، { يا أيها الناس } ، و ~~{ يا أولي الألباب } و { يا أولي الأبصار } . وهذا وشبهه مما يدخل في ~~الخطاب معهم على مذهب أهل التعميم، ويصلح على من لا يقول بالعموم (¬6) ، ~~ولا يقطعون إلا على أدنى ما يشمله الاسم العام له معهم. والقائلون بالوقف ~~قالوا حتى يرد بيان ذلك. وقد احتج من لا يقول بالتعميم وقالوا يجب أن يكون ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم داخلا في عموم/ الآية. # قلنا: قد كان. ولكن خرج عن جملتها بقوله: { نحن معاشر الأنبياء # لا نورث، ما تركناه صدقة» (¬7) خبر مشهور مستفيض في الصحابة وقد ورد عن ~~الصديق ولا نكير. PageV01P097 # فإن قالوا: تركتم كتاب الله عز وجل المقطوع به إلى خبر مظنون فيه. قلنا: ~~فهذا يرجع عليكم في جميع عموم القرآن. وكذلك أهل الوقف يرجع عليهم إذا ورد ~~القرآن وهو قولهم. ومن لا يقول بالعموم أجاز ذلك أيضا. وقالوا: إنه يصلح ~~للعموم والخصوص وقد اتفقنا معهم على أن النبي عليه السلام قد أمر بتبين ما ~~في القرآن. وسنته بيان لما في القرآن، إلا إن قالوا: إنما يجب أن ms067 يكون ~~البيان عند من سمع الرسول عليه السلام. ومن لم يبلغه فليس عليه شيء إلا أن ~~يعلقه (¬1) إلى التواتر فيبطل جل أحكام الشريعة لعدم التواتر في جلها. ~~ويبطل أخبار الآحاد وعليها بنيت الشريعة وأحكامها. ومن أبطل هذا الخبر فقد ~~أبطل سائر الأخبار/ ولا سيما أنه رواه أصدق هذه الأمة وصديقها بمحضر ~~الصحابة ولا نكير وعمل به الخلفاء الراشدون. وأبو بكر الصديق عند امسه ~~طاعوه له بذلك ولن تجتمع الأمة على ضلال. وقد قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي» (¬2) وقال: «اقتدوا ~~باللذين من بعدي» (¬3) . # وأما الذين يقضون على العموم بأقل الجمع ينبغي لهم أن يجعلوا جميع أوامر ~~الله وفروضه على الكفاية حتى يرد بيان. # فصل # إذا أفرد النبي عليه السلام بخطاب هل تدخل معه أمته فيه. أما بحق PageV01P098 # الظاهر فانفراده بذلك الحكم أولى من جهة اللغة، إى أن الشرع قد ورد ~~بالإقتداء به واتباعه، إلا أن يدل الدليل على اختصاصه. والدليل على ما ~~قلنا: اقتفاؤهم آثاره في أفعاله. ومن الأصول: أن أفعاله بيان للقرآن. وروي ~~عنه أنه قال: «خذوا عني مناسككم» (¬1) ، و «صلوا كما رأيتموني أصلي» (¬2) . ~~ومصداق ذلك حديث أم سلمة أن امرأة سألتها عن القبلة للصائم. فقال لها رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: «ألا/ أخبرتهاأني أفعل ذلك وأنا صائم» (¬3) . # فصل # هل يتناول الأمر المطلق جميع المكلفين من حر وعبد وذكر وأنثى ومؤمن ~~وكافر، أم يتناول بعضهم. # اعلم أن الخطاب إذا ورد بصيغة العموم نحو قول الله تعالى: { يا أيها ~~الذين آمنوا } ، { يا أيها الناس } . فمن قال بالعموم أجراه على العموم ~~واستغراق جميع الجنس. ومن أبى من التعميم فإنه يصلح عنده دخول هؤلاء كلهم ~~في الخطاب ويصلح غيره. ومن قال بالفتح فحتى يرد بيان ذلك. وبعضهم يقول: إن ~~العبيد لم يدخلوا في هذا الخطاب وزعموا أنهم مال فلو أسقط عنهم هذا جميع ~~التكليف بهذه العلة لكان أشبه، فكيف وقد أزلهم التوحيد والإيمان والسلام؟! ~~وليس في أنه مال ما يخرجه من حد التكليف، ms068 وتصرف السيد فيه. ,إنما سيده مخول ~~له في بعض الأمور فالعلة في المولى الأكبر أظهر منها في المولى الأصغر. # مسألة # قال بعضهم في الكفار أنهم غير مخاطبين بفروع الشريعة/ وقالوا: إذ لا PageV01P099 # تصح منهم عبادة بإقامتهم على كفرهم حتى يؤمنوا. فكذلك هم غير مكلفين فروع ~~الشريعة. والصحيح أن الكافر داخل في الخطاب وفي كل خطاب يشمله مع غيره. ~~وليس في أن لا تصح منه عبادة ولا طاعة بإقامته علىكفره ما يمنع من خطابه. ~~وقد خوطب المصلي بالصلاة وإن كان محدثا ولا تصح الصلاة مع الحدث، ولكن أمر ~~بهما جميعا، بالطهارة وبالصلاة. وقد خاطبهم الله بفنون الطاعات، ونهاهم عن ~~فنون المعاصي وعاقبهم عليها بفنون العقوبات. أفيصح أن يعاقبهم في أمر لم ~~يخاطبوا به؟ فتعالى (الله) (¬1) عما يقولون علوا كبيرا. # ... وأما بيان دخول النساء في خطاب الرجال فمن قبل تغليب المذكر على ~~المؤنث، والخطاب للأفضل لغة ومعه المفضول معنى، هذا هو المعروف عند أهل ~~اللغة وإن كان الشرع طارئا على اللغة فللطارئ حكمه. وهي (¬2) أول مسألة ~~وقعت بين المسلمين والمشركين في الحديبية/ سنة ست من الهجرة. وذلك أن رسول ~~الله عليه السلام صالح كفار قريش بالحديبية على هدنة عشر سنين وشرطت قريش ~~شروطا اضطهدت فيها المسلمون منها: أن من ارتد من أصحاب رسول الله عليه ~~السلام إلى الكفر فما لهم عليه سبيل، وأن من آمن من الكفار أن يرده رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إلى الكفار، فامتعض من ذلك المسلمون ولم يقدروا أن ~~يردوا أمر رسول الله عليه السلام. وعقد الصلح سهيل بن عمرو. فلما وجب الصلح ~~وكتب الكتاب هربت امرأة من الكفار مسلمة فامتنع المسلمون من ردها وقالوا: ~~إن الصلح لا يجري على النساء لأنهن لم يجر لهن ذكر في الكتاب. فقال سهيل كم ~~النساء تبع لحكم الرجال وأبى المسلمون من ذلك وقالوا: انا خطابنا وخطاب ~~النساء في كتابنا مفترق، وخطابهن مخالف لخطاب الرجال، وقد انفرد كل بخطابه: PageV01P100 # قال الله تعالى: { إن المسلمين ......... والمؤمنات } (¬1) الآية، فلما ~~رأى رسول الله عليه ms069 السلام تظاهر/ المسلمين وتحزبهم واجتماعهم على ذلك قال ~~لسهيل: إن شئت رددناها جذعة. فامضى سهيل الصلح، فخرج، فخرج النساء من خطاب ~~الرجال. لكن الأمة قد أبصرت شمول الخطاب لهن مع الرجال إلا في أمور مخصوصة ~~والله المستعان .... # فصل # وأما الأطفال والمجانين فقد أخرجهم الشرع من التكليف ولكنهم كلفوا بعض ~~أمور الشريعة ولم يكلفوا بعضا. والأمور التي أخرجهم الشرع من تكليفها ~~فالمآثم والحدود والوعيد، لقوله صلى الله عليه وسلم: «رفع القلم عن ثلاث من ~~أمتي، عن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ» ~~(¬2) ولم يرفع عنهم العبادات كالصلاة والزكاة والصوم والحج وشعائر الإسلام ~~وقراءة القرآن، وتعلم شعائر الإسلام والختان ومن ورائها عقوبات عاجلة. ومنه ~~قول الله عز وجل: { يا أيها ......نارا } (¬3) ولهم في جميع ذلك أجر ~~وللأطفال أجر لقول رسول الله، ألهذا حج فقال: «نعم، ولك أجر» (¬4) . ولا ~~تكتب عليهم خطيئة ولا مأثم. وفي قول بعضهم إن لهم سيئات وخطايا، وليست ~~بذنوب وهو نصيبهم من خطيئة أبناء آدم عليه السلام، ومنه قول الخليل إبراهيم ~~(عليه السلام) (¬5) : { والذي أطمع... # أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين } (¬6) لم يرد ذنبا لقوله: { وإبراهيم الذي ~~وفى } (¬7) وقد روي عن رسول الله عليه السلام أنه صلى على طفل فقال: «اللهم ~~اغفر له وارحمه وكفر عنه سيئاته». PageV01P101 # ومصداق ما قلنا أن الأطفال تكتب لهم الحسنات بما يتعلمون في حال الصا من ~~الشرائع وقراءة القرآن وغير ذلك، قول الله عز وجل: { والذين آمنوا...... ~~ذرياتهم } (¬1) وهذا الإيمان المنكر يصلح للآباء والأبناء ويصلح للكبار ~~ويصلح للصغار ويصلح للكل. وأطفال المسلمين مسلمون ومؤمنون. وجميع من في ~~الجنة من الحور العين والولدان والأطفال من أولاد المشركين وغيرهم كلهم ~~مسلمون على قول من يوجب لهم الدخول في الجنة وبحكم دخولهم في الفطرة لقول ~~رسول الله عليه السلام: «كل مولود يولد على الفطرة حتى يكون أبواه هما ~~الذان يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه» (¬2) . # فصل # هل خطاب من في عصر الرسول عليه السلام خطاب لمن يأتي بعده من أمته؟ اعلم ~~أن الأمر ms070 الوارد من الله تعالى في القرآن لمن في الرسول عليه السلام لا ~~يدخل فيه من لم يكن موجود العين في ذلك العصر إلا بدليل، وهو الإجماع ~~المقتبس من أنفاس النبوة وتصريحا. وأما قوله عليه السلام: «بعثت إلى الأحمر ~~والأسود» (¬3) وقوله تعالى: { وما أرسلناك إلا كافة للناس } (¬4) . وقوله ~~عليه السلام: «حكمي على الواحد حكمي على الجميع» (¬5) فليس يتجه إلا على ~~الموجودين في عصر PageV01P102 # الرسول عليه السلام ولا يدخل فيه ما يأتي بعده من أمته إلا بدليل آخر. ~~وكذلك قوله: «أمري/ للواحد منكم أمري للجميع» فكذلك لا يصح خطابه لرجل ~~مخصوص بخطابه دخول غيره فيه إلابدليل قياسي أو شرعي أو عقلي. ولما أخبرهم ~~الرسول عليه السلام أنه مبعوث إلى المكلفين من الأنس والجن إلى يوم القيامة ~~علموا من هناك دخول الجميع في الخطاب فكذلك قوله: «أنا خاتم النببين» (¬1) ~~. وقوله: «أمتي آخر الأمم» (¬2) ، «وعلى آخر أمتي تقوم الساعة» (¬3) علموا ~~من هناك أن سبيل التكليف قد أتى على الجميع. وحتى قالوا له: كيف تعرف من ~~يأتي بعدك من أمتكقال: «أرأيتم لو كانت لأحدكم خيل غر محجلة في خيل دهم بهم ~~ألا يعرف خيله؟» قالوا: بلى. قال: «إنهم يأتون يوم القيامة غرا محجلينمن ~~أثر الوضوء وأنا فرطهم على الحوض» (¬4) . # باب # الإيمان بالقلب مأمور به دائم الوجوب دائم التكرار إذا كان ذاكرا يجب ~~تكرار سائر العمر. وإن كان ذاهب القلب، أعني ساهيا، لزمه استصحاب حال ~~الإيمان/ المتقدم ما لم يخالف إلى ضده. وأما النطق بالشهادة فمرة في العمر ~~وإن كان معدوم اللسان من أول الأمر فالرمز والكتاب وما يقوم مقام النطق من ~~الإشارة. ويجب على العبد النطق ولو كان خاليا لأن الله تعالى تعبده بإظهار ~~الإسلام والشهادة وهو عنوان الإيمان لا سيما ومعه الملائكة يسمعهم ويشهدون ~~ويشهدون له # مسألة # اختلف الناس إذا تعبده الله بطاعته هل على العبد أن يعلم أن الله تعالى ~~أمره بهذه الطاعة وفرضها عليه أم لا. PageV01P103 # فقالت القدرية: إن العبد لا يعلم أن الله تعالى تعبده بشيء من الطاعة حتى ~~ينفصل منها ms071 لأجل أنه قد يوز أن يعرض له عارض فيفسد عليه ذلك العمل ويكون قد ~~علم ما لم يعلم، أو يعلم الله تعالى أنه يموت قبل الفراغ من ذلك العمل ~~فيخرج اعقاده غير صحيح. فإذا فرع منه وفعله على الحالة المأمور بها نهاك ~~يلزمه أن يعلمه أنه طاعة/ وأنه فريضه. # والرد على هؤلاء: قيام الجهل بهم إلى الآن لأنهم لا يدرون ما يفسده مما ~~لا يقفون عليه ويظهر بعد حين وربما لا يظهر إلى يوم القيامة. # وقالت الأشعرية: عليه أن يعلم أن الله تعالى، ولو علم الله تعالى أنه لا ~~يستتمها أو تنقض عليه. وإنما عليه العزم والإعتقاد والامتثال وإنما يكلف في ~~هذا الظاهر ولو كلفنا الباطن لما صح لنا علم بفرض الله تعالى ولا قطعنا. ~~والذي عليها أن نعلمه أنه فرض عليها قطعا. فجميع أعمال القلوب بيننا وبينه؛ ~~وأما ما بيننا فإنما كلفنا فيه الظاهر وتمتثل ونعتقد وأما في أعمال الجوارح ~~ففي الصلاة علينا أن نعلم أوقات الصلاة وأن نعلم وقت الصبح ووقت الظهر ~~والعصر والمقرب والعشاء ألا أن يلتبس به ما نرجع به إلى الإجتهاد/ كالغيم ~~وغيره وهو قول المسلمين، وقالوا: وقد كلف الله العباد فعل العبادات ~~والإخلاص والنية. قال عز من قائل: { وما أمروا......... القيمة } (¬1) ~~فهمها عملوا وفعلوا برئت الذمم. وليت شعري عمن يقول ليس عليهم أن يعلموا أنها # فرائض هل يحط عنهم أن يعلموا أنها طاعات أم لا؟ أو مأمور بها أم لا؟ ~~وهكذا ايضا قول (ابن) (¬2) يزيد الغزاري على قول القدرية. والصحيح ما قاله ~~المسلمون والأشعرية. وسألوا وقالوا: هل يجوز على الله أن يفرض فرائض يعلم ~~أنها لا نؤديها بموت يخترمنا أو بفساد يدخل عليها يعلم به هو ولا نعلم به نحن؟. PageV01P104 # الجواب: أن الله تعالى فرض علينا فرائض. وأن ما امتثلنا مما يعلم بفساده ~~(¬1) هو ولم نعلمه نحن أنه في حقنا فرضنا وليس/ علينا غيره (¬2) ومكتوب لنا ~~فرضا إن اخترمنا. وقد أوجب الله تعالى مسألة الحرام المجهول الذي يعلم الله ~~تعالى أنه ليس بمال لنا ms072 ولا هو لنا ففرض عليها فيه فرائض من تركها مأزور ~~ومن فعلها مأجور. وستأتي في بابها إن شاء الله. # مسألة # وهل يؤمر العبد بفعل لا ثواب له فيه كالمضي في فساد الحج والكف في رمضان ~~عن بقية يوم إفطاره؟ # قال بعضهم: لا ثواب له ومع ذلك أنه مأمور. وبعض يقول: إن له ثوابا.وهو ~~الأصح لأنه مأمور به وإن كان لا يجزيه، وعليه فيه الإعادة. وكذلك البيع بعد ~~النداء يوم الجمعة تام مع حصول الذنب.وكذلك النكاح قياسا على البيع. والأصل ~~أن جميع ما يشغل عن إجابة النداء حرام، إلا إن وقع فرض على فرض قياسا على ~~البيع وتبعا له واختلف في النكاح بالخمر والخنزير والميتة والدم والأنجاس ~~والأمور المحرمة كلها فهذه/ مسائل # مسألة # هل يقال واجب أوجب من واجب، أو ندب آكد من ندب، أو حرام أشد من حرام؟ ~~فالكل سائغ. وكونه أوجب من واجب أي (¬3) أكثر ثوابا أو لكونه أكثر عقابا، ~~وليس بمستنكر. وقد يكون أوجب الواجبين كالفرائض التي تدخل على الفرائض ~~كالتنجية في الصلاة، وإصلاح الفساد، والهروب من الآفات ودفع المضرات وقصر ~~الصلاة للقاء العدو، وكذلك العوارض التي تخطر في الصلاة من ذكر الإيمان ~~والوسوسة في صفات البارئ وتشبيهه بخلقه، فالاشتغال بهذا وإصلاحه ونفي (¬4) ~~ما ينفي وإثبات ما يثبت آكد من الصلاة، ولا يضر صلاته اشتغاله بالأوكد ~~والأهم. والنوافل قبل الإلتباس بها نوافل وبعد الإلتباس أيضا إلا أنه قد ~~وجب الإتمام واتقاء النقص والنقض. # مسألة # هل يكون ما (لا) (¬5) يمتثل الأمر إلا به مأمورا أم لا؟. PageV01P105 # الجواب المطلق: نعم. ولذلك شروط/ وهو أن تكون هذه الأفعال من فعله لا من ~~أفعال الله تعالى التي اختصت به؛ لأن القدرة على الفعل لا يتم الفعل إلا ~~بها وليست مأمورا بها، ولكن الكلام على مقدوره واكتسابه كاستعمال ماء ~~الوضوء للجوارح وتناوله واستخراجه من البئر بالدلاء والرشاء، والنظر والذوق ~~والشم إن عرض عارض. وبذل الثمن غير المجحف فيه إن عاز الماء ووجد الثمن. ~~وكل ما لا يوصل إلى فعل الواجب إلا به فهو ms073 واجب على الشرط الذي ذكرناه. ~~ومنها ما هو ليس بمقدرو (¬1) له خصوصا كالولاية وإقامة الحج وإقامة الحدود، ~~ولا يصح إلا مع الشروط المشروطة فيه. # هذا كله خلافا لأبي حنيفة حين أسقط طلب الماء للوضوء، واستدل بقوله ~~تعالى: { أو لامستم.... فتيمموا } (¬2) ولم يذكر الطلب وإنما ذكر الوجود. ~~وكذلك يلزمه في الرقبة إن لم يجدها ووجد الثمن لا شيء عليه. وكذلك في ~~الكفارات والنفقات/ وقضاء الديون الواجبات والجهاد وشراء السلاح والكراع ~~والحمولة والزاد إلى الحج، فإن تم على هذه المسائل كلها أفحش، وإن نقص منها ~~(شيئا) (¬3) انتقض أصله، بل الحق الحقيقي أن من ملك عين الذهب ومفتاح الأرب ~~أمكنه كل شيء، ومن قال خلافه فهو معلول مأفوه مخلول. # فصل # هل يكون المأمور به من جهة منهيا عنه من وجه آخر؟. # اختلف الناس في هذا الباب، فقال بعضهم: يجوز أن يكون مأمورا به من وجه ~~منهيا عنه من وجه آخر. وذلك أن السجود لله تعالى مأمور به على وجه التقرب ~~إليه به. وذلك السجود منهي عنه أن يتقرب به إلى الشيطان. # وقال بعضهم: إن السجود لله تعالى هو في عينه غير السجود المنهي عن أن ~~يكون للشيطان. PageV01P106 # وقالت المعتزلة: قد نهي العاصي في الذنب على ثلاثة (¬1) أوجه: نهي (عنه) ~~(¬2) أن يرتكبه ونهي عنه أن يحدثه، ونهي عنه أن يريده. ولم يبق لهم إلا ~~الاستطاعة. وجوابهم/ على أصولهم. وقول الجميع إنما نهي عن ارتكابه ولم ينه ~~عن إحداثه ولا اختراعه لأن ذلك ليس إليه، وإنما إحداثه واختراعه إلى الله ~~عز وجل. وأما إرادته وهي تمنيه وتشهيه فهي من أفعاله فمنهي عنه، وأما إرادة ~~إيجاده أو وجود فليس ذلك إليه. # مسألة # اختلف الناس في الأمر بالشيء هل هو نهي عن ضده؟ فقال قوم: الأمر بالشيء ~~نهي عن ضده، وقصروه على الواجب لئلا يقع النهي عن ضده الأمر المندوب إليه. # وقال بعضهم: الأمر بالشيء أمر به من وجه، والنهي عن الشء نهي عنه من وجه ~~آخر غير وجه الأمر به. فالذي يقول إن للأمر صيغة وللنهي ms074 صيغة، والذي يجعل ~~الأمر بالشيء نهيا عن ضده، فلا يصح ذلك إلا من جهة المعنى لا من نفس اللفظ. PageV01P107 # وقالت القدرية: لا يكون الأمر بالشيء نهيا عن ضده، ولا النهي عن الشيء ~~أمرا بضده البتة. والقول الأول أصح، وهو قول أبي الربيع سليمان/ بن يخلف. ~~وذلك أن المأمور بالشيء لا يخلو (¬1) أن يوجب عليه ضده، أو يندب إليه، أو ~~يباح له، أو ينهى عنه. فمحال أن يوجب عليه ضده، ما أمر به فكذلك وإن أبيح ~~له ضده ما أمر به سقط فائدة الأمر، ولم يبق إلا أنه نهي عن ضده. فإن كان ~~المأمور به ذا أضداد دخلت (تلك) (¬2) الأضداد كلها في النهي واستدلوا هم ~~أيضا بأن لو كان الأمر بالشيء نهيا عن ضده لكان العالم بالشيء جاهلا لضده؛ ~~لأن العلم والجهل ضدان، والأمر والنهي ضدان، والعالم والجاهل بمثابة ~~المأمور والمنهي، ويكون القادر على (¬3) الشيء عاجزا عن ضده، وكذلك لو كان ~~الأمر بالشيء نهيا عن ضده لكان نهيا عن جميع اضداده. ولو كان النهي عن ~~الشيء أمرا بضده لكان # أمرا لجميع اضداده وقد نجد الرجل ينهى ألا يدخل الدار وليس ذلك بأمر أن ~~يدخل جميع الدور/ وينهى أن يأكل لحم الخنزير وليس ذلك بأمر أن يأكل جميع ~~اللحمان سواه. PageV01P108 # واعلم أن جميع ما اعترضوا به عولوا فيه على الغير لا على الضد وعلى أن ~~الأمر والنهي يختلفان في هذا، وذلك أن الأمر لا يصح امتثاله إى بالكف عن ~~جميع أضداده، ولا كف إلا بالنهي. وأما النهي عن الشيء فلا يكون أمرا بجميع ~~أضداده. ألا ترى إلى من وقف بعرفة وقد أمر بالوقوف فيها أنه منهي عن أن يقف ~~فيما سواها. ومن نهي عن أن يقف ببطن عرنة لم يؤمر أن يقف بأمكنة الدنيا ~~كلها، فافترق الأمران. والصحيح أن المأمور بالشيء قد نهي عن جميع أضداده، ~~وليس المنهي (¬1) عن الشيء بمأمور بجميع أضداده. وقد كانت (¬2) القدرية ~~تقول إن القدرة على الشيء قدرة عليه وعلى مثله (¬3) وخلافه وضده، ومع ذلك ~~لا يلزمهم أن ms075 يكون الأمر بالشيء أمرا به وبمثله وبخلافه وبضده. # فصل # وهل يجوز فعل المأمور به من وجه إذا وقع منهيا/ عنه من وجه آخر، كالمصلي ~~في الدار المغصوبة أو بالثوب المغصوب أو الماء المغصوب للوضوء؟ # اعلم أنه قد يقع الأجزاء وأن فعل الوجه المكروه المنهي عنه. وقد يتفق في ~~أشياء ولا يتفق في آخر كالذي قدمنا من الصلاة في الدار المغصوبة، أن الصلاة ~~قد أجزأته ولا يعاقب عليها وإنما يعاقب PageV01P109 # على غصب الدار في الاستنفاع (¬1) بها وكذلك يعاقب على غصبه الثوب الذي ~~يصلي به والماء الذي به تطهر. وأما اختلال (¬2) الصلاة من بعض شروطها كنفس ~~الوضوء والثوب النجس (¬3) ، أو الصلاة قبل الوقت، أو صلى غير مستقبل القبلة ~~(¬4) فهو غير مصل التبة، ويعذب هذا على تركه الصلاة. اعلم أن مسألة الغصب ~~إنما حدثت بعد الصدر الأول، وقد صدر (¬5) الصدر الأول الذين هم الصحابة ~~والتابعون ومن بعدهم من العلماء، وفي أيامهم من المغصوبات في الأرضيين ~~والدور والمقابر/ والثيباب والأموال السحت والحرام وأهله يتدالونه (¬6) ~~(بين) (¬7) ظهرانيهم طعاما وشرابا وابتذالا ولباسا فلم يختلف اثنان في صلاة ~~(هؤلاء) (¬8) (ولا) (¬9) أنها مجية أو غير مجزية (حتى) (¬10) نبغ التنطع من ~~بعض المتحذلقين فوقع الخلاف فأجرى بعض الفقهاء المسأةل على وجهها ولم ~~يهتبلوا بقول الشذوذ، وهي عندهم إلى الإجماع أقرب. # مسألة # واختلفوا في الواجبات التي يلتبس بها المندوب كاطالة القيام في الصلاة ~~والسجود والركوع والخشوع والقدر الزائد على الكافي في القراءة والثياب ~~والسر والجهر والتحميد والتسبيح والتكبير وغير ذلك. وفي جميع # الفرائض من إبرار (¬11) الوالدين وصلة الرحم واستسمان الهدايا والضحايا ~~واستغلائها. # قال بعضهم: الكل واجب. وهو قول أصحابنا. وقول المعتزلة والأشعرية القدر ~~الزائد ندب. وهذا القول أعجب إلي. والقدر الزائد/ معروف، وما كان ربك نسيا. ~~وأيضا لو كان واجبا للزم استحقاق العقاب على ترك شيء منه. فلما رأيناه قد ~~يقتصر على ثلاث آيات وتجزيه علمنا أن ما زاد على الثلاثة ندب. PageV01P110 # وقال آخرون: إن الله تعالى قد أوجب السجود على المصلي ومحال أن تكون بعض ~~الواجبات واجبات وبعضها ندبا، ms076 فكذلك كل مأمور به مفوض إلينا. وأقول: إن ~~الله تعالى قد أوجب علينا الصلاة وجعل لها أصولا وأركانا لا تتم إلا بها ~~فمن أخل بشيء منها عامدا انتقضت صلاته، أو ساهيا استدرك وسجد للسهو. وجعل ~~فيها أشاء واجبات أكيدات فمن تعمد ترك شيء منها أعاد (¬1) صلاته وإن سهى ~~سجد للسهو. وجعل فيها فضائل مندوبا إليها من أحروها أجر ومن تركها لم يؤزر، ~~وأما حيث لا ينفصل النفل من الغرض كغلاء الضحايا والفضل في/ الصدقات. ~~والمثمن في الرقاب، فالله أعلم { وعنده .....إلا هو } (¬2) . # باب # في أحكام النهي (¬3) # اعلم أن جل أحكام النهي مندرجة في أحكام الأمر. وحده: القول المقتضى به ~~ترك الكسب. وقد تقدم الاختلاف فيه عند ذكرنا الأمر هل له صيغة أم لا. # فقولنا: إن الأمر والنهي لهما صيغة. وقول الأشعرية أن لا صيغة لهما. وأن ~~النهي عندنا متقدم على أحد محتملاته، فهو الأصل وغيره هو الفرع وقد خلق ~~الله الخلق لنا، وخلقنا لأجل العبودية، وخلق الكلام لأجل التكليف، والتكليف ~~هو الأمر والنهي، ولا ينبغي أن يتقدم على الأمر والنهي شيء من محتملاته، ~~ومحتملاته ترد على التحريم، وهو النهي المطلق كقول الله تعالى: { ولا ~~تشركوا به شيئا } (¬4) ، { ولا .... بالحق } (¬5) ومنها التنزيه كقوله ~~تعالى: { ولا تنسوا الفضل بينكم } (¬6) وقوله: { ولا يأتل/ ,,,, لكم } (¬7) . PageV01P111 # وجاء على الدعاء: { ربنا .............. الكافرين } (¬1) وجاء على ~~التهوين (¬2) قوله: { إخسأوا فيها ولا تكلمون } (¬3) . وعلى التسلية: { ~~لاتحزن ......... يمكرون } (¬4) وعلى قطع الطمع: # { لا تركضوا ....... تسألون } (¬5) . وعلى الموعظة: { لا يغرنك ..... ~~قليل } (¬6) ، { فلا ....... أولادهم } (¬7) وهذه المحتملات كلها تحتاج إلى ~~القرائن. ولو قلنا إن مطلق النهي يحتاج (¬8) إلى قرينة لكان خطاب المالك ~~القاهر للعبد الذليل/ دليلا على أعظم قرينة، كيف والظاهر عند العرب أن نفس ~~الصيغة دالة على الأمر والنهي. ولولا ذلك لبطلت المعاني واختل البيان، وظهر ~~المثل في اختلاط الرائب والحليب. # مسألة # اختلف الناس في النهي هل هو زجر كله أو فيه تأديب؟ # قال بعضهم: إن نهي الله تعالى يقع فيه الزجر والتأديب كنهي الرسول عليه ~~السلام. # وقال بعضهم: إن نهي الله زجر ms077 كله وهو الأصل. وروي عن ابن عباس رضي الله ~~عنه أنه قال: إن نهي الله الله زجر كله وليس فيما يعصي الله به صغير. فأثبت ~~جميع ما نهى الله عنه أنه كبير. # والذي قال في النهي بالتأديب في النهي أبطله في الأمر، تأديبا مقابلة ~~لأمره تأديبا، ومن أبطل التأديب في النهي أبطله في الأمر، ورد حكم النوافل ~~إلى الندب والدعاء. ورد حكم الصغائر (¬9) إلى الرسول عليه السلام ~~والمسلمين. وفي منا هي الرسول عليه السلام ومنا هي المسلمين/ تكون عنده ~~الصغار وكل ما نهى الله عنه كبير. # فصل # واختلفوا في النهي، هل يدل على فساد المنهي عنه أم لا؟. PageV01P112 # قال بعضهم: النهي يدل على الفساد المنهي عنه. وقال غيره: لا يدل. واستدل ~~الأول بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو ~~رد» (¬1) . # والأصل أن الأمرين جميعا ممكنان، ولكل واحد موضع. أما الأول فينتقض عليه ~~بالمطلق ثلاثا وقد نهي عنه ولن ينفسخ هذا الطلاق وإن فسخوه قدوا أصلهم ~~وفارقوا الإجماع. وينتقض عليهم بالصلاة في الدار المغصوبة والثوب المغصوب، ~~والوضوء بالماء المقصوب كما قدمنا وهو من الأمور المعفو عنها لهذه الأمة. ~~وكثير من هذه الأمور المنهي عنها أجزناها وأبطلنابها كثيرا من الأمور ~~الصالحات كطلاق البدعة ولغير السنة وقد أمضيناها. والحج بالمال الحرام، ~~وإخراج الزكاة من المال الحرام، وهذا كله إن تاب وراجع وأدى وأصلح أن ليس ~~عليه إعادة، وكذلك نفقات/ الأزواج وقضاء الديون الواجبات. # فصل # ومن ولج في زرع غيره أو أولج فرجه في فرج حرام، أو برك على إنسان (¬2) لا ~~يستقل عنه إلا بكسر اضلاعه. ولا يخرج المولج إلا بلذة الإخراج، ولا يخرج من ~~المزرعة (¬3) إلا بفساد الزرع. # قد اختلف الناس في هذه المسألة، فبعضهم يقول: لا مخرج له ولا مولج قد ~~انسد عنه باب التوبة، وفتح له باب الخيبة. إن أقام أقام في معصية، # وإن زال زال بمعصية. وهم مع ذلك مكلفون مأمورون منهيون، ولا يحط عنهم أن ~~أوتغوا (¬4) أنفسهم وأوبقوها (¬5) شيئا مما حرم الله ms078 عليهم. # قال بعضهم: لهم التوبة بعموم قوله عز وجل: { وإني لغفار لمن تاب } (¬6) . ~~وبقوله: { وتوبوا إلى ...... تفلحون } (¬7) . PageV01P113 # وكذلك اختلافهم فيمن قتل نفسه بحديدة أو تردى من جبل أو تحسى سما. قد ~~أنقد فيه رسول الله عليه السلام الوعيد ولم يجعل له إلى التوبة سبيلا. فهذه ~~الوجوه آكد من الأولى لقول رسول/ الله عليه السلام: »من قتل نفسه بحديدة ~~فهو يتوجى بها في نار جهنم خالدا مخلدا أبدا، ومن تحسى سما فهو يتحساه في ~~نار جهنم خالدا مخلدا أبدا، ومن تردى من جبل فهو يتردى في نار جهنم خالدا ~~أبدا» (¬1) . فخص الذاهب إلى إبطال توبته عموم قول الله تعالى: { وإني ~~....... اهتدى } (¬2) وهو مذهب عبدالله بن عباس، وعبدالله بن مسعود، ~~وعبدالله بن عمر في قاتل النفس أن قوله: { وإني لغفار لمن تاب } مخصوص ~~بهؤلاء ولا يرون لهم توبة. وأما الذين عولوا على تعميم آية المغفرة ~~وإجرائها (¬3) على نظامها قالوا: محال أن يأمر الله عز وجل عباده بأمر يكون ~~لهم طاعة وإن امتثلوه لم يطيعوا ... ومحال أيضا أن يأمرهم بأمر ولا يجعل ~~السبيل إلى مأتاه (¬4) . فلما أمر هؤلاء صح القبول إن صحت شرائط التوبة ~~فعولوا على المخرج والنجاة والفرج من الله تعالى لمن سلمت نيته. # وأما المرجئة لم تقطع في جميع الذنوب بوعيد. وأهل الوقف قد وقفوا وحاروا. ~~وأهل التعميم قد لجوا وساروا. # باب اختلاط الحلال بالحرام (¬5) # وذلك كالأموال تختلط، والزوجات المطلقات بالزوجات المطلقات (¬6) ، ~~والنسائب بالغرائب، والنجس بالطاهر، والليل بالنهار. PageV01P114 # فإن اختلطت الأموال وعاز تمييزها وقعت الشركة واصطلح أربابها كصبر (¬1) ~~القمح والشعير. وإن تلابست المعلومة بالمجهولة وأمكن فرزها أخذ أصحاب ~~المعلومة معلومهم وبقيت المجاهيل مجاهيل. وإن استهلكت بعضها في بعض ولا ~~ينفكان إلا بفساد أحدهما فإنهما يشتركان في الباقي والآخر وينزلان ~~بقيمتهما. وإن كان دينار وقع في محبرة ولا (¬2) يخرج منها إلا بكسرها أدين ~~(¬3) الأفضل وجبر المفضول، وكذلك الثور يحل رأسه في الخابية نزلا بالقيمة ~~في الفاضل (¬4) وافسد المفضول إلى الفاضل. # ويقوم السلطان والقاضي والجماعةمقام من غاب أو ضاع من/ هؤلاء. وأما ~~الأزواج ms079 المطلقات فالمخرج تحقيق الطلاق والرجعة إن أمكنت وإلا فالتحريم ~~أغلب. وأما إن طلق من نسائه واحدة لغير عينها أو لعنيها فانتلفت وقعت ~~الشبهه، فالأولى (¬5) يلحقه بأيتهن شاء في قول بعضهم إلا إن عنى واحدة ~~بعينها. وكذلك الظهار والإيلاء على هذا الحال. وأما النسائب مع الغرائب فإن ~~كان في المخالف (¬6) أو الرساتيق (¬7) أو الكفور (¬8) أو المزالف (¬9) أو ~~ما أشبه ذلك، تحرى الصواب وكف عن الشبهات. كالرجل تلفت له نسيبته في محلة ~~فإن كانت أما نكح ما دونها في السن، وإن كانت بنتا نكح ما فوقها في السن ~~(¬10) ، وإن كانت أختا تحرى الصواب. وإن اشتبه الكل حرم الكل والتنزه أفضل. ~~وأما في المدائن الكبار والعمارات المتصلة فلا حرج، ويتحرى الصواب ويعتزل ~~الشبهة،/ وإن اشتبه الكل حل الكل. وكذلك الحرام إن عم بلدا طارئا فعدته ~~ثلاثة أيام. PageV01P115 # فصل # وأحكام الأموال ثلاثة: حلال صرف وحرام صرف وشبهة. فالواجب ترك الحرام ~~واجتناب الشبهة واستعمال الحلال. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«الحلال بين والحرام بين وبين ذلك أمور متشابهة، ومن استبرأ لدينه وعرضه ~~كان أفضل، ومعاصي الله حماه ون يرتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه» (¬1) وقد ~~قال أيضا عليه السلام: «إنما سمي المتقون # متقين لتركهم ما لا بأس فيه مخافة ما فيه بأس» (¬2) . وذهب آخرون إلى ~~تضعيف الشبهة والريبة. وقول جابر بن زيد رحمه الله والربيع بن حبيب رحمه ~~الله يئول إلى هذا. وقال الربيع بن حبيب، لا أعرف الريبة وإنما هو حلال ~~وحرام. وسأل رجل جابر بن زيد رحمه الله تعالى عن رجل عشار كان جارا له يهدي ~~إليه/ إن كان يقبل هديته. فقال جابر: خذ من جارك ما أعطاك. فقال له الرجل: ~~إنه عشار لا أعرف عنده من الحلال شيئا. فقال: خذ من جارك ما أعطاك. وسئل ~~عبدالوهاب بن عبدالرحمن بن رستم رضي الله عنهما في كتاب الجوابات عن رجل ~~كان في بلد وله فيه أصل وهو يستدين الأيتام والأرامل والناس. فقال له: لا ~~بأس في معاملته إلا ما علمته ms080 حراما. والتنزه عن هذا أفضل. وجاز رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم على حسي ماء حوله ناس قعود فهم رجل من أصحابه أن يسألهم ~~عن الماء إن كانت السباع ترده أم لا. (فانتهره عمر فقال) (¬3) : إنا نرد ~~على السباع وترد السباع علينا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صدق ~~عمر، لها ما حملت في بطونها ولكن ما غبر» (¬4) . PageV01P116 # وسألت عائشة رضي الله عنها عن الوفود التي تقدم على رسول الله عليه ~~السلام تريد الإسلام فتسلم، وكانوا يسألون/ أي نساء رسول الله عليه السلام ~~أحظى عنده فيقال عائشة. فيهدون إليها مما معهم من طرف البادية وربما يهدون ~~إليها من القديد شيئا - وسألته عن ذلك فقال: «سمي وكلي» (¬1) . وأول نازلة ~~نزلت في هذه الأمة هوشات الأسواق والنهب في الدور والحوانيت أيام مقتل ~~عثمان بن عفان. وقال عبدالله ابن سلام: # كفوا عن الأسواق ثلاثة أيام ثم لا تبالون .. وللمشايخ ثلاثة أجوبة في ~~الريبات: إن لم يدخل عليها صاحبها أن يمسك ولا يبالي. والثاني: أن يبيع ~~ويمسك مقدار الثمن وينفق الباقي. والثالث: أن يستنفع بالثمن كله. حكاها ~~سلامة الدريني عن أبي الربيع سليمان بن يخلف رضي الله عنه. # وأما إن دخل على الريبة، فإن كانت محققه فكالحرام بعينه، يأثم حيث يأثم ~~في الحرام. وإن كانت معارضة، يأثم ويردها وينفق مثلها (¬2) والمحققة مثل ما ~~يكون/ في أيدي السرايا وقطاع الطرق والغارات حدثان غاراتهم. والمعارضة مثل ~~ما يكون في يد من لا يتقي الحرام. وقال عمر رضي الله عنه: احذروا البا ~~والريبة. يريد المعاملة والذرائع إلى الربا. # ويتقي استعمال الريبة في الفروج واتهام الناس في السفاح. قال الله تعالى: ~~{ ولولا ........ مبين } (¬3) . PageV01P117 # وإن كانت الريبة من قبل الوسوسة استعملتها واطرحت الريبة والأصل أن ~~الريبة موجودة. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «دع ما يريبك إلى ما لا ~~يريبك» (¬1) ولكن الذي ينبغي توهين أسبابها إلا إن جاء أمر غالب. وجل ~~الشريعة إنما جاءت في اطراح الريبة، لقوله عليه السلام: »إن الشيطان لينفخ ~~بين إليتي أحدكم وهو ms081 في الصلاة، فإذا وجد أحدكم ذلك فلا ينصرف حتى يشم ريحا ~~أو يسمع صوتا» (¬2) . وقال/ للذي اتهم امرأته # وأراد أن ينتفي من ولدها فقال عليه السلام: «هل لك من إبل؟ فقال: نعم ~~فقال: ما ألوانها قال: حمر. قال: فهل فيها من أوراق؟ قال: نعم. قال: أنى ~~ترى جاءها ذلك؟ قال: ولعل عرقا نزعه. فقال عليه السلام: ولعل ولدك عرق ~~نزعه» (¬3) . وإن كان قال رسول الله عليه السلام: «إذا استيقظ أحدكم من ~~نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا فإنه لا يدري أين باتت يده» ~~(¬4) . فهذه استبراء. # باب # أحكام الحرام المجهول العين # واعلم أن الحرام المجهول العين هو الذي لا يفرزه إلا الله عز وجل، ولا ~~يتوصل إلى معرفته ولا إلى معرفة مولاه إلا بوحي من الله. قد اختلف الناس ~~فيه، قال بعضهم: هو حلال مطلق وجمويع ما يتعلق بالحلال يتعلق به وحكمه حكم ~~جميع الحلال في الدنيا والآخرة. PageV01P118 # وقال بعضهم: بل هو حرام مجهول ولا فرق بينه وبين/ الحلال الصرف إلا ~~الاسم. وقال بعضهم: هو حرام محرم. أما هذا فساقط، ولا يعلم الغيب إلا الله ~~ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها. أما الأول الذي أطلق عليه اسم الحلال يقول ~~على التسمية عنده بما ظهر له. فإن تصرفاته فيه كتصرفاته في حلالة، مأمور ~~بإخراج الزكاة من الناض، والعشور من الحب والتمر، والصدقات من الحيوان. ~~واستعماله لمآكله ومشاربه وملبسه ونفقاته على عياله. وقضاء واجب الحقوق ~~عليه في جميع ملتزماته، فحيت يؤجر في ماله الحلال الصرف يؤجر فيه، وحيث ~~يأثم في ماله الحرام الصرف يأثم فيه لا فرق بينهما، إذ لا يعلم الغيب إلا ~~الله، وإنما كلفنا علم الظواهر وعند الله تبلى السرائر. وكذلك في الإنسان ~~لغير رشدة، والفروج المحرمة لغية، وسفك الدماء، يسعة القبض # والبسط في هذا كله على الظاهر، بل هو فرض عليه كاستعمال الأموال في الحج ~~والديون والأعتاق وجميع الأمور/ الواجبة، والقربات إلى الله عز وجل. فالعجب ~~كل العجب ممن يقول أن من ورث مسالا حلالا أو عقارا ms082 أو أصولا ولا يعلم أنه ~~حرام في الأصل إلا الله تعالى، أن ما فعله في هذا المال من زكاة ومن صدقة ~~وفرض وتطوع ليس له فيها أجر! وأن جميع الفروض التي أوجبها الله تعالى في ~~سائر الأموال، وهي فرض عليه متعين، لا أجر له إن فعل ومنقطع العذر إن لم ~~يفعل!. فهذا عكس الشريعة، أن يأمر الله تعالى بأوامره وينفذ الوعيد فيمن ~~عنها ولا يؤجر من فعلها.. PageV01P119 # وأجهل من هذا وذاكم وذلكم جهول بأصل الذين ليس له علم يقول إن جميع ما ~~فعله ليس له فيه أجر. وما ضيعه ليس عليه وزر. فإن مات وعليه دين ألف دينار ~~ومعه آلاف لا تحصى إرث من أبيه وأجداده، ولم يبق لها علام إلا الله أن ليس ~~عليه في مطله ما عليه من الديون شيء. وأن (¬1) / ليس عليه تنجية المضطرين ~~بالمسغبة، ولا أن ينقذ نفسه من الجوع والعطش ولا أن ينفق منه عياله وولده ~~ولو هلكوا لأنه ليس له بمال. وهذا تكليف ما لا يطاق، وتكليف علم الغيب، ~~والله المستعان. # باب # مناهي النبي عليه السلام # اعلم أن مناهي النبي عليه السلام مقتبسة من مناهي الله عز وجل ويقع النهي ~~بصيغة "لا تفعل" وبالتحريم، والذم، وباللعن، والتبري. وقد ذكرنا وجوه الصيغ. # وأما وقوعه بالتحريم مثل أن يقول: حرمت عليكم، أو حرام عليكم. أو هو حرام ~~مطلق. أو حرام الله هذا. أو حرم هذا. قال الله تعالى: # { حرمت عليكم أمهاتكم } (¬2) و { حرمت ..... والدم ..الآية } (¬3) وقوله: ~~{ فبظلم من ..... لهم } (¬4) . ويقع التحريم بمعنى المنع كقوله تعالى (¬5) ~~: { ولا تقتلوا ........ بالحق } . (سورة الأنعام: 151). PageV01P120 # وأما الذم فإنه إذا ذم فعل شيء أو فاعله اقتضى التحريم كقوله عز وجل: { ~~يؤمنون/ بالجبت والطاغوت } (¬1) . وقوله: { أم تقولون ... لا تعلمون } (¬2) ~~. وقوله: { اتخذوا ...... دون الله } (¬3) . وحيثما قال { لبئسما كانوا ~~يفعلون } ، و { يعلمون } (¬4) . وأما اللعن، فكقول الله عز وجل: { لعن ~~....... يعتدون } (¬5) . وقوله: { ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا } (¬6) . ~~وجويع اللعن الذي ذكره الله عز وجل في كتابه إنما يحمل على وجه التحريم ~~والزجر، أعنى الطرد ms083 عن رحمة الله. واختلف الناس في لعن النبي عليه السلام. ~~فحمله بعضهم على الخبر والتحريم، وبعضهم على الدعاء والشتم كقوله عليه ~~السلام: # «لعن الله النامصة والمتنمصة وأخواتها» (¬7) وقوله: «لعنت الخمر وشاربها ~~وعاصرها ومعصرها وحاملها الخ .....» (¬8) في الملاعين. فمن حمله على هذا ~~الوجه فلا يوجب البراءة فيمن افترق إلا بدليل مؤتنف. وبعضهم يحمل لعن النبي ~~عليه السلام على الدعاء، فهذا يوجب/ البرأءة فيما أوجب فيه اللعنة. وكذا ~~اختلافهم فيمن لعنه رسول الله عليه السلام لكنهم عكسوا. فمن حمله على الخبر ~~أوجبه أخبارا عن الله عز وجل. ومن حمله على الدعاء حمله على البراءة. مذهب ~~ابن مسعود في اللعن على الدعاء والتحريم لا الخبر والقطع. # وأما التبرؤ فقد ظهر عن رسول الله عليه السلام أنه قال: «ليس منا من ضرب ~~الخدود وشق الجيوب..» (¬9) ، »ليس منا من صلق أو حلق» (¬10) في مثلها. ~~فالتبرؤ إنما يدل على التحريم واختلفوا في معناه. فبعضهم يقول: ليس من ~~أخلاقنا، وبعضهم يقول: بولي لنا. PageV01P121 # وجميع ما توعد الله تعالى عليه العذاب فهو دليل النهي والتحريم والتفسيق ~~نصا، والكفر استخراجا. # ومناهي النبي عليه السلام على ثلاثة أوجه: # وجه يتعلق بالأصول المنهي عنها في القرآن كالربا والزنا والسرقة والدماء ~~موا أشبه ذلك، وهو أشدها ويأثم في فعلها. # ووجه آخر فكمثل نهيه عن التكلف في العبادات وهو مكروه. # والثالث: نهي تأديب. # أما الأول: مثل نهيه عليه السلام في الآجال عن حبل الحبلة، والمعاومة ~~والمساهمة، وعن بيع الثمرة حتى تزهو، والزرع حتى يبيض، والزبيب حتى # يسود، وعن المزابنة والمحاقلة والخابرة، وعن الذرائع (كلها) (¬1) . عن ~~بيع الغيبة وعن بيع الغرر، وعن وجه الدينار، وعن بيع ما لم تقبض وربح ما لم ~~تضمن. وعن بيع بالجنس في كل شيء إلى أجل بمثله أو بأكثر منه. والنهي عن بيع ~~الطعام بالطعام إلا مثلا بمثل وعن بيع الأصول بالنقود والقوت والفواكه ~~والأبزار إلا مثلا يدا بيد، لا يحل شيء منها نسيئة. # وهذه الأجناس المنهي عنها التي يراعى فيها الأجل والزيادة، وما سواها لا ~~يراعى فيها إلا ms084 أحد الشرطين، الزيادة أو الأجل. فإن وقع الأجل بلا زيادة/ ~~فلا بأس وهو سلف. وإن وقعت الزيادة يدا بيد (فلا بأس) (¬2) لقوله عليه ~~السلام: «إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم إلا ما نهيتكم عنه» (¬3) وهذه ~~الأصول الأربعة المتقدمة أشد المناهي، أما النمط الثاني فكمثل نهيه عن ~~التكلف في العبادات مخافة أن يفرض عليهم كنهيه عن صوم يوم الجمعة إلا أن ~~يتقدمه يوم أو يتأخره يوم. وعن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، وعن ~~الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس. وعن السدل والصماء والإقعاء والإلتفات ف ~~يالصلاة والقرآن والتطبيق. فهذا وأمثاله مكروه لا يحكمون عليه بالمعصية. PageV01P122 # الثالث: نهي تأديب كنهي الرسول عليه السلام من مس الذكر باليمين ~~والاستنجاء باليمين، والزاق عن يمين الرجل، وانتعال اليسرى وخلع اليمنى، ~~والشرب في أفواه الأسقية، والأكل من ذروة/ القصعة، والتنفس في الإناء ~~والإعتزال وبعض أهل السنة يجعلون مناهي الرسو لمكروهة لا معصية. وليس عندهم ~~معصية إلا مناهي الله عز وجل في كتابه، وقد تعسفوا. # ومنا هي المسلمين مقتبسة من مناهي السول عليه السلام ومن قوله عليه ~~السلام: «ما رآه المسلمون فهو عند الله حسن، وما رأه المسلمون سيئا فهو عند ~~الله سيء (¬1) « فإن حجر المسلمون على مباح كان محظوار، وإن أهملوه رجع إلى ~~الإباحة. # باب # الظاهر والباطن والمحكم والمتشابه # اعلم أن الظاهر والباطن من الوجوه التي شرطنا فيها بيان القرآن وبيان ~~أحكام الشرع. # اعلم أن (أحكام) (¬2) المحكم والمتشابه قد اندرجت في أحكام الظاهر ~~والباطن، لأن المحكم بعض الظاهر، والمتشابه بعض الباطن. # وقد اختلف الناس في المحكم والمتشابه على أربعة أقوال؛ قال بعضهم: ~~المتشابه حروف المعجم التي في أوائل السور. وهي سر/ الله تعالى في كتابه. ~~والمحكم ما فيه أمر ونهي، وخبر واستخبار. واستدل هذا بقول الله عز وجل: { ~~منه آيات ..... متشابهات } (¬3) . وذكر من حجتهم أن الله تعالى قد { أرسل ~~...... كله } (¬4) والحاجة ماسة إلى الأوامر والنواهي وبيانها ليمتثل ~~العباد ما رم لهم، ومحال أن يرسم لهم ما يتشابه عليهم. وإلى الأخبار ~~والاستخبار لأن فيها بيان المثوبات ms085 والعقوبات؛ لأن بهما يمتثل المأمور ~~ويجتنب المنهي. وإنما ورد الكل لقيام الحجة على الخلق حتى لا يقع التباس ~~على الخلق من جهة البارئ سبحانه وتعالى، ولا تفاقهم أنه لا يجوز تأخير ~~البيان بعد الحاجة إليه، وما وراء هذا من أوائل PageV01P123 # السور وحروف المعجم إنما على الناس الإيمان بها. ومنه قول ابن عباس رضي ~~الله عنه: اعملوا بمحكمه، وآمنوا بمتشابه./ واستدل هؤلاء أيضا، قالوا: إنما ~~نزلت في شأن اليهود؛ حيي بن أخطب وأبي ياسر بن أخطب جاءا إلى رسول الله ~~عليه السلام في نفر من اليهود جاؤا يسألون عن أوائل السور وقالوا: بلغنا ~~أنه أنزل عليكم "الم" فقال عليه السلام: نعم. فالتفت بعضهم إلى بعض فقالوا: ~~ما خير أمة إنما أكلهما احدى وسبعون سنة. فقالوا: هل غير هذا؟ فقال: "آلمص" ~~فقالوا: هذه أكبر من الأولى وأطول: الألف واحدة، واللام ثلاثون، والميم ~~أربعون، والصاد ستون. فهذه مائة واحدى وثلاثون. فقالوا: هل غير هذا؟ واتق ~~الله يا محمد ولا تقل إلا الحق. قد بعث فينا أنبياء كثيرة فما عرف أحد منهم ~~مقدار أكل أمته. فقال: "آلمر" فقالوا: هذه أطول من الأوليين وأثقل،وقد خلطت ~~علينا ولا ندري أي قولك نتبع. فقال أبو ياسر: ولعل هذا كله جمع لمحمد، وهو ~~سبعمائة وأربع. فأنزل الله تعالى: { هو الذي ....... الألباب } (¬1) . # الثاني: من جعل المحكم النصوص الظاهرة في كتاب الله عز وجل ووقع الاتفاق ~~على بيانها. والمتشابه ما يحتمل التفاسير كالمضمرات في كتاب الله تعالى، ~~والمكنيات وكل كلام يحتمل الوجوه فهو متشابه. فمراد هؤلاء تفسير القرآن هو ~~المتشابه، وما استقل بيفسه ولا يحتاج إلى التفسير فهو المحكم. والذي يحتاج ~~إلى التفسير مثل قوله تعالى: # { PageV01P124 # كتب ..... من قبلكم } (¬1) يسوغ أنه يريد الفرض لا غير، أي فرض عليهم ~~وعليكم. ويسوغ أن يكون الصيام مكتوبا علينا على الصفة التي على من قبلنا ~~والعدة والمدة. وقوله/: { قوموا لله قانتين } (¬2) قيل مطيعين، وقيل مطيلين ~~(¬3) . (وقوله) (¬4) : { استغفر لهم ..... (لهم) (¬5) } (¬6) . حمله بعضهم ~~على الإياس، وهو مذهب عبدالله بن عباس، والصحيح أنه مذهب عمر بن الخطاب ms086 رضي ~~الله عنه. وقيل على التخيير. وقد ذكر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (¬7) . # والهاء في قوله: { ويطعمون الطعام على حبه } (¬8) تسوغ لله وللمساكين ~~وللطعام. والهاء في قوله تعالى: { ألم تر ... ربه } (¬9) فالهاء تصلح ~~لإبراهيم وللكفار. # والتعريف عهدا وجنسا. والاستثاء بمعنى لكن وبمعنى الاستثناء كقوله: { إلا ~~ما زكيتم } (¬10) من جعله استثناء يريد ما أدركتم زكاته من هذه الأربعة، ~~المنخنقة وأخواتها. ومن جعله لكن وقع الاستثناء على غيرها ممن زكيتم بما ~~ليس بمنخنقة ولا موقوذة ولا متردية ولا نطيحة. # { PageV01P125 # إن نسينا } (¬1) من النسيان ومن الترك/ { أو أخطأنا } (¬2) من الخطأ ~~والعمد. وقوله: { والشمس تجري لمستقر لها } (¬3) وتقرأ { لا مستقر لها } ~~(¬4) . وقوله: { فلا رفث .... الحج } (¬5) أي قد تبين فلا جدال فيه. ومن ~~نسق على المعنى وقع النهي على الكل. # الثالث: المحكم هو الأمر والنهي خصوصا، وما عداه من القرآن فهو متشابه. ~~وفي هذا النمط تدخل أوصاف البارئ سبحانه والأخبار عنه. # الرابع: قول من قال: إن القرآن كله محكم وكله متشابه. قال الله تعالى: { ~~يس والقرآن الحكيم } (¬6) . وقوله: { كتاب .... فصلت } (¬7) ثم قال: { ~~كتابا .... ربهم } (¬8) . # باب # القول في الظاهر # وحد الظاهر: ما سبق إلى النفوس معناه. والباطن بخلافه. وقيل: أن الظاهر ~~ما له تأويلان، أحدهما أظهر من الآخر. وقد ذكرنا هذا المعنى في/ باب ~~المتشابه. # فصل # اختلف الناس في الظاهر والباطن أيهما أولى بالإستعمال. قال بعضهم: الظاهر ~~أولى من الباطن، (وهو مذهب الفقهاء وداوود بن علي. فأما الفقهاء فذهبت إلى ~~تغليب الظاهر على الباطن) (¬9) ما لم يأت شرع # أو عقل يمنع منه. وأما داوود بن علي وابنه ومن تبعهما من أهل فارس فغلبوا ~~الظاهر على الباطن وعلى كثير من الشرعيات مثل الفحوى واللحن ودليل الخطاب ~~ومعنى الخطاب، فهو الأصل عندهم. وعامة الفقهاء على خلافهم. # وقال بعضهم: إن الباطن أولى من الظاهر، وإنما نزل القرآن والمراد فيه ~~الباطن. وهم الباطنية وهم غالية (¬10) الشيعة والقرامطة. PageV01P126 # وقالت الأشعرية بالوقف، وهو خلاف الفقهاء، مالك وأبي حنيفة والشافعي. ~~وأنا أصف لك مذهب الباطنية: أما الباطنية فزعموا أن الله خاطب ms087 العقلاء ذوي ~~الألباب بالأمور/ الباطنية. وخاطب العامة بالأمور الظاهرة. والله { وهو ~~الأول ...... عليم } (¬1) فلهذا المعنى قدم الله تعالى وصفه بالظاهر ثم عطف ~~بذكر الباطن. فالبداية للأطفال والأغمار من الرجال والنساء. والنهاية لذوي ~~الألباب والعقول وأنزل كتابا يتلى وقال: { ما فرطنا في الكتاب من شيء } ~~(¬2) ، وأعطى لكل قسطه منه. وقال عليه السلام: »لن يتفقه أحدكم كل الفقه ~~حتى يرى للقرآن وجوها كثيرة» (¬3) . وأهل الفقه يستعملون الظاهر والباطن ~~والأولى فالأولى من السفل إلى العلو. فشرع للعامة الذين لم يرسخوا في نمط ~~الإيمان ولم يرسوا في قواعد الإسلام فشرع لهم الأمور الحسية تدريجا إلى ~~الأمور الناموسية، فاستعبدهم بالصلاة والزكاة والصوم والحج. فإذا رسخت فيهم ~~المعرفة/ فقوي فيهم اليقين نعلهم من أمر التكليف # إلى أمر التخفيف، وصاروا هم والملائكة الذين هم عند الرحمن بمثابة واحدة. ~~وترقى بالعامة إلى إخوانهم المقربين الأولين. ولقد ذم الله أقواما ذوي عقول ~~وأفئدة حين اجتزوا بالظاهر على الباطن، وبالمجاز على الحقائق، وبالأبصار ~~على البصائر فرضوا بالقشر دون اللب فقال عز من قائل: { وجعلوا ........... ~~من واق } (¬4) . PageV01P127 # وعلى هذه الآية وما تضمنت معولهم في جميع مذهبهم. قالوا: إنما كلف الله ~~العباد أول مرة ما داموا أطفالا بعلم شرائع الإسلام وآداب الأكل والشرب/ ~~واللباس، وإذا حكموا ما هنالك وبلقوا انتقلوا إلى العمل بشرائع ما علموا، ~~فإذا حكموا أمرهم بالتنقل عن الظاهر إلى الباطن ليكونوا ربانيين مما كانوا ~~يعلمون الكتاب وبما يدرسون. فإذا انقشعوا عن الظاهر واستعملوا الباطن لاحت ~~من قلوبهم أنوار البواطن فغشت ظلمات الظواهر وانقشعت، فعند ذلك ينسخ الله ~~عنهم أحكام الظواهر وينقلهم إلى روح نسيم البواطن. وقالوا: ظواهر القرآن ~~الصلاة والزكاة والصوم والحح كما قال عليه السلام: »بني الإسلام على خمس: ~~شهادة أن لا إله إلا الله .. الحديث» (¬1) . قالوا: واعلم أنك إذا تشهدت ~~مرة واحدة في الدنيا أجزأتك لأنها من الظواهر، ولكن عليك استصحاب الإيمان ~~والإعتقاد وهو من البواطن، فظاهر الصلاة حركات المبرسمين (¬2) ، وباطنها ~~صلاة الأئمة الطاهرين. وظاهر/ الزكاة الرضخ (¬3) من الوسخ لتنويل المساكين، ~~وباطنها # تطهير الأئمة وتزكيتها وتنزيهها عن ms088 أقوال المدنسين. # وظاهر الصوم إمساك الجوارح عن لذات المنهمكين وباطن الصوم أطباق الفم عن ~~أسرار الأئمة المهتدين. PageV01P128 # وظاهر الحج زيارة بيت الله الحرام وباطنه زيارة أولياء الله الداعي إلى ~~الحقائق والحق المبين. والعاقل ينظر بعين البصيرة، وما لله الكريم العلي ~~العظيم الحليم الرحيم في تسخير العباد بالسجود، وتنفيج (¬1) الأدبار بين ~~ظهراني القوم السجود القعود. ويشرع في أعمال المعتوهين وحركات المبرسمين. ~~وإنما يخاطب الله عز وجل أولي الألباب لأجل الألباب. وما له في أن يكلف ~~العباد أن يطرحوا من أموالهم إلى المساكين المقدار الذي يطرحه الناس للجن ~~والشياطين؟ وما له في أن يعكم (¬2) أفواه الجائعين ويحمي بطونهم ويشعلها ~~عليهم نارا تقربا بالصوم/ إلى رب العالمين؟ والرب سبحانه إنما خلق المعدة ~~والأمعاء والحلق والحلقوم والأسنان والأضراس لتنعيم هذه الأجساد وبلوغ ~~الحكمة والمراد. فلما تمت النعمة وحملت الحكمة زجر ونهى وعطل وأبى من ~~استعمال هذه الآلات لهذه اللذات على ما ينبغي ويجب، سبحانه وتعالى عن ~~المنكر والمنكرات وسوء موارد ومصادر البدايات، وعن أن يجوعهم ويعطشهم، ~~وخزائنه مملؤة طعاما وشرابا. وتعطيل الفروج المستعدة للإنسان واللذات مدة ~~أيام الحياة. وقد كان في الإبتداء متفضلا، وبالإتمام متطولا، وبالانتهاء ~~محكما مكملا. وما له في سعيهم حول بيته الحرام وحول بيوته الحلال شعثا (¬3) ~~غبرا (¬4) ورميا بالحجار ذوات الاستجمار إلى جمرة مخصوصة PageV01P129 # بين سائر الجمار وما هذا/ إلا عذاب عذبوا به لأجل تمكثهم في استصلاح ~~الظواهر وحرمانهم عن الوصول إلى البواطن كمن ندب إلى كرامة واشتغل في ~~مدامة. ولما لم ينفهم لهم عن الله عز وجل المراد في تنعيم الأجساد إلا ~~بتعذيب العباد، وقد قرعهم بقوارع قول الرسول النبي الأمي الذي يأمرهم ~~بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث، { ويضع ~~...... عليهم } (¬1) فإن كان هذا هو المعروف عنده لا عندهم والمنكر عنده لا ~~عندهم فهذا تعريض التكذيب. فلئن كان هذا المعروف هو المعروف والمنكر عندهم ~~لا عنده فمن أعظم المعروف وأجله بطون ملتهبة جوعا وأرض الله طعام، وعطشا ~~وأرض الله ماء وشراب. ووقاع وبنات الجنس بهلا (¬2) وحيالا ms089 (¬3) !! فالمعروف ~~مد/ الأيدي إلى الطعام والشراب. وتستعمل الأفواه المضغ والأكل. والبطون ~~تحتوي الطم (¬4) والرم (¬5) والأعواف (¬6) والأيجاف (¬7) ولا يلقوا بأديهم ~~إلى التهلكة. # والمعروف السعي في إتمام الحكمة نكاحا وسفاحا (¬8) وحلالا ومباحا. فهناك ~~يستصلح الإله عباده ويبلغ مراده. وقد قال الله عز وجل: { قل من ........... ~~القيامة } (¬9) . فهي لأهل الباطن PageV01P130 # وقوله: { فبظلم ... لهم } الآية (¬1) فهذا جزاء أهل الظاهر الذين رضوا ~~بالحياة الدنيا واطمأنوا بها، ورضوا بالحياة الدنيا من الآخرة .. أيضا، وأي ~~عذاب أعظم من شغل الجوارح بالتكليف وقصورها عن الوصول إلى باطن التحقيق. ~~أجهل بمن ذهب بهذا العذاب إلى ما تحيله العقول، وينكره الدليل، وطمعت ~~أبصارهم إلى/ ما لا يعقلون، وآمنوا بما يجتهلون.. # وأي معروف أفضل من زينته التي أخرج لعباده والوجوه الحسان التي اخترع؟! ~~حتى قال جاهلهم: # ... أتخلق يا رب ما تخلق ... وتنهى العباد بأن يعشقوا # ... خلقت الغواني لنا فتنة ... وأنزلت الناس، أن اتقوا # ولم يعقلوا عن الله مراده في خطابه نبيه عليه السلام: { يا أيها النبي ~~........ المؤمنين } (¬2) وإنما قال { أن يستنكحها } ولم يقل ينكحها لئلا ~~يتوهموا عليه الحل والعقد والنكاح والولي والأشهاد، بل أطلقه لأي امرأة ~~شاءها .. ألا تراه قال: { وامرأة مؤمنة } / فهي نكرة ولم يقل والمرأة ~~المؤمنة. وقد كان حرام عليه النساء أيام لم يبلغ في الباطن مبلغه الآن! ~~وقال: { ولا يحل ......يمينك } (¬3) وقال عز من قائل: { رب زدني علما } ~~(¬4) فلما انتهى في ملكوت # السموات والأرض إلى علم الباطن وبلغ الدرجة العليا والمقام المحمود أطلق ~~عقاله في كل امرأة من ذوات العم والخال فما الذي بقى؟ وامرأة مؤمنة كيفما ~~كانت. ولذلك قالت عائشة رضي الله عنها: ما مات رسول الله عليه السلام إلا ~~وقد أحل الله له النساء (¬5) . PageV01P131 # قالوا: وإنما شرط عليه اللاتي هاجرن معه وحقيق أن يشترط عليه بلوغهن درجة ~~الإيمان بعلوم الباطن مبلغ أهل الهجرة عند المقيمين. وذهب أهل الظاهر ~~المنكوسون الناظرون بعين/ حولاء إلى أن ذلك النكاح لافي السفاح، بل سفي ~~الكل، { قل من ....... لعباده } (¬1) ولو قصره على ما قالوا لكان عقوبة ~~(لا) مثوبة. ولم يدروا أن ms090 قوله: { وأنكحوا .... ورباع } (¬2) حسابهم أنه ~~عدد محدود بل عدد ممدود، كقولك تعلمت "أ ب ت ث"، وتعلمت "البقرة"، وقرأت ~~"قفانبك" .. وأنشدت "ألا هبي".. فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون ~~حديثا؟!! وفي هذا تحليل الكل، لمن أقام ولم يظعن من وراء حجاب، أو ظعن ولم ~~يشرف، أو أشرف ولم يصل، أو وصل ولم ينظر، أو نظر ولم يبصر!!. # وأعجب من هذا قوم يجتمعون على فرج أنثى يباع بالأثمان ولم يرضوا بالسترة ~~إلا بالإعلان على رؤوس الأشهاد. ويحهم! زعموا أن الأله الحليم إنما خلق ~~الوجوه الحسان وركب الشهوات في النفوس وكتب في أراضي الأرحام بأفضل من فصيح ~~الكلام/ إيلاجا وإخراجا. وخاطب به أهل الاعتلام في دجن الاظلام. جعل النساء ~~للرجال أزواجا وهم لهن أفواجا، وأزعجهم إلى الوقاع ازعاجا PageV01P132 # يستنتجوهن استنتاجا. وأهل الظاهر أخرجوهن إخراجا وحاولوه علاجا ... وكيف ~~يحرم هذا على أحد بعد قوله: { أحل لكم ..... قبلكم } (¬1) . وقوله: { إذا ~~آتيتموهن أجورهن } (¬2) أي فاتحتموهن، وبلغن الغية من الباطن واطرحن من ~~الظاهر كان لهن مثل ما لكم عليهن (¬3) . ومنه قوله: { إذا جاءكم ....لهن } ~~(¬4) . فلما انتشر الإسلام، وظهر الإيمان عقب فقال: { اليوم ..... دينا } ~~(¬5) . و { ما جعل عليكم الدين من حرج } (¬6) . وأنتم عفتم أيتها الأمة ~~المرحومة ما حللت من عقالكم وفككت من أغلالكم فقالوا: { ربنا .... أو ~~أخطأنا } (¬7) الآية. فعند ذلك أتيكم بالجنة التي حرمتها على آل فرعون حيث ~~أقول: { كم تركوا....... آخرين } (¬8) . # هذا كلام القوم واعتقادهم توارثه الأخلاف عن الأسلاف. لا يشكون ولا ~~يمترون، ولم يستنكروا شيئا مما عودهم الله، ولم يقطع عليهم عادة، وقد خولهم PageV01P133 # ونولهم ومولهم وسخر لهم الليل والهار والشمس والقمر وحسبوا أنهم على شيء. ~~وربما أظفرهم بالمسلمين في جروباتهم وأظهرهم على بيت الله الحرام فازدادوا ~~بصيرة في دينهم يعتقدون أنها أقوى من/ بصيرتكم أنتم في دينكم، وإنما قصصت ~~هذا عليكم لتحمدوا الله وتشكروه على ما هداكم من دينه. فالحمد لله { الذي ~~..... بالحق } (¬1) ومما ذكرنا من عكسهم الشريعة واتباعهم الشهوات نصبوا ~~قرية في مصر تسمى المقياس (¬2) تأوي إليها كل حسناء جميلة قد بذلت نفسها ms091 ~~-زعمها- للأولياء أهل البواطن والراسخين في مذاهبهم ويرون ذلك قربة عند ~~الله وزلفى لديه !!! وأخذوا أحكام القرآن كله على هذا النمط، وجعلوا ما ذكر ~~فيه من الأنبياء والرسل هم من ذرية علي بن أبي طالب. وأن أول الدنيا هو ~~الدنيا وآخر الدنيا هو الآخر وليس هناك بعث ولا نشر ولا قيامة غير نفس ~~الدنيا. # ذكر القرامطة والغالية من الشيعة # / وأما الغالية والقرامطة فإنهم جاوزا هذا المقدار في الغلو إلى أن زعموا ~~أن عليا هو الله، وضاهوا في ذلك قول النصارى في عيسى بين مريم، وذلك أنهم ~~زعموا أن الله قد نفخ في آدم عليه السلام من روحه كما نفخ في عيسى بين مريم ~~بروح الألوهية (وأنها) (¬3) قد حصلت في علي. وزعموا أن آدم عليه السلام ~~تنقل منه هذا الروح في أولاده خلفا عن سلف إلى أن صار في عبدالمطلب فانقسم ~~بين عبدالله وأبي طالب واجتمع في الحسن والحسين وفي ذرية علي وفاطمة. ~~واستشهدوا بغرة عبدالله حين نجا من الذبح وطلبته المخزومية وامتنع وواقع ~~زوجته آمنة بنت وهب # فعلقت منه بمحمد عليه السلام (¬4) . واستدلوا بشعر العباس بين عبدالطلب ~~حين قال لرسول الله عليه السلام ائذن لي أمدحك فأذن له فقال: (¬5) # ... من قبل ما طبت في الظلال وفي ... مستودع حين يخصف الورق # ... /ثم هبطت البلاد لا بشر...... ... أنت ولا مضغة ولا علق # ... بل نطفة تركب الفين وقد ... ... الجم نسرا وآله الفرق PageV01P134 # ... تنقل من صلب إلى رحم ..... ... إذا مضى علم بدا طبق # حتى احتوى بيتك المهيمن من ختدف علياء تحتها النطق وأنت لما ولدت أشرقت ~~الأرض وضاءت بنورك الأفق فنحن في ذلك الضياء وفي النور وسبل الرشاد تخترق. # وأمثلهم طريقة يستشنع اسم "الاله" ويسمونه بالإمام والغرض "الاله". ~~وأوجبوا له من الصفات ما أوجبوه لرب العالمين. ولقد جرت مناظرة بين الأعمش ~~ورجل منهم فقال الرافضي: إن عليا كان بالبصرة فقال للوهاد ارتفعي فارتفعت ~~الوهاد واتضعت التلال حتى أبصر منها الكوفة. فقال له الأعمش/: أتقول يقدر ~~أن يحي الموتى فقال له الغالي: يقدر أن يحي عادا ms092 وثمودا وأصحاب الرس وقرونا ~~بين ذلك كثيرا. فغضب الأعمش فصكه صكة فقال له الأعمش: ألا أحيا نفسه حين ~~ضربه ابن ملجم؟! # وكان شاعر عبيدالله الشيعي عندنا بالقيروان يقف له إذا أراد الركوب عند ~~باب القصر، فإذا خرج عبيد الله من قصر قالم وأنشد يقول: # ... شهدت بأنك آدم ... ... وأنك أنت نوح # ... وأنك أن الخليل ... ... وأنك أنت المسيح # ... وأنك أنت الأمام ... ... وما سوى ذاك ريح # يريد بالإمام الاله فكنى مخافة العامة. وكانوا يعتقدون هذا المذهب ولا ~~يتحاضون منه وعلي حي بين أظهرهم ولقد خرج علي بن أبي طالب PageV01P135 في ~~ذات يوم من أيام الجمل فنظر إلى سماطين من الرجال فقال: ما لهؤلاء القوم؟ ~~فتصايح الناس فقالوا: هو هو. فقال علي: وما هو هو؟ فقالوا: الاله. فأمر بهم ~~علي/ فقتلوا عن آخرهم وكانوا سبعمائة، وهم قوم من الخرمية. واعلم أن مبدأ ~~هذا المذهب من قبل عبيداله بن ميمون القداح. وذلك أنه اجتمع مع ناس من ~~العجم ممن سلب الملك، فنظروا إلى الإسلام وقوته فلم يجدوا أدنى عقول وأقرب ~~إلى الجهالة والحمق من هؤلاء الشيعة فلبسوا عليهم وأظهروا لهم محبة آل ~~الرسول وولايتهم والتوجع والتفجع لمصابهم فسكنت نفوس الشييعة إليهم. فلما ~~ظهر على عبيدالله بن ميمون بقارس هرب إلى الشام وبها مات. ورجع ابنه محمد ~~إلى فارس ومرض في الطريق، وكان اكترى من رجل بقار بقرة لركوبه. فمال به ~~البقار إلى قريبته فمرضه بها، وصادف محمد بن الأشعث القرمطي فاستجاب له ~~فسميت تبعته القرامطة وجرى على بغداد/ منهم بلاء عظيم مقدار مائة وخمسين ~~سنة، وأهلكوا الحرث والنسل بالزنج وقد استبصرت في مذهبهم، وقطعوا طريق الحج ~~وظهروا على مكة ونصبوا أسماء مهوله يستميلون بها العوام، وهي: الأول، ~~يريدون به الاله. والثاني، يريدون العقل والنفس وهو ما تولد من الأول وكل ~~آلهة. ثم الثالث: الناطق، وهو الرسول، وهو محمد عليه السلام، وجماعة الرسل ~~وهي النطقاء. ثم الرابع: وهو الأساس، وهو خليفة الناطق، وهو علي بن أبي ~~طالب. والخامس: خليفة الأساس، وهو الذي يعلم البواطن. والسادس: اللاحق ms093 ~~خليفة الإمام. والسابع: الجناح؛ وهو الذي يأخذ العلم عن اللاحق. والثامن: ~~المأذون عن الجناح وهو الذي أذن له في الدعاء والمناظرة. والتاسع: الداعي: ~~أخذ عن المأذون، وهو الذي يدعو العامة/ إلى المذهب. وجميع ما ذكرنا قبله خواص. # وصاحب المقرب هو من ذرية القداح، وهو معاذ بن اسماعيل بن القاسم بن عبيد ~~الله بن محمد بن أحمد بن عبدالله بن ميمون بن عمر القداح. PageV01P136 # وقد قيل إن هذه البلية من قبل الهرمزان وأبي لؤلؤة الذي قتل عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه، ثم بعد ذلك أبو مسلم الخرساني القائم للعباسية على ~~بني أمية، وعلى هذا المذهب قتله أبو جعفر وصلبه، ثم الأفشين في زمان ~~المعتصم، وعلى ذلك قتل، وهؤلاء كلهم إنما يسعون في إقامة دولة محمد بن ~~اسماعيل بن جعفر القائم صاحب دور الزمان الهاشمي. والأصل في أمر هؤلاء ~~القوم أنهم قوم تجمعوا حين أياهم أمر الإسلام وانتصروا للأعاجم الذين سلب ~~الله تعالى ملكهم بمحمد عليه السلام حين أبصروا بعد الفشل في المسلمين ~~واختلاف الكلمة/ فنظروا إلى مذاهب الأعاجم متفرقة وطرقهم شتى، احتالوا في ~~(¬1) جميع مذاهب الأعاجم والدهرية ناحية تثبت قدم العالم. والمجوس ناحية ~~وهم الثنوية، والمنانية والديصانية يقولون بالأثنين فأثبت هؤلاء الأول ~~والثاني، وهما الأثنان، وعلى مذهب الثنوية: النوري والظلمي. وطابقوا ~~الدهرية في القديم أنه ليس بموصوف ولا معلوم، وإنما انطبعت فيه الصور. وعلى ~~مذاهب (¬2) أهل الكتاب إقرارهم بالمحمدية تذريعا وتبذرقا وعلى مذاهب ~~النصارى بتنقل الأرواح في أولاد علي. واستعملوا إلى أهل الإسلام تعظيم أهل ~~البيت والبكاء عليهم والانتصار لهم، تارة يجعلون عليا هو الاله العظيم الذي ~~هو الأصل، وتارة يجعلون عليا هو الثاني .... # نحن نشرع في الرد عليهم والله المستعان. واستدلوا وقالوا: إن الله خاطبنا ~~بالوحدانية ظاهرا/ وبالتثنية باطنا، ألا ترى إلى قول الله عز وجل: { إنا ~~نحتن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون } (¬3) .. وقوله: # { PageV01P137 # إنا أرسلنا نوحا إلى قومه } (¬1) . وقوله: { إنا جعلناه قرآنا عربيا } ~~(¬2) . وقوله: { ولقد خلقناكم ثم صورناكم } (¬3) ، و { جعلنا } و { خلقنا } ~~و { نزلنا } و { أخرجنا } و { ... نحن ms094 نحي ونميت } (¬4) في مثل هذه ~~العبارات التي أتت في القرآن على معنى التعظيم والأبهة فعولوا في هذا على ~~الظاهر وتركوا الباطن الذي كانوا يعتقدون. # وأكثر ما يعول عليه اسدلالهم بصحيح مذهب أبي جهل في الآلهة الأخرى، ولو ~~علم أبو جهل أن (¬5) رسول الله عليه السلام يدعو إلى إثبات آلهة أخرى لما ~~خالقه ولوافقه ونصره، ولسر إبليس بذلك سرورا ظاهرا. فعجبا لهؤلاء القوم حين ~~نسوا نصوص القرآن، قال الله عز وجل: { وإذ ..... بيتي } (¬6) فحرم الشرك به ~~ونص عليه./ وقال: { يا أيها ........ويميت } (¬7) . فنص على ألوهيته وحده، ~~وقال: { أئنكم .... أخرى } (¬8) ذما وتكذيبا لهم ولنظرائهم { قل لا ...... ~~تشركون } (¬9) وقال عن نوح عليه السلام: { يا قوم ..... غيره } (¬10) وقال ~~موسى عليه السلام: { أغير الله ..... العالمين } (¬11) . وقال عيسى عليه ~~السلام: { اعبدوا الله ..... من أنصار } (¬12) . # وقال الله عز وجل: { ما اتخذ ........ يشركون } (¬13) فهذه فسمة عقلية ~~فما لهم لا يؤمنون؟!. PageV01P138 # واعلم أنه لا يخلوا الكلام أن يكون عن توقيف أو تعريف. فإن قالوا عن ~~توقيف ادعينا لهم في جميع ما وفقوا عليه أننا ايضا قد وقفنا على مثله في ~~ذرية العباس فما الفضل؟ فما بال أحد الوقيفين أولى من الآخر؟ أو نقول هو في ~~ذرية أبي جهل أو ذرية مسيلمة الكذاب أو في قبائل العرب. لا بد من حد ينتهي ~~إليه وإلا صار الكلام لغوا. (وما أثبتوه لعلي) (¬1) أثبتناه لابن ملجم. وهو ~~أحد القادرين، كما قال الله عز وجل: { ولعلا بعضهم على بعض ... } (¬2) ، { ~~أفمن يخلق كمن لا يخلق .. } (¬3) ، أموات غير أحياء .. } ، { أموات غير ~~أحيا.. } (¬4) ، { كل نفس ذائقة الموت } (¬5) . # وإن قالوا: كلام الله عز وجل أخذوه عن تعريف، ولا تعريف إلا ما جمع الله ~~عز وجل قلوب العباد من لدن آدم عليه السلام إلى هلم جرا .. أم من مخاطباتهم ~~ومحاوراتهم وتلقينهم لغاتهم لأولادهم التي بها يتعارفون/ مرادهم، فلو كلفنا ~~أهل الصبا والغباء معرفة البواطن من أول وهلة ولم ننصب لهم دليلا يتوصلون ~~به إلى البواطن إلا بالتوقيف، ولا توقيف إلا بالتعريف، لصاروا صباء وغباء ~~وصرنا مجانين معتوهين. وقد وقفنا ms095 PageV01P139 # الله تعالى في القرآن على تصريح الشرك بالألوهية بالتعريف الذي أطبق عليه ~~أهل الخافقين. فأرونا موضعا نهاكم الله تعالى فيه عن التوحيد توقيفا أو ~~تعريفا. قالوا: قال الله عز وجل: { وهو .... إله } (¬1) . فهو دليل إلهين ~~إثنين، ولا سيما أنهما نكرة. وقالوا في قول الله عز وجل: { ما يكون ..... ~~كانوا } (¬2) فهذا دليلنا. وظاهر اللغة أنه إله في السماء وهو إله في ~~الأرض. وليس في ذكرنا السماء والأرض بالتثنية ما يدل على تثنية وحدة. ودليل ~~ذلك في عقب/ الكلام، { وهو الحكيم العليم } (¬3) ولم يقل: وهما الحكيمان ~~العليمان، إلا إن ذهبوا في القرآن أن الظاهر كله باطن، والباطن كله ظاهر ~~مذهبهم في المعاني فعطلوا وبطلوا. والمناظرة إنما تكون مع من له أدنى عقل، ~~وأما مجنون معتوه أحول العين أقفل القلب فهذا يكفيه ما قال الشاعر: # ... يكفيه مسمار لكي الرأس ويكفيه عود!! # ولو عكسنا عليهم القضية في الألفاظ مذاهبهم في المعاني لتعذر بيننا ~~وبينهم الكلام ولا نحل النظام وانقظع الخصام وارتفع الملام فصار كل يعمل ~~على شاكلته. # وأما مذهبهم في تفسير القرآن: اعلم أن القوم ذهبوا في تفسير القرآن إلى ~~مذهب لا يلائم للظاهر ولا لباطن فحملوه كله عليه. ولم يذهبوا به إلى سور ~~مخصوصة وآيات منصوصة بل عكسوا الشريعة ظهرا لبطن وخلصوا بها عينا بعين .. ~~زعموا أن قول الله عز وجل: { / ولقد ...... طين } (¬4) يعني آدم. { ثم ~~جعلناه نطفة في قرار PageV01P140 # مكين } (¬1) يعني نوح عليه السلام { ثم خلفنا النطفة علقة } (¬2) يعني ~~إبراهيم عليه السلام { فخلقنا العلقة مضغة } (¬3) يعني موسى عليه السلام { ~~فخلقنا المضغة عظاما } (¬4) يعني عيسى عليه السلام. { فكسونا العظام لحما } ~~(¬5) يعني محمدا عليه السلام. { ثم أنشأناه خلقا آخر } (¬6) يعني النشأة ~~الآخرة (¬7) . وهو ظهور القائم (¬8) صاحب دور الزمان محمد بن اسماعيل بن ~~جعفر الذي ينسخ شريعة محمد عليه السلام!! وقد أشرنا إلى مذاهبهم في التفسير ~~قبل هذا، فالعاقل يستغني بسماعه عن مخاطبتهم والسلام .... # وذكر جابر بن زيد رضي الله عنه في تفسيرهم هذه الآية (قوله تعالى) (¬9) : ~~{ يا أيها .... الصلاة } (¬10) قالوا: الصلاة: الدولة والولاية. { فاغسلوا ms096 ~~وجوهكم } أي فولوا أفاضلكم من ذرية علي وفاطمة. وقوله { وأيديكم } أي ~~وزراءهم وأعوانهم أي أصحاب/ الولايات الصغار. { وامسحوا برؤسكم { أي تبركوا ~~بذرية فاطمة وعلي مدة حياتكم، { وأرجلكم إلى الكعبين } أي إلى خروج الدجال ~~ونزول عيسى بن مريم { وإن كنتم جنبا فاطهروا } يعني ولاية بني أمية وبني ~~العباس فتبرؤوا من ولايتهم { وإن كنتم مرضى } من دخل في دينككم واعتقادكم ~~ولم يرسخ فيه. { أو على سفر } أي مترقيا في طريقتكم ولما يبلغ. { أو جاء ~~أحد منكم من الغائط } كناية عن أبي بكر وعمر فأبو بكر الغائط وعمر هو البول ~~فاندرج البول تحت الغائط كما اندرجت ولاية عمر تحت ولاية أبي بكر! # وأصل الصلاة عندهم موالصلة أهل البيت، والزكاة تطهيرهم، والصوم صون سرهم ~~عن أن يفشى به الظلمة، والحج هي المكا شفة العظمى وبلوغ النجح. # باب: مذهب المشبهة في ظواهر القرآن PageV01P141 # واعلم أن هؤلاء القوم أرجاس/ أنجاس، أعكاس أنكاس، مثل الأولين وهو الذين ~~حملوا ظواهر القرآن وجميع أوصاف الله عز وجل على ما يعقلونه من أنفسهم ~~وأرواحهم. وذلك أن الله سبحانه قال: { لا تدركه الأبصار } (¬1) كما قال: { ~~وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير } (¬2) والرب سبحانه لا يشاهد بالحواس ~~ولا يقاس بالناس. ووصف البارئ سبحانه نفسه بما يليق به من الصفات فقصروها ~~على ما يعقلونه من أنفسهم مع أنهم يشهدون على الأصل الأول وهو قوله: { ليس ~~كمثله شيء وهو السميع البصير } (¬3) وجخلت الكاف للمبالغة في قوله: { ليس ~~كمثله شيء } ونفى التشبيه عن نفسه فأثبتنا نحن وإياهم للإله وجودا وحياة ~~وعلما وقدرة، وإرادة ومشيئة، وسمعا وبصرا، وسائر ما وصف به نفسه في القرآن ~~فنظرنا إلى نفي هذه الصفات عن البارئ سبحانه/ بعد إثبات القرآن إياها فإذا ~~هي (¬4) محال، وإلى تشبيهها إلى أنفسنا محال أيضا وذلك أن إثبات البارئ ~~سبحانه كأنا نشبهه بخلقه فيه إبطال فائدة قوله: { ليس كمثله شيء } والعقل ~~من وراء ذلك ظهري. فلم يبق إلا الإيمان بما وصف به نفسه ونفي ما يشابهنا من ~~ذلك. وإنما فصرت عقولهم وأوهامهم على أن لا يصح ms097 عندهم وجود فاعل ليس بجسم ~~لأنهم لم يشاهدوا غير ذلك. فأوجبوا جميع أوصاف البارئ سبحانه على هذا النعت ~~جسمانية وذهبوا في وجهه إلى وجوههم، وفي عينه إلى أعينهم، وفي يده إلى ~~أيديهم، وفي أصبعه إلى أصابعهم، وفي نفسه إلى أنفسهم، وفي علمه إلى علمهم، ~~وفي جنبه إلى جنوبهم، وفي استوائه إلى استوائهم، PageV01P142 # وفي عرشه إلى عروشهم، وفي كرسيه إلى كراسيهم، وفي كلامه إلى كلامهم، وفي ~~أفعاله/ إلى أفعالهم، وفي حياته وعلمه وقدرته وإرادته ومشيئته وسمعه وبصره ~~إلى جميع ما يعقلونه من أنفسهم. فقد ورد في كتاب الله عز وجل. جميع ما ~~قلنا. فأول ذلك: قول الله تعالى: { وهو القاهر فوق عباده } (¬1) وقد ذهبوا ~~إلى الجهة وتركوا ما يعقلونه من سلاطينهم الذين هم فوقهم على غير معنى ~~الجهة وهو القهر واللإستيلاء. وتركوا ها هنا الظاهر المعقول إلى الباطن ~~المجهول. ثم قال الكافر: { يا حسرتى ... الله.. } (¬2) فأوجبوه جنبا ~~معقولا، وسلكوا بالتفريط باطنا مجهولا. ولا يتوهم على أحد من الكفار أنهم ~~تحسروا على تفريطهم في مسح الجنب أو رئيته أو تقبيله وإنما وقع التفريط ~~والعياذ بالله في أوامره. # وعن قوله: { يوم يكشف عن ساق } (¬3) والساق معروفة من الأنسان ومعروفة، ~~عند العرب أنها الشدة. فلما ذكرالأهوال علمنا أنها الشدة وجميع ما قلنا ~~وقالوا موجود في كلام العرب كما قال الأول قلنا لهم. وقالوا: كل له مقال. ~~وإنما اختلفنا في خطة واحدة هي الفصل بيننا وبينهم وذلك أنا أثبتنا للإله ~~جميع ما وصف به نفسه ولا كيف كما وصف نفسه من غير تكييف ولا تشبيه ولا ~~تمثيل ولا تحديد، فقصر بصرهم عن هذا المعنى فتوهموه إبطالا للبارئ سبحانه ~~إذ لم يتوهموه فقضوا عليه بالوهم وها هم لم تدرك أوهامهم جميع الخلائق فكيف ~~بالخالق سبحانه وقد قال الله عز وجل: { ويخلق ما لا تعلمون } (¬4) فعولوا ~~على ما خرج من أوهامهم فليس بموجود ونسوا أرواحهم وعقولهم # وأبصارهم وأسماعهم وجميع حواسهم/ وطبائعهم المركبة فيهم التي (لا) (¬5) ~~يتوهمونها ومع ذلك أنهم يثبتونها وليس بينهم وبين الدهرية فرق فإن تخلصوا ms098 ~~من ذلك فليس بينهم وبين الثنوية فرق والسلام. # { هو الله .......... الحكيم } (¬6) . PageV01P143 # كمل الجزء الأول من كتاب # العدل والإنصاف # يتلوه الجزء الثاني # الجزء الثاني من كتاب # العدل والإنصاف # في أصول الفقه والإختلاف # بسم الله الرحمن الرحيم # الكلام في الخاص والعام ووجوه بيانها # لمعاني القرآن # وحد العام كل قول يشتمل على شيئين فصاعدا. وأعم الأسماء (¬1) عندنا { شيء ~~} وعند المعتزلة. وأما الأشعرية فأعم الأسماء (¬2) عندهم معلوم ومذكور؛ لأن ~~المعدوم عندهم ليس بشيء والمعدوم عندنا: شيء معدوم. والخاص قول يخرج شيئا ~~أو شيئين فصاعدا مما لولاه لوجب دخوله في العموم على قول أهل العموم. أو ~~يصلح دخوله على قول من يراعى التعميم ثلاثة فصاعدا. وعلى قول الأشعرية: الوقف. # مسألة # اخلف الناس في العموم والخصوص، هل لهما من صيغة أولا صيغة لهما/ فقول أهل ~~الحق لهما صيغة واستدلوا على ذلك بشدة الحاجة للعموم والخصوص كما مست ~~الحاجة إلى صورة الواحد والواحدة، والاثنين وجمع المذكر (¬3) وجمع المؤنث، ~~وكما مست الحاجة إلى صيغة الخبر والاستخبار كما قدمنا في الأمر والنهي. # وقالت الأشعرية في الأمر والنهي: لا صيغة لهما، كما قدمنا. # وقالت المرجئة: ألفاظ المر والنهي تحمل على العموم. وألفاظ الخبر ~~والاستخبار تحمل على الخصوص، وفرقوا ولا فرق. وقالت فرقة عكس هذا، حسبهم ~~جميعا قول الله تعالى: { وقالت ..... كذلك قال PageV01P144 # الذين لا يعلمون ....... يختلفون } (¬1) وقال تعالى: { كذلك قال الذين من ~~قبلهم مثل/ قولهم تشابهت قلوبهم .. } (¬2) ولأمر ما عقب الله عز وجل فقال: ~~{ قد بينا الآيات لقوم يؤقنون } (¬3) فلا يصح مع هؤلاء بيان الآية للموقنين ~~ولا للشاكين، وهم أشبه بالتحريف من أولئك بما حرفوا من الكلم. وذلك أن الله ~~تعالى خاطبنا في محكم كتابه فقال: { يا أيها الناس } و { يا أيها الذين ~~آمنوا } و { يا أيها الرسل } . وقوله: { وقاتلوا المشركين كافة } (¬4) . ~~وقوله: { ولقد وصينا ......في الأرض .. } (¬5) . فإن حسن الوقف على طريقة ~~أهل الوقف والتحميل على أقل ما يقع عليه الاسم عند اصحاب التعميم فقد سقط ~~في أيديهم بعد بيان الله تعالى. # أما أهل الوقف فشرعوا الجهل عند البيان طريقا ms099 وكأنهم قالوا: لم تأتنا ~~بينة. وأما الآخرون/ فرضوا بالحياة الدنيا من الآخرة. وليس بعد بيان الله ~~وله والحكم وإليه ترجعون. # فصل # اختلف أصحاب العموم القائلون بالعموم على وجهين: # من قال باستغراق الجنس والقائلون بالاقتصار على أقل ما يقع عليه الجمع ~~إذا وردت، هل يتوقف فيها إلى التماس الأدلة الت يتخصها أم يعتقد فيها ~~العموم عند مساعها؟ فقالت الشافعية: يتوقف فيها حتى يقع البحث # والطلب. وقال أهل التعميم: إن ألفاظ العموم متيقنة، ولا يقين ولا قطع إلا ~~على ثلاثة أو اثنين على قول من يقول أقل الجمع اثنان. PageV01P145 # وقولنا: إن العموم يحمل على تعميمه واستقراق جنسه وليس علينا غير هذا حتى ~~يرد بيان بأنه مخصوص، لأن البيان لا يتأخر بعد الحاجة إليه. ودليلنا أن ~~العام/ له صيغة وصورة وأنها مستعملة. وذلك أن الصحابة ظهر من مذاهبهم نقلا ~~متواترا في المعنى. ونقلت عنهم أخبار مسندة مستفيضة أنهم استعملوا عموم ~~القرآن في كل آية وكل حديث ثابت ورد، ولم يلتمسوا لذلك قرينة/ ولم يبحثوا ~~عن خصوصية وهو الذي ذهبت إليه فاطمة رضي الله عنها في قول الله تعالى: { ~~يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين } (¬1) واعترضت به أبا بكر ~~الصديق رضي الله عنه في ميراثها من أبيها فقالت: أترثكم بناتكم ولا أرث أبي ~~أالله أمركم بهذا أم على الله تفترون؟! فقابلها أبو بكر الصديق رضي الله ~~عنه بالخبر، وهو قول رسول الله عليه السلام: »نحن معاشر الأنبياء لا نورث ~~فما تركناه صدقة« (¬2) . ولم يردوا عليها مذهبها في التعميم ولا أخذوا ~~عليها من جهة لغة العرب. بل الذي جاءت به مقتضى لغة العرب. ولما/ نزل قول ~~الله تعالى: { لا يستوي ... وأنفسهم } الآية (¬3) قال ابن أم مكتوم: فأنا ~~يا رسول الله؟! فقال: عليه السلام: «لا يخلو أن تكون خفيفا أو ثقيلا». تأول ~~عليه قول الله تعالى: { انفروا خفافا وثقالا } (¬4) ثم نزل جبريل عليه ~~السلام بقوله عز وجل: { غير أولي الضرر } (¬5) . PageV01P146 # ومنه قول ابن الزبعري عند قول الله تعالى: { إنكم ,...... واردون } (¬1) ~~فقال ابن الزبعري: خصمت ms100 محمد ورب الكعبة، إن عيسى وأمه في النار، وعزير ~~وأمه في النار. فأنزل الله تعالى: { إن الذين....مبعدون } (¬2) فقال الوليد ~~بن المغيرة: تخلص منها محمد وهو يؤمئذ شيخ قريش، وأفصحها. وبنو مخزوم فصحاء ~~قريش كما قال دغفل النسابة (¬3) : بنو مخزوم أصهار الكرام، ويتشدقون في ~~الكلام. # ألا ترى إلى أهل الوقف حين عابوا مذهب ابن الزبعري وظاهره ولم يعب الله ~~تعالى مذهبه في التعميم، وإنما بين وخص ولم يأخذ عليه من جهة اللغة. ولو لم ~~يكن مذهبه في اللغة سائغا لما دانوا (¬4) ولا سالموه. PageV01P147 # ... وأعظم من هذا كله قول الله تعالى: { وإذ قلنا .... الكافرين } (¬1) ~~ولو صح لأهل الوقف يحتج بعضهم في الأمر والنهي، وفي العام والخاص. ويقول: ~~يا إلاهي، ليس ها هنا ما يعمني مع الملائكة. وإن عمني معهم فيحتمل هذا ~~الأمر الندب والوجوه ولا بيان لأحدهما. ولأصاب إبليس مندوحة عن اللعنة ~~والطرد. ولن يجدوا دليلا يعمه/ مع الملائكة إلا ويصلح أن يكون يخصه منهم ~~ولاستدلت بذلك الملائكة كلهم حتى يأتي كل واحد منهم أمر يفرده ويخصه منهم. ~~ففي هذا إبطال فائدة الكلام. غير أن للأشعرية ها هنا كلاما لو اجتمع كل ~~سوداوي ومبرسم وراموا أن يأتوا بمثله لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ~~ظهيرا. وذلك أنهم قالوا: إن كلام الله ليس PageV01P148 # بذي صوت ولا حرف وإنما هو صفة الله عز وجل في ذاته، فمن أراده الله تعالى ~~أن يسمعه كلاما أسمعه بغير عبارة ولا تبع حرف بعد حرف، ويخلق في قلبه معرفة ~~ما أراد الله بكلامه وخطابه وقوله وأمره ونهيه عند سماعه لكلام الله عز ~~وجل، فيسمعون كلاما واحدا ينفهم منه لأحدهم أمره ونهيه، والآخر نسخه ~~وإباحته، والآخر من نفس هذا الكلام عموم غير مخصوصة يحتاج فيها إلى توقف، ~~والآخر عموم وهي مخصوصة يجب عليهه فيها التقدم. والآخر خبر يعد به أو يوعد ~~وحتى يرد جميع ما في/ القرآن على نفس كلمة واحدة تشتمل على مخاطبات جميع ~~الخلائق الذكر والأنثى للأنثى. فاضطرهم هذا الحديث إلى أن يجعلوا إبليس ~~لعنه الله ms101 ممن أسمعه الله تعالى كلامه وشارك موسى عليه السلام في لعنة الله ~~من أسمعه الله تعالى كلامه وشارك موسى عليه السلام في فضيلته التي بأنها عن ~~سائر المرسلين. لأن الكلام في صفة الله تعالى في ذاته كالعلم والقدرة. ~~ونسبة الناس كلهم إلى صفة الله عز وجل نسبة واحدة لا يختلفون فيها. واستعظم ~~فريق منهم هذا فزعموا أن الملك الذي أسمعه الله تعالى كلامه هو الذي أسمع ~~أبليس خطاب رب العالمين، وانفهم للملك من نفس الخطاب الأمر والنهي والخاص ~~والعام. وذلك الكلام نفسه في موضع الأمر نهي وفي موضع النهي أمر فوصفوا ~~الملك لم يؤد كل الذي سمع، وأبهم العام المخصوص/ على السامعين، والخاص ~~العموم، فاضطرهم كلامهم أول مرة إلى أن دندنوا على الكلام دندنة (¬1) ~~وهينموا (¬2) هينمة يعجز عنها سامع النمل حكاية الحكل (¬3) . ولقد صدق من ~~قال: أن الأحمق يتكلم بما لا يعقل، ولا يقدر أن يعقل ما لا يعلم. فكل لفظ ~~عمام يحتاج إلى معرفة عمومه وخصوصه فلن يتوصل إليه إلا بمثله، PageV01P149 # ومثله بمثله إلى ما لا يتناهى. ولو استعملت فيه الوجوه الأربعة الدالة ~~على استغراق الجنس. # ومن استعمال العموم قول الخليل عليه السلام: { إن فيها لوطا } (¬1) وذلك ~~أن الملائكة قالت: { إنا مهلكوا ...لوطا } وانفهم لإبراهيم عليه السلام ~~التعميم. ولم يأخذوا عليه في تعميمه العام ذا الصيغة وأخذه الظاهر من ~~القول. والكل على حق./ فقالت الملائكة: { نحن أعلم ...... الغابرين } (¬2) . # ولم يحتج الواقفوان بحجة أعرفها إلا أنهم قالوا: لما حسن الاستفهام في ~~العموم وصلح فيه التوكيد دل على الوقف دون الأمضاء: تقول: من جاءني أعطيته. ~~فيصلح من السامع أن يقول لك: ولو جاءك عدوك أو بغيضك فإذا حسن هذا دل على ~~الوقف. قال الله تعالى: { فسجد الملائكة كلهم أجمعون } (¬3) فإذا حسن ~~التوكيد دل على الوقف لإزاحته التخصيص. قيل لهم: أرأيتم لو وقع التوكيد، ~~أيدل على التعميم؟ قالوا: لا. # قلنا: فلا فائدة إذا في التوكيد إذ لا يفرق بين عام وخاص ولم يفدنا ~~وإياهم شيئا. ألا ترى مع هذه التوكيدات والاستفهامات كيف ms102 حصل التخصيص/ معها ~~واستثناء آخر ووكد توكيدا ولم يعن شيئا. # ألفاظ العموم # أولها: الجموع والأجناس كقولنا (¬4) : المسلمون، والمؤمنون، والأبرار، ~~والفجار. وأما أسماء الأجناس فالأرض والسماء والهواء والماء والحيوان ~~والموات. # الثاني: أسماء الاستفهام: (من) و(ما) و(أي) و(متى) و(أين) و(ليس) في ~~النفي و(لا يكون). # الثالث: ألفاظ التوكيد: كلهم، وأجمعون، وأكتعون، وأبصعون. # الرابع: الاسم المفرد المحلى بالألف واللام إن أريد به الجنس. # فالناس في هذا كما قدمنا على ثلاثة أقوال: # أهل الوقف هم على وقفهم حتى يرد بيان بعد هذه الألفاظ. # وأهل التعميم على قولين: PageV01P150 # من يقول بالاقتصار على ثلاثة التي هي الجمع، أو الأثنين حتى يرد بيان ~~بأكثر من ذلك. # ومن حمله على عمومه فعلى عمومه واستغراق جنسه. وأما الاسم المفرد المحلي/ ~~المعروف بالألف واللام فهو أيضا كما قدمنا. أن أريد به العهد حمل عليه وليس ~~بعام. وأن أريد به الجنس حمل عليه وهو عام كما تقول: إذا انسلخ الشهر ~~الحرام فصل، إذا أردت العهد فتحي ينسلخ هذا الشهر الحرام تجب الصلاة ثم لا ~~يراعى انسلاخه مرة أخرى وإن تكرر. وإن أريد به الجنس فصل كلما انسلخ عليك ~~الشهر الحرام ودع إذا أقبل. # شرح هذه الجمل: وأسماء الجموع إذا تجردت عن الألف واللام كانت عموما في ~~قول بعضهم، وغير عموم في قول الأخرين. وأما إن عرفت بالألف واللام فإن كانت ~~للعهد حملت عليه وإن كانت للجنس ودلت على التعميم كما قلنا في الاسم المفرد ~~المعرفة. وأما أسماء الاستفهام، فمن ذلك (من). وهي لمن يعقل. و(ما) وهي لما ~~لا يعقل/ و(أي) لهما. و(من) و(أي) إذا كانتا معرفة وقعا موقع الذي. وإذا ~~كانتا نكرة صلحا للعموم وللخصوص و(أين) للمكان. و(متى) للزمان. وألفاظ ~~العموم ونحو قولك ما جاءني من أحد وليس في الدار أحد. وألفاظ التوكيد -كلما ~~قدمنا- "كلهم" و"أجمعون" وسائرها. # فصل PageV01P151 وإن اختلف في المعروف هل هو جنس أو عهد حمل على العهد. ~~وإن لم يكن عهدا حمل على الجنس. وقد اختلف على بن أبي طالب وعمار بن ياسر ~~وأصحابهما بصفين حين نادي علي ألا ms103 قتال في شهر حرام حتى ينسلخ، يريد ~~المحرم. فقال له عمار وأصحابه: إن حرمة الأشهر "الحرام" (¬1) قد ذهبت ~~بانسلاخها أول مرة فلا حرمة لشهر حرام، وذهبوا إلى التعميم وأن سبيل ~~الانسلاخ قد أتى عليها كلها. فقال علي: هي للجنس. يريد قول الله تعالى: { ~~فإذا انسلخ الأشهر/ الحرم فاقتلوا المشركين } (¬2) فحمل الأشهر على الجنس، ~~فإذا انسلخت حل القتال، وإذا عادت حرم القتال وتكرر التحريم. وذهب عمار ~~وأصحابه "إلى" (¬3) أن الأشهر الحرام المذكورة ها هنا أشهر المدة، فإذا ~~اتنسلخت هذه لم تبق لها حرمة في قتال أحد تكررت أو لم تكرر. فالتحريم منسوخ ~~بقوله: { فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم } (¬4) . وهذا الأليق بالجهاد ~~والأوفق لما عليه الأمة. فلوا دام تحريمها لدامت بليتها. وفي مذهب عمار ~~التحريم منسوخ، وهو نسخ الحضر بالإباحة. وعلى قول علي، التحريم قائم إلى ~~يوم القيامة .. وليته لو كان الأمر في تحريمها كما كان في الجاهلية ليأمن ~~الحاج والمعمتر أيامها. لكن التحريم في قوله باق، وإهلاك بني مجرية (¬5) ~~الناس باق. PageV01P152 # واعلم أن أعم العموم اسم يتناول جميع/ الموجود. وان أخصه ما يتناول ~~شيئين. وأن ما بين هذين حد يكون عاما من وجه وخاصا من وجه. مثاله الجنس ~~والنوع، فالجنس يشتمل على جميع أنواعه، وأنواعه خصوصه. وهذه الأنواع إن ~~انقسمت على أنواع صارت التي فوقها أجناسا لما تحتها وأنواعا لما فوقها إلى ~~الجنس العالي وهو الخلق. وينحل إلى نوع ليس تحته إلى الخصوص، كالرجل من ~~الناس والبعير من الجمال. فعلى هذا يكون العام خاصا ويكون الخاص عاما. فهو ~~عام مخصوص لما يصلح أن يشتمل عليه وخاص معموم لما قصر عما يليق أن يشمله. ~~فالعام عام لما يكون الاسم متناولا له "أو يصلح أن يتناوله" (¬1) . فإن ~~قلت: { فاقتلوا المشركين } (¬2) فعام في كل مشرك أو خاص في المشركين دون ~~المؤمنين. # فصل # اختلف الناس في العام إذا خص، فقال كثير منهم: يصبر/ مجازا لأن هذا لفظ ~~عام استعمل في غير ما وضع له. وقال بعضهم: إن خص باستثناء متصل كان ما بقي ~~حقيقة، وإن خص ms104 بدليل عقلي أو شرعي أو منفصل كان مجازا. "قاله الكرخي وهو ~~قول أبي ثور وعيسى بن أبان. وقال بعضهم: قد بقي على عمومه. وهو حقيقة في ~~ذات نفسه ولو خصه بأي دليل شاء لا شرعي ولا عقلي ولا متصل ولا منفصل" (¬3) ~~. وهو قول الله تعالى: { لا إله إلا أنا فاعبدون } (¬4) وقول المسلمين: "لا ~~إله إلا الله". فأما اختصاصه بالعقل فقول الله تعالى: { إن الله بكل شيء ~~عليم } (¬5) ، و { الله # على كل شيء قدي } (¬6) وأما إذا خص حتى يبق منه ما يكون جمعا فهو مجاز ~~ولا يحسن الاستدلال به. وقيل الاستدلال به جائز وهو الأصح. # باب # بيان القرآن من جهة التخصيص # اعلم أن التخصيص يقع بدلالة القول، لأن الشرع لا يرد/ بخلافها. ويرد ~~بالقرآن والسنة وبأخبار الآحاد وبالاستثناء، والمقيد، وبدليل الخطاب، ~~وبالإجماع. PageV01P153 # أما التخصيص بدلالة العقول فأمر ظاهر غير مسنتكر، لأن الشرع لا يرد بخلاف ~~العقل، وإن استعمل اللفظ على ما يحيله العقل خص به. والدليل على ذلك ~~التفرقة بين قول الله تعالى: { إن الله بكل شيء عليم } وبين قوله: { والله ~~على كل شيء قدير } . فليس كل معلوم مقدورا عليه، لأن الله تعالى معلوم ولا ~~تجري عليه القدرة. # وقال بعضهم في قول الله عز وجل: { يا أيها الناس اتقوا ربكم } (¬1) إن ~~دليل العقل خص منه المجانين والصبيان. وبعضهم يقول: إنما خصوا بالشرع لقول ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: »رفع القلم عن ثلاث...» الحديث (¬2) . وخص ~~العقل من قوله عز وجل: { وجاء ربك والملك صفا صفا } (¬3) خص منه/ الاتنقال. ~~وقوله: { وهو القاهر فوق عباده } (¬4) خص منه العقل الجبهة. وقوله: { على ~~العرش استوى } (¬5) خص منه الجبهة والحلول والتمكن. وقوله: { تدمر كل شيء ~~بأمر ربها فأصبحوا لا يرى # إلا مساكنهم } (¬6) . خص منه الاستثناء ما خص، وخص العقل ما بقي وهي ~~السماوات والأرض. وجميع ما ذكر في القرآن من أوصاف البارئ سبحانه خص منه ~~العقل ما لا يليق به إلا بالخلق. وقد يجوز الإنصراف عن ظاهر القرآن إلى ~~المجاز بدليل العقل. فتخصيص العام أولى به. ms105 # وأما تخصيص القرآن إلى لما في القرآه نحو قوله تعالى: { والملائكة ... ~~الأرض } (¬7) . ثم ذكر أيضا فقال: { الذين ... آمنوا } (¬8) . فهذا استثناء ~~منفصل./ وقوله: { ورحمتي ..... يؤمنون } الآية (¬9) . PageV01P154 # وقوله في الاستثناء المتصل: { والذين ........ ملومين } (¬1) وخص أيضا ~~مما ملكت اليمين جمع الأختين بقوله: { وأن تجمعوا .... سلف } (¬2) . وقوله ~~تعالى: { والمطلقات .... قرؤ } (¬3) فخصه بقوله: { إذا نكحتم .... تعتدونها ~~} (¬4) . وخصتها المرتابه واولات الأحمال والصبايا. # وأما تخصيص العموم بالسنة، قول الله تعالى: { والسارق ...... حكيم } (¬5) ~~. ثم خصت السنة من السارق/ من سرق ما دون ربع دينار لقوله عليه السلام: »لا ~~يقطع السارق في أقل من ربع دينار» (¬6) . # وقال: { وقاتلوا المشركين كافة } (¬7) . فخصت السنة النساء والصبيان ~~والرهبان وأهل العهد. لقوله عليه السلام:«لا تقتلوا امرأة ولا صبيا (¬8) «. ~~ونهى أبو بكر الصديق رضي الله عنه عن قتل الرهبان فقال (¬9) : دعوهم وما ~~حبسوا إليه أنفسهم. وقال عليه السلام: «لا يقتل ذو عهد في عهده» (¬10) . # وقال تعالى: { وإن .... مأمنه } (¬11) . # وقال تعالى: { أن النفس بالنفس } (¬12) فخصت السنة غير المخاطبين من ~~المجانين والصبيان. PageV01P155 # وأما إثبات السنة بفعل رسول الله عليه السلام فظاهر، وبدلالة قوله عليه ~~السلام: «خذوا عني مناسككم» (¬1) ، و«صلوا كما رأيتموني» (¬2) فهذا يدل/ ~~على أن أفعاله له من سنته فمن اقتدى به فعل أمره. وقوله: «أين السائل عن ~~أوقات الصلاة، ما بين هذين وقت للصلاة» (¬3) . # وكذا عليه السلام لو رأى أحدا من أمته يفعل غير ما يقتضي العموم فأقره ~~كان ذلك تخصيصا للعموم. PageV01P156 # وخص فعله عليه السلام إذ لم يأخذ من الخضروات زكاتا قول الله تعالى: { ~~وهو الذي ................ يوم حصاده } (¬1) وقوله أيضا: «ليس في الخضروات ~~زكاة» (¬2) . وخص قوله عليه السلام: «فيما سقت السماء والعيون العشر» (¬3) ~~وهكذا الخيل والبغال والحمير بعد قوله عز وجل: { وأنفقوا مما رزقناكم } ~~(¬4) وقوله: { أنفقوا من طيبات ما كسبتم } (¬5) منسوخا أيضا بالخضروات. ~~خلافا لابن عباس في الخضروات. وكان يأخذ منها العشر. يأخذ من كل عشر دساتج ~~دسجة (¬6) من السلق. وخلافا لأبي حنيفة في إناث الخيل/ وقال: إن فيها ~~الزكاة: دينارا على فرس أنثى. وقال عليه السلام: «الصلاة على الموتى ~~المقرين بالله ورسوله واجبة» ms106 (¬7) واختلفوا في القتيل في سبيل الله، لا ~~يغسل ولا يصلى عليه. قاله مالك والشافعي والليث بن سعيد. وقال الحسن البصري ~~وابن المسيب: يغسل ويصلى عليه على عموم الحديث، أو قياسا على الميت. وقال ~~أبو حنيفة والأوزاعي والثوري: لا يغسل ولكن يصلى عليه. وقول رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: «.... بل من بدل دينه فاقتلوه» (¬8) . # التخصيص بالاستثناء: واعلم أن الاستثناء من المعاني التي يخص بها العموم. ~~ومعنى الاستثناء مأخوذ من قولك: ثنيت الرجل عن رأيه إذا صرفته. وثنيت الشيء ~~عطفته وعطفت أوله على آخره. # وحروف الاستثناء: الا، و (حاشا)، و(سوى)، و(غير)، و(ماخلا)، و(ماعدا)، ~~و(بله)/و(ليس)، و(لا يكون). # وأما قولك: رأيت القوم وما رأيت زيدا. أو اقتلوا المشركين ولا تقتلوا ~~الرهبان. لا تعط زيدا لكن عمرا. فهذه وأشباهها ليست باستثناء وإن كانت ~~معناها معنى الاستثناء. PageV01P157 # ومن شروط الاستثناء الاتصال بالمستثنى منه. إلا ما روي عن ابن عباس رضي ~~الله عنه أنه أجازه منفصلا إلى سنة، فهو من أهل اللسان. واستدل بقول رسول ~~الله عليه السلام حين قال (¬1) : «والله لأغزون قريشا. ثم سكت ساعة فقال: ~~إن شاء الله». ففعل رسول الله صلى الله عليه وسلم دال على انفصاله، وإنما ~~بعث مبلغا ومبينا. # فصل # والاستثناء يقع من ثلاثة أوجه: أحدها استثناء من الجنس: رأيت القوم إلا ~~زيدا. واستثناء بعض الجملة: رأيت زيدا إلا وجهه. واستثناء من غير الجنس. ~~وقيل:/ الاستثناء من عير الجنس لا يقع التخصيص به لأنه لا يخرج من الجملة ~~بعض تناوله، وقيل إنه جائز. وقد وردت الوجوه الثلاثة في كلام العرب. أما ~~الوجهان الأولان فلا كلام فيهما. وأما الثالث فقول الله عز وجل: { وما كان ~~.... منكم } (¬2) وليست التجارة من الباطل في شيء.وهو قول النابغة الذبياني (¬3) : # وقفت فيها أصيلانا أسائلها ... ... عيت جوابا وما بالربع من أحد # إلا الأواري ما أبينها ... ... والنؤ كالحوض بالمظلومة الجلد # وقال الراجز: # ... وبلدة ليس بها أنيس ... إلا اليعافير وإلا العيس # واستثنى العيس من الناس (¬4) وليست/ منهم. # فصل PageV01P158 # واختلفوا ف ياستثناء أكثر من جملة (¬1) فقال بعضهم يجوز، وقال بعضهم لا ms107 ~~يجوز. واستدل من أجازه بقوله عز وجل: { إن عبادي........ الغاوين } (¬2) ~~وقول إبليس اللعين: { فبعزتك .... المخلصين } (¬3) وهذا الأقل من الأكثر ~~وإن صدر من الناس بعض الأحايين كان فبيحا. مثل أن تقول: لي عليه ألف دينار ~~إلا تسعة وتسعين وتسعمائة. إلا أن تكون له قرينة تصلحه كقول الله تعالى ~~(¬4) : قم يا آدم ابعث بعث النار. قال: وما بعث النار قال: من كل ألف ~~تسعمائة وتسع وتسعون إلى النار وواحد إلى الجنة. وقرينته التي تصلحه تعظيم ~~الأمر يوم يصير فيه الولدان شيبا. # فصل # وإذا اتصل الاستثناء/ بجمل من الكلام معطوفا بعضهما على بعض، فإن بعضهم ~~يقول: يرجع الاستثناء إلى جميعها. وبعضهم يقول: إلى أقرب مذكور منها. وقال ~~أهل الوقف بالوقف. # قال الله تعالى: { والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء.. } ~~إلى أن قال: { إلا الذين تابوا } (¬5) . فرجع الاستثناء إلى الكل. وبعضهم ~~يقول إلى أقرب مذكور. فالأول قول الشعبي: أسقط بالتوبة الحد والفسق ورد ~~الشهادة. والعامة على خلافه في الحد.وحجة الشعبي أن الحالف بأيمان مختلفة ~~يرجع بمشيئته إلى جميعها. # وحجة الآخرين أنا تيقنا أن الاستثناء واقع على أقرب مذكور ولم نتيقن ما ~~سواه، وأهل الوقف أرموا (¬6) . # باب المطلق والمقيد PageV01P159 # ومما يتصل بالعام والخاص، المطلق والمقيد. والتقييد يقع بثلاثة أشياء:/ ~~بالغاية، والشرط، والصفة. # فالغاية نحو قوله تعالى: { قاتلوا الذين ...... صاغرون } (¬1) . فقيد ~~القتال بإعطاء الجزية ولم يتناول ما بعد الغاية. # وأما قوله: { ولا تقربوا .... أشده } (¬2) فلم يكن غاية بحال قيام اليتيم ~~بنفسه على ماله كأنه إذا بلغ أشده أحال الذب عن ماله ببلوغه أشده. فبقي ~~النهي على ما هو عليه ولم يجعله له غاية. # فصل # أما تخصيص العموم بالشرط فكقوله: { وقاتلوا المشركين كافة } (¬3) . ~~فاشترط المشركين فعم فيهم وخص من يصلح الخطاب له من المؤمنين. وكلما زادت ~~الشروط زاد التخصيص. كقولك المشركين المحاربين فتقول/ أيضا إن كانو رجالا ~~فيزيده تخصيصا. # قال الله تعالى: { قاتلوا الذين ...... الآخر } (¬4) فخص أهل الكتاب وقيد ~~حتى يعطوا الجزية. وقد يتقدم الشرط كقوله: { إذا قمتم ..... فاطهروا } (¬5) ~~. وقد يتأخر كقوله: { ولا جنبا ... يغتسلوا ms108 } (¬6) . وإن وقع شرطان علق ~~الخطاب إليهما كقولك: إذا دخل زيد الدار وجلس فأعطه درهما. فلا يقتصر على ~~أحد الشرطين دون الآخر. # فصل # وأما التخصيص العموم بالصفة فكقولك: اعط الرجال الطوال أو السود أو الحمر ~~كذا وكذا. خصصتهم به من بين الناس. وكذلك: اعط المؤمنين المهاجرين كذا ~~وكذا. قيدت الاعطاء بالصفات. وكذلك. كل مسكر حرام. قيدت التحريم بالإسكار. ~~ولولا التقييد لتناول كل/ شراب يصلح لأن يجري عليه السكر. وكذلك في ~~المؤمنين لولا الصفة والهجرة لتناول كل مؤمن. # باب # حمل المطلق على المقيد # اختلف الناس في حمل المطلق على المقيد فقالت به طائفة، وقالت طائفة أخرى: ~~لا يحمل أحدهما على الآخر. وقال بعضهم: يحمل كل واحد منهما على صاحبه ~~بقرينة. PageV01P160 # والتفصيل أنهما إن كانا من جنسين متفقين حمل أحدهما على صاحبه، وذلك أن ~~العدالة تعتبر في الشهادة. قال الله تعالى: { وأشهدوا ذوي عدل منكم } (¬1) ~~ذكره في مراجعة الطلاق وفي الدين { ممن ترضون من الشهداء } (¬2) فاعتبرناه ~~فيما سوى الطلاق من شهود الزنا. قال الله تعالى: { والذين يرمون المحصنات ~~....... الكاذبون } (¬3) وقوله: { واشتشهدوا شهيدين من رجالكم } الآية (¬4) ~~وف يهذه التقييدات اعتبرنا العدالة في جميع ما لم تكن فيه العدالة، وحملنا ~~المطلق على المقيد، وأجرينا المطلق على حكم المقيد، ثم إنا اعتبرنا قاتل ~~الخطأ، قال الله تعالى: { فتحرير رقبة مؤمنة } (¬5) فقيد الرقبة بالإيمان. ~~وذكر كفارة الظهار واليمين بالله الرقبة ولم يقيد بالإيمان، فحملنا الرقبة ~~فيهما على الرقبة المؤمنة في قتل الخطأ. وأما أن يحمل مطلق الشهادة على ~~مقيد الرقبة فلا يجوز بإجماع. ولو ذكر كفارة القتل في موضعين فقيدها بلا شك ~~بإجماع. # وأما إن كانا متفقي الجنس مختلفي الحكم بقي المطلق على إطلاقه والمقيد # على تقييده. نحو الصوم الذي/ ذكره الله تعالى في كفارة الظهار متتابعا ~~والصوم الذي ذكره في المتمتع بالعمرة إلى الحج منقطعا فلا يحمل أحدهما على ~~الآخر بإجماع. فالمطلق على اطلاقه والمقيد على تقييده. # وأما المطلق من الصوم من الصوم إلى وهذين المقيدين كالصوم في الكفارة ~~كفارة اليمين فحملوا مطلقة على مقيد الظهار. ms109 وبعضهم يقول:إنه مقيد في قراءة ~~مجاهد، وكان يقرأ: { فصيام ثلاثة أيام متابعات } (¬6) . # وقال بعضهم: لا يحمل مطلق على مقيد ولا مقيد على مطلق. ومن المة من لا ~~يرى تقييد الشهادة بالعدالة في النكاح، وهو قولنا. ويتم النكاح بشهادة من ~~ليس بعدل، بل بفاجر لا تقبل له شهادة. # باب # التخصيص بالإجماع للقرآن والسنة PageV01P161 # أما تخصيص القرآن والسنة بالإجماع فكثير. قال الله تعالى: { يوصيكم الله ~~في ..... الأنثيين } (¬1) ، فخص/ الإجماع منها العبيد. وخصت السنة المشرك ~~والقاتل. # وأما قول الله تعالى: { النفس بالنفس } الآية (¬2) أجمعت الأمة أن هذا في ~~المكلفين. وأجمعوا أن الأطفال والمجانين ليس بيننا وبينهم قود ولا قصاص. ~~وأجمعت الأمة أن ليس بيننا وبين البهائم قصاص ولا قود. وأجمعت الأمة أن ~~الأموات لا يورثون من الأحياء شيئا، وإجماعهم هذا قد خص آية المواريث. # ومن فروع السنة تخصيص العموم يقول الصاحب. كحديث أبي هريرة في الإناء إذا ~~ولغ فيه الكلب؛ فإنه يروى عن رسول الله عليه السلام أن يغسل سبعا (¬3) . ~~وأفتى أبو عبيدة أن يجزئ منها ثلاث مرات. # وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من بدل دينه فاقتلوه» (¬4) . مقصور ~~على المرتد على قول ابن عباس دون من يقول إن اليهودي إذا ارتد/ عن دينه إلى ~~المجوس، أو المجوس إلى عبدة الأوثان أو النصارى إلى اليهود أن ليس علينا ~~منهم شيء على قول من يقول إن هذه الملل كلها ليس علينا ممن ارتد منهم إلى ~~الأخرى شيء. # والقول الصحيح أن من انتقل من هذه الملل إلى من دونها فواسع لها، وإن ~~انتقلت إلى من فوقها فيه مرتدة. PageV01P162 # ولم تزل الفقهاء تستعمل أخبار الآحاد وتص به عموم القرآن المتيقن. ~~والدليل على جوازه إجماع المسلمين على تخصيص آية الموارث لقوله عليه ~~السلام: «لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم» (¬1) . وهو مما وجد في ~~قراب رسول الله عليه السلام: «الإسلام يعلو ولا يعلى عليه» (¬2) . وهو مذهب ~~معاذ بن جبل رضي الله عنه. وأما معارضة عمر بن الخطاب رضي/ الله عنه حديث ~~فاطمة بنت قيس في حكايتها ms110 عن رسول الله عليه السلام أن ليس لها النفقة ولا ~~السكنى. فقال عمر رضي الله عنه: لسنا ندع كتاب الله عز وجل إلى قول امرأة ~~لا ندري أصدقت أم كذبت (¬3) فلم ينكر عليه أحد. وتأول قول الله تعالى حيث ~~يقول: { اسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم } (¬4) . وقد روي عن عمر رضي الله ~~عنه أنه روى عن رسول الله عليه السلام أن لها النفقة والسكنى. # "أجمع أهل العلم على أن المطلقة ثلاثا إذا كانت حاملا لها النفقة ~~والسكنى. واختلفوا إذا كانت غير حامل. فقال أهل المدينة أن لها السكنى ولا ~~نفقة لها. وهو قول ابن عباد. وقال الربيع: لها السكنى والنفقة. وقال قوم: ~~لا نفقة لها وسكنى" (¬5) . # فصل PageV01P163 # واختلفوا في تخصيص عموم السنة بالكتاب فأجازه بعض وأبطله آخرون/ فمن ~~أجازه استعمل قول الله تعالى: { ما فرطنا في الكتاب من شيء } (¬1) وبقوله ~~تعالى: { تبيانا لكل شيء } (¬2) وهو مذهب ابن عباس؛ يروى عنه أنه استعمل ~~عموم القرآن ولا يلتفت إلى خصوص السنة. وقد استعمل ذلك في قول الله عز وجل: ~~{ قل لا أجد فيما .......... خنزير } (¬3) ولم ير تحريم أكل لحوم الحمر ~~الأنسية وأكل كل ذي ناب من السباع وذي مخلب من الطير. وبعض الفقهاء يجعل ~~عموم القرآن وأخبار الآحاد تعارض. ومنه خبر أبي هريرة: لا تنكح المرأة على ~~عمتها ولا على خالتها. وهي إلى الإجماع أقرب. # فصل # اختلف الناس في تعارضص الخاص والعام. قال بعضهم: يتعارضان. وقال بعضهم: ~~لا يتعارضان. وقال بعضهم: العام ينبني على الخاص ورد قبله # أو بعده./ وقال بعض أصحاب أبي حنيفة: إذا تقدم الخاص نسخه العام وإذا كان ~~العام متفقا عليه والخاص مختلفا فيه وجب تقديم العام. وقولنا: إن الخاص على ~~العام مقدم. كقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «في الرقة ربع العشر» (¬4) ~~. ثم قال: «ليس فيما دون خمس أواق صدقة» (¬5) فقضينا بالخاص على العام، ~~وبطل قول من قال بتعارضهما. ثم يحتاج إلى التماس الأدلة بعد أيهم أولى فيه ~~ترك البيان إلى الاشكال. # فصل PageV01P164 # وكذلك مذهب الصاحب. لا ms111 يصح به تخصيص العام، وإن كان روى وشاهد كفتيا أبي ~~هريرة وضمام بن السائب (¬1) في إناء ولغ فيه كلب أنه يجزيه ثلاث غسلات. ومع ~~ذلك روى أبو هريرة عن رسول الله عليه السلام «فاغسلوه سبعا» (¬2) . وأما ~~فعل الصاحب إن كان سخص العام أم لا؟ الجواب: هو أولى بمعرفة ذلك. وبعضهم ~~يأبى/ أن يخص به، مثل ما روي عن ابن عمر أنه رأى رسول الله عليه السلام ~~قاعدا على حاجته في بيت حفصة مستدبرا الكعبة مستقبلا بيت المقدس. فيخص ~~الخبر في قوله عليه السلام: «لا تستقبل القبلة ولا تستدبرها ببول ولا غائط» ~~(¬3) . وكمذهب ابن عمر في البائعين بالخيار ما لم يفترقا (¬4) . فاستعمل ~~افتراق الأبدان. # وأما إن ظهر من الصحابي أنه خصه باجتهاد ففيه اختلاف. فبعضهم بخص به ~~وبعضهم لا يخص به. وكذلك القياس. في رأي بعضهم أنه يخص به العموم وبعضهم لا ~~يخص به. والأصل أن الصحابي إذاكان يروي عن رسول الله عليه السلام شيئا ثم ~~ترك فعله. أو حمل معنى حديثه على بعض محتملاته أنه يسوغ لنا اتباعه وترك ~~اتباعه. ونحمله على حسن الظن في فعله وفي تركه إذ نأخذ بعموم حديثه. وكذلك ~~قياس/ الصحابي على بعض حديثه كلاذي يجعل الكفارة على من عصى الله تعالى ~~وذهب به قياسا على نقض الميثاق إن حلف فأقام الفعل مقام القول. PageV01P165 # وإذا اختلف الصاحبان في تخصيص العموم فليس أحدهما بأولى قولا من الآخر ~~وأما إذا كان العموم متفقا عليه ومختلفا في خصوصه فالعموم أولى. # فصل # وأما أفعال الني عليه السلام فإنها بيان يخص بها مالعموم إلا إن دل ~~الدليل على خلافه، كنهيه عن الوصال ثم هو يواصل (¬1) . وكذلك قوله في الفخذ ~~عورة. فنسخه أو خصه بكشفه عن فخذه إلى أبي بكر وعمر (¬2) . أجمع مالك ~~والشافعي وأبي حنيفة أن العورة من السرة إلى الركبة، وأن السرة والركبة ~~ليستا من العورة في شيء. وقول آخر: إن الركبة والسرة من العورة، وهو قول ~~عطاء بن أبي رباح، وهو قولنا. ورخص أبو/ حنيفة في ربع الفخذ، وأبو ms112 يوسف في ~~نصف الفخذ. ومنهم من يقول. السوأتان هي العورة لا غير، وهو قول داوود بن ~~علي الظاهري. # التخصيص بالإقرار # وإذا رأى النبي عليه السلام أحدا يفعل غير مقتضى العموم فأقره فذلك تخصيص ~~العموم. وكذلك في القول، إذا قال أحد قولا ولم ينكره عليه ساغ PageV01P166 # لمن يقوله. وبهذا قضوا أن ليس في الخضر صدقة لأنها معفو عنها. وعن ابن ~~عباس: فيها الصدقة بدليل قوله: { وهو الذي أنشأ جنات معروشات } إلى قوله: { ~~وآتو حقه يوم حصاده } (¬1) . فلما لم ينص فيها رسول الله عليه السلام شيئا ~~صار تخصيصا لقوله: «فيما سقت السماء والعيون العشر» (¬2) . وكذلك الخيل ~~والبغال والحمير، فحين أقرها ولم ينص فيها شيئا، فليس فيها زكاة. وهي ~~معفوة. وقال أبو حنيفة إن في إناث الخيل صدقة. في كل فرس أنثى دينارا إذا/ ~~كانت سائمة ولا بد من دليل.ومنه ترك رسول الله عليه السلام جلد ماعز بن ~~مالك (¬3) دليل على تخصيص قول الله تعالى: { الزانية ...........جلدة } ~~(¬4) . واختلفوا بعد قوله في الشهداء: «زملوهم في ثيابهم» (¬5) فقال مالك ~~والشافعي في القتيل في المعركة لا يغسل ولا يصلى عليه. وقال الحسن البصري ~~وابن المسيب: يغسل ويصلى عليه وهو قول أصحابنا أبي عبيدة وأصحابه الربيع ~~وعبدالله وأبي المؤرج. كأن الحسن قصر الخبر على أهل بدر. وكأن مالك ~~والشافعي يشيران إلى أن الله تعالى صلى عليهم واجتزوا بتلك الصلاة ~~وطهارتهم، لأن دمائهم طاهرة وأنها تعود مسكا أذفر غدا يوم القيامة (¬6) ~~وأما أبو حنيفة/ فاقتضى الحديث. وتخصيص العموم بدليل الخطاب على قدر ~~اختلافهم. فمن قال به خص به. ومن لم يقل به لم يخص به. ودليل الخطاب بعكس ~~القياس. والقياس مبني على المماثلة. ودليل الخطاب مبنى على المخالفة، كأن ~~دليل الخطاب دليل الخطاب هو الحكم فيما عدا الصفة المذكورة، وكان القياس ~~الحمل على شبه الصفة المذكورة. PageV01P167 # وأما قول الله تعالى: { وللمطلقات ....... المتقين } (¬1) خص بدليل قوله: ~~{ ولا جناح .... قدره } (¬2) فزعم قوم أنها تخصص الآية الأولى. وقال قوم: ~~بل من دليل الخطاب، وليس بشيء. ومالك المتعة عنده مستحتة. وأبو حنيفة ms113 ~~والشافعي والأوزاعي فإنهم يوجبونها وهو الأصح. # فصل # وإذا تعارض عمومان/ فإن نظر في التاريخ كان الآخر ناسخا للأول، وإن لم ~~يعلنم التمسنا الدليل في غيرهما. فإن قدرنا على استعمالهما جميعا وأن نجعل ~~لكل واحد منهما حطا في الاستعمال فعلنا. # ومثال تعارض العمومين قوله عليه السلام: «لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا ~~عصب» (¬3) . وقال: (أيما إهاب دبغ فقد طهر» (¬4) . # وإذا تعارض عمومان وأحدهما يخصه العقل والأخر يطلقه، فليس هنالك تعارض ~~مثل قوله تعالى: { والله بكل شيء عليم } (¬5) وقوله: { لنبلونكم حتى ...... ~~أخباركم } (¬6) . فإن كان المعنى حتى نعلم ذلك كائنا موجودا فالتأويل صحيح. ~~وهذا العموم إلى غاية الوجود بحالة الوجود معلوم قبل وجود الوجود. فلا ~~تعارض بينهما. وأما ترك هذا على ظاهره مع إحالة العقل له فلا. # وأما قوله: { خالق كل شيء } (¬7) ، و { هذا خلق الله فأروني ماذا خلق # الذين من دونه } (¬8) . وقوله: { فتبارك/ الله أحسن الخالقين } (¬9) ~~وقوله: { وتخلقون إفكا } (¬10) وقوله: { وإذ .... بإذني } (¬11) . وليس بين ~~هذه المعلومات كلها تعارض وأصل الخلق لله تعالى، ونسبة الخلق إلى غيره مجاز ~~بدليل قوله: { هل من خالق غير الله } (¬12) والتعارض في هذا بين الحقيقة ~~والمجاز وبين المعاني المختلفة. PageV01P168 # وإذا وقع التعارض في الأمور الشرعية فيراعى هناك التخصيص أو النسخ أو ~~البيان. وإن كان أحد العامين متيقنا والآخر مظنونا استعملنا المتيقن، وإن ~~كان متيقنين أو مظنونين طلبنا الترجيح كقوله عليه السلام: «من نام عن صلاة ~~أو نسيها فليصلها إذا ذكرها فذلك وقتها» (¬1) وقوله «لا صلاة بعد العصر حتى ~~تغرب الشمس» (¬2) . # والتعارض بين العمومين في الشرعيات كقوله: { وأن تجمعوا ..... سلف } (¬3) ~~وبين قوله: { وما ملكت أيمانكم } (¬4) فتعارضت/ الآيتان فغلبنا الحظر على ~~الإباحة. وحتى قال بعض الصحابة: أحلتهما آية وحرمتهما آية. # فصل # واختلف الناس فيما ينبغي أن يعتقده سامع العموم إذا سمعه. هل يجزيه على ~~عمومه أو حتى يبحث وراء ما يخصه، فإن لم يجد أجراه على عمومه؟ # قال أهل الوقف بالوقوف فتوقفوا. وأما من قال بالعموم فهو ضربان: بعض يقول ~~بالتعميم مطلقا ولا يلتفت ولا يعرج، فهو على أصله في ms114 أن البيان لا يتأخر عن ~~وقت الحاجة. وليس عليه النظر ولا البحث. ففرضه استعمال دليله وعمومه. وضرب ~~يقول بالتعميم، غير أنه يقول: لا بد من البحث. فإ عدم التخصيص في بحثه ~~أجراه على عمومه. # وقال بعضهم: أما في الصدر الأول وما يقرب منه، أعني صدر الإسلام فينبغي ~~البحث والتوقف؛ لأن الناس حديثوا عهد بحدوث الشريعة. فإن تطاول الأمر قليلا ~~انقطع العذر/ ولا بد من البحث. وهذا مذهب جابر بن زيد حين قال عبد الملك بن ~~مروان وقد قتل رجلا تزوج زوجة أبيه. فقال: لا جهل ولا تجاهل في الإسلام. ~~فقال جابر بن زيد: أحسن عبدالملك أو قال: أجاد. هذا آخر قولنا في العام ~~والخاص. # القول في دليل الخطاب مما يتعلق # بهذا المعنى من تخصيص # العموم PageV01P169 # اعلم أن دليل الخطاب يقتضي نفي الحكم عما عدا الصفة المتعلق بها ثبوته. ~~وقد قال بدليل الخطاب الشافعي وكثير من الأشعرية وأصحاب مالك وأهل الظاهر. # وقال أبو عبيدة: إنا وجدنا العرب إذا علقت الحكم بإحدى صفتي الشيء مما له ~~صفتان مختلفتان تجد ما عدا ذلك الحكم بخلافه. وقال بهذا المذهب ثعلب ~~والمبرد. وأجاز بعضهم القول به في الغاية والشرط وأما الصفة فلا. وأجازه ~~بعضهم في الصفة مع ما تقدم ومنعوه في الاسم وأجازه/ # بعضهم في الكل وفي حروف الحصر والتوكيد. واستدل من منع هذا بدخول ~~الاستفهام عليه. لأن الله عز وجل قال: { ومن يقتل مؤمنا ....... جهنم } ~~(¬1) . ويحسن الاستفهام على المخطيء ولو دل عليه الكلام لقبح الاستفهام. # قلنا: وليس في الاستفهام ما يدل على شيء. ودليل الآخرين أن الله عز وجل ~~قال: { وربائبكم .... نسائكم } (¬2) ألا ترى إلى إخراج الربائب اللاتي ليست ~~في حجورهم من التحريم مع ظهور الشرط في الآية، ومع ذلك لم تستعمل الأمة ~~دليل الخطاب. فأوجبوا التحري به كإيجابهم التحريم في التي في حجره. وضعفت ~~الأمة دليل الخطاب إلا ما روى عن علي بن أبي طالب من طريق عاصم بن أبي ضمرة ~~وله أمثالها (¬3) . وهو قول داوود الظاهري. # وأما تعليق الحكم بالغاية/ كقوله تعالى: ms115 { قاتلوا الذين...... الآخر } ~~إلى أن قال: { حتى .... صاغرون } (¬4) . فأوجب حكم القتال إذا عدم إعطاء ~~الجزية ودليل الخطاب ألا يقاتلوا إذا أعطوا، فعلق الحكم إلى الغاية، وانتفى ~~ذلك الحكم بحصول الغاية عما عداه. PageV01P170 # وأما قوله: { فمن شهد منكم الشهر فليصمه } (¬1) ، فمن حمله على رؤية ~~الهلال دل دليل الخطاب أن من لم يشاهده ليس عليه صومه.ومن حمله على من شهد ~~بمعنى حضر فعليه الصوم وانتفى الصوم عن المسافر. وأما تعليق الحكم إلى ~~الصفة وانتفاء ذلك الحكم عمن عداها كقوله (تعالى): { اقتلوا المشركين كافة ~~} (¬2) وقوله: { قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر } (¬3) . ~~وأعلم أن الحكم في هذه مقصور # على هذه الصفة، ولا يبطل هذا الحكم عمن انتفى عنه هذه الصفة. بل يجوز أن ~~يأمر بقتل غيرهم. ودليل الخطاب في الشرط والغاية أقوى منه/ في الصفة. استدل ~~من أبطله أن الخبر بمثابة الأمر. فإذا قلت: اضرب الرجل مثل من قال: ضرب ~~الرجل. وليس فيهما ما يدل على انتفاء هذا الحكم عما عداهما. والأمر بمثابة ~~الخبر. ولو قلت: خرج الأسود لما دل على دخول الأبيض ولا على ترك الأبيض ~~الخروج. وكذلك: اخرج الأبيض. ليس فيه ما يدل على ألا يخرج الأسود، ولا على ~~أن يدخل الأبيض وأما من أجازه في الاسم فقد تغدمر. ودليله قوله عز وجل: { ~~محمد رسول الله } ليس فيه دلالة على انتفاء هذا الحكم عن موسى وعيسى ~~وغيرهما وكذلك القول في الخمر حرام. ليس فيه ما يدل على أن غير الخمر حلال ~~أو ليس بحرام. وتعلقوا بقول رسول الله عليه السلام: «في سائمة الغنم ~~الزكاة» (¬4) . والزكاة في سائمة الغنم ليس فيه ما يدل على انتفاء الزكاة ~~من المعلوفة إلا بخطاب ثان مستأنف وليس فيه أكثر من إثبات الزكاة في ~~السائمة. # وقال/ بعضهم: قصده إلى السائمة دليل انتفاء الزكاة فيما سواها من ~~المعلوفة وغيرها. PageV01P171 # واستدل مثبتوه بقول الله تعالى: { وإن ......... فرضتم } (¬1) . فثبت أن ~~الحكم في إحرازها النصف ساقط في النصف الآخر أما النصف الآخر فقد سقط بنفس ~~اللفظ وهو نفس الخطاب. وإنما ms116 الكلام في المطلقة المدخول بها هل تحرز الصداق ~~كاملا بدليل النصف (¬2) أم لا. # فإن قالوا: نعم. عورضوا بأن لهذه الغير المدخول بها هذا النصف وصداق كامل ~~بدليل قوله: { وآتوا .. نحلة } (¬3) واستدلوا بأن نكاح الإماء المشركات لا ~~يجوز بدليل الخطاب. وهو قوله: { فمن لم ......... المؤمنات } (¬4) وقال ~~آخرون: بدليل قوله: { ولا تنكحوا..... يؤمن } (¬5) . وقالوا: وجدنا تحريم ~~ما/ زاد على الأربع من دليل الخطاب قوله تعالى: { فانكحوا .... ورباع } ~~(¬6) فإذا حد حدا في التحليل فما وراءه محرم. # قالوا: بل ينتقض عليهم بمذهب الخوارج من تفسير الآية تحليل تسع نسوة، فقد ~~واجه النص. وحكى ابن الحسين (¬7) في كتابه بأن نافعا جوزه. # وقال أصحاب دليل الخطاب: إنما عرف قبول خبر الواحد بدليل الخطاب من قوله: ~~{ إن جاءكم فاسق ........ بجهالة } (¬8) . PageV01P172 # وقال الآخرون بل من قوله: { أفمن كان,,,,,,,, لا يستوون } (¬1) فمن رد ~~خبر العدل ساواه الفاسق. وقال أصحاب دليل الخطاب: قد عرفنا أن الطهارة لا ~~تصخ إلا بالماء بدليل قوله { وأنزلنا من السماء ماء طهورا } (¬2) وبقوله: { ~~ماء ليطهركم به } (¬3) . وقال غيره (¬4) : تطهير الأنجاس بغير الماء جائز، ~~بالحك وبالنار وبالزمان. # وقال أهل دليل الخطاب: إن الرقبة الكافرة/ لا تجزي في الظهار بدليل قوله ~~في قتل الخطأ: { فتحرير رقبة مؤمنة } (¬5) وقال الآخرون: بل بتحميل المطلق ~~على المقيد. # واستدل من قال: لا يجوز الشاهد واليمين بقول الله عز وجل: { واستشهدوا ~~شهدين من رجالكم } (¬6) ؛ لأن الواحد لا يجزي. وقال آخرون: بل بالتوقيف. ~~وقال آخرون: لا يجوز إخراج الأموال من أيدي مالكها إلا بالشاهدين. وقال أهل ~~دليل الخطاب: يجوز نكاح الربيبة إذا لم تكن في حجورنا وإن كانت أمها مدخولا ~~بها بدليل قوله: { وربائبكم .... بهن } (¬7) . وهو قول علي بن أبي طالب. ~~وأبى الآخرون وقالوا: أطباق الأمة أنها سواء هي أو غيرها يضعف دليل الخطاب. ~~وقال أهل دليل الخطاب: لا قطع في أقل من ربع دينار بدليل قوله عليه السلام: ~~«القطع في ربع دينار فصاعدا» (¬8) . وقال آخرون: بل بقوله عليه السلام: «لا ~~قطع إلا في ربع دينا» (¬9) . PageV01P173 # واستدلوا بقوله عليه السلام من دليل الخطاب/: ms117 «إنما الولاء لمن اعتق» ~~(¬1) لا ولاء لمن لم يعتق. وقال آخرون: لييس بدليل كقوله عليه السلام: ~~«إنما الكريم يوسف» (¬2) . وليس في قوله ذلك ما يدل على أن غيره ليس بكريم. ~~وقد أجاز ابن عباس في الولاء البيع والهبة. وهو من أهل اللسان وترجمان ~~القرآن. PageV01P174 # وقال أهل دليل الخطاب في قوله تعالى: { استفغر لهم .... الله لهم } (¬1) ~~، ثم قال رسول الله عليه السلام: والله لأزيدن على السبعين إن ما وراء ~~السبعين سائغ. وقال الآخرون: ذهب رسول الله عليه السلام إلى التخيير. وقد ~~قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أتستغفر لقوم نهاك الله أ، تستغفر لهم؟ ~~فقال رسول الله عليه السلام: «لأزيدن على السبعين» (¬2) . ذهب به عليه ~~السلام إلى التخيير وذهب به عمر مذهب العرب أنه قطع الرجاء. ولم يخف ذلك عن ~~رسول/ الله عليه السلام لكنه أراد أن يفقه أمته في القرآن حتى لا يحسبونه ~~ضربة لازب.وأن المعاني التي يذهب إليها الخطاب سائغ لهم التوجه إليها ما لم ~~ينهوا عن بعضها. ومن ذلك قوله تعالى: { ليس عليكم ....... يفتنكم } . إلى ~~قوله: { فإذا .... الصلاة } (¬3) فقال يعلى بن أمية لعمر بنالخطاب: ما لنا ~~نقصر الصلاة وقد أمنا فقال عمر رضي الله عنه: عجبت مما عدبت منه فسألت رسول ~~الله عليه السلام فقال: «صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته» (¬4) . ~~وانظر كيف ذهب إلى دليل الخطاب أنه مهما زال الخوف زال القصر، وإذا نزل ~~الأمان وجب إتمام الصلاة. وهذه الآية إنما رجع الناس فيها إلى القياس، لأن ~~رسول الله عليه السلام ذهب بالآية إلى معنى تعب المسافرين بدلا من الخوف، ~~فلم يكن القصر مقصورا/ على الخوف وحده، بل على جميع ما يشبهه. وكذلك مذهب ~~ابن عباس في قوله: "إنما الربا في النسيئة" (¬5) PageV01P175 # فذهب مذهب رسول الله عليه السلام في التخفيف على # الأمة لكن الأمة لم تقبل. وأراد أن يبطل الربا في النقود الحاضرة، ولم ~~يساعد على ذلك. ولو سوعد لكان وجها. لكن الله عز وجل قصر قوله عليه. وروى ~~عنه أنه ترك قوله قبل موته ms118 إذ لم يقبلوه، وكذلك مذهبه في نكاح المتعة وقد ~~نزل القرآن به حتى قال: لو أطاعني عمر في نكاح المتعة ما جلد في الزنا إلا ~~شقي. ولعمري لكذلك. لكن فيه إبطال حد الزنا. غير أن رسول الله عليه السلام ~~دعاله أن يفقهه في الدين (¬1) . ومن فقه أنه يرى أن الأخذ بالقرآن وبتأويله ~~سائغ لمن أراد، وأن الأخذ بالسنة كذلك والرأي كذلك. وجعل ذلك كله شرعا ~~واحدا واستعمل/ أيضا دليل الخطاب في الأخت مع البنت، فأثبت النصف للبنت ~~والنصف للعصبة الذكور دون الأخت لأن الله تعالى يقول: { قل ... ولد } (¬2) ~~فمهما كان له ولد ذهب ميراثها. وذهب بالمال إلى العصبة بدليل قول رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: «إن الله قد ألحق السهام بأهلها فما أبقت الفرائض ~~فلأولى رجل ذكر« (¬3) واستعلمت الأمة القياس في هذه المسألة، واستعمل هو ~~دليل الخطاب. فالقياس أولى وأقوى من دليل الخطاب. واعلم أن تعليق الحكم إلى ~~شرط أو غاية أو صفة أو عدد أو اسم أو توكيد، هذا كله من وجوه دليل الخطاب ~~فمن استعمل دليل الخطاب أجراها على وجوهها مجرى واحد. ومنهم من أثبته في ~~أقواها وأضعفه في أضفعا دليل. # والغرف في دليل الخطاب أن يكون ما عدا المذكور على المراد فيه بظاهر ~~الخطاب وما لم يذكر ذهب إليه إلى خلاف المذكور. PageV01P176 # وهذه الأمور في دليل الخطاب يسوغ فيها الوجهان؛ لأنه غير مقطوع به ما لم ~~يصادم العقليات، فإن صادمها بطل الدليل، دليل الخطاب. من ذلك قوله عز وجل: ~~{ كلا ..... لمحجوبون } (¬1) فظاهر القرآن أن الكفار محجوبون عن ربهم عز ~~وجل. دليل، ودليل الخطاب بأن غيرهم من المؤمنين غير محجوبين. فيسوغ القول ~~على مذهب أهل دليل الخطاب أنهم غير محجوبين. لكن هذا الحجاب ما هو؟ فإن ~~قالوا: حجبوا عن رؤيته. قلنا: حجبوا عن خيره لا رؤيته. وقد يقع الحجاب ~~عليهما جميعا. ومنع شاهد العقل من الرؤية، وإلا كان للغير أن يقول/ إنما ~~حجبوا عن المصافحة أو المواكلة أو المشاربة أو عن الألوهية!! والمؤمنون ~~بخلافه. وأكثر كلام العرب ms119 إنما يقع الحجاب عن معروف السلطان وخيره لا عن ~~رؤيته. وقد يراه ويحجبه عن خيره، بل يأمر بضرب رقبته. وقد لا يراه ويناله ~~خيره. ويقال حجبه. معنى حجاب الرؤية لقوله تعالى: { لا تدركه ..... الخبير ~~} (¬2) واطلعتنا حجاب الخير. # وكذلك قوله: { وجاء ربك والملك صفا صفا } (¬3) فدل أن غيرهم لم يجيء، ودل ~~أنهم انتقلوا عن موضع جاءوا منه إلى الحشر، وقربوا بعد أ، بعدوا بدليل ~~الخطاب. وكذلك قوله: { يا حسرتى ..... الله } (¬4) . ولم ينحصر على التفريط ~~في غير الجنب من العين والوجه والساق وغيرها. فكذلك قوله: { لا تأخذه سنة ~~ولا نوم } (¬5) دليل السهر والأرق. وكذلك قوله: { ... لتكفرون بالذي/ خلق ~~الأرض في يومين } (¬6) دليل على أنه يسوغ لهم الكفران بمن لا يقدر أن ~~يخلقها إلا في أربع، ودليل على انتهاء القدرة في اليومين فصاعدا. وطذلك ~~قوله: { وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله } (¬7) فمقصور على ألوهية # السموات والأرض تعالى عن هذا علوا كبيرا. # باب # الاستدلال بحروف الحصر PageV01P177 # وألفاظ الحصر أربعة تدل على نفي الحكم عن غير المنصوص عليه وهو نوع من ~~دليل الخطاب وهي: # أنما، ثم ذلك، ثم الألف واللام التي للاستغراق الجنس، ثم الإضافة. أما ~~إنما كقول الله تعال: { إنما الله إله واحد } (¬1) فإنما تدل على نفي الحكم ~~غن غير المنصوص. وقوله عليه السلام: «إنما الولاء لمن أعتق» (¬2) . فظاهر ~~ألفاظ نفي الولاء عن غير المعتق. وعارض من أبى من الحصر بقوله (¬3) : «إنما ~~النبي محمد، إنما الكريم يوسف» (¬4) . فجاءت هنا مؤكدة لا نافية لغيره. ~~وقال أيضا/: «إنما الأعمال بالنيات» (¬5) . أراد حصر العمال إلى النية ~~وإبطالها في غير نية. وقد ألحق قوم من المتفقهة "لا" وجعلوها بمنزلة (إنما) ~~فيقولون:لا فتى إلا علي ولا سيف إلا ذو الفقار. وهذه على المبالغة، وأما ~~على النفي في غير ما نص فيه فلا. # وأما قولك "ذلك" فإن ذلك يدل على الحصر لقوله تعالى: { ذلك لمن ........ ~~الحرام } (¬6) . وقوله: { ذلك لمن خشي العنت منكم } (¬7) . # وأما الألف واللام التي لاستغراق الجنس كقوله عليه السلام: «البينة على ~~المدعي واليمين على المدعى عليه» ms120 (¬8) . # وأما الإضافة كقوله عليه السلام: «تحريمها التكبير وتحليلها التسليم» ~~(¬9) وإنما ضعفوا دليل الخطاب من قوله عز وجل: { وربائبكم .... عليكم } ~~(¬10) . PageV01P178 # وأجمعوا على أن الربيبة التي في حجورنا محرمة كسائر/ الربائب. وليس في ~~هذه التوكيدات ولا الشروط ما يلحها لمن دخل بأمها. وأما لحن الخطاب وفحوى ~~الخطاب فإن كان فيهما بيان لما في القرآن سنذكرهما إذا صرنا إلى ذكر معنى ~~الخطاب وهو القياس إن شاء الله. # الكلام على الخبر والاستخبار # وما يتعلق بهما # وحد الخبر: ما يدخله الصدق والكذب. وقالت الأشعرية: حد الخبر: هوم كلام ~~لا بد من كونه صدقا أو كذبا. فجاء حدهم على أصلهم في الكلام أنه صفة لله في ~~ذاته. وأنه ليس بهذه الحروف ولا الأصوات المقطعة. # والخبر ينقسم فسمين: صدقا وكذبا. فالصدق كل وصف للمخبر على ما هو به. ~~والكذب هو الوصف للمخبر عنه على ما ليس به، والقسم. والخبر ينقسم قسمين: ~~تواترا وآحادا. فالتواتر من الأخبار علمه ضروري كالأخبار عن القرون الماضية ~~كعاد وثمود، والأقاليم المشهورة كالصين وخراسان والعراق واليمين/ والشام ~~والمغرب، والأعيان الوحدان في الصنائع والحرف: كحاتم طئ. وكسرى وقيصر. # وأما أخبار الآحاد فعلمه كسبي لا ضروري. ولعلم التواتر ثلاث شروط: أولها ~~العقل، والثاني: المشاهدة، والثالث: العدد. فمهما أخل بشيء من هذه الشروط ~~اختل التواتر؛ لأن أخبار من لم يشاهد لا يوثق بها كالمقلدين من الأمم ~~للآباء والأسلاف ما ليس لهم به علم ولم يشاهدوه. ولا بد من العدد أن يكون ~~كثرة عن كثرة إلا من شاهد ورأى ممن يؤمن عليه الخطأ. # الكلام على الأخبار # الصادقة والكاذبة # اعلم أن الأخبار الصادقة التي يقع لنا العلم أنها صادقة عن الله عز وجل ~~تقع من ستة أوجه. # الأول: أخبار الله تعالى التي نصت عليها المعجزا ت الخارقات للعادات. ~~ومنها أن يضطر/ جماد أو بهيمنة على الكلام فتتكلم فتعلم أن هذا من عند الله تعالى. # الثاني: خبر الأنبياء المؤيدين بالمعجزات الخارقات للعادات استشهادا على ~~صدقهم فيما أخبروا عنه. PageV01P179 # الثالث: من أخبر الصادق بصدقه، كالذي يصدقه النبي عليه السلام ويقول ms121 عنه ~~إنه صادق فيما يحدث به. أو ما أخبرنا عنه من أن أمته لا تجتمع على ضلالة، ~~فكل قول اجتمعت عليه الأمة علمنا صدقه، لأن الكذب احدى الضلالات، فثبت ~~صدقهم فيما اجتمعوا عليه. # الرابع: أن تحكى الأخبار عن جماعة كبيرة ليس في مستقر العادة سكوتهم عما ~~حكي عنه وهم بالحضرة ولم يفعلوه ولم يقولوه. # الخامس: أن يحدث عن الرسول عليه بحضرته ولا ينكر عليه، فثبت عندنا أنه ~~صدق؛ لأن رسول الله عليه السلام لا يقار منكرا. # السادس: ما تلقته الأمة من مستفيض/ حديث رسول الله عليه السلام بالقبول ~~وجاوز حد الآحاد وإن لم يبلغ حد التواتر، والتواتر أولى بالصدق. # ويقع لنا العلم بكذب المحدث من ستة أوجه: # أولها: أن يحدث بما يستحيل بالعقل وجوده، كاجتماع الضدين ووجود شيء واحد ~~في مكانين. # الثاني: أن يحدثنا عن ما تدفع الحواس والمشاهدة، وهو السفطة. # الثالث: أن يحدثنا بما يناقض الوجوه الستة الصادقة المتقدمة. # الرابع: أن يحدث عنا بخلاف ما نحده في أنفسنا. # الخامس: أن يحكى لنا خبرا عظيما قد جدث في قطر من الأقطار يحضره أهله وهم ~~جمع كثير ولم يعرف به أحد من أهل القطر. كانتقال جبل من موضع إلى موضع، ~~وحدوث مدينة عظيمة بين ظهراني قوم كثير ولم يروها. # السادس: أن يحدثنا عما تعجز عنه النفوس البشرية أن تفعله أو/ أنه يقدر ~~عليه، كمعرفة عدد الرمل وورق الأشجار وقطر المطر، وعلم الغيب وعدد كل ما ~~كان على وجه الأرض من بشر من غير معجزة ولا مكرمة. # باب PageV01P180 اعلم أن القرآن الحكيم أنزله الله على قلب محمد عليه ~~السلام كما قال جل جلاله: { نزل به الروح .... مبين } (¬1) فثبت بالمعجزات ~~الخارقات للعاداة أنه من عند الله تعالى، فكان علمنا بذلك كسبا. وأما ~~معرفتنا بمحمد عليه السلام أنه بمكة وبها نزل القرآن الذي في أيدينا وهو ~~ذلك القرآن الذي نزل على محمد عليه السلام، فمعرفة هذا كله من الضرويات من ~~جهة التواتر. وأما العلم أنه من عند الله فكسب. وأن العلم به أنه تحدى ms122 به ~~العرب فعجزت فضرورة. ثم إن الله تعالى أخبرنا في القرآن أنه محفوظ/ مصان { ~~لا يأتيه ........ حميد } (¬2) . وأن الأمة قد اجتمعت على ما في مصحف عثمان ~~بن عفان # فمن رد منه شيئا كفر، وأنه الحق عند الله. والمصحف في أيدي الأمة مضبوط ~~محفوظ بخلاف التوراة والأنجيل اللذين يجوز عليهما التحريف ويجرى عليهما ~~التبديل والتزييف. PageV01P181 # وأما سنة رسول الله عليه السلام "فلم" (¬1) يحفظها الله تعالىكحفظه ~~القرآن. ولم يصنها من أقاويل البهتان كما قال عليه السلام: «سيكذب علي من ~~بعدي كما كذب على من كان قبلي. فما أتاكم عني من حديث فاعرضوه على كتاب ~~الله. فما وافقه فعني، وما خالفه فليس عني» (¬2) وقال عليه السلام: «من كذب ~~علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار» (¬3) . وقال «لتتبعن آثار من كان قبلكم ~~حتى أنهم لو سلكوا "جحر ضب" (¬4) لسلكتموه حذو النعل بالنعل والقذة والقذة» ~~(¬5) / ولكن رسول الله عليه السلام عقب بعد هذا الحديث بقوله عليه السلام: ~~«يحمل هذا العلم من كل خلف عدو له ..» الحديث (¬6) إشارة لطلاب العلوم، وأن ~~للعلوم أربابا وجهابذة كما قال الأول: إن للعلوم جهابذة الورق (¬7) . ~~والجهبذ الناقد البصير. # باب # الكلام على طرق الأخبار # واعلم أن الأخبار قد وردت عن رسول الله عليه السلام من عشرة أوجه خمسة ~~منها صحاح، وخمسة ضعاف ساقطة. # والصحيح: الخبر المتواتر ثم أخبار الآحاد، وهي الأخبار المسندة ثم أخبار ~~المراسيل، ثم أخبار الصحيفة. ثم الموقوفة. وأما الخمسة الأخرى: فالخبر ~~الضعيف، ثم المقاطيع، ثم الشواذ ثم المناكير، ثم الكذب. PageV01P182 # أما التواتر عن رسول الله عليه السلام فدعاؤه الناس إلى شهادة أن لا إله ~~إلا الله قولا وفعلا. وقطع عبادة الأوثان وأنه رسول/ الله عليه السلام. ~~والبعث حق. والجنة حق. والموت حق. وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله ~~يبعث من في القبور. وما تواتر من أحواله أنه ولد بمكة وفيها بعث وفيها دعا ~~الناس. وأنه عربي، وأنه قريشي. ومن مكة هاجر إلى يثرب، وأنه توفي بها وبها ~~قبره ومسجده. وما تواتر من مغازيه، كخروجه إلى بدر وإلى ms123 مكة عام الحديبية ~~وإلى حنين وإلى عمرة القضاء. وقتاله المشركين وسبيهم وغنيمة أموالهم. ~~والمتواتر من أفعاله وأقواله كالصلاة وأعدادها ومواقيتها، وكيفية الركوع ~~والسجود فيها، والقراءة والتكبير والتسليم وما أشبه ذلك، هو أشهر من أن ~~يحتاج إلى دليل. فمعرفة من حصل له العلم بهذا من جهة الضرورة فهي ضرورة. ~~وما (¬1) لم يسمعه (¬2) غلا نادرا كان/ كسبيا كما قلنا أن التواتر أوله ~~كسبي وآخره ضروري لا يتخالج الشك والارتياب فيمن وردت عليه هذه الأخبار من ~~كل وجه، ويشترك في معرفتها كل مسلم وكافر ويهودي ونصراني إذا حصل له علم ~~التواتر بهذا. والمستفيض من الأخبار عن رسول الله عليه السلام قريب من ~~التواتر ولكن عند أهل المعرفة بذلك. # وأما أخبار الآحاد فعلى ضربين: ضرب نقلته الصحابة عن رسول الله عليه ~~السلام واستفاض به الخبر، وهو دون المتواتر. فبعض قصره إلى المسند، وبعض ~~جعله من نفس المتواتر حين كانت فيه مزية استفاضة. # والمسند الصحيح ما نقلته الثقاة عن الثقاة من طريق أو طرق إلى رسول الله ~~عليه السلام ولم يدخلها وهن منجهة السند ولا من جهة المتن ولا ذكر فيه ~~مجهول/ ولا ضعيف ولا مختلف فيه. فالتواتر من الخبر يجب العمل به والعلم. ~~والمسند يجب العمل ولا يجب العلم. PageV01P183 # وأما المرسل فخبر أسنده الراوي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعلوم ~~أن الراوي الذي أسنده لم يصحب ولم يدرك ولم تقع له صحبة مع رسول الله عليه ~~السلام. وقد يقع المراسيل في أخبار الصحابة وإن صحبوا إذا علم منهم أنهم لم ~~يسمعوا من رسول الله عليه السلام. أو قال الصحابي: حدثني صحابي عن رسول ~~الله كالذي يجري لأصاغر أصحاب رسول الله عليه السلام، أنهم يروون أمورا ~~ومعلوم أنهم لم يشاهدوها ومن هو بحال الصغر ممن لا يضبط ذلك ومعلوم أنه ~~غائب عن الصفة التي وقع فيها القول: كرواية ابن عباس عن رسول الله عليه ~~السلام قال لبني النضير حين أجلاهم وذكروا ديونهم عند الأنصار فقال عليه ~~السلام: «ضعوا وتعجلوا» (¬1) . وابن/ عباس إذ ذاك ms124 بمكة صغير. ولذلك قال ابن ~~عباس: نحن أصحاب رسول الله عليه السلام نروي عن رسول الله عليه السلام ما ~~سمعنا من بعضنا ولا يكذب بعضنا ولا نكذب. # وأما أخبار الصحيفة، فناس كانوا يكتبون كل ما سمعوا عن رسول الله عليه ~~السلام. "كعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن رسول الله صلى الله عليه وسلم" ~~(¬2) وقام عبدالله بن عمرو بن العاص فقال: أأكتب ما سمعت منك ولو في الغضب ~~يا رسول الله؟ فقال: «أكتب فوالذي نفسي بيده لا يخرج منه إلا الحق» (¬3) ~~يريد لسانه. وهو عمرو بن شعيب بن محمد PageV01P184 # بن عبدالله بن عمرو بن العاص (¬1) وكذلك بهز بن حكيم بن معاوية بن حمزة ~~القشيري (¬2) كا يحدث عن أبيه عن جده في مثل هذا. والصحيفة عندهم من جهة ~~رسول الله عليه السلام، ولم يقووا خبر الصحيفة ولم يطرحوه. PageV01P185 # وأما صحيفة ابن حزم فصحيحة، وذلك أن رسول الله عليه السلام/ كتب لعمرو ~~(¬1) بن حزم صحيفة وبعثه بها إلى اليمن عاملا وفيها جل سنن رسول الله عليه ~~السلام. ذكر فيها سنن العقول وغيرها وبينها وكانت بيده ايام حياته، وفي يده ~~ولده محمد بن عمرو أيام حياته وكان من الأفاضل وقتل يوم الحرة فأدركوه ~~ساجدا فقال مسلم بن عقبة لمروان: من هذا؟ فقال: هذا محمد بن عمرو بن حزم ~~فحق له أن يموت هكذا ساجدا وقد كان في الدنيا من الساجدين. وورثها ابنه أبو ~~بكر بن محمد بن عمرو بن حزم وكان من العلماء. وذكر في كتاب ابن عبدالبر أن ~~جابر بن زيد رضي الله عنه رحل إليها وتوسل إلى آل حزم وأوقفوه على البطاقة ~~فقرأها كلها. (¬2) واشتهر ما فيها عند العلماء حتى كادت أن تعد من المسند. ~~وأخبار الصحائف قد توارثها الأبناء عن الآباء ولذلك أضعفوها. وأ/ا الموفوق ~~من الأخبار/ فما وقف به على الصحابي ولم يبلغ به رسول الله عليه السلام. ~~ومعلوم أن الصحابة بالأمس أهل جاهلية جهلاء لا ينسب إليهم من العلم شيئا. ~~فأتاهم الله بالقرآن ومحمد عليه السلام. فتعلموا ms125 من القرآن ومن السنة، فوقفوا PageV01P186 # الحديث على أنفسهم، فحدثوا بما لا يظن به فيهم إلا خيرا. ولم يكن ما رووا ~~مما يدركونه بعقولهم، ولا يبلغونه إلا بتوقيف من الرسول عليه السلام، أو عن ~~أصحابه الذين أخذوا عنه. وجل حديث ابن مسعود عن رسول الله عليه السلام ~~موقوف. ولقد قال ذات يوم: حدثني رسول الله عليه السلام فذكر الحديث ثم بدا ~~له فقال: دون هذا، أو فوق هذا أو مثل هذا ما شاء الله، وأستغفر الله (¬1) . # والحديث الطويل المروي عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: «تعلموا العلم ~~فإن تعلمه حسنة، وبذله لأهله قربة، وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة» (¬2) . وقد/ ~~قيل أنه موقوف، وقيل مرفوع. وجل كلام أبي بكر الصديق رضي الله عنه وعمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه موقوف ومسند عن غيرهما. # وأما أخبار الخمسة الأخرى: فأولها المقاطيع. وهو كل خبر منقطع في الوسط. ~~وذلك أن يحدث عن رسول الله عليه السلام من لم يره، ولم يتصل إسناده بانقطاع ~~واحد أو اثنين أو أكثر بين الراوي وبين من روى عن رسول الله عليه السلام. ~~والفرق بينه وبين المرسل أن المرسل مجهول الصحابي الراوي عن رسول الله عليه ~~السلام. والراوي عن رسول في المقاطيع معلوم غير أن القطع في الوسط ولم يتصل ~~السند. وأكثر العلماء على أن العمل بالمراسيل واجب، وبالمقطوع ندب، ولا يجب ~~بهما علم ولا عمل. وقيل انهما واحد. # وأما الأخبار الضعاف قد/ يقع الضعف في متونها، وقد يقع في روايتها وسيأتي ~~شرحها عند ذكرنا نقلة الحديث إن شاء الله. PageV01P187 # وأما الشذوذ فأخبار ترد عن عالم من وجه شاذ وقد كانت له تلامذة فلم يرو ~~ذلك الخبر أحد، غير أنه إذا كان الرواي ثقة وعالما ومعروفا بصحة العلم ~~فربما يقبل الخبر عن شذوذه. كالخبر الذي رواه جابر بن زيد رضي الله عنه عن ~~ابن عباس رضي الله عنه أن رسول الله عليه السلام صلى ثماني وسبعا وأربعا ~~وأربعا وثلاثا وأربعا في غير خوف ولا سفر، ولا سحاب ولا ms126 مطر (¬1) . ولم ~~يروه أحد من أصحاب ابن عباس إلا جابر. وقال مالك: إن جابر ثقة. فقال له ~~رجل: إنما نرى (¬2) فعل ذلك رسول الله عليه السلام تخفيفا على أمته. وكذلك ~~الخبر المروي عن ابن عباس رضي الله عنه أن الجمع/ بين الصلاتين من الكبائر ~~(¬3) . والحديث المروي أيضا عن رسول الله عليه السلام: «من قتل عبده ~~قتلناه، ومن جذع عبده جذعناه» (¬4) . في أمثالها. PageV01P188 # وأما المناكير، فأخبار ترد من عند رسول الله عليه السلام لا يقول بها أهل ~~العدل العارفون بطرق الحديث، وجميع ما يذكر عن رسول الله عليه السلام في ~~تشبيه البارئ. وأما الكذب في الحديث فأخبار الزنادقة مما يروونه عن رسول ~~الله عليه السلام، واشاعته في أيدي الأمة فقبلتها العامة وانتشرت على أيدي ~~ضعفاء الأمة وجهالها كابن أبي العوجاء (¬1) وأبي شاكر الديصاني (¬2) . وفرع ~~من هذا حديث المدلسين، وهم الذين يزيدون في الحديث وينقصونه. ما لم (¬3) ~~يتم إلا به وجوه الحديث، والسنن: والسنة تحتاج إلى ثلاثة أوجه:تخريج ~~المتون. والثاني: تصحيح نقلة الحديث/. والثالث: كيفية اقتباس العلوم من نفس ~~الحديث. # ومن هذه الوجوه وقع الخلل وعظم الزلل، وهو آفة هذه الأمة دون سائر الأمم؛ ~~لأن عامة الأمم فرائضها مقصورة مخصوصة. وهذه المة سلك بها طريقة الاستبداد ~~بالرأي والاجتهاد سلوك الملائكة صلوات الله عليهم طريقة الالهام، فتشعبت ~~عليهم العيون، وبغت بهم الميون، فاتسعوا في الميدان، وتسابقوا تسابق أفراس ~~الرهان، لكن الصواب من مصيبهم مقبول والخطأ من مخطئهم محمول ما لم يبغ ~~بعضهم على بعض في الإمرار والنقص. قال الله تعالى: { كان الناس أمة ~~............ مستقيم } (¬4) . PageV01P189 # ... ومن البغي أن يحرج العالم على الضعيف ويكلفه أن يعلم مثل ما علمه (أو ~~يحرج) (¬1) الجاهل على العالم أن علم ما لا يعلمه الجاهل، فمن قطع منهما ~~عذر صاحبه فمقطوع العذر. ومنه قول جابر بن زيد رضي الله عنه (¬2) : لا يقول ~~العالم للجاهل: اعلم مثل علمي وإلا قطعت عذرك، (ولا يقول الجاهل للعالم: ~~ارجع إلى جهلي وضعفي وإلا قطعت عذرك. وإن قال العلم للجاهل اعلم مثل علمي ~~وغلا قطعت ms127 عذرك (قطع الله عذر العالم)، وإن قاله الجاهل للعالم قطع الله ~~عذر الجاهل وأيهما قاله لصحابه فقد ظلم والبادئ أظلم. { ولمن ........ سبيل ~~} / (¬3) وهذا الذي كنا نقول في فروع الديانات، وأما في أصولها فلا؛ لأن ~~الله عز وجل # تولى الحم فيها، والرسول عليه السلام تولى الإيضاح والبيان عنها. وعلى ~~(¬4) سائر المؤمنين الرضا والتسليم لها. # أما الوجهان الأولان فلحب سسبيلهما، وقرب دليلهما، وسهل أصولهما. وأما ~~الثالث فلن يهدي له إلا من أتاه الله من التبصرة ما يخلص به الأثير من ~~الهواء، والهواء من الماء، والماء من الثرى، مع توفيق ومن يكب زنده، ومن ~~يرد الله به شرا أتاه الله الحين من العين. وجميع ما يحتاجه أهل القرآن ~~للقرآن يحتاجه أهل الحديث للحديث وزيادة ما ذكرنا. # باب النقل PageV01P190 # اعلم أن أصحاب رسول الله عليه السلام هم بالحالة التي ذكرهم الله عليها ~~من العدالة/ والطهارة والنزاهة والثناء والمحدثة. قال الله تعالى: { كنتم ~~خير ........... المنكر } (¬1) . وقال عز من قائل: { وكذلك ...... شهيدا } ~~(¬2) وقال عز وجل: { محمد ..... بينهم.... } إلى آخر السورة (¬3) . وقال ~~أيضا: { لقد رضي .......... قريبا } (¬4) . وقال: { هو الذي ...... إيمانهم ~~} (¬5) . PageV01P191 # وهم أيضا بالحالة التي وصفهم رسول الله عليه السلام: «إن الله تعالى ~~اختار لي أصحابا فجعل منهم أصهار وأختانا، فمن سبهم فعليه لعنة الله ~~والملائكة والناس أجمعين» (¬1) / وقال ايضا عليه السلام: «لا تؤذوني في ~~أصحابي فلو أنفق أحدكم ملء الأرض ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه» (¬2) . ~~وقوله عليه السلام: «اقتدوا باللذين من بعدي» (¬3) وقوله: «عليكم بسنتي ~~وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي» (¬4) وقوله: «ما كان الله ليجمع أمتي على ~~صلالة» (¬5) وقوله: «أمتي كالغيث لا يدري أولها خير أم آخرها» (¬6) وقوله: ~~«خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، ثم يأتي قوم يحبون السمن ~~تسبق يمين أحدهم شهادته» (¬7) . # فصل # اختلف الناس في الصحابة على ثلاثة أقوال: PageV01P192 # منهم من يقول بتعميم العموم، وأن يكونوا على عمومه، يشهدون لهم العدالة، ~~وهم أصحاب الحديث والمرجئة والحشوية وسائر السنية، ولم يألوا ولم يعرجوا ~~على عموم مثلها تناقضها، ولا على استخصاصات تخصها. ms128 ومنهم من يقول بالتعميم ~~إلى أقل الجمع/ وهو ثلاثة فينبغي أن يراعى (¬1) أبو بكر وعمر وعثمان فتوقف ~~عما سواهم، أو إلى اثنين وهو أقل الجمع فيراعى اللذين بعد رسول الله عليه ~~السلام. # وأما أهل الوقف رضوا بأن يكونوا مع الخوالف، وقالوا: لا علم لنا فنحن ~~نقف. لكنهم خالفوا وأطلقوا الشهادة لهم بالعدالة. وقد كان ينبغي لهم التوقف ~~حتى يقع الفصل يوم الفصل. والمسلمون بعد على هداهم وما رزقهم الله من ~~التوفيق، أن هذه العموم قد وردت وورد ما يخصها ويصلح لتخصيصها، وهو قول ~~الله تعالى: { فمن نكث................ عظيما } (¬2) . وقوله: { وعد الله ~~الذين آمنوا منكم ....... الفاسقون } (¬3) . وقوله: { وإن تتولوا يستبدل ~~قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم } (¬4) وقوله: { واتقوا .... خاصة } (¬5) ~~قوله: { فسوف يأتي الله ....... الكافرين.... } (¬6) . وقوله رسول الله ~~عليه السلام: »إنه سيكذب علي من بعدي كما كذب على من كان قبلي، فمن كذب علي ~~متعمدا فيلتبوأ مقعده من النار» (¬7) . وقوله عليه السلام: «لتتبعن آثار من ~~قبلكم حتى إنهم لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة» ~~(¬8) . وقوله عليه السلام:«لفتنة بعضكم على أمتي أضر عليها من فتنة الدجال» ~~(¬9) وقوله: «لضرس بعض الجلساء في/ نار PageV01P193 # جهنم أعظم من جبل أحد» (¬1) وقوله عليه السلام: «وليذادن رجال عن حوضي ~~كما يذاد البعير الضال، فأناديهم ألا هلم ألا هلم، فيقال: إنك لم تدر ما ~~أحدثوا بعدك فأقول: فسحقا فسحقا. فيؤخذ بهم ذات الشمال». وفي رواية: «إنهم ~~لم يزالوا متردين على أعقابهم فأقول: فسحقا فسحقا» (¬2) . وقوله عليه ~~السلام: «ما لهم ولعمار يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار. وإنما عمار ~~جلدة ما بين عيني مهما أصيب المرؤ هناك لم يستبق» (¬3) . وقوله عليه السلام ~~لعمار: «إنما تقتلك الفئة الباغية» (¬4) وقوله لحذيفة: «قو يقعدون على ~~أبواب جهنم ينادون إليها كل من أجابهم قذقوه فيها». فقال: صفهم لي يا رسول ~~الله، فإني خفت إن أدركتهم أن أتبعهم. فقال: هم من جلدتنا ويتكلمون ~~بكلامنا» (¬5) وقال أيضا: «يثور تحت قدمي رجل يزعم/ أنه مني وليس مني ألا ~~إن أوليائي المتقون» (¬6) . # والصحيح أن ms129 الصحابة كلهم بالحالة الأولى التي ذكرناها إلا من ظهر منه ما ~~يجرح به. وقد صدرت منهم أمور من سفك الدماء ونيل الأغراض واستباحة الحرم ما ~~لا يخفى على ذي عقل، متواتر يحصل به العلم الضروري. ولا بد أن نجعل للتعديل ~~والتجريح مكانا وإن كانوا صحابة. # فصل # والصحابي كل من أردك رسول الله عليه السلام ورآه وآمن به. وأما إن كان PageV01P194 # رآه قبل أن يبعث أو بعدما بعث ولم يؤمن به إلا بعد موته فهو من التابعين. ~~ومن آمن به وحال بينه وبينه البعد فلم تمكنه رؤيته فاختلف فيه كالنجاشي. ~~وأما الأعمى الذي لا يبصر وقد سمع كلامه، أو كان بموضع لا يسمع كلامه، أو ~~رآه لكنه أصم لم يسمعه إلا أن هؤلاء كلهم عقلوه ورأوه من هديه شيئا من ~~أقواله وأفعاله، فهو من الصحابة/ مثل محمد بن حاطب (¬1) قال تناولت قدرا ~~لنا فاحترقت يدي فانطلقت بي أمي إلى رجل جالس في الجبانة فقالت له: يا رسول ~~الله. فقال: لبيك وسعديك. ثم أدنتني منه فقالت: إن ابني هذا تناول قدرا ~~فأحرقت يده. فجعل ينفث ويتكلم بكلام لا أدري ما هو. فسألت أمي بعد ذلك، ~~قالت: كان يقول: «اذهب البأس رب الناس واشف أنت الشافي لا شافي غيرك» (¬2) ~~. ومنه محمد بن لبيد بن فضالة الظفري (¬3) ، ولد قبل "موت" (¬4) رسول الله ~~عليه السلام بأشهر فأمرهم رسول الله عليه السلام أن يسموه باسمه ولا يكنوه ~~بكنيته. وعقل رسول الله عليه السلام وقد مسح على رأسه فبلغ الشيب رأسه كله ~~إلا موضع كف رسول الله عليه السلام. # ومنه عمر بن أبي طلحة (¬5) أبصر رسول الله عليه السلام وبيده نغر (¬6) ~~فكان إذا رآه رسول الله عليه السلام يراوغه ويطلبه رسول الله عليه السلام ~~ويفر منه ويقول: "أبا عمير، ما فعل النغير/" ومحمد بن أبي بكر PageV01P195 # الصديق (¬1) ، ومحمد بن حذيفة (¬2) ، ومحمد بن عمر بن حزم (¬3) . وهؤلاء ~~كلهم ولدوا على الطفرة، وهو أشد الناس على عثمان. ويوسف بن عبدالله بن سلام ~~(¬4) أجلسه رسول الله عليه السلام في حجره ms130 وهو صغير، ومسح على رأسه وسماه ~~يوسف. وروي أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم آخذا كسرة من خبز شعير ~~ووضع عليها تمرة فقال: هذا ادام هذا. ثم أكلها (¬5) . # وأما من أدرك رسول الله عليه السلا وهو مجنون فليس بشيء. وأما من بعدهم ~~من التابعين وتابع التابعين إلى الأئمة فقد شملتهم الفتنة العمياء الصماء. ~~ثم هم على ثلاثة أصناف: رجل معروف المذهب من أصحاب علي. أو من أهل الشام، ~~أو من أهل النهروان، فهؤلاء كلهم يضربون في طبولهم ويحبطون في حبالهم، ~~وبعضهم جعلهم بمثابة واحدة. الغث والسمين عنده واحد،/ وبعض قد زم على رأسه ~~واشتمل على لباسه. ثم انتهى الأمر من التابعين إلى تابع التابعين ومن تابع ~~التابعين إلى أئمة مضلين قاعدين على أبواب جهنم ينادون إليها كل من أجابهم ~~قذفوه فيها كما قال عليه السلام. وهم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتا، فغاص ~~الحق وعاص (¬6) وناص (¬7) الباطل وباص (¬8) ، فأين الخلاص (¬9) لأهل الخلاف ~~إلا بقدرة العزيز الحميد الغفور الودود، عصمنا الله وإياكم من مضلات الفتن ~~ومحك المحن، وسنذكر إن شاء الله أئمة كل من العلوم القادة فيها إذا صرنا ~~إلى موضعه بإذن الله. # باب # اختلاف الناس في التعديل والتجريح # اختلف الناس في التعديل والتجريح. وأجمعوا أن الكفر مما يجرح به الراوي. ~~واختلفوا في التفسيق فقال بعضهم: أما الفسوق التي هي المعاصي فليس فيها ~~تجريح. وأما فسوق البدع/ فهو التجريح. وقال بعضهم بعكس هذا. وهذا اختلاف ~~السنية بينهم البين. PageV01P196 # وأما الإباضية والقدرية فالفسوق كلها يجرح بها لا من المعاصي ولا من ~~البدع ومن الإباضية من يجيز عدالة أهل الفسوق من جهة البدع لا من جهة ~~المعاصي في الأحكام خصوصا، فقتل وسبي وغنم واستحل بها الفروج والأموال ~~والدماء في أحكام، إذا كانوا بمنزلة من يتولى عندهم لولا البدعة. ومنعوا ~~الولاية والبراءة بهم وجعلوها من الديانة. وهذا جواب الربيع بن حبيب، وذلك ~~أنه يقول: يجب القود والرجم والقصاصات والغرامات بشهادة ضمام أن تدفع لهم ~~الزكاة والصدقات والعشور./ وقالت الخوارج: لا يعدل أحد فارق مذهبهم ms131 وقضوا ~~عليه بالشرك، وفي جميع من عصى الله تعالى متدينا أو متشهيا. وجل السنية ~~تقبل رواية القدرية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتجيز اجتهاد الرأي ~~للجميع، وسيأتي في موضعه إن شاء الله. # فصل # واختلف من ذكرنا في الصحابة، هل هم عدول أو لا؟ # فقال بعضهم: الصحابة كلهم عدول ولو ظهر منهم من التأويل ما شاؤا، ~~ويوالونهم عموما وخصوصا. ويقضون لهم بالولاية والعدالة على أية حالة كانوا. ~~وعورضوا بأهل الردة فأبوا أن يجعلوهم صحابة، واضطرب عليهم الصاحب. # وقال بعضهم: منهم الدول وغير العدول، ولا بد من المراعاة. وهذا قول سائر الأمة. # وقالت الشواذ: يجب رد شهادة/ علي وطلحة والزبير مجتمعين أو مفترقين لأن ~~فيهم فاسقا لا يعرف بعينه. وقال بعضهم: إن شهادة كل واحد منهم مع غيره ~~جائزة فإذا اجتمعوا لا يجوز. وأطلق بعضهم تفسيق عثمان ورد شهادته، وهؤلاء ~~فرقة من القدرية.. # وقال الشافعي: تقبل شهادة أهل الأهواء إلا الخطاببة من الرافضة لأنهم ~~يرون الشهادة لمن وافقهم على من خالفهم. وقال علي بن أبي طالب: يقبل خبر ~~الخوارج وتجوز شهادتهم علينا. PageV01P197 # وأما أهل الكتاب فإنا نجيز شهادتهم بعضهم على بعض، ولا تقبل شهادتهم ~~علينا. وأما أخبارهم فلا تقبل؛ لأن الله تعالى أخبرنا أنهم يحرفون الكلم عن ~~مواضعه (¬1) . وقال بعضهم: تجوز شهادة أهل الكتاب بعضهم/ على بعض، وأحكامهم ~~واحدة في القتل والرجم والسرق والحدود. # الكلام في أخبار الآحاد # فقال بعضهم: يوجب العلم والعمل، أعني المسند فما دونه. وقال بعضهم: يوجب ~~العلم الظاهر دون الباطن ولا يقطعون. واستدل هذا بقوله تعالى: { يا أيها ~~............ الكفار } (¬2) . وقالوا: إنما تعلم أيمانهن ظاهرا لا باطنا، ~~ألا ترى إلى الله حيث قال: { الله أعلم بإيمانهن } فرد علم إيمانهن إليه. # وقال آخرون: الإيمان ها هنا الإقرار باللسان بالشهادة، فما بال الامتحان؟ ~~والقول الحقيقي أن شهادة الألسن مما يوجب العلم والعمل في الدين والأحكام. ~~وقد قال الله عز وجل: { وما كان المؤمنون لينفروا كافة، فلولا نفر من كل ~~فرقة/ منهم طائفة ليبفقهوا في الدين، ولينذروا قومهم إذا رجعوا ms132 PageV01P198 # إليهم لعلهم يحذرون } (¬1) . وأقل الفرقة ثلاثة. وأقل طائفة من الفرقة ~~اثنان على قول من يرى الجمع في الأسماء اثنين. وقال من قال بالآحاد: الواحد ~~طائفة. وقد ذكرت الطائفة (¬2) في كتاب الله عز وجل في غير موضع، ويجزي منها ~~واحد. وقال أيضا: { وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين } (¬3) وأجاز بعضهم ~~إشهاد واحد لا غير. واستدل أصحاب الواحد بخبر بلال حين قال: «إن بلالا يؤذن ~~بليل فإذا سمعتم ابن أم مكتوم فكفوا، فإنه رجل أعمى لا يؤذن حتى يقال له ~~أصبحت» (¬4) . واستدلوا بحديث معاذ بن جبل رضي الله عنه حين قال له رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم "وقد بعثه إلى اليمن" فقال له: بماذا تقضي يا ~~معاذ؟ فقال: بكتاب الله عز وجل قال: فإن لم تجده؟ قال: فبسنة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. قال: فإن لم تجده؟ قال: فبسنة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. قال: فإن لم تجده، قال: أجتهد برأي. فقال/ رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: الحمد لله الذي هدى رسول رسوله (¬5) . وهذا الحديث قد تلقته الأمة ~~بالقبول واستفاض وإن كان الراوي ابن أخي المغيرة بن شعبة، وهو مجهول. وهو ~~حديث صحيح في مسند الداودي. PageV01P199 # ومنه حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين خطب فقال: أذكر بالله آمرءا ~~سمع من رسول الله عليه السلام في الجنين شيئا. فقام إليه حمل بن مالك فقال: ~~كنت بين جاريتين فضربت إحداهما الأخرى بمشقص (¬1) فألقت جنينا ميتا، وقضى ~~رسول الله صلىالله عليه وسلم بغرة. فقال عمر رضي الله عنه: لو لم نسمع فيه ~~بهذا لقضينا بغير هذا (¬2) . # ومنه قبول خبر الضحاك أن رسول الله عليه السلام فضى بتوريث امرأة أشيم ~~الضبابي من دية (¬3) زوجها (¬4) . # واستدلوا أيضا بقبول خبر الواحد بحديث عمر رضي الله عنه: والله لا أدري ~~ما/ أصنع بالمجوس، انشد الله امرأ سمع فيهم شيئا إلا رفعه إلينا. فقال له ~~عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه: اشهد أني سمعت رسول الله عليه السلام يقول: ~~سنوا بهم سنة أهل الكتاب. فأخذ ms133 عمر الجزية منهم وأقرهم على دينهم وفرق ~~بينهم وبين أهل الكتاب فيما سوى ذلك. وفيه رجوع أصحاب رسول الله عليه ~~السلام إلى خبر عائشة رضي الله عنها بالغسل عند التقاء الختانين (¬5) . # وفيه حديث علي: من حديثني عن رسول الله عليه السلام حلفته فإن حلف لي ~~صدقته، وحدثني أبو بكر "رضي الله عنه" وصدق أبو بكر (¬6) . PageV01P200 # ومنه رجوع ابن عمر عن المخابرة حين حدثه رافع بن خديج عن رسول الله عليه ~~السلام أنه نهى عنها (¬1) . وحديث أبي سعيد الخدري مع ابن عباس (¬2) . ~~وحديث/ أنس بن مالك قال: كنت أسقى أبا طلحة وأبي بن كعب من فضيخ التمر، ~~فأتانا آت فقال: إن الخمر حرمت. فقال أبو طلحة: يا أنس، قم إلى هذه الجرار ~~فاكسوها. قال: فقمت إلى مهراس لنا فكسرتها بأسفله (¬3) . # ومن ذلك حديث أهل قباء حين انصرفوا في صلاة مكتوبة وصرفوا وجوههم إلى ~~الكعبة بخبر (¬4) الواحد وعلى هذا أكثر فقهاء الأمة من الصحابة والتابعين ~~ولا معدل عنهم. # وقال الآخرون: إن رسول الله عليه السلام رد خبر ذي اليدين (¬5) فاستظهروا ~~في خبر بالجماعة، فقال أصحاب الأثنين: هو قولنا. وقال أصحاب الأربعة: هو ~~قولنا، ولم يقل: هل معك غيرك بل أقبل على الجماعة وهو رد على من قال ~~بالواحد، وربما يكون ذو اليدين مجهولا. # وقالوا أيضا: قد رد أبو بكر الصديق رضي الله عنه خبر المغيرة بن شعبة/ ~~فيما رواه من ميراث الجدة حتى عضده محمد بن سلمة (¬6) PageV01P201 # ... ورد أبو بكر وعمر رضي الله عنهما خبر عثمان بن عفان في قوله: استأذنت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في رد الحكم فأذن لي فطالباه بمن يشهد معه ~~ولم يجدا (¬1) . أما المغيرة، فقد قال عمر رضي الله عنه: عضل بي أهل ~~العراق: لا يرضون أميرا ولا يرضاهم أمير. # إن استعملت عليهم القوى فجر، وإن استعملت عليهم الضعيف أو هنوه فقال له ~~المغيرة: إنك إن استعملت عليهم الضعيف كان صلاحه له وضعفه عليك. ولو ~~استعملت عليهم القوى الفاجر لكان لك قوته وعليهم فجوره. فقال له: ms134 أنت لك ~~الفاجر فتول عليهم (¬2) . # ورد علي خبر أبي سنان في بروع بنت واشق وقال: إنه أعرابي بوال على عقبيه ~~(¬3) . وقالوا: إن ابن/ مسعود قد قبل خبره. # ورد عمر رضي الله عنه حديث فاطمة بنت قيس في المبتوتة وقال: لاندع كتاب ~~الله وسنة نبينا لقول امرأة لا ندري أصدقت أم كذبت (¬4) . # ورد عمر رضي الله عنه خبر أبي موسى الأشعري في الإستئذان في البيوت. وروى ~~الاستئذان ثلاثة، فإن أذنوا لك وإلا فارجع. فلم يتخلص من عمر إلا بشهادة ~~أبي سعيد الخدري (¬5) . والدليل الدال على قبول خبر الواحد توجيه السعادة ~~إلى الصدقات بكتبه وأخباره وأوامره، وقبول أهل النواحي عن الرسل ما جاءت به ~~عن رسول الله عليه السلام. # وأما الذين قالوا إن خبر الواحد يؤجب العلم، والذين قالوا إن خبر الواحد ~~يوجب العمل، فأما هذان فكالأحولين ولو عكسا لأصابا. # فصل # والعدل الذي يجب قبول خبره أن يكون ظاهر العدالة/ غير ساقط المروءة. أما ~~ظهور عدالته فإنه يدين الحق وينطق بلسان الصدق في حديث الخلق. وملاك الأمر ~~الورع والدين غير المبتدع فأما في أمور الشهادة الشرعية أن تقوده ديانته ~~وتسلم أمانته. PageV01P202 # واعلم أن الناس في أول الإسلام قبل أن تختل الأمانات وتتغير الديانات. ~~فظهور العدالة بظهور الإسلام كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: المسلمون ~~كلهم عدول إلا مجربا عليه شهادة زور أو ظنين في ولاء أو نسب (¬1) فهذا هو ~~الأصل. فلما تغيرت الأمانة على عهد عمر وفشت فيهم الخيانة أحدث # لهم المزكين. فلما وقعت الفتنة أصبح الناس وقد مرجت عهودهم وأماناتهم وجب ~~التوقف والبحث وأخذ الناس بما يعرفون ويدعون ما ينكرون كما قال رسول الله ~~عليه السلام لعبدالله بن عمرو بن العاص: «كيف بك إذا مرجت/ عهود الناس ~~وأماناتهم؟ قال: ما تأمرني به يا رسول الله قال: تأخذ بما تعرف وتدع ما ~~تنكر ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يأتيك الموت» (¬2) . فهناك يسع العامة ~~التوقف ما لم يبتلى بالفعال أو المقال فيسعه ما لم يقف في المسلمين، أو ~~يتولى المجرمين، ms135 أو ينتهك المحرم، ولكن يقول: ديني دين المسلمين وقولي قول ~~المسلمين وهذا إذا لم يتدين أولا. فأما من تدين فلا يسعه حتى يرجع عن ~~مسقالته إلى مقالة المسلمين قصدا. # فصل # ومن العوارض ما يعترض العدل وإن كان صالحا، حمل الأخبار في حال الطفولية ~~كالذي جرى لكثير من الصحابة ممن ولد على الطفرة وتوفي رسول الله عليه ~~السلام وهم بحال من لا يحسن حملان الحديث. وتأويل الحديث وتصريفه إلى ~~الأمور المحدثة. وأيضا بما كان من كبر السن والنسيان والذهول والضعف ~~والتأويل الذي/ يخرجه من الدين والانتصار لمذهبه. وبكونه أعرابيا من أهل ~~البوادي ليس له دربة الفقه وما يتعلق به من الأحكام. وبالوهمو في الحديث ~~وسماع بعض وفوات بعض ممن لا يصح به. أو عبدا أو امرأة في بعض الأحايين. # مسألة في التزكية: واختلفوا في عدد المزكين، فقال بعضهم: اثنان في ~~المخبرين وفي الشاهد. وقال بعضهم: واحد فيهما جميعا. وفرق بعضهم فقال: ~~اثنان في الشاهدين وواحد في المخبرين. PageV01P203 # وأما التجريح فالأولى ألا يقبل فيه إلا إثنان. وقال بعضهم: لابد في ~~التزكية لكل واحد اثنان فعلى قولهم في الأثنين أربعة وكذلك قال # بعضهم في الاستوداع. وقيل اثنان على اثنين وكذلك على قول من يقبل شهادة ~~واحدة في استهلال الهلال فيقبل شهادة واحد في التزكية؛ لأن رسول الله عليه ~~السلام قبل شهادة أعرابي/ عن استهلال الهلال (¬1) . وإلى هذا ذهب مالك في ~~تزكية شهود الزنا، يكفي فيهم أربعة: واحد على واحد وكذلك المرأة في ~~التزكية، واحدة في الموضع الذي تشهد فيه المرأة. وعلى هذا القول تزكية ~~العبيد للعبيد في تزكية الأخبار، وأما الشهادة فلا. وقيل في الشيء التافه ~~على إقرار العبيد، وأما تعديل الصبي وتجريحه لا تقبل على حال. # فصل # والتزكية أن تقول إنه عدل رضي، ولا بد من الكلمتين، لأنه يكون عدلا لا ~~رضي، ويكون رضي لا عدلا، ولا بد من اجتماع الشرطين جميعا قال الله تعالى: { ~~واشهدوا .... الشهداء } (¬2) قال أبو حنيفة: حتى يقول: عدل مقبول الشهادة ~~علي ولي. وقيل: إنه لا تجوز تزكية ms136 إلا من عالم. والأصل لا تقبل تزكية إلا ~~من عارف بوجوه التزكية. وإذا اجتمع المجرحون والمعدولون غلب التجريح. # فصل/ # / وإذا روى العدل المقبول الرواية عن رجل مجهول هو هل تعديل أم لا؟ # قال بعضهم تعديل، وبعضهم يقول ليس بتعديل. وإن كان مجرحا ولم ينبه عليه ~~الراوي كان الراوي مدلسا إلا إن أخبر بتجريحه. وأما إن استعمل الراوي ~~الحديث فهل هو تعديل للمروي عنه وللرواية أم لا؟ اختلف فيه، فقال بعضهم: هو ~~تعديل لهما. وبعضهم يقول: ليس بتعديل. PageV01P204 # وأما إن ظهر في الحديث مذهب يذهب إليه الذاهب غير الحديث فليس العمل به ~~تعديلا له. والصحيح أن التعديل بالفعل كالتعديل بالقول. فإن ترك الراوي ~~استعمال الحديث إلى غيره فإن علم لأجل الراوي فهو تجريح للراوي وإن كان من ~~أجل الحديث فجرحة (¬1) للحديث. وإن كان الرجل عدلا ولم يعرف بمجالسة/ ~~العلماء فإن خبره مقبول ما لم يكن منكرا. ويقبل خبر الرجل إذا كان مأمونا ~~ولو لم يكن فقيها لقول رسول الله عليه السلام: «رب حامل فقه ليس بفقيه» ~~(¬2) . وتقبل أخبار من لا تقبل شهادته. كالمرأة ة لا تقبل شهادتها ~~بانفرادها وكذلك العبد وكذلك الظنين في الولاء والنسب تجوز أخباره ولا تجوز ~~شهادته، كقول عمر رضي الله عنه: المسلمون كلهم عدول إلا مجربا عليه شهادة ~~زور أو ظنين في ولاء أو نسب. ويقع التجريح بين من عرف بمجالسة الفقهاء وبين ~~من لا يجالسهم. وكذلك الاعتراض على أخبارهما. ومن عرف بصناعة أو حرفة أو ~~لقب فهو كالمعروف النسب. ومن عرف بالراوين عنه كالمعروف بالمروييين, # فصل # اعلم أن الحديث على من لم تره أو/ رأيته ولم يحدثك ضرب من التدليس (¬3) . ~~أو علمته ورأيته وشاهدته وإن كنتت في ملأ من الناس فحدثكم فيجوز أن تروي PageV01P205 # عنه وأن تحدث عنه وأن تخبر عنه فتقول: حدثني وروى لي وأخبرني. وأما إذا ~~قرأ عليك الكتاب فلا حتى يقول: قد صح عندي جميع ما في هذا الكتاب فأروه ~~عني. أو: حدث عني. وإن قرأ عليه أحد من الناس وأن تسمع وأظهر ms137 الإجازة إلى ~~أحد من أصحابه فلا يحدث عنه غيره. وأما إذا أطلق الإجازة على الحاضرين وأنت ~~منهم فلا بأس. وإن أردت أن تقول حدثني فق: قرأت عليه. وأما إذا ناوله ~~الكتاب أو أرسله إليه مع ثقة أو كتب في أسفله علامة أو أخبر أنه قرئ عليه ~~وصح أو كتب إليه بالإجازة فأجازه، قال بعضهم: هذا كله مرسل الحديث. # فصل # وإذا حدث عن الشيخ فقال الشيخ: لم أعقل أو لم أحدثك أو لم/ أخبرك وقال ~~الآخر: بل حدثتني وأخبرتني. فليس في هذا كله تجريح للراوي ولا للمروي لجواز ~~السهو والغلط عليهما أو على أحدهما. وأما إذا قال الشيخ: ليس عندي هذا ~~الحديث أو لم أقله. وقال الراوي: بل هو عندك وقال الشيخ لم أحفظه. وقال ~~الراوي: بل حفظناه عنك. فقال الشيخ: احفظت؟ فقال: نعم. صح الحديث. ويجوز ~~للشيخ أن يرويه عن تلميذه عن نفسه فيقول: حدثني فلان عني بسنده. كما جرى ~~للربيع بن حبيب رضي الله عنه مع أبي عبيدة مسلم رضي الله عنه (¬1) . وكذا ~~جرى لمالك مع عبدالله بن وهب فكان مالك إذا حدث بالحديث قال: حدثني عبدالله ~~بن وهب عن مالك عن فلان عن فلان. وأما إن تمادى الشيخ في (¬2) إنكاره فأطرح ~~ذلك الحديث كالذي جرى للزهري حين قال عن رسول الله عليه السلام: # « PageV01P206 # أيما امرأة/ نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل» (¬1) وكذل خبر سهيل بن ~~أبي صالح في الشاهد واليمين عنه فذكروه فلم يذكر فاطرحوه. # فصل # وأما خبرهم عن الميت فمقبول. وكذلك المجنون إذا أخبروا عن أيام صحته ~~وكذلك الضعيف والناسي. فهذا (¬2) كله صحيح. والقول في الزيادة في الحديث ~~كالقول في نفس الحديث إذا ذكرها الشيخ وشك فيها أو قبلها وكذلك الأسماء ~~(¬3) ومتن الحديث، هذا كله كما قدمناه. # فصل # اختلف الناس في الحديث عن رسول الله عليه السلام هل يرويه الراوي فينقص ~~منه أو يزيد فيه، أو يرويه بلغة غير عربية أو بلغة العرب على غير متن ~~الحديث. # وأما الزيادة في الحديث فكذب عن رسول الله عليه السلام. ms138 وأما النقص فلا ~~ينبغي إذا كان المنقوص مستقلا بنفسه. وأما إذا كان/ متعلقا به فلا يحدث به ~~كذلك. كما لا يجوز له أن يحدث بمستثنى منه فيحزم الاستثناء منه فيطلق أو ~~يطلق المستثنى، فإن هذا كله كذب على رسول الله عليه السلام. وأما أن يزيده ~~توكيدا إذا أخبر بذلك فلا بأس به ويقول: هو من قوله، وكذلك شرحا. وأما أن ~~يترجمه بأي لغة شاء إذا كان عالما باللغتين جميعا وطابق المعنيين جميعا ~~فهذا جائز. كما أن للعجمي والتركي والفارسي والبربري أن يتشهد شهادة الحق ~~باي اللغات شاء، ويؤدي بها الشهادات ويؤمن ويكفر بها إلا في الصلاة خصوصا ~~فلا يستعمل فيها إلا العربية الخالصة فيما PageV01P207 # بين الإحرامين. ويقول أبو حنيفة: الكل سائغ له في الصلوات وفي غيرها. وقد ~~أجاز قراءة القرآن بالتركية والفارسية في الصلاة/ وغيرها. وأجاز ابن مسعود ~~تفسير القرآن في الصلاة بالعربية. وقد كان يصلي ويقرأ ويفسر لأصحابه. وأجاز ~~ابن مسعود تبديل الكلمة بغيرها لمن يتعذر له الكلام بها كالذي يروى عنه أنه ~~يقرئ صبيا حم الدخان يقرأ: { إن شجرة الزقوم طعام الأثيم } (¬1) فقرأها { ~~طعام اليتيم } فراجعه مرتين. فقال إقرأ: "إن شجرة الزقوم طعام المذنب" ~~فكانت قراءة (¬2) . وقول رسول الله عليه السلام فيمن قرأ فسبقه لسانه فقال ~~عليه السلام: «ما لم يختم آية رحمة بآية عذاب أو بالعكس» (¬3) . # والصحيح أنه وردت الشريعة بأمور لا يبغي أن تغير عن موضعها كافتتاح ~~الصلاة والتكبير والأذان وقراءة القرآن والشهادة والتلبية والتسمية. وأما ~~هذه الأمور كلها إذا كانت من قبل اللسان فلا. وكان/ بلال رضي الله عنه إذا ~~أذن يقول عليه السلام إذا سمع بلالا يقول أشهد أن لا إله إلا الله بالسين ~~فيقول عليه السلام: «إن سين بلال شين» (¬4) . والذي يقول: لأخلائه ولا يقدر ~~ويقول: لأخدائه. وكان ( ) (¬5) في الجاهلية. # وقال بعضهم: لا يجوز نقل حديث رسول الله علي السلام إلا على وجه المتن لا ~~يزيد ولا ينقص، لأن رسول عليه السلام أوتي جوامع الكلم، فليست لغة توفي ~~لغته، وقد بعث بخير الأمور ms139 التي هي أوساطها. وأما أن قيد فقال بلغني عن ~~رسول الله عليه السلام فلا بأس. وأما رواية من لا يعرف الاعراب والعربية ~~فإنه يتقي عليه اللحن، ورواية اللحن عن رسول الله عليه السلام أشدها، لأنه ~~عليه السلام لا يلحن. ولا تتغير الاعراب إلى غيره أن اخرج إلى معنى غير ~~معنى الحديث فهو كذب، وتغييره إلى اللحن خطأ والسلامة التحقيق. PageV01P208 # مسألة: وإذا/ قال الصاحب: أمر النبي عليه السلام بكذا وجب العمل به وصار ~~سنة إذا كان مما التزم الناس العمل به. # وقال بعضهم: لا يجب العمل به حتى يروي لفظ الأمر. وكذلك أذا قال: أمرنا ~~النبي عليه السلام بكذا. وأبى منه آخرون. وأقوى من هذا إذا قال: سمعت من ~~رسول الله عليه السلام يأمر بكذا أو ينهى عن كذا. فذهب أهل التعميم مذهبهم ~~وأهل الوقف على وقفهم. # وأما إن قال الصاحب: السنة كذا وكذا. أو من سنة رسول الله عليه السلام ~~كذا وكذا فلا كلام. وأما قوله: كنا نفعل على عهد رسول الله عليه السلام ~~كذا. أو قال: كانوا يفعلون هذا على عهد رسول الله عليه السلام فيصير ذلك ~~سنة إى إن كان الفعل مما لا يظهر لرسول الله عليه السلام. فإن كان مما/ لا ~~يظهر فلا. كالذي سمعه عمر رضي الله عنه يقول في العزل أو الكسل ويقول كنا ~~نفعله على عهد رسول الله عليه السلام. فقال له عمر: هل رآكم النبي عليه ~~السلام فأقركم؟! (¬1) . # فصل # وإذا قال صحبت رسول الله عليه السلام قبل قوله وخبره. وكذلك إن قال: ~~صحبنا رسول الله عليه السلام، أو قال: نحن أصحاب رسول الله عليه السلام. أو ~~ذكر أنه في شيء من مشاهد رسول الله عليه السلام مما يدل على أنه أمره به ~~ذلك الوقت قبلنا قوله وخبره. # وأما إن ذكره بوجه مثل أن يقول: أرسلني رسول الله عليه السلام أو كنت في ~~الغزوة الفلانية، أو لقيته بالمدينة أو بمكة، أو رأيته في الموضع الفلاني، ~~أو عاملته أو أهديت إليه فقبل أو رد فليس ms140 في هذا شيء مما يدل على صحبته إلا ~~إن قارنته قرينة. وكذلك إن قال أنه عبده فاعتقني، أو مولاه أو نسيبه. # كتاب الناسخ والمنسوخ # اعلم أن النسخ في اللغة على ثلاثة أوجه، الأول: الإزالة، الثاني: ~~الابطال، والثالث: النقل. PageV01P209 # فالأول من قول العرب نسخت الشمس الظل، وهو زوال المنسوخ بثبات الناسخ كما ~~يزول الظل وتبقى الشمس وتخلفه بدلا منه. # والثاني: هو الابطال، وهو أن يبطلا جميعا، كما تقول العرب نسخت الريح ~~الأثر، ونسخ المطر الأثر، أي ذهبا جميعا. # والثالث الذي هو النقل، وهو نسخ الكتاب من الكتاب. # فصل # وحد النسخ إزالة حكم ثابت بشرع متقدم بشرع متأخر عنه لولاه لكان ثابتا. ~~اعلم أن البداء والنسخ والاستثناء والتخصيص أربعة معان تجوز على الله كلها ~~إلا البداء فإنه لا يجوز على الله عز وجل خلافا للرافضه الذين أجازوه/ على ~~الله سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا. وسيأتي موضع ذكرهم ومذهبهم في ~~ذلك إن شاء الله. وعين البداء الظهور والانكشاف: معنى بدا لي هذا أي ظهر لي ~~هذا. وهو الظهور بعد الخفاء، وهذا أمر لا يجري على الله تعالى لأنه نقص ~~وجهل، لكن على المخلوقين. فأجازته الرافضة ويأثرونه عن على بن أبي طالب وعن ~~أهل البيت ويزعمون أن عليا إنما منعه أن يخبر عما يكون إلى يوم القيامة ~~لئلا تبدو لله البداية فيترك. وقالوا في اسماعيل "عليه السلام" (¬1) : ما ~~بدا لله عز وجل شيء ما بدا له في أمر الذبيح. وروى عن موسى بن جعفر أنه ~~قال: هو ديننا ودين آبائنا في الجاهلية وفي الإسلام. والإمام المعروف عندهم ~~بهذا القول زرارة بن أعين، وفيه يقول: # ... فلولا البدا ما كان فيه تصرف/ ... وكان كنار (¬2) دهره يتلهب # ... وكان كضوء مشرق بطبيعة ... ... ولله عن ذكر الطبائع نرغب PageV01P210 # وقد أوضح زرارة بن أعين عن نيبته في مذهبه بتصريح البداء فنسب البارئ ~~سبحانه إلى الجهل من أجل شبهة عرضته لئلا يصير البارئ سبحانه طبيعيا وأن ~~أفعاله أفعال الطبيعة فأرادوا إثبات الاختيار له بتصرفه في الأمور فلم ~~يمكنهم ذلك حتى ms141 نسبوه إلى الجهل سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيرا. وقال ~~بعضهم: إنما تبدو له البدوات فيما لم يخبر به ولم يطلع عليه عباده، وتأولوا ~~قول الله تعالى: { يمحوا الله ما يشاء ويثبت } (¬1) . # قالوا: هذه نفس البداء وقالوا: لولا ما اتصف الله سبحانه به من البداء ~~لكان أمره بما أمر به ونهيه عما نهى عنه عبثا وجهلا تعالى عما يقولون علوا ~~كبيرا./ # قلنا، والله أعلم: إن البداء والجهل على الله منفيان، وذلك لأن الله حكيم ~~بذاته ولذاته لا بفعله الحكمة كان حكيما فهو حكيم قبل الفعل. وعالم بذاته ~~ولذاته عندنا وعندهم جميعا فعميت عليهم الأخبار في اتصاف البارئ سبحانه ~~بالكمال، فرجعوا إلى أحد الوصفين فأجازوه على الله عز وجل وهو الجهل. ~~وأوسعوا أنفسهم المعذرة في نسبهم إلى الله عز وجل البداء، وهو عين الجهل، ~~أرادوا أن يثبتوا له أمرا فلم يمكنهم إلا بنفي أمور، وما علموا أن الله عز ~~وجل أمر العباد في الوقت الذي يصلح لهم فيه الائتمار، ونهاهم في الوقت الذي ~~يصلح لهم فيه الانتهاء وهو في الحالتين موصوف بالعلم لا بالجهل، وبالحكمة ~~لا بالعبث، وليس بمستنكر في لطف الله استصلاح العباد بما/ علم وأنه صلاح ~~لهم بدليل قول الله عز وجل: { فبظلم ,,,,,,,, كثيرا } (¬2) وبقوله: { ما ~~ننسخ .... أو مثلها } (¬3) . ولا ننسب إليه في الحالتين جهلا ولا عبثا، ~~ونحن نرغب بالجهل عن الله عز وجل كما رغبنا بالعبث عنه، وليس بانقص حال من ~~العبث، وكلاهما عن الله منفي. # فصل PageV01P211 # اختلف الناس في النسخ، قال بعضهم: لا نسخ ولا منسوخ. وقالوا: ليس من ~~الحكمة جواز النسخ على الله تعالى لأنه بداء، وهو قول اليهود أخزاهم الله، ~~وهو مذهب عبيد بن عمير الليثي (¬1) من التابعين. وزعم أن النسخ الموجود في ~~القرآن هو نسخ النقل كانتساخ الكتاب من الكتاب، وقول الله تعالى: { إنا كنا ~~نستنسخ ما كنتم تعملون } (¬2) ./ وفسر فيه ابن عباس أن الحفظة تكتب ما حفظت ~~من أفعال العباد وتلتقي في السماء مع ملائكة يكتبون ما صح للعبد يؤخذ به ~~ويثاب عليه ms142 مما هو مكتوب في اللوح المحفوظويتلاشى ما سواه، وهو معنى قول ~~الله تعالى: { يمحو الله ما يشاء ويثبت } (¬3) . فالمعنى الذي ذهبنا إليه ~~من النسخ هو المعنى الذي ذهبوا إليه وسموه بيانا للقرآن فاتفقنا في المعنى ~~واختلفنا في اللفظ، وأبطلوا اللفظ وأطلقوا المعنى، فهؤلاء أهون عذرا من ~~الأولين. وأما الأولون الذي أجازوا البداء وهو الجهل لأجل نفي العبث الذي ~~هو السفه فأشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا. وأما الذين وافقوا اليهود في ~~إبطال النسخ واختلفوا في المعنى فاليهود أحالته ألبتة وأبطلوا اللفظ. وعبيد ~~بن عمير وأصحابه/ أطلقوا المعنى وأبطلوا اللفظ كما قدمنا، لو فارقوا اليهود ~~كان خيرا لهم لو كانوا يعلمون. وقد قيل إن عبيد بن عمير قد صحب والصحيح أنه ~~من التابعين. وهو القائل لأمنا عائشة رضي الله عنها يعاتبها في أمر عثمان ~~وكانت به معجبة (¬4) : # ... فمنك البداء ومنك الغير ... ومنك الرياح ومنك المطر # ... وكنت أمرت بقتل الإمام ... وقلت لنا إنه قد فجر # ... فهبنا أطعناك في قتله ... وقاتله عندنا من أمر # فصل PageV01P212 # اعلم أن الناس قد اختلفوا فيما يقع فيه النسخ. قال بعضهم: لا يجوز إلا في ~~الأمر والنهي، ومعناه أن الأمر إذا ورد آخرا أزال حكم النهي من حينه، ~~والنهي إذا ورد آخرا أزال حكم الأمر. والأمر والنهي قائمان بأعينهما. وقال ~~بعضهم: إن النسخ يلحق الأمر/ والنهي والطاعة والمعصية لأن الطاعة تبع للآمر ~~ونتيجته، والمعصية تابعة للنهي ونتيجته. وقال بعضهم: إن النسخ يلحق الأمر ~~والنهي، والطاعة والمعصية، والثواب والعقاب؛ لأن الثواب تبع للطاعة كما أن ~~العقاب تبع للمعصية لأنه محال زوال الأمر وتبقى الطاعة، وزوالهما ويبقى ~~الثواب. كما أنه محال زوال النهي وتبقى المعصية أو زوالهما ويبقى العقاب. # وقال بعضهم: يجوز نسخ هذه الثلاثة، وزادوا جواز نسخ الأخبار عن العقاب ~~والثواب. ولا بد من تحقيق هذه المعاني الأربعة وتفصيلها. # اعلم أن الأمر والنهي من أفعال الله تعالى كما قدمنا إيجابا وإعلاما. ~~فأما الأيجاب فإلزام من الله عز وجل العبد ما كلفه. وأما الإيذان فالأوامر ~~الظاهرة في القرآن خبر، ms143 أوامر، أو جهة الخطاب. ولا إحالة في شيء من/ هذا ~~لأنه قد كان ووقع، وليس في العقل ما يحيله ولا ما يبطله، وذلك أن الله ~~تعالى قد افترض على نبيه عليه السلام استقبال بيت المقدس في أول الأمر ~~بإجماع ثم ردهم إلى استقبال الكعبة بإجماع، قال الله تعالى: { قد نرى تقلب ~~وجهك في السماء ........ الحرام } (¬1) . فرأينا الأمر الأول من امتثله ~~أطاع، ومن تمادى بعد النسخ عصى، فتعاقب الطاعة والمعصية، ثم زال كل واحد ~~منهما بزوال موجبه فتناسخت وتعاسقبت فحكم الأمر والنهي واحد، وحكم الطاعة ~~والمعصية واحد، وحكم الثواب والعقاب واحد. والخبر عن وجوب الثواب ووجوب العقاب PageV01P213 # واحد، أعني في تعاقبهما وإن كان واحد منهما لا يختلف عن موجبه. أما ~~الوجوه الثلاثة فلا يختلف فيها هذا المعنى/ الذي ذكرناه فيها من أن الأمر ~~إذا زال زالت الطاعة وزال الثواب، والنهي إذا زال زالت المعصية وزال ~~العقاب. وإنما التنازع في خبرهما. فمن منع النسخ فيها فإنما أبطل اللفظ ~~وأوجب المعنى؛ لأنه يقول: إذا زال الثواب زال الخبر من حين زوال الثواب ~~وإذا زال العقاب زال عنه الخبر منحين زال العقاب بل أعقبه ضدهما، وليس في ~~تسمية من سماهما نسخا ما يبطل حكما ولا يوجب كذبا؛ لأن صاحبه قد أتى بمعناه ~~ولم يكذب. # فصل # والنسخ في الأخبار كما قدمنا، قد أجازه بعض وأبطله بعض. فحجة من أبطله أن ~~الخبر الأول مكذب للخبر الآخر، والكذب في أخبار الله عز وجل محال. وهذا ليس ~~بشيء؛ لأن هذا القائل يقول: الخبر يوجب الثواب على هذه الطاعة قد جاء فلما ~~نسخ الأمر زال. ولا يزول إلا بضده، وليس كل واحد من/ الخبرين مكذب للآخر في ~~قوليهما، لأنا نقول إن زمان استقبال بيت المقدس مأمور باستقبالهما ~~ومستقبلها مطيع ومثاب ومخبر أن له ثوابا. وفي زماننا هذا أن مستقبل بيت ~~المقدس منهي ومعاقب ومخبر أن له عقابا. وأما ما يروى عن الشيخ أبي الربيع ~~سليمان بن يخلف رضي الله عنه فيمن أجاز النسخ في أخبار الله تعالى أنه مشرك ms144 ~~(¬1) ، فهذا عموم يجوز أن يكون يريد من أجاز النسخ فيما لا يجوز فيه النسخ ~~من أخباره عز وجل كقوله: { إنما الله إله واحد } (¬2) وقوله: { لا إله إلا ~~الله } (¬3) وجميع ما ذكره من أمور الآخرة الآتية وأمور الدنيا الكائنة ~~وجميع ما أخبر به عن النبيين والمرسلين وأخبار الأمم مع أنبيائها. فهذا كله ~~من أجاز فيه النسخ فمشرك. وأما من أجاز النسخ في الأخبار التي تتعاقب على ~~الأمر والنهي إذا وجب أو PageV01P214 # زال/ بإيجاب الثواب مع الأمر وسقوطه بعد الأمر وإيجاب العقاب مع النهي ~~وسقوطه بعد النهي. وأن الخبر الأول الذي قال هذا فرض، والخبر الآخر الذي ~~قال هذا ليس لغرض هما غيران مختلفان بإجماع الأمة. وإنما اختلفنا في ~~التسمية فمن أجاز النسخ فلا حرج، وإن كان مخطئا فإنما اخطأ من جهة اللغة ~~وقد أتى بالمعنى وإن كان مصيبا فهو ذلك. ومن شرك هذا فقد حصل في مذهب ~~الخوارج الذين يشركون على الذنوب، فمن شرك بناسخ الأمر والنهي شرك بناسخ ~~الطاعة والمعصية، ومن شرك بناسخ الطاعة والمعصية شرك بناسخ الثواب والعقاب، ~~ومن شرك بناسخ الثواب والعقاب شرك بناسخ الأمرين، والنصوص في هذه المسميات ~~كلها معدومة، ولا يصح/ تشريك من لم يصادم النص وإن أخطأ في المعنى فكيف بمن ~~أصاب المعنى. والإحتمالات موجودة، لا ضرر ولا ضرار على المعنى ولا على ~~اللغة. وإنما استخرج الناس معنى النسخ من جهة القياس لاختلافهم في معنى ~~النسخ في اللغة، ولم يقع التوقيف على معنى دون معنى. ولو ساغ الاكفار ~~والتشريك والمعصية لكان الذي أبطل لفظ النسخ على معنى المنسوخ ورده إلى ~~الانتساخ أولى. # فصل PageV01P215 ولا يجوز النسخ في معرفة الله تعالى ولا الإباحة ولا ~~الندب ولا النسخ في الأمور العقلية كلها لأن الشرع لا يأتي بخلافها. وأما ~~من قصر التكليف والنسخ على المعصية، وهو قول القدرية، وقد أشرنا إلى الرد ~~عليهم في/ إضلال اليهود، والفرق بين الناسخ والتخصيص؛ أما النسخ رفع حكم قد ~~ثبت واستقر، والتخصيص بيان مخصص لم يتناوله الخاطاب وغير مراد له. والنسخ ~~لا ms145 بد وأن يكون متراخيا عن زمان المنسوخ، والقياس بمثابة النسخ يخص ولا ~~ينسخ به. وإذا ثبت عموم الأزمان والأعيان بقول ثم نسخ بعض تلك الأعيان ~~والأزمان كان تخصيصا لا نسخا. والفرق بين الاستثناء والنسخ أن الاستثناء ما ~~خرج منه لم يرد بالكلام الأول. ومن قال: لا إله إلا الله هل نفى في أول ~~الكلام الوهية الله تعالى ثم أثبت بعد بالاستثناء في آخر كلامه؟. # الجواب: لا، لم ينف أولا ما أثبت آخرا؛ لأن لاستثناء لم يكن مرادا في أول ~~الكلام وإنما يتعلق بألوهية غير الله. # فصل # والنسخ قد يرد قبل امتثال المنسوخ وليس/ ذلك ببداء. وقد يكون امتحانا ~~وتخفيفا ومثوبة وعقوبة. فأما حيث يكون اخبارا فأمر الله تعالى لإبراهيم ~~عليه السلام حين أمره بالذبح لابنه ثم فداه بذبح عظيم. وإن كان النسخ ~~والفداء لم يقعا إلا بعد الامتثال لما أمر به ولم يبق إلا عند الله تعالى، ~~فعند ذلك فداه بالذبح العظيم ولكن بعدما أخبره وامتحنه. وأما حيث يرد ~~بالتخفيف فهو قوله تعالى: { إن يكن ..... لا يفقهون } (¬1) . ثم قال: { ~~الآن خفف ..... مع الصابرين } (¬2) . وهذه الصورة الأمر بصرة الخبر، وذلك ~~لما رأى الله من ضعفهم وقلة حيلتهم وصبرهم خفف/ عنهم. وأما حيث بصير مثوبة ~~فقوله: { ورحمتي .... يومنون ... } إلى قوله: { ويضع عنهم إصرهم والأغلال ~~التي كانت عليهم } (¬3) . # وأما عقوبة فقوله: { فبظلم ...... كثيرا ... } الآية (¬4) # فصل PageV01P216 # واختلف القائلون بالناسخ والمنسوخ هل هما الآيتان وأحكامهما. وقال بعضهم: ~~النسخ في نفس الآيتين. وقال بعض: النسخ في نفس الحكمين. والأصل أن النسخ في ~~الآيتين جميعا، هذه ناسخة وهذه ناسخة وهذه منسوخة وإن كان الحكمان هما ~~المنسوب إليهما النسخ. # ومن جعل البيان هو الناسخ في نفس الآية نسخ بآية المواريث آية الوصية حيث ~~قال عز وجل: { يوصيكم/ الله في أولادكم .. } (¬1) فبين وشرع فيقتضي هذا ~~القول نسخ قوله: { كتب ..... والأقربين } (¬2) فيكون الوالدان والأقربون ~~منسوخة الوصية لهما لأنه بدل حكم يناقض حكما فصار نسخا. وكذلك شروط ~~المهادنة كانت منسوخة بنفس الترك والضعف الذي زال عنهم. ومن قال لا بد من ms146 ~~بيان وناسخ ينسخ الوصية للوالدين: «لا وصية لوارث» (¬3) . وهو قول رسول ~~الله عليه السلام: «إن الله أعطى لكل ذي حق حقه». كالسبب، والشيء إذا كان ~~عن سبب قصر الناس الحكم إليه، وإن تجاء الأمر ابتداء حصل على عمومه. وكذلك ~~قالوا: إن صوم شهر رمضان ناسخ لقرض يوم عاشوراء وكل فرض كان قبله. وكذلك في ~~فرض الزكاة/ والصدقة. وكذلك الصلاة ناسخة لكل فرض كان قبلها، وكذلك ~~النكاحات والطلاقات والبيوعات وغير ذلك. # باب آخر # وجائز نسخ القرآن بالقرآن والسنة بالسنة، ونسخ السنة بالقرآن ونسخ القرآن ~~بالسنة. وأخبار الأحاد بأخبار الآحاد. وأخبار الآحاد بالمتواتر، والمتواتر ~~بأخبار الآحاد، والأخف بالأثقل والأثقل بالأخف، والنسخ إلى غير بدل، ونسخ ~~التلاوة وبقاء الحكم، ونسخ الحكم وبقاء التلاوة، ونسخهما معا، وإن نسخ كل ~~واحد منهما صاحبه. # فصل PageV01P217 # قال الله تعالى: { ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها } ~~(¬1) واختلف القراء في هذه الآية. فقرأ بعضهم على قراءة العامة اليوم، وهي ~~قراءة عامة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال بعضهم: { ما ننسخ من ~~آية أو ننسأها } (¬2) . وهي/ قراءة عبيد بن عمير الليثي. وبعضهم يقول، وهو ~~أبي بن كعب: { ما ننسخ من آية أو ننسكها } وقراءة ابن مسعود: { ما ننسك من ~~آية أو ننسخها نأت بخير منها أو مثلها } . وقرأ بعضهم: { ما ننسخ من آية أو ~~ننساها } (¬3) . # فصل # نسخ تلاوة القرآن وبقاء الحكم قد تكلم فيه بعض أهل العلم وأجازوه ولم ~~يحيلوه، وتأولوا فيه قول الله تعالى: { سنقرئك فلا تنسى إلا ما شاء الله } ~~(¬4) . قال أصحاب الحديث: إن الروايات قد تظاهرت بأن آية الرجم موجودة في ~~كتاب الله عز وجل حتى رفعت ونسخت مع بقاء حكمها، وهي ناسخة منسوخة. هي ~~ناسخة لذوات السبيل (¬5) ، ومنسوخة التلاوة في القرآن. وقد روى عن عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه قد قرأها وهو على المنبر في ملا من المهاجرين/ ~~والأنصار أو في ما كنت أمة محمد عليه السلام بين يدي موته بأشهر فقال لولا ~~أن يقال أن عمر زاد ms147 في كتاب الله ما ليس منه لأثبتها في حاشية المصحف وهي: ~~(الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا لمن بعدهما والله تواب على ~~من تاب) (¬6) . وقال أبو عبيدة PageV01P218 # القاسم بن سلام عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: كانت سورة الأحزاب ~~تقرأ في زمن رسول الله عليه السلام مأتي آية. فلما كتب عثمان المصحف لم ~~يقدر منها إلا على ما هي عليه الآن (¬1) . وقد روى أبو عبيدة عن زيد بن ~~حبيش قال: قال أبي بن كعب: كأين تعد أو قال تقرأ سورة الأحزاب قلت: أثنين ~~وسبعين آية. قال: إن كانت لتعدل سورة البقرة، وإنا لنقرئ فيها آية الرجم/، ~~قال: "إذا زنى الشيخ والشيخة فارجموهما نكالا من الله والله عزيز حكيم" (¬2) . # وحديث أبي واقد الليثي قال: كان رسول الله عليه السلام إذا أوحي أليه ~~أتيناه فعلمنا كما أوحي إليه. قال: فجئته ذات يوم فقال: إن الله يقول: «إنا ~~أنزلنا المال لإقام الصلاة وإيتاء الزكاة. ولو كان لابن آدم واحد لأحب أن ~~يكون إليه الثاني، ولو كان الثاني لأحب أن يكون إليهما الثالث ولن يملأ جوف ~~ابن آدم إلا التراب. ويتوب الله على من تاب» (¬3) . وعن عمر أيضا: كنا ~~نقرأ: "ولا ترغبوا عن آبائكم إنه كفر بكم" فقال: أهكذا يا زيد فقال زيد: ~~نعم (¬4) . # جواز نسخ القرآن بالقرآن: # قال الله تعالى: { والذين يتقون منكم وذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة ~~أشهر وعشرا } (¬5) فنسخ به قوله: { وصية لأزوجكم متاعا إلى الحول غير إخراج ~~} (¬6) . ومنه قول الله تعالى: { واللاتي يأتين/ الفاحشة من نسائكم ~~فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت PageV01P219 # حتى يتوفاهن الموت .......... توابا رحيما } (¬1) . ولما نزل قول الله ~~تعالى: { والزانية ....... جلدة } (¬2) . قال رسول الله عليه السلام: «الله ~~أكبر، الآن جاء بالسبيل: البكر بالبكر مائة جلدة وتغريب عام والثيب بالثيب ~~الرجم» (¬3) . ومنه قول الله تعالى: { إن يكن منكم عشرون صابرون .. } كما ~~تقدم (¬4) وهذا أمر بصيغة الخبر. قال الله عز وجل: { سيقول .......... ~~مستقيم } إلى أن قال: { وما جعلنا القبلة التي كنت/ عليها إلا لنعلم ms148 من ~~يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه .... } الآيات كلها حتى قال: { فول وجهك ~~شطر المسجد الحرام وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره .. } (¬5) . # جوازكون القرآن ناسخا للنسة: # اعلم أن القرآن ينسخ السنة "السنة تنسخ القرآن" (¬6) وإن كان كل واحد ~~منهما مكرر ينسخ صاحبيه خلافا لمن قال إن القرآن لا ينسخ السنة لأنها جاءت ~~بيانا للقرآن. والدليل على جواز نسخ القرآن السنة جواز السنة جواز نسخ ~~القرآن بالقرآن فالسنة أولى أن تنسخ به. ومنه حديث عبدالله بن عباس قال: ~~كان رسول الله عليه السلام يقضي بالقضية فينزل القرآن بخلافها. فيستقبل حكم ~~القرآن ولا يرد قضاءه (¬7) . وإن استقبال بيت المقدس على من جعله سنة منسوخ ~~بالقرآن بقوله: { فول وجهك شطر المسجد الحرام } (¬8) . وإن عارض وقال: إن فرض PageV01P220 # استقبال بيت المقدس// من القرآن بدليل قول الله تعالى: { وما جعلنا ~~........ عقبيه } (¬1) . قيل له: إنما هذا خبر عن كونه مستقبلا لبيت المقدس ~~عند النسخ ولم يظهر في القرآن نص ولا مستخرج أنه أمره باستقبال ببيت ~~المقدس. ودليل آخر: أن رسول الله عليه السلام عقد عقودا في صلح الحديبية ~~على الرجال والنساء، فأنزل الله تعالى: { يا أيها ...... إلى الكفار } (¬2) ~~. فنسخ العقد الأول. واستدلوا بقوله: { أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى ~~نسائكم } (¬3) . ونسخ صوم عاشوراء بصوم شهر رمضان وذلك أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قدم المدينة/ وأصاب اليهود يصومونه، فقال: أنا أحق باتباع ~~أخي موسى، فأمر مناديا وقال: من كان غير صائما فليصم فصاموا بقية نهارهم، ~~ثم جاء رمضان فكان هو الفريضة ونسخ صوم عاشوراء (¬4) . # مسألة # ويجوز نسخ القرآن بالسنة المتواترة، وأجاز ذلك أكثر أصحاب أبي حنيفة. ~~وبعض أصحاب الشافعي يقول بالوجهين: إنه لا ينسخ قرآنا إلا قرآن مثله. وقال ~~بعضهم: أنه تنسخه السنة كما قدمنا، وأن السنة لا ينسخها لا سنة مثلها ولا ~~ينسخ كل واحد منهما صاحبه. واستدل من أجاز نسخ السنة للقرآن بقوله تعالى: { ~~وما ينطق ....... القوى } (¬5) . وقالوا: لما جاز بيان القرآن الذي أمر ~~الله تعالى به PageV01P221 # نبيه عليه السلام بالسنة والتخصيص جاز بها/ ms149 النسخ، واستدلوا أيضا على نسخ ~~القرآن بالسنة بقوله عليه السلام: «لا وصية لوارث» (¬1) . فنسخ به قول الله ~~تعالى: { كتب عليكم .... المتقين } (¬2) . وقيل إن آية المواريث هي التي ~~نسخت الوصية للوالدين والأقربين. وبقول رسول الله عليه السلام: «البكر ~~بالبكر والثيب بالثيب» (¬3) . فنسخ هذا قول الله تعالى: { واللاتي يأتين ~~الفاحشة من نسائكم } حتى ذكر السبيل (¬4) . فقال رسول الله عليه السلام: ~~«الله أكبر، الآن جاء الله بالسبيل»، فشرع الرجم والتغريب بعد الحبس والأذى (¬5) . # واستدل من منع ذلك أن السنة مظنونة وأن القرآنن متيقن ولا ينسخ مظنون ~~متيقنا قلنا: إذا كانت السنة متواترة ومستفيضة لا بأس بذلكن لأن البيان من ~~عند رسول الله عليه السلام بجميع/ أحكام الدين مأمور به. والنسخ أحدها، ~~وعلى من شافهه الإيمان به. وعلى من رأى أو سمع التبليغ. قالوا: قال الله ~~تعالى: { وإذا بدلنا ........ لا يعلمون } (¬6) . فدل ذلك على أنه لا يجوز ~~نسخ القرآن إلا بالقرآن. وينعكس عليهم بالنسخ بدون آية إلا آية كاملة كما ~~قال: { اقتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة } (¬7) . فينسخ به الصفح ~~والعفو والإمهال والتولي والإعراض ببعض آية. وأخرى: إن الله عز وجل لم يقل: ~~إنا لا نبدل الآية إلا بآية. PageV01P222 # قال: إن نسخ القرآن بالسنة تهمة وتنفير، وذلك أنما وجب الإيمان بالقرآن ~~من جهة الإعجاز، فإن نسخ القرآن ما ليس بمعجز من كلام غير رب العالمين وجب ~~الشك والارتياب. # قلنا: كلاهما سواء عند من آمن. قال الله تعالى: { وما أتاكم الرسول ~~فخذوه/ وما نهاكم عنه فانتهوا } (¬1) . وليس يقدح قول أهل الشك في إيمان ~~أهل الإيمان. # مسألة # فكل دليل دل عى جواز نسخ القرآن بالقرآن دل على جواز نسخ السنة بالسنة، ~~وأخبار الآحاد بأخبار الآحاد. # وأما السنة بالسنة فأكثر من أن يخصى. وقد كان رسول الله عليه السلام يصلي ~~بمكة ركعتين أول النهار وركعتين آخر النهار فنسخها لله تعالى بالصلوات ~~الخمس. وبالأربع في مقام الأثنين، ونسخ الترك بالعمل، ونسخ الكلام في ~~الصلاة بالقنوت. ونسخ القنوت بالترك، وبقول الله عز وجل، وذلك حين فنت ~~أربعين يوما على ms150 رعل وذكوان (¬2) ، فأنزل الله تعالى: { ليس لك ...... ~~ظالمون } (¬3) . ونسخ منها الكلام بقوله: «إن في الصلاة لشغلا» (¬4) . ~~وبقوله: «إن الله يحدث من أمره ما يشاء، ومما أحدث ألا تتكلموا في الصلاة» ~~(¬5) . وبقوله: «صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الآدميين» (¬6) ونسخ ~~شروط المهادنة بالترك. PageV01P223 # وأما أخبار الآحاد فكثير كقوله: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور، ألا ~~فزوروها ولا تقولوا هجرا» (¬1) . وبقوله: «إنما نهيتكم من أجل الدافة التي ~~دفت عليكم» (¬2) . وجلد المحصن، وتغريب البكر عاما. ومنه صلاته بالناس ~~قاعدا وهم قيام بعدما قال: «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا صلى قائما ~~فصلوا قياما وإذا صلى قاعدا فصلوا قعودا» (¬3) . ثم صلى بهم قاعدا وهم قيام ~~عند وفاته. # ومن ذلك نهيه عن نبيذ الجر حين قال: «نهيتكم أن تنبذوا في الأوعية، ألا ~~فانبذوا في كل شيء فكل مشكر حرام» (¬4) . فهذه أخبار الآحاد منسوخة بمثلها. # باب # جواز نسخ القرآن والسنة بأخبار الآحاد # وقد أجاز بعض وأبطله بعض. وقال بعض بجوازه إذا كانوا على عهد النبوة ~~ويبطله بعد ذلك. فمن ذلك أهل قباء/، اتاهم آت فأخبرهم عن القبلة فتحولوا ~~بخبر الواحد. وأدل الدليل على قيام الحجة بأخبار الآحاد أن رسول الله عليه ~~السلام كان يرسل رسله ويمضون ويتوجهون إلى من أرسلوا إليه. ووجب على من ~~أرسلوا إليه السمع والطاعة وقبول قولهم عن الله عز وجل وعن رسول الله عليه ~~السلام في الناسخ والمنسوخ وفي غيره. ولم يحوجوهم على التواتر ولا إلى ~~مطالعة الرسول عليه السلام إلا إن وقعت ريبة في أقوال الرسل فيسعهم التوقف ~~والاستبصار والبحث كالذي جرى لابن أبي جدعة حين أتى أهل الطائف فقال: إني ~~رسول الله إليكم وقد أمرني أن أتبوأ أي بيوتكم PageV01P224 # شئت. فقالوا: مرحبا برسول الله. فقالوا: دونك أي بيوتنا شيئت ثم قال: ~~وأمرني أن أتبوأ أي نسائكم شئت. فقالوا: إن عهدنا برسول الله عليه السلام ~~كان يحرم الزنا. فلم يسعفوه/ حتى أرسلوا إلى رسول الله عليه وسلم فأخبروه ~~فغضب وأمر رجلين أن يذهبا فيحرقاه بالنار. ثم قال عليه السلام: ما ms151 أظنكما ~~تدركانه إلا وقد كفيتماه. فذهبا إليه فوجداه قد خرج هاربا في ليلة مطيرة ~~فخرج غير الطريق ليبول فنهشته أفعى فقتلته (¬1) . # وأما خبر الواحد فقد أجزناه ما لم يكن متأولا. وأما إذا روى الصحابي عن ~~الرسول وقد نسخت آية كيت وكيت فقوله مقبول. وأما إذا كان متأولا فرأيه مثل ~~رأي المجتهدين. وبعضهم يمتنع من قبول خبر الواحد في آى القرآن وفي السنن ~~المتواترة فلهذا نحن أجزنا نسخ المسح على الخفين بآية المائدة عن مذهب ابن ~~عباس (¬2) . وقبلنا قول ابن مسعود في نسخ التحيات المذكورة فيها الزاكيات ~~الطيبات حين قال: كان ذلك ثم علمنا التحيات المباركات/ لله والصلوات ~~الطيبات (¬3) . فكأنه أشار إلى أن هذه نسخت الأخرى. وكذلك قبلنا قوله في ~~ترك رد السلام في الصلاة، وهو الراوي عن الرسول عليه السلام أنه سلم عليه ~~بعد ما قدم من الحبشة فلم يرد عليه رسول الله عليه السلام. قال: فأخذني ما ~~قرب وما بعد. فلما سلم قلت: سلمت عليك يا رسول الله فلم ترد علي. فقال رسول ~~الله عليه السلام: «إن في الصلاة لشغلا» (¬4) . وفي بعض الروايات: «إن لله ~~الأمر من قبل ومن بعد، يحدث ما يشاء. ومما أحدث ألا تتكلموا في الصلاة» (¬5) . PageV01P225 # وكذلك ما روى عن ابن عمر وابن عباس لما سئلا عن الرضعة والرضعتين فقالا: ~~كان ذلك بتوقيف تقدم. وأما اليوم فقليله وكثيره يحرم. # وأما إن قال الصاحب: الخبر الفلاني والآية الفلانية منسوخة/ فإنا نحسن به ~~الظن ونحمله على السماع. وأبت من ذلك طائفة. # ومنه قول عائشة رضي الله عنها أنها قالت: ما مات رسول الله عليه السلام ~~حتى أحل الله الذي حظر عليه من النساء (¬1) . # فكأنها أشارت إلى قول الله تعالى: { إنا أحللنا .... الله عليك... } ~~الآية (¬2) ناسخ لقوله: { لا يحل لك النساء من بعد } (¬3) مثوبة لنسائه ~~اللاتي قصرن أنفسهن عليه، فلما تمكن منهن الإيمان نقلهن إلى ثواب الآخرة ~~ونقل رسول الله عليه السلام إلى تزويج أي امرأة شاء. # وكما قبلنا ايضا قول أبي بكر رضي الله عنه في تخصيص قول ms152 الله عز وجل: { ~~يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين } (¬4) . يقول رسول/ الله ~~عليه السلام: «نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة» (¬5) . فلما ~~رأينا الأمة تلقته بالقبول وهو أوفر ما كانوا يكونون نسخنا به آية ~~المواريث. # باب ما يعلم به الناسخ من المنسوخ # اعلم القرآن نزل على رسول الله عليه السلام في ثلاث وعشرين سنة نجوما على ~~نحو ما أدت إليه الحاجة. وألفه الله تعالى بترتيب خلاف ترتيب النزول. ويدل ~~على ذلك حديث ابن عباس رضي الله عنه حين سأل عثمان بن عفان PageV01P226 # فقال: ما بالكم أنتم أصحاب رسول الله عليه السلام عمدتم إلى سورة الأنفال ~~وبراءة "فقرنتم" (¬1) فيما بينهما ولم تكتبوا سطر بسم الله الرحمن الرحيم ~~بين الأنفال وبراءة فقال عثمان: يا ابن أخي، إن جبريل عليه السلام كان ينزل ~~على رسول الله عليه السلام بالآيتين والثلاثة/ آيات والأربع آيات من القرآن ~~فيقول: يا محمد، إن الله يأمرك أن تجعل هذه الآية على راس كذا آية من ~~السورة الفلانية فإذا تمت السوةر نزل بسطر { بسم الله الرحمن الرحيم } ففصل ~~به ما بين السورتين (¬2) . فلما ذهب عن الناس ترتيب النزلو احتاج الناس إلى ~~التاريخ فإن عدم التاريخ رجع الناس إلى اجتهاد الرأي وغلبوا الحظر على ~~الإباحة. وقبل الناس أخبار الآحاد ضرورة إذ لا بد من الشريعة. وقد علق الله ~~عز وجل أمرها وتبليغها وبيانها إلى رسول الله عليه السلام فبلغ ما أرسل به ~~ونصح في تبليغه وعين التبليغ على من سمع فقال: «ألا هل بلغت قالوا: نعم. ~~فقال: اللهم فاشهد». وقال: «ليبلغ الشاهد الغائب» (¬3) فوجب على الشاهد ~~التبليغ/ ووجب على المبلغ القبول. وقال: «نظر الله وجه عبد سمع مقالتي ~~فوعاها حتى أداها إلى من لم يسمعها. فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب ~~مبلغ أوعى من سامع» (¬4) . فلم يأمر رسول الله عليه السلام أمته بالتبليغ ~~إلى من لم يسمع إلا وفيه أعظم الحجة لمن بلغ ومع ذلك رسول الله عليه السلام ~~كان يخاطب من سنح له ms153 من أمته ولم يقصر الخطاب إلى عدد محصور بل عام وخاص ~~فيراعيه الناس في قبول السنة بل إلى كل أحد بدليل قوله تعالى: { يا أيها ~~الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا PageV01P227 # قوما بجهالة فتصحبوا على ما فعلتم نادمين } (¬1) . فدل على أن التبيين مع ~~العدل معفوا عنه بدليل الخطاب ورد شهادة الفاسق بنص القرآن، ومن وراء هذا ~~قوله: { لأنذركم به ومن بلغ } (¬2) . فوجب/ على الوعاة التبليغ ووجب قبول ~~أخبار الوعاة كما يجب على السامعين قبول أخباره عليه السلام والإيمان بها. ~~ورسول الله عليه السلام هو الحجة لا شك ولا مرية، والصحابة هم الشهداء، ~~والتابعون هم المؤدون. # فصل # وإذا ورد خبران عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو عن الله تعالى ~~متعارضان، نظر الناس في التاريخ، ولا غنى عنه وإن كان أمر التاريخ سهلا، ~~فلو كلفنا معرفته لضاق الحال. فإن عرفوا الآخر منهما نسخوا به الأول. وإن ~~لم يعرف الأول من الآخر اجتهدوا بجهل الناس في التاريخ. واختلفوا في آي من ~~كتاب الله تعالى وسنة نبيه عليه السلام فجعلها قوم ناسخة وجعلها آخرون ~~منسوخة، وقال الآخرون إن الآيتين محكمتان. جعل بعضهم الناسخ هو المنسوخ، ~~والمنسوخ هو الناسخ وواسع/ على العلماء ما لم يصادموا الإجماع. فمن ذلك قول ~~الله تعالى: { ليس على الأعمى عرج ولا على الأعرج حرج ........ أو بيوت ~~آبائكم .. } (¬3) الآية كلها. فأوجبوا بهذه الآية نسخ قول الله تعالى: { يا ~~أيها .... بالباطل } (¬4) . وقال بعضهم: بل الناسخة هذه لقول الله تعالى: { ~~ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج } (¬5) . الآية .. فنسخ بها من جهة ~~الأموال منع أكل أموال القرابات، وأباحت الدلالة عند الأصدقاء .. وساتثناهم ~~من جهة الباطل. # وقد قيل إن الآيتين جميعا محكمتان. أباح الأكل من أموال القرابات وأهل ~~الصداقة ومنع الأكل بالظلم من أموال الغير. PageV01P228 # وكذلك قول الله تعالى: { لا يحل لك النساء من بعد } (¬1) كما قدمنا/ ~~جعلها قوم ناسخة بقوله: { يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك } (¬2) . وقد ~~قيل: إن كل واحدة منهما محكمة إن النساء عليه ms154 حرام إلا بنات العم وبنات ~~العمة وبنات الخال وبنات الخالة. وكذلك قوله: { يسئلونك عن الأنفال .... ~~بينكم } (¬3) فهذه منسوخة بقوله: { واعلموا أنما غنمتم من شيء فإن لله خمسه ~~وللرسول ولذي القربى واليتامى } (¬4) الآية. وقيل الناسخة هذه لقوله: { ~~واعلموا أنما غنمتم من شيء فلله خمسه وللرسول } نسختها { يسئلونك عن ~~الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم } . فمن ~~أوجب إلى "أن" الأنفال منسوخة أجراها على/ قسمة الغنائم لقوله: { واعلموا ~~أنما غنمتم من شيء فإن لله خمسه } . ومن قال الأنفال ناسخة فوض أمر الغنيمة ~~إلى السلطان إن شاء خمسها وإن شاء نفلها. ولذلك أجاز رسول الله عليه السلام ~~السلب للقاتل لأجل التنفيل. وقال عليه السلام: «من قتل قتيلا وله عليه بينة ~~فله سلبه» (¬5) فذهب المستغرقون لعمومها أن كل قتيل سلبه لقاتله إلى يوم ~~القيامة. وذهب آخرون إلى أنها في يوم حنين خصوصا. وقيل إن الآيتين محكمتان، ~~فالتنفيل والتخميس قائم. وقصر من قال بالتخميس النفل في الخمس. وينقض عليهم ~~بالاسلاب وبالفيء والمطلبة في الخمس قائمة كما هي في الأخماس. وقد صح "أن" ~~(¬6) التنفيل مستفيض مشهور. # باب # في الإجماع واجتهاد الرأي/ والاختلاف PageV01P229 # اعلم أن الله تعالى خلق آدم عليه السلام وجعله خليفة ورسولا إلى الأنام ~~وأخبرنا الله في كتابه فقال: { فإما ........... ولا هم يحزنون } (¬1) . ثم ~~أرسل من بعد آدم نوحا عليه السلام فأرسل إلى جميع أهل الأرض فمكث فيهم ألف ~~سنة إلا خمسين عاما فأخذهم الطوفان وهم ظالمون، فنجاه الله ومن معه في ~~السفينة، ولم تكن له أمة ولم يؤمن به إلا طوائف من أهل بيته. ثم بعده هودا ~~وصالحا عليهما السلام وطوائف درجوا معهما ثم صارت جاهلية جهلاء، فالناس في ~~ظلمة يعمهون، فأرسل الله خليله إبراهيم عليه السلام ولوطا عليه السلام. ولم ~~يؤمن بإبراهيم عليه السلام إلا ناس قليل وبلوط إلا ابنتاه، ولم تكن لهما ~~أمة. ولم تجتمع/ أمة لنبيها فقبلت عنه ما جاء به إلا شواذ كما قدمنا درجت ~~مع أنبيائهم. فلم تكن لنبي أمة إلا هذه الأمم الثلاث، أمة موسى ms155 وأمة عيسى ~~وأمة نبينا محمد صلوات الله عليه وعليهم. # ثم إن الله تعالى بعث موسى عليه السلام إلى بني إسرائيل بالآيات البينات ~~ومعهم أهل الإيمان من قبل آبائهم إبراهيم وإسماعيل واسحاق ويعقوب والأسباط ~~وهم مستضعفون تحت يدي فرعون فدعاهم فأجابوه، وشرع لهم دين الله فاتبعوه، ~~فأنزل الله عليهم التوراة بطور سيناء فيها هدى ونور يحكم بها النبئيون ~~الذين أسلموا وفيها موعظة وتقصيل لكل شيء. فرجع إلى قومه فأصابهم قد بدلوا ~~وغيروا وعبدوا العجل بعد ما قالوا: { اجعل لنا إلها كما لهم آلهة } (¬2) . ~~وبعدما أراهم الله المعجزات/ الحسيات التي يصدق بها الفاجر ويؤمن بها ~~الكافر. فلما جاءهم وقد بدلوا نعمة الله كفرا استفزه الغضب وألقى الألواح ~~تحطمت منها سبعة ألواح فرفعها PageV01P230 # الله إليه، وأبقى لهما لوحتين فيهما نكت مما أمرهم الله عز وجل به ونهاهم ~~عنه، وجمل مما شرع لهم فذهبت تفاسيرها في الألواح المتكسرة إلا ما سمعه ~~موسى عليه السلام حين كتب الله له الألواح. فبقي اللوحان فجزأهما لهم خسمة ~~أجزاء: الجزء الأول منهما في ذكر البداية من خلق السموات والأرض وخلقة آدم ~~عليه السلام إلى خلقة إبراهيم. والثاني من خلقة إبراهيم إلى خلقة موسى عليه ~~السلام. ثم الثالث من خلقة موسى عليه السلام وأخباره مع فرعون وخروجه مع ~~بني إسرائيل إلى أرض التيه. ثم الرابع فيما شرع لهم من/ الفرائض من الصلوات ~~والقربات والذبائح والأعياد والصنائع والهياكل والنجاسات والطهارات وحضور ~~الجنائز والأموات فهذه كلها أمور نفسانية جثمانية لا أمور روحانية نورانية ~~لا تهتدي العقول إلى العلل فيها. ليس فيها أكثر من أنها مشغلة عن عبادة ~~الأصنام ومقارفة الآثام وذلك لما علم الله تعالى من ضيق أخلافهم وشدة ~~طبائعهم. والخامس فيه الوعد والوعيد عن الطاعة والمعصية. وليس للجنة فيها ~~ذكر ولا للنار فيها خبر إلا في موضع شاذ منها. وفيه أخبارهم وإلى ما تئول ~~إليه أمورهم وما توعدهم به من البهق والجذام والبرص والأسقام والأمور ~~الحسية وانسلاخهم من الدين وشمول الذلة والمسكنة اين ما ثقفوا إلا بحبل من ~~الله وحبل ms156 من الناس إن لم يتبعوا الرسول النبي الأمي محمدا/ عليه السلام ~~وأخبرهم بما يجري عليهم في الجائية أي يوم القيامة. # طباع الأمة الاسرائيلية مع إلههم: # اعلم أن الله تعالى أحل هذه الأمة الاسرائيلية محل الولد المحبوب البكر ~~المربوب (¬1) العاقل المسبوب (¬2) . ورفعهم فلم يرتفعوا، ووضعهم فاتضعوا. ~~والغالب عليهم المعاندة والمناكدة، فسلك بهم في التكليف مسلكهم في PageV01P231 # التنكيد،: { إن الإنسان لربه لكنود } (¬1) . جل أفعالهم المعاندة، فإذا ~~ضويقوا رجعوا إلى المناكدة. أمروا بذبح بقرة فتباهلوا، وبالسجود فتحرفوا، ~~وبالقول حطة فحرفوا. وبقتال الجبارين فتخوفوا، وبعبادة العجل فاعترفوا، ~~وبالإيمان بمحمد فأنفوا، وبالعهود كلها فلم يوفوا. فإذا نظروا إلى إسعاف ~~الله عز وجل غياهم في عظائم الأمور حملتهم الدالة والاغترار على إتيان أقبح ~~الأمور فسلك الله تعالى بهم مسلك من يسوس الأطفال/ الاغفال، والجفاة ~~الجهال، وشغلهم بفرائض يأنف منها ذوو العقول من الرجال، وترضى بها ربات ~~الخدور والجحال. ولا بد من التسليم لقضاء الإله الكبير المتعال. وفي خلال ~~ذلك أرسل رسلا تترى وكتبا تتلى يتعبدهم بها وهم مع ذلك منفتلون مما هم فيه ~~من أنوار النبوات إلى ظلم الجهالات. فمما أسعفهم به وأنعم به عليه أن ~~أنقذهم من أيدي الفراعنة وكانوا يسومونهم سواء العذاب. وفتق لهم في البحر ~~طريقا يبسا نجاهم من فرعون وجنوده رأسا. وأغرق الله عز وجل عدوهم آل فرعون ~~بمرأى ومسمع فخلصوا إلى البرية وجعلهم أفضل البرية. وفجر لهم من الحجر ~~الأير (¬2) ماء زلالا يحمله الثور. وظلل عليهم الغمام، وأنزل/ عليه المن ~~والسلوى، وجعل لهم لباسا لا يبلى. وأعطوا من المكارم ما لم يعطه أحد من ~~الأولياء والأصفياء. فقتلوا النبيئين ومن الناس الذين يأمرون بالقسط من ~~الناس. وآذوا موسى فبرأه الله مما قالوا. ثم آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم ~~كفروا ثم ازدادوا كفرا. فهذا آخر العهد بهم إلى النار وبئس المصير.ولولا ما ~~وصف الله عز وجل به موسى وطوائف ممن كان على طريقته وما يتعهدهم به من ~~الأنبياء والصالحين لكانوا أشر من فرعون وقومه. وقد قال الله تعالى في محكم ~~كتابه: { ولقد ms157 آتينا موسى .............................. يوقنون } (¬3) . PageV01P232 # ثم أمة عيسى عليه السلام: ثم إن الله تعالى/ بعث عيسى بن مريم عليه ~~السلام إلى أمته، وكان هينا لينا حليما كريما خاشعا متخشعا، صالحا متواضعا، ~~راهبا مترهبا، راغبا مترغبا، زاهدا عابدا، طيب النفس نقي القلب مأمون ~~العيب، سليم الجذب حسن الأخلاق في جميع أوصافه. ظاهر الزهادة كثير العبادة. ~~فسلكت أمته سبيله في أخلاقهم فأدركهم لين القلوب وسلامة الصدور وقرب القور ~~كرب القمر، فقصر نظرهم إليه وعلى أمة فخلوهما الغاية القصوى والدرجة ~~العليا. فسلك الله تعالى بهم مسلك من يربي المعتوهين والجانين الصبيان ~~والصغار والعميان الضعاف الكبار، وذهبوا معه ذلك المذهب، وقالوا: { اللهم ~~ربنا أنزل ...... الرازقين } (¬1) ./ نعما طلبوا، دون من أعطي المن والسلوى ~~فطلب بدله ما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها. فقال الله ~~عز وجل: { أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير } (¬2) فأين هاتان الأمتان ~~ممن قال وطلب إلى ربه ورغب: { ربنا لا تؤاخذنا .... الكافرين } (¬3) . ~~وقالوا: { ربنا آتنا في الدنيا حسنة ... } إلى آخر الآية (¬4) . ومصداق ما ~~قلنا ان الأمم ثلاث قول رسول الله عليه السلام: «بينما أنا نائم إذ نظرت ~~إلى سواد عظيم فقلت: يا جبريل، من هؤلاء؟ أهولاء أمتي؟ قال: لا، إنم هذا ~~عيسى في أمته. ثم نظرت فإذا سواد سد ما بين الأفق فقلت من هؤلاء يا جبريل ~~فقال: هؤلاء أمتك PageV01P233 # ولك معهم سبعون ألفا كأن وجوههم القمر ليلة البدر يحشرون على يمين العرش. ~~فقام رسول الله عليه السلام فدخل الجحرة. فقال بعض المسلمين: نحن قد ذقنا ~~الشرك فربما هؤلاء من الأنبياء أو ممن يأتي من أبنائنا فخرج رسول الله عليه ~~السلام فأخبروه فقال: «بلى، رجال آمنوا بالله وصدقوا بالله وصدقوا ~~المرسلين»، فقال عكاشة بن محصن: ادع الله يا رسول الله أن يجعلني منهم. ~~فقال: «أنت منهم». أو قال: «اللهم اجعله منهم». فقام رجل/ من الأنصار فقال: ~~ادع الله يا رسول الله أن يجعلني منهم. فقال: «سبقك بها عكاشه وبردت ~~الدعوة» (¬1) . ثم كانت أمة محمد عليه السلام: ثم إن الله تعالى بعث ms158 محمدا ~~خاتم النبيئين رسول رب العالمين إلى الأنس والجن أجمعين فخاطبهم بألين خطاب ~~فقال: { يا أولي الألباب } ، { فاعتبروا يا أولي الأبصار } ، و { يا أيها ~~المؤمنون } خطاب "الحبيب" (¬2) والقريب القريب "مستعتبا" (¬3) ورجوعا إلى ~~ما يحبون، متجلبا إلى أغياما (¬4) يشتهون. فشكاهم إلى نبيه وصفيه محمد عليه ~~السلام في أول أمرهم. فقال: { وكذب به قومك وهو الحق } (¬5) . ثم مدحهم آخر ~~الأمر فقال: { وإنه لذكر لك ولقومك } (¬6) . وقال: { محمد رسول الله والذين ~~معه أشداء على الكفار رحماء بينهم ..... } (¬7) الآية. فأحلهم محل الرجال ~~ذوي المرؤة والكمال. ونوه بهم في الكتب/ فقال في الزبور: { ولقد كتبنا في ~~الزبور من بعد الذكرى إن الأرض يرثها عبادي الصالحون } (¬8) . وقال في ~~القرآن العظيم: # { PageV01P234 # ثم أورثنا الكتاب ........ يدخلونها } (¬1) بخ بخ. بدأ بمن ظلم لكيلا ~~يعلم أنه بالمنصب الأعظم عند الملك الأكرم، وقدمه على السابقين بالخيرات ~~وعلى المقتصدين في أعمال الحسنات فقصر ظلمهم على أنفسهم ولم يطلق. فشرع لهم ~~في الدين مكارم أخلاق الرجال. ونصب لهم معالم أسنى الفعال، ومهد لهم سبيل ~~فنون المعالي. وبعثه عليه السلام يستم لهم مكارم الأخلاق بعد/ أن لوح لهم ~~في معالم دينهم تلويحات وأحال رسوله على بعضها إشارات. فتركهم والدين يقضون ~~فيه بآرائهم ويحكمون فيه بأهوائهم وسوغ ذلك كله لهم كما قال عمر بن الخطاب ~~رضي الله عنه: إذا وافق الحق الهوى فبخبخ. قال الله تعالى: { كنتم خير ~~.......... لهم } (¬2) بخ بخ لهم. جعلهم أهل المعروف والآمرين به. ونزعهم ~~وطهرهم عن المنكر والناهين واستعتب أهل الكتابين فقال: { ولو آمن أهل ~~الكتاب لكان خير لهم } (¬3) فتورط أهل الكتابين في المناكر فأنى يهتدون ~~للأمر بالمعروف. ففاز صالحوهم ببعض الخيرات وخاب طالحوهم من الحسنات/ بسهم ~~من أصحاب الكل وحصل به دون الثلث قال الله تعالى: { كان الناس ~~.............. إلى صراط مستقيم } (¬4) فكانت منة أعظم بها من منة، وحالة أكرم PageV01P235 # بها من حالة. وقال الله تعالى في أوامره لهم: { كانوا ربانيين بما كنتم ~~تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون } (¬1) . وقال الله تعالى بعد أن هذبهم ~~وأظهر مناقبهم: { ومن يشاقق الرسول من بعد ms159 ما بين له الهدى ويتبع غير سبيل ~~المؤمنين نوله/ ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا } (¬2) ولما أن هذب نبيه ~~عليه السلام فمدحه وقال: { إنك لعلى خلق عظيم } (¬3) . وقال في المؤمنين: { ~~آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه ............ وأطعنا } (¬4) جعل سبيلهم ~~سبيل مرضاتة، ونصب الوعيد لمن ابتع غير سبيلهم وقال عز من قائل: { وكذلك ~~جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء } (¬5) والوسط العدل، قال الله تعالى: { ~~قال أوسطهم ألم أقل لكم لولا تسبحون } (¬6) أي أعدلهم في قول أهل التفسير ~~وإن الله تعالى نصب هذه الأمة بينه وبين الخليقة غدا يوم الفصل ورضي ~~شهادتهم وسماهم شهداء ربانيين علماء. وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ~~أرسل حكيما ولا توصه. وإنما أوردنا هذه الآي ها هنا دلالة على فضيلة هذه ~~الأمة والمسلك الذي/ سلك بهم الرحمن الرحيم. وعند انتهائنا إلى تفصيل ~~إجماعها واختلافها فهناك نورد إن شاء الله شرح معانيها التي تدل على أن ~~إجماع هذه الأمة عصمة ورحمة وإن اختلافهم راحة ورحمة بإذن الله تعالى وبه ~~الحول والتوفيق. # والعم أن الله تعالى قد رضي بعقول هذه الأمة عقولا ففوض إليهم جل دينه ~~تفويضا وجعل فيه النجاة إجماعا واختلافا، فالإجماع عصمة والاختلاف راحة. # باب الإجماع # اعلم أن الإجماع في لغة العرب على وجهين، تقول: أجمعت على الشيء إذا غزمت ~~عليه. تقول منه: أجمعت على السفر وعلى الحج وعلى الجهاد إذا عزمت عليه. PageV01P236 # والإجماع الآخر مثل الإتفاق. وقد نطق القرآن بهما جميعا. قال الله تعالى ~~حكاية عن العبد الصالح أبينا نوح عليه السلام قال: { فأجمعوا/ أمركم ~~وشركائكم .......... إلي ولا تنظرون } (¬1) فإجماعهم أمرهم عزما عليه، ~~وشركاؤهم اتفاقا منهم، وهذا الثاني هو المراد بإجماع الأمة عند الفقهاء. ~~وسواء كان إجماعهم على القول به أو الفعل له أو الترك. ولفظة الإجماع تشتمل ~~على الحق والباطل، والخطأ والصواب. لكن هذه الأمة ثبتت من سائر الأمم وثبت ~~أن إجماعها كله صواب وحق بما سنذكره من الأدلة إن شاء الله. وما من ملة من ~~الملل ولا أمة من الأمم التي ذكرنا إلا ms160 وقد أجمعوا على خطا وباطل غير هذه ~~الأمة، لكن هذه الأمة إذا اطلقت اسم الإجماع إنما يريدون انعقاد الحجة. # ذكر الدلالة على جواز الإجماع من جهة السمع وصحة وقوعه من الكتاب والسنة: # قال الله تعالى: { ومن يشاقق الرسول/ من بعد ....... وساءت مصيرا } (¬2) ~~. فلما توعد الله العذال لمن خالف سبيل المؤمنين واتبع غير سبيلهم دل على ~~وجب اتباع سبيل المؤمنين دون الندب ودون الإباحة، وهذه الآية تدل على أن ~~اختلافهم رحمة، وأن من اتبع سبيل بعض المؤمنين واسع له، وهي على سوغ ~~الاختلاف أدل منها على الإجماع، وإن كان هذا هكذا فالإجماع أولى؛ لأن من ~~ابتع سبيل بعض المؤمنين خارج من الوعيد وخارج أيضا من اتباع سبيل غير ~~المؤمنين. وعارض بعضهم وقال: إنما أمروا باتباع سبيل المؤمنين # في الإيمان خصوصا لأنه قصر اتباعهم على اسمهم فبخ بخ، فهذا كله عندنا ~~إيمان وإسلام ودين. # ... خذوا بطن هرشي أو فقاها فإنه ... كلا جانبي هرشي لهن طريق (¬3) / PageV01P237 # ومن توقف وقف، ومضينا نحن على ما هدانا الله. ومن قصر على اتباعهم في ~~البعض دون البعض عكس عليه الآخر فما (¬1) جعله في الإيمان دون سائر الطاعات ~~انصارا لمن فرق. وأما نحن فإن ذلك كله عندنا هو الإيمان والإسلام ى والدين. ~~وكل إيمان إسلام وكل إسلام إيمان وكلاهما دين وطاعة. ولو أردنا أن تزيد أهل ~~الوقف شكوكا لقلنا ولحملنا اباع سبيل المؤمنين على طرقهم إلى دورهم وسبلهم ~~في مسافراتهم ومآكلهم ومشربهم وملبسهم وغير ذلك من طرائقهم فقلنا لهم هناك ~~عموا (¬2) ظلاما بدلا من عموا صباحا. كما حكت اليهود عن التوراة أن الله عز ~~وجل ذكر فيها: انصح أخاك إلى الظهر فإن أبى فغشه إلى العصر. وأما من أحال ~~الإجماع وهو النظام (¬3) / ويقول: إن الإيمان خصال كثيرة ولا يلزم أحدا ~~اتباع المؤمنين حتى يعلم ما يتبعهم عليه. فقد انحل النظام من النظام، ~~واختلط الأنوار بالاظلام. فلو كلف العامي ألا يتبع سبيل المؤمنين حتى يعلم ~~أنه إيمان أو طاعة، ولو كان العامي أعلم من المؤمنين الذين كلف اتباعهم. # أما ms161 إحالته الإجماع، فليس ذلك من عقل ولا كتاب ولا سنة، إلا إن ادعى ~~إحالته من قبل الإجماع فحسبه إيجاب الإجماع من قبل إحالته من الإجماع. # ومن ادعى أنه يترك سبيل المؤمنين والكافرين إلى غيرهما أحال، وإلى أحدهما ~~أصاب. ومن ترك سبيل المؤمنين في الوجوب والندب والإباحة حصل في غير سبيل ~~المؤمنين لا سبيل دونهما. ومن عارض بالشك في بعض سبيل المؤمنين، هل هو حاصل ~~في سبيل غير المؤمنين أم لا، قلنا: إن/ توقف ولم يقطع بأحدهما ولم يفارق ~~المؤمنين فواسع له، وهذا سبيل المؤمنين عند ضعفائهم. # فصل PageV01P238 # فإن قال قائل إنما الوعيد لمن حصل له الشرطان جميعا، وهما مشاعقة الرسول ~~عليه السلام واتباع غير سبيل المؤمنين. قلنا: الوعيد إذا وقع على الجملة ~~فارز (¬1) كل واحدة منهما. كقوله عز وجل: { والذين لا يدعون مع الله آخر ~~.......... وآمن .. } (¬2) ومن ادعى في هذه الآية أن الخلود إنما حصل على ~~جميعها وليس على أفراد. قيل له: إن النهي إنما وقع على جميعها، وأما على ~~احداها فلا يجب عليه خروج الشرك من النهي وسائرها فالنهي والوعيد والخلود ~~مقترنة لا فرق، ففيها لأهل الخروج/ مغمز ينعكس عليهم بالنهي. وقالوال: إن ~~هذا شرط في الخلود وصفة في النهي. قلنا: بل هو شرط في النهي وصفة في ~~الخلود. وغرضهم أن الشرط قد يفارق الصفة والصفة لا تفارق. وقالوا: أنه ~~كالجمع بين الأختين حرام جمعهما، ونكاح كل واحدة منهما بانفرادها مباح. ~~عورضوا بالنهي ولا فرق. وإن قالوا: هو قولنا إن المشرك غير منهي عن المعاصي ~~دون الشرك وغير مأمور بالطاعة دون التوحيد، عكسنا عليهم وقلنا: إن النهي ~~وقع عن المعاصي دون الشرك. وإن قالوا إن ذلك يدل على الأبعد المذكور قلنا: ~~بل على الأقرب المذكور أو على الكل فإن قالوا: ذلك الأبعد # وذلك الأقرب، قلنا: في رأي العين والمسافة. وأما في النسق فلا. فلوا كان ~~قول الله عز وجل: { والذين لا يدعون مع الله آخر ..... الآية } (¬3) يريد ~~به أحكاما خصوصية/ لنص عليها. فإذا لم ينص فالتحريم والنهي والوعيد والخلود ms162 ~~سواء لا فضل. # وأما إن عارض معارض في هذه الأمة في قوله: { ومن يشاقق الرسول من بعد ما ~~تبين له الهدى .. } (¬4) فقد شرط الله عز وجل بيان الهدى. ودليل الخطاب أن ~~من لم يتبين له الهدى لم يدخل في الوعيد والتحريم. وغيره من أهل الجزائر ~~ومن كان في أقاصي الأرضين، وله هذه صفة وليس بشرط، على أن دليل الخطاب فيه ~~ما فيه. # فصل PageV01P239 # فإن قال قائل: في الآية ما يدل على أن من ترك المندوب أو المباح أو ~~الواجب أنه ترك سبيل المؤمنين ما لم يخرج منها كلها أو بعكسها قولا. وذلك ~~إن ترك المباح إلى المندوب فقد ابتع سبيل/ المؤمنين، وإ، ترك المندوب إلى ~~الواجب فقد اتبع سبيل بعض المؤمنين. وأما في القول فلا يترك قول المؤمنين ~~في واحدة منهن إلا خرج عن سبيل المؤمنين. ودليل آخر من كتاب الله عز وجل ~~قوله: { كنتم خير ...... المنكر .. } (¬1) ، فكما قدمنا فوجه الدلالة فيما ~~قلنا لما وصفهم الله عز وجل بهذا الشأن العظيم أوجب على الخلق اتباعهم في ~~فعل المعروف وترك المنكر وجعلهم حجة إذ أطلق هذا الاسم. فما أتت به هذه ~~الأمة من الفروع كان سبيلا لهم معروفا. وما نهت عنه كان منكرا متروكا فمن ~~اتبعهم اهتدى، فاجتماعهم أولى. # وهذه الآية أيضا دالة على سوغ الاختلاف لأهل الاجتهاد. ودليل آخر، قول ~~الله تعالى: { كان الناس أمة/ واحدة ............ومنذرين.. } (¬2) إلى أن ~~قال: { فهدى الله ..... بإذنه } (¬3) ووجه الدلالة أن الله تعالى وعد هذه ~~الأمة الهداية في كل ما اختلف فيه الأمم قبلهم، فإن حصره على البعض ~~فالإجماع أولى. وذكر الله عز وجل هذا في معرض الامتنان والتعظيم والاحسان ~~والتفخيم، وفيه الرد على من قال إن اجتماع الأمة لا يعلم من جهة العقل، فهم ~~والغير سواء في جواز الخطأ عليهم. لكن الله يمن على من يشاء من عباده. ~~ودليل آخر قوله تعالى: { وكذلك ......... شهيدا } (¬4) فكما لا يجوز الخطأ ~~على رسول الله عليه السلام في شهادته عليهم، فكذلك لا يجوز الخطأ عليهم في ~~شهادتهم. وليست/ ms163 شهادتهم أكثر من أفعالهم، وقد وصفهم وقال: { جعلناكم أمة ~~وسطا } (¬5) . والوسط: العدل كما قدمنا. فإن كانت شهادة الآحاد جائزة فهي ~~في الجمع أجوز. PageV01P240 # وقد اعترض من منع من إجماع هذه الأمة على هذى الآي وقال:؛ أما الشهادة ~~فإنها تقع في الآخرة. عورضوا بشهادة الرسول عليه السلام في الآخرة لا في ~~الدنيا. وقالوا: إن شهادة الرسول قد ثبتت بالمعجزة. قلنا: وعدالة الأمة قد ~~ثبتت بالمعجزة. وعارضوا بقول الله تعالى:؛ { فإن تنازعتم ..... والرسول } ~~(¬1) ، أي إلى كتاب الله عز وجل وسنة "رسوله صلى الله عليه وسلم" (¬2) . ~~قلنا: هذا في النزاع، وأما إذا وقع الإجماع يقضى على السنة والسنة تقضى ~~على/ القرآن. واستدلوا أيضا بقوله عز وجل: { وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه ~~إلى الله } (¬3) وقوله: { فاعتصموا بحبل الله # جميعا ولا تفرقوا } (¬4) فهذه (¬5) الاعتراضات نهي عن الاختلاف والرجوع ~~إلى الإجماع. وإنما وقع الذم على الاختلاف لهذه الأمة غذا اقترن معه البغي. ~~وأما إذا فارقه البغي فلا. # وسنذكر ها هنا ما يدل على سوغ الاختلاف لهذه الأمة إذا أداهم الاجتهاد، ~~وهو قول الله تعالى: { وإذا جاءهم أمر من ......... منهم } (¬6) . فأمرهم ~~الله عز وجل بالاستنباط ونهاهم عن التنطع والاشتطاط. بدليل قوله: { يريد ~~الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } (¬7) وبدليل قوله: { وما جعل عليكم في ~~الدين من حرج } (¬8) . وبدليل/ أن الرسول عليه السلام ما خير بين أمرين إلا ~~اختار أيسرهما (¬9) . PageV01P241 # وأما الدلالة على إجماع الأمة أنه حق من جهة الأخبار، قال رسول الله عليه ~~السلام: «من فارق الإجماع قيد شبر مات ميتة جاهلية» (¬1) . وقوله: «يد الله ~~مع الجماعة ولا يبالي الله بشذوذ من شذ». و «ومن سره أن يسكن بحبوحة الجنة ~~فليلزم الجماعة» (¬2) . وقوله: «أمتي لا تجتمع على خطأ» (¬3) . وقال ~~عبدالله بن عمر عن رسول الله عليه السلام: «لا تجتمع أمتي على الضلال أبدا» ~~(¬4) . وقول رسول الله عليه السلام: «لا تزال طائفة من أمتي بأرض المغرب ~~على الحق ظاهرين لا يضرهم من باوأهم حتى يأتي أمر الله» (¬5) . وفي خبر: ~~«حتى يخرج الدجال». فهذه الأحاديث جاوزت أخبار ms164 الآحاد، وإلى الاستفاضة أقرب. # مسألة: فإن قال قائل: كيف يستقيم الإجماع ممن لايحيد به خبرا، ويتعذر ~~اجتماعهم كما تعذر تصفحهم واحد واحدا؛ لأنهم قد افترقت أوطانهم ونأت/ ~~بلدانهم ولا يتسع العمر لملاقاتهم، ويتعذر معرفة اعتقادهم، ويبطل الاجماع ~~عند الساكتين منهم. وإن أظهر خلاف ما يعتقد فما خير قول لا يوافقه عقد، ~~وربما تبدو لهم البدوات وتحول عن معتقداتهم النيات فينتقلون عنها إلى ~~غيرها. وربما ينطبقون على قوله فيرجعون عنها فينطبقون على غيرها. PageV01P242 الجواب: إن ~~العلماء المعتد بأقوالهم ويحفل باجتماعهم في أمصارهم كالنجوم في أماكنها ~~ولن تخفى على أهل كل مصر ما يقول عالمهم. وليس من العادة أن تنطبق العامة ~~على كتمان شيء لا يعبأ به، فيكف بأقاويل العلماء السادة، والأخيار القادة ~~في الدين مع شدة الحاجة إلى امتثال شرائع الدين وتوفر الدواعي والهمم إلى ~~الدعاء إلى ذلك والانتصار له والامتثال. وإذا ورد على أهل كل/ مصر ما يقول ~~عالمهم سارت به الركبان سير الشمس في جميع الآنس ولا مخالف، أثبتنا الاجماع ~~وأبطلنا الاختلاف وأطلقنا القول بهما. وأما قوله: أن يظهر خلاف ما عتقد ~~ويعتقد خلاف ما يظهر. قلنا: إن الله تعالى جعلى الحجة والعصمة والصواب في ~~اطباقهم على شيء، ولا يعلم بالقول والسكوت إلا هو. فإذا ظهرت هذه المعاني ~~حصل الإجماع المشروط فيه أنه عصمة، ولسنا نظن بأهل العلم إلا خيرا. وإذا ~~كان الإجماع ينعقد مع سكوت المتعقد فكذلك ينعقد مع حصول قوله موافقا لأهل ~~الإجماع ولو خالف اعتقاده. ولو خالف الإجماع والاعتقاد موافق للعامة لكان ~~اختلافا. وإنما نراعي ما ظهر وليس علينا مما بطن شيء. وأما رجوع من رجع ~~منهم. فإن الإجماع غذا انعقد لا يضره رجوع من رجع كما لا/ تقدح مقالة الآخر ~~بعد الانقعاد. وأما إذا لم يكن انعقاد فللراجع الرجوع ويعتد برجوعه. وقد ~~استحال رجوع الكل بعد الانعقاد إلى قول ثان؛ فإن الإجماع الأول حق عند الله ~~فلا يكون الأول وضده حقين به عند الله. وأما إذا خالفهم واحد فإن رجع إليهم ~~كان اجماعا. وغير مستحيل ms165 رجوع الكل إلى واحد كالذي جرى لأبي بكر الصديق رضي ~~الله عنه. PageV01P243 # في قتال أهل الردة، وذلك أنه شاورهم فقالوا: كيف نقاتل من قال رسول الله ~~عليه السلام: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا ~~قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها» ... الحديث (¬1) . وفي رواية ~~ابن عمر: حتى يشهدوا. وأطبق أصحاب رسول الله عليه السلام على مقالة عمر. ~~فصعد أبو بكر رضي الله عنه المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: والذي نفسي ~~بيده لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة ولو كنت أعلم أن السباع آكلتي/ في ~~هذا الموضع ما تركت فتالهم ولو منعوا مني عقالا مما كانوا يؤدونه لرسول ~~الله عليه السلام لقاتلتهم عليه حتى ألحق بالله. ورجع أصحاب رسول الله عليه ~~السلام إلى قوله فأطبقوا معه على قتال أهل الردة فكان إجماعا. وأين مثل أبي ~~بكر؟ ولكنه كما قال الشاعر: # ... وليس لله بمستنكر ... أن يجمع العالم في واحد. # وأما قوله من يقول إن فعلة أبي بكر رضي الله عنه من متروك السنن فليس ذلك ~~كذلك. ولنا سنة المرتد إذا كان مستبدا برأيه فارتد على الإسلام فسنته سنة ~~المرتد على راي عمر أن يحبس ثلاثا ويعرض عليه الإسلام كل يوم فإن أبى قتل. ~~وأما قولهم: متظافرون مستبدون برأيهم حديثوا عهد بالكفر صاروا أمة فرجعوا ~~على أعقابهم، فحكم هؤلاء حكم أهل الأوثان في القتل والسبي والغنيمة، وعلى ~~هذا اختلاف الناس في برغواطة (¬2) / فبعضهم أجراهم على حكم المرتد وامتنعوا ~~من شراء سباهياهم وغينمة أموالهم. وبعضهم سار فيهم سيرة أبي بكر رضي الله ~~عنه في أهل الردة فقتلوا وسبوا وغنموا. ولذلك كانوا يشترطون في عقود ~~النكاحات خادمين، بيضاء وسوداء، فالبيضاء هي البرغواطية، والسوداء العجمية. # والأصل أن الرجوع بعد الانعقاد حرام، وقبل الانعقاد مباح، وهو الاختلاف. ~~وسيأتي صفة الانعقاد إن شاء الله. PageV01P244 # مسألة : اختلف الناس في الأمة، فقال بعضهم: جميع أرسل إليه رسول الله ~~عليه السلام فهم أمته، من مؤمن وكافر من الجن والإنسان وكتابي ومجوسي ووثني ~~ويأجوج ومأجوج. ms166 ودليله قول خاطب بن أبي بلتعة وقد أرسله رسول الله عليه ~~السلام إلى المقوقس ملك الاسكندرية فخاطبه فكان مما/ خاطبه أن قال: ولعمري ~~ما بشارة موسى لعيسى إلا كبشارة عيسى بمحمد عليه السلام. وما دعاؤنا إياك ~~إلى القرآن إلا كدعائك أهل التوراة إلى الانجيل، وكل نبي أدرك قوما فهم من ~~أمته فالحق عليهم أن يطيعوه، فأنت ممن أدرك هذا النبي عليه السلام. ودليله ~~أيضا قول رسول الله وسلم، وذلك أنه كان في سفر فنزل عليه جبريل عليه السلام ~~بقول الله تعالى: { يا أيها ........... شديد } (¬1) . فقال عليه السلام: ~~«أتدرون أي يوم هذا قالوا: الله ورسوله أعلم. فقال: يوم يقول الله عز وجل ~~لآدم: قم ابعث بعث النار. قال: وما بعث النار؟ قال: من كل ألف تسعمائة وتسع ~~وتسعون إلى النار وواحد إلى الجنة. هناك يشيب الصغير ويهرم الكببير/ وتضع ~~كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد. ~~فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: أين نحن يومئذ يا رسول الله. ~~فقال عليه السلام: ابشروا فإن معكم خليفتين قل ما كانتا في شيء إلا ~~أكثرتاه، يأجوج ومأجوج. تسع وتسعون وتسعمائة في النار وواحد منكم إلى ~~الجنة» (¬2) . PageV01P245 # والدليل أيضا على ما انقعد عليه من الإجماع أن الساعة لا تقوم على مؤمن. ~~وأن آخر هذه الأمة ممن تقوم عليه الساعة وهم كفار. وقول رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: «لن تقوم الساعة حتى تضطرب أليات نساء دوس على ذي الخلصة» وثن ~~كان في الجاهلية (¬1) . فأثبتهن على شركهن أنهن من أمته وقال بعضهم: إن ~~أمته جميع من آمن به وصدقه ودخل في جملة ذلك الأفراق والمذاهب من المرجئة/ ~~والقدرية والشيعة والخوارج والإباضية والمجسمة والمشبهة. فهذه القولة أشهر ~~وأظهر من أن تحتاج إلى دليل وهو الغالب على القلوب وتميل إليه النفوس. وقد ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها ~~إلى النار ما خلا واحدة ناجية وكلهم يدعي تلك الواحدة» (¬2) وقال بعضهم: إن ms167 ~~الأمة هم الصالحون ممن آمن به وصدقه وفيهم جاءت الأخبار والآثار والفضائل. ~~قال الله عز وجل: { كنتم خير ......... المنكر } (¬3) وقوله: { ملة أبيكم ~~........ من قبل } (¬4) ومن الأخبار: رواية أبي هريرة عن رسول الله عليه ~~السلام حيث قال: «وردت أني رأيت أخواني. قالوا: ألسنا بإخوانك يا رسول ~~الله؟ قال: أنتم أصحابي. إخواني قوم يأتون من بعدي، وأنا فرطهم على الحوض، ~~وليذاذان رجال عن حوضي كما يذاذ البغير الضال». الحديث (¬5) . PageV01P246 # وقول رسول الله عليه السلام: «أي الخلق أعجب إيمانا؟ قالوا: الملائكة. ~~قال: الملائكة عند ربهم فما لهم لا يؤمنون. قالوا: الأنبياء. قال: الأنبياء ~~تأتيهم الملائكة من عند ربهم فما لهم لا يؤمنون. قالوا: نحن أصحابك. قال: ~~أنتم أصحابي، تروني وتسمعون مني فما لكم لا تؤمنون. قالوا: الله ورسوله ~~أعلم. قال: أعجب الخلق إيمانا قوم يأتون من بعدي يرون سوادا في قرطاس ~~فيؤمنون به» (¬1) . وقال أيضا: «خير أمتي يأتون من بعدي يؤمنون بي ويعملون ~~بأمري ولم يروني فأولئك لهم الدرجات العلى إلا من تعمق في الفتنة» (¬2) . ~~وقوله: «أمتي كالغيث لا يدري أوله خير أم آخره» (¬3) . # وجوه الإجماع # والإجماع إجماعان، إجماع تستوي فيه الخاصة/ والعامة، وإجماع تنفرد به ~~الخاصة وهم العلماء. PageV01P247 # أما الإجماع الذي تستوي فيه الخاصة والعامة كالمتواتر من السنن، والصلوات ~~وأعدادها وأوقاتها ووظائفها، والشهور والجمع والأيام وأساميها والمواسم ~~والأعياد والقبلة وأمثالها. وأما الذي تنفرد به الخاصة وهو العلماء ~~والفقهاء فهي الأصول التي يبنى عليها الدين. والعامة تحطب في حبل الخاصة. ~~وليس للعامة مخالفة العلماء في شيء منها. والمعتد في الإجماع والاختلاف ~~إجماع العلماء واختلافهم. فإن شذت فرقة وخالفت الأمة، فإن ظهر الفساد في ~~قولها والعناد في فعلها عوفوا من اجتماع الأمة وافتراقها،وكان اجماع ~~المجتمع حقا عند الله وصار الشاذ شاذا. PageV01P248 # كالذي يروى عن السكاكية (¬1) أنهم أنكروا السنة والرأي، وليس هناك قالوا: ~~إلا كتاب الله تعالى. وقد قال/ الله تعالى: { ما فرطنا في الكتاب من شيء } ~~(¬2) ولا حاجة بنا إلى ما لم يذكر في الكتاب. وينبغي أن يحاشي بهم كتابنا، ~~غير أن الله تعالى ms168 لم يحاش من كتابه الكلب والخنزير والكافر. # فصل PageV01P249 # زعم أهل الظاهر أنه لا يعتد إلا بإجماع الصحابة، وقد انعقد الإجماع في ~~زمانهم. وليس لمن بعدهم أن يجتمعوا ولا أن يختلفوا. وقال بعضهم: بل الإجماع ~~إجماع اصحاب الفروع. وقال بعضهم: بل الإجماع إجماع الأئمة وولاة الأمور. ~~وقال بعضهم: بل الإجماع إجماع أهل المدينة. وقال بعضهم: حتى تجتمع جميع ~~الأمة. فليت شعري أبأبدانهم أو بآرائهم؟ والذي يعتد به من أصناف العلماء في ~~اجتهاد الرأي وفي الإجماع العلماء أولهم العارفون بكتاب الله عز وجل، ~~وبفنون التفسير، وبالسنن وفنونها، وبالأصول، وهو الكلام وفنونه، وبالفقه ~~وفنونه، وأعني في هذا كله المشهور المأثور/ لا الشاذ المغمور. وكل فن من ~~هؤلاء ممن لا يحسن إلا فنه فلا يعتد بإجماع # هؤلاء ولا اختلافهم، لأنهم في نمط العامة ولا سيما أنهم رواة. فأما أصحاب ~~أصول الفه فلهم حظ في الاجتماع والاختلاف ما لم يكونوا جفاة عن الدين. # وإن أطبقت الأمة عن الشيء فهو إجماع سواء كان قولهم بتقييد أو بتقليد ~~والجافي هو الذي ذهب به فنه ومذهبه عن سنن القصد. # وقد أبهم الشيخ أبو الربيع سليمان بن يخلف (¬1) صفة المجتهد وقال كما ~~قدمنا: أن يكون عارفا بكتاب الله ومعانيه، وبسنة رسول الله عليه السلام ~~وبمعانيها، وآثار الصالحين من قبله (¬2) . فهذا كلام مجمل، والتفصيل كما ~~قلنا ونقول: # تفصيل صفة المجتهد PageV01P250 # اعلم أن الذي يجوز له الرأي والاجتهاد في النوازل من كان عارفا بوضغ ~~الأدلة مواضعها/ من جهة العقل والشرع والتوقيف فيها. ويكون عالما بأصول ~~الديانات وأصول الفقه، وعالما بأحكام الخطاب في فنون الشريعة من العموم ~~والخصوص، والأوامر والنواهي والمفسر والمجهول والمنصوص والنسخ، ويعلم من ~~النحو واللغة وما يفهم به معاني الكلام، كلام العرب، فإنه يحتاجهما للقرآن ~~والسنة، والآثار عن تصحيح طرقها وعوفينا في القرآن من ذلك لأن الله تعالى ~~تولى حفظه. وأجمعت الأمة على متنه. فإن حرم المجتهد شيئا من هذه الشروط كان ~~راوية لا عارفا، ومتفقها لا فقيها. ويكون صحيح الأمانة مأمون الخيانة سليم ~~الديانه. # فصل PageV01P251 وصورة الإجماع إذا ms169 نزلت نازلة وليس لهم بها عهد في كتاب ~~الله تعالى ولا في سنة رسوله. فعلى العلماء المشروط عليهم الاجتهاد أن ~~يجتهدوا فإن اجتهدوا وأطبقوا/ كان قولهم إجماعا. فإن تكلم بعضهم وسكت ~~الآخرون رضى منهم بما كان، كان إجماعا. وكذلك إن أقروا فاعل ذلك من غير ~~نكير صار إجماعا. وإن "كان" (¬1) فيهم من رآى رأيهم فسكت كان إجماعا، وليس ~~ما فعل إلا أن اجتزأ بغيره. وإن رأى غير رأيهم كان آثما وكان إجماعا. وإن ~~رآى أتحدهم مثل رأيهم وأخبر بخلاف اعتقاده كان آثما وصار اختلافا وسعة. ~~وإنما هذه الدنيا بالظواهر وفي الآخرة تبلى السرائر. وأما من سكت مجتهدا في ~~طلب الأدلة فإنه يراعى ما لم ينقض العصر أو يصرح. وإن سكت وادعى ان سكوته ~~لعلة قبلت عليه إن كانت العلة صحيحة المعنى. وأما فيما يتعلق بالدين فلا ~~يسعه السكوت إن ظهر له علم وعنده فيه خبر، كما قال عليه السلام: «إذا ظهرت ~~البدع في أمتي فعلى العالم أن يظهر علمه، فإن لم يفعل فعليه لعنة الله ~~والملائكة والناس أجمعين»/ (¬2) وأما إن كان شيء غير أكيد فربما يبسط له ~~العذر كالذي جرى لابن عباس مع عمر بن الخطاب فقال: أدركوني معاشر المسلمين. ~~والله ما جعل الله في المال نصفا وثلثا ولا جعل فيه إلا نصفا ونصفا فأين ~~مقام الثلث؟ وذلك أنه سئل عن امرأة ماتت وخلفت زوجا وأختا وأما فأراد أن ~~يفرض فقال: لزوجه النصف ولأخته النصف، فرغ له المال، وتذكر # الأم لها الثلث فاستشهد أصحاب رسول الله عليه السلام. فقال له العباس: ~~انزلوها منزلة أصحاب الربا إذا وضعوا. وكان ابن عباس في القوم صغيرا ساكتا ~~فقال له عبيدة السلماني: انعقد الإجماع ولو هلكت اليوم ما قسم مالك إلا على ~~رأي الجماعة. PageV01P252 # وأما فيما يتعلق بالدين/ فلا يسع عالما إن سكت، ولسنا نظن بأحد من حملة ~~العلم وحجة الله في الأرض أن ينهنههم الخوف عن تبليغ الدين إلى عباد الله، ~~أو عرض يسير. # فصل # واختلف الناس في المدة التي ينعقد فيها الأجماع. ms170 قال بعضهم: إذا اجتمع ~~أهل العصر على الحادثة فرأوا رأيهم أطبق قولهم إلى قولة واحدة فإنه يجوز ~~لمن كان معهم في عصرهم خلافهم لمن أتى في عصرهم ما لم ينقض العصر، ولا ~~يراعى من غاب أو حضر إذا لم يكن أهلا للاجتهاد، وليس بصحيح. وقال بعضهم: ~~إنما ينظر في ذلك إلى الصحابة أيام الصحابة فإن انعقد رأيهم كان إجماعا، ~~ولا يراعى من التابعين أحد وليس بصحيح. وقد قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «رب مبلغ أوعى من سامع» (¬1) . وقال بعضهم: إنما الاجتهاد في أكابر ~~أصحاب رسول الله/ عليه السلام وليس لغيرهم مخالفة من أصاغر الصحابة. وليس ~~بصحيح. بل للجميع أن يجتهدوا، وعليهم أيضاح وإظهار ما أبصروا. # وقال بعضهم: إنما يراعى العصر، فإذا انقضى فلا رأي لأحد بعدهم. واختلفوا ~~فيمن لم يبلغ درجة الاجتهاد. فراعاه بعض ولم يراعه بعض والصحيح أنه يراعى. PageV01P253 # وقد روى عن جابر بن زيد ومسروق في مسألة التحريم، من قال: امرأته عليه ~~حرام. فرأى علي أنه ثلاث. وعن عمر بن الخطاب أنه رجعي. ورأى بعض الصحابة ~~أنه واحدة بائنة. وأطبق الصحابة على هذه الأقوال الثلاثة. ثم بعد ذلك رأى ~~مسروق وجابر وبعض التابعين أنه كفارة يمين وعليه العمل اليوم عند أكثر ~~الأمة إلا إحياء الفتوى الأقاويل الثلاثة. وإن جابر بن زيد ولد لسنتين ~~بقيتا من عهد عمر بن الخطاب. والحسن البصري كذلك. وقال/ بعضهم: إنما يراعى ~~قدر المسافة التي فيها المسلمون سائرا وراجعا. في حين كانت بيضة المسلمين ~~في جزيرة العرب روعي فيها موسمان، فما بعد الموسمين أطباق. ولما انتشرت ~~المة وبلغت خرسان وجرجان وسجستان وافريقية روعي فيها العشر سنين. ولما ~~جاوزت الأمة ذلك إلى ما وراء خراسان من سمرقند وبخارى وترمذ وبيكند وجبال ~~طبرستان، وإلى أطراف الهند وجزيرة الأندلس، وأداني بلاد الهند وبحور الزنج. ~~وجاوزت الجنوب إلى بلاد السودان والدروب إلى بلنجر، راعوا العشرين سنة، ~~والعشرين هو القرن، وقيل عشرة هو القرن كما روي عن رسول الله عليه السلام ~~قال: «خير الناس قرني ثم الذين ms171 يلونهم ثم يفشو الكذب ويظهر السمن، ويشهد ~~أحدهم قبل أن يستشهد، وتسبق يمين أحدهم شهادته» (¬1) . فبعض/ ذهب إلى عصر ~~رسول الله عليه السلام، وهو القرن من حين خادر إلى أن توفي. والقرن الثاني: ~~عصر الصحابة. والثالث عصر التابعين. غير أن أصحاب الأعداد ذكروا في العصر ~~والقرن عشرين سنة. وبعضهم تسع عشرة سنة وبعضهم أربعون سنة، وبعضهم ستون ~~سنة، وهو عمر الرسول عليه السلام. وقيل ثمانون سنة، وقيل مائة. وقال بعضهم: ~~لا ينعقد الإجماع ما دامت موجودة. PageV01P254 # والذين قالوا بالعشر سنين استدلوا بأيام الهجرة، عشر سنين. والذين قالوا ~~بالتسع عشرة سنة بين العشرين والثمانية عشرة. أما الثمانية عشرة فإن ابن ~~مسعود بقول: استعتب البارئ أهل الثمانية عشرة. وأهل العشرين هو الأشد. وأهل ~~التسعة عشرة قصدوا عقدا يطابق الخزنة (¬1) وأصحاب الأربعين راعوا/ قول الله ~~تعالى: { وبلغ أربعين سنة } (¬2) فأما أصحاب الستين كأنهم استظهروا بجميع ~~عمر الرسول عليه السلام. وأصحاب الثمانين راعوا فيه الحقب ثمانون عاما { ~~لابثين فيها أحقابا } (¬3) . وأصحاب المائة هي مائة الحمار (¬4) . ولو قال ~~قائل بالخمسين لكان أمثل؛ لأنه نصف العمر ونصف المائة وفيها تتلاحق الناس، ~~الشباب شاب والشيخ شيخ ويشتركان في الكهولة. ولنا بحمد الله في كل خمسين ~~شيوخ علماء قادة وسادة، ولو حملوا أمور الناس لحملوها بآرائهم وعقولهم ~~وحلمهم وعلمهم وبصائرهم لا سيما بأرض المغرب خصوصا. فإن رسول الله عليه ~~السلام قال: «لن تزال طائفة من أمتي بأرض المغرب على الحق ظاهرين لا يضرهم ~~من ناوأهم حتى يأتي أمر الله» (¬5) . وتدبرت جميع أفراق المغرب فوجدتها لها ~~دول وولاة أياما مخصوصة غير الإباضية؛ فإنها لم تتغير ولم تتبدل مع كل ~~فرقة/ وليت المغرب وهم آمنون قارون في بلادهم لا يضرهممن ناوأهم. أولهم ~~المالكية، وإنما حدثت في المغرب وكانت لها سلطنة سنة تسع وأربعين ~~وأربعمائة. وقبل ذلك الواصلية درجة لا تذكر. PageV01P255 # والشيعة قبلهم عبيدالله بنأحمد بن محمد بن عبدالله القداح ولوا في المائة ~~الرابعة فلم يستتموها إلى رأس ستين منها رحلوا إلى مصر. ومنهم بنو أمية ~~ولوا سنة ثمان وثلاثين ومائة ms172 # بالاندلس قانقرضوا سنة أربع مائة من الهجرة. ومنها الورفجوميون، ومنها ~~البرغواطة مدة يسيرة. ومنها بنو الأغلب ولوا على رأس ثمانين ومائة وخرجوا ~~من الغرب أعقاب ثلاث مائة، أولهم إبراهيم بن الأغلب وآخرهم زيادة الله بن ~~إبراهيم بن أحمد، فما من أحد منهم استكمل الخمسينات الاحدى، عشرة من الهجرة ~~إلى الآن إلا نحن، ونحن بحمد الله في عافية مع كل دولة منهم صنع الله ولطفه ~~الذي أتقن كل شيء. # وقال بعضهم: لا إجماع. وأما الحديث: «أمتي على خمسة أطباق» (¬1) . ~~فالطبقة على ما تقضيه الحال مائة سنة. والذي قال لا إجماع وصاحبه الذي قال ~~لا يقع الإجماع ما دامت الأمة موجودة إنما سعى هؤلاء في نقض عزى الإتفاق ~~وقواعد الإجماع. والصحيح أنالإجماع ينعقد إذا بلغت النازلة أهل الحل والعقد ~~فاتفقوا وأطبقوا. ففي أول الأمر حيث لم يكن يعدل الصحابة وقد ضمت جزيرة ~~العرب أقاصيهم وأدانيهم وينقعد الأمر في أقصر مدة كما قدمت. فلما انبسطت ~~الأمة وبلغت أقاصي المعمور فلا ينعقد الإجماع إلا في مسافة طويلة. ولقد ~~انعقد الإجماع على عهد أبي بكر في يوم واحد حين شاورهم في قتال أهل الردة ~~فأطبقوا على ترك قتالهم / فخالفهم أبو بكر ثم رجعوا إلى رأيه فصاروا ~~إجماعا. والذي يحرم على العالم تضييع الاجتهاد والسكوت بعد التبصرة ~~والاقرار بعد القلع، حيث عبادة بن الصامت عن رسول الله عليه السلام: ~~«بايعنا رسول الله عليه السلام على أن نقول الحق ونعمل به ولا تأخذنا في ~~الله لومة لائم، في العسر واليسر والمنشط والمكره» (¬2) . PageV01P256 # وأما إن وقع السكوت حياء واستحسانا ثم ظهر له (¬1) خلاف ما رأى فعلة ~~مقبولة كما قدمنا. كالذي جرى لعلي بن أبي طالب في أمهات الأولاد قال: # كان رأي عمر ورأي ألا يبعن ثم إني رأيت ببعهن. فقال له عبيدة السلمانيب ~~رأيك ورأي عمر أنتما جميعا أحب إليها من رأيك وحدك (¬2) . والذي لابن عباس ~~في مجلس عمر. وذلك أن عمر "سئل" عن فريضة امرأة ماتت ولها زوج وأم وأخت. ~~ففرض للزوج النصف وللأخت النصف/ فبقيت الأم ms173 بلا شيء. فقام مبادرا إلى ~~المسجد وأمسك ثوبه بضبعيه فقال: أدركوني يا معاشر المسلمين. والله ما فعل ~~الله الله في المال إلا نصفا ونصفا فأين مقام الثلث. ففطن لها العباس فقال: ~~يا أمير المؤمنين، اجعلها مسألة أهل الربا إذا وضعوا. وكان العباس ممن يتجر ~~بالربا في الجاهلية فيربحون ويوضعون. فأنقذها عمر على هذا الحكم. وابن عباس ~~حضر يسمع ويرى. ورأى من رأيه ان يقدموا من قدمه الله ويؤخروا من أخره الله. ~~فانطبق الإجماع ولم يقل شيئا. PageV01P257 # وسئل ابنعباس عن ذلك عن تفسير قوله: من قدمه الله. يريد: من لا يتغير ~~سهمه. ومن أخره الله، يريد: من يتغير سهمه. فالذين لا تتغير سهامهم كالأم ~~لها الثلث أو السدس، والزوج لهالنصف أو الربع، والزوجة لها الربع أو الثمن. ~~وأما/ من أخره الله فكالبنات والأخوات والكلالات. مثال ذلك: امرأة تركت ~~زوجا وأخوات فللزوج النصف وللأخوات النصف. وإنما لهن الثلثان لكنهن إن كثرن ~~تمانعن وإن قللن استكثرن. وإن كانت معهن أم فللزوج النصف وللأم السدس وبقي ~~سهمان من ستة فللأخوات على أنهن مسميات لأجل أنهن إن كثرن حصل لهن القليل ~~من المال لكل واحدة منهن. وإن كان واحدة فلها النصف وافرا إلا إن جمعتها ~~الأم فيأخذ الزوج النصف وللأم الثلث وللأخت ما بقي وهو السدس. فلما كبر ابن ~~عباس أظهر قولته هذه فقال له عبيدة السلماني: والله لو هلكت اليوم لما قسم ~~مالك يا ابن عم رسول الله إلا على رأي الجميع. PageV01P258 # وكذلك الأمة قد أطبقت على أن التفاضل في الطعوم والنقود يدا بيد ربا. ~~وخالفهم ابن/ عباس متأولا قول رسول الله عليه السلام: «إنما الربا في ~~النسئية» (¬1) . ولا يقع عنده في الأعيان. وإذا أطبقت الأمة على رأي وظهر ~~عن رسول الله عليه السلام غيره، فاتفق الجميع أن الرواية تراعى ويكون قولة ~~من أقاويل العلماء. فإن رجعوا عن أقاويلهم إلى رواية صارت إجماعا. وإن ~~ثبتوا على رأيهم صارت الرواية قولة من أقاويل المجتهدين. ولو أطبقوا ولم ~~ينكروا فهناك تصير الرواية وإجماعهم قولتين أو ثلاثة ms174 أو أربعة على قدر ~~اختلافهم كالذي جرى لعبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه حين شاور عمر بن الخطاب ~~رضي الله عنه المهاجرين من الأولين في شأن اقتحامهم الشام على وباء فيه ~~فاختلفوا عليه. ثم قال: ارتفعوا. وشاوروا الأنصار واختلفوا كاختلافهم. ودعا ~~بمشيخة قريش فاتفقوا على الرجوع إلى المدينة./ فجاء عبدالرحمن بن عوف وكان ~~غائبا في بعض حاجته فقال: إن عندي من هذا علما. سمعت رسول الله عليه السلام ~~يقول: «إذا سمعتم به في أرض فلا تقدموا عليه وإن وقع بأرض وأنتم فيها فلا ~~تخرجوا عنه فرارا». فحمد الله عمر وأثنى عليه وقال: أيها الناس، إني مصبح ~~على ظهر فأصبحوا عليه. فقال له أبو عبيدة بن الجراح: أفرارا من قدر الله يا ~~عمر؟ فقال عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة. نعم، نفر من قدر الله إلى قدر ~~الله. الحديث (¬2) . PageV01P259 # قال بعضهم: إنما يصير قولة ويسع العمل به إذا صدر من أداني الصحابة. وأما ~~إذا صدر من أفاضلهم فإنه يكون سنة متبعة ويطرح ما سوى ذلك. كالذي صدر من ~~أبي بكر رضي الله عنه في المواريث. وكذلك عمر حين أنشد الله رجلا سمع من ~~رسول الله عليه السلام في المجوس شيئا. فقال عبدالرحمن بن عوف: سمعت رسول ~~الله عليه السلام يقول/: «سنوا بهم سنة أهل الكتاب» (¬1) . وقول عمر أيضا ~~حين قال: أنشد الله رجلا سمع من رسول الله عليه السلام # في الجنين شيئا. فقال حمل بن مالك بن النابغة: كنت بين جاريتين فرمت ~~إحداهما الأخرى بمشقص وألقت جنينا ميتا فقضى فيه رسول الله عليه السلام ~~بغرة عبد أو أمة (¬2) . وكذك قول ابن مسعود في مسألة بروع ابنة واشق وقد ~~توفي عنها زوجها ولم يفرض لها فقال ابن مسعود: أقول فيها برأي فإن كان ~~صوابا فمن الله ثم منى وإن كان خطأ فمنى ومن الشيطان والله ورسوله منه ~~بريئان. فأوجب لها صداق المثل. فبلغه أن رسول الله عليه السلام كذلك حكم ~~لبروع بنت واشق (¬3) . # والأصل في سنة ظهرت بعد رسول الله عليه ms175 السلام أنها تعد قولة من أقاويل ~~المسلمين. # واختلفوا في الإجماع هل يثبت بخبر الآحاد/ فأجازه بعض ومنع منه آخرون ~~والصحيح أن الإجماع يثبت بخبر الآحاد. وقال بعضهم: السنن مضبوطة والإجماع ~~غير مضبوط فلا يثبت الإجماع بخبر الآحاد إلا ما خص الله تعالى به القرآن ~~الحكيم حيث جمع فيه القلوب واستغنى عن الآحاد. PageV01P260 # مسألة: والإجماع إنما ينعقد إذا نزلت حادثة ليس لهم بها عهد من كتاب الله ~~ولا من سنة رسوله فعلى العلماء المشروط عليهم الاجتهاد أن يجتهدوا. فإن ~~اطبقوا صار إجماعا. وإن اختلفوا على قولتين فرجعوا بالعمل إلى أحداهما؟. # الجواب: لا يصير إجماعا. وقال بعضهم: يصير إجماعا. والأول يقول: القول ~~الأول المتروك يصير مهجوران واختلاف قائم، ويسع من يأتي بعدهم من أهل/ ~~الأعصار الرجوع إليه والأطباق عليه. ومنع من ذلك الآخرون. # ولا ينبغي لأحد أن يحظر سعة رحمة الله. وكذلك لو أطبق التابعون على قولة ~~منهما بعد استعمال الصحابة لهما في المسألة على حالها. ودليل القوم حيث صار ~~التابتون لو نزلت حادثة على عهدهم فلهم أن يطبقوا ولا يسع التخلف عندهم. ~~وكذلك فيما كان قبلهم. وقال الآخرون: قد وقع الخلاف فلا نسخ في الاجتهاد. # مسألة: واختلفوا في التخريج بين مسألتين واحداث قول ثالث بينهما، فأجازه ~~بعض وأبطله بعض. فممن أجازه ابن سيرين في مسألة الأبوين والزوجة آخذا بقول ~~ابن عباس فأعطى لها الثلث من رأس المال. وفي الزوج والأبوين برأي الجميع ~~لها ثلث ما بقي. فمن ذهب مذهب التخريج أعطى الأبوين الربع/ والزوج النصف. ~~وأما في الجد والأم والزوج، فأعطى الجميع للأم الثلث وللجد السدس وللزوج ~~النصف. وقال ابن سيرين بالقسمة بين الأم والجد، وهذا مذهب أبي العباس (¬1) ~~أحمد بن محمد بن بكر رضي الله عنه في رجل باع شيئا مشتركا فيه. وفيها قول ~~إبطال البيع كله، وإجازته كله، وإبطال بيع سهم شريكه، وجواب رابع وهو ~~التحريم أن يجوز بيع سهم شريكه ويبطل بيع سهمه. PageV01P261 # مسألة: فإن قال قائل: فقد حكمتم أن الأمة إذا اجتمعت على مسألة فهي حق ~~عند ms176 الله لأن الآمة لا تجتمع على ضلال. وهل تقولون في اختلافها أنه لا يخلو ~~من الحق عند الله أحد القولين والثلاثة والأربعة فصاعدا ويصح أن يكون جميع ~~أقوالهم خطأ عند الله تعالى. وقد عصمت من الإجماع/ على الخطأ. واختلف الناس ~~في هذا، فأجازه بعض وأبطله بعض. فأما الذين أبطلوه قالوا: إن جاز اجتماعهم ~~على مسألتين وهما خطأ عند الله تعالى وعريت مقالتهما من الحق عند الله فقد ~~انجمعت على خطأ. والذين قالوا إنما عصمت الأمة على الخطأ واجتماعها على ~~قولة فيصير ذلك دينا لهم. وإن اختلفت فلم تجتمع على خطأ بل كل واحد من ~~الفريقين يرد خطأ صاحبه ولم تجتمع على خطأ. وإنما الشرط في اجتماعهم وهم ها ~~هنا لم يجتمعوا فلا سبيل علينا. # فصل # وإن اختلفت الأمة في مسألة أكفر بعضهم بعضا، واستدلت إحداهما بالاجماع ~~على الأخرى فلا إجماع لأنها قد اختلفت، وإنما يطلب كل واحد منهما نصرته من ~~غير الإجماع، وإنما ينفعهم ها هنا الإجماع في مسألة أخرى قياسا أو شبها. # والذين قالوا إن الأمة تجتمع على/ قولتين وهما خطأ عند الله فلا يقولون ~~ذلك إلا فيما يسوغ فيه الاختلاف والإجماع وهو الفروع. وأما الدين فقل ما ~~يختلفون في مسألة ويعرون من الحق من جميعها لا بد وأن يكون المحق عند الله ~~فيها والمبطل بخلافها. # فصل # وهل ينعقد الإجماع من الصحابة على خلاف نصوص القرآن والسنة؟ # الجواب: لا، إلا إن كانت النصوص منسوخة بنصوص أخرى أو بوجه من وجوه ~~النسخ. وأما من جهة الإجماع ينسخ نصوص القرآن ونصوص السنة. واستدلوا بفعل ~~عمر رضي الله عنه في القرابة وأمهات الأولاد والفيء والدواوين وفي التجريح ~~والتعديل وما أشبه ذلك. PageV01P262 # وأما الخبر الشاذ إن ظهر عن رسول الله عليه السلام بعد الإجتهاد والإجماع ~~فإن كان مما يثبت به قواعد الدين، نظر إلى/ الصحابة فإن تمادوا على رأيهم ~~صار منسوخا وإن رجعوا إليه كان إجماعا كما قدمنا. وإن اختلفوا كان قولة. ~~وقل ما ينعقد إجماع فيظهر للرسول بعده شيء يحله أو يخالفه ms177 وربما يقع ~~الإجتهاد قبل وقوع الإجماع وظهور الخبر. وقد سئل عمر عن شيء فأخبر به فقال: ~~لو لم يبلغنا عن رسول الله عليه السلام هذا لعملنا بغيره. وأما إذا صدر من ~~الصحابي قول وانتشر عنه ولم يقع من الصحابة نكير بحيث يبلغهم فهذا هو ~~الإجماع والسنة. وإن أظهروا السرور كان أوكد، وإن أظهروا النكير بطل الخبر ~~وصلح النظر. # باب # الاجتهاد والاختلاف # والاجتهاد هو استفراغ الوسع في طلب علم الحادثة. ولا يكون الاجتهاد إلا ~~لمن بلغ الأمر منه الجهد فهو اجتهاد. ولا يقال اجتهدت فحملت ذرة. ولا لمن ~~عمل عملا يعجز فيه إذا كان دون وسعه فمجتهد. والاجتهاد كله في العقليات ~~سائغ/ والحق فيه في واحد. وكل ما ليس من كتاب ولا سنة ولا إجماع فمختلف فيه. # قال بعضهم: الحق في جميعهم. وقال بعضهم: الحق في واحد وقد ضاق على الناس ~~خلافه. وقال أهل الحق: إن الحق في واحد ولا يضيق على الناس خلافه. PageV01P263 # واعلم أنه لا يسوغ الاجتهاد إلا في فروع الشريعة وأما أصولها فلا. ~~والتفرقة بين الأصول والفروع: فالأصول كل ما جاء في كتاب الله نصا أو ~~مستخرجا مجمعا عليه. أو في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم مقطوعا بها. ~~أو اجتمعت عليه الأمة. والأصل أن المجموع ما يؤثم فيه بعضهم بعضا. والفروع ~~بخلافها وهو ما طريقته غلبت الظن والاجتهاد. واعلم أن الاجتهاد وقع في أصول ~~الديانات وتسامح فيها ناس من الناس، وأطلقوا القول والمعذرة لمن أخطأ وجه ~~الحق إذا كان مجتهدا في طلب الحق. وكان قاصرا عن ذكر الحق/. وزعم بعض ~~القدرية أن جميع ما أمر الله تعالى به ليس على العباد من معرفته شيء حتى ~~يفرغوا من علمه. وزعم الجاحظ أن من لم يكن له طبع تام فليس عليه من معرفة ~~الحق شيء ولو اعتقد غير الإسلام دينا إذا كان تقليدا، وليس بمأمور مع ذلك ~~بطلب الحق ولا إصابته إذا لم يظهر في الأدلة. وإن استحق أن ينظر فنظر ووقع ~~له العلم ضرورة لموجبها، أو قصر ms178 على النظر فليس عليه نظر. وليس ما قال شيئا ~~إلا إذا كان يريد المعتوه من الناس فربما؛ لأن المعتوه غير مكلف لقصور عقله ~~من التكليف، ولأنه أيضا لم ينته إلى حد # المجانين المخلطين والمبرسمين، أو الصبيان الصغار الذين حط الله عنهم ~~التكليف ويثيبهم على الطاعة في قول بعضهم فنعم. وإن كان أراد من يصح منه ~~النظر وبعقل فهذا خطأ منه وضلال. وشرع لمن أخطأ دينا غير دين/ الإسلام، ~~وجعل الجهل له ذريعة إلى الآثام. # وقال عبيدالله بن الحسين العنبري ابن أخي أبي الحر: إن كل مجتهد مصيب في ~~أصول الديانات وفي الفروع. وهو قول علي بن أبي طالب فيما شجر بينه وبين أهل ~~الجمل وصفين والنهروان ويوم الدار. PageV01P264 # وقد روى أبو بكر بن الطيب الباقلاني عن عبيدالله بن الحسين المذكور، ~~والصحيح عن بكر بن أخت عبدالواحد بن زيد أن طلحة والزبير منافقان مشركان ~~لخروجهما عن علي بن أبي طالب ونكثهما الصفقة، وأنهما من أهل الجنة وعلى ~~كذلك للحديث المروي عن رسول الله عليه السلام أن عشرة في الجنة منهم طلحة ~~والزبير. # ومن الناس من يقول: إن معرفة الله تعالى غير مفروضة على العباد وإنما ~~تدرك إلهاما وضرورة ولا تدخل معرفته تحت الوسع. # القول في فروع الشريعة والاجتهاد فيها # قال بعض أصحاب أبي حنيفة/ كل مجتهد في فروع الشريعة مصيب في فتواه وفي ~~حكمه ومأجور عليه. واختلف عن مالك. وقال أهل الحق: إن الاجتهاد مأمور به ~~ومأجور عليه ومأجور على إصابته الحق وفتواه والحكم به. وأما إذا أخطأ الحق ~~عند الله فهو مأجور في اجتهاده ونشره، ومأجور في كل شيء غير استخراجه بدليل ~~قول رسول الله عليه السلام: «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجرانن وإذا اجتهد ~~"فأخطأ" (¬1) فله أجر واحد» (¬2) . # ألا ترى إلى أنه أوجب له الأجر في إصابته الحق وعلى اجتهاده، وأوجب # له الأجر إذا أخطأ في اجتهاده. وحط عنه المآثم في خطاياه. وروى عن ~~الشافعي أيضا مثل هذا القول، وهو أصح الأقوال، وإن كان يروى عنه خلاف هذا ~~القول، ms179 والأول أصح. # وقال نفاة القياس: الحق في كل ما اختلف فيه في واحد ومن أصاب الحق الذي ~~نصب الله عليه الدليل فهو مصيب، ومن أخطأه كان مأثوما غير معذور، وهو قول ~~ابن/ عبلة وبشر المريسي وابن الحسين. PageV01P265 # وقال بعضهم: إن الحق في جميعهم ولا إثم إلا لمن كتم أو خالف معتقده. وذلك ~~أن الله كلف أهل النظر في الحادثة أن ينظروا ويجتهدوا، فنظر كل واحد منهم ~~فأصاب وجها يخالف فيه صاحبه فهو فرضه الذي افترض الله عليه، فلو كتم ذلك ~~الوجه الذي رآه وأصابه لكان مأثوما ولو كان ذلك الوجه خطأ عند الله تعالى. ~~فلما كان لا يكون إلا مأثوما بكتمانه وبترك الاجتهاد والنظر، أو بتبديل ما ~~رأى بخلافه، صح أن ذلك الوجه الذي أصابه هو الحق عند الله تعالى ولم يؤثمه ~~الله تعىل بنشر ما رأى بل يؤجره عليه ولو كان ما كان فإذا يإجره عليه فهو ~~الحق عنده ولو خالف إلى غيره ما رآه وصادف وأصاب وجه الحق عند الله أليس هو ~~مأثوما، فكذلك إذا/ أنشر ما رأى كان موجرا عند الله. وهل يصح أن يكون ~~مأثوما بترك شيء، ويكون غير مأجور بفعله، وأن يكون مأثوما بنشر شيء ولا ~~يكون مأجور بتركه، ولن يأمره الله بفعل شيء ثم يفعله فيحرمه الثواب. بهذا ~~الدليل استدل من قال إن الحق في جميعهم وأنه مأجور في إصابته الحق وفي ~~إصابته الخطأ ومأثوما في خلاف ذلك. وأخرى، إن الله تعالى خير العباد في ~~كفارات فما آتوه منها فهو الحق عند الله ولو كان متضادا؛ كالتأجيل والتعجيل ~~والإطعام والصيام والمن والفداء. والمجتهدون كالمتخيرين، فكل ما رأوا ~~وافتوا (¬1) به مما أداهم إليه اجتهادهم فهو الحق عند الله تعالى. قال الله ~~تعالى: { فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه PageV01P266 # ومن تأخر فلا إثم عليه } (¬1) . والتعجيل والتأجيل ضدان، وهما حق عند ~~الله تعالى./ وقال في كفارة الأيمان: { .. فإطعام عشرة مساكين من أوسط ما ~~تطعمون أهليكم وكسوتهم أو تحرير رقبة } (¬2) . فأوجب أن الكل حق عند الله ~~تعالى. ms180 ومعاذ الله أن يكلف عباده ارتكاب الخطأ ويقرهم عليه ويجعله لهم شرعا ~~متبعا، ولم يبق إلا أن جميع ما رآه المجتهدون هو الحق عند الله تعالى. قلنا ~~وبالله التوفيق: إن الله تعالى بكرمه ورحمته قد وسع على عباده في أمور ~~وكلهم الحكم فيها وفوضه إليهم وأمرهم بالاجتهاد فيها وجعل فرضهم الاجتهاد ~~ثم إظهار ما رأوه ثم العمل به فمن لم يجتهد أو اجتهد فلم يظه أو أظهر فلم ~~يستعمل كان مقصرا. وأما وجه الحق فلا يكون شيئا وخلافه حقين عند الله ~~تعالى. وقد جرى الاختلاف في أشياء عند الفقهاء فلم يؤثم بعضهم بعضا ولم ~~يكفر بعضهم/ بعضا. وقد يقول كل واحد منهم لصاحبه: أخطأت في رأي الحق. فإذا ~~كان حقا عند الله تعالى فما باله يخطئه؟ ولا بد من أحدهما على مذهبكم يخطيء ~~الحق، وقد سوغتم له ذلك. وعلى مذهبكم أنهم كلهم مصيبون الحق عند الله وسائغ ~~لكل واحد تخطئة صاحبه، وإن كان يلزمنا ذلك. وقد جرى بين أصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ما يدل على أنه يخطئ الصواب بعضهم ويصيبه بعض ولا يجاوز ~~إليه أخطأت في رأي الحق، ولو لم يكن كذلك لما كان مجتهدا كقول علي بن أبي ~~طالب حين شاوره عمر بن الخطاب رضي الله عنه في المرأة التي أرسل إليها ~~فأجهضت جنينها فشاور أصحاب رسول الله عليه السلام. فكل قال إنك معلم ومؤدب ~~فليس عليك شيء. فقال علي: إن كانوا اجتهدوا فقد أخطأوا، وإن لم يجتهدوا فقد ~~قصروا. وإنما عليك الدية، ففرضها عمر رضي الله عنه على عاقلته. وابن عباس/ ~~رضي الله عنه فقد جاوز هذا الحد إلى المباهلة فقال: ومن شاء باهلته عند الحجر PageV01P267 # الأسود ان الله لم يجعل في الإماء ظهارا فهذا أعظم من التخطئة. وقوله ~~لزيد بن ثابت في أي كتاب الله عز وجل يجد زيد توريث الأم ثلث ما بقي؟ فقال ~~له زيد: يقول ابن عباس برأيه وأقول برأيي. ثم قول رسول الله عليه السلام ~~لأبي بكر الصديق رضي الله ms181 عنه: أصبت بعضا. في تفسيره الرؤيا، وذلك أن رجلا ~~قال: يا رسول الله، رأيت في المنام ظلة (¬1) تنطف (¬2) سمنا وعسلا، فالناس ~~بين مستكثر ومستقل، وتدلى منها سبب وأخذت به فعلوت فعلاك الله، ثم نزل فأخذ ~~به رجلا فعلا فعلاه الله ثم نزل فأخذ به رجل آخره فعلا فعلاه الله ثم نزل ~~فأخذ به رجل فارتفع قليلا فانقطع السبب فوقع الرجل ثم نزل السبب فعقد الرجل ~~فعلا فعلاه/ الله. وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه، يا رسول الله ائذن لي ~~أعبرها. فقال: قل. فقال: أما القلة التي تنطف منها السمن والعسل فهو الذي ~~جئتنا به، فالناس بين مستكثر مستقل. وأما السبب الذي أخذت به فالذي أنت ~~عليه من الهدى والرجلان بعدك والثالث ينكب ثم يتلافى أمره فيصلح. فقال أبو ~~بكر: أصبت يا رسول الله أم أخطأت؟ فقال: أصبت بعضا وأخطأت بعضا. فقال: ~~أخبرني:. فقال عليه السلام: لا. فقال أبو بكر: أنشدك الله يا رسول الله ~~لتخبرني. فقال عليه السلام: لا تنشدني (¬3) . فهذا أيضا في موضوع النزاع، ~~فكيف يجعله رسول الله عليه السلام مخطئا وسوغ لآخر أن يجعله حقا وصوابا. # وقول ابن مسعود رضي الله عنه: أقول فيها رأيي فإن يكن صوابا فمن الله ~~ومني، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان، والله عز وجل ورسوله بريئان. وقول عمر ~~لأبي موسى أكتب. فكتب:/ هذا ما أرى الله عمر. فقال: امحه واكتب: هذا ما رأى ~~عمر، فإن يكن صوابا فمن الله وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان. وقال حين نهى ~~عن المغالاة في الصداق: امرأة أصابت ورجل أخطأ. PageV01P268 # وقول أبي بكر الصديق رضي الله عنه: أقول في الكلالة برأيي فإن يكن صوابا ~~فمن الله وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان، وقد استدل من قال بالحق في جميعهم ~~بقول الله تعالى: { وداوود وسليمان (إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم ~~القوم وكنا لحكمهم شاهدين. ففهمناها سليمان) وكلا آتينا حكما وعلما } (¬1) ~~فسماهما البارئ حكما وعلما فماذا بعد الحكم والعلم إلا الحق. # وقوله عليه السلام: ms182 «اقرؤوا القرآن على سبعة أحرف كلها شاف كاف» (¬2) . ~~واعلم أن الحق يسوغ عليها كلها وإنما الذي لا يسوغ فإن تكون صوابا كلها: ~~إذا لا بد من الخطأ فيها عند الله بدليل قوله: { ففهمناها سليمان } (¬3) . # وأما الذين يقولون إن الحق في واحد وقد ضاق على الناس خلافه، وهو الأصم ~~وبشر وابن/ عبلة، ومذهبهم أنه لا يجوز الاجتهاد إلا في أمر قد نصب الله ~~عليه الدلالة فمن اخطأها فقد الحق. وضيقوا على الناس. يقال لهم: هل تقرون ~~بالإجماع وتعتقدونه حجة، وأن إجماع هذه الأمة معصوم من الخطأ؟ ولا بد من ~~ذلك لقول الله تعالى: { فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا ..... ~~.......... مستقيم } (¬4) . ولقول رسول الله عليه السلام: «لن تجتمع أمتي ~~على ضلالة» (¬5) . فإن أقروا قلنا: فقد اجتمعت الأمة على تسويغ القول ~~بالاجتهاد وكيف يجتمعون على تسويغ "القول" (¬6) لكل مجتهد وفي بعض الأقاويل ~~الخطأ، وهي معصومة من الإجماع على الخطأ ولا يسوغون ولا يقرون على الخطأ ~~البتة، ولا ينهون عنه. PageV01P269 # وقال الأصم: إن الحكم به ينتقض، وخالف الأمة، وأنى لهم بمعرفة الحق ~~والصواب حتى ينتقض الحكم بغيره إلا أن يجعل الحق/ منوطا به فمن خالفه نقضت ~~أحكامه. وإن جاز هذا فليت شعري من يخلفه من بعده وبعد البعد، وهذا شبيه ~~بقول الشيعة في الإمام المعصوم. # وأما قطعهم عذر من خالف ذلك الحق، فليبدأوا بأنفسهم لأنهم خالفوا الأمة. ~~وما يؤمنهم في جميع أقاويلهم إلا إن ادعوا علم الغيب. ومن شبههم استدلالهم ~~بقول ابن عباس: من شاء باهلته عند الحجر الأسود. والمباهلة لا تقع إلا في ~~أمر مقطوع فيه العذر. وقول الصحابة: فإن يكن صوابا فمن الله ثم مني وان ~~يكون خطأ فمني ومن الشيطان، فيه نصيب. وقول عائشة رضي الله عنها لسرية زيد ~~بن أرقم: أبلغيه بأن قد أبطل غزوه وجهاده مع رسول الله عليه السلام وأبطل ~~حجه وصلاته وصيامه إن لم يتب، وذلك أن زيدا/ ابتاع من سريته بثمان مائة ~~درهم إلى خروج العطايا، فاشترتها من السرية نقدا بست مائة درهم (¬1) . في ~~أمثال هذه ms183 الروايات التي وقعت شواذ من أصحابها. وقد اختلف ابن عباس مع كثير ~~من الصحابة، فما ظهرت منه المباهلة والتخطئة إلا في هذه المسألة، وعائشة ~~كذلك. وقد خالف ابن عباس أباه العباس وخالف عمر بن الخطاب في مسألة العول. ~~وخالف في ربا النقود فلم يظهر منه شيئا وهو رأي ارتأه. ولغيرهما مخالفتهما ~~وقد خولفوا في كثير من الفتيا ولم يقطعوا عذر أحد وربما شددوا في الفعال ~~ولا يشددون في المقال، كمسألة عائشة مع زيد بن ثابت (¬2) . # وأما الذين أنكروا القياس البتة وزعموا أن كل ذلك مما يحتاج إليه العباد ~~فهو موجود في كتاب الله تعالى خفيا أو جليا، واستدلوا بقول الله تعالى: { ~~ما فرطنا في الكتاب من شيء } (¬3) فما شرعه/ كان شرعا، وما تركه PageV01P270 # كان معفوا عنه. واستدلوا أيضا بقوله تعالى: { تبيانا لكل شيء } (¬1) . ~~وبقوله: { وأن احكم ... أليك } (¬2) وقوله: { أولم يكفهم ..... عليهم } ~~(¬3) . وبقوله: { أن تقولوا على الله ما لا تعلمون } (¬4) وبقوله: { ولا ~~تقف ما ................ مسئولا } (¬5) وبقوله: { إن الظن لا يغني من الحق ~~شيئا } (¬6) وبقوله: { إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين } (¬7) . ذما لهم ~~وتوبيخا لانفسهم. وبقوله: { إن بعض الظن إثم } (¬8) . وبقوله: { ولا تقولوا ~~لما تصف ........................عذاب أليم } الآيات (¬9) فجيمع ما تعلقوا ~~فيه من هذه الآي فيه جواب واحد أن الله تعالى لم يفرط في الكتاب من شيء فما ~~شره كان شرعا وما أجمله كان بيانه عند الرسول عليه السلام، ومن وراء ذلك ~~فعند الذين يستنبطونه. والحكم بالقياس هو من الشرع وهو البيان الذي أراد ~~الله تعالى والكتاب الذي يتلى عليهم قد رد الأمر فيه إلى أولي الأمر وإلى ~~المستنبطين. والذين يصفون الكذب ويقولون هذا حلال وهذا حرام هم الذين منعوا ~~القياس الذي أطلقه الله والاستنباط الذي أباحه. وهم الذين امتثلوا خلاف ما ~~أمر الله تعالى به من القياس الصحيح. وسيأتي بيان التعبد بالقياس والأمر به ~~إن شاء الله في بابه، وبيان استخراج النوازل به فإن ذلك شرع # "باب شبههم في الآثار" (¬10) PageV01P271 # وأما ما تعلقوا به من جهة الآثار، قالوا: قد روي ms184 عن رسول "الله" (¬1) / ~~عليه السلام أنه قال: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعا من صدور الرجال ولكنه ~~يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساء جهالا ~~فأفتوا برأيهم فضلوا وأضلوا» (¬2) . وروى أبو هريرة عن رسول الله عليه ~~السلام أنه قال: «تعمل هذه الأمة برهة بكتاب الله عز وجل وبرهة بسنة رسول ~~الله عليه السلام وبرهة بالرأي، فإذا فعلوا ذلك فقد ضلوا» (¬3) . وروي عنه ~~عليه السلام قال: «تفترق أمتي على بضع وسبعين فرقة أضرها على أمتي قوم ~~يقيسون الأمور بآرائهم فيحللون الحرام ويحرمون الحلال» (¬4) . وهي رواية ~~عوف بن مالك الشجعي عنه عليه السلام. وروي عنه أيضا أنه قال: «أذب الحديث ~~الظن» (¬5) . وروى أثلة بن الأسقع عن رسول الله عليه السلام أنه قال: «لم ~~يزل أمر بني اسرائيل مستقيما حتى حدث شباب فأفتوا برأيهم فضلوا وأضلوا» ~~(¬6) . وروي عنه عليه السلام أنه قال/: «لا تمسكو علي شيئا؛ فإني لا احل ~~إلا ما أحل الله ولا أحرم إلا ما حرم الله» (¬7) . وروى أبو الدرداء أنه ~~قال: «الحلال ما أحل الله ، والحرام ما حرم الله وما سكت عنه فهو عقو منه ~~إن الله لم يكن نسيا» (¬8) PageV01P272 # وعن المطلب بن حنطب قال: قال رسول الله عليه السلام: «ما تركت شيئا مما ~~أمركم الله به إلا وقد أمرتكم به، ولا شيئا مما نهاكم عنه إلا وقد نهيتكم ~~عنه» (¬1) . وروي عنه أنه قال: «من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ» (¬2) . # واعلم أن هذه الآي والآثار التي استدلوا (¬3) بها ليس فيها نص على تحريم ~~القياس، ولا ورد من حديث الرسول عليه السلام ما يقطع به على تحريم القياس ~~إلا إن زعموا أنهم يعلمون ذلك من جهة القياس!! فإن صح قياس كان ما قلنا. ~~وإن لم يصح قياسهم صح ما قلنا في القياس لأن العقل غير مانعه وقد ورد في ~~الشرع جوازه، وسيأتي في مواضعه إن شاء الله. وجميع الاحاديث التي رووها/ ~~ليس فيها حديث صحيح إلا حديث عبدالله بن عمرو بن العاص. ولولا ما ms185 رواه ~~الإمام أفلح بن عبدالوهاب رضي الله عنهما ما اهتبلنا به. وإن صح ليس ليس ~~فيه ما يقابل أثارنا ولا استدلالنا، وسيأتي إن شاء الله. على أن الأحاديث ~~إذا تعارضت وجب استعمالها من وجه يصح استعمالها كلها، وإن تقاومت طرحت ورجع ~~الناس إلى أدلة غيرها. # باب # الأقسام والوجوه التي يجوز فيها # الرأي والاجتهاد ويسع فيها الاختلاف عند النوازل # قال الشيخ أبو الربيع سليمان بن يخلف رضي الله عنه، وقد سئل عن الذي يجوز ~~فيه الرأي للعلماء، فقال: ما لم يجدوه في الكتاب وفي السنة ولم يكن في آثار ~~من قبلهم من العلماء. ثم قال: فإذا نزلت نازلة مما لم يكن في الكتاب ولا في ~~السنة ولا في آثار المسلمين الذين كانوا قبل النوازل PageV01P273 # فعلى العلماء أن يجتهدوا فيها. فقصر الاجتهاد/ والرأي إلى النوازل ~~والحوادث لا غير. ثم ذكر العالم الذي يجوز له الرأي والاختلاف والاجتهاد ~~واستخراج أحكام النوازل فقال: من كان حافظا لكتاب الله عز وجل ولجميع ~~معانيه وكان حافظا لسنة رسول الله عليه السلام ولجميع معانيها، وكان حافظا ~~لآثار من كان قبله من المسلمين (¬1) . فقد صدق، هكذا ينبغي أن يكون العالم. ~~غير أنه تتعذر هذه الصفات إلا في الشذوذ من الأمة إن كان يجوز أن يكون إلا ~~إن أراد كثرتها فربما. وأما من يجمع جميع معاني الكتاب فشاذ. وقد قال علي ~~بن أبي طالب: ما من شيء إلا وفي القرآن علمه ومعرفته غير أن آراء الرجال ~~تعجز عنه، ولكن لا بد من معرفة ثلاثة أشياء وهي: السوابق ثم الأصول ثم ~~اللواحق. # أما السوابق فاللغة والنحو؛ لأن الله تعالى خلق الحروف بسائط والكلم ~~وسائط والمركبات معاني. وتحت مركب الكلم البيان، فمن لم ينته إلى حد البيان ~~قصر عن بلوغ التبيان وعجز عن إقامة البرهان. # وأما / الأصول؛ فإن يعرف اصول الديانات وفنون الخطابات في الشريعة من ~~العموم والخصوص والأوامر والنواهي والمجمل والمفسر والناسخ والمنسوخ ~~والمحكم والمتشابه. # وأما اللواحق؛ فأن يكون عارفا بوضع الأدلة مواضعها عقلا وشرعا، وأن يوقع ~~العلل مواقعها وقفا ms186 وسمعا، ويعرف وجوه القياسات متنا ووضعا. وهذه المعاني ~~يحتاجها للقرآن والسنة والآثار. PageV01P274 # وذكر أن النازلة إذا نزلت واجتهد العلماء فيها، فمن اصاب الحق عند الله ~~تعالى فله أجر اجتهاده ولا يتجاوز إليه أخطأت في رأي الحق. وإنما قصد الشيخ ~~أبو الربيع رضي الله عنه إلى فن واحد من فنون النوازل فأوضح فيها طريقة ~~الحق. وإن كانت وجوها كثيرة تحتمل الرأي والاختلاف والاجتهاد ليست من وجوه ~~النوازل في شيء من الفروع والأصول، بل هي إلى/ الأصول أقرب. أولها: فنون ~~التفسير وتفسير آيات القرآن. وذلك أن الله PageV01P275 تعالى أنزل القرآن ~~بلسان عربي مبين على قوم عرب. وأن لغة العرب ليست كغيرها بل هي كثيرة ~~الفنون والشجون فساغ لهم اتباع ما ظهر لهم من ظاهر الخطاب. وقصرهم رسول ~~الله عليه السلام على ما فهموا منه مما يحتمله الكلام ولم يقصرهم على خطاب ~~مخصوص، بل فوض إليهم ذلك. فكل ما ذهبوا إليه مما يحتمله الكلام على مذاهب ~~العرب ومخاطباتها فهو تفسير للقرآن ما لم يصادموا قرآنا آخر وسنة قائمة ~~بالرد فهم معذورون فيما لم يظهر من ذلك، وهو مذهب رسول الله عليه السلام مع ~~أمته؛ إذا نزل من القرآنت شيء صعد المنبر فتلا عليهم ما نزل فلهجت به ~~العامة ثم نزل فدخل بيته فانفرد به الفقهاء من أصحابه فيشرع لهم الفقه في ~~تلك الآي. فإذ لم ينفرد إلا بخاصة كأبي بكر/ وعمر وسلمان الفارسي وعلى ~~أشباههم، ورجالات من الأنصار كمعاذ وأبي وزيد بن ثابت وأشباههم كشف لهم عن ~~أسرار القرآن ما لا تحتمله عقول العامة. وربما تقع منه سؤالات فيسألهم عن ~~أشياء فربما اختلفوا فأصاب بعض وأخطأ بعض فيصوب المصيب ولا يعنف المخطيء ~~كالذي جرى له مع بعض أصحابه حين سألهم أي آية في القرآن أفضل، فقال بعضهم: ~~يس. وقال بعضهم: سورة الإخلاص. وسكت أبي بن كعب وقال له رسول الله عليه ~~السلام: ما تقول يا أبي فقال: الله ورسوله أعلم. فقال: إنما أسألك عن علمك ~~لا عن علم الله ولا عن علم رسوله. ms187 فقال أبي: هي آية الكرسي. فجمع رسول الله ~~عليه السلام أصابعه الخمسة فلزم بها صدره فقال له: ليهنك العلم يا أبا ~~المنذر (¬1) . ولم يكن سألهم عما أخبرهم قبل هذا، ولكنه إنما سألهم عن مبلغ ~~علمهم/ كما قال لأبي بن كعب: إنما اسألك عن علمك لا عن علم الله ولا عن علم ~~رسوله. وكان يعجبه عليه السلام من يتأول القرآن من أصحابه كالذي وقع لعمرو ~~بن العاص في قصة التيمم؛ وذلك أنه خرج في سرية كان عليها واليا فأجنب وأراد ~~أن يتيمم فعذله أصحابه فأبى فتيمم وصلى بهم وقال: من أردا منكم أني يصلي فليصل. PageV01P276 # فصلى معه بعض أصحابه. فلما قدموا # على رسول الله عليه السلام أخبروه. فقال عليه السلام: من أين علمت هذا يا ~~عمرو؟ فقال: من كتاب الله عز وجل. إني وجدت الله يقول: { ولا تقتلوا أنفسكم ~~إن الله كان بكم رحيما } (¬1) ، ووجدت الماء باردا يا رسول الله فتيممت ~~وصليت. فتبسم رسول الله عليه السلام. وما كان ليظهر السرور والتبسم مع ظهور ~~المنكر. وروى عبدالله بن عمر أن رسول الله عليه السلام سأل أصحابه وقد قدم ~~بين يديه جمار يأكل منه هو وأصحابه. فسألهم عن شجرة طيبة تحمل طيبا/ أصلها ~~ثابت وفرعها في السماء وهي مثل قلب المؤمن. فخاص القوم في شجرة البادية. ~~قال عبدالله بن عمر وقد كنت منتبذا عن القوم ناحية، وخطر في بالي أنها ~~النخلة فمنعني الحياء من رسول الله عليه السلام وهيبة عمر عن أن أتكلم. ~~فقال رسول الله عليه السلام: هي النخلة. فذكرت ذلك لعمر فقال: لو قلتها ~~لكان أحب إلي من حمر النعم (¬2) . في مثل هذا كثير. ولكن لا يسوغ القول ~~للأعراب الذين ليس لهم دربة بالفقه ولكن من علم اللسان دون التفقه في الدين ~~والقرآن والسنة. وذكر أن أعرابيا حضر مجلس ابن عباس وقرأ فيه: { وكنتم على ~~شفا حفر من النار فأنقذكم منها } (¬3) فقال الأعرابي: وأيم الله لم يردهم ~~إليها بعد ما أنقذهم منها. فقال ابن عباس: خذوها من غير فقيه (¬4) . # وحديث ms188 عدي بن حاتم حين/ جعل تحت وساده حبلين أبيض وأسود، وذلك في رمضان ~~يتأول قول الله تعالى: { حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود .... ~~} الآية. فذكر ذلك لرسول الله عليه السلام فقال عليه السلام: إن وساده ~~لعريض. يريد بياض النهار من سواد الليل (¬5) . وأعجب PageV01P277 # من هذا وأغرب ما جرى لعمر بن الخطاب رضي الله عنه مع رسول الله عليه ~~السلام في قصة عبدالله بن أبي وهو في النزاع فجاءه ولده عبدالله بن عبدالله ~~فقال: إن عبدالله في النزاع استغفر له يا رسول الله. فهم رسول الله يستغفر ~~له. فقال له عمر: أتستغفر له يا رسول الله وقد نهاك الله أن تستغفرله؟ ~~فقال: يا عمر، إن الله تعالى خير لي وقال: { استغفر لهم ................. ~~لهم } (¬1) . فقا لعمر: إنما نهاك. فقال عليه السلام:/ «لاستغفرن له ما لم ~~أنه عنه. وهم في ذلك إذ رجع عبدالله بن عبدالله وقال: يا رسول الله، قد قضى ~~عبدالله فقم فصل عليه. فقام رسول الله عليه السلام فقال له عمر: أتصلي عليه ~~يا رسول الله وقد نهاك الله عن الاستغفار له (¬2) . # وهذه النكتة من أعظم الأدلة على جواز التعبد بالقياس. ألا تراه يقيس ~~الصلاة على الاستغفار ويوجب النهي عنها لأجل النهي عن الاستغفار. وفعل ذلك ~~بين يدي رسول الله عليه السلام فأقره وفي بعض الحديث: أن عمر أمسك ثوب رسول ~~الله عليه السلام حين هم رسول الله أن يتقدم إلى الصلاة كي لا يصلي عليه، ~~ثم تقدم فاطلقه عمر ثم مثل عمر بين يديه وبين الجنازة كي لا يصلي عليه. ~~فأنزل الله عز وجل: { لا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره } ~~(¬3) . وليس يخفى أن جل أصحاب رسول الله عليه السلام يتأولون القرآن/ ~~ويذهبون فيه مذاهبهم، وليس ذلك كله عن رسول الله عليه السلام، ولتفاوت ~~مذاهبهم واختلاف المفسرين بعد صدر الصحابة. ومعلوم أن ذلك من آرائهم، وأن ~~مذاهبهم من تفسيرهم القرآن حق عند الله تعالى على رأي من يقول الحق في ~~جميعهم، وأن الحق ms189 في واحد على رأي من يقول الحق في واحد. ووسع الناس ~~اتباعهم فيه خلافا لمن قال: قد ضاق على الناس خلاف الحق فيه. PageV01P278 # ونحن نشير إلى حرف واحد يتبين لك منه الغرض والمراد ويتبين لك احتمالات ~~القرآن في مضمراته ومكنياته وعمومه وخصوصه وأموامره ونواهيه ومجمله ومفصله ~~كما قال رسول الله عليه السلام (¬1) : «لن يتفقه أحدكم كل الفقه حتى يرى ~~للقرآن وجوها كثيرة» وبهذا السبب دعا رسول الله عليه السلام لابن عباس ~~فقال: «الله فقهه في الدين وعلمه التأويل» (¬2) . ولذلك كان أكثر/ أصحاب ~~رسول الله عليه السلام تفننا في التفسير. وكان له قلب عقول ولسان سئول. ~~ويقتبس التفسير من كل أحد، والسبب أن رسول الله عليه السلام دخل المستراح ~~فملاء ابن عباس إناء ماء ووضعه له فلما خرج قال عليه السلام: من فعل هذا؟ ~~فقيل: ابن عباس. فقال عليه السلام: «اللهم فقه في الدين وعلمه التأويل». ~~وكان يأخذ التفسير من مولاه عكرمة مع جلالته. ولقد سمعه عكرمة ذات ليلة ~~يبكي ويقول: ليت شعري: ما فعلت الفرقة الثالثة؟! وذلك أنه تلا قول الله ~~تعالى، يريد الفرقة التي قالت: { لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم ~~عذابا شديدا. قالوا: معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون } (¬3) . ثم قال: { ~~أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا ~~يفسقون } (¬4) . فقال له عكرمة: نجت ورب الكعبة. فقال ابن/ عباس: وكيف ذلك؟ ~~فقال: ألم تسمع قول الله تعالى: { وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا ~~يفسقون } فالله أجل وأكرم من أن يأخذ الباقين. فقام ابن عباس وقبل رأسه ~~وقبل عنه تفسيره (¬5) . PageV01P279 # والحرف الذي ذكرناه قول الله تعالى: { ويطعمون الطعام .............. ولا ~~شكورا } (¬1) وقال بعض أهل التفسير: على حب الله عز وجل. وبعض يقول: على حب ~~المسكين. وبعض يقول: على حب الطعام فآثره على نفسه. وهذه الاحتمالات تعرفها ~~العرب وتستعملها في خطاباتها. ومن دونها احتمالات تغلط فيها العجم وذلك مثل ~~قوله: { سبح الله، أي عظمه. وإن قلت: سبح الغلام والعبد ذهب به إلى السبح ~~وهو الفراغ. والأول ms190 إلى التسبيح وإن/ قلت: سبح الطفل ذهب به إلى السباحة ~~وهو العوم. فالأول تنزيه البارئ سبحانه والثاني فراغ العبد واستراحته ~~والثالث تعليم العوم والسباحة. بل التسبيح والسبحان لله عز وجل، والسبح على ~~الفراغ للمخلوق، والسباحة على العوم في الماء. وإنما أشرنا إلى هذين ~~الحرفين لينهم لك منهما مذاهب العرب في التفسير. وليست أقوال التفسير كله ~~عن توقيف ولا تعريف ولكنه على ما ظهر لهم من لسانهم قبل هذا. ولهذا قال ~~عليه السلام: «اقرأوا القرآن على سبعة أحرف كلها شاف كاف» (¬2) . # ومن الوجوه التي يسوغ الاختلاف في القرآن اختلاف وجوه القراءآت في السور ~~والآيات. وقد قرأت هذه الأمة القرآن بحروف كثيرة. واتفقت الأمة على/ هؤلاء ~~(¬3) السبعة أن قراءة كل واحد منهم حق عند الله على اختلاف فيها وتضاد. ~~واعترفت الأمة لقراء السبعة، وفيها الربعة عشرة قارئا، وفيها الخمسون ~~الشواذ لكها واسعة. وسنذكر أسماءهم عند الأئمة إذا صرنا إليه إن شاء الله. # والذي يدل على القراءة حديث رسول الله عليه وسلم حين أمره الملك "قيل إنه ~~ميكائيل" فقال: «اقرأوا القرآن على حرف. فنظر إلى جبريل فقال: PageV01P280 # استزده. فقال الملك: اقرأ على حرفين، فنظر إلى جبريل فقال: استزده. فقال ~~الملك: اقرأه على ثلاثة. فنظر إلى جبريل فقال: استزده. فقال: استزده. فقال: ~~إقرأه على أربعة. فنظر إلى جبريل. فقال: استزده فقال: اقرأه على خمسة أحرف. ~~فنظر إلى جبريل فقال: استزده. فقال: اقرأه على ستة أحرف. فنظر إلى جبريل ~~فقال: استزده. فقال: اقرأه على سبعة أحرف فنظر إلى جبريل فلم يقل شيئا. ~~فقال/ الملك: اقرأه على سبعة أحرف كلها شاف كاف» (¬1) . وهذه القراءات كلها ~~حق عند الله تعالى. وبعض هذه القراءات ليست سماعا من رسول الله عليه السلام ~~لكنها من أصحابه والأئمة الذين جعلهم الله حفظة لكتابه ومؤدية له، وهم نافع ~~وابن كثير وأبو عمرو بن العلاء وعبدالله بن عامر وحمزة والكسائي وعاصم بن ~~أبي النخود وسيأتي ذكرهم إن شاء الله عند ذكرنا الأئمة. وكذلك اختلافهم في ~~نفس السور والآيات والحروف كما قدمنا. وقد ذكر ms191 بعضهم سورة القنوت وجعلها من ~~القرآن وهي: "اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونؤمن بك ونخضع لك ونخشع ولك نصلي ~~ونسجد وإليك نسعى ونحفد ونرجو رحمتك ونخاف عذابك الجد إن عذابك بالكافرين ملحق". # وما نسخ ممن رسم القرآن المتفق عليه. وآية/ الرجم المذكورة وما نسخ من ~~سورة الأحزاب واختلافهم في المعوذتين وفي الكتب التي أنزلها الله عز وجل ~~والصحف على شيت وعلى ادريس وعلى إبراهيم وعلى موسى وكتب الأنبياء وسفر ~~الملوك وسفر دانيال. واختلاف الناس في البسملة على أربعة أقوال، قال بعضهم: ~~هي آية من القرآن من رأس كل سورة. وقال بعض المعتزلة: هي آية من القرآن ~~منفردة بنفسها بين كل سورتين وليست من كل واحدة منها. وقال ابن عباس: هي ~~آية من رأس الفاتحة لا غير وفي سورة النمل. وقال بعضهم: ليست بآية من ~~القرآن إلا في النمل ووسعهم هذا PageV01P281 # كله ولم يختلف أحد من الأئمة في قوله: { فبأي ألآء ربكما تكذبان } (¬1) ~~أنها آية على عدها في السورة. وقوله: { ويل يومئذ للمكذبين } (¬2) . وقد ~~وقع الاختلاف في المدنيات والمكيات/ والناسخات والمنسوخات، والمحكم ~~والمتشابه، والخاص والعام. واختلفوا في المقدم في النزول والمؤخر منها، وفي ~~تفسير الآي، وفي المقطوع والموصول والوفق والتوقيف، والتفخيم والإدغام. ~~وقرأ علي ابن أبي طالب: "والعصر ، ونوائب الدهر. لقد خلقنا الإنسان لفي ~~خسر، وإنه فيه إلى آخر الدهر. إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا ~~بالحق وتواصوا بالصبر" (¬3) . وبعضهم لا يقرأ البسملة إلا في أربع سور: ويل ~~للمطففين. ويل لكل همزة ولا أقسم (¬4) . وابن عباس يضع يده على رأسه إذا ~~قرأ من ويل للمطففين إلى الخاتمة. وسئل رسول الله عليه السلام عمن قرأ ~~القرآن فبدل منه شيئا أو سبقه لسانه، أو كان أعجميا لا يعجمه فقال: فلا ~~بأس، ما لم يختم آية رحمة بآية عذاب أو آية عذاب/ بآية رحمة (¬5) . # وقال لجبريل عليه السلام: «إن في أمتي الأمي والعجمي والغر والشيخ الفاني ~~فقال. اقرأه على سبعة أحرف كلها شاف كاف» (¬6) . # وأن يا أخي أذا تدبرت أمر الملائكة عليهم الصلاة والسلام رأيت ms192 أكثر ~~أمورهم أو بعضها مبنية على الرأي، وإن وقع اختلاف ساغ للمختلفين فيه الرأي، ~~وكذلك الرسل والأنبياء والأولياء والصالحون. وكثير من الأمور التي لا يسع ~~جهلها وما يسع. وأما الملائكة، فلذلك أن الملائكة قد أوجب البارئ سبحانه ~~على المكلفين الإيمان بهم كما قال عز وجل: { آمن الرسول ~~.................... وكتبه } (¬7) فبدأ بنفسه وثنى بملائكته، فمن آمن كان ~~من المؤمنين، ومن PageV01P282 # لم يؤمن لم يكن من المؤمنين؛ لأنه قال: { والمؤمنون كل آمن بالله ~~وملائكته } فعلى الناس معرفة الرسم لا معرفة الحد، أما الرسم فأن يعلم ~~أنهم/ خلق اطاعوا الله عز وجل وآمنوا به، وهم أولياؤه وصفوته من خلفه. وأما ~~الحد فأن يعلم أنهم خلق من خلقه خلقوا للطاعة ذوو عقول عارين من الشهوة ~~والمعصية لا يأكلون ولا يتناسلون، عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره ~~يعملون، وللرسالة صالحون. واختلف الناس في الملائكة. فقال بعضهم: كلهم رسل ~~الله عز وجل. هذا مأخوذ من اسمهم ملائكة، لأن الألوكة هي الرسالة، وسموا ~~بها وواحدهم مألك. قال الشاعر (¬1) : # ... فلست بإنسي ولكن مألك ... تنزل من جو السماء يهوب # فحذقوا الهمزة للاختصار وللخفة فقالوا: ملك. PageV01P283 # وقال بعضهم: إن بعض الملائكة رسل ورعضهم ليسوا برسل روحانيينن وغير الرسل ~~كروبيون. قال الله تعالى: { جاعل الملائكة رسلا أولي أجنحة مثنى وثلاث ~~ورباع } (¬1) . وجاعل/ يصلح للماضي وللآتي لأنه اسم. فاختلفوا فوسعهم ~~الاختلاف. وذكر بعضهم في الاجنحة أكثر من العدد الذي ذكر الله تعالى، وإن ~~كان لا يوصل إلى ذلك بالتوقيف. حتى ذكروا أن لجبريل عليه السلام ستمائة ~~جناح ولغيره أكثر. واختلفوا في عدد الحفظة. فقال بعضهم: اثنان كما قال الله ~~تعالى: { عن اليمين وعن الشمال قعيد } (¬2) . فصاحب اليمين وصاحب الشمال. ~~وقال بعضهم: أربعة كل يوم وكل ليلة فالاثنان الأولان قعود والثانيان: اثنان ~~بالليل واثنان بالنهار. وقال بعض: ستة بالليل وستة بالنهار.. وقال بعضهم: ~~لا يقصرون على عدد مرسوم، قد يكثر العدد ويقل. واستدلوا بقول رسول الله ~~عليه السلام وذلك أن رسول الله عليه السلام صلى بإصحابه وفيهم أعرابي تسمع ~~للقراءة فلما هوى إلى ms193 الركوع ورفع وقال عليه السلام سمع الله لمن حمده قال ~~الأعرابي: ربنا ولك الحمد/ حمد كثير طيبا مباركا فيه. فلما قضى عليه السلام ~~صلاته قال: أيكم صاحب الكلمة فقال الأعرابي: ها أنا يا رسول الله. فقال ~~عليه السلام: والذي نفسي بيده لقد رأيت نيفا وثلاثين ملكا يبتدرون أيهم ~~يكتبها أولا. # وقال الغزالي: وحكي عن رسول الله عليه السلام قال: إن لكل مسلم مائة ~~وستين ملكا يحفظونه من الشيطان لو نظرتم إليهم على رؤوس الشعاب ولآكام (¬3) . PageV01P284 # واختلفوا في أيهم أفضل هم أم المؤمنون من بني آدم. قال بعضهم: الملائكة ~~أفضل من بني آدم لقوله تعالى: { عباد مكرمون........... يعملون } (¬1) ~~"وقوله": { يسبحون الليل والنهار لا يفترون } (¬2) . ولقوله: { لا يعصون ~~الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون } (¬3) ولقول نوح عليه السلام: { ولا أقول ~~إني ملك } (¬4) ولقول رسول الله عليه السلام: { ولا أقول لكم إني ملك } ~~(¬5) ولقول النسوة: { ما هذا بشر إن هذا/ إلا ملك كريم } (¬6) فلما وقع ~~التمثيل والتشبيه إليهم صح لهم التفضيل، وإنما يقع التفضيل على قدر الفضل ~~ولا محاباة. # وقال بعضهم: المؤمنون من بني آدم أفضل من الملائكة. واستدلوا بقول الله ~~تعالى حكاية عنهم: { نحن أوليائكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة } (¬7) يريد ~~أنهم خدمهم وحفدتهم. ولقول رسول الله عليه السلام: «المؤمنون من بني آدم ~~أفضل عند الله من جميع الملائكة» (¬8) فيما يروى عنه. # ويروى عن الشيخ أبي خزر يغلا بن زلتاف رضي الله عنه قال: المسلم عند الله ~~من بني آدم أفضل من الملائكة. حدنثيه الشيخ أبو صالح نوح بن كافي رضي الله ~~عنه عن أبي سليمان صاحبه إلى مصر عن أبي خزر رضي الله عنه. واختلفوا ما ~~الذي تحفظ على بني آدم من أفعالهم. فقال بعضهم: إنما تحفظ ما يفعلون فعم ~~ولم يخص. وقال بعضهم/: لا علم PageV01P285 # لهم بغيب العباد ولا يعلم الغيب إلا الله لقوله تعالى للحفظة: "أنتم ~~الحفظة على أعمال عبادي وأنا الرقيب على ما في قلوبهم" (¬1) . وقوله: "إنكم ~~لا تدرون ما أراد به عبدي وإنما أراد غيري، ارجعوا واضربوا ms194 به وجهه" (¬2) . ~~وساغ الاختلاف. # واختلفوا في تكليفهم العبادة. قال بعضهم: مكلفون مأمورون منهيون مكتسبون ~~لقول الله عز وجل: { ومن يقل منهم ............. الظالمين } (¬3) . وقال ~~عمروس بن فتح: الملائكة تكتسب وليس عليها تكليف. وجوز بعضهم أنهم أنبياء، ~~ومنع من ذلك آخرون. وقالوا: إن النبوة في بني آدم خصوصا، وساغ الاختلاف. ~~وقالوا: إنهم لا يوصفون باللحم ولا بالدم ولا يأكلون ولا يشربون ولا يبولون ~~ولا يتغوطون، فمن وصفهم بشيء من هذا فقد أخطأ في/ صفتهم، والخطأ في صفتهم ~~شرك. وقالوا: من أخطأ في صفة الملائكة فهو مشرك لأنه جعل غير الملك ملكا. ~~ووجهوا الخطأ في صفة البارئ على وجهين، إن واجه الشرك، وإن تأول نافق. # وقال الماوردي (¬4) : إن الملائكة تأكل من شجرة الخلد. فعلى هذا القول قد ~~ثبت قول إبليس اللعين إذ قال لآدم عليه السلام: { ما نهاكما ............ ~~الخالدين } (¬5) . وذكر أبو قتادة صاحب رسول الله عليه السلام: تتأذى ~~بالروائح الكريهة ويستلذون بالطاعات. ويدل على هذا القول قول رسول الله ~~عليه السلام: «إني امروء أناجي» (¬6) ولقوله عليه السلام إن الملائكة تبتعد ~~عن الكاذب مسيرة ميل من نتن جاء به. PageV01P286 # وأما من وصفهم بالتناسل فقد أخطأ في صفتهم سماعا. وأما من سماهم تسمية ~~الأنثى أشرك، لأنه رد على القرآن وأشرك بالله/ العظيم. وقد ذم الله أقواما ~~سموهم تسمية الأنثى. وقال عز من قائل: { وجعلوا الملائكة ~~.......................... ويسألون } (¬1) وأما من وصفهم بالدم واللحم ~~والبول والغائط وأطلقوا فيه التشريك وبنوا فيه على غير أصل إلا الإجماع ~~فحتى تثبت لهم بالنصوص هذه الصفات. فمن ردها أشرك كما قلنا. وقد قال الله ~~تعالى: { ألربك البنات ولهم البنون. أم خلقنا الملائكة إناثا وهم شاهدون } (¬2) # فإذا ثبت الأصل صح الفراغ، وأما المور المذكورة من الأكل والشرب والبول ~~والغائط والدم واللحم، فما ندري من أي شئ حصل الشرك لقائله بعد ألا يكون ~~كذلك، ولم يصيبوا نصا ولا قرآنا، وأما موتهم وخلقتهم فقد اختلفوا فيهما. # قال بعضهم: موتهم وحياتهم واحدة. يقولون: لم يسبق/ بعضهم بعضا في الوجود، ~~ولا يتأخر بعضهم عن بعض في الموت. ms195 وقال آخرون: خلقتهم متفاوتة. فأول خلق ~~منهم حملة العرش ثم من دونهم ثم أهل السماء السابعة ثم أهل سماء بعد سماء ~~إل أصحاب العنان. # وبعضهم يقولون: يخلقون إلى الآن، ولم تكن خلقتهم موقوفة على وقت معلوم. ~~قيل: وإن من قال سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم، استغفر الله العظيم، ~~خلق من كلمته هذه ملك يستغفر له إلى يوم القيامة. وقال بعضهم: لا يوصفون ~~بشيء من المعصية بدليل قول الله عز وجل: { لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ~~ما يؤمرون } (¬3) وبقوله: { يسبحون الليل والنهار لا يفترون } (¬4) . PageV01P287 # وقال آخرون: المعصية المنفية عن التسعة عشر لا عن جميع "الملائكة" (¬1) ~~فأما هاروت وماروت -قالوا- فملكان عصيا الله عز وجل، وإن عقوبتهما/ تعجلت ~~لهما في الدنيا في أرض بابل على تعليم السحر. فالله أعلم بما تئول إليه ~~مقالته هؤلاء. وهذا أمر لا يدرك بالعقل وإن كان لا يحيله، ليس عندهم إلا ~~ظاهر القرآن وعموم القرآن جلها غير مأمون التخصيص ولا خصوص. ووصفهم رسول ~~الله عليه السلام بالجوارح والأفواه والعواتق والأبصار والأرجل. وقال عليه ~~السلام: «أذن لي أن أحدث عن ملك من الملائكة زاوية من زوايا العرش على ~~كاهله ورجلاه في تخوم الأرضين» (¬2) . وقيل يزيد في الخلق ما يشاء: حسن ~~النغمة. ووصفهم بالكلام يسبحون الليل والنهار لا يفترون، وبالأفواه قوله ~~عليه السلام: «إن العبد إذا قام إلى الصلاة دنى الملك منه حتى يضع فاه على ~~فيه يتلقى القرآن إذا قرأ» (¬3) . وفي بعض الأحاديث: «إن بين شحمة أذني ~~اسرافيل وبين عاتقة مسيرة/ خمس مائة عام. وإنه ليتضاءل أحيانا حتى يصير مثل ~~الوصع من خشية الله» (¬4) . وإنهم يكلفون ويجتهدون ويختلفون # وعلمهم الالهام كما قدمنا. وليس عليهم من شريعة بني آدم شيء، وإنما عليهم ~~شرائع أنفسهم. ولم نسمع أن رسولا من بني آدم أرسل إليهم وليس عليهم من ~~تغيير مناكر بني آدم شيء حتى يؤمروا. ويوالون ويبيرأون بالظواهر وتقع ~~المحنة بعضهم من بعض، ويحضرون القتال عند ملتقى المؤمنين والكافرين ~~فيقاتلون إذا أمروا ويكفون إذا نهوا. وأمرهم كلهم يئول إلى الخبر. ms196 صلى الله ~~عليهم وسلم أجمعين ورضي عنهم والحمد لله رب العالمين. PageV01P288 # وأما أمر النبيئن والمرسلين صلى الله عليهم أجمعين. فإن الله تعالى قد ~~نبأ النبيئين وأرسل المرسلين فقال/ بعضهم: هم جملة واحدة فكل نبي مرسل، وكل ~~مرسل من بني آدم فنبيء. وقال بعضهم: بل فيهم أنبياء وهم رسل، وأنبياء غير ~~رسل. ولا رسول إلا وهو نبي ولم يختلفوا في هذا. وقال بعضهم: هما جملتان على ~~الناس معرفتها كل واحدة منهما على حدتها. واستدل هؤلاء بقوله: { قولوا آمنا ~~................ من ربهم } (¬1) وهذا القول هو الصحيح عند أصحابنا. وقال ~~السكاكي: إن كل نبي مرسل، وكل مرسل نبي. وقال بعضهم: ما من رسول من بني آدم ~~أرسل إلى قومه إلا وقد أرسل إلى الناس كافة والجن كافة. وقال بعضهم: ليس ~~برسول إلا إلى قومه: ويسع كل من بلغته حجته أن يستجيب له. فنوح رسول إلى ~~قومه وهم آل عاد فأهلكهم الله بالريح العقيم. وصالح إلى قومه ثمود/ { فدمدم ~~عليهم ربهم بذنبهم فسواها ولا يخاف عقباها } (¬2) وكذلك كل نبي وأمته. ~~وإنما أهلك الله من كذب به ولم يؤمن به ممن أرسل إليه. أما محمد عليه ~~السلام فقد أرسل إلى الناس كافة والجن كافة أنه خاتم النبيئين. وقال بعضهم: ~~النبوة والرسالة اضطرار. وبعضهم يقول: إن الرسالة اكتساب وإن النبوة ~~اضطرار. وقيل إنهما اكتساب فمن استهدف صادف ومن استقر صدف. # وقال بعضهم: نبأ الله أربع نبيئات: مريم بنت عمران، وسارة امرأة إبراهيم. ~~وأم موسى بن عمران. واستدل هؤلاء بالآيات بأن المخاطبات والبشارات من الله ~~عز وجل على أيدي الملائكة خصوصا هو نفس النبوة مأخوذ من الإنباء ولا سيما ~~مريم بنت عمران وسارة امرأة إبراهيم عليه PageV01P289 # السلام. قال الله عز/ وجل: { فأرسلنا إليها ..................... زكريا ~~} (¬1) وجرت محاورة بينها وبين الملك في غير ما موطن. فمن منع أن تكون هذه ~~نبؤة. فكذلك يمنع أن تكون مرسلة أو أرسلها الله إلى أمة من الأمم بقوله: { ~~وما أرسلنا ........... إليهم } (¬2) . وليس بمحال. # وقال في سارة: { وبشروه بغلام حليم ........ العليم } (¬3) . وقال الله ~~عز وجل: ms197 { فضحكت ............مجيد } (¬4) . # وقال في أم موسى عليه السلام: { وأوحينا ................ المرسلين } ~~(¬5) . وقال: { إن كادت............... المؤمنين } (¬6) . # وعامة الفقهاء على أن الله تعالى ما نبأ عبدا ولا امرأة ولا رجلا من أهل ~~البادية. واستدلوا بقوله تعالى: { وما أرسلنا ......... القرى } (¬7) ~~والرسالة ليست من النبوة في شيء. # وقال بعضهم: إن الله نبأ لقمان الحكيم وهو عبد. ونبأ الله يعقوب وهو من ~~أهل البادية. وقال تعالى إخبارا عن يوسف عليه السلام: { وجاء بكم من البدو ~~} (¬8) . وقيل إنه اسم بلد، وهذا تكلف وعدول عن الظاهر بلا برهان. # وقالت عائشة في محمد عليه السلام: لا تقولوا لا نبي بعد محمد ولكن/ قولوا ~~لا رسول بعد محمد. إن بعده أنبياء عيسى وإلياس والخضر # وادريس أحياء (¬9) . ولا بد من نزول عيسى وظهوره ولكن لا يسعهم التخلف عن ~~شريعته إذا ظهروا لقول رسول الله عليه السلام: «لو كان موسى حيا ما وسعه ~~إلا اتباعي» (¬10) . # وقال بعضهم إن الخضر حي ولم يكلف شريعة نبي ولم يكلف إلا شرع نفسه ~~العجائب ليس من شرع موسى في شيء وعلمه فوق علم الشرائع. وعلم الشرائع مصلحة ~~للعامة، وعلم الإلهام نهاية. PageV01P290 # واختلفوا في الذبيح. فقال قوم هو اسحق. وقال بعضهم هو اسماعيل بدليل قول ~~رسول الله عليه السلام: «أنا ابن الذبيحين» (¬1) . # وأما الأولياء والصالحون رحمة الله عليهم أجمعين. أهل الرؤيا الصالحات، ~~والكرامات/ والمعجزات، فالصلاح هو اسم دين الله. وكذلك البر والتقوى. ~~فالصالح من آمن بالله وعمل بفرائضه. قالت الملائكة: { .... ومن صلح من ~~آبائهم وأزواجهم وذرياتهم } (¬2) فالأولاد المؤمنين مؤمنون وصالحون. وسموا ~~صالحين لصلاح آبائهم. # واختلفوا في تفسير الآية في قوله عز وجل: { والذين ...........