######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0012757 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: السموأل بن يحيى بن عباس المغربي (المتوفى: نحو 570هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: NOTGIVEN #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: غاية المقصود في الرد على النصارى واليهود #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: الدعوة وأحوال المسلمين #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0012757 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-12757 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/12757 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: د. إمام حنفي سيد عبد الله #META# 041.EdNUMBER :: الأولى 1427 هـ - 2006 م #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار الآفاق العربية - القاهرة #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### | مقدمة # بسم الله الرحمن الرحيم # أما بعد حمد الله على ما ألهم من الهداية وعصم عنه من الغواية، # والصلاة على محمد، خاتم النبيين، وعلى آله الطاهرين، فإن سبيل من فضل من ~~العباد بالفطانة والرشاد أن يجد في البحث عن أحوال المعاد، والتأمل لما ~~أخذه من الآباء والأجداد بعين الامتحان والانتقاد، فإن رآه فضيلة سما ~~لإدراكها، وإن ألفها رزيلة نجا من أشراكها، ليحصى حقائبه بطانا من الزاد، ~~فإن هاتف الموت بالمرصاد، ولن تحمد العقبى مضيع في تحصين شرعه، وموزع ~~مواقيته على ما ينقاد إليه بطبعه، ولن يظفر بضالة الحق إلا ناشدوها، ولن ~~يبهرج الأباطيل على أنفسهم إلا مفسدوها. # الغرض الأقصى من إنشاء هذه الكلمة الرد على أهل اللجاج والعناد، # بأن نظهر ما يعتور كلمتهم من الفساد، على أن الأئمة - ضوعف ثوابهم - قد ~~انتدبوا قبلي لذلك، وسلكوا في مناظرة اليهود أنواع المسالك، إلا أن أكثر ما ~~نوظروا به يكادون لا يفقهونه، ولا يلتزمونه. # PageV01P036 # وقد جعل الله إلى إفحامهم طريقا، مما يتداولونه في أيديهم من نص # توراتهم، وعماهم الله عنه عند تبديلهم، ليكون حجة عليهم موجودة فى # أيديهم. ### | إلزام اليهود الفسخ في الشرائع # وهذا أول ما أبتدئ من إلزامهم النسخ من نص كتابهم ومما تقتضيه أصولهم. # نقول لهم: هل كان قبل نزول التوراة شرع أم لا؟ # فإن جحدوا كذبوا بما نطق به الجزء الثاني من السفر الأول من التوراة، إذ ~~شرع الله على نوح، عليه السلام، القصاص في القتلى ذلك قوله تعالى: # "شوفيخ ذام هاء إذام باء اذام دامو يشافيخ كى يصيلم ألوهيم عاساات # ها اذام " .. تفسيره: سافك. # دم الإنسان، فليحكم بسفك دمه، لأن الله خلق الآدمي بصورة # شريفة. # وما يشهد به الجزء الثاني من السفر الأول من التوراة، إذ شرع إبراهيم، # عليه السلام ختانة المولود في اليوم الثامن من ميلاده. # وهذه - وأمثالها - شرائع، لأن الشرع لا يخرج عن كونه أمرا أو نهيا من ~~الله # لعباده، سواء نزل على لسان رسول، أو كتب في أسفار، أو ألواح أو غير ذلك. # فإذا أقروا بأن ms01 قد كان شرع، قلنا لهم: ما تقولون في التوراة، هل أتت ~~بزيادة على تلك الشرائع، أم لا؟ # فإن لم تكن أتت بزيادة، فقد صارت عبثا، # PageV01P037 # إذ لا زيادة فيها، على ما تقدم، ولم تغن شيئا، فلا يجوز أن تكون صادرة عن ~~الله، تعالى، فيلزمكم أن التوراة ليست من عند الله، وذلك كفر على مذهبكم! # وإن كانت التوراة أتت بزيادة، فهل في تلك الزيادة تحريم ما كان مباحا، أم ~~لا؟ # فإن أنكروا ذلك، بطل قولهم من وجهين: - # - أحدهما: أن التوراة حرمت الأعمال الصناعية في يوم السبت، بعد أن # كان ذلك مباحا، وهذا بعينه فهو النسخ. # - والثانى: أنه لا معنى للزيادة في الشرع، إلا تحريم ما تقدمت إباحته، # وإباحة ما تقدم تحريمه. # - فإن قالوا: إن الحكيم لا يحظر شيئا، ثم يبيحه، لأن ذلك إن جاز مثله، ~~كان كمن أمر بشىء وضده! # فالجواب: إن من أمر بشىء وضده في زمانين مختلفين، غير مناقض بين أوامره # ، وإنما يكون كذلك لو كان الأمران في وقت واحد. # فإن قالوا: إن التوراة حظرت أمورا كانت مباحة من قبل ولم تأت بإباحة ~~محظور. # والنسخ المكروه هو إباحة المحظور" لأن من أبيح له شىء فامتنع عنه وحظره # على نفسه، فليس بمخالف، وإنما المخالف من منع عن شىء فأتاه، لاستباحته ~~المحظور. # فالجواب: من أحل ما حظره الشرع في طبقة المحرم لما أحله الشرع، إذ كل # منهما قد خالف المشروع ولم يقر الكلمة على معاهدها. # PageV01P038 # فإذا جاز أن يأتي في شرع التوراة تحريم ما كان إبراهيم، عليه السلام # ، ومن تقدمه على استباحته، فجائز أن تأتي شريعة أخرى بتحليل ما كان في ~~التوراة محظورا. # وأيضا: فلا تخلو المحظورات من أن يكون تحريمها مفترضا في كل الأزمنة، لأن # الله يكره ذلك المحظور لعينه أو لا يكون كذلك، بل نهى عنه في بعض # الأزمنة. # فإن كان الله ينهى عن عمل الصناعات في يوم السبت، لعين السبت، فينبغى أن ~~يكون هذا التحريم على إبراهيم ونوح وآدم أيضا؛ لأن عين السبت كانت أيضا ~~موجودة في زمانه، ms02 وهى علة التحريم. # وإذا كان ذلك غير محرم على إبراهيم ومن تقدمه، فليس النهى عنه لعينه، ~~أعني في جميع أوقات وجود عينه. # وإذا لزمكم أن تحريم الأعمال الصناعية في يوم السبت ليس بمحرم في جميع # وجود أوقات السبت، فليس بممتنع أن ينسخ هذا التحريم في زمان آخر، # وإذا ظهر قائم بمعجزات الرسالة وأعلام النبوة في زمن آخر بعد فترة طويلة. # فجائز أن يأتي بنسخ كثير من أحكام الشريعة، سواء حظر مباحاتها، أو أباح ~~محظوراتها، وكيف يجوز أن يحاج من جاء بالبينة البشرية أو باينها، ولا سيما ~~أن الخصوم قد طالما تعبدوا بفرائض مباينة للعقول، كطهارة أنجاسهم برماد ~~البقرة # PageV01P039 # التى كان الإمام الهاروني يحرقها قبيل أوان الحج، ونجاسة طاهرهم بذلك ~~الرماد بعينه. # على أن الذي يروم تنزيله منزلة هذا أقرب كثيرا إلى العقل، فإن الأفعال # والأوامر الإلهية منزهة عن الوقوف عند مقتضى العقول البشرية. # وإذا كانت التعبدات الشرعية غير عائدة بنفع لله، عز وجل، ولا دافعة عنه # ضررا، لتنزهه، سبحانه، عن الانتفاع والتأذى بشىء فما الذي يحيل أو يمنع # كونه تعالى، يأمر أمة بشريعة، ثم ينهى أمة أخرى عنها، أو يحرم محظورا # على قوم، ويحله لأولادهم، ثم يحظره ثانيا على من يجىء من بعده! # كيف يجوز للمتعبد أن يعارض الرسول في تحليله ما كان حراما على قوم، # ويستدل بذلك على كذبه بعد أن جاء بالبينة، وأوجب العقل تصديقه وتحكيمه، ~~أليس هذا تحكما وضلالا وعدولا عن الحق.؟! ### | إفحام اليهود والنصارى بالحجة العقلية وإلزامهم الإسلام. # لا يسع عاقلا أن يكذب نبيا ذا دعوة شائعة، وكلمة قائمة، ويصدق غيره، لأنه ~~لم ير أحدهما، ولا شاهد معجزاته، فإذا خصص أحدهما بالتصديق، والآخر ~~بالتكذيب، فقد تعين عليه الملام والإزراء عقلا. # ولنضرب لذلك مثالا: وهو أنا إذا سألنا يهوديا عن موسى، عليه السلام، # وهل رآه وعاين معجزاته؟ .. فهو بالضرورة يقر بأنه لم يشاهد شيئا من ذلك ~~عيانا. # فنقول له: بماذا عرفت نبوة موسى وصدقه # PageV01P040 # فإن قال: إن التواتر قد حقق ذلك، وشهادات الأمم بصحته دليل ثابت # فى ms03 العقل، كما قد ثبت عقلا وجود بلاد وأنهار لم نشاهدها، وإنما تحققنا ~~وجودها بتواتر الأنباء والأخبار. # قلنا: إن هذا التواتر موجود لمحمد وعيسى، عليهما السلام، كما هو # موجود لموسى عليه السلام. فيلزمك التصديق بهما. # وإن قال اليهودي: إن شهادة أبي عندي بنبوة موسى، هى سبب تصديقي # بنبوته. # قلنا له: ولم كان أبوك عندك صادقا في ذلك معصوما عن الكذب، وأنت ترى ~~الكفار أيضا يعلمهم آباؤهم ما هو كفر عندك، إما تعصبا من أحدهم لدينه ~~وكراهيته لمباينة طائفته، ومفارقة قومه وعشيرته، وإما لأن أباه وأشياخه ~~نقلوه إليه، فتلقفته منهم، معتقدا فيه الهداية والنجاة! # فإذا كنت، يا هذا، ترى جميع المذاهب التي تكفرها قد أخذها أربابها # عن آبائهم، كأخذك مذهبك عن أبيك، وكنت عالما أن ما هم عليه # ضلال وجهل. فيلزمك أن تبحث عما أخذته عن أبيك، خوفا من أن تكون هذه ~~حالته! # فإن قال: إن الذي أخذته عن أبى أصح مما أخذه الناس عن آبائهم: لزمه أن ~~يقيم البرهان على نبوة موسى، من غير تقليد لأبيه، لأنه قد ادعى صحة ذلك ~~بغير تقليد. # PageV01P041 # وإن زعم أن العلة في صحة ما نقله عن أبيه أن أباه يرجح على آباء الناس # بالصدق والمعرفة، كما تدعى اليهود في حق آبائها، لزمه أن يأتي بالدليل ~~على أن أباه كان أعقل من سائر آباء الناس وأفضل، فإن هو ادعى ذلك كذب فيه، ~~لأن من هذه صفته، يجب أن يستدل على فضائله بآثاره. # وقول اليهود باطل. بأنه ليس لهم من الآثار في العالم ما لغيرهم مثله، بل # على الحقيقة لا ذكر لهم بين الأمم الذين استخرجوا العلوم الدقيقة، ~~ودونوها لمن يأتى بعدهم. # وجميع ما نسب إليهم من العلوم مما استفادوه، من علوم غيرهم لا يضاهى # بعض الفنون الحكمية التي استخرجها حكماء اليونان، والعلوم التى # استنبطها النبط. # وأما تصانيف المسلمين فيستحيل لكثرتها أن يقف أحد من الناس على جميع ما # صنفوه في أحد الفنون العلمية، لسعته وكثرته. وإذا كان هذا موقعهم من ~~الأمم، فقد بطل قولهم: إن آباءهم ms04 أعقل الناس وأفضلهم وأحكمهم ولهم أسوة ~~بسائر آباء الناس المماثلين لهم من ولد سام بن نوح، عليهما السلام. # فإذا أقروا بتأسى آبائهم بآباء غيرهم، وعلموا بأن آباء غيرهم قد لقنوهم # الكفر. لزمهم أن شهادة الآباء لا يجوز أن تكون حجة في صحة الدين، فلا ~~يبقى لهم حجة بنبوة موسى، عليه السلام، إلا شهادة التواتر، وهذا التواتر ~~موجود لعيسى ومحمد، كوجوده لموسى، عليهم السلام. # PageV01P042 # وإذا كانوا قد آمنوا بموسى لشهادة التواتر بنبوته، فقد لزمهم التصديق ~~بنبوة # المسيح والمصطفى، صلى الله عليهما وسلم. ### | وجه آخر في إثبات النسخ بأصولها # نقول لهم: هل أنتم اليوم على ملة موسى، عليه السلام؟ # فإن قالوا: نعم. # قلنا لهم: أليس في التوراة: "أن من قس عظما، أو وطئ قبرا، أو حضر # ميتا عند موته، فإنه يصير من النجاسة في حال لا مخرج له منها، إلا برماد ~~البقرة التي كان الإمام الهاروني يحرقها؟! # فلا يمكنهم مخالفة ذلك، لأنه نص ما يتداولونه. # فيقول لهم: فهل أنتم اليوم على ذلك؟ # فيقولون: لا نقدر عليه. # فيقول لهم: فلم جعلتم أن من لمس العظم والقبر والميت فهو طاهر يصلح # للصلاة وحمل المصحف، والذى في كتابكم بخلافه؟! # فإن قالوا: لأنا عدمنا أسباب الطهارة وهى رماد البقرة، والإمام المطهر # المستغفر. # قلنا: فهل ترون هذا الأمر مع عجزكم عن فعله مما تستغنون في الطهارة عنه، ~~أم لا، فإن قالوا: نعم، قد نستغنى عنه. فقد أقروا بالنسخ لتلك الفريضة لحال ~~اقتضاها هذا الزمان. # PageV01P043 # وإن قالوا: لا نستغنى في الطهارة عن ذلك الطهور. # فقد أقروا بأنهم الأنجاس أبدا، ما داموا لا يقدرون على سبب الطهارة. # فنقول لهم: فإذا كنتم أنجاسا، على رأيكم وأصولكم، فما بالكم تعتزلون # الحائض بعد انقطاع الحيض وارتفاعه سبعة أيام اعتزالا تفرطون فيه إلى حد ~~أن # أحدكم لو لمس ثوبه ثوب المرأة لاستنجستموه مع ثوبه. # فإن قالوا: لأن ذلك من أحكام التوراة. # قلنا: أليس في التوراة أن ذلك يراد به الطهارة؟ # فإذا كانت الطهارة قد فاتتكم والنجاسة التي أنتم فيها هى على معتقدكم # لا ms05 ترتفع بالغسل كنجاسة الحيض، فهى لذلك أشد من نجاسة الحيض. # ثم إنكم ترون أن الحائض طاهرة، إذا كانت من غير ملتكم، ولا تستنجسون # لامسها ولا الثوب الذي تلمسه، وتخصيص هذا الأمر - أعني نجاسة # الحيض - بطائفتكم، مما ليس في التوراة. # فهذا كله منكم نسخ أوتبديل. # فإن قالوا: إن هذا - وإن كان النص غير ناطق به - فقد جاء في الفقه. # قلنا لهم: فما تقولون في فقهائكم، هل الذي اختلفوا فيه من مسائل # الخلاف والذهب - (على كثرتها - كان ثمرة اجتهاد واستدلال منقولا) بعيته؟ # فهم يقولون: إن جميع ما في كتب فقهنا نقله الفقهاء عن الأحبار عن الثقات ~~من السلف عن يوشع بن نون عن موسى الكليم، عليهما السلام، عن الله تعالى. # PageV01P044 # فيلزمكم في هذا أن المسألة الواحدة التي اختلف فيها اثنان من فقهائكم، # يكون كل واحد منهما ينقل مذهبه فيها نقلا مسندا إلى الله، عز وجل، وفى # ذلك من الشناعة اللازمة لهم أن يجعلوا الله قد أمر في تلك المسألة بشىء # وخلافه، وهو النسخ الذي يدفعونه بعينه. # فإن قالوا: إن هذا الخلاف غير مستعمل، لأن الأولين كانوا بعد اختلافهم # فى المذهب في المسألة يرجعون بها إلى أصل واحد، هو المقطوع به. # قلنا: إن رجوعهم بعد الاختلاف إلى الاتفاق على مذهب واحد، إما لأن # أحدهم رجع عما نقل، أو طعن في نقله، فيلزمه السقوط عن العدالة، ولا يجوز ~~لكم أن تعاودوا الالتفات إلى نقله، وإما أن يكون الفقهاء اجتمعوا على نسخ ~~أحد المذهبين، أو تكون رواية أحدهما ناسخة لرواية الآخر، وما من الفقهاء ~~إلا من ألغى مذهبه في مسائل كثيرة، وهذا جنون ممن لا يقر بالنسخ، ولا يرى ~~كلام أصحاب الخلاف اجتهادا ونظرا، بل نقلا محضا. ### | إلزام النسخ بوجه آخر # نقول لهم: ما تقولون في صلواتكم وأصوامكم، هل هى التي فارقكم عليها # موسى صلى الله عليه؟ # فإن قالوا: نعم. # PageV01P045 # قلنا: فهل كان موسى وأمته يقولون في صلواتهم كما تقولون: "تقاع شوفار # كادول لخير وثينو وسانيس لقبو صينو وقبصينو باخد ميارباع كنفوث هاارض ~~النوى قد ms06 شيحنا باروخ إثا ادناى مقبيص نذحى عمو يسرائيل ". # تفسيره: " اللهم اضرب ببوق عظيم لعتقنا، واقبضنا جميعا من أربعة # أقطار الأرض إلى قدسك، سبحانك يا جامع تشتيت قوم بنى إسرائيل ". # أم هل كانوا يقولون على عهد موسى عليه السلام، كما يقولون في كل # يوم: "هاشيب شوفطينوا كبار يشونا ويوعصينو لبتحلا وينى أث يروشا لايم عير ~~قد شنحا يحيينوونا حمينو بنيا نماه ياروخ أثا اذوناى بوفى يرشالايم ". # تفسيره: " اردد حكامنا كالأولين، ومشيرينا كالابتداء، وابن # يروشليم قرية قدسك في أيامنا وأعزنا ببنائها، سبحانك يا بانى يروشليم ". # أم هذه فصول شاهدة بأنكم لفقتموها بعد زوال الدولة، وأما صوم إحراق # بيت المقدس، وصوم حصاره، وصوم كذليا الذي جعلتموها فرضا، # هل كان موسى يصومها، أو أمر بها هو أو خليفته يوشع بن نون، أو صوم # صلب هامان، هل هذه الأمور مفترضة في التوراة أو زيدت لأسباب اقتضت # زيادتها في هذه الأعصار؟ # PageV01P046 # فإن قالوا: وكيف يلزمنا النسخ بهذا الأمر؟ # قلنا: لأن التوراة نطقت بهذه الآية: "لوتوسيفو على هدا بار أشير # أنوحى مصوى الجيم ولو تعرعو ممينو". # تفسيره: "لا تزيدوا على الأمر الذي أنا موصيكم به شيئا، ولا تنقصوا منه # شيئا، وإذا زدتم شيئا من الفرائض، فقد نسختم تلك الآية". ### | إثبات النسخ على وجه آخر # نقول لهم: أليس عندكم أن الله اختار من بنى إسرائيل الأبكار، ليكونوا ~~خواص فى الخدمة للأقداس؟ # فيقولون: بلى. # فنقول لهم: أليس عندكم أيضا أن موسى لما نزل من الجبل وبيده الألواح، # ووجد القوم عاكفين على العجل، ووقف بطرف المعسكر، ونادى: " من كان لله ~~فليحضرنى". فانضم إليه بنوليوى، ولم ينضم إليه البكور، على أن مناداته، وإن ~~كان لفظها يقتضى العموم، لم تكن إشارتها إلا إلى البكور، إذ هم خاصة الله ~~يومئذ، دون أولاد لاوى، فلما خذله البكور. ونصره أولاد ليوى قال الله ~~لموسى: " وأ اقاح اث هلوتيم تاحت كل نحو بنى يسراايل " .. تفسيره: "وقد ~~أخذت اللاويين عوضا عن كل بكر في بنى إسرائيل " .. # وفى عقيب نزول هذه # PageV01P047 # الآية، أليس أن الله عزل الأبكار عن ms07 ولاية الاختصاص، وأخذ أولاد ليوى ~~عوضا عنهم؟! فهم لا يقدرون على إنكار ذلك. # وهذا يلزمهم منه القول بالبداء أو النسخ. ### | إلزام نبوة المسيح، صلى الله عليه. # نقول لهم: أليس في التوراة التي في أيديكم: "لوياسور شبيط ميم ومحو فيق ~~مبين زعلاو" .. تفسيره: لا يزول الملك من آل يهود، أو الراسم بين ظهرانيهم، ~~إلى أن يأتي المسيح، فلا يقدرون على جحده. # فنقول لهم: أفما علمتم أنكم كنتم أصحاب دولة وملك إلى ظهور المسيح، ثم ~~انقضى ملككم، فإن لم يكن لكم اليوم ملك، فقد لزمكم من التوراة أن المسيح قد ~~أرسل. # وأيضا فإنا نقول: أليس منذ بعث المسيح، عليه السلام، استولت # ملوك الروم على اليهود وبيت المقدس، وانقضت دولتهم وتفرق شملهم؟! ولا ~~يقدرون على جحد ذلك إلا بالبهتان. # ويلزمهم، على أصلهم الذي في التوراة أن عيسى ابن مريم هو المسيح الذى # كانوا ينتظرونه. # إلزامهم نبوته ونبوة المصطفى، عليهما السلام. # نقول لهم: ما تقولون في عيسى ابن مريم؟ # PageV01P048 # فيقولون: ولد يوسف النجار سفاحا. كان قد عرف اسم الله الأعظم فسخر # به كثيرا من الأشياء. # فيقول لهم: أليس عندكم في أصح نقلكم أن موسى، عليه السلام، قد أطلعه الله ~~على الاسم المركب من اثنين وأربعين حرفا، وبه شق البحر، وعمل المعجزات؟! .. ~~فلا يقدرون على إنكار ذلك. # فنقول لهم: فإذا كان موسى أيضا قد عمل المعجزات بأسماء الله تعالى # ، فلم صدقتم نبوته، وكذبتم نبوة عيسى؟! # فيقولون: لأن الله تعالى علم موسى الأسماء، وعيسى لم يتعلمها من الوحى، # ولكنه تعلمها من حيطان بيت المقدس. # فنقول لهم: فإذا كان الأمر الذي يتوصل به إلى عمل المعجزات قد يصل إليه ~~من لا يختصه الله به، ولا يزيد تعليمه إياه، فبأى شىء جاز تصديق موسى؟ # فيقولون: لأنه أخذها عن ربه. # فنقول: وبأى شىء عرفتم أنه أخذها عن ربه؟ # فيقولون: بما تواتر من أخبار أسلافنا. # وأيضا فإنا نلجئهم إلى نقل أسلافهم " # بأن نقول لهم: بماذا عرفتم نبوة موسى؟ # فإن قالوا: بما عمله من المعجزات. # قلنا لهم: وهل فيكم من رأى ms08 هذه المعجزات؟ # ليس هذا، لعمرى، طريقا إلى تصديق النبوات، لأن هذا كان يلزم منه أن تكون ~~معجزات الأنبياء، عليهم السلام، # PageV01P049 # باقية من بعدهم ليراها كل جيل وجيل، فيؤمنوا به، وليس ذلك # بواجب " لأنه إذا اشتهر النبي في عصر، وصحت نبوته في ذلك العصر # بالمعجزات التي ظهرت منه لأهل عصره، ووصل خبره إلى أهل عصر آخر، # ووجب عليهم تصديق نبوته واتباعه، لأن المتواترات والمشهورات مما يجب ~~قبولها فى العقل. # وموسى وعيسى ومحمد، صلوات الله عليهم وسلامه، في هذا الأمر # متساوون، ولعل تواتر الشهادات بنبوة موسى أضعف من تواتر الشهادات بنبوة ~~عيسى ومحمد (عليهما السلام)، لأن شهادة المسلمين والنصارى بنبوة موسى ليست ~~إلا بسبب أن كتابيهما شهدا له بذلك، فتصديقهم بنبوة موسى فرع على تصديقهم ~~بكتابتهم. # وأما معجزة القرآن فإنها، وإن كانت باقية، فتلك فضيلة زائدة لا تحتاج # إلى كونها سبب الإيمان. فأما من أعطى ذوق الفصاحة، فإن إيمانه بإعجاز ~~القرآن إيمان من شاهد المعجزة، لا من اعتمد على الخبر، إلا أن هذه درجة # لم يرشح لها كل أحد. # فإن قالوا: إن نبينا تشهد له جميع الأمم، فالتواتر به أقوى، فكيف تقولون ~~إنه أضعف؟! # قلنا: وكأن إجماع شهادات الأمم صحيح لديكم؟! # PageV01P050 # فإن قالوا: نعم. # قلنا: فإن الأمم الذين قبلتم شهاداتهم مجمعون على تكفيركم وتضليلكم، # فيلزمكم ذلك، لأن شهادتهم عندكم مقبولة! # فإن قالوا: لا نقبل شهادة أحد .. لم يبق لهم تواتر إلا من طائفتهم، وهى ~~أقل # الطوائف عددا، فيصير تواترهم وشرعهم لذلك أضعف الشرائع. # ويلزمهم مما تقدم - أن كل من أظهر معجزات شهد بها التواتر مصدق فى # مقالته، ويلزمهم - من ذلك - التصديق بنبوة المسيح والمصطفى، عليهما ~~السلام. ### | فصل فيما يحكونه عن عيسى عليه السلام. # هم يزعمون أنه كان من العلماء لا من الأنبياء، وأنه كان يطبب المرضى # بالأدوية، ويوهمهم أن الانتفاع إنما حصل لهم بدعائه، وأنه أبرأ جماعة من # المرضى من أسقامهم في يوم السبت، فأنكرت عليه اليهود ذلك. # فقال لهم: أخبرونى عن الشاة من الغنم، وإذا وقعت في البئر يوم السبت أما ms09 # تنزلون إليها، وتحلون السبت لتخليصها؟ # قالوا: بلى. # قال: فلم أحللتم السبت لتخليص الغنم، ولا تحلونها لتخليص الإنسان # الذى هو أكبر حرمة من الغنم؟! # PageV01P051 # فأفحمهم، ولم يؤمنوا. # وأيضا، فإنهم يحكون عنه أنه كان مع قوم من تلاميذه في جبل ولم يحضرهم # الطعام، فأذن لهم في تناول الحشيش في يوم السبت. # فأنكرت عليه اليهود قطع الحشيش في يوم السبت. # فقال لهم: أرأيتم لو أن أحدكم، لو كان وحيدا مع قوم على غير ملته، وأمروه ~~بقطع النبات في يوم السبت وإلقائه لدوابهم، لا ليقصدوا بذلك كسر السبت # تجيزون له قطع النبات؟! # قالوا: بلى. # قال: فإن هؤلاء القوم أمرتهم بقطع النبات ليأكلوه لينقذوا به أنفسهم، لا # للطعن في أمر السبت. # كل ذلك ملاطفة منه لعقولهم التي لا ينطبع فيها النسخ. ولئن كان ما يحكونه # من ذلك صحيحا، فلعله كان في ابتداء ظهور أمر المسيح، عليه السلام. ### | ذكر الآيات والعلامات التي في التوراة الدالة على نبوة سيدنا محمد المصطفى - صلى الله عليه وسلم - # إنهم لا يقدرون على أن يجحدوا هذه الآية من الجزء الثاني من السفر الخامس ~~من التوراة. # PageV01P052 # "نابى أقيم لا هيم مقارب أحيهم كاموخا ايلا وتشماعون " ... # تفسيره: "نبيا أقيم لهم من وسط إخوتهم مثلك به، فليؤمنوا". # وإنما أشار بهذا إلى أنهم يؤمنون بمحمد - صلى الله عليه وسلم -. # فإن قالوا: إنه قال، من وسط إخوتهم. وليس في عادة كتابنا أن يعنى # بقوله: "إخوتكم" إلا بني إسرائيل. # قلنا: بلى، قد جاء في التوراة "إخوتكم بنى العيص"، وذلك في الجزء الأول # من السفر الخامس، قوله: # "اتيم عوبز بقبول اخيحم بنى عيسووهيوشييم بسيعير". # تفسيره: " أنتم عابرون في تخم إخوتكم بنى العيص المقيمين في سيعير، إياكم ~~أن تطيعوا في شىء من أرضهم ". # فإذا كان بنو العيص إخوة لبنى إسرائيل، لأن العيص وإسرائيل ولدا إسحاق، ~~فكذلك بنو إسماعيل إخوة لجميع ولد إبراهيم. # وإن قالوا: إن هذا القول إنما أشير به إلى شموائيل النبي، عليه السلام، ~~لأنه قال: "من وسط إخوتهم مثلك ". وشموائيل كان مثل موسى" لأنه من أولاد ~~ليوى ms10 يعنون من السبط الذي كان منه موسى، عليه السلام. # قلنا لهم: فإن كنتم صادقين، فأى حاجة بكم إلى أن يوصيكم بالإيمان # بشموائيل، وأنتم تقولون: إن شموائيل لم يأت بزيادة، لا بنسخ أشفق # PageV01P053 # من أن لا تقبلوه، لأنه إنما أرسل ليقوى أيديكم على أهل فلسطين وليردكم ~~إلى شرع التوراة، وبين صفته، فأنتم أسبق الناس إلى الإيمان به، لأنه إنما ~~يخاف تكذيبكم، من ينسخ مذهبكم، ويغير أوضاع ديانتكم. # فالوصية بالإيمان به، مما لا يستغنى مثلكم عنه، ولذلك لم يكن بموسى حاجة # أن يوصيكم بالإيمان بنبوة أرميا وأشيعيا وغيرهما من الأنبياء. # وهذا دليل على أن التوراة أمرتهم، في هذا الفصل، بالإيمان بالمصطفى عليه ~~السلام، واتباعه. ### | الإشارة إلى اسمه - صلى الله عليه وسلم - في التوراة # قال الله، تعالى، في الجزء الثالث من السفر الأول من التوراة، مخاطبا ~~لإبراهيم الخليل، عليه السلام: "وأما في إسماعيل فقد قبلت دعاءك، ها قد ~~باركت فيه، # وأثمره وأكثره جدا جدا". # ذلك قوله: "وليشماعيل شمعتيخا هنى بير اختى أوتووهر بيثى أوتو بمأ دماد". # فهذه الكلمة "بماذماد" إذا عددنا حساب حروفها بالجمل، كان اثنين وتسعين، ~~وذلك عدد حساب حروف اسم محمد - صلى الله عليه وسلم -، فإنه أيضا اثنان ~~وتسعون. # وإنما جعل ذلك في هذا الموضع ملغزا، لأنه لو صرح به، لبدلته اليهود، أو # أسقطته من التوراة، كما عملوا في غير ذلك. # فإن قالوا: إنه قد يوجد في التوراة عدة كلمات، مما يكون عدد حساب حروفه ~~مساويا لعدد حساب حروف اسم زيد وعمرو وخالد وبكر، فلا يلزم من ذلك أن يكون ~~زيد وعمرو وخالد وبكر أنبياء. # PageV01P054 # فالجواب: إن الأمر كما تقولون، لو كان لهذه الآية أسوة بغيرها من كلمات # التوراة، لكنا نحن نقيم البراهين والأدلة على أنه لا أسوة لهذه الكلمة ~~بغيرها من سائر التوراة، وذلك أنه ليس في التوراة من الآيات ما حاز به ~~إسماعيل الشرف كهذه الآية، لأنها وعد من الله لإبراهيم، بما يكون من شرف ~~إسماعيل، وليس فى التوراة آية آخرى، مشتملة على شرف لقبيلة زيد وعمرو وخالد ~~وبكر. ms11 # ثم إنا نبين أنه ليس في هذه الآية كلمة تساوى "بمادماد" التي معناها "جدا # جدا"، وذلك أنها كلمة المبالغة من الله، سبحانه، فلا أسوة لها بشىء من ~~كلمات الآية المذكورة. # وإذا كانت هذه الآية أعظم الآيات مبالغة في حق إسماعيل وأولاده، وكانت # تلك الكلمة أعظم مبالغة من باقى كلمات تلك الآية، فلا عجب أن تضمن # الإشارة إلى أجل أولاد إسماعيل شرفا، وأعظمهم قدرا، محمد - صلى الله عليه ~~وسلم -. # وإذ بينا أنه ليس لهذه الكلمة أسوة بغيرها من كلمات هذه الآية، ولا لهذه ~~الآية أسوة بغيرها من آيات التوراة، فقد