######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shia_002369Vols #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: القطب الراوندي #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 573 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: فقه القرآن #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: مصادر التفسير عند الشيعة #META# 022.BookVOLS :: 2 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shia_002369Vols #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shiaonlinelibrary.com/الكتب/2369_فقه-القرآن-القطب-الراوندي-ج-1 #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: السيد أحمد الحسيني #META# 041.EdNUMBER :: الثانية #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: NODATA #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: 1405 #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # فقه القران تأليف قطب الدين سعيد بن هبة الله الراوندي المتوفى سنة 573 ه‍ PageV01P001 # بسم الله الرحمن الرحيم (رب زدني علما) الحمد لله الذي خلق الخلق كما أراد، ولم يرد الا الحكمة والسداد، ابتدعهم بقدرته ابتداعا، واخترعهم على مشيته اختراعا، فأغنى بفضله كل صغير، وأقنى بمنه كل كبير، ومن أجل مواهبه وأجمل صنائعه هذا العقل الذي يدرك به سعادة الأبد، وينقذ من الشقاوة كل أحد. فطوبى لمن عز باعماله، وبؤسي لمن ذل باهماله ثم لم يرض سبحانه بذلك لرأفته بالمكلفين حتى أمد عقولهم بارسال الرسل وانزال الكتب، واكد بالألطاف الحجة، وأوضح بالشرائع المحجة. فله الحمد دائبا، وله الشكر واصبا، بكل ما حمده به أكرم خلائقه عليه، وأرضى حامديه لديه. # فقد أكمل لنا دينه، وأتم علينا نعمته، ورضي لنا الاسلام دينا. # وصلى الله على محمد سيد المرسلين، وخاتم النبيين، وعلى آله الأطهار، الأئمة الأخيار، الهداة الأبرار، الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا. # أما بعد: # فان الذي حملني على الشروع في جمع هذا الكتاب أنى لم أجد من علماء الاسلام قديما وحديثا من ألف كتابا مفردا يشتمل على الفقه الذي ينطق به كتاب الله، PageV01P003 # ولم يتعرض أحد منهم لاستيعاب ما نصه عليه لفظه أو معناه وظاهره أو فحواه، في مجموع كان على الانفراد صائب هدف المراد، وان صنفوا في الفقه وتفسير القرآن ما لا يحاط به الا على امتداد الزمان. # والعذر لنا خاصة واضح، لان حجة هذه الطائفة في صواب جميع ما انفردت به من الأحاديث الشرعية والتكاليف السمعية أو شاركت فيه غيرها من الفقهاء هي اجماعها، لان اجماعها حجة قاطعة ودلالة موجبة للعلم بكون المعصوم الذي لا يجوز عليه الخطأ فيه، فان انضاف إلى ذلك كتاب الله أو طريقة أخرى توجب العلم وتثمر اليقين فهي فضيلة ودلالة تنضاف إلى أخرى، والا ففي اجماعهم كفاية. # فرأيت أن أولف كتابا في (فقه القرآن)، يغنى عن غيره بحسن مبانيه، ولا يقصر فهم القارئ عن معانيه، متجنبا فيه الإطالة والتكثير، ومتحريا الايجاز والتيسير ليكون ms001 الناظر فيه أنيسا يصادقه، وللفقيه ردءا يصدقه. فجمعت منه بعون الله تعالى جملة مشروحة أخرجها الاستقراء، وان نسأ الله في الاجل ذكرت بعد ذلك ما يقتضيه الاستقصاء. # والله الموفق لما يشاء. PageV01P004 # كتاب الطهارة اعلم أن الله سبحانه وتعالى بين أحكام الطهارة في القرآن على سبيل التفصيل في موضعين، ونبه عليها جملة في مواضع شتى منه خصوصا أو عموما تصريحا أو تلويحا. # وأنا انشاء الله أورد جميع ذلك أو أكثر ما فيه على غاية ما يمكن تلخيصه، وأستو فيه وأومى إلى تعليله وجهة دليله، واذكر أقوال العلماء والمفسرين في ذلك والصحيح منها والأقوى. وان شبهت شيئا بشئ فعلى جهة المثال لا على وجه حمل أحدهما على الاخر. # وأقتصر في جميع ما يحتاج إليه على مجرد ما روى السلف رحمهم الله من المعاني الا القليل النادر والشاذ الشارد، وأقنع أيضا بألفاظهم المنقولة حتى لا يستوحش من ذلك. وهذا شرطي إلى آخر الكتاب. # ولا أجمع الا ما فرقه أصحابنا في مصنفاتهم، وذلك لان القياس بالدليل الواضح غير صحيح في الشريعة، وهو حمل الشئ على غيره في الحكم لأجل ما PageV01P005 # بينهما من الشبه، فيسمى المقيس فرعا والمقيس عليه أصلا. وكذلك الاجتهاد غير جائز في الشرع (1)، وهو (استفراغ الجهد في استخراج احكام الشرع)، وقيل (هو بذل الوسع في تعرف الأحكام الشرعية). # فأما إذا صح باجماع الفرقة المحقة حكم من الأحكام الشرعية بنص من الرسول صلى الله عليه وآله مقطوع على صحته على سبيل التفصيل رواه المعصومون من أهل بيته عليه وعليهم السلام ثم طلب الفقيه بعد ذلك دلالة عليه من الكتاب جملة أو تفصيلا ليضيفها إلى السنة حسما للشنعة، فلا يكون ذلك قياسا ولا اجتهادا، لان القايس والمجتهد لو كان معهما نص على وجه من الوجوه لم يكن ذلك منهما قياسا ولا اجتهادا. وهذا واضح بحمد الله. # على أن أكثر الآيات التي نتكلم عليها في هذا المعنى، فهو ما نبهنا عليه (2) الأئمة من آل محمد عليه وعليهم السلام، وهم معدن التأويل ومنزل التنزيل. # (فصل) اعلم ms002 أن الأدلة كلها أربعة: حجة العقل، والكتاب، والسنة والاجماع. # أما الكتاب - وهو غرضنا ههنا - فهو القرآن في دلالته على الأحكام الشرعية. # والمستدل بالكتاب على ذكرناه يحتاج إلى أن يعرف (3) من علومه خمسة أصناف: # PageV01P006 # العام والخاص، والمحكم والمتشابه، والمجمل والمفسر، والمطلق والمقيد، والناسخ والمنسوخ. # اما العموم والخصوص قليلا يتعلق بعموم قد دخله التخصيص، كقوله تعالى ﴿ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن﴾ (١) وهذا عام في كل مشركة حرة كانت أو أمة. # وقوله ﴿والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم﴾ (٢) خاص في الحرائر فقط، فلو تمسك بالعموم غلط. وكذلك قوله ﴿اقتلوا المشركين﴾ (٣) عام، وقوله ﴿من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية﴾ (٤) خاص في أهل الكتاب. # واما المحكم والمتشابه فليقضى بالمحكم ويفتى به دون المتشابه (٥). # واما المجمل والمفسر فليعمل بالمفسر كقوله تعالى ﴿أقيموا الصلاة﴾ (٦) وهذا غير مفسر، وقوله ﴿فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون﴾ (٧) مفسر باجماع المفسرين لأنه فسر الصلوات الخمس، لان قوله (حين تمسون) يعني المغرب والعشاء الآخرة، و (حين تصبحون) يعنى الصبح، و (عشيا) يعنى العصر، و (حين تظهرون) الظهر. # وأما المطلق والمقيد فليبنى المطلق على المقيد إذا كانا في حكم واحد، كقوله تعالى ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم﴾ (٨) فهذا مطلق في العدل والفاسق، وقوله ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ (9) مقيد بالعدالة، فيبنى المطلق عليه. # PageV01P007 # واما الناسخ والمنسوخ فليقضى بالناسخ دون المنسوخ، كآية العدة بالحول والآية التي تضمنت العدة بالأشهر. # ويأتي بيان جميع ذلك انشاء الله تعالى. # (باب) (وجوب الطهارة وكيفيتها وما به تكون وما ينقضها) الدليل على هذه الأشياء الأربعة - التي هي مدار الطهارتين وما يقوم مقامهما عند الضرورة - اثنان من المائدة والنساء، وهما: # قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم﴾ (١). # وقوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى﴾ (٢). # وظاهر هذا الخطاب متوجه إلى من كان على ظاهر الايمان، فأما الكافر فلا يعلم بهذا الظاهر أنه مخاطب به ويعلم بآية أخرى ودلالة عليه به احرى. # وإنما أمر المؤمنون به - وهو واجب على الكل - لأنه بعد الدخول ms003 في الملة، ومن أتى الاسلام يؤمر به ثم يؤمر بفروعه. # على أنه يمكن أن يقال: أن التخصيص ههنا ورد للتغليب والتشريف وإن كان الكل مرادا، كقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا﴾ (٣). # ألا ترى أن أسباب التكليف التي حسن الخطاب لأجلها حاصلة للمؤمن والكافر، يوضح ذلك ويبينه قوله تعالى ﴿يا أيها الناس اعبدوا ربكم﴾ (4) ولا خلاف # PageV01P008 # أنه ينبغي ان يحمل على عمومه في كل ما هو عبادة الله وإن كان خاصا في المكلفين منهم الذين أوجب الله ذلك عليهم أو ندبهم إليه. والآية متوجهة إلى جميع الناس ممن يصح مخاطبته مؤمنهم وكافرهم، لحصول العموم فيها، الا من ليس بشرائط التكليف على ما ذكرناه. # فالكافر إذا لابد أن يكون مخاطبا بالصلاة وبجميع أركان الشريعة لكونها واجبة عليه، لأنه مذموم بتركها متمكن من أن يعلم وجوبها، ويعاقب غدا عليه أيضا. ألا ترى إلى قوله تعالى حكاية عن الكفار ﴿قالوا لم نك من المصلين﴾ (1). # ولا يقدح في وجوب ذلك بأنه إذا أسلم لا يجب عليه قضاء ما فاته، لان القضاء هو الفرض الثاني. # فان قيل: كيف يجوز ان يكون [من] مخاطبين بذلك ولم يكن [من] (2) موجودين في ذلك الوقت، ومن المحال أن يخاطب المعدوم. # قلنا: الأوامر على ضربين: أحدهما على الاطلاق، فالمأمور يجب أن يكون قادرا مزاح العلة فضلا على وجوده. والاخر يكون أمرا بشرط، فالمأمور لا يجب أن يكون كذلك في الحال ولكن بشرط أن يوجد ويصير قادرا مزاح العلة متمكنا. # وإذا ثبت هذا فأوامر الله تعالى وأوامر الرسول عليه السلام كانت أوامر للمكلفين الموجودين في ذلك الزمان على تلك الصفات، وكانت أوامر لمن بعدهم، بشرط أن يوجدوا ويصيروا قادرين مترددي الدواعي على ما ذكرناه، والامر على هذا الوجه يكون حسنا. [فإنه يحسن من الواحد منا أن يأمر النجار بانجار باب غدا بشرط أن يمكنه مما يحتاج إليه من الآلات وغيرها وان لم يمكنه في الحالة] (3). # وانما أوردت هذه الجملة استيناسا للناظر فيه، وهو التنبيه للفقيه. # PageV01P009 # (باب الوضوء) أما ms004 قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين﴾ (١). # فإنه يدل بظاهره على وجوب أربعة أفعال مقارنة للوضوء، ويدل من فحواه على وجوب النية فيه، لأنه عمل والأعمال بالنيات. # ثم اعلم أن القيام إلى الصلاة ضربان: أحدهما ان يقوم للدخول فيها، والاخر أن يتأهب باستعمال الطهارة للشروع فيها. فالأول لا يصح من دون الثاني، والثاني انما يجب بشرط تقدم الأول. فبهذا الخطاب أمرهم الله انهم إذا أرادوا القيام إلى الصلاة وهم على غير طهر أن يغسلوا وجوههم ويفعلوا ما أمرهم الله به فيها. # وحذف الإرادة لان في الكلام دلالة عليه، ومثله قوله تعالى ﴿فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله﴾ (٢)، معناه إذا أردت قراءة القرآن فاستعذ، وقوله ﴿وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة﴾ (3)، معناه فأردت أن تقيم لهم الصلاة. # والذي يدل عليه هو أن الله أمر بغسل الأعضاء إذا قام إلى الصلاة بقوله (إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا). ومعلوم أنه إذا قام إلى الصلاة لا يغسل أعضاءه، لأنه لا يقوم إليها ليصلي الا وقد غسل الأعضاء أو فعل ما قام مقامه، فعلم أنه أراد إذا أردت القيام إلى الصلاة فاغسل أعضاءك، فأمر بغسل الأعضاء، فثبت أن الغسلين والمسحين كليهما واجب في هذه الطهارة. # ويدل قوله تعالى (ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) (4) على # PageV01P010 # وجوب عشر كيفيات مقارنة للوضوء، وعلى وجوب أربعة أشياء قبل الوضوء، وهي تركان وفعلان (1). # (فصل) وإذا ثبت وجوب الطهارة - لان الله أمر بها والامر في الشرع على الوجوب لا يحمل على الندب الا لقرينة - فاعلم أنهم اختلفوا هل يجب ذلك كلما أراد القيام إلى الصلاة أو في بعضها أو في أي حال هي؟ # فقال قوم: المراد به إذا أراد القيام إليها وهو على غير طهر، وهو المروي عن ابن عباس وجابر. # وقيل: معناه إذا قمتم من نومكم إلى الصلاة. وروي أن الباقر عليه السلام سئل ما المراد بالقيام إليها؟ فقال: المراد به القيام من النوم (2). # وقيل: ms005 المراد به جميع حال قيام الانسان إلى الصلاة، فعليه أن يجدد طهر الصلاة، عن عكرمة وقال: كان علي عليه السلام يتوضأ لكل صلاة ويقرأ هذه الآية، وهذا محمول على الندب. وعن ابن سيرين: كان الخلفاء يتوضأون لكل صلاة. # وعن ابن عمر: كان الفرض أن يتوضأ لكل صلاة ثم نسخ ذلك بالتخفيف، فقد حدثته أسماء بنت زيد بن الخطاب أن عبد الله بن حنظلة ابن أبي عامر الغسيل حدثها ان النبي صلى الله عليه وآله أمر بالوضوء عند كل صلاة، فشق ذلك عليه فأمر بالسواك ورفع عنه الوضوء الا من حدث (3)، فكان عبد الله يرى ذلك فرضا. # PageV01P011 # وروى سليمان بن بريدة عن أبيه ان النبي صلى الله عليه وآله كان يتوضأ لكل صلاة، فلما كان عام الفتح صلى الصلوات بوضوء واحد، فقال عمر: يا رسول الله صنعت شيئا ما كنت تصنعه. فقال: عمدا فعلته (1). # (فصل) والآية تدل على جميع ما ذكرناه من الواجب والندب لغة، وأقوى الأقوال ما حكيناه أولا من أن الفرض بالوضوء يتوجه إلى من أراد الصلاة وهو على غير طهر، فأما من كان متطهرا فعليه ذلك استحبابا. # وقال الحسين بن علي المغربي: معنى (إذا قمتم) إذا عزمتم عليها وهممتم بها، قال الراجز للرشيد: # ما قاسم دون الفتى ابن أمه * وقد رضيناه فقم فسمه (2) فقال: يا أعرابي ما رضيت أن تدعونا إلى عقدة الامر له قعودا حتى أمرتنا بالقيام فقال: قيام عزم لا قيام جسم. # وقال خزيم الهمداني: # فحدثت نفسي أنها أو خيالها * أتانا عشاءا حين قمنا لنهجعا أي حين عزمنا للهجوع (3). # وقال قوم: ان الله تعالى أنزل هذه الآية اعلاما للنبي صلى الله عليه وآله انه لا وضوء عليه واجبا الا إذا قام إلى الصلاة وما يجري مجراها من العبادات، لأنه كان إذا أحدث امتنع من الأعمال كلها حتى نزلت هذه الآية، فأباح الله له بها أن يفعل ما بدا له من الأعمال بعد الحدث، توضأ أو لم يتوضأ، الا عمل الصلاة فإنه # PageV01P012 # يجب عليه أن يتوضأ له. ms006 # وفي الآية نيف وعشرون حكما سوى التفريعات الداخلة تحتها، والامتحان يستخرجها، فالحوادث غير متناهية، وعموم النصوص أيضا غير متناهية وان كانت النصوص متناهية، فلا حاجة إلى القياس شرعا. # (فصل) وقوله (فاغسلوا وجوهكم) أمر منه تعالى بغسل الوجه، والامر شرعا يقتضي الوجوب وانما يحمل على الندب لقرينة. وغير ممتنع أن يراد باللفظ الواحد في الحالين لأنه لا تنافي بينهما. # و (الغسل) جريان الماء أو كالجريان، فقد رخص عند عوز الماء مثل الدهن واختلفوا في حد الوجه الذي يجب غسله: # فحده عندنا من قصاص شعر الرأس إلى محادر شعر الذقن طولا، وما دخل بين الابهام والوسطى عرضا. وما خرج عن ذلك فلا يجب غسله، وما نزل من المحادر لا يجب غسله. # والدليل عليه من القرآن جملة قوله (وما آتاكم الرسول فخذوه) وقد بينها عليه السلام. # وأما ما غطاه الشعر - كالذقن والصدغين - فان امرار الماء على ما علا عليه من الشعر، يجزي من غسل ما بطن منه من بشرة الوجه (1). # والذي يدل عليه أن ما ذكرناه مجمع على أنه من الوجه، ومن ادعى الزيادة فعليه الدلالة، ولا دليل شرعا لمن خالفنا فيه. # وقال عبد الجبار: لو خلينا والظاهر لكان بعد نبات اللحية يجب ايصال الماء # PageV01P013 # إلى البشرة التي هي تحتها، كما يلزم ذلك من لا لحية له، الا أن الدلالة قامت على زوال وجوب ذلك بستر اللحية. ولاية تدل عليه، لان إفاضة الماء على ما يقابل هذه البشرة وما سقط من اللحية عن الوجه، فلا يلزم فيه على وجه. # وان نبت للمرأة لحية فكمثل الرجل. # وكل مسألة شرعية لها شعب ووجوه، فإذا سألك عنها سائل فتثبت في الجواب، فلا تجبه بلا أو بنعم على العجلة، وتصفح حال المستفتي، فإن كان عاميا يطلب الجواب ليعمل به ويعول عليه فاستفسره عن الذي يقصده ويريد الجواب عنه، فإذا عرفت ما يريده بعينه أجبته عنه ولا تتجاوز إلى غيره من الوجوه، فليس مقصود هذا السائل الا الوجه الذي يريد بيان حكمه ليعمل به. وإذا كان السائل معاندا ms007 يريد الاعنات تستفسره أيضا عن الوجه الذي يريد من المسألة، فإذا ذكره أفتيته عنه بعينه ولا تتجاوزه إلى غيره أيضا، فليس مقصوده طلب الفائدة وانما هو يطلب المعاندة فضيق عليه سبيل العناد. وإن كان السائل مستفيدا يطلب بيان وجوه المسألة والجواب عن كل وجه ليعلمه ويستفيده فأوضح له الوجوه كلها واجعل الكلام منقسما لئلا يذهب شئ من بابه. وهذا لعمري استظهار للعالم في جميع العلوم انشاء الله تعالى. # (فصل) وقوله (وأيديكم إلى المرافق) عطف على (وجوهكم)، فالواجب غسلهما. # ويجب عندنا غسل الأيدي من المرافق، وغسل المرافق معهما إلى رؤوس الأصابع، ولا يجوز غسلها من الأصابع إلى المرافق الا عند الضرورة، فقد قال الله تعالى ﴿ما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ (١). # و (إلى) في الآية بمعنى مع، كقوله ﴿ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم﴾ (2). # PageV01P014 # وانما قلنا ذلك لان إلى قد تكون بمعنى الغاية وقد تكون بمعنى مع حقيقة فيهما، ولا خلاف بين أهل اللسان أن كل لفظة مشتركة بين معنيين أو معان كثيرة انما يتميز بعضها دون بعض بما يقترن إليها من القرائن، فإذا صح اشتراك لفظة (إلى) في معنى الغاية ومعنى مع حقيقة - لا استعارة ومجازا - وانضاف إلى واحد منهما وهو ما ذكرناه اجماع الطائفة ثبت ما أردناه من وجوب ابتداء غسل الأيدي من المرافق وغسلها معها إلى رؤوس الأصابع. # وقد قال جماعة من الخاصة والعامة ان حمل (إلى) في هذا الموضع على معنى مع أولى من حمله على معنى الغاية، لأنه أعم وفيه زيادة في فائدة الخطاب واحتياط في الطهارة واستظهار بدخول المرافق في الوضوء، وفي معنى الغاية اسقاط الفائدة وترك الاحتياط وابطال سائر ما ذكرناه، ويؤكد ذلك قراءة أهل البيت عليهم السلام (فاغسلوا وجوهكم وأيديكم من المرافق) (1). # على أن المرتضى رضي الله عنه قال: ان الابتداء في غسل اليدين للوضوء من المرافق والانتهاء إلى أطراف الأصابع، الأولى أن يكون مسنونا ومندوبا إليه لا أن يكون فرضا حتما. والفقهاء يقولون: لعل هو مخير بين الابتداء بالأصابع وبين الابتداء بالمرافق ms008 (2). # وقال الزجاج: لو كان المراد بإلى (مع) لوجب غسل اليد إلى الكتف لتناول الاسم له. قال: وانما المراد بإلى الغاية والانتهاء، لكن المرافق يجب غسلها مع اليدين (3). # وهذا الذي ذكره ليس بصحيح، لأنا لو خلينا وذلك لقلنا بما قاله، لكن # PageV01P015 # أخرجناه بدليل، وهو اجماع الأمة على أن من بدأ من المرافق كان وضوؤه صحيحا، وإذا جعلت غاية ففيه الخلاف. # واختلف أهل التأويل في ذلك: # فقال مالك بن انس: يجب غسل اليدين إلى المرفقين ولا يجب غسل المرفق، وهو قول زفر. # وقال الشافعي: لا أعلم خلافا في أن المرافق يجب غسلها. # وقال الطبري: غسل المرفقين وما فوقهما مندوب إليه غير واجب. وقد اعتذر له بأن معنى كلامه أن وجوب ذلك يعلم من السنة لا من الآية. # وانما اعتبرنا غسل المرافق لاجماع الأمة على أن من غسلهما صحت صلاته ومن لم يغسلهما ففيه الخلاف (1). # وقيل: الآية مجملة فالواجب الرجوع إلى البيان، وقد ثبت أنه صلى الله عليه وآله غسلهما فيما حكاه كبار الصحابة في صفة وضوئه، فصار فعله بيانا للآية، كما أن قوله كذلك. # وليس لاحد أن يقول: ان ظاهر قوله (فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق) يوجب ان يكون المرفق غاية في الوضوء لا ان يكون مبدوءا به أو يغسل المرفق معها. # لأنا قد بينا بأن (إلى) بمعنى مع والغاية على سبيل الحقيقة، وقرينة اجماع الأمة أن غسل المرافق واجب، فلو كان إلى للغاية هنا لم يلزم غسل المرفق على مقتضى وضع اللغة، لان ما بعد إلى إذا كانت للغاية لا يدخل فيما قبلها والا فلا تكون غاية. # PageV01P016 # (فصل) قول (وامسحوا برؤوسكم) جملة فعلية معطوفة على الجملة المتقدمة، وهي تقتضي الايجاب حيث تقتضيه الأولى وتتناول الندب حيث تتناوله الأولى، ولا فرق بين المقتضيين في الجملتين على حال لمكان الواو العاطفة. # وكذلك يجب أن يكون حكم (أرجلكم) حكم (رؤوسكم) لمكان واو العاطفة أيضا، سواء كان عطفا على اللفظ أو على المحل، لان جميع ذلك اسم لشئ واحد، وهو الوضوء، فان اقتصر على بعضها ms009 اختيارا فلا وضوء. # فإذا ثبت ذلك فاعلم أنهم اختلفوا في صفة المسح: # فقال قوم: يمسح منه ما يقع عليه اسم المسح، وهو مذهبنا، وبه قال عبد الله ابن عمر والقاسم بن محمد والشافعي. # وقال مالك: يجب مسح جميع الرأس. # وقال أبو حنيفة: لا يجوز مسح الرأس بأقل من ثلاثة أصابع، وهذا عندنا على الاستحباب. # ولا يجوز المسح عندنا الا على مقدم الرأس، وهو المروي عن ابن عمر والقاسم بن محمد والطبري، ولم يعتبره أحد من الفقهاء وقالوا: أي موضع مسح أجزأه. # وانما اعتبرنا المسح ببعض [الرأس] (1) - فضلا على النص من آل محمد عليه وعليهم السلام - (2) لدخول الباء الموجبة للتبعيض، لان دخولها في الاثبات في الموضع الذي يتعدى الفعل فيه بنفسه لا وجه له غير التبعيض، والا لكان لغوا. وحملها على الزيادة لا يجوز مع امكانها على فائدة مجددة. # PageV01P017 # فان قيل: يلزم على ذلك المسح ببعض الوجه في التيمم في قوله (فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه). # قلنا: كذلك نقول، فان في التيمم يمسح الوجه بين قصاص الشعر إلى طرف الأنف ، على ما نصوا عليه عليهم السلام. # ومن غسل الرأس فإنه لا يجزيه عن المسح عندنا، وخالف جميع الفقهاء في ذلك وقالوا بجزيه لأنه يشتمل عليه. # وهذا غير صحيح، لان حد المسح شرعا هو امرار العضو الذي فيه نداوة على العضو الممسوح من غير أن يجري عليه الماء، والغسل لا يكون الا بجريان الماء عليه بعلاج وغير علاج، فمعناهما مختلف. ولو كانا واحدا لما ورد الامر بهما واقتصر بقوله (فاغسلوا) ولم يقل بعده (وامسحوا). وليس إذا دخل المسح في الغسل يسمى الغسل مسحا، كما أن العمامة لا تسمى خرقة وان كانت تشتمل على خرق كثيرة. # وقال الشافعي: الأذنان ليستا من الوجه [ولا من الرأس] (1). # (فصل) وقوله (وأرجلكم) من قرأها بالجر عطفها على اللفظ وذهب إلى أنه يجب مسح الرجلين كما وجب مسح الرأس، ومن نصب فكمثل، لأنه ذهب إلى أنه معطوف على موضع الرؤوس، فان موضعهما نصب لوقوع المسح عليهما، فالقراءتان جميعا تفيدان ms010 المسح على ما نذهب إليه. # وممن قال بالمسح ابن عباس والحسن البصري والجبائي والطبري وغيرهم. # وعندنا ان المسح على ظاهرهما من رؤوس الأصابع إلى الكعبين. # قال ابن عباس وأنس: الوضوء غسلتان ومسحتان. # PageV01P018 # وقال عكرمة: ليس على الرجلين غسل انما فيهما المسح، وبه قال الشعبي وقال: ألا ترى أن في التيمم يمسح ما كان غسلا ويلغى ما كان مسحا. # وقال قتادة: افترض الله مسحين وغسلين. # وروى أوس بن أوس قال: رأيت النبي صلى الله عليه وآله توضأ ومسح على نعليه ثم قام وصلى. وكذلك روى حذيفة (1). # وروى حبة العرني: رأيت عليا عليه السلام شرب في الرحبة قائما ثم توضأ ومسح على نعليه (2). # ووصف ابن عباس وضوء رسول الله صلى الله عليه وآله وأنه مسح على رجليه وقال: ان كتاب الله المسح ويأبى الناس الا الغسل (3). # و (الغسل) في اللغة اجراء الماء على الشئ على وجه التنظيف والتحسين وإزالة الوسخ عنه ونحوها. ومسحه بالماء ايصال رطوبته إليه فقط كما ذكرناه. # وقال علي عليه السلام: ما نزل القرآن الا بالمسح (4). # وأما (الكعبان) فهما عندنا الناتئان في وسط القدم، وبه قال محمد بن الحسن الشيباني، وان أوجب الغسل. # وقال أكثر الفقهاء: هما عظما الساقين. # يدل على ما قلناه أنه لو أراد ما قالوا لقال سبحانه (إلى الكعاب) لان في الرجلين منها أربعة. # فان ادعوا تقديرا بعد قوله (وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم) أي كل واحدة إلى الكعبين، كما في قولهم (اكسنا حلة) أي اكس كل واحد منا حلة. فذلك مجاز، وحمل الكلام على الحقيقة إذا أمكن أولى، وهو قولنا. # PageV01P019 # فان قيل: كيف قال (إلى الكعبين)، وعلى مذهبكم ليس في كل رجل الا كعب واحد. # قلنا: انه تعالى أراد رجلي كل متطهر، وفي الرجلين كعبان، ولو بنى الكلام على ظاهره لقال (وأرجلكم إلى الكعاب)، والعدول بلفظ (أرجلكم) إلى أن المراد بها رجلا كل متطهر أولى من حملها على كل رجل. # (فصل) ان قيل: القراءة بالجر في (أرجلكم) ليست بالعطف على الرؤوس في المعنى، وانما عطف عليها على ms011 طريق المجاورة، كما قالوا (جحر ضب خرب) وخرب من صفات الجحر لا الضب. # قلنا: أولا ان العرب لم تتكلم به الا ساكنا فقالوا (خرب) فإنهم لا يقفون الا على الساكن، فلا يستشهد به. وبعد التسليم فإنه لا يجوز في الآية من وجوه: # أحدها - ما قال الزجاج ان الاعراب بالمجاورة لا يكون مع حرف العطف، وفي الآية حرف العطف الذي يوجب أن يكون حكم المعطوف حكم المعطوف عليه، وما ذكروه ليس فيه حرف العطف، فأما قول الشاعر: # فهل أنت ان ماتت أتانك راحل * إلى آل بسطام بن قيس فخاطب 1 قالوا: جر مع حرف العطف الذي هو الفاء، فإنه يمكن أن يكون أراد الرفع وانما جر الراوي وهما، ويكون عطفا على راحل، فيكون قد أقوى (2) لان القصيدة مجرورة. وقال قوم: أراد بذلك الامر وانما جر لاطلاق الشعر. # والثاني - ان الاعراب بالمجاورة انما يجوز مع ارتفاع اللبس، فأما مع # PageV01P020 # حصول اللبس فلا يجوز، ولا يلتبس على أحد أن (خرب) صفة جحر لا ضب، وليس كذلك في الآية، لان الأرجل يمكن أن تكون ممسوحة ومغسولة، فالاشتباه حاصل هنا ومرتفع هناك. # وأما قوله ﴿وحور عين﴾ (١) - في قراءة من جرهما - فليس بمجرور على المجاورة، بل يحتمل أمرين: # أحدهما: أن يكون عطفا على قوله ﴿يطوف عليهم ولدان مخلدون * بأكواب وأباريق * وكأس من معين﴾ (٢) إلى قوله (وحور عين)، فهو عطف على أكواب. # وقولهم انه لا يطاف الا بالكأس، غير مسلم، بل لا يمتنع أن يطاف بالحور العين كما يطاف بالكأس، وقد ذكر في جملة ما يطاف به الفاكهة واللحم. # والثاني: انه لما قال ﴿أولئك المقربون * في جنات نعيم﴾ (3) عطف بقوله (وحور عين) على (جنات النعيم)، فكأنه قال هم في جنات النعيم وفى مقاربة أو معاشرة حور عين - ذكره أبو علي الفارسي (4). # ومن قال القراءة بالجر يقتضي المسح على الخفين. فقوله باطل، لان الخف لا يسمى رجلا في لغة ولا شرع، والله أمر بايقاع الفرض على ما يسمى رجلا على الحقيقة. # (فصل) وان قيل في القراءة بالنصب في ms012 (أرجلكم): هي معطوفة على قوله (وأيديكم) في الجملة الأولة. # PageV01P021 # فيقال: ان هذا غير صحيح، لأنه لا يجوز ان يقول القائل (اضرب زيدا وعمرا وأكرم بكرا وخالدا)، ويريد بنصب خالدا العطف على زيدا وعمرا المضروبين لان ذلك خروج عن فصاحة الكلام ودخول في معنى اللغز، فان أكرم المأمور خالدا فيكون ممتثلا لامره معذورا عند العقلاء، وان ضربه كان ملوما عندهم. وهذا مما لا محيص عنه. # على أن الكلام متى حصل فيه عاملان - قريب وبعيد - لا يجوز اعمال البعيد دون القريب مع صحة حمله عليه. وبمثله ورد القرآن وفصيح الشعر: قال تعالى ﴿وانهم ظنوا كما ظننتم أن لن يبعث الله أحدا﴾ (١)، ولو أعمل الأول لقال (كما ظننتموه). وقال ﴿آتوني أفرغ عليه قطرا﴾ (٢)، ولو أعمل الأول لقال (أفرغه). # وقال ﴿هاؤم اقرأوا كتابيه﴾ (3)، ولو اعمل الأول لقال (هاؤم اقرأوه)، واليه ذهب البصريون. # فأما من يختار اعمال الأول من الكوفيين فإنه لا يجيز ذلك في مثل الموضع الذي نحن فيه، وليس قوى امرئ القيس: # فلو أن ما أسعى لأدنى معيشة * كفاني ولم أطلب قليل من المال من قبيل ما نحن بصدده، إذ لم يوجه فيه الفعل [الثاني] (4) إلى ما وجه إليه الأول، وانما اعمل الأول لأنه لم يجعل القليل مطلوبا، وانما كان المطلوب عنده الملك وجعل القليل كافيا، ولو لم يرد هذا ونصب لفسد المعنى. وعلى هذا يعمل الأقرب أبدا، أنشد سيبويه قول طفيل: # * جرى فوقها فاستشعرت لون مذهب * (5) # PageV01P022 # وقال كثير: قضى كل ذي دين فوفى غريمه * وعزة ممطول معنى غريمها ولو اعمل الأول لقال (فوفاه غريمه)، والاستدلال بقوله (ممطول معنى غريمها) أولى، لان قوله (عزة) مبتدأ و (ممطول) خبره و (معنى) كذلك، وكل واحد منهما فعل للغريم، فلا يجوز رفعه بممطول، فيبقى (معنى) وقد جرى خبرا على عزة، وهو فعل لغيرها، فيجب ابراز ضميره. # فأما من قال: ان قوله (وأرجلكم) منصوبة بتقدير واغسلوا أرجلكم كما قال: # متقلدا سيفا ورمحا * وعلفتها تبنا وماءا باردا فقد أخطأ أيضا، لان ذلك انما يجوز إذا استحال حمله على ms013 ما في اللفظ، فأما إذا جاز حمله على ما في اللفظ فلا يجوز هذا التقدير. # (فصل) وقد ذكرنا من قبل ان قوله (وأرجلكم) بالنصب معطوف على موضع (برؤوسكم) لان موضعها النصب، والعطف على الموضع جائز حسن كما يجوز على اللفظ، لا فرق بينهما عند العرب في الحسن، لأنهم يقولون (لست بقائم ولا قاعدا) أو (لا قاعد) و (ان زيدا في الدار وعمرو)، فرفع عمرو بالعطف على الموضع، كما نصب قاعدا لأنه معطوف على محل بقائم. قال الشاعر: # معاوي اننا بشر فأسجح * فلسنا بالجبال ولا الحديدا (1) مقدرا لكل شبهة. # وصح أن الحكم في الآية المسح في الرجلين، وقد تقل الشبهة في القراءة # PageV01P023 # بالجر على ما قدمناه. # ومن قال يجب غسل الرجلين لأنهما محدودتان كاليدين. فقوله ليس بصحيح لأنا لا نسلم أن العلة في كون اليدين مغسولتين كونهما محدودتين، وانما وجب غسلهما لأنهما عطفتا على عضو مغسول وهو الوجه، وكذلك إذا عطف الرجلان على ممسوح وهو الرأس وجب أن يكونا ممسوحتين، والفصاحة فيما قال الله في الجملتين ذكر معطوفا ومعطوفا عليه أحدهما محدود والاخر غير محدود فيهما. # وروي أن الحسن قرأ (وأرجلكم) بالرفع. فان صحت هذه القراءة فالوجه أنه الابتداء وخبره مضمر، أي وأرجلكم ممسوحة، كما يقال (أكرمت زيدا وأخوه) [اي وأخوه (1)] أكرمته، فأضمره على شريطة التفسير واستغنى بذكره مرة أخرى، إذا كان في الكلام الذي يليه ما يدل عليه وكان فيما أبقى دليل على ما ألقى، فكأن هذه القراءة - وان كانت شاذة - إشارة إلى أن مسح الرأس [ببقية النداوة من مسح الرأس] (1) كما هو. # ويدل أيضا على وجوب الموالاة لان الواو إذا واو الحال في قوله (وأرجلكم) بالرفع. # (فصل) وهذه الآية تدل على أن من غسل وجهه مرة وذراعيه مرة مرة أدى الواجب على ما فصله الأئمة عليهم السلام (2)، ودخل في امتثال ما يقتضيه الظاهر، لان لفظ الامر يدل على المرة الواحدة ويحتاج على الاقتصار أو التكرار إلى دليل آخر. فلما ورد أن النبي صلى الله عليه وآله توضأ مرة مرة ms014 وتوضأ مرتين مرتين (3)، علم أن الفرض # PageV01P024 # مرة واحدة والثانية سنة، لان الآية مجملة وبيانها فعله عليه السلام. # وكذلك تدل الآية على أنه لا يجوز أن يجعل مكان المسح غسلا ولا بدل الغسل مسحا، لان الله أوجب بظاهر الآية الغسل في الوجه واليدين وفرض المسح في الرأس والرجلين، فمن مسح ما أمر الله بالغسل أو غسل ما أمر بالمسح لم يكن ممتثلا للامر، لان مخالفة الامر لا تجزي في مثل هذا الموضع. # وتدل الآية أيضا على أنه يجب تولى المتطهر وضوءه بنفسه إذا كان متمكنا من ذلك ولا يجزيه سواه، لأنه قال (فاغسلوا)، أمر بأن يكونوا (١) غاسلين وماسحين والظاهر يقتضي تولي الفعل حتى يستحق التسمية، لان من وضأه غيره لا يسمى غاسلا ولا ماسحا على الحقيقة. # ويزيد ذلك تأكيدا ما روي أن الرضا عليه السلام رأى المأمون يتوضأ بنفسه والغلام يصب الماء عليه، فقرأ عليه السلام ﴿ولا يشرك بعبادة ربه أحدا﴾ (2). فإذا كان هذا مكروها فينبغي أن يكون الأول محظورا. # وفي الآية أيضا دلالة على أن من مسح على العمامة أو الخفين لا يجزيه، لان العمامة لا تسمى رأسا والخف لا يسمى رجلا، كما لا يسمى البرقع وما يستر اليدين وجها ولا يدا. # وما روي في المسح على الخفين (3) أخبار آحاد لا يترك لها ظاهر القرآن، على أنه روى المخالف عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: نسخ ذلك بهذه الآية. # ولذلك قال عليه السلام لمن شهد لمسح الخفين (أقبل المائدة أم بعدها) عند عمر. # فقالوا: لا ندري. فقال عليه السلام: كان قبل المائدة (4). # PageV01P025 # (فصل) وفي هذه الآية دلالة على أن الطهارة تفتقر إلى النية، سواء كانت وضوءا أو غسلا أو ما يقوم مقامهما من التيمم، وهو مذهب الشافعي أيضا. # وقال أبو حنيفة: الطهارة بالماء لا تفتقر إلى النية والتيمم لابد فيه من نية. # والدليل على صحة ما ذكرناه أن قوله (إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا) تقديره أي فاغسلوا للصلاة، وانما حذف ذكر الصلاة اختصارا. ومذهب العرب في ذلك واضح، لأنهم ms015 إذا قالوا (إذا أردت لقاء الأمير فالبس ثيابك) تقديره فالبس ثيابك للقاء الأمير. # وإذا أمر بالغسل للصلاة فلابد من النية، لان بالنية يتوجه الفعل إلى الصلاة دون غيرها. # وقوله عليه السلام (الأعمال بالنيات) (1) يؤكده. # (فصل) وإذا صح بظاهر تلك الآية أن أفعال الوضوء الواجبة المقارنة له خمس: # النية، وغسل الوجه، وغسل اليدين، ومسح الرأس، ومسح الرجلين. # فاعلم أن في الآية أيضا دلالة على وجوب كيفياتها العشر المقارنة له بظاهرها ومن فحواها، ولولا النصوص المجمع على صحتها في وجوب هذه الواجبات وغيرها الموجبة علما وعملا، لما أوردنا هذه الاستدلالات التي ربما يقال لنا: انها على أسلوب استخراجات الفقهاء الا انهم يرجمون رجما فيما طريقه العلم، ونحن بعد أن قبلناه علما بالاجماع من الفرقة المحقة الذي هو حجة نتجاذب أهداب تلك # PageV01P026 # الاستدلالات، ونتشبث بها نضيف بذلك فضيلة إلى فضيلة، على أن أكثر ما نتبينه من أئمة الهدى عليهم السلام. # ولعمري ان الله قد أغنى الخلق عن التعسف، بين وفصل الشريعة على لسان رسوله صلى الله عليه وآله وألسنة حججه عليهم السلام ما أجمله في كتابه من الاحكام، لما في مجمل الكتاب وتفصيل السنة من دواء العليل وشفاء الغليل ما تصير الألطاف الإلهية بهما أقوى وأبلغ. # وكلا الامرين من الله جملة وتفصيلا، ليس للرسول والأئمة عليه وعليهم السلام في شئ من ذلك اجتهاد، انما هو علم علمهم الله نعمة عليهم ورحمة للعالمين [حتى أرش الخدش] (1). # (فصل) والآية تدل على وجوب الترتيب في الوضوء من وجهين: # أحدهما: أن الواو توجب الترتيب لغة على قول الفراء وأبى عبيد، وشرعا على قول كثير من الفقهاء، ولقوله عليه السلام (ابدأوا بما بدأ الله به) (2). # والثاني: وهو على قول الجمهور ان الله أوجب على من يريد القيام إلى الصلاة إذا كان محدثا أن يغسل وجهه أولا، لقوله تعالى (إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا)، والفاء توجب الترتيب والتعقيب بلا خلاف. فإذا ثبت ان البداءة بالوجه هو الواجب ثبت في باقي الأعضاء، لان أحدا لا يفرق. # ويقويه قوله عليه السلام ms016 للاعرابي حين علمه الوضوء فقال: هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة الا به (3). فإن كان رتب فهو كما نقول، وان لم يرتب لزم أن يكون من رتب # PageV01P027 # لا يجزيه، وقد أجمعت الأمة على خلافه. # وقال أبو مسلم بن مهرايزد: أجود ما يقال على من أجاز وقوع الطهارة بغير الترتيب، انه قد ثبت ان فاعله مسئ بفعله [والمسئ معاقب والاحتراز عن العقاب واجب] (1). قال: والوجه اسم لما يناله البصر عند المواجهة من قصاص شعر الرأس إلى منتهى الذقن طولا. # ولم يحد الله الوجه كما حد اليد، لان الوجه معروف مختص يجب غسل جميعه، واليد يشتمل على جميع ما هو من البنان إلى أصل الساعد، ولا يجب غسل جميعها في الوضوء، فلابد فيها من التحديد. # وأشار إلى مسح بعض الرأس بالباء التي ليست للتعدية. # وحد الرجلين لمثل ما ذكرناه في اليد. # (فصل) وظاهر الآية يوجب غسل الأعضاء ومسحها متى أراد الصلاة وهو محدث، فإذا غسلها بلا ترتيب ثم أراد الصلاة يجب أن يكون بعد مخاطبا به، عملا بمقتضى الآية. # على أن من أخطأ في الوضوء فقدم مؤخرا أو أخر مقدما يجب عليه أن يعيد، لان الترتيب في الوضوء واجب على ما ذكرناه من مقتضى الآية. # وقال أبو جعفر عليه السلام: تابع بين الوضوء كما قال تعالى، ابدأ بالوجه ثم باليدين ثم امسح الرأس والرجلين [ولا تقدمن شيئا بين يدي شئ تخالف ما أمرت به] (2) فان غسلت الذراع قبل الوجه فابدأ بالوجه واعد على الذراع، وان مسحت الرجل # PageV01P028 # قبل الرأس فامسح على الرأس قبل الرجل ثم أعد على الرجل، ابدأ بما بدأ الله عز وجل به (١). # وهذا عام في العمد والخطأ. # (فصل) وفي الآية أيضا دلالة على أن الموالاة واجبة في الوضوء، لان الامر شرعا يجب على الفور ولا يسوغ فيه التراخي الا بدليل، فإذا ثبت ذلك وكان المأمور بالصلاة في وقتها مأمورا بالوضوء قبلها فيجب عليه فعل الوضوء عقيب توجه الامر إليه. # وكذلك جميع الأعضاء الأربعة، لأنه إذا غسل وجهه فهو مأمور ms017 بعد ذلك بغسل اليدين، ولا يجوز له تأخيره. # فان فرق وضوءه للضرورة حتى يجف ما تقدم منه استأنف الوضوء من أوله، وان لم يجف وصله من حيث قطعه إذا كان الهواء معتدلا. # وان والى بين غسل أعضاء الطهارة ومسحها وجف شئ منها قبل الفراغ لحر شديد أو ريح من غير تقصير منه فيه، فلا بأس إذا بقيت نداوة تكفي للمسح، لأنه قال ﴿ما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ (2). # وبمثل ذلك تدل الآية على مقارنة النية واستدامة حكمها. # (فصل) ويدل قوله (وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم) على أن من مسح رأسه ورجليه بأصبع واحدة فقد دخل تحت الاسم ويكون ماسحا. # ولا يلزم على ذلك ما دون الإصبع، لأنا لو خلينا والظاهر لقلنا بذلك، لكن السنة منعت منه. # PageV01P029 # وصورته: ان يمسح برأس مسبحة يمينه مقدم رأسه، يضعها عليه عرضا مع الشعر إلى قصاصه، ثم يمسح بها عرضا رجله اليمنى من أصابعها إلى الكعبين، وبمسبحته اليسرى رجله اليسرى كذلك. فهذا مجزئ. # والندب: ان يمسح مقدم الرأس بثلاث أصابع مضمومة بالعرض، وأن يمسح الرجلين بالكفين. # والباء في قوله (برؤوسكم) كما تدل على مسح بعض الرأس تدل في الرجلين أيضا عليه، لأنها مضمرة في (أرجلكم)، وواو العطف منئبة عنه وقائمة مقامها، وكلما هو منوي في الكلام فهو في حكم الثابت على بعض الوجوه. # (فصل) وتدل الآية بقريب من ذلك على أن مسح الرأس والرجلين ببقية نداوة الوضوء من غير استيناف ماء جديد، لان الامر كما هو على الايجاب شرعا فهو على الفور، وإذا لم يشتغل المتطهر بأخذ الماء الجديد واكتفى بالبلة فهو على الفور، ولان اسم المسح يقع على كليهما، فلا يصح أن يميز ويخصص بأحدهما الا بقرينة تنضم إليه. # واجماع الطائفة - الذي هو حجة - حاصل على أن المسح ببقية النداوة، وهو من أوثق القرائن على أنه سبحانه لم يذكر في الآية استيناف الماء، وهذا قد مسح. # فان قيل: ولم يذكر المسح ببقية النداوة أيضا. # قلنا: نحمل الآية على العموم ونخصها - بدليل اجماع الفرقة - على أن ms018 المسح في الشرع هو أن يبل المحل بالماء من غير أن يسيل، والغسل امرار الماء على المحل حتى يسيل مع الاختيار. PageV01P030 # (باب الغسل) ثم قال سبحانه وتعالى عاطفا على تلك الجملة جملة أخرى، فقال (وان كنتم جنبا فاطهروا). # ولكل كلام حكم نفسه (1)، ولذلك قال عليه السلام: إذا أجنب المكلف فقد وجب الغسل (2). # فعلة الغسل هي الجنابة كما ذكره المرتضى في الذريعة، فغسل الجنابة واجب على كل حال. # وقد ذكرنا في كتاب (الشجار) (3) في وجوب غسل الجنابة بيان ذلك على الاستقصاء، وبينا ما هو العمل عليه والمعول على ما أشرنا ههنا أيضا إليه. # وقيل: ان هذه الأحكام التي هي الغسل والتيمم - الذي هو بدل منه أو من الوضوء - من مقدمات الصلاة وشرائطها تجب لوجوبها، أي وان أصابتكم جنابة وأردتم القيام إلى الصلاة فاطهروا، ومعناه فتطهروا بالاغتسال. فهذه الجملة مفصلة بالجملة الأولى متعلقة بها، لان الآية من أولها إلى آخرها تبين شرائط الصلاة المتقدمة، فلهذا كان حكم الجملة الأخيرة حكم الأولى، لا لأنه قد ربطها الواو العاطفة بما قبلها حتى يقدح (4) في ذلك بقوله (وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في # PageV01P031 # حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم (1)). # (فصل) ونبدأ أولا بتفسير ألفاظ الآية وكشف معانيها ثم نشتغل بذكر الأحكام المتعلقة بها، فنقول: # ان لفظ (الجنب) يقع على الواحد والجمع والاثنين والمذكر والمؤنث، مثل عدل وخصم وزور ونحو ذلك، إذ هو مصدر أو بمنزلة المصدر، وقال الزجاج: # تقديره (ذو جنب). # وأصل الجنابة البعد، لأنها حالة تبعد عن مقاربة العبادات إلى أن يتطهر بالاغتسال على بعض الوجوه. # والأطهار هو الاغتسال بلا خلاف. وأطهر هو تطهر مدغما، لان التاء أدغم في الطاء، فسكن أول الكلمة فزيد فيها ألف الوصل. # ومعنى الآية: أي استعملوا الماء أو ما يقوم مقامه. # والجنابة تحصل بشيئين: اما بانزال الماء الدافق في النوم واليقظة بشهوة أو بغير شهوة، أو بالتقاء الختانين. وجب غيبوبة الحشفة في القبل أنزل أو لم ينزل. # وقال أبو مسلم ابن مهرايزد: ms019 يلزم الرجل حكم الجنابة من أمور: منها أن يجامع في قبل أو دبر، ومنها أن يلتقي الختانان وان لم يكن انزال ولا ماء شهوة، ومنها ان يحتلم في النوم بشرط أن يجد بللا. # والأغسال المفروضة والمسنونة سبعة وثلاثون غسلا: منها ستة أغسال مفترضات والباقية نوافل (2). # PageV01P032 # ولم يورد المشايخ تغسيل الأموات من جملة الواجبات، ولا غسل نظارة المصلوب بعد ثلاثة أيام، ولا غسل الاستسقاء، ولا غسل من أسلم بعد الكفر. فلذلك نقص عن هذا العدد. # والفرض المذكور بظاهر اللفظ في القرآن منها اثنان غسل الجنابة والحيض. # قال تعالى ﴿وان كنتم جنبا فاطهروا﴾ (١)، فأوجب بظاهر هذا اللفظ الغسل. # وقال سبحانه ﴿ويسئلونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن﴾ (2) فيمن قرأ بالتشديد، وقد بينا ان الأطهار هو الاغتسال، وسيجئ بيانه في بابه انشاء الله تعالى. # (فصل) وليس على الجنب وضوء مع الغسل، فان قوله (وان كنتم جنبا فاطهروا) هو على الاطلاق غير مقيد ولا مشروط بالوضوء، ومن اغتسل من الجنابة فقد طهر بلا خلاف. # وكل غسل ما عدا غسل الجنابة يجب الوضوء قبله حتى يستباح به الدخول في الصلاة، فان نسيه المغتسل فليتوضأ بعد الغسل لتصح منه الصلاة. # وغسل المرأة من الجنابة كغسل الرجل سواء، لأنا قد بينا في قوله (جنبا) ان الجنب يقع على الرجال والنساء والرجل والمرأة، فينبغي ان يكون حكم الجنابة وحكم غسل الجنابة فيهما سواء، وان ورد الخطاب بفظ المذكرين في قوله (وان كنتم جنبا) فان ذلك لتغليب لفظ الرجال على النساء إذا اجتمعوا. # والأغسال الاخر الواجبة - وهي أربعة - يعلم وجوبها بالاجماع والسنة وبقوله # PageV01P033 # تعالى على سبيل الجملة ﴿ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ (١). # وقال المرتضى: غسل من مس ميتا من الناس مستحب غير واجب. وانما ذكره كذلك لخبر ورد للتقية. # والجنب إذا أراد الغسل يجب عليه ستة أشياء (٢)، ويعلم هذا من السنة على سبيل التفصيل ومن القرآن على سبيل الجملة. قال تعالى (ما آتاكم الرسول فخذوه)، وقد فصلها رسول الله ms020 صلى الله عليه وآله ورواها الأئمة المعصومون عليهم السلام كما علمه الله غضا طريا. # وقال بعضهم: لا يجب الاغتسال على الجنب بقوله (فاطهروا)، بل بتفسيره في قوله ﴿الا عابري سبيل حتى تغتسلوا﴾ (3) في سورة النساء. # فان قيل: ما معنى تكرير قوله (أو لامستم النساء) إن كان معنى اللمس الجماع مع قوله (وان كنتم جنبا فاطهروا). # قلنا: يمكن أن يقال إن الجنابة في الأول تحمل على الاحتلام وفي الثاني على الجنابة عمدا. # وقيل: ان المعني في قوله (وان كنتم جنبا فاطهروا) غير المعني بقوله (أو لامستم النساء)، فان معنى قوله (وان كنتم جنبا فاطهروا) إذا كنتم واجدين للماء متمكنين لاستعماله، ثم بين حكمه إذا عدم الماء أو لا يتمكن من استعماله، فالتيمم هو فرضه وهو طهارته، فأراد: إذا كان له سبيل إلى الماء فعليه أن يغتسل، وان جامع ولم يجد الماء فعليه التيمم. فالأول في حكمه مع وجود الماء، والثاني في حكمه مع عوز الماء. # PageV01P034 # (باب التيمم) ثم قال تعالى ﴿وان كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماءا فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم﴾ (1). # بين تعالى أحكام التيمم الخمسة، وأشار إلى أنه على ضربين: تيمم هو بدل من الوضوء، وتيمم هو بدل من الغسل المفروض. # قال المفسرون: معنى الآية أنه لما تقدم الامر بالوفاء بالعقود - ومن جملتها إقامة الصلاة ومن شرائطها الطهارة - بين سبحانه وتعالى وقال (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة) أي إذا أردتم القيام إليها وأنتم على غير طهر فعليكم الوضوء، وان كنتم جنبا عند ذلك فاغتسلوا، أي اغسلوا جميع البدن على وجه، وان كنتم جرحى أو مجدرين أو مرضى يضربكم استعمال الماء وكنتم جنبا أو على غير وضوء وكنتم مسافرين وأنتم جنب أو جاء من الغائط أحدكم قد قضى حاجته منه وهو مسافر أو جامعتم النساء ولم تجدوا ماءا أو لا تتمكنون من استعماله فاقصدوا وجه الأرض طاهرا نظيفا غير نجس ولا قذر، (فامسحوا بوجوهكم وأيديكم ms021 منه) أي من الصعيد (2). # فإذا تبينت خلاصة معنى الآية يسهل عليك تدبر أحكامها التي نذكرها. # و (الغائط) أصله المطمئن من الأرض، وكانوا يبرزون إليه ليغيبوا عن عيون الناس، ثم كثر ذلك حتى قيل للحدث غائط كناية بالتغوط عن الحدث في الغائط. # وقيل: انهم كانوا يلقون النجو في هذا المكان وترميه الرياح إليه أيضا، فسمي باسمه على سبيل المجاورة، ثم كثر ههنا حتى صار فيه حقيقة، وان استعمل فيما وضع له كان مجازا. # PageV01P035 # و (اللمس) يكون باليد، ثم اتسع فيه فأوقع على الجماع. # و (التيمم) القصد، وقد صار في الشرع اسما لقصد مخصوص، وهو أن يقصد الصعيد ونحوه، ويستعمل التراب وما في معناه في أعضاء مخصوصة. # و (الصعيد) وجه الأرض من غير نبات ولا شجر. وقال الزجاج: الصعيد ليس هو التراب انما هو وجه الأرض ترابا كان أو غيره من الأحجار ونحوها، وانما سمى صعيدا لأنه نهاية ما يصعد إليه من باطن الأرض. # وقوله (أو على سفر) معناه: وان كنتم مسافرين. # (فصل) اعلم أنهم قالوا: ان السفر في هذين الموضعين غير معتبر اعتبارا يخل به (١) إذا حصل شرطه الذي قرنه الله بذلك وقيده به من قوله (فلم تجدوا ماءا)، وانما ذكر لان أكثر هذه الضرورات على الأغلب تكون في الحال السفر، فان حصلت في غيره فكمثله. ولهذا نظائر كثيرة، كقوله ﴿وربائبكم اللاتي في حجوركم﴾ (٢). وليس لكونهن في الحجور اعتبارا، وانما ذكر ذلك لكونه في أكثر الحالات كذلك. # وقيل إن (أو) ههنا بمعنى الواو، كقوله ﴿أرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون﴾ (3) يعني وجاء أحد منكم من الغائط، وذلك لان المجئ من الغائط ليس من جنس المرض والسفر حتى يصح عطفه عليهما، فإنهما سبب لإباحة التيمم والرخصة، والمجئ من الغائط سبب لايجاب الطهارة، والتقدير: وقد جاء من الغائط. # وقوله (أو لامستم النساء) المراد به الجماع، وكذا إذا قرئ (أو لمستم). # واللمس والملامسة معناهما واحد، لأنه لا يلمسها الا وهي تلمسه. وقيل المراد به اللمس باليد وغيرها، والصحيح هو الأول. # PageV01P036 # يروى أن العرب والموالي ms022 اختلفتا فيه، فقال الموالي المراد به الجماع، وقال العرب المراد به مس المرأة. فارتفعت أصواتهم إلى ابن عباس فقال: غلب الموالي المراد به الجماع (1). # وسمي الجماع لمسا لان به يتوصل إلى الجماع، كما سمي المطر سماءا. # (فصل) وقوله (فلم تجدوا ماءا) راجع إلى المرضى والمسافرين جميعا، مسافر لا يجد الماء ومريض لا يجد الماء أو من يوضئه أو يخاف الضرر من استعمال الماء، لان الأصل ان حال المرض يغلب فيها خوف الضرر من استعمال الماء، وحال السفر يغلب فيها عدم الماء. # (فتيمموا) أي تعمدوا وتحروا واقصدوا صعيدا. # وقد ذكرنا أن الزجاج قال: الصعيد وجه الأرض. وهذا يوافق مذهب أصحابنا في أن التيمم يجوز بالحجر، سواء كان عليه تراب أو لم يكن. # والتيمم انما يصح ويجب لفريضة الوقت في آخر الوقت وعند تضيقه، لان التيمم بلا خلاف انما هو طهارة ضرورية، ولا ضرورة إليه الا في آخر الوقت، وما قبل هذه الحال لم تتحقق فيه ضرورة. # وليس للمخالف أن يتعلق بظاهر قوله (فلم تجدوا ماءا فتيمموا) وبأنه لم يفرق بين أول الوقت وآخره، لان الآية لو كان له ظاهر يخالف قولنا جاز أن يخصه باجماع الفرقة المحقة وبما ذكرناه أيضا، كيف ولا ظاهر لها ينافي ما نذهب إليه، لأنه تعالى قال (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة)، وأراد - بلا خلاف - إذا أردتم القيام إلى الصلاة كما قدمناه، ثم أتبع ذلك حكم العادم للماء الذي يجب عليه التيمم، فيجب على من تعلق بهذه الآية أن يدل على أن من كان في أول الوقت # PageV01P037 # له أن يريد الصلاة ويعزم على القيام إليها. # فانا نخالف في ذلك ونقول: [ليس لمن عدم الماء أن يريد الصلاة في أول الوقت، وليس لهم أن يفصلوا بين الجملتين ويقولوا] (1) ان إرادة الصلاة شرط في الجملة الأولى التي أمر فيها بالطهارة بالماء مع وجوده، وليست شرطا في الجملة الثانية التي ابتداؤها (وان كنتم مرضى)، وذلك لان الشرط الأول لو لم يكن شرطا في الجملتين لكان يجب على ms023 المريض أو المسافر إذا أحدثا التيمم وان لم يردا الصلاة، وهذا لا يقوله أحد. # والتيمم انما أوجبه الله عند عدم الماء حيث لم يجده الانسان، ومعلوم أنه أراد من وجود الماء التمكن منه والقدرة عليه، لأنه لو وجد الماء ولم يتمكن من الوصول إليه للخوف من السبع أو التلف على نفسه لم يكن واجبا عليه استعماله ولم يحسن أن يكون مرادا، فعلم أنه انما أراد التمكن. والتمكن مرتفع بأحد الأشياء الثلاثة: اما لعدم الماء مع الطلب له، أو لعدم ما يتوصل إلى الماء من آلة أو ثمن، أو لحائل بينه وبين الماء من الخوف من استعماله اما على النفس أو على المال وما أشبه ذلك، فالآية بمجردها تدل على جميع ذلك. # (فصل) على أنا نحمل قوله تعالى (فلم تجدوا ماءا فتيمموا) على العموم في جميع الأوقات عنه عدم الأشياء الثلاثة المذكورة على بعض الوجوه، فان القاضي للصلوات المفروضات يتيمم عند حصول إحدى تلك الشرائط في كل حال (2) وان لم يكن وقت صلاة حاضرة، وكذلك يتيمم من أراد أن يصلي صلاة نافلة في غير وقت فريضة أو في أول وقتها، ثم يجوز أن يصلي بذلك التيمم فريضة الوقت في آخر وقتها # PageV01P038 # عند تضيقه، إذا لم ينتقض حكم ذلك التيمم بحدث أو ما يجري مجراه، وهو التمكن من استعمال الماء. # واختلف في كيفية التيمم على أقوال: # أحدها: انه ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين، وهو قول أبي حنيفة والشافعي وأكثر الفقهاء، وبه قال قوم من أصحابنا لحديث ورد للتقية (1). # وثانيها: انه ضربة للوجه وضربة لليدين من الزندين، واليه ذهب عمار بن ياسر ومكحول والطبري، وهو مذهبنا في التيمم إذا كان بدلا من الجنابة، فإن كان بدلا من الوضوء كفاه ضربة واحدة يمسح بها وجهه من قصاص شعره إلى طرف أنفه ويديه وزنديه إلى أطراف أصابعهما. # وانما وهم الراوي عن عمار في الضربة في اليدين للتيمم على كل حال، لأنه روى التيمم الذي هو بدل من الجنابة. وقصته معروفة، وهي انه وعمر كانا ms024 في سفر فاحتلما ولم يجدا الماء، فامتنع عمر من الصلاة إلى أن وجد الماء، وتمعك عمار في التراب وصلى، إذ لم يعرفا كيفية التيمم، فلما دخلا على رسول الله صلى الله عليه وآله حكيا حالهما، فتبسم عليه السلام وقال: تمعكت كما تتمعك الدابة (2)، ثم علمه كيفية التيمم (3). # وثالثها: انه إلى الإبطين، ذهب إليه الخوارج. # وروى الزهري: ان الله عفو يقبل منكم العفو السهل، لان في قبوله التيمم بدلا من الوضوء تسهيل الامر علينا. # ومسح الوجه بالتراب وما يجرى مجراه في التيمم انما هو إلى طرف الأنف، ومسح اليد على ظاهر الكف على ما قدمناه. والدليل عليه - بعد اجماع الطائفة - # PageV01P039 # قوله تعالى (فامسحوا بوجوهكم وأيديكم)، ودخول الباء إذا لم يكن لتعدية الفعل إلى المفعول لابد له من فائدة والا كان عبثا، ولا فائدة بعد ارتفاع التعدية الا التبعيض (1)، وحكم التبعيض يسرى (2) من الوجوه إلى الأيدي، لان حكم المعطوف والمعطوف عليه سواء في مثل ذلك. # (فصل) والمقيم إذا فقد الماء يتيمم كالمسافر، لان العلة في السفر فقدان الماء. ألا ترى ان السفر بانفراده لا يرخص التيمم فيه، وانما ذكر سبحانه السفر مع السببين للترخيص في التيمم على ما قدمناه، لان الغالب في السفر عوز الماء دون الحضر وبناء كلام العرب على الأغلب كثير. # فان قيل: الآية ترخص للمحدث التيمم إذا فقد الماء، فمن أين لكم ان من سواه ممن ذكرتموه يجوز له أيضا ذلك؟ # قلنا: قد قدمنا ان من المعلوم انه تعالى أراد بوجود الماء التمكن من استعماله والقدرة عليه، والتمكن مرتفع في المواضع كلها. # (فصل) قوله تعالى (فلم تجدوا ماءا فتيمموا صعيدا طيبا) يدل على أن المحبوس إذا لم يجد الماء وتيمم وصلى فلا إعادة عليه، خلافا للشافعي. # وانما قلنا إنه لا يعيد، لأنه إذا صلى فقد أدى فرضا بالاتفاق، وإعادة الفرض لا تجب الا بحجة، ولا حجة على إعادة صلاة المحبوس بالتيمم من كتاب ولا سنة ولا اجماع. # PageV01P040 # ويستحب التيمم من ربى الأرض (١) التي تنحدر المياه عنها، فإنها أطيب من ms025 مهابطها، قال تعالى (صعيدا طيبا). وسمي صعيدا لأنه يصعد من الأرض، والطيب ما لم يعلم فيه نجاسة، وطيبا اي طاهرا، وقيل حلالا، وقيل منبتا دون السبخة التي لا تنبت، كقوله (والبلد الطيب يخرج نباته باذن ربه والذي خبث لا يخرج الا نكدا) (١) والعموم يتناول الكل. # وتسمية التيمم بالطهارة حكم شرعي، لان النبي صلى الله عليه وآله قال ﴿جعلت لي الأرض مسجدا وترابها طهورا﴾ (2). # ولا يرفع الحدث بالتيمم، سواء كان بدلا من الوضوء أو بدلا من الغسل، وانما يستباح به الصلاة عند ارتفاع التمكن من الطهارتين. ألا ترى أن الجنب إذا تيمم وصلى فإذا تمكن من الماء يجب عليه الاغتسال. # وقال المرضى رضي الله عنه: يجب في نية التيمم رفع الحدث ليصح الدخول في الصلاة. # (فصل) وقوله تعالى (ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج) (3)، معناه ما يريد الله فيما فرض عليكم من الوضوء إذا قمتم إلى الصلاة ومن الغسل من الجنابة والتيمم عند عدم الماء أو تعذر استعماله ليلزمكم في دينكم من ضيق ولا ليفتنكم فيه. ومن الحرج الذي لم يرده الله تعالى بهم، أن يغتسلوا حين يخافون منه تلف النفس. # PageV01P041 # ثم قال (ولكن يريد ليطهركم)، أي لكن يريد الله ليطهركم بما فرض عليكم من الوضوء والغسل من الاحداث والجنابة أن ينظف به أجسامكم من الذنوب، كما قال النبي صلى الله عليه وآله: (ان الوضوء يكفر ما قبله) 1. # وقوله (وليتم نعمته عليكم) معناه يريد الله مع تطهيركم من ذنوبكم أن يتم نعمته بإباحته لكم التيمم وبطاعتكم إياه فيما فرض عليكم من الوضوء والغسل إذا قمتم إلى الصلاة مع وجود الماء والتيمم مع عدمه، لتشكروا الله على نعمه فتستحقوا الثواب إذا قمتم بالواجب في ذلك. # (فصل) والله تعالى ما جعل علينا في الدين من حرج، حتى أباح للمتيمم أن يصلى بتيممه صلوات الليل كلها من الفرائض والنوافل ما لم يحدث أو لم يتمكن من استعمال الماء. # ويدل عليه قوله في آية الطهارة أنه أوجب الطهارة على القائم إلى الصلاة إذا وجد ms026 الماء، ثم عطف عليه بالتيمم عند فقد الماء، والصلاة [أتم الجنس، وكأنه قال والطهارة تجزيكم لجنس الصلاة] (2) إذا وجدتم الماء وإذا فقدتموه أجزأكم التيمم لجنسها. # ثم كما لا تختص الطهارة بصلاة واحدة فكذلك التيمم. # فان قيل: ان قوله (إذا قمتم إلى الصلاة) يدل على ايجاب الطهور أو التيمم إذا لم يجد الماء على كل قائم إلى الصلاة، وهذا يقتضى وجوب التيمم لكل صلاة. # قلنا: ظاهر الامر لا يدل على التكرار ولا على الاقتصار، من فعل مرة واحدة فليس يجب تكرر الطهارة بتكرر القيام إلى الصلاة الا بقرينة ودليل. # PageV01P042 # على أن السائل يذهب إلى أن الرجل لو قال لامرأته (أنت طالق إذا دخلت الدار) فلم يقتض قوله أكثر من مرة واحدة عند من يجيز الطلاق مشروطا، ولو تكرر دخولها لم يتكرر وقوع الطلاق عليها. # (باب أحكام الطهارة) (من الآية الثانية التي هي من أمهات الطهارة أيضا) اما قوله تعالى في سورة النساء ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى﴾ (1) فقد قيل في هذه الآية نيفا وعشرين حكما سوى التفريعات (2). # وقالوا في سبب نزول هذه الآية قولان: # أحدهما - قال إبراهيم: انها نزلت في قوم من الصحابة أصابهم جراح (3). # الثاني - قالت عائشة: نزلت في جماعة منهم أعوزهم الماء (4). # وظاهر الخطاب متوجه إلى المؤمنين كلهم بأن لا يقربوا الصلاة وهم سكارى، ولا يجب قصر الحكم على سببه بلا خلاف. # وقرب يقرب متعد، يقال قربتك. وقرب يقرب لازم يقال قربت منه. # PageV01P043 # واصل السكر سد مجرى الماء، فبالسكر تنسد طريق المعرفة (1). # وقوله (وأنتم سكارى) جملة منصوبة الموضع على الحال، والعامل فيه (تقربوا)، وذو الحال ضميره. # وقوله (جنبا) انتصب لكونه عطفا عليه، والمراد به الجمع. # و (عابري سبيل) منصوب على الاستثناء. # وقوله (على سفر) عطف على (مرضى)، أي مسافرين. # (فصل) ومعنى الآية: لا تقربوا مكان الصلاة، أي المساجد للصلاة وغيرها، كقوله (وصلوات) أي مواضعها. # وهذا أولى مما روي أن معناه لا تصلوا وأنتم سكارى (2)، لان قوله (الا عابري سبيل) يؤكد الأول، فان العبور انما يكون ms027 في المواضع دون الصلاة. # و (أنتم سكارى) فيه قولان: # أحدهما: ان المراد به سكر النوم، روي ذلك عن أبي جعفر الباقر عليه السلام (3). # والثاني: ان المراد به سكر الشراب (4). # (حتى تعلموا ما تقولون) اي حتى تميزوا بين الكلام وحتى تحفظوا ما تتلون من القرآن. # وقوله (ولا جنبا الا عابري سبيل) فيه قولان أيضا: # PageV01P044 # أحدهما: ان معناه لا تقربوا مواضع الصلاة من المساجد وأنتم جنب الا مجتازين (1)، و (عابري سبيل) أي مارين في طريق حتى تغتسلوا من الجنابة. # والثاني: ان المراد به ولا تقربوا الصلاة وأنتم جنب الا ان تكونوا مسافرين فيجوز لكم أداؤها بالتيمم وان لم يرتفع حكم الجنابة، فان التيمم - وان أباح الصلاة - لا يرفع الحدث. # والقول الأول أقوى، لأنه تعالى بين حكم الجنب في آخر الآية إذا عدم الماء، فلو حملناه على القول الثاني لكان تكرارا، وانما أراد تعالى ان يبين حكم الجنب في دخول المساجد في أول الآية ويبين حكمه في الصلاة عند عدم الماء في آخر الآية. # وقوله (وان كنتم مرضى) قد بينا انه نزل في أنصاري مريض لم يستطع ان يقوم فيتوضأ (2). # والمرض الذي يجوز معه التيمم مرض الجراح والكسر والقروح إذا خاف أصحابها من مس الماء، وقيل هو المرض الذي لا يستطيع معه تناول الماء، أو لا يكون هناك من يناوله على ما قدمناه. والمروي عن الأئمة عليهم السلام جواز التيمم في جميع ذلك لأنه على العموم (3). # والمراد بقوله (لمستم) و (لامستم) الجماع، ليكون بيانا لحكم الجنب عند عدم الماء، كما بين حكم الجنب في حال وجود الماء بقوله (ولا جنبا الا عابري سبيل حتى تغتسلوا)، وبين أيضا حكم المحدث عند عدم الماء بقوله (أو جاء أحد منكم من الغائط). # PageV01P045 # (فصل) يسأل عن قوله تعالى (لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى) فيقال: كيف يجوز نهي السكران في حال السكر مع زوال العقل؟ # ويجاب عنه بأجوبة: # أحدها: ان النهي انما ورد عن التعرض للسكر في حال وجوب أداء الصلاة عليهم على التخصيص وان وجب ذلك قبله، ms028 كما قال تعالى بعد ذكر الأشهر الحرم ﴿فلا تظلموا فيهن أنفسكم﴾ (1) وان وجب ذلك في غيرها من الأشهر. # والثاني: انه قد يكون سكران من غير أن يخرج من حد نقصان العقل إلى ما لا يحتمل الأمر والنهي. # والثالث: ان النهى انما دل على أن إعادة الصلاة واجبة عليهم ان أدوها في حال السكر [ولا تصح] (2) لو كان الخمر على ثوبه أو بدنه. # وقد سئل أيضا فقيل: إذا كان السكران مكلفا فكيف يجوز أن ينهى عن الصلاة في حال سكره مع أن عمل المسلمين على خلافه؟ # وأجيب عنه بجوابين: # أحدهما: انه منسوخ على حد قول من زعم أن قليل الخمر لم يكن شربه حراما بحيث لم يسكر. # والاخر: انهم لم يؤمروا بتركها لكن أمروا بأن يصلوها في بيوتهم، ونهوا عن الصلاة مع النبي صلى الله عليه وآله في جماعة تعظيما له وتوقيرا للمسجد. # ولا يصح من السكران شئ من العقود، كالنكاح والبيع والشراء وغير ذلك على بعض الوجوه، ولا رفعها كالطلاق والعتاق. # PageV01P046 # فأما ما يلزم به الحدود والقصاص فإنه يلزمه جميع ذلك، يقطع بالسرقة على كل حال إذا تمت شرائط السرقة. وكذا يحد بالقذف والزنا، لأنه السبب لذلك ولعموم الآيات المتناولة لذلك على ما نذكره. # (فصل) على أن من كان مكلفا يلزمه الصلاة على كل حال، وانما حسن أن ينهى عن الصلاة من على ثوبه أو بدنه نجاسة مع أنه مكلف. والخمر نجس، فالنهي على هذا متوجه إليه في حال يكون عليه. # ومعنى الآية انه خاطب المؤمنين ولا سكر وقال: (لا تقربوا الصلاة) في المستقبل (وأنتم سكارى)، وإذا كان كذلك فيجب ان يكون منعا مما يؤدي إلى السكر. وعلى هذا قال السلف ان الله حرم بهذه الآية المسكر، ثم حرم القليل والكثير منه في المائدة، كما ذكر ههنا بعض أحكام الطهارة وبينها في المائدة. # ومعنى (لا تقربوا الصلاة) لا تصلوا، و (لا تقرب الشئ) أبلغ في النهي من (لا تفعله). # وقد ذكروا ان قوله (وأنتم سكارى) جملة من مبتدأ وخبر في ms029 موضع الحال، لأنه لم ينههم عن الصلاة مطلقا، انما نهاهم عن السكر الذي لا يفهم معه القول، أي إذا كنتم بهذه الحالة فلا تصلوا، والمراد تجنبوا الصلاة في هذه الحالة. # وقوله (حتى تعلموا ما تقولون) غاية للحال التي نهى عن الصلاة فيها، فكأنه قال: لكن إذا كنتم من السكر في حالة تعلمون معه معنى ما تقرأون في صلاتكم أو لفظه فصلوا. # وقد بينا ان قوله (ولا جنبا) انما نصب على الحال عطفا على محل (وأنتم سكارى)، أي لا تقربوا مواضع الصلاة من المساجد لا مجتازين في حال السكر PageV01P047 # ولا مجتازين في حال الجنابة، وهو قول أبى جعفر عليه السلام (١)، وحذف لدلالة الكلام عليه. وهو الأقوى، لأنه تعالى بين حكم الجنابة في آخر هذه الآية إذا عدم الماء، فلو حملناه على ذلك لكان تكرارا. وانما أراد أن يبين حكم الجنب في دخول المساجد في أول الآية، وحكمه إذا أراد الصلاة مع عدم الماء في آخرها. # وبهذه الآية وبالآية التي تقدم ذكرها من المائدة يستدل على تحريم الخمسة الأشياء على الجنب على ما ذكرناه. # (فصل) وقوله (أو لمستم) المراد بالقراءتين في الآيتين الجماع (٢)، واختاره أبو حنيفة أيضا. ألا ترى إلى قوله ﴿ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم﴾ (٣) خصص باليد لئلا يلتبس بالوجه الاخر. # وكل موضع ذكر الله تعالى المماسة أراد به الجماع، كقوله ﴿من قبل ان يتماسا﴾ (4)، وكذلك الملامسة. # وقال بعضهم: من قرأ بلا الف أراد اللمس باليد وغيرها مما دون الجماع، واختاره الشافعي. والصحيح هو الأول. # وعن ابن عباس: إذا حمل (عابري سبيل) على المسافرين كان تكرارا، فيجب أن يحمل على الاجتياز بالمساجد إلى الاغتسال إذا لم يتوصل إلى الماء الا به. # وقال عبد الله والحسن: يمر به إلى الماء ولا يجلس فيه. # وقيل: ان ما توهموه من التكرير غير صحيح، لان المكرر إذا علق به حكم # PageV01P048 # آخر لم يفهم من الأول كان حسنا، وقد ذكر معه التيمم، فلم يكن تكريرا معيبا. # والأول أولى. # وقال قوم: ان في التيمم ms030 جائزا ان يضرب باليدين على الرمل فيمسح به وجهه وان لم يعلق بها شئ، وبه نقول. # والشافعي يوجب التيمم لكل صلاة (١) ويرويه عن علي عليه السلام، وذلك عندنا محمول على الندب. # وقوله (يا أيها الذين آمنوا) يدخل تحته النساء أيضا، لأنه لا خلاف إذا اجتمع المذكر والمؤنث يغلب المذكر. # وقوله ﴿ان المسلمين والمسلمات﴾ (٢) الآية، انما ذكر إزالة للشبهة، فان أم سلمة قالت: يا رسول الله الرجال يذكرون في القرآن ولا تذكر النساء، فنزلت الآية (٣). # (فصل) والجنب لا يجوز ان يمس القرآن، وهو المكتوب في الكتاب أو اللوح، لقوله تعالى ﴿لا يمسه الا المطهرون﴾ (4)، وكذا كل من يجب عليه غسل واجب. # والضمير في (لا يمسه) يرجع إلى القرآن لا إلى الدفتر، لقوله (تنزيل من # PageV01P049 # رب العالمين) ١، حظر الله مس القرآن مع ارتفاع الطهارة. # فان قيل: هذا يلزمكم أن لا تجوزوا على من ليس على الطهارة الصغرى أيضا ان يمس القرآن. # قلنا: وكذلك نقول، وانما يجوز له ان يمس حواشي المصحف، وأما نفس المكتوب فلا يجوز. # وكذلك لا يمس كتابة شئ عليه اسم الله أو أسماء أنبيائه وأسماء أئمته عليهم السلام. # ويجوز للجنب والحائض أن يقرءا من القرآن ما شاءا الا عزائم السجود الأربع (٢) والدليل عليه - زائدا على اجماع الفرقة - قوله ﴿فاقرأوا ما تيسر من القرآن﴾ (3). # فأما الحديث (ما كان يحجب رسول الله عن قراءة القرآن الا الجنابة) (4) فهو الكراهة. # وظاهر عموم ذلك يقتضى حال الجنابة وغيرها. فان ألزمنا قراءة السجدات، قلنا أخرجناها بدليل، وهو اجماع الطائفة واخبارهم. # ويمكن ان يكون هذا الفرق بين عزائم السجود وغيرها، ان فيها سجودا واجبا، والسجود لا يكون الا على طهر - ذكره بعض أصحابنا. # وهذا ضعيف، لان العلة لو كان ذلك لما تجاوز موضع السجود. الا ان يقال: النهي عن قراءة تلك السور الأربع لحرمتها الزائدة على غيرها، والنهى الوارد في الأحاديث بقراءة القرآن للجنب، ففي السور الأربع على الحظر وفيما عداها على الكراهة. # PageV01P050 # (باب الحيض والاستحاضة والنفاس) قال الله تعالى ﴿ويسألونك عن المحيض قل هو ms031 أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن﴾ (1). # وسبب نزول هذه الآية انهم كانوا في الجاهلية يجتنبون مؤاكلة الحائض ومشاربتها حتى كانوا لا يجالسونها في بيت واحد، فسألوا رسول الله صلى الله عليه وآله عن ذلك واستعلموا ذلك أو أجب هو أم لا؟ فنزلت الآية (2). # وقيل: كانوا يستجيزون اتيان النساء في أدبارهن أيام الحيض، فلما سألوا عنه بين تحريمه (3). والأول أقوى. # وقالوا: ان في هذه الآية خمسة عشر حكما (4)، وزاد بعضهم. # والمحيض والحيض مصدر حاضت المرأة. والمحيض في الآية تصلح للمصدر والزمان، فتقدير المصدر يسألونك عن حيض المرأة ما حكمه من المجامعة وغيرها وتقدير الزمان يسألونك عن حال المرأة وقت الحيض ما حكمها في مجامعة الرجل # PageV01P051 # إياها. والسائل أبو الدحداح فيما روي (1). # وصفة الحيض هو الدم الغليظ الأسود الذي يخرج بحرارة على الأغلب. # وأقل الحيض ثلاثة أيام متواليات، ولا يعتبر التوالي فيها بعض أصحابنا إذا لم يكن بين بعض الأيام الثلاثة وبين بعض عشرة أيام. وكلاهما على الاطلاق غير صحيح، لان غير التتابع في ثلاثة الأيام انما يكون في الحبلى لم يستبن حملها، والتتابع لمن عداها على ما ذكره في الاستبصار (2). # وأكثر الحيض عشرة أيام، وعليه أهل العراق والحسن. # وأقل الطهر عشرة أيام، وخالف الجميع وقالوا خمسة عشر. # وأما المستحاضة فهي المرأة التي غلبها الدم فلا يرقأ، والسين ههنا للصيرورة، أي صارت كالحائض. # والاستحاضة دم رقيق أصفر بارد على الأغلب، وهي بحكم الطاهر إذا فعلت ما عليها. # وقال قوم: تغتسل مرة ثم تتوضأ لكل صلاة. وقال قوم: تغتسل عند كل صلاة. # وعندنا لها ثلاثة أحوال: ان رأت الدم لا يظهر على القطنة فعليها تجديد الوضوء لكل صلاة [وان ظهر الدم على القطنة ولا يسيل فعليها غسل لصلاة الغداة وتجديد الوضوء لباقي الصلوات] (3) وان ظهر الدم عليها وسال فعليها ثلاثة أغسال عند الغداة والظهر والمغرب. # وحكم النفاس حكم الحيض الا في الأقل، فليس حد لأقل النفاس. # وهذا يعلم بالاجماع والسنة تفصيلا، وبالكتاب جملة، قال تعالى (ما آتاكم الرسول فخذوه). # PageV01P052 # (فصل) ms032 وقوله (قل هو أذى) معناه قذر ونجاسة، وقيل قل يا محمد هو دم ومرض، وقيل هو أذى لهن وعليهن لما فيه من المشقة. # (فاعتزلوا النساء في المحيض) أي اجتنبوا مجامعتهن في الفرج، عن ابن عباس وعائشة والحسن وقتادة ومجاهد، وهو قول الشيباني محمد بن الحسن، ويوافق مذهبنا. # وقيل إنه لا يحرم منها غير موضع الدم فقط، وقيل يحرم ما دون الإزار ويحل ما فوقه، وهو قول أبي حنيفة والشافعي. # والاعتزال التنحي عن الشئ. # وقيل معنى (أذى) أي ذو أذى، أي يتأذى به المجامع بنفور طبعه عما يشاهد، فلا تلزموا أنفسكم منه أكثر من ترك مجامعتهن في ذلك الموضع، لان من العرب من كان يتجنب المرأة كلها تقبيلها وان يماس بدنها، فأبطل الله هذا الاعتقاد وبين أنه أذى فقط، أي يستقذر المجامع دم الحيض، وانه كلفة عليهن في التكليف. # ولو قال (فاعتزلوا النساء فيه) لكان كافيا، وانما ذكر في المحيض ايضاحا وتوكيدا وتفخيما، ولذلك قالا (ولا تقربوهن) بعد أن قال (اعتزلوا النساء) لما وصله به من ذكر الغاية التي أمر باعتزالهن، وهو قوله (حتى يطهرن). # (فصل) ومعنى لا تقربوهن) أي لا تقربوا مجامعتهن في موضع الحيض، الا أن اللفظ عام والمعنى خاص، لان العلماء مجمعون على جواز قضاء الوطر منها فيما PageV01P053 # بين الفخذين والأليتين وأي موضع أراد من جسدها. وانما اختلفوا في الدبر فمنع منه الجمهور واجازه مالك بن انس وعزاه إلى نافع عن ابن عمر (1). # وكل من أنكر ذلك قال: ان الله سماهن (حرثا)، وليس الدبر موضع الحرث. # وهذا ليس بسداد، لأنهم يجوزون في غير القبل وان لم يكن موضع حرث. # فالجواب الصحيح: ان العلماء اجمعوا على جواز هذا ولم يجمعوا على جواز ذلك فافترق الأمران. # فمباشرة الحائض على ثلاثة أضرب: محرم بلا خلاف، ومباح بلا خلاف، ومختلف فيه. # فالمحظور بلا خلاف وطؤها في الفرج، لقوله (ولا تقربوهن حتى يطهرن)، فان خالف وفعل فقد عصى الله وعليه الكفارة. # وأما المباح فما عدا ما بين السرة والركبة في أي موضع شاء ms033 من بدنها. # والمختلف فيه ما بين السرة والركبة غير الفرج، والظاهر أن هذا أيضا مباح. # والآية دالة على وجوب اعتزال المرأة والتباعد منهن في حال الحيض على ما ذكرناه، وفيها ذكر غاية التحريم، ويشمل ذلك على فصول: # أحدها: ذكر الحيض وأقله وأكثره، وفد فصلناه. # وثانيها: حكم الوطي في حال الحيض، فان عندنا الكفارة عليه، إن كان في أوله دينار وفى وسطه نصف دينار وفى آخره ربع دينار. وقال ابن عباس عليه دينار ولم يفصل. وأول الحيض وآخره مبني على أكثر أيام الحيض وهي عشرة أيام دون عادة المرأة. # وثالثها: غاية تحريم الوطي، وسيجئ ذكرها. # وقال المرتضى: من وطئ جاريته في حيضها فعليه أن يتصدق. والدليل عليه: انا قد علمنا أن الصدقة بر وقربة وطاعة لله تعالى، فهي داخلة تحت قوله (وافعلوا # PageV01P054 # الخير)، وأمره بالطاعة مما لا يحصى بالكتاب، وظاهر الامر يقتضى الايجاب في الشريعة، فينبغي أن تكون الصدقة واجبة. ويثبت له حكم الندب بدليل قاد إلى ذلك، ولا دليل ههنا يوجب العدول عن الظواهر. # فأنعم النظر كيف ألزم القوم الذين خالفوه من طريقهم. # (فصل) وقوله (حتى يطهرن) بالتخفيف معناه حتى ينقطع الدم عنهن، وبالتشديد معناه حتى يغتسلن، وقال مجاهد وطاوس معنى (يطهرن) بتشديد يتوضأن، وهو مذهبنا. وأصله يتطهرن فأدغم التاء في الطاء. # وعندنا يجوز وطئ المرأة إذا انقطع دمها وطهرت وان لم تغتسل إذا غسلت فرجها. وفيه خلاف: # فمن قال: لا يجوز وطؤها الا بعد الطهر من الدم والاغتسال. تعلق بالقراءة بالتشديد، وانها تفيد الاغتسال. # ومن جوز وطؤها بعد الطهر من الدم قبل الاغتسال تعلق بالقراءة بالتخفيف، وهو الصحيح، لأنه يمكن في قراءة التشديد أن يحمل على أن المراد به يتوضأن على ما حكيناه عن طاوس وغيره، ومن عمل بالقراءة بالتشديد يحتاج ان يحذف القراءة بالتخفيف أو يقدر محذوفا، بأن يقول: تقديره حتى يطهر ويتطهرن. # وعلى مذهبنا لا يحتاج إلى ذلك، لأنا نعمل بالقراءتين، فانا نقول: يجوز وطئ الرجل زوجته إذا طهرت من دم الحيض وان لم تغتسل متى مست ms034 به الحاجة. # والمستحب ان لا يقربها الا بعد التطهير والاغتسال. # والقراءتان إذا صحتا كانتا كآيتين يجب العمل بموجبهما إذا لم يكن نسخ. # ومما يدل على استباحة وطئها إذا طهرت وان لم تغتسل، قوله (والذين هم PageV01P055 # لفروجهم حافظون * الا على أزواجهم) (1). # وقوله (فأتوا حرثكم أنى شئتم)، قال المفسرون: ان اليهود قالوا من أتى زوجته من خلفها في قبلها يكون الولد أحولا، فكذبهم الله وأباح ما حظروه (2)، فعموم هذه الظواهر يتناول موضع الخلاف، ويقطع كل اعتراض عليه قوله (ولا تقربوهن حتى يطهرن)، إذ لا شبهة في أن المراد بذلك انقطاع الدم دون الاغتسال، لان (طهرت المرأة) في الشرع بخلاف (طمثت) وإن كان في الأصل هو ضد النجاسة، يقال طهرت المرأة فهي طاهرة إذا لم يكن عليها نجاسة، وطهرت فهي طاهر إذا لم تكن حائضا. # والخطاب إذا ورد من الحكيم ويكون فيه وضع اللغة وعرف الشرع يجب حمله على العرف الشرعي إذا كان واردا لحكم من أحكام الشرع. ولان جعله تعالى انقطاع الدم غاية يقتضي أن ما بعده بخلافه، فالحيض كما ذكر الله تعالى مانع وليس وجوب الاغتسال مانعا. # وطهرت بالفتح أقيس لقولهم طاهر، كقولهم قعد فهو قاعد. ومن حيث الطبيعة طهرت أولى في المعنى. # والقراءة بالتشديد: لابد أن يكون المراد بها الطهارة، فإن كان المعنى التوضؤ - كما ذكرنا - فلا كلام، وإن كان الاغتسال فنحمله على الاستحباب. # (فصل) وقوله (فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله) أي إذا اغتسلن، وقيل إذا توضأن، وقيل إذا غسلن الفرج. # PageV01P056 # (فأتوهن) أي فجامعوهن، وهو إباحة كقوله ﴿وإذا حللتم فاصطادوا﴾ (١) وكقوله ﴿فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله﴾ (2). # وأما قوله (من حيث أمركم الله) [فمعناه من حيث امركم الله] (3) بتجنيبه في حال الحيض، وهو الفرج، وقيل من قبل الطهر دون الحيض. وقال محمد بن الحنفية: أي من قبل النكاح دون الفجور. # والأول أليق بالظاهر، وإن كان العموم يحتمل جميع ذلك. وكذا يحتمل أن يكون المراد من حيث أباح الله لكم دون ما حرمه عليكم من اتيانها وهي صائمة واجبا أو ms035 محرمة أو معتكفة - على بعض الوجوه ذكره الزجاج، والعموم يشمل الجميع. # فغاية تحريم الوطئ مختلف فيها: منهم من جعل الغاية انقطاع الدم حسب ما قدمناه، ومنهم من قال إذا توضأت أو غسلت فرجها حل وطؤها وإن كان الأولى أن لا يقربها الا بعد الغسل وهو مذهبنا، ومنهم من قال إذا انقطع دمها واغتسلت حل وطؤها عن الشافعي، ومنهم من قال إذا كان حيضها عشرا فنفس انقطاع الدم يحللها للزوج وإن كان دون العشر فلا يحل وطؤها الا بعد الغسل أو التيمم أو مضي وقت صلاة عليها عن أبي حنيفة. # (فصل) وقوله (ان الله يحب التوابين ويحب المتطهرين)، قال عطاء المتطهرين بالماء، وقال مجاهد المتطهرين من الذنوب، والأول مروي في سبب نزول هذه الآية (4)، والعموم يتناول الامرين. # PageV01P057 # وانما قال (المتطهرين) ولم يذكر المتطهرات لان المذكر والمؤنث إذا اجتمعا فالغلبة للمذكر، كما قدمناه في قوله (يا أيها الذين آمنوا). # وقيل (التوابين) من الذنوب و (المتطهرين) بالماء. # ولو قلنا المراد به الرجال دون النساء - لان الخطاب بالامر والنهى معهم دونهن لقوله (فاعتزلوا النساء في المحيض) و (لا تقربوهن) - لكان أولى ولم يحتج إلى عذر. # ويستدل بهذه الآية أيضا على استحباب غسل التوبة، وكذا على ما ذكرناه من أنهن لا يقربن الا بعد الاغتسال. # (باب احكام المياه) قال الله تعالى ﴿وأنزلنا من السماء ماءا طهورا﴾ (1)، أي طاهرا مطهرا مزيلا للاحداث والنجاسات مع طهارته في نفسه. # ووصف الله الماء بكونه طهورا مطلقا يدل على أن الطهورية صفة أصلية للماء ثابتة له قبل الاستعمال، بخلاف قولهم ضارب وشاتم ومتكلم، لأنه انما يوصف به بعد ضربه وشتمه وكلامه، ولذلك لا يجوز إزالة النجاسة بمايع سوى الماء. # وكذا لا يجوز الوضوء به والغسل (2) لأنه تعالى نقل الحكم من الماء المطلق إلى التيمم، ومعناه أنه أوجب التيمم على من لم يجد الماء، وهذا غير واجد للماء، لان المايع ليس بماء لأنه لا يسمى ماءا. # وأيضا فقوله (فتيمموا) الفاء فيه يوجب التعقيب بلا خلاف. # ووجه الدلالة أن الله تعالى قال ms036 (وأنزلنا من السماء ماء طهورا)، فأطلق # PageV01P058 # على ما وقع عليه اسم الماء، فإنه طهور سواء نزل من السماء أو نبع من الأرض عذبا كان أو مالحا باردا أو مسخنا واقفا أو جاريا ماء البحر أو البر أو البئر أو العين. # وقال ابن بابويه: أصل جميع الماء من السماء لقوله (وأنزلنا من السماء ماءا طهورا (1))، والطهور هو المطهر في اللغة، فيجب أن يعتبر كلما يقع عليه اسم الماء بأنه طاهر ومطهر الا ما قام الدليل على تغير حكمه أو انه غير مطهر وإن كان طاهرا لكونه مضافا. # (فصل) فان قيل: (الطهور) لا يفيد في لغة العرب كونه مطهرا. # قلنا: هذا خلاف على أهل اللغة، لأنهم لا يفرقون بين قول القائل (هذا ماء طهور) و (هذا ماء مطهر)، بل الطهور أبلغ. وأيضا وجدنا العرب تقول (ماء طهور) و (تراب طهور) ولا يقولون (ثوب طهور) ولا (خل طهور) لان التطهير ليس في شئ من ذلك، فثبت ان الطهور هو المطهر. # فان قيل: كيف يكون الطهور هو المطهر واسم الفاعل منه غير متعد. # قلنا: هذا كلام من لم يفهم معاني الألفاظ العربية، وذلك أنه لا خلاف بين أهل النحو أن اسم الفعول موضوع للمبالغة وتكرر الصفة، فإنهم يقولون (فلان ضارب)، فإذا تكرر منه ذلك وكثر قالوا (ضروب)، وإذا كان كون الماء طاهرا ليس مما يتكرر ولا يتزايد فينبغي ان يعتبر في اطلاق الطهور عليه غير ذلك وليس بعد ذلك الا أنه مطهر، ولو حملناه على ما حملنا عليه لفظة طاهر لم يكن فيه زيادة فائدة. # PageV01P059 # (فصل) ويدل عليه أيضا قوله تعالى (وينزل عليكم من السماء ماءا ليطهركم به (1))، فكل ما وقع عليه اسم الماء المطلق يجب أن يكون مطهرا بظاهر اللفظ الا ما خرج بالدليل. # وقوله (ماءا) يعني مطهرا وغيثا. # وقوله (ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان (2)). قال ابن عباس: معناه يذهب عنكم وسوسة الشيطان (3)، فان الكفار غلبوكم على الماء حتى تصلوا أنتم مجنبون، وذلك أن يوم بدر وسوس الشيطان إلى المسلمين وكان الكفار ms037 نزلوا على الماء، فقال لعنه الله: تزعمون أيها المسلمون انكم على دين الله وأنتم على غير الماء وعدوكم على الماء. فأرسل الله عليهم المطر فشربوا واغتسلوا وأذهب به وسوسة الشيطان، وكانوا على رمل تغوص فيه الاقدام، فشده المطر حتى ثبتت عليه الأرجل وهو قوله (ويثبت به الاقدام) (4). والهاء في (به) راجعة إلى الماء (5). # وقد أطبق المفسرون على أن (رجز الشيطان) في الآية المراد به اثر الاحتلام فان المسلمين كان أكثرهم احتلموا ليلتهم، فأنزل الله المطر وطهرهم به. # والتطهير لا يطلق في الشرع الا بإزالة النجاسة أو غسل الأعضاء الأربعة، وقد أطلق الله عليه اسم التطهير. وقال الجبائي: انما ذكر (الرجز) وكنى به عن الاحتلام لأنه بوسوسة الشيطان. # PageV01P060 # (فصل) ولا بأس بأن يشرب المضطر من المياه النجسة، ولا يجوز شربها مع الاختيار. # وليس الشرب منها مع الاضطرار كالتطهير، لان التطهير قربة إلى الله، والتقرب إليه تعالى لا يكون بالنجاسات. ولان المحدث يجد في اباحته للصلاة بدلا من الماء عند فقده، قال تعالى ﴿فلم تجدوا ماءا فتيمموا﴾ (١). # ولا يجد المضطر بالعطش بدلا من الماء غيره، فإذا وجد الماء وكان نجسا رخص الله له في تناوله مقدار ما يمسك به رمقه. # ويدل على استباحة الماء النجس في حال الاضطرار أن الله أباح كل محرم عند ضرورة، حيث قال ﴿انما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا اثم عليه﴾ (2)، فبين أنه لا اثم على متناول هذه المحظورات عند الضرورة. # (فصل) والماء إذا خالطه من الطاهرات ما غير لونه أو طعمه أو رائحته، فإنه يجوز التوضؤ به ما لم يسلبه اطلاق اسم الماء عليه، لان الله أوجب التيمم عند فقد الماء بقوله (فلم تجدوا ماءا فتيمموا)، ومن وجد ماءا على تلك الصفة فهو واجد للماء قال الصادق عليه السلام: الماء كله طاهر حتى يعلم أنه قذر (3). # ولا خلاف أن الماء له حكم التطهير إذا كان على خلقته، والخلاف في أنه إذا خالطه غيره أو ms038 استعمل. # PageV01P061 # وقيل إذا اغتسل به جنب خرج عن بابه، ومنهم من كره التطهير به بعد ذلك وقال المرتضى: يجوز إزالة النجاسات بالمايعات، لان الغرض بإزالة النجاسة ان لا تكون، وأسباب أن لا تكون النجاسة لا تختلف. قال: والدليل عليه أن لا تختلف بين أن لا تكون أصلا وبين ازالتها، فإذا كان هكذا فمتى أزيلت مشى ما ذكرناه وقد سقط حكمها (١). # وقال الشيخ أبو جعفر: إن كان ذلك كذلك عقلا، فانا متعبدون شرعا ان لا نزيل النجاسة الا بالماء المطلق. # (فصل) ومن لا يجد ماءا ولا ترابا نظيفا، قال أبو حنيفة لا يصلي، وعندنا أنه يصلى ثم يعيد بالوضوء أو التيمم، وبذلك نص عن آل محمد عليهم السلام (٢). ويؤيده. # قوله تعالى ﴿ان الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا﴾ (٣) وقوله ﴿أقم الصلاة لدلوك الشمس﴾ (4) الآية. # والامر على الوجوب الا أن يدل دليل [ولا دليل] (5) على ما يدعيه الخصم، وقد بين النبي عليه السلام أحكام المياه وما ينجسها وما يزيل حكم نجاستها بالزيادة أو النقصان على ما أمر الله بعد أن علمه تعالى فقال (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس # PageV01P062 # ما نزل إليهم) (١)، أي أنزلنا إليك القرآن يا محمد لتبين للناس ما نزل من الاحكام على ما علمناك. وأمر جميع الأمة باتباعه والاخذ منه جملة وتفصيلا فقال (ما آتاكم الرسول فخذوه). # فان قيل: كيف لكم وجه الاحتجاج بالاخبار التي تروونها أنتم عن جعفر بن محمد وآبائه وأبنائه عليهم السلام على من خالفكم؟ # قلنا: ان الله تعالى قال ﴿وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾ (2)، وهذا على العموم، وقد ثبت بالأدلة امامة الصادق عليه السلام وعصمته، وان قوله وفعله حجة، فجرى قوله من هذا الوجه مجرى قول الرسول، على أنه عليه السلام صرح بذلك وقال: كلما أقوله فهو عن أبي عن جدي عن رسول الله عن جبرئيل عن الله (3). # ومن وجه آخر، وهو أن النبي صلى الله عليه وآله قال (انى مخلف فيكم الثقلين ما ان تمسكتم به لن تضلوا كتاب الله وعترتي) الخبر (4). فجعل ms039 عترته في باب الحجة مثل كتاب الله، ولا شك أن هذا الخطاب انما يتناول علماء العترة الذين هم أولو الامر، وهم الصادق وآباؤه وأبناؤه الاثنا عشر عليهم السلام، وكلما يصدر عنهم من أحكام الشرع عن رسول الله عن الله تعالى يجب على من خالفنا العمل عليه، سواء أسندوا أو أرسلوا. وكيف لا وهم يعملون على ما رواه مثل أبي هريرة وأنس من أخبار الآحاد. # وهذا السؤال يعتمده مخالفونا في جميع مسائل الشرع، وهو غير قادح. # PageV01P063 # (فصل) وقوله تعالى ﴿انما المشركون نجس﴾ (١) يدل على أن سؤر اليهودي والنصراني وكل كافر أصلي أو مرتد أو ملي نجس. # وفي الآية شيئان تدل على المبالغة في نجاستهم: # أحدهما: قوله (انما المشركون)، فهو أبلغ في الاخبار بنجاستهم من أن يقال (المشركون نجس) من غير انما، فان قول القائل (انما زيد خارج) عند النحويين بمنزلة (ما خارج الا زيد). # والثاني: قوله (نجس) وهو مصدر، ولذلك لم يجمع، والتقدير انما المشركون ذو نجاسة. وجعلهم نجسا مبالغة في وصفهم بذلك، كما يقال (ما هو الأسير) إذا وصف بكثرة السير، وكقوله: # * فإنما هي اقبال وادبار (٣) * وليس لاحد أن يقول المراد به نجاسة الحكم لا نجاسة العين، لان حقيقة هذه اللفظة تقتضي نجاسة العين في الشرع، وانما يحمل على الحكم تشبيها ومجازا، والحقيقة أولى من المجاز باللفظ. على انا نحمله على الامرين، لأنه لا مانع من ذلك. # فان قيل: فقد قال الله تعالى ﴿وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم﴾ (3). وهذا عام في جميع ما شربوا وعالجوا بأيديهم. # قلنا: يجب تخصيص هذا الظاهر بالدلالة على نجاستهم، وتحمل هذه الآية على أن المراد بها طعامهم الذي هو الحبوب ويملكونه دون ما هو سؤر أو عالجوه بأجسامهم. # PageV01P064 # على أن ما في طعام أهل الكتاب ما يغلب على الظن أن فيه خمرا أو لحم خنزير، فلابد من اخراجه من هذا الظاهر، وإذا أخرجناه من الظاهر لأجل النجاسة وكان سؤرهم على ما بينا نجسا أخرجناه أيضا من الظاهر. # (فصل) عن أبي بصير: سألت أبا عبد ms040 الله عليه السلام عن الجنب يدخل يده في الاناء. قال: ان كانت قذرة فليهرقه، وإن كان لم يصبها قذر فليغتسل منه، هذا مما قال الله تعالى (ما جعل عليكم في الدين من حرج) (١). # وسئل أيضا عن الجنب يغتسل فينتضح من الماء في الاناء؟ فقال: لا بأس، هذا مما قال الله (ما جعل عليكم في الدين من حرج) (٢). # وإذا صافح المسلم الكافر أو من كان حكمه حكمه ويده مرطبة بالعرق أو غيره غسلها من مسه بالماء البتة، وإذا لم يكن في يد أحدهما رطوبة مسحها بالحائط لأنه تعالى قال (انما المشركون نجس)، فحكم عليهم بالنجاسة بظاهر اللفظ، فيجب أن يكون ما يماسونه نجسا الا ما أباحته الشريعة. # فان قيل: هل يجوز الوضوء والغسل بما مستعمل. # قلنا: يجوز ذلك فيما استعمل في الوضوء ولا يجوز فيما استعمل في غسل الجنابة والحيض وأشباههما مما يزال به كبار النجاسات، وبذلك نصوص عن أئمة الهدى عليهم السلام. # وفي تأييد جواز ما استعمل في الوضوء قوله ﴿فلم تجدوا ماءا فتيمموا﴾ (3). # PageV01P065 # وهذا الضرب من الماء مستحق للاسم على الاطلاق، وفى منع ما سواه نص ظاهر واحتياط للصلاة - قاله الشيخ مفيد. # وقال المرتضى: يجوز استعمال الماء المستعمل في الأغسال الواجبة أيضا إذا لم تكن نجاسة على البدن، لعموم هذه الآية. وقد أشرنا في الباب الأول إلى هذا. # (فصل) (فيما ينقض الطهارتين) نواقضهما عشر باجماع الفرقة المحقة وبالكتاب والسنة جملة وتفصيلا. # أما النوم فان آية الطهارة تدل بظاهرها على أنه حدث ناقض للوضوء، وانما يوجب اعادته على اختلاف حالات النائم إذا أراد الصلاة. # وقد نقل أهل التفسير وأجمعوا على أن المراد بقوله (إذ قمتم إلى الصلاة) إذا قمتم من النوم. وهذا الظاهر يوجب الوضوء من كل نوم. # وقال زيد الشحام: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الخفقة والخفقتين. # فقال: ما أدري ما الخفقة والخفقتان، ان الله يقول ﴿بل الانسان على نفسه بصيرة﴾ (1) ان عليا عليه السلام كان يقول: من وجد طعم النوم أوجب عليه الوضوء (2). # وعن ابن بكير ms041 قلت للصادق عليه السلام: ما يعني بقوله (إذا قمتم إلى الصلاة)؟ قال: إذا قمتم من النوم. قلت: ينقض النوم الوضوء؟ فقال: نعم إذا كان يغلب على السمع ولا يسمع الصوت. # والجنابة تنقض الوضوء على اي وجهيها حصلت وتوجب الغسل أيضا، قال # PageV01P066 # تعالى ﴿وان كنتم جنبا فاطهروا﴾ (١)، وكذا الحيض قال تعالى ﴿ويسألونك عن المحيض﴾ (٢) الآية، والسكر المزيل للعقل ينقض الوضوء فقط، وكذلك الغائط قال تعالى (ولا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى) إلى قوله ﴿أو جاء أحد منكم من الغائط﴾ (٣). # وما سواها من النواقض يعلم بالتفصيل من السنة وانما يعلم من القرآن على الجملة. # وروي أن النبي عليه السلام قال لأهل قبا: ماذا تفعلون في طهركم، فان الله أحسن عليكم الثناء. فقال: نغسل أثر الغائط. فقال: أنزل الله فيكم (والله يحب المطهرين) (٤). # فقوله ﴿رجال يحبون ان يتطهروا﴾ (٥) اي يتطهرون بالماء من الغائط والبول، وهو المروي عن الباقر والصادق عليهما السلام (٦). # وري في تفسير قوله ﴿ويضع عنهم إصرهم﴾ (7) أي بني إسرائيل إذا أصاب البول شيئا من جسدهم قطعوه بالسكين (8). # (باب توابع الطهارة) قد بينا أن من شرط الصلاة الذي لا تتم الا به الطهور، وهو ينقسم على ثلاثة # PageV01P067 # أضرب: وضوء، وغسل، وتيمم بدلهما. # وكما لا يجوز الدخول في الصلاة مع عدم الطهارة في أكثر الحالات، لا يجوز الدخول فيها مع نجاسة على البدن أو الثياب اختيارا، قال تعالى ﴿وثيابك فطهر * والرجز فاهجر﴾ (١). # حمل هذه الآية أهل التفسير على الحقيقة والمجاز: # أما الحقيقة فظاهر، أي فطهر ثيابك من كل نجاسة للصلاة فيها، قال ابن سيرين وابن زيد أغسلها بالماء، وقيل معناه شمر ثيابك. ورأى علي عليه السلام من يجر ذيله لطوله، فقال له: قصر منه فإنه أتقى وأنقى وأبقى. # وأما من حمله على المجاز فقال: كأنه تعالى قال وبدنك فطهر أو نفسك فطهر كما يقال (فلان طاهر الثوب) أي طاهر النفس، كقول امرئ القيس: # * فسلي ثيابي من ثيابك تنسلي (٢) * ولا مانع للحمل على الحقيقة والمجاز معا، لفقد التنافي بينهما، فيجب اجراؤه على العموم فيهما لفقد ms042 المخصص. والقرينة على أن الحقيقة أصل والمجاز فرع عليه، والحمل على الأصل أولى، والامر شرعا على الوجوب. # ويدل عليه أيضا قوله ﴿ويحرم عليهم الخبائث﴾ (٣)، ولم يفرق بين الظاهر والخفي ولا بين القليل والكثير. # (فصل) وقوله ﴿وإذا ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن﴾ (4). # PageV01P068 # عن ابن عباس: ان الله أمر بعشر سنن خمس في الرأس وخمس في البدن، أما التي في الرأس فالمضمضة والاستنشاق والفرق وقص الشوارب والسواك، واما التي في الجسد فالختان وحلق العانة وتقليم الأظفار ونتف الإبطين والاستنجاء بالماء (١). # وبه قال قتادة وأبو الخلد. # وقال تعالى ﴿ملة أبيكم إبراهيم﴾ (٢) أي ابتغوا ملته، فإنها داخلة في ملة نبينا مع زيادات. # (فصل) وانما نتكلم في النجاسات التي خالفونا فيها احتجاجا عليهم: # اعلم أن المني نجس لا يجزي فيه الا الغسل عندنا. والدليل عليه - بعد اجماع الطائفة - قوله ﴿وينزل عليكم من السماء ماءا ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان﴾ (3) فان المفسرين قالوا: انه تعالى أراد به اثر الاحتلام - على ما قدمناه. # والآية دالة على نجاسة المني من وجهين: # أحدهما - أن الرجس والرجز والنجس بمعنى واحد، لقوله (والرجز فاهجر) ولقوله (واجتنبوا الرجس). # والوجه الثاني - انه تعالى أطلق عليه اسم التطهير، وهو في الشرع إزالة النجاسة. # ودم الحيض نجس قليله وكثيره، لا يجوز الصلاة في ثوب أو بدن أصابه منه شئ قليل، والدليل عليه آية المحيض، فإنها على العموم. # PageV01P069 # والخمر وكل مسكر نجس، يدل عليه آية تحريمه، وهي على العموم أيضا. # وأما الغائط فيمكن ان يستدل على نجاسته بآية الطهارة. # والفقاع وغيره من النجاسات تدل على نجاستها السنة على سبيل التفصيل والقرآن على الاجمال، قال تعالى (ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا)، وقد نهى عنه. # (فصل) والدم الذي ليس بدم حيض ونفاسة واستحاضة يجوز الصلاة في ثوب أو بدن أصابه منه ما ينقص مقداره عن سعة الدرهم الوافي، وما زاد على ذلك لا يجوز الصلاة فيه. # واحتجاجنا عليه من الكتاب - مضافا إلى الاجماع - قوله ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا﴾ (1)، فجعل ms043 تطهير الأعضاء الأربعة مبيحا للصلاة، فلو تعلقت الإباحة بغسل نجاسة لكان زيادة لا يدل عليها الظاهر لأنه بخلافها. ولا يلزم على هذا ما زاد على الدرهم. # وما عدا الدم من سائر النجاسات من بول أو عذرة ومني وغيرها إذا كان قليلا يجب ازالته، لأن الظاهر - وان لم يوجب ذلك - فقد عرفناه بدليل أوجب الزيادة على الظاهر، وليس في ذلك يسير الدم. # وتلك الدماء الثلاثة للنساء تختص في الأكثر بأوقات معينة يمكن التحرز منها، وباقي الدماء بخلاف ذلك. # وانما فرقنا بين الدم وبين البول والمني وسائر النجاسات في اعتبار الدرهم لاجماع الطائفة وأخبارهم. ويمكن أن يكون الوجه فيه أن الدم لا يوجب خروجه # PageV01P070 # من الجسد - على اختلاف مواضعه - وضوءا الا ما ذكرناه، والبول والعذرة والمني يوجب خروج كل واحد منها الطهارة، فغلظت أحكامها من هذا الوجه على حكم الدم. # (فصل) فأما من كان به بثور (١) يرشح منها الدم دائما لم يكن عليه حرج في الصلاة به، وكذا إن كان به جراح يرشح دما وقيحا فله ان يصلي فيها وان كثر ذلك، يدل عليه قوله ﴿ما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ (٢)، ونحن نعلم لو ألزم المكلف إزالة ذلك لحرج به، وربما تفوته الصلاة مع ذلك، فأباحه الله رأفة بعباده. # والآية دالة أيضا على أن حكم الثوب إذا أصابه دم البق والبراغيث فلا حرج أن يصلى فيه وإن كان كثيرا، لأنه مما لا يمكن التحرز منه وانه تعالى رفع الحرج عن المكلفين. # وقد قدمنا ان الخمر ونبيذ التمر الذي نش (٣) وكل مسكر لا يجوز الصلاة فيه وإن كان قليلا حتى يغسل بالماء، ويدل عليه قوله ﴿انما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس﴾ (4)، وإذا ثبت انه نجس يجب ازالته، ثم قال (فاجتنبوه)، أمر باجتناب ذلك على كل حال. وظاهر أمر الله شرعا على الايجاب، فيجب اجتناب ما يتناول اللفظ على كل وجه. # PageV01P071 # (باب الزيادات في الخبر) إذا سمعت الله تعالى يقول (يا أيها الذين آمنوا) فارع لها سمعك، فإنها لأمر يؤمر به أو لنهي ms044 ينهى عنه. وقال الصادق عليه السلام: لذة ما في النداء أزالت تعب العبادة والعناء. # وقوله ﴿ولا يشرك بعبادة ربه أحدا﴾ (١) يدل على أنه يكره أن يستعين الانسان في الوضوء أو الغسل بمن يصب الماء عليه، بل ينبغي أن يتولاه بنفسه. # ومن وضأه غيره وهو يتمكن منه لم يجزه، وكذلك في الغسل إذا تولاه غيره مع تمكنه لا يكون مجزيا، لقوله ﴿فاغسلوا وجوهكم﴾ (٢) و ﴿ان كنتم جنبا فاطهروا﴾ (٣) فإنه إذا لا يكون متطهرا. # فإن كان عاجزا عن الوضوء أو الغسل لمرض أو ما يقوم مقامه بحيث لا يتمكن منه لم يكن به بأس، لقوله ﴿ما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ (4). # (مسألة) ان قيل: لم جاز أن يعبر عن إرادة الفعل بالفعل في قوله (إذا قمتم إلى الصلاة). # قلنا: لان الفعل يوجد بقدرة الفاعل عليه ويقع بوجه دون وجه بإرادته له، فكما يعبر عن القدرة على الفعل بالفعل في قولهم (الانسان لا يطيروا الأعمى لا يبصر) أي لا يقدران على الطيران والابصار، كذلك عبر عن إرادة الفعل بالفعل، فأقيم ما هو كالمسبب مقام ما هو كالسبب للملابسة بينهما، ولا مجاز في الكلام. # PageV01P072 # (مسألة) فان قيل: ظاهر الامر يوجب الوضوء على كل قائم إلى الصلاة محدث وغير محدث. # قلنا: يحتمل ان يكون الامر للوجوب، فيكون الخطاب للمحدثين خاصة. # فان قيل: هل يجوز أن يكون الامر شاملا للمحدثين وغيرهم، لهؤلاء على وجه الايجاب ولهؤلاء على وجه الاستحباب. # قلنا: نعم هذا من الصواب، لأنه لا مانع من أن تتناول الكلمة الواحدة معنيين مختلفين. # (مسألة) أما ما روي أن عبد الرحمن بن عوف صنع طعاما وشرابا فدعا نفرا من الصحابة حين كانت الخمر مباحة، فأكلوا وشربوا فلما ثملوا وجاء وقت صلاة المغرب قدموا أحدهم ليصلي بهم، فقرأ (أعبد ما تعبدون أنتم عابدون ما أعبد) فنزل ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون﴾ (1)، فكانوا لا يشربون في أوقات الصلاة، فإذا صلوا العشاء شربوها فلا يصبحون الا وقد ذهب عنهم السكر ms045 ويعلموا ما يقولون، ثم نزل تحريمها (2). # فهذه الرواية غير صحيحة، فالخمر كانت محرمة في كل ملة على ما نذكره في بابه. # PageV01P073 # (مسألة) فان قيل: ما محل قوله (الا عابري سبيل) من الاعراب؟ # قلنا: من فسر الصلاة في الآية بمواضع الصلاة - وهي المساجد - فحذف المضاف فهو في موضع الحال، أي لا تقربوا المسجد جنبا الا مجتازين منه إذا كان فيه الطريق إلى الماء أو كان الماء منه أو احتلمتم فيه. وكان النبي صلى الله عليه وآله لم يأذن لاحد يمر في مسجده وهو جنب الا لعلي عليه السلام حتى سد الأبواب كلها الا بابه (1). # وأما من حمل الآية على ظاهرها - وهو بعيد - فقال: معناه لا تقربوا الصلاة في حال الجنابة الا ومعكم حال أخرى تعذرون فيها وهي حال السفر، وعبور السبيل عبارة عن السفر. فقد ترك مجازا ووقع في مجازين. # وان زعم أنه صفة لقوله (جنبا) أي ولا تقربوا الصلاة في حال الجنابة الا ولعلم حال أخرى تعذرون معها وهي حال السفر، وعبور السبيل عنده عبارة عن السفر. فقد ترك مجازا ووقع في مجازين (2). # وان زعم أنه صفة لقوله (جنبا) أي ولا تقربوا الصلاة جنبا غير عابري سبيل، فإنهم لا تصح صلاتهم على الجنابة لعذر السفر، حتى يغتسلوا ويتيمموا عند العذر. # وهذا يستوي فيه المقيم والمسافر. # (مسألة) فان قيل: ان الله تعالى أدخل في حكم الشرط أربعة، وهم المرضى والمسافرون # PageV01P074 # والمحدثون وأهل الجنابة، فبمن تعلق الجزاء - الذي هو الامر بالتيمم عند عدم الماء منهم؟ # قلنا: الظاهر أنه يتعلق بهم جميعا، وان المرضى إذا عدموا الماء لضعف حركتهم وعجزهم عن الوصول إليه أو مع وجدانهم الماء لا يمكنهم استعمال الماء لجرح أو قرح بهم فلهم أن يتيمموا، وكذلك السفر إذا عدموه لبعدهم منه أو لبعض الأسباب التي هي في الشرع عذر، والمحدثون وأهل الجنابة كذلك إذا لم يجدوه لبعض الأسباب. # (مسألة) فان قيل: كيف نظم في سلك واحد بين المرضى والمسافرين وبين المحدثين والمجنبين، والمرض والسفر سببان من أسباب الرخصة، والاحداث سبب ms046 لوجوب الوضوء والغسل. # قلنا: أراد سبحانه أن يرخص للذين وجب عليهم التطهير وهم عادمون للماء في التيمم، فخص من بينهم مرضاهم وسفرهم، لأنهم المتقدمون في استحقاق بيان الرخصة لهم لكثرة المرض والسفر وغلبتهما على سائر الأسباب الموجبة لغرضه، ثم عم من وجب عليه التطهر وأعوزه الماء لخوف عدو أو سبع أو عدم آلة استقاء أو غير ذلك مما لا يكثر كثرة المرض والسفر. # (مسألة) الدلك في غسل الجنابة غير واجب بدلالة قوله ﴿ولا جنبا الا عابري سبيل حتى تغتسلوا﴾ (1)، واسم الاغتسال ثابت مع عدم الدلك للجوارح واليدين، فبطل # PageV01P075 # قول من أوجبه، إذ ليس بعد امتثال الامر بالغسل أمر آخر، ودلك البدن أمر زائد على الغسل، وايجاب ما زاد على المأمور به لا يكون من جهة الشرع، الا أن يريد به احتياط المغتسل في ايصال الماء إلى أصل كل شعر من رأسه وبدنه. # (مسألة) فان قيل: مم اشتقاق الجنابة. # قلنا: من البعد (١)، فكأنه سمي به لتباعده عن المساجد إلى أن يغتسل، ولذلك قيل (أجنب). # وقال ابن عباس: الانسان لا يجنب والثوب لا يجنب. فإنه أراد به أن الانسان لا يجنب بمماسة الجنب، وكذا الثوب إذا لبسه الجنب. # (مسألة) الصعيد وجه الأرض ترابا كان أو غيره، وإن كان صخرا لا تراب عليه لو ضرب المتيمم يده عليه لكان ذلك طهوره، وهو مذهب أبي حنيفة أيضا. # فان قيل: فما يصنع بقوله في المائدة ﴿فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه﴾ (2) أي بعضه، وهذا لا يتأتى في الصخر الذي لا تراب عليه؟ # قلنا: قالوا إن (من) لابتداء الغاية. على أنه لو كان للتبعيض لا يلزم ما ذكر لان التيمم بالتراب عند وجوده أولى منه بالصخر، وكون الغبرة على الكفين لا اعتبار بها. # PageV01P076 # (مسألة) المحيض مصدر مثل المجئ، وكانت الجاهلية إذا حاضت المرأة لم يساكنوها في بيت كفعل اليهود والمجوس، وأخرجوهن من بيوتهن في صدر الاسلام أيضا بظاهر قوله ﴿فاعتزلوا النساء﴾ (1)، فقال عليه السلام: انما أمرتم ان تعتزلوا مجامعهتن إذا حضن ولم يأمركم باخراجهن من البيوت كفعل الأعاجم ms047 (2). # (مسألة) وقد قال بعض المفسرين في قوله تعالى (قد أفلح من تزكى) (3)، معناه أفلح من تطهر للصلاة وتوجه بذكر الله فصلى الصلوات الخمس. # PageV01P077 # كتاب الصلاة وقد ورد في القرآن آي كثيرة على طريق الجملة تدل على وجوب الصلاة، نحو قوله ﴿أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة﴾ (١) وقوله ﴿وأقيموا الصلاة ان الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا﴾ (٢) وقوله ﴿حافظوا على الصلوات﴾ (3). # ويمكن الاستدلال بهذه الآيات على [وجوب جميع الصلوات، وعلى صلاة الجنائز وصلاة العيدين، وعلى] (4) وجوب الصلاة على النبي وآله في التشهد، لأنه عام في جميع ذلك. # وقوله (حافظوا) أبلغ من احفظوا، لان هذا البناء أصله لتكرر الفعل بوقوعه من اثنين، فإذا استعمل فيما يكون من واحد ضمن مبالغة وتطاولا في ذلك الفعل، كقوله (عافاك الله) لا يقصد به سؤال هذا الفعل مرة واحدة. فكأن الله تعالى كرر الامر بحفظ الصلوات الخمس، وتحفظ الصلوات بأن يؤتى بها في أوقاتها بحدودها وحقوقها. # PageV01P078 # والصلاة أفضل العبادات، ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وآله (لكل شئ وجه ووجه دينكم الصلاة) (1) وقال عليه السلام (الصلاة أول ما ينظر فيه من أعمال العبد، فان صحت لم ينظر في عمل من أعماله، وان لم تصح نظر فيها وفي جميع أفعاله) (2). # (فصل) فان قيل: كيف أمروا بالصلاة وهم لا يعرفون حقيقتها في الشريعة. # قيل: انما أمروا بذلك لأنهم أحيلوا فيه على بيان الرسول عليه السلام، ووجه الحكمة فيه ظاهر، لان المكلفين إذا أمروا بشئ على الاجمال كان أسهل عليهم في أول الوهلة وأدعى لهم في قبولها من أن يفصل. ثم كون المجمل المأمور به يدعوهم إلى استفسار ذلك، فيكون قبول تفصيله ألزم لهم. # ومثاله في العقليات: قول أصحاب المعارف لنا: لو كنا مكلفين بالمعرفة لوجب أن نكون عالمين بصفة المعرفة، لئلا يكون تكليفا بما لا يطاق. # فنقول لهم: الواحد منا - وان لم يكن عالما بصفة المعرفة - فإنه عالم بسبب المعرفة، وهو النظر. فالعلم به يقوم مقام العلم بمسببه الذي هو المعرفة وصفتها، والمكلف انما يجب ان يكون عالما بصفة ms048 ما كلف لتمكنه الاتيان به على الوجه الذي كلف، فإذا أمكنه من دونه فلا معنى لاشتراطه. # (فصل) وإقامة الصلاة أداؤها بحدودها وفرائضها كما فرضت عليهم، يقال (أقام القوم سوقهم) إذا لم يعطلوها من المبايعة. # PageV01P079 # وقيل أقامتها إدامة فرائضها، يقال للشئ الراتب قائم. # وقيل: هو من تقويم الشئ، يقال (قام بالامر) إذا أحكمه وحافظ عليه. # وقيل: انه مشتق مما فيها من القيام، ولذلك يقال (قد قامت الصلاة). # واما (الصلاة) فهي الدعاء في الأصل. والصلاة اشتقاقها من اللزوم، يقال (اصطلى بالنار) أي لزمها (١). وقال تعالى ﴿تصلى نارا﴾ (٢). # وتخصصت في الشرع بالدعاء والذكر في موضع مخصوص. وقيل: هي عبارة عن الركوع والسجود على وجه مخصوص وأذكار مخصوصة. # وقال أصحاب المعاني: ان معنى (صلى) أزال الصلاء منه وهو النار، كما يقال مرض. # وفرضها على ثلاثة أقسام متعلقة بثلاثة أحوال: الحضر، والسفر، والضرورة. # وانما اختلفت أحكامها لاختلاف أحوالها، وبينها رسول الله صلى الله عليه وآله وفصلها، ونص القرآن عليها جملة، قال ﴿ما آتاكم الرسول فخذوه﴾ (٣) وقال ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم﴾ (4). # (باب ذكر المواقيت) فأولها الظهر، وهي أول صلاة فرضها الله تعالى على نبيه عليه السلام، وقال # PageV01P080 # (أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل (١)) [ودلوكها زوالها، وبعدها العصر قال ﴿حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى﴾ (٢)، ففرض في الآية الأولى بين دلوك الشمس وعسق الليل] (٣) أربع صلوات الظهر والعصر والمغرب والعشاء الآخرة، ثم قال (وقرآن الفجر) فأوجب صلاة الفجر أيضا، وقال تعالى ﴿أقم الصلاة طرفي النهار﴾ (4). # وقال في الموضعين (أقم)، فالمراد به أمته معه. # (فصل) والدلوك في آية الفرض المتقدمة اختلفوا فيه: فقال ابن عباس وابن مسعود وابن زيد هو الغروب، والصلاة المأمور بها ههنا هي المغرب. وقال ابن عباس في رواية أخرى والحسن ومجاهد وقتادة دلوكها زوالها، وهو المروى عن الباقر والصادق عليهما السلام (5)، وذلك أن الناظر إليها يدلك عينه لشدة شعاعها، وأما عند غروبها فيدلك عينه ليتبينها، والصلاة المأمور بها عند هؤلاء الظهر. # وغسق الليل ظهور ظلامه، يقال (غسقت القرحة) اي انفجرت ms049 وظهر ما فيها، وقال ابن عباس وقتادة هو بدء الليل، وقال الجبائي غسق الليل انتصافه (6). # وقوله تعالى (وقرآن الفجر) قال قوم يعنى به صلاة الفجر، وذلك يدل على أن الصلاة لا تتم الا بالقراءة، لأنه أمر بالقراءة وأراد بها الصلاة لأنها لا تتم الا بها مع التمكن. # PageV01P081 # ومعنى (ان قرآن الفجر كان مشهودا) تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار، فتكتب في صحيفة الليل وصحيفة النهار (1). وفيه حث للمسلمين على أن يحضروا هذه الصلاة ويشهدوها للجماعة. وعن أمير المؤمنين عليه السلام انها الصلاة الوسطى (2). # وقال الحسن (لدلوك الشمس) لزوالها صلاة الظهر والعصر (إلى غسق الليل) صلاة العشائين، كأنه يقول من ذلك الوقت إلى هذا الوقت على ما بين أوقات الصلوات الأربع، ثم أفرد صلاة الفجر بالذكر. # وقال الزجاج: سمي صلاة الفجر (قرآن الفجر) لتأكيد أمر القراءة في الصلاة كما ذكرنا. # (فصل) واستدل قوم بهذه الآية على أن الوقت الأول موسع إلى آخر النهار في الأحوال، لأنه أوجب إقامة الصلاة من وقت الدلوك إلى وقت غسق الليل، وذلك يقتضي ان ما بينهما وقت. # وقال الشيخ أبو جعفر الطوسي: هذا ليس بقوي، لان من قال إن الدلوك هو الغروب [لا دليل له فيها، لان من قال ذلك يقول إنه يجب إقامة المغرب من عند الغروب] (3) إلى وقت اختلاط الظلام الذي هو غروب الشفق وما بين ذلك وقت المغرب، ومن قال الدلوك هو الزوال يمكنه ان يقول المراد بالآية بيان وجوب # PageV01P082 # الصلوات الخمس على ما ذكره الحسن لا بيان وقت صلاة واحدة، فلا دلالة في الآية على ذلك (١). # والصلاة قي أول وقتها أفضل، قال تعالى ﴿فاستبقوا الخيرات﴾ (٢)، ففي عمومها دليل عليه. # (فصل) وقوله ﴿أقم الصلاة طرفي النهار وزلقا من الليل﴾ (٣) أمر الله به نبيه وأمته بإقامة الصلاة والاتيان بأعمالها على وجه التمام في ركوعها وسجودها وسائر فروضها. # وقيل: اقامتها هو عملها على استواء، كالقيام الذي هو الانتصاب في الاستواء. # وقوله (طرفي النهار) يريد بهما صلاة الفجر والمغرب، وقال الزجاج يعني به الغداة والظهر والعصر (٤)، ويحتمل ms050 أن يريد به صلاة الفجر والعصر، لان طرف الشئ من الشئ، وصلاة المغرب ليست من النهار. # وقوله (زلفا من الليل) عن ابن عباس يريد به العشاء الآخرة. وقال الزجاج العشاء ان المغرب والعتمة، والزلفة المنزلة. # ومن قال المراد ب‍ (طرفي النهار) الفجر والمغرب، قال: ترك ذكر الظهر والعصر لظهورهما في أنهما صلاة النهار، والتقدير أقم الصلاة طرفي النهار مع الصلاتين المفروضتين. # وقيل إنهما ذكرا على التبع للطرف الأخير، لأنهما بعد الزوال، فهما أقرب إليه، وقد قال أقم لدلوك الشمس إلى غسق الليل، ودلوكها زوالها، ثم قال ﴿ان الحسنات يذهبن السيئات﴾ (5) أي ان الدوام على فعل الحسنات يدعو إلى ترك السيئات # PageV01P083 # فإذا دعا إلى تركها فكأنها ذهبت بها لقوله ﴿ان الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر﴾ (١). # (فصل) وقوله تعالى ﴿فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون﴾ (٢) هذه الآية أيضا تدل على الصلوات الخمس في اليوم والليلة، لان قوله (حين تمسون) يقتضى المغرب والعشاء الآخرة (وحين تصبحون) يقتضي صلاة الفجر (وعشيا) يقتضي العصر (وحين تظهرون) يقتضي صلاة الظهر - ذكره ابن عباس ومجاهد. # وانما أخر الظهر عن العصر لازدواج الفواصل. # والامساء الدخول في المساء، والمساء مجئ الظلام بالليل. والاصباح نقيضه، وهو الدخول في الصباح، والصباح مجيئ ضوء النهار. # و (سبحان الله) أي سبحوا الله في هذه الأوقات تنزيها لله عما لا يليق به (وله الحمد) يعني الثناء والمدح (في السماوات والأرض وعشيا) أي في العشي (وتظهرون) أي حين تدخلون في الظهر، وهو نصف النهار. # وانما خص الله العشي والاظهار في الذكر بالحمد - وإن كان حمده واجبا في جميع الأوقات - لأنها أحوال تذكر باحسان الله، وذلك أن انقضاء احسان أول يقتضي الحمد عند تمام الاحسان والاخذ في الاخر، كما قال ﴿وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين﴾ (3). # (فصل) وقوله (فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل # PageV01P084 # غروبها) (١). # قال تعالى لنبيه عليه السلام (فاصبر) على أذاهم إياك (وسبح بحمد ربك) أي صل، والسبحة الصلاة، و (بحمد ربك) أي بثناء ربك (قبل طلوع الشمس) ms051 يعني سبحة الصبحة، اي صلاة الفجر، و (قبل غروبها) يعني صلاة العصر، و (من آناء الليل) يعني صلاة المغرب والعشاء، (وأطراف النهار) صلاة الظهر في قول قتادة. # فان قيل: لم جمع أطراف النهار؟. # قلنا: فيه ثلاثة أقوال: أحدها انه أراد أطراف كل نهار، والنهار اسم جنس في معنى جمع. وثانيها أنه بمنزلة قوله ﴿فقد صغت قلوبكما﴾ (٢). وثالثها أراد طرف أول النصف الأول، وطرف آخر النصف الأول، وطرف أول النصف الأخير، وطرف آخر النصف الأخير. فلذلك جمع. # وقوله (لعلك ترضى) أي افعل ما أمرتك به لكي ترضى بما يعطيك الله من الثواب على ذلك. وقيل أي لكي ترضى بما حملت على نفسك من المشقة في طاعة الله بأمره كما كنت تريد أن تكون في مثل ما كان الأنبياء عليه من قبلك. # (فصل) وقوله ﴿فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب * ومن الليل فسبحه وأدبار السجود﴾ (3) أي احتمل ذلك حتى يأتي الله بالفرج. # وصل (قبل طلوع الشمس) صلاة الفجر (وقبل الغروب) صلاة العصر، وقيل صلاة الظهر والعصر، (ومن الليل) يعني صلوات الليل، ويدخل فيها صلاة # PageV01P085 # المغرب والعتمة ونوافل الليل أيضا (وأدبار السجود) عن الحسن بن علي عليهما السلام أنهما الركعتان بعد المغرب تطوعا (١). وقيل التسبيحات المائة بعد الفرائض - عن ابن عباس ومجاهد. وعن ابن زيد هي النوافل كلها. # وأصل التسبيح التنزيه لله عن كل ما لا يجوز في صفته، وسميت الصلاة تسبيحا لما فيها من التسبيح. # وروي انه تعالى أراد ب‍ (أدبار السجود) نوافل المغرب، وأراد بقوله (أدبار النجوم) الركعتين قبل الفجر (٢). # فتلك الآيات الست تدل على المواقيت للصلوات الموقتة في اليوم والليلة. # (باب ذكر القبلة) قال الله تعالى ﴿جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس﴾ (٣). # في بعض التفاسير: أي جعل الله الكعبة ليقوم الناس في متعبداتهم متوجهين إليها قياما وعزما عليها. وقيل: قواما لهم يقوم به معادهم ومعاشهم، وقياما أي مراعاة للناس وحفظا لهم. # وعن ابن عباس والبراء بن عازب: ان الصلاة كانت إلى بيت المقدس ms052 إلى بعد مقدم النبي عليه السلام المدينة تسعة عشر شهرا. # وعن أنس كان ذلك بالمدينة تسعة أشهر أو عشرة أشهر، ثم وجهه الله تعالى إلى الكعبة. # قال تعالى ﴿سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها﴾ (4). # PageV01P086 # اختلفوا في الذين عابوا النبي عليه السلام والمسلمين بالانصراف عن قبلة بيت المقدس إلى الكعبة على ثلاثة أقوال: # قال الحسن: هم مشركو العرب، فان رسول الله لما تحول بأمر الله إلى الكعبة من بيت المقدس، قالوا: يا محمد رغبت عن قبلة آبائك ثم رجعت إليها أيضا، والله لترجعن إلى دينهم. # وقال ابن عباس: هم اليهود. # وقال السدي: هم المنافقون، قالوا ذلك استهزاءا بالاسلام. # والعموم يتناول الكل. # واختلفوا في سبب عيبهم الصرف عن القبلة، فقيل إنهم قالوا ذلك على وجه الانكار للنسخ. وقال ابن عباس: ان قوما من اليهود قالوا: يا محمد ما ولاك عن قبلتك التي كنت عليها، ارجع إليها نتبعك ونؤمن بك. وأرادوا بذلك فتنته. الثالث ان مشركي العرب قالوا ذلك ليوهموا أن الحق ما هم عليه. # وانما صرفهم الله عن القبلة الأولى لما علم من تغيير المصلحة في ذلك. وقيل انما فعل ذلك لما قال تعالى ﴿وما جعلنا القبلة التي كنت عليها الا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه﴾ (1)، لأنهم لما كانوا بمكة أمروا أن يتوجهوا إلى بيت المقدس ليتميزوا عن المشركين الذين كانوا بحضرتهم يتوجهون إلى الكعبة، فلما انتقل الرسول عليه السلام إلى المدينة كانت اليهود الذين بالمدينة يتوجهون إلى بيت المقدس، فنقلوا إلى الكعبة للمصالح الدينية الكثيرة، من جملتها ليتميزوا من اليهود كما أراد في الأول أن يتميزوا من كفار مكة. # (فصل) لا خلاف أن التوجه إلى بيت المقدس قبل النسخ كان فرضا واجبا، ثم اختلفوا: # فقال الربيع: كان ذلك على وجه التخيير، خير الله نبيه عليه السلام بين أن # PageV01P087 # يتوجه إلى بيت المقدس وبين أن يتوجه إلى الكعبة. # وقال ابن عباس وأكثر المفسرين: كان ذلك فرضا معينا. وهو الأقوى، لقوله (وما جعلنا القبلة التي ms053 كنت عليها)، فبين تعالى أنه جعلها قبلة، وظاهر ذلك أنه معين، لأنه لا دليل على التخيير. # ويمكن أن يقال: انه كان مخيرا بين أن يجعل الكعبة بينه وبين بيت المقدس في توجهه إليه وبين أن لا ينتقل لما كان بمكة. # على أنه لو ثبت أنه كان مخيرا لما خرج عن كونه فرضا، كما أن الفرض هو أن يصلي الصلاة في الوقت ثم هو مخير بين أوله وأوسطه وآخره. # وقوله (الا لنعلم) أي ليعلم ملائكتنا، والا فالله كان عالما به. وقال المرتضى فيه وجها مليحا: أي يعلم هو تعالى وغيره، ولا يحصل علمه مع علم غيره الا بعد حصول الاتباع، فأما قبل حصوله فإنما يكون هو تعالى العالم وحده، فصح حينئذ ظاهر الآية. # وقوله (ممن ينقلب على عقبيه) قيل فيه قولان: أحدهما أن قوما ارتدوا عن الاسلام لما حولت القبلة جهلا منهم بما فيها من وجوه الحكمة. والاخر أن المراد به كل مقيم على كفره، لان جهة الاستقامة اقبال وخلافها ادبار، ولذلك وصف الكافر بأنه أدبر واستكبر وقال ﴿لا يصلاها الا الأشقى * الذي كذب وتولى﴾ (1) عن الحق. # (فصل) ثم قال (وان كانت لكبيرة) فالضمير يحتمل رجوعه إلى ثلاثة أشياء: القبلة على قول أبي العالية. والتحويلة على قول ابن عباس، وهو الأقوى لان القوم انما ثقل عليهم التحول لانفس القبلة. وعلى قول ابن زيد الصلاة. # و (ما كان الله ليضيع ايمانكم) في معناه أقوال: قال ابن عباس: لما # PageV01P088 # حولت القبلة قال ناس كيف أعمالنا التي كنا نعمل في قبلتنا الأولى وكيف بمن مات من إخواننا قبل ذلك فأنزله الله. وقال الحسن انه لما ذكر ما عليهم من المشقة في التحويلة أتبعه بذكر مالهم من المثوبة، وانه لا يضيع ما عملوه من الكلفة فيه، لان التذكير به يبعث على ملازمة الحق والرضا به. الثالث قال البلخي انه لما ذكر انعامه عليهم بالتولية إلى الكعبة ذكر السبب الذي استحقوه به، وهو ايمانهم بما حملوه أولا فقال (وما كان الله ليضيع ايمانكم) الذي استحققتم به ms054 تبليغ محبتكم في التوجه إلى الكعبة (١). # فان قيل: كيف جاز عليهم الشك فيمن مضى من إخوانهم فلم يدروا أنهم كانوا على حق في صلاتهم إلى بيت المقدس. # قلنا: الوجه فيه أنهم تمنوا وقالوا كيف لإخواننا لو أدركوا الفضل بالتوجه إلى الكعبة معنا، فإنهم أحبوا لهم ما أحبوا لأنفسهم وكان الماضون في حسرة ذلك أو يكون قال ذلك منافق فخاطب الله المؤمنين بما فيه الرد على المنافقين. # وانما جاز أن يضيف الايمان إلى الاحياء على التغليب، لان من عادتهم أن يغلبوا المخاطب على الغائب كما يغلبون المذكر على المؤنث فيقولون (فعلنا بكما وبلغناكما) وإن كان أحدهما حاضرا والاخر غائبا. # (فصل) ثم قال تعالى ﴿قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها﴾ (2). قال قوم: ان هذه الآية نزلت قبل التي تقدمتها، وهي قوله (سيقول السفهاء). # PageV01P089 # فان قيل: لم قلب النبي عليه السلام وجهه في السماء؟ # قلنا: عنه جوابان: # أحدهما: انه كان وعد بالتحويل عن بيت المقدس، فكان يفعل ذلك انتظارا وتوقعا لما وعد به. # والثاني: انه كان يحبه محبة طباع، ولم يكن يدعو به حتى أذن له فيه، لان الأنبياء عليهم السلام لا يدعون الا بإذن الله، لئلا يكون في ردهم تنفير عن قبول قولهم ان كانت المصلحة في خلاف ما سألوه. وهذا الجواب مروي عن ابن عباس. # وقيل في سبب محبة النبي عليه السلام التوجه إلى الكعبة ثلاثة أقوال: أحدها أنه أراد مخالفة اليهود والتميز منهم. والثاني انه أراد ذلك استدعاءا للعرب إلى الايمان. # والثالث أنه أحب ذلك لأنها كانت قبلة إبراهيم. # ولو قلنا إنه أحب جميع ذلك لكان صوابا. # (فصل) و (شطر المسجد الحرام) نحوه وتلقاه، وعليه المفسرون وأهل اللغة. # وعن الجبائي أراد بالشطر النصف، فأمره أن يولي وجهه نصف المسجد حتى يكون مقابل الكعبة. # والأول أولى، لان اللفظ إذا كان مشتركا بين النصف والنحو ينبغي أن لا يحمل على أحدهما الا بدليل، وعلى الأول اجماع المفسرين. # وقوله ﴿ان الذين أوتوا الكتاب﴾ (1) هم اليهود عن السدي، وقيل هم أحبار ms055 اليهود وعلماء النصارى غير أنهم جماعة قليلة يجوز عليهم اظهار خلاف ما يبطنون، لان الجمع الكثير لا يتأتى ذلك منهم لما يرجع إلى العادة، فإنها لم يجز ذلك مع اختلاف الدواعي وانما يجوز العناد على النفر القليل. # PageV01P090 # وهذه الآية ناسخة لفرض التوجه إلى بيت المقدس قبل ذلك. وعن ابن عباس أول ما نسخ من القرآن فيما ذكر لنا شأن القبلة. وقال قتادة نسخت هذه الآية ما قبلها. # وهذا مما نسخ من السنة بالقرآن، لأنه ليس في القرآن ما يدل على تعبده بالتوجه إلى بيت المقدس ظاهرا. # ومن قال: انها نسخت قوله ﴿فأينما تولوا فثم وجه الله﴾ (1). فنقول له: ليست هذه منسوخة، بل هي مختصة بالنوافل في حال السفر على ما نذكره بعد. # فأما من قال: يجب على الناس أن يتوجهوا إلى الميزاب الذي على الكعبة ويقصدوه. فقوله باطل على الاطلاق، لأنه خلاف ظاهر القرآن. # وقال ابن عباس: البيت كله قبلة، وقبلته بابه. وهذا يجوز، فأما أن يجب على جميع الخلق التوجه إليه فهو خلاف الاجماع. # (فصل) وقوله تعالى (وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره). روي عن الباقر والصادق عليهما السلام ان ذلك في الفرض. وقوله (فأينما تولوا فثم وجه الله) قالا هو في النافلة 2. # وعن الباقر عليه السلام: لما حولت القبلة إلى الكعبة أتى رجل من عبد الأشهل من الأنصار وهم قيام يصلون الظهر قد صلوا ركعتين نحو بيت المقدس، فقال: ان الله قد صرف رسوله نحو البيت الحرام، فصرفوا وجوههم نحوه في بقية صلاتهم 3. # (وانه للحق من ربك) الهاء يعود إلى التحويل، وقيل التوجه إلى الكعبة لأنه قبلة إبراهيم وجميع الأنبياء. # PageV01P091 # وعن عطا في قوله (فول وجهك شطر المسجد الحرام) الحرم كله مسجد. # وهذا مثل قول أصحابنا: ان الحرم قبلة من كان نائيا عن الحرم من الآفاق. # واختلف الناس في صلاة النبي عليه السلام إلى بيت المقدس (١): [فقال قوم كان يصلي بمكة إلى الكعبة فلما صار بالمدينة أمر بالتوجه إلى بيت المقدس] (٢) سبعة عشر شهرا ثم أعيد إلى الكعبة. [وقال ms056 قوم كان يصلى بمكة إلى البيت المقدس الا أنه كان يجعل الكعبة بينه وبينه، ثم أمره الله بالتوجه إلى الكعبة] (٣). # فان قيل: كيف قال ﴿ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك﴾ (٤) وقد آمن منهم خلق كثير؟ # قلنا: عن ذلك جوابان: أحدهما قال الحسن ان المعنى ان جميعهم لا يؤمن، والثاني انه مخصوص بمن كان معاندا من أهل الكتاب دون جميعهم الذين وصفهم الله تعالى ﴿يعرفونه كما يعرفون أبناءهم﴾ (5). # وقوله (ولئن اتبعت أهواءهم) معناه الدلالة على فساد مذاهبم وتبكيتهم بها. # وقوله (وما أنت بتابع قبلتهم) أي ليس يمكنك استصلاحهم باتباع قبلتهم لاختلاف وجهتهم، لان النصارى يتوجهون إلى المشرق واليهود إلى المغرب، فبين الله أن ارضاء الفريقين محال. # وقيل: انه لما كان النسخ مجوزا قبل نزول هذه الآية في القبلة أنزل الله الآية ليرتفع ذلك التجويز، وكذلك ينحسم طمع أهل الكتاب من اليهود، إذ كانوا طمعوا في ذلك وظنوا أنه يرجع النبي إلى الصلاة إلى بيت المقدس. # وقوله (وما بعضهم بتابع قبلة بعض) أي لا يصير النصارى كلهم يهودا ولا # PageV01P092 # اليهود كلهم نصارى ابدا، كما لا يتبع جميعهم الاسلام. # (فصل) ثم قال تعالى (وان فريقا منهم ليكتمون الحق) كتموا أمر القبلة وهم يعلمون صحة ما كتموه، وما لمن دفع الحق من العذاب. # والهاء في (يعرفونه) عائدة على أمر القبلة في قول ابن عباس. وقال الزجاج هي عائدة على أنهم يعرفون حق النبي عليه السلام وصحة أمره. # وانما قال (وان فريقا منهم ليكتمون الحق) وفي أول الآية قال (يعرفونه) على العموم، لان أهل الكتاب منهم من أسلم وأقر بما عرف فلم يدخل في جملة الكاتمين كعبد الله بن سلام وكعب الأحبار وغيرهما ممن دخل الاسلام. # فان قيل: كيف قال (يعرفونه كما يعرفون أبناءهم) وهم لا يعرفون في الحقيقة أن أبناءهم أبناؤهم ويعرفون أن محمدا هو النبي المبعوث المبشر به في الحقيقة. # قلنا: التشبيه وقع بين المعرفة بالابن في الحكم، وهي معرفة تميزه بها من غيره، وبين المعرفة بأنه هو النبي ms057 المبشر به في الحقيقة، فوقع التشبيه بين معرفتين إحداهما أظهر من الأخرى، فكل من ربي ولدا كثيرا ورآهم سنين وسمى هذا أحمدا وذا محمدا وذا عليا وذا حسنا وذا حسينا فإنه يميز بينهم بحيث لا يلتبس عليه ذلك بحال. # (فصل) وقوله (ولكل وجهة هو موليها). # فيه أقوال: أحدها ان لكل أهل ملة من اليهود والنصارى وجهة. وثانيها ان لكل نبي وجهة واحدة وهي الاسلام وان اختلفت الاحكام كما قال (لكل جعلنا منكم PageV01P093 # شرعة ومنهاجا (١)) أي شرائع الأنبياء. وثالثها هو صلاتهم إلى بيت المقدس وصلاتهم إلى الكعبة. ورابعها ان لكل قوم من المسلمين وجهة وراء الكعبة أو قدامها أو عن يمينها أو عن شمالها. # والوجهة: القبلة. و (موليها) في قول مجاهد مستقبلها. # وقيل في تكرار قوله (فول وجهك) انه لما كان فرضا نسخ ما قبله كان من مواضع التأكيد لينصرف الناس إلى الحالة الثانية بعد الحالة الأولى ويثبتون عليه على يقين. # وقيل في تكرير قوله (ومن حيث خرجت) [ان الاختلاف لاختلاف المعنى وان اتفق اللفظ، لان المراد بالأول من حيث خرجت] (٢) منصرفا عن التوجه إلى بيت المقدس فول وجهك شطر المسجد الحرام، والمراد بالثاني أين كنت من البلاد فتوجه نحو المسجد الحرام مستقبلا كنت لظهر القبلة أو وجهها أو يمينها أو شمالها. # وفي قوله (وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره) محذوف، واجتزئ بدلالة الحال عن دلالة الكلام. قال الزجاج: عرفتكم ذلكم كيلا لا يكون لأهل الكتاب حجة لو جاء على خلاف ما تقدمت به البشارة في الكتب السالفة من أن المؤمنين سيوجهون إلى الكعبة. # (الا الذين ظلموا) استثناء منقطع، أي لكن الظالمين منهم يتعلقون بالشبهة ويضعونها موضع الحجة، فلذلك حسن الاستثناء، وهو كقوله ﴿ما لهم به من علم الا اتباع الظن﴾ (3). # PageV01P094 # (باب ستر العورة) (وذكر المكان واللباس مما يجوز الصلاة عليه وفيه) (وذكر الأذان والإقامة) ستر السوأتين (١) على الرجال مفروض، وما عدا ذلك مسنون. وعلى النساء الحرائر يجب ستر جميع البدن، قال تعالى ﴿خذوا زينتكم عند كل مسجد﴾ (٢) يعني البسوا لباسا مأمورا ms058 به عند كل صلاة مع التمكن. # والزينة ههنا - باتفاق المفسرين - ما يوارى به العورة، قالوا: أمر الله بأخذ الزينة، ولا خلاف أن التزين ليس بواجب والامر في الشريعة على الوجوب، فلابد من حمله على ستر العورة. # ويدل عليه أيضا قوله ﴿يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم وريشا ولباس التقوى﴾ (3). قال علي بن موسى القمي: دل ذلك على وجوب ستر العورة. # وقال غيره: انما يدل ذلك على أنه أنعم عليهم بما يقيهم الحر والبرد وما يتجملون به. ويصح اجتماع القولين. # وانما قال (أنزلنا عليكم لباسا) لان ما يتخذ هو منه ينبت بالمطر الذي ينزل من السماء، وهو القطن والكتان وجميع ما ينبت من الحشيش والرياش الذي يتجمل به. # و (لباس التقوى) هو الذي يقتصر عليه من أراد التواضع والنسك في العبادة من لبس الصوف والشعر والوبر والخشن من الثياب، وقيل هو ما يكون مما ينبت من الأرض وشعر وصوف ما يؤكل لحمه من الحيوان، وقيل التقدير: # PageV01P095 # ولباس التقوى خير لكم إذا أخذتم من الريش وأقرب لكم إلى الله منه، والريش ما فيه الجمال كالخز الخالص ونحوه مما أباحه الله ومنه ريش الطائر. # والحمل على جميع ذلك أولى، لفقد الاختصاص، فالحرير الخالص غير محرم على النساء على حال، وإذا كان خلطا بالقطن ونحوه فللرجال أيضا حلال. # (فصل) وهذه الآية خطاب من الله تعالى لأهل كل زمان من المكلفين على ما يصح ويجوز من وصول ذلك إليهم، كما يوصي الانسان ولولده ولد ولده وان نزلوا بتقوى الله وايثار طاعته. # ويجوز خطاب المعدوم، بمعنى أن يراد بالخطاب إذا كان المعلوم انه سيوجد وتتكامل فيه شرائط التكليف، ولا يجوز ان يراد من لا يوجد، لان ذلك عبث لا فائدة فيه. # على أن الآية كانت خطابا للمكلفين الموجودين في ذلك الزمان ولكل من يكون حكمهم حكمه. # وقوله تعالى (يوارى سوآتكم) أي يستر ما يسوؤكم انكشافه من الجسد، لان السوءة ما إذا انكشف عن البدن يسوء، والعورة ترجع إلى النقيصة في البدن. # وقوله (يا ms059 بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد) أي تناولوا زينتكم، وهي اللبسة الحسنة، ويسمى ما يتزين به زينة من الثياب الجميلة ونحو ذلك. # قال الزجاج: هو أمر بالاستتار في الصلاة. قال أبو علي: ولهذا صار التزيين للجمع والأعياد سنة. وقال مجاهد: هو ما وارى العورة ولو عباءة. # وقوله (عند كل مسجد) عن أبي جعفر عليه السلام في الجمعات والأعياد (1)، وعن ابن عباس كانوا يطوفون بالبيت عراة فنهاهم الله عن ذلك. # PageV01P096 # وقالوا: لما أباح الله تناول الزينة وحث عليه وندب إليه - وهناك قوم يحرمون كثيرا من الأشياء من هذا الجنس - قال الله تعالى منكرا لذلك: (قل) يا محمد (من حرم زينة الله التي أخرج لعباده). # (فصل) وجلد ما يؤكل لحمه يجوز فيه الصلاة إذا كان مذكى مشروعا. # وجلود الميتة لا تطهر بالدباغ، وكذا جلود ما يذكيه أهل الخلاف. والدليل على ذلك - مضافا إلى اجماع الطائفة - قوله ﴿حرمت عليكم الميتة﴾ (١)، وهذا تحريم مطلق يتناول أجزاء الميتة في كل حال. # وجلد الميتة يتناوله اسم الموت لان الحياة تحله، وليس بجار مجرى العظم والشعر، وهو بعد الدباغ يسمى جلد ميتة كما يسمى قبل الدباغ، فينبغي أن يكون حظر التصرف لاحقا به. # فأما دلالته على أن الشعر والصوف والريش منها والناب والعظم كلها محرم فلا يدل عليه، لان ما لم تحله الحياة لا يسمى ميتة. # وكذلك جلد ذبائح أهل الكتاب وكل من خالف الاسلام أو من أظهره ودان بالتجسم والصورة وقال بالجبر والتشبيه أو خالف الحق، فعندنا لا يجوز الانتفاع به على وجه ولا يصح الصلاة فيه لعموم الآية، قال تعالى ﴿وانه لفسق﴾ (٢). # (فصل) وقوله تعالى ﴿لكم فيها دفء ومنافع﴾ (3). # PageV01P097 # قال ابن عباس: الدفء لباس من الأكسية وغيرها، كأنه سمي بالمصدر، من دفئ يومنا دفاءا، ونظيره الكن. وقال الحسن: يريد ما استدفئ به من أوبارها وأصوافها واشعارها، والدفء خلاف البرد، ومنه رجل دفآن (١). # وقال تعالى ﴿وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر﴾ (٢) يعني قمصا من الكتان والقطن (٣)، وخص الحر بذلك مع أن وقايتها للبرد أكثر لامرين: أحدهما ms060 ان الذين خوطبوا به أهل حر في بلادهم، والثاني انه ترك ذلك لأنه معلوم. # (فصل) وقال تعالى ﴿ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه﴾ (4). # قيل المراد بالمساجد في الآية بقاع الأرض كلها، لقوله عليه السلام (ان الله جعل الأرض لي مسجدا) (5)، فالأرض كلها مسجد يجوز الصلاة فيه الا ما كان مغصوبا أو نجسا، فإذا زال الغصب والنجاسة منه فحكمه حكمها. وروى ذلك زيد بن علي عن آبائه عليهم السلام. # PageV01P098 # (فصل) وقال تعالى ﴿وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا﴾ (١). # النداء في الآية الدعاء بمد الصوت في الاذان ونحوه. # أخبر الله عن صفة الكفار الذين نهى المؤمنون عن اتخاذهم أولياء، بأنهم إذا نادى المؤمنون للصلاة ودعوا إليها اتخذوها هزوا ولعبا. # وفي معنى ذلك قولان: # أحدهما: قال قوم انهم كانوا إذا اذن المؤذن للصلاة تضاحكوا فيما بينهم وتغامزوا على طريق السخف والمجون تجهيلا لأهلها وتنفيرا للناس عنها وعن الداعي إليها. # والثاني: انهم كانوا يرون المنادى إليه بمنزلة اللاعب الهادي بفعلها جهلا منهم بمنزلتها، وقال أبو ذهيل الجمحي: # وأبرزتها من بطن مكة بعدما * أصاب المنادى بالصلاة واعتما فالاستدلال بهذه الآية يمكن على الاذان، وكذا بقوله ﴿إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة﴾ (2). # والاذان للمنفرد سنة على كل حال، وكذا الإقامة. وواجبان في صلاة الجمعة إذا اجتمعت شرائطها، لان تلك الجماعة واجبة ولا تنعقد الا بهما. ويقال على الاطلاق انهما واجبان في الجماعة لخمس صلوات، وقيل يتأكد ندبهما. # وقد بين رسول الله أحكامها كما أمره الله بقوله (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم)، وقد علمه الله. # PageV01P099 # والاذان في اللغة اسم للاعلام (١) قائم مقام الايذان، كما أن العطاء اسم للاعطاء وهو في الأصل علم سمعي، قال تعالى ﴿واذن في الناس﴾ (٢). # والاذان في الشرع اعلام الناس بحلول وقت الصلاة. وقال السدي: كان رجل من النصارى بالمدينة يسمع المؤذن ينادي (أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله) قال حرق الكاذب، والقائل كان منافقا، فدخلت خادمة له بعد ذلك ليلة ms061 بنار فسقطت شرارة فاحترق البيت واحترق هو وأهله. # وقد بينا ان المؤذن في اللغة كل من تكلم بشئ نداءا، وأذنته وآذنته، ويستعمل ذلك في العلم الذي يتوصل إليه بالسماع، كقوله ﴿فأذنوا بحرب من الله﴾ (٣). # (باب ما يقارن حال الصلاة) قال الله تعالى ﴿وقوموا لله قانتين﴾ (٤). # قال زيد بن أرقم: كنا نتكلم في الصلاة حتى نزلت هذه الآية. # وقد دلت على أن القيام مع القدرة والاختيار واجب في الصلاة. # وقال تعالى ﴿وما أمروا الا ليعبدوا الله مخلصين له الدين﴾ (5). # تدل هذه الآية على أن النية للصلاة ولسائر العبادات واجبة، وذلك أن الاخلاص # PageV01P100 # بالديانة هو التقرب إلى الله بعملها مع ارتفاع الشوائب، والتقرب لا يصح الا بالعقد عليه والنية له ببرهان الدلاة. # وروي عن الرضا عن آبائه عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: لا قول الا بعمل، ولا قول ولا عمل الا بنية، ولا عمل ولا نية الا بإصابة السنة، ومن تمسك بسنتي عند اختلاف أمتي كان له أجر مائة شهيد (١). # ومحل النية القلب، وذلك لأن النية هي الإرادة المخصوصة التي تؤثر في وقوع الفعل على وجه دون وجه، ولا يكون من فعل غيره، وبها يقع الفعل عبادة وواقعا موقع الوجوب أو الندب، وقد قال النبي عليه السلام (الأعمال بالنيات) (٢). # ولا يجوز في تكبيرة الافتتاح الا قول (الله أكبر) مع القدرة عليه، لان المسلمين قد أجمعوا على أن من قاله انعقدت صلاته بلا خلاف. وإذا أتى بغيره فليس على انعقادها دليل، فالاحتياط يقتضي ما قلناه. # وقال قوم: ان قوله ﴿ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرا﴾ (٣) أمر بذلك، وهو على الايجاب شرعا، وكذا قوله ﴿وربك فكبر﴾ (٤). # وقيل معناه: صل لله طاهرا في ثياب طاهرة. فكنى بالتكبير عن الصلاة، ولولا وجوب التكبير في الصلاة لما كنى به عنها، وهذا كقوله (الحج عرفة). # (فصل) القراءة شرط في صحة الصلاة، قال تعالى ﴿فاقرأوا ما تيسر من القرآن﴾ (5) # PageV01P101 # وقال ﴿فاقرأوا ما تيسر منه﴾ (١)، والامر في الشريعة يقتضي الايجاب. # وقال عليه السلام (لا ms062 صلاة الا بفاتحة الكتاب) (٢). وهذا تفصيل ما أجمله الآيتان (ما آتاكم الرسول فخذوه) و (أنزلنا إليك الذكر لتبين للناس). # وقال تعالى ﴿وقرآن الفجر﴾ (٣) أي صلاة الفجر، فسمى الله الصلاة قرآنا اعلاما بأنها لا تتم الا بالقراءة. # وقال تعالى (يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا (٤)) لما كان الله في كثير من الآيات أمر بالصلاة جملة ثم نص على بعض أفعالها، تنبيها على عظم محله وكبر شأنه، كذلك أمر بالركوع والسجود مفردا تفخيما لمنزلتهما في الصلاة، أي صلوا على ما أمرتكم به من الركوع والسجود. ثم أمرهم تعالى بعد ذلك بأوامر، فقال (واعبدوا ربكم وافعلوا الخير) إلى أن أمر مرة أخرى بإقامة الصلاة فقال (فأقيموا الصلاة). وكل هذا يدل على شدة التأكيد في الركوع والسجود وانهما ركنان من الصلاة على ما ذكرناه، لا تتم الا بهما مع الاختيار أو ما يقوم مقامهما مع الاضطرار. # والتسبيح فيهما واجب أيضا، والدليل عليه ما روى أنه لما نزل قوله تعالى ﴿وانه لحق اليقين * فسبح باسم ربك العظيم﴾ (5) قال النبي عليه السلام: اجعلوها في ركوعكم، ولما نزل قوله (سبح اسم ربك الاعلى) (6) قال عليه السلام: ضعوا هذا في سجودكم (7). وهذان أمران يقتضيان الوجوب. # PageV01P102 # (فصل) ان سأل سائل عن قوله تعالى ﴿وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين﴾ (١) أن قوله (أقيموا الصلاة) يدخل فيها الركوع، فلم قال (واركعوا)، وهل هذا الا تكرار؟ # قلنا: هذا أولا يدل على أن الركوع ركن من أركان الصلاة على بعض الوجوه لا تصح من دونه، فهذا انما ذكره للتفخيم والتعظيم لشأن الركوع، كقوله ﴿وملائكته ورسله وجبرئيل وميكال﴾ (٢) وكما قال ﴿فيهما فاكهة ونخل ورمان﴾ (3). # وفعل الركوع يعبر به أيضا عن الصلاة بتمامها، فقول القائل (فرغت من ركوعي) أي من صلاتي، وانما يعبر به عنها لأنه أول ما يشاهد مما يدل على أن الانسان في الصلاة، لان أصل الركوع الانحناء. # وقال بعض المفسرين: ان المأمورين في الآية هم أهل الكتاب ولا ركوع في صلاتهم، فكان الأحسن ذكر المختص دون المشترك لأنه أبعد من اللبس، ms063 فأمرهم الله بالصلاة على ما يرونها من أمرهم بضم الركوع إليها، والامر شرعا على الوجوب. # ويمكن أن يقال: ان قوله (أقيموا الصلاة) انما يفيد ايجاب اقامتها، ويحتمل أن يكون ذلك إشارة إلى صلاتهم التي يعرفونها. ويجوز أن يكون أيضا إشارة إلى الصلاة الشرعية، فلما قال (واركعوا مع الراكعين) حتى مع هؤلاء المسلمين الراكعين، فخصصت بالصلاة المنفردة في الشرع، فلا يكون تكرارا بل يكون بيانا. # وقيل فيه وجه لطيف، وهو أنه لما أمر بالصلاة بقوله (أقيموا الصلاة) # PageV01P103 # حث بقوله (واركعوا مع الراكعين) على صلاة الجماعة، لتقدم الصلاة للمنفرد في أول الآية، ويجئ بيانها في بابها. # (فصل) وقال تعالى ﴿ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا﴾ (1). # قال الطبري: المراد (لا تجهر بصلاتك) يعنى صلاة النهار العجماء (2) (ولا تخافت بها) يعني صلاة الليل التي يجهر بها في القراءة (3). فالجهر في صلاة الغداة واجب، وكذلك في الركعتين الأوليين من العشائين. # فأما صلاة النهار فهي عجماء كما ذكرناه، يجب في الظهر والعصر جميعا المخافتة الا في الجمعة يوم الجمعة، وفي الركعتين الأوليين من الظهر أيضا من يوم الجمعة، فإنه يستحب الجهر فيهما. # وقيل: انه نهي من الله تعالى عن الجهر العظيم في حال الصلاة وعن المخافتة الشديدة، وأمر بأن يتخذ بين ذلك طريقا وسطا، فأقل الجهر أن تسمع من يليك، وأكثر المخافتة أن تسمع نفسك. ولا مانع من الحمل على القولين لعمومه. # وعن ابن عباس: ان النبي عليه السلام بمكة كان إذا صلى يجهر بصلاته على المأمور، فسمع به المشركون فشتموه وآذوه وأرادوا أصحابه، فأمره الله بترك الجهر. # وعن عائشة: المراد بالصلاة ههنا الدعاء، أي لا تجهر بدعائك ولا تخافت به ولكن بين ذلك. # ويجوز أن يكون جميع ما ذكرناه مرادا، لأنه لا مانع. # وقال قوم: هذا خطاب لكل واحد من المصلين، والمعنى لا تجهر أيها # PageV01P104 # المصلي بصلاتك تحسنها مراءاة في العلانية ولا تخافت بها تسئ في القيام بها في السريرة. # وصلاة الغداة يجهر بها وان كانت من صلاة النهار، لان النبي ms064 عليه السلام صلاها في غلس الصبح. # (فصل) وقال قوم: يمكن أن يستدل على أن الصلاة على النبي وآله في التشهد واجب بقوله ﴿يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما﴾ (١)، وهو أمر، وهو في الشرع على الوجوب. # والاجماع حاصل باستحباب الصلاة على النبي وآله في كل موضع وعلى كل حال. # ووجوبها لا يعتبر الا في التشهد والقنوت في كل صلاة مستحب في الموضع المخصوص منها، يدل عليه قوله تعالى ﴿وقوموا لله قانتين﴾ (2). قال صاحب العين: # القنوت في الصلاة دعاء بعد القراءة في آخر الركعتين يدعو قائما. # فإذا قيل: القنوت هو القيام الطويل ههنا. # قلنا: المعروف في الشريعة أن هذا الاسم يختص الدعاء، ولا يعرف من اطلاقه سواه 3. على انا نحمله على الامرين لأنه عام. # ويجوز الدعاء في الصلاة أين شاء المصلي منها. والحجة - بعد اجماع الطائفة - ظاهر أمر الله بالدعاء على الاطلاق، قال تعالى (قل ادعوا الله أو ادعوا # PageV01P105 # الرحمن) (١) وقال ﴿ادعوني استجب لكم﴾ (٢). # وقال قوم: القنوت السكوت، وقوله (قوموا لله قانتين) يدل على أن الكلام والتحدث في الصلاة محظور نهى الله عنه. وهذا التأويل أيضا غير مستبعد، مع أنه لا ينافي ما قدمناه. ويجوز أن يكون الكل مرادا. # (فصل) ويجب القراءة في الركعتين الأوليين على التضيق للمنفرد، والمصلي مخير في الركعتين الأخيرتين بين القراءة والتسبيح. ويمكن أن يستدل عليه بقوله ﴿فاقرأوا ما تيسر من القرآن﴾ (٣)، لان ظاهر هذا القول يقتضي عموم الأحوال كلها التي من جملتها أحوال الصلاة. # ولو تركنا وظاهر الآية قلنا: ان القراءة واجبة كلها تضييقا، لكن لما دل الدليل على وجوبها في الأوليين على التضيق وفى الأخيرتين يجب على التخيير للمنفرد، قلنا بجواز التسبيح في الأخيرتين، الا أن الأثر ورد بأن القراءة للامام في الأخيرتين أيضا أفضل من التسبيح. # وافتتاح الصلاة المفروضة يستحب بسبع تكبيرات، يفصل بينهن بتسبيح وذكر الله. والوجه فيه - بعد اجماع الفرقة المحقة - هو أن الله ندبنا في كل الأحوال إلى تكبيره وتسبيحه واذكاره الجميلة، وظواهر آيات كثيرة من القرآن تدل عليه، مثل ms065 قوله ﴿يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا وسبحوه بكرة وأصيلا﴾ (4) فوقت افتتاح الصلاة داخل في عموم الاخبار التي أمرنا فيها بالأذكار. # PageV01P106 # ويجب الطمأنينة في الركوع والسجود، وكذا بعد رفع الرأس منهما. # وقد بين النبي عليه السلام كيفية الصلاة من الفرائض والسنن وما يترك لأمر الله بذلك، قال تعالى (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس)، ورواها علماء أهل البيت. وعلى صحة جميع ذلك اجماع الطائفة، وهو دليل قاطع، ففي أول ركعة ثلاثة عشر فعلا مفروضا، وكذا في كل ركعة الا النية [وتكبيرة الاحرام] (١). # (باب هيئات الصلاة) قال الله تعالى ﴿فصل لربك وانحر﴾ (2). # أمر منه تعالى لنبيه، ويدخل فيه جميع المكلفين، يأمرهم الله بالصلاة وأن ينحروا. # قال قوم: معناه صل لربك الصلاة المكتوبة واستقبل القبلة بنحرك، تقول العرب (منازلنا تتناحر) أي تتقابل، أي هذا ينحر ذا، يعنى يستقبله. وأنشد: # أبا حكم هل أنت عم مجالد * وسيد أهل الأبطح المتناحر (3) وهذا قول الفراء. # وروي عن مقاتل بن حيان عن الأصبغ بن نباتة عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: لما نزلت هذه السورة قال رسول الله لجبرئيل: ما هذه النحيرة التي أمرني بها ربى؟ قال: ليست بنحيرة، وانما يأمرك إذا تحرمت للصلاة ان ترفع يديك إذا كبرت وإذا ركعت وإذا رفعت رأسك من الركوع وإذا سجدت، فإنه صلاتنا وصلاة الملائكة في السماوات السبع، وان لكل شئ زينة وان زينة الصلاة رفع الأيدي عند كل تكبيرة (4). # PageV01P107 # وأما ما رووه عن علي عليه السلام أن معناه ضع يدك اليمنى على اليسرى حذاء النحر في الصلاة (١). فمما لا يصح عنه، لان جميع عترته الطاهرة قد رووا عنه بخلاف ذلك، وهو أن معناه ارفع يديك إلى النحر في الصلاة حسب ما قدمناه. # وكذا روي عن عمر بن يزيد عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله تعالى (فصل لربك وانحر) هو رفع يديك حذاء وجهك (٢). # وروى مثله عنه عليه السلام عبد الله بن سنان (٣). # وقال حماد بن عثمان: سألته ما النحر؟ فرفع يديه إلى صدره فقال: ms066 هكذا. # يعني استقبل بيديه القبلة في استفتاح الصلاة (٤). # وعن جميل: قلت لأبي عبد الله عليه السلام (فصل لربك وانحر) فقال بيده هكذا. يعنى استقبل بيديه حذو وجهه القبلة في افتتاح الصلاة (٥). # وقال النبي عليه السلام: رفع الأيدي من الاستكانة. قيل: وما الاستكانة؟ # قال: ألا تقرأ هذه الآية (فما استكانوا لربهم وما يتضرعون) (٦). # وقد أورد الثعلبي والواحدي في تفسيريهما الحديث الذي قدمناه عن الأصبغ عن علي عليه السلام، وجعلا هذا الخبر من تمامه، وهو الصحيح. # وروى جماعة عن الباقر والصادق عليهما السلام في قوله ﴿وتبتل إليه تبتيلا﴾ (7) أن التبتيل هنا رفع الأيدي في الصلاة (8). # PageV01P108 # وفى رواية: هو رفع يديك إلى الله وتضرعك إليه (١). # والعموم يتناولهما. # (فصل) وقال تعالى ﴿وان المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا﴾ (2). # قال الفراء والزجاج: المساجد مواضع السجود من الانسان الجبهة واليدان والرجلان. # وزاد في رواية أصحابنا عنهم عليهم السلام تفصيلا فقالوا في قوله (وان المساجد لله) السجود على سبعة أعظم فريضة الجبهة واليدين والركبتين وطرف أصابع الرجلين (3). # والمعنى أنه لا ينبغي أن يسجد بهذه الأعضاء لاحد سوى الله، أي ان الصلاة لا تجب الا لله لأنها عبادة، والعبادة غاية الشكر، والشكر يجب على النعمة، وغاية الشكر - التي هي العبادة - تجب على أصول النعمة، وهي خلق الحياة والقدرة والشهوة [..] (4) وغيرها مما لا يدخل تحت مقدور القدر، ولا يقدر على أصول النعمة غير الله، فلا تجب العبادة الا له تعالى. # وقال تعالى (فلا تدعوا مع الله أحدا) أي لا تراؤوا أحدا، نهاهم الله عن الرياء في الصلاة حتى لا يراؤوا بها غيره، فإنها لا تكون مقبولة الا إذا كانت خالصة لله تعالى. # والسجود على هذه الأعضاء السبعة واجب، ووضع الانف على الأرض سنة، وكنايتهم عليهم السلام فيه الارغام بالأنف سنة (5). # PageV01P109 # وقال بعضهم: الانف والجبهة عظم واحد، فلا تقبل صلاة لا يصيب الانف منها ما يصيب الجبهة، وهذا لشدة تأكيد الندب في ذلك. # (فصل) قوله (قد أفلح المؤمنون * الذين هم في صلاتهم خاشعون) ١. # قال مجاهد: هو غض الطرف وخفض ms067 الجناح، أي بقيت أعمالهم الصالحة فهم خافضون متذللون فيها لله. # وقيل: الخشوع هو أن ينظر المصلي إلى موضع سجوده في حال القيام وينظر في حال الركوع إلى ما بين قدميه، أو يغمض عينه في هذه الحالة، وأما في حال السجود فإلى طرف أنفه، وفي جلوسه إلى حجره. # وروي أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يرفع بصره إلى السماء، فلما نزلت هذه الآية طأطأ رأسه ونظر إلى مصلاه (٢). # وانما أعاد ذكر الصلاة ههنا بقوله ﴿والذين هم على صلاتهم يحافظون﴾ (3) مع جري ذكرها في الآية المقدمة، لأنه أمر بالخشوع في أول الآيات وأمر في آخرها بالمحافظة عليها والقراءة بالتوحيد، لان الصلاة اسم جنس يقع على القليل والكثير أي لا يضيعونها وهم يواظبون على أدائها. # وفي تفسير أهل البيت عليهم السلام: ان معناه الذين يحافظون على مواقيت الصلاة فيؤدونها في أوقاتها ولا يؤخرونها حتى يخرج وقتها (4). وبه قال أكثر المفسرين. # PageV01P110 # (فصل) وقوله ﴿يسبح له فيها بالغدو والآصال * رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وأقام الصلاة﴾ (١). # قال ابن عباس: كل تسبيح في القرآن صلاة. # وروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام: ان الله مدح قوما بأنهم إذا دخل وقت الصلاة تركوا تجارتهم وبيعهم واشتغلوا بالصلاة (٢). # وهذان الوقتان من أصعب ما يكون على المتبايعين، وهما الغداة والعشي. # وقوله ﴿قل ان صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين * لا شريك له﴾ (3) انما أضاف الصلاة إلى أصل الواجبات من التوحيد والعدل، لان فيها التعظيم لله عند التكبير، وفيها تلاوة القرآن التي تدعو إلى كل بر، وفيها الركوع والسجود وهما غاية خضوع لله، وفيها التسبيح الذي هو تنزيه الله تعالى. # وانما جمع بين صلاته وحياته وإحداهما من فعله والأخرى من فعل الله، لأنهما جميعا بتدبير الله. # والكيفيات المفروضة في أول ركعة ثمانية عشر، وفي أصحابنا من يزيد في العدد (4)، وان كانت الواجبات بحالها في القولين. # PageV01P111 # وفي الركعة الثانية مثلها، الا كيفية النية وكيفية التكبير. # وفي التشهد يجب ستة أشياء، ويستدل عليها ms068 من فحوى الآيات التي تقدم ذكرها، ومن الآيات التي يأتي بيانها من بعد. # (فصل) قال الله تعالى ﴿حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى﴾ (1). # ومعنى الآية حث على مراعاة الصلوات ومواقيتهن، وان لا يقع فيها ولا في شرائطها ولا في أفعالها ولا في كيفياتها التي بين رسول الله صلى الله عليه وآله وجوبها تضييع وتفريط. وهذا عام في جميع واجباتها من الافعال والتروك وكيفياتها والفرائض والسنن. # وقوله (الصلاة الوسطى) هي العصر فيما روي عن النبي صلوات الله عليه وآله وعن علي عليه السلام وعن ابن عباس والحسن (2). وقال ابن عمر وزيد بن ثابت انها الظهر، وهو المروي عن أبي جعفر وأبى عبد الله عليهما السلام (3). وقال قبيصة بن ذؤيب هي المغرب. وقال جابر هي الغداة. وعن ابن عمر هي واحدة من الخمس غير مميزة. # وقال الحسن بن علي المغربي: المعني بها صلاة الجماعة، [لان الوسط # PageV01P112 # العدل، فلما كانت صلاة الجماعة] (١) أفضلها خصت بالذكر. وهذا وجه مليح غير أنه لم يذهب إليه غيره. # فمن جعلها العصر قال لأنها بين صلاتي النهار وصلاتي الليل، وانما حث عليها زيادة لأنها وقت شغل الناس في غالب الامر. # ومن قال إنها صلاة الظهر قال لأنها وسط النهار، ولأنها أول صلاة فرضت فلها بذلك فضل. # ومن قال هي المغرب قال لأنها وسط في الطول والقصر من بين الصلوات، فهي أول صلاة الليل وقد رغب الله في الصلاة بالليل. # واما من قال هي الغداة قال لأنها بين الظلام والضياء، وهي صلاة لا تجمع معها غيرها. # ومن حمل الصلاة الوسطى على صلاة الجماعة، جعل الصلوات على عمومها من الفرائض. # ومن حملها على واحدة من الصلوات على الخلاف فيه اختلفوا: فمنهم من قال أراد بقوله (على الصلوات) ما عدا هذه الصلاة حتى لا يكون عطف الشئ على نفسه، ومنهم من قال لا يمتنع لمن يريد بالأول جميع الصلوات وخص هذه الصلاة بالذكر تعظيما لها وتأكيدا لفضلها وشرفها، كقوله ﴿وملائكته ورسله وجبريل وميكال﴾ (٢). # (فصل) اعلم أن الله تعالى لما حث على الطاعة ms069 بقوله ﴿ولا تنسوا الفضل بينكم﴾ (3) خص بعده الصلاة بالمحافظة عليها لأنها أعظم الطاعات، فقال (حافظوا على الصلوات) # PageV01P113 # أي داوموا على الصلوات المكتوبات في مواقيتها بتمام أركانها، ثم خص الوسطى تفخيما لشأنها، ثم اختلف فيها على ستة أقوال على ما ذكرنا. # واكد من ذكر أنها الظهر بقول النبي عليه السلام: إذا زالت الشمس سبح كل شئ لربنا، فأمر الله بالصلاة في تلك الساعة، وهي الساعة التي تفتح فيها أبواب السماء فلا تغلق حتى يصلى الظهر ويستجاب فيها الدعاء. وذكر أنها الجمعة يوم الجمعة، والظهر سائر الأيام. # ومن ادعى أنها العصر اكد قوله بقول النبي عليه السلام: الذي تفوته صلاة العصر (١) فكأنما وتر أهله وماله. # ومن ذكر أنها المغرب اكد قوله بقول النبي عليه السلام: ان أفضل الصلوات عند الله صلاة المغرب، لم يحطها الله عن مسافر ولا مقيم، فتح الله بها صلاة الليل وختم بها صلاة النهار، فمن صلى المغرب وصلى بعدها ركعتين بنى الله له قصرا في الجنة، ومن صلى بعدهما أربع ركعات غفر الله له ذنب عشرين أو أربعين سنة. # ومن زعم أنها صلاة العشاء الآخرة قال: لأنها بين صلاتين لا يقصران، وقال النبي عليه السلام: من صلى العشاء في جماعة كان كقيام نصف ليله. # ومن قال إنها إحدى الصلوات الخمس لم يعينها الله وأخفاها في جملة المكتوبات كلها ليحافظوا على كلها كما أخفى ليلة القدر في ليالي شهر رمضان واسمه الأعظم في جميع أسمائه وساعة الإجابة في ساعات الجمعة. # ومن قال إنها صلاة الفجر دل عليه أيضا من التنزيل بقوله ﴿وقرآن الفجران قرآن الفجر كان مشهودا﴾ (2) يعني تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار، وهي مكتوب في ديوان الليل وديوان النهار، ولأنها صلاة لا تجمع مع غيرها كما تقدم، فهي منفردة بين مجتمعتين، فقد جمع النبي عليه السلام بين الظهر والعصر وجمع بين المغرب # PageV01P114 # والعشاء بالمزدلفة، فصلاة الظهر متآخية لصلاة العصر وكذا المغرب للعشاء وصلاة الغداة منفردة. # ويستحب الجمع في هذين الموضعين - يعنى عرفة والمشعر - على الرجال والنساء في أي ms070 يوم كان من الأسبوع، وفي أية ليلة كانت سوى ليلة الجمعة أو غيرها من الليالي، ولا يستحب الجمع في غيرهما من المواضع بل هو رخصة، سواء كان في الحضر أو السفر، الا في يوم الجمعة فإنه يستحب فيه الجمع بين الظهر والعصر لا غير في كل بقعة وعلى كل حال. # ويلزم النساء خاصة الجمع بين الظهر والعصر والجمع بين المغرب والعشاء الآخرة في بعض وجوه استحاضتهن. # (فصل) ثم قال تعالى في آخر الآية (وقوموا لله قانتين) أي داعين، والقنوت هو الدعاء في الصلاة في حال القيام، وهو المروي عنهما عليهما السلام (1). وقيل ساكتين لأنهم نهوا بذلك عن الكلام في الصلاة. وقيل خاشعين، فنهوا عن العبث والالتفات في الصلاة، فالالتفات فيها إلى خلف محظور والى ما سواه من الجوانب مكروه. # والأصل في القنوت الاتيان بالدعاء وغيره من العبادات في حال القيام (2)، ويجوز أن يطلق في سائر الطاعات، فإنه وان لم يكن فيه القيام الحقيقي فان فيه القيام بالعبادة. # PageV01P115 # واستدل الشافعي على أنها هي الغداة بقوله (وقوموا لله قانتين) بمعنى وقوموا فيها لله قانتين. وهذا في جميع الصلوات عندنا. # والقنوت جهرا في كل صلاة، وعن زيد بن ثابت ان النبي عليه السلام كان يصلي الهاجرة وكانت أثقل الصلوات على أصحابه فلا يكون وراءه الا الصف والصفان، فقال: لقد هممت أن أحرق على قوم لا يشهدون الصلاة بيوتهم، فنزل قوله (حافظوا على الصلوات) (١). # (فصل) وقوله ﴿انما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون﴾ (٢). # لا خلاف بين الأمة أن هذه الآية نزلت في أمير المؤمنين عليه السلام حين تصدق بخاتمه وهو راكع، روى ذلك المغربي عن أبي بكر الرازي والطبري والرماني ومجاهد والسدي، وقالوا: المعني بالآية هو الذي أتى الزكاة في حال الركوع، وهو قول أهل البيت عليهم السلام (٣). # [وأجمعت الأمة على أنه لم يؤت الزكاة في الركوع غير أمير المؤمنين عليه السلام] (٤). # وفي هذه الآية دلالة عن أن العمل القليل لا يفسد الصلاة. # وقيل في قوله ﴿وعنت الوجوه ms071 للحي القيوم﴾ (5) هو وضع الجبهة والأنف في السجود على الأرض. # PageV01P116 # (فصل) وقوله تعالى ﴿وأقم الصلاة لذكري﴾ (١) قال قوم معناه متى ذكرت أن عليك صلاة كنت في وقتها فأقمتها أو فات وقتها فاقضها، سواء فاتت عمدا أو نسيانا. # وقيل: معناه أقم أيها المكلف الصلاة لتذكرني فيها بالتسبيح والتعظيم واني أذكرك (٢) بالمدح والثواب. # وقال تعالى ﴿فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة﴾ (٣) أي تركوها، وقيل أي أخروها عن مواقيتها، وهو الذي رواه أصحابنا. # وقال ﴿فويل للمصلين * الذين هم عن صلاتهم ساهون﴾ (4) وهذا تهديد لمن يؤخرها عن وقتها، لأنه تعالى قال (عن صلاتهم) ولم يقل ساهون فيها. وانما ذم من وقع منه السهو مع أنه ليس من فعل العبد بل هو من فعل الله، لان الذم توجه في الحقيقة على التعرض للسهو بدخوله فيها على وجه الرياء وقلبه مشغول بغيرها لا يرى لها منزلة تقتضي صرف الهمة إليها. # وعن يونس بن عمار: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قوله (الذين هم عن صلاتهم ساهون) أهي وسوسة الشيطان؟ قال: لا كل أحد يصيبه هذا ولكن ان يغفلها ويدع أن يصلي في أول وقتها (5). # وعن أبي أسامة زيد الشحام سألته أيضا عن قوله (الذين هم عن صلاتهم ساهون). قال: هو الترك لها والتواني عنها (6). # PageV01P117 # وعن محمد بن الفضيل عن أبي الحسن عليه السلام قال: هو التصنيع لها (١). # وعن ابن عباس: هم الذين يؤخرون الصلاة عن أوقاتها. # وقيل: يريد المنافقين الذين لا يرجون لها ثوابا ان صلوا ولا يخافون عليها عقابا ان تركوا، فهم عنها غافلون حتى يذهب وقتها، فإذا كانوا مع المؤمنين صلوها رياءا، وإذا لم يكونوا معهم لم يصلوا، وهو قوله (الذين هم يراؤن). # وقيل: ساهون عنها لا يبالون صلوا أو لم يصلوا. # وعن أبي العالية: هم الذين لا يصلونها لمواقيتها ولا يتمون ركوعها ولا سجودها، هم الذين إذا سجدوا قالوا برؤوسهم هكذا وهكذا ملتفتين. # وقال أنس: الحمد لله الذي قال (عن صلاتهم) ولم يقل في صلاتهم. أراد بذلك أن السهو الذي يقع للانسان ms072 في صلاته من غير عزم لا يعاقب عليه. # (فصل) وقوله تعالى ﴿فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله﴾ (2). # خاطب محمدا صلى الله عليه وآله، والمراد به هو وجميع المكلفين، أي إذا أردت قراءة القرآن فاستعذ بالله، لان بعد القراءة لا تكون الاستعاذة الا عند من لا يعتد بخلافه. # وقيل: هو التقديم والتأخير. وهذا ضعيف، لان ذلك لا يجوز مع ارتفاع اللبس والشبهة. # والاستعاذة عند التلاوة مستحبة الا عند أهل الظاهر، فإنهم قالوا (فاستعذ بالله) أمر وهو على الايجاب. ولولا الرواية عن أهل البيت أنها مستحبة وعلى صحتها اجماع الطائفة لقلنا بوجوبها. # والتعوذ في الصلاة مستحب في أول ركعة دون ما عداها، وتكراره في كل. # PageV01P118 # ركعة يحتاج إلى دليل ولا دليل. # ويسر في التعوذ في جميع الصلوات، ويجب الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم في الحمد وفى كل سورة بعدها في كل صلاة يجب الجهر فيها، وتجب قراءته لأنه آية من كل سورة، والدليل عليه اجماعنا الذي تقدم أنه حجة، فان كانت الصلاة مما لا يجهر فيها استحب الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم فيها. # واختلف فيه أيضا، فقيل إنه مقصور على الركعتين الأوليين من الظهر والعصر والأظهر انه على العموم في جميع المواضع التي كانت فيها من الصلوات. # وقالوا في قوله ﴿واذكر اسم ربك﴾ (١) أي اقرأ أيها المخاطب بسم الله الرحمن الرحيم في أول كل سورة. # (فصل) قال الله تعالى (وانه لتنزيل رب العالمين) إلى قوله ﴿بلسان عربي مبين﴾ (٢). # تدل هذه الآية أن من قرأ بغير العربية معنى القرآن بأي لغة كانت في الصلاة كانت صلاته باطلة، لان ما قرأه لم يكن قرآنا. # وان وضع لفظا عربيا موضع لفظ من القرآن يكون معناهما واحدا فكمثله، فإنه تعالى وصف اللسان بصفتين، ألا ترى انه تعالى أخبر انه انزل القرآن بلسان عربي مبين، وقال تعالى ﴿انا أنزلناه قرآنا عربيا﴾ (3) فأخبر انه أنزله عربيا. # فمن قال: إذا كان بغير العربي فهو قرآن، فقد ترك الآية، وقال تعالى (وما أرسلنا من رسول الا بلسان قومه) (4). وعند أبي حنيفة ms073 أرسل الله رسوله بكل لسان. # PageV01P119 # وإذا ثبت أنه بغير العربية لا يكون قرآنا سقط قولهم وثبت أنها لا تجزي. # على أن من يحسن الحمد لا يجوز أن يقرأ غيرها، لقوله عليه السلام: كل صلاة ليس فيها فاتحة فهي خداج (١). # فإن لم يحسن الحمد وجب عليه أن يتعلمها، فان ضاق عليه الوقت وأحسن غيرها قرأ ما يحسن، فإن لم يحسن الا بعض سورة قرأه، فإن لم يحسن شيئا أصلا ذكر الله وكبره. ولا يقرأ معنى القرآن بغير العربية. # (فصل) وقوله تعالى ﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها﴾ (٢). # يدل على أنه يجوز للمصلي أن يدعو لدينه ودنياه ولاخوانه، لأنه قال (فادعوه) ولم يستثن حال الصلاة، وظاهره في عرف الشرع الاستغراق والعموم فلا مانع. # وإذا سلم عليه وهو في الصلاة رد عليه مثله، يقول (سلام عليكم) ولا يقول (وعليكم السلام) فإنه يقطع الصلاة. # ويمكن أن يكون الوجه في ذلك أن لفظة (سلام عليكم) من ألفاظ القرآن يجوز للمصلي أن يتلفظ بها تاليا للقرآن وناويا لرد السلام، إذ لا تنافي بين الامرين، قال الله تعالى ﴿وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها﴾ (3). # قال الحسن وجماعة من متقدمي المفسرين: ان السلام تطوع والرد فرض، لقوله (فحيوا) والامر شرعا على الوجوب، فإذا أطلق الامر ولم يقيده بحال دون حال فالمصلي إذا سلم عليه وهو في الصلاة فليرد عليه مثل ذلك. # PageV01P120 # وسمعت بعض مشايخي مذاكرة أنه مخصوص بالنوافل، والأظهر أنه على العموم. # ومن شجون الحديث (١) أن رسول الله صلى الله عليه وآله دعا أبا سعيد الخدري وهو في الصلاة فلم يجبه، فوبخه وقال: ألم تسمع قول الله ﴿يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم﴾ (٢). # (فصل) وقوله تعالى (الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم) (٣)، أي يصلون على قدر امكانهم في صحتهم وسقمهم، وهو المروى في اخبارنا (٤)، لان الصلاة يلزم التكليف ما دام عقله ثابتا، فإن لم يتمكن من الصلاة لا قائما ولا قاعدا ولا مضطجعا فليصل موميا، يبدأ بالصلاة بالتكبير ويقرأ، فإذا أراد الركوع غمض ms074 عينيه، فإذا رفع رأسه فتحهما، وإذا أراد السجود غمضهما، وإذا رفع رأسه فتحهما، وإذا أراد السجود الثاني غمضهما، وإذا رفع رأسه فتحهما، وعلى هذا صلاته. # وقوله ﴿فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة﴾ (5) إن كان صلى ركعة مستلقيا هكذا ثم قوي على أن يصلي مضطجعا، أو كان صلى مضطجعا وقدر أن يصلي قاعدا، أو كان يصلي قاعدا فقوي أن يصلي قائما رجع إليه. # وكذا على عكسه ان صلى ركعة قائما فضعف عن القيام صلى الباقي قاعدا. # PageV01P121 # وعن ابن مسعود نزلت هذه الآية في صلاة المريض، لقوله (وقعودا وعلى جنوبهم). # والعريان إذا كان بحيث لا يراه أحد صلى قائما، وإذا كان بحيث لا يأمن أن يراه أحد صلى جالسا، للآية ولقوله ﴿ما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ (١). # وقال ابن عباس: لم يعذر أحد في تركه للصلاة الا مغلوب على عقله. وهذا يدل على عظم حال الصلاة. # (فصل) وقوله تعالى ﴿فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ (٢). # يستدل بهذه الآية على أن من ترك الصلاة متعمدا يجب قتله البتة على بعض الوجوه، لان الله تعالى أوجب الامتناع من قتل المشركين بشرطين: أحدهما أن يتوبوا من الشرك، والثاني أن يقيموا الصلاة. فإذا لم يقيموا وجب قتلهم. # ثم قال ﴿فان تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم﴾ (٣) تقديره فهم اخوانكم. # أما قوله ﴿وما كان صلاتهم عند البيت الا مكاءا وتصدية﴾ (٤)، فمعناه انه اخبار من الله تعالى انه لم يكن صلاة هؤلاء الكفار تلك الصلاة التي أمروا بها، فأخبر تعالى بذلك لئلا يظن ظان ان الله لا يعذبهم مع كونهم مصلين ومستغفرين. ثم قال تعالى ﴿وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام﴾ (5). # وانما سمى الله مكاءهم صلاة لأنهم يجعلون ذلك مكان الصلاة والدعاء # PageV01P122 # والتسبيح المشروع. والمكاء الصفير، والتصدية التصفيق. ولأنهم كانوا يعملون كعمل الصلاة مما في هذا. وقيل كان بعضهم يتصدى البعض ليراه بذلك الفعل وكان يصفر له. # (باب قضاء الصلاة وتركها) اعلم أن القضاء هو فرض ثان، يدل عليه السنة على سبيل التفصيل. ms075 ويستدل عليه من القرآن بقوله ﴿واذكر ربك إذا نسيت﴾ (١) على طريق الجملة، وعلى ما قدمناه في قوله ﴿وأقم الصلاة لذكري﴾ (٢). # ثم من كان مخاطبا بالصلاة ففاتته، فإن كان كافرا في الأصل فالصلاة الفائتة منه في حال كفره لا يلزمه قضاؤها، وإن كان مخاطبا بالشرائع بالدليل القاطع، وعموم قوله ﴿ان تجتنبون كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم ندخلكم مدخلا كريما﴾ (3) يشهد ببراءة ذمته التي هي الأصل. والسنة قد فصلت انه لا يلزمه قضاؤها. # فأما من كان على ظاهر الاسلام بالغا كامل العقل، فان جميع ما يفوته من الصلوات بعذر وغير عذر يلزمه قضاؤها حسب ما فاتته ان سفرا فسفر وان حضرا فحضر. وكذا ما يفوته في حال النوم المعتاد أو حال السكر أو تناول الأشياء المرقدة. # وإن كان على مذهب فاسد كالتشبيه ونحوه وكان صلى أو لم يصل، فإذا استبصر. # وجب عليه قضاء جميع ذلك. # PageV01P123 # (فصل) وقوله تعالى ﴿وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر﴾ (1) أي يخلف كل واحد منهما صاحبه مما يحتاج أن يعمل فيه، فمن فاته عمل الليل استدركه بالنهار، ومن فاته عمل النهار استدركه بالليل على الفور، وهو قوله (لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا). # عن أكثر المفسرين: ان الله أراد أن يجعل الليل والنهار وقتين للمتذكرين والشاكرين من فاته في أحدهما ورده من العبادة قام به في الاخر. # وعن عنبسة العابد سألت الصادق عليه السلام عن قول الله (وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا)؟ قال: قضاء صلاة الليل بالنهار وقضاء صلاة النهار بالليل (2). # وفى رواية عن غيره أن أبا عبد الله عليه السلام قال في قوله (وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة) يقضى صلاة النهار بالليل وصلاة الليل بالنهار (3). # وقوله (لمن أراد أن يذكر) كلام مجمل يفسره قوله عليه السلام: من نسي صلاة فوقتها حين يذكرها (4). يعني إذا ذكر أنها فاتته قضاها لقوله تعالى (أقم الصلاة لذكرى). # PageV01P124 # (باب ذكر صلاة الليل وذكر جميع النوافل) قال ms076 الله تعالى ﴿يا أيها المزمل * قم الليل﴾ (١). # وهذا أمر من الله لنبيه عليه السلام بقيام جميع الليل الا القليل منه، والخطاب معه حين التف بثيابه تأهبا للصلاة. وقيل التف بثيابه للنوم. وقال الحسن: # ان الله فرض على النبي والمؤمنين أن يقوموا ثلث الليل فما زاد، فقاموا حتى تورمت أقدامهم ثم نسخ تخفيفا عنهم. وقال غيره: هو فعل لم ينسخ، لأنه لو كان فرضا لما خير في ذلك وانما بين تخفيف الثقل. # وقال قوم: المرغب فيه قيام ثلث الليل أو نصف الليل أو الليل كله الا القليل، وانما لم يرغب بالآية في قيام جميعه لأنه تعالى قال (الا قليلا * نصفه أو انقص منه قليلا * أو زد عليه) يعني على النصف. # وقال الزجاج: نصفه بدل من الليل بدل البعض من الكل، كقوله (ضرب زيد رأسه)، والمعنى قم نصف الليل أو زد على نصف الليل، وذلك قبل أن يتعبد بالصلوات الخمس. # وعن ابن عباس وغيره: كان بين أول السورة وآخرها الذي نزل فيه التخفيف سنة. وقال ابن جبير عشر سنين. وقال الحسن وعكرمة نسخت الثانية الأولة. # والأولى أن يكون الكلام على ظاهره ويكون جميع ذلك سنة مؤكدة الا أنه ليس بفرض. # (فصل) وقوله ﴿ورتل القرآن ترتيلا﴾ (2) أمر من الله له بأن يرتل القراءة. # PageV01P125 # والترتيل ترتيب الحروف على حقها في تلاوتها وتبيين الاعراب تثبت فيها. # والحدر هو الاسراع فيها. وكلاهما حسن، الا أن الترتيل ههنا هو المرغب فيه. # و ﴿ناشئة الليل﴾ (١) ساعات التهجد من الليل. وقال أبو جعفر وأبو عبد الله عليهما السلام هو القيام آخر الليل إلى صلاة الليل (٢). # والمعنى ان عمل الليل أشد ثباتا من عمل النهار وأثبت في القلب من عمل النهار، لأنه يواطئ فيه القلب اللسان لانقطاع الشغل وفراغ القلب، وثوابه أعظم لان عمل الليل أشد على البدن من عمل النهار. # ثم قال ﴿ان ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه﴾ (٣). في الناس من قال: هذه الآية ناسخة لما في أول السورة من الامر الحتم بقيام الليل ms077 الا قليلا (نصفه أو انقص منه). # وقال آخرون: انما نسخ ما كان فرضا إلى أن صار نفلا. # وقد قلنا: الامر في أول السورة على وجه الندب، فكذا ههنا، فلا تنافي بينهما حتى ينسخ بعضها ببعض. # (فصل) وقوله ﴿واذكر ربك بكرة وأصيلا﴾ (٤). البكرة الغداة، والأصيل العشي، وهو أصل الليل. # ﴿ومن الليل فاسجد له﴾ (5) دخلت من للتبعيض، يعني فاسجد له في بعض الليل. # PageV01P126 # لأنه يأمر بقيام جميع الليل، كما قال ﴿ان ربك يعلم انك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه﴾ (١). والمعنى ان ربك يعلم يا محمد انك تقوم أدنى، أي أقرب وأقل من ثلثي الليل (ونصفه وثلثه) أي أقل من نصفه ومن ثلثه، والهاء تعود إلى الليل أي نصف الليل وثلث الليل، معناه انك تقوم في بعض الليالي قريبا من الثلثين وفى بعضها قريبا من نصف الليل وفى بعضها قريبا من ثلثه. # وقيل إن الهاء تعود إلى الثلثين، أي وأقرب من نصف الثلثين ومن ثلث الثلثين. وإذا نصبت فالمعنى وتقوم نصفه وثلثه ويقوم طائفة من الذين معك. # وقوله تعالى ﴿والله يقدر الليل والنهار﴾ (٢) أي يقدر أوقاتهما لتعلموا منها على ما يأمركم به. # (علم أن لن تحصوه) أي تطيقوا المداومة على قيام الليل ويقع منكم التقصير فيه (فتاب عليكم) بأن جعله تطوعا ولم يجعله فرضا. وقيل أي فخفف عليكم. # ﴿فأقروا ما تيسر من القرآن﴾ (3) الان، يعنى في الصلاة عند أكثر المفسرين. # وأجمعوا أيضا على أن المراد بالقيام المتقدم في قوله (قم الليل) هو القيام إلى الصلاة الا ابا مسلم فإنه قال أراد القيام لقراءة القرآن. # (علم أن سيكون منكم مرضى) وذلك يقتضي التخفيف عنكم (وآخرون يضربون في الأرض) أي ومنكم آخرون ويسافرون للتجارة وطلب الأرباح، ومنكم قوم آخرون يقاتلون في سبيل الله، فكل ذلك يقتضي التخفيف عنكم، (فاقرأوا ما تيسر منه). # وروي عن الرضا عن أبيه عن جده عليهم السلام قال: (فاقرأوا ما تيسر منه) لكم فيه خشوع القلب وصفاء السر وأقيموا الصلاة لحدودها التي أوجبها الله عليكم. # PageV01P127 # (فصل) وقوله تعالى ﴿كانوا ms078 قيلا من الليل ما يهجعون﴾ (١). # قال الزهري: (كانوا) يعني المتقين الذين وعدهم بالجنات، قليلا ما يهجعون بالليل في دار التكليف، أي كان هجوعهم قليلا، فتكون ما مصدرية. وقال الحسن ما صلة وتقديره كانوا يهجعون هجوعا قليلا. وقال قتادة: كان هجوعهم قليلا في جنب يقظتهم للصلاة والعبادة. # وقال أبو عبد الله عليه السلام في قوله ﴿وبالاسحار هم يستغفرون﴾ (٢) في الوتر في آخر الليل سبعين مرة (٣). # وقال في قوله (كانوا قليلا من الليل ما يهجعون) أي كانوا أقل الليالي يفوتهم لا يقومون فيها، وكان القوم ينامون ولكن كلما انقلب. أحدهم قال (الحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر) (٤). # وقال عليه السلام في قوله ﴿وأقوم قيلا﴾ (٥) قيام الرجل عن فراشه يريد به الله لا يريد به غيره (٦). # وقال مجاهد في قوله ﴿وبالاسحار هم يستغفرون﴾ (7) أي يصلون في السحر. # وعن الحسن يطلبون من الله المغفرة. والحمل عليهما للعموم أحسن. # PageV01P128 # و (السحر) الوقت قبل طلوع الفجر، وهو من أفضل الأوقات، قال تعالى ﴿المستغفرين بالاسحار﴾ (١) أي المصلين بها يسألون المغفرة فيها. وقد تطلب المغفرة بالصلاة كما تطلب الدعاء. # وقال عمران بن حصين في قوله ﴿والشفع والوتر﴾ (٢) هي الصلاة فيها شفع ووتر. # وعن أبي عبد الله عليه السلام ان قوله تعالى ﴿والباقيات الصالحات﴾ (٣) هي القيام آخر الليل لصلاة الليل والدعاء في الأسحار. وسميت باقيات لان منافعها تبقى وتنفع أهلها في الدنيا والآخرة، بخلاف ما نفعه مقصور على الدنيا فقط. وقيل هي قوله (سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر) (٤) عقيب الصلوات وفي غيرها (٥). # (فصل) وقوله تعالى ﴿ومن الليل فتهجد به نافلة لك﴾ (6). # خاطب نبيه عليه السلام، ومن للتبعيض، والتهجد التيقظ بما ينفي الهجود، وهو النوم كالتأثم والتحرج. # قال المبرد: التهجد عند أهل اللغة السهر للصلاة أو لذكر الله، فإذا سهر # PageV01P129 # للصلاة قيل تهجد، وإذا أراد النوم قيل هجد (١). # والنافلة فعل ما فيه الفضيلة مما رغب الله فيه ولم يوجبه (٢). # وقوله (نافلة لك) وجه هذا الاختصاص هو أنه أتم الترغيب لما في ذلك من ms079 الصلاح لامته في الاقتداء به والدعاء الا الاستيذان بسنته. # وروي أنها فرضت عليه ولم تفرض على غيره فكانت فضيلة له - ذكره ابن عباس، واليه أشار أبو عبد الله عليه السلام (٣). # والسنة مضافة إلى الله من حيث دلنا عليها وعلى تحريم الحرام منها وتحليل الحلال، وتضاف إلى النبي عليه السلام من حيث سمعناها منه وكان هو المبتدئ بها. # (فصل) وقوله ﴿تتجافى جنوبهم عن المضاجع﴾ (٤) عنهما عليهما السلام أن الآية متناولة لمن يقوم إلى صلاة الليل عن لذة مضجعه في وقت السحر، (٥) وقد مدح الله القائمين بالليل قال ﴿تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود﴾ (6) هو ما يظهر في وجوههم من السهر بالليل. عن ابن عباس أثر صلاتهم يظهر في وجوههم. وعن زين العابدين عليه السلام خلوا بالله فكساهم نورا من نوره. # PageV01P130 # وقال أبو جعفر عليه السلام: من استغفر الله في وقت السحر سبعين مرة فهو من أهل هذه الآية ﴿وبالاسحار هم يستغفرون﴾ (١). وقال في قوله ﴿الا المصلين * الذين هم على صلاتهم يحافظون﴾ (٢). ان ذلك في النوافل يدعون عليها. وفي قوله ﴿والذين هم على صلواتهم يحافظون﴾ (٣). في الفرائض والواجبات. وقوله ﴿واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا وسبح بحمد ربك حين تقوم﴾ (٤) قال أبو الأحوص معناه حين تقوم من نومك. # وقيل معناه صل النوافل بحمد ربك حين تقوم من نوم القائلة قبل فريضة الظهر، (ومن الليل) يعنى حين تقوم من النوم فصل نوافل الليل (وأدبار النجوم) ركعتا الفجر قبل الفرض (وأدبار السجود) نوافل المغرب. # (باب أحكام الجمعة) قال الله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله﴾ (5). # (من) ههنا بمعنى في الدالة على الظرفية، بدليل أن النداء للصلاة المشار إليها في وسط الجمعة، ولو كانت من التي تختص بابتداء الغاية لكان النداء في أول يوم الجمعة، فهو على اضمار مصدر محذوف حذف لدلالة الكلام عليه، ومعناه إذا سمعتم اذان يوم الجمعة فامضوا إلى الصلاة. # PageV01P131 # قال قتادة: امضوا إلى الصلاة مسرعين ms080 غير متغافلين. وقال الزجاج: المعنى فامضوا لا السعي الذي هو الاسراع. قال: وقرأ ابن مسعود: فامضوا إلى ذكر الله، ثم قال: لو علمت الاسراع لأسرعت حتى يقع ردائي من كتفي، قال وكذلك كان يقرأ. قال الحسن: والله ما أمروا الا بأن يأتوا الصلاة وعليهم الوقار والسكينة. وقال الزجاج: أي اقصدوا، والسعي التصرف في كل عمل، يدل عليه قوله ﴿وأن ليس للانسان الا ما سعى﴾ (١) أي بما عمل، ومنه قوله ﴿لتجزى كل نفس بما تسعى﴾ (2). # وعن أبي جعفر عليه السلام: السعي قص الشارب ونتف الإبط وتقليم الأظفار والغسل والتطيب ليوم الجمعة ولبس أفضل الثياب والذكر (3). # خاطب الله المؤمنين انه إذا أذن لصلاة الجمعة وكذلك إذا صعد الامام المنبر يوم الجمعة، وذلك لأنه لم يكن على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله سواه (4) (فاسعوا إلى ذكر الله) أي فامضوا إلى الصلاة مسرعين غير متثاقلين. وقيل ما هو السعي على الاقدام ولكن بالقلوب والنية والخشوع، فقد نهوا أن يأتوا الصلاة الا وعليهم السكينة والوقار. # وقال السائب بن يزيد: كان لرسول الله مؤذن واحد وهو بلال، فكان إذا جلس على المنبر اذن على باب المسجد، فإذا نزل أقام للصلاة، ثم كان أبو بكر وعمر كذلك، حتى إذا كان في عهد عثمان وكثر الناس وتباعدت المنازل زاد أذانا، فأمر بالتأذين الأول على سطح دار له بالسوق، فإذا جلس عثمان على المنبر أذن مؤذنه، فإذا نزل أقام للصلاة، فلم يعب ذلك عليه (5). # PageV01P132 # وليس هذا دليلا شرعيا، بل قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو رد. # (فصل) اعلم أن فرض الجمعة يلزم جميع المكلفين، لعموم قوله (فاسعوا إلى ذكر الله) الا صاحب العذر من سفر أو مرض أو عمى أو عرج أو آفة وغير ذلك. # ويعتبر فيه أيضا الذكورة والحرية. # وعند اجتماع شروطه لا تجب الا عند حضور سلطان عادل أو من نصبه. # ويتكامل العدد عندنا ستة أو خمسة. # والمراد بذكر الله الخطبة التي هي تتضمن ذكر ms081 الله والمواعظ، وأقل ما يكون أربعة أصناف: حمد الله، والصلاة على محمد وآله، والوعظ، وقراءة سورة خفيفة من القرآن. # وقيل المراد بالذكر في الآية الصلاة التي فيها ذكر الله. # والنداء رفع الصوت حتى يصل إلى المقصود به، ومنه قولهم (لا ينداك مني مكروه) أي لا يصل مني إليك مكروه ولا يصيبك. والمراد به ههنا الاذان، فالمخاطب لصلاة الجمعة من يحصل فيه شرائط عشرة: الذكورة، والبلوغ، وكمال العقل، والحرية، والصحة من المرض، وارتفاع العمى، وارتفاع العرج، وأن لا يكون شيخا لا حراك به، وأن لا يكون مسافرا، ويكون بينه وبين الموضع الذي يصلى فيه الجمعة فرسخان فما دونه. # فعلى هذا إذا صلى المريض الظهر في بيته أربعا، ثم سعى إلى الجمعة فصلاها مع الامام كان فرضه أفضلهما وأزكاهما عند الله وان لم يقطع بواحدة منهما على التعيين. # قال الشيخ المفيد: وبذلك نص عن أئمة الهدى عليهم السلام. قال: ويؤيده PageV01P133 # أن الله تعالى قد دعاه إلى كل واحدة من الصلاة على التخيير ولم يحظر عليه الجمع بينهما إذا شاء، فوجب أن يكون الفرض أحدهما على الابهام فلم يتعين بحكم شرعي. # وقال آخرون: إذا لم يمكنه السعي إلى الجمعة وإن كان مقيما ففرضه أربع. # ويكره السفر يوم الجمعة قبل الصلاة لأنه مانع من أفعال الخير، وكل ما يمنع من الأفضل في الأعمال مكروه. # (فصل) وقوله تعالى (وذروا البيع) أي دعوا المبايعة، فمعناه إذا دخل وقت الصلاة اتركوا البيع والشراء. # قال الفراء: انما لم يذكر الشراء - وهو مثله - لان المشترى والبايع يقع عليهما البيعان، فإذا زالت الشمس من يوم الجمعة والحال هذه حرم البيع والشراء حتى تقضى الصلاة. # قال الحسن: كل بيع تفوت فيه الصلاة يوم الجمعة فإنه بيع حرام لا يجوز. # وهذا الذي يقتضيه ظاهر الآية، وهو مذهبنا. # وتحريم البيع يدل على تحريم سائر ما يشغل عن التوفر على سماع الذكر وتدبره حتى الكلام، لان النهي يدل على فساد المنهي عنه. # (ذلكم خير لكم) ذلك يعني ما أمرتكم به من حضور الجمعة واستماع ms082 الذكر وأداء الفريضة وترك البيع خير لكم وأنفع عاقبة لكم (ان كنتم تعلمون) صحة ما قلناه وتعلمون منافع الأمور ومضارها ومصالح أنفسكم ومفاسدها أي اعلموا ذلك. # وفي الآية - كما ذكرنا - دلالة على وجوب الجمعة وتحريم جميع التصرفات عند سماع اذان الجمعة، لان البيع انما خص بالنهي عنه لكونه من أعم التصرفات في أسباب المعاش. PageV01P134 # وفيها دلالة على أن الخطاب للأحرار، لان العبد لا يملك البيع، وعلى اختصاص الجمعة بمكان، ولذلك أوجب السعي إليه. # فان قيل: هل يجوز أن يخطب رجل ويصلي آخر. # قلنا: لا، وذلك أن السنة ثبتت بخلافة، ولم يحفظ عن أحد من أئمة الاسلام أنه تفرد بالصلاة دون الخطبة، فثبت أن فعل ما في السؤال بدعة، واستدل من فحوى الآية بعضهم على ذلك. # والامام إذا عقد صلاة الجمعة بتكبيرة الاحرام ثم تفرق عنه الناس بعد دخولهم فيها معه، تمم هو ركعتين ولم يصل أربعا الظهر، فإنه عقدها جمعة عقدا صحيحا، فلم ينقض ما عقده فعل من غيره لم يتعد إلى صلاته بالفساد، ويدل عليه قوله (وتركوك قائما). # (فصل) وقوله تعالى (فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض) أي إذا صليتم الجمعة وفرغتم عنها تفرقوا في الأرض واطلبوا الرزق في الشراء والبيع، وهذا إباحة ورخصة وليس بأمر، بل رفع الحظر الذي أوقعه بقوله (وذروا البيع). # وقد أطبقوا على أن هذا الامر الوارد بعد الحظر [يقتضى الإباحة، والصحيح أن حكم لفظ الامر الواقع بعد الحظر] (1) هو حكم أمر المبتدأ على الوجوب أو الندب أو الوقف على الحالين، فهو كذلك بعد الحظر. وهذا قوي في الدلالة على وجوب هذه الصلاة على هذه الهيئة، لأنها لو لم تجب لكان الانتشار مباحا قبل اتمامها، ويدخل في الانتشار سائر التصرف، خصوصا مع ذكر ابتغاء الفضل. # وقيل في قوله (وابتغوا من فضل الله) اي اطلبوا من فضله بعمل الطاعة # PageV01P135 # والدعاء له تعالى وعيادة المريض وحضور الجنائز وزيادة الاخوان في الله، واذكروا احسانه لتفلحوا. وقيل هذا أمر بزيادة التعقيب الذي يستحب يوم الجمعة. والعموم يتناول جميع ذلك. ms083 # والامام إذا قرب من الزوال ينبغي ان يصعد المنبر ويأخذ في الخطبة بمقدار ما إذا خطب الخطبتين زالت الشمس، فإذا زالت نزل فصلى بالناس. وفحوى الآية يدل عليه. # ويفصل بين الخطبتن بجلسة كلا ولا، وهذا التفصيل يعلم بعمل رسول الله وقوله من القرآن على الجملة، قال تعالى (ما آتاكم الرسول فخذوه). # وهذا الفصل بينهما سنة عندنا، وقال الشافعي وأبو حنيفة هو واجب. # ويحرم الكلام على من حضر ويجب عليه الاصغاء إلى الخطبتين لأنهما بدل من الركعتين. # ولا يذكر فيهما الا الحق والا فلا جمعة له. # ومن دخل المسجد والامام يخطب فلا يتطوع، لان ذلك شاغل له عن سماع الخطبة، واستماعها أفضل من التطوع بالصلاة، إذ هو بدل من ركعتي فرض الظهر في سائر الأيام على ما روي (1). ومن وجد الامام قد رفع رأسه من الركوع في الثانية فقد فاتته الجمعة وعليه الظهر أربع ركعات. # ومن أدرك مع الامام ركعة فإذا سلم الامام قام فأضاف إليها ركعة أخرى يجهر فيها وقد تمم جمعته. # (فصل) وعن أبي عبد الله عليه السلام في قوله (فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في # PageV01P136 # الأرض) قال: الصلاة يوم الجمعة والانتشار يوم السبت (1). # وفي الخبر: ان الله بارك لامتي في خميسها وسبتها لأجل الجمعة. # وقال الصادق عليه السلام: اني لاركب في الحاجة التي كفاها الله، ما اركب فيها الا التماس ان يراني الله أضحى في طلب الحلال، أما تسمع قول الله (فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله) (2). # وقال النبي صلى الله عليه وآله: من اغتسل في يوم الجمعة فأحسن غسله ولبس صالح ثيابه ومس من طيب بيته ثم لم يفرق بين اثنين غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى وزيادة ثلاثة أيام بعدها (3). # وقيل المراد بالذكر ههنا الفكر، وقيل اذكروا الله في تجارتكم وأسواقكم. # ولا يجوز الخطبة الا قائما، قال تعالى (وتركوك قائما). فان خطب لعذر جالسا جاز، لقوله (ما جعل عليكم في الدين من حرج). # ويجوز رد السلام وتسميت العاطس والامام يخطب، إذ لم ms084 يحظر ذلك كتاب ولا سنة. # (فصل) ثم أخبر الله عن جماعة قابلوا الكرم باللؤم فقال (وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها). # سبب نزوله ما روي أنه أصاب أهل المدينة جوع وغلاء سعر، فقدم دحية الكلبي بكل ما يحتاج إليه من دقيق وبر وغيرهما والنبي عليه السلام على المنبر # PageV01P137 # يخطب وذاك قبل ان أسلم دحية، وجعل يضرب بطبل ليعلم بقدومه، فلما رأوه قاموا إلى البيع خشية ان يسبقوا [إليه فلم يبق غير اثني عشر رجلا وانفض الآخرون، فقال عليه السلام: لو تبايعتم حتى لا يبقى] (1)، منكم أحد لسال بكم الوادي نارا، ولولا هؤلاء لسومت لهم الحجارة من السماء، فأنزل الله الآية. # وروي انهم استقبلوه باللهو، اي تفرقوا عنك خارجين إليها ومالوا ونحوها، و (رأوا تجارة) أي عاينوها، وقيل علموا بيعا وشراءا. (لهوا) وهو الطبل، وقيل المزامير. والضمير للتجارة، وخصت بالذكر إليها دون اللهو لامرين: أحدهما أن التجارة كانت أهم إليهم وهم بها آسر من الطبل. الثاني انهم انصرفوا إلى التجارة واللهو كان معهم، فأي حاجة بالضمير إليه (3). # (فصل) وقوله (وتركوك قائما) عن أبي عبد الله عليه السلام: انصرفوا إليها وتركوك قائما تخطب على المنبر (3). # وسئل ابن مسعود: أكان النبي يخطب قائما؟ فقال: أما تقرأ (وتركوك قائما). # وقال جابر بن سمرة: ما رأيت رسول الله خطب الا وهو قائم، فمن حدثك انه خطب وهو جالس [فكذبه. # وأول من استراح على المنبر هو عثمان كان يخطب قائما فإذا أعيى جلس، وأول من خطب [(4) جالسا معاوية. # PageV01P138 # وروي في قوله (وتركوك قائما) أي قائما في الصلاة (١). # ثم قال: قل يا محمد لهم ما عند الله من الثواب على سماع الخطبة احمد عاقبة من ذلك، والله يرزقكم وان لم تتركوا الخطبة والجمعة. # وفي بعض القراءة: (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى) وهي صلاة العصر ﴿وقوموا لله قانتين﴾ (٢) في الصلاة الوسطى (٣). # قالوا: نزلت هذه الآية يوم الجمعة ورسول الله في سفر، فقنت فيها وتركها على حالها في السفر والحضر (٤). # وقوله ﴿ان الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا﴾ ms085 (٥) أي مفروضا انها خمس بخمسين، حصل التخفيف مع أجر خمسين صلاة، لقوله ﴿من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها﴾ (٦). # (باب الجماعة وأحكامها) قال الله تعالى ﴿واركعوا مع الراكعين﴾ (7). # وهذا أمر منه تعالى للمكلفين بصلاة الجماعة، لأنه تعالى قال قبله (وأقيموا # PageV01P139 # الصلاة وآتوا الزكاة) أمر بهذه اللفظة بواجباتها ونوافلها. والتكرار في الكلام لغير فائده غير مستحسن، فيجب ان يكون قوله (واركعوا مع الراكعين) بعده دالا على صلاة الجماعة، سواء كانت الجماعة واجبة أو مندوبا إليها، فالامر يكون بالواجب مطلقا والندب مقيدا في الشرع. وقوله تعالى (مع الراكعين) دليل صريح لذلك. # والجماعة على أربعة اضرب: واجب، ومستحب، ومكروه، ومحظور. # فالواجب لا يكون الا في الجمعة والعيدين إذا اجتمعت شرائطها على ما ذكرناه، والمستحب هو الجماعة في الصلوات الخمس، والمكروه صلاة الحاضر خلف المسافر فيما يقصر في السفر، والمحظور هو الصلاة خلف الفاسق والفاجر. # وقد رغب الله في الجماعة وحث عليها بالآية التي تلوناها وبقوله (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى)، فقد قيل إن الصلاة الوسطى كناية عن صلاة الجماعة لأنها أفضل الصلوات، وكذلك خصها الله بالذكر. # وأقل ما تكون الجماعة اثنان فصاعدا، ويتقدم للإمامة اقرأهم ثم أفقههم. # ولا تنعقد الجماعة الا بالاذان والإقامة. # (فصل) وقوله تعالى ﴿ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين﴾ (1). # كان النبي صلى الله عليه وآله يقول: ان الله وملائكته يصلون على الصف الأول - وفي رواية على الصف المقدم - فازدحم الناس. وكانت دور بني عذرة بعيدة عن المسجد فقالوا: نبيع دورنا ولنشترين دورا قريبة من المسجد حتى ندرك الصف المقدم، فنزلت الآية - رواه الربيع بن انس (2). # PageV01P140 # ومعنى الآية انا نجازي الناس على نياتهم. # وقال ابن عباس: اي علمنا المستقدمين إلى الصف الأول في الصلاة والمستأخرين عنه. فإنه كان يتقدم بعضهم إلى الصف الأول ليدركوا فضيلته، وكان يتأخر بعضهم لينظر إلى أعجاز النساء، فنزل (ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين). # وروي ان النبي صلى الله عليه وآله حث الناس على الصف الأول في الصلاة، فقال: خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها، ms086 وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها، فازدحموا فنزلت الآية (١). # (فصل) والمؤتمون يجب عليهم ان يستمعوا قراءة الإمام إذا جهر وان لا يقرأوا، والدليل عليه قوله ﴿وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وانصتوا﴾ (2). # والمفسرون اختلفوا في الوقت الذي أمروا بالانصات والاستماع: # فقال قوم: أمروا حال كون المصلي في الصلاة خلف الامام الذي يؤتم به وهم يستمعون قراءة الإمام، فعليهم ان ينصتوا ولا يقرأوا ويستمعون لقراءته، فإذا كانوا على بعد من الامام بحيث لا يسمعون صوته - وان كانت الصلاة مما يجهر فيها - فلا بأس إذا أن يقرأوا. # ومن المفسرين من قال: أمروا بالانصات لأنهم كانوا يتكلمون في الصلاة، وإذا دخل داخل وهم في الصلاة قال لهم كم صليتم فيخبرونه، وكان مباحا فنسخه الله. # وقال قوم: هو أمر بالانصات للامام في خطبته. # PageV01P141 # وقيل: هو أمر بذلك في الصلاة والخطبة. # وأقوى الأقوال الأول الذي استدللنا به، لأنه لا حال يجب فيها الانصات لقراءة القرآن الا حال قراءة الإمام في الصلاة، فان على المأموم الانصات والاستماع له على ما قدمناه. فأما خارج الصلاة فلا خلاف أنه لا يجب الانصات والاستماع، وما روي عن أبي عبد الله عليه السلام أنه في حال الصلاة وغيرها (١) فهو على وجه الاستحباب. # وقال أبو حنيفة: لا يصلى صلاة الخسوف جماعة. وكل ما يدل من القرآن والسنة على جواز الجماعة في كل فريضة، فهو عام. على أن العامة قد روت أيضا عن النبي صلى الله عليه وآله أنه صلاها جماعة ورووا انه صلاها فرادى، فوافقت رواياتهم رواياتنا. # مع أن الشيخ المفيد ذكر في كتابه مسائل الخلاف انه ان انكسف [القرص بأسره في الشمس أو القمر صليت صلاة الكسوف جماعة، وان انكسف] (٢) بعضه صليت فرادى. # (باب الصلاة في السفر) اعلم أن السفر الذي يجب فيه التقصير في الصلاة ثمانية فراسخ فما فوقها إذا كان مباحا أو طاعة. # والحجة - مع الاجماع المكرر - هو أن الله علق سقوط فرض الصيام عن المسافر بكونه مسافرا في قوله ﴿فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من ms087 أيام أخر﴾ (3) ولا خلاف بين الأمة أن كل سفر أسقط فرض الصيام ورخص في الافطار # PageV01P142 # فهو بعينه موجب لقصر الصلاة، وإذا كان الله قد علق ذلك في الآية باسم السفر فلا شبهة في أن اسم السفر يتناول المسافة التي حددنا السفر بها، فيجب أن يكون الحكم تابعا لها. # ولا يلزم على ذلك أدنى ما يقع عليه الاسم من فرسخ أو ميل، لأن الظاهر يقتضي ذلك لو تركنا معه، لكن الدليل والاجماع أسقطا اعتبار ذلك ولم يسقطاه فيما اعتبرناه من المسافة، وهو داخل تحت الاسم. # وذكر الفضل بن شاذان النيسابوري أنه سمع الرضا عليه السلام يقول: انما وجب التقصير في ثمانية فراسخ لأنها مسيرة يوم [ولو لم يجب في مسيرة يوم] (١) لما وجب في مسيرة ألف سنة، وذلك أن كل يوم بعد هذا اليوم منها نظير هذا اليوم، فلو لم يجب في هذا اليوم لما وجب في نظيره (٢). # (فصل) فان قيل: القرآن يمنع مما ذكرتم من وجوب التقصير، لأنه تعالى قال ﴿وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة ان خفتم﴾ (3) ورفع الجناح يدل على الإباحة لا على الوجوب. # قلنا: هذه الآية غير متناولة لقصر الصلاة في عدد الركعات، وانما المستفاد منها التقصير في الافعال من الايماء وغيره، لأنه تعالى علق القصر بالخوف، ولا خلاف في أنه ليس الخوف من شرط القصر في عدد ركعات الصلاة وانما الخوف شرط في الوجه الاخر، وهو التقصير في الافعال من الايماء وغيره في الصلاة، لان صلاة الخوف قد أبيح فيها ما ليس مباحا مع الامن. # PageV01P143 # وقال أبو جعفر الطوسي: من تمم في السفر وقد تليت عليه آية التقصير وعلم وجوبه وجب عليه إعادة الصلاة، فإن لم يكن علم ذلك فليس عليه شئ. ولم يفصل المرتضى في الإعادة بين الحالتين، وكأنه للاحتياط. # ومن تمم في السفر الصلاة متعمدا يجب عليه الإعادة مع التقصير على كل حال وإن كان أتم ناسيا أعاد ما دام في الوقت، ولا إعادة عليه بعد خروج الوقت. والحجة ms088 في ذلك - زائدا على الاجماع المتردد - ان فرض السفر ركعتان فيما كان أربعا في الحضر وليس ذلك رخصة، وإذا كان الفرض كذلك فمن لم يأت على ما فرض وجب عليه الإعادة. # (فصل) وقوله تعالى (ولله والمشرق والمغرب). # قال قوم: كان ابن عمر يصلي حيث توجهت به راحلته في السفر تطوعا، ويذكر أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يفعل ذلك، ويتأول عليه هذه الآية. # فالمصلي نافلة على الراحلة، ومن يصلي صلاة شدة الخوف، ومن كان في السفينة ثم دارت. يستقبل كل واحد من هؤلاء الثلاثة قبلته بتكبيرة الاحرام ثم يصلي كيف شاء، والآية تدل على جميع ذلك. # وقيل: نزلت في قوم صلوا في ظلمة وقد خفيت عليهم جهة القبلة، فلما أصبحوا إذا هم صلوا يمين القبلة أو يسارها، فأنزل الله الآية (2). # وقيل: المراد بقوله (فثم وجه الله) أي فثم رضوان الله، كما يقال: هذا # PageV01P144 # وجه الصواب. وقيل المراد به فثم جهة القبلة وهي الكعبة، لأنه يمكن التوجه إليها من كل مكان. # وعن ابن عباس: انه رد على اليهود لما أنكروا تحويل القبلة إلى الكعبة، فقال (1): ليس هو في جهة دون جهة كما يقول المشتبهة (2). # وقال الزجاج في قوله (ان الله واسع عليم) انه يدل على التوسعة للناس فيما رخص لهم في الشريعة (فصل) وإذا نوى الانسان السفر لا يجوز أن يقصر حتى يغيب عنه البنيان ويخفى عنه اذان مصره أو جدران بلده. والدليل عليه من القرآن قوله (وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة). # ومن نوى السفر ولم يفارق موضعه فلا يجوز له القصر، وإذا فارق بنيان بلده يجوز له التقصير. # ولا يجوز أن يقصر ما دام بين بنيان البلد، سواء كانت عامرة أو خرابا، فان اتصل بالبلد بساتين فإذا حصل بحيث لا يسمع اذان المصر قصر، فإن كان دونه تمم. # ومن خرج من البلد إلى موضع بالقرب مسافة فرسخ أو فرسخين نيته أن ينتظر الرفقة هناك والمقام عشرا فصاعدا، فإذا تكاملوا ساروا سفرا فيه ms089 يجب عليهم التقصير (3). ولا يجوز أن يقصر الا بعد المسير من الموضع الذي يجتمعون فيه، لأنه ما نوى بالخروج إلى هذا الموضع سفرا يجب فيه التقصير. # PageV01P145 # وان لم ينو المقام عشرة أيام هناك وانما خرج نيته سفر بعيد الا أنه ينتظر قوما يتصلون به هناك اليوم أو غدا، فالظاهر أنه يقصر. # وحكى قتادة عن أبي العالية أن قصر الصلاة في حال الا من بنص القرآن، قوله ﴿لتدخلن المسجد الحرام انشاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين لا تخافون﴾ (١). # هذا إذا كان التقصير يراد بها في السفر كما يراد في الشعر بعد الاحرام. # ومن شجون الحديث ان ابن عباس قال: اتخذت النصارى المشرق قبلة لقوله ﴿واذكر في الكتاب مريم إذا انتبذت من أهلها مكانا شرقيا﴾ (٢) فاتخذوا ميلاد عيسى قبلة، كما سجدت اليهود على حرف وجوههم لقوله ﴿وإذا نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة﴾ (٣) فسجدوا وجعلوا ينظرون إلى الجبل فوقهم بحرف وجوههم مخافة أن يقع عليهم فاتخذوها سنة. # (باب صلاة الخوف) قال تعالى ﴿وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة ان خفتم أن يفتنكم الذين كفروا﴾ (4). # اعلم أن صلاة الخوف على ضربين: # أحدهما: صلاة شدة الخوف، وهو إذا كان في المسلمين قلة لا يمكنهم أن يفترقوا فرقتين، فعند ذلك يصلون فرادى ايماءا، ويكون سجودهم [على قربوس سرجهم، فإن لم يتمكنوا من ذلك ركعوا وسجدوا بالايماء ويكون سجودهم] (5) # PageV01P146 # أخفض من ركوعهم. فان زاد الامر عى ذلك أجزأهم عن كل ركعة ان يقولوا (سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر). والقصر في الآية التي تلوناها الان هو هذا التفصيل. # والضرب الثاني: هو إذا لم يبلغ الخوف إلى ذلك الحد وأرادوا أن يصلوا فرادى، صلى كل واحد منهم صلاة تامة الركوع والسجود، ويبطل حكم القصر الا في السفر مع الانفراد. ذكره الشيخ أبو جعفر في بعض كتبه. # فان أرادوا أن يصلوا جماعة نظروا، فإن كان في المسلمين كثرة والعدو في جهة القبلة صلوا كما صلى النبي صلى الله عليه وآله ms090 يوم بني سليم، فإنه قام والمشركون أمامه - يعني قدامه - فصف خلف رسول الله صف وبعد ذلك الصف صف آخر، فركع رسول الله وركع الصفان، ثم سجد وسجد الصف الذين يلونه وكان الآخرون يحرسونهم [فلما فرغ الأولون مع النبي من السجدتين وقاموا سجد الآخرون] (١)، فلما فرغوا من السجدتين وقاموا تأخر الصف الذين يلونه إلى مقام الآخرين وتقدم الصف الأخير إلى مقام الصف الأول، ثم ركع رسول الله وركعوا جميعا في حالة واحدة، ثم سجد وسجد معه الصف الذي يليه وقام الآخرون يحرسونهم، فلما جلس رسول الله والصف الذي يليه سجد الآخرون، ثم جلسوا وتشهدوا جميعا فسلم بهم أجمعين (٢). # وإن كان العدو في خلاف جهة القبلة يصلون كما وصفه الله في كتابه حيث قال ﴿وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة﴾ (3) وهي مشروحة في كل كتاب. # وإذا كان في المسلمين كثرة يمكنهم أن يفترقوا فرقتين وكل فرقة يقاوم العدو # PageV01P147 # جاز أن يصلي بالفرقة الأولى الركعتين ويسلم بهم، ثم يصلى بالطائفة الأخرى الركعتين أيضا، ويكون نفلا له وهي فرض للطائفة الثانية ويسلم بهم، وهكذا صلى عليه السلام بذات النخل. (1) وهذا يدل على جواز صلاة المفترض حلف المتنفل، وعلى عكسه. # وصلاة الخوف مقصورة على وجهين سفرا وحضرا على ما تقدم. # (فصل) وقوله تعالى (وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة) معناه وإذا كنت في الضاربين في الأرض من أصحابك يا محمد، أي المسافرين الخائفين عدوهم أن يفتنوهم (فأقمت لهم الصلاة) يعني أتممت لهم الصلاة بحدودها وركوعها وسجودها ولم تقصرها القصر الذي يجب في صلاة شدة الخوف من الاقتصار على الايماء، فليقم طائفة من أصحابك الذين أنت فيهم معك في صلاتك وليكن سائرهم في وجه العدو. # ولم يذكر ما ينبغي أن يفعله الطائفة غير المصلية من حمل السلاح وحراسة المصلين لدلالة الكلام والحال عليه، لأنها (2) لابد أن يكونوا آخذين السلاح. # ثم قال (وليأخذوا أسلحتهم) قال قوم: الفرقة المأمورة في الظاهر هي المصلية مع رسول الله، والسلاح مثل السيف يتقلد به والخنجر يشده إلى درعه، وكذا السكين ونحوه، ms091 وهو الصحيح. # قال ابن عباس: الطائفة المأمورة بأخذ السلاح هي التي بإزاء العدو دون المصلية، فإذا سجدوا - يعني الطائفة التي قامت معك مصلية بصلاتك وفرغت من سجودها - فليكونوا من ورائكم، يعني فليصبروا بعد فراغهم من سجودهم مصافين # PageV01P148 # للعدو وعندنا أنهم يحتاجون أن يتموا صلاتهم ركعتين والامام قائم في الثانية ويطيل القراءة وينوون هم الانفراد بها وقرأوا وركعوا وسجدوا وتشهدوا، فإذا سلموا انصرفوا إلى موضع أصحابهم، ويجئ الآخرون فيستفتحون الصلاة فيصلي بهم الامام الركعة الثانية له ويطيل التشهد حتى يقوموا فيصلوا بقية صلاتهم، ثم سلم بهم الامام. # (فصل) وفي كتاب (المولد والمبعث) لأبي محمد أحمد بن اعثم الكوفي: ان النبي عليه السلام صلى العصر كذلك في غزوة ذات الرقاع إذ حارب بني سعد، وكان صلى رسول الله الظهر أربعا قبل أن تنزل الآية. قال: وهم المشركون أن يحملوا على المسلمين وهم في صلاة العصر، وأراد النبي عليه السلام أن يصلي العصر بأصحابه فنزلت الآية وأسلم بعض الكفار بسبب ذلك. ثم قال ابن أعثم: فيجب على أهل الاسلام الان إذا صلوا صلاة الخوف من عدو. ثم فصل التفصيل الذي ذكره أبو مسلم ابن مهر ايزد الأصفهاني في تفسيره أيضا قال إن النبي عليه السلام قال فصلى وقامت طائفة خلفه من المؤمنين وطائفة وجاه العدو، فصلى بالطائفة التي خلفه ركعة وقام فأتمت الطائفة بركعة أخرى وسلمت وهو عليه السلام واقف يقرأ، ثم انصرفت فقامت تجاه الكفار، وأتت الطائفة التي كانت تلقاء العدو فصلى النبي بهم ركعة هي له ثانية ولهذه الطائفة الركعة الأولى، وجلس حتى قاموا فصلوا ركعة ثانية وحدهم وهو قاعد يتشهد ويدعو لم يسلم حتى انتهت الطائفة الثانية إلى التسليم فسلم وسلموا معه بتسليمه. # وهو اختيار الشافعي ومالك، وهذه بعينها مذهبنا أمر بها أئمة أهل البيت عن رسول الله عن الله تعالى. PageV01P149 # (فصل) ومن قال إن صلاة الخائف ركعة قال الأولون إذا صلوا ركعة فقد فرغوا، وهذا عندنا انما يجوز في صلاة شدة الخوف على بعض الوجوه. # وفي الناس من قال: ms092 كان النبي عليه السلام صلى بهم ركعة فلما قام خرجوا من الجماعة وتمموا صلاتهم. فعلى هذا صلاة الخائف ركعة في الجماعة وركعة على الانفراد لكل واحدة من الفرقتين. # وقوله (وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم) يجوز أن يرجع الضمير إلى جميع المسلمين من الفرقتين، أي يأخذون السلاح والحذر في حال الصلاة. # وقوله (ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم) معناه تمنى الكافرون لو تعتزلون عن أسلحتكم وأمتعتكم التي بها بلاغكم في أسفاركم فتسهون عنها (فيميلون عليكم) أي يحملون عليكم حملة واحدة، وأنتم متشاغلون بصلاتكم عن أسلحتكم وأمتاعكم فيصيبون منكم غرة فيقتلونكم ويستبيحون عسكركم وما معكم. # والمعنى لا تشاغلوا بأجمعكم بالصلاة عند مواقفة العدو فتمكنون عدوكم من أنفسكم وأسلحتكم، ولكن أقيموها على ما بينت وخذوا حذركم بأخذ السلاح. # ومن عادة العرب أن يقولوا (ملنا عليهم) أي حملنا عليهم. وقال العباس بن عبادة بن نضلة (1) الأنصاري لرسول الله ليلة العقبة الثانية: والذي بعثك بالحق ان شئت لنميلن غدا على أهل مني (2) بأسيافنا. فقال عليه السلام: لم نؤمر بذلك (3) - يعني في ذلك الوقت. # PageV01P150 # (فصل) ثم قال تعالى ﴿ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم [وخذوا حذركم﴾ (١) معناه لا حرج عليكم ولا أثم ان نالكم مطر وأنتم مواقفوا عدوكم أو كنتم جرحى ان تضعوا أسلحتكم] (٢) إذا ضعفتم عن حملها، لكن إذا وضعتموها فخذوا حذركم، أي احترزوا منهم أن يميلوا عليكم وأنتم غافلون. # وقال (طائفة أخرى) ولم يقل طائفة آخرون، ثم قال (لم يصلوا فليصلوا) حملا للكلام مرة على اللفظ ومرة على المعنى، كقوله ﴿وان طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما﴾ (3) ومثله (فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة) (4). # والآية تدل على نبوته عليه السلام، فالآية نزلت والنبي بعسفان (5) والمشركون بضجنان (6) هموا أن يغيروا عليهم فصلى بهم العصر صلاة الخوف. # وقال قوم: اختص النبي بهذه الصلاة، والصحيح أنه يجوز لغيره. # وقال قوم في قوله (فليس عليكم جناح أن تقصروا) يعني في عددها، فيصلوا الرباعيات ركعتين. وظاهرها يقتضي أن التقصير لا ms093 يجوز الا إذا خاف المسافر، لأنه قال (ان خفتم أن يفتنكم)، ولا خلاف اليوم أن الخوف ليس بشرط فيه، لان # PageV01P151 # السفر المخصوص بانفراده سبب التقصير. # والصحيح أن فرض السفر مخالف لفرض المقيم، وليس ذلك قصرا لقوله عليه السلام (فرض المسافر ركعتان غير قصر). وأما الخوف بانفراده فإنه يوجب القصر. # ومعنى قوله (فليس عليكم جناح أن تقصروا) أي من حدود الصلاة في صلاة شدة الخوف. # وروي أن يعلى بن منبه (١) قال لعمر: كيف تقصر الصلاة في السفر وقد أمنا؟ # فقال: عجبت مما عجبت منه فسألت النبي صلى الله عليه وآله عن ذلك، فقال: صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته ٢. # ولا يقرأ أبي في الآية (ان خفتم). # (فصل) وقوله ﴿فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم﴾ (٣). # المعنى أيها المؤمنون إذا فرغتم من صلاتكم وأنتم مواقفوا عدوكم فاذكروا الله في حال قيامكم وفي حال قعودكم ومضطجعين على جنوبكم، وادعوا لأنفسكم بالظفر على عدوكم لعل الله ينصركم عليهم، وهو كقوله ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله﴾ (4). # PageV01P152 # ثم قال (فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة) معناه إذا استيقنتم بزوال الخوف من عدوكم وحدوث الامن لكم فأتموا الصلاة بحدودها غير قاصريها عن شئ من الركوع والسجود، وان كنتم صليتم ايماءا بعضها. وهذا أقوى من قول من قال: # معناه إذا استقررتم في أوطانكم فأتموها التي أذن لكم في قصرها في حال خوفكم وسفركم، لأنه قال (وإذا كنت فيهم)، فلما قال (فإذا اطمأننتم) كان معلوما انه تعالى يريد إذا اطمأننتم من الحال التي لم تكونوا فيها مقيمين صلاتكم فأقيموها مع حدودها قاصرين لها. # (فصل) وقوله تعالى ﴿فان خفتم فرجالا أو ركبانا﴾ (١) يدل على ما ذكرناه من صلاة شدة الخوف، لان معناه ان خفتم فصلوا على أرجلكم، لان الراجل هو الكائن على رجله - واقفا كان أو ماشيا. # والخائف ان صلى منفردا صلاة شدة الخوف الذي نقوله انه يصلي ركعتين يومئ ايماءا ويكون سجوده أخفض من ركوعه، وان لم يتمكن كبر عن كل ركعة تكبيرة ms094 على ما ذكرناه. وهكذا صلاة شدة الخوف إذا صلوها جماعة، والى هذا ذهب الضحاك وإبراهيم النخعي. # وروي أن أمير المؤمنين عليه السلام صلى ليلة الهرير ويومه خمس صلوات بالايماء وقيل بالتكبير (٢)، وان النبي صلى الله عليه وآله صلى يوم الأحزاب ايماءا. # وقال الحسن وقتادة وابن زيد: يجوز أن يصلي الخائف ماشيا. وقال أهل العراق: لا يجوز لان المشي عمل. والأول أصح لأنه تعالى قال ﴿ما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ (3). # PageV01P153 # وعن ابن عباس في رواية ان القصر في قوله ﴿وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا﴾ (١) المراد به صلاة شدة الخوف، يقصر من حدودها ويصليها ايماءا، وهو مذهبنا. # ثم قال (فإذا أمنتم فاذكروا الله) قيل إنه الصلاة، أي فصلوا صلاة الامن واذكروه بالثناء عليه والحمد له. # (باب فضل المساجد) (وما يتعلق بها من الاحكام) قال الله تعالى ﴿وان المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا﴾ (٢). # قال الخليل: التقدير ولكن المساجد لله، أخبر تعالى الا يذكر مع الله في المساجد التي هي المواضع التي وضعت للصلاة أحدكما يدعو النصارى في بيعهم والمشركون في الكعبة. # وقيل من السنة أن يقال عند دخول المسجد (لا إله إلا الله لا أدعو مع الله أحدا). # وقيل معناه يجب أن يدعوه بالوحدانية، ومن هنا لا ينبغي للانسان أن يشتغل بشئ من أمور الدنيا في المساجد. # ثم رغب الله بقوله ﴿وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق﴾ (3) فيما يستحب من الأدعية عند دخول المساجد المروية، فإنه أمر منه تعالى وترغيب بهذا الدعاء وبغيره إذا دخل مسجدا أو غيره وإذا خرج. # ولذلك رغب في المشي إلى المساجد للصلاة فيها والعبادات بقوله تعالى # PageV01P154 # ﴿ونكتب ما قدموا وآثارهم﴾ (١). قال مجاهد: انا نأمر ملائكتنا ليثبتوا جميع أفعالهم الصالحة حتى مشيهم إلى المساجد، فان بني سلمة من الأنصار شكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله بعد منازلهم، فنزلت الآية (٢). # و (آثارهم) أي خطاهم، فمن مشى إلى مسجد كان له بكل خطوة أجر عظيم. # (فصل) وقوله تعالى ﴿قل ms095 أمر ربى بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد﴾ (3). # يأمر المكلفين أن يقيموا وجوههم عند كل مسجد، أي يتوجهوا إلى قبلة كل مسجد في الصلاة على الاستقامة. # وقال الفراء: معناه إذا دخل عليك وقت صلاة في مسجد فصل فيه ولا تقل آتي مسجد قومي. # وقيل أي توجهوا بالاخلاص لله ولا تشتغلوا بما لا يليق فعله في المساجد من المكروهات والمحظورات، بل من المباحات التي لا يستقبح في غير المتعبدات. # ولا يختلف المعنى سواء كان مسجد مصدرا أو مكانا أو زمانا، فالمصدر عبارة عن الصلاة وان لا يسجدوا الا لله، أي كلما صليتم فأقيموا وجوهكم لله، أي فلا تصلوا الا لله واقبلوا بصلاتكم عليه ولا تشغلوا قلوبكم بغيره. وأما المكان فعلى معنى كل مكان تصلون فيه، ويؤول المعنى إلى الأول. وكذا إذا أريد به الزمان، أي في أوقات صلاتكم أقيموا وجوهكم لله. # PageV01P155 # (فصل) وقوله ﴿يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد﴾ (١) أمر منه تعالى للمكلفين بالاستتار في الصلاة وفى المساجد، ففي الآية دلالة على أنه لا يجوز كشف الركبة أو الفخذ ولا السرة في شئ من المساجد فضلا عن كشف العورة فيها. # وقوله تعالى ﴿وإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم﴾ (٢) قيل أراد بالبيوت المساجد، أي إذا دخلتموها فسلموا على من فيها من المؤمنين الذين هم بمنزلة أنفسكم، وإذا دخلتموها ولم يكن فيها أحد فقولوا (السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين). فهذا على الحقيقة والأول مجاز، وكلاهما يجوز أن يكون مرادا. # وقوله تعالى ﴿وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتا واجعلوا بيوتكم قبلة وأقيموا الصلاة وبشر المؤمنين﴾ (3). # أمرهم الله أن يصلوا في بيوتهم ويجعلوا في البيوت قبلة، أي مصلى إذا كانوا خائفين، وهذا رخصة. وكل ما يعلم صحة كونه في شريعة نبي ولا يعرف فيه نسخ ولم يرد فيه نهي، فالأصل فيه أنه باق على حاله. # وعن ابن عباس: كان فرعون أمر بهدم مساجدهم وأمروا أن يصلوا في بيوتهم. # وقد تقدم في قوله (وان المساجد لله) أنه يمكن أن يستدل ms096 به على أنه ينبغي أن يجنب المساجد البيع والشراء وانشاد الشعر ورفع الأصوات وغير ذلك مما هو محظور أو مكروه، ولذلك استدل قوم بهذه الآية على أنه يكره في المساجد. # PageV01P156 # (فصل) وقوله تعالى ﴿ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه﴾ (1). # المراد بذلك مشركوا العرب من قريش، لأنهم صدوا النبي عليه السلام عن المسجد الحرام، وهو المروي عن الصادق عليه السلام (2). وقيل أراد جميع المساجد، وقيل أنهم الروم غزوا بيت المقدس وسعوا في خرابه، وقيل هو بخت نصر (3) خرب بيت المقدس. # وإذا صح وجه منها لا يجب الاقتصار عليه، لان نزول حكم في سبب لا يوجب الوقوف عليه، ويجوز أن يعنى غيره للعموم. ألا ترى إلى قوله (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) نزل في الصوم، فلما كانت الآية عامة - وان وردت في سبب - وجب حملها على عموم اللفظ دون خصوص السبب. # وقال الطبري: ان كفار قريش لم يسعوا قط في تخريب المسجد الحرام (4). # وهذا ليس بشئ، لان عمارة المسجد بالصلاة فيه، وخرابه المنع من أن يصلى فيه. # على أنهم قد هدموا مساجد كانت بمكة كان المسلمون يصلون فيها لما هاجر رسول الله صلى الله عليه وآله. # وذكر المساجد لان كل موضع منه مسجد، ثم يدخل في خرابه خراب جميع المساجد. # PageV01P157 # (فصل) وقوله تعالى ﴿انما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا﴾ (١). # أمر المؤمنين بمنع الكفار من مقاربة المسجد الحرام لطواف وغيره. وقيل إنهم منعوا من الحج فأما دخولهم للتجارة فلم يمنعوا منه، يبين ذلك قوله (وان خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله ان شاء). # وقوله (بعد عامهم هذا) هي سنة تسع من الهجرة التي تبدأ فيها براءة المشركين. # وظاهر الآية ان الكفار أنجاس لا يمكنون من دخول مسجد. وقال عمر بن عبد العزيز: ولا يجوز أن يدخل المسجد أحد من اليهود والنصارى وغيرهم من الكفار. ونحن نذهب إليه. # وانما قال (ان شاء) لان منهم من لم يبلغ الموعود بأن يموت قبله، وقيل ms097 انما ذكره لتنقطع الآمال إلى الله، كما قال ﴿لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله﴾ (٢). # وقوله ﴿ما كان لهم أن يدخلوها الا خائفين﴾ (3) نادى رسول الله صلى الله عليه وآله أن لا يحج مشرك بعد العام، فان دخل مسجدا منهم داخل كان على المسلمين ان يمنعوه فان أدخل إلى حاكم المسجد الذي يحكم فيه فلا يقعد مطمئنا فيه، بل ينبغي أن يكون خائفا من الاخراج على وجه الطرد. # PageV01P158 # (فصل) وقوله تعالى ﴿والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا﴾ (١) أي بنوه للاضرار والكفر والتفريق بين المؤمنين، فإنهم إذا تحزبوا فصلى حزب هنا وحزب يصلي في غيره اختلفت الكلمة وبطلت الألفة. # و (ارصادا لمن حارب الله) هو أبو عامر الراهب لحق بقيصر متنصرا، وكان يبعث إليهم: سأتيكم بجند فأخرج محمدا، فبنوه يترقبونه. وهو الذي حزب الأحزاب مع المشركين، فلما فتحت مكة هرب إلى الطائف، فلما أسلم أهل الطائف خرج إلى الروم. وابنه عبد الله أسلم، وقيل يوم أحد، وهو غسيل الملائكة. ووجه رسول الله عند قدومه من تبوك عاصم بن عوف العجلاني ومالك بن الدخشم، وكان مالك من بنى عوف الذين بنوا مسجد الضرار، فقال لهما: انطلقا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدماه ثم احرقاه، ففعلا ما أمر به (٢)، فقال تعالى (لا تقم فيه أبدا)، نهى نبيه وجميع المؤمنين أن يقوموا في مثل هذا المسجد ويصلوا فيه. وأقسم ان المسجد الذي أسس على التقوى أحق أن يقوم فيه هو مسجد قباء، وقيل مسجد المدينة، وسبب ذلك أنهم قالوا بنينا للضعيف في وقت المطر، نسألك يا رسول الله أن تصلي فيه، وكان توجه إلى تبوك، فوعدهم أن يفعل إذا عاد، فنهي عنه. # (باب صلاة العيدين والاستسقاء) (والكسوف وغير ذلك) قال الله تعالى ﴿فصل لربك وانحر﴾ (3) أي فصل لربك صلاة العيد وانحر # PageV01P159 # الأضاحي. وانحر أعم نفعا من النسك. # وهذه الصلاة واجبة عند حصول شرائطها، وهي شرائط الجمعة، وتستحب تلك الصلاة إذا اختل شرائطها. # وقوله تعالى ﴿لا تقدموا بين يدي الله ورسوله﴾ (١). قال الحسن: ذبح قوم قبل صلاة ms098 العيد يوم النحر فأمروا بإعادة ذبيحة أخرى. وقال الزجاج: معناه لا تقدموا أعمال الطاعة حتى لا يجوز تقديم الزكاة قبل وقتها. # والتكبيرات المأمور بها في العيدين يدل عليها - بعد اجماع الطائفة - قوله ﴿ولا تكبروا الله على ما هداكم﴾ (٢). # وإذا أجدبت البلاد يستحب صلاة الاستسقاء، قال الله تعالى ﴿وسلوا الله من فضله﴾ (٣). ومثله من الآيات يدل على استحبابها. # وما روي أن النبي صلى الله عليه وآله صلاها، وقال تعالى (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) يدل عليها وعلى جميع ما يستحب من الصلوات المندوبة كصلاة الاستخارة والحاجة، فقد أمر بهما رسول الله عن الله، وقال تعالى (ما آتاكم الرسول فخذوه). # وقوله تعالى ﴿إذا جاء نصر الله والفتح * ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا * فسبح بحمد ربك﴾ (4) أي صل شكرا له على ما جدد لك من نعمه. وهذا يدل على أن صلاة الشكر مستحبة. # وكذلك صلى رسول الله صلى الله عليه وآله صلاة الكسوف، وفعله بيان (5)، # PageV01P160 # لقوله تعالى (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم) وقال (ما آتاكم الرسول فخذوه). # ولما حولت القبلة إلى الكعبة كانوا لا يعتبرون بطاعة الا بالصلاة إلى الكعبة قال تعالى ﴿ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله﴾ (١) قال ابن عباس: ليس البر كله في التوجه إلى الصلاة نحو الكعبة ولكن البر من آمن بالله، وان هذه تدعو إلى الصلاح وتصرف عن الفساد، وان ذلك يختلف بحسب الأزمان. # (باب الصلاة على الموتى وأحكامهم) يدل على أربعة أحكام مفروضة في حق المؤمن إذا مات، قوله تعالى (ما آتاكم الرسول فخذوه)، وقد بين رسول الله تغسيله وتكفينه والصلاة عليه ودفنه، وفرضها على الكفاية، وقد بينها بقوله (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم). # فإذا مات كافر أو منافق فلا يجب شئ من ذلك على الاحياء، قال تعالى ﴿ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره﴾ (2) [وهذا نهي من الله لنبيه أن يصلي على منافق أو يقوم ms099 على قبره] (3) أي لا تتول دفنه - كما يقال قام فلان بكذا (4). # وعن ابن عباس: صلى رسول الله صلى الله عليه وآله على عبد الله بن أبي ابن سلول قبل أن نهي عن الصلاة على المنافقين. # PageV01P161 # وكان الشيخ المفيد يستدل بفحوى هذه الآية على وجوب القيام بدفن المؤمنين والصلاة عليهم، لأنه كان يقول بدليل الخطاب ويجعله دليلا. ومنع منه المرتضى، وتوقف فيه أبو جعفر الطوسي. وكذا حالهم في استصحاب الحال. # والقيام في الآية يجوز أن يكون الذي هو مقابل الجلوس، ويكون معناه لا تقف عند قبره، ومن قولهم (قام بكذا) إذا ثبت على صلاحه. ويكون القبر مصدرا على هذا، أي لا تتول دفن ميت منهم. والمفسرون كلهم على أن المراد بذلك الصلاة التي تصلى على الموتى. وكان صلاة أهل الجاهلية على موتاهم أن يتقدم رجل فيذكر محاسن الميت ويثني عليه ثم يقول عليك رحمة الله. # وقوله (انهم كفروا بالله) كسرت ان وفيها معنى العلة لتحقيق الاخبار بأنهم على هذه الصفة، ويدل ذلك على أن الصلاة على الميت عبادة. # (فصل) وقوله تعالى ﴿وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض﴾ (١) يدل بعمومه على أن أحق الناس بالصلاة على الميت وليه، وهو أولى بها من غيره. # وقوله تعالى ﴿وان من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين﴾ (2) الآية. # قال جابر وغيره: ان النبي صلى الله عليه وآله أتاه جبرئيل عليه السلام وأخبره بوفاة النجاشي، ثم خرج من المدينة إلى الصحراء ورفع الله الحجاب بينه وبين جنازته فصلى عليه ودعا له واستغفر له، وقال للمؤمنين صلوا عليه، فقال المنافقون # PageV01P162 # يصلي على علج بنجران، فنزلت الآية (١). والصفات التي ذكرت في الآية هي صفات النجاشي. # وقال مجاهد: نزلت في كل من أسلم من اليهود والنصارى. ولا مانع من هذا أيضا، لان الآية قد تنزل على سبب وتكون عامة في كل ما تتناوله. # ويجوز أن يصلى على الجنازة بالتيمم مع وجود الماء إذا خيف فوت الصلاة عليه، وبذلك آثار عن أئمة الهدى عليهم السلام، وكأنه ms100 استثناء من قوله (إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم) الآية. # على أن هذا قد ورد في الصلاة المطلقة، والصلاة على الجنائز صلاة مقيدة، فأما التيمم فيها فلا جماع الطائفة. # وأما التكفين فإنه يدل عليه من القرآن قوله ﴿يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم﴾ (٢) الآية، تعم الاحياء والأموات لأنه تعالى لم يفصل، فدل على وجوب الكفن عمومها. # وأما الدفن فالدليل عليه من كتاب الله قوله ﴿ألم نجعل الأرض كفاتا * أحياء وأمواتا﴾ (٣) فالكفات الضمائم والوعاء (٤)، أي تضمهم في الحالين، فظهرها للاحياء وبطنها للأموات. # وقوله تعالى ﴿ثم أماته فأقبره﴾ (5) فالمقبر الامر بالدفن والقابر الدافن. # PageV01P163 # وقوله تعالى ﴿فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوأة أخيه﴾ (1) هو أول ميت كان من الناس، فلذلك لم يدر أخوه كيف يواريه وكيف يدفنه حتى بعث الله غرابان أحدهما حي والاخر ميت، فنقر في الأرض حتى جعل حفيرة ووضع الميت فيه وواراه بالتراب الهاما من الله. # (باب الزيادات) (الصلاة الوسطى) أي الفضلى، من قولهم: الأفضل الأوسط. وانما أفردت وعطفت على الصلوات لانفرادها بالفضل. # وقال النبي عليه السلام يوم الأحزاب: شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر، ملا الله بيوتهم نارا. ثم قال: انها الصلاة التي شغل عنها سليمان بن داود حتى توارت بالحجاب (2). # وروي في قوله (وقوموا لله قانتين) أنهم كانوا إذا قام أحدهم إلى الصلاة هاب الرحمن أن يمد بصره أو يلتفت أو يقلب الحصى أو يحدث نفسه بشئ من أمور الدنيا (3). # (مسألة) دلكت الشمس زالت أو غربت، فإذا كان الدلوك الزوالي فالآية جامعة للصلوات الخمس، لان الغسق الظلمة، وهو وقت صلاة العشائين. وقرآن الفجر صلاة الغداة. وإذا كان الدلوك الغروب خرجت منها صلاة الظهر والعصر. # PageV01P164 # وقوله تعالى (وقرآن الفجر) يجوز أن يكون حثا على طول القراءة فيها، وكذلك كانت صلاة الفجر أطول الصلوات قراءة. # (ومن الليل فتهجد) أي وعليك بعض الليل فتهجد به. والتهجد ترك الهجود، وهو النوم للصلاة. # و (نافلة) أي عبادة زائدة لك على الصلوات الخمس. ووضع نافلة موضع تهجد ms101 لان التهجد عبادة زائدة، فنافلة مصدر من غير لفظ الفعل قبله. # (مسألة) فان قيل: أي فائدة في اخبار الله بقول اليهود أو المنافقين أو المشركين قبل وقوعه، فقال ﴿سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها﴾ (1). # قلنا: فائدته أن مفاجأة المكروه أشد والعلم به قبل وقوعه أبعد من الاضطراب إذا وقع لما يتقدمه من توطين النفس، فان الجواب العتيد قبل الحاجة إليه أقطع للخصم وأرد لسعيه، وقبل الرمي يراش السهم. # (ما ولاهم عن قبلتهم) وهي بيت المقدس. # (لله المشرق والمغرب) أي الأرض كلها (يهدي من يشاء) وهو ما توجبه الحكمة والمصلحة من توجيههم تارة إلى بيت المقدس وأخرى إلى الكعبة. # (مسألة) (وما جعلنا القبلة التي كنت عليها). قال بعض المفسرين: قوله (التي كنت عليها) ليست بصفة القبلة، انما هي ثاني مفعولي جعل، يريد وما جعلنا # PageV01P165 # القبلة الجهة التي كانت عليها - وهي الكعبة - لان رسول الله كان يصلي بمكة إلى الكعبة، ثم أمر بالصلاة إلى صخرة بيت المقدس بعد الهجرة تألفا لليهود، ثم تحول إلى الكعبة. فيقول: وما جعلنا القبلة التي يجب أن تستقبلها الجهة التي كنت عليها أولا بمكة، يعني وما رددناك إليها الا امتحانا للناس، كقوله (وما جعلنا عدتهم الا فتنة) (1). # ويجوز أن يكون بيانا للحكمة في جعل بيت المقدس [قبلته، يعنى أن أصل أمرك أن تستقبل الكعبة وان استقبالك بيت المقدس] (2) كان أمرا عارضا لغرض، وانما جعلنا القبلة الجهة التي كنت عليها قبل وقتك هذا - وهي بيت المقدس - لنمتحن الناس. # وعن ابن عباس: كان قبلته بمكة بيت المقدس، الا أنه كان يجعل القبلة بينه وبينه. # (مسألة) (شطر المسجد الحرام) نحوه. وقرأ أبى (تلقاء المسجد الحرام). # وشطر نصب على الظرف، أي اجعل تولية الوجه تلقاء المسجد الحرام، أي في جهته وسمته، لان استقبال عين الكعبة فيه حرج عظيم على البعيد. # وذكر المسجد الحرام دليل على أن الواجب مراعاة الجهة دون العين، فعلى هذا الكعبة قبله من كان في المسجد الحرام، والمسجد قبلة من كان في الحرم، ms102 والحرم قبلة من نأى من أي جانب كان، وهو شطر المسجد وتلقاؤه. وقراءة أبي (ولكل قبلة) إشارة إلى ما ذكرنا. # وقوله تعالى (هو موليها) أي هو موليها وجهته، فحذف أحد المفعولين. # PageV01P166 # وقيل هو لله، أي الله موليها إياه. على أن القراءة العامة يجوز أن يراد بها ذلك أيضا، ويكون المعنى ولكل منكم يا أمة محمد وجهة، أي جهة تصلى إليها جنوبية أو شمالية أو شرقية أو غربية، أينما تكونوا يجعل صلاتكم كأنها إلى جهة واحدة وكأنكم تصلون حاضري المسجد الحرام. # (مسألة) وعن أبي حنيفة يجوز أن يصلى الفريضة في جوف الكعبة، وعندنا لا يجوز، وبذلك نصوص عن أئمة الهدى. ويؤيده قوله (وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره) وقد بينا أن المراد به نحوه، ومن كان في جوف الكعبة لم يكن مصليا