من شيء } ~~(¬3) فقيل إنها في أولادهم الكبار الذين بلغوا الحلم وآمنوا وقصروا فيلحقهم ~~الله عز وجل بآبائهم. والآباء بدرجة الأبناء. وقال بعضهم: هي في أبنائهم ~~الصغار يلحقهم الله تعالى بدرجات آبائهم بإيمان آبائهم. # واختلف الناس في ولاية الأطفال. فتولاهم جميعا معاذ بن جبل، أعني الذرية ~~لا من ذرية مؤمنين ولا من/ ذرية المشركين، ولا من ذرية المنافقين. فهؤلاء ~~الأقوال الثلاثة واسع لهم الكل لا ms198 قطع عذر، وحجة من تولاهم كلهم قوله عليه ~~السلام: «كل مولود يولد على الفطرة حتى يكون أبواه يهودانه أو ينصرانه أو ~~يمجسانه» (¬4) . فمن مات منهم طفلا مات على الفطرة ودخل الجنة بإيمان آدم ~~وإبراهيم وغيرهما. وأن الله تعالى لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم ~~يظلمون. وأما من توقف فيهم فيقول PageV01P291 # رسول الله عليه السلام حين سأله رجل عن أطفال المشركين فقال: «الله اعلم ~~بما كانوا صانعين» (¬1) . وهذا ليس بشيء، هو حجة المتوسطين، وإنما وقع ~~السؤال على أطفال المشركين خصوصا. والصحيح أن أطفال المسلمين مسلمون ~~وصالحون ومؤمنون بإيمان بإيمان آبائهم، ويقول رسول الله عليه السلام لولده: ~~«تما رضاعتك يا بني في الجنة» (¬2) . وذلك أنه/ مات وهو ابن ثمانية عشر شهرا. # وأما الأطفال عند الخوارج: فأطفال المؤمنين مؤمنون وأطفال المشركين ~~مشركون. وأصحاب الحديث أيضا كذلك. أما الخوارج فتأولوا قول الله تعالى ~~حكاية عن نوح عليه السلام: { رب لا تذر........... كفارا } (¬3) وقال الله ~~تعالى: { أكفاركم ...... الزبر } (¬4) وأما أصحاب الحديث فتأولوا قول رسول ~~الله عليه السلام: «أنه توقد لهم نار غدا يوم القيامة فيؤمرون باقتحامها ~~فمن اقتحم نجا، فلو أمروا في الدنيا لاتمروا ومن امتنع منها دخلها مع ~~آبائهم» (¬5) وفي خبر أنه سئل عن أطفال المشركين فقال: «الله أعلم بما ~~كانوا صانعين». # واختلفوا في أفعال الصبيان في جميع ما فعلوه من العبادات. قال بعضهم: ~~تكتب لهم حسنات ولا تكتب/ عليهم السيئات. وقال بعضهم لا تكتب لهم حسنة ولا ~~تكتب عليهم سيئة حتى يبلغ الحلم. وأجمعت الأمة أنهم لا تكتب عليهم سيئة حتى ~~يبلغوا الحلم. # ويقال أيضا: المؤمن موف بعد الله وبدينه وبأمانته وإن كان دون ذلك، لأن ~~الدين جميع ما أمر الله به فلن يقدر أحد أن يوفي بجميع ما أمر الله به إلا ~~على قول عمروس بن فتح والشافعي اللذان يقولان إن النوافل مندوب إليها وليست ~~بمأمور بها. فأما من قال إن جميع النوافل مأمور بها فلن يقدر أحد أن يفي ~~بجميع المأمور ولكنه جله وهو الفرائض وكذلك في نفس الفرائض ومن ms199 دين الله عز ~~وجل والمؤمن مؤمن وإن لم يفي بها. وأما إن كان معه بعض الكبائر PageV01P292 # فليس بموف ولا وفي (¬1) وربما تكون بعض/ حسناته مكفرة لبعض سيئاته كما ~~قال الله تعالى: { إن الحسنات............. للذاكرين } (¬2) قال "أنس بن" ~~(¬3) مالك رضي الله عنه: ذلك توبة التائبين. وربما تأتي المصائب عليها ~~فتكفرها، وذلك للذنوب التي بينه وبين الله تعالى ما لم يكن إصرار، وفيها ~~يتعاقب العباد، ولله ألطاف خفية. وقد سئل رسول الله عليه السلام عن رجل قتل ~~في سبيل الله مقبلا غير مدبر أيكفر الله خطاياه؟ فقال للسائل: نعم. ثم قال: ~~ردوا علي الرجل. فجاء فقال: إلا الدين، كذلك قال لي جبريل عليه السلام آنفا ~~(¬4) . وهذا نص من الرسول عليه السلام أن جميع الذنوب صغيرا وكبيرا تكفره ~~الشهادة إلا ما كان من دين الناس. وقال في موضع آخر: «يغفر للشهيد عن أول ~~قطرة تقطر من دمه» (¬5) . فهذا لم يستثن شيئا. وقال: «من قتل دون ماله فهو ~~شهيد» (¬6) ./ وبالجملة إن الذنوب التي بينه وبين الله تعالى مرجوة مغفورة ~~لمن سلم مذهبه من البدعة. ودليله أصحاب الأعراف؛ واختلف فيهم: فقال بعضهم: ~~قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم وهم أهل الجنة بدليل قول الملائكة: { أهؤلاء ~~............تحزنون } (¬7) . وقال بعضهم: بل قوم اسودت وجوههم وأجسادهم حتى ~~لم يبق لهم بياض إلا في ثغرة نحورهم فما زال السواد ينجلي ويزداد البياض ~~حتى عادوا بأفضل حالة فيؤمر بهم إلى الجنة. PageV01P293 # واختلفوا في أصحاب الأعراف الآخرين، فقال بعضهم: هم الملائكة، وقال ~~بعضهم: الأولون هم الآخرون وهم أهل الجنة، وقال بعضهم: هم/ الأولون الآخرون ~~وهم الملائكة والأنبياء، واختلف الناس في التسمية بمؤمن، قال أهل الحق: ان ~~المؤمن الحكيم على هذين الوجهين، أحدهما - كما قدمنا - في الموفي بدين الله ~~كما قال الله تعالى: { وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم } (¬1) . فالوفاء بالثواب ~~للموفي بالعهد، وقوله: { أولئك هم المؤمنون حقا } (¬2) ومصداقه: (لا يزني ~~الزاني حين يزني وهو مؤمن...) وأخوتها (¬3) . والثاني: المقر، قال الله ~~تعالى: { ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها } (¬4) ، وقال: { ~~ومن أراد الآخرة وسعى لها ms200 سعيها وهو مؤمن } (¬5) أي مقر، وأما من زعم أن ~~المقر هو من أهل الجنة وحكم له بها وإن لم يدع لله حرمة إلا انتهكها فمقطوع العذر. PageV01P294 # وأما اذا لم يكن إلا التسميات فلا بأس، قد يقال حاج للمشتغل في مناسك ~~الحج ولمن كان في الطريق، ولمن كان سائرا أو لمن هو في البلد مشتغلا في ~~أموره،/ وجوز بعضهم: مؤمن فاسق بمعنى مقر فاسق، وبعضهم فاسق لا مؤمن ولا ~~كافر، وبعضهم: منافق وموحد، وبعضهم: منافق مشرك، وقال بعضهم: يهودي منافق ~~مشرك، وبعضهم: يهودي كافر ليس بمشرك، وقال بعضهم: الوفاء بالايمان هو ~~الوفاء بالتوحيد والعمل الصالح، وقال بعضهم: الايمان في القلب لا غير، ~~واستدل بقول رسول الله عليه السلام: وبعضهم فاسق لا مؤمن ولا كافر، وبعضهم: ~~منافق وموحد، وبعضهم: منافق مشرك، وقال بعضهم: يهودي منافق مشرك، وبعضهم: ~~يهودي كافر ليس بمشرك، وقال بعضهم: الوفاء بالايمان هو الوفاء بالتوحيد ~~والعمل الصالح، وقال بعضهم: الايمان في القلب لا غير، واستدل بقول رسول ~~الله عليه السلام: وبعضهم فاسق لا مؤمن ولا كافر، وبعضهم: منافق وموحد، ~~وبعضهم: منافق مشرك، وقال بعضهم: يهودي منافق مشرك، وبعضهم: يهودي كافر ليس ~~بمشرك، وقال بعضهم: الوفاء بالايمان هو الوفاء بالتوحيد والعمل الصالح، ~~وقال بعضهم: الايمان في القلب لا غير، واستدل بقول رسول الله عليه السلام: ~~وبعضهم فاسق لا مؤمن ولا كافر، وبعضهم: منافق وموحد، وبعضهم: منافق مشرك، ~~وقال بعضهم: يهودي منافق مشرك، وبعضهم: يهودي كافر ليس بمشرك، وقال بعضهم: ~~الوفاء بالايمان هو الوفاء بالتوحيد والعمل الصالح، وقال بعضهم: الايمان في ~~القلب لا غير، واستدل بقول رسول الله عليه السلام: وبعضهم فاسق لا مؤمن ولا ~~كافر، وبعضهم: منافق وموحد، وبعضهم: منافق مشرك، وقال بعضهم: يهودي منافق ~~مشرك، وبعضهم: يهودي كافر ليس بمشرك، وقال بعضهم: الوفاء بالايمان هو ~~الوفاء بالتوحيد والعمل الصالح، وقال بعضهم: الايمان في القلب لا غير، ~~واستدل بقول رسول الله عليه السلام: »ألا ان الايمان ها هنا، وأشار إلى ~~القلب« (¬1) PageV01P295 # أما الذين قالوا مؤمن فاسق، أخشى (¬1) عليهم أن يصدموا ms201 النص، قال الله ~~تعالى: { أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون } (¬2) . # وكذلك الاختلاف في أمور الآخرة مثل الألفاظ الواردة كالصراط والميزان ~~والأعراف والحشر والصحف والحساب والشفاعة والصعقة والحشر حفاتا وعمراة ~~غرلا، والحشر وفودا ليس هناك موضع إلا وفيه اختلاف إما / مخطئ وإما مصيب أو ~~مصيبان جميعا، وفوق كل ذي علم عليم. # ومما شاع الاختلاف فيه وان وقع الاجماع على خلافه ومضى مثل حكم أبي بكر ~~الصديق رضي الله عنه في المرتده وهو من متروك السنن، والسنة القائمة أن ~~المرتد، يقتل ولا يسبل ولا يغنم. وقد أجمعت الأمة قديما وحديثا على هذا، ~~فقتل أبو بكر وسبى وغنم، ومذهبه في ذلك أنهم قوم خرجوا من الكفر إلى ~~الاسلام غرة تظافروا وتعاضدوا ورجعوا إلى ما هم فيه كأنهم لم يخرجوا منه، ~~وأخرى أنه امتنع من قبول اسلامهم بعدما قاتلهم وفتحهم حتى اشترط عليهم ~~شروطا وذلك حين قدمت وفودهم يطلبون الاسلام، قال محمد بن اسحق: جاء وفد ~~بزاخة من أسد وغطفان إلى أبي بكر الصديق يسألونه الصلح فخيرهم أبو بكر بين ~~الحرب المجلية والسلم المخزية. قالوا: هذه الحرب المجلية قد عرفناها، فما ~~السلم المخزية؟/ فقال: تنزع منكم الحلقة والكراع، وتدون قتلانا وقتلاكم في ~~النار، وتتركون أقواما تتبعون أذناب البقر حتى يري الله خليفة رسوله ~~والمؤمنين أمرا يذرونكم به. وما غنمنا منكم كان لنا وما غنمتم منا رددتموه ~~إلينا. ثم عرض أبو بكر قوله وقولهم على الناس فقال عمر بن الخطاب رضي الله ~~عنه: قد رأيت رأيا وسنشير عليك برأينا. أما ما رأيت من أن تنزع منهم الحلقة ~~والكراع فنعما رأيت وأما ما ذكرت من أن يدوا قتلانا وقتلاهم في النار فإن ~~قتلانا قتلوا على أمر الله فأجرهم على الله، لا دية لهم. فتتابع الناس PageV01P296 # على قول عمر، وهذه الشروط المشروط على من أراد الإسلام وهي أيضا من ~~الرأي. وهل يمنع أحد الدخول/ في الإسلام حتى يتكلف أمورا أخرى؟ ولكن ما رآه ~~المسلمون حسنا فهو عند الله حسن. وهذه المسألة أشبه بالنسخ منها بالاختلاف، ms202 ~~والإمام مخير في ذلك. والإجماع ينسخ الكتاب والسنة إذا. # ومنها الأمور العشرة التي نقمتها الشيعة على عمر بن الخطاب رضي الله عنه. ~~أولها: حق القرابة من الخمس، وذلك أن الله تعالى جعل لقرابة رسول الله عليه ~~السلام في الخمس نصيبا لأجل ما حظره عليهم رسول الله عليه السلام وحرم من ~~أكل الصدقات وأنها لا تحل لمحمد ولا لآل محمد. وكان سهمهم من الخمس جاريا ~~عليهم على عهد رسول الله عليه السلام، وكان الذي يتولاه محمية الأسدي (¬1) ~~. وأجراه أبو بكر الصديق مدة حياته. وأجراه عمر بعض أيامه. قال الله تعالى: ~~{ واعلموا ....... القربى } / (¬2) وكان رسول الله عليه السلام يجريه على ~~أيتام بني هاشم وينكح بها أياماهم. ففي خلافة عمر منعهم فطالبته القربى أشد ~~الطلب ومنعهم برأيه ونظره، وساغ له ذلك بمحضر من المهاجرين والأنصار وأصحاب ~~رسول الله عليه السلام متوافرون ولم يجوزه أحد مع ذلك في فعله ولم يعجزه في ~~نظره، وان فعل عمر هذا من أعظم الأدلة على جواز القياس والتعبد به واستخراج ~~العلل، وذلك أنه تأول المعنى الذي به طهر رسول الله عليه السلام قرابته من ~~أوساخ الناس وجعل بدله سهما من الخمس، فلما فتح الله تعالى على المسلمين ما ~~وعدهم من الفيء أغناهم بالعطايا عن الخمس والصدقات. قال الله تعالى: { إنما ~~الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب/ ~~والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله } (¬3) . فطهرهم عمر عن ~~مشاركة الأيتام والمساكين وابن السبيل، وجعل لهم في الفيء والعطايا سهما ~~وافرا بدلا ومندوحة عن الخمس والصدقات. PageV01P297 # الثانية: سهم المؤلفة قلوبهم. قد فرض الله تعالى لهم في الصدقات نصيبا، ~~قال الله تعالى: { إنما الصدقات...... قلوبهم } (¬1) . وكان رسول الله عليه ~~السلام أجراه عليهم ثم أبو بكر ثم عمر ثم حرمهم فقيل له في ذلك فقال: ذلك ~~إذا كان الإسلام حقيا وأما الآن فقد بزل فلا سهم لهم. فمذهب عمر في ذلك ~~تخصيص عموم القرآن بالأزمان والأحوال والمكان والأسماء أو كان رأيا من رأيه ~~فنعما فعل والكل صواب. وقد ms203 أذعنت له الأمة وصوبت له فعله. الثالثة:/ إسقاط ~~القطع على السراق عام الرمادة، بعد قول الله تعالى: { والسارق والسارقة ~~.......... حكيم } (¬2) . وعام الرمادة عام ظهرت فيه مسغبة جوع عمت الآفاق. ~~فنظر عمر إلى حاجة الناس فتأول قول رسول الله عليه السلام: "ادرءوا الحدود ~~بالشبهات" (¬3) . ولهذه العلة أجاز بعض الفقهاء تناول الأموال للمسغبة لأجل ~~الضرورة الدافعة لتنجية النفس من الهلاك، ولأنه حق واجب أوجبه الله على ~~ملاك الأموال، ولم يسيغوا لأهلها منعهم لأنه حقهم الواجب عليه. وذكر له أن ~~يقاتل صاحب الطعام وصاحب الماء على طعامه ومائه لينجي نفسه، فإن قتل المالك ~~هدر دمه إذ لا يحل له منعه. # الرابعة: اطراح الصدقات عام الرمادة أيضا. فلما كان عاما قابلا أخذها/ ~~مرتين منهم، والأموال تنتقل، والأحوال تتبدل، وصروف الدهر جارية على ~~التغيير فيكون المعسر موسرا والموسر معسرا والحي والميت حيا ولن يحصى. ولم ~~يبلغنا أنه راعى شيئا من ذلك، والنصب تختلف وزان ذلك بين ظهراني المهاجرين ~~والأنصار ولا مغير ونعم الرأي رأيه ولن تجتمع الأمة على ضلال. PageV01P298 # الخامسة: إعتاقه أمهات الأولاد على أربابها بعدما اجتمعت الأمة أنهن إماء ~~رقيق على عهد رسول الله عليه السلام وعلى عهد أبي بكر رضي الله عنه وعلى ~~عهد عمر رضي الله عنه ثم بدأ له فرأى من الرأي أن يعتقهن على مواليهن فعوتب ~~في ذلك فقال: ما أردت إلا الخير، ألحقت حرمة بحرمة. فسلمت له الأمة. ولقد ~~كان يجري بين عمر ورسول الله عليه السلام هنات (¬1) فيكون الله في نصرة رأي ~~عمر. ومنه قول عمر: وافقت ربي في ثلاث، ووافقني/ في ثلاث (¬2) . وقول ابن ~~مسعود: ما كنا نتعاجم أن ملكا بين عينيه يسدده. وقد قال رسول الله عليه ~~السلام: »عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي (¬3) « وقال: »اقتدوا ~~باللذين من بعدي« (¬4) . فإذا طلب عمر رضي الله عنه بأن يجرى عليهن أحكام ~~الحرية امتنع له الأمر وأجاز لمولاها تسريها ولا قود بينها وبين الأحرار. ~~والحرمة حرمة الأمة في القذف والقتل واللعان والشهادة والأرث فأجرى عليهن ~~الاسم وأبطل الحكم ms204 ومنع من البيع لا غير. # السادسة: صلحه نصارى بني تغلب على أن أسقط عنهم الذلة والصغار واسم ~~الجزية وسماها صدقة ثم أرباها عليهم وأضعفها بعد قول الله عز وجل: { قاتلوا ~~الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا ~~يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم / ~~صاغرون } (¬5) اعلم أن عمر كما قال رسول الله عليه السلام: »إن لكل أمة ~~محدثا ومروعا فإن يكون فيكم فعمر« (¬6) . وذلك أنه PageV01P299 # نظر إلى ربيعة بالجزيرة وهم قوم عرب تنصروا قبل الإسلام. وهم أهل نكاية ~~في الحروب وشدة. قد أرضعتهم الحروب بلبانها وفطمتهم من عهد المهلهل إلى ~~الأبد. وقد هموا بقطع الفرات إلى دجلة ثم إلى بلاد أرمينية ليعضدوا النصارى ~~على المسلمين حين عرض عليهم عمر رضي الله عنه الذلة والصغار والجزية ~~وامتنعوا من الإسلام. فخيرهم بين ما ذكرنا وبين السيف. فاختاروا السيف أنفة ~~وحمية فامتنعوا مما ذكرنا فجعلها عليهم عمر صدقة وأسقط عليهم اسم (¬1) ~~الجزية "نظرا للمسلمين" وأضعف عليهم الصدقة. فجعل على خمس/ من الأبل شاتين، ~~وعلى عشر أربعا، وعلى عشرين ثمانيا، وفي خمس وعشرين بنتي مخاض. والذهب ~~كذلك. فجعل في الأصول التي يتجرون بها بين ظهراني المسلمين نصف العشر. ~~فانعقد الصلح بينه وبينهم على ذلك وجعلهم المسلمون في مقدمتهم بينهم وبين ~~العدو في افتتاح المدائن والقرى والكفور فنفع بهم المسلمين وأعز بهم أهله ~~ودمدم بهم الشرك والأصنام إلى أن ظهر حديث رسول الله عليه السلام أنه قال: ~~»إن الله ليؤيد هذا الدين من ناس من ربيعة على شاطيء الفرات«. فحمد الله ~~عمر وشكره حين وفقه ولم يقدر على تألفهم إلا أن يغمض لهم ببعض حقه. وليس ~~بأن أغمض لهم ببعض حقه بأعظم من إرزاء المؤلفة قلوبهم بعض صدقات المسلمين. ~~وليس من رزأك في مالك كمن لم ترزأه ماله، وهذا كله رأي سديد/ والحمد لله رب ~~العالمين. PageV01P300 # السابعة: صنعه في الفيء الذي أفاه الله تعالى على المسلمين بسيوفهم ~~وإراقة دمائهم ونصبهم للأسنة نحورهم ms205 حازه ورده إلى أربابه عبيدا للمسلمين ~~بعد ما حازه المسلمون وصاروا لهم أرقاء والفيء أملاكا. وقد قال الله تعالى: ~~{ ما أفاء الله على رسوله............فانتهوا } (¬1) . وقد قسم رسول الله ~~عليه السلام الغنائم في بدر وخيبر وحنين في المواطن كلها. وأن الخمس لمن ~~سماه الله تعالى، والأربعة الأخماس لمن قاتل عليها. وتأول الأصول والعقار ~~والدمن بخلاف الغنائم PageV01P301 # فعوض بصنيع رسول الله عليه السلام في خيبر. وقد قسم العقار والأصول/ ~~والأرضين على الأسهام كما تقسم الغنيمة. فعارضهم عمر رضي الله عنه رصنيع ~~رسول الله عليه السلام في مكة وأهل مكة، أقرهم في بلدهم ولم يضرب فيهم ~~بسهم. وعلى أن الأمة قد اختلفت في أمر الغنائم. قال بعضهم: إنها على القسمة ~~الموجودة في الأنفال. وبعضهم يقول: أمرها إلى الإمام إن شاء قسم وإن شاء ~~نفل وإن شاء رد. قال الله تعالى: { واعلموا أنما غنمتم من شيء... } الآية ~~(¬1) . قال عبادة بن الصامت: فينا معاشر الأنصار نزلت الأنفال، وذلك أنه ~~ساءت فيه أخلاقنا فاختلفوا في الغنيمة يوم بدر. فقال من حازها: هي لنا. ~~وقال من قاتل: لولا نحن ما قدرتم عليها. وقال الذين طافوا برسول الله عليه ~~السلام يحيطونه من العدو: ونحن أعظم عناء وغناء منكم قلوا انفلت العدو لهلك ~~رسول الله عليه السلام. فنزع الله الغنيمة/ من أيديهم ورد الحكم فيها إلى ~~رسول الله عليه السلام فأنزل: { يسألونك عن الأنفال.............مؤمنين } ~~(¬2) . فكان الحكم في الغنائم إلى الإمام. ألا ترى إلى الإمام أنه يعطي ~~الأسلاب للقاتلين، وقد قال رسول الله عليه السلام: ألا ترى إلى الإمام أنه ~~يعطي الأسلاب للقاتلين، وقد قال رسول الله عليه السلام: ألا ترى إلى الإمام ~~أنه يعطي الأسلاب للقاتلين، وقد قال رسول الله عليه السلام: »من قتل قتيلا ~~وله عليه بينة فله سلبه (¬3) «. فمرات وإن رسول الله ينفل بهذا السبب ويعطي ~~من الغنيمة ويفضل. وقال قوم: إنما ينفل من الخمس. ومنع من ذلك آخرون ~~وقالوا: بل من نفس الغنيمة لأهلها، فالخمس لأهله. وما جاز في الخمس الذي ~~سماه الله لأهله يجوز في ms206 الغنيمة مثله وإن سماها لأهلها. وللأمراء مع أصحاب ~~السرايا دلالة على التنفيل وذلك أن أصحاب رسول الله عليه السلام يستعملون ~~مع أصحاب السرايا في PageV01P302 # أول اقبالهم إلى العدو. وإن للسرية الخمس من رأس المال ثم يخرج خمس الله ~~تعالى ثم يقسم الباقي بين السرية وأهل العسكر/ ولهم في الرجوع الربع لأن ~~السرايا يهون عليهم اقتحام بلاد العدو وفي مقدمة العسكر. وشق عليهم التخلف ~~بعد العساكر. فتأول عمر أن للإمام النظر للمسلمين. ووجه آخر: أنه نظر إلى ~~الفرس والروم قد انجفلت وخلت من بلادها وتعلقت بالحصون والقلاع والجبال. ~~فلو قسم عمر بينهم لاشتغلوا بأموالهم فعند ذلك يكر عليهم العدو وينقدع ~~الجهاد ويعطل المعنى الذي أراده الله بهم ووعده لهم وهي الغنائم. قال الله ~~تعالى: { وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها } (¬1) فرأى بحسن نظره أن يسلم ~~الأراضي والأموال إلى أربابها ويجعل للمسلمين عليهم ضريبة يستدونهم إياها ~~كالخراج الذي يضرب به الواحد على عبده ويتفرغون إلى جهاد عدوهم وافتتاح ~~البلاد أمامهم. وتأول أيضا قول رسول الله عليه السلام: »منعت العراق درهما ~~وقفيزها ومنعت الشام/ دينارها ومديها، ومنعت مصر دينارها وأرادبها« (¬2) . ~~بمعنى أن ستمنع. وهذا الحديث إنما أولوه بمعنى أن سيمنع ما فيها من فيء ~~المسلمين في آخر الزمان. وتأول أيضا قول الله تعالى: { كي لا يكون ~~........... فانتهوا } (¬3) ثم خص الله تعالى لمن يكون له الفيء، فقال: { ~~للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم.... } (¬4) الآية. ثم قال في ~~الأنصار: { والذين تبوؤوا الدار والإيمان من قبلهم } (¬5) . فنعتهم ووصفهم ~~ثم قال فيمن يأتي بعدهم: { والذين جاءوا......... رحيم } (¬6) . ألا تراه ~~قد أوجب للآتين من بعد في هذا الفيء نصيبا فلم يحضروا بعد. PageV01P303 # الثامنة: تحرير هؤلاء المشركين بعد أن حاربهم المسلمون وفتحهم الله عليهم ~~وصاروا لهم خولا وعبيدا وأزاجهم وأموالهم إماء ورقيقا، ونقلهم إلى أحكام ~~الجزية واعتقهم على المسلمين وأجرى علهيم أحكام الأحرار بعد العبودية بغير ~~مؤامرة ملاكها وأجاز النكاحات والشهادات/ والمعاملات. وأجرى عليهم الحدود ~~من القطع والرجم والجلد والقصاص والجنايات وجعل على رقابهم الجزاء وفي ~~أموالهم الفيء. وهذا كله ms207 رأي من رأيه وحكم من أحكامه. وهذا كله إنما فعله ~~عمر بمشاورة ذوي الرأي من المهاجرين والأنصار. وأطبقت الأمة بعد ذلك فهو ~~إجماع وتتابعت عليه العامة، ولا ينظر إلى شذوذ من شذ. # التاسعة: إجلاؤه اليهود والنصارى بعد عهد الله وذمة رسوله عليه السلام. ~~أجلى أهل خيبر وأهل فدك. وأجلى النصارى نجران برأي وحكم من أحكامه. وأما ~~إجلاؤه أهل خيبر فإنهم عارضوه بذلك. قال له ابن أبي الحقيق أجلينا يا عمر ~~وقد عقد له محمد الذمة؟ فقال له عمر: أتظن أني نسيت قول رسول الله عليه ~~السلام حيث قال: »كأني بك وناقتك ترقص بك« (¬1) . وقد قال رسول الله عليه ~~السلام: »آمركم ما أمركم/ الله عز وجل« (¬2) . وأما أهل نجران فإنهم رجعوا ~~إلى معاملة الربا وقد شرطها عليهم رسول الله عليه السلام ألا يتعاملوا ~~بالربا أيام أعطاهم العهد وصاروا ذمة فخيرهم عمر فأجلاهم وأعطاهم عوض ~~أموالهم بنجران في أرض العراق. # وأما فدك فهي خالصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم. # العاشرة: تمصيره الأمصار وتدوينه الدواوين وقسمه الفيء على غير الطريقة ~~التي قسمها رسول الله عليه السلام وعلى غير ما قسمها أبو بكر الصديق رضي ~~الله عنه. وذلك أن رسول الله عليه السلام جعل الفيء في حوائج المسلمين وآثر ~~به أهل الفاقة والحاجة وقسم أبو بكر بالسوية، PageV01P304 # وقسم عمر بالتفضيل ثم ضرب في الفيء للأحرار والعبيد والصبيان والصغار ~~ولأهل الذمة وأمور أخرى لم تذكر. ومن الأمور التي نقمتها الشيعة أيضا قوله ~~في متعة النساء شرعها البارئ/ سبحانه في كتابه وأبطلها عمر برأيه ونهى عنها ~~وحرمها. # ومن الأمور التي نقمها الشيعة قوله في متعة الحج وقد شرعها الله عز وجل ~~في كتابه فنهى عنها عمر وضرب عليها وزجر. ومن الوجوه المأخوذة من جهة الرأي ~~والاجتهاد أحكام الكتمان. وذلك أن رسول الله عليه السلام بعثه الله تعالى ~~على حين فترة من الرسل وظهور جاهلية جهلاء فأمره الله عز وجل بالدعاء ~~لعباده بالموعظة الحسنة. قال الله تعالى: { أدع إلى سبيل ربك بالحكمة ~~والموعظة الحسنة } (¬1) . وقبل أن ms208 يشرع له الشرائع مدة من المدد لا يحلل ~~ولا يحرم ولا ينقض ولا يبرم فنسخ الله تعالى بدعوته جميع الشرائع التي كانت ~~قبله. وكان الناس في النأنأة (¬2) من استجاب له كان في سعة حتى نقله الله ~~تعالى من داره إلى دار الهجرة فشرع له الشرائع وأمره أن يصدع بأمر الله ~~فصدع وبلغ/ ما أرسل به علانية ونصح لأمته. فتوفاه الله راضيا مرضيا وترك ~~الناس على منهاج ربهم والأقتداء بسنة نبيهم وسنن الخلفاء الراشدين من بعده ~~مدة الخلافة ثلاثين عاما من بعده فانحل النظام فاختلط الحلال والحرام وصارت ~~ملكا وجبرية عضوضا بربرية. فأمر رسول الله عليه السلام من أدرك ذلك الزمان ~~أن يأخذ ما يعرف ويدع ما ينكر كما قيل لعبدالله بن عمرو بن العاص: فكيف بك ~~إذا مرجت عهود الناس وأماناتهم قال: فما تأمرني به يا رسول الله قال: »عليك ~~بما تعرف ودع ما تنكر ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يأتيك الموت (¬3) «. وفي ~~حديث آخر: »عليك بخويصة نفسك ودع أمر العامة« (¬4) في أمثال هذه الأخبار. PageV01P305 # ومن الرأي رجوعهم إلى أحكام الكتمان. واعلم أن المسلمين نظروا حيث تغلب ~~عليهم الجبابرة وضعفوا عن النصرة لدين الله رجعوا إلى أحكام الكتمان/ ~~فتركوا أحكام الظهور رأيا وقياسا على كتمان رسول الله عليه السلام الذي جرى ~~عليه قبل الهجرة فجعله المسلمون مسلكا من مسالك الدين. فمن حرمه أخطأ ومن ~~حكم فيه بأحكام الظهور أخطأ. قال الله تعالى: { والذين جاهدوا.......... ~~المحسنين } (¬1) وقال: { وما جعل عليكم في الدين من حرج } (¬2) وقال رسول ~~الله عليه السلام: »فما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن« (¬3) . # فصل # ثم التفرقة وقعت في أحكام الكتمان. وأبطلوا في الكتمان من أحكام الظهور ~~أمورا وقصروها على الأئمة إذا ظهرت وهي الحدود من الجلد والقطع والرجم ~~واللعان. أما الجلد ففي القاذف والزاني البكر والإماء المحصنات الزواني. ~~وأما القطع ففي السارق والمحاربين والقصاصات. وأما الرجم ففي محصيني ~~الزناة. وألحقوا/ بهذه الأمور إقامة الجمعة. واختلفوا في الجهاد فأجازه بعض ~~وأبطله بعض، فهذا رأي المسلمين. وأما من ms209 لا يجيز الرأي والقياس فإنه يجيز ~~هذه الأمور كلها للولاة والأئمة في الدين أن يقيموها وهذه الأئمة سواء كانت ~~بررة أو فجرة. ثم إن الأولين نقموا على هؤلاء أمثال الأفعال في هذه الأمور ~~ولم يقطعوا العذر في الفتوى. وتوقفوا أيضا فيمن فعل بعض هذه الأمور ولم ~~يقطعوا مثل من أقام الجمعة أو جاهد مع الأئمة الجورة. وأجازوا فنون القتل ~~في الظهور والكتمان إلا الرجم، ولم يبطلوا منها شيئا إلا ما ذكرنا بل ~~أوجبوا في الكتمان رأيا وقياسا على من لا يجب عليه إلا الحد بشرط أن يشتهر ~~بفعل ذلك وحملوه على سبيل PageV01P306 # المحاربة من السراق والزناة والبغاة وجميع فنون المعاصي وهذا كله بالرأي ~~لا بالأثر/، ويؤثر عن الحسن البصري أنه قال: أربع إلى الولاة؛ الحدود ~~والجمعة والجهاد واللعان، رأيا من رأيه ولم يدع فيه سنة قائمة ولا خبرا في ~~الكتاب منصوصا إلا استحسانا. # فصل # ورأى مثبتوا أحكام الكتمان أن يولوا على أنفسهم واليا يقيمون به أحوالهم ~~من أمر دينهم ودنياهم، والتولية من السنة واستعملوا في أحكامهم الأدب ~~والتعزير والنكال والقتل في المواضع التي ذكرناها ومنها قتل المرتد سائغ في ~~الظهور والكتمان والطاعن في دين المسلمين، ومانع الحق والجناة، فهو ءلاء ~~كلهم أجازوا قتلهم بالحدود ربما رأوا إلا الجاني وحده فسبيل الولي عليه ~~القتل بالحديد أو بالسياط، وأما الآخرون فمخيرون عندهم في قتلهم وتسويطهم ~~رأيا من رأيهم، والقتل/ بالسياط رأي من الرأي. # وأما من في خصلة من خصال النفاق فإنهم قد استعملوا فيه القتل بالسوط، ~~وأبطلوا الانتفاء من الولد بدليل قوله عليه السلام: «الولد للفراش وللعاهر ~~الحجر» (¬1) . وأبطلوا ولاية البيضة إلى ولاية الأشخاص، وأبطلوا ولاية ~~الأشخاص إلى ولاية أهل الموافقة في الشريعة لافتراق مذاهب الأمة وظهور ~~الفساد في الأرض، وأثبتوا ولاية الشراة والدفاع بالكتاب والسنة، واطرحوا ~~أخذ الجزية عن أهل الذمة، ولم يقطعوا بعصيان من أخذها، وأثبتوا جميع أحكام ~~الولاة الفجرة إذا سوغتها الشريعة، والصلاة خلفهم اذا أقاموها، وكانوا ~~ينفدون الوعيد فيمن تخلف عنها استقراء من حديث رسول الله عليه السلام: ms210 ~~«أطيعوهم ما أقاموا فيكم الخمس» (¬2) ومنعوا من تولية جل أمورهم، وتأولوا ~~فيه قول رسول/ الله عليه السلام: # « PageV01P307 # لعن الله الظالمين واعوانهم وأهوان أعوانهم ولو بمدة قلم» (¬1) وأباحوا ~~الخروج عليهم إذا ظلموا من جهة البغي، ولقول الله تعالى: (فإن بغت ~~..........المقسطين) (¬2) . # باب # أحكام الفتنة واختلاف الناس فيها # وأما أمر الفتنة فقد اختلف فيه الأمة، فأول الفتنة فتنة عثمان بن عفان، ~~اختلف الناس فيه على أربعة أقوال: # أحدهما: قول عبدالله بن مسعود وأبي ذر وعمار بن ياسر رحمهم الله قالوا: ~~ان الخليفة عثمان بن عفان بعد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فأحدث أحداثا ~~خالف فيها سبيل صاحبيه، وأنهم طلبوه أن يعدل أو يعتزل عنهم فأبى أن/ يعتزل ~~عنهم، وبغى وظلم واستعتبوه ستة سنين فلم يعتبهم، وأن دمه حلال لهم لبغيه ~~وظلمه، قال الله تعالى: (فإن بغت احداهما........ أمر الله) (¬3) . وسموه ~~جائرا وفاسقا وظالما وكافرا كفر النعمة لقول الله تعالى: (وعد الله ~~الذين.............. الفاسقون) (¬4) . وحكم عليه ابن مسعود بالكفر بدليل ~~قوله: وددت أني PageV01P308 # وعثمان برمل عالج يحثى علي وأحثى عليه حتى يموت الأعجل، قالوا: إذا ~~يقتلك، قال: لا يعين الله الكافر على المؤمن، وقول عمار بن ياسر للذي ~~استغفر/ لعثمان فحثاه بالتراب فقال: أتستغفر له يا كافر؟! وان جميع من قام ~~بالطلب لعثمان فهو مثله، قال فاسق مقطوع العذر أهل عداوة الله عز وجل بدليل ~~قولهم: يا أعداء الله، وهم أهل براءة لهم، واسم جميع من انتصر له كإسم ~~عثمان - عند من ذكرنا، حلت دماؤهم وقتلهم ببغيهم. # وقال بعضهم: إن عثمان هو الخليفة بعد صاحبيه كما قلنا عن الأولين وأنه ~~لعلى الحق، وان جميع ما فعله قسط وعدل، وأن الذين نقموا عليه باطل، وان ~~قتلته وجميع من عاضدهم وخرج عليه ظالم، وأنه مظلوم قتيل الظلم والعدوان، ~~وهو من أهل الجنة غدا، فهؤلاء أهل الشام ومعاوية بن أبي سفيان وعمرو بن ~~العاص ومن معهم من الناس، وقال بعضهم: ان عثمان قد فعل جميع/ ما وصفه ~~الأولون به من الجور والظلم، ولكنهم استتابوه ثم ms211 قتلوه بعد التوبة، فهؤلاء ~~مذهب أهل الجمل وأم المؤمنين رضي الله عنهما. # ووقفت الفرقة الرابعة وقالوا ان جميع ما ذكرتم عن عثمان قد أتاه ولكن لا ~~ندري ما بلغ بما فعل، فنحن نقف فيه وفي جميع الفريقين اللذين اقتتلا عليه ~~ناصرا وخاذلا، وأظهروا الشك فيما ظهر بين الناس، وهم عبدالله بن عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه وسعيد بن مالك ومحمد بن مسلمة وغيرهم. # فالأولون المحقون وهم طائفة عمار بن ياسر وابن مسعود وأبي ذر وعبدالرحمن ~~بن عوف لقول الله عز وجل: (فإن بغت إحداهما على الأخرى...)الآية (¬1) . # وليس بعد بغي عثمان بغي وقد انتهك من المسلمين الحرم الأربع فانتهكوا منه ~~الحرم الأربع، فاولاها - أعني الحرم التي/ انتهك من المسلمين ان استخلفوه ~~على دينهم ودمائهم وأموالهم وأماناتهم PageV01P309 # فولى على المسلمين الظلمة الفجرة الخونة للحكم بين الناس في دين الله على ~~صلواتهم وزكاتهم وفروجهم وأزواجهم ودمائهم وأموالهم. وأي بغي أعظم من هذا. ~~ولو فعل أحد مثل هذا في مال يتيم واحد لكان باغيا فكيف بجميع الأمة حتى صلى ~~بهم عامل من عماله في أعظم مصر من أمصار هذه الأمة وهو الكوفة بمحضر من ~~المهاجرين والأنصار صلاة الصبح ثلاثا وهو سكران. فشغر وبال وقام فقال: ألا ~~أزيدكم؟ فقال ابن مسعود حسبنا من ثلاث ثنتان (¬1) . # والحرمة الثانية التي انتهكها من المسلمين منعه العطايا التي افترضها لهم ~~عمر بن الخطاب رضي الله ودرت لهم ووقع الإجماع عليها. وقصر/بيوت الأموال ~~على ذوي قرابته وأرحامه ومنع منها أفاضل أصحاب رسول الله عليه السلام. # والحرمة الثالثة: أن ضرب الأبشار وهتك الأستار وطرد وشرد الصالحين من ~~أفاضل أصحاب رسول الله عليه السلام. طرد أباذر وسيره وكان كما قال عليه ~~السلام: »أسلمت وحدك، وتعيش وحدك، وتموت وحدك، وتبعث وحدك« (¬2) . وفتق بطن ~~عمار بن ياسر الذي قال فيه رسول الله عليه السلام: »عليكم بهدي عمار وهدي ~~ابن أم عبد« (¬3) . وقال: »ما لهم ولعمار يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى ~~النار« (¬4) . وقال في عمار: »تقتلك الفئة الباغية يا عمار« (¬5) . وقال ~~فيه: »إن عمار ms212 جلدة ما بين عيني مهما أصيب المرء هناك لا يتبقى« (¬6) . # وأمر بابن مسعود فكسرت أضلاعه فتوفي خلال ذلك. وطيف بعبد الرحمن بن حنبل ~~على أبيات قالها فسود وجهه وطيف به على حمار وهي: # ... فإن الإمامين قد بينا ... ... منار الطريق عليه الهدى # ... فما أخذا درهما فيلة ... ... ولا جعلا درهما في هوى # ... وأعطيت مروان خمس العباد ... ... هيهات شأوك فيمن سعى # والحرمة الرابعة: أحد الأفعال التي فعلها في خواص المسلمين كأهل مصر ~~الذين كتب فيهم إلى عامله بما كتب، والحمى، ورده الحكم "بن العاص" ومروان ~~وغير ذلك (¬7) . PageV01P310 # والفرقة الأولى محقة، والفرقتان المتوستطان هالكتان، والرابعة يسعها ما ~~لم تقع البلوى، وهو ولاية الظالم وبراءة السالم أو قطعوا عذر الناس في ~~خلافهم. # وأما الفرقة الثانية من الهالكتين فالحكم فيهم حكم عمار، فإنهم عكسوا ~~ونكسوا وأصبح نهارهم ليلا ووزنهم كيلا. وأخبرهم المهاجرون والأنصار شهداء ~~الله في بلاده والحكم على عباده// { فاستغشوا ....... استكبارا } (¬1) . { ~~أولئك الذين طبع الله على قلوبهم .. } (¬2) لا يؤمنون حتى يروا العذا ~~الأليم. # وأما الفرقة الثالثة التي قالت قد ظلم وتاب ورجع وأناب وهي عائشة أم ~~المؤمنين وأصحاب الجمل قضى نصف الحاجة فيما نسب إليه من الجور والظلم قد ~~وقع عليه الاتفاق، ووقع الاختلاف في التوبة. فالناس على الأصل والمدعي ~~التوبة متكلف. وقد قال الأحنف بن قيس لأمنا عائشة أم المؤمنين: أتاب عثمان ~~با أماه بعدما قتل؟ قالت نعم يا بني. فلما خرج قالت لها النسوة اللائي بين ~~يدها: أتدرين ما قال لك قال لك: أتاب عثمان بعدما قتل. قلت له نعم. فغضبت ~~عائشة وقالت أي يجم الأحنف سفهه، أغره أن قيل حليم؟! فهذه الفرقة قد التحقت ~~بأختها ولم يزيدوا في إقراهم على عثمان بالظلم إلا حجة. # اختلف/ الصحابة في الحكم في هذه الفتنة. قال بعضهم: إنها مسألة اجتهاد. ~~وإن المصيب فيها مصيب والمخطيء معذور. # وقال بعضهم: إن كل مجتهد مصيب. وهذا قول علي بن أبي طالب وهو قوله في ~~عثمان وأهل الدار وأهل الجمل وصفين والنهروان وقد ترحم على طلحة بعد نكثه ~~الصفقة. وروى: ms213 قاتل ابن صفية في النار. وترحم على محمد بن طلحة وعلى عثمان. ~~ونهى عن قتل محمد بن طلحة. وقال أهل الحق إنها مسألة ديانة، المحق محق، ~~والمخطيء هالك (¬3) . PageV01P311 # واستدل الأولون باختلاف الناس في الدماء والقود فيها والقصاص. فإذا جاز ~~للحاكم أن يحكم في الدماء بالقود زمانا ويجوز لغيره أن يبطل القود فيها وكل ~~سائغ فكذلك هذه. على أن الأحكام في الدماء تختلف بأسباب. وإن اختلفت في ~~الأحكام فلا تختلف في المعصية. وأما/ دم عثمان فمعلوم بالنص ولا مخالف لقول ~~الله تعالى: { فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا } (¬1) الآية. وإنما ~~الاختلاف إنما كان هل بغي عثمان أو لم يبغ. وقد وقع الإجماع على طلحة ~~والزبير أنهما نكثا البيعة. فإن سوغ لهما على الإجتهاد ولعلهما المحقان ~~دونه. أي اجتهاد في نكث البيعة؟!!. # وأما الحرم الأربعة التي انتهكوا منه فأولاها حرمة الخلافة، وحرمة الشهر ~~الحرام، وحرمة الصحبة، وحرمة الإسلام أما الخلافة فحرمتها الأمانة، فإن ~~خالف إلى الخيانة زالت الأمانة، فإن زالت الأمانة زالت حرمة الخلافة وثبت ~~حكم البغي. وأما حرمة الشهر الحرام فقد عادت حرمة الشهر الحرام كحرمة الشهر ~~الحلال ولن تعيذ (¬2) حرمتها باغيا بعد حكم الله تعالى فيه بالقتل والقتال. ~~وأما حرمة الصحابة. قال الله تعالى: { فمن نكث فإنما ...... أجرا/ عظيما } ~~(¬3) وقال: { ومن كفر # بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون } (¬4) . وقال: { وعد الله ................ ~~عظيما } (¬5) . PageV01P312 # وأما حرمة الإسلام فإن الإسلام هو التوحيد، فلن ينتهكوا للتوحيد حرمة، لم ~~يسبوا ولم يغنموا ولم يسترقوا، وقد أعذروا واعتذروا وهو النصيحة في ~~الإسلام، وإنما قتلوه فالقتل من أحكام الإسلام فمنه قتل المحاربين والقود ~~والقصاص، وعلى الصلاة والزكاة والبغي ونشرب الخمر واشتهار بالمعاصي ~~كالمرجفين. وإن كان الإسلام هو الإيمان والعمل الصالح كما قال الله عز وجل: ~~{ آمنوا وعملوا الصالحات } (¬1) فعلى البغي قتلوه وظهور الخيانة وانتهاك ~~حرمة الأمانة، والأصل البغي. # فصل # وأما قول الله تعالى: { ثم أورثنا.................... مقتصد/ ومنهم سابق ~~بالخيرات } (¬2) . وقد اجتمعت المة على سلامة الأخيرين، المقتصد والسابق، ~~واختلفوا في الظالم لنفسه. قال بعضهم: ساقط هالك، وهو قول العامة. ms214 وقال ~~بعضهم: ناج مغفور له. وهو قول عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها. واستدل ~~الشيخ ماشنن (¬3) بن الخير رضي الله عنه بهذه الآية أن جميع ما تختلف فيه ~~الفقهاء هذا هالك وهذا ناج. ولم ينفع اختلاف العلماء في شيء غير أن المخطيء سالم. # واعلم أنهذه المسألة قد وقع الاتفاق في أصلها وفيما عند الله. وإنما ~~اختلف في ظاهر القرآن قال بعضهم: إن الظالم لنفسه مغفور له في هذه الآية ~~بأمارات دالة في ظاهر الخطاب. قال الله تعالى: { ثم أورثنا PageV01P313 # الكتاب } الآية، والإرث محمود والنسبة فضيلة. وذكره في معرض الامتنان حيث ~~أورثهم الكتاب ثم جلاهم ووصفهم فقال: { الدين اصطفينا } / والاصطفاء فضيلة. ~~وهم صفوة الله حيث اصطفاهم. ثم قال: { من عبادنا } فهذه نسبة محمودة ففسرهم ~~فقال: { فمنهم ظالم لنفسه } فالتسبق فضيلة، والتقييد حيلة، ولا حيلة إلا ~~بالله. فلما ظهرت لهم هذه العلامات والأمارات فضى على الظالم لنفسه أنه ~~ناج. وأي المكلفين لم يظلم لنفسه بهذه الأمارات تائب ناج، وانفهم للآخرين ~~من نفس الآية أنه ظالم مقصر لم يتب فخفي على الفريقين أمر توبته. فقول كل ~~واحد على ما سنح له. فقال الأول: إنه تائب لم يصرلا فهو ناج، وقال الآخر: ~~إنه مصر لم يتب فهو ظالم ساقط. فاتفقا على التائب أنه من الناجين، وعلى ~~المصر الظالم أنه من الساقطين. فلو قال الأول ناج مصر غير تائب. وقال/ ~~الآخر غير مصر وهو ظالم ساقط لأخطأ. فلما عكسا أصابا وسيأتي بيان المسألة ~~بأشبع من هذا إن شاء الله. # بيان اختلاف الناس في الخروج # على السلاطين الجورة وتولية أعمالهم # قالت السنية: الخروج عليهم حرام وقتالهم على ذلك حرام، ولا يحل الخروج ~~عليهم وإن ظلموا وضربوا وحرموا وغصبوا. # وقالت الخوارج: الخروج عليهم واجب وعلى جميع جنودهم ورعيتهم. وقال أهل ~~الحق: إن الخروج عليهم سائغ جائز، وهو قربة إلى الله عز وجل. وجهادهم على ~~جورهم ومنكرهم من أعظم القربات وله شروط قل ما تتفق إلا لأبي بلال مرداس ~~ومن كان على طريقته من أهل النهر وعبدالله بن ms215 يحيى الكندي وأبي حمزة ~~المختار بن عوف رحمهم الله. # وأما السنية فقد حظروا مباحا وندبا. وأما الخوارج فقد أوجبوا مباحا ~~وندبا. ولكنا نقول: إن الخروج عليهم ندب وهو/ إحدى القربات إلى الله تعالى: ~~{ ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله والله PageV01P314 رؤوف ~~بالعباد } (¬1) . وهو باب من أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن ~~منعه وحظره فقد أخطأ ومن أوجبه فقد أخطأ. ولا فرق بين الشراء إلى المشركين ~~وبين الشراء إلى الجائرين، بل إلى الجائرين أفضل. ألا ترى إلى قول رسول ~~الله عليه السلام وقد سئل ما أفضل الشهادة؟ فقال: »كلمة حق يقولها أحدكم ~~عند سلطان جائر يقتل عليها« (¬2) . ورفع الظلم عن المسلمين أفضل من قسر ~~المشركين عن ظلم بعضهم بعضا. وليس للجائرين من الحرمة ما يمنع الخروج عليهم. # ودليلنا على جواز المقام بين ظهرانيهم قول رسول الله عليه السلام: ~~»اعطوهم ما لهم واسألوا الله مالكم« (¬3) . وقوله عليه السلام: »اطع إمامك ~~وإن ظلمك وحرمك وضربك« (¬4) . فمن عزم على الكون معهم والكون بين ظهرانيهم ~~فلا ينزع يدا من طاعة ولا يجعل إلى نفسه/ سبيلا. ولكن لا يطيعهم في معصية ~~الله تعالى لقوله عليه السلام: »لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق« (¬5) . ~~وقوله: »إنما الطاعة في المعروف« (¬6) ويستسلم لجميع ما يجري عليه منهم ما ~~لم يركبوا منه مأثما أويبيحوا محرما لا يقارهم عليه، إن شاء صبر وإن شاء ~~امتنع فواسع له ذلك. ويسعه أن يأخذ عطاياه ويطالبهم بها ويجاهد معهم ويغزو ~~ويأخذ سهمه من الغنيمة لقول ابن عباس: قاتل على سهمك في الإسلام. ويدفع لهم ~~جميع ما يطلبونه من حقوقهم لقول رسول الله عليه السلام: »اعطوهم حقهم ~~واسألوا الله ما لكم عليهم من الحق« (¬7) . # باب PageV01P315 # دفع الصدقات والعشور والزكاة إليهم # واعلم أن هذه المسألة قد اختلفت فيها الأمة فقالت الأشعرية: لا يدفع لهم ~~شيء مما ذكرنا ولا تجزئه مضطرا أو مختارا وليعده في غيرهم من الفقراء. # وقالت السنية: بل له أن يدفعها إليهم ولا يخونهم ولا يصرفها/ بنفسه. وهو ~~فرض واجب عليه. # وقال ms216 أهل الحق أن جميع ما يتعلق بالماشية والحراث إن أخذوه أجزأه وليس ~~عليه إعادته ولا يجعل إلى نفسه سبيلا في منعه وإن لم يأخذوه منه فليصرفه ~~بنفسه حيث تجوز له. وكذلك في الأموال المبارزة الظاهرة للعيون لا يقف لهم ~~عليها ولا يمنعهم. وقول القدرية شاق على السلمين، وهو إلى التنطع أقرب. قال ~~تعالى: { يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } (¬1) . وهم عملوا ~~بالعكس. وقول عبدلله بن عمر كقول أهل الحق، أربى قليلا عليهم وفارقهم في ~~الناض، وقال: يقصدهم به، وهو أن الناض من أموال المسلمين فما قدرت أن تغيب ~~عن أبصارهم وتصرفه دونهم فافعل. ولا تقصدهم به كقول عبدالله بن عمر. وإن ~~ظهروا عليه وأخذوه فالأفضل أن يعيده في موضعه. وإلا فواسع. وأما/ أن يقصدهم ~~به فلا. والله أعلم. # وأما تولية الأمور لهم وخدمتهم، فقد اختلف الناس في ذلك وقد عرفنا مذهب ~~أهل السنة فيه قبل هذا ومذهب القدرية، هؤلاء يقولون جائز وهؤلاء يقولون غير جائز. # وأما قول أهل الحق، قال بعضهم: لا يتولى لهم من الأمور شيئا ولا يعينهم ~~بنفسه ولا بما له مضطرا ولا مختارا. # وقال بعضهم: تجوز خدمتهم وتوليتهم في جميع ما تخدم به الخلفاء الراشدون. PageV01P316 # واستدل الأولون بقول رسول الله عليه السلام: »اعطوهم ما لهم واسألوا الله ~~مالكم« (¬1) . وقال: »أطع إمامك وإن ظلمك وحرمك وضربك (¬2) «. وهو الصحيح ~~عن عمر رضي الله عنه. وقال رسول الله عليه السلام: »أطيعوهم ما أقاموا فيكم ~~الخمس« (¬3) . ولا طاعة إلا في معروف لا في منكر كما قال عليه السلام: ~~»إنما الطاعة في المعروف (¬4) «. أما المعصية فلا نعمت عين ولا تكن/ طاعة ~~من أطاعهم في طاعة الله بطاعة لهم كما أنه لو أنفق على عياله وأهله وولده ~~وعبيده وأوليائه وسعى عليهم وأورثهم ما له بعده بمعين لهم ولو كانوا ~~ظالمين. # والذي أقول به واستحسنته أني رأيت الناس في هذه المسألة على أربعة أوجه، ~~وأن الأمور التي يتولونها على أربعة أنحاء. أما الوجه الأول من الناس فإن ~~الصحابة في عصرهم هم الأئمة ms217 والقادة، وأن لهم من القبض والبسط ما ليس ~~لغيرهم، وإنما غصبتهم السلاطين الجورة ملكهم وسلطانهم. وإن السلاطين في ~~معونتهم لا في معونة السلاطين. فمن دخل شيء من هذه الأمور كما يجب فلا بأس ~~عليه في ذلك. # الثاني: ثم من بعد الصحابة من ظهرت منه مناقضتهم ومخالفتهم وتجويرهم ~~وتخطئتهم والرد عليهم/ ولا يسالمهم في شيء حتى عرف بذلك فليس عليه بأس فيما ~~يتولاه من أمورهم. # الثالث: ثم بعد هؤلاء الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، أمر العامة ~~الذين لا ينسب إليهم أمر بمعروف ولا نهي عن منكر، وليس للناس علم بمذاهبهم ~~ولا اعتقاداتهم في السلاطين. هؤلاء إلى الخطأ أقرب وعن السلامة أبعد، ولا ~~تزر وازة وزر أخرى وما أنت عليهم بوكيل. PageV01P317 # الرابع: ثم من بعد هؤلاء الفقهاء والعلماء الذين يمنعون الخروج عليهم ~~ويحرمونه، ويأمرون العامة بطاعتهم وخدمتهم على هذا ويتعاضدون معهم على هذا ~~العاجل، فهؤلاء الذين قال فيهم رسول الله عليه السلام: »لعن الله الظالمين ~~وأعوانهم وأعوان أعوانهم ولو بمدة قلم« (¬1) وفيهم يقول أبو عبيدة مسلم بن ~~أبي كريمه: ولا/ أرى مؤذنهم ينجو (¬2) . وفي مثله قال سفيان الثوري وقد سئل ~~عن رجل يخيط الثياب الرفيعة ولا يلبسها إلا هؤلاء الجبابرة. فقال الرجل ~~لسفيان: أترى أني من أعوان أعوان الظالمين قال: بل أنت من أعوان الظالمين. ~~وإنما أعوان أعوانهم الذي يصنع لك الإبر لخياطة هذا الثوب. # وأما الأمور الأربعة التي يتولاها لهم: # فأولها: الجهاد والغزو في سبيل الله، وقد تقدم القول بما فيه كفاية. ~~وسائغ الجهاد والغزو. وانما (¬3) ولاية الجيش لمن احتمل ثلاثة شروط فلا بأس. # الأول: أن يكون معلوم المذهب فيهم بأنهم عنده جبابرة وأنهم ليسوا على حق. ~~ويكون معروفا بذلك عند الناس. # والثاني: أن يحكم بما أنزل الله في جميع ما وليه من ذلك، ولا يطيعهم في ~~شيء من معصية الله/تعالى. # الثالث: أن تكون الحاجة ماسة كالذي يروى عن الحكم بن عبدال (¬4) له، وقد ~~أرسل إليه الحجاج بن يوسف وهو على جيوش من خراسان وقال له: إن أمير ~~المؤمنين الوليد بن ms218 عبدالملك يأمرك ويقول لك أن تحتفظ بجميع الغنائم التي ~~غنمتموها هذه السنة ولا تقسمها فإن أمير المؤمنين قد اصطفاها فأرسل للجاج ~~جواب كتابه فقال: "جاءني كتاب رب العالمين قبل كتاب أمير المؤمنين فقسمتها ~~على السهام". ثم قال: اللهم لا تؤخرني بعدها PageV01P318 # إلى رؤية كتاب الحجاج ثانية. فمات عقاب ذلك وحق له. وفيه قال رسول الله ~~عليه السلام: »الحكم بن عبدالله إمام أهل المشرق (¬1) «. فمات بخراسان أو ~~بأرمينية. وكالذي جرى لعقبة بن نافع المستجاب في أرض المغرب، لا يعمل إلا ~~بأمر الله تعالى. وقد ولي أيام عبد/الملك بن مروان. # وأما مس الحاجة إليه كالذي جرى لشريح القاضي، وقد تولى القضاء على عهد ~~عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى أيام الجبابرة ومعاوية وذويه فهو على قضائه ~~إلى ثلاث سنين اعتزلهم أيام عبدالرحمن بن أشعث بن قيس. وولاية بني عباس ~~السقاية، وولاية بني هاشم بني شيبة السدانة وما أشبه ذلك. # والثاني: الفتوى فإن أمور الفتيا ليس به باس من عالم صلح لذلك على الشروط ~~التي ذكرنا، أن يكون مباينا لهم لا معاضدا. كالزهري الملابس لهم وإن كان لا ~~يفتي إلا بالله؛ لأنه آنس وحشتهم، وعاضدهم على مذهبهم ولا يسوغ لهم شيئا من ~~الباطل كجابر بن زيد رحمه الله، فلا بأس. وهو المتولي الفتوى بالبصرة أيام ~~الحجاج، وهو على قسمة المساحة. وكالحسن البصري/ وغيرهما من العلماء ~~المعروفين بمخالفة الأمراء. # الثالث: تولية القضاء والأحكام وولاية القياس فإن كان رجلا مشهورا مذكورا ~~قبلهم قد تولى القضاء والأمور والاحتساب كشريح القاضي فلا بأس. وأما إن كان ~~إنما يتولى القضاء على أيدي الظلمة ويحتطب في حبالهم كبلال بن أبي بردة ~~فهذا له أن يعف. وهو الذي قال فيه أبو عبيدة مسلم ما قال. # الرابع: من يتولى لهم خراج الأرضين والسعاية على الصدقات والعشور والزكاة ~~والكنوز والرسل والرسائل والبرد والنفقات وتفصيل العطايا والدواوين وديوان ~~الجند وديوان الخراج وديوان التحقيق وديوان الشرطة، فهذه أشدها، ومن كان ~~فيها فأخشى عليه أن يكون في معونتهم. وقد قال رسول الله عليه السلام:»لعن ms219 ~~الله الظالمين وأعوانهم وأعوان أعوانهم PageV01P319 ولو بمدة قلم (¬1) «. ~~والحاجة ها هنا إلى هذا التعريف. فإن كان تعريفا للجنس فهو أشد الوجهين، ~~وإن كان تعريف العهد فهو أسهلها. ومن يستعفف يعففه الله ومن يستعن يعنه ~~الله، ولا يضيع أجر من أحسن عملا. ويحشر الناس على نياتهم. وفي يوسف الصديق ~~عبرة لأولي الألباب. قال: { اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم } (¬2) . # وأشد هذه الوجوه الفتن التي تقع بين الملوك الجبابرة الجورة كل يريد أن ~~يتغلب على صاحبه ويقهره ويملكه ويملك مملكته ويستوي على أعماله وعماله. ~~فأولها الجهاد قد سوغناه معهم في المشركين وكذلك دفع المشركين على بلاد ~~المسلمين. فإن وقع الزحف إلى بلاد رجل من الجبابرة الذين لم تكن تحتهم. هل ~~تدافع وتقاتل معهم أم لا، فلا بأس في كل هذا دفاعك عن المسلمين لا عن/ ~~الجبابرة. وإن زحف أحد هؤلاء الجبابرة الجورة إلى بلادك وإلى صاحبك الذي ~~أنت تحته، هل تقاتل مع صاحبك أو طالبك الجائر بالدفاع معه على البلاد التي ~~يأكل عطاياها، أو عن بلدك وموطنك فلا بأس. وإن طالبتك الجائر بالدفاع عن ~~بعض البلاد التي تغلب عليها ليدفع عنها جائرا آخر وفي هذا البلد إخوانك من ~~المسلمين فإن كان ينالهم الضرر من الزاحف وإن كانوا سواء فالله أعلم. وإن ~~طالبك الجائر الذي أنت تحته بأن يزحف بك إلى جائر آخر ليتغلب على عباده ولا ~~نعمت عين. وإن طالبك الجائر بدفاع ظالم أظلم منه أو دفاع الخوارج عن بلادك ~~فلا بأس في هذا كله. وأما دفع السلابة والحاربين على أي بلد من بلدان ~~المسلمين والمعاهدين لآمن أهل الدعوة ولا من المخالفين فلا بأس في هذا كله. # باب # / ... ... ... ... ... أحكام الإكرام PageV01P320 # قال الله تعالى: (... من كفر بالله........... عذاب عظيم) (¬1) . واعلم ~~أن الله عز وجل قد أباح القول باللسان بالتقية والإكرام بشرط طمأنينة القلب ~~بالايمان، واختلف الناس ها هنا أختلافا متفاوتا، فبعضهم أطلقه على ظاهر ~~القرآن، وبعضهم منع منه إلا أن يعتقد في قلبه معنى خلاف ما قال، وتأول قوله ~~عليه السلام: «ان ms220 في المعاريض لمندوحة عن الكذب) (¬2) . وقال بعضهم: يسعه ~~أن يتبعهم لفظا بلفظ ولا تسعه مخالفتهم، وقال بعضهم: له أن يعطيهم جميع ما ~~طلبوا إليه معنى لا لفضا. وبأي لغة طلبوه أن يعطيهم بغيرها، وليس عليه من ~~اللغات شئ، فعلى القول الأول، أشرك/ وعصى. # وقال بعض: الآية منسوخة بحديث ابن حكيم قال: كتب الينا رسول الله عليه ~~السلام قبل موته بشهر: «ألا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب، وألا تشركوا ~~بالله شيئا ولو عذبتم أو حرقتم بالنار» (¬3) ، فنسخ بهذا الحديث الآية، ~~وقال جابر بن زيد رضي الله عنه: انما يوجبه إلى الضمير دون اللسان فالآية ~~باقية على إباحتها. # وقال خامس: عامة جميع ما يقوله اللسان من قذف المحصنات وشهادة الزور ~~والحكم بغير من أنزل، والفتوى والكذب والبهتان، وجعلوه من قياس المعنى، كما ~~أن من بال في ماء لا يتوضأ منه، وان بال في كوز وصبه في ماء فكذلك، في جميع ~~ما يتضمنه اللسان مثل الشرك لا سيما أن الشرك أعظم. PageV01P321 # وقول سادس: إن له (أن) (¬1) يطيعهم في جميع ما يكرهونه عليه فيما يتعلق ~~بالأفعال من جماع/ في رمضان وإفطار وأكل الميتة والدم ولحم الخنزير أهل ~~لغير الله به وأكل الأنجاس الأرجاس ويرعى الخنازير ويشرب الخمور ويحملها، ~~ويضرب بالعود والرباب وينحت لهم الأصنام ويبني البيع والكنائس، ويزفن في ~~العرائس، ويستدبر القبلة، ويخنس من الصلوات ويخرم المناسك، ويهدم البيت ~~الحرام وينصب فيها الأصنام ويبايع الظلمة ويحدو ويغني ويسني، وهذا كله ~~والسيف مسلول والجيد مغلول والمرء مقتول إن لم يفعل في اللواتي قبلها ~~واللواتي بعدها. # وقول سابع: إنه يسوغ لك إذا أكرهت تفتدى بجميع أموال الدنيا فتنتفع بها ~~وترتفق وتأكل وتشرب بالإكراه وبالمخمصة والعطش وتدخل البيوت على أربابها ~~بغير إذن أهلها، وتدل/ عليها وتفتك بها وتفتدى من الظلمة ويتوجه الضمان ~~إليك وعليك بشرط ألا يتجاوز المقدار الذي يملكه من المال، وأما الفروج ~~والنفوس فتلك مظالم العباد ومن أكره على قتل انسان فقتله فالعود على المكره ~~وقيل عليهما، وقال أبو حنيفة: على الذي أكرهه وليس ms221 على القاتل شئ وإن أكره ~~على زنى بأمرأة فالحد عليه والصداق، وإن هي أكرهته بطل الصداق والحد، وقيل ~~ببطلان الحد في الأول، ومن أباح الإكراه له في القتل والزنا فقد تفد مر. # فصل # ومن كان تحت أيدي السلاطين الجورة فأكرهه على قتل أحد من الناس وهو ممن ~~يحل دمه عند المسلمين كالطاعن في دين المسلمين أو مانع الحق، أو الدال على ~~عورات المسلمين، أو أحد من المحاربين أو المرتدين أو المرجفين أو اكرهوه ~~على القصاص أو الجلد أو القطع/ أو الرجم، أو على ذمي منع الجزية أو أسير ~~الحرب، أو يخطب ويصلي بهم الجمعة ويذكر في خطبته مناقبهم وينال من السلف ~~الصالح، فهذا كله سائغ له إذا ظهر السيف وخاف PageV01P322 # الحتف والتلف وبالجملة، إن جميع ما يكره عليه الرجل المسلم ان كان مباحا ~~فمخير إن شاء ترك، وكذلك (النوافل) (¬1) كلها على هذا الحال، وأما الفرائض ~~فما كان مضيقا فلا يسعه إلا أن يطيعهم وغير ذلك مخير، وأما المعاصي كلها ~~فقد تقدم القول فيما يسعه من ذلك وما لا يسعه. # فصل # قال الله تعالى: (لا اكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي) (¬2) قد أوسع ~~الله المسلمين عذرا أن يكرهوا على دخول الدين عبدة الأوثان والأصنام ~~بالسيف، وأما أهل الذمة فكذلك إلا ان تعوذوا بالذمة، وأما أفراق المحمدية/ ~~فلا اكراه عليهم ما أطاعوا لأحكام المسلمين ولا يتعرضوا للبلاء. # وأما الإكراه في الدين فقد ورد في خصال الإسلام كالصلاة يؤدب تاركها ~~ثلاثا وإلا قتل - أعني ثلاث ليال أو ثلاثة أيام وإلا قتل، وأما المرتد ~~فيؤخر أيضا ثلاثة أيام وإلا قتل، وأما مانع الزكاة لولاة الأمور فحين منعها ~~يقتل لا يستأنى إلا أن يظهر الوالي على ماله فيأخذ منه حق الله تعالى ولا ~~يقتل إلا إن كابر قتل، وأما الصوم فلا يترك يظهر الإفطار في رمضان ويمنع من ~~ذلك وإن جاوز المنع على المكابرة قتل، وأما الحج فقد هم أمير المؤمنين عمر ~~بن الخطاب رضي الله عنه أن يضرب الجزية على من لا ms222 يحج وهو موسر ولا مانع ~~له، وأما من منع الجهاد أو الدفاع فإن أمير المؤمنين يؤدبهم بحرمان ~~عطاياهم، وكذلك القضاء/ والفتوى والشهادة والولايات. # فصل PageV01P323 # وإن اتفق المسلمون أهل الحل والعقد على تولية رجل إمرة المؤمنين فامتنع ~~منهم فإنه يقتل إذا لم يكن في المؤمنين من هو أولى بذلك المكان منه، فإن ~~كان منهم من هو أولى أو من هو مثله فإن المسلمين مخيرون في تولية أيهم ~~شاءوا فإن امتنع قتلوه، وإن كانوا عددا فامتنعوا ورأى المؤمنون أن يقتلوهم ~~كلهم قتلوهم إلا أن يكون فيهم من فاقهم في الأمور التي تصلح للولاية فيتوجه ~~القتل إليه وحده، فإن أسر أمير المؤمنين في أيدي أهل حرب المؤمنين فأكرهوه ~~على أن ينخلع انخلع فلا بأس وهو على ولايته. # وهل يجوز لأمير المؤمنين أن يخلع من الولاية إذا طرأ من هو أولى/ بها منه ~~من ذات نفسه، أو يسوغ للمسلمين أن يخلعوه ويولوا الغير؟ فلا يجوز شئ من ~~هذا، ومن أكره على طلاق امرأته بالسيف أو على اعلاء ماله أو بيعه أو عتق ~~رقبة فلا بأس في هذا كله وليس عليه شئ وامرأته امرأته والمال ماله والرقيق رقيقه. # ومن أشرف على المهالك كلها من قبل الله عز وجل أو من قبل الناس فاستغاث ~~إلى القبر فأبى له إلا (أن) (¬1) يطلق أو يعتق أو يهيب أو يعطى ففعل فليس ~~هناك شئ. # وقيل غير ذلك، وأما إذا امتنع منه إلا بأجرة فإنه يدركها بقدر عناه لا ~~مناه. والسلام. # الجزء الثالث # من كتاب العدل والإنصاف # في معرفة أصول الفقه والاختلاف # باب # في معرفة القياس وحصوله في صدور الناس PageV01P324 اعلم أن الله خلق ابن آدم أطوارا في الرحم، ونفخ ~~فيه الروح والنسم. ومكث في الرحم مدة ليس له علم بشيء من الأمور إلا الحس ~~به يستلذ وبه ويتألم. فجميع مضار أمه مضاره وجميع ملاذ أمه ملاذه، وربما ~~تقع له الشواذ في الآلآم والملاذ، لا شم ولا طعم ولا سمع ولا بصر إلا الحس ~~وحده. وغذاؤه من سرة أمه إلى ms223 سرته. لا بول ولا غائط ولا لعاب ولا مخاط ولا ~~عرق. فلما حان حين خروجه اقلبه الله تعالى فإذا سبق رأسه ويداه كان مستويا، ~~وإن سبقت رجلاه كان منكوسا وهو اليتن. فلما انقشع عنه حجاب الرحم تألم لمس ~~الهواء كل الآلآم فصرخ: # ... لما تؤذن الدنيا به من صروفها ... ... يكون بكاء الطفل ساعة يوضع # ... علام بكى لما رآها وإنها ... ... لأرحب مما كان فيه وأوسع! # /فجرت الحركة في مفاصله، فأبصر وسمع وذاق وشم إلى ما تقدم من الحس والجس. ~~فلما انجمعت حواسه وجرى حديث النطق في شفتيه ولسانه ظهر التأمل للناس ~~والنظر إلى صورتهم، والاستمتاع إلى أصواتهم ووقعت التفرقة بين الأب والأم ~~والحشم والخدم، فقرن به الله تعالى الملك صاحب اليمين فكان في سياسته ~~ويعلمه. فلما استتم له الانفصال والانفصام، ونقل إلى الشراب والطعام، نشج ~~فبكى وسجم فشكى بعينيه ما يلقى، فلما أيس آنس واستأنس، ومكث في تعلم الكلام ~~سبع سنين وهو مع ذلك في خفظ صاحب اليمين يلهمه ويلقنه، ويعلمه ويلسنه. فقرن ~~به عند تمام سبع سنين صاحب الشمال يرشده ويقويه ويؤيده تمام أربع عشرة سنة. ~~ففي/ السبع الأول يلتقط الحروف حرفا حرفا، ويركبها كلما كلما. وفيها حصل له ~~معنى الفاعل والمفعول والفعل الماضي والآتي. فتراه يستنج من كل صفة سمعها - ~~ولم يعهدها - اسم فاعلها ومفعولها، وماضيها ومستقبلها، ويقع الغلط في ~~مصادرها أحيانا، فإذا ظهر على الكلام. PageV01P325 # استقبلته القياسات الخيالية واختلطت له بالعقلية ودخل في بحر البيان، ~~فإذا نظر إلى السماء توهمها بستانا أخضر نثرت عليه دنانير صفر، فلما قويت ~~نفسه وبلغ حسه ذهب الخيال هباء منثورا وبقي العقل أميرا مأمورا، والسلام ~~وهو قوله تعالى: { أولم نعمركم....... النذير } (¬1) . # الكلام في القياس وأحكامه # وحد االقياس هو حمل أحد المعلومين على الآخر في/ حصول الحكم واسقاطه بأمر ~~يجمعهما، وأصل القياس: التساوي، ألا ترى إلى العرب تقول: قس هذا الثوب إلى ~~هذا، يريد كيما يعرف تساويهما في المقدار والقيمة. # والقياس يشتمل على صحيح وسقيم، والمعول على الصحيح ويبطل الفاسد، ولهم ~~ألفاظ في حد القياس ms224 زهاء عشرين لفظا كلها قاصرة عن التوفية لحده وقد قيل: ~~رد الفرع إلى الأصل لعلة توجب الجمع بينهما، وقالت الفلاسفة: إن القياس لا ~~يتم إلا بعقد متين فصاعدا، ولايتم بمقدمة واحدة والمقدمة مقال موجب شيئا ~~لشيء أو سالب شيئا عن شيء. فالموجبة قولك: كل حي قادر. والسالبة، قولك: ليس ~~زيد بميت. وطعنت الموحدة في هذا القياس وهو الصحيح وذنبوه أن جاء من قبل ~~الفلاسفة وربما لو جاء من غيرهم كان مقبولا. ولا ذنب/ لهم الأفساد الأصل ~~الذي هم عليه. # واستدلوا على بطلان قول الفلاسفة إن قالوا: إن قولك زيد حي وجب أنه ليس ~~بميت فهذا نتيجة من مقدمة واحدة، وأعلم أن قولهم يبطل من وجهين، أحدهما: ان ~~قولك زيد حي قهو نفس قولك زيد ليس بميت لم يفد فائدة تجاوز معنى قوله زيد ~~حي، فكأنك كررت وقلت: زيد ليس بميتوالفائدة التي استفدنا من قولك زيد حي هي ~~الفائدة التي استفدنا من قولك زيد ليس بميت، فالمعنى تكرار ليس أكثر من ~~المعنى الأول ولا نتيجة، فأين القياس؟ ولو قال القائل: زيد ليس بميت ما ~~زادوا، على أنهم لو PageV01P326 # قالوا: إن ها هنا مقدمتان، واحدة موجبة والأخرى سالبة لصدقوا؛ لأن قولك ~~ليس بميت سالبة وقد تقدم الموجبة، وهؤلاء انما عولوا/ في قولهم على دليل ~~الخطاب، ودليل الخطاب فيه ليس فيه ما يوجب حجة على أن قولك زيد حي دعوى ليس ~~تحتها برهان وإنما وقعت مواضعة اقتضت انتفاء الضد، والحياة والموت ضدان، ~~ولو ادعوا زيد حي فسؤلوا البرهان فقالوا لأنه ليس بميت ما زادوا شيئا، ~~والقوم إنما عولوا على البرهان العقلي لا الشرعي لأنهم لا يقولون بالشرعي. # والوجه الآخر: قولك في حد القياس إنه حمل معلوم على معلوم، ولابد لكل ~~معلوم من مقدمة فكذلك يصح القياس وتظهر النتيجة. # فصل # اختلف الناس في القياس فأثبته بعض وأبطله آخرون، فالذين أثبتوه قالوا ~~يجوز في الشرعيات وفي العقليات وهو مذهب جل الفقهاء والمتكلمين والسنية. # وقال بعضهم: انما يجوز القياس العقلي/ لا الشرعي، وهو مذهب النظام وبعض ms225 ~~الروافض وجل الخوارج الا النجدية، وإليه يئول مذهب ابن حنبل وبشر قولا ~~وخالفوه فعلا. # وقال بعضهم: وهم الغلاة من الحشوية وأصحاب الظاهر هم إلى رد الكل من ~~العقلي والشرعي أقرب، واختلف الذين منعوا منه فقال بعضهم: قبيح لعينه، وقال ~~بعضهم: قبيح للنهي عنه وعن استعماله في الدين، قد أغنانا الله بالكتاب ~~والسنة، وقا لبشر المريسي والأصم وابن علية: العقل يوجب العمل به، والسمع ~~ورد مؤكدا لذلك وفي بعض الروايات عن الأمم وبشر أنهما على قولي ما نعي ~~النظر ولا يسوغ إلا العقلي. # الدليل على جواز التعبد # بالقياس من القرآن PageV01P327 قال الله تعالى: { فاعتبورا يا أولي/ ~~الأبصار } (¬1) والاعتبار مأخوذ من قولك: اعتبرت هذا الثوب بهذا فنسبته منه ~~لتعلم مقدراه أو ثمنه أو كيله من كيله، مأخوذ من تعبير الميزان وقيل مأخوذ ~~من عبور النهر، أي عبرت النهر أي جاوزته، وهو مجاوزة حكم الله من شئ إلى شئ ~~كان مساويا له ليجرى عليهما حكم واحد فالأول من تعبير الميكال، والثاني من ~~عبور النهر، وقد روى عن ثعلب أنه قال: الاعتبار هو القياس، وثعلب امام ~~ونزلت الآية: { واعتبروا يا أولي الأبصار } في بني النضير حين أصابهم ما ~~أصابهم من أمر الله تعالى من الجلاء في الدنيا والعذاب الأليم في الآخرة، ~~فخاطب الله تعالى أهل البصائر أن يقيسوا أنفسهم إلى بني النضير إن عصوا أن ~~يؤاخذهم كما آخذهم، والدليل أيضا قول الله تعالى/: { وإذا ~~جائهم............. أولي الأمر منهم } (¬2) ولم يذكر في معرض المخرج إلا ~~وقد أمرهم بالاستنباط، قال الله تعالى: { إنا أنزلنا................ خصيما ~~} (¬3) ولو أراد الأنباء لقال لك: بما أخبرك وأنبأك وأعلمك، فلما علق الأمر ~~إلى أمره الله كان ما أراه رأيه، ومصداق ذلك قول ابن عباس رضي الله عنه: ~~كان رسول الله عليه السلام يقضي بالقضية فينزل القرآن بخلافها فيستقبل حكم ~~القرآن ولا يرد قضاءه (¬4) ، وقال الله عز وجل: { وتلك ~~الأمثال............. # ..... PageV01P328 العالمون ~~} (¬1) ، وجل القرآن انما نزل في استعتاب أولي الأبصار والبصائر والنهي ~~وقال: { إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون } (¬2) ، و { لعلهم يتفكرون } (¬3) ،/ ~~{ لقوم ms226 يوقنون } (¬4) ، و { لقوم يتذكرون } (¬5) ، { ان في ذلك لعبرة لمن ~~يخشى } (¬6) ، فما الذي يعتبر، وما الذي يخشى؟ يعتبر ببني شكله وجنسه إلى ~~مثله ونفسه، ومثل هذا المعنى في القرآن كثير من الأمر بالفكر والتذكر ~~والاستبصار والعبر، والبحث والنظر. # الأدلة على جواز القياس من السنة # وهما كما قدمنا أولا عن ابن عباس رضي الله عنه، قول عمر: إن الرأي من ~~النبي عليه السلام كان مصيبا لأن الله عز وجل كان يسدده، وإنما هو منا ~~الظن، ومنه قوله عليه السلام في تعليم القياس حين سئل عن القبلة للصائم ~~فقال: »أرأيت لو تمضمضت هل عليك من جناح؟ قال: لا« (¬7) ، وهذا نفس تعليم ~~القياس وتمثيل الأمور بعضها ببعض، وأقوى من هذا كله قوله لسعد بن معاذ وقد ~~أمره أن يحكم في بني قريظة برأيه فحكم بأن تقتل المقاتلة وتسبى الذرية ~~وتقسم الأموال، فقال رسول الله عليه السلام: »فقد حكمت فيهم بحكم الله فوق ~~سبع/ أرقعة« (¬8) ، وقول رسول الله عليه السلام: »اذا اجتهد الحاكم فأصاب ~~فله أجران، وإذا اجتهد وأخطأ فله أجر واحد« (¬9) ، وقوله تعالى: { وشاورهم ~~في الأمر } (¬10) . PageV01P329 # ويشاورهم فيشيرون، ويمتثل قول بعضهم دون بعض، وقول عمر رضي الله عنه: ~~وافقت ربي في ثلاث، ووافقني ربي في ثلاث، في أسارى بدر، وفي الصلاة عند ~~المقام، وضرب الحجاب على الأزواج (¬1) ، وحتى قال رسول الله عليه ~~السلام:».. وقد عرض علينا العذاب ما دون هذه الشجرة، فلو نزل العذاب ما نجا ~~منا إلا عمر« (¬2) ، وقوله عليه السلام: »كدنا أن نهلك في في خلافك يا عمر« ~~(¬3) ، وقوله للخثعمية: »أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته أكنت قاضية عنه؟ ~~ثالت نعم، قال: فذلك كذلك« (¬4) وهو نفس تعليم القياس، وفي بعض الروايات: ~~»فدين الله أحق أن يقضى« (¬5) ومنه رأى عمر في الأسارى، أشار على رسول الله ~~عليه السلام أن يضرب أعناقهم، فأنزل الله تعالى مصداق رأيه: { ما كان لنبي ~~أن يكون له أسرى/ حتى يثخن في الأرض } (¬6) وقد استشارهم فشار عليه أبو بكر ~~أن يعفو ويأخذ الفداء، وأبى عمر من ذلك فأنزل ms227 الله تعالى مصداقه أي عمر ~~(¬7) ، ومنه قوله لأمعطيةفي ابنته: »اغسلنها ثلاثا أو خمسا أو ما رأيتن« ~~(¬8) وقوله: »لعن الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم فجملوها وباعوها وأكلوا ~~ثمنها« (¬9) فقاس الثمن إلى المثمن، وأعظم من هذا كله قوله لمعاذ بن جبل ~~حين أنفذه إلى اليمن حاكما: » بماذا تحكم يا معاذ؟ قال: بكتاب الله، قال: ~~فإن لم تجد؟ قال: الحمد لله الذي وفق رسول رسوله بما يرضى رسوله« (¬10) ، ~~ولا يظهر إلا بأمر حق. PageV01P330 # الدليل على صحة القياس من جهة الاجتماع # وذلك أنا علمنا بالضرورة من جهة التواتر أن الصحابة قد أختلفت بعد نبيها ~~عليه السلام في أشياء كثيرة ورأوا فيها برأيهم، ووقعت المناظرةبينهم فيها، ~~واستدل / كل واحد منهم،واحتج على صاحبه بالأدلة القياسية، وشرع كل لصاحبه ~~رأيه ووقعت المخالفة والمناظرةمن كلواحد منهم لقولته، والانتصار لحجته، ولم ~~يقع واحد منهم عذر صاحبه، ولم يحظر عليه رأيه وحتى قال ابن عباس لزيد بن ~~ثابت: في أي كتاب الله يجد زيد بن ثابت ثلث ما بقى؟ وابن عباس يقول: للام ~~الثلث فبلغ ذلك زيد بن ثابت فقال: يقول ابن عباس برأيه وأقول برأيي، فان ~~كان صوابا قمن الله، وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان والله ورسوله منه ~~بريئان. # وقال ابن مسعود في بروع بنت واشق وفرض للمميته صداق المثل ولم يفرض لها، ~~فسمع ابن مسعود بأنها مسألة بروع بنت واشق فركب إليها حتى بلغها في حيها ~~فسألها فقالت: قضى لي رسول الله عليه السلام بصداق المثل، فحمد ابن مسعود ~~الله عز وجل/ وشكره حين وافق قضاء ؤسول الله عليه السلام (¬1) ، واختلفوا ~~في توريث الجد ما لم يبلغ اختلافهم في مسألة حتى قال عبيدة السلماني: اني ~~لأحفظ فيها لعمر مائة قضية وما منها قضية إلا تخالف الأخرى (¬2) . # وكذلك إختلافهم في قول الرجل لامرأته: أنت حرام، فقال بعضهم: ايلاء، PageV01P331 # وقال بعضهم: ظهار، وبعض: ثلاث، وبعض كفارة يمين (¬1) ، واختلفوا في حد ~~الشارب والعول في الظهار ولم يظهر من أحد من الصحابة نكير على بعضهم ولا ~~تحظير، فان أطبقوا كان حقا ms228 عند الله وان اختلفوا كان علما وحكما كما قال ~~الله عز وجل: { وداود وسليمان........... ففههمناها سليمان } (¬2) ولا تفهم ~~على قول من يمنع الرأي والقياس، وهذه الآثار المشهورة إن اقر بها أقر ~~بالرأي والقياس، وان أنكرها دفع المشاهدات، وان أثبت الاختلاف كان ما قلنا. # وأول رأي أجمعوا عليه إمامة أبي/ بكر رضي الله عنه، رأيا من رأيهم حتى ~~قال رجل لقائل يقول لأبي الصديق رضي الله عنه، يا خليفة رسول الله عليه ~~السلام: ما أسرع ما كذبتم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ولم تزل ~~الأيام والليالي حتى سماه خليفة رسول الله عليه السلام، وأبنه بذلك بعد ~~موته ورحيله. # ومما اختلفوا فيه ثم أطبقوا عليه ورجعوا إلى رأي أبي بكر الصديق قتال أهل ~~الردة بعد اختلافهم، واحتج عليه عمر فقال: كيف تقاتل قوما قالوا: لا إلة ~~إلا الله بعد قول رسول الله عليه السلام: »أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا ~~لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحقها« (¬3) ، ~~قال أبو بكر: فمن حقها إيتاء الزكاة كما أن من حقها إقام الصلاة، ولا أفرق ~~بين ما جمع الله، فأيم الله لأقاتلن من فرق بينهما ولو منعوا مني عقالا مما ~~كانوا يؤدونه لرسول الله عليه السلام لقاتلتهم عليه حتى ألحق بالله، فرجعت ~~الصحابة/ إلى قوله ورأيه وقياسه ولم ينقضوا عليه استدلاله بالقياس، وحمل ~~الزكاة على الصلاة، وكذلك أهل الردة يقولون نصلي ولا نزكي. PageV01P332 # وأجمعوا على رأي أبي بكر وعهده على عمر رأيا وقياسا، وأجمعوا على حد شارب ~~الخمر بثمانين وقال علي - وقاس - : (إن شرب سكر، وان سكر هذي وإن هذي ~~أفترى، وان أفترى وجب الحد) (¬1) فجعلوا عليه ثمانين إجماعا وإطباقا، ولذلك ~~قال علي: ما من أحد يقام عليه الحد إلا وفي نفسي منه شئ،الحق قتله، إلا ~~الشارب فإنه رأي منا قد أحدثناه (¬2) . وروى عنه أنه جلد بعد ذلك أربعين ~~رجوعا عن رأيه الأول (¬3) . # وقال زيد بن ثابت: حاورت عمر في الجد والأخ محاورة شديدة فجعل يأبى ويقول ~~ما ms229 يكون ابن ابني ابني، ولا أكون أنا أباه، فضربت له في ذلك مثلا شجرة تشعب ~~من أصلها غصن، ثم تشعب من ذلك/ الغصن خوطان، قلت: فذلك الغصن يجمع الخوطين ~~ويغذوهما دون الأصل، ألا ترى يا أمير المؤمنين أن أحد الخوطين أقرب إلى ~~الآخر منه إلى الأصل (¬4) وقد ظهر القياس بالاستدلال. # وما أجمعلوا عليه رأيا وقياسا جمع أبي بكر القرآن على يدي زيد بن ثابت ~~حتى قال لهم زيد: لو كالفتموني نقل جبل إلى جبل لكان أخف علي، وذلك حين ~~بلغهم مقتل أهل اليمامة، وذلك أنه قتل من المسلمين ألف وماتان، والقراء ~~منهم سبع مائة فخافوا أن يذهب كثير من القرآن لشهادة هؤلاء القراء، وجمع ~~أبو بكر الصديق رضي الله عنه PageV01P333 # من المدينة من الرجال والنساء والولدان فجمعوه على يد زيد بن ثابت، ~~وكانوا يقبلون شهادة الاثنين على الآية والآيتين، وجاءهم واحد بالآيتين ~~اللتين في خواتم براءة { لقد جاءكم............ وهو رب العرش العظيم } (¬1) ~~فشهد عليهما واحد قال عمر: اكتبوها بشهادتي وإن هذه صفة نبيكم، ولو لم تكن ~~إلا شهادة عمر لكانت كافية؛ لأن عمر مروع هذه الأمة ومحدثها، والله تعالى ~~معه في نصرته في بعض الأمور، ثم إن الغزاة أقبلوا ولم تصب بقيتهم فأصابوا ~~القرآن كما أنزل وكما حفظوه، فحمدوا الله تعالى، وله الحمد، وكذلك رأي ~~عثمان في جمع الناس على مصحف واحد حين ذكر له حذيفة بن اليماني فقال: تدارك ~~هذه الأمة قبل أن تختلف، بعض يقول هذه قراءة ابن أم عبد وبعض يقرأ على حرف ~~فلان، فجمع عثمان الناس على مصحف واحد، وهو القرآن العظيم وهو الحق عند ~~الله تعالى، ومن رد منه شيئا كفر. # وأجمعوا على رأي عمر/ بن الخطاب رضي الله عنه في قيام رمضان (¬2) ، ومنه ~~رجوع عمر بن الخطاب رضي الله عنه بطريق الشان حين بلغه أن بالشام طاعونا ~~وبلغ سرغ (¬3) فاستشارهم فأشار عليه المهاجرون الأولون واختلفوا، واستشار ~~الأنصار فاحتلفوا كاختلافهم، واستشار مهاجرة الفتح فأطبقوا على الرجوع ولم ~~يختلفوا، وكره أبو عبيدة بن جراح رجوعهم بالناس ms230 فقال لعمر: أفرارا من قدر ~~الله، فقال عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة: نعم، نفر من قدر الله إلى قدر ~~الله، أرأيت لو كان واد له عدوتان احداهما جدبة والأخرى خصبة أليس ان ترك ~~الجدبة تركها بقدر الله وان رعي الخصبة رعاها بقدر الله قال أبو عبيدة: ~~نعم. فقال عمر: نحن نفر من قدر الله إلى قدر الله (¬4) . PageV01P334 # ومن وراء ذلك أن جعل الشورى بين ستة وقصر الخلافة عليهم (¬1) ، وسئل أبو ~~بكر عن الكلالة/ فقال: أقول فيها برأيي، فإن يكن صوابا فمن الله تعالى، وان ~~خطأ فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه بريئان، والكلالةما عدا الولد (¬2) ~~. وروي عنه أنه ورث الجدت أم الأم، ولم يورث الجدة من قبل الأب، فقال له ~~رجل من الأنصار: لقد ورثت امرأة من ميت لو كانت هي الميتة ما ورثتها وتركت ~~امرأة لو كانت هي الميتة ورث جميع ما تركت. فأشرك أبو بكر عند ذلك بينهما ~~في السدس (¬3) . وسوى أبو بكر بين الناس في العطايا فاضل عمر لما رجع إليه ~~الأمر (¬4) . وألف عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتابا في الجد، فكان يستخير ~~الله تعالى فيه، فلما طعن أمر بدفنه، فقال: من أحب أن يقتحم جراثيم جهنم ~~فليقل في الجد برأيه (¬5) . # وأراد أن يقضي في الجنين برأيه فبلغه قضاء رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - فقال: لو لم يبلغنا هذا لقضينا فيه برأينا (¬6) . # وجلد أبو بكر أبا بكرة حد القذف حين قصرةا عن الأربعة (¬7) . وفي المرأة ~~التي أجهضت/ جنينا حين أرسل إليها عمر، فأشار عليه الصحابة أن لا شئعليه، ~~فقال علي ان لم يكونوا اجتهدوا فقد أخطأوا، ثم قال: أما المأثم فأرجو أن ~~يكون زائلا وأرى عليك الدية، فجعل عمر الديل على عاقلته قياسا على الخطأ ~~ولم يجعلها في ماله ولا في بيت المال (¬8) . # وأما قصة أبي موسى حين كتب:هذا ما أرى الله عمر، فقال عمر: أمحه واكتب: ~~هذا ما رأى عمر، فإن يكن صوابا فمن الله وان يكن خطأ فمن عمر (¬9) . PageV01P335 # وكان عثمان ms231 يورث المبتوتة في المرض بالرأي والاجتهاد (¬1) ، وروي عن علي ~~أنه قال: اجتمع رأيي ورأي عمر في أم الولد أن لا تباع، قال: وقد رأيت ~~بيعهن، فقال عبيدة السلماني: رأيت مع أبي بكر وعر أحب إلينا من رأيك ~~بانفراد (¬2) ، وقد كان عمر يشك في قود القتيل الذي أشترك فيه سبعة نفر، ~~فقال علي: أرأيت لو كانت سرقة اشتركوا فيها أكنت قاطعهم، قال: نعم، قال: ~~فذلك كذلك، يعني أنه مثله وحتى/ قال عمر رضي الله عنه في جماعة قتلهم بعد ~~ذلك بواحد: لو تمالاء عليه أهل صنعاء لقتلتهم (¬3) . وقال في قصته أيضا: ~~أقول فيها برأيي، فإن وافق قضاء رسول الله عليه السلام فذلك، والا فقضائي ~~فشل رذل. # وكان إذا أوصى بالقضاء (قال) (¬4) : فإن يكن فبالكتاب والسنة وقضايا ~~الصالحين، فإن لم يكن شيء من ذلك فاجتهد برأيك. # وخبر معاذ بن جبل مع رسول الله عليه السلام، وكان سبقه ببعضها فافتتح ~~الصلاة معه من حيث أدرك ثم قضى ما فاته فقال رسول الله عليه السلام: سن لكم ~~معاذ سنة حسنة، وكان قبل ذلك يحرمون فيطردونه حتى يلحقوه (¬5) ، ولابن عباس ~~في العول ما كان، وله في ظهار الاماء ما كان حتى ذكر وقال: من شاء باهلته ~~عند الحجر الأسود (¬6) ، وقال عمر: والذي أحصى رمل عالج ما جعل الله في ~~المال نصفا ونصفا وثلثا (¬7) . # ونهى رسول الله عليه السلام عن بيع الطعام قبل أن/ يقبض فقال ابن عباس ~~ولا أحسب كل شئ إلا مثله، فقال: أرى ذلك دراهم بدراهم والطعام مرجأ (¬8) . PageV01P336 # ورسالة عمر رضي الله عنه إلى أبي موسى الأشعري في القضاء عجيبة (¬1) ، ~~فإذا أوردنا من الأدلة من القرآن والسنة والآثار والعقل ما يدل على جواز ~~التعبد بالقياس فينبغي أن نشرع في ذكر فنونه وأقسامه. # باب # أقسام القياس # أقسام القياس ضربان: عقلي وشرعي، والشرعي ضربان: جلي وخفي، والجلي ضربان: ~~قياس علة منصوص عليها، وقياس عله مستنبطة، والخفي ضربان: قياس الشبة وقياس ~~الاستحسان. # فأما القياس العقلي، فأكثر معول القرآن عليه في جميع ما خاطب به ~~المشركين، والحق ms232 فيه واحد. وقد يقع أحيانا جليا وخفيا. فالجلي كقوله تعالى: ~~{ يدعوا من دون ................ ولبئس العشير } (¬2) . وأكثر أدلة القرآن ~~على هذا. # والخفي قوله: { قل إنما ..................... شديد } (¬3) . وأما خفاوها ~~فربما يجتمعون مثنى وفرادى ولا يقضون شيئا، وربما يتفكرون فيخطئون وجه ~~الدليل. # وقوله: { ما بصاحبكم من جنة } هذا هو الحق أن لهم عادة بشوش عليهم ~~عقولهم، والعادة طبع خامس. وإن من العادة من خالف العامة فهو مجنون ولا ~~سيما في أمر لم يبصروه. وحقيقة هذا العقلي الخفي إنما خفي عمن أصيب في عقله ~~باي آفة، إما بجنون أو عته أو تبرسم (¬4) أو شهوة أو تقليد. ولكن العقل إذا ~~سلم من هذه الشوائب، ونظر بعين البيصرة لا عين البصر. واستعمل الفكر وأمعن/ ~~النظر وصادف وجه الذكر PageV01P337 # أداه اجتهاده ودليله إلى حقيقة الأمر، فصار الخفي كالجلي. والقسم الأول ~~رده بعد سماعه مكابرة العقول ولذلك صار جليا. والثاني متعلق بالشروط. وشرطه ~~أن يجعل له عقله رقيبا على نفسه ويأخذذ عقله بالعدل على أبناء جنسه، ثم ~~يشرع في الفكر فإذا تفكر على ما يجب تذكر انتفاء الجنون عمن استقامت أفعاله ~~وصحت أقواله في كل شيء. وهو محمد صلى الله عليه وسلم إذ لم يأخذوا عليه في ~~شيء إلا الذي جاء به. فلو لم يجيء بهذا عندهم لكان أعظم العقلاء. فإذا ~~استقامت أمور محمد عليه السلام كلها عندنا وعندهم إلا واحدة، ثم جاءهم بما ~~لا يعرفون ولا يعرفونه عند آبائهم. وينبغي أن يتهموا أنفسهم في الذي جاء به ~~مفردا ويتفكروا فيه إذا كانوا هم العقلاء. والأصل الذي جاءهم به: { نذير ~~لهم بين/ يدي عذاب شديد } فينظروا وهو من الجائزات فإن صح ما قالت عظمت ~~الآفة وهلكت الكافة. فإن لم يصح ما قال لا ضرر ولا ضرار فيصفونهم بالعزم ~~والحزم، ويسلموا في الاعتزال والندم: شعر. # ... قال المنجم والطبيب كلاهما: ... ... لا يحشر الأموات قلت: إليكما # ... إن كان كذبا استراح جميعنا ... ... أو كان حقا فالخسار عليكما # وقول أصدق القائلين أبلغ وأنفع حيث يقول: { قل أريتم إن كان من عند ثم ~~كفرتم ms233 به من أضل ممن هو في شقاق بعيد } (¬1) . فهذه النكتة التي في هذه ~~الآية هي شرح نفس الآية الأولى التي تقدمت. والمشركون لم يسلكوا طريق ~~العلم، ولم يستعملوا أسباب الحزم، فصار لهم الهلاك والندم حيث لا ينفع الندم. # فصل # في العلل المنصوصة/ # اعلم أن العلل المنصوصة إنما يقع النص لها من الكتاب أو السنة أو الإجماع ~~أو فحوى الخطاب أو من لحن الخطاب أو من أفعال رسول الله عليه السلام. PageV01P338 # وأما من الكتاب قوله: { كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم } (¬1) وقوله: ~~{ من أجل ذلك كتبنا على بني اسرائيل أنه من قبل نفسا بغير نفس أو فساد في ~~الأرض فكأنما قتل الناس جميعا } (¬2) وقوله: { ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ~~} (¬3) . وقوله: { إنما يريد الشيطان.........منتهون } (¬4) وقوله: { ~~ويسألونك عن ............. المحيض } (¬5) . # وقد تقع العلل من مجمل الخطاب وإن لم يظهر فيها التعليل كقوله تعالى: { ~~الزانية ............ مائة جلدة } (¬6) والمعنى: لأجل زناهما. وقوله: { ~~والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما } (¬7) . وقوله: فمن يؤمن بربه فلا يخاف ~~بخسا ولا رهقا } (¬8) وقوله: { فمن يعمل مثقال ذرة ... } إلى آخر السورة ~~(¬9) . وشبه/ هذا يعلم منه التعليل بظاهر الخطاب. PageV01P339 # وأما من جهة السنة قوله عليه السلام: »إنما جعل الاستئذان لأجل البصر« ~~(¬1) ، وقوله: »إنما نهيتكم لأجل الدافة« (¬2) وقد يفهم من خطاب رسول الله ~~عليه السلام التعليل وان لم يظهر في اللفظ كقوله عليه السلام: »لا يقضي ~~القاضي وهو غضبان« (¬3) ، وقوله: »ادوا الخيظ والمخيط« (¬4) ، وقوله: ~~»العينان وكاء الاست فإذا نامت العينان انطلق الوكاء« (¬5) ، وقوله: »من ~~باع عبدا فماله للبائع الا أن يشترطه المبتاع« (¬6) ، دليل على أن العبد لا ~~يملك ومنه قوله عليه السلام: »فإن كان ذائبا فأريقوه، وان كان جامدا فخذوه ~~وما حوله« (¬7) يريد السمن تموت فيه الفأرة، وقوله للآكل ناسيا، »الله ~~أطعمه وأسقاه« (¬8) ، وقوله في الموقوص: »لا تخمروا رأسه ولا يمس طيبا فإنه ~~يبعث ملبيا« (¬9) . وقوله: »من قتل قتيلا فله سلبه« (¬10) ، و »من بدل دينه ~~فاقتلوه« (¬11) / وأما أفعاله PageV01P340 # عليه السلام فكسحوده للسهو (¬1) ، وتخييره بريرة من زوجها (¬2) ، وأعلم ~~أن هذه العلل المنصوصة كلها أقوى من المستنبطة ms234 متى عقب بالفاء في خطاب ما ~~تقدم (أو ما يقوم) (¬3) وقامها من الحروف ولم يكن صرفه إلا إلى التعليل. PageV01P341 # وأقوى أفعاله عليه السلام تقديمه أبا بكر الصديق رضي الله عنه في الصلاة، ~~كان ذلك علة ظاهرة في إمامة الخلافة لأن فعله عليه السلام كان تحديدا ~~لامامته وقصرها عليه دون غيره، وأما تسمية خليفة رسول الله عليه السلام فقد ~~حصلت له الخلافة في إمامة الصلاة وما سواها تبع لها كقول علي: قد رضيك رسول ~~الله عليه السلام لديننا أفلا نرضاك لدينانا؟. وفي طبع الخلائق المفضول تبع ~~للفاضل وقد يستحق الواحد اسم الخلافة اذا كان وصيا على الولد والمال ~~والوصية، فأيهم خلف له فيه كان خليفة، وأبو بكر قد خلف لرسول/ الله عليه ~~السلام على أعظم دينه وهي الصلاة، وهي عمود الدين، ويخلف (¬1) على ما ~~سواها، فأيهم يطيب نفسا أن يتقدم أبا بكر في أمره جعل له فيه رسول الله ~~عليه السلام التقدمة، وقال رسول الله عليه السلام: » إنكن لصواحب يوسف، ~~مروا أبا بكر فليصل بالناس« (¬2) . # باب # التفرقه بين الحكم العقلي والشرعي # أما الحطك العقلي لابد من كونه معلولا بعلة، وليس الشرعي كذلك، وقولي ~~الحكم العقلي، وهو الذي يطرد وينعكس، والشرعي قد يطرد وينعكس، وقد لا يطرد ~~ولا ينعكس، واعلم أن العلل العقلية هي أظهر وأشهر من أن يحتاج إلى بيانها. # فصل # أما العلل المستنبطة المستشارة كتعليلهم آية الربا وذهاب كل واحد منهم ~~إلى ما ظن في غلبة الظن أنه المعنى الذي من أجله حرم الرباغي تلك العين، ~~فبعضهم جعله هو الاقتيات والادخار وهو قول مالك/ وبعضهم جعله من جهة المكيل ~~والموزون وهو أبو حنيفة، وبعضهم جعله مما تنبت الأرض وهو الشافعي. PageV01P342 # واعلم أن الأصل في تحريم الربا أن الله تعالى جعل الدنيا بلاغا وزادا إلى ~~الآخرة، وأمر باقتناء الأموال. وفي الأموال ما هو أوكد حاجة من غيره، ~~فالأموال التي تخص الأدمي لحياته النقود ثم القوت ثم الفواكه ثم الابزار، ~~فهذه الأربع لا ينبغي أن تتخذ تجارات بل مؤاساة، فإن ضنوا فلا ms235 ينبغي أن ~~يكسب ربا، فشدد الله تعالى عليهم فيها ما لم يشدد في غيرها فلذلك قال رسول ~~الله عليه السلام: »الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير ~~بالشعير والتمر بالتمر حتى الملح ربا إلا خذ هاء وهاء، يدا بيد مثلا بمثل« ~~(¬1) ، فقيده بشرطين: التساوي، واليد باليد، ثم قال عليه السلام: »اذا ~~اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم إلا ما نهيتكم عنه« (¬2) . ثم قال عليه ~~السلام: # »إنما الربا في النسيئة« (¬3) ، وروى أنه أجاز عبدا بعبدين/ وبعيرا ~~ببعيرين إلا أنه يدا بيد (¬4) ، ثم ان الله تعالى كلف العلماء استنباط ~~العلل ليقيسوا ما لم يذكر على ما ذكر. # فصل # في العلل المستنبطة، أن جعلوا النقود إذا اختلفت يدا بيد متفاصلة ولا ~~نسيئة في الأثمان فجائز يدا بيد وباقيها على التحريم لا يجوز يسئة ولا ~~متفاضلة يدا بيد. والثمن هو الذهب والفضة يجوز به شراء البر والشعير والتمر ~~والملح نقدا ونسيئة. وأما البر والشعير والتمر والملح فلا يجوز بيع بعضها ~~بببعض نسيئة متماثلة أو غير متماثلة إلا أن المتماثلة قد يدخلها السلف.وأما ~~يدا بيد فجائز سواء وأما متفاضلة فلا يجوز إلا على مذهب ابن عباس إنما ~~الربا في النسيئة وأما يدا بيد فجائز متماثلة أو متفاضلة. وفي النسأ لا ~~يجوز متفاضلة ويجوز متماثلة سلفا. PageV01P343 # وقال بعضهم: البر والشعير متماثلان، وأما الأقوات فيدخل فيها كل ما يقتات ~~ويدخر مما يقتاته الناس من البر والشعير/ والقطاني والطعام كله بدليل قوله ~~عليه السلام أنه »نهى عن بيع الطعام بالطعام« (¬1) . هذا كله لا يصلح (¬2) ~~إلا يدا بيد متماثلا، ولا يصلح (¬3) نسيئة متفاضلا ولا متماثلا في أفرادها ~~ولا في أتوامها بخلاف الصرف. والتمر والزبيب دليل الفواكه والحلاوات كلها ~~من العسول والعنب والتفاح والأجاص والمشمش وحب الملوك والفسق والموز والجوز ~~والجلوز وجميع ثمار الأشجار الخريفة لا يصلح كل شيء من هذه يمثلها إلا يدا ~~بيد إذا كانت متماثلة ولا تصلح متفاضلة بحديث بيع الطعام بالطعام. # وتصلح متفاضله ومتماثلة يدا بيد بحديث قوله: »إذا اختلف الجنسان فبيعوا ~~كيف شئتم« (¬4) . ودل بالملح على ms236 الأبزار وبالتمر على الفواكه، وعلى البر ~~بالقوت، وعلى الذهب بالنقد. # وأما من ذهب إلى جميع الجنس بالجنس متفاضلا نسيئة أنه الربا/ فعلى الأصل. ~~وأما من منع الربا في غير في الصناف الأربعة المذكورة فإنه يسمى ما ذكرنا ~~هو الأنفساخ. # ومن أجاز بيع الربا هلك وكذلك من باعه. ومن أجاز بيع الانفساخ المتفق ~~عليه أو فعله هلك. والمتفق عليه مثل قنطار حديد بقنطارين نسيئة، فهذا هو ~~المجمع عليه وما اشبهه فبعض يسميه ربا وبعض يسميه انفساخا. ومن عللهم ~~المستنبطة علتهم في الخمور، وهي الشدة المطربةة فقضوا على النبيذ بالحد ~~والتحريم. وقصرها بعضهم على التحريم المروى عن رسول الله عليه السلام ~~وقوله: »كل ما أسكر فحرام« (¬5) و »ما أسكر قليله وكثيره حرام« (¬6) . # فصل # ومن العلل المتنبطة التفرقة بين الغسل من الجنابة وبين الاستنجاء فأوجبوا ~~الاستحام في هذا وزوال النجاسة في هذا. فعلة الاستنجاء زوال أثر النجاسة. ~~وفي/ الجنابة والوضوء التعبد. PageV01P344 # ومن العللل المستنبطة قياسهم السفر في القصر على المسافة وهي إلى قياس ~~الشبه أقرب. ومن العللل المستنبطة قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه حين ~~قالت الأنصار منا أمير ومنكم أمير، تقوله لقريش. فقال أبو بكر الصديق: ~~هيهات دعوتكم إلى خطة غير كائنة، # لا يستقيم سيفان في غمد واحد (¬1) . وقوله: الله واحد والرسول واحد ~~والإمام واحد. وهذا إلى قياس الشبه أقرب. # ومن العلل المستنبطة قول زيد بن ثابت في الجد والأخوة لعمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه: أرأيت شجرة خرج منها غصن ونبت من الغصن خوطان أليس الغصن يغذوا ~~الخوطين دون الأصل. ومن العلل المستنبطة قول الأنصار/: وأيم الله لقد ورثتم ~~امرأة من رجل لو ماتت ما ورث منها شيئا وتركتم امرأة لو هي ماتت لحوى جميع ~~ما تركت فأشرك أبو بكر بينهما في السدس. وتعليل عمر أن يكون ابن إبني إبني ~~ولا أكون أنا أباه. والعلة الأبوة متعلقة بالبنوة تعلق النبوة بالأبوة وهي ~~من الأسماء المضافة. ومن العلل المستنبطة قصر الإيلاء على القرار عند من ~~يقول ذلك. ومن العلل المستنبطة إسقاط ms237 الجزية عن النساء الكوافر لنهي رسول ~~الله عليه لاسلام عن قتلهن. واستنبطوا اسقاط الجزية عنهن لأنهن لو منعن ~~لتعذر قتلهن للنهي. ومن العلل المستنبطة توريث المبتوتة من زوجها في المرض. ~~ومن العلل المستنبطة إسقاط أحكام الظهور أيام الكتمان لعلة العجز أو لعلة ~~امتثال الأحكام السابقة إلى رسول الله عليه السلام. ومن العلل المستنبطة/ ~~قياس الأكل في رمضان على الواطيء لانتهاك الحرمة عند من يقول ذلك واسقاطه ~~عند من يقول بقصر الأدنى عن رتبة الأعلى. # فصل PageV01P345 # وقد قلنا إن القياس الخفي على وجهين: قياس شبه وقياس الاستحسان. اعلم أن ~~الناس قد اختلفوا في قياس الشبه، فقال بعضهم لا يجوز، ولا يجوز القياس إلا ~~عن علة. وقال بعضهم: جائز وإن لم تكن علة. وقال بعضهم: إن جميع القياس ~~المعمول به هو قياس الشبه؛ لأن قياس العلل الشرعية قاصرة لا تكاد تطرد ~~وتنعكس كالعقليات. واعلم أن قياس الشبه إذا كان الشيء يشبه شيئا من أصل ~~وشبه غيره من أصل آخر. فهذا قياس الشبه. # فينظر عند ذلك إلى أي الشيئين أكثر شبها به فتلحقه/ به ولو لم تجمعهما ~~علة. فإن تساويا فهو نفس الاستحسان. مثال ذلك العبد. هو من جهة مال يباع ~~ويشترى، ومن جهة أنه مكلف مأمور منهي فهو بخلاف الأموال. فمن جعله مالا قصر ~~جميع ما يملكه على سيده وأسقط عنه جميع ما يلتزمه من أحكام الأموال ~~والنفقات والكفارات والزكاة. ومن جعله بحكم المكلفين أثبت له الأموال وأثبت ~~عليه الزكوات والغرامات. فبهذا السبب اختلفوا في قيمته. فمن رده إلى أحكام ~~المكلفين قصر قيمته إلى دية الحر، ومن جعله مالا وسلعة جاوز به الدية وكانت ~~قيمته بالغة ما بلغت. # فصل PageV01P346 اعلم أن التحقيق في هذا إلحاق الفرع بالأصل بعينه إذا ~~كان أكثر شبها به، ثم من أصل آخر أل بشها به. ومن أدلة القائسين بالأشبه ~~المجوزين له في الأحكام قول الله عز وجل: { ونضع الموازين القسط ليوم ~~القيامة/ } (¬1) . ثم قال: { فمن ثقلت .......... أنفسهم } (¬2) . فأوجب ~~الفوز والنجاة لمن غلبت طاعته ومعصيته. والشقة والهلاك لمن ms238 غلبت طاعته ~~معصيته، وهو معنى أصحاب الأعراف، وهو قوله عز وجل: { خلطوا عملا...... ~~عليهم } (¬3) . توافقتا فغلب أحداهما بالعفو، وبقوله: { يسئلونك عن الخمر ~~....... نفعهما } (¬4) فغلب التحريم لعلة الإثم. وقوله: { واشهدوا ذوي عدل ~~منكم } (¬5) فاطرح الفاسق. ولا عدل إلا وله معصية، ولا عاصي إلا ومعهه طاعة. # وقد الحقوا الجواميس بالبقر، والبخت بالإبل، والبرازين بالخيل، والازر ~~بالبر. هذا كله قياس الشبه/. وسووا حكم البقرة الوحشية والحمار الوحشي في ~~جزاء الصيد والبدن. ومن أحكام الشبه قولهم: يجب تسليم الصداق إلى الزوجة ~~بتسليمها نفسها وإن لم يكن جماع لأنها بذلت نفسها، حكم عمر بن الخطاب وقال: ~~إنما أتى العجز من قبل نفسه. وقالوا في استحقاق أجرة الدار بتسليمها وإن لم ~~تكن سكنى. وبقول علي في السكران إن شرب هذى وإن هذى افترى فاجلدوه ثمانين ~~جلدة حد المفتري. وربما وإن لم يكن منه افتراء. PageV01P347 # وقالوا في المسلمين: تتكافؤ دماؤهم. ولم يراعوا القبائل ولا الحلي ولا ~~الطول ولا القصر. وادخلوا النساء في حكم الرجال. ومن راعوا جبروا بالدية ما ~~بينهما في القود. وقال ابن عباس فيل ليلة القدر -سأله عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه عن ليلة القدر- فقال: يا أمير المؤمنين إني رأيت الله عز وجل قد/ ~~فضل السبع في كتابه فجعل الأيام سبعا والسموات سبعا. فأراها لسبع بقين. ~~وقالوا في رجل هوى امرأة فقتل زوجها: إن المرأة تحرم عليه قياسا على قاتل ~~وارثه ليرثه أن ماله يحرم عليه. وزاد آخرون فيمن خيب ارمرأة على زوجها أنها ~~تحرم عليه. # باب في الاستحسان # وأحد قسمي القياس الخفي هو الاستحسان. وقد اختلف الفقهاء في الاستحسان ~~فأجازه بعض ومنعه بعض. والذين منعوه جل المتكلمين وبعض الفقهاء وقالوا: لا ~~يجوز من جهة العقل. وبعضهم يجوز، ولكن لم يرد به سمع. ودليل الذين أجازوه ~~قول الله تعالى: { الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه } (¬1) . وقوله: { ~~واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم } (¬2) . وفيما # يروى عن رسول الله عليه السلام: «ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن» ~~(¬3) ومن أجاز الاستحسان مالك وأبو حنيفة. ومنع ms239 منه الشافعي ولأهل الدعوة ~~في بعض المسائل طرف منه. قالوا في رجل باع حرا: إنه يسترده بما عز وهان. ~~فليس عليه من الدية شيء إن علمت حياته أو موته وإن لم تعلم حياته ولا موته ~~فعليه الدية استحسانا. PageV01P348 # ومن قال: ما أملك صدقة. وإن قال: مالي صدقة. أن تكون في الأموال المزكاة، ~~لأن الله تعالى يقول: {خذ من أموالهم صدقة } (¬1) ومعلوم أن ليس كل الأموال ~~تزكى. وأما الأول: ما أملك فعام . فاستحسن آخرون أن يقصروها على حكم مالي ~~صدقة. واستحسن أيضا بعض الفقهاء فيمن قال: مالي في المساكين. أن يؤديه كله ~~للمساكين، وبعضهم: الثلث ويسمك الثلثين، وبعضهم: النصف. وبعضهم: يمسك ~~الثلث، وبعضهم: يتصدق بالربع. وبعضهم: بالخمس. وبعضهم بالعشر. وهذا كله ~~استحسان. ومن قال بالعشر شبهه بمال الزكاة. ومن قال/ بالخمس شبهه بالغنيمة. ~~ومن قال بالربع فبمقدار نصيبه من امرأته ذات ولد. ومن قال بالثلث فنصيب ~~الوصية. ومن قال بالنصف فالقسمة. ومن قال بالثلثين فنصيبه وارثه مع أخته. ~~وبعضهم يقول: إن كان المال كثير فعشر، وإن كان وسطا فثلث، وإن كان قليلا فنصف. # ومن استحسانهم: من ذرعه القيء من غير عمد وتقيأ بعمد، فأوجبوا نقض الصلاة ~~في العمد ونقض الوضوء في غير العمد. ويبني على صلاته استحسانا، وكذلك الخدش ~~والرعاف على هذا النعت. والقياس يقتضي المساواة لمخالفة هذه المسألة سائر ~~الأنجاس. # وفرقوا بين قليل النوم وكثيره استحسانا في انتقاض الوضوء. والنوم على ~~أربعة أوجه: نوم ثقيل، ونوم خفيف، وثقيل خفيف، وخفيف ثقيل. وأما النوم ~~الثقيل فينقض الوضوء لا محالة. والنوم الخفيف/ لا ينقض الوضوء. وبقى صنفان ~~أحدهما ثقيل خفيف وهو إذا غلب النعاس ولم يكن منه إلا سنة، PageV01P349 # هذا مختلف فيه. وخفيف ثقيل، وهو أن النعاس لم يغلب عليه ولكنه يعالجه ~~ويطاوله. واختلفوا فيه أيضا. والأصل انتقاض الوضوء، والمراد منه النوم ~~الطويل غير الغالب. وكذلك من حلف بملة من ملل الشرك أو بأسماء أهلها ثم حنث ~~عمدا لا يصير بتلك الملة ولا بذلك الاسم استحسانا، لأنه إنما انتهك حرمة ~~اليمين. وإن ms240 كان روي عن رسول الله عليه السلام أنه قال: «من حلف بملة من ~~ملل الشرك فحنث فهو بتلك الملة» (¬1) . وأفتى بعض الفقهاء في الأم أن تكون ~~ناظرة في مال اليتيم ما حبستن نفسها على يتيمها، ولا يؤخذ من يدها ما لم ~~تتزوج، فإن تزوجت أخذ من يدها وأوجبوا ذلك استحسانا ولو كانت هي الخليفة. ~~واستحسنوا إعادة الصلاة في كثير من الأمور ما دام في الوقت وإن خرج/ الوقت ~~فلا إعادة عليه. واستحسنوه في النكاح المكروه إن سبه\قهم بالدخول أن يقروه ~~وإن لم يكن دخل أن يجددوا استحسانا. # والذي عندي أن أمور الكتمان بنيت "كلها" (¬2) أو جلها على الاستحسان. ~~واستحسن أبو حنيفة في رجل شهد عليه شهود أربعة أنه زنى. وكل شهد أنه رآه في ~~زاوية غير الزاوية التي رآه فيها صاحبه. قال: من القياس أن يدرأ عنه الحد، ~~ولكن أرجحه استحسانا. عين العكس، جاء ببذل الأرواح بالاستحسان ومنع من ~~الشرع والقياس. أما الشرع فقول رسول الله عليه السلام: «ادرءوا الحدود ~~بالشبهات» (¬3) . والقياس: أن ترد شهادتهم كما ترد شهادة المختلفين. وهذا ~~الاستحسان هو إلى الاستفساد أقرب منه إلى الاستحسان. ومن الاستحسان قصرهم ~~دية الذمي إلى النصف من دية المسلم ثم إلى الثلث بعد أن كانت دية كاملة. ~~قال الله/ تعالى: {وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله} ~~(¬4) . ومن PageV01P350 # وراء ذلك حكمهم على نساء أهل الذمة هذا على الثلث من النساء المؤمنات في ~~العدد والقسم. من الاستحسان أيضا دية المجوسي ثمانمائة درهم، والوثني ~~المعاهد ستمائة درهم. وأما عدد الإماء وطلاقهن فعلى النصف من طلاق الحرائر ~~وعدتهن. أخذوه قياسا من قوله: {فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب} (¬1) ~~. وهذا القدر كاف في التنبيه على الغرض الذي أردنا. فلنشرع الآن في الأساس ~~الذي يبنى عليه القياس وهي القواعد الكلية التي عليها معول الشرع وبأحكامها ~~يجب القطع. # باب # الكلام على قواعد الشرع # اعلم أنه لما قضى الله عز وجل في هذا الجنس بالخلطة والتآلف ولن يصلحوا ~~إلا على التعاون والتعفف، حكم ms241 في الحدود والقصاصات/، وفي الظلامات بأروش ~~الجنايات وغرم المتلفات، وشرع التباعات بالأموال والتعاوض بالأبدال للضرورة ~~الواقعة والحاجة الدافعة بخلاف سائر الحيوانات. وقد علم أن من طبع هذا ~~الطمش (¬2) الحاجة إلى الغذاء والعيش فاضطرهم الجوع والعطش إلى النوش (¬3) ~~والعرش (¬4) والهوش (¬5) . فكان هذا المعنى قاعدة من قواعد الشرع عظيمة ~~لهذه الأمة العظيمة. فلو لم يتزاجروا ويترادعوا بالقصاصات لتعطل العفاف ~~ووقع التلاف. ولو لم يتواسوا ويتعاونوا بالتباعات لصاروا قبورا ووحشا ~~وطيورا. # القاعدة الثانية: النكاحات والاجارات القراضات والمساقاة. إذ بالنكاح يقع ~~الفلاح في النسل والصلاح، وبالفساد يقع والطلاح، وبناقيها (¬6) PageV01P351 # تثمر الأموال التي بها بقاء النفوس والأحوال لتربية/ الأطفال والعيال. ~~وهذا النوع مخالف للبيوع؛ لأن البيوع بدل مال بمال. وهذا النوع بدل عناء ~~بمال. فلو انحسم هذا الباب وتعطل لبطل التعاون على البر والتقوى ولكان ذلك ~~وسيلة إلى الإثم والعدوان. # القاعدة الثالثة: النظافات والطهارات، وهو تخليص الإنسانية من البهيمات، ~~ولأمر ما مدح الله تعالى إبراهيم خليله بالوفاء بها عليه السلام فقال عز ~~وجل: {وإبراهيم الذي وفى} (¬1) . وهي العشر السنن التي في جسد الإنسان، خمس ~~في الرأس وخمس في الجسد. # القاعدة الرابعة: ما يئول إلى مكارم الأخلاق والشيم، وإلى محاسن الأفعال ~~والهمم، من الصدقات والصلاة والزكاة والهدايا والعتاقات والكتابات وفيها ~~تخليص النفوس من الضن والبخل إلى البذل والفضل. وفك أسر الرق بالكتابة ~~والعتق. # القاعدة الخامسة: وهي العبادات البدنية، فإن العقول لا تهتدي إلى ~~معانيها/ ولم يلح من الشارع إلى طرف من مباديها، كالصلاة والصوم والحج في ~~أمثالها. ولم يظهر فيها معنى من المعاني التي يقتضيها القياس. قال الله ~~تعالى: {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر} (¬2) وما يقع فيها من الأعداد ~~والقيام والقعود والركوع والسجود تتعذر معانيها فكيف بما يستنبط منها ~~والقياس عليها. غير أن المواظبة عليها تلين الأجساد وتمون الفؤاد وتذلل ~~النفوس للعبادة اجلالا لخالقها وانذلالا لرازقها وأن لا تنفلت من أرباقها ~~(¬3) لأن العبودية في رقابها. والتقلب إلى الألوهية الأخرى من أخلاقها، ~~فكان ذلك لها مشقة ومشغلة ومربطة. فإذا شرع القواع الكلية بمضمونها من ~~الاستصلاحات الجزئية ms242 فلا بد من الاشارات إلى الأقيسه وبالله التوفيق. # الكلام على الأقيسة # وهي ستة: PageV01P352 # أولها مفهو الخطاب، ثم قياس العلة المنصوص/ عليها، ثم قياس العلة ~~المستنبطة، ثم قياس الشبه، ثم قياس الاستدلال. # الكلام في القياس على مفهوم الخطاب: # ومفهوم الخطاب مختلف فيه، بعضهم يلحقه بالمنصوص وبعضهم يقول: هو مستخرج ~~من لفظ الشارع، وقال بعضهم: إنه القياس نفسه وهو الصحيح. ومن قال انه ~~مستخرج منكتاب الله عز وجل فالطريق إليه القياس، وكذلك الذي يقول إنه من ~~لفظ الشارع. فظاهر اللفظ قد انفهم منه معنى آخر غير هذا، فأين محل الأعلى ~~والأدنى إلا بالشرع، وهو القياس على أنفاس الشريعة لأنه ليس في القياس أكثر ~~من حمل معلوم على معلوم لأمر جامع بينهما من نفي أو إثبات. وقد اجه لنا من ~~قوله عز وجل: {ولا تقل لهما أف ولا تنهرهما} (¬1) يريد الأبوين، النهي عن ~~التأفيف فحملنا عليه الأذى والتعنيف والتأفيف معلوم، والتعنيف/ معلوم. وقد ~~ورد النهي في التأفيف ولم يرد في التعنيف. فحملنا المسكوت عليه على المنطوق ~~به. وكذلك قوله تعالى: {فمن يعمل مثقال ....} إلى آخر السورة (¬2) . هذه ~~الذرة فما حال الذرور (¬3) . وأما الذي قال: إن مفهوم الخطاب هو المنصوص ~~فقد باهت. ألا ترى أن من قال: بع عبدي فإنه سيء الأدب فإنه يبيعه بحكم ~~الأذن ويتوقف عن غيره ولو أساء أدبه أو يقع الإذن. وكذلك لو قال: بع عبدي ~~فإنه قد قام علي غاليا. فليس ينبغي أن يشتري له عبدا رخيصا إلا بغذن ~~مستأنف،ولا غنى لمفهوم الخطاب عن قرائن الأحوال فهو عين القياس حيث يحتاج ~~إلى التفرقة. وقد تظهر صيغة الفحوى ولا فحوى، كالرجل تبيح دمه نكالا ولا ~~تبيح له مالا. PageV01P353 # وحرمة الدم أعظم من حرمة المال. وقد يأمر الواحد بتأديب ابنه ولا تهوين، ~~وتهوينه ولا تأديب، وهكذا القول في لحن الخطاب ودليل/ الخطاب؛ لأنا لو ~~تركنا فحوى الخطاب ولحن الخطاب والصيغة لنحى بنا ذلك إلى غير مراد الشارع؛ ~~لأن قوله تعالى: {ولا تحلقوا .............................. أو نسك} (¬1) ~~. وقد نبه ونهى عن الحلق إذا لم ms243 تكن علة وأطلقه إذا كانت وهو المرض والأذى. ~~وأوجب فيه الافتداء. ولو لم يسع الحلق للأذى ووجب الافتداء لكان تغليظا على ~~المريض وصاحب الأذى بغير ذنب ولا اعتداء. ليس هذا من مفهوم كلام العرب ولا ~~أليق برأفة الرب. وكذلك قوله تعالى لموسى عليه السلام: {فقلنا اضرب بعصاك ~~الحجر} (¬2) فانفلق إذ ضرب. # وأما دليل الخطاب فالقياس عليه أليق والحكم به أوثق ما لم يعارضه ~~المبطلات لأن الله عز وجل يقول: {وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن ~~حملهن} (¬3) . فثبت أن ما عدا الحالتين ليس عليه من النفقة شيء. فلو لم ~~ينفهم لنا سقوط الإنفاق على غير/ ذات الحمل لكان المعنيان بمثابة واحدة في ~~الإنفاق على ذات الحمل وغيرها فيقع التخصيص والتنصيص لا فائدة لهما. وقد ~~تذهب أنفاس الأمة إلى خلاف دليل الخطاب كقوله تعالى: {وربائبكم اللاتي ~~.........................بهن} (¬4) . ومع هذا التبيين والتقييد أطبقت ~~الأمة على تحريمهن إلا ما كان من علي بن أبي طالب فإنه أباح الربيبة إذا لم ~~تكن في حجر الزوج. وكذلك قوله تعالى: {لا تقتلوا .... ............ منكم} ~~(¬5) . وأوجبوا الجزاء في العمد والخطأ. والذين قالوا في مفهوم الخطاب ~~بالقياس وغيرهم الذين نفوه إنما اختلفوا في الاسم لا الحكم. PageV01P354 # الثاني: قياس العلة المنصوص عليها، كقول الله عز وجل: {ولا تسبوا ~~......................... بغير علم} (¬1) . هذا ظاهر التعليل في المقال، ~~ولم يقصره الله تعالى على السب/ بالمقال دون ما يقتضيه من الفعال. وقوله ~~تعالى: {كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم} (¬2) . وكذلك قوله تعالى : ~~{إنما يريد الشيطان أن ........................... وعن الصلاة} (¬3) . فهي ~~بمثابة الخمر والميسر من الشطرنج والنرد في النهي وفي التحريم. وما ينخرط ~~في سلك العلل الأسماء المشتقة كقوله عز وجل: {السارق والسارقة فاقطعوا ~~أيدهما جزاء بما كسبا نكالا من الله} (¬4) وقوله: {الزانية ........... ~~مائة جلدة} (¬5) لأجل زنائهما وسرقتهما. فقاسوا واطيء البهيمة على الزاني، ~~والنباش على السارق والنبيذ المسكر على الخمر، ونبيذ التمر على نبيذ الزبيب ~~والأرز على البر في الزكاة وفي الرباوات. وكذلك قوله: {إنما جزاء ...... أو ~~يصلبوا...} الآية (¬6) . وكذلك قوله: {الرجال قوامون على ms244 النساء ~~.......................... من أموالهم} (¬7) فوجب على المرأة إجابة الرجل ~~إذا دعا، وعليها التسليم إذا أبى. فالعلة المنصوصة الفضل والنفقة. وإن كانت ~~العلة المقيدة الظاهرة في الزواج لتضمنها حاجة الزوجين وتحصين الفرجين، لكن ~~العلتين ازدحمتا فغلبت المنصوصة على الغيرية. وفي هذا رد على من أبى من ~~تعليل الحكم بعلتين ونفاهما نصا ومعنى. PageV01P355 # الثالث: قياس المعنى. وهو إذا لاح وظهر مراد الشارع من نفس المقال أو ~~شاهد الحال كقول رسول الله عليه السلام: «لا يبولن أحدكم في الماء الراكد ~~ثم يتوضأ منه» (¬1) . فلاح من الحديث نجاسة الماء لنجاسة البول، أو لمعنى ~~التقذر. وسبيل الغائط والخمر والنجاسات كلها والقاذورات سبيل البول. فلو ~~راعينا الصورة لقلنا: إن من بال في كوز فصبه الماء الدائم أنه يتوضأ منه ~~ولا يناله النهي على مذاهب أصحاب الظاهر. وكذلك سائر النجاسات/ فالقياس من ~~هذه الصيغة النهي وما كان في معناها من النجاسات منهي عنه أيضا. وكذلك لو ~~سلك به سبيل الكوز على هذا الحال. # ومن أقينة المعاني قوله عليه السلام: «لا يقضي القاضي وهو غضبان» (¬2) . ~~ولاح وظهر معناه النهي عن القضاء إذا كان مشغول الخاطر. وكذلك الحاقن ~~والجوعان (¬3) والعطشان والوسنان والهيمان في معناه. # وكذلك قوله عليه السلام في فارة ماتت في سمن، فإن كان جامدا فألقوها "وما ~~حولها" (¬4) , وإن كان ذائبا فأريقوه. وكذلك كل جيفة غير الفارة قياسا على ~~الفارة. بل كل نجاسة لا تسري في السمن إلا بقدر سريان نجاسة الفارة على هذا الحال. # ومنه قوله عز وجل: {لا تقربوا .................... تقولون} (¬5) ولذلك ~~قال عليه السلام: «إذا حضر العشاء والعشاء فابدأوا بالعشاء» (¬6) . فهذا ~~كله لفراغ القلب إلى الصلاة. ولا فرق بين السكر من/ الدنيا والسكر من ~~الآخرة. PageV01P356 # الرابع: قياس العلة المستنبطة، وهو أصل الفقة ومناط الأحكام. وشروطه ~~ثلاثة: الأحالة والمناسبة والإشعار. ويسلم من المبطلات وهي ثلاثة: صد ~~المنصوص وهدم القواعد ومصادمة الإجماع. فإذا وجدت الثلاثة وسلم من الثلاثة ~~ولم يمنع من التعليل وجه من التأويل أجريت العلل على وجهها وكانت بمثابة ~~الفحوى وأخواتها. ومعتمد القياس على الإحالة، وهي الظن. ms245 ولم تختلف هذه ~~الأمة في استنباط علة كاختلافهم في آية الربا في استنباط عللها وكثرة ~~خللها. قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إن من آخر ما أنزل لآية الربا، ~~ومات رسول الله عليه السلام ولم يبينها لنا. وقد تقدم القول فيها (¬1) . ~~وكذلك اختلاف الأمة في الجد أيضا حتى قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ما ~~حاورت رسول الله عليه السلام محاورتي إياه/ في مسألة الكلالة فقال: أو لم ~~يكفك يا ابن الخطاب آية الصيف (¬2) وهو آخر سورة النساء. قوله: {يستفتونك، ~~قل الله يفتيكم في الكلالة...} الآية (¬3) . # الخامس: قياس الشبه. وهو أوسع هذه الأقيسة مجالا ومآلا، وقد أشرنا إلى ~~طرف منه قبل هذا. قال الله تعالى: {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما ~~اعتدى عليكم} (¬4) . اعلم أن هذه الحقوق المتبادلة بين العباد في المالية ~~والبدنية أقربها تحريا لقصد الوزن، وهو أقصى ما تبلغه طاقة الناس. فمن بذل ~~من ذلك مجهوده واستعمل مجلوده فقد أدى ما عليه. وإذا رجع إلى ما عند الله ~~في علمه فربما يكون دون ذلك أو فوق ذلك. ثم بعد الوزن الكيل، ودون الكيل ~~الشروى (¬5) والمثل. وبعد الشروى والمثل القيمة، وبعد القيمة التشفي. وهذه ~~الأمور كلها معفو عنها ما PageV01P357 # ليس / في وسعنا. والموازين تختلف في القلة والكثرة، والخفة والثقل، ولا ~~بد من ذرر المثاقيل فيما بين الموازين. والكيل دون الوزن وقد بين المكاييل ~~حبوب فقل ما يأتي كيل إلا وبينهما حبوب فيقع التفاوت بين الذرر والحبوب. ~~وكذلك الشروى قل ما يقع شيئان متشابهان من كل وجه. ولا بد أن يفضل أحدهما ~~الآخر بشيء والآخر في شيء. ثم القيمة أصلها ومرجعها إلى أغراض الناس ولو ~~أبطل الناس المعاملة بها لبطلت فائدتها. ولو راجع الناس عقولهم زوال العمى ~~من أبصارهم والرين عن قلوبهم لما بدلوا منها ثمرة ببدرة. ولكن "للمحق" الذي ~~ضربنا به وقصرنا فيه (¬1) آثرنا الشهوة عن المنفعة. فتعامل الناس على هذا ~~المعنى وبلغوا فيه المنى. ومضوا في أسلوبهم على مطلوبهم فجاءت الشريعة على ~~محبوبهم. فبدل المعنى/ ms246 وأمر بالافتناء. PageV01P358 # ودون القيمة التشفي إذا لقوك. والقصاصات كلها ليس فيها أكثر من التشفي. ~~ولو خير العاقل أن تقطع يده بعشرة أيد لما رضي، وروحه بعشرة أرواح لما رضي. ~~وآخر هذا كله التشفي في مظلمتك إن عازك القصاص والقيمة بسكون نفسك إلى ~~موعود الله تعالى: {ونضع الموازين..................... حاسبين} (¬1) . قد ~~صدق الله سبحانه وهو أسرع الحاسبين. وقد تقع فنون التشبيهات في الأمثل ~~والأغلب. وأن الأبيض أبيض وإن كان أسود الرأس واللحية، والأسود أسود وإن ~~كان أبيض الأسنان والعينين. والمعاصي والطاعة بمثابة هذه المثابة. وقل ما ~~يخلص الصاح من معصية، وقل ما يخلو الطالح من طاعة، والاسم الأغلب، قال الله ~~تعالى: {خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا ...} (¬2) وقال: {ونكفر عنكم سيئاتكم} ~~(¬3) . وقد تكفر بعض الطاعة/ بعض المعاصي وتحبط بعض المعاصي بعض الطاعة. ~~والشبه يقع في معنيين حكمي وحسي. ونحن ننبه عليهما بفنين دالين على كل ما ~~وراءهما إن شاء الله. # أما الحكمي؛ اعلم أنه لما ازدحمت الأشباه في العبيد تعارضت العلل فازدحمت ~~الأجوبة فيها كما قدمنا، وذلك أنهم بنوا آدم مكلفون عقلاء يسوسون الأموال ~~ويقومون عليها، واشتركوا مع الأحرار في التباعات وفي جميع ما يليق بالحرار ~~من المشرب والمأكل والملبس والمنكح ولم يقصره إلا الرق والعبودية عن كل ذلك. PageV01P359 # ولحظ بعضهم رفهم وأنهم مال والمال لا يملك مالا وإن كان كسب المال عليه ~~ليس محالا. فاضطربت الأحوال في الزكاة والصدقات، والوصايا والنكاحات/، ~~والعطايا والهدايا والفزوات، والتسري والشهادات، والحدود والقصاصات، ~~والإمامات والصلوات،والكتابات والعتاقات الحرمات لهذا السبب. وأما الحسي، ~~فلنجتز فيه بقول الله تعالى: {فجزاء مثل ما قتل من النعم} (¬1) . فالبقرة ~~في البقرة، والشاة في الشاة. "فأين" (¬2) مقام النعامة والحمامة والأرنب ~~والحنطب (¬3) والفيل والكركدن والزرافة؟ ويتعلق به أحكام القافة عند من ~~أجازه. ومن وراء ذلك قوله عليه السلام: «تتكافأ دماؤهم» (¬4) ولم يراعي ~~الملاء (¬5) والحلي (¬6) ، والطول والقصر والحسب والنسب، والمال والنشب، ~~والبر والفجور، والشيب والشباب، والنقص والتمام، والرجال والنساء. والفقر ~~والغنى، لكن الأعيان والغثراء (¬7) سواء. # القياس السادس/: قياس الاستدلال. واعلم أن الاستدلال قد قال به طوائف ms247 من ~~الفقهاء وأنكره بعضهم. والأصل فيه وهو معنى مشعر بالحكم من لوائح وإشارات ~~مذكورة من الأمم السالفة في القرآن، فنصبوها علما للقياس عليها لا يستند ~~إلى شيء من قواعد الشريعة. فأجازه بعض الفقهاء بشرط أن يكون سالما من ~~المبطلات (¬8) ونصبوه علما على طلب المصلحة. وكان رأيا من PageV01P360 # رأى المسلمون وعضدوه بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما رآه ~~المسلمون حسنا فهو عند الله حسن» (¬1) وأفرط فيه مالك حتى هدم قواعد الشرع، ~~فسفك الدماء الحرام وأباحها بالتهم. وأجاز الولاة الظلمة استصلاح الثلثين ~~بالثلث، طلب ذلك الايالة (¬2) ، فكان ذلك ضغثا على إبالة وتأول فيه/ قول ~~الله تعالى: {وأما الغلام ........................ وأقرب رحما} (¬3) . ~~وتأول في القسامة وقول القتيل حديث بقرة بني إسرائيل. فقبلوا قول القتيل ~~ودعواه على حقه وقال: لا فرق بين القتيل إذا تكلم بعد الموت وبين المشرف ~~على الموت (¬4) . وقد قال رسول الله عليه السلام: «أصدق ما يكون الناس عند ~~الموت» (¬5) . ولا شك في صدق من أخبر الصادق عن صدقه. وكان يرى العقوبة ~~بالأموال لحديث حريسة (¬6) الجبل، ولحديث حاطب، ولحديث السفينة. قال الله ~~عز وجل عن الخضر عليه السلام: {أما السفينة ............................. ~~غصبا} (¬7) . واستدل بصنيع عمر رضي الله عنه في مقاسمته الأموال، وبفعل أبي ~~بكر الصديق رضي الله عنه في مال أهل الردة حين اشترط عليهم/ أن ينزع الحلقة ~~والكراع، وعلى ذلك يقبل إسلامهم (¬8) . وبفعل رسول الله عليه السلام في أهل ~~دومه الجندل حين اشترط الجحل والنفاحية ولهم الضامنة (¬9) في أمثالها. # ولنا صفو إلى الاستحسان (¬10) في أحكام الكتمان كما تقدمت، وقد اختلف ~~الناس فيها. PageV01P361 # فقولنا: إن أفعال الظهور وأحكامه مقصورة على الظهور. وأفعال الكتمان ~~وأحكامه مقصورة على الكتمان. ومنهم من أطلق النسخ وفوضه إلى الأمة. ومنهم ~~من جعل أحكام الظهور على التأييد، وفوضها (¬1) إلى من له أدنى قوة، سلطان ~~أو شيطان، أو فقيه أو سفيه. ومعولنا -بعد قول الله تعالى- في الانتقال عن ~~أحكام الظهور إلى الكتمان، والإقتداء برسول الله عليه السلام. وذلك أن الله ~~تعالى جعله أسوة وقدوة قولا وفعلا فلنا فيه ms248 أسوة حسنة/ وبالله التوفيق. # وأما الأحكام المحدثة في الكتمان فمعولنا فيها على الله سبحانه ثم على ~~رسوله عليه السلام: «ما رآه المسلمون حسنا فهو حسن» (¬2) وفي بعض الروايات: ~~«فهو عند الله حسن». ومعولنا بعد قول الله تعالى: {لئن لم ~~ينته....................... تقتيلا} (¬3) . فهذا على مذهبنا في النفاق أنه ~~في الفعال دون الاعتقاد. وفي الآثار لوائح تشير إلى معنانا في هذا رواية ~~عبدالله بن عمرو بن العاص في شارب الخمر قال: قال رسول الله عليه السلام: ~~«من شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد فاجلدوه، فإن عاد فاجلدوه، فإن عاد في ~~الرابعة فاقتلوه» (¬4) . فقال: ائتوني بشارب شرب الخمر ثلاثا في الرابعة ~~أقتله. وما ذكر في تارك الصلاة من القتل (¬5) . وحديث عمر رضي الله عنه في ~~الذي أساء/ الصلاة وقال: والله لا نترك تظهر النفاق. فإن صح لأهل الإيالة ~~قولهم فقولنا أصح وأصح. ولنرجع إلى تلويح بعض أهل الإيالة والسياسة، وهو ~~قول مالك. PageV01P362 # وأنت يا أخي لو تدبرت بعقلك أمر الشريعة لرأيت حرمة الأموال أعظم حرمة من ~~حرمة الدماء؛ لأن الدماء تباح بأدنى معصية، ولا تبح الأموال بالمعاصي. وقد ~~قال الإمام أفلح رضي الله عنه: إن الدماء تباح بالمعصية ولا يحل البسط ~~إليها إلا بالمباينة. وقال أيضا الإمام عبدالوهاب رضي الله عنه: سبعون وجها ~~تحل بها الدماء فأخبرت منها لأبي مرداس بوجهين فقال: من أين هذا. من أين ~~هذا؟ (¬1) . # اعلم أن من الوجوه التي تحل بها الدماء من المعاصي ولما تبلغ الشرك وجوها ~~كثيرة كما قال الأول (¬2) : # أولها: القود في الجنايات، والحرابة، والطعن/ في دين المسلمين، والدال ~~على عوارت المسلمين، ومانع الحق، والزنديق وتارك الصلاة، وتارك الزكاة، ~~والمدمن على خمر. والذين قال الله عز وجل فيهم: {لئن لم ينته المنافقون ~~والذين في قلوبهم مرض....} إلى قوله: {ولن تجد لسنة الله تبديلا} (¬3) . ~~والحامل السلاح إلى أرض العدو، وأعظم جرما من (¬4) الجاسوس. وحكم أبو بكر ~~رضي الله عنه في أهل الردة أنه أمر بالغارة على كل حي لم يسمع فيه الأذان. ~~والداهية العظمى حين أمر عمر أبا ms249 طلحة الأنصاري بأهل الشورى أن يقف لهم ~~ثلاثة أيام فإن لم يستفقوا على واحد منهم أن يولوه أن يضرب أعناقهم. # فصل # ولترجع ولنتتبع هذه المعاني واحد فواحد حتى تروا وجوه الإيالة والسياسة ~~كيف أباحت الدماء وهونت أمرها لأحكام الخليفة. وليس في الحرمات أهون من ~~الدماء. ولا نسوغ هذه الإباحة في الفروج ولا في الأموال ولا في/ الأعراض ~~وإنما تهاونت العلماء بأمرها هكذا نظرا إلى أنفاس الشريعة وبغيا على PageV01P363 # الخليفة. ولذلك لقول الله تعالى: {كتب عليكم ........... تتقون} (¬1) . ~~وقال أهل التفسير: لكي يتقوا سفك الدم الحرام. وقالت العرب قديما. القتل ~~أنفى للقتل. ولم يستعتب الرب تعالى أولي الألباب وفوض إليهم النظر إلا وتحت ~~الكلام ما يقتضيه اللب (¬2) وهو القصاص،ومعناه المروعة والمزجرة، وذلك أن ~~تقيموا بألبابكم ما ترونه بأبصاركم. فانفهم لأهل البصائر أن القصاص حياة ~~ولم يجتزوا في واحد بواحد ولا بعشرة ولا بمائة بل بكل قاتل من الجناية. وقد ~~تختلف الجناة في جنايتها فربما بدعه باصبعه أو خدشه بظفره، أو جرحة دامغة ~~أو دامية أو/ بأصبعه متلاحمة أو سمحاقا أو موضحة أو هامشة أو منقلة، أو أمة ~~في رأسه، أو جائفة (¬3) أو ضرب رقيته، أو ذبحه. فكل هؤلاء مشتركون في ~~الجناية مع ذابح وناحر وضارب الرقبة. وأي إيالة أعظم من التسوية بين حاز ~~الرقبة وخادش البشرة فيقاد منهن بالقتل جميعا ويستويان في الجناية. فنظر ~~أولو الألباب إلى الجناية تشمل الآمر والمأمور والمالك والمملوك والأب ~~والابن، والمعلم والصبيان. فأوجبوا على السلطان القود فيمن قتله أحد من ~~الرعية بأمره، وعلى الملاك فيمن قتله أحد من المماليك بأمره، وعلى الآباء ~~فيمن قتله أحد من الأبناء بأمره، وعلى المعلمين فيمن قتله صبيانه # باشلائه (¬4) ، وعلى المكلبين فيمن قتلته الكلاب باغرائه. ولو قصروه على ~~القاتل دون الآمر والمشلي والمغري لضاع الذمار وخربت الديار. PageV01P364 # فأوجبوا القتل على السلطان/ والمالك والأب والمعلم وصاحب البهيمة إيالة ~~وسياسة. # وأما أمر المحاربين والمرجفين والذين في قلوبهم مرض: أما الذين في قلوبهم ~~مرض هم الزنادقة، وأما المرجفون فهم المعوقون. وأما المحاربون فهم قطاع ~~الطرق. ms250 وقد حكم الله عز وجل في كتابه فقال عز من قائل: {إنما جزاء ~~................................... غفور رحيم} (¬1) ثم إن أهل التفسير ~~اختلفوا في هذه الآية. قال بعضهم: إنها على ظاهرها على التخيير، فمن قطع ~~الطريق وأخاف السبيل فالسلطان فيه مخير أي هذه الأحكام شاء أمضاها عليه، ~~إذا حصل (¬2) له اسم الحرابة وأخاف السبيل وقطع الطريق ولو لم يقتل أحدا ~~ولم يأخذ مالا ولم يلق كيدا، ذلك إلى السلطان. # وقال بعضهم: إنما هي في أحكام مخصوصة لعمال مخصوصة قصرها عليهم لحن ~~الخطاب. وهو قوله: {إنما جزاء/ الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض ~~فسادا أن يقتلوا...}. # ولحن الخطاب: إذا قتلوا وهو موحدون، أو يصلبوا: إذا قتلوا وهم مشركون. أو ~~تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف: إذا لم يقتلوا لكنهم أخذوا الأموال. وينفوا ~~من الأرض إذا لم يقتلوا النفوس ولم يأخذوا الأموال بإطالة حجسهم تحت الأرض ~~إذا قدر عليهم، أو يطلبهم على أن يجليهم عن أراضي المسلمين. # {ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم}. وهذا التأويل الآخر ~~أقرب إلى الصواب إن شاء الله. فلنعول على هذه القولة ونظر وجه الايالة ~~فيها. فأما الأول فقد بانت الإيالة والسياسة وقدر عسكر حارب الله تعالى ~~ورسوله فقطع الطريق وأخاف السبيل. فإن قتلوا أحدا من الناس مؤمنا أو كافرا ~~مسلما أو يهوديا أو نصرانيا ذميين. ذكرا كان أو أنثى، حرا كان أو عبدا ~~صالحا أو طالحا أو صبيا أو مجنونا، أو مشركا ذميا/ أو مجوسيا فإنهم يقتلون ~~به كلهم على أنه ربما لا يقتل به بديا إذا قتله على غير الحرابة. والقتل ~~حدهم ولو كانوا آلافا لا تحصى. PageV01P365 # والحكم أيضا في الأموال كذلك، قد جعل الله تعالى في السراق قطع الأيدي، ~~وقيده بالنصاب وبالحرز، فإن عاد فرجله من خلاف. فجعل الحكم في المحاربين ~~قطع الأيدي والأرجل من خلاف ولم يقدره بالنصاب، فأضعف عليهم الحكم من كل ~~الوجوه ولو لم كانوا في العدد أمة من الأمم. فسووا بين من أخذ وبين من لم ~~يأخذ وبين من قتل ms251 وبين من لم يقتل. ومن وراء هذه الداهية العظمى لأهل ~~الاستدلال والإيالة صنيع عمر بن الخطاب رضي الله عنه وسنته في أهل الشورى، ~~فإنه أمر أبا طلحة عن أنس بن مالك يدخلهم دارا ويقعد على بابها وينتظرهم ~~ثلاثة أيام فإن لم يتفقوا على واحد بعينه أن يدخل إليهم، وأعطاه سيفا ~~فيقتلهم عن آخرهم. كان أبو/ طلحة ممن على رسول الله عليه السلام بالسيف ~~يحرسه إذا حضرت الوفود وهي ولاية أبي طلحة معروف بذلك عند المهاجرين ~~والأنصار، وحكم عمر بهذا الحكم بمحضر أهل الشورى وهو القدوة. ولم ينكر عليه ~~أحد بمحضر المهاجرين والأنصار ولم يختلف عليه منهم رجلان فمن أين حلت دماء ~~هؤلاء إن لم يتفقوا، بل إن لم يولوا واحدا منهم؟ وأي معصية ارتكبوها، وأي ~~مظلمة لأحد من الناس عندهم؟ بلى إن عليهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ~~وقد تعينت عليهم الولاية فإن أضاعوها PageV01P366 أضاعوا أمرا عظيما. فها ~~هنا تعرضت المسائل في توليتهم: أرأيت لو اتفقوا أربعة على واحد ومنه السادس ~~أكانوا يقتلون جميعا أو يتقل السادس؟ فإن كانا اثنين واتفق ثلاثة على واحد، ~~أيقتلون جميعا أو يقتل اثنان؟ وإن كانوا ثلاثة وثلاثة، ما الحكم فيها؟ وإن ~~أنفوا جميعا من الولاية، أيتركون أم/ يقتلون؟ وهذه مسألة اجتهادية لم يقطع ~~فيها عمر رضي الله عنه بجواب إلا السيف. فأي إيالة وأي سياسة أعظم من ~~استصلاح الأمة بثلثيها وقد أفتى عمر واستلح الثلث بالثلثين، بل قد استصلح ~~الاثنين بالثلاثة أثلاث. وحسبك اختيار عمر رضي الله عنه إياهم من الأمة، ~~وهم أهل السابقة في الإسلام والعلماء بالله، والأئمة والقدرة في الدين ~~وبقية العشرة ونجوم أصحاب رسول الله عليه السلام. فأراد عمر أن يستصلح بهم ~~أوباش هذه الأمة. فلو أنفق أحدهم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه. ~~فكيف استصلح بهم الغثراء والغوغاء والعامة الذين يضيقون الأسواق على الناس ~~ويغلون الأسعار. وفي هذه الأمة أحكام إيالية تعجز أهل البصائر عن معرفتها ~~فضلا/ عمن دونهم، لكن تلقتها الأمة بالقبول عن السلف الصالح. ومنها ms252 مصادمة ~~النصوص في مصلحة الخصوص إيالة أو جهالة، والله المستعان. # باب البيعة ونقض الصفقة # والكون تحت أيدي الظلمة والتغرب بعد الهجرة # وقد تقدم القول في بيعة أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنها إجماع من ~~الأمة، وأنها بيعة رشد، ثم من بعده من الخلفاء الراشدين ثم تحول الأمر ملكا ~~وجبرية بزبزية (¬1) . فمن دعا إلى البيعة فإن كانت قد أسست على PageV01P367 # التقوى فعليه الإجابة والنصح والنية. وإن وقع التغيير قدم إليه بالنكير، ~~وإلا فلا طاعة لإمام آخر حتى يزول الأول لقول رسول الله عليه السلام: «إذا ~~ولي إمامان فاقتلوا الآخر منهما» (¬1) فإن زال التغيير انتفاء أو موتا. أو ~~طاب تولية الآخر بأن أخر الأول أو غاب انتظر موته، وإن فقد/ ضرب له أجل ~~الفقد أربع سنين. وإن وقعت المغالبة ودعي الناس إلى بيعة ظالم، فلا ولا ~~نعمت عين. ومن أكره على بيعته إن كان تسوغ لك بيعته أم لا، فالله أعلم. # وللقوم (¬2) أيمان زائدة في أخذ البيعة، وذلك أنهم يقولون: عليك عهد الله ~~وميثاقه وكفالته وطلاق كل امرأة تملكها ثلاثا، وكل مملوك لك حر، وتهدم دورك ~~وتخرب قصورك، وعليك كذا وكذا صدقة في مالك للمساكين إن نكثت هذه الصفقة، ~~فتنعم. فمن ابتلي بهذا فما حال امرأته وسريته وعبيده وامرأته إن نكث ~~الصفقة، إن كان تطلق أزواجه ويعتق عبيده ويلزمه الغرامات من الصدقات والمشي ~~إلى بيت الله الحرام. فما الحكم في أهل الدعوة إن جرى لهم هذا؟ وفيمن كان ~~على غير مذهبهم إذا رجع إلى أهل الدعوة المحقة وقد قال/ رسول الله عليه ~~السلام: «ثلاثة من الكبائر: خروجك عن امتك، وقتالك صفقتك، وتبديلك سنتك» ~~(¬3) وفي مثل هذا قال أبو عبيدة بن القاسم بن عبدالله: تفيض نفسي والله لا ~~أعطيهم ما يريدون (¬4) . # باب الخروج عن الأمة # والذي يذهب إليه العلماء أن خروجك من أمتك اتخاذ دار الشرك وطنا، فنهى ~~رسول الله عليه السلام عن ذلك، لما يجري عليك من الأحكام من السبي والغنيمة PageV01P368 # والرق وتغيير النسل والأكراه على مفارقة دينه، ومشقة في طول ms253 التحرز من ~~النجاسات والذبائح، والواحدنية. كل ذلك ضرر على الرجل المسلم. وأما من سلك ~~مجتازا في بلدهم، أو رسولا أو بسبب فلا. والمعنى الأول روي عن رسول الله ~~عليه السلام أنه قال في قبور عانة: «تلك قبور لا ينظر الله إليها» (¬1) ~~والله أعلم. # وأما من أسلم من أهل الشرك وهو في بلاده فلا ينبغي/ له المقام فيها إن ~~استطاع السبيل إلى ذلك. وأما من لم يستطيع سبيلا فلا عليه، وواسع عليه حتى ~~يصيب السبيل. فليصل وليصم رمضان. # فصل # وأما المقام تحت أيدي المخالفين من المحمدية وتحت حكمهم حيث تجري عليه ~~أحكامهم فواسع له المقام ولو أنه يخشى جورهم ما لم يخف أن يفتنوه عن دينه. ~~فإن طاع ولم يفتتن في دينه فلا بأس. وأما الصفرية فإنهم قطعوا عذر القاعدين ~~حتى قال شاعرهم: (¬2) # ... أبا خالد أيقن فلست بخالد ... ... وما جعل الرحمن عذرا لقاعد # ... أتزعم أنالخرجي على الهدى ... ... وأنت مقيم بين لص وجاحد؟! # وحم الصفرية في هؤلاء أنهم مشركون ولذلك لم يجوزوا الاستيطان عندهم. فإذا ~~ساغ المقام بين ظهراني/ الأمة فما القول فيما يجري على الناس من أحكامهم ~~التي يخالفون فيها المسلمين؟! اعلم أن كل مسألة قطع المسلمون عذر من خالفهم ~~قولا أو فعلا لا يسعه فعله ولا فتياه. وأما إذا لم يقطع المسلمون عذرهم في ~~شيء فلا عليه، إن شاء فعل كرها أو ترك. فأول ذلك طلاق القاضي. وذلك مثل رجل ~~عجز عن نفقة امرأته فقرا أو قترا. فالقول عندنا أنه يجبر بالسياط على ~~النفقة، فإن شاء طلق وإن شاء أمسك # فإن "مات" (¬3) كذلك فهو مسلم والقاتلون مسلمون؛ لأن كل واحد منهما يسعه ~~ما فعل، وفي هذه المسألة نقض الأصول PageV01P369 # وقولة أخرى: أنهم يجبرونه على الطلاق لأنه وسعه، {لا يكلف الله نفسا إلا ~~وسعها} (¬1) ، {لينفق ................ إلا ما آتاها} (¬2) وهذا لم يؤته ~~إلا الطلاق فلينفق منه،/ وهذا أشبه. وأما الأول فتكليف ما لا يطيق، وإباحة ~~الدماء في الإنفاق (¬3) . والقول الأخير قول الربيع ومحبوب وائل. وفيه قولة ~~أخرى تروى عن عبدالله بن عبدالعزيز: ms254 ألا شيء عليه، فليسترزق الله. وهو قول ~~المخالفين. فإن لم تصبر وإلا (¬4) وجه القاضي عليه القضاء وطلق عليه ~~امرأته. وكذلك إن غاب "وهو موسر" في بلاد بعيدة فليكتب القاضي إلى قاضي ~~بلده إعذارا وإنذرا، وليضرب له أجلا يأتي إليه "فإن أتى" (¬5) وإلا وجه ~~عليه القضاء بالطلاق والفراق وحلت للأزواج، فإن تزوجها آخر ومات ورثت منه ~~أموالا ساغ لها ذلك، وساغ لمن يتزوجها من أهل دعوتنا ويجرى الأحكام بينه ~~وبينها من النسب والحقوق والمواريث على ما قدمنا. ولو كانت بنتا أو أختا ~~تزوجتا فطلقتا على/ هذا النعت فتزوجتا لمن ورثتا منهما أموالا جليلة، ساغ ~~لها ذلك. مساغ لك إرثك منهما. وإن وقعت الحرمة بينهما بزنى أو غير ذلك عند ~~المسلمين، وليست بحرمة عند المخالفين، فأثبتوا الزوجية وحموا بها فوقعت ~~المواريث والأنساب. والأحكام أجريت على ما PageV01P370 # حكم به القضاء مخالفين أو موافقين. فإن قضى لك القاضي بشاهد ويمينك في ~~أمر تعرفه فسائغ لك أخذه ومعاملة جميع من قضى له القاضي بهذا وإن كان هذا ~~الحكم لا يجوز عند المسلمين. وكذلك إن باع القاضي على أحد منهم في ديون ~~التزمته أو نفقات نساء أو لمولود أو مماليك فلك معاملة جميع هؤلاء الذين ~~قضى عليهم القاضي الجد مع الأخ أو أعطى للجد الثلثين مع الأخت، أو للأخت ~~الثلث، كل هذا/ سائغ ليس فيه بأس. وامرأة من أهل الدعوة تزوجت رجلا من ~~الخوارج فاستمسكت به عندنا لحقوقها من النفقة والكسوة والصداق والمتعة وليس ~~في يده إلا ما حاز من غنائم أهل التوحيد وقيقهم، فإنا نحكم لها بجميع ~~حقوقها في هذا المال. وإن كان المال معروفا أهله ولكن بعدما وقعت المقاسمة. ~~وإن وقعت الوفاة حكمنا لها بميراثها وقضينا منه ديونه وأدينا أماناته ~~وورثنا أولاده وحطنا (¬1) عليهم أموالهم. وإن عجز المكاتبون واسترقهم ~~القاضي مضى عليهم الرق. وإن وقعت المورايث فعليك (¬2) أن تأخذ سهمك منهم ~~ومن أثمانهم، وإن قسمت الغنائم فأسهم الفارس (¬3) ثلاثة أسهم والرجل3 سهما ~~فإن ذلك جائز. وأما إن حكم القاضي بالقود على رجل أوصى/ عند ms255 موته أن فلانا ~~هو الذي قتله فافتك الرجل بالمال وصالح على دعوة المدعي، هل تجوز معاملته ~~في هذا المال؟ قلنا: نعم وأما على مذهب أبي حنيفة إن غصب رجل مال رجل فصرفه ~~أن صاحب المال ليس له في شيئه شيء عند من كان، وإنما له القيمة عند الغاصب. ~~وسوغ لك معاملة الثاني في الشيء المغصوب ولما يفت هذا الحرام بعينه إلى ~~الآن ولا نعمت عين. وكذلك قوله في المرأة يشهد شاهدان زورا عليها أن زوجها ~~طلقها البت فجوز للشاهدين تزويجها والذي ارتشاهما، هذا إن حكم PageV01P371 # الحاكم. فجعل حكومة الحاكم تكسب الأصول الحارم والفروج الحرام. وليت شعري ~~إن كان يسوغ ذلك أيضا في الدماء. ويبيح دم امرئ مسلم لم يجز بشاهدي زور ~~ولمرتشيهما إن حكم الحاكم بظاهر الأمر عند. وإن كانت تحت قوم يرون العقوبة ~~بالأموال/ ويفتون السلاطين أو يعاقبوا العصاة بذلك فيما تصرف منه ذلك أخذته ~~وما لم يتصرف لا نأخذه، وجميع عطايا الملوك قد أجازها أصحابنا يأثرون ذلك ~~عن جابر بن زيد. وإن أيقنت أن فيها حراما غير معين فلا بأس وأما إن أخذه ~~المخالفون من أهل الذمة جزية وقد حاطوهم فلا بأس إن أعطوك أن تأخذه. ~~والأمراء الظلمة الذين في أيديهم الحرام وغيره فإن انتفوا من تلك الأموال ~~بالتوبة فلا بأس على من يأخذها. وأما إن أعطوك شيئا هدية أو مصانعة أو غير ~~ذلك فلا إلا إن أخذته تريد به المساكين، إن جميع ما في أيديهم لو انتفوا ~~منه يحل للمساكين. وحكم الخمس إن صرفوه في أهله فواسع لك أخذه منهم ~~ومعاملتهم فيه، وكذلك أموال الصدقات إن صرفوها إلى أهلها فلك معاملتهم. وإن ~~دفعوها لك وأنت/ أهلها فلا بأس عليك. # فصل # والمخالف إذا رجع إلى أهل دين الحق صار بمنزلة المشرك إذا وحد في جميع ما ~~فعله بمذهبه، وكذلك الصفري وغيره. غي أنه ينبغي للصفري أن ينتفي من الرقيق ~~الذي بيده إن أخذه من المغنم. وأما إن اشتراه فلا. وأما جميع من قتله ديانة ~~فليس عليه قود ولا ms256 دية، وكذلك الأموال على هذا الحال. اعلم أن شهادة ~~المخالفين كلهم جائزة على أهل الدعوة العدول منهم وغير العدول فيما تجوز ~~فيه شهادتهم كأهل الجملة منا إلا في فاحشة الزنا خصوصا لا تجوز فيه شهادة ~~العدل منهم ولا غيره. وقيل إن شهادة المخالفين كلها جائزة في الحدود عليهم ~~بهم. لكن البراءة لا براءة إلا بالمسلمين/ العدول. والخلافة لا تجوز إلا ~~للمسلمين السالمين من البدعة. وأما الدفاع PageV01P372 وشبهه فإنه يكون منا ~~ومنهم،والقضاء كذلك بشرط إلا يقضى إلا بمذهب معلوم، وإن وقع القضاء بخلافه ~~انتقض حتى يقع الاجتماع من ذي قابل. وكذلك المفتون على هذا الحال ولا يكون ~~ذلك نقضا لحكم الحاكمين، ولا تسفيها لقول العالمين. # فصل # واعلم أن الولايات التي تختلف على أهل الإسلام كولاية بني أمية حتى ~~انقرضوا، وبني العبيد حتى انقرضوا، والمرابطين حتى بادوا، وبني حماد ~~والشرفاء بمكة ومن لا يدعي إلا الملك والسلطنة حتى فنوا، اعلم أن أحكامهم ~~مختلفة. # أما من ادعى منهم الدين والشرائع والعمل بها والتدين بمقتضاها كبني أمية ~~وبني العباس وبني العبيد والمرابطين وشبههم/ فإن جميع ما كسبوا واكتسبته ~~ولاتهم من بيت المال المسلمين فإنه مرجوع ومردود إلى بيوت أموال المسلمين. ~~وكذلك ما استحدثوه من المصانع والهياكل والحصون والقصور، والأودية ~~والأنهار، والأجنة والأشجار، والبساتين والأرزاق والطرقات وأموال الأجر ~~والدواوين، فمرجعه كله إلى بيت مال المسلمين وأما ما اكتسبوه من عطاياهم ~~وسهمانهم وأرزاقهم وتجارتهم فذلك المال موقوف عليهم وعلى أولادهم من بعدهم ~~على المواريث. وبالجملة إن الإيالة تقتضيهم في نفس هذه الأموال. وقد قاسم ~~عمر بن الخطاب رضي الله عنه ولاته في أعطياتهم التي استخدمت بها فر أنصافها ~~إلى بيت مال المسلمين بعد ما صار لهم عطاء وقبضا وحيازة. فهذه إشارة إلى ~~العقوبة بالمال. فإن عمر إنما أعطاهم/ تلك الأموال لينتفعوا بها وليصرفوا ~~ألفاضل إلى آخرتهم فتوسعوا فيها وظنوا ببقيتها على أنفسهم أن يصرفوا في ~~آخرتهم فأخذوا في الجمع وعاقبهم بالمنع فقاسم وساهم. # فصل PageV01P373 وأما السلاطين المتغلبة كبني حماد وغيرهم ممن لا اهتبال ~~له بالشريعة، وإنما ms257 جل أموالهم من مغارم يأخذون بها الناس، ويستخدمونهم في ~~صنائعهم ولا يرضون بزكاة يأخذونها ولا صدقة ولا فطرة، فجميع أموال هؤلاء ~~ناضا وعقارا وغيره فهو فيء رادع إلى بيت مال المسلمين ليس لهم إلا روؤسهم، ~~وإنما اكتسبوا الحطام والسحت والحرام والقبالات. وكذلك ولاة أهل مكة على ~~هذا الحال. # فصل # وأما البلاد المتخربة من بلدان المسلمين بالقحوط والعدوى والاستبدال فعفت ~~واندرست/ حتى لا يهتدي أهلها لها، فإن للولاة أن يصرفوها حيث شاءوا أو ~~يقتطعوها لمن أرادوا غير أنهم لا يملكون الرقاب أحدا، فمن شاء من العمار أن ~~يبيع البنيان والنقض فعل وتبقى لأهلها الأرض. وأما العقار والدمن ~~والمستغلات كلها فإن للسلاطين أن يصرفوا ذلك كله لمن يقوم به ويجعل له جعلا ~~على ذلك، فما فضل بعد النوائب والجعل جعله في بيت مال المسلمين على طريقة ~~الفيء أو اللقطة ويجريه على الفقراء والمساكين وأهل الصدقات. وإن رأى أن ~~يقطعها لمن يعمرها بمرافقها ومنافعها، وتكون لهم المستغلات على طريقة الفيء ~~فعل، وإن زادت العمارة على أيديهم والبنيان والنقض كان لهم مهمى جاء أهلها ~~أخذ هؤلاء قيمة ما أحدثوا،ويكون الأصل لأهله، وأما/ المحارث فما اشتغل من ~~اقتطعها له السلطان فهو له. وأما إذا كان فيئا للمسلمين ودخلوا بأمر ~~السلطان وإذنه كانت المستغلات لهم والعمارة ووقعت في الأصل القسمة على روؤس ~~الرجال. # فصل # اعلم أن أسارى المسلمين بأيدي المشركين أنهم على أحكامهم من الولاية حتى ~~يموتوا أو يظهر ارتدادهم، وهم مثل الغيب في بلاد المسلمين، PageV01P374 ~~وأزواجهم على حالهن قبل الأسر والمواريث جارية بينهم وبين أزواجهم، والنساء ~~معطلات ما لم تكن فرقة أو تحريم أو موت. وإن كن نساء انقطع الفراش من كل ~~حائل ومن كل حامل واضع وثبت النسب للمشركين ولا تنقطع مع ذلك العصمة بينهن ~~وبين أزواجهن. فإن رجعن كن (¬1) على نكاحهن. وكذلك الغاصب من أهل التوحيد ~~على هذا الحال/ مثل حكم المفقود إلا إن حدثت حرمة من تزويج أو غيره. وعبيد ~~الموحدين وأبنائهم على هذا الحال، إن ردعوا رجعوا إلى ملك ساداتهم، ومن ms258 ~~اشترى من المسلمين أو أعطي له أو هرب به فهو رد إلى أهله. ويغرم لمفتكه ما ~~أعطى عنه سواء كان حرا أو عبدا. ومن هرب منهم من المشركين بمال أو نساء أو ~~رجال، فإن كان حرا خمس، وإن كان عبدا خمس لمولاه. وقيل يخمس هو بنفسه ويمسك ~~البقية لنفسه. والكنوز كذلك إن قبضها. وأما إن رآها في بلاد العدو ولم ~~يؤمرها ولم يقبضها حتى دخل مرة ثانية فهي بينه وبين أصحابه الآخرين.والولاء ~~ثابت بين أهل الشرك وبين مواليهم إن أعتقوهم في الشرك. وإن أسلمت الموالي ~~وسبيت السادات فالسادات عبيد للموالي. وإن اعتقوهم الموالي صار كل واحد ~~مولى/ لآخر. ومن هرب من عبيد المشركين إلى المسلمين وهم موالي المسلمين. ~~وقيل إنهم عبيد تباع على سادتهم ويأخذون أثمانهم. وإن دخل المشركون بأمان ~~في بلاد المسلمين ومعهم أسارى من المسلمين فعلى أهل الإسلام أن يفتكوهم، ~~وإن لم يتفقوا ردوا عليهم أسراهم ولا يعارضونهم حتى يصلوا إلى مأمنهم. ومن ~~أسلم من المشركين في بلاده فأغار أهل الإسلام على قبيله فقتلوه فليس عليهم ~~إلا الكفارة: تحرير رقبة، أو صيام شهرين متتابعين لمن لم يجد وليس عليهم من ~~دمه شيء. وإن صادفوا أحدا من المشركين فيهم ممن كانت بينهم وبين المسلمين ~~عهود ومواثيق فعليهم الدية لأهلها والكفارة. # فصل PageV01P375 # والمرتد حقه السيف، لكن عمر بن الخطاب رضي الله عنه استتابه ثلاثا وإلا ~~قتل/ رأيا من رأيه. وأباح الله عز وجل قتل المشركين، قال # الله عز وجل: {قاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة} (¬1) فنسخ رسول ~~الله عليه السلام منه النساء (¬2) وخص أبو بكر الصديق رضي الله عنه الرهبان ~~والشيخ الفاني. وأفتى أبو بكر في المرتدين إذا كانوا أمة متظافرة وحديثي ~~عهد بالشرك بالقتل والسباء والغيمة.وتجوز المهادنة بين أهل الإسلام ~~والمشركين إن رأى المسلمون ذلك. وقد هادن رسول الله عليه السلام قريشا ~~وقالوا إن شروط المهادنة منسوخة. والزنديق لا توبة له، وهو من ظهر المسلمون ~~على سريرته قولا أو فعلا فالسلطان مخير في قتله أو تركه ولو أظهر الإسلام ms259 ~~والرجوع إليه. والله أعلم. # باب # القول في الإسلام والإيمان والدين # اعلم أن الإيمان له خمس درجات على قدر الترقي فيه أو تهاون: الإيمان؟ ثم ~~الظن ثم العلم ثم اليقين ثم المعرفة./ فالدرجة الأولى هي الإيمان، وهو ~~المعنى الذي كلفه الله عباده المؤمنين ثم رضيه منهم. وهو قوله تعالى: {آمن ~~الرسول ...................... ورسله} (¬3) وقال: {.... فمن يكفر بالطاغوت ~~................................. عليم} (¬4) . وهذه الإشارة إلى قوله: ~~{يا أيها الذين آمنوا} وإلى قوله: {آمنوا وعلموا الصالحات}. وبهذا الإيمان ~~رضي الله عن إبراهيم PageV01P376 # الخليل عليه السلام حين سأله قال: {رب أرني كيف تحي ............... ~~قلبي} (¬1) وذلك حين أراد الخليل عليه وعلى نبيا محمد السلام الترقي في ~~درجات الإيمان إلى أعلاه، ولم يقتصد في اشرع على مبداه فطلب مشاهدة إحياء ~~الموتى معاينة. والذي رضي الله عز وجل أول الظاهر من قوله: {بلى} وهو ~~الإيمان الذي أشار إليه رسول الله عليه السلام بإيمان العجائز. فإذا تحقق ~~العبد/ الإيمان وثبت ورسا في قلبه انتقل إلى درجة هي أقوى مما هو فيه وهي ~~الظن. ومنه قول علي: الإيمان يبدو لمظة (¬2) في القلب كلما ازداد انشرح له ~~القلب في الظن. والظن درجة في الإيمان أعلى من أوائله. فلذلك مدح الله ~~تعالى به المؤمنين فقال عز من قائل: {الذين يظنون .................... ~~راجعون} (¬3) وقال: {وظنوا أن ........................... ليتوبوا} (¬4) ~~وذلك أن من سكنت نفسه إلى وجود البارئ ووقع في قلبه الإيمان به انتفى عنه ~~الجهل واعتوره الشك والظن. وهما طريقتان أحداهما يمنة والأخرى يسرة والشك ~~تردد وتوقف بين أمرين لا مزية لأحدها على الآخر آخذ نحو طريق الجهل والكفر. ~~والظن ترجيح إحدى الجانبين فمهما ترجح جانب الظن "إلى جانب العلم كان ظنا ~~لأنه جاوز حد الجهل إلى حد الإيمان. وحقيقة الظن" (¬5) : ميلان النفس إلى ~~تحقيق ما اعتقده المؤمن وآمن بالله. والظن يئول إلى العلم. وجل أحكام ~~الشريعة إنما بنيت على غلبات الظنون. PageV01P377 # ثم العلم. والعلم أن يلوح لك المعنى ويظهر لك المغزى/ وطمأنينة النفس ~~وسكون الحدس. وربما يعضده الدليل فيتضح به السبيل. فلذلك فرق الله تعالى ~~بين درجة الإيمان ms260 ودرجات العلم فقال: {يا أيها .................... درجات} ~~(¬1) . فلحن الخطاب: يرفع الذين آمنوا منكم درجات ويرفع الذين أوتوا العلم ~~درجات. وقال في موضع آخر: {وقال الذين ....................... يوم البعث} ~~(¬2) وقال أيضا: {وقال الذين .......................... إلا الصابرون} ~~(¬3) . فإن ازداد العلم قوة صار يقينا. # ثم اليقين: اليقين علم راسخ في القلب زايلته الشكوك وجانبه الاضطرا ب ~~وفارقه الارتياب، واستحكم في النفس حتى كاد أن يكون عن مشاهدة. فلهذا قال ~~نبينا عليه السلام: «من أقل ما أوتيتم اليقين وعزيمة الصبر» (¬4) وقال الله ~~تعالى: {كلا/ لو تعلمون علم اليقين لترون الجحيم ثم لترونها عين اليقين} ~~(¬5) وقال عليه السلام لابن عباس: «اعمل الرضا واليقين وإلا ففي الصبر على ~~ما تكره خير كثير» (¬6) . وإذا قوى اليقين ترقى إلى درجة المعرفة. # ثم المعرفة: فإذا قوى يقين العبد واستحكمت عيونه وقويت متونه ولا له من ~~ربه اللطف الخفي والصنع الحفي والنور الجلي، واستولى PageV01P378 # على قلبه حب ربه، واستأنس بذكره في الخلوات ووثق باشغافه المهمات وغلب ~~نور قلبه على نور بصره. فأبصر الدنيا خيالا والآخرة مثالا وتعرف مع ذلك ~~المزيد في المواطن وكان معه في جميع الأماكن حتى كأنه يناجيه عند عمه ~~ويناغيه عند غمه. وفي هذه الصفة الحديث الطويل الذي رواه أبو هريرة وأسامة ~~بن زيد عن رسول عليه السلام حين ذكر أهل العلم الانقطاع إلى الله فقال: ~~«لباسهم الخرق، ومسكنهم العلق، تعرفهم بقاع الأرض. إذا حضروا لم يعرفوا،/ ~~وإذا غابوا لم يفتقدوا» (¬1) . وفي المعرفة معنى الفطنة وعلم تقدمه علم، ~~فلذلك لا يسوغ على البارئ سبحانه إن يقال عارف، بل عالم. قال الشاعر: # ... فلولا الله يحفظ عارفيه ... ... لهام العارفون بكل واد # فهذه الدرج الخمس التي ذكرناها رتب الأنبياء والسابقين والصديقين فمجاهدة ~~الملائكة المقربين في جلال الجبروت مخافة ما ينفتح عليهم ويشغلهم عن عجائب ~~الملكوت. ومجاهدة الأنبياء والمرسلين في عجائب الملكوت مخافة ما ينفتح ~~عليهم ويعين عليهم في أبواب الخطرات، ومجاهدة السابقين المخلصين في أبواب ~~الخطرات مخافة ما ينفتح عليهم من الوسواس والهمزات. ومجاهدة الصديقين ~~المحسنين في الوسواس والهمزات مخافة ما ينفتح عليهم ms261 من/ أبواب الشبهات. ~~ومجاهدة المتقين الموقنين في أبواب الشبهات مخافة ما ينفتح عليهم من أبواب ~~الأماني والشهوات. ومجاهدة الصالحين المؤمنين في أبواب الشهوات مخافة ما ~~ينفتح عليهم من المعاصي والحرمات. ومجاهدة الموحدين الطالحين في المعاصي ~~والحرمات مخافة ما ينفتح عليهم من الإشراك والعبادات. # في المؤمن: والمؤمن على وجهين، لغوي وشرعي. فاللغوي بمعنى المقر والشرعي ~~بمعنى الموفي. ومصداق الأول قول الله تعالى: {ومن أراد PageV01P379 الآخرة ~~وسعى لها سعيها وهو مؤمن} (¬1) . وقال: {ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا ~~كفران لسعيه} (¬2) وقوله: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسول ~~أمرا أن تكون لهم الخيرة من أمرهم} (¬3) فالكل داخل تحت الأمر. ودليل آخر ~~قوله تعالى: {إنما المؤمنون/ الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم} (¬4) إلى ~~قوله: {... لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم} فهؤلاء المؤمنون حقا ~~وغيرهم المؤمنون باطلا. وفي الحديث عن رسول الله عليه السلام: «المؤمن من ~~أمن جاره بوائقه» (¬5) . وقوله: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا ~~يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة يدفع الناس إليها أبصارهم ~~وهو مؤمن» (¬6) . وقال رسول الله عليه السلام: «الإيمان نيف وسبعون خصلة ~~أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى من الطريق» (¬7) . ~~وقول الله تعالى: {وما كان الله ليضيع إيمانكم} (¬8) يريد: صلواتكم إلى بيت ~~المقدس في بعض التفسير. وذكر أن رسول الله عليه السلام قال: «الحياء شعبة ~~من الإيمان» (¬9) وقال: «حسن العهد من الإيمان» (¬10) وقال: «البذاذة من ~~الإيمان» (¬11) . وقال: «لا إيمان لمن/ لا صلاة لهن ولا صلاة لمن لا وضوء ~~له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله» (¬12) . PageV01P380 # في الإسلام: والإسلام هو الاستسلام لأمر الله عز وجل، والخضوع له. قال ~~الله تعالى: {قالت الأعراب .................... قلوبكم} (¬1) . معناه: ~~استسلمنا لأمرك استسلاما لا إسلاما. وقوله: {وله أسلم .......... وكرها} ~~(¬2) . وقال: {ومن يبتغ ........... الخاسرين} (¬3) وقد قيده رسول الله ~~عليه السلام في حديث جبريل عليه السلام، وسنذكره إن شاء الله. وقال عليه ~~السلام: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله... الحديث» ms262 (¬4) ~~وقوله في حديث سعد: «أو مسلم». وذلك أن سعد بن أبي وقاص نظر إلى رسول الله ~~عليه السلام وهو يقسم الغنائم ويعطي الأقوام. ونطر سعد إلى رجل/ كان أوثق ~~في نفسه من هؤلاء الذين كانوا يعطيهم فقال: يا رسول الله، ألا تعطي فلانا؟ ~~فلم يكترث به رسول الله عليه السلام. قال سعد: فأخذني ما قرب وما بعد ثم ~~قمت ثانية فقلت: يا رسول الله، ألا تعطي فلانا وأني لأراه مؤمنا. فالتفت ~~إلي رسول الله عليه السلام في الثانية أو الثالثة فقال: «أو مسلما» ثم قال ~~رسول الله عليه السلام: «يا سعد، إني والله لأعطي هذا المال أقواما ما وأكل ~~آخرين إلى إيمانهم» (¬5) . وقال عليه السلام: «المسلم من سلم الناس من يده ~~ولسانه، والمهاجر من هاجر السيئات» (¬6) . # في الدين: والدين على أربعة أوجه، أحدهما: الجزاء، وهو معنى قول الله ~~تعالى: {ملك يوم الدين} (¬7) ، أي ملك يوم الجزاء، {ولولا إن ~~كنتم.............. إن كنتم صادقين} (¬8) . PageV01P381 # الثاني: الحكم، قال الله تعالى في خبر أولاد يعقوب: {ما كان ليأخد أخاه ~~في/ دين الملك إلا أن يشاء الله} (¬1) أي في حكم الملك. # الثالث: الدين معناه الطاعة والانقياد لله عز وجل، قال الله تعالى: {ألا ~~لله الدين الخالص} (¬2) , {وأما أمروا...............وذلك دين القيمة} (¬3) ~~، أي دين الحنيفية السمحة السهلة، وفي هذا المعنى يقول الأعشي (¬4) : # هو دان الرباب إذ كرهوا الدين دركا بغزوة وهيال # ثم دانت بعد الرباب وكانت كعذاب عقوبة الأقوال # الرابع: العادة، قال الشاعر (¬5) : # تقول إذا درأت لها وضيني ... أهذا دينه أبدا وديني # أي هذا دأبه وعادته، أما حديث جبريل عليه السلام، ذكر أن رسول الله عليه ~~السلام كان جالسا ذات يوم من أصحابه إذ أقبل عليه رجل حسن الهيئة طيب ~~الرائحة عليه اللباس البيض فسلم من بعيد فرد عليه رسول/ الله عليه السلام ~~فقال: أأدنو منك يا رسول الله؟ فقال له عليه السلام: أدن، فأقبل PageV01P382 # حتى جلس بين يديه فقال: أسألك يا رسول الله فقال: سل، فقال: ما الايمان ~~فقال رسول الله عليه السلام: أن تؤمن بالله ms263 وملائكته وكتبه ورسله وبلقائه ~~وبالبعث، وبالقدر خيره وشره أنه من الله، قال: صدقت، ثم قال: ما الإسلام ~~فقال عليه السلام: شهادة أن لا إله إلا الله "وأن محمدا رسول الله" (¬1) ~~وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان والحج إلى بيت الله الحرام من ~~استطاع إليه سبيلا والغسل من الجنابة. فقال الرجل: صدقت. ثم قال: ما ~~الاحسان فقال عليه السلام: الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه ~~فإنه يراك. فقال: صدقت. ثم قال: متى الساعة فاستوى رسول الله عليه السلام ~~جالسا: فقال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل عنها وسأنبئك/ بأشراطها: إذا ~~ولدت الأمة ربها أو ربتها وتطاول رعاة البهم في البنيان في خمس لا يعلمهن ~~إلا الله. ثم تلا رسول الله عليه السلام: {إن الله عنده علم ~~الساعة........................ عليم خبير} (¬2) فقال الرجل: صدقت ثم قام ~~فانصرف. فمكث رسول الله عليه السلام هنيهة فقال: علي بالرجل. فقام أصحابه ~~في كل وجه ثم ناداهم أن هلموا فقال: إنه جبريل جاءكم ليعلمكم أمر دينكم» ~~(¬3) . فإن قال قائل: قد نص رسول الله عليه السلام في حديث جبريل عليه ~~السلام أن الإيمان هو ما يتعلق بالقلب من الإعتقاد. وبقوله عليه السلام: ~~«إن الإيمان ها هنا» (¬4) وأشار إلى قلبه. وفيه أيضا: «فهلا شققت على قلبه» ~~(¬5) . وأن الإسلام هو ما يتعلق بالجوارح من العبادات ولم يذكر الدين. وأنت ~~توجب أن الإيمان هو الإسلام وأن الإسلام هو الإيمان وهما الدين. اعلم أن ~~الإيمان أصله التصديق كما ذكرنا/ وأن الإسلام PageV01P383 # أصله الاستسلام والخضوع، وأن الإسلام كله من قبل التصديق إيمان، وأن ~~الإيمان كله من قبل الاستسلام والخضوع إسلام. والدين من قبل الإيمان تصديق، ~~والإيمان من قبل الدين طاعة، والدين من قبل الإسلام الاستسلام. فكل خصلة من ~~الإيمان فهي إسلام ودين، وكل خصلة من الإسلام فهي إيمان ودين، وكل خصلة من ~~الدين فهي إيمان وإسلام. وإليه ذهب الشيخ أبو الربيع سليمان بن يخلف رضي ~~الله عنه. وهو الأصوب إن شاء الله؛ إذ لا يسعك أن تنفي الإيمان عن ms264 الصلاة ~~وأخواتها. فإن اتسع لك فلا يسعك أن تنفي الإسلام عن الإيمان الذي هو ~~الاعتقاد فيكون الواحد مؤمنا غير مسلم أو مسلما غير مؤمن. وقد قال الله ~~تعالى: {وذلك دين القيمة} (¬1) ./ وقال: {إن الدين عند الله الإسلام} (¬2) ~~. وقال: {ومن يتبع غير .............. جهنم} (¬3) . وقال: {ومن ~~يبتغ................... الخاسرين} (¬4) . واعلم أن لله الدين الخالص ~~وللشيطان دين، ودين الشيطان طاعته ولكن لا يذكر للشيطان دين مطلقا بل مقيدا ~~مضافا إليه. قال الله تعالى: {... وله الدين واصبا} (¬5) . ولمحمد عليه ~~السلام دين. فإنما الدين المطلق دين الله الخالص. قال الله عز وجل: {ألا ~~لله الدين الخالص} (¬6) ، {إن الدين عند الله الإسلام} (¬7) . # باب # الكفر والنفاق والشرك # الكفر في أصل اللغة والتغطية، قال لبيد: (¬8) # ... فتذكرا ثقلا رئيدا بعدما ... ... ألقت ذكاء يمينها في كافر PageV01P384 # يريد الليل لستره كل شيء وقال عليه السلام: «أهل الكفور هم أهل القبور» ~~(¬1) والكافور/ طلع النخل، يريد جفها لأجل المسترة سمي بذلك. وأصل الكفر في ~~مفهوم كلام العرب جحود المنعم نعمته. والكفر. إذا على وجهين: أولهما كفر ~~النعمة؛ فأما كفران المنعم فالذي جهل به أو تجاهل أو استجهل. أما من جهل ~~ربه فالذي فالذي لا يعرفه ولا يثبته كالدهرية والثنوية (¬2) وجميع الملل ~~غير ملة الإسلام. وأما المتجاهل فالذي قصر عن بعض ما تصلح له به المعرفة ~~إثباتا ونفيا كمن لا يعرف ما لا يسعه جهله من ذلك. وأما المستجهل فالمتعرض ~~لأوصاف باريه بما لا يليق به. # والثاني: كفران النعمة بالفعال والمقال. فهذا الكفر كفر من جهة اللغة ومن ~~جهة الشريعة، لا يتمارى في هذا إلا كافر. وكما قال الشاعر (¬3) : # ... إن آيات ربنا بينات ... ... لا يماري فيهن إلا كفور/ # /فدليل كفر الجاهل بربه من جهة الشرع قوله: {وإذا قيل................. ~~نفورا} (¬4) . والعقل يقضي أن علة الكفر إذا صحت في الفرع فالأصل أولى. ~~ودليل المتجاهل قوله عز وجل: {وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا ...} PageV01P385 # الآية (¬1) . ودليل الاستجهال قوله: {وما قدروا .................. ~~بيمينه} (¬2) وأجمعت الأمة على الكافر الأصلي هو المشرك. واختلفوا في كفر ~~النعمة فنفاه قوم وهم القدرية والمرجئة والسنية. ms265 وأثبته الإباضية والخوارج ~~والشيعة. والكفر المعهود عند العرب كفران؛ كفر النعمة ورد في الشرع مصداقة، ~~وفي الحديث أن رجلا سأل رسول الله عن الحج أواجب في كل عام؟ فغضب رسول الله ~~عليه السلام وقال: «لو قلت نعم لوجب، ولو وجب ما قدرتم عليه. ولو لم تفعلوا ~~إذا لكفرتم» (¬3) . ثم قال الله عز وجل/: {ولله على الناس ~~................................... العالمين} (¬4) وقال تعالى: {لئن ~~شكرتم .......................... لشديد} (¬5) وقال عليه السلام: «سب ~~المؤمن فسق وقتاله كفر» (¬6) . وقال عليه السلام: «إن انتقاء الرجل من أبيه ~~كفر» (¬7) . وقال عليه السلام: «الرشوة في الحكم كفر» (¬8) وقال عليه ~~السلام: «من أتى امرأته في دبرها أو حائضا فقد كفر» (¬9) . وقوله عليه ~~السلام: «ليس PageV01P386 # بين العبد والكفر إلا ترك الصلاة» (¬1) وقوله عليه السلام: «من ترك ~~الصلاة كفر» (¬2) . # الكلام على النفاق # أصل النفاق في كلام العرب مأخوذ من نافقاء اليربوع. وهو اسم شرعي، وذلك ~~أن اليربوع يتخذ أبوابا إلى جحره منها القاصعاء والرهطاء والداماء ~~والنافقاء (¬3) . فاستعمل النافقاء باب مستخفيا/ يخرج منه عند الضرورة إذا ~~خاف فأخفاه عن العيون. وهو اسم شرعي فسره أهل العلم فقالوا إنه اختلاف ~~السريرة والعلانية، واختلاف القول والعمل، واختلاف المدخل والمخرج. وهذه ~~المقالة تروى عن الحسن البصري، ومعناها عن حذيفة بن اليماني، وهو قول جل ~~الصحابة. وقد ذكر الله عز وجل المنافقين في آي كثيرة من كتابه. فاختلف ~~الناس فيهم فقال بعضهم: مشركون خالف قولهم اعتقادهم. وقال بعضهم: خالف ~~فعلهم قولهم. قال الله تعالى: {فما لكم في المنافقين ~~........................... الله} (¬4) . وقال: {يوم يقول المنافقون ~~والمنافقات............. نوركم} (¬5) . وقال: {إذا جاءك المنافقون/ قالوا: ~~نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله PageV01P387 # والله يشهد إن المنافقين لكاذبون} (¬1) . وقال: {إن المنافقين .......... ~~نصيرا} (¬2) والآي التي في سورة براءة إنما نزلت في المنافقين والمنافقات ~~أجمعين. وإنا ذكرنا مبدأ أمرهم ومنهم تتعرف الحقيقة فيهم، وذلك أن أصحاب ~~رسول الله عليه السلام اختلفوا فيمن خلقوا بمكة ممن آمن وصدق برسول الله ~~عليه السلام فقال بعضهم: "هم" (¬3) على حقيقة ما أنتم عليه وهو إخواننا ~~وإنما ثقل عليهم أمر الهجرة ms266 والخروج من الوطن فهم مسلمون مؤمنون. وقال ~~بعضهم: بل هم مشركون لتخلفهم عن الهجرة ولقعودهم بين ظهراني قوم مشركين. ~~فأنزل الله عز وجل معاتبة المؤمنين في اختلافهم ورد على الفريقين وسماهم ~~بخلاف/ ما سموهم به إذ سماهم البعض "مؤمنين" والبعض "مشركين" وقال عز وجل: ~~{فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم ...} (¬4) فأخبر أنهم ليسوا ~~بمؤمنين ولا مشركين ولكنهم منافقون. فأخبر أنه أركسهم ردا على من سماهم ~~مؤمنين وسماهم الله منافقين ردا على من سماهم مشركين ثم قال عتابا ~~للمؤمنين: {أتريدون أن .......................... سبيلا}4. فوقع العتاب ها ~~هنا على من سماهم مؤمنين. ثم قال: {ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء ~~..} (¬5) وإنما مودتهم أن يترك المؤمنون الهجرة كما تركوها هم فيكفروا كما ~~كفروا ثم قال: {ولا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا} (¬6) . وقد انقطعت ~~الولاية/ بين المؤمنين والكفار حتى يهاجروا في سبيل الله. ثم قال: {فإن ~~تولوا ........... ولا نصيرا} (¬7) فصح أنهم قبل التولي PageV01P388 # لم يصدر منهم فعل يكونون به منافقين إلا ترك الهجرة، فإن وقع التولي وهو ~~الارتداد، كان لهم حكم آخر وهو القتل. فمن أثبت النفاق في الأفعال ~~لمخالفتها الأقوال فهو أقرب إلى الحجة والمحجة لأنهم استدلوا بظاهر هذه ~~الآية وقضوا بأن النفاق "في الأفعال" (¬1) لما رأوا من ثبوتهم على المعاصي ~~إذا خلوا كما قال الله تعالى: {وإذا أنزلت ........................ لا ~~يفقهون} (¬2) واستدل الآخرون بتكذيب الله إياهم: {... قالوا نشهد إنك لرسول ~~الله/ والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون} (¬3) . فهذه ~~الآية مشتركة بين الفريقين لأن الفريقين قد اتفقا على المنافقين يشهدون أن ~~محمد رسول الله عليه السلام. إنا ننتضر لك في مغيبك ونشهد عند اليهود إنك ~~لرسول الله. فشهد الله أن محمد رسوله وأنهم كذبوا. فاختلف الفريقان فقال من ~~شركهم: إنما وقع التكذيب على الشهادة ونحن نشهد لهم بالشهادة وإنما وقع ~~التكذيب ذما لهم وتوبيخا. ألا ترى أنه لو وقع التكذيب على قلوبهم لقال: ~~{والله يشهد إنهم لكاذبون} فلما قال: {والله يشهد إن المنافقين لكاذبون} ~~وقعت عليهم الشهادة بالكذب في شيء ms267 آخر لكسر إن. واستدلوا أيضا بقول الله ~~تعالى: {ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين} ~~(¬4) / إلى قوله: {بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون} (¬5) . ~~فلما أخبر عن الوعد باللسان وعاقب وعقب بالنفاق في القلب علمنا أنما سلبهم ~~الإيمان الذي يكون في القلب عقوبة لهم ولن يستقيم الإيمان والنفاق في قلب واحد. PageV01P389 # و"قال" الآخرون: قد يصح النفاق في القلب ويقاوم لأن هذا الإيمان دغل وغش ~~في قلوبهم إلى المؤمنين. وليس لمن أثبت لهم الشرك آية في القرآن أعظم من ~~هذه والتي قبلها: {إذا جاءك المنافقون} وباقي الآيات عليهم لا لهم. والذين ~~قضوا بالضمير تعسفوا لأنهم لا يتوصلون إلى الإعتقادات إلا بنصوص الشارع ~~والذين قضوا بهذا قد أبعدوا عن أنفسهم أسباب الشر لكنهم هدموا/ قاعدة الخوف ~~وسهلوا طريق الجنة. والذين قالوا أنه في الأفعال عظموا أسباب الخاف فهم ~~أحزم. والذي عندي أن النفاق ما قدمناه أولا أنه في الأفعال ولا يستحيل صرفه ~~في الوجهين جميعا. وليس لنا أن نتحكم على الشارع في الأسامي، وإنما الشأن ~~في الأحكام وهؤلاء الذين حكموا في الأفعال على المنافق لم يختلفوا مع هؤلاء ~~الذين أثبتوه في الإعتقادات إلا في أشياء نزرة. فمن سماه مؤمنا وأجرى عليه ~~الحدود كما أجراها عليه من سماه منافقا وقد اتفقا ولم يتفقا. فأما الذي قال ~~إنه مؤمن من أهل الجنة، والقائل بأنه منافق من أهل النار ها هنا تقع ~~الديانات ويقع التفاوت في الإعتقادات وقد قال عليه السلام: «علامة المنافق ~~إذا حدث كذب وإذا ائتمن خان وإذا/ وعد أخلف» (¬1) . والحديث الصحيح الذي ~~أخرجه الصحاح أن رسول الله عليه السلام قال: «أربع من كن فيه أو واحدة فهو ~~منافق حقا وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم، من إذا حدث كذب وإذا ائتمن خان وإذا ~~عاهد غدر وإذا خاصم فجر» (¬2) فهذا النص في موضوع النزاع. وروى عن حذيفة بن ~~اليماني أنه قال: إنما كان النفاق على عهد رسول الله عليه السلام وأما ~~اليوم فقد كفروا كفرا مبينا. فهذا ms268 الفصل فيما بين المذهبين حين أثبت حذيفة ~~الكفر في الأفعال فليقولوا في النفاق ما شاءوا. وإنما عزاهم إلى الكفر من ~~أجل بجحهم به والجاهرة به. وإنما اختلفوا في الكبير هل هو نفاق ظاهر أو ~~باطن لا غير. PageV01P390 # وغرضنا أن يكون الكبير كفرا، فمن منعه أن يكون نفاقا لأهل الظهور فقد ~~أتى/ بأكثر من غرضنا ومرادنا كما قال حذيفة.وإنما # هربوا أن يجعلوا الكبير كفرا ونفاقا جنوحا وميلا إلى الراحة. فمن قضى ~~بالوعيد نهب الطمع في البيد. # القول في الشرك # والشرك على أربعة أوجه: # أحدها: يتصرف على وجوه؛ منها: أن يقيم غير البارئ مقام البارئ كعبادة ~~الأوثان. ومنها أن ينكر وجود البارئ سبحانه. ومنها أن يجعل له شريكا في ~~خلقه مما لا يتوهم أن للغير فيه شريكا وصنيعا كمن عزى جسما من الأجسام إلى ~~غير الله تعالى خلقا. ومنها أن يجهل (¬1) بارئه سبحانه. ومنها أن يصفه بما ~~يخرجه من معنى الألوهية، وتكذيبه في كلامه وتكذيب رسله وملائكته وجهله ~~البعث والمعاد. وقد تقدم شرح هذا في الجهل والتجاهل والاستجهال./ # والثاني: الشرك في الأفعال. وذلك أن يتقرب العبد بأفعاله إلى غير الله عز ~~وجل مرآءاة وتزيينا وتصنعا كما قال الله تعالى: {من كان................. ~~أحدا} (¬2) . وكما قال رسول الله عليه السلام: «الرياء هو الشرك الأصغر» ~~(¬3) فهذا عليه العقاب كالأول. # الثالث: الإكراه. كما قال سبحانه: {... من كفر بالله بعد إيمانه ~~............................. عظيم} (¬4) . وكذلك إذا أكره على قول إلاهين ~~اثنين. فقال بعضهم: لا شرك ولا كفر ولا معصية. واتفق الجميع على أنه لا ~~معصية ولا ذنب ولا إثم ولا عقاب. PageV01P391 # الرابع: وهو الشرك الذي ركبه الله في/ قلوب العباد من الجزع والهلع وقلة ~~الثقة بعهود الله عز وجل والإيمان به وبقدرته وثقتهم بأنفسهم وقواهم وخيلهم ~~وعيونهم حتى إنهم ليثقون بكلابهم. ولذلك قال ابن عباس: لا تزالون تشركون، ~~تقولون لولا كلابنا لسرقنا. وقال ابن مسعود: التولة (¬1) من الشرك. ومن هذا ~~المعنى أخبرهم البارئ جل وعلا على قدرته الرزق فلم يؤمنوا، ووعدهم فلم ~~يوقنوا، وضمنهم فلم يحققوا، وحلف لهم فلم ms269 يصدقوا. قال الله تعالى: {إن الله ~~هو الرزاق ذو القوة المتين} (¬2) . ثم قال: {خلقكم ثم ................. ~~يحييكم} (¬3) . ثم قال: {وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها} (¬4) . ~~ثم قال: {وفي السماء....... تنطقون} (¬5) / فلما أخبر ووعد وضمن وحلف ولم ~~يصدقوا أمرهم بالكسب والطلب والتعب والنصب فقال لهم: شدوا وجدوا وكدوا ~~ولدوا ولن يكون إلا ما أريد.ثم أدركتهم الرحمة فجعل ذلك كله أجورا وظهورا. # باب # في البدعة والضلالة والحكم في فرق الأمة # قال الله عز وجل: {كان الناس ~~.................................................. إلى صراط مستقيم} (¬6) ~~. وقال رسول الله عليه السلام: «لن تجتمع أمتي PageV01P392 # على ضلال» (¬1) . وقال عليه السلام: «إنكم ستختلفون بعدي فما جاءكم بعدي ~~من حديث فاعرضوه على كتاب الله عز وجل، فما وافقه فعني وما خالفه فليس عني» ~~(¬2) . وقال عليه السلام: «ستفترق أمتي على ثلاثة وسبعين فرقة كلها إلى ~~النار ما خلا واحدة ناجية/ وكلهم يدعي تلك الواحدة» (¬3) . وقال عليه ~~السلام: «خير أمتي قوم يأتون من بعدي يؤمنون بي ويعملون بأمري ولم يروني ~~فأولئك لهم الدرجات العلى إلا من تعمق في الفتنة» (¬4) . وقال عليه السلام: ~~«قد تعبد الله العالم بكتمان علمه ما لم يحتج إليه فإن احتج إليه نفع وإن ~~لم يفعل لعنه الله والملائكة والناس أجمعين» (¬5) وقال عليه السلام: «إذا ~~ظهرت البدع في أمتي فعلى العالم أن ينشر علمه فإن لم يفعل فعليه لعنة الله ~~والملائكة والناس أجمعين» (¬6) . # والبدع التي أشار إليها رسول الله عليه السلام ثلاث منصوص عليها وهي ~~المرجئة والقدرية والمارقة. PageV01P393 # أما المرجئة والقدرية فقد قال فيهما رسول الله عليه السلام: «طائفتان من ~~أمتي لا تنالهما شفاعتي، القدرية والمرجئة» (¬1) . وقال أيضا عليه السلام: ~~«القدرية والمرجئة ملعونتان على لسان سبعين نبيا» (¬2) ./ وقال عليه ~~السلام: «من أحدث في الإسلام حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة ~~والناس أجمعين» (¬3) . وقال عليه السلام: «ستة لعنتهم ولعنهم كل نبي PageV01P394 مجاب ~~الدعوة:الزائدة في كتاب الله تعالى، والمكذب بقدر الله، والمستحل لحرمات ~~الله، والمتسلط على أمتي بالجبرية، والمستحل من عترتي ما حرم الله» (¬1) . ~~وأما المارقة فقد قال فيهم ms270 رسول الله عليه السلام: «إنه يخرج من ضئضيء هذا ~~قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم وصيامكم مع صيامهم، يقرأون القرآن ولا يجاوز ~~حناجرهم يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية فتنظر في النصل فلا ترى شيئا ~~وتنظر في القدح فلا ترى شيئا وتنظر في القديدة فلا ترى شيئا وتتمارى في ~~الفوق» (¬2) . فلم تكن هذه الصفة في أحد من أمة أحمد إلا الخوارج لأنهم ~~أعبد الناس وأخوف/ الناس وأقرأ للقرآن ومرقوا من الدين كما وصفهم رسول الله ~~عليه السلام حين انتكسوا وارتكسوا وردوا عزوهم وجهادهم وسبيهم وغنيمتهم في ~~أمة أحمد وعطلوا وأبطلوا الغزو في اليهود والنصارى والمجوس والذين أشركوا ~~بعدما قال رسول الله عليه السلام: «قد يئس الشيطان أن يعبد من دون "الله" ~~(¬3) في جزيرتكم هذه ولكن قد رضي منكم بدون الشرك» (¬4) . وأما القدرية فكل ~~من غاص قي قدر الله ولم يستسلم لقضاء الله، وهما طائفتان حائدتان عن سواء ~~السبيل. # أولهما المعتزلة: خرموا من خلق الله أفضله ونحلوه أنفسهم وهو الإسلام ~~والإيمان والتوحيد. # والفرقة الثانية: المجبرة؛ الذين نسبوا أفعال العباد إلى الله تعالى ~~ونفوها عن العباد، وأثبتوا أن الله تعالى وأخذهم على ما لم يفعلوا/ فنسبوا ~~إليه الظلم والعدوان تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. قال الله تعالى: {جزاء ~~بما كانوا يعملون} (¬5) وقال: {إنا كل شيء خلقناه بقدر} (¬6) . PageV01P395 # وأما المرجئة فقد هدموا قواعد الشرع وأبطلوا فائدة التقوى وأطلقوا عقال ~~المعصية والبلوى حين قالوا: لا إله إلا الله ثمن الجنة فمن قالها فهو من ~~أهل الجنة ولو لم يدع لله حرمة إلا انتهكها، ولا معصية إلا أتاها، ولو زنى ~~في قصر الكعبة، وسرق خمار المزنية، ولعن الصحابة في الملتزم أو بين الركن ~~والمقام، لهو عند الله سواء ومن عبد ربه حتى أتاه اليقين فهما من أهل الجنة ~~سواء!! قال الله تعالى: {أم نجعل ...................................... ~~كالفجار} (¬1) . وقال: {أفمن كان................................. تكذبون} (¬2) . # فصل # ومن بعد هذه البدع الثلاث المنصوص عليها ثلاث بدع أخر: أحدهما الفتنة وما ~~يتعلق بها من الأحكام. والثاني: تشبيه البارئ سبحانه بخلقه. والثالث: مذاهب ms271 ~~الشيع والرافضة والغالية في الإمامة والنبوة والألوهية وقد لوحنا في كتابنا ~~هذا في هذه البدع الثلاث ما يشفي ويكفي، والله المستعان. # واعلم أن القول بالرأي في الدين على ثلاثة أوجه: # وجه مأمور به ومأجور عليه أهله، وهو الفقهيات في القضايا والأحكام ~~والنوازل والتفسير لكتاب الله عز وجل والسنة واستخراج العلل والمعلولات. ~~فهؤلاء رأيهم كلهم حكم وعلم بدليل قول الله تعالى: {وداوود وسليمان إذ/ ~~يحكمان................ وعلما} (¬3) . # والثاني: مباح لا أجر ولا وزر وإن كان خطأ ظاهرا عند الله وعند المسلمين ~~كمذهب أهل الشك في الفتنة، والقائلين بتشريك أهل المعاصي قولا لا فعلا، ومن ~~نفى عن الله عز وجل خلق أفعال العباد رأيا وقياسا، أو أثبت أفعال العباد ~~لله عز وجل ونفاها عن العباد، وهذا كله بشرط ألا يعتقدوا ما قالوه دينا ~~يدان الله به تعالى. فهؤلاء رأيهم عجز. PageV01P396 # والثالث: من شرع دينا غير دين الله كان به على الله شاهدا وفي شهادته ~~كاذبا. وله شروط، منها: أن ينصب ما رآه دينا يدان الله به عز وجل أو يهدم ~~قواعد الشرع من الكتاب والسنة والإجماع. أو أن يقطع عذر من خالفه. أو أن ~~يبرأ من المسلمين/ إذا برؤوا من مستحق البراءة أو أن يقفوا فيهم، أو يتولوا ~~مع مظهور البدع. فهذه الشروط الستة محنة الفصل بيننا وبين أهل البدعة أو ~~أحدها. فهؤلاء رأيهم بدعة وضلال. فالأول غانم والثاني سالم والثالث هالك ~~نادم. والحمد لله رب العالمين. # باب # في أئمة الهدى وأئمة الضلال # قال الله عز وجل: {قلنا اهبطوا ........................................ ~~خالدون} (¬1) . # وقال في الصالحين: {وجعلناهم أئمة ~~...................................... عابدين} (¬2) . وقال في الصالحين: ~~{وجعلناهم أئمة .................................... ينصرون} (¬3) . وقال ~~أيضا: {يوم ندعو كل أناس بإمامهم} (¬4) وروي أن PageV01P397 # حذيفة سأل/ رسول الله عليه السلام فقال: «يا رسول الله، هذا الخير الذي ~~آتانا الله بك هل بعده من شر؟ قال: نعم، الفتنة. قال: وهل بعد هذا الشر من ~~خير؟ قال: نعم: أغضاء على إقذاء وهدنة على دخن. قال: فهل بعد هذا الخير من ~~شر؟ قال: أئمة مضلون يقعدون يقعدون على أبواب ms272 جهنم ينادون إليها كل من ~~أجابهم فذقوه فيها. قال: صفهم لي يا رسول الله فإني أخاف أن أدركهم. قال: ~~هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا» (¬1) . وقال أيضا: «يثور تحت قدمي رجل ~~يزعم أنه مني وليس مني ألا إن أوليائي المتقون» (¬2) . وقال أيضا: «أخوف ما ~~أخاف عليكم زلة عالم ومنافق يجادل في القرآن» (¬3) . وقال أيضا: «ويؤتى ~~بأناس فيؤخذ بهم ذات الشمال فأقول: فسحقا فسحقا» (¬4) . وقال أيضا لأصحابه: ~~«إن فتنة بعضكم أضر على أمتي من فتنة الدجال، لأن فتنة الدجال لا تضر ~~مسلما» (¬5) وقال عليه السلام: «إنه سيكذب علي من بعدي كما كذب على من كان ~~قبلي، فما جاءكم عني من حديث فأعرضوه على كتاب الله فما وافقه فعني وما ~~خالفه فليس عني» (¬6) . وقال عليه السلام: «إن الدين بين الغلو والتقصير» ~~(¬7) . وقال عليه السلام: «يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تأويل ~~الجاهلين وتحريف الغالين وانتحال المبطلين» (¬8) . # فصل PageV01P398 # اعلم أن لهذه العلوم ثلاث آفات: أولاها تقليد الآباء والأسلاف، وحسن الظن ~~من الأبناء والأخلاف، فاستقوا من عين آجنة فاستعذبوها، وقد أخبر الله تعالى ~~عن حال هؤلاء فطالبهم بالبرهان فانتقلوا من/ حال إلى حال إلى ثلاثة أحوال، ~~قال الله تعالى: { بل قالوا...... أرسلتم به كافرون } (¬1) ، أنظر كيف ~~تقولوا أولا وقالوا انهم على الهدى فأكذبهم الله تعالى وحاجتهم الرسل بالحق ~~المبين والبرهان المستبين، فتركوا الهدى وادعوا التقليد وقالوا: { إنا على ~~آثارهم مقتدون } على هدى أو ضلالة، فحاجتهم الرسل أيضا فرجعوا إلى المكابرة ~~فقالوا للرسل: { إنا بما أرسلتم به كافرون } هذا حال أهل كل ضلالة، من ~~الهدى إلى التقليد، ومن التقليد إلى المكابرة والكفران. # الثانية: الطرق المؤدية إلى الحق المستقيم في هذه العلوم وقد/ جعلها الله ~~بيان كتابه ونور خطابه وقال عز من قائل لنبيه عليه السلام: { لتبين للناس ~~ما نزل إليهم } (¬2) ، فاحتاج التنزيل إلى بيان الرسول، ولم يصن الله تعالى ~~بيان الرسول صونه التنزيل، فاحتاج بيان الرسول إلى تودية المجاهيل، وأهل ~~الأمانة قليل، وقطاع الطرق كثيرة، وإلى الله المشتكى والعويل، وعليه ~~التكلان والتعويل وهو ms273 حسبنا ونعم الوكيل. # الثالث: اقتناص الفقه من هذه العلوم، واجتناؤه من بين الشوك والسموم، ~~فيكون الانسان على بصيرة من دينه ويقين من ربه. # فصل # اعلم أن لأهل كل علم أئمة يقتدى بهم في علومهم، وبين تلك الصناعة وتلك ~~العلوم مؤالفة وموافقة ومحبة إلا ما يتعلق بأمر الديانات، خصهم الله تعالى ~~بالبغي/ فيما بينهم كما قال تعالى: { بغيا بينهم...... الحق بإذنه } . # فأئمة أهل اللغة: الخليل بن أحمد (¬3) ، وسيبويه (¬4) ، وأبو زيد الكلابي ~~(¬5) ، والمفضل الضبي (¬6) ، وثعلب (¬7) . PageV01P399 # وأئمة النحو: كالخليل أيضا، وسيبويه، والزجاجي (¬1) ، والنحاس (¬2) ، ~~وابن باب شاذ (¬3) ، ومثلهم. # وأئمة القرآن: كنافع1 بن نعيم (¬4) ، ويحى بن كثير (¬5) ، وعبدالله ابن ~~عامر (¬6) ، وأبي عمرو بن العلاء (¬7) ، وعاصم بن أبي النجود (¬8) ، ~~والسكاكي (¬9) ، وحمزة (¬10) . # وأئمة التفسير: كعبدالله بن عباس (¬11) ، والحسن (¬12) ، ومجاهد (¬13) ، ~~والضحاك (¬14) ، وقتادة ومثلهم. # وأئمة الشعراء: كإمرئ القيس (¬15) ، والنابغة (¬16) ، وزهير (¬17) ، ~~والأعشى (¬18) ، وطرفة (¬19) ، وجرير (¬20) ، والفرزدق (¬21) ، والأخطل ~~(¬22) ، والبعيث (¬23) . # وأئمة أهل الرؤيا: كإبن سيرين (¬24) ، وسعيد/ بن المسيب (¬25) ، وعلي بن ~~أبي طالب القروي (¬26) . # وأئمة أصحاب الأغاني: كالغريض (¬27) ، ومعبد (¬28) ، وبديح (¬29) ، وابن ~~عائشة (¬30) . # وأئمة الفقه: مالك (¬31) بالحجاز، والليث بن سعيد (¬32) بمصر، وسفيان ~~الثوري (¬33) ، بالعراق، والأوزاعي (¬34) بالشام، وأصحاب الحديث: أحمد # بن حنبل (¬35) ، ووكيع بن الجراح (¬36) ، ويحي بن معين (¬37) ، ونظراء ~~هؤلاء كلهم. PageV01P400 # وخص الله من بين (هؤلاء) (¬1) ، أهل الديانات بالبغي والاعتداء، وقال ~~رسول الله عليه السلام: »ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها إلى النار ~~ما خلا واحدة ناجية وكلهم يدعي تلك الواحدة« (¬2) . فالقرون أربعة: الأول ~~الذي قال فيه رسول الله عليه السلام حين سأله حذيفة عن الخير الذي أتاهم به ~~رسول الله عليه السلام. # والثاني: قرن الفتنة حتى صدرت. # والثالث: قرن المهادنة والأغضاء والدخن. # / والرابع: قرن الأئمة الذين توزعوا أمة محمد، ومن هناك وقع الافتراق إلى ~~يوم القيامة، والاشتراط والتواتر قد حصل، فظهور المهدي في آخر الزمان، ~~ونزول عيسى عليه السلام، وخروج يأجوج ومأجوج متلقيان في كتاب الله تعالى، ~~وخرج الدابة أيضا وطلوع الشمس من مغربها من جهة الأخبار (¬3) ، وجاءت ~~الأخبار الصحيحة عن رسول الله عليه السلام قال: »لا تزال PageV01P401 # طائفة من أمتي على الحق بأرض ms274 المغرب ظاهرين لا يضرهم من ناوأهم حتى يأتي ~~أمر الله« (¬1) ، وقال عليه السلام: »انكم في زمان التارك لعشر ما أمر به ~~هالك، وسيأتي على الناس زمان العامل فيه بعشر ما أمر به ناج« (¬2) ، وقال ~~أيضا: »أمتي كالغيث لا يدرى أوله خير أم آخره« (¬3) ، وقال عليه السلام، ~~وذكر أهل آخر الزمان، وقال: »الواحد/ منهم خير من خمسين منكم«. قالوا: منهم ~~يا رسول الله، قال: »بل منكم، لأنكم تجدون على الخير أعوانا ولا يجدونهم« ~~(¬4) ، وقال أبو هريرة: قال رسول الله عليه السلام - ومر على مقبرة - فقال: ~~»سلام عليكم دار قوم مؤمنين، أنتم لنا سلف ونحن لكم تبع وانا بكم لاحقون ان ~~شاء الله، انا الله وإنا إليه راجعون، وردت أني رأيت اخواني، قالوا: ألسنا ~~بإخوانك؟ قال: بل أنتم أصحابي، إخواني قوم يأتون من بعدي، قالوا: أتعرف من ~~يأتي من أمتك بعدك، قال: أرأيتكم لو كان لأحدكم خيل غر محجلة في خيل دهم ~~بهم ألا يعرف خيله؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: انهم يأتون يوم القيامة ~~غرا محجلين من أثر الوضوء وأنا فرطهم على الحوض، وليذاذن رجال عن حوضي كما ~~يذاد/ البعير الضال، فأقول فسحقا فسحقا، فيؤخذ بهم ذات الشمال« (¬5) . وفي ~~رواية: »انه لم يزالوا مرتدين على أعقابهم«. ms275