بطل اعترافهم. ### | ذكر الوضع الذي أشير فيه إلى نبوة الكليم. والمسيح والمصطفى، عليهم السلام. # "واما راذوناى مسيناى اثكلى وريهور يقاربه مسيعيرا تجرى لانا استحى # بغبورتيه على طورا دفاران وعميه ربوات قد يشين ". # تفسير، قال: "إن الله من سيناء تجلى، وأشرق نوره من سيعير، واطلع من # جبال فاران، ومعه ربوات المقدسين ". # PageV01P055 # وهم يعلمون أن جبل سيعير هو جبل الشراة الذي فيه بنو العيص الذين آمنوا # بعيسى، عليه السلام، بل في هذا الجبل كان مقام المسيح عليه السلام. وهم # يعلمون أن سيناء هو جبل الطور، لكنهم لا يعلمون أن جبل فاران هو جبل # مكة! # وفى الإشارة إلى هذه الأماكن الثلاثة التي كانت مقام نبوة هؤلاء ~~الأنبياء، ما # يقتضى للعقلاء أن يبحثوا عن تأويله المؤدى إلى الأمر باتباع مقالتهم. # فأما الدليل الواضح من التوراة على أن جبل فاران هو جبل مكة، فهو # أن إسماعيل لما فارق أباه الخليل، عليهما السلام سكن إسماعيل في برية ~~فاران، ونطقت التوراة بذلك في قوله: " وتقاح لو اموا شيامئا يرض مصرايم ". # تفسير: " وأقام في برية فاران، وأنكحته أمه امراة من أرض مصر". # فقد ثبت من التوراة أن جبل فاران مسكن لآل إسماعيل، وإذا كانت التوراة قد ~~أشارت في الآية التى تقدم ذكرها إلى نبوة تنزل على جبل فاران. # لزم أن تلك النبوة على آل إسماعيل؛ لأنهم سكان فاران، وقد علم الناس ~~قاطبة أن الشار إليه بالنبوة من ولد إسماعيل ms12 هو محمد - صلى الله عليه وسلم ~~-، وأنه بعث من مكة التي كان فيها مقام إسماعيل. # فدل ذلك على جبال فاران هى جبال مكة، وأن التوراة أشارت في هذا الموضع ~~إلى نبوة الصطفى، صلوات الله وسلامه عليه، وبشرت به، إلا أن اليهود، لجهلهم ~~وضلالهم، لا يحسنون الجمع بين هاتين الآيتين، بل يسلمون # المقدمتين ويجحدون النتيجة، لفرط جهلهم. # PageV01P056 # وقد شهدت عليهم التوراة بالإفلاس من الفطنة والرأى، ذلك قوله تعالى: # "كى غووى أو باد عيصوت هيما واين باهيم تبونا". # تفسيره: "إنهم لشعب عادم الرأى، وليس فيهم فطانة". ### | فى إبطال ما يدعونه من معبة الله إياهم. # هم يزعمون أن الله، سبحانه وتعالى، يحبهم دون جميع الناس، ويحب طائفتهم ~~وسلالتهم، وأن الأنبياء والصالحين لا يختارهم الله إلا منهم، ونحن نناظرهم ~~على ذلك. فنقول ما قولكم في أيوب النبي، عليه السلام، أتقرون بنبوته؟ # فيقولون: نعم. # فنقول لهم: هل هو من بنى إسرائيل؟ # فيقولون: لا. # فنقول لهم: ما تقولون في جمهور بنى إسرائيل، أعني التسعة أسباط والنصف، ~~الذين أغواهم يربعام بن نباط الذى خرج على ولد سليمان بن داود، # وصنع لهم الكبشين من الذهب، وعكف على عبادتهما جماعة من بنى إسرائيل # ، وأهل جميع ولاية دار ملكهم الملقبة يومئذ بشومرون، إلى (أن) جرت الحرب ~~بينهم وبين السبطين والنصف، الذين كانوا مؤمنين مع ولد سليمان في بيت ~~المقدس، وقتل في معركة واحدة خمسمائة ألف إنسان، فما تقولون في أولئك # PageV01P057 # القتلى بأسرهم، وفى التسعة أسباط والنصف، هل كان الله يحبهم، لأنهم # إسر ائيلين؟! فيقولون: لا، لأنهم كفار. # فنقول لهم: أليس عندكم في التوراة، أنه لا فرق بين الدخيل في دينكم وبين # الصريح النسب منكم؟! # فيقولون: بلى، لأن التوراة ناطقة بهذا: # "كليركا اراح كاخيم بيهى لقتى اذوناى". # تفسيره: " إن الأجنبي والصريح النسب منكم سواء عند الله ". # "احاث وشفاط ايجاد بيهى لا خيم ولكريم هكار بثو خيم ". # تفسيره: "شريعة واحدة" وحكم واحد يكون لكم، وللغريب الساكن فيما # بينكم. فإذا اضطررناهم إلى الإقرار بأن الله لا يحب الظالمين منهم، ويحب ~~المؤمنين من غير ms13 طائفتهم، ويتخذ أولياء وأنبياء من غير سلالتهم، فقد نفوا ~~ما ادعوه من اختصاص محبة الله، سبحانه وتعالى، بطائفتهم من بين المخلوقين. ### | فصل في ذكر طرف من كفرهم وتبديلهم. # إن من سبيل ذوى التحصيل أن يتجنبوا الرذائل، وينفروا مما قبح فى # العقول السليمة، ورجح تزييفه، عند ذوي الأفهام المستقيمة. # ولهذه الطائفة من فنون الضلال والاختلال ما تنبو عن مثله العقول، # يخالفه المشروع والمعقول. وذلك أنهم مع ذهاب دولتهم وتفرق شملهم # PageV01P058 # وعملهم بالغصب الممدود عليهم، يقولون في كل يوم في صلاتهم: إنهم أبناء # الله وأحباؤه، وذلك قولهم في كل يوم في الصلاة. # "اهباث عولام اهبتا نوأذوناى الوهينو". # تفسيره: " محبة الدهر أحببتنا يا إلهنا". # " هشليتيو لتوراتيخا ". # تفسيره: " ارددنا يا أبانا إلى شريعتك ". # "ابينو ملكينو الوهينو". # تفسيره: " يا أبانا يا مالكنا يا إلهنا". # "اتا أذوناى ابينو كو الينو". # تفسيره: "أنت اللهم أبونا منقذنا". # وايت كل رود في بانخا واوينى غداثنحا لولام كسامويام ايجاد ميهم لو ~~نوثار. # تفسيره: " وجميع الذين اقتصوا أثر بنيك، واعدا جماعتك كلهم غطاهم # البحر واحد منهم لم يبق "؛ ويمثلون أنفسهم بعناقيد العنب، وسائر الأمم ~~بالشوك المحيط بأعالى حيطان الكرم! # وهذا من قلة عقولهم، وفساد نظرهم، فإن المعتنى بمصالح الكرم، إنما يجعل # على أعالى حيطانه الشوك حفظا، وحياطة للكرم ". # PageV01P059 # ولسنا نرى لليهود من بقية الأمم إلا الضرر والذل والصغار وذلك # مبطل " لقولهم، وينتظرون قائما يأتيهم من آل داود النبي، إذا حرك شفتيه # بالدعاء مات جميع الأمم، ولا يبقى إلا اليهود، وأن هذا المنتظر بزعمهم هو ~~المسيح الذى وعدوا به. # وقد كان الأنبياء، عليهم السلام، ضربوا لهم أمثالا، أشاروا بها إلى جلالة ~~دين المسيح عليه السلام، وخضوع الجبارين لأهل ملته، وإتيانه بالنسخ العظيم. # فمن ذلك قول إشيعيا في نبوءته: # "وعارزانت عم كبيش يحذا ويربضو شنيهم وفارا واذوب ترعينا وارباكبا # قارلوخل يتبين ". # تفسيره: " إن الذيب والكبش يرعيان جميعا، ويربضان معا، وأن البقرة والدب ~~يرعيان جميعا، وأن الأسد يأكل التبن كالبقرة". # فلم يفهموا من تلك الأمثال إلا صورها الحسية، دون معانيها العقلية، ~~فقولوا عن الإيمان ms14 بالمسيح عند مبعثه، وأقاموا ينتظرون الأسد حتى يأكل ~~التبن ويصبح حينئذ لهم علامة المسيح إ! # ويعتقدون أن هذا المنتظر حتى جاءهم يجمعهم بأسرهم إلى القدس، وتصير # لهم الدولة، ويخلو العالم من سواهم، ويجم الموت عن جنابهم المدد # الطويلة. # PageV01P060 # وسبيلهم أن لا يعدلوا عن تتبع الأسود في غاباتها، وطرح التبن بين أيديها، # ليعلموا وقت أكلها إياه! # وأيضا، فإنهم في العشر الأول من الشهر الأول من كل سنة، يقولون فى # صلاتههم: "ألوهينو والوهى أبو ثينو ملوخ على كل يوشى تيبيل أرضيخا # ويوماركول أشير نشا مانا قواذوناى الوهى يسرائيل مالاخ وملخو توبكوك # ما شيا لا ". # تفسيره: " يا إلهنا وإله آبائنا املك على جميع الأرض، ليقول كل ذى قسمة، ~~الله إله إسرائيل قد ملك، ومملكته في الكل متسلطة". # ويقولون في هذه الصلاة أيضا: "وسيكون لله الملك، وفى ذلك اليوم يكون الله ~~واحدا". # ويعنون بذلك أنه لا يظهر أن الملك لله، إلا إذا صارت الدولة إلى # اليهود الذين هم أمته وصفوته، فأما مادامت الدولة لغير اليهود، فإن الله ~~خامل الذكر عند الأمم، وأنه مطعون في ملكه، مشكوك في قدرته!!. # فهذا معنى قولهم: "اللهم املك على جميع الأرض "، # ومعنى قولهم: "وسيكون الملك لله ". وما ينخرط في هذا السلك قولهم: # "لا ما يومر وهلويثم إلى يا ألوهيهم ". # تفسيره: " لم يقول الأمم أين إلههم ". # وقولهم: " عورا لا مانيشان ادوناى هاقيصا مشنا شيخا". # تفسيره: " انتبه كم تنام يارب، استيقظ من رقدتك ".! # وهؤلاء إنما نطقوا بهذه الهذيانات والكفريات من شدة الضجر من الذل ~~والعبودية والصغار، وانتظار فرج # PageV01P061 # لا يزداد منهم إلا بعدا، فأوقعهم ذلك في الطيش والضجر، وأخرجهم إلى نوع ~~من التزندق والهذيان، الذي لا يستحسنه إلا عقولهم الركيكة! .. فتجرءوا على ~~الله بهذه المناجاة القبيحة، كأنهم ينخون الله بذلك لينتخى لهم، ويحمى ~~لنفسه، لأنهم إذا ناجوا ربهم بذلك، فكأنهم يخبرونه بأنه قد اختار الخمول ~~لنفسه، وينخونه للنباهة واشتهار الصيت! # فترى أحدهم إذا تلا هذه الكلمات في الصلاة يقشعر جلده، ولا يشك في أن ~~كلامه يقع عند الله بموقع عظيم، وأنه ms15 يؤثر في ربه، ويحركه بذلك، ويهزه ~~وينخيه! .. وهؤلاء على الحقيقة ينبغى أن يرحم جهلهم وضعف عقولهم. # وأيضا فإنه عندهم في توراتهم: أن موسى صعد الجبل مع مشايخ أمته، فأبصروا ~~الله جهرة، وتحت رجليه كرسى منظره كمنظر البلور، ذلك قوله: "وتراوايث ألوهى ~~هشفير وخعيصم هشاما يم لا طوهر". # ويزعمون أن اللوحين مكتوبان بأصبع الله! .. في قولهم: "بإصباع ألوهيتم ". # ويطول الكتاب إن عددنا ما عندهم من كفريات التجسيم، على أن # أحبارهم قد تهذبوا كثيرا عن معتقد آبائهم، بما استفادوه من توحيد ~~المسلمين، وأعربوا عن تفسير ما عندهم بما يدفع عنهم إنكار المسلمين عليهم، ~~مما لا # تقتضيه الألفاظ التي فسروها ونقولها، وصاروا متى سئلوا عما عندهم من هذه ~~الفضائح، استتروا بالجحد والبهتان، خوفا من فظيع ما يلزمهم من الشناعة. # ومن ذلك أنهم ينسبون إلى الله، تعالى، إلى الندم على ما يفعل، فمن ذلك # قولهم في التوراة التي بأيديهم: "ويناجم أذوناى كى عاسا اث مما اذام يا ~~أرض # ويتعصب إل لبو ". # PageV01P062 # تفسيره: " وندم الله على خلق البشر في الأرض وشق عليه ". # وقد أفرط المترجم في تعصبه وتحريفه الألفاظ عن موجب اللغة، وفسر: # " ويناخم أذوناى وثاب أذوناى تميمريه ". # يعنى: " وعاد الله في رأيه "! .. وهذا التأويل، وإن كان غير موافق # اللغة فهو أيضا كفر، بل مناقض لا يدفعونه من البداء والنسخ. # وأما الدليل على أن تفسير: " ويتعصب إل لبو" وشق عليه " فهو ما جاء فى # مخاطبة حواء، عليها السلام: بعصيب يتلدى بانيم " # تفسيره: " بمشقة تلدين الأولاد". # فقد تبين أن "العصيب " في اللسان العبراني هو "المشقة". # وهذه الآية عندهم في قصة قوم نوح، زعموا أن الله، تعالى، لما رأى فساد ~~قوم نوح، وأن شرهم وكفرهم قد عظما، ندم على خلق البشر، وشق عليه! .. # ولا يعلم البله أن من يقول بهذه المقالة لزمه أن الله قبل أن يخلق البشر ~~لم يكن # عالما بما سيكون من قوم نوح، وغير ذلك من النقص، تعالى الله عما # يكفرون! # وعندهم أيضا: أن الله، تعالى، قال لشموائيل النبي، عليه السلام: "نيحا # متى لي ms16 هملا حتى اث شا أولميلخ على يسرا ائل ". # تفسيره ": ندمت إذ وليت شاءول ملكا على إسرائيل ". # وفي موضع آخر من سفر شموائيل: " وادناى نيخام كى هميلخ اث شا # أول على يسراائل ". # PageV01P063 # تفسيره: " والله ندم على تمليكه شاءول على إسرائيل ". # وأيضا فإن عندهم أن نوحا النبي عليه السلام، لما خرج من السفينة بدأ ~~ببناء # مذبح لله، وقرب عليه قرابين، ويتلوا ذلك: # "وتارخ ادوناى اث ريتخ هينحورخ ويومر ادوناى ال لبولا سيف عود لقليل # اث ها إذا ما با عبورها إذام لي يبصر لبب ها اذام راع منعورا وولوا وسيف ~~عود لهلكوت اث كل ماى يكا اشيرعا سيتى". # تفسيره: " فاستنشق الله رائحة الفنار، فقال الله في ذاته: لن أعاود لعنة # الأرض، بسبب الناس، لأن خاطر البشر مطبوع الرداءة، ولن أعاود إهلاك جميع ~~الحيوان، كما صنعت ". # ولسنا نرى أن هذه الكفريات كانت في التوراة المنزلة على موسى، # صلوات الله عليه ولا نقول أيضا: إن اليهود قصدوا تغييرها وإفسادها، بل ~~الحق أولى ما اتبع، ونحن نذكر الآن حقيقة سبب تبديل التوراة. ### | ذكر السبب في تبديل التوراة. # علماؤهم وأحبارهم يعلمون أن هذه التوراة التي بأيديهم، لا يعتقد أحد من # علمائهم وأحبارهم أنها المنزلة على موسى ألبتة، لأن موسى صان التوراة عن ~~بنى إسرائيل، ولم يبثها فيهم، وإنما سلمها إلى عشيرته من أولاد ليوى. # ودليل ذلك قول التوراة: " وتختوب موشا أث هتورا هزوت وتيناه الط هكوهنيم ~~بنى ليوى ". # PageV01P064 # تفسيره: " وكتب موسى هذه التوراة، ودفعها إلى الأئمة بنى ليوى". وكان بنو ~~هارون قضاة" اليهود وحكامهم، لأن الإمامة وخدمة القرابين وبيت المقدس كانت ~~موقفة عليهم، ولم يبذل موسى من التوراة لبنى إسرائيل إلا نصف سورة، ويقال ~~لها: " ها ازينو" فإن هذه السورة من التوراة هى التي علمها موسى بنى ~~إسرائيل، ذلك قوله: "وتختوب موشا أث هتيرا هروث وتلمذاه لبنى يسرائيل ". # "تفسيره " وكتب موسى هذه السورة وعلمها بنى إسرائيل ". # وأيضا فإن الله تعالى قال لموسى عن هذه السورة (وها يتالى هشيرا هزوث ~~لعيد بنى اسرائيل وتفسيره: وتكون لي هذه ms17 السورة). # "كى لو تشا خاخ مفى زرعو". # تفسيره: " لأن هذه السورة لا تنسى من أفواه أولادهم ". # يعنى أن هذه السورة مشتملة على ذم طباعهم، وأنهم سيخالفون شرائع التوراة، ~~وأن السخط يأتيهم بعد ذلك، وتخرب ديارهم، ويشتتون في البلاد. # قال: فهذه السورة تكون متداولة في أفواههم، كالشاهد عليهم، والموافق لهم ~~على صحة ما قيل لهم، فهذه السورة لما قال الله عنها: " إنها لا تنسى من ~~أفواه أولادهم " دل على ذلك على أن (الله علم) أن غيرها من السور ينسى. # وأيضا فإن هذا دليل على أن موسى لم يعط بنى إسرائيل من التوراة إلا # هذه السورة، فأما بقية التوراة فدفعها إلى هارون، وجعلها فيهم، وصانها عن ~~سواهم. # وهؤلاء الأئمة الهارونيون الذين كانوا يعرفون التوراة، ويحفظون أكثرها # قتلهم بخت نصر على دم واحد، يوم فتح بيت المقدس، ولم يكن حفظ التوراة، ~~فرضا بل سنة، بل كان كل واحد من الهارونين يحفظ فصلا من التوراة. # فلما رأى عزرا أن القوم قد أحرق هيكلهم، وزالت دولتهم، وتفرق جمعهم، ورفع ~~كتابهم، جمع من محفوظاته، ومن الفصول التي يحفظها الكهنة ما لفق منه هذه # PageV01P065 # التوراة التي بأيديهم، ولذلك بالغوا في تعظيم عزرا هذا غاية المبالغة. # وزعموا أن التوراتي الآن يظهر على قبره الذي عنده بطاح العراق، لأنه عمل ~~لهم كتابا يحفظ دينهم. # فهذه التوراة التي بأيديهم على الحقيقة كتاب عزرا، وليست كتاب الله، # وهذا يدل على أنه - أعني الذي جمع هذه الفصول التي بأيديهم رجل فارغ جاهل ~~بالصفات الإلهية، فلذلك نسب إلى الله، تعالى، صفات التجسيم، والندامة على ~~ماضى أفعاله والإقلاع عن مثلها، وغير ذلك مما تقدم ذكره. وأيضا فمما يستدل ~~به على بطلان تأويلاتهم، وإفراطهم في التعصب، وتشديد الإصر، ما ذكروه في ~~تفسيره هذه الآية: # " ريشيث بلورى إذ ما تأبى بيت أذوناى ألوهيما لوت تسيل كذى باحابيب أمو". # تفسيره: " بكور ثمار أرضك تحمل إلى بيت الله ربك، لا تنضج الجدى بلبن أمه ~~". # والمراد من ذلك: أنهم أمروا عقب افتراض الحجج عليهم، أن يستصحبوا # معهم، إذا حجوا ms18 إلى بيت المقدس أبكار أغنامهم، وأبكار مستغلات أرضهم؛ ~~لأنه قد كان فرضا عليهم قبل ذلك أن تبقى سخولة البقر والغنم وراء أمهاتها ~~سبعة أيام، ومن اليوم الثامن فصاعدا يصلح أن يكون قربانا لله، # فأشار في هذه الآية في قوله: " لا تنضج الجدى بلبن أمه ". إلى أنهم لا ~~يبالغون فى # PageV01P066 # إطالة مكث بكور أولاد الغنم والبقر وراء أمهاتهن، بل يستصحبون أبكارهن # اللاتي قد عبرن سبعة أيام من ميلادهن معهم، إذا حجوا إلى بيت المقدس # ليتخذوا منها القرابين فتوهم المشايخ البله المترجمون لهذه الآية، ~~والمفسرون # لمعانيها، أن المشرع يريد بالإنضاج هذا إنضاج الطبيخ في القدر. # وهبهم صادقين في هذا التفسير، فلا يلزم من تحريم الطبيخ، تحريم الأكل، # إذ لو أراد الشرع الأكل لما منعه مانع عن التصريح بذلك. وما كفاهم هذا ~~الغلط فى تفسير هذه اللفظة، حتى حرموا أكل سائر اللحمان باللبن، وهذا مضاف ~~إلى ما يستدل به على جهل المفسرين والنقلة، وكذبهم على الله وتشديد الإصر ~~على طائفتهم. # فأما الدليل على تفسير "تبسيل " الانضاج الذي هو البلوغ فهو قول # رئيس السقاة ليوسف الصديق، وهما في السجن، إذ شرح له رؤياه، فقال # فى جملة كلامه، "وبكيفن شكوشا سارنعيم وهى حضور راحت عالقا نصاه # هيشيلوا شكلوثنا غباييم ". # تفسيره: " وفى الكرمة ثلاثة عناقيد، وهى كأنها قد أثمرت وصعد نوارها، ~~ونضجت عناقيدها عنبا. فقد تبين أن الإنضاج # PageV01P067 # الذي يعبر عنه: " يالهيشيلوا" إنما هو البلوغ. ولا ينبغى للعاقل أن ~~يستبعد اصطلاح كافة هذه الطائفة على المحال، واتفاقهم على فنون من الكفر ~~والضلال، فإن الدولة إذا انفرضت عن أمة باستيلاء غيرها عليها، وأخذها ~~بلادها، انطمست حقائق سالف أخبارها، واندرس قديم آثارها، وتعذر الوقوف ~~عليها، لأن الدولة إنما يكون زوالها عن أمة، بتابع الغارات والمضايقات، ~~وإخراب البلاد " وإحراق بعضها، فلا تزال هذه الفنون متتابعة عليها إلى أن ~~يستحيل علومها جهلا، وكثرتها قلة، وكلما كانت الأمم أقدم، واختلف عليها ~~الدول المتتابعة لها بالإذلال والإيذاء، كان حظها من اندراس الآثار أكثر. # وهذه الطائفة ولا شك أعظم الطوائف حظا مما ذكرناه، ms19 لأنها من أقدم الأمم # عهدا، ولكثرة الأمم التي استولت عليها من الكلدانيين البابليين والفرس ~~واليونان والنصارى والإسلام. # وما من هذه الأمم إلا من قصدهم أشد القصد، وطلب استئصالهم، وبالغ # فى إحراق بلادهم وإخرابها وإحراق كتبهم، إلا المسلمين، فإن الإسلام # صادف اليهود تحت ذمة الفرس ولم يتبق لهم مدينة ولا جيش، إلا العرب # المشهورة بخيابر. # وأشد على اليهود من جميع هذه الممالك، ما نالهم من ملوكهم العصاة مثل ~~أجأب وأحرنا وأمصيا ويهودام ويربعام بن نباط، وغيرهم من الملوك ~~الإسرائيليين # PageV01P068 # الذين قتلوا الأنبياء، وبالغوا في تطلبهم ليقتلوهم، وعبدوا الأصنام، # وأحضروا من البلاد سدنة الأصنام، لتعظيمها وتعليم رسوم عبادتها، وابتنوا ~~لها البيع العظيمة والهياكل، وعكف على عبادتها الملوك ومعظم بنى إسرائيل، # وتركوا أحكام التوراة والشرع مددا طويلة، وأعصارا متصلة. # فإذا كان هذا تواتر الآفات على شرعهم من قبل ملوكهم، ومنهم على # أنفسهم، فما ظنك بالآفات المتفننة التي تواترت عليهم من استيلاء الأمم ~~فيما # بعد عليهم، وقتل أئمتهم، وإحراق كتبهم، ومنعهم إياهم عن القيام # بشرائعهم!. # فإن الفرس كثيرا ما منعوهم عن الختانة، وكثيرا ما منعوهم عن الصلاة، # لمعرفتهم بأن معظم صلوات هذه الطائفة دعاء على الأمم بالبوار، وعلى ~~العالم # بالخراب، سوى بلادهم التي هى أرض كنعان! # فلما رأت اليهود الجد من الفرس في منعهم من الصلاة، اخترعوا أدعية مزجوا ~~بها فصولا من صلاتهم، وسموها الحزانة وصاغوا لها ألحانا عديدة، # وصاروا يجتمعون أوقت صلواتهم على تلحينها وتلاوتها. # والفرق بين هذه الحزانة، وبين الصلاة بغير لحن أن المصلى يتلو الصلاة # وحده، ولا يجهر معه غيره. # أما الحزان فيشاركه جماعة في الجهر بالحزانة، ويعاونونه في الألحان، ~~فكانت الفرس إذا أنكرت ذلك منهم، زعمت اليهود أنهم يغنون أحيانا، وينوحون ~~على أنفسهم أحيانا فتركوهم وذاك. # PageV01P069 # ومن العجب أن دولة الإسلام لما جاءت مقرة لأهل الذمة على أديانها، # وصارت الصلاة مباحة لهم، صارت الحزانة عند اليهود من السنن المستحبة فى ~~الأعياد والمواسم والأفراح، يجعلونها عوضا عن الصلاة، ويستغنون بها عنها، ~~من غير ضرر يبعثهم على ذلك. ### | فيما يعتقدونه في دين ms20 الإسلام # هم يزعمون أن المصطفى، صلى الله عليه وسلم وشرف وعظم وكرم، كان قد رأى ~~أحلاما تدل على كونه صاحب دولة وأنه سافر إلى الشام في تجارة # لخديجة، رضوان الله عليها، واجتمع بأحبار اليهود، وقص عليهم أحلامه، # فعلموا أنه صاحب دولة، فأصحبوه عبد الله بن سلام فقرأ عليه علوم التوراة # وفقهها مدة، زعموا. وأفرطوا في دعواهم إلى أن نسبوا الفصاحة المعجزة التي ~~فى القرآن إلى تأليف عبد الله بن سلام، وأنه قرر في شرع النكاح أن الزوجة ~~لا تستحل بعد الطلاق الثلاث إلا بنكاح آخر، ليجعل بزعمهم أولاد المسلمين ~~"ممزرير "، وهذه كلمة جميع واحدة (ممزير)، وهو اسم لولد الزنا، لأن في ~~شرعهم أن الزوج إذا راجع زوجته بعد أن نكحت غيره، كان أولادهما معدودين من ~~أولاد الزنا. # فلما كان النسخ مما لا ينطبع فهمه في عقولهم، ذهبوا إلى أن هذا الحكم فى # النكاح من موضوعات عبد الله بن سلام، قصد به أن يجعل أولاد المسلمين # ) ممزريم) - بزعمهم. # PageV01P070 # ثم أكثر العجب منهم أنهم جعلوا داود النبي، عليه السلام، (ممزيز) # من وجهين، وجعلوا منتظرهم (ممزير) من وجهين، وذلك أنهم لا يشكون فى # أن داود بن بيشاى بن عابد، أبو هذا عابد يقال: له (بوعز) من سبط يهوذا، ~~وأمه يقال لها: روث الموابية من بنى مؤاب، وهذا مؤاب منسوب عندهم في نص ~~التوراة فى هذه القصة. وهى أنه لما أهلك الله أمة لوط لفسادها، ونجا ~~بابنتيه فقط " # قالت ابنتاه: إن الأرض قد خلت ممن يستبقين منه نسلا. فقالت الكبرى # للصغرى: إن أبانا لشيخ، وإنسان لم يبق في الأرض ليأتينا كسبيل البشر، # فهلمي بنا نسقي أبانا خمرا ونضاجعه، لنستبقي من أبينا نسلا. # ففعلتا ذلك - بزعمهم. # وجعلوا ذلك النبي قد شرب الخمر، حتى سكر، ولم يعرف ابنتيه ثم وطأهما، # فأحبلهما وهو لا يعرفهما، فولدت أحدهما ولدا سمته (مؤاب)، يعنى أنه من ~~الأب، والثانية سمت ولدها (بن عمى)، يعنى أنه من الأب، وذلك الولدان # عند اليهود من (الممزريم) ضرورة، لأنهما من الأب وابنتيه. # فإن أنكروا ذلك ms21 لأن التوراة لم تكن نزلت، لزمهم ذلك، لأن عندهم أن ~~إبراهيم الخليل، عليه السلام، لما خاف في ذلك العصر من أن يقتله المصريون ~~بسبب زوجته، أخفى # PageV01P071 # نكاحها، وقال: "هى أختى". علما منه بأنه إذا قال ذلك لم يبق للظنون إليها ~~سبيل، وهذا دليل على أن حظر نكاح الأخت كان في ذلك الزمان مشروعا! # فما ظنك بنكاح البنت الذي لم يجز ولا في زمن آدم، عليه السلام؟!. # وهذه الحكاية منسوبة إلى لوط النبي، في التوراة الموجودة بأيدى اليهود، ~~فلن يقدروا على جحدانها. # فيلزمهم من ذلك أن الولدين المنسوبين إلى لوط "ممزريم" إذ توليدهما على # خلاف المشروع، وإذا كانت "روث " من ولد مؤاب، وهى جدة داود، عليه السلام، ~~وجدة مسيحهم المنتظر، فقد جعلوهما جميعا من نسل الأصل الذى يطعنون فيه. # وأيضا فمن أفحش المحال أن يكون شيخ كبير قد قارب المائة سنة، قد سقى # الخمر حتى سكر سكرا حال بينه وبين معرفة ابنتيه فضاجعته أحديهما، # واستنزلت فيه، وقامت عنه، وهو لا يشعر كما نطق كتابهم في قوله، # " ولو يا داع بشنخبا ويقوماه ". # تفسيره: ولم يشعر باضطجاعها وقيامها. # وهذا حديث من لا يعرف كيفية الحبل، لأنه من المحال أن تعلق المرأة من شيخ ~~طاعن في السن قد فات حسه لفرط سكره. # مما يؤكد استحالة ذلك أنهم زعموا أن ابنته الصغرى فعلت كذلك به في الليلة # الثانية، فعلقت أيضا! # PageV01P072 # وهذا ممتنع من المشايخ الكبار أن تعلق المرأة من أحدهم في ليلة، وتعلق ~~منه # أيضا الأخرى في الليلة الثانية، إلا أن العداوة التي مازالت بين بنى عمون # ومؤاب، وبين بنى إسرائيل بعثت واضع هذا الفصل على تلفيق هذا المحال، ~~ليكون أعظم الأخبار فحشا في حق بنى عمون ومؤاب. # وأيضا فإن عندهم أن موسى جعل الإمامة في الهارونيين فلما ولى طالوت، # وثقلت وطأته على الهارونيين، وقتل منهم مقتلة عظيمة، ثم انتقل الأمر # إلى داود بقى في نفوس الهارونيين التشوف إلى الأمر الذي زال عنهم، وكان # " عزرا " خادما لملك القدس حظيا لديه، فتوصل إلى بناء بيت المقدس، ms22 وعمل ~~لهم هذه التوراة التي بأيديهم. # فلما كان هارونيا كره أن يتولى عليهم في الدولة الثانية داودي، فأضاف في ~~التوراة فصلين طاعنين في نسب داود، أحدهما قصة بنات لوط، والآخر قصة تاماد، ~~وسيأتي ذكرها. # ولقد بلغ - لعمرى - غرضه، فإن الدولة الثانية التي كانت لهم في بيت ~~المقدس، لم يملك عليهم فيها داوديون، بل كانت ملوكهم هارونيين، وهذا عزرا ~~ليس هو العزير كما يظن، لأن العزير هو تعريب العازر، فأما عزرا فإنه إذا ~~عرب لم يتغير عن حاله، لأنه اسم خفيف الحركات والحروف، ولأن عزرا عندهم ليس ~~بنبى، وإنما يسمونه عزيرة "هسوفير " # وتفسيره: " الناسخ ". # PageV01P073 # وأيضا فإن عندهم في التوراة قصة أعجب من هذه، وهى أن يهوذا بن # يعقوب النبي عليه السلام زوج ولده الأكبر من امرأة يقال لها تاماد، فكان ~~يأتيها مستدبرا، فغضب الله من فعله، فأماته، فزوجها يهوذا من ولده الآخر، ~~فكان إذا دخل بها أمنى على الأرض، علما منه بأنه إن أولدها كان أول الأولاد ~~مدعوا باسم أخيه، ومنسوبا إلى أخيه، فكره الله ذلك من فعله، فأماته أيضا، ~~فأمرها يهوذا باللحاق بأهلها إلى أن يكبر "شبلا" ولده، ويتم عقله، حذرا من ~~أن يصيبه ما أصاب أخويه. فأقامت في بيت أبيها، فماتت من بعد زوجة يهوذا، ~~وأصعد إلى منزل يقال له: " تمناث " ليجز غنمه، فلما أخبرت تاماد بإصعاد ~~حميها إلى تمناث لبست زي الزواني، وجلست في مستشرف على طريقه لعلمها بشيمته ~~فلما مر بها خالها زانية، فراودها، فطالبته بالأجرة، فوعدها بجدى، ورهن ~~عندها عصاه وخاتمه، ودخل بها، فعلقت منه بفارض وزارح، ومن نسل فارض هذا كان ~~بوعز المتزوج بروث التي من نسل مؤاب، ومن ولدهما كان داود النبى، عليه ~~السلام. # وأيضا: ففى هذه الحكاية دقيقة ملزمة بالنسخ، وهى أن يهوذا لما أخبر بأن ~~كفته قد علقت من الزنا أفتى بإحراقها، فبعثت إليه بخاتمه وعصاه، وقالت: من، ~~رب هذين أنا حامل. فقال: صدقت منى ذلك. واعتذر بأنه لم يعرفها، ولم ~~يعاودها. # وهذا يدل على أن شريعة ذلك الزمان كانت مقتضية إحراق ms23 الزواني، وأن ~~التوراة أتت بنسخ ذلك، وأوجبت الرجم عليهن. # PageV01P074 # وفيه أيضا: نسبتهم الزنا والكفر إلى بيت النبوة، ما يقارب ما نسبوه إلى ~~لوط النبى عليه السلام، وهذا كله عندهم في نص كتابهم، وهم يجعلون هذا نسبا ~~لداود وسليمان، ولمسيحهم المنتظر!. # ثم يرون أن المسلمين أحق بهذا اللقب من منتظرهم، وكذبهم في هذا القول # من أظهر الأمور وأبينها. # فأما دفعهم لإعجاز القرآن للفصحاء، فلست أعجب منه، إذ كانوا # لا يعرفون من العربية ما يفرقون به بين الفصاحة والعى، مع طول مكثهم فيما ~~بين المسلمين! # وأيضا: فمن اعتراضهم على المسلمين أنهم يقولون: كيف يجوز أن ينسب إلى ~~الله كتاب ينقض بعضه بعضا؟! .. # يريدون بذلك: ينسخ بعضه بعضا. # فنقول لهم: أما تحسين جواز ذلك، فقد ذكرناه في أول هذه الكلمة، وأما # تعجبكم منه وتشنيعكم به، فإن كتابكم غير خال من مثله. # فإن أنكروا ذلك، قلنا لهم: ما تقولون في السبت، أيما أقدم، افتراضها # عليكم، أو افتراض الصوم الأكبر؟! # فيقولون: السبت أقدم. لأنهم إن قالوا: الصوم أقدم. كذبناهم بأن السبت # فرضت عليهم في أول إعطائهم المن، والصوم الأكبر فرض عليهم بعد نزول # اللوحين، ومخالفتهم وعبادتهم العجل، ولما رفع عنهم عقاب ذنبهم ذلك في هذا ~~اليوم، ففرض عليهم صومه وتعظيمه. # PageV01P075 # فإذا أقروا بتقدم السبت. قلنا لهم: ما تقولون في يوم السبت، هل فرضت فيه ~~عليكم الراحة والدعة وتحريم المشقات أم لا، فيقولون بلى. # فنقول لهم: فلم فرضتم فيه الصوم إذا اتفق صومكم الأكبر يوم السبت، مع كون ~~صومكم فرض بعد فريضة السبت، ولكم في ذلك الصوم أنواع من المشقة، منها ~~القيام جميع النهار، أليس هذا أيضا قد نسخ فريضة السبت؟! # وأما سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وعظم وكرم، فله فيما بينهم ~~اسمان فقط، فعليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين: # أحدهما: " فاسول " .. وتفسيره " الساقط ". # والثا نى: " موشكا " وتأويله " المجنون ". # وأما القرآن العظيم، فإنهم يسمونه - فيما بينهم - " قالون " وهو اسم # للسوأة بلسانهم، يعنون بذلك أنه عورة المسلمين وسوأتهم، وبذلك وأمثاله # صاروا أشد عداوة للذين آمنوا، ms24 فكيف لا يلعنهم الله، ويلعنهم اللاعنون؟! ### | فصل معرب عن بعض فضائحهم # ومن الفضائح التي عندهم مذهبهم في قصة اليتامى والحالوص، وذلك أنهم # أمروا أنه إذا أقام أخوان في موضع واحد، ومات أحدهما، ولم يعقب ولدا، فلا ~~يخرج امرأة الميت إلى رجل أجنبي بل ولد حميها ينكحها، وأول ولد # PageV01P076 # يولدها ينسب إلى أخيه الدارج، فإن أبى أن ينكحها خرجت متشكية منه إلى # مشيخة قومها، قائلة: " قد أبى ابن حمى أن يستبقى اسما لأخيه في إسرائيل، ~~ولم يرد نكاحي"، فيحضره الحاكم هناك، ويكلفه أن يقف، ويقول: # "لوحا فاصتى لقحتاه ". # تفسيره: "ما أردت نكاحها". فتتناول المرأة نعله، فتخرجها عن # رجله، وتمسكها بيدها، وتبصق في وجهه، وتنادى عليه: # " كاخاييعأس لا أيش أشيرلو يبنى اث بيت اخيو". # تفسيره: " كذا فليصنع بالرجل الذي لا يبنى بيت أخيه ". # ويدعى فيما بعد اسمه بالمخلوع النعل، وينعت بيته بهذا اللقب، أعني بيت ~~المخلوع النعل. # هذا كله مفترض في التوراة عليهم، وفيه حكمة ملجئة للرجل إلى نكاح زوجة ~~أخيه الدارج، لأنه إذا علم أنه قد فرض على المرأة أن تشكوه إلى نادى قومها، ~~فذلك مما يحمله على نكاحها، فإن لم يردعه الحياء من ذلك، فربما إذا حضر ~~استحى أن يقول: ما أردت نكاحها. # فإن لم يخجله ذلك، فربما يستحى من انتهاك العرض بخلع نعله، وكون المرأة ~~تسل نعله، وتبصق في وجهه، وتنادى عليه بقلة البركة والمروءة. # فإن هو استهان بذلك، فربما استعظم أن ينبز باللقب، ويبقى عليه وعلى آله ~~من بعده عاره وقبح اسمه، فيلجئه ذلك إلى نكاحها. # PageV01P077 # فإن كان من الزهد فيها بحيث يهون عليه جميع ذلك، فقد فرق الشرع بينهما ~~بعد ذلك. وليس في التوراة غير هذا، ففرع فقهاؤهم على ذلك ما فيه خزيهم ~~وفضيحتهم، وذلك أنه إذا زهدت المرأة في نكاح أخو زوجها المتوفى، أكرهوه على ~~النزول عنها، ثم ألزموها الحضور عند الحاكم، بمحضر من مشيختهم، ولقنوها أن ~~تقول: "مئاين ينامى لها قيم لا خيوشيم بيسرائيل لو ابائيمى". # تفسيره: " أبى ابن حمى أن يقيم لأخيه اسما في ms25 إسرائيل، لم يرد نكاحي "! # فيلزموها بالكذب عليه " لأنه أراد فمنعته، فكان الامتناع منها والإرادة # منه، وإذا لقنوها تلك الألفاظ، فهم يأمرونها بالكذب، ويحضرونه # ويأمرونه بأن يقوم، # ويقول: " لوخا فاصتى لقحتاه ". # تفسيره: " ما أردت نكاحها". # ولعل ذلك سؤله ومناه! فيأمرونه بأن يكذب. # وأما إحراقها به، وبصقها في وجهه، فغاية التعدى، لأنه ما كفاهم أن كذبوا # عليه، وألزموه بأن يكذب، حتى ألزموه عقابا على ذنب لم يجنه! .. # فصاروا كما قال الشاعر: # وجرم جره سفهاء قوم .. فحل بغير جانيه العقاب! ### | ذكر السبب في تشديدهم الإصر على أنفسهم # تشديد الإصر على أنفسهم له سببان: # أحدهما: من جانب ففقهائهم، وهم الذين يدعون الخحاميم. # PageV01P078 # وتفسير هذه اللفظة " الحكماء"، وكانت اليهود في قديم الزمان تسمى # فقهاءها بالحكماء، وكانت لهم في الشام والمدائن مدارس، وكان لهم ألوف من ~~الفقهاء، وذاك في زمان دولة النبط البابليين، ودولة اليونان، ودولة # الروم حتى اجتمع الكتابان اللذان اجتمع فقهاؤهم على تأليفهما، وهما # "المشنا والتلمود". # - فأما المشنا فهو الكتاب الأصغر، ومبلغ حجمه نحو ثمان مائة ورقة. # - وأما التلمود فهو الكتاب الأكبر، ومبلغه نحو نصف حمل بعير، لكثرته، # ولم يكن الفقهاء الذين ألفوه في عصر واحد، وإنما ألفوه في جيل بعد جيل، ~~فلما نظر المتأخرون منهم إلى هذا التأليف، وأنه كلما مر عليه قوم زادوا ~~فيه، وأن في هذه الزيادات المتأخرة مما يناقض أوائل هذا التأليف، علموا ~~أنهم إن لم يقطعوا ذلك، ويمنعوا من الزيادة فيه، أدى إلى الخلل الظاهر ~~والتناقض الفاحش، فطفقوا الزيادة فيه. ومنعوا من ذلك، وحظروا على الفقهاء ~~الزيادة فيه، وإضافة شىء آخر إليه، وحرموا من يضيف إليه شيئا آخر، فوقف على ~~ذلك المقدار. # وكانوا أئمتهم قد حرموا عليهم في هذين الكتابين مؤاكلة الأجانب، أعني من # كان على غير ملتهم، وحظروا عليهم أكل اللحمان من ذبيحة من لم # يكن على دينهم، لأنهم - أعني علماءهم وأئمتهم - علموا أن دينهم لا يبقى ~~عليهم # PageV01P079 # فى هذه الحالة، مع كونهم تحت الذل والعبودية إلى أن صدوهم عن مخالطة من # كان على غير ملتهم، وحرموا عليهم ms26 مناكحتهم والأكل من ذبائحهم، ولم يمكنهم ~~المبالغة في ذلك إلا لحجة يبتدعونها من أنفسهم، ويكذبون بها على الله، لأن ~~التوراة إنما حرمت عليهم مناكحة غيرهم من الأمم، لئلا يوافقوا أزواجهم في ~~عبادة الأصنام والكفر بالله تعالى. # وحرم عليهم فيالتوراة أكل ذبائح الأمم الذين يذبحونها قربانا إلى ~~الأصنام؛ # لأنه قد سمى عليه غير اسم الله، فأما الذبائح التي لم تذبح قربانا، فلم ~~تنطق # التوراة بتحريمها، وإنما نطقت التوراة بإباحتهم تناول المأكل من يدى ~~غيرهم من الأمم، في قول الله، تعالى، لموسى حين اجتازوا على أرض بنى العيص: ~~لو تشكاروبام كى لوائين لخاميارصام عاذ مذراح كف راعل ". # تفسيره: لا تنحروا شواتهم، فإنى لا أعطيك من أرضهم ولا مسلك قدم # "أوحل مايم نحروا مياتام بكيف واخليتم وعمرمايم تحروا مياتام بكيف # وشيم ". # تفسيره: مأكولا تمتازون منهم بفضة، وتأكلون. أيضا ما تشترون منهم # بفضة وتشربون. # فقد تبين من نص التوراة أن المأكول مباح لليهود تناوله من يد غيرهم # من الأمم وأكله، وهم يعلمون أن بنى العيص عابدوا أصنام، وأصحاب كفر. # PageV01P080 # فلا يكون المسلمون على كل حال دون هذه المنزلة، أعني أن يساوى بينهم # وبين بنى العيص، فينبغى لهم أن يأكلوا من مأكولات المسلمين، وأن يجعلوا # للمسلمين تفضيلا، بتوحيدهم وإيمانهم وكونهم لا يعبدون الأصنام. # فموسى، عليه السلام، إنما نهاهم عن مناكحة عباد الأصنام، وأكل ما يذبحونه ~~بأسمائها، ولسنا نعرف أحدا من المسلمين يذبح ذبيحة باسم صنم ولا وثن! .. ~~فما بال هؤلاء لا يأكلون من ذبائح المسلمين، بل ما بال من سكن بالشام، ~~وبلاد العجم منهم، لا يأكلون من أيدى المسلمين اللبن والجبن والحلوى ~~والخبز، وغير ذلك من المأكولات!. # فإن قالوا: لأن التوراة حرمت علينا أكل الطريفا. # قلنا إن: الطريفا هى الفريسة التي يفترسها الأسد أو الذئب أو غيره من # السباع، ودليل ذلك قوله في التوراة: " ويا سار بساذى طريفا لو ثوخيلوا ~~كيلب تسليخوا اوثو". # تفسيره: " ولحما في الصحراء فريسة لا تأكلوا للكلب ألقوه ". # فلما نظر أئمتهم أن التوراة غير ناطقة بتحريم مآكل الأمم عليهم إلا عباد ms27 # الأصنام، وأن التوراة قد صرحت بأن تحريم مؤاكلتهم ومخالطتهم خوف # استدراجهم بالمخالطة إلى مناكحتهم، وأن مناكحتهم إنما تكره خوف استتباعها ~~الانتقال إلى أديانهم، وعبادة أوثانهم، ووجدوا جميع هذا واضحا في التوراة # PageV01P081 # اختلقوا كتابا سموه: " هلكت شحيطا" ومعناه "علم الذباحة"، ووضعوا في هذا ~~الكتاب من تشديد الإصر عليهم، ما شغلوهم به عما هم فيه من الذل والمشقة، ~~وذلك أنهم أمروهم بأن ينفخوا الرئة، حتى تمتلئ هواء، ويتأملونها هل يخرج ~~الهواء من ثقب منها أم لا؟ .. فإن خرج منها الهواء حرموه، وإن كانت بعض ~~أطراف الرئة لاصقة ببعض لم يأكلوها! # وأيضا: فإنهم أمروا الذي يتفقد الذبيحة أن يدخل يده في بطن الذبيحة، ~~ويتأمل بأصابعه، فإن وجد القلب ملتصقا إلى الظهر أو أحد الجانبين، ولو كان ~~الالتصاق بعرق رقيق كالشعرة، حرموه وسموه طريفا! ويعنون بذلك أنه نجس أكله، ~~وهذه التسمية هى أول التعدي منهم، لأنه ليس موضوعها في اللغة إلا المفترس ~~الذي يفترسه بعض الوحوش ودليل ذلك قول يعقوب لما جاءوه بقميص يوسف ملوثا ~~بالدم: " وبكيراه ويومر لثويث بنى حيارعا اخالا لهو طاروف طوارف يوسف ". # تفسير: فتأملها، وقال: " ذراعه ابنى، وحش ردىء أكله افتراسا # افترس يوسف ". # فقد تبين أن تفسير طاروف طوارف يوسف " افتراسا افترس يوسف، # فالطريفا هى الفريسة. # ودليل آخر، وهو أنه قال: " ولحما في الصحراء فريسة لا تأكلوا". والفريسة ~~أبدا إنما توجد في الصحراء. # وليس ينبغى أن تعجب من ذلك، فإن هذا النهى عن أكل الفريسة، إنما نزل على ~~قوم ذوى أخبية يسكنون البر، وذلك أنهم مكثوا يترددون في التيه والبرارى ~~تمام # PageV01P082 # أربعين سنة، وكان أكثر هذه المدة لا يجدون طعاما إلا المن، فلما اشتد ~~قرمهم إلى اللحم، جاءهم موسى بالسلوى وهو طائر صغير يشبه السماني، وخاصيته ~~أن أكل لحمه يلين القلوب القاسية ويذهب الحزن والقساوة، وذلك أن هذا الطائر ~~يموت إذا سمع صوت الرعد. كما أن الخطاف يقتله البرد، فيلهمه الله عز وجل، ~~أن يسكن جزائر البحر التي لا يكون بها مطر ولا رعد، إلى انفصال أوان المطر ~~والرعد، فيخرج ms28 من الجزائر، وينتشر في الأرض، فجلب الله إليهم هذا الطائر ~~لينتفعوا بما في أكل لحمه من الخاصية، وهى تليين القلوب القاسية، وكان قد ~~اشتد قرمهم إلى اللحم قبل ذلك، بحيث لم يمنعهم من أكل الفريسة والميتة، إلا ~~نزول تحريمها في التوراة. # فقد تبين التعدي من مشايخهم فى تفسير "الطريفا"، وأنه " الفريسة". # فأما فقهاؤهم فقد اختلقوا من أنفسهم هذيانات وخرافات، تتعلق بالرئة # والقلب، وقالوا: ما كان من الذبائح سليما من هذه الشروط، فهو "دخيا "، ~~وتفسير هذه الكلمة " طاهر " .. وما كان خارجا عن هذه الشروط فهو "طريفا". # وفسروا هذه الكلمة "حرام ". # وقالوا: معنى قول التوراة "ولحما فريسة في الصحراء، لا تأكلوا، للكلب # ألقوه ". # يعنى إذا ذبحتم ذبيحة، ولم تجدوا فيها هذه الشروط، فلا تأكلوها، بل # بيعوها على من ليس من أهل