نحوها. على أنه قد ورد النص بأنه يصلى النوافل في الكعبة. # وقوله تعالى (فول وجهك شطر المسجد الحرام) يدل على أن البعيد من مكة يتوجه إلى المسجد، فإنه لا يمكنه التوجه إلى عين الكعبة الا لمن يقربها. # (مسألة) قوله تعالى (خذوا زينتكم) أي كلما صليتم خذوا لباس زينتكم. وقيل الزينة الطيب، وأطيب الطيب الماء. # ثم قال (قل من حرم زينة الله) أي من الثياب وكل ما يتجمل به. ومعنى الاستفهام في (من) انكار تحريم ذلك، فإنهم كانوا يقولون لا نعبد الله في ثياب أذنبنا فيها ويطوفون ويصلون عراة. # (قال هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا) ونبه تعالى بهذا على أنها خلقت للذين آمنوا على طريق الأصالة، وان الكفرة تبع لهم في الحياة الدنيا خالصة للمؤمنين يوم القيامة لا يشركهم فيها أحد. PageV01P167 # (مسألة) قوله تعالى (ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر) يجوز أن ذكر ثاني مفعول منع، ويجوز أن يكون مفعولا له. # (ولله المشرق والمغرب) أي بلادهما، ففي أي مكان فعلتم التولية - يعني تولية وجوهكم شطر القبلة بدليل قوله (فول وجهك شطر المسجد الحرام) - (فثم وجه الله) أي جهته التي أمر بها ورضيها. والمعنى انكم إذا منعتم أن تصلوا ms103 في المسجد الحرام قد جعلت لكم الأرض مسجدا فصلوا في أي بقعة شئتم من بقاعها وافعلوا التولية منها فإنها ممكنة في كل مكان. # (مسألة قال الباقر عليه السلام: الصلاة عشرة أوجه: صلاة السفر، وصلاة الحضر، وصلاة الخوف على ثلاثة أوجه، وصلاة كسوف الشمس والقمر، وصلاة العيدين، وصلاة الاستسقاء، والصلاة على الميت (١). # (مسألة) وقوله ﴿الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم﴾ (2) تفصيل هذه الجملة ما قال رسول الله صلى الله عليه وآله لعمران بن حصين: صل قائما، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنب تومي ايماءا (3). # PageV01P168 # (مسألة) وقوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة) المراد بالنداء الاذان ههنا. ومن في قوله (من يوم الجمعة) بيان لاذا وتفسير له. # وقيل: ان الأنصار قالوا: ان لليهود يوما يجتمعون فيه في كل سبعة أيام، والنصارى كذلك، فاجتمعوا يوم العروبة إلى سعد بن زرارة، فأنزل الله آية الجمعة. # وأول جمعة جمعها رسول الله هي أنه لما قدم المدينة مهاجرا نزل قبا على بنى عمرو بن عوف وأقام بها يوم الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس وأسس مسجدهم، ثم خرج يوم الجمعة عامدا المدينة، فأدركته صلاة الجمعة في بنى سالم بن عوف في بطن واديهم، فخطب وصلى الجمعة. # وقد أبطل الله قول اليهود حين افتخروا بالسبت وأنه ليس للمسلمين مثله، فشرع الله لهم الجمعة. # (مسألة) [قال أبو حنيفة] (1) لا تجب الجمعة الا على أهل الأمصار، فأما من كان موضعه منفصلا عن البلد فإنه لا يجب عليه وان سمع النداء. # وعندنا وعند الشافعي تجب على الكل إذا بلغوا العدد الذي تنعقد به الجمعة مع الشرائط الأخر، يؤيده قوله (إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله) يعم الامر بذلك كل متمكن من سماع النداء الا من خصه الدليل. # وكذا قول النبي عليه السلام (الجمعة واجبة على كل من آواه الليل) (2) ثم استثنى أشياء وبقى هذا على العموم. # PageV01P169 # (مسألة) وقوله ﴿وإذا ضربتم في الأرض﴾ (١) الضرب في الأرض السفر، وقال الفقهاء القصر ثابت بالكتاب مع ms104 الخوف وبالسنة في حال الامن. # فان قيل: كيف جمع بين الحذر والأسلحة في قوله ﴿وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم﴾ (٢). # قلنا: جعل الحذر - وهو التحرز والتيقظ - آلة يستعملها الغازي، فلذلك جمع بينه وبين الأسلحة في الاخذ وجعلا مأخوذين، ونحوه قوله ﴿والذين تبوأوا الدار والايمان﴾ (٣) جعل الايمان مستقرا لهم ومتبوءا لتمكنهم فيه. # (مسألة) وقوله تعالى ﴿يا أيها المزمل﴾ (4) ليس بتهجين بل هو ثناء عليه وتحسين لحاله التي كان عليها. ثم أمره بأن يختار على الهجود التهجد وعلى التزمل التشمر، لا جرم ان رسول الله صلى الله عليه وآله اقبل على احياء الليالي مع اصباحه حتى ظهرت السماء في وجوههم. # وترتيل القرآن قراءته على تؤدة بتبيين الحروف واشباع الحركات حتى يجئ المتلو كالثغر المرتل. و (ترتيلا) تأكيد لقوله (ورتل القرآن) في ايجاب الامر به وانما مما لابد منه للقارئ. # (مسألة) وعن زين العابدين عليه السلام كان يصلى بين العشائين ويقول: اما سمعتم # PageV01P170 # قول الله (ان ناشئة الليل) هذه ناشئة الليل. # وقال النبي عليه السلام: تنفلوا في ساعة الغفلة ولو بركعتين خفيفتين، فإنهما يورثان دار الكرامة ودار السلام وهي الجنة، وساعة الغفلة بن المغرب والعشاء (1). # (مسألة) وقوله (قد أفلح المؤمنون) أخبر تعالى بثبات الفلاح لهم. # والخشوع في الصلاة خشية القلب والزام البصر موضع السجود، ومن الخشوع أن يستعمل الآداب، فيتوقى لف الثياب والعبث بالجسد والثياب والالتفات والتمطي والتثاؤب والتغميض والفرقعة والتشبيك وتقليب الحصى وكل ما لا يكون من الصلاة. # وإضافة الصلاة إليهم لأنهم ينتفعون بها وهي ذخيرة لهم، والله متعال عن الحاجة. # PageV01P171 # كتاب الصوم قال الله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم﴾ (١). # فقوله (كتب عليكم) يقتضي الوجوب من وجهين: أحدهما (كتب)، وهو في الشرع يفيد الايجاب، كما قيل المكتوبة في فريضة الصلوات. والثاني (عليكم) لأنه يبنى على الايجاب أيضا، كقوله ﴿ولله على الناس حج البيت﴾ (2). # وإذا جمع بينهما فالدلالة على الايجاب أوكد. # ومعنى (كتب) فرض وأوجب، وعبر عن الفرض بالكتب لان المكتوب أبقى وأثبت. ويجوز أن يكون معناه ms105 كتب في اللوح المحفوظ أنكم تتعبدون بذلك. # والمراد فرض عليكم الصوم أياما معدودة كما فرض على من كان قبلكم أياما معدودة # PageV01P172 # وان زاد ونقص واختلفت الأيام، فالتشبيه واقع على جملة أمر الصوم لا على جميع أوقاته وأحكامه. # (لتتقوا النار التي أعدت للكافرين) (١) أي توقوا أنفسكم عذاب النار، فالصوم جنة. فأوجب الله فرض الصيام على جميع المؤمنين بعموم اللفظ المنتظم للجميع، وعم به جميع المؤمنات لمعرفة تغليب المذكر على المؤنث إذا اجتمعوا وبقرينة الاجماع الا من خصه من الجميع في الآية التي تعقب ما تلوناه وما يتبعها من السنة على لسان رسول الله عليه السلام. # ثم قال مفسرا ما أجمله ضربا من التفسير ﴿أياما معدودات فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾ (2) الآية. فبين أن الفرض متعلق بأزمان مخصوصة، وكشف عما يختص بالخروج عن فرضه في الحال من المرضى والمسافرين وإن كان ألزمهم إياه بعد الحال. # (فصل) ثم قال (وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين) رخص في صدر الاسلام للمشاهدين له من أهل السلامة والصحة من الأمراض افطاره على التعمد على شرط قيامهم بفدية الافطار من الاطعام، ودل على أن الصوم له مع ذلك أفضل عنده وأولى من الفدية للافطار. # ثم نسخ تعالى ذلك بما أردفه من الذكر من القرآن، فقال (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم # PageV01P173 # الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) (١) الآية. # فأوضح بها عن بقية تفسير الاجمال فيما أنزله أولا من فرض الصيام وبين أنه في أيام معدودات يجب فعله في شهر على التمام بما ذكر في العدة من فرض الكمال، وحظر ما كان أباحه من قبل من الافطار للفدية مع طاقة الصيام، بالزامه الفرض للشاهد في الزمان مع السلامة من العلل والأمراض، واكد خروج المرضى والمسافرين من فرضه في الحال بتكرار ذكرهم للبصيرة والبيان، وأبان عن علة خروجهم بما وصف ms106 من أرادتهم به تعالى لهم اليسر وكراهة العسر عليهم زيادة منه في البرهان. # وجاء في التفسير أن ما جاء في القرآن (يا أيها الذين آمنوا) [فإنها مدنية وما فيه (يا أيها الناس)] (٢) مكية. # والصوم شرعا امساك مخصوص عن أشياء مخصوصة، ومن شرط انعقاده النية، ولان تفسير الصوم بالصبر أولى، لقوله تعالى ﴿واستعينوا بالصبر والصلاة﴾ (3)، فقد قال المفسرون ان الصبر في الآية هو الصوم، ولا يوهم أنه ترك. # (باب في تفصيل ما أجملناه) قوله تعالى (كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم). # وفيه ثلاثة أقوال: أحسنها أنه كتب عليكم صيام أيام، وكما محله نصب صفة مصدر محذوف، أي فرض عليكم فرضا مثلما فرض على الذين من قبلكم. # PageV01P174 # ويحتمل أن يكون أيضا من الحال للصيام، وتقديره كتب عليكم الصيام مفروضا في هذه الحال. # والثاني ما قاله الحسن انه فرض علينا شهر رمضان كما كان فرض شهر رمضان على النصارى، وانما زادوا فيه وحولوه إلى زمان الربيع. # والثالث ما قاله جماعة انه كان الصوم من العتمة إلى العتمة، لا يحل بعد النوم مأكل ولا مشرب ولا منكح ثم نسخ. والأول هو المعتمد. # وقال مجاهد: المعني بالذين من قبلكم أهل الكتاب، وقوله (لعلكم تتقون) أي لكي تتقوا المعاصي بفعل الصوم. وقال السدي: لتتقوا ما حرم عليكم من المأكل والمشرب. وقال قوم: معناه لتكونوا أتقياء مما لطف بكم في الصيام، لأنه لو لم يلطف بكم لم تكونوا أتقياء. # وانما قلنا إن الأول أصح، لأنه يصح ذلك في اللغة إذا فرض عليهم صيام أيام كما فرض علينا صيام أيام وان اختلف ذلك بالزيادة والنقصان. # وقوله (أياما معدودات) قال الفراء انه مفعول كقولك (أعطى زيد المال) وقال الزجاج هو ظرف، كأنه قيل الصيام في أيام معدودات، وإذا كان المفروض في الحقيقة هو الصيام دون الأيام فلا يجوز ما قاله الفراء الا على سعة الكلام. # وقال عطاء وابن عباس: (أياما معدودات) ثلاثة أيام من كل شهر ثم نسخ. # وقال ابن أبي ليلى: المعني به شهر رمضان ms107 وانما كان صيام ثلاثة أيام تطوعا. # وروي عن أبي جعفر عليه السلام: ان شهر رمضان كان واجبا صومه على كل نبي دون أمته، وانما أوجب على أمة نبينا صلى الله عليه وآله فحسب (1). # PageV01P175 # (فصل) وقوله تعالى (فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر) تقديره فعليه عدة من أيام أخر. # وهذه الآية فيها دلالة على أن المسافر والمريض يجب عليهما الافطار، لأنه تعالى أوجب القضاء عليهما مطلقا، وكل من أوجب القضاء بنفس السفر والمرض أوجب الافطار. وأوجب داود القضاء وخير في الافطار، فان قدروا في الآية فأفطر على تقدير فمن كان منكم مريضا أو على سفر فأفطر فعدة من أيام أخر كان ذلك خلاف ظاهر الآية وخروجا عن الحقيقة إلى المجاز من غير دليل. # وبوجوب الافطار في السفر قال عمر بن عبد العزيز وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس وعبد الرحمن بن عوف وأبو هريرة وعروة بن الزبير، وهو المروي عن أبي جعفر عليه السلام. # وروي عن عمر ان رجلا صام في السفر فأمره أن يعيد صومه. # وروى يوسف بن الحكم: سألت ابن عمر عن الصوم في السفر؟ قال: # أرأيت لو تصدقت على رجل بصدقة فردها عليك الا تغضب، فإنها صدقة من الله تصدق بها عليكم. # وقال ابن عباس: الافطار في السفر عزيمة. # وروى ابن عوف عن النبي صلى الله عليه وآله: الصائم في السفر كالمفطر في الحضر. # وروى عطا عن المحرز بن أبي هريرة قال: كنت مع أبي في سفر في شهر رمضان فكنت أصوم ويفطر، فقال أبى: ما انك إذا أقمت فصليت وصام رجل في السفر فأمره عروة أن يقضى. PageV01P176 # وقال الباقر عليه السلام: كان أبى عليه السلام لا يصوم في السفر وينهى عنه. # وقال الطبري انه لم ينقطع العذر برواية صحيحة أنه كان ههنا صوم متعبد فنسخه الله بشهر رمضان. # (فصل) وقوله تعالى (وعلى الذين يطيقونه) الهاء عائدة على الصوم، وقيل عائدة على الفداء لأنه معلوم وان لم يجر له ذكر. والأول ms108 أقوى. # وقال الحسن وأكثر أهل التأويل: ان هذا الحكم كان في المراضع والحوامل والشيخ الكبير، فنسخ من الآية المراضع والحوامل وبقي الشيخ الكبير. # وقال أبو عبد الله عليه السلام: ذلك في الشيخ الكبير يطعم لكل يوم مسكينا منهم من مال نصف صاع وهم أهل العراق. # وقال الشافعي مد عن كل يوم، وعندنا مدان إن كان قادرا، وان لم يقدر الا على مد أجزأه. # وعن الصادق عليه السلام: معناه على الذين يطيقون الصوم ثم أصابهم كبر أو عطاش وشبه ذلك فعليهم كل يوم مد (1). # قال السدي: لم تنسخ، انه كان فيمن يطيقه فصار إلى حال العجز عنه، وانما المعنى وعلى الذين يطيقونه ثم صاروا بحيث لا يطيقونه. # وقوله (ومن تطوع خيرا) أي ومن جمع بين الصوم والصدقة، وقيل من أعطى أكثر من مسكين. # والمعني بقوله (وعلى الذين يطيقونه) انه سائر الناس، كان في أول الاسلام من شاء صام ومن شاء أفطر وافتدى لكل يوم طعام مسكين [حتى نسخ ذلك. # PageV01P177 # و (من تطوع) من للجزاء أو بمعنى الذي. # وقوله (فدية طعام مسكين)] (١) أي لكل يوم يفطر طعام مسكين. ومن أضاف وجمع المساكين فمعنى قراءته يؤول إليه أيضا، لأنه إذا قيل اطعام مساكين للأيام بمعنى لكل يوم اطعام مسكين صار المعنى واحدا. # (وأن تصوموا خير لكم) أي وصومه خير لكم من الافطار والفدية، وكان هذا مع جواز الفدية، فأما بعد النسخ فلا يجوز أن يقال الصوم خير من الفدية مع أن الافطار لا يجوز له أصلا. # (فصل) وقوله ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ (2). # قيل في معناه قولان: أحدهما من شاهد منكم الشهر مقيما فليصمه، وثانيهما من شهده بأن حضره ولم يغب، لأنه يقال شاهد بمعنى حاضر ويقال بمعنى مشاهد. # وعندنا ان من دخل عليه الشهر كره له أن يسافر حتى يمضى ثلاث وعشرون من الشهر الا أن يكون سفرا واجبا كالحج (3) أو تطوعا كالزيارة، فإن لم يفعل وخرج قبل ذلك في ms109 مباح أيضا كان عليه الافطار ولم يجزه الصوم. # وقال أكثر المفسرين: فمن شهد الشهر - بأن دخل عليه شهر رمضان وهو حاضر - فعليه أن يصوم كله. # وشهر رمضان خبر مبتدأ، أي هي شهر رمضان، يدل عليه أياما معدودات. # وقيل بدل من قوله (الصيام)، وتقديره كتب عليكم شهر رمضان أو صوم شهر رمضان على حذف المضاف. # PageV01P178 # وقوله (أنزل فيه القرآن) قال الصادق عليه السلام: ان الله أنزل جميع القرآن في ليلة القدر إلى السماء الدنيا، ثم أنزل على النبي صلى الله عليه وآله بعد ذلك نجوما (١). # وقيل ابتدئ انزاله في ليلة القدر من شهر رمضان (١). # فان قيل: كيف يجوز أن يقال أنزل في ليلة واحدة وفى الآية اخبار عما كان، ولا يصلح ذلك قبل أن يكون. # قلنا: يجوز ذلك كما قال تعالى ﴿ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار﴾ (٢)، أي إذا كان يوم القيامة نادى أصحاب الجنة أصحاب النار. ومثله ﴿لقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة﴾ (٣) و ﴿لقد نصركم الله في مواطن كثيرة﴾ (4)، على أنه إذا كان وقت كذا أنزل لقد نصركم الله. والحكمة في أثنائه على اللوح المحفوظ ليكون لطفا للملائكة. # وعلى هذا مسألة، وهي أن بيان الأحكام الشرعية انما يكون بالمواضعة وبما يتبع ذلك، فالأول مثاله الكلام والكتابة [والثاني هو الإشارة والافعال، فالنبي عليه السلام يصح أن يبين الاحكام بالوجوه الأربعة ولا يصح البيان من الله الا بالكلام والكتابة] (5)، فان الإشارة لا تجوز عليه، والافعال التي تكون بيانا يقتضي مشاهدة فاعلها على بعض الوجوه، وذلك يقتضي مشاهدته. أما الكتابة فقد بين الله تعالى للملائكة بها في اللوح المحفوظ. # وقوله (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) ناسخ للفدية على قول من قال بالتخيير على ما تقدم، وناسخ للفدية أيضا في المراضيع والحوامل عند من ذهب # PageV01P179 # إليه، وبقي الشيخ له أن يطعم ولم ينسخ. # وعندنا ان المرضعة والحامل إذا خافتا على ولديهما أفطرتا وكفرتا وكان عليهما القضاء فيما بعد إذا زال العذر، وبه قال جماعة من المفسرين كالطبري وغيره. # (فصل) وقوله (فمن كان منكم مريضا ms110 أو على سفر فعدة من أيام آخر) قد بينا أنه يدل على وجوب الافطار في السفر، لأنه أوجب القضاء بنفس السفر والمرض، وكل من قال ذلك أوجب الافطار، ومن قدر في الآية فأفطر فعدة من أيام أخر زاد في الظاهر ما ليس منه. # فان قيل: هذا كقوله ﴿فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام﴾ (1) فمعناه فحلق ففدية من صيام. # قلنا: انما قدرنا هناك فحلق للاجماع على ذلك وليس هنا اجماع، فيجب أن لا يترك الظاهر ولا نزيد فيه ما ليس منه. # وسئل أبو عبد الله عليه السلام عن حد المرض الذي على صاحبه فيه الافطار، فقال: هو مؤتمن عليه مفوض إليه، فان وجد ضعفا فليفطر، وان وجد قوة فليصم، كان المريض على من كان 2، بل الانسان على نفسه بصيرة. # وروي ان ذلك كل مرض لا يقدر معه على القيام بمقدار زمان صلاة: (3). # وقيل: ما يخاف الانسان معه الزيادة المفرطة في مرضه. # PageV01P180 # (فصل) وقوله (يريد الله بكم اليسر) قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك اليسر في الآية الافطار في السفر والعسر الصوم فيه وفي المرض. والعدة المأمور باكمالها المراد بها أيام السفر أو المرض التي أمر بالافطار فيها. # وقوله (ولتكملوا العدة) عطف على تأويل محذوف دل عليه ما تقدم من الكلام، لأنه لما قال (يريد الله بكم اليسر) دل على أنه فعل ذلك ليسهل عليكم، فجاز ولتكملوا العدة. # وقيل هو عطف جملة على جملة لان بعده محذوفا، كأنه قال ولتكملوا العدة شرع ذلك أن أريد ذلك، ومثله قوله ﴿وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين﴾ (1) [أي وليكون من الموقنين] (2) بما أريناه. # هذا قول الفراء والأول قول الزجاج، وهو أجود، لان العطف يعتمد على ما قبله لا على ما بعده. # وعطف الظرف على الاسم في قوله (ومن كان مريضا أو على سفر) جائز، لأنه بمعنى الاسم، وتقديره أو مسافرا، ومثله (دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما) [كأنه قال دعانا مضطجعا أو قاعدا أو قائما] (4). # (فصل) ms111 وقوله (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) أراد تعالى من شهد الشهر وهو ممن # PageV01P181 # يتوجه إليه الخطاب، فعلى هذا الصبي إذا احتلم في نصف يوم من شهر رمضان أمسك ما بقي تأديبا ولا قضاء عليه فيما مضى، ويمسك الكافر أيضا إذا أسلم في نهار رمضان للتأديب. # والمجنون والمغمى عليه في الشهر كله لا قضاء عليهم عندنا، بدلالة قوله (فمن شهد) وتقديره فمن كان شاهدا الشهر ويتوجه الخطاب إليه، والمجنون والمغمى عليه ليسا بعاقلين حتى يتناولهما الخطاب. # والكافر وإن كان مخاطبا بالشرعيات فقد سامح الله معه إذا أسلم. # وقسم هذا الكلام بعض أصحابنا فقال: من نوى الصوم في أول الشهر ثم أغمي عليه واستمر به أياما فهو بحكم الصائم لم يلزمه قضاء، وان لم يكن مفيقا في أول الشهر وجب عليه القضاء (١). وانما يحمل هذا على الاستحباب لأنه تعالى قال ﴿ما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ (2). # (باب من له عذر أو ما يجرى مجرى العذر) قال الله تعالى (ومن كان مريضا أو على سفر) [المراد به إذا كان مريضا] (3) عليلا فلا يطيق الصوم أو يخاف على نفسه منه فيلزمه عدة من الأيام الأخر. # واعلم أن من فاته رمضان بعذر من مرض وغيره فعليه قضاؤه، ووقت القضاء ما بين رمضانين الذي تركه والذي بعده، فان أخر القضاء إلى أن يدركه رمضان آخر صام الذي أدركه وقضى الذي فاته، وإن كان تأخيره لعذر من سفر أو مرض استدام به فلا كفارة عليه، وان تركه مع القدرة كفر عن كل يوم بمد من طعام. يدل عليه - بعد اجماع الطائفة والاحتياط - قوله (فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر)، وهذا هو القضاء، والامر على الفور الا لقرينة. # PageV01P182 # ثم الظاهر أن الفدية على من أطاق القضاء، وإن كان الخطاب راجعا إلى القضاء والأداء معا، فالظاهر أنه منهما (1) الا أن يقوم دلالة على تركه. وقال أهل العراق الحامل والمرضع اللتان يخافان على ولديهما يفطران ولا يقضيان يوما مكانه ولا صدقة عليهما ولا كفارة، ms112 وبه قال قوم من أصحابنا، وقال الشافعي - في رواية المزني - عليهما القضاء ويطعمان لكل يوم مدا، وهو مذهبنا المعول عليه. # والشيخ الكبير الذي لا يطيق الصوم يفطر ويتصدق مكان كل يوم نصف صاع في قول أهل العراق، وهو مذهبنا. # (فصل) قال المرتضى: من بلغ من الهرم إلى حد يتعذر معه الصوم وجب عليه الافطار بلا كفارة ولا فدية، ولو كان من ذكرنا حاله لو تكلف الصوم لتأتي منه لكن بمشقة شديدة يخشى المرض منها والضرر التعظيم كان له أن يفطر ويكفر عن كل يوم بمد من طعام.. # قال: ومما يجوز أن يستدل به على أن الشيخ الذي لا يطيق الصوم يجوز له الافطار من غير فدية، قوله تعالى (لا يكلف الله نفسا الا وسعها) 2، وإذا لم يكن في وسع الشيخ الصوم خرج من الخطاب به ولا فدية عليه إذا أفطر، لان الفدية انما تكون عن تقصير، وإذا لم يطق الشيخ الصوم فلا تقصير وقع منه. # ويدل على أن من أطاق من الشيوخ الصوم لكن بمشقة شديدة يخشى منها المرض يجوز له أن يفطر ويفدي، قوله تعالى (وعلى الذين يطيقونه فدية)، ومعنى الآية أن الفدية تلزم مع الافطار، وكأن الله خير في ابتداء الامر بهذه الآية الناس # PageV01P183 # كلهم بين الصوم وبين الافطار والفدية، ثم نسخ ذلك بقوله (فمن شهد منكم الشهر فليصمه). # وأجمعوا على تناول هذه الآية لكل من عدى الشيخ الهرم ممن لا يشق عليه الصوم، ولم يقم دليل على أن الشيخ إذا كان الضرر في هذه الآية، فهو إذا يدخل تحت حكم الآية الأولى (1). # (فصل) وقال الشيخ أبو جعفر الطوسي في تهذيب الأحكام بعد أن ذكر كلام الشيخ المفيد، وهو ان: الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة إذا لم يطيقا الصيام وعجزا عنه فقد سقط عنهما فرضه ووسعهما الافطار ولا كفارة عليهما، وإذا أطاقاه بمشقة عظيمة وكان مرضهما يضر بهما ضررا بينا (2) وسعهما الافطار وعليهما ان يكفرا عن كل يوم بمد من طعام. # قال: وهذا الذي فصل به بين من يطيق ms113 الصيام بمشقة وبين من لا يطيقه أصلا، لم أجد به حديثا مفصلا، والأحاديث كلها على أنه متى عجزا كفرا عنه. # والذي حمله على هذا التفصيل هو أنه ذهب إلى أن الكفارة فرع على وجوب الصوم، ومن ضعف عن الصيام ضعفا لا يقدر عليه جملة فإنه يسقط عنه وجوبه جملة، لأنه لا يحسن تكليفه للصيام وحاله هذه، وقد قال الله تعالى (لا يكلف الله نفسا الا وسعها). وهذا ليس بصحيح لان وجوب الكفارة ليس بمبني على وجوب الصوم، لأنه ما كان يمتنع أن يقول الله: متى لم تطيقوا الصيام فصار مصلحتكم في الكفارة وسقط وجوب الصوم عنكم، وليس لأحدهما تعلق بالآخر. # PageV01P184 # والذي ورد في الأحاديث في ذلك ما رواه الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن رجل كبير يضعف عن صوم شهر رمضان. فقال: يتصدق بما يجزى عنه طعام مسكين لكل يوم. # وما رواه محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام في قول الله (وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين). قال: الشيخ الكبير والذي يأخذه العطاش. # وفي رواية أخرى: ولا قضاء عليهما، فإن لم يقدرا فلا شئ عليهما. # وفي رواية أنه قال: يتصدق كل واحد بمدين من طعام. # وهذا ليس بمضاد للرواية التي تضمنت مدا من طعام أو اطعام مسكين، لان هذا الحكم يختلف بحسب اختلاف أحوال المكلفين، فمن أطاق اطعام مدين يلزمه ذلك، ومن لم يطق الا اطعام مد فعل ذلك، ومن لم يقدر على شئ منه فليس عليه شئ حسب ما قدمناه (١). # ومقدار المد ثلاثمائة سوى سبعة دراهم ونصف درهم (٢). # (باب) في النية وفي علامة أول الشهر وآخره من شرط صحة الصوم النية، قال الله تعالى ﴿وما أمروا الا ليعبدوا الله مخلصين له الدين﴾ (3) والاخلاص لله بالديانة هو أن يتقرب إليه بذلك من غير رياء ولا سمعة، وهذا التقرب لا يصح الا بالنية له. وقال النبي صلى الله عليه وآله (الأعمال بالنيات) (4). # PageV01P185 # ويكفي في النية أن يعزم أنه يصوم شهر رمضان كله من أوله إلى ms114 آخره مع ارتفاع ما يوجب افطاره. # والنية إرادة مخصوصة ولا تتعلق الا بحادث ونحوه، وههنا لا تتعلق بالامساك وانما تتعلق بكراهة تناول المفطرات (١) وقد ذكرنا ذلك مستوفى في كتاب (النيات في جميع العبادات). # وإذا نوى الانسان في أول شهر رمضان صوم الشهر كله إلى آخره قال بعد النية في قلبه انشاء الله، فان الله تعالى يقول ﴿ولا تقولن لشئ اني فاعل ذلك غدا الا أن يشاء الله﴾ (2). # والصيام كما ذكرنا هو الكف عن تناول أشياء والصبر عليه، وقد ورد الامر من الله بالكف عنها في أزمان مخصوصة مما يجب أن يمسك عنه الصائم مما ان أقدم عليه يوجب القضاء سبعة عشر شيئا، فإذا كف العبد عنها في أوقات الصيام المحدودة بنية الكف عنها لوجه الله كان آتيا بالصيام. وقد حظر الله على الصائم تناول جميع ما ينقض صومه من حد بيان الخيط الأبيض من الخيط الأسود، وهو بياض الفجر عند انسلاخ الليل، فإذا طلع الفجر فقد دخل وقت فرض الصيام ودخل وقت فريضة الصلاة، ثم الحظر ممتد إلى دخول الليل، وحد دخوله مغيب قرص الشمس، وعلامة سقوط القرص عدم الحمرة من المشرق، فإذا عدمت الحمرة من المشرق سقط الحظر ودخل وقت الافطار بضروبه من الأكل والشرب والجماع وسائر ما يتبع ذلك ويختص حظره بحال الصيام. # ولا يلزم الكفارة مع القضاء الا في تسعة مما قدمناه مجملا. على أنه يجب # PageV01P186 # الامساك عن جميع المحرمات والقبائح التي هي سوى التسعة الموجبة للقضاء والكفارة والثمانية الموجبة للقضاء دون الكفارة. ويتأكد وجوب الامتناع عنها لمكان الصوم. # (فصل) قال الله تعالى ﴿يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج﴾ (1). # جعل الله الأهلة علامات الشهور ودلائل أزمان الفروض ومواقيت للناس في الحج والصوم وحلول آجال الدين ومحل الكفارات وفعل الواجب والمندوب إليه. # سئل أبو عبد الله عليه السلام عن الأهلة في قوله (يسألونك عن الأهلة)، فقال: هي أهلة الشهور، فإذا رأيت الهلال فصم وإذا رأيته فأفطر، وليس بالرأي والتظني (2). # ويسمى هلالا لليلتين (3) - قاله الزجاج. # فان قيل: ms115 عماذا وقع السؤال من حال الأهلة؟ # قيل: عن زيادتها ونقصانها. وما وجه الحكمة في ذلك؟ فأجيب بأن مقاديرها يحتاج إليها الناس في صومهم وفطرهم وحجهم وعدد نسائهم ومحل ديونهم وغير ذلك. # PageV01P187 # وفيها دلالة واضحة على أن الصوم لا يثبت بعدد الجدوليين وانه يثبت بالهلال، لان عددهم لو كان مراعى لما أحيل في مواقيت الناس في الحج على ذلك بل أحيل على العدد. # والميقات منتهى الوقت. والآخرة منتهى الخلق. والاهلال ميقات الشهر. # (فصل) ومن قال: ان قوله تعالى (ولتكملوا العدة) يدل على أن شهر رمضان لا ينقص أبدا. فقد أبعد من وجهين: أحدهما لان قوله (ولتكملوا العدة) معناه ولتكملوا عدة الشهر، سواء كان الشهر تاما أو ناقصا، أعني ثلاثين يوما أو تسعة وعشرين يوما. والثاني أن ذلك راجع إلى القضاء، لأنه قال عقيب ذكر السفر والمرض (فعدة من أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة) يعني عدة ما فاته، وهذا بين. # فالهلال علامة الشهر وبه وجبت العبادة في الصيام والافطار والحج وسائر ما يتعلق بالشهور على أهل الشرع، وربما خفي لعارض أو استبين أهل مصر لعلة وظهر لأهل غير ذلك المصر، ولكن الغرض انما تعلق على العبادة، إذ هو العلم دون غيره بما قدمناه من آي القرآن. # فان قيل: أي تعلق لقوله تعالى ﴿وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها﴾ (1) بسؤال قدم عن الأهلة. # قلنا: لأنه لما بين ما فيه من وجه الحكمة اقتضى لتعملوا على أمور متعددة ولتجروا أموركم على استقامة، فإنما البر أن تتبعوا أمر الله، وان تأتوا البيوت من أبوابها، أي ائتوا البر من وجهه الذي أمر الله به ورغب فيه. وهذا عام في كل شئ حتى في الصوم والافطار، فإنه يجب أن لا يصام فرضا من عند رؤية هلال شعبان # PageV01P188 # الا بعد أن يقصى ثلاثون يوما مع العلة في السماء، ولا يفطر الا بالرؤية أو بعد انقضاء ثلاثين يوما من عند رؤية هلال شهر رمضان إذا كان في آخره علة في السماء ms116 لا يصح معها الترائي قبله إن كان. # (باب أقسام الصوم الواجب) الصوم الواجب على ضربين: # مطلق من غير سبب، وهو شهر رمضان، قال تعالى (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه). # والثاني ما هو واجب بسبب، وهو عشرة أوجه، ووجوبها كوجوب شهر رمضان: # أحدهما - صوم شهرين متتابعين في كفارة الظهار، قال الله تعالى ﴿والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا ذلكم توعظون به والله بما تعملون خبير * فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين﴾ (1). # الثاني - صيام شهرين متتابعين فيمن أفطر يوما من شهر رمضان متعمدا، قال الله تعالى (فعدة من أيام أخر) وقال (ما آتاكم الرسول فخذوه). # الثالث - صيام شهرين متتابعين في قتل الخطأ ممن لم يجد العتق، قال الله تعالى (ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله) إلى قوله (فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله) (2). # الرابع - صوم ثلاثة أيام في كفارة اليمين لمن لم يجد الاطعام والكسوة # PageV01P189 # والعتق، قال الله تعالى ﴿فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم﴾ (١) كل ذلك متتابع وليس بمفترق. # الخامس - صيام أذى حلق الرأس، قال تعالى ﴿فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك﴾ (٢) فصاحبها مخير ان شاء صام ثلاثا أو تصدق أو نسك. # السادس - صوم دم المتعة لمن لم يجد الهدي، قال الله تعالى ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة﴾ (٣). # السابع - صوم جزاء الصيد، قال الله تعالى ﴿ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما﴾ (٤). # الثامن - صوم النذر، سواء كان متعينا أو غير متعين، قال الله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود﴾ (٥) وقال ms117 ﴿يوفون بالنذر﴾ (٦). # التاسع - صوم الاعتكاف، وقال تعالى ﴿ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد﴾ (7). # العشار - صوم قضاء ما فات من شهر رمضان والنذر، قال الله تعالى (فعدة # PageV01P190 # من أيام أخر) (١). يلحق بها صوم كفارة من أفطر يقضيه من شهر رمضان بعد الزوال، فإنه أيضا واجب. # فأما بيان آية صوم شهر رمضان فقد مضى، ونحن نبين الان ما يتعلق بالوجوه الاخر من الصوم الواجب، ونفرد لكل واحد فصلا مفردا انشاء الله تعالى. # (الفصل الأول) (في الصوم الذي هو كفارة الظهار) قال تعالى (الذين يظاهرون منكم من نسائهم ما هن أمهاتهم) إلى قوله ﴿فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا﴾ (2). # يقول فمن لم يجد الرقبة - يعنى عجز عنها - فالصيام. والتتابع فيه ان يوالي بين أيام الشهرين الهلاليين أو يصوم ستين يوما. وعند قوم ان بدأ من نصف شهر لا يفطر فيما بينهما، فان أفطر لا لعذر استأنف. فان أفطر لعذر من مرض اختلفوا فمنهم قال يستأنف من عذر وغير عذر وقال قوم يبنى. # واجمعوا على أن المرأة إذا أفطرت للحيض في الشهرين المتتابعين في كفارة قتل الخطأ انها تبنى، فقاسوا عليه المظاهر. # وروى أصحابنا انه إذا صام شهرا ومن الثاني بعضه ولو يوما ثم أفطر لغير عذر فقد أخطأ الا انه يبنى، فان أفطر قبل ذلك بغير عذر استأنف وإن كان لعذر يبنى، قال تعالى (ما جعل عليكم في الدين من حرج) ثم قال (فمن لم يستطع فاطعام ستين مسكينا). # PageV01P191 # الفصل الثاني (في صوم كفارة قتل الخطأ) قال الله تعالى (وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا الا خطأ) إلى قوله ﴿فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله﴾ (١). يعنى فمن لم يجد الرقبة المؤمنة كفارة عن قتله المؤمن لاعساره فعليه صيام شهرين متتابعين. # واختلفوا في معناه، فقال قوم مثل ما قلناه ذهب إليه مجاهد، وقال قوم فمن لم يجد الدية فعليه صوم الشهرين عن الرقبة والدية. وتأويل الآية فمن لم يجد رقبة مؤمنة ولا دية يسلمها إلى أهلها فعليه ms118 صوم شهرين متتابعين، ذهب إليه مسروق. # والأول هو الصحيح، لان دية قتل الخطأ على العاقلة - على ما نذكره في بابه - والكفارة على القاتل باجماع الأمة على ذلك. # وصفة التتابع في الصوم أن يتابع الشهرين لا يفصل بينهما بافطار يوم. وقال أصحابنا إذا صام شهرا وزيادة ثم أفطر خطأ جاز له البناء كالتفصيل الذي ذكرناه في الفصل الأول. # وقوله (توبة من الله) أي رفعة من الله لكم إلى التيسير عليكم بتخفيفه عنكم من فرض تحرير رقبة مؤمنة بايجاب صوم الشهرين المتتابعين. # الفصل الثالث (في صوم كفارة اليمين) قال الله تعالى (لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم) إلى قوله ﴿فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم﴾ (2). فحد من لم يكن بواجد هو من # PageV01P192 # ليس عنده ما يفضل عن قوته وقوت عياله يومه وليلته، وهو قول قتادة والشافعي أيضا. فصوم هذه الثلاثة الأيام متتابع. # فأما إذا قال القائل (إذا فعلت كذا فلله علي أن أتصدق بمائة دينار أو أصوم يوم كذا) فهذا عندنا نذر، وعند أكثر الفقهاء يلزمه مائة دينار أو الصوم. # وقال أبو علي عليه كفارة يمين، لقوله (ذلك كفارة أيمانكم)، وهو عام في جميع الايمان. وعندنا هذا ليس بيمين، بل هو نذر يلزمه الوفاء به، لقوله (أوفوا بالعقود) ولقوله (وليوفوا نذورهم) ولقوله (يوفون بالنذر)، والوفاء بالنذر هو أن يفعل ما نذر عليه. # والوفاء امضاء العقد على الامر الذي يدعو إليه العقد، ومنه قوله (يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود) أي العقود الصحيحة، لأنه لا يلزم أحدا أن يفي بعقد فاسد، وكل عقد صحيح يجب الوفاء به. # الفصل الرابع (في صيام أذى حلق الرأس) قال الله تعالى ﴿فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك﴾ (1). # أمر الله تعالى أن لا يزيلوا شعور رؤوسهم من أول ذي القعدة حتى ينتهى الهدي إلى المكان الذي يحل نحره فيه، فمن مرض أو قمل رأسه أو تأذى به فعليه فدية من صيام. فالذي رواه ms119 أصحابنا ان الصيام ثلاثة أيام أو صدقة ستة مساكين. # وروي عشرة مساكين (2)، والنسك شاة، وروي عن كعب بن عجرة الأنصاري ومجاهد # PageV01P193 # وعلقمة وإبراهيم والربيع. واختار الجبائي مثل ما قلناه أن الصوم ثلاثة أيام، وقال الحسن وعكرمة صوم عشرة أيام. # الفصل الخامس (في صوم دم المتعة) قال الله تعالى ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم﴾ (١). # فالهدي واجب على المتمتع، فإن لم يجد الهدي ولا ثمنه صام ثلاثة أيام في الحج. وعندنا أن وقت صوم هذه الثلاثة الأيام يوم قبل التروية ويو التروية ويوم عرفة، فان صام في أول العشر جاز ذلك رخصة، وان صام يوم التروية ويوم عرفة قضى يوما آخر بعد التشريق، فان فاته يوم التروية فلا يصوم يوم عرفة لذلك بل يصوم بعد انقضاء أيام التشريق ثلاثة أيام متتابعات وصوم السبعة أيام إذا رجع إلى أهله، فأما أيام التشريق فلا يجوز صومها عندنا لمن كان بمنى وبمكة حاجا لصوم دم المتعة وغيره. # الفصل السادس (في صوم جزاء الصيد) قال الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم) إلى قوله ﴿أو عدل ذلك صياما﴾ (2). # قيل في معناه قولان: # PageV01P194 # أحدهما - لا تقتلوا الصيد محرمين، فمن صاد فعليه الجزاء أو الصدقة أو أن يقوم عدله من النعم ثم يجعل قيمته طعاما في قول عطاء، وهو مذهبنا. # وقال قتادة: يقوم نفس الصيد المقتول حيا ثم يجعل قيمته طعاما. # ونصب (صياما) على التمييز، وفى معناه قولان: # أحدهما - يقوم ذلك المقتول بدراهم وتفض على الطعام ثم يصام لكل مد من الطعام يوم عن عطاء، وقال غيره عن كل يوم مدين، وهو مذهبنا. وقال سعيد ابن جبير يصوم ثلاثة أيام إلى عشرة أيام. # وعن الزهري في قوله (أو عدل ذلك صياما) قال: قال لي علي بن الحسين عليه السلام: أو تدري كيف كان عدل ذلك صياما. فقلت لا. قال: يقوم الصيد قيمة ثم تفض تلك القيمة على البر، ثم ms120 يكال ذلك البر أصواعا، فيصوم لكل نصف صاع يوما (١). # هذا إذا أصابه المحل في الحرم. # الفصل السابع (في صوم النذر) قال الله تعالى ﴿وليوفوا نذورهم﴾ (٢) وقال ﴿أوفوا بالعقود﴾ (3). # يقال وفى بعهده، وأوفى لغة أهل الحجاز، وهي لغة القرآن، وقد ذكرنا ما في الوفاء بالنذر. # أما العقود فجمع العقد، بمعنى المعقود، وهو أوكد العهود. # PageV01P195 # والفرق بين العهد والعقد أن العقد فيه معنى الاستيثاق والشد، ولا يكون الا بين متعاقدين، والعهد قد ينفرد به الواحد، فكل عهد عقد ولا يكون كل عقد عهدا. # خاطب الله تعالى المؤمنين، وتقديره يا أيها المؤمنون، وهو اسم تعظيم وتكريم (أوفوا بالعقود)، والامر على الوجوب شرعا، فعلى هذا من نذر صوم يوم بعينه فعليه الوفاء به واجبا. # واختلفوا في هذه العهود على أربعة أقوال: # أحدها - ان المراد بها العقود التي يتعاقد الناس بينهم ويعقدها المرء على نفسه، كعقد الايمان والنذور وعقد العهد وعقد البيع. # وثانيها - انها العهود التي أخذها الله على العباد مما أحل وحرم. # وثالثها - ان المراد بها العهود التي كان أهل الجاهلية عاهد بعضهم بعضا على النصرة والمؤازرة على من حاول ظلمه. # ورابعها - ان ذلك أمر من الله لأهل الكتاب. قالوا فإنما أخذ به ميثاقهم من العمل بما في التوراة والإنجيل في تصديق نبينا عليه السلام. # والأقوى أن يكون على العموم، فان ذلك بعرف الشرع يحمل على العموم والاستغراق وجوبا، فيدخل تحته الصوم والصلاة والحج وغير ذلك. # الفصل الثامن (في صوم الاعتكاف) قال الله تعالى ﴿ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد﴾ (1). # قيل في معناه قولان: أحدهما انه أراد به الجماع عن ابن عباس وغيره. # والثاني أنه أراد به الجماع وكل ما كان دونه من قبلة وغيرها، وهو مذهبنا # PageV01P196 # وقوله (وأنتم عاكفون في المساجد) فعندنا الاعتكاف هو اللبث في أحد المساجد الأربعة للعبادة من غير اشتغال بما يجوز تركه من أمور الدنيا، وله شرائط مذكورة في كتب الفقه، وأصله اللزوم. # وقوله (تلك حدود الله) أي فرائضه، والحد منتهى الشئ. # ولا يجوز الاعتكاف الا بالصوم، وبه قال ms121 أبو حنيفة ومالك بن أنس، ودلت الآية من فحواها على الصوم الواجب في الاعتكاف، والدليل القاطع من القرآن قوله (ما آتاكم الرسول فخذوه) وإن كان على الجملة. # وعندنا لا يكون أقل من ثلاثة أيام، وبه قال أهل المدينة. # وقيل إن هذه الآية من أولها (أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم) نزلت في شأن ابن قيس بن صرمة (1)، وكان يعمل في أرض له، فأراد الاكل فقالت امرأته نصلح لك شيئا فغلبت عيناه، ثم قدمت إليه الطعام فلم يأكل، فلما أصبح لاقى جهدا، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وآله بذلك، فنزلت الآية (2). # وروي أن عمر أراد أن يواقع زوجته في شهر رمضان بالليل، فقالت اني نمت (3)، فظن أنها تعتل عليه فوقع عليها، ثم أخبر النبي عليه السلام من الغد، فنزلت الآية فيهما (4). # وعن الصادق عليه السلام: انها نزلت في خوات بن جبير بمثل قصة ابن قيس ابن صرمة، وكان ذلك يوم الخندق (5). # PageV01P197 # الفصل التاسع (في صوم قضاء ما فات من شهر رمضان لعذر) قال الله تعالى ﴿فعدة من أيام أخر﴾ (1). # وتقديره فمن كان منكم في سفر - يعني مسافرا - فليصم عدة من أيام أخر، والامر على الايجاب في الشرع، فلم أن قضاء ما يفوت من شهر رمضان لعذر واجب يجوز متتابعا ومتفرقا، والتتابع أفضل، وبه قال الشافعي ومالك، وقال أهل العراق هو مخير. # وروي عبد خير قال: قلت لأبي الحسن أمير المؤمنين عليه السلام: ان علي أياما من شهر رمضان أفيجوز أن أقضيها متفرقة؟ قال: اقضها ان شئت متتابعة وان شئت تترى. قال: فقلت ان بعضهم قال لا تجزي الا متتابعة. قال: بل تجزي تترى، لأنه تعالى قال (فعدة من أيام أخر) ولو أرادها متتابعة لبين التتابع كما قال (فصيام شهرين متتابعين) في الكفارة. # وقال المرتضى: يخير أصحابنا للقاضي لصوم شهر رمضان إذا فاته بين التفريق والمتابعة، ولي في ذلك تأمل، والأقوى أن يلزمه متتابعا إذا لم يكن له عذر، لان الواجبات عندنا هي على الفور شرعا دون التراخي، والقول بتخييره ms122 في ذلك يدفع هذا الأصل، فأما عند العذر فلا خلاف أنه يجوز التفريق. # ومعنى قوله (تترى) أي متواترة، تقول العرب جاءت الخيل متتابعة إذا جاء بعضها في اثر بعض بلا فصل، وجاءت متواترة إذا تلاحقت وبينها فصل، والعامة يوهمون فيقولون للمتتابع متواتر. # وأما صيام النذر فإن كان الناذر نذر أن يصوم يوما بعينه في سفر أو حضر ثم # PageV01P198 # وافق ذلك اليوم أن يكون مسافرا كان أو حاضر فإنه يجب الصيام في حال السفر أيضا، فان اتفق ان يكون ذلك اليوم يوم عيد أو يكون الناذر مريضا فعليه الافطار والقضاء. # وقد نص على قضاء ما يفوت من صيام النذر لعذر رسول الله صلى الله عليه وآله تفصيلا ونص عليه القرآن جملة، كما قال تعالى (ما آتاكم الرسول فخذوه). # الفصل العاشر (في صيام شهرين متتابعين) (على من أفطر يوما من شهر رمضان متعمدا) من أفطر في شهر رمضان متعمدا بالجماع في الفرج لزمه القضاء والكفارة عندنا. والكفارة عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو اطعام ستين مسكينا، وعليه اجماع الطائفة المحقة. # والدليل عليه على سبيل التفصيل انما يكون من السنة، ومن القرآن انما يكون على الجملة، قال تعالى (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم)، وقد بينها رسول الله صلى الله عليه وآله. # وقال مالك هو بالخيار في ذلك، واعتمد الشيخ في الجمل والعقود على هذه الرواية، وقال في غير موضع الكفارة وفيه عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فاطعام ستين مسكينا. وبه قال أبو حنيفة والشافعي. وعول على هذه الرواية وقال: ومن أصحابنا من قال بالأول. # فمن أكل أو شرب أو جامع في نهار شهر رمضان متعمدا لزمه القضاء والكفارة عندنا. ومتى فعل شيئا منها ناسيا فلا شئ عليه، وكذلك حكم من فعل شيئا منها في يوم قد نذر صومه عمده كعمده ونسيانه كنسيانه. PageV01P199 # (باب مسائل شتى من ذلك) من صام في السفر واجبا يجب عليه الإعادة غير النذر المقيد صومه بالسفر، وغير الثلاثة الأيام ms123 في الحج بدل هدي المتعة. # والحجة لقولنا - زائدا على الاجماع المكرر - قوله (ومن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر) فأوجب الله القضاء بنفس السفر. # فان قيل: فيجب أن تقولوا مثل ذلك في قوله (فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه) ولا تضمروا فحلق. # قلنا: هكذا يقتضي الظاهر، ولو خلينا وإياه لم نضمر شيئا، لكن أضمرناه بالاجماع، ولا دليل ولا اجماع نقطع به في الموضع الذي اختلفنا فيه، والشئ إذا تكرر تقرر. # ومن تمضمض لطهارة فوصل الماء إلى جوفه لا شئ عليه من قضاء ولا غيره، وان وصل لغير طهارة من تبرد أو غيره ففيه القضاء خاصة. # ويمكن أن نتعلق للحجة في الأول - بعد الاجماع المتردد - بقوله (ما جعل عليكم في الدين من حرج)، وكل الحرج أن يأمرنا بالمضمضة في الطهارة ثم يلزمنا القضاء إذا سبق الماء إلى أجوافنا من غير اعتماد في حال الصوم. ولا يلزم على ذلك التبرد بالمضمضة لأنه مكروه في الصوم، والامتناع منه أولى. # وقد كره بعض أصحابنا ان يتمضمض في الطهارة في الصوم الفرض، وقال: # من تمضمض فيها فينبغي أن يرمي بماء الفم بعده ثلاث مرات. PageV01P200 # (فصل) قال الله تعالى ﴿أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم﴾ (1). # الرفث الجماع ههنا بلا خلاف (2)، وروي عنهما (3) عليهما السلام كراهية الجماع في أول كل شهر الا أول ليلة من شهر رمضان لمكان الآية (4). # ويمكن أن يقال: الوجه في ذلك تكسير الشهوة لسائر الشهر وارضاء النفس اللوامة. # والأشبه أن يكون المراد بليلة الصيام ليالي الشهر كله، وانما ذكر بلفظ التوحيد لأنه اسم جنس دل على الكثير. # وقوله تعالى (علم الله انكم كنتم تختانون أنفسكم) معناه انهم كانوا لما حرم عليهم الجماع في شهر رمضان بعد النوم خالفوا في ذلك، فذكرهم الله بالنعمة في الرخصة التي نسخت تلك الفريضة. # فان قيل: أليس الخيانة انتقاص الحق عن جهة المساترة، فكيف يساتر الانسان نفسه. # قلنا عنه جوابان: أحدهما ان بعضهم كان يساتر بعضا فيه، فصار كأنه يساتر ms124 نفسه، لان ضرر النقص والمساترة داخل عليه. والثاني أنه يعمل عمل المساتر له، فهو يعمل لنفسه عمل الخائن له. # PageV01P201 # وقوله تعالى (وعفا عنكم) أي أزال تحريم ذلك عنكم، وذلك عفو عن تحريمه عنهم (فالآن باشروهن) أي جامعوهن، ومعناه الإباحة دون الامر (وابتغوا ما كتب الله لكم) في معناه قولان: أحدهما قال الحسن يعني طلب الولد، والثاني قال قتادة يعني الحلال الذي بينه الله في كتابه بقوله (كلوا واشربوا) إباحة للاكل والشرب حتى يظهر بياض الفجر من سواد الليل. وقيل خيط الفجر الثاني مما كان في موضعه من الظلام، وقيل النهار من الليل، فأول النهار طلوع الفجر الثاني، لأنه أوسع ضياءا. # وقوله تعالى (من الفجر) يحتمل من معنيين: التبعيض لان المعنى بعض الفجر وليس الفجر كله، أو التبيين أي حتى يتبين الخيط الأبيض الذي هو الفجر. # (فصل) وقوله (ثم أتموا الصيام إلى الليل). # والليل هو بعد غروب الشمس، وعلامة دخوله على الاستظهار سقوط الحمرة من جانب المشرق واقبال السواد منه، والا فإذا غابت الشمس مع ظهور الآفاق في الأرض المبسوطة وعدم الجبال والروابي فقد دخل الليل. # وقوله (وكلوا واشربوا) يمكن أن يقال هو أمر على الوجوب يتناول ما هو قوام البدن، وأمر على الاستحباب بأكل السحور، فإنه عون على الصوم وخلاف على اليهود واقتداء بالرسول، فإنه عليه السلام قال (يستحب السحور ولو بشربة من ماء وأفضله التمر) (1). # وروي أن عدي بن حاتم قال للنبي عليه السلام: اني وضعت خيطين من شعر أبيض وأسود فكنت أنظر فيهما فلا يتبينان لي. فضحك رسول الله عليه السلام # PageV01P202 # حتى رؤي نواجذه وقال: يا بن حاتم انما ذلك بياض النهار وسواد الليل، فابتدئ الصوم من هذا الوقت (١). # وقد بين سبحانه الانتهاء أيضا بقوله (ثم أتموا الصيام إلى الليل) أي من وقت طلوع الفجر الثاني، وهو الفجر الصادق المستطير المعترض الذي يأخذ الأفق ويجب عنده الصلاة إلى وقت دخول الليل على ما حددناه. # (فصل) وقوله تعالى ﴿لتبلون في أموالكم وأنفسكم﴾ (٢). # قيل: معناه لتبلون بالعبادات في أنفسكم كالصلاة ms125 والصيام وغيرهما، وفي أموالكم من الزكوات والأخماس والانفاق في سبيل الله ليتميز المطيع من العاصي. # ويقال لشهر رمضان (شهر الصبر) لصبر صائمه عن الطعام والشراب نهارا وصبره إياهم عن المأكول والمشروب، أي كفه إياهم وحبسه لهم عن ذلك، قال تعالى ﴿واستعينوا بالصبر والصلاة﴾ (3) أي بالصوم والصلاة. وهو خطاب لجميع من هو بشرائط التكليف، لفقد الدلالة على التخصيص، واقتضاء العموم لذلك. والصبر هو منع النفس عن محابها وكفها عن هواها، وكان النبي عليه السلام إذا أحزنه أمر استعان بالصبر والصلاة. # واعلم أن من تحرى الفجر فلم يره فتسحر ثم علم بعد ذلك أنه كان طالعا لم يكن عليه قضاء، بدلاله قوله (ما جعل عليكم في الدين من حرج) إذا كان الصوم فرضا كشهر رمضان، فأما إن كان قضاءا لشهر رمضان أو نافلة فلا يصح صوم ذلك اليوم. # PageV01P203 # وقوله (لا يكلف الله نفسا الا وسعها) وان لم يكن تحرى الفجر وأقدم على التسحر قبل تحريه وقد طلع الفجر حينئذ وجب عليه القضاء لما كان منه من تفريطه في فرض الصيام. # (فصل) وقد جرى ذكر النسخ في المسح على الخفين بسورة المائدة، ونسخ القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة، وكذا في آية الصوم ذكرنا دليلا على جوازه، وقال تعالى ﴿ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها﴾ (١). # فالنسخ حقيقته كل دليل شرعي دل على أن مثل الحكم الثابت بالنص الأول غير ثابت فيما بعد على وجه لولاه لكان ثابتا بالنص الأول مع تراخيه عنه. # والنسخ في الشرع على ثلاثة أقسام (٢): نسخ الحكم دون اللفظ، ونسخ اللفظ دون الحكم، ونسخهما معا. # فالأول كقوله ﴿يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال ان يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وان يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا انهم قوم لا يفقهون * الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فان يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين﴾ (3). فكان الفرض الأول وجوب ثبوت الواحد للعشرة، فنسخ بثبوت الواحد للاثنين، فحكم الآية الأولى منسوخ وتلاوتها ثابتة. ونحوها ms126 آية العدة والفدية وغير ذلك. # والثاني كآية الرجم، فقد روي أنها كانت منزلة (الشيخ والشيخة إذا زنيا # PageV01P204 # فارجموهما البتة فإنهما قضيا الشهوة جزاءا بما كسبا نكالا من الله والله عزيز حكيم) (1) فرفع لفظها وبقي حكمها. # والثالث ما هو مجوز ولم يقطع بأنه كان، وقد روي عن أبي بكر أنه قال: # كنا نقرأ (لا ترغبوا عن آبائكم فهو كفر) (2). # واعلم أن سبيل النسخ سبيل سائر ما تعبد الله به وشرعه على حسب ما يعلم من المصلحة فيه، فإذا زال الوقت الذي تكون المصلحة مقرونة به زال بزواله، وذلك مشروط بما في المعلوم من المصلحة به، وهذا كاف في ابطال قول من أبى النسخ. # ومعنى الآية: ما نبدل من آية أو نتركها أو نؤخرها نأت بخير منها لكم في التسهيل كالأمر بالقتال أو مثلها كالتوجه إلى القبلة. # (باب الزيادات) سأل هشام بن الحكم أبا عبد الله عليه السلام عن علة الصيام، فقال: انما فرض الله الصيام ليستوي به الغنى والفقير، وذلك أن الغني لم يكن ليجد مس الجوع فيرحم الفقير [لان الغنى كلما أراد شيئا قدر عليه]، فأراد الله أن [يسوي بين خلقه وان] يذيق الغني مس الجوع ليرق على الضعيف ويرحم الجائع (3). # (مسألة) من قرأ (فدية طعام مسكين) فطعام مسكين عطف بيان لقوله (فدية)، ومن # PageV01P205 # أضاف الفدية إلى طعام فهو كإضافة البعض إلى ما هو بعض له، فإنه سمى الطعام الذي يفدى به فدية، ثم أشاف الفدية إلى الطعام الذي يعم الفدية وغيرها، وهذا كقولهم (خاتم حديد). # (مسألة) وقوله (فعدة من أيام أخر)، أي فعليه عدة، ارتفاعه على الابتداء. ويجوز أن يكون خبر ابتداء، أي فالذي ينويه عدة من أيام أخر. # فان قيل: كيف قيل (فعدة) على التنكير ولم يقل فعدتها؟. # قلنا: لما قيل (فعدة) فالعدة بمعنى المعدود، فأمر بأن يصوم أياما معدودة، فكأنها ان أفطر بعض الشهر فبعضه وان أفطر الكل فالكل. # واختلفوا في العدة من الأيام الأخر: فقال الحسن هي على التضييق إذا برئ المريض أو قدم المسافر، وعندنا ms127 موقت فيما بين رمضانين فان فرط فعلى ما ذكرناه. # (مسألة) عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله (وعلى الذين يطيقونه فدية) قال: من مرض في شهر رمضان فأفطر ثم صح ولم يقض ما فاته متوانيا حتى جاء شهر رمضان آخر فعليه أن يتصدق لكل يوم بمد من طعام وأن يقضي بعده (1). # (مسألة) وقوله تعالى (ومن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر) عن الصادق عليه السلام: لم يكن رسول الله صلى الله عليه وآله يصوم في السفر تطوعا # PageV01P206 # ولا فريضة منذ نزلت هذه الآية بكراع الغميم (1) عند صلاة الهجير، فدعا رسول الله صلى الله عليه وآله باناء فشرب وأمر الناس أن يفطروا، فقال قوم: لو تممنا يومنا هذا، فسماهم النبي عليه السلام العصاة، فلم يزالوا يسمون بذلك الاسم حتى قبض عليه السلام (2). # (مسألة) وقوله (أنزل فيه القرآن) أي أنزل في فرضه وايجاب صومه على الخلق القرآن، فيكون (فيه) بمعنى في فرضه، كما يقول القائل (أنزل الله في الزكاة كذا) يريد في فرضها. وقد ذكرنا له معنى آخر، والمراد بالهدى الأولى الهداية من الضلالة وبالهدى الثانية بيان الحلال والحرام. # وعن أبي عبد الله عليه السلام: القرآن جملة الكتاب، والفرقان المحكم الذي يجب العمل بظاهره (3). # (مسألة) وقوله (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) الألف واللام في الشهر للعهد، والمراد به شهر رمضان، وينتصب على أنه ظرف لا على أنه مفعول به، لأنه لو كان مفعولا به للزم صومه المسافر كما يلزم المقيم، من حيث أن المسافر يشهد الشهر # PageV01P207 # كما يشهد المقيم، فلما لم يلزم المسافر علمنا أن معناه فمن شهد منكم المصر في الشهر فليصمه أي فليصم جميعه، ولا يكون الشهر مفعولا به. # فان قيل: كيف جاء ضميرة متصلا في قوله (فليصمه) إذا لم يكن الشهر مفعولا به. # قلنا: قد حذف منه المضاف على ما ذكرنا. # وقيل: ان الاتساع وقع فيه بعد أن استعمل ظرفا، على ما تقدم بيان أمثاله في مواضع. # (مسألة) وقوله (ولتكملوا العدة). اللام فيه يجوز ms128 أن يكون للامر، كقراءة من قرأ ﴿فبذلك فلتفرحوا﴾ (1) بالتاء. وانما أورد اللام في أمر المخاطب هنا اشعارا أن النبي عليه السلام وأمته الحاضرين والغائبين داخلون تحت هذا الخطاب (2). # PageV01P208 # (مسألة) وقوله تعالى (يريد الله بكم اليسر) إشارة إلى جواز غير التتابع في قضاء تلك العدة وان كانت شهرا أو أياما، الا أنه لابد من قضائها جميعا. # (مسألة) وقوله تعالى (ولتكبروا الله على ما هداكم) المراد به تكبير ليلة الفطر ويومه عقيب أربع صلوات - المغرب والعشاء والغداة وصلاة العيد - على مذهبنا. # (مسألة) وقوله تعالى (حتى يتبين لكم خيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر). # يسأل فيقال: لم زيد قوله (من الفجر) وهلا اختصر به على الاستعارة؟ قلنا: لان من شرط المستعار أن يدل عليه الحال أو الكلام، ولو لم يذكر (من الفجر) لم يعلم أن الخيطين مستعاران، فزيد (من الفجر) فكان تشبيها بليغا. على أن مع هذا البيان التبس على العربي الفصيح مثل عدي بن حاتم. # (مسألة) أما قوله (كما كتب على الذين من قبلكم) فقد روي عن أمير المؤمنين عليه السلام: أولهم آدم عليه السلام. # يعنى أن الصوم عبادة قديمة ما أخلا الله نبيا ولا أمة من افتراضها عليهم، لم يفرضها عليكم وحدكم (لعلكم تتقون) المعاصي، لان الصائم أظلف لنفسه. والمعنى. PageV01P209 # كتب عليكم كما كتب عليهم أن تتقوا المفطر بعد أن تصلوا العشاء وبعد أن تناموا، ثم نسخ ذلك بقوله (أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم). # ومعنى (معدودات) موقتات بعدد معلوم أو قلائل كقوله (دراهم معدودة) والله أعلم. PageV01P210 # كتاب الزكاة [وجميع العبادات المالية] (١) (باب في وجوب الزكاة) قال الله تعالى ﴿وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون﴾ (2). # أمر الله تعالى في هذه الآية جميع المكلفين بإقامة الصلاة وايتاء الزكاة اللتين أوجبهما عليهم وأن يطيعوا الرسول في كل ما يأمرهم به ويدعوهم إليه ليرحموا جزاءا على ذلك ويثابوا بالنعم الجزيلة. فالفرض التالي لفرض الصلاة في محكم التنزيل هو الزكاة، فلابد من معرفته وتحصيله، إذ كان في الجهل به جهل أصل ms129 الشريعة، يكفر المنكر له برده ويؤمن بالاقرار به، لعموم تكليفه وعدم سقوطه عن بعض البالغين لا لعذر. # وفي قوله (وآتوا الزكاة) في آي كثيرة ومواضع متفرقة في كتاب الله دلالة # PageV01P211 # قاطعة على أنها واجبة، لان ما رغب الله فيه فقد أراده، وكل ما أراده من العبد وأمر به في الشرع فهو واجب، الا أن يقوم دليل على أنه نفل. وقيل الاحتياط يقتضى الوجوب. # وسمي بالزكاة ما يجب اخراجه من المال، لأنه نماء لما يبقى وتثمير له. وقيل بل هو مدح لما يبقى بعد الزكاة، فإنه زكي به أي مطهر، كما قال ﴿أقتلت نفسا زكية﴾ (١) أي طاهرة. # وقوله في أول البقرة ﴿ومما رزقناهم ينفقون﴾ (٢) عن ابن عباس أنه الزكاة المفروضة تؤتيها احتسابا، وقال الضحاك هو التطوع بالنفقة فيما قرب من الله تعالى. # والأولى حمل الآية على عمومها فيمن أخرج الزكاة الواجبة والنفقات الواجبة وتطوع بالخيرات. # (فصل) قال الله تعالى ﴿وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم الا انهم كفروا بالله﴾ (٣). # وقال ﴿ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة﴾ (4). # هذه الآية نزلت في ناس من الصحابة استأذنوا النبي عليه السلام في قتال المشركين منهم عبد الرحمن بن عوف وهم بمكة، فلم يأذن لهم، فلما كتب عليهم القتال وهم بالمدينة، قال فريق منهم ما حكاه الله في الآية (5). # PageV01P212 # فان قيل: كيف يصح ذلك ولم أمرهم الله بايتاء الزكاة ولم تكن الزكاة فرضت بمكة. # قلنا: انما قال الله ذلك وأمر بها على وجه الاستحباب والندب دون الزكاة المقدرة على وجه مخصوص. # وقيل الآية نزلت في اليهود، نهى الله هذه الأمة أن يصنعوا مثل صنيعهم. # على أن العقل دال على حسن الاحسان والانفاق، فجائز أن يعلم الكافر حسنه، غير أنه - وان علم ذلك - لا يقع منه على وجه يكون طاعة، لأنه لو أوقعها على ذلك الوجه لا يستحق الثواب، وهذا لا يجوز. فبين الله في الآية الأولى أنه لا يثيب من فعل الخيرات إذا كان كافرا. # (فصل) وقوله (ليس البر أن ms130 تولوا وجوهكم قبل المشرق) إلى قوله ﴿وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة﴾ (1). # لا خلاف أن هذه الآية تدل على وجوب اعطاء الزكاة، وتدل أيضا في قول الشعبي والجبائي على وجوب غيره مما له سبب وجوب، كالانفاق على من يجب عليه نفقته وعلى من يجب عليه سد رمقه إذا خاف التلف، وعلى ما يلزمه من النذر والكفارات. ويدخل أيضا فيها ما يخرجه الانسان على وجه التطوع والقربة إليه تعالى، لان ذلك كله من البر. # ومعنى قوله (ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب) أي ليس الدين والخير الصلاة وحدها، لكنه الصلاة مع العبادات الاخر المذكورة. # PageV01P213 # عن ابن عباس قال: فان قيل قوله (وأقام الصلاة وآتى الزكاة) معطوف على قوله (وآتى المال على حبه ذوي القربى) فلم كرر وليس زيادة فائدة؟ # قلنا: انما قال تعالى (وآتى الزكاة) وقد تضمن قوله (وآتى المال على حبه ذوي القربى) إيتاء الزكاة توكيدا لأمر الزكاة وتنبيها على أنها تالية للصلاة، فجمع بينهما في الذكر كما يجبان على حد واحد. # وقيل: انه قوله (وآتى المال على حبه ذوي القربى) ليس يتناول الزكاة المفروضة في هذه الآية، وانما يدل على وجوب الزكاة قوله (وآتى الزكاة)، وانما يدل قوله (وآتى المال على حبه) على الانفاق على أولئك إذا عرف منهم شدة الحاجة، ولا يخرجه ذلك من أن يكون واجبا كما يجب عليه النفقات في أهله وولده، ورتب الله هذا الترتيب لتقديم الأولى فالأولى. # (فصل) فان قيل: كيف قال الله ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾ (1) والفقير لا تجب عليه الصدقة وان لم ينفق فإنه غير مخاطب به. # قلنا: الكلام خرج مخرج الحث على الصدقة الا أنه على ما يصح ويجوز من امكان النفقة، فهو مقيد في الجملة بذلك، الا انه أطلق الكلام به للمبالغة في الترغيب فيه. وقال الحسن: هو الزكاة الواجبة وما فرض الله في الأموال خاصة. # والأولى أن تحمل الآية على الخصوص، بأن نقول ms131 هي متوجهة إلى من يجب عليه اخراج شئ أوجبه الله عليه دون من لم تجب عليه، ويكون ذلك أيضا مشروطا بأن لا يعفو الله عنه. أو نقول: (لن تنالوا البر) الكامل الواقع على أشرف الوجوه (حتى تنفقوا مما تحبون). # PageV01P214 # وقيل في معنى (البر) انه الجنة، وقيل إنه البر من الله بالثواب والجنة، وقيل البر فعل الخير الذي يستحقون به الاجر. # فإذا ثبت وجوب الزكاة فاعلم أنه يحتاج فيها إلى معرفة خمسة أشياء: ما تجب فيه، ومن تجب عليه، ومقدار ما تجب فيه، ومتى تجب، ومن المستحق لها. ويدخل في القسم الأخير مقدار ما يعطى. # والطريق إلى معرفتها الكتاب والسنة جملة وتفصيلا، ونحن نشير إليها في أبواب انشاء الله تعالى: # (الباب الأول) (فيما تجب فيه الزكاة وكيفيتها وما تستحب فيه الزكاة) الزكاة عندنا لا تجب الا في تسعة أشياء بينها رسول الله صلى الله عليه وآله. # والدليل عليه من القرآن قوله تعالى (ما آتاكم الرسول فخذوه) وقال (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم). # وهي: الانعام والأثمان والغلات والثمار. وما عداها من الحبوب تستحب فيه الزكاة. # (فصل) والذي يدل على صحته - زائدا على اجماع الطائفة - قوله تعالى ﴿ولا يسألكم أموالكم﴾ (1). والمعنى أنه لا يوجب في أموالكم حقوقا، لأنه تعالى لا يسألنا أموالنا الا على هذا الوجه. # وهذا الظاهر يمنع من وجوب حق في الأموال مما أخرجناه، فهو بالدليل # PageV01P215 # القاطع وما عداه باق تحت الظاهر، فان تعلق المخالف بقوله ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ (1) وانه عام في جميع الزروع وغيرها مما ذكر في الآية. # فالجواب عنه: انا لا نسلم أن قوله (وآتوا حقه) يتناول العشر ونصف العشر المأخوذ على سبيل الزكاة، فمن ادعى تناوله لذلك فعليه الدلالة. # وعند أصحابنا أن ذلك يتناول ما يعطى المسكين والفقير المجتاز وقت الحصاد والجذاذ (2) من الجفنة والضغث (3)، فقد رووا ذلك عن الأئمة عليهم السلام، فمنه ما روي عن أبي جعفر عليه السلام في قوله (وآتوا حقه يوم حصاده) قال: ليس ذاك الزكاة، ألا ترى أنه قال ms132 (ولا تسرفوا انه لا يحب المسرفين) (4). # وهذه نكتة منه عليه السلام مليحة، لان النهى عن السرف لا يكون الا فيما ليس بمقدر، والزكاة مقدرة. وليس لاحد أن يقول: ان الاسراف ههنا هو أن يعطى غير المستحق. لان ذلك مجاز، ولا يجوز ترك الظاهر الذي هو الحقيقة والخروج إلى المجاز الا بدليل، ولا دليل ههنا. # وروي عن أبي عبد الله عليه السلام انه قيل له: يا بن رسول الله وما حقه؟ # قال: يناول منه المسكين والسائل (5). # والأحاديث بذلك كثيرة، ويكفي احتمال اللفظ. وإن كان يقوي هذا التأويل أن الآية تقتضي أن يكون العطاء في وقت الحصاد والعشر المفروض أو نصفه في # PageV01P216 # الزكاة لا يمكن في تلك الحال، لان العشر أو نصفه مكيل ولا يؤخذ الا من المكيل وفي وقت الحصاد لا يكون مكيلا ولا يمكن كيله، وانما يكال بعد تذريته وتصفيته، فتعليق العطاء بتلك الحال لا يمكن الا بما ذكرناه. # ويقوي هذا التأويل ما روي عن النبي عليه السلام من النهى عن الحصاد والجذاذ بالليل (١). وانما نهى عن ذلك لما فيه من حرمان المساكين ما ينبذ إليهم من ذلك، ألا ترى إلى قوله تعالى ﴿إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين * ولا يستثنون﴾ (2). # وما يقوله قوم في قوله (وآتوا حقه يوم حصاده) من أنها مجملة ولا دليل فيها. فليس بصحيح، لان الاجمال هو مقدار الواجب لا الموجب فيه (3). # (فصل) فان قيل في قوله (وآتوا حقه يوم حصاده) قد سماه الله تعالى حقا، وذلك لا يليق الا بالواجب. # قلنا: قد يطلق اسم (الحق) على الواجب والمندوب إليه، ألا ترى إلى ما روي عن جابر أن رجلا قال لرسول الله صلى الله عليه وآله: وهل علي حق في ابلي سوى الزكاة؟ قال: نعم تحمل عليها وتسقي من لبنها. # فان قالوا: فظاهر قوله (وآتوا حقه) يقتضي الوجوب، وما ذكرتموه ليس بواجب. # قلنا: إذا سلمنا ان ظاهر الامر شرعا على الوجوب أو الايجاب كان لنا من الكلام طريقان: # PageV01P217 # أحدهما أن نقول: ان ترك ظاهر من الكلام ليسلم ظاهر ms133 آخر له كترك ظاهر ذاك ليسلم هذا، وأنتم إذا حملتم الامر على الوجوب ههنا تركتم تعلق العطاء بوقت الحصاد، ونحن إذا حملنا الامر على الندب سلم لنا ظاهر تعلق العطاء بوقت الحصاد، وليس أحد هذين الامرين الا كصاحبه. وأنتم المستدلون بالآية فخرجت من أن تكون دليلا لكم. # والطريق الاخر - انا لو قلنا بوجوب هذا العطاء في وقت الحصاد، فإن لم يكن مقدرا بل موكولا إلى اختيار المعطي لم نقل بعيدا من الصواب (١). # فان تعلق مخالفنا بقوله تعالى ﴿أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض﴾ (٢) ان المراد بالنفقة ههنا الصدقة، بدلالة قوله تعالى ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله﴾ (٣) يعني لا يخرجون زكاتها. # فالجواب عن ذلك أن اسم النفقة لا يجري على الزكاة الا مجازا، ولا يعقل من اطلاق لفظ الانفاق الا ما كان من المباحات وما جرى مجراها. ثم لو سلمنا ظاهر العموم لجاز تخصيصه ببعض الأدلة التي ذكرناها. # (فصل) وقوله تعالى ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم﴾ (4). # أمر من الله لنبيه عليه السلام أن يأخذ من المالكين النصاب: الإبل إذا بلغت خمسا، والبقر إذا بلغت ثلاثين، والغنم إذا بلغت أربعين، والورق إذا بلغ مائتين، # PageV01P218 # والذهب إذا بلغ عشرين مثقالا، والغلاب والثمار إذا بلغت خمسة أوسق. تطهيرا لهم بها من ذنوبهم، ووجب على الأمة حملها إليه لفرضه عليها طاعته ونهيه لها عن خلافه (1). والامام قائم مقام النبي صلى الله عليه وآله فيما فرض عليه من إقامة الحدود والاحكام، لأنه مخاطب في ذلك بخطابه. # وقوله (خذ من أموالهم) يدل على أن الاخذ يجب من اختلاف الأموال، لأنه تعالى جمعه، ولو قال (خذ من مالهم) لأفاد وجوب الاخذ من جنس واحد متفق. و (من) دخلت للتبعيض، فكأنه قال خذ بعض مختلف الأموال. # وظاهر الآية - لما ذكرنا - لا يدل على أنه يجب أن يؤخذ من كل صنف، لأنه لو أخذ من صنف واحد لكان قد أخذ بعض الأموال، وانما يعلم ذلك بدليل آخر. # و ms134 (الصدقة) عطية ماله قيمة في الشرع للفقير وذي الحاجة، و (البر) عطية لاجتلاب المودة، ومثله (الصلة). # وانما ارتفع (تطهرهم) لاحد أمرين: اما أن يكون صفة للصدقة وتكون التاء للتأنيث، وقوله (بها) تبيين له، والتقدير صدقة مطهرة. واما أن تكون التاء لخطاب النبي عليه السلام، والتقدير فإنك تطهرهم بها [وهو أيضا صفة الصدقة الا أنه اجتزأ بذكر (بها) في الثاني] (2) عن الأول. # [وقيل يجوز ان يكون على الاستئناف وحمله على الاتصال أولى] (3). # وقيل في هذه الصدقة قولان: أحدهما قاله الحسن أنها كفارة الذنوب التي أصابوها، وقال غيره هي الزكاة الواجبة. # وأصل (التطهير) إزالة النجس (4)، فالمراد ههنا إزالة نجس الذنوب على # PageV01P219 # المجاز والاستعارة. # وقوله (وصل عليهم) أمر من الله لنبيه عليه السلام أن يدعو لمن يأخذ منه الصدقة، وقال قوم يجب ذلك على كل ساع يجمع الصدقات أن يدعو لصاحبها بالخير والتزكية والبركة كما فعل رسول الله صلى الله عليه وآله. # وعن ابن عباس: قالوا يا رسول الله هذه أموالنا فتصدق بها عنا واستغفر لنا. # فقال: ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئا، فأنزل الله (خذ من أموالهم صدقة). # (فصل) ولا تجب الزكاة في عروض التجارة، وانما تستحب على بعض الوجوه. # فان تعلق المخالف بقوله (خذ من أموالهم صدقة) وان عموم القول يتناول عروض التجارة. فالجواب عن ذلك أن أكثر ما في هذه الآية أن يكون لفظها عموما، والعموم معرض للتخصيص، ونحن نخص هذا العموم ببعض ما تقدم من أدلتنا. # على أن مخالفينا لابد لهم من ترك هذا الظاهر في عروض التجارة، لأنهم يضمرون في تناول هذا اللفظ لعروض التجارة أن يبلغ قيمتها نصاب الزكاة، وهذا ترك للظاهر وخروج عنه. ولا فرق بينهم فيه وبيننا إذا حملنا اللفظ في الآية على الأصناف التي أجمعنا على وجوب الزكاة فيها، وإذا قمنا في ذلك مقامهم - وهم المستدلون بالآية - بطل استدلالهم. # وبمثل هذا الكلام يبطل تعلقهم بقوله ﴿وفي أموالهم حق معلوم * للسائل والمحروم﴾ (1). # PageV01P220 # ويمكن أن يقال في هذه الآية: انها خرجت مخرج المدح لهم لما ms135 فعلوه لا على سبيل ايجاب الحق في أموالهم، لأنه تعالى قال (كانوا قليلا من الليل ما يهجعون * وبالاسحار هم يستغفرون * وفي أموالهم حق معلوم * للسائل والمحروم) فأخرج الكلام كله مخرج المدح لهم بما فعلوه، وليس في ايجاب الله في أموالهم حقا معلوما [مدح لهم ولا ما يجب الثناء عليهم، فعلم أن المعنى ويعطون من أموالهم حقا معلوما] (١) للسائل والمحروم، وما يفعلونه من ذلك ليس بلازم أن يكون واجبا بل قد يكون نفلا ومتطوعا به، وقد يمدح الفاعل على ما يتطوع به كما يمدح على فعل ما يجب عليه ولا تعلق لهم بقوله (وآتوا الزكاة)، لان اسم الزكاة اسم شرعي، ونحن لا نسلم أن في عروض التجارة زكاة فيتناولها الاسم، فعلى من ادعى ذلك أن يدل عليه. # والدين إذا كان يد صاحبه تمتد إليه ولا يتعذر عليه كانت الزكاة فيه، وإذا لم يتمكن من قبضه لتأجيله أو دفعه باليد عنه فلا زكاة فيه على صاحبه. وبذلك نصوص عن آل محمد عليهم السلام، فان الله لم يجعل في الدين من حرج، ولا كلف عسيرا بنص التنزيل. # (فصل) وقوله ﴿ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات﴾ (2). # سبب ذلك أنهم لما سألوا النبي عليه السلام أن يأخذ من مالهم ما يكون كفارة لذنوبهم فامتنع النبي من ذلك حتى أذن له فيه بقوله (خذ من أموالهم # PageV01P221 # صدقة) على ما قدمناه، فبين الله ههنا أن ليس للنبي قبول توبتكم وان ذلك إلى الله دونه، فان تعالى هو الذي (يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات) أي يأخذها بتضمن الجزاء عليها كما تؤخذ الهدية. # قال الجبائي: جعل أخذ النبي والمؤمنين للصدقة أخذا له تعالى على وجه المجاز، من حيث كان يأمره واكده النبي عليه السلام بقوله: ان الصدقة تقع في يد الله قبل أن تصل إلى السائل (١). # وفي التفسير: ان أبا لبابة وصاحبه لما بشرهم رسول الله صلى الله عليه وآله بقبول الله توبتهم ومغفرته لهم، قالوا: نتقرب بجميع أموالنا شكرا لما أنعم الله ms136 به علينا من قبول توبتنا. فقال النبي صلى الله عليه وآله: يكفيكم الثلث. # (فصل) وقوله تعالى ﴿وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون﴾ (٢). # يدل على أن النية واجبة في الزكاة، لان اعطاء المال قد يقع على وجوه كثيرة: # فمنها اعطاؤه على وجه [الصدقة، ومنها اعطاؤه على وجه] (٣) الهدية، ومنها الصلة، ومنها الوديعة، ومنها قضاء الدين، ومنها القرض، ومنها البر، ومنها الزكاة، ومنها النذر وغير ذلك. وبالنية يتميز بعضها من بعض. # قال الكلبي في معنى الآية: يضاعف الله أموالهم في الدنيا، ونحوه قوله تعالى ﴿مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء﴾ (4). # PageV01P222 # قال الربيع والسدي الآية تدل على أن النفقة بسبع مائة ضعف لقوله (سبع سنابل)، فأما غيرها فالحسنة بعشرة كقوله تعالى ﴿من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها﴾ (١) ومعنى الآية: أي يضاعف الله لهم الحسنات. # فان قيل: هل رؤي في سنبلة مائة حبة حتى يضرب المثل بها؟ # قلنا: ان ذلك متصور، فشبه به لذلك وان لم ير، كقول امرئ القيس: # * ومسنونة زرق كأنياب أغوال * وقال تعالى (طلعها كأنه رؤوس الشياطين) (٢). وقيل يرى ذلك في سنبل الدخن، وقد يكون ذلك عبارة عن حب كثير. # وهذه الآية متصل بقوله ﴿من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا﴾ (٣) وهذا مجاز، لان حقيقته أن يستعمل في الحاجة ويستحيل ذلك. ومعناه التلطف في الاستدعاء إلى أعمال البر. # وجهلت اليهود لما نزلت هذه الآية، فقالوا: الذي يستقرض منا فنحن أغنياء وهو فقير إلينا، فأنزل الله ﴿لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء﴾ (٤). # (فصل) وقوله تعالى ﴿ومنهم من يلمزك في الصدقات﴾ (5) الآية. دلالة على أنهم لم ينظروا إلى كيفية القسمة أهي عادلة أم جائرة، وانما اعتبروا اعطاءه إياهم فقط، فان أعطاهم قالوا عدل وأحسن وان لم يعطهم سخطوا وأنكروا. وهذا جهل ومعلوم أن من لم # PageV01P223 # يرض قسمة النبي عليه السلام الصدقات وطعن عليه فيها سرا أو جهرا اما كافر ms137 أو منافق. # و (اللمز) العيب في خلوة، أي من المنافقين من يعيبك في تفريق الصدقات. # وقال النبي عليه السلام: لا أعطيكم شيئا ولا أمنعكموه، انما أنا خازن أضع حيث أمرت. # ولا تعجب ان اختلف أحكام الصدقات، فالغلات والثمار لا يراعى فيها حول الحول [وشرطها اثنان الملك والنصاب. # ويراعى حول] الحول في الانعام والأثمان ومن شرط الانعام الملك والنصاب والسوم، ومن شرط الأثمان الملك والنصاب، وكونهما مضروبين منقوشين دنانير ودراهم. # وهذا التفصيل انما نعلمه ببيان الرسول، قال تعالى (وما آتاكم الرسول فخذوه)، فبيانه في مثل ذلك بالقول وبيانه في تفريقها بالعمل، وكلاهما بيان. # ثم قال تعالى (ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله) وجوابه محذوف، أي لكانوا مؤمنين. والحذف في مثل هذا أبلغ، لان الذكر يقصره على معنى، والحذف يجوز، كل ممكن محتمل، يذهب النفس معه كل مذهب. والله أعلم. # (الباب الثاني) (في ذكر من يستحق الزكاة وأقل ما يعطى) قال الله تعالى ﴿انما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله فريضة من الله﴾ (1). # أخبر الله في هذه الآية انه ليست الصدقات التي هي زكاة الأموال الا للفقراء # PageV01P224 # والمساكين ومن ذكرهم الله في الآية. # وفسر العالم عليه السلام هذه الأصناف الثمانية فقال: الفقراء الذين لا يسألون لقوله تعالى في سورة البقرة ﴿للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله﴾ (1) الآية، والمساكين هم أهل الزمانات منهم الرجال والنساء والصبيان، والعاملين عليها هم السعاة في أخذها وجمعها وحفظها حتى يؤدوها إلى من يقسمها، والمؤلفة قلوبهم [قال هم قوم وحدوا الله ولم يدخل قلوبهم] (2) ان محمدا رسول الله فكان عليه السلام يتألفهم فجعل لهم نصيبا بأمر الله لكي يعرفوا ويرغبوا، وفى الرقاب قوم لزمتهم كفارات في قتل الخطأ وفى الظهار وفى الايمان وفى قتل الصيد في الحرم وليس عندهم ما يكفرون به وهم مؤمنون (3). # وقال بعض العلماء: جعل الله الزكوات لامرين: أحدهما سد خلة، والاخر تقوية ومعونة لعز الاسلام. واستدل لذلك على أن المؤلفة قلوبهم في كل زمان، والغارمين الذين ركبتهم ms138 الديون في مباح أو طاعة، وفى سبيل الله الجهاد وجميع مصالح المؤمنين، وابن السبيل المسافر المنقطع به والضيف. # PageV01P225 # (فصل) اختلفوا في الفرق بين الفقير والمسكين: فقال ابن عباس وجماعة الفقير المتعفف الذي لا يسأل والمسكين الذي يسأل، ذهبوا إلى أنه مشتق من المسكنة بالسؤال (١). # وهذا الخلاف في الفقير والمسكين لا يخل بشئ في باب الزكاة، لأنهما جميعا من جملة ذوي السهام الثمانية، سواء كان هذا أشد حالا أو ذاك، الا أنه ليس كلا اللفظين عبارة عن شئ واحد. # وقال النبي صلى الله عليه وآله: ليس المسكين الذي يرده الاكلة والأكلتان والتمرة والتمرتان، ولكن المسكين الذي لا يجد غنى فيعينه ولا يسأل الناس الحافا. # وقال قتادة: الفقير ذو الزمانة من أهل الحاجة، والمسكين من كان صحيحا محتاجا. # وقال قوم: هما بمعنى واحد الا انه ذكر بالصفتين لتأكيد أمره، وليعطى من له شئ ولا يكفيه كما يعطى من لا شئ له. # وسمي المحتاج فقيرا من حيث كأنه كسر فقار ظهره، والمسكين كأن الحاجة سكنته عن حالة أهل السعة والثروة. # ومن قال المسكين أحسن حالا، استدل بقوله ﴿أما السفينة فكانت لمساكين﴾ (2) ومن قال هما سواء قال كانت السفينة مشتركة بين جماعة لكل واحد منهم شئ يسير. # (والعاملين عليها) يعنى سعادة الزكاة وجباتها. # PageV01P226 # (والمؤلفة قلوبهم) أقوام أشراف كانوا في زمن النبي عليه السلام، فكان يتألفهم على الاسلام ويستعين بهم على قتال غيرهم (1)، فيعطيهم سهما من الزكاة. فقال قوم كان هذا خاصا على عهد النبي عليه السلام، وروى جابر عن الباقر عليه السلام أنه ثابت في كل عصر الا أن من شرطه ان يكون هناك امام عدل يتألفهم على ذلك (2)، واختاره الجبائي. # (وفى الرقاب) يعنى المكاتبين. وأجاز أصحابنا أن يشترى به عبد مؤمن إذا كان في شدة ويعتق من مال الزكاة ويكون ولاؤه لأرباب الزكاة، وهو قول ابن عباس وجعفر بن مبشر. # والمكاتب انما يعطى من الصدقة إذا لم يكن معه ما يعطى ما عليه من مال الكتابة، فإن كان ذلك عنده فإنه لا يعطى ms139 شيئا. هذا إذا حل عليه نجم وليس معه ما يعطيه أو ما يكفيه لنجمه، وان لم يكن معه شئ غير أنه لم يحل عليه نجم فإنه يجوز أيضا أن يعطى، لعموم الآية. # والغارمين) هم الذين ركبتهم الديون في غير معصية ولا اسراف فيقضى عنهم ديونهم. هذا قول أبى جعفر عليه السلام، وعليه جميع المفسرين. # (وفى سبيل الله) يعنى الجهاد بلا خلاف. ويدخل فيه عند أصحابنا جميع مصالح المسلمين، وهو قول ابن عمر وعطاء، وبه قال البلخي، فإنه قال يبنى منه المساجد والقناطر وغير ذلك، وهو قول جعفر بن مبشر. # (وابن السبيل) هو المسافر المنقطع به، فإنه يعطى من الزكاة وإن كان غنيا في بلده من غير أن يكون دينا عليه. وهو قول قتادة ومجاهد. # ويستحب له أيضا إذا وصل إلى ماله ان يتصدق بمثل ما أخذه حيث انقطع به. # PageV01P227 # (فصل) إذا دفع صاحب المال زكاته إلى الفقير بغير اذن الامام عند حضوره فللامام أن يعيد عليه ويطالبه بالزكاة، بدلالة تعلق فرض الأداء به، قال الله تعالى (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها)، والامام مخاطب بعد النبي عليه السلام بما خوطب به في تنفيذ الاحكام. # واختلفوا في مقدار ما يعطى الجابي للصدقة: فقال مجاهد والضحاك يعطى الثمن بلا زيادة، وقال به عبد الله بن عمرو بن العاص والحسن وابن نهد، وهو قدر عمالته (1) وهو المروي في أخبارنا. # واللام في قوله (للفقراء) ليست للملك، إذ لا خلاف ان الصدقات لا يملكها الفقراء بالوجوب وانما تصير حقا لهم ولمن عطف عليهم، واللام إذا دلت على الحق لم يجب فيها العموم، إذ الحق قد يكون للفقراء، ويكون الاختيار إلى من يضعه فيهم، فله أن لا يعمهم. وإن كان قبل الوضع لجماعتهم فقد صار التخصيص في التمليك يصح مع كونه حقا [على طريق العموم. # فإذا أبيت من ذلك فالواجب من الظاهر أن لا يقطع على كونه حقا] (2) لجماعتهم. # يبين ذلك أنه لو كان كذلك لما جاز في الصدقة أن يوضع في ثلاثة مساكين، بل ms140 كان يجب وضعها في جميع من يتمكن منه في البلد، وقد أجمعوا على خلافه. # وقال الباقر عليه السلام: ان لقاسم الزكاة أن يضعها في أي الأصناف شاء. # واليه ذهب ابن عباس وحذيفة وعمر وعطاء وإبراهيم وسعيد بن جبير. # وقال بعض المتأخرين: لا يضعها الا في سبعة أصناف، لان المؤلفة قلوبهم قد # PageV01P228 # انقرضوا. وان قسمها الانسان عن نفسه ففي ستة، لأنه بطل سهم العامل عليها. وزعم أنه لا يجزي في كل صنف أقل من ثلاثة. # وعندنا أن سهم المؤلفة والسعاة وسهم الجهاد قد سقط اليوم، ويقسم في الخمسة الباقية كما شاء رب المال، وان وضعها في فرقة منهم جاز، الا أن أقل ما يعطى مستحق ما يجب في نصاب ولا يكسر الا في الغلات والثمار، والاحتياط فيها أن لا يكسر في نصابها أيضا. # وأجمعت الأمة على أن الصدقات يخالف حكمها حكم الوصية، لأنه إذا أوصى بسهام ثم تعذر بعضها في البلد لم يجز صرفها إلى الموجودين فيه. ولم يختلفوا في جواز ذلك في الزكاة، فقد ثبت ان هذه السهام جهات لجواز الوضع فيهم، فكأن الله وسع على المصدق القاسم الحال في ذلك، فجاز أن يضعه في جميعهم كيف يشاء، وجاز أن يضع جميعه في بعضهم إذا رأى ذلك أولى وأحق في الحال. # (فصل) قد ذكرنا من قبل أنه يجوز أن يشترى المملوك من مال الزكاة فيعتق إذا كان حاله ما قدمناه. والدليل عليه قوله (انما الصدقات للفقراء) إلى قوله (وفي الرقاب) وهذا نص صريح في جواز عتق الرقبة من الزكاة. # فان قيل: المراد بقوله (وفي الرقاب) المكاتبون، فان الفقهاء كلهم يجيزون أن يعطى المكاتب من مال الزكاة الا مالكا. # قلنا: نحمله على المكاتب وعلى من يبتاع فيعتق، لأنه لا تنافي بين الامرين، وظاهر القول يتناول الكل ولا مخصص لعمومه، فمتى استفاد هذا المعتق من الزكاة مالا ثم مات فماله - إذا لم يكن له وارث من النسب والزوجية - لأهل الزكاة لأنه اشتري من مالهم. PageV01P229 # ويجوز أن يكفن من الزكاة الموتى ويقضى بها ms141 الدين عن الميت، وباقي الفقهاء يخالفوننا فيه. والحجة لأصحابنا - مضافا على اجماعهم - قوله (وفى سبيل الله) في آية وجوه الصدقة التي ذكرناها. ومعنى سبيل الله الطريق إلى ثواب الله والوصلة إلى التقرب إليه تعالى، ولما كان ما ذكرنا مقربا إلى الله وموصلا إلى الثواب جاز صرفه فيه. # فان قيل: المراد بقوله (وفى سبيل الله) ما ينفق في جهاد العدو. # قلنا: كل هذا مما يوصف بأنه سبيل الله، وإرادة بعضه لا يمنع من إرادة البعض الاخر. # وقد روى مخالفونا عن ابن عمر أن رجلا أوصى بماله في سبيل الله. فقال ابن عمر: ان الحج من سبيل الله، فاجعلوه فيه. # ورووا عن النبي عليه السلام: ان الحج والعمرة من سبيل الله. # الباب الثالث (في ذكر من يجب عليه الزكاة وذكر احكام الزكاة كلها) قال الله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم﴾ (١). # هذا وإن كان خطابا للمؤمنين دون سائر الناس، فلا يدل على أن الكافر غير متعبد به، لان الامر المتوجه إليك لا يكون نهيا لغيرك. مع أن جميع المؤمنين لا يجب عليهم الزكاة، وانما تجب على من يكون حرا يملك النصاب مع شرائطها الاخر المذكورة، وقد قال الله تعالى ﴿ويل للمشركين * الذين لا يؤتون الزكاة﴾ (2) # PageV01P230 # فقد توعدهم على ترك الزكاة الواجبة عليهم لأنهم متعبدون بجميع العبادات ومعاقبون على تركها. # قال الزجاج: معناه ويل للمشركين الذين لا يؤمنون بأن الزكاة واجبة عليهم. # وانما خص الزكاة بالذكر تقريعا لهم على شحهم الذي يأنف منه أهل الفضل. # والصحيح أنه عام في جميع ذلك، وحسن الاحسان والانعام يعلم على الجملة عقلا. # ولا زكاة واجب في صامت أموال الصبيان، وتجب فيهما عدا ذلك من أنعامهم وغلاتهم وثمارهم. وبهذا نصوص عن آل محمد عليه وعليهم السلام (١)، ويؤيدها قوله تعالى ﴿وأقيموا الصلاة، وآتوا الزكاة﴾ (٢)، فخوطب بالزكاة من خوطب بالصلاة، والصبي غير مخاطب بالصلاة. وقوله ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها﴾ (٣)، والصبي لا يحتاج إلى التطهير، إذ لا ذنب له ولا تكليف عليه. # فأما زكاة ms142 حرثه ونعمه فمأخوذ من قوله ﴿والذين في أموالهم حق معلوم﴾ (4) وقد ثبت أن القرآن لا يتناقض ولا يختلف معانيه، ولم يكن طريق إلى الملائمة بين معانيه الا على الوجه الذي ذكرناه مع وفاق السنة في ذلك له. # وقوله (أنفقوا من طيبات ما كسبتم) يدخل فيه الزكاة المفروضة وغيرها من أنواع النفقة. # وقال عبيدة السلماني والحسن: هي مختصة بالزكاة، لان الامر على الايجاب، ولا يجب من الانفاق على الكل الا الزكاة. # وقال الجبائي: هي في التطوع، لان الفرض من الصدقة له مقدار من القيمة ان قصر كان ذنبا عليه إلى أن يؤديه على التمام. # PageV01P231 # (فصل) وقوله ﴿ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون﴾ (1). # عن علي عليه السلام والبراء والحسن وقتادة انها نزلت لان بعضهم كان يأتي بالحشف (2) فيدخله في تمر الصدقة (3). وقال ابن زيد الخبيث الحرام. # والأول أقوى، والعموم يستغرقهما، الا أنه تعالى قال (أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض) ثم قال (ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون) يعنى من الذي كسبتم أو أخرجه الله من الأرض، والحرام - وإن كان خبيثا - فليس من ذلك غير أنه يمكن أن يراد بذلك، لأنه لا ينافي السبب. # فأما إذا كان مال المزكى كله رديئا فجائز له أن يعطي منه ولا يدخل فيما نهي عنه، لان تقدير ما جعله الله للفقير في مال الغنى تقدير حصة الشريك، فليس لأحد الشريكين أن يأخذ الجيد ويعطي صاحبه الردئ [لما فيه من الوكس، فإذا استوى في الرداءة جاز له اعطاء الزكاة من الردئ لأنه حينئذ] (4) لم يبخسه حقا هو له كما يبخسه في الأول. # ويقوي القول الأول قوله (ولستم بآخذيه الا أن تغمضوا فيه)، لان الاغماض لا يكون الا في الشئ الردئ دون ما هو حرام. # والأجناس التسعة التي تجب فيها الزكاة تدخل [تحت قوله (أنفقوا من طيبات # PageV01P232 # ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض)، وكذا الأجناس الخمسة التي يستحب فيها الزكاة تدخل] (1) تحته. # وعن الصادق عليه السلام: ان الآية نزلت في قوم لهم أموال من ربا ms143 الجاهلية كانوا يتصدقون منه، فنهى الله عنه وأمر بالصدقة من الطيب الحلال (2). # فعليك أيها الناظر في كتابي هذا أن تتدبره، فان السنة منها جئ ومنها أجئ، وبيان الكتاب من السنة. # (فصل) وقوله (ولستم بآخذيه الا أن تغمضوا فيه) في معناه قولان: أحدهما أن لا تتصدقوا بما لا تجدونه من غرمائكم الا بالمسامحة والمساهلة، فالاغماض المساهلة. # والاخر معناه لا تتصدقوا بما لا تأخذونه الا أن تحطوا من الثمن فيه. ومثله قول الزجاج، أي لستم تأخذونه الا بوكس فكيف تعطونه في الصدقة. # ثم قال إن الله غنى عن صدقاتكم يقبلها منكم ويحمدكم عليها ويجازيكم عليه. # ثم حذر من الشيطان المانع من الصدقة، فإنه يعدكم الفقر بتأدية زكاتكم ويأمركم بالانفاق من الردئ، وسماه (فحشاء) لان فيه معصية الله. والله يعدكم أن يخلف عليكم خيرا من صدقتكم. وعن ابن عباس: اثنان من الله واثنان من الشيطان. # وقال الصادق عليه السلام: للشيطان لمة وللملك لمة (3)، فلمة الشيطان وعده بالفقر وأمره بالفاحشة، ولمة الملك أمره بالانفاق ونهيه عن المعصية. # ثم ذكر تعالى صفة الانفاق ورغب فيه، فقال (ان تبدوا الصدقات فنعما هي # PageV01P233 # وان تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم) (١). # اعلم أن صدقه التطوع اخفاؤها أفضل لأنه أبعد من الرياء، والمفروض لا يدخله الرياء ويلحقه تهمة المنع باخفائها فاظهارها أفضل، عن ابن عباس، وكذا روي عن الصادق عليه السلام أنه قال: الزكاة المفروضة تخرج علانية وتدفع علانية، وغير الزكاة ان دفعه سرا فهو أفضل ٢. # وقيل الاخفاء في كل صدقة من واجب وغيره أفضل - عن الحسن. وهو الأشبه، لعموم الآية، وعليه يدخل اخبارنا على أن الأول حسن، ونحوه ان اظهار الصلوات الخمس أفضل دفعا للشبهة، واخفاء النوافل حسن دفعا للرياء. # والزكاة والصدقة يتداخل معناهما، وان كانت الزكاة وضعت عرفا أولا في الفرض والصدقة في النفل. والابداء الاظهار، والاخفاء الاسرار. # وقوله (فنعما هي) اي نعم شيئا ابداؤها، فما نكرة وهي في موضع نصب، لأنه يفسر الفاعل المضمر قبل الذكر في نعم. والابداء هو المخصوص بالمدح، فحذف المضاف الذي هو ms144 الابداء وأقيم المضاف إليه الذي هو ضمير الصدقات، وهو (هي). # (فصل) وقوله تعالى ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾ (3) عن الصادق عليه السلام: نزلت هذه الآية في شهر رمضان، فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله مناديه فنادى في الناس: # ان الله قد فرض عليكم الزكاة كما فرض عليكم الصلاة، ففرض عليكم من الذهب # PageV01P234 # والفضة والإبل والبقر والغنم ومن الحنطة والشعير والتمر والزبيب، وعفا عما سوى ذلك. ثم لم يتعرض لشئ من أموالهم حتى حال عليهم الحول من قابل فصاموا وأفطروا، فأمر عليه السلام مناديه فنادى: أيها المسلمون زكوا أموالكم تقبل صلاتكم. قال: ثم وجه عمال الصدقة (1). # وقد بعث أمير المؤمنين عليه السلام مصدقا من الكوفة إلى باديتها، فقال له: # يا عبد الله عليك بتقوى الله، ولا تؤثرن دنياك على آخرتك، وكن حافظا لما ائتمنتك عليه راعيا لحق الله فيه حتى تأتي نادي بني فلان، فإذا قدمت فأنزل بمائهم من غير أن تخالط أبياتهم، ثم امض إليهم بسكينة ووقار حتى تقوم بينهم فتسلم عليهم، ثم قل لهم: يا عباد الله أرسلني إليكم ولي الله لاخذ منكم حق الله في أموالكم، فهل لله في أموالكم حق فتؤدوه إلى وليه. فان قال لك قائل لا فلا تراجعه، وان أنعم لك منهم منعم فانطلق معه من غير أن تخيفه أو تعده الا خيرا، فإذا أتيت ماله فلا تدخله الا باذنه فان أكثره له، فقل يا عبد الله أتأذن لي في دخول مالك، فاذن اذن لك فلا تدخل دخول متسلط عليه فيه ولا عنف به، فاصدع المال صدعين، ثم خيره فان اختار فلا تعرض له، فلا تزال كذلك حتى يبقى ما فيه وفاء لحق الله في ماله، فإذا بقي ذلك فاقبض حق الله منه، فان استقالك فأقله، ثم اخلطها واصنع مثل الذي صنعت أولا حتى تأخذ حق الله في ماله، فإذا قبضته فلا توكل به الا ناصحا شفيقا أمينا حفيظا غير معنف بشئ منها. ثم احدر ما اجتمع عندك من كل فأد إلينا نصيره حيث أمر ms145 الله، فإذا انحدر بها رسولك فأوعز إليه أن لا يحول بين ناقة وفصليها ولا يفرق بينهما ولا يصر لبنها فيضر ذلك بولدها، ولا يجهدنها ركوبا، وليعدل بينهن في ذلك وليوردهن كل ماء يمر به، ولا يعدل بهن عن نبت الأرض إلى جواد الطريق حتى تأتينا سجاحا سمانا غير متعبات ولا مجهدات، فنقسمهن على كتاب الله وسنة نبيه على # PageV01P235 # أولياء الله، فان ذلك أعظم لاجرك (١). # فقوله (خذ من أموالهم صدقة) أمر منه تعالى بأخذ صدقاتهم على ما تقدم، وفرض على الأمة حملها إليه لفرضه عليها طاعته، والامام قائم مقامه فيما فرض على النبي صلى الله عليه وآله من إقامة الحدود والاحكام، لأنه مخاطب بخطابه في ذلك. # ولما وجد النبي كان الفرض حمل الزكاة [إليه، فلما غاب من العالم بوفاته صار الفرض حمل الزكاة] (٢) إلى خليفته، فإذا غاب الخليفة كان الفرض حملها إلى من نصبه في مقامه من خاصته، فإذا عدم السفراء بينه وبين رعيته وجب حملها إلى الفقهاء المأمونين من أهل ولايته، لان الفقيه أعرف بموضعها ممن لا فقه له. # (فصل) وقوله تعالى ﴿ان عدة الشهور عند الله اثنا عشرا شهر﴾ (3) قال المبرد يعنى ان السنة للمسلمين على الأهلة لا على ما يعده أهل الكتاب، فسمى الله كل ثلاثين يوما أو تسعة وعشرين يوما - عند تجدد رؤية الهلال بعد استسراده - شهرا، وسمى كل اثني عشر شهرا سنة وعاما وحولا، إذ كان لا ينتظم أمر الناس الا بهذا الحساب واجراء الأحوال على مقتضى هذا المثال في جميع الأبواب. # ولما كان سائر الأمم سوى العرب يجعلون الشهر ثلاثين يوما والسنة بحلول الشمس أول الحمل، وذلك انما يكون بانقضاء ثلاثمائة وخمسة وستين يوما وربع يوم، واليهود والنصارى عبادتهم المتعلقة بالأوقات تجرى على هذا الحساب، بين الله أنه حكم بأن تكون السنة قمرية لا شمسية وانه تعبد المسلمين بهذا، فجعل حجتهم وأعيادهم ومعاملاتهم وحساباتهم ووجوب الزكوات عليهم معتبرة بالقمر وشهوره # PageV01P236 # لا بالشمس. فإن كان مع الانسان مال تام النصاب وحال عليه الحول يجب فيه الزكاة ms146 وحد حول الحول فيها أنه إذا استهل هلال الشهر الثاني عشر. # والأثمان والانعام لا زكاة فيها حتى يحول عليها الحول. # فأما الغلات فوقت الزكاة فيها حين حصولها بعد الحصاد والجذاذ، وتفصيل ذلك أن وقت وجوب الزكاة في الغلات إذا كانت حبوبا إذا اشتدت، وفى الثمار إذا بدأ صلاحها. # وعلى الامام أن يبعث سعاته لحفظها في الاحتياط عليها، كما فعل رسول الله بخيبر. # ووقت الاخراج إذا ديس الحب ونقى وصفى، وفى الثمر إذا جففت وشمست والمراعى في النصاب مجففا مشمسا. # وقوله تعالى (وآتوا حقه يوم حصاده) عن ابن عباس الزكاة العشر أو نصف العشر، وعن الصادق عليه السلام مما تنشر مما يعطى المساكين الضغث بعد الضغث والجفنة بعد الجفنة (1). # وعن السدي الآية منسوخة بفرض العشر ونصف العشر، لان الزكاة لا تخرج يوم الحصاد، ولأن هذه الآية مكية وفرض الزكاة نزل بالمدينة، ولما روي أن الزكاة نسخت كل صدقة. وقال الرماني: هذا غلط، لان يوم حصاده ظرف لحقه وليس بظرف الايتاء المأمور به. # وقوله (ولا تسرفوا) نهي عن وضع الزكاة في غير أهله، وان من أعطي زكاة ماله الفاسق والفاجر فقد أسرف ووجب عليه الإعادة. قال النبي صلى الله عليه وآله (المعتدي في الصدقة كمانعها) (2). والاسراف مجاوزة حد الحق، وهو يكون # PageV01P237 # بالتفريط والافراط والتقصير والزيادة. # والخطاب لأرباب المال، وقيل للسلطان، وقيل خطاب للجميع، وهو أعم فائدة. # وروي عن ثابت بن قيس بن شماس انه كان له خمسمائة رأس نخلة، فصرمها وتصدق بها ولم يترك لأهله منها شيئا، فنهى الله عن ذلك وبين أنه سرف (١)، ولذلك قال عليه السلام: ابدأ بمن تعول. # والآية الأولى تدل على أن الواجب تعليق الاحكام المتصلة بالشهور والسنين من عبادات وغيرها بهذه الأشهر دون الشهور التي تعتبرها العجم والروم، فمن هذا الوجه تعليق الصيام وأخذ الجزية وغيرها بحؤول هذا الحول، يؤيده قوله ﴿منها أربعة حرم﴾ (٢) والعدة اسم المعدود. # (فصل) وقوله تعالى (وما تنفقوا من خير فلأنفسكم) [أي ما تنفقوا في وجوه البر من مال فلأنفسكم ثوابه، ثم قال] ms147 (٣) ﴿وما تنفقون الا ابتغاء وجه الله﴾ (٤) أخبر تعالى عن صفة المؤمنين انهم لا ينفقون الا طلبا لرضا الله. [وقيل معناه النهي وإن كان ظاهره الخبر، أي لا تنفقوا الا طلبا لرضوان الله] (٥). # ثم قال ﴿للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله﴾ (6) قيل هو بدل من قوله (فلأنفسكم) # PageV01P238 # والأحسن أن يكون العامل محذوفا، أي النفقة المذكورة للفقراء الذين حبسوا ومنعوا في طاعة الله اما لخوف العدو واما للمرض والفقر واما للاقبال على العبادة. # ثم وصفهم بقوله (يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسئلون الناس الحافا). # ثم حث الناس عليها فقال (الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية) أي ينفقون على الدوام إذ لا وقت سواها ﴿فلهم اجرهم﴾ (١) أتى بالفاء ليدل على أن الاجر من أجل الانفاق في طاعة الله. # ثم عقب بآية الربا، ثم قال ﴿وإن كان ذو عسرة﴾ (٢) أي ان وقع في غرمائكم فقر فتؤخر إلى وقت يساره. وقال الصادق عليه السلام في حد هذا الاعسار: وهو أن لم يقدر على ما يفضل عن قوته وقوت عياله على الاقتصاد، وهو وأجب في كل دين (٣). # وقال الباقر عليه السلام (إلى ميسرة) معناه إلى أن يبلغ خبره الامام فيقضي عنه من سهم الغارمين إذا كان أنفقه في معروف (٤). # (وان تصدقوا) أي أن تصدقوا على المعسر بما عليه من الدين (خير لكم ان كنتم تعلمون) الخير من الشر، فإن كان الدين على والدك أو على والدتك أو ولدك جاز أن تقضيه عنهم من الزكاة وان لم يجز اعطاء الزكاة إياهم. # وقوله ﴿الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى﴾ (5) فالمن هو ذكر ما ينقص المعروف، بأن يقول أحسنت إلى فلان وأغنيته # PageV01P239 # ونحوه، والأذى أن يقول أنت أبدا فقير ومن أبلاني بك وأراحني الله منك. # ثم قال ﴿لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس﴾ (١) فالمنافق والمنان يفعلان لغير وجه الله فلا يستحقان عليه ثوابا. ولا دليل فيها على أن الثواب الثابت يزول بالمن. # أما ms148 قوله ﴿يسئلونك ما ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين﴾ (٢) فقال السدى: # الآية واردة في الزكاة يستحب سان؟ مصارف الزكاة. والأظهر أن المراد به نفقة التطوع على من لا يجوز وضع الزكاة عنده ولمن يجوز وضع الزكاة عنده، فهي عامة في الزكاة المفروضة وفي التطوع، لأنه لا دليل على نسخها. # والآية نزلت في عمرو بن الجموح، كان شيخا كبيرا ذا مال قال: يا رسول الله بماذا أتصدق وعلى من أتصدق (٣). # ثم قال ﴿ويسئلونك ماذا ينفقون قل العفو﴾ (٤) عن الباقر عليه السلام العفو ههنا ما فضل عن قوت السنة (٥)، فنسخ ذلك بآية الزكاة. وعن الصادق عليه السلام العفو الوسط (٦)، أي لا اقتار ولا اسراف. # (فصل) وقوله ﴿الذين يلزمون المطوعين من المؤمنين في الصدقات﴾ (7) نزلت في # PageV01P240 # حبحاب (١)، لأنه اتى النبي عليه السلام بصاع من تمر وقال: يا رسول الله اني عملت في النخل بصاعين فتركت للعيال صاعا وأهديت لله صاعا. فقال المنافقون: ان الله لغني عما أتى به (٢). # والمتطوع المتنفل من طاعة الله ما ليس بواجب. # وقوله ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة﴾ (3) أكثر المفسرين والعلماء على أن الوعيد يتناول مانع الزكاة الواجبة، لان جمع المال ليس بمحظور، وبعد اخراج حق الله منه فحفظه إليه ان شاء أحرزه بالدفن في الأرض أو بالوضع في الصندوق (4). # وقال النبي عليه السلام: ما من صاحب كنز لا يؤدي زكاة كنزه الا جئ بكنزه يوم القيامة فتحمى به جنبه وجبينه لعبوسه وازوراره، وجعل السائل والساعي وراء ظهره (5). # وروى ابن مهرايزد في تفسيره ان سائلا سأل أبا ذر وهو بالربذة: ما أنزلك هذا المنزل؟ فقال: كنا بالشام فسألني معاوية عن هذه الآية أهي فينا أم في أهل الكتاب فقال: قلت فينا وفيهم. فقال معاوية: بل هي في أهل الكتاب. ثم كتب إلى عثمان ان أبا ذر يطعن فينا، فاستقدمني عثمان المدينة، فلما أقبلت قال تنح قليلا، فتنحيت إلى منزلي هذا. # PageV01P241 # وعن الصادق عليه السلام من منع الزكاة سأل الرجعة عند الموت، وهو قول الله تعالى ﴿حتى إذا جاء أحدهم ms149 الموت قال رب ارجعوني لعلي أعمل صالحا فيما تركت﴾ (١). # (باب ذكر الخمس وأحكامه) قال الله تعالى ﴿واعلموا ان ما غنمتم من شئ فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل﴾ (2). # [الغنيمة ما أخذ من أموال أهل الحرب من الكفار بقتال] (3) وهي هبة من الله للمسلمين. # والخمس يجب فيها وفي كل فائدة تحصل للانسان من المكاسب وارباح التجارات وفى الكنوز والمعادن والغوص وغير ذلك. وهي خمسة وعشرون جنسا وكل واحد منها غنيمة، فإذا كان كذلك فالاستدلال يمكن عليها كلها بهذه الآية، ويدل عليها جملة قوله تعالى (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم). # ووقت وجوب الخمس فيه وقت حصوله، لا يراعى فيه حؤول الحول ولا النصاب الذي في الزكاة الا في شيئين منها: أحدهما الكنوز، فإنه يراعى فيها النصاب الذي يجب فيه زكاة الأثمان. والثاني الغوص، فإنه يراعى فيه مقدار دينار، وما عداهما لا يعتبر فيه مقدار. والتقدير واعلموا أن ما غنمتموه، ما نصب اسم ان وغنمتم صلته. # وقوله (فأن لله خمسه) اي فأمره وشأنه أن لله خمسه، فما بمعنى الذي، # PageV01P242 # ولا يجوز أن يكتب الا مفصولا، لان كتبه موصولا يوجب كون ما كافة على ما عليه عرف أهل اللغة والنحو. # وقال الشيخ المفيد: الخمس يجب في المعدن إذا بلغ الموجود منه مبلغا قيمته مائتا درهم، وبذلك نصوص عن أئمة آل محمد عليه وعليهم السلام، ويؤيد ذلك قوله (واعلموا أن ما غنمتم من شئ فأن لله خمسه)، وما وجد في المعدن فهو من الغنائم بمقتضى العرف واللسان. # (فصل) وأما قسمة الخمس فهو عندنا على ستة أقسام على ما ذكره الله: سهم لله وسهم لرسوله، وهذان مع سهم ذي للقربى القائم مقام النبي صلى الله عليه وآله ينفقهما على نفسه وأهل بيته من بني هاشم، وسهم لليتامى وسهم للمساكين وسهم لأبناء السبيل كلهم من أهل بيت الرسول عليه السلام لا يشركهم فيها باقي الناس، لان الله عوضهم ذلك عما أباح لفقراء سائر المسلمين ومساكينهم وأبناء سبيلهم من الصدقات الواجبة ms150 المحرمة على أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله، وهو قول زين العابدين والباقر عليهما السلام، روى الطبري باسناده عنهما. # واعلم أن الفقير إذا اطلق مفردا دخل فيه المسكين، وكذا لفظ المسكين إذا أطلق مفردا دخل فيه الفقير، لأنهما متقاربان في المعنى. ولم يذكر في آية الخمس الفقراء - كما جمع الله في آية الزكاة بينهما - لان هناك لهما سهمان من ثمانية أسهم، وههنا أفرد لفظ المساكين وأراد بهم من له شئ لا يكفيه ومن شئ له، ولكليهما سهم واحد من ستة أسهم. PageV01P243 # (فصل) وقوله (واليتامى والمساكين وابن السبيل). # قال المغربي حاكيا عن الصابوني ان هؤلاء الثلاث الفرق لا يدخلون في سهم ذي القربى وإن كان عموم اللفظ يقتضيه لان سهامهم مفردة، وهو الظاهر من المذهب. # وافراد لفظ (ذي) من (ذي القربى) دون أن يكون ذوي القربى على الجمع يحقق ما ذكرناه انه للامام القائم مقام الرسول صلى الله عليه وآله. # والذين يستحقون الخمس عندنا من كان من ولد عبد المطلب، لان هاشما لم يعقب الا منه من الطالبيين والعباسيين والحارثيين واللهبيين، فأما ولد عبد مناف من المطلبين فلا شئ لهم منه. # وعن ابن عباس الخمس يقسم خمسة أقسام فسهم الله وسهم رسوله واحد. # وقال قوم يقسم أربعة أقسام سهم لبنى هاشم وثلاث للذين ذكرهم الله بعد ذلك من سائر المسلمين، ذهب إليه الشافعي. وقال أهل العراق يقسم ثلاثة أقسام لان سهم الرسول صرف الأئمة الثلاثة إلى الكراع والسلاح. وقال مالك يقسم على ما ذكره الله. وقال أبو العالية - وهو رجل من صلحاء التابعين - يقسم على ستة أقسام فسهم الله للكعبة والباقي لمن ذكر بعد ذلك. # (فصل) وعن ابن عباس ومجاهد ذو القربى بنو هاشم. وقد بينا ان المراد بذي القربى من كان أولى من أهل بيته في حياته، وبعد النبي هو القائم مقامه، وبه قال علي ابن الحسين عليهما السلام في رواياتهم. وقال الحسن وقتادة سهم الله ورسوله وسهم PageV01P244 # ذي القربى لولي الأمر من بعده، وهو مثل مذهبنا. # واليتيم هو ms151 من مات أبوه وهو صغير ولم يبلغ. وابن السبيل هو المنقطع به في سفره، سواء كان له في بلده يسار أو لم يكن، ولا يجب أن يكون له في بلده يسار وانقطع به في السفر، لان ذلك لا يقتضيه كلمة الأصل التي هي ابن السبيل ولا تفسيره الذي هو المنقطع به، لان المسافر انما قيل له ابن السبيل لان السبيل أخرجه إلى هذا المستقر كما أخرجه أبوه إلى مستقره لقى محتاجا، والمنقطع به هو الذي نفد ما عنده [بل ضاع منه أو قطع به الطريق أو لغير ذلك، سواء كان ما عنده] (1) قليلا أو كثيرا، وسواء كان من ورائه شئ أو لم يكن. # وذكر الشيخ في المبسوط ان ابن السبيل على ضربين: أحدهما المنشئ للسفر من بلده، الثاني المجتاز بغيره بلده. وكلاهما مستحق للصدقة عند أبي حنيفة والشافعي، ولا يستحقها الا المجتاز عند مالك. وهو الأصح، لأنهم عليهم السلام فسروه فقالوا هو المنقطع به وإن كان في بلده ذا يسار، فدل ذلك على أنه المجتاز. وقد روي أن الضيف داخل فيه. والمنشئ للسفر من بلده إذا كان فقيرا جاز أن يعطى من سهم الفقراء دون سهم ابن السبيل. # ثم قسم السفر إلى طاعة ومعصية، قال: فإذا كان طاعة أو مباحا استحق بهما الصدقة، ولا يستباح بسفر المعصية الصدقة. ثم قال: فابن السبيل متى كان منشئا للسفر من بلده ولم يكن له مال أعطي من سهم الفقراء عندنا ومن سهم ابن السبيل عندهم، وإن كان له مال لا يدفع إليه لأنه غير محتاج بلا خلاف، وإن كان مجتازا بغير بلده وليس معه شئ دفع إليه وإن كان غنيا في بلده لأنه محتاج في موضعه. # هذا كلامه في باب الزكاة. والصحيح ان المنشئ من بلده للسفر ليعطى شيئا في بلد آخر لا مانع من أن يدفع إليه من سهم ابن السبيل مقدار ما يوصله إلى بلده. # PageV01P245 # (فصل) قال المرتضى رضي الله عنه: ان تمسك الخصم بقوله (واعلموا أن ما غنمتم فأن لله ms152 خمسه وللرسول ولذي القربى) وقال: عموم الكلام يقتضي ألا يكون ذو القربى واحدا، وعموم قوله (واليتامى والمساكين وابن السبيل) يقتضي تناوله لكل من كان بهذه الصفات ولا يختص ببني هاشم، ومذهبكم يخالف ظاهر الكتاب لأنكم تخصون الامام بسهم ذي القربى ولا تجعلونه لجميع قرابة الرسول من بني هاشم، وتقولون ان الثلاثة الأسهم الباقية هي ليتامى آل محمد ومساكينهم وأبناء سبيلهم ولا تتعدونهم إلى غيرهم ممن استحق هذا الاسم وهذه الأوصاف. # وأجاب عنه فقال: ليس يمتنع تخصيص ما ظاهره العموم بالأدلة، على أنه لا خلاف بين الأمة في تخصيص هذه الظواهر، لان ذا القربى عام وقد خصوه بقربى النبي عليه السلام دون غيره. ولفظ اليتامى والمسكين وابن السبيل عام في المشترك والذمي والغني والفقير، وقد خصته الجماعة ببعض من له هذه الصفة. على أن من ذهب من أصحابنا إلى أن ذا القربى هو الإمام القائم مقام النبي خاصة وسمي بذلك لقربه منه نسبا وتخصصا، فالظاهر معه لان قوله (ذي القربى) لفظ وحدة، ولو أراد الجمع لقال ذوي القربى، فمن حمل ذلك على الجمع فهو مخالف للظاهر (1). # فأما الاستدلال بأن ذا القربى في الآية لا يجوز أن يحمل على جميع ذوي القرابات من بني هاشم، فان ما عطف على ذلك من اليتامى والمساكين وابن السبيل إذا يلزم أن يكونوا غير الأقارب، لان الشئ لا يعطف على نفسه. فضعيف وذلك غير لازم، لان الشئ وان لم يعطف على نفسه فقد يعطف صفة على أخرى والموصوف واحد. # PageV01P246 # (فصل) والفئ ما أخذ بغير قتال في قول عطاء والسائب وسفيان الثوري، وهو قول الشافعي، وهو اختيارنا. وقال قوم الغنيمة والفئ واحد. # قوله تعالى (واعلموا ان ما غنمتم) إلى آخر الآية، ناسخ للآية التي في الحشر من قوله ﴿ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل﴾ (١). قالوا: لان الله بين في آية الغنيمة أن الأربعة الأخماس للمقاتلة وخمسها للرسول ولأقربائه، وفى آية الحشر كلها له. وعلى القول الأول لا ms153 يحتاج إلى هذا لأنه الفئ. # وعندنا الفئ للامام خاصة، يفرقه فيمن يشاء يضعه في مؤنة نفسه وذي قرابته واليتامى والمساكين وابن السبيل من أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله، ليس لسائر الناس فيه شئ. # وكذلك قيل في قوله تعالى ﴿ان الله يأمر بالعدل والاحسان وايتاء ذي القربى﴾ (٢) أن الامر فيه باعطاء ذي القربى هو أمر بصلة قرابة النبي عليه السلام، وهم الذين أرادهم الله بقوله ﴿فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى﴾ (3). # (باب الأنفال) روي أنه لما نزل قوله تعالى (ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله # PageV01P247 # وللرسول ولذي القربى واليتامى وابن السبيل) الآية، قال رسول الله صلى الله عليه وآله لجبرئيل عليه السلام: لمن هذا الفئ؟ فأنزل الله قوله ﴿وآت ذا القربى حقه﴾ (1) فاستدعى النبي صلى الله عليه وآله فاطمة عليها السلام فأعطاها فدكا وسلمها إليها، فكان وكلاؤها فيها طول حياة النبي من عند نزولها، فلما مضى رسول الله أخذها أبو بكر ولم يقبل بينتها ولا سمع دعواها، فطالبت بالميراث لان من له حق إذا منع من وجه جاز له أن يتوصل إليه بوجه آخر، فقال لها: سمعت رسول الله يقول (نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة) فمنعها الميراث بهذا الكلام، وهذا مشهور. # وروى علي بن أسباط قال: لما ورد أبو الحسن موسى عليه السلام على المهدى الخليفة وجده يرد المظالم فقال: ما بال مظلمتنا لا ترد؟ فقال: ما هي يا أبا الحسن؟ فقال: ان الله لما فتح على نبيه فدك وما والاها ولم يوجف عليها بخيل ولا ركاب فأنزل الله على نبيه (وآت ذا القربى) فلم يدر رسول الله من هم، فراجع في ذلك جبريل، فسأل الله عن ذلك، فأوحى الله إليه أن ادفع فدكا إلى فاطمة، فدعاها رسول الله فقال لها: يا فاطمة ان الله أمرني أن ادفع إليك فدك. # فقالت: قد قبلت يا رسول الله من الله ومنك. فلم يزل وكلاؤها فيها حياة رسول الله، فلما ولي أبو بكر أخرج عنها وكلاءها، ms154 فأتته فسألته أن يرد عليها، فقال ايتني بأسود أو احمر، فجاءت بأمير المؤمنين والحسن والحسين وأم أيمن، فشهدوا لها فكتب بترك التعرض، فخرجت والكتاب معها، فلقيها عمر فقال: ما هذا معك يا بنت محمد؟ قالت: كتاب كتبه لي ابن أبي قحافة. قال: فأرينه، فأبت فانتزعه من يدها فنظر فيه ثم تفل فيه ومحاه وخرقه وقال: هذا لان أبيك لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب، وتركها ومضى. فقال له المهدي: حدها، فحدها فقال: هذا كثير وأنظر فيه (2). # PageV01P248 # (فصل) وقوله تعالى ﴿يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله وللرسول﴾ (1) وروي عن الباقر والصادق عليهما السلام: ان الأنفال كل ما أخذ من دار الحرب بغير قتال إذا انجلى أهلها عنها (2). # وقسمها الفقهاء فيئا وميراث من لا وارث له وغير ذلك مما هو مذكور في كتب الفقه. # وهو لله وللرسول وبعده للقائم مقامه يصرف حيث يشاء من مصالح نفسه ومن يلزمه مؤنته، ليس لأحد فيه شئ. # وقالا كانت غنائم بدر للنبي عليه السلام خاصة فسألوه أن يعطيهم. # وفي قراءة أهل البيت (يسألونك الأنفال) (3) فأنزل الله قوله (قل الأنفال لله وللرسول) ولذلك قال تعالى (فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم) ولو سألوه عن موضع الاستحقاق لم يقل (فاتقوا الله). وقد اختلفوا في ذلك اختلافا شديدا، والصحيح ما ذكرناه. # وقال قوم: نزلت في بعض أصحاب النبي سأله من المغنم شيئا قبل القسمة فلم يعطه إياها، فجعل الله جميع ذلك للنبي عليه السلام وكان نفل قوما. وقال آخرون لو أردنا لاخذنا، فأنزل الله الآية يعلمهم ان ما فعل فيها رسول الله ماض، وقال معنى (عن) معنى من، وكان ابن مسعود يقرأ (يسألونك الأنفال). # PageV01P249 # وقال الحسن: قال النبي عليه السلام: أيما سرية خرجت بغير اذن امامها فما أصابت من شئ فهو غلول. # واختلفوا هل لاحد بعد النبي أن ينفل: فقال جماعة من الفقهاء - واختاره الطبري - ان للأئمة أن يتأسوا بالنبي في ذلك. # و (ذات بينكم) قال الزجاج أراد الحال التي ينصلح بها أمر المسلمين. # (فصل) وأما قوله (ما أفاء الله ms155 على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى) فاوله (وما أفاء الله على رسوله منهم) يعني من اليهود والذين أجلاهم من بني النضير وإن كان الحكم سائر في جمع الكفار إذا كان حكمهم حكمهم. # والفئ رد ما كان للمشركين على المسلمين بتمليك الله إياهم على ما شرط فيه. وقال عمر الفئ مال الخراج والجزية. وقيل هو كل ما رجع من أموال الكافرين إلى المؤمنين فمنه غنيمة وغير غنيمة. # والذي نذهب إليه أن مال الفئ غير مال الغنيمة، فالغنيمة كل ما أخذ بالسيف من دار الحرب عنوة على ما قدمناه، والفئ كل ما أخذ من الكفار بغير قتال أو انجلى أهلها، وكان ذلك للنبي عليه السلام، وهي لمن قام مقامه. ومال بنى النضير كان له عليه السلام، لأنه لما نزل المدينة عاقدوه على أن لا يكونوا لا عليه ولا له، ثم نقضوا العهد وأرادوا أن يطرحوا عليه حجرا حين مشى النبي إليهم يستعين بهم، فأجلاهم الله عن منازلهم. # و (ما أفاء الله) يعني ما رجعه الله على رسوله منهم - يعنى من بني النضير - فهو له يفعل فيه ما يشاء وليس فيه لاحد حظ. # وقال النبي صلى الله عليه وآله: أيما قرية فتح الله ورسوله بغير قتال فهي لله PageV01P250 # ولرسوله، وأيما قرية فتحها المسلمون عنوة فأن لله خمسه وللرسول ولأقربائه وما بقي غنيمة لمن قاتل عليها إذا كان يصح نقله إلى دار السلام، فإن لم يمكن نقله فهو لبيت المال. # ثم قال (فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب) يعني لم يوجفوا على ذلك بخيل ولا ركاب وانما جلوا عن الرعب ولم يكن هناك قتال. # ثم بين المستحق لذلك فقال (ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى) يعني قرى بنى النضير (فلله ولرسوله ولذي القربى) يعني من أهل بيته، وظاهره يقتضى أنه لهؤلاء سواء كانوا أغنياء أو فقراء. ثم بين لم فعل ذلك فقال (كيلا يكون دولة بين الأغنياء منكم) فالدولة نقل النعمة من قوم إلى قوم. # ثم قال (وما ms156 آتاكم الرسول فخذوه) أي ما أعطاكم الرسول من الفئ فخذوه وارضوا به، فان مال بنى النضير للنبي صلى الله عليه وآله فإنه فئ لا غنيمة، والنبي عليه السلام انما وضعه في المهاجرين إذا كان بهم حاجة ولم يعط الأنصار الا أبا دجانة وسهل بن حنيف لفقرهما، وانما وضعه في المذكورين للفقر لا من حيث كان لهم نصيب، وهو لمن قام مقامه من الأئمة. # وقوله (للفقراء) ليست اللام للتمليك والاستحقاق وانما هي للتخصيص من حيث تبرع النبي عليه السلام بشئ منه لهم كما تقدم، بل اللام يتعلق بمعنى الكلام في قوله (ما آتاكم الرسول) أي ما آتاكم الرسول ايتاءا للفقراء. ومن قال (للفقراء) بدل من قوله (ذوي القربى) غفل عن سبب نزول الآية. # وأما قوله (والذين تبوأوا الدار) فمبتدأ وخبره ﴿يحبون﴾ (١)، وكذا (والذين جاؤوا) مبتدأ وخبره ﴿يقولون﴾ (2)، فلا تتوهم أن هؤلاء كلهم مشتركون في ذلك الفئ كما يدعيه المخالفون. # PageV01P251 # (باب زكاة الفطرة) كل آية دلت على زكاة المال تدل على زكاة الرؤوس، لعمومها ولفقد الاختصاص وقد روي عن آل محمد عليهم السلام أن قوله تعالى (قد أفلح من تزكى) (١) المراد به زكاة الفطرة وفيها نزلت خاصة (٢)، فمن ملك قبل أن يهل شوال بلحظة نصابا وجب عليه اخراج الفطرة. # وقوله (وذكر اسم ربه فصلى) (٣) إشارة إلى صلاة العيد، وذلك لان اخراج الفطرة يجب يوم الفطر قبل صلاة العيد على ما بدأ الله به في الآية. # وقال العلماء والمفسرون كل موضع من القرآن يدل على الصلوات الخمس وزكاة الأموال فذكر الصلاة فيه مقدم كقوله ﴿أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة﴾ (4)، وقدم الزكاة في هذه الآية على الصلاة فقال (قد أفلح من تزكى * وذكر اسم ربه فصلى) اعلاما أن تلك الزكاة زكاة الفطرة [وان تلك الصلاة صلاة العيد. # ويحتاج في زكاة الفطرة] (5) إلى معرفة خمسة أشياء: من تجب عليه، ومتى تجب، وما الذي يجب، وكم يجب، ومن يستحقها. ويعلم تفصيلها من سنة النبي عليه السلام، وقد بينها بقوله (وأنزلنا إليك الذكر للتبين للناس ما نزل إليهم). ms157 # وتجب الفطرة على كل حر بالغ مالك لما يجب فيه زكاة المال، ويلزمه أن يخرجه عن نفسه وعن جميع من يعوله حتى فطرة خادمة زوجته، لقوله (وعاشروهن # PageV01P252 # بالمعروف) (١) وهذا من المعروف. فان أهل شوال وزوجته المدخول بها مقيمة على النشوز لم يلزمه فطرتها. والمرأة الموسرة إذا كانت تحت معسر لا يلزمها فطرة نفسها، وتسقط عن الزوج لاعساره. ولو قلنا أنها إذا ملكت نصابا وجب عليها الفطرة كان قويا، لعموم الخبر إذا كان الحال هده. # والفطرة صاع من أحد أجناس ستة: الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب، والأرز، والأقط (٢). # ولا يجوز أن يخرج صاع من جنسين، ويجوز اخراج قيمته. ولا يجوز اخراج المسوس والمدود منها لقوله تعالى ﴿ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون﴾ (3). # قال الصادق عليه السلام (تمام الصوم اعطاء الزكاة - يعنى الفطرة - كالصلاة على النبي وآله من تمام الصلاة، ومن صام ولم يؤدها فلا صوم له إذا تركها متعمدا ومن صلى ولم يصل على النبي وآله فلا صلاة له. ان الله تعالى بدأ بها قبل الصلاة فقال (قد أفلح من تزكى * وذكر اسم ربه فصلى) (4). # ويمكن أن يقال: ان هذا فيمن صام واعتقد أن الفطرة لا تجب عليه وعلى وجه وكان ابن مسعود يقول: رحم الله امرءا تصدق ثم صلى، ويقرأ هذه الآية. # (فصل) فان قيل: روي في قوله (قد أفلح من تزكى) عن ابن عمر وأبى العالية # PageV01P253 # وعكرمة وابن سيرين أنه أراد صدقة الفطرة وصلاة العيد (١)، وكيف يصح ذلك والسورة مكية ولم يكن هناك صلاة عيد ولا زكاة فطرة. # قلنا: يحتمل أن يكون نزلت أوائلها بمكة وختمت بالمدينة (٢). # قال تعالى (فلا صدق ولا صلى) أي لم يتصدق ولم يصل (لكن كذب) بالله (وتولى) عن طاعته (٣). وكأنه في زكاة الفطرة، لأنه ابتدأ بذكر الصدقة ثم بالصلاة على ما قدمنا. والصدقة العطية للفقير (٤). # وقال تعالى ﴿ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون﴾ (٥) والشح منع الواجب في الشرع، وكذا البخل (٦) قال الله تعالى ﴿سيطوقون ما بخلوا به﴾ (٧) وقال النبي صلى الله عليه وآله: انه شجاع ms158 أقرع طوقوا به - رواه أبو جعفر عليه السلام (٨). # (باب الجزية) قال الله تعالى ﴿حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون﴾ (9) والجزية عبارة # PageV01P254 # شرعية عن حق مخصوص يؤخذ من أهل الكتاب ليقروا على دينهم، كما أن المأخوذ من أموال المسلمين على جهة الطهر يسمى زكاة، وكلاهما اسم شرعي. # والمعنى ان ذلك إذا أدوه أغنى عنهم، لاجتزاء للمؤمنين لهم منهم والابقاء به على دمائهم، مأخوذة من قولهم (هذا الشئ يجزي عن فلان) أي يغني عنه ويكفي. # وقد طعن الدهرية في أمر الجزية وأخذها وابقاء العاصي على كفره لهذا النفع اليسير من جهته، فكأنه إجازة الكفر لأجل الرشوة المأخوذة من أهل الذمة. # الجواب: لم تؤخذ الجزية للرضا بالكفر. وفيه وجه حسن، وهو أن ابقاءه أحسن في العقل من قبله، لان الفرض بتكليفه نفعه، وهو ما دام حيا فعلى حد الرجاء من التوبة والايمان، بأن يتذكر ما غفل عنه، وإذا قتل فقد انقطع الرجاء. وهم أهل الكتاب يوحدون الله باللسان، بخلاف الكافر الحربي فان الحكمة تقتضي قتله الا أن يسلم. وإذا أخذ الجزية من هؤلاء وبقوا ربما يكون سببا للايمان، وذو النفس الدنية ربما يفادي من ذهاب المال عنه الدخول في الدين. وفيه منفعة المؤمنين جملة وعلى أهل الذمة إهانة، فالطعن ساقط. # (فصل) قيل: ان قوله تعالى ﴿وقولوا للناس حسنا﴾ (١) نزلت في أهل الذمة، ثم نسخها قوله ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الاخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون﴾ (2)، فأوجب الجزية على أهل الكتاب من الرجال البالغين. # والفقير الذي لا شئ معه يجب عليه الجزية، لأنه لا دليل على اسقاطها منه، # PageV01P255 # وعموم الآية يقتضيه، فإذا لم يقدر على أدائها كانت في ذمته، فإذا استغنى أخذت منه من يوم ضمنها. # وبدليل العقل تسقط من مجانينهم ونواقصي العقول منهم. # وما للجزية حد، لأنه من كل انسان منهم ما شاء على قدر ماله ومما يطيق، انما هم قوم فدوا أنفسهم ms159 من أن يستعبدوا أو يقتلوا، فتؤخذ منهم على قدر ما يطيقون حتى يسلموا، فان الله قال (حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون)، فمنهم من لا يكترث مما يؤخذ منه، فإذا وجد ذلا يسلم الجزية بيده صاغرا فإنما على طريق الاذلال [بذلك وقابضها منه يكون قاعدا تألم لذلك يسلم] (١). # وقوله تعالى ﴿فان تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين﴾ (2) يدل على أن من وجبت عليه الجزية وحل الوقت فأسلم قبل أن يعطيها سقطت عنه ولم يلزمه أداؤها، لان ذلك على العموم. # وأما عقد الجزية فهو الذمة، ولا يصح الا بشرطين: التزام الجزية، وأن يجرى عليهم أحكام المسلمين من غير استثناء. فالتزام الجزية وضمانها لابد منه، لقوله (قاتلوا الذين لا يؤمنون) إلى قوله (حتى يعطوا الجزية) وحقيقة الاعطاء هو الدفع، غير أن المراد ههنا هو الضمان وان لم يحصل الدفع. # وأما التزام أحكامنا عليهم فلابد منه، وهو الصغار المذكور في الآية، ففي الناس من قال الصغار هو وجوب جري احكامنا عليهم، ومنهم من قال الصغار أن تؤخذ الجزية منه قائما والمسلم جالس عن خشوع وضراعة وذل واستكانة من الذمي وعن يد من المسلمين ونعمة منهم عليهم في حقن دمائهم وقبول الجزية منهم. # ولاحد لها محدود، بل يضعها الامام على أرضهم أو على رؤوسهم على قدر # PageV01P256 # أحوالهم من الضعف والقوة بقدر ما يكونون به صاغرين. وما روي أن عليا عليه السلام وضع على الموسر منهم ثمانية وأربعين درهما، وعلى المبسوط أربعة وعشرين درهما، وعلى المتجمل اثنى عشر درهما - (1) انما فعله لما رآه في تلك الحال من المصلحة. # (باب الزيادات) أما قوله تعالى (انما الصدقات للفقراء) فقصر لجنس الصدقات على الأصناف المعدودة وأنها مختصة بهم، كأنه قيل انما هي لهم لا لغيرهم، ونحوه قولهم (انما الخلافة لقريش) يريدون لا يتعداهم ولا يكون لغيرهم، فيحتمل أن تصرف إلى الأصناف كلها وأن تصرف إلى بعضها. # (مسألة) فان قيل: لم عدل عن اللام التي في الأربعة الأولة من قوله (للفقراء) التي في الأربعة الأخيرة؟ # قلنا: ms160 قال بعض المفسرين: ان ذلك للايذان بأنهم أرسخ في استحقاق التصدق عليهم ممن سبق ذكره، لان في للدعاء، فنبه على أنهم أحقاء بأن توضع فيهم الصدقات، وذلك لما في فك الرقاب من الكتابة أو الرق أو الأسر، وفى فك الغارمين من الغرم من التخليص والانفاذ. # ويجمع الغازي الفقير أو المنقطع في الحج بين الفقر والعالة، وكذلك ابن السبيل الجامع بين الفقر والغربة عن الأهل والمال، وتكرير (في) في قوله (وفي سبيل الله) فيه فضل ترجيح لهذين على الغارمين. # PageV01P257 # وقيل: اللام في الأصناف الأربعة تدل على أن تلك الصدقة لهم يفعلون به ما أرادوا وينفقون كما شاؤوا مما أبيح لهم، ولفظة (في) تدل أن الصدقة التي تعطى المكاتب والغارم ليس لهما أن ينفقا على أنفسهما وأهاليهما وانما يضعان في فك الرقبة والذمة، فيوصل المكاتب إلى سيده المديون إلى غريمه. # وقوله (فريضة) مصدر مؤكد، لان قوله (انما الصدقات للفقراء) معناه فرض الله الصدقات لهم. # (مسألة) وقوله ﴿وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الرسول﴾ (١) قال النبي عليه السلام: # أيها الناس انه لا نبي بعدي ولا أمة بعدكم، صلوا خمسكم وصوموا شهركم وحجوا بيتكم وأدوا زكاة أموالكم تدخلوا جنة ربكم. # فاشتملت هذه الآية على جميع العبادات. # (مسألة) وأما قوله ﴿واعلموا أن ما غنمتم من شئ﴾ (٢) فما بمعنى الذي ومن شئ بيانه. # قيل من كل شئ حتى الحنطة والمخيط، وقيل من بعض الأشياء لا من جميعها، فيكون التقدير من شئ مخصوص، فحذف الصفة، كقوله ﴿فإن كان له اخوة﴾ (3) أي من الام. # وقوله (فأن لله) تقديره فواجب أن لله خمسه، كأنه قيل فلابد من ثبات # PageV01P258 # الخمس (1) فيه من حيث إنه إذا حذف الخبر واحتمل غير واحد من المقدرات كقولك واجب ثابت حق لازم وما أشبه ذلك كان أقوى لايجابه من النص على واحده وتعلق قوله (ان كنتم آمنتم بالله) بمحذوف، ويدل عليه (اعلموا) اي ان كنتم آمنتم بالله فاعلموا أن الخمس لهؤلاء المذكورين، وليس المراد العلم المجرد ولكنه العلم المضمن بالعمل والطاعة لأمر الله، لان العلم المجرد ms161 يستوي فيه المؤمن والكافر. # (مسألة) فان قيل: ما معنى ذكر الله وعطف الرسول وغيره عليه في قوله تعالى (فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى) الآية، وما المراد بالجمع بين الله ورسوله في قوله (قل الأنفال لله والرسول)؟. # قلنا: أما آية الغنيمة فان الله لما رأى المصلحة أن يكون خمس الغنيمة على ستة أقسام ويكون لرسوله سهمان منه في حال حياته وسهم لذي قرباه وثلاثة الأسهم الباقية ليتامى آل محمد ومساكينهم وأبناء سبيلهم ويكون بعد وفاة رسول الله سهم الله وسهم رسوله وسهم ذي القربى لذي قربى الرسول القائم مقامه، فصل تفصيلا في ذلك تمهيدا لعذره عليه السلام وقطعا لاطماع كل طامع. # وكذلك آية الأنفال لما علم الله الصلاح في الأنفال أن تكون خاصة لرسوله وبعده لمن يقوم مقامه من ذي قرباه أضافها إلى نفسه والى رسوله لكيلا تكون دولة بين هذا وذا، وأبى القوم الا أن تكون دولة بينهم. # (مسألة) وقوله (وما أفاء الله على رسوله) أي ما جعله الله فيئا له خاصة، فما أوجفتم # PageV01P259 # على تحصيله خيلا ولا تعبتم في الاقتتال عليه ولكن سلط الله رسوله على مال بنى النضير ونحوه، فالامر فيه مفوض إليه يضعه حيث يشاء، يعنى أنه لا يقسم قسمة الغنائم التي قوتل عليها، وذلك أنهم طلبوا القسمة فنزلت الآية. # ثم قال (ما أفاء الله على رسوله) ولم يدخل الواو العاطفة لأنه بيان للجملة الأولى، فالجملة الأخيرة غير أجنبية عنها، بين لرسول الله ما يصنع بما أفاء الله عليه وإن كان هو حقه نحلة من الله في هذه الآية وفي قوله (وآت ذا القربى حقه). # (مسألة) وعن زرارة ومحمد بن مسلم أنهما قالا لأبي عبد الله عليه السلام: أرأيت قول الله (انما الصدقات للفقراء والمساكين) الآية، أكل هؤلاء يعطى وإن كان لا يعرف؟ # فقال: ان الامام يعطي هؤلاء جميعا لأنهم يقرون بالطاعة، وانما يعطى من لا يعرف ليرغب في الدين فيثبت عليه، فأما اليوم فلا تعطيها أنت وأصحابك الا من تعرف، فمن وجدت من هؤلاء المسلمين ms162 عارفا فاعطه دون الناس (1). # (مسألة) فان قيل: كيف قال (وفى الرقاب) بعد قوله (وآت المال على حبه ذوي القربى) ولا يقال اتى المال فيه. # قلنا: المفعول محذوف، والتقدير وآت في فك الرقاب سيدهم وفى حق الغارمين أصحاب ديونهم ولا تعطى المملوك المال ينفق على نفسه وانما يعطى ليدفع إلى مولاه فينعتق، سواء كان مكاتبا أو مملوكا. # PageV01P260 # (مسألة) قال الصادق عليه السلام في قوله ﴿لا خير في كثير من نجواهم الا من أمر بصدقة أو معروف﴾ (١) المعروف القرض (٢). # وقال في قوله ﴿كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم﴾ (3) هو الرجل يدع ماله لا ينفقه في طاعة الله بخلا، ثم يدعه لمن يعمل بطاعة الله أو بمعصيته، فان عمل فيه بطاعة الله رآه في ميزان غيره فرآه حسرة وقد كان المال له، وان عمل به في معصيته قواه بذلك المال حتى عمل به في معصية الله (4). # (مسألة) قال علي عليه السلام: قوله (قد أفلح من تزكى * وذكر اسم ربه فصلى (5)) انه التصدق بصدقة الفطر. وقال: لا أبالي أن أجد في كتابي غيرها لقوله (قد أفلح من تزكى) أي أعطاه زكاة الفطرة فتوجه إلى المصلى فصلى صلاة العيد. # (مسألة) روى أبو سعيد الخدري: كنا نخرج - إذا كان فينا رسول الله - صاعا من تمر أو طعام أو شعير أو أقط، فقدم معاوية حاجا فقال: أرى مدين من سمراء الشام (6) # PageV01P261 # يعدل صاعا من تمر (1)، وذلك في عهد عثمان. فقال علي عليه السلام - وقد سئل عن الفطرة - فقال: صاع من طعام. قيل: أو نصف صاع. قال: بئس الاسم الفسوق بعد الايمان. # (مسألة) وقال الرضا عليه السلام: ان الخمس بعد المؤنة (2). # وقال الصادق عليه السلام: ان الله لما حرم علينا الزكاة أنزل لنا الخمس، قال الله تعالى (واعلموا ان ما غنمتم من شئ) الآية، فالصدقة علينا حرام والخمس لنا فريضة والكرامة لنا حلال (3). # (مسألة) وقال أبو عبد الله عليه السلام في الرجل يموت ولا وارث له ولا مولى: انه من أهل هذه الآية (يسألونك عن الأنفال) (4). # وعن علي ms163 بن أبي راشد (5) قلت لأبي الحسن عليه السلام: عندنا لأبي جعفر شئ فكيف نصنع؟ فقال: ما كان لأبي عليه السلام بسبب الإمامة فهو لي، وما كان غير ذلك فهو ميراث على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله. # PageV01P262 # كتاب الحج قال الله تعالى ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ (1). # فأوجب سبحانه بهذه الآية حجة الاسلام وعمرة الاسلام، لأنه تعالى، أمر من المكلفين جميع من توجه إليه وجوب الحج أن يتم الحج والعمرة ووجوب الاتمام يدل على أنه واجب، بل هذا آكد في الايجاب من حجوا واعتمروا، كما أن (أقيموا الصلاة) آكد من صلوا، و (آتوا الزكاة) آكد من زكوا. # وهي واجبة بشروط ثمانية بينها رسول الله صلى الله عليه وآله. # وقوله (أتموا) أمر بايقاعهما تامة، فان نسكها كثيرة ولا يجوز أن يقضى بعضها دون بعض. # وقيل: من دخل في الحج أو العمرة على سبيل التطوع وأحرم فإنه يجب عليه أن يتمه. ومثاله الاعتكاف، فإنه يستحب للمكلف أن يعتكف في أحد المساجد الأربعة، فإذا اعتكف فإنه يجب عليه أن يتمه. # PageV01P263 # (فصل) ولما قرن تعالى العمرة بالحج وأمر باتمامهما وفعلهما أمرا واحدا فهي في الوجوب مرة واحدة كالحج. # والحج في اللغة القصد، وفى الشرع هو القصد إلى البيت الحرام لأداء مناسك بها مخصوصة في أوقات مخصوصة. # والعمرة في اللغة الزيارة، وفى الشرع عبارة عن زيارة البيت لأداء مناسك مخصوصة. فان كانت ما يتمتع بها إلى الحج فتكون أيضا في وقت مخصوص، وإذا كانت مبتولة ففي أي وقت كان من أيام السنة جازت. # وقيل في قوله (وأتموا الحج والعمرة لله) أي أقيموها إلى آخر ما فيهما، وهو المروي عن أمير المؤمنين وزين العابدين عليهما السلام (١). # وقوله (لله) أي اقصدوا بهما التقرب إلى الله. # (فصل) وقال تعالى ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا﴾ (2). # سئل أبو عبد الله عليه السلام عن قوله (من استطاع إليه سبيلا) فقال: # ما يقول فيها هؤلاء؟ قيل: يقولون الزاد والراحلة. فقال عليه السلام: قد قيل ذلك لأبي جعفر ms164 عليه السلام فقال: هلك الناس إذا كان من له زاد وراحلة لا يملك غيرهما أو مقدار ذلك مما يقوت به عياله ويستغنى به عن الناس فقد وجب عليه الحج ثم رجع فيسأل الناس بكفه، لقد هلك إذا. فقيل له: فما السبيل عندك؟ فقال: السعة # PageV01P264 # في المال، وهو أن يكون معه ما يحج ببعضه ويبقى بعض يقوت به نفسه وعياله. # ثم قال: أليس قد فرض الله الزكاة فلم تجعل الا على من يملك مائتي درهم ﴿١). # وانما أورد عليه السلام هذه اللفظة على وجه المثال لا على جهة الحمل، والأمثلة مما توضح به المسائل، قال الله تعالى ان مثل عيسى عند الله كمثل آدم﴾ (2). # (باب في أنواع الحج) معلوم أن الحج ليس المراد به القصد والحضور فقط، وانما هو مجمل يحتاج إلى التفصيل كالصلاة، وتفصيله يدرك بالكتاب والسنة، والله سبحانه قد بين بعض ذلك كالوقوف والدفع والسعي والطواف كما ذكر في سورة البقرة. وبين أيضا ما يجب أن يمتنع منه كالرفث والفسوق والجدال وقتل الصيد. # والذي يدرك بالسنة فقد بينها رسول الله لقوله (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم). # ثم اعلم أن الحج ضروب ثلاثة: مفرد لأهل مكة، وقارن لمن حكمه حكم أهل مكة وإن كان منزله خارج مكة من بواديها، ثم النوعان للفريقين وتمتع لمن نأى من الحرم. # فالافراد فرض ساكني مكة ومجاوريها الذين جاوروا ثلاث سنين فصاعدا لم يجز لهم التمتع ويجوز لهم القران. فأما من كان بحكم حاضري المسجد الحرام فهو كل من كان على اثني عشر ميلا فما دونها إلى مكة من أي جانب كان، ففرضه الافراد والقران، ولان يحرم أغنياؤهم فالاقران أولى. # وفرض التمتع عندنا هو اللازم لكل من لم يكن من حاضري المسجد الحرام، # PageV01P265 # وهو كل من كان على أكثر من اثني عشر ميلا من أي جانب كان إلى مكة. فمن خرج عنها وليس من الحاضرين لا يجوز له مع الامكان غير التمتع، قال الله تعالى (فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج) الآية ms165 (١). # (فصل) وروي عن ابن عمار عن أبي عبد الله عليه السلام: ان النبي صلى الله عليه وآله أقام بالمدينة عشر سنين لم يحج، ثم أنزل الله عليه ﴿وأذن في الناس بالحج﴾ (2) الآية، فأمر المؤذنين أن يؤذنوا على أصواتهم بأن رسول الله يحج من عامه هذا، فعلم به من حضر المدينة وأهل العوالي (3) والاعراب فاجتمعوا، فخرج رسول الله في أربع بقين من ذي القعدة، فلما انتهى إلى ذي الحليفة (4) فزالت الشمس فاغتسل ثم خرج حتى أتى المسجد عند الشجرة (5)، فصلى فيه الظهر وأحرم بالحج - ثم ساق الحديث إلى أن قال - فلما وقف رسول الله بالمروة (6) بعد فراغه من السعي قال: ان هذا جبريل - وأومى بيده إلى خلفه - يأمرني ان آمر من لم يسق هديا أن يحل. # ثم قال: ولو استقبلت من أمري ما استدبرت لصنعت مثل ما أمرتكم ولكني سقت الهدي ولا ينبغي لسائق الهدي أن يحل حتى يبلغ الهدي محله. فقال عمر (7): أنخرج # PageV01P266 # حجاجا ورؤوسنا تقطر؟ فقال عليه السلام: انك لن تؤمن بها أبدا. فقام إليه سراقة فقال: فهذا الذي أمرتنا به لعامنا هذا أو لما يستقبل؟ فقال عليه السلام: بل هو للأبد إلى يوم القيامة ونزل رسول الله بمكة بالبطحاء هو وأصحابه ولم ينزلوا الدور، فلما كان يوم التروية عند زوال الشمس أمر الناس أن يغتسلوا ويهلوا بالحج، وكانت قريش تفيض من المزدلفة - وهي جمع والمشعر الحرام - ويمنعون الناس أن يفيضوا منها، فأنزل الله (ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس) يعنى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق في افاضتهم منها ومن كان بعدهم من قريش، ثم مضى إلى الموقف بعرفات فوقف حتى وقع القرض - إلى آخر الحديث (١). # (فصل) ومما يدل على التمتع بالعمرة إلى الحج هو فرض الله على كل من نأى عن المسجد الحرام ولا يجزيه مع التمكن سواه - بعد اجماع الطائفة عليه - قوله تعالى ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ (2)، فأمره تعالى شرعا على الوجوب والفور، فلا يخلو من أن يأتي بهما على الفور، بأن يحرم بالحج أو العمرة معا أو يبدأ ms166 بالحج ويثنى بالعمرة أو يبدأ بالعمرة ويثنى بالحج، فالأول يفسد ويبطل، لان عندنا أنه لا يجوز أن يجمع في احرام واحد بين [الحج والعمرة كما لا يجمع في احرام واحد بين] (3) حجتين أو عمرتين. والقسم الثاني أيضا باطل، لان أحدا من الأمة لا يوجب على من أحرم بالحج مفردا أن يأتي عقيبه بلا فصل بالعمرة. فلم يبق الا وجوب القسم الأخير الذي ذكرناه، وهو التمتع الذي ذهبنا إليه. # PageV01P267 # فان قيل: قد نهى عمر عن هذه المتعة مع متعة النساء وأمسكت الأمة عنه راضية بقوله. # قلنا: من ليس بمعصوم عن الفعل القبيح لا يدل على قبحه قوله بالنهي عن التمتع، والامساك عن النكير لا يدل عند أحد من العلماء على الرضا الا بعد أن يعلم أنه لا وجه له الا الرضا. # وروى الحلبي قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الحج. فقال: تمتع دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة، لان الله يقول ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي﴾ (1) فليس لأحد أن يتمتع الا لحاضري المسجد الحرام، لان الله تعالى أنزل ذلك في كتابه وجرت السنة من رسول الله صلى الله عليه وآله. ثم قال: # انا إذا وقفنا بين يدي الله قلنا يا ربنا عملنا بكتابك وقال الناس رأينا ورأينا، ويفعل الله بنا وبهم ما أراد. ثم قال: انا لا نتقي أحدا في التمتع بالعمرة إلى الحج واجتناب المسكر والمسح على الخفين (2). # (فصل) وسياق التمتع أن يحرم من الميقات بالعمرة في أشهر الحج، وهي شوال وذو القعدة وتسع من ذي الحجة، ويبلى ثم يدخل مكة فيطوف بالبيت للعمرة ويصلي ركعتي الطواف لها ويسعى بين الصفا والمروة ويقصر وقد حل. # فيتمتع حينئذ بلبس الثياب ان شاء وعمل كل ما يعمله الحلال (3) من الطيب # PageV01P268 # والنساء وغيرهما، الا الصيد لأنه في الحرم إلى أن يحرم بالحج يوم التروية، فهذه المدة التي بينهما متعة له. # ثم ينشئ احراما آخر بالحج من المسجد الحرام ويلبى ويخرج إلى عرفات ويقف هناك ويفيض إلى ms167 المشعر ويقف هناك، ويغدو منها إلى منى ويذبح الهدي بها مع باقي المناسك يوم النحر، ثم يأتي مكة يوم النحر أو من الغد لا غير اختيارا ويطوف طواف الزيادة ويصلي ركعتيه ويسعى ويطوف طواف النساء ويصلي ركعتيه وقد أحل من كل شئ، ويعود إلى منى فيبيت ليالي منى بها (١) ويرمي الجمار. # وفرائض الحج المتمتع ثماني عشرة، يدل عليها ظواهر القرآن وفحواه، وفرائض الحج القارن والمفرد عشر. ومن أفرد أو قارن فعليه أن يعتمر بعد الفراغ عمرة الاسلام مبتولة من حجه متى شاء. # (باب في تفصيل أفعال الحج المتمتع) أولها النية، لان من خرج من بيته قاصدا بيت الله يجب عليه وقت نهوضه أن ينوي أنه يخرج لحجة الاسلام. # ثم هو في قطع الطريق يؤدى الواجبات، لان ما لا يتم الواجب الا به فهو أيضا واجب، فإذا بلغ الميقات أحرم به للعمرة التي يتمتع بها إلى الحج، ونوى ولبس ثوبي الاحرام ولبى أربع كلمات واجبا. # فالدليل على وجوب النية قوله تعالى ﴿وما أمروا الا ليعبدوا الله مخلصين له الدين﴾ (2) فهذه الآية تدل على أن النية للحج ولجميع العبادات واجبة، لان الاخلاص بالديانة هو القربى إلى الله تعالى بعملها مع ارتفاع الشوائب، والتقريب إليه تعالى # PageV01P269 # لا يصح الا بالعقد عليه والنية له ببرهان. # والنية إرادة مخصوصة محلها القلب، وبين عليه السلام ذلك بقوله (انما الأعمال بالنيات) (١). # وأما الاحرام فريضة من تركه متعمدا فلا حج له. فإذا أراد الاحرام تنظف واتزر بثوب وتوشح بآخر أو ارتدى به، ولا يلبس مخيطا. # وروى عن ابن مسعود أنه لقي رجلا محرما وعليه ثيابه القميص والسروال، فقال له: انزع هذا عنك. فقال الرجل: اقرأ علي آية في هذا من كتاب الله. فقرأ عليه قوله تعالى (ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا). # والآية عامة في كل ما أتى رسول الله وما نهى عنه وإن كان أمر النبي متصلا به، ولا خلاف بين الفقهاء أن الآية إذا نزلت في أمر لا تكون مقصورة عليه. # (فصل) وقوله تعالى ms168 ﴿وأذن في الناس بالحج﴾ (٢) الآية. # عن ابن عباس ان إبراهيم عليه السلام قام في المقام فنادى: يا أيها الناس ان الله قد دعاكم إلى الحج. فأجاب الحاضرون: بلبيك لبيك اللهم لبيك لبيك. # والشئ إذا علم أنه كان في شرع ولم ينسخ فهو على ما كان. # وقال مجاهد: نزل قوله ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء ان تبد لكم تسؤكم﴾ (3) حين سألوا عن أمر الحج لما أنزل الله (ولله على الناس حج البيت) فقالوا: في كل عام؟ قال: لا ولو قلت نعم لوجبت (4). # PageV01P270 # وقال ابن عباس: كان رجل مطعون في نسبه يقال له عبد الله فقال: يا رسول الله من أبي؟ فقال عليه السلام: حذافة، فنزلت الآية (١). # وكأن السؤال الأول والثاني وقعا في مجلس واحد، فخاطب الله المؤمنين بهذه الآية ونهاهم عن مسألة الأشياء التي إذا ظهرت ساءت وأحزنت من أظهرت له. # وروي عن أبي إبراهيم موسى بن جعفر عليهما السلام أنه قال: ان الله فرض الحج على أهل الجدة (٢) في كل عام، وذلك قوله (ولله على الناس حج البيت). فقال أخوه علي بن جعفر: قلت ومن لم يحج منا فقد كفر؟ [قال: لا ولكن من قال ليس هذا هكذا فقد كفر] (٣). # ومعناه أنه يجب على أهل الجدة في كل عام على طريق البدل، لان من وجب عليه الحج في السنة الأولة فعلى هذا في كل سنة إلى أن يحج [ولم يعن عليه السلام وجوب ذلك عليهم في كل عام على طريق الجمع] (٤). ونظير ذلك ما نقوله في وجوب الكفارات الثلاث من أنه متى لم يفعل واحدة منها فانا نقول إن كل واحدة منها له صفة الوجوب، فإذا فعل واحدة منها خرج الباقي من أن يكون واجبا، فكذلك القول فيما تضمن هذا الحديث. والمراد بقوله (ولله على الناس حج البيت) الامر دون الخبر، كقوله ﴿ومن دخله كان آمنا﴾ (5) فان معناه الامر أيضا، اي أمنوه، لأنه لو كان خبرا لكان كذبا. # PageV01P271 # (فصل) ومن أحرم بالحج أو بالعمرة التي يتمتع بها ms169 إلى الحج في غير أشهر الحج - وهي شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة - لم ينعقد احرامه. # والحجة لنا - بعد الاجماع المكرر - قوله تعالى (الحج أشهر معلومات) ١، ومعنى ذلك وقت الحج أشهر معلومات، لان الحج نفسه لا يكون أشهرا. والتوقيت في الشريعة يدل على اختصاص الموقت بذلك الوقت وانه لا يجزي الا في وقته. # فان تعلق المخالف بقوله ﴿يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج﴾ (2) وان ظاهر ذلك يقتضي أن الشهور كلها متساوية في جواز الاحرام فيها. # الجواب: ان هذه الآية عامة نخصصها بقوله (الحج أشهر معلومات)، ونحمل لفظ (الأهلة) على أشهر الحج خاصة. # على أن أبا حنيفة لا يمكنه التعلق بهذه الآية، لان الله تعالى قال (مواقيت للناس والحج)، والاحرام عنده ليس من الحج. # وقد أجاب بعض الشفعوية (3) عن التعلق بهذه الآية بأن قال (يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس) أي لمنافعهم وتجاراتهم. ثم قال (والحج) فاقتضى ذلك أن يكون بعضها لهذا وبعضها لهذا، وهكذا نقول. ويجري ذلك مجرى قولهم (هذا المال لزيد وعمرو) أن الظاهر يقتضى اشتراكهما فيه. # وهذا ليس بمعتمد، لأن الظاهر من قوله (للناس والحج) يقتضي أن يكون # PageV01P272 # جميع الأهلة على العموم لكل واحد من الامرين، وليس كذلك قولهم (المال لزيد وعمرو)، لأنه لا يجوز أن يكون جميع المال لكل واحد منهما، فوجب الاشتراك لهذه العلة. وجرت الآية مجرى أن نقول (هذا الشهر أجل لدين فلان ودين فلان) في أنه يقتضي كون الشهر كله أجلا للدينين جميعا ولا ينقسم لانقسام المال، فوجب أن لا يكون الاشتراك لهذه العلة. # (فصل) والطواف بالبيت فريضة، وهو سبعة أشواط، يتبدأ به من عند الحجر الأسود، قال تعالى ﴿وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين﴾ (١) والطائف الدائر حول الكعبة. وقال ﴿وليطوفوا بالبيت العتيق﴾ (٢) وقال ﴿ومن ذريتنا أمة مسلمة لك﴾ (٣) وقال ﴿أرنا مناسكنا﴾ (٤) قال قتادة: أراهما الله الطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة وغير ذلك من أعمال الحج والعمرة. # وقال تعالى ﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى﴾ (5). قال الشعبي وقتادة: ms170 أمروا أن يصلوا عنده، وهو المروى في اخبارنا (6). وبذلك يستدل على أن صلاة الطواف فريضة مثل الطواف، لان الله أمر بذلك، والامر في الشرع يقتضى الايجاب، وليس ههنا صلاة يجب أداؤها عنده غير هذه. # PageV01P273 # وقال تعالى ﴿يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يوارى سوآتكم﴾ (١) الآية. قال مجاهد: انما ذكر اللباس ههنا لان المشركين كانوا يتعرون في الطواف حتى تبدو سوآتهم. # وقوله تعالى ﴿قل انما حرم ربى الفواحش ما ظهر منها﴾ (٢) هو التعري في الطواف، كانوا يقولون لا نخدم الله في ثياب أذنبنا فيها. ويقال أيضا بالتعري من الذنوب. # وكانت المرأة تطوف أيضا عريانة الا أنها تشد في حقوها (٣) سيرا. # (فصل) السعي بين الصفا والمروة فرض عندنا في الحج والعمرة، وبه قال الحسن وعائشة والشافعي، قال الله ﴿ان الصفا والمروة من شعائر الله﴾ (٤). # وهما جبلان معروفان بمكة، وهما من الشعائر أي معالم الله. وشعائر الله اعلام متعبداته من موقف أو مسعى أو منحر، مأخوذ من (شعرت به) أي علمت، وكل معلم لعبادة من دعاء أو صلاة وأداء فريضة فهو مشعر لتلك العبادة (٥). # وانما قال ﴿فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما﴾ (6) وهو # PageV01P274 # طاعة، من حيث أنه جواب لمن توهم أن فيه جناحا لصنمين كانا عليهما أحدهما أساف والاخر نائلة، وروي ذلك عنهما عليهما السلام (١)، وكان ذلك في عمرة القضاء ولم يكن فتح مكة بعد، وكانت الأصنام على حالها حول الكعبة. # وقال قوم: سبب ذلك أن أهل الجاهلية كانوا يطوفون بينهما، فكره المسلمون ذلك خوفا أن يكون من أفعال الجاهلية، فأنزل الله (فلا جناح عليه أن يطوف بهما). # وقال آخرون على عكس ذلك، وذكروا أن أهل الجاهلية كانوا يكرهون السعي بينهما، فظن قوم أن في الاسلام مثل ذلك، فأنزل الله الآية. # وجملته أن في الآية ردا على جميع ما كرهه من كرهه لاختلاف أسبابه على الأجوبة الثلاثة. # (فصل) قوله تعالى ﴿ومن تطوع خيرا فان الله شاكر﴾ (2) لا يدل على أن السعي بين الصفا والمروة مستحب متطوع، لان ms171 معناه ومن تطوع خيرا بالصعود على الصفا والمروة فهو المجازى بالثواب على تطوعه، وفيمن لم يصعد ولم يقف على رؤوسهما وسعى وطاف بينهما من طرف هذا إلى طرف تلك ومن طرف تلك إلى طرف هذا هكذا سبعا فقد أدى الواجب فلا جناح عليه. # وقال انس وعطا ان جميع ذلك تطوع، وبه قال أبو حنيفة. وعندنا ان من ترك الطواف بينهما متعمدا فلا حج له حتى يعود ويسعى، وبه قالت عائشة والشافعي. # وقال أبو حنيفة ان عاد فحسن والا جبره بدم. وقال عطا ومجاهد يجزيه ولا شئ عليه. # وقال المفسرون في معنى قوله (ومن تطوع خيرا) ثلاثة أقوال: أولها من # PageV01P275 # تطوع خيرا أي الحج أو العمرة بعد الفريضة، والثاني ومن تطوع خيرا أي بالطواف بهما عند من قال إنهما نفل، والثالث ومن تطوع خيرا بعد الفرائض كمن طاف بالبيت الطوافات النافلة بعد الفراغ من مناسك الحج. وهذا هو الأولى لأنه أعم. # وقال الجبائي: التقدير فلا جناح عليه ان يطوف بهما، وهو غير صحيح، لان الحذف يحتاج إلى دليل. # والفرق بين الفرض والتطوع ان الفرض يستحق بتركه الذم والعقاب، والتطوع لا مدخل لهما في تركه. # وعن الصادق عليه السلام: ان آدم الصفي نزل على الصفا وحواء على المروة، وهي مرأة تسميا بهما (١). # والتقصير بعد الفراغ من هذه العمرة واجب، قال تعالى ﴿محلقين رؤوسكم ومقصرين﴾ (2). # (فصل) وإذا كان يوم التروية وقد فرغ من العمرة التي يتمتع بها إلى الحج وأراد الاحرام للحج وهو واجب نوى وأحرم عند مقام إبراهيم ولبى. وكل هذه الثلاثة واجب، يدل عليه الآيات التي تلوناها من قبل، وقال تعالى أيضا (ما آتاكم الرسول فخذوه). # ويتوجه إلى عرفات، فإذا زالت الشمس بها [وقف هناك بعد الظهر والعصر إلى غروب الشمس، وهذا الموقف فريضة] (3) في الحج، قال تعالى (ثم أفيضوا # PageV01P276 # من حيث أفاض الناس) (١). كانت قريش في الجاهلية لا تخرج إلى عرفات ويقولون لا نخرج من الحرم، وكانوا يقفون يوم عرفة بالمشعر الحرام وليلة العيد أيضا بها، وكان الناس الذين يحجون ms172 غيرهم يقفون بعرفات يوم عرفة كما كان إبراهيم وإسماعيل وإسحاق يفعلون، فأمر الله أن يقف المسلمون كلهم يوم عرفة بعرفات ويفيضوا منها عند الغروب إلى المشعر بقوله تعالى (ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس)، والإفاضة منها لا يمكن الا بعد الوقوف أو الكون بها. # (فصل) وقوله ﴿فإذا أفضتم من عرفات﴾ (2) بين تعالى فرض الموقفين عرفات والمشعر، أي إذا دفعتم من عرفات بعد الاجتماع بها فاذكروا الله عند المشعر الحرام. # أوجب الله على الحاج كلهم أن يذكروا الله بالمشعر، لان الامر شرعا على الوجوب، ولا يجوز أن يوجب الذكر فيه الا وقد أوجب الكون فيه، ففي هذا دلالة على أن الوقوف بالمشعر الحرام ليلة العيد فريضة كما ذهبنا إليه. وتقدير الكلام: فإذا أفضتم من عرفات فكونوا بالمشعر الحرام واذكروا الله فيه، اي اذكروه تعالى بالثناء والشكر حسب نعمائه عليكم بالهداية، فان الشكر يجب أن يكون على حسب النعمة في عظم المنزلة كما يجب أن يكون على مقدارها لو صغرت النعمة، ولا يجوز التسوية بين من عظمت نعمته ومن صغرت نعمته، يعنى اذكروه ذكرا فيه بمثل هدايته إياكم [وان كنتم قبل محمد وقبل الهدى لمن الضالين عن النبوة والشريعة هداكم إليه] (3). # PageV01P277 # فان قيل: ثم للترتيب متراخيا، فما معنى الترتيب بين قوله (واذكروا الله عند المشعر الحرام) وبين قوله (ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس)، ولا خلاف أن الوقوف بعرفات مقدم على الوقوف بالمشعر. # قلنا: هذا يوجب الترتيب في الاخبار بهما لا بالعمل فيهما، ونحوه قوله تعالى ﴿ثم كان من الذين آمنوا﴾ (1) بعد قوله (أو اطعام في يوم ذي مسغبة) (2)، ولا خلاف ان الايمان يجب أن يكون قبل الاطعام. # وقد روى أصحابنا أن ههنا تقديما وتأخيرا، وتقديره، ليس عليكم جناح ان تبتغوا فضلا من ربكم ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس وإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام واستغفروا الله ان الله غفور رحيم (3). # وأجاب المتأولون بأن قالوا: رتبت الإفاضة بعد المعنى الذي دل الكلام الأول عليه، كأنه قيل احرموا بالحج ms173 على ما بين لكم ثم أفيضوا يا معشر قريش من حيث أفاض الناس بعد الوقوف بعرفة. # وهذا قريب مما قلناه، وانما عدل من تأوله على الإفاضة من مزدلفة لأنه رآه بعد قوله (فإذا أفضتم من عرفات) قال: فأمروا ان يفيضوا من المزدلفة يوم الوقوف بها كما أمروا بعرفة. وما قدمناه هو التأويل المختار. # فإذا أصبح يوم النحر صلى الفجر ووقف للدعاء بالمشعر إلى طلوع الشمس، ثم يفيض إلى منى لأداء المناسك بها كما بينها رسول الله، لقوله (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس). # PageV01P278 # (فصل) والهدي واجب على المتمتع بالعمرة إلى الحج، ومن لم يقدر عليه وجب عليه صيام عشرة أيام، قال تعالى ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة﴾ (١)، فالهدي على الحاج المتمتع واجب بلا خلاف لظاهر القرآن، وخالفوا في أنه نسك [أو جبران، والصحيح أنه نسك] (٢)، وكذلك هو عندنا. # فإن لم يجد الهدي ولا ثمنه صام ثلاثة أيام متتابعة في أول ذي الحجة رخصة. # ووقت صومها يوم قبل التروية ويوم التروية ويوم عرفة، فان فاتته صام ثلاثة أيام بعد أيام التشريق في شوال متتابعة وصام سبعة الأيام إذا رجع إلى أهله. وهذا أصح من قول من قال إذا رجع عن حجه في طريقه. # وقوله (تلك عشرة كاملة) عن أبي جعفر عليه السلام أن المعنى كاملة من الهدي، إذ وقعت بدلا منه استكملت ثوابه (٣). # ثم أنه لإزالة الابهام، لئلا يظن أن الواو بمعنى أو، كأنه قال: فصيام ثلاثة أيام في الحج أو سبعة أيام إذا رجعتم، كقوله ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع﴾ (4). # (ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجدي الحرام) أي ما تقدم ذكره من التمتع بالعمرة إلى الحج ليس لأهل مكة ومن يجري مجراهم، وانما هو لمن لم يكن من حاضري مكة. # PageV01P279 # وقال تعالى ﴿ولا تحلقوا رؤسكم حتى يبلغ الهدي محله﴾ (١). # يجب على كل من حج أو يوفر شعر رأسه من أول ms174 ذي القعدة إلى يوم النحر بمنى فيحلقه هناك. والمعنى لا تزيلوا شعر رؤوسكم حتى ينتهي الهدي إلى المكان الذي يحل نحره فيه، وهو منى. # وقال تعالى ﴿وإذا ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن﴾ (٢) عن ابن عباس انه تعالى أمر بمناسك الحج الوقوف بعرفة والمشعر والإفاضة ورمي الجمار والطواف والسعي وغير ذلك من مناسكه (فأتمهن) أي وفى بهن. # والابتلاء الاختبار، وهو مجاز، يعنى أنه تعالى يقابل العبد مقابلة المختبر الذي لا يعلم، لأنه تعالى لو جازاهم بعلمه فيهم كان ظلما لمن أدخله النار. # وعلى هذا قوله تعالى ﴿والفجر * وليال عشر﴾ (3). عن ابن عباس وحسن وجماعة الليالي العشر هي العشر الأول من ذي الحجة، شرفها الله ليسارع الناس فيها إلى عمل الخير واتقاء الشر. والشفع يوم النحر، والوتر يوم عرفة. ووجه ذلك أن يوم النحر مشفع بيوم بعده. # ولا يجوز للمتمتع مع الامكان طواف الحج وركعتاه والسعي بين الصفا والمروة للحج الا في هذين اليومين، فالطواف للحج وركعتاه والسعي له وطواف النساء وركعتاه فهذه الخمسة كلها فريضة، وقد بينها رسول الله لقوله (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم) وقال (ما آتاكم الرسول فخذوه). # PageV01P280 # وأما قوله تعالى ﴿وليطوفوا بالبيت العتيق﴾ (1) قال قوم هو طواف العمرة الذي يقال له طواف الصيد لأنه تعالى أمر به عقيب المناسك كلها، وقيل هو طواف الإفاضة بعد التعريف اما يوم النحر واما بعده، وهو طواف الزيارة. وروى أصحابنا أن المراد به ههنا طواف النساء (2) الذي يستباح به وطي النساء، وهو زيادة على طواف الزيارة للحج، والعموم يتناول الجميع. # (باب فرائض الحج) (وسننه وما يجري مجراها) اعلم أن فرائض الحج المفرد والقارن عشر، احتججنا من القرآن تصريحا وتلويحا وتبيينا وإشارة، فان الثمانية الأشياء التي وجبت في العمرة التي يتمتع بها إلى الحج تسقط في الافراد والقران. ومن حج مفردا فعليه عمرة الاسلام بعد الحج مبتولة منه. # وقوله تعالى (الحج أشهر معلومات) أي أشهر الحج أشهر معلومات، أو الحج حج أشهر معلومات، ليكون الثاني هو الأول في المعنى، فحذف ms175 المضاف، أي لا حج الا في هذه الأشهر. وقد يجوز أن يجعل (الأشهر) الحج على الاتساع لكونه فيها ولكثرته من الفاعلين له، لقول الخنساء: # * فإنما هي اقبال وادبار * أي أشهر الحج أشهر موقتة معينة لا يجوز فيها التبديل والتغيير بالتقديم # PageV01P281 # والتأخير الذي كان يفعلهما النساء، قال الله تعالى (١) ﴿انما النسئ زيادة في الكفر﴾ (2). # وقد ذكر أن أشهر الحج شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة عندنا على ما روي عن أبي جعفر عليه السلام (3)، وقيل هو شوال وذو القعدة وذو الحجة، وروي ذلك أيضا في أخبارنا (4)، وروي تسع من ذي الحجة. ولا تنافي بينها، لان على الرواية الأخيرة لا يصح الاحرام بالحج الا فيها، وعندنا لا يصح الاحرام بالعمرة التي يتمتع بها إلى الحج الا بالرواية الأولى. # ومن قال إن جميع ذي الحجة من أشهر الحج قال لأنه يصح أن يقع فيها بعض أفعال الحج، مثل صوم الأيام الثلاثة وذبح الهدي. # واختلف المفسرون فيه: فقال قوم المعنى في جميع ذلك واحد، وقال آخرون هو مختلف من حيث إن الثاني معناه ان العمرة لا ينبغي أن تكون في الأشهر الثلاثة على التمام لأنها من أشهر الحج. والأول على أنها ينبغي ان يكون في شهرين وعشرا وتسع من الثالث. # فان قيل: كيف جمع شهرين وعشرة أيام ثلاثة أشهر. # قلنا: لأنه قد يضاف الفعل إلى الوقت وان وقع في بعضه، ويجوز # PageV01P282 # أن يضاف الوقت إليه كذلك، كقولك (صليت يوم الجمعة) و (صليت يوم العيد) وان كانت الصلاة في بعضه، و (قدم زيد في يوم كذا) و (قدموه في بعض اليوم) فكذلك جاز أن يقال ذو الحجة شهر الحج وإن كان في بعضه، وانما يفرض الاحرام بالحج في البعض. # (فصل) وقوله تعالى ﴿فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج﴾ (١). # فمن فتح الجميع فقد نفى جميع الرفث والفسوق والجدال، كقوله تعالى ﴿لا ريب فيه﴾ (٢) بعد نفى جميع الريب. ومن رفع فعلى الابتداء وخبره في الحج، ويعلم من الفحوى أنه ليس المنفي رفثا واحدا ولكنه ms176 جميع ضروبه. # والرفث ههنا عندنا كناية عن الجماع، وهو قول ابن عباس وقتادة، والأصل الافحاش في المنطق في اللغة. وعن جماعة المراد ههنا المواعدة للجماع والتعريض للجماع أو المداعبة كله رفث. # والفسوق قيل هو التنابز بالألقاب، لقوله ﴿بئس الاسم الفسوق﴾ (3). وقيل هو السباب، لقوله عليه السلام (سباب المؤمن فسوق) (4). وروى بعض أصحابنا أن المراد به الكذب، والأولى أن نحمله على جميع المعاصي التي نهي المحرم عنها، وبه قال ابن عمر. وقد يقول القائل (ينبغي أن تقيد لسانك في شهر رمضان لئلا يبطل صومك) فيخصه بالذكر لعظم حرمته. # PageV01P283 # وقوله (ولا جدال في الحج) فالذي رواه أصحابنا انه قول (لا والله) و (بلى والله) صادقا وكاذبا. وللمفسرين فيه قولان: أحدهما أنه لا مراء بالسباب والاغضاب على وجه اللجاج، والثاني أنه لا جدال في أن الحج قد استدار، لأنهم أنسأوا الشهور فقدموا وأخروا فالآن قد رجع إلى حاله. والجدال المخاصمة. # ولا رفث ان خرج مخرج النفي والاخبار فالمراد به النهي (وما تفعلوا من خير يعلمه الله) أي يجازيكم عليه لأنه عالم به. # (فصل) وقوله تعالى ﴿وتزودوا فان خير الزاد التقوى﴾ (١) أي تزودوا من الطعام ولا تلقوا كلكم على الناس كما يفعله العامة، وخير الزاد مع ذلك التقوى. وقيل تزودوا من الافعال الصالحة، فان الاستكثار من أعمال البر أحق شئ بالحج. والعموم يتناول التأويلين. # ثم قال ﴿ليس عليكم جناح ان تبتغوا فضلا من ربكم﴾ (2) وهذا تصريح بالاذن بالتجارة، وهو المروي عن أئمتنا عليهم السلام (3). أي لستم تأثمون في أن تبتغوا وتطلبوا الرزق، فإنهم كانوا يتأثمون بالتجارة في الحج، فرفع الله الاثم بهذه اللفظة عمن يتجر في الحج. # وقيل كان في الحج أجراء ومكارون، وكان الناس يقولون أنه لا حج لهم، فبين تعالى أنه لا اثم على الحاج في أن يكون أجيرا لغيره أو مكاريا. # وقيل معناه لا جناح ان تطلبوا المغفرة من ربكم، رواه جابر عن ابن جعفر # PageV01P284 # عليه السلام (١). والعموم يتناول الجميع. # فالآية تدل على أن التاجر والحمال والأجير وغيرهم يصح لهم الحج، ms177 فليس الحج كالصلاة، لان أفعال الصلاة متصلة لا يتخللها غيرها، وافعال الحج بخلافها، فلا يمتنع قصد ابتغاء المنافع مع قصد إقامة التعبد، وكذلك لا يمتنع ان يستغفر الله ويصلي على النبي وآله في خلال ذكر التلبيات وغيرها. # (فصل) وقوله تعالى (ولله على الناس حج البيت من استطاع). عن ابن عباس وابن عمر السبيل الذي يلزم بها الحج هي الزاد والراحلة، وقال ابن الزبير والحسن ما يبلغه كائنا ما كان، وعندنا هو وجود الزاد والراحلة ونفقة من يلزمه نفقته والرجوع إلى كفاية عند العود اما من مال أو ضياع أو عقار أو صناعة أو حرفة مع الصحة والسلامة وزوال الموانع وامكان المسير. ولا بيان في ذلك [أبين مما بينه الله بأن يكون مستطيعا إليه السبيل، وذلك] (٢) عام في جميع ما ذكرنا، ومن في موضع الجر بدل من الناس، المعنى: ولله على من استطاع من الناس حج البيت. # وقوله تعالى (فمن كفر) اي من جحد فرض الحج فلم يره واجبا، فأما من تركه وهو يعتقد فرضه فإنه لا يكون كافرا وإن كان عاصيا. وقال قوم معنى من كفر أي ترك الحج، والسبب في ذلك أنه لما نزل قوله ﴿ومن يبتغ غير الاسلام دينا﴾ (3) قال اليهود نحن مسلمون نحن مسلمون، فأنزل الله هذه الآية، يأمرهم بأمر الحج ان كانوا صادقين، فامتنعوا فقال تعالى: فمن ترك من هؤلاء الحج فهو كافر. # PageV01P285 # وظاهر الآية خبر ومعناه أمر، لأنه ايجاب الحج على الناس. وفي مورد هذا الايجاب في صورة الخبر نكتة مليحة يطلع عليها من تدبره. وفيها مداراة واستمالة لان المأمور به ينكسر بالامر، وأكثر كلام الله وكلام رسوله الوارد على لفظ الخبر اما يتضمن الامر أو النهي. # (فصل) ومما يدل على أن الوقوف بالمشعر الحرام واجب وهو ركن من أركان الحج - بعد الاجماع المذكور - قوله تعالى ﴿فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام﴾ (1)، والامر شرعا على الايجاب، ولا يجوز أن يوجب ذكر الله فيه الا وقد أوجب الكون فيه. ولان كل من أوجب ms178 الذكر فيه أوجب الوقوف به. # فان قالوا: نحمل ذلك على الندب. # قلنا: هو خلاف الظاهر، ويحتاج إلى دلالة ولا دليل. # فان قيل: هذه الآية تدل على وجوب الذكر وأنتم لا توجبونه وانما توجبون الوقوف به كالوقوف بعرفة. # قلنا: لا يمتنع أن نقول بوجوب الذكر بظاهر هذه الآية. # وبعد، فان الآية تقتضي وجوب الكون في المكان المخصوص والذكر جميعا، فإذا دل الدليل على أن الذكر مستحب غير واجب أخرجناه من الظاهر وبقي الاخر يتناوله الظاهر. وتقدير الكلام: فإذا أفضتم من عرفات فكونوا بالمشعر الحرام واذكروا الله فيه. # فان قيل: الكون في المكان يتبع الذكر في وجوب أو استحباب، لأنه انما يراد له ومن أجله، فإذا ثبت أن الذكر مستحب فكذلك الكون. # قلنا: لا نسلم أن الكون في ذلك المكان تابع للذكر، لان الكون به عبادة # PageV01P286 # مفردة عن الذكر والذكر عبادة أخرى، فلا يتبع الكون الذكر كما لا يتبع الذكر لله في عرفات الكون في ذلك المكان والوقوف به، لان الذكر بعرفات مستحب والوقوف بها واجب بلا خلاف. على أن الذكر لو لم يكن واجبا فالشكر لله على نعمه واجب على كل حال، وقد أمر الله أن يشكر عند المشعر الحرام، فيجب ان يكون الكون بالمشعر واجبا. # فان قيل: ما أنكرتم من أن يكون المشعر ليس بمحل للشكر وإن كان محلا للذكر وان عطف الشكر على الذكر. # قلنا: الظاهر بخلاف ذلك، عطف الشكر على الذكر يقتضي تساوى حكمهما في المحل وغيره، وليس في الآية ذكر الشكر صريحا، ولكن الذكر الأول على عمومه والذكر الثاني مفسر بالشكر، لقرينة قوله (كما هداكم) فالهداية نعمة واجب الشكر عليها، لان الشكر على كل نعمة واجب. وعلى هذا لا تكرار مستقبحا في الكلام أيضا. # (فصل) (ثم ليقضوا تفثهم) فالتفث مناسك الحج من الوقوف والطواف والسعي ورمي الجمار والحلق بمنى والاحرام من الميقات. # عن ابن عباس التفث جميع المناسك. وقال قوم التفث قشف الاحرام وقضاؤه بحلق الرأس والاغتسال ونحوه. وقال الأزهري في كتاب تهذيب اللغة التفث في كلام ms179 العرب لا يعلم الا من قول ابن عباس (1). وقيل التفث الدرن، ومعنى قوله (ثم # PageV01P287 # ليقضوا تفثهم) ليزيلوا أدرانهم. وقيل هو الاخذ من الشارب وقص الأظفار ونتف الإبط وحلق العانة. وهذا عند الخروج من الاحرام. # وقوله (وليوفوا نذورهم) أي يفوا بما نذروا من نحر البدن. وقال مجاهد كل ما نذر في الحج، فربما نذر الانسان ان رزق حجا ان يتصدق. وإذا كان على الانسان نذر فالأفضل ان يفي به هناك. ولم يقل بنذورهم، لان المراد بالايفاء الاتمام أي ليتموا نذورهم بقضائها. # وقوله (وليطوفوا بالبيت) عام في كل طواف، وسمي عتيقا لأنه أعتق من أن يملكه جبار (١). # (فصل) وقوله تعالى ﴿أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما﴾ (2) ظاهره يقتضي تحرم الصيد في حال الاحرام وتحريم ما صاده غيره. ومنهم من فرق بين ما صيد وهو محرم وبين ما صيد قبل احرامه. # وعندنا لا فرق بينهما والكل محرم على المحرم. فأما من لم يكن محرما فيجوز أن يأكل من الصيد الذي ذبح وصيد في غير الحرم وإن كان في الحرم. # والصيد يكون عبارة عن الاصطياد فيكون مصدرا، ويعبر به عن المصيد فيكون اسما صريحا. ويجب ان يحمل ذكره في الآية على الامرين وتحريم الجميع، والمعنى أبيح لكم صيد الماء. # وانما أحل بهذه الآية الطري من صيد البحر، لان العتيق لا خلاف في كونه # PageV01P288 # حلالا، و (طعامه) أي طعام البحر يريد المملوح، وهو الذي يليق بمذهبنا. وانما سمي (طعاما) لأنه يدخر ليطعم، فيكون المراد بصيد البحر الطري وبطعامه المملوح، وقيل المراد بطعامه ما ينبت من الزرع والثمار بحباته. # (باب ذكر المناسك وما يتعلق بها) قوله تعالى ﴿وإذا جعلنا البيت مثابة للناس﴾ (1) أي يثوبون إليه في كل عام، يعنى ليس هو مرة في الزمان فقط على الناس. # وعن ابن عباس: معناه أنه لا ينصرف عنه أحد وهو يرى أنه قد قضى منه وطرا فهم يعودون إليه. # وعن أبي جعفر عليه السلام: يرجعون إليه لا يقضون وطرا. # وحكى ms180 الحارثي أن معناه يحجون إليه فيثابون عليه. # وروي أن كل من فرغ من الحج وانصرف وعزم أن لا يعود إليه أبدا مات قبل الحول (2). # وانما جعل الله أمنا بأن حكم أن من عاذبه والتجأ إليه لا يخاف على نفسه ما دام فيه بما جعله في نفوس العرب من تعظيمه وكان من فيه أمنا ويتخطف الناس من حوله. # ولعظم حرمته أن من جنى جناية فالتجأ إليه لا يقام عليه الحد فيه لكن يضيق عليه في المطعم والمشرب حتى يخرج فيحد، فان أحدث فيه ما يوجب الحد أقيم فيه الحد، لأنه هتك حرمة الحرم (3). # PageV01P289 # (فصل) وقوله تعالى ﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى﴾ (١). # قيل فيه أربعة أقوال: قال ابن عباس الحج كله مقام إبراهيم، وقال عطاء مقام إبراهيم عرفة والمزدلفة والجمار، وقال مجاهد الحرم كله مقام إبراهيم، وقال السدى هو الحجر الذي فيه اثر رجلي إبراهيم. وكانت زوجة إسماعيل وضعته تحت قدميه حتى غسلت رأسه، فوضع إبراهيم عليه رجله وهو راكب، فغسلت شقه الأيمن ثم رفعته وقد غابت رجله فيه، فوضعته تحت قدمه اليسرى وغسلت الشق الأيسر من رأسه، فغابت رجله اليسرى أيضا في الحجر، فأمر الله بوضع ذلك الحجر قريبا من الحجر الأسود وأن يصلى عنده بعد الطواف. وهو الظاهر في أخبارنا (٢). # وقوله ﴿وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا﴾ (٣) أمرهما الله أن يطهراه من فرث ودم، كان يطرح المشركون قبل أن صار في يد إبراهيم. وقيل أراد طهراه من الأصنام والأوثان. وقيل طهرا بيتي ببنائكما له على الطهارة، كقوله ﴿أفمن أسس بنيانه على تقوى﴾ (4). # ومعنى (الطائفين) هم الذين أتوه من غربة، وقيل هم الطائفون بالبيت. # والطائف الدائر. # و (العاكفين) قيل إنهم المقيمون بحضرته، وقيل هم المجاورون، وقيل # PageV01P290 # هم أهل البلد الحرام، وقيل هم المصلون، وقيل العاكف المعتكف في المسجد. # و (الركع السجود) هم الذين يصلون عند الكعبة، والطواف للطارئ أحسن، والصلاة لأهل مكة أفضل. # (فصل) وقوله تعالى ﴿وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا﴾ (1). # قال ابن عباس: كان الحرام أمنا قبل ms181 دعوة إبراهيم، لقول النبي عليه السلام حين فتح مكة: هذه حرم حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض (2). # وقيل: كانت قبل الدعوة ممنوعا من الايتفاك (3) كما لحق غيرها من البلاد، فسأل إبراهيم أن يجعلها أمنا من القحط لأنه أسكن أهله بها، فأجابه الله. # وقال النبي: ان إبراهيم حرم مكة وانى حرمت المدينة (4). # وقال في سورة إبراهيم (رب اجعل هذا البلد آمنا) بتعريف البلد، لان النكرة إذا أعيدت تعرفت. # سأل ان يديم أمنه من الجدب والخسف. # وقوله (ربنا اني أسكنت من ذريتي) (5) المراد بالذرية إسماعيل أبو العرب وأمه هاجر، أسكنهما مكة. ومن للتبعيض، ومفعول أسكنت محذوف. # وقيل لما ان بناه إبراهيم سماه بيتا لأنه كان قبل ذلك بيتا وانما خربته طسم (6) واندرس. # PageV01P291 # (فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم) (١) هذا سؤال من إبراهيم أن يجعل الله قلوب الخلق تحن إليه ليكون في ذلك منافع ذريته لأنه واد غير ذي زرع. # (فصل) وقوله ﴿وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا﴾ (2) كان إبراهيم يبني وإسماعيل يناوله الحجر، وانما رفعا البيت للعبادة لا للمسكن لقولهما (تقبل منا). # وروي أن آدم عليه السلام بناه ثم عفى أثره فجدده إبراهيم عليه السلام (3). # والمروي في أخبارنا أن أول من حج آدم، حج واعتمر ألف مرة على قدميه من الهند (4). # وقال الباقر عليه السلام: ان الله وضع تحت العرش أربعة أساطين وسماه الضراح (5)، وهو البيت المعمور، وقال للملائكة طوفوا به، ثم بعث ملائكة فقال لهم ابنوا في الأرض بيتا بمثاله وقدره وأمر من في الأرض ان يطوفوا به. وقال: ولما أهبط الله آدم من الجنة قال: اني منزل معك بيتا يطوف (6). حوله كما يطاف حول عرشي ويصلى عنده كما يصلى عند عرشي، فلما كان زمن الطوفان رفع، فكانت الأنبياء يحجونه ولا يعلمون مكانه حتى تواه الله لإبراهيم فأعلمه مكانه، فبناه من خمسة # PageV01P292 # أجبل من حراء وثبير ولبنان وجبل الطور وجبل الحمر - وقال الطبري وهو جبل بدمشق. # وقوله تعالى (وأرنا مناسكنا) اي متعبدنا. قال الزجاج متعبد منسك. وقيل ms182 المناسك هي ما يتقرب بها إلى الله من الهدي والذبح وغير ذلك من أعمال الحج والعمرة. وقيل مناسكنا مذابحنا، وأرنا من رؤية البصر. وقيل أي أعلمنا. # وقيل أراهما الله الطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة والإفاضة من عرفات والإفاضة في جمع حتى رمى الجمار، فأكمل الله له الدين. وهذا أقوى، لأنه هو العرف الشرعي في معنى المناسك. # وقال ﴿ومن يرغب عن ملة إبراهيم﴾ (1). هي ملة نبينا، لان ملة إبراهيم داخلة في ملة محمد مع زيادات ههنا. # وقوله (ذلك ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه) (2). معناه والامر ذلك، أي هكذا أمر الحاج المناسك ومن يعظم حرمات الله، فالتعظيم خير له في الآخرة، يعنى بأن يترك ما حرمه الله، والحرمة ما لا يحل انتهاكه. # واختار المفسرون في معنى الحرمات هنا أنها المناسك، لدلالة ما يتصل بها من الآيات. وقيل هي في الآية ما نهي عنها من الوقوع فيها، وتعظيمها ترك ملابستها. # وقيل معناها البيت الحرام والبلد الحرام والشهر الحرام. # (فصل) وقوله تعالى (وأحلت لكم الانعام) أي الإبل والبقر والغنم في حال احرامكم (الا ما يتلى عليكم من الصيد) فإنه يحرم على المحل في الحرم إذا صيد في الحرم وعلى المحرم في الحل والحرم (فاجتنبوا الرجس من الأوثان) كانوا # PageV01P293 # يلطخون أصنامهم بدماء قربانهم فسمي ذلك رجسا ﴿واجتنبوا قول الزور﴾ (١) اي الكذب، وهو تلبية المشركين: لبيك لا شريك لك الا شريكا هو لك تملكه وما ملك. # وروى أصحابنا أنه يدخل فيه سائر الأقوال الملهية (٢). # ﴿ذلك ومن يعظم شعائر الله﴾ (٣) الشعائر مناسك الحج، والمراد بالمنافع التجارة. # وقوله (إلى أجل مسمى) إلى أن يعود من مكة. # وقوله ﴿ولكل أمة جعلنا منسكا﴾ (٤). إشارة إلى ما ذكرنا من تفصيل المجمل للمعتمر والحاج. # (باب الذبح والحلق ورمى الجمار) قال تعالى ﴿فما استيسر من الهدي﴾ (5) قد ذكرنا أن من حج متمتعا فالواجب عليه أن ينحر بدنة أو بقرة أو فحلا من الضأن أو شاة كما تيسر عليه ويسهل ولا يصعب، فإن لم يجد شيئا منها ووجد ثمنه ms183 خلفه عند ثقة حتى يشتري له هديا ويذبحه إلى انقضاء ذي الحجة، فإن لم يصبه ففي العام المقبل في ذي الحجة. # وقوله تعالى (ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب) قيل الشعائر البدن إذا أسفرت في الحج القارن، أي أعلمت عليها بأن يشق سنامها من الجانب الأيمن ليعلم أنها هدي. وتعظيمها استسمانها واستحسانها (لكم فيها منافع إلى أجل مسمى) # PageV01P294 # منافعها ركوب ظهورها وشرب ألبانها إذا احتيج إليها، وهو المروي عن أبي جعفر عليه السلام (١). # وقال ابن عباس: ذلك ما لم يسم هديا أو بدنا. وقال عطاء: ما لم يقلد، إلى اجل مسمى إلى أن ينحر. # وقوله (ثم محلها إلى البيت العتيق) معناه أن يحل الهدي والبدن الكعبة. # وعند أصحابنا إن كان في العمرة المفردة فمحله مكة قبالة الكعبة بالحزورة، وإن كان الهدي في الحج فمحله منى. # ثم عاد إلى ذكر الشعائر فقال ﴿والبدن جعلناها لكم من شعائر الله﴾ (2) اي وجعلنا البدن صواف لكم فيها عبادة لله بما في سوقها إلى البيت وتقليدها بما ينبئ أنها هدي ثم ينحرها للاكل منها واطعام القانع والمعتر. # (فاذكروا اسم الله عليها صواف) أمر من الله أن يذكروا اسم الله عليها، فإذا أقيمت للذبح صافة - أي مستمرة في وقوفها على منهاج واحد. والتسمية انما يجب عند نحرها دون حال قيامها. # و (البدن) الإبل العظام البدنة بالسمن، جمع (بدنة) (3)، وهي إذا نحرت فعندهم يعقل لها يد واحدة (4) وكانت على ثلاث. وعند أصحابنا يشد يداها إلى إبطيها ويطلق [رجلاها، والبقر يشد يداها ورجلاها ويطلق] (5) ذنبها، والغنم تشد ثلاثة أرجل منها ويطلق فرد رجل. # PageV01P295 # وقال أبو عبد الله عليه السلام: القانع الذي يسأل فيرضى بما أعطي، والمعتر الذي يعترى رحلك ممن لا يسال ١. وقال: ينبغي لمن ذبح الهدي أن يعطي القانع والمعتر ثلثه، ويهدي لأصدقائه ثلثه، ويطعم ثلثه الباقي (٢). # (كذلك سخرناها لكم) أي مثل ما وصفناه ذللناها لكم حتى لا تمتنع عما تريدون منها من النحر والذبح بخلاف السباع الممتنعة، ولتنتفعوا بركوبها وحملها ونتاجها نعمة منا ms184 عليكم (لعلكم تشكرون) ٣ ذلك. # ﴿لن ينال الله لحومها ولا دماؤها﴾ (٤) أي لن يصعد إلى الله تلكم وانما يصعد إليه التقوى، وهذا كناية عن القبول، فان ما يقبله الانسان يقال قدنا له ووصل إليه، فخاطب الله عباده بما اعتادوه في مخاطباتهم. وكانوا في الجاهلية إذا ذبحوا الهدي استقبلوا الكعبة بالدماء فنضحوها حول البيت قربة إلى الله تعالى. # والمعنى لن يتقبل الله اللحوم ولا الدماء لكن يتقبل التقوى فيها وفى غيرها، بأن يوجب في مقابلتها الثواب، (لتكبروا الله) تعظموه وتشكروه في حال الا حلال كما يليق به في حال الاحرام. وقيل لتسموا الله على الذباحة. # ﴿ان الله لا يحب كل خوان كفور﴾ (٥) أي من ذكر اسم غير الله على الذبيحة فهو الجحود لنعم الله. # (فصل) وقوله تعالى ﴿ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله﴾ (6) قد ذكرنا أن # PageV01P296 # الحاج لا ينبغي أن يحلق رأسه من أول ذي القعدة إلى يوم النحر بمنى، فحينئذ يلزم الرجال أن يحلقوا رؤوسهم. # قال تعالى ﴿لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين﴾ (1) فان الصرورة تلزمه الحلق وغير الصرورة تجزيه التقصير. ولا يجب على النساء الحلق ويجزيهن التقصير على كل حال. # ومحل الهدي منى إن كان في الحج أو في العمرة التي يتمتع بها إلى الحج يوم النحر، وإن كان في العمرة المبتولة فمكة. والمعنى لا تحلوا من احرامكم حتى يبلغ الهدي محله وينحر أو يذبح. # (فمن كان منكم مريضا) أي من مرض منكم مرضا يحتاج فيه إلى الحلق للمداواة (أو به أذى من رأسه) أي تأذى بهوام رأسه أبيح له الحلق بشرط الفدية قبل يوم النحر في ذي القعدة أو في تسع ذي الحجة، فالأذى المذكور في الآية كلما تأذيت به. # نزلت هذه الآية في كعب بن عجرة، فإنه كان قد قمل رأسه، فأنزل الله فيه ذلك (2). وهي محمولة على جميع الأذى. # وقوله تعالى (ففدية من صيام أو صدقة أو نسك) فالذي رواه أصحابنا أن من حلق لعذر فالصيام عليه ثلاثة أيام أو الصدقة ms185 ستة مساكين، وروي عشرة مساكين (3). # والنسك شاة، وفيه خلاف بين المفسرين. # والمعنى ان تأذى بشئ فحلق لذلك العذر فعليه فدية، أي بدل وجزاء يقوم مقام ذلك من صيام أو صدقة أو نسك مخير فيها. # PageV01P297 # وأما رمي الجمار فقوله تعالى ﴿وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن﴾ (١) يدل عليه باجماع أهل البيت (٢) والعلماء، أي كلفه مناسك الحج ومن جملتها رمي الجمار، وعليه المفسرون. يرمي جمرة العقبة يوم النحر سبعة، وكل يوم من أيام التشريق (٣) الثلاثة إحدى وعشرين حصاة في الجمرات الثلاث يبدأ بالجمرة الأولى فيرمي سبعة ثم كذا في الوسطى ثم في الأخرى. # (باب في ذكر أيام التشريق) (يكون فيها رمي الجمرات على ما ذكر) قال الله تعالى ﴿فإذا قضيتم مناسككم﴾ (4) أي إذا أديتموها وفرغتم منها. قال مجاهد هي الذبائح، وقيل المعنى فإذا قضيتم ما وجب عليكم في متعبداتكم ايقاعه من الذبح والحلق والرمي وغيرها فاذكروا الله فإنه يستحب الدعاء بعد رمي الجمرتين الأوليين. وقيل المراد بالذكر ههنا التكبير أيام منى. وقيل إنه سائر الدعاء في تلك المواطن فإنه أفضل من غيره. # وقوله (كذكركم آبائكم) عن أبي جعفر عليه السلام انهم في الجاهلية كانوا يجتمعون هناك ويفتخرون بالاباء وبمآثرهم ويبالغون فيه (5). # PageV01P298 # وقوله (أو أشد ذكرا) بما لله عليكم من النعمة. وانما شبه الا وجب بما هو دونه في الوجوب لأنه خرج على حال لأهل الجاهلية معتادة ان يذكروا آباءهم بأبلغ الذكر. وقيل اذكروا الله كذكر الصبي لامه. والأول أظهر. # ثم بين أن من يسأل هناك فمنهم من يسأل نعيم الدنيا فقط لأنه غير مؤمن بالقيامة ومنهم من يقول ﴿ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفى الآخرة حسنة﴾ (١) عن الصادق عليه السلام: انها السعة في الرزق والمعاش، وحسن الخلق في الدنيا، ورضوان الله والجنة في الآخرة (٢). # وقال النبي صلى الله عليه وآله: من أوتي قلبا شاكرا وزوجة صالحة تعينه على أمر دنياه وآخرته فقد أوتي في الدنيا حسنة وفى الآخرة حسنة ووقي عذاب النار (٣). # (فصل) ثم قال تعالى ﴿واذكروا الله في أيام معدودات﴾ (4). # أمر ms186 من الله أن يذكروا الله في هذه الأيام، وهي أيام التشريق ثلاثة أيام بعد يوم النحر، والأيام المعلومات عشر ذي الحجة، وهو قول ابن عباس وجماعة. وقال الفراء: المعلومات أيام التشريق والمعدودات عشر ذي الحجة. [وفى النهاية نحوه على خلاف ما في كتبه الاخر] (5). # والصحيح أن المعدودات هي أيام التشريق لا غير. والدليل عليه قوله ههنا (فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا اثم عليه لمن اتقى)، والنفر الأول والنفر الثاني لا يكونان الا في أيام التشريق بلا خلاف. # PageV01P299 # والأيام المعلومات يوصف بها عشر ذي الحجة ويوصف بها أيام التشريق معا. # وقد ذكر في تهذيب الأحكام أن الأيام المعلومات هي أيام التشريق، ويؤكد ذلك بقوله في سورة الحج ﴿ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام﴾ (١). # وسميت أيام التشريق معدودات لأنها قلائل، وهي ثلاثة. # وهذه الآية تدل على وجوب التكبير أو استحبابه، والذكر المأمور به (الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله والله أكبر، ولله الحمد، والحمد لله على ما رزقنا من بهيمة الأنعام ". والأظهر أنها تجب بمنى وتستحب بغير منى. # (فصل) وقوله تعالى ﴿فمن تعجل في يومين فلا اثم عليه ومن تأخر فلا اثم عليه لمن اتقى﴾ (2) المعنى في ذلك الرخصة في جواز النفر في اليوم الثاني من التشريق، فان أقام إلى النفر الأخير - وهو اليوم الثالث من التشريق - كان أفضل، فان نفر في الأول نفر بعد الزوال إلى قبيل الغروب، فان غربت فليس له أن ينفر إلى اليوم الثالث بعد الرمي وليس للامام أن ينفر في النفر الأول. # وقوله (فلا اثم عليه) [قيل فيه قولان: أحدهما لا اثم عليه] (3) لتكفير سيئاته مما كان من حجه المبرور، وببركته تفضل الله بالمغفرة لذنوبه، وهو معنى قول ابن مسعود. الثاني قال الحسن: لا اثم عليه في تعجله ولا تأخره، وانما نفى الاثم لئلا يتوهم ذلك متوهم في التعجيل، وجاء في التأخير على مزاوجة الكلام، كما يقول (ان # PageV01P300 # أظهرت الصدقة فجائز ms187 وان أسررتها فجائز والاسرار أفضل). # ويمكن أن يقال: ان الأول معناه لا حرج عليه، والثاني معناه لم يبق عليه اثم فقد غفر له جميع ذنوبه. فيكون جمعا للقولين المتقدمين. # وقوله (لمن اتقى) فيه قولان: أحدهما لما قال (فلا اثم عليه) دل على وعده بالثواب، وعلقه بالتقوى لئلا يتوهم انه بالطاعة في النفر فقط. الثاني انه لا اثم عليه في تعجله إذا لم يعمل لضرب من ضروب الفساد ولكن لاتباع اذن الله فيه. # وقيل هو التحذير في الايكال على ما سلف من اعمال البر في الحج، فبين ان عليهم مع ذلك ملازمة التقوى ومجانبة المعاصي. # وقد روى أصحابنا ان قوله (لمن اتقى) متعلق بالتعجل في يومين فلا اثم عليه لمن اتقى الصيد ان شاء نفر في النفر الأول وان شاء وقف إلى انقضاء النفر الأخير، ومن لم يتق الصيد فلا يجوز له النفر في الأول، وهو اختيار الفراء وهو قول ابن عباس (١). # وروي عن الصادق عليه السلام في قوله (فمن تعجل في يومين) أي من مات في هذين فقد كفر عنه كل ذنب (ومن تأخر) أي أنسئ أجله فلا اثم عليه بعدها إذا اتقى الكبائر (٢). والتقدير ذلك لمن اتقى، أو جعلناه لمن اتقى، وقيل العامل فلا اثم عليه. # قوله ﴿وإذا حللتم فاصطادوا﴾ (3) أي إذا حللتم من احرامكم وخرجتم من الحرم فاصطادوا الصيد الذي نهيتم أن تحلوه ان شئتم، فالسبب المحرم له زال. وهو إباحة، اي لا حرج عليكم في صيده بعد ذلك. # PageV01P301 # (باب ما يجب على المحرم اجتنابه) قد تقدم القول في كثير من ذلك، وقد عد مشائخنا التروك المفروضة والمكروهة في الحج والعمرة، فمحظورات الاحرام ستة وثمانون (١) شيئا، (٢) ومحظورات الطواف والسعي والذبح والرمي سبعة وأربعون شيئا، ومكروهات الحج والعمرة ثلاثة وخمسون شيئا. وقد نطق القرآن ببعضها مفصلا، وقوله (وما نهاكم عنه فانتهوا) يدل على جميع ذلك جملة. # وقوله ﴿فلا رفث ولا فسوق ولا جدال﴾ (3) قد ذكرنا أن الرفث كناية عن الجماع، فحكم المحرم إذا جامع له شرح طويل لا نطيل ms188 به الكتاب. والمراد بالفسوق الكذب، فمن كذب مرة فعليه شاة، ومن كذب مرتين فعليه بقرة، ومن كذب ثلاثا فعليه بدنة. وقد أشرنا إلى الجدال أنه القسم بالله. # PageV01P302 # وقوله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدي﴾ (1) أي يا أيها الذين صدقوا الله فيما أوجب عليهم لا تحلوا حرمات الله ولا تعدوا حدوده ولا تحلوا معالم حدود الله وأمره ونهيه وفرائضه ولا تحلوا حرم الله وشعائر حرم الله ورسوله ومناسك الحج. # عن ابن عباس المعنى لا تحلوا مناسك الحج فتضيعوها، وقال مجاهد شعائر الله الصفا والمروة والهدي من البدن وغيرها. وقال الفراء كانت عامة العرب لا ترى الصفا والمروة من شعائر الله ولا يطوفون بهما فنهاهم الله عن ذلك، وهو قول أبى جعفر عليه السلام. وقال قوم لا تحلوا ما حرم الله عليكم في احرامكم. وقيل الشعائر العلامات المنصوبة للفرق بين الحل والحرم، نهاهم الله أن يتجاوزوا المواقيت إلى مكة بغير احرام. وقال الحسين بن علي المغربي: المعنى لا تحلوا الهدايا المشعرة هدايا للبيت. وقريب منه ما روي عن ابن عباس أيضا ان المشركين كانوا يحجون البيت ويهدون الهدايا، فأراد بعض المسلمين أن يغيروا عليهم فنهاهم الله عنه. # والعموم يتناول الكل. # ثم قال (ولا الشهر الحرام) أي لا تستحلوا الأشهر الحرم كلها بالقتال فيها أعداءكم هؤلاء من المشركين ولا تستحلوها بالنسئ، انما النسئ زيادة في الكفر (2). # وقوله تعالى (ولا القلائد) أي ولا تحلوا الهدي المقلد. وانما كرر لأنه أراد # PageV01P303 # المنع من حل الهدي الذي لا يقلد والهدي الذي قلد. وقيل هو نعل يقلد بها الإبل والبقر يجب التصدق بها إن كان لها قيمة. # وقوله (ولا آمين البيت الحرام يبتغون فضلا من ربهم) نهى أن يحل ويمنع من يلتمس أرباحا في تجاراتهم من الله وأن يرضى عنهم بنسكهم، فأما من قصد البيت ظلما لأهله وجب منعه ودفعه. # (باب) (نهي المحرم من الاخلال والتعدي والتقصير) قال الله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشئ من الصيد﴾ ms189 (1) هذا خطاب من الله للمؤمنين وقسم منه تعالى، أي ليختبرن طاعتكم من معصيتكم بشئ من الصيد، وأصله اظهار باطن الحال. والمعنى يعرضكم بأمره ونهيه لان يظهر ما في نفوسكم وهو خاف في الحال. وسمي ذلك اختبارا لأنه شبيه في الظاهر باختبار الناس، وإن كان المختبر لا يعلم ما يكون من المختبر والله عالم بما يكون من المكلف بكل جلي وخفي ومضمر ومنوي، والمعنى ليظهر طاعتكم من معصيتكم. # ومن في قوله (من الصيد) للتبعيض، ويحتمل وجهين: أحدهما أن يكون عنى صيد البر دون صيد البحر، والاخر أن يكون لما عنى الصيد ما داموا في الاحرام أو في الاحرام والحرم كان ذلك بعض الصيد. ويجوز أن يكون من لتبيين الجنس، وأراد بالصيد المصيد، بدلالة قوله تعالى (تناله أيديكم ورماحكم)، ولو كان الصيد هنا مصدرا كان حدثا، فلا يوصف بمثل اليد والرمح وانما يوصف به ما كان عينا. # وقال أصحاب المعاني: امتحن الله أمة محمد صلى الله عليه وآله بصيد البر كما امتحن أمة موسى عليه السلام بصيد البحر. # PageV01P304 # ولما تقدم في أول السورة تحريم الصيد على المحرم مجملا بين سبحانه ذلك ههنا فقال: ليختبرن الله تعالى طاعتكم من معصيتكم بشئ من الصيد، أي بتحريم شئ من الصيد وبعض منه. # والذي تناله الأيدي فراخ الطير وصغار الوحش والبيض، والذي تناله الرماح الكبار من الصيد - عن ابن عباس، وهو المروي عن الصادق عليه السلام (1). # وقيل: المراد به صيد الحرم ينال بالأيدي والرماح، لأنه يأنس بالناس ولا ينفر منهم كما ينفر في الحل، وذلك آية من آيات الله. # وقيل: المراد به ما قرب وما بعد من الصيد. # وجاء في التفسير أنه يعنى به حمام مكة، وهي تفرخ في بيوت مكة في السقف وعلى الحيطان، فربما كانت الفراخ بحيث تصل اليد إليها. # (فصل) وبهذه الآية حرم الله صيد الحل على المحل وصيد الحرم على المحل والمحرم جميعا. وقال الزجاج: سن النبي عليه السلام تحريم صيد الحرم على المحرم وغيره، وهذا صحيح. وصيد غير الحرم يحرم على ms190 المحرم دون المحل. وقال أبو علي صيد الحر هو المحرم بهذه الآية، ونحوه قول بعض المفسرين: ان الله عنى به كل صيد الحرم لأنه جعل الصيد آمنا بالحرم، فهو لا ينقر من الناس نفاره إذا خرج من مكة، وإذا بمكة أمكن قتله بالرمح وأخذه باليد، فأمر الله أن لا يقتلوا هذا الصيد ولا يأخذوه ولا يؤذوه. # وقيل (تناله أيديكم) إشارة إلى صيد الحرم لأنه يكون آنس من غيره، فيمكن تناوله باليد. وقوله (ورماحكم) إشارة إلى صيد غير الحرم للمحرم، لأنه يمكنه اخذه بالرمح، وهذا من الصيد الهام من الله بخلاف صيد آخر يكون في أرض أخرى # PageV01P305 # (ليعلم الله من يخافه بالغيب) أي ليعلم ملائكة الله من يخافه غائبا، لأنه تعالى عالم فيما لم يزل. ومعنى (ليعلموا) اي ليعرفوا قوما يخافون صيد الحرم في العلانية فلا يعترضون له على حال. # ثم قال (فمن اعتدى بعد ذلك) أي من تجاوز حد الله بمخالفة أمره وارتكاب نهيه بالصيد في الحرم وفى حال الاحرام، فله عذاب النار في القيامة. ويجوز أن يكون غير ذلك من الآلام والعقوبات في الدنيا، فقد قال (لأعذبنه عذابا شديدا) حكاية عن سليمان في حق الهدهد ولم يرد عذاب النار. # (باب) (تفصيل ما يجب على هذا الاعتداء من الجزاء) قال الله تعالى عقيب ذلك ﴿يا أيها الذين آمنوا الا تقتلوا الصيد﴾ (2). اختلف في المعني بالصيد: فقيل هو كل الوحش أكل أو لم يؤكل، وهو قول أهل العراق، واستدلوا بقول علي عليه السلام: # صيد الملوك أرانب وثعالب * وإذا ركبت فصيدي الابطال وهو مذهبنا. وقيل هو كل ما يؤكل لحمه، وهو قول الشافعي. # وقوله (وأنتم حرم) فيه ثلاثة أوجه: أحدها وأنتم محرمون بحج أو عمرة، الثاني وأنتم في الحرم، الثالث وأنتم في الشهر الحرام. ولا خلاف أن هذا ليس بمراد، فالآية تدل على تحريم قتل الصيد في حال الاحرام بالحج أو العمرة سواء كان محرما بالعمرة أو بالحج أو لم يكن. وقال الرماني: تدل على تحريم قتل الصيد على المحرم بالحج أو ms191 العمرة. والأول أعم فائدة، واختاره أكثر المفسرين. # PageV01P306 # وقال جماعة: الأولى أن تكون الآية الأولى حرم فيها الصيد بالحرم في جميع الأوقات والحالات، وهذه الآية الثانية حرم فيها صيد البر كله في حال الاحرام. # وواحد الحرم حرام، كسحاب وسحب. # (فصل) ثم قال تعالى ﴿ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم﴾ (1). # فقوله تعالى من قتله فيه قولان: أحدهما أن يتعمد القتل وينشئ الاحرام، الثاني الذاكر لاحرامه مع تعمد قتله. وقال أين جرير: وهو عام في الناسي والذاكر، لان ظاهره عام ولا دليل على الخصوص. # وقوله (منكم) يعنى كل من يدين بدين الاسلام. (معتمدا) نصب على الحال، أي قاصدا غير ساه ولا جاهل به. # والفتوى: ان قاتل الصيد إذا كان محرما لزمه الجزاء عامدا كان في القتل أو خاطئا أو ناسيا لاحرامه أو ذاكرا عالما كان أو جاهلا، وعلى هذا أكثر الفقهاء والعلماء. # وقال جماعة: انه يلزمه إذا كان متعمدا لقتله ذكرا لاحرامه، وهو أشبه بالظاهر. # والأول يشهد به روايات أصحابنا. # (فصل) واختلفوا في مثل المقتول بقوله (فجزاء مثل ما قتل من النعم). قال ابن عباس والحسن والسدي والضحاك ومجاهد وعطاء: هو أشبه الأشياء به من النعم، ان قتل نعامة فعليه بدنة، حكم النبي عليه السلام بذلك في البدنة، وأن قتل اروى (2) # PageV01P307 # فبقرة، وان قتل غزالا أو أرنبا فشاة. وهذا هو الذي يدل عليه روايات أصحابنا (1). # وقال قوم: يقوم الصيد بقيمة عادلة ثم يشترى بثمنه مثله من النعم ثم يهدى إلى الكعبة، فإن لم يبلغ ثمن هدي كفر أو صام، وفيه خلاف بين الفقهاء. # وقد تواترت أخبارنا ورواياتنا بأن كلما يصيده المحل في الحرم يلزمه فيه القيمة، وما يصيده المحرم في الحل من الصيد كان عليه الفداء، وان اصابه المحرم في الحرم كان عليه الفداء والقيمة، وما يجب فيه التضعيف هو ما لم يبلغ بدنة، فإذا بلغها لم يجب عليه غيرها. # قال الزهري: نزل القرآن بالعمد، وجرت السنة في الخطأ. # والفتوى: ان الصيد كلما تكرر من المحرم كان عليه كفارة ms192 إذا كان ذلك منه نسيانا، فان فعله متعمدا مرة كان عليه الكفارة، وان فعله مرتين فهو ممن ينتقم الله منه وليس عليه الجزاء. # فان قيل: بم يعلم المماثلة بين النعم وما يضاد. # قلنا: لهذا جوابان: # (أحدهما) - ان الله بين على لسان نبيه عليه السلام في قتل النعامة بدنة من الإبل على كل حال في الحل إذا كان محرما وفى الحرم، وجعل بدل حمار وحش أو بقر وحش بقرة إذا أصابه المحرم في الحل، وبدل ظبية شاة هكذا، وان أصاب قطاة فعليه حمل مفطوم، وان أصاب ظبا فعليه جدي، وان أصاب عصفورا فعليه مدمن طعام، وان أصاب المحرم في الحل حمامة فعليه دم، وان أصابها وهو محل في الحرم فعليه درهم، وان أصابها وهو محرم في الحرم فعليه دم والقيمة، وان قتل فرخا وهو محرم في الحل فعليه حمل، وان قتله في الحرم وهو محل فعليه نصف درهم، وان قتله وهو محرم في الحرم فعليه الجزاء والقيمة معا، وان أصاب بيض حمام وهو محرم في الحل فعليه درهم، وان أصاب وهو محل في الحرم فعليه ربع درهم، وان اصابه وهر محرم في الحرم فعليه الجزاء والقيمة، فإن كان حمام # PageV01P308 # الحرم يشترى به العلف لحمام الحرم، وإن كان حماما أهليا يتصدق به. فقد بين جميع ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله، لقوله (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم). # (والجواب الثاني) - انه اختلف في المكان الذي يوم فيه الصيد: فقال أبو حنيفة وصاحباه يقوم بالمكان الذي أصاب فيه إن كان أصاب بخراسان أو غيره، وقال عامر الشعبي يقوم بمكة أو منى. # وقوله (يحكم به ذوا عدل منكم) يعنى شاهدين عدلين فقيهين يحكمان بأنه جزاء مثل ما قتل من الصيد، أي يحكم في الصيد بالجزاء رجلان صالحان منكم، اي من أهل ملتكم ودينكم، فينظران إلى أشبه الأشياء به من النعم فيحكمان به. # وقوله (هديا) أي يهديه هديا، و (بالغ الكعبة) صفة. # والهدي يجب أن يكون صحيحا بالصفة التي تجري في الأضحية. ms193 وقال الشافعي: يجوز في الهدي ما لا يجوز في الأضحية. # وعندنا ان قتل طائرا أو نحوه ففيه دم في الحل على المحرم، وعلى المحل في الحرم القيمة، وعلى المحرم في الحرم دم والقيمة لما قدمنا. والدم لا يكون أقل من دم شاة. # وقد تقدم إن كان ذلك الصيد في احرام الحج أو العمرة التي يتمتع بها يذبح بمنى، وإن كان في العمرة المبتولة فمكة. وعن ابن عباس إذا أتى مكة ذبحه كله وتصدق به. # (فصل) من قرأ (فجزاء مثل ما قتل) قال أبو علي الفارسي رفع مثل لأنه صفة لجزاء، والمعنى فعليه جزاء من النعم مماثل للمقتول، وتقديره فعليه جزاء، أي فاللازم له أو فالواجب عليه جزاء من النعم مماثل ما قتل من الصيد. PageV01P309 # وقوله تعالى (من النعم) في هذا القراءة صفة للنكرة التي هي جزاء وفيه ذكر له، ولا ينبغي إضافة جزاء إلى مثل، لان عليه جزاء المقتول لا جزاء مثله ولا جزاء عليه لمثل المقتول الذي لم يقتله. ولا يجوز على هذه القراءة أن يكون قوله (من النعم) متعلقا بالمصدر كما جاز أن يكون الجار متعلقا به في قوله (جزاء سيئة بمثلها) لأنك قد وصفت الموصول، وإذا وصفته لم يجز أن تعلق به بعد الوصف شيئا، كما انك إذا عطفت عليه أو اكدته لم يجز أن تعلق به شيئا بعد العطف عليه والتأكيد له، والمماثلة في القيمة أو الخلقة على اختلاف الفقهاء في ذلك. # وأما من قرأ (فجزاء مثل ما قتل) فأضاف الجزاء إلى المثل فقوله (من النعم) يكون صفة للجزاء، كما كان في قول من نون [ولم يضف صفة له (1). ويجوز فيه وجه آخر مما يجوز في قول من نون] (2)، فيمتنع تعلقه به، لان من أضاف الجزاء إلى مثل فهو كقولهم (انا أكرم مثلك) اي أنا أكرمك، فالمراد فجزاء ما قتل. ولو قدرت الجزاء تقدير المصدر المضاف إلى المفعول به فالواجب عليه في الحقيقة جزاء المقتول لاجزاء مثل المقتول، لان معناه مجازا مثل ما قتل. # ونحن نعمل ms194 بظاهر القراءتين، فان المحرم إذا قتل الصيد الذي له مثل فهو مخير بين أن يخرج مثله من النعم وهو أن يقوم مثله دراهم ويشتري به طعاما ويتصدق به أو يصوم عن كل مد يوما، ولا يجوز اخراج القيمة جملة. وإن كان الصيد لا مثل له كان مخيرا بين أن يقوم الصيد ويشترى به طعاما ويتصدق به وبين أن يصوم عن كل مد يوما. # والقراءتان إذا كانتا مجمعا على صحتهما كانتا كالآيتين يجب العمل بهما، وقد تخلصنا أن يتعسف في النحو والاعراب. # PageV01P310 # (فصل) وعن أبي الصباح: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله عز وجل في الصيد (من قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم)؟ قال: في الظبي شاة [وفي الحمامة وأشباهها وإن كان فراخا فعدتها من الحملان] وفى حمار وحش بقرة، وفى النعامة جزور (1). # وعن حريز عن الصادق عليه السلام في قول الله (فجزاء مثل ما قتل من النعم) في النعامة بدنة، وفى حمار وحش بقرة، وفى الظبي شاة، وفي البقرة بقرة (2). # وعن محمد بن مسلم سألت أبا جعفر عليه السلام عن قوله (أو عدل ذلك صياما). # قال: عدل الهدي ما بلغ ثم يتصدق به، فإن لم يكن عنده فليصم بقدر ما بلغ لكل طعام مسكين يوما (3). # وعن أبي عبيدة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا أصاب المحرم الصيد ولم يجد ما يكفر من موضعه الذي أصاب فيه الصيد قوم جزاءه من النعم دراهم ثم قومت الدراهم طعاما لكل مسكين نصف صاع، فإن لم يقدر على الطعام صام لكل نصف صاع يوما (4). # وعن الزهري في قوله تعالى (أو عدل ذلك صياما) قال لي علي بن الحسين عليهما السلام: أو تدري كيف يكون عدل ذلك صياما؟ قلت: لا. قال: يقوم الصيد قيمة، ثم يفض تلك القيمة على البر، ثم يكال ذلك البر أصواعا فيصوم لكل نصف صاع يوما (5). # PageV01P311 # وإذا قتل صيدا فهو مخير بين ثلاثة أشياء، بين أن يخرج مثله من النعم وبين ان يقوم ms195 مثله دراهم ويشتري به طعاما ويتصدق به، وبين أن يصوم عن كل مد يوما. # [وإن كان الصيد لا مثل له فهو مخير بين شيئين: أن يقوم الصيد ويشتري به طعاما يتصدق به، أو يصوم عن كل يوما مدا]. (1) ولا يجوز اخراج القيمة بحال، وبه قال الشافعي، ووافق مالك في جميع ذلك الا ان عندنا انه إذا أراد شراء الطعام قوم المثل، وعنده قوم الصيد ويشتري به طعاما. وفي أصحابنا من قال على الترتيب. دليلنا عليه قوله (فجزاء مثل ما قتل من النعم) فأوجب في الصيد مثلا موصوفا من النعم وجزاء الصيد على التخيير بين اخراج المثل أو بيعه وشراء الطعام والتصدق به وبين الصوم عن كل مد يوما، وبه قال جميع الفقهاء. # وعن ابن عباس وابن سيرين ان وجوب الجزاء على الترتيب، وعليه قوم من أصحابنا. # دليلنا قوله تعالى (فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم) إلى قوله (أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما) وأو للتخيير بلا خلاف بين أهل اللسان، فمن ادعى الترتيب فعليه الدلالة. # والمثل الذي يقوم هو الجزاء، وبه قال الشافعي، وعند مالك يقوم الصيد المقتول. ودليلنا الآية. # وماله مثل يلزم قيمته وقت الاخراج دون حال الاتلاف، وما لا مثل له يلزمه قيمته حال الاتلاف دون حال الاخراج. # وقال المرتضى: إذا قتل المحرم صيدا متعمدا فعليه جزاءان، وباقي الفقهاء يخالفون في ذلك. قال: ويمكن أن يقال قد ثبت أن من قتل الصيد ناسيا يحب عليه الجزاء، والعمد أغلظ من النسيان في الشريعة، فيجب أن يتضاعف الجزاء عليه مع العمد (2). # PageV01P312 # (فصل) (أو كفارة طعام مساكين) قال أبو علي الفارسي: من رفع طعام مساكين جعله عطفا على الكفارة عطف بيان، لان الطعام هو الكفارة، ولم يضف الكفارة إلى الطعام، ومن أضاف الكفارة إلى الطعام فلانه لما خير المكفر بين ثلاثة أشياء - الهدى والطعام والصيام - استجاز الإضافة لذلك، فكأنه قال: كفارة طعام لا كفارة هدي أو صيام، فاستقامت الإضافة. # وأورد ابن جنى في المستحب: ms196 ان قراءة أبى عبد الرحمن (فجزاء) منون (مثل ما) بالنصب، معناها أي مجازي مثل ما قتل. وقراءة الباقر والصادق عليهما السلام (يحكم به ذو عدل) قال: وانه لم يوجد (ذو)، لان الواحد يكفي، لكنه أراد معنى (من)، أي يحكم به من يعدل، ومن يكون للاثنين كما يكون للواحد، كقوله: # * فكن مثل من يا ذئب يصطحبان (1) * وروي عنهما عليهما السلام: ان المراد بذي العدل رسول الله وأولى الامر من بعده (2). وكفى بصاحب القراءة خبرا بمعنى قراءته. # وقيل في معناه قولان: أحدهما ان يقرم عدله من النعم يجعل قيمته طعاما وليتصدق به عن عطاء والاخر أن يقوم الصيد المقتول حيا ثم يجعل طعاما عن قتادة. # (أو عدل ذلك صياما) قيل فيه قولان: أحدهما ان يصوم عن كل مد يقوم من الطعام يوما عن عطاء، وهو مذهب الشافعي. والاخر أن يصوم عن كل مدين يوما وهو المروي عن أئمتنا عليهم السلام، وهو مذهب أبي حنيفة. # PageV01P313 # (فصل) [واختلفوا في هذه الكفارات الثلاث: فقيل إنها مرتبة، عن ابن عباس والشعبي والسدي، قالوا وانما دخلت (أو) لأنه لا يخرج حكمه عن إحدى الثلاث. # وقيل إنها على التخيير، وهو مذهب الفقهاء، واختاره الشيخ أبو جعفر على ما تقدم. # وكلا القولين رواه أصحابنا. # قال المرتضى: الأظهر انه ليس على التخيير لكن على الترتيب، ودخلت (أو) لأنه لا يخرج حكمه عن أحد الثلاثة، على أنه ان لم يجد الجزاء فالاطعام، فإن لم يجد الاطعام فالصيام. وليس في الآية دليل على العمل بالقياس، لان الرجوع إلى ذوي عدل في تقويم الجزاء مثل الرجوع إلى المقومين في قيم المتلفات، ولا تعلق لذلك بالقياس. # وقوله (ليذوق وبال أمره) أي عقوبة ما فعله في الآخرة ان لم يتب، وقيل معناه ليذوق وخامة عاقبة أمره وثقله بما يلزمه من الجزاء. # فان قيل: كيف يسمى الجزاء وبالا وانما هي عبادة، وإذا كان عبادة فهي نعمة ومصلحة. # فالجواب: ان الله شدد عليه بالتكليف بعد أن عصاه فيثقل ذلك عليه، كما حرم الشحم على بني إسرائيل لما ms197 اعتدوا في السبت فثقل ذلك عليهم وإن كان مصلحة لهم. # قوله (ومن عاد فينتقم الله منه) أي من عاد إلى قتل الصيد محرما فالله تعالى يكافيه عقوبة بما صنع. # واختلف في لزوم الجزاء بالمعاودة: فقيل إنه لا جزاء عليه، عن ابن عباس والحسن، وهو الظاهر في رواياتنا. وقيل إنه يلزمه الجزاء عن جماعة، وبه قال بعض أصحابنا. # والجمع بين الروايتين ان في معاودة قتل الصيد عمدا لا جزاء عليه وفي النسيان يكرر. PageV01P314 # فان قيل: ظاهر القرآن يخالف مذهبكم، لأنه تعالى قال (فجزاء مثل ما قتل من النعم أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما) ولفظة (أو) يقتضي التخيير، ومذهبكم أن القاتل للصيد عليه الهدي، فإن لم يقدر عليه فالاطعام، فان عجز عنهما فالصيام. # فالجواب: قلنا ندع الظاهر للدلالة، كما تركنا ظاهر ايجاب الواو للجمع وحملناها على التخيير في قوله (فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع) ويكون كذا إذا لم يجد الأول] (١). # (فصل) ثم قال ﴿أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما﴾ (2). # وظاهره يقتضى تحريم الصيد في حال الاحرام وتحريم كل ما صاده غيره، وبه قال جماعة. وقال الحسن لحم الصيد لا يحرم على المحرم إذا صاده غيره. ومنهم من فرق ما بين صيد وهو محرم وبين ما صيد قبل احرامه. وعندنا لا فرق بينهما، فالكل محرم على المحرم. # والصيد يعبر به عن الاصطياد فيكون مصدرا، ويعبر به عن الصيد فيكون اسما صريحا. ويجب أن تحمل الآية على الامرين وتحريم الجميع. # بين الله تعالى ما يحل من الصيد وما لا يحل فقال (أحل لكم صيد البحر) أي أبيح لكم صيد الماء. وانما أحل بهذه الآية الطبري من صيد البحر لان العتيق لا خلاف في كونه حلالا - عن ابن عباس وجماعة. # PageV01P315 # وقوله (وطعامه) يعنى طعام البحر، يريد به المملوح عن جماعة. وهو الذي يليق بمذهبنا. وانما سمي طعاما لأنه يدخر ليطعم. # (باب) (المحصور والمصدود) الحصر عندنا لا يكون الا بالمرض، ms198 والصد انما يكون من جهة العدو. وعند الفقهاء كلاهما من جهة العدو، والمذهب هو الأول. # فإذا أحرم المكلف بحجة أو عمرة فحصره عدو من المشركين ومنعوه من الوصول إلى البيت كان له أن يتحلل، لعموم الآية. هذا في الحصر العام وأما الحصر الخاص - وهو أن يحبس بدين عليه أو غيره - فلا يخلو أن يحبس بحق أو بغير حق، فان حبس بحق - بأن يكون عليه دين يقدر على قضائه فلم يقضه - لم يكن له أن يتحلل، لأنه متمكن من الخلاص، فهو حابس نفسه باختياره. وان حبس بظلم أو دين لا يقدر على أدائه كان له أن يتحلل لعموم الآية والاخبار بأنه مصدود. # وكل من له التحلل فلا يتحلل الا بهدي، ولا يجوز له قبل ذلك. # وإذا لم يجد المحصر الهدي أو لا يقدر على ثمنه لا يجوز له أن يتحلل حتى يهدي، ولا يجوز له أن ينتقل إلى بدل من الصوم أو الاطعام لأنه لا دليل على ذلك. # وأيضا قوله (فان أحصرتم فما استيسر من الهدي) و (لا تحلقوا رؤسكم حتى يبلغ الهدي محله) يمنع كلاهما من التحلل إلى أن يهدى فيبلغ الهدى محله - وهو يوم النحر - ولم يذكر البدل. # وإذا أراد التحلل من حصر العدو فلابد من نية التحلل قبل الدخول فيه، وكذلك إذا حصر بالمرض. # ومتى شرط في حال الاحرام ان يحله حيث حبسه صح ذلك ويجوز له التحلل. PageV01P316 # ولابد ان يكون للشرط فائدة، مثل ان يقول: ان مرضت أو فني نفقتي أو فاتني الوقت أو ضاق علي أو منعني عدو أو غيره. فأما ان يقول إن خلى حيث شئت، فليس له ذلك. فإذا حصل ما شرط فلابد له من الهدي، لعموم الآية - هذا كلام الشيخ أبى جعفر. # وقال المرتضى: إذا اشترط المحرم فقال عند دخوله في الاحرام (فان عرض لي عارض يحبسني فحلني حيث حبستني) جاز له ان يتحلل عند العوائق من مرض وغيره بغير دم. وهذا أحد قولي الشافعي، وذهب باقي الفقهاء إلى أن وجود هذا الشرط ms199 كعدمه. فان احتجوا بعموم قوله (وأتموا الحج والعمرة الله فان أحصرتم فما استيسر من الهدي) قلنا نحمل ذلك على من لم يشترط (1). # (فصل) وقوله تعالى (فان أحصرتم) فيه خلاف: قال قوم ان منعكم حابس قاهر، وقال آخرون ان منعكم خوف أو عدو أو مرض أو هلاك بوجه من الوجوه فامتنعتم لذلك، وهذا قول جماعة، وهو المروي عن ابن عباس. وهذا أقوى، وهو في اخبارنا، ولان الاحصار هو ان يجعل غيره بحيث يمتنع من الشئ، وحصره منعه. # وقوله (فما استيسر من الهدي) اي فليهد ما استيسر من الهدي، أو فعليكم ما سهل وتيسر من الهدي إذا أردتم الاحلال. # وفى معنى (ما استيسر) خلاف، فروى عن علي عليه السلام انها شاة، وعن ابن عمر وعائشة انه ما كان الإبل والبقر دون غيرهما، ووجهها التيسر على ناقة دون ناقة وبقرة دون بقرة. فالأول هو المعمول عليه عندنا وإن كان الأفضل هو الثاني. # وقال الفراء احصر وحصر بمعنى. وقال المبرد والزجاج حصره حبسه وأوقع # PageV01P317 # به الحصر، واحصره عرضه للحصر، ونظيره حبسه أي جعله في الحبس، واحبسه اي عرضه للحبس، واقتله عرضه للقتل، وقتله فعل به، وقبره واقبره. # وفى أصل الهدى قولان: أحدهما انه من الهدية، فعلى هذا انما يكون هديا لأجل التقرب به إلى الله باخلاص الطاعة فيه على ما أمر به، وواحده هدية كتمرة وتمر، وجمع الهدي هدي على فعيل، كما يقال عبد وعبيد. والقول الاخر انه من هداه إذا ساقه إلى الرشاد، فسمي هديا لأنه يساق إلى الحرم الذي هو موضع الرشاد (١). # والهدي يكون من ثلاثة الأنواع: جزور، أو بقرة، أو شاة. وايسرها شاة، وبينا انه هو الصحيح. # (فصل) وقوله تعالى ﴿ان الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام﴾ (٢) أي وهم يصدون، فالمعنى ومن شأنهم الصد، أي ان الذين كفروا فيما مضى وهم الان يصدون عن الحج والعمرة وعن طاعة الله والمسجد الحرم الذي جعلناه للناس منسكا ومتعبدا لم يخص به بعضا دون بعض (سواء العاكف فيه والباد) فالمعتمر فيه والذي ms200 ينتابه من غير أهله مستويان في سكناه والنزول به، فليس أحدهما أحق بالنزول فيه من الاخر، غير أنه لا يخرج أحد من بيته. وقيل إن كراء دور مكة وبيعها حرام. # والمراد بالمسجد الحرام الحرم كله، لقوله تعالى ﴿أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام﴾ (3)، والظاهر أنه غير المسجد، وكان المشركون يمنعون المسلمين عن الصلاة # PageV01P318 # في المسجد الحرام والطواف به ويدعون أنهم ولاته. # وقيل نزلت الآية في الذين صدوا عن مكة رسول الله صلى الله عليه وآله عام الحديبية من أبي سفيان وأصحابه (1). # (ومن يرد فيه بالحاد بظلم) أي من يرد فيه ميلا عن الحق بأن يدخل مكة بغير احرام الا الحطابة والرعاة في وقت دون وقت. وقيل هو احتكار الطعام بمكة. # وقيل هو كل شئ نهي عنه حتى شتم الخادم، لان الذنوب هناك أعظم. وقيل الباء في قوله تعالى (بالحاد) زائدة، أي ومن يرد فيه الحادا، والباء في (بظلم) للتعدية وقال الزجاج الباء ليست بملغاة، واليه يذهب أصحابنا. والمعنى: ومن ارادته فيه بأن يلحد بظلم، كقوله (أريد لانسى ذكرها) أي أريد وأرادني لهذا. # (فصل) اعلم أن مجموع فوائد قوله تعالى (فان أحصرتم) وقوله (ان الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله) أن يقال: ان المحرم الممنوع على ضربين: محصور، ومصدود. # فالمحصور هو الذي لحقه المرض، فإن كان معه هدي فليبعث إلى منى إن كان حاجا أو معتمرا للتمتع والى مكة إن كان معتمرا لا للتمتع، ويجتنب جميع ما يجتنبه المحرم إلى أن يبلغ الهدي محله ثم قصر وقد أحل. ويجب عليه الحج من قابل إن كان حجة الاسلام، ولا تحل له النساء إلى أن يحج في العام القابل. وان لم يكن ساق الهدي فليبعث ثمنه مع أصحابه ليذبحوا عنه في وقته، ويجتنب هو ما يجب اجتنابه على المحرم، فإذا دخل الوقت المعين فقد أحل. # وأما المصدود - وهو الذي يصده العدو وقد أحرم - فإن كان معه هدي فليبعثه # PageV01P319 # إلى مكة أو إلى منى على ما ذكرناه ليذبح هناك عنه، فإن لم يقدر على ms201 ذلك ذبح هناك وقصر وأحل من كل شئ من النساء وغيرها، فإن لم يكن معه هدي وجب أن يقصر في مكانه ويحل مما أحرم منه. # والاشتراط في الاحرام ليس لسقوط فرض الحج، فان من حج حجة الاسلام وأحصر لزمه الحج من قابل، فإن كان تطوعا فإنه يستحب. # (باب العمرة المفردة) قال الله تعالى ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ (١) فالعمرة واجبة مثل الحج الا أنه من تمتع بها إليه سقط فرضها عنه مفردا، ومن حج قارنا أو مفردا يعتمر بعد انقضاء الحج. # وأقل ما بين العمرتين عشرة أيام من آخر انقضاء العمرة الأولى، وقيل شهر. # فيجوز أن يعتمر في كل عشرة أيام سنة. # فأما المعتمر إذا حصر فعليه العمرة فرضا في الشهر الداخل إذا كانت واجبة. # وقوله (وأتموا الحج والعمرة لله) عام يتناول بعمومه الرجال والنساء، وغلب بالذكر الذكران. # وقوله (لله) اي اقصدوا بالحج والعمرة التقرب لله. ولا يوحشنك ما لا ينفتح من حمل التنزيل من الكتاب الا بتفصيل التأويل من السنة، فان معاني القرآن على ثلاثة أوجه: # أحدها - المحكم، وهو ما طابق لفظه معناه، وأكثر القرآن من هذا الجنس. # والثاني - هو المجمل، وهو ما لا يعلم بظاهره مراد الله كله، كقوله ﴿ولله على الناس حج البيت﴾ (2) فان تفصيله وكيفيته وأحكامه لا يعلم الا ببيان الرسول صلى الله عليه وآله. # PageV01P320 # والثالث - هو المتشابه، وهو ما يشترك لفظه بين معنيين وأكثر، وكل واحد منهما يجوز أن يكون مرادا، فحكمه أن يحمل على جميع محتملاته في اللغة، الا أن يمنع دليل من حمله على وجه منها، ولا نقطع على مراد الله فيه الا بنص من رسوله. # وأفعال عمرة الاسلام الواجبة ثمانية: النية، والاحرام، والتلبية، والطواف والسعي، وطواف النساء، وركعتا طواف له (1). هذا إذا كانت العمرة غير التي يتمتع بها إلى الحج، فان كانت مما يتمتع بها فليس فيها طواف النساء ولا ركعتاه ويجب بعد السعي فيه التقصير. # (فصل) واعلم أن عندنا وعند الشافعي العمرة واجبة كوجوب حجة الاسلام، لان الله قال (وأتموا الحج والعمرة ms202 لله)، فكأنه قال: وأتموا الحج وأتموا العمرة. # واختلفوا في معنى اتمامها، فقال مجاهد والمبرد والجبائي انه يجب اجراء أعمالهما بعد الدخول فيهما، وقال ابن جبير وعطاء والسدي ان معناه إقامتهما إلى آخر ما فيهما لأنهما واجبان، وقال طاوس اتمامهما افرادهما. # وقال أهل الكوفة: العمرة مسنونة. فمن قال إنها غير واجبة قال لان الله أمر باتمام الحج، واتمام الحج وجوب اتمامه لا يدل على أنه واجب قبل ذلك، كما أن الحج المتطوع به يجب اتمامه وان لم يجب أولا الدخول فيه. قالوا: وانما علمنا وجوب الحج بقوله (ولله على الناس حج البيت) الآية. # واجماع الفرقة المحقة على أن عمرة الاسلام واجبة كحجة الاسلام، وقد # PageV01P321 # بينا أن معنى (أتموا الحج والعمرة) أقيموهما، وهو الذي رووه عن علي وزين العابدين عليهما السلام، وبه قال مسروق والسدي. # وللمفسرين في التمتع أقوال: # روى أنس بن مالك ان النبي صلى الله عليه وآله أهل بالعمرة وحجه وسماه قارنا، وانكره ابن عمر. # والثاني روي عن أبن عباس وابن عمر وابن المسيب وعطاء والجبائي هو أن يعتمر في أشهر الحج ثم يدخل مكة فيطوف ويسعى ويقصر ثم يقيم حلالا إلى يوم التروية فيهل فيه بالحج من مكة ثم يحج. وهذا كما قلناه سواء. وقال البلخي هذا الضرب كرهه عمر (١) ونهى عنه. # والثالث هو الناسخ للحج بالعمرة، روى جابر وأبو سعيد الخدري أن النبي عليه السلام أمرهم - وقد أهلوا بالحج - لا ينوون غيره ان يعتمروا وينقلوا نياتهم إلى العمرة التي يتمتع بها إلى الحج ثم يحلوا إلى وقت الحج. وهذا عندنا جائز أن يفعل. # وقوله تعالى: ﴿واذان من الله رسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر﴾ (2) قال جماعة هو الحج الذي فيه الوقوف بعرفة المشعر والنسك بمنى، والحج الأصغر العمرة. # وعن الصادق عليه السلام: ان يوم الحج الأكبر انه يوم النحر. قال: وسمي الحج الأكبر لأنه حج فيه المشركون والمسلمون ولم يحج بعدها مشرك (3). وروى ذلك عن النبي صلى الله عليه وآله وعن علي عليه السلام أيضا. # PageV01P322 # وقال الحسن: هو ms203 ثلاثة أيام اجتمعت فيها أعياد المسلمين وأعياد اليهود والنصارى. # (باب الزيادات) سأل عبد الله بن سنان الصادق عليه السلام عن قوله تعالى (ومن دخله كان آمنا) البيت أو الحرم؟ قال: من دخل الحرم مستجيرا به فهو آمن [ومن دخل البيت من المؤمنين مستجيرا به فهو آمن] من سخط الله، وما دخل من الوحش والطير كان آمنا من أن يهاج أو يؤذى حتى يخرج من الحرم (1)، ومن ألحد في الحرم أخذ به في الحرم لأنه لم ير للحرم حرمة. # (مسألة) ومن أدخل مكة أو الحرم من الصيد طيرا يجب عليه أن يخلى سبيله، لان الله يقول (ومن دخله كان آمنا) أي أمنوه. هذا إذا كان الطير مالكا لجناحه، فإن كان مقصوص الجناح يراعيه حتى يصح ثم يخليه ولا يخرجه من الحرم. # (مسألة) وعن أبي عبد الله عليه السلام في قوله تعالى (ومن يرد فيه بالحاد بظلم نذقه من عذاب أليم) (2) قال: كل ظلم يظلمه الرجل نفسه بمكة من سرقة أو ظلم أحد أو شئ من الظلم فانى أراه الحادا (3). # PageV01P323 # ولذلك كان يتقى الفقهاء أن يسكنوا مكة. # (مسألة) وروى محمد بن مسلم والحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: ان الله تعالى اشترط على الناس شرطا وشرط لهم شرطا، فمن وفى لله وفى الله له، فقال ﴿الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج﴾ (١)، وأما ما شرط لهم فقال ﴿فمن تعجل في يومين فلا اثم عليه ومن تأخر فلا اثم عليه لمن اتقى﴾ (2) قال: يرجع ولا ذنب له. فقالا له: أرأيت من ابتلى بالفسوق ما عليه؟ قال: لم يجعل الله له حدا، يستغفر الله ويلبى. فقالا: فمن ابتلي بالجدال ما عليه؟ فقال: إذا جادل فوق مرتين فعلى المصيب دم يهرقه وعلى المخطئ بقرة (3). # (مسألة) قد قدمنا أن الجدال الذي منع المحرم منه بقوله (ولا جدال في الحج) هو الجدال صادقا أو كاذبا. # فان قيل: ليس في لغة العرب أن الجدال هو الحلف. # قلنا: ms204 لا ينكر أن يقتضى عرف الشرع ما ليس في اللغة. على أن الجدال إذا كان الخصومة والمراء والمنازعة، وهذه أمور تستعمل للدفع والمنع، والقسم بالله قد يفعل كذلك، ففيه معنى المنازعة والخصومة. # PageV01P324 # (مسألة) وقوله تعالى ﴿لا أقسم بهذا البلد * وأنت حل بهذا البلد﴾ (١) خطاب للنبي صلى الله عليه وآله، أي حلال لك قتل من رأيت حين أمر بالقتال، فقتل ابن خطل صبرا وهو آخذ بأستار الكعبة ولم يحل لاحد بعده (٢). وقال عطاء لم يحل الا لنبيكم ساعة من النهار، وقال الحسن أي أقسم بمكة وأنت حال بها نازل فيها فشرفها بك. # (مسألة) وقوله تعالى ﴿ففروا إلى الله﴾ (3) أي حجوا إلى بيت الله. # وسئل الصادق عليه السلام عن قوله (فأصدق واكن من الصالحين) (4) قال: # فأصدق من الصدقة، واكن من الصالحين أي أحج (5). # وقال عليه السلام: من قرأ سورة الحج في كل ثلاثة أيام لم تخرج سنته حتى يخرج إلى بيت الله الحرام (6)، ومن قرأ (عم يتساءلون) لم تخرج سنته إذا كان يدمنها في كل يوم حتى يزور بيت الله الحرام. # وقال: اتق المفاخرة وعليك بورع يحجزك عن معاصي الله، فان الله يقول # PageV01P325 # (ثم ليقضوا تفثهم)، ومن التفث أن تتكلم في احرامك بكلام قبيح، فإذا دخلت مكة فطفت بالبيت تكلمت بكلام طيب فكان ذلك كفارة لذلك (١). # (مسألة) وروى محمد بن الفضيل: سألت أبا الحسن عليه السلام عن قوله تعالى ﴿ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا﴾ (٢) فقال: نزلت فيمن سوف الحج حجة الاسلام وعنده ما يحج به يقول العام أحج حتى يموت قبل أن يحج (٣). # وقال معاوية بن عمار: سألت الصادق عليه السلام عن رجل لم يحج قط وله مال. فقال: هو ممن قال الله ﴿ونحشره يوم القيامة أعمى﴾ (٤) فقلت: سبحان الله أعمى؟ فقال: أعماه الله عن طريق الخير (٥). # (مسألة) جاء رجل إلى علي بن الحسين عليه السلام فقال: قد آثرت الحج على الجهاد وقد قال الله ﴿ان الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة﴾ (6) فقال ms205 عليه السلام: فاقرأ ما بعدها فقال (التائبون العابدون الحامدون) إلى آخرها. # PageV01P326 # فقال: إذا رأيت هؤلاء فالجهاد معهم يومئذ أفضل من الحج (١). # (مسألة) كتب علي عليه السلام إلى قثم بن عباس عامله على مكة: أقم للناس الحج واجلس لهم العصرين فأفت المستفتي وعلم الجاهل وذاكر العالم. ومر أهل مكة أن لا يأخذوا من ساكن أجرا، فان الله سبحانه يقول (سواء العاكف فيه والباد) العاكف المقيم به والبادي الذي يحج إليه من غير أهله (٢). # (مسألة) روي عن داود الرقي: ان بعض الخوارج سألني عن هذه الآية من كتاب الله (ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين) إلى قوله ﴿ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين﴾ (3) ما الذي أحل الله تعالى من ذلك وما الذي حرم؟ فلم يكن عندي فيه شئ، فدخلت على أبي عبد الله عليه السلام وأنا حاج فأخبرته بما كان فقال: ان الله تعالى أحل في الأضحية بمنى الضأن والمعز الأهلية وحرم أن يضحى فيه بالجبلية وأما قوله (ومن الإبل اثنين رمن البقر اثنين) فان الله أحل في الأضحية بمنى من الإبل العراب وحرم منها البخاتي، وأحل من البقر الأهلية أن يضحى فيها وحرم الجبلية. فانصرفت إلى الرجل الخارجي الذي سألني عن تلك الآية فأخبرته بهذا الجواب فقال: هذا شئ حملته الإبل من الحجاز (4). # PageV01P327 # كتاب الجهاد اعلم أن الجهاد والمجاهدة كلاهما استفراغ الوسع في مدافعة العدو. # والشرع خصص لفظ الجهاد بالمقاتلة في سبيل الله لاعلاء كلمة الله واعزاز الدين واذلال المشركين، وبقي لفظة المجاهدة على عمومها. # (باب فرض الجهاد ومن يجب عليه) قال الله تعالى ﴿كتب عليكم القتال وهو كره لكم﴾ (1) أي فرض عليكم قتال المشركين، والمقاتلة مشقة لكم والقتال يشق عليكم. والألف واللام بدل من الإضافة، والكره والكره لغتان (2)، وقيل بالفتح المشقة وبالضم أن يتكلف الشئ فيفعله كارها. # والآية تدل على وجوب الجهاد وفرضه، وبه قال أكثر المفسرين، غير أنه فرض على الكفاية، وعن عطاء ان ذلك كان على الصحابة، والصحيح الأول لحصول # PageV01P328 # الاجماع عليه اليوم وقد انقرض خلاف ms206 عطاء. # ثم قال (وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم). # فان قيل: كيف كره المؤمنون الجهاد وهو طاعة الله. # قيل عنه جوابان: أحدهما انهم يكرهونه كراهية طباع، الثاني انه كره لكم قبل أن يكتب عليكم. وعلى الوجه الأول تكون لفظة الكراهة مجازا، وعلى الثاني حقيقة. # ومما يدل على وجوب الجهاد أيضا قوله سبحانه ﴿وجاهدوا في الله حق جهاده﴾ (١) عن ابن عباس أي جاهدوا المشركين وجاهدوا أنفسكم، وهو على العموم، والخطاب متوجه إلى جميع المؤمنين لقوله قبل هذه الآية (يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون * وجاهدوا في سبيل الله حق جهاده) فجاهدوا أمر بالغزو، ومجاهدة النفس فيه وفي كل طاعة، وجهاد النفس هو الجهاد الأكبر. # وقوله (وفي الله) أي في ذات الله ومن أجله تعالى. # فان قيل: ما وجه إضافة قوله (حق جهاده) فالقياس حق الجهاد فيه أو حق جهادكم فيه. # قلنا: الإضافة تكون بأدنى ملابسة وأقل اختصاص، فلما كان الجهاد مختصا بالله من حيث إنه مفعول لوجهه ومن أجله صحت الإضافة إليه. ويجوز أن يتبع في الظرف، وكذلك خاطب المؤمنين فقال (وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم) (٢) أمرهم بالجهاد وبقتال المقاتلين دون النساء. # وقيل: الآية منسوخة بقوله ﴿اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ (3) وبقوله # PageV01P329 # ﴿وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة﴾ (١) لأنه أوجب علينا في هذه الآية قتال المشركين وان لم يقاتلونا و (الذين يقاتلونكم) الذين يناجزونكم بالقتال دون المحاجزين، وعلى هذا يكون منسوخا بقوله ﴿وقاتلوا المشركين كافة﴾ (2). # وعن الربيع بن أنيس: هي أول آية نزلت في القتال بالمدينة، فكان رسول الله صلى الله عليه وآله يقاتل من قاتل ويكف عمن كف. # وقيل: هم الذين يناصبونكم القتال دون من ليس من أهل المناصبة من الشيوخ والصبيان والرهبان والنساء أو الكفرة كلهم، لأنهم جميعا مضادون للمسلمين قاصدون لمقاتلتهم، فهم في حكم المقاتلة قاتلوا أو لم يقاتلوا. # وقال ابن عباس ومجاهد وعمر بن عبد العزيز: الآية غير منسوخة. وهو الأقوى، لأنه لا دليل على كونها منسوخة. ووجه الآية انه أمر ms207 بقتال المقاتلة دون النساء. # وقيل: ان قوله (وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم) أمر بقتال أهل مكة لان المشركين لما صدوا رسول الله عليه السلام عام الحديبية وصالحوه على أن يرجع من قاتل فيخلوا له مكة ثلاثة أيام فراجع، فخاف المسلمون أن لا تفئ لهم قريش بل يقاتلونهم في الشهر الحرام وكرهوا ذلك، فنزلت. # والأولى حمل الآية على عمومها الا ما أخرجه الدليل، فالجهاد ركن من أركان الاسلام، إذا قام به من في قيامه غناء عن الباقين سقط عن الباقين، فمنى لم يقم به أحد لحق الذم بجميعهم. # ومن شرط وجوبه ظهور الإمام العادل، إذ لا يسوغ الجهاد الا باذنه، يدل عليه قوله (ولا تعتدوا) أي لا تعتدوا [بقتال من لم تؤمروا بقتاله ولا تعتدوا] 3 بالقتال # PageV01P330 # على غير الدين ولا تعتدوا إلى النساء والصبيان ومن قد أعطيتموه الأمان. والعموم يتناول الأقوال الثلاثة. # (فصل) فان قيل: إذا كان قتال من لم يقاتلهم اعتداءا فكيف جاز أن يؤمروا به فيما بعد. # قلنا: انما كان اعتداءا من أجل أنه مجاوزة لما حده الله لهم مما فيه الصلاح للعباد في ذلك الوقت، ولم يكن فيما بعد على ذلك، فجاز الامر به. فأطلق لهم في الآية الأولى قتال الذين يقاتلونهم منهم في الحرم أو في الشهر الحرام ورفع عنهم الجناح في ذلك، ثم قال (ولا تعتدوا) بابتداء القتال أو بقتال من نهيتم عن قتاله من النساء والصبيان والذين بينكم وبينهم عهد أو بالمثلة أو بالمفاجأة من غير دعوة، فإنما يجب القتال عند شروط، وهي أن يكون بأمر الإمام العادل. # ولا يجوز قتال أحد من الكفار الا بعد دعائهم إلى الاسلام والى شرائعه، فإذا لم يدعوا لم يجز قتالهم. ولا يجوز قتال النساء، فان عاون أزواجهن وقاتلن المسلمين أمسك عنهن، فان اضطروا إلى قتلهن جاز حينئذ. # وقوله تعالى (وفي سبيل الله) يعنى في دين الله، وهو الطريق الذي بينه للعباد ليسلكوه على ما أمرهم به ودعاهم إليه. والاعتداء: مجاوزة الحد والحق. # (فصل) قوله تعالى ﴿فمن ms208 اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم﴾ (1). # يمكن أن يستدل به على أنه إذا دهم المسلمين أمر من قبل العدو يخاف منه وجب حينئذ جهادهم وان لم يكن ثم امام عادل، ويقصد المجاهد به الدفاع عن # PageV01P331 # نفسه وعن الاسلام وأهله ولا يجاهدهم ليدخلهم في الاسلام مع الامام الجائر. # ويؤكد ذلك قوله ﴿وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين﴾ (١) أي لا عذر لكم ألا تقاتلوا في سبيل الله وعن المستضعفين، أي تصرف الأذى عنهم، أي مالكم لا تسعون في خلاصهم. # وقوله (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه) يدل على جواز المقاتلة مع النساء عند الاضطرار إلى ذلك. # فان قيل: كيف قال (مثل ما اعتدى عليكم) والأول جور والثاني عدل. # قلنا: لأنه مثله في الجنس وفي مقدار الاستحقاق، لأنه ضرر كما أنه ضرر وهو على مقدار ما يوجبه الحق كل في جرم. # فان قيل: كيف جاز قوله (ان الله لا يحب المعتدين) مع قوله (فاعتدوا عليه). # قلنا: الثاني ليس باعتداء في الحقيقة، وانما هو على سبيل المزاوجة، ومعناه المجازاة على ما قلناه. والمعتدى مطلقا لا يكون الا ظالما فاعلا لضرر قبيح، وإذا كان محاربا فإنما يفعل ضررا مستحقا حسنا. # (باب ذكر المرابطة) قال الله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا﴾ (2) اعلم أن المرابطة نوع من الجهاد، وهي أن يحبس الرجل خيله في سبيل الله ليركبها المجاهدون وأن يعينهم على الجهاد بسائر أنواع الإعانة. وفيها ثواب عظيم إذا كان هناك امام عادل. # PageV01P332 # ولا يرابط اليوم الا على سبيل الدفاع عن الاسلام والنفس، وهي مستحبة بهذا الشرط. # وحدها ثلاثة أيام إلى أربعين يوما، فان زاد كان جهادا. # والرباط ارتباط الخيل للعدو، والربط الشد، ثم استعمل في كل مقيم في ثغر يدفع عمن وراءه من أرادهم بسوء. # وينبغي أن يحمل قوله تعالى (وربطوا) على المرابطة، لأنه العرف وهو الطارئ على أصل وضع اللغة، ويحمل على انتظار الصلوات، لما روي عن علي عليه السلام في الآية، أي رابطوا الصلوات واحدة بعد واحدة (١)، أي ms209 انتظروها، لان المرابطة لم تكن حينئذ، والمعنى اصبروا على تكاليف الدين في الطاعات وعن المعاصي. # (وصابروا) أعداء الله في الجهاد، أي غالبوهم في الصبر على شدائد الحرب لا تكونوا أقل صبرا منهم وثباتا. # و (رابطوا) أي أقيموا في الثغور رابطين خيلكم فيها مترصدين مستعدين للغزو. # وقال تعالى ﴿وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم﴾ (2) فقوله (من قوة) أي من كل ما تتقوى به في الحرب من عددها. # وعن عقبة بن عامر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول على المنبر: # ألا ان القوة الرمي - قالها ثلاثا (3). ومات عقبة عن سبعين قوسا في سبيل الله. # والرباط اسم للخيل التي ترتبط في سبيل الله، تسمى بالرباط الذي هو بمعنى المرابطة، أو يكون جمع ربيط كفصيل وفصال. ويجوز أن يكون من (رباط # PageV01P333 # الخيل) تخصيصا للخيل من بين ما يتقوى به، كقوله جبرئيل وميكائيل. # والضمير في (به) راجع إلى ما استطعتم، ترهبون بذلك عدو الله، وهم أهل مكة، و (آخرين من دونهم) اليهود، وقيل المنافقون، أو أهل فارس، أو كفرة الجن. وروي أن صهيل الخيل يرهب الجن. # وقوله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم﴾ (١) قال أبو جعفر عليه السلام أي خذوا سلاحكم (٢). فسمي السلاح حذرا لان به يقى الحذر، وقيل أي احذروا عدوكم بأخذ السلاح، كما يقال للانسان خذ حذرك أي احذر، ويقال أخذ حذره أي تيقظ واحترز عن المخوف، والمعنى احذروا واحترزوا من العدو ولا تمكنوه من أنفسكم. # وظاهر الآيات وعمومها يدل على أن من ربط اليوم فرسا في بيته، وأعد الأسلحة للدفع عن الاسلام وأهله يكون بمنزلة المرابط. # (باب حكم من ليس له نهضة إلى الجهاد) قال الله تعالى ﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين﴾ (3) لما نزلت جاء عمرو بن أم مكتوم - وكان أعمى - فقال: يا رسول الله كيف وأنا أعمى، فما برح حتى نزل قوله (غير أولى الضرر) (4) أي الا أهل الضرر منهم بذهاب أبصارهم وغير ذلك من العل التي لا سبيل لأهلها ms210 من الجهاد للضرار الذي بهم. # ويجوز أن يساوي أهل الضرر المجاهدين، بأن يفعلوا طاعات أخر تقوم # PageV01P334 # مقام الجهاد فيكون ثوابهم عليه مثل ثواب الجهاد. وليس كذلك من ليس بأولي الضرر، لأنه قعد عن الجهاد بلا عذر. وظاهر الآية يمنع من مساواته على وجه. # فان قيل: كيف قال في أول الآية [فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة) (١) ثم قال في آخرها] (٢) (فضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما * درجات منه) [وهذا ظاهر التناقض. # قلنا إن أول الآية فضل الله المجاهدين على القاعدين من أولى الضرر درجة وفى آخرها فضلهم على القاعدين غير أولي الضرر درجات] (٢) ولا تناقض في ذلك، لان قوله (وكلا وعد الله الحسنى) يدل على أن القاعدين لم يكونوا عاصين وان كانوا تاركين للفضل. # وقال المغربي: انما كرر لفظ (التفضيل) لان الأولى أراد تفضيلهم في الدنيا على القاعدين والثاني أراد تفضيلهم في الآخرة بدرجات النعيم. # وقوله تعالى ﴿وأنفقوا في سبيل الله﴾ (3) من كان له مال ولا يمكنه القيام إلى الحرب يجب عليه إقامة غيره مقامه فيما يحتاج إليه وينفق عليه ويعين المحاربين بالسلاح والمركوب والنفقة، فعموم الآية يتناول جميع ذلك. # وقوله تعالى (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) أي لا تتقحموا الحرب من غير نكاية للعدو ولا قدرة على دفاعهم، فمن وجب عليه الجهاد فإنما يجب عند شروط سبعة، وهي: الذكورة، والبلوغ، وكمال العقل، والحرية، والصحة، وأن لا يكون شيخا لا حراك به، ويكون هناك امام عادل أو من نصبه الامام للجهاد. والآية تدل بظاهرها على أكثر ذلك، فإذا اختل واحد من هذه الشروط سقط فرض الجهاد والتهلكة كل ما كان عاقبته إلى الهلاك. # PageV01P335 # وقال الصادق عليه السلام: لو أن رجلا أنفق ما في يده في سبيل الله ما كان أحسن ولا وفق لقوله (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا ان الله يحب المحسنين) أي المقتصدين (1). وتقديره ولا تلقوا أنفسكم بأيديكم إلى التهلكة، كما يقال أهلك فلان نفسه: إذا تسبب لهلاكها. # والمعنى النهي عن ترك الانفاق في سبيل ms211 الله لأنه سبب الهلاك، أو عن الاسراف في النفقة، أو الاستقلال والاخطار بالنفس، أو عن ترك الغزو الذي هو تقوية للعدو. وقيل الياء مزيدة، والمعنى لا تقبضوا التهلكة أيديكم، أي لا تجعلوها آخذة بأيديكم. # (باب حكم القتال في الشهر الحرام) قال الله تعالى (والفتنة أشد من القتل) نزلت في سبب رجل من الصحابة قتل رجلا من الكفار في الشهر الحرام، فعابوا المؤمنين بذلك، فبين الله أن الفتنة في الدين أعظم من قتل المشركين في الشهر الحرام وإن كان محظورا (2). # ثم قال (الشهر الحرام بالشهر الحرام) قال حسن: ان مشركي العرب قالوا للنبي عليه السلام: أنهيت عن قتالنا في الشهر الحرام؟ قال: نعم. فأراد المشركون أن يغتروه في الشهر الحرام فيقاتلوه، فأنزل الله الآية. # فلهذا لا بأس بقتال المشركين في أي وقت كان الا الأشهر الحرم، فان من يرى منهم لها حرمة لا يبتدئون فيها بالقتال، فان بدأوهم بالقتال جاز حينئذ قتالهم. # ويجوز قتال من لا يرى للأشهر الحرم حرمة على كل حال. # (والحرمات قصاص) أي ان استحلوا منكم في الشهر الحرام شيئا فاستحلوا منهم مثل ما استحلوا منكم. # PageV01P336 # قال ابن عباس: كان أهل مكة اجتهدوا أن يفتنوا قوما من المؤمنين عن دينهم والأذى لهم وكانوا مستضعفين في أيديهم، فقال تعالى (مالكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين) أي مالكم لا تسعون في خلاصهم. # ومعنى قوله (الشهر الحرام بالشهر الحرام) أي هتكه بهتكه، يعنى كما هتكوا حرمته عليكم فأنتم تهتكون حرمته عليهم. # (والحرمات قصاص) أي وكل حرمة يجرى فيها القصاص، ثم أكد ذلك بقوله (فمن اعتدى عليكم) أي فلا تعتدوا إلى ما لا يحل لكم. وانما جمع الحرمات لاحد أمرين: أحدهما أن يريد حرمة الشهر وحرمة البلد وحرمة الاحرام، الثاني ان كل حرمة تستحل فلا يجوز الا على وجه المجازاة. # وروي عن الأئمة عليهم السلام: ان قوله ﴿وقاتلوا في سبيل الله﴾ (١) ناسخ لقوله ﴿كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة﴾ (٢) وكذا قوله ﴿واقتلوهم حيث ثقفتموهم﴾ (٣) ناسخ لقوله ﴿ولا تطع الكافرين والمنافقين﴾ (4). # وقيل: (قاتلوهم حتى ms212 لا تكون فتنة) ناسخة للآية الأولى التي تضمنت النهي عن القتال عند المسجد الحرام حتى يبدأوا بالقتال، لأنه أوجب قتالهم على كل حال حتى يدخلوا في الاسلام. # (حيث ثقفتموهم) أي حيث وجدتموهم في حل أو حرم. # وقوله تعالى (من حيث أخرجوكم) أي من مكة، وقد فعل رسول الله صلى الله عليه وآله لمن لم يسلم منهم يوم الفتح. # PageV01P337 # (فصل) وقوله تعالى (يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه) كان بعث رسول الله عبد الله بن جحش على سرية في جمادى الآخرة قبل قتال بدر بشهرين، ليترصد عيرا لقريش فيها عمرو بن عبد الله الحضرمي وثلاثة معه، فقتلوه واستأسروا اثنين واستاقوا العير وفيها من تجارة الطائف، وكان ذلك أول يوم من رجب وهم يظنونه من جمادى الآخرة، فقالت قريش قد استحل محمد الشهر الحرام، وعظم ذلك على أصحاب السرية وقالوا ما نبرح حتى تنزل توبتنا، وظن قوم منهم أنهم ان سلموا من الاثم فليس لهم أجر، فأنزل الله فيهم ﴿ان الدين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله والله غفور رحيم﴾ (١) وسبيل الله قتال العدو (٢). ويقال (جاهدت العدو) إذا حملت نفسك على المشقة في قتاله. # وقال قتادة: القتال في الشهر الحرام منسوخ بقوله ﴿وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة﴾ (٣) وبقوله ﴿فاقتلوا المشركين﴾ (4). وقال عطاء هو باق على التحريم. # وروى أصحابنا أنه باق على التحريم فيمن يرى لهذه الأشهر حرمة، وأما من لا يرى لها حرمة فإنه يجوز قتاله أي وقت كان، أما في الحرم فلا يبتدأ بقتال أحد من الكفار كائنا من كان. # والمعنى يسألك الكفار والمؤمنون عن القتال في الشهر الحرام، قل قتال فيه اثم كبير، وما فعل قريش من صدهم عن سبيل الله وعن المسجد الحرام وكفرهم # PageV01P338 # بالله واخراج أهل المسجد الحرام - وهم رسول الله والمؤمنون - أكبر عند الله مما فعلته السرية في القتال في الشهر الحرام على سبيل الخطأ والبناء على الظن. # قال الحسن: السائلون هم أهل الشرك على جهة العيب للمسلمين باستحلالهم القتال في الشهر ms213 الحرام. وهذا قول أكثر المفسرين. وقال البلخي: هم أهل الاسلام سألوا عن ذلك ليعلموا كيف الحكم فيه. # والفتنة: الاخراج أو الشرك. # (باب في الآيات التي تحض على القتال) قال الله تعالى ﴿ولا تهنوا في ابتغاء القوم ان تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون﴾ (١) الآية. # نزلت في أهل أحد لما أصاب المسلمين ما أصابهم ونام المسلمون وبهم الكلوم فنزلت ﴿ان يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله﴾ (٢) لان الله أمرهم على ما بهم من الجراح أن يتتبعوا المشركين، وأراد بذلك ارهاب المشركين، فخرج المسلمون إلى بعض الطريق وبلغ المشركين ذلك فأسرعوا حتى دخلوا مكة (٣). وقال سبحانه ﴿ومن يولهم يومئذ دبره الا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله﴾ (4). # وفى تناول هذا الوعيد لكل فار من الزحف خلاف: قال الحسن انما كان ذلك يوم بدر خاصة، وقال ابن عباس هو عام، وهو قول الباقر والصادق عليهما السلام. # PageV01P339 # أخبر ان من ولى دبره على غير وجه التحرف للقتال والتحيز إلى الفئة انه رجع بسخطه تعالى، وتقديره الا رجلا متحرفا يتحرف ليقاتل أو يكون منفردا فينحاز ليكون مع المقاتلة، ولا يجوز ان يفر واحد من واحد ولا من اثنين، فان فر منهما كان مأثوما، ومن فر من أكثر من اثنين لم يكن عليه شئ. # واما قوله تعالى ﴿ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الاعراب ان يتخلفوا عن رسول الله﴾ (١) فان الله لما قص في هذه السورة قصة الذين تأخروا عن رسول الله عليه السلام والخروج معه إلى تبوك، ذكر عقيب ذلك أن ليس لهم ان يتأخروا عن رسول الله، وهذه فريضة ألزمها الله إياها. # قال قتادة: حكم هذه الآية مختص بالنبي عليه السلام، كان إذا غزا لم يكن لاحد ان يتأخر عنه، فأما من بعده من الخلفاء فذلك جائز. وقال الأوزاعي وابن المبارك وجماعة: ان هذه الآية لأول الأمة وآخرها من المجاهدين في سبيل الله. وقال ابن زيد: هذا حين كان المسلمون قليلون، ms214 فلما كثر نسخ بقوله تعالى ﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين﴾ (٢). وهذا هو الأقوى. # لأنه لا خلاف أن الجهاد فرض على الكفاية، فلو لزم كل أحد النفر لصار من فروض الأعيان، أما من استنهضه الامام فيجب عليه النهوض ولا يجوز له التأخر. # (فصل) وقد أدب الله بتأديب الحرب وعلم بها، فقال ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون * وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا﴾ (3). # PageV01P340 # قال أبو جعفر عليه السلام: هذه الآية نزلت حين أشار حباب بن المنذر على النبي عليه السلام ان ينتقل من جانب مكة حتى ينزل على القليب ويجعلها خلفه، فقال بعضهم لا تنقض مصافك يا رسول الله، فتنازعوا فنزلت الآية وعمل على قول حباب (١). # وقوله تعالى ﴿فانفروا ثبات أو انفروا جميعا﴾ (٢) اي إذا نفرتم فانفروا اما ثبات أي جماعات متفرقة سرية بعد سرية واما جميعا مجتمعين كوكبة واحدة ولا تتخاذلوا وقيل في ثبات أي فرقة بعد فرقة أو فرقة في جهة وفرقة في جهة. وقال الباقر عليه السلام الثبات السرايا والجمع العساكر. # ثم قال ﴿فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة﴾ (٣) حثا على الجهاد ولا تلتفتوا إلى تثبيط المنافقين، وقاتلوا في سبيل الله بائعين الدنيا بالآخرة، ومن يقاتل جوابه فسوف نؤتيه. # وانما قال (أو يغلب) ان الوعد على القتال حتى ينتهي إلى تلك الحال. # (باب) (أصناف الكفار الذين يجب جهادهم وحكم الأسارى) قال الله تعالى ﴿وقاتلوا المشركين كافة﴾ (٤). # وقال ﴿يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم﴾ (5). # أمر الله نبيه عليه السلام ان يجاهدهم، والجهاد هو ممارسة الامر الشاق، # PageV01P341 # فيكون بالقلب واللسان واليد، فمن أمكنه الجميع وجب عليه جميعه، ومن لم يقدر باليد فاللسان والقلب، وان لم يقدر باللسان أيضا فبالقلب. # واختلفوا في كيفية جهاد الكفار والمنافقين: فقال ابن عباس جهاد الكفار بالسيف وجهاد المنافقين باللسان والوعظ والتخويف، وقيل جهاد الكفار بالسهم والرمح والسيف وجهاد المنافقين بإقامة الحدود عليهم، وقال ms215 ابن مسعود هو بالأنواع الثلاثة بحسب الامكان فإن لم يقدر فليكفهر في وجوههم وهو الأعم. # وقيل قتاله مع الكفار ما قام فيه بنفسه وبابن عمه وبسرية كان يبعثها أيام حياته، وقتاله مع المنافقين ما وصى به عليا ان يقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين. # وفى قراءة أهل البيت (جاهد الكفار بالمنافقين) (١). # (فصل) اعلم أن الكفار على ضربين أهل الكتاب وغيرهم، فالأولون يقاتلون إلى أن يسلموا أو يقبلوا الجزية، وهم ثلاث فرق اليهود والنصارى والمجوس (٢)، قال تعالى ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الاخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون﴾ (3). # بين تعالى ان أهل الكتابين والمجوس - الذين حكمهم حكم اليهود والنصارى إذا لم يدينوا دين الحق - يعنى إذا لم يدخلوا الاسلام - يجب علينا ان نقاتلهم حتى # PageV01P342 # يدخلوا الذمة باعطاء الجزية وغيرها مما هو من شرائط الذمة على ما قدمناه. # ونذكر أيضا لها بيانا فنقول: لا يؤخذ الجزية عندنا الا من اليهود والنصارى والمجوس، واما غيرهم من الكفار - على اختلاف مذاهبهم من عباد الأصنام والأوثان والصابئة وغيرهم - فلا يقبل منهم غير الاسلام أو القتل والسبي، قال تعالى (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة) أي كفر. # وسميت (جزية) لأنها شئ وضع على أهل الذمة ان يجزوه أي يقضوه، أو لأنهم يجزون امام المسلمين بها الذين من عليهم بالاعفاء عن القتل. وقيل الجزية عطية عقوبة مما وظفه رسول الله على أهل الذمة، وهي على وزن جلسة وقعدة لنوع من الجزاء. # وقوله (عن يد) أي عن يد متواتية غير ممتنعة، ويعطونها عن يد أي نقد غير نسيئة لا مبعوثا على يد أحد ولكن عن يد المعطى إلى يد الاخذ. هذا إذا أريد به يد المعطي، وان أريد به يد الاخذ فمعناه حتى يعطوها عن يد قاهرة مستولية، أو عن انعام عليهم، لان قبول الجزية منهم وتركهم احياء نعمة عظيمة عليهم، يعني يؤخذ منهم على الصغار والذل، وهو ان يأتي بها ماشيا (1) ويسلمها ms216 قائما والمسلم جالس. # (فصل) فان قيل: اعطاء الجزية منهم طاعة أم معصية، فإن كان طاعة وجب ان يكونوا مطيعين، وإن كان معصية فكيف أمر الله بها. # قلنا: اعطاؤهم ليس بمعصية، واما كونها طاعة لله فليس كذلك، لأنهم انما يعطونها دفعا لقتل أنفسهم وفدية لاستعباده لهم لا طاعة لله، فان الطاعة لا تقع من الكافر بحال عندنا. وانما أمر الله تعالى بذلك لما علم فيه من المصلحة واقرار أهل الكتاب # PageV01P343 # على طريقتهم، ومنع ذلك من غيرهم لان أهل الكتاب مع كفرهم يقرون بألسنتهم بالتوحيد وببعض الأنبياء - وان لم يكونوا على الحقيقة عارفين - وغيرهم من الكفار يجحدون ذلك كله، وذلك فرق بين أهل الكتاب وسائر المشركين مما عداهم. # والآية تدل على صحة مذهبنا في اليهود والنصارى وأمثالهم انه لا يجوز انه يكونوا [عارفين بالله وان أقروا بذلك بلسانهم، وانما يجوز ان يكونوا] (١) معتقدين لذلك اعتقادا ليس بعلم. # والآية صريحة بأن هؤلاء الذين هم أهل الكتاب الذين يؤخذ منهم الجزية لا يؤمنون بالله ولا باليوم الاخر، وانه يجب قتالهم حتى يعطوا الجزية. # واعتقاد اليهود لشريعة موسى انما يوصف بأنه غير حق اليوم لاحد أمرين: # أحدهما انها نسخت، فالعمل بها بعد النسخ باطل غير حق. والثاني ان التوراة التي معهم مبدلة مغيرة، لقوله تعالى ﴿يحرفون الكلم عن مواضعه﴾ (٢). # وأهل الكتاب - بلا خلاف - هم اليهود والنصارى، لقوله تعالى ﴿أن تقولوا انما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا﴾ (٣) وقول النبي عليه السلام في المجوس (أجروهم مجرى أهل الكتاب لان لهم شبه كتاب)، فقد كان للمجوس كتاب فحرفوه على ما ورد في أخبارنا. # (فصل) فان قيل: فقد قال تعالى ﴿لا اكراه في الدين﴾ (4) ثم قال (وقاتلوهم حتى لا # PageV01P344 # تكون فتنة ويكون الدين كله لله) (١) فأي اكراه أعظم من أن يؤمر بالقتال حتى يسلم؟. # قلنا: لكل واحد من الآيتين وجها حسنا ومعنى لا يناقض معنى الاخر، فان معنى قوله (لا اكراه في الدين) أي لم يجز الله أمر الايمان على القسر والاجبار ولكن على التمكن والاختيار، ونحوه قوله ms217 تعالى ﴿ولو شاء ربك لامن من في الأرض جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين﴾ (٢). وهذه المشية أيضا مشية القسر والالجاء. وحرف الاستفهام انما أورده اعلاما بأن الاكراه ممكن، وانما الشأن في المكره من هو وما هو الا هو تعالى وحده لأنه هو القادر على أن يفعل في قلوبهم ما يضطرون عنده إلى الايمان. # وأما قوله (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة) أي شرك، ويكون الدين لله خالصا أمر تعالى لعزة الاسلام باذلال أهل الكفر حتى تجري الشريعة على ما يرضاها الله ظاهرة وأفعال الجوارح لا مدخل لها في أن تكون من حدود الدين والايمان، وانما هي رتبة وحلية للمؤمن المتدين على أن الكفار لا يرضون رأسا برأس، فإنهم لما عجزوا عن الغلبة بالحجة طلبوا بوار الاسلام والمسلمين بالقهر والغلبة بالقوة، فأمر الله بمجاهدتهم ليذعنوا للاسلام ﴿فان انتهوا فلا عدوان الا على القوم الظالمين﴾ (٣). # والمعنى ان امتنعوا من الكفر وانقادوا فلا قتل الا على الكافرين المقيمين على الكفر. # وسمي القتل عدوانا مجازا من حيث كان عقوبة على العدوان والظلم، وسمي جزاء الظالمين ظلما للمشاكلة، أي ان تعرضتم لهم بعد الانتهاء كنتم ظالمين فيسلط عليكم من يعدو عليكم، وقال في موضع آخر ﴿ان ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف﴾ (4). # PageV01P345 # وشرائط الذمة خمسة: قبول الجزية، وأن لا يتظاهروا بأكل لحم الخنزير، وشرب الخمر، ونكاح الزنا، ونكاح المحرمات. فان خالفوا شيئا من ذلك خرجوا من الذمة، قال تعالى ﴿وان نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر﴾ (١) أي فقاتلوهم، فوضع المظهر موضع المضمر اشعارا بأنهم إذا نكثوا فهم ذوو الرئاسة في الكفر. # وفي الآية دلالة على أن الذمي إذا أظهر الطعن في الاسلام فإنه يجب قتله، لان عهده معقود على أن لا يطعن في الاسلام، فإذا طعن فقد نقض عهده. # ومن وجبت عليه الدية فأسلم قبل ان يعطيها سقطت منه، قال تعالى (فان انتهوا فلا عدوان الا على الظالمين). # (فصل) وقال تعالى ﴿فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب﴾ (٢) أي إذا لقيتم ms218 يا معشر المؤمنين الذين جحدوا ربوبيته من أهل دار الحرب فاضربوهم على الأعناق (حتى إذا أثخنتموهم) وأثقلتموهم بالجراح وظفرتم بهم (فشدوا الوثاق) معناه احكموا أوثاقهم في الأسر. ثم قال (فاما منا بعد واما فداء حتى تضع الحرب أوزارها) أي أثقالها، والتقدير اما تمنوا منا واما ان تفدوا فداءا. # قال ابن جريح وقتادة: الآية منسوخة بقوله (اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم (٣) وقوله ﴿فاما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم﴾ (4). # وقال ابن عباس والضحاك الفداء منسوخ، وقال ابن عمر وجماعة ليست # PageV01P346 # بمنسوخة، وكان الحسن يكره ان يفادي بالمال ويقوى يفادى الرجل بالرجل، وقيل ليست منسوخة والامام مخير بين بين الفداء والمن والقتل بدلالة الآيات. # وقوله (حتى تضع الحرب أوزارها) قال قتادة أي حتى لا يكون شرك، وقال الحسن ان شاء الامام أن يستعبد الأسير من المشركين فله ذلك بالسنة، والذي رواه أصحابنا ان الأسير إذا اخذ قبل انقضاء الحرب والقتال والحرب قائمة والقتال باق فالامام مخير بين ان يقتلهم أو يقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف ويتركهم حتى ينزفوا، وليس له المن والفداء، وإن كان الأسير اخذ بعد وضع الحرب أوزارها وانقضاء الحرب والقتال كان مخيرا بين المن والمفاداة اما بالمال أو النفس وبين الاسترقاق بضرب الرقاب، فان أسلموا في الحالين سقط جميع ذلك وصار حكمه حكم المسلمين، لقوله (فان انتهوا فان الله غفور رحيم) ولقوله (فان انتهوا فلا عدوان الا على القوم الظالمين). # (فصل) وقوله تعالى ﴿يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الاسرى﴾ (1) خاطب نبيه عليه السلام وأمره بأن يقول لمن حصل في يده من الأسارى، في وسماه في يده لأنه بمنزلة ما قبض في يده بالاستيلاء عليه، ولذلك يقال للملك المتنازع فيه لمن اليد. # وقوله (أن يعلم الله في قلوبكم خيرا) أي اسلاما (يعطكم خيرا مما أخذ منكم) من الفداء. # روي عن العباس أنه قال: كان معي عشرون أوقية فأخذت مني ثم أعطاني مكانها عشرون عبدا ووعدني المغفرة. قال: وفي نزلت وفي أصحابي هذه الآية (2). # PageV01P347 # (وان يريدوا خيانتك) بنقض ms219 العهد ﴿فقد خانوا الله من قبل﴾ (١) بأن خرجوا إلى بدر وقاتلوا المسلمين مع المشركين فأمكن الله منهم بأن غلبوا وأسروا، فان خانوا ثانيا فسيمكن الله منهم مثل ذلك. # وأما قوله تعالى (ما كان لنبي أن يكون له أسرى (٢)) فالمعنى ما كان لنبي أن يحتبس كافرا للفداء والمن حتى يثخن في الأرض. والاثخان في الأرض تغليظ الحال بكثرة القتال. (تريدون عرض الدنيا) أي الفداء، سمي متاع الدنيا عرضا لقلة لبثه. # وهذه الآية نزلت في أسارى بدر قبل أن يكثر أهل الاسلام، فلما كثر المسلمون قال تعالى ﴿فامامنا بعد واما فداءا﴾ (3)، وهو قول ابن عباس وقتادة. # فان قيل: كيف يكون القتل فيهم كان أصلح وقد أسلم منهم جماعة، ومن علم الله من حاله أنه يصير مسلما يجب تبقيته. # قلنا: من يقول أن تبقيته واجبة، يقول إن الله أراد أن يأمرهم بأخذ الفداء، وانما عاتبهم على ذلك لأنهم بادروا إليه قبل أن يؤمروا به. # (فصل) فان قيل: هل كان الجهاد واجبا على كل أهل الملة أم لا. # قلنا: الزجاج استدل بقوله تعالى (ان الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة # PageV01P348 # والإنجيل والزبور والقرآن) (١) على أن الجهاد كان واجبا على أهل كل ملة، لعموم اللفظ فيها. # ويدل عليه أيضا قوله تعالى (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع) أيام شريعة عيسى (وبيع) في أيام شريعة موسى (٢) ﴿ومساجد﴾ (٣) في أيام شريعة محمد صلى الله عليه وآله وعليهم. # ويدل عليه أيضا قوله تعالى ﴿ألم تر إلى الملا من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله﴾ (٤) وكان سبب سؤالهم هذا استدلال الجبابرة من الملوك الذين كانوا في زمانهم إياهم، وأنكروا لما بعث الله لهم طالوت ملكا بأنه لم يؤت سعة من المال، فرد الله عليهم (أن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم) أي هو أولى بالملك، فإنه اعلم وأشجع منكم. وهذا يدل ms220 على أن من شرط الامام أن يكون اعلم رعيته. # ثم قال تعالى ﴿وقال لهم نبيهم ان آية ملكه ان يأتيكم التابوت فيه سكينة﴾ (٥) فنص عليه بالمعجز، وهذا يدل على أن الامام يجب ان يكون منصوصا عليه. إلى أن قال ﴿ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض﴾ (6) أي يدفع الله بالبر عن الفاجر الهلاك. # PageV01P349 # (باب) (حكم ما أخذ من دار الحرب بالقهر وذكر ما يتعلق به) قال الله تعالى ﴿فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا﴾ (1) أباح الله للمؤمنين بهذه الآية ان يأكلوا مما غنموه من أموال المشركين بالقهر من دار الحرب. ولفظه وإن كان لفظ الامر فالمراد به الإباحة ورفع الحظر. # والغنيمة ما اخذ بالقهر من دار الحرب. # والفرق بين الحلال والمباح ان الحلال من حل العقد في التحريم، والمباح من التوسعة في الفعل وان اجتمعا في الحل. # وقد ذكرنا في باب الخمس أن جميع ما يغنم من بلاد الشرك يخرج منه الخمس فيفرق في أهله الذين ذكرنا هم هناك. والباقي على ضربين: فالأرضون والعقارات لجميع المسلمين، وما يمكن نقله للمقاتلة ولمن حضر القتال خاصة وان لم يقاتل للفارس سهمان وللراجل سهم. وقال قوم للفارس ثلاثة أسهم وللراجل سهم. وهذا عندنا إذا كان معه فرسان أو أفراس جماعة. وقيل إن النبي عليه السلام فتح مكة عنوة ولم يقسم أرضها بين المقاتلة، وقال قوم فتحها سلما. # وروي أن سرية بعثها رسول الله صلى الله عليه وآله، فمروا برجل فقال إني مسلم، فلم يقبل أميرهم أسامة أو المقداد ذلك وقتله وأخذ غنيمة (2) له، فأنكر النبي # PageV01P350 # عليه السلام ذلك، فأنزل الله ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة﴾ (١). # (فصل) وقال تعالى (وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم) تقديره أذكر يا محمد إذ يعدكم الله إحدى الطائفتين، اما العير عير قريش واما قريشا. # عن الحسن: كان المسلمون يريدون ms221 العير ورسول الله يريد ذات الشوكة لما وعده الله. فروي أن النبي عليه السلام لما بلغه خروج قريش لحماية العير شاور أصحابه، فقال قوم خرجنا غير مستعدين للقتال، وقال المقداد امض لما أمرك الله به فوالله لو دخلت بنا الجمر لتبعناك، فجزاه خيرا وأعاد الاستشارة، فقالوا امض يا رسول الله لما أردت، فسار عليه السلام ونشطه ذلك، ثم قال: سيروا على بركة الله وأبشروا فان الله وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأني انظر إلى مصارع القوم. # وروي أن أحدا لم يشاهد الملائكة يوم بدر الا رسول الله (٣). # ﴿إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم اني ممدكم بألف من الملائكة مردفين﴾ (4). # الداعي رسول الله، ولقلة عددهم استغاث الله فأمدهم بألف من الملائكة مردفين مثلهم. ومعناه على هذا التأويل مع كل ملك ملك ردف فقتلوا سبعين وأسروا سبعين. # PageV01P351 # (فصل) وأما قوله ﴿وتلك الأيام نداولها بين الناس﴾ (1) آي نصرفها مرة لفرقة ومرة عليها، ليمحص الله المؤمنين بذلك من الذنوب ويخلصهم به ويهلك الكافرين بالذنوب. # فان قيل: لم جعل الله مداولة الأيام بين الناس وهلا كانت أبدا لأولياء الله؟. # قلنا: ذلك تابع للمصلحة وما تقتضيه الحكمة أن يكونوا تارة في شدة وتارة في رخاء، فيكون ذلك داعيا لهم إلى فعل الطاعة واحتقار الدنيا الفانية المنتقلة من قوم إلى قوم حتى يصير الغني فقيرا والفقير غنيا والنبيه خاملا والخامل نبيها، فتقل الرغبة حينئذ فيها ويقوى الحرص على غيرها مما نعيمه دائم. # والمراد بالأيام أوقات الظفر والغلبة. (نداولها) أي نصرفها بين الناس، نديل تارة لهؤلاء وتارة لهؤلاء، كقوله: # فيوما علينا ويوما لنا * ويوما نساء ويوما نسر وفى أمثالهم (الحرب سجال). # (وليعلم الله الذين آمنوا) فيه وجهان: # أحدهما أن يكون المعلل محذوفا، معناه واستمر التائبون على الايمان من الذين على حرف فعلنا ذلك، وهو من باب التمثيل، يعنى فعلنا ذلك فعل من يريد أن يعلم من الثابت على الايمان منكم من غير الثابت، والا فالله لم يزل عالما بالأشياء قبل كونها. # والثاني أن تكون العلة محذوفة، وليعلم عطف عليه، معناه ms222 وفعلناه ذلك ليكون كيت وكيت ونعلمهم علما، فتعلق به الجزاء، وهو أن نعلمهم موجودا منهم الثبات، # PageV01P352 # وانما حذف للايذان أن المصلحة فيما فعل ليست بواحدة ليسليهم عما جرى عليهم، وليبصرهم أن العبد يسؤه ما يجري عليه من المصائب ولا يشعر أن لله في ذلك من المصالح ما هو غافل عنه. # (ويتخذ منكم شهداء) أي وليكرم ناسا منهم بالشهادة، يريد المستشهدين يوم أحد وليصفيهم من الذنوب. # (ويهلك الكافرين) يعني ان كانت الدولة على المؤمنين فللاستشهاد والتمحيص وغير ذلك مما هو أصلح لهم، وان كانت على الكفار فلمحقهم ومحو آثارهم. # (فصل) ثم قال تعالى ﴿أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم﴾ (1). # أم منقطعة، ومعنى الهمزة فيها للانكار، ومعنى (لما يعلم الله) أي لما تجاهدوا، لان العلم يتعلق بالمعلوم، فنزل نفي العلم منزلة نفي متعلقه، لأنه منتف بانتفائه. يقول القائل (ما علم الله في فلان خيرا) يريد ما فيه خير حتى يعلم. # ثم خاطب الذين لم يشهدوا بدرا فقال (ولقد كنتم تمنون الموت) فكانوا يتمنون أن يحضروا مشهدا مع النبي عليه السلام ليصيبوا من كرامة الشهادة ما نال شهداء بدر، وهم ألحوا على رسول الله في الخروج إلى المشركين، وكان رأيه في الإقامة بالمدينة للوحي به. يعنى وكنتم تتمنون الموت قبل أن تشاهدوه وتعرفوا شدته (فقد رأيتموه وأنتم تنظرون) أي رأيتموه معاينين مشاهدين له حتى قتل من قتل من اخوانكم وأقاربكم وشارفتم أن تقتلوا. وهذا توبيخ لهم على تمنيهم الموت، وعلى ما تسببوا له من خروج رسول الله بالحاحهم عليه ثم انهزامهم عنه وقلة ثباتهم عنده. # PageV01P353 # فان قيل: كيف يجوز تمني الشهادة وفي تمنيها تمني غلبة الكافر على المؤمن. # قلنا: قصد تمني الشهادة إلى نيل كرامة الشهداء لاغير، فلا يذهب وهمه إلى ذلك المتضمن، كما أن من يشرب دواء الطبيب النصراني قاصدا إلى حصول المأمول من الشفاء، ولا يخطر بباله أن منه جر منفعة واحسان إلى عدو الله وتنفيقا لصناعته. فإذا ثبت ذلك فتمنيهم الشهادة انما هو بالصبر على ms223 الجهاد إلى أن يقتلوا لا بقتل المشركين لهم وإرادتهم ذلك. # (باب المهادنة) وقوله تعالى ﴿الا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقضوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم﴾ (١). # الهدنة والمعاهدة واحدة، وهي وضع القتال وترك الحرب إلى مدة من غير عوض، وذلك جائز لقوله تعالى ﴿وان جنحوا للسلم فاجنح لها﴾ (٢). وقد صالح النبي عليه السلام قريشا بالحديبية على ترك القتال عشر سنين. # فإذا ثبت جوازه فإن كان في الهدنة مصلحة للمسلمين ونظر لهم في أن يرجو الامام منهم الدخول في الاسلام أو بذلك الجزية فعل ذلك، وإذا لم يكن للمسلمين مصلحة - بأن يكون العدو ضعيفا قليلا وإذا ترك قتالهم اشتدت شوكهم وقووا - فلا تجوز الهدنة لان فيها ضررا على المسلمين. # وإذا هادنهم في الموضع الذي يجوز فيجوز أن يهادنهم أربعة أشهر بنص القرآن، وهو قوله ﴿فسيحوا في الأرض أربعة أشهر﴾ (3)، ولا يجوز الزيادة عليها # PageV01P354 # بلا خلاف لقوله ﴿فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ (١) فاقتضى ذلك قتلهم بكل حال. وخرج قدر الأربعة الأشهر بدليل الآية الأولى وبقي ما عداه على عمومه. # هذا إذا كان الامام مستظهرا على المشركين، فإن كان هم مستظهرين لقوتهم وضعف المسلمين - وإن كان العدو بالبعد منهم في قصدهم التزام مؤن كثيرة - فيجوز أن يهادنهم إلى عشر سنين، لان النبي عليه السلام هادي قريشا إلى عشر سنين ثم نقضوها هم من قبل نفوسهم. # (فصل) وقوله تعالى ﴿أوفوا بالعقود﴾ (٢) يدل على أن الامام إذا عقد لعدو من المشركين عقد الهدنة إلى مدة فعليه الوفاء إلى انقضاء تلك المدة، فان خالف جميعهم في ذلك انقضت الهدنة، وان خالف بعضهم ولم يكن منهم انكار بقول أو فعل كان نقضا للهدنة في حق جميعهم، وإن كان منهم انكار لذلك كان الباقون على صلحه دون الناقضين. # وإذا خاف الامام من المهادنين خيانة جاز له أن ينقض العهد، لقوله ﴿واما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء﴾ (3). # ولا تنقض الهدنة بنفس الخوف بل للامام نقضها، فإذا نقضها ms224 ردهم إلى مأمنهم لأنهم دخلوا إليه من مأمنهم. # وقد أمر الله نبيه عليه السلام أنه متى خاف ممن بينه وبينه عهد خيانة أن ينبذ # PageV01P355 # إليه عهده إلى سواء، أي على عدل. وقيل على استواء في العلم به أنت وهم في انكم حرب لئلا يتوهم انك نقضت العهد ونقضه بالخوف من الخيانة. # قلنا: انما فعل ذلك لظهور أمارات الخيانة التي دلت على نقض العهد ولم يشتهر ولو اشتهرت لم يجب النبذ. # (باب ذكر الامر بالمعروف والنهى عن المنكر) قال الله تعالى: ﴿ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر﴾ (١). # (ولتكن) أمر، لان لام الإضافة لا تسكن، وتسكين اللام يؤذن أنه للجزم. # وقوله (منكم) من للتبعيض عند أكثر المفسرين، لان الامر بانكار المنكر والامر بالمعروف متوجه في فرقة منهم غير معينة لأنه فرض على الكفاية، فأي فرقة قامت به سقط عن الباقين. # وقال الزجاج: والتقدير وليكن جميعكم، ومن دخلت ليحض المخاطبين من بين سائر الأجناس، كما قال ﴿فاجتنبوا الرجس من الأوثان﴾ (2). فعلى هذا الامر بالمعروف والنهى عن المنكر من فروض الأعيان لا يسقط بقيام البعض عن الباقين. # و (الأمة) للجماعة، و (المعروف) الفعل الحسن الذي له صفة زائدة على حسنه. وربما كان واجبا وربما كان ندبا، فإن كان واجبا فالامر به واجب، وإن كان ندبا فالامر به ندب. # و (المنكر) هو القبيح، فالنهي كله واجب. والانكار هو اظهار كراهة الشئ # PageV01P356 # لما فيه من وجه القبح، ويقتضيه الاقرار، وهو اظهار تقبل الشئ من حيث هو صواب وحكمة وحسن. # ولا خلاف أن الامر بالمعروف والنهى عن المنكر واجبان على ما ذكرناه. # واختلف المتكلمون أيضا في وجوبهما: فقيل إنه من فروض الكفايات، وقال آخرون هو من فروض الأعيان، وهو الصحيح. وقال بعض أصحابنا انهما ربما يجبان على التعيين وربما يجبان على الكفاية. # (فصل) ويدل على وجوبهما زائدا على ما ذكرناه قوله تعالى ﴿الذين ان مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر﴾ (1). وذلك لان ما رغب الله فيه ms225 فقد أراده، وكل ما أراده من العبد شرعا فهو واجب، الا أن يقوم دليل على أنه نفل، ولان الاحتياط يقتضى ذلك. # و (المعروف) الحق، وسمي به لأنه يعرف صحته. وسمي (المنكر) منكرا لأنه لا يمكن معرفة صحته بل ينكر. # والناس اختلفوا في ذلك: فقال قوم ان طريق انكار المنكر العقل، لأنه كما يجب كراهته وجب المنع منه إذا لم يمكن قيام الدلالة على الكراهية، والا كان تاركه بمنزلة الراضي به. وقال آخرون - وهو الصحيح عندنا - ان طريق وجوبه السمع، وأجمعت الأمة على ذلك. # ويكفى المكلف الدلالة على كراهيته من جهة الخبر وما جرى مجراه. # فان قيل: هل يجب في انكار المنكر حمل السلاح. # قلنا: نعم إذا احتيج إليه بحسب الامكان، لأنه تعالى قد أمر به، فإذا لم # PageV01P357 # ينجع فيه الوعظ والتخويف ولا التناول باليد وجب حمل السلاح، لان الفريضة لا تسقط مع الامكان الا بزوال المنكر الذي لزم به الجهاد. الا انه لا يجوز أن يقصد القتال الا وغرضه انكار المنكر. # وأكثر أصحابنا على أن هذا النوع من انكار المنكر لا يجوز الاقدام عليه الا باذن سلطان الوقت، ومن خالفا جوز ذلك من غير الاذن، مثل الدفاع عن النفس سواء. # (فصل) اما قوله تعالى ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر﴾ (1)، فقد أوجب الله الامر بالمعروف والنهى عن المنكر فيما تقدم من قوله (ولتكن منكم أمة) ثم مدح على قبوله والتمسك به كما مدح بالايمان، وهذا يدل على وجوبهما. # وقد بينا اختلاف المفسرين والمتكلمين في قوله (منكم أمة) انها للتبعيض أو للتبيين والأولى ان يكون للتبيين، والمعنى كونوا أمة تأمرون، كقوله (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون). ولا يصح الاستدلال على أنها للتبعيض أو للتبيين والأولى ان يكون للتبيين، والمعنى كونوا أمة تأمرون، كقوله (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون). ولا يصح الاستدلال على أنها للتبعيض، بأن ذلك لا يصح الا ممن علم المعروف والمنكر وعلم كيف يرتب الامر في اقامته وكيف يباشر، وان الجاهل ربما نهى ms226 عن معروف وامر بمنكر، وربما يغلظ في موضع اللين ويلين في موضع الغلظة، وينكر على من لا يزيده انكاره الا تماديا، لان هذا كله من شرائطهما. # وشرائط وجوبهما ثلاثة: أن يعلم المعروف معروفا والمنكر منكرا، وتجويز تأثير انكاره، ولا يكون فيه مفسدة. # PageV01P358 # فان قيل: كيف يباشر انكار المنكر؟ # قلنا: يبتدئ بالسهل، فإن لم ينفع ترقى إلى الصعب، لان الغرض كف المنكر، قال تعالى (فأصلحوا بينهما) ثم قال ﴿فقاتلوا﴾ (١). # فان قيل: فمن يباشر؟ # قلنا: كل مسلم تمكن منه واختص بشرائطه. # وقد أجمعوا أن من رأى غيره تاركا للصلاة وجب عليه الانكار، لان قبحه معلوم لكل أحد، وأما الانكار الذي بالقتال فالامام وخلفاؤه أولى، لأنهم أعلم بالسياسة ومعهم عدتها. # فان قيل: فمن يؤمر وينهى؟ # قيل: كل مكلف، وغير المكلف إذ هم بضرر غيره منع كالصبيان والمجانين، وينهى الصبيان عن المحرمات حتى لا يتعودوها، كما يؤخذون بالصلاة ليتمرنوا عليها. # فان قيل: هل ينهى عن المنكر من يرتكبه؟ # قيل: نعم يجب عليه، لان ترك ارتكابه وانكاره واجبان عليه، فبترك أحد الواجبين لا يسقط عنه الواجب الآخر، وقد قالوا عليهم السلام (مروا بالخير وان لم تفعلوا) (٢). # فان قيل: كيف قال تعالى ﴿يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف﴾ (3). # [قلنا: الدعاء إلى الخير عام في التكاليف من الافعال والتروك] 4. والنهي عن المنكر # PageV01P359 # فخاص، فجئ بالعام ثم عطف عليه الخاص ايذانا بفضله كقوله ﴿حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى﴾ (١). # (فصل) وانما قال تعالى ﴿كنتم خير أمة﴾ (2) ولم يقل أنتم خير أمة، لأمور: # أحدها - ان ذلك قد كان في الكتب المتقدمة، فذكر كنتم لتقدم البشارة به، ويكون التقدير كنتم خير أمة في الكتب الماضية وفى اللوح المحفوظ، فحققوا ذلك بالافعال الجميلة. # الثاني - أنه بمنزلة قوله (وكان الله غفورا رحيما)، لان مغفرته المستأنفة كالمغفرة الماضية في تحقق الوقوع لا محالة. وفي كان على هذا تأكيد وقوع الامر، لأنه بمنزلة ما قد كان. # الثالث - كان تامة، أي حدثتم خير أمة، وخير أمة نصب على الحال، قال مجاهد ومعناه كنتم خير أمة إذا فعلتم ms227 ما تضمنته الآية من الامر بالمعروف والنهي عن المنكر والعمل بما أوجبه. # فان قيل: لم يقال للحسن المعروف مع أن القبيح معروف أيضا انه قبيح ولا يطلق عليه اسم المعروف. # قلنا: لان القبيح بمنزلة ما لا يعرف لخموله وسقوطه، والحسن بمنزلة النبيه الذي يعرف بجلالته وعلو قدره، ويعرف أيضا بالملامسة الظاهرة والمشاهدة، فأما القبح فلا يستحق هذه المنزلة. # وقال أهل التحقيق: نزلت هذه الآية فيمن هذه صفته من هذه الأمة، وهم من # PageV01P360 # دل الدليل من عصمته، لان هذا الخطاب لا يجوز أن يكون المراد به جميع الأمة، لان أكثرها بخلاف هذه الصفة، بل منها من يأمر بالمنكر وينهى عن المعروف. وقد حث الله عليه بما حكى عن لقمان ووصيته ﴿يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك﴾ (١). # ويجوز أن يكون هذا عاما في كل ما يصيبه من المحن، وأن يكون خاصا بما يصيبه فيما أمر به من الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، فمن يبعثه على الخير وينكر عليه الشر ان ذلك ما عزمه الله من الأمور، اي قطعه قطع ايجاب والزام. وهذا الضرر مثل سبب عرض أو ضرب لا يؤدي إلى ضرر في النفس عظيم أو في ماله أو لغيره لان كل ذلك مفسدة. # (فصل) وقوله تعالى ﴿ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله﴾ (٢). # روي عن أمير المؤمنين عليه السلام: أن المراد بالآية الامر بالمعروف والنهي عن المنكر (٣). # وعن أبي جعفر عليه السلام: انما نزلت في علي عليه السلام (٤) يشرى نفسه يبيعها، أي يبذلها في الجهاد ويأمر وينهى حتى يقتل. # وقال تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم﴾ (5). # PageV01P361 # أي إلى احياء امركم بجهاد عدوكم مع نصر الله إياكم (واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه) بالموت وبالجنون وزوال العقل فلا يمكنه استدراك ما فات. # ثم قال ﴿واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة﴾ (١) عن ابن عباس أمر الله المؤمنين أن لا يقروا المنكر بين أظهرهم فيعمهم الله بالعذاب. ms228 # وقال تعالى (ليسوا سواء من أهل الكتاب) الآية، عن ابن عباس نزلت هذه الآية لما أسلم عبد الله بن سلام وجماعة معه، قالت أحبار اليهود: ما آمن بمحمد الا أشرارنا، فأنزله الله إلى قوله ﴿وأولئك من الصالحين﴾ (٢). # وقوله ﴿ويؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر﴾ (3) صفة قوله (أمة قائمة). # وليس طريق وجوبهما العقل، وانما طريق وجوبهما السمع، وعليه اجماع الأمة. وانما الواجب بالعقل كراهة المنكر فقط، غير أنه إذا ثبت بالسمع وجوبه فعلينا إزالة المنكر بما يقدر عليه من الأمور الحسنة دون القبيحة، لأنه لا يجوز إزالة قبيح بقبيح آخر. # وليس لنا أن نترك أحدا يعمل بالمعاصي إذا أمكننا منعه منها، سواء كان المعصية من أفعال القلوب - مثل اظهار المذاهب الفاسدة - أو من أفعال الجوارح. # ثم ينظر فإن كان أمكننا ازالته بالقول فلا مزيد عليه وان لم يكن الا بالمنع من غير اضرار لم يزد على ذلك، فإن لم يتم دفعه الا بالحرب فعلناه. وإن كان عند أكثر أصحابنا هذا الجنس موقوفا على اذن السلطان فيه. # وانكار المذاهب الفاسدة لا يكون الا بإقامة الحجج والبراهين والدعاء إلى # PageV01P362 # الحق، وكذا انكار أهل الذمة. # فأما الانكار باليد فمقصور على من يفعل شيئا من معاصي الجوارح، أو يكون باغيا على امام الحق، فإنه يجب قتاله ودفعه على ما نذكر حتى يفئ إلى الحق وسبيلهم سبيل أهل الحرب، فان الانكار عليهم باليد والقتال حتى يرجعوا إلى الاسلام أو يدخلوا في الذمة. # وقال تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا﴾ (١) أمرهم الله بأن يقوا أنفسهم، أي يمنعوها ويمنعوا أهليها نارا. وانما يمنعون نفوسهم بأن يعملوا الطاعات، ويمنعوا أهليهم بأن يدعوهم إليها ويحثوهم على فعلها، وذلك يقتضى أن الامر بالمعروف والنهي عن المنكر ينبغي أن يكون للأقرب فالأقرب. # (باب أحكام أهل البغى) قال الله تعالى ﴿انفروا خفافا وثقالا﴾ (٢) أي شبابا وشيوخا وأغنياء وفقراء ونشاطا وغير نشاط وركبانا ومشاة ومشاغيل وغير مشاغيل وذوي العيال والميسرة وذوي العسرة وقلة العيال. # (وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم) ظاهر ms229 الآية يقتضي وجوب مجاهدة البغاة كما يجب مجاهدة الكفار لأنه جهاد في سبيل الله. # و (الباغي) هو من قاتل إماما عادلا يجب جهاده على كل من يستنهضه الامام، ولا يجوز قتالهم الا باذنه. وأصل البغي في اللغة الطلب، قال تعالى ﴿فمن اضطر غير باغ ولا عاد﴾ (3). # PageV01P363 # قال سعيد بن جبير ومجاهد: غير باغ على امام المسلمين ولا عاد بالمعصية طريق المحقين، وهو المروي عن الباقر والصادق عليهما السلام (١). # وقال الرماني: ان هذا لا يسوغ. قال: لأنه تعالى لم يبح لاحد قتل نفسه بل حظر ذلك عليه. وهذا الذي ذكره غير صحيح، لان من بغى على امام عادل فأدى ذلك إلى تلف نفسه فهو المعرض لقتل نفسه، كما لو قتل في نفس المعركة فإنه المهلك لها، فلا يجوز لذلك استباحة ما حرم الله كما لا يجوز له أن يستبقى نفسه بقتل غيره من المسلمين. والرخصة تتناول الميتة، وان كانت عند المفسرين بصورة المجاعة [فليست لمكان المجاعة على الاطلاق، بل يقال انما ذلك للمجاعة] (٢) التي لم يكن هو المعرض نفسه لها، فأما إذا عرض نفسه فلا يجوز له استباحة المحرم كما قلناه في قتل نفس الغير ليدفع عن نفسه القتل (٣). # (فصل) وإذا قوتل البغاة فلا يبتدأون بالقتال الا بعد أن يدعوا إلى ما ينكرون من أركان الاسلام، كما فعل أمير المؤمنين عليه السلام بالخوارج. قال تعالى ﴿ادع إلى ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن﴾ (4) فالجدال قتل الخصم عن مذهبه بطريق الحجاج وحل شبهه. # و (التي هي أحسن) قيل الرفق والوقار والسكينة مع نصرة الحق بالحجة. # و (الحكمة) المقالة الحسنة المحكمة الصحيحة التي تزيل الشبهة وتوضح الحق. # PageV01P364 # و (الموعظة الحسنة) التي أن لا تخفي عليهم أنك تناصحهم بها وتقصد ما ينفعهم بها، أي ادعهم بالكتاب الذي هو حكمة وموعظة حسنة، وجادلهم بالطريقة التي فيها اللين والرفق من غير فظاظة ولا تعسف. والداعي هو الامام أو من يأمره هو. # ولا ينصرف من قاتلهم بأمر الإمام الا بعد الظفر أو يفيؤا إلى الحق، ms230 ومن رجع عنهم من دون ذلك كان فارا من الزحف، وقد أشار إلى هذا كله رسول الله صلى الله عليه وآله بقوله: حربك يا علي حربي، وسلمك سلمي. أي حكم حربك حكم حربي. # (باب حكم المحاربين والسيرة فيهم) قال الله تعالى ﴿انما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا﴾ (1). # فمعنى (يحاربون الله) أي يحاربون أولياء الله والمؤمنين، لأنه لو كان المراد مقصورا على محاربة رسول الله عليه السلام لكان حكم الآية يسقط بوفاته. واجمع المسلمون على أن هذا الحكم ثابت. # ومعنى (يسعون في الأرض فسادا) يسرعون في الفساد، وأصل السعي سرعة المشي. # والمحارب عندنا هو الذي يشهر السلاح ويخيف السبيل، سواء كان في المصر أو في خارج المصر، فان اللص المجاهر في المصر وغير المصر سواء. # وبه قال الأوزاعي ومالك والليث بن سعيد وابن الهيعة والشافعي والطبري، وقال قوم هو قاطع الطريق في غير المصر، ذهب إليه أبو حنيفة. # ومعنى (يحاربون الله) أي يحاربون أولياء الله ويحاربون رسوله لما ذكرنا # PageV01P365 # (ويسعون في الأرض فسادا) هو ما قلناه في اشهار السيف وإخافة السبيل. # وجزاؤهم على قدر الاستحقاق: ان قتل قتل، وان أخذ المال وقتل قتل وصلب، وان أخذ المال ولم يقتل قطعت يده ورجله من خلاف، وأن أخاف السبيل فقط فإنما عليه النفي لا غير. هذا مذهبنا، وهو المروي عنهما عليهما السلام، وهو قول ابن عباس وابن مجلز وسعيد بن جبير والسدي وقتادة والربيع، وبه قال الجبائي والطبري. وقال الشافعي ان أخذ المال جهرا كان للامام صلبه حيا وان لم يقتل. # وموضع (ان يقتلوا) رفع، وتقديره انما جزاؤهم القتل أو الصلب أو القطع. # ومعنى (انما) ليس جزاؤهم الا هذا. قال الزجاج: إذا قال جزاؤك عندي كذا، جاز أن يكون معه غيره، فإذا قال انما جزاؤك كذا، كان معناه ما جزاؤك عندي كذا. # (فصل) واختلفوا في سبب نزول هذه الآية، فقال ابن عباس والضحاك نزلت في قوم كان بينهم وبين النبي عليه السلام معاهدة فنقضوا العهد وأفسدوا في ms231 الأرض فخبر الله نبيه فيما ذكر في الآية، وقال الحسن وعكرمة نزلت في أهل الشرك، وقال قتادة وأنس وابن جبير والسدي أنها نزلت في العرنيين والعكليين حين ارتدوا وأفسدوا في الأرض فأخذهم النبي عليه السلام وقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف وسمل أعينهم، وفى بعض الأخبار أنه أحرقهم بالنار (1). # ثم اختلفوا في نسخ هذا الحكم الذي فعله بالعرنيين: فقال البلخي وغيره نسخ ذلك بنهيه عن المثلة، ومنهم من قال حكمه ثابت في نظرائهم لم ينسخ. # وقال آخر: لم يسمل النبي عليه السلام أعينهم، وانما أراد أن يسمل فأنزل الله آية المحاربة، والذي نقوله: إن كان فيهم طائفة ينظرون لهم حتى يقتلوا قوما # PageV01P366 # سملت أعين الرائية، فأجرى على الباقين ما ذكرناه. وقال قوم الامام مخير فيه. # فمن قال بالأول ذهب إلى أن (أو) في الآية تقتضي التفصيل، ومن قال بالثاني ذهب إلى أنها للتخيير. # (فصل) ومعنى قوله (وأرجلهم من خلاف) معناه أن تقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى ولو كان موضع من على أو الباء لكان المعنى واحدا. # وقوله (أو ينفوا من الأرض) في معناه ثلاثة أقوال: # أحدها - أنه يخرج من بلاد الاسلام ينفى من بلد إلى بلد الا أن يتوب ويرجع، وهو الذي نذهب إليه. وقال أصحابنا: لا يمكن أيضا من دخول بلد الشرك ويقاتل المشركون على تمكينهم من ذلك حتى يتوبوا ويرجعوا إلى الحق. # الثاني - أن ينفى من بلد إلى غيره. # الثالث - أن النفي هو الحبس، ذهب إليه أبو حنيفة. # وأصل النفي الاهلاك، ومنه النفي والاعدام، ومنه النفاية لردئ المتاع. # وقال الفراء: النفي أن يقال من قتله فدمه هدر. # ثم قال (ذلك لهم خزي في الدينا) والخزي الفضيحة، أي ان ما ذكرناه من الاحكام لهم خزي في الدينا ولهم في الآخرة عذاب عظيم زيادة على ذلك. وهذا يبطل قول من قال إقامة الحدود تكفير للمعاصي، لأنه تعالى مع إقامة الحدود عليهم بين أن لهم في الآخرة عذابا عظيما، أي انهم يستحقون ذلك، ولا يدل على أنه تعالى يفعل بهم ذلك لا ms232 محالة، لأنه يجوز أن يعفو عنهم. # (فصل) ثم قال تعالى (الا الذين تابوا من قبل أن يقدروا عليهم) أي لكن التائبين من قبل القدرة عليهم فالله غفور رحيم. PageV01P367 # ولما بين الله حكم المحارب على ما فصلناه استثنى من جملتهم من يتوب مما ارتكبه قبل أن يؤخذ ويقدر عليه، لان توبته بعد حصوله (1) في قبضة الامام وقيام البينة عليه بذلك لا تنفعه ووجب عليه إقامة الحد. # واختلفوا فيمن تدرأ عنه التوبة الحدود، هل هو المشرك أو من كان مسلما من أهل الصلاة: # قال الحسن: هو المشرك دون من كان مسلما، فأما من أسلم فإنه لم يؤاخذ بما جناه الا أن يكون معه عين مال من أخذ منه قائمة، فإنه يجب عليه ردها وما عداه يسقط. # أما علي عليه السلام فإنه حكم بذلك فيمن كان مسلما وهو حارثة بن زيد، لأنه كان خرج محاربا ثم تاب فقبل أمير المؤمنين توبته. # وقال الشافعي: يضع بتوبته حد الله عنه الذي وجب عليه لمحاربته ولا يسقط عنه حقوق بني آدم. وهو مذهبنا. فعلى هذا ان أسقط الادمي حق نفسه ويكون ظهرت منه التوبة [قبل ذلك فلا يقام عليه الحدود وان لم يكن ظهرت منه التوبة] (2) أقيم عليه الحد لأنه محارب فيتحتم عليه الحد، وهو قول أبى علي أيضا. ولا خلاف أنه إذا أصيب المال بعينه في يده أنه يرد إلى أهله. # فأما المشرك المحارب فمتى أسلم وتاب سقطت عنه الحدود، سواء كان ذلك منه قبل القدرة عليه أو بعدها بلا خلاف. # فأما السارق إذا قدر عليه بعد التوبة وتكون التوبة منه بعد إقامة البينة فإنه لا يسقط عنه الحد، وإن كان قبل قيام البينة أسقطت عنه. وقال لا تسقط التوبة عن السارق الحد، ولم يفعل وادعى في ذلك الاجماع. # PageV01P368 # وقيل: ان الله جعل هذا الحكم للمحارب بالاستثناء بقوله (فاعلموا أن الله غفور رحيم)، ولم يكن غير المحارب في معناه فيقاس عليه، لان ظاهر هذا التفرد، وليس كذلك هو في المحارب الممتنع نفيه. # ثم قال (يا ms233 أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة) أي ما يتقرب به إلى الله ﴿وجاهدوا في سبيل الله﴾ (١) أي جاهدوا أعداءكم في وقت الحاجة إليه وجاهدوا أنفسكم في كل وقت. # أما قوله تعالى (ويسعون في الأرض فسادا) أي مفسدين، لان سعيهم في الأرض لما كان على طريق الفساد نزل منزلة ويفسدون في الأرض، فانتصب (فسادا) على المصدر حالا أو مفعولا له. # وقيل النفي أن ينفى من بلده، وكانوا ينفونهم إلى بلد في أقصى تهامة يقال له (دهلك) والى (ناصع) وهو من بلاد الحبشة. ومن قال إن النفي من بلد إلى بلد اي لا يزال يطلب وهو هارب فزعا. # وقوله (الا الذين) استثناء من المعاقبين عقاب قطع الطريق خاصة، وأما حكم القتل والجراح وأخذ المال فإلى الأولياء ان شاؤوا استوفوا. # (باب حكم المرتدين وكيفية حالهم) قال الله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه﴾ (2) الآية. # اختلفوا فيمن نزلت هذه الآية، والصحيح ما روي عن الباقر والصادق عليهما السلام أنها نزلت في أهل البصرة ومن قاتل عليا عليه السلام (3) والذي يقوي هذا التأويل أن الله وصف من عناه بالآية بأوصاف وجدنا أمير المؤمنين عليه السلام # PageV01P369 # مستكملا لها بالاجماع، لأنه تعالى قال في عقبته (فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه). وقد شهد النبي صلى الله عليه وآله لعلى عليه السلام بما يوافق لفظ الآية في قوله - وقد ندبه لفتح خيبر بعد فرار من فر منها - (لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله) ودفعها إلى علي، فكان من ظفره ما وافق خبر النبي عليه السلام. # ثم قال (أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين) فوصف من عناه بالتواضع للمؤمنين والرفق بهم والعزة للكفار، والعزيز على الكافرين هو الممتنع في أن ينالوه مع شدة مكانته منهم، وهذه أوصاف أمير المؤمنين. # ثم قال (يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم) ولا يخفى قصور كل مجاهد من منزلته ولم يقارب أحد رتبته، وهو الذي ما ولى الدبر قط، فاختصاصه بالآية أولى. ms234 # وروي أنه عليه السلام قال يوم البصرة: والله ما قوتل أهل هذه الآية حتى اليوم، وتلا (يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه) (1). # ومثل ذلك قال عمار وحذيفة وابن عباس. # (فصل) وقرئ (من يرتد) و (من يرتدد)، وهو من الكائنات التي أخبر عنها في القرآن قبل كونها. # وقيل كان أهل الردة أحدى عشرة فرقة، ثلاث في عهد رسول الله: بنو مدلج، ورئيسهم ذو الخمار، وهو الأسود العنسي، وكان كاهنا تنبأ باليمن واستولى على بلاده وأخرج عمال رسول الله فبيته فيروز الديلمي فقتله، وأخبر رسول الله بقتله ليلة قتل، # PageV01P370 # فسر المسلمون وقبض رسول الله من الغد. وبنو حنيفة قوم مسيلمة الذي تنبأ. وبنو أسد قوم طليحة بن خويلد تنبأ أيضا ثم أسلم وحسن اسلامه. وثمان بعد وفاة رسول الله وكفى الله أمرهم. # وقوله (فسوف يأتي الله بقوم) قيل هم الأنصار، وقيل ضرب رسول الله يده على متن سلمان وقال: هذا وذووه. ثم قال: لو كان الايمان معلقا بالثريا لناله رجال من فارس. والتقدير فسوف يأتي الله بقوم مكانهم أو بقوم مقامهم. # وانما لم يقل (أذلة للمؤمنين) لان الذل يضمن معنى الحنو والعطف، كأنه قيل عاطفين عليهم على وجه التذلل. # (فصل) وقوله تعالى ﴿ان الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا لم يكن الله ليغفر لهم﴾ (١) يعنى بذلك أهل النفاق انهم أظهروا الايمان ثم ازدادوا كفرا بموتهم على الكفر. # ثم اعلم أن المرتد عندنا على ضربين: # مرتد عن فطرة الاسلام بين المسلمين، متى كفر فإنه يجب قتله ولا يستتاب ويقسم ماله بين ورثته، وتعتد منه زوجته عدة المتوفى عنها زوجها من يوم ارتد. # والاخر من أسلم من كان أسلم ثم كفر ثم ارتد، فهذا يستتاب ثلاثا، فان تاب والا وجب عليه القتل، ولا يستتاب أكثر من ذلك. # والمرأة إذا ارتدت تستتاب على كل حال، فان تابت والا حبست حتى تموت، ولا تقتل بحال، وفيه خلاف. # وقال تعالى ﴿ان جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا﴾ (2) نزلت في الوليد بن ms235 عقبة لما بعثه # PageV01P371 # رسول الله في صدقات بنى المصطلق خرجوا يتلقونه فرحا به، فظن أنهم هموا بقتله فرجع إلى النبي عليه السلام فقال إنهم منعوا زكواتهم، وكان الامر بخلافه (١). # ثم قال (وان طائفتان من المؤمنين اقتتلوا) قتل بعضهم بعضا، أي من كان على ظاهر الايمان ﴿فأصلحوا بينهما﴾ (٢) حتى يصطلحا، فان بغت إحدى الطائفتين على الأخرى، بأن تطلب ما لا يجوز لها وتطالب الأخرى ظالمة لها، فقاتلوا الظالمة حتى ترجع إلى طاعة الله، فان رجعت بالقول فلا تميلوا على واحدة [منها وأقسطوا. # قيل نزلت في قبيلتين من الأنصار وقع بينهم قتال] (٣). # (باب الزيادات) قوله تعالى ﴿ان عدة الشهور عند الله اثنى عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم﴾ (٤). # جعل ضمير الأشهر الحرم الهاء والنون في (فيهن) لقلتهن، وضمير شهور السنة الهاء والألف في منها لكثرتها، ولذلك يقولون لأربع خلون في التاريخ ولعشرين بقيت. وعلى هذا ما جاء في التنزيل ﴿وقالوا لن تمسنا النار الا أياما معدودة﴾ (٥) في سورة البقرة، وقال في سورة آل عمران ﴿الا أياما معدودات﴾ (6) كأنهم قالوا أولا تطول المدة التي تمسهم فيها النار، ثم تراجعوا عنه فقصروا تلك المدة. # PageV01P372 # وقيل الضمير في قوله (فيهن) أيضا يرجع إلى الشهور، وخالف في العبارة كراهة التكرار. # (مسألة): # إذا نزل الامام بالجيش في الغزو على أهل بلد هل له حصره والمنع لمن يريد الخروج منه من الكفار؟ # قلنا: له ذلك، لقوله ﴿واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد﴾ (١)، كما فعل رسول الله صلى الله عليه وآله، فإنه حاصر أهل الطائف. # (مسألة): # فان قيل: لم ترك أمير المؤمنين القتال مع معاوية وقد كان لاح له وجه الظفر ولكن لما رفعوا المصاحف كف عنهم، هلا كان يضربهم بالسيف حتى يهلكوا أو يفيئوا إلى أمره كما قال تعالى ﴿فقاتلوا التي تبغى حتى تفئ إلى أمر الله﴾ (٢) وقال ﴿وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله﴾ (٣)؟. # الجواب: انه لما التقى الجمعان دعا علي عليه السلام معاوية ms236 وأحزابه إلى ما في كتاب الله وقال: بيننا وبينكم القرآن، اقتداءا منه بحكم الله وبدعائه أهل الكتاب إلى ما يجدوا في التوراة والإنجيل من تصديق محمد وصحة نبوته صلى الله عليه وآله، فقال في الذين آمنوا منهم بمحمد ﴿الذين يتبعون الرسول النبي الأمي﴾ (4) # PageV01P373 # الآية، وقال في الذين وجدوا ذكره فيهما ولم يؤمنوا به ﴿ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا ولما جاءهم ما عرفوا كفروا به﴾ (١)، وقال ﴿ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم﴾ (٢). # ولو أن عليا ابتدأ بالقتال قبل الزام أهل الشام الحجة من الكتاب دخل في زمرة من قال (وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا منهم فريق معرضون) إلى قوله ﴿بل أولئك هم الظالمون﴾ (٣). # فدعاهم أولا إلى ما قاله القرآن ليكون من جملة من قال سبحانه ﴿انما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون﴾ (4). # فعلي كان المنقاد لأمر الله والعامل به والراضي بحكمه، ومعاوية وأصحابه كانوا التاركين لأمر الله والمعرضين عن العدل، ولما علموا أنهم متى حاكموا عليا بما في القرآن وأذعنوا للانصاف وأقروا لذي الفضل بفضله التزموا الظلم والبغي وباؤا بغضب من الله ولم يفيئوا إلى أمر الله، فلذلك دافعوا التحكيم بكتاب الله في عنفوان الامر وأبوا الا القتال، إلى أن ضاق عليهم الامر وأصابهم وقع السيف ففزعوا إلى رفع المصاحف هنالك، فرفعوا على الأسل والتجأوا إلى التحكيم الذي قد كان علي عليه السلام دعاهم إليه أولا فأبوا. # وانما كان دعاء علي عليه السلام إياهم إلى ما في كتاب الله أولا ثقة منه بتحقيق # PageV01P374 # أمره، وعلما بأن الكتاب يحكم له عليهم، وأنهم لو حاكموا عليا في أول ما دعاهم إلى ما في القرآن لوجدوه من السابقين الأولين من المهاجرين، ووجدوه من المجاهدين الذين لا يقاس به القاعدون، ومن المؤمنين بالغيب، ومن أولياء الله الذين ms237 يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون، ومن العلماء الذين يتقون الله حق تقاته، ومن الموفين بالنذر المطعمين على حب الله المسكين واليتيم والأسير (١)، ووجدوا أباه أبا طالب أشد من حامى رسول الله، ووجدوا معاوية في الطلقاء وأبناء الطلقاء، فلما نابهم حر القتل أمر برفع المصاحف. # وكان علي عليه السلام يقول لأهل العراق - حين قالوا له: يا أمير المؤمنين قد أنصفك حين دعاك إلى ما في الكتاب فإن لم تجبه إلى ذلك شددنا مع العدو عليك فان الله يقول ﴿فان تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول﴾ (٢) - فقال علي عليه السلام: كلمة حق يراد بها باطل، اصبروا على ابن هند ساعة يفتح الله لكم. # ولما لم ينجع كلامه منهم وأبى الذين فسدت قلوبهم من أصحابه الا النزول عند حكم معاوية وضع علي عليه السلام نفسه موضع المستضعفين المعذورين وعمل على قول الله ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ (٣)، وكانوا يشتدون عليه ليجيب معاوية إلى ما كان يدعو إليه من التحكيم حتى قال: لا رأي لمن لا يطاع. # وقد بين الله عذر علي عليه السلام في ذلك بقوله ﴿الان خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فان يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين﴾ (4) الآية. # فألف من المؤمنين إذا قاتلوا ألفين من الكافرين هم اكفاء بعضهم لبعض، فإذا استأمن رجل واحد من المؤمنين مرتدا إلى الكفار وصار الكفار زيادة على الألفين # PageV01P375 # برجل واحد وانحط المؤمنون إلى تسعمائة وتسعة وتسعين فهم في سعة ورخصه إذا انهزموا ولم يقاتلوا، ولا حرج عليهم متى نقص من ألفهم واحد وزاد في ألفي الكفار. # فإذا رخص الله للمؤمنين أن ينحجزوا عن قتال الكفار متى نقص واحد من ألف منهم فزاد على ألفي الكفار، فلان يرخص لمولانا أمير المؤمنين أن يمسك عن قتال قوم كانوا في الأصل أضعاف أصحابه، ثم وجد بعض أصحابه قد صار أعدى عليه من أعدائه، والله تعالى يقول ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾ (١) ويقول ﴿ولا تقتلوا أنفسكم﴾ (٢) ويقول لمن كانوا أكفاء لأعدائهم كالألف من المؤمنين مع الألفين ms238 من الكفار سواء بعضها لبعض ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الادبار﴾ (3) الآية (4). # PageV01P376 # كتاب الديون (والكفالات والحوالات والوكالات) نقدم ذكر الدين لان الثلاثة الأخر على الأغلب تكون من توابعه. # و (دان) من الأضداد، يقال دينه أي أقرضه، ودان استقرض أيضا (١). # (باب احكام الدين) قال الله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه﴾ (2) اعلم أن أخذ الدين قد يكون مباحا ومكروها ومحظورا وواجبا ومستحبا، والآية تدل على جواز أخذ الدين لمن له مال يقضي به أو من يقضى عنه. ومع هذا الشرط عند الاضطرار ربما يكون ندبا أو واجبا. # PageV01P377 # وقول النبي عليه السلام (الدين شين الدين) (1) يدل على كراهيته، فإن لم يكن له ما يقضي به دينه ولا ولي يعلم أن مات قضاه عنه في غيبة الامام فلا يتعرض البتة للدين. # (فصل) قوله تعالى (إذا تداينتم) أي إذا دان بعضكم بعضا، يقال داينت الرجل إذا عاملته بدين آخذا أو معطيا، كما تقول بايعته إذا بعته أو باعك. والمعنى إذا تعاملتم بدين موجل فاكتبوه. # فأن قيل: أي حاجة إلى ذكر الدين مع قوله (إذا تداينتم) وما فائدة قوله (مسمى)؟. # قلنا: انما ذكر الدين ليرجع الضمير إليه في قوله (فاكتبوه) إذ لو لم يذكر لوجب أن يقال فاكتبوا الدين، فلم يكن النظم بذلك الحسن، ولأنه أبين لتنويع الدين إلى مؤجل وحال. وانما قال (مسمى) ليعلم أن من حق الاجل ان يكون معلوما كالتوقيت بالسنة والأشهر والأيام. ولو قال إلى الحصاد أو الدياس أو رجوع الحاج لم يجز لعدم التسمية. # وانما أمر بكتب الدين لأنه أوثق وآمن من النسيان وأبعد من الجحود. والامر هنا للندب. # وعن ابن عباس المراد به السلم، وقال: لما حرم الله الربا أباح السلف. # وقال: أشهد أن الله أباح السلم المضمون إلى أجل معلوم في كتابه وأنزل فيه أطول آية. # وقيل: انما قال (بدين) على وجه التأكيد، ولا يختص (تداينتم) بالدين خاصة دون الدين الذي هو الجزاء، و (أجل مسمى) ms239 معلوم. # PageV01P378 # وقوله تعالى (فاكتبوه) ظاهره الامر بالكتابة، واختلفوا في مقتضاه: فقال أبو سعيد الخدري والشعبي والحسن هو مندوب إليه، وقال الربيع وكعب هو فرض والأول أصح لاجماع أهل عصرنا عليه، ولقوله تعالى (فان أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته)، ومفهومه فان أمنه فيما له أن يأمنه. # وقال الأكثرون حكم الآية في كل دين من سلم أو غيره أو تأخير ثمن في بيع، وهو الأقوى لأنه العموم. فأما القرض فلا مدخل له فيه، لأنه لا يكون مؤجلا، والقرض فيه ثواب جزيل وهو أفضل من الصدقة. # (فصل) ثم قال تعالى (وليكتب بينكم كاتب بالعدل) أي كاتب مأمون على ما يكتبه يكتب بالسوية والاحتياط، لا يزيد على ما يجب أن يكتب ولا ينقص، فقوله (بالعدل) متعلق بكاتب صفة له. # وقيد أن يكون الكاتب فقيها عالما بالشروط حتى يجئ مكتوبه معدلا بالشرع، وهو أمر للمبتدئين بتخير الكاتب وان لا يستكتبوا الا فقيها دينا، ولا يمتنع أحد من الكتاب أن يكتب كتابة الوثائق ولا يغير ولا يبدل. # وذكرنا كراهية الدين الا عند الضرورة. # ومن لا يملك شيئا يقضى به دينه فليقبل الصدقة ولا يتعرض للدين، لان الصدقة حق جعلها الله له في الأموال. # وفى هذه الآية أحد وعشرون حكما: (إذا تداينتم) حكم (فاكتبوه) حكم، (وليكتب بينكم) حكم، (بالعدل) حكم، (ولا يأب كاتب) حكم، (وليملل) حكم، (ولا يبخس) حكم، (فإن كان الذي عليه الحق سفيها) حكم، (أو ضعيفا) حكم، (أولا يستطيع) حكم، (فليملل وليه) حكم (بالعدل) حكم واستشهدوا) PageV01P379 # حكم، (شهيدين) حكم (١)، (من رجالكم) حكم، (فرجل وامرأتان) حكم، (ممن ترضون من الشهداء) حكم، (ولا يأب الشهداء) حكم، (ولا تسأموا) حكم، (الا أن تكون تجارة حاضرة) حكم، (وأشهدوا إذا تبايعتم) حكم، (ولا يضار كاتب) حكم، (ولا شهيد) حكم (٢). # (فصل) حدث موسى بن بكر قال: قال لي أبو الحسن عليه السلام: من طلب الرزق من حله ليعود به على عياله ونفسه كان كالمجاهد في سبيل الله، فان غلب عليه فليستدن على الله وعلى رسوله ما يقوت به عياله، ms240 فان مات ولم يقضه كان على الامام قضاؤه فإن لم يقضه كان عليه وزره، ان الله تعالى يقول ﴿انما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفى الرقاب والغارمين﴾ (3) فهو فقير مسكين مغرم (4). # وعن سلمة قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: الرجل منا يكون عنده الشئ يتبلغ به وعليه دين، أيطعمه عياله حتى يأتي الله بميسرة فيقضي دينه أو يستقرض على ظهره [في خبث الزمان وشدة المكاسب] (5) أو يقبل الصدقة؟ قال: يقضي بما عنده دينه [ولا يأكل أموال الناس الا وعنده ما يؤدى به حقوقهم، ان الله تعالى يقول] (6) # PageV01P380 # (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل الا أن تكون تجارة عن تراض بينكم) ١ فلا يستقرض على ظهره الا وعنده وفاء، ولو طاف على أبواب الناس فردوه باللقمة واللقمتين [والتمرة والتمرتين] (٢)، الا أن يكون له ولي يقضي دينه من بعده (٣). # وهذا مخصوص بحال الغيبة فلا ينافي الأول. # (باب قضاء الدين وحكم المدين المعسر) اعلم أن وجوب قضاء الدين يعلم ضرورة، ولذلك يعلمه كل عاقل لأنه من الواجبات العقلية، ولما كان كذلك بين الله في كتابه بقوله ﴿وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة﴾ (4) فان المدين متى كان معسرا لم يجز لصاحب الدين مطالبته والالحاح عليه، بل ينبغي أن يرفق به وينظره إلى أن يوسع الله عليه. # وأشار سبحانه من فحوى الآية إلى وجوب قضاء الدين أيضا إذا طالبه صاحبه إن كان حالا أو نزل محله، لان معناها وان وقع غريم من غرمائكم ذو عسرة واعسار فالحكم والامر نظرة، وهي من الانظار، إلى ميسرة أي إلى يسار. ويجوز أن يكون (كان) ناقصة، والتقدير وإن كان ذو عسرة غريما لكم أو من غرمائكم إن كان معسرا فعليه نظرة. # وهل الانظار واجب في كل دين أوفى دين الربا فقط، قيل فيه ثلاثة أقوال: # أحدها قال شريح وإبراهيم انه في دين الربا خاصة. والثاني قال ابن عباس في كل دين، وهو قول أبى جعفر عليه السلام. الثالث أن المراد بالآية يجب في دين الربا، # PageV01P381 # لان ms241 الكلام متصل بذلك. والثاني هو الصحيح، لعموم الكلام في كل دين، لان لكل كلام حكم نفسه وان نزل في حكم خاص وسبب مخصوص. # واستدل على أنه يجب في كل دين بأنه لا يخلو اما أن يجب في ذمته أو في رقبته أو في عين ماله، فلو كان في رقبته لكان إذا مات بطل وجوبه، ولو كان في عين ماله كان إذا هلك ماله بطل وجوبه، فصح أنه في ذمته ولا سبيل له عليه في ذلك من جنس أو غيره. # والغريم لا يخلو اما أن يكون له شئ أولا يكون، فإن لم يكن له شئ أصلا يجب لصاحب الدين أن لا يلزمه ذلك ولا يحسبه. وان كانت له دار وكانت واسعة كبيرة يستحب لصاحب الدين ان يصبر عليه، وإن كان له مال ومطل جاز للحاكم حبسه، فان دافع به أيضا كان له أن يبيع متاعه ويقضى عنه ما وجب عليه. # وقوله (إلى ميسرة) معناه إلى أن يوسع الله عليه. وقال أبو جعفر عليه السلام إلى أن يبلغ خبره الامام فيقضي عنه من سهم الغارمين إذا كان أنفقه [في معروف (1)، وإن كان لا يعلم في ماذا أنفقه أو علم أنه أنفقه] (2) في معصية لم يجب عليه القضاء عنه، بل إذا وسع الله عليه قضى عن نفسه. # ويجوز أن يعطى من سهم الفقراء والمساكين شئ ويقضي هو به دينه (3). # (فصل) ثم قال تعالى (وأن تصدقوا خير لكم) معناه وتصدقكم على المعسر بما عليه من الدين خير لكم. # PageV01P382 # (وان تصدقوا خير لكم) ندب إلى أن يتصدقوا برؤس أموالكم وبديونكم كلها على من أعسر من غرمائكم أو ببعضها، [لقوله ﴿وان تعفوا أقرب للتقوى﴾ (١). # وقيل أريد بالتصدق الانظار] (٢) لقوله عليه السلام: لا يحل دين رجل مسلم فيؤخره الا كان له بكل يوم صدقة. # (ان كنتم تعلمون) انه خير لكم فتعلموا به، جعل من لا يعلم به وان علمه كان لا يعلمه، والصدقة أحسن لقوله ﴿من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها والله يضاعف لمن يشاء﴾ (٣). # وسأل أبا ms242 الحسن الرضا عليه السلام رجل فقال: ان الله تعالى يقول (وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة) أخبرني عن هذه النظرة التي ذكرها الله في كتابه لها حد يعرف به إذا صار المعسر إليه لابد له من أن ينظر وقد أخذ مال هذا الرجل وأنفقه على عياله وليس له غلة ينتظر ادراكها ولا دين ينتظر محله ولا مال غائب ينتظر قدومه قال: نعم ينتظر بقدر ما ينتهي خبره إلى الامام فيقضي عنه ما عليه من سهم الغارمين إذا كان أنفقه في طاعة الله، وإن كان أنفقه في معصية الله فلا شئ له على الامام. # [قيل: فإن لم يعلم] (٤) فيما أنفقه أفي طاعة الله أم في معصيته. قال: يسعى له في ماله فيرده عليه وهو صاغر (٥). # (باب القرض) قال الله تعالى ﴿ان تقرضوا الله قرضا حسنا يضاعفه لكم ويغفر لكم﴾ (6) الآية، # PageV01P383 # القرض على ما روي بثماني عشر، والآية تدل على زيادة فضله على الصدقة. # والمراد ان تقرضوا أيها الأغنياء الفقراء الذين هم أولياء الله، لأنه تعالى هو الغني على الحقيقة لا يحتاج إلى شئ. # وقال الصادق عليه السلام في قوله تعالى ﴿لاخير في كثير من نجواهم الا من أمر بصدقة أو معروف﴾ (١). قال: يعني بالمعروف القرض (٢). وانما حرم الربا ليتقارض الناس. # قال أبو جعفر عليه السلام: من أقرض قرضا إلى ميسرة كان ماله في زكاة، وكان هو في صلاة من الملائكة حتى يقضيه (٣). # وإذا أقرض انسان مالا فرد المستقرض عليه أجود منه من غير شرط لم يكن به بأس، وكذلك ان رد عليه زيادة على ما أخذ من غير شرط، لقوله تعالى (وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أوردوها). # (باب قضاء الدين عن الميت) قال الله تعالى ﴿من بعد وصية يوصي بها أو دين﴾ (4). # يجب أن يقضى الدين عن الميت من أصل تركته، وهو أول ما يبدأ به بعد الكفن، ثم تليه الوصية. # فان قيل: لم قدمت الوصية على الدين في الآية والدين مقدم عليها في الشريعة. # قلنا: لما كانت الوصية ms243 مشبهة للميراث في كونها مأخوذة من غير عوض كان # PageV01P384 # اخراجها مما يشق على الورثة ويتعاظمهم، فكان أداؤها مظنة للتفريط، بخلاف الدين فان نفوسهم مطمئنة إلى أدائه، فلذلك قدمت على الدين بعثا على وجوبها والمسارعة إلى اخراجها بعد الدين. # وقضاء الدين عند حلول الأجل انما يجب مع المطالبة، فمن مات وعليه دين مؤجل حل أجل ما عليه ولزم ورثته الخروج عما كان عليه من ماله وتركته، وكذلك إن كان له دين (١) مؤجل حل أجل ماله وجاز للورثة المطالبة به في الحال. # ومطل الدين ودفعه مع القدرة ظلم، فمن عليه دين لا ينوي قضاءه كان بمنزلة السارق، وإذا كان عازما على قضائه أعانه الله عليه وكان له بذلك أجر كبير، فان حضرته الوفاة أوصى إلى من يثق به أن يقضي عنه. # وانما قدم الله الوصية على الدين في القرآن في الآيتين في سورة النساء مع وجوب البدءة بالدين ثم بالوصية - على ما أمر به على لسان رسوله - لان أولا يوجب الترتيب لأنه لاحد الشيئين، فكأنه قال من بعد أحد هذين مفردا أو مضموما إلى الاخر، ولان وجوب رد الدين يعلم عقلا، فقدم الله في اللفظ الوصية عليه اشعارا بأنه أيضا واجب، وان اخراج الدين من أصل التركة واخراج الوصية من ثلثها. # على أن الوصية أعم من الدين فحسن تقديمها لفظا، فان الدين يدخل فيها فالمحتضر يوصي بدينه. والغالب من أحوال من يحضره الموت الوصية، والدين لا يكون الا نادرا. # (باب الصلح) وهو من توابع الدين وغيره، فربما يضطر فيه إليه. # قال الله تعالى ﴿فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير﴾ (2). # PageV01P385 # وهذا على العموم، فالصلح جائز بين المسلمين ما لم يؤد إلى تحريم حلال أو تحليل حرام. # وقال تعالى ﴿لاخير في كثير من نجواهم الا من أمر بصدقة أو معروف أو اصلاح بين الناس﴾ (١). # فعلى هذا إذا كان لرجلين لكل واحد عند صاحبه شئ تعين لهما ذلك أولم يتعين فاصطلحا على أن يتتاركا ويتحللا كان جائزا. وكذلك من كان له دين ms244 على غيره آجل فيقضي عنه شيئا وسأل تعجيل الباقي كان سائغا لقوله تعالى ﴿ان يريدا اصلاحا يوفق الله بينهما﴾ (٢). # والشريكان إذا تقاسما واصطلحا على أن يكون الربح والخسران على واحد منهما ويرد على الاخر رأس ماله على الكمال أيضا جائز، لقوله تعالى (فأصلحوا بينهما). # وهذه الآيات كلها بعمومها تدل على كل صلح لا يخالف الشريعة. # والصلح ليس بأصل في نفسه، وانما هو فرع على العين، وهو على خمسة أضرب. # (باب الكفالة) قال تعالى حكاية عن يعقوب ﴿لتأتيني به الا أن يحاط بكم﴾ (٣) وقول ولده ليوسف ﴿فخذ أحدنا مكانه﴾ (4) وذلك كفالة البدن. # واعلم أن الكفالة بالنفس والمال في الشرع جائزة، ولا تصح الا بأجل وان # PageV01P386 # كانت الكفالة ندامة وغرامة، قال تعالى ﴿ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم﴾ (١) اي كفيل به وضمين له، وأنشد: # فلست بآمن فيها بسلم * ولكني على نفسي زعيم (٢) وانما قال (وأنا به زعيم) وقبله ذلك جمع (قالوا نفقد صواع الملك) لان زعيم القوم يتكلم عنهم. # وسأل أبا عبد الله عليه السلام أبو العباس عن الرجل يكفل بنفس الرجل إلى اجل فإن لم يأت به فعليه كذا وكذا؟ قال: ان جاء به إلى أجل فليس عليه مال وهو كفيل بنفسه أبدا إلى أن يبدأ بالدراهم [فأن بدأ بالدراهم] فهو له ضامن ان لم يأت به إلى الاجل الذي أجله (٣). # بيان ذلك: ان من ضمن غيره إلى اجل فإن لم آت به كان علي كذا، وحضر الاجل لم يلزمه الا احضار الرجل، وان قال علي كذا إلى كذا ان لم أحضر فلانا ثم لم يحضره وجب عليه ما ذكره من المال. # وإذا تكفل رجل ببدن رجل لرجل عليه مال أو يدعي عليه مالا، ففي الناس من قال يصح ضمانه، وفيهم من قام لا يصح ضمانه. والأول أقوى، للآية التي تقدمت. # (باب الحوالة) هي عقد من العقود يجب الوفاء به، لقوله تعالى ﴿أوفوا بالعقود﴾ (4). ووجوب الوفاء يدل على جوازه. # PageV01P387 # وقال النبي صلى الله عليه وآله: إذا أحيل أحدكم على ms245 ملي فليحتل. # وأجمعت الأمة على جواز الحوالة وان اختلفوا في مسائل منها. # والحوالة مشتقة من تحويل الحق من ذمة إلى ذمة، يقال: أحاله بالحق عليه تحيله واحتال قبله الحوالة. # والحوالة انما تصح في الأموال التي هي ذوات أمثال، ولا تصح الا بشرطين: # اتفاق الحقين في الجنس والنوع والصفة، وأن يكون الحق مما يصح فيه أخذ البدل قبل قبضه. # وقد بينا أن الضمان جائز للكتاب والسنة، فالكتاب ما تلوناه من سورة يوسف من قوله (وأنا به زعيم). # وليس لاحد أن يقول: ان الحمل مجهول لا يصح الكفالة به والضمان فيه، وذلك أن الحمل حمل بعير وهو ستون وسقا عند العرب. # وأيضا فإنه مال الجعالة، وذلك عندنا يصح ضمانه لأنه يؤول إلى اللزوم، ومن لم يجز ضمان مال الجعالة وضمان مال المجعول قال أخرجت ذلك بدليل والظاهر يقتضيه. # وخطب النبي عليه السلام يوم فتح مكة فقال في خطبته: العارية مؤداة والمنحة مردودة والدين مقضى والزعيم غارم. يعني الكفيل يغرم. # فإذا ثبت صحة الضمان فمن شرطه وجود ثلاثة اشخاص: ضامن، ومضمون له، ومضمون عنه. وليس من شرط الضمان معرفتهما. والله أعلم. # (باب الوكالة) قال الله تعالى حكاية عن أصحاب الكهف ﴿فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة فلينظر أيها أزكى طعاما فليأتكم برزق منه﴾ (1). أي قال بعضهم لبعض: ابعثوا # PageV01P388 # من يتصرف لكم في البيع والشراء. فلما قبل المبعوث القيام بما وكلوه إليه وضمن ما وكلوه فيه فقد صار وكيلا لهم ويصح شراؤه وبيعه. # وقال تعالى ﴿فلما جاوزا قال لفتاه آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا﴾ (1). # و (الفتى) الرجل الشاب، وانما أضيف موسى لأنه كان يخدمه ويكل هو إليه كثيرا من أموره الدنياوية وموكله فيها، والعرب تسمي خادم الرجل ووكيله (فتاه) وإن كان شيخا. # والوكالة يعتبر فيها شرط الموكل، ان شرط في خاص من الأشياء لم يجز له فيما عداه، ألا ترى إلى قوله (فلينظر أيها أزكى طعاما). # وقوله (أزكى طعاما) أي أنمى بأنه طاهر حلال، لان أهل تلك المدينة كان أكثرهم كفارا ms246 وقت خروجهم منها، كانوا يذبحون للأوثان وهم أرجاس، فأشاروا بأن لا يشتري غير الطعام الطاهر. و (فليتلطف) في شرائه واخفاء أمره (ولا يشعرن بكم أحدا) وان ظهر عليه فلا يوقعن إخوانه فيما وقع هو فيه. # وان شرط الموكل أن تكون الوكالة عامة كان هو الوكيل على العموم. # وروي عن جابر أنه قال: أردت الخروج إلى حنين (2) فأتيت رسول الله صلى الله عليه وآله وقلت: اني أريد الخروج إلى حنين (2). فقال عليه السلام: إذا اتيت وكيلي فخذ منه خمسة عشر وسقا، فان ابتغى منك آية فضع يدك على ترقوته (3). فأثبت عليه السلام لنفسه وكيلا. # وكل عليه السلام أيضا حكيما بن حزام في شراء شاة. # ومن وكل غيره في مطالبة أو محاكمة وقبل الغير ذلك منه صار وكيله، يجب # PageV01P389 # له ما يجب لموكله ويجب عليه ما يجب على موكله، الا ما يقتضيه الاقرار من الحدود والآداب والايمان. # (فصل) ومن وكل رجلا على امضاء أمر من الأمور فالوكالة ثابتة ابدا حتى يعلمه بالخروج منه كما اعلمه بالدخول فيه. وعن عمر بن حنظلة عن أبي عبد الله عليه السلام في رجل قال لاخر اخطب لي فلانة فما فعلت في شئ من صداق أو ضمنت من شئ أو شرطت فذلك رضائي وهو لازم لي، ولم يشهد على ذلك، فذهب فخطب له وبذل عنه الصداق وغير ذلك مما طالبوه وسألوه، فلما رجع إليه أنكر هو ذلك كله. قال: يغرم لها نصف الصداق عنه، وذلك أنه هو الذي ضيع حقها لما لم يشهد عليه بذلك الذي قال له، وحل لها ان تتزوج، ولا يحل للأول فيما بينه وبين الله ان يطلقها، لان الله يقول ﴿فامساك بمعروف أو تسريح باحسان﴾ (1)، فإن لم يفعل فإنه مأثوم فيما بينه وبين الله (2). # ولا يجوز لحاكم ان يسمع من متوكل لغيره الا بعد أن تقوم له عنده البينة بثبوت وكالته عنه. # وسئل عليه السلام عن رجل قبض صداق بنته من زوجها ثم مات هل لها ان تطالب زوجها بصداقها أو قبض أبيها ms247 قبضها؟ فقال عليه السلام: ان كانت وكلته بقبض صداقها من زوجها فليس لها ان تطالبه، وان لم تكن وكلته فلها ذلك ويرجع الزوج على ورثة أبيها بذلك، الا أن تكون صبية في حجره فيجوز لأبيها ان يقبض عنها. (3) # PageV01P390 # ومتى طلقها قبل الدخول فعفى عن بعض المهر من له العفو جاز ذلك، وليس له ان يعفو عن جميع المهر، وهو الذي بيده عقدة النكاح من أحد ثلاثة، وذلك قوله (الا ان يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح)، يعنى الأب والجد مع وجود الأب والذي توكله المرأة وتوليه أمرها من الجد مع عدم الأب أو أخ أو قرابة أو غيرهما. # (فصل) فإذا ثبت جواز الوكالة فالكلام بعد في بيان ما يجوز التوكيل فيه وما لا يجوز، ونأتي به على كتب الفقه: # فالطهارة لا يصح التوكيل فيها، وإذا استعان بغيره في صب الماء عليه على كراهة فيه، أو غسل أعضائه على خلاف فيه، لان عندنا لا يجوز ذلك مع القدرة، وينوي هو بنفسه رفع الحدث مع الضرورة، وذلك ليس بتوكيل وانما هو استعانة على فعل عبادة. # والصلاة لا يجوز التوكيل فيها، ولا يدخلها النيابة ما دام هو حيا الا ركعتي الطواف تبعا للحج. # والزكاة يصح التوكيل في اخراجها عنه وفى تسليمها إلى أهل السهمان (1) ويصح من أهل السهمان التوكيل في قبضها. # والصيام لا يصح التوكيل فيه، ولا يدخله النيابة ما دام حيا، فإذا مات وعليه الصوم أطعم عنه وليه أو صام عنه في الموضع الذي وجب عليه وفرط فيه. وكذا في الصلاة على بعض الوجوه. # والاعتكاف لا يصح التوكيل فيه بحال ولا يدخله النيابة بوجه. # PageV01P391 # والحج لا يدخله النيابة مع القدرة عليه بنفسه، فإذا عجز عنه بزمانة أو موت أو منع دخلته النيابة. # والبيع يصح فيه التوكيل مطلقا في ايجابه وقبوله وتسليم المال فيه وتسلمه. # وكذا يصح التوكيل في عقد الرهن وفي قبضه. # ولا يتصور التوكيل في التفليس. # واما الحجر فللحاكم ان يحجر بنفسه، وله ان يستنيب غيره فيه. # والصلح في معنى ms248 البيع يصح التوكيل فيه. # والحوالة يصح فيها التوكيل، وكذا في عقد الضمان والشركة. # ويصح أيضا التوكيل في الوكالة [فيوكل رجلا في توكيل آخر] (1) عنه. # والاقرار هل يصح فيه التوكيل أم لا؟ فيه خلاف. # والعارية يصح فيها التوكيل لأنها هبة خلاف. # والعارية يصح فيها التوكيل لأنها هبة منافع. # والغصب لا يصح التوكيل فيه، فإذا وكل رجل في الغصب فغصبه فالحكم يتوجه على الذي باشر الغصب، كما يتوجه عليه بأن لو غصبه بغير أمر أحد. # والشفعة يصح التوكيل في المطالبة بها. # وكذا يصح في القراض والمساقاة والإجارة واحياء الموات. # وكذا التوكيل في العطايا والهبات والوقف. # ولا يصح التوكيل في الالتقاط، فإذا وكل غيره في التقاطه لقطة تعلق الحكم بالملتقط لا بالامر، وكان الملتقط بها أولى. # والميراث لا يصح التوكيل فيه الا في قبضه واستيفائه. # والوصايا يصح التوكيل في عقدها وقبولها. # والوديعة يصح التوكيل فيها أيضا. # PageV01P392 # وقسم الفئ فللام أن يتولى قسمته بنفسه وله أن يستنيب غيره فيه. # والصدقات حكمها حكم الزكوات، وقد قلناه. # والنكاح يصح فيه التوكيل في الولي والخاطب، وكذا التوكيل في الصدقات يصح أيضا، [ويصح التوكيل في الخلع لأنه عقد بعوض] (1) ولا يصح التوكيل في القسم بين الزوجات لان الوطأ يدخل فيه فلا نيابة فيه. # واما الطلاق فيصح التوكيل فيه، يطلق عنه الوكيل مع غيبته، والرجعة فيها خلاف ولا يمتنع ان يدخلها التوكيل. # والرضاع لا يصح فيه التوكيل، لأنه يختص التحريم بالمرضع والمرضع (2). # و [النفقات يصح التوكيل في طرفها إلى من يجب، ولا] (3) يصح التوكيل في الايلاء والظهار واللعان لأنها أيمان. # والعدد لا يدخلها النيابة ولا يصح فيها التوكيل، [والجنايات لا يصح فيها التوكيل] (3) فكل من باشر الجناية تعلق به حكمها. # والقصاص يصح في اثباته التوكيل ولا يصح في استيفائه يحضره الولي ويصح في غيبته عندنا. # والديات يصح التوكيل في تسليمها وتسلمها. # والقسامة لا يصح فيها التوكيل لأنها أيمان. # والكفارات يصح التوكيل فيها كما يصح في الزكوات. # وقتال أهل البغي للامام أن يستنيب فيه. # والحدود للامام أيضا أن يستنيب في ms249 اقامتها، ولا يصح التوكيل في تثبتها، لأنه لا تسمع الدعوى فيها. # PageV01P393 # وحد القذف حق الآدميين حكمه حكم القصاص يصح التوكيل فيه. # والأشربة لا يصح التوكيل فيها، فكل من شرب الخمر فعليه الحد دون غيره. # والجهاد لا يصح النيابة فيه بحال، لان كل من حضر الصف توجه فرض القتال وكيلا كان أو موكلا. وقد روى أصحابنا أنه يدخله النيابة على بعض الوجوه والأقوى أن لا يدخل الجزية التوكيل. # [والذبح يصح التوكيل فيه. # وكذا السبق والرماية، لأنه إجارة أو جعلا وكلاهما يدخل فيه التوكيل] (١). # والايمان والنذور لا يصح التوكيل فيها. # والقضاء يصح النيابة فيه. # وكذا في الشهادات يصح الاستنابة فيها، فتكون شهادة على شهادة، وليس ذلك بتوكيل. # والدعوى يصح التوكيل فيها، لان كل أحد لا يكمل للمخاصمة والمطالبة. # والعتق والتدبير والكتابة يصح التوكيل فيها. # (باب اللقطة والضالة) قال الله تعالى ﴿وألقوه في غيابة الجب يلتقطه بعض السيارة﴾ (٢). # والأصل في ذلك السنة، ويمكن الاستدلال عليها من القرآن بما تلوناها وبقوله تعالى ﴿فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا﴾ (3). # وكل ما يلتقط من الآدميين فحكمه أن يكون حرا، سواء وجد في دار الاسلام أو في دار الحرب. # فأما اللقطة فإنه يجوز أخذ كل ما كان قيمته دون الدرهم منها من غير ضمان # PageV01P394 # ولا تعريف، وكذا ما يوجد في موضوع خرب مدفونا لامن اثر أهل الزمان، وعلى خلافه ما يوجد في الحرم. # وما يجده الانسان في غير الحرم وكان درهما فما فوقه، فإنه يجب تعريفه سنة، فإن لم يجئ صاحبه كان كسبيل ماله، الا أنه يكون ضامنا له متى جاء صاحبه. # والشاة متى وجدها في برية فليأخذها وهو ضامن لقيمتها، فان وجدها في العمران حبسها ثلاثة أيام، فان جاء صاحبها والا تصدق بها عنه. # (باب الزيادات) أما معنى قوله (فاكتبوه) في آية المعاملة بالدين، أي فاكتبوا الدين في صك كيلا يقع فيه جحود أو نسيان، وليكون ذلك نظرا للذي عليه الحق وللذي له الحق وللشهود، فوجه النظر للذي عليه الحق أن يكون أبعد به من ms250 الجحود فلا يستوجب النقمة والعقوبة، ووجه النظر للذي له الحق أن يكون حقه موثوقا بالصك والشهود فلا يضيع حقه، ووجه النظر للشهود أنه إذا كتب خطه كان ذلك أقوم للشهادة وأبعد من السهو وأقرب إلى الذكر (مسألة): # روي عن أبان عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام في الرجل يكون عليه دين إلى أجل مسمى فيأتيه غريمه ويقول: أنقدني من الذي لي كذا وكذا وأضع لك بقيته، أو يقول: أنقدني بعضا وأمد لك في الاجل فيما بقي؟ فقال: لا أرى بأسا ما لم يزد على رأس ماله شيئا، يقول الله تعالى ﴿فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون﴾ (1). # PageV01P395 # (مسألة): # وعن الصادق عليه السلام وقد سأله يزيد العجلي أن علي دينا لأيتام وأخاف ان بعت ضيعتي بقيت ومالي شئ. فقال: لاتبع ضيعتك ولكن اعط بعضا وأمسك بعضا (١). # وعن سماعة بن مهران فيمن عليه الدين؟ قال: يقضي بما عنده دينه ولا يأكل أموال الناس الا وعنده ما يؤدى إليهم حقوقهم، ان الله تعالى يقول ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾ (2). # (مسألة): # وعن الصادق عليه السلام: أفضل ما يستعمله الانسان في اللقطة إذا وجدها أن لا يأخذها ولا يتعرض لها، فلو أن الناس تركوا ما يجدونه لجاء صاحبه وأخذه. # وسئل عن الأضحية يوجد في جوفها جوهر أو غيره من المنافع؟ فقال عليه السلام: عرفها البائع، فإن لم يعرفها فالشئ لك رزقك الله إياه (3). # وأما ما يكون حكمه حكم اللقطة فقد سئل عليه السلام عمن أودعه اللص سرقة ولاخوف على المودع فيه. فقال: لا يردها عليه، فان أمكنه أن يردها على صاحبها فعل والا كان في يده بمنزلة اللقطة يعرفها حولا فان أصاب صاحبها والا تصدق بها عنه. # PageV01P396 # كتاب الشهادات لا يجوز للشاهد أن يشهد حتى يكون عالما بما يشهد به حين التحمل وحين الأداء، لقوله تعالى ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم﴾ (١) وقال ﴿الا من شهد بالحق﴾ (2). # وقال ابن عباس: سئل رسول الله عليه السلام عن الشهادة فقال: هل ترى الشمس؟ ms251 فقال: نعم. قال: على مثلها فاشهد أودع. # وما يصير به عالما من وجوه ثلاثة: سماعا، أو مشاهدة، أوبهما: # أما ما يقع له به مشاهدة فالافعال كالغصب والسرقة والقتل والقطع والرضاع والولادة واللواط والزنا وشرب الخمر، فله أن يشهد إذا علم الشاهد ولا يصير به عالما بغير مشاهدة. # وأما ما يقع العلم به سماعا فثلاثة أشياء: النسب والموت، والملك المطلق. # وأما ما يحتاج إلى سمع والى مشاهدة فهو كالشهادة على العقود كالبيع والسلم والصلح والإجارات والنكاح ونحو ذلك، لابد فيها من مشاهدة المتعاقدين # PageV01P397 # وسماع كلام العقد منهما، لأنه لا يمكن تحمل الشهادة قطعا الا كذلك. # وليس عندنا عقد من العقود من شرطه الشهادة أصلا عند الفقهاء كذلك الا النكاح وحده (١)، وأما الطلاق فمن شرطه اشهاد رجلين عدلين في مجلس واحد. # وقال داود: الشهادة واجبة على البيع لقوله تعالى ﴿وأشهدوا إذا تبايعتم﴾ (٢)، ولقوله عليه السلام: ثلاثة لا يستجاب لهم دعوة: من باع ولم يشهد، ورجل دفع ماله إلى سفيه، ورجل له امرأة فيقول اللهم خلصني منها ولا يطلقها. # وعندنا الآية والخبر يحملان على الاستحباب. # (باب تعديل الشهود ومن تقبل شهادته) قال الله تعالى ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم﴾ (3) أي اطلبوا ان يشهد لكم شهيدان من رجالكم من رجال المؤمنين، والمعنى بالغوا في طلب من يعلم بتعاملكم وهو شهيدان، أي رجلان من أهل الفضل والعدل، لكي ان اختلفتم يبينا الحق من الباطل بما عرفاه من قبل. # والشهادة العلم، والسين للطلب والسؤال. وقال (شهيدين) ولم يقل رجلين ليستغني عن ذكر عدلين، لأنه تعالى قال (وأشهدوا ذوي عدل منكم). # و (الشهيد) اسم للرجل العدل، وهو أبلغ من (شاهد). و (العدل) هو من ظاهره ظاهر الايمان، ويعرف باجتناب الكبائر، ويعرف بالصلاح والعفاف حافظا على الصلوات. # وقال مجاهد في قوله تعالى (من رجالكم) أي من رجالكم الأحرار المسلمين # PageV01P398 # دون الكفار والعبيد. وقال شريح والبستي وأبو ثور: الحرية ليست شرطا في قبول الشهادة. وعندنا هذا هو الصحيح، وانما الاسلام شرط مع العدالة. # ولم يقل واستشهدوا شهيدين من رجالكم في ms252 ذلك اشعارا بأن الاشهاد كما يعتبر في الدين والسلم يراعى في أشياء كثيرة. # (فصل) ثم قال تعالى (فإن لم يكونا رجلين) أي فإن لم يكن الشهيدان رجلين، يعنى ان لم يحضر من يستأهل أن يكون شهيدا من جملة الرجال رجلين (فرجل وامرأتان) أي فليشهد رجل وامرأتان. # والحكم بالشاهد والمرأتين يختص بما يكون مالا أو المقصود به المال، فأما الحدود التي هي حق الله وحقوق الآدميين وما يوجب القصاص فلا يحكم فيها بشهادة رجل وامرأتين الا في الرحم وحد الزنا والدم خاصة، لئلا يبطل دم امرئ مسلم، فإنه إذا شهد ثلاثة رجال وامرأتان على رجل بالزنا وجب عليه الرجم إن كان محصنا، وان شهد بذلك رجلان وأربع نسوة لا يرجم المشهود عليه بل يحد حد الزاني، وان شهد رجل وست نسوة بذلك جلدوا كلهم حد القذف. # ويجوز شهادة رجل وامرأتين على رجل بالجرح أو القتل، غير أنه لا يثبت بشهادتهن القود ويجب بها الدية على الكمال. فأما شهادتهن بذلك على الانفراد فإنها لا تقبل على حال. # وتقبل شهادتهن في الديون ونحوها على ما ذكرناه مع الرجال وعلى الانفراد. # وكذلك عندنا في الشاهد واليمين حكم الشاهد والمرأتين سواء. وهذا في الدين ونحوه مما القصد به المال خاصة. # ومن شجون الحديث ما روي أن أبا حنيفة سأل جعفر بن محمد عليهما السلام PageV01P399 # عن شاهد واحد واليمين، فقال: تقبل شهادة واحد ويحلف مع ذلك صاحب الدين ويقضى له به. فقال أبو حنيفة: كلام الله (واستشهدوا شهيدين من رجالكم) و (رجل وامرأتان) فقال عليه السلام: وهل فيه انه لا يجوز اليمين مع شاهد واحد؟ فانقطع، ثم قال عليه السلام: وأنت تحير الحكم فيما هو أعظم منه برجل واحد فقط إذا عرف من يشهد شهودا على نفسه وهم لا يعرفونه، فلم يحر جوابا. # ولا يجوز أن يشهد الانسان الاعلى من يعرفه، فان اشهد على من لا يعرفه فليشهد بتعريف من يتق الله رجلين مسلمين، وإذا أقام الشهادة أقامها كذلك، وفحوى الآية تدل على ذلك. # وقوله (ان ms253 لم يكونا رجلين) التقدير فإن لم يكن رجلين لكنه ثنى لما تقدم ذكر الشهيدين. ولو قال فإن لم يكونا لكفى من ذكر الرجلين، لكنه أعاد ذكر الرجلين توكيدا وتثبيتا. # وفي الضمير الذي في (كانا) فائدة، وهو أن يكون كناية عن شهيدين، ولو قال فإن لم يكن لجوز السامع ألا تكون العدالة معتبرة ههنا. # ونحوه قوله (فان كانتا اثنتين) ثم قال (فرجل وامرأتان) أي فليكن رجلا وامرأتان، ولابد من تقدير حذف المضاف، أي فليحدث شهادة رجلين أو امرأتين أو فليكن - قاله أبو علي. # (فصل) وقوله تعالى (ممن ترضون من الشهداء) أي ممن تعرفون عدالتهم (أن تضل أحداهما) أي أن لا تهتدي إحداهما للشهادة، بأن تنساها، من ضل الطريق إذا لم يهتد له. وانتصابه على أنه مفعول له، أي إرادة أن تضل. # فان قيل: كيف يكون ضلالها مراد الله؟ PageV01P400 # قيل: لما كان الضلال سببا للاذكار والأذكار مسببا عنه وهم ينزلون كل واحد من السبب والمسبب بمنزلة الاخر لالتباسهما واتصالهما كانت إرادة الضلال المسبب عنه الأذكار عنه إرادة للاذكار، فكأنه قيل إرادة أن تذكر إحداهما الأخرى ان ضلت. ونظيره قولهم: أعددت الخشبة ان يميل الحائط فأدعمه، وأعددت السلاح ان يجئ عدو فأدفعه. # وقوله تعالى (ممن ترضون من الشهداء) فيه ذكر يعود إلى الموصوفين اللذين هما (فرجل وامرأتان)، ولا يجوز أن يكون فيه ذكر لشهيدين المقدم ذكرهما، لاختلاف اعراب الموصوفين. ألا ترى أن (شهيدين) منصوبان و (رجل وامرأتان) اعرابهما الرفع. وإذا كان كذلك علمنا أن الوصف الذي هو ظرف انما هو وصف لقوله (فرجل وامرأتان) دون من تقدم ذكرهما من الشهيدين. # وقوله (أن تضل) لا يتعلق بقوله (واستشهدوا) ولكن يتعلق أن بفعل مضمر يدل هو عليه، أي واستشهدوا رجلا وامرأتين أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى. # وقيل تقديره فرجل وامرأتان، ويكون يشهدون خبر المبتداء، والمفعول الثاني من ذكر محذوف، تقديره فتذكر إحداهما الأخرى شهادتهما. # وقراءة حمزة على الشرط ان تضل إحداهما فتذكر إحداهما بالرفع والتشديد كقوله (ومن عاد فينتقم الله منه)، والشرط والجزاء وصف ms254 المرأتين، لان الشرط والجزاء جملة يوصف بها كما يوصل بها في قوله ﴿الذين ان مكناهم في الأرض﴾ (١) الآية. # وقال أبو عبيدة معنى (ان تضل) ان تنسى، نظيره ﴿فعلتها إذا وانا من الضالين﴾ (2) أي نسيت وجه الامر. # PageV01P401 # (فصل) ومن بدع التفاسير (فتذكر) أي فتجعل إحداهما الأخرى ذكرا، يعنى انهما إذا اجتمعتا كانتا بمنزلة الذكر. والمعنى ان لم يحضر رجلان من الشهداء الذين خبرت أحوالهم، فحمدت أحوالهم بالكف عن البطن والفرج واليد واللسان واجتناب شرب الخمر والزنا والربا وعقوق الوالدين وغير ذلك، يسترون عيوبهم ويتعاهدون الصلوات الخمس ويتوفرون على حضور جماعة المسلمين، غير متخلفين عنهم الا لمرض أو علة أو عذر. يستشهد رجل وامرأتان من الشهداء الذين وصفناهم لكي ان نسيت إحدى المرأتين ذكرتها الأخرى. ولم يوجب هذا الحكم في الرجال، لأنهم من النسيان أبعد والى التحفظ والتيقظ أقرب. # ويمكن أن يقال في (أن تضل إحداهما): ان المرادان تنسى إحدى البينتين تذكرها شهادة الأخرى، فيكون الكلام عاما في الرجال والنساء. وهذا صحيح لأنه لا يجوز أن يقيم الانسان شهادة الا على ما يعلم، ولا يعول على ما يجد به خطه، فان وجد خطه مكتوبا ولم يذكر الشهادة لم يجز له اقامتها، فإن لم يذكر هو ويشهد معه آخر ثقة جاز له حينئذ إقامة الشهادة. # ويعتبر في شهادة النساء الايمان والستر والعفاف وطاعة الأزواج وترك البذاء والتبرج إلى أندية الرجال. # (باب ذكر ما يلزم الشهود) ولما ذكر الله ما يلزم المستشهد من الواجبات والمندوبات ذكر بعده ما يلزم الشهداء فقال (ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا) ليقيموا الشهادة، فعلى هذا يكون إشارة إلى أنه متى دعي الانسان لإقامة شهادة لم يجز له الامتناع منها على حال، الا إذا علم PageV01P402 # أن من عليه الدين معسر فان شهد عليه حبسه فاستضر هو به وعياله. # وقيل: لا يأب الشهداء إذا ما دعوا ليستشهدوا. # وانما قال لهم شهداء قبل التحمل تنزيلا لما يساوق منزلة الكائن، وقد أشار سبحانه بهذا إلى أنه لا يجوز أن يمتنع الانسان من ms255 الشهادة إذا دعي إليها ليشهد بها إذا كان من أهلها، الا أن يكون حضوره مضرا لشئ من أمر الدين أو بأحد من المسلمين. # وعن قتادة: كان الرجل يطوف بين خلق كثير فلا يكتب له أحد، فنزل (ولا تسأموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله)، كنى بالسأم عن الكسل لان الكسل صفة للمنافق، ومنه الحديث (لا يقول المؤمن كسلت). # ويجوز أن يراد من كثرت مدايناته، فاحتاج أن يكتب لكل دين صغير أو كبير كتابا فربما قل كثرة الكتب. # والضمير في (يكتبوه) للدين أو للحق (صغيرا أو كبيرا) على أي حال كان الحق من صغير أو كبير. ويجوز أن يكون الضمير للكتاب وان يكتبوه مختصرا أو مشبعا. # ولا تخلوا بكتابته إلى أجله أي إلى وقته الذي اتفق الفريقان على تسميته، قال الزجاج: هذا يؤكد أن الشهادة ابتداءا واجبة، والمعنى لا تسأموا أن تكتبوا ما شهدتم عليه، ولا حاجة إلى ما يؤكد به وجوب إقامة الشهادة. # وقال ابن جريج عذرا للأول: (لا تسأموا) خطاب للمتداينين، يقول اكتبوا ما تتعاملون عليه بدين صغيرا كان الحق أو كبيرا (ذلكم) إشارة إلى ما تكتبوه، لأنه في معنى المصدر، أي ذلك الكتب (أقسط) أي أعدل، من القسط (وأقوم للشهادة) وأعون على إقامة الشهادة (وأدنى ألا ترتابوا) أي أقرب من انتفاء الريب، وانما قال إنه أصوب للشهادة لان الشهادة حينئذ أقرب إلى أن تأتوا بألفاظ المستدين وما PageV01P403 # يقع عليهم غلط النسيان، وأنتم مع هذا أقرب إلى أن تشكوا فيما يشهد به الشهود عليكم من الحق والأجل إذا كانا مكتوبين. # (فصل) وقد ذكر الله سبحانه في أول هذه الآية قبل الامر بالاستشهاد النهي عن الامتناع من الكتابة، قال (ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله) والنهي يقتضي تحريم الامتناع. وقال عامر الشعبي: هو فرض على الكفاية كالجهاد. # وجوز الجبائي أن يأخذ الكاتب والشاهد الأجرة على ذلك، وعندنا لا يجوز ذلك للشاهد. # والورق الذي يكتب فيه على صاحب الدين دون من عليه الدين، ويكون الكتاب في يده لأنه ms256 له. وقال السدي: ذلك واجب على الكاتب في حال فراغه. # وقال مجاهد هو واجب. وقال الضحاك نسخها قوله تعالى (ولا يضار كاتب ولا شهيد). # وقوله تعالى: (أن يكتب كما علمه الله فليكتب) يعني الكاتب (وليملل الذي عليه الحق) أمر لمن عليه الحق بالاملاء (وليتق الله ربه) معناه لا يملل الا الذي عليه الحق. والمراد بالامر الذي عليه الدين بالاملاء الندب دون الايجاب، لأنه لو أملى غيره وأشهد هو كان جائزا بلا خلاف ولا ينقص منه شيئا. والبخس النقص ظلما، ومنه قوله (ولا تبخسوا الناس أشياءهم) أي لا تنقصوهم ظالمين لهم. # والبخس فوق الغبن، وفى هذا ايجاز وحذف، لان المدين المملي ان أراد أن يحط في املائه من المال شيئا فان الدائن يمنعه ذلك، وان تمكن من النقصان بوجه من الوجوه - اما بحيلة يحتالها واما بغباوة يكون من صاحب الدين - فلا يفعلن ذلك خشية من عقاب الله. # (ولا يأب كاتب) ذكر بتنكير كاتب، أي لا يمتنع أحد من الكتاب أن يكتب مثل ما علمه الله كتابهم. وقيل: هو كقوله (وأحسن كما أحسن الله إليك) أي ينفع PageV01P404 # الناس بكتابته كما نفعه الله بتعليمها. # و (كما علمه الله) يجوز أن يتعلق بأن يكتب وبقوله فليكتب. # فان قيل: أي فرق بين الوجهين؟ # قلنا: ان علقته بأن يكتب فقد نهي عن الامتناع من الكتابة المقيدة، ثم قيل له فليكتب تلك الكتابة لا يعدل عنها للتوكيد. وان علقته بقوله فليكتب فقد نهي عن الامتناع من الكتابة على سبيل الاطلاق ثم أمر بها مقيدة. (وليملل الذي عليه) ولا يكن المملي الا من وجب عليه الحق، لأنه هو المشهود على ثباته في ذمته واقراره به. # والاملال والاملاء لغتان قد نطق بهما القرآن. # (فصل) ثم قال تعالى (فإن كان الذي عليه الحق سفيها). # قال مجاهد: السفيه الجاهل، لأنه خفيف العقل بنقصه، وأصل السفة الخفة. # وقوله (أو ضعيفا) هو الأحمق - عن مجاهد والشعبي. # وقوله (أولا يستطيع أن يمل هو) قال ابن عباس: هو الغبي والعاجز عن الاملاء بالعي أو الخرس. ms257 # وقيل: المراد بالسفيه القوي على الاملاء الا أنه جاهل لا يعرف موضع صواب ما يمليه من خطأه. والضعيف العاجز عن الاملاء وإن كان شديدا رشيدا اما بعي بلسانه أو خرس. والذي لا يستطع أن يمل الممنوع مسنه اما بحبس أو لغيبة لا يقدر على حضور الكاتب الشاهد فحينئذ يمل عنه وليه. # وقيل: الأولى أن يكون المراد بالسفيه البذي اللسان الخفيف في نفسه فلا يوثق باملائه عليه. والضعيف الذي لا يحسن أن يملى. والذي لا يستطيعه من به لكنة أو خرس أو آفة يمنعه من الاملاء. وهذا أقرب. # وقال أكثر المفسرين: سفيها محجورا عليه لتبذيره وجهله بالتصرف، أو PageV01P405 # ضعيفا صبيا أو شيخا مخبلا، ولا يستطيع أن يمل هو أي غير مستطيع الاملاء بنفسه لعلي أو خرس، فليملل وليه الذي يلي أمره من وصي إن كان سفيها أو وكيل إن كان غير مستطيع أو ترجمان يمل عنه وهو يصدقه. # والهاء في قوله (وليه) عائدة إلى السفيه في قول الضحاك وابن زيد الذي يقوم مقامه بأمره، لان الله أمر أن لا يؤتى السفهاء أموالهم، وأمر أن لا يقام لها بها. # وقال الربيع: يرجع إلى ولي الحق. والأول أقوى. # وإذا أشهد الولي على نفسه فلا يلزمه المال في ذمته، بل يلزم ذلك في مال المولى عليه. # (فصل) ونعود إلى ما كنا فيه من ذكر ما في قوله (ذلكم أقسط عند الله). # أعلم أن أكثر ما يبنى (أفعل) من الثلاثي، وههنا بني من أفعل لأنه من (أقسط) بمعنى عدل وأزال الجور، لامن (قسط) أي جار. وكذلك في قوله (أقوم للشهادة) لأنه افعل، من اقامه إلى سواه، وقال الشئ استوى. # وقال الجبائي: لا تجب الكتابة والاشهاد، فإن لم يكن الثمن حاضرا وتسلم المشتري المبيع وأنسأ الثمن كان الكتاب فرضا، وكذا الاشهاد لقوله تعالى (وأشهدوا ذوي عدل منكم إذا تبايعتم)، وهذا أمر على الوجوب. قال: ولا دليل لمن جعله ندبا. # وهذا الامر فيما يتتابع عليه نقدا كالرباع والحيوان. وقيل من ههنا ذهب بعض الفقهاء إلى أن الاشهاد ms258 في بعض الساعات واجب. وليس كما قدر لأنه من باب الاحتياط. # فان قيل: فما معنى (تجارة حاضرة)، وسواء كانت المبايعة بدين أو بعين PageV01P406 # والتجارة حاضرة وما معنى ادارتها بينهم؟. # قيل: أريد بالتجارة ما يتجر فيه من الابدال، ومعنى ادارتها بينهم تعاطيهم إياها يدا بيد، والمعنى الا أن يتبايعوا بيعا ناجزا يدا بيد، فلا بأس أن لا يكتبوا، لأنه لا يتوهم فيه ما يتوهم في التداين. # وأما قوله (وأشهدوا إذا تبايعتم) فهو أمر بالاشهاد على التبايع مطلقا ناجزا وكاليا لأنه أحوط وأبعد مما عسى يقع من الاختلاف. ويجوز ان يراد واشهدوا إذا تبايعتم هذا التبايع، يعنى التجارة الحاضرة، على أن الاشهاد كان فيه دون الكتابة. # (فصل) وقوله تعالى (ولا يضار كاتب ولا شهيد). # (يضار) يحتمل البناء للفاعل والمفعول، والدليل عليه قراءة أبى عمرو (ولا مضاررة) بالاظهار والكسر، وقراءة ابن عباس (ولا يضارر) بالاظهار والفتح. # والمعنى إذا كان على تفاعل نهي الكاتب والشهيد عن ترك الإجابة إلى ما يطلب منهما وعن التحريف والزيادة والنقصان، اي لا يكتب الكاتب الا الحق ولا يشهد الشاهد الا بالحق. وإذا كان على تفاعل فمعناه النهي عن الضرار بهما، بأن يعجلا عن مهم أو لمزا ويحمل الشهيد مؤنة مجيئه من بلد، اي لا يدعي الحاحا ولا يؤدى إذا كان في شغل. # وقال أبو جعفر محمد بن مبشر: جميع ما في هذه الآية كله على التخيير الا حرفين وهما (لا يضار كاتب ولا شهيد)، لقوله (وان تفعلوا فإنه فسوق بكم) والثاني (ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه). # ومعنى (وان تفعلوا) وان تضاروا فإنه أي فان الضرار فسوق بكم. وقيل وان تفعلوا شيئا مما نهيتم عنه. PageV01P407 # (باب) (في تحمل الشهادة وآدابها) اما التحمل فإنه فرض في الجملة، فمن دعي إلى تحمله في بيع أو نكاح أو غيرهما من عقد أو دين لزمه التحمل، لقوله (ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا) ولم يفرق ولقوله (ولا يضار كاتب ولا شهيد) فان أهل التفسير تأولوا هذا الكلام بثلاث تأويلات: # فقال ms259 ابن عباس: معناه لا يضار الشاهد والكاتب لمن يدعوه إلى تحملها، ولا يحتج عليه بأن لي شغلا أو خاطب غيري فيها. # ومنهم من قال: لا يضر الشاهد بمن يشهد له فيؤدي غير ما تحمل، ولا يضر الكاتب بمن يكتب له فليكتب غير ما قيل له. # ومنهم من قال: لا يضار بالشاهد الكاتب من يستدعيه فيقول له دع اشغالك واشتغل بشغلي لحاجتي. # فإذا ثبت ان التحمل فرض على الجملة فإنه من فروض الكفايات إذا قام بها بعض سقط عن الباقين، كالجهاد والصلاة على الموتى ورد السلام. # وقد يتعين التحمل، وهو إذا دعي لتحملها على عقد النكاح أو على دين أو غيره وليس هناك غيره، فحينئذ يتعين عليه التحمل كما يتعين في الصلاة على الجنائز والدفن ورد السلام. # (فصل) واما الأداء فإنه في الجملة أيضا من الفرائض، لقوله تعالى (ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا). PageV01P408 # ويمكن ان يستدل بها على وجوب التحمل، وعلى وجوب الأداء على ما قدمناه، وهي بوجوب الأداء أشبه، فإنه تعالى سماهم شهداء ونهاهم عن الاباء إذا دعوا إليها، وانما يسمى شاهدا بعد تحملها حقيقة. # وهو من فروض الكفايات إذا كان هناك خلق وقد عرفوا الحق وصاروا به شاهدين، فإذا قام به اثنان سقط الفرض عن الباقين كالصلاة على الجنائز، وقد يتعين الفرض فيه، وهو إذا لم يتحمل الشهادة الا اثنان أو تحملها خلق ولم يبق منهم الا اثنان تعين عليهما الأداء، كما لو لم يبق من قرابة الميت الا من يطيق الدفن، فإنه يتعين الفرض عليه. # فإذا ثبت هذا فالكلام في بيان فرائض الأعيان والكفايات، وجملته انه لافرق ولا فصل بين فرائض الأعيان والكفايات ابتداءا، وان الفرض يتوجه على الكل في الابتداء، لأنه إذا زالت الشمس توجهت صلاة الظهر على الكل، وإذا مات في البلد ميت توجه فرض القيام به على الكل، وانما يفترقان في الثاني، وهو انما كان من فرائض الأعيان لا يتعين، وفروض الكفاية إذا قام بها قوم ms260 سقط الفرض عن الباقين، لان المقصود دفن الميت فإذا دفن لم يبق وجوب دفنه بعد أن دفن على أحد. # (فصل) وكل عقد يقع من دون الاشهاد وإن كان فعلى سبيل الاحتياط، الا الطلاق فإنه لا يقع الا بالاشهاد على ما نذكره في بابه، مع أنه ليس بعقد. قال الله تعالى (واشهدوا ذوي عدل منكم وأقيموا الشهادة لله) فعند أصحابنا ان الاشهاد شرط في وقوع الطلاق، لان ظاهر الامر يقتضيه، والامر على الايجاب. # وقال قوم: ان ذلك راجع إلى الرجعة، وتقديره: وأشهدوا على الامساك ان أمسكتم ذوي عدل، وهو الرجعة في قول ابن عباس. وقال الشافعي الاشهاد PageV01P409 # على الرجعة أولى. ويجوز عند أكثرهم بغير اشهاد، وانما ذكر الله الاشهاد كما دكر في قوله (وأشهدوا إذا تبايعتم)، وهو على الندب، فأما في الطلاق فهو محول على الوجوب. # ثم قال (وأقيموا الشهادة لله) إذا طولبتم بإقامتها ولكم معاشر المكلفين (يوعظ به من كان يؤمن بالله واليوم الآخر). وانما أضاف الوعظ إلى من يؤمن بالله واليوم الآخر دون غيره لأنه الذي ينتفع به دون الكافر الجاحد لذلك. # (باب) (شهادة كل ذي قرابة لمن يقرب منه وعليه وذكر من تقبل شهادته منهم) كل من كان عدلا فشهادته جائزة اللا ما يشينه، وكذلك اقرار العاقل على نفسه فيما يوجب حكما في الشرع، سواء كان مسلما أو كافرا مطيعا أو عاصيا أو فاسقا وعلى كل حال الا ان يكون عبدا. ويمكن ان يستدل عليه من الآيات المتقدمة - فليتأملها. # فأما شهادة ذوي الأرحام والقرابات بعضهم لبعض فجائزة إذا كانوا عدولا من غير استثناء أحد، لأنه تعالى شرط العدالة في قوله (وأشهدوا ذوي عدل منكم) ولم يشترط سواها. ويدخل في عموم هذا لقول ذوو القرابات كلهم، وكذلك قوله (واستشهدوا شهيدين من رجالكم) يدل أيضا عليه. # والذي يدل على جواز شهادة الانسان على أقربائه خاصة قوله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء الله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين﴾ (1)، فان الله لما حكى عن الذين سعوا إلى ms261 الرسول صلى الله عليه وآله في أمر بنى أبيرق وقيامهم بالعذر وذبهم عنهم من حيث كانوا أصحاب فقر وفاقة # PageV01P410 # أمر بعده المؤمنين بهذه الآية ان يلزموا العدل وأن يكونوا قوامين بالقسط، أي العدل (شهداء لله ولو على أنفسكم) يعني ولو كانت شهادتكم عى أنفسكم أو على آبائكم وأمهاتكم أو على أقرب الناس إليكم، وقوموا فيها بالعدل وأقيموا على صحتها وقولوا فيها بالحق ولا تميلوا فيها لغنى غني ولا فقر فقير فتجوروا، فان الله ساوى بين الغني والفقير فيما ألزمكم من إقامة الشهادة لكل واحد منهما في ذلك وفى غيره من الأمور كلها منكم (فلا تتبعوا الهوى) في الميل في شهادتكم إذا قمتم بها لغني أو فقير إلى أحدهما (فتعدلوا عن الحق) أي تجوروا عنه وتضلوا ولكن قوموا بالقسط وأدوا الشهادة على ما أمركم الله بأدائها بالعدل لمن شهدتم عليه وله. # ونصب (شهداء) على الحال من الضمير في قوله (قوامين)، وهو ضمير (الذين آمنوا). ويجوز أن يكون خبرا ثانيا لكونوا، كقولهم (هذا حلو حامض). # ويجوز أن يكون صفة للقوامين، والمعنى كونوا قوامين بصفة من يصلح أن يكون شهيدا على سائر عباده. # (فصل) فان قيل: كيف تكون شهادة الانسان على نفسه حتى يأمر الله بذلك؟ # قلنا: بأن يكون عليه حق لغيره فيقر له به ولا يجحده، فأدب الله المؤمنين أن لا يفعلوا ما فعله الذين عذروا بنى أبيرق في سرقتهم ما سرقوا أو خيانتهم ما خانوا وإضافتهم ذلك إلى غيرهم - فهذا الذي اختاره الطبري ونذكر في باب القضايا. # وقال السدي: انما نزلت وقد اختصم رجلان إلى عند رسول الله صلى الله عليه وآله غني وفقير، فكان عليه السلام مع الفقير لظنه أن الفقير لا يظلم الغنى، فأبى سبحانه الا القيام بالقسط في أمر الغنى والفقير، فقال تعالى (ان يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما). PageV01P411 # وهذا الوجه فيه بعد، لان النبي لا يجور في الحكم ولا يميل إلى أحد الخصمين، سواء كان غنيا أو فقيرا، لان ذلك ينافي عصمته. # فعلى هذا لا ms262 بأس بشهادة الأخ لأخيه وعليه، وشهادة الوالد لولده وعليه، وشهادة الرجل لزوجته وعليها، وكذا لا بأس بشهادتها له وعليه فيما يجوز قبول شهادة النساء فيه إذا كان مع كل واحد منهم غيره من أهل الشهادة. # ولا تقبل شهادة واحد منهم لصاحبه مع يمينه كما جاز مع الأجنبي، فأما شهادة الولد لوالده وعليه فالمرتضى يجيزها أيضا على كل حال، وإذا كان معه غيره من أهل الشهادات فظاهر الآية معه. وان كانت شهادة الانسان على نفسه مجازا لأنها اقرار على نفسه، وشهادته على أقربائه والوالدين حقيقة، فان الكلمة الواحدة تذكر ويراد بها الحقيقة والمجاز معا إذ لا مانع. وجمهور فقهائنا أيضا على ذلك، لعموم الآيتين اللتين قدمناهما، الا شهادة الولد على والده فإنهم لا يجوزونها لخبر يروونه. # وعذرهم في تأويل هذه الآية ما روي عن ابن عباس أنه قال: ان الله تعالى أمير المؤمنين بهذه الآية أن يقولوا الحق على أنفسهم أو آبائهم أو أبنائهم لا يميلون إلى غني لغناه ولا إلى فقير لفقره. قالوا: وهذا أولى، لأنه أليق بالظاهر على كل وجه من غير عدول عنه، وهو أمر بقبول الحق وفعله وملازمة العدل والامر به. # (فصل) ومما يؤكد القول الأول ما روي عن الحسن أنه قال: يعنى بالآية الشهادة خاصة، وقوله (ولو على أنفسكم) أي ولو كانت شهادتكم تضر في الحال أنفسكم في الحال أو المآل، لان على يقتضي ذلك. # ومعنى (كنوا شهداء لله) أي ليكن شهادتكم لأجل رضاء الله ولما أمر الله به وهو القسط. PageV01P412 # وقال ابن شهاب: كان سلف المؤمنين على جواز شهادة كل ذي قرابة لمن تقرب منه وعليه حتى دخل الناس فيما بعدهم وظهرت منهم أمور حملت الولاة على اتهامهم فتركت شهادة من يتهم إذا كان من أقربائهم. # والاعتماد في المنع من شهادة الأقارب على التهمة التي تلحق لأجل النسب غير صحيح، لأنه يلزم على ذلك أن لا تقبل شهادة الصديق لصديقه ولا الجار لجاره، لان التهمة متطرقة. على أن العدالة مانعة من التهمة وحاجزة عنها. # وما ms263 روي عن النبي عليه السلام من أنه لا يجوز قبول شهادة المتهم والخصم والخائن والأجير له ما لم يفارقه ولا شهادة من خالف من أهل البدع وإن كان على ظاهر السنن والعفاف. فليس ذلك مستخرجا من اجتهاد أو عفاف، وانما هو أيضا نص الهي به. ويمكن أن يستدل من الآيات المتقدمة على ذلك، وقال تعالى (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم)، فبين عليه السلام كما علمه الله تعالى. # (فصل) أما شهادات القرابات بعضهم لبعض إذا كانوا عدولا فقد ذكرنا أن دليلنا قوله تعالى (واشهدوا ذوي عدل منكم)، فشرط - كما ترى - العدالة وأن يكون من جملة المؤمنين بقوله (منكم)، لا أن يكون عدلا عند نحلته وأهل ملته ولم يشترط سواها ويدخل في عموم هذا ذو القرابات كلهم. # وقوله (واستشهدوا شهيدين) يدل أيضا على هذه المسألة. # وما يقول المخالف: الولد جزء من أبيه، فكأنه شهد لنفسه إذا شهد لما هو بعضه. فهذا غير محصل، لان الولد - وإن كان مخلوقا من نطفة أبيه - ليس ببعض له على الحقيقة، بل لكل واحد منهما حكم يخالف حكم صاحبه. وكذلك يسترق PageV01P413 # الولد برق أمه وإن كان الأب جزءا على بعض الوجوه، ويحرر بحرية الام وإن كان الأب عبدا كذلك، والا لم يسر حكم واحد منهما إلى صاحبه هنا، ولذلك تقبل شهادة العبيد لساداتهم إذا كان العبيد عدولا [ويقتل أيضا على غيرهم وبهم، ولا يقتل على ساداتهم العبيد وإن كان العبيد عدولا] (١) ودليلنا عليه اجماع الفرقة. # ويمكن أن يستدل من القرآن على ذلك أيضا. ولو كنا ممن يثبت الاحكام بالأقيسة لكان لنا أن نقول: إذا كان العبد العدل بلا خلاف تقبل شهادته على رسوله وعلى آله - في رواية عنه وعنهم - فلان تقبل شهادته على غيره أولى. على أن العبيد العدول داخلون في عموم الآية ويحتاج في اخراجهم منها إلى دليل. # ولا يعترض على هذا بالنساء، لأنهن داخلات في الظواهر التي ذكرناها، مثل قوله (ذوي عدل منكم) وقوله (شهيدين من رجالكم)، فأخرجن النساء من هذه الظواهر ms264 لأنهن ما دخلن فيها. # وكذلك شهادة الأعمى مقبولة إذا كان عدلا، لان الأعمى داخل في ظواهر الآيات، ولا يمنع عماه من كونها متناولة له. # ومعول من خالفنا في هذه المسألة على أن الأعمى تشتبه عليه الأصوات. وهذا غلط فاحش، لان الضرير يعرف زوجته ووالديه وأولاده ضرورة، ولا يدخل عليه شك في ذلك كله. ولو كان لا سبيل له إلى ذلك لم يحل له وطوء زوجته، للتجويزة أن تكون غير من عقد عليها. # وان استدل المخالف بقوله ﴿وما يستوي الأعمى والبصير﴾ (2) فالجواب عنه أن الآية مجملة لم تذكر ما يستوون فيه. وادعاء العموم فيما لم يذكر غير صحيح، وظواهر آيات الشهادة تتناول الأعمى كتناولها البصير إذا كان عدلا، لان قوله (وأشهدوا ذوي # PageV01P414 # عدل منكم) و (استشهدوا شهيدين من رجالكم) يدخل فيه الأعمى كدخول البصير، فإن كان الذي يشهد عليه يحتاج فيه إلى الرؤية حتى تصح الشهادة فيه فلا تقبل حينئذ شهادة الأعمى فيه. فإن كان في وقت اشهاد الأعمى كان صحيحا ثم عمي فشهادته مقبولة في ذلك أيضا. # (فصل) وقد مست الحاجة ههنا وفى مواضع كثيرة من كتابنا هذا إلى أن يفرق بين العموم والمجمل لتتمشى تلك الاستدلالات التي أوردناها: # اعلم أن الفرق بين العموم والمجمل: هو أن كل لفظ فعل لأجل ما أريد به فهو عموم، وكل لفظ فعل لأجل ما أريد وما لم يرد فهو مجمل. # مثال الأول: قوله تعالى ﴿اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ (١) فلو خلينا وتلك الآية لقلنا اليهودي والنصراني مثل الوثني، وكل من تناوله هذا الاسم وكنا فاعلين بموجب اللفظ وهو العموم. # وأما مثال الثاني: فهو قوله ﴿أقيموا الصلاة﴾ (٢) فلو فعلنا كل صلاة لكنا فاعلين ما لم يرد منا. وكذلك قوله ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾ (3) فإنه لا يجب ان يؤخذ كل صدقة بل صدقة مخصوصة. # وعن داود بن الحصين قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: أقيموا الشهادة على الوالد والولد ولا تقيموها على الأخ في الدين للصبر. قلت: وما الصبر؟ قال: إذا تعدى فيه صاحب ms265 الحق الذي يدعيه قبله خلاف ما أمر الله # PageV01P415 # به ورسوله (١). # ومثال ذلك: أن يكون لاحد على آخر دين وهو معسر، وقد أمر الله بانظاره حتى يتيسر قال ﴿فنظرة إلى ميسرة﴾ (٢)، ويسألك أن تقيم الشهادة له وأنت تعرفه بالعسر فلا يحل لك أن تقيم الشهادة في حال العسر، وقال: لا تشهد بشهادة حتى تعرفها كما تعرف كفك. # وكلام الشيخ أبى جعفر الطوسي أن شهادة الولد لوالده جائزة ولا تجوز عليه. # فدليله الحديث النبوي الذي رواه المعصومون من أهل بيته، فهو بيان لما أجمله الله في كتابه، ويخصص به كثير من عموم القرآن. # وأما الآية التي يرى أنها دالة على خلاف هذا - وهي قوله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين﴾ (٣) فهي وقوله ﴿يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين شهداء لله بالقسط ولا يجر منكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا﴾ (٤) فالخطاب للولاة، أي كونوا قوامين لأجل طاعة الله بالعدل والحكم في حال كونكم شهداء أي وسائط بين الخالق والخلق أو بين النبي وأمته كما قال ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس﴾ (5)، فالقائم بتنفيذ احكام الله بين خلقه إذا وفى بما عليه من حقه فهو شهيد لله على من وليه والرسول شهيد عليه بما نقله إليه. # والباء في قوله (بالقسط) متعلقة ب‍ (قوامين)، أي كونوا قوامين بالقسط # PageV01P416 # شهداء بالعدل لله، يعنى دوموا على فعل العدل والحق، وليكن ذلك منكم لله لا لأمر آخر. # وقال أبو مسلم: يجوز أن تكون الشهادة ههنا بمعنى الحضور، فيكونوا مأمورين بإقامة الحق والعدل، وتحضروا المواضع التي تحضرونها لذلك لا تدعونه في وقت ولاحال، أي شاهدوا من شاهدتم بالحق دون غيره ولا تزولوا عنه أبدا. # وفى تغاير ترتيب الآيتين مع الاتفاق في الألفاظ خبيئة لطيفة فليتأملها يقف عليها إن شاء الله. # (باب) (شهادة من خالف الاسلام) ولما بين الله تعالى في آي كثيرة انه لا يجوز قبول شهادة من خالف الاسلام على المسلمين في حال الاختيار، أجاز تعالى ms266 قبول شهادتهم في حال الضرورة في الوصية خاصة، قال تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم﴾ (1) فاللذان منكم مسلمان واللذان من غيركم ذميان من أهل الكتاب. # وقد قرئ (شهادة بينكم) (2)، أي ليقيم شهادة بينكم اثنان، كما أن من رفع فنون أولم ينون فهو على نحو من هذا، أي مقيم شهادة بينكم أو شهادة بينكم (اثنان ذوا عدل منكم) أي ينبغي أن تكون الشهادة المعتمدة هكذا. # وقرئ (ولا يكتم شهادة الله) الله على الوجهين: فالقصر بالجر حذف منه حرف القسم، وبالمد عوض منه همزة الاستفهام، كأنه قال: القسم بالله انا إذا لمن # PageV01P417 # الظالمين. وفى مجيئ القسم وحرف الاستفهام قبله تهيب. # وذكر أبو جعفر عليه السلام: ان سبب نزول هذه الآية ما قال أسامة بن زيد عن أبيه قال: كان تميم الداري وأخوه عدي نصرانيين، وكان متجرهما إلى مكة، فلما هاجر [رسول الله صلى الله عليه وآله إلى المدينة قدم ابن أبي مارية مولى عمرو بن العاص المدينة] (1) وهو يريد الشام تاجرا، فخرج هو وتميم الداري وأخوه عدي حتى إذا كانوا ببعض الطرق مرض ابن أبي مارية، فكتب وصية بيده بحيث لا يدري بها أحد ودسها في متاعه ودفع المال إليهما وأوصى إليهما وقال: أبلغا هذا أهلي. فلما مات فتحا المتاع وأخذا ما أعجبهما منه، ثم رجعا بباقي المال إلى الورثة فلما فتش القوم المال نظروا إلى الوصية وفقدوا بعض ما كان فيها ولم يجدوا المال تاما، فكلموا تميما وصاحبه فقالا: لاعلم لنا به وما دفعه إلينا أبلغناه كما هو، فرفعوا أمرهم إلى النبي عليه السلام فنزلت هذه الآية. ومثله ذكر الواقدي (2). # وقيل في معنى الشهادة ههنا ثلاثة أقوال: # أحدها - الشهادة التي تقام بها الحقوق عند الحكام، مصدر شهد يشهد إذا أظهر ما عنده من العلم بالشئ المتنازع فيه لإبانة حق عند حاكم أو غيره. # الثاني - شهادة الحضور لوصيين. # الثالث - شهادة ايمان بالله إذا ارتاب الورثة بالوصيين، من ms267 قول القائل (أشهد الله أني لمن الصادقين). # والأولى أقوى وأليق بالقصة. # وفي كيفية الشهادة قولان: # أحدهما - أن يقول صحيحا كان أو مريضا: إذا حضرني الموت فافعلوا كذا # PageV01P418 # وكذا - ذكره الزجاج. # الثاني - إذا حضر أسباب الموت من المرض. # (فصل) وقوله تعالى (شهادة بينكم)، قيل في رفعه ثلاثة أقوال: # أحدها: ان يكون بالابتداء، وتقديره شهادة بينكم شهادة اثنين، ويرتفع اثنان بأنه خبر الابتداء، ثم حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. وقال أبو علي الفارسي: واتسع في بين وأضيف إليه المصدر، وذلك يدل على قول من يقول إن الظرف الذي يستعمل اسما يجوز ان يستعمل اسما في غير الشعر، كما قال ﴿لقد تقطع بينكم﴾ (١) فيمن رفع. # الثاني: على تقدير محذوف، وهو عليكم شهادة بينكم، أو مما فرض عليكم شهادة بينكم، ويرتفع اثنان بالمصدر ارتفاع الفاعل بفعله، وتقديره [ان يشهد اثنان الثالث: ان يكون الخبر إذا حضر، فعلى هذا لا يجوز ان يرتفع اثنان بالمصدر] (٢) لأنه خارج عن الصلة بكونه بعد الخبر لكن على تقدير ليشهد اثنان، ولا يجوز ان يتعلق (إذا حضر) بالوصية لامرين: أحدهما ان المضاف إليه لا يعمل فيما قبل المضاف، لأنه لو عمل فيما قبله للزم ان يقدر وقوعه في موضعه، فإذا قدر ذلك لزم تقديم المضاف إليه على المضاف، ومن ثم لم يجز القال زيد حين يأتي. # والاخر ان الوصية مصدر لا يتعلق به ما تقدم عليه. # وقوله (إذا حضر أحدكم الموت) يعني قرب أحدكم الموت، كما قال ﴿حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الان﴾ (3) وقال (حتى إذا جاء أحدهم الموت # PageV01P419 # توفته رسلنا) (١) وقال ﴿حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون﴾ (2) فكل ذلك يريد المقاربة، ولولا ذلك لما أسند إليه القول بعد الموت. # (فصل) واما قوله (حين الوصية) فلا يجوز ان يحمل على الشهادة، لأنها إذا عملت في ظرف من الزمان لم يعمل في ظرف آخر منه. ويمكن حمله على ثلاثة أشياء: # أحدها ان تعلقه بالموت كأنه قال والموت في ذلك الحين بمعنى قرب منه، الثاني ms268 على حضر اي إذا حضر في هذا الحين، الثالث ان يحمله على البدل من إذا، لان ذلك الزمان في المعنى هو ذلك الزمان فيبدله منه فيكون بدل الشئ من الشئ إذا كان إياه. # وقوله (اثنان ذوا عدل منكم) خير المبتدأ الذي هو شهادة، وتقديره شهادة بينكم شهادة اثنين على ما قدمناه، لان شهادة لا تكون الا من اثنين على الغالب. # وقوله (منكم) صفة لقوله (اثنان)، كما أن (ذوي عدل) صفة لهما، وفي الظرف ضمير، وفى (منكم) قولان: أحدهما ما قال ابن عباس اي من المسلمين، وهو قول الباقر والصادق عليهما السلام. الثاني قال عكرمة من حي الموصى. والأول ظاهر واضح، وهو اختيار الرماني، لأنه لا حذف فيه. # وقوله تعالى (أو آخران من غيركم) تقديره أو شهادة آخرين من غيركم، وحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه. و (من غيركم) صفة للآخرين، اي آخران كائنان من غيركم. # وقيل في معنى غيركم قولان أيضا: أحدهما قال ابن عباس وجماعة انهما من غير أهل ملتكم، وهو قولهما عليهما السلام. الثاني قال الحسن اي من غير # PageV01P420 # عشيرتكم، لان عشيرة الموصي اعلم بأحواله من غيرهم، وهو اختيار الزجاج، قال لأنه لا يجوز قبول شهادة الكافرين مع كفرهم وفسقهم وكذبهم على الله. # ومعنى أو للتفصيل لا للتخيير، لان المعنى وآخران من غيركم ان لم تجدوا منكم، وهو قول أبى جعفر وأبى عبد الله عليهما السلام وجماعة. وقال قوم: هو بمعنى التخيير، ضمن ائتمنه الموصي من مؤمن أو كافر. # وقوله (ان أنتم ضربتم) بمعنى ان أنتم سافرتم، كما قال ﴿وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة﴾ (1). # (فصل) وقوله تعالى (فأصابتكم مصيبة الموت تحبسونهما) فيه محذوف وتقديره وقد أسندتم الوصية إليهما فارتاب الورثة بهما. # وقوله (تحبسونهما) خطاب للورثة، والهاء في به تعود إلى القسم بالله. # والصلاة المذكورة في هذه الآية قيل فيها ثلاثة أقوال: أحدها انها صلاة العصر، وهو قول أبى جعفر الباقر عليه السلام. الثاني قال الحسن هي الظهر أو العصر، وكل هذا لتعظيم ms269 حرمة وقت الصلاة على غيره من الأوقات، وقيل لكثرة اجتماع الناس كان بعد صلاة العصر. الثالث قال ابن عباس صلاة أصل دينهما، يعنى في الذميين، لأنهم لا يعظمون أوقات صلاتنا. # وقوله (فيقسمان بالله) الفاء دخلت لعطف جملة على جملة (ان ارتبتم) في قول الآخرين اللذين ليس من أهل ملتكم أو من غير قبيلة الميت فغلب في ظنكم خيانتهم. ولا خلاف أن الشاهد لا يلزمه اليمين الا أن يكونا شاهدين على وصية مسندة إليهما فيلزمهما اليمين لأنهما مدعيان. # PageV01P421 # وقوله تعالى (لا نشتري به ثمنا)، (لا نشتري) جواب ما يقتضيه قوله (فيقسمان) لان أقسم ونحوه يتلقى بما يتلقى به الايمان. # ومعنى (لا نشتري به ثمنا) لا نشتري بتحريف شهادتنا ثمنا، فحذف المضاف وذكر الشهادة لان الشهادة قول، كما قال ﴿وإذا حضر القسمة أو لوا القربى﴾ (١) ثم قال (فارزقوهم منه)، وانما يرزق من التركة، وتقديره لا نشتري به ثمنا لا نشتري به ذا ثمن. ألا ترى أن الثمن لا يشترى، وانما الذي يشترى المبيع دون ثمنه، وكذلك قوله ﴿واشتروا بآيات الله ثمنا قليلا﴾ (٢) أي ذا ثمن، والمعنى انهم آثروا الشئ القليل وانقاد له من ابتاع، وليس المعنى هنا على الانقياد وانما هو على التمسك به والايثار له على الحق. # وقوله (ولو كان ذا قربى) تقديره ولو كان المشهود له ذا قربى. وخص ذا القربى بالذكر لميل الناس إلى قراباتهم ومن يناسبونه. # وقوله ﴿ولا نكتم شهادة الله انا إذا لمن الاثمين﴾ (٣) وانما أضاف الشهادة إلى الله في قوله (شهادة الله) لامره بها وبإقامتها والنهى عن كتمانها في قوله ﴿ومن يكتمها فإنه آثم قلبه﴾ (٤) وقوله ﴿أقيموا الشهادة لله﴾ (٥). # (فصل) وقوله تعالى ﴿فان عثر على أنهما استحقا اثما فآخران﴾ (6) قد ذكرنا سبب نزول # PageV01P422 # هذه الآية. روي أنها لما نزلت أمر رسول الله صلى الله عليه وآله ان يستحلفوهما، بأن يقولا: والله ما قبضنا له غير هذا ولا كتمناه، ثم ظهر على اناء من فضة منقوش مذهب معهما، فقالوا: هذا من متاعه. فقالا: اشتريناه منه. فارتفعوا إلى ms270 رسول الله فنزل قوله (فان عثر على أنهما استحقا اثما فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق)، فأمر رسول الله رجلين من أهل الميت أن يحلفا على ما كتما وغيبا، فحلف عبد الله بن عمر والمطلب بن أبي وداعة، فاستحقا. ثم إن تميما أسلم وبايع رسول الله، فكان يقول: صدق رسول الله وبلغ رسول الله، أنا أخذت الاناء (١). # ومعنى (عثر) ظهر عليه، تقول: عثرت على خيانته، وأعثرت عيني على خيانته، وأعثرت غيري على خيانته أي أطلعته. ومنه قوله ﴿وكذلك أعثرنا عليهم﴾ (2) وأصله الوقوع بالشئ. # وقوله (على أنهما) يعنى ان الوصيين المذكورين أولا في قوله (اثنان) في قوله ابن جبير، وقال ابن عباس على الشاهدين استحقا اثما، بمعنى خانا وظهر وعلم منهما ذلك (فآخران يقومان مقامهما) يعنى من الورثة في قول ابن جبير (من الذين استحق عليهم الأوليان). # وقيل في قوله (الأوليان) ثلاثة أقوال: أحدهما الأوليان بالميت عن ابن جبير، الثاني قال ابن عباس الأوليان بالشهادة وهي شهادة الايمان. الثالث قال الزجاج الأوليان أن يحلفا من غيرهما، وهما النصرانيان. ويقال هو الأولى بفلان ثم حذف بفلان فيقال هو الأولى وهذان الأوليان، كما يقال هو الأكبر بمعنى الكبير وهذان الأكبر ان. # PageV01P423 # (فصل) وقوله (الأوليان) في رفعه ثلاثة أقوال: # أحدها: بأنه اسم ما لم يسم فاعله، المعنى استحق عليهم اثم الأولين، أي استحق منهم، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. # الثاني: بأنه بدل من الضمير في (يقومان)، على معنى فليقم الأوليان من الذين استحق عليهم الوصية، وهو اختيار الزجاج. # الثالث: بدل من قوله (آخران). وزعم الكوفيون انه لا يجوز ابداله من آخرين، لتأخير العطف في قوله (فيقسمان)، لأنه يصير بمنزلة (مررت برجل قام زيد وقعد). وقال الرماني يجوز على العطف بالفاء جملة على جملة. وقال الفارسي يجوز أن يكون رفعا بالابتداء وقد أخر، وتقديره فالأوليان بأمر الميت آخران من أهله أو من أهل دينه يقومان مقام الخائنين اللذين من عثر عليهما، كقولك (تميمي أنا). # ويجوز أن يكون خبرا لابتداء محذوف، وتقديره آخران يقومان مقامهما ms271 هما الأوليان. # واختار الأخفش أن يكون (الأوليان) صفة لقوله (فآخران)، لأنه لما وصف اختص، فوصف لأجل الاختصاص بما وصف به المعارف. # فأما الجمع (1) على اتباع اللذين، وموضعه الجر، وتقديره من الأولين الذين استحق عليهم الايصاء والاثم. # وانما قيل هم الأولين من حيث كانوا الأولين في الذكر، ألا ترى أنه قد تقدم # PageV01P424 # (يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم)، وكذلك (اثنان ذوا عدل منكم) ذكرا في اللفظ قبل قوله (أو آخران من غيركم)، وحجتهم (١) في ذلك أن قالوا: أرأيت إن كان الأوليان صغيرين أراد بهما إذا كانا صغيرين لم يقوما مقام الكبيرين في الشهادة ولم يكونا لصغرهما أولى بالميت وان كانا لو كانا كبيرين كانا أولى به. # وانما قال (استحقا اثما) لان آخذه يأخذ آثم، فسمى اثما كما يسمى ما يؤخذ منك مظلمة. قال سيبويه: المظلمة اسم ما يؤخذ منك، فكذلك يسمى هذا المأخوذ باسم المصدر. # (فصل) وقيل في معناه استحقا عذاب اثم، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، كقوله تعالى ﴿انى أريد أن تبوء بإثمي وإثمك﴾ (٢) أي بعقاب إثمي وعقاب إثمك. # وقيل في معنى (عليهم) ثلاثة أقوال: # أحدها: أن يكون على بمعنى من، كأنه قال من الذين استحق منهم الاثم، كما قال ﴿إذا اكتالوا على الناس يستوفون﴾ (3)، ومعناه من الناس. # الثاني: أن يكون المعنى كما يقول (استحق على زيد مال الشهادة) أي لزمه ووجب عليه الخروج [منه، لان الشاهدين كما عثر على حياتهما استحق عليهما بأولياه من آخر الشهادة والقيام بها ووجب عليهما الخروج مما وجب] (4) عليه. # الثالث: أن يكون على بمنزلة في، كأنه استحق فيهم وقام على مقام في، # PageV01P425 # والمعنى من الذين استحق عليهم بشهادة الآخرين اللذين هما من غيرنا. # فان قيل: هو يجوز أن يسند أستحق فيه إلى الأوليان. # قلنا: لا يجوز ذلك، لان المستحق انما تكون الوصية أو شيئا منها، ولا يجوز أو يستحق الأوليان، وهما الأوليان بالميت، فالأوليان بالميت لا يجوز أن يستحقا فيسند استحق عليهما. # وقوله (فيقسمان بالله) أي يحلفان بالله. # وقوله (لشهادتنا أحق من شهادتهما) ms272 جواب القسم التي في قوله (فيقسمان بالله)، وما اعتدينا فيما قلنا إن شهادتنا أحق من شهادتهما، انا ان اعتدينا لمن الظالمين لنفوسنا. وهذه أصعب آية اعرابا. # فان قيل: كيف يجوز أن يقف أولياء الميت على كذب الشاهدين وخيانتهما حتى يحل أن يحلفا. # قيل: يجوز ذلك لوجوه: أحدها أن يسمعوا اقرارهما بالخيانة من حيث لا يعلمان، أو يشهد عندهم شهود عدول بأنهم سمعوهما يقران بأنهما كذبا أو خانا وتقوم البينة عند هما على أنه أوصى بغير ذلك، أو أن هذين لم يحضروا الوصية وانما حضرا بغير ذلك من الأسباب. # (فصل) قال تعالى ﴿ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها﴾ (1) معناه ذلك الاحلاف والاقتسام أو ذلك الحكم أقرب أن تأتوا بالشهادة على وجهها، أي حقها وصدقها، لان اليمين تردع عن أمور كثيرة لا يرتدع عنها مع عدم اليمين. # واختلفوا في أن اليمين هل تجب على كل شاهدين أم لا؟ قال ابن عباس انما # PageV01P426 # هي على الكافر خاصة، وهو الصحيح. وقال غيره هي على كل شاهدين وصيين إذا أريب بهما. # واختلفوا في نسخ حكم الآيتين المتقدمتين مع هذه على قولين: فقال ابن عباس هي منسوخة الحكم، وقال الحسن هي غير منسوخة، وهو الذي يقتضيه مذهبنا وأخبارنا. وقال البخلي: أكثر أهل العلم على أنه غير منسوخ، لأنه لم ينسخ من سورة المائدة شئ، لأنها آخر ما نزلت. # ووجه قول من قال هي منسوخة: ان اليمين اليوم لا تجب على الشاهدين بالحقوق، وانما كان قبل الامر باشهاد العدول في قوله (وأشهدوا ذوي عدل منكم) فنسخت بذلك هذه الآية، ودلت على أن شهادة الذمي لا تقبل على الذمي إذا ارتفعا إلى حكام المسلمين، لان الذمي ليس بعدل ولا ممن يرضى من الشهداء. # ومن ذهب إلى أنها غير منسوخة جعلها بمعنى شهادة الايمان على الوصيين، فإذا ظهر على خيانة منهما فما وجد في أيديهما صار مدعيين وصار الورثة في معنى المنكرين، فوجب عليهما اليمين من حيث صارا مدعيين. # وقوله تعالى (أو تخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم) ms273 يعنى أهل الذمة يخافون أن يرد أيمان على أولياء الميت، فيحلفوا على خيانتهم فيفتضحوا ويغرموا وينكشف للناس بذلك بطلان شهادتهم ويسترد منهم ما أخذوه بغير حق حينئذ أدوا الشهادة على وجهها وتحرزوا من الكذب. # وقرئ (استحق) بفتح التاء والحاء وبضم التاء وكسر الحاء، وقرئ (الأولين) بتشديد الواو وكسر اللام وفتح النون على الجمع وبسكون الواو وفتح اللام وكسر النون على التثنية. PageV01P427 # (باب الزيادات) ذكر الله الشهادة في القرآن في ثلاثة مواضع: # منها: قوله (واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا فرجل وامرأتان) ثم أمر بالاشهاد على التبايع وقال (واشهدوا إذا تبايعتم) ثم أوعد على كتمانها فقال (ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه)، فلولا أنها واجبة ما توعد على كتمانها. # الثاني: قال (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء) إلى قوله (فان الله غفور رحيم)، فأمر بجلد القاذف ثم رفع عنه الجلد بتحقيق قذفه بالشهادة في ذلك، ثم قال (ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا) دل على أن غير الفاسق مقبول الشهادة ثم قال (وأولئك هم الفاسقون الا الذين تابوا) يعني تقبل شهادتهم. # الثالث: قال تعالى (يا أيها النبي إذا طلقتم النساء) إلى قوله (وأشهدوا ذوي عدل منكم). # ومعنى قوله (فإذا بلغن أجلهن) يعنى قاربن البلوغ، لأنه لا رجعة بعد بلوغ الاجل. # وجملته أن الحقوق ضربان: حق الله، وحق الآدمي. # فأما حق الآدمي فإنه ينقسم في باب الشهادة ثلاثة أقسام: أحدها لا تثبت الا بشاهدين ذكرين كالقصاص، والثاني ما يثبت بشاهدين وشاهد وامرأتين وشاهد ويمين وهو كل ما كان مالا أو المقصود منه المال، والثالث ما يثبت بشاهدين وشاهد وامرأتين أو أربعة نسوة وهو الولادة والاستهلال والعيوب تحت الثياب. # وأما حقوق الله فجميعها لا مدخل للنساء ولا للشاهد مع اليمين فيها، وهي ثلاثة اضرب: مالا يثبت الا بأربعة وهو الزنا واللواط إذا كانا بالاحياء، فان كانا بالأموات PageV01P428 # فيكفي في ذلك شاهدان، واتيان البها ثم. والثاني مالا يثبت الا بشاهدين، وهو السرقة وحد الخمر. والثالث ما اختلف فيه، وهو الاقرار ms274 بالزنا، قال قوم لا يثبت الا بأربعة كالزنا، وقال آخرون يثبت بشاهدين كسائر الاقرارات، وهو أقوى. # (مسألة): # وقوله تعالى (والذين يرمون المحصنات) معناه الذين يقذفون العفائف بالزنا فحذف بالزنا لدلالة الكلام عليه - ولم يقيموا عليه أربعة من الشهود فإنه يجب على كل واحد منهم ثمانون جلدة إذا كان أجنبيا منها لا زوجا، ثم نهى سبحانه عن قبول شهادة القاذفين على التأييد وحكم عليهم بأنهم فساق بقوله (ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون)، ثم استثنى منهم (الا الذين تابوا منهم) بعد ذلك. # واختلفوا في الاستثناء إلى من يرجع، فقال قوم هو من الفساق، فإذا تاب قبلت شهادته حد أولم يحد وهو قول ابن المسيب. # (مسألة): # وسئل أبو عبد الله عليه السلام عن الذي يقذف المحصنات تقبل شهادته إذا تاب؟ قال: نعم. قيل: وما توبته؟ قال: فيجئ ويكذب نفسه عند الامام ويقول قد افتريت على فلانة ويتوب مما قال (1). # وقال ابن عمر لأبي بكرة: ان تبت قبلت شهادتك. فأبى أبو بكرة أن يكذب نفسه. وبه قال الشافعي، وهو مذهبنا. # PageV01P429 # وقال الحسن الاستثناء من الفاسقين دون قوله (ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا)، وبه قال أهل العراق، قالوا فلا يجوز شهادة القاذف ابدا. # ولا خلاف انه إذا لم يحد بأن تموت المقذوفة ولم يكن هناك مطالب ثم تاب انه يجوز قبول شهادته، وهذا يقتضى الاستثناء من المعتدين على تقدير وأولئك هم الفاسقون، مع امتناع قبول شهادتهم الا التائبين منهم، والحد حق المقذوفة لا يزول بالتوبة. # ثم قال (ان الذين يرمون المحسنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا) وان نزلت في سبب لم يجب قصرها عليه، وعلى هذا أكثر المحصلين كآية القذف وآية اللعان وآية الظهار وغيرها. # (يوم تشهد عليهم ألسنتهم) يجوز أن يكون المعنى أي يشهدون، يعنى هؤلاء على أنفسهم بألسنتهم. وقيل شهادة الأيدي والأرجل تكون بأن يبينها الله بينة مخصوصة يمكنها النطق، أو يفعل الله في هذه البنى كلاما يتضمن الشهادة فكأنها هي الناطقة، أو يجعل فيها علامة تقوم مقام النطق، وذلك ms275 إذا جحدوا معاصيهم. # (مسألة): # المفعول الثاني في قوله (فتذكر إحداهما الأخرى) محذوف، وكذا إذا قرئ بالتخفيف فتذكر بالقراءتين محذوف، والمعنى فتذكر إحداهما الأخرى الشهادة التي تحملتاها، لان ذكرت فعل يتعدى إلى مفعول واحد، فإذا نقلته بالهمزة أو خففت العين منه تعدى إلى مفعول آخر. # وما بعد الفاء في قوله (فتذكر) مبتدأ محذوف، ولو أظهرته لكان فهما تذكر إحداهما الأخرى، فالذكر العائد إلى المبتدأ المحذوف الضمير في قوله (إحداهما). PageV01P430 # (مسألة): # فان قيل: ان الشهادة انما وقعت للذكر والحفظ لا للضلال الذي هو النسيان. # فجوابه: لان سيبويه قد قال أمر بالاشهاد لان تذكر إحداهما الأخرى، وانما ذكر أن تضل لأنه سبب الأذكار. # وقوله (فتذكر) معطوف على الفعل المنصوب، ووجه كونه مرفوعا قد ذكرناه (مسألة): # (ولا تكتموا الشهادة) خطاب للشهود ونهي لهم عن كتمان الشهادة إذا دعوا إلى اقامتها. (ومن يكتمها) أي من يكتم الشهادة مع علمه بالمشهود به وعدم ارتيابه فيه وتمكنه من أدائها من غير ضرر بعد ما دعي إلى اقامتها فإنه آثم قبله. أضاف الاثم إلى القلب [وإن كان الاثم هو الحملة لان اكتساب الاثم إلى القلب] (١) أبلغ في الذم كما أن إضافة الايمان إلى القلب أبلغ في المدح، قال تعالى ﴿وأولئك كتب في قلوبهم الايمان﴾ (2) وقال النبي صلى الله عليه وآله: لا ينقضي كلام شاهد زور بين يدي الحاكم حتى يتبوأ مقعده من النار. # (مسألة): وقوله (فان تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله) أي ان تظهروا الشهادة أو تكتموها فان الله يعلم ذلك ويجازيكم به. # وقيل إنها عامة في الاحكام التي ذكرها الله تعالى من أول البقرة، وفيها خمسمائة # PageV01P431 # حكم ونيف على ما ذكره علي بن إبراهيم بن هاشم. خوف الله عباده من العمل بخلافها بهذه الآية، وبين أنه لما أمر بتلك الوثائق ويعتد بها انما هو لأمر يرجع إلى المكلفين للامر يرجع إليه تعالى، فان له ما في السماوات وما في الأرض. # ومن قال إنها منسوخة بقوله ﴿لا يكلف الله نفسا الا وسعها﴾ (1) فإنه لا ms276 يصح، لان تكليف ما ليس في الوسع غير جائز. # . # بسم الله الرحمن الرحيم " الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام " " على محمد وآله الطيبين الطاهرين ". PageV02P003 # كتاب القضايا قال الله تعالى " يا داود انا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق " (1. # أخبر الله بأنه نادى داود أن افصل بين المختلفين من الناس والمتنازعين بالحق بوضع الأشياء مواضعها على ما أمرك الله به. # والخليفة هو المدبر للأمور من قبل غيره بدلا من تدبيره. # وقيل: معناه جعلناك خليفة لمن كان قبلك من رسلنا، ثم أمره (2. فالآية تدل على أن القضاء جائز بين المسلمين وربما كان واجبا، فإن لم يكن واجبا فربما كان مستحبا، وتدل عليه آيات كثيرة. # (باب) (الحث على الحكم بالعدل والمدح عليه) (وذكر عقوبة من يكون بخلافه) قال الله سبحانه " وأن احكم بينهم بما أنزل الله " (3 وقال تعالى " فان جاؤوك # PageV02P005 # فاحكم بينهم أو أعرض عنهم " (1 وقال تعالى " وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث " (2 وقال تعالى " فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم " (3. # وقد ذم الله من دعي إلى الحكم فأعرض عنه، فقال " وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون " (4. # ومدح قوما دعوا إليه فأجابوا فقال " انما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا " (5 وقال تعالى " ان الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل " (6 وقال تعالى " ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون " (7 وفي موضع آخر " ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون " (8 وفي موضع آخر " ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون " (9. # وقال الحسن: هي عامة في بني إسرائيل وغيرهم من المسلمين. # وروى البراء بن عازب عن النبي صلى الله عليه وآله: ان هذه الآيات الثلاث في الكفار خاصة. # وقال الشعبي: نزل الكافرون في هذه الأمة، والظالمون في اليهود، والفاسقون في النصارى. # PageV02P006 # والأولى أن يقال هي عامة في ms277 من حكم بغير ما أنزل الله، فإن كان مستحلا لذلك معتقدا أنه هو الحق فإنه يكون كافرا بلا خلاف، فأما من لم يكن كذلك وهو يحكم بغير ما أنزل الله فإنه يدخل تحت الآيتين الأخريين (1. # (فصل) وقال أبو جعفر عليه السلام: الحكم [حكمان] حكم الله وحكم الجاهلية، وقال الله عز وجل " ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون " (2، وأشهد على زيد ابن ثابت لقد حكم في الفرائض بحكم الجاهلية (3. ثم قال: قال النبي صلى الله عليه وآله: من حكم في الدرهمين بحكم جوز ثم أجبر عليه كان من أهل هذه الآية " ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ". قيل: كيف يجبر عليه؟ # قال: يكون له سوط وسجن فيحكم عليه، فان دخل بحكومته والا ضربه (4 بسوطه وحبسه في سجنه (5. # وقال أبو عبد الله عليه السلام: إياكم أن يحاكم بعضكم بعضا إلى أهل الجور، ولكن أنظروا إلى رجل منكم يعمل شيئا من قضائنا فاجعلوه بينكم فاني جعلته قاضيا فتحاكموا إليه (6. # PageV02P007 # (فصل) وعن أبي بصير قلت لأبي عبد الله عليه السلام، قول الله في كتابه " ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام " (1. قال: يا أبا بصير ان الله عز وