######OpenITI# #META# comp: 1 #META# max: 484 #META# Shamela_short_metadata_record: #META# الكتاب : الدليل والبرهان لأبي يعقوب الوارجلاني #META# ndata: الدليل و0D4F613Cجع ط 2). #META# bk: الدليل والبرهان لأبي يعقوب الوارجلاني #META# bkord: 32 #META# archive: 1 #META# الكتاب: الدليل والبرهان لأبي يعقوب الوارجلاني #META# cat: العقيدة #META# iso: الدليل والبرهان لابي يعقوب الوارجلاني #META# bkid: 7 #META# ScrapeDate: 13-03-2020 #META# ScrapedFrom: ShamelaIbadiyya #META#Header#End# ### | CHECK الدليل والبرهان لأبي يعقوب الوارجلاني # الدليل والبرهان # الجزء الأول # تأليف الإمام أبي يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني رحمه الله تعالى # [ تمهيد ] (1) # بسم الله الرحمن الرحيم # ما شاء الله لا قوة إلا بالله # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما ، الحمد لله العليم ~~الحكيم رب العرش العظيم ، الرحمن الرحيم الذي لم يخلق الخلق باطلا ، ولم ~~ينشأهم لاعبا ولم يجعلهم عابثا ولم يتركهم سدى ، ولم يمنعهم هدى ، خلق فسوى ~~وقدر فهدى ، وأوضح منهاج السبيل لأهل العقول بأنوار الدليل وسنن الجليل ، ~~فشفى الغليل وكفى العليل مؤنة الدخيل ، سبحانه . # والصلاة والسلام على نبي الرحمة ، هادي الأمة محمد بن عبد الله وعلى سائر ~~الأنبياء الجم الغفير والأولياء الجمع الكثير أنه على ما يشاء قدير . PageV01P008 # أما بعد : فإن الله تبارك وتعالى فطر هذا الجنس العاقل فجعله أفضل الخلق ~~أجمعين ، وخلق الإنسان خيرا فجعله أفضل العالمين ، وخلق الأمم أمة بعد أمة ~~فجعل هذه الأمة أفضل الأولين والآخرين بشهادتهم يوم الدين على رؤوس ~~العالمين ، فقصر الحق على الفرقة الثالثة والسبعين وما سواها في الهلاك ~~والردى أبد الآبدين ، وجاء الشرع بمصداق ما قلنا ؛ قال ( صلى الله عليه ~~وسلم ) : (( ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة ، كلهن إلى النار ما خلا ~~واحدة ناجية وكلهم يدعي تلك الواحدة )) . الحديث . # وفي حديث جبير بن نفير (( ستفترقون على إحدى وستين فرقة )) وفي حديث آخر ~~(( افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة والنصارى على اثنتين وسبعين فرقة . ~~وستفترقون على ثلاث وسبعين فرقة )) الحديث . وفي حديث آخر (( افترقت ~~النصارى على إحدى وسبعين فرقة واليهود على اثنتين وسبعين فرقة وأنتم على ~~ثلاث وسبعين فرقة )) الحديث ، والحديث من المسندات وليس من المتواتر ، ~~ولأصحاب الحديث عكسه يرون أن الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة كلهن إلى ~~الجنة ما خلا واحدة إلى النار ، ولأصحاب الحديث حظهم ،وقد وردت أحاديث ~~كثيرة في الأمة يخص بعضها بعضا ويعم وينسخ ويفسر . # (( باب )) اختلاف الناس في الأمة # قال بعضهم : الأمة جميع من أرسل إليه رسول الله عليه السلام من الجن ~~والإنس ms001 والأحمر والأسود، ودخل في جملة هذا جميع المشركين من السوفسطائية ~~والدهرية والثنوية والديمانية والمرقونية وأصحاب الطبائع والخرمية و يأجوج ~~و مأجوج واليهود والنصارى والذين أشركوا ، وجماعة الموحدين أجمعين وأهل ~~التشبيه منهم ، والخضر والياس وعيسى إذا نزل ، ليس إلا الملائكة . # وقالت طائفة : من أمته من آمن به من الموحدين والمشبهة والرافضة والمجسمة ~~والشيعة . PageV01P009 # وطائفة يقولون : إنما أمته من آمن به وصدقه وصح توحيده . # وطائفة يقولون : إن أمته الفرقة المحقة . # وكل صدقوا ، ولكن هذا مبهم . # وقال ( صلى الله عليه وسلم ) : (( إن معكم خليقتين ما كانتا في شيء إلا ~~كثرتاه يأجوج و مأجوج )) وذلك أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) كان في ~~سفر له يمشون أوان الظهيرة إذ نزل جبريل عليه السلام بأول سورة ( يا أيها ~~الناس اتقوا ربكم أن زلزلة الساعة شيء عظيم ) فرفع بها رسول الله عليه ~~السلام عقيرته فثاب إليه الناس فقال : ( يا أيها الناس اتقوا ربكم ) إلى ~~قوله : ( شديد ) فقال عليه السلام : (( أتدرون أي يوم هذا ؟ )) قالوا : ( ~~الله ورسول أعلم ) . فقال : (( يوم يقول الله فيه لآدم : قم ابعث بعث النار ~~. فقال آدم وما بعث النار ؟ فقال تعالى : من كل ألف تسعة وتسعين وتسعمائة ~~إلى النار وواحد إلى الجنة )) . هناك يشيب الصغير ويهرم الكبير ( وتضع كل ~~ذات حمل حملها وترى الناس سكرى ) الآية ، فتفرق أصحاب رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) وضوضؤوا ، فناداهم أن هلموا فثابوا إليه ، وقال : (( ابشروا إن ~~معكم خليقتين ما كانتا في شيء إلا كثرته يأجوج و مأجوج تسعة وتسعون ~~وتسعمائة إلى النار وواحد منكم إلى الجنة )) . # فأوجب عليه السلام أن يأجوج و مأجوج من أمته فوجب على هذا الحديث أن أمة ~~محمد عليه السلام إلى التسعمائة أقرب من إلى الثلاث والسبعين فرقة . PageV01P010 # وقوله عليه السلام : (( لا تقوم الساعة على مؤمن )) وقوله عليه السلام : ~~(( لا تقوم الساعة إلى على دين أبي جهل ودينه الشرك )) . وقوله عليه السلام ~~: (( لتتبعن آثار من قبلكم حتى أنهم لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه حذو النعل ~~بالنعل )) - ويروي خشرم دبر - قالوا : ( اليهود ms002 والنصارى يا رسول الله ؟ ) ~~قال : (( لا )) قالوا : فمن إذا ؟ قال عليه السلام : (( لا تقوم الساعة حتى ~~تضطرب إليات نساء دوس على ذي الخصلة )) - وذو الخصلة صنم كانوا يعبدونه في ~~الجاهلية - وهؤلاء من أمته . وروى عنه أنه قال : (( القدرية مجوس هذه الأمة ~~والمرجئة يهودها )) وهما من أمته . وعنه عليه السلام أنه قال : (( رأيت في ~~المنام سوادا . فقلت يا جبريل من هؤلاء ؟ أهؤلاء أمتي ؟ فقال : لا ، هذا ~~موسى في أمته )) ثم قال : (( فرأيت سوادا أعظم من الأول . فقلت : يا جبريل ~~من هؤلاء ، أهؤلاء أمتي ؟ فقال : هذا عيسى في أمته )) . قال : (( ثم نظرت ~~فرأيت سوادا أعظم من الأولين ، قد سد ما بين الأفق ، فقلت : من هؤلاء يا ~~جبريل ، فقال : هؤلاء أمتك لك معهم سبعون ألفا يحشرون عن يمين العرش كأن ~~وجوههم القمر ليلة البدر ولا يحضرون المحشر )) . # فقام عكاشة بن المحصن فقال : ( ادع الله يا رسول الله أن يجعلني منهم ) ~~فقال : (( أنت منهم ، أو قال : اللهم اجعله منهم )) ، ثم قام سعد بن عبادة ~~فقال : ( ادع الله أن يجعلني منهم ) . فقال : (( سبقك بها عكاشة وبردت ~~الدعوة )) . ثم دخل عليه السلام بيته ثم خرج فقالوا : ( هؤلاء من الأنبياء ~~أو من أبنائنا وأما نحن فقد ذقنا الشرك ) . فقال : (( بلى رجال آمنوا بالله ~~وصدقوا المرسلين )) فقالوا : ( احلهم لنا يا رسول الله ) فقال : (( لا ~~يكتوون ولا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون )) . PageV01P011 # وعنه عليه السلام أنه قال : (( زويت لي الأرض فأريت مشارقها ومغاربها ~~وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها )) . وقال عليه السلام : (( نحن الآخرون ~~الأولون بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم )) . # في فضائل هذه الأمة # قال الله عز وجل : ( كنتم خير أمة أخرجت للناس ) الآية . وقال عليه ~~السلام : (( أمتي أمة مرحومة )) إشارة إلى قول الله - عز وجل - لموسى حين ~~قال موسى ( إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء ) إلى قوله : ( ~~الذي يجدونه مكتوبا ) الآية . وقال عليه السلام : (( أنتم توافون سبعين أمة ~~أنتم خيرها وأفضلها عند الله )) قال عليه السلام : (( أمتي ms003 كالغيث لا يدري ~~أوله خير أم آخره )) وقال أيضا : (( أول أمتي خير وأوسطها وأخرها همج رعاع ~~لا خير فيهم )) ، وقال عليه السلام : (( للعامل من أمتي في آخر الزمان أجر ~~خمسين منكم )) يريد أصحابه . وقال عليه السلام : (( أهل الجنة مائة وعشرون ~~صفا أنتم منها ثمانون )) . # وقال عليه السلام : (( خير أمتي لأمتي أبو بكر ثم عمر )) ، وروي : (( ~~وأصلبها في دين الله عمر ، وأمينها أبو عبيدة بن الجراح ، وأقضاكم علي ~~وأفرضكم زيد بن ثابت ، وأقرأكم أبي بن كعب ، وأعلمكم بالحلال والحرام معاذ ~~بن جبل ، وإن مع سلمان لعلما ، عليكم بهدي عمار وبهدي ابن أم عبد )) . ~~ولابد من قيام المهدي في آخر الزمان يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما ~~وجورا . PageV01P012 # قال : (( ولكل نبي دعوة وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي )) وعن الحسن قال ~~: قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : (( خير أول أمتي متزوجوها وأخرها ~~عزابها )) ، وعنه عليه السلام : (( لا تزال أمتي بخير ما تباينوا فإذا ~~تساووا هلكوا )) . وعن أبي هريرة قال : مر النبي عليه السلام على مقبرة ~~فقال : (( سلام عليكم دار قوم مؤمنين ، أنتم لنا سلف ونحن لكم تبع وإنا بكم ~~لاحقون إن شاء الله ، وإنا لله وإنا إليه راجعون ، وددت أني رأيت إخواني )) ~~فقالوا : ( ألسنا بإخوانك يا رسول الله ) قال : (( بل أنتم أصحابي ، إخواني ~~قوم يأتون من بعدي وأنا فرطهم على الحوض ، وليذادن رجال عن حوضي يذاد ~~البعير الضال ، فأناديهم : ألا هلم ألا هلم ، إنهم أصحابي ، فيقال : ليسوا ~~بأصحابك إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك )) ، وفي رواية : أنهم لن يزالوا ~~مرتدين على أعقابهم فيؤخذ بهم ذات الشمال فأقول : (( فسحقا فسحقا )) . # وعنه عليه السلام أنه قال لأصحابه : (( أي الخلق أعجب إيمانا ؟ )) فقالوا ~~: ( الملائكة ) ، قال : (( الملائكة عند ربهم فما لهم لا يؤمنون )) وفي ~~رواية : قالوا ( الأنبياء ) ، قال : (( الأنبياء يأتيهم وحي من ربهم فما ~~لهم لا يؤمنون )) قالوا : ( نحن أصحابك ) ، قال : (( أنتم أصحابي تسمعون ~~مني وتروني فما لكم لا تؤمنون )) فقالوا : (( الله ورسوله أعلم ) ، قال : ~~(( أعجب الخلق إيمانا قوم يأتون من بعدي فيؤمنون بي ويعملون ms004 بأمري ولم ~~يروني ، فأولئك لهم الدرجات العلى إلا من تعمق في الفتنة )) . وقال عليه ~~السلام : (( خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يأتي قوم ~~يحبون السمن تسبق يمين أحدهم شهادته )) . وقال عليه السلام : (( أنتم ثلثا ~~أهل الجنة )) . # آفات الأمة PageV01P013 قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : (( ~~ستفترق أمتي )) الحديث ، وقال عليه السلام : (( هلاك أمتي رجلان عالم فاجر ~~وعابد جاهل )) ، وقال أيضا : (( إذا ظهرت البدع في أمتي وكتم العالم علمه ~~فعليه لعنة الله )) ، وعنه عليه السلام : (( ما اختلفت أمة بعد نبيها إلا ~~ظهر أهل بالها على أهل حقها )) . وقال عليه السلام : (( أخوف ما أخاف عليكم ~~زلة عالم وجدال منافق بالقرآن )) . وعن أبي ذر قال : (( سمعت رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) يتخوف على أمته ستا : إمارة السفهاء ، وكثرة الشرط ، ~~وبيع الحكم ، والاستخفاف بالدم ، وقطيعة الرحم ، وقوما يتخذون القرآن ~~مزاميرا يقدمون الرجل منهم ليس بأفقههم إلا ليغنيهم )) . وعن أبي هريرة عنه ~~( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال : (( هلاك أمتي )) أو قال : (( فساد أمتي ~~على رؤوس أغلبية من سفهاء قريش )) وعن ابن عباس عنه ( صلى الله عليه وسلم ) ~~أنه قال : (( هلاك أمتي في المعصية والقدرية والرواية عن غير ثبت )) وعن ~~حذيفة - رضي الله عنه - قال : ( لتدعون هذه الأمة مما لو دعا به القرون ~~الأولى عاد وثمود لاستجيب لها ولا يستجاب لهذه الأمة ) . # وعن أبي هريرة أن النبي عليه السلام قال : (( أتدرون من المفلس )) قالوا ~~: ( المفلس فينا من لا دينار له ولا درهم له ولا متاع ) فقال : (( إنما ~~المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وزكاة وصيام وقد شتم هذا وضرب ~~هذا وقذف هذا ، فيقتص لهذا من حسناته فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه ~~أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم يطرح في النار )) . وذكر ضمام هذا الحديث ~~فأوجب القصاص في الحسنات ولم يذكر إلقاء الخطايا عليه ... وقال تعالى : ( ~~وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم وليسألن يوم القيامة عما كانوا يفترون ) . # وعن يحيى بن أبي كثير قال : قال رسول الله ms005 ( صلى الله عليه وسلم ) : (( ~~يكون القوم من أمتي فطن في تجارتهم خرق في أمر أخرتهم يموتون لا خلاق لهم )) . PageV01P014 # وعن راشد بن سعد أن النبي عليه السلام قال يوما وعنده نفر من قريش : (( ~~ألا إنكم ولاة هذا الأمر من بعدي فلا أعرفن ما شققتم على أمتي ، اللهم من ~~شق على أمتي فشق عليه )) . وعن أبي هريرة عنه عليه السلام أنه قال : (( ~~يهلك أمتي هذا الحي من قريش )) ، قالوا : ( فما تأمرنا ، قال : (( لو أن ~~الناس اعتزلوهم )) أو قال : (( تركوهم )) ، وعن أبي هريرة قال : قال رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) : (( ما أخاف على أمتي إلا ضعف اليقين )) . ~~قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - لكعب : ( ما أخوف شيء تخافه على أمة ~~محمد ) ، قال : ( أئمة مضلون ) ، قال له عمر : ( صدقت قد أسر إلي ذلك رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) وعلمنيه ) ، روى ثعلبة بن مسلم عن عبد الله بن ~~عمر قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : (( إذا رأيت أمتي تهاب ~~أن تقول للظالم إنك ظالم فتودع منهم )) . وعنه عليه السلام قال : (( رأيت ~~رجلا قد أخذته الزبانية من كل مكان فجاء أمره بمعروف ونهيه عن منكر ~~فاستنفذاه من أيديهم وأدخلاه مع ملائكة الرحمة فصار معهم )) .. وقال : (( ~~صنفان من أمتي لا تنالهما شفاعتي يوم القيامة إمام ظلوم غشوم وغال في الدين ~~مارق )) ، وعن جعفر بن برقان عن الزهري عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ~~) قال : (( (( اللهم من ولي من أمر أمتي شيئا فرفق بهم فارفق به ، ومن خرق ~~فاخرق به )) وقيل عنه عليه السلام أنه قال : (( ما أشد ما أتخوف على أمتي ~~الشيطان والدجال ولكن أشد ما ألقى عليهم الأئمة المضلون )) . PageV01P015 # وعنه أيضا إنه قال : (( من ولي من أمة محمد شيئا فلم يعدل فيها فعليه ~~بهلة الله )) قالوا : ( وما بهلة الله ؟ ) قال : (( لعنة الله عز وجل )) .. ~~وعن الحسن عنه عليه السلام قال : (( لا تزال يد الله تعالى على هذه الأمة ~~وكنفه ما لم تعظم أبرارهم فجارهم ، وما لم يرفق خيارهم بشرارهم ms006 ، وما لم ~~تمل قراؤهم إلى أمرائهم ، فإذا فعلوا ذلك رفعت عنهم البركة وسلطت عليهم ~~الجبابرة فساموهم سوء العذاب وقذف في قلوبهم الرعب وألزق بهم الفاقة )) . # حدثنا علي عن الحسن بن واقد الحنفي قال : أظنه من أحاديث بهز بن حكيم قال ~~: قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : (( إذا كانت ثمانين ومائة فقد ~~أحلت لأمتي العزبة والعزلة والترهب رؤوس الأجبال )) ، وعنه عليه السلام إنه ~~قال : (( الخائف يوم القيامة من خافته أمتي من غير سلطان )) ، ومن كتاب ذكر ~~الطاعة والمعصية عن عبد الرحمن بن عبد الكفيف ( .. أتيت إلى عبد الله بن ~~عمر وهو جالس في ظل الكعبة والناس حوله مجتمعون فسمعته يقول : قام رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) فخطبنا فقال : (( إنه لم يكن نبي إلا كان حقا ~~على الله أن يدل أمته على ما يعلمه خيرا لهم ، وينذرهم ما يعلمه شرا لهم ، ~~وأن أمتكم هذه جعلت عافيتها في أولها وأن آخرها يصيبهم بلاء وأمور ~~ينركرونها ، وتجيء الفتن يدفن بعضها بعضا ، تجيء الفتنة فيقول المؤمن هذه ~~مهلكتي ثم تنكشف ، فمن سره منكم أن يزحزح عن النار وأن يدخل الجنة فلتدركه ~~موتته وهو مؤمن بالله واليوم الآخر وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه )) . # وإنما أغرقنا في النزع في هذه الأمة وتقصيناها ما قدرنا ليتفق لنا الجمع ~~بين قوله عز وجل : ( كنتم خير أمة أخرجت للناس ) إلى قوله : ( وأكثرهم ~~الفاسقون ) . وبين قول النبي عليه السلام : (( ستفترق أمتي )) ... الحديث . PageV01P016 # ونستظهر بما عاينا ورأينا من بلوغ هذه الأمة طرفي الأرض شرقا ومغربا وإذ ~~أعاذهم الله تعالى من عبادة الأوثان واتخاذ غيره ربا من غير أن تخل بشيء من ~~طرق أهل الحق فالأصل السلامة ، ما خلا صنفين منها : المبتدع في دين الله عز ~~وجل والمصر على معصية الله - عز وجل - المبائن لله ، فهذان لا سبيل لهما ~~إلى الجنة ولابد من بيانهما وتحديد شأنهما على أنهما من أهل الشهادة لله - ~~عز وجل - والإيمان به نطقا واعتقادا ، ومن أين افترقا مع سائر المؤمنين ~~الذين أخلصوا دينهم لله ms007 ومع سائر أهل الإجرام الذين شابوا دينهم بالفجور ~~وعقبوا التوبة والندم ، وسيأتي في موضعه التفرقة بينهما وبينهم . والله ~~الموفق للصواب . # اعلم أن الله تعالى وعد النصر والظفر لهذه الأمة على سائر الأديان قال ~~الله - عز وجل - : ( وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات - إلى قوله ~~: ( أولئك هم الفاسقون ) وقال : ( إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم ) ~~وقد فعلوا وفعل . # وقال : ( لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة ) إلى قوله : ~~( وأخرى لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها ) الآية - وفي أمثالها من القرآن ~~، وعد هذا الدين أن يظهره على الدين كله ولو كره المشركين ، فجاهد رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) حتى أظهره الله على العرب قاطبة كما قال : ( ~~إذا جاء نصر الله والفتح ) إلى قوله : ( توابا ) . # ثم توالى أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - فارتدت العرب بعد رسول الله ~~عليه السلام بعد دخولهم في دين الإسلام فقاتلهم أبو بكر ففتح الله له وردهم ~~إلى الإسلام كأول مرة . # ثم ولي عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فافتتح مايلي جزيرة العرب من ~~العراق والجزيرة والشام ومصر وطرابلس وفارس وكرمان فمات - رحمه الله - . PageV01P017 # فولي عثمان بن عفان فافتتح ما وراء الدروب من الشام والماهان وأذربيجان ~~وخرسان بعد الري وحلوان وأرض التبت وسجستان وأرض إفريقية ، وكانت الفتوح ~~هكذا متوالية في أطراف الأرض مع تغير الولاة والخلفاء وفسادهم مقدار مائتي سنة . # آخر المائتي ظهر الأئمة الضالون المضلون فوزعوا أمة محمد - عليه السلام - ~~ومع ذلك يصحبهم النصر والظفر ووصلوا القسطنطينية ورومة إلى أرض الصقالبة ~~وراء خرسان وسمرقند وترمذ وبخارى وغزنة ، فجار الإسلام هذه النواحي كلها ~~ومن ورائها إلى الصين وإلى الهند والسند والبر الكبير وبريطانية وغيرها ، ~~فصار جميع ما ذكر في حمك الإسلام وأسلم أهلها ومن لم يسلم صار ذا ذمة ، ~~وظهرت المساجد والجموع والجمع والجماعات والأذان ، ففي هذه الثلاث مائة ~~الغالب على الدنيا الإسلام والخير كما قال أبو حمزة المختار بن عوف - رحمه ~~الله - حين خطب أهل المدينة فقال : يا أيها الناس ، الناس منا ms008 ونحن منهم ~~إلا عابد وثن أو ملكا جبارا أو شادا على عضديه ) فالغالب على الدنيا ~~الإسلام . وظهرت الأئمة الضالة آخر المائتي سنة ، ولم تظهر أقاويلهم ~~وأصحابهم إلا بعد مائة أخرى ، فجمهور الأمة على الحق إلا من بلغته البدعة ~~فرضي بها وقليل ما هم عاد ، ودخول مذهب مالك المغرب عام تسعة وأربعين ~~وخمسمائة عند دخول المتلثمين المغرب وظهور العرب ، وأما مصر فما ظهرت فيها ~~الشيعة إلا عند الحاكم بن أبي تميم ، ودخول أبي تميم مصر اثنين وستين ~~وثلاثمائة ، وهؤلاء المتأخرين هم الذين انتصروا للأئمة بعد ما مضى من عمرهم ~~أعمار صالحة . PageV01P018 # والذي وقع عليه الإحصاء من الطوائف الهالكة في هذه الأمة ثلاث القدرية ~~والمرجئة والمارقة على لسان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال عليه ~~السلام : (( طائفتان من أمتي لا تنالهما شفاعتي المرجئة والقدرية وهما ~~ملعونتان على لسان سبعين نبيا )) ، فأما القدرية والمارقة فما يزيدان في ~~عدد هذه الأمة ولا ينقصانها فهما كالرقمتين في ذراع الحمار لقلتهما وذلتهما ~~، فإما المارقة فقد قال فيهم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : (( إن ~~ناسا من أمتي يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية فتنظر في النصل فلا ترى ~~شيئا وتنظر في القدح فلا ترى شيئا وتتمارى في الفوق )) هم كما ذكرنا قليلون ~~لا يعبأ بهم ، وأما المرجئة إن وقعوا في سهم السنية فهم كثير ، والسنية ~~تتقي منهم ، وسنذكرهم فيما بعد إن شاء الله . # ومن وراء هذه الثلاث ثلاث أخرى لم يذكرهم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ~~) وهم الشيعة ومذاهبهم في علي بن أبي طالب وولده كأنهم ليسوا في أمة محمد ( ~~صلى الله عليه وسلم ) ، وقد أشار إليهم رسول الله عليه السلام فقال : (( شر ~~أفراق هذه الأمة فرقة تنتحلك يا علي ولا تعمل بأمرك )) كما لأنهم خارجون من ~~هذه الأمة إلا شواذهم فهم متاخمون بلاد الترك وبلاد النصارى وأرمينية ~~ونظائرها ، ومنهم المشبهة فهم على أسلوبهم ومذهبهم في الله تعالى مذهب ~~الأطفال عند الآباء ، ومنهم المجسمة صرحوا في الرجوع إلى عبادة الأوثان ~~والأصنام والأشباح . PageV01P019 # وأما ms009 هؤلاء السنية ومذاهبهم في الفتنة والصحابة ذلك أمر متعلق بالرجال ~~دون النساء ولاسيما من فقد الاستبصار وقصر عن درك حقائق الأخبار ، والبدع ~~متفرقة فكل بدعة تشرع هدم قواعد الإسلام فهي الطامة العامة التي تبلغ ~~الرجال والعيال ، وأما التي تقتصر على الأخبار ولم تجاوز إلى هدم قواعد ~~الإسلام كالاختلاف في أسماء الشريعة من مؤمن ومسلم وكافر وفاسق ومشرك ~~ومنافق وفي القرآن والصفات فأكثرها تضر هذه المعاني قائلها لا سامعها ما لم ~~يعتقدها دينا يدان الله تعالى به أو يقطع عذر مخالفيه من المسلمين أو هدم ~~به قاعدة من قواعد الإسلام هنالك لا يعذر ، ومن اقتصر على قواعد الإسلام من ~~الشهادة والصلاة والزكاة والصوم وحج البيت من استطاع إليه سبيلا فعسى عسى ، ~~وكذلك من كان بالثغور من أرض العدو ولم يبلغه إمامه إلا قواعد الإسلام ولم ~~يبلغه ما شجر بين الأمة أو بلغه ولم يفهمه ، فإن فهم لم يقطع الشهادة عليه ~~فعسى عسى، والقول على الرجال ، وأما العيال والنسوان والبله والولدان فهم ~~بعيدون عن هذا ، وكذلك أهل بلاد السودان الذين لم يبلغهم الإسلام إلا من ~~بعد الخمسمائة سنة من الهجرة ولم يعرفوا التفرقة بين المذاهب والأفراق ، ~~فالرب أرأف وأرحم من أن يؤاخذ أحدا بذنب غيره وقد قال الله ( ولا تزر وازرة ~~وزر أخرى ) . PageV01P020 # فإن قال قائل فإن الله تعالى قد آخذ اليهود بما فعلته آباؤهم من قتلهم ~~الأنبياء واستحلالهم الحرام وقد قال الله - عز وجل - لهؤلاء من بعدهم ( فلم ~~تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين ) على أن هؤلاء الذين عيرهم لم ~~يدركوا أنبياء الله من قبل ولا أدرك زمانهم زمان الأنبياء ، فالجواب : أن ~~هؤلاء اليهود الذين عيرهم الله بقتل آبائهم الأنبياء ولم يقتلوهم إنما ~~عيرهم على أتباع الآباء ، على أنهم يعرفون أنهم قتلوا الأنبياء واشتهر ذلك ~~عندهم تغني عن الدلالة عليهم ، وذلك أيضا معروف الفساد قتل الأنبياء والذين ~~يأمرون بالقسط من الناس ، وظهور قبح ذلك أيضا كذلك ، وإنما الكلام على من ~~بلغته البدعة في الدين والشبهة بغير يقين وربما يقصر ms010 علمه عن ذلك ولم يوال ~~أئمته على ذلك ولم يوالهم إلا على ما ظهر له من شريعة الإسلام من الصلاة ~~والزكاة والصوم والحج ، على أن اليهود أشركت بردهم نبوءة محمد ورسالته ( ~~صلى الله عليه وسلم ) فكل سوء في الدنيا لهم فيه نصيب حين عبدت غير الله ، ~~فليتهم كل مقلد إمامه في مثل هذا ، فإن من كان بعد رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) غير معصوم ، ولك في أهل صفين أسوة حسنة وذلك أنهم في مائة ألف ~~أو يزيدون استبصروا أولا في قتل طلحة والزبير ومعاوية وعمرو بن العاص ، ~~وإمامهم علي بن أبي طالب وعمار بن ياسر والمهاجرون والأنصار والتابعون ~~بإحسان ومع ذلك لم يقيموا الحجة على سعد بن أبي وقاص أحد الشورى وعلى زيد ~~بن ثابت ومحمد بن مسلمة وعبد الله بن عمر بن الخطاب ولم يقطعوا عذرهم في ~~التوقف عنهم ، فلهؤلاء استبصارهم ولهؤلاء شكهم كل يعمل على شاكلته وربك ~~يحكم بين عباده فيما كانوا فيه يختلفون . # باب : آفات الأمة في دينها PageV01P021 أولها زلة عالم : - قال رسول الله ~~( صلى الله عليه وسلم ) : (( أخوف ما أخاف عليكم زلة عالم وجدال منافق ~~بالقرآن )) فأما زلة عالم فمثل زلة عثمان حين زل عن طريقة صاحبيه بعد ما ~~وقع الإجماع عليها ، وزل في أربعة أمور أولها : استعمال الخونة ولم يكن على ~~قفائهم ، والثاني : حين صرف مال الفيء إلى من اشتهى من أقاربه دون مستحقه ~~من أهله ، والثالث : أبشار وهتك أستار الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر ~~، والرابع : في البغي في أحد الأفعال ، ومن شبهة أنه أشرف يوم الدار على ~~محاصريه فقال لهم : ( أناشدكم الله ألم تسمعوا أن رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) يقول : (( لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث : خلال كفر بعد ~~إيمان ، وزنا بعد إحصان ، وقتل النفس التي حرم الله )) وأنا ما زنيت ولا ~~كفرت بعد إيمان ولا قتلت النفس ) وغفل عن التي نص الله عليها في القرآن حيث ~~يقول : ( وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما ) إلى قوله : ( ~~حتى تفيء ms011 إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما ) فلو كلفنا الإصلاح بينهما ~~لقلنا لعثمان أعدل وللمحاصرين كفوا ، وأئمتهم علي وطلحة والزبير وعمار ، ~~فإن عدل عثمان أمرنا المحاصرين بالكف فإن أبوا قاتلناهم ، وإن أمرنا عثمان ~~بالعدل فلم يعدل فإن أبى قاتلناه ، فطلبوه أن ينخلع عن أمورهم فإبى وقد ~~اتهموه على دينهم كما قال عمار بن ياسر - رحمه الله - : ( أراد أن يغتال ~~ديننا فقتلناه ) والمرجوم في الونا مقتول والطاعن في دين المسلمين حلال ~~قتله ، قال الله تعالى : ( وطنعوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر ) . # زلة علي في التحكيم : نهى أول مرة عن التحكيم فقال : ( إنه كفر ) ، ثم ~~رجع عوده على بدئه وقال : ( من أبى التحكيم فهو كافر ) ، وقتل أصحاب معاوية ~~وقد دعوه إلى التحكيم حياة عمار ، وقتل أهل النهروان وقد نهوه عن التحكيم ~~فقتل منهم أربعة آلاف أواب كما قال ابن عباس : ( قتل المحق منهم والمبطل ) . PageV01P022 # زلة طلحة والزبير في نكثهم الصفقة حين بايعا عليا فنكثا ، فإن أرادا توبة ~~مما فعلاه بعثمان حيث يقول طلحة : ( خذ مني لعثمان حتى يرضى ) فقد أخطأ ، ~~إنما يرضى الله تعالى أن لو أقادا من أنقسهما لولي دم عثمان وسلما من نكث ~~الصفقة ، وشرعا دين الخوارج دينا فلهما أجور الخوارج أو أوزارها ، على أن ~~الخوارج إنما خرجوا على الأئمة الجورة أحرى بهم في الخروج لولا الاستعراض . # زلة الخوارج نافع بن الأزرق وذويه حين تأولوا قول الله تعالى ( وإن ~~أطعتموهم إنكم لمشركون ) فأثبتوا الشرك لأهل التوحيد حين أتوا من المعاصي ~~ما أتوا ولو أصغرها . # زلة مولى بني هاشم حين شرع في أولاد المشركين إنهم كفار ، وتأول قول الله ~~تعالى في أطفال قوم نوح قال الله تعالى حكاية عن نوح عليه السلام : ( ولا ~~يلدوا إلا فاجرا كفارا ) فأثبت الشرك للأطفال ودخول النار . # وزلة واصل بن عطاء بن عبيد : وذلك أن واصل بن عطاء آتاه الله الفهم ~~والعلم والفصاحة شيئا عظيما غير أن الراء يتعذر على لسانه فصار يتجنبه في ~~كلامه ، قال قطرب وأنشدني ضرار بن عمرو قول الشاعر في واصل : # وسئل ms012 عثمان البري كيف كان يصنع في الأعداد عشرة وعشرين وأربعين وبالقمر ~~ويوم الأربعاء والشهور وصفر وربيع وجمادى الآخرة ورجب ورمضان ؟ فقال : ما ~~لي فيه قول إلا ما قال صفوان :- PageV01P023 ومكث - قالوا - في مجلس الحسن ~~عشرين سنة ما تكلم ، وسبق إليه طريق المعتزلة والقدرية وهو إمامهم ، وكانت ~~له فراسة في عمرو بن عبيد وطمع في أن لو أصابه على مذهبه أن يكفيه ويشفيه ، ~~فاستعمل الحيلة حتى اجتمعا في محفل عظيم فيه المرجئة والسنية والمثبتة ~~وغيرهم ، فلما اجتمعوا قالوا لهم : انزعوا لنا آية من القرآن في أول مجلسنا ~~نتبرك بها فاستفتح قارئ وأخذ في أول سورة ( لم يكن الذين كفروا ) إلى قوله ~~: ( البينة ، رسول من الله يتلوا صحفا مطهرة ) حتى أتم ( وذلك دين القيمة ) ~~. فوقف فيها ، واستفتح واصل الكلام وحمد الله تعالى وأثنى عليه فقال : (إن ~~الله تعالى أنزل كتابه وبين فيه مراده فرد هذا عليه ) وأشار إلى المرجي بعد ~~قول الله تعالى : ( وذلك دين القيمة ) فقال هذا : ( بل الدين أن تقول لا ~~إله إلا الله ولو لم تلتبس بشيء من الأعمال الصالحات ولم تدع شيئا من ~~الأعمال الطالحات ) . فالتفت إلى المثبتة فقال : ( وهذا الذي قال إن ليس ~~لنا حظ في الأعمال والأفعال وأشار أن الله تعالى جبرنا إلى أفعالنا بعد ما ~~قال الله تعالى : ( أولئك هم شر البرية ) فكانوا هم شر البرية بفعل غيرهم ، ~~ثم قال في المؤمنين ( إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية ~~) إلى آخر السورة ، فأثبت هؤلاء أن ليس لهم في الأفعال شيء إنما فعل بهم ~~ورضي عنهم بما لم يفعلوا ) وأخذ ذلك بمسامع عمرو بن عبيد وانتصب لمذهب ~~القدرية فلم يقم له أحد فزل زلة عظيمة ، ووددت أن لو حضرها النكار أن يعرض ~~بهم في قولهم في الرضى والسخط والولاية والعداوة والحب والبغض . PageV01P024 # وزلة السنية أيضا في خلق القرآن على يد شاكر الديصاني ، وذلك أنه جاء إلى ~~البصرة من أرض فارس ، فتأمل حلق البصرة من المسلمين فيها فظهر له من علومهم ~~وحلومهم وحذقهم شيء فاق ms013 الوصف ، فأراد أن يلقنهم من البدعة ما يحول بينهم ~~وبين دينهم ، فتأمل الحلق كلها فلما يجد حلقة أرق قلوبا وأضعف نفوسا من ~~حلقة أصحاب الحديث ، فجاءهم فقال لهم : ( يا قوم إني رجل من هؤلاء العجم ~~دخل الإسلام في قلبي فجئت من بلادي إليكم فتأملت فلم أر حلقة يذكر فيها ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) كثيرا إلا حلقتكم فأتيتكم يا إخواني ، ~~فانظروا لنا كيف نعتزل هؤلاء القوم ونكون في ناحية من نواحي المسجد بمعزل ~~وننتبذ عنهم ناحية حتى لا نسمع كلامهم ولا يقرع أسماعنا خطابهم ، فقال ~~القوم : ( صدق ، ونظروا إليه كلما ذكر رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~شهق وبكى وحن وشكا ، واستعمل الورع والوقار والبكاء والحنين حتى أخذ ~~بقلوبهم ، فلم يزل كذلك إلى أن تغيب عنهم بعض المدة فسألوا عنه فيما بينهم ~~، فقال بعضهم لبعض : ( قوموا بنا إلى الرجل ولعله مريض فنعوده فإن كان ~~مريضا عدناه أو محتاجا واسيناه ) فوصلوا إليه فوجدوه قد انحجر في قعر بيته ~~ليس له فترة من البكاء ، فقالوا له : ( مالك ؟ ) فقال : ( دعوني لما بي ، ~~قد وقعنا فيما حذرتكم عنه أول مرة ) فقالوا له : ( ما ذلك ؟ ) فقال : ( إني ~~أتيت إلى حلقة حماد بن أبي حنيفة إذ جاءه رجل فقال له : ما تقول في القرآن ~~؟ فقال : وما عسى أن أقول في القرآن ؟ فقال له الرجل : هل هو مخلوق أم غير ~~مخلوق ؟ فقال حماد بن أبي حنيفة : وما في هذا من العجب القرآن مخلوق . PageV01P025 # فعمد يا إخوتي إلى كلام الله ونوره وضيائه الذي خرج منه وإليه يعود فجعله ~~مخلوقا ، فعظمت مصيبتي يا إخوتي في القرآن العظيم والذكر الحكيم الذي خرج ~~منه وإليه يعود ، فأي مصيبة أعظم من هذه ، فجعله مخلوقا وأي بلية أعظم منها ~~، فكأن الله قبل خلقه كان غير عالم وغير متكلم يصفه بصفات العجز والحدث ~~والحاجة والخلق ، فجئتكم يا إخوتي اشكوا إلى الله تعالى وإليكم هذه المصيبة ~~العظيمة والبلية الفادحة ، ولقد أمرتكم يا إخوتي قبل هذا أن اعتزل مجالسهم ~~حتى لا نسمع كلامهم وننتبذ ناحية ms014 في المسجد ) فاستجاب القوم بالبكاء من كل ~~ناحية ، فقال بعضهم لبعض : ( قد وجب علينا جهاد هؤلاء القوم ، ولنرجع إلى ~~ما كنا عنه ننهى أول مرة وقد حوجونا إلى ذلك ) .وقال بعضهم : ( إنما ~~اعتزلناه مخافة أن نقع فيما وقعوا فيه وكي نحيي سنة رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) ، وأما إذا أبيتم فلا حاجة لنا إليكم ) فتبرأ الفريقان بعضهم ~~من بعض ، وعمد الذين أرادوا منابذة القوم فقالوا : ( لابد لنا من مخالطتهم ~~) وغرضهم أن يقتبسوا من مناظرتهم وحيلهم في جدالهم فيرجعوا بما عليهم ~~ويحاجوهم ، فذهب بعضهم إلى المتكلمين فكان آخر العهد بهم ، وبعضهم إلى ~~القدرية فذهبوا بهم ، وبعضهم إلى حلقة حماد بن أبي حنيفة فتفرقوا على الحلق ~~ومكثوا فيها برهة ، وذهب كل فرقة بمن صار إليها وحصل عندها ، فاختلفوا آخر ~~الأبد ، ولم يجتمع منهم أحد مع صاحبه إلا ما كان من أبي الحسن الأشعري وهو ~~الذي عقب وصار إمام الأشعرية ، ثم أبو بكر بن الطيب بعده - وهو الباقلاني - ~~فوقعوا في تشبيه الباري سبحانه خلافا للأفراق وانتكسوا إلى يوم التلاق . PageV01P026 # ومنها زلة الزهري وهو أول من افتتح من الفقهاء أبواب الأمراء وخدمتهم ~~ومؤانستهم وصار وزيرا لأرذل هذه الأمة من الملوك الوليد بن عبد الملك بن ~~مروان ، وأخذ عليه الفقهاء في ذلك فكتب إليه عشرون ومائة من الفقهاء ~~يؤنبونه ويعيرونه بما فعل ، منهم : جابر بن زيد - رحمه الله - ووهب بن منبه ~~وأبو حازم الفقيه فقيه المدينة ، في أمثالهم ، وقد وقفت على كتب هؤلاء ~~الثلاثة إليه ، فسن للفقهاء مخالطة الملوك وملابساتهم حتى آنسوهم وأزالوا ~~وحشتهم إلى ارتكاب المعاصي ، ونسوا ما ذكروا به من قبل من قول رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) : (( لا تزال أمتي بخير ما تباينوا ، فإذا استووا ~~هلكوا رغبة فيما في أيدي الملوك من عرض الدنيا )) . وصارت عطايا الملوك ~~رشوة بعد ما كانت حقا واجبا لهم ، فحرموا جميع من لم يخالطهم ولم يخدمهم ~~ولم يلم بهم ، فحرمت الفقهاء منابذة السلاطين الجورة والخروج عليهم ~~ومحاربتهم وقتالهم والرد عليهم إلى اليوم تسويغا من الزهري ms015 بما فعل ~~واستيثارا بعطاياهم . # وآفة أخرى : أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال : (( سيكذب علي من ~~بعدي كما كذب على من كان قبلي فما آتاكم عني من حديث فاعرضوه على كتاب الله ~~فما وافقه فعني وما خالفه فليس عني )) وهذه الآفة منها معاش أهل الحوانيت ~~يأخذ أحدهم ورقتين من كاغد أو ثلاثا يستخرق فيما لم يسمعه قط من الأحاديث ~~فيعزيه إلى رسول الله عليه السلام وإلى الصحابة فيتعيش بها ويبيعها للجهلة ~~ويشترونها لأولادهم يحسبونها علما ، في أمثالها كثيرا . # وآفة الرهبانية المبتدعة : وأكثر ما تقع في العباد والزهاد يحملون على ~~أنفسهم مشقة العبادة ويرون ذلك حقا واجبا عليهم ولا يرضون بالدون ، حسب ~~زعمهم ، فأحدثوا في الصلاة والزكاة ما ليس منهما ، وفي سائر العبادات ، حتى ~~قطعوا بالعامة وشرعوا لها خلاف الحنفية السهلة السمحة فتورطوا . PageV01P027 # وآفة أخرى تصيب الظروف : ظروف الزمان وظروف المكان و الأصحاب والأتراب ~~والجيران والأهوية والأغذية والصنائع والطبائع وفتور الأنفس لطول الفترة . # نصيب ظروف الزمان في آفة الدين : فإن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~قال : (( أمتي على خمس طبقات الطبقة الأولى : أهل علم وهدى ، والطبقة ~~الثانية : أهل بر وتقى ، والطبقة الثالثة : أهل تواصل وتراحم ، والطبقة ~~الرابعة : أهل تدابر وتنافر ، والطبقة الخامسة : أهل هرج ومرج )) ومراد ~~رسول الله عليه السلام في الأزمان بذكر الطبقة الأولى أهل عصره كما قال : ~~(( خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يأتي قوم يحبون ~~السمن تسبق يمين أحدهم شهادته )) فقال : خير القرون قرني : وهم الذين قال ~~فيهم : أهل علم وهدى ، ثم قال : ثم الذين يلونهم وهم أهل بر وتقوى ، ثم قال ~~: ثم الذين يلونهم وهم أهل تواصل وتراحم ، ثم قال : ثم يأتي أقوام يحبون ~~السمن تسبق يمين أحدهم شهادته وهم أهل تدابر وتنافر ، فلم يكترث بأهل هرج ومرج . # وإنما صار القرن الأول علم وهدى لأنهم اقتبسوا العلم مما سبق لهم من أمور ~~الدنيا ، يفهمون عن النبي عليه السلام الدين تلقينا علما وهدى ، وقبلوه ~~يقينا علما وهدى ، فكانت علومهم وبصائرهم أقوى من ms016 أعمالهم ، فمن استقى من ~~عنصر النبوة من ذات نفسه حصل له العلم والهدى بتوفيق الله تعالى وتسديده . # وأما أهل الطبقة الثانية : فإنما صاروا أهل بر تقوى لأنهم نشأوا في ~~الإسلام من حال الصغر فألفوا فعل البر وسبقت إليهم المخاوف التي في الآخرة ~~فغلبت عليهم التقوى . # وأما أهل الطبقة الثالثة : أهل تواصل وتراحم لأنهم غلبت عليهم المسودة ~~الظلمة والملوك الفجرة ، فحالوا بينهم وبين ما أفاء الله عليهم من الفيء ~~وخراج الأرض والغنائم والعطايا فأعقبهم التراحم بينهم البين والتواصل بما ~~قدر به بعضهم لبعض . PageV01P028 # وأما الطبقة الرابعة : أهل تدابر وتنافر وذلك أنهم استولت عليهم الأئمة ~~الضالة المضلة فلقنوهم الاسم الذي يأتوا به ، ولقنوهم بعض أحزابهم في ~~مفارقتهم في بعض مذاهبهم وآرائهم ، ولقنوهم أن من لم يكن قويا في دينه ~~ومذهبه فليس منهم على شيء ، فوقعت الوحشة بينهم والعداوة والبغضاء فتنافروا ~~وتدابروا وعزا كل واحد منهم لصاحبه مالا يقول ، فرجع التدابر والتنافر ~~بينهم البين بعد ما كان بينهم وبين أهل الشرك أعدائهم . # وأما أهل هرج ومرج : فحين فتر الإيمان عن القلوب وقل العلم وكثر الظلم ~~وقست القلوب لطول المدة وفترت لخلو المادة وانطماس الجادة فهم يتقلبون في ~~قدرة إبليس ولم يرض لهم بدون الهرج والمرج . # والله أعلم بمدد هذه الطبقات وعدد هذه المدات وما وراء ذلك من التعمق في ~~الفنتات التي اضطربت بأفاضل هذه الأمة في الأوقات . # وأما نصيب ظروف المكان في آفات الدين : فكالذي جرى للشيعة والروافض ~~والغالية منهم في تجارتهم مع النصارى في بلاد أرمينيه ، فلقنوهم مذاهبهم في ~~عيسى عليه السلام ، فقبلته منهم الروافض وذهبت به إلى علي حتى جعلوه إلها ، ~~وفي أولاده حتى جعلوهم أنبياء . # وكذلك من جاور أهل البوادي فإن الغالب عليهم الحل والترحال والشقى في ~~اقتناء الأموال والغارات طول الزمان والقتل والقتال . # وأما فتور الأنفس بطول الفترة فحسبك فيه قول الله - عز وجل - : ( فطال ~~عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون ) . # وآفة أخرى : الملوك الجورة الظلمة الذين يحملون الناس لجورهم على غير دين ~~الله تعالى حتى يتخذ الناس ms017 طرائقهم وسننهم دينا ، ويألفون ذلك ويحسبون أنهم ~~على شيء وليسوا على شيء ، كسيرة الوليد بن عبد الملك والحجاج بن يوسف في ~~الجمعة أنهم يؤخرونها إلى آخر النهار ، وكسيرة الشيعة الجهلة في رمضان ~~ورجوع الأخ واعتقادهم في الخلفاء فأورثوا ذلك أبنائهم . PageV01P029 # وأما الإخوان والأصحاب والأخدان والأتراب فحسبك فيهم قول الله - عز وجل - ~~حيث يقول حكاية عن بعض الكفار : ( يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا يا ويلتي ~~ليتني لم لأتخذ فلانا خليلا ) . الآية - وصاحب السوء : ( شعرا ) # : كذي العريكوي غيره وهو راتع * # ومن وراء هذا كله القدر ، والناس يتقلبون في قدره الطالب ، ولابد في ~~الإيمان بالقدر خيره وشره . وبالله التوفيق . # إن سأل سائل فقال ( ما الدليل على أن الحق في يدك ) # بسم الله الرحمن الرحيم # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم # ابتداء الدليل . لأهل العقول . لباغي السبيل . بنور الدليل لتحقيق مذهب ~~الحق . بالبرهان والصدق . # إن سأل فقال : ما الدليل على أن الحق في يدك دون غيرك وغيرك يدعي مثل ما ~~تدعي ؟ فأقول وبالله التوفيق : إن الحق في يدي ومعي اقتبسته من كتاب الله - ~~عز وجل - وسنة رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) والإجماع وآثار الصالحين ~~رضوان الله عليهم أجمعين ومن دليل العقل والحس والقياس والحدس . فإن قال ~~قائل : إن كان ما قلت حقا فقدم مرآتك واظهر برهانك ولابد للبيان من التبيان ~~وللبرهان من سلطان ، فأقول والله الموفق للصواب وبه الحول والتوفيق : إن ~~الناس المختلفة ضروب وأفانين وشعوب . فضروب أهل الدهر بأصنافهم وأهل ~~الأوثان بأفنانهم ، والثاني المجوس وأهل الكتابين ، والثالث أغوياء القرآن . # فأما أهل الدهر وأهل الأوثان ، فأهل الأوثان جهلة وضعفة ، وأهل الدهر ~~والأزمان ضعفه ، فأهل الدهر لهم كالرجال للنسوان ، وبيننا وبينهم خصلتان : ~~وهما الحدث والمحدث ، فمهما أقمنا البرهان عليهما انتقضت جميع مذاهبهم ~~وبطلت حججهم ، ولنا الحد على الحدث في كتاب الله - عز وجل - آيات وإن كانوا ~~لا يقرأون الكتاب ، وفي معنى الآية إثبات الحدث حسا وعقلا وهي قول الله - ~~عز وجل - : ( إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار - إلى ms018 قوله - ~~لآيات لقوم يعقلون ) . PageV01P030 # فإن قال قائل : فما وجه الدليل ؟ قلنا : الآية تقتضي الحدوث حسا وعقلا ~~بقوله : ( إن في خلق السموات والأرض ) وإنما تدرك خلقتهما بالمشاهدة أو ~~بالعقل فقد عقب الله تعالى بذكر اختلاف الليل والنهار لأن اختلافهما يدرك ~~بالحس ، فمجيء هذا مرور هذا حسا ، وذكر جريان الفلك لحدوث المنافع ونزول ~~ماء السماء بعد إن لم ينزل لحياة الأرض بعد موتها وظهور النبات والزهر ~~والورق والثمر بعد أن لم يكن ، وبث فيها من كل دابة أمر ظاهر في نسل ~~الحيوان معدوم في الموتان ، وتصريف الرياح في الجهات والسحاب المسخر بين ~~السماء والأرض أحيانا في الأوقات على اختلاف الصفات ، فالحدوث ظاهر بالحس ~~ضرورة فمن أنكره أنكر الضروريات الحسية ، فإذا ثبت الحدوث ثبت المحدث ~~واقتضاه عقلا . # واعلم أن جميع ما خاطب الرب تعالى به المشركين في القرآن - الذين لا ~~يقرون بالقرآن ولا النبوة - من الأمور العقلية ، لأن الأمور العقلية ضرورية ~~فمن أنكر الأمور الضرورة كابر وتجنن ، وفي القرآن تنبيه على ما قلنا قوله - ~~عز وجل - : ( ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود ) إلى قوله ~~- ( أفي الله شك فاطر السموات والأرض ) . فأثبت الأنبياء عليهم السلام ~~انتفاء الشك في المحدث الفاطر عمن انتفى عنه الشك في الفطور وهو الذي ~~يقتضيه العقل وإليه الإشارة بالآية الأولى في قوله : ( والسحاب المسخر بين ~~السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون ) . وحدوث المدينة في الموضع الذي لم تكن ~~فيه لمن جاز عليه قاعا صفصفا فرجع فوجدها مدينة عجيبة البيان مزينة الحدثان ~~لها شأن من الشأن تحار في صناعتها العينان فدلت على محدثها عقلا ، فمن ~~امتنع من هذا تسفسط ولم يفطن وصار ألنا ولم يبرهن ، وانتقل من الدرجة ~~العليا إلى الدرجة السفلى وخرج من حيز العقلاء إلى حيز الأنعام ، بل هم أضل ~~سبيلا وأجهل جهيلا . PageV01P031 # وأما المجوس وأهل الكتابين المذلة في الخافقين : فحسبهم معجزات الرسول من ~~المشرقين إلى المغربين والدلالة عليهم وإبطال مذاهبهم إثبات النبوءة نبوة ~~محمد ( صلى الله عليه وسلم ) ، والدليل على نبوته تسع آيات معجزات للخليقة ms019 ~~أن يأتوا بمثلها ، ظاهرة التصديق لمن أتى بها ، فثلاث في ذاته وثلاث في ~~كتابه وثلاث في أمته ، أما الثلاث التي في ذاته : فهدي منقول وصدق مقبول ~~وغيب مبذول ، وأما الثلاث التي في كتابه : فتأليف عجيب وتعريف أخبار القرون ~~الذهوب وتوقيف على أسرار الغيوب ، وأما الثلاث التي في أمته : فرجوع العد ~~والتباين ونزول البركات والخزائن وافتتاح البلاد والمدائن ، ومن وراء ذلك ~~الدلالة على نبوته من علم أهل الكتاب وهي ثلاثة أحدها : أن ذكر في التوراة ~~والإنجيل والزبور وكتب أشيعا وغيرها ، والثانية : توقعهم لمبعثه في ~~الجاهلية في الوقت الذي بعث فيه وموضعه ونصوا على زمانه وحينه فصدقوا ~~وصدقهم بكون ذلك ، والثالثة : مرور الفترة والفتر عليه لا يزيد الإسلام إلا ~~قوة ولا الدين إلا ظهورا ولا الدنيا إلا توليا قال الله تعالى : ( سنريهم ~~آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم ) . الآية ، إلا أن رجوا رسولا يبعث منهم قبل ~~الساعة ، ولعمري إنه لمذهب بعضهم لا تقوم الساعة حتى يرجع موسى ويحيى بعد ~~موته ويرى ما وعد الله في الدنيا قبل الآخرة ، وقال في التوراة : ( لا يطول ~~أمد الكذب ) فإن قيل فما وجه الدليل في هذه التسع آيات المعجزات ؟ قيل له : ~~أما الهدي المنقول فإطباق المشركين والمسلمين وأعدائه وأوليائه أجمعين أنه ~~لم يكن في زمانه من يدانيه في خصلة من خصال الخير ولا يساويه ، قد اجتمعت ~~له الخصال كلها من العلم والحلم والسخاء والكرم والصدق والنجدة واليمن ~~والبركة في السريرة والعلانية ، وقد فاق في كل خصلة وجمعت له كلها ولم ~~تجتمع لأحد في زمانه . PageV01P032 # وأما الصدق المقبول : فقد جمع الله له القلوب والنفوس على الإقرار بالصدق ~~في الجاهلية والإسلام حتى سمي الأمين في الجاهلية فاعترفوا له بهذا الاسم ~~بعد العداوة والبغضاء والشنآن وبذل الأموال في القدح فيه ، وأما الغيب ~~المبذول : فأقله حكايته عن ربه ما وعده من النصر والتمكين وظهوره على جميع ~~الدين فأتم الباري سبحانه جميع ذلك في حياته وأسعفه بعد فوته ، ولا يليق ~~بالعليم الحكيم أن يحقق صدق الكاذب عليه ولاسيما بعد موته . # وأما الثلاث ms020 التي في كتابه فهي ظاهرة ضرورة قد تحدى بها في حياته فأعجز ، ~~وأسعفه الباري سبحانه بعد موته فأنجز ، هو التأليف الذي أعجز به الخليقة ~~وأظهره عليه بالحقيقة ، الثانية : تعريف أخبار القرون الذهوب : فجاءت على ~~وفق أهلها ولن يقدر أحد أن يحيط علما بأخبار أقطار البلاد في زمانه فكيف ~~بسائر الدنيا ، ولم يأخذ أحد عليه فيها بعد ما ملأ الدنيا أخبارا وأسرارا ~~ولا خبر أعظم من إخباره عن أسرار أهل زمانه ، فأطبقوا على أصابته وليس من ~~طبع الخليقة أن يسالموه ويطبقوا وقد وقفوا على كذبه وهم يبذلون الأموال على ~~ذلك والنفوس ، وأما الثالثة : يجدد حلاوة في قواء ( 1 ) حبها لا يخلق بكثرة ~~الرد ولا يكل ولا تعد بحوره في استخراج الفوائد منه والعلل ، ولا تخفه ~~الأسماع ولا تنفر منه الطباع . # وأما الثلاث التي في أمته : فرجوع العدو المباين المناصب الذي يطالبه ~~بالثأر في الأهل والأموال والديار ، فانعكس ذلك كله وصار حبا وبذلوا النفوس ~~والأموال دونه عنه ذبا ، ابتغاء الوسيلة إليه والفضيلة عنده ، اختيارا لا ~~قهرا ولا اضطرارا ، فسبحان مقلب القلوب علام الغيوب . وأما نزول البركات ~~والخزائن PageV01P033 فظاهر حين جمعت له الدنيا بحذافيرها وجادت ببذورها ~~ودرت بضروعها ، فأينعت ثمارها وأبهجت أشجارها لقوم كانوا بداة جفاة أشبه ~~شيء ببهائمهم ، فرجعوا ذوي أخطار ملوكا ذوي اقتدار لما تملكوا الدنيا من ~~الخافقين إلى الخافقين ، من وراء هذه الخزائن الفتق ، وقد نبه عليها رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) حين قال : (( ماذا أنزل هذه الليلة من الخزائن ~~الفتق ايقظوا صواحب الحجرات )) يريد نساءه فكان ما قاله حقا ( صلى الله ~~عليه وسلم ) . # وأما فتوحات القرى والمدائن فأمر ظاهر قد تجلى للعيان ، واعلم أن الله ~~تعالى وهب لمحمد عليه السلام ما لم يهبه لنبي قبله ولا ملك ، وذلك أن بني ~~إسرائيل امتن الله عليهم بان وعدهم افتتاح القدس ومدائن الشام ، واستطالت ~~به بنو إسرائيل على جميع الأنبياء والأمم التي قبلهم ، فكان ذلك كذلك ، ولم ~~يصح مع ذلك مدائن الشام كلها ، وأفضل الشام فلسطين هو لأولاد كنعان (2) ~~والدروب للروم ms021 ، ألا ترى قول الله تعالى لداود حين قال له : ( أخرج أولاد ~~كنعان من أرض فلسطين فإنهم لا يطيعون نبيا منهم ولا من غيرهم فهم للأرض ~~كالجدري للوجه ) ففتح الله تعالى لمحمد عليه السلام الشام كله فلسطين ~~ودروبه وجزيرة العرب بأسرها والجزيرة جزيرة بني عمر إلى الجودي إلى ما وراء ~~ذلك ، والعراق والبحرين وعمان واليمن قاطبة والحساء وهجر والمشقر وأرض فارس ~~والماهات وهمدان وحلوان والري وأرمينيه وخرسان ومن وراء ذلك الصين وإلى ~~سمرقند وبخارى والترمذ إلى سد يأجوج و مأجوج ، ومن ناحية السند والهند ~~كرمان ومكران وسجستان وغزنة والتبت ، ومن المغرب مصر وأفريقية والأندلس ~~وبعد الخمسمائة من الهجرة فتح الله عليه بلاد السودان جوجو وغانة إلى ~~الجزائر الخالدات ، فهو ملك الأرض من فرغانة إلى غانة . # الدليل على ولاية أبي بكر وعمر وعثمان وعلي.. # الدليل على ولاية أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وما حصل في ذلك من التغيير من ~~عثمان وعلي # : فصل ( 1 ) * # فإن قال قائل : ما الدليل على أن ولاية أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - ~~صواب وأن ولايته حق عند الله تعالى ؟ فنقول أما من كتاب الله - عز وجل - ~~فقوله : ( وما محمد إلا رسول ) إلى قوله : ( وسيجزي الله الشاكرين ) وأبو ~~بكر - رضي الله عنه - إمام الشاكرين ، وقال الله تعالى في المنافقين حين ~~منعهم الجهاد مع نبيه عليه السلام حين تخلفوا عنه في زمن الحديبية : ( قل ~~للمخلفين من الأعراب ستدعون ) إلى قوله : ( يعذبكم عذابا أليما ) فتوعدهم ~~الله تعالى أن تخلفوا بعد ما كانوا خلف رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~وخليفته من بعده ، والمأموم المطيع الفائز بطاعته لإمامه دليل على أن ~~الإمام محق يدعو إلى الهدى وقول الله سبحانه : ( وعد الله الذين آمنوا منكم ~~وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض - إلى قوله - فأولئك هم الفاسقون ) ~~فلما استخلف أبو بكر - رضي الله عنه - أنجز الله له وعده فثبت أن أبا بكر ~~مؤمن وقد عمل الصالحات ومكنه الله بعد ذلك دينه الذي ارتضى له ، وبدل له ~~الأمن من بعد الخوف فصار إلى العبادة وإدحاض ms022 الشرك ، ومن كفر بعد ذلك من لم ~~يسلك سبيل أبي بكر وخاف بعد الأمان ، اضطهد في قعر داره والدنيا أمان ~~واستغاث ولم يغث فأولئك هم الفاسقون . ودليل آخر على تصويب ولايته من السنة ~~أن قدمه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) على عماد الدين وهي الصلاة وجعله ~~إمام المتقين والغير مأموم ومن خالفه ملوم ، كما قال علي بن أبي طالب : ( ~~رضيك رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) لديننا ورضيناك لدنيانا ) . PageV01P035 # وقد قال رسول الله عليه السلام : (( اقتدوا بالذين من بعدي )) فلم يكن من ~~بعده إلا أبو بكر وعمر - رضي الله عنهما - . # ومن رأى المسلمين في الإجماع إطباق الصحابة عليه ، ورجوع المنافقين إليه ~~وإطلاق الاسم : أنه خليفة رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وحسبه اسمه ~~عند الله الصديق الأكبر ، وثاني اثنين إذ هما في الغار . # والدليل على ولاية عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - انبناؤها على الأصل ~~الصحيح ، وله شركة مع أبي بكر الصديق في جميع دولته من القرآن والسنة ~~والإجماع نسقا بنسق . # والدليل على ولاية عثمان بن عفان ظن فولايته حق لانطباق أهل الشورى عليه ~~، وعزله وخلعه وقتله حق لانتهاكه الحرم الأربع :- # أولاها : استعمال الخونة الفجرة على الأمانة التي عرضها الله تعالى على ~~السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها - إلى قوله - جهولا . # والثانية : ضربه الأبشار وهتكه الأستار من الصحابة الأخيار إن أمروه ~~بالمعروف ونهوه عن المنكر كأبي ذر وابن مسعود وعمار بن ياسر وابن حنبل ( 2 ) . # والثالثة : تبذيره الأموال وإسرافه فيها ، فمنعها الأخيار وجاد بها ~~للأشرار ، قال الله تعالى : ( إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين ) . # فحرم العطايا لأهل العطايا فجاد بها على اللعين وأبنائه الملاعين ، وأعطى ~~ابن الطريد مروان بن الحكم خمس أفريقية : ستمائة ألف دينار ، تكاد تقوت نصف ~~مساكين هذه الأمة . # الرابعة : حين ظهرت خيانته فاتهموه على دينهم ، فطلبوه أن ينخلع فأبى ~~وامتنع ، فانتهكوا منه الحرم الأربع : حرمة الأمانة ، وجرمة الصحبة ، وحرمة ~~الشهر الحرام ، وحرمة الإسلام حين انخلع من حرمة هذه الحرم ، إذ لا يعيذ ~~الإسلام باغيا ، ولا الإمامة خائنا ms023 ، ولا الشهر الحرام فاسقا ، ولا الصحبة ~~مرتدا (3 ) على عقبه . PageV01P036 # وأما علي بن أبي طالب ، فإن ولايته حق عند الله تعالى ، وكانت على أيدي ~~الصحابة وبقية الشورى ، ثم قاتل طلحة والزبير وعائشة أم المؤمنين - رضي ~~الله عنها - فقتاله حق عند الله تعالى ، لشقهم العصا عصا الأمة ، ونكثهم ~~الصفقة ، فسفكوا الدماء ، وأظهروا الفساد ، فحل لعلي قتالهم ، وحرم الله ~~عليهم الجنة ، فكانت عاقبتهم إلى النار والبوار ، إلا ما كان من أم المؤمين ~~التائبة ، فمن تاب تاب الله عليه . # وأما معاوية ووزيره عمرو بن العاص فهما على ضلالة ، لانتحالهما ما ليس ~~لهما بحال ، ومن حارب المهاجرين والأنصار فرقت بينهما الدار وصارا من أهل ~~النار . # وأما علي فقد حكم بأن من حكم فهو كافر ، ثم رجع على عقبيه وقال : ( من لم ~~يرض بالحكومة كافر ) . فقاتل من رضي الحكومة وقتله ، وقاتل من أنكر الحكومة ~~وقتله ، وقتل أربعة آلاف أواب من الصحابة ، واعتذر فقال : ( إخواننا بغوا ~~علينا فقاتلناهم ) فقد قال الله - عز وجل - فيمن قتل مؤمنا واحدا : ( ومن ~~يقتل مؤمنا متعمدا ) إلى قوله : ( عذابا عظيما ) فحرمه الله - من سوء بخته ~~- الحرمين ، وعوضه دار الفتنة العراقين ، فسلم أهل الشرك من بأسه ، وتورط ~~في أهل الإسلام بنفسه . # ذكر القدرية والمرجئة ومسائلهم # : فصل ( 1 ) * # وأما أغوياء القرآن فهم سبعة أفخاذ ، تحصرهم القسمة فر ثلاث وسبعين فرقة ~~، كلهن إلى النار ما خلا واحدة ناجية ، إن قصرهم على الموحدة ، وأما إن ~~أراد كل أمة فهم إلى السبعمائة أقرب وإليها أذهب . PageV01P037 # والموحدة سبعة أفخاذ وهم : القدرية والمرجئة والمارقة والأباضية والشيعة ~~والمشبهة والمجسمة . فنص رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) على ثلاث منها ~~لا مطمع فيها فكفينا المؤنة . # وطائفتان ظاهر فحشهما وفحش ما جاءتا به عند كل أحد يعقل ، لا يحتاج إلى ~~التنبيه إلى سوء ما أتوا به . # وبقي فخذان في إحداهما الحق ( 2 ) ، والأخرى لاحقة بأصحابها الأولى وقد ~~تلبسوا بالدين قليلا # وهم : السنية ولحقوا بإخوانهم المرجئة في الحال والمجال والمآل . # ولنرجع إلى التنبيه على سوء مذاهبهم وزيغهم عن الحق . والله الموفق للصواب ms024 # أما القدرية : فزعموا أن أفعالهم خلق لهم لم يخلقها الله ، فلله خلق ولهم ~~خلق بعد قول الله تعالى : ( ألا له الخلق والأمر ) وقالوا هم أيضا : لنا ~~الخلق والأمر ، وإن شئتم والنهي . قال الله - عز وجل - : ( هل من خالق غير ~~الله ) .. فأفحم به المشركين . # وقالت القدرية : بل نحن الخالقون لأفعالنا ، لبسوا بقول الله - عز وجل - ~~: ( أتخلقون إفكا ) وقوله ( وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني ) . فمن ~~له الاسم والفعل أولى ممن استعير له الفعل ، وإن ربك هو خلقه العليم ، ~~فناهبوا الله تعالى في خلقه ونازعوه في اسمه ، وذهبوا ببعض خلقه بل بأفضله ~~الإيمان والتوحيد ، وجعلوا له شركاء فيما آتاهم ، فتعالى عما يشركون ، ولا ~~حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ، حسبهم قول رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) لهم ولإخوانهم المرجئة : (( القدرية مجوس هذه الأمة )) لادعائهم ~~الخروج من النار كقول اليهود ( لن تمسنا النار إلا أياما معدودات ) وقوله : ~~(( لعنت القدرية على لسان سبعين نبيا : القدرية والمرجئة )) . PageV01P038 # وأما المرجئة فزعموا أن من قال لا إله إلا الله دخل الجنة ، وأنه المأمور ~~به وما سواه فليس بإيمان ، وأن جميع ما أمر الله تعالى من طاعته ليس بإيمان ~~وجميع ما توعد الله تعالى عليه العقاب من الأعمال ليس بكفر . فحلوا عرى ~~الإسلام ، وأبطلوا فائدة الحلال والحرام ، وأرضوا الله بقول : لا إله إلا ~~الله ، ولو طمسوه بالآثام ، وأبطلوا فائدة قول الله - عز وجل - : ( أحسب ~~الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتون ) فسبقهم وعيد الله قبل أن ~~يكونوا ، فتسارعوا إلى فعله بعد ما كانوا ، ثم قال : ( ولقد فتنا الذين من ~~قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين ) فرضوا بأحد القسمين أن ~~يكونوا من الكاذبين ، دون أن يكونوا بالأعمال الصالحات من الصادقين ، فلهذا ~~لعنهم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) مع سبعين نبيا قبله ، أوهنوا دعوة ~~الأنبياء عليهم السلام إلى الله - عز وجل - ، وفتروا العباد من الأعمال ~~الصالحات ، فجعلهم يهود هذه الأمة الذين قالوا لن تمسنا النار إلا أياما ~~معدودة . # ذكر السنية والمارقة والشيعة والمشبهة ms025 ومسائلهم # والسنية تستقي من مذاهب المرجئة ولن يرضوهم من عبيدهم في الدنيا إلا ~~المثل ، فحلوا جميع ما توعد الله تعالى عليه به العباد على المعصية ، من ~~العذاب الأليم ، والخلود المقيم في جهنم أبد الآبدين ، كأن قول الله - عز ~~وجل - عندهم سراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء والحيوان خيالا والسكران خبالا ، ~~وسوغوا في عذاب الله - عز وجل - ووعيده الكذب بعد ما قال : ( لا تختصموا ~~لدي وقد قدمت إليكم بالوعيد ، ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد ) ~~قالوا ذهب الوعيد في البيد . أقبح بهم من عبيد . PageV01P039 # وأما المارقة : فأنهم زعموا أن من عصى الله تعالى ولو في صغير من الذنوب ~~وكبير أشرك بالله العظيم.وتأولوا قوله تعالى : ( وإن أطعتموهم إنكم لمشركون ~~) فقضوا بالاسم على جميع من عصى الله - عز وجل - إنه مشرك ، وعقبوا ~~بالأحكام ، فاستحلوا قتل الرجال وأخذ الأموال والسبي للعيال ، فحسبهم قول ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : (( إن ناسا من أمتي يمرقون من الدين ~~مروق السهم من الرمية ، فتنظر في النصل فلا ترى شيئا ، وتنظر في القدح فلا ~~ترى شيئا ، وتتمارى في الفوق )) فليس في أمة أحمد ( صلى الله عليه وسلم ) ~~أشبه شيء بهذه الرواية منهم ، لأنهم عكسوا الشريعة ، قلبوها ظهرا لباطن ، ~~وبدلوا الأسماء والأحكام لأن المسلمين كانوا على عهد رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) يعصون ولا تجرى عليهم أحكام المشركين . # فليت شعري فيمن نزلت الحدود في المسلمين أو في المشركين ، فأبطلوا الرجم ~~والجلد والقطع ، كأنهم ليسوا من أمة أحمد عليه السلام ، احولت أعينهم ~~فنظروا في المعنى الذي أمر الله به المسلمين أن يستعملوه في المشركين من ~~جهاد العدو والجد في محاربتهم ، فاستعملوه هم في المسلمين . # فهذه الأفخاذ الثلاث هي التي نص عليها رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) . # وأما الشيعة الجهلة روافضهم وغاليتهم فأنهم قدحوا في الإسلام والنبوة ~~والألوهية . # فزعم بعضهم أن عليا إمام مطاع لا يأمر بشيء إلا كفر تاركه ، فجاوزوا ~~بمعصية الله - عز وجل - حكم الله في نفسه وأن في معصيته ما ليس بكفر . # وبعضهم يقول : نبي ms026 . فأبطلوا قول الله - عز وجل - في محمد خاتم النبيين ~~حيث يقول : ( ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين ) . # وبعضهم يقول : إن ذرية علي أهل الجنة ، وليس عليهم من الإسلام ولا من ~~شرائعه شيء . PageV01P040 # وبعضهم يقول : إن الشيعة كلها ليس عليهم من عمل الشرائع شيء إلا من لم ~~يبلغ في حقيقة الإيمان بعلي وذريته ، فتلزمه الفرائض عقوبة له حتى يستبصر ~~ويحقق فتسقط عنه الفرائض ، واستدلوا برسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) حين ~~أباح الله له تزوج تسع نسوة ، فلما بالغ في الإسلام أباح له كل امرأة مؤمنة ~~وهبت له نفسها ، فليس عليه جناح ، قال الله - عز وجل - : ( يا أيها النبي ~~إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن ) إلى قوله : ( لكي لا يكون عليك ~~حرج ) . فالإتزار حرام والاتفاق حلال . # وبعضهم يقول : إن عليا حي بجبال رضوى ( 1) الأسد عن يمنه والنمر عن شماله ~~ولابد أن يسوق العرب بعصوين . # وبعضهم يقول : لا إله إلا الله ( 2 ) ، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا . # وليس فيهم طائفة أشبه بالناس قليلا إلا الزيدية والحسينية وقد وافقوا ~~جميع المسلمين فيما يقولونه ، إلا في التحكيم الذي صاغوه لعلي وقد قتل من ~~قال به ، ومن أنكره فجع في قتاله بين المحق والمبطل . # ولعلي تخليط دون شيعته في قوله : ( إن كل مجتهد مصيب ) فهدر دم عثمان ~~وطلحة والزبير ومعاوية وعمرو وعذر نفسه وعذر أهل النهروان ولم يعذروه . # ففي فحش مذهب الشيعة ما يغني عن الرد عليهم . # وأما المشبهة فحسبهم القدح في إلههم ورجوعهم إلى شبه الأوثان التي تعبد ~~آباؤهم من قبل ، إن مذاهبهم في جميع ما أخبر الرب عن نفسه مثل اعتقادهم في ~~أنفسهم من الجوارح والآلات . # فذهبوا بقول : ( يد الله فوق أيديهم ) إلى الجارحة . # وفي الوجه إلى الوجوه حيث يقول : ( كل شيء هالك إلا وجهه ) . # وفي الجنب إلى جنوبهم حيث يقول : ( يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله ) . # وفي العين إلى عيونهم حيث يقول : ( تجري بأعيننا ) . # وفي الساق إلى سوقهم حيث يقول : ( والتفت الساق ms027 بالساق ) . # وفي اليمين إلى أيمانهم حيث يقول : ( لأخذنا منه باليمين ) . PageV01P041 # وفي الاستواء إلى استوائهم حيث يقول : ( على العرش استوى ) .وفي أمثالها . # وجاوز بعضهم إلى أن جعلوه جسما محدودا متنقلا من مكان إلى مكان ويركب ~~الحمار الأقمر ويخرق الحجب لفصل القضاء يوم إلفة القضاء . # وبعضهم يقول : على صورة الإنسان . وربما يختلف معهم الأحيان ولا يعرف ، ~~تعالى عما يقولون علوا كبيرا . # وهم صنفان : من ذهب إلى ما قلنا صراحا واعتقد أن من نفى عن الله - عز وجل ~~- هذا التشبيه فقد أبطله . # وصنف يتوقفون ولا يصرحون بهذه المعاني ولا بخلافها ، فيمتنعون من مذهب ~~المسلمين الذين صرفوا هذه المعاني إلى ما يليق بالباري - سبحانه - وموجود ~~في لغة العرب ، أن اليد : النعمة والقدرة . والوجه : ذاته . واليمين : ~~القدرة والقوة . والجنب : الكنف . والساق : الشدة . وفي أمثال هذه . ولم ~~يصرحوا بالمعنى المكروه . # والأولون قد ردوا على الله - عز وجل - قوله : ( ليس كمثله شيء ) فالأولون ~~مشركون ، والآخرون تجاهلوا فهم جاهلون . # وفحش مذهبهم أيضا يغني عن الرد عليهم كإخوانهم . # وأما السنية فأنهم صغوا إلى إخوانهم المرجئة في الوعد الوعيد ، ومذهبهم ~~في الفتنة يؤول إلى العمى ، واستواء الأرض والسماء ، والمحق والمبطل سواء ، ~~مذهب قادة الهوى فأورده الردى . # وكذلك قولهم في خلق القرآن كقول الأشعرية في خلقه . # وقولهم في الأسماء والصفات وخروج أهل النار من النار وقد تقدم الرد عليهم . # ذكر النكار ومسائلهم التي زاغوا بها # وأما النكار فجاهلهم عالم وعالمهم ظالم ، ولهم مسائل في الأسماء والصفات ~~والإمام والوقوف والحجة والسماع والمتبرجة ، وإنما انقطع عذرهم في مخالفة ~~الإمام العدل السامي الفضل والله المستعان ، وهو حسبنا ونعم الوكيل . PageV01P042 # وليس في مسائلهم مسألة معنوية إلا المغالطة في الألفاظ ، واللفظ قشر ~~والمعنى لباب . وليس في جميع المذاهب أقرب منهم إلينا ولا أبعد منهم عنا ~~ضغنا واستكبارا وجهلا وإنكارا ، صدق الله - عز وجل - : ( قلوبهم منكرة وهم ~~مستكبرون ) . # فأول مسائلهم في الأسماء والصفات ، فذهبوا إلى أسماء الله - عز وجل - ~~وصفاته إلى الألفاظ وذهبنا إلى المعاني ، فاللباب أفضل من القشر ، فلو كانت ~~الأسماء هي الألفاظ ، لما كان لله ms028 تعالى فيها مدحة ولا ثناء ولا عظمة ، كما ~~أنه لو كانت الصفات هي الألفاظ لكانت كذلك . # فمهما قلنا : الله عالم . اقتضى قولنا الوصف دون الصفة ، والمعنى الصفة ~~دون الوصف ، والوصف منسوب إلينا وهو من أفعالنا والصفة منسوبة إلى ذات ~~الباري سبحانه ، إذ لا تجري التجزئة عليه ، فتلبس الأمر عليهم ، ولم يحسنوا ~~التفرقة بين الوصف والصفة كما قدمنا ، والوصف يتعلق باللسان والصفة بالذات ~~، ومن ذلك قولك : أعطيت إعطاء ، وأعطيت عطية . فالإعطاء : فعل المعطى ، ~~والعطية هاهنا : المعنى المعطى . # وكذلك قولهم في الولاية والعداوة والحب والبغض والرضى والسخط : # اقتصروا فيه على ما أبصروا بأبصارهم ، ولم يتجاوزوه إلى بصائرهم . # وكذلك قولهم في تشريك المشبهة ، فإن اقتصرت المشبهة على اللفظ دون المعنى ~~، اقتصروا على الشرك ، ووسعهم إن لم يستبصروا ، فإن استبصروا في اللفظ دون ~~المعنى خابوا وخسروا ، وإن استبصروا في المعنى أشركوا بالله العظيم فلم تغن ~~عنهم الآيات ولا الذكر الحكيم . # وأما قولهم في حجة الله لا تقوم إلا بسماع ، وقد سمعها الناس كلهم . ~~وربما سمعوا هم ولم يسمع الناس . # وأما المتبرجة : فإن جهلوا كفرها ولم يبيحوا لها فعلها عذرناهم ، وقدما ~~قالوا في النامصة والمتنمصة والواشرة والمتوشرة والنائحة والمستمعه ~~والمتفلجات للحسن في عشر لعنها رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) . وأثبتوا ~~اللعنة وامتنعوا من التكفير والتفسيق . PageV01P043 # وليتهم لم يعرفوا الكفر في الأفعال إلا من جهة المتبرجة مثلها ، ولا ~~تجاهلوا عن الكل ، وليتهم فعلوا . وفي المتبرجة منافع فلعل بعضها صغير . # وأما مخالفة الإمام - رضي الله عنه - ، فسبيل ذلك سبيل سلفهم الماضي في ~~صحابة رسول الله عليه السلام في الزبير وطلحة ولهم فيهما أسوة حسنة أو سيئة ~~بين بين ، جمع الله بينهم وبينهما في دار القرار . # فإن قال قائل : أراك قد أثبت على كل فرقة خطأها وضلالها وأنت بخلافها ، ~~واستدللت بذلك أنك على حق حين خالفت الباطل ، فما تنكر أن يكون القولان ~~سائغين جميعا ، فهذا مأجور وهذا معذور ، وهذا مصيب وهذا قريب ، والخطأ ~~والصواب محمولان عن هذه الأمة في أكثر علومها ، ووسعهم ذلك . # قلنا : لسنا ننكر ذلك ms029 ، ما لم يقع التدين ، وقطع العذر ، وهو البغي الذي ~~ذكره الله - عز وجل - ومصادمة القرآن بغير أفعالها والرأي والإجماع . # واعلم أن اجتهاد الرأي سائغ لهذه الأمة وله أمكنة ، أمكنة أولها : في ~~جميع النوازل التي تنزل على العباد ، مما ليس لهم عهد من كتاب الله - عز ~~وجل - ولا سنة رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فيسرع لهم الاجتهاد بين ~~مخطىء ومصيب . والكل محمول عنهم . # الثاني مذاهبهم في التفسير - تفسير القرآن وسنة رسول الله عليه السلام ، ~~فهذا كالأول سائغ لهم كلما ذهبوا إليه على الشرط المتقدم . # والثالث : معنى أباح الله لهم القول فيه ، فإن أصابوا لم يؤجروا وإن ~~أخطأوا لم يوزروا ، وكلامهم على قدر عقولهم وآرائهم ليس عليهم فيه نظر ، ~~كالقول في العرش والحملة والحفظة والسموات والكواكب والنجوم والشمس والقمر ~~والدراري والآثار العلوية : كالسماء والمطر ، والنبات والزهر والجن والإنس ~~. هذا بشريطة كله أن يقع للمتكلم فيما لا يتعلق به الشرع ، وإليك بفن واحد ~~تستدل على ما عداه . PageV01P044 # قالوا في الحفظة : اثنان وأربعة وستة وثمانية وعشرة وعشرون ونيف وثلاثون ~~ومائة وستون ، في أمثالها ، كما روي عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : ~~(( إن المسلم عليه من الحفظة مائة وستون يدفعون عنه ما لم يقدر له )) . ~~والحديث القائل : (( ربنا لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه )) . فهذه ~~لا أجر ولا وزر مما لا يغني . # وكذلك قالوا في الزهراء وسهيل والمحلقين ، وأن في كل أرض كعبة وآدم إلى ~~سبع أرضين ، وأن في كل سماء بيتا كالبيت المعمور . # وكذلك اختلافهم في أفراق هذه الأمة ، فبعضهم يعتذر بأفرق المسلمين ~~والمشركين . # وكاختلافهم في الأمة كذلك ، حتى اعتدوا بيأجوج و مأجوج فيها . # وكذلك اختلافهم فيما يبقى من الخلق وما يفنى ، وما يعود غدا في المحشر من ~~المكلفين وما لا يعود. # إن قال قائل ( ما دليلك على أن أمة أحمد هالكة ما خلا أهل مذهبك ) # فإن قال قائل : هذه أمة أحمد ( صلى الله عليه وسلم ) قد قضيتم عليها ~~بالهلاك والبدعة والضلال ، وحكمتم عليهم بدخول النار ، ما خلا أهل مذهبكم . # قلنا ms030 : إنما قضاه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) لا نحن بقوله حين ~~يقول : (( ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلهن إلى النار ماخلا واحده ~~ناجية وكلهم يدعي تلك الواحدة )) . # فإن قال قائل : هذه أمة أحمد ( صلى الله عليه وسلم ) قد أصيبت باتباع ~~أوائلها ، وما يدريكم لعلكم أنتم أيضا ممن أصيب باتباع أوائله ؟ ولم قضيتم ~~أن أوائلكم على الهدى وأوائل غيركم على الردى ، وأوائلكم غير معصومين ~~كأوائل غيركم ؟ قلنا ، وبالله التوفيق : إنا اتبعنا أوائلنا وحاسبناهم ~~واتبعناهم تقييدا ولم نتبعهم تقليدا ، فعولت أوائلنا على الوزن بالقسطاس ~~المستقيم والبرهان القويم وهو الكتاب والسنة ورأي المسلمين ، وذلك أنه لم ~~تفترق فرقة بعد رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إلا كان أوئلنا في أفضلها ~~حتى انتهى الأمر إلينا . PageV01P045 # وأول ذلك : أن المسلمين اختلفوا بعد رسول الله عليه السلام فأجمعوا على ~~أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - فخالفت الشيعة ، وكنا مع المهاجرين ~~والأنصار وكانت مع حزب الشيطان الرجيم ، وعمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ~~في حزب أبي بكر الصديق فوقفنا في حزب الذين بعد رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) والمهاجرين والأنصار وأهل الشورى بعدهما ، ثم ولي عثمان بعد ~~الإمامين فاختلف عليه أصحاب رسول الله عليه السلام ، فجل المهاجرين عليه لا ~~له والأنصار ، إلا ما كان من زيد بن ثابت وعبد الله ابن سلام والمتوقفون ~~عبد الله بن عمر وسعد بن أبي وقاص ومحمد بن مسلمة ، وباقي المهاجرين ~~والأنصار عليه لا له ، والإمام عمار بن ياسر رضي الله عنه لما جعله رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) علامة للفتنة قال : (( ما لهم ولعمار يدعوهم ~~إلى الجنة ويدعونه إلى النار ، إنما عمار جلدة ما بين أنفي وعيني )) . مهما ~~أصيب المرء هناك لم يستبق . وقوله لعمار (( إنما تقتلك الفئة الباغية )) . # وقوله عليه السلام : (( عليكم بهدي عمار وبهدي ابن أم عبد )) . # ثم أطبق الشورى والمهاجرين والأنصار على علي وكنا معهم ، فخرج عنه طلحة ~~والزبير فمكثا الصفقة وعائشة أم المؤمنين التائبة ، فحصلنا بحمد الله مع ~~الجمهور . ثم خالف معاوية وعمرو ms031 بن العاص بالشام ، وليس معهم من المهاجرين ~~والأنصار مقهور ولا مذكور فحصلنا مع علي وعمار ومع المهاجرين والأنصار. # ثم أن عليا رجع على عقبيه ورضي بالحكومة التي كفر راضيها وصوب ساخطها ، ~~فقتل الفريقين جميعا الراضي والساخط والمحق والمبطل . PageV01P046 # وكنا على الأصل الأول الذي فارقنا عليه أبا ذر وابن مسعود وعمار بن ياسر ~~(1) الذي جعله رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) علما للفتنة حين قال : (( ~~عمار تقتله الفئة الباغية )) فأثبته على الهدى عند الاختلاف ، وحين قال : ~~(( عليكم بهدي عمار وبهدي ابن أم عبد )) وقال : (( مالهم ولعمار يدعوهم إلى ~~الجنة ويدعونه إلى النار )) . فوقعنا بحمد الله في حزبهما . # فإن كان الجميع على الحق ، فنحن أولى ولا نعمت عين لهم . # وإن كانوا على باطل سلمنا ، إذ لا تجتمع أمة محمد ( صلى الله عليه وسلم ) ~~على ضلال . # وأما يهود هذه الأمة المرجئة ومجوسها القدرية فقد كفانا مؤنتهما رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) وكذلك المارقة الخوارج من الدين . # الرد على الأشعرية ومن ذهب مذهبهم في صفات الباري سبحانه (1) PageV01P047 ~~اعلم يا أخي أعزك الله وأرشدك ، ووفقك وأيدك أنك ذكرت ما جرى لبعضهم مع بعض ~~أهل الأدب من الأشعرية في خلق القرآن وأمر الصفات صفات الباري سبحانه ~~وأسمائه الحسنى ، وكتبت تسألني شرح ذلك وصادفني كتابك وأنا مشغول البال ~~مختل الحال بمرض العيال ، وهو السبب الذي أوجب تأخير الجواب إلى هذا الأوان ~~، لاسيما الكلام في هذه المسائل مخطر بأمرين أحدهما : التعرض للقدح في ذات ~~الباري سبحانه وصفاته العليا وأسمائه الحسنى من غير ما حاجة ضرورية دافعة ، ~~إذ يتعذر كنه جلال الله سبحانه أن تقع الأوهام على حقيقته ، فكيف تنطق ~~الألسنة فتنطلق وتسعى وتعيق ، لولا ما سومحنا فيه من ذكره بأسمائه التي نص ~~عليها وبصفاته التي نص عليها ، وقد يستسمح الناس على قلة أخطارهم من ~~الأبناء والعبيد والعوام والنديد ذكر الآباء والكبراء والسادة والأكفاء ~~مشافهة بأسمائهم ، لكن كناية : يا أبتي إذا كان أباه ، ومن العبيد يا مولاي ~~إذا كان مولاه ، ومن الكفو يا أخي ، ومن العامة يا سيدي ms032 ، فكيف بمن ليس ~~كمثله شيء وهو السميع البصير وجل عن أن يشبهه شيء ، أن تبوح الألسن بذكره ، ~~أو تتعرض لشكره فتنطق وتقول بلسان حال وقلب خال : يا الله يا رحمن يا رحيم ~~. هكذا باسمه لا كناية لولا الرؤوف الرحيم الغني الكريم . # الثاني : أن هذه المسائل قليلة الجدوى في ما يتعلق بالبلوى ، إذ لا تؤثر ~~في العبادات ولا تنفع في ترك الحرمات ، وقد يحصل ذكر الله - عز وجل - في ~~القلوب التي هي موقع نظر الباري سبحانه بأقل الخطوات ، وتخرس الألسن عند ~~ذكره عند من أشرف على الملكوت والجبروت دون التفيهق والتشدق من هذا الوجه ~~الخطر العظيم الضرر ، فكأنما الخائض فيما لا يعني وشارع فيما لا يغني ، ~~وإذا لم تعفني من السؤال ولابد من الشروع في المقال فإني أقول ولا حول ولا ~~قوة إلا بالله العلي العظيم الكبير المتعال . # اعلم أن الأشعرية (2) قد اختلفنا معهم في عشرة مواطن :- PageV01P048 ~~أولها : أنا قلنا الباري سبحانه يوصف بالعلم والقدرة والإرادة وسائر الصفات ~~التي يوصف بها . فقالوا : إنها معاني وليست بصفات . فالعلم عندنا صفة ~~وعندهم معنى لا صفة ، والقدرة عندنا صفة وهي عندهم معنى ليست بصفة ، وكذلك ~~الإرادة وسائر الصفات ليست بصفات ولكنها معاني .فالصفة عندهم هي الوصف . # والثاني : أنهم أطلقوا على هذه المعاني التي ذكروها أنها أغيار لله تعالى ~~، فأوجبوا التغاير بينها البين . # والثالث : أنهم أثبتوها معاني غير الله وهي قديمة . ونحن نقول : ليس هناك ~~معنى غير الله ولا قديم مع الله . # والرابع : أن بمقتضى هذه المعاني كان الله موصوفا بها : فبالعلم كان ~~عالما ، وبالقدرة كان قادرا ، وبالإرادة كان مريدا ، وعلم بعلم ، وقدر ~~بقدرة ، وأراد بإرادة ، وحيي بحياة ، وقدم بقدم . # والخامس : أن هذه المعاني التي وصفوه بها معان قائمة بالذات ذات الباري ~~سبحانه . # والسادس : أنهم وصفوه بالوجه واليدين والرأس والعينين والجنب والجلسة ~~واليمين والقبضة والساق والقدم والاستواء والميل وخرق الحجب وركوب الحمار ~~والأقمر وأنه النور الأنوار . # والسابع : أن الكلام من المعاني التي وصفوه بها وهو قائم بذاته ولم يزل به . # والثامن : أن الأمر والنهي والمندرجين ms033 في الكلام من المعاني التي وصفوه ~~بها وقائمان بذاته ولم يزل كذلك ، وتعالى الله عن ذلك . # والتاسع : أن القرآن وسائر الكتب المنزلة من الله من المعاني التي يوصف ~~بها في ذاته لم يزل بذلك سبحانه . # والعاشر : أن العدل والإحسان والفضل والمن والإنعام صفاته ، ولكنها ~~أفعاله محدثة . # ولابد من مقدمات تكون بين يدي هذه المسائل إما وصلا بين المتناظرين أو ~~عدلا وفصلا بين المختلفين . # أحدها : أن يقع الاتفاق على أن الباري سبحانه لم يفرد نفسه بلغة غير ~~لغتنا التي استعملناها بيننا . # والثاني : ألا يطلق على الباري سبحانه ما لم يأذن به الشرع ، أو معنى ~~يحيله العقل ، لاتفاقنا نحن وهم على أن الله - عز وجل - ليس كمثله شيء وهو ~~السميع البصير . # والثالث : مراعاة اللسان التي يقع بها التناظر والتحاور بين الفريقين ، ~~ويق بها البيان بين المختلفين . ومع الثلاثة أخرى : # أحدها : أن يتضح المعنى الذي أراده المتناظران ، فيحصل حدا أو رسما ، ~~لئلا يصيرا كالأحولين . # الثاني : أن يستند قول الحق منها إلى البرهان الصحيح حقيقة وتبيانا ، ~~فيحصل علما ضروريا أو عقليا أو شرعيا أو لغويا . # والثالث : الإقرار بالحق إذا ظهر ، والإذعان له إذا بهر ، والاتنصار إذا ~~كفر من جميع من حضر . # اعلم أن الأشعرية بنت مذاهبها في الباري سبحانه وصفاته وأسمائه وتشبيهه ~~بخلقه على الهروب من الواضح إلى المشكل ، وعولت بعد العثار على الاعتذار ، ~~وأني لهم به بعد الانتصار ؟ وتعرضوا للبلاء وهم عنه أغنياء فلن يرضى بهذا ~~عاقل ولن يخفى على جاهل ، وقد قال الأول : (( إياك وما يعتذر منه )) . كل ~~الوجوه ، وأقررنا بالوحدانية لا شريك له . PageV01P050 # فأول ما غلطوا فيه أن أفسدوا على العرب لسانهم ، وغيروا عليهم لغتهم ، ~~وقالوا : إن الصفة هي الوصف والعدة هي الوعد والزنة هي الوزن والسمة هي ~~الوسم والعظة هي الوعظ . وقد فرق أهل اللسان بينهما . وأوجبوا الصفة ~~للموصوف والوصف للواصف ، والعدة للموعود والوعد للواعد ، في أمثالها . ~~واعتذروا بأن قالوا : إن النجاة قد أجازوا ذلك . قلنا لهم : مجازا لا حقيقة ~~، وإنما نحن في الحقائق. # والعجب منهم أنهم يأتون أمرا لم ms034 ينفعهم ولم يضر غيرهم . # وكذلك العدة هي العطية الموعودة ، والوعد فعل الواعد ، والعظة صفة ~~الموعوظ ، والوعظ فعل الواعظ ، والسمة أثر في الوجه والواسم الفاعل والوسم فعله . # ( الثانية ) : أنهم نفوا عنه السواد والبياض والألوان بأسرها ، والأحوال ~~بجميعها ، والصنائع العلمية ، والحياء والحياة والعلم والقدرة والإرادة ~~والرضى والسخط وأمثالها أن تكون صفات ، لكنها معان ليست بصفات ، فهربوا من ~~الواضح المعهود إلى المشكل المردود ، فما حاجتهم في أن جعلوا لله معاني في ~~قول من جعل الصفات السبع بمجموعها هي الألوهية ، في قول من أثبت الذات وركب ~~فيها المعاني السبعة وأثبتها هي الألوهية ، جمعوا بين فساد اللغة وفساد ~~الألوهية ، وخافوا أن يتوهم عليهم وحدانية الباري سبحانه ، وقالوا : إن هذه ~~المعاني أغيار لله - عز وجل - وأغيار بينها البين . # قلنا لهم : وهل تجوز أن تكون أغيار لم تزل ؟ # قالوا : إنها قديمة . فارتبكوا . # وقلنا لهم : يا سبحان الله ، فالقديم قديم ، فلابد للغيرية من العدد ~~والشركة والتباين ، فلما نظروا إلى قولهم الفاحش تكعكعوا ، وما يغني عنهم ~~وقد جعلوا له من عباده جزءا ، إن الإنسان لكفور مبين ، فتفرقت بنا وبهم ~~السبل ، فحصلوا في الكثرة بعد الوحدانية ، وحصلنا في الوحدة ، من وراء هذا ~~أن أظهروا افتقار الباري سبحانه إلى هذه المعاني التي ذكروها من العلم ~~والقدرة والإرادة . PageV01P051 # وقالوا : بالعلم علم ، ولولا علمه لم يكن عالما ، ولولا قدرته لم يكن ~~قادرا ، ولولا إرادته لم يكن مريدا . وأظهروا افتقاره إلى هذه المعاني ~~تعالى الله ، وسلبوها عن ذاته وجعلوها محتاجة إلى الغير . # ولما نظروا إلى العلم لا يوصف بالقدرة ولا بالإرادة ولا بالحياة ، ~~والقدرة كذلك لا توصف بالعلم والإرادة ، تكعكعوا ورجعوا إلى الذات . وقالوا ~~: لابد لها من المعاني المذكورة من الحياة والقدرة والعلم والإرادة ، ولابد ~~لهذه المعاني من ذات تقوم بها هذه المعاني بمجموعها ، ومجموعها هو الإله . ~~فضاهوا بقولهم قول الذين كفروا من قبل ، قاتلهم الله أنى يؤفكون ، وهو قول ~~أهل الهيلى والصورة ، وجاوزوهم إلى الثنوية ( 1 ) ، ثم إلى أصحاب ثالث ~~ثلاثة أصحاب الأقاليم ، بل إلى أصحاب الطبائع الأربع # أصحاب الاسطقسات من الحرارة والبرودة ms035 والرطوبة واليبوسة ، بل إلى الخرمية ~~الذين قالوا بالأس بل إلى أصحاب العدد الكامل أهل التسديس ، فجاوزوهم إلى ~~التسبيع والتثمين ، ولم يبلغوا التسيع إلا الاثنى عشر ، وهذا تنبيه على ما ~~قلنا أولا من الإشارة إنهم يهربون إلى المشكل ، من غير ما ضرورة دافعة ~~وربهم أغنى بأن يجعلوه عضين كالمشركين في القرآن . # ثم إنا سألناهم عن هذه المعاني التي أوجبوها قديمة مع الباري سبحانه أين هي ؟ # فقالوا : قائمة بالذات . فضاهوا بقولهم قول المحقين في الأعراض : أنها ~~حالة في الجسد . # وقالوا هم : إن المعاني قائمة بالذات . فلو جعلوا الأعراض قائمة بالجسم ~~والمعاني التي ذكروها حالة في ذات الباري سبحانه لما زادوا ، فالمعنى ~~الموجود في الأجسام صراحا نحلوه ذات الباري سبحانه برحا ، ولبسوا على ~~أنفسهم حين خالفوا بين الألفاظ فما يتحاشون مما يأتون به من لا شيء ، أولا ~~يرون أن الحي منا حي والباري سبحانه حي . # وقد قدمنا أن اللغة واحدة ، والقائمة حالة والحالة قائمة . PageV01P052 # وقد قدمنا أن الباري سبحانه لم يفرد نفسه بلغة غير لغتنا التي نتخاطب بها . # وللباري علم ولنا علم ، وله قدرة ولنا قدرة ، وله إرادة ولنا إرادة ، وله ~~قيام المعاني ولنا حلول الأعراض . يا سبحان الله . ولو عكسوا فما عدا , فما ~~لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا . # وأما مذهبهم في التشبيه والجوارح فعلى وجهين : أما من ذهب به مذهب ~~الجوارح فلا يخاطب ولا يعاتب ، فإن أنفذهم قد ترأرأ ببصره نحو الإله فانعكس ~~بصره إلى جسده فلمحه ، فخاله إلهه ، فكبر وعظم ، وصلى وسلم وقال : الحمد ~~لله الأكرم ، ذي الآلاء والنعم ، والوجه والقدم ، واليد والعظم ، والعين ~~والفم ، والجوارح كلها الجم ، والنون والقلم ، وما أدراك ما نون والقلم وما ~~يسطرون . فاستجاب له العميان من جميع البلدان وصدقوا قولته وأجابوا دعوته . ~~( شعر ) # فأقرب من ذلك موقعا أن يختلف معهم في الأسواق ولا يعرفونه ، وتضمه معهم ~~المساجد والمجالس ولا يثبتونه . ويقول : أنا ربكم الأعلى . ولا ينكرون ، ~~بشرط أن يكون وسيما جميلا جليلا ، ولا قبيحا ولا ذميما ، تعالى الله عما ~~يقولون علوا كبيرا ، وهؤلاء قوم فرحوا ms036 بما عندهم من العلم ، وحاق بهم ما ~~كانوا به يستهزئون . # وأما من امتنع منهم من إجرائها على المعاني التي تعرف : من الوجه أنه ~~الجاه ، ومن القدم بما قدم لها من الشقوة ، ومن اليد أنه النعمة والقوة ، ~~ومن المعصم ما يعتصمون به ، ومن العين العلم تجري بأعيننا ، ومن الفم ~~الكلام ، وفي أمثال ، هذه معروفة عند العرب أنها الجارحة وثمرة الجارحة كما ~~يعقلها العرب ، فلحبو طريقا وسطا بين الخيال والوبال ، فامتنعوا من الجوارح ~~، وامتنعوا من اللغة . # قلنا لهم : أتعرفونها ؟ # قالوا : لا ، إلا أنها صفة الله . PageV01P053 # وقد صدق القائل : قد يتكلم المجنون بما يعجز عنه العاقل . فهؤلاء مذبذبون ~~بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ، شرعوا الجهل دينا ورأوة دينا ، ~~ومالوا عن الحق بونا ، وأصابوا حينا ومينا . # وأما مذهبهم في الكلام في الأمر والنهي والقرآن ، فهو الذي جر عليهم ~~حبنهم ( 2 ) ، فأظهر الرب شينهم ، فأصبحوا مثل النصارى بينهم . # وأما ذنبهم الذي أوردهم جميع المهالك وسيئاتهم التي أحاطت بهم من أجلها ~~خطيئاتهم حين غلطوا في القرآن ، فنفوا عنه الخلق وأثبتوه معنى غير الله ~~يوصف به الباري سبحانه ، وفعثروا عثرة لا إقالة لهم بعد العثور . # ثم من بعد العثور وقعوا في قولهم : إن الأمر والنهي معنيان يوصف بهما ~~الباري سبحانه ولم يزل بهما ، قائمين بذاته . فوقعوا وقعة لا انجبار لهم منها . # ثم من بعد الوقوع لغطوا في قولهم : إن سائر الكلام معنى يوصف به الباري ~~سبحانه ، قائم بذاته فسقطوا سقطة تعسوا فيها اليدين والفم . # ثم من بعد السقوط انزلقوا في قولهم : إن سائر الصفات من العلم والقدرة ~~والإرادة وسائر الصفات ، أنها معان غير الله وهي متغايرة بينها البين . ~~فانزلقوا زلقة وصادفوا بئرا لا قعر لها ، تهوي بهم الريح في مكان سحيق . ثم ~~من بعد الانزلاق التجأوا إلى جرف هار في قولهم بعد الصفات في الذات إنها مرئية # بالأبصار ، محدودة بالأقطار ، موصوفة بالوجه والعينين والرأس واليدين ~~والساق والرجلين والقدم والركبتين والجنب والإصبع في سائر الصفات صفات ~~البشر فانهار بهم في نار جهنم . فهو آخر العهد ms037 بهم. # وقد صدق الله - عز وجل - في قوله : ( بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته ~~فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) هذا مثلهم في القرآن ولله المثل ~~الأعلى . # ومثلهم في التوراة والإنجيل : عن اليهود تقول لهم : قبحا لكم وسحقا . ~~والنصارى تقول : مرحبا وأهلا ، وأقذر بقوم تأففت منهم اليهود واستقذرتهم ، ~~واستبدت بهم النصارى وأحبتهم . PageV01P054 # والمعذرة إلى الله - عز وجل - وإلى المسلمين أن لا يأخذ علينا أحد في ~~تمثيل كل فرقة منهم بما يليق بهم ، ونسبنا إلى الهجو والفحش من الكلام ، ~~ولنا في كتاب الله - عز وجل - أسوة حسنة ، قال الله تعالى في بنعام بن ~~باعورى إمام العور وقائد البور : ( فمثله كمثل الكلب ) إلى قوله : ( فأولئك ~~هم الخاسرون ) . # وقال في اليهود عليهم لعنة الله : ( كمثل الحمار يحمل أسفارا بئس مثل ~~القوم الذين كذبوا بآيات الله والله لا يهدي القوم الظالمين ) . # وفي المنافقين . ( مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب ~~الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون ) إلى قوله : ( إن الله على كل شيء ~~قدير ) وقال : ( مثل الذين اتخذوا من دون الله ) إلى قوله : ( لو كانوا ~~يعلمون ) وقال : ( مثل الذين كفروا بربهم وأعمالهم كسراب بقيعة ) إلى قوله ~~: ( فما له من نور ) . والحمد لله رب العالمين . # [ باب : بيان معتقدنا ] ( 1) # وها نحن نبتدىء في إيضاح معتقدنا في الباري سبحانه ، وما يتعلق به من ~~صفاته وأسمائه وذاته إن شاء الله. # فأول ذلك إن قال قائل : ما الدليل على إثبات وجود الباري سبحانه ؟ # قلنا : وبالله التوفيق : الدليل على وجود الباري سبحانه الحدث . # فإن قال : ما الدليل على قدمه ؟ # قلنا : يبقه الحدث . # فإن قال : ما الدليل على حياته ؟ # قلنا : تصرفه في الحدث . # فإن قال : ما الدليل على علمه ؟ # قلنا : إتقانه الحدث . # فإن قال : ما الدليل على قدرته ؟ # قلنا : صدور الحدث . # فإن قال : ما الدليل على إرادته ؟ # قلنا : تمييزه الحدث . # فإن قال : ما الدليل على رضاه وسخطه ؟ # قلنا : اختلاف الحدث . # فإن قال : ما الدليل على الحدث ؟ # قلنا : الحدوث . والله الموفق للصواب . PageV01P055 # وعلى هذه الأصول عولت الموحدة ms038 في إثبات الألوهية بينهم وبين الدهرية . ~~فأطبق الموحدة على ذلك إلا من شذ في بعض الفروع . # الشرح : وبالله التوفيق . # فإن قال قائل : وما في الحدث مما يدل على وجود الباري سبحانه ؟ # قلنا وبالله التوفيق : انطباق الفطرة العقلية على أن النباء دال على بان ~~، والكتابة دالة على كاتب ، والأثر دال على المؤثر ، والصناعات كلها دالة ~~على صناعها ، عقلا وشرعا ، ولغة وطبعا . # أما من جهة العقل : فإن علوم العقل ثلاثة مغروزة في جبلته ومنقوشة فيه ~~مجملة وهي : وجوب الواجبات ، وجواز الجائزات ، واستحالة المستحيلات ، فهذه ~~إحدى الواجبات ، ومحال ظهور الأثر ولا مؤثر ، وكتابة ولا كاتب ، وبناء ولا ~~باني ، وصناعة ولا صانع ، وحدث ولا محدث . # وأما الشرع : فقول الله - عز وجل - : ( إن في خلق السموات والأرض واختلاف ~~الليل والنهار ) إلى قوله : ( لقوم يعقلون ) . فجعل الله - عز وجل - حدوث ~~هذه الأسباب دلالة على صدقه فيما قال ، فضلا عن وجوده ، وقد ثبت وجود الفرع ~~فما بال الأصل وقوله : ( قل من يحيي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها ~~أول مرة وهو بكل خلق عليم ) . # وأما اللغة : فمن جهة اللفظ قسمت العرب هذه الألفاظ على جميع لغتها أن ~~الحدث يقتضي الإحداث والمحدث والمحدث ، والخروج يقتضي المخرج والمخرج ~~والإخراج والخروج ، وهذه في سائر لغة العرب . ولابد للفعل من هذه الأربعة ~~معان : الفاعل والمفعول والفعل والفعل . فالفاعل والمفعول معروفان والفعل ~~المصدر . والفعل الاسم . قال الله - عز وجل - : ( وفعلت فعلتك التي فعلت ~~وأنت من الكافرين ) . # وأما الطبع : فمحال وجود الحدث ولما يفعله أحد ، عقلا نفرت منه الطباع ~~واستحال الاختراع ، إلا من مخترع مبتدع ، وساغ الامتناع . # فلو أطبق الخلق والخلائق أن ينحلوا فعلا غير فاعله لأحلوا ، ولو شهدوا ~~بهذا عند من له أدنى عقل لكذبهم واستخف بهم . PageV01P056 # واعلم أنه لم يختلف اثنان ، بعد ثبوت حدوث الحدث أن له محدثا ، فعلم هذا ~~ضروري كما قدمنا ، وأنما وقع التشابط والتخابط بين الموحدة والدهرية في ~~حدوث الحدث ، ولسنا والأشعرية مختلفين في شيء من هذا . # فإن قال قائل . ما الدليل على قدمه ؟ # قلنا : كونه قبل ms039 الحدث . # واعلم أن القديم من سبق وجوده وجود الحدث ، فكل من لم يكن ثم كان فهو ~~المحدث ، وكل من كان ولا تكوين فهو القديم . # فإن قال قائل : ما الدليل على حياته ؟ # قلنا : تتصرفه في الأشياء بالإنشاء والإفناء والإبادة والإعادة والنقص ~~والزيادة ، وهذا إلى علم الضروريات أقرب ، وإليه أذهب . # فإن قال قائل : ما الدليل على علمه ؟ # قلنا : إتقانه الحدث ، ولما رأينا المحدث قد تأتي على مراد المحدث ، وصار ~~كل شكل إلى شكله ، ورجع كل فرع إلى أصله ، من الأرض والسموات والأشجار ~~والنبات والجماد والحيوانات ، على نظام واحد ، وترتيب واحد . # وهو الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن ، وخلق سبع سموات طباقا ما ترى ~~في خلق الرحمن من تفاوت ، ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير ، وهذه ~~الضرورية أقرب . # والعلم والقدرة والإرادة والرضى والسخط من توابع الحياة . # وصفات الحي مهما انخرمت منها صفة انخرمت الحياة ، ولابد من الإشارة . # فإن قال قائل : ما الدليل على القدرة ؟ # قلنا : صدور الحدث . ولا يصدر إلا عن قوة وإلا فالقوي والزمن واحد والحي ~~والميت واحد . # فإن قال قائل : ما الدليل على الإرادة ؟ # قلنا : تمييزه بين المقدورات ، هذا قد شاء وجوده فوجد ، وهذا لم يشأ ~~وجوده فلم يوجد ، ووجد الموجود على صفة ما ، وغيره على خلافها ، والقدرة ~~جارية عليهما قد شملتهما ، وفرقت الإرادة والمشيئة بينهما . PageV01P057 # وكذلك الرضى والسخط دليلهما اختلاف المحدثات ، فهذا حسن جميل ، وهذا قبيح ~~رذيل ، ولولا الرضى والسخط لما وقعت التفرقة بين الخير والشر ، فمن كان ~~بهذه الصفة ، يعني من لا يوصف بالرضى والسخط ، فهو إلى الموات والجماد أقرب . # فإن قال قائل : ما الدليل على الحدث ؟ # قلنا : الحدوث . # فهذه المسألة بيننا وبين الدهرية ، فحسبنا منها حدوث الأعراض في الأجسام ~~، والأعراض محدثة ، لا يخلو الجسم من حادث ، ولا ينفك منه ، فما لم يسبق ~~الحدث فحدث مثله . # فمن أراد حقيقة هذه ، فليطلبها في أدلة الموحدين في النفر الثمانية ، وفي ~~كتاب ابن الخياط مستقصى . # فإن قال قائل : إذا ثبت وتقرر وجود ذات الباري سبحانه بالدليل ، فما ~~مذهبكم في الصفات ms040 التي ادعيتم ، ولن يخلو قولكم من أحد ثلاثة أوجه : # إما أن تبطلوا وجود الصفات ألبته ، لئلا تجعلوا مع الله إلها آخر ، ~~فتكونوا من المبطلين المعطلين . # وإما أن تثبتوها محدثة كائنة بعد إذ لم تكن ، فيكون الباري سبحانه بعكسها ~~، فيتصف بالموت قبل الحياة وبالجهل قبل العلم ، وبالعجز قبل القدرة ، ~~وبالكره قبل الإرادة ، وبالجمادة قبل الرضى والسخط ، سبحانه . # أو تثبتوها معاني غير الله ، وقديمة غير محدثة . كما قدمنا . # قلنا وبالله التوفيق : إما إبطالها بعد ما تقرر الدليل ولاح السبيل ، فلا . # وأما إثباتها محدثة كائنة بعد إذ لم تكن ويتصف الباري سبحانه بعكسها ، ~~فلا سبيل إليه . # وأما إثباتها أنها أغيار لله قديمة معه ، فلا سبيل إليه . # وهذه الأوجه الثلاثة مستحيلة ، وذلك أنه حكم فتحكم حين خص ولم يعم ، ~~وأغفل الوجه الرابع . # وفي التقسيم توصيم ( عيب وعار ( 1 ) ) ولاسيما في الكاف والميم ، وسيأتي ~~الفصل على دنادن الظلم فتنثلم بإذن الله تعالى ، وذلك عادة الله في الحق ~~والباطل ، إذا جاء الحق زهق الباطل إن الباطل كان زهوقا . PageV01P058 # فإن قال قائل : فما الوجه الرابع ؟ # قلنا - وبالله التوفيق : إن صفات الباري سبحانه ليس هناك معنى غيره ، أو ~~شيء يلازمه أو يفارقه . # فقولنا : الله تعالى موجود إثباته ، ليس هناك وجود غيره يخالفه أو يوافقه . # وقولنا : الله حي ، إخبار عن الذات أنها ليست بميتة ، وله التصرف في ~~الغير . # وقولنا : الله قادر ، إخبار عن الذات أنها ليست بعاجزة ، ولا يعوزها شيء . # وقولنا : الله مريد ، إخبار عن الذات أنها مكرهة ، ولا يفوقها شيء . # وكذلك سائرها . وليس في إن نفينا عن الذات هذه الأمور ما يقتضي أن معها ~~شيئا غيرها يقاومها فيضاهيها ، أو شيئا غيرها تستعين به ويكون جزءا منها ، ~~وذلك محال في ذات الباري سبحانه . # فالقديم : من سبق الحدث والعجز والحاجة وجوده . # فمن حصل اسم القدم له ، حصلت له الألوهية والصفات الكاملة ، وذلك عن غير ~~الله منفي ، ولا قديم إلا الله ، ولا إله إلا الله ، واستأثر الله بالكمال ~~ولم يبرأ الغير من النقصان ، ونضرب في ذلك مثلا : رجلا قاعدا في موضع ms041 من ~~المواضع ، تختلف فيه عليه الأشياء من بين مار بين يديه وآخر من خلفه وآخر ~~فوقه وآخر تحته ، وليس في اختلاف هذه الجهات ما يقتضي اختلاف ذات الإنسان ، ~~وربما يتوهم التعمي علينا ، فيقسمه تقسيما ، فيجعل الرأس ناحية والرجلين ~~ناحية والجنبين ناحية . # واعلم أن غرضنا الذات ، واعلم أن من جاز بين يدي إنسان ، فقد جاز عليه ~~كله ، وكذلك سائر الجهات . # وليس إن اختلفت النسب إلى هذه الجهات ما يقتضي الاختلاف في الإنسان فهو ~~أولا إنسان وآخرا إنسان . # وإن ألتبس الأمر مع هذا أوقع الكلام على جزء من الغرض ، ومن وراء ذلك ~~المرآة ، فإن الصور تنطبع فيها وليس ذلك بمؤثر في ذاتها أو ناقص أو زائد ~~فيها ، ولله المثل الأعلى ، وهذا معتقدنا في إلهنا . # ولنرجع إلى معارضتهم إيانا في الصفات . PageV01P059 # فإن قالوا : إذا زعمتم أن الذات واحدة وأن صفاتها هي ، ما تقولون فيمن ~~خلقه الباري حيا ثم مات ، أو ميتا ثم حيي ، أيعلم بواحد علمه أو بعلوم ~~كثيرة ؟ # فإن قلتم : بعلم واحد ، فقد جعلتم الحي ميتا والميت حيا . # وإن قلتم : بعلوم كثيرة ، فقد أثبتم قدماء كثيرة . # وإن قلتم : علمه بلا علم وقعتم في المحال . # قلنا - وبالله التوفيق : إن الله تعالى علم الحي منا في حين حياته ، ثم ~~علمه في حين موته ، ووقع التفاوت بين الحالتين لا بين العلمين ، كما أن ~~الذات التي علمتها ميتة ، هي الذات التي علمتها حية ، فما قلتم في العالم ، ~~قلنا في العلم ، ونعكس عليهم المسألة . # فإن قالوا : بعلم واحد ، لزمهم أن يجعلوه حيا ميتا موجودا معدوما . # وإن قالوا : بعلوم كثيرة على عدد أجزاء الخليقة ، فقد أثبتوا قدماء كثيرة ~~مع الله في الأزل . # فإن قالوا : علمها بلا علم . وقعوا في المحال ، ولا سبيل لهم ولا مخرج ~~لهم إلا السبيل الذي سلكنا . # وكذلك القول في سائر الصفات ، من القدرة والإرادة والسخط والرضى . # واعلم أن الأشياء تختلف بالأعيان والأزمان والمكان ، وتقع النسبة إليها ~~من جهة العلم نسبة واحدة ، ومن جهة القدرة وغيرها نسبة واحدة ، ومن جهاتها ~~مختلفة ، وليس ذلك بضائر الذات ms042 شيئا . # وكذلك لو علم رجلان شيئا واحدا والشيء على حدته والعالمان اثنان ، أو علم ~~رجل شيئين ، على أنا لا نثبت مع الباري سبحانه علما غير ما يقع التطالب ~~والتخاطب عليه . # فإن أبوا أن يثبتوا معاني قديمة غير الله قلنا : ( أئفكا آلهة دون الله ~~تريدون ، فما ظنكم برب العالمين ) . # فإن قالوا : إنكم أبطلتم المعنى المعقول في لغة العرب : إنهم إذا وصفوا ~~إنسانا بالشجاعة أو الجبن أو بالسخاء أو البخل أثبتوها صفات غيره . # قلنا لهم وبالله التوفيق : PageV01P060 # إن العرب إذا وصفت شيئا بصفة إنهم يتوجهون إلى معنى تلك الصفة ، وليس في ~~صفاتهم ما يقتضي في لسانهم ، أنها هي هو أو غيره ، وإنما تدرك معرفة ذلك من ~~وجه آخر من طريق من نظر في ذوات العالم ، وعلى أن الجسمية صفة الجسم ، وليس ~~في ذلك ما يقتضي أنها غير الجسم ، وكذلك العرضية للعرض والخلق صفة الخلق ، ~~وهي هو . # ذكر ما عارضنا به القوم والرد عليهم # اعلم أن القوم عارضونا بخمس هنات : # أولها : قالوا إذا زعمتم أن الذات واحدة ذات الباري سبحانه ، وأن صفاته ~~هي هو ، علم الله هو الله ، وقدرة الله هي الله ، في أمثالها . # والثانية : إن أجزتم هذه فقولوا : الله هو العلم ، والله هو القدرة ، في ~~أمثالها . # والثالثة : وقولوا : إن العلم هو القدرة ، والقدرة هي العلم ، أو غيرها ، ~~في أمثالها . # والرابعة : أن معنى علم هو معنى قدرة ، ومعنى قدرة هو معنى علم ، أو ~~غيرها ، في أمثالها . # والخامسة : أن هذه الصفات التي ذكرتم ثم وصفتم الله بها ، لا تخلوا أن ~~تكون معنى أو غير معنى . # فإن كانت معنى ، فهو ما قلنا . # وإن كانت غير معنى ، فقد وصفتم الله تعالى بغير معنى . # الرد عليهم وبالله التوفيق # الأولى : أما قولهم : في علم الله أنه الله أو غيره ، فإن بعض أصحابنا ~~يطلقون على صفات الله أن تقول : هي هو ، فتقول : علم الله هو الله لا غيره ~~، وقدرة الله هي الله لا غيره . # والأحسن عندي أن نقول : ليس هناك شيء غير الله . # وأما الثانية : أن تقول : الله هو ms043 العلم ، أو تقول : الله هو القدرة . ~~العم أن اللغة منعت من إطلاق ذلك ، ولولا ذلك لما كان به بأس ، وقد جاء في ~~اللغة إطلاقة في بعض الأسماء كقولك : الله الرب ، والله العدل ، والله ~~الوتر ، والله هو الحق المبين . PageV01P061 # وأما الثالثة : أن العلم هو القدرة والقدرة هي العلم ، وهذا ممنزع من جهة ~~التخاطب واللغة ، ولو أطلقه إنسان لما جاوز خطؤه اللغة ، وهو أحسن حالا ممن ~~أخطأ في ذات الباري سبحانه . # وأما الرابعة : فالقول فيها كالقول في الثالثة ، هو ممنوع من جهة اللغة ~~والتخاطب بين الناس . # وأما الخامسة : فإنا نمتنع من أن نجعل صفات الباري سبحانه معاني ، لما ~~يتوهم علينا من الغيرية ، وقد أطلقت اللغة الصفات العلى والأسماء الحسنى . # فإن قالوا : يعلم نفسه أو لا يعلمها ؟ # قلنا : يعلمها ولا نقول لا يعلمها . # فإن قالوا : يقدر على نفسه أو لا يقدر عليها ؟ # قلنا : لا يجوز يقدر على نفسه ولا لا يقدر عليها . # فإن قالوا : يريد نفسه أو لايريدها ؟ # قلنا : الجواب فيها كالجواب في التي قبلها ( 1 ) . # واعلم أن القوم إنما ذهب بهم خصلتان : إحداهما اللغة ، وذلك أنهم نظروا ~~إلى تقاسيم الأسماء والأفعال والحروف في اللغة ، فكل لفظة تقتضي معنى في ~~الأجسام وحركاتها ، فانقسمت أقساما كثيرة من أجل الأجسام والأزمان والمكان ~~، فتحولت عينهم ، فذهبوا ذلك المذهب في خالق الأنام ، ونظروا إلى قولهم علم ~~ويعلم وسيعلم علما وعالم وعلام وعليم . وقالوا : لابد لهذه التقسيمات أن ~~تقتضي معاني متفاوتة حتما ، واضطرهم الدليل المثبت للألوهية إلى أن يقولوا ~~بقدمها ، ونسوا ما ذكروا به من قبل أن الله ليس كمثله شيء ، فشبهوا الذات ~~التي لا تتجزأ ولا تحلها الأعراض بالأجسام التي تتجزأ وتحلها الأعراض ولم ~~ينظروا بعين الحقيقة إلى من هو فوق المكان والزمان ولم يشبه شيئا من ~~الأعيان ، ولم يراعوا سهام الزمان # والمكان التي تجري على الأعيان دون القديم الذي كان قبله . # وسهم العين : الموجود والشيئية والذات والمعنى والإثبات . # وسهم الأمكنة : فالجهات الست : أمام وخلف وفوق وتحت ويمين وشمال . # وسهم الأزمنة : كالآن واليوم وأمس وغدا والشهر والعام ms044 وقابل وقاب وقباقب ~~( 2 ) . PageV01P062 # الذي يظهر في الأعيان أن يكون المقتضى واحدا وإن اختلفت الألفاظ ، فيكون ~~إخبارك عن ذات الباري سبحانه هو الإخبار عن شيئيته وعن عينه ومعناه ، وإن ~~اختلفت الألفاظ ، فليس في ذلك ما يقتضي الغيرية . # وأما سهم المكان : فاختلاف الأمكنة لا يوجب اختلاف الذات ، وكذلك في ~~الأزمان ، لاسيما في الواحد لا يتجزأ . # والخصلة الثانية : أنهم ذهبوا في إلههم مذهبهم في أنفسهم وحصروه إلى ~~أوهامهم واعتقدوا أن ذلك إثباته لا إبطاله ، وأن خلاف ما تذهب إليه الأوهام ~~إبطال ، وآمنوا بالوحدانية لفظا وأغفلوها في المعنى حفظا وعجزوا عن قول ~~الصديق - رضي الله عنه - ( العجز عن درك الإدراك إدراك ) وقالوا هم : العجز ~~عن درك الإدراك هلاك . # ذكر من قال في القرآن بغير الحق والرد عليه # الرد عليهم في نفيهم خلق القرآن # فإن قالوا : فلم قلتم إن كلام الله وأمره منهيه والقرآن ليست بصفة الله ~~تعالى في ذاته ، ولا هو قائم بذاته؟ # قلنا وبالله التوفيق : # لما تقرر أن الحي مرتبط بأوصاف غير منفك له عنها ، وأثبتنا الباري سبحانه ~~أنه الحي الفعال ، فثبت وجوده وحياته وعلمه وقدرته وإرادته ورضاه وسخطه ~~وفعله ، ولكل كلام مقدمات سوابق ولواحق . # فمقدمات الألوهية : الوجود ، ولواحقها الأفعال ، والوجود والأفعال ليست ~~بصفة ، لأن الوجود إثبات والفعل حودث وما بينهما فصفة . # فاستحال أن يكون الحي ولا علم ولا قدرة ولا إرادة ، والإرادة ولا قدرة ، ~~والقدرة ولا علم ، والعلم ولا حياة . PageV01P063 # فأثبتنا حيا عالما قادرا مريدا راضيا ساخطا لم يزل ، إذ لو حدثت الحياة ~~لكان قبلها ميتا ، ولو حدث العلم لكان قبله جاهلا ، ولو حدثت القدرة لكان ~~قبلها عاجزا ، ولو حدثت الإرادة لكان قبلها مستكرها ، ولو حدث الرضى والسخط ~~لكان قبلهما جمادا بليدا ، فمن أين ارتبط الكلام بالحي ، لا ارتباط له به . # فإن قالوا : لاستحالة حدوث الكلام لكان أخرس قبل حدوثه ، والخرس ضد ~~الكلام ونقيضه . # قلنا وبالله التوفيق : # إن هذا الحكم وهذا التحكم لا يلزم ، لأنه يجوز أن يكون من لم يتكلم ساكتا ~~لا أخرس ، ليس كالعلم ، لأن من لم يكن عالما ms045 فهو جاهل ومن لم يكن قادرا ~~عاجزا ، ليس الخرس بنقيض الكلام بل السكوت نقيضه . # ويلزمهم أيضا أن الخلق معه لم يزل ، لأنه لو أحدث الله الخلق لكان قبل ~~حدوثه عاجزا ، ويلزمهم أيضا أن يجعلوا الخلق من المعاني القديمة القائمة ~~بالذات كالكلام ، ولعمري لهو أشبه بمذهبهم . # وإن لم يكن العجز بنقيض الخلق ، فليس الخرس بنقيض الكلام ، غير أن الخرس ~~زمانه لا يستقيم معه الكلام ، وكذلك العجز آفة لا يستقيم معه الخلق وهما ~~منفيان عنه بالقدرة ، وقد يكون الحي ساكتا لا متكلما ولا أخرس ، وهل يصح في ~~الحي أن يكون غير عالم وأن يكون غير قادر أو مريد أو راض أو ساخط ؟ فهاتيك ~~مهما انخرمت منها صفة الحياة وليس ذلك في الكلام البتة . والله ولي التوفيق . # والدليل على خلق القرآن ، لأهل الحق عليهم أدلة كثيرة . PageV01P064 # وأعظمها : استدلالهم على خلقه بالأدلة الدالة على خلقهم هم ، فإن أبوا من ~~خلق القرآن أبينا لهم من خلقهم ، وقد وصفه الله - عز وجل - في كتابه ( ~~وجعله قرآنا عربيا ) مجعولا منزلا مسموعا بالآذان ، مقروءا بالألسن ، ~~وكتوبا في المصاحف وفي قلوب الذين أوتوا العلم ، وليس لهم معول بعد العثور ~~إلا الاعتذار بالغرور ، وذلك أنهم نصبوا للكلام وللأمر والنهي هيولا خيولا ~~غير القرآن ، وهي العبارة عن القرآن ، فما حاججناهم به من صفات الخلق ~~الموجود في القرآن قالوا : صدقتم غير أن ذلك يتوجه إلى العبارة عن القرآن ~~لا نفس القرآن . # قلنا لهم : إن الله تعالى يقول : ( إنا جعلناه قرآنا عربيا ) . # قالوا : العبارة عنه . # قلنا لهم : ( ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون ) . # قالوا : العبارة عنه . # قلنا لهم : قال الله - عز وجل - : ( إنا إنزلناه في ليلة مباركة ) ( إنا ~~أنزلناه في ليلة القدر ) نزل به الروح الأمين ) ( وننزل من القرآن ما هو ~~شفاء ورحمة للمؤمنين ) . # قالوا : العبارة عنه . # قلنا لهم بعد قوله - عز وجل : ( أنزله بعلمه والملائكة يشهدون ) . # قلتم : العبارة عنه لا هو . فمن يشهد لكم بهذا ، بعد أن رددتم شهادة الله ~~_ عز وجل - وشهادة الملائكتة . # فيا سبحان ms046 الله من قوم أنكروا نزول القرآن مثل أهل الأوثان ، ولو عرضوا ~~بمثل ما هم فيه بمحمد ( صلى الله عليه وسلم ) وبجبريل الروح الأمين أنه لم ~~ينزل به جبريل على قلب محمد عليه السلام ، وإنما نزل بالعبارة لا القرآن ، ~~وخيال جبريل هو الذي نزل على خيال محمد عليهما السلام ، ولم ينزل علينا نحن ~~أيضا القرآن وإنما نزل علة خيالنا ، وقوله : ( وكذب به قومك وهو الحق ) وإن ~~القوم ما كذبوا بالقرآن وإنما كذب خيالهم لا لعبارة وهو الحق ، فليس القرآن ~~في نفسه بحق وإنما العبارة عنه هي الحق وهي التي كذب خيال القوم وظلالهم . PageV01P065 # فمن كان بهذه الصفة ، فليسوا بالعقلاء الذين يخاطب الله - عز وجل - ~~أمثالهم ، إلا أن تجاهلوا تعمدا . # ذكر المن والفضل والعدل والإحسان ومن قال إنها من صفات الله # وأما قولهم : إن المن والفضل والعدل والإحسان من صفات الباري سبحانه . # اعلم يا أخي أن الله تبارك وتعالى خالق لم يزل ، وفاعل ومثيب ومعاقب ~~ومحيي ومميت ومان ومنعم ومحسن وعادل لم يزل ، فإن كان مرادهم فهو جائز ، ~~وهذه أسماؤه وصفاته ، وإن كان مرادهم أن المن نفسه والفضل والعدل والإحسان ~~صفات لله تعالى ، فليلحقوا بها الخلق والرزق والفعل وجميع المحدثات . ولا ~~يقولها مرشد . # فإن قال قائل : ولم أجزتم عليه خالقا ورازقا لم يزل ؟ ... وهل الخلق ~~والرزق موجودان في الأزل ؟ # قلنا وبالله التوفيق : # إن الأسماء لا تقتضي الأوقات ، والفاعل يصلح اسما لما يأتي ولما مضى ولما ~~أنت فيه ، هذا رجل حاج يريد يحج ، وهذا حاج مشتغل بالحج ، وهذا حاج على أنه سيحج . # فمن امتنع عن هذا فقل : كابر عن فعل خليل الله - عز وجل - صلوات الله ~~عليه وسلامه ( هو سماكم المسلمين من قبل ) . فمن لم يدخل في تلك التسمية لم ~~يدخلها بعد ، والسلام . # والعجب كل العجب من هؤلاء القوم إنهم يرغبون في الكثرة ويرغبون عن الوحدة ~~. فما حاجتهم إلى الكثرة والعدد في توحيد الله - عز وجل - ؟ # فإن كان مرادهم مدحه فبأن يفردوه أولى من أن يملأوا الأزل عليه قدماء ، ~~ولينقصوا من هذا العدد ms047 الطويل فهو أولى بالجليل ، وهذا حين جعلوا السمع ~~والبصر من المعاني السبعة القائم بالذات : ذات الباري سبحانه ، والسمع ~~والبصر فرعا العلم ، أو ليس البصر كناية عن درك الألوان ؟ والسمع كناية عن ~~درك الأصوات ؟ فهما نفس العلم . # وإن كان مرادهم كثرة المعاني في الأزل مع الباري سبحانه ، فعليهم بالطعوم ~~فلينحلوه الذوق ويجعلوه ثامنا . # وعليهم بالروائح فلينحلوه الشم ويجعلوه تاسعا . PageV01P066 # وعليهم بالمحسوسات كلها فلينحلوه اللمس ويجعلوه عاشرا . وليتبعوا الخلق ~~ما دام لفن من العلوم اسم فيسموه به ويجعلون ذلك المعنى قائما بذاته ~~فيصفونه ، كمذهب الأعرابي وإن أخطأ في الملائكة أسهل حالا من خطاياهم في ~~الباري سبحانه ، حين قال شعرا : # فقيل له : ويحك جعلت الباري سبحانه محمولا ، وجعلت الحملة الثمانية سبعة ؟ # فقال الأعرابي : أليسوا إذا نقصوا من عددهم كانوا أقوى لأسرهم ؟ # فذهب في الحملة إلى أن نقصان العدد أقوى للأسر ، وذهب هؤلاء إلى أن زيادة ~~العدد أقوى في المدح . # فالأعرابي أفطن في المعنى الباطن ، وهم ذهبوا إلى الحس الظاهر ، ولا شك ~~أن القوم ما اغترفوا إلا من بحر الدهرية في قولهم : إن الله تعالى هو العلة ~~، والخلق هو المعلول ، ولن يفارق المعلول العلة . فإنهم قالوا للموحدة : ~~ألم تقولوا : إن الله قبل خلقه ؟ # قلنا : نعم . # قالوا : ثم أحدث الخلق . # قلنا : نعم . # قالوا : إنه ليس بين وجود الله تعالى وخلقه الخلق مسافة ولا مدة ولا عدة ~~ولا آفة لم يسبق الخالق الخلق إلا بالمقدار الذي يسبق به الآله الظل في ~~الحركة والسكون ، أو الكون والمكون . فهذا غرض القوم غير أنهم لم يقدروا أن ~~يبوحوا بأكثر مما يتعلق بصفات الباري سبحانه المعهودة عند الناس ، غير أنهم ~~حادوا إلى مذهب الدهرية . # ولا شك أنهم شموا رائحة أبي شاكر الديهاني الذي فتح لهم الباب في نفي خلق ~~القرآن بمكيدة عظيمة كادهم بها . وقد تقدم ذكرها . # وإذا فرغنا من الرد على الأشعرية ، فلنعقب بالرد على رسالة جاءتنا من ~~ناحية غانة على يد رجل يسمى عبد الوهاب بن محمد بن غالب بن نمير الأنصاري ، ~~وجهها إلى أبي عمار عبد الكافي ms048 بن الشيخ أبي يعقوب إسماعيل التناوتي ، ~~فتوفي - رحمة الله عليه - قبل أن يرد الجواب ، فرددنا جوابه وهي هذه . # رسالة عبد الوهاب بن محمد الأنصاري يسأل عن بعض مسائل السنية 2 ) . # وأعظم آية عبرة : كلب أصحاب الكهف ، قال الله - عز وجل - : ( وكلبهم باسط ~~ذراعيه بالوصيد ) فشملهم وإياه النوم إلى يوم القيامة . # وفي هذه البهائم آيات ومعجزات وفي صنائعها ومصانعها وتربيتها لأولادها ~~وطاعتها لملوكها ، وفي الموتان أسرار عجيبة لا يعلمها إلا الله - عز وجل - ~~فضلا عن الحيوان . # ثم قال عبد الوهاب : ( وذهب فريق إلى أن الثواب حتم على الله والعقاب ~~واجب على مقترف الكبيرة إذا لم يتب منها ، ويحبط جميع عمله باقتراف زلة ~~واحدة ، فكيف يستقيم أن يحبط جميع عمل العبد ؟ ) # الجواب : # فالذين قالوا : إن الثواب حتم على الله قد أساءوا الأدب ، إنما كان ينبغي ~~لهم أن يقولوا حتم في واجب الحكمة بعد أن يصح ما قالوا : إنه واجب ، فإن ~~ذكره في بني آدم والجن فربما . # وأما الملائكة فقد قدمنا القول فيهم . # وقولهم : إن العقاب واجب على الكبير إذا لم يتب ، فقد صدقوا . # وأما قولهم في الإحباط فغلط ، وليس يحبط الكبير من عمل العبد شيئا إنما ~~يحبط الثواب ، لم يقل أحد : إن من عمل الكبير لم يصل ولم يصم ، إنما ~~الإحباط في الثواب . # ويعجبه أن قال : ( كيف يستقيم إحباط جميع عمل العبد ) وقد تقدم فيه ~~الجواب ، ولو شاء صاحب الشرع أن يحبط الكبير كالشرك لفعل ، وليس في العقل ~~ولا في الحكمة ما يبطله ، ولكن الرؤوف الرحيم لم يفعل ذلك . PageV01P068 # وأما قوله : وإن كان الثواب والعقاب متنافيين ، فليس الثواب أن يحبط أولى ~~من العقاب أن يسقط ، والشرع يدل عليه وعلى درء السيئات بالحسنات ، فإحباطه ~~العقاب أحق وقد قال الله - عز وجل - # ( إن الحسنات يذهبن السيئات ) . # الجواب : # أن الثواب والعقاب متنافيان ، وليسا متنافيين عند السنية ، وقد أوجبوا ~~العقاب للمؤمنين مرة فليسا بمتنافيين . # وقد ورد الشرع بإحباط الكبير ثواب العمل وبإذهاب الحسنات السيئات ، ولابد ~~من تغليب أحدهما على الآخر ، فالكبير يحبط الثواب على صفة والحسنة ms049 تذهب ~~السيئة على صفة . # وأما إحباط العقاب على كبير بغير شيء أي من غير مفكر فلا ، وهي مسألة ما ~~بيننا وبين المرجئة ، فقالوا : إن المصر المعاند لربه والمبتدع الأحول عن ~~ربه يسقط العقاب عنهما ، بغير الشرط الذي شرط الله عليهما من التوبة ~~والحسنة والمصيبة والسيئة . # وأما قوله : ( الإيمان أجل أعمال العبد وأعلاها وهو ثابت والطاعة ثابتة ، ~~ومصدر الطاعة التوحيد الذي لا يتم إلا به ، ثابتة على حقائقها . # الجواب : # قوله : ( والإيمان أجل أعمال العبد ) ، فقد صدق ، ولسنا نمتنع من أن يسقط ~~به الباري سبحانه عقوبة المعاصي مثل سائر الحسنات ، وإنما أنكرنا من ~~المعاصي صنفين : الإصرار والبدعة ، والحكمة قد منعت من إسقاطهما بحسنة أو سيئة . # وأما قوله : ( والإصرار على الكبيرة لو كانت تدرأ الطاعات لكانت تنافي ~~صحتها ، كالردة ومفارقة الملة ) ، وهذا لا يلزمنا لأنا لا نقوله بل نقول : ~~التنافي في المتضادات وليس التنافي في المختلفات ، والطاعة فعل العبد وضدها ~~المعصية ، والثواب فعل الباري سبحانه وضده العقاب ، وليس بين الطاعة ~~والعقاب تناف ... # وقوله : ( ينافي صحته ، كالردة ومفارقة الملة ) تحكم وتهكم لا جواب له ~~كالسماء والأرض والجسم والعرض . PageV01P069 # اعلم أن الثواب ينحبط باقتراف زلة واحدة ولا ينحبط العمل ، فعلم هذا من ~~الشرع ، وليس من جهة العقل ، ولو شاء من له الخلق والأمر ، أن ينافي الكبير ~~كل طاعة في الدنيا ، كالردة ومفارقة الملة لفعل . # وقال عبد الوهاب : ( فإن قال قائل : إن الوعد والوعيد خبران واقعان على ~~الحقيقة ، لا يجوز الخلف في أحدهما ، لأنهما عمومان جاريان على عمومهما ، ~~فلا يكون بخلاف مخبره ، لأن ذلك لا يجوز عند الأصوليين في خبر الله تعالى ) . # وأما قوله : ( إن الوعد والوعيد خبران لا يجوز الخلف فيهما ) فصدق ، ولن ~~يخلو هذا الأمر من أحد خمسة أوجه : # أما أن يصح خبر الوعد ويبطل خبر الوعيد ، أو يصح خبر الوعيد ويبطل خبر ~~الوعد ، أو يبطلان جميعا أو يصحان جميعا ، فليس يصح في هذه لوجوه الأربعة شيء . # وأما أن يجعل لكل واحد منهما حظا ونصيبا فربما ... # فأما نصيب الطاعة ، فبإجماع الأمة أن الثواب لا ms050 يصح بخصلة واحدة ، فيثنيه ~~الله تعالى على الصلاة وحدها مع بطلان الزكاة والصوم والحج ، أو الزكاة ~~وحدها مع بطلان غيرها ، إلا أن كان سبب شرعي كالتوبة وغيرها . # وأما نصيب المعاصي ، فإن الله تعالى حط جميع المعاصي بالتوبة ، وهي ~~الترياق الأعظم ، أو بالأدوية : والأدوية مخصوصة لأدواء مخصوصة كالسيئات ، ~~فإن الحسنات تخص معاصي معلومة . # فنصيب الجميع أن من معه من الصالحات ما يقابل السيئات فهذا من أهل الجنة ~~، كالذي يروي عن أهل الأعراف : أنهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا ، ومقدار ~~ذلك وعلمه عند الله . # وقد علمنا أن السيئات تدرأ باجتناب الكبائر وبالمشيئة ، مثل التوبة ~~والحسنة والمصيبة وشفاعة المصطفى ( صلى الله عليه وسلم ) ، وأهل الأعراف ~~وما وراء ذلك فمظنون غير متيقن ، لكن المصر والمعاند لربه والمبتدع الذي ~~فارق الإسلام فلا ... PageV01P070 # قال عبد الوهاب : ( وهل يجوز أن يخبر بما لا يريد ؟ أو لا يخبر إلا بما ~~أراد في الأزل بخلاف الأمر ؟ لأن الأشعرية ذهبوا إلى أن الله تعالى يأمر ~~بما لا يريد ، لأن الله - عز وجل - أمر رسوله أن يأمر أبا جهل وغيره من ~~كفار قريش أن يؤمنوا ، ولم يرد منهم الإيمان ، وأخبر أنهم لا يؤمنون ) . # الجواب : # اعلم أن الإرادة تشتبه على من لم يعرف حقيقتها . # أحيانا تشير إلى المحبة ، وأحيانا إلى الاختيار . # وقد أخبر الله - عز وجل - على مالا يريده ، وقد أخبر عن الكفر ، وهو لا ~~يريده ، بمعنى كرهه ومنى عنه . # وحكايته عن الأشعرية أن الله يأمر بما لا يريد قد كان ، فالأمر : فعل ~~عندنا ، والإرادة : صفة ، وعند الأشعرية : أنهما معنيان يوصف الله تعالى ~~بهما ، وما حكوا عن أبي جهل فصحيح ، وكذلك بعض قريش ، لو أراده منهم حتما ~~لأرادوه ، ولو أراده منهم أمرا لأمكن الوجهان أن يريدوه أو أن لا يريدوه . # وهذه المسألة إنما هي المثبته والمزيلة ، وقد شملنا نحن والأشعرية جوابها ~~، والله المستعان . # وقال عبد الوهاب : ( فإن احتج من يقول بإنفاذ الوعيد ويقول كما لا يجوز ~~الخلف في الوعد كذلك لا يجوز الخلف في الوعيد لعموم الإرادة لهما ويحتج ~~بقوله تعالى : ( ومن ms051 يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا ) . ~~أو بقوله : ( والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ) إلى قوله : ( إلا من تاب ~~) . فهذه الاستثناءت كلها لمن تاب ، ومن لم يتب فهو باق في عموم الآيات ~~المتقدم ذكرها ) . # الجواب : # قوله : ( فإن احتج محتج بإنفاذ الوعيد ، ويقول : كما لا يجوز الخلف في ~~الوعد كذلك لا يجوز في الوعيد ) . # قلنا : صدق . قال الله - عز وجل - : ( لا تختصموا لدي وقد قدمت إليكم ~~بالوعيد ) إلى قوله : ( للعبيد ) . فهذه المسألة لنا لا علينا : إنما هي ~~على الأشعرية الذين خصوا هذه الآيات العمومية بالمشيئة الظاهرة والتجأوا ~~إلى المشيئة الخفية . PageV01P071 # وقد تقدم القول في الوعد والوعيد في أن كل واحد منهما مخصوص في ذاته ~~بفنون المشيئة ، والوعيد مخصوص بالسلامة من الموبقات ، وإما إذا كانت فلا . # قال عبد الوهاب : ( فإن قال الأشعري : جميع ما استدللتم به فهو منتقض ، ~~وما استدللتم به من العمومات فنعارضها بمثلها ، إذا سلمنا القول بالعموم ~~،كيف والقول بالعموم عندنا باطل ؟ إن العموم لا صيغة له عندنا ، وقد قال ~~الله - عز وجل - : ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ~~) وهذا نص في موضع النزاع ) . # الجواب : # فجواب الأشعري : إن كل ما ادعيتم بمنتقض وأما معارضة العمومات بمثلها فلن ~~يخفى على أحد قالوا ، ولن تنفعهم ولن تضرنا . # والأصل الذي اجتمعت عليه الأمة أن نجعل عام لكل عام ونقيضه نصيبا ، وأما ~~إثباتها أو بطلانها فمحال ، فإن كان القول بالعموم باطلا ، فما حصل في يده ~~شيء إلا الباطل ، وإن مال إلى الخصوص قابله خصوص مثله ، فالتوبة تحبط الشرك ~~وجميع المعاصي ، وكذلك قوله : ( فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ) وقوله : ( ~~ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ) . # فإن قال قائل : هذا لمن تاب . وقلنا هذا لمن أصر . فإن ادعى المشيئة في ~~الذنوب ادعينا التوبة فيها . # وقوله : ( خروج عن الظاهر بلا دليل خطأ ، وتعليق التوبة بالآية لم يوجد ~~لا ظاهرا ولا مضمرا ) . # قلنا : بل وجدت ظاهرا ومضمرا . أما الظاهر فقوله تعالى : ( وإني لغفار ~~لمن تاب ms052 ) الآية . # والمضمر : أن التوبة حتم في إزاحة المعاصي وبطلان العقاب عن العاصي ، ولا ~~توبة ولا رجوع يدل على إباحتها ، وليس لمغفرة المعاصي بالمشيئة لا بالتوبة ~~طائل أشبه شيء بالإباحة . # وأما قوله : ( قبول التوبة حتم ) . فينتقض عليه بقوله : ( وليست التوبة ~~للذين يعملون السيئات ) إلى قوله : ( الآن ) . ولو شاء لم يجعل للتوبة ~~مخرجا وقال : من عصاني فلا أقبل له توبة . وكان جائزا . PageV01P072 # وقال عبد الوهاب : ( فإن قال قائل في قوله : ( ومن يقتل مؤمنا متعمدا ) ~~لفظة ( من ) من أدوات الشرط ، فوجب أن تقول لجميع المجازين . قيل : هذا لا ~~يسلم لهم ، لأن لفظة ( من ) وإن وردت مورد الشرط فلا تكون مستغرقة لجميع ما ~~وردت فيه ، لأن الشاعر قال : # ومن لا يذد عن حوضه بسلاحه يهدم= ومن لا يظلم الناس يظلم # وليس كل من لا يظلم الناس يظلم ، وهذا موجود كثير ) # الجواب : # قوله : ( ومن يقتل مؤمنا متعمدا ) أن لفظة ( من ) غير مستغرقة للجنس ~~واستدل بقول الشاعر ، أما هذه فله فيها أعظم الحجة ، لأن هذا الشاعر أصدق ~~القائلين مثل رب العالمين ، تعالى الله عما يتوهم الجاهلون ، وقد استدل ~~بقول من يجوز عليه الكذب ، وما استدل بقول أصدق القائلين ، قول الله - عز ~~وجل - : ( إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ) يدخلها المشركين ، ~~ليس كل مشرك تحرم عليه الجنة ( * ) . # وإنما يؤخذ عن العرب من أقوالها صور الأسماء ، وتصاريف الأفعال ، وصيغ ~~الحروف ، بشرط أن يجيء على مفهوم كلام العرب ، وأما ما وراء ذلك من الأخبار ~~، فخبرهم غير مقبول ، وخروجهم عن المعقول فذلك غير مجهول ، ولا يناظرهم بهم ~~الصادق الأزلي الحكيم العلي . # وكذلك قوله : ( ومن يؤمن بربه فلا يخاف بخسا ولا رهقا ) ( ومن يؤمن بالله ~~ويعمل صالحا ندخله جنات تجري من تحتها الأنهار ) ( ومن يؤمن بالله ويعمل ~~صالحا نكفر عنه سيئاته ) ، وفي أمثالها . # قال عبد الوهاب : ( سؤال ثان في اختلافهم في رؤية الباري سبحانه في ~~المعاد : ذهبت الأشعرية إلى أن الله تعالى مرئي في الآخرة بدليل الوجود ، ~~وأن كل شيء موجود جائز أن يرى ، فلا يمنع ذلك مانع ms053 ، إذا كان ذلك ليس يرى ~~بجنسه ولا في مكان ولا حد ولا صورة ولا شكل ، لأن الله تعالى لا يوصف ~~بالأماكن ولا الحدود ولا المقابلة ، ولا تجوز عليه المعاينة التي هي من جنس ~~المقابلة ، إذ لا تقابله الأجسام ، تعالى عن ذلك ) . # الجواب : PageV01P073 # قوله : ( إن الله تعالى مرئي لأنه موجود ، وأن كل موجود مرئي ) فهذا ~~ينتقض عليهم بسائر الأعراض أنها غير مرئية على أنها موجودة ، ولاسيما من لا ~~يوصف باللون ، فإن الأبصار لا ترى إلا الملونات . # وقول الأشعري : ( إنه مرئي في الآخرة ، بدليل الوجود ) وكذلك مرئي في ~~الدنيا بدليل الوجود ولا # يقولونه ، وأخرى : أن هذه الدعوى تنتقض عليهم باللمس ، ولو أدعى أنهم ~~يلمسون إلههم ويذوقونه ويطعمونه ويشمونه ويصافحونه بدليل الوجود لكان أشبه ~~، تعالى الله عن ذلك . # واعلم أن الوجود ليس بصفة ، ولا يقتضي حكما ، ولا يوجب علة ، إنما هو ~~إثبات ، فلو استدل مستدل على أن كل المتضادات بأي صفة أراد ، واعتل بالوجود ~~لصح له اعتلاله . # وأما قوله : ( ولا يمنع من ذلك مانع ) . فإن أول مانع عقله ، إن أنصف ~~نفسه ، ومن وافقه على ذلك ، حتى يجعله حجة بينه وبين خصمه . # ثم عقب فقال : ( ولا يمنع من ذلك مانع ، إذا كان ليس يرى بجنسه ولا في ~~مكان ولا حد ولا صورة ولا شكل ، لأن الله تعالى لا يوصف بالأماكن ولا ~~الحدود ولا المقابلة ، ولا تجوز عليه المعاينة التي هي جنس المقابلة ، إذ ~~لا تقابله الأجسام تعالى عن ذلك ) . # فإن كان هذا من كلام الأشعري فقد أبطل الرؤية بهذه المعاني التي نفاها عن ~~الرب سبحانه ، إذ لا تثبت الرؤية إلا مع هذه المعاني . # وإن كان من كلام خصمه ، فبذلك أبطل عن الإله الرؤية ، إذ لا يوصف بشيء من ~~هذه الصفات التي نفاها عن الله سبحانه وتعالى . # وقال عبد الوهاب : ( فإن قيل ما استدللتم به من أن كل موجود يصح أن يرى ~~منتقض بالادراكات لأنها موجودة ولا تصح رؤيتها فبطل ما قلتموه ) . # قيل له : قال الأشعري : ( جائز أن يرى إدراكنا بإدراك يخلق لنا في غير ms054 ~~محل ، فندرك إدراكنا به ) . # الجواب : PageV01P074 # وقوله : إنا نرى الإدراك الأول بإدراك آخر في غير محل ، فما بال الإدراك ~~الثاني في غير محل دون الأول يلزمه في الأول ، والثاني أن يخلق إدراكا ~~ثالثا في غير محل ، وللثالث رابعا وللرابع خامسا ، إلى ما لا منتهى له ولا غاية . # قال عبد الوهاب : ( فإن قيل ما استدللتم به في إثبات الرؤية ، فهو نفي ~~الرؤية ، لأنا لم نجد شيئا مرئيا إلا في إحدى الجهات الست ، ولا يخلو أن ~~يكون جنسا ، أو في مكان أو مقابلة ، لأنا لم نجد مرئيا إلا على هذه ، وقد ~~قام الدليل على نفي هذه الجهات والأماكن عن الله تعالى ، إذ لا يشبهه شيء ~~ولا يشبه شيئا ، لأن هذه كلها مخلوقات ، ولن تصح لكم رؤية ) . # الجواب: # اعلم أن جميع ما حكاه عنا في هذا فصحيح بدليل حقيق . # قال عبد الوهاب : ( قيل له جائز أن يخلق الله لنا إدراكا في الآخرة ، غير ~~هذا الإدراك الحال في أعيننا ، فندركه بالإدراك المخلوق فينا ، وليس من ~~شروط هذا الإدراك أن يكون حالا في العينين ، وجائز أن يكون في القلب ، وفي ~~غيره من أعضاء بني آدم ، فندركه تحقيقا من غير حد ولا كيفية ) . # الجواب : # اعلم أنه إن صح ما قال ، فقد أبطل الرؤية وأثبت معنى العلم الحال في ~~القلب ، أو فيما أراد من الأعضاء . # فإن أبطل الحد واللون والجهة والمعاينة والمقابلة ، سوغنا ( 1) له غلطة ~~في لفظ الرؤية . PageV01P075 # قال عبد الوهاب : ( فإن قيل : ما الدليل على جواز رؤيته في القرآن ؟ قيل ~~له : قوله تعالى : ( وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ) . والنظر في كلام ~~العرب إذا قرن بالوجه ، ولم يضف الوجه الذي قرن بذكره إلى قبيلة ولا عشيرة ~~، وعدى بحرف الجر ، ولم يعد إلى مفعولين ، فالمراد فيه النظر بالبصر ) . # الجواب : # أنه أغفل وجها آخر وهو الجسد كله ، لأن الوجه الذي هو أفضل الجسم خاطبوا ~~به ، وإن أرادوا به البدن كله ، ولا يريدون به النظر ولا البصر ، كما يقول ~~بعضهم : فعلت هذا لوجهك يريد به لك ، قال الله تعالى : ( وجوه ms055 يومئذ باسرة ~~) الآية يريد البدن كله ، وفعلت هذا لوجه الله يريد الله ، فلم يقصره على ~~النظر ، جاء وجه القوم ، وهذا وجه الناس ، للرجل كله . # قال عبد الوهاب : ( فإن قيل : أفليس قد تمدح الله تعالى بقوله : ( لا ~~تدركه الأبصار ) كما تمدح بقوله : ( بديع السموات ) فكيف يجوز أن تردوا عنه ~~مدحته ؟ # قيل له : إنما تمدح بقوله : ( وهو يدرك الأبصار ) ولم يمتدح باستحالة ~~إدراكه الأبصار ، لأن الطعوم والروائح وأكثر الأعراض ، لا يجوز عندكم أن ~~ترى بالأبصار ، وليست ممدوحة بذلك ) . # الجواب : # قيل له : إن الله لم يتمدح بقوله : ( لا تأخذه سنة ولا نوم ) ، لأن ~~الأعمدة والحيطان والنحل والشجر ولا تأخذها سنة ولا نوم ، كما لم يمتدح ~~بقوله : ( لا تدركه الأبصار ) (2 ) . # قال عبد الوهاب : ( فإن قيل : قوله : ( لا تدركه الأبصار ) نفي عام كما ~~قال تعالى : ( لا تأخذه سنة ولا نوم ) ، فلا فرق بين الآيتين لاشتراكهما في ~~عموم النفي . # قيل له : لا يصح الجمع بين الآيتين ولا بينهما مناسبة ، لأن الآية التي ~~جاءت ( لا تأخذه سنة ولا نوم ) . أجمع المسلمون قاطبة أنه لا يجوز على الله ~~السنة ولا النوم ، لأنهما صفة نقص لا تجوز على الله سبحانه ، لأنه مستحيل ~~ذلك عليه . # والرؤية مما اختلف فيه الناس ، لا يحتج بالإجماع في موضع الخلاف . PageV01P076 # والحجة في إثبات الرؤية قوله تعالى : ( وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ~~) ، وجاء مقيدا بالآخرة والآية التي وردت وهو قوله : ( لا تدركه الأبصار ) ~~ورد مطلقا فيرد المطلق إلى المقيد لأنه من جنسه ) . # الجواب : # وفي قوله في التفرقة بين الآيتين ( ولا فرق ) وبينهما أعظم المناسبة في ~~اجتماعهما في النفي . # وقوله : ( أجمع المسلمون قاطبة أن النوم والسنة لا يجوزان على الله تعالى ) . # قلنا كذلك أجمع المسلمون أن الأبصار لا تدركه ، لأنه صفة نقص . # فإن اختلف الناس في هذه فقد اختلف معه الدهرية في تلك وعلته أنها صفة نقص ~~وعلتنا إنها صفة عجز. # وقوله : ( إلى ربها ناظرة ) جاء مقيدا بالآخرة فلا يرد المطلق في هذه إلى ~~المقيد ، لأن قوله في الدنيا ، وحكم تلك في الآخرة ، فاختلفنا ms056 ، فلا يرد ~~مطلق إلى مقيد اختلفت بهما الدار ولو كان من جنسه . # قال عبد الوهاب : ( فإن قيل : ما معنى قوله : ( لن تراني ) ، وهذا شرط ~~نفي نفي الرؤية في الحال والاستقبال . وقوله : ( تبت إليك ) ، هل تاب إلا ~~من مسألة الرؤية ؟ وقوله : ( أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة بظلمهم ) ، ~~فهذا كله دليل على نفي الرؤية . وقوله : ( فخر موسى صعقا ) . # قيل له : أما قولكم ( لن تراني ) ، شرط في نفي الرؤية ، فغير مسلم لكم ~~لأن ( لن تراني ) إنما كان جوابا لسؤله في الحال لا في الاستقبال ، ولو ~~كانت الرؤية مستحيلة عليه لما سأله موسى وهو نبي الله وأمينة ومن جعله ~~واسطة بينه وبين خلقه ومتحملا لرسالته ، أن يسأله المستحيل ) # الجواب : # أن جميع ما اعتل به في قوله ( لن تراني ) وقوله ( تبت إليك ) وقوله ( ~~أرنا الله جهرة ) وقوله ( فخر موسى صعقا ) فجميع ما استدل به في هذه الآيات ~~صحيح قطعا . PageV01P077 # وقوله : ( إنما كان سؤاله للحال لا الاستقبال ) فغير مسلم . # وقوله لو كانت الرؤية مستحيلة لما سأله موسى ، فليس كل المستحيل يعلمه ~~موسى ، وكقوله لنوح عليه السلام : ( ولا تسألني ما ليس لك به علم ) وكان ~~نوح لا يدري أن المشرك محال دخوله الجنة . # وقوله ( لن تراني ) اعلم أنه حرف إياس لا مطمع فيه ، وربما يرى الأشعري ~~ربه في الآخرة ولا يراه موسى في الآخرة ، ولو جاز عليه أن يرى لقال ( لا ~~تراني ) فقد أيأس موسى من رؤيته ، إلا إن طمع هو في الاستقبال أن يرى ربه ، ~~ولن يراه موسى ، ولن من حروف اليأس لموسى وغيره . # وقوله ( تبت إليك ) ولم يقل الله : إنه تاب من مسألة الرؤية ، فمن اعتقد ~~في موسى أحد المعنيين ، أما أن يثبته أحمق يعاقب على شيء ويتوب من غيره ، ~~أو من تركه ، أو أن يكون موسى منافقا ، يعاقبه ربه على شيء ، ويظهر له ~~التوبة في خلافه ، فأي المعنيين أراد فليذهب إليه السامع . # وقوله : ( ربما خطرت له ذنوبه فتاب منها وأغفل هذا ) غير مستحيل عن غير عاقل . # وقوله : ( أرنا الله جهرة ) قال : ( لن تأخذهم الصاعقة ms057 لاستحالة الرؤية ) . # قلنا كذلك ، لكن لسؤالهم الرؤية وهو فعلهم ، واستحالة الرؤية فعل الله - ~~عز وجل - . # وقوله : ( علقوا إيمانهم برؤيتهم إياه فبذلك أخذهم ) . لا أدري ما أراد . # قال عبد الوهاب : ( فإن قيل : أراد الله بالنظر الذي في الآية الانتظار ~~كما قال الله - عز وجل - ( ما ينظرون إلا صيحة واحدة ) أي ينتظرون ، وقال ~~الله - عز وجل - ( انظرونا نقتبس من نوركم ) وهذا كله بمعنى الانتظار . # قيل له : لا يصح ما ذكرته ، لأن النظر في لغة العرب يتصرف على أربعة أوجه ~~لا خامس لها . # أحدها : أن يكون النظر بمعنى التعطف والرحمة - قال الله تعالى : ( ولا ~~ينظر إليهم يوم القيامة )ولم يرد أنه لا يراهم ، لأن رؤيته تعالى محيطة بهم ~~وبغيرهم ، وإنما هو نظر تعطف ورحمة . PageV01P078 # والثاني : أن يكون النظر بمعنى الاعتبار كما قال تعالى : ( أفلا ينظرون ~~إلى الإبل كيف ) الآية . # الثالث : بمعنى الانتظار كما قال الله - عز وجل - : ( ما ينظرون إلا صيحة ~~واحدة ) أي ما ينتظرون ، وقوله : ( انظرونا نقتبس من نوركم ) . # الوجه الرابع : هو النظر المعروف بالعين ، فلا يجوز أن يكون قوله - عز ~~وجل - ( إلى ربها ناظرة ) بمعنى الاعتبار ، لأن الآخرة ليست بدار اعتبار ~~ولا تكليف ، ولا بمعنى الانتظار ، لأن الانتظار إنما هو في القلب ، فإذا ~~قرن النظر بذكر الوجه ، لم يجز أن يراد به القلب ، كما أنه إذا أريد به نظر ~~القلب ، لم يجز أن يكون مقرونا بذكر الوجه . # وأيضا فإن نظرته بمعنى انتظرته فعل متعد بنفسه لا بحرف الجر ، والذي ذكره ~~من وجوه النظر صحيح) . # الجواب : # اعلم أن الوجوه التي ذكرت في النظر صحيحة ، والذي أراد الله في هذا ~~الانتظار ، والوجوه أراد بها الأبدان ، لاستحالة النظر إلى ذات الباري ~~سبحانه إلا بإيجاب تشبهه بخلقه ، تعالى عن ذلك . # وقوله : ( نظرته بمعنى انتظرته فعل متعد بنفسه لا بحرف ) . فإن خاطبت به ~~ثلاثيا استغنى عن التعدي وانقطع العتاب . # قال الفقيه عبد الوهاب : ( مسألة أخرى في القرآن ) . # ( ومما اختلفوا فيه اختلافا كثيرا في القرآن هل هو مخلوق ، أو غير مخلوق ~~؟ فذهبت الأشعرية إلى أن القرآن غير ms058 مخلوق ، إذ كل مخلوق لا يخلو أن يكون ~~جسما أو عرضا أو جوهرا عند من يثبت الجوهر ، ولو كان القرآن جسما لكان ~~قائما بنفسه ، ومحتملا للصفات ، وجاز عليه الكلام ، فكان يجيء من هذا كون ~~القرآن متكلما بالقرآن ، وكذلك نقول في القرآن : الثاني والثالث ، إلى غير ~~نهاية . # والذي يدل عليه أنه ليس بعرض ما أقمناه من الدليل ، على أن العرض ومن حله ~~العرض محدثان ، والله تعالى لا يصح كونه محدثا . # فإن قيل : هو عرض فعله الله في غيره ، وذلك لا يؤدي إلى حدثه تعالى . PageV01P079 # قيل له : فينبغي أن يكون ذلك الغير المفعول فيه العرض هو المتكلم بالقرآن ~~، وهذا أيضا دليل على بطلان قول من ذهب إلى أنه عرض ، ولا يصح أن يكون ~~المتكلم من فعل الكلام ، لأنه لا يخلو فعله في نفسه أو في غيره أو لا في ~~مكان ، فمحال أن يفعله في نفسه ، لأن ذلك يؤدي إلى كونه ذاته محلا للحوادث . # وكذلك إن فعله في غيره ، كان ذلك الغير متكلما به ، وإن فعله لا في مكان ~~استحال ذلك ، لأجل أن الصفات لا يصح فعلها لا في مكان ، لأن ذلك يؤدي إلى ~~قيامها بأنفسها ) . # الجواب : # قوله ( لا يخلو أن يكون جسما أو عرضا أو جوهرا ، ولو كان جسما لكان قائما ~~بنفسه ومتحملا للصفات ) فصحيح . # وأما قوله : ( وجاز عليه الكلام ) ، فدعوى ليس تحتها برهان ، فليس كل جسم ~~يتكلم ويحكم ، فكان يجيء من هذا كون القرآن متكلما بقرآن آخر وكذلك نقول في ~~القرآن الثاني والثالث إلى غير نهاية ، ويلزمه في جميع خلق الله مثل هذا ، ~~ولو كانت الأرض جسما ، لكانت قائمة بنفسها ومحتملة للصفات ، وجاز عليها ~~الكلام ، فيجيء من هذا كون الأرض متكلمة بكلام ، وللكلام كلام إلى غير ~~نهاية . # وقوله : ( والذي يدل على أنه ليس بعرض ما أقمناه من الدليل ، أن العرض ~~ومن حله العرض محدثان ، والله لا يصح كونه محدثا ) . فدلنا نحن أيضا على ~~حدوثه أن العرض ومن حله محدثان فعلمناه أنه محدث ، إذ هو عرض واحد في الجسم . # وقوله : ( والله تعالى ms059 لا يصح كونه محدثا ) . فعلى قوله : إن القرآن هو ~~الله . فلذلك لا يصح كونه محدثا . # قال عبد الوهاب : ( فإن قيل : هو عرض فعله الله تعالى في غيره ، وذلك لا ~~يؤدي إلى حدوثه تعالى. PageV01P080 # قيل له : فينبغي أن يكون ذلك الغير المفعول فيه العرض هو المتكلم بالقرآن ~~، وهذا يدل على بطلان قول من ذهب أنه عرض ، ولا يصح أن يكون المتكلم من فعل ~~الكلام ، لأنه لا يخلو فعله في نفسه ، أو في غيره ، أولا في مكان ، فمحال ~~أن يفعله في نفسه ، لأن ذلك يؤدي إلى كون ذاته متكلما به . # وإن فعله لا في مكان استحال ذلك ، لأجل أن الصفات لا يصح فعلها لا في ~~مكان ، لأن ذلك يؤدي إلى قيامها بنفسها ) . # الجواب : # وقوله : ( عرض فعله تعالى في غيره وذلك لا يؤدي إلى حدوثه تعالى ) صدق . # ( قيل له : فينبغي أن يكون الغير المفعول فيه العرض هو المتكلم بالقرآن ) ~~فهذا الذي قال غير مسلم ، ونحن نقول : إن الله تعالى جعل من تصفيق حجرين ~~كلاما ، أو من صدى جبل كلاما ، أنه ليس بكلام الجبل ، إلا إذا كان في الجبل ~~حياة أو في الأحجار ، فعند ذلك ينسب إليهما الكلام . # كما أنا نقول : إن القرآن يكتب في المصحف وفي الألواح ، وربما يخلقه الله ~~تعالى فيه خلقا ، ولا يؤدي أن يكون المصحف أو اللوح متكلما ، وليس فيما قال ~~دليل على بطلان قول من ذهب إلى أنه عرض ، ولا يصح أن يكون المتكلم من خلق ~~الكلام ، بل من فعله هو المتكلم دون من خلقه ، ألا ترى إلى الرباب والعود ، ~~كيف يقع منهما الكلام ، والله خلقه فيه ، ولا يكون الله تعالى متكلما به . # وقد قلنا : إن الله فعل الكلام في غيره ، وهو كلام الله لا في نفسه كما ~~قال بل في مكان ، وربما فعله في غيره ولو تكلم به غيره ، وكانت الطاقة هي ~~المتكلم ، وليست الطاقة هي المتكلمة . # وقال عبد الوهاب : ( فإن قيل : لو كان قديما غير مخلوق والله قديم لكان ~~قديمين ، وإذا كانا قديمين كانا مثالين ، لأن الاشتراك ms060 في أخص الصفات يوجب ~~الاشتراك فيما عداه ) . PageV01P081 # الجواب يقال لهم : وكذلك من قال : كانت الحياة في الإنسان ، والله تعالى ~~حي ، يوجب الاشتراك ، ولا نقول : إن القرآن قديم ، بل عرض محدث وإنما يجب ~~ما قاله على من قال : إن القرآن غير مخلوق . # وأما من قال : مخلوق ، فهو بعيد عن الاشتراك في القدم أو في غيره . # وقال عبد الوهاب : ( وذلك أن الكلام هو الأصوات المقطعة والحروف المنظومة ~~، وأنه لا يوجب الكلام سوى هذا ، ولا يعقل ) . # قالوا : وإذا كان الكلام أصواتا مقطعة وحروفا منظومة ، لم يصح أن يفعله ~~الله تعالى إلا في غيره ، فثبت أنه محدث مخلوق ، بدليل من حلف على أن الله ~~تعالى خالق لكل شيء غير حانث ، وهذا إجماع . # وأجمعوا أيضا على أن كل موجود لابد أن يكون خالقا أو مخلوقا ، والمخالف ~~يقول إن القرآن موجود وشيء ، ويقول إنه ليس بمخلوق ولا خالق ، ومع هذا إنه شيء . # ومن زعم أنه ليس بشيء ، فقد كذب الله بقوله : ( إن يقولوا ما أنزل الله ~~على بشر من شيء ، قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى ) . # وأيضا وجدنا القرآن يتضمن الأمر والنهي والإخبار والإستخبار ، والوعد ~~والوعيد ، وقصص الأولين والأمثال ، وهذه كلها حقائق مختلفة ومتغايرة . # فكيف يصح أن تكون قديمة قائمة بذات الباري سبحانه ، وهي متخالفة ومتغايرة ~~، وهذه كلها سنة الحدوث . # وأيضا فإنا وجدنا في القرآن الأنبياء وغيرهم وهي محدثات ، وقد قال تعالى ~~: ( فاخلع نعليك ) وهذا خطاب لموسى في إجماع المسلمين وموسى معدوم إذاك ، ~~فكيف يصح الأمر والخطاب وليس ثم مخاطب ولا مأمور . # وقال تعالى : ( وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ) ، فأثبت النزول . # وقال تعالى : ( ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث ) . # وقال : ( إنا أنزلناه في ليلة مباركة ) . # وقال : ( إنا جعلناه قرآنا عربيا ) وهذا كله صفة المخلوق . وهذا الذي ~~تقدم كله حجتنا . PageV01P082 # قال عبد الوهاب : ( قيل له : أما استدلالك على أن القرآن كان قديما ، ~~والله قديم ، كانا مثلين لا يصح ، لأن حد المثلين ما سد مسد الآخر فناب ~~منابة ، ولا يصح أن يكون الاشتراك في الأخص ms061 يوجب الاشتراك فيما عداه ، لأن ~~الله تعالى حي وعالم وقادر ، وقد قام الدليل على أن هذه الصفات موجودة في ~~الخالق والمخلوق ، ولا يصح أن يكون المخلوق مثل الخالق لاشتراكهما في هذه ~~الصفة ) . # الجواب : # فهذه الأمور التي ذكرها كلها لنا علينا ، وصدق فيما حكاه ( 1 ) . # وقال عبد الوهاب : ( وأما استدلالهم أن في القرآن الأمر والنهي وغير ذلك ~~مختلفة متغايرة ، فلا يصح أن تقوم بذات الباري سبحانه فصحيح ، لأن كلام ~~الله تعالى الذي هو قائم بذاته ، فهو كلام نفس لا يصح فيه التغاير لأنه ~~كلام واحد لا يتغير في نفسه ولا ينقطع ولا يتجزأ ، والأمر والنهي فيه واحد ~~. فإذا أراد يفهم المخلوق كلامه خلق في فهمه الأمر والنهي وتغير في نفس ~~المخلوق لا الخالق ) . # الجواب : # وهذا الذي ذكر في كلام الله سبحانه واحد وهو قائم بذاته وهو كلام نفس ، ~~إلى ما ذكر في أن تغير الأمر والنهي فيه إنما يتغير في نفس المخلوق لا ~~الخالق . # وكذلك الخلق والرزق من صفاته هما واحد إنما يتغيران في المخلوق . # وكذلك العقاب والثواب هما غير مخلوقين ، إلا إذا صارا في المخلوق ، وأما ~~في صفة الخالق فهما واحد . # وكذلك إذا أراد أن يعذب مخلوقا أو يثنيه خلق في جسده العذاب والثواب ، في ~~مثل هذه التخاليط التي لا يعقلها عاقل ولا تنفهم لجاهل . # وقال عبد الوهاب : ( وأما استدلالهم بأن أمر المعدوم لا يصح فهو محال إذا ~~كان ، فصح أمر المعدوم. # فانظر - وفقك الله وأغناك - على ما قلدك وهذه المسائل في كلام الأشعرية ~~وغيرهم وما احتج به كل فريق على صاحبه وجاوبني على كل مسألة وما احتج كل ~~فريق على صاحبه ، لأن الأمر أشكل علي) . # الجواب : PageV01P083 # وقوله : ( إن المعدوم يصح أن يؤمر بالأمر القديم على صفة الاقتصاء ) ، ~~ولو استدلوا على هذه أن محمدا أرسل إلينا وأمرنا وبلغنا على الاقتصاء لكان ~~أشبه منهم بأمر الله تعالى وبإرساله محمد ( صلى الله عليه وسلم ) ، فهذا ~~الذي قالوا أبي منه العقل لأنه هيولى لا تنفهم للعقل . # وإذا أضافوا إلى الباري سبحانه جميع أفعاله ms062 ، وجعلوها صفاته في ذاته ، ~~وإذا ردوها إلى المخلوق ذهبوا فيها مذاهبهم في المخلوقين ، فيحتاجون أن ~~يجروا على أصلهم في الحياة والموت والوجود والعدم والحركة والسكون ، فمن ~~جهة الله صار صفة ، ومن جهة الخلق كان حياة وموتا . # وقال عبد الوهاب : ( فالله تعالى ينور قلوبنا ، ويشرح صدورنا للإسلام ، ~~وفي علمك - أيدك الله - أن اختلاف المتكلمين في الأصول لا يصح أن يكون الحق ~~في كليهما ، بل الحق في واحد ، فالمطلوب منك هذا الواحد - لا عدمتك - ونرغب ~~من سيدي الابتهال في الدعاء : أن يحسن الله خلاصي ، ويطلق سراحي من بلاد ~~السودان ، وأن ينشطني لقراءة العلم وفهمه ، ويرزقني منه حظا وافرا ، وأن ~~يعصمني من المعاصي ، ولا يسلط علي ظالما يبغيني بسوء ، فلك الفضل في الدعاء ~~، والرغبة إلى كل من عندكم هناك من العزابة أن تستوهب منهم لي الدعاء ن ~~فإني ضلالة إلا أن ينقذني الله منها . # وكتبه وليك في الله عبد الوهاب بن محمد بن غالب بن نمير الأنصاري . والله أعلم . # نجز الجزء الأول بحمد الله وحسن عونه ، والسلام على # نبينا محمد وآله وسلم # * * * # يتلوه الجزء الثاني إن أمد الله في الأجل # وأعان على المقصود ويسر العمل PageV01P085 # الدليل والبرهان # الجزء الثاني # تأليف الإمام أبي يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني رحمه الله تعالى # مسألة الأئمة العشرة # بسم الله الرحمن الرحيم # وصلى الله على سيدنا محمد وسلم # الجزء الثاني من كتاب الدليل لأهل العقول # لباغي السبيل بنور الدليل لتحقيق مذهب الحق # بالبرهان والصدق # ونحن نريد أن نقدم في هذا الجزء الثاني مقدمة ، لتوكيد الحق الذي ذكرنا ~~قبل وننبه على ما فيه من الاختلاف والائتلاف ، ونجعل الحق أصلا وأسا بيننا ~~وبين الأمة ، وبيننا وبين أنفسنا . # والعقل برهان والشرع تبيان فإنه ينبغي للعاقل المحق أن يحاسب نفسه كما ~~يحاسب غيره . # ولا ينبغي للعاقل أن يتخذ دينه لهوا ولعبا فإن من ورائه يوم الفصل بين ~~الحق والباطل ، ولا أن يقلد الآباء دينا ولا مذهبا ، لأنه الداء العضال ~~الذي أهلك القرون الماضية والأمم الخالية ، وانتصارا للسلف وأيضا للخلف ترك ~~البحث عما ms063 في اليد من الهوى والردى تقليدا للأب والجد . PageV02P001 # وأنشد الحسين بن علي بن الحسين بن عمرو بن علي بن أبي طالب لنفسه ، ومان ~~من العباد ، وأكثر أولاد الحسين بن علي وأخيه عمرو بن علي على غير طريقة ~~أبيهم وأولاد الحسن بن علي سلكوا على أسلوب آبائهم . # وروى عبد الوارث بن سفيان ويعيش بن سعيد قالا : أخبرنا قاسم بن أصغر قال ~~: أخبرنا بكر بن حماد قال : أخبرني بشر بن حجر قال : أخبرنا جرير ابن عبد ~~الله الواسطي ، عن عطاء يعني ابن السائب عن أبي البحتري عن علي قال : ( ~~إياكم والاستنان بالرجال فإن الرجل يعمل بعمل أهل الجنة ثم ينقلب لعلم الله ~~فيه ، فيعمل بعمل أهل النار ، فيموت وهو من أهل النار ، وإن الرجل ليعمل ~~بعمل أهل النار ، فينقلب لعلم الله فيه ، فيعمل بعمل أهل الجنة فيموت وهو ~~من أهل الجنة .. فإن كنتم ولابد فاعلين فبالأموات لا بالأحياء ) . # وقال ابن مسعود : ( ألا لا يقلدن أحدكم دينه رجلا إن آمن آمن وإن كفر كفر ~~، فإنه لا أسوة في البشر ) . واعلم أن الله تعالى شرع الدين ، وكلفه ~~العقلاء ، وأثبته إسلاما ، وقال : ( إن الدين عند الله الإسلام ) . وقال : ~~( ومن يتبع غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين ) ولن ~~تختلف الأمة في هذا ، والحمد لله رب العالمين . # واختلفوا في الإيمان : ومن ذهب مذهب التصديق أثبته اعتقادا في الضمير لا ~~غير ، ومن ألحق به النطق أثبته تصديقا للاعتقاد الذي في الصدور ، ومن ألحق ~~به الأفعال أثبته عضدا للاعتقاد ، فشمل الكل اسم الإيمان والتصديق حقيقة ~~ومجازا من جهة الشرع ، والشرع إذا ورد كان له الحكم دون اللغة . وسنذكره من ~~جهة الشرع فيما بعد ، إن شاء الله . # ولنرجع إلى ذكر الإسلام . قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : (( بني ~~الإسلام على خمس : شهادة أن لا إله إلا الله ، وأقام الصلاة ، وإيتاء ~~الزكاة ، وصوم شهر رمضان ، والحج من استطاع إليه سبيلا )) . PageV02P002 # ولم يذكر هاهنا الاعتقاد وإنما ذكر الشهادة ، والاعتقاد هو الإيمان وهو ~~الأصل والتصديق باللسان فرعة ms064 ، والتصديق بالفعل فرع اللسان . # الاختلاف في الإيمان واعتقادات الضمائر (1) # واعلم أن الاعتقادات في الضمائر والصدور خمس : # أولها : الإيمان الذي هو التصديق بوجود الباري سبحانه ، واعتقاد السمع ~~والطاعة له ، كما قالوا سمعنا وأطعنا . # الثاني : اعتقاد الأفراق . # الثالث : اعتقاد المذاهب . # الرابع : اعتقاد الخطأ . # الخامس : اعتقاد المباح . # ونحن نذكر حقيقة كل واحد من هذه وحدة لغة ومعنى ، ومن وراء ذلك شرعا وحجة . # فأما تصديق القلب ، فهو المعهود المعلوم من الناس ، آمنت به : صدقته . ~~وأمنته : أعطيت له الأمان، قال الله تعالى حكاية عن إخوة يوسف بينهم وبين ~~أبيهم : ( وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين ) . فهذا تصديق الاعتقاد في ~~القلب والضمير . # وأما التصديق باللسان ، فأن تقول للواحد : صدقت فيما أخبرت به . وضده ~~التكذيب ، كذبه إذا رد عليه خبره وقوله . # أما تصديق الفعال ، فمثل أن يقول لك رجل : إن وراءك سبعا . فإن قمت وهربت ~~من موضعك وأخذت حذرك فقد صدقته ولو قلت بلسانك: كذبت، فالتصديق ظاهر في ~~فعلك ، وإن رميت بنفسك على قفاك ورقدت فقد كذبته ولو قلت بلسانك: صدقت . # القول في الدين # واعلم أن الدين هو بمعنى السمع والطاعة ، والأديان إنما تكون بين أهل ~~الإسلام وأهل الشرك والملل. # كذلك ملة الإسلام ودين الإسلام وملة الشرك ودين الشرك . قال الله - عز ~~وجل - في المشركين وأهل الإسلام : ( لكم دينكم ولي دين ) . ولا يقال دين ~~القدرية ، ولا دين المرجئة ، ولا دين المارقة، ولا دين أبي حنيفة ولا مالك ~~ولا الشافعي . PageV02P003 وأما دين اليهود والنصارى والصابئين والمجوس والذين أشركوا فلا ~~بأس به ( 1 ) . # وأما الأفراق فيجوز ذلك على أفراق الأمة قال رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) : (( ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة )) فيصلح هذا الاسم لكل فرقة ~~فتقول : فرقة المعتزلة ، وفرقة القدرية ، وفرقة المرجئة ، وفرقة المارقة . # وإن قلت : طائفة، جاز ، وقد سماهم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بذلك ~~. والفرقة هي الطريقة ، يهلك بها معتقدوها ، واتخذوها دينا ، وصاروا بها من ~~أهل النار إلا الفرقة المحقة . # وأما المذاهب : وهي طريقة الأمة في الشريعة من الفقهيات ومذاهبهم في ~~التفسير ms065 وما يؤول إلى ذلك ، لا تفسيق ولا تضليل ، وهو سائغ الأخذ به والعمل ~~للخاصة والعامة التخيير بين المذاهب . # وأما اعتقاد الخطأ ، فعلى ثلاثة أوجه : # أولها : في الآراء المأذون عن البحث إلى الصواب فيها . # والثاني : في الخطأ الموهوم فيما اختلف فيه الأمة من الأسماء والتسميات ~~في الدين والإسلام والإيمان ، والكفر والشرك والنفاق ، والأسامي كمؤمن ~~ومسلم ومنافق ومشرك ، وأسماء الأبدان وأسماء الأفعال وخلق القرآن ، وأسماء ~~الله وصفاته ، وأمثالها ، وليس إلا الخطأ فيها ، والخطأ فيها محمول لمن عرى ~~من الشروط المهلكة ، وهي الاعتقاد أنها دين الله ، أو قطع الشهادة على أحد ~~في ذلك ، أو هدم قاعدة من قواعد الإسلام . # والثالث : الخطأ الذي شابه أحد الشروط الثلاثة المهلكة . # وأما المباح : فلا أجر ولا وزر ، ولا وعد ولا وعيد ، ولا طاعة ولا معصية ~~، إلا إذا قارنته النية ، هنالك يكون أجرا أو وزرا ، كما قال الله - عز وجل ~~- : ( قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك ~~أمرت وأنا أول المسلمين ) . فتقرب إلى الله بالمحيا والممات وليس له فيهما ~~صنع ، أعني إبراهيم عليه السلام . PageV02P004 # باب القول في اختلاف الناس في الإيمان والكفر # اعلم أن الشيخ أبا الربيع سليمان بن يخلف - رضي الله عنه - ، قد كفى وشفى ~~في هذه المسائل ، لكنه لم يذكر مما لا يسع الناس جهله من الإيمان ، إلا ~~طريقة المتأخرين من أهل الدعوة ، ونحن نلوح تلويحا إشارة إلى ما ذهب إليه ~~كل واحد من هؤلاء المختلفين . # العم أن الناس اختلفوا في الذي يجب من الإيمان اعتقادا ونطقا ، وفي الناس ~~عموما وخصوصا . # قالت طائفة : ليس إلا أن ينطق بالشهادة ويعتقدها . وهو شهادة أن لا إله ~~إلا الله ، محمد رسول الله ، وزاد بعضهم : وما جاء به الحق . فهذا الإيمان ~~الذي لزمه أن يعتقده ، وما وراء ذلك فليس عليه فيه شيء ، فالأول طريق أبينا ~~آدم ( صلى الله عليه وسلم ) أيام كان في الجنة ( لا إله إلا الله ) خصوصا ~~وهو مذهب الصابئين ، وأول هذه الأمة ( لا إله إلا الله محمد رسول الله ) ~~وأكدوه آخرا ms066 بقولهم : ( وما جاء به الحق ) ، فالأول طريقة أبينا آدم عليه ~~السلام ، والثاني طريقة محمد ( صلى الله عليه وسلم ) ، والثالث طريقة ~~المسلمين بعد رسول الله عليه السلام . # وقال بعضهم : عليه النطق والاعتقاد للإيمان بالله والملائكة والكتب ~~والرسل والدار الآخرة . وإليه الإشارة في القرآن قوله : ( آمن الرسول بما ~~أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله ملائكته وكتبه ورسله ) إلى قوله : ~~( وإليك المصير ) . # ويؤكد ذلك ويؤيده قول الله - عز وجل - : ( ومن كفر بالله وملائكته وكتبه ~~ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالا بعيدا ) . # فمن جهل من هذا شيئا ولم يعتقده مع البلوغ فهو مشرك ، والشاك فيه مثله ، ~~والشاك في الشاك مشرك إلى ثلاثة ، وهو قول المعتزلة ، وقول أهل الدعوة إلى ~~يوم القيامة . # وقال بعضهم : عليه الإيمان بالموت والبعث والحساب والثواب والعقاب والجنة ~~والنار ، وتحريم دماء المسلمين ، وتحليل دماء المشركين ، والجاهل لشيء من ~~هذا كافر ، والشاك في الشاك كافر إلى يوم القيامة. PageV02P005 # وذكر أبو العباس أحمد بن محمد بن بكر - رضي الله عنه - ما هو أعظم وأطم ~~من هذا ، وعند نفوسة أزيد ، ونحن نرجو من سعة رحمة الله كثيرا لاسيما ~~العامة . وقد قال الشيخ سليمان بن خلف - رضي الله عنه - فهذا مما يجب على ~~كل بالغ عند بلوغه وصحة عقله حرا كان أو عبدا ، ذكرا كان أو أنثى ، فقد ~~استغرق في التعميم ومن ورائه التخصيص . # واعلم أن الناس اتفقوا على أن من كان على دين من الأديان من شرائع ~~الإسلام على دين نبي ، ولم تبلغه حجة محمد ( صلى الله عليه وسلم ) أنه أوسع ~~له إلى يوم القيامة . # والثاني : إذا ألهم الله عبده إلى الإيمان فآمن وصدق وأذعن وحقق ، وهو في ~~موضع لا يسمع بالحجة في شيء ، مثل من كان بين ظهراني المشركين ، أو في ~~جزيرة من جزائر البحور ، ففتح الله تعالى له في عقله وألهمه الإيمان به ~~فآمن وصدق إلهاما ، أو من جهة الرؤيا ، وقف عليه وألهمه الخطأ ، أو من جهة ~~الكتابة من كتب الأولين ، أو من جهة الطير مثل الهدهد والنمل والنحل ~~والحمامة ms067 فآمن وصدق وحقق ، فإن ذلك يسعه ما لم تقم عليه الحجة بشيء ، سواء ~~كان مشركا فدعاه داع وشرع له دين أبينا آدم أو دين نوح أو غيرهما من ~~الأنبياء عليهم السلام ، فاستجاب له فإن ذلك واسع له ، وكذلك الأطفال لا ~~متربين على الفطرة ، ولا غير متربين ما لم يخالفوا إلى غير مقتضى فطرتهم ، ~~ألم تسمع قول رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : (( ما من مولود يولد إلا ~~على الفطرة حتى يكون أبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه )) متبعهم على ~~غير مقتضى فطرته فهناك يهلك . # وقال ( صلى الله عليه وسلم ) : (( خلقت هذه القلوب حنيفة إلا ما كان من ~~الشيطان فإنه يخترمها عما خلقت له )) . # وقال الله - عز وجل - : ( فطرة الله التي فطر الناس عليها ) . وقال : ( ~~صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ) . PageV02P006 # فإن سلموا من اخترام الشيطان وتحويل الآباء عما خلقت له فذلك واسع لهم ، ~~وقال الله - عز وجل - في يحيى بن زكريا : ( وآتيناه الحكم صبيا ) . # وإنما التضييق أن يعلم محمدا ( صلى الله عليه وسلم ) ويشهد به لمن كان في ~~جزيرة العرب لمن تناله الحجة ويسمع . # وهذه طريقة المعتزلة في أن الله تعالى ينال علمه والإيمان به من جهة ~~الفكر ، لأنه قل ما ينفك الآدمي في مهلة بلوغه من تأمل الأشياء ، والنظر ~~فيها وتجدد الأيام والليالي وما يعتريه من الأمراض والأوجاع والأسقام ~~واختلاف الأهوية والأغذية والأزمنة والأمكنة والأرياح والأمطار وحدوث ~~الثمار والنبات والأزهار إلا وقد اقتبس منها الحدوث . # ولو سألت مثل هذا عن عام أول أو قابل لفرق بينهما طبعا واستقراء ، وأول ~~ما يستقر في نفسه حدوثه هو إن رأى من هو أكبر أو رأى من هو أصغر منه ، وإن ~~استقر في نفسه وعقله إن كان بالغا ، أو يخبره أبناء جنسه فقبله اختيارا أو ~~علمه اختيارا تحقق عنده الفاطر المحدث القاهر . # وقد يظهر في الأطفال شيء من هذا إذا اشتكى بكى وحن إلى والديه وشكا ورجا ~~منهما الشفاء ، وإذا نظر إلى شفقتهما عليه وحنتهما لديه ولم يعنيا عنه شيئا ~~، اشتغل بتفجعه ms068 وتوجعه دونهما ، ويئس منهما وعلم أن معه من يشفيه ويكفيه ما ~~به دونهما ، ومن وراء هذا كله قول الله - عز وجل - : ( إن الذين آمنوا ~~والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا ~~فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) . ودين الصابئين أوسع ~~لمن لم يسبق إليه دين غيره . PageV02P007 # وفي مناغاة الأطفال آية للسائلين ، وتذكرة للمتأملين ، ذكروا أنه كان في ~~زمان داود عليه السلام رجل وامرأته قاعدان على سطح لهما ، وبين أيديهما طفل ~~لهما صغير ، يلعب بين أيديهما وفي حائط السطح كوة نافذة إلى زقاق السطح ، ~~فدب الطفل ودخل في الميزاب فلما قرب إليه أبواه لكي يخرجاه هرب منهما وأشرف ~~على الزقاق ، وإن تنحيا عنه قرب منهما ، حتى طال ذلك عليهما أرسلا إلى داود ~~عليه السلام فجاءهما ، فلما رآه وتأمله قال لهما : ( إئتوني بتربة من ~~الأطفال ) فأتى به فقال لأبويه : ( تنحيا عنه ) فتنحيا عنه وأطلق الطفل إلى ~~الآخر ، فلما قرب نغم أحدهما لصاحبه ونغم له الآخر ، فجرت بينهما مثل ~~المحاورة بين الكبار ، فخرج الطفل إلى الآخر ، فقال داود عليه السلام : ( ~~أتدريان ما جرى بينهما ؟ ) # قالا : ( لا ) . # قال : ( قال الطفل لابنكما : أخرج يا أخي لئلا تقع من هناك إلى الزقاق ~~فتهلك . # فقال له الآخر : دعني يا أخي ، أن أسقط من هاهنا فأموت خيرا لي من أن ~~أعيش فأكبر فأكلف ، فإن عصيت ربي دخلت النار . # فقال له الآخر : بل تخرج يا أخي وتعيش وتعمل بطاعة الله وتموت وتدخل ~~الجنة . # فقال له الآخر : أما الآن فنعم . فخرج الطفل . # ولا تلق هذا الخبر وترم به وراء ظهرك ولك في سليمان والهدهد أسوة حسنة ، ~~وفي النمل آية للسائلين . # وقال الحسن البصري : ( إن للناس في هذه الأموات لعجبا ) . # وقيل : إن الأرض إذا أصبحت نادى بعض البقاع بعضا هل مر بكن ذاكرا لله ؟ # فإذا قالت بقعة منهن : ( نعم ) اغتبطتها البقاع . # وفي رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أسوة حسنة حين قال : (( إن هذه ~~الشاة لتكلمني إن بها سما )) . وحين خوطب بالنبوة في ms069 غار حراء فأراد أن ~~يرمي نفسه من أعلى الجبل فكلما هم أن يرمي نفسه من أعلى الجبل نادته ~~الأحجار والأشجار : لا تفعل يا رسول الله . PageV02P008 # وأما من ذهب من زاد : (( وما جاء به حق )) ، وذلك أن أبا عيسى الأصبهاني ~~رجل من اليهود قال : ( إن محمدا رسول إلى الأميين وليس برسول إلينا ، لأن ~~شريعتنا لا تتبدل ولا تتغير ) ، فاحتاط المسلمون في دعائهم أن زادوا : ( ~~وما جاء به حق ) . # وقال في كتاب أبي عيسى الترمذي وهو من الكتب الصحاح في الحديث حديثا رواه ~~عن ربعي بن خراش العبسي وهو الذي قال فيه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~: (( يتكلم رجلان من أمتي من بني عبس بعد الموت )) ، وهو الذي كلم أخاه ~~الربيع بن خراش بعد الموت ، وذلك أنه مات وأخوه الربيع غائب ، فجهزه أصحابه ~~، وكرهوا أن يدفنوه قبل مجيء أخيه فانتظروا به ، فلما قدم أسفر عن وجهه ~~فقبله واستوى قاعدا ، فقال الربيع : ( أبعد الموت يا أخي ) فقال : ( نعم ) ~~. فقال : ( قدمنا إلى روح وريحان ورب غير غضبان ، والأمر أيسر مما تظنون ، ~~ولكن اعملوا ولا تغتروا ) فوقع ميتا كما كان أول مرة . # وروي عن ربعي عن علي بن أبي طالب عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : ~~(( والله لا يؤمن أحدكم حتى يؤمن بأربع : أن يشهد أن لا إله إلا الله ، ~~ويشهد أني رسول الله ، ويشهد أن الذي جئت به الحق من عند الله ، وبالبعث ~~بعد الموت ، وبالقدر خيره وشره )) . PageV02P009 # وروي أن زيد بن أبي خارجة العبسي ، الذي تكلم في أيام عمر بن الخطاب - ~~رضي الله عنه - بقباء بعد الموت ، وذلك أنه توفي فجهزوه ، فلما قاموا ~~ليصلوا عليه وأحرموا كلهم ، فقال : ( إن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~صدق صدق في الرعيل الأول - وقيل : في المهاد الأول - وأبو بكر صدق ، صدق في ~~الرعيل الأول ، وعمر صدق ، صدق في الرعيل الأول - ويروي فيها : في المهاد ~~الأول - وأما عثمان ففي بئر أريس ) . وأريس رجل من اليهود كانت له حديقة في ~~قبلة مسجد رسول الله ( صلى الله ms070 عليه وسلم ) بالمدينة ، وكان عثمان يأوي ~~إلى بئر تلك الحديقة في الظهيرة فيستنشق روائح الماء ويتبرد فيها ، فبينما ~~هو يوما من الأيام جالس فيه ، وفي خاتم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~فتوفي عليه السلام وصار إلى أبي بكر ، ثم توفي أبو بكر وصار إلى عمر ، فقتل ~~عمر وصار إلى عثمان - فبينما هو عنده إذ أخرج الخاتم من أصبعه يعبث به فوقع ~~قي تلك البئر فنزحوا البئر فغار ماؤها ولم يصيبوه بعد . ذكره البخاري في ~~صحيحه . فمن هناك فارق عثمان العدل . # وهما جميعا من بني عبس زيد بن أبي خارجة وربعي بن خراش - فروى ربعي عن ~~علي بن أبي طالب عن رسول الله عليه السلام أنه قال : (( والله لا يؤمن ~~أحدكم حتى يؤمن بأربع : شهادة أن لا إله إلا الله ، وأني رسول الله ، وأن ~~الذي جئت به الحق من عند الله ، وباليوم الآخر ، وبالقدر خيره وشره )). # وقال الله - عز وجل - حكاية عن مؤمني النصارى ( وما لنا لا نؤمن بالله ~~وما جاءنا من الحق ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين . فأثابهم الله ~~بما قالوا ) . لابد من القول . PageV02P010 # وأما مذهب من قال لابد من الإيمان بالملائكة والرسل واليوم الآخر مع ~~الإيمان بالله - عز وجل - قال : ( فلهذه القولة إشارة في القرآن ، قال الله ~~- عز وجل - : ( آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله ~~وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ~~ربنا وإليك المصير ) ومعناه اليوم الآخر ، ويصدق ذلك ويؤكده قول الله - عز ~~وجل - : ( ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالا ~~بعيدا ) . # وقد قال الله - عز وجل - : ( والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته ) . # فمن عري من شيء من هذه الجملة كان مؤمن ، وأسماء الصفات دالة على المعاني ~~والعلل ، فلأجل الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر كانوا ~~مؤمنين . # وقال الله - عز وجل - ( والسارق والسارقة فأقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا ~~نكالا من الله ) لأجل سرقتهما . ( والزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما ~~مائة ms071 جلدة ) لأجل زناهما . PageV02P011 # وأما مذهب من زاد (( والقدر خيره وشره )) ففي حديث جبريل الروح الأمين ~~صلى الله عليه ، حين جاء إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فسأله عن ~~الإيمان والإسلام والإحسان والساعة ، وذلك أن رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) جلس ذات يوم مع أصحابه ، إذ أقبل رجل جميل الوجه ، أبيض الثياب ، ~~طيب الرائحة ، حسن العمة ، بعيدا من المجلس ، فسلم وجلس ، فرد عليه رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) السلام ، فقال الرجل : (( أأدنو منك يا رسول ~~الله ؟ )) فقال له عليه السلام : (( أدن )) . فدنا حتى جلس بين يدي رسول ~~الله عليه السلام ، فنصب رجله اليمنى ، ووضع يده على ركبته ، وفرش فخذه ~~اليسرى ، ووضع يده عليها ، فقال : (( أسالك يا رسول الله ؟ )) فقال : (( سل ~~)) . فقال : (( ما الإيمان ؟ )) . فقال عليه السلام : (( أن تؤمن بالله ~~وملائكته وكتبه ورسله وبلقائه واليوم الآخر - ويروي : وبلقائه والبعث - ~~وتؤمن بالقدر خيره وشره )) فقال له : (( صدقت )) ، فتعجب الناس من قوله : ~~صدقت ، فقال : (( ما الإسلام يا رسول الله ؟ )) فقال : (( شهادة أن لا إله ~~إلا الله ، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ، وصوم شهر رمضان والحج لمن استطاع ~~إليه سبيلا ، والاغتسال من الجنابة )) فقال : (( صدقت )) . ثم قال : (( ما ~~الإحسان يا رسول الله ؟ )) فقال عليه السلام : (( أن تعبد الله كأنك تراه ، ~~فإن لم تكن تراه فإنه يراك )) فقال : (( صدقت )) . فقال : (( متى الساعة يا ~~رسول الله ؟ )) فقال عليه السلام : (( ما السؤول عنها بأعلم من السائل عنها ~~، وسأنبئك بأشراطها : إذا ولدت الأمة ربها وربتها ، وتطاول رعاة البهم في ~~البنيان ، ووسد الأمر إلى غير أهله ، في خمس لا يعلمهن إلا الله وتلا ( صلى ~~الله عليه وسلم ) : ( إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في ~~الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله ~~عليم خبير ) . PageV02P012 # فقام الرجل فلما ولى وتوارى ، قال لهم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~: (( علي بالرجل )) فقاموا إلى كل ناحية ، فنادهم رسول الله عليه السلام (( ~~ألا هلموا أنه جبريل جاء يعلمكم دينكم )) وحسبنا الله ونعم ms072 الوكيل . # تسمية من وسع من الفقهاء في أكثر مسائل مالا يسع الناس جهله # فأول ذلك رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بعد القرآن العظيم والذكر ~~الحكيم ، ثم محمد ابن محبوب وعزان بن الصقر وعمروس بن فتح وأبو خزر يغلا بن ~~زلتاف وعبد الرحمن بن رستم - رحمة الله عليهم ورضوانه - . # القرآن أول : - # اعلم أن القرآن أنزله الله على قلب محمد ( صلى الله عليه وسلم ) ليكون ~~للعالمين نذيرا ولم يشرح مسألة خصوصية مما يزيدها على الناس إلا ما تضمن ~~قوله : ( آمن الرسول ) وهي الخمس فرائض التي ذكرها الله - عز وجل - . # وقد قال الله - عز وجل - : ( قالوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل ~~إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي ~~النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون ) . فاجتمعت الأمة ~~كلها أن ليس على الناس شيء من معرفة المذكورين فيها إلا على من قامت عليه ~~الحجة بذلك ، وأنهم قد وسعهم جهل جميع من ذكرناه فيها إلا الله وحده خصوصا ~~، قال الله - عز وجل - : ( يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ) . قال ~~( صلى الله عليه وسلم ) : (( الدين يسر )) . # وكذلك قوله : ( ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر ~~من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ~~ذوي القربى ) . الآية . فشمل في هذه الآية الفرض والندب . # وقال لإبراهيم عليه السلام حين سأله إبراهيم : ( رب أرني كيف تحي الموتى ~~قال أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي ) . فقنع منه ببلى . # وأما محمد ( صلى الله عليه وسلم ) فهو القائل : (( إني بعثت بالحنيفية ~~السمحة السهلة )) . PageV02P013 # وقال : (( الدين يسر )) . وقال : (( يسروا ولا تعسروا )) . # وكره رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) المسائل وعابها ، ولم يشرح للناس ~~مسألة إلا شهادة : أن لا إله إلا الله وأنه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ~~) ، وأول ذلك حديث جماعة عبد القيس ، حين وفدت إلى رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) وعميدهم المنذر بن عائد ، وفيهم يقول الله ms073 - عز وجل - : ( وله ~~أسلم من في السموات والأرض طوعا وكرها ) ، أي أسلم من في السموات والملائكة ~~طوعا والأنصار وعبد القيس من ربيعة ، وكرها سائر الناس ، فقدموا على رسول ~~الله عليه السلام المدينة وكان بهم معجبا فلما أرادوا الانصراف إلى بلادهم ~~قالوا : ( بماذا تأمرنا يا رسول الله ؟ ) فقال : (( آمركم بأربع وأنهاكم عن ~~أربع : آمركم بالإيمان ، أتدرون ما الإيمان ؟ شهادة أن لا إله إلا الله ~~وأني رسول الله وإقام الصلاة وأن تؤدوا من الغنيمة الخمس وسهم الصفى ( 1 ) ~~)) فقصر الإيمان على الشهادتين والصلاة . # قال : (( وأنهاكم عن أربع : ألا تنتبذوا في الدباء والحنتم والنقير ~~والمزفت )) . # وحديث ربعي بن خراش قد تقدم ، (( والله لا يؤمن أحدكم حتى يؤمن بأربع )) ~~، والحديث قد تقدم . # ولم يبلغنا عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أنه شرع للوفود التي ~~جاءته شيئا سوى الجملة التي كان يدعوا إليها رسول الله عليه السلام فإذا ~~نطق أحد بالجملة ، فيقول ( صلى الله عليه وسلم ) لأصحابه : (( فقهوا أخاكم ~~ولا تجاوزوا إليه مسائل الصلاة والزكاة والآداب )) . # ولم يؤثر عن أحد من أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أنه شرع لأحد ~~من مسائل الاعتقاد شيئا . # ولرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) الكتب إلى ملوك الأرض :- # أرسل دحية بن خليفة إلى قيصر ولم يشرع له فيها مسألة سوى الجملة التي كان ~~يدعوا إليها فقال : (( اسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين ، وإن أبيت فعليك ~~إثم الأريسيين )) . PageV02P014 # وأرسل شجاع بن وهب إلى كسرى ليس إلا الشهادة لله ولمحمد أنه رسول الله ، ~~فأخذ كتاب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فمزقه ، فقال عليه السلام إذ ~~بلغه : (( اللهم مزق ملكه كما مزق كتابي )) . # وأرسل إلى أهل اليمامة ، وإلى الحارث بن عبد كلال ، وإلى النجاشي ، وإلى ~~أهل عمان ، وإلى المقوقس صاحب الإسكندرية . # وفرق رسله في البلاد ، وليس في كتابه إلا جملة التوحيد ، وأعظم من ذلك ~~كتب عمرو بن حزم الأنصاري إلى أهل اليمن وشرع لهم فيها مسائل العقول ونصب ~~الفرائض ، في مثلها ، ولم ينص على مسألة مالا يسعهم جهله سوى ms074 الجملة . # وذكر عن جابر بن زيد - رضي الله عنه - أنه قال : انتهيت إلى بني عمرو بن ~~حزم فطلبت إليهم كتاب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) مع أبيهم عمرو بن ~~حزم إلى أهل اليمن ، فأوقفوني عليه . وقد # جاءته وفود العرب كما قال الله - عز وجل - : ( إذا جاء نصر الله والفتح * ~~ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا * فسبح بحمد ربك واستغفره أنه كان ~~توابا ) . # وقد شرع رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أحكام النجاسات والطهارات ~~والغائط والبول والمحيض والاستحاضة والمحاض والنفاس ونهيه عن استقبال ~~الكعبة بالبول والغائط والانتعال وآداب الطعام والشراب ، واغفل هذا الأمر ~~العظيم الذي لا يخرج أحد من الشرك إلى الإسلام إلا به ولا ينسب إلى التقصير ~~في أوكد الأمور أمور الدين الذي لا يصح الإيمان والتوحيد والدخول في ~~الإسلام إلا به ( 2 ). # وكذلك أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - وعمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ~~حتى صدر أول الإسلام ، ولم يؤثر عن أحد منهم مسألة في هذا ، وفي حديث الأمة ~~(( أعتقها فإنها مؤمنة )) لمن تدبر هذا الأمر ، ويقولون في الجواري ~~الأعجميات : علموهن الصلاة . إذا أرادوا تسريهن . PageV02P015 # وقد وقفت على خطبة عبد الرحمن بن رستم كان خطب بها يوم جمعة في كتاب ذكر ~~فيها خطبه - رضي الله عنه - فقال : ( من قرأ في صلاة الصبح فاتحة الكتاب ~~فقد تولى جميع المسلمين وتبرأ من جميع الكافرين ، ومن قرأ التحيات في صلاته ~~فقد أتى بالتوحيد الذي عليه ، ولو كان هناك شيء يلزم العباد لأدرجه رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) في الصلاة فإنها عمود الدين ) . # ومن العجائب أنه يعلمهم التحيات كما يعلمهم السورة من القرآن ولا يعلمهم ~~هذه المسائل . # وكان يعلمهم هذا الدعاء كما يعلمهم السورة من القرآن (( اللهم إني أعوذ ~~بك من عذاب جهنم ، وأعوذ بك من عذاب القبر ، وأعوذ بك من فتنة الميسح ~~الدجال ، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات )) . # وقول رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) حين كان يعلمهم التحيات فلما بلغ ~~إلى قوله : (( والسلام علينا وعلى عباد ms075 الله الصالحين )) قال : (( إذا ~~قالها العبد المسلم في صلاته أصابت كل عبد طائع لله في السموات والأرض )) . # واعلم أن هذه الكلمة تأتي على الولاية التي أوجبها الله تعالى بين ~~المؤمنين من الأنس والجن والملائكة ، وفي (( المغضوب عليهم ولا الضالين )) ~~أنه البراءة التي أوجبها الله تعالى بيننا وبين الكافرين . # وأمر الدين قد جاء متواترا ظاهرا شاهرا ، ولم يقصد فيه إلى شيء يزداده ~~على الجملة وقد ذكر الله - عز وجل - في القرآن أسامي القيامة والنفختين ~~والمحشر والمنشر والواقعة والحاقة والطامة والصاخة والقارعة ، في أمثالها . # وقد شع أهل السنة هم بآرائهم أيضا فيما لا يسعهم جهله الميزان والصراط ~~والصحف والمحشر والمنشر ( 3 ) في أمثالها ، ولو تتبعناهم في مذاهبهم ، ~~لاتسع المجال ، وكثر المقال ، وضاع العيال ، ولم يدخل الجنة إلا المحال ، ~~سبحان ذي الجلال . # وأما قول عمروس بن فتح فيما يسع جهله فيما ضيقه المشايخ على الناس وسعه هو . PageV02P016 # قال عمروس : ( والذي يسع جهله من الإيمان حتى يحل تفسيره فما كان من ~~تفسير جملة التوحيد ، مثل أنفاء الحدود على الله - عز وجل - والأقطار ، ~~وإثبات القدرة له والعلم ، وجميع الصنع والحدث أن يضاف إليه أنه صانعه ~~ومحدثه ، وتصديق كل ما جاء به من خبر مما هو كائن أو يكون وإضافة كل شيء ~~إليه مما رأوا وما لم يروا ، وتسمية خلق ذلك الشيء ونسبته إليه وليس معه ~~مكون ، وأنه بائن من صفات المخلوقين ليس كمثله شيء ، فإذا ذكر (4) هذا وحل ~~تفسيره فلا يسعه ووسع جهل الجنة والنار والثواب والعقاب والبعث والحساب ~~والملائكة والكتب والرسل ، في أمثالها ) . # مذهب عزان بن الصقر فيما يروي عن محمد بن محبوب شبيه بمذهب عمروس بن فتح . # قال عزان : ( من شك في التوراة والإنجيل والزبور والجنة والنار ، فإنه ~~يسع جهله ما لم يذكر فإذا ذكر لم يسع . # ومن جهل أن الله يبعث من في القبور فذلك واسع له ، فإذا ذكر لم يسع جهله ~~. فإن شك في الثواب والعقاب ، فواسع ما لم يذكر ، فإذا ذكر أو قامت عليه ~~الحجة لم يسع جهلهما . # فإن شك ms076 فيهما بعد قيام الحجة عليه ، فهو مشرك يقتل إن لم يتب . # وكذلك من شك في القرآن والكعبة والجمعة ما لم تدخل أوقاتهما . فعلى مذهب ~~هذين الإمامين التوسعة ما لم تقم الحجة . # وأما مذهب أبي خزر يغلا بن زلتاف - رضي الله عنه - فإنه قال : ( يسع جهل ~~جميع الحرام ما خلا الشرك ) وإنما أراد بالشرك ما ظهرت منه تسوية الباري ~~سبحانه مع غيره . PageV02P017 # وأما المستخرج من الشرك ، فليس عليه فيه شيء ، فمهما وجب عليه امتثال شيء ~~أو معرفته قضى على المضيع بالحرام ، لا يتجاوزه حتى تقوم عليه الحجة بخلافه ~~، أو يقطع عذره ، مثل الإيمان بالملائكة والكتب والرسل والنبيين والآخرة ، ~~وإنما راعى في ذلك من لا يقول بشرك من جهل وأنكر سوى الله ، فليس عليه شيء ~~حتى تقوم عليه الحجة ، وأسقط عن الناس معرفة النفاق ومعرفة كفر الناقضين ~~لما في أيدينا ، ومعرفة أن ثم كبيرا غير الشرك ولا البراءة في شيء من هذا ، ~~ولا تحريم شيء غير الشرك حتى تقوم عليه الحجة به ويعلم أنه معصية الله ، أو ~~علم أن الله فرضه على العباد فيعلم إذا ضيعوه أن ذلك منهم حرام ، أو علم أن ~~الله تعالى أوجب عليه أو على الناس معرفته فجهلوه ، أو حرام فارتكبوه ، ~~والبراءة من الفعل وليس عليه البراءة من الفاعل ، فأبطل جميع ما كان معصية ~~لله أن يعلمها أو أن يعلم تحريمها ، إلا إذا قامت عليه الحجة بشيء أنه ~~معصية فيثبته حراما لا غير ، ولا يتجاوز به إلى الشرك ولا إلى الكفر ، ولا ~~إلى الكبيرة ، ولا إلى الفسوق ، حتى تقوم عليه الحجة بذلك . # وأما قول القائل : ( لا يسع جهل الناقضين لما في أيدينا ) معناه أن تعلم ~~أنه أتى حراما لا غير ، وبشرط أن يكون الناقض إنما نقض ما أوجبه الله علينا ~~دينا ، وأما نقض ما وراء ذلك مما يسوغ فيه اختلاف العلماء فلا ، بشرط أن ~~يعتقد أن هذا النقض دين الله عنده . # وأما إذا كان برأي ، فالرأي عجز . # وروي عن الشيخ أبي خزر - رضي الله عنه - : أنه كتب إليه ms077 الشيخ جنون بن ~~يمريان أيام كان أبو خزر بمصر في مسائل لا يسع الناس جهلها ، فرد له أبو ~~خزر كتابه ، وكتب إليه بالجملة التي كان يدعو إليها رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) لا غير . # ومن أصح ما روي عن أبي خزر - رضي الله عنه - أنه قال : بلغنا أن ما أسقط ~~عن وهم الإنسان فلا يؤخذ به ، وهذه المسألة من فروع النسيان ، ويجانبها ~~الخطأ . PageV02P018 # ونحن نورد قول الشيخ أبي الربيع سليمان بن يخلف - رضي الله عنه - فيما لا ~~يسع جهله ، قال في ( باب ما لا يسع الناس جهله : مما يجب على كل بالغ عند ~~بلوغه وصحة عقله ، حرا كان أو عبدا ، ذكرا كان أو أنثى ، فعليهم معرفة إن ~~الله واحد لا شريك له ، وأن محمدا عبده ورسوله ، وأن ما جاء به حق من عند ~~ربه ، وأن الله خالق لجميع الأشياء ، وأن له الملائكة والنبيين والرسل ~~والكتب . # وعليهم معرفة جبريل بالقصد إليه وأنه رسول رب العالمين إلى محمد عليه ~~السلام . # وعليهم معرفة محمد عليه السلام إنه رسول رب العالمين إلى الناس كافة ~~والجن كافة ، وأنه خاتم النبيين . # وعليهم معرفة الأب الأكبر آدم عليه السلام باسمه ونبوته ورسالته إلى ~~أولاده ، وأنه أول المرسلين ، وعليهم معرفة القرآن مقصودا إليه ومفروزا ~~إليه من جملة الكتب . # وعليهم معرفة الجنة أنها ثواب لأهل طاعته على طاعتهم لربهم . # ومعرفة النار أنها عقاب لأهل معصيته على معصيتهم لربهم . # وعليهم معرفة الموت والبعث والحساب والعقاب . # وعليهم معرفة تحريم دماء المسلمين بتوحيدهم لربهم ومعرفتهم أياه وأفرادهم له . # ومعرفة تحليل دماء المشركين على شركهم لربهم ومساواتهم له بغيره . # وعليهم ولاية المسلمين جملة . # وعليهم أيضا أن يقصدوا بولايتهم إلى كل من لا يسعهم جهله ، مثل جبريل من ~~الملائكة ومحمد وآدم من النبيين عليهم السلام . # وعليهم البراءة من الكافرين جملة . # وعليهم معرفة جملة النبيين أنهم من نسل آدم . # وعليهم فرز ما بين الكبائر وذلك أن يعرفوا أن الشرك مساواة الله بغيره ، ~~وذلك أن يوصف بصفة غيره ، ويوصف غيره بصفته . # وعليهم معرفة أن الله ms078 أمر بطاعته ، ونهى عن معصيته ، وأنه مثيب على طاعته ~~، ومعاقب على معصيته ، وأن ثوابه لا يشبهه ثواب ، وعقابه لا يشبهه عقاب ، ~~وأن الله موال لأوليائه ومعاد لأعدائه ) . PageV02P019 # وقد قيل عن الشيخ - رضي الله عنه - أنه قال : ( لا يسع جهل الملل وهم ~~اليهود والنصارى والصابئون والمجوس والذين أشركوا ) . # وقد ذكر الشيخ - رضي الله عنه - أنه قال : ( لا يسع جهل موت محمد عليه ~~السلام ، لأم من جهل موته جهل أن الذي في يده من الشريعة ينسخ أو لا ينسخ ، ~~ومن قبيل ذلك أشرك من جهل موت النبي ( صلى الله عليه وسلم ) . # وعليهم ولاية المسلمين من الجن جملة لا يقصد إلى شخص بعينه ، ولا يسع جهل ~~الإسلام والمسلمين والكفر والكافرين ، وذلك أن يعلموا أن الكافرين كافرون ~~بكفرهم ، وأن المسلمين مسلمون بإسلامهم . # وعليهم معرفة كفر من جهل شيئا من هذا كله ، فإن شك في شيء مما ذكرناه فهو ~~كافر والشاك في كفره كافر والشاك في الشاك كافر إلى يوم القيامة . # وعليهم معرفة أن الله حرم دمائهم بهذه الجملة التي ذكرنا ، وبمعرفة ~~أشباهه ما لا يسعهم جهله ولا يسلمون إلا بمعرفته من توحيدهم ربهم وإفرادهم ~~له ، يصح لهم توحيدهم لربهم والمعرفة به ) . # باب القول في أسئلة مبهمة وأجوبة مدهمة # ولنرجع إلى من أغرق النزع وزاد في الوسع خصالا جمة ، وقرنها مع الاعتقاد ~~والشهادة من أول وهلة ، فأوجبها على البالغ من أول بلوغه ، وهي زهاء عشرين ~~خصلة أو أكثر ، وحكم على جاهلها بالشرك ،وفي الشاك والشاك في الشاك بالكفر ~~إلى يوم القيامة . PageV02P020 # وأما قولهم في الأئمة المتقدمين الذين أطلقوا الخناق وأوسعوا الوباق ، ~~وما حالنا نحن الذين لم تبلغ عقولنا ولا علومنا إلى هذا الحد ، والأئمة ~~عمروس ابن فتح ومحمد بن محبوب وعزان بن الصقر وابن بركة العماني وأبو خزر ~~يغلا بن زلتاف وعبد الرحمن بن رستم وابن زرقون . # فأول ما يقع السؤال في هذه المسائل على ثلاثة معان :- # أحدها : إظهار البرهان على قوله من طريق البراهين الدالة على الحق من ~~الكتاب والسنة والإجماع والعقل ولا خامس ms079 إلا التقليد ، فالحق في التقييد ~~دون التقليد ، والتقليد إما باطل ، فإن كان عن معصوم كان حقا ، ولا معصوم ~~إلا المهدي وعيسى ابن مريم عليهما السلام ، والتقييد في الأوجه الأربعة ~~الكتاب السنة ورأي المسلمين والعقل . # الثانية : الحكم فيما بين هذين المختلفين بين موسع ومضيق ،فإن ساغ لهما ~~ذلك ، كانت المسألة فقهية ولا يجاوز أحدهما إلى الآخر أخطأت في رأي الحق ، ~~وإن كانت ديانة فلابد من الحق له عند الله تعالى في أحد هذين المختلفين ~~وخلافه باطل ، وعلى المحق منهما أن يقطع عذر المبطل . # الثالثة : ما حكمهما في هذا الجاهل والشاك ، إن وسعا عليهما جميعا مع ~~تسمية أحدهما له بالشرك وتوسيع أحدهما له ، أو قطعا عذرهما ، أو وسع أحدهما ~~أن يقطع عذرهما أو عذر أحدهما ، ولا يقطع صاحبه عذرهما ، أو عذر أحدهما ، ~~أو عليهما أن يقطعا أولا يقطعا ، ولا يخلو الأمر من تقليد أو تقييد ، ~~فالتقييد قد عاز ، والتقليد غير مقطوع به إلا من معصوم وهم الأنبياء . # وأقل ما في التقليد أن لا نثق بأن الحق في يدك دون غيرك ، وليس لك على ~~المخالف لك مزية تفضلهم بها . # وأمر مسائل مالا يسع الناس جهله يرجع إلى الديانات والأفراق ولا يرجع ~~أمرها إلى المذاهب ، فالقول بين الأديان بين الشرك والتوحيد وبين الأفرق ~~بين الحق والباطل وبين المذهب بين الصواب والخطأ. PageV02P021 # ونحن نبتدئ في مسائل الشيخ أبي الربيع سليمان بن يخلف - رضي الله عنه - ~~مسألة ليتضح لنا تفسير مجملها ، والمعذرة إلى الله تعالى ، وإلى من بلغه ~~كتابنا أن يظهر لنا من علمه ما يكشف عنها به الغمة ، فإن هذا الأمر المتعلق ~~بالدين شأنه عظيم ، وخبره جسيم ، ولا يسعنا فيه إلا الحق عند الله تعالى ، ~~فإن علومنا ضعيفة وأحوالنا خفيفة وعقولنا كليلة وأيامنا قليلة ، مع ظهور ~~الفتن وكثرة المحن ، أعاذنا الله وإياكم من سوابق الشقا وجعلنا وإياكم من ~~أهل الهداية والتقى . # واعلم أن السؤال في كل مسألة من هذه المسائل على أربعة أوجه : أولها ~~البرهان . والثاني : ما حال المختلفين . والثالث : ما حال الجاهل . والرابع ~~: ما ms080 حال الشاك . # أما من طريق التلقى والقبول ، فلابد من التقليد ، والتقليد غير مأمون ~~الخطأ ، وليس صاحبه على بصيرة من أمره ، فإن كان عن تقييد فلابد من البرهان ~~ويصير ديانة بين موسع ومضيق ، ويقطع عذر المخطيء ، والبراءة من وراء ذلك ، ~~وقد ورد عن المشايخ الاختلاف والوجهان ، ولا تكفير . # وكان الشيخ أبو يحيى زكريا بن أبي بكر يتعجب من قول أبي الربيع سليمان ~~ابن يخلف : ( والبراءة فيها وجهان ) . # وقد قال الشيخ أبو جزر يغلا بن زلتاف - رضي الله عنه - : ( لم يبلغنا من ~~العلوم أن البراءة تجب بالرأي ) . # فإن قال قائل : فما الحكم في الجاهل ؟ وهل على المضيق أن يلزمه الشرك ~~وأحكامه من القتل والسبي والغنيمة والبراءة أم لا ؟ PageV02P022 # فإن أجرى عليه هذه الأحكام كلها فما حاله مع الموسع ؟ إن كان ينتصر ~~لصاحبه ، ويبرأ ممن رماه بالشرك ، ويدافع عنه من أراد قتله ، ويدفع عن ماله ~~، ويكون على ولايته له ، ويبرأ ممن برأ منه ، أو يدع الضيق وإنفاذ جميع ~~أحكامه في هذا الجاهل ، أو يقول البراءة فيها قولان ، وقد قال الشيخ أبو ~~خزر - رضي الله عنه - : ( لم يبلغنا في شيء من العلم أن البراءة تجب بالرأي ~~) والقولان إنما تكون في الآرائيات ، وأما الديانات فلا . # فإن قال قائل : ما الدليل على (( أن لا إله إلا الله )) ؟ # قلنا : من كتاب الله - عز وجل - : ( فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر ~~لذنبك وللمؤمنين وللمؤمنات) . # فإن قال قائل : ما الدليل على أننا أمرنا أن نؤمن بالله ؟ # قلنا : قول الله - عز وجل - : ( آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه ~~والمؤمنون كل آمن بالله ) . # فإن قال قائل : ما أنكرتم أن يكون هذا الإيمان غير واجب ولا بفرض ؟ # قلنا : قول رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : (( أمرت أن أقاتل الناس ~~حتى يقولوا ( لا إله إلا الله ) فإذا قالوها عصموا متى دمائهم وأموالهم ~~وسبي ذراريهم إلا بحقها )) . # وهذا وعيد ولا يقع الوعيد والتهديد على غير واجب . # فإن قال قائل : فما الدليل على أن محمدا رسول الله ؟ # قلنا : المعجزات الخارقات للعادات . # فإن قال ms081 : ما الدليل على وجوب الإيمان به والإقرار به ؟ # قلنا : قول الله - عز وجل - : ( آمنوا بالله ورسوله ) والإقرار به : قول ~~رسول الله عليه السلام إدراجه في التشهد : (( أشهد أن لا إله إلا الله وحده ~~لا شريك له ، وأن محمدا عبده ورسوله )) . ومن وراء هذه كلها الإجماع . # فإن قال قائل : ما الدليل على أن الشهادة لرسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) توحيد ؟ # قيل له : لأن الإنكار له شرك . # فإن قال قائل : ومن أين أشرك من أنكر غير الله ؟ # قيل له : لأنه أنكر صفة من صفات الله - عز وجل - ، لأنه مرسل الرسل ، ~~وأنكر اسما من أسمائه . PageV02P023 # فإن قال : فمن أين أشرك من أنكر خلق شيء من الأجسام ؟ # قلنا : من هذا الوجه ، وقد عمد إلى ما يعجز عنه المخلوقون فعزاهم إليهم ، ~~فأثبتهم في القدرة مع الله تعالى كهو سواء . # فإن قال قائل : ما الدليل على أن علينا معرفة جبريل عليه السلام ؟ # فأول ما يقع السؤال على جبريل : هل هو من الملائكة أو غيرهم ؟ # والثانية : ما البرهان على وجوب الإيمان به عند البلوغ ؟ # والثالثة : ما حال المختلفين ؟ # والرابع : ما حال الجاهل والشاك ؟ # وأما إثبات جبريل من الملائكة ، فمن كتاب الله - عز وجل- ، ومن قبل ~~الإجماع ، قال الله تعالى : ( نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من ~~المنذرين ) . وقال : ( من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن ~~الله عد للكافرين ) . # فإن قال : ما الدليل على أن جبريل عليه السلام هو الروح الأمين ؟ وبعد أن ~~يكون روحا فليس ما يدل على أنه من الملائكة ،قال الله - عز وجل - : ( يوم ~~يقوم الروح والملائكة صفا ) فدل أن الروح ليس من الملائكة ، لأنه خصه ~~بالذكر دونهم . # وأما قوله : ( من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله ~~عدو للكافرين ) . # فالذي يدل عليه الخطاب : أن الرسل أقرب المذكورين إلى الملائكة ، وإن كان ~~ولابد فالرسل هم الملائكة ، وأما جبريل وميكال فلم تدل الآية على أنهما من ~~الملائكة ، وإن كان ولابد فهما عطف على الرسل ، على أن الواو قطع ما بينهم ~~، كما ms082 أن الله تعالى قضى بالغيرية بين الميتة والدم ولحم الخنزير ، وليس في ~~المسألة أكثر من الإجماع عند الشغب . # وأما وجوب الإيمان به عند البلوغ وبعده ، فالله أعلم . # وأما حال المختلفين بين موسع ومضيق ، فالله أعلم . # وأما حال الجاهل والشاك ، فهما مشركان عند الشيخ أبي الربيع سليمان بن ~~يخلف ، وسالمان عند الشيوخ المتقدمين . # ومعرفة ما بين الشيوخ وأبي الربيع ، فالله أعلم لم يبلغنا فيها شيء . PageV02P024 # ومسألة أبينا آدم عليه السلام فيها ثلاث مسائل ، وفي كل مسألة أربع مسائل ~~، كمسائل جبريل عليه السلام . # أما الثلاث : فأولها : أن يعرفه باسمه _ آدم _ أنه الأب الأكبر ، لا أب قبله . # والثانية : أنه نبي وعلى الناس معرفة نبوته . # والثالثة : أنه رسول رب العالمين إلى أولاده ، وأنه أول المرسلين وأن ~~جميع الرسل التي على الناس معرفة رسالتهم عليهم أن يعلموا أنهم من نسله ~~ويؤمنوا بهم . # والأولى ما الدليل على أن اسمه آدم ؟ فهذا موجود في كتاب الله - عز وجل - ~~: ( ألم أعهد إليكم يا بني آدم ألا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين ) . ~~فهذا الذي يلزم الإقرار به للمقرين بالقرآن ، وعند السودان أن أبانا أسود ~~وأن اسمه كامشلم ، قالوا : كالقرود أنتم مسختم البيضان كالقرود . # وقد ورد في بعض الآثار : أن الله تعالى خلق آدم أسود فشكا إلى ربه . فقال ~~: يا ربي / إني أسود . فأمره الله تعالى بصيام البيض من الشهر : الثالث عشر ~~والرابع عشر والخامس عشر ، فصام الثالث عشر فابيض ثلثه ، وصام الرابع عشر ~~فابيض ثلثاه ن وصام الخامس عشر فابيض سائره ، والكتاب والإجماع مغن في هذا . # وفي وجوب الإيمان بنبوته أربع مسائل : ما البرهان وما الحكم فيمن أنكر ~~وما الحكم في الجاهل وما الحكم في الشاك ؟ # وفي الرسالة أيضا أربع مسائل : كالنبوة وقول الشيخ ومعرفة القرآن مقصودا ~~إليه مفروزا إليه ، ومعرفة أنه من جملة الكتب ، وفي هذه المسألة أيضا أربع ~~سؤالات كغيرها : # أولها : ما البرهان ، والثانية : حكم المختلفين ، والثالثة : حكم الجاهل ~~، والرابعة : حكم الشاك . # أما البرهان على أن علينا معرفته والإيمان به خصوصا من جملة الكتب ms083 . يقول ~~الله - عز وجل - : ( يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذي ~~نزل على رسوله والكتاب الذي أنزل من قبل ) . PageV02P025 # فإن قال قائل : إن الإيمان به مقصودا ليس بواجب علينا ، لقول الله - عز ~~وجل - في عقب هذه الآية . ( ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم ~~الآخر فقد ضل ضلالا بعيدا ) فكرر الوعيد على إخوانه واستثناه منها ، فصح أن ~~الإيمان به فضيلة لا فرض خصوصا . # وأما حكم المختلفين فالله أعلم . وحكم الجاهل فالله أعلم . وحكم الشاك ~~فالله أعلم . # وقال الشيخ : ( وعليهم معرفة الجنة أنها ثواب لأهل طاعته على طاعتهم ~~لربهم ومعرفة النار أنها عقاب لأهل معصيته على معصيتهم لربهم ) ، ~~والمسألتان ففي كل واحدة أربعة أوجه كما قدمنا . # فالجواب : فالله أعلم . ومن وراء الأربعة أوجه . هل الثواب والعقاب ~~واجبان على الله - عز وجل - أم غير واجبين ؟ أو أحدهما دون الآخر ؟ وهل يجب ~~علينا لعبيدنا أجرة خدمتهم أشغالنا ؟ # الجواب : ليس علينا من أجرتهم شيء وإنما علينا ما يقيمهم لا خدموا أو لا ~~لم يخدموا . # اعلم أن أحوال المكلفين تختلف ، ولو أبطلنا الثواب والعقاب كانت المعصية ~~إباحة لا تكليفا ، ولكن الثواب من فضل الله على المؤمنين والعقاب بمقتضى ~~الحكمة واجب للكافرين . # وقد ينوب أحدهما مناب الآخر ، فيقول الله - عز وجل - : اعملوا ، فمن عمل ~~فله أجره ومن لم يعمل خاب ، فيكون الحرمان في مقام العقوبة ، وربما يقول ~~الله تعالى : اعملوا ، فمن لم يعمل عوقب ، ومن عمل سلم من العقوبة ، فتنوب ~~السلامة مناب الثواب . # وقول الشيخ - رضي الله عنه - : ( وعليهم معرفة الموت والبعث والحساب ~~والعقاب ) ففي كل واحدة من هذه أربع مسائل صارت ست عشرة مسألة ، ولم نجد في ~~القرآن ما يدل ظاهره على الوجوب. PageV02P026 # وأما الموت فعلمه ضروري ، فما باله في المفروضات ؟ قالوا إن الموت لأجل ~~البعث ، وفيما يروي عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أنه كان إذا قام ~~من الليل يتهجد قال : (( اللهم لك الحمد أنت نور السموات والأرض ، ولك ~~الحمد أنت رب السموات والأرض وما فيهن ، اللهم أنت الحق ، وقولك الحق ms084 ، ~~ووعدك الحق ، ولقاؤك حق ، والجنة حق ، والموت حق ، والبعث حق )) ، في كلمات ~~يقولها ، روى ذلك ابن عباس ليلة بات عند رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~، فسمعه يستفتح الصلاة بها ، ولم يذكر هاهنا الثواب . # وقول الشيخ : ( وعليهم معرفة تحريم دماء المسلمين بتوحيدهم لربهم ~~ومعرفتهم إياه وإفرادهم له ، ومعرفة تحليل دماء المشركين على شركهم بربهم ~~ومساواتهم له بغيره ) ، وفي هذه المسألة ما ذكرنا في غيرها . # وقد ورد عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) شيء من هذا في خطبته في ~~عرفات قال : # (( أيها الناس أي يوم هذا ؟ # قالوا : يوم حرام . # قال : أي شهر هذا ؟ # قالوا : شهر حرام . # قال : أي بلد هذا ؟ # قالوا : بلد حرام . # قال : فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام ، كحرمة يومكم هذا ، في ~~شهركم هذا ، في بلدكم هذا . # قال : ألا هل بلغت ؟ # قالوا : اللهم نعم . # قال : اللهم أشهد ، ليبلغ شاهدكم غائبكم )) . # فإن استدلوا من هذا الحديث بأن الأعراض لم تبلغ حرمة الأموال ولا الأموال ~~حرمة الدماء ، وهل يبلغ من جهل هذا عند البلوغ الشرك ؟ والشاك والمختلف ~~فالله أعلم . # وقول الشيخ : ( وعليهم ولاية المسلمين جملة ، وعليهم أيضا أن يقصدوا ~~بولايتهم إلى كل من لا يسعهم جهله : مثل جبريل من الملائكة ومحمد وآدم من ~~النبيين عليهم السلام ، وعليهم البراءة من الكافرين جملة ) . PageV02P027 # واعلم أن ولاية المؤمنين الكون معهم على دينهم وتأدية حقوقهم من ~~الاستغفار والتعاون على البر والتقوى ، ولم ينص إلا على الاستغفار ، وقال ~~الله - عز وجل - : ( واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات ) . والبراءة ~~مفارقة الكافرين ومباينتهم . # وأما ذكر جملة النبيين أنهم من نسل آدم فقد تقدم . # وقال الشيخ : ( وعليهم فرز ما بين الكبائر؛ فذلك أن يعرفوا أن الشرك ~~بمساواة الله بغيره؛ فذلك أن يوصف بصفة غيره، أو يوصف غيره بصفته) . # وأما قوله : ( أن يفرز ما بين الكبائر ) . فعلى قول الشيخ أبي خزر - رضي ~~الله عنه - : ( اعلم أنه يسع جهل الحرام ما خلا الشرك ، والاحتلال والإصرار ~~إذا علم ) . # وكذلك باقي الدين إذا علم ، وإنما الكلام على من لم يعلمه . # فليس على أحد أن ms085 يعلم أن ثم كبيرة أو كفرا أو شركا غير الشرك الظاهر أو ~~نفاقا ، وليس عليه من كفر الناقض ، أكثر من أن يعلم أنه أتى حراما لا من ~~براءته حتى يعلم كفره أو نفاقه أو شركه الخفي ، ولا أن أوجب الله على شيء ~~من المعاصي النار ما خلا الشرك . # وفي المساواة ما فيه ، والتسوية أفصح ، وقول الله - عز وجل - عن الكفار : ~~( إذ نسويكم برب العالمين ) . # وأما قوله : ( أن يوصف بصفة غيره ، ويوصف غيره بصفته ) وهذا معنى لا لفظا . # وقال الشيخ : ( وعليهم معرفة أن الله أمر بطاعته ونهى عن معصيته ، وأنه ~~مثيب على طاعته ومعاقب على معصيته ، وأن ثوابه لا يشبهه ثواب وعقابه لا ~~يشبهه عقاب ، وأنه موال لأوليائه ومعاد لأعدائه ) . وفي هذه المسائل ~~أخواتهن الأول . والسؤال في الأوجه الأربعة قائم . # وأما حكاية الشيخ - رضي الله عنه - ( أنه لا يسع جهل الملل وهم اليهود ~~والنصارى والصابئون والمجوس والذين أشركوا ) . فهذه أبعد من هذه المسائل ~~كلها وأخمل . PageV02P028 # ولم تبلغ درجة اليهود والنصارى والمجوس والذين أشركوا أن يقرن الله تعالى ~~بالإيمان بهم ، فالإيمان به منزلة لم تبلغها أنبياؤهم : إبراهيم وموسى ~~وعيسى ، بل هم أخس من ذلك . # ولو كان شيء من ذلك لكان إبليس اللعين أولى أن ينوه به ، لعظم ضرره على ~~الدين وأولياء الله المخلصين وعداوته لأبيناء آدم عليهم السلام ، وقد ذكره ~~الله - عز وجل - في القرآن ونوه به ونبه عليه فقال عز من قائل : ( ألم أعهد ~~إليكم يا بني آدم ألا تعبدوا الشيطان أنه لكم عدو مبين ، وأن أعبدوني هذا ~~صراط مستقيم ، ولقد أضل منكم جبلا كثيرا أفلم تكونوا تعقلون ) . # وقال : ( يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع ~~عنهما لباسهما ليريهما سوءاتهما إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم إنا ~~جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون ) # وقوله : ( وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر ~~وكان من الكافرين ) . # وقوله - عز وجل - : ( قل أعوذ برب الناس ، ملك الناس ، إله الناس ، من شر ~~الوسواس الخناس ، الذي يوسوس ms086 في صدور الناس ، من الجنة والناس ) . وأمرنا ~~بالتعوذ منه لعظم ضرره وشأنه ، وأسقطوا عن الناس معرفته مع ظهور الأمر ~~بالتعوذ منه . # وذكر الشيخ أبو الربيع عن أبي عبد الله محمد بن بكر - رضي الله عنهما - ( ~~أنه لا يسع جهل موت محمد عليه السلام لأن من جهل موته جهل أن الذي في يده ~~من الشريعة ينسخ أولا ينسخ ومن قبيل ذلك أشرك من جهل موت النبي عليه السلام ) . # واعلم أن النسخ من بعض أوصاف الشريعة ليس على الناس من معرفته ولا ~~الإيمان به ولا الإقرار به ، حتى تقوم عليهم الحجة بذلك ، وأحرى أن الذي ~~يجوز عليه النسخ ليس مما يشرك به جاهله ، لأن التوحيد لا يجوز عليه النسخ ، ~~وإنما يجوز في الفرائض التي دون التوحيد . # ولو شك في جميع الفرائض التي فرضها الله عليه أو جهلها ، لما أشرك . # ولو جهل أن الله تعالى افترضها عليه لما أشرك . PageV02P029 # ولو شك أن الله تعالى افترض الصلوات الخمس أو جهل فرضها ، أو جهل أن الله ~~تعالى أمر بها ، أو أنها طاعة لله - عز وجل - لما أشرك في شيء من هذا بجهله ~~إياه وشكه فيه ، حتى يتعدى الشرك إلى الموت . # وقد وقع بعد رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في شريعته شبه النسخ وفي ~~أحكام نصوص القرآن والسنة المتفق عليها بإجماع الأمة بعد رسول الله عليه ~~السلام النسخ ، أو الاستثناء إن كان كبر عليكم التخصيص بل مصادمة المنصوص ~~لعلل ومعان طرأت ، فأجازوها وأمضوها ولم يشكوا بعد تركها حكم المنصوص ، وهي ~~السنن التي أحدثها عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - في ذوي القربى والمؤلفة ~~قلوبهم ، والفيء وعتق أمهات الأولاد على مواليهم ، وإسقاط الجزية والذل ~~والصغار عن نصارى بني تغلب ، ورد أراضي الفيء مشاعا لجميع المسلمين شركاء ~~أهله الذين غنموه . # وقد تقدم سنة رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في قسمة خيبر على قسمة ~~الغنائم ، فلم يشرك من فعل هذا بل ساغ له فعله ، فكيف يشرك في جوازه ، بل ~~من جهل موت محمد عليه السلام . # ويشرك أيضا ms087 من جهل موت عمر بن الخطاب بأن النسخ جائز له ، وقد قال رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) : (( إنكم في زمان التارك لعشر ما آمر به هالك ~~، وسيأتي على الناس زمان العامل بعشر ما آمر به ناج )) . والله أعلم . # وقد وردت عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أخبار المهدي أنه يكون في ~~آخر الزمان ، كادت أخباره أن تكون ضرورية ، وأنه يملأ الأرض عدلا وقسطا بعد ~~إذ ملئت ظلما وجورا . # وفي التسمية أعظم درجة من التسمية بالهادي ، كظهور فضيلة عمار بن ياسر ، ~~لقول رسول الله عليه السلام : (( إن الحق ليزال ما زال عمار )) . ولم يقل ~~أن عمار هو الذي يتبع الحق بل الحق في أثر عمار . # وقد ساغت لعمر بن الخطاب أمور كثيرة ، أفلا يسوغ للمهدي مثلها ، أو أعظم منها . # وجاهل النسخ لا يشرك فيشرك بجهل السبب الذي ربما كان مؤديا إلى المسبب أو ~~غير مؤد . PageV02P030 # وقول الشيخ - رضي الله عنه - ( وعليهم ولاية المسلمين من الجن جملة لا ~~يقصد إلى شخص بعينه). # اعلم أن مسألة الجن في الوجوب عويصة ، ولكن ما الدليل على وجود الجن ؟ # أولا : قال الله تعالى : ( يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من ~~أقطار السموات والأرض فانفذوا ، لا تنفذون إلا بسلطان ) . # وقوله : ( من الجنة والناس ) . وإجماع الأمة . # فإن قيل : فها هنا طائفة من اليهود والأطباء ينكرونهم ويقولون : إنها ~~السوداء إذا غلبت على الناس . # قلنا : لا يعبأ بهم بعد القرآن وإقرار الناس بذلك من لدن أبينا آدم عليه ~~السلام إلى اليوم . # وأما قول من قال : إنه واجب علينا الإيمان بهم عند البلوغ وولايتهم فالله أعلم . # فأي شيخ من المشايخ قال : ( وليس علينا من معرفة الجان شيء ) والسؤال عن ~~الأحكام قائم . # وإن سأل عمن وطئهم فكسرهم أو عزم عليهم فقتلهم ، فليس علينا من أمور ما ~~بيننا وبينهم شيء حتى يظهروا . # فإن سأل ما الدليل على أن فيهم مسلمين ؟ # قلنا : قول الله - عز وجل - : ( وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون ) ~~إلى آخر قصتهم ورجوعهم إلى قومهم منذرين ms088 ، وداعين إلى الله تعالى وإلى ~~كتابه ودينه وقولهم لقومهم : ( أجيبوا داعي الله ) ( ومن لا يجب داعي الله ~~فليس بمعجز في الأرض ) . وهذا وعيد يدل على التكليف ، فأثنى الله - عز وجل ~~- عليهم بالدعاء إليه وإلى طاعته ولم يعقب بالذم فهناك علمنا أنهم مسلمون . # فإن قال : هذا نص أو استخراج . # قلنا : استخراج يقوم مقام النص ، ولم يختلف عليه أحد . وفي ( قل أوحي إلي ~~) أعظم بيان . PageV02P031 # وقول الشيخ : ( ولا يسع جهل الإسلام والمسلمين والكفر والكافرين ، وذلك ~~أن يعلموا أن الكافرين كافرون بكفرهم ، وأن المسلمين مسلمون بإسلامهم ، ~~وهذا كله مما لايسع جهله كل بالغ عند بلوغه إلا أن يعلمه ، ويعلم أن الله ~~ألزمه علم ذلك ، وأن الله أوجب على العلم به ثوابا ، وعلى الجهل به عقابا ، ~~وعليهم معرفة كفر من جهل شيئا من هذا ، فإن شك في شيء مما ذكرنا فهو كافر ، ~~والشاك في كفره كافر ، والشاك في الشاك كافر يوم القيامة ) . # والأسئلة المبهمة قائمة في هذه المسألة كما قدمنا ، وفيها زيادة العلة ~~أنهم إنما كفروا بكفرهم ، وأنهم آمنوا بإيمانهم . # وقول الشيخ : ( وعليهم معرفة إن الله حرم دماءهم بهذه الجملة التي ~~ذكرناها وبمعرفة هذا وأشباهه مما لا يسعهم جهله ، ولا يسلمون إلا بمعرفته ~~من توحيد ربهم وإفرادهم له ، فصح لهم توحيدهم لربهم والمعرفة به ) . # والسؤال عن الأربعة الأوجه قائم إلى الآن . # وقد يؤثر عن عمروس بن فتح التوسعة ، وعن محمد بن محبوب وعزان ابن الصقر ~~وعبد الرحمن بن رستم وأبي خزر يعلا بن زلتاف وابن زرقون التوسعة في هذا كله ~~، حتى تقوم به الحجة . # واعلم أن طرق الحجة والبرهان أربعة أوجه : الكتاب والسنة والإجماع والعقل . # أما الكتاب : أن يكون البرهان فيه منصوصا أو مستخرجا ، فإن كان منصوصا ~~فلا كلام . # وأما المستخرج فيه فمحتمل والمحتمل ساقط من يد المحتج ، إلا أن يقع ~~الكلام في الفقهيات المظنونات فعند ذلك يكون المستخرج حجة . # وأما السنة فلها ثلاث أوجه : # أولها : صحة الطرق وإثباتها من الوجوه التي تثبت به . # والثاني : صحة الحديث المتن . # والثالث : استخراج الفقه والمعاني منه . # وفي ms089 صحة الطرق وجهان : تواتر وآحاد ، فالتواتر هو الحجة ، وطرق الآحاد هو ~~الحجة في العمل لا العلم . PageV02P032 # والإجماع إجماعان : إجماع أهل العلم من الأفراق مع العامة . فذلك الإجماع ~~المقطوع به في أمور الديانات وشبهها ، والإجماع الذي يتعلق بأهل الصناعة ~~دون الأول وهو حجة في الفعل لا العلم . # وأخبار الآحاد على وجهين : مأثور ومسند ، والمأثور حجة في العقول والعمل ~~، والمسند في الأعمال. # باب اختلاف الناس في الكفر والكبير والمعصية والسيئة والخطيئة # وإذ ذكرنا وجوه الإيمان فنحن نريد أن نذكر ضده الكفر . # اعلم أن الشرك قد أجتمع الناس عليه أنه كفر . # واختلفوا في كفر الأفعال فأثبته بعض وأبطله آخرون فمن أبطله السنية ~~والمعتزلة ، ومن أثبته الأباضية والخوارج . # وأما الشرك فقد ذكرناه في غير هذا الموضع وفنونه الأربعة . # ومعنى قول الشيخ : ( وندين بهذا ) يتصرف على وجهين : على الدين والديانة . # فأما على الدين بمعنى أنه سائغ هذا في ديننا واخترناه على غيره من غير ~~قطع العذر في خلافه ، وأما بمعنى الديانة فبقطع العذر وقطع الشهادة أنه دين الله . # وذكر مسائل جمة ، ذكر فيها : ( وندين لله ) . ولم يفرق بين التصويب ~~والديانة ، فأول ما ابتدئ به ذكر كفر الأفعال . # واعلم أن كفر الأفعال ثابت لغة وشرعا كتابا وسنة ورأيا وعقلا . # أما في اللغة ، فالعرب تقول لمن أنكر نعمتك عليه ، أو لمن لم يكافئك ~~عليها : كفر نعمتك وكفر إحسانك ، في الوجهين جميعا ، جحودا أو منعا عن ~~مكافأتك . # وأصل الكفر الاستفساد إلى ولي النعمة . فقضوا عليه من أجل اللغة أنه كفر . # وقال عنترة : # والشكر في الأفعال أظهر وضده الكفر ، وفي منع المكافآت أكثر . وحسبنا ~~الله ونعم الوكيل . # وأما كفر الأفعال : فمن كتاب الله - عز وجل - قوله : ( ولله على الناس حج ~~البيت من استطاع إليه سبيلا ، ومن كفر فإن الله غني عن العالمين ) . PageV02P033 # فقصره أهل الإقرار والإنكار على الإقرار والإنكار ، وأطلقه أهل الجميع ~~إلى الجميع ، فما الحاجة إلى الإقرار مع منع الفعل ، والحاجة إلى الفعل ~~أظهر منهما إلى الإقرار . # وهذه التسمية تتوجه إلى الفعل في الظاهر فإن خصوا عممنا ولنا ms090 الحجة عليهم ~~والفضل . # واعلم أنه إنما وقع الخطاب على المؤمنين المصدقين بالله لا على المشركين ~~المنكرين ، أفتقع مطالبتهم في الإقرار ولو سامحناهم لقضينا به في المعنيين ~~جميعا ، وللفعل مزية ليس مراد الباري سبحانه من العباد الإقرار بل الامتثال . # وقول سليمان عليه السلام : ( ليبلوني أأشكر أم أكفر ومن شكر فإنما يشكر ~~لنفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم ) . خاف عوارض الجسد . # وقول الله - عز وجل - : ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ~~) . فالحكم في الفعل وتركه ، فمن أقر ولم يحكم كمن صلى ولم يوتر ، ومن حكم ~~ولم يقر قضى الوطر . # وأما ثبوت الكفر في الأفعال من السنة فقول رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) للأقرع بن حابس حين سأل رسول الله عليه السلام عن الحج فقال : الحج ~~علينا يا رسول الله في كل عام ؟ فقال عليه السلام : (( لو قلت نعم لوجبت ، ~~ولو وجبت ما قدرتم عليه ، ولو لم تفعلوا لكفرتم )) ، وهذا الخطاب يتوجه إلى ~~فعله دون إيجاب فرضه . # فإن قالوا : إنما يتوجه الخطاب إلى إيجاب فرضه دون فعله . # قلنا : فما الحاجة بمن أقر لك بدينك ومطلك ولو قضاك وأنكرك لكان أيسر . # وقد روى عن أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة - رضي الله عنه - مثل ما قالوا . # ولن يضرنا أنه أراد الله - عز وجل - بهذا الخطاب اليهود الذين أنكروا ~~نزول القرآن على محمد عليه السلام . # وقال عليه السلام : (( من ترك الصلاة كفر )) . وقال عليه السلام : (( ليس ~~بين العبد والكفر إلا تركه للصلاة )) . # وقال عليه السلام : (( ألا لا ترجوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض )) . ~~وليس هناك شرك يضرب به بعضهم رقاب بعض إلا الفتنة والملك . PageV02P034 # وقال ( صلى الله عليه وسلم ) : (( من أتى امرأة في دبرها كفر ، ومن أتى ~~امرأة حائضا كفر )) . وقال : (( الرشا في الحكم كفر )) . # وقوله للنساء : (( تصدقن فإني اطلعت على النار فرأيت أكثر أهلها النساء ~~والأغنياء )) . # فقالوا : بم ذلك يا رسول الله ؟ # قال : (( بكفرهن )) . # فقالوا : يا رسول الله بكفرهن بالله ؟ # فقال عليه السلام : (( بكفرهن العشير ، ألا ترى إحداهن ms091 تمكث مع زوجها ما ~~شاء الله ، فإذا ما رأت منه شيئا تكرهه قالت : ما رأيت منك خيرا قط )) . # وقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : (( لا تماروا في القرآن فإن ~~مراء فيه كفر )) . # وأما ثبوت كفر الأفعال فمن جهة الرأي : فإن أهل البصائر من المسلمين ~~نظروا إلى ما أنفذ الله الوعيد فيه من الأفعال وأوجب عليه النيران والخلود ~~، فقضوا باسم الكفر على من دخل النار ولقبوهم أعداء الله والفاسقين ~~والظالمين ، وسائر أسامي أهل النار تعميما لقول الله - عز وجل - : ( أعدت ~~للكافرين ) . # فمن تعدى إلى ذات الله - عز وجل - وصفاته ، وشبهه فيها بغيره صار كافرا ~~مشركا . # ومن استعصى عليه في أوامره ونواهيه واتخذ معصيته ديدنة وحرماته دينا ، ~~وأصر واستكبر عن عبادته ، أفيقصر هذا عن اسم الكفر لأجل ما قصر عن الشرك ~~واستظهروا بما ورد من الآيات والأحاديث على قولهم واستبصروا فيه ، فمن قصر ~~علمه عن بلوغ هذا الحد عذرناه . # فإن جاوز وانتهك أحد الشروط المذكورة التي قدمنا هلك ، وهاهنا ينبغي أن ~~يراعى قول الإمام الأجل أبي الشعثاء جاب بن زيد - رضي الله عنه - : ( لا ~~يحل للعالم أن يقول للجاهل : اعلم مثل علمي وإلا قطعت عذرك .ولا يحل للجاهل ~~أن يقول للعالم : اجهل مثل جهلي وإلا قطعت عذرك . فإن قال العالم للجاهل : ~~اعلم مثل علمي وإلا قطعت عذرك . قطع الله عذر العالم ، وإن قال الجاهل ~~للعالم : اجهل مثل جهلي وإلا قطعت عذرك . قطع الله عذر الجاهل ) . PageV02P035 # فإن قال قائل : ما يمنعكم من تشريكهم ، وقد ردوا القرآن والسنة والعربية ~~والرأي ؟ # قلنا : امتنعنا من تشريكهم حين لم يواجهوا النص ، وكفرناهم إذ انتهكوا ، ~~وعذرناهم إذ توقفوا ، وصار كفرهم كفر نعمة . # فإن قالت المعتزلة : إن الذي لم يحج ليس بكافر لكنه فاسق ، قضوا نصف ~~الحاجة ، واحتملناهم إذا قالوا رأيا . # وأما المرجئة إذ قالوا : إنه ليس بكافر ، واسمه مع ذلك مؤمن . # قلنا : قطعا أو مجازا . # فإن أرادوا بذلك البدن كان حقيقة ولا حقيقة عند من لم تصدق أفعاله أقواله ~~، ورد الله - عز وجل - مذهبه بقوله : ( أولئك هم ms092 المؤمنون حقا ) إذ قيده ~~بحرف من حروف الحصر وشروط معلومة . قال الله - عز وجل - : ( إنما المؤمنون ~~الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ~~ربهم يتوكلون ، الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون أولئك هم المؤمنون ~~حقا ) . # ومعنى الذي نقول لأولئك هم المؤمنون كذبا . # وإن أرادوا بقولهم ( مؤمن ) مجازا وإنما غلب عليهم التفرقة بين أسماء ~~الأبدان وبين أسماء الأفعال ، فقضوا بالثبوت لأسماء الأفعال فحسبهم جهلهم ~~واغترارهم . # وقد تقدم قولنا إن الأسماء غير مخصوصة بزمان مخصوص ، إن أردت به الفعل ~~كان مجازا ، وإن أردت به البدن كان حقيقة ولا حقيقة عند من لم تصدق أفعاله ~~أقواله . # ولما نظروا إلى جمهور خطاب الله بالمؤمن بمعنى المقر والمدعي الإيمان . ~~قال الله - عز وجل - : ( ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن ) . حسبوا أنه ~~المؤمن المجاز ، أو نسوا ما ذكروا به من قول الله - عز وجل - : ( أفمن كان ~~مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون ) وهذه التفرقة بيننا وبين المرجئة رضينا ~~باللباب وقنعوا بالقشر . PageV02P036 # وقد يتفق ما قالت المرجئة : من ذلك أحيانا مشرك وصدق في إيمانه غفر الله ~~- عز وجل - له من ذنبه ما تقدم وما تأخر ، فأتاح الله من اخترمه من الدنيا ~~، فصار إلى الجنة كحال السحرة مع فرعون ، آمنوا إلى موسى عليه السلام ، ~~فإخذهم فرعون وصلبهم وقتلهم وهم في مائة ألف وخمسين ألفا ونيف وصاروا إلى ~~الجنة . # وأخرى أصحاب أهل الكهف وهم فتية آمنوا بربهم وزادهم هدى ورغبوا إلى ربهم ~~في الرحمة والرشاد ( فقالوا : ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا ~~رشدا ) . فمن الله عز وجل عليهم أن ضرب على آذانهم في الكهف سنين عددا ، ثم ~~أحياهم وردهم لطفا من الله تعالى ومنه عليهم ، إذ حال بينهم وبين التكليف - ~~مع فقد الأنبياء والهادين - إلى النوم الذي غشيهم فصار لهم كالموت ، إن لله ~~ألطافا خفية ، فسلموا من المعاصي ولم يرتكبوها ، ومن الفرائض لم يلتزموها ، ~~فصاروا من أهل الجنة . # وأخرى : لو ابتلوا عقيب إيمانهم وتوحيدهم بالجنون وفقد العقول ، كانوا كذلك . # ولو ms093 سرى بمن أسلم بعد إيمانه وصعد به إلى السماء ، حيث لا فرائض ولا ~~معاصي ، لكان كذلك . # وكذلك لو صادف دين الصابئين دينا قلت فيه الفرائض ، أو وقع بجزيرة من ~~جزائر البحور ، حيث لا يرى أنسيا ولا جليسا إلى الموت . # وكذلك من ألهم من المشركين الإيمان به ولم ير من يقيم الحجة بدين نبي من ~~الأنبياء ، وصادف دين أبينا آدم عليه السلام . # وأخرى : لو كان من أهل المعاصي والذنوب والموبقة ، وكان الله - عز وجل - ~~من عليه بدين ليس فيه بدعة ، وفتح الله تعالى له باب التوبة ، أو أحد ~~أسبابها عند الموت ، أو قتل في سبيل الله ، أو من عليه بالحسنات التي تذهب ~~السيئات ، أو المصائب التي تكفر الذنوب ، أو استوت حسناته مع سيئاته وسلم ~~من البدعة والإصرار ، أو من عليه بالدعاء والاستغفار وفتح له باب الجنة عند ~~الموت ، لكان أقرب إلى السلامة في هذا . PageV02P037 # وإنما أنكرنا على المرجئة خصلتين : البدعة والإصرار ، فمن التزمهما صار ~~من أهل النار ، ومن سلم منهما فهو في مشيئة الكريم الغفار ، ولن يليق بحكمة ~~الباري سبحانه مسامحة من عاند وأبى ودان بخلاف دين الله العزيز الحكيم . # ومن أصر واستكبر وتمادى وعثى وبغى وطغى ، حتى أتى عليه المنون بالخبر ~~اليقين والحق المبين وقد قال : ( ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد ) ~~. فأيأسهم من تبديل الوعيد . # فإن قال قائل : فلم أطلقتم عليهم اسم كافر حين أتوا شيئا من الكبائر ، ~~وقد كانوا على عهد رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يأتون الكبائر ولا ~~يسمون بهذا الاسم ، فما عبتم على الخوارج الذين يسمون أهل المعاصي باسم ~~الشرك . # قلنا : لما كانت الكبائر على عهد رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~مستخفى بها من منافق أو مؤمن فلتة ، أو عن عمد فتاب ، أو ذات حد فأقيم الحد ~~عليه فصار مغفورا له ، فلما كان في هذا الزمان الذي ظهرت فيه المعاصي ~~والكبائر وطاعة الجبابرة معلنين يتبجحون بها على رؤوس العالمين ، فطاعة ~~الجبابرة عندهم لآثر من طاعة الرحمن ، ومعصية الرحمن أوهن عندهم من معصية ms094 ~~الجبابرة ، ففاقت المعاصي المعهودة الخفية ، وأربت على المعاصي ذوات الحدود ~~المغفورة ، سميناهم كفرة ، ولم تبلغ بهم تسمية الخوارج المارقة ، ~~باستعمالهم السبي والغنيمة في إخوانهم الموحدين ، وأطلقنا عليهم اسم الكفر ~~وأردفناه بالنفاق . # أما إخواننا القدرية ، فإنهم عموا عن الكفر وعمشوا عن النفاق وأطلقوا سم ~~الفسوق وقضوا حاجة حين قضوا عليهم بجميع أحكام أهل النار ، ونفوهم من جميع ~~أسماء الأخبار وأحكام المؤمنين الأبرار ، فاحتملنا جهلهم فيهم وغلطهم فيهم ~~إذ نفوا عنهم اسم الكفر واسم النفاق ، وقضوا حاجة حين سموهم فساقا وأثبتوا ~~لهم الخلود في النار ، وأصابوا إذ لم يرموهم بالشرك كالخوارج . PageV02P038 # فأما إخواننا المرجئة ، فإنهم نظروا إلى أنفسهم لا غنى لهم عن المعصية ~~ولا صبر دونها وقد تنغصت عليهم بالوعيد الشديد والخلود في النار يوم الخلود ~~، عمدوا إلى ما أنزل الله تعالى على نبيه محمد ( صلى الله عليه وسلم ) أول ~~مرة في دعائه المشركين الجاهلين إلى الدخول في الإسلام ، والباب الذي فتح ~~لهم من الإيمان ، وعظم ما وعد الله للداخلين في الإيمان من الثواب الجزيل ~~والأجر الجليل استصلاحا لعباده وتسهيلا لهم في الدخول في الإسلام ، وترغيبا ~~لهم في عظيم الثواب ، فلما دخلوا في الإسلام وتمكن في قلوبهم الإيمان ~~خاطبهم وقال : ( ألم ، أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ~~ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين ) . ~~ثم عقبوا إلى الوعيد الذي عقب به الباري سبحانه في آخرية الإسلام على ~~المعاصي والذنوب وأبطلوه ولاشوه ( ويوم القيامة ترى الذي كذبوا على الله ~~وجوههم مسودة أليس في جهنم مثوى للمتكبرين ) فاحولت أعينهم عمدوا إلى ~~الناسخ فأبطلوه ، ورضوا بالمنسوخ وقبلوه ، وارتاحت أنفسهم بالخروج من النار ~~تسليا وتوليا بعد قول الله - عز وجل - حكاية عن اليهود ( وقالوا لن تمسنا ~~النار إلا أياما معدودة ، قل أتخذتم عند الله عهدا فلن يخلف الله عهده أم ~~تقولون على الله مالا تعلمون ، بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك ~~أصحاب النار هم فيها خالدون ) . ائتموا بإخوانهم اليهود ... # وأما الخوارج فحسبهم قول رسول الله ( صلى ms095 الله عليه وسلم ) : (( إن ناسا ~~من أمتي يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية ، فتنظر في النصل فلا ترى ~~شيئا ، وتنظر في القدح فلا ترى شيئا ، وتنظر في القديدة فلا ترى شيئا . ~~وتتمارى في الفوق )) .. PageV02P039 # وأما قول الشيخ - رضي الله عنه - : ( وندين بتفسيق أهل التأويل ) . فإن ~~الشيخ أراد به من ذهب إلى تشبيه الباري سبحانه بخلقه ولم يصرح ، والجحود ~~دون التصريح ، وحاد عن مذهب المسلمين الصحيح . # فإن وقفوا توقفنا ، وحسبناهم جهلتنا ، وأن تغشموا وتقحموا أحد الشروط ~~الثلاثة هلكوا ولا عذر. # وأما قوله : ( فندين بإنفاذ الوعيد والوعد ) إلى ما ذكر فإنه كذلك ، ~~ولهذا الوعيد شروط : أولها : عدم التوبة ، الثاني : خلوده من الحسنات ، ~~والثالث : الاسترجاع ( 1 ) في مصيبة تكفر الذنوب ، بشرط أن يموت على ~~الكبيرة فاعلها ولم يتب مصرا أو مبتدعا يدعو الناس إلى بدعته ، كما قال ~~المختار بن عوف الكندي - رحمه الله - : ( الناس منا ونحن إلا عابد وثن ~~وطاعنا وباغيا وصاحب بدعة يدعوا إليها ) . # وقد عارضوا بالمشيئة مشيئة الباري سبحانه ، حيث يقول : ( إن الله لا يغفر ~~أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) . # وقال جابر بن زيد : ( قد أخبرنا الله تعالى بمشيئته فيهم . أولها التوبة ~~: قال الله تعالى : ( وإني لغفار لمن تاب ) . والثاني : الحسنات قال تعالى ~~: ( إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين ) والثالث : الاسترجاع عند ~~المصيبة قال الله تعالى : ( الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا ~~إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون ) ) . # فوعد أفضل من المغفرة ، وما وراء هذا معاند مصر طاغ مستكبر ، وقالب فروته ~~يدعوا إلى بدعته ، ولا سبيل للمشيئة في هذين لإبطال الحكمة فيهما . # فمن أجازهما فقد عزى إلى الله - عز وجل - وجها غير وجه الحكمة ، وهم إلى ~~الهلاك أقرب ، فما يمنع هذا أن يجيزه في الشرك لقول الله - عز وجل - : ( إن ~~الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم ) . # ولو وعد المغفرة والرحمة من وراء ذلك لرجعت المعاصي بحال الإباحة ، ولم ~~يبق إلا أن يأمرهم بها ، ولاسيما إن كان ms096 من أحد الشروط الثلاثة واحد . PageV02P040 # وادعاؤهم أنهم يخرجون من النار بعد دخولهم فيها ، وزعموا أنه صح عندهم من ~~جهة الحديث ، والحديث غير المشهور ولا المتواتر ، لا يوجب العلم ولا القطع ~~إلا عين الغرور بعد قول الله - عز وجل - : ( وقد قدمت إليكم بالوعيد ما ~~يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد ) . # ومن زعم أن تلك النار هي المحشر ، فهو أعذر ، لأن الناس يلقون في المحشر ~~شدائد عظيمة ، وتدنو منهم الشمس قاب ذراعين على رؤوسهم ويسودون حتى لا يبقى ~~منهم من البياض إلا نكتة في نحورهم ، ثم يجلى ذلك عنهم حتى يبيضوا ،هم ~~أصحاب الأعراف ويدخلون بعد ذلك الجنة وهم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم # وأما من قال منهم : ( إن الجنة والنار والآخرة لهن انقضاء ) فقد هلك ، ~~سواء قاله عن رأي عن ديانة ، وهذا إجماع من الأمة . # وأما قوله : ( بأن لا منزلة بين منزلتين ، بين الإيمان والكفر ) . فقد ~~نقضت القدرية هذا بقولهم وحكمهم على أن أهل الكبائر ليسوا بؤمنين ولا ~~كافرين قال الله- عز وجل - : ( أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون ) . ~~فلقب الرب تعالى هذا الفاسق بالكفر فقال : ( وأما الذين فسقوا فمأواهم ~~النار الذي كنتم به تكذبون ) . وقد قال الله - عز وجل - : ( وإن جهنم ~~لمحيطة بالكافرين ) . # فالمؤمنون في الجنة ، والكافرون في النار ، والفاسقون في البرزخ على ~~قولهم ، أو على الأعراف ، الذين لم يدخلوا الجنة وهم يطمعون . # وقول المرجئة : ( أمة محمد ( صلى الله عليه وسلم ) لا تعرض على النار ) ، ~~ولابد من المحصول ، هذه الأمة ، إن أرادوا جميع من أرسل إليه رسول الله ~~عليه وسلم من اليهود والنصارى والصابئين والذين أشركوا ويأجوج و مأجوج ~~وغيرهم ، أشركوا . # وإن أردوا جميع استجاب لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ولو من ~~المنافقين ، أشركوا . # وإن أرادوا المخلصين ، أصابوا . PageV02P041 # وإن أرادوا أهل الكبائر ولو كانوا مصرين أو مبتدعين ، هلكوا مع عدم ~~الشروط التي يكفر الله بها الخطايا من التوبة وأخواتها ، فقد افتروا على ~~الله كذبا ، وضلوا ضلالا بعيدا حين جعلوه يبدل القول لديه. # وأما قول الشيخ - رضي الله عنه ms097 - : ( وندين بأن المنافقين غير مشركين ) ~~اعلم أن الشيخ قال : وندين بأن المنافقين غير مشركين . وإنما أراد أن ~~المعنى الذي صاروا به منافقين من جهة الأفعال . # وقد اختلفت الأمة في هذه المسألة فقال جل الأمة : إن المنافقين إنما ~~نافقوا من جهة الاعتقاد ، لأنهم اعتقدوا خلاف ما أظهروا ، ليس النفاق في ~~الأفعال بشيء ، وهو قول السنية والمعتزلة والروافض من الشيعة . # وأما قول الأباضية بأسرها : إن النفاق في الأفعال دون الاعتقادات . ~~وبعضهم يقول : إن المنافقين الذين كانوا على عهد رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) مشركون ، والنفاق بعد رسول الله عليه السلام في فعل الكبير . # واعلم أن اسم النفاق اسم شرعي ، ولكل واحد من هؤلاء الأفراق متعلق . # وقول الشيخ : ( وندين ) أراد به ونصوب ، ولم يؤثر اختلافهم في تغيير شيء ~~من أحكام الإسلام إلا في قول من أبطل العقاب على الكبير ، فإن اتخذه ديانة ~~هلك وإلا صار من جهلتنا . # واعلم أن النفاق هو الخفاء مأخوذ من نافقاء اليربوع كما تقدم ، فكان ذلك ~~في زمان خوفهم من رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فأخفوا ما بطن من ~~معاصيهم . # وأما اعتقادهم ، فأخفى ، ولم يعلم ما في اعتقادهم إلا من جهة القرآن . ~~فقال هؤلاء : صاروا منافقين بإظهار الشهادة والاعتقاد . وأخفوا المعاصي . ~~وقال هؤلاء : بإظهار الشهادة . وأخفوا الاعتقاد. # لا يصح الحكم على الاعتقاد إلا من جهة الكتاب ، وقال للرسول عليه السلام ~~: ( لا تعلمهم نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين ) . PageV02P042 # وقال أيضا : ( ولتعرفنهم في لحن القول ) . فمعرفتهم في لحن القول علم ~~مظنون ، ومن جهة القرآن علم متيقن ، ونحن نشير إلى حجج كل واحد من هؤلاء ~~المختلفين إنصافا وعدلا ، ونستحكم عليهم الكتاب والسنة حكما وفصلا ونقضي ~~بذلك شرعا وعقلا . # واعلم أن اليربوع لحفرة أربعة أسام . منها : الرهطاء والداماء والقاصعاء ~~وهي معروفة عند العرب ، وله النافقاء وهي التي أخفاها إلى وقت الحاجة إذا ~~طلب من حفرة الثلاث خرج من الرابعة . # وأشار الشرع إلى أن من أخفى بعض أمروه وأظهر بعضها أورى عن الناس منافق ~~ويتجه ذلك إلى الاعتقاد ويتجه إلى الأفعال ، فأنزل الله ms098 - عز وجل - عن ~~الذين تخلفوا عن الهجرة هذا الاسم ، ولقبهم به . # وذلك أن أناسا من أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) كانوا بمكة وقد ~~أسلموا فهاجر رسول الله عليه السلام ولم يهاجروا ، فلما نزل فرض الهجرة ~~وقطع الله عذر من لم يهاجر ، اختلف فيهم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~، فقال بعضهم : هم مشركون كما كانوا أول مرة إذ لم يهاجروا . فقضوا عليهم ~~بحكم أهل الدار . # وقال الآخرون : بل هم مؤمنون مسلمون ، فأنزل الله تعالى حكمه فيهم ، ~~وتسميتهم بخلاف ما سموهم به المختلفون ، يعاتب أصحاب رسول الله عليه ~~والسلام على الاختلاف ، فلو أطبقوا لأصابوا الحق . # وقال من قال إن النفاق في الأفعال إنما وقع من جهة ترك الهجرة وهو فعل ~~واستدلوا بقول الله - عز وجل - : ( فما لكم في المنافقين فئتين والله ~~أركسهم بما كسبوا ) فقال من شركهم قول الله - عز وجل - : ( والله أركسهم ~~بما كسبوا ) أي ردهم إلى ما هم فيه أول مرة ، فأشاروا إلى الشرك . # والأركاس عند العرب : الرجوع إلى أسوأ حال الرجل ، أركسهم الله فارتكسوا ~~بما كسبوا من ترك الهجرة ، وهذه عتاب لمن عذرهم . PageV02P043 # وقال : ( أتريدون أن تهدوا من أضل الله ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا ) ~~ثم قال الله عز وجل إخبارا عن ضمائرهم : ( ودوا لو تكفرون كما كفروا ~~فتكونون سواء ) فقضوا بالشرك حين حكى الله تعالى عليهم الكفر ، ولا كفر في ~~ذلك الوقت إلا الشرك . # وقال الله - عز وجل - : ( فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا في سبيل ~~الله ) قال يريد المواريث ولا يتوارث أهل ملتين . # وقال الآخرون في قوله : (( أركسهم )) أن ترك الهجرة رجوع إلى الهلاك الذي ~~فيه أهل الشرك ، فالكفر أحد أسباب الهلاك ، وترك الهجرة كذلك . # وقوله : ( ودوا لو تكفرون كما كفروا ) فأوجه الكفر كثيرة ، ولا يقصرها ~~إلى الشرك ، أي ودوا لو تركتم الهجرة كما تركوها ، فهو الكفر الذي ودوه هم ~~، فتكونون سواء ، فشملهم اسم الكفر ، فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا ~~في سبيل الله ، وقالوا : التراحم والاستغفار ثم قال : ( فإن تولوا فخذوهم ms099 ~~واقتلوهم حيث وجدتموهم ولا تتخذوا منهم وليا ولا نصيرا ) . # فالتولي هاهنا : الرجوع إلى الشرك ، ولو كانوا في الشرك ما قال : ( فإن ~~تولوا فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم ) . # فاستثنى الله تعالى منهم الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق ، يريد ~~ينتسبون إلى المشركين الذين بينكم وبينهم ميثاق ، فشملهم وإخوانهم الميثاق ~~والعهد على أنهم تولوا والأتصال والانتساب . قال الأعشى : # وأكثر ما في القرآن التولي إشارة إلى الشرك ، كما قال : الذي كذب وتولى - ~~ويحتمل - وقال : ( فأنذرتكم نارا تلظى لا يصلها إلا الأشقى الذي كذب وتولى ) . PageV02P044 # والأصل أن من كان على عهد رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) من المنافقين ~~، قلما يسلمون من الشرك من مخالفتهم الرسول ومناقضته وكراهته بما جاء به ، ~~ومحبتهم أن تكون الدائرة بينه وبين عدوه عليه ، ويظهر سلطان المشركين عليه ~~، وإرادتهم انفضاض جمعه ، ووسيلتهم إلى المشركين وإلى اليهود بإظهار بعضه ~~وما جاء به ، واستثقالهم بجميع أموره ، وقلما يسلم من كان هكذا من الشرك ، ~~وإظهار ما وصفهم الله تعالى به في القرآن بالشرك بالله قال الله - عز وجل - ~~: ( إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله ~~والله يشهد أن المنافقين لكاذبون ) . # من هذا الذي يشهد بأنهم يشهدون بعد شهادة الله تعالى إنهم كانوا كاذبين ، ~~وليس بعد شهادة الله شهادة : ( اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله إنهم ~~ساء ما كانوا يعملون ) . # ولم يأخذ عليهم في شيء إلا في الشهادة كذبا ، فقال : ( ذلك بأنهم آمنوا ~~ثم كفروا ) . # ولا ينفى عنهم من الكفر شيء بعد أن أثبته الله لهم ، فطبع على قلوبهم ، ~~فالطبع خلاف الاختيار في مذمة كبيرة ، وأرى الذم يتوجه إلى القلب دون ~~اللسان الذي كذبوا به ، ( وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله لووا ~~رؤوسهم ورأيتهم يصدون وهم مستكبرون سواء عليهم استغفرت لهم أم لم تستغفر ~~لهم لن يغفر الله لهم إن الله لا يهدي القوم الفاسقين ) . # والفسوق مأخوذ من فسوق الرطبة . # ومن أثبت لهم شيئا من الإيمان بعد شهادة الله تعالى بالفسوق منهم محتاج ~~إلى دليل ms100 ، ( ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون ) جاء الفسوق هاهنا أشد ~~من الكفر . # وقال الله - عز وجل - أيضا : ( لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ~~ينفضوا ولله خزائن السموات والأرض ولكن المنافقين لا يفقهون ) . PageV02P045 # فمن لم يفقه ويؤمن أن لله خزائن السموات والأرض فليس يعرفه ، ولا يطلب ~~ويحب انفضاض بيضة الإسلام عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إلا مشرك ، ~~وقوله : ( يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ولله ) ( ~~1 ) نفوا العزة عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وأثبتوها لأنفسهم لهم ~~المشركين ، ولئن أثبتوا العزة لله ولرسوله ونفوها عن أنفسهم لهم الصادقون ، ~~فليختر المختار من هذين المذهبين ما شاء ، ثم قال الله - عز وجل - : ( ولكن ~~المنافقين لا يعلمون ) فيا سبحان الله وهل العلم إلا في القلب ؟ وقد نفاه ~~الله تعالى عنهم . أهؤلاء صفة الموحدين الذين اعتقدوا أن لله خزائن السموات ~~والأرض ، وله العزة ولهم الذلة ؟ أو لهم العزة ولله الذلة ، تعالى الله ولا ~~نعمت عين ، وحسبك القرآن كله على هذا النمط وحسبك منه ( آمنوا بأفواههم ولم ~~تؤمن قلوبهم ) .. فهذا هو النص في عين الفص . # ثم قال ( ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكون من ~~الصالحين ، فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون ) وأنت تعلم ما ~~في التولي .( فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما ~~وعدوه وبما كانوا يكذبون ) فأوى عقوبة خلف الوعد باللسان والكذب به أن ~~أعقبهم النفاق في القلوب إلى يوم يلقونه منافقين بالقلوب صادقين الأفعال . # وقوله : ( ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا ~~منها إذا هم يسخطون ) . # فمعاذ الله أن يلمز رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) من يعتقد أنه رسول ~~الله ، ولن يفعل ذلك أحد إلا وهو مشرك . # وأما أمر الأحكام الجارية عليهم من حكم الإسلام ، فليس فيها دلالة على ~~صدق ضمائرهم . PageV02P046 # ولو كانت ضمائرهم صالحة وأسرارهم صادقة مع كذب ألسنتهم التي شهد الله ~~تعالى عليها بالكذب ، لكان حسبهم ms101 خروجا من ملة الإسلام مع ما عزاه الله ~~تعالى إليهم من إرادة انفضاض بيضة الإسلام والإيمان ، وتشفي المشركين من ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) والمؤمنين لكان أعظم الشرك . # ولن يشهد لهم بالإيمان بالقلوب إلا من علم الغيب أو رجل يودهم . # ولن ينفع الإسلام والمسلمين تبرئتهم من الشرك شيئا . # ولن يضر الإسلام والمسلمين نسبتهم إلى الشرك ، وما علينا أن نحسدهم الشرك ~~، والشرك المستخفى به نفاق ، وليس في الإحكام ما يدل على بواطنهم وإنما ~~يتعامل الناس في الدنيا بما ظهر ، وبالضمائر يوم تبلى السرائر . # ولو أن أحدا يقضى على شركة بالأفعال لكانوا هم ، وقد عرفنا الله - عز وجل ~~- من خبيث ضمائرهم أفحش من ظواهرهم ، وقد أغنانا الله تعالى عن ذلك بما ~~عرفنا من سرائرهم . # ومن ادعى معرفة الضمائر والاعتقاد ، وعلم ما في الفؤاد من غير تعريف الله ~~- عز وجل - ، فقد جاوز علمه ومعرفته علم العباد . # وإن ادعى الاستدلال بالأحكام على أنهم أبرياء من الشرك والارتداد وحسن ~~سلامة الاعتقاد فهو أقرب إلى الخطأ والفساد . # فلو قاس البواطن على الظواهر ، لكان أعذر من أن يقيس الظواهر على البواطن ~~، ظواهرهم خبيثة وبواطنهم أخبث . # والمسلمون ظواهرهم طيبة ، وبواطنهم طيبة ، ليس في الأحكام دليل ، وهاهنا ~~بعض أحكام المسلمين جارية على اليهود والنصارى وليسوا بموحدين . # وإنما وقع الاختلاف بين الأمة في أهل الكبائر ، فأطلق عليهم أهل البصائر ~~في الدين اسم النفاق ، وقاسوهم على من قبلهم من أهل الشقاق ، وامتنع ~~الآخرون وقالوا النفاق في الخفاء والفساد ، وهؤلاء السلاطين وجنودهم . PageV02P047 # وأهل الطاعة لهم ليسوا بمنافقين لأن أفعالهم ظاهرة ، وهذا أمر بني على ~~الرأي والاختلاف ما لم يتجشم ويقتحم أحد أحد الشروط المتقدمة ، وقد سئل ~~حذيفة بن اليماني عن هؤلاء الفجرة ، حين ظهرت كبائرهم ولم يستخفوا بها ، هل ~~هم منافقون فقال : ( لا ، هؤلاء كفروا كفرا مبينا ) ونعذرهم إن ذهبوا مذهب ~~حذيفة . # فإن قال قائل : ما الحكم فيمن نفى عن صاحب الكبيرة اسم النفاق ؟ # قلنا : لا ضير ما أثبت لهم الفسوق ، ولم يجعلوه مؤمنا مستحقا للجزاء ~~كالمرجئة أو قضى له بالخروج. ms102 # وكذلك من منع اسم الكفر عن صاحب الكبيرة ، فلا حرج ما لم يبغ . # وكذلك إن أطلق عليه اسم مؤمن ومسلم يريد بمعنى الإقرار بالتوحيد والحكم ~~به ، ولا يوجب له به الجزاء في الآخرة دون الأعمال ، فجميع ما قلنا صحيح ~~وبعض ما قالوه خطأ ، ولا نقطع عذرهم به ، وهم جهلتنا ، حتى يصدموا أحد ~~الشروط الثلاثة ، كما قال جابر بن زيد : ( لا يحل للعالم أن يقول للجاهل : ~~اعلم مثل علمي وإلا قطعت عذرك ) وبالعكس كذلك . # مسألة :- # وقول الشيخ - رضي الله عنه - : ( وندين بأن الله يغفر الصغائر باجتناب ~~الكبائر ، ولا يغفر الكبائر إلا بالتوبة ) ، وندين هاهنا بمعنى : نصوب ~~ونستحسن . # واعلم أن الناس قد اختلفوا في هذه المسألة من جهة الأحكام الشرعية ~~وأساميها . # قال بعضهم : الشرك أعظم الذنوب ، والكبير دونه ، وفوق المعصية . # والمعصية دون الكبير وفوق الخطيئة . # والسيئة دون المعصية وفوق الخطيئة . # والخطيئة دون السيئة وفوق الكراهية . # والكراهية دون الخطيئة وفوق الإباحة . # والتوحيد أفضل من الفرائض ، والفرائض دونه . # والفرائض أعظم من النوافل والنوافل دونها . # والنوافل أعظم من المباح والمباح دونها . قال الله تعالى : ( إن تجتنبوا ~~كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم ) الآية . PageV02P048 # وعلى هذا القول : السيئة دون الصغيرة ، والصغيرة غير مكفرة باجتناب ~~الكبائر ، وهو قول ابن عباس : ( ليس فيما يعصى الله به صغير ) ، فإنه ذهب ~~إلى مناهي القرآن أنها الكبائر ، ومناهي السنة هي الصغائر وليست بمعصية ، ~~ولم تدخل في الغفران باجتناب الكبير ، ولا تدخل في الغفران إلا السيئة فما ~~دونها وهي الخطيئة ، ولم تدخل السيئة في المعصية فوقع الإجماع على السيئة ~~فما دونها بدليل الخطاب وبقيت المعصية كلها في الوعيد والكبير . # وقال الشيخ : لأن الكبيرة لا تغفر إلا بالتوبة ، قال الله - عز وجل - : ( ~~إن الله يغفر الذنوب جميعا ) وقال ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما ~~دون ذلك لمن شاء ) . # وقال : ( إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم ) . # وقال : ( ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا ) . # فأطلق في الأولى ولم يشترط . فقال : ( إن الله يغفر ms103 الذنوب جميعا ) . # وأطلق في الرابعة ولم يشترط فقال : ( ومن يعص الله ورسوله فإن له نار ~~جهنم خالدين فيها أبدا ) . فجاءت الآيتان عموما . # ومن شرط العموم أن حكم الخصوص جار عليه وحاكم عليه فخص في الآيتين ~~المتوسطتين ، وعلق الغفران إلى التوبة ، فقال : ( وإني لغفار لمن تاب ) . ~~فاجتمعت الأمة على هذا وصح ، وأطلق أهل السنة المشيئة على الكل قلنا : ~~والشرك ؟ قالوا : لا . فخصوا . # قال جابر بن زيد - رضي الله عنه - : ( قد أخبرنا الله - عز وجل - عن ~~مشيئته فقال : قد شاء أن يغفر بالتوبة قال الله - عز وجل - : ( وإني لغفار ~~لمن تاب ) . # والثاني : الحسنة . قال الله تعالى : ( إن الحسنات يذهبن السيئات ) . # والثالث : المصائب : قال الله تعالى : ( وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت ~~أيديكم ويعفو عن كثير ) . وقال : ( الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله ~~وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون ) . ~~فوعدهم أعظم من الغفران . PageV02P049 # وفحوى الخطاب : أن الغفران حاصل إذا حصل الوعد الجميل والأجر الجزيل ، ~~قال ( صلى الله عليه وسلم ) : (( ما من مصيبة يصاب بها العبد المسلم إلا ~~كفر بها من خطاياه حتى الشوكة يشاكها )) . # وقال عليه السلام : (( الموت كفارة لكل مؤمن )) وقد قيل : ( إن القتل في ~~سبيل الله كفارة ) . # وقال عليه السلام : (( إن الشهيد يغفر له عند أول قطرة تقطر من دمه )) . # وقال عليه السلام : (( إن الصلوات الخمس كفارة لما بينها )) # وقال عليه السلام : (( إن صلاة الجمعة كفارة لما بينها وبين الجمعة ~~الأخرى )) . # وقال في الذي سقى الكلب : (( فشكر الله فعله فغفر له )) . # والرابع : شفاعة المصطفى عليه السلام : روى ضمام بن السائب - رضي الله ~~عنه - : (( إذا فصل الله بين الخلائق في المحشر ذهب أهل الجنة إلى الجنة ~~وأهل النار إلى النار قال الله - عز وجل - لمحمد عليه السلام : اذهب اشفع ، ~~فيأتي عليه السلام إلى المحشر ، فيختار منهم جماعة إلى الجنة ، فيقول الله ~~- عز وجل - ارجع فيرجع ويأتي بجماعة منهم إلى الجنة ، فيقول الله - عز وجل ~~- ارجع فيرجع ويأتي بجماعة إلى الجنة ، فيقول الله - عز وجل - ارجع ms104 فيقول ~~عليه السلام : يا رب لم يبق إلا من حسبه الكتاب ، فيعزل الله منهم طائفة ~~إلى الجنة مع ما فيه أهل الأعراف )) . # قال ضمام : ( هم قوم استوت حسناتهم مع سيئاتهم ، فأتت شفاعة الجواد ~~الكريم الرب الرحيم على من كان في قلبه مثقال حبة من الإيمان ) . # وقد جاء الحديث به مشهورا عند أصحاب الحديث وذكره ضمام بن السائب عن رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) . # قال ( صلى الله عليه وسلم ) : (( من قال : لا إله إلا الله مخلصا من قبله ~~دخل الجنة )) . هذه رواية أصحاب الحديث ورواية ضمام أعظم. # قال : قال رسول الله عليه السلام : (( من كان في قلبه مثقال حبة من إيمان ~~دخل الجنة )) . PageV02P050 # وسعة رحمة الله كثيرة ، ولا مطمع فيها لصنفين : مصر على معصية الله عازم ~~أن يلقى الله - عز وجل - بها يوم القيامة ، ومبتدع في دين الله - عز وجل - ~~منعكس منتكس عن الله تعالى . # وقال الشيخ - رضي الله عنه - : ( وندين بتكفير من زعم أن معصية الله - عز ~~وجل - كلها كفر ، وطاعته كلها توحيد ) . # واعلم أن الشيخ قد أطلق هاهنا : ( وندين ) وهي على الشروط المتقدمة وإلا ~~فالرأي عجز . # فممن أثبت أن معصية الله كفر : ابن عباس حين قال : ( ليس فيما يعصى الله ~~به صغير ) ، وما ليس بصغير فهو كبير ، وما هو كبير فهو كفر . # وغرض الشيخ ومراده مذهب الخوارج الذين زعموا أن معصية الله كلها كفر ن ~~وأكدوا أنها شرك ، وديانتنا فيهم أنهم كفروا حين حققوا ما قالوا بالفعال ~~وبالقتل والسبي والغنيمة . # ولو اقتصروا على قولهم دون فعلهم ن لكان لهم فيه مندوحة وقد وقع الشرط في ~~الأفعال وهو الرياء ، فليس ذلك بمخرجه من أحكام الرياء إلى أحكام الشرك . # وإن عكست الطاعة أنها إذا شابها التقرب فهو توحيد ، فما فيه أكثر من ~~الغلط على اللغة ، ولو ورد به الشرع لجاز . # ومراد الشيخ في ( وندين ) كما تقدم بمعنى نصوب إلا لمن انتهك أحد الشروط ~~فهو هالك . # وقول الشيخ - رضي الله عنه - : ( وندين بأن جميع ما أمر الله به إيمان ، ~~وليس جميع ms105 ما نهى الله عنه كفرا ، وبامتنان من منان إذ جعل طاعته كلها ~~إيمانا ، ولم يجعل معصيته كلها كفرا ) . # اعلم أن معنى : ( وندين ) هاهنا بمعنى ونصوب وليس بمعنى نتدين . وأن ~~الصحيح كما قال الشيخ : إن جميع ما أمر الله به تعالى وندب إليه إيمانا ، ~~وإنما يقع القول هاهنا في أوامر الله - عز وجل - هل هي على الوجوب أو على ~~الند ؟ حتى يرد ما يوجب الالتزام أو على الفور أو على التراخي . PageV02P051 # واعلم أن الناس قد اختلفوا في هذا كله ، فأوجب بعضهم أن جميع ما أمر الله ~~تعالى به فرض ، ولا يقع الأمر على النوافل لكن الندب والدعاء إليها ~~والتحضيض والترغيب والطاعة ، وأما الأمر فلا ، وهذا قول عمروس بن فتح ، ~~وبعض الأئمة على هذا القول . # فليس يصلح في المسألة ندين إلا بمعنى نصوب لا بمعنى نتدين لئلا يقطع عذر ~~عمروس في أمر مختلف فيه الأمة ، وهو مما يسوغ للفقهاء الاختلاف فيه . # واستدل من قال بهذا القول بقول الله : ( وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى ~~الله ورسوله أمرا أن تكون لهم الخيرة من أمرهم ) . # ولم يسوغ لهم التخير بين الفعل والترك فأكد ذلك بقوله عقب هذا ( ومن يعص ~~الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا ) . # وقوله - عز وجل - أيضا لإبليس اللعين : ( ما منعك أن تسجد إذ أمرتك قال ~~أنا خير منه ) . # ولو احتمل الأمر التأخير أو التخيير لاعتل بذلك إبليس ، فيقول : أمر الله ~~على الندب حتى يرد ما يوجبه ، أو على التراخي حتى يرد ما يضيقه ولأصاب ~~إبليس اللعين مندوحة وفسحة . # وقول رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : (( لولا أن أشق على أمتي ~~لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة وعند كل وضوء )) ومعلوم أنه ندبهم إليه . # وقالت الأشعرية : إن أوامر الله تعالى على الوقف ، قلنا لهم : قفوا . # وأما الدليل على أن الإيمان جميع طاعة الله - عز وجل - مأمورا بها ~~ومندوبا إليها ، قول الله - عز وجل - حين انتقلوا إلى استقبال الكعبة ~~وتركوا استقبال بيت المقدس ، فقالت اليهود : ما حال صلاتهم أول مرة إلى بيت ~~المقدس ms106 ؟ يعيبون المسلمين بذلك وأنهم قد أبطلوا أجور صلواتهم إلى بيت ~~المقدس ، قال الله تعالى : ( وما كان الله ليضيع إيمانكم ) . يعني صلواتهم ~~إلى بيت المقدس . # فلو قال قائل : إنما يريد إيمانهم في استقبالهم بيت المقدس ، وأما ~~الصلوات فإنها ضاعت . PageV02P052 # قلنا : هذا آخر اليهود . فإن الله تعالى بشر المسلمين ببشارتين : الواحدة ~~أن صلاتهم غير ضائعة والثانية : أن تلك الصلوات نفسها إيمان ، فجعل هذه ~~التعزية مكان التهنئة ، وقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : (( ~~الإيمان نيف وسبعون خصلة أعلاها : شهادة أن لا إله إلا الله ، وأدناها : ~~إماطة الأذى عن الطريق )) . # وقال عليه السلام : (( الحياء من الإيمان )) . # وأما قول الشيخ - رضي الله عنه - : ( وندين بأن الله خالق وما سواه مخلوق ~~، وأنه خالق لوحيه وكلامه ، وجاعل له ، ومحدث له ) . # وقوله : ( وندين ) هاهنا محتمل ما لم يقع أحد الشروط الثلاثة ، وذلك أن ~~هذه المسألة وقع فيها بعض المغالطة ، وكذلك مسألة الأسماء ، أسماء الله ~~تعالى . # واعلم أن من شروط التناظر اتفاق المتناظرين على المعنى الذي أرادوا أن ~~يتناظروا عليه ، فلابد من اتفاق عليه وإلا كان الكلام لغوا ، يسأل من يقول ~~: القرآن غير مخلوق . ما هذا القرآن الذي تريده وما حده ؟ # فيقول : إن الكلام أولا إنما يكون في النفس منا ثم يظهر على ألسنتنا ~~فيكون الظاهر والباطن كلاهما كلاما ، فنظرنا إلى القرآن الظاهر عن كلام ~~الباطن قام ونظرنا إلى كلام النفس قد يكون في النفس قبل ظهوره إلينا ، ~~وأمور النفس عندنا آكد من أمور الجوارح ، والله تعالى لا يشبهه شيء في صفة ~~ولا ذات ، فعلمنا أن كلامه كعلمه . # فقلنا : الكلام ، والقرآن إذ هو الكلام ليس بمخلوق . ثم قلنا لأهل الظاهر ~~الذين يقولون : هذا المسموع هو القرآن : ما القرآن عندكم ؟ # فقالوا : هو هذا المسموع بالآذان المتلو باللسان المقطع بالحروف المتعلق ~~إلى الظروف المحتمل للتصريف الموصوف بالتربيع والتثليث والتنصيف ، وفي صدور ~~الذين أوتوا العلم حجة الآخرين . # فها هنا وقعت المغالطة . # فإن اعترف أصحاب الظاهر لأصحاب الباطن بما قالوا صح قولهم : إنه الكلام ~~في النفس ، وأنه معنى في النفس على قول ms107 الأشعرية . PageV02P053 # وإن اعترف أصحاب الباطن لأصحاب الظاهر بما قالوا : إن الكلام هو هذا ~~المسموع صح أنه مخلوق . فعلى كل واحد منهم أن يقيم الحجة على ما قال . # وإن أقاما ، صح ما قالا : هذا صفة وهذا فعل . # وإن عجز أحدهما صح ما قال الآخر . # وإن عجز جميعا صح ما قالا جميعا أو بطل . # واستدل أصحاب الباطن بقول الأخطل التغلبي شعرا :- # واستدل الآخرون بقول الله - عز وجل - : ( وإن أحد من المشركين استجارك ~~فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ) . # فقال أصحاب الظاهر لأصحاب الباطن : صاحبكم نصراني ، ولا ينصت إليه في ~~تفسير لغة العرب ، وإنما يكون حجة في القول بها والخطاب إذا خاطب بها ، # ونحن استدللنا بكتاب الله - عز وجل - وما في الفؤاد غير مسموع بالآذان . # وقال آخرون : أثبتناه صفة لأن ضده منفي عن الله تعالى وهو الخرس . # فقال الآخرون : لم يكن الخرس للكلام بضد وإنما هو آفة ، وضد الكلام ~~السكوت وليس بآفة ، كما لا يجوز أن نقول ضد القدرة الخرس أو النوم أو الجوع ~~أو العطش ، فهذه آيات ومجموعها هو ضد القدرة ، وبعد أن يكون الكلام في ~~النفس ككون الفعل في النفس فلا يكونان صفة . # وإنما قلنا ككونهما في النفس متعلق إلى علم الله - عز وجل - ، بعلم الله ~~في علمه ، الذي إن ظهر كان كلاما ، وإن أظهر كان فعلا . # وقد علم الله تعالى كون الخلق في الأزل وكون الخلق يوما ما وحينا ما . # وقد علم الله - عز وجل - الكلام في الأزل ، وكون الكلام يوما ما وحينا ما . # وقولنا الله متكلم لم يزل كقولنا خالق لم يزل ، لأن الأسماء ربما تسبق ~~الأفعال لم ترتبط الأسماء بزمن مخصوص والأفعال ذاته بذواتها على أزمانها . # وهذه المسألة قد جاز فيها المتكلمون وليس فيها من الحيرة أكثر مما ترى . ~~فإن سلم أحد من الشروط الثلاثة كان المصيب فيها غانما والمخطئ سالما . ~~والسلامة أقرب إلى من استدل بقول الله - عز وجل - دون من استدل بقول ~~النصارى والمبتدئ بقطع العذر منها ظالم . PageV02P054 # وقول الشيخ - رضي الله عنه - : ( وندين ms108 بتصويب أهل النهر في إنكارهم ~~الحكومة يوم صفين بين علي ومعاوية ) . # واعلم أن قوله في هذه المسألة ( وندين ) لا يحتمل أكثر من قطع العذر ~~لانتهاك علي حرمة الداء ، فلو لم يقع إلا القول ولم يتجاوزوا فيه إلى قطع ~~العذر وانتهاك حرمة الدم لكان فيها ما فيها من الوسع ، ولكن الأمور التي لا ~~تقتضي حكما وليس إلا بوار الغم ، ولا يؤدي إلى قطع العذر إلا رأي ففيه ~~احتمال والله أعلم . # باب : القول في الأفراق # ونحن نشير هاهنا إلى الأفراق التي أشار إليها رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) في أمته ، وقد قال رسول الله عليه السلام : (( ستفترق أمتي على ثلاث ~~وسبعين فرقة كلهن إلى النار ما خلا واحده ناجية وكلهم يدعي الناجية )) . # واعلم أن الإشارة هاهنا إلى الأفراق لقطع العذر ، وأنهم أصحاب النار ، ~~وإنما يتوجه الخطاب هاهنا إلى المبتدعين وهي كل فرقة تدينت . # ونص رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) على ثلاث طوائف ، وهي المرجئة ~~والقدرية والمارقة ، ونص المسلمون بعده على ثلاث : وهي : الرافضة وغاليتها ~~والمجسمة والمشبهة . # أما المرجئة فلا مطمع فيهم ، لأن الله تعالى شرع معالم الإسلام للأنام ، ~~ونص على معالم الكفر والآثام ، فأمر ونهى ، ووعد وأوعد ، ورغب ورهب ، ودعا ~~إلى طاعته بجزيل الثواب ، وزجر عن معصيته بأليم العقاب . # فعمدت المرجئة إلى هذه المعاني كلها ، فهدمتها ولاشتها ، بزعمهم ترغيبا ~~منهم للناس في الدخول في دين الله مثل ما يفعل الأنبياء عليهم السلام في ~~الدعاء إلى الإسلام تسهيلا عليهم ، فاقتصروا هم على قولهم : من قال : لا ~~إله إلا الله دخل الجنة . وصدقوا ، ولكن بقي عليهم الشرط الذي شرطه رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) حين قال : (( من قال لا إله إلا الله مخلصا من ~~قبله دخل الجنة )) . # ولن يبلغ هذه الرتبة إلا من جد واجتهد في الأفعال فترك العوائق من ~~المعاصي والآثام . PageV02P055 # ولو قيل لأحد : إن كنزا بمكان كذا وكذا ، لدأب وتعب ونصب ، وأنفق الأموال ~~ليتفق له الحال ، وحاد عن المطال . # لكن المرجئة أغرقت بالمعاصي طلابها ، وسهلت إلى الشهوات أسبابا وفترت ms109 ~~النفوس عن الطاعة ، باستغناء الناس عنها بقول : لا إله إلا الله . فلم ~~يدعوا شيئا يوجب عمل الطاعة إلا أوهنوه حتى قالوا : أمة أحمد لا تعرض على ~~النار . # فأين الخوف والرجاء والعمل والتقى مع هذا ؟ فلهذا لعنهم رسول الله عليه ~~السلام ، ولعنهم سبعون نبيا ممن ابتلوا بهم ونسوا ما ذكروا به من قبل ، قال ~~الله - عز وجل - : ( ألم ، أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا ~~يفتنون ) . ما على أمة أحمد عليه السلام أضر منهم ولا لإبليس أعون فيهم ، ~~ولا للآخرة أجهل منهم سحقا بهم وسحقا . # وأما القدرية فأنهم ناهبوا الله - عز وجل - في أفضل خلقه ورموا الشركة ~~بينهم وبين ربهم ، فله خلق ولهم خلق ، غير أنهم حازوا أفضل الأشياء لأنفسهم ~~وهو التوحيد والإسلام والإيمان ، وتركوه وأفعال البهائم والأنعام وسائر ~~الأعراض والأجسام ، ونقضوا قول الله تعالى : ( هل من خالق غير الله يرزقكم ~~من السماء والأرض ) . # فقالت القدرية : لا أحد إلا نحن ، وهؤلاء وإخوانهم من المرجئة ممن لعنهم ~~الأنبياء ، وكل نبي مجاب الدعوة . # وذلك أن الأنبياء يدعون عباد الله إلى الله - عز وجل - ترغيبا وترهيبا ، ~~من بلغ في الإجابة إلى دينهم ، وبلغ في العبادة إلى غاية ما نظر إلى نفسه ~~بعين الإجلال ، واقتداره على مثل هذه الأفعال فقال : إن الله تعالى بريء من ~~الظلم ، ولم يعذب أحدا إلا على فعله ، ولا يرجوه أحد إلا على فعله . فنسبوا ~~الأفعال إلى أنفسهم ، إذ لا تصح الشركة في فعل أحد . # ولو نسبت إلى الله تعالى ، لكان قد عذبهم على ما لم يفعلوا وهو يقول : ~~جزاء بما كانوا يعملون ، ويفعلون ، فردوها إلى أنفسهم دونه . PageV02P056 # وذهب عنهم النظر بالبصيرة إلى التفرقة بين الوجود والإيجاد والفعل والخلق ~~فحادوا لما تخيل إليهم من قبح الأفعال والفحش والكذب ، ولم يبق إلا أن ~~يقولوا : إن البول والغائط خلقهما لا خلق الله ، فلولا ما كانا قبيحين ~~لانتحلوهما ، لا إله إلا الله وحده لا شريك له . # وأما المارقة وهم الخوارج ، فلن يخفى على عاقل بسيرة ما ساروا في أهل ~~الإسلام ، كسيرة أهل ms110 الإسلام في أهل الأوثان والأصنام ، كأنما بعث إليهم ~~رسول آخر غير محمد عليه السلام . # وقد قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : (( إن ناسا من أمتي يمرقون ~~من الدين مروق السهم من الرمية ، فتنظر في النصل فلا ترى شيئا ، وتنظر في ~~القدح فلا ترى شيئا ، وتنظر في القديدة فلا ترى شيئا ، وتتمارى في الفوق )) ~~، وفي حديث آخر : (( يخرج من ضئضئ هذا أناس يمرقون من الدين مروق السهم من ~~الرمية )) ، إلا أن الشفاعة قد أيأس منها رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~طائفتين من أمته وهم القدرية والمرجئة وقال : (( طائفتان من أمتي لا ~~تنالهما شفاعتي )) . # وأما الأفراق الثلاثة التي نص عليها الأولياء والصالحون ، فهم الرافضة ~~والمجسمة والمشبهة . # أما الرافضة فأنهم ذهبوا على مذهب النصارى في المسيح عيسى بن مريم عليه ~~السلام ، فعزوه إلى الألوهية ، فذهبوا في أولاده مذهب بني إسرائيل المحققين ~~في تعظيم أنبيائهم فعظموا أولاد علي وعزوهم إلى النبوة ، وأبطلوا فائدة قول ~~الله - عز وجل - في محمد عليه السلام : ( ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ~~ولكن رسول الله وخاتم النبيين ) . PageV02P057 # وحسبهم خزيهم عند محمد ( صلى الله عليه وسلم ) يوم المحشر وخزيهم عند ~~الله - عز وجل - ، إذ نصبوا إلها آخر غير الله رب العالمين ، يوم لا ينفع ~~مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم ، وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون ~~، وغرهم أيضا مجاورتم النصارى بأرمينية واقتبسوا منهم هذين المذهبين ~~الخبيثين ، وهم دون سبعين فرقة كلهم إلى النار . # وأما المجسمة : فحسبهم رجوعهم إلى دين آبائهم الأولين ، وعبادتهم الأصنام ~~والأشباح والأجساد والأشخاص كسيرة أجدادهم الماضين ، فأبطلوا معنى قول الله ~~تعالى : ( ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ) . # وأما المشبهة : فحسبهم رجوعهم إلى أعقابهم إلى إخوانهم المجسمة وتسليط ~~المهدي عليهم ، فقطع دابر القوم الذين ظلموا ، والحمد لله رب العالمين . # وآحاد الأفراق بعد هؤلاء نصيبهم في المحشر ( يوم لا ينفع نفسا إيمانها لم ~~تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا ) . # ولم يؤيس رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) من الشفاعة إلا ms111 الطائفتين ~~المذكورتين ، لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ~~ينصر من يشاء . # باب في ذكر المذاهب والآراء والاختلاف والائتلاف # اعلم أن الله تبارك وتعالى جعل لهذه الأمة في الشريعة نصيبا وافرا ولم ~~يجعله لأمة من الأمم قبله . # وقال الله عز من قائل : ( وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ~~ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولى الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ~~ولولا فضل الله عليكم ورحمته لا تبعتم الشيطان إلا قليلا ) . فذكر ~~استنباطهم في معرض الامتنان على الخليقة والمدح لهم والهداية على أيديهم . PageV02P058 # قال الله - عز وجل - : ( كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ~~ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه ، وما ~~اختلف فيه إلا الذين أتوه من بعدما جاءتهم البينات بغيا بينهم ، فهدى الله ~~الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط ~~مستقيم ) . # فوعد الله تعالى لهذه الأمة الهداية إلى الحق ، في كل أمر مختلف فيه لابد ~~لبعضهم أن يهتدي إلى الحق. # وقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : (( لن تجتمع أمتي على ضلال )) ~~وقال أيضا : (( ما كان الله ليجمع أمتي على ضلال )) . # واعلم أن الأمم الماضية لم يطلق الله أيديهم في الشرائع بالرأي ، ليس لهم ~~إلا المنصوص مشرعا ، فخص العرب بهذا اللسان ، وجعلهم أئمة لجميع العجم ~~الذين دخلوا في الإسلام ، وفارقوا دين الآباء والأجداد . # وذلك أن الله تعالى من عليهم بلغتهم التي هي أفضل من سائر اللغات ، ومن ~~فضيلة لغتهم أنها لغة أهل الجنة ، يتركون لغاتهم ويرجعون إليها ، وليس في ~~السبعمائة ألف لغة التي خلقها الله - عز وجل - وخاطب بها موسى عليه السلام ~~لغة أفضل منها . # وإن كان أول ما ابتدأ لموسى بالخطاب بلغة البربر حين ناجاه . فقال : يا ~~موسى نج أد يكش مقرن . فقال : يا ربي لم أدر فمازال يخاطبه بلغة بعد لغة ، ~~فكان آخر ما خاطبه به بالعبرانية فهم موسى وأجاب . وليس في اللغات لغة ~~انفردت من سائر اللغات ms112 بالوشي الذي جعله الله تعالى زينا لها في الظاهر ~~وكثرة المعاني في الباطن وحلوة على الألسن غيرها ، فاختار لها العرب ~~واختارها للعرب مخصوصة في العرب ، خصهم الله تعالى بها . # وذلك أن الإنسان خلقه الله تعالى فجعله آية للسائلين ، وخلق الملائكة ~~فركبها على طبع واحد ، لا يؤثر الزمان ولا المكان في طبائعهم ليس لهم شهوات ~~إلا ما طبعوا عليه ، وركب فيهم العقول فكانت تمتثل الأفعال بمقتضى العقول ، ~~وذلك وفق طبائعهم . PageV02P059 # ثم خلق البهائم وحوجها إلى الغذاء وركب فيها الشهوات ، فكانت حركاتها ~~بمقتضى شهواتها ، فأسقط عنها التكليف لعدم العقول ، وغلبة الشهوات . # ثم خلق الإنسان على خلقة البهائم في الغذاء والشهوات وعلى خلقة الملائكة ~~في المعارف والمعقولات، فهو أبدا في جهاد دائم وحرب قائم بين الشهوات ~~والعقل وفي الترك والفعل . # ثم إن الله تعالى وهب لبني آدم الدنيا ، وأمر بها لهم ، وأخصبها عليهم ، ~~فغدوا ونشأوا في اللذات التي هي أضداد العقول ، فهم يتقلبون في ظلال البيوت ~~والقصور ، وفي أصناف الثياب والحرير تحت ثمار الأشجار والأنهار ولذات ~~الطعام والشراب ونكاح الأبكار والأتراب ، في أمن ودعة وراحة وسعة يتفكهون ~~بحوادث الأخبار ، فهم في طول دهرهم في تنعيم أجسامهم وتوطية أبدانهم ، فقوي ~~سلطان الشهوة ، ووقع سلطان العقل ، فرجع العقل في خدمة الشهوة ، فصار ~~المالك مملوكا والمملوك مالكا ، فليس لهم إلا ما أبصروا بأعينهم ، فسلب ~~الله تعالى هذا النعيم للعرب ، ورمى بهم في الصحاري والبراري والوهاد ، ~~فليس لها غطاء إلا السماء ولا وطاء إلا الأرض ، يتبعون أذناب البهائم ~~والأنعام بين أبل وبقر وغنم ومعز على وجه الأرض ، وأشجارهم العضاة والقتاد ~~، وأشرابتهم المياه والثمار ليس لهم من الشمس كن ولا أنيس إلا الجن ، ولا ~~طيب إلا اللبن ، ولا معقل إلا الحيل ، ولا ملجأ إلا القن في آفات التن ( 1 ~~) ، ولا لباس إلا الصوف والوبر والجلود ، فمسخت الألوان وتغيرت الأبدان ، ~~فأعقبهم الله تعالى بتوفير العقول وذكاء النفوس وعلو الهمم في الجود والكرم ~~، وحفظ العلوم بالسماع والكلم بدلا من النسخ بالقلم في قراطيس الأدم . # وقد أشار ابن المقفع إلى شيء ms113 من هذا . وكان ابن المقفع في النهاية من ~~العلوم والحكم والأدب والشيم وخدم الولايتين : ولاية بني أمية ، وولاية بني ~~العباس لحاجتهم إليه وإلى علمه . PageV02P060 # وذلك أنه أقبل ذات يوم إلى سوق المربد بالبصرة ، وهو مشهور سوق تحضره ~~الأخيار والسادات والفضلاء والأشراف ، فلما أبصروه قاموا إليه ، وسلموا ~~عليه ورحبوا به . # فقال : ( ما يحبسكم في مجالس الشياطين والعامة والغاغة والسوقة وفيكم ~~الفقهاء والعلماء والشعراء والخطباء والسادة والأمراء ؟ اغدوا بنا إلى قصر ~~ابن أبان فنتروح في ظله ، ونستنشق من نسيمه ، ونتفاوض في العلوم والحكم ~~ونتذاكر أخبار الدنيا والأمم ) . # فقالوا : ( سمعا وطاعة ) . فرجعوا إلى دوابهم وخيلهم وبغالهم وحميرهم ~~فركبوها ، وقصدوا قصر ابن أبان ، فلما وصلوا نزلوا في ظله ، وأكبروه أن ~~يبتدئوه بالسؤال هيبة ، فرفع إليهم رأسه فقال : ( يا وجوه الخير ، من أعقل ~~الناس ؟ ) . # قال بعضهم : ( أهل الصين ) . # فقال : ( بماذا ؟ ) . # فقال بعضهم : ( إن بلادهم تعمل صنائع الدنيا الديباج والحرير والوشي ~~والثياب النفيسة كلها ، وأحكموها ، واستقامت أمور الرعية والجنود والكتاب ، ~~وخراج الأرضين ، وترتيب القرى والمدائن ، فلا يكاد يحدث عندهم أمر من ~~الأمور في جميع مملكة سلطانهم إلا وعنده منه خبر في يومه ، ولا يتوالد ~~مولود ولا يموت ميت وإلا وصل خبره عند الملك ، ذلك اليوم ، أو تلك الليلة ، ~~في مملكة قطرها مسيرة سنة ، وقد أعدوا النجب والخيل والفيوج (2 ) والطيور ~~لمثل ذلك ) . # فقال ابن المقفع : ( هؤلاء قوم علموا فتعلموا ، وتحملوا أمورا فحملوها ، ~~ووقع من الملوك وممن له القدرة عليهم فحملهم على تلك الأمور طوعا أو كرها ) . # ثم قال لهم : ( من أعقل الخلق ؟ ) . # قال بعضهم : ( أهل الهند ) . # قال : ( بماذا ؟ ) . # قالوا : ( إنهم أعقل الخلق في سياسة النفوس في الأغذية والأدوية والحكمة ~~ومعرفة نجوم الأسماء والطوالع والمواليد وسياسة الملوك والبددة ( 3) ، ~~وفيهم تفرع وتدرع علم أبينا آدم صلوات الله عليه وسلامه ) . PageV02P061 # وقال ابن المقفع : (هؤلاء قوم تقدمت لأوائلهم هذه الأمور ، فجروا على ~~أسلوبهم ، ونشأوا عليها). # ثم قال : ( من أعقل الخلق ؟ ) . # قالوا : ( الفرس ) . # قال : ( فبماذا ؟ ) # قالوا : ( إنهم أتوا الملك في الدنيا على جميع أقطار الأرض ، فساسوها ~~وأحسنوا تدبيرها ، واستخرجوا بعقولها سياسة ms114 الملك فساسوا بها الدنيا ، ~~فصاروا للأنام كالشمس للدنيا ) . # فقال : ( هؤلاء قوم استظهروا بالصعاليك على المماليك ، وبالأجناد على ~~العباد ، فجرت على أسلوب واحد ) . # ثم قال : ( فمن أعقل الخلق ؟ ) # قالوا : ( الروم ) . # فقال : ( بماذا ؟ ) # قالوا : ( قد أوتوا عظيم الجثة في أبدانهم ، والقوة في مفاصلهم ، ~~فاقتدروا على صنعة الهياكل العظيمة ، والصنائع العجيبة ، وعجائب الأشكال ~~والصور والاقتدار على مقاساة الأسفار في البر والبحر ) . # فقال ابن المقفع : ( هؤلاء قوم جادت بلادهم لهم بآلات الصنع ، فظهر في ~~جميع ذلك الصنع غرائب ما في الدنيا من البدع ) . # قال : ( من أعقل الخلق ؟ ) # قالوا : ( الله أعلم ) . فرفعوا إليه رؤوسهم ، فقال لهم : ( أعقل الخلق ~~العرب .. ) فتعجب كثير ممن حضره ، واستعظموا قوله واستغربوه . # فقالوا : ( بم ذلك ؟ ) # قال : ( إنهم نشأوا في البادية ، ليس لهم ملوك تسوسهم في أمر دنياهم ، ~~ولا أنبياء ولا علماء تفقههم في دينهم ، ولم يؤتوا أموالا يستخدمون بها ، ~~ويستخرجون بها صنائع الدنيا ، فالسماء سقفهم والأرض فراشهم . PageV02P062 # إذا ولد عند أحدهم مولود ، مهما ترعرع وبلغ الحلم ، خطب عليه أبناء عمه ~~ودفع له غنيمات وعنيزات ، يأخذها ويتمعش فيها ، ودخل بها تلعة من التلاع ، ~~أو بقعة من البقاع ، لا جليس ولا أنيس إلا نفسه وغنيماته ، يرعاها نهارا ~~ويحرسها من الذئب ليلا ، فدعاه عقله وحسبه ونسبه إلى استخراج مكارم الأخلاق ~~فاستعملها ، ومذامها فاجتنبها ، وتمعط ممن رماه بالدنية ، وربما يناله ~~فيمتنع منها ، وفي تلعته ليس معه إلا النجوم الساريات والرياح الجاريات ، ~~ويهتز لمكارم الأخلاق إذا نسبت إليه ، ويتمعط من مذامها إذا عزيت إليه . # فتعلموا بطباعهم مطالع النجوم وأزمنتها وخواص منافعها عند طلوعها ، ~~وسجعوا في ذلك أسجاعا ، إلى أن رتبوا في بلادهم أسواقا في المواضع التي ~~يجتمعون فيها ، فتذكرون مآثر آبائهم ومناقب أجدادهم ومفاخر عشائرهم ، ~~فيتفاخرون بها ، كذي المجاز وعكاظ ومجنة ، ويتحامون القبائح والرذائل ~~لأجلها إذا اجتمعوا فيها ، ويتناشدون الأشعار ويحفظونها ، والخطب ويعونها ، ~~وليس عندهم كتاب ولا سنة ولا شريعة ولا مصيغة ، لا يعلمون الكتاب إلا أماني ~~، أحفظ خلق الله لما سمعوا ، وأضبطهم لما استحفظوا ). PageV02P063 # وقيل : إن ناسا منهم أدركهم العطش في بعض الصحاري ، وليس معهم ms115 ماء إلا ~~شيء فاقتبسوه ، فأخذ أحدهم نصيبه فشربه فلم يغن عنه شيئا ، وأخذ الآخر ~~نصيبه ، فلما أراد أن يشربه قال له الأول : أنقذني بنصيبك من الموت يا أخي ~~، فإني لا أراه يغني عنك شيئا . فقال الآخر : دونكه . فمد بها صوته حتى ~~خرجت روحه ، ولهم في هذا مآثر كثيرة ، فأرسل الله تعالى محمدا ( صلى الله ~~عليه وسلم ) فكان بالموضع الذي ذكره الله تعالى من الأخلاق الحسنة والأفعال ~~الجميلة كما قال الله - عز وجل - : ( وإنك لعلى خلق عظيم ) فأنزل الله عليه ~~كتابا يتلى ، تضمن من الحكم ما لم تتضمن الكتب الأولى التي كانت قبله ، قال ~~الله - عز وجل - : ( وإنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من ~~خلفه تنزيل من حكيم حميد ) وسماه الله تعالى من أسمائه بعشرة أسماء أو أزيد ~~- كتاب حكيم ، عزيز ، نور ، ومهيمن ، وفرقان ، وقرآن وشفاء ، ضياء ، وهدى ، ~~ورحمة ، ومبين، ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب ، وفوض إلى رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) بيان ما فيه ، فقال : ( وأنزلنا إليك الذكر لتبين ~~للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون ) ، وقال عليه الصلاة والسلام : (( ~~أوتيت جوامع الكلم )). # ففوض رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إلى علماء أمته وأهل البصائر منهم ~~ما وراء ذلك فجعل إليهم حكم النوازل التي لم يشرعها القرآن ولم يسنها النبي ~~عليه السلام . # وفوض إليهم تفسير ما في القرآن من مشكل وأمر ونهي ووعد ووعيد ، فكان جميع ~~ما نظروا فيه وقالوه علما وحكما . PageV02P064 # وقال الله تعالى : ( ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما ) فدل أن ~~جميع ما قالاه حكم وعلم وأن أضدادهم من السفه والجهل منفيان عن حكمهم هذا ، ~~ونفي هاهنا كلمتان : الحق والصواب ، فاختلف الناس فيهما ، فأجاز بعضهم أن ~~حكمهما حق عند الله ، بدليل نفي ضده من الباطن لغة ، والحق ضد الضلال شرعا ~~، قال الله - عز وجل - : ( فماذا بعد الحق إلا الضلال ) . # باب اختلاف الناس في الرأي (1) # وقال الشيخ : باب اختلاف الناس في اجتهاد الرأي : # قال قائلون : إن الحق في جميعهم وكل ما قالوه واختلفوا فيه فهو ms116 حق عند ~~الله تعالى . # وقال آخرون : إن الحق في واحد ، وقد ضاق على الناس خلافه . # وقال أهل العدل والصواب : إن الحق في واحد ومع واحد ، ولا يضيق على الناس ~~خلافه إلى آخر الفصل . # اعلم أن في اجتهاد الرأي سبع مقامات . # أولها : اجتهاد الرأي، والإذن فيه ، من أين : من الشرع أو من العقل ؟ # والثاني : في أي شيء الاجتهاد ؟ # والثالث : ما صفة المجتهد ؟ # والرابع : ما أسماء هذا المجتهد فيه ؟ # والخامس : ما حكم الأفعال والفعال ؟ # والسادس : ما المباح منه غير المأمور به ؟ # والسابع : ما المحظور فيه المنهي عنه ؟ PageV02P065 # باب في اجتهاد الرأي (1) # واعلم أن حد الاجتهاد في الرأي هو استفراغ الوسع في استخراج الحكم . # وقيل هو استفراغ الجهد في استخراج الحق للنازلة بمقتضى الشرع ، وليس هذا ~~القول بصحيح . # والإذن في الاجتهاد من قول الله - عز وجل - : ( وإذا جاءهم أمر من الأمن ~~أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولى الأمر منهم لعلمه الذين ~~يستنبطونه منهم ) وقوله : ( كان الناس أمة واحدة ) وقد تقدم القول فيه . # وصفة الاجتهاد : أن ينظر في أوصاف النازلة ، وما يليق بها ، ويقرب معناها ~~من أحكام الله تعالى ، وأحكام سنة رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، ~~فيقيس هذا بهذا مجتهدا أن ينال رضى الله تعالى ، والحكم الذي لو شرعه كان ~~حقا عند الله تعالى وعند رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) . # وأما العقل فلا حظ له في جواز الإذن إلا بعد ما ورد به الشرع ، فهي من ~~الجائزات لا يقطع العقل فيه بشيء . # وأما من جهة السنة فقد قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : (( إذا ~~اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران : أجر اجتهاده وأجر إصابته ، وإن أخطأ فله ~~أجر اجتهاده )) . وحط الله عنه المأثم . # ولا ينبغي للمجتهد إلا أن ينظر إلى الله تعالى بعين الخشية في أمر قد ~~كلفه الله تعالى وأمره فيه بالاجتهاد ، فإن ضيع عصى ، وإن اجتهد فكتم عصى ، ~~وإن اجتهد فأظهر خلاف ما رأى عصى ، ولا يجعل للشهوة في رأيه نصيبا ، فإن ~~اجتهد ورأى رأيا إن ms117 كان يجوز أن ينتقل عنه إلى رأي غيره فتوى وفعلا فلا ما ~~دام مستحسنا لرأيه الأول إلا من وجه واحد : إلا إن كان في رأي غيره حوطة ، ~~فله أن ينتقل إليه فعلا لا فتوى ، مثل رأي من رأى جواز الصلاة في الظهر ~~والعصر بفاتحة الكتاب لا غير ، إلى رأي من جوز قراءة سورة في الأولين مع ~~فاتحة الكتاب . # ولا يرجع إلى رأي الغير ما دام هو على رأيه ، فإن رأى رأي غيره أقوى ~~دلالة وأقرب في وهمه إلى رضى الله - عز وجل - فسائغ له الرجوع عن رأيه إلى ~~رأي غيره . PageV02P066 # وقد قيل لجابر بن زيد - رضي الله عنه - : ( إن أصحابك يكتبون ما سمعوا ~~منك ) . قال : ( إنا لله وإنا إليه راجعون ، يكتبون رأيا لعلي أرجع عنه غدا ~~) ، وإن رجع عن شيء من رأيه لاستحسان غيره ، كان عليه أن يظهر ذلك ، ويكتب ~~إلى الآفاق ، وينتفي من قوله ويخطئه . # واعلم أنه ليس عليه إلا أن يظهر الانتفاء منه والرجوع عنه ، فإن رجع عن ~~رأيه فما حال من عمل به أول مرة ؟ # قال : لا حرج . وكذلك من حكم به لا ينتقض حكمه . # وهل يفتي به أحد بعد هذا ؟ # فالله أعلم . فإن وافق رأيه رأي غيره ، فأظهر الآخر رأيه أجزى عنه ، فإن ~~السكوت رضى . # القول الثاني : في أي شيء يجوز الاجتهاد # اعلم أن الشيخ قال : في أي شيء يجوز الاجتهاد فيه ؟ قال : ( ما لم يجدوه ~~في كتاب الله ولا السنة ، ولم يجدوه في آثار من كان قبلهم من العلماء ) . # اعلم أن الشيخ ذكر وجها واحدا وترك غيره ، منها تفسير القرآن ، وذلك أن ~~الله تعالى أرسل محمدا ( صلى الله عليه وسلم ) إلى العرب بلغتهم التي ~~يتفاهمون بها ، وفوض إليهم ما احتملته لغتهم ، وليس عليهم العمل إلا بما ~~أنفهم لهم من القرآن ولو كان ذلك على عهد رسول الله عليه السلام ، ويسألهم ~~عن آرائهم فيجيبون ، وربما يستحسن قول بعضهم ولا يقبح على الآخرين رأيهم ، ~~وإن كان أمرا مقطوعا به لم يرد غيره لعقب جبريل بخلافه ، وإلا كان ms118 ذلك كله ~~تفسيرا للقرآن كالذي جرى في قصة المنافقين واختلاف أصحاب رسول الله فيهم ، ~~فقال : لما نزل فرض الهجرة ، فاختلفوا فيمن تخلف بمكة من المسلمين ولم ~~يهاجر . # فقال قوم : هم مسلمون . # وقال قوم : هم مشركون . فأنزل الله تعالى : ( فما لكم في المنافقين فئتين ~~والله أركسهم بما كسبوا ). وعاتبهم على الخلاف فيما بينهم البين . PageV02P067 # فلو قال الأولون : هم مسلمون . وصدقهم أصحابهم لمر عليهم ذلك الاسم . ولو ~~قال الآخرون : هم مشركون . وصدقهم أصحابهم لمر عليهم ذلك الاسم ، ولكن لما ~~اختلفوا رد الله على الجميع فوعدهم بعد أن اختلفوا أن لابد للحق أن يقول به ~~منهم ناس ، ولم يجتمعوا على ضلال . # وقد سأل رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) عن أي آية أعظم في القرآن ؟ # قال بعضهم : ( يس ) . # وقال بعضهم بما قال ، وأبي بن كعب ساكت . # فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : (( مالك ساكتا يا أبي ؟ )) قال ~~: ( الله ورسوله أعلم ) # فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : (( إنما أسألك عن علمك لا عن ~~علم الله ولا عن علم رسوله )) . # فقال أبي : ( آية الكرسي ) . فجمع رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~أصابع يديه فضرب بها في صدره فقال : (( ليهنئك العلم يا أبا المنذر )) ~~واستحسن جوابه ، ولم يعب على الآخرين شيئا . # وكاجتهادهم حين أمرهم رسول الله عليه السلام فقال : (( لا يصلين أحدكم ~~العصر إلا في بني قريظة )) والقوم بعيدو العهد بأهليهم ، فتباطأ منهم أناس ~~ولم يصلوا إلى قريظة صلاة العصر إلا بعد العتمة ، فلم يعب رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) أحدا منهم. # في تفسير القرآن : # واعلم أن تفسير القرآن مفوض إليهم لما أنفهم لهم من القرآن ، لأن الله ~~تعالى بعث إليهم رسولا مبلغا إليهم ما عرفوه من لغتهم ، فلهم الاتساع على ~~قدر ما ذهبت إليه أنفسهم ، ما لم يرد من الله تعالى ما يمنعهم ، أو من رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) أيام أبي بكر في أهل الردة ، والسنة عندهم في ~~المرتد القتل ، كما قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : (( من بدل ms119 دينه ~~فاقتلوه لا سبي ولا غنيمة )) . # ثم إن أبا بكر نظر هؤلاء المرتدين ، فوجدهم قد انحازو إلى بلادهم أول مرة ~~، وهم قريبو العهد بالشرك فالغالب عليهم الرجوع إلى مذاهبهم أول مرة. PageV02P068 # وكره بعض أصحاب رسول الله عليه السلام قول أبي بكر . وقالوا له : إن رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال : (( أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا : لا ~~إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على ~~الله )) فقال : ( والذي نفسي بيده لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة ، ولو ~~منعوا مني عقالا مما كانوا يؤدونه لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~لقاتلتهم عليه حتى ألحق بالله ) ، فرجع المسلمون إلى رأيه ، فاجتمعت الكلمة ~~، فقاتلهم أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - والمسلمون معه ، فأظهره الله ~~عليهم فهزمهم ، وقتل من قتل منهم ، وسبى وغنم وقسم على الغنائم ، وما وراء ~~ذلك - رضي الله عنه - أحكامه فيهم أحكام المسلمين في الزنادقة لا أحكامهم ~~في المشركين ، وذلك أنهم جاءوا تائبين يطلبون الصلح فأبى عليهم إلا عن شروط ~~أن يدفعوا له الحلقة والكراع ، ويتركهم يتبعون أذناب البقر ، حتى يرى الله ~~خليفة رسوله ما يشاء . # وأحكام عمر - رضي الله عنه - في الشورى ، ومنها أحكامه في الدواوين ~~والخراج : خراج الأرضين ، ونصارى بني تغلب في سلب اسم الجزية عنهم والخزية ~~عنهم بعد قول الله تعالى : ( حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ) فجعلها ~~صدقة وزكاة ، والتفرقة بين الأحرار والهجن في الخيل ، وقسمة الفرائض إذا ~~تدافعت . # وذلك أنه جلس ذات يوم يتوضأ ، إذ دخل عليه رجل فقال : ( يا أمير المؤمنين ~~امرأة ماتت ، وخلقت زوجا وأختا وأما ) ، فقال عمر : ( للزوج النصف وللأخت ~~النصف وللأم الثلث ) ، فقام كما هو إلى المسجد فصاح : ( يا للمسلمين ) . ~~فقال : ( إن الله تعالى لم يجعل في المال إلا نصفين ، فأين مقام الثلث ؟ ) ~~فقال له العباس : ( اجعلوه كقسمة الغرماء في المواضعة ) . PageV02P069 # وفي خلاف ابنه عبد الله بن العباس ، وحكمه في المؤلفة قلوبهم ، وسهم ذي ~~القربى ، ومن وراء هذا كله أحكام الكتمان التي ناقضت حدود الله ms120 وبعض سنن ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) . # ومن الرأي تأمير المؤمنين وعزلة إن ضيع أمور الدين ، وقتله أن امتنع من ~~العزلة إلى الهوان ، ومن الرأي الكون مع أئمة الجور تحت أحكامهم ما أقاموا ~~حكم الله فيك ، ولم يحكمك على معصية ، وتأدية حقوق الله عليه إليهم وأخذ ~~العطايا من بيوت أموالهم ، والجهاد والغزو معهم جميع ملل الشرك والخروج ~~عليهم إذا جاروا وبغوا . # القول الثالث : ما صفة المجتهد # اعلم أن استخراج العلم من كتاب الله - عز وجل - ومن سنة رسوله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) ومن الإجماع ، يتعذر إلا لمن كملت فيه عدة شروط . # أولها : أن يكون قارئا لكتاب الله تعالى وتاليا له . والثانية : أن يكون ~~عارفا بتصاريف لغة العرب ومعرفة الاسم من الفعل والحرف منهما . # والثالثة : معرفة النحو ووجوه الإعراب . # والرابعة : معرفة وجوه القراءات . # والخامسة : أن يقف على تفسير مفسري القرآن الذين اعترفت لهم الأمة ~~بالتفسير ، وقولهم حجة لأنهم أخذوه توقيفا . # والسادسة : أن يكون عارفا بمن قد شذ (1) عن أحكام الشريعة ومراعيا زلل ~~شواذ الفقهاء المتقدمة . # والسابعة : أن يحصل مقاليد أقفال الكتاب . # فمن لم تكمل له هذه الصفات ، فلا يوثق بشيء من علمه ، ولا بعلم من تعلم ~~منه ، وإنما هو مغرور أو مقلد ، فالقائل والسامع بمثابة واحدة لا حائل لهما . # واعلم أن مثل القرآن كشجرة لها عروق وأغصان وأعضاء وأثمار : # أما عروقها فعشرة : وهي المكي والمدني والناسخ والمنسوخ والمحكم ~~والمتشابه والظاهر والباطن والعام والخاص . # والأعضاء عشرة وهي : المجمل والمفسر والمطلق والمقيد والمقطوع والموصول ~~والمقدم والمؤخر والكناية والتصريح . PageV02P070 # والأغصان عشرة وهي : الحدود ولحن الخطاب وفحوى الخطاب ودليل الخطاب ومعنى ~~الخطاب والأسماء الذاتية لله تعالى وأسماء الأبدان وأسماء الأفعال . # وثمرات الشجرة عشرة وهي : الأمر والنهي والخبر والإستخبار والوعد والوعيد ~~والمواعظ والأمثال والأعذار والإنذار . # اعلم أن من لم يحصل مقاليد أقفال الكتاب في القرآن العظيم كان من فقه ~~القرآن بمعزل ، وقد بينا هذه الأفعال في غير هذا الموضع ، وشرحناها شرحا ~~بينا ، تقف عليه إن شاء الله . # والرابع : ما أسماء المجتهد فيه ؟ # اعلم أن الله ms121 تعالى أنزل على محمد عليه السلام قرانا كتابا يتلى ، فلقيه ~~بعشرة أسماء قال الله - عز وجل - : ( لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من ~~خلفه تنزيل من حكيم حميد ) فسماه : حكيما ومهيمنا ونورا وفرقانا وقرآنا ~~وشفاء وضياء وهدى ورحمة ومبينا وحقا ، قال عز من قائل : ( ليتدبروا آياته ~~وليتذكر أولو الألباب ) . # وكان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بالموضع الذي ذكره الله تعالى من ~~الأخلاق الحسنة كما قال تعالى : ( وإنك لعلى خلق عظيم ) فقال : ( وأنزلنا ~~إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ) . # فأشار فيه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إلى السبع فجعلها سنة إقتداء ~~بالله تعالى ، إذ شرع فيه فرائض وحكم بأحكام عمدة الدين . # وفوض بيان البقية إلى الرسول . # وفوض رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إلى علماء أمته وأهل البصيرة ما ~~وراء ذلك ، فجعل إليهم حكم النوافل التي لم يشرعها القرآن ولم يسنها عليه ~~السلام . # وفوض تفسير ما في القرآن ، من مشكل ، وأمر ونهي ، ووعد ووعيد ، فكان جميع ~~ما نظروا فيه ورأوه علما وحكما ، وعلى سبيل حكم سليمان حيث قال الله : ( ~~وكلا أتينا حكما وعلما ) . PageV02P071 # واختلف الناس في الحق . فقال بعضهم : وحقا . فأجرى اسم الحق على القولين ~~جميعا بنفي ضده عنهما من الباطل والضلال . # وقال بعضهم : القولان جميعا صواب . حيث يقول : ( وكلا آتينا حكما وعلما ) . # وقال الشيخ أبو الربيع - رضي الله عنه - : ( فأما الذين قالوا : إن الحق ~~في جميعهم فقد قالوا بالمحال بما لا يصح القول به ، وكيف يكون الشيء وخلافه ~~حقا ، ويكون الشيء حلالا عند الله حراما عنده ) . # فنحن ننتظر بما ظهر لنا أن هذه الإلزام يلزم القوم ، لأنهم يقولون : كما ~~يكون الشيء وخلافه خلقا لله - عز وجل - ويكون الشيء خلافه عرضا عند الله ، ~~ويكون الشيء وخلافه جسما ، فكذلك يكون الشيء وخلافه حقا عند الله وقد قال ~~الله - عز وجل - : ( فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه ~~) والتعجيل والتأخير مختلفان ومتضادان . # وأما قوله : ( ويكون الشيء حلالا عند الله وحرما عنده ) فليس يلزم من ms122 شيء ~~، وإنما أردنا تسمية الشيء وخلافه باسم واحد : إنهما حق . وأراد هو أن ~~يلزمنا تسميته حلالا وحراما بل يسمي الشيء وضده حلالا عند الله ، أو يسمي ~~الشيء وضده حراما عنده . # وأما أن تسمي الشيء الواحد باسمين متضادين فلا يلزم ، وإنما يلزمنا أن ~~نسمي شيئين متضادين باسم واحد . # وإنما يلزم هذا من أجاز على أحد القولين أنه حق ، ولم يجز على ضده أنه ~~باطل ، فإن أجاز عليه أنه باطل ، فهناك يلزم من يقول إنهما حق . # ثم قال الشيخ - رضي الله عنه - : ( ويكون جميع ما اختلفوا فيه ، من ~~الطلاق والعتاق ، والبيع والشراء ، والنكاح ، والديات ، والجراحات والحدود ~~حقا عند الله بأجمعه ، فيكون ما اختلفوا فيه من الطلاق فأثبته بعض وأبطله ~~بعض ، فتكون عند الله طالقا لا طالقا ) . # وقوله : ( إن قول القائل : طالق . حق ، وقول القائل : لا طالق . حق . # والجواب في العتق كذلك قول من أثبته ، حق . # وقول من أبطله ، حق ، وهما حقان . PageV02P072 # ويكون الشيء الواحد حلالا لمن كان له حراما في حالة واحدة ، بل يكون ~~الشيء الواحد حلالا ، حق ، وقول من قال حرام حق ، ولا يقول هو أن أحدهما باطل . # واعلم أن جميع من قال في هذه الأمور الحقية مثل من قال : إن جميع هذه ~~الأمور مأمور فقهاؤنا بالاجتهاد فيها ، وأسماء هذه الأمور المختلفة مأمور ~~بها وطاعة وحكم وعلم . # وإنما وقع الحق هاهنا على القولين جميعا أنهما حق ، ولم يقع الكلام على ~~المرآة ، وإنما وقع الكلام على الحكم فيها . # وقوله : ( ويكون الشيء لمن كان حلالا فيكون له حراما ) فلم يقع القول في ~~الحلال والحرام وإنما وقع في الحق . # وكذلك قوله في الشيء : ( إنه صدق عند الله وكذب عند الله ) ، وإنما ~~الكلام على الحق لا على الصدق والكذب ، فيجب عليه جميع ما عارض به في هذه ~~الأمور في العلم والحكم . # فلو جاز قوله : إنما حكم داود وسليمان أنهما علم وأنهما حكم لجاز في جميع ~~المتضادات ، فإن أجاز أن يكون قول داود وسليمان في شيء واحد : أنه حكم وعلم ~~، فمن أين يلزمه أن يكون الشيء ms123 حارا باردا في حالة ومتحركا ساكنا في حالة ، ~~وحيا وميتا في حالة ، وإنما أراد أن البارد والحار حقان ، والمتحرك والساكن ~~حقان ، والحي والميت حقان ، وقع الكلام في شيء واحد ، وعارض في شيئين . # ولا يلزم شيء من هذا من قال : إن الله أمر باجتهاد الرأي في استخراج ~~الحكم ، واختلف المجتهدان ، فاختلافهما حق عند الله ، لأن الله أمرهما ~~جميعا ، ففعلا ما أمرا به ، فهذا الذي فعلاه حق عند الله ، ولا يأمر الله ~~بالباطل . PageV02P073 # ثم إن الله توعدهما إن لم يجتهدا ، أو اجتهدا ولم يظهر ما عندهما ، وأعظم ~~توعد إن أظهرا خلاف ما عندهما ، فلا يسقط الهلاك عن أحدهما محقا أو مبطلا ، ~~لأن الحق إذا كان مع الواحد فالباطل مع الآخرين ، لأن الحق ضد الباطل ، فمن ~~أخطأ الحق وقع في الباطل ، لأنه ضده من جهة اللغة ، وإن شئت من جهة الشرع ~~وقع في الضلال قال الله - عز وجل - : ( فماذا بعد الحق إلا الضلال ) . # فإن امتنعوا أن يجعلوا خلاف الحق عندهم في هذه الأقاويل هو الباطل ، فهما ~~حقان إذا وباطلان ، فماذا بعد الحق إلا الضلال ؟ # وأما قول من قال : إن قول المختلفين صواب . وهو قول علي بن أبي طالب ، ~~لما وقع فيما وقع وارتطم فيما ارتطم فيه ، جعل يتوسع على نفسه العذر . # وصنيع أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - حين وقعت فيما وقعت فيه ، ~~جعلت تتساهل في العذر في تأويل قول الله تعالى : ( ثم أورثنا الكتاب الذين ~~اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات ) ~~فقالت أول مرة : ( ظالمنا ظالم ، ومقتصدنا ناج ، وسابقنا سابق ) ، فلما ~~وقعت رجعت فقالت : ( ظالمنا مغفور له ، ومقتصدنا ناج ، وسابقنا سابق ) . # ومذهب علي بن أبي طالب : أن طلحة والزبير مجتهدان أو تائبان ، وأما ~~معاوية وعمرو فلا ، وأما من معهما من أهل الشام فهم أهل الاجتهاد . # وأما أهل النهروان فهم أولى بالاجتهاد والصواب ، وقد كان سئل عنهم فقال : ~~( إخواننا بغوا علينا فقاتلناهم ) . # واختلف القول في رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) هل يجوز له الرأي أم لا ؟ # قال ms124 بعضهم : يجوز له الرأي ، ورأيه أفضل الآراء . # وقال بعضهم : لا يجوز له الرأي ، لأن الله - عز وجل - أغناه بالوحي عن ~~الرأي . وحجة الذين قالوا يجوز له الرأي قول ابن عباس : ( كان رسول الله ~~عليه السلام يقضي بالقضية ، فينزل القرآن بخلافها ، فيستقبل حكم القرآن ولا ~~يرد قضاءه ) . PageV02P074 # وكان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يقول : ( كان الرأي من رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) كله صوابا ومنا أحيانا صوابا وأحيانا خطأ ) . # الخامس : ما حكم الأفعال والفعال ؟ # اعلم أن أحكام الأفعال في هذه المسألة واحدة ، وذلك أن الله تعالى جعل ~~اختلاف أمة محمد رحمة ، قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : (( اختلاف ~~أمتي رحمة )) . # فجعل سبيل ما اختلفوا فيه سبيه ، وجعل وسيلة الله وسعا لهذه الأمة ورفقا بها . # فمن عمل بشيء من اختلاف العلماء ، فهو على سبيلهم ولو صادفه من غير معرفة ~~به فواسع له . # فمن أصاب باب الجنة فهو في الجنة ، عرف أو لم يعرف . # فمن صادف طريق المؤمنين فهو منهم ، وليس هو على قول من يقول : إنه لا يسع ~~التقدم إلى شيء من أقاويل العلماء إذا لم يعرف به . # وكذلك المباحات كلها لا علم ولا لم يعلم . # والكلام هاهنا فيما انفرد به المخالفون ، متى لم يقطع المسلمون عذرهم فيه . # اعلم أن ذلك كله محطوط فيه الإثم لمن لم يعلم ، والتفرقة التفاوت في ~~الفضل فيما بان به أهل الدعوة عن غيرهم . # ومن أخذ عم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) شيئا من دينه ، أو عن ~~المسلمين ، فغاب غيبة متصلة ، فحالت الأمور بعده فنسخ ذلك على عهد رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فلا بأس عليه ما لم تقم الحجة عليه بغير ذلك ~~، قال الله - عز وجل - : ( وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين ~~لهم ما يتقون ) . # باب في اعتقاد الخطأ والمباح (1) # اعلم أن القول في أصول الديانات وفروعها ، والقول في أفراق الأمة وفروعها ~~، وذلك مثل اختلاف الأمة في الأسماء والمسميات ، فإن وقع مطلقا غير مقيد ~~عاريا من الشروط ms125 المذكورة منوطا بالرأي ، كان عجزا وكان خطأ مباحا ، وإن ~~انتهكت فيه أحد الشروط كان صاحبه مطاحا مجاحا (2) . # فأول ذلك : اختلاف الناس في وجوب الفروض عند وجوب افتراضها ، فاختلف ~~الناس في ذلك. PageV02P075 # فقال بعضهم : ليس علينا إلا العمل ، وليس علينا من العلم شيء . وقال أهل ~~الحق : إن علينا العلم بافتراضها في حين ما يجب علينا العمل بمفروضة . ~~فنظرنا إلى قول أهل الدعوة فيمن أفتى بإسقاط علم الفرض هل يكفرونه ويقطعون ~~عذره أم لا ؟ فرأيناهم متوقفين فيه ما لم يتخذ ذلك ديانة ، أو أحد الشروط ~~المذكورة . # وإن ادعاه رأيا ، فالرأي عجز أعني القائل ، وأما العامل فقد أطلق عليه ~~أهل الدعوة ، أن يكفر بجهله فرض الله ، حينما يكفر بترك فرض الله ، وفي ~~المسألة نظر . # وحجة من اسقط معرفة علم الفرض قال : إذا تدبرت أحكام الشريعة فإنك تجد ~~أكثرها ممزوجا فرائضه بنوافله ، وسننه بجوائزه وخطؤه بصوابه . # فأول ذلك : الصلاة ، فإنهم يعتقدون أنها فرض بجملتها ، ولا يذكرون ~~التفرقة بين سننها وفروضها وواجباتها وفضائلها ، لأن القراءة فيها غير ~~محدودة والتسبيح والدعاء والتحميد والتكبير والتحيات وسائر الأذكار . # ودليل ذلك أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) نظر إلى رجل دخل المسجد ~~فأساء الصلاة ، فجاء وسلم على رسول الله وجلس . # فقال له رسول الله عليه السلام : (( قم صل )) فقام وصلى كما صلى أول مرة ~~، فجاء وجلس . # فقال له عليه السلام : (( قم صل )) . # فقال له : ( قد صليت يا رسول الله ) . # فقال له عليه السلام : (( إنك لم تصل )) . # فقال : ( علمني يا رسول الله مما علمك الله ) . # فقال له عليه السلام : (( إذا قمت في صلاتك وقلت : الله أكبر ثم قرأت ~~الفاتحة )) . # وفي رواية أخرى : (( ثم قرأت الحمد لله رب العالمين وما فتح الله لك من ~~القراءة ، فأهويت إلى الركوع حتى تطمئن راكعا ، ثم ترفع حتى تطمئن رافعا ، ~~ثم تهوي إلى السجود حتى تطمئن ساجدا ، ثم ترفع وتقوم إلى الركعة الثانية ، ~~وتعمل فيها ما عملت في الركعة الأولى ، فإذا أنت قعدت وقلت فقد تمت صلاتك )) . PageV02P076 # فاقتصر له رسول الله ( صلى الله عليه ms126 وسلم ) على مفروضات الصلاة ، ودل ~~فعله على أن التوجيه ليس بفرض ، ووقع الاختلاف في الأمة كذلك على تكبيرة ~~الإحرام . # فقال الجمهور : ( إنها فرض ) . # وقال أبو حنيفة : ( ينوب عنها غيرها من جميع الأذكار من جميع اللغات . ~~كقولك : الله أجل والله أعظم ، في مثلها ) . # وذهب إلى إنه يسع فيها المعنى كما يسع في كلمة (( لا إله إلا الله )) ~~سائر العجم أن يأتوا بها بلغتهم وتجزيهم . # الثانية : أن تقولها بأي لغة شئت ، وتقرأ بأي لغة شئت في الصلاة من لغات ~~العجم وتجزئك . # الرابعة : الفاتحة ، قال بعضهم : فرض . وهو الربيع بن حبيب - رضي الله ~~عنه - ، وجل الأمة لا الإمام ولا المأموم . # وقال أبو حنيفة : يجزيك بعضها. # وقال بعضهم : يجزيك الإمام فيها المأموم . # وقال الكل : لابد في الصبح من غير فاتحة الكتاب ، وفي الأولين من الظهر ~~والعصر والمغرب والعشاء والأخيرة . # وقيل : قراءة السر كله الفاتحة لا غير . # والتكابير كلها سنن إلا تكبيرة الإحرام فإنها فرض . # والتسابيح كلها سنن لا فرائض ، وسمع الله لمن حمده ، والتحيات سنة لا فرض ~~، والسلام كذلك . وبعضهم يوجب التحاميد بين كل فعلين بين السجود والسجود ، ~~والركوع وغيره ، وهذا كله لا يقدح في أنها لا صلاة ، ولا يحكم على فاعله ~~ومهمله بالمعصية ، ولا أنه غير مصل . # فمن اعتقد في صلاته أنها فرض ، ولا يدرك التفرقة بين مفروضها ومسنونها ~~وواجبها ونافلها ، فإن وسعة ذلك فكذلك الإسلام عند هؤلاء إن اعتقدوا أنه ~~دين الله الواجب فيما تضمنه من الأفعال ، فواسع له إن فعل ولم يضيع . # ومن هذا الوجه امتنع المشايخ أن يكفروا ابن يزيد وغيره ممن قال : ليس ~~علينا إلا العمل لا العلم . وبشرط ما لم يركبوا أحد الشروط . ونحن أيضا ما ~~لم نتقدم بقطع العذر فنقع في قول الإمام جابر بن زيد - رضي الله عنه - لا ~~يحل للعالم ، مع قوله ، لا يحل للجاهل (3) . # فهذا الخطأ كله محمول . PageV02P077 # وقول الشيخ أبي خزر - رضي الله عنه - : ( يسع جهل جميع الحرام ما خلا ~~الشرك ) ، وهذه الكلمة مجملة لا غنى لها عن التفسير ، فإنه أطلق ولم يقيد ms127 ، ~~والتقييد أنه قد يقع من الشرك ما ليس عليك أن تعلمه أنه شرك ، ولا أنه ~~معصية ، ولا أن عليه عقابا . # وهذا الشرك الذي أراد هو الشرك المشهور لفظا ومعنى ، وهو على ثلاثة أوجه :- # أوله : من مثل الرحمن بغيره ، أو أشار إلى شيء سواه فقال : إنه هو ، أو ~~نفاه ، فهذه الأوجه الثلاثة لا يسع أحد جهلها وشركها ووعيدها وأسماءها . ~~وأما ما وراء ذلك من الإشراك كله ، فإنه يسعك ألا تعلمه شركا ، ولو وجبت ~~عليك معرفته ، فليس عليك أكثر من أن تعلم أن الجاهل قد عصى وأتى حراما لا ~~غير ، حتى تقوم عليك الحجة بهذا كله ، وهو على أوجه : # منها : تكذيب الله تعالى في خبره ، وإنكار الرسل ، وإثبات الرسالة لغير ~~الرسل ، ونسبة هذا الخلق إلى صانع غير الله . فهذا كله في ذاته شرك . # ولو أوجب الله عليك معرفة شيء من هذا ، فليس عليك مع معرفة شركة شيء ، ~~حتى تقوم عليك الحجة بكفر مضيعة أو شركة ، وليس عليك أكثر من أن تعلم أنه ~~عصى ، وأنه حرام ما أتى . # وأما قوله : ( والاستحلال لما حرم الله ، والإصرار على ما حرم الله ) . # اعلم أن من استحل ما حرم الله ، ولم يعلم أنه حرام ، فليس عليك منه شيء ~~حتى تعلم ، وإن علمت أنه استحل ما حرم الله ، فليس عليك أكثر من أن تعلم ~~أنه أتى معصية وأتى حراما . # وكذلك الفاعل نفسه ليس عليك أكثر من أن تعلم أنه أتى حراما والتوبة عليه ~~، وكذلك سائر المعاصي ، فما بال الاستحلال اشترط فيه : وذلك إذا علمت ، ~~وكذلك سائر المعاصي ، لا فضيلة للتحليل ولا للتحريم عليها . # وأما المصر على فعل لا يدري ما هو حلال أو حرام ، فليس عليك منه شيء . # وأما إذا علمت أنه أصر على معصية ، فليس فيه أكثر مما علمت أنه فعل معصية ~~، وإن كفر عند الله على إصراره ، فليس عليك من معرفة كفره شيء كالمستحل . PageV02P078 # والأصل : ليس عليك من معرفة الكفر شيء من الأشياء ، إلا في الشرك المذكور ~~المشهور حتى تقوم الحجة . # وأطلق الشيخ : ( ومن شك في ms128 كفر من استحل ما حرم الله ، أو في كفر من أصر ~~على فعل ما حرم الله بعد إذ علم أنه حرمة ، فهو كافر إن يعلم المستحل ، ~~والمصر كافر ) . # ثم قال : ( وأما إذا لم يعلم أنه إنما استحل ما حرم الله ، فهذا يسع جهل ~~كفره ) . # وأنا أقول : إنه يسع جهل كفره ، ولو افترض الله عليه معرفة ذلك ، أو أصر ~~على فعل لا يسع جهل تحريمه ، أو استحل فعلا يسع جهل تحريمه ، فقال : ( فهذا ~~لا يسع جهل كفره على حال من الأحوال ) . # فعلى أصل الشيخ أبي خزر - رضي الله عنه - ليس عليه شيء إلا أن يعلم أنه ~~أتى حراما . # مسألة الأئمة العشرة # أولها : جابر بن زيد الأزدي - رضي الله عنه - ، وهو قوله : ( لا يحل ~~للعالم أن يقول للجاهل : اعلم مثل علمي وإلا قطعت عذرك . ولا يحل للجاهل أن ~~يقول للعالم : اجهل مثل جهلي وإلا قطعت عذرك . فإن قال العالم للجاهل : ~~اعلم مثل علمي وإلا قطعت عذرك . قطع الله عذر العالم . وإن قال الجاهل ~~للعالم : اجهل مثل جهلي وإلا قطعت عذرك . قطع الله عذر الجاهل ) . واعلم أن ~~هذه المسألة صدرت من هذا العالم العظيم ، القريب من عصر النبوة ، وهو ~~الفيصل بين جميع ما تشاجر فيه الأئمة . # واعلم أن الله تعالى أرسل محمدا ( صلى الله عليه وسلم ) بالقرآن العظيم ، ~~وفيه نبأ الأولين والآخرين ، وفيه الفقه في الدين إلى يوم الدين ، فشرع فيه ~~أصول الفرائض ، وفوض بيانها إلى الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) ، قال الله ~~تعالى : ( وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ) . PageV02P079 # وأطلق رسول الله عليه السلام عقال المسلمين في التفقه في فنون العلم ، ~~والأصل القرآن والسنة فرعة ، والأصل السنة والرأي فرعها ، وجعل الرأي حاكما ~~على السنة ، والسنة حاكمة على القرآن ، فكثرت فنون الرأي وهي على ثلاثة أوجه : # فالأول : سائغ مأمور به مأجور عليه . وهو النظر في النوازل والأحكام وفي ~~تفسير القرآن . # والثاني : لا أجر ولا وزر . كأنه بمنزلة مالا يغني أو المباح وقد تقدم . # والثالث : موزور صاحبه غير مأجور ، وهو كل رأي ms129 قطع فيه الشهادة أنه حق ~~عند الله تعالى ، وقطع فيه عذر من خالفه ، أو صادم فيه الشرع . ولك في ~~القدرية والصفرية والخوارج وأشباههم معتبر . # وإلى هذه الفنون رجع اختلاف الناس في الكفر والإيمان والشرك والإسلام ~~والطاعة والمعصية والفسوق والنفاق والقول في أسماء الله - عز وجل - وصفاته ~~وأمثالها والقرآن . # فليس لأهل العلم أن يحظروا على الجاهلين ، إن لم يتعدوا رأيهم إلى هدم ~~الشروط ، وليس عليهم من معرفته شيء من ذلك ، ويؤيدها قول الله تعالى حيث ~~يقول : ( كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم ~~الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين ~~أتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما ~~اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ) .. # وقد شاء الله - عز وجل - أن يهدي هذه الأمة إلى الحق ، وليس تخلو ~~أقاويلهم من الحق لابد منه . # ولن تجتمع أمة محمد ( صلى الله عليه وسلم ) على ضلال وقوله : ( إن الدين ~~عند الله الإسلام وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم ~~بغيا بينهم ) . PageV02P080 # الإمام الثاني : أبو معاوية عزان بن الصقر فيما ذهب إليه من المسائل التي ~~لا يسع الناس جهلها في قول بعض الفقهاء ، ويسع في قوله ، حين وسع جهل البعث ~~والقيامة والجنة والنار والأنبياء والملائكة والرسل والكتاب في أمثالها ، ~~فغرضه ومراده فالله أعلم . # اعلم أن من نطق بجملة التوحيد ، هذه المعاني كلها مدرجة في كلمته ، وإن ~~لم تخطر على باله ، والمعنى بقضيته . # لأن من أقر بالله وحده ، فقد تضمن هذا الكلام أن الله تعالى قبل الخلق ، ~~فثبت له القدم والخلق محدث ، وأنه المحدث وأنه الذي خلق العاقل فكلفه ، ~~وأنه الآمر والناهي وأنه المثيب والمعاقب . # فقضى قولك : ( الله ) إثبات وجوده وقدمه وحياته وعلمه وقدرته وإرادته ~~ومشيئته ورضاه وسخطه . # قوله : (( لا إله إلا هو الحي القيوم )) . # وقوله : (( لا إله إلا هو )) تأكيد ، والحي تنبيه على هذه الصفات ~~المذكورة فتقضي الحياة والعلم والقدرة والإرادة ms130 والرضى والسخط . # وقوله : (( القيوم )) يقتضي سفرا جديدا وهو العاقل ، والعاقل يقتضي الأمر ~~والنهي ، والأمر والنهي يتقضي الطاعة والمعصية ، والطاعة والمعصية تقتضي ~~الثواب والعقاب ، والثواب والعقاب يقتضي لجنة والنار ، والجنة والنار يقتضي ~~الآخرة ، وهو معنى قوله : (( وإليه المصير )) . # فمن عرف الإنسان ولم يعرفه أنه لحم ودم وعظم وجلد لم يعرفه ، ومن عرف ~~الله تعالى ولم يعرفه بصفاته أنه حي عالم قادر مريد لم يعرفه ، ومن أنكر ~~واحدا من الخلق أن الله لم يخلقه ، فقد أنكر الجميع ، ولعل هذا أراد عزان ~~بن الصقر ، وعذر من لم يسنح بخاطره شيء من هذا أو تقوم عليه الحجة . # وينبهك على ذلك قوله : (( إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين ~~والنصارى من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا ~~خوف عليهم ولا هم يحزنون ) . PageV02P081 # والصابئون ينتحلون من الأنبياء آدم عليه السلام ، ليس إلا الإيمان بالله ~~واليوم الآخر ، ويلك عليه أن شريعة سبقت إلى المشرك وسعته في بعض الشرائع ، ~~قالوا : إنه ليس عليهم إلا النطق بالجملة وهي : شهادة أن لا إله إلا الله ~~وحده لا شريك له . # الإمام الثالث : لواب بن سلام - رضي الله عنه - ذكر لواب بن سلام فيما ~~يعتري الإنسان من الوسواس في صفة الباري سبحانه ، وما يخطر على القلوب من ~~توهيمه أنه فوق ، وأنه في السماء وعلى العرش وأنه معنا ، وما يذكر ويسبق ~~إلى النفوس من تجديده ، وذكر الآلات والجوارح من الوجه واليدين والساقين ~~والقدم والجنب ، في مثل هذه الأمور ، ليس على الإنسان منها شيء ، ولا على ~~السامع ، ما لم يقطع الشهادة على الله - عز وجل - أنه كذلك ، ويحلف عليه ~~ويقسم أنه كذلك . # وإن كان لا يحلف على ذلك ، فليس بشيء ، ولا يضره ما يسبق إلى النفوس أو ~~جرى على الألسن ، إلا مع وجود الشروط المذكورة ، من قطع الشهادة ، أو قطع ~~العذر في ذلك . # ومصداق ذلك حديث رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، حين سأله رجل فقال : ~~يا رسول الله إن في النفس أشياء أريد أن أسألك عنها ، وددت أني لو ms131 مت قبلها ~~، فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : (( كلنا يجد ذلك )) . # وحديث ابن مسعود : ( تلك برازخ الإيمان ) ، وحديث زوجة جابر بن زيد حين ~~سألت مجاهدا فقالت : ( إنه تخطر ببالي بعد موت حبيبي أشياء لو مت قبلها كان ~~أحب إلي ) ، قال لها : ( ليس عليك بأس ) . # الإمام الرابع : الربيع بن حبيب - رضي الله عنه - . # اعلم أن الربيع بن حبيب قد أثبت لجميع المشركين ما غنموه وحازوه من أموال ~~المسلمين في الرقيق والمكاتب والمدبر وجميع الأموال . # وأثبت الأنساب بين المشركين ونساء الموحدين من حامل لا حامل وحامل واضع . PageV02P082 # وقاس المتدينة من جميع أمة أحمد عليه السلام من الصفرية وغيرها على ~~المشركين ، إذا حازوه فاشتراه مشتر من أسواقهم ، أو وهبوه له بعد ما ~~اقتبسوه . # وكذلك جميع أهل البدع ، مهما أبصروا الإسلام وقبلوه ، فليس عليهم في جميع ~~ما فعلوه بديانتهم بأس ، قد غفر الله ذنوبهم وأسقط عنهم التباعة ، وسوغ لهم ~~جميع ما حازوه من ذلك ، إذا تصرف كما ذكرنا ، إلا في الأحرار لا في ~~المشركين ولا في الموحدين ، وليس على أحد بأس أن يعاملهم في كل ذلك . # وكذلك ما بيننا وبين المخالفين من الأحكام ، إن كنا تحت أيديهم وجرت ~~علينا أحكامهم ، ولو خالفوا في الأحكام مذهب الملمين ، كما أن ليس علينا أن ~~نمتنع من أحكامهم إذا أجروها علينا في جميع ما لم نقطع عذرهم فيه ، وهل ~~يسعنا أن نمنع لهم أن يأخذوا من أموالنا ما وجب علينا من الزكاة والعشر ~~والفطر ؟ # فليس لنا ذلك ويجزئنا عند الله ، وليس علينا إعادة إلا في مذهب المعتزلة . # وأما ما غاب عن الأبصار ، فليس علينا أن نتبرع بها لهم إلا في مذهب عبد ~~الله بن عمر بن الخطاب - رضي الله عنهما - . # وأما الموحدة فإنهم على طريق الحق في جميع ما امتثلوه بينهم وبين المجسمة ~~، من السبي والغنيمة والقتل ومقاسمة الأموال . # الإمام الخامس : أفلح بن عبد الوهاب بن عبد الرحمن الفارسي رضي الله عنه ~~وعن جميع تبعته من المسلمين . # قال : ( إن من الناس من يجهل العلم صغيرا ، أو ينكره ms132 كبيرا ، ويقول إذا ~~سمع من العلم مالا يعرفه : ما على هذا أدراكنا مشايخنا . والعلم قديم ، وقد ~~سبق العلم مشايخه ) . # اعلم أن الغالب على هذه الأمة ، حين افترقت وتوزعتها الأئمة الذين قال ~~فيهم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : (( أئمة ضالون مضلون ، قاعدون على ~~أبواب جهنم ينادون إليها كل من أجابهم قذفوه فيها )) . PageV02P083 # فالغالب عليها التقليد ، فاستبصرت كل فرقة في مذهبها ، وعلى أنهم يقضون ~~على أئمتهم أنهم غير معصومين من الخطأ والزلل ، فأصيبت الاثنتان والسبعون ~~فرقة التي ذكرها رسول الله عليه السلام من جهة التقليد لغير مأمونين من ~~الخطأ والزلل ، وتركوا البحث فيما جاءهم عن أئمتهم ، عادة الله تعالى في ~~الذين خلوا من قبلهم تقليد الآباء والأمهات والسلف الصالح والطالح ، ~~فاستمرأوا ، وخيف على المحقة أهل التقليد أن يؤتوا من تخلفهم عن أوائلهم ، ~~لعلل ومعان استأثر الله بالكمال ، ولم يبرأ أحد من النقصان . وذلك لعلل ~~ومعان : # أحدها : ألا تبلغهم بعض علوم أوائلهم . # والثاني : أن يستحسنوا بعض أقاويل من خالفهم . # والثالث : أن تنقص عقولهم عن مبلغ عقول أئمتهم . # والرابع : أن تختلف بهم الأهوية والأغذية والبلدان والأزمان فيفرطوا أو ~~يفرطوا . # والخامس : أن تسمحن لهم عبادهم مالا يليق عند علمائهم . # والسادس : أن تختلف بهم الأحوال في الظهور والكتمان ، ويجهلون التفرقة ~~بين ما يجوز في الظهور والكتمان . # والسابع : أن يأتيهم الشيطان من حيث لا يحتسبون ، فيزين لهم بعض أقاويل ~~المخالفين عن مدارسة دواوينهم . # والثامن : أن يكونوا في المواضع التي تغلب عليهم أئمة المخالفين فيحولوا ~~بينهم وبين حقهم ، أو يلقنوهم بعض باطلهم . # والتاسع : أن يطول عليهم الأمد فتقسوا قلوبهم . # والعاشر : أن يدركهم العذر ، والأولون أصيبوا من جهة التقليد والاستحسان ~~، والآخرون من فنون المعاذر ، لكن المحقين أحسن حالا وإن قصروا ، عمن في ~~المهالك ولم يبصروا . # الإمام السادس : عمروس بن فتح - رضي الله عنه - حين قال : ( إن ما يقيم ~~الحجة في دين الله العالم الغاية الذي لا يوجد على قوله مزيد ، وقيل : ~~العالم بجميع فنون الحجة ) فعلى هذا الوجه يتعذر قيام الحجة على أحد من أهل ~~عصرنا ، لعدم الصفة ms133 التي ذكرها عمروس . PageV02P084 # ومن عول على التوحيد ، وعلى الخمس التي بني الإسلام عليها ، وهي الشهادة ~~وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان والحج ، فقد فاز . # والإشارة بهذا الحديث : أن الحجة لا تقوم على عوام الناس إلا بمثل هذه ~~الصفة ، وهذا الصفة معدومة ، فبهاذ المعنى عذر أهل صفين من المسلمين وهم ~~عمار بن ياسر وعلي بن أبي طالب ومن معهم من المهاجرين والأنصار والتابعين ~~بإحسان وهم في مائة ألف أو يزيدون جميع من شك في دم عثمان ، ولم يقطعوا ~~عذرهم ، إذ لم ينتهكوا الحدود الثلاثة التي قدمنا ذكرها . # فمن توقف وارتاب ، فواسع له على ما هو عليه إلى مذهب الحق إلا إذا ابتلى ~~بالعمل ، فلا يسعه التوقف على العمل إذا وقع الابتلاء . # وقد قيدنا الأخذ من كتاب الله وسنة رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إلى ~~فنون الحجة ، وفي هذا نظر لأهل العثور والعوام من أهل القرى والكفور . # الإمام السابع : أبو القاسم يزيد بن مخلد - رضي الله عنه - . # قال الشيخ أبو القاسم في أبي يزيد النكاري حين خرب إفريقية وصنع فيها ~~الأفاعيل ، واحتال عليهم الأباطيل ، فقال : ( لقد فتح فيهم أبو يزيد بابا ~~إلا أنه لم يحسن السيرة ) . # اعلم أن هؤلاء السنية ظهر فيهم التشبيه والتجسيم العظيم ، تشبيه الباري ~~سبحانه في عوامهم وذوي القصص منهم . # فلما كان أيام الربيع بن حبيب - رضي الله عنه - اجتمعت المشايخ والنكار ، ~~فأشارت النكار إلى تشريكهم ، وأبى الربيع من ذلك ، وقال : ( إنما ظهر هذا ~~من عوامهم لا من أئمتهم وذوي الفضل منهم ) فلما كان أيام ابن أبي زيد ~~القيرواني وكان يسمى مالك الصغير لما أحيى من مذهب المالكية ، وعلى رأي ~~مالك ألف ديوانا فقهيا ، وعقب في آخره بأن عمد إلى ذلك التشبيه فصرح به إلى ~~حين مجيء المهدي ، وخاطب علي بن يوسف بن تاشفين في ذلك ، فألح على التشبيه . # ونهى عمن يقول : الله في كل مكان ، وضرب عليه الأبشار . PageV02P085 # ثم أن عليا وفقهاءه أثموا على ذلك وقتلوا عليه فقيها من الفقهاء وهو ~~الجزولي فحكم عليهم المهدي بالتشبيه وعزاهم ms134 إلى التجسيم ، فحكم فيهم حكم ~~المسلمين في المشركين من القتل والسبي والغنيمة بعد ما حكم فيهم أول مرة ~~بأحكام الموحدين . # وأما قوله في أبي يزيد : ( إلا أنه لم يحسن السيرة ) وذلك أنه إذا قصد ~~بلدا قال لهم : ( هل بات الإسلام عندكم أو سكن هاهنا الإيمان ) فيقول أهل ~~البلد : ( لا ) . لا يظنون أنه سأل عن رجال معروفة ، فيحل سبيهم بذلك . # وإذا سبوا السبايا شرعت فيهن طلبته ، فجرى حديث المهدي في أول بدئه وحكمه ~~في هؤلاء المشبهة . فقال الشيخ أيوب بن إسماعيل بن أبي زكريا : لكن هذا - ~~يريد المهدي - قد أحسن السيرة ، ردا على أبي يزيد ، قبل أن يتسمى المهدي ~~بالمهدي ، فاستحسن ، وأنكر على أبي يزيد سيرته . # الإمام الثامن : أبو حزر يغلا بن زلتاف - رضي الله عنه - قال : ( اعلم ~~أنه يسع جهل ما خلا الشرك والاستحلال لما حرم الله ، والإصرار على ما حرم ~~الله ) قال : ( وذلك إذا علمت أنه استحل ما حرم الله ، أو أصر على فعل ما ~~حرم الله ) . # واعلم أنه أشار إلى الشرك ، خصوصا أن على الناس معرفته والحكم فيه ، وذلك ~~إذا كان شركا ظاهرا فيه التشبيه . # وإذا لم يظهر فيه التشبيه ، فليس عليهم من معرفة شركه شيء . # فإن كان في ذاته شركا فواسع له ما لم تقم الحجة به ، وذلك مثل الإيمان ~~بمحمد ( صلى الله عليه وسلم ) وبالأنبياء والرسل والملائكة والكتب وبالبعث ~~وبالجنة والنار ، وأما ما سوى ذلك من النفاق والكفر والفسوق والمعصية ، ~~فليس عليه منه شيء إلا إذا قامت عليه الحجة بشيء ، فعند ذلك يجب عليه . # فإن قامت عليه الحجة بأن هذا فرض ، أو حان وقته عليه ، فإن رأى من ضيعه ~~فيعلم أن قد عصى . # وكذلك ما نهى عنه أن رأى من فعله ، فعليه أن يعلم أنه قد عصى ، وأنه أتى ~~في التضييع والتصنع حراما ، وليس عليه ما وراء ذلك . PageV02P086 # وإن قامت عليه الحجة أنه كبير ، فعليه أن يعلم أنه معصية والعقاب عليه ~~واجب ، وليس عليه أن يعلم أن في شيء من أفعال العباد كفرا ، خلا اللسان ~~والقلب ms135 ، ولا نفاقا ولا فسوقا . # وليس عليه فيمن نقض شيئا من دينه ، أنه كفر أو فسوق ، إلا الشرك ، فمن ~~نقض عليه شيئا من دينه ، فقد أتى حراما لا غير . # وأما الإصرار على فعل الحرام ، فهو نفس الحرام ، فليس عليه أكثر من أنه ~~أتى حراما . # وأما الاستحلال لما حرم الله ، فربما يقع أكثر وأعظم من المستحل منه ، ~~ومن أصر على الشرك فهو شرك ، ومن أصر على الكبير فهو كبير . # وأما الاستحلال ، فربما يستحل صغيرا ويكفر به ، وربما يستحل كبيرا فيشرك به . # وفي الاستحلال مزية على الإصرار ، وربما أشرك المستحل ولا يشرك الفاعل . # الإمام التاسع : محمد بن محبوب - رضي الله عنه - . # قوله في الربا على الأصل الذي اجتمعت عليه الأمة بخلاف قول عبد الله ابن ~~عباس ، وذلك أن ابن عباس عول في الربا على النسيئة ، وتأول قول رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) : (( إنما الربا في النسيئة )) وأبطله فيما وراء ذلك ~~، ولم ير في الدينار بالدينارين يدا بيد بأسا . # والأصل الذي عولت عليه الأمة أن الربا المعنى هو الربا في النسيئة (1) ، ~~وعولت على الحديث الذي يأثره عبادة بن الصامت عن رسول الله عليه السلام : ~~(( الذهب بالذهب ، والفضة بالفضة ، والبربالبر ، والشعير بالشعير ... حتى ~~الملح بالملح ربا إلا ها وها ، يدا بيد سواء بسواء ، مثلا بمثل )) . # وفي حديث آخر : (( فمن زاد واستزاد فقد أربى )) . # وقوله : (( فمن أجبى فقد أربى )) . ونهيه عن المزابنة والمحاقلة ، وعن ~~بيع الطعام بالطعام . # وقوله لبلال : (( أربيت يا بلال )) . # وقوله للأسود بن عزنة ، حين أتاه من خيبر بتمر جنيب فقال له : (( أهكذا ~~تمر خيبر ؟ )) . # فقال : ( والذي بعثك بالحق بشيرا ونذيرا ، إنا لنأخذ الصاع من هذا ~~بالصاعين من الجمع ) . PageV02P087 # فقال عليه السلام : (( لا تفعلوا ، بع الصاعين من الجمع واشتر الصاع من ~~هذا )) . # وقوله : (( إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم إلا ما نهيتكم عنه )) . # وقول عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - : ( إن لآخر ما أنزل لآية الربا ~~ومات رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ولم يبينها لنا ، فاحذروا الربا ~~والريبة ) . # واعلم أن هذه الآثار ms136 وردت عن رسول الله عليه السلام من الطرق الصحاح ن ~~وعولت عليها الأمة والأئمة والفقهاء ، وجل الصحابة عليها ، فخالف ابن عباس ~~بالحديث الذي روينا عنه ، (( إنما الربا في النسيئة )) . # وسئل هل سمعه من رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ؟ # فقال : ( لا ، إنما حدثني به أسامة بن زيد وزيد بم أرقم عن رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) ) وهو حديث صحيح . # وذلك أن أسامة بن زيد وزيد بم أرقم كانا يشتريان من السوق القافلة من ~~الطعام ، من بر أو شعير أو تمر ، بالدنانير ، فيصلون إلى دورهم ، وقد ~~عازتهم الدنانير ، أو يشتريان بالدراهم ، فتعوزهم الدراهم . # فسألا رسول الله عليه السلام : ( إنا نشتري من السوق بالدنانير فتعوزنا ، ~~فندفع الدراهم ونشتري بالدراهم فتعوزنا ، فندفع الدنانير بدلا مم عاز ) . # فقال عليه السلام : (( لا بأس إنما الربا في الرجاء أراد أن يفسخ كل واحد ~~منهما في صاحبه ولا نظرة )) . # وكذلك حديث عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - لطلحة بن عبيد الله : حين ~~اشترى من مالك بن أوس بن الحرثان حليا بمائة دينار فقال : ( انظرني حين ~~يأتي خازني من الغابة ) ، فسمعها عمر بن الخطاب ، فقال : ( لا والله ، فإني ~~سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يقول : (( وإن استنظرك إلى أن يلج ~~بيته فلا تنظره )) PageV02P088 واعلم أن ابن عباس من علماء هذه الأمة ~~وفقهائها وممن دعا له الرسول عليه السلام أن يفقهه في الدين ويعلمه التأويل ~~، ولكن أمرا آذن الله تعالى عباده بالحرب ، فلا ينبغي أن يتعرض له ، ولا أن ~~يهون به ، قال الله - عز وجل - : ( يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما ~~بقي من الربا إن كنتم مؤمنين ، فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله ) . # وإنما إنفاذ الشريعة ، أمر يسره الله فسهله فخذ فيه باليسر ما قدرت ، ولا ~~تتعد حدود الله تعالى ، وأمر عسره الله وشدد فيه فلا تتعرض له ، فقد شدد في ~~آية الربا ما لم يشدد في غيرها ، وآذن العباد بالحرب . # وقد قيل عن ابن عباس ، إنه قد رجع عنها في أيام مرضه بالطائف ms137 وفيه مات ، ~~وقال : ( أردنا أن نسد عنكم أبواب الربا فأبيتم إلا فتحها ) . فرجع عنها ~~قبل موته ، وإنما نبهناكم على هذا نصحية على أن ابن عباس بالموضع الذي هو ~~فيه من الفقه في الدين والسنة والتنزيل بالموضوع الذي لا ينكر . # وقد قال أبو بكر الصديق : ( ما من عالم إلا وفي علمه مأخوذ ومتروك ، ما ~~خلا صاحب هذا القبر ) وأشار إلى قبر رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) . ~~وليس مذهبه في الربا بفرض فيضيق على الناس مخالفته . # وقد فطن لمذهبه محمد بن محبوب فآثر السنة والجماعة (2) والرأي ، وهو ~~النهاية في زمانه نسيج وحده ، وفرد زمانه . # الإمام العاشر : الشيخ مصالة - رضي الله عنه - : # قال : ( ليس لله علينا أن نكون حفظة لا ننسى ، اعلم أن النسيان للإنسان ~~أمر غالب ، وربما يكون عن أسبابه ، فيؤخذ به ، ولم ترد فيه شدة إلا في ناسي ~~القرآن بأنه وري عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال : (( نظرت في ~~ذنوب أمتي ولم أر ذنبا أعظم من ناسي القرآن )) . PageV02P089 # وقال أيضا : (( من حفظ القرآن ثم نسيه لقي الله يوم القيامة أجذم )) ، ~~وقال الله تعالى : ( نسوا الله فنسيهم ) وقال : ( أتتك آياتنا فنسيتها ~~وكذلك اليوم تنسى ) وقال : ( نسوا الله فأنساهم أنفسهم ) . # واعلم أن هذا الوعيد إنما يتوجه إلى من نسي الله - عز وجل - فليس الله ~~تعالى ممن ينسى ، كما أن ألم الضرب ليس مما ينسى ، فالله معك أين ما توجهت ~~، فارم ببصرك حيث شئت ، تجد صنعة لك حاضرا ، أو ناهيا أو آمرا . # ومن علم أثر السبع فلن يستطيع نسيانه ، ما دام معه أثره ، وقد علم بأسه . # وقد عذر الله تعالى ناسي الصلاة : قال رسول الله عليه السلام : (( من نام ~~عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها فذلك وقتها )) فعذره عليه السلام ولو ~~نسيها إلى المحشر لما كان عليه بأس . # وقد صلى عليه السلام صلاة العصر بأصحابه فقام من اثنتين ، فقال له ذو ~~اليدين من أصحابه : ( أقصرت الصلاة أو نسيت يا رسول الله ؟ ) فقال عليه ~~السلام : (( كل ذلك لم يكن ، ولكن ms138 أنسى لأنس لكم )) فقال عليه السلام ~~لأصحابه : (( أصدق ذو اليدين ؟ )) # قالوا : ( نعم ) فرجع فأتم بهم أربعا . ولو لم يذكره أحد من أصحابه لوسعه ~~ذلك إلى المحشر ولا ضير ، فشددت المشايخ في هذه المسألة غاية التشديد وقالت ~~: إن من قامت عليه الحجة بفريضة من الفرائض من دين الله ، أو آية من كتاب ~~الله - عز وجل - ، أو بنبي من الأنبياء والرسل والملائكة والمنصوص من بني ~~آدم ، في خير أو شر ، أو ولي من أوليائه ، أو تباعه من التباعات من الأموال ~~والأنفس ، أنه لا يعذر في شيء من هذا كله . PageV02P090 # وحكموا بالشرك ، فيمن نسي نبيا ، أو ملكا ، أو رسولا ، أو فريضة منصوصة ، ~~أو قضية من كتاب الله - عز وجل - مخصوصة . # وحكموا في الشاك أنه مشرك ، وفي الشاك في الشاك إلى يوم القيامة . # واعلم أن هذه المسألة قد شدد فيها وأرجو عند الله تعالى فيها السعة ~~والرحمة ، قال الله تعالى حكاية عن المؤمنين : ( ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا ~~أو أخطأنا ) . # فذكر ذلك في معرض الإجابة والامتنان ، فنحن على عمومها في هذه الآية ، ~~حتى يأتي ما يخصها ، بل تفضل الله علينا من وراء هذا فترك المؤاخذة في ~~الخطأ فهو كالنسيان . # وقد ذهب أهل التفسير الذين فوض الله تعالى إليهم بيان كلامه وخطابه ~~للخليقة بأن قالوا : إن نسينا تركنا أو أخطأنا أي تعمدنا ، فجاوزوا النسيان ~~إلى العمد ، والترك والخطأ إلى الترك والعمد . # ومذهب هؤلاء المفسرين مذهب صالح لائق برحمة رب العالمين في عباده ~~المذنبين ، اقتبسوا هذه الطريقة من رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فيما ~~حكاه الرب عنه . حيث يقول : ( لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم ~~حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم ) فلهذا المعنى قال رسول الله عليه السلام ~~، في قول الله تعالى : ( إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ~~ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليما حكيما ) . # واعلم أن من سلم من خصلتين فلا يستبعد له هذا التفسير ، وهو حاصل في جملة ~~المؤمنين ، من سلم من البدعة ، ومن ms139 سلم من الإصرار . # فالبدعة : أن يدين لله تعالى بدين كان به على الله شاهدا ، وفي شهادته ~~عليه كذابا ، حتى يلقى الله - عز وجل - على ذلك ، فعلى أي شيء يثيبه الله - ~~عز وجل - ؟ أعلى غير ما قدمت يداه ؟ ( وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وأن سعيه ~~سوف يرى ثم يجزاه الجزاء الأوفى ) . PageV02P091 # وأما المصر والمعاند لربه والمتمادي على معصيته وارتكبها عمدا ، وعول أنه ~~لا يفارقها أبدا حتى يلقى ربه ، فأصر واستكبر ، فخاب وخسر ، فلقي ربه غدا ~~في المحشر منكوسا مركوسا ، فليس في هذا أيضا مطمع ، إذ لا يليق بحكمه ~~الباري سبحانه إسعافه على إصراره وخلافه وما وراءه من الذنوب ، فليس ~~بمستحيل العفو عنه ، بأسباب خمسة : التوبة النصوح ، والحسنة المقبولة ، ~~والمصيبة الوجيعة التي قال صاحبها : ( إنا لله وإنا إليه راجعون . أولئك ~~عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون ) . أو لم يقلها . # وقال الله - عز وجل - : ( وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن ~~كثير ) . # وقال ( صلى الله عليه وسلم ) : (( ما من مسلم يصاب بمصيبة حتى الشوكة ~~يشاكها إلا كفر بها من خطاياه )) . # ومن وراء ذلك شفاعة المصطفى عليه السلام ، فكيف بمن له الشفاعة ، وهو ~~الحكيم الكريم الرؤوف الرحيم رب العرش العظيم . وهو التائب عن عباده ~~المذنبين قبل أن يتوبوا فقال عز من قائل : ( يريد الله ليبين لكم ويهديكم ~~سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم والله يريد أن يتوب عليكم ~~ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما ) . # وقضى على لسان نبيه عليه السلام : (( أن من كان في قلبه مثقال حبة من ~~الإيمان دخل الجنة )) . رواه ضمام بن السائب عم رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) . # وقوله - عز وجل - يوم الفصل الأكبر : (( يا معشر المؤمنين إني قد وهبت ~~لكم ما بيني وبينكم فتواهبوا فيما بينكم )) ويقع القصاص قيما بين المسلمين ~~والمسلمات ، ويتقاصون بالحساب بدل الأموال والتبعات ، ومن وراء ذلك فضل ~~الله يؤتيه من يشاء ، والله ذو الفضل العظيم .... # * * * # تم بحمد الله الجزء الثاني PageV02P092 # الجزء الثالث # كتاب الرسائل # الحمد ms140 لله رب العالمين بمحامده كلها، ما علمنا منها وما لم نعلم، على ~~جميع نعمه كلها، ما علمنا منها وما لم نعلم، لدى جميع خلقه، ما علمنا منها ~~وما لم نعلم. PageV03P002 # والصلاة على محمد عبده ورسوله وخاتم النبيين، وعلى جميع الأنبياء ~~والملائكة والمرسلين والمسلمين أجمعين. # (أما بعد): فإن عبد الله بن الشيخ سليمان أوقفني على كتابك الأغر الأجل، ~~فقرأته وفهمت مضمونه، وذكرت فيه مسألة الرضى والسخط، وما اعتراك فيها من ~~التحير إلى آخر الفصل. # اعلم يا أخي أنك تحيرت فيما ينبغي أن يتحير فيه المتحيرون، ويهتبل به ~~المتدينون، لقلة مبلغ علومنا، ولعظم التوبة في ديننا، ولكن الله المستعان ~~وهو حسبنا ونعم الوكيل. # اعلم يا أخي أن هذه المسألة، سالت فيها ثلاث شروط: # أولها: إصابة وجه الحق عند الله تعالى فيها، فهذا وجه. # والثاني: إقامة البرهان على صواب المصيب وخطأ المخطئ فيها، فهذا ثان. # والثالث: أن يكون البرهان نيرا ساطعا بينا قاطعا. ومن لنا يا أخي بإصابة ~~وجه الحق عند الله إلا بتوفيق الله تعالى، وإقامة البرهان إلا بعون الله ~~تعالى، وإيضاحه حتى يكون بينا ساطعا نيرا قاطعا إلا بأذن الله تعالى. # ومن لنا بك يا أخي، بأن تنظر إلى ما نورده عليك ونصدره عنك بعين الرضى لا ~~بعين السخط بتأييد وتسديد من الله تعالى. # والمعذرة إليك يا أخي ما نجده من ضعف النفوس وضعف العقول فأعنا عليك ~~بالذهن الحاضر والعقل الوافر والفهم الثاقب والتأمل الواصب، حتى يتضح ~~المجمل ويتبين المشكل، وأن تحمل كلامنا على أحسن وجوهه وقد قال الله - عز ~~وجل -: (فخذها بقوة وأمر قومك يأخذوا بأحسنها). # اعلم أن من أراد يوقظ الصواب في نفوس المستمعين، لابد وأن يكون في كلامه ~~تمثيل وتشبيه واستعارات ومجاز، والكلام لا يخلو من هذا النمط، وفيه متعلق ~~للأبد المشاغب الملد المذاهب، ولكن إذا ظهرت المعاني التي أردنا، والوجه ~~الذي قصدنا، فما علينا ولا بالنا. PageV03P003 # فالمتعلق بالألفاظ دون المعاني، راض وقانع بالقشر دون اللباب، ألا ترى ~~إلى قوله - عز وجل - كيف اعتذر إلينا وقال: (يأخذوا بأحسنها) ms141 وقال: (الذين ~~يستمعون القول فيتبعون أسحنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو ~~الألباب). # فالله تعالى يا أخي يحملك وإيانا على السداد، ويؤيدك ويلهمك سبيل الرشاد ~~ويسددك. # ونحن نريد أن نقدم بين يدي كلامنا مقدمات، ثم نشرع بعد ذلك في إيضاح الحق ~~والبرهان عليه إن شاء الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وذلك ~~يا أخي أنه محال ظهور الفرع قبل ثبوت الأصل، ومحال أن يبرهن مبرهن على حق ~~أو باطل، بوجوه البرهانات، إلى من لا يعرف البرهان ولا يقر به، فإذا ما عرف ~~وجوه البراهين وأقر بها أمكنك الكلام معه، فإن لم يف بالشرطين جميعا كان ~~الكلام معه لغوا، ولابد من معرفة الحق وإقراره به. # وقد تيقنت يا أخي بأن حجج القرآن أعظم الحجج، وبراهينه أعظم البراهين، ~~ولن ينفك في جاهل منكر، حتى يقع الكلام في تثبيت القرآن أولا أنه حق من عند ~~الله تعالى، فهناك نشرع في إيضاح القرآن له. # كما أنه محال يا أخي أن يرى اللون من فقد البصر، ويسمع الصوت من فقد ~~السمع، ومحال أن يستعمل النحو فاقد اللغة، وأن يحسن اللغة أبكم، وأن يكون ~~أبكم من ليس موجودا، فإذا حصل الوجود أكمن البكم، وإذا انطلق اللسان أمكن ~~الكلام، وإذا أمكن الكلام أمكن النحو. # ومحال أن يعرف الحق ويقر به من لا يعرف البرهان، ومحال أن يعرف البرهان ~~ولا يعرف طرقه، وهكذا عادة الله تعالى في الأمور كلها، فالمقدمة الأولى ~~توكيد للبرهان وتمهيد طرقه. # وذلك أن العلوم البرهانية لا تتطرق إلى العباد إلا من أحد ثلاثة أوجه:- # إما عقلية، وإما لغوية، وإما شرعية. # وللعلوم العقلية قوانين، وللعلوم اللغوية قوانين، وللعلوم الشرعية ~~قوانين، ولكل حد مطلع. PageV03P004 # وعلى هذه العلوم الثلاثة ينبني البرهان ومنها يتركب، فمن لم يحسبها ~~ويتعرف طرقها، استعجمت عنه براهين الدنيا، فضلا عن برهان واحد منها وأنا لا ~~أدري أكنت تحسنها أم لا تحسنها. # فلو علمت أنك ممن يحسنها، لاقتصرت لك عن إيضاح الحق في سطرين، وأوضح لك ~~البرهان في كلمتين، ولكن يا ms142 أخي سأشرع لك في إيضاحها وإظهار معانيها، حتى ~~تكون طرق البرهان وسبل الحجاج عندك موجودة مدخرة عتيدة، إن شاء الله لتحقيق ~~الحق وإبطال الباطل، والله المستعان. # وإنما وقعت المغالطات بين الخصوم من تضييعهم معرفة هذه الأصول، فلما ~~بطلوا عطلوا. # ويعتور على البرهان ثلاثة ألفاظ: برهان صحيح، ومموه صريح، وخطاب فصيح. # وهذه الطرق الثلاثة هي التي سلكت بنو آدم في الدعاء إلى اعتقاداتهم ~~ومذاهبهم. # فمن بنى برهانه على الحد والقياس والطرد والانعكاس، كان برهانه صحيحا في ~~العقليات. # والبرهان المموه الصريح: هو الذي تقع المغالطة في طريق استعماله من أحد ~~الخصمين، فيفترقان على غير طائل. # والبرهان في الخطاب الفصيح إقامة الحق والباطل في نفس المخاطب، حتى ~~يعتقده من غير دليل ولا برهان صحيح ولا تمويه صريح، فإن سلك فيه طريق الحق ~~كان حقا، وإن سلك فيه طريق الباطل كان باطلا، ويسوغ للأمرين. # والتمويه ليس فيه إلا الباطل، والبرهان (1) ليس فيه إلا الحق، فاحترز ما ~~قدرت من التمويه، ولا تركن إلى القول الفصيح، حتى يقع البرهان الصحيح. # والبرهان الصحيح - كما ذكرت لك - هو الحد والقياس وهو الطرد والانعكاس، ~~وقد نبهتك أولا على تحقيق المعاني واطرح الألفاظ. # واعلم أن وصولك إلى معرفة المعاني بثلاثة مقامات: إحداها هلهلته، والثاني ~~ماهيته، والثالث كيفيته. # فالهلهلة: هي ذات الشيء، ولن تفيدك برد اليقين. # والماهية: هي رسمه، والرسم قد يبين وقد لا يبين. PageV03P005 # والكيفية: هي حده، والحد هنالك الحق المبين، فمن لا يعرف الشيء لا بذاته ~~ولا بشيء من صفاته، لم يخرج منه بطائل ولم يقر إلا بقول قائل، ومن عرفه ~~برسمه كان بينا، ومن عرفه بحده صح اعتقاده، وثلج فؤاده، وانطلق لسانه وظهر ~~بيانه، وأنا أبين لك حقيقة هذه الوجوه الثلاثة. # وإذا قال لك رجل مثلا: ظهر بالأمس عندنا شيء موجود في ناحية البلد فأعجب ~~الناس. هل ظفرت من هذا الخبر بفائدة، أو ترجع إلى نفسك منه بفائدة، فهذه ~~معرفة الهلهلة، وهو معرفة هل هو ومعناه موجود أو غير موجود الذات. # وأما معرفته برسمه: بأن يقول لك رجل: ms143 رأيت رجلا واقفا فأعجبني. فهذه ~~معرفة الماهية، وهي معرفة بعض صفاته في الرجولية والذكوريه والوقوف، وهذه ~~معرفة الرسم فأنت منه على لوائح لم تضبطه كل الضبط ولم تسقطه كل السقط. # وأما معرفته بحده بأن يقول لك: رأيت إنسانا حيا فعالا. فهذا هو الحد ~~الصحيح، الذي يمنع ما ليس منه أن يدخل فيه، وما هو منه أن يخرج منه. وحسبي ~~الله وحده. # ونرجع الآن إلى ذكر الطرق الثلاثة نرمز لك فيها رموزا تتعرفها وتضبط ~~ألقابها إلى حين الحاجة إليها. # وذلك أن هذه العلوم الثلاثة المذكورة ينقسم كل علم منها إلى أقسام ثلاثة: # فالعقلية تنقسم ثلاثة أقسام: وجوب الواجبات، وجواز الجائزات، واستحالة ~~المستحيلات. # واللغوية تنقسم ثلاثة أقسام: أسماء وأفعال وحروف. # والشرعية تنقسم ثلاثة أقسام: أصل، ومعقول أصل، وقياس. # وتنقسم هذه الأقسام إلى أقسام أخر: # فالأصلية تنقسم ثلاثة أقسام: الكتاب، والسنة، ورأي المسلمين. # ومعقول الأصل ينقسم ثلاثة أقسام: لحن الخطاب، وفحوى الخطاب، ودليل ~~الخطاب. # والقياس ينقسم إلى ثلاثة أقسام: ارتباط الفروع بالأصول / واصطحاب حال ~~الأصل، والاستحسان. # وأما الشرعيات فإن الكلام يطول في شرحها على قلة حاجتنا لهذه المسائل، ~~وإنما ذكرتها لك لتحصل ألقابها، وتحكم أقسامها إلى حين التفسير، لئلا يخذلك ~~بشيء منها، فيضرك عند التحصيل. PageV03P006 # وأما العقليات واللغويات، فسنشير لك، إن شاء الله إلى لمع تضبطها للحاجة ~~الماسة إليها في مسألتنا هذه. والله الموفق للصواب. # وقولنا: وجوب الواجبات. فإن الله تعالى خلق المكلف، وركب فيه العقل، وغرز ~~في العقل هذه العلوم الثلاثة، وجعلها فطرية لم تختلف العقلاء عليها منها ~~وجوب الواجبات، كدلالة الفعل على فاعل، والصنعة على صانع، والحدث على محدث، ~~ففي فطرة كل عاقل، أنه إن ثبت عنده حدوث شيء ثبت عنده وجود صانعه، وهذه من ~~الواجبات، وهي مسألة شيخنا أبي نوح سعيد بن زنغيل - رضي الله عنه - مع ~~وزراء أبي تميم معاذ، حين سألهم: ما الدليل على أن لهذه الصنعة صانعا ؟ ~~فشرعوا في الجواب وأخذوا في الأدلة، ولم يصنعوا شيئا. # فقال أبو تميم: أجيبوا ابن زنغيل حيث يفهم. # قال الشيخ: فنظرت ms144 إلى وجهه فرأيته متبسما، فرددت إليه المسألة. # فقال: أعد سؤلك. فأعدته. # فقال: قولك صنعة، دليل على أن لها صانعا. وقنع الشيخ - رضي الله عنه - ~~بهذا الجواب، ولكن لم يرد مطالبته بما وراء ذلك، وليست المسألة الأولى إلا ~~من جهة العقل لا من جهة الدلالة، وإنما الدلالة في تثبيت الصنعة أنها صنعة، ~~وأما ما وراء ذلك فقلبي. # ومن الواجبات معرفة بقاء القديم واستحالة الفناء عليه، وأن من سبق الحدث ~~فقديم، وأن من عرفته حيا عرفته موجودا، وأن من عرفته عالما عرفته حيا، وأن ~~من عرفته قادرا عرفته عالما، وأن من عرفته مريدا كارها عرفته قادرا، ومن ~~عرفته راضيا ساخطا عرفته مريدا كارها، ومن عرفته فاعلا عرفته راضيا ساخطا. # وهذه المسائل من ضروريات العقول، والمسألة مطردة ومنعكسة وتنعكس المسألة. # وإن من عرفته فاعلا عرفته راضيا ساخطا، ومن عرفته راضيا ساخطا عرفته ~~مريدا كارها ومن عرفته مريدا كارها عرفته قادرا، ومن عرفته قادرا عرفته ~~عالما، ومن عرفته عالما عرفته حيا، ومن عرفته حيا عرفته موجودا. PageV03P007 # وليس كل من عرفته موجودا عرفته حيا، وهو الذي يدلك على أن الوجود ليس ~~بصفة، وأن كون الموجود حيا من الجائزات، وكون الحي موجودا من الواجبات. # فإذا اطرد لنا هذا وانعكس في أن الحي فاعل وأن الفاعل حي، فليس يصح في ~~العقول كون الحي لا فاعلا، ولا كون الفاعل لا حيا، فلهذا قلنا: إنه علم ~~ضروري لا يتطرق إليه الشك. # واعلم أن الحب والبغض كالرضا والسخط، وأن الولاية والعداوة كالحب والبغض، ~~حتى لا يقع التكرار بعد هذا، لأنها قريبة البعض من البعض، إلا أنها فوق ~~الفعل دون الإرادة والكراهة، والإرادة والكراهة دون القدرة، وفوق الرضا ~~والسخط وأخواتها، والقدرة دون العلم وفوق الإرادة والكراهة، والعلم دون ~~الحياة وفوق القدرة، والحياة دون الوجود وفوق العلم. # وهما تتبعتها من فوق إلى أسفل كانت عموما، ومهما تتبعتها من أسفل إلى فوق ~~كانت خصوصا من عموم. # واختلف أهل العلم في النظام. فقال بعضهم: العلم نظام الكل. # وقال بعضهم: القدرة نظام الكل. # وقال بعضهم: ms145 الحياة نظام الكل. ولذلك قال بعضهم: إنها ليست بصفة. ويذهبون ~~بها إلى الذات، وليس على الجميع ضرر ولا ضرورة، والذي أميل إليه أن الحياة ~~هي النظام، لأن حد الحي الفاعل، فكل حي فاعل، وكل فاعل حي، وقد اطرد ~~وانعكس، فإذا كان ذلك كذلك، فلن يستقيم الفعل من حي، حتى يكون عالما قادرا ~~مريدا كارها راضيا ساخطا فاعلا. # فإذا كانت حقيقة الحي هو الفاعل، والحي يقتضي الصفات التي ذكرنا، والفاعل ~~يقتضي ما دون ذلك، وهو المر والنهي يستدعيان الطاعة والمعصية، والطاعة ~~والمعصية يقتضيان بيان المطيع والعاصي، ويستوجبان الثواب والعقاب وهما ~~الجنة والنار. # ولي في الوجود إلا الفاعل والفعل، فقد أشتمل اسم الحي الفعال على الكل، ~~وغليه الإشارة بقول الله - عز وجل -: (الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا ~~تأخذه سنة ولا نوم) ونص عليها رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «أنها أعظم ~~آية في القرآن الكريم». PageV03P008 # وأشار بعضهم إلى أن فيها اسم الله الأعظم ما ذاك إلا لما تضمنته من ~~الدلالة على الله تعالى. # وهذه العلوم التي قدمنا أولا من ضروريات العقول المذكورة في الجملة، إلا ~~إن غلط غالط على هذه الألفاظ ونحلها غير معانيها. # وغلطت فرقتان الدهرية وأصحاب الطبائع ومع ذلك لم يهدما هذا الأصل. # والدهرية تقول: إن العالم قديم. فلم يثبتوا حدثا ولا محدثا. # وأصحاب الطبائع قالوا: فاعل الكل الطبيعة. وأثبتوا الفاعل هو الطبيعة، ~~وهو قولنا، إلا أنهم غلطوا فسموه طبيعة وسميناه إلها فسلمنا من أصحاب هذين ~~المذهبين. # وقولنا: وجواز الجائزات. هو ما استوى في العقل وجوده وعدمه، ليست إحدى ~~الحالتين به أولى من الأخرى، كنزول المطر وصدق الخبر. # وقولنا: استحالة المستحيلات. فظاهر عليه، كالواحد لا يكون اثنين وواحدا ~~في حالة واحدة، وحيا وميتا، وموجودا ومعدوما، في حالة واحدة. # ولو قدرنا منه مسألة واحدة ولو أن رجلا قال لنا: إن عندنا فرسا يكون شرقا ~~ويكون غربا في حالة واحدة لقلنا: محال. # ولو قال: إنه يكون في غير بلدكم هذا وينقاس في البلاد الفلانية (2) ~~لقلنا: محال. # ولو قال: إنه ms146 قد كان في الإعصار الماضية والأمم السالفة (3) لقلنا: محال. # ولو قال: إنه في الأدوية والعقاقير (4) ما أن استعملته اتفق لقلنا: محال. # ولو قال: هبكم عرفتم ذلك في أنفسكم، فما عليكم في غيركم. قلنا: محال، ~~عرفناه بقضية العقل، وحكم الشاهد على الغائب في العقليات كلها سواء ~~واستحالته، فلو انساغ ذلك لكان القديم حديثا، والحديث قديما، ولاستالحة ~~الحقائق تبطل الكل. # وقولنا في اللغويات، وأما اللغوية فإن الله تعالى لما أراد أن يخلق هذا ~~الخلق المكلف، خلق له العقل، وفتق له الآذان للسمع، واللسان للنطق، ليفهم ~~وليفهم. فقسموه ثلاثة أقسام: أسماء وأفعال وحروف. # فالأسماء دلالات على الذوات والأعيان، والأفعال دلالات على الحدوث ~~والزمان، والحروف دلالة على معاني البيان. PageV03P009 # فمن لم يعرف أبنية الأسماء وتصاريف الفعال معاني الحروف انسلخ من الكلام ~~والبيان، لاسيما النحو والإعراب، خصوصا للسان العرب، فمن لم يحكم ما هنالك ~~اختل عليه الخطاب، وظهر في كلامه الاضطراب، والحاجة ماسة إلى الكلام، لأن ~~به قامت حجة الله تعالى على العباد وبه يتوصلون إلى الأعراض والمراد. # ونفرض في هذا مسألة واحدة:- # ولو أن قارئا قرأ (إنا فتحنا لك فتحا مبينا) أليس معناه: قد فتحنا لك ~~فتحا مبينا. # فلو قرأه: أني فتحنا لك فتحا مبينا. وهذا إنكار وهو ضد الأول. # ولو قال: أئنا فتحنا لك فتحا مبينا. على الاستفهام، لكان كفرا أيضا. # ولو قال بالتخفيف: إنا فتحنا لك فتحا مبينا، لكان فاترا. (5) # ولو قال: إنا فتحنا لك فتحا مبينا. معناه في وقت فتحنا لك فتحا مبينا، ~~مأخوذة من قوله: (غير ناظرين إناه) لبطلت فائدة الكلام. # ولو قال ك إنا فتحنا لك فتحا مبينا، لكن لحنا. وهكذا قوانين لغة العرب. ~~ولو انساغ لأحد أن يبدل منها شيئا لما بلغ الخطاب مداه. # وقال الله - عز وجل -: (حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير). # فلو ذهب ذاهب إلى أن الميتة هو البول، والدم هو الخمر، والخنزير هو ~~الحمار لتبطلت معاني لغة العرب، فالأول إبطال فائدة الإعراب والنحو اللذين ~~خص الله بهما لسان العرب، وجعلهما لها وشيا وزينا، فعطلوا جمال ms147 الله في ~~لسلن العرب فكفروا، والآية الأخرى إبطال الغرض. # والمراد بتبديل حقائق الأشياء على المعتاد، فلا يصح لأحد أن يجعل اسما ~~فعلا أو حرفا، أو فعلا اسما أو حرفا، أو حرفا اسما أو فعلا، فلو كان لبطلت ~~المعاني، وعميت العقول عن البيان، وصار الكلام كالهذيان. # وأما دلالة أسماء على الذوات والأعيان فليس يخفى ذلك على أحد، لو قلت: ~~هذا زيد. لدل على عينه دون زمانه. PageV03P010 # وكذلك لو قلت: زيد خارج. لدل على عين الخروج دون الوقت والزمان، ودلالات ~~الأسماء دلالة الإفادة والإشارة، ولم يدل قوله: زيد خارج. على زمان مخصوص ~~بعينه لا ماض ولا مستقبل ولا حال، ويسوغ لكل واحد من هذه الأزمنة، وذلك إلى ~~نية المتكلم، فإن أراد به ومنا مخصوصا، فهو ذلك الزمان بعينه وصار اسم فعل، ~~وإن لم يرد واحدا بعينه وأطلق، كان الاسم بدنا، ومن هاهنا تقتبس معرفة ~~أسماء الأبدان من أسماء الأفعال، ومنه جواز اسم خالق ورازق على الله سبحانه ~~فيما لم يزل، وحسبنا الله ونعم الوكيل. # فصل # واعلم يا أخي أن أكثر ما يوجب الاختلاف بين المتناظرين تعليقهم بالألفاظ ~~دون المعاني. # فمن تناظر في أمر لم يظهر معناه، ولم يتبين غرضه ومغزاه، كان المتناظران ~~كالأحولين كل يعمل على شاكلته، ويكون في غير مشرع صاحبه. # ونحن الآن إن شاء الله نشرع في وصف الحق الذي اعتقدناه، وأخذناه عن ~~أسلافنا تقليدا وتلقينا وبرهانا. # باب إيضاح الحق الذي اعتقدناه بالله سبحانه PageV03P011 وذلك أن الله ~~تعالى خلق الخلق، وخلق منه هذا الجنس العالي العقل المكلف، جعلهم في أعلى ~~الدرجات، واختصهم بالعقول وفتق الألسنة بالنطق والكلام، وفتق الآذان للسمع، ~~ليتوصلوا إلى الأغراض، وعلمهم أسماء الأشياء، وحد لهم حدودها كما قال عز من ~~قائل: (وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء ~~هؤلاء إن كنتم صادقين قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت ~~العليم الحكيم. قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبائهم بأسمائهم قال ألم ~~أقل لكم إني أعلم غيب السموات والأرض وأعلم ما ms148 تبدون وما كنتم تكتمون). # فعند ذلك أمر الله - عز وجل - الملائكة بالسجود تفضيلا لآدم عليهم بمعرفة ~~الأسماء فقال: (وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى ~~واستكبر وكان من الكافرين). # وجعل الله الفعل والحرف من الكلام تابعا للأفضل، وجعل لها موازين لغوية، ~~وقضى عليها بالموازين العقلية تمهيدا أو توكيدا للموازين الشرعية، لأن نسبة ~~صناعة النطق إلى القلب كنسبة صناعة النحو إلى اللسان. # وحكم المنطق في المعقولات كحكم النحو في المقولات، وليس في الوجود إلا ~~الخالق والمخلوق فلم يفرد الرب نفسه بلغة مخصوصة يعرب لنا بها عن نفسه لا ~~يشاركه فيها خلق، فاللغة واحدة بها يتعارب (1) وبها يتناصف، وجعلها في حقنا ~~حقيقة لا مجازا وفي حقه مجازا لا حقيقة، ومن وجه آخر في حقنا مجازا لا ~~حقيقة وفي حقه حقيقة لا مجازا، لأنه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. ~~فعرفنا الله تعالى حقيقة الوجود، والحياة، والعلم، والقدرة، والإرادة، ~~والكره والرضى والسخط وأخواتها، والأمر والنهي، والطاعة والمعصية، والمطيع ~~والعاصي، والثواب والعقاب، والجنة والنار، فهذه إحدى عشرة مقالة، فالأولى ~~منها إثبات، والخمس التوالي صفات، والخمس الأخر أفعال، وإن غلط في كل مقامة ~~منها غالط، وسنشرح ذلك إذا صرنا إليه إن شاء الله. PageV03P012 # فحقيقة الوجود في متعارفنا المعهود فينا: كوننا تحت المكان والزمان، هذه ~~حقيقة الوجود. # فتقول: فلان موجود وفلان معدوم بعكسه. ووجود الباري سبحانه بخلاف الأول، ~~وهذا الوجود غير معقول إلا من جهة الشرع، بدليل قوله: (ليس كمثله شيء وهو ~~السميع البصير). # ولهذا قلنا: إن الإعبار عنه في حقنا مجاز، إذ قصرت عقولنا أن تعقل كنه وجوده. # وأما حقيقة وجود الله وصفاته في ذاته فهو أولى بالحقائق من وجودنا ~~وصفاتنا للنقص الشامل لنا عن كمال وجوده وصفاته ودوامه، إذ صفاته جل وعلا ~~فوق النطق وصفاتنا تحت النطق، وليس الوجودان بصفتين على حال إنما هما إثبات ~~الذاتين. # وحقيقة الحياة في متعارفنا المعهود فينا، كون الروح في الجسد، وهو عرض من ~~الأعراض، وحياة الباري سبحانه إنما هي صفة ذاتية، لا هي عرض ولا هي ms149 غيره. # وحقيقة العلم في متعارفنا المعهود فينا، تحلي العلوم في نفس العليم ~~واعتقاد الشيء على ما هو به، وهو عرض من الأعراض. وعلم الباري سبحانه ليس ~~كذلك، إنما هو صفة ذاتية لا هي عرض ولا هي غيره. # وحقيقة القدرة في متعارفنا المعهود فينا، استطاعة توجب الفعل فينا، وهي ~~عرض من الأعراض. # وقدرة الباري سبحانه ليست كذلك، وإنما هي صفة ذاتية، لا هي عرض ولا هي غيره. # وحقيقة الإرادة والكره في متعارفنا المعهودين فينا، فالإرادة ميل النفس ~~إلى شيء، والكره عكسه وهو نفور الطبع عنه، وهما عرضان من الأعراض. # وإرادة الباري سبحانه وكرهه ليسا كذلك، إنما هما صفتان ذاتيتان، لا هما ~~عرض ولا هما غيره. # وحقيقة الرضى والسخط في متعارفنا المعهود فينا، قبول الشيء وإيثاره على ~~غيره والسخط عكسه، وهما عرضان من الأعراض. # ورضى الباري سبحانه وسخطه ليسا كذلك، إنما هما صفتان ذاتيتان. # الحب والبغض سبيلهما سبيل الرضى والسخط، والولاية والعداوة سبيلهما سبيل ~~الحب والبغض. PageV03P013 # وهذه المقامات الثلاث بعضها فوق بعض درجات، ومنها هاهنا ابتداء عالم ~~الفعل وانقطاع أسلوب الصفات وهو الأمر والني وحقيقتهما التكليف وهو حمل ما ~~يشق على النفس فعله، والطاعة والمعصية نتيجتا المر والنهي، والطاعة ما أوجب ~~الله عليه الثواب لفاعلها، والمعصية بالعكس وهما فعل العبد. # والمطيع والعاصي اسمان ملازمان إن نسبتهما إلى فعل مخصوص بأحد الأزمنة ~~الثلاثة كانا اسم فعل، وإن أطلقتهما للأزمنة الثلاثة كانا اسم بدن، والثواب ~~جزاء المطيع والعقاب عكسه، والجنة هي الثواب والنار هي العقاب، وسنلوح ~~هاهنا بفضل مختصر نبينه على وجه الدلالات على هذه المقامات الإحدى عشرة مقامة. # فإن قال قائل: ما الدليل على وجود الباري سبحانه ؟ # قلنا: ظهور الفعل. وعلى حياته: صدور الفعل. وعلى علمه: إتقان الفعل. وعلى ~~قدرته: حاجة الفعل. وعلى إرادته: تمييز وقوع الفعل. وعلى كرهه: عكسه. وعلى ~~رضاه: قبول الفعل. وعلى سخطه عكسه. وعلى حبه اصطفاء الفعل. وعلى بغضه: ~~عكسه. وعلى ولايته: اصطناع الفعل. وعلى عداوته: عكسه. وعلى ثوابه وعقابه: ~~حكمته. وعلى جنته وناره: شرعه. # فهذا الذي أردنا من ms150 تقرير الحق في أنفس المقلدين، وسنشرع الآن في إقامة ~~البرهان للمعتقدين المقيدين إن شاء الله تعالى والله المستعان. # ففي الدليل والبرهان الصحيح:- # فإن قال قائل: ما الدليل على صواب ما قلتم في الرضى والسخط والحب والبغض ~~والولاية والعداوة إنها صفات الله تعالى في ذاته ؟ # قلنا (وبالله التوفيق): من أحد ثلاثة أوجه: أحدها من العقليات الضروريات، ~~وذلك ما شرحناه من كون الحي مرتبطا بصفاته التي لا تنفك من واحد منها إلا ~~كان مواتا، وهي العلم والقدرة والإرادة والرضى والحب والولاية، ويكون مع ~~ذلك فعالا، فهذه حقيقة الحياة لا يعقل غيرها، ألا ترى أنك إذا قلت: رأيت ~~حيا. اقتضى فعالا. # وإن قلت: رأيت حيا لا فعالا. أكذبك الوجود. PageV03P014 # وكذلك لو قلت: رأيت فعالا لا حيا. أكذبك الوجود. والمعنى في الحي والفعال واحد. # فقولك: حي. يقتضي الحياة والعلم والقدرة والإرادة والرضى والحب والولاية # والفعل، وقولك فعال يقتضي: الفعل والولاية والحب والرضى والإرادة والقدرة ~~والعلم والحياة، ضرورة. # فإن قلت: حيا. اقتضى صفاته من العلم إلى أوائل أفعاله. # وإن قلت: فعالا. اقتضى صفاته من لدن أفعاله إلى وجوده. # ولن يصح من موجود إذا كان حيا، إلا أن يكون عالما، ومن عالم إلا أن يكون ~~قادرا، ومن قادرا إلا أن يكون مريدا كارها، ومن مريد كاره إلا أن يكون ~~راضيا ساخطا، ومن راض ساخط إلا أن يكون محبا مبغضا، ومن محب مبغض إلا أن ~~يكون مواليا معاديا، ومن موال معاد إلا أن يكون فعالا، فالحب والبغض ~~والولاية والعداوة من قبيل الرضى والسخط، فأعني عن إعادتهما. # وإن خرمت الرضى والسخط، خرم غيرك الإرادة والكره، وخرم غيركما القدرة، ~~وخرم سواكم العلم، وخرم من ورائكم الحياة، فبطل الوجود والفعل والخلق، ~~فتبارك الله أحسن الخالقين. ولا حجة لواحد من هؤلاء على الآخر إلا بإثبات ~~الكل أو إبطال الكل. # فإن قالوا: لن يصح لأحد أن يبطل الإرادة والقدرة والعلم لأنها صفات. # قلنا: قد قال قوم من المعتزلة إن الإرادة والقدرة حكم وفعل. وقالت ~~الأشعرية: إن القدرة والعلم معنيان لا صفتان. # فما حجتكم ms151 عليهم ولن ينفصلوا ؟ # وأما من استثقل من أصحابنا أن يكون الكره صفة، فإنما يقع الاستثقال على ~~الكره والكراهية والاستكراه. # والذي عندي أن الكره من صفات الذات والله المستعان. # والوجه الثاني في اللغة: وذلك إنا عرفنا التفرقة بين الوصف والواصف ~~والصفة والموصوف من اللغة، فالوصف فعل الواصف، والصفة نعت الموصوف، فأطبقت ~~الأمة على أن الصفات النفسانية صفاتنا، وهي أعراض حالة فينا. PageV03P015 # فقلنا نحن: إن كل ما كان صفة لنا نفسانية كان لله صفة ذاتية، وقد أجمعت ~~الأمة على أن الرضى صفة الراضي، والسخط صفة الساخط، منا وإخواننا كذلك. # وإنما أطلقنا على العلم والقدرة والإرادة أنها صفات لله تعالى، لمعرفتنا ~~بأنها صفاتنا، فاللغة واحدة ولم يفرد الرب نفسه بلغة مخصوصة، لقول نبينا ~~عليه السلام: «من عرف نفسه عرف ربه» وإنما عرفناه من ذات أنفسنا. # وإنما قلنا: إن العلم صفة، لأن العرب أطلقت على علمنا أنه صفة، فأطلقناه ~~على علم ربنا أنه صفة. # وأطلقت على قدرتنا أنها صفاتنا، وأطلقلنا على قدرة ربنا أنها صفته. # وأطلقت على إرادتنا أنها صفتنا، وأطلقنا على إرادة ربنا أنها صفته. # وأطلقت على رضانا وسخطنا وحبنا وبغضنا وولايتنا وعداوتنا أنها صفاتنا، ~~فأطلقنا على رضاه وسخطه وحبه وبغضه وولايته وعداوته فقلنا: إنها صفات ذات ربنا. # ولم ينكروا شيئا مما نقول: إنه راض وله الرضى إلا قولنا: إنها صفات ربنا. ~~بل قالوا هم: إنها أفعال ربنا. وهي الثواب والعقاب والجنة والنار. # ولو عارضناهم فقلنا: إذ قلتم: إنها أفعال. فكذلك الإرادة والقدرة والعلم. ~~إذا فالإرادة هي المراد والقدرة هي المقدور والعلم هو المعلوم، كما قالوا ~~هم: إن رضاه مرضيه وسخطه مسخوطه وحبه محبوب وبغضه مبغضه وولايته وليه ~~عداوته عدوه، لما انفكوا من شيء منها إلا أن حاولوا التفرقة بين العلم ~~والقدرة والإرادة وبين ما ذكرنا من الرضى وأخواته، إن كانت معلومة ومقدورة ~~ومرادة وجب حدوث العلم والقدرة والإرادة لحدوث المعلوم والمقدور والمراد. # قيل لهم: كذلك لو كان رضاه مرضيه وسخطه مسخوطه، في أخواتها، لوجب لذلك ~~حدوث الرضى والسخط. # فإن قالوا: هو قولنا. ms152 # قلنا لهم: كذلك نقول لكم في العم والقدرة والإرادة: إنها محدثة. # فإن قالوا: إن حدوثها يدل على حاجته قبل الحدوث. # قلنا: وكذلك حدوث الرضى والسخط يدل على موت الحي قبل الحدوث. PageV03P016 # فإن عارضونا وقالوا: إذ قلتم: إن الرضى والسخط صفتاه في ذاته. # فقولوا: إن الفعل والخلق صفتاه في ذاته، كما قلتم في الرضى والسخط. ~~وجوزته على الله راضيا وساخطا وفاعلا وخالقا لم يزل. # قلنا - والله الموفق للصواب -: إن الفعل والخلق فعلان محدثان، مأخوذ علم ~~ذلك من لفظهما، لأنهما لم يكونا ثم كانا، هذا هو معنى الفعل، وما كان محدثا ~~لم يكن صفة لقديم، إذ لا يوصف القديم بالحدوث، ولا الحدث بالقدم، هكذا في ~~قضايا العقول. # ولهم معارضة في الأمر والنهي أيضا، لأنه كان من قولنا: إن الله آمر وناه ~~لم يزل. فيقولون: إن أمره ونهيه صفتاه في ذاته. # قلنا - والله الموفق للصواب: إن الأمر والنهي في عينهما محدثان، وإن لم ~~يدل ظاهر لفظهما على حدوثهما فقد دل على معناهما، ثم الأدلة التي دلت على ~~حدوث العالم بأسره، ولذلك قلنا: إنهما ليسا بصفتين. وإنما هذه المسألة ~~بيننا وبين الأشعرية. # وأما الرضى والسخط وأخواتهما فإنهما صفات الله تعالى، كما بينا أنها طبع ~~الحي، وإنما الجنة والنار والثواب والعقاب ثمرتهما. # كما أن الإرادة ثمرتها وقوع الفعال، وتمييزها بين الواقع منها من غيره. # والقدرة ثمرتها وقوع المقدور وإنمانها. والعلم ثمرته وقوع المعلوم. # فإن كان مرادهم هذا، فقد تقول للمعلوم: هذا علم الله. كما يقولون: اغفر ~~لنا علمك فينا. وللمقدور قدرة الله كما يقولون: اللهم أريتنا قدرتك فأرنا عفوك. # والمراد إرادة الله كما يقولون عند التسلي: هذه إرادة الله تعالى للمقدور ~~الكائن. والمرضى والمسخوط: رضى الله وسخطه على المجاز كما قالوا: وما أنزلت ~~وما تنزله من سخط. # والوجه الثالث من جهة الشرع وذلك أن الله تعالى يقول في محكم كتابه، ~~حكاية عنه وعن المؤمنين: (أولئك هم خير البرية جزاؤهم عند ربهم جنات عدن ~~تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه). ms153 PageV03P017 # وقال: (لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة) وقوله: (ورضي ~~له قولا)، (ورضوان من الله أكبر). # وقال في الحب: (إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين) وقال: (فاتبعوني ~~يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم) وقال: (إن الله يحب المحسنين). # وقال في الولاية: (الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور) ~~وقال: (والله ولي المؤمنين)، وقال: (ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن ~~الكافرين لا مولى لهم) وقال: (هنالك الولاية لله الحق هو خير ثوابا وخير عقبا). # وقال في السخط والكراهية والعداوة: (أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم ~~خالدون). وقال: (واتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم). # وقال: (من كان عدوا لله وملائكته وكتبه ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو ~~للكافرين) وقال: (يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء) وقال: ~~(كره الله انبعاثهم فثبطهم). # وفي الحديث عن عائشة أم المؤمنين - رضي الله عنها - روت أن رسول الله ~~(صلى الله عليه وسلم) أنزل الله تعالى عليه: (واسجد واقترب)، فلما أمره ~~بذلك سجد وتقرب إلى الله في سجوده، ففتح الله له في عقله وشرح صدره، فكوشف ~~بمشاهدة الخلق، فنظر في الخلق وليس شيء أعظم من عقاب الله ولا من عفوه. ~~فقال: «اللهم إني أعوذ بعفوك من عقابك». # ثم سجد مرة أخرى، فتقرب أعظم من تقربه الأول فكوشف بمشاهدة الصفات فلم ير ~~شيئا أعظم من سخط الله ورضاه، فقال: «وأعوذ برضاك من سخطك». ثم سجد مرة ~~ثالثة وتقرب أعظم من تقربه في المرتين الأوليتين، فقصر عقله من عظمه ذات ~~الله في الثالثة فحينئذ بهره الأمر قال: «وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك ~~أنت كما أثنيت على نفسك». # وقال عليه السلام في أهل الجنة: «قال الله تعالى: لا أرضى حتى أحل عليكم ~~رضواني». فهذه الآيات والأحاديث قد وردت من كتاب الله - عز وجل - ومن سنة ~~رسوله (صلى الله عليه وسلم). PageV03P018 # فلما أخبرنا الله تعالى عن نفسه بهذه الأمور أثبتناها له صفات ذاتية، إذ ~~هي بظاهر لغة العرب لنا صفات نفسانية. ms154 # ولسنا ننصرف عن الظاهر إلى الباطن إلا بدليل عقلي أو بدليل شرعي، وليس في ~~العقليات ما يبطله، ولا ورد في الشرع ما يمنعه، على أن هذه الأمور التي ~~أخبر الله تعالى بها عن نفسه، قد حصلت ووقعت وسبقت، ولم تحصل الجنة ولا ~~النار ولا الثواب ولا العقاب إلى الآن، فصح ما قلنا، اللهم إلا أن نقول: بل ~~هي الطاعة أو المطيع أو هي المعصية أو العاصي. # فالمسألة على حالها كما قلنا، ونفرض بيننا وبينهم مسألة واحدة، تقضي ~~بيننا وبينهم. # يقال في محمد صلوات الله عليه وسلامه وعلى آله وسلم: أتقولون قد رضي الله ~~عز وجل عنه في زمان آدم صلوات الله عليه وأحبه ووالاه ؟ # فإن قالوا: نعم. كان ما قلنا: إنها صفات ربنا ذاتية لا أفعاله محدثة، ولم ~~يكن محمد ولا ثواب ولا جنة. # أو يقولون: لم يرض عنه حتى وجد بعينه، ولا أحبه ولا والاه إلا بعد ~~الوجود، أكذبهم الوجود، لزمتهم شناعة قبيحة. # وكذلك يلزمهم بعد فقده وموته أنه لم يرض عنه ولم يحبه ولم يواله حتى ينشر ~~ليوم النشور. # ومسألة أبي جهل وفرعون وقارون وهامان وأشياعهم كذلك. ولسنا نطيل عليهم بل ~~نقطع أن الله تعالى رضي على محمد وآله وأحبه ووالاه عند آدم صلوات الله ~~عليه وعلى الخليل والكليم والروح المسيح صلوات الله عليه وعليهم. # ولقد سمى الخليل (صلى الله عليه وسلم) مسلمي هذه الأمة قبل كونهم، وقال - ~~عز وجل - حكاية عنه: (هو سماكم المسلمين من قبل). # فمن خرج من هذه التسمية لم يدخلها أبدا، ومن دخلها لم يخرج منها أبدا، ~~أفتراهم سماهم مسلمين ولم يرض عنهم، حشا لله من ذلك. # وأما قولنا في الرضى والرضوان: هل هما شيء واحد أو لا ؟ فإن الرضى ~~والرضوان معناهما واحد غير أن المبالغة في الرضوان أكثر وأوكد والله أعلم. PageV03P019 # وأما مسألة أسماء الأبدان، وتسمية الله خالق ورازق وأشباههما من أسماء ~~الأفعال، فأقول - والله الموفق للصواب - أحدهما في معرض واحد:- # أما بعد: فإن الأسماء تقتبس من جهة لغة العرب، وذلك كما قلنا في ms155 ~~اللغويات. # أولا: اعلم أن السماء لا تقتضي الأزمنة تصلح لكل زمان، وتصلح لجميع ~~الأزمنة. # فإن جاءت لجميع الأزمنة، صارت ملازمة البدن يسوغ عليه قبل كونه، وبعد ~~كونه، وبعد حال وجوده، وليست حالة من الحالات أولى به من الأخرى، فهذا معنى ~~قولنا: اسم بدن. # وإن كانت مقصورة على زمان مخصوص تدل عليه قرائن الأحوال والأقوال، كان ~~اسم فعل. # وذلك أن العرب قسمت الأسماء ثلاثة أقسام: قسم منها إخبار عن الذات أنها ~~تصلح لأن يصدر منها ذلك الفعل، لا يعتقدون فيه إلا الفعل لابد وأن يكون، ~~كإخبار العرب عن السيف القاطع والمهر السابق والسم القاتل، وربما سموه سيفا ~~قاطعا وهو سبيكة حديد، ومهرا سابقا أيام ولادته إذا ظهرت عليه مخايل السبق ~~ودلائل العتق، وسما قاتلا وهو حاد في أشجاره ونباته وجثته. فهذا لم تتعلق ~~التسمية به إلى وقوع الفعل، وربما هلكت هذه الوجوه قبل أوانها، أو تبطلت ~~قبل إبطالها. # والوجه الثاني: إذا شرع في أول أفعال التي يليق بها المعنى إلى آخرها كما ~~يقولون: رجل حاج لمن ينويه، ولمن اشتغل في حوائج سفره، ولمن هو في نفس ~~المناسك إلى أن يتمها، فيسمونه رجلا حاجا، وسيفا قاطعا إذا قطع، ومهرا ~~سابقا إذا سبق، وسما قاتلا إذا دخل قتل. هذا بخلاف الأول. # والوجه الثالث: التسمية بهذه الأسامي لمن قد درج وذهب. كما تقول في ~~الموتى: فلان صالح، وفلان طالح، وفلان شاعر، وآخر مؤمن، وكافر. هذا كله بعد ~~موته وفقد عينه، ولزمته هذه التسمية ملازمة أبديه. # فأما المعنى الأول فيه أجزنا على مولانا: أنه خالق وخلاق ورازق ورزاق ~~فيما لم يزل، إخبارا عن الذات أنها كذلك كانت، ولا كان الخلق ولا لم يكن. PageV03P020 # وإنما أخبرنا عن ذات إلهنا كيف كانت، أنها تصلح بأن تصدر منها الأفعال، ~~لا صدرت ولا لم تصدر. # وإن كان غاظهم التسمية بهذا (لم يزل) فإن التسمية فعل المسلمين والفعل في ~~الأزل محال، والاسم منطلق على الذات، والتسمية لا تكون إلا فعلا من مسم وهو ~~حدث، والاسم تبع للذات، وكما أن الذات ms156 لم تزل عالمة وقادرة ومريدة، ~~والتسمية بهذه الأمور محدثات والأسماء ملازمة للذات، إذ لا تقدر أن تنفي ~~عنها أنها عالمة وقادرة ومريدة. # وظهر الفرق بين الاسم والتسمية كما قدمنا، في مسألة الوصف والواصف، ~~والصفة نعت للموصوف، وكذلك في مسألة التسمية والمسمى، والاسم والمسمى. # فالعجب كل العجب من هؤلاء القوم الذين قصروا إلههم عن ذروة الجلال إلى ~~حضيض السفال، ونحلوا أنفسهم ذروة الكمال ولحظوها بعين الإجلال والجمال، إذ ~~زعموا أنهم متسمون بأسمائهم، قبل وجود أعيانهم، وقبل وجود أفضالهم التي ~~استحقوا بها أسمائهم، ولم يطلقوا على مولاهم أن يتسمى بشيء حتى تقع منه ~~الأفعال، ويصدر منه الخلق، اللهم إلا أن زعموا أنهم ليسوا بمسلمين الذين ~~أخبر الله عنهم على لسان الخليل أنهم يكونون في هذه الأمة فحسبهم جهلا وخيبة. # وأما التفرقة بين أسماء الأبدان وأسماء الأفعال، فأما أسماء الأبدان، ~~فإنها مأخوذة عندنا من المآل، لأنا قدمنا أن الأسماء تلزم الأبدان قبل ~~كونها وبعد عدمها، فإذا كان هذا الاسم يعتور الجسم في هذه الأحوال الثلاثة، ~~فألزمناه اسم المآل والعاقبة، فصار الاسم الذي يفارق لغوا. PageV03P021 # ومنه قول رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «خلق الناس أطوارا: منهم من ~~يخلق مؤمنا و يحيا مؤمنا ويموت مؤمنا ويبعث مؤمنا، ومنهم من يخلق مؤمنا ~~ويحيا مؤمنا ويموت كافرا ويبعث كافرا، ومنهم من يخلق كافرا ويحيا كافرا ~~ويموت مؤمنا ويبعث مؤمنا، ومنهم من يخلق كافرا ويحيا كافرا ويموت كافرا ~~ويبعث كافرا» فهذه أسماء الأبدان وأسماء الأفعال قد جمعها الله (1) في حديث ~~واحد، فالحكم للعاقبة وما قبله لغو. # وقوله: يخلق كافرا وقوله: يخلق مؤمنا. أراد بين أبوين كافرين أو مؤمنين. # ونفرض بيننا وبينهم مسألة واحدة:- # يقال لهم: ما تقولون فيمن أخبره الله تعالى من الأنبياء، عن فرعون وهامان ~~وقارون وأشياعهم، ومن تقوم عليه النفخة في هذه الأمة، هل يسوغ لنبي من ~~الأنبياء أن يسموهم كفرة، أو أن يلعنوهم ويتبرأوا منهم أم لا ؟ # فإن قالوا: نعم. انقطع العتاب. # وإن قالوا: لا. ظهر الفساد، وحسبهم. # وكذلك من أخبر عنه (صلى الله عليه ms157 وسلم) من أمته ممن لم يدركه منهم، ومن ~~أهداه السلام، ومن أخبر عنه من أمته أنهم يكونون خيرا من خمسين من الصحابة، ~~وعن الذين أخبرهم عنهم أنهم إخوانه إذ قال له أصحابه: (ألسنا بإخوانك ؟) ~~قال: «لا ولكنكم أصحابي، وإنما إخواني قوم يأتون بعدي، وأنا فرطهم على ~~الحوض، يؤمنون بي ويعملون بأمري ولم يروني، فأولئك لهم الدرجات العلا، إلا ~~من تعمق في الفتنة». # وثناؤه على المهدي الذي يكون في آخر الزمان من ولده، يملأ الأرض قسطا ~~وعدلا كما ملئت ظلما وجورا. # وقد أجمعت الأمة: أنه لا تقوم الساعة على مسلم. # وأما قولك: ما معنى قول الله - عز وجل -: (ووجدك ضالا فهدى) أليس الضلال ~~من أسماء الأبدان ؟ # وقوله حكاية عن موسى: (قال فعلتها إذا وأنا من الضالين). # وقوله لمحمد عليه السلام: (إنا أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله ~~لمن الغافلين) والغافل اسم مذموم. PageV03P022 # وقوله حكاية عن يونس عليه السلام ك (أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من ~~الظالمين). # واعلم يا أخي أني قدمت لك قبل هذا التفرقة بين التسمية بالأفعال وبين ~~التسمية بالأبدان، بما فيه الكفاية، إن شاء الله. # وإذا أطلق الرب تعالى لعبده اسما ولم يقيده، كان ذلك الاسم له مطلقا، وهو ~~يقول في نوح عليه السلام: (إنه كان عبدا شكورا). فهو شكور أبدا وهو اسمه ~~على أنه قال له قبل هذا: (إني أعظك أن تكون من الجاهلين). # ولما قال لمحمد عليه السلام في معرض الامتنان: (ووجدك ضالا فهدى). فقيد ~~الضلال بالهدى ولم يقيد الهدى بالضلال كما قال - عز وجل - في ثمود: (وأما ~~ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى). فقيد الهدى هاهنا بالعمى، فصاروا ~~قوما عمين. # وأما محمد فقيد ضلالة بالهدى، فصار هاديا مهديا، والأسماء بالمآل ~~والعاقبة، وذهب الاسم الطارئ وبقي الحقيقي، وذلك قول موسى عليه السلام حيث ~~يقول: (فعلتها إذا وأنا من الضالين): ألا تراه قد فعلها إذا فقيد الفعلة ~~والضلال بالوقت، فعقب بالاسم الصحيح، وذهب الطارئ وبقي الحقيقي فقال: (فوهب ~~لي ربي حكما وجعلني من ms158 المرسلين) فبقي اسمه كليم الله وصفيه وذهب الضلال في ضلال. # وأما قول يونس عليه السلام حيث قال معترفا: (أن لا إله إلا أنت سبحانك ~~أني كنت من الظالمين) ليس فيه أكثر من الاعتراف والإنابة والتقييد بذلك ~~والانفكاك منه إلى اسمه في المآل لقوله: (فلولا أنه كان من المسبحين للبث ~~في بطنه إلى يوم يبعثون) فذهب الطارئ وبقي الاسم الحقيقي. # وأما قوله في محمد (صلى الله عليه وسلم): (وإن كنت من قبله لمن الغافلين) ~~وأنه اسم مذموم. # واعلم أنه ليس بمذموم ولا محمود إلا بقربته تدل على الحمد أو الذم، فإن ~~عري منهما صار لا مذموما ولا محمودا، وقد وردت هذه الوجوه الثلاثة في ~~القرآن: PageV03P023 # أما المحمودة فقوله: (إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا ~~في الدنيا والآخرة) فقيد هذه الغفلة بالعفة والإيمان، وذكرها في معرض ~~الامتنان. # وأما المذمومة فقوله تعالى: (أولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم ~~وأبصارهم وأولئك هم الغافلون). # وأما العاري عنهما فكقوله لمحمد عليه السلام: (نحن نقص عليك أحسن القصص ~~بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين) عن حديث يوسف ~~عليه السلام وأمثاله. # وانتهى بنا الكلام إلى هاهنا. # فلنرجع الآن إلى البرهان الخطابي الفصيح ونذكر ما أشار به بعض السلف في ~~مسألتنا هذه، ونورد نص قوله لتدبره، كما قال - عز وجل - في القرآن الكريم: ~~(ليدبروا آياته وليتذكروا أولو الألباب). # كان في سياق كلامه لولا التفرقة بين ما يحبه الله وما يبغضه، وما سمي من ~~ذلك شكرا مما يسمى كفرانا. فقال:- # (فقد رجع حاصل الكلام إلى أن لله حكمة في كل شيء، وأنه جعل بعض أفعال ~~العباد سببا لتمام تلك الحكمة وبلوغها غاية المرام منها، وجعل بعض أفعالهم ~~مانعا من تلك الحكمة، فكل فعل وافق مقتضى الحكمة حتى انساقت الحكمة إلى ~~غايتها فهو شكر، فكل ما خالف ومنع الأسباب من أن تساق إلى الغاية المراد ~~منها فهو كفران). # وهذا كله مفهوم ولكن الإشكال باق وهو العبد المنقسم إلى ما تنتجه الحكمة ~~وإلى ما يدفعها كلها ms159 من مراد الله وحكمته. # واعلم أن تمام التحقيق في هذا، يستمد من تيار بحر عظيم من علوم ~~المكاشفات، وقد رمزنا فيما سبق إلى تلويحات مبادئها. # ونحن الآن نعبر بعبارة وجيزة عن آخرها وغايتها، يفهمها من عرف منطق ~~الطير، ويجحدها من عجز عن الابضاع في البر، فضلا عن أن يجول في حق الملكوت ~~جولان الطير. فنقول: - PageV03P024 إن لله سبحانه في جلاله وكبريائه صفة، ~~يصدر الخلق والاختراع عنها، وتلك الصفة أعلى وأجل أن تلمحها عين واضع ~~اللغة، حتى يعبر عنها بعبارة تدل على كنه جلالها وخصوص حقيقتها، فلم يكن في ~~العالم لها عبارة، لعلو شأنها، وانحطاط رتبة واضعي اللغات عن أن يمد طرفة ~~إلى مبادئ إشراقها، فانخفضت عن ذواتها أبصارهم، كما تنخفض أبصار الخفافيش ~~عن نور الشمس، لا لغموض في نور الشمس، ولكن لضعف في أبصار الخفافيش فاضطر ~~الذين فتحت أبصارهم ملاحظة جلالها، من أن يستعيروا من حضيض عالم المتناطقين ~~باللغات عبارة تريهم من مبادئ حقائقها شيئا ضعيفا جدا واستعاروا لها اسم ~~القدرة، فتجاسرنا لسبب استعارتهم عن النطق فقلنا: # لله تعالى صفة هي القدرة، عنها يصدر الخلق والاختراع. # ثم الخلق ينقسم في الوجود إلى أقسام وخصوص صفات، ومصدر انقسامها ~~واختصاصها بخصوص صفاتها صفة أخرى استعيرت لها بمثل الضرورة التي سبقت عبارة ~~المشيئة. # فمن توهم أمرا عملا عند المتناطقين، فاللغات التي هي حروف وأصوات ~~المتفاهمين، وقصور لفظ المشيئة عن الدلالة على كنه تلك الصفات وحقيقتها، ~~كقصور لفظ القدرة عن كنه القدرة. # ثم انقسمت الأفعال الصادرة من القدرة إلى من ينساق إلى المنتهى الذي هو ~~غاية حكمتها، إلى ما يقف دون الغاية. # فكان لكل واحد نسبة إلى صفة المشيئة، لرجوعها إلى الاختصاصات التي تسير ~~القسمة والاختلافات، فاستعير لنسبة البالغ غايته عبارة المحبوب واستعير ~~لنسبة الواقف دون غايته عبارة الكراهة. # وقيل: إنهما جميعا توهم لفظ المحبة والكراهة منهما أمرا عملا عند طالب ~~الفهم من الألفاظ واللغات. PageV03P025 # ثم انقسم عبادة الذين هم أيضا من خلقه واختراعه إلى من سبقت له في ~~المشيئة الأزلية أن يستعمله لاستيقاف ms160 حكمته دون غايته، ويكون ذلك قهرا في ~~حقهم، لتسليط الدواعي والبواعث عليهم، وإلى من سبقت لهم في الأزل أن ~~يستعملهم لسياقة حكمته إلى غايتها في بعض الأمور، فكان لكل واحد من ~~الفريقين نسبة إلى المشيئة خاصة، فاستعير لنسبة المستعملين في إتمام الحكمة ~~لهم عبارة الرضى، واستعير للذين استوقف بهم أسباب الحكمة دون غايتها عبارة ~~السخط، وظهر على من سخط عليه في الأزل فعل وقفت الحكمة دون غايتها فاستعير ~~له الكفران وأردف ذلك بنقمة اللعن والندامة زيادة في النكال، وظهر على من ~~ارتضاه في الأزل الذي انساقت بسببه الحكمة إلى غايتها، فاستعير له عبارة ~~الشكر، وأردف خلفه الثناء والإطراء زيادة في الرضى والقبول والإقبال، فهكذا ~~كانت الأمور تسلسلت الأسباب والمسببات تقدير رب الأرباب مسبب الأسباب. # وأنا أعقب لك يا أخي بذكر آية من القرآن أنبهك فيها على معرفة الوزن، ~~فالميزان العقلي الكلي الذي قرنه الله تعالى بذكر السموات والأرض في العشر ~~الأوائل من سورة الرحمن، فتجتمع لك حقيقة الوزن بالميزان العقلي والميزان ~~الشرعي، وأذكر حكاية جرت بين الأنبياء عليهم السلام وبين الأمم في المناظرة بينهم. # قال الله - عز وجل -: (ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود ~~والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله جاءتهم رسلهم بالبينات) فأخبر الله ~~تعالى عن الرسل كافة أنها جاءت الأمم بالبينات. # ثم أنه أخبر عن الأمم أنها أنكرت ما جاءت به الأنبياء من البينات. قال: ~~(فردوا أيديهم في أفواههم) إجبارا أنهم أنكروا ما جاءت به الرسل وكذبوهم. # ثم أخبر عنهم أنهم قالوا: (إنا كفرنا بما أرسلتم به) ومعنى الكفران جحود ~~لما الإقرار به، ويتضمن كفرهم جحودهم لما عرفوا، وأن الأمم قد كابرت ~~الأنبياء وعرفت حق ما جاءت به الأنبياء والرسل فكفرت. PageV03P026 # كما قال موسى لفرعون: (لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السموات والأرض ~~بصائر) لكن الأمم أرادت تكذيب الرسل. # ويدل عليه قولهم الذي عقبوا به آخرا، حين قالوا: (وإنا لفي شك مما ~~تدعوننا إليه مريب). # فكأنهم تداركوا أنفسهم، ورجعوا من لفظة الكفران ms161 إلى لفظة الشك، وخافوا أن ~~يتوهم عليهم متوهم، أنهم أيقنوا وكفروا فرجعوا من الكفران إلى الشك، لئلا ~~يصير لهم ذلك نقيصة وللأنبياء فضيلة، فلذلك قالوا: (وإنا لفي شك) فبرأوا ~~أنفسهم من المكابرة، وأقروا على أنفسهم بجهل ما جاءت به الأنبياء. # ثم نظروا إلى إثبات الشك على أنفسهم، وخافوا أن تلزمهم الحجة في جواز صدق ~~الأنبياء حين شكوا، لأن في ذلك جواز أن يكون لما جاءت به الأنبياء صدقا، ~~فيصير ذلك نقصا لهم، لأن الشك جهل، ثم هربوا من الشك هروبهم من الكفران ~~قالوا: إنا لفي شك مريب، فتداركوا بقولهم: مريب، ردا على الأنبياء، لئلا ~~يثبت أن ما قالت الأنبياء حق، فترددوا بين الكفر والشك والريبة، فاختلفت ~~عليهم الأحوال، واضطربت منهم القوال. # وأخبر الله تعالى - وهو أصدق القائلين - عن مجموع الرسل بما قالت في هذه ~~المحاورة فقال: (قالت رسلهم أفي الله شك) ردا عليهم: إنكارا عليهم أن ليس ~~في الله شك، وليس بعد انتفاء الشك إلا العلم. # فوجب أن الأمم قد كابرت عقولها، حين انتفت من أمر لا شك فيه، على لسان ~~الأنبياء. # وعقبت الأنبياء بالعلة العقلية التي لا يختلف عليها العقلاء فقالت: (فاطر ~~السموات والأرض). وإرادة الأنبياء أن من أقر بفطور السموات والأرض لاشك أنه ~~يعلم الفاطر، وهو الأصل الذي قلنا أولا من أحد أقسام العقليات وهو وجوب ~~الواجبات. # ثم قالت الأنبياء: (يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى) ~~وهذا النمط من الجائزات لا من الواجبات ولا من المستحيلات، فلم تعرف الأمم ~~حقيقة ذلك لا شرعا ولا عقلا. PageV03P027 # ثم قالوا: (إن أنتم إلا بشر مثلنا) فهاهنا استدلت الأمم بالشاهد على ~~الغائب وقالت للأنبياء: إن ما ادعيتم من هذا محال، لأنكم بشر ونحن بشر، وما ~~جعلكم أولى بإصابة هذا المر دوننا وكلاننا بشر، فما استجاز علينا من جهل ما ~~ادعيتم استجاز عليكم مثله، واستدلوا بقضية العقل أنه محال أن تدرك الأنبياء ~~إلا ما أدركوا، وتعلم الأنبياء إلا ما عملوا، وكأنهم قالوا: عقولنا واحدة، ~~وزماننا واحد، وأجسامنا واحدة، فمن أين ms162 لكم ما ادعيتم ؟ # ثم قالوا: (تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا) فكأنهم أشاروا أن ~~للأنبياء في هذا غرضا ما، وصدقوا، وغرض الأنبياء مثل ما قالوا، أن يصدوهم ~~عن عبادة الأوثان إلى عبادة الواحد الرحمن. # ثم قالوا: (فائتونا بسلطان مبين) فالآن أنصفت الأمم لو تمت على إنصافها، ~~حين تعرضت للبرهان، بعد عجزهم عن حجة الفطور الظاهر الدال على الفاعل ~~القادر. # وقال الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين: (إن نحن إلا بشر مثلكم)، صدقتم ~~نحن بشر وأنتم بشر، ولكن هذه المسألة التي بيننا وبينكم الآن ليست من ~~العقليات الواجبات ولا من المستحيلات ولكنها من الجائزات، والدليل عليها ~~قولهم: (ولكن الله يمن على من يشاء من عباده). # فوقعت التفرقة هاهنا بين الجائزات والواجب، وأن للفاعل أن يفرق ويمن على ~~من يشاء ويترك من يشاء. # فانقطعت الأمم هاهنا، وظهرت عليهم الأنبياء، صلوات الله عليهم وسلامه. PageV03P028 # واعترفت لهم الأنبياء صلوات الله عليهم: أنهم لن يقدروا أن يأتوا بسلطان ~~إلا بأذن الله فقالت: (وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان إلا بأذن الله وعلى ~~الله فليتوكل المؤمنون) فكأن الأمم أشارت بالمكروه لهم فقالت: (وما لنا ألا ~~نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا ولنصبرن على ما آذيتمونا وعلى الله فليتوكل ~~المتوكلون) فانقطعت الأمم هاهنا، وانقطعت المناظرة، وفرغت المحاورة، ورجعت ~~الأمم إلى قوتها وكثرة عددها بعدما غلبوا في الخصوصة. (وقال الذين كفروا ~~لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا فأوحى إليهم ربهم لنهلكن ~~الظالمين ولنسلكننكم الأرض من بعدهم ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد). # فصل (1) # وأما ما ذكرت من قول الله - عز وجل - لعيسى عليه السلام حيث يقول: (وإذ ~~قال الله يا عيسى بن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله ~~قال سبحانك). # وذكرت أنك سمعت من الشيخ أبي موسى عيسى بن يوسف - رضي الله عنه - أنه ألف ~~الاستفهام، ومن قال: إنه ألف استفهام. فقد أشرك، ثم أنك قد سمعت من بعض ~~العزابة أخبر: أنه ألف استقرار. ومن قال: إنه ألف استقرار , فقد أشرك. # فاعلم ms163 يا أخي أن الذي أوجب الاختلاف هاهنا: تعلقهم بالألفاظ دون المعاني، ~~وقد أنذرتك قبل هذا وحذرتك أن لا تلتفت إلى شيء من ذلك إلا بعد تبين ~~الحقائق. # واعلم أن القوم كلهم قد أصابوا، وكلهم قد أخطأوا والقصور لهم شامل. # فمن قال: إنه ألف استفهام، وأراد أن الله قد استفهمهم ليعلم فهو مشرك. # ومن قال: إنه ألف استقرار، وإن الله تعالى أكره عيسى، وأراد منه أن يقر ~~بالشرك فهو مشرك، وكذلك من قال: إنه ألف توبيخ لعيسى عليه السلام. # وأما من قال: إنه ألف استفهام كقول عيسى، أو ألف توبيخ لهم، أو ألف ~~استقرار لعيسى بالحق في ذلك، فقد أصاب. # وأما قولك في الواو في (وصلى الله على محمد). PageV03P029 # اعلم أن تلك الواو إن عنيت بها العطف على ابتدائك بسم الله الرحمن ~~الرحيم، صلحت هنالك، ومعنى عطفت أي ابتدائه بذكر الله، ثم ثنيت بذكر محمد ~~عليه السلام. # وأما قولك: (وهل يجوز وصلى الله بمعنى الخبر الماضي). فهكذا جاءت الأدعية ~~جلها. كما تقول: غفر الله لك، ورضي عنك، ورحمك الله، وهو مع ذلك دعاء. # وكذلك: (وصلى الله على محمد). # وإن أردت أن تظهر الدعاء فتقول: (صل اللهم على محمد)، صلح ذلك أيضا، ~~(واللهم صل على نبينا محمد). والكل سائغ. والحمد لله. # وأما ما ذكرت من مسألة الأنبياء عليهم السلام أنهم ذاقوا (2) ما خلا ~~الخليل عليه السلام. وبلغني عنك يا أخي أنك ذبيت عني في غيبتي ذب الله عنك ~~في يوم أنت فيه أحوج فيه مني منك إذ ذاك. # وكيف يسوغ لقائل هذا القول بعد قول الله تعالى في عيسى عليه السلام: (وإذ ~~تكلم الناس في المهد وكهلا) وقال عنه: (قال إني عبد الله آتاني الكتاب ~~وجعلني نبيا وجعلني مباركا أينما كنت) وبعد قول الله في يحيى: (ولم يك ~~جبارا عصيا) فنفى عنه المعصية. # وبعد أولاد إبراهيم الخليل إسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط، ومائة ألف أو ~~يزيدون، فمن ولد من الأنبياء على الفطرة وداود وسليمان وغيرهما صلوات الله ~~عليهم أجمعين. # وهذا يا أخي ما ms164 يقوله من له أدنى عقل، وما أظن أحدا من خلق الله يعتقد ~~هذا، إلا أن يكون إبليس وذريته لعنه الله، ولا أظن إبليس دعا إليها أحد ~~بمعرفتي بإبليس أنه لا يشتغل فيما لا يعنيه من غير ما عني به من سائر ~~المعصية. # وأنا يا أخي ما سنحت في خاطري قط هذه المسألة، ولا سمعتها قط من أحد ~~سؤالا ولا جوابا. # وأنا ما أجبت هذه المسألة قط، ولا قرعت سمعي، وحسبي وحسيب الحاكي عني هذه ~~المسألة الله (يوم لا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون) ولولا جلالتك عند، ~~ووجوب واجب حقك الكريم، لاقتصرت عن الكلام فيها لأني أشتغل بمثل هذا، ولا ~~أعود نفسي ولا لساني مثل هذا، لأني أعوذ مما لا يغني. PageV03P030 # والسلام الجزيل عليك ورحمة الله تعالى وبركاته. # تمت الفهرست بحمد الله وحسن عونه وتأييده. # والصلاة على نبينا محمد عليه السلام وعلى جميع الأنبياء والملائكة والروح ~~والمرسلين أجمعين. # والحمد لله رب العالمين. # مسألة أبي الحسن علي بن أبي طالب # بسم الله الرحمن الرحيم # وصلى الله على محمد وآله وسلم # وذكرت يا أخي مسألة أبي الحسن علي بن أبي طالب، واختلاف من عندكم فيها: ~~هل هي مسألة ديانة أو مسألة شهوة وهوى غالب ؟ # وإن بعض أصحابنا من أهل دعوتنا قد أنكروا عليك ما حكيت عن الشيخ الفاضل ~~أبي عمار عبد الكافي - رضي الله عنه. # وادعوا أن عليا لم يفعل ما فعل إلا بشهوة وهوى غالب، وانه على عمد ارتكب ~~ما ارتكبه من ذلك حلا، قد عورض في التحكيم فاستدل في التحكيم بالتحكيم في ~~الصيد، وفي القتال من قاتل من أهل الجمل واصل صفين وأهل النهروان بأنه ~~مأمور بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين، فهذه أفعال من تدين لا أفعال من ~~اتبع الهوى. # واعلم أنه من توهم على علي أنه قاتل أهل النهروان بشهوة، وكذلك معاوية ~~وعمرو بن العاص في قتالهما عليا، إنما ذهب به ظاهر اللفظ في الديانة، وقصر ~~الديانة كلها على الحق، وقد تكون الديانة حقا وتكون باطلا وعمدا وسهوا، ~~وخطأ وصوابا، وصدقا ms165 وكذبا، ولولا ما تعلق في المسألة من الأحكام لكان أشبه، ~~ولكن أحكام المتدينين خلاف أحكام المشتهين. # فإذا وقعت الضرورة في مجاوبتك فلا غنى بنا عن تقديم الكلام اعتذارا عن ~~فلتات الخواطر والأوهام. # اعلم يا أخي أن الكلام في مثل هذا مع من لم يسمع الأصول ولم يحكم الفصول ~~سهوا ولغو. PageV03P031 # والكلام ومانعيه بحران عظيمان واسعان بينهما برزخ لا يبغيان عند ذوي ~~البصائر والعقول وهما بمثابة واحدة عند ذوي الجهل والفضول. # وإنما جعل الكلام للمعاني، وحافظا لها إلى حين تأديتها إلى الأنام، ~~والكلام قشر والمعاني لباب، فمن قنع بالقشر دون اللباب فقد خاب، ومن ألحق ~~كلا بأصله فقد أصاب، ومن استغنى عن القشر باللباب فقد طاب وطاب وطاب. # ومن هاهنا وقع التشبط في هذه الأمة، والتخبط في فروع الملة، حتى كفر ~~بعضهم بعضا، وقال عليه السلام: «لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم بعض». # وقد قال الحكيم وصدق: (ما أحسن الكلام وأحسن منه معناه، وما أحسن المعنى ~~وأحسن منه استعماله، وما أحسن استعماله وأحسن منه ثوابه، وما أحسن الثواب ~~وأحسن منه رضى من عملت له). # وقد تضمن هذا الكلام السفر إلى الله - عز وجل - والترقي إليه والقرب منه، ~~إذ ليس القرب من جهة المسافة، لكن القرب من صفاته. # فالله عالم فأراد من عباده أن يكونوا علماء، والرب حكيم فأراد من عباده ~~أن يكونوا حكماء، والرب حليم فأراد من عباده أن يكونوا حلماء، والرب رحيم ~~فأراد من عباده أن يكونوا رحماء، وهذه مقامات المكلفين ولكل درجات مما عملوا. # الدرجة الأولى: أهل القشرة والحثالة وهم الشعراء والخطباء (1) المتشدقون ~~المتفيهقون. # الدرجة الثانية: العلماء والفقهاء. # الدرجة الثالثة: الربانيون والحكماء. # الدرجة الرابعة: المفلحون السعداء. # الدرجة الخامسة: السابقون المقربون الأولياء. # أما الدرجة الأولى: فهم أهل التشبيه والشيعة والخوارج والقدرية والمرجئة ~~إخوان الشياطين، والشعراء والخطباء، والشعراء القانعون بالقشر دون اللباب. # أما أهل التشبيه فهم الذي قصرت عقولهم أن يتجاوزوا بإلههم منازل الحواس، ~~مثل البهائم والأنعام، إلى منازل ذوي العقول والإفهام، واستعملوا ظاهر ~~الكتاب، ورضوا بالقشر دون اللباب، قبحا لهم ms166 وترحا. PageV03P032 # أما الشيعة فتحذلقوا بعض التحذلق، وترنقوا بعض الترنق، فغاصوا في بحر ~~الكلام حتى أنفذوه إلى بحر الظلام، فاختلط الحلال والحرام، وانطمست معالم ~~الإسلام فلم يرجعوا بعدها. والسلام. # وأما الخوارج فإنه ذهب بهم الخوف حتى سلوا السيف في الأنام، واستعملوه في ~~أهل الإسلام، استعمالهم في أهل الشرك والأصنام، والسبي في الحرم وفي ~~الأموال الغنم، رضوا بظاهر قول الله - عز وجل -: (وإن أطعتموهم إنكم ~~لمشركون). # وأما القدرية فقد ناهبوا الله في خلقه بل بأفضله، وجعلوا له شركاء فيما ~~آتاهم الله، فتعالى الله عما يشركون، لا حول ولا قوة إلا بالله العلي ~~العظيم. # وأما المرجئة فقد حلوا عرى الإسلام وأبطلوا الحلال والحرام ورضوا الله ~~تعالى بقوله: لا إله إلا الله ولو طمسوه بالآثام. # وأما الدرجة الثانية: فهم العلماء والفقهاء، فأهل العلم بالله فهم ~~المتكلمون، وهم الذين لم يتزندقوا، وانفتحت أبصارهم ولم يترنقوا. # وأما الفقهاء فالذين فقهوا عن الله تعالى معاني كتابه، استخرجوا علوما ~~جلة من خطابه، حسبهم عند اسمهم. # ومن هاهنا وقعت الإشارة بقوله - عز وجل -: (ثم أوثنا الكتاب الذين ~~أصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بأذن ~~الله ذلك هو الفضل الكبير). # وأما الدرجة الثالثة: فهم الربانيون والحكماء الذين خلصوا باللباب وسر ~~الكتاب، واستعملوه في سواء الصواب وإليهم الإشارة بقوله: (كونوا ربانيين ~~بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون) جاوزوا القشر إلى اللباب، ~~واستعملوه ووداهم إلى يوم الحساب إلى حسن الثواب فاستقبلوه. # وأما الدرجة الرابعة: فهم السعداء المفلحون، قد فازوا بثواب الله العظيم، ~~فأفلحوا وسعدوا بالخلود في دار النعيم فأنجحوا. # وأما الدرجة الخامسة: فهم السابقون المقربون، أهل الظفر بالحضرة ~~الألوهية، المتنعمون بأسرار الربوبية فهم أهل الحل والعقد في دار البقاء ~~والخلد. # [CENTER] # * * *[/CENTER] PageV03P033 واعلم يا أخي أن مسألتك هذه تقتضي ثلاثة علوم ~~غريبة غير معهودة عند الناس، يمجها السماع، وتنكرها الطباع. # العلم الأول: في التفرقة بين الملوك ذوي الديانات وبين السلاطين أهل ~~الشهوات. # والثاني: ما الحكم في أهل الديانات إن أبصروا الإسلام ورجعوا إليه قبل أن ~~نقدر ms167 عليهم، أو قدرنا عليهم قبل أن يرجعوا، والحكم في السلاطين أهل الشهوات ~~إن تابوا أو رجعوا، أو أصروا واستكبروا وقدر عليهم ؟ # الثالث: ما حكم المسلم إذا كان تحت هؤلاء وهؤلاء وجرت عليه أحكامهما، وما ~~الذي يسعه مما لا يسعه ؟ وإذا كان منقطعا في بلاد المشركين وجرت عليه ~~أحكامهم أو أسلم وهي بلاده ولم يستطع منها الخروج ؟ # ذكر الألفاظ التي استعملهتا الأمة ألقابا لدينها # ولنرجع الآن إلى الألفاظ التي استعملها الأمة ألقابا لدينها، وهي أربعة ~~ألفاظ: وهي الملة والديانة والفرقة والمذهب. # أما الملة: فإنهم أرادوا بها الأصلين اللذين بني عليهما الدين: دين الله ~~- عز وجل - ودين الشيطان، وهما التوحيد والشرك ومقتضاها كما قال الشيخ أبو ~~الربيع سليمان بن يخلف - رضي الله عنه -: إن الملة هي الدين المجتمع عليه ~~في الحلال يحلونه وفي حرام يحرمونه وفي نسك يقضونها، قال الله - عز وجل -: ~~(ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا)، (هو سماكم المسلمين من قبل ~~وفي هذا....). # اعلم أن فروع الملة لا تأثير لها في الدخول في الملة ولا الخروج منها، ~~وإنما ذكرها الشيخ عرضا للأصلين التوحيد والشرك، إذ لا يقال خرج أحد من ملة ~~الله وملة رسوله بخروجه من بعض وظائفها، ولا دخل في الملة بشيء منها. PageV03P034 # وكذلك ملة الشيطان لا يقال: دخل في الملة ملة الشيطان بدخوله في جميع ~~طاعة الشيطان إلا أن يكون الشرك، ولا خرج من ملة الشيطان بخروجه من شيء من ~~طاعة الشيطان إلا أن يكون خرج من الشرك، وتسمية الأعمال دون التوحيد ودون ~~الشرك من الملة مجاز. # وأما الديانات فالديانة اسم يشتمل على ما بانت به كل فرقة من صاحبتها مما ~~اعتقدوه دينا يدان الله تعالى به، وقطعوا فيه عذر من خالفهم سواء كان ذلك ~~حقا أو باطلا، أو عمدا ذلك أو خطأ، ألا ترى أن دين الشيطان قد علم الشيطان ~~أنه ضلال وخطأ وأن الصواب في خلافه، فشرعه لأوليائه وهو منه على بصيرة فسقا ~~وضلالا وجعل فيه حراما وحلالا، وهو دين الشيطان وديانته، قال الله ms168 - عز وجل ~~-: (كذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك). أي في حكمة وعادته. ~~وقال في الأشهر (ذلك الدين القيم) أي الحساب المستقيم. # فكل من شرع لنفسه دينا يأمره وينهاه فهو متدين، وإن عليا قد اعتقد أن ما ~~فعله في عثمان وطلحة والزبير وعائشة أم المؤمنين ومعاوية وعمرو بن العاص ~~وأهل النهروان من الدين والديانة، كل يعتقد أن ما هو عليه دين يدان الله ~~تعالى به، فهم كلهم على بصيرة من أنفسهم وثقة من أمرهم. # ألا ترى إلى عثمان حين أشرف على الناس يوم الدار، فاستشهدهم أن رسول الله ~~(صلى الله عليه وسلم) قال: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد ~~إيمان، وزنى بعد إحصان، وقتل النفس التي حرم الله تعالى إلا بالحق». ~~فأذعنوا له بذلك وصدقوه. # وكذلك علي وصنيعه يوم الدار، ويوم الجمل في صفين، وفي أهل النهروان ظن أن ~~مذهبه في هذه المواطن دين يدان به الله تعالى عنده. PageV03P035 # وكذلك خلفاء بني أميه من معاوية بن أبي سفيان ويزيد بن معاوية ومعاوية بن ~~يزيد ومروان بن الحكم وعبد الملك بن مروان والوليد بن عبد الملك وسليمان بن ~~عبد الملك وعمر بن عبد العزيز ويزيد بن عبد الملك وهشام (1) ابن عبد الملك ~~والوليد بن يزيد بن عبد الملك ويزيد الناقص بن الوليد بن عبد الملك ~~وإبراهيم المخلوع أخيه ومروان بن محمد بن مروان. # وكذلك خلفاء بني عباس: أبو العباس وأبو جعفر المنصور ومحمد المهدي وموسى ~~الهادي وهارون الرشيد بن المهدي والمعتصم بن هارون (2) وغيرهم إلى الآن. # واعلم أن هؤلاء وإن كانوا أهل شهوات ولهو ولعب في أديانهم فليس من الشرط ~~أن لا يكون أحد على ديانة إلا قادته ديانته، وهذا الحجاج أعظم هذه الأمة ~~إجراما، فهو أقود رجل ممن ذكرنا ديانة، فإنه لم يوبق قط في دينار ولا درهم ~~قالوا: ولم يسرف في معيشة إسراف بني أمية وإسراف العباسيين، لا يبالي ما ~~لبس من الثياب ولا أي طعام أكل من الأطعمة وأحب ما إليه ms169 طعام الأعراب دون ~~الشبارقات (3)، غير أن الحجاج مغرى بالدماء طلبا لثأر عثمان بن عفان ~~وأكثرهم حنقه على القراء الذين قتلوه وخذلوه، ولم يسع في الأموال مسعى أهل ~~الهوى، ولهذا منع جابر بن زيد سهمه من العطاء حين لم يخدم، وكان جابر ~~مكتوبا في الدواوين غير أن جابرا امتنع من الجلوس عند أصحاب الدواوين، ~~فعابه يزيد بن أبي مسلم من الجلوس عندهم، وكان يرفع له ستمائة درهم وهي عطاؤه. # وأنا أشرح لك يا أخي المسألة حتى تعلم من أين أوتي علي من جهل المعاني، ~~واختصر الألفاظ ورضي بالقشر دون اللباب وأتخذ ذلك حظا ونصيبا، إن شاء الله. # وأما الفرقة ومعناها فهي اسم لأهل ديانة من هذه الأمة قال رسول الله (صلى ~~الله عليه وسلم): «ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلهن إلى النار ما خلا ~~واحدة ناجيه وكلهم يدعي تلك الناجية». PageV03P036 # وقد أنفذ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الوعيد في هذه الفرق إلا ~~الواحدة، فدل أنهم أهل ديانات، إلا قول من يقول: إن الفرق هاهنا أصحاب ~~أصناف المعاصي من الزناة وسفكة الدماء وأكله الأموال، حتى عد كثيرا من ~~أصناف المعاصي. وهو قول ضعيف، لم يتابع عليه قائله، وأضعف منه قول أصحاب ~~الحديث الذين يأثرونه عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أنه قال: «ستفترق ~~أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلهم إلى الجنة ما خلا واحدة إلى النار». # وأما المذهب فهو الطريق التي بانت بها الفرق في الفروع، وليس فيها تأثيم، ~~وإنما ظهرت المذاهب في هذه الأمة، حين اقتسمت الأئمة الأمة، فبانت كل فرقة ~~بمذهب إمامها. # وإنما ظهرت الأئمة في آخر المائة الثانية من خلاف العباسيين، ويحقق ذلك ~~ويصدقه قول رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لحذيفة بن اليماني وقد سأله ~~حذيفة فقال: (يا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) هذا الخير الذي أتانا الله ~~بك هل بعده من شر ؟). # قال: «نعم، الفتنة». # قال: (وهل بعد الفتنة من خير ؟) # قال: «نعم إغضاء على إقذاء (4)وهدنة على دخن». # فقال حذيفة: (وهل بعد ms170 الخير من شر ؟) # قال: «نعم، أئمة ضالون مضلون قاعدون على أبواب جهنم ينادون إليها، كل من ~~أجابهم قذفوه فيها». # فالخير الأول على عهد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) والخليفتين اللذين ~~بعد رسول الله عليه السلام وهما أبو بكر وعمر وقد نص عليهما رسول الله (صلى ~~الله عليه وسلم) وقال: «اقتدوا باللذين من بعدي» وليس بعد رسول الله (صلى ~~الله عليه وسلم) (5) إلا أبو بكر وعمر، وقد قال رسول الله عليه السلام (6): ~~«عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي». # واشترط في هذا الحديث، ولم يشترط في الحديث الأول شيئا فصح في الثلاثة ~~أنهم أهل الخير كما قال حسان بن ثابت: PageV03P037 # وأما الشر الذي بعد الخير الأول فالفتنة. كما قال - عز وجل -: (واتقوا ~~فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة) وهي التي ذكرها رسول الله (صلى الله ~~عليه وسلم) من لدن مقتل عثمان إلى عام أربعين من الهجرة، وهي الفتن الأربع: ~~يوم الدار، ويوم الجمل، ويوم صفين، ويوم النهروان، ثم اصطلحت العامة على ~~معاوية بن أبي سفيان كما قال رسول الله عليه السلام: «يصطلح الناس على رجل» ~~وهو الخير الذي أراده رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وفسره وقال: «إغضاء ~~على إقذاء وهدنة على دخن» قال: «فيصطلح ما اصطلح الناس على رجل كورك على ~~ضلع»، إشارة إلى أن الأصل وخصية ما فيه - وذلك للعامة - خير، أن يشتغل كل ~~بما يعنيه من دينه وخصية نفسه. # وأما الشر الأخير المرتبط بالأئمة الضالين المضلين الذين يضلون، ويضل من ~~اتبعهم إلى يوم القيامة، من بعد عصر الرسول وعصر الصحابة وعصر التابعين، ~~فهم من تابعي التابعين إمام الحجاز مالك بن أنس، وإمام مصر الليث ابن سعد، ~~وإمام العراق سفيان الثوري، وإمام الشام الأوزاعي، وأبو حنيفة إمام قبلهم، ~~وفي كل إقليم إمام من خراسان إلى ارض الأندلس. # ونحن نشرح الحكم في أساميها ولهذه الفقهيات أربعة أسام اثنان مجتمع ~~عليهما، وهما الحكم والعلم سائغان على القولين المختلفين جميعا، واثنان ~~مجتمع عليهما، وهما الحكم والعلم سائغان على القولين ms171 المختلفين جميعا، ~~واثنان مختلف فيهما، هل يسوغان على القولين المختلفين جميعا أم لا ؟ وهما ~~الحق والصواب وأضدادهما من الباطل والخطأ، فاتفقت الأمة على أن الأقاويل ~~المختلفة يسوغ عليها العلم والحكم، ولا يسوغ أضدادهما من السفه والجهل على ~~واحد منهما بدليل قول الله - عز وجل -: (وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث ~~إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما ~~وعلما). # وأطبقت الأمة على أن الأقاويل المختلفة - وإن اختلفت - أنها حكم وعلم. PageV03P038 # واختلفت الأمة في الحق والصواب، فبعض أطلق على المختلفين أنهما حق كما ~~أنهما علم وحكم، ولم يسوغ ضده من الباطل على واحد منها، وإلى هذه القولة ~~أميل. والله المستعان. # وفي مناظرة الشيخ أبي الربيع سليمان بن يخلف في الرد على من أجاز الحق ~~على القولين المختلفين مغمز لمن تأمله. # وأما الصواب والخطأ، فجل الفقهاء قد أطلقوا هنا على المختلفين وإن ساغ ~~الصواب في أحدهما ساغ الخطأ في خلافه بدليل إشارة القرآن، إذ يقول: ~~(ففهمناها سليمان) فدل على أن الصواب مع سليمان، والخطأ في خلافه مع داوود، ~~وإلا فما الفائدة إن كانا مصيبين جميعا. # وشواذ العلماء قالوا: إن هذه الألفاظ الأربعة تسوغ على المختلفين جميعا، ~~ولا يسوغ أضدادها من السفه والجهل والباطل والخطأ. وهو قول علي بن أبي طالب ~~وترقى بالتصويب إلى أحكام الفتنة والمختلفين فيها بشرط الاجتهاد، وقال: كل ~~مجتهد مصيب. وهذا يؤثر عنه في أهل الدار: عثمان وذويه، وأهل الجمل، وعائشة ~~أم المؤمنين وطلحة والزبير ومن معهما، وفي أهل صفين: معاوية وعمرو بن العاص ~~ومن معهما، لكنه له مغمز في معاوية وعمرو أنهما غشما الأمر غشما ولم ~~يجهلاه، وقال في أهل النهروان: لم يظهر عليه ظهورة في أهل النهروان. # وذلك أن أصحاب علي أرادوا أن يعرفوا ما حال أهل النهروان عند علي، فقام ~~رجل ينادي في العسكر: (من رأى لي البغلة الشهباء يوم قتلنا المشركين) ~~فناداه علي، فقال له: (لا تقل كذلك، إنهم ليسوا بمشركين لكنهم من الشرك فروا). # قال: (فمنافقون يا أمير المؤمنين ms172 ؟) # فقال: (ليسوا بمنافقين، لأن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلا، وهؤلاء ~~يذكرون الله كثيرا). # ثم قال الرجل: (فمن هم يا أمير المؤمنين ؟) # قال: (إخواننا بغوا علينا) وترحم على طلحة، وشهد أن عائشة زوج النبي عليه ~~السلام في الجنة، وقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «بشر قاتل ابن صفية ~~بالنار». PageV03P039 # ويقول في عثمان حين شك فيه أصحابه وعاتبوه، فصعد المنبر وخطب الناس وذكر ~~عثمان فقال: (إن الله قتل نعثلا وأنا معه) فترضى العامة بهذا. # ذكر من قال: كل مجتهد مصيب والاختلاف في الفروع # وروي عن مالك أنه قال: (كل مجتهد مصيب). لكنه في الفروع ولم يقلها في ~~الأصول، ولكن قوله في الأصول ما روي عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم): # «إذا التقى المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول في النار». # قيل: (يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول ؟) # قال: «لأن كل واحد منهما يريد أن يقتل صاحبه». # وأما قول رسول الله عليه السلام: «إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر ~~اجتهاده، وإن اجتهد وأصاب فله أجران: أجر اجتهاده، وأجر إصابته الحق». فإن ~~هذا مقصور على الصواب والخطأ، لا على الحق والباطل. # ودليل من قال: إن الحق فيهما جميعا. وذلك أن الله تعالى أمر المجتهدين ~~باجتهاد الرأي وفرضه عليهم، وأمرهم أن يستغرقوا وسع اجتهادهم في استخراج ~~الحكم، وأمر جميع من رأى رأيا أن يظهره ويوضحه ويبينه للناس، ولا يكتمه ~~كيفما اتفق ولو أنه أخطأ عند الله تعالى، فمن لم يفعل عصى الله وأثم. # وكذلك لو أخبر بخلاف ما رأى كان غير واثق بما عند الله تعالى، وما كان ~~الله تعالى ليأمر بأمر من الأمور، ويوجب عليه الثواب لمن فعله، وتوعد ~~العقاب على من تركه أو كتمه أو غيره، ولا يكون ذلك الأمر حقا. PageV03P040 # فمن أطلق على أحد القولين أنه حق، وأبطله عن الآخر فينبغي أن يثبته أنه ~~باطل، وقد قال الشيخ: (فما استجاز في شيء استجاز في ضده خلافه، وقد أجاز ~~هاهنا في أحد القولين أنه حق ولم يجز في ضده أنه ms173 باطل). وجل مناظرته أن ~~أقام الباطل مقام الخطأ والصواب مقام الحق، وبينهما بون بعيد ومذهب أهل ~~الدعوة: أن الحق في واحد، والخطأ في خلافه. وإنما ينبغي أن يقولوا: فالباطل ~~في خلافه. # وأما الصواب فإنهم قالوا: الصواب في واحد، والخطأ في خلافه. فهذا مستقيم. # وقد تقدم آخرون بمثل هذا فقالوا: إن الحق في واحد ومع واحد. وقد ضاق على ~~الناس خلافه. # وهذه القولة يرويها المخالفون عنا وينسبونها إلى أبي بكر الأهتم بن كيسان ~~ويدل عليه تفسير القرآن، قلما يعتمد إلا على قولة واحدة، وعن بشر المريسي ~~أيضا وعن ابن الحسين أيضا وإسماعيل بن علية. # وأما مسألة علي في أن كل مجتهد مصيب، فيما اختلفوا فيه، ولو في أحكام ~~الفتن، وسنشير إلى بعض أدلته، ونكل الرد عليه إلى غيرنا، ونشير إلى اعتقاد ~~معاوية وعمرو بن العاص فيما بينهما وبين علي، أنهما على حق دون علي، وأن ~~عليا على الباطل دونهما (1) حتى تعلم أبدين كانا يعملان أم بشهوة وملك أم ~~بدين متدين ؟[لعله: بملك متدين] وإنما الكلام على بني أمية وبني العباس. # فأما على ما ظهر من ذلك استشهاد علي على أن كل مجتهد مصيب فإنه قال: (لما ~~رأيت الناس يختلفون في الفروج والدماء والأموال، وهي أعظم الأمور، ويسوغ ~~لهم الاختلاف، ولا يجوز لأحد أن يفسق صاحبه، ولا أن يحظر على من اتبعه، ~~ورأينا جل الفتن مقتصرة على هذه المعاني. PageV03P041 # أما الاختلاف الواقع في الفروج، والذي يقع في اختلاف الناس في المرأة ~~تنكح بلا ولي ولا بشهود أو بصداق مجهول، أو مجهول الحين، وقال رسول الله ~~(صلى الله عليه وسلم): «لا نكاح إلا بولي وصداق وبينة» فوقع الاختلاف في ~~مثل هذا، فأبطل بعض هذه الأنكحة وأجازها بعض. فالذين أجازوه أباحوا فروجا ~~محرمة عند غيرهم، والذين حرموا منعوا فروجا محللة عند غيرهم، وكذلك ~~اختلافهم في نكاح المتعة، وأبطله بعضهم ورأوه زنا منهم عمر بن الخطاب، ~~وقال: (ولو قدمت فيه لرجمت عليه). # وأجازه بعضهم ورأوه حلالا وهو ابن عباس حين قال: (لو أطاعني عمر في ms174 نكاح ~~المتعة ما جلد في الزنا إلا شقي). وصدق وهو أشبه شيء ولا سكن ولا كسوة، وإن ~~حصلا في الرأس الأجل استقبلا الخرج والأجل وإلا انصرفا في حل ويل (2) وقد ~~قال الله - عز وجل -: (فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة ولا جناح ~~عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة إن الله كان عليما حكيما) فهو العليم ~~حقا أنهم مضطرون والحكيم فيما فعل أياما حتى يأتي السبيل. # وانفهم لابن عباس أن لا نسخ لهذا من رأي وقد مضى الناسخ، والأمر أرفق ~~بالأمة، فليس عليهم فيه أمر، وروي أبو هريرة أو أفتى (عن من تزوج امرأة ~~بصداق وليس عنده وفاؤه فهو زان ما أقام عندها). # ومصداق ذلك حديث أم شريك وهبت نفسها لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) فلم ~~يقبلها فقال له رجل: (زوجنيها يا رسول الله إن لم تكن لك بها حاجة ؟) فقال: ~~«أعندك ما تصدقها ؟» فقال: (عندي إزاري هذا). فقال رسول الله عليه السلام: ~~«إن لبست إزارك لم يكن عليها منه شيء، وإن لبسته لم يكن عليك منه شيء، انظر ~~ولو خاتما من حديد». فقال: (لا أجد). فقال: «زوجتها لك على ما معك من ~~القرآن». فلو جاز نكاح الجل المجهول ولم ينقدها شيئا، لزوجها له رسول الله ~~(صلى الله عليه وسلم) بذلك. PageV03P042 # وأساغ عثمان الفسخ في الفداء ولم يره طلاقا، فأوجب فيها الاستبراء حيضة، ~~ولو فاداها عشر مرات ليس ذلك بطلاق، وسوغ تزوجها ممن منع منه من رآه طلاقا، ~~ومنع الآخر من أجازه حلالا. # وأجاز علي نكاح الربيبة إذا لم تكن في حجر أمها بظاهر كتاب الله - عز وجل ~~- ورآه غيره زنا، # وأباح آخرون نكاح المرأة على عمتها وعلى خالتها وجمهور الأمة يرونه زنا ~~وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «لا تنكح المرأة على عمتها ولا ~~على خالتها». # وأجاز بعضهم نكاح إماء أهل الكتاب، ورآه آخرون زنا. # وحرم بعضهم نكاح المجوسيات وأباحه آخرون في حديث حذيفة. # وحرم آخرون نكاح الكتابيات، وأجازه آخرون. # وأجاز بعضهم نكاح الشغار، وأبطله ms175 آخرون. # وأباح بعضهم نكاح التي زنا بها، ومنع منه آخرون، وساغ هذا كله للمختلفين، ~~ولا تأثيم ولا تفسيق، فإن وقع التشابط في مثل هذا وقال هذا: هي زوجتي وقال ~~الآخر: هي زوجتي، ولم يفصل بينهما قاض، وأخذ هذا بقول عالم واخذ هذا بقول ~~عالم، فأيهما المبطل من اتبع سبيل المؤمنين ودق اتبعاه جميعا، وقد نزلت هذه ~~المسألة بعينها في رجلين أيام المشايخ بين أهل تموصين وبين بني ياجرين، ~~فانحازوا عن سبعين قتيلا من الحجاج يلي غيرهم ولم يؤنبوا أحدا من الفئتين بعيب. # ذكر أحكام الدماء والاختلاف فيها # وأما أحكام الدماء والاختلاف فيها، وقع الاختلاف فيها في القود في كثير ~~من المسائل منها من قتل بالعصا، فأجاز بعضهم فيها القود، وأبطله آخرون. # وأجاز بعضهم القود في جميع من له جرح مجهز، وفيمن له جرح غير مجهز، فقال ~~بعضهم بالقود فيهما، وبعضهم بالقود في المجهز دون غيره. # وبعضهم يقول: إن كانا مجهزين إنما له القود على واحد. # وبعضهم يقول بالقود في الصائر في جميع من شغله أو منعه أو دل عليه، ومنع ~~منه آخرون إنما لهم القود على واحد ما بعينه. # وكذلك قتيل السباع وبني آدم والحيات والأفاعي والعقارب إذا اشتركت في ~~قتيل واحد أن يرجعوا إلى الدية، وبعضهم بالقتل لبني آدم، وكذلك الصغير ~~والكبير. # وللمجني عليه أن يعفو، وأن يقبل، و أن الحاكم إذا أخذ بقوله من هذه ~~الأقاويل التي تحل بها الدماء فسفك بها دماء كثيرة، ثم بدا له فاستحسن ~~خلافه وأن يرجع إلى الدية، فأبطل فيها القود ورجع إلى الدية، أن ذلك جائز له. # ولا يحل البسط إلى دم أحد من الجناة بعد حكم القاضي بحقنها، ويسوغ له ~~الأمران جميعا في البدأة والعودة. # ويسوغ للناس الانتقال من حكم إلى حكم خلافه، من تحليل إلى تحريم ومن ~~تحريم إلى تحليل، فإن علم الله منهم الاجتهاد، فالكل سائغ له ما فعل على ~~مذهب علي، وهما إلى الجنة، وغدا عند ربك يوم القيامة يختصمون. # فعلى مذهبه أن لأهل العراق أن يقاتلوا مع ms176 علي من امتنع من بيعته، لأنه ~~الإمام على أيدي المهاجرين والأنصار لأنهم الحكام على الأنام. # ولأهل الشام قتال علي، لما انتهك من حرمة الإمام والخليفة بعد الخليفتين، ~~فقاتلوه طلبا لثأر عثمان، إذ ليس لعلي شاهد يشهد أن عثمان حلال الدم إلا ~~قتله، ولا يقبل قولهم وهو أحدهم، وطلب علي أن يقروا بولايته فينصفهم من ~~حقهم خدعة صبي عن ثديي أمه. PageV03P044 # والفريق الذين شكوا إنما شكوا في تحلة دم عثمان، وادعت أن ذلك لها حلال ~~ولهذا المعنى صار الأمر فتنة، والفتنة عند العرب غير مذمومة. وإنما هي ~~التحير والمشغلة، ومنه قول عمر بن الخطاب الذي سمعه يقول: (اللهم إني أعوذ ~~بك من الفتنة). فقال عمر: (قل: اللهم إني أعوذ بك من الضغاطة، أتسأل الله ~~أن لا يرزقك مالا ولا ولدا). # ومنه قول الله - عز وجل -: (إنما أموالكم وأولادكم فتنة) فلهذا قال الله ~~تعالى: (ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون). # فمن صحت نيته واجتهاده عند علي سلم من الفريقين جميعا، ومن خبثت نيته ~~وخان اجتهاده عند علي فهم المخصمون عند الله تعالى. # فجميع أهل الشام مجتهدون عند علي إلا معاوية وعمرو، فإنهما قد عرفا من ~~الأمر ما عرفه علي وأهل العراق، لأن أهل الشام لم يكلفوا علم ما غاب عنهم ~~من الأمور واعتقادهم أن عثمان هو الخليفة وأنه أمير المؤمنين وأنه أفضل ~~الخلق وانه أصبح مقتولا، ولم يأت من الأمور التي قيد رسول الله (صلى الله ~~عليه وسلم) أنها تحل بها دماء المؤمنين شيئا، وتعلقت قتلته بأمور أخر غير ~~التي قيد رسول الله عليه السلام فلم يقع الاتفاق عليها، وهذا رأي من آراء ~~علي وليس من رأي أهل الشام. # وهذا المعنى الذي عابوه في مالك بن أنس: (أنه أباح القتل تأديبا واستصلاح ~~الثلثين بالثلث). # وقد حكم رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «أن على المدعي البينة وعلى ~~المنكر اليمين»، ولا يقبل قول المهاجرين والأنصار أنه قتل مظلوما وإمامهم ~~عائشة أم المؤمنين ثم عبد الله بن سلام ثم زيد بن ثابت ثم ms177 القتلة بنفوسهم ~~المعترفين كطلحة والزبير وغيرهم، وأي فتنة أعظم من هذه ؟ # وهؤلاء يقولون نحن الحكام وولاة دين الله العلي العظيم واستظهروا بعمار ~~بن ياسر أن الحق يزول مازال عمار. # فأعظم منه الشاكة توقفوا في دم عثمان وهم بالحضرة. PageV03P045 # فلو كان عثمان حلال الدم لكانوا أعلم بذلك من غيرهم فإنهم علماء هذه ~~الأمة كسعد بن أبي وقاص إمام أهل الشورى وعبد الله بن عمر بن الخطاب ومحمد ~~بن مسلمة (1)الأنصاري، لكن هؤلاء اعتزلوا، فأفلحوا عند أنفسهم، وأنجحوا ~~وارتطم غيرهم، كل يعمل على شاكلته فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا، ويوم ~~القيامة عند ربكم تختصمون. # وقد صدق الله - عز وجل - حيث يقول: (واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا ~~منكم خاصة) وقول رسول الله عليه السلام: «فتنة لا تدع قلب مؤمن إلا لطمته». # وأعظم حجة معاوية على علي معذرته المجتهدين. وقول رسول الله (صلى الله ~~عليه وسلم): «يثير دخانها تحت قدمي رجل من عترتي يزعم أنه مني وليس مني ألا ~~أن أوليائي المتقون». # ولنشرع الآن في حجة معاوية أنه على الحق دون علي (2): # اعلم يا أخي أن معاوية قد أدعى أنه على الحق دون علي، وأنه أولى بالأمر ~~دونه، أن قال: (إني سليم من فتنة الدار)، وأن عليا قد ارتطم فيها على تخليط ~~منه، تارة يزعم أن عثمان قتل مظلوما ويقول: (ما قتلت ولا مالأت على عثمان). ~~ويقول: (لو أن بني أمية يرضون مني أن أقسم لهم خمسين يمينا ما قتلت عثمان ~~ولا مالأت عليه). PageV03P046 # وأن عليا منع قتلة عثمان والله يقول: (فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف ~~في القتل إنه كان منصورا). ويقول لمعاوية: (بايعني فأحملك وإياهم على ~~الحق)، وأخرى أنه لم يثبت عن عثمان أنه قتل أحدا ولا زنا ولا أشرك بالله ~~غيره، فلم يبغ على أحد فيدافعه عن نفسه فيقتله على نفس أو مال، وأخرى أن ~~أهل الشورى إنما حلت لهم الإمامة، وقصرها عليهم عمر بن الخطاب، قبل أن ~~يحدثوا ما أحدثوا أرأيت لو ارتدوا أو أحد منهم، أكانت تحل ms178 له الخلافة مع ~~الكفر ؟ وعلي قد أحدث في الإسلام حدثا وآوى محدثا، ومع أن صاحبيه طلحة ~~والزبير وغيرهما من أهل الشورى قد ندموا وتابوا وجادوا بأرواحهم، تنصلا مما ~~عملوا في عثمان، وليس هو أولى منه بها، وحتى قال طلحة: (اللهم خذ مني ~~لعثمان حتى يرضى). # وقالت عائشة أم المؤمنين - رضي الله عنها -: (نقمنا على عثمان السوط ~~والنوط فعدوتم عليه فقتلتموه والقتل أعظم من السوط والنوط). # وأما سعد بن أبي وقاص وصاحبه عبد الله بن عمر، فلم يقتلا ولم يمالئا ~~واعتزلا الأمر ولم يعينا عليه فلم يعتزل معهما، فاثنان تائبان واعترفا ~~بذنبهما في عثمان، واثنان اعتزلا فلم يعينا عليه، فلم يسلك سبيل صاحبيه ~~المعترفين ولا سبيل صاحبيه المعتزلين فارتطم في فتن لا تحصى. # ومنه قتاله الزبير بن العوام الذي قال فيه رسول الله (صلى الله عليه ~~وسلم): «الزبير ابن عمتي وحواري من أمتي». وقال فيه عليه السلام: «بشر قاتل ~~ابن صفية بالنار». # فعلي هو القاتل لابن صفية كما أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وأبا ~~بكر وغيرهما القاتلون لجميع من قتلت عساكرهم من المشركين، وعلي قاتل من ~~قتلت عساكره من المسلمين. # فلئن افتخر علي بقتل الفئة الباغية عمار بن ياسر، ليفتخرن أهل الجمل ~~بسلوك قاتل ابن صفية النار. # فإن كان علي على الحق بعمار فإن عائشة وطلحة والزبير على الحق بالزبير، ~~ومن وراء ذلك لم يقد قاتل ابن صفية. PageV03P047 # وأعظم آفات علي أن خلف الحجاز الذي فيه الحرمان مكة والمدينة اللذان ~~فيهما بيت الله الحرام وقبر نبي الله عليه السلام وفضلنا جميع مدن الدنيا ~~وحرمهما، وعوضه الله منهما العراق دار الفتنة والشقاق والقسوة والنفاق ~~ونيران المجوس والغفاق (3). # ومعاوية يقول: (من الله تعالى علي بالشام التي هي قبلته في سالف الأزمان، ~~أرض الحشر والنشر وأرض وطنتها الأنبياء من قبل، وهي الأرض المقدسة أرض ~~الخليل، وبئس البديل بلاد الفتنة وبيوت النيران من القبلتين والحرمين). # وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «ألا أن الفتنة هاهنا» وأشار ~~بيده نحو المشرق نحو العراق، ms179 وقال: «حيث يطلع قرنا الشيطان ربيعة ومضر» ~~اللذين هما قرنا الشيطان وعساكر معاوية أهل اليمن الذين قال فيهم رسول الله ~~عليه السلام: «ألا أن الإيمان هاهنا. وأشار بيده نحو اليمن». # وقال عليه السلام: «الإيمان يمان والحكمة يمانية». # وأعظم حجج معاوية على علي أن وعد الله تعالى النصر والظفر لأمة محمد (صلى ~~الله عليه وسلم) على عدوهم، وأن يظهر دينه على الدين كله ولو كره المشركون. ~~كما قال الله تعالى: (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ~~ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ~~ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا فمن كفر ~~بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون) فلم ينصر علي على أحد، ولم يظفر بأحد ولم يفتح ~~مدينة من مدائن الشرك في الإسلام، لكن فتح في الإسلام أبوابا، سلكتها ~~الخوارج وسننا اتبعتها. # وقتل علي في قعر داره خائفا مترقبا، وتوفي معاوية على فراشه آمنا مطمئنا، ~~فلم يفتح الله على يده قرية من قرى الشرك ولا مدينة من مدائن الشرك، ولا ~~أظهره عليها ولا أظفره بها. PageV03P048 # وقد ظهر الظفر لمعاوية على بلاد المشركين، فافتتح في أيامه قرى كثيرة ~~ومدنا كبيرة، فأعقب الله تعالى فيها الأذان بعد الناقوس والصلاة وذكر الله ~~تعالى آناء الليل وأطراف النهار. # ونجح الإسلام في أيام معاوية بعد الفتنة عشرون سنة، وظهرت المساجد بعد ~~الكنائس، والمحاريب بعد البيع، والتهليل والتحميد بعد الصلبان والأصنام، ~~وانبطل كثير من الشرك على يد معاوية، ورأى (4) كثير من الفتنة على يد علي، ~~وابتلاه الله بالشيعة الملعونة الذين اتخذوه دون الله إلها وذريته أنبياء ~~بعد محمد خاتم النبيين فأبطلوا شرائع الإسلام، وحلوا أنشوطة عقد الحرام. # ومعاوية ممن كتب لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) الوحي وائتمنه عليه، ~~وقد ائتمن رسول الله عليه السلام عليا على ابنته فاطمة فأغضبه فيها حين خطب ~~علي ابنة أبي جهل، فصعد رسول الله المنبر فخطب الناس وأثنى على بعض أصهاره ~~خيرا تعريضا به، وقال: «والذي نفسي بيده لا أحل ms180 حراما ولا أحرم حلالا، ولن ~~تجتمع بنت نبي الله مع بنت عدو الله»، فإنهم أولى على الأمة بالإمامة، ~~وأولى بالحق ممن بخته بخت سوء ولو سلم من كل شيء، ولو ملك الله تعالى ذرية ~~علي على الأمة لا تخذوهم عبيد قن (5) وآفات تن والله أعلم حيث يجعل ~~رسالاته. # وعوفي معاوية مما ابتلي به علي من إشهار السلاح والسيف في الأمة، وأتى ~~علي وليه وعدوه مسحا بالسوق والأعناق، فعطل الثغور، واستعمل القتل والقتال ~~في داخل الدور، فأراح الله منه العباد والبلاد، فرجع النبل إلى نضابه، ~~والعز والتمكن إلى أربابه والخزي على أصحابه. PageV03P049 # والذي ذكرناه في الملوك المتدينة لم تقتصر فيه على علي ومعاوية دون ~~أخلافهم بعد، بل الحكم فيهم واحد أهل ديانة، لما أظهروا على أيديهم من ~~الجمع والجماعات، والأذكار والصلوات، والنسك والعبادات، وظهور الشرائع ~~الإسلاميات، وعمارات الصبيان للحاضر لقراءة القرآن، وظهور الغزو والجهاد في ~~جميع البلاد والثغور والعباد، والدعاء إلى الله وإلى طاعته، وظهور عبادته. # وقد جرى لعبد الله بن أباض شيء من هذا، وذلك أنه أتعد مع أصحابه منارة ~~الجامع بالبصرة أن يجتمعوا فيها آخر الليل، للاتفاق على الخروج، فقام آخر ~~الليل، فسبقهم إلى المنارة وجلس عندها، إذ سمع تحنين المؤذنين، ورنين ~~المتعبدين، وصنوف الأذكار في الأسحار. فقال لهم: (لست منكم في شيء، أعلى ~~هؤلاء يجوز لي الخروج والاستعراض ؟!). وفارقهم، وخرج أصحابه فاستعرضوا على ~~طريقة الخوارج، فسلم هو بحمد الله. # وذلك أن طريقة عبد الله بن أباض إنما هو الخروج على الملوك الجورة، لا ~~على العامة المسخرة كطريقة أبي بلال - رحمه الله -، وليس في إن ظهر فجور ~~هؤلاء الملوك في ذات أنفسهم وظهرت المناكر على أيديهم ما يخرجهم من ملة ~~الإسلام، بل هم من أهل الملة، وإن كانوا أهل سوء. # ومن مناقبهم: أنهم أمنوا السبل والطرقات، وجبوا الفيء والخراجات، ونصبوا ~~القضاة والحكومة. # وفي صنيع أبي بلال مرداس - رضي الله عنه - ما يدل على ما قلنا، وذلك أنه ~~لما خرج عليهم صادف أربعين جملا مالا من مال خرسان، أخذها فأنزلها، ms181 وأخذ ~~منها عطاءه وعطايا أصحابه، فسيبها إلى عبيد الله بن زياد، وكتب لهم بذلك ~~البراءات، لو لم يكونوا أهل ديانة لما ردها عليهم. # وصنيع جابر بن زيد - رحمه الله - حين تخلف عن الجمعة فقال: (اللهم لك علي ~~أن لا أعود). ومن وراء ذلك أخذه العطايا من الحجاج وشبهه، ومطالبتهم بها، ~~وولاية الفتوى لهم والمساحات، وولاية شريح القضاء وغيرهم من أهل العلم كثير. PageV03P050 # وليس في ذلك ما يخرجهم أن يكونوا أهل ديانة مخطئة مبطلة والمسلمون أهل ~~ديانة محقة. # وكيف بعلي، كان لا يتابع مدبرا، ولا يجهز علي على جريح، ولا يستخدم عبيدا ~~ولا أحرارا، وتأول في أهل النهروان وإن كانوا عنده من أهل الاجتهاد أن في ~~صنيعهم الفرقة وتشتيت الأمة، وبلوغ ابن أبي سفيان فيهم أعظم الأمنية، وقد ~~كان ذلك كذلك. # وأما السلاطين الجورة، فهم الذين تغلبوا على الناس، لا يراعون شرعا ولا ~~يدعون إليه، ولا يعملون به، وعطلوا الزكاة والصدقات والعشور والخراجات، ولا ~~يهتمون بالأقضية والحكومات ولا بإقامة الحدود والقصاصات، وشرعوا لأنفسهم ~~طرقا في إقامة ملكهم، خلاف طرائق الشرائع، وشيدوا القصور، وبنوا الدور، ~~وحصنوها بالحرس والأعوان، ويغيرون على البلدان، واستعملوا في جميع الموال ~~المغارم والقبالات، واتخذوا الأعوان والكفاة، وأظهروا شرب الخمور ولباس ~~الحرير والمعازف والستور والجور في جميع الأمور. # وتسمية السلاطين الجورة عندنا بالمغرب، كأولاد بلجين بن زيري بن مناد بن ~~مفكوش الصنهاجي، وأولاده المنصور وباديس، وتميم بن المعز بن باديس والمنصور ~~بن بلجين وبني حماد بن بلجين والقائد بن حماد والناصر بن المنصور والعزيز، ~~وملوك بني يفرن كمعاد وزيري وملوك بني مغراوة بسجلماسة بني وانودين مثل ~~مسعود بن وانودين والخير بن محمد والمنتصر ابن خزرون والمعز بن زيري، وملوك ~~سبتة بعدهم وهم بنو حمود وبنو عباد باشبيلية وبنو حبوس بغرناطة وابن ممادح ~~بالمرية، وبنو هود بسرقسطة، وبنو الأفطس ببطليوس. # وأما بنو العبيد قبل هذا بأرض المغرب فليسوا من الناس، وهم أشبه شيء ~~بالنسناس، وكذلك حالهم بمصر بعد ما صاروا إليها. PageV03P051 # وأما المرابطون فهم أهل ديانة أولهم يحيى بن عمر، ms182 وأبو بكر بن عمر، ويوسف ~~بن تاشفين، وعلي بن ويوسف، وأخوهم تاشفين بن علي، حتى كشح الله تعالى هؤلاء ~~كلهم بالمهدي وجنوده أهل التوحيد الموحدين رب العاملين فكان آخر العهد بهم، ~~والمشبهة أجمعين أبد الآبدين. والحمد لله رب العالمين. # باب في العلم الثاني # والعلم الثاني في ذكر العلة التي أوجبوا بها أحكام المخالفين من أهل ~~الديانات، خلافا لأحكام فسقة أهل الإسلام وتشبههم بأحكامهم أحكام المشركين. # وذلك أن الله تعالى حكم في المشركين في أول مرة، إذ أبصروا الإسلام ~~وآمنوا ووحدوا إلههم أن عفا عنهم وغفر لهم جميع ما مضى لهم قال الله تعالى: ~~(قل للذين كفروا أن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف وإن يعودوا فقد مضت سنة ~~الأولين). # وقال: (وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم وسنزيد المحسنين). PageV03P052 # وقيل عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أنه قال: «التوحيد جب لما قبله». ~~ثم إن هذه المغفرة وقعت من الله - عز وجل - للمشركين عامة إذا أسلموا، ~~فذهبت أنفاس علماء الأمة إلى تعميمها في كل شيء لما علموا من رأفة الرب ~~الرحيم الكريم سبحانه، واستصلاح عباده بالدعاء لهم إلى التي هي أقرب، ~~والترغيب في الشروع في الإسلام والتسهيل عليهم في دخوله، فلو كلفهم استصلاح ~~الماضي لشق ذلك عليهم فغفر لهم الذنوب السالفة والسيئات الماضية، فهي إحدى ~~المغافر. # ثم الثانية: أن عافاهم من استملاح (1) ما مضى فلم يكلفهم رد المظالم ولا ~~أوجب عليهم المغارم. # ثم الثالثة: أن هنأهم وسوغ لهم جميع ما في أيديهم من الأموال والديار ~~والدمن والعقار، والاستحوال والاستخمار، كسبا كان أو نصبا، ذاهبة أو قائمة، ~~حلالا وحراما، على أي وجه من الوجوه كانت، مغصوبة كانت للمسلمين أو مكسوبة ~~لغيرهم أو لهم، فجميع ذلك معفو عنهم فيها مهنوء لهم. # ودليل ذلك حديث الأخنس بن شريق الثقفي مع ابن ظبيان بين يدي رسول الله ~~(صلى الله عليه وسلم)، وذلك أن ابن ظبيان المرادي ذكر أن أرض الطائف أرض ~~كانت لمراد، فأعقبتها ثقيف. فقال: (أردد علينا بلادنا يا رسول الله). # فقال الخنس بن شريق ms183 الثقفي: (إنه حاف سروات الطائف، أرض كان لنبي مهلا ~~بيل بن قيان غرسوا واديه، وذللوا أحساءه، وأكلوا أثماره، حتى جاء الله ~~بالطوفان، فأهلك من على الأرض، ثم نزلتها عاد حتى أتاها الله بالعذاب ~~الأليم، فأهلكها بالريح العقيم، فتحامتها العرب، ثم أن مرادا نزلتها فأتاح ~~الله لها ثقيفا، فقابلتها بسلاحها، وفتحتها برماحها، ففي أرضنا يا رسول الله). # فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «إنما قيل للجاهلية لجهالة أهلها ~~وضعف علمها، فمن أسلم على شيء وهو في يده فهو له». PageV03P053 # وحديث معاذ بن جبل: (من استخمر (2) قوما ولهم إخوان أو جيران مستضعفون ~~فأما قصر الملك في بيته فهم عبيد قن، وما وراء ذلك فهم عبيد مملكة لا عبيد ~~قن) وحديث ذي كلاع مع همدان عند عمر بن الخطاب، طلب أن يسترقهم، فوقفهم لهم ~~عمر بن الخطاب، وهم أربعة آلاف، فلما رأى عمر توقف فيهم، أشرف عليه من سطح ~~فقال: (إني أعتقتهم لله - عز وجل -). فأمضى ذلك عمر بن الخطاب. # وفي حديث الأشعث بن قيس مع أهل نجران، وكانوا تحت حجر بن عدي ابن امرئ ~~القيس بن حجر وهو خال الأشعث فانتحلهم الأشعث من قبل خاله، حتى هم عمر بن ~~الخطاب أن يدفعهم له ثم قال له: (كدت أن يستغفلني هذا) وخفقة بالدرة في مثل ~~هذه الأمور. # وقول عمر - رضي الله عنه -: (ولسنا بنازعين شيئا من يد أحد إذا أسلم ~~عليه) وقضى في الأولاد بالملة. # وحديث سلمان - رضي الله عنه - حين أمره رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ~~أن يستكتب وهو على دين، فباعه المشركون لليهود، فأمره عليه السلام أن ~~يستكتب فاستكتب. # وأعظم من ذلك حكم رسول الله عليه السلام في دور مكة ورباعها، وقد دخلها ~~على أهل مكة عنوة فهي لهم، فسوغ لهم جميع ما في أيديهم من كسب أو غصب. # وأعظم من ذلك دور المهاجرين الذي أسلموا وهاجروا، فتركوا دورهم، فخالف ~~عليها المشركون من بعدهم واغتصبوها، فهنأها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ~~لهم، ولم يرد على أحد من المهاجرين ms184 داره، ولا انتزعها من أيدي المشركين. # وأعظم من هذه كله دور رسول الله (صلى الله عليه وسلم) اغتصبها عقيل بن ~~أبي طالب، واغتصب المولد ودور بني عبد المطلب وباعها من المشركين، وصارت ~~دار خديجة زوج النبي عليه السلام إلى أبي سفيان بن حرب، التي فيها مولد ~~فاطمة بنت رسول الله عليه السلام، فردها إلى داره. PageV03P054 # واغتصب أيضا أبو سفيان دار أبي أحمد بن جحش، فاستعدى عليها رسول الله ~~(صلى الله عليه وسلم) فلم يعده، فقال: (يا رسول الله، دار أبي اغتصبها أبو ~~سفيان) فأعرض عنه، ثم ناداه رسول الله مناجاة ومضى وتركه، وقال يعرض بأبي ~~سفيان: (شعر) # وابتيعت تلك الدار بعد ذلك، في علاء دور مكة بمائة ألف دينار، اشتراها ~~أبان بن عثمان في دور كثيرة على هذا النعت. # وقال أسامة بن زيد لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) وكان رحل رسول الله ~~عليه السلام بيده: (أين ننزل غدا يا رسول الله في يوم الفتح) فقال عليه ~~السلام: «وهل ترك لنا عقيل من منزل؟ انزل بالأبطح». # وانتهى الأمر بدار رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إلى محمد بن يوسف أخي ~~الحجاج ابن يوسف، ثم انتهى في أيام بني العباس إلى بعضهم، فجعله مسجدا. # ومن العجب أنه تركها على مناكحاتهم ومناسباتهم، ولم يغير عليهم شيئا من ذلك. # وقد اختصم في عمرو بن العاص خمسة أنفس فقالت النابغة: (إنه أتاني خلق ~~كثير ليس لهم فيه شيء، ولكن هذه الخمسة كل قد أتاني فلا أدري لأيهم هو، ~~فاستقسموا بالأزلام عند هبل، فطار السهم للعاص بن وائل السهمي، فانتسبه ~~إليه إلى الأبد، ووقعت المناسبة والموارثة والمعاقلة والولاية على هذا ~~النسق) والله ولي التوفيق. # ذكر أحكام المشركين والمخالفين والملوك وخزائنهم # فصل (1) # فإذا ذكرنا أحكام المشركين، ومقتضى الحكم فيهم إذ هم أسلموا، فلنذكر ~~أحكام أهل الخلاف وأهل الديانات، والحكم فيهم، وهم على ثلاثة أصناف: # أولها: الملوك. والثاني: الولاة. والثالث: العامة. # أما الملوك وأحكامهم، فقد سماهم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ملوكا. ~~وقال: «الخلافة بعدي ثلاثون ms185 عاما، ثم تتحول ملكا بزبزيا» (2) PageV03P055 ~~واعلم أن من ادعى الملك، وتسلط على العباد، وانتحل اسم الشريعة، وحارب ~~عليها، وقاتل وناصب، عمل بمقتضى معتقده في دينه، كعلي ومعاوية ومن دونهما ~~والحجاج بن يوسف والأزارقة والصفرية، وهم بمثابة أهل الدار ويوم الجمل ~~وصفين والنهروان. # فمن تاب من سوء ما هو عليه، ورجع وأبصر الإسلام وأهله وتبرأ من الخلاف ~~وأهله، من قبل أن يقدر عليه المسلمون وهو في منعته حتى تاب، أنه معفو عنه ~~كل ما جنى وأجرى من سفك الدماء وأخذ الأموال واستباحة الفروج، كل ما أتى من ~~ذلك مهدور عنه، وصار كأحد من المسلمين ليس فيه جنى على النفوس من قود، ولا ~~على الأموال من مواداة. # وحرام على من يطلبه بمال أو نفس أو غير ذلك وأعدناه فيمن جاوز إليه فيما ذكرنا. # وحكمنا في علي إذا أبصر الإسلام أن يهدر عنه جميع ما فعل في أهل ~~النهروان، سواء باشر القتل أو أمر أو منع الجاني. # وأما من فعل بأمره، وقاتل من أهل جنوده فقتل وفعل ما أمره به علي من ذلك، ~~فمهدور عنهم جميع ما اجترحوا من ذلك، سواء عليهم رجعوا إلى الإسلام، أو ~~تمادوا على اعتقاد مذهبهم، بشرط ألا يخرجوا من حكم علي. # فإن خرجوا من حكم علي، رجعوا كما كانوا أول مرة، يحل قتلهم إذا قدر ~~عليهم، وجرى الحكم بذلك عليهم، وهو حدهم، ولا سبيل عليهم في تودية مال، وإن ~~أغنوا لأهل الحق ولم يفارقوا مذهبهم واعتقادهم وخلافهم، بلا قود ولا تودية، ~~لأنهم فعلوا بأمر سلطان شارع، وفعلوا بدين خلافا لمن فعل بشهوة. # وكذلك حكم معاوية وعمرو بن العاص إذا تابوا ورجعوا إلى أهل الحق، هدر ~~عنهم جميع ما أصابوا من نفس أو مال في تلك الحروب وتلك الفتن وما عملوا ~~بغير مقتضى دينهم. PageV03P056 # فإذا كان قائم العين فهو مردود إلى أهله، وأما إذا لم يكن قائم العين، ~~فالله أعلم، وأما ما تصرف فيه فهو مهدور، وتصرفه أن يجري فيه المواريث ~~والأحكام والبيوع والانتقال عن يد آخذه أول مرة ms186 إلى غيرهم، في كل شيء إلا ~~الأحرار، فالعلة فيهم قاصرة، سواء كانوا بدين أو شهوة، إن قدرنا على ~~الأحرار أطلقناهم، وجرينا الأثمان من بيت مال المسلمين، إن لم يكن للجاني ~~مال أو فقدوا. # وأما الحكم في خزائن الملوك وبيوت أموالهم، فإن الحكم فيها كبيوت أموال ~~المسلمين، إلا أن يكون شيئا معروفا لم يسلكوا فيه سبيل الخلفاء الراشدين، ~~ولا سبيل مذهبهم هم، فإنما هو غصب ومظلمة، فهو مردود على أهله إلا أن يكون ~~ذاهب العين ومضى لسبيله. # ومن داين بيت المال مال المسلمين، في أيام الملوك الظلمة، فبطلوه أو ~~منعوه، أو حيل بينهم وبينه، فله ماله من بيت مال المسلمين على أحد، وما كان ~~لأحد من عدة في بيت مال المسلمين، فلأمير المسلمين الوفاء بذلك، إن رآه ~~مصلحة له ممن يستحق ذلك، وإلا فالخيار له. # وكل صلح بين هؤلاء الملوك وبين عدوهم من الروم وغيرهم، فهم على صلحهم ألا ~~إن يخافوا منهم خيانة، فلينبذ إليهم على سواء. # وكل حق للموك على الولاة، فراغوهم بها حتى زال سلطان الملوك، فإن لأمير ~~المؤمنين في ذلك إمضاء الحكم فيه على وجهه. وإن عطل الذمة ما عليهم من ~~الخراج ومن الجزية سنين عدة، فإنا نأخذهم بذلك، إلا إن سوغت لهم الملوك ~~ذلك، وإن غاب أهل الذمة في بلاد بعيدة غير بلادنا، فأتوا علينا، فإنا لا ~~نأخذهم بشيء من الجزاء، إلا إذا مكثوا في بلادنا سنة كاملة، سواء تلك ~~البلاد التي جاءوا منها بلاد شرك أو بلاد إسلام، إن أطاع لهم أهل تلك ~~البلاد بها وإلا أخذنا الجزاء عدة تلك السنين ما خلا بلاد الشرك. PageV03P057 # ولا نعشر أموالهم إلا لعام واحد، فإن أدعوا أنهم أعطوا العشر أو الجزية ~~لبعض أهل تلك البلاد التي جاءوا منا أو لأهل الخلاف ولهم على ذلك براءات، ~~فإنا نحط عنهم تلك الجزية أو الخراج، ونعشرهم لعامنا الذي جازوا فيه علينا، ~~وما أحدثوه أيام الملوك من الكنائس والبيع بالرشا هدمناه، وإن كان على إذن ~~تركناه، أو عن ظلم أزحناه. # وإن هم أهل ms187 الذمة بالإسلام وأرادوه، ومنعهم منه الملوك، وصابروا إلى ~~أيامنا، فليس علينا منهم شيء، إن أسلموا فبسبيل ذلك، وإن تمادوا على ما هم ~~عليه، فليس علينا منهم شيء. # وذلك أنهم في أيام الحجاج بن يوسف، جارت عليهم الولاة، فأسلم بعضهم، ~~فمنعوهم من الإسلام لئلا يضيع بيت مال المسلمين، وإن أسلم أهل الذمة، ~~انتزعنا منهم الفيء ورددناه على جيرانهم، وحططنا عنهم الجزية والخراج. # وإن كانت بلادهم بلاد صلح لا بلاد فيء، فمن أسلم فله إسلامه وماله وعليه ~~فيه الصلح والعشر، إلا أن أراد أن يسلمها لإخوته، ومن اشتراها من المسلمين ~~كان عليه مثل ذلك، ولا ينبغي لمسلم أن يذل نفسه، وذكر أن جل أموال الليث بن ~~سعد من ذلك. # وإن بنوا الكنائس والبيع بأمر الملوك وظهرنا عليهم تركناهم وإياها وأما ~~إن كان على يد السلطان منعناهم منها. # وإن اصطفت الملوك الغنائم في أيامها، وعطلوا فيها السهام، وردوها إلى بيت ~~مال المسلمين، تركناهم وفعلهم، وإن كانت قائمة لم يقضوا فيها بأمر أجريناها ~~على السهام. # وإن عاقبوا بالأموال جميع من عمل المعاصي، أو خالف أمرهم، أو فيؤه ~~وانتزعوا منه الديار والعقار والدمن والأموال، وهي قائمة بأعيانها في بيت ~~مال أو في يد من أعطوها له، وليس علينا إصلاح شيء من هذا، ولا النظر فيه، ~~تصرف أو لم يتصرف. # وإن كان بينهم نقض عهد، أو عذر، أو مظالم بينهم وبين أهل الذمة ~~والمحاربين، فإنا نصلح من ذلك ما أفسدوا، ونحل عقد ما اجترموا، سواء كان ~~النقص أو العذر من أهل الإسلام، أو من أهل الذمة والمحاربين. PageV03P058 # فمن امتنع أجرينا عليه حكم الإسلام وأهله، ومن امتنع قاتلناه وحاربناه. # باب فيما ينبغي لأمير المؤمنين أن يفعله في أهل الخلاف # والذي ينبغي لأمير المؤمنين أن يستعمله بينه وبين أهل الخلاف، أن يدعوهم ~~إلى ترك ما به ضلوا، فإن أجابوا اهتدوا، وصاروا إخواننا، ولهم ما لنا ~~وعليهم ما علينا، ونصير وإياهم شرعا واحدا كما تقدم كما قال أبو حمزة ~~المختار بن عوف، وقد خطب أهل المدينة فقال: أيها الناس ms188 نحن من الناس والناس ~~منا، إلا عابد وثن وملكا جبارا، وصاحب بدعة يدعو الناس إليها). # وإن امتنعوا من ذلك دعوناهم إلى أن نجري عليهم حكم الله تعالى، من دفع ~~الحقوق والخضوع لواجب الأحكام. # فإن أطاعوا بذلك تركناهم على ما هم عليه، ووجب لهم من الحقوق والأحكام ما ~~يجب لنا وعلينا، إلا ما كان من الاستغفار فلا حق لهم فيه، ما داموا متمادين ~~على ما به ضلوا، ووسعنا وإياهم العدل، ولهم حقوقهم من الفيء والغنائم ~~والصدقات على وجوهها، ولهم علينا دفع الظلم عنهم كما يجب لسائر المسلمين، ~~والعدل في الأحكام، والدفاع عنهم. # وإن غزوا معنا، فلهم سهماهم كما لنا، وإن امتنع منهم مما وجب عليه من ~~الحقوق أدبناه بقمعه ويرده إلى سواء السبيل، وإن جاوز ذلك سفكنا دمه، ~~واستحللنا قتاله. # وإن اعترفوا بطاعتنا، وانفردوا ببلادهم، وأجروا فيها أحكامهم تركناهم، ~~وذلك ما لم يكن ردا على آية محكمة أو سنة قائمة، ونستقضي عليهم منهم من ~~يقوم بواجب الحقوق عليهم ولهم، ونقبل قوله في ذلك على أسلوب القضاة كلهم، ~~إذا كانوا ممن تقود لهم دياناتهم، ولم يمنعنا من ولايتهم إلا ما هم عليه، ~~ونأخذ منهم كل ما يجب من الحقوق، ونردها في فقرائهم وذوي الحاجة منهم. PageV03P059 # وإن اتهمناهم في شيء أعذرنا إليهم وننبذ إليهم على سواء، ولا نتركهم ~~يظهرون منكرا بين أيدينا إذا كان عندهم منكرا في ديانتهم، ونمنعهم أن ~~يحدثوا في أيامنا ما لم يكن، إلا أن يكون أمرا لا مكروه تحته، فلنا الخيار. # وإن حاربناهم في هذا كله وهزمناهم، فإنا لا نتبع مدبرا، ولا نجهز على ~~جريح، وأموالهم مردودة عليهم إلا ما كان لبيت المال فإنا نجوزه على وجهه، ~~ولا نتورع عن جميع ما في أيديهم من المظالم عندنا، إذا كان جائزا في ~~مذهبهم. # وما كان في أيديهم من مال بيت للمسلمين، فإنا نأخذه ولا نرده إليهم ~~ونصرفه في وجوهه. # وإن كان مظلمة رددناها إلى أهلها، ولا نستعمل معهم في ذلك طريقة الزهاد، ~~مثل ما فعل أبو منصور في ولد أحمد ms189 بن طولون، حين هرب لأبيه من مصر بستين ~~جملا محملة ذهبا من بيت مال مصر، فنزل إليه أبو منصور من الجبل بعسكره، ~~والتقى معه جون بقة، فاقتتلوا قتالا شديدا، ففتح الله لأبي منصور إليه، ~~فولوا منهزمين، فقتلهم المسلمون شر قتلة، وحازوا الأموال، فتورعوا عنها ~~وسيبوها لأهل مدينة طرابلس، فتوزعوها وانتهبوها مصيبة يالها من مصيبة!. # وإن قدرنا عليهم، قتلنا منهم كل من قتل أحدا منا بعينه، ولا نستعمل فيهم ~~حكم المحاربين، ونقتل منهم الولاة والرؤساء، ونترك العامة بسبيلهم، ونسرح ~~سبيل الأسرى، ولا نتبع المنهزمين، ولا نعترض من العامة أحدا إلا من طعن في ~~الدين، أو قتل من المسلمين أو دل عليهم، فهؤلاء يقتلون إذا قدرنا عليهم ولو ~~تابوا، إلا من تاب قبل أن نقدر عليه، ونصلي على قتلاهم وندفنهم. # ونجري المواريث بيننا وبينهم على وجوهها، والعدد والأموال والحرمات على ~~وجوهها، ولنا الدرجات إن شاء الله، ولهم الدركات. # في أحكام الأمراء والقضاة والأعوان PageV03P060 وأما الأمراء والولاة ~~الذين هم تحت الملك الأعظم، إن اقتطع لهم الملك شيئا من أراضي الفيء، فإن ~~لهم أن يأخذوه وينتفعوا به، ولو حاباهم بذلك دون نظرائهم أو دون أهل ~~الصلاح، فإن ذلك لهم قطيعة أو استغلالا. # كما فعل عثمان بمروان بن الحكم بذي خشب، وبما حاباه في أمر الخمس الذي ~~باع له بخمسمائة ألف دينار شراء محاباة، وهو خمس مال أفريقية، يسوى ستمائة ~~ألف دينار، فبان به وحازه، فقد طاب لمروان وأساء فيه عثمان السيرة. # وإن رجع إلينا مروان تائبا أو غير تائب ولو تاب عثمان ولم يتب مروان لكان ~~لمروان، وهذا في الأموال، وأما عيون أراضي الفيء فلعثمان الرجوع فيه، تائبا ~~أو غير تائب، كما جرى لعمر بن عبد العزيز وذلك أنه نظر إلى ما صار إلى بني ~~أمية من أموال الفيء، فرده أموالا جليلة، فأتى بالأسفاط التي فيها وثائق ~~الأموال فنادى: الصلاة جماعة. فاجتمع الناس فخطبهم وقال: (أيها الناس، إني ~~نظرت إلى ما في أيدينا من أموال الفيء، فرأيته يناهز ثلث الفيء أو نصفه)، ~~ثم يفتح ms190 السفط ويأخذ منه الوثيقة، ويدفعها لولده عبد الملك، وعبد الملك على ~~رأس المنبر فيقول: (اقرأ يا بني) فيقرأ فيقول: (هذا ما دفع أمير المؤمنين ~~عثمان بن عفان لمروان من مال الفيء أقطعه إياه قطيعة). فيقول: (يا بني ما ~~تقول أنت ؟). فيقول عبد الملك: (إن الله أقطعه المسلمين قبله)، فيقول عمر: ~~(مزق يا بني)، فيمزق عبد الملك الوثيقة، ويتتبع جميع مكاسب مروان وعبد ~~العزيز أبيه، من لدن الخلفاء، فيقول: (مزق يا بني). فمزقها حتى أتى على آخرها. PageV03P061 # ثم أن عمر قال لحاجبه يوما واحدا: (لا يدخلن علي أحد إلا أموي) لا يأذن ~~لغيرهم، ولا يستأذن لغيرهم، فلما اجتمعوا قال لهم عمر بن العزيز: (إني نظرت ~~إلى ما في أيديكم من مال الفيء، فوجدته يزيد على الثلث أو على النصف، فالآن ~~انخلعوا عما في أيديكم من مال الله)، فسكتوا ولم يحيروا جوابا، وقال لهم ~~ثانية فسكتوا، وقال لهم ثالثة فأجابه العباس بن عبد الملك ابن مروان، وكان ~~أسن القوم فقال: (إن هذه الأموال جعلتها الخفاء لأجدادنا وآبائنا لسنا ~~ننضه، أنفقر أبناءنا ونكفر آباءنا ؟ لسنا بفاعلي ذلك، ما دامت هذه - وإشارة ~~برأسه - على كواهلنا). # فسكت عمر هنيهة ثم قال: (وأيم الله لولا أن تستعينوا بمن أطلب له حقه من ~~هذا المال علي فتقاتلونني بهم ما فرجتهم منها أو تتركوه) وقال لهم: ~~(انصرفوا) فانصرفوا. # فكان من رأي عمر استرداد ذلك كله. # ولأمير المؤمنين فيه الخيار إذا دخلوا في الإسلام كرها، وأما إن دخلوه ~~طوعا فلا. # وإن اكتسب الوالي من عطاياه الأموال والرباع والمنازل والقصور، ثم أبصر، ~~فرجع إلى دين المسلمين فهو له خالصا ولو لم يرجع على مذهب المسلمين، وكذلك ~~ما يصيبه من عطاياه. # وأما إن أمره الملك بالمصانع من الرباع والديار والحمامات والقناطر ~~والأجنة والمحارث والشجار، وامتثل ذلك كله وأخذه وتملكه، إلى أن زال سلطان ~~الملك الأعظم، أو زالت ولايته هو، فإن ذلك كله مردود في بين مال المسلمين، ~~إلا أن يهبه له أمير المؤمنين بديا المرجوع إليه المر الآن، وجميع ما يحدث ms191 ~~في الفيء فهو فيء، إلا أن اقتطعه لأحد، فله ما اشتغل، ومرجوع الفيء إلى الفيء. # وكذلك حكم القضاة وما استغلوه على هذا النعت، والفيء ما دام وقفا لم ~~يدفعوه لأحد فلجميع المسلمين أن يأكلوا منه بأفواههم، ولا يتخذوا منه خبية ~~ولا تبانا ولا حال. PageV03P062 # وإن دفعوا أرض الفيء لغيرهم اقتطاعا، فله التصرف فيه والاستئثار به ما لم ~~يزل سلطانهم، ولو زال سلطانهم، ما لم ينزعه السلطان الثاني من يده فإذا ~~نزعه صار ذلك المملوك فيئا كأول مرة. # وما أحدث الولاة والقضاة من المصانع والهياكل والمرافق والحصون والسجون ~~والميادين والأسواق لما يصلح للولاة والقضاة والحرس والأعوان والفيوج (1)، ~~وهذه الموال كلها من نفس بيوت المال اصطنعته، أو من نفس عطايا من ذكرنا ليس ~~له فيه مرتجع، فهو باق على حال المعنى الذي عقل له. # وإن أخذ هؤلاء المذكورون عطاياهم أول العطاء، فعزلوا بعد ذلك فهي لهم، ~~وأما إن أخذوها قبل مجيء العطايا فلأمير المؤمنين استرداده. # وإن اكتتب في وجوه كثيرة فليأخذ بتلك الوجوه كلها، وإن اكتتب في غزوة ~~وتخلف عنها بعدما أخذ عطاياه فإن لأمير المؤمنين معاقبته، ولا يسترد منه ~~العطاء، ولا يعاقبه بحرمان العطاء، صنيع عثمان بن عفان، فالعطاء من الله - ~~عز وجل - والعمل من العبد فإن جاز العمل مضى العطاء، وفي المقبل فاصل. # وأما العطايا الدارة فهي لصاحبها، عمل أو لم يعمل، ولعقبه من بعده، وإن ~~لم يكن له عقب فلمن يوصي له من بعده، وإن عف عن عطاياه، فليس على أمير ~~المؤمنين منه شيء. # في المحاربين وما يتصل بهم من أهل الفتن # وللمحاربين أحكام مذكورة في كتاب الله - عز وجل - وهو قوله: (إنما جزاء ~~الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو ~~تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم ~~في الآخرة عذاب عظيم). # اختلف العلماء في ظاهر هذه الآية وباطنها فمن قائل: إنها على ظاهرها. فمن ~~وقع عليه اسم الحرابة، الإمام مخير في جميع ما ذكرنا ms192 من هذه المعاني التي ~~نص الله عليها، من القتل والصلب وتقطيع الأيدي والأرجل من خلاف والنفي. PageV03P063 # وبعض يقول: إن الآية مرتبطة بلحن الخطاب وقوله: (إنما جزاء الذين يحاربون ~~الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا) إذا قتلوا أحدا من بني آدم، ~~كائنا من كان، فيقتلون به جميعا، أو يصلبون إذا قتلوا وهم مشركون، أو تقطع ~~أيديهم وأرجلهم من خلاف إذا لم يقاتلوا النفوس لكن أخذوا الأموال، أو ينفوا ~~من الأرض. # واختلفوا فيه على قولين: قال بعضهم: النفي أن يطلبوا حتى لا يأمنوا على ~~أنفسهم في شيء من بلدان المسلمين. # وقال بعضهم: والنفي أن يسجنوا أو ينفوا من على وجه الأرض حتى يؤمن ~~فسادهم. # واختلفوا أيضا في الحكم: هل موقوف على الإمام أو سائغ للمسلمين جميعا ~~إنفاذه في كل زمان ؟ # قال بعضهم: هو إلى الإمام ولا ينفذه غيره كسائر الحدود. # وقال بعضهم: إن حكم الله جائز لمن قدر على إنفاذه من جميع المسلمين. # وقال بعضهم: أما القتل فجائز في الظهور والكتمان، وأما ما سوى ذلك فلا ~~يجوز إلا للإمام. # واعلم أن المحارب كل من أخاف السبيل وأعلن بالفساد في الأرض، وأشار ~~القرآن إلى بعض أوصافه قال الله - عز وجل -: (لئن لم ينته المنافقون والذين ~~في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا ~~قليلا * ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا * سنة الله في الذين خلو ~~من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا) فأثبت الإرجاف أنه من موجبات القتل وكذلك ~~ظهور خصال النفاق. # وإن أظهر قوم إخافة السبيل والإرجاف، أعذرنا إليهم، وإلا أجرينا عليهم ~~حكم الله - عز وجل -. # وقد رويت أحاديث دالة على أن بعض الأفعال أن دم مرتكبها حلال، وقد روي في ~~تارك الصلاة ثلاثا يقتل بعد الإعذار والإنذار، وروي أيضا في شارب الخمر بعد ~~الإعذار والإنذار ثلاثا يقتل. # ومما يوضح ذلك ويبينه قول رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «لقد هممت أن ~~أقدم رجلا من أصحابي يصلي بهم صلاة العشاء، فأتخلف إلى قوم لا يحضرون ms193 ~~العشاء، وأحرق عليهم بيوتهم». PageV03P064 # ولقد رأى عمر بن الخطاب رجلا يسيء الصلاة فقال: (والله لا نتركك أن تظهر ~~النفاق بين أظهرنا) فمن أظهر النفاق وخصاله بين أظهرنا، وأخاف السبيل، ~~وأشهر السلاح، وأعلن الفساد، لكنهم لم يقتلوا نفسا ولم يأخذوا مالا فإنا ~~نضبهم السجون، ونبسط إليهم الأيدي بالضرب والألسن بالمكروه ونؤدبهم ~~بالتعزير والنكال. # فإن قطعوا الطريق ولم يصيبوا الأموال، فإن قدرنا عليهم قطعنا أيديهم ~~وأرجلهم من خلاف، ولو أكلوا من الأموال دون النصاب الذي قطع به يد السارق، ~~فتقطع يده اليمنى ورجله اليسرى من خلاف. # وأما إن قتلوا الأنفس ولو نفسا واحدة حرا كان أو عبدا، مؤمنا كان أو ~~ذميا، أتينا على آخرهم بالقتل وقتلناهم أجمعين، ولو لم يقتل منهم إلا واحد، ~~قتلنا من قتل ومن لم يقتل، وهذا إذا قدرنا عليهم قبل أن يتوبوا، فإن تابوا ~~قبل أن نقدر عليهم أسقطنا عنهم حد الحرابة، وأخذنا الجاني فيما جنى، وقتلنا ~~القاتل وحده فيما فعل إذا كان ممن يقتل به، ولا نقتل غيره، ويؤدي المال من ~~أخذه دون من لم يأخذه. # وأما إن وقعت المحاربة بيننا وبينهم، ولم يذعنوا لحق الله تعالى فيهم، ~~حتى قتلوا منا رجالا، وقتلنا منهم رجالا، وأكلوا الأموال وأفسدوها، فإن ~~قدرنا عليهم قبل أن يتوبوا، أجرينا عليهم حد الحرابة، وقتلناهم عن آخرهم، ~~وإن لم نقدر عليهم لكنهم جاءوا تائبين، بعد ما قتلوا منا وأكلوا الأموال، ~~أسقطنا عنهم حد الحرابة، وأخذناهم بما فعلوا خصوصا، وقتلنا القاتل فيمن قتل ~~إذا كان ممن قتل به، واسترددنا الأموال من آخذيها وآكليها، وهدرنا عنهم ~~جميع ما أصابوا منا في محاربتهم، لأنا وإياهم في حال المتدينين، لا نأخذ ~~الحق ممن لا ندفع له الحق، ويهدر عنهم جميع ما أصابوا منا في محاربتهم، إلا ~~قائم العين من الأموال، فإنه مردود إلى أهله. PageV03P065 # فإن وقعت المهادنة بيننا وبينهم، أجريناها على وجوهها، فمن نقض كان ~~ملوما، ومن تعرض كان مليما. (وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على ~~سواء) ولا نستحل عذرهم، ولا نقض عهدهم، ولا خيانتهم، ms194 ولا جميع ما خالفوه، ~~ممن ليس بيننا وبينهم محاربة، أو كانت بيننا وبينهم مواثيق وعهود. فكمثل ~~الفتن التي تقع بين أهل التوحيد. # والفتن ثلاثة أوجه: الأولى: الفتنة التي تقع بين أهل التوحيد بينهم ~~البين. والثانية: فتنة تقع بينهم وبين المخالفين. والثالثة: هذه الفتنة ~~المعهودة التي تقع بيننا وبين العرب و الأعراب. # والأولى: وهي الفتنة بين أهل الدعوة، وليس فيها استحلال دم ولا مال، ~~وحركاتهم فيها حرام والقاتل والمقتول في النار، وقد قال رسول الله (صلى ~~الله عليه وسلم): «إذا التقى المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول في النار». ~~قيل: (يا رسول الله القاتل فما بال المقتول ؟) قال: «لأن كل واحد منهما ~~أراد أن يقتل صاحبه». وقد قال الله تعالى: (واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ~~ظلموا منكم خاصة) فهذه بعض فروعها: فكل من قتل فيها من يقتل به فهو به ~~مقتول، وتأدية الأموال كذلك، ولا يتعدى القتل فيها كالمحاربين ولا المال. # ومهما وقعت المهادنة بينهم فهم على تلك المهادنة، وهم على ما هم عليه من ~~أول مرة غير أن الهدنة منعتهم أن يحدثوا حدثا ما غير ما كان، ولا أن يبسطوا ~~أيديهم إلى ما كان، وليس فيهم محق دون مبطل بل هم المبطلان جميعا، إلا أن ~~يتنصل أحدهما من الفتنة الأولى فيكونوا محقين أن بغي عليهم، وإن بغوا هم ~~رجعوا أصحاب فتنة كأول مرة. # ومن شرط توبتهم أن يتركوا وجوه الفساد الذي استخدموه، ويكفوا مظالمهم عمن ~~لا يحاربهم، وينصفوا من أنفسهم إن كان فيهم حق للغير. # وإن كانوا أهل ناحية فبغى أهل الناحية بعضهم على بعض من غير أسباب ~~الفتنة، فالمبغي عليه بحق ما لم يستعمل فنون الفساد كعادتهم. PageV03P066 # وإن اتفقوا عند صلحهم أن يهدروا جميع من أصيب منهم من الأنفس والأموال، ~~فلا ينهدر. # وقيل: ينهدر إذا كان برأي من ينظر إليه على أيدي المسلمين. # وإن كانت لهم سلاطين وملوك، يرجع رأيها إلى تلك الملوك وتلك السلاطين، ~~فأنهم المأخوذون بجميع ما في تلك الفتنة. # وإن قدر المسلمون عليهم من غير أن يأتوا تائبين، ms195 والحكم فيهم أن تقتل تلك ~~السلاطين وجميع جنودها، وتعفى العامة ومن أجبروه على الدخول معهم في قتلهم. # وإن وقعت المحاشدة بينهم، فهل للمسلمين الذين لم يدخلوا في تلك الفتنة ~~الذب عن الحريم وعن الضعيف واليتيم أم لا ؟ فالله يعلم المفسد من المصلح. ~~وللشيخ أبي خزر - رحمه الله -: تأثم، وفيه أسوة، والهروب من الفتنة أحق. # وقد قيل: إنه ما كانت فتنة قط في بلد من البلدان، إلا شملت العامة، ولو ~~كان نبي من الأنبياء إلا ناله نصيبه منها حتى تنجلي. # وقد قيل عن شريح القاضي: إذا كانت الفتنة أمسك لسانه فلا يكلم أحدا حتى تنجلي. # في الفتنة التي تقع بيننا وبين المخالفين # اعلم أن الفتنة التي تقع بين أهل الدعوة والمخالفين هي على وجهين، إذا ~~كان أصلها الظلم من أهل الدعوة بدءا، فهي مثل التي تكون بين أهل الدعوة ~~بينهم البين. # وإن كان أصلها الظلم من المخالفين، فهذه دون الأولى، فإذا وقعت الضرورة ~~فيسع المسلمين أن يذبوا ويدفعوا عن المظلومين، وأن يظهروا البينونة بينهم ~~وبين أهل الدعوة إذا ظهر منهم الفساد مثل ما يظهر من أهل الفتن وينهوهم عن ~~ذلك ما قدروا، أو يبينوا أن ليسوا بأصحابهم فيها. # وإن رجعت من المخالفين ديانة، دفعنا عن أهل دعوتنا ما قدرنا عليه، ولا ~~نساعدهم على فساد الأموال، بل ننهاهم عن ذلك. # في فتنة الأعراب والعرب # وأما الفتنة التي بيننا وبين العرب، اعلم أن جميع الأموال التي بأيديهم ~~الحكم فيها أنها السحت والحرام، وليس علينا من نهبهم ولا أعدائهم ولا ~~استعدائهم شيء. PageV03P067 # فإن انتصلوا منها تائبين حكمنا بها للفقراء والمساكين، ولا سببا من ~~الأموال مالا ينسب قبل دخولهم بلاد العرب. # واختلاف العلماء وأيام دخولهم أرض المغرب، ما حكم أموالهم ؟ فقال بعضهم: ~~هي سحت وحرام أبدا. # وقال بعضهم: كل ما تنسب إليهم من أرض الحجاز فلا بأس في مبايعتهم فيها، ~~وغير ذلك ريبة مجتنب، وليس على الفقراء تباعة في جميع ما أعطوهم من تلك ~~الأموال المسترابة، لأن الفقير إذا تصدق بها عليه أن يأخذها. # وقال ms196 أبو عمران الفاسي: تجنب تلك الأموال إلى عشرين سنة، ثم لا تحذر ~~معاملتهم فيها. # وطريقة العباد والزهاد التحرج عن معاملتهم. # والأصل في العرب القتل لأنهم محاربون إلا التاجر والمتسأمن. # باب في العلم الثالث: ذكر حال المسلمين مع أهل الخلاف... # ذكر حال المسلمين مع أهل الخلاف وأهل التدين والسلاطين والجورة # اعلم يا أخي أني أريد أن أذكر كيف حال المسلمين مع أهل الخلاف وأهل ~~التدين منهم، ومع السلاطين الجورة الضالين، ومع سائر المشركين. # اعلم يا أخي أن مذهب أهل الدعوة في الخروج على الملوك الظلمة والسلاطين ~~الجورة جائز، وليس كما تقول السنية: إنه لا يحل الخروج عليهم ولا قتالهم، ~~بل التسليم لهم على ظلمهم أولى. # قالوا: وقد اختلفت الأمة في هذه المسألة على ثلاثة أقول: # القولة الأولى: قول أهل الدعوة: إنه جائز الخروج عليهم، وقتالهم ~~ومنصابتهم والامتناع من إجراء أحكامهم علينا، إذا كنا في غير حكمهم، وأما ~~إذا كنا تحت حكمهم، فلا يسعنا الامتناع من كثير من أحكامهم، وإن أردنا ~~الشراء والخروج جاز لنا، فهذه قولة. # والقولة الثانية: قول المخالفين: أنه يجوز الخروج عليهم، ولا قتالهم، ولا ~~الامتناع من أحكامهم، ولا الدفاع عنك لهم. # القولة الثالثة: مذهب الأزارقة والصفرية والنجدات في الاستعراض لسائر ~~الخلق، والملوك وجنودها والرعية وعوامها، لأنهم حكموا على الجميع بالشرك، ~~فاستعرضوا الجميع،وأجروا عليهم حكم الشرك والقتل والسبي والغنيمة. PageV03P068 # أما السنية فنقضوا أقوالهم بأفعالهم فقد خرج التوابون في أيام يزيد بن ~~معاوية وهم أربعة آلف، وخرجوا من الكوفة شاهرين السلاح، وهم يريدون الشام ~~على أثر عبيد الله بن زياد، وأخذوا الجزيرة طولا وعرضا، يقتلون ويقتلون، ~~حتى قتلوا عن آخرهم، بعد ما وصولوا أدان الشام: البقاع. فكان آخر العهد ~~بهم، فتسموا التوابين لأنهم زعموا أنهم طلبوا بثأر الحسين بن علي، وقتل فيه ~~من الفقهاء عدد صالح، وخرجوا مع عبد الرحمن ابن محمد بن الأشعث بن قيس ~~الكندي، حين خالف سجستان. # وقامت العامة على الحجاج بن يوسف وخرج فيها الفقهاء زهاء خمسمائة ومنهم ~~الشعبي وسعيد بن جبير. وقال للشعبي: (أخرجت علي ms197 يا شعبي) فقال الشعبي: ~~(أيها الأمير إنها فتنة لسنا فيها ببررة أتقياء ولا بفجرة أقوياء) فقال ~~الحجاج: (صدق أطلقوه). # واستجازت الشيعة الخروج عليهم كما استجزناه فخرج زيد بن علي بن الحسين بن ~~علي بن أبي طالب على خالد بن عبد الله القسري، وكان عاملا لهشام بن عبد ~~الملك بن مروان، فاعترضته الروافض وقالوا له: (ما قولك في أبي بكر وعمر ؟) ~~فقال لهم: (يا قوم ليس هذا أوان ذلك). فقالوا: (كلا) فقال لهم: (إن أبا بكر ~~وعمر هما اللذان أخرجاني وأقاماني هذا المقام). فرفضوه وخذلوه، فتسموا ~~الرافضة، فانهزم عنه أصحابه، فأخذ أسيرا وضربت رقبته، وخرج بعده ابنه يحيى ~~بن زيد بن علي في أيام يوسف ابن عمر بن حلوان، والرأي له، فهزم وأخذ وقتل وصلب. PageV03P069 # وطلحة والزبير هما الذروة لهؤلاء كلهم على نكث الصفقة وقد جرى لي كلام مع ~~الفقيه يحيى بن أبي بكر بن الحسن بن الشيخ يوسف ابن نفاث مناظرة في ~~سجلماسة، في مثل هذا فقال لي: (أول من سن الخروج على السلاطين أبو بلال ~~مرداس بن أدية). قلت له: (إن له في ذلك أسوة حسنة). فقال: (أو حسنة ؟) ~~فقلت: (أو سيئة) فقال: (ومن هو ؟) قلت: (طلحة والزبير). فقال لي: (إن طلحة ~~والزبير اجتهدا فأخطأ). فقلت له: (ولعل هذا اجتهد فأصاب) فقال لي: (أو أصاب ~~؟) فقلت: (ولعله اجتهد فأخطأ). فقال: (الله يغفر للجميع). # وقولنا هو الصواب إن شاء الله. وذلك أنا نقول: لا يحل لنا أن نستعرض أحدا ~~من الرعايا والمسافرين والتجار والحراثين وغيرهم، إلا الملوك الظلمة ~~الجورة، وندعوهم إلى ترك ما به ضلوا، ولا نعترض من العامة إلا جنودهم، ~~وأنهم وجنودهم بمثابة واحدة، وأجزنا الخروج عليهم، والكون معهم. # فإن خرجنا عليهم قاتلناهم حتى نزل ظلمهم على العباد والبلاد، وإن لم يخرج ~~عليهم ورضينا بالكون معهم وتحتهم فجائز لنا ذلك، ونعيش في كنفهم حراثين ~~فدادين لسوء حال. # كما ذكر في الكتاب فتوحات إفريقية: أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ~~قال لعمه العباس: «ماذا تلقى ذريتي من ذريتك يا ms198 عم ؟» فقال له العباس: ~~(أفلا أجيب نفسي يا رسول الله ؟) قال: «لا، أمر قضي». ثم قال رسول الله ~~عليه السلام: «تعلموا من قريش ولا تعلموها وقدموها ولا تتقدموها وأطيعوهم ~~ما أطاعوا الله، فإذا عصوه فلا طاعة لهم عليكم، ثم خذوا أسيافكم واجعلوها ~~على عواتقكم، واضربوهم بها حتى تبيدوا خضراءهم، وإلا فعيشوا فدادين حراثين، ~~حتى تلقون بسوء حال». # وجوز الخروج والقعود، فمن خرج فواسع، ومن قعد فواسع، وإنما الضيق في مثل ~~هذا عند الخروج، فلا يجوزون القعود لضعيف ولا لقوي، حتى قال قائلهم: # باب الغزو معهم والجهاد PageV03P070 اعلم أنه يجوز الغزو معهم والجهاد ~~والقتال والمحاربة لجميع المشركين الذين حل قتالهم، فالناس تحت الظلمة على ~~ثلاث طبقات: # الطبقة الأولى: من باين الظلمة وناصبهم ما قدر عليهم، وهو يأمرهم وينهاهم ~~عن المنكر ويرد عليهم سوء مذهبهم ويناقضهم، فكان معروفا عند الناس في ذلك، ~~فهذا يسوغ له الكون تحتهم والجهاد معهم، ويأخذ سهمه من الغنيمة ويلي لهم ~~على العشر وعلى الغنيمة، ويلي لهم على الفتوى وقسمة الساحات، كجابر بن زيد ~~والحسن البصري وشريح وابن عباس وكثير من الصحابة، ممن ظهرت منهم مناقضتهم ~~ومخالفتهم. # فهؤلاء ليس عليهم بأس أن يلوا من الأموال ما ليس به بأس، بشرط أن يعملوا ~~بأمر الله، ويستعملوا طريقة العدل، ولا تأخذهم في الله لومة لائم، ولا ~~يكونوا بذلك معاونين لأهل الباطل الذين قال فيهم رسول الله (صلى الله عليه ~~وسلم): «لعن الله الظالمين وأعوانهم وأعوان أعوانهم ولو بمدة قلم» كما جرى ~~للحجاج ابن يوسف مع جابر بن زيد. # وذلك أنه كان يكتب إذ أسقط القلم من يده فقال لجابر: (ناولني القلم) فقال ~~له جابر: (قال رسول الله عليه السلام: «لعن الله الظالمين وأعوانهم وأعوان ~~أعوانهم ولو بمدة قلم»). # فلو أن جابرا سعى في حاجة مسلم كأبي بلال وغيره، فسقط القلم من يد الحجاج ~~في كتابه لناوله جابر القلم والدواة وغير ذلك، بل يرشونه بجعل من وراء ذلك. # وقد قضى شريح على العراق قريبا من سبعين سنة، والعطايا دارة والأموال قارة. ms199 # وكذلك عبد الله بن الحكم بن عمرو الغفاري الذي قال فيه رسول الله (صلى ~~الله عليه وسلم): «يأتي إمام أهل المشرق غدا يوم القيامة». # وأما من لم يكن له عهد بهذه الأمور ولا الشروع فيها، ولم يكن ممن عرف ~~بمناقضتهم ولا الرد عليهم، فلا ينبغي أن يلي من أمورهم شيئا، إلا أن يكون ~~أمر يعرف الناس صلاحه ولا بأس عليه منه. # وأما أن يسير فيجا أو بريدا في مصالح المسلمين، فإن كان أمرا يعرفه ويعرف ~~صلاحه فلا بأس. PageV03P071 # وأما أن راودوه على معصية أو أكرهوه عليها، فلا طاعة لمخلوق في معصية ~~الخالق. # وأما أن يلي أمور المساجد والإقامة والتأذين والمحاضر والتذكير والتخويف، ~~فلا بأس عليه في كل هذا. # وأما أن يصير أمينا على الأسواق، أو على المقاسم، أو عونا، أو رأس ~~الأعوان وعريفا لهم، أو من الحرس، أو على الدواوين، دواوين التحقيق، ~~ودواوين الجنود، ودواوين الخراج، وجباية الأموال، والحراسة من عدو يحاربهم ~~ظالما أو مظلوما، فلا في هذا كله. # وأما إن كان لهم أمينا في أمور المعصية كلها، فمن ظهرت منه معصية ما ~~أخبرهم بها، ولا يأمن أن يعاقبوا العاصي بخلاف مقتضيات الشريعة، فلا يكون ~~أمينا ولا يخبرهم به. # وإن كلفوه إقامة الجمعة ليصلي بالناس أو التأذين، أو قيام رمضان أو إمام ~~مسجد ما، فجائز، كما تجوز له الصلاة خلفهم إذا أقاموها. # وأما ما يتعلق بالحدود والقصاص والرجم وغيره، والقطع والجلد، فيرجم معهم ~~المحصن الزاني، ويقطع السارق، ويجلد القاذف، وتضرب رقبة المرتد في أمثالها ~~فلا بأس. # وقد كان عدو الله الحجاج بن يوسف، امتحن عبد الله بن عمر بن الخطاب - رضي ~~الله عنه - في ولده سالم، وذلك أن الحجاج أتي برجل، فأمر سالم بن عبد الله ~~ليضرب عنق الرجل. قال: فقام سالم فأخذ السيف، فأتى الرجل فقال له: (هل صليت ~~الغداة الصبح ؟) قال الرجل: (نعم). فرجع سالم إلى الحجاج فقال له: (سمعت من ~~أتى هذا: إن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: «إذا صلى العبد المسلم ~~صلاة الصبح فهو ms200 في ذمة الله ورسوله» فلا ينبغي لأحد أن يحقر ذمة الله وذمة ~~رسوله) فقال له الحجاج: (ضع السيف). فأمر بالرجل فضربت عنقه. # فقال الحجاج لسالم: (خذ برجل الرجل وأخرجه عني). فأخذ سالم برجل الرجل ثم ~~قال: (لأن آخذ برجلك يا أخي، أحب إلي من أن أضرب عنقك)، فقام إليه أبوه عبد ~~الله فقبل بين عينيه فقال له: (ما سميتك سالما إلا لتسلم). PageV03P072 # وإن كلفوه أن يضرب عنق أحد على ما لا يستحق به ضرب الرقبة، والرجل ~~المضروب العنق ممن يحل دمه، ممن طعن في دين المسلمين أو دل عليهم، أو قتل ~~أحدا على الدين، أو علمت منه خصلة يحل بها دمه، فلا تطاوعهم على ما أرادوا ~~من ذلك. # وإن استحلفوه ألا يخونهم ولا يغدر بهم، أو على أن يرجع إليهم إذا أطلقوه، ~~فلا يغدر ولا يخون، وأما الرجوع فالله أعلم. # مسائل بين علي ومعاوية # فإن حشد علي جموعه إلى بلد من بلدان معاوية يريد أن يتملكه، أو يغلب ~~عليه، ودعا إلى الخروج معه، فلا تخرج معه، ولا تعنه على بلد من البلدان مما ~~يلي معاوية أو غيره. # وإن كان الرجل ساكنا في بلد من بلدان معاوية، وهو يأكل من خراجها، فيأخذ ~~العطايا عنها، فإنه يدافع مع معاوية عليا في بلدانه. # وكذلك من سكن مع علي في بلد من بلدان العراق وحشد إليه معاوية، فإنه ~~يقاتل مع علي ليدفع معاوية. # وبالجملة: أن كل بلد من البلدان ممن يأخذ العطايا عليها، فإنه يدافع عنها ~~جميع من أراد ظلمها من جميع الموحدين والمشركين، إلا أهل الحق من المسلمين، ~~فالواجب معاضدتهم، والعون لهم على ما أرادوا، والنصيحة في جميع ما حاولوا. # وإن منع أهل الذمة الجزية أو الخراج، أو واجب الحق عليهم، فأنت مخير في ~~قتالهم مع كل إمام يمنعهم من الظلم، ويحوطهم إلى أمير المؤمنين فواجب. # واعلم أن الأرض التي تأكل خراجها لها عليك حقان: تقاتل عليها من أراد ~~ظلمها، وتدفع عنها. # واعلم أن جميع ما يلزمك من حقوق الله - عز وجل - إن ms201 طلبها منك الملوك ~~فواسع لك أن تدفع إليهم كل ما كان ظاهرا، من الحب والتمر والأنعام، وليس لك ~~أن تمنعهم، فإن قدرت أن تصرفه بنفسك فاصرفه. # وأما ما كان باطنا كالذهب والفضة، فلا يجزيك أن تقصدهم بها. # وقال عبد الله بن عمر بن الخطاب: (يجزيك كل ما دفعت إليهم ظاهرا أو ~~باطنا، اضطرارا أو اختيارا). PageV03P073 # وقالت المعتزلة: لا يجزي عنك ما دفعت إليهم اضطرارا ولا اختيارا، فلابد ~~أن تعيدها في غيرها. وقال عليه السلام: «أعطوهم حقهم، واسألوا الله حقكم». # وقال عليه السلام: «أطيعوهم ما أقاموا فيكم الخمس». وفي حديث: «ما لم ~~يمنعوكم الخمس». # وقال عمر: (أطع إمامك وإن ضربك أو ظلمك أو حرمك). فكما لك أن تدفع واجب ~~الحق عليك من العشر والصدقات والزكاة والخمس، فكذلك أن تأخذ واجب الحق لك ~~عليهم، وتستسلم لجميع أحكامهم عليك، ما لم تكن بدعة أو خروجا من الملة، ولو ~~كان خلاف مأخوذك في تسخير السلاطين العامة. # واعلم أن السلاطين الجورة، يستخدمون العامة في بنيان القصور والدور ~~والحصون والمنتزهات العظيمة في الخالي والجالي (1) وفي القرى والرساتيق ~~والحمامات والمصانع كلها. # فإذا زال سلطان هؤلاء الظلمة تائبين أو غير تائبين، فهو مشاع بين ~~المسلمين، فإن كان ذلك في الجالي فهو مردود على أهله، وللعامة الانتفاع به ~~من غير ما مضرة أصحاب الجالي. # وإن كانت فيه مضرة صرفت، وأعطى أثمانها للفقراء والمساكين، وصارت لهم ~~وجميع بيوت أموال المسلمين فيء، وسواء في ذلك جاءوا تائبين، أو قاتلناهم ~~فغلبناهم عليها، ليس لهم إلا الانتصال من جميع ما في أيديهم إلى المسلمين، ~~وليسوا كأهل الديانات المسوغ لهم ما في أيديهم. # وأما ما وقع بينهم وبين الناس من المظالم، فإنا نعدي عليهم الناس، وليس ~~علينا منهم شيء، وثبتت لأنسابهم كما كانت، ولو كانت لغير رشدة، مثلما فعلت ~~زناتة أيام ولايتها سجلماسة، مهما تزوج رجل منهم نكاحا صحيحا، فعند ليلة ~~البناء يدخل على أهله، والخلائق حضور، ويكشف عن وجهها ويقول: أنت طالق ~~ثلاثا على رؤوس العالمين، فيفترق الناس، ويبني بأهله ويقول: لا يصح ms202 أن يكون ~~الفتى إلا ابن قحبة، يضاهون عمرو بن العاص (2)، ويثبت نسبة على هذا المعنى. PageV03P074 # ومن جاء إلينا تائبا، وقد سعى أموالا كثيرة تحت أيديهم، وجاء تائبا، ~~وأبصر الإسلام واستجاب به، فإن المسلمين يأخذون جميع ما في يده ويردونه له ~~على وجه اللقطة، حيث أمر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بالانتفاع بها، ~~فإن جاء مدعيها أداها له. # قيل: إن رجلا يقال له ورتموزي وكان ممن خدم زناتة بسجلماسة، وكان في يده ~~أموال كثيرة، فأتى تائبا راجعا إلى المذهب، فأفتى له المشايخ أن ينتفع بتلك ~~الأموال، أيام حياته وأجرة لمواليه، وهذه الأموال لا تعرف أربابها فهي ~~للفقراء، من أجل ذلك فتوه أن ينتفع بها ما دام حيا، فإذا مات قسمت الأموال ~~على ورثته على السهام انتفاعا لا تملكا صدقة على أرباب الأموال، وكان عندنا ~~بوارجلان حتى مات، وورث أولاده الأموال، ولم يحرجوا على أحد معاملته. # وقال بعض الفقهاء: إن من كان عنده أموال الناس، غصبا وخيانة أو دينا أو ~~أمانة، فإذا تاب إلى الله - عز وجل -، وليس عنده ما يؤدي منه، أن يعتقد ~~بجميع نفقاته صدقة عليه لأرباب الأموال. # وليس عليه أن ينفقها على أفقر منه، وتخرج هذه الأموال إذا من حسناته، كما ~~أن جميع حسنات ماله تتبعها إذا يوم القيامة عند الفقراء، كما أنه لو أنفق ~~بنفسه وتصدق، وإن لم يكن له حسنات، رجع بها على مولاهم الله. # وإن كانوا مسلمين تحمل الله بها، وعافى المسلمين، والقصاص لابد غدا، ~~فليكثر من الأعمال الصالحات، من ابتلى بأموال الناس، فقد ذكر ضمام ابن ~~السائب عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «أن من له عند أحد مظلمة، إنه ~~يأخذ من حسناته يوم القيامة، بمقدار مظلمته، فإن لم تبق له حسنات رجع ~~الطالب إلى الله - عز وجل - بما بقي له على صاحبه، ورجع المطلوب إلى فضل ~~الله ورحمته وتوحيده» وهذا بعد التوبة والانقطاع والندم وفقره إلى مولاها. # وفي قول: «للغير أن يرد الطالب عليه من سيئاته فيدخل النار». # وأما أموال السلاطين فليس ms203 على الفقراء منها تباعة إن أعطوهم إياها ~~متصدقين أو مستخدمين. PageV03P075 # وأما على وجه المعاملة فلا، لأن ذلك تسويغ لهم سحتهم ورضى عنهم، لكن ~~بالصدقة فنعم. # باب عمارة الأرضين وما يتعلق بذلك # باب عمارة الأرضين # قال الله تعالى: (هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا ~~من رزقه وإليه النشور).. وقال تعالى: (وسخر لكم ما في السموات والأرض جميعا ~~منه إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون) وذكر عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ~~أنه قال: «من جاز أرضا وعمرها عشرين سنة فهي له». # واختلف العلماء في عمارة الأرضين قال بعضهم: لا يجوز لأحد من الناس أن ~~يسبق إلى أرض فيعمرها إلا بإذن الإمام، ولو كانت فيافيا وقفارا، حتى يأذن ~~له الإمام في ذلك، ومنه قول عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: (لنا عادي ~~الأرض). # ويدل على ذلك قول رسول الله عليه السلام للذي أقطعه ملح مأرب، فأقطعه ~~إياه. فقال رجل: (هو يا رسول الله كالماء العد (1)) فقال عليه السلام: «فلا ~~إذا» فارتجعها، وبينها وبين رسول الله (صلى الله عليه وسلم) مسيرة شهرين أو ~~أكثر، وقبل أن يبلغ ملك رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إياها. # وحديث الدهناء في حديث طويل حين سأل رجل أرض الدهناء، فأعطاها له رسول ~~الله (صلى الله عليه وسلم). فقالت المرأة: (لا صاحبت الرجل، أرض الدهناء ~~مقيد البعير ومربض الشاة، ومن وراء ذلك نساء بني تميم أين تضطر مضرك يا ~~رسول الله إلى البحر ؟) فقال عليه السلام: «صدقت المسكينة، المسلم أخو ~~المسلم لا يسلمه ولا يخذله، يرعيان الشجر ويردان الماء ويتعاونان على ~~الفتان (2)» فقال الرجل: (أنا إذا مثله وافد عاد يا رسول الله). فقال عليه ~~السلام: «ما حديث وافد عاد ؟» فذكر الحديث. منعنا منه الاختصار. فمنع الرجل ~~من أرض الدهناء بقول المرأة، وفعله في المعادن القبلية. PageV03P076 # وبعضهم يقول: إن جميع أرض الفيافي والخراب يسوغ لمن يسبق إليها ويعمرها. ~~وإليه يتوجه رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «من حاز أرضا» ويصدق القولة ~~الأولى فعله عليه ms204 السلام في المعادن القبلية حين وهبها لأبيض بن حمال. # فإذا أذن أحد من الملوك التي ذكرنا بعمارة الأرض، فهي لمن عمرها، وإن لم ~~يكن في تلك الأرض أحد من الملوك فهي للملوك التي بالقرب منهم، وربما تقوم ~~جماعة المسلمين مقام الملك إذا كان لهم إمام ولو الكتمان. # فلو اقتطعها من البغدادي فأقطعه إياها، لكان أيام كانت الخطبة عليه في ~~الأرض، وأما إذا كانت القطيعة من المهدي مضت على من أحب ومن كره. # وإن أقطع أمير المؤمنين أرضا لرجل فعطلها، فلأمير المؤمنين أن ينتزعها ~~منه ويقطعها غيره، ولو أعطاها أميرا وملكا كان قبله إلا قطائع رسول الله، ~~وكان عمر يسترد قطائع أبي بكر ممن لم يشتغل بعمارتها ويقطعها غيره. # وإن عمرها بالحدود والحيطان والزروب، فليس في ذلك عمارة، وإن عمرها ~~بالمحارث والأشجار والبنيان، ثم عطلها بعد ذلك، فلأمراء أن يرتجعوها إذا ~~اندرست وخرجت ويدفعونها لمن يعمرها. # وإن كانت أرض فيء فدفعها له الإمام على خرج ما، وزاد فيها وبنى الدور ~~والقصور، وأحدث فيها جميع ما يزين الأرض، أو في قيمتها على ما أعطاها له ~~أول مرة، فإنه يكون في تلك الأرض على الخرج الأول، فإن أراد أمير المؤمنين ~~أن يخرجه منها، فإنه يدفع له قيمة ما زاد فيها وترجع أرض فيء كما كانت. # وأما القرى الصغار التي تكون في قطر المدائن الكبار، إن خلت واندرست من ~~عامرها وممن تنسب إليهم، أخرجهم الجدب أو العدو، أو انتقلوا بأنفسهم إلى ما ~~هو أفضل منها، والأرض معروفة بأسماء أهليها، والجنات والأشجار قائمة ~~والعيون جارية، فهذه لا يؤكل من أشجارها ولا نباتها، إلا بإذن أهلها. PageV03P077 # ومذهب ابن عباس: أن كل مالا يحيطون من ذلك من السباع والتافية (3) لا بأس ~~على من يأكله، وإن كانوا بالموضع الذي يخدمونه ويحصدونه، فليس للمارة إلا ~~ما سقط وضاع وتأكله السباع وأما الأصل فلا، وأما إن عطلوها وبعدوا عنها حتى ~~لا يدركوا جذاذها، فهي لمن احتاج إليه ولا يتملكها. # وأما القصور فإنهم يعمرونها على كرههم ومحبتهم إذا عطلوها، وأما المزارع ms205 ~~والمحارث فإنها تزرع ولا تحتاج إلى إذن أربابها، ولا يحتاج في ذلك إلى إذن ~~الإمام. # وأما إن كان أهلها في بلاد بعيدة، حيث لا يقدرون على عمارتها، فللإمام ~~النظر فيها أن يهبا أو يقطعها لمن أراد. # فإن اندرسوا حتى لا يعرف لهم موضع، ولم يبق في أيدي الناس منهم إلا الاسم ~~فهذه أهنأ وأمرأ لمن يأكل، ويأذن الإمام لمن يتملكها. # وسئل ابن عباس عن أرض بعيدة عن الناس ذات أشجار، لا يتناولها إلا السباع ~~والضباع، هل لمن يلتقط بلحها أو بسرها وحشفها فأجاز ذلك. # فقيل له: (فإذا سقط من ثمارها شيء ؟) # فقال: (اللقطة). # قال: (فإن التقطتها، فأتى مولاها فطلبها مني ؟) # قال: (لا، ولا نعمت عين). # فمذهب ابن عباس أن الأرض مشتركة فالأولى بالأولى. # وأما إن اندرست البلاد وخربت حتى لا يقف أحد على ماله منها، فإنها تصير ~~مشاعا بين القبيل، ويتواقفون فيها بالرجال الذكور دون الإناث. # فإن أذن الإمام لمن يعمرها، ويحرث ويبني وينزل ويسكن، فما أحدث فيها فهو ~~للذي أحدثه. وما كان قائم العين، فللداخل أن يتملكه، أعني المنافع، ويبيع ~~ويشتري طنيا، والأصل لأهلها كما جرى في تاهرت أيام علي بن يوسف سيد الناس ~~ابن يلومي بعمارتها فعمر منها دورا وعقارا فهم يتبايعون المرافق، والأعيان ~~لأهلها في الأموال وما يتعلق بها. PageV03P078 # فإنا نظرنا إلى حرمتها في الشريعة، وحرمة الدماء، فوجدنا الأموال أعظم ~~حرمة منها، لأن الله تعالى حرم دماء المؤمنين وأموالهم، قال رسول الله (صلى ~~الله عليه وسلم): «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم ~~هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا»، ثم إن الله تعالى جعل عقوبة كثير من ~~المعاصي في أنفس الأموال ينتهك به حرمة الدماء، ولم يجعل حرمة الدماء ينتهك ~~بها حرمة الأموال، أولها المحاربون: جعل الله عقوبتهم في معصيتهم حين ~~انتهكوا حرمة السبيل في الأموال والأنفس أن تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، ~~وقيل: إنهم يقتلون في الأموال. # والسارق جعلت عقوبته إن سرق نصابا من المال يساوي ربع دينار أن تقطع يده ~~التي تساوي خمسمائة ms206 دينار. # ومن وراء ذلك من أراد أن يظلمك في قليل من المال، فقد أباح الله لك دفعة ~~وقتله ولو بخروج روحه، والروح تساوي ألف دينار، والمال درهم. # ومن وراء ذلك النكالات والتعزير والتأديب على أدنى شيء من الأموال، ولو ~~انتهك فرج امرأة زنا إذا أحصن رجم عليها، وإن لم يحصن جلد عليها، والعقوبة ~~متوجهة إلى البدن في المال. # فإن قال قائل: قد جعل الله عقوبة الدماء في الأموال الديات في الجراحات، ~~وفي النفوس، وفي فساد الأموال بينها البين. # قيل: أجل لكن لم يجاوز قيمة الدماء في الأموال بأضعاف مضاعفة كما فعله في ~~الأموال، ولم يحكم على من قتل عمدا أو خطأ، أن يؤدي من المال أضعاف جنايته ~~كما فعله وحكم به في الأنفس. PageV03P079 # واعلم يا أخي أن عليا قد استشهد في الأموال أن الاختلاف فيها كله صواب، ~~وأعظم من ذلك أن الرأي حاكم على السنة والكتاب، ومصداق ذلك قضايا عمر بن ~~الخطاب في الأموال، وذلك أن الله تعالى حكم في كتابه بسهم ذوي القربى، فحكم ~~رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أيام حياته، وقد جعله الله تعالى وقاية لهم ~~ألا يحتاجوا إلى أوساخ الناس من الصدقات وغيرها، ثم حكم به أبو بكر الصديق ~~- رضي الله عنه - أيام حياته، اقتفاء بفعل رسول الله عليه السلام، ثم جاء ~~عمر بن الخطاب في بعض أيام استحسن برأيه أن يمنعهم منه بما عوضهم الله ~~تعالى من الغنائم والفيء، فمنع سهم ذوي القربى، وانفهم له من كتاب الله - ~~عز وجل - ما انفهم له وعليه أنزل وإليه نزل. # وكذلك المؤلفة قلوبهم، لما نظر إلى الإسلام قد استغنى عنهم، وأخذ ذلك من ~~الاسم، ونظر إلى حاجة الاسم قد أرادها الله تعالى. فقال لهم: (إذ ذاك كان ~~الإسلام حقيا، وأما الآن فقد بذل). فمنعهم سهمهم، وتتابع عليه المسلمون، ~~وما كان الله ليجمع أمة محمد عليه السلام على ضلال. # فلو أن ذوي القربى، والمؤلفة قلوبهم، قاموا في طلب سهامهم، وانتصروا ~~لأحكام القرآن، أن تكون ماضية إلى الأبد، لكان فيه ms207 ما فيه. # ومصداق ذلك: لو أن قوما قالوا: إن المواريث إنما تجري أحكامها مدة أيام ~~معلومة، فتنبطل بما بلغ في الناس من الغنى، ورجعت أموال الناس زيادة في ~~حسناتهم، ويتصدق بها عليهم، لكان فيه ما فيه. وكذلك الصلوات والصوم والحج. PageV03P080 # فإن ساغ لعمر ما ساغ له من ذلك، فما بال الغير ألا يسوغ له ذلك في غيره، ~~وهو اليسر في دين الله تعالى، ولو وقع التشابط والقتال على هذا كله، فأيهما ~~المبطل، وكانوا كلهم مبطلين، فمن استبطلهم كلهم، شدد على الأمة، وحكم بأن ~~العسر أولى من اليسر، ومن صدق أحد الجانبين، فمن اتبع كتاب الله تعالى أولى ~~ممن اتبع رأيه، ولا الرأي أصوب في هذا، إلا أن يكون الكل مصيبين لشريطة ~~الاجتهاد، ولاسيما وقد قال الله - عز وجل -: (واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ~~ظلموا منكم خاصة) فقد شملت الظالم والمظلوم، والسلامة للمجتهد المصيب رحمة ~~للعالمين. وما ربك بظلام للعبيد. # أفراد المسائل فيمن كان تحت أحكام المخالفين # رجل كان تحت أحكام المخالفين فتزوج وغاب عن زوجته، فأعذر القاضي إليه فلم ~~يفعل، فطلق عليه القاضي زوجته، أو أوجب عليه من النفقة عليها ما أوجبه الله ~~تعالى، فامتنع أو لم يكن له مال، فطلق عليه القاضي زوجته، ما حكم هذه ؟ أهي ~~مطلقة أم غير مطلقة ؟ فإن كانت غير مطلقة، فهل له أن يلم بها، ولا ينظر إلى ~~حكم هذا القاضي، وتقع المواريث والحقوق والنسب أم لا ؟ # اعلم أن هذه مطلقة، وإن لم يكن في مأخوذ المسلمين هذا الجواب فلا يحل له ~~أن يلم بها، ولا أن يقربها، وقد سقطت جميع الحقوق التي بينهما، ولها أن ~~تتزوج غيره، وتقع الحقوق بينه وبين زوجها الأخير وترثه ويرثها، وإن كان ~~نسيبها ورثها إن ماتت. PageV03P081 # وهكذا كل حكم لم يقطع المسلمون عذرهم في خلافه، وكل حكم حكموه بالشاهد ~~واليمين، فهو ماض لنا وعلينا، إلا أن تنزهنا منه، ولنا معاملتهم في جميع ما ~~حكموه بالشاهد واليمين لنا وعلينا، وتجري فيه المواريث على وجوهها، وليس ~~لهم مقاضاتها إلى الديان، ms208 إلا أن علم أصل المال كما في الشاهدين، وله ~~المقاضاة إن علم أن الشهادة زور. # وأما في الفروج فلا سبيل إلى شيء من ذلك، لاسيما إذا انقطعت العصمة بنكاح ~~آخر أو تسر، فلا يجعل إلى نفسه سبيلا ولو كان مظلوما. # فلو استبرأت المفتدية بحيضة، فتزوجت ما كان له عليها سبيل بعد، وله أن ~~يتزوجها إن فارقت زوجها الأخير. # وأما ما يتعلق بالعبادات كالصلاة والزكاة والصوم والحج، فليس إلى خلاف ~~الإجماع سبيل، كصوم الشيعة يصومون آخر يوم من شعبان ويفطرون آخر يوم من ~~رمضان فهذا فاحش، وأهل الدعوة يكرهون القنوت في الصلاة. # باب مسائل ما بيننا وبين المشركين # اعلم أنه لا يجوز لأحد أن يتخذ دار الشرك وطنا لقول رسول الله (صلى الله ~~عليه وسلم): «ثلاثة من الكبائر: خروجك من أمتك، وتبديلك سنتك، وقتالك ~~صفقتك». # ومعنى خروجك من أمتك: أراد بذلك عليه السلام اتخاذك دار الشرك وطنا، ~~وقوله تبديلك سنتك: رجوعك إلى البادية بعد القرار، وقوله: قتالك صفقتك: ~~قتالك من بايعته بلا حدث. # وقال (صلى الله عليه وسلم) في المسلمين والمشركين: «لا تتراءا دارهما» ~~دليل على أن لا يجوز مساكنتهم، ويجوز لنا السفر إلى بلادهم، إن أمنا أن لا ~~يغدروا بنا ولا يجرون علينا أحكامهم ولا يكرهونا على معصية. # ويجوز دخولنا عليهم عيونا وجواسيس ورسلا، ودعاة إلى الإسلام وإلى الصلح، ~~أو نقض الصلح، أو الأمر يحدث مما للمسلمين فيه فرج ومخرج. PageV03P082 # وإن طلبوا منا الأمان للتصرف في بلادنا للتجارة أو للإسلام أو رسل إلينا، ~~فجائز لنا تركهم أو للفكوك أو للبيع والشراء بالأمان فلا بأس، قال الله ~~تعالى: (وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه ~~مأمنه). # وإن افتتح المشركون بلاد المسلمين، فإن أهل البلاد جائز لهم الكون معهم ~~وتحتهم وتجري عليهم أحكامهم، ولا يجوز لأحد أن ينزلها وأن يتخذها وطنا من ~~سائر الناس. # وإن خرج أحد من المسلمين من بلاده من خوفهم، فهو مثل من لم يسكنها قط. # وإن كان المشركون أهل الكتاب كاليهود والنصارى، فللمسلمين ms209 مخالطتهم ~~ومبايعتهم مؤاكلتهم، ويأكلون ذبائحهم وسمونهم أقطهم وجبنهم، ما لم يظهروا ~~على حرام، وكذلك طبيخهم وطعامهم وشرابهم ليس الخمور، وإن اتهموهم على ~~النجاسة، فليخرجوا ما قدروا. # ولا يتزوجون إليهم، ولا يتسرون، ولا ينكحونهم، ويعاملونهم في أموالهم ولا ~~يحذرون منها شيئا ولو كان أثمان الخنازير، أو من أثمان الربا، ولا ~~يعاملونهم بالربا، ولا يأكلون خنازيرهم، ويدفعون عن بلدهم من أراد ظلمهم ~~إلا عساكر المسلمين فلا يدفعونهم. # ويتقون من المجوس جميع ما يؤكل، كل مما يخافون عليه النجاسة، أو من ~~السمون والأجبان والطبيخ وغير ذلك. # وإن غصبونا نساءنا وبناتنا، فإنا على الأصل لا تحرم علينا نساؤنا إذا ~~رجعت إلينا، ونستبريهن ثم لا نباليهن ولا نحتاج إلى نكاح جديد، وأما ~~اشتراكهن فلا. # ويجوز لنا منهم جميع ما يجوز للمسلمين الذين لم يتملكوهم، من غدر وخيانة ~~ودلالة، والخروج عليهم ما لم نجعل إلى أنفسنا سبيلا، في عهد أو ميثاق أو أمانة. # وإن دخلنا بلادهم بأمان فإنا لا نخون ولا نغدر. # وإن دخلنا أسارى، فإن قدرنا على الهروب هربنا، ونسوق معنا من أموالهم ما ~~قدرنا عليه، ومن الحرم والذرية، وليس علينا منهم شيء وليس لهم فينا عهد ولا ميثاق. # وإن دخلنا إليهم في بلادهم بأمان، أو رسلا، أو لافتكاك أسرانا، فإنا لا ~~نخون ولا نغدر. PageV03P083 # وإن جاءونا إلى بلادنا بأسرانا لنفكهم، فإنا نتفق معهم، فإن اتفقنا كان ~~ذلك، وإن لم نتفق سلمنا إليهم إخواننا، وذهبوا بهم إلى بلادهم. # فإن وقع منهم اشتطاط في الفداء، منعناهم في بلادنا، ولا نمنع لهم ~~إخواننا، ويكونون في أيديهم، والله أعلم في هذه المسألة. # وإن دخلوا في بلادنا بأمان، فما أتوا به من المحارم، أجرينا عليهم حكمه ~~كما نجريه على أنفسنا، من السرقة والزنا والقصاص وغرم الموال، إلا إن رأى ~~أمير المؤمنين غير ذلك، فليصلح ما أفسدوا من بيت مال المسلمين. # وإن أتونا بهدايا من ملوكهم وسلاطينهم، قبلناهم وأنبأناهم (1) عليها، ~~ونرسل إليهم هدايانا استصلاحا للمسلمين. # وإن طعنوا فينا، أو في رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، أو في السلف، ~~فليس ms210 علينا منهم شيء حتى يخرجوا من بلادنا. # وإن أسلم واحد منهم وهو في بلادهم، ولم يصب السبيل إلى بلاد المسلمين، ~~وعليه زكاة وعشور وفطر، ولم يصب من المسلمين أحدا إلا المخالفين فإنه ~~يدفعها لهم، وإن لم يصب أحدا فإنه يدفعها لفقراء المشركين، وإن أصاب ~~إرسالها فليفعل. # وإن قاتلناهم ولم نقدر لهم على شيء، ووقعت المهادنة بيننا وبينهم، ~~واشترطنا عليهم أن يخرجوا معنا في عساكرنا لقتال عدونا، فنسهم لهم، أو على ~~خرج معلوم، أما الخرج فنعم وأما الإسهام فلا. # وإن وقعت منهم شروط مذلة مثلما جرى لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) لأهل ~~مكة، فإنا لا نجبيهم إلى شيء من ذلك، وقد انتسخت شروط المهادنة في قول بعضهم. # وقال بعضهم: كل ما جاز لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) جاز لنا حتى تضع ~~الحرب أوزارها. # وقد مضت أحكام كثيرة لعمر بن الخطاب في بني تغلب. # وإن أحكام الكتمان الضعيفة المثارة من الرأي تأتي على أحكام القرآن الذي ~~جاء من عند الله تعالى وعلى أحكام السنة الماضية التي جاءت من الرسول عليه ~~السلام، أو قد أتت عليها. PageV03P084 # فمن تأمل هذا بحقيقة، انفتح له كثير من العلم والفقه في الدين، حتى لا ~~يحكم بالمعصية إلا على أمهات المعاصي دون البنات، فكيف بالشرك والكفر ~~والبراءة. # ويؤيد ذلك قوله عليه السلام: «أنتم في زمان التارك العشر ما أمر به هالك، ~~وسيأتي على الناس زمان العامل بعشر ما أمر به ناج» والله تعالى يلهمنا ~~الرشاد، ويوفقنا للسداد، إنه الكريم الجواد. والصلاة والسلام على محمد خاتم ~~النبيين، وعلى جميع أوليائه أجمعين. # باب في أحكام فسقة أهل الإسلام # وغذا ذكرنا أحكام المتدينين فلنذكر أحكام فسقة أهل الإسلام. # واعلم أن الذنوب التي يأتيها العباد على وجهين: ذنب بين العبد وبين ربه، ~~وذنب بينه وبين العباد. # فإنا الذنوب التي بينه وبين العباد وهي المظالم، فعلى ثلاثة أوجه: وجه ~~يلزمهم منه الإثم والغرم والعار والنار، ووجه يكسبهم العار والنار ولا غرم ~~ولا نكال، ووجه يكسبهم الغرم ولا غير. # فأما الوجه الأول: ms211 فهو وجوه الغصوبات كلها من السرق والتعدي في الفسادات ~~كلها في أيام الظهور، خصوصا منع الزكاة والعشور والصدقات والخموس وشبهها، ~~فهذه فيها الغرم والإثم. # وأما في أيام الكتمان فلا جبر ولا قهر. PageV03P085 # والوجه الثاني: فأمر لا يحكم به عليهم في الدنيا، ويلتزمونه في الآخرة، ~~ويخرجونه من حسناتهم، فكذلك الباب الأول، إن لم يستدركوه ولم يصلحوه ما ~~داموه في الدنيا مثل ما يفسد على يديه بتضييع أموال الأغياب أو اليتامى إذا ~~استخلف عليهم، أو أموال الأجر كلها، أو أموال السلاطين، وجميع ما ضيع من ~~نفقات من وجبت عليه نفقاته من الأهل والأزواج والبنين والعبيد ومضاربات، ~~وما غسق بعينه، أو دل عليه من يأكله أو يفسده، وتنجية الأنفس كلها من ماله ~~من الجوع والعطش والهلاك والعداة والهبات وكفارات الأيمان والمغلظات ~~وكفارات الظهار وكفارات الدماء، والنذور وشبه هذا، فإنه لا يؤخذ بشيء من ~~هذا في الدنيا، ولا تأدية عليه فيه، ويؤخذ به في الآخرة إن لم يصلحه بنفسه ~~في الدنيا. # والوجه الثالث: ما يلتزمه من العواقل والنوائب والأحكام الظاهرة، التي لا ~~تلزمه بينه وبين الله تعالى وتلزمه في الظاهر كالحكومات بالباطل وبشهادة ~~الزور إن عوفي سلم لا ذنب ولا إثم وإن ابتلى غرم. # الوجه الأول: إذا ارتفع الخصمان إلينا، وقد غصب أحدهما مال صاحبه، أو ~~سرقه أو خانه أو داينه فمنعه، فإن أقر ألزمناه التأدية إن أثبت عليه ~~البينة، فإن أبى جبرناه، فإن امتنع فإن لقاضي المسلمين أن يبسط يده إلى ~~ماله، ويقضي منه غريمه شاء أو أبى. # وإن كان الشيء المطلوب قائم العين، وقد غيبه الغاصب أو السارق، بحيث لا ~~يقدر عليه، فإن أتلفه حكمنا عليه بالقيمة، وجبرناه بالسياط إن لم نظفر ~~بماله، وإن ظفرنا بماله قضينا منه واجب الحق عليه. # وإن كان الشيء المغصوب قائم العين فإنا نخبره بالحبس أو بالضرب، أو بجميع ~~ما يستخرج به منع، أو نقضي من ماله قيمته لغريمه بغير مؤامرة ولا مشاورة، ~~فإن امتنع فليس لنا على قتله سبيل، إلا أن ظهر الشيء، ومنع مع ذلك، ms212 وإن ~~حكمنا بالقيمة عليه، وأخذها صاحبه، ثم ظهر الشيء المغصوب، فصاحبه بالخيار، ~~إن أراد رجع إلى شيئه ورد القيمة التي أخذ. PageV03P086 # ولسنا نأخذ بقول أبي حنيفة: إن الغاصب مخير إن شاء رد الشيء المغصوب، وإن ~~شاء أمسكه وأعطى القيمة، فهذه إحدى المظالم. # وإن كان الشيء المغصوب في موضع لا يصل إليه إلا بمؤنة كلفناه جمعه، وإن ~~ظهر العذر منه وبين ذلك الشيء، كقطاع الطريق، والخوف من العدو، أو من ~~يطالبه بظلم، فنعذره، وأما غير ذلك فلا. # ومن غصب مالا قيمة له، كمن غصب ملحا في وارجلان، فقدر على الغاصب في بلاد ~~السودان استأديناه الملح أو قيمته هنا في هذا الموضع الذي قدرنا عليه فيه. # وإن كان شيء له مؤنة، فعلى الغاصب إيصاله إلى الموضع الذي غصبه منه، ~~وكذلك في الديون التي لها مؤنة، إذا وقع المنع بعد حكومة الحاكم، فإنا ~~نستأديه حيثما قدرنا عليه، وإن لم يقع المنع، فلا يحكم عليه إلا في الموضع ~~الذي وقعت فيه المعاملة، وليس للغريم أن يضعه في غير الموضع. # أما المغصوبات كلها فالقول قول المغصوب، حيثما طلبه أخذه، والعين يأخذه ~~به حيثما طلبه إلا أن يكون معدوما فالقيمة. # وإن غصب له حيوانا، وأنفق عليه الغاصب، حتى ظهر فيه السمن وارتفعت قيمته، ~~فليس للغاصب عناؤه ولا مناه، وذهب ماله وعناؤه خسارة وتعبا، لقول رسول الله ~~(صلى الله عليه وسلم): «ليس لعرق ظالم عناء». # وقال الربيع بن حبيب - رحمه الله وغفر له -: (يكونان شريكان بمقدار ما ~~أنفق، وبمقدار قيمة الشيء)، وقال: (إنما الحديث «لا عناء لعرق ظالم» في ~~الأصول)، وجل الفقهاء على ما أخبرتك. # وأما جميع ما اشتغل من المغصوبات من الثمار التي حدثت عنده، والغلل ~~والألبان من البهائم، وسكنى الدور ومثلها، فهذه كلها نستأديه إياها في ~~الآخرة. # وكل ما أفسد في الأموال إن كان حاضر العين وأراد أن يأخذه ربه ويقف ~~المغرمون على حقيقة قيمته، فليس للمغصوب إلا القيمة. # وكذلك إن كان غائبا، واتفق الغاصب والمغصوب على الصفة، فليس له إلا تلك ~~القيمة، ولا يمين ms213 بينهما. PageV03P087 # وإن لم يتفقا على الصفة واختلفا، أو خفيت عليهما قيمته في الزمان الذي ~~غصبه فيه، فليأخذ ما وجد وليلحق الغاصب ما بقي له عليه حق، واختلف العلماء ~~في أي القيم له: فقيل: قيمته يوم غصبه. وقيل: يوم ترافعا. وقيل: أغلى ~~القيمتين. وقيل أغلى القيمات. # وأما ما يكال أو يوزن فإننا ندرك عليه كليه أو وزنه، فإن غصب في الزمان ~~الذي يساوي فيه الصاع دينارا أو ارتفعت الخصومة في الزمان الذي يساوي فيه ~~الصاع درهما، فإنما يحكم الحاكم له بكلية أو وزنه، لكن القصاص غدا يوم ~~القيامة، فينبغي للغاصب أن يستحله أو يترضاه. # وكذلك لو غصبه الطعام حتى مات صاحبه، فليس عليه غير قيمة ذلك الماء في ~~الدنيا، والقصاص في عدل الآخرة. # وإن غصب حيونا، فهو ضامن له ولجميع مستغلاته، والحكام ليس عليهم أن ~~يحكموا إلا بما ظهر. # وأما الألبان والأصواف والانتفاع كله، فيدرك في الآخرة، فإن شاء أن يتنصل ~~في الدنيا فعل، وغلا فليستحلل. # ففيما قدمنا من المغصوبات أربعة شروط: أولها: المؤديات كما ذكرنا، ~~والثاني: الوعيد الذي حكم الله تعالى به، والعار في الدنيا، ومن وراء ذلك ~~النكال على قدر ما قدر عليه المسلمون مما رأوه من ذلك. # وأما الزكاة وأمثالها، ففي أيام الظهور فيجبر عليها، وأما في أيام ~~الكتمان فيكسب صاحبها العار والنار والإثم فيما بينه وبين الله تعالى، ~~ويتعلق به الفقراء والمساكين في الآخرة، وأما في الدنيا فلا، إلا في زمان ~~الظهور لا استعداء ولا عداء، وهذه ترجع إلى الأمور التي لا يحكم عليه بها ~~في الدنيا، مثل من يصيب الناس بالعين ويفسقهم، فيصيبهم في الأنفس والأموال ~~التي لا يحكم عليه بها، فهذه كلها وأمثالها، يضمنها فيما بينه وبين الله تعالى. # وكذلك الدلالة على أموال الناس من يسرق أو يغصب أو يخون يلزمه ذلك غدا. PageV03P088 # وكذلك ما ضيع من جميع ما عليه من النفقات على الأزواج والسكنى والكسوة، ~~وتضييع أموال اليتامى والمساكين والأولاد والعبيد، فإن هذه كلها ذنوب بينه ~~وبين الله تعالى. # فإن قدر المسلمون عليه في ms214 الدنيا جبروه وما فات ففي رقبته وليس عليه فيها ~~مؤداة إلا الإثم والعار والنار. # وأما الأمور التي يلتزمون فيما بينهم وبين الله كالعواقل، وذلك أن من قتل ~~أحدا خطأ، إنما الدية على عاقلته، إذا حكمتها الحكام. # وإن كان في زمان الكتمان، ولم يحكمها الحكام، فليس عليه منها شيء. وكذلك ~~النوائب التي تجري بين الناس، فإن طلبت إليها وإلى الأولى، فهي عليك واجبة. # وكذلك المؤداة التي تلقيها السلاطين على العامة، فإن استثنوك منها فليس ~~عليك منها شيء. # وكذلك المغارم والمظالم، وكذلك المعونات التي تفصلها العامة على أنفسهم، ~~فإن عفوك فليس عليك منها شيء. # وأما كل ما يجريه الناس كالأسوار والخنادق والحصون فعليك، وإن لم يطلبك ~~فلا شيء، فإذا ذكرنا أحكام الفسقة في الدنيا فلنذكر أحكامهم في الآخرة. # واعلم يا أخي أن الله تعالى جعل للفسقة مخرجا في الدنيا ما داموا فيها، ~~وتكفير ذنوبهم مرتبطة بخمسة أشياء: أولها: التوبة، وهي الترياق الأعظم، ~~فجعل الله الذنوب أدواء وللأدواء أدوية، وأدوية الذنوب التوبة، أن يتوب من ~~كل ذنب قال الله - عز وجل -: (وأني غفار لمن تاب وآمن) فقضى بالتكثير في ~~غفار وبالتقليل في تاب. # وقال: (يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم). والغفور أعظم من ~~الغافر، والغفار أعظم من الغفور. # وقال: (غافر الذنب وقابل التوب). فوعد كثيرا على قليل وجليلا على صغير ~~بمنه ورأفته ورحمته. PageV03P089 # والثاني: الحسنات. قال الله - عز وجل -: (إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ~~ذكرى للذاكرين). حدثني يس بن يحيى عن الشيخ: ماكسن - رحمه الله - قال: (ذلك ~~ذكرى للذاكرين: ذلك توبة للتائبين). وجل القرآن فيه تكفير السيئات بالحسنات ~~كما قال الله تعالى: (إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها ~~الفقراء فهو خير لكم ونكفر عنكم من سيئاتكم). # وإذا تتبعت جل سور القرآن الكبار، وجدت فيها المغفرة بالحسنات. # وقد جعل الله تعالى في أعمال الحسنات ثلاث فضائل: أولها: تضعيف الحسنات، ~~وثانيها: ارتفاع الدرجات. وثالثها: تكفير السيئات، ولكن لكل سيئة حسنة ~~تكفرها، لكن الترياق الأعظم يكفر الكل. # وثالث: المصائب، قال الله تعالى: (ما ms215 أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ~~ويعفو عن كثير) وقال: (الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه ~~راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون) فهؤلاء أصابوا ~~أعظم من المغفرة. # وقال عليه السلام: «ما من عبد مسلم يصاب في مصيبة إلا كفر له بها من ~~خطاياه حتى الشوكة يشاكها». # والرابع: كفارة الصغائر باجتناب الكبائر، لقوله تعالى: (إن تجتنبوا كبائر ~~ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما). وقال تعالى: (الذين ~~يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم إن ربك واسع المغفرة). # وقال: إن رجلا قال لرسول الله (صلى الله عليه وسلم): (يا رسول الله إني ~~معي امرأة ما تركت منها حاجة ولا داجة (1) إلا آتيتها غير موضع الولد، فهل ~~لي من توبة ؟) # فقال له عليه السلام: (أصليت معنا الصبح ؟) # قال الرجل: (نعم). # فقال عليه السلام: «إن الله غفر لك ذنبك» حدث به أبو هريرة فسمعه ابن ~~عباس فقال: (الله أكبر إلا اللمم من الصغائر، وليس فيما يعصى الله به صغير). # أراد أن مناهي القرآن كبار، ومناهي السنة هي الصغار، فقال: (إلا اللمم من ~~الصغائر) فجعل فروع الذنوب من الصغائر. PageV03P090 # واختلف الناس في الصغير والكبير فمن ذلك قال: ليس فيما يعصى الله به ~~صغير. ومذهبه الآخر ما قدمنا: أن لكل ذنب معظما فهو كبير وفروعه هي الصغار. # وقال بعضهم: كل ذنب تاب منه العبد فهو صغير، وما لم يتب منه فهو كبير ~~وهذا لا يلائم الآية، لابد من صغير وكبير. # والخامس: شفاعة المصطفى (صلى الله عليه وسلم) لأهل الذنوب، فمن خنس منها ~~خنس من فضيلته عليه السلام. # وإن وقعت الشفاعة لمن لم يتب، فلو لم يشفعوا لعذبوا وإن كانوا غير مذنبين ~~لأنهم مسلمون، فما الحاجة إلى الشفاعة ؟ إنما كانت للملائكة كما قال الله ~~تعالى: (ولا يشفعون إلا لمن ارتضى). وعلى أن الملائكة لا يشفعون إلا لمن ~~ارتضاه الله - عز وجل - فما حاجته إلى شفاعتهم ؟ # دل قوله: ارتضى، أنه تحمل عنه، ولو لم يتحمل عنه لقال: لمن رضيه. ms216 وعلى أن ~~جابر بن زيد قال: قال رسول الله عليه السلام: «ليست شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي». # ثم قال والله اعلم بما يروي عن أنس بن مالك أنه قال - قال رسول الله (صلى ~~الله عليه وسلم): «إنما شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي». ففيه إثبات الشفاعة ~~لأهل الكبائر وإن كان حديثه مرسلا، فما يمنع جابر بن زيد أن يأتي أنس بن ~~مالك، وقد جمعه وإياه عصر واحد، وسبقه جابر إلى الموت. # وأعظم من هذا كله شفاعة الباريء سبحانه لعباده لقوله - عز وجل -: (من ذا ~~الذي يشفع عنده إلا بإذنه). # ومن وراء ذلك أيضا قوله غدا في المحشر لعباده المؤمنين: «تواهبوا فيما ~~بينكم، وأما مالي عليكم فقد وهبته لكم». # وأخرى: أن الذنب الذي بين العبد وبين ربه يغفره الله تعالى، وما بين ~~العباد لا يغفر إلا بإرضاء الخصوم. # وقول حذيفة بن اليماني لعمر بن الخطاب - رضي الله عنهما - حين سأله عن ~~الفتنة فقال حذيفة: (أما فتنة الرجل في نفسه وماله وأهله، تكفرها الصلاة ~~والصيام والصدقة وصلة الرحم). # فقال عمر: (لست عن هذه أسألك إلا عن التي تموج موج البحر). # فقال حذيفة: (إن بينك وبينها بابا مقفلا). PageV03P091 # فقال عمر: (أيسد أم يهد ؟) # فقال: (بل يهد) # فقال عمر: (إذا لا يسد إلى يوم القيامة) # فقيل لحذيفة: (أفهم عنك عمر ما أردت ؟) # فقال: (أي والذي نفسي بيده كما أن دون غد ليله، وذلك أني حدثته حديثا ليس ~~بالأغاليط) # ومن وراء ذلك كله قول الله - عز وجل -: (وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا ~~بسيماهم ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم لم يدخلوها وهم يطمعون. وإذا ~~صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين. ~~ونادى أصحاب الأعراف رجال يعرفونهم بسيماهم قالوا ما أغنى عنكم جمعكم وما ~~كنتم تستكبرون أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة ادخلوا الجنة لا ~~خوف عليكم ولا أنتم تحزنون). # وجل الفقهاء يقولون: إن هؤلاء قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم، وقال ذلك ضمام ~~بن السائب - رضي الله عنه -، وقال: (هم قوم معجبون ms217 بأنفسهم). # ولنشرح الآن معنى التوبة وطبقات التائبين: # اعلم أن الله تعالى بعث محمدا (صلى الله عليه وسلم) بجوامع الكلم فقال ~~عليه السلام: «الندم توبة» لعلمه أن لابد للندامة من باعث، والباعث هو ~~معرفة شؤم الذنوب، فإذا تقرر في القلب الإيمان بشؤم الذنوب، وانبعثت ~~الندامة لا محالة، وإذا حصلت الندامة انبعث الإهتبال بما يعني ويغني، لأن ~~حقيقة المعرفة بشؤم الذنوب، تكسبه العلم بما فاته من النعيم المقيم، وبما ~~ارتطم به من عذاب الجحيم. # فهنالك الحرقة في فؤاده، تبعث الندامة في قلبه. # فهناك يشتغل بما يعينه ويهتبل بما يغنيه، عادة الله التي قد خلت إن لكل ~~شيء سابقا يقتضيه ولاحقا يتبعه. # فثمرة الندامة: العمل بالطاعة وتنكيب المعصية بما فتح الله للعبد فيها. # باب طبقات التائبين PageV03P092 الأولى من الطبقات: فاسق لم يترك لله ~~حرمة إلا انتهكها، ولا معصية إلا أتاها، من سفك الدماء المحرمة، وأكل أموال ~~الناس ظلما، والربا، والفحش، والزنا، وشرب الخمر فما دونها. # ثم إن الله تعالى من عليه بالتوبة، فانخلع على ما كان عليه من المعصية، ~~ورجع إلى الطاعة وإصلاح جميع ما سفك وأفسد وأكل بالقوة، وتأدية الأموال، ~~وأعقب بعد الغفلة ذكرا، وبعد الكفر شكرا، وبعد الفساد صلاحا وبعد الهلاك ~~نجاحا حتى الموت، فهذا قد انسلخ من اسم الفسوق والكفر إلى الإيمان والشكر، ~~وجاهد غب الله حق جهاده بنفسه وماله لإصلاح حاله ومآله. # الثانية: من فقد أصحاب الجنايات والحقوق وأرباب الأموال بعد إصلاح ما ~~أصلح، فهذا ينفق على المساكين جميع ما عليه من ذلك من الأموال والديات ~~والحقوق، فيحيل أصحاب تلك الأموال على المساكين غدا يوم القيامة، كاللقطة ~~من الأموال تنفق على الفقراء لأربابها. # الطبقة الثالثة: الناسي لما عليه من تبعات العباد وحقوقهم، فإن علم الله ~~تعالى منه النية والاجتهاد، جعل أجور ما تصدق به في الدنيا لأرباب الحقوق ~~وأحولهم عليها، لأن الله تعالى قال في كتابه حكاية عن أوليائه: ((ربنا لا ~~تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا). # فإن كانت له حسنات أخذوا منها، وإن لم تكن له حسنات تحملها عنه ms218 مولاه، ~~وأدخله الباريء سبحانه الجنة بإيمانه وتوحيده لربه وحسن نيته. # الطبقة الرابعة: المعسر الذي لا مال له، فإن هذا يتحمل الله عنه جميع ما ~~عليه من تباعات العباد وحقوقهم، ويترضى الله تعالى عنه جميع أهل الحقوق، ~~بغرف يظهرها لهم في الجنة. ويقول: «من ترك لأخيه مظلمة كانت له عنده في ~~الدنيا، فهذه الغرفة له، كما يجري لداود عليه السلام مع أوريا» والحديث ~~معروف. ينبغي لهذا أن يكثر من ذكر الله تعالى في الدنيا وتكون له حسنات ~~كثيرة، فترضى بها الخصوم، ويحسن إلى الناس ما استطاع، فإن الله لا يضيع أجر ~~من أحسن عملا ورضي له قولا. PageV03P093 # الطبقة الخامسة: من ابتلى بما ذكرنا، وأصلح ما قدر عليه، ابتغاء رضوان ~~الله تعالى وسلامته، وكتب وصيته بما بقى عليه من تباعات العباد وحقوقهم، ~~واستخلف عليها الأولياء والأتقياء فأنفذوها بعده كما يجب وينبغي، فهذا بحمد ~~الله سالم في الدنيا والآخرة. # الطبقة السادسة: من امتثل ما ذكرنا من وصيته واستخلف عليها أمناءه، ثم ~~أنهم أضاعوها وفرطوا فيها، أو أكلوها وأتلفوها، فهذا قد أخبرنا الله عنه ~~أنه بريء الذمة سالم الجنية بقوله - عز وجل -: (فمن بدله بعد ما سمعه فإنما ~~إثمه على الذين يبدلونه إن الله سميع عليم). # ولا يتوجه قوله: (إن الله سميع عليم) إلا على المبدلين لا إلى الموصي ~~المجتهد. وكذلك قوله: (فإنما... الخ) من حروف الحصر عند أهل اللسان. # الطبقة السابعة: من اجتهد وعلم الله تعالى منه النية الخالصة وكتب وصيته ~~ووضعها عند رأسه، قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «ما يحق لامرئ يؤمن ~~بالله واليوم الآخر أن يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عند رأسه». فعلى ~~الناس امتثال ما أصابوه مكتوبا عند رأسه، فلو لم يكن هذا نافعا لما نوه ~~رسول الله عليه السلام به، ودل عليه، وأوجبه عليه. # الطبقة الثامنة: إذا سلم من تباعات العباد وتخلص منها، ولم تكن له ذنوب ~~إلا التي بينه وبين الله تعالى، فهذا ينفعه مجرد التوبة، وما عمل من ~~الحسنات، ووجوه التكفيرات، والمصائب، ودعاء الصالحين، وشفاعة ms219 الصالحين. ~~وروي عن أويس القرني أنه يدخل الجنة بشفاعته مثل ربيعة ومضر. # الطبقة التاسعة: المتمادي في المعصية، ومن نيته التوبة يوما ما من الجهر، ~~وفي ديانته أن الله تعالى لا يغفر الذنوب إلا بالتوبة، فغافصه الأمر، كعدو ~~نزل به فقاتل حتى قتل، أو داهمه العدو، ولم يستطع سبيلا إلى التنصل مما ~~عليه ولا إلى الوصية. PageV03P094 # فهذا إن لم يكن الأمر الذي نزل به عقوبة من الله، وإلا فيرجى له، فهذه ~~حالة أولاد يعقوب عليهم السلام لكنهم لم يفاجأوا، وعسى أن يكون القتل لهذا ~~كفارة، كما قال الحسن بن علي: (بلغني أن القتل كفارة). # وأما غريق أو حريق أو لسع أو هدم أو مثل هذه الأمور، فإنه يخشى عليه، على ~~أن في هذه الأمور كفارة. # واللسع شهادة والسليم شهادة، والمرأة تموت بجنين شهادة، وكذلك صاحب السل ~~والمبطون والغريق وصاحب الهدم. # الطبقة العاشرة: المصر. والفرق بين المصر والمتمادي: أن المصر من نيته أن ~~يلقى الله تعالى بالمعصية، والمتمادي من نيته الانفكاك منها يوما ما، كما ~~قال أخوة يوسف عليه السلام: (اقتلوا يوسف أو طرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم ~~وتكونوا من بعده قوما صالحين) فالمتمادي سيتوب يوما ما، والمصر من ~~الهالكين. وهاهنا اختلفنا مع المرجئة، فرجوا له الجنة مع مناصبته الله ~~تعالى بالفجور. # الطبقة الحادية عشر: صاحب بدعة يدعوا إليها، ويعتقد أنه حق عند الله ~~تعالى، وأنها دين الله يدان به، ويقطع به عذر من خالفه عليها، أو هدم قاعدة ~~من قواعد الشرع، فمهما انخرم من هذه الشروط شيء فعاد، فهذا لا مطمع فيه، ~~ولا المصر الذي قبله، فمها من أهل النار. # واعلم أن المبتدع إذا رأى وزعم أنه حق عند الله، ولم يره دينا، ولا قطع ~~عليه عذر من خالفه، فهذا محمول عنه عادة لا يحكم عليه ببدعته. # وليس في أن قال حق عند الله ما يوجب له البدعة، لأن الأقاويل المختلفة قد ~~أطلق بعض عليها أنها حق عند الله. وهو قول القائل: (إن كل مجتهد مصيب). # وقوله حق عند الله، ms220 وخلافه حق عند الله، بشرط أن يكون في الموضع الذي ~~يجوز لهم فيه الرأي، ولم يقطع المسلمون عذرهم في ذلك، ألا ترى أن المشايخ ~~قالوا أول مرة أن من قال: ريح المروحة خلقه لا خلق الله، أنه إن قاله برأي ~~فالرأي عجز، وإن قاله بدين هلك. PageV03P095 # وكذلك إن قطع عذر أحد من المسلمين فيما أوسع الله عليهم العذر فيه، وأما ~~من رأى خلافهم، فلم يقطع عذرهم فواسع له، والعلم والجاهل في هذا سواء، ~~فأيهم قطع العذر أولا، فهو المقطوع العذر. # ولا يحل لعالم أن يقطع عذر من عجز علمه عما أدركه هو، ولا الجاهل أن يقطع ~~عذر العالم فيما يعلمه دونه. # فمن الأشياء التي هي خطأ عند الله من زعم أن ريح المروحة خلقه دون الله ~~تعالى، لكنه محمول عند من لم يبلغ علمه وجه الحق فيه عند الله، لكنه اقتصر ~~على رأيه فيه، وهو من الخطأ الذي عفا الله عنه لهذه الأمة حيث قالوا: (ربنا ~~لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا). # وغلى هذا أشار جابر بن زيد - رحمه الله - في القول فيما لا يسع جهله. ~~والاختلاف فيه قد أوجبه بعض الفقهاء: معرفة آدم صلوات الله عليه، وأنه من ~~الأنبياء، وأنه أول المرسلين، وهذه المسائل الثلاث مبنية على الرأي، وليس ~~فيها في الكتاب نص ولا في السنة أثر، فإن كان فمستخرج. # وأما التسمية فإنما اقتبس الناس معرفتها من القرآن والتواتر، من غير أن ~~ينص في القرآن أن علينا معرفته وأنه أبونا ونحن ذريته، لكنه أخبرنا عما ~~أخبرنا عن كثير من أخبار بني إسرائيل والأمم الماضية، وليس في ذلك ما يوجب ~~علينا معرفته. # وأما نبوته ورسالته، فليس في القرآن ما يدل عليهما نصا ولا استخراجا، إلا ~~أن يكون من محاورة الله تعالى لأبينا آدم - اقتبسوا ذلك حيث يقول: (ويا آدم ~~اسكن أنت وزوجك الجنة فكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة ~~فتكونا من الظالمين). PageV03P096 # وقد جاءت محاورة الرب لإبليس مشابهة بمحاورته لأبينا آدم صلوات الله على ~~نبينا وعليه لقوله: ms221 (يا إبليس مالك ألا تكون مع الساجدين) ولقوله: (ما منعك ~~أن تسجد) وأمثاله، ولكن المسلمين قد أثبتوا نبوة أبينا آدم ورسالته، ولن ~~يختلفوا فيهما ولن تجتمع أمة أحمد على ضلال، ولهذا قال بعض العلماء: ليس ~~علينا من معرفة الاسم والنبوة والرسالة شيء، فمن جهل من هذه المعاني ~~الثلاثة التي ذكرنا شيئا، فهو مشرك عند هؤلاء وسالم عند هؤلاء. # وأما هؤلاء المختلفون ربما يسعهم هذا، ولكن عند الأحكام يظن الجاهل لمن ~~شركه براءته وقتله وسباه وغنم ماله أم لا. # فإن ساغ هذا لمن ذكرناه فما حال من أوسعه عذرا ؟ هل له أن يحرم براءته ~~وقتاله وسباه وغنيمة ماله أم لا ؟ فإن كان له ذلك، فقد وقع التشابط الذي ~~قاله علي بن أبي طالب، واحتاج الناس إلى تصويب الفريقين أو تخطئتهما. وأن ~~أجزت لواحد أحكامه، ومنعت الآخر، كان ما قال الأول أصوب مما قال الآخر، فقد ~~وقع التحظير في المختلف فيه. وقد قال الشيخ أبو خزر: (لم يبلغنا في شيء من ~~العلم أن البراءة تجب بالرأي). # ومن تحرى أن يسبي ويغنم من علم جميع مالا يسع، فسباه وغنمه على جهله ~~لأبينا آدم وجهله لنبوته ورسالته، فقد تجرأ وأوعد عليه مع هذا النار. # وكذلك جهله جبريل عليه السلام أنه من الملائكة ومعرفة الملل وأحكامها ~~وتحريم دماء المسلمين. # وكذلك من قصر علمه أن يثبت الشرك لجاهل محمد عليه السلام، وجعل معرفته ~~فرضا لا يبلغ جاهلها الشرك. # وأما الذين قالوا بتشريك الجبابرة والطائعين لهم من الجنود، وتشريك كل من ~~أتى معصية الله تعالى، فليس علينا منه شيء حتى يشرعه دينا ويقطع عذر من ~~خالفه عليه، أو يخالف إلى الأفعال التي يصادم فيها القرآن والسنة. PageV03P097 # ولهذا قالت المشايخ في نافع بن الأزرق حين أظهر تشريك الجبابرة: دعوه حتى ~~تروا ما يحدث من الأحكام، وإن لم يتجاوز قوله ذلك إلى الأفعال فخطأ محمول ~~عنه وخطؤه لم يتجاوز اللغة، والرب تعالى قد عفا عن هذه الأمة خطأها ~~ونسيانها، وما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم، فلما أحدث من ms222 الأحكام ما خرق به ~~الإجماع، ورد فيها السنن القائمة، قطعوا عذره وألحقوه بالمتدينين. # وعلى هذا المعنى عول أصحابنا من أهل عمان، الذين لم يقولوا بخلق القرآن، ~~فإذا لم يعتقدوه دينا ولم يقطعوا عليه عذر أحد من المسلمين الذين خالفوهم ~~عليه، فلا بأس عليهم بذلك، وذلك خطأ محمول عنهم. # وكذلك القول له الرضى والسخط والحب والبغض، والولاية والعداوة، واعتقادنا ~~أن هذه المعاني صفات الباريء سبحانه، واعتقادهم أنها أفعال، فكل له معنى، ~~غير أن علمهم قصر عن أن يبلغ الغاية القصوى، فنظروا نظر الخفافيش. # وقد روي مذهبهم هذا عن محمد بن محجوب، وإليه يدعوا أهل الهند أيام كان ~~بالهند، فمن ذهب به مذهب الأفعال خلافا لمن ذهب به مذهب الصفات، ولكل ~~معتقده ما لم يبغ بعضهم على بعض، والباري أظلم والتالي أسلم. # بيان مسائل ما بيننا وبين المرجئة في الإيمان والكفر...الخ # فصل (1) # مسائل ما بيننا وبين المرجئة، في الإيمان والكفر، والمؤمنين والكافرين، ~~والإسلام والنفاق، والمسلمين والمنافقين. # اعلم أن قولنا في الإيمان: إنه جميع ما أمر الله به من قول واعتقاد وفعل، ~~والكفر هو جميع ما توعد الله تعالى عليه النار، فمن أتى كبيرة عندنا فهو كافر. # وأما قول المرجئة فهو إن الإيمان في الضمير واللسان، ولا يسمى شيء من ~~أفعال الجوارح إيمانا، وقولنا أيضا: إن النفاق في الأفعال. وقالوا: إن ~~النفاق في الضمير لا غير، فالمؤمن: الموفي عندنا، والمؤمن: الموحد عندهم. PageV03P098 # واعلم أن اسم المؤمن قد ورد في القرآن على وجهين، ورد على التسمية لمن ~~ادعى الإيمان وانتحله، وورد على التحقيق بالقول والفعل وله الجزاء في ~~الآخرة غدا. # فأما المؤمن على المجاز والانتحال، فقول الله - عز وجل -: (ومن يقتل ~~مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها). وقد دخل في هذا الاسم كل من انتحل ~~اسم الإيمان وأقر بالشهادتين. # وقال أيضا: (وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ). فقد وقع هذا المؤمن ~~على جميع من أقر بالشهادتين بدليل الأحكام، أن من قتل مؤمنا متعمدا قتل به، ~~وإن كان أفسق الفاسقين، على أن الله ms223 تعالى قال: (أفمن كان مؤمنا كمن كان ~~فاسقا لا يستوون).. يريد في الجزاء والمثوبة غدا. # ومن قتل مؤمنا خطأ ولو كان فاسقا فالدية لا محاله، ومن تعمد قتله فهو في ~~النار خالدا. وقال الله - عز وجل -: (ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست ~~مؤمنا). فهذا على الانتحال والتسمية. # وأما المؤمن الحقيقي الذي له الجزاء عند الله تعالى في الآخرة فالمقر ~~بالشهادتين والعمل بالأركان، أعني أركان الإسلام، على اجتناب أركان ~~المعاصي. قال الله تعالى: (إنما المؤمنين الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم ~~وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون، الذين يقيمون ~~الصلاة ومما رزقناهم ينفقون أولئك هم المؤمنون حقا) وغيرهم المؤمنون باطلا. # والكفر نقيض الإيمان، والإيمان قول وعمل، والكفر قول وعمل. بدليل قول ~~الله - عز وجل -: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر ~~فإن الله غني عن العالمين). ومن لا يحج فإن الله تعالى غني عنه، ومن أقر ~~وأبى أن يحج فما فائدته وهو مستطيع. ولهذا قال رسول الله (صلى الله عليه ~~وسلم): «لو قلت نعم لوجبت، ولو وجبت ما قدرتم عليه، ولو لم تفعلوا إذا ~~لكفرتم». PageV03P099 # وقوله عليه السلام: «من لم يحج حجة الإسلام فليمت إن شاء يهوديا أو ~~نصرانيا» وقال: «ليس بين العبد والكفر إلا تركه الصلاة». وقال: «من ترك ~~الصلاة كفر». وقال عليه السلام: «سباب المؤمن فسوق وقتاله كفر». وقال: ~~«الرشا في الحكم كفر». وقال عليه السلام: «من أتى امرأة في دبرها أو حائضا كفر». # واعلم أن من ضاق ذرعا بمذهبنا هذا أو توقف دونه، فإنه يسعه ذلك على ~~الشروط التي قدمنا، بأن لا يقطع عذر أحد من المسلمين في خلاف قوله، ولا ~~يعتقده دينا يدان الله به، ولا يغير من الأحكام شيئا البتة، فهذا واسع له، ~~وقليل ما هم، وإنما رجعوا إلى تحسين مذاهبهم واعتقادهم أنها دين يدان الله ~~تعالى بها وقطعوا عذر من خالفهم، هؤلاء المختلفون، فبهذا قطعنا عذرهم ~~ويوسعنا ذلك فيهم. # وكذلك الشبهة في تخلفهم عن مذهبنا واعتقادنا في ms224 إلهنا، فواسع لهم ما لم ~~يحدثوا أحكاما يخرقون فيها الإجماع، أو يرجعون صرحا إلى المعنى المكروه في ~~الإله العظيم، الذي يشبهون الله تعالى بخلقه. # فإن فعلوا فمآلهم إلى الشرك، وأن تذبذبوا جهلا عذرناهم، وإن كان عن بصيرة ~~قطعنا عذرهم، ولم نخرجهم من الملة حتى يصرحوا بالمعنى المكروه. # وقد قطع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في ثلاث فرق أنهم أهل بدعة، ~~وأنهم أهل النار: وهم القدرية والمرجئة والمارقة. # وقطع المسلمون أيضا عذر ثلاث فرق، لم ينص عليها رسول الله (صلى الله عليه ~~وسلم) وهم: المجسمة والشيعة وأصحاب الفتنة، وانقسمت هذه الفرق الست على فرق ~~كلها إلى النار تزيد على السبعين، كما حكم رسول الله عليه السلام فيهم، في ~~أصناف البدعة وتفاوتهم فيها. PageV03P100 # اعلم أن أصناف المبتدعين: أولهم من ابتدع في دين الله غير دين الإسلام ~~ورآه دينا، واعتقده أنه حق عند الله تعالى، وقطع عذر من خالفه، فهذا هو ~~المبتدع الذي قضينا عليه بالنار والخلود فيها، ولا مطمع له في التوبة ما ~~دام على مذهبه معتقدا، ولا تكفر عنه سيئة بحسنة يعملها، ولا بمصيبة ~~يحتسبها، ولا بشفاعة المصطفى، ولا بمجاورة الله المتعالي إلا إن رجع عن ~~مذهبه واعتقاده، إذ ليس من الحكمة المجاوزة عن من ناصب وأصر. # ويسوء اعتقاد الأمة بينهم البين انطبقوا على المبتدع، ألا يغفر لهم ~~انتصارا لمذهبهم على مسامحة بعضهم لأهل الكبائر العظام، وطمعوا لهم في ~~الغفران مع الإصرار. # الثاني: من سمع منه هذه البدعة، ورضيها وقبلها، وسلك سبيل صاحبها الذي ~~ابتدعها، ونصبها دينا قيما حنيفا، مثل صاحبها الذي اخترقها أول مرة، فهو ~~بمثابة صاحبها وعلى أسلوبه. # وفي مثلهم قال الله - عز وجل -: (قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن ~~كنتم مؤمنين). ولم يقتلوهم، ولكن هم رضوا بفعل آبائهم وقلدوهم. # والثالث: من سمع منه البدعة وعلم أنها من مذهبه واعتقاده، ولم يكن ~~مستبصرا مثل الأولين، ولم يعلم صوابه من خطئه، ولا خطأه من صوابه، ولم ~~يتخذه دينا، ولم يقطع عذر من خالفه، ولا عذر من خالف ms225 صاحبه. ولو قيل هذا ~~المذهب رأيا ولم يعتقده دينا، ما لم يكن ما ذكرنا من الشروط، ولا حملة على ~~فعل يخالف دين الإسلام. فإن سلم هذا، فبفضله وبرحمته، وإن هلك فبعدل الله تعالى. # الرابع: من بلغته هذه البدعة، ولم يعتقد في هذا حقا ولا باطلا، ولم ~~يقبلها ولم يردها، ولم يرضها ولم يسخطها، ولم ينتصر لها بقول أو فعل، وهذا ~~ربما يسلم وقليل ما هم. PageV03P101 # والخامس: من لم تبلغه البدعة، ولم يبلغه إلا شرائع الإسلام، من الصلاة ~~والصوم والزكاة والحج بعد توحيد الله تعالى، ولكنه يوالي إمامه ويقدمه في ~~الدين، وربما لم يبلغه اختلاف الأمة ولا الفرق، كأصحاب الثغور والرباطات ~~فالله أعلم بهذا، أو هو أقرب من الذين قبله. # السادس: من جهل الاختلاف في هذه الأمة ولم يسمعه، ولو سمعه ما فهمه، وهو ~~في غفلة كالعيال والبله وأهل البلد. فالله أعلم بهؤلاء. وقد قال الله ~~تعالى: (لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت). # والكسب سهل والاكتساب صعب، وقد بعث رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ~~بالحنيفية السمحة السهلة، ولم يبعث بالرهبانية المبتدعة. # وروي عن لواب بن سلام، فيمن وقع في خواطره تشبيه الباريء سبحانه: أنه لا ~~يضره ذلك، ما لم يتخذه دينا، ويقسم أن الله تعالى كذلك كان. وقد قالت ~~المشايخ في المنقول: إ، قاله بدين هلك، وإن قاله برأي عجز، لأن الرأي عجز. # على أنهم قالوا في حديث نافع بن الأزرق وحديث ريح المروحة حديث القدرية: ~~إن قالوه بدين هلكوا وإن قالوه برأي فالرأي عجز. # في الدعاء والمسألة من الله تعالى # بسم الله الرحمن الرحيم # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصبحه وسلم تسليما # والذي كتبت يا أخي من أمر مسألة الدعاء إلى الله - عز وجل - أعامة أم خاصة ؟ # قوله تعالى: (ادعوني استجب لكم). وقوله تعالى: (وإذا سألك عبادي عني فإني ~~قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان). وقوله تعالى: (ادعوا ربكم تضرعا وخيفة). ~~وقوله تعالى: (وادعوه خوفا وطمعا). # وسألت يا أخي عن هذه الأدعية: إن كانت عامة لجميع الناس ms226 فتجب إجابة ~~الكافر إذا دعا وإن كانت خاصة فلم ؟ إلى آخر الفصل. # اعلم يا أخي أن ظاهر هذه العموم وهي في ذواتها خصوص واعلم أنه لا يتعرف ~~المراد والغرض من مثل هذه الأشياء لمن لم يحكم ثلاثة أشياء: PageV03P102 # أولها: لسان العرب وهي لغتهم، وهم الحجة فيها. # والثاني: ما يقتضيه اللسان من المعاني. # والثالث: ما آذن الشرع فيه من المعاني وهو الفقه. فاللسان مذانب، ~~والمعاني أدوية والفقه رياض. # فمن لم يحكم هذه الثلاثة الأصول اختل علمه وعزب حلمه، وقال الله تعالى: ~~(ادعوني استجب لكم). في أخواتها من الآي عموما في الظاهر خصوصا في الباطن. # ولابد من شرح هذه الأمور. أولها: الدعاء ومحصوله، ثم الداعي ومحصوله، ثم ~~المدعو ومحصوله. # أما الدعاء في لغة العرب فعلى ثلاثة أنحاء: # أولها صيغة اللسان: (اللهم اغفر لنا)، (اللهم ارحمنا وتب علينا)، فقولك: ~~(اللهم) فنداء ودعاء. وقولك: (اغفر لنا وارحمنا) فسؤال وطلب. وروي عن رسول ~~الله (صلى الله عليه وسلم كان يتعجب من قول أمية بن أبي الصلت في عبد الله ~~بن جدعان يقول: # * كفاني من تعرضك الثناء * # فذهب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أن من أثنى على الله تعالى فقد تعرض ~~لطلبه وسؤاله، وإن لم يأت بضيغة الدعاء والطلب. # وأما الفعل الماضي فكثير كما تقول: (غفر الله لك ورضي عنك). فهذا وجه ~~مقطوع بع وهو الحقيقة. # والوجه الثاني: ما يقوم مقام الدعاء والطلب من الحركات والإشارات من ~~الإيماء بالرأس والإشارة بالإصبع ومد اليدين، ولهذا روي عن رسول الله عليه ~~السلام: «ترفع الأيدي في سبعة مواطن». # وأما الإشارة بالأصابع، فما روي عن ابن عباس أنه قال لرجل يدعو الله - عز ~~وجل- وشخص ببصره إلى السماء، فقال له ابن عباس: (ليس الدعاء كذلك، ولكن أن ~~تبسط اليسرى، وتقبض اليمنى، وتشير بإصبعك المسبحة) فهذه الصفة عند العرب ~~دعاء وسؤال وطلب. # ولا تنس نصيبك من الصلاة وما سميت الصلاة صلاة إلا أنها دعاء وسؤال، ~~فاختلف الناس فيها. فقال بعضهم: هي كلها صلاة ودعاء وجميع ما يعمل فيها. ~~وقال بعضهم: إنما ms227 الصلاة منها ما تعرضت به إلى طلب الباريء سبحانه ودعائه، ~~وما وراء ذلك تبع لها. # وقال الأعشى ميمون بن قيس: # وقال أيضا: PageV03P103 # غير أن ما ذكرناه من الحركات والإشارات دعاء وصلاة عند العرب لكنها ما قدمنا. # والوجه الثلث: أن يكون جميع ما يتقرب به العبد إلى الباريء سبحانه من ~~طاعته دعاء سؤال، لأنه يسأل بذلك الجنة والقربة من الباريء سبحانه ويطلب ~~منه الأجر، ولذلك ترى السودان يسجدون لسادتهم وملوكهم، وهذا الوجه طارئ على ~~اللغة من جهة الشرعيين استخراجا من المعنى، وللطارئ حكمه. فهذه فصول الدعاء ~~من الأوجه الثلاثة. # ذكر صفة الداعي والمدعو والإجابة # وأما صفة الداعي ومحصوله فعلى ثلاثة أوجه: # أولها: أن يكون طالبا راغبا، لأن صفة الدعاء وصفة الأمر واحدة، وإنما ~~يفترقان في صفة المتكلم. فإن كان الخطاب ممن فوقك، كان أمرا. وإن كان ممن ~~دونك، كان طلبا وسؤالا ودعاء. ألا ترى إلى الله تعالى يقول: (اتقوا الله ~~وأطيعون يا أولى الألباب) فبإجماع أمر. # وقولك: (ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا) فبإجماع دعاء وسؤال. # والثاني: يتأدب في طلبه وسؤاله مع الباري سبحانه ولا يكون كالعجوز التي ~~قالت: رب أعطني وإلا تفعل فمالك هاهنا عجوز تتضرع. # الثالث: ألا يطلب من أمور إلا ما أذن له الشرع، وإن طلب ودعا وعصى فما هو ~~بداع ولا بطالب. # ولا يطلب المحال، فمن فعل فما دعا، لأن جميع ما يتعلق بالمحال فليس بدعاء ~~ولا يجوز ذلك. مثل من يدعو: أن يجعله الرب إلها، وأن يجعل الجسم عرضا ~~والعرض جسما والأكثر أقل من الأقل، والأقل أكثر من الأكثر، في أمثال هذه ~~مما يتعلق بالمحال. وأن يفعل له ما أخبره الباري سبحانه: أنه لا يكون ~~كالكافر أن يجعله من أهل الجنة، أو أحد من أهل الجنة أن يجعله من أهل ~~النار، أو أن يعافيه من التكليف، أو يجعل التكليف في الأطفال والمجانين، أو ~~أن يكون نبيا، أو شبه هذا. فكل ما تعلق من ذلك فهو محال. PageV03P104 # وأما صفة المدعو ومحصوله: أن يدعو ويسأل ما يليق ms228 به، مما هو ظاهر الحاجة ~~إليه، كالجنة والإسلام والإيمان والسلامة والعافية والخلاص من النار في مثل ~~هذا من غير شرط وهو على ثلاثة أوجه: هذا هو مثل الأول. # والثاني: إذا كان الشيء المدعو منهما أن يشترط الأصلح. اللهم ارزقني من ~~المال ما يصلح لي ومن الولد ما ينفعني، واحيني إذا كانت الحياة خيرا لي ~~وأمتني إذا كان الموت خيرا لي، في مثل هذا. # والثالث: الدعاء بجميع ما فعله الباري سبحانه أن يفعله، كالذي يدعو ~~ويقول: اللهم اجعل السموات سبعا، والأرضين سبها، والجبال شدادا، والعقلاء ~~مكلفين، والأطفال معفوين، والماء مبلولا، والهواء رخوا، والنار محرقة، ~~والثلج باردا، في مثل هذا فهذا الباب مما لا يعني، وشبه له وهو دونه من جعل ~~عمره في لعنة إبليس وأن يخلده في النار، وأن يجير أهل النار من النار وأن ~~يضيق عليهم أنفاسهم وأن يديم إتعاسهم، غفل عن نفسه وندم يوم القيامة لم ~~يطلب جنة ولا هربا من النار. # صفة الاستجابة على ثلاثة أوجه: # الأول: أن يعطيه الباري سبحانه ما سأل، وطلب على إدلاله كما سأل، كان ذلك ~~محمود العاقبة أو مذمومها، على ما يتعارف الناس أنه قد أجيبت، كما قال الله ~~- عز وجل -: (قد أجيبت دعوتكما فاستقيما) وكما قال تعالى: (إن تستفتحوا فقد ~~جاءكم الفتح) وهذه بين محمد عليه السلام وأبي جهل لعنه الله فدعوا فاستجيب ~~لها فهذه هي الإجابة المعقولة. # والثاني: أن يصرف الله تعالى الإجابة إلى الأصلح له، ويجعلها له مكان عود ~~(1)، كالذي يسأل الله تعالى أن يدفع له من المال ألف دينار، وقد علم الله ~~سبحانه وتعالى أن يموت تلك الليلة، فإن أعطاه كانت عقوبة للداعي لا فائدة، ~~وإن صرفه الباري إلى أجر يدخره له كانت أفضل، أو يمن عليه تلك الليلة بفعله ~~تساوي ألف دينار ينال أجرها في الميعاد كان أفضل. PageV03P105 # وأكثر دعاء الصالحين منصرف إلى هذه الجهة، وقد جرى علينا في طريق..الخ. ~~ما فيه معتبر لمن يتذكر، وذلك أنا عللنا وجعلنا وعطشنا، فقلت لهم: (هلموا ~~ندعوا الله - عز وجل - أن ms229 يهيئ لنا الماء) فما استتممنا دعاءنا حتى طلعت ~~علينا سحابة، فاستدارت فوق رؤوسنا، فأبرقت وأرعدت، ثم صرفها الله تعالى، ~~فتعدت البحر إلى الجانب الغربي، فكاد أصحابي أن ينسوا، فصبرتهم ووعظتهم، ~~وذكرت لهم حديث الشيخ أبي زكريا يحيى بن أبي بكر - رحمه الله - التي جرت ~~للعزابة في المسجد الكبير في جربة وأظنك تعرفه، فتصبرنا وسرنا مع البحر ~~أربعة أيام، وانتهينا إلى رأس أيله، ثم رجعنا مع البحر إلى الجانب الغربي ~~مسيرة ثلاثة أيام، ووصلنا مستنقع سحابتنا وقد عطشنا أكثر من أول مرة، ~~فأغاثنا الله بمائها. # وربما يعلم منه الباري سبحانه لو أعطاه ألف دينار لضن به ودفنه حتى يموت ~~لا ينتفع به، أو يدخره لولده، فربما يعطيه سبحانه لولده من بعده، ويقوله: ~~يا عبدي قضيت حاجتك إنما تريد لولدك قد أعطيت الألف لولدك. وهذا الفن كثير. # والثالث: كما روي لك عن أبي عمر وقد روي في الإسرائيليات أنه قال الله - ~~عز وجل - لموسى عليه السلام: «قل لظلمة بني إسرائيل ألا يدعوني، فإني قد ~~جعلت على نفسي أن أجيب من دعاني، وإن دعاني منهم أحد أن أجيبه باللعنة» ~~وعموم هذه الآيات قد خصها الشرع كما قدمنا، وخصها العقل، وذلك غير مستنكر ~~من القرآن. # وأما قول الله تعالى: (وأضله الله على علم) معناه: وأضله على بيان أي ليس ~~في ضلالته ولا لبس. # وقوله: (قد أنزل الله إليكم ذكرا رسولا) بعض المفسرين يذهب إلى أن الذكر ~~هو الرسول، يعني أنزل إليكم ما يذكركم وهو الرسول. # وبعض يذهب إلى ما فيه ذكر تذكرة لكم ومعتبر، وهو الرسالة. والكل قريب. PageV03P106 # وأما الحروف الخمسة المعجمة إذا لم يعجمها القارئ في صلاته، فإن كان ~~القارئ أعجميا فإنه محمول عنه ما لم يتعمد، وقد ذكر عن رسول الله عليه ~~السلام أنه اشتكى إلى جبريل عليه السلام أن في أمته العجمي والشيخ الفاني ~~ومن لا يحسن القراءة. # وفي بعض الروايات: أنه قال: «اقرأه على حرف فما زال يستزيده». فقال: ~~«اقرأه على سبعة أحرف، كلها شاف كاف». # وفي رواية أخرى: «أن ms230 الملك قال له: اقرأه على حرف، فأمره جبريل أن ~~يستزيده إلى سبعة أحرف». # وفي رواية أخرى: «أن جبريل قال له: كل ذلك محمول عن أمتك فمن قرأه بخلاف ~~ما هو به أصلحه الملك»، لمن تعمد اللحن في صلاته، فإن كان يخرجه إلى خلاف ~~القرآن انتقضت صلاته، وإن كان لا يخرجه إلى خلاف القرآن انتقض أجره، وهذا ~~في المتعمد، وأما غير المتعمد فقد تقدم ذكره. # وأما قولك: (إنكم في زمان التارك فيه لعشر ما أمر به هالك، وسيأتي على ~~الناس زمان العامل فيه بعشر ما أمر به ناج) فالرواية صحيحة عن الرسول عليه ~~السلام. # فالظاهر من الرواية أن من كان في زمان النبي عليه السلام وظهور الدين، ~~كان عليه إقامة أمهات الطاعة كما أمر في ذلك الزمان وربما يشق عليه ما ~~يتخلف عنه من شذوذ الدين فلذلك شدد عليه رسول الله (صلى الله عليه وسلم). # وأما قوله في المتأخرين فظاهر، لأن الله - عز وجل - أسقط عنهم كثيرا من ~~الأحكام التي تتعلق بالظهور من الجمع والجهاد والحدود والأحكام، فالذي يخص ~~الواحد في نفسه هو الملتزم، وربما يعذر الرب سبحانه كثيرا من خلقه بالتقية ~~التي ظهرت في زماننا. # وإن كان في علم الله سبحانه ما يسقطه ويعذرهم فيه عن أهل آخر الزمان، ~~فغير مستنكر، ولهذا شرح يطول، وليس فيه ما ينقص ديننا ولا مذهبنا. # والإيمان عندنا: جميع ما أمر به الباري سبحانه، ولو رجع أكثر أصل الفرائض ~~نوافل فما ذاك مما ينقص أصلها، والطاعة كلها إيمان. PageV03P107 # فلو كان محمد (صلى الله عليه وسلم) نسخ بعض الفرائض لكان جائزا، وبقيت مع ~~ذلك من الإيمان، ليس لهم من الرواية متعلق، معنى الإيمان بالفرائض والتوحيد ~~والنوافل واحد. # فلو نسخت الفرائض كلها عن الخلائق إلا التوحيد، لكانت مع ذلك مع النوافل ~~من الإيمان، لا يخرجها إلى أن يكون الإيمان قولا بلا عمل. # وإنما الاتساع في الإيمان الذي دون التوحيد، فلو أراد الله تعالى لجعله ~~أولى من الإيمان المضيق المؤكد، ولو أراد الله تعالى لجعله منه ما أراد ms231 من ~~الإيمان الموسع. وقد سنحت في خاطري نكته من هذا الحديث: «إنكم في زمان ~~التارك لعشر ما أمر به هالك، وسيأتي على الناس زمان العامل فيه بعشر ما أمر ~~به ناج)). # ذكر أصول الشريعة البنية على ثلاث # اعلم أن أصول الشريعة مبنية على ثلاثة أمور: الكتاب والسنة، ورأي ~~المسلمين. فالكتاب أصل للسنة والسنة أصل للرأي، وبالعكس، إن الرأي يقضي على ~~السنة، والسنة تقضي على الكتاب. فيا سبحان الله، كيف صار الأصل فرعا، ~~والفرع أصلا، حيث يقضي الأدنى على الأعلى، ومع أن الأعلى أعلى له. # وبيان ذلك أن الله - عز وجل - قال: (وما أرسلناك إلا لتبين للناس ما نزل ~~إليهم) فأول ذلك قول الله تعالى: (يأيها الناس) (يأيها الذين آمنوا) فهذا ~~الخطاب يستغرق جميع الناس وجميع المؤمنين، فخصت السنة منه الطفل حتى يكبر، ~~والمجنون حتى يفيق، والنائم حتى يستيقظ. # وعم عموم هذه الآي جميع العقلاء البالغين، من الرجال والنساء. فقال: ~~(فاتقوا الله وأطيعون يا أولي الألباب) فأمر بطاعته وتقواه جميع أولي ~~الألباب، فدخل النساء في الخطاب، على أن لهن خطابا مفردا. PageV03P108 # وقد يكون ذلك عند العرب على أن الأفضل آت على المفضول والرجال على ~~النساء. ثم قال: (وقاتلوا المشركين كافة) (واعلموا أنما غنمتم من شيء فإن ~~لله خمسه) ثم قال: (جاهد الكفار والمنافقين وأغلظ عليهم) فخرج النساء من ~~الجملة بحكم الشريعة والسنة. # ثم إن السنة جاءت معلومة فكر عليها المسلمون بآرائهم فضعضعوها، من ذلك ~~الأخذ باليمين على الشمال، وهو من سنن المرسلين، وتركته الأمة حتى ترك، ~~والزكاة لليهود، والإحسان إلى أسارى المشركين قال الله - عز وجل -: ~~(ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا). # ومعلوم أن الله تعالى قال: (قاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم) فهذه ~~عموم محتملة للتبعيض، فنسخ الله تعالى منهم أهل الذمة، فقال: (قاتلوا الذين ~~لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا ~~يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم ~~صاغرون). # ثم خص رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ms232 من الجملة النساء، فنهى عن قتل ~~نساء المشركين. ثم نسخ أبو بكر الرهبان الذين هم في الصوامع. ثم نسخ منها ~~عمر بن الخطاب نصارى بني تغلب، وأسقط عنهم الجزية، وأخذ منهم الصدقة، وأزاح ~~عنهم اسم الذلة والمسكنة، غزوا معهم المشركين ورضخ لهم وسالمهم. # ومن وراء ذلك عشرة أحكام نطق بها القرآن ومضت بها السنة، أن عمر بن ~~الخطاب تتبعها حكما حكما وثلمها ثلما ثلما، وغير الأحكام المتقدمة إلى ~~غيرها، وسوغ الله تعالى ذلك له، ورضي المسلمون وأذعنوا، وأتى رأيه على ~~الكتاب والسنة. PageV03P109 # ولهذا قلنا: إن الرأي يقضي عليهما جميعا، أولها: تعطيل حق القرابة من ~~الخمس، والثاني: بطل سهم المؤلفة قلوبهم، والثالث: إسقاط القطع عام الرمادة ~~عن السارق، والرابع: اطراح الصدقات عن الناس عام المسبغة، والخامس: اعتاقه ~~أمهات الأولاد على أربابها، والسادس: صلحه نصارى بني تغلب، وما أسقط عنهم ~~من الأسامي التي سماهم الله بها. والسابع: منعه في الفيء الذي أفاءه الله ~~على المسلمين، والثامن: تحرير المشركين بعد ما صاروا أرقاء، والتاسع: ~~إجلاؤه اليهود والنصارى من بلادهم بعد ما تركهما عليه السلام فيها، ~~والعاشر: تمصيره الأمصار، وتدوينه الدواوين وقسمة الفيء. # فإذا ساغ هذا كله لعمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وقد صادم فيها القرآن ~~والسنة، فلم لا يسوغ لأهل آخر الزمان من المسلمين - مع الضر وكثير من ~~محظورات الشريعة - أتباعا لسنة عمر وغيره، ولاسيما الشدائد في أيام الدجال، ~~وطلوع الشمس من مغربها، ويأجوج و مأجوج، وهذا السحت الذي عم البلاد، وشمل ~~العباد، والملوك الجورة الذين عكسوا الشريعة، وقلبوها ظهرا لبطن. # وفي امرأة فرعون آية للسائلين، كيف لها بالدين مع فرعون وأهله وحشمه ~~ودخلته، وقد حار عقلي في هذا الحديث، وحديث آخر: أن أمته تكون في ثمانين ~~صفا من مائة وعشرين من أهل الجنة، مع ما ذكر من الثلاث والسبعين فرقة، كلهن ~~إلى النار إلا واحدة. فما بقي وقد تقدم في الجزء الأول الإشارة إلى شيء من هذا. # ذكر مسائل متعددة مفيدة # بسم الله الرحمن الرحيم # وصلى الله على محمد وعلى آله ms233 وصحبه وسلم # عونك اللهم وتوفيقك. # اعلم يا أخي أنه وصل كتابك الأغر والأكرم، فوقفنا على مضمونه، وقد شفيت ~~وكفيت، فجزاك الله عنا أفضل الجزاء، وصادفني ذلك وأنا في ورجلان سدراته، ~~ولم ألتق بالشيوخ أبي عمرو عثمان وصالح حفظهم الله، وكان إذ ذاك أبو عمرو ~~عثمان، سلمه الله، مريضا ضعيفا كما استنقذ من مرض به. PageV03P110 # وأما ما ذكرت من كتاب زهرة العيون لابن قتيبة، حديث الأوزاعي عن محمد بن ~~علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب: سأل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عن ~~قوله تعالى: (يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب). فقال عليه السلام: ~~«لا سررنا بها، لا سررت بها يا علي، سر بها أمتي من بعدي: الصدقة على ~~وجهها، واصطناع المعروف، وبر الوالدين، وصلة الرحم، يحولن الشقاء سعادة، ~~ويزدن في العمر، ويقين مصارع السوء». # اعلم يا أخي أن ابن قتيبة عالم رواية، وليس بإمام عند أهل مذهبه ولا ~~حديثه مما يكون حجة بين المذاهب، ولقد أخذ عليه المتكلمون في مذهبه في ~~استواء الله تعالى على عرشه، وذهب به إلى الاستواء المعقول، ورد على من قال ~~بغيره وأنبهم، وزعم أن الله تعالى خاطب الناس والعامة بما يعقلون ويفهمون، ~~فأحالتهم المتكلمة عن ذلك. # أما الأوزاعي فإمام أهل مذهبه، وأهل الشام قاطبة غلب عليها مذهبه، حتى ~~انتهى مذهبه إلى الأندلس وعلى مذهبه كان أهل الأندلس إلى اليوم، وليس ينتحل ~~مذهب مالك في الأندلس إلا خدمة المرابطين في أيامهم، وهم ينظرون إليهم بعين ~~الزراية، أعني بقية أهل الأندلس ينظرون بعين الزراية إلى من خدم المرابطين، ~~أما أحكام مالك فمهجورة في الأندلس، والمرابطون أيضا ينظرون إلى من خدمهم ~~من فقهاء الأندلس بعين الشك والارتياب، وهذا الذي شاهدناه منهم في زماننا هذا. # وقد دخل الأندلس من أصحاب مالك أربعة لا غير: يحيى بن يحيى ويحيى بن بكير ~~وفرغوس، وذهب عني الرابع، فلم يقضوا شيئا، ولم يتجاوزهم علمهم إلا بعد ~~الأربعمائة والخمسين سنة من الهجرة، دخلها البجائي وبعده ابن عبد البر، ~~فغلب البجائي ms234 على أهل غرب الأندلس بطليوس وقطرها، وغلب ابن عبد البر على ~~المرية وحواليها. PageV03P111 # واعلم أن الأوزاعي إليه انتهت إمامة الشام، وفي أيامه كانت الأئمة: مالك ~~بالحجاز إمام، وسفيان الثوري بالعراق إمام، والليث بن سعد إمام بمصر، وهم ~~في الصدر الرابع، لأن الصدر الأول صدر الصحابة، والثاني صدر التابعين، ~~والثالث صدر تابعي التابعين، والصدر الرابع صدر الأئمة، وإلى هذا الصدر ~~الإشارة بقول رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لحذيفة حين سأله فقال: (يا ~~رسول الله هذا الخير الذي أتانا الله بك، هل بعده من شر ؟) قال: «نعم، ~~الفتنة». قال: (وهل بعدها من خير ؟) فقال: «نعم، إغضاء على إقذاء وهدنة على ~~رهق». فقال: (وهل بعد الخير من شر ؟) قال: «نعم، أئمة مضلون قاعدون على ~~أبواب جهنم ينادون إليها، كل من أجابهم قذفوه فيها». # على أن هذه الأئمة ذكرت هذه الأحاديث التي جاء فيها التشبيه تشبيه الباري ~~سبحانه في الرؤية وغيره. فقالوا: أمروها كما جاءت. # وأما محمد بن علي بن الحسين فهم بيت العلم، غير أن علمهم قد هجنته ~~الرافضة، وعلي بن الحسين هو القائل: # وأما أخبار جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب كرم الله ~~وجهه (1) فقد ضعفتها العلماء، وجعلوا حديثه مرسلا، لأجل روايته عن جده، لأن ~~علي بن الحسين لم يدرك جده # علي بن أبي طالب، فإن أراد الحسين فإن محمد بن علي لم يدرك جده الحسين، ~~فلهذا المعنى طعنت الأمة في حديث مالك في الشاهد مع اليمين، ورواه عن جعفر ~~بن محمد عن أبيه عن جده عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وجعلوه من ~~المراسيل. # وأما قوله: «يحولن الشقاء سعادة». ونحن نذكر الآن قبل مذاهب الأمة في ~~قوله تعالى: (يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب). PageV03P112 # ذهب ابن عباس إلى أن الحفظة إذا نزلت من السماء، كتبت عمل العبد وصعدت ~~إلى العرش، وتنزل أيضا ملائكة يكتبون ما عمل، فتلتقي الملائكة في السماء ~~الدنيا، فتتقابل النسختان، فما صح في نسخة اللوح المحفوظ، فهو الذي ms235 يحاسب ~~عليه العبد، وما خالف ترك هناك فيمحى، وهو معنى قوله تعالى: (إنا كنا ~~نستنسخ ما كنتم تعملون). # وقيل: معناه أن الله قسم الأرزاق والآجال لكل أمة، فمن زيد في رزقه وأجله ~~فيفعله، ومن نقص من رزقه وأجله فيفعله، ومصداق ذلك قول رسول الله عليه ~~السلام: «أعمار أمتي من الستين إلى السبعين». # وليس في ذلك ما يوجب أن من جاوزها أو مات دونها، أنه ليس من الأمة، ولكن ~~الأجل المرفوع لأمته ما ذكرنا، ويكسبون طول الأعمار والأرزاق بالأعمال التي ~~ذكرناها عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، من الصدقة والمعروف، وبر ~~الوالدين، وصلة الرحم، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، وتنخرم أعمارهم ~~وأرزاقهم بنقيضها. # وقيل: إن معنى قول الله - عز وجل -: (يمحو الله ما يشاء ويثبت..) آجال من ~~توالد وأرزاقه، وآجال وأرزاق من انتقصت آجاله وأرزاقه. # وقيل: يمحو الله ما يشاء من السيئات بالحسنات، ويثبت ما يشاء من السيئات ~~ولا يمحوها بالحسنات، كالترياق الأعظم الذي هو التوبة، وما دونها من ~~الحسنات التي هي كالأدوية تصلح لشيء ولا تصلح لشيء. # وقيل: إن معناه: يمحو الله ما يشاء من المنسوخ، ويثبت ما يشاء من الناسخ. # وقال بعضهم بالبدا في أفعال الله تعالى ترويه الشيعة عن أهل البيت محمد ~~بن علي وذويه، ويرويه عن جده علي بن أبي طالب. وقالوا عن علي: ما منعه أن ~~يخبر عن كل ما يكون إلى يوم القيامة إلا مخافة أن يبدو فيه لله، تعالى عن ~~ذلك علوا كبيرا، وهذه القولة أفحش الأقاويل. # فرووا عن محمد بن علي أنه قال: (هو ديننا ودين آبائنا في الجاهلية وفي ~~الإسلام) وهذا مذهب الروافض. PageV03P113 # ولقد صدق مالك بن أنس الذي قال: (تحملوا ويل غيهم) (2) فتحمل حين قال هذا ~~عنهم، وإنما أرادوا هذا كله حمية في علي وأولاده فتعاموا لهم. # مسألة # وأما المسألة التي جرت بين عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس - رحمهما ~~الله - وهل يجوز أب يقول الرجل: أنا مسلم عند الله حقا، أم لا يجوز له ذلك ؟ # قال ms236 ابن عباس: (لا يقول ذلك). # وقال ابن مسعود: (بل يقول ذلك). # فكتب إليه ابن عباس: إن لم تقل ذلك فأنت شاك في دينك). # وقلت: ما معنى قول ابن مسعود ؟ وهل يجوز للرجل أن يقول: أنا مسلم عند ~~الله حقا ؟ ولم ينزل فيه خبر. # اعلم أن هذه الرواية ما وقفنا عليها في كتاب ابن بركة العماني، إلا أن ~~طرأ له من الدواوين ما لم نقف عليه. # والذي صح عندنا وثبت عكس هذا، عن ابن مسعود في كتاب الإيمان لأبي عبيد ~~القاسم بن سلام أمين الحديث: أنه قال: (قال رجل يوما من الأيام بين يدي ابن ~~مسعود: (أنا مؤمن). فقال له ابن مسعود: (فأنت إذا في الجنة). فقال له ~~الرجل: (إن شاء الله). فقال ابن مسعود: (أفلا وكدت في الأولى كما وكدت في ~~الثانية). وهذه الرواية عكس الأخرى , وسنجيب في الوجهين جميعا إن شاء الله، ~~ومنه التوفيق. # وذلك أن الأمة قد اختلفت في هذه الأمور، فأثبت أهل الدعوة التسمية ~~بالعاقبة والمآل. # وقال غيرهم: بل بالحيل والحال. وكلا الأمرين سائغ في لسان العرب في حقنا، ~~ومذهبنا ظاهر في حق الباري سبحانه. PageV03P114 # فظل الفريقان يتخاطفان أبصارهما ويتخالسان فيها بينما، فعول أهل الدعوة ~~على المعاني، والغير على الألفاظ، والمعاني والألفاظ بحران عظيمان زاخران، ~~قد غرق فيهما كثير من الناس، إلا من قاده التوفيق إلى سواء الطريق وأعطى كل ~~ذي حق حقه فالألفاظ وقشور المعاني لباب، فاختر أيهما شئت، وقد يسوغ ما قاله ~~الغير فيما بيننا ولا يسوغ في بارئنا سبحانه فأبى الغير من (1) فما رأينا ~~في هذا سواء، ونحن - إن شاء الله - نوضح المذهبين جميعا. # اعلم أن أصول هذه المسألة في اللغة وبعدها الشرع، أما اللغة، فإن معهود ~~العرب في الأفعال والأسماء متفاوتة، وذلك أن الأفعال تدل على الحدوث ~~والزمان، ماضيا وحالا ومستقبلا، فجعلوا لكل زمان صفة تدل عليه من الأفعال، ~~والأسماء من وراء ذلك تقتضي هذه الثلاثة المعاني، وهي موقوفة عليها، ونقدر ~~كلمة واحدة من الأفعال، ونركب عليها محتملاتها الأدنى فالأدنى حتى يتضح ~~المعنى، ms237 وهي كلمة (فعل) وقد جعلها الله معيارا لجميع الأفعال. فقال عز من ~~قائل: (لا يسأل عما يفعل وهم يسألون). # فلو قلت (فعل) لدل على الحدوث في وقت ماض من الزمان، ولو قلت (يفعل) لدل ~~على الحين الذي أنت فيه من غير تحمل، ولو قلت (سيفعل) لدل على الآتي من ~~الزمان. # فالأمس دال على ما مضى، والآن دال على الحين، وغدا دال على المستقبل، وكل ~~واحد منهما دال بصيغته على مقتضى معناه، لا تنوب إحداهما عن الأخرى إلا ~~مجازا، ونحن الآن في الحقائق. # فلما استغرق الفعل الزمان، وبقي الاسم يصلح للكل: ماضيه وحاله ومستقبله، ~~فليس يقتضي معنى دون معنى إلا بقرينة وتقييد. وقولنا: (فعل، يفعل، سيفعل) ~~فهو فاعل. # ثم إنا رجعنا إلى أبنية الفاعل فوجدناها على وجوه كثيرة، كلما زيد في ~~المعنى تغيرت له الصورة، فأولها فاعل ثم فعيل ثم فعول ثم فعلان ثم فعال ثم ~~فعاله ثم فعلة. # فهذه السبع الكلمات لا تختص بوقت دون وقت، ولا حال دون حال، وتصلح للجميع ~~وبرهانه في لغة العرب: PageV03P115 # إنك تقول: هذا رجل حاج. لمن أراد السفر إلى الحج واشتغل في حوائجه وإن ~~كان في عقر وطنه. وحاج: لمن جازه السفر إلى حجة. وحاج: لمن كان في المناسك. ~~وحاج: لمن فرغ منها. وحاج: لمن كان في القبر ميتا. وحاج: لمن كان في الرحم ~~جنينا إذا ورد فيه خبر. # ولنرجع إلى قولنا (مسلم) فأجريناه على هذا المجرى. وأوله: لمن أخذ في ~~شرائع الإسلام، ولو لم يكن إلا الشهادة. ثم لمن تقول في معظم الإسلام وصدر ~~منه القول والعمل، ثم لمن تحلى به في حياته ولو كان ميتا في قبره، ولمن لم ~~يخلق بعد أن صدر القول من الصادق كإبراهيم الخليل حين سمى هذه الأمة مسلمين ~~ولما يخلقوا. # فإن وقع التخاطب بأن هذا مسلم لمن شرع فيه، كاليهودي والنصراني والمشرك ~~الشارع فيه نصا، مسلمان على أنهما لم يلتبسا من الدين إلا باسمه. والثاني: ~~لمن تغلغل فيه وإن بقيت عليه العاقبة. والثالث: من فرغ من الإسلام ms238 بموت أو ~~جنون. والرابع: من جرى عليه حكم الإسلام كالصبيان وأهل الجنة. # فمن العادة المتقدمة أن بيضة الإسلام تسمى مؤمنة وإن خالطها الغير، وإن ~~كنا نعرف الضمائر ولم نبل السرائر، فمن علم أن هذا مراده، فإطلاق اسم ~~الإيمان عليه سائغ. فهذا بحر الألفاظ. # أما بحر المعاني فإذا كان الله - عز وجل - عالما بالعاقبة والمآل، فإن ~~المكلف لابد أن يوجد، ولابد له بعد الوجود من الإيمان أو الكفر وعلى أحدهما ~~الخاتمة. # ومن كانت عاقبته الجنة فاسمه مؤمن مسلم، ومن كانت عاقبته النار فاسمه ~~كافر، أجرينا الاسمين عليهما قبل أن يوجدا أو قبل أن يخلقا وهذا ليس فيه ~~اختلاف. والدليل عليه فعل إبراهيم الخليل، عليه وعلى نبينا محمد السلام حين ~~سماهم المسلمين. # وقول الجميع: إن الساعة لا تقوم إلا على كافر. وفي لغة العرب مصداق ذلك، ~~وذلك أنهم مهما أبصروا شمائل السبق في مهر سموه سابقا، كما ولد قبل أن ~~يسبق، فلم يبق إلا المعارضة التي بين الفريقين. PageV03P116 # فقال أصحابنا: إن جميع من علم أن مآله إلى الجنة ومرجعه، فهو مسلم عند ~~الله في جميع حالاته ولو كان عابد وثن، في تلك الحالة فهو مسلم عند الله في ~~جميع حالاته، وقبل أن يخلق وبعد ما خلق طفلا، وبعد ما بلغ أشده. # واختص بالكفر والشرك والنفاق إذا علم الله تعالى أنه يموت على غير ~~الإسلام، ولا يجوز لأحد أن يسميه بغير هذا الاسم إن علم بذلك من عند الله تعالى. # وقالت الفرقة الثانية: إنه لا يسمى بشيء من هذه الأسماء حتى يصدر منه ~~فعل، فيسمى مسلما إن فعل الإسلام، وكافرا إن فعل الكفر والشرك والنفاق، ولو ~~علمنا العاقبة والمآل. وكلا الفريقين قد انتصر لمذهبه. # فمذهب من قال بالمآل، وقد ذكرناه حكاية عن الخليل، صلوات الله على نبينا ~~وعليه، عن آخر هذه الأمة. # واستدلت الفرقة الثانية بقول الله تعالى: (ومن أحسن قولا ممن دعا إلى ~~الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين) وبقوله تعالى: (وما كان لمؤمن ولا ~~مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا ms239 أن تكون لهم الخيرة من أمرهم) فإن حصر ~~الاسم إلى معلومة خرج غيره من هذه التسمية، فيكون الخطاب خاصا لمن علمه ~~الله أنه مؤمن، وإن كان الجميع دخل فيه المسلم والكافر. # وقال أهل الدعوة: إنه أراد المسلمين عندكم. وقد سمى أهل الدعوة مؤمنا ~~بمعنى مقر، وسموا مسلما بمعنى مدع، وهذا منتقض علينا من وجهين: أحدهما: أن ~~صاحب الكبيرة عندنا كافر قاتلا كان أو مقتولا. فإن خرجنا من هذا الخطاب، ~~ووقعت الإباحة لهم أفلن نقيد فيمن قاتل منافقا لأنه ليس بمؤمن. وكذلك قوله: ~~(ومن يقتل مؤمنا فجزاؤه جهنم خالدا فيها) فوقعت الإباحة في قتل صاحب ~~الكبيرة. # والوجه الثاني: قولنا: ومن يقتل مؤمنا، يريد المؤمن عندكم، فهذا التحكم ~~يرجع علينا في فروع الشريعة كلها، وخصالها من موحد ومصل وصائم وحاج ومزك ~~وظالم، فما وسعت من ذلك وسعهم. PageV03P117 # وأما لتسمية أنفسنا بمؤمن ومسلم، وذلك على وجهين: فإن كان السؤال فيه عن ~~المآل، فالجواب عنه يرجع فيه إلى علم الله الكبير المتعال، وإن كان السؤال ~~عن الحال فالجواب مرتبط بالحال. # وقد وردت أحاديث عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، في مثل هذا حديث ~~محجن، وذلك أن رسول الله عليه السلام جالس في مجلس له، وأذن المؤذن لصلاة ~~العصر، فقام عليه السلام بالناس، ونظر إلى محجن جالسا في موضعه، فأتاه رسول ~~الله (صلى الله عليه وسلم) وجلس بين يديه وقال: «ما منعك من الصلاة ؟ ألست ~~برجل مؤمن ؟» قال: (بلى يا رسول الله، ولكن صليت في أهلي) فقال عليه ~~السلام: «إذا جئت والناس يصلون فصل معهم وإن صليت في أهلك» وفي بعض ~~الروايات «واجعلها فرضك». # وفي الأمة حين سألها عن الله فأشارت إلى السماء، ثم سألها عن نبيها ~~فأشارت إليه فقال: «اعتقها فإنها مؤمنة» (2). # وحديث سعد بن أبي وقاص، حين قسم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) غنائم ~~هوازن، فأعطى فيها رسول الله عليه السلام عطايا جليلة، فقام إليه سعد بن ~~أبي وقاص، وذكر رجلا من أصحاب رسول الله عليه السلام فقال: (أين أنت عن ms240 ~~فلان يا رسول الله ؟) فرفع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) رأسه، فلم يكترث ~~به هنيهة. فقال إليه ثانية فقال: (يا رسول الله أين أنت عن فلان ؟ إنه ~~مؤمن). فلم يكترث به رسول الله. قال سعد: (فأخذني ما قرب وما بعد. ثم قمت ~~إليه ثالثة فقلت: يا رسول الله أين أنت عن فلان، إني أراه والله مؤمنا ؟) ~~فقام رسول الله (صلى الله عليه وسلم) والتفت إلي فقال: «أو مسلما» فقال ~~عليه السلام: «إني والله أعطي الرجل عطاءا وغيره أحب إلي منه، وأعطي هذا ~~أتألفه، وأكل هذا إلى إيمانه». # واعلم أن الحكم في المسئول إن سئل فقيل له: (أمؤمن أنت ؟) فالذي ينفهم ~~للناس منه: هل ادعيت الإسلام، أو طريقة الإيمان، أم لا ؟ فالجواب: إني مؤمن. PageV03P118 # ومعنى قوله: (فأنت في شك من دينك)، معنى إن سئلت عن الحركة وقد تحركت أن ~~تقول: تحركت عند الله. ومن شك أنه يتحرك وقد تحرك عند الله كدافع الضرورات، ~~وإنما أوقع في نفسه: هل هو على الإسلام أم لا ؟ # فإن قلت: أنا مسلم عند الله حقا. فإنما ذلك عندك على الحال، كما لا تشك ~~أنك متحرك كذلك لا تشك أنك مسلم عند الله حقا، وإذا وقع ما عنده على ما عند ~~الله لم يجز، وإذا وقع ما عند الله على ما عنده جاز. # وليس في هذه المسألة طائل فائدة حيث وقع الاختلاف في الأسماء: هل هي على ~~الفور أو على المآل ؟ وليس بين الفريقين تناقض كل يعمل على شاكلته، الأجوز ~~له حمل المآل على الحال، ولا الحال على المآل. # مسألة هود بن محكم عن ابن عباس # مسألة: # وأما ما ذكرت في مسألة هود بن محكم عن ابن عباس: (أن إبليس لو كان من غير ~~الملائكة، لم يؤمر بالسجود معهم). # والذي تحكم عليه ابن عباس غير محال، كما أنه ليس بمحال كونه من الملائكة ~~ولا يؤمر بالسجود، لأنهم قالوا في بعض الأخبار: ما سجد إلا أربعة وعشرون ~~ملكا من الملائكة. # فإن ادعى ابن عباس التوقيف فمصدق، وأما ms241 من ظاهر الخطاب فلا، وقد قال الله ~~تعالى: (ولقد علمت الجنة أنهم لمحضرون) يريد الملائكة، فالجنة قبيل من ~~الملائكة. ومن الجنة أيضا إبليس. # وأما قول الله - عز وجل -: (وما أنزل على الملكين) فمن قرأه بالفتح فإنه ~~أراد ملكين من الملائكة، ومن قرأه بالكسر فإنه أراد ملكين من ملوك الدنيا، ~~والكل سائغ، وهو معركة العلماء التي يسوغ لهم فيها الاختلاف، ولا يقطع فيه ~~بالحق عند الله تعالى. # وأما ما ذكرت عن معصيتهما من جهة الأخبار فليس عندنا في ذلك نصوص تحيل ~~عنهم المعصية إلا عموم القرآن المحتملة للتخصيص، وليس أيضا عندنا توقيف على ~~معصيتهما. PageV03P119 # واعلم أن أفعال الملائكة وعلومهم منوطة بالاجتهاد والإلهام، وأن الخطأ ~~يقع في اجتهادهم ولا يؤديهم ذلك إلى المعصية، وعلومهم كذلك. # واعلم أن من دين الله - عز وجل - غير مبرأ من الخطأ والزلل، وأفعال ~~المكلفين تتعاورها ألفاظ كثيرة، من ذلك الطاعة فيها فرض ونفل، والمعصية ~~كبير وصغير، وبينهما أسام متغايرة. # منها: المباح لا ثواب ولا عقاب. والخطيئة: ما في فعله مكروه وفي تركه ثواب. # والسيئة: ما في فعله خطيئة وليس فيها معصية. والمعصية إما صغير وإما ~~كبير. وترتبط بالمعصية الخطيئة والسيئة وإن كانت دونها. والخطيئة: إتيان ~~مالا ينبغي ولا يليق بالعبد. # والسيئة: ما أساء فيه العبد إلى نفسه ولا يحكم عليه فيه بالمعصية. # وأول درجات العقوبات المعصية، وأول درجات الثواب النفل، وما بينهما ~~فمحمول على العبد إن فاز وسلم. # والكلام الآن على الخطيئة والسيئة، لأن من الناس من لا يفرز بينهما وبين ~~المعصية. # والدليل على أن الخطيئة تكون ولا معصية: ما حكى الله - عز وجل - عن عبده ~~إبراهيم الخليل عليه السلام: (والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين) ولم ~~تؤثر عليه خطيئة إلا في أمر يماحل فيه عن الإسلام ليس بمعصية ما. PageV03P120 # والثانية: حديث داود عليه السلام حين سجد ومكث في سجوده فيما قالوا: ~~أربعين يوما حتى نبت البقل من دموعه، ثم غفر الله له. ثم قال: (يا رب أنت ~~الحكم العدل، وقد أخطأت على الرجل فيما ms242 فعلت، فطيف لي به أن يغفر لي وقد ~~غفرت لي أنت يا رب ؟) فأمره الله تعالى أن يذهب إليه ويبعثه من قبره، فأتاه ~~فصلى ركعتين فضرب القبر بالعصى فناداه فأجابه، فسأله المغفرة فغفر له ثم ~~ذهب وبقي في قلبه وحشة الخطيئة. فقال: (ما هذا يا رب ؟) فقال: (وحشة ~~الخطيئة). فصاح فوقع مغشيا عليه، فمكث أربعين يوما أخرى، فأتاه الملك فصاح ~~به. فقال: (ارفع رأسك فقد غفر الله لك)، فلم يكترث بالملك، ثم قال له ~~الملك: (ارفع رأسك، فإن آخر أمرك شبيه بأوله، فأوله خطيئة وأخره معصية)، ~~فكان معنى المعصية خطيئة بلجاجته ففرق بين الخطيئة والمعصية. # ونحن الآن نتقلب في سهمنا من خطيئة أبينا آدم، صلوات الله عليه، وعلى ~~نبينا محمد عليه السلام. # وقال (صلى الله عليه وسلم): «البزقة خطيئة وكفارتها دفنها» ولهذا قال ابن ~~عباس: «ليس فيما يعصى الله به صغير» حتى قال بعضهم: إن مناهي القرآن كبير، ~~ومناهي السنة خطيئة وليست بمعصية. # وأما أفعال الملائكة واجتهادهم، اعلم أن الله تعالى فوض إليهم الاجتهاد ~~في أفعالهم، وربما يقع الخطأ فيها نادرا، وليس ذلك بضارهم شيئا. # ويدل على ذلك قصة طينة آدم عليه السلام، قال الله تعالى: (وإذ قال ربك ~~للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك ~~الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون). # ففي هذا الخبر أمران: الاعتراض على الله تعالى في أفعاله. والثاني: مدحهم ~~لأنفسهم. والذي ينبغي لهم التسليم لأمر الله تعالى والرضا بقضائه، ولكن ~~الحبيب محبوب. PageV03P121 # وأما تحكمهم أن بني آدم مفسدون في الأرض وسفاكون الدماء، اقتبسوا من قول ~~الله - عز وجل - حين سألته الملائكة عن صفة الخليفة ونسله، قال الله تعالى ~~لهم: (لو عذب أحدهم أو أذى فقرض بالمقاريض ما فارق أمري). # فقالوا: (من يفعل هذا بهم ؟). # قال: (بعضهم ببعض). فلذلك قالوا: (أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك ~~الدماء). # فأجابهم الله - عز وجل - وقال: (إني أعلم مالا تعلمون). # فلما أجابهم بهذا الجواب اتهموا أنفسهم وخافوا أن ms243 يكون الله غضب عليهم من ~~قولهم، فقصدوا نحو العرش فطافوا به ساعتين ونصف ساعة. # فقال الله لهم: (ابنوا لي يبيتا في السماء السابعة، وطوفوا به على نحو ~~طوافكم بالعرش) فهذا البيت المعمور. # فلما أحكم الله - عز وجل - خليقة آدم عليه السلام وأمرهم بالسجود له، خلق ~~الأواني وأدارها بآدم عليه السلام. فقال: (أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم ~~صادقين). # فاعترفوا وأجابوا. فقالوا: (سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت ~~العليم الحكيم). # فقال الله - عز وجل - معجزا لآدم عليه السلام ومفاخرا لهم حين نازعوه ~~فعله وعلمه. (يا آدم أنبئهم بأسمائهم). # فلما أطاعوا لذلك، وعلم الله آدم الأسماء بالطبع قالوا: (يا آدم ما هذه ~~الأواني ؟). # قال لهم: (هذه القصعة). # قالوا: (ما هذا ؟) (1) # قال لهم: (للخبز يثرد فيها). # قالوا: (وما يثرد ؟) # قال: (يطبخ بالماء الحار ويسكب عليه). # وقالوا: (من أين ؟) # قال: (من القدر يوقد تحتها النيران لغليان الماء). # فما زالوا يسألونه عما علمه طبعا، فعلموه منه خبرا. # فلما ظهروا على أسامي الأواني وخواصها، قال: (ألم أقل لكم إني أعلم غيب ~~السموات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون). # فاعترفوا وأطاعوا وأذعنوا بعد السؤال والجواب والمديح والعتاب. # وكذلك قصة الملك الذي سأل الله تعالى وقال: (يا رب هذا الخلق خلقته وهو ~~محدود، فمن رمى بسهم إن سار ففي الخلق، وإن رجع إنما رده الخلق). PageV03P122 # فقال الله - عز وجل -: (طر حتى تصل طرفي الخلق). فطار مائة عام. فقال: ~~(يا رب طرت مائة عام). # قال: (فطر). فطار مائة عام أخرى. # فقال له: (يا رب قد طرت مائة عام أخرى. # قال له: (طر مائة عام أخرى). فاتهم الملك نفسه وفعله. فقال: (حسبي الله ~~وكفى، سمع الله لمن دعا، ليس وراء الله منتهى، ليس وراء الله مرمى، ولا حول ~~ولا قوة إلا بالله العلي العظيم). # فقال الله تعالى: (وعزتي وجلالي لو لم تقل هذه الكلمات لتركتك تطير إلى ~~يوم القيامة). # وقصة الملائكة أيضا، حين أراد الله - عز وجل - أن يخلق آدم بعث إسرافيل ~~إلى الأرض أن يأخذ منها ms244 من كل موضع قبضة، فجاء إلى الأرض فقالت الأرض: ~~(أعوذ بالله من أن تأخذ مني من يعصي الله تعالى) فقال إسرافيل: (لقد عذت ~~بمعاذ) وقال الله - عز وجل -: (ما فعلت ؟) وهو أعلم به منه ؟ فقال: (يا رب ~~عاذت بك فأعذتها). # فقال الله تعالى لميكائيل: (اذهب إلى الأرض خذ منها من كل موضع قبضة)، ~~فأتاها فصنع معها كما صنع إسرافيل. # فبعث الله جبريل الروح الأمين، فكان كذلك. فبعث الله عزرائيل فاستعاذت ~~منه كما استعاذت من الأولين، فقال لها: (وأنا أعوذ بالله أن أرجع ولم أفعل ~~ما أمرني به ربي). # فقال الله: (أنت على قبض أرواح بني آدم). # وقد تختلف الملائكة فتبتلي بني آدم فتحكم بينهم، كقصة الذي قتل مائة نفس ~~بالعالم الذي استفتاه، والقضية مشهورة. # وكما ابتلى محمد عليه السلام بالروح الأمين حين جاء يعلم المسلمين دينهم. ~~وقصة ملك الموت مع موسى عليه السلام. PageV03P123 # وقصة ميكائيل وجبريل عليه السلام، حين لعن إبليس، فقعدوا يبكيان فقال ~~الله - عز وجل -: «ما يبكيكما وقد آمنتكما ؟» قالا: (فمن يأمن مكرك يا ~~ربنا) فقال: «أصبتما كذلك فافعلا». فجرت القصة على الملكين ببابل، وذكر ~~المحدثون ما ذكروا، وليس بمستنكر منهم شيء فيما ذكروا أن لو ورد عن تثبت، ~~إذ الملائكة مثل بني آدم، وبنو آدم عليه السلام أفضل منهم، وليس في عموم ~~القرآن الوارد بتنزيههم ما يحيل ذلك عنهم، إذ العموم يحتمل والمحتمل ساقط ~~من يد المحتج. # ولقد وردت أخبار تدل على أن بني آدم أفضل منهم. قال الله تعالى: (نحن ~~أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة) فهم حفظتنا وخدمتنا، وناهيك فضلا ~~منهم من خدمنا، وخلقت الجنة والنار لنا، وخلقت السموات السبع والأرضين ~~السبع لنا، وأباح لنا ما في السموات والأرضين، قال الله تعال: (خلق سبع ~~سموات ومن الأرض مثلهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير). فقصر العلم ~~إلينا، وهم سفرة بيننا وبين ربنا. # وفي الحديث: «إن المؤمن من بني آدم أفضل عند الله من جميع الملائكة». # وحدثني الشيخ نوح بن تافي عن الشيخ أبي سليمان ms245 صاحب الشيخ أبي خزر إلى ~~مصر، أنه روي له عن الشيخ أبي خزر قال: (إن المسلم عند الله من بني آدم ~~أفضل من الملك) من أمثال هذه. # والملائكة مكتسبة لأفعالها كنحن، ولو يصدر منهم ما شاء أن يصدر حين ختم ~~بالتوبة بعد الفتنة وتعليم السحر، فأيهما أحسن حالا، من عوفي أو من ابتلي ~~مثلهما ؟ وليس علينا فيما ذكر عن الملائكة شيء لمن اعتقد أنهم أولياء ~~الرحمن وقد قال الله - عز وجل -: (لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما ~~يؤمرون) فهو مخصوص في الزبانية. # وأما قوله: (يسبحون الليل والنهار لا يفترون) هكذا حال أولي العزم من ~~الرسل والأنبياء والصديقين والسابقين والمقربين. # وأما قوله: (ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم). وعيد شديد. PageV03P124 # وأما قوله: (ولا أقول إني ملك) فهذا الذي ينبغي ويليق به ألا يتعظم ~~عليهم، وليس في اعتذاره لمن لا يعي ولا يفهم متوهما أن الملائكة أفضل من ~~النبيين ومن سائر الصالحين طائل، ومحمد ونوح صلوات الله عليهما متواضعان. # مسألة: # والذي ذكرت أن الجان أبو الجن وهو رجل صالح، فهذا غير مستحيل لو جاءت به ~~الأخبار الصحيحة، وإنما يخشى على قائل هذه المقالة، وإن كان إبليس أبا الجن ~~أن يجعله رجلا صالحا، وليس في المسألة ما يحتمل الإطناب. # قول عمروس في الجملة التي يدعو إليها رسول الله عليه السلام # مسألة: # وقولك: (ما معنى قول عمروس في كتابه - رضي الله عنه - حين ذكر الجملة ~~التي يدعو إليها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فألزم الناس معرفتها ~~والنطق بها، ثم ذكر غير ذلك من مسائل التوحيد مما ذكره أبو الربيع سليمان ~~بن يخلف - رضي الله عنه - في (باب ما لا يسع الناس جهله) أن ذلك كله من ~~تفسير الجملة، وأن ذلك كله واسع على الناس ما لم يخل بالتفسير، ثم بعد ذلك ~~ذكر مسألة الأخوين ومحاورتهما، وجعل الشك في البعث شركا بربه، اشرحوا لي ~~ذلك كله، وكل ما لا يسع جهله مما لا اختلاف فيه). # اعلم - وفقنا الله وإياك ms246 - أن العلم إنما يؤخذ من أصله لا من فصله، وأنا ~~أحب - إن شاء الله - أن قدم لك مقدمة، أحصل لك مسائل مما لا يسع الناس جهله ~~جملة وخصوصا، آتي من وراء ذلك - إن شاء الله - على طريقة الإمامين: عمروس ~~وعزان بن الصقر، وطريقة الشيخ الفاضل أبي الربيع سليمان بن يخلف، رضي الله ~~عنهم أجمعين وعلى أوليائه المسترشدين. # واعلم أن الله تعالى أرأف بعباده وأرحم من أن يتركهم ولما يوضح مسائلهم ~~التي لا يسعهم جهلها. PageV03P125 # وكذلك محمد خاتم النبيين الرؤوف الرحيم بالمؤمنين والمؤمنات ورحمة ~~للعالمين، وقد شرع لهم الدق والجل والنقير والقطمير، وبين وأوضح لهم ما ~~يأتون وما يتقون، حتى حلف صلوات الله عليه وسلامه فقال: «والذي نفسي بيده ~~ما تركت لكم شيئا مما أمرني الله به إلا أمرتكم به، ولا تركت لكم شيئا مما ~~نهاني الله عنه إلا نهيتكم عنه» وأنا أشرح في الأمر - إن شاء الله، وحسبي ~~الله ونعم الوكيل - ومعولي بعد الله تعالى على أمرين: آية من كتاب الله - ~~عز وجل - وحديث من حديث الرسول (صلى الله عليه وسلم). # وأما الآية فقول الله تعالى: (آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون ~~كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله). # والحديث: حديث جبريل عليه السلام حين جاء أصحاب رسول الله يعلمهم أمور دينهم. # وأما قوله: (آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه) فالرسول محمد (صلى الله ~~عليه وسلم) بدليل لام التعريف، فهو تعريف العهد إذ ليس بتعريف الجنس، فلو ~~قال قائل: أرأيت رجلا ؟ فقيل: من الرجل ؟ لدل لام التعريف أن المرئي هو ~~المسئول عنه، ولم يكن منكرا بدليل قول رسول الله في تفسير قول الله تعالى: ~~(فإن مع العسر يسر إن مع العسر يسر). وقال: «لن يغلب العسر يسرين». فدل ~~تكرار المعرف أنه واحد، وتكرار المنكر أنه إثبات، فقال: (آمن الرسول بما ~~أنزل إليه من ربه) فأخبر الله عنه أنه آمن، فأطلق ولم يقيد، فأثبتناه أنه ~~آمن قولا وعملا واعتقادا. # ثم قال: (والمؤمنون كل ms247 آمن بالله وملائكته) فظهرت العلة في ذلك: إنما ~~سموا المؤمنين لأجل الإيمان، والحكم تابع العلة. # وأسماء الصفات إذا قرنها الباري سبحانه بحكم دلت على التعليل، وفي ~~التعليل أوضح الدليل على منهاج السبيل. # ألا ترى إلى قوله تعالى: (اقتلوا المشركين كافة) لأجل ماذا ؟ لأجل شركهم، ~~السارق والسارقة والزاني (1) لأجل ماذا ؟ فهذا الأمر الذي عزاه إليهم ~~ووصفهم به. PageV03P126 # ولو عرف الاسم من الصفة والشرط وصار لقبا، لكلف العلماء للبحث عن علمه، ~~فلهذا المعنى كلفت العلماء استخراج العلل والألقاب دون الصفات. # واعلم أن الأسماء لا تفهم إلا بحقائقها وحدودها، فلو سمعت قائلا يقول: ~~(هذا عبد) لا نفهم لك منه إنسانا تملكه وتحكم عليه وله فيه التصرف في البيع ~~والشراء والأخذ والعطاء والاستخدام والعناء وأنه كونه في منزله. # ولو قال لك: (هو صاحب) لا نفهم لك منه المقارنة والمصاحبة. # ولو قال: (ملك) لا نفهم لك منه الاستيلاء والقهر والرعية والجنود. # ولو قال: (هو الإله) لا نفهم لك منه المحدث الفعال القادر. ولهذا قال ~~الله - عز وجل -: (قل أعوذ برب الناس * ملك الناس * إله الناس) إلى آخرها. # ثم إن الله تعالى قصر الإيمان على الله فقال: (والمؤمنون كل آمن بالله). ~~فمن أقر بالله انفهم له أنه المحدث وغيره الحدث قال الله تعالى: (أفي الله ~~شك فاطر السموات والأرض) فأثبت انتفاء الشك عمن انتفى عنه الشك في الفطور. # فحصل من قولك: الله الفاطر المحدث، وجوده أولا، إذ محال محدث ولا محدث ~~له، وهذا تلقيناه من قول الله - عز وجل - حكاية عن كل نبي مرسل محتجين به ~~على أممهم. # وقد حصل لنا من المحدث الوجود والإيجاد، ومن الوجود والإيجاد القدم ~~والحياة، ومن حصل له القدم والحياة حصل له العلم والقدرة، ومن حصل له العلم ~~والقدرة حصلت له الإرادة والمشيئة، ومن حصلت له الإرادة والمشيئة حصل منه ~~الفعل، لأنه محال فاعل ليس يشاء، وشاء ليس بمريد، ومريد ليس بقادر، وقادر ~~ليس بعالم، وعالم ليس بحي، وحي ليس بموجود. # وقد تضمن قولك: (الله) جميع ما يتصف به الباري سبحانه ms248 كنا قدمنا. وهذا ~~تفسير قول الله تعالى: (الله لا إله إلا هو الحي القيوم). فالحي يتضمن ~~الصفات، والقيوم يتضمن التكليف والتصرف. PageV03P127 # فإذا دل قولنا: (الله) أنه قديم، وأنه حي، وأنه عالم، وأنه قادر، وأنه ~~مريد، وأنه شاء، وأنه فاعل، فهذه السبع يقتضيها قولك: (الله لا إله إلا هو ~~الحي) ويقتضي قولك: (القيوم) الفعل وهو الخلق والتكليف وهو الأمر والنهي، ~~ويقتضي الأمر والنهي والطاعة والمعصية، ويقتضي الطاعة والمعصية الثواب ~~والعقاب، ويقتضي الثواب والعقاب الجنة والنار، والجنة والنار يقتضيان ~~المصير. # فهذه الستة يتضمنها قولك: (الفاعل) فهذه الثلاث عشرة خصلة اقتبسنا ~~معرفتها من معرفة الله - عز وجل - والإيمان به. # ثم أن الله تعالى شرع مالا يتضمنه قولنا: (الله) وهو الإيمان بالملائكة ~~والكتب والرسل. فهذه الثلاثة لابد من سماع فيها. # فثبت أن مسائل مالا يسع الناس جهله عموم، فحصل لنا من قوله تعالى: (آمن ~~الرسول بما أنزل إليه من ربه) على جميع ما لا يسع الناس جهله نصا أو ~~متضمنا. # ومصداق ذلك قوله تعالى: (ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم ~~الآخر فقد ضل ضلالا بعيدا). PageV03P128 # ويؤيد ذلك حديث جبريل عليه السلام، وذلك أن رسول الله (صلى الله عليه ~~وسلم) جلس ذات يوم مع أصحابه، إذ أقبل إليهم رجل في هيئة عظيمة، وعليه ~~عمامة حسنة طيب الرائحة نقي اللون، فلما كان من رسول الله عليه السلام ~~قريبا سلم وجلس، فرد عليه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) السلام ثم قال: ~~«أأدنوا منك يا رسول الله ؟» قال: «نعم». فدنا منه، فلما كان بين يديه جلس ~~فأوقف إحدى ركبتيه وأضجع الأخرى. فقال: «إني أريد أن أسألك» فقال: «اسأل ~~عما شئت». فقال الرجل: «ما الإيمان يا رسول الله ؟» قال: «أن تؤمن بالله ~~ملائكته وكتبه ورسله وبلقائه وباليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره». فقال ~~الرجل: «صدقت» فتعجب الناس من قوله لرسول الله: «صدقت». ثم قال: «ما ~~الإسلام يا رسول الله ؟» فقال: «شهادة أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة، ~~وإيتاء الزكاة، وصيام شهر رمضان، وحج بيت الله الحرام ms249 من استطاع إليه ~~سبيلا، وتغتسل من الجنابة». فقال له الرجل: «صدقت، ما الإحسان ؟» قال: «أن ~~تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك». فقال: «صدقت». فقال: ~~«متى الساعة يا رسول الله ؟» فقال عليه السلام: «ما السؤول عنها بأعلم من ~~السائل عنها، وسأنبئك بأشراطها: وهي إذا ولدت الأمة ربها أو ربتها، ووسد ~~الأمر إلى غير أهله، وتطاول رعاة البهم في البنيان، في خمس لا يعلمهن إلا ~~الله، فتلا رسول الله عليه السلام: (إن الله عنده علم الساعة) إلى آخر ~~الآية. فقال الرجل: «صدقت». ثم قام وانصرف، فقال رسول الله (صلى الله عليه ~~وسلم): «علي بالرجل». فقاموا في أثره فنظروا يمينا وشمالا فلم يجدوه، ~~فناداهم رسول الله فرجعوا إليه فقال لهم: «إنه جبريل جاءكم يعلمكم أمر ~~دينكم». PageV03P129 # فهذه المسائل المذكورة هاهنا هي المسائل التي لا يسع الناس جهلها بقضها ~~وقضيضها، ولم يؤثر عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فيما لا يسع جهله غير ~~ما ذكرنا، فلو كان لما خفى عن أمة أحمد عليه السلام فالرواية مقبولة فمن ~~شرع غير هذا رضينا به، وقد شرع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الدق والجل ~~من أمر دينهم، حتى الاستطابة بالأحجار وأمورا يستحي من ذكرها أفيدع مالا ~~يسلمون إلا بمعرفته ؟ # وقد ذكر الشيخ أبو الربيع هذه المسائل، وذكر فيها معرفة آدم وجبريل ~~عليهما السلام وعلى نبينا محمد، وتحريم دماء المسلمين وتحليل دماء المشركين ~~وولاية المسلمين وبراءة الكافرين، ومعرفة الشاك والشاك فيه إلى يوم ~~القيامة، ومعرفة القرآن مفروزا من جملة الكتب. # وتأول فيه قول الله تعالى: (يأيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله ~~والكتاب الذي نزل على رسوله) الآية. # وقد ورد في القرآن ما هو أوكد من هذا، فلم يوجبوا معرفته كقوله تعالى: ~~(قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ~~ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين ~~أحد منهم ونحن له مسلمون) مع إجماع الأمة أنه ليس علينا من معرفة إبراهيم ~~شيء ms250 ولا معرفة سائر الأنبياء وما أنزل إليهم، وإن كان علينا الإيمان بهم ~~جملة من غير قصد إلى معرفة أحد منهم باسمه وما أنزل عليه، على أن ظاهر ~~القرآن لم يدعنا إلى الإيمان بهم هكذا بل إلى القول بالإيمان بهم وعلى أن ~~الله تعالى لم يكلف أحدا الشهادة إلا قول: «لا إله إلا الله محمد رسول ~~الله، وما جاء به الحق» وما سوى هذا فليس عليك فيه من الشهادة شيء، إلا ~~الإيمان بما قامت عليك به الحجة. # وأما معرفة جبريل وآدم عليهما السلام، وفرز القرآن من الكتب، فلم يرد فيه ~~عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) توقيف إلا أن يكون حمل ذلك على الشهرة، ~~والله أعلم. PageV03P130 # ولم يرد في نبوة أبينا آدم صلوات الله على نبينا وعليه، ولا في رسالته ~~أمر يقطع به الشهادتين لا متواترا ولا مسندا. # وأما ولاية المسلمين فاعلم أن من قبل عن الله دينه فقد تولاه وتولى ~~الملائكة والأنبياء والرسل والمسلمين أجمعين الذين هم على دينه، كما أنه قد ~~تبرأ من الكفار والمشركين حين فارق دينهم، وحصل في ولاية هؤلاء، وفي عداوة ~~هؤلاء وتم له الأمران جميعا، وربما يجب عليه من حقوقهم والمعاضدة والمعاونة ~~إذا شاهدهم، وتبرأ من جميع الكفار بمفارقتهم وترك دينهم. # وقد رأينا في خطبة الإمام عبد الرحمن بن رستم - رضي الله عنه - أنه خطب ~~لهم ذات يوم بتاهرت فقال: (أيها الناس أنه من صلى صلاة الصبح فقد تولى جميع ~~المؤمنين الذين أمر الله بولايتهم، وتبرأ من جميع الكافرين الذين أمر الله ~~بالبراءة منهم). # وذكر في خطبته أيضا أخرى: (أن من نوى التشهد في الصلاة أنه أتى بجميع ما ~~لا يسعه جهله) على أن التشهد إنما زيد في آخره زيادة ما قد كان من شروط ~~رسول الله (صلى الله عليه وسلم) على من عرض عليه الإسلام، وفي كتبه إلى ~~الآفاق: «أن يكون مع المؤمنين ويفارق المشركين». # ولقد سألت الشيخ يحيى بن أبي بكر - رضي الله عنه - عن هذه المسألة ~~المذكورة في الجملة التي يدعو ms251 إليها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) خصوصا. ~~فقلت له: (فمن أين وجبت الشهادة أن ما جاء به الحق) ؟ # قال: (كان رسول الله عليه السلام يدعو المشركين إلى الإيمان فمن أظهر ~~الإيمان وقبله ودخل فيه اجتزا عنه، أو قال: صدقت، أو قال: نعم يا رسول ~~الله، أو سأل عن فريضة أو حاجة، فمهما ظهر منه القبول لهذه الدعوة قبل عنه. # فلما توفي رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وأظهر أهل الكتاب أنه رسول إلى ~~الأميين دونهم، خرج المسلمون من أراد الدخول إلى النطق بالشهادة على الله: ~~«أنه لا إله إلا هو، و أن محمدا عبده ورسوله، وإن ما جاء به الحق من عند ~~الله»). PageV03P131 # وقد ذكر في كتاب الترمذي، وهو من الكتب الصحاح (2) في الحديث: وروي عن ~~ربعي بن خراش عن علي بن أبي طالب: أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: ~~«والله لا يؤمن أحدكم حتى يؤمن بأربع: شهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسول ~~الله، ويشهد أن الذي جئت به الحق من عند الله، ويؤمن بالقدر خيره وشره». # وفي قول الله - عز وجل - بعض الإشارة إلى القول: بأن ما جاء به محمد عليه ~~السلام هو الحق. قال الله تعالى: (لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا ~~اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا) إلى قوله: (وما لنا ~~لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين ~~فأثابهم الله بما قالوا) فأثبتوا لهم القول في أن الذي جاء به محمد هو الحق. # وذكرت فرز ما لا يسع الناس جهله، وقد تقدم القول في الإيمان بالله ~~اعتقادا وقولا، وكذلك محمد (صلى الله عليه وسلم) تصديقا ونطقا، وقد قرنه ~~الله تعالى عند ذكره معه لقوله: (ورفعنا لك ذكرك) وقوله في التشهد: «أشهد ~~أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله». وقوله في ~~الأذان: «أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ~~ورسوله». # وربما كان ms252 هذا في أول الإسلام كما قال الشيخ يحيى بن أبي بكر - رضي الله ~~عنه - وجل الأمة لا يرون النطق بالشهادة «على أن ما جاء به الحق». ويجتزئون ~~بقولهم: «أشهد أن محمدا رسول الله». فهذه الكلمات الثلاثة عندنا هي الجملة ~~التي يدعو إليها رسول الله عليه السلام في أيامه وعلى عهده. PageV03P132 # والثانية: الإيمان بالملائكة: أنهم أولياء الله، ثم ولايتهم وهو الكون ~~معهم على دين الله وعلى طاعته ويحبهم، وقال أهل الدعوة: (يترحم عليهم)، ~~فليس عليهم أكثر من المعنيين: الإيمان بوجودهم وولايتهم. # وأما معرفة جبريل عليه السلام بالقصد ومعرفة اسمه ومعرفة نزوله بالقرآن ~~العظيم على محمد عليه السلام، فإن أهل الدعوة يرون الإيمان بذلك واجبا، ~~قصدا واعتقادا ومحبة وترحما. # الثالثة: أنهم يوجبون الإيمان بكتب الله تعالى، ولابد من معرفة معنى ~~الكتب وأنها منزلة من عند الله تعالى، وائتمروه بأمره ونهيه وخبره ~~وباستخباره. # ولابد من معرفة هذه المعاني الثلاثة: معنى الكتاب معنى النزول والفرض هو ~~الأمر والنهي، ومن جواب أهل الدعوة أن عليه عرفة هذه الأمور جملة، وعليه ~~القصد إلى القرآن الذي جاء به الروح الأمين قصدا واعتقادا، ويعرف معناها لا ~~لفظها جملة وخصوصا. # الرابعة: أنهم يوجبون معرفة الرسل ويوجبون الإيمان بها جملة ولا تصح له ~~معرفة الرسل إلا بمعرفة أربعة معان أولها: الرسل، والثاني: المرسل. ~~والثالث: الرسالة، والرابع: الإرسال. # فإن انخرم منها واحد بطل معنى الرسل، وقد قال الشيخ - رضي الله عنه -: ~~(إن علينا أن نعرف الرسل من نسل آدم عليه السلام أجمعين). # وأوجب من هذه معرفة أبينا آدم عليه السلام، وليس علينا في إيجاب معرفة ~~آدم، ومعرفة المسلمين من الجن، ومعرفة الملل إلا تقليد الأئمة الراشدين - ~~رضي الله عنهم - وما نص من القرآن أو توقيف من السنة. فلا الخامسة. # وقد ذكرنا المعاني التي تتضمنها معرفة المصير، والأسباب التي توجب ~~الأسباب، فالتكليف وهو الأمر والنهي والطاعة والمعصية والثواب والعقاب ~~والجنة والنار. PageV03P133 # ولابد من معرفة الجنة بمعناها والنار بمعناها، ولا يدرك معناها إلا ~~توقيفا أو تعريفا وما يتضمن ذلك من الأبد، وليس تكمل ms253 لك معرفة شيء حتى تحصل ~~اسمه وذاته وصفته، ولنرجع إلى أولى هذه المسائل ولنظهر حقيقة ما قلنا. ~~والله المستعان. # أولها: الإيمان بالله ومحمد رسول الله وما جاء به أنه الحق من عند الله، ~~ومن عرف هذا الاسم أنه الله، ولم يعرف معناه أنه القديم المالك للغير لما ~~صح له معنى الاسم، فربما تنوب الصفة عن الاسم ولا غنى عن الذات. # ومن لم يظهر على معنى الاسم كان بمثابة اللقب ولابد من معرفة الاسم ~~بمعناه كما قلنا، ولابد من معرفة الذات أول ما فيها وجودها، وربما يكون ~~عنده الاسم لما لا ذات له، كالحال والأزل والقدم، ومعرفة الذات أنه ليس ~~كمثله شيء. # ومعنى الصفة أن تعلمه أنه حي، فيحصل لك من هذه الثلاثة معان معرفة الله ~~والإيمان به أنه الله الموجود الحي. # وأما قولك محمد بأن تعرفه بأي اسم من اسمائه لقبا أو غيره. # ومعرفة ذاته: أن تعرفه أنه من جنس بني آدم، ومعرفة صفته أنه رسول مبلغ ~~أمين وولي لله ولك، وأنه من أهل الجنة. # ولابد عند أهل الدعوة أن تعرفه بهذا الاسم محمد، وتعرف أن الذي جاء به من ~~القرآن أنه الحق من عند الله. # ومن جهل الملائكة أنهم أجسام لم يعرفهم، ومن لم يعلمهم بإسلامهم وإيمانهم ~~تولاهم وتولاهم الله (1)، فلم يعرفهم. ومن وراء ذلك الأفعال والاكتساب، ~~وجبريل منهم فمن لم يعرف أنه منهم لم يعرفه وأنه ولي الله نزل على محمد ~~بالقرآن. PageV03P134 # وكذلك معنى كتب الله المنزلة، فلا يصح له الكتب حتى يعرفها كلاما، فلو ~~توهمها شجرا أو حيوانا أو سماء أو أرضا لما عرفها من حقيقة الكتاب، ولم ~~يعلم أنها نزلت من عند الله وتوهم أنها من عند إنسان أو جان أو شيطان، أو ~~ليطاف (2) لكان بها جاهلا، حتى يعلم أنها نزلت من عند الله فلو علمها كتبا ~~ونزلت من عند الله ولم يعلم المعنى المراد بمنزولها من عند الله من الأمر ~~والنهي والوعد والوعيد كان بها جاهلا. # وكذلك الرسل، لو لم يعلم معنى المرسل الذي هو ms254 رب العالمين، والمرسل الذي ~~هو الإنسان، والإرسال من عند الله، والرسالة التي جاءت بها الرسل من الكتب ~~والتكليف، لكان جاهلا. # وكذلك لو علم التكليف ولم يعلم معناه، وعلم الطاعة والمعصية ولم يعلم ~~بمعناهما، والوعد والوعيد ولم يعلم معناهما، فلا غنى عن الاسم والذات ~~والصفة. # وأما محاورة الاثنين: فإن البعث من الأمور التي أوجبنا معرفتها مما لا ~~يسع جهله مع البلوغ، وهو معنى قوله: (وإليه المصير) ولا يسع جهله لا سمع ~~ولا لم يسمع ورأى ذلك شكه بعد قيام الحجة، فإن معنى شكه إنكار، ولم يكن شكه ~~موقوفا على البعث بل في الكل في الرب وغيره، ولا يغرنك قوله: (ولئن رددت ~~إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا) كما قال الله - عز وجل - عن نظائره: ~~(أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالا وولدا أطلع الغيب أم أتخذ عند ~~الرحمن عهدا). # والخامسة: وأيضا ذكر عن بعض فقهاء مصرنا من نفوسة أنهم قالوا: (من تزوج ~~ذات محرم منه مثل أمه أو أخته وهو متعمد لذلك لا يرجم ولا يقتل) (3) ~~واعتلوا بأن ذلك نكاح فاسد، وهل أحد من العلماء قال بقولهم أم لا ؟ الجواب: ~~أنه لم يقل أحد من أمة أحمد إلا أبو حنيفة وهو مذهبه. PageV03P135 # وأما ما ذكر عن الشيخ عمران بن علي أن أنساب المشركين فيما بينهم لا تثبت ~~بعد قول الله - عز وجل -: (ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن) وإن نكاح ~~المشركين فيما بينهم حرام عليهم، ولا يثبت نسبهم فيما بينهم، كما لا يثبت ~~نكاح المسلمين للمشركات. # اعلم أن هذه المسألة ما سمعناها عن أحد من هذه الأمة، ولو قالها أحد لظهر ~~وشهر، وتلزمه الشنعة العظيمة في أن يبيح بنات جميع النسوة اللاتي دخل بهن، ~~وهذا خرق الإجماع، وقد أثبتت الأمة أنساب المجوس قديما وحديثا. # وأما المسألة المذكورة عن الشيخ حنيني أنه أفتى بالشرك والكفر فيمن أباح ~~الثلاث للمطلق، اعلم انه لما ورد علينا كتاب عبد الرحمن عن الشيخ يتدين ~~بهذه المسألة، وكتبت إلى حنيني في أمرها. فرد إلي الجواب وقال: (ما أفتيت ms255 بهذه). # وأما الحكاية عن الشيخ أبي العباس أحمد بن محمد بن أبي بكر - رضي الله ~~عنه - قال: (من أباح الدخول في دور الناس بغير إذن، بعد قول الله - عز وجل ~~-: (لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها) أنه مشرك، ~~ومن أباح نكاح الحائض بعد قول الله تعالى: (ويسألونك عن المحيض قل هو أذى ~~فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يظهرن) أنه مشرك، ومن أباح ~~الرجعة للمطلقة ثلاثا قبل أن تنكح زوجا غيره، بعد أن يكون الطلاق واحدا بعد ~~واحد، فهو كافر، وأما أن يحجر عن الناس الطلاق ثلاثا فلا). # وأما المسألة المذكورة عن عزان: (من بزق في غير وجوهكم وقال: (في وجه ~~إبليس) إنه إن أصاب وجه إبليس أنه كافر) والله أعلم. لا أشك أن من قال بهذه ~~المقالة (4) إنما قالها عن لسان إبليس، ولو علم هذا القائل ما بين آدم عليه ~~السلام وبين إبليس اللعين لما حكى هذا عن أحد، ولو كان بين الحاكي وبين آدم ~~نسب أو حسب لاستحى من قوله هذا. PageV03P136 # ألم تعلم أن الله تعالى لما أهبط آدم عليه السلام من الجنة نزل كئيبا ~~حزينا، وأن إبليس اللعين كان فرحا مسرورا اكتنفه وقوعه، ويدور به يمينا ~~وشمالا، فظل يصرف ويضرط ويصفق ويعفط (5) ويتشفى منه ويتخذه ضحكة، وآدم ~~صلوات الله عليه يبكي ويبكي، ولو علم إبليس أن من بزق في وجهه من بني آدم ~~أنه كافر لما ترك بزقة تصل إلى الأرض ليوقع الناس في الكفر. # وإن كان هذا إنما غضب لإبليس حين ظلم وبزق في وجهه، لهو من نسل إبليس لا ~~من نسل آدم صلوات الله عليه، ولا أظنه إلا من الجن نسل إبليس تخيل في صورة ~~بني آدم، أوله فيه شرك في أمة وهو عريق النسبة كريم الحسنة حيث انتصر لأبيه. # وها هنا مسألة عارضة لو ظهر إلينا إبليس، هل يجوز لنا أن نضربه أو نحبسه ~~أو نقتله أو نشتمه، أو يمنعنا منه تأخير الله إياه إلى يوم القيامة، فمن ~~احتمى ms256 لإبليس ينبغي له أن يحظر هذا عن الناس، ويقوم في حمية الوسواس الخناس ~~إبليس، فيما بينه وبين آدم صلوات الله عليه، أن النار مهلكه للأرض، وأنشد ~~فيه شعرا:- # ذكر أفعال المكلفين # بسم الله الرحمن الرحيم # صلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما PageV03P137 بلغني ~~يا أخي كتابك الأغر الأكرم، تذكر فيه المسألة المذكورة في كتاب «العدل ~~والإنصاف» في باب أفعال المكلفين، وهي أن العبد هو الفاعل الكاسب المريد ~~لأفعاله وكلامه وقوله ونطقه وقراءته، وأما صوته (*) فلا، وأن حواسه كلها ~~أجسام، وكذلك محسوساته كلها أجسام وهي اللون والطعم والريح والصوت (*) ~~وملموسة كلها أجسام، وأما الحواس فالسمع والبصر وحاسة الذوق واللمس وحاسة ~~الشم فهذه أيضا أجسام. # اعلم يا أخي أن الأشياء تؤخذ بالتقييد لا بالتقليد، وتقتبس من أصولها لا ~~من فصولها، والذي أذهب إليه أن الصوت كسائر أخواته في التجسيم، أو هو أقرب ~~من أخواته إليه. # واعلم أن هذه المسألة ليست بدينية ولا شرعية، وإنما هي مسألة طبيعية، ~~وإنما يقتبس عليها من أحد ثلاثة أوجه: أولها: اللغة. والثاني: قول ولاة هذا ~~الأمر وهم الأطباء والطبائعيون الذين ينظرون في ذات العالم. والثالث: ~~الشرع، ولم يرد فيه سمع يقطع أنه جسم أو غيره إلا أن يقتبس من قول الله - ~~عز وجل - الصاخة والقارعة. # فلنرجع إلى الوجه الأول وهو اللغة، وذلك أن أهل اللغة سموا الصوت وأخواته ~~محسوسات، وسموا مقتضياتها حواس، وبعضهم سموها جواس، فعلى الوجهين جميعا ~~يقتضي هذه التسمية للجس بتجسيم الصوت، إذا صار محسوسا كسائر أخواته، كما أن ~~حاسته جسم فهنالك أخواته، فما بال الصوت من بينها أن يكون عرضا. # فالحس والجس يقتضي محسوسا ومجسوسا مدركا لجاسة مجسوسه، ولا يتبين لك ~~تجسيمه حتى يطالب بالبرهان من يدعي أخواته أجساما، فهنالك يبين لك أنه جسم. # فإن قال القائل: ما الدليل على أن اللون جسم ؟ # قيل له: لأنه يدرك بالبصر ومتميز في موضع دون موضع. # فإن قال: ليس في دركه ما يدل على أنه جسم، لأن حاسة السمع جسم وتدرك ~~الصوت وهو عرض على ms257 قول من يقوله. # قيل له: وكذلك الطعم لا دليل على تجسيمه من جهة دركه بالذوق، لأن حاسة ~~الذوق جسم أدركت عرضا كالصوت. PageV03P138 # وكذلك الرائحة واللمس على هذا الحال، وليس في الحواس على أنها أجسام ما ~~يدل على محسوساتها أنها أجسام لأجل الصوت (1). # وإن قال: إنما قلنا في اللون والطعم والريح وسائرها أجسام لأنها موجودة ~~في الجسم متمكنة أو معترضة، أيما قال في ذلك، فالصوت أظهر تحيزا وتمكنا من ~~سائرها. # وأما قول الخائضين في هذا الشأن وهم الأطباء والطبائعيون الذين هم أرباب ~~هذا الشأن قالوا: إن الدليل على أن الصوت جسم، أن المصوت إذا صوت فإن صوته ~~يتضمنه المكان، ويقله الهواء والفضاء وهما جسمان، ويتمكن فيه من أجل أنه ~~كروي الشكل. # فإذا صدر صوت من مصوت سرى في الجهات الست ما خلي وطبعه، فصار الصوت مركزا ~~وقطبا، وصار في الست الجهات على نسبة واحدة، فمقدار ما يسمع هذا الصوت من ~~فوق فهو حده من أسفل، ومقدار ما يسمع يمينا هو حده يسارا، ومقدار ما يسمع ~~أمامه هو حده من خلفه، وإن وقع الصارف والمانع انصرف وامتنع من تلك الجهة، ~~مثل الريح، فأنه يذهب به إلى جهته وربما يسري به فيبلغه مسافة وأعظم من ~~مسافته لو خلي وطبعه. # فإن قوي الريح صرفه بالكلية من جهة إلى جهة، ويكون له صارف من حائط أو ~~غائط (2)، وتتبين الجهة التي يأتيك منها، ويكون له حاجز عن الأسماع ولو ~~ضربت طبول الدنيا لمن كان في قارورة ما سمعه، أو تنشق القارورة، ويسري إلى ~~جبل ويرجع صداه بصوته كما هو لا يحرم منه شيء، ومن وراء ذلك أنه متصف ببعض ~~صفات الأجسام من الخشونة والليونة والدقة والحدة والصفير والبحوحة، ويهد ~~الجبال ويقرع الآذان ويصم الأسماع، ويزهق النفوس ويطرب ويكون، فهذه كلها ~~صفات الأجسام، ومن أراد معرفة هذا فليأخذه من أهل الموسيقى، وربما يحدر ~~الأخلاط، ويضر بالأفراط، ويلذ ويؤلم، ويهيج الشجاعة والجبن والهواء ~~المستكن. PageV03P139 # وإنما وقعت الشبهة فيه لامتزاج الصوت والتصويت وتعذر الانفصال. وأما ~~كلامنا وقولنا ومنطقنا وقراءتنا ms258 فهي أفعالنا، وكذلك تصويتنا. وأما صوتنا ~~فهو فعل الله - عز وجل - وهو جسم، أفعالنا أعراض. # فإن قال قائل: ما الفرق ؟ قيل له: إنا وجدنا العبد يتكلم ويقول وينطق ~~ويقرأ من غير صوت، فكان الصوت شيئا طارئا على هذه المعاني، والصوت شيء ~~واحد، جعله الله تعالى حد المستمع بالسمع. # وأما الكلام وأخواته قد يقع من غير ما صوت، وأول ذلك الكلام فيحده تحريك ~~اللسان بالحروف والشفتين، وتقتضي بنظمها المعاني. # فإذا وقع تأليف حروف باقتضاء معاني سمي كلاما وقولا ومنطقا وقراءة. # وقد يقع الكلام بصوت وبغير صوت، وإنما الصوت بعض أوصافه غير الملازمة، ~~ألا ترى أنك تقول: كلمته إيماء وإشارة ورمزا، وليس في شيء من هذا صوت. كما ~~قال الله تعالى عن زكريا عليه السلام قال: (آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام ~~إلا رمزا). # وأما القول كما حدوه في الكلام: أنه حروف منظمة تقتضي معاني. قال الله - ~~عز وجل -: (ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول). وهذا القول ~~باللسان يخاطب نفسه من غير ما صوت، إلا بنظمه الحروف بلسانه. # فإن عورضنا وقال: إذا جعلتم القول في النفس من غير ما صوت، فقولوا في ~~الكلام كذلك، فهذا دليل أن الكلام كلام الله - عز وجل - صفة له في ذاته أزلية. # قلنا: لابد من الكلام والقول من نظم الحروف، فيتعدى ذلك النفس، فإن لم ~~تكن حروف ولا نظم كان علما، والعلم اعتقاد في النفس، والكلام والقول معنى ~~جاوز النفس إلى نظم الحروف المعنوية، فهذا الفرق بين العلم وبين الكلام في ~~النفس، وبين القول أيضا. # ولابد من معنى زائد على العلم وهو تصوير المعنى في النفوس، وهذا الزائد ~~هو القول ويكون بغير صوت ولا يتوجه إلى الغير. PageV03P140 # فأما النطق أيضا فهو على هذا الأسلوب مما يتعلق باللسان والشفتين، وقد ~~يكون بصوت وبغير صوت، وقد جعل الله تبارك وتعالى للحكل منطقا، وباتفاق أن ~~ليس للنمل صوت. فلقبوه باسم الحكل، ففهمه الله تعالى لسليمان عليه السلام. ~~فقال تعالى: (يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده ms259 وهم ~~لا يشعرون، فتبسم ضاحكا من قولها وقال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت ~~علي وعلى والدي). # وقال في منطق الطير: (علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شيء إن هذا لهو ~~الفضل المبين). # وكذلك القراءة على هذا النمط، فمهما كان معها صوت صارت جهورة. وإن لم يكن ~~معها صوت صارت سرا وهي القراءة التي كلفنا بها في صلاة النهار التي قال ~~فيها رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «صلاة انهار عجماء». ولم يرتبط شيء ~~من هذا بالصوت، فلا جرم أن الصوت لاحق بكلامنا. # وقولنا ونطقنا وقراءتنا إن وقع بها الصوت والتصويت فعلنا، وهو الحركة ~~باللسان والشفتين كما قدمنا في سائرها. # والتصويت في مقابلة التحريك، فمهما حركنا شيئا كان فعلنا منه التحريك، ~~وفعل الغير الحركة. وكذلك التصويت والصوت فعل الله - عز وجل -. # مسائل في الولاية والبراءة # بسم الله الرحمن الرحيم # صلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما # جواب مسائل إخواننا من أهل الجبل نفوسه PageV03P141 بعثوا بها إلينا، ~~رعاهم الله وصانهم وحفظهم، وحفظ عليهم دينهم، على لسان أخينا مدارا، أحاطه ~~الله وألهمه الرشاد والسداد. # اعلم يا أخي أن هذه المسائل تدور على ثلاثة أصناف: # صنف منها في الولاية والعداوة والبراءة، وما يتعلق بها. # الثاني: الطعن في دين المسلمين، وما يتعلق به من المسائل. # الثالث: ما يتعلق بصفات الباري سبحانه وبأسمائه. # ونحن نريد أن نذكر عند كل مسألة صنفا من هذه الأصناف الثلاثة، أصله وفصله ~~وموجب الحق فيه، والبرهان على ما ذهبنا إليه أنه الحق واعتقدناه، ونأخذ بعد ~~في تفريع المسائل واحدة بعد واحدة، وأول ذلك الولاية والبراءة. # فإن سأل سائل: من أين لكم التدين بأن الولاية ولاية المسلمين واجبه ؟ ~~وأنها توحيد ؟ وبراءة الكافرين توحيد ؟ وأن ولاية الأشخاص طاعة واجبة ؟ ~~وكذلك براءة الأشخاص واجبة وطاعة ؟ # واعلم أن ولاية المسلمين بعضهم بعضا صحيحة لقول الله - عز وجل -: ~~(والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض والله ولي المتقين). # ونهى الله تعالى عن ولاية الكفار، وأنفذ فيه الوعيد. قال الله تعالى: ~~(ومن يتولهم منكم ms260 فإنه منهم). # ومن يتولى المشرك كان مشركا، ومن تولى الكافر كان كافرا، ومن تولى ~~المنافق كان منافقا، ومن تولى صاحب كبيرة كان صاحب كبيرة. # وقال الله - عز وجل - في الولاية: (وتعاونوا على البر والتقوى ولا ~~تعاونوا على الإثم والعدوان). # واعلم أن الولاية مرتبطة بثلاثة أوجه: # أولها: الموافقة في الشريعة، لأن الله تعالى أمر المؤمنين أن يكونوا على ~~شريعة واحدة ولا يختلفوا عليها وأمرهم بالتعاون، وهذا أصل الولاية في ~~الموافقة في الشريعة. # والثانية: المحبة بالقلوب والتودد بالجوارح، فمن عري من محبتهم ومودتهم ~~لن ينتهي دون بغضهم (1) وهي البراءة. قال إبراهيم عليه السلام وعلى آله: ~~(وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده). PageV03P142 # والثالثة: حقوقهم من المعونة والإسعاف والاستغفار والرحمة، وحسن المعاشرة ~~بعد المحبة والمودة، ولابد من الاستغفار، قال الله تعالى: (واستغفر لذنبك ~~وللمؤمنين والمؤمنات). وكذلك في ولاية الأشخاص. # وقد اجتمعت الأمة على ولاية الجملة، وإنما الاختلاف في ولاية الأشخاص. ~~وقال هؤلاء القوم: ليس علينا من ولاية الأشخاص شيء. وقال ابن الحسين: إلا ~~بشريطة إن كان من أهل الجنة. قلنا لهم: كذلك قول الله - عز وجل -: (اقتلوا ~~المشركين كافة) فليس علينا من قتلهم واحدا واحدا شيء إن لم نقدر على قتلهم ~~بالجملة، وقد قال الله تعالى حكاية عن خليله إبراهيم عليه السلام والذين ~~آمنوا: (قد كان لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا ~~برآء منكم ومما تعبدون). فلن يسع إبراهيم والذين معه أن يتبرأوا من ~~أفرادهم. ثم قالوا: (وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا ~~بالله وحده). # أما العداوة باللسان فأطلق لهم العقال في عداوتهم بجميع ما قدروا عليه من ~~الشتم باللسان والدعاء لهم بالنيران. # وأما البغضاء فالاعتقاد لهم بكل مكروه من الشر في الدنيا والنار في ~~الآخرة. # فمن أقر لأخيه المسلم عليه بالمودة والمحبة، فالحنان والاستغفار باللسان، ~~فقد أقر بالولاية فهو مرادنا. # ومن أبطل هذا فقد أبطل حقوق المسلمين بعضهم من بعض. قال الله - عز وجل -: ~~(من يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب ms261 الله هم الغالبون وحسبنا الله ~~ونعم الوكيل). # فأول ولايتك المسلمين كونك على شريعتهم، قال الشيخ أبو خزر يغلا ابن ~~زلتاف: أصل الولاية الموافقة للشريعة، فمن وافقته في الشريعة فقد وجب عليك ~~بعض ولايتك عليك في اخذ الحقوق والتعاون معه على البر والتقوى. والبراءة ~~أيضا مفارقة الكفار. PageV03P143 # وأكثر شروط رسول الله (صلى الله عليه وسلم) على من اسلم على يديه ممن ~~تابعه أن تكون مع المؤمنين وتفارق المشركين، فهم نفس الولاية ونفس البراءة. ~~ومن وراء ذلك توابعهما والله المستعان. # مسألة: # قولك: رجل متولى إذا فعل فعلا. # اعلم أن المتولي من فعل الولاية، وأنت تريدها هنا من تولاه الناس واسمه ~~الولي، وإنما ينبغي له أن يقول: رجل ولي فعل فعلا. # واعلم أن لغة العرب في مثل هذا هي الحجة العظمى لأن بها عرفنا مراد الله ~~- عز وجل -. # ويدل عليه قول الله تعالى: (ومن يتولهم منكم فإنه منهم) فرد من فعل ~~الولاية لا المفعول فيه الولاية، وهذا معروف من جهة لغة العرب وتصاريفها ~~تقول: تولى يتولى توليا فهو متول والمفعول متولى. # فلو قال رجل: متول فعل فعلا. لكان أشبه. وإنما ذكرنا لك هذه النكتة لتكون ~~منها على بصيرة، فإن العزابة قد عودوا في التولي أنه المفعول فيه الولاية ~~واسمه الولى والمتولى، وأخرى ربما يقف أحد على كتابنا إليكم فيستهجنه ~~ويستسمجه، ويحملنا وإياكم على الجهالة والغلط. # فإن صرفت هذه الكلمة فتقول: ولي يلي ولاء وولاية فهو ولي (2)، والمفعول ~~مولى وولى ويولى تولية فهو مول ومولى، وتولى يتول توليا فهو متول ومتولى، ~~ووالى يوالي موالات فهو موال وموالي، وأولى يولي إيلاء فهو مول ومولى، ~~وتوالى يتوالى فهو متوال ومتوالى، واستولى يستولي استيلاء فهو مستول ~~ومستولى. # وما بقي على النعت والمفرد والتثنية والجمع والمذكر والمؤنث أحكام معروفة ~~عند العرب لا تتبدل ولا تتغير. # ثم قلت: فعل المتولى فعلا لا يدري ما هو، تريد لا تدري أحلال أم حرام، أم ~~طاعة أم معصية ولا تدري ما الحكم فيه. # وقلت: هو ما يسع الناس جهله، فتبرأ منه رجل ms262 على ذلك الفعل، أو كفره، أو ~~شركه، أو استحل دمه على ذلك الفعل، وهما وليان تسأل عن السامع ما حاله ؟ PageV03P144 # اعلم أن السامع ليس عليه شيء فهو على ولايته لهما ولا يغير من أحاكمهما ~~شيئا ولا يقف فيهما، وهذه المسألة التي بيننا وبين النكار يقفون في ~~الفاعلين ونحن نقف في الفعلين ولا نقف في الفاعلين ونكون على أصل ولايتنا لهما. # وأصل هذه المسألة هي التي جرت بين أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ~~وأهل الدار: عثمان وأصحابه والمتوقفة سعد بن أبي وقاص أحد الشورى وعبد الله ~~ابن عمر بن الخطاب ومحمد بن مسلمة وزيد بن ثابت وبعض الأنصار. # وذلك أن سعدا وأصحابه، كان عندهم عثمان في صحابة بعض صاحبيه ولم يقفوا له ~~على خصلة مخصوصة يحل بها دمه، على أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: ~~«لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاثة: كفر بعد إيمان، وزنا بعد إحصان، ~~وقتل النفس التي حرم الله». # وإن عمارا وأصحابه قتلوا عثمان، وتبرأوا منه على أفعال شادوها منه، ولم ~~يثبت تحلة دمه منها عند الغير، وحل دمه بها عندهم يوسع الأمر للكل، فسفك ~~هؤلاء دمه وتبرأوا منه. وتوقف هؤلاء وكانوا على ولايته وولاية عمر وأصحابه، ~~فجمعوا بين الأمرين، إذ لم يتبين لهم المخطئ منهما، ووسعهما الحق ما لم ~~يقتحموا أحد الشروط، ولم يزعموا أن ما لهم عليه دين الله ولا يسع خلافه، ~~ولا يقيم أحدهما حجة على صاحبه ولا سيما من تأول قول الله - عز وجل -: ~~(واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة) فاتهموا أنفسهم وغيرهم، ~~فعذرهم الله ما لم يقع الابتلاء. # فكل معصية ليس عليك فيها إلا الكف، وكل فرض ليس عليك إلا أن تعرف أنه ~~واجب عليك وتعصي بتركه. # وكذلك كل من وجب عليه شيء فضيعه، فليس عليك من معرفته ومعرفة الفاعل إلا ~~أن تعلم حرام عليه تركه، وليس عليك من معرفة أسمائه شيء، لا من الكبير ولا ~~من الفسق، ولا من النفاق، ولا من الشرك، إلا ms263 الشرك الظاهر الذي ظهرت به ~~تسوية الباري سبحانه بخلقه، أو نفي وجوده، أو قصد إلى شخص بعينه. PageV03P145 # فهذه الوجوه الثلاثة لا يسعك إلا تشريكه وتكفيره وإيجاب العقاب له. وأما ~~ما سوى ذلك من المحرمات فليس عليك منها شيء، فأوجبت عليك معرفة شيء من ذلك، ~~فتعلم أنه حرام، وأنه معصية. # وأما سوى هذين الأمرين وهو الشرك الباطن والفرض الواجب، من معرفة محمد ~~عليه السلام والبعث والحساب والجنة والنار والمسلمين والمسلمات، وجميع ما ~~لا يسع جهله، فليس عليك منه شيء إلا أنه حرام، وأن علينا أن الفعلة التي ~~صدرت من ولينا هي معصية ولا ندري ما مبلغها فهي كالمسألة الأولى، فولينا ~~ولينا على حالة، والمستبرز منه ليس علينا منه شيء ونكون على ولايته كأول ~~مرة، وقد قال الشيخ يغلا أبو خزر بن زلتاف - رضي الله عنه - يسع جهل جميع ~~أهل الحرام ما خلا الشرك. وقد تقدم ذكره. # وأما قول الشيخ: (والاستحلال لما حرم الله والإصرار على ما حرم الله) ثم ~~قال: (وذلك إذا علمت أنه استحل ما حرم الله، أو أصر على فعل ما حرم الله) ~~وشرط في هاتين (إذا علمت وكذلك في سائر المعاصي إذا علمت) وأما إذا لم ~~تعلم، فليس عليك منه شيء. # مسألة: # ثم قلت: والمتولون إذا فعل واحد منهم فعلا، لا يدري ما هو، فبرأ منه آخر ~~على ذلك الفعل، فجاء آخر فبرأ منهما. ما الذي يسع السامع ؟ # اعلم أن هذه المسألة مثل المسألة الأولى إلا في الثالث الذي يبرأ من ~~الفاعل والمفعول فإنه هالك، لأنه لا يخلو أن يكون أحدهما مصيبا، فبرأ منه ~~فيهلك، أما الفاعل أو المفعول، فلا نجاة له مما تورط فيه، فعلى السامع أن ~~يبرأ من هذا الثالث الذي برئ منهما جميعا، ومعنى المسألة إلى الضروريات أقرب. # مسألة: # والمتوليان إذا فعل أحدهما فعلا لا يدري ما هو، فبرئ منه الآخر على ذلك ~~الفعل، وبرئ الفاعل من الذي برئ منه، ما الذي يسع السامع ؟ # اعلم أن السامع في هذه المسألة كالأولى، ليس عليه منهما شيء، ms264 ويكون على ~~ولايته لهما حتى يتبين له الحق. # وأما إن زاد متول آخر إلى أحدهما، فالمتوليان هما الحجة على الآخر. # مسألة: PageV03P146 # والرجلان المتوليان إذا قال أحدهما: برئ منه فلان. ما الذي يسع السامع ؟ # اعلم أن يبرأ من القائل، لأنه حكى عن ولينا كبيرة، فإن كان الرامي من أهل ~~الجملة، فليس علينا من قول الولي شيء، فهي دعوى. # فإن كان من أهل الجملة، فليس علينا منهما شيء البتة. # مسألة: # ومن قال في شيء من الأفعال: (إن هذا الفعل كبيرة أو كفر) ثم فعله، إن كان ~~يبرأ منه أم لا، فهو إلى البراءة أقرب، أو قال: (هذا نبي) ثم أنكره، أو قال ~~(هذا حرف من كتاب الله) ثم أنكره، فلا مخرج له في الوجهين جميعا. هو إلى ~~البراءة أقرب. # مسألة: # ورجل قال: (برئت من واحد من هذه الجماعة) وهم كلهم من أهل الولاية، فهو هالك. # وإن كان بعضهم من أهل الوقوف، فإن هذا ليس علينا منه شيء. # وإن قال: (برئت من أهل ولايتكم) برئنا منه ولو لم يخص أحدا من أحد. # وكذلك إن قال: (هذا مما يوصف الله به) ثم أنكره. وكذلك إن قال: (هذا ~~حرام) ثم حلله، أو (حلال) ثم حرمه، ففي هذا شبهة، لأن العلماء تختلف فتقول: ~~(هذا حلال). وبعضهم يقول: (هذا حرام)، إلا إن قال: (إن الله حرم هذا مطلقا) ~~فأحله، أو (حلل هذا) فحرمه، قال الله تعالى: (قل أرأيتم ما أنزل الله لكم ~~من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل آلله أذن لكم أم على الله تفترون).فجعل ~~الفقهاء يقصرون التحريم والتحليل إلى الله، ولا يجوز لغيره أن يحلل ولا أن يحرم. # وإنما ينبغي للعلماء أن يقولوا: يجوز ولا يجوز، أو ينبغي ولا ينبغي. وأما ~~حلال أم حرام، فلا، والشارع هو الله سبحانه. # مسألة: # وقوله في رجل أقر بمعرفة نبي أو ملك، ثم أقر بجهله فقال: (لا أعرفه)، ~~لأنه يسأل إن كان عن عهد جهله وأنكر ما قال أول مرة. فهذا راجع عن علمه على ~~بصره من أمره. # وإن ms265 أدعى النسيان في ذلك أو حملناه عليه، ففي المسألة توسعة، لكن المشايخ ~~أكثر معلومهم أن هذا راجع من علمه فيما علم، ولا يوافقني هذا الجواب، ~~وخلافه عندي أشبه وأولى وأرحم بنا وأرأف. PageV03P147 # حكم الذهول والنسيان # في مسألة النسيان والذهول # اعلم أن مسألة النسيان والذهول، قد وردت في كتاب الله - عز وجل - عموما، ~~فنحن على عمومها حتى يرد ما يخصصها، قال الله تعالى في كتابه في بعض ~~الامتنان حكاية عن أوليائه - عز وجل - حين أثنى عليهم: (آمن الرسول بما ~~أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين ~~احد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير. لا يكلف الله ~~نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو ~~أخطأنا). # فجل المفسرين يقولون: أو أخطأنا أي تعمدنا. ويحكي الله - عز وجل - عن ~~سائر المؤمنين أنهم استوهبوه النسيان، فوهبه لهم، وليس من صفة الكريم أن ~~يستوهب إلى شيء - فيخبرنا أنه قد استوهبه - فيبخل به ولا يجود به، وأنما ~~هذه صفة للئيم أن يشنع على نفسه أنه استوهب ويذكر ذلك عن نفسه ثم أنه لا يهب. # ولو ساغ لأحد أن يقول: لم يسغ النسيان. لساغ لغيره أن يقول: وكذلك ~~المغفرة حين حكى عنه: (غفرانك ربنا وإليك المصير) شهادة انتصاب النون من ~~غفرانك، يشهد لك. # ولو قال: غفرانك بضم النون، لما حكمنا عليهم بمسألة الغفران، ولكن نصبه ~~يدل على مسألتهم الغفران. # وكذلك سائر ما استوهبوه في هاتين الآيتين. وفي وقوله: (ربنا لا تحمل ~~علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا ~~به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين) فإن ~~جادلهم بهذا كله، فما بال النسيان من بينهم ؟ PageV03P148 # فأجمعت الأمة على أن المؤمنين استوهبوا من الله تعالى هذه العشر كلمات ~~فوهبهن لهم، فمال بال الاستثناء في بعضها دون بعض ؟! والمسؤول كريم، وهو ~~أولى ما جاد لهم به. # فلو كان الاستثناء في ms266 بعضها والمنع، لكان في آخر الآيتين أو في وسطهما، ~~فلو كان الاستثناء يسوغ في أول الأمر، لكان في العقوبات، كما قال الله ~~تعالى: (وهو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو ~~يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون) فلما ~~فرغت الآية سمع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: «أعوذ بوجه الله» ~~فعاذه الله تعالى من الأوليين. # وأما أن يستثني عليه ما أمتن به عليه وتفضل من غير ذنب ولا سبب، إلا برأي ~~ذي الرأي فبعيد، وأخرى: أن الاستثناء أمر غالب ليس للعبد فيه صنع، ولم ترد ~~شدة في نسيان شيء إلا في ناسي القرآن، قد ورد فيه التخصيص. # قال الرسول عليه السلام: «إني نظرت في ذنوب أمتي فلم أر ذنبا أعظم من ~~ناسي القرآن». وذلك أنه ينساه إلا بهجرانه إياه وهجران تلاوته، وإنما أراد ~~القراءة ولم يرد نسيان نفس القرآن. # وقد عذر الله المؤمنين في نسيان أعظم العبادات وهي الصلاة، فكيف بما في دونها. # ولو كان النسيان من اختيار العبد لانتبه، وقد اجتمعت الأمة على أنه ليس ~~من اختياره، واجتمعت على النسيان: أنه محطوط عن هذه الأمة، إلا شواذ ذهب ~~بهم الرجوع عن العلم، وليس النسيان بالرجوع عن العلم في شيء. # والرجوع عن العلم: أن يقصد إلى ما أقره به، فينكره على علم بإقراره، أو ~~تخطئه ما صوبه، أو تصويب ما خطأه، والرب تعالى يتجاوز عن كثير من هذه ~~الأمور، فكيف بأمر ق سقط عن أذهانهم وأوهامهم لا باختيارهم، وليس هذا من ~~صفة الحليم الرؤوف الرحيم..! PageV03P149 # وقال الشيخ أبو خزر يغلا بن زلتاف - رضي الله عنه -: (بلغنا أنه ما سقط ~~عن وهم الإنسان لا يؤخذ به)، فأين ذهب بهم وبمن قال بخلافة وهو الإمام ~~الغاية القصوى، والرب تعالى حطوط جعل النسيان عنهم بمثابة لهم، حين آمنوا ~~كلهم بالله وملائكته وكتبه ورسله وقولهم: (سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك ~~المصير) فرغبوا في المغفرة فبشرهم أنه (لا يكلف الله نفسا إلا ms267 وسعها لها ما ~~كسبت وعليها ما اكتسبت). # فلما خفف عنهم سألوه ترك النسيان فقالوا: (لا تؤاخذنا إن نسينا أو ~~أخطأنا) فما بال الشدة في أول موهبة الله - عز وجل - للمؤمنين. # وجل العلماء والمفسرين يذهبون في الخطأ إلى العمد: يقلون: (لا تؤاخذنا إن ~~نسينا أو أخطأنا) أي تركنا أو تعمدنا. # وقال موسى بن عمران عليه السلام للخضر عليه السلام: (لا تؤاخذني بما نسيت ~~ولا ترهقني من أمري عسرا). فلوجب أن ذلك من الخضر عليه السلام أي فعل إرهاق ~~عسر، ولا يليق بالحكيم الرحيم. # وقال يوشع بن نون - رضي الله عنه -: «وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره». ~~فجعل الله تعالى معذرة المؤمنين في أمر نسوه، وإحالة الذنب على الشيطان، ~~فمن نابه أمر نسيه أحاله على الشيطان، وقال الله تعالى في آدم عليه السلام ~~معتذرا له: (فنسي ولم نجد له عزما) على عمل المعصية. # معارضة: # فإن قال قائل: على مذهبك في النسيان أنه يسوغ نسيان الرب تعالى ونسيان ~~آياته، وقد قال الله تعالى ذما لهم: (نسوا الله فنسيهم). وقال: (كذلك أتتك ~~آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى) وقوله: (ولا تنس نصيبك من الدنيا). # فلو لم يكن النسيان من أفعاله لما أمره الله تعالى بترك النسيان ولا نهاه ~~عنه والاهتبال نصيبه. # اعلم أن هذه الثلاثة الآي، قد أجمع أهل التفسير فيها أنه يريد بها العمد، ~~وأن كلامنا على نسيه الواحد منا طبعا. PageV03P150 # وأما قولك إن تنسى الباري سبحانه، فلم يستقم لأحد بعد معرفته إياه أن ~~ينساه، لكن عمدا لا ذهولا، لأن العبد يتصرف بين خلق الله تعالى فلا يكاد ~~يرى شيئا إلا تذكره وحصلت عند معرفة الله تعالى به، كما لا يستقيم من مضروب ~~بالسياط أن ينسى الضرب وهو يتوالى على ظهره. # وكذلك آيات الله تعالى، لما علم الخلق البلوى بها أين ما تصرفوا والحاجة ~~الماسة التي لا تفارقهم بعذر نسيانه، على أنه ذم الله - عز وجل - فاعل ذلك ~~قال: (نسوا الله فنسيهم). # نسأل من ضيق من المسلمين في هذه عن أسئلة ثلاثة: # أولها: ما ms268 البرهان على ما قاله ؟ ولن يجده من كتاب الله تعالى ولا من سنة ~~محمد (صلى الله عليه وسلم) ولا من العقل. # والثاني: الأحكام، أن التشريك والكفر والقتل والسبي والغنيمة، ولا سيما ~~في أمر مختلف فيه، أكثر الأمة على حطوطه، فإن يكاد فشاذ غير معروف في الصدر ~~الأول، فإن كان تقليدا فبخلاف ما أشار إليه القرآن والسنة والرأي والعقل. # أما القرآن فقد أشرنا إلى ما فيه المعذرة للناس، والسنة كذلك. أما من جهة ~~العقل: فإن الله تعالى لا يؤاخذ عبده بالضروريات، والنسيان أمر ضروري، قال ~~الله - عز وجل -: (لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت). # أما من جهة الشرع: فإنه روي عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فيما ~~يرويه عن ربه أنه قال: قال الله تعالى: «أنا عند ظن عبدي فليظن بي ما شاء». ~~فإن شدد على نفسه أمرا وسعه الله عليه شدد الله عليه. # فليس من العقل أن تأخذ بالشدة في أمر اختلف فيه العلماء ووسع لجميع فيه ~~بالشدة، فيعاملك الله تعالى على تلك الشدة ولك عنه مندوحة، ولابد للباري ~~سبحانه أن يسأل عبده هذه المسألة، من وسع ومن حظر. أما من وسع فقد أشرنا ~~إلى ما في القرآن فيها والسنة. # وأما من شدد فالاختيار بيده فليظهر حجته ما دام حيا فهو الحزم، فإن كانت ~~فليظهرها، وإن لن تكن فليقطع عنها، ويعامل الكريم بالكرم، ولا يعامله ~~باللؤم. PageV03P151 # والثالث: ما حال المخالف في هذه المسألة أمقطوع العذر أم لا ؟ فليقل ما شاء. # حكم من فعل كبيرة ثم تاب # مسألة: # ورجل رأينا منه كبيرة ثم تاب منها، أو أوفى بدين الله عند بعضنا، ~~فتوليناه، ثم برئ منه بعد ذلك آخر على ذلك الفعل، أيبرأ منه أم لا ؟ فهذا ~~فيه ما فيه. # وأما من جاء وبرئ منه هكذا، فلم يصف فعلا ولم يذكره، فهذا أقرب إلى ~~الملامة. # وقد سأل عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - في أبي بكر أنه شهد على المغيرة ~~بن شعبة أنه زنى في ثلاثة أنفس، فأقام عليهم عمر بن ms269 الخطاب حد القذف، ~~وتمادى أبو بكر في الشهادة عليه. ثم قال عمر: (ولو عاد أبو بكر إلى قذف ~~المغيرة سبعين مرة ما عليه إلا الحد الأول). # مسألة في حكم رجل كان في الولاية ثم برأ منه # مسألة: # ورجل كان عندنا في الولاية، ثم برأنا منه على فعل المستحق عليه البراءة، ~~ثم أصر وأبى من التوبة، فجاء رجل حكى عنه أفعالا من الكبائر، والحال التي ~~كان عندنا من أهل الولاية والصلاح، أكان يبرأ من الحاكي أم لا ؟ # اعلم أن ليس علينا منه شيء، وسقطت حرمته. # مسألة: # ورجل تبرأ من رجل، وقال للمتبريء منه: قد توليتك على براءتك إياي، أكان ~~يبرأ من أحدهما، وهما من أهل الولاية، أو من غير أهل الولاية ؟ # اعلم أن من تولى عن خصلة واحدة هالك. # وعن رجل تولى رجلا من أهل الكبائر على خصلة من الطاعة رآها منه، أكان ~~يبرأ منه أم لا ؟ أو على فعل الطاعة ولا معصية، أو تبرأ منه على خصلة من ~~الطاعة، أو على شيء لا يستحق منه البراءة، ماذا يفعل السامع ؟ # اعلم أن هذا في هذه المسائل الثلاث هالك، فإن علم السامع تبرأ، وإن لم ~~يعلم فلا شيء عليه. # مسألة في حكم رجلين متوليين شهدا على رجل بكبيرة # مسألة: # ورجلان متوليان شهدا على رجل بكبيرة، فبرأنا منه، ثم شهد عليه أحدهما ~~بالنفاق، ماذا يفعل بهما ؟ # أما من شهد بالشرك فقد رمى الموحد بالشرك، إلا أن أظهر الفعل الذي شهد ~~عليه الشاهد فليس علينا منه شيء. PageV03P152 # وأما من شهد عليه بالنفاق فليس علينا منه شيء، لا ظهر الفعل ولا لم يظهر. # وأما من شهد عليه بالزنا بعد ما برأنا منه، أو قال الكبيرة التي برأنا ~~منه بها زنا. # اعلم أن هذا الأحق بصاحبه بالهلاك، وليس علينا من رده إلى الولاية شيء. # مسألة في رجل شهد عليه الشهود أنه سرق أو زنى # مسألة: # ورجل شهد عليه الشهود انه سرق أو زنى أو قذف أو أكل ميتة أو دما أو لحم ~~خنزير، ولم يشهدوا على ms270 أن الذي فعله من هذه الأفعال كلها: أنه كبيرة أو غير ~~كبيرة، فجاء رجل آخر غيرهم فقال: إن هذه الأفعال كلها كبائر أو كفران، كان ~~يبرأ من هذا وهم متولون كلهم. # اعلم أن هؤلاء الثلاثة ما علينا من براءتهم شيء، ولا براءة الذي شهدوا ~~عليه، فهم أهل الولاية إلى الآن إذا ظهر الفعل ولم يكن عندنا منه علم، ولو ~~لم يظهر الفعل أيضا. # مسألة: # وإن أقر رجل أنه شرب خمرا، ولم يعرف السامع ثم أفتى له أمين واحد: أنه ~~كبيرة، فحتى يجتمع أمينان، وكذلك يحكم ببراءته. # وأما إن كان عنده قبل أن يفعل الفاعل، أو شهد الشاهد أنه كبيرة قبل فعل ~~الفاعل، فليبرأ منه. # وأما إذا وقعت شهادة الشهود على التحريم لا غير، فليس هنالك شيء. # مسائل متنوعة في الولاية والبراءة # مسألة: # ورجل رأى رجلا يضربه الإمام العدل الحد، فقال له رجل واحد أو اثنان: إنه ~~زنى فأقام عليه الحد. أكان قذف أم لا ؟ # اعلم أنه قذف، يبرأ منه. # مسألة: # ورجل رمى متوليا بكبيرة، ولم يعرف أن الذي رماه به كبيرة أو غير كبيرة، ~~ثم فعل بعد ذلك المتولى كبيرة فبرأنا منه، ثم عرفنا أن الذي رماه به الرامي ~~في حال الولاية أنه كبيرة، أكان يبرأ من الرامي أم لا ؟ أو كان ليس عليه ~~منه شيء ؟ فإنه يبرأ من الرامي. # مسألة: # ورجل شهد عليه الشاهدان الأمينان بالولاية فتوليناه، ثم قالا بعد ذلك: ~~إنما توليناه بشهادة فلان وفلان ممن لا يتولى بهما، أكان يرده إلى الوقوف ~~أم لا ؟ # فالجواب: لا يرجع إلى الوقوف. PageV03P153 # وكذلك إن قالا بعدما تبرأنا منه بشهادة فلان وفلان، ممن لا يبرأ بهما ~~عندنا، فليس علينا في هذه المسألة شيء، والمبرئ مبرأ والشاهدان سالمان عندنا. # مسألة: # ورجلان متوليان قال أحدهما لصاحبه: أحدهما (1) كافر، أما أنت وأما أنا. ~~أكان يبرأ منه ؟ # الجواب: أن هذا القائل هو المبرأ. # وإن قال: واحد من هذه الجماعة كافر، وأنا وهم من أهل الولاية جميعا. فهذا ~~هو إلى الكفر أقرب. # مسألة: # ورجل رأى من ms271 رجل كبيرة فبرأ منه، ثم رأى منه أخرى شركا أو نفاقا، فليس ~~عليه إعادة البراءة. # ورجل وجبت عليه ولاية رجل وبراءة رجل، فتولاهما جميعا معا، أو برأ منهما ~~جميعا معا، ثم نزع قوله من الذي أخطأ فيه، أكان تجزيه البراءة للمتبرأ، أو ~~ولايته للمتولي أم لا ؟ # اعلم أن ولايته وبراءته بنى بهما على أهل المعصية، فلا يجزيه حتى يعيدها ~~للصحيح، وعلى أن الشيخ أبا خزر قال: (اعلم أن الضمير في ذلك يجزي). # مسألة: # ورجل فعل كبيرة فاستتيب منها فتاب، ثم جاء بعد ذلك فقال: لم أتب قط مما ~~فعلت، وإني متماد عليه ومصر. فهذا يبرأ منه. # ورجل ولايته توحيد، وآخر ولايته طاعة، فتولاهما جميعا بلفظ واحد، فنزع ~~قوله من أحدهما ولم يبينه لنا، فما أبلغه نزوعه، أشرك فعله أم نفاق ؟ # اعلم أن ذلك إذا نزع ولايته من المنصوص كان شركا، ومن غيره كان نفاقا. # مسألة: # ورجل لم يكن فيه خبر من الله ولا بيان أنه مسلم عند الله أو كافر، ولم ~~يكن علينا بيان. فقال: إنه كافر عند الله، أو مسلم عند الله. # اعلم أن الناس قد اختلفوا في هذه المسألة: # فعلى مذهب أهل الدعوة فقد أخطأ، ولن يعلم المسلم والكافر عند الله أحد ~~إلا بخبر من الله تعالى، وقد قال في عثمان بن مظعون ما قال حين ذكرته امرأة ~~وثبت عليه. وقالت: (إن شهادتي عليك شهادة باتة ثم مات. فقال رسول الله (صلى ~~الله عليه وسلم): «إني والله لرسول الله، ولا أدري ما يفعل بي وما يفعل بكم». PageV03P154 # وكلام العجوز في حارثة الضبي الذي قتل ببدر. وقالت: (سقيا لك حارثة. فقال ~~لها رسول الله عليه السلام: «وما يدريك لعله يمنع ما يضره، ويتكلم فيما لا ~~يعنيه». # وبعضهم يقول: إن من أظهر من الإسلام الشهادة، فهو مسلم عندنا ومسلم عند ~~الله، ومن أظهر الكفر فهو كافر عند الله وعندنا، كما أنه إن تحرك فهو متحرك ~~عند الله وعندنا، والساكن كذلك. # فعلى هذا الوجه الكلام محتمل، والمحتمل ساقط من يد المحتج. ms272 # مسألة: # ورجل يبرأ من رجل على التوحيد، ما يوصله ذلك أشرك أم نفاق ؟ # اعلم أن من تبرأ من احد على التوحيد مطلقا بهذا اللفظ فهو مشرك، وإن كان ~~يبرأ منه على خصلة، مما هي عندنا توحيد وليست بتوحيد عند المخالفين، فهذا ~~محتمل، فهو متأول، مثل من يزعم أن الإقرار بمحمد (صلى الله عليه وسلم) ليس ~~بتوحيد، ولكن إن وجه البراءة على الإقرار بمحمد عليه السلام فهو مشرك. وإن ~~بعض الناس ابن الحسين وأصحابه (2). إن الإقرار بغير الله ليس بتوحيد. # مسألة: # ورجل قال قولا يشرك به. ثم قال: تبت إلى الله أكان يجزيه ذلك ؟ # اعلم أنه يجزيه. # ورجل قال لآخر: توليتك. فقال له الآخر: تبرأت منك على ولايتك إياي. ماذا ~~يفعل السامع بهما، كانا من أهل الوقوف، أو كانا من أهل الولاية ؟ # فإن كانا منة أهل الوقوف، فليس علينا منهم شيء. # وإن كانا من أهل الولاية، فالمتبريء من المتولى هالك. # مسألة: # ورجل متولى بريء منه رجل متولى. فقال له متوليان: توليناك على براءتك ~~إياه، أكان يبرأ من الرامي ؟ # اعلم أن القول قد تقدم فيمن تولى على خصلة واحدة أنه هالك، وهذان ~~المتوليان رجلا على براءة رجل، هالكان. # القول في أسامي الشريعة من التوحيد إلى الشرك PageV03P155 واعلم أن أسامي ~~الشريعة لها درجات: أولها التوحيد ثم الفرائض ثم النوافل ثم الإباحة ثم ~~المكروه ثم الخطيئة ثم السيئة ثم المعصية وهو الإثم والذنب ثم الكفر، ~~فالثلاثة الأولى: التوحيد والفرائض والنوافل، كلها طاعة، والشرك والكبير ~~والذنب هؤلاء كلها معصية، والإباحة والمكروه هما إلى الطاعة أقرب، والخطيئة ~~والسيئة هما إلى المعصية أقرب ؟، وليس في هذه الأربعة طاعة ولا معصية هي ~~بين بين. # وقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «البزقة خطيئة وكفارتها دفنها» ~~والسيئة: ما أساء فيه الإنسان إلى نفسه من تضييع الفضائل وتهوين الفرائض من ~~غير ما تركها. # ومذهب ابن عباس: ليس فيما يعصى الله به صغير، فأوجب أن جميع مناهي القرآن ~~كبائر ومناهي السنة صغائر وسيئات لا معاص، وهذه معركة العلماء لا ينبغي ~~الاستبصار ms273 فيها كثيرا، وقد تكون السيئة تضييع أوائل الأوقات وفضائلها، ~~وتضييع الأحوال، ومالا يعني، وتكون سيئة وليست بمعصية. # فعلى هذا الوجه تجب التوبة على العبد في جميع أحواله ما خلا كونه في ~~الطاعة، وفي الطاعة أيضا كلام كثير. # مسألة: في الذنوب والاستغفار والتوبة منها. # ومن جهل الكف عن الذنوب هكذا جملة، ما يبلغه ذلك ؟ أو جهل الكف عن الشرك، ~~ما يبلغه ذلك ؟ # اعلم أن من جهل الكف عن الذنوب، فقد جهل الذنوب. # وأما الشرك الذي لا يسع جهله، فمن جهله فهو مشرك، لأن الشرك عنده محال ~~الإباحة. # وأما سائر الذنوب فليس عليه من معرفتها شيء، ولا من معرفة وجودها إلا إذا ~~وقعت البلية وفرضت عليه فريضة امتثالها، ومعرفة تركها أنه ذنب، ومعرفة وجوب ~~التوبة على تركها. # وأما الذنوب فليس عليه من معرفتها شيء والكف عنها. وأما معرفة أن ذلك ~~كبير فليس عليه منه شيء ألا بعد قيام الحجة، والشرك لابد من معرفة الكف عنه ~~أنه فرض. # والذي يجب على فاعل الذنب في حال الكف، وفي الحال الثاني التوبة بعد الكف ~~إن لم يكن كف. PageV03P156 # وحكمة في جهله التوبة عن الذنوب، مثل حكمة في عمل نفس الذنوب، إن كان ~~كبيرا فهو كبير، وإن كان صغيرا فهو صغير، وإن كان شركا فهو شرك. # وقوله: (أو يسأل الاستغفار لنفسه إذا بلغ ولا يعرف لنفسه ذنبا) (1). # واعلم أن جل العلماء يقولون: التوبة واجبة على الرجل في أول حال البلوغ ~~وإن لم يعلم لنفسه ذنبا، لما قدمنا من التفريط والتضييع والتهوين. # وعلى هذا ينبغي له الاستغفار في أول البلوغ، إذ حقوق الله تعالى أعظم من ~~أن يقوم بها العبد، كما قال (صلى الله عليه وسلم): «امسوا تائبين واصبحوا ~~تائبين» ولم يخص حالة من حالة. # وأما المتولى فيستغفر له لعموم قوله تعالى: (واستغفر لذنبك وللمؤمنين ~~والمؤمنات)، وقلما يسلم العبد من الذنب من حال بلوغه إلى حال خروج روحه. # ومن فعل ذنبا وجهل أن التوبة عليه واجبة، فيلزمه في التوبة مثل ما يلزم ~~في نفس الذنب، فإن كان ms274 الذنب كبيرا كان كبيرا وإن كان صغيرا كان صغيرا. # * (مسألة) *وهل يقال أمر الله عباه وسألهم الطاعة وطلبها منهم ؟ # فالجواب: أن هذا كله جائز، وليس فيه أكثر من الأمر بالطاعة والدعاء إليها. # وقوله: استرعاهم فوعوه وأتمنهم على دينه فأتمنوه وحفظوه، أو هل يقال: ~~ندبهم وحرضهم ورغبهم وكلفهم ؟ # فالجواب: أن هذا كله جائز. # من ظهرت فيه أفعال تبلغه إلى الشرك، أكان يجزيه عنه من علم تلك الأفعال ~~(2)، أم يقصد إلى كل فعل فيتوب منه ؟ # فإن كان متدينا فيقصد إلى كل فعل، وأما غيره فلا إلا التوبة بالجملة. # مسألة هل يستر الله على عبده ذنبه في الدنيا فيأخذه في الآخرة # مسألة: # وأما قولك: هل يستر الله على عبده ذنبه في الدنيا فيأخذه به في الآخرة، ~~أو يستره في الآخرة عليه؟ PageV03P157 # اعلم أن الله تعالى يأخذ عبده بذنب فعله، يأخذه به في الدنيا وفي القبر ~~وفي الحشر وفي النار، ويستره عليه في الدنيا ويأخذه به في القبر وفي الحشر ~~وفي النار، ويأخذه به في الدنيا ويستره عليه في القبر وفي الحشر ويعافيه من ~~النار، ويأخذه به في القبر ويستره عليه في الدنيا وفي الحشر ويأخذه به في ~~النار، ويستره عليه في الدنيا وفي القبر وفي الحشر وفي الجنة، هذا على قدر ~~توبة العبد من الذنوب، ما إذا تاب العبد ويغفره له، فيأخذه في الدنيا أو في ~~القبر أو في الحشر أو في النار، كما قال في أبي طالب: «إن الله خفف عنه ~~ووقف في ضحضاح من النار»، وفي عدي بن حاتم: «إن الله خفف عن أبيك بسخائه)) ~~فهو بعض المغفرة. # اعلم أن الشدائد التي تصيب المسلمين في الحشر هي بعض المؤاخذة في أن ~~يبعثهم حفاة عراة عزلا، من بقايا ذنوبهم في الدنيا. # وأما أن يغفر له في الدنيا وفي القبر وفي الحشر وفي النار، فهذا قول ~~المرجئة، وليس بقول المسلمين، وفي أصحاب الأعراف آيات للسائلين. # ذكر عشرة مواطن اختلفنا فيها مع الأشعرية # مسألة: # وقد يجوز على الله كلم وتكلم ومتكلم وملكم، فهذه كلها ms275 بقرائن الأحوال. # أما قول القائل: القرآن لغة الله فلا، أو حديث الله فلا، ومن أجازه فهو ~~لغو لا أجر ولا وزر في أسماء الله - عز وجل - وصفاته. # وسأل فقال: وهل يقال: ما أكثر أسماء الله، وأسماءه كثيرة ؟ وهل يقال: ما ~~أحسن صفات الله وأسماءه ؟ # اعلم يا أخي أن مسألة الأسماء والصفات قد اختلفت فيها أمة أحمد صلوات ~~الله عليه وسلامه. PageV03P158 # فمن طائفة ذهبت إلى أن الأسماء هي هذه الألفاظ التي يخبر الله - عز وجل - ~~بها عن نفسه، على معتاد ما بيننا في أسمائنا، واستدلوا بأن الاسم هو هذا ~~اللفظ المعقول في لسان العرب يفارق الأفعال بصيغة ويجري عليه التنوين ~~أحيانا في غالب الحال، كقولك: عالم وعليم وعلام، وراحم ورحيم ورحمن. فهذا ~~موجود في لغة العرب ينكره أحد داخل وخارج ونازل وطالع، في أمثالها، فاقتصر ~~هؤلاء على هذه الألفاظ أنها أسماء الله. قال الله تعالى: (ولله الأسماء ~~الحسنى فادعوه بها)، وقوله: (سبح اسم ربك الأعلى) قال الله تعالى: (هو الله ~~الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار ~~المتكبر سبحان الله عما يشركون. هو الله الخالق الباري المصور له الأسماء ~~الحسنى يسبح له ما في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم). # فلمن قال بأن الأسماء هي الألفاظ متعلق في الجميع قوله: حيث قال: (له ~~الأسماء الحسنى) ووصفه إياها بالحسنى. # ولمن قال: بأن الاسم هو المسمى متعلق في قوله: (هو الله الذي لا إله إلا ~~هو عالم الغيب) وفي وقوله مكرر: (هو الله الذي لا إله إلا هو الملك ~~القدوس). وقوله: (هو الله الخالق الباري). فماذا بعد هو إلا الغير ؟ # وقوله أهل البصائر في الأسماء لا أهل الأبصار: إن الاسم هو المسمى وإنما ~~الألفاظ خدمة المعاني، والاسم هو المسمى المعنى لا اللفظ المسموع، فمن رضي ~~بالحواس ورضي بظاهر ما يقول الناس صار من جملة النسناس، وقصر إلهه عن ~~الأفضل إلى الأنذل. ويظهر من قولك: هذا زيد. فإن أردت به الذات صلح لها، ~~وإن أردت به الاسم واللفظ فهو هو، ms276 وذلك يختلف بأحوال المنبه عليه، ومهما ~~وقف بك رجل تعرفه وتعرف اسمه أنه زيد، وبجانبك ناس لا يعرفونه، ويقولون: من ~~هذا. فيصلح أن تقول: هذا زيد. فيكون التنبيه على اللفظ وأما ذات الرجل ~~فظاهره عندك وعندهم.ط PageV03P159 ولو كان رجل أعمى وأحس بجانبه حسا، وقال ~~لك: من هذا ؟ فقلت: هذا زيد. فيكون السؤال والجواب عن الذات جميعا لا عن ~~اللفظ، قال الله - عز وجل -: (هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من ~~دونه). وإنما وقع الخطاب هاهنا عن الذات لا عن اللفظ. # ولو قيل لك: أين زيد ؟ فقلت: بين يديك. لكان المراد يريد الذات دون ~~اللفظ. وكذلك هذا سواد وهذا بياض. # وعلمنا أن نسبة الاسم إلى الذات في حق الباري سبحانه أفضل، من جهة ~~الأشعرية ومن جهة اللغة. # ففي الشريعة حقيقة وفي اللغة مجاز، والحقائق في ذات الباري سبحانه أولى ~~من المجاز وأفضل. # وعلى أن الاسم هو المسمى في لغة العرب موجود، قال الله تعالى: (ما تعبدون ~~من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم). ومعلوم عند الناس أنه لم يرد ~~الذاوت دون الألفاظ، فمن جعل اسم الله هو المسمى كان قد عزى الباري سبحانه ~~إلى الأفضل، وإن اقتصر به إلى اللفظ حسبه جهله بين الفاضل والمفضول، ~~وعذرناه ما لم يتجشم الشروط المهلكة: التدين على جهالة، وقطع العذر، وتبديل ~~الأحكام، وفيه وفي مثله قال جابر بن زيد - رحمه الله -: (لا يحل للعالم أن ~~يقول للجاهل: اعلم مثل علمي وإلا قطعت عذرك، ولا يحل للجاهل أن يقول ~~للعالم: اجهل مثل جهلي وإلا قطعت عذرك، فإن قال العالم للجاهل: اعلم مثل ~~علمي وإلا قطعت عذرك. قطع الله عذر العالم. وإن قال الجاهل للعالم: اجهل ~~مثل جهلي وإلا قطعت عذرك. قطع الله عذر الجاهل). # وأما من قال: (ما أكثر أسماءه كثيرة ؟) فإنك تحمله على مذهب من جعل أسماء ~~الله هي الألفاظ. # وأما نحن فلا يجوز في معتقدنا فيها التعجب بالكثيرة ولا الإخبار عنها ~~بالكثرة. وأما الإفراد كقولك: (ما أحملك يا رب !) كقول أبي بكر الصديق: ms277 (ما ~~أحملك أي ربي !) وقول الله - عز وجل -: (أسمع بهم وأبصر ما لهم من دونه من ~~ولي ولا يشرك في حكمه أحدا) فجائز. PageV03P160 # وأما صفات الباري سبحانه فقد اختلفت فيها الأمة، فمن قائل - وهم الأشعرية ~~-: الصفات هي المعاني، كالعلم والقدرة والإرادة وغيرها. فأبطلوا عنها اسم ~~الصفات وأثبتوها معاني مع الله تعالى ولم يزل، لأنهم يقولون بقدمها، ~~ومعولهم اللغة فقارفوها هنا، ونقصوا العقول في إثباتهم كثيرة قديمة مع الله ~~- عز وجل - في الأزل، هم إلى الشرك أقرب. # لا يجوز: ما أكثر صفات الله ! ولا ما أوسعها ! وإن قلت: ما أحسن صفاته. ~~بمعنى ما أحسن ما متصف به فجائز. والحمد لله. # اعلم أن الأشعرية (1) قد اختلفنا معهم في عشرة مواطن: # أولها: أن قلنا إن الباري سبحانه يوصف بالعلم والقدرة والإرادة وسائر ~~الصفات التي يوصف بها. فقالوا: إنها معان وليست بصفات. # والثاني: أنهم أطلقوا على هذه المعاني التي ذكروها: أنها أغيار لله - عز ~~وجل -، فأوجبوا التغاير بينهما. # والثالث: أنهم أثبتوها معاني غير الله وهي قديمة. ونحن نقول: ليس هناك ~~معنى غير الله ولا قديم مع الله. # والرابع: أن بمقتضى هذه المعاني، كان الله موصوفا، فبالعلم كان عالما، ~~وبالقدرة كان قادرا، علم بعلم، وقدر بقدرة، وأراد بإرادة، وحيي بحياة، وقدم بقدم. # والخامس: أن هذه المعاني التي وصفوه بها، معان قائمة بالذات، ذات الباري ~~سبحانه. # والسادس: أنهم وصفوه بالوجه واليدين والرأس والعينين والجنب والجلسة ~~والقبضة والأصابع والكف والساق والقدم والاستواء والميل وخرق الحجب، وركوب ~~الحمار الأقمر وأنه النور الأنور. # والسابع: أن الكلام من المعاني التي وصفوه بها وهو قائم بذاته لم يزل بها. # والثامن: أن الأمر والنهي والمتدرجين في الكلام من المعاني التي وصفوه ~~بها قائمان بذاته، لم يزل كذلك، تعالى الله عن ذلك. # والتاسع: أن القرآن وسائر كتب الله المنزلة من المعاني التي يوصف بها في ~~ذاته، لم يزل بها سبحانه. # والعاشر: أن العدل والإحسان والفضل والمن والإنعام صفاته، لكنها أفعاله محدثة. PageV03P161 # اعلم أن الأشعرية بنت مذاهبها في الباري سبحانه وصفاته وأسمائه تشبيهه ~~بخلقه، ms278 على الهروب من الواضح إلى الشكل، وعولت بعد العثار على الاعتذار، ~~وأنى لهم به بعد الانتصار، وتعرضوا للبلاء وهم عنه أغنياء، ولن يرضي بهذا ~~عاقل ولن يخفى على جاهل، وقد قال الأول: إياك وما تعتذر منه. # وقد اتفقنا نحن وهم على تنزيه الباري سبحانه، فأول ما غلطوا فيه أن ~~أفسدوا على العرب لغتهم وقالوا: إن الصفة هي الوصف. في مثلها. وقد أجمعت ~~الأمة أن الوصف فعل الواصف والصفة حال الموصوف. # وأخرى: أنهم بنوا عن السواد والبياض والألوان بأسرها (2). أن تكون صفات. ~~وقالوا: هي معان لا صفات. وأثبتوا مغايرتها للباري سبحانه فأثبتوا قدماء ~~كثيرة، ومن وراء هذا أن أظهروا افتقار الباري سبحانه إلى هذه المعاني من ~~العلم والقدرة والإرادة، فبالعلم علم وبالقدرة قدر. # ثم قالوا: إن المعاني التي يوصف بها الباري سبحانه قائمة بالذات ولم ~~يقولوا: حالة في الذات. كقولك الأعراض حالة فينا، ومن وراء هذا نسبتهم ~~الباري سبحانه إلى الجوارح كالوجه والعينين والجنب والساق، في مثلها. # مسألة: # وقولك: من زعم أن الله موصوف وموجود ومتسمى ونفى عنه أن يقال له: شيء. # اعلم أن معنى شيء هو معنى موجود. ومن قال: الله ليس بشيء هلك. # وإن قال: لا يجوز أن يقال له شيء أو غير شيء. إنما أخطأ على اللغة فواسع ~~ما لم يتغشم. # وقوله: علم الله شيء، أو غير شيء. لا يجوز في الوجهين جميعا، لأن قولك: ~~(علم الله شيء) يوهم غيرته الباري سبحانه، و (غير شيء) نفي العلم. # وكذلك القول: وقدرته وإرادته وسائر الصفات. وقوله في العلم والقدرة وسائر ~~الصفات: هل هي قديمة أم لا. # اعلم أن القول لا يطلق بأنها قديمة أو حديثة، وليس هناك غير القديم حتى ~~يطلق عليه القول بالقدم أو غيره. # وكذلك القول في أنها شيء أو غير شيء، لئلا يتوهم علينا أنها أغيار لله - ~~عز وجل -. PageV03P162 # وكذلك القول في أنها معنى، أو غير معنى. وكذلك القول في أسمائه، إلا إن ~~أراد هو الأسماء التي هي الألفاظ فمحتمل. # وأما على مذهب أهل الحق لا يجوز ms279 عليه شيء من هذا، ولا على الصفات، وليس ~~في الأمة من يقول الهيئة. وهو شرك ممن قاله. # ولا يجوز أن يقال: الله في علمه أو في قدرته أو في سمعه أو في بصره أو في ~~إرادته أو في أسمائه، أو في صفاته. فإن هذا كله لا يجوز. وهو خطأ في ~~الخطابة. # وكذلك قوله: علمه منه. وأسماءه منه، وقدرته منه أو ليس منه. فلا يجوز، أ, ~~علمه فيه أو أسماؤه فيه، أو صفاته فيه. وكذلك معه. وكذلك لا يجوز أيضا، أو ~~ليس معه. وكذلك علمه عنده، أو قدرته، أو أسماؤه أو صفاته، لا يجوز. أو هل ~~يقال: أسماؤه هي هو، وصفاته هي هو ؟ # إن هاتين المسألتين، أشار إلى جوازهما، بعض أهل الدعوة - ويقول: علمه هو ~~هو، وقدرته هي هو، وصفاته هي هو وفيها مع ذلك توهم ما. # والأحسن عندي، أن يقال: علمه ليس هناك شيء غيره. وقدرته ليس هناك شيء غيره. # وكذلك سائر الصفات، وكذلك أسماؤه وصفاته ليس هناك شيء غيره. # وأما ذكر الله بأسمائه، فجائز أن يقال: العالم هو القادر. والقادر هو ~~المريدة في أمثالها. # وأما للصفات بينها البين فلا يجوز أن يقال: العلم هو القدرة، ولا القدرة ~~هي الإرادة، ولا يجوز العلم غير الإرادة، ولا الإرادة غير العلم، ولا ~~القدرة غير العلم. # وأما قولك: سميناه بصفاته. فلا يجوز، وصفناه بأسمائه. فهذا كله خطأ في ~~اللغة والخطابة والإيهام وذهاب العقول إلى ما لا يجوز على الله - عز وجل - ~~ولا يجوز العلم اسمه، وأخواته. # وكذلك لا يجوز: وصفناه بالتسمية، ولا سميناه بالوصف. # وقولك: سميناه بالذكر أو الحرف أو بالألفاظ. فإن رجع الكلام إلى خطابه ~~فجائز، وإن أراد ذات الباري سبحانه، فلا يجوز. # وتقول: وصفناه وصفا. جائز، وأما وصفناه صفة، ففيه الوهم. وقولك: أخبرت ~~عنه بأسمائه. فلا بأس، وأخبرت عنه بصفاته، إلا عند من يتوهم أن الاسم ~~والصفة خبر. PageV03P163 # وكذلك قولك: لفظت بأسمائه، فلا يجوز إلا عند من ذكرنا. # وقولك: سألتك بحق أسمائك عليك. قد أجازه بعضهم. # وأما دعوته بأسمائه أو سألته ms280 بأسمائه، فجائز. # وأما سألته بصفاته، ففيه ما فيه. # وهل يقال: وصف نفسه بالوصف ؟ فلا يجوز. # وإن قلت: وصف نفسه وصفا. جائز، وسمى نفسه بالتسمية. وإنما يجوز: سمى نفسه ~~تسمية، ووصف نفسه وصفا، وأخبر عن نفسه خبرا، ووحد نفسه توحيدا، وأفرد نفسه ~~إفرادا. # وهل تقول: عرفت الله بأسمائه وصفاته ؟ والمعرفة درجات فوق درجات العلوم، ~~من الإيمان والظن والعلم واليقين، فمن بلغ إلى هذا الحد يرجى له البلوغ إلى ~~حد المعرفة إن اجتهد. تقول: أثبت الله نفسه عالما، وأثبت نفسه العلم. # وأما علمه إثبات وأسماؤه إثبات، فلا. # وأما قوله أثبت نفسه بأسمائه أو بصفاته فلا، وأثبت نفسه بعلمه أو بقدرته ~~أو أثبتناه بأسمائه فمحتمل. # وأما أخبرنا عنه بأسمائه، على رأي من جعل الأسماء حروفا وألفاظا. وأما ذو ~~صفات وذو أسماء وذو علم وذو قدرة، فإن هذا كله يوجب الغير. والسلام. # مسألة: # يقال ما أكثر متغاير وقوله، بمعنى بعضه غير بعض. وكذلك كلامه متفاضل أي ~~بعضه أفضل من بعض، فهذا لا بأس به. # وقوله: كلامه كله حروف متغايرة، وآيات مفصلات، وأفضاله وإحسانه، فجائز. # وقوله: ما أوسع علمه فجائز، وإنما وقع المعنى على المعلومات، وقدرته أيضا كذلك. # وهل يقال: الله جميل بالإضافة ؟ فلا بأس. هو جميل العفو، جميل الستر، ~~ويجوز: بحسن الصنع إلينا. # وأما قولك: بحسن العلم والقدرة: فلا يجوز. # وقولك: سميع وسامع ومسمع. فجائز أيضا. # وقولك: سماع فلا يجوز أيضا، لأنه مصغ إلى غيره وقابل للكذب. # وأما قولك: يسمع ويبصر (ثلاثي) فجائز يسمع الأصوات ويبصر أي يرى الألوان، ~~وبصر بمعنى رأى (أيضا ثلاثي). # فإذا أردت الغير فتقول: أسمعه إذا أسمعه الأصوات، أو جعل له السمع، أو ~~تكلم فسمع الرجل، وأما أبصر فليس فيه أكثر من أنه أبر اللون. PageV03P164 # وإن أردت أن تقول: جعله مبصرا ورائيا فتقول: بصره الله اللون. أي جعل له بصرا. # وأما بصار، فلا يجوز على الله تعالى، وكذلك يبتصر لا يجوز، وكذلك أسمع نفسه. # وأما أبصر نفسه بمعنى علمها فجائز. وقولك: أبصر كل شيء بمعنى علم كل شيء. # وقوله: أبصر ms281 الصوت، وسمع اللون. وهو تبديل لغة العرب، ثقيل. # مسألة في المشرك إذا دعا إلى الجملة التي يدعو إليها رسول الله عليه السلام # مسألة: # والمشرك إن دعا إلى الجملة التي يدعو إليها رسول الله (صلى الله عليه ~~وسلم) أو أمر بها، أكان يترك على الدين الذي كان عليه أول مرة ؟ أو كتبها بيده. # واعلم أن هذا إن كان من أهل ملة اليهود والنصارى والمجوس، فدعوا الناس ~~إلى الجملة التي كان يدعو إليها رسول الله عليه السلام. # قال: هؤلاء لا يتركون على أديانهم الأولى إن جاءوا بها تامة، وأما إن ~~كتبوها وعنوا نسخا مثل من ينسخ الكتاب للناس فلا. # وأما الوثنية فلا يتركوا، كتبوها أم لم يكتبوها، إلا أن دخلوا بلادنا ~~بذمة ولم يقولوها قطعا وإنما قالوها حكاية، فليس علينا منهم شيء. # وذكرت أهل الشرك وعباد الأوثان، ومن ليس له دين مثل من أنكر الله، أو قال ~~بإلهين اثنين، أو اقروا بما أشركوا به. قد قلت لك: هؤلاء لا يتركون على ~~جميع ما كانوا عليه، لا زادوا نقصوا، إلا إن دخلوا بلادنا على الأمان فما ~~علينا منهم شيء. PageV03P165 # والمشرك إن أظهر على نفسه خصلة من خصال أفعال أهل التوحيد، مثل الصلوات ~~إلى الكعبة أو الحج أو العمرة، أكان يصيب الرجوع إلى ما هو عليه ؟ فهذا لا ~~يصيب الرجوع أصلا، ولنحكم عليه بحكم أهل التوحيد. # وأما منع المشركين من مجالس أهل التوحيد إن ساروا، وإن لم يطمعوا فيهم ~~فلا. والغزو منهم معنا إلى عدونا باختيارنا. وكذلك الإعانة على موتاهم فلا ~~بأس، وأما موتانا فإنا نستقذرهم. # مسألة: # وأما قولك: الرحمن خالق والله خالق، فلا بأس إن لم يتوهم عليه الغيرية، ~~وأما أسماه: خالقه أو رازقه فلا يجوز. # وقوله: يملك أسماءه وصفاته وعلمه وقدرته في مثلها، فلا يجوز. # وهل يقال: أضفنا إليه أسماءه وأشرنا بها إليه، أو أسماؤه مذكره أعجمية، ~~فلا يجوز مذكرة أو مؤنثة، ولا أعجمية ولا عربية، فلا يجوز إلا عند من ~~يجعلها ألفاظا، وليس هو بقولنا، ويجوز في الأذان متسم ومسم ومسمى، ms282 فالأسماء ~~لا تقتضي الأعيان، كما لا يجوز خالق ورازق لمن لم يكن عاد (1). # وأما مسمى: معناه له الأسماء، لا كان المسمى ولا لم يكن، وسمى نفسه ~~بأسمائه التي هي هو، ووصف نفسه بصفاته التي هي هو الآن. وأما في الأزل، فلا. # مسألة: # ويقال: لله عبادة، وله شريعة، وله ملة، وله طاعة، وله معصية. وتقول: ~~عبادة الله وشريعة الله وملة الله وطاعة الله ومعصية الله. # وأما لله مذهب فلا يطلق أو شرك أو كفر. وتقول: لله - عز وجل - عدو، ولا ~~تقول له ند. # وأما قولك في القرآن: ما الحكم فيمن قال: إنه غير مخلوق ؟ وقولك: من قال: ~~القرآن غير مخلوق. ما يبلغه ذلك ؟ # اعلم أن هذه الأمور التي تعتورها الألفاظ، ثم اللغة، فلا يصح الكلام فيها ~~حتى يحصل لفظا ومعنى، فيجب الحكم ويقع الخطاب على معلوم. PageV03P166 # واعلم أم مسألة القرآن - وهذا الفن من المسائل مثل الإيمان والإسلام ~~والدين والشرك والكفر والنفاق والكبير والصغير والطاعة والمعصية والتوحيد ~~والمباح والمندوب والمكروه والخطيئة والسيئة، في أمثالها - من أحكام انتماء ~~الشريعة، فمن أصاب وجه فهو محق ومأجور أعني عند الله تعالى، ومن أخطأه عند ~~الله تعالى فهو محمول عنه معذور فيه إذا كان ذلك برأي منه، ما لم ينتهك أحد ~~الشروط الثلاثة، فإن من طبع بني آدم القياس واستعمال الرأي من الصغر، ~~تدريبا للعقول وتعليما للجهول، فأطلق الله لهم في الرأي فحكموا عند البلوغ ~~حجج العقول بالنظر في الأصول والعلل والتعليل، وتقوم حجة رب العالمين على ~~العباد وبالشروط، ما لم يدع أنه دين يدان الله تعالى به، أو يقطع عذر من ~~خالفه، أو يهدم برأيه قاعدة من قواعد الإسلام. # فإن سلم من هذه الشروط الثلاثة كان لغوا مهدورا محمولا عنه ومعذورا، ولك ~~في المسلمين أسوة حسنة حين أفتوا في المعتزلة أن زعموا أنهم هم الذين خلقوا ~~أفعالهم دون الله تعالى ونفوا خلقها عن الله تعالى. فقالوا: إن ادعوا هذا ~~رأيا فالرأي عجز، وإن ادعوه دينا هلكوا. # وكذلك قولهم في الصفرية الذين شركوا ممن أتوا المعصية، ms283 فعذرهم المسلمون ~~حتى هدموا قاعدة الإسلام بالسيف والقتل والسبي والغنيمة، فعند ذلك قطعوا عذرهم. # فمن أخطأ في الإيمان وجعله في القلب دون اللسان والجوارح، وقاله بالرأي، ~~فالرأي عجز. # وكذلك التسمية بالمؤمن كالمرجئة والمسلم، والكل محتمل. # وكذلك لو قال: الإسلام في الجوارح دون القلب، في مثلها. # وكذلك لو قال: النفاق في القلب هو الشرك. # وكذلك القرآن إن قال: إنه غير مخلوق بالرأي فالرأي عجز، وهو قول أهل ~~عمان، ويقولون: إنه غير مخلوق. # وأهل شرف الإباض يقولون: أنه مخلوق، وأهل حضرموت بين بين لا يطلقون ~~القول، أنه مخلوق ولا غير مخلوق. # وكذلك في أسماء الله - عز وجل -. PageV03P167 # وسألت محمدا الحضرمي بمكة عن القرآن فقال: أهل عمان يقولون: إنه غير ~~مخلوق وأهل شرف الإباض يقولون: مخلوق. ونحن أهل حضرموت: بين بين، ليس عندنا ~~قطع العذر بين هؤلاء وهؤلاء. # وقولك: الله يضحك، أو يبكي، أو يندم لفعل السوء أو يسر لفعل الخير، فهذه ~~عبارات لا تجوز على الله سبحانه. # وإن ورد شيء من الشارع طلبنا له وجها من التأويل كيضحك، والسرور فالله ~~أعلم به. # ومن أمر رجلا أن يشرك بالله فهو مشرك لا فعل المأمور ولا لم يفعل. # وهل يقال: سألتك يا ربي بأكبر أسمائك ؟ فهذا ثقيل. وقد ورد اسم الله ~~الأعظم، وهذا يتوجه إلى الألفاظ. ويقال: أعلم العالمين وأقدر القادرين. ~~وأما أعلم من العالمين، فلا. # وأما أعلم من الجاهلين فلا يجوز. وكذلك أقوى من العاجزين، ولا يجوز عالم ~~من العلماء، ولا كالعلماء ولا يجوز فقيه ولا غير فقيه، أو يفقه ولا لا ~~يفقه، ولا يقال يشعر ولا لا يشعر، ويدري ولا لا يدري، أو يفهم أو لا يفهم، ~~أو يعقل أو لا يعقل. كل هذا لا يجوز على الله سبحانه، وهل يجوز أن يقال: ~~قدر بقدرة، أو علم بعلم، أو أراد بإرادة ؟ فهذا كله لا يجوز على الله تعالى. # ولا يجوز: لله علم علم به، أو قدرة قدر بها، أو إرادة أراد بها، من ~~أمثالها، أو يكون علمه في الأشياء قبل أن تكون، ms284 غير علمه بها إذا كانت، أو ~~علمه في شيء أفضل من علمه في شيء آخر. أو هل يقال: علمه خلقه كما علم نفسه ~~أو علم نفسه كما علمه خلقه، فهذا ثقيل، إلا بصلة أنه واحد وأنه إله. # ويقال جاء الله بالفرج وجاء بالغيث وبالمطر. # ولا يقال: جئت من الله. ويقال للمؤمنين: هربوا إلى الله. ولا يقال: هربوا ~~من الله - عز وجل -. والكافرون قد هربوا من الله تعالى وأما نفروا من الله ~~إلا ما يتوهم. # ويقال: المؤمنون نصروا الله - عز وجل - قال الله تعالى: (إن تنصروا الله ~~ينصركم) وأما أعانوه فلا. PageV03P168 # وهل يقال: الكافرون خالفوه وعاندوه وعادوه ؟ فنعم. وذمهم فجائز، وأما ~~ذموه فلا يجوز. ويقال: آذوه. قال الله - عز وجل -: (الذين يؤذون الله ~~ورسوله). # وهل يقال: ضروه ؟ فلا، ولا قاتلوه، أو هل يقال: عاداهم وعادوه ؟ فنعم. # وأما ذمهم فجائز. وأما ذموه فلا. وكذلك تذاموا لا يجوز. # ولا يجوز شتموه ولا لعنوه، وأما لعنهم فجائز في الدعاء. # وهل يقال: وقفت إليك يا إلهي. ففي عرفات يجوز، وفي غيرها ثقيل. # ويجوز أستغيث بك وأستعينك، وتقول: يا رب أو بي. وثقيل قم بي. # وأما حركنا بصلة فلا بأس، اللهم حركنا إلى طاعتك. # ويجوز استعملنا طاعتك ولا تستعملنا معصيتك يا إلهي. # وتقول: اتكلت عليك يا إلهي لا على عملي، ولا يقال: اتكلت على عملي. # وتقول: الله مخالف لخلقه بصلة في ذات واسم وفعل فلا بأس. وكذلك الخلق. ~~وأما اختلف فلا يجوز. وتقول: الله غير الخلق والخلق غير الله، وأما تغايرا ~~فلا يجوز، ولا متغايران. # ويقال:ذكر الله خلقه بنعمته عليهم، ويجوز ذكره المؤمنون من خلقه. وأما ~~تذاكرا فلا. # وإنما يقال في التضادد: الكفر ضد الإيمان. ولا يقال: ضد التوحيد والطاعة ~~ضد المعصية، والشرك ضد التوحيد. # ويقال في خصال الدين: تضادت. ولا يقال في دين الله تغاير، ويقال شرائع ~~الأنبياء تختلف ومختلفات ومتغايرات. ولا يقال: دينهم متغاير ولا مختلف. # وأما مسألة الشراة وأحكامهم فأحكامهم أحكام الكتمان في كل شيء، إلا ما ~~ذكروا في الصلاة أنها في أوطانهم ms285 يصلون صلاة المسافرين، وإذا خرجوا من ~~أوطانهم فأوطانهم في سيوفهم فيصلون الإقامة، ولم يأتنا فيه أثر من كتاب ~~الله - عز وجل - ولا في سنة نبيه عليه السلام، وإن كان رأيا فالله أعلم وأحكم. # باب أحكام الطاعن في دين المسلمين PageV03P169 وأما مسألة الطاعن في دين ~~المسلمين فلم يرد فيها نص من كتاب الله إلا في آية واحة إشارة إلى القتل ~~قال الله - عز وجل -: (وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم ~~فقاتلوا أئمة الكفر أنهم لا أيمان لهم). وقوله: (وطعنا في الدين). # والآية الأولى شرط فيها شروط كثيرة: النكث في الإيمان، وقيد في أئمة ~~الكفر، فلا يخلو هذا التقييد من أن يكون بإجماع الشروط بقتل الطاعن، أو على ~~كل شرط منها، فيجب القتل عن نكث اليمين، بشرط بعد العهد ثم أتبعه الطعن في ~~دين المسلمين، ثم حتى يكونوا أئمة الكفر، فإن كان الطاعن من غير أئمة الكفر ~~فلا، وإلا لم يقتل حتى تجتمع الشروط. # ورأينا: أن ليس في نكث اليمين إباحة القتل لمن نكث، وبعد أن يكون إماما ~~للكفر فيجب عليه القتل. # والآية محتملة، فلم يأت في سنة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أثر إلا ~~النفر الذين وجههم رسول الله عليه السلام إلى قتل كعب بن الأشرف. # ولذلك قال بعض أفراق الأمة، وهم هؤلاء السنية: لا يجب القتل إلا على طاعن ~~في رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وأما الصحابة فلا. # وأما مشايخ أهل الدعوة فأجابوا فيها أولهم عمروس بن فتح - رضي الله عنه - ~~حين قال لأبي منصور: إن لم تأذن لله - عز وجل - بثلاث فخذ خاتمك عني: الدال ~~على عورات المسلمين يقتل، والطاعن في دين المسلمين يقتل، ومانع الحق يقتل. # وهذه المسائل الثلاث ما ورد فيهن من سنة رسول الله عليه السلام أثر يستدل ~~به عليهن. # ولقد ورد عن أبي بلال مرداس بن أدية ما يؤيد عمروس في الطاعن حيث قال ~~(1): (إن فرسك هذا حروري). فقال له أبو بلال: (وددت أني وطئت به على بطنك ~~في سبيل ms286 الله ولكن يا فتى أحسن حملان رأسك) فأشار إلى جواز قتله على: (فرسك ~~هذا حروري). # وأما قول القائل: (ما أفضل الجهاد أيا أبا الشعثاء ؟). # فقال له جابر: (قتل قاتل خردلة) وخردلة رجل من المسلمين قتله رجل، فأشار ~~به إليه. PageV03P170 # فقال: (لا، حتى تضع يدك عليه فأني خشيت أن أقع في غيره). فجاز أبو ~~الشعثاء خلف الرجل فوضع كفه عليه، فقام إليه الرجل فقتله. وطلبوا إلى الرجل ~~أن يدلهم على من أشار إليه بقتله وامتنع. # فقال جابر: (وكنت أخشى أن يشير إلي حتى قتلوه). # فإن قال قائل: فلم أجزتم قتل الرجل بخردلة بأمين واحد ؟ أيجوز للرجل ~~البسط إلى الدماء بأمين واحد، وأخرى على فعل لم يره، ولم يقف عليه أنه ~~فعله، وأخرى وهل لأحد عليه سبيل من أولياء الدم؟ # اعلم أن جابر بن زيد إمام في مقام الجماعة، وإنما يراعى الشاهد في ~~الأحكام التي تجري بين الناس. # ومنه إذا أخذت جواب مسألة: أن من فعل فعلا ما كفر، وأخذتها عن إمام واحد، ~~فإنه يسعك أن تبرأ عليها وتقتل ما أذن لك إليه الشرع ولا حرج، وأما بعد ~~نزول القضية فلا. # والطعن في دين المسلمين كبيرة عندنا ويحل بها دمه، وعند الأمة لا يصير ~~طاعنا حتى يطعن في رسول الله (صلى الله عليه وسلم). # وأما قولنا: فكل ما ينقض به مذهبنا فهو طعن في ينهم، ومن طعن في دينهم ~~فهو طعن في المسلمين، يحل به القائل في الوجهين عند أهل الدعوة. # وإن كان الطعن في رسول الله عليه السلام أو فيما جاء به، فهو شرك. # وإن كان من اليهود والنصارى وأمثالهم، فهو شرك. # فإن كانوا في ذمتنا فهو نقض الذمة. وعند مخالفينا: إنما يجب عليهم النكال ~~قالوا: لأنا نعلم أنهم يطعنون فيه، فليس في ذلك نقض ذمتهم. # وقولهم هذا ليس بصحيح، وقول أهل الدعوة أفضل. # وإن كان الطعن من بعض الموحدين فيما يتعلق بالأفواق فهو كبيرة نفاق، ~~فيقتل في الوجهين جميعا،لا لا طاعنا في الدين ولا في المسلمين. # وأما المنصوص في الخبر ms287 فالطعن فيه شرك. # والطعن من بعض الموحدين في أئمتنا، ومن تسبب إليه فهو طعن، سواء كان ذلك ~~الإمام حيا أو ميتا. # وقد يكون الطعن باللسان والرمز والإيماء والإشارة، وقد يكون الطعن ~~بالإقرار وبالشهادة وبالإشهار. PageV03P171 # وأما من صوب دين المخالفين من غير لديننا فليس بطعن، وكذلك ولاية ~~قاداتهم، فهذه كبيرة من غير أن يكون طعنا. # وقوله: من قصد إلى خصلة مما دان به المسلمون وبانوا بها من غيرهم، مثل من ~~قال: (أسماء الله غير مخلوقة)، فقد كفر. أو حكم في جميع المعاني التي ~~اختلقت فيها الأمة، وذهب إلى ظاهر الألفاظ والمعاني، مثل من قال: (الإيمان ~~هو التصديق بالقلب واللسان، والإسلام هو فعل الجوارح). أو قال: (يكون مؤمنا ~~بالتوحيد وحده ومسلما). أو قال: (لا كفر في شيء من الكبائر إلا في الشرك) ~~وهو يريد في هذا كله انتصارا لمذهبه فليس بطعن. # وإن أراد به انتقاض مذهبنا فهو طعن، وأن أتخذه دينا كفر. # وإن كان رأيا فلا شيء عليه. # وأما من خطأ ما اجتمعت عليه الأمة مثل الصلاة والزكاة والصوم والحج وما ~~أشبهه، فهو إلى الشرك أقرب. # وأما من قال: (هذه المعاني منسوخة) كفر. # وإن قال: (يجزي عليها النسخ برأي المسلمين) فإن كان منه رأيا عجز، وإن ~~كان دينا هلك، وليس فيه من الطعن شيء. # وأما قوله: هذا الطاعن في دين المسلمين يقتل في الظهور وفي الكتمان، أو ~~هو حد من الحدود ولا ينفع إلا في الظهور. # اعلم أن جميع مسائل المسلمين في القتل أساغوها في الكتمان والظهور ما خلا ~~الرجم من الزنا. # وأما قوله في الطاعن: من أين جاز قتله ؟ أمن الكتاب أم من السنة ؟ أم من ~~رأي المسلمين ؟ # فالله أعلم، ليس فيه أكثر مما ذكرت لك أولا، أنه من طريقة المسلمين، وقد ~~تقدمت المذكور فيها: (فقاتلوا أئمة) والآية محتملة، فالله أعلم. # وأما وجوبه في الظهور والكتمان، فاعلم أن الكتمان قد وسع فيه كثير من ~~شرائع الإسلام في فعله وفي تركه. # وأما الظهور، فواجب أئمة العدل إقامة دين الله فيه، قولا وفعلا ms288 وسرا ~~وعلانية. # وأما الطاعن إن تاب ورجع في طعنه فمقبول لا قتل عليه. # والمخالف إن طعن في دين المسلمين ثم رجع إلى دين المسلمين، فرجوعه من ~~دينه إلى دين المسلمين رجوع عن طعنه وتوبته من طعنه. PageV03P172 # وكذلك إن صوب دين المسلمين فهو رجوع عن طعنه، ولو لم يرجع إليهم. # وأما من صوب من طعن في المسلمين أو نقض مذهبهم، أكان ذلك طعنا أم لا ؟ ~~فهو أعظم من الطعن. # وكذلك إن أمر بالطعن فيهم أو استحله أو صدق من طعن فيهم، فهذا هو نفس الطعن. # وفي مخالف دعا المسلمين إلى الرجوع إلى دينه، أكان ذلك طعنا أم لا. فهذا ~~ليس بطعن. # وأما من قصد إلى مسلك من مسالك الدين الأربعة مثل الظهور والكتمان ~~والشراء والدفاع فخطأه، فهذا ليس بطعن إن كان مراده انتصارا لمذهبه. # وأما من تبرأ من الاسم الذي نسب إلى مذهب الحق بالاسم المشهور، فإنه طعن ~~منه مثل من طعن في الوهبية هكذا أو الأباضية. # والمخالف إذا قصد ببراءته إلى قبيلة المسلمين مثل نفوسة أو مثلهم، فهو ~~أعظم لطعنه وكفره. # وأما إن قصد إلى قبيلة تنسب إليها خصلة ظاهرة فطن فيهم بسبب تلك الخصلة، ~~فليس بطعن. # وكذلك إن رماهم من الخصال بما لا يفعلون ولا ينسب إليهم، فليس بطعن. # وأما من برأ ممن برأ من المخالفين، أكان هذا طعنا أم لا ؟ فليس بطعن. # كل من ذهب إليه من انتصار مذهبه ولم يقصد تعييب المسلمين، فليس بطعن. # وأما إن طعن في دين المسلمين خوفا على نفسه، فليس بطعن، وإن اعتذر وقال: ~~(وإنما فعلت خوفا على نفسي) قبل منه. # وإن أعطى الأجرة على الطعن في دين المسلمين، فهو نفسه الطعن فيهم. # وأما أن يقتل بالترجمان الواحد إذا شهدوا منه ذلك أو لم يشهدوه ؟ اعلم ~~أنه جرى لجابر بن زيد - رحمه الله - شيء من هذا، حين دل على قاتل خردلة، ~~والحوطة أمينان. PageV03P173 # وأما إن حضرت لقوم وشهد أمين واحد: أنه طعن قديما، والراجع إلى دين ~~المخالفين من أهل الحق، ليس في ذلك ms289 طعن، وإنما مراعاة الشاهدين في الأحكام ~~التي بين الناس، وأما الدين فلا، فإنه يجوز فيه أمين واحد، بشرط إصابة ~~الحق، ويسعك التوقف دونه ولو شهد لك ألف شهيد مع الجهل أو الريبة إلى أثر ~~أو إلى أمير المؤمنين لظهور عدله وأمانته إن أمرك بإقامة الحدود من القتل ~~والقطع والجلد، فواسع لك بقوله ولو لم تشاهد الفعلة. # وكذلك الترجمان الواحد في هاتين المسألتين، والعدو فيجوز لهم التقدم ~~والبسط والقتل والسبي والغنيمة، والبراءة من وراء ذلك. والله أعلم. # وإن وقعت الشبهة أو الريبة أو الجهالة في شيء من هذه الأمور فعليك التوقف ~~ولو شهد لك ألف شاهد. # وليس لأمير المؤمنين أن يحملك على ما جهلت، ولك أسوة في عمار ابن ياسر ~~ومن معه من المسلمين وهم في مائة ألف أو يزيدون على أنه جعله رسول الله ~~(صلى الله عليه وسلم) علما للفتنة، وقد توقف عنه عبد الله بن عمر بن الخطاب ~~وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد بن عمرو ومحمد بن مسلمة وزيد بن ثابت وجل ~~الأنصار الذين توقفوا في تحلة دم عثمان بن عفان، فعذرهم المسلمون في ذلك، ~~ما لم يقع الابتلاء، ولم يقتحموا أحد الشروط الثلاثة: اتخاذهم شكهم دين ~~الله، أو البراءة ممن خالفهم، أو دعاهم شكهم إلى هدم قاعدة من قواعد ~~الإسلام. والحمد لله رب العالمين. # وتم بحمد الله وعونه وتأييده ونصره. # وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم تسليما. # جواب رسالة الشيخ محمد بن الشيخ النفوسي الأبدلاني # بسم الله الرحمن الرحيم # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما # قال الشيخ يوسف بن إبراهيم الورجلاني - رحمه الله - جواب رسالة أخي محمد ~~بن الشيخ النفوسي الأبدلاني، عفا الله عنه. # ( PageV03P174 أما بعد) يا أخي بلغني كتابك العزيز الأثير الثني الخطير، ~~وقرأته ففهمت مرادك، وتذكر فيه مسائل عن أشياء تحيرت فيها عن القرآن وغيره، ~~والله تعالى يا أخي يقضي جوابك ومأربك. # اعلم يا أخي أنا قد صرنا في الزمان الذي ذكره الأوائل عن رسول الله عليه ~~السلام يكون ms290 في آخر الزمان، أنه قال: «إذا كان في آخر الزمان تواتر فيه ~~الزلازل والفتن على الرجل المسلم. فإذا أقبلت فتنة قال: هذه مهلكتي. فإذا ~~انجلت أتاه أعظم منها، فقال: هذه هي هي. فلا يزال العبد تعتوره الفتن ~~والمصائب، حتى إذا مر بقبر تمنى أن يكون صاحبه». # وقد كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول لأصحابه: «إذا كثرت الفتن ~~فليتخذ أحدكم عنزا عفراء يتبع بها شغف الجبال». وليت لو كان اليوم هكذا، ~~لقصر العناء، وبلغنا المنى، لكن الجبال اليوم يقصر دونها الطرق، ويحول بينك ~~وبينها الخوف. # ولما ظفر الحجاج بن يوسف بعبد الله بن الزبير، أصاب في بعض خزائنه تابوتا ~~عليه أقفال فافتتحها، وفي داخلها حق (1) فافتتحه، وفي داخل الحق درج ~~فافتتحه يحسبه جواهر الدنيا، فإذا فيه كتاب فقرأه فإذا فيه: (إذا كان ~~المقتب ألفا، والحديث خلفا، والشتاء قيظا، والولد غيظا، فاض اللئام فيضا، ~~وغاض الكرام غيضا، فأعنز عفر في جبل وعر، خير من ملك بني النضر، هكذا حدثني ~~كعب الأخبار). يعني بالنضر ملك قريش. # ولقد جرى علينا يا أخي في ورجلان من المصائب ما يستغرق مصائب الدنيا ~~وآفاتها إلى مصائب الدين، يكثر تعدادها ويشجو تردادها، فاقت الوصف وجاوزت ~~مصائب الدنيا وآفاتها إلى مصائب الدين، جاء ما لا يوصف وزال ما يعرف، وإنا ~~لله وإنا إليه راجعون، لا عزاء لها إلا واحدة وهو قول رسول الله (صلى الله ~~عليه وسلم)، وذلك أنه مر على مقبرة فقال: «سلام عليكم دار قوم مؤمنين، أنتم ~~لنا سلف ونحن لكم تبع، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، وإنا لله وإنا إليه ~~راجعون، ووددت أني رأيت إخواني». # قالوا: (ألسنا بإخوانك يا رسول الله ؟). PageV03P175 # قال: «بل أنتم أصحابي، وإنما إخواني قوم يأتون من بعدي، يؤمنون بي ~~ويعملون بأمري ولم يروني فأولئك لهم الدرجات العلا، إلا من تعمق في ~~الفتنة». وفي بعض الروايات: «يرون سوادا في قرطاس، فيؤمنون بي الواحد منهم ~~خير من خمسين منكم». # وسنفرد إن شاء الله للمتعمق في الفتنة بابا، وكيف يكون واحد منا ms291 خيرا من ~~خمسين من الصحابة ؟ # وأما سؤالك يا أخي، فيما ذكر الله في سورة الأعراف من قصة موسى عليه ~~السلام مع فرعون وهو قوله: (فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين ونزع يده فإذا ~~هي بيضاء للناظرين، قال الملأ من قوم فرعون إن هذا لساحر عليم). ثم قال في ~~الشعراء: (فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين ~~قال للملأ حوله إن هذا لساحر عليم). # اعلم يا أخي أن موسى وهارون صلى الله على نبينا وعليهما مكثا مع فرعون ~~أربعين سنة بعد الدعوة، فنجا موسى وهارون عليهما السلام وغرق فرعون وجنوده. # ولكن ثمرة سؤالك أن لو كان كتعلقهما في يوم واحد، ولكن يجوز أن يكون ~~متعلقهما مع فرعون وجنوده في أمكنة شتى، فيقع الكلام من فرعون تارة ومن ~~الملأ أخرى. إن الملوك إذا جرى بين أيديهم من الأمور العظام، فمن حسن الأدب ~~من الوزراء والجنود والعامة إلا يتقدموا بالكلام حتى يكون هو المتكلم بنفسه ~~ثم تتبعه العامة في كلامه، ولما جرى ما جرى لموسى معه قال فرعون للملأ الذي ~~حوله: (إن هذا لساحر عليم). فلما صدر هذا الكلام من فرعون، أعقبه الملأ ~~وقالوا تصديقا بالكون فيما قال: (إن هذا لساحر عليم). # والخطاب من فرعون خصوصا لهم، والخطاب من الملأ تصديقا لفرعون وإظهارا ~~لطاعته له. # وانشر القول والأمر من الوزراء إلى الجنود، ومن الجنود إلى الرعية، ومن ~~الرعية إلى العامة والنساء والصبيان والولدان، تصديقا لقوله وتعظيما لفعله ~~وهذا أدب الملوك الأولى في سائر الدنيا، مع الوزراء والجنود والرعايا ~~والعامة والرجال والنساء والصبيان والولدان. # * * * # (قصة ظريفة): PageV03P176 # جرت في بلاد زغاوة لملكهم وهو ابن أويك،وهو أبو محمد العريق في أعلى ~~القلزم. # وذلك أن بلادهم ليست بها حجارة، ويتعجبون إذا رأوا منها شيئا مثل مدق ~~النوى للجمال، ويذكر الناس لهم الصخور والكدى والجبال في الإسلام، فيتعجبون ~~من ذلك. # وقال لهم أهل كوار: (إن في طريقنا إليكم جبلا مثل الصومعة طولا) فدعا ~~بكاتب من كتابه يقال له مسفرم أتوزين. فقال له: (إئتني ms292 بهذا الجبل الذي ~~يذكر الناس أنه مثل الصومعة طولا، وأنا قد أبصرته من صومعتين). # فقال له مسفرم: (لابد من مؤنة وقوة). # فأمر له بمائة ألف راكب من جنوده ومائة ألف خادم لزاده ومؤنته. # وقال له: (لابد من السلاسل التي تجر الجبل). فأمر له بمائة ألف سلسلة ~~وعشرين، ومثلها أزقاق (2). # فخرج مسفرم بعساكره حتى انتهى إلى الجبل فأمرهم، فخروا في رأسه خره ~~وربطوا فيها السلاسل وداروا به، فجذبه المائة ألف ولم يتحرك الجبل. # فصاحوا: (تكيرى تكيرى). أي أبي أبي. فما سمعه أحد من الناس إلا قال: ~~(تكيرى تكيرى) حتى وصل الكلام إلى الملك. # قال: (ارجعوا) فرجعوا مسيرة عشرين يوما. وقد رأينا هذا الجبل بأعيننا ~~ووقفنا تحته. # ومن عادة الملوك: أن تبدأ بالكلام فيتصل بالعامة فتقوله، حتى يقع الفصل. # وربما يقوله فرعون أول مرة في موطن ويقولونه هم في مواطن أخرى فحكم الله ~~تعالى الأمرين جميعا، فجعله في سورتين مختلفتين لما بنى الله - عز وجل - ~~القرآن عليه من الفصاحة والبلاغة، وما يتضمن من لحن الخطاب وفحواه ودليله ~~ومعناه. # وإن ما بنى عليه القرآن من اختلاف السور وتقطيعها، والاختصار في بعضها ~~والإكثار في بعض، لما يشمل العامة ويسوسها ويصلح لها. PageV03P177 # وربما قرأ الواحد قراءة القرآن ولا يسمع له الآخر، ويفترق القرآن في ~~الجهات والبلدان، ولهذا المعنى الذي جعله الله حكمة لمصالح العباد، فمن قرأ ~~من القرآن جزءا واحدا وجد فيه جميع أخبار الأمم والأنبياء والرسل، ومن قرأه ~~أجمع أصاب الكل، فلهذا قال الكفار في القرآن ولم يعرفوا له وجه الحكمة، قال ~~الله تعالى عنهم: (وقال الذين كفروا لولا أنزل عليه القرآن جملة واحدة) قال ~~الله - عز وجل -: (كذلك لنثبت به فؤادك) أي تفسير، أو أنزله الله تعالى ~~حكمة فمن لم يستطع لحفظه أجمع أجتزأ ببعضه، فتكون القصص عند بعضهم كاملة ~~وعند بعضهم قاصرة، فاتبع الكل بالكل. # وكذلك إخبار الله - عز وجل - عن أهل القيامة وزلازلها والإخبار عن الجنة ~~والنار، وبالقرآن قصص طوال ومختصرات وإشارات وتلويحات، تتردد بين لحن ~~الخطاب ومعناه وتتوزع بين لفظه ms293 ومعناه، ولهذا فاقت العربية جميع الكلام، ~~والعرب جميع الأمم، وأفردها بالعقل والفهم والعلم والحكم. # وأما ما ذكرت من أمر موسى والخضر عليهما السلام. # أقسام العلوم الثلاثة # اعلم أن الله - عز وجل - قسم العلوم بين العباد على ثلاثة أقسام: # اثنان منها ضروريات، وواحد اختياري. # فعلم الحواس ضروري، وعلم العقل ضروري، والاختيار: علم الشرع وما يشبهه. # فجعل الله تعالى في العلوم الشرعية والعمل بها، لمن التزمها وداوم عليها ~~واهتبل بها وفعلا واستعان بالعلوم الضرورية حسا وعقلا، وتطهيرا للقلوب ~~وتنقية لها من الأنجاس والأرجاس واستضاءة من الظلمات والكدرات. # فمهما واظب الإنسان على العبادات تراكبت أنوار العبادات على القلب، حتى ~~تتضح فيه حلية الحق ووتجلى وتظهر فيه صور الموجودات وتتجلى. PageV03P178 # وأنا أشير لك إلى حالة الإنسان في سفره إلى الله - عز وجل - والترقي في ~~العلوم من أوله إلى آخر الغاية إن شاء الله تعالى. # أما بعد، فإن الله تعالى لما خلق ابن آدم في بطن أمه، فمكث في الرحم ~~أربعين يوما نطفة، وأربعين يوما علقة، وأربعين يوما مضغة، ووقع التصوير في ~~عشرة أيام، وهي مائة وثلاثون يوما، وهي أربعة أشهر وعشر، وعند تمامها ينفخ ~~فيه الروح، وعند نفخ الروح يقتبس العلوم الحسية ويتولد عنها اللذة والألم، ~~فقام عنها علم الخيال اقتبسه من حواسه والحواس عادة ضعيفة. # فما زال كذلك حتى يخرج من بطن أمة، ومعه ملك مقترن معه من بطن أمه. # فلما خرج من بطن أمه قارعه الهواء بعد كن الرحم والشيطان، فصرخ الصرخة ~~أول أملاحه والصيحة أول نياحه. # وأول ما يظهر من علومه الخيال فيؤديه يافوخه إلى دماغه، فما حصل إلى ~~اليافوخ من الحواس أداه إلى مقدم الدماغ فصار خيالا. # وفي الدماغ ثلاث مقدمات، وثلاث قوى. # فالأولى: منفردة بعلم الخيال، وهي في مقدمة الوجه، وفيها يتردد الخيال ~~ولا يتجاوزها. # والثانية: في وسط الدماغ، وتسمى الحافظة، وهي التي تحفظ جميع ما أداه ~~الحس إلى القوة الخيالية إلى الحافظة وهي مغرس الوهم انفردت به. # والثالثة: وهي مركز الفكر، يتردد فيها الفكر في الأمور التي توهمها ms294 من ~~خياله عن حواسه. # فأول ما سبق إلى الطفل بعد أن خرج من بطن أمه القوة الخيالية، فإذا اشتدت ~~حواسه وقويت قليلا، قويت قوة الخيال وأدت إلى الثانية التي هي الوهم، وإن ~~قوى الوهم أدى بقوته إلى القوة المفكرة، وإن قويت استعمل الفكر، وإن قوي ~~استعمل القياس، فيقع للطفل الصغير التفرقة بين أبويه وقماش البيت وخشب ~~الدار، وتقع له التفرقة بين أهل بيته وجيرانه، وتظهر له الحاجة ذات نفسه ~~إلى أبويه وأبوتهما عليه، فعند ذلك تؤدي القوة المفكرة إلى القلب ما حصل عندها. # والملك الموكل الذي هو صاحب اليمين في إلهامه في جميع فجوره وتقواه، ~~ليجتنب أو يمتثل ذا. PageV03P179 # فإذا ترعرع قليلا قوى قياسه، فهو في ذلك إلى سبع سنين، اقترن معه الملك ~~الثاني فهو صاحب الشمال، فيكون طوع صاحب اليمين، وتسديدا وتمهيدا لما ألهمه ~~صاحب اليمين بسبع سنين إلى حد بلوغه، وبلوغه أربع عشرة سنة دخل في الخامسة ~~عشرة سنة. # فهنالك تقوى حاسة العقل وتبلغ وتكمل، واحتمل التكليف. # فهنالك يستقبله سفر آخر وهو سفر التكليف، واحتمل الأمر والنهي والوعد ~~والوعيد والطاعة والمعصية واسم المؤمن والكافر. # قال الله تبارك وتعالى، في قسم عظيم: (ونفس وما سواها فألهمها فجورها ~~وتقواها). وحجة الله القائمة على العباد من قبل الإلهام. # باب السفر الثاني إلى الله سبحانه وهو التكليف # وهو أوله الإيمان بالله - عز وجل - وهو أول ما يسبق إلى الأطفال، وهو ~~سكون النفس إلى عبوديتها، وسكونها إلى ربوبيتها، أن الإنسان عبد وأن له ~~ربا، وهذه من أوصاف الأطفال في مدة الطفولة. # ومصداق ذلك الحديثان عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «خلقت هذه ~~القلوب حنيفية، إلا ما كان من الشيطان فإنه يخترمها عما خلقت له» وقوله ~~عليه السلام: «كل مولود يولد على الفطرة، حتى يكون أبواه يهودانه أو ~~ينصرانه، أو يمجسانه». # فإذا قوي الإيمان قليلا ترقى إلى الظن وهو أقرب درجة من الإيمان، لأن ~~الإيمان سكون النفس إلى الباري سبحانه والظن ميل النفس إلى جهة الباري ~~سبحانه، قال الله - عز وجل -: (الذين يظنون ms295 أنهم ملاقوا ربهم وأنهم إليه ~~راجعون). # وإن قوي الظن وتأكد بالأدلة والبراهين حصل في درجة العلم وكان من العلماء ~~بالله تعالى الراشدين الهادين المهتدين. قال الله تعالى: (شهد الله أنه لا ~~إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز ~~الحكيم) حسبهم أنهم خرجوا من جملة الخلق، هم الملائكة، إلى كنف الباري ~~سبحانه. # فإن قوي العلم قليلا أداه إلى اليقين بالله - عز وجل -، صار من الموقنين ~~الصديقين الصادقين. PageV03P180 # فإن قوي يقينه قليلا انتقل إلى المعرفة، أقصى درجات بني آدم في المعارف ~~معرفة الباري سبحانه، وصار في العارفين السابقين المقربين. # فمن بلغ هذه الدرجة زال العمى عن بصره والغطاء عن قلبه، وحصل في علم ~~المكاشفة وهو العلم اللدني الذي فاق علم المرسلين والملائكة المقربين ~~والأنبياء أجمعين. # فإن قال قائل: وهل في الخلق من يفوق علمه علم الملائكة والمرسلين وقد ~~أرشدوا بالشرائع في إصلاح الخلق من عند رب العالمين ؟ # قيل له: اجل، أن المرسلين إنما بعثوا في مصالح الفساد في الظاهر وبقي ~~عليهم علم الباطن الذي استأثر الله به، إلا من خصه من عباده. وسيأتي لشرح ~~ذلك وبيانه إن شاء الله بعد. # وسأنبهك بنكتة هنا: أن الخضر هل يلزمه من شريعة محمد (صلى الله عليه ~~وسلم) شيء ؟ أم لا ؟ # الجواب: أن الخضر ليس عليه من شريعة محمد عليه السلام شيء إلا علم نفسه ~~اللدني الذي خصه الله تعالى به. # ومصداق ذلك: أ، من شريعة محمد (صلى الله عليه وسلم) الأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر، وليس على الخضر من ذلك شيء، ولو رأى رجلا أراد أن يقصد ~~رجلا ليقتله، فليس عليه أن يعرف صاحبه بما أراد به الآخر، ولا أن يدفعه عنه ~~ولو قدر، ولا من سمعه يبتدع في دين الله تعالى أو يعبد الأصنام وينطق ~~بالباطل أن ينهاه، ولا يعرف الناس بأهل البدع، أو يزجر أحدا عن معصية الله ~~تعالى، أو يعرفه إذا جهل أمر الله تعالى. # فحاله كحال الملائكة المقربين، ومن وراء ذلك أن يكون كعزرائيل، من ms296 أراد ~~موته أماته وقبض روحه، ومن أراد حياته أحياه، فهذه خاصية ليست للأنبياء ولا ~~للمرسلين، إلا بعد الأمر من الله سبحانه، وهو مطلق اليد في جميع ما أراده. # وهذه النكتة شرح لجميع ما جرى له مع موسى عليه السلام، فهو يتبع طريقة ~~الشرع أصاب أم أخطأ، والخضر اتبع العلم اللدني من رب العالمين، (صلى الله ~~عليه وسلم). PageV03P181 # فإن قال قائل: إن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: «لو أن عيسى عليه ~~السلام حي بين أظهركم ما وسعه إلا إتباعي». # قيل له: نعم، إن عيسى بعث بالشريعة كمحمد عليه السلام ومن لعادة الآخر ~~ينسخ الأول، فشريعة عيسى سبقت، وتأخرت شريعة محمد عليه السلام، لكن العلم ~~اللدني ناسخ لو ورد. # ولنرجع إلى ما نحن فيه، فمن اقتصر من العارفين على اليقين كان من ~~الموقنين المتقين. # ومن اقتصر على علم دون اليقين كان من العلماء الراشدين المخلصين. # ومن اقتصر على الظن كان من المؤمنين الممدوحين الذين ظنوا أنهم ملاقوا ~~ربهم وأنهم إليه راجعون. # ومن اقتصر على ما دون ذلك إلى القياس في الأفكار والوهم في الخيال، ~~والخيال أصل الأطفال، كان من المهلين المغرورين، وهم شبه الأطفال أو شبه ~~الرجال المغرورين من الجهال، فنظهرت منة الله تعالى على الأطفال أن أصحابهم ~~الإيمان من حين ولادتهم إلى أن بلغوا حال الرجال، فمن مات منهم قبل البلوغ ~~دخل لحرمة آدم عليه السلام، وبشفاعة إبراهيم عليه السلام، وبشفاعة المصطفى ~~محمد عليه السلام لآدم وإبراهيم والأنبياء والملائكة والمؤمنين أجمعين، ~~وبإيمانهم الذي سبق من عند رب العالمين من بطون أمهاتهم، أعاذنا الله من ~~اخترام الشيطان وتضليل الآباء الضالين المضلين. # ومن مات من الرجال على دين الأطفال وسلم من أمهات المعاصي، كان من أهل ~~الجنة البله الذين هم الأكثرون. قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «أكثر ~~أهل الجنة البله». # فإن قال قائل: أراك قد زعمت الإيمان بين الأطفال والرجال، وشاركتهم في ~~الأعمال ولا أعمال للأطفال، وأني للأطفال بلوغ كنه الإيمان على أنهم غير ~~مكلفين ولا مأمورين ولا منهيين ms297 ؟ # اعلم يا أخي أن الله تعالى جعل القلوب منطوية على الأذعان للعبودية في ~~رقابهم من أول الصغر، واقتبسوه من تسليط آبائهم وتمكنت في قلوبهم ربوبية ~~الرب وعبودية العبد، اقتبسوا ذلك من القياس السابق لهم إليهم. PageV03P182 # ومصداق ذلك الحديثان: «خلقت هذه القلوب» وقوله: «كل مولود يولد على ~~الفطرة». # ولما أعاذ الله إبراهيم الخليل أيام كان الغار مستخفيا عن الجبار الذي ~~كان يقتل الأطفال، حين ذكر له أنه يولد في هذه السنة مولود، يكون هلاك ملكك ~~على يديه. # فلما ولد ذهب به والداه إلى الغار، فأدرجاه فيه، ويختلفان إليه، وترضعه ~~والدته، فلما كبر قليلا، وفهم الكلام وما يتحدثون به من أخبار الناس، ~~والبلد والملك وجنوده والأصنام آلهتهم. # فقال لوالديه يوما من الأيام: (من إلهي يا أمي ؟). # فقالت له: (أنا). # فقال لها: (ومن إلهك أنت ؟). # فقالت له: (أبوك). # فقال لها: (ومن إله أبي ؟) # فقالت له: (الصنم). # فقال: (ومن إله الصنم ؟) # فلما ذكر لها ذلك، ضربته ضربا وجيعا، وبكى بكاء شديدا، وبقيت القضية غصة ~~في قلبه. # وكانا إذا رجعا إلى البلد، سدا عليه باب الغار بالحجارة، خوفا عليه من ~~الملك، الذي يطلب الأطفال ليقتلهم، ومن السباع. # فلما ذهبا عنه، جاء إلى باب الغار عند غروب الشمس، فنظر من خلل الأحجار ~~التي سدت عليه باب الغار، فأبصر الزهرة تهوي للغروب، ورآها مشرقة مضيئة. ~~فقال: (هذا إلهي)، فأراد أن يتخذ لنفسه إلها، مثلما اتخذه أبواه، فرصدها ~~فتأملها حتى غربت. فقال كما قال الرب عنه: (لا أحب الآفلين). # ثم هو كذلك، حتى نظر إلى القمر بازغا، أكبر من الزهرة. قال: (هذا ربي) ~~فلما أفل قال: (لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين). # فلما أصبح طلعت الشمس، ورصدها عند الغروب، فلما رأى الشمس بازغة قال: ~~(هذا ربي هذا أكبر) فلما أفلت قال: (يا قوم إني بريء مما تشركون). # قال الله تعالى: (وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض وليكون من ~~الموقنين فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال: هذا ربي. فلما أفل) - إلى آخر القصة. PageV03P183 # فلما قضينا لكل ms298 مولود يولد على الفطرة بالفطرة وبالحنيفية قضينا له ~~بالإيمان وبالحنيفية بعد الإيمان كل من مات صغيرا، لأولاد المؤمنين ولأولاد ~~المشركين. كما قال الله - عز وجل - في أولاد المؤمنين: (والذين آمنوا ~~واتبعهم ذريتهم بإيمان ألحقنا ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء). # وكذلك أطفال المشركين، الأطفال الذين ماتوا على الفطرة والحنيفية، وهو ~~مذهب معاذ بن جبل - رضي الله عنه أعلم هذه بعد نبيها عليه السلام - وهو ~~أشبه لأن من غرق من الأطفال من قوم نوح وأبناء الأمم التي هلكت، يذهبون ~~باطلا ولهم الإيمان - وهم أولاد أبينا آدم عليه السلام - لا إلى جنة ولا ~~إلى نار، خلافا للخوارج الذين يقولون: (إن أطفال المشركين كافرون مشركون). ~~وتأولوا قول الله تعالى حيث يقول: (ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا)، فكيف بمن ~~لم يولد بعد ؟ # وإنما أراد: إذا ولدوا وتركوا على ما هم عليه من تلقين آبائهم، إلى أن ~~يبلغوا الحلم، فهناك يكونون فجارا. والباري سبحانه يخلق في الجنة الحور ~~العين والولدان ويترك ذرية آدم تذهب إلى النار !! # وقد يقتبس الأبناء الإيمان من الفطرة ومن آبائهم ويكونون عند بلوغهم أرسخ ~~إيمانا من آبائهم، تنطق كما ينبغي ويجب. # ورد أيضا على هؤلاء - أصحاب الحديث - الذين يقولون: (إنه توقد لهم نار ~~فيؤمرون أن يقتحموها، فمن اقتحمها دخل الجنة، ومن أبى فيؤمر به إلى النار). # وأما أمر تكليف الأطفال فليس لهم عقول يفهمون بها ما غاب عنهم وما يأتي ~~من أمر الآخرة والقيامة. # وإن تأملت في الحقيقة لرأيتهم اليوم في التكليف لما حملناهم عليه من ~~تعليم القرآن وتعلم شرائع الإسلام والصلاة إذا بلغوا سبع سنين، وضربهم ~~عليها إذا بلغوا عشرة سنين، ومات يلقون في المكتب من المعلمين من الضرب ~~والنكال والاختتان، فهذه كلها عقوبات على تضييع أوامرنا واقتحام نواهينا ~~تأديبا منا لهم. # فإن قيل: وهل يكون منهم الكفران كما صح منهم الإيمان ؟ PageV03P184 # قلنا: لا، لأن الكفران لا يحتمله إلا عقل شديد وسفر جديد من وراء منزلة ~~الأطفال، وقضينا لهم بالإيمان بحكم الرسول، وظهور الدليل في تعليمهم قبل ~~الوصول لكنه ms299 البلوغ، ومن ترقى من الأطفال من الإيمان إلى الظن وهو الدرجة ~~التي فوقه، حصل في جانب الظن، كان من أولياء الله الصالحين. # ومن امتنع من هذا بعد ظهور هذه الأحكام فقد كابر، قال الله - عز وجل - في ~~يحيى بن زكريا عليهما السلام: (وآتيناه الحكم صبيا) والحكم أبعد من ~~الإيمان. # وقال في عيسى عليه السلام: (يا عيسى بن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك ~~إذ أيدتك بروح القدس تكلم الناس في المهد وكهلا وإذ علمتك الكتاب والحكمة ~~والتوراة والإنجيل). # وقال أيضا: (ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل ورسولا إلى بني ~~إسرائيل). # وفي طفل أصحاب الأخدود آية، ومن وراء ذلك أجنة السقط يوم القيامة عند باب ~~الجنة، حتى يجر أبويه رهنا فيدخلهما الجنة. # وقد قنع الرب تعالى من عباده المؤمنين بالإيمان، وهو أول السفر إلى الله ~~- عز وجل - وقد قال الله تعالى: (ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ~~ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله). # وقد قال إبراهيم عليه السلام: في أعجب من سريته ومن ولده إسماعيل، حين ~~رماهما بين جبلين لا ماء ولا طعام، فقال: (رب أرني كيف تحيي الموتى قال ~~أولم تؤمن قال بلى) - فقنع منه الباري سبحانه ببلى، وأمره بأخذ الطير فتسلى ~~بها عن ولده إسماعيل وأمه. # فإن ترقى من الإيمان إلى الظن كان من الممدوحين الذين قال الله - عز وجل ~~- فيهم: (وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله ~~هو التواب الرحيم). PageV03P185 # فمن استظهر بعد هذا بالدليل والإعلام، وظهر له صنيع الله تعالى في الأنام ~~إلتحق بدرجة أهل العلم وكان من العلماء الشاهدين والأولياء الراشدين. قال ~~الله تعالى: (شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة...) الآية. بخ بخ لمن ~~استأثر الله تعالى به وانتزعه من جملة خلقه إلى كنفه وحيزه. # وإن ترقى قليلا حتى تمكن علمه في قلبه ورسخ وقوي حتى لا ينسخ، وكان لا ~~يستوحش من جميع الخلق لو خالفوه ترقى علمه إلى درجة اليقين، ترقى إلى أعظم ms300 ~~الدرجات وكان من الموقنين، وأصبح في الدرجة العليا من السابقين، وحسبك قول ~~رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «من أقل ما أوتيتم اليقين وعزيمة الصبر». # فإن زاد قليلا وترقى وانتهى إلى المعرفة، فهناك تسكن نفسه إلى الرب، لما ~~لاح له من ربه من علامات وإشارات تقع المعرفة له بها. # والمعرفة علم تقدمه علم، فعند ذلك يستوحش من جميع الخلق ولا يستأنس بأحد ~~منهم، لما عوده من استجابة دعائه ومؤانسته في وحدته واصطناعه في مهماته، ~~فهذه درجات التقرب إلى الله تعالى. # فإذا بلغ هذه المنزلة رفع الله - عز وجل - الحجاب بينه وبين خلقه وانكشف ~~له الغطاء عن قلبه في جميع ما أراد الله تعالى أن يحدثه، آثره بعلم ذلك ~~وخصه به، فكانت علومه من لدن الله - عز وجل - لا بواسطة من غيره، كما قال ~~الله تعالى: (وآتيناه من لدن علما). # فكان لا يحتاج مع هذا العلم اللدني إلى تعلم ولا تعليم، وصار فؤاده مرآة ~~الخلق قد انطبعت فيه صورة كل شيء، كالمرآة التي تقبل صورة كل جسم قابلها. # فهو هذا عند العلم اللدني الذي أراده الله الخضر عليه السلام، فاستأثر ~~موسى بعلم الشرائع، واستأثر الخضر بالعلم اللدني فكان في الخلق مطلق اليد ~~كعزرائيل - صلى الله عليه - والروح الأمين جبريل عليه السلام في الشرائع، ~~وميكائيل في الكون والفساد، وإسرافيل عليه السلام في الانخرام. PageV03P186 # ومما يدلك على ما قلنا أن الله تعالى أخرج الخضر من حيز المكلفين ذوي ~~الشرائع، فليس يلزمه إلا ما سنح في خاطره فعليه امتثاله، وليس عليه أن يأمر ~~بالمعروف إذا رآه منا، ولا أن ينهى عن المنكر إذا رآه منا، ولا أن يدفع عن ~~مظلوم، ولا قيام بحق معلوم، فحاله كحال الملائكة صلوات الله عليهم أجمعين. # وليس على الملائكة أن يظهروا إلينا فيأمرونا أو ينهونا، إلا إن أرادوا ~~ذلك إلهاما وإعلاما. # فلذلك وقع التشابط بين موسى عليه السلام وبين الخضر، فهذا يعمل على أسلوب ~~علمه في الإلهيات، وهذا يعمل بالشرعيات، وربك بكل شيء عليم، وقد قال رسول ~~الله (صلى ms301 الله عليه وسلم): «إن من العلوم كهيئة المكنون، لا يعلمه إلا أهل ~~المعرفة بالله - عز وجل - ولا يجهله إلا أهل الاغترار به، فلا تحقروا عالما ~~آتاه الله علما، فإن الله لم يحقره إذ آتاه إياه». # عجائب ما تضمن حديث موسى والخضر عليهما السلام # وذلك أن موسى عليه السلام قام خطيبا في بني إسرائيل، فسأله رجل فقال: (يا ~~نبي الله، هل تعلم في الدنيا من هو أعلم منك ؟). # فقال موسى عليه السلام: «لا أعلم ذلك». فكلمه الله تعالى فقال: «بل عندنا ~~الخضر». # فقال: «ربي ومن لي به ؟» # فقال عز وجل: «اطلبه تجده وهو في البحر» # فقال موسى عليه السلام: «من يدلني عليه ؟». # فقال له - عز وجل -: «خذ معك حوتا واتبعه، فحيث انساب في البحر فاتبعه، ~~تجد طريقة في البحر سربا». # فأودع موسى عليه السلام عند يوشع بن نون الحوت، فجرى لهما الذي ذكر الله ~~في كتابه، إلى أن رجعا من بعض الطريق والتقيا مع الخضر عليه السلام في قعر ~~البحر مثل من قعد في ظله، والطريق إليه سرب الحوت، كل ذلك آيات وعجائب، ~~صنيع الله - عز وجل - الذي أتقن كل شيء. # وقول الفتى لموسى عليه السلام: (وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره). PageV03P187 # فإن قال قائل: فمن أين جاز للفتى أن يقول: (وما أنسانيه إلا الشيطان أن ~~أذكره) أمن جهة الشرع علم ذلك، أم من جهة سوء الظن بالشيطان فساغ له ذلك ؟ ~~وهل يسوغ لأحد منا اليوم مثل هذه القولة ؟ وهذا كله لم يشاهد للشيطان ولم ~~يبصره حتى يقع له منه النسيان ؟ # اعلم أن الشيطان عدونا قال الله تعالى: (إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا ~~إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير) والله تعالى جعله مأوى للشر ~~وموطنا له وأباح لنا الله - عز وجل - معاداته، وإن لم يكن النسيان من ~~أفعاله فإن له فيه نصيبا وحرمان الذكر. # وفي تسليم موسى للفتى قوله وإقراره عليه ولم يرده عنه، علمنا أنه مباح ~~لنا سائغ، ونحن في أثر الفتى يوشع بن نون مسرعون وله متبعون، ms302 ونقضي للشيطان ~~بكل سوء وكل شر وإن لم نبصره لأنه موضع الشر ومعدنه ومأواه. # واعلم أن النسيان من طبع الإنسان وبه سمي الإنسان إنسانا، وللإنسان فيه ~~نصيب مهما أعرض عن كذر شيء مرة بعد مرة نسيه. # وقد عذر الله - عز وجل - المؤمنين في النسيان قال الله تعالى: (ربنا لا ~~تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا) في عشر كرامات، أجابهن الله تعالى للمؤمنين ~~فيهن النسيان، قال الله تعالى إذ سألوه إياهن وقد تضمنتهن الآيتان اللتان ~~في آخر سورة البقرة: (آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون...) الخ ~~السورة وفيهن: (ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا...) فذكر الله تعالى ذلك عنهم في ~~معرض الامتنان عليهم والحاجة منهم. # وتحق للخاطبة الإجابة، وقد وعد الله - عز وجل - الإجابة في موضع فقال: ~~(ادعوني استجب لكم) على انه لا يليق بالباري سبحانه أن يظهر على نفسه سؤال ~~المسلمين ثم لا يجيب لهم، مثل أفعال اللئام المانعين، وسوء الثناء منفي عن ~~رب العالمين. # فإن قال قائل: فهل يكون الجواب على معنى الحاجة، ضرب أو نفعت، أو مقدار ~~ما طلب العبد، أو يتفضل الباري سبحانه فيعطي أكثر مما طلب العبد منه ؟ PageV03P188 # الجواب: أنه الله تعالى يعطي أكثر مما سأل العبد، وذلك سائغ في كرم ~~الكريم. # وهل يجوز أن يسأل العبد ليجيبه بخلاف ما سأل ؟ # الجواب: أنه سائغ، لأن الله تعالى عالم بأسرار العباد ومصالحهم، وربما ~~يطلب العبد الحاجة وربما يكون فيها بواره، فيطلب مأكولا ومشروبا وقد علم ~~الله أن فيه سما. # ومن يطلب الأولاد على مقدار شهوته وفي ذلك المقدار هلاكه، كالذي يطلب ألف ~~دينار، وقد علم الرب منه إن أعطى ألفا أنه يدخره فيرثه ابنه بعده، فيدخره ~~الله تعالى لابنه من بعده. # ومن يطلب ولدا ذكرا فيصيب له بدله أنثى صبيه، كالذي جرى في هذا الغلام ~~المقتول، في بغياه هلاك الأبوين، وأعطاهما بدله أنثى صبية كان من نسلها ~~سبعون نبيا. # ووجوه الإجابة كثيرة ومصالح العباد الله أعلم بها، وربما يطلب العبد في ~~الدنيا مالا وقد علم الله تعالى ms303 أنه يموت غدا، فيجعل له بدل دعائه ثوابا في ~~الآخرة. # وهل يجوز أن يسأل الله تعالى فيجيب لغيره ؟ # قيل له: نعم، كالذي جرى لموسى عليه السلام. وقال حين سأل: (إن هي إلا ~~فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء أنت ولينا) إلى آخر الآية. # ولم يرد في السنة في النسيان أمر اشتد فيه الوعيد إلا في ناسي القرآن. ~~قال رسول الله عليه السلام: «إني نظرت في ذنوب أمتي ولم أر ذنبا أعظم من ~~ناسي القرآن». # والسبب فيه أنه ليس ينسى على نسيان طبع، لكن نسيان تضييع. والنسيان على ~~وجهين: نسيان جهل، ونسيان ذهل. فما كان من ذهل فمحمول على ابن آدم، وما كان ~~من نسيان جهل، فأما وأما. ولا يقع نسيان الباري سبحانه كما لا ينسى ألم ~~الضرب المضروب، أينما توجهت فالله تعالى معك. # وأما إحالة الذنب على إبليس من يوشع بن نون والنسيان:- # اعلم أن الله تعالى جعل إبليس اللعين والشياطين أجمعين رحمة من الله ~~تعالى الغفور الرحيم لعامة المؤمنين. PageV03P189 # وذلك أنه يوقع المؤمنين في الذنوب بقدرته، وأكثر ما يوقع المؤمنين في ~~الذنوب شهواتهم ولذاتهم، فأحال الرب تعالى الذنب إلى إبليس وسهل الخروج منه ~~على المسلمين. # فخالف الرب تعالى إلى فعل إبليس فسهل الخروج منه فعفاه ومحاه وحفاه ~~ولاشاه، فنال المسلم شهوته في الدنيا وتخلص منها في الآخرة، وسهل لهم ~~الخروج من الذنوب بالتوبة والحسنات والمصائب وشفاعة المصطفى وعفو الرب ~~أعظم، وتورط فيها إبليس بسوء نيته وسوء اعتقاده وفعله، ولم يبلغ من ~~المؤمنين جل أمنيته. # فأحال الرب تعالى للمؤمنين إحالة الذنب إلى إبليس اللعين، ووسع ذلك سائر ~~المؤمنين رحمة من رب العالمين. # وفي سكوت موسى، ولم يرد عليه قوله، وأقره على ذلك، وقبل عند ذلك عذره، ~~دليل على ما قلنا وبينا، والرسول لا يقر أحدا على المعصية وخلاف الشريعة. # ونحن نذكر فضل الله - عز وجل - على ما وسع لعباده المؤمين في النسيان. # فأول ذلك: هل يسوغ للعبد ويصلح له أن ينسى الله تعالى ؟ # اعلم أنه لا يسوغ نسيان الله ms304 - عز وجل - قال الله تعالى: (نسوا الله ~~فنسيهم) ذما مطلقا. # والنسيان هاهنا على وجهين:- # أحدهما: سائغ شائع وهو نسيان ذهل لو ذكر لذكر، كما ينسى الواحد بعض ~~جوارحه وبعض أسنانه وبعض أضراسه وجل جوارحه ومهماته وغير ذلك، فهذا النسيان ~~نسيان سهو ولهو ولغو. # والثاني: نسيان جهل، فهذا محال مانع، فلا يتذكر ولو ذكر، وهذا بعيد لأن ~~أفعال الله - عز وجل - ظاهرة في العباد والبلاد أينما توجه العبد بعيد لقي ~~ما يذكره، لأن هذا إلى الجحد أقرب لا إلى النسيان، كما أن الواحد لا ينسى ~~ألم الضرب، ما دام يضرب، أو ألم الجوع إذا جاع. # وإنما يقع النسيان في هذا إذا تقدمه جحود وهذا غير معذور. # وأما نسيان المسائل التي لا يسع الناس جهلها على طريقة الشيخ أبي الربيع ~~سليمان بن يخلف في التضييق من أول وهلة، فلن يسعه نسيان جهل فيها آخرا، ~~والله أعلم، وأما نسيان ذهل فلا بأس. PageV03P190 # والوجه الآخر من لا يوجب من المسائل التي لا يسع جهلها عند أبي الربيع ~~نسيانا ويسع غيره حتى تقوم الحجة عليه، وهذه الطريقة لم يرد عن أحد من ~~العلماء التشديد فيها ولا التنبيه فيها ولا التوقف عليها ولا القصد إليها. # وأما على رأي من وسع المشايخ من أول وهلة: عمروس بن فتح وعزان بن الصقر ~~وأبو خزر يغلا بن زلتاف وابن زرقون والإمام عبد الرحمن ابن رستم - رضي الله ~~عنهم - من أمثالها. # فمن جهلها من الأصل فلا بأس ولا شيء عليه، إلا أن ذكر فلم يذكر، فمن ~~نسيها بعد علمها ذهلا فلا حرج عليه، ومن نسيها جهلا فهو إلى الجحود اقرب ~~وإلى الإنكار أصوب. # والنسيان فرع الجهل، فمهما وسعه الجهل من أول مرة كان النسيان أوسع، ~~والنسيان فرع والجهل أصل، والفرع أضعف من الأصل والأصل أقوى. # وأما الشهادتان اللتان على العبد من أول وهلة فلن يسع نسيانهما جهلا ووسع ذهلا. # ووجه آخر من النسيان: من قامت عليه الحجة بسورة أو آية من القرآن، أو نبي ~~من الأنبياء كموسى وعيسى، أو قصة من ms305 القصص، أو فريضة من الفرائض في ~~المواريث أو غيرها، أو شيء من المحرمات من الفواحش والمعاصي، أو خبر من ~~الأخبار، فقامت عليه الحجة به وأخذه نصا أو استخراجا ثم نسيه، فإن كان ذهلا ~~فلا كلام، وإن كان جهلا اختلف المشايخ فيه. # فالمشددون قالوا: إن هذا هو الرجوع عن العلم، وقامت به عليه الحجة إلى ~~حلافة، فهذا هالك. # وقال الآخرون: ليس هذا رجوعا كما عليه، وليس في نسيانه في ذهله أو جهله ~~شيء، إذا رجع كأول مرة من قبل أن تقوم عليه الحجة. # وإنما الرجوع عن العلم: أن يرجع إلى القول بخلاف ما علم أول مرة، فهذا هو ~~الرجوع، وهذه القولة أصوب فيما يليق بالباري سبحانه، ولا سيما أن الدين يسر. # وقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «بعثت بالحنيفية السمحة السهلة» ~~(يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر). وقول رسول الله عليه السلام: ~~«لا تشادوا هذا الدين فإن من شاده يغلبه». PageV03P191 # وقول رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حكاية عن ربه: «أنا عند ظن عبدي بي ~~فليظن بي ما شاء» وقوله عليه السلام: «أنتم في زمان التارك لعشر ما أمر به ~~هالك وسيأتي على الناس زمان العامل فيه بعشر ما أمر به ناج».ط # وقوله عليه السلام: «أكثر أهل الجنة البله». # وقوله عليه السلام للأمة: «من ربك ؟» فأشارت إلى السماء (1). # فقال لها: «ومن رسولك ؟» فأشارت إليه. فقال: «هي مؤمنة ورب الكعبة ~~أعتقها». # ووجه آخر في نسيان الفرائض الواجبات من الصلاة والزكاة والصوم والحج ~~والكفارات أو قضاء شيء مما كان عليه منها، أو النجاسات في بدنه أو ثيابه أو ~~مصلاه، والمدفونات من أمواله، أو ديون تلزمه من معاملاته أو قرباته أو ~~أرحامه، فهذا ليس عليه من شيء لا جهلا ولا ذهلا إذا نسيه ما لم يذكر، فمنة ~~من الله - عز وجل - ورحمة. # وإن كان مما إذا ذكر، فليس عليه منه شيء حتى يذكر، ولو إلى يوم القيامة. # ولو أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) صلى بالناس، وسلم على اثنين ~~يحسبهما ms306 أربعا لم يذكر ومضى على أسلوبه، لم يلزمه شيء إلى يوم القيامة ~~ويفوز بأجر من صلى أربعا وتوابعها. # فإذا أراد تذكيره في الدنيا ذكره وقامت عليه الحجة، وكل صلاة نسيها أو ~~صيام أكل فيه فإن الله تعالى أطعمه وسقاه، على هذا الأسلوب. # ووجه آخر: من كانت عنده بضائع الناس وودائعهم وأماناتهم ولقطهم، وما ~~استخلف عليه من أموال الأيتام والأغياب، فأخذها وحفظها زمانا ثم نسيها، أو ~~ادعاها عليه أربابها فلم يذكر حتى يوم القيامة، ويخرج الجميع من حسناته يوم ~~القيامة. # وإن أخذها وأتجر بها وربح فيها أموالا جليلة عظيمة، فرد الأعيان التي ~~تلزمه ولم يرد تلك الأرباح حتى نسيها، فليس عليه شيء. PageV03P192 # فهذا داخل في بعض اختلاف العلماء. منهم من يقول: إن هذه الأرباح كلها ~~لأهلها وهم أرباب الأموال، وإن لم يردها في الدنيا خرجت من حسناته يوم ~~القيامة. # ومنهم من يقول: هذه الأرباح كلها هي له، لقوله عليه السلام: «الخراج ~~بالضمان». وقوله: «نهى عن ربح ما لم يضمن». # ووجه آخر أعظم من هذا كله، إذا تعدى في هذه البضائع كلها والودائع ~~والأمانات والقروضات واللقطات وأموال اليتامى والغياب بأعيانها، فأكلها أو ~~جحدها لأربابها، ثم أدركته رحمة الله تعالى فتاب توبة نصوحا كما ينبغي ويجب ~~وأصلح حاله وأدى جميع ما عليه من ذلك، إلا أن ألف دينار كان عنده، من جملة ~~ما تعدى فيه ولم يذكره، أو أخرى من هذه الوجوه التي ذكرناها، ولم يذكره حتى ~~يوم القيامة، فإن تباعة هذا الألف تخرج من حسناته إن كانت له حسنات، وإلا ~~فالمؤداة على مولاه ويدخل الجنة. # وكذلك لو كانت عليه تباعة من شهادة أو سرقة أو من غصب أو خيانة كما تقدم، ~~ثم تاب وأصلح، فإن هذا كله يخرج من حسناته يوم القيامة، رواية ضمام بن ~~السائب عن رسول الله عليه السلام، وهو قول أصحاب الحديث. فإن لم تكن له ~~حسنات فليرد عليه من سيئاته يوم القيامة. # والحديث الصحيح: أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: «يقول الله - عز ~~وجل - للمؤمنين غدا ms307 يوم القيامة في المحشر: يا معشر المسلمين أما ما بيني ~~وبينكم فقد وهبته لكم، وأما ما بينكم فتواهبوه فيما بينكم». ولم يثبت عندنا ~~ما ذكر أصحاب الحديث في السيئات. والله أعلم. # والذي يؤيد ما رواه ضمام بن السائب عن رسول الله عليه السلام، حديث داود ~~عليه السلام مع أوريا، وذلك أن داود عليه السلام قال: «يا رب، إني رأيت ~~إبراهيم وإسحاق ويعقوب وإسماعيل عندك عظيمة، كلما ذكرتهم أثنيت عليهم خيرا ~~بماذا بلغوا عندك ذلك». # قال الله - عز وجل -: «إن آباءك إذا ابتليتهم صبروا». # قال داود: «يا رب لو ابتليتني لصبرت كما صبروا». PageV03P193 # فقال الله تعالى: «إني إذا ابتليتهم لا أعرفهم بالوقت الذي ابتليهم فيه، ~~وأنا أعرفك بالوقت الذي أبتليك فيه، وأنا أبتليك في اليوم الفلاني». # فلما كان ذلك اليوم عمد داود عليه السلام إلى حرس، فأدارهم بالمحراب الذي ~~هو فيه، في عدد كثير، ثم أنه تعبد في داخل محرابه مديدة، فإذا بطائر لا ~~يشبه طيور الدنيا فيه من ألوان الزينة كل لون حسن، حتى حسبه داود عليه ~~السلام أنه من طير الجنة، فقام إليه داود يحتاله حتى قرب منه وثب عليه وطار ~~الطائر ووقع من داود، فقصده ثانية فوثب عليه فطار من بين يديه، وفي ~~الثالثة، طار إلى كوة من كوات المسجد، فقصده داود فطار، فنظر داود، فإذا ~~بامرأة جميلة تغتسل قريبا من المسجد، فلما أبصرته أسلبت على نفسها شعرها، ~~فأخذت بقلب داود عليه السلام. ثم أن داود عليه السلام سأل عنها فقيل: إنها ~~امرأة أوريا. فسأل عنه فقيل: إنه في عساكر بني إسرائيل في فلسطين. # ثم أنه مكث مدة وقد أخذت بقلبه، ثم أنه بعث إلى عامل عساكر بني إسرائيل ~~في فلسطين يستبطئ النصر، أن قدم أوريا أمام التابوت الذي فيه السكينة، وكان ~~من تقدم منهم أمام التابوت فلا ينهزم حتى يفتح الله عليهم أو يقتل، فتقدم ~~أوريا أمام التابوت فقاتل القوم حتى قتل أوريا، فمكث داود زمانا فأرسل إلى ~~امرأته فتزوجها. # وبقي دهرا ليس معه مما فعل شيء، ms308 فبينما في محرابه كما قال الله - عز وجل ~~-: (وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب) إلى قوله: (فاستغفر ربه وخر ~~راكعا وأناب). وذلك أن أحد الخصمين نظر إلى آخر فتبسم وتبسم الآخر، فاتهم ~~داود نفسه، فطارا وتسورا المحراب كأول مرة، فعند ذلك سجد داود، ومكث داود ~~مدة طويلة ساجدا، فبعث الله ملكا فقال: «يا داود، إن ربك قد غفر لك فارفع ~~رأسك» فرفع رأسه. فقال: «يا رب، إن هذه مظلمة لغيرك، فكيف بمغفرتك لي ولم ~~يغفر لي صاحب المظلمة !؟». # فقال الله - عز وجل -: «اذهب إليه وناده في قبره وتحلل منه». فذهب إليه ~~داود عليه السلام. PageV03P194 # فلما وصل إلى قبره ناداه مرتين، فخرج أوريا من القبر ورأسه قد أبيض نصفه ~~وبقي النصف الآخر أسود كما كان. فقال له داود: «لم أبيض نصف رأسك ؟». # فقال له أوريا: «لما ناديتني أول مرة أبيض نصف رأسي وحسبت أنها القيامة، ~~فلما ناديتني ثانية علمت أنها الدنيا». # فقال له داود عليه السلام: «اجعلني في حل من قلبك». # فقال له: (أنت في حل من قلبي يا نبي الله، فجزاك الله عنا خيرا وما ~~حملتنا عليه من دين الله وهديتنا إليه). # فرجع أوريا إلى قبره، وذهب داود عليه السلام راجعا إلى بلده. فنظر داود ~~عليه السلام إلى قلبه متغيرا عما كان أول مرة. فقال: «يا رب غفرت لي وجعلني ~~صاحبي في حل، فما بال قلبي !؟» # فقال الله تعالى: «إنك لم تفسر لصاحبك شيئا». # فرجع داود عليه السلام إلى قبر أوريا فناداه كأول مرة، فخرج أوريا فقال: ~~(يا ولي الله إلى متى تروعني ؟) # فقال له داود عليه السلام: «إني سألتك الحل ولم أفسر لك القصة هكذا ~~وهكذا». # فقال له أوريا: (أما إذا كان الأمر هكذا وهكذا فلا). # فانقلب أوريا واضطجع في قبره، فهناك هام داود عليه السلام على وجهه وصاح ~~بأعلى صوته: «يا ويلاه». فما زال يقتحم النبات والشجر والحجارة ويقطع ~~الأودية والتلال هائما على وجهه، حتى وقع وغشي عليه ساجدا. # ومكث فيما قالوا أربعين يوما ساجدا نبت البقل ms309 من دموعه، فأتاه الملك من ~~عند الله تعالى وناداه فقال له: «يا داود قم، وقد غفر الله لك». ول يكترث به. # فناداه الملك ثانيا ولم يشتغل به. فقال له الملك: «ما أشبه أمروك بعضها ~~ببعض، فأولها خطيئة وآخرها معصية». فرفع داود رأسه وقال: «يا رب كيف تغفر ~~لي والمظلمة لغيرك ؟» # فقال الله تعالى: «إذا كان يوم القيامة أظهر من الجنة غرفا تعجب أهل ~~الحشر، يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها، فقال: لمن هذا ؟ فأقول ~~(1): لمن غفر لأخيه مظلمته. # فيبادر أوريا فيقول: قد غفرت لداود نبي الله. PageV03P195 # فهناك نفس عن داود قليلا، ومع ذلك قال داود: «يا رب، إن نفسي فيها من هذا ~~شيء الآن» # فقال الله - عز وجل -: «إن ذلك من وحشة الخطيئة». # فقال: «يا رب اجعل لي آية لا أنسى معها خطيئتي». فجعل الله تعالى آية، ~~قلما يرفع إلى فيه إناء من شراب إلا امتلأ بالدموع قبل أن يصل إلى فيه، ~~فهذه تأدية من الله - عز وجل - على عباده المؤمنين ما عليهم من التباعات في ~~يوم المحشر (2). # وأما قوله تعالى: (فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من ~~لدن علما). # واعلم يا أخي، أن أقسام العلوم كثيرة. أولها: علوم العقل، وهي علوم ~~ضرورية يتضمنها العقل كما قدمنا، وهي ثلاثة أقسام: وجوب الواجبات، وجواز ~~الجائزات، واستحالة المستحيلات، وهي من أعظم العلوم التي أعطاها الله تعالى ~~لعباده، لكن حيى (1) الله تعالى في القرآن عقليات إذا وقع الخطاب بينه وبين ~~أقوام ليست لهم شرائع يقتبسون منها العلوم، فتقع المناظرة بينهم وبين الله ~~تعالى عليها، فحاجهم الله - عز وجل - بها فاعترفوا ببرهانها عقلا وجحدوا ~~بها فعلا، فجعل قوله: (يا أولي الألباب) وقوله: (لعلكم تعقلون) وقول الكفار ~~غدا: (لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير) وقوله: (إن في ذلك ~~لآيات لقوم يعقلون). # وقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «أول ما خلق الله العقل فقال له: ~~أقبل فأقبل. وقال له: أدبر فأدبر. فقال له - عز وجل - وعزتي وجلالي ms310 ما خلقت ~~خلقا أكرم علي منك، بك آخذ وبك أعطي، وبك أثيب وبك أعاقب». PageV03P196 # وقول رسول الله عليه السلام لعلي بن أبي طالب: «إذا تقرب العباد إلى الله ~~- عز وجل بأعمالهم، فتقرب إليه بعقلك». والعقل: مرآة السعادة الأبدية ~~للأرواح، به يتعرفون عبوديتهم، ويتعرفون من عبوديتهم ألوهية إلههم. # والهوى: قائد النفس إلى السعادة الدنيا دون السعادة القصوى. # والشهوة غطاء على أبصار نفوس المؤثرين الأدنى على الأقصى، وسلاح النفس: ~~الشهوة والهوى. وسلاح الروح: العلم والعقل. # ومن العقل تفرعت علوم المنطق آلة المتكلمين، وعلوم المنطق برهانية، وعلوم ~~البرهان حقيقة. وعلوم العقل هي التي نبهت وقطعت: أن لا إله إلا الله. # وحسبك قول الله تعالى: (ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به). # ولهذا المعنى المذكور في حلية العقل، صار كل ملك وعاقل من المشركين يقر ~~بعبودية نفسه ويطلب الألوهية من الأحجار والأخشاب، حتى أن فرعون يقر ~~للأصنام بالألوهية ويعبدها، حتى نبهه موسى عليه السلام، حين قال: (وما رب ~~العالمين قال رب السموات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين) إلى قوله: (إن ~~كنتم تعقلون). ولهذا قال فرعون: (يأيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري) لما ~~أظهر موسى عليه السلام أن العلة في الألوهية القدرة على العباد وظهور ~~حاجتهم إلى منفعة الإله قال: (ما علمت لكم من إله غيري) وفي قصة أخرى: (أنا ~~ربكم الأعلى) ولم يدر فرعون أن من ملك من السماء إلى الأرض ومن المشرق إلى ~~المغرب أنه أحق بالألوهية. قال موسى: (إن كنتم تعقلون) ينبههم بالعقل ولم ~~ينتبهوا، واستظهروا هم بالجنون، ولم يصيبوا بالبرهان آخر العقل. # والعقل: ملاك البر والتقوى. والجهل: هلاك الآخرة والأولى. PageV03P197 # ومن وجوه الواجبات احتاج الأنبياء - صلوات الله عليهم وسلامه - من لدن ~~أبينا آدم - عليه السلام - إلى نبينا محمد (صلى الله عليه وسلم) لدلالة ~~الحدث على المحدث. فقال: (أفي الله شك فاطر السموات والأرض). فادعت لهم ~~الأمم من لدن أبينا آدم عليه السلام إلى اليوم، ولم يردون عليهم مذهبهم، ~~وعترفوا وقالوا: (إن أنتم إلا بشر مثلنا ms311 تريدون أن تصدونا عما كان يعبد ~~آباؤنا) هذه في الوجبات. # وفي المستحيلات: أنه لا يجوز أن يكون الواحد حيا ميتا في حالة واحدة ولا ~~أن يكون الموجود في مكانين، ولا الصعود هو الهبوط، ولا الحركة هي السكون، ~~ولا الجسم هو العرض، ولا الماضي هو الآتي، ولا سائر الأشياء ومتضاداتها، ~~ولا كل شيء هو غيره. كما أن الجائزات ليس فيها قطع الوجود، ولا العدم إلا بعلم. # ومن علوم بني آدم علم الشرائع في الواردات من الله سبحانه وتعالى إلى ~~الأنبياء على أيدي الملائكة في مصالح العباد واستصلاح البلاد، نطقا وإعلاما ~~ووحيا وإلهاما، وما تضمنت هذه العلوم من الأصول والفصول، والمعاني والمتون، ~~والمذاهب والفنون، والوعد والوعيد، والأوامر والنواهي، والعموم والخصوص، ~~والمجمل والمفسر، والمطلق والمقيد، والمحكم والمتشابه، والمنصوصات ~~والمستخرجات، ولحن الخطاب وفحوى الخطاب ومعناه ودليل الخطاب، والمتصل ~~والمقطوع والمنفصل والمسموع، والتقديم والتأخير، ووجوه اللغة وتصاريفها في ~~الماضي والحال، وبيان الحال والاستقبال، والأسماء والأفعال، والنحو وفنونه، ~~في أشياء كثيرة لا تكاد تنحصر ولا تخفى على ذي بصيرة. # وأصل هذه العلوم من الوحي، وعن وحي قامت من الملائكة المقربين. وسيأتي ~~شرحها عند حديث أم موسى عليه السلام قال الله تعالى: (وأوحينا إلى أم موسى ~~أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه ~~إليك وجاعلوه من المرسلين) ووحي النحل. PageV03P198 # ومن علوم بني آدم: الرؤيا بشروطها، وهي فرع من الوحي، والوحي فرع من علوم ~~الأنبياء صلى الله عليهم أجمعين. # وقال رسول الله عليه السلام: «الرؤيا الصالحة من الرجل الصالح، يراها ~~لنفسه، أو ترى له، جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة». # ومصداق ذلك قوله عليه السلام: «نبوة أهل آخر الزمان الرؤيا». والنبي يرى ~~الرؤيا ورؤياه حق، لأنهم معصومون من الشيطان الرجيم. # ويدلك عليه: قول إبراهيم عليه السلام. # وشروط الرؤيا: سكون الأجساد، وأن تسلم من الأضغاث والأحلام، وحديث النفس ~~والخيال، والأوهام، والشياطين، والاضطراب. # ومن وراء ذلك: علم الفراسة والحدس والتخمين. قال (صلى الله عليه وسلم): ~~«احذروا فراسة المؤمن فإنه بنور الله يبصر». ms312 # وعلم الترويع منه: وهو نور يقذفه الله في قلب المؤمن. # وقال رسول الله عليه السلام: «ما من نبي إلا وفي أمته محدث ومروع، فإن ~~يكن فيكم فعمر». ومنه الفأل، وكان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يتفاءل ~~ولا يتطير. # ومنها: علوم الخط والحصا وفنونه. قال رسول الله عليه السلام: «الخط حق، ~~بعث به نبي، فمن وافق خطه خطه فقد أصاب، ولا يعلم الغيب إلا الله». # ومن وراء ذلك كله: علم المكاشفة وهو العلم اللدني، وأصله المعرفة. فإذا ~~بلغ العبد في طاعة ربه أقصى درجاتها، وتعاود به نفسه في جميع العبادات، ~~وتواترت عليه أنواع الطاعات، فهنالك يستأنس بربه، ويستوحش من أبناء جنسه ~~وتربه، بما عوده الله تعالى من استجابة الدعاء، ومن الأنس به دون غيره. PageV03P199 # فإذا بلغ هذه المنزلة، رفع الله - عز وجل - الحجاب بينه وبين خلقه، ~~وانكشف الغطاء عن قلبه في جميع ما أراد الله تعالى أن يحدثه في خلقه، آثره ~~بعلم ذلك وخصه به، فكانت علومه من لدن الله - عز وجل - لا بواسطة من غيره، ~~كما قال الله تعالى: (وآتيناه رحمة من عندنا)... الخ فكان لا يحتاج مع هذا ~~العلم اللدني الذي أراد الله - عز وجل - الخضر إلى تعلم ولا تعليم، وصار ~~مرآة للخلق، وقبلت ذاته صورة كل شيء، كالمرآة التي تقبل الصور. # فاستأثر موسى بعلم الشرائع، واستأثر الخضر بالعلم اللدني، وكان في الخلق ~~مطلق اليد في جميع ما أراده، كعزرائيل في الأرواح، والروح الأمين في ~~الشرائع، وميكائيل في الكائنات، وإسرافيل في الفانيات. # ومما يدل على ما قلنا أن الله - عز وجل - أخرج الخضر من حيز المكلفين ذوي ~~الشرائع، فليس عليه إلا ما سنح في خاطره فعليه امتثاله، وليس عليه أن ~~يأمرنا بالمعروف ولا أن ينهانا عن المنكر إذا رآهما منا، ولا دفع عن مظلوم، ~~ولا قيام بحق معلوم. # فحاله كحالة الملائكة عليهم السلام، كما أن ليس على الملائكة من أمرنا ~~ونهينا شيء إلا أن أرادوا ذلك وشاءوه إعلاما وإلهاما. # والإشارة إلى بعض علوم المكاشفات من قول الغزالي. قال: ms313 (أما بعد، فإن علم ~~المكاشفة من العلوم التي تكون بين العبد وربه لا بواسطة، وهي الغاية القصوى ~~للعباد. قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «إن من العلم المكنون ما لا ~~يعلمه إلا أهل المعرفة بالله، ولا يجهله إلا أهل الاغترار بالله، فلا ~~تحقروا عالما آتاه الله علما، فإن الله لم يحقره إذ آتاه». # واعلم أن مراتب السباق إلى الله خمس: أولها: الإيمان، ثم الظن، ثم العلم، ~~ثم اليقين، ثم المعرفة. PageV03P200 # فالإيمان: سكون النفس إلى وجود الله تعالى. والظن: ميل النفس إلى وجوده. ~~والعلم: ظهور وجود الباري سبحانه إلى العبد. واليقين: اتضاح الوجود بغاية ~~الاتضاح، والمعرفة هناك نهاية مبلغ العباد، شبه الضرورة، لكن المعرفة علم ~~بعد علم، وثمرة المعرفة بالوحدانية لا بل بالتوحيد، لا بل # بالوحدة، لا بل بالواحد، لا بل بالأحد، هناك انتهت المعرفة. # القول في التوحيد والوحدانية والأحدية: فالتوحيد مآله إلينا، والوحدانية ~~بيننا وبين ربنا، والأحدية هي له دوننا: والتوحيد هو البحر الخضم الذي لا ~~ساحل له، وله أربع مراتب: هي تنقسم إلى لب، ولب اللب، وإلى قشر، وقشر ~~القشر، ويتمثل ذلك إلى الفهم الضعيف بالجوز في قشرته، فإن له قشرتين، وله ~~لب، ولب دهن. # المرتبة الأولى: هي التوحيد، وهو أن يقول بلسانه: (لا إله إلا الله) ~~وقلبه غافل وساه، أو منكر وغير مستبصر. # والثانية: أن يصدق بمعنى اللفظ قلبه، كما يصدق به عموم المسلمين، وهو ~~اعتقاد. # والثالث: أن يشاهد ذلك بطريق الكشف بواسطة نور الحق، وهو مقام المقربين، ~~وذلك بأن يرى أشياء كثيرة لكن يراها على كثرتها صادرة من الواحد القهار. # والرابعة: أن لا يرى في الوجود إلا واحدا، وهو مشاهدة الصديقين، حتى لا ~~يرى نفسه أيضا، فإذا لم ير نفسه، مستغرقا بالوحدانية بائنا عن نفسه. # فالأول: وهو الموحد بمجرد اللسان، ويعصم ذلك صاحبه في الدنيا من السيف ~~والسنان. PageV03P201 # والثاني: موحد بمعنى قلبه متعلق بمفهوم لفظه، وهو خال عن التكذيب كتوحيد ~~العامة ليس فيه انشراح ولا انفتاح، لكن محمول عنه في الدنيا والآخرة، إن لم ~~تضعف بالمعاصي ms314 عقدته، ولهذا الاعتقاد: حل يوهن هذا الاعتقاد، وسد بابه يؤيد ~~الاعتقاد. فالأول: هو المشبه. والثاني: هو المتكلم، والمتكلم في مقابلة ~~المبتدع. والثلث: موحد بمعنى أنه لم يشاهد إلا فاعلا واحدا، إذا انكشف له ~~الحق كما هو عليه ونوى اعتقاده بأقواله وأفعاله. والرابع: موحد بمعنى أنه ~~لم يحضر في شهادة غير الواحد فلا يرى الكل من حيث إنه كثير بل من حيث إنه ~~الواحد، وهذه الغاية القصوى في التوحيد وهو توحدي الصديقين والمقربين. # والأول كالقشرة العليا من الجوز. والثاني كالقشرة السفلى من الجوز. ~~والثالث كاللب. والرابع كالدهن المستخرج من اللب الأول. # وكما أن القشرة الأولى من الجوز لا خير فيها، بل إن أكل فهو مر المذاق، ~~وإن نظر إلى باطنه فهو كريه المنظر، وإن أتخذ حطبا أطفأ النار وأكثر ~~الدخان، وإن ترك في البيت ضيق المكان، فلا يصلح إلا أن يترك مدة على الجوز ~~للصوان ثم يرمى، فكذلك التوحيد بمجرد اللسان عديم الجدوى كثير الضرر مذموم ~~بالظاهر والباطن، لكنه ينفع مدة في حفظ القشرة السفلى إلى وقت الموت، ~~والقشرة السفلى: هي القلب والبدن. # وتوحيد من لم يتجاوز توحيده لسانه إلى قلبه، أو من رمى بلسانه عن قلبه، ~~أو أكره على النطق دون الاعتقاد، يصون بدنه عن السيف سيف الغزاة، فإنهم لم ~~يؤمروا بشق القلوب، والسيف إنما يصيب جسم البدن وهو القشرة، وإنما يتجرد ~~عنه بالموت فلا تبقى لتوحيده فائدة القشرة. PageV03P202 # الثانية: وكما أن القشرة السفلى ظاهرة النفع - بالإضافة إلى القشرة ~~العليا - فإنها تصون اللب وتحرسه عن الفساد عند الادخار، إذا فضل أمكن أن ~~ينتفع بها حطبا، لكنها نازلة القدر بالإضافة إلى اللب، وكذلك مجرد الاعتقاد ~~من غير كشف، كثير النفع بالإضافة إلى مجرد النطق باللسان، ناقص القدر ~~بالإضافة إلى الكشف والمشاهدة التي تحصل من انشراح في الصدر وانفساخها ~~وإشراق نور الحق فيها، إذ ذلك الشرح هو المراد بقوله: (فمن شرح الله صدره ~~للإسلام فهو على نور من ربه). # الثالثة: وكما أن اللب نفيس بالإضافة إلى القشرة وكأنه المقصود، لكنه لا ~~يخلو ms315 عن شوف عصارة بالإضافة إلى الدهن المستخرج منه، وكذلك توحيد الفعل ~~مقصد علم السالكين، ولكنه لا يخلو عن شوف ملاحظة العين والإلتفات إلى ~~الكثرة، بالإضافة إلى من لا يشاهد سوى الواحد الحق. # فإن قلت: كيف يتصور أن لا يشاهد إلا واحدا، وهو يشاهد عوالم السموات ~~والأرض وسائر الأجسام المحسوسة، وهي كثيرة فكيف يكون الكثير واحدا ؟ # فاعلم أن هذه هي غاية علوم وأسراره لا يجوز أن تسطر في كتاب، وقد قال ~~العارفون: (إفشاء سر الربوبية كفر). ثم غير متعلق بعلم المعاملة. # نعم ذكرنا ما يسكر سورة استبعادك وهو أن الشيء قد يكون كثيرا بنوع مشاهدة ~~واعتبار، ويكون واحدا بنوع آخر من المشاهدة والاعتبار، وهذا كما أن الإنسان ~~كثير إذا التفت إلى روحه وجسده، وأطرافه وعروقه، وعظامه وأحشائه، وهو ~~باعتبار آخر ومشاهدة أخرى واحد إذا تصورت أنه إنسان واحد، وكم من شخص شاهد ~~إنسانا ولم يخطر بباله كم كثرة أمعائه وعروقه وأطرافه وتفصيل روحه وجسده ~~والفرق بينهما، وهو في حالة الاستغراق والاشتهار به مستغرق وليس فيه تفرق، ~~فكأنه في حين الجميع [ واحد ](1)، والملتفت إلى كثرته وتفرقه كذلك. PageV03P203 # وكذلك كل ما في الوجود من الخالق والمخلوق، له اعتبارات ومشاهدات كثيرة ~~مختلفة، وهي باعتبار واحد من الاعتبارات واحدة، باعتبارات أخرى سواها ~~كثيرة، بعضها أشد كثرة من بعض. # مثال الإنسان - وإن كان لا يطابق الغرض، لكنه ينبه على الجملة على كيفية ~~مصير الكثرة وحكم المشاهدة لو لم يستفد بهذا الكلام - ترك الإنكار والجحود ~~بمقام لم تبلغه - وتؤمن به إيمان تصديق، ويكون لك من حيث إنك مؤمن بهذا ~~التوحيد نصيب، وإن لم يكن ما آمنت به صفتك، كما أنك إذا آمنت بالنبوة وإن ~~لم يكن نبيا كان لك نصيب منها بقدر قوة إيمانك، وهذه المشاهدة التي لا يشهد ~~فيها إلا الواحدة تارة تكتم وتارة تظهر كالبرق الخاطف وهو الأكثر، والدوام ~~قادر وعزيز. # وإلى هذا إشارة الحسين الجلاد حيث رأى الخواص يدور في الأسفار. فقال: ~~(أدور في الأسفار لأصلح حالي في التوكل) وقد كان من المتوكلين. فقال ms316 ~~الحسين: (قد أفنيت عمرك في عمران باطنك، فأين الفناء في التوحيد ؟) فكأن ~~الخواص كان في تصحيح المقام الثالث في التوحيد يطالبه بالمقام الرابع، فهذه ~~طريقة المؤيدين في التوحيد على سبيل الإجمال. # فإن قلت: لابد من شرح مقدار ما يفهم كيفية انبناء التوكل عليه، فأقول: ~~أما الرابع فلا يجوز الخوض في بيانه، وليس التوكل أيضا مبنيا عليه، بل يحصل ~~حال التوكل بالتوحيد الثالث. # أما الأول فهو النفاق واضح. وأما الثاني وهو الاعتقاد، فهو موجود في عموم ~~المسلمين، وطريق تأكيده في الكلام، ودفع حيل المبتدعة فيه مذكور في علم ~~الكلام، وذكرنا في كتاب الاقتصاد في الاعتقاد على قدر المهم منه. # وأما الثالث فهو الذي يبنى التوكل عليه، إذ يجزي التوحيد اعتقاده لا يورث ~~حال التوكل، فلنذكر منه القدر الذي يرتبط التوكل به، دون تفصيله الذي لا ~~يحتمله أمثال هذا الكتاب. PageV03P204 # وحاصله أن يكشف لك أن لا فاعل إلا الله، وأن كل موجود من خلق ورزق، وعطاء ~~ومنع، وحياة وموت، وغنى وفقر، وغير ذلك مما يطلق عليه اسم، فالمنفرد ~~بإبداعه واختراعه هو الله تعالى وحده لا شريك له فيه. # فإذا انكشف هذا لم تنظر إلى غيره، بل كان منه خوفك ورجاؤك، وبه ثقتك ~~وعليه اتكالك، فإنه الفاعل على الانفراد دون غيره، وما سواه مسخر لا ~~استقلال له بتحريك ذرة في ملكوت السموات والأرض. # فإذا انفتحت لك أبواب المكاشفة، أتضح لهذا اتضاح أنه من المشاهدة بالبصر، ~~وإنما يضرك الشيطان على هذا التوحيد في مقامين، يبغي بهما أن يطرقا إلى ~~قلبك شائبة الشرك:- # أحدهما: الالتفات إلى اختبار الحيوانات. # والثاني: الالتفات إلى الجمادات. # فأما الالتفات إلى الجمادات كاعتمادك على المطر في خروج الزرع ونباته، ~~وعلى الغيم في نزول المطر، وعلى البرد في اجتماع الغيم، وعلى الريح في ~~استواء السفينة وسيرها. # وهذا شرك في التوحيد وجهل في حقائق الأمور، ولذلك قال: (فإذا ركبوا في ~~الفلك دعوا الله مخلصين له الدين، فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون) قيل: ~~معناه أنهم قالوا: لولا استواء الريح ما نجونا. # ومن انكشف ms317 له أمر العالم كما هو عليه علم أن الريح هو في الهواء يتحرك ~~بنفسه ما لم يحرك، وكذلك محركهم، وهاذ إلى أن ينتهي إلى المحرك الأول الذي ~~لا محرك له، ولا متحرك في نفسه. # فالتفات العبد في النجاة إلى الريح، يضاهي التفات من أخذ لتحز رقبته، ~~فيكتب الملك توقيعا عنه بالعفو وتخليته، فأخذ يشتغل بحبره والكاغد والقلم ~~الذي يكتب به التوقيع، ويقول: ولولا القلم لما تخلصت. فيرى النجاة من القلم ~~لا من محرك القلم، وهو غاية الجهل. # ومن علم أن القلم لا محرك له من نفسه، وإنما هو محرك في يد الكاتب، لم ~~يلتفت إليه ولم يشكر إلا الكاتب، بل يدهشه فرح النجاة وشكر الملك الكاتب عن ~~أن يخطر بباله القلم والحبر والداوة. PageV03P205 # فالشمس والقمر والنجوم والمطر والغيم والأرض، وكل حيوان وجماد مسخرات في ~~قبضة القدرة، تسخير القلم في يد الكاتب، بل هو يتمثل في حقك أن الملك هو ~~كاتب التوقيع. # والحق أن الله هو الكاتب، كما قال الله - عز وجل -: (وما رميت إذ رميت ~~ولكن الله رمى). # وإذا انكشف لك أن جميع ما في السموات والأرض مسخرات على هذا الوجه، انصرف ~~عنك الشيطان خائبا، وآيس من مزج توحيدك لهذا الشرك، فيأتيك في المهلة ~~الثانية وهو الالتفات إلى اختيار الحيوانات والاختيارية، ويقول: كيف ترى ~~الكل من الله - عز وجل - وهذا الإنسان يعطيك رزقك باختياره، فإن شاء أعطاك ~~وإن شاء منع عنك. # وهذا الشخص هو الذي يجز رقبتك بسيفه، وهو قادر عليك، إن شاء حز رقبتك وإن ~~شاء عفا عنك، فيكف لا تخافه ولا ترجوه وأمرك بيده، وأنت تشاهد ذلك ولا تشك فيه ؟ # ويقول: نعم، إن كنت لا ترى القلم بأنه مسخر، فكيف لا ترى الكاتب هو ~~المسخر. # وعند هذا زلت أقدام الأكثرين إلا عباد الله المخلصين، الذين لا سلطان ~~عليهم للشيطان، فشاهدوا بنور البصائر كون الكاتب مسخرا مضطرا، كما شاهد ~~جميع الضعفاء كون القلم مسخرا. # وعرفوا أن غلط الضعفاء في ذلك كغلط النملة مثلا، لو كانت تدب على الكاغد، ~~فترى ms318 رأس القلم يسود الكاغد ولم يمتد بصرها إلى اليد والأصابع فضلا عن صاحب ~~اليد، وغلطت وظنت أن القلم هو المسود للبياض، وذلك لقصور بصرها عن مجاوزة ~~القلم لضيق حدقتها. # وكذلك من لم يشرح بنور اله صدره، قصرت بصيرته عن ملاحظة جبار السموات ~~والأرض مشاهدة كونه قهارا، ورأى الكل، ووقف في الطريق على الكاتب، وهو جهل، ~~بل أرباب القلوب والمشاهدات قد أنطق الله في حقهم كل ذرة في السموات والأرض ~~بقدرته، الذي أنطق كل شيء، حتى سمعوا تسبيحها وتقديسها لله، وشهادتها على ~~نفسها بالعجز بلسان ذلق، تتكلم بلا حرف ولا صوت، لا يسمعه الذي هم عن السمع ~~لمعزولون. PageV03P206 # ولست أعني به السمع الذي لا يجاوز الأصوات، فإن الحمار شريكه فيه، ولا ~~قدر لما تشترك فيه البهائم، وإنما أريد به سمعا يدرك كلاما ليس بحرف ولا ~~صوت ولا هو عربي ولا هو عجمي. # فإن قلت: هذه أعجوبة لا يقبلها العقل، فصف لي كيفية نطقها، وأنت كيف ~~نطقت، وبماذا نطقت وسبحت وقدست، وشهدت على نفسها بالعجز ؟ # فاعلم أن الكل ذرة في السموات والأرض مع أرباب القلوب امتزاجا في السر، ~~وذلك مما لا ينحصر ولا يتناهى، وأنها كلمة تستمد من بحر كلام الله الذي لا ~~نهاية له. و (لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لفند البحر قبل أن تنفد كلمات ~~ربي ولو جئنا بمثله مددا). # ثم أنها تنادي بأسرار الملك والملكوت، وإفشاء السر لؤم، بل صدور الأحرار ~~تنور الأسرار، وهل رأيت قط أينا على الأسرار للملك، قد يؤدي بخفاياه، فيؤدي ~~على ملأ من الخلق. # ولو جاز إفشاء كل سر، لما قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «لو علمتم ~~ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا، بل كان يذكر لهم ذلك حتى يبكوا ولا ~~يضحكوا، ولما نهى عن إفشاء سر القدر قال: «إذا ذكر النجوم فأمسكوا، وإذا ~~ذكر القمر فأمسكوا، وإذا ذكر أصحابي فأمسكوا». ولما خص حذيفة ببعض الأسرار. # فإذن منع عن حكاية مناجاة دارت في الملك والملكوت قلوب أرباب المشاهدات ~~(2) مانعان: أحدهما استحالة إفشاء ms319 السر. # والثاني: خروج كلماته عن الحصر والنهاية. # ولكنا في المثال الذي كنا فيه وهي حركة القلم، تحكى نملة من مناجاتها ~~قدرا يسيرا، يفهم على الإجمال كيفية انبناء التوكل عليه، ويرد كلماته إلى ~~الحروف والأصوات، وإن لم يكن حروفا ولا أصواتا. PageV03P207 # قوله تعالى: (فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدن ~~علما). وذكرت أمر الخضر، وكيف ؟ وأنك شككت فيه، ولم يكن عندك علم بأنه الخضر. # اعلم أن الذي أتاه الله العلم من لدنه هو الخضر بإجماع الأمة مأثور عن ~~رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وقد أجمع على ذلك أصحاب الحديث الذين ~~يروون عن رسول الله عليه السلام ويؤثرون ذلك. # وقال موسى عليه السلام للخضر: (هل أتبعك على أن تعلمني مما علمت رشدا، ~~قال إنك لن تستطيع معي صبرا). # واعلم أن الخضر قد أطلعه الله على العلم اللدني، فتكلم بعلمه في موسى ~~فأصاب، وأجاب الخضر أيضا على غالب الحال: (إنك لن تستطيع معي صبرا، وكيف ~~تصبر على ما لم تحط به خبرا). فذكر العلة، لأن من طبع بني آدم أن لا يصبروا ~~على ما لم يحيطوا به علما بعلمه، ولما لم يأتهم تأويله. # واستثنى موسى ولم ينفعه إلا في السلامة من الذنب، وإباحة القول فيما يأتي ~~وإن خرج خلافه. # وقوله: (فانطلقا حتى إذا ركبا في السفينة خرقها) فلم يذكر فتاه، فإذا ذكر ~~الفاضل أجزى عن المفضول. # وقوله: (أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا) فتكلم موسى بلسان ~~الشريعة، وعمل الخضر بمقتضى العلم اللدني، وكلاهما مصيب، وليس لموسى أن ~~ينتقض عليه فعله ولا للخضر أن يستجهله. # وهذه المسألة هي التي جرت بين أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في ~~عثمان ابن عفان. # وذلك أنهم افترقوا على ثلاث فرق: # فرقة عمار بن ياسر - رحمه الله - وأصحابه، مذهبهم في عثمان أنه باغ على ~~المسلمين وظالم لهم حين استخلفوه وائتمنوه على دينهم ودمائهم وأموالهم ~~وفروجهم، فأضاع الكل باستخلافه الفجرة الجورة الفسقة وائتمنهم على هذه ~~الأمور وليسوا بأهل للأمانة على شيء منها. ms320 وضربهم أوتاد الجزيرة العربية ~~ولما حولها من بلاد فارس والروم والسودان والبيضاء، وأصحاب عمار: علي ابن ~~أبي طالب وطلحة والزبير وعامة المهاجرين والأنصار. PageV03P208 # وأصحاب الفرقة الثانية: هم المتفقون فيه، ولم يروا تحلة دمه، منهم: سعد ~~بن أبي وقاص، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن سلام، وزيد بن ~~ثابت، أبو هريرة، ومحمد بن مسلمة والمتفقون من عامة الناس، فهؤلاء توقفوا ~~في تحلة دم عثمان، ولم يبرأوا من عمار وأصحابه، ولم يبرأ عمار وأصحابه ~~منهم، فالأول عمار وأصحابه أهل البصائر في الدين، ولا سيما أن الرسول (صلى ~~الله عليه وسلم) جعله علما للفتنة وقال: «تقتل عمارا الفئة الباغية». قال ~~اله - عز وجل -: (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت ~~إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت ~~فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين). # وأما الذين جعلهم عثمان أوتاد الأرض من ولاية عبد الله بن عامر بن مريز ~~شرف قريش واليه على البصرة إلى مشرق الأرض، وولى الوليد بن عقبة بن أبي ~~معيط على الكوفة، وصلى بهم الصبح دون عشرين ألفا وهو سكران، وصلى بهم ~~ثلاثا، ورفع ثوبه في المحراب. وقال: (أفلا أزيدكم ؟). وقال عبد الله ابن ~~مسعود: (حسبنا من ثلاثتك ثنتان). وهو من الصبية الذين لهم النار حين قال ~~عقبة بن أبي معيط لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) حين أمر بضرب عنقه. ~~فقال: (من للصبية ؟). # فقال رسول الله: «النار». # ومنهم: المغيرة بن شعبة ومعاوية بن أبي سفيان وعبد الله بن سعد بن أبي ~~سرح وأمثالهم (1)، فرأى عمار بن ياسر وأصحابه، أن يغيروا المنكر عليهم ~~بالسيف واستباحة الدم. # والآخرون قصرت بصائرهم عن تحلة دم عثمان فتوقفوا، والكل على بصيرة، ما لم ~~يبغ بعضهم على بعض. # وأما أصحاب الدار فهم في حزب عثمان في الدنيا وفي دار القرار. # وأما الفرقتان: عمار وسعد، فواسع لهما ما لم يقتحم أحدهما أحد الشروط ~~الثلاثة. أو أن يرى أحدهما رأيه دينا لله لا يسع أحد ms321 التخلف عنه. # والثاني: أن يقطع عذر صاحبه في التخلف عنه. PageV03P209 # والثالث: أن يخرجه قوله إلى أن يهدم قاعدة من قواعد الإسلام. # فمن سلم من هذه الشروط الثلاثة وسعه ذلك، فمن ابتدأ بالبراءة من ~~الطائفتين فهو أولى. # وأما خرق الخضر السفينة مصلحة أرادها لأصحاب السفينة، فلو لم يخرقها ~~لذهبت السفينة كلها وأخذها الغاصب، لأن تخرق خير من أن تؤخذ. # ففعل الخضر من جهة العلم اللدني وأنكر عليه موسى من جهة الشرع، فكلاهما ~~مصيب، والفضل للأفضل، فلما وقع العتاب عليه، اعتذر موسى وقال: (لا تؤاخذني ~~بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا) فأسعفه الخضر وقد تقدم النسيان وما فيه ~~من وجه. # وأما خرق للسفينة لئلا تؤخذ، فإنه أراد في ذلك وجه المصلحة، لأن تخرق ~~ويلزمها عيبها خير من أن تؤخذ غصبا، ففعل الخضر ما فعل على وجه المصلحة. # ومن هاهنا اقتبس مالك إجازة العقوبة بالأموال رأيا وقياسا على هذا الحال. # فإذا جاز فساد بعض الأموال استصلاحا لباقيها ولا ذنب بفسادها، استصلاحا ~~لمولاها مع الذنب أولى، والنفس أولى صلاحا من المال، إذ النفس أصل والمال ~~فرع، بقاء الأصل مع ذهاب الفرع أولى، ولا سيما أن ما ذكره الله تعالى من ~~الشرائع الأولى فهو شرع لنا إلا إن أعقبه نسخ أو فسخ. # واستدل مالك على هذا المعنى بعبيد حاطب حين سرقوا ناقة أعرابي، فهم عمر ~~بن الخطاب - رضي الله عنه - أن يقطعهم، فدعا عمر حاطبا والأعرابي. فقال: ~~(يا حاطب أجعت عبيدك حتى احتاجوا إلى أن يسرقوا أموال الناس). فقال ~~للأعرابي: (كم بلغت ناقتك في السوق ؟). # فقال: (أربعمائة درهم). فأسدى حاطبا ثمانمائة، ثمن فيها الثمن عليه ~~عقوبة، وقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «في حريسة الجبل قيمتها ~~ومثلها معها». # وفي فتاوى المسلمين: أن من منع الحق وامتنع في قصره أو في حصنه أو في ~~موضع لا يصل إليه المسلمون إلا بفساد الحيطان وهدم القصور والحصون، أن ذلك ~~سائغ لهم حتى يصلوا إليه وينفذوا فيه حق الله. PageV03P210 # وكذلك من غصب أموال الناس وضمنها داره، أن ms322 للمسلمين أن يهجموا على تلك ~~الدار، ويكسروا الأبواب ويهدموا البيوت حتى يستخرجوا أموال الناس ويدفعوها ~~لأهلا، خلافا لأبي حنيفة. # وقال في رجل غصب لآخر فرسا، فدعاه إلى القاضي، فاستمسك به إليه، فسأله ~~القاضي، وامتنع أن يدفعها لأهلها. # وقال أبو حنيفة: (أن يحكم عليه بالقيمة والفرس قائمة في داخل الدار). ~~وهذا باب فيه فساد الشريعة. # فلو أن رجلا اشتهى جارية رجل أو سفيه أو ثيابه فأدرجها في عقر بيته، أنه ~~ليس عليه إلا القيمة، فهذا بطلان البيع، وإباحة أموال الناس بغير رضاهم، ~~رأي فشل وقياس خطل وأمر نذل. # (باب) قتل الخضر عليه السلام الغلام وما فيه من فوائد # وأما قوله - عز وجل -: (فانطلقا حتى إذا لقيا غلاما فقتله. قال أقتلت ~~نفسا زكية بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا). # اعلم أن الخضر عول على ما علمه الله - عز وجل - وعلم أن الغلام سيرهق ~~الوالدين طغيانا وكفرا على ما قدما من محبتهما فيه وسوء التربية. # وأما قوله: زاكية أي نامية يدل على صغره، وأنه لم يكمل حال البلوغ. # وأما من قرأ زكية، أثبته صالحة وقد بلغت البلوغ وتجاوزته إلى الزكا ~~والصلاح، وساغ للخضر أن يقتله على الوجهين جميعا كما قدمنا في الخضر أن ~~أفعاله من قبل العلم اللدني، وفي ذلك صلاح الأبوين، أحدهما: توفير الأجر. ~~والثاني: السلامة من إرهاقه لهما إلى الطغيان والكفر، لكن موسى اعتقد أن ~~إراقة الدماء حرام ونكر ومنكر. PageV03P211 # والفرق بين النكر والمنكر: أن النكر شيء يسبق إلى النفوس إنكاره في ~~الظاهر. والمنكر: ما هو في ذاته قبيح، فلم يبصر موسى عليه السلام لشريعته ~~كل الانتصار فيثبت بذلك الخضر مسيئا، لعلمه أن علم الخضر عليه السلام من ~~علم الله يستقي، ولم ينتصر الخضر لعلمه فيحمل موسى على سبيل الجهل، لكن كل ~~واحد منهما أتى بمقتضى علمه دون حكمه. # فلهذا قال الإمام الصالح العالم جابر بن زيد - رضي الله عنه -: (لا يحل ~~للعالم أن يقول للجاهل: اعلم مثل علمي وإلا قطعت عذرك. ولا يحل للجاهل أن ~~يقول للعالم: اجهل مثل جهلي ms323 وإلا قطعت عذرك. # فإن قال العالم للجاهل: اعلم مثل علمي وإلا قطعت عذرك. قطع الله عذر ~~العالم. وإن قال الجاهل للعالم: اجهل مثل جهلي وإلا قطعت عذرك. قطع الله ~~عذر الجاهل) فانظر في هذه المسالة فإن فيها عجبا لمن ألقى السمع وهو شهيد. # ومن بعد الخضر عليه السلام، أجاز مالك استصلاح الثلثين بالثلث، والأكثر ~~بالأقل. # ويرى ذلك أن الإمام إذا استعصت عليه العامة في استصلاح أنفسهم، وغلب عليه ~~الفساد، وبلغ العامة فسادهم والضرر أقاصيهم وأدانيهم، يخرج حكم القتل على ~~الرؤوس التي قامت بها الفتنة وظهرت السنن الردية والفساد البين الواضح. # ولم يرد مالك: إن صلحت العامة واستقامت أمورهم، أن يستصلح الثلث ~~والثلثين، بل والثلثان قد انصلحا، بل فعله فيهم فساد للثلث والثلثين، ولكل ~~شيء وجه وطريقة، ولك في كتاب الله تعالى آية وموعظة في حكم المحاربين، وذلك ~~أن قطاع الطرق إذا بانوا بذلك وظهر فسادهم في الأرض، أن الحكم فيهم كما قال ~~الله - عز وجل -: (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض ~~فسادا أن يقتلوا) إلى قوله: (ولهم عذاب عظيم). PageV03P212 # وحكم المسلمون في المحاربين إذا حاربوا وسعوا في الأرض فسادا، فإذا قطعوا ~~الطريق وقتلوا واحدا من الناس من بني آدم، ولو كان حرا أو عبدا، أو مسلما ~~أو ذميما، أو رجلا أو امرأة، أنهم يقتلوا به كلهم ولو كانوا ألف رجل، أيما ~~أعظم هذه أو الثلث بالثلثين. # وإن لم يقتلوا لكنهم أخذوا الأموال وأفسدوها، ولم يأخذوا إلا ما دون ~~النصاب، فإنهم تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، ولو لم يفعل ذلك إلا الرجل من ~~العسكر فإن الحكم يجري على جميعهم في غالب الحال، استصلاحا للعامة والطريق. # ولذلك شرع الله تعالى في سارق سرق ربع دينار أن تقطع يده، وديتها خمسمائة دينار. # ويقتل الرجل الطويل في القصير، والأسود في الأبيض والأبيض في الأسود، ~~والعريق في الدعي والدعي في العريق، والرجل في المرأة والمرأة في الرجل، ~~والجماعة في الواحد والواحد في الجماعة، سنة الله التي قد خلت من قبل ولن ~~تجد ms324 لسنة الله تبديلا، والجروح قصاص، والناس متفاوتون في الجراح والأجسام. # وأما قوله: (فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما) وذلك أن ~~الله تعالى وهب لهما صبية كان من نسلها سبعون نبيا، فهذا أعظم لهم درجة في ~~الجنة حيث يتوسلون إلى الله - عز وجل - بصبيتهم من سبعين نبيا فيا لها من ~~درجة، ما أعظمها ! وما أجلها ! # ولك في هذه الصبية وهاجر سرية إبراهيم معتبر، إذ قال الله تعالى: (فأردنا ~~أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما). # أما الزكاة فإنماء ولد الإنسان من قبل بناته أكثر عددا ومددا. # وأما قوله: (وأقرب رحما) فإن بني البنات أكثر منه على الآباء من بني ~~البنين. # وأغرب من هذا أنهما خرجا من الدنيا ولم يعلما بمآلهما عند الله من ~~الفضيلة في ذلك. PageV03P213 # ويدلك على ذلك ما جرى لهاجر سرية إبراهيم عليه السلام، وذلك أن ملك مصر ~~وهبها لامرأة إبراهيم سارة، ووهبتها سارة لإبراهيم، فتسراها، وولد منها ~~إسماعيل عليه السلام، فغارت سارة، فقالت لإبراهيم: (أبعدها عني حتى لا أسمع ~~لها خبرا). # وذهب بها إبراهيم عليه السلام إلى مكة وتركها وولدها هناك، وليس لهما زاد ~~ولا طعام ولا شراب إلا شيء قليل في شن وتميرات في مزود، فلما فرغا بقيت بلا ~~لبن يرتضعه، فإذا بكى لقمته ثديها فمصه فلم يجد فيه شيئا بكى وصاح، ثم عمدت ~~إلى جبل أبي قبيس فأشرفت من أعلى جبله تتشوف هل ترى أحدا في أسفل مكة فلم ~~تر أحدا. # ثم أنها سعت تريد المروة، فقطعت الوادي سعيا حتى غاب ولدها عن بصرها، حتى ~~بلغت المروة وأشرفت من هناك تستوضح: هل ترى أحدا من أعلى مكة. # وكان ذلك دأبها سبع مرات، فجعل الله لها ذلك أجرا وذخرا موفورا وجعل ~~سعيها سنة العباد، يسعون على أثرها آلاف لا تحصى إلى يوم القيامة قريبا من ~~أربعة الآف سنة، يكتب الله تعالى لها الأجر بعدد من سعى هناك إلى يوم ~~القيامة. # وقوله تعالى: (فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا) والمفسرون يقولون: معناه ~~علمنا يريد الخضر، ms325 لأن مذهبه كله علم لدني. # وأما قوله: (فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها) إلى قوله: (لو ~~شئت لاتخذت عليه أجرا). # قيل: إن أهل هذه القرية هم أهل إنطاكية. والعجب كل العجب من أهل هذه ~~القرية، ما هذا الذنب الذي سبق لهم، ابتلاهم الله تعالى بعبدين صالحين، ~~أفضل من أهل زمانهما في الدنيا، وأفضل عند الله من كثير من الأنبياء ~~والمرسلين، فلوموا وخابوا وخسروا، فعم وشمل أهل القرية أجمعين من علم ومن ~~جهل وما ذلك إلا عقوبة لذنب سبق، وأعجب من هذا حين قص الله قصتهما على محمد ~~عليه السلام، وتلا محمد عليه السلام قصتهم على أمته، وتلت الأمة قصتهم على ~~رؤوس العالمين، ممن تحت أديم السماء من الأسلاف إلى الأخلاف إلى يوم الدين. PageV03P214 # ومن وراء ذلك، إذا جاءوا يوم القيامة رفع لهم لواء اللوم والبخل بين سائر ~~الخلق أجمعين، يراهم الخلق بين سائر العالمين. # وأما قول موسى عليه السلام: (لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين أو أمضي ~~حقبا) قال بعض المفسرين في مجمع البحرين: إنه بحر فارس وبحر الروم. # اعلم أن جزيرة العرب مربعة، وحدها من خط الجنوب من حضرموت إلى عمان، وخط ~~الشمال من مصر إلى الكوفة، ومن مصر إلى حضرموت الخط الغربي، ومن عمان إلى ~~الكوفة الخط الشرقي، والبحر الفارسي وهو بحر الزنج شرقي جزيرة العرب ما ~~بينهما وبين أرض فارس من عمان إلى الكوفة، وهذا الزقاق خرج من البحر ~~المحيط، وأما قبلي جزيرة العرب فهو البحر المحيط، ودخل أيضا زقاق آخر من ~~البحر المحيط من ناحية حضرموت إلى القلزم وأيله. # وأحاط بجزيرة العرب ثلاثة أبحر: الشرقي بحر فارس، والجنوبي البحر المحيط، ~~والغربي بحر القلزم، وبقية الدروب بين جزيرة العرب وبين الشام مكان البحر ~~فأوجبوها بحرا رابعا، وإنما أحاط البحر من ثلاثة أوجه، من الجوف الجبال. # وانقسمت جزيرة العرب نصفين: الجنوبي اليماني، والنصف الجوفي الشمالي ~~لأولاد إسماعيل عليه السلام، والخط الذي قسم الجزيرة مارا إلى ناحية المشرق ~~إلى عبادان حيز البصرة، فحيز اليمن من مكة إلى ms326 حضرموت إلى عمان إلى عبادان ~~إلى بلاد (1). وحيز أولاد إسماعيل عليه السلام: ربيعة ومضر من مكة إلى مصر ~~إلى الكوفة إلى عبادان. # وأما حيز بحر الروم فإنه خرج زقاق من البحر المحيط بالدنيا من جهة ~~المغرب، وكان في قبلة حلب والأندلس وبين بلاد المغرب، والمغرب في قبلته، ~~فصار زقاقا مقدار مسيرة شهر، حتى وصل إلى وهون (2) في الجنوب والمرية في ~~الشمال اتسع هناك وانفسح مسيرة أربعة أشهر في دورة أو خمسة أشهر، وفيه قريب ~~من مائة وخمسين جزيرة على ما ذكره المسعودي أعظمها جزيرة صقلية. PageV03P215 # وأما القرى التي تدور بهذا البحر، فأولها طنجة إلى سمندة إلى صنهاجة ~~القصر إلى سبتة إلى المدينة البيضاء إلى وهون إلى تانس إلى بونة إلى بجاية ~~إلى تونس إلى المهدية إلى سفاقس إلى قابس إلى مدينة طرابلس إلى برقة إلى ~~الكيد إلى أسكندرية إلى تنسر ودمياط والعريس إلى القرما إلى عكة وكور تحت ~~القدس إلى طرابلس الشام إلى اللاذقية إلى إنطاكية - وهي مدينة الجدار الذي ~~أصلحه الخضر - إلى الدروب إلى القسطنطينية إلى رومة إلى ترشوش إلى الجزائر ~~الثلاث منورقة ويابسة - وهذه اليابسة لأهل الدعوة اليوم خصوصا - ثم المية ~~مالقة ثم الجزيرة الخضراء ثم إلى جزيرة صبح قادس ثم إلى جبل طارق مقابل ~~طنجة في قبلته وجليقة بجانب الأندلس إلى ناحية المغرب. # وأما جزائر فرخاطية، فإنها داخلة في البحر المحيط بالدنيا وأهلها مجوس. # رسائل إخوان الصفا وهي إحدى وخمسون رسالة # وأنا أعقب لك هاهنا علوم غريبة عجيبة، وهي العلوم التي توارثها بنو آدم ~~عن أبيهم آدم عليه السلام، فانقرضت على عهد الطوفان، وتركوها في أحد ~~الهرمين اللذين بمصر، فاستخرجها الفلاسفة # وهي واحد وخمسون فنا، فتراسلها فيما بينهم البين في سائر البلدان تسمية ~~رسائل إخوان الصفا، وهي إحدى وخمسون رسالة. # الأولى: رسالة في العدد ومائيته وكميته:- # والغرض والمراد من هذه الرسالة: هو رياضة المتعلمين للفلسفة والناظرين في ~~حقائق الأشياء والباحثين عن علل منها الموجودات. PageV03P216 # وفيها بيان بأن صورة العدد في النفس، مطابقة لصور الموجودات في الهيولى، ~~وأن علم ms327 العدد هو جدار العلوم وعنصر الحكمة، كما قال الله - عز وجل -: ~~(ولتعلموا عدد السنين والحساب وكل شيء فصلناه تفصيلا). # الرسالة الثانية: رسالة الهندسة وبيان ماديتها وكمية أنواعها:- والغرض ~~منها والمقصود: تهذيب النفوس من المحسوسات إلى المعقولات، وكيفية رؤية ~~النفس الصور المجردة عن الهيولى. # وهذان العلمان: ظروف الزمان وظروف المكان، لا يصح الموجود في الخلق إلا فيهما. # الرسالة الثالثة: رسالة في النجوم: شبه المدخل في تركيب الأفلاك وصفات ~~البروج ومسير الكواكب وانقسام الدراري عليها، وأحكامها في الأنام ومسيرها ~~في الأيام والشهور والأعوام. # والغرض منها: هو تشويق النفس إلى الصعود إلى عالم الأفلاك وموضع الجنات، ~~وظهور عجائب الملك والملكوت. # الرسالة الرابعة: رسالة في الموسيقى والتبيان للنغم والألحان في النفس ~~المستمعين إليها تأثيرا كتأثير الأدوية وتأثير الترياقات في الأجسام ~~الحيوانية، وأن لحركات الأفلاك في دورانها واحتكاك بعضها ببعض نغمات ~~وألحانا لذيذة كحركات أوتار القيان والمزامير. # والغرض من هذا كله: تشويق النفس الناطقة الإنسانية والملائكة إلى الصعود ~~إلى هنالك بعد مفارقتها الجسد الذي يسمى الموت، لأن هناك يعرج بأرواح ~~النبيين والصديقين والصالحين المحققين والمستبصرين، كما بينا في رسالة ~~القيامة والبعث والمعراج. PageV03P217 # الرسالة الخامسة: في الجغرافيا يعني صورة الأرض والأقاليم، والبيان بأن ~~الأرض كروية الشكل بجميع ما عليها من الجبال والبحار والبراري والأنهار ~~والمدن والقرى، وكيفية تخطيطها ومسالكها وممالكها. والغرض منها: هو التنبيه ~~على علة ورود النفس إلى هذا العالم، والحض على التفكير في هذه الآيات ~~اللاتي في الآفاق لأنفس الغافلين عنها حتى يتبين لهم الحق، ويستعدوا للرحيل ~~والتزود إلى دار الآخرة قبل الممات وفناء العمر وتقارب الأجل وقبل الفوت ~~والندامة. # الرسالة السادسة: رسالة في النسب العددية والهندسية والتأليفية وترتيبها: # والغرض منها: هو التهذيب للنفوس والعقل إلى أسرار العلوم وخفاياها وبواطن ~~الحكم ومعانيها، وعلى أن الموجودات المختلفة القوى المتنافرة الطباع إذا ~~جمع بينها على النسبة اتفقت ولم تتنافر، ومعرفة كمية ذلك الحذق بالصنائع كلها. # الرسالة السابعة: رسالة في الصنائع العلمية: والغرض منها: هو تعديد أجناس ~~العلوم والحكم، وبيان أغراضها وحقائقها، والتهدي لطالب العلوم والحكم كيف ~~الطرق ms328 إليها. # الرسالة الثامنة: رسالة في الصنائع العقلية: وغرضها: تعديد أجناس الصنائع ~~والحرف. # والغرض منها: هو تنبيه نفوس الغافلين على معرفة جواهرها التي هي آلات ~~لنفوسهم وأدوات لها. # الرسالة التاسعة: في بيان اختلاف الأخلاق: والغرض منها: تهذيب النفوس ~~وصلاح الأخلاق، ولتحسن أخلاقهم لمجاورة الرحمن في رياض الجنان. # الرسالة العاشرة: رسالة إيساغوجي: - وهي الألفاظ الستة، أظنها الستة التي ~~تستعملها الفلاسفة في المنطق في أقوالها ومخاطباتها وكتبها. والغرض منها: ~~هو الفرق بين النطق اللغوي والنطق الفلسفي، وما حقيقة كل واحد منهما. PageV03P218 # الرسالة الحادية عشرة: رسالة في قطاغورباس: - وهو البيان في المقولات ~~العشر ألفا التي كل منها اسم لجنس من الموجودات كلها، قد اجتمعت في هذه ~~المقولات العشر التي يسمى كل جنس منها جنسا، والأجناس داخلة فيها، وكيف ~~تتغير الأجناس إلى الأنواع، والأنواع إلى الأشخاص، وأنها بساتين العلم ~~وفواكه النفوس ونزهة الأرواح. # الرسالة الثانية عشرة: في معاني ناراي رميناس وأنواوطيقي: - # والغرض منها: هو بيان كمية القياس الذي يستعمله الحكماء والمتكلمون في ~~احتجاجاتهم، والدعاوي والبيانات والمناظرات في الآراء والمذاهب، وأنه ~~الميزان الذي وضعت الفلاسفة ويعرف الصدق من الكذب، والخطأ من الصواب، والحق ~~من الباطل، والخير من الشر، ومن أين يكون وكيف يكون؟ # الرسالة الثالثة عشرة: في معق أقودقطيقي: والغرض منها: هو البيان والكشف ~~عن كمية القياس الصحيح الذي لا خطأ فيه ولا زلل وهو المسمى البرهان، وهو ~~ميزان الحكماء الذي يعرفون به وجه الصواب من الخطأ، والحق من الباطل. # ومن الرسائل الجسمانية تسع عشرة رسالة: # الأولى منها: رسالة الهيولى ومائيتها، والزمان والمكان والحركة، واختلاف ~~أقاويل الحكماء في حقائقها وكيفياتها. # والغرض منها: تعريف مائية وحقيقة، وما يختص به من الأعراض الزائلة ~~والملازمة والمصورة والمقومة والمتممة. ولقب هذه الرسالة: منع الكيان. # الرسالة الثانية: في السماء والعالم، وبيان أطباق السموات، وكيف تركيب ~~الأفلاك، وما هو العرش العظيم، وما هو الكرسي الواسع. # والغرض منها: هو تبين تحريك الأفلاك، وتسييرات الكواكب، فإن المحرك هو ~~النفس الكلية بإذن باريها. # الرسالة الثالثة: رسالة في الكون والفساد: - PageV03P219 والغرض منها: هو ~~البيان عن مائية ms329 الصور المقومة لكل واحد منه من الأركان الأربعة التي هي ~~النار والهواء والماء والأرض، فإنما هي الأمهات الكائنة مها المعادن ~~والنبات والحيوان، وكيف استحال بعضها إلى بعض بدوران الفلك حولها ومطارح ~~شعاعات الكواكب عليها، وإنما الطبيعة الفاعلة التي هي قوة من قوى النفس ~~الكلية الفلكية. # الرسالة الرابعة: رسالة في الآثار العلوية:- # والغرض منها: هو البيان عن كيفية حوادث الجو وتغيرات الهواء، من النار ~~والظلمة والحر والبرد، وتصاريف الرياح من البخارات والدخان الصاعدة في ~~الهواء من البحار والأنهار، وما يكون منها من الغيوم والضباب والظل ~~والأنداء والأمطار والرعود والبروق والثلوج والبرد والهالات وقوس قزح ~~والشهب وذوات الأذناب وما يشاكلها. # الرسالة الخامسة: رسالة في كيفية تكوين المعادن، وكهيئة الجواهر ~~المعدنية، وعلة اختلاف جواهرها، وكيفية تكوينها في باطن الأرض. # والغرض منها: هو البيان بأنها أول المفعولات التي تحت الفلك - فلك القمر ~~- التي هي قوة من وقى النفس الفلكية، ومن هذه القوة تبتدئ النفوس الجزئية ~~بالترقي من أسفل السافلين إلى أعلى عليين 0 أعلى الأفلاك - وهذا أول صراط ~~تجوز عليه الأنفس الجزئية، ثم النباتات ثم الحيوانات ثم الإنسان ثم الدخول ~~في زمر الملائكة سكان الأفلاك والملأ الأعلى الذين هم أهل السموات. # الرسالة السادسة: رسالة في مائية الطبيعة، وكيف أفعالها في الأرض الأربعة ~~ومولداتها التي هي الحيوان والنبات والمعادن. # والغرض منها: هو تنبيه الغافلين عن أفعال النفس ومائية جوهرها، والبيان ~~عن أجناس الملائكة التي تسميها الفلاسفة: روحانية الكواكب. # الرسالة السابعة: رسالة في أجناس النبات وأنواعه وكيفية سريان قوى النفس ~~النباتية فيه. PageV03P220 # والغرض منها: تقدير أجناس النبات وتكوينه وإنشائه، وأسباب اختلاف أنواعه ~~من الأشكال والألون والطعوم والروائح في أوراقها وأزهارها وثمارها وحبوبها ~~وبذورها واصماغها ولحائها وعروقها وقضبانها وأصولها من المنافع. # وأن أول مرتبة النبات متصل بآخر المعادن، وآخر مرتبة النبات متصل بأول ~~مرتبة الحيوان. # الرسالة الثامنة: رسالة في أصناف الحيوان وعجائب هياكلها وغرائب أحوالها. # والغرض منها: هو البيان عن أجناس الحيوانات وكمية أنواعها، واختلاف صورها ~~وطبائعها، وكيفية تكوينها ونتاجها، وتوالدها، وربيتها لأولادها. # وإن أول مرتبة الحيوان متصل ms330 بآخر مرتبة النبات، وآخرها متصل بمرتبة ~~الإنسان. # وآخر مراتب الإنسان متصل بأول مراتب الملائكة الذين هم سكان الهواء ~~والأفلاك وأطباق السموات. # وإن نفوس بعض الحيوانات ملائكة ساجدة للنفس الإنسانية التي هي خليفة الله ~~في أرضه، ونفوس بعض الحيوان شياطين عصاة معلقة في جهنم عالم الكون والفساد. # وإن الإنسان إذا كان خيرا فاضلا فهو ملك كريم خير البرية، وإن كان شريرا ~~فهو شيطان رجيم شر البرية. # الرسالة التاسعة: رسالة في تركيب الجسد، والبيان بأن الإنسان هو عالم ~~صغير، وأن بنية هيكله تشبه مدينة فاضلة، وأن نفسه تشبه ملكا في تلك ~~المدينة. # والغرض منها: هو معرفة الإنسان جسده، وأن بنية جسد الإنسان مختصرة من ~~العالم الذي في اللوح المحفوظ، وأنه الصراط الممدود بين الجنة والنار، وأنه ~~الميزان القسط الذي وضعه الله بينه وبين خلقه، وهو الكتاب الذي كتب بيده. # وأن النفس الإنسانية خليفة الله تعالى في أرضه، وأن الإنسان إذا عرف نفسه ~~عرف ربه و أمكنه الوصول إليه والزلفى لديه. # الرسالة العاشرة: رسالة في الحواس والمحسوس: PageV03P221 # والغرض منها: هو البيان عن كيفية إدراك الحواس محسوساتها، واتصالها إلى ~~القوة الخيالية التي مجراها مقدم الدماغ، لتوصلها إلى القوة المفكرة ~~الحافظة التي مجراها مؤخر الدماغ لتمسكها وتحفظها إلى وقت حاجة التذكار، ثم ~~تردها إلى القوة الناطقة التي مجراها اللسان، ليفرع بالألفاظ الدالة ~~للمخاطبين على المعاني التي تخرج من النفس والقوة الصانعة التي مجراها ~~اليدان لتخط بالأقلام في وجوه الألواح وبطون الطوامير بتلك الألفاظ لتلقي ~~العلوم بمعانيها من الأولين إلى الآخرين، وخطابا من الحاضرين للغائبين إلى ~~يوم يبعثون. # الرسالة الحادية عشرة: رسالة في مسقط النطفة، وكيفية رياض النفوس عند ~~تقلب حالاتها شهرا بعد شهر، وتأثيرات الكواكب في أحكام بنية الجسد من ~~المزاج والتركيب أربعة أشهر قدر مسير الشمس ثلث الفلك، واستيفائها طبائع ~~البروج من النارية والترابية والهوائية والمائية، ثم كيفية تأثيرها، ~~وأفعالها في أحكام أمر النفس أربعة، وما يتطلع فيها من سن التهيؤ لقبول ~~الأخلاق والأعمال والعلوم والآداب والآراء في مستقبل العمر بعد الولادة في ~~الشهر ms331 التاسع، ودخول الشمس في البيت التاسع من موضعها يوم سقوط النطفة. # والغرض منها: هو الإخبار عن حال النفس البسيطة قبل تشخيصها واتصالها ~~بالأجسام الجزئية، فإن المكث في الرحم هذه المدة إنما هو تتميم البقية، ~~وتكميل الصورة، ورباط النفس بالهيكل، وتمكنها من الحبلة. # الرسالة الثانية عشرة: رسالة في معنى قول الحكماء: إن الإنسان عالم صغير ~~هيكله مماثلة لصورة الكبير الجسماني، وأحوال نفسه وسريان قواه فيها مماثلة ~~بأحوال الخلائق الروحانيين من الملائكة والجن والإنس وأرواح الحيوانات ~~أجمعين فإن الإنسان مختصر من العالمين الروحاني والجسماني جميعا. # والغرض منها: هو أن يعرف الإنسان حقيقته، لأنه مجموع فيه معاني الموجودات ~~كلها فينتبه ويدري ما الصواب ليقصد نحوه يطلبه، والله يهدي من يشاء إلى ~~صراط مستقيم. PageV03P222 # الرسالة الثالثة عشرة: رسالة في بيان طلعة الإنسان في المعارف، إلى أي حد ~~هو مبلغه في العلوم، إلى غاية ينتهي منتهاه. # والغرض منها: هو التنبيه على معرفة باريها وقصده نحوه ولقائه. # الرسالة الخامسة عشرة (1): رسالة في مادية حكمة الموت، وما الحكمة في ~~وجودها في عالم الكون والفساد. # والغرض منها: هو البيان من علة رباط النفس الناطقة بالأجساد البشرية إلى ~~وقت الاستانة بالموت، ببقائها بعد الموت الذي هو مفارقة الجسد. # الرسالة السادسة عشرة: رسالة في مادية الملذات والآلام الجسمانية ~~والروحانية، وعلة كراهية الحيوان الموت، وكيف الألم واللذات، التي تتناول ~~الأنفس مع الأجسام، وتتناول بمجردها إذا فارقت الجسد، وكيف تنفرد بذاتها ~~بدونه، وكيف تكون لذات أهل الجنان، وألم أهل النيران. # والغرض منها: هو التنبيه أن عذاب جهنم مع الشياطين، وأن يعلم أن أهل ~~الجنة تكون مع الملائكة، وأن جهنم في عالم الكون والفساد، وأن الجنة في ~~عالم الأفلاك وسعة السموات. # الرسالة السابعة عشرة: رسالة في علل اختلاف اللغات، وما الغرض منها (2). # ومن الرسائل النفسانية العقلية عشر رسائل: # الأولى: رسالة في المبادئ على رأي فيثاغورس. # والغرض منها: هو البيان عن الباري سبحانه لما أبدع الموجودات واخترع ~~المخلوقات، ورتبها ونظمها كمراتب الأعداد والمفردات عن الواحد الذي قبل ~~الاثنين منهما على عدد مخصوص مطابق لبعض، ms332 إذ كان ذلك أحكم وأبين. # الرسالة الثانية: رسالة في المبادئ العقلية على رأي إخوان الصفا. PageV03P223 # والغرض منها: هو الإخبار عن معنى حدوث العالم، وأسباب الكائنات، ومعنى ~~الجزئيات، على ترتيب الباري سبحانه الذي رتبه كترتيب العدد من الواحد الذي ~~قبل الاثنين. # الرسالة الثالثة: رسالة في معنى قول الحكماء: إن الإنسان عالم كبير ذو ~~نفس وروح، إلى عالم شرائع ربه الذي خلقه الباري سبحانه - جل ثناؤه - يوم ~~خلقه تاما كاملا، وأن كل الخلائق داخل فيه هو جملتهم، وليس خارج العالم شيء ~~آخر، بل كل في فلك يسبحون. # الرسالة الرابعة: رسالة في العقل والمعقولات. # والغرض منها: هو تعريف جوهر النفس على عالم بحقيقتها، وكيف اجتماع صور ~~المعلومات في العقل المنفعل. # الرسالة الخامسة: رسالة في الأدوار والأكوار. # الغرض منها: البيان عن كيفية حدوث العالم ومبدئه، وكيفية خرابه وفنائه. # الرسالة السادسة: رسالة في مائية العشق ومحبة النفوس، والعرض الأصلي وما ~~حقيقته، ومن أين مبدؤه. # والغرض منها: هو البيان بأن المعشوق بالحقيقة هو الله - عز وجل - وأن ~~الخلائق كلهم مشتاقون إليه. # الرسالة السابعة: رسالة في مائية البعث والقيامة، وكيفية المعراج، وعلم ~~ذلك هو الغرض الأقصى من رسائله كلها وإليه المنتهى والغاية القصوى كلها، ~~وإليه أشار في قوله تعالى: (تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره ~~خمسين ألف سنة). # الرسالة الثامنة: رسالة في كمية أجناس الحركات، وكيفية اختلافها ومبادئها ~~وغايتها، وما الغرض المقصود منها. # والغرض منها: هو البيان عن كيفية وجود العالم عن الباري سبحانه، وكيف ~~يكون سيران العالم بأثره. # الرسالة التاسعة: رسالة في العلل والمعلولات، وكيف يحكي أواخرها أوائلها. # والغرض المقصود منها: هو حقائق أصول العالم وفوائده. # الرسالة العاشرة: رسالة في الحدود والرسوم. # والغرض منها: هو معرفة حقائق الأشياء المركبة والبسيطة جميعا. # ومن الرسائل الناموسية الإلهية إحدى عشرة رسالة:- PageV03P224 الأولى ~~منها: رسالة في الآراء والمذاهب وما أدى إليه اجتهادهم، والديانات الشرعية ~~والناموسية والفلسفية، وبيان اختلاف العلماء في فنون أقاويلهم، وما أدى ~~إليه اجتهادهم من الكشف والبحث عن الحقائق والصواب، وكم من تلك المقالات ~~وما الإشارات فيها، ms333 والعلل التي كان من أجلها اختلافهم، ومن المحق ومن ~~المبطل. # والغرض من ذلك: هو البيان بأن المذاهب والديانات كلها وضعت لطلب نجاة ~~النفوس ووصف الآخرة، وكيف النجاة من جهنم عالم الكون والفساد، وسعة ~~السموات، وأن أ:ثر أهل الديانات قد انحرفوا عن طريق النجاة والرشاد فضلوا ~~وأضلوا. # الرسالة الثانية: في مائية الطريق إلى الله - عز وجل - وكيفية النهوض إليه. # والغرض منها: هو الحض على تهذيب النفوس وإصلاح الأخلاق، وتنبيه النفوس ~~الساهية عما بعد الموت في الميعاد من أحوال يوم القيامة والبعث والنشر ~~والحساب والميزان والصراط والجواز على جهنم، وما حقيقة معانيها. # الرسالة الثالثة: في اعتقاد إخوان الصفا، ومذاهب الصفا ومذاهب الربانيين. # والغرض منها: هو وضوح الحجة على بقاء النفس بعد مفارقتها الجسد الذي يسمى ~~الموت بطريق إقناعي لا برهاني. # الرسالة الرابعة: في كيفية عشرة إخوان الصفا، وتعاون بعضهم لبعض بصدق ~~المودة والشفقة والتحنن والرحمة. # والغرض منها: تأليف القلوب، والتعاضد في الدين والدنيا جميعا. # الرسالة الخامسة: رسالة في مائية الإيمان وخصال المؤمنين المحققين. # والغرض منها: معرفة الإلهام وما الوسوسة، إذ كان هذا الباب علما غامضا ~~وسرا خفيا. # الرسالة السادسة: رسالة في مائية الناموس الإلهي، وشروط النبوة، وكمية ~~خصالهم ومذهب الربانيين. # والغرض منها: هو التنبيه على أسرار الكتب النبوية ومرامي رموزاتهم ~~الموضوعة الناموسية والتهدي إليها، وكيفية الكشف لها من الإمام المنتظر. PageV03P225 # الرسالة السابعة: رسالة في كيفية الدعوة إلى الله - عز وجل - وإلى صفوة ~~الآخرة، وصدق المودة، وخطاب دعوة المدعوين إلى ذلك. # والغرض منها: هو البيان بيان دولة أهل الخير يبتدئ أولها من قوم أخيار ~~فضلاء يجتمعون على رأي واحد ومذهب واحد من غير تخاذل ولا تقاعد. # الرسالة الثامنة: رسالة في كيفية أفعال الروحانيين. # والغرض منها: هو البيان أن في العالم فاعلين غير جسمانيين. # الرسالة التاسعة: منها كمية أنواع السياسات وكيفيتها، ومراتب المسوسين، ~~وصفات المدبرين لها في العالم. # والغرض منها: البيان بأن مدبر الجميع واحد وسائس الكل هو الله تعالى، وإن ~~من كان أحسن سياسة وأحسن تدبيرا كان عند الله أعظم منزلة وأقرب قربة. ms334 # الرسالة العاشرة: رسالة في كيفية تصور العالم بأسره في مراتب الموجودات ~~ونظام الكائنات، وأن آخرها منعطف على أولها من أعلى الفلك إلى منتهى مركز ~~الأرض، وأنها كلها عالم واحد كمدينة واحدة أو كحيوان واحد. # الرسالة الحادية عشرة: في مائية السحر والعزائم والعين والرقا، وكيفية ~~أعمال المطلسمين، وما عمار الأرض، وما الجن، وما الشياطين، وما الملائكة، ~~وما أفعالهم، وكيف تأثير بعضهم في بعض. # والغرض منها: هو البيان بأن في العالم فاعلين غير مرئيين ولا محسوسين ~~يسمون روحانيين. # اعلم - أيدك الله وإيانا بروح منه - بأن مثل صاحب هذه الرسائل مع طلاب ~~العلم مثل رجل حكيم غني جواد كريم سخي، له بستان فيه من الثمار والفواكه ~~رطب ويابس، ينادي في الناس أن هلموا وادخلوا هذا البستان، وكلوا ما شئتم من ~~كل الثمرات، ولم يجبه أحد ولا صدقوا قوله، فرأى من الرأي الحكيم أن وقف على ~~باب بستان، فكل من مر به شهاه إلى ما في بستانه، وأطعمه من ما يشتهيه، إلى ~~أن علم علما يقينا أنه قد وقف على جميع ما في بستانه، ثم قال لمن صدقه ممن ~~مر به: ادخل البستان وكل مما تشتهيه. PageV03P226 # وكذلك لمن حصلت عنده المسائل ألا يعرضها إلا على كون طالب العلم محب ~~الحكمة، فإذا وجد من يسترشده دفع إلى كل واحد ما يقرب من فهمه، أولا فأولا ~~على الترتيب المبين واحدا بعد واحد، حتى إذا أمكنت الحكمة في نفسه وطلب عند ~~ذلك الأكل بحرص ورغبة، وعمل لها في الأولى كما رتب في الفهرست، فيكون له في ~~ذلك عند الله الثواب الجزيل والجزاء الجميل إن شاء الله. # ......... في تهذيب النفس وإصلاح الأخلاق المبلغة إلى السعادة الدائمة ~~الأبدية من العالم الخبير الفاضل، الزكي العارف، البهي المستبصر النبيل، ~~الفارسي النسبة، العربي الدين، الحنفي المذهب، العراقي الأدب، العراباني ~~الحر، الخبيري المنهاج، الشامي النسك، اليوناني العلوم، الهندي البصيرة، ~~الصوفي الإشارة، النقي، الخير الأخلاق، الرباني الرأي، الإلهي المعارف، بقوله: # الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين، وصلى الله على سيدنا محمد خاتم ~~النبيين، وإمام ms335 المرسلين، وعلى آله الطيبين. # ذكر الخلاف في وحي أم موسى عليه السلام # فصل (1) # وأما قولك في قول الله - عز وجل - في أم موسى: (وأوحينا إلى أم موسى). # اعلم أم الوحي في لغة العرب: هو أمر تنهيه عن الناس إلى من تريد خصوصا، ~~وهو على ثلاثة أوجه: # وحي الأنبياء إعلام، وفي الحيوان إلهام، وفي الموتان وسائر الجمادات ~~إطلاق وإذن. # وأما وحي الأنبياء فمعروف: وهو مخالطة الملائكة لهم خصوصا وسرا عن الناس. ~~قال الله تعالى لمحمد عليه السلام: (إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح ~~والنبيين من بعده) في أمثالها. # وهو مخاطبة الأنبياء بأوامر الله - عز وجل - ونواهيه وأخباره وأموره ~~وإعلامه وأحكامه، ويكون الوحي مخاطبة من غير مشافهة. # وسئل رسول الله (صلى الله عليه وسلم): (كيف يأتيك الوحي يا رسول الله ؟) # قال: «أحيانا يأتيني كصلصلة الجرس وهو أشده علي، فيفصم عني وقد وعيت ما ~~قال، وأحيانا يمثل لي الملك رجلا، فيكلمني فأعي ما يقول». PageV03P227 # قالت عائشة - رضي الله عنها -: (كان الوحي ينزل على رسول الله (صلى الله ~~عليه وسلم) في اليوم الشاتي، فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقا). # والوجه الثاني من الوحي: هو الإلهام في سائر الجن والأنس والأنبياء ~~والأغبياء والأطفال والرجال، وهو الإلهام الذي أراده الله - عز وجل - بقوله ~~وأقسم عليه بسبعة أقسام، وهو وقوله: (والشمس وضحاها * والقمر إذا تلاها * ~~والنهار إذا جلاها * والليل إذا يغشاها * والسماء وما بناها * والأرض وما ~~طحاها * ونفس وما سواها * فألهمها فجورها وتقواها). وهو المعنى الذي قسمه ~~الله - عز وجل - بين سائر الحيوانات، فأوحى إلى النمل فألهمها مصالحها ~~ومعاشها وتربية أولادها، ومن وراء النطق في خصل عندها، ما حكاه الله - عز ~~وجل - عن النمل والهدهد، فالنطق بحر عظيم، ومن وراء النطق بحر أعظم من ~~النطق وهو بحر المعاني. # وإنما خلق النطق في الألسن لخدمة القلوب في توصيل المعاني إليها، وغير ~~مستنكر أن تكون للأنعام مناطق يفهمونها فيما بينهم البين. # وكذلك سائر الطير والوحش والهوام والحشرات. # ولو أخذنا في شرح ذلك لطال الكتاب وظهر لك العجب العجاب. ms336 # ولك في صنفين ذكرهما الله - عز وجل - ومحاورة ما بينهما وبين وليه سليمان ~~عليه السلام، قصد إلى الهدهد من الطير، وإلى النمل من الحشرات، فجرى بينهما ~~من الكلام ما يعجز عنه كثير من العقلاء في الفصاحة وجل من المعاني ~~والرجاحة. # وقد تقدم القول في أطفالنا، وكيف اندرج الإيمان في قلوبهم وحيا من الله - ~~عز وجل - وإلهاما. # ولك في حديث داود عليه السلام آية وأعجوبة:- PageV03P228 وذلك أن رجلا ~~كان في زمان داود عليه السلام، قعد مع امرأة على سطح دارهما، وبين أيديهما ~~طفل صغير يلعب ويحبوا بين أيديهما، وفي ستر السطح كوة نافذة إلى الزقاق، ~~فأغفلا عنه حتى حبا ودخل الكوة، فقاما إليه، فلما دنوا منه لينجياه تنحى ~~عنهما وهم أن يقع من الكوة إلى الزقاق، فإن تنحيا منه قرب منهما، فما زال ~~بهما الأمر وهما يبكيان، حتى ذكروا داود عليه السلام فوجها إليه رسولا، ~~فجاء داود عليه السلام فرآه بتلك الحالة، فقال لهما: «ائتياني بربه من ~~الأطفال» فأتياه بطفل صغير من أترابة، فأمر داود عليه السلام أبويه أن ~~يتنحيا عنه، فتنحيا، فقدم إليه الطفل، فلما أبصره نغم إليه الطفل، ونغم ~~إليه الآخر، ونغم إليه الأول ثانية، ونغم له الآخر، فخرج له الطفل، فقال ~~لهما داود عليه السلام: «أتدريان محاورة ما بينهما ؟» # قالا: (لا). # قال داود عليه السلام: «نغم إليه الطفل أولا فقال له: (أخرج يا أخي من ~~تلك الكوة لئلا تقع إلى الزقاق). # فقال له الآخر: (دعني يا أخي أقع، فأموت أحب إلي من أن أعيش فأدخل ~~النار). # قال له الآخر: (بل يا أخي تعيش حتى تكبر، فتعمل بطاعة الله فتدخل الجنة). # فقال الآخر: (فنعم إذا) فخرج وخلص ولم يمت. # ولك في حديث عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - عجب:- # وذلك أن عمر بن الخطاب صعد المنبر في يوم الجمعة ليخطب، فحمد الله وأثنى ~~عليه، وقطع كلامه ونادى بأعلى صوته فقال: (يا سارية الجبل، ظلم من استرعى ~~الذئب الغنم) فلما أتم صلاته ودخل داره، دخل عليه عبد الرحمن بن عوف وقال: ~~(يا ms337 أمير المؤمنين، اليوم صرت كالأعرابي حين صحت فوق المنبر). PageV03P229 # فقال له عمر: (قد سنح في خاطري أن السرية التي عليها سارية التقوا مع ~~عدوهم، ومن وراء الجبل عسكر عظيم لم يعرفوا به، فصحت وقلت: عسى ولي من ~~أولياء الله يمد صوتي فيسمعهم به). فهم كذلك إذ رجعت السرية فقالوا: (لولا ~~ما سمعنا كلام عمر لهلكنا نحن في نحر العدو، ومن وراء الجبل كمين لهم في ~~سبعين ألفا، فلما سمعنا كلام عمر قصدنا نحو الجبل فصعدنا إليه ونجونا بحمد الله). # وقد صرح الله تعالى بالوحي في النحل فقال: (وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي ~~من الجبال بيوتا) وفي صنائعها لأجياحها من الدوائر المسدسة لبيوت العسل، ~~ومن وراء ذلك طاعتها لأمرائها، وحسن تدبيرها في معاشها، واجتماع الكلمة، ~~واختيارها مواضع اليمن. # ولنرجع إلى وحي الله - عز وجل - إلى الموتان: وفي الموتان عجب عجيب، كما ~~قال الحسن البصري: (إن في الموتان لعجبا). قال الله - عز وجل -: (إذا زلزلت ~~الأرض زلزالها * وأخرجت الأرض أثقالها * وقال الإنسان مالها * يومئذ تحدث ~~أخبارها * بأن ربك أوحى لها). # فإن قال قائل: إنما تكلم بلسان الحال لا بلسان المقال. # قيل: إن كان الله لا يقدر أن يقدرها على الكلام، فأنت أقصر وأقصر، وإن ~~كان يقدر على الجميع فما يمنعه ما قال ؟ ولك في العظم المسموع عبرة، وذلك ~~أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لما فتح خيبر، أهدت إليه اليهودية شاة ~~مصلية، وقد كانت سألت: (أي اللحمان أحب إليه ؟) # فقيل لها: (لحم الذراع، ذراع الشاة) فسمتها وأكثرت في الذراع السم، ~~فتناوله رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فأخذه وعض منه ولم يسغها فلفظها، ~~وقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «إن هذا الذراع يقول: إني مسموم» ~~فلفظ من فيه البضعة، وأكل معه فيها بشر بن البراء بن معرور فمات بالسم. PageV03P230 # فسأل رسول الله عليه السلام اليهودية فقال: «ما حملك على هذا ؟» فقالت: ~~(إني كنت قلت: إن كنت رسول الله فسيخبرك الله - عز وجل - وإن كنت جبارا ~~أرحت الناس منك) فلما ms338 كان عند النزع قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): ~~«ما زالت أكلة خيبر تعاديني. فهذا أوان قطع أبهري». # وأما بشر بن البراء بن معرور الذي أكل معه مات مكانه. # وفي بعض الأخبار: أن البقاع إذا أصبحت تنادي بعضها بعضا فيقلن: هل مر بكن ~~ذاكر الله تعالى ؟ هل صلى عليكن مصل ؟ # فإذا قالت بقعة منهن: قد مر بي اليوم مسلم فصلى ركعتين. فيقلن: سقيا لك. ~~فيغبطنها طول ذلك اليوم. # وفي الأخبار: أن الفاجر إذا مشى على وجه الأرض قالت: أنت تمشي على ظهري ~~وغدا تصير في بطني. وقول القبر: أنا بيت الظلمة، أنا بيت الوحشة، أنا بيت الدود. # فإن قال قائل: إن هذه الأمور كلها أمثال ليست بحقيقة. # قلنا له: إن قضيت على الله - عز وجل - بالعجز عما ذكرنا، انصرفنا إلى ما ~~قلت، وإلا فما ندع الظاهر للباطن، قال الله تعالى: (وإن من شيء إلا يسبح ~~بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحه أنه كان حليما) على المتقين إلى أمد (غفروا) ~~لمن نفى العجز عن ربه وعزاه إلى نفسه. # وأنا أحدثك بحديث غريب عجيب، شاهدته ورأيته، وسمعته بأذني، وعاينته ~~بعيني، في جماعة من المسافرين من بني وارجلان، وقصته: جبل كان كاتم وبين ~~أولاد كوار منتصف في دهسم من الأرض، ونحن في قافلة زهاء ثلاثمائة رأس من ~~الرقيق ينقص قليلا، فانتهينا إلى الجبل، وتقدمت خادم من خدامنا عوان إلى ~~الكبر، فإذا هي تخاطب الجبل، فأخذت خادما واحدة، فقالت بلسانها ولغتها: (يا ~~جبل أخبرنا هل هذه الخادم ترجع إلى بلدها ووطنها ؟ أم تتلف فلا تعود إلى ~~بلدها ووطنها أبدا ؟) # فرد لها الجواب الجبل، ونحن نسمع الصوت ولا نفهم معناه وقد قرع أسماعنا بصداه. PageV03P231 # فإن كان جواب الجبل أنها تتلف ولا ترجع وطنها أبدا، ردتها الخادم الكبيرة ~~وراء ظهرها، وأخذت بيد خادم أخرى، وخاطبت الجبل كأول مرة فيرد لها الجبل ~~الجواب كأول مرة، فتردها وراء ظهرها كما فعلت بالأولى، فما زالت تفعل بهن ~~هكذا خادما بعد خادم إلى آخرهن خادما، فخاطبت الجبل فرد لها، فرأينا ms339 الخدم ~~أجمعين قد جرين لها وطفقن يقبلنها ويعانقنها ويمسحن عليها، فسألناهن فقلنا ~~لهن: (ما بال هذه الخادم بين سائر الخدم ؟) # قلن: (إن هذا الجبل يقول: إنها سترجع إلى بلدها ولا تتلف أبدا). # والعجب كل العجب أن الرقيق كلهن يعرفن خطاب الجبل، لما تكلم بادرن ~~بأجمعهن إلى الخادم يهنئنها ويقبلنها. # فما زالت الأيام والليالي حتى وصلت إلى بلاد الإسلام إلى وارجلان، فولدت ~~من سيدها غلاما فربته، وكبر الغلام حتى صار رجلا من الرجال، فسافر إلى ~~غانة، ورجع وسافر، ثم أنه مات فقالت لسيدها: (إن ابني قد مات، وأنت ليست لك ~~بي حاجة، فدعني أذهب إلى أهلي ووطني وبلادي). فإذن لها ومرت وغابت عنا، حتى ~~أتانا كتابها من مقر أول حريم بلادها. # فإن قال قائل: فما معنى وحي الله - عز وجل - إلى أم موسى، أهو وحي إلهام ~~أم وحي نبوة ؟ # قلنا: قد اختلف العلماء في وحيها. # قال بعضهم: وحي إلهام ألقاه الله تعالى في نفسها. # وقال بعضهم: إنه وحي على الحقيقة من جبريل عليه السلام وليس بنبوة كما ~~جرى لمريم أم عيسى مع جبريل عليه السلام. # وبعضهم يقول: إنه النبوة، وأن الله تعالى نبأ أربع نبيات. منهن: أم موسى ~~عليه السلام، ومريم أم عيسى، وحنة، ومنة، وليس في قولهم ما يحيله العقل، ~~ولا جاءت به الرسل. PageV03P232 # فإن قال قائل: أليس الله - عز وجل - يقول: (وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا ~~نوحي إليهم من أهل القرى) ؟ قيل له: إن الله - عز وجل - قيد الرسالة ~~بالرجال، وليس فيه دلالة أن النبوة مقيدة بالرجال وقد قال: (من أهل القرى) ~~ونرى يعقوب وبنيه كلهم أنبياء وقد أتوا من البادية، قال الله - عز وجل -: ~~(وجاء بكم من البدو) وعن يوسف عليه السلام: (أن نزغ الشيطان بيني وبين ~~إخوتي) فرجعوا من البادية إلى مصر. # فإن قال قائل: إنما أراد أنهم رجعوا من البدو يعني بالبدو القرية. # قيل له: هذا تعسف، ولو كان لظهر ولا خفى عن أحد. # ذكر المسلمات المذكورات في كتاب الله وهن عشرة # * فصل (1) * # اعلم أن ms340 المسلمات المذكورات في كتاب الله - عز وجل - عشر، أعني القرآن، ~~أولاهن حواء - رضي الله عنها - فإنها مؤمنة عند الله تعالى بدليل قوله حين ~~نهاهما عن الأكل من الشجرة فأكلا منها: (ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل ~~لكما أن الشيطان لكما عدو مبين، قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا ~~وترحمنا لنكونن من الخاسرين) وحكى الرب عنهما التوبة ولم يعقب. # فإن قال قائل: إنما تاب على آدم عليه السلام، حيث يقول: (وعصى آدم ربه ~~فغوى ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى). # فمن هاهنا علمنا أن آدم عليه السلام، منصوص عليه بالتوبة والغفران، وأمنا ~~حواء منصوصة توبتها، وأما عفو الله عنهما فمستخرج من كتاب الله - عز وجل - ~~حين لم يأت عن الله تعالى ما يرد توبتهما، والخطاب للأفضل حين قرنهما ~~بالتوبة وخص الأفضل بالقبول والمفضول تابع للأفضل وهو الأليق بكرم الله - ~~عز وجل - ورأفته ورحمته وحسن الثناء عليه، إلا إن عقب بخلاف ذلك ولم يعقب ~~والحمد لله رب العالمين. PageV03P233 # والثانية: امرأة إبراهيم الخليل عليه السلام وهي سارة - رضي الله عنها - ~~فإنها مؤمنة أيضا بدليل قول الملائكة عليهم السلام: (رحمة الله وبركاته ~~عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد) فأثبتها من أهل بيت النبوة ولم يأت ما ينسخ ذلك. # فإن قال قائل: هذه التحية ليس فيها ما يثبت الولاية. # قلنا: السلام قد تقدم وعقب بالفضيلة، قال الله - عز وجل -: (ولقد جاءت ~~رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا سلاما قال سلام) ثم عقبوا جوابا لها خصوصا: ~~(رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد). الآية ولم يعقب الله ~~الملائكة بحكم يعملون ولا سيما ما حكى عنهم بنفسه ولم يخطئهم. # والثالثة: أم موسى عليه السلام فهي من المؤمنات - رضي الله عنها - مما ~~عزا إليها الرب من الوحي من أمر رضيه الله بها وفضلها به بقوله: (فرددناه ~~إلى أمه كي تقر عينها ولا تحزن) وذكر ذلك في معرض الامتنان ولم يعقب بما ~~ينسخ ذلك. # ولقد وقفنا على الموضع الذي ألقت ابنها في النيل أيام حجنا يبتغي الناس ms341 ~~الفضيلة فيه، واتخذ بعدنا مشهدا من مشاهد الخير، ووقع الاجتماع عليها من ~~اليهود ومن المسلمين بعدها. # وأما أخته التي قال فيها: (فقالت لأخته قصيه فبصرت به عن جنب وهم لا ~~يشعرون) ولكن البيت بيت الخير. # والرابعة: امرأة فرعون - رضي الله عنها - فمن المنصوصات في الإيمان امرأة ~~فرعون قال الله تعالى: (وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأة فرعون إذ قالت رب ~~ابن لي عندك بيتا في الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين). # والخامسة: صاحبة سليمان عليه السلام - رضي الله عنها - فإنها مؤمنة بدليل ~~قوله - عز وجل - حكاية عنها: (وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين) مدحا ~~عظيما، ولم يعقب لحكمها على ما حكاه الرب عنها. PageV03P234 # والسادسة: أم يحيى بن زكريا عليه السلام فإنها مؤمنة مسلمة، قوله - عز ~~وجل -: (وأصلحنا له زوجه إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ~~ورهبا وكانوا لنا خاشعين) أعظم المدحة. # والسابعة: مريم ابنة عمران - رضي الله عنها - فهي فوق النص بما أثنى الله ~~عنها. فقال: (ومريم ابنة عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا وصدقت ~~بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين) وهي إلى النبوة أقرب إن كان تكون ~~النبوة في النساء لما جرى لها مع جبريل عليه السلام، وإلا فدرجات المقربين ~~الصديقين المؤمنين المخلصين المحسنين. # والثامنة: أم مريم ابنة عمران - رضي الله عنها - وحسبك فيها قول الله - ~~عز وجل -: (إذ قالت امرأة عمران ربي إني نذرت لك ما في بطني محررا فتقبل ~~مني إنك أنت السميع العليم) إلى قوله: (بغير حساب) وليس في القبول شيء أعظم ~~من قول الباري سبحانه واستجابة دعائها: (إني أعيذها بك وذريتها من الشيطان ~~الرجيم). بخ بخ لمن مريم أمة إنه (2) عيسى الروح عليه السلام. # فهؤلاء الثماني نسوة مؤمنات مسلمات من أهل الولاية، ومن قامت عليه الحجة، ~~بين منصوصة ومستخرجة، من كتاب الله تعالى، فالمنصوصات منهن ولايتهن توحيد ~~وبراءتهن شرك، والمستخرجات ولايتهن طاعة لله - عز وجل - وبراءتهن ظلم ~~ومعصية وفسوق وكفر غير شرك، وهو كفر الفعال والنعمة. # وأما النساء المذكورات ms342 في كتاب الله - عز وجل - ولا نص ولا استخراج، لكن ~~إشارة شهوة كبيضة الإسلام، منهن: امرأة أيوب عليه السلام، وأن الله شرع ~~لأيوب عليه السلام في يمينها التي حلف بها ليضربها مائة سوط. فقال: (وخذ ~~بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث إنا وجدناه صابرا نعم العبد إنه أواب). وقوله ~~- عز وجل -: (ووهبنا له أهله ومثلهم معهم رحمة من عندنا وذكرى للعابدين). PageV03P235 # وأما بنات لوط عليه السلام، فإن الله - عز وجل - يقول: (فأنجيناه وأهله ~~إلا امرأته كانت من الغابرين) فالأهل قد سلموا من العقوبة مثل أولاد نوح ~~عليه السلام، ولكن بنات لوط شملتهن بيضة النبوة والشهرة وإشارة القرآن. # وأما عائشة أم المؤمين - رضي الله عنها - فهي من المسلمات، وقد حتم عمار ~~بن ياسر أنها من أزواج رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في الجنة، وشهد لذلك ~~بجميع الآيات التي أنزلت فيها، دالة على أنها من أهل الجنة، وإنما لم ~~نلحقها بالمنصوصات لما لم يذكر اسمها. وقول الله - عز وجل -: (والذين يرمون ~~المحصنات الغافلات المؤمنات) إلى قوله: (عذاب عظيم). # وهاجر أم إسماعيل سرية إبراهيم عليه السلام كادت أن تكون أعظم درجة عند ~~الله من جميع هؤلاء المنصوصات والمستخرجات، لما وهب الله لها من السعي بين ~~الصفا والمروة، ولها أجر من سعى بينهما إلى يوم القيامة، ولها زمزم وأجر من ~~شرب منه إلى يوم القيامة. # ذكر أزواج النبي عليه السلام وأولاده # وأما أزواج رسول الله (صلى الله عليه وسلم) جمع كتع أولاهن: خديجة - رضي ~~الله عنها - وهي خديجة بنت خويلد، وسودة بنت زمعة زوج النبي عليه السلام - ~~رضي الله عنهما - وهي أول من تزوج من نسائه بعد خديجة، وأم المؤمنين عائشة ~~بنت أبي بكر الصديق - رضي الله عنهما - ولها ذكر في القرآن من أزواج النبي ~~عليه السلام. # ومن أزواج النبي عليه السلام: زينب بنت خزيمة - رضي الله عنها -. # ومن أزواج النبي عليه السلام: أم حبيبة بنت أبي سفيان - رضي الله عنها -. # ومن أمهات المؤمنين: أم سلمة بنت أبي أمية بن المغيرة زوج النبي ms343 عليه ~~السلام - رضي الله عنها -. PageV03P236 # ومن أمهات المؤمنين: حفصة بنت عمر بن الخطاب - رضي الله عنهما -. # ومن أمهات المؤمنين: ميمونة بنت الحارث زوج النبي عليه السلام - رضي الله ~~عنها -. # ومن أمهات المؤمنين: صفية بنت حيي بن أخطب زوج النبي عليه السلام - رضي ~~الله عنها -. # ومن أمهات المؤمنين: جويرية بنت الحارث زوج النبي عليه السلام - رضي الله ~~عنها -. # ومن أمهات المؤمنين: امرأة خطبها رسول الله عليه السلام ولم يبن بها وهي ~~عمرة من الفرطا. # وأخرى تزوجها رسول الله (صلى الله عليه وسلم): وهي أمية بنت النعمان بن ~~الرحيل. قالت: (أعوذ بالله منك). # وأخرى تزوجها رسول الله (صلى الله عليه وسلم). وقيل: إن بها برصا، فبرصت. # وأخرى وهبت نفسها لرسول الله عليه السلام، وهي خولة بنت حكيم وهي أم شريك ~~الأسدية، ولم يبن بها. # ومارية القبطية سرية رسول الله (صلى الله عليه وسلم) - رضي الله عنها - ~~وهي أم إبراهيم بن النبي عليه السلام. # وبنات رسول الله (صلى الله عليه وسلم): زينب بنت محمد عليه السلام من ~~خديجة، ورقية بنت النبي عليه السلام، وأم كلثوم بنت النبي عليه السلام، ~~وفاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) - رضي الله عنهن - وهن كلهن من خديجة. # وأما قوله تعالى: (لولا أن ربطنا على قلبها لتكون من المؤمنين) وفي: لولا ~~أن ثبتنا قلبها، ولحن الخطاب، لأبدت به ولكن لتكون من المؤمنين. # وقد تقدم القول في ولايتها ومن قامت عليه، استخراجا مما في كتاب الله أو ~~بالحجة، فعليه ولايتها. # وأما قول الله - عز وجل - في إبراهيم: (رب اغفر لي ولوالدي) فأخرج أباه ~~بعد ذلك من دعائه حين قال: (فلما تبين له أنه عدو الله تبرأ منه) ولم يتبرأ ~~من والدته فإن الكلام فيه محتمل. # ولو قال الله - عز وجل -: قد أجبناك دعاءك يا إبراهيم. فاستثنى أباه، ~~لكان فيه ما فيه، وليس دعاؤه ما يدل على الإجابة، فليس علينا من ولاية أمه شيء. # وأما دعاء نوح عليه السلام حيث قال: (رب اغفر لي ولوالدي). PageV03P237 # قيل: أخذ توجه دعائه ms344 إلى آدم عليه السلام وحواء. # وقيل: إن ما يبنه وبين آدم عليه السلام كلهم آباء مسلمون وأمهات مسلمات، ~~وليس علينا القضاء بالمحتمل، فالمحتمل ساقط من يد المحتج. # وقد تقدم القول في حواء هي من أهل الولاية استخراجا لا نصا. # وأما قوله: (اهبطوا - واهبطا) فكل ما سمعت فيه: (فاهبطوا): آدم وحواء ~~وإبليس والحية. # وأما قول إبليس: (ما نهاكم ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو ~~تكونا من الخالدين) فليس في قول إبليس لعنه الله ما يعول عليه لأنه من ~~الكذبة. # وأما قوله: (ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما) فمعناه عذابا ملازما، ~~فأقام الصفة مقام الموصوف وليس فيه أكثر من هذا. # وأما قوله: هل يسع الناس الشك اليوم أن ليس في أمة محمد عليه السلام مسلم ~~؟ فواسع الشك في ذلك اليوم، وأما من أول وهلة، فلا يسع من قامت عليه الحجة ~~بعد قول الله - عز وجل - في المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان، وبعد ~~قوله: (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون ~~بالله). # وأما إن لم تقم عليه الحجة بهذا فليس عليه شيء. # الإشارة إلى الأقاليم السبعة وخط الاستواء # فإن قال قائل: وهل يسع أحدا أن يكون على شريعة غير شريعة محمد عليه ~~السلام بعد الشهرة ؟ # قيل له: إن الشهرة بمحمد عليه السلام إذا ظهرت في جزيرة العرب وجبالها، ~~فمن كان اليوم على شريعة موسى عليه السلام، أو شريعة عيسى عليه السلام أ, ~~شريعة آدم عليه السلام، أو لم تقم عليه الحجة بهذه الملل الثلاث: ملة أبينا ~~آدم عليه السلام وهم الصابئون، وملة موسى عليه السلام وهم اليهود، ملة عيسى ~~عليه السلام وهم النصارى، وألقى الله تعالى الإيمان في قلبه أو ملك، أو خطر ~~في قلبه ما أدرجه الله من الإيمان الذي فطرت عليه القلوب، فواسع عليه ما لم ~~تقم عليه الحجة بملة من هذه الملل الثلاث. PageV03P238 # فإن الأرض واسعة، وفي الأقاليم سعة، والأقاليم السبعة معمورة ببني آدم، ~~ومن وراء الأقاليم خط الاستواء أيضا معمور. # وقد ms345 وصلت أنا بنفسي إلى قريب من خط الاستواء وليس بيني وبينه إلا مسيرة ~~شهر، وكاد أن يستوي الليل والنهار فيه أبدا، وإنما وصلنا إلى قريب منه. # وأطول يوم في السنة إنما يفضل أقصر يوم منه بساعة واحدة، فالنهار الطويل ~~ثلاث عشرة ساعة، والنهار القصير إحدى عشرة ساعة، وليليها كذلك، وهم يخافون ~~من البيضان من الناس ويحسبونهم ملائكة نزلت من السماء، يهزم الأبيض الواحد ~~من الناس عشرة آلاف منهم، وليس عندهم إلا عبادة الأصنام. # وأما الأقاليم السبعة، فأولها: إقليم زحل، قد انتشر فيه من السودان ما لا ~~يعلم علمه إلا الله، وليس بعجب أن يكون للواحد منهم عشرون أو ثلاثون أو ~~خمسون ذكورا أو إناثا، ينتسلون كأنعامهم بطول أعمارهم وأيامهم مع عبادة ~~الأصنام. # والبلاد التي تلي الإسلام من الأقاليم الأول وتلي إقليم المشتري، فأولها: ~~من جهة المغرب تكرور أوزافور وغانة وجوجو وكاثم والحبشة وحضرموت ومصر ~~وعمان، ومن القند والهند مارا إلى عزله إلى أرض التبت إلى الصين إلى بلاد ~~المسيلة. # والأقليم الثاني: جله خراب إقليم المشتري، وهو الخراب الذي بين بلاد ~~السودان وبلاد الإسلام بلاد دجانة وكمتونة وأدا ويدما ويشطوف وينتصر ~~والمبدوسن وكمطة والحبشة وأموان، من مصر ومكة وعدن وبلاد عاد من اليمن إلى ~~الحساء والسجر والمعثعر وبحر الزنج ومكران وكرمان وسجستان والسندمان إلى ~~ناحية التبت إلى الصين إلى البحر المحيط. # وأما الأقليم الثالث: فهو إقليم المريخ، وله بلاد النخيل. # فمن قال: المدرعة إلى سجلماسة إلى ورجلان إلى الجزائر وطرابلس وبرقة ~~وإسكندرية ومصر وجزيرة أولاد إسماعيل إلى البصرة إلى شيراز من أرض فارس ~~وجبال من خراسان إلى طرف الشمالي إلى البحر المحيط. PageV03P239 # الأقليم الرابع: إقليم الشمس من الأندلس إلى إفريقية إلى الشام وفلسطين ~~والعراق وحلوان وهمدان ومرو الروذ، ومن خراسان وبخارى وسمرقند وترمذ إلى ~~فرغانة. # والأقليم الخامس: إقليم الزهرة من جليقية إلى الدروب من أرض الأندلس، ~~والبر الكبير طرشوش إلى رومة إلى القسطنطينية العظمى إلى رومية، ثم منها ~~إلى سد يأجوج و مأجوج. # و الأقليم السادس: إقليم عطارد من وراء الأرض ms346 الكبيرة: بلاد الأعزاز ~~والأكراد والزط والبط والمجوس. # والأقليم السابع: إقليم القمر وهو إقليم الصقالبة. # اعلم أن من كان في هذه الأقاليم المحشورة ببني آدم ولم تقم عليه الحجة ~~بهذه الشريعة فإنما عليه الإيمان بالله تعالى، فإن ألهمه إياه، أو وقع في ~~قلبه، أو سمعه من أحد أو من الجن أو في المنام، أو اقتبسه من شرائع اليونان ~~أو المجوس أو من الدهرية، فقد قامت عليه الحجة، وليس عليه غير ذلك من ~~الشرعيات حتى يسمع - وهو مذهب الصابئين - (1) وليس عليه إلا الإيمان ~~والمقال. # واعلم أن أمور الإيمان من الأعمال الصالحة في جبلة العقلاء من بني آدم، ~~معرفة الحسن والقبيح منهما، فما استحسن أن يؤتي إليه استحسنه إلى الناس، ~~وما استقبح أن يأتيه غيره استقبحه. # وهذا معنى قول الله - عز وجل -: (إن الذين آمنوا) يعني المؤمنين من هذه ~~الأمة (والذين هادوا) يعني اليهود والنصارى، أهل ملة عيسى عليه السلام ~~(والصابئين) أهل ملة أبينا آدم عليه السلام (من آمن منهم بالله واليوم ~~الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون). # وأما قول إبليس لآدم عليه السلام: (ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن ~~تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين، وقاسمهما أني لكما من الناصحين). # فثمرة القضية أن دلاهما بغرور، والغرور ثمرة الكذب، وإبليس كذاب ولم يصدق ~~الله كذبه. PageV03P240 # وأما قولك: هل للناس أن يشكوا لم يكن مسلم عند الله في أمة محمد، أو ~~يشكوا لم يكن في هذا الزمان أحد يجيب الله دعوته، أو قبل هذا إلى النبي ~~(صلى الله عليه وسلم). # اعلم أنه يجوز الشك هل في الدنيا اليوم مسلم من أجل أنا لأن اليوم من ~~قيام الساعة أو غدا والساعة لا تقوم على مسلم، وليس على الناس من هذا شيء. # وأما الشك في أمة محمد - من أول وهلة - هل فيها مسلم عند الله أم لا ؟ # فمن علم بأمة محمد وقامت عليه الحجة فلا يشك، لأن المهاجرين والأنصار ~~فيهم وهم مسلمون عند الله وعموم القرآن الذي ms347 نزل فيهم ومدح الباري سبحانه ~~لهم، فلا شك. # وأما من لم يقف على شيء من هذا، فيسعه جهل ذلك. # وأما استجابة فإن الله - عز وجل - أطلق وقال: (ادعوني أستجب لكم) والعموم ~~لا يعول عليه ذو بصيرة لجواز أن يكون ذلك عند الله إلى أجل مسمى لشروط ~~الدعاء. # كما وإنك تشك هل دعا الله أحد اليوم أو يدعوه ؟ # وليس عليك من معرفة ذلك، ولا أن تعرف أن الله - عز وجل - وعد الإجابة ~~الداعين، والله تعالى يجيب دعاءنا، وإنه لدعوات الداعين مجيب، وعلى أنك ~~تعلم أن السحت والحرام قد عم البلاد وشمل العباد وامتلأت منه الأيدي ~~والبطون والظهور والمتون. # ذكر القصاص بين المسلمين غدا يوم القيامة # وأما ما ذكرت من مسألة القصاص بين المسلمين غدا يوم القيامة، فهي مسألة ~~إلى الإجماع أقرب ما هي، ونحن نذكر ما سنح لنا بحول الله وقوته. # فصل # أولها: مسألة اللقطة، وذلك أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) سن أحكام ~~اللقطة وسئل عن ضالة الإبل قال: «مالك ولها، معها حذاؤها وسقاؤها، ترد ~~الماء وتأكل الشجر حتى يجدها ربها». PageV03P241 # وسن في ضالة الغنم قال: «هي لك أو لأخيك أو للذئب». فأباح أخذها، وأثبتها ~~لك إن شئت، أو لأخيك إن كنت بالموضع الذي تجمعها على مالكها أو للذئب إن ~~ضيعتها كذلك. # وفي حديث آخر: سئل عن اللقطة فقال: «خذها وانتفع بها، فإن جاءك مدعيها ~~يصف عفاصها ووكاءها فهي له». # وعامة العلماء على إنه يئيس وصولا منها باعها وتصدق بها لمولاها، فإذا ~~كان يوم القيامة كانت حسانتها لمولاها وسلم الملتقط، وإن أكلها خرجت من ~~حسناته. # وذلك أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أمر الملتقطين أن يلتقطوا لئلا ~~تضيع أموال المسلمين، فإن المال إن ضاع في الدنيا فليس لمولاه فيه إلا أجر ~~المصيبة، فإن انتفع به أحد من بني آدم كتب ذلك كله حسنات إلى يوم القيامة. # وأما جميع الأموال التي تضيع للمسلمين ما أكلت العافية (1) والسباع ~~والطير والهوام والحشرات، فليس يضيع من ذلك شيء يكتب للمسلم كله أجورا، ms348 ولا ~~ينفعه شيء من هذا في تباعة ما عليه. # وأما إن كان بنو آدم هم الذين استنفعوا به أو أكلوه، أو ما تعلق إليهم في ~~العبيد والخدم والأنعام والرمام، لا تعمدا أو لا غلطا أو تعديا أو خطأ، فلن ~~يضيع شيء من هذا يكتب لهم أجورا، وينفعهم في ما يلزمون به من تباعة العباد ~~مما لم يعلموا به، وهنالك تكون حسناتهم نائبة عما يلزمهم، أو عملوا أو لم ~~يكن عندهم مال يؤدون منه ما عليهم، أو كان غاب عنهم صاحب التباعة ببلاد لا ~~يصلون إليها، وأوصوا له بها، أو نسوها، أو أدوها في وهمهم ولم يؤدوها، أو ~~سقط من أوهامهم هذا كله بعد حصول التوبة المقبولة. # وكذلك جميع ما عليه من تباعات الأنفس والأموال والجراح، وجميع الوجوه ~~التي يقول فيها المسلمون أنه ضامن فيما بينه وبين الله وبينه وبين العباد، ~~ولا سيما إذا كان أنه لا يحكم عليه بها في الدنيا مثل ما يصيبه بينه وبين ~~الله، وهو المعنى الذي قلنا: إنه يؤخذ من حسناته يوم القيامة. فهذه المعاني ~~التي يتقاصون بها يوم القيامة. PageV03P242 # وكذلك جميع المعاني التي ليس فيها ضمان الأموال كالغيبة والمباهتة والكذب ~~فهذه المعاني التي يتقاصون بها يوم القيامة، وشهادة زور وحكم بغير ما أنزل ~~الله، فتنفعه كثرة الحسنات، ومن عازته الحسنات وبنيت عليه فعلى ربه أن يؤدي ~~عنه جميع ما يلزمه ويرضي الخصوم. # وهذه المسألة حكاها ضمام بن السائب عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) مع ~~أصحاب الحديث أيضا، ولم يرو ضمام أنه إن فرغت حسناته يحمل من سيئات صاحبه ~~ورجعت، وليس بمستنكر، قال الله - عز وجل -: (وليحملن أثقالهم وأثقالا مع ~~أثقالهم) فأثقال من ظلموا أولى، وقد جاء في الحديث عن رسول الله (صلى الله ~~عليه وسلم) أنه قال: «من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم ~~القيامة، ومن سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة». # وفي الحديث عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: ms349 «يقول الله غدا يوم ~~القيامة في المحشر: أما ما بيني وبينكم - معشر المسلمين - فقد وهبته لكم، ~~فتواهبوا ما بينكم فيما بينكم». # وحديث داود عليه السلام مع أوريا من أعجب العجب كما قال الله - عز وجل - ~~في كتابه ما بين داود وأوريا، قال: (وهل أتاك نبأ الخصم) إلى قوله: ~~(وأناب). فغفر الله تعالى له، وأدى ما عليه يوم القيامة لأوريا أن عوضه ~~غرفة في الجنة فرضى أوريا وسلم. PageV03P243 # وحكمنا بيننا وبين عبيدنا أن من أفسد منهم من أموال الناس شيئا فإنه يؤخذ ~~من مال العبد، فإن لم يكن له مال وأخذ مولاه فأدى عنه، وراعى في هؤلاء ~~المتظالمين، فإن كانوا من أهل الجنة بصبر المظلوم، ونوبة الظالم، فربك يفعل ~~ما يشاء، ويقتص ملا يضر المقتص منه ما سلب له إذ مصيره إلى الجنة، وإن كان ~~من أهل النار فليحمل سيئات صاحبه إلى سيئاته. قال الله - عز وجل -: (إنه من ~~قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا) إلى آخر ~~الآية. وإن شئت اتل الآية من وراء هذا قوله: (إنما جزاء الذين يحاربون الله ~~ورسوله) الآية إلى قوله: (عذاب عظيم) ولك في هذه الآية معتبر: فقطاع الطرق ~~والمفسدون في الأرض إن قتلوا من أهل القافلة رجلا واحدا قتلوا به أجمعين، ~~وإن أخذ واحد منهم من المال ولو كان دون النصاب قطعت أيديهم من خلاف ولو ~~كانوا ألفا. # وكيف حكم الباري سبحانه في الآخرة ؟ وليس من هذا مما يحيله العقل، ولا ~~مما يمنعه العدل، ولا مما تقول إنه جهل، وللباري سبحانه في الأولياء الفضل. # وأما قولك فقد وجدت في كتاب الله - عز وجل -: (ولا تزر وازرة وزر أخرى). ~~(ولا تكسب نفس إلا عليها) (وإن ليس للإنسان إلا ما سعى). وقوله: (كل نفس ~~بما كسبت رهينة). فهذه الآيات كلها دالة على أنه هذا الفاعل داخل فيما جناه ~~بيده، أو جره بسببه فيما كسبت يداه، كما أن ابني آدم -ة قابيل وهابيل - ~~اللذين قتل أحدهما أخاه، أن ما من قاتل في ms350 الدنيا إلا كان عليه وزر من ذلك ~~ونصيب من قتل أخيه إلى يوم القيامة، بعدما مات وصار إلى الله - عز وجل -. ثانية). # ذكر أمر النفختين والبعث والقيامة # * فصل (1) * PageV03P244 # وأما ما ذكرت من أمر النفختين والبعث والقيامة والجبال والأجداث، وأن ~~العرش لا يفنى والسماء، وقلت يا أخي: بين لي أمر البعث وأمر النفختين، لأني ~~سمعت المشايخ قبل هذا يقولون: إن النفخة الأولى من الدنيا، والنفخة الأخرى ~~من الآخرة، وأن الآخرة والدنيا لا تجتمعان. قالوا: حدوث هذه فناء هذه. # وقلت: وجدت في القرآن خلاف هذه. قال الله - عز وجل -: (منها خلقناكم ~~وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى). # وقال أيضا: (ونفخ في الصور فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون) والأجداث ~~في الدنيا والنفخة في الآخرة. # وقال أيضا: (ونفخ في الصور ففزع من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء ~~الله وكل أتوه داخرين وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب) والجبال ~~في الدنيا والنفخة في الآخرة. # وقال أيضا: (يوم ينفخ في الصور فتأتون أفواجا وفتحت السماء فكانت أبوابا ~~وسيرت الجبال فكانت سرابا) والسماء في الدنيا وفتحها في الآخرة، والجبال في ~~الدنيا وسيرها في الآخرة سرابا، إلا أن تقول السموات والجبال لا تفنى. كما ~~رأيت في الكتاب أن العرش لا يفنى. # الجواب عن جميع ما ذكرته في أمر الدنيا والآخرة:- # اعلم يا أخي أن النفخة الأولى إنما هي في الدنيا بإجماع الأمة، ووقع ~~الاختلاف فيما بين النفختين. # قال بعضهم: لا يسمى دنيا ولا آخرة، وإنما سموه البرزخ. # وقال بعضهم: البرزخ عاد من الدنيا، وإنما الآخرة من النفخة الأخرى. ~~فالقائل: حدوث هذه فناء هذه. غير مساعد على قوله. # وأما قولك: في القرآن بخلاف ذلك. وهو قوله - عز وجل -: (منها خلقناكم ~~وفيها نعيدكم ومنها... الآية) والدنيا والآخرة. # اعلم أن الدنيا والآخرة إنما اختلفتا في الزمان، والفساد، والكون، ~~والتقدم والتأخر. PageV03P245 # وأما الزمان، فإن أحوال الدنيا وأوقاتها هي هذه التي تجري على الموجود، ~~وكذلك أحوال الآخرة، فالحالات متفقان، وإنما اختلفا بصفتهما، وأحوال الدنيا ~~كون وفساد، وذلك ms351 أن الله تعالى خلق الخلق، أوله جوهر، وبعده جماد، وبعده ~~حيوان، وبعده عاقل، وهو الإشارة بقوله: (وما خلقنا السماء والأرض وما ~~بينهما باطلا) وقوله: (وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين). # وقوله: (أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون) فصار الكون في ~~الدنيا بمقتضى الاسطقسات. # وأما الطبائع: فالحرارة والبرودة واليبوسة والرطوبة، والاسطقسات: الأثير ~~والأرض والهواء والماء. # فأطلق الباري - سبحانه - الحيوان إلى التناسل، والشجر والنبات إلى النمو ~~والزيادة، والأجساد إلى النمو والنقص، فكان الكون فيها ظاهرا، والفساد ~~ظاهرا، وهو الحدوث والفناء، والتقدم والتأخر، وتسابق الأحوال والعصور، ~~والليالي والنهار، وليس في الآخرة إلا الخلود والأبد، وكن فكان، وكتب على ~~الدنيا الفناء، وعلى الآخرة البقاء. # وأما قوله: (منها خلقناكم) الآية وإنما وقع الضمير هاهنا على الأرض، ~~واعلم أن الله - عز وجل - قال في محكم كتابه: (كل من عليها فان) فإنه لم ~~يوجب الفناء هاهنا إلا على من كان على وجه الأرض لا غير. # وقال في موضع آخر: (كل شيء هالك إلا وجهه) والهلاك هاهنا مرتبط بالأحياء، ~~فلان هالك وفلان حي، ولم يدل على الفناء، ولم يأت في فناء العرش والسموات ~~والأرض خبر يدل على فنائها لا في القرآن ولا في الحديث، وليس للرأي هاهنا ~~حظ، ففي قدرة الله جائز فناء الكل، وإن كان فإن رجوعه موجود مثلما كان أولا ~~غير مستحيل، فإن فنيت الجبال والأجداث وغيرها فستعود غدا في الآخرة فتصير ~~كما قال الله: (يوم تبدل الأرض غير الأرض) وقوله: (فإذا هم بالساهرة) ~~وقوله: (وعلى الأعراف رجال). PageV03P246 # وكذلك السموات والأرض والأجداث والجبال فإن فنيت عادت، وإن لم تفن بقيت ~~إلى المحشر، وجاز فناؤها وقد استبعد العلماء قول من يقول إن العرش فما دونه ~~والسموات والأرض تفنى، فتعود الأشياء كما كانت في الأزل. فهذا بعيد. # ذكر السنن التي أحدثها عمر رضي الله عنه # وأما السنن التي أحدثها عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -. # اعلم أن الأشياء إنما تؤخذ من أصولها، لا من فصولها. # وذلك أن الله تعالى شرع مذهب الصابئين لأبينا آدم عليه ms352 السلام ثم إلى نوح ~~عليه السلام ثم إلى هود ثم إلى صالح ثم إلى أبينا إبراهيم عليه السلام، ~~فبعث إبراهيم بالحنيفية السمحة السهلة، فلم يستجب لإبراهيم إلا الشواذ من الناس. # ثم شرع لموسى عليه السلام شريعته التي حمل عليها بني إسرائيل فتسموا يهودا. # ثم لعيسى عليه السلام شريعة النصارى فزل عنها الأكثرون. # ثم بعث محمد (صلى الله عليه وسلم) بشريعة إبراهيم عليه السلام، فكان ~~مبناها على الكتاب والسنة والرأي. # والأصل الكتاب وفرعه السنة، والسنة أصل وفرعها الرأي، والرأي حاكم على ~~السنة، والسنة حاكمة على الكتاب، كحالنا مع آبائنا وأبنائنا، فنحن حاكمون ~~على آبائنا وأبناؤنا حاكمون علينا، بل الرأي يقضي على السنة والكتاب جميعا ~~ولذلك شروط مقصودة لا يعلمها إلا أهل البصائر في الدين، والكتاب إنما نزل ~~على قوم وافري العقول يعرفون غرضه ومراده، ومحمد عليه السلام واسطة بينهم ~~وبين الله تعالى، فما عازهم بينه لهم، وما أنفهم لهم مضوا عليه، وما لم ~~ينفهم لهم فسره لهم، قال الله - عز وجل -: (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ~~ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون) فأخذ بهم الله تعالى إلى التفكير فيما شرع ~~لهم رسول الله (صلى الله عليه وسلم). PageV03P247 # وشرع للناس الحكم في الحدود فقال: (الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد ~~منهما مائة جلدة)، وشرع رسول الله عليه السلام الرجم في المحصن وقال: ~~(السارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله والله عزيز ~~حكيم). وقصره رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في الحوز والعدد المخصوص. # وقال الله - عز وجل -: (واذكروا الله ذكرا كثيرا) وقصره رسول الله (صلى ~~الله عليه وسلم) في الصلاة. # وشرع الزكاة في الأموال وقصرها رسول الله عليه السلام في الحول والنصاب ~~وأعداد معلومات. # وخص الله - عز وجل - هذه الأمة بكتاب شمل فيه علم الأولين والآخرين، وفوض ~~إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بيانه، وقال الله تعالى: (وإذا جاءهم ~~أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم ~~لعلمه الذين يستنبطونه منهم) فأطلق لهم ms353 سبل الاستنباط إلى يوم القيامة، ~~لمعرفتهم غرض الكتاب وسنته، وجعلهم ولاته وحكامه، يعملون مقتضياته من ~~العلوم والخصوص، والظاهر والباطن، والمقدم والمؤخر، والمقطوع والموصول، ~~والوعد والوعيد، والمحكم والمتشابه، قال الله - عز وجل -: (ومن يبغ غير ~~سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا) ولك في عمر بن الخطاب ~~- رضي الله عنه - أسوة حسنة كلما خالف رسول الله عليه السلام كان الله مع ~~عمر، قال عمر (1): (وافقت ربي في ثلاث ووافقني في ثلاث) وقضيته مشهورة، هذا ~~على عهد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فكيف بما بعده ؟ # حسبك مذاهب أهل الدعوة في الكتمان فاقوا فيه الأمة، أبطلوا الحدود ~~وقالوا: إنما تكون في الظهور. فمن أين هذا ؟ من كتاب الله - عز وجل - أو من ~~سنة رسول الله، أو من الرأي ؟ فهو من الرأي، وحتى حكموا على من فعل شيئا من ~~هذا خطأ، هذا فينا اليوم فكيف بعمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ولم يبطلوا ~~القتل وأحكامه، والقتل أعظم حرمة من سائر المحرمات. PageV03P248 # ونحن نذكر السنن التي أحدثها عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فنقضتها ~~عليه الشيعة والروافض:- # أولها: أرض الفيء والخراج. فقالوا: إن الله تعالى قد حكم في غنائم ~~المسلمين بالسهام والقسم على أهلها الذين غنموها. قال الله - عز وجل -: ~~(واعلموا أن ما غنمتم من شيء فإن لله خمسه) إلى قوله: (والله على كل شيء ~~قدير). وكان من سنة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أم جعل المغانم في ~~الأموال والرباع كما قال الله تعالى: (واعلموا أن ما غنمتم من شيء فإن لله ~~خمسه) الآية فعم ولم يخص. # وقسم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) خيبر الأموال والرباع على السهمان، ~~وقسمها على عشرين سهما، فخمسها وأخرج منها أربعة أسهم للخمس، وبقى ستة عشر ~~سهما والجيش في ألف وثلاثمائة رجل ومائة فارس لكل مائة سهم، وأعطى للمائة ~~فارس ثلاثة أسهم: سهمان للفرس، وسهم لراكبها، فصار لكل رجل عشر عشر السهم ~~الواحد واحد من مائة، ولكل فارس ثلاثة أعشار العشر. # فخالف عمر إلى أرض الفيء ms354 فنزعها من أيدي أهلها الذين غنموها، فجعلها بين ~~المسلمين مشاعا إلى يوم القيامة، والماضي والتالي منه. # الجواب وبالله التوفيق:- # أن أرض خيبر جعلها الله لمن أطعموها وهم أهل الحديبية عموما وأهل الرضوان ~~خصوصا، فأنزل الله - عز وجل - سورة الفتح وبشرهم بخيبر طعمة أطعموها وعوضهم ~~بها، وراء ذلك من المعاني التي وعدهم ولم يتم لهم عليها كخيبر. فقال عز من ~~قائل: (لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم ~~فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا). وهي خيبر، ثم وعدهم مغانم كثيرة ~~يأخذونها: (فجعل لكم هذه وكف أيدي الناس عنكم ولتكون آية للمؤمنين). PageV03P249 # وأما الأخرى التي لم يقدروا عليها فهي فتح مكة، فأخبرهم أنه قد أحاط الله ~~بها لما كف أيدي الناس عنهم وهم كنانة وجميع حلفاء قريش، للعهد الذي عاهدوا ~~عليه رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فلم يخف من قريش ولا من كنانة، فمكث ~~على خيبر زهاء شهر يفتحها قرية قرية حتى افتتحها كلها، وهي إحدى وعشرون ~~قرية، فهرب منها أهل تسع قرى وهي الكتيبة، فوهبها الله - عز وجل - خصوصا ~~لمحمد عليه السلام لأنها بالرعب افتتحت: رعب رسول الله (صلى الله عليه ~~وسلم) وجنده، فقسم خيبر على القسمة التي ذكرنا. فأنزل الله بعد ذلك: (ما ~~أفاء الله على رسوله) إلى قوله: (ربنا إنك رؤوف رحيم). # ولما قال هاهنا: (للفقراء والمهاجرين) (والذين تبوأوا الدار والإيمان) ~~(والذين جاءوا من بعدهم) علمنا أنه أراد الرباع والعقار، وبقيت الغنائم ~~كلها لأهلها الذين حازوها، وقبضوها في تلك الأيام، وسكوت العصابة المحمدية ~~من الصحابة، على صنيع عمر من الأمة - رضي الله عنه - دلنا على أنه الحق، إذ ~~لا تجتمع أمة أحمد إلا على الحق. # فإن ادعوا أن هناك منكرا أتوا بمنكر، وهل في الأمة أحد من الصحابة تورع ~~عن هذا الخراج أو حرمه أو قال بقسمته فمنع، ولا يجدونه، فأول ذلك علي بن ~~أبي طالب الذي انتصروا له، وله في العراق مستغل أربعين ألف دينار في كل سنة ~~وقد عرفوا حال عمر ms355 بن الخطاب مع محمد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في ~~النصوص، فكيف المحدثان وقد أطبقت الأمة على هذا، ولكل أهل زمان في محدثاتها أحكام. # فلو مسخ الله تعالى رجلا أثنى، أو رجلا ليثا، أو رد أنثى رجلا، أو كليهما ~~متشكلين، لكان في أهل العصر في هذه الأمور أحكام. # وقد نزلت هذه الحوادث في زماننا منها اليهراستي الذي جعلت صباياه ذكورا ~~وقضية مشهورة وهو المعروف بعيسى، ورأى الذي مسخ بالزاب سبعا وله قصة عجيبة ~~في زماننا، والرجل الممسوخ أنثى في نبي مصعب، وذكرهن الشيخ كلهن اللاتي في ~~تماوط، في أمثالها. PageV03P250 # والثانية: صنيع عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - في القرابة: قرابة رسول ~~الله (صلى الله عليه وسلم) سلمهم الخمس، ومنعهم إياه بعد قول الله تعالى: ~~(واعملوا أن ما غنمتم من شيء) الآية. فعمل به رسول الله عليه السلام أيام ~~حياته وعمل به أبو بكر وبعد أبي بكر عمر، ثم بدا له ومنعهم إياه وغير سنة ~~رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وسنة أبي بكر ثم سنة نفسه، بغضا لآل رسول ~~الله عليه السلام ولقرابته فكيف يلزمه في صنيعته في سهمهم الخمس وقد سلبهم ~~الذي أعطاهم الله، أحيا فيهم الحكم الجاهلي وغير حكم الإسلام، وهذا كله ~~مذهب الشيعة والروافض في عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -. # الجواب وبالله التوفيق: أن الله تعالى جعل لقرابة رسول الله (صلى الله ~~عليه وسلم) فرضا مفروضا، وأنفذه رسول الله عليه السلام وأبو بكر وعمر، وكان ~~رسول الله عليه السلام يسد به خلل الفقراء منهم، وينكح الأيامى منهم، ويصون ~~به وجوههم عن مسألة الناس، وعن أوساخ الناس، من الصدقات التي حرمها الله - ~~عز وجل - عنهم وعنه، ولم يذهب مذهب السهمان الغني والفقير والحاضر والغائب، ~~لكنه لسد الخلل، ولو كانت سهامهم واجبة غير راتبة لما استحقها قوم دون قوم، ~~فلما فتح الله تعالى على المسلمين البلاد، واقتبس عمر - رضي الله عنه - من ~~كتاب الله أراضي الفيء وخراج الأرضين، فاستغنى به الجميع عن أموال المساكين ~~والفقراء والأيتام وأبناء ms356 السبيل، وغناهم الله - عز وجل - بخراج الأرضين عن ~~مشاركة الفقراء والمساكين وغيرهم، لأن العلة التي أباح الله تعالى بها تلك ~~الأموال الصون عن أوساخ الناس، فاستعملها لهم عمر في الفقراء والمساكين ~~وذويهم بأن صانهم عن مشاركة المذكورين بأن أغناهم الله تعالى من فضله بخراج ~~الأرضين. # والفقه في كتاب الله - عز وجل - وفي سنة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ~~معرفة حقائق العلل، وذهاب العلة ذهاب المعلول. PageV03P251 # فلو كان سهم القرابة للرجل والنساء والفقراء والأغنياء لكان مرتبطا بهم ~~لا يزول، لكنه للحاجة فعند زوالها يزول المعلول وعند وجودها يوجد. # الثالثة: صنيع عمر - رضي الله عنه - في المؤلفة قلوبهم:- # قالت الشيعة والروافض: إن الله تعالى فرض في كتابه للمؤلفة قلوبهم سهما ~~في الصدقات، وقال عز من قائل: (إنما الصدقات للفقراء والمساكين....) الآية. # فأول هذا قوله: (إنما الصدقات) و (إنما) عند العرب من حروف الحصر لا ~~يدخله استثناء ولا تغير، كقوله - عز وجل-: (إنما الله إله واحد). (إنما ~~إلهكم الله الذي لا إله إلا هو). # والثانية: قوله: (فريضة من الله والله عليم حكيم) فجاء عمر وادعى أنه ~~أعلم من الله وأحكم، فلو ساغ لعمر ما فعل لساغ أن تنقص لنا من الصلوات ~~الخمس صلاة ومن صيام رمضان وأن نحلوله إلى غيره، والحج في أيامه ومكانه ~~وزمانه، ولا تأمن ممن يأتي بعد فيبدل أحكام الشريعة، ويسعنا ذلك اختيارا، ~~ويدرج عمدا أو اضطرارا، فلو كان لأحد تبديل الشريعة لكان للمهدي الذي هداه ~~الله وعلمه ما لم يعلم، وكان فضل الله عليه عظيما، والمهدي من ولد فاطمة ؟ PageV03P252 # الجواب وبالله التوفيق: إن الله تعالى فرض الفرائض والأحكام، وسن رسول ~~الله (صلى الله عليه وسلم) السنن، وبين منها كل فن، وفوض باقيها لمن يأتي ~~من المسلمين الذين فوض الله - عز وجل - إليهم الاستنباط، وحملهم على سواء ~~الصراط، وجعل لهم العلل منارا، والفقه في الدين نورا، وانفهم لهم أن العلة ~~في سهم المؤلفة قلوبهم حاجة الإسلام إليهم وخيفتهم منهم. كما قال عمر - رضي ~~الله عنه - حين جاءوا يطلبون سهامهم: «ذلك ms357 إذ كان الإسلام حقيا، وأما الآن ~~فقد بزل». ولهذا قال الله - عز وجل -: (إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم ~~تعقلون) لما فيه من المعاني البديعة، والغرائب العجيبة قال: (لعلكم تعقلون) ~~والخطاب من الله - عز وجل - قد اعتوره لحن الخطاب وفحواه ودليله ومعناه لا ~~يعلمه إلا العالمون العاقلون، وقد نبهت قبل هذا على ما تضمن كلام العرب من ~~المعاني، وما انفرد به من عقول العرب دون العجم. # الرابعة: عتقه أمهات الأولاد للناس على آبائهم، وذلك أن الله تعالى أباح ~~تسري آماء الناس لأربابهن، وقال الله - عز وجل -: (ولا يحل لك النساء من ~~بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك حسنهن إلا ما ملكت يمينك وكان الله ~~على كل شيء قديرا). وقال: (حرمت عليكم أمهاتكم) إلى قوله: (إلا ما ملكت ~~أيمانكم). فأباح الله تعالى السراري أمهات الأولاد منهن ومن غيرهن، ولم ~~يعتق على الناس أمهات أولادهم، وليس في سنة رسول الله عليه السلام عتق شيء ~~منهن، ولم يسبقه من الناس أحد إليهن إلا رأيه، والرأي مع المنصوص من كتاب ~~الله تعالى ومن سنة نبيه عليه السلام ساقط. PageV03P253 # الجواب وبالله التوفيق: أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ذهب في أمهات ~~الأولاد إلى ما ينبغي، والذي ينبغي من الناس اعتاقهن بحرمة أبنائهن، وأما ~~أن يخرجن من غير اعتاق فلا، على أنه ورد عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ~~أنه قال في مارية القبطية: «اعتقها ذو بطنها» وهي التي ولدت ولده إبراهيم ~~عليه السلام، فلو عول عمر - رضي الله عنه - على هذا الحديث وبنى عليه فتواه ~~فكان ماذا ؟ # فإن قال قائل: فإن كانت أم الولد عتيقة فقد أباح فرج حرة على حكم التسري. # قلنا: حكم سبق وتقدم، ولم يأت ما ينقضه، فإن أنكحها غيره صارت أحكامها ~~أحكام حرة، وليس في هذا عظيم أمر قد سلم له من حضر من الصحابة ولم تجتمع ~~أمة أحمد على ضلال. والله يهدي من يشاء إلى سواء السبيل. # تم الموجود في الأم بحمد الله وحسن عونه. # والصلاة ms358 والسلام على محمد وآله وسلم تسليما # القول في حجة الله تعالى كيف قامت على العباد # بسم الله الرحمن الرحيم # صلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وسلم تسليما، رب يسر يا كريم. # بيان القول في حجة الله كيف قامت على العباد:- # اعلم أن مسألة السماع قدرية إنما ينبغي الإيمان دون التعليق بها. # قال سعيد بن راشد الحداء: اختلف الناس في الحجة كيف قطع الله على خلقه ~~ومن كلفه دينه بالحجة، بعد إجماعهم على أن كل بالغ صحيح العقل محجوج، ~~وبإجماعهم على تخطئة من زعم أن المكلفين غير مكتسبين، وأنهم مضطرون على ~~جميع أفعالهم، ورد بالنص على من يقول: إنهم مجبولون على أفعالهم بقول الله ~~- عز وجل -: (جزاء بما كانوا يعملون). # وأما تسمية المختلفين من أهل دعوتنا فمنهم: عبد الله بن زيد الفزاري إمام ~~النكار، وسعيد بن راشد الحداء من أهل دعوتنا الخلصاء، وعيسى بن عمير وابن ~~الحسين. PageV03P254 # فكان من قول عبد الله يزيد: (إن حجة الله قد قامت على المكلفين بسماع ~~الخبر المسموع بالآذان، وقد سمع الناس كلهم جميع ما افترض الله عليهم، وليس ~~لله على عباده من حجة إلا الرسل، وإنما قطع الله - عز وجل - عذر المكلفين ~~بالخطاب المسموع بالآذان المفهوم معناه). # فكان من قول سعيد: (إن حجة الله قامت على العباد المكلفين بسماع وبغير ~~سماع، فلله الحمد على العباد يفعل فيهم ما يشاء، إن أسمعهم فبمنة وفضله، ~~وإن لم يسمعهم فبحكمه وعدله). # فكان من معنى قول عبد الله بن يزيد كلهم قد سمعوا الجملة التي يدعو إليها ~~رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وهي: شهادة أن لا إله إلا الله، والإقرار ~~بالرسل، ووراء ذلك مما جاءت به أنه الحق، وما افترض الله عليهم ولازم لهم، ~~وقد سمعوه. # وقال سعيد: (إن الله احتج بدعاء النبي عليه السلام إذا سمعه أحد من ~~الآدميين، أجزى على جميع خلقه في تلك الحال التي سمعه فيها ذلك الواحد، وأن ~~الله قطع به على من سمع من لم يسمع جميع ما دعا إليه في جملة ms359 الدين ؛ دين ~~الله وفرائضه). # وقول المعتزلة: (إن الحجة على المكلفين إذا لم يسمعوا من الرسل عقولهم، ~~فمن كان له عقل صحيح فقد وجب عليه من التكليف كل ما يدركه بعقله، وحطوا عنه ~~مالا يدركه إلا بسماع حتى يسمع). # اعلم أن هذه المسألة - كما أشرت لك أول مرة - أنها قدرية من القدر الذي ~~وجب الإيمان به علينا خيره وشره. # اعلم أن هؤلاء المختلفين بنوا أصولهم على المعنى الذي اجتمعوا عليه بينهم ~~البين، وأنا أشير إلى طريق واسطة بين المختلفين، وأرجع بالرد على الذي ~~رأيته زاغ ونصرت كل من ساغ. PageV03P255 # اعلم أن الله خلق بني آدم وجعل لهم مهلة من حيث خروجهم من بطون أمهاتهم ~~إلى أوان التكليف، وقرن مع كل واحد منهم ملكا من بطن أمه يسوسه وهو صاحب ~~اليمين، ومن بعد خروجه من بطن أمه سبع سنين، ويلهمه في أثناء ذلك ويرشده، ~~ويهديه إلى مصالحه، فسبق إليه الخيال من دماغه مدة، ثم الوهم بعد ذلك مدة، ~~تجري في جوارحه القوى سريان الغذاء فيها. # فلما أكمل سبع سنين قرن إليه ملكا آخر يسدده ويقويه ويؤيده إلى ما سبق له ~~من صاحب اليمين، الآخر صاحب الشمال. # ففتح الله تعالى له في القياس باب، واستعمل له في القياس سبع سنين أخرى، ~~واستعمل الحواس، واضمحل الوهم باستعمال القياس كما اضمحل الخيال باستعمال ~~الوهم، والخيال نتيجة اليافوخ والوهم نتيجة الدماغ. # وفي الدماغ ثلاث قوى: المقدمة الأولى: خياليه. والوسطى: وهمية. والآخرة ~~ذات القفا: قياسية. # فعند استكماله أربع عشرة سنة قويت حاسة عقله واكتنفه علمان: علم الحواس، ~~وعلم العقل، وكلاهما ضرورة. # وقد حصل في مكنون عقله، أن الحدث يحتاج إلى محدث، بدليل أن الصبي يقول: ~~من أحدث هذا ؟ أو من جاء بهذا ؟ أو من صاحب هذا ؟ # فكان هذا الاعتقاد ضروريا، مهما كان الأتراب وأرى في أترابه أحدا يقول: ~~أبي خير من أبيك، وأمي خير من أمك، وخادمنا خير من خادمكم. # فإن كان له أخ صغير يقول لتربه: أين أخوك الصغير ؟ # وإن كان له أخ كبير يقول لتربه: ms360 أين أخوك الكبير ؟ # وإن كان له بئر في دار والده يقول: بئرنا خير من بئركم. وربما لا يكون ~~لتربه بئر. # وكذلك مذهبه في الطعام والشراب والآنية والجيران، فما كان له من هذا ~~أثبته لأترابه أجمع، وللكبار أخبار مثل هذا وهمية أو قياسية أو عقلية مثل ~~ذلك يخطئ ويصيب، حتى يستكمل العقل ويطرح ما سوى العقليات، فهنالك يصح علمه ~~إذا صح عقله على الصفة المذكورة. PageV03P256 # وأما من كان غفلا بلها ولم يجرب الأمور، فإنه يجري أموره على أمور من ~~قبله من الوهميات والخيالات، مثلما يجري لبعض الناس أن المطر إذا كان في ~~بلادهم اعتقدوا في الدنيا كلها، والريح والجدب والخصب والجبال والرمال ~~والقرار والبادية أجمع. # ونحن نشير إلى طرف من العقليات عن الله - عز وجل - من القرآن الحكيم، وعن ~~إبراهيم الخليل صلوات الله عليه وسلامه، وعن جميع الأنبياء مناظراتهم أممهم ~~صلوات الله عليهم أجمعين. # فأول ذلك: قول الله تعالى: (يأيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له) إلى قوله: ~~(إن الله قوي عزيز). # وقوله - عز وجل - حكاية عن الخليل ومناظرته قومه: (لقد آتينا إبراهيم ~~رشده من قبل وكنا به عالمين) إلى قوله: (أف لكم ولما تعبدون من دون الله ~~أفلا تعقلون). فنبههم على العقل حين قال: أفلا تعقلون ؟ # وحكاية أيضا عن الخليل صلوات الله عليه: (ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ~~ربه) إلى قوله: (والله لا يهدي القوم الظالمين). وحكاية الرب سبحانه عن ~~الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين، قال الله - عز وجل - حكاية عن الأنبياء ~~والأمم: (ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم ~~لا يعلمهم إلا الله) إلى قوله: (لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا). ~~فرجعت الأمم إلى المغالبة والمسايفة والمناضلة. # فلما أطبقت الأنبياء أن لابد للمحدث من محدث فاطر، ثم أقسم الله تعالى في ~~كتابه بالقسم الذي لم يقسم في كتابه قبل ؛ أقسم بسبعة أقسام، فقال: (والشمس ~~وضحاها) إلى قوله: (فألهمها فجورها وتقواها) والإلهام في مقام الخبر ~~والقبول في مقام السماع. # ومصداق ما قنا ms361 من السنة: قول رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «كل مولود ~~يولد على الفطرة حتى يكون أبواه هما اللذين يهودانه أو يمصرانه أو ~~يمجسانه». PageV03P257 # وقال عليه السلام: «خلقت هذه القلوب حنيفية، إلا ما كان من الشيطان، فإنه ~~يخترمها عما خلقت له» ولهذا المعنى قال بعض العلماء: ليس على الأطفال ~~بالجملة التي يدعو إليها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عند حال البلوغ ~~لأنهم على الفطرة. # فإن قال قائل: كيف قامت حجة الله على العباد ؟ # قلنا: الناس عندنا على ثلاثة أوجه: آدم عليه السلام، إنما قامت عليه ~~الحجة بسماع ولا فكر فيه حظ، وبقيت له مهلة في خلقته، وذلك أن الله تعالى ~~لما نفخ فيه الروح وسار من يافوجه إلى دماغه إلى عينيه إلى فيه ولسانه، وهو ~~في كل ذلك يتأمل الأشياء، وذلك في آخر النهار والشمس قد دنت إلى الغروب فهو ~~يتأملها، وعطس حين دخل الروح في منخريه وجبريل عليه السلام عند رأسه، وملك ~~آخر عند رجليه وقيل: إنه ميكائيل عليه السلام. # فقال له جبريل عليه السلام: (قل الحمد لله يا أبا محمد) ففهمه الله تعالى ~~معنى هذا الكلام ؛ وهي ثلاث كلمات (قل) كلمة (والحمد لله) كلمة و (يا أبا ~~محمد) كلمة. # فقال آدم عليه السلام: «الحمد لله». # وعلم آدم عليه السلام (قل) أنه أمر أمره أبو محمد، وعلم أن (الحمد لله) ~~هي الكلمة التي أمره الله بها، وألهم له من قوله: (يا أبا محمد) أنها كلمة ~~تدل على التسمية والتكنية، وربما ينفهم له بها معنى الأبوة والنبوة، وهذا ~~كله إلهام من الله تعالى حين قصد إلى (الحمد لله) ولم يقصد إلى (قل) فيقول: ~~(قل). ولم يقصد إلى (أبا محمد) فيقول: (يا أبا محمد). PageV03P258 # ثم إن آدم عليه السلام نظر إلى الشمس وهي في ناحية المغرب، فإنه خلق في ~~آخر النهار، وعقل الموضع الذي كانت فيه حين بلغ الروح عينيه، فما زال الروح ~~يسري فيه إلى عنقه ثم إلى عضديه ثم إلى صدره ثم إلى جوفه ثم إلى حقويه ثم ms362 ~~إلى فخذيه، وهو في كل ذلك يتأمل نفسه ويتأمل الشمس، وحتى وصل الروح ركبتيه، ~~ونظر إلى الشمس قد جاوزت الموضع الذي رآها فيه أول مرة ودنت للغروب، وخاف ~~عليه الغروب واستعجل وأراد أن يقوم ليتداركها قبل المغيب، ولهذا قال الله - ~~عز وجل -: (وخلق الإنسان عجولا) (وخلق الإنسان من عجل). # وشرع الله لآدم وحواء كلمة: «لا إله إلا الله» وهو توحيدهم، وشرع لهم ~~الركعتين بالغداة والعشي، فهذا دينهم الذي أخذوه سماعا وهو دين الصابئين ~~الأول، ثم انتشرت ذرية آدم عليه السلام، ثم الأنبياء على مثل هذه الشريعة ~~إلى أبينا نوح عليه السلام، ثم هود ثم صالح ثم إبراهيم عليه السلام فعند ~~أيام موسى عليه السلام، وإلى هذه الشرائع الأربع الإشارة في القرآن، قال ~~الله تعالى: (إن الذين آمنوا والذين هادوا... الآية) فمن وافق إحدى هذه ~~الشرائع الأربع بسماع سلم، أو بفكر سلم. # والوجه الثاني: المشرك الذي اخترمه الشيطان عما خلق له، أو حوله أبواه ~~إلى أديانهما ثم أن الله تعالى قد أدركه برحمته فألهمه الألوهية والإيمان ~~بها. كما قال الله - عز وجل -: (فألهمها فجورها وتقواها...). # ولله تعالى طرق كثيرة مما تقوم به الحجة على عباده، كما ألهم النحل ~~والنمل والجراد والقمل والحشرات، وجميع الحيوانات. # ومن حجج الله تعالى على عباده الرؤيا التي هي جزء من ستة وأربعين جزءا من ~~النبوة، وربما يرى في رؤياه جميع ما يختلف، ولا سيما من اعتقد ذلك من أمور ~~الدنيا، فكل ما رآه يتقنه، فيؤمن بالله واليوم الآخر، فربما يخاطب الموتى ~~في منامه فيخبرونه على الإيمان بالله - عز وجل -. # وفنون الرؤيا كثيرة، وهي علم من العلوم. PageV03P259 # ومنها: أن يسمع الخطاب من الحيوانات، كالهدهد لسليمان عليه السلام والنمل ~~له، والحمامة لابنة الملك، والصرد لآدم عليه السلام. # وربما يخاطب من أجواف الأصنام أو الشجر أو صدى الجبل. # وربما يستعمل اللتين جعلهما الله لأولاد آدم عليه السلام ذريعة إلى ~~العلوم: حس الحواس ودلائل العقل. # والآيات الواردة في القرآن قال الله تعالى: (إن في خلق السموات والأرض ~~واختلاف الليل والنهار) ms363 إلى قوله: (لآيات لقوم يعقلون). فنبه على العقل. # وقوله: (أو لم ينظروا في ملكوت السموات والأرض) الآية. # وقال الله - عز وجل -: (وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون). # وقد نبهت الأنبياء عليهم السلام أن ليس في الفاطر شك عند من ثبت عنه ~~الفطور ؛ وقد ثبت عند الكل، ونشأ الجميع على ذلك، وهذا متى ألهم الإيمان في ~~قلبه فهو على دين الله ودين أنبيائه. # فإن قال قائل: ما حال هذا عند الفرائض والمعاصي التي لم يسمع فيها شيئا ~~ولا يدركها بعقله إلا بسماع من شارع مسمع ؟ # قلنا: وبالله التوفيق: أما العبادات التي لا تدرك إلا بالسماع فإنها ~~محطوطة عنه في شريعة أبينا آدم عليه السلام. # ومثاله: من آمن عند محمد (صلى الله عليه وسلم) من المؤمنين ثم غاب غيبة ~~لا يبلغه سماع ما حدث عن محمد عليه السلام من الصلاة والزكاة والصوم الحج ؛ ~~وأمثالها، فليس عليه شيء حتى تقوم عليه الحجة بدليل قوله: (ما على المحسنين ~~من سبيل والله غفور رحيم) فهذا محسن آمن بربه واستهدف لأمره. # ذكر مسألة عجيبة وغريبة وهي من رفعة الله إلى السماء ماذا يلزمه # وهاهنا مسألة عجيبة ؛ من رفعه الله تعالى إلى السماء وكان فيها، أكان ~~يلزمه من أعمال الشرائع شيء أم لا ؟ # الجواب: ليس عليه من عمل المعهودة في الأرض شيء، كعيسى بن مريم عليه ~~السلام، وإلياس والخضر صلوات الله عليهما. PageV03P260 # وأما من كان في الأرض أو نزل إليها فعليه امتثال شريعة محمد (صلى الله ~~عليه وسلم)، أو شريعة قامت بها عليه الحجة من الشرائع الأربع، إلا الخضر ~~فإنه يعلم العلم اللدني استغنى به عن علم كل أحد إلا العلم من لدن الله تعالى. # وأما المعاصي فإن جلها قبيحة عنده في النفس، فإن طبع بني آدم أن يستقبح ~~جميع ما يسيء إليه، ويستقبح ذلك من نفسه إن فعله بغيره، فكان علمه ضروريا. # وقال عمروس بن فتح - رضي الله عنه -: (معرفة المعاصي من طبائع العبد، ~~وذلك جميع ما يستقبحه العبد من نفسه) ومنه التقدم إلى ms364 ملك الغير، فهو قبيح ~~إذا كان بغير إذنه، ألا ترى إلى عبيدنا ليس للعبد أن يتقدم إلى شيء بغير ~~أمر سيده. # وفي مثل هذا وردت المسألة: ما الحكم في الأشياء قبل ورود الشرع ؟ # فقال بعضهم: الحظر. وهذه عقلية. # وقال بعضهم: الإباحة. وهذه شرعية. # وإن الله تعالى خلق ابن آدم فسخر له ما السموات وما في الأرض جميعا منه، ~~فوسعه التقدم إلى جميع ما يعلم الله أنه سخره، علم أو لم يعلم، إلا ما كان ~~من القول فإنه محجور عليه، وهو مما لا يعني ولا يدري، لا سيما القول عن ~~الله - عز وجل - بغير علم قال الله تعالى: (وأن تقولوا على الله ما لا ~~تعلمون). # والوجه الثالث: المشرك الذي اقتضى خلاف خلقته وفطرة الإسلام التي فطر ~~الناس عليها، إلى أن مات على غير تلك الحال، فهذا غير معذور وهو معذب ~~ومعاقب، فإن عذبه الله تعالى بشركه فقد استحق أعظم العذاب، وإن زاد في ~~تعذيبه عذابا على انتهاك المحارم، فله ذلك، وإن زاده عذابا على ترك الفرائض ~~؛ فله ذلك، لله الأمر من قبل ومن بعد، وفي العذاب على الشرك كفاية. # وأكثر ما أخذ الله تعالى به الأمم في الدنيا على المحارم والمظالم وترك ~~الفرائض، وعذاب الآخرة أشد وأبقى. # ولنرجع إلى تصفح أقاويل هؤلاء المختلفين:- PageV03P261 فأما ما يذكر عن ~~عبد الله بن يزيد الفزاري ؛ أن حجة الله قد قامت على العباد وقد سمعوا، حتى ~~أن بعضا من أصحابه يقول: إن صوت السماع هو طنينه في أذني. # فمثل من يقول هذا القول، لا يخاطب ولا يعاقب لفقده العقليات والحسيات، ~~فهذا إلى الجنون أقرب، ولو جاءه مجنون آخر وقال له: صدقت، لكن أنا الذي ~~أسمع من خطاب الله تعالى للمؤمنين، واستقر سمعه في أذني، وانفهم لي معناه: ~~أيها الناس ليس عليكم صلاة ولا زكاة ولا صوم ولا حج، ذلك فضل الله يؤتيه من ~~يشاء، والله ذو الفضل العظيم، لما انفصل والآخر بخلاقهما، ولكن في عبد الله ~~بن يزيد لا يظن فيه هذا ولا يعتقده مع الدرجة ms365 العليا التي بلغها في العلم ~~والعلوم، ولا يرضى بهذه الخلالة أصم ولا أبكم ولا أعجمي ولا عربي. # وأما قول سعيد بن راشد الحداء: (إن حجة الله قد قامت على العباد، بسماع ~~وبغير سماع، فالناس كلهم مقطوعو العذر لا سمعوا ولا لم يسمعوا). فليسأل عن ~~الله تعالى حين أمر جبريل عليه السلام أن ينزل على محمد عليه السلام بأمر ~~من الأمور كالصلاة والصوم وغيرهما، ما حال الاس في حال خطاب الله - عز وجل ~~- لجبريل ؟ قال: واسع. وحين نزل جبريل ما دام في السموات قال: واسع. فإذا ~~فرغ من خطابه قال: ضاق على أهل الخافقين من أمة محمد، من سمع ومن لم يسمع. ~~وهذا تكليف ما لا يطاق، وقد قال الله تعالى حكاية عن المؤمنين: (ربنا ولا ~~تحملنا ما لا طاقة لنا به) ولا يطاق هذا، والرب أرأف وأرحم وأكرم أن يكلف ~~من كان في الصين أمرا أمر به من كان في الحجاز. # القول في تبليغ رسول الله عليه السلام # * في تبليغ رسول الله (صلى الله عليه وسلم * # قال الله - عز وجل -: (يأيها الرسول بلغ من أنزل إليك) إلى قوله: (يعصمك ~~من الناس). # وقال في موضع آخر: (فتول عنهم فما أنت بملوم) وعذره حين بلغ. # اعلم أن تبليغ رسالة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) على ثلاثة أوجه: ~~أحدهما: أن يشافه من واجهه، أو يرسل إليه رسولا، أو كتابا. PageV03P262 # والثاني: أن يوسع العذر على من كان على إحدى شرائع الأنبياء عليهم السلام ~~حتى تقوم به له حجة. # والثالث: أن يقطع الذعر على من كان على غير دين الله. # مسألة: # إن سأل سائل فقال: هل على الله - عز وجل - أن يرسل الرسل إلى الناس، أو ~~ليس عليه من الإرسال شيء ؟ # الجواب: # ليس على الله أن يرسل إلى الناس الرسل إلا في موجب الحكمة، وليس على الله ~~من واجب إلا في مقتضى الحكمة، وله الفضل في ذلك. # فإن سأل فقال ما معنى هذه الآية: (يأيها الرسول بلغ) الآية. عن قوله: ~~(إنا أوحينا إليك كما ms366 أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده) إلى قوله: ~~(والأسباط) ثم قال: (رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد ~~الرسل). وقال: (يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل ~~أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير) وقال: (أو تقولوا إنما أنزل الكتاب ~~على طائفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين). (وقالوا لولا أرسلت ~~إلينا رسولا فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى). # الجواب: # اعلم أن الآيات كلها تريد أن تكون لهم محاجة، ألا ترى إلى قولهم: (لولا ~~أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى) فأثبتوا الذل لأنفسهم ~~والخزي، لا جاءتهم الرسل ولا لم تجئهم، وقد أدرج الله في عقولهم ما يحتاجون ~~إليه من أمر دينهم، فإن وقع من الله مما لا تبلغه عقولهم، فتفضل عليهم ~~بإرسال الرسل لئلا تفوتهم مراشد مصالحهم التي لو لم يكلفهم إياها لما ~~لزمتهم. # الكلام في مسألة المتبرجة # اعلم أن الله تعالى نهى عن المعاصي كلها وذمها وقبحها. قال الله - عز وجل ~~-: (إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء ~~والمنكر). # وقال: (إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن) والمجمل محتاج إلى ~~التفسير، والعام محتاج إلى التخصيص، والمطلق محتاج إلى التقييد. # قال الله - عز وجل -: (إن الله يغفر الذنوب جميعا) فأطلق ولم يقيد، وعم ~~ولم يخص. PageV03P263 # وقال - عز من قائل -: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء). # واستثنى من الشرك الكبائر وعلقها إلى المشيئة. وقال: (إن تجتنبوا كبائر ~~ما تنهون عنه) فوقع الاستثناء على السيئات دون الكبائر وحصلت الكبائر في ~~حيز الكفر، وقال في آية أخرى: (ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين ~~فيها أبدا) وقال: (بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم ~~فيها خالدون) وجاءت هذه تارة عموما، وتارة خصوصا، وتارة مطلقا، وطورا ~~استثناء، فصح أن الخاص يقضي على العام، والمفسر يقضي على المجمل، والمستثنى ~~يقضي على ms367 المطلق، فهذه الأوجه الثلاثة متفق عليها، وإنما وقع الاختلاف في ~~العوارض. # وأما قول الله - عز وجل -: (إن الله يغفر الذنوب جميعا) فهذا العام مخصوص ~~في ذاته، خصته الحكمة والقرآن والسنة ورأي المسلمين. # وأما الحكمة: فلو أطلق الله تعالى المغفرة على الذنوب بلا سبب، لكانت ~~الذنوب بمعنى الإباحة، وليس من الحكمة النهي عن شيء، ولم يقترن معه العقاب ~~بلا سبب إلا كان إباحة، ولا يجوز مع الحكيم العليم، إتباع معاصيه. # خص القرآن أيضا هذه الآية: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك ~~لمن يشاء) فخص الآية الأولى: (إن الله يغفر الذنوب جميعا) وقال تعالى: (ومن ~~يقتل مؤمنا فجزاؤه جهنم خالدا فيها) إلى قوله: (عذابا عظيما). # وخصته السنة أيضا، قال (صلى الله عليه وسلم): «من قتل نفسه بحديدة فهو ~~يتوجأ بها في النار، ومن تحسى سما فهو يتحساه في نار جهنم خالدا مخلدا) ~~وأوجب خالدا مخلدا أبدا، فأوجب الله تعالى أن المغفرة التي ترى من وجبت ~~بالذنوب جميعا أنها التوبة وقال: (وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا) ~~وتوبوا إلى الله توبة نصوحا عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم). PageV03P264 # ثم إن الله أطلق المغفرة لما دون الشرك. فقال: (إن الله لا يغفر أن يشرك ~~به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) فعلق المغفرة في الكبائر على المشيئة، وقرن ~~الشرك بالوعيد وأضاف إليه الكبائر، فخص منها السيئات. وقال: (إن تجتنبوا ~~كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم). # فاتفق الجميع: أن السيئات مكفرة مغفورة لمن اجتنب الكبائر، وأجمعت الأمة ~~أن الذنوب مكفرة مغفورة بالتوبة الشرك وغيره، وجاءت الإشارة في الكبائر ~~بالمشيئة. # وقال جابر بن زيد - رضي الله عنه -: (إن مشيئة الله تعالى التي يكفر بها ~~الكبائر قد أنبأنا بها وهي التوبة والحسنات والمصائب). # واتفق الجميع: أن السيئات مغفورة باجتناب الكبائر، وأن الكبير تعلق ~~بالمشيئة، والمشيئة مدحة لا تفيد طائلا كما تقدم. # واختلف الناس في الشرك والكبير والصغير والسيئة والخطيئة. # وأما اختلاف الناس في الشرك: فإن الخوارج قضت أن معصية الله ms368 كلها شرك، ~~وقالت: (من عصى الله تعالى فهو مشرك). # وقال أهل الدعوة: (إن الشرك يتعلق بذات الباري سبحانه وصفاته وأفعاله، ما ~~لم يقع تأويل محتمل. # وقال ابن الحسين: (لا يشرك من أنكر غير الله - عز وجل -) وأبو بكر ~~الباقلاني من الأشعرية، وأبطلوا الشرك في إبطال الأنبياء والرسل والملائكة ~~والكتب والخلق. # واختلف الناس في الكبير: فقالت الإباضية كلها: (إنها كفر معاقب عليه مخلد ~~صاحبه في النار). واتفقنا مع المعتزلة في التخليد واختلفنا في التكفير. # وقالت المرجئة والسنية في الكبير: (إنه معصية). وامتنعت من التكفير ~~والتخليد. # واختلف الناس في الصغير: فقال أهل الدعوة: (إن الصغير ما دون الكبير وهو ~~معصية). PageV03P265 # وقال ابن عباس: (ليس فيما يعصي الله به صغير). وأثبت جميع مناهي القرآن ~~أنها كبائر، وإنما استثنى الله لمن اجتنب الكبائر مغفرة السيئة، وأما ~~المعصية فلا، والسيئة دون المعصية، والخطيئة من دون السيئة، والسيئات إنما ~~تكون في مناهي الرسول عليه السلام مما لا يتعلق بالقرآن. # واختلف الناس في الصغير والكبير. فقال بعضهم: (الكبير على حدة والصغير ~~على حدة). # وقال بعضهم: (إن لكل صنف من المعاصي صغيرا وكبيرا، وفي القتل صغير وكبير، ~~وفي الزنا صغير وكبير. وقال (صلى الله عليه وسلم): «العين تزني وزناها ~~النظر، واليد تزني وزناها اللمس، ويصدق ذلك ويكذبه الفرج». وفي الكذب صغار ~~وكبار، في مثل هذه الأمور. # ومن قال من إخواننا النكار: (إن المرأة كفرت بالرأي) أخطأ، ولاحظ للنظر ~~هاهنا وحكم الله أولى. وإن قالوا:) إنها مشاكلة) فليتوقفوا ولا يشرعوا). # وأما ما ذكر عنهم أنهم يفعلون ذلك في مجالسهم ومساجدهم، ولو في ما بينهم ~~وبين ذوات محارمهم، فلن يرض بهذا عاقل، ولا يثبت عليهم حتى يشرعوه، فإن كان ~~ففي غوغئهم، وإن لم يكن فزيادة في حسناتهم. # و قال الناس: آمنا بالله وكذبنا أبصارنا. فالعجب من ذوي العقول منهم ~~سكوتهم. # مسألة الوقوف # اعلم أن مسألة الوقوف بين النكار وبيننا لا تنبني على الأصل، لأنهم ~~قالوا: (مهما صدر من المرء أمر اشتبه علينا لا ندري لعله كبير أو غير كبير، ~~فنتوقف ms369 عن ولايته بعد ما كان عندنا من أهل الولاية، ورددناه إلى الوقوف لا ~~نبرأ منه ولا نتولاه). وأول ما وقعت هذه المسألة بين الحارث وعبد الجبار، ~~وذلك أنهما اجتمعا في بيت على أمور المسلمين، ولم يقع الاتفاق بينهما ~~وتشاجرا، فأصاب بهما المسلمون، وقد قتل كل واحد منهما صاحبه، ولا يدرون ~~أيهما الظالم من المظلوم، أو هما ظالمان جميعا، أو هما مظلومان جميعا وقد تجننا. # فقال المكار: (نقف عنهما حتى نعلم المعتدي منهما). PageV03P266 # وقال أهل الدعوة: (نكون على أصل ولايتنا حتى نعلم ما أتيا من المعصية). ~~فاختلفا هاهنا، فقال أهل الدعوة: (نقف في الفعل ولا نقف في الفاعل، فإن ~~نزعنا ولايتنا عن المحق منهما فقد ظلمناه بعد ما أوجبها الله تعالى علينا، ~~والأخرى لا علم لنا بالغيب). وقالوا هم: (نقف عنهما). # واستدلوا على ذلك بعائشة أم المؤمنين حين رميت بالإفك. وقالوا: إن رسول ~~الله (صلى الله عليه وسلم) توقف عنها وقال لها: «يا عائشة إن كنت ألممت ~~بشيء مما يقول الناس، فتوبي إلى ربك وراجعيه». فهذا دليل على أنه توقف عنها. # قلنا: لا ولا نعمت عين. بل كان رسول الله عليه السلام على ولايته لها، ~~ولم يصدر عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أمر يوجب التوقف عنها، لكنها ~~قالت: (الله أعلم لو أقررت بما لم أفعله لصدقتموني، ولكن حسبي الله). فما ~~في هذا ما يدل على وقوفه عنها، بل هي في ولايته لها، لأن هذا أمر واجب، حق ~~المسلم على المسلم: النصيحة والإبقاء عليه، ومع هذا لا يمنع لها حقا واجبا، ~~ونحن على علمنا ولسنا من علم الغيب في شيء، وليست هذه المسألة من الأخرى في ~~شيء كلما اتهمت وليك نقصته حقه. # والأصل في هذه المسألة من قول الله - عز وجل -: (واتقوا فتنة لا تصيبن ~~الذين ظلموا منكم خاصة) وأولها قضية عثمان بن عفان. # وذلك أن عثمان اختلف فيه أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) على ثلاثة أوجه. # والوجه الأول: طريقة عمار بن ياسر وأصحابه وعلي وطلحة والزبير وعامة ms370 ~~المهاجرين والأنصار. # والثاني: طريقة أصحاب سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر بن الخطاب ومحمد ~~بن سلمة الأنصاري وعبد الله بن سلام وزيد بن ثابت. # والثالث: من التجأ مع عثمان. # قال جابر بن زيد الأزدي - رضي الله عنه - وهو قوله: (لا يحل للعالم أن ~~يقول للجاهل: اعلم مثل علمي وإلا قطعت عذرك. ولا يحل للجاهل أن يقول ~~للعالم: اجهل مثل جهلي وإلا قطعت عذرك. فإن قالا ذلك قطع الله عذر كل ~~منهما). PageV03P267 # الرد عليهم في إنكارهم عذاب القبر # ومن مسائل ما بيننا وبينهم عذاب القبر، وعابوها وقالوا: (إنكم اقتبستموها ~~من مسائل المالكية)، ونحن نثبت عذاب القبر وهم ينكرونه، إنهم ما أنكروه ~~شرعا ولا عقلا، وإنما جعلوا جهلهم به حجة على من علم، وليس الإنكار بحجة ~~ولا الجهل بحجة. # اعلم يا أخي أن عذاب القبر صحيح معروف موجود في أيدي الأمة، لا المالكية ~~(1) ولا غيرهم من الشافعية ولا غيرهم من الأشعرية والحنفية والمعتزلة وسائر ~~الشيعة وأصحاب الحديث، متواتر عند أمة أحمد (صلى الله عليه وسلم). # وفي القرآن إشارة إليه على رأي المفسرين وهم القدوة في ذلك، كما أن امرأ ~~القيس بن حجر والنابغة الذبياني والأعشى هم القدوة في اللغة وإن كانوا ~~مشركين، وللمالكية على غيرهم فضل - إن كانوا كما قالوا - إن لهم اهتبالا ~~برسول الله (صلى الله عليه وسلم) ولم يكن لهم (2) اهتبال، وصاحب الصناعة ~~أولى صناعته ممن لا تنسب إليه تلك الصناعة. # وسيأتي ما يكشف عن عوار مذهبهم إن شاء الله، وقد وردت عن رسول الله (صلى ~~الله عليه وسلم) أحاديث وأخبار جمة. # وفي مشاهدة الأبصار والعيان في سائر البلدان، وتواتر في سائر الأزمان، ما ~~يبصر الناس في مقابرهم من النيران المتقدة والأصوات الممتدة وظهور الأنين ~~والحنين على رؤوس العالمين، أعظم الدلالات وأبين البيانات، وهو أقرب إلى من ~~أنكر ولم يؤمن ولم يحسن. # فأول الرويات عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم): كان يعلم أصحابه عليه ~~السلام هذا الدعاء كما يعلمهم السورة من القرآن، وهو قوله: «اللهم إني أعوذ ms371 ~~بك من عذاب جهنم وأعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيخ الدجال، ~~وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات» فإن لم يبلغهم هذا الحديث ولم يؤمنوا به ~~أحرى بهم أن لا يستعملوه، أعظم بهم خيبة وراءها حوبة. PageV03P268 # والحديث الثاني حديث عائشة - رضي الله عنها - أن يهودية جاءتها فطلبت ~~إليها شيئا فأعطتها. فقالت: (وقاك الله عذاب القبر). قالت عائشة: ~~(فاتهمتها). فلما دخل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أخبرنه الخبر، فنظرت ~~إلى وجه رسول الله قد تغير فقال: «تعوذي يا عائشة من عذاب القبر».فما زال ~~رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يتعوذ من عذاب القبر حتى توفي عليه السلام ~~- الحديث # الثالث: أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) مر هو وأصحابه على قبرين ~~يعذبان. فقال لأصحابه: «إنهما يعذبان، وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فإنه ~~يمشي بالنميمة، وأما الآخر فإنه كان لا يستبرئ». فغرز عند رأس كل واحد ~~جريدة. فقال: «ولعل هذا يخفف من عذابهما شيئا ما لم ييبسا» - الحديث. # الرابع: قول رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «إن الميت إذا أدلي في ~~قبره، وفرغ أهله من قبره، أتاه ملكان: أحدهما عند رأسه، والآخر عند رجليه. # وانصرف عنه الناس وهو يسمع خفق نعالهم، فيقعده الملكان فيقولان له: من ربك ؟ # فإن كان مؤمنا فيقول: الله ربي. # فيقولان: من نبيك ؟ # فيقول: محمد نبيي. # فيقولان: ما دينك ؟ # فيقول: الإسلام ديني. # وما قبلتك ؟ # الكعبة قبلتي. # فيفتحان له بابا إلى النار فيقولان: هذا منزلك، فنجاك الله منه. # ثم يفتحان له بابا إلى الجنة، فيريانه مكانه في الجنة، فيهم أن يقوم إليه. # فيقولان: نم رشيدا. فينام نومة العروس حتى يكون أحب أهله إليه الذي ~~يوقظه، حتى يبعثه الله يوم القيامة. # وأما المنافق والمرتاب فيقولان لهما: من ربكما ؟ # فيقولان: لا ندري. # فيقولان لهما: لا دريتما ولا ابتليتما. # فيفتحان لهما بابا إلى الجنة. فيقولان لهما: هذا مكانكما في الجنة لكنكما ~~صرفتما عنه. # فيفتحان لهما بابا إلى النار. فيقولان لهما: هذا مكانكما في النار. فعند ~~ذلك يكرهان القيامة، ms372 فكرها لقاء الله، فكره الله لقاءهما. PageV03P269 # الحديث الخامس: قول رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لما مات سعد بن معاذ. ~~فقال عليه السلام: «لو نجا أحد من عذاب القبر لنجا منه سعد بن معاذ لقد ضمه ~~القبر ضمة كادت أضلاعه تختلف». # والحديث السادس: عن رسول الله عليه السلام: «من مات ليلة الجمعة أو يوم ~~الجمعة وقي عذاب القبر». # الحديث السابع: تسمية. سمى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ملكي القبر: ~~«منكرا و نكيرا». متواتر عن أمة أحمد عليه السلام. # الحديث الثامن: عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «القبر إما روضة من ~~رياض الجنة، أو شعلة من نار جهنم». # الحديث التاسع: ما رواه ابن مسعود - رضي الله عنه - عن رسول الله (صلى ~~الله عليه وسلم) قال: «عن في القرآن لسورة فيها ثلاثون آية يقرؤها أحدكم، ~~فإذا مات ودخل القبر، فإذا جاءه الملك من ناحية رأسه حالت بينه وبينه، فإذا ~~جاءه من ناحية رجليه حالت بينه وبينه، فإن جاءه من ناحية جنبه حالت بينه ~~وبينه». قال ابن مسعود هي: (تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير). # الحديث العاشر: عن ابن عمر قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): ~~«كيف بك إذا جاءك فتانا قبرك، منكر ونكير، ملكان أسودان أزرقان ينحتان ~~الأرض بأنيابهما، ويطآن في شعورهما، أصواتهما كالرعد القاصف، وأبصارهما ~~كالبرق الخاطف» فقال عمر: (يا رسول الله، أمعي عقلي كما أنا عليه اليوم ؟) ~~قال: «نعم»، قال: (أكفيكهما بإذن الله)، وقال النبي عليه السلام: «إن عمر موفق». PageV03P270 # وعن علي بن أبي طالب أنه قال في خطبته: (عباد الله الموت الموت ليس منه ~~فوت، إن أقمتم أخذكم وإن فررتم أدرككم، الموت معقود بنواصيكم، النجا النجا، ~~والوحا الوحا، فإن وراءكم طالبا حثيثا وهو القبر، روضة من رياض الجنة، أو ~~حفرة من حفر النار، وأنه يتكلم في كل يوم ثلاث مرات فيقول: أنا بيت الظلمة، ~~أنا بيت الوحشة، أنا بيت الديدان. ألا وأن وراء ذلك ليوما لاشك فيه يشيب ~~فيه الصغير، ويسكر في ms373 الكبير)... خطبة طويلة. # وعن ابن عباس وعبد الحميد بن محمود المعولي: أنه قال: كنت جالسا مع عبد ~~الله بن عباس إذ أتاه قوم فقالوا: (خرجنا حجاجا ومعنا صاحب لنا حتى انتهى ~~ذات صباح، فمات، فيهأنا له، ثم انطلقنا، فحفرنا القبر فإذا نحن بأسود قد ~~ملأ اللحد، يعني حية، فتركنا القبر فحفرنا له مكانا آخر، فإذا نحن بأسود قد ~~ملأ القبر، فتركناه وأتيناك). # فقال ابن عباس: (ذلك الغل الذي يغل به، انطلقوا فادفنوه في بعضها، فوالله ~~لو حفرتم الأرض كلها لوجدتموه فيها). فأكبروا قوله. # قالوا: (فانطلقنا إلى أهله بعد ما دفناه في بعضها، فلما رجعنا أتينا أهله ~~بمتيع كان له معنا، فقلنا لامرأته: (ما كان عمل زوجك ؟) # قالت: (كان يبيع الحنطة، وكان يأخذ كل يوم قوته، ويقبض من القبض وهو ~~الفكر مثله، ويلقيه فيه) فمن هذه الخيانة عذب في القبر. # وقد شاع في أمة أحمد ما أبصروه عيانا في المقابر، ما يغني عن جهل من ~~جهله، فما يكفي الجاهل أن يعتذر إلى الناس ويعذرونه، من أن ينتحل جهله علما ~~ويغيب من علم. PageV03P271 # ولو أردنا ذكر شيء من ذلك مما رأينا وعاينا وعاينوه هم بأنفسهم، لاتسع ~~الحال وانفسح المجال وفاق القيل والقال، مما لا ينكره عاقل، مستفاض في أيدي ~~الناس إلا عند النسناس. وقولهم: (إنما اقتبسناه من المالكية). ومن وراء ~~المالكية الأمة قاطبة، ومن أين يدعوهم جهلهم حتى اتخذوه دينا، ولو سئلوا عن ~~أعظم فريضة من سنة رسول الله (صلى الله عليه وسلم، مما لا يجهله أمي ولا ~~عاقل من دينهم، من أين لهم العلم بها إلا أنهم وجدوا آباءهم على عبادة وهم ~~في آثارهم يهرعون. # ولقد سبق السلف وشرع الخلف مثل أبي جهل وغيره مثل: إنا وجدنا آباءنا على ~~أمة وإنا على آثارهم مهتدون، لا بل وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم ~~مقتدون، وربما ينتحلون معرفة عدد الصلوات وأوقاتها ووظائفها من الإجماع، ~~وأني لهم ما عند الثلاث والسبعين فرقة ولم ينصوا عليه ولا يعرفونها ولا ~~أزمنتها ولا أمكنتها ولا أئمتها، ms374 وربما يعجزون عن شرع أئمتهم، فكيف بمعرفة غيرهم. # ومسألة عذاب القبر ليست من مسائل الديانات، فمن جهلها سلم، ومن علمها ~~غنم، ومن تورط فيها ندم. # والحمد لله رب العالمين. وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين وإمام ~~المرسلين. # الرد على إخواننا النكار في جميع ما ذهبوا إليه # بسم الله الرحمن الرحيم # صلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم # الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد خاتم النبيين، وعلى ~~جميع الأنبياء والمرسلين، والملائكة المقربين والمرسلين أجمعين، اللهم صل ~~عليهم في الأولين وبارك عليهم في الآخرين وانفعنا بشفاعتهم يوم الدين يا ~~أرحم الراحمين، اللهم آمين آمين. PageV03P272 # اعلم أنه يجب وينبغي لمن ينتحل خشيه الله في السر والعلانية - إذ لم يخلق ~~هملا، ولم يترك سدى طللا - أن يراعي نفسه ويحاسبها عند ثلاثة مواطن أولها: # أن يصدق ظاهره باطنه، ويوجب لله تعالى من الخدمة ما نطق من قول: لا إله ~~إلا الله. # الثاني: أن لا يعتمد على وقل الآباء والأجداد في الضمائر والاعتقاد في ~~دين الله العلي الهادي. # الثالث: أن يحاسب نفسه في المناظرات، فيقل الحق إذا ظهر، ويرد الباطل إذا ~~ندر، ويحسن الأدب في مناظراته، ويراعي الصدق والحق في محاوراته، وإن أخل ~~بواحدة من هذه فهو لنفسه أعدى عدو من أعدائه. # اعلم يا أخي إنا بحالة يرحمنا فيها جميع الخلق، عصمت الملائكة وابتلينا ~~بالتكليف، وتوعدنا بالنيران وسلم سائر الحيوانات، وأعظم من هذا نعمة ونقمة ~~السعادة الأبدية والشقاوة الأبدية، وتقدمتنا الأمم قبلنا بالخيرات وانفردنا ~~منهم خصوصا بفقد الأنبياء والمعصومين الأولياء، وكثرة الحوادث والفتن ~~والزلازل والمحن، أعمار قصيرة وهموم كثيرة، وأكدته قطاع الطرق عن دين الله ~~- عز وجل - فإنا لله وإنا إليه راجعون. # وذكرت يا أخي مسائل ما بيننا وبين إخواننا النكار. # اعلم يا أخي أن مسائل ما بيننا وبينهم لا تجدي نفعا ولا تغني، وتعد مما ~~لا يعني، فمن جهلها منا ومنهم سلم، ومن خاض فيها ولم يصب ندم، ومن أصاب ولم ~~يعتد غنم، والمعذرة إلى الله. # وإلى كل من سمع مقالتي أن ms375 ينظر فيها بعين البصيرة، فيحاسبني إن زغت، ~~ويصدقني إن أصبت، والله المستعان، وحسبي الله ونعم الوكيل. # وذكرت أن أشرح لك السلف الصالح والطالح لتكون على حقيقة من الأمرين جميعا. # فأول ما ابتدئ فيه، اسم الله تعالى واختلاف الناس فيها، وأنص على قول كل ~~واحد حتى يكون كأنه حاضر، وهو العدل والأنصاف. # اعلم أن ما يوجبه التخبط والتشبط بين الناس أن المتناظرين يبنون ~~مناظراتهم على فروع أصولهم ويهملون أصولهم، ويبني كل واحد على أس نفسه. PageV03P273 # اعلم يا أخي أن الأمة اختلفت في مسألة الأسماء والصفات، فقال أهل البصرة ~~من العراق: (إن الاسم هو المسمى). # وقال أهل الكوفة من العراق: (إن الاسم غير المسمى)، وافترقت الأمة عليهم. # اعلم أن ما قال الفريقان صحيح من وجه وغلط من وجه، وأنا أذكر الأس ~~والفرع، وأبني على الأس فرعه. # اعلم أن الله تعالى خاطبنا بخطاب معروف عندنا، حقيقة ومجازا، ومجازه ~~يخصنا دونه، وكاد أن يكون الخطاب في حقنا وفي حق الله مجازا، وانفرد الله ~~تعالى في لسان العرب بأربع كلم، كانت في حقه حقيقة وفي حقنا ممنوعة وهي: ~~اله، والرحمن، والخالق، وسبحان. # فأما قوله: الله فمن (لا إله إلا الله) كلمة لا تسوغ لأحد. # والرحمن: لم يتسم به إلا كذاب اليمامة. # والخالق ممنوع في كتاب الله - عز وجل - قوله - عز وجل -: (هل من خالق غير ~~الله) فلا خالق إلا الله. # وكذلك: سبحان. وقد ذكر عن الأعشى ميمون بن قيس في الجاهلية يمدح علقمة بن ~~علاثة. وقال: (سبحان من علقمة الفاخر). # وذكر الله - عز وجل - نفسه مطلقا. وقال: (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من ~~المسجد الحرام). # وقال: (سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين). # وقال: (سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب ~~العالمين). # واختلف الناس هاهنا، فقال قائلون: (الأسماء والصفات ما قرع الآذان) وهم ~~بعض الأشعرية. # وقال آخرون: (الأسماء والصفات المعاني التي دلت عليها الألفاظ المسموعة ~~بالآذان المصونة تحت اللسان). # ونحن نشير إلى ما ذهب إليه كل واحد إن ms376 شاء الله تعالى. # اعلم أن الله - عز وجل - فضل أبانا آدم عليه السلام على الملائكة الذين ~~هم أفضل الخليقة، بمعرفة الأسماء. # وذلك أن الله- عز وجل - قال للملائكة: (إني جاعل في الأرض خليفة) إلى ~~قوله: (إنك العليم الحكيم) إلى قوله: (وما كنتم تكتمون). # ثم قال عز من قائل: (وإذ قلنا للملائكة اسجدوا) إلى قوله: (من الكافرين). PageV03P274 # فمن عري من فضيلة هذه الأسماء ولم يعترف بالجهل لها كالملائكة، التحق ~~بإخوانه الشياطين من ذرية إبليس اللعين. # ونحن نشير إلى حقيقة الأسماء ظن وغلط كل فريق فيها. # فأول ذلك: أن وجود الأسماء يقتضي ثلاث معان: وجودها في الأعيان، ووجودها ~~في الأذهان، ووجودها في اللسان. # ونحن نشير إلى بداية الخلق من الجواهر إلى نهاية النطق التي هي ثمرة ~~الخلق، فإن الله تعالى أول ما خلق الجواهر، فجعل فيها المسطقسات وهي ~~الطبائع الأربع، التي هي: اليبوسة، والحرارة، والرطوبة، والبرودة. # فمن هذه الطبائع، فمزجت منها العناصر التي هي: الأثير، والهواء، والأرض، ~~والماء. # ومزج اليبوسة والحرارة، فكان منهما الأثير. # ومزج الحرارة والرطوبة، فكان منهما الهواء. # ومزج الرطوبة والبرودة، فكان منهما الماء. # ومزج البرودة واليبوسة، فكان منهما الأرض. # فظهر فيما دون الأثير إلى المركز الذي هو الأرض ؛ عالم الكون والفساد، ~~وما وراء هذا فعل جوهرية، وظهر في عالم الكون والفساد الجماد والموتان. # وانفرد بالأرواح الحيوان، فظهرت ثمرة الخلق في الحيوان، لأنه يغدو وينمو، ~~ويفعل ويترك، ويختار ويكتسب، فخلق الله هذه الأجناس الثلاثة وهي: الملائكة ~~والأنس والجن، فركب فيهم العقل، فهي آخر القضية. # والروح والعقل جوهران، وخلق الله النطق لهؤلاء الثلاثة، وخصهم به من سائر ~~الحيوان، وأخرج فيه البيان والتبيان لعجائب ما في القرآن من شأن، منة ~~وفضيلة من الرحمن، فخلق اللغات التي يتناطق بها الناطقون في الأزمان على ~~ثلاثة أوجه، فكانت هذه الوجوه الثلاثة بحرا من البحور العظيمة التبيان، ~~وخليجا من سائر الخلجان في جانب البحر المحيط الذي هو بحر المعاني، فتبارك ~~الله أحسن الخالقين، وليقصر العيان عن ركوب هذا البحر الثاني. # ولنشر إلى أسماء الأعيان، ووجودها في الأذهان، ms377 وظهورها على اللسان. PageV03P275 # وأما أسماء الأعيان، فإن الله تعالى خلق الخلائق فجعل اللغات، فجعل بعض ~~الخلائق أسماءها منها، كالجسم والعرض والإنسان وأسامي الأعداد بهذا الاسم ~~ذاتي، كالإنسان والحيوان وخمسة من الأعداد والسواد من الألوان والبياض. # اعلم أم ما لا ينفهم لك من الشيء إلا بمعرفة غيره فذلك الغير ذاتي له، ~~كالعدد للخمسة والأربعة، واللون للسواد والبياض، فلن ينفهم لك السواد حتى ~~ينفهم لك اللون، ولا الأربعة حتى ينفهم لك العدد. # والذاتي من الأسماء: ما يمكن الخمسة عددا، وأعم الأسماء الموجودة، ويطلق ~~على الباري سبحانه وجودا واجبا، ويطلق على الغير وجودا ممكنا، فوجود الباري ~~متعلق بمائية، ووجود غيره متعلق ماهيته. # والمائية: إشارة إلى الذات والوجود، والماهية: إشارة إلى الذات والصفة، ~~فالأول متعلق بالهلهلة، والثاني متعلق بالكيفية. # فالأولون: أبصارهم مقصورة على الألفاظ أنها أسماء. # والآخرون: لاحت أبصارهم على المعاني هي الأسماء. والألفاظ والمعاني بحران ~~عظيمان زاخران لجيان، وليس كل اسم ذاتيا، ولا كل اسم لفظيا، منها أسماء ~~الأعيان، وأسماء الألفاظ سهام اللسان. # وأما سهام الأذهان فمنقسمة بين الأعيان واللسان، ومرجعهما إلى العلم، ~~لأنك تعرف حقيقة اسم الشيء في ذهنك، وليس في ذلك ما يدل على ذات الاسم ولا ~~عليه، وليس فيه أيضا ما يدل على أنه لفظه ولسانه. # ولنشر الآن إلى دلالة الفريقين جميعا، إلى وقل من قال: إن الاسم هو ~~المسمى. وإلى قول من قال: إن الاسم غير المسمى. # واستدل الفريقان جميعا بلغة العرب، فقال بعضهم: إن العرب قسمت لغتها، ~~فجعلت نصيب الذوات هي الأسماء، ونصيب الحركات هي الأفعال. # والحروف عقاقير بها تظفر فائدة المعاني. لو قلت: (زيد الجبل) لما ظهر ~~مرادك، فإن أدخلت حرفان بان واستبان فتقول: (زيد على الجبل). ولو قلت: ~~(عمرو الدار) لما أنفهم للسامع، حتى تقول: (عمرو في الدار). PageV03P276 # قسموا لغة العرب هذا التقسيم، وعلقوا الأسماء بالذوات، لأنك تبصر الذوات ~~وتجهل الأسماء. فتقول: (من هذا ؟) فيقال لك: (زيد). فوقعت الجهالة على ~~الاسم لا على الذات، وتزيل عنه بعض أسمائه، وتحدث له غيرها، وتفارق بعض ~~أسمائه لحدوث غيرها، ms378 وتنسى الاسم ولا تنسى المسمى. # والاسم مأخوذ من السمو على رأي أهل البصرة، ومن السمة على رأي أهل ~~الكوفة، وكلاهما دالان أن الاسم غير المسمى، ويقول القائل: اكتب أسمي في ~~هذه الصحيفة. وتكتب الاسم ولا تكتب الرجل. # وتختلف عليه الأسماء باختلاف الحالات: من نطفة إلى علقة إلى مضغة، إلى ~~طفل إلى غلام إلى بالغ، إلى رجل إلى شاب إلى شيخ إلى هرم إلى ميت، فالذات باقية. # وقال الآخرون: إن هذه الأسماء هي غيره، لأنها بمقتضى اللسان والأذهان، ~~وبقي عليكم حكم الاسم في الأعيان. # وقد قدمنا القول في أسماء الأعيان والذوات، وأسماء الذوات هي الأصل، ~~وأسماء اللغات هي الفصل، وللأصل فضيلة على الفصل. # وإن كان التوجه لا محالة إلى الباري سبحانه لأسمائه وصفاته، فللأفضل دون ~~المفضول، والأفضل في حد الحقيقة، والمفضول في حد المجاز. # فالحقائق أولى بالباري سبحانه من المجازات، إلا في موضع هنع منه الشرع ~~لقوله - عز وجل -: (ليس كمثله شيء). # واستدل الفريقان جميعا على قولهما بقول الله تعالى: (هو الله الذي لا إله ~~إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم) إلى قوله: (يسبح له ما في ~~السموات والأرض وهو العزيز الحكيم). # واستدل من قال: إن الاسم غير المسمى , بهذه الأعداد المتغايرة والحروف ~~المختلفة والمعاني المتفاوتة، وقد وقع الخطاب عليها من الله - عز وجل - ~~بالجمع والتذكير والتأنيث، أنها غير الله تعالى، والظاهر حكمة على الباطن، ~~وإنما أراد الله تعالى هاهنا الألفاظ دون المعاني. # واستدل الآخرون بالآيات الثلاث التي قدم الله تعالى فيها: (هو الله الذي ~~لا إله إلا هو) ثم قال: لا إله إلا هو. PageV03P277 # وليس بعد الألوهية إلا الذات، فاقتضى هذا القول الحقيقة لا المجاز، ودل ~~بقوله على المعاني دون الألفاظ، إذ هو هو، لا هو غيره. # وقال آخرون: هذا مجاز من القول، كما تقول للشجاع: إنه أسد. وليس بأسد. ~~وتقول للسخي: بحر. وليس ببحر. # وقال آخرون: تعالى ربنا أن رغب عما أخبرنا به عن نفسه إلى تمثيل من دونه، ~~فنحن على الظاهر، والظاهر على الباطن حكمة، إلا ms379 أن يقع للباطن دليل، ~~وللباطن دليل هاهنا، لأن الله تعالى يريد بقوله: هو هو الباطن لا الألفاظ. # وقولك: الشجاع هو الأسد. ولم يرد به اللفظ، ولا عين الأسد، لكن المراد هو ~~المعاني، وهو حقيقة الاسم في ذات الله تعالى. # وكلا الفريقين قد أصاب، هؤلاء: لأن الألفاظ هي الأسماء. والآخرون لأن ~~المعاني هي الأسماء. # فمن أجزل للباري سبحانه المدحة فهو أفضل ممن بخسها، لكن هؤلاء اقتصروا ~~على أبصارهم، وهؤلاء على بصائرهم، وعلى أن مستقاهما من مكانين مختلفين. # ومستقى أصحاب الألفاظ والألقاب والأعلام من اللغة، ومستقى أصحاب المعاني ~~من الشرع، فإذا ازدحما أتت الشريعة على اللغة، على أن اللغة فيها مقتضى ~~المعنيين جميعا، أسماء الألقاب وأسماء الذوات، فالأفضل للأفضل. # واستدل أيضا من نفي الاسم عن الذات بقول الله - عز وجل -: (قل ادعوا الله ~~أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى). # واستدل بقوله: (أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى) أنه أراد الألفاظ التي ~~تدعوا بها الله فتقول: يا الله يا رحمن - فصرفوه إلى اللفظ دون المعنى، ~~بدليل قوله: (فله الأسماء الحسنى). # وقال آخرون: إنما توجه قوله: (أيا ما تدعوا) إلى الله - عز وجل - بما ~~دعوت بها: الله، الرحمن، الرحيم. وصرف المدحة إلى الأسماء، وصرف الآخر ~~المدحة إلى الدعاء، واحتمل اللفظ واحتمل المعنى، فالأفضل أفضل والمفضول ~~مفضول، فالرحمن هو الله، والله هو الرحمن. # وهذان اسمان لفظا ومعنى هما فرد، وصدق الفريقان. PageV03P278 # واستدلوا أيضا بقوله: (سبح اسم ربك) فقال المثبتون: الاسم هو المسمى ~~والتسبيح لا يليق بالمخلوق، وقد وقع هاهنا على الاسم، وصح أنه المسمى. # وقال آخرون: انتصب بإسقاط الخافض، أي سبح باسم ربك وكذلك قوله: (وذكر اسم ~~ربه فصلى) أي وذكر ربه، أو ذكر ربه باسمه. # واستدلوا من اللغة بقول رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «إن الله تسعة ~~وتسعين اسما، مائة غير واحد، لأنه وتر يحب الوتر، من أحصاها دخل الجنة» ~~والحديث مشهور مذكور، ولن يضر القائلين بأن الاسم هو المسمى، حين اعترفوا ~~لهم: بأن الأسماء منها ألفاظ العباد، ومنها معاني ms380 ذوات العباد، وقد قال ~~القائل حين سمع تغريد الحمامة. # كمل الكتاب والحمد لله على التمام # باب معنى لا إله إلا الله محمد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) # باب معنى لا إله إلا الله # ومعنى: (لا إله) نفي وتبرئة، (إلا الله) إثبات وتحقيق وتصديق، وإيجاب، ~~ومعنى: (محمد رسول الله) إقرار وإخلاص وتصديق وتحقيق، وصدق المحبة وأتباع ~~السنة وموافقتها. # ولهذه الكلمات سبعة شروط: أن يقولها عن علم لا عن جهل ولا عن كره، وأن ~~يقولها عن إخلاص لا عن شرك، وأن يقولها عن يقين لا عن شك، وأن يقولها مع ~~العمل ولا يتكل عليها، وأن يقولها بقلبه ولسانه وجوارحه، وأن يقولها ابتغاء ~~وجه الله، وأن يقولها مع التوبة من غير إصرار على ذنب، ويثبت عليها غير ~~مغفول ولا مغير حتى يموت. # فإن قال: ما معنى التوحيد الذي أسس عليه الجميع ؟ # فالجواب: # أن معناه إثبات الواحد ونفي ما سواه من شريك أو إله أو ولي أو طاغوت فكل ~~ما يعبد سواه فيجب الكفر به. # والدليل عليه قوله عليه السلام: «من عبد الله وكفر بما يعبد من دون الله ~~فقد حرم الله دمه وماله وحسابه على الله» # والتوحيد: هو قول: «لا إله إلا الله محمد رسول الله، وما جاء به حق». # فإن قال قائل: فما أول ما يجب على المكلف ؟ # فالجواب: PageV03P279 # أن يعرف الله، ويعرف له ثلاثة، ويفني عنه خمسة، ويثبت له ثلاثة، ويؤمن ~~بواحدة. # فأما الثلاثة التي يعرفها له: فهي معرفة الخالق، ومعرفة المخلوقات، ~~ومعرفة أسماء الله. # وأما الخمسة التي ينفيها عنه فهي: نفي التشبيه والتشريك والتكثير، ونفي ~~المكان والنقائض. # وأما الثلاثة التي يثبتها له فهي: أن يثبت له القضاء والقدر، وأن يثبت له ~~العدل والإحسان، وأن يثبت له الرسالة بالمعجزات. # وأما الواحدة التي يؤمن بها فهي: أن يؤمن بمتشابه الشرع حيث وقع في ~~القرآن والحديث، مثل آيات الاستواء وحديث النزول (1). # فإن قال: ما الذي يجب عليك في معرفة الله ؟ # فالجواب: # أن ينفي عنه الحدود العشرة وهي: قبل وبعد وتحت وفوق ويمين ms381 وشمال وأمام ~~وخلف وكل وبعض. # فإن قيل: بم عرفت الله ؟ # فالجواب: # بالمخلوقات، وعرفت المخلوقات بالحدود العشرة المذكورة. # فإن قيل: بم عرفت هذا كله ؟ # فقل: بضرورة العقل، والضرورة: ما لا يتطرق إليك الشك فيه، ولا يمكن ~~للعاقل دفعه. # فإن قيل: ما المعرفة الواجبة على العباد ؟ # فقل ثلاث: معرفة الباري سبحانه، ومعرفة الرسول، ومعرفة ما جاء به الرسول. # أما معرفة الباري سبحانه فثلاثة: ما يجب له، وما يجوز له، وما يستحيل عليه. # فأما معرفة ما يجب له: فالوجود المطلق، والبقاء المطلق، والكمال المطلق. # وأما ما يجوز له، فإيجاد العالم بعد عدمه، وإعدامه بعد وجوده، وإعادته ~~بعد عدمه. # وأما ما يستحيل عليه: فالابتداء، والانقضاء، والنقائص. # وأما معرفة الرسول فثلاثة:ما يجب له، وما يجوز عليه، وما يستحيل عليه. # وأما ما يجب له: فالصدق، والتبليغ، والنصيحة. # وأما ما يجوز عليه: فالسهو، والنسيان، والنوم. # وأما ما يستحيل عليه: فالكذب، والخيانة، والغش. # وأما معرفة ما جاء به الرسول فثلاثة: أمر، ونهي، وخبر. # والأمر على ثلاثة أضرب: أمر وجوب، وأمر ندب، وأمر ترغيب وتفضيل. # والنهي عن ثلاثة أضرب: نهي تحريم، ونهي كراهية، ونهي تنزيه. PageV03P280 # والخبر على ثلاثة أوجه: خبر عن الدنيا وزوالها، وخبر عن الآخرة ودوامها، ~~وخبر عن الرسل وأممهم. # وهذا آخر ما تيسر. # والحمد لله رب العالمين. # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم # * * * # «والحمد لله على التمام» # * * * # بيان القول في حجة الله كيف قامت على العباد # اعلم أن مسألة السماع قدرية إنما ينبغي الإيمان دون التعليق بها. # قال سعيد بن راشد الحداء: اختلف الناس في الحجة كيف قطع الله على خلقه ~~ومن كلفه دينه بالحجة، بعد إجماعهم على أن كل بالغ صحيح العقل محجوج، ~~وبإجماعهم على تخطئة من زعم أن المكلفين غير مكتسبين، وأنهم مضطرون على ~~جميع أفعالهم، ورد بالنص على من يقول: إنهم مجبولون على أفعالهم بقول الله ~~- عز وجل -: (جزاء بما كانوا يعملون). # وأما تسمية المختلفين من أهل دعوتنا فمنهم: عبد الله بن زيد الفزاري إمام ~~النكار، وسعيد بن راشد الحداء من ms382 أهل دعوتنا الخلصاء، وعيسى بن عمير وابن ~~الحسين. # فكان من قول عبد الله يزيد: (إن حجة الله قد قامت على المكلفين بسماع ~~الخبر المسموع بالآذان، وقد سمع الناس كلهم جميع ما افترض الله عليهم، وليس ~~لله على عباده من حجة إلا الرسل، وإنما قطع الله - عز وجل - عذر المكلفين ~~بالخطاب المسموع بالآذان المفهوم معناه). # فكان من قول سعيد: (إن حجة الله قامت على العباد المكلفين بسماع وبغير ~~سماع، فلله الحمد على العباد يفعل فيهم ما يشاء، إن أسمعهم فبمنة وفضله، ~~وإن لم يسمعهم فبحكمه وعدله). # فكان من معنى قول عبد الله بن يزيد كلهم قد سمعوا الجملة التي يدعو إليها ~~رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وهي: شهادة أن لا إله إلا الله، والإقرار ~~بالرسل، ووراء ذلك مما جاءت به أنه الحق، وما افترض الله عليهم ولازم لهم، ~~وقد سمعوه. PageV03P281 # وقال سعيد: (إن الله احتج بدعاء النبي عليه السلام إذا سمعه أحد من ~~الآدميين، أجزى على جميع خلقه في تلك الحال التي سمعه فيها ذلك الواحد، وأن ~~الله قطع به على من سمع من لم يسمع جميع ما دعا إليه في جملة الدين ؛ دين ~~الله وفرائضه). # وقول المعتزلة: (إن الحجة على المكلفين إذا لم يسمعوا من الرسل عقولهم، ~~فمن كان له عقل صحيح فقد وجب عليه من التكليف كل ما يدركه بعقله، وحطوا عنه ~~مالا يدركه إلا بسماع حتى يسمع). # اعلم أن هذه المسألة - كما أشرت لك أول مرة - أنها قدرية من القدر الذي ~~وجب الإيمان به علينا خيره وشره. # اعلم أن هؤلاء المختلفين بنوا أصولهم على المعنى الذي اجتمعوا عليه بينهم ~~البين، وأنا أشير إلى طريق واسطة بين المختلفين، وأرجع بالرد على الذي ~~رأيته زاغ ونصرت كل من ساغ. # اعلم أن الله خلق بني آدم وجعل لهم مهلة من حيث خروجهم من بطون أمهاتهم ~~إلى أوان التكليف، وقرن مع كل واحد منهم ملكا من بطن أمه يسوسه وهو صاحب ~~اليمين، ومن بعد خروجه من بطن أمه سبع سنين، ويلهمه ms383 في أثناء ذلك ويرشده، ~~ويهديه إلى مصالحه، فسبق إليه الخيال من دماغه مدة، ثم الوهم بعد ذلك مدة، ~~تجري في جوارحه القوى سريان الغذاء فيها. # فلما أكمل سبع سنين قرن إليه ملكا آخر يسدده ويقويه ويؤيده إلى ما سبق له ~~من صاحب اليمين، الآخر صاحب الشمال. # ففتح الله تعالى له في القياس باب، واستعمل له في القياس سبع سنين أخرى، ~~واستعمل الحواس، واضمحل الوهم باستعمال القياس كما اضمحل الخيال باستعمال ~~الوهم، والخيال نتيجة اليافوخ والوهم نتيجة الدماغ. # وفي الدماغ ثلاث قوى: المقدمة الأولى: خياليه. والوسطى: وهمية. والآخرة ~~ذات القفا: قياسية. # فعند استكماله أربع عشرة سنة قويت حاسة عقله واكتنفه علمان: علم الحواس، ~~وعلم العقل، وكلاهما ضرورة. # وقد حصل في مكنون عقله، أن الحدث يحتاج إلى محدث، بدليل أن الصبي يقول: ~~من أحدث هذا ؟ أو من جاء بهذا ؟ أو من صاحب هذا ؟ PageV03P282 # فكان هذا الاعتقاد ضروريا، مهما كان الأتراب وأرى في أترابه أحدا يقول: ~~أبي خير من أبيك، وأمي خير من أمك، وخادمنا خير من خادمكم. # فإن كان له أخ صغير يقول لتربه: أين أخوك الصغير ؟ # وإن كان له أخ كبير يقول لتربه: أين أخوك الكبير ؟ # وإن كان له بئر في دار والده يقول: بئرنا خير من بئركم. وربما لا يكون ~~لتربه بئر. # وكذلك مذهبه في الطعام والشراب والآنية والجيران، فما كان له من هذا ~~أثبته لأترابه أجمع، وللكبار أخبار مثل هذا وهمية أو قياسية أو عقلية مثل ~~ذلك يخطئ ويصيب، حتى يستكمل العقل ويطرح ما سوى العقليات، فهنالك يصح علمه ~~إذا صح عقله على الصفة المذكورة. # وأما من كان غفلا بلها ولم يجرب الأمور، فإنه يجري أموره على أمور من ~~قبله من الوهميات والخيالات، مثلما يجري لبعض الناس أن المطر إذا كان في ~~بلادهم اعتقدوا في الدنيا كلها، والريح والجدب والخصب والجبال والرمال ~~والقرار والبادية أجمع. # ونحن نشير إلى طرف من العقليات عن الله - عز وجل - من القرآن الحكيم، وعن ~~إبراهيم الخليل صلوات الله عليه وسلامه، وعن جميع الأنبياء مناظراتهم ms384 أممهم ~~صلوات الله عليهم أجمعين. # فأول ذلك: قول الله تعالى: (يأيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له) إلى قوله: ~~(إن الله قوي عزيز). # وقوله - عز وجل - حكاية عن الخليل ومناظرته قومه: (لقد آتينا إبراهيم ~~رشده من قبل وكنا به عالمين) إلى قوله: (أف لكم ولما تعبدون من دون الله ~~أفلا تعقلون). فنبههم على العقل حين قال: أفلا تعقلون ؟ # وحكاية أيضا عن الخليل صلوات الله عليه: (ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ~~ربه) إلى قوله: (والله لا يهدي القوم الظالمين). PageV03P283 # وحكاية الرب سبحانه عن الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين، قال الله - عز ~~وجل - حكاية عن الأنبياء والأمم: (ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح ~~وعاد وثمود والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله) إلى قوله: (لنخرجنكم من ~~أرضنا أو لتعودن في ملتنا). فرجعت الأمم إلى المغالبة والمسايفة والمناضلة. # فلما أطبقت الأنبياء أن لابد للمحدث من محدث فاطر، ثم أقسم الله تعالى في ~~كتابه بالقسم الذي لم يقسم في كتابه قبل ؛ أقسم بسبعة أقسام، فقال: (والشمس ~~وضحاها) إلى قوله: (فألهمها فجورها وتقواها) والإلهام في مقام الخبر ~~والقبول في مقام السماع. # ومصداق ما قنا من السنة: قول رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «كل مولود ~~يولد على الفطرة حتى يكون أبواه هما اللذين يهودانه أو يمصرانه أو ~~يمجسانه». # وقال عليه السلام: «خلقت هذه القلوب حنيفية، إلا ما كان من الشيطان، فإنه ~~يخترمها عما خلقت له» ولهذا المعنى قال بعض العلماء: ليس على الأطفال ~~بالجملة التي يدعو إليها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عند حال البلوغ ~~لأنهم على الفطرة. # فإن قال قائل: كيف قامت حجة الله على العباد ؟ # قلنا: الناس عندنا على ثلاثة أوجه: آدم عليه السلام، إنما قامت عليه ~~الحجة بسماع ولا فكر فيه حظ، وبقيت له مهلة في خلقته، وذلك أن الله تعالى ~~لما نفخ فيه الروح وسار من يافوجه إلى دماغه إلى عينيه إلى فيه ولسانه، وهو ~~في كل ذلك يتأمل الأشياء، وذلك في آخر النهار والشمس قد دنت ms385 إلى الغروب فهو ~~يتأملها، وعطس حين دخل الروح في منخريه وجبريل عليه السلام عند رأسه، وملك ~~آخر عند رجليه وقيل: إنه ميكائيل عليه السلام. # فقال له جبريل عليه السلام: (قل الحمد لله يا أبا محمد) ففهمه الله تعالى ~~معنى هذا الكلام ؛ وهي ثلاث كلمات (قل) كلمة (والحمد لله) كلمة و (يا أبا ~~محمد) كلمة. # فقال آدم عليه السلام: «الحمد لله». PageV03P284 # وعلم آدم عليه السلام (قل) أنه أمر أمره أبو محمد، وعلم أن (الحمد لله) ~~هي الكلمة التي أمره الله بها، وألهم له من قوله: (يا أبا محمد) أنها كلمة ~~تدل على التسمية والتكنية، وربما ينفهم له بها معنى الأبوة والنبوة، وهذا ~~كله إلهام من الله تعالى حين قصد إلى (الحمد لله) ولم يقصد إلى (قل) فيقول: ~~(قل). ولم يقصد إلى (أبا محمد) فيقول: (يا أبا محمد). # ثم إن آدم عليه السلام نظر إلى الشمس وهي في ناحية المغرب، فإنه خلق في ~~آخر النهار، وعقل الموضع الذي كانت فيه حين بلغ الروح عينيه، فما زال الروح ~~يسري فيه إلى عنقه ثم إلى عضديه ثم إلى صدره ثم إلى جوفه ثم إلى حقويه ثم ~~إلى فخذيه، وهو في كل ذلك يتأمل نفسه ويتأمل الشمس، وحتى وصل الروح ركبتيه، ~~ونظر إلى الشمس قد جاوزت الموضع الذي رآها فيه أول مرة ودنت للغروب، وخاف ~~عليه الغروب واستعجل وأراد أن يقوم ليتداركها قبل المغيب، ولهذا قال الله - ~~عز وجل -: (وخلق الإنسان عجولا) (وخلق الإنسان من عجل). # وشرع الله لآدم وحواء كلمة: «لا إله إلا الله» وهو توحيدهم، وشرع لهم ~~الركعتين بالغداة والعشي، فهذا دينهم الذي أخذوه سماعا وهو دين الصابئين ~~الأول، ثم انتشرت ذرية آدم عليه السلام، ثم الأنبياء على مثل هذه الشريعة ~~إلى أبينا نوح عليه السلام، ثم هود ثم صالح ثم إبراهيم عليه السلام فعند ~~أيام موسى عليه السلام، وإلى هذه الشرائع الأربع الإشارة في القرآن، قال ~~الله تعالى: (إن الذين آمنوا والذين هادوا... الآية) فمن وافق إحدى هذه ~~الشرائع الأربع بسماع سلم، ms386 أو بفكر سلم. # والوجه الثاني: المشرك الذي اخترمه الشيطان عما خلق له، أو حوله أبواه ~~إلى أديانهما ثم أن الله تعالى قد أدركه برحمته فألهمه الألوهية والإيمان ~~بها. كما قال الله - عز وجل -: (فألهمها فجورها وتقواها...). # ولله تعالى طرق كثيرة مما تقوم به الحجة على عباده، كما ألهم النحل ~~والنمل والجراد والقمل والحشرات، وجميع الحيوانات. PageV03P285 # ومن حجج الله تعالى على عباده الرؤيا التي هي جزء من ستة وأربعين جزءا من ~~النبوة، وربما يرى في رؤياه جميع ما يختلف، ولا سيما من اعتقد ذلك من أمور ~~الدنيا، فكل ما رآه يتقنه، فيؤمن بالله واليوم الآخر، فربما يخاطب الموتى ~~في منامه فيخبرونه على الإيمان بالله - عز وجل -. # وفنون الرؤيا كثيرة، وهي علم من العلوم. # ومنها: أن يسمع الخطاب من الحيوانات، كالهدهد لسليمان عليه السلام والنمل ~~له، والحمامة لابنة الملك، والصرد لآدم عليه السلام. # وربما يخاطب من أجواف الأصنام أو الشجر أو صدى الجبل. # وربما يستعمل اللتين جعلهما الله لأولاد آدم عليه السلام ذريعة إلى ~~العلوم: حس الحواس ودلائل العقل. # والآيات الواردة في القرآن قال الله تعالى: (إن في خلق السموات والأرض ~~واختلاف الليل والنهار) إلى قوله: (لآيات لقوم يعقلون). فنبه على العقل. # وقوله: (أو لم ينظروا في ملكوت السموات والأرض) الآية. # وقال الله - عز وجل -: (وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون). # وقد نبهت الأنبياء عليهم السلام أن ليس في الفاطر شك عند من ثبت عنه ~~الفطور ؛ وقد ثبت عند الكل، ونشأ الجميع على ذلك، وهذا متى ألهم الإيمان في ~~قلبه فهو على دين الله ودين أنبيائه. # فإن قال قائل: ما حال هذا عند الفرائض والمعاصي التي لم يسمع فيها شيئا ~~ولا يدركها بعقله إلا بسماع من شارع مسمع ؟ # قلنا: وبالله التوفيق: أما العبادات التي لا تدرك إلا بالسماع فإنها ~~محطوطة عنه في شريعة أبينا آدم عليه السلام. # ومثاله: من آمن عند محمد (صلى الله عليه وسلم) من المؤمنين ثم غاب غيبة ~~لا يبلغه سماع ما حدث عن محمد عليه السلام ms387 من الصلاة والزكاة والصوم الحج ؛ ~~وأمثالها، فليس عليه شيء حتى تقوم عليه الحجة بدليل قوله: (ما على المحسنين ~~من سبيل والله غفور رحيم) فهذا محسن آمن بربه واستهدف لأمره. PageV03P286 # وهاهنا مسألة عجيبة ؛ من رفعه الله تعالى إلى السماء وكان فيها، أكان ~~يلزمه من أعمال الشرائع شيء أم لا ؟ # الجواب: ليس عليه من عمل المعهودة في الأرض شيء، كعيسى بن مريم عليه ~~السلام، وإلياس والخضر صلوات الله عليهما. # وأما من كان في الأرض أو نزل إليها فعليه امتثال شريعة محمد (صلى الله ~~عليه وسلم)، أو شريعة قامت بها عليه الحجة من الشرائع الأربع، إلا الخضر ~~فإنه يعلم العلم اللدني استغنى به عن علم كل أحد إلا العلم من لدن الله تعالى. # وأما المعاصي فإن جلها قبيحة عنده في النفس، فإن طبع بني آدم أن يستقبح ~~جميع ما يسيء إليه، ويستقبح ذلك من نفسه إن فعله بغيره، فكان علمه ضروريا. # وقال عمروس بن فتح - رضي الله عنه -: (معرفة المعاصي من طبائع العبد، ~~وذلك جميع ما يستقبحه العبد من نفسه) ومنه التقدم إلى ملك الغير، فهو قبيح ~~إذا كان بغير إذنه، ألا ترى إلى عبيدنا ليس للعبد أن يتقدم إلى شيء بغير ~~أمر سيده. # وفي مثل هذا وردت المسألة: ما الحكم في الأشياء قبل ورود الشرع ؟ # فقال بعضهم: الحظر. وهذه عقلية. # وقال بعضهم: الإباحة. وهذه شرعية. # وإن الله تعالى خلق ابن آدم فسخر له ما السموات وما في الأرض جميعا منه، ~~فوسعه التقدم إلى جميع ما يعلم الله أنه سخره، علم أو لم يعلم، إلا ما كان ~~من القول فإنه محجور عليه، وهو مما لا يعني ولا يدري، لا سيما القول عن ~~الله - عز وجل - بغير علم قال الله تعالى: (وأن تقولوا على الله ما لا ~~تعلمون). # والوجه الثالث: المشرك الذي اقتضى خلاف خلقته وفطرة الإسلام التي فطر ~~الناس عليها، إلى أن مات على غير تلك الحال، فهذا غير معذور وهو معذب ~~ومعاقب، فإن عذبه الله تعالى بشركه فقد استحق أعظم العذاب، وإن ms388 زاد في ~~تعذيبه عذابا على انتهاك المحارم، فله ذلك، وإن زاده عذابا على ترك الفرائض ~~؛ فله ذلك، لله الأمر من قبل ومن بعد، وفي العذاب على الشرك كفاية. PageV03P287 # وأكثر ما أخذ الله تعالى به الأمم في الدنيا على المحارم والمظالم وترك ~~الفرائض، وعذاب الآخرة أشد وأبقى. # ولنرجع إلى تصفح أقاويل هؤلاء المختلفين:- # فأما ما يذكر عن عبد الله بن يزيد الفزاري ؛ أن حجة الله قد قامت على ~~العباد وقد سمعوا، حتى أن بعضا من أصحابه يقول: إن صوت السماع هو طنينه في أذني. # فمثل من يقول هذا القول، لا يخاطب ولا يعاقب لفقده العقليات والحسيات، ~~فهذا إلى الجنون أقرب، ولو جاءه مجنون آخر وقال له: صدقت، لكن أنا الذي ~~أسمع من خطاب الله تعالى للمؤمنين، واستقر سمعه في أذني، وانفهم لي معناه: ~~أيها الناس ليس عليكم صلاة ولا زكاة ولا صوم ولا حج، ذلك فضل الله يؤتيه من ~~يشاء، والله ذو الفضل العظيم، لما انفصل والآخر بخلاقهما، ولكن في عبد الله ~~بن يزيد لا يظن فيه هذا ولا يعتقده مع الدرجة العليا التي بلغها في العلم ~~والعلوم، ولا يرضى بهذه الخلالة أصم ولا أبكم ولا أعجمي ولا عربي. # وأما قول سعيد بن راشد الحداء: (إن حجة الله قد قامت على العباد، بسماع ~~وبغير سماع، فالناس كلهم مقطوعو العذر لا سمعوا ولا لم يسمعوا). فليسأل عن ~~الله تعالى حين أمر جبريل عليه السلام أن ينزل على محمد عليه السلام بأمر ~~من الأمور كالصلاة والصوم وغيرهما، ما حال الاس في حال خطاب الله - عز وجل ~~- لجبريل ؟ قال: واسع. وحين نزل جبريل ما دام في السموات قال: واسع. فإذا ~~فرغ من خطابه قال: ضاق على أهل الخافقين من أمة محمد، من سمع ومن لم يسمع. ~~وهذا تكليف ما لا يطاق، وقد قال الله تعالى حكاية عن المؤمنين: (ربنا ولا ~~تحملنا ما لا طاقة لنا به) ولا يطاق هذا، والرب أرأف وأرحم وأكرم أن يكلف ~~من كان في الصين أمرا أمر به من كان في ms389 الحجاز. # في تبليغ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) # قال الله - عز وجل -: (يأيها الرسول بلغ من أنزل إليك) إلى قوله: (يعصمك ~~من الناس). # وقال في موضع آخر: (فتول عنهم فما أنت بملوم) وعذره حين بلغ. PageV03P288 # اعلم أن تبليغ رسالة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) على ثلاثة أوجه: ~~أحدهما: أن يشافه من واجهه، أو يرسل إليه رسولا، أو كتابا. # والثاني: أن يوسع العذر على من كان على إحدى شرائع الأنبياء عليهم السلام ~~حتى تقوم به له حجة. # والثالث: أن يقطع الذعر على من كان على غير دين الله. # مسألة: # إن سأل سائل فقال: هل على الله - عز وجل - أن يرسل الرسل إلى الناس، أو ~~ليس عليه من الإرسال شيء ؟ # الجواب: # ليس على الله أن يرسل إلى الناس الرسل إلا في موجب الحكمة، وليس على الله ~~من واجب إلا في مقتضى الحكمة، وله الفضل في ذلك. # فإن سأل فقال ما معنى هذه الآية: (يأيها الرسول بلغ) الآية. عن قوله: ~~(إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده) إلى قوله: ~~(والأسباط) ثم قال: (رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد ~~الرسل). وقال: (يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل ~~أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير) وقال: (أو تقولوا إنما أنزل الكتاب ~~على طائفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين). (وقالوا لولا أرسلت ~~إلينا رسولا فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى). # الجواب: # اعلم أن الآيات كلها تريد أن تكون لهم محاجة، ألا ترى إلى قولهم: (لولا ~~أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى) فأثبتوا الذل لأنفسهم ~~والخزي، لا جاءتهم الرسل ولا لم تجئهم، وقد أدرج الله في عقولهم ما يحتاجون ~~إليه من أمر دينهم، فإن وقع من الله مما لا تبلغه عقولهم، فتفضل عليهم ~~بإرسال الرسل لئلا تفوتهم مراشد مصالحهم التي لو لم يكلفهم إياها لما ~~لزمتهم. # الكلام في مسألة المتبرجة # اعلم أن الله تعالى ms390 نهى عن المعاصي كلها وذمها وقبحها. قال الله - عز وجل ~~-: (إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء ~~والمنكر). PageV03P289 # وقال: (إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن) والمجمل محتاج إلى ~~التفسير، والعام محتاج إلى التخصيص، والمطلق محتاج إلى التقييد. # قال الله - عز وجل -: (إن الله يغفر الذنوب جميعا) فأطلق ولم يقيد، وعم ~~ولم يخص. # وقال - عز من قائل -: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء). # واستثنى من الشرك الكبائر وعلقها إلى المشيئة. وقال: (إن تجتنبوا كبائر ~~ما تنهون عنه) فوقع الاستثناء على السيئات دون الكبائر وحصلت الكبائر في ~~حيز الكفر، وقال في آية أخرى: (ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين ~~فيها أبدا) وقال: (بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم ~~فيها خالدون) وجاءت هذه تارة عموما، وتارة خصوصا، وتارة مطلقا، وطورا ~~استثناء، فصح أن الخاص يقضي على العام، والمفسر يقضي على المجمل، والمستثنى ~~يقضي على المطلق، فهذه الأوجه الثلاثة متفق عليها، وإنما وقع الاختلاف في ~~العوارض. # وأما قول الله - عز وجل -: (إن الله يغفر الذنوب جميعا) فهذا العام مخصوص ~~في ذاته، خصته الحكمة والقرآن والسنة ورأي المسلمين. # وأما الحكمة: فلو أطلق الله تعالى المغفرة على الذنوب بلا سبب، لكانت ~~الذنوب بمعنى الإباحة، وليس من الحكمة النهي عن شيء، ولم يقترن معه العقاب ~~بلا سبب إلا كان إباحة، ولا يجوز مع الحكيم العليم، إتباع معاصيه. # خص القرآن أيضا هذه الآية: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك ~~لمن يشاء) فخص الآية الأولى: (إن الله يغفر الذنوب جميعا) وقال تعالى: (ومن ~~يقتل مؤمنا فجزاؤه جهنم خالدا فيها) إلى قوله: (عذابا عظيما). PageV03P290 # وخصته السنة أيضا، قال (صلى الله عليه وسلم): «من قتل نفسه بحديدة فهو ~~يتوجأ بها في النار، ومن تحسى سما فهو يتحساه في نار جهنم خالدا مخلدا) ~~وأوجب خالدا مخلدا أبدا، فأوجب الله تعالى أن المغفرة التي ترى من ms391 وجبت ~~بالذنوب جميعا أنها التوبة وقال: (وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا) ~~وتوبوا إلى الله توبة نصوحا عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم). # ثم إن الله أطلق المغفرة لما دون الشرك. فقال: (إن الله لا يغفر أن يشرك ~~به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) فعلق المغفرة في الكبائر على المشيئة، وقرن ~~الشرك بالوعيد وأضاف إليه الكبائر، فخص منها السيئات. وقال: (إن تجتنبوا ~~كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم). # فاتفق الجميع: أن السيئات مكفرة مغفورة لمن اجتنب الكبائر، وأجمعت الأمة ~~أن الذنوب مكفرة مغفورة بالتوبة الشرك وغيره، وجاءت الإشارة في الكبائر ~~بالمشيئة. # وقال جابر بن زيد - رضي الله عنه -: (إن مشيئة الله تعالى التي يكفر بها ~~الكبائر قد أنبأنا بها وهي التوبة والحسنات والمصائب). # واتفق الجميع: أن السيئات مغفورة باجتناب الكبائر، وأن الكبير تعلق ~~بالمشيئة، والمشيئة مدحة لا تفيد طائلا كما تقدم. # واختلف الناس في الشرك والكبير والصغير والسيئة والخطيئة. # وأما اختلاف الناس في الشرك: فإن الخوارج قضت أن معصية الله كلها شرك، ~~وقالت: (من عصى الله تعالى فهو مشرك). # وقال أهل الدعوة: (إن الشرك يتعلق بذات الباري سبحانه وصفاته وأفعاله، ما ~~لم يقع تأويل محتمل. # وقال ابن الحسين: (لا يشرك من أنكر غير الله - عز وجل -) وأبو بكر ~~الباقلاني من الأشعرية، وأبطلوا الشرك في إبطال الأنبياء والرسل والملائكة ~~والكتب والخلق. # واختلف الناس في الكبير: فقالت الإباضية كلها: (إنها كفر معاقب عليه مخلد ~~صاحبه في النار). واتفقنا مع المعتزلة في التخليد واختلفنا في التكفير. # وقالت المرجئة والسنية في الكبير: (إنه معصية). وامتنعت من التكفير ~~والتخليد. PageV03P291 # واختلف الناس في الصغير: فقال أهل الدعوة: (إن الصغير ما دون الكبير وهو ~~معصية). # وقال ابن عباس: (ليس فيما يعصي الله به صغير). وأثبت جميع مناهي القرآن ~~أنها كبائر، وإنما استثنى الله لمن اجتنب الكبائر مغفرة السيئة، وأما ~~المعصية فلا، والسيئة دون المعصية، والخطيئة من دون السيئة، والسيئات إنما ~~تكون في مناهي الرسول عليه السلام مما لا يتعلق بالقرآن. # واختلف الناس في الصغير ms392 والكبير. فقال بعضهم: (الكبير على حدة والصغير ~~على حدة). # وقال بعضهم: (إن لكل صنف من المعاصي صغيرا وكبيرا، وفي القتل صغير وكبير، ~~وفي الزنا صغير وكبير. وقال (صلى الله عليه وسلم): «العين تزني وزناها ~~النظر، واليد تزني وزناها اللمس، ويصدق ذلك ويكذبه الفرج». وفي الكذب صغار ~~وكبار، في مثل هذه الأمور. # ومن قال من إخواننا النكار: (إن المرأة كفرت بالرأي) أخطأ، ولاحظ للنظر ~~هاهنا وحكم الله أولى. وإن قالوا: (إنها مشاكلة) فليتوقفوا ولا يشرعوا). # وأما ما ذكر عنهم أنهم يفعلون ذلك في مجالسهم ومساجدهم، ولو في ما بينهم ~~وبين ذوات محارمهم، فلن يرض بهذا عاقل، ولا يثبت عليهم حتى يشرعوه، فإن كان ~~ففي غوغئهم، وإن لم يكن فزيادة في حسناتهم. # و قال الناس: آمنا بالله وكذبنا أبصارنا. فالعجب من ذوي العقول منهم ~~سكوتهم. # مسألة الوقوف PageV03P292 اعلم أن مسألة الوقوف بين النكار وبيننا لا ~~تنبني على الأصل، لأنهم قالوا: (مهما صدر من المرء أمر اشتبه علينا لا ندري ~~لعله كبير أو غير كبير، فنتوقف عن ولايته بعد ما كان عندنا من أهل الولاية، ~~ورددناه إلى الوقوف لا نبرأ منه ولا نتولاه). وأول ما وقعت هذه المسألة بين ~~الحارث وعبد الجبار، وذلك أنهما اجتمعا في بيت على أمور المسلمين، ولم يقع ~~الاتفاق بينهما وتشاجرا، فأصاب بهما المسلمون، وقد قتل كل واحد منهما ~~صاحبه، ولا يدرون أيهما الظالم من المظلوم، أو هما ظالمان جميعا، أو هما ~~مظلومان جميعا وقد تجننا. فقال المكار: (نقف عنهما حتى نعلم المعتدي ~~منهما). # وقال أهل الدعوة: (نكون على أصل ولايتنا حتى نعلم ما أتيا من المعصية). ~~فاختلفا هاهنا، فقال أهل الدعوة: (نقف في الفعل ولا نقف في الفاعل، فإن ~~نزعنا ولايتنا عن المحق منهما فقد ظلمناه بعد ما أوجبها الله تعالى علينا، ~~والأخرى لا علم لنا بالغيب). وقالوا هم: (نقف عنهما). # واستدلوا على ذلك بعائشة أم المؤمنين حين رميت بالإفك. وقالوا: إن رسول ~~الله (صلى الله عليه وسلم) توقف عنها وقال لها: «يا عائشة إن كنت ألممت ~~بشيء ms393 مما يقول الناس، فتوبي إلى ربك وراجعيه». فهذا دليل على أنه توقف عنها. # قلنا: لا ولا نعمت عين. بل كان رسول الله عليه السلام على ولايته لها، ~~ولم يصدر عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أمر يوجب التوقف عنها، لكنها ~~قالت: (الله أعلم لو أقررت بما لم أفعله لصدقتموني، ولكن حسبي الله). فما ~~في هذا ما يدل على وقوفه عنها، بل هي في ولايته لها، لأن هذا أمر واجب، حق ~~المسلم على المسلم: النصيحة والإبقاء عليه، ومع هذا لا يمنع لها حقا واجبا، ~~ونحن على علمنا ولسنا من علم الغيب في شيء، وليست هذه المسألة من الأخرى في ~~شيء كلما اتهمت وليك نقصته حقه. # والأصل في هذه المسألة من قول الله - عز وجل -: (واتقوا فتنة لا تصيبن ~~الذين ظلموا منكم خاصة) وأولها قضية عثمان بن عفان. PageV03P293 # وذلك أن عثمان اختلف فيه أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) على ثلاثة أوجه. # والوجه الأول: طريقة عمار بن ياسر وأصحابه وعلي وطلحة والزبير وعامة ~~المهاجرين والأنصار. # والثاني: طريقة أصحاب سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر بن الخطاب ومحمد ~~بن سلمة الأنصاري وعبد الله بن سلام وزيد بن ثابت. # والثالث: من التجأ مع عثمان. # قال جابر بن زيد الأزدي - رضي الله عنه - وهو قوله: (لا يحل للعالم أن ~~يقول للجاهل: اعلم مثل علمي وإلا قطعت عذرك. ولا يحل للجاهل أن يقول ~~للعالم: اجهل مثل جهلي وإلا قطعت عذرك. فإن قالا ذلك قطع الله عذر كل ~~منهما). # الرد عليهم في إنكارهم عذاب القبر # ومن مسائل ما بيننا وبينهم عذاب القبر، وعابوها وقالوا: (إنكم اقتبستموها ~~من مسائل المالكية)، ونحن نثبت عذاب القبر وهم ينكرونه، إنهم ما أنكروه ~~شرعا ولا عقلا، وإنما جعلوا جهلهم به حجة على من علم، وليس الإنكار بحجة ~~ولا الجهل بحجة. # اعلم يا أخي أن عذاب القبر صحيح معروف موجود في أيدي الأمة، لا المالكية ~~(1) ولا غيرهم من الشافعية ولا غيرهم من الأشعرية والحنفية والمعتزلة وسائر ~~الشيعة وأصحاب الحديث، ms394 متواتر عند أمة أحمد (صلى الله عليه وسلم). # وفي القرآن إشارة إليه على رأي المفسرين وهم القدوة في ذلك، كما أن امرأ ~~القيس بن حجر والنابغة الذبياني والأعشى هم القدوة في اللغة وإن كانوا ~~مشركين، وللمالكية على غيرهم فضل - إن كانوا كما قالوا - إن لهم اهتبالا ~~برسول الله (صلى الله عليه وسلم) ولم يكن لهم (2) اهتبال، وصاحب الصناعة ~~أولى صناعته ممن لا تنسب إليه تلك الصناعة. # وسيأتي ما يكشف عن عوار مذهبهم إن شاء الله، وقد وردت عن رسول الله (صلى ~~الله عليه وسلم) أحاديث وأخبار جمة. PageV03P294 # وفي مشاهدة الأبصار والعيان في سائر البلدان، وتواتر في سائر الأزمان، ما ~~يبصر الناس في مقابرهم من النيران المتقدة والأصوات الممتدة وظهور الأنين ~~والحنين على رؤوس العالمين، أعظم الدلالات وأبين البيانات، وهو أقرب إلى من ~~أنكر ولم يؤمن ولم يحسن. # فأول الرويات عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم): كان يعلم أصحابه عليه ~~السلام هذا الدعاء كما يعلمهم السورة من القرآن، وهو قوله: «اللهم إني أعوذ ~~بك من عذاب جهنم وأعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيخ الدجال، ~~وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات» فإن لم يبلغهم هذا الحديث ولم يؤمنوا به ~~أحرى بهم أن لا يستعملوه، أعظم بهم خيبة وراءها حوبة. # والحديث الثاني حديث عائشة - رضي الله عنها - أن يهودية جاءتها فطلبت ~~إليها شيئا فأعطتها. فقالت: (وقاك الله عذاب القبر). قالت عائشة: ~~(فاتهمتها). فلما دخل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أخبرنه الخبر، فنظرت ~~إلى وجه رسول الله قد تغير فقال: «تعوذي يا عائشة من عذاب القبر».فما زال ~~رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يتعوذ من عذاب القبر حتى توفي عليه السلام ~~- الحديث. # الثالث: أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) مر هو وأصحابه على قبرين ~~يعذبان. فقال لأصحابه: «إنهما يعذبان، وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فإنه ~~يمشي بالنميمة، وأما الآخر فإنه كان لا يستبرئ». فغرز عند رأس كل واحد ~~جريدة. فقال: «ولعل هذا يخفف من عذابهما شيئا ms395 ما لم ييبسا» - الحديث. # الرابع: قول رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «إن الميت إذا أدلي في ~~قبره، وفرغ أهله من قبره، أتاه ملكان: أحدهما عند رأسه، والآخر عند رجليه. # وانصرف عنه الناس وهو يسمع خفق نعالهم، فيقعده الملكان فيقولان له: من ربك ؟ # فإن كان مؤمنا فيقول: الله ربي. # فيقولان: من نبيك ؟ # فيقول: محمد نبيي. # فيقولان: ما دينك ؟ # فيقول: الإسلام ديني. # وما قبلتك ؟ # الكعبة قبلتي. PageV03P295 # فيفتحان له بابا إلى النار فيقولان: هذا منزلك، فنجاك الله منه. # ثم يفتحان له بابا إلى الجنة، فيريانه مكانه في الجنة، فيهم أن يقوم إليه. # فيقولان: نم رشيدا. فينام نومة العروس حتى يكون أحب أهله إليه الذي ~~يوقظه، حتى يبعثه الله يوم القيامة. # وأما المنافق والمرتاب فيقولان لهما: من ربكما ؟ # فيقولان: لا ندري. # فيقولان لهما: لا دريتما ولا ابتليتما. # فيفتحان لهما بابا إلى الجنة. فيقولان لهما: هذا مكانكما في الجنة لكنكما ~~صرفتما عنه. # فيفتحان لهما بابا إلى النار. فيقولان لهما: هذا مكانكما في النار. فعند ~~ذلك يكرهان القيامة، فكرها لقاء الله، فكره الله لقاءهما. # الحديث الخامس: قول رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لما مات سعد بن معاذ. ~~فقال عليه السلام: «لو نجا أحد من عذاب القبر لنجا منه سعد بن معاذ لقد ضمه ~~القبر ضمة كادت أضلاعه تختلف». # والحديث السادس: عن رسول الله عليه السلام: «من مات ليلة الجمعة أو يوم ~~الجمعة وقي عذاب القبر». # الحديث السابع: تسمية. سمى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ملكي القبر: ~~«منكرا و نكيرا». متواتر عن أمة أحمد عليه السلام. # الحديث الثامن: عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «القبر إما روضة من ~~رياض الجنة، أو شعلة من نار جهنم». # الحديث التاسع: ما رواه ابن مسعود - رضي الله عنه - عن رسول الله (صلى ~~الله عليه وسلم) قال: «عن في القرآن لسورة فيها ثلاثون آية يقرؤها أحدكم، ~~فإذا مات ودخل القبر، فإذا جاءه الملك من ناحية رأسه حالت بينه وبينه، فإذا ~~جاءه من ناحية رجليه حالت بينه وبينه، فإن ms396 جاءه من ناحية جنبه حالت بينه ~~وبينه». قال ابن مسعود هي: (تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير). PageV03P296 # الحديث العاشر: عن ابن عمر قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): ~~«كيف بك إذا جاءك فتانا قبرك، منكر ونكير، ملكان أسودان أزرقان ينحتان ~~الأرض بأنيابهما، ويطآن في شعورهما، أصواتهما كالرعد القاصف، وأبصارهما ~~كالبرق الخاطف» فقال عمر: (يا رسول الله، أمعي عقلي كما أنا عليه اليوم ؟) ~~قال: «نعم»، قال: (أكفيكهما بإذن الله)، وقال النبي عليه السلام: «إن عمر موفق». # وعن علي بن أبي طالب أنه قال في خطبته: (عباد الله الموت الموت ليس منه ~~فوت، إن أقمتم أخذكم وإن فررتم أدرككم، الموت معقود بنواصيكم، النجا النجا، ~~والوحا الوحا، فإن وراءكم طالبا حثيثا وهو القبر، روضة من رياض الجنة، أو ~~حفرة من حفر النار، وأنه يتكلم في كل يوم ثلاث مرات فيقول: أنا بيت الظلمة، ~~أنا بيت الوحشة، أنا بيت الديدان. ألا وأن وراء ذلك ليوما لاشك فيه يشيب ~~فيه الصغير، ويسكر في الكبير)... خطبة طويلة. # وعن ابن عباس وعبد الحميد بن محمود المعولي: أنه قال: كنت جالسا مع عبد ~~الله بن عباس إذ أتاه قوم فقالوا: (خرجنا حجاجا ومعنا صاحب لنا حتى انتهى ~~ذات صباح، فمات، فيهأنا له، ثم انطلقنا، فحفرنا القبر فإذا نحن بأسود قد ~~ملأ اللحد، يعني حية، فتركنا القبر فحفرنا له مكانا آخر، فإذا نحن بأسود قد ~~ملأ القبر، فتركناه وأتيناك). # فقال ابن عباس: (ذلك الغل الذي يغل به، انطلقوا فادفنوه في بعضها، فوالله ~~لو حفرتم الأرض كلها لوجدتموه فيها). فأكبروا قوله. # قالوا: (فانطلقنا إلى أهله بعد ما دفناه في بعضها، فلما رجعنا أتينا أهله ~~بمتيع كان له معنا، فقلنا لامرأته: (ما كان عمل زوجك ؟) # قالت: (كان يبيع الحنطة، وكان يأخذ كل يوم قوته، ويقبض من القبض وهو ~~الفكر مثله، ويلقيه فيه) فمن هذه الخيانة عذب في القبر. # وقد شاع في أمة أحمد ما أبصروه عيانا في المقابر، ما يغني عن جهل من ~~جهله، فما يكفي ms397 الجاهل أن يعتذر إلى الناس ويعذرونه، من أن ينتحل جهله علما ~~ويغيب من علم. PageV03P297 # ولو أردنا ذكر شيء من ذلك مما رأينا وعاينا وعاينوه هم بأنفسهم، لاتسع ~~الحال وانفسح المجال وفاق القيل والقال، مما لا ينكره عاقل، مستفاض في أيدي ~~الناس إلا عند النسناس. وقولهم: (إنما اقتبسناه من المالكية). ومن وراء ~~المالكية الأمة قاطبة، ومن أين يدعوهم جهلهم حتى اتخذوه دينا، ولو سئلوا عن ~~أعظم فريضة من سنة رسول الله (صلى الله عليه وسلم، مما لا يجهله أمي ولا ~~عاقل من دينهم، من أين لهم العلم بها إلا أنهم وجدوا آباءهم على عبادة وهم ~~في آثارهم يهرعون. # ولقد سبق السلف وشرع الخلف مثل أبي جهل وغيره مثل: إنا وجدنا آباءنا على ~~أمة وإنا على آثارهم مهتدون، لا بل وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم ~~مقتدون، وربما ينتحلون معرفة عدد الصلوات وأوقاتها ووظائفها من الإجماع، ~~وأني لهم ما عند الثلاث والسبعين فرقة ولم ينصوا عليه ولا يعرفونها ولا ~~أزمنتها ولا أمكنتها ولا أئمتها، وربما يعجزون عن شرع أئمتهم، فكيف بمعرفة غيرهم. # ومسألة عذاب القبر ليست من مسائل الديانات، فمن جهلها سلم، ومن علمها ~~غنم، ومن تورط فيها ندم. # والحمد لله رب العالمين. وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين وإمام ~~المرسلين. # الرد على إخواننا النكار في جميع ما ذهبوا إليه # الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد خاتم النبيين، وعلى ~~جميع الأنبياء والمرسلين، والملائكة المقربين والمرسلين أجمعين، اللهم صل ~~عليهم في الأولين وبارك عليهم في الآخرين وانفعنا بشفاعتهم يوم الدين يا ~~أرحم الراحمين، اللهم آمين آمين. # اعلم أنه يجب وينبغي لمن ينتحل خشيه الله في السر والعلانية - إذ لم يخلق ~~هملا، ولم يترك سدى طللا - أن يراعي نفسه ويحاسبها عند ثلاثة مواطن أولها: PageV03P298 # أن يصدق ظاهره باطنه، ويوجب لله تعالى من الخدمة ما نطق من قول: لا إله ~~إلا الله. # الثاني: أن لا يعتمد على وقل الآباء والأجداد في الضمائر والاعتقاد في ~~دين الله العلي الهادي. # الثالث: أن يحاسب ms398 نفسه في المناظرات، فيقل الحق إذا ظهر، ويرد الباطل إذا ~~ندر، ويحسن الأدب في مناظراته، ويراعي الصدق والحق في محاوراته، وإن أخل ~~بواحدة من هذه فهو لنفسه أعدى عدو من أعدائه. # اعلم يا أخي إنا بحالة يرحمنا فيها جميع الخلق، عصمت الملائكة وابتلينا ~~بالتكليف، وتوعدنا بالنيران وسلم سائر الحيوانات، وأعظم من هذا نعمة ونقمة ~~السعادة الأبدية والشقاوة الأبدية، وتقدمتنا الأمم قبلنا بالخيرات وانفردنا ~~منهم خصوصا بفقد الأنبياء والمعصومين الأولياء، وكثرة الحوادث والفتن ~~والزلازل والمحن، أعمار قصيرة وهموم كثيرة، وأكدته قطاع الطرق عن دين الله ~~- عز وجل - فإنا لله وإنا إليه راجعون. # وذكرت يا أخي مسائل ما بيننا وبين إخواننا النكار. # اعلم يا أخي أن مسائل ما بيننا وبينهم لا تجدي نفعا ولا تغني، وتعد مما ~~لا يعني، فمن جهلها منا ومنهم سلم، ومن خاض فيها ولم يصب ندم، ومن أصاب ولم ~~يعتد غنم، والمعذرة إلى الله. # وإلى كل من سمع مقالتي أن ينظر فيها بعين البصيرة، فيحاسبني إن زغت، ~~ويصدقني إن أصبت، والله المستعان، وحسبي الله ونعم الوكيل. # وذكرت أن أشرح لك السلف الصالح والطالح لتكون على حقيقة من الأمرين جميعا. # فأول ما ابتدئ فيه، اسم الله تعالى واختلاف الناس فيها، وأنص على قول كل ~~واحد حتى يكون كأنه حاضر، وهو العدل والأنصاف. # اعلم أن ما يوجبه التخبط والتشبط بين الناس أن المتناظرين يبنون ~~مناظراتهم على فروع أصولهم ويهملون أصولهم، ويبني كل واحد على أس نفسه. # اعلم يا أخي أن الأمة اختلفت في مسألة الأسماء والصفات، فقال أهل البصرة ~~من العراق: (إن الاسم هو المسمى). # وقال أهل الكوفة من العراق: (إن الاسم غير المسمى)، وافترقت الأمة عليهم. PageV03P299 # اعلم أن ما قال الفريقان صحيح من وجه وغلط من وجه، وأنا أذكر الأس ~~والفرع، وأبني على الأس فرعه. # اعلم أن الله تعالى خاطبنا بخطاب معروف عندنا، حقيقة ومجازا، ومجازه ~~يخصنا دونه، وكاد أن يكون الخطاب في حقنا وفي حق الله مجازا، وانفرد الله ~~تعالى في لسان العرب بأربع كلم، كانت في حقه ms399 حقيقة وفي حقنا ممنوعة وهي: ~~اله، والرحمن، والخالق، وسبحان. # فأما قوله: الله فمن (لا إله إلا الله) كلمة لا تسوغ لأحد. # والرحمن: لم يتسم به إلا كذاب اليمامة. # والخالق ممنوع في كتاب الله - عز وجل - قوله - عز وجل -: (هل من خالق غير ~~الله) فلا خالق إلا الله. # وكذلك: سبحان. وقد ذكر عن الأعشى ميمون بن قيس في الجاهلية يمدح علقمة بن ~~علاثة. وقال: (سبحان من علقمة الفاخر). # وذكر الله - عز وجل - نفسه مطلقا. وقال: (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من ~~المسجد الحرام). # وقال: (سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين). # وقال: (سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب ~~العالمين). # واختلف الناس هاهنا، فقال قائلون: (الأسماء والصفات ما قرع الآذان) وهم ~~بعض الأشعرية. # وقال آخرون: (الأسماء والصفات المعاني التي دلت عليها الألفاظ المسموعة ~~بالآذان المصونة تحت اللسان). # ونحن نشير إلى ما ذهب إليه كل واحد إن شاء الله تعالى. # اعلم أن الله - عز وجل - فضل أبانا آدم عليه السلام على الملائكة الذين ~~هم أفضل الخليقة، بمعرفة الأسماء. # وذلك أن الله- عز وجل - قال للملائكة: (إني جاعل في الأرض خليفة) إلى ~~قوله: (إنك العليم الحكيم) إلى قوله: (وما كنتم تكتمون). # ثم قال عز من قائل: (وإذ قلنا للملائكة اسجدوا) إلى قوله: (من الكافرين). # فمن عري من فضيلة هذه الأسماء ولم يعترف بالجهل لها كالملائكة، التحق ~~بإخوانه الشياطين من ذرية إبليس اللعين. # ونحن نشير إلى حقيقة الأسماء ظن وغلط كل فريق فيها. PageV03P300 # فأول ذلك: أن وجود الأسماء يقتضي ثلاث معان: وجودها في الأعيان، ووجودها ~~في الأذهان، ووجودها في اللسان. # ونحن نشير إلى بداية الخلق من الجواهر إلى نهاية النطق التي هي ثمرة ~~الخلق، فإن الله تعالى أول ما خلق الجواهر، فجعل فيها المسطقسات وهي ~~الطبائع الأربع، التي هي: اليبوسة، والحرارة، والرطوبة، والبرودة. # فمن هذه الطبائع، فمزجت منها العناصر التي هي: الأثير، والهواء، والأرض، ~~والماء. # ومزج اليبوسة والحرارة، فكان منهما الأثير. # ومزج الحرارة والرطوبة، فكان منهما الهواء. # ومزج ms400 الرطوبة والبرودة، فكان منهما الماء. # ومزج البرودة واليبوسة، فكان منهما الأرض. # فظهر فيما دون الأثير إلى المركز الذي هو الأرض ؛ عالم الكون والفساد، ~~وما وراء هذا فعل جوهرية، وظهر في عالم الكون والفساد الجماد والموتان. # وانفرد بالأرواح الحيوان، فظهرت ثمرة الخلق في الحيوان، لأنه يغدو وينمو، ~~ويفعل ويترك، ويختار ويكتسب، فخلق الله هذه الأجناس الثلاثة وهي: الملائكة ~~والأنس والجن، فركب فيهم العقل، فهي آخر القضية. # والروح والعقل جوهران، وخلق الله النطق لهؤلاء الثلاثة، وخصهم به من سائر ~~الحيوان، وأخرج فيه البيان والتبيان لعجائب ما في القرآن من شأن، منة ~~وفضيلة من الرحمن، فخلق اللغات التي يتناطق بها الناطقون في الأزمان على ~~ثلاثة أوجه، فكانت هذه الوجوه الثلاثة بحرا من البحور العظيمة التبيان، ~~وخليجا من سائر الخلجان في جانب البحر المحيط الذي هو بحر المعاني، فتبارك ~~الله أحسن الخالقين، وليقصر العيان عن ركوب هذا البحر الثاني. # ولنشر إلى أسماء الأعيان، ووجودها في الأذهان، وظهورها على اللسان. # وأما أسماء الأعيان، فإن الله تعالى خلق الخلائق فجعل اللغات، فجعل بعض ~~الخلائق أسماءها منها، كالجسم والعرض والإنسان وأسامي الأعداد بهذا الاسم ~~ذاتي، كالإنسان والحيوان وخمسة من الأعداد والسواد من الألوان والبياض. PageV03P301 # اعلم أم ما لا ينفهم لك من الشيء إلا بمعرفة غيره فذلك الغير ذاتي له، ~~كالعدد للخمسة والأربعة، واللون للسواد والبياض، فلن ينفهم لك السواد حتى ~~ينفهم لك اللون، ولا الأربعة حتى ينفهم لك العدد. # والذاتي من الأسماء: ما يمكن الخمسة عددا، وأعم الأسماء الموجودة، ويطلق ~~على الباري سبحانه وجودا واجبا، ويطلق على الغير وجودا ممكنا، فوجود الباري ~~متعلق بمائية، ووجود غيره متعلق ماهيته. # والمائية: إشارة إلى الذات والوجود، والماهية: إشارة إلى الذات والصفة، ~~فالأول متعلق بالهلهلة، والثاني متعلق بالكيفية. # فالأولون: أبصارهم مقصورة على الألفاظ أنها أسماء. # والآخرون: لاحت أبصارهم على المعاني هي الأسماء. والألفاظ والمعاني بحران ~~عظيمان زاخران لجيان، وليس كل اسم ذاتيا، ولا كل اسم لفظيا، منها أسماء ~~الأعيان، وأسماء الألفاظ سهام اللسان. # وأما سهام الأذهان فمنقسمة بين الأعيان واللسان، ومرجعهما ms401 إلى العلم، ~~لأنك تعرف حقيقة اسم الشيء في ذهنك، وليس في ذلك ما يدل على ذات الاسم ولا ~~عليه، وليس فيه أيضا ما يدل على أنه لفظه ولسانه. # ولنشر الآن إلى دلالة الفريقين جميعا، إلى وقل من قال: إن الاسم هو ~~المسمى. وإلى قول من قال: إن الاسم غير المسمى. # واستدل الفريقان جميعا بلغة العرب، فقال بعضهم: إن العرب قسمت لغتها، ~~فجعلت نصيب الذوات هي الأسماء، ونصيب الحركات هي الأفعال. # والحروف عقاقير بها تظفر فائدة المعاني. لو قلت: (زيد الجبل) لما ظهر ~~مرادك، فإن أدخلت حرفان بان واستبان فتقول: (زيد على الجبل). ولو قلت: ~~(عمرو الدار) لما أنفهم للسامع، حتى تقول: (عمرو في الدار). # قسموا لغة العرب هذا التقسيم، وعلقوا الأسماء بالذوات، لأنك تبصر الذوات ~~وتجهل الأسماء. فتقول: (من هذا ؟) فيقال لك: (زيد). فوقعت الجهالة على ~~الاسم لا على الذات، وتزيل عنه بعض أسمائه، وتحدث له غيرها، وتفارق بعض ~~أسمائه لحدوث غيرها، وتنسى الاسم ولا تنسى المسمى. PageV03P302 # والاسم مأخوذ من السمو على رأي أهل البصرة، ومن السمة على رأي أهل ~~الكوفة، وكلاهما دالان أن الاسم غير المسمى، ويقول القائل: اكتب أسمي في ~~هذه الصحيفة. وتكتب الاسم ولا تكتب الرجل. # وتختلف عليه الأسماء باختلاف الحالات: من نطفة إلى علقة إلى مضغة، إلى ~~طفل إلى غلام إلى بالغ، إلى رجل إلى شاب إلى شيخ إلى هرم إلى ميت، فالذات باقية. # وقال الآخرون: إن هذه الأسماء هي غيره، لأنها بمقتضى اللسان والأذهان، ~~وبقي عليكم حكم الاسم في الأعيان. # وقد قدمنا القول في أسماء الأعيان والذوات، وأسماء الذوات هي الأصل، ~~وأسماء اللغات هي الفصل، وللأصل فضيلة على الفصل. # وإن كان التوجه لا محالة إلى الباري سبحانه لأسمائه وصفاته، فللأفضل دون ~~المفضول، والأفضل في حد الحقيقة، والمفضول في حد المجاز. # فالحقائق أولى بالباري سبحانه من المجازات، إلا في موضع هنع منه الشرع ~~لقوله - عز وجل -: (ليس كمثله شيء). # واستدل الفريقان جميعا على قولهما بقول الله تعالى: (هو الله الذي لا إله ~~إلا هو عالم الغيب ms402 والشهادة هو الرحمن الرحيم) إلى قوله: (يسبح له ما في ~~السموات والأرض وهو العزيز الحكيم). # واستدل من قال: إن الاسم غير المسمى , بهذه الأعداد المتغايرة والحروف ~~المختلفة والمعاني المتفاوتة، وقد وقع الخطاب عليها من الله - عز وجل - ~~بالجمع والتذكير والتأنيث، أنها غير الله تعالى، والظاهر حكمة على الباطن، ~~وإنما أراد الله تعالى هاهنا الألفاظ دون المعاني. # واستدل الآخرون بالآيات الثلاث التي قدم الله تعالى فيها: (هو الله الذي ~~لا إله إلا هو) ثم قال: لا إله إلا هو. # وليس بعد الألوهية إلا الذات، فاقتضى هذا القول الحقيقة لا المجاز، ودل ~~بقوله على المعاني دون الألفاظ، إذ هو هو، لا هو غيره. # وقال آخرون: هذا مجاز من القول، كما تقول للشجاع: إنه أسد. وليس بأسد. ~~وتقول للسخي: بحر. وليس ببحر. PageV03P303 # وقال آخرون: تعالى ربنا أن رغب عما أخبرنا به عن نفسه إلى تمثيل من دونه، ~~فنحن على الظاهر، والظاهر على الباطن حكمة، إلا أن يقع للباطن دليل، ~~وللباطن دليل هاهنا، لأن الله تعالى يريد بقوله: هو هو الباطن لا الألفاظ. # وقولك: الشجاع هو الأسد. ولم يرد به اللفظ، ولا عين الأسد، لكن المراد هو ~~المعاني، وهو حقيقة الاسم في ذات الله تعالى. # وكلا الفريقين قد أصاب، هؤلاء: لأن الألفاظ هي الأسماء. والآخرون لأن ~~المعاني هي الأسماء. # فمن أجزل للباري سبحانه المدحة فهو أفضل ممن بخسها، لكن هؤلاء اقتصروا ~~على أبصارهم، وهؤلاء على بصائرهم، وعلى أن مستقاهما من مكانين مختلفين. # ومستقى أصحاب الألفاظ والألقاب والأعلام من اللغة، ومستقى أصحاب المعاني ~~من الشرع، فإذا ازدحما أتت الشريعة على اللغة، على أن اللغة فيها مقتضى ~~المعنيين جميعا، أسماء الألقاب وأسماء الذوات، فالأفضل للأفضل. # واستدل أيضا من نفي الاسم عن الذات بقول الله - عز وجل -: (قل ادعوا الله ~~أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى). # واستدل بقوله: (أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى) أنه أراد الألفاظ التي ~~تدعوا بها الله فتقول: يا الله يا رحمن - فصرفوه إلى اللفظ دون المعنى، ~~بدليل قوله: (فله ms403 الأسماء الحسنى). # وقال آخرون: إنما توجه قوله: (أيا ما تدعوا) إلى الله - عز وجل - بما ~~دعوت بها: الله، الرحمن، الرحيم. وصرف المدحة إلى الأسماء، وصرف الآخر ~~المدحة إلى الدعاء، واحتمل اللفظ واحتمل المعنى، فالأفضل أفضل والمفضول ~~مفضول، فالرحمن هو الله، والله هو الرحمن. # وهذان اسمان لفظا ومعنى هما فرد، وصدق الفريقان. # واستدلوا أيضا بقوله: (سبح اسم ربك) فقال المثبتون: الاسم هو المسمى ~~والتسبيح لا يليق بالمخلوق، وقد وقع هاهنا على الاسم، وصح أنه المسمى. # وقال آخرون: انتصب بإسقاط الخافض، أي سبح باسم ربك وكذلك قوله: (وذكر اسم ~~ربه فصلى) أي وذكر ربه، أو ذكر ربه باسمه. PageV03P304 # واستدلوا من اللغة بقول رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «إن الله تسعة ~~وتسعين اسما، مائة غير واحد، لأنه وتر يحب الوتر، من أحصاها دخل الجنة» ~~والحديث مشهور مذكور، ولن يضر القائلين بأن الاسم هو المسمى، حين اعترفوا ~~لهم: بأن الأسماء منها ألفاظ العباد، ومنها معاني ذوات العباد، وقد قال ~~القائل حين سمع تغريد الحمامة. # كمل الكتاب والحمد لله على التمام # باب معنى لا إله إلا الله # بسم الله الرحمن الرحيم # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم # ومعنى: (لا إله) نفي وتبرئة، (إلا الله) إثبات وتحقيق وتصديق، وإيجاب، ~~ومعنى: (محمد رسول الله) إقرار وإخلاص وتصديق وتحقيق، وصدق المحبة وأتباع ~~السنة وموافقتها. # ولهذه الكلمات سبعة شروط: أن يقولها عن علم لا عن جهل ولا عن كره، وأن ~~يقولها عن إخلاص لا عن شرك، وأن يقولها عن يقين لا عن شك، وأن يقولها مع ~~العمل ولا يتكل عليها، وأن يقولها بقلبه ولسانه وجوارحه، وأن يقولها ابتغاء ~~وجه الله، وأن يقولها مع التوبة من غير إصرار على ذنب، ويثبت عليها غير ~~مغفول ولا مغير حتى يموت. # فإن قال: ما معنى التوحيد الذي أسس عليه الجميع ؟ # فالجواب: # أن معناه إثبات الواحد ونفي ما سواه من شريك أو إله أو ولي أو طاغوت فكل ~~ما يعبد سواه فيجب الكفر به. # والدليل عليه قوله عليه السلام: «من ms404 عبد الله وكفر بما يعبد من دون الله ~~فقد حرم الله دمه وماله وحسابه على الله» # والتوحيد: هو قول: «لا إله إلا الله محمد رسول الله، وما جاء به حق». # فإن قال قائل: فما أول ما يجب على المكلف ؟ # فالجواب: # أن يعرف الله، ويعرف له ثلاثة، ويفني عنه خمسة، ويثبت له ثلاثة، ويؤمن ~~بواحدة. # فأما الثلاثة التي يعرفها له: فهي معرفة الخالق، ومعرفة المخلوقات، ~~ومعرفة أسماء الله. # وأما الخمسة التي ينفيها عنه فهي: نفي التشبيه والتشريك والتكثير، ونفي ~~المكان والنقائض. PageV03P305 # وأما الثلاثة التي يثبتها له فهي: أن يثبت له القضاء والقدر، وأن يثبت له ~~العدل والإحسان، وأن يثبت له الرسالة بالمعجزات. # وأما الواحدة التي يؤمن بها فهي: أن يؤمن بمتشابه الشرع حيث وقع في ~~القرآن والحديث، مثل آيات الاستواء وحديث النزول (1). # فإن قال: ما الذي يجب عليك في معرفة الله ؟ # فالجواب: # أن ينفي عنه الحدود العشرة وهي: قبل وبعد وتحت وفوق ويمين وشمال وأمام ~~وخلف وكل وبعض. # فإن قيل: بم عرفت الله ؟ # فالجواب: # بالمخلوقات، وعرفت المخلوقات بالحدود العشرة المذكورة. # فإن قيل: بم عرفت هذا كله ؟ # فقل: بضرورة العقل، والضرورة: ما لا يتطرق إليك الشك فيه، ولا يمكن ~~للعاقل دفعه. # فإن قيل: ما المعرفة الواجبة على العباد ؟ # فقل ثلاث: معرفة الباري سبحانه، ومعرفة الرسول، ومعرفة ما جاء به الرسول. # أما معرفة الباري سبحانه فثلاثة: ما يجب له، وما يجوز له، وما يستحيل عليه. # فأما معرفة ما يجب له: فالوجود المطلق، والبقاء المطلق، والكمال المطلق. # وأما ما يجوز له، فإيجاد العالم بعد عدمه، وإعدامه بعد وجوده، وإعادته ~~بعد عدمه. # وأما ما يستحيل عليه: فالابتداء، والانقضاء، والنقائص. # وأما معرفة الرسول فثلاثة:ما يجب له، وما يجوز عليه، وما يستحيل عليه. # وأما ما يجب له: فالصدق، والتبليغ، والنصيحة. # وأما ما يجوز عليه: فالسهو، والنسيان، والنوم. # وأما ما يستحيل عليه: فالكذب، والخيانة، والغش. # وأما معرفة ما جاء به الرسول فثلاثة: أمر، ونهي، وخبر. # والأمر على ثلاثة أضرب: أمر وجوب، وأمر ندب، وأمر ترغيب وتفضيل. # والنهي عن ms405 ثلاثة أضرب: نهي تحريم، ونهي كراهية، ونهي تنزيه. # والخبر على ثلاثة أوجه: خبر عن الدنيا وزوالها، وخبر عن الآخرة ودوامها، ~~وخبر عن الرسل وأممهم. # وهذا آخر ما تيسر. # والحمد لله رب العالمين. # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم # * * * # «والحمد لله على التمام» ms406