ملتكم! # PageV01P083 # وذلك أنهم فسروا قوله: " للكلب ألقوه " أى لمن ليس على ملتكم أطعموه # وبيعوه! .. إلا أنهم على الحقيقة أشبه بالكلاب، وأحق بهذا اللقب ~~والتشبيه، لقبح عقولهم، وسوء ظنونهم واعتقادهم في سواهم من الأمم. # ثم إن اليهود فرقتان، أحدهما عرفت أن أولئك السلف الذين ألفوا "المشنا" # و"التلمود"، وهم فقهاء اليهود، كذابون على الله وعلى موسى النبي، أصحاب ~~حماقات ورقاعات هائلة. # من ذلك: أن أكثر مسائل فقههم ومذهبهم يختلفون فيها، ويزعمون أن # الفقهاء كانوا إذا اختلفوا في كل واحدة من هذه المسائل، يوحى الله إليهم ~~بصوت يسمعه جمهورهم، يقول: الحق في هذه المسألة مع الفقيه فلان! .. # وهم يسمون هذا الصوت "بث قول". # فلما نظر اليهود القراءون، وهم أصحاب "عالمون " و " بنيامين " إلى هذه # المجالات الشنيعة، وإلى هذا الافتراء الفاحش، والكذب البارد انفصلوا # بأنفسهم عن الفقهاء، وعن كل من يقول بمقالتهم، وكذبوهم في كل ما افتروا ~~به على الله. # وقالوا - بعد أن ثبت كذبهم على الله - وأنهم قد ادعوا النبوة، وزعموا أن ~~الله كان يوحى إلى جميعهم في كل يوم مرات، فقد فسقوا، ولا يجوز قبول شىء ~~منهم، فخالفوهم في سائر ما أصلوه، من الأمور التي لم ينطق بها نص التوراة، ~~وأكلوا اللحم باللبن، ms29 ولم يحرموا سوى لحم الجدي بلبن أمه، فقط مراعاة للنص، ~~أعني قول التوراة: # PageV01P084 # "لا تنضج الجدي بلبن أمه " .. # وأما الترهات التي أنها الحاخاميم الفهقاء، وسموها "هلكت شحيطا"، # أعني: "علم الذباحة"، وهى المسائل الفقهية التي رتبها الفقهاء، ونسبوها ~~إلى الله عن موسى، عليه السلام، فإن القرائين اطرحوها مع غيرها وألغوها، ~~وصاروا لا يحرمون شيئا من الذبائح التي يتولون ذباحتها ألبتة. # فهذا حال هذه الطائفة من اليهود، أعني القرائين. # ولهم أيضا فقهاء أصحاب تصانيف، إلا أنهم لم يبالغوا في الكذب على الله، ~~إلى حد أن يدعوا النبوة، ولا نسبوا شيئا من تفاسيرهم إلى النبي، ولا إلى ~~الله، بل إلى اجتهادهم. ### | 2 - # والفرقة الثانية يقال لهم: الربانيون: وهم أكثر عددا، وهم شيعة # الحاخاميم الفقهاء، المفترين على الله، الذين يزعمون أن الله كان يخاطبهم ~~في كل مسألة بالصوت الذي سموه "بث قول ". # وهذه الطائفة أشد اليهود عداوة لغيرهم من الأمم، لأن أولئك الفقهاء ~~المفترين على الله قد أوهموهم أن المأكولات والمشروبات إنما يحل للناس بأن # يستعلموا فيها هذا العلم، الذي نسبوه إلى موسى، وإلى الله، وأن سائر ~~الأمم لا يعرفون هذا، وأنهم إنما شرفهم الله بهذا وأمثاله من الترهات التي ~~أفسدوا بها # PageV01P085 # عقولهم، فصار أحدهم ينظر إلى من ليس على ملته، كما ينظر إلى بعض # الحيوانات التي لا عقل لها، وينظر إلى المآكل التي تأكلها الأمم، كما ~~ينظر الرجل العاقل إلى العذرة، أو إلى صديد الموتى، وغير ذلك من الأشياء ~~القذرة، التى لا يسوغ لأحد أكلها! # فهذا هو الأصل في بقاء هذه الطائفة على أديانها، لشدة مباينتها لغيرها من # الأمم، ولأنهم ينظرون إلى الناس بعين النقص والإزراء إلى أبعد غاية. # .. أما الطائفة الأولى، وهم القراءون، فأكثرهم خرج إلى دين الإسلام أولا # فأولا، إلى أن لم يبق منهم إلا نفر يسير، لأنهم أقرب إلى الاستعداد لقبول # الإسلام لسلامتهم من محالات فقهاء الربانيين، أصحاب الافتراء الزائد، # الذين شددوا على جماعتهم الإصر. # فقد تبين، مما ذكرنا، أن الحاخاميم هم الذين شددوا على هذه الطائفة ~~دينهم، وضيقوا عليهم ms30 المعيشة والإصر، قصدوا بذلك مبالغتهم في مضادة مذاهب # الأمم، حتى لا يختلطوا بهم، فيؤدي اختلاطهم بهم إلى خروجهم من دينهم. # والسبب الثاني في تضييق الإصر عليهم أن اليهود مبددون في شرق البلاد # وغربها، فما من جماعة منهم في بلدة إلا قدم عليهم رجل من أهل دينهم من # بلاد بعيدة، يظهر لهم الخشونة في دينه، والمبالغة في التورع والاحتياط. # فإن كان من المتفقهة فهو يسرع في إنكار أشياء عليهم، ويوهمهم التنزه عما ~~هم فيه، وينسبهم إلى قلة الدين، وينسب ما ينكره عليهم إلى مشايخه وأهل ~~بلده، ويكون في أكثر ذلك الإسناد كاذبا، ويكون قصده بذلك إما الرئاسة ~~عليهم، وإما # PageV01P086 # تحصيل غرض منهم، ولا سيما إن أراد المقام بينهم، أو التدين عندهم، # فتراه أول ما ينزل بهم لا يأكل من أطعمتهم ولا من ذبائحهم، ويتأمل # سكين ذبائحهم، وينكر عليهم بعض أمره. # ويقول: أنا لا آكل إلا من ذباحة يدي، فتراهم معه في عذاب لا يزال ينكر # عليهم الحلال والمباح، ويوهمهم تحريمه بإسنادات يخترعها، حتى لا يشكوا فى # ذلك. # فإن وصل بعد مدة طويلة من أهل بلده من يعرف أنه كاذب في تلك الإسنادات، ~~فلا يخلو أمره من أن يوافقه أو يخالفه، فإن وافقه فإنما يوافقه ليشاركه في ~~الرئاسة الناموسية التي حصلت له، وخوفا من أن يكذب إن خالفه، وينسب إلى قلة ~~الدين. # وأيضا: فإن القادم الثاني - في أكثر الأمر - يستحسن ما اعتمده القادم ~~الأول من تحريم المباحات وإنكار المحللات، ويقول لقد عظم الله ثواب فلان، ~~إذ قوى ناموس الدين في قلوب هذه الجماعة، وشيد سياج الشرع عندهم. وإذا على ~~الانفراد يشكره ويجزيه خيرا، ويقول له: لقد زين الله بك أهل بلدنا! # وإن كان القادم الثاني ينكر ما أتى به القادم الأول من الإنكار عليهم # والتضييق، لم يبق من الجماعة واحد يستنصحه ويصدقه، بل جميعهم ينسبونه # إلى قلة الدين، لأن هؤلاء القوم يعتقدون أن تضييق المعيشة وتحريم ~~المحللات، هو # PageV01P087 # المبالغة في الدين والزهد وعم أبدا يعتقدون الدين والحق مع من يضيق عليهم ~~ولا ms31 ينظرون هل يأتي بدليل أم لا، ولا يبحثون عن كونه محقا أو مبطلا؟! # هذا حال القادم إلى بلد من متفقهة. # فأما إن كان القادم أحد أحبار اليهود وعلمائهم، فهنالك ترى العجب من # الناموس الذي يعتمده، والسنن التي يحدثها ويلحقها الفرائض، ولا يقدر ~~أحدهم على الاعتراض عليه، فتراهم مستسلمين إليه، وهو يختلب درهم، ويجتلب ~~بحيله درهمهم، حتى لو بلغه أن بعض أحداث اليهود، قد جلس على قارعة الطريق ~~في يوم السبت، أو اشترى لبنا من بعض المسلمين أو خمرا، ثلبه وسبه فى تجمع ~~من يهود المدينة، وأباحهم عرضه ونسبه إلى قلة الدين! # فهذا السبب، والسبب الذي ذكرناه قبله، العلة في تشديد # الإصر الذى جعلته اليهود على أنفسها، وتضييق المعيشة عليها، وتجنبهم مآكل ~~غيرهم، ومخالطة من كان على غير ملتهم، وقد أوضحناهما للمتأمل. # PageV01P088 ### | خاتمة الكتاب # أحق الناس بأن يرسم بالجهالة، وينبز بالضلالة من كان طبعه أبيا عن ~~الانقياد # للحقائق، وعقله بعيدا عن فهم اليقين. # فأما من شقت درجته عن ذلك، وكان مع ذلك أبيا عن تسليم الحقائق، # متسرعا إلى قبول الباطل، وتصديق المستحيل، فهو حقيق النسبة إلى الجنون # والسقوط. # وهذه الطائفة أحق الناس بذلك، لأن آباءهم كانوا يشاهدون في كل يوم من # الآيات الحسية، والنار السمائية، ما لم يره غيرهم من الأمم، وهم مع ذلك # يهمون برجم موسى وهارون في كثير من الأوقات، وكفى باتخاذهم العجل في أيام ~~موسى، وإيثارهم العودة إلى مصر والرجوع إلى العبودية، ليشبعوا من أكل اللحم ~~والبصل والقثاء. # ثم عبادتهم الأصنام بعد عصر يوشع بن نون، ثم انضمامهم إلى ايشالوم، الولد ~~العاق، ولد داود من بنت ملك الكرخ، فإن سوادهم الأعظم انضم إلى هذا الولد ~~العاصي العاق، وشدوا معه على حرب الملك الكبير داود، عليه السلام!! # ثم إنهم لما عادوا إلى طاعة داود، جاءت وفودهم وعساكرهم متقاطرة إليه، # مستغفرين مما ارتكبوه، مستبشرين بسلامة الملك داود، بحيث اختصم الأسباط # PageV01P089 # مع سبع يهوذا، إذ عبروا بالملك الأردن، قبل مجىء عساكر الأسباط، غيرة # منهم على السبق إلى خدمة الملك، وتعاتبوا في ms32 ذاك عتابا رقيقا، فقال سبط # يهوذا: نحن أحق الناس بالسبق إلى الملك، والاختصاص بخدمته، لأنه منا، فلا ~~وجه لعتبكم علينا يا بنى إسرائيل في ذلك. # فنبغ فضولي، يقال له: "نخزى بن شيبع " فنادى برفيع صوته: " لا نصيب لنا ~~في داود، ولاحظ لنا في ابن بيشاى، ليمض كل منكم إلى خبائه # يا إسرائيليين "! # فما كان بأسرع من انفضاض عسكر بنى إسرائيل عن داود، بسبب كلمة ذلك ~~الفضولي، ولما توصل الوزير "يؤاب " إلى قتل ذلك المشغب، عادت العساكر ~~جميعها إلى طاعة داود. # فما كان القوم إلا مثل رعاع همج العوام، الذين يجمعهم دبدبة وتفرقهم # صيحة. # وأما عبادتهم الكبشين، وتركهم الحج إلى القدس، ثم إصرارهم على مخالفة # الأنبياء، إلى انقضاء دولتهم، فمما لا يصدر عن متمسك بأهداب العقل!! # وسبيلهم أن لا يتطرقوا لمعائب أحد من الأمم، إذ كانت هذه مخازيهم # وفضائحهم! # فأما تسرعهم إلى قبول الباطل والمستحيل، فإنا نذكر منه طرفا ينبئ عن قلة # عقولهم، وهو ما جرى في زماننا، من أذكاهم وأكيسهم وأمكرهم، وهم يهود ~~بغداد. # PageV01P090 # فإن محتالا من شبان اليهود نشأ بسواد الموصل، يقال له: "مناحيم بن # سليمان. # ويعرف "بابن الروجى"، وكان ذا جمال في صورته، وقد تفقه في دينهم، # بالإضافة إلى الخمر من اليهود الساكنين بالناحية المعروفة بالعمادية من ~~بلد الموصل. # وكان المتولي للقلعة هناك ذا ميل إلى ذلك المحتال وحب له، لحسن اعتقاد ~~فيه، ولما توهم فيه من ديانة تظاهر بها، بحيث كان الوالى يسعى إلى زيارته، ~~فطمع ذلك المحتال في جانب الوالى، واستضعف عقله، فتوهم أنه يتمكن من الوثوب ~~على القلعة وأخذها، وأنها تضحى له معقلا حصينا، فكتب إلى اليهود المستقرين ~~بنواحى بلاد أذربيجان، وما والاها، لأنه علم أن يهود الأعاجم أقوى جهالة من ~~سائر اليهود. وذكر في كتبه أنه قائم قد غار لليهود من يد المسلمين، وخاطبهم ~~بأنواع من المكر والخديعة. فمن بعض فصول كتبه التي رأيتها تحوى ما هذا ~~معناه. # " ولعلكم تقولون هذا لأى شىء قد استفزنا لحرب أم لقتال؟، لسنا # نريدكم لحرب ولا لقتال، بل ms33 لتكونوا واقفين بين يدى هذا القائم، ليراكم ~~هناك من يغشاه من رسل الملوك الذين ببابه ". # وفى أواخر الكتب: "ينبغى أن يكون مع كل واحد منكم سيف أو غيره من # آلات الحرب، ويخفيه تحت أثوابه ". # PageV01P091 # فاستجاب له يهود الأعاجم، وأهل نواحى العمارية، وسواد الموصل، ونفروا ~~إليه بالسلاح المستتر، حتى صار عنده منهم جماعة كبيرة، وكان الوالى لحسن ~~ظنه به، يظن أن أولئك القادمين إنما جاءوا إلى زيارة ذلك الحبر، الذي قد ~~ظهر لهم - بزعمه - في بلده، إلى أن انكشفت له مطامعهم، وكان حليما عن سفك ~~الدماء، فقتل صاحب الفتنة المحتال وحده. # وأما الباقون فتهاجوا مدبرين، بعد أن ذافوا وبال المشقة والخسارات ~~والفقر، ولم تنكشف لهم هذه القصة مع ظهورها لكل ذي عقل، بل هم إلى الآن ~~يفضلونه على كثير من أنبيائهم، أعني يهود العمارية! .. # ومنهم من يعتقد أنه المسيح المنتظر بعينه إ! # ولقد رأيت جماعة من يهود الأعاجم بجوى وسلماس وتبريز ومراغة، وقد # جعلوا اسمه قسهم الأعظم! # وأما من بالعمارية من اليهود فصاروا أشد مباينة ومخالفة في جميع أمورهم # لليهود من النصارى! .. وفى تلك الولاية جماعة منهم على دين ينسبونه إلى ~~"مناحيم " المحتال المذكور. # ولما وصل خبره إلى بغداد اتفق هناك شخصان من محتالي اليهود ودواهي # مشيختهم، مرروا على لسان مناحيم - كتبا إلى بغداد، يبشرهم بالفرج الذي ~~كانوا قديما ينتظرونه، وأنه يعين لهم ليلة يطيرون فيها أجمعون إلى بيت ~~المقدس. # PageV01P092 # فانقاد اليهود البغداديون إليهما، مع ما يدعونه من الذكاء، ويفخرون به من # الحب، انقادوا بأسرهم إلى تصديق ذلك، وذهب نسوانهن بأموالهن # وحليهن، إلى ذينك الشخصين، ليصدقا به عنهن، على من يستحقه - # بزعمهما. وصرف اليهود جل أموالهم في هذا الوجه، واكتسوا ثيابا خضرا، # واجتمعوا في تلك الليلة على السطوح، ينتظرون الطيران - بزعمهم - # على أجنحة الملائكة إلى بيت المقدس، وارتفع للنسوان منهم بكاء على ~~أطفالهن المرتضعين، خوفا أن يطرن قبل طيران أولادهن أو يطير أطفالهن قبلهن، ~~فتجوع الأطفال بتأخر الرضاع عنهم! # وتعجب المسلمون هناك مما اعترى اليهود حينئذ، بحيث أحجموا عن # معارضتهم، حتى ms34 تنكشف آثار مواعيدهم العرقوبية، فمازالوا متهافتين إلى ~~الطيران إلى أن أسفر الصباح عن خذلانهم وامتهانهم، ونجا ذانك المحتالان بما ~~وصل إليهما من أموال اليهود، وانكشف لهم بعد ذلك وجه الحيلة، وما تظاهرو به ~~من جلباب الرذيلة. # فسموا ذلك العام، عام الطيران، وصاروا يعتبرون به سنى كهولهم والشبان، # وهو تاريخ البغداديين من المتهودة في هذا الزمان، فكفاهم هذا الأمر عارا ~~دائما وشنارا ملازما! # PageV01P093 # وفيما قد أوردناه كفاية قاضية للوطر من إفحامهم وإلجامهم بما هو عين ما # عندهم. # وأعوذ بالله مما يشركون، وإليه البراءة مما يكفرون، والحمد لله رب ~~العالين. # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. ### | ذكر سبب إسلام السموأل # إن أبى كان يقال له: الراب يهوذا بن أيوب "، من مدينة فاس، التي بأقصى # المغرب. و "الراب ": لقب ليس باسم. وتفسيره: الحبر. وكان أعلم أهل زمانه ~~بعلوم التوراة، وأقدرهم على التوسع في الإنشاء والإعجاز في ارتجال منظوم ~~العبرانى ومنشوره. # وكان اسمه المدعو به بين أهل العربية "أبا البقاء بن يحيى بن عباس ~~المغربى". # وذلك أن كثيرا من متخصصيهم يكون له اسم عربى، غير اسمه العبرى مشتق منه، ~~كما جعلت العرب الاسم غير الكنية. # وكان اتصاله بأمي ببغداد، وأصلها من البصرة، وهى إحدى الأخوات الثلاث ~~المنجبات في علوم التوراة، والكتابة بالقلم العبرى، وهن بنات إسحاق بن ~~إبراهيم البصرى الليوى، أغنى سبط ليوى، وهو مضبوط النسب، لأن منه كان موسى ~~عليه السلام. # وكان إسحاق هذا ذا علوم يدرسها ببغداد، وكانت أمهن نفيسة بنت أبى نصر ~~الداودي المصري، وهذا الداودي من رؤسائهم المشهورين، وذريته إلى الآن بمصر، ~~وكان اسم أمي باسم أم شموائيل النبي عليه السلام. # وكان هذا النبي ولد بعد أن مكثت أمه عاقرا لا ترزق ولدا، ولا تحبل مدة # سنين، حتى دعت ربها نما طلب ولد يكون ناسكا لله تعالى، ودعا لها رجل صالح ~~من الأئمة، يقال له "عبلى"، فولدت شموائيل النبى. # PageV01P094 # ومكثت أمى كذلك عند أبى مدة لا ترزق ولدا، حتى استشعرت العقم، فرأت فى ~~منامها أنها تتلو مناجاة ms35 "حنة" أم شموائيل لربها، فنذرت أنها إن رزقت ولدا ~~ذكرا تسميه شموائيل، لأن اسمها كان باسم أم شموائيل. # فاتفق أنها بعد ذلك اشتملت على، وحين رزقتنى دعتنى "شموائيل "، وهو إذا # عرب: "السموأل "، وكنانى أبى "أبا نصر"، وهى كنية جدى. # وشغلنى أبى بالكتابة بالقلم العبرى، ثم بعلوم التوراة وتفاسيرها، حتى إذا # أحكمت علم ذلك عند كمال السنة الثالثة عشر من مولدى، شغلنى حينئذ بتعلم ~~الحساب الهندى، وحل الزيجات، عند الشيخ الأستاذ العالم أبى الحسن البكرى. # وقرأت علم الطب على الفيلسوف أبى البركات هبة الله بن على رحمه الله ~~تعالى، والتأمل في علاج الأمراض، ومشاهدة ما ينفق من الأعمال الصناعية في ~~الطب، والعلاجات التي يعالجها خالى أبو الفتح الطبيب ابن البصرى. # فأما الحساب الهندى والزيج، فإنى حملت علمهما في أقل من سنة، وذلك حين ~~كمل لي أربع عشرة سنة، وأنا في خلال ذلك لا أقطع القراءة في الطب، ومشاهدة ~~علاج الأمراض، ثم قراءة الحساب الديوانى. # وعلم المساحة على الشيخ الإمام العالم أبى المظفر بن السهروردى رحمه الله ~~تعالى، وقرأت الجبر والمقابلة أيضا عليه وعلى الكاتب ابن أبى تراب. وترددت ~~إلى الأستاذ أبى الحسن بن البسكرى، وأبى الحسن بن النفاش، لقراءة الهندسة، ~~حتى حللت المقالات التي كانا يحلانها من كتب إقليدس، وأنا في خلال ذلك ~~متشاغل بالطب # حتى استوعبت ما ذكرته من الأستاذ ابن البسكرى من هذه العلوم. # بقى بعض كتاب المجسطى في الحساب، والكتاب السابع في الجبر، والمقابلة # للكرخى، لا أجد من يعرف منه شيئا، وغير ذلك من العلوم الرياضية، مثل كتاب ~~شجاع بن أسلم في الجبر، والمقابلة وغيره. # PageV01P095 # وكان لما من الشغف بهذه العلوم والعشق لها ما يلهينى عن المطعم والمشرب، ~~إذا فكرت في بعضها، فخلوت بنفسى في بيت، وحللت جميع تلك الكتب وشرحتها، ~~ورددت على من أخطأ فيها، وأظهرت أغلاط مصنفيها، وعربت ما عجزوا عن تصحيحه ~~وتحقيقه، وأدركت على إقليدس في ترتيب أشكال كتابه، بحيث أمكننى إذا غيرت ~~نظام أشكاله، أن أستغنى عن عدة منها لا يبقى إليها حاجة بعد. ms36 # وكتاب إقليدس معجز لسائر المهندسين، إذ لم يحدثوا أنفسهم بتغيير نظام # أشكاله، ولا بالاستغناء عن بعضها، كل ذلك في هذه السنة، أعني الثامنة ~~عشرة من مولدى، واتصلت تصانيفى في هذه العلوم منذ تلك السنة وإلى الآن، ~~وفتح الله على كثيرا، مما ارتج على من سبقنى من الحكماء المتدربين، فدونت ~~ذلك، لينتفع به من فتح عليه. في خلال ذلك ليس لي مكسب إلا بضاعة الطب، وكان ~~لي منها أوفر حظ، إذ أعطانى الله من التأييد فيها ما عرفت به كل مرض يقبل ~~العلاج من الأمراض التي لا علاج لها، فما عالجت مريضا إلا وعوفي، وما كرهت ~~علاج مريض إلا وعجز عن علاجه سائر الأطباء، وكاعوا من تدبيره، فالحمد لله ~~على جزيل مننه، وعظيم فضله. # واتضح لي، بعد مطالعة ما طالعته من الكتب التي بالعراق والشام وأذربيحان # وكوهستان، الطريق إلى استخراج علوم كثيرة، واختراع أدوية لم أعرف أنى # سبقت إليها، مثل الدريات الذي وسمته بالخلص ذى الكوة النافذة، وهو يبرئ ~~من عدة أمراض عشرة في بعض يوم، وغيره من الأدوية التي ركبتها مما فيه منافع ~~وشفاء للناس، بإذن الله تعالى. # PageV01P096 # وقد كنت قبل اشتغالى بهذه العلوم، ذلك في السنة الثالثة عشرة، مشغوفا # بالأخبار والحكايات، شديد الحرص على الاطلاع على ما كان في الزمان ~~القديم، والمعرفة بما جرى في القرون الخالية. # فاطلعت على التصانيف المؤلفة في الحكايات والنوادر، على اختلاف # فنونها، ثم انتقلت عن ذاك إلى محبة الأسمار والخرافات، ثم إلى الدواوين ~~الكبار، مثل ديوان أخبار عنترة، وديوان ذو الهمة والبطال، وأخبار الإسكندر ~~ذى القرنين، وأخبار العنقاء، وأخبار المطرف بن لوذان وغير ذلك. # ثم إنى لما طالعت ذلك اتضح لي أن أكثره من تأليفات الوراقين، فطلبت # الأخبار الصحيحة، فمالت همتى إلى التواريخ، فقرأت كتاب أبى على بن مسكويه ~~الذى سماه "تجارب الأمم "، وطالعت "تاريخ الطبري"، وغيرهما من التواريخ، ~~وكان يمر بى في هذه التواريخ أخبار النبي - صلى الله عليه وسلم -، وغزواته، ~~وما أظهره الله عليه من المعجزات، وما خصه به من الكرامات، وحباه ms37 من النصر ~~والتأييد في غزاة بدر، وغزاة خيابر وغيرها. # وقصة منشئه في اليتم والضعف ومعاداة أهله له، وإقامته فيما بينه وبين ~~أعدائه، يجاهرهم بإنكار دينهم عليهم، والدعوة إلى دينه مدة طويلة، وسنين # كثيرة، إلى أن أذن الله له في الهجرة إلى دار عزة، وما جرى للأعداء التي ~~جاهدوه من أهل الكتاب، ومصرعهم بين يديه بسيوف أوليائه ببدر وغيرها. # PageV01P097 # وظهور الآية العجيبة في هزيمة الفرس، ورستم الجبار معهم في ألوف كثيرة ~~على غاية الحشد والقوة، بين يدى أصحاب سعد بن أبى وقاص، وهم في فئة يسيرة ~~على حال من الضعف، ومنام كسرى أنو شروان وانكسار الروم، وهلاك عساكرهم على ~~يدى أبى عبيدة بن الجراح وخالد بن الوليد، رحمة الله عليهما. # ثم سياسة أبي بكر وعمر، رضى الله عنهما، وعدلهما وزهدهما. # ومع ذلك فإنى كنت لكثرة شغفي بأخبار الوزراء والكتاب، قد اكتسبت، # بكثرة مطالعتى لحكاياتهم وأخبارهم وكلامهم، قوة في البلاغة، ومعرفة ~~بالفصاحة، وكان لي من ذلك طبع يحمده الفصحاء، ويعجب به البلغاء. # قد يعلم ذلك منى من تأمل كلامى في بعض الكتب التي ألفتها في أحد # الفنون العلمية، فشاهدت المعجزة التي لا تباريها الفصاحة الآدمية في ~~القرآن، فعلمت صحة إعجازه. # ثم إنى لما هذبت خاطرى العلوم الرياضية، ولا سيما الهندسة وبراهينها، # راجعت نفسى في اختلاف الناس في الأديان والمذاهب. # وكان أكبر المحركات لي إلى البحث عن ذلك مطالعتى كتاب برزويه الطبيب # من كتاب "كليلة ودمنة"، وما وجدت فيه، فعلمت أن العقل حاكم يجب تحكيمه ~~على كليات أمور عالمنا هذا، إذ لولا العقل. أرشدنا إلى اتباع الأنبياء ~~والرسل، وتصديق المشايخ والسلف، لما صدقناهم في سائر ما نقلنا عنهم. # PageV01P098 # وعلمت أنه إذا كان أصل التمسك بالمذهب الموروث عن السلف، وأصل # اتباع الأنبياء، مما دعا إليه العقل، فإن تحكيم العقل على كليات جميع ذلك # واجب، وإذا نحن حكمنا بالعقل على ما نقلناه عن الآباء والأجداد، علمنا أن ~~النقل عن السلف ليس يوجب العقل قبوله، من غير امتحان لصحته، بل # بمجرد كونه مأخوذا عن السلف، لكن ms38 من أجل أنه يكون أمرا حقيقة # فى ذاته، والحجة موجودة بصحته. # فأما الأبوة والسلفية وحدها، فليست حجة إذ لو كانت حجة، لكانت أيضا # حجة لسائر الخصوم الكفار، كالنصارى، فإنهم نقلوا عن أسلافهم أن عيسى ابن ~~الله، وأنه الرازق المانع الضار النافع. # فإن كان تقليد الآباء والأسلاف يدل على صحة ما ينقل عنهم، فإن ذلك يلزم ~~منه الإقرار بصحة مقالة النصارى، ومقالة المجوس، وإن كان هذا التقليد ~~لأسلاف اليهود خاصة - دون غيرهم - من الأمم - فلا يقبل منهم ذلك، إلا أن ~~يأتوا بدليل على أن أباءهم وأسلافهم كانوا أعقل من آباء الأمم الأخرى ~~وأسلافهم. # فإن ادعت اليهود ذلك في حق آبائها وأسلافها، فجميع أخبار أسلافهم ناطقة ~~بتكذيبهم في ذلك. # PageV01P099 # وإذا طلبنا التعصب منهم، فنحن نجعل لآبائهم أسوة بسائر آباء غيرهم من # الأمم، فإذا كانت آباء النصارى وغيرهم قد نقلوا عن آبائهم الكفر # والضلال الذي تهرب العقول منه، وتنفر الطباع السليمة عنه، فليس يمتنع أن ~~يكون ما نقله اليهود عن آبائهم أيضا بهذه الصفة. # فلما علمت أن اليهود لهم أسوة بغيرهم فيما نقلوه عن الآباء والأسلاف علمت ~~أنه ليس بأيديهم حجة صحيحة بنبوة موسى إلا شهادة التواتر، وهذا التواتر ~~موجود بعيسى ومحمد، كوجوده لموسى عليهم السلام أجمعين، # فإن كان التواتر يفيد تصديقا، فالثلاثة صادقون ونبوتهم معا صحيحة. # وعلمت أيضا أنى لم أر موسى بعينى، ولم أشاهد معجزاته، ولا معجزات غيره # من الأنبياء، عليهم السلام، ولولا النقل وتقليد الناقلين، لما عرفنا شيئا ~~من ذلك، فعلمت أنه لا يجوز للعاقل أن يصدق بواحد ويكذب واحدا من هؤلاء ~~الأنبياء، عليهم السلام، لأنه لم ير أحدهم ولا شاهد أحواله إلا بالنقل، ~~وشهادة التواتر موجودة لثلاثتهم. # فليس من العقل، ولا من الحكمة أن يصدق أحدهم ويكذب الباقون، بل # الواجب عقلا إما تصديق الكل وإما تكذيب الكل، فأما تكذيب الكل، # فإن العقل لا يوجبه أيضا، لانأ إنما نجدهم أتوا بمكارم الأخلاق وندبوا ~~إلى # الفضائل، ونهوا عن الرذائل، ولأنا نجدهم ساسوا العالم سياسة بها صلاح # حال أهله. فصح عندى بالدليل ms39 القاطع نبوة المسيح والمصطفى عليهما السلام، ~~وآمنت بهما. # PageV01P100 # فمكثت برهة أعتقد ذلك من غير أن ألتزم الفرائض الإسلامية، مراقبة لأبي، # وذلك أنه كان شديد الحب لي، قليل الصبر عني، كثير البر بي، وكان قد أحسن ~~تربيتي، إذ شغلني منذ أول حداثتي بالعلوم البرهانية، وربى ذهني وخاطري في ~~الحساب والهندسة العلمين اللذين مدح أفلاطون عقل من يتربى ذهنه في النظر ~~فيهما. # فمكثت مدة طويلة لا يفتح على وجه الهداية، ولا تنحل عنى هذه الشبهة، # وهى مراقبة أبي، إلى أن حالت الأسفار بينى وبينه، وبعدت داري عن داره، # وأنا مقيم على مراقبته، وألتزم من أن أفجعه بنفسى، وحان وقت الهداية، # وجاءتني الموعظة الإلهية، برؤيتى للنبي - صلى الله عليه وسلم - في ~~المنام، في ليلة الجمعة تاسع ذى الحجة، سنة ثمان وخمسين وخمسمائة وكان ذلك ~~بمراغة من أذربيجان. # وهذا شرح ما رأيت: ### | المنام الأول # رأيت كأن في صحراء فيحاء مخضرة، يلوح من شرقيها شجرة عظيمة والناس # يهرعون إلى تلك الشجرة .. فسالت بعضهم عن حال الناس؟ .. فقال: إن تحت ~~الشجرة شموائيل النبي جالسا، والناس يسلمون عليه، فسررت بما سمعته، وقصدت ~~الشجرة، فوجدت في ظلها شيخا جسيما بهيا وقورا، شديد بياض الشعر، عظيم ~~الهيبة، بيده كتاب ينظر فيه، فسلمت عليه، وقلت بلسان عربي: السلام عليك يا ~~نبي الله. # PageV01P101 # فالتفت إلى مبتسما، وهش إلى، وقال: وعليك السلام يا شريكنا في الاسم، ~~اجلس لنعرض عليك أمرا .. فجلست بين يديه فدفع إلى الكتاب الذي بيده. # وقال: اقرأ ما تجده بين يديك، فوجدت بين يدى هذه الآية من التوراة: " ~~نابى أقيم لاهيم مقارب أجيهيم كاموخا إيلا ويشماعون " .. # تفسيره: نبيا أقيم لهم من وسط أخيهم مثلك فليؤمنوا .. # وهذه مناجاة من الله، عز وجل، لموسى، وكنت أعرف اليهود يقولون أن هذه ~~الآية نزلت في حق شموائيل النبي، لأنه كان مثل موسى، يعون أنه كان من سبط ~~ليوى، وهو السبط الذي كان منه موسى، فلما وجدت بين يدى هذه الآية من ~~التوراة قرأتها، وظننت أنه يذهب إلى الافتخار بأن الله، تعالى ذكره فى ms40 ~~التوراة وبشر به موسى، عليه السلام، .. # فقلت: هنيئا لك يا نبي الله، ما خصك الله به من هذه المنزلة فنظر إلى ~~مغضبا، وقال: أو إياي أراد الله بهذا يا ذكيا ما أفادتك إذا البراهين ~~الهندسية. # فقلت: يا نبي الله، فمن أراد الله بهذا؟ # قال: الذى أراد به في قوله: "هو قيع ميها فاران " .. # تفسيره: "إشارة إلى نبوة وعد بنزولها على جبال فاران. # فلما قال لي ذلك، عرفت أنه يعني المصطفى - صلى الله عليه وسلم -، لأنه ~~المبعوث من جبال فاران، وهى جبال مكة، لأن التوراة ناطقة نصا بأن "فاران " ~~مسكن لأول إسماعيل، وذلك قول التوراة، وينسب "بمدنار فاران " يعنى ولد ~~إبراهيم الخليل، عليهما السلام. # ثم عاد والتفت إلى، وقال: أما علمت أن الله لم يبعثنى بنسخ شيء من ~~التوراة، وإنما بعثني لأذكرهم بها، وأحيي شرائعها وخاصهم من أهل فلسطين .. ~~فقلت: بلى يا نبي الله .. قال: فأي حاجة بهم إلى أن يوصيهم ربهم باتباع من ~~لم ينسخ دينهم، ولم يغير شريعتهم، أرأيتهم احتاجوا إلى أن يوصيهم بقبول ~~نبوة دانيال أو أرميا أو بحزقيل؟. # PageV01P102 # فقلت: لا لعمرى لم يحتج إلى ذلك .. # ثم أخذ المصحف من يدي، وانصرف مغضبا، فارتعدت لغضبه وازدجرت # لموعظته واستيقظت مذعورا، فجلست، وكان وقت السحر والمصباح يقدنى غاية ~~استنارته، فتذكرت المنام جميعه، فإذا أنا قد تخيلته لا يذهب على منه شىء، ~~فعلمت أن ذلك لطف من الله، سبحانه، وموعظة لإزالة الشبهة التي كانت تمنعني ~~من إعلان كلمة الحق، والتظاهر بالإسلام. # فتبت إلى الله من ذلك واستغفرته، وأكثرت من الصلاة على رسول الله # المصطفى - صلى الله عليه وسلم -، وأسبغت الوضوء، وصليت عدة ركعات لله، ~~تعالى، وأنا شديد الفرح والسرور بما قد انكشف لي من الهداية. ### | المنام الثاني # ثم جلست متفكرا فغلب على النوم عند تفكرى، ونمت فرأيت كأنى جالس فى سكة ~~عامرة لا أعرفها، إذ أتانى آت عليه ثياب المتصوفة وزي الفقراء، فلم يسلم ~~على لكنه، قال: أجب رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم. فهبته وقمت معه ~~مسرورا مستبشرا بلقاء ms41 النبي - صلى الله عليه وسلم -، فسار بين يدى وأنا من ~~ورائه، حتى انتهى بي إلى باب دان فدخله واستدخلنى، فدخلت وراءه وسرت خلفه ~~في دهليز طويل قليل الظلمة إلا أنه مظلم، فلما انتهيت إلى طرف الدهليز. # وعلمت أنه حان إشراقى على النبي - صلى الله عليه وسلم -، هبت لقاءه هيبة ~~شديدة، فأخذت فى الاستعداد للقائه وسلامه، وذكرت أنى قد قرأت في أخباره - ~~صلى الله عليه وسلم -، أنه كان إذا لقى فى جماعة قيل: سلام عليكم ورحمة ~~الله وبركاته .. وإذا لقى وحده، قيل: السلام # عليك يارسول الله ورحمة الله وبركاته .. فعزمت على أنى أسلم عليه سلاما ~~عاما لتدخل الجماعة في السلام، لأنى رأيت ذلك كأنه الأولى والأليق. # ثم أشرفت على صحن الدار، وكان مقابل الدهليز مجلس طويل، وعن يسرة # الداخل مجلس آخر، وليس من الدار غير هذين المجلسين، وفى كل واحد # PageV01P103 # من المجلسين رجلان لا أحقق الآن صور أولئك الرجال إلا أنى أظن أكثرهم # كانوا شبانا، لكنهم كانوا متأهبين للسفر، فمنهم من يلبس ثيابا للسفر، # وأسلحتهم قريبة منهم. # ورأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قائما فيما بين المجلسين، أعني ~~في الزاوية التي في ذلك - الركن من أركان الصحن، وكأنه قد كان في شغل وقد ~~فرغ منه، وانقلب عنه يشرع فى غيره، ففجاته بالدخول عليه قبل شروعه في غيره. # وكان - صلى الله عليه وسلم - لابسا ثياب بيض وعمامته معتدلة اللطافة، ~~وعلى عنقه رداء أبيض حول عنقه، وهو معتدل القامة جسيم نبيل، معتدل اللون ~~بين البياض والحمرة واليسير من السمرة، أسود الحاجبين والعينين، وشعر ~~محاسنه يصف كأنه شعرة وشعرة، ومحاسنه أيضا معتدل بين الطول والقصر. # ولما دخلت عليه ورأيته، التفت إلى ورائى، فأقبل على مبتسما وهش إلى جدا، ~~فذهلت - لهيبته - عما كنت قد عزمت عليه من السلام فسلمت عليه سلاما خاصا، ~~فقلت: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، وألغيت الجماعة، فلم ~~ألتفت ببصرى ولا بقلبى إلا إليه، فقال: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته. # ولم يكن بين تسليمى عليه وبين سعيي إليه ms42 توقف، ولا زمان بل جريت إليه ~~مسرعا وأمددت بيدى إلى يده، ومد يده الكريمة إلى فأمسكتها بيدى. # وقلت: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، وذلك أنه خطر بقلبى أن ~~النجاة، منهم من زعم أن الأسماء الأعلام هى أعرف المعارف، ومنهم من يقول أن ~~الأسماء المضمرة هى أعرف المعارف، وهو الصحيح، لأن الكاف من قولي " أنك " ~~لا يشارك المخاطب فيه أحد، لأنها لا تقع إلا عليه وحده. # فرأيته قد ملئ ابتهاجا، ثم جلس في الزاوية التي بين المجلسين، وجلست بين # يديه، وقال: تأهب للمسير معنا إلى غمدان للقراءة. فلما قال ذلك، وقع في ~~نفسي أنه يعنى المدينة العظمى التي هى كرسى ملك الصين، وأن الإسلام لم ~~يستول عليها # PageV01P104 # بعد وكنت قد قرأت قبل ذلك أن الطريق الأقرب المسلوك إلى الصين في البحر ~~الأخضر، وهو أشد البحار أهوالا، وأعظمها أخطارا. # فلما سمعت ذلك القول من النبي - صلى الله عليه وسلم -، خفت من ركوب البحر ~~.. # وقلت في نفسي إن الحكماء لا يركبون البحار، فكيف اركب البحر، .. ثم قلت ~~فى نفسى أيضا من غير توقف: يا سبحان الله أنا قد آمنت بهذا النبي محمد - ~~صلى الله عليه وسلم - وبايعته، أفيأمرنى بأمر، ولا أتابعه؟! .. فإذا ~~بالمبايعة نكون متابعين له، وعزمت على السمع والطاعة. ثم وقع - لي خاطر ~~آخر. # وقلت إذا كان معنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، فإن البر ~~والبحر يكونان مسخرين لنا، ولا خوف علينا من سائر الأخطار، وطاب قلبى بذلك، ~~وحسن يقينى وقبولى، وأنا أذكر أن هذه الأفكار والخواطر خطرت لي، وأنا بين ~~يدى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غير توقف، أعني من غير توقف، ~~يستبطئ به إجابته، فما كان بأسرع # من أن قلت له: سمعا وطاعة يا رسول الله .. فقال: على خيرة الله تعالى .. # فقمت بين يديه وخرجت، فما وجدت في الدهليز من الظلمة التي كانت فيه عند ~~الدخول، فلما خرجت من الدار، ومشيت قليلا وجدت كأنى في سوق مراغة فيما بين ~~الصيارف وبين المدرسة ms43 القصوية، وكأنى أرى ثلاثة نفر عليهم زي المتصوفة، ~~وثياب الزهاد، ومنهم من على بدنه صدرة صوف خشن أسود، وعلى رأسه مئزر من ~~جنسها، وبيده قوس ملفوفة في لباد خلق، وبيده الأخرى حربة نصابها من سعف ~~النخل، والآخر متقلد سيفا غمده من خوص النخل، لأنه كان قد انطبع فى خيالى ~~منذ كنت صغيرا حين قرأت أخبار ظهور دولة الإسلام كيف أن أصحاب النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - ضعفاء وفقراء، وليس لهم من الآلات إلا شبيها بما ذكرنا، ~~وأنهم كانوا # مع ذلك ينتصرون على الجيوش الكثيفة والخيول الربدة، ذوى الشوكة القوية. # فلما رأيت النفر الثلاثة .. قلت: هؤلاء المجاهدون والغزاة، وهؤلاء أصحاب # النبى - صلى الله عليه وسلم - مع هؤلاء أسافر وأغزو، وكانت الدمعة تبدر ~~من عينى لنى النوم، لفرط سرورى بهم وغبطتي إياهم. # PageV01P105 # ثم استيقظت والصبح لم يسفر بعد، فأسبغت الوضوء وصليت الفجر، وأنا # شديد الحرص على إشهار كلمة الإخلاص وإعلان الانتقال إلى دين الإسلام، # وكنت حينئذ بمراغة من أذربيجان في ضيافة الصاحب الأمجد فخر الدين عبد # العزيز محمد بن محمود بن سعد بن على بن حميد المصرى، رحمة الله عليه، ~~وكان قد أبلى من مرض قد عافاه الله منه فتقدمت، فدخلت إليه في أوائل نهار ~~الجمعة المذكور يومئذ، وعرفته أن الله قد رفع الحجاب عنى، وقد هداني، فما ~~أعظم استبشاره يومئذ بذلك، وقال: والله إن هذا الأمر ما زلت أتمناه ~~وأترجاه، وطالما قد حاورت قاضي القضاة صدر الدين في ذلك، وكنا جميعا نتأسف ~~على علومك وفضائلك، بأن لا تكون إسلامية، فالحمد لله على ما ألهمك له من ~~صلاح وهداية، وعلى استجابة دعائنا في ذلك .. فقل لي كيف فتح الله ذلك عليك، ~~وسهله بعد إرتاجه وامتناعه؟ .. فقلت: ذلك أمر أوقعه الله تعالى في نفسى ~~بالإلهام والفكر، ودليله العقلى وببرهانه قد، كنت قديما أعرفه، ودليله من ~~التوراة، إلا أنى كنت # أراقب أبي وأكره أن أقبحه بنفسى قديما من الله، تعالى، الآن فقد زالت عنى ~~هذه الشبهة، مد يدك أن أشهد أن لا إله إلا ms44 الله وأشهد أن محمدا رسول الله. # فقام الصاحب لفرط سروره قائما واهتز فرحا، وكان قبل ذلك لا يقوم إلا # بالتكلف، وغاب عنى، واستجلسنى إلى عودته، وأفاض من الملابس أجلها، # وحملنى من المراكب أنبلها، وأمر خواصه بالسعى إلى الجامع بين يدى، وكان # الصاحب قد تقدم إلى الخطيب بالتأخير والتوقف إلى وقت حضورى للمسجد، لأن ~~الوقت ضاق إلى أن فرغ الخياطون من خياطة الجبة، التي أمر الصاحب بتفصيلها، ~~فسرت إلى الجامع، والجماعة في انتظارى، وارتفع التكبير من جماعة أهل ~~المسمجد حين أشرفت عليهم، وارتج المسجد الجامع من صلاتهم على رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -، ثم رقى الخطيب المنبر، ومن بعد صلاة الجمعة وعظ ~~الناس القاضى صدر الدين وملك الوعاظ أبو بكر محمد بن عبد الله بن عبد ~~الرحيم، وأطنب في مدحى وإحماد ما الدنى الله به من التيقظ والهداية، وبالغ ~~في ذلك مبالغة تجاوز حد الوصف، وكان أكثر المجلس متعلقا بي. # PageV01P106 # وفى عشية ذلك اليوم، أعني عشية ليلة عيد النحر، ابتدأت بتحرير الحجج # المفحمة لليهود، وألفتها في كتاب قيام السموأل بتأليف إفحام اليهود ثم ~~غاية # القصود وسميته "بإفحام اليهود". واشتهر ذلك الكتاب، وطار خبره وانتسخ فى ~~عدة بقاع نسخا كثيرة - بالموصل وأعمالها، وديار بكر العراق وبلاد العجم، ثم ~~أضفت إليه بعد وقت فصولا كثيرة من الاحتجاج على اليهود من التوراة، حتى صار ~~كتابا بديعا، لم يعمل في الإسلام مثله في مناظرة اليهود ألبتة. # وأما المنام الأول والثانى، فإنى لم أذكرهما للصاحب، ولا لغيره من أهل ~~مراغة # إلى انقضاء أربع سنين منذ أوان رؤيتهما، وكان ذلك منى لسببين، أحدهما أنى ~~كرهت أن أذكر أمرا لا يقوم عليه البرهان، وبما يسوغ خاطر من يسمعه إلى ~~تكذيبه، لأنه أمر نادر قليل ما يتفق إذ كان العاقل يكره أن يعرض كلامه - ~~للتكذيب سرا وعلانية. # والثانى: إنى كرهت أن يصل خبر المنامين إلى من يحسدنى في البلاد، على ما # فضلنى الله به من العلم والحرمة، فيجعل ذلك طريقا على التشنيع على ~~والإزراء على مذهبى، فيقول: إن ms45 فلان ترك دينه لمنام رآه، وانخدع لأضغاث ~~أحلام! # فأخفيت ذلك إلى أن اشتهر كتاب "إفحام اليهود" وكثرت نسخه، وقرأه على ~~جماعة كثيرة من الناس، أعني أن الانتقال عن مذهب اليهود إنما كان بدليل ~~وبرهان وحجج قطعية عرفتها، وإن كنت أخفى ذلك ولا أبوح به مدة، مراقبة لأبى، ~~وبرأيه حينئذ أظهرت قصة المنامين، وأوضحت أنهما كانا موعظة من الله تعالى، ~~وتنبيها على ما يجب على تقديمه، ولا يحل لي تأخيره بسبب والدى وغيره. # وكتبت كتابا إلى أبى إلى حلب، وأنا يومئذ بحصن كيفا، وأوضحت له في ذلك ~~الكتاب عدة حجج وبراهين، مما أعلم أنه لا ينكره ولا يقدر على إبطاله، ~~وأخبرته أيضا بخبر المنامين، فانحدر إلى الموصل ليلقاني، وفاجأه مرض حاد ~~بالموصل، فهلك فيه. # PageV01P107 # فليعلم الآن من يقرأ هذه الأوراق أن المنام لم يكن باعثا على ترك المذهب # الأول، فإن العاقل لا يجوز أن ينخدع عن أحواله بالمنامات والأعلام من غير ~~برهان ولا دليل، لكنى كنت قد عرفت قبل ذلك بزمان طويل الحجج والبراهين ~~والأدلة على نبوة سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - فتلك الحجج والبراهين ~~هى سبب الانتقال والهداية، وأما المنام فإنما كانت فائدته الانتباه ~~والازدجار من التمادي في الغفلة والتربص، بإعلان كلمة الحق ارتقاء بالموت، ~~فالحمد لله على الإسلام، وكلمة الحق، ونور الإيمان # وزلفى الهداية، وأساله الإرشاد لما يرضيه بمحمد وآله. # تم بيان سبب إسلام السموأل، والحمد لله رب العالمين # حسبنا الله ونعم الوكيل # ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم. PageV01P108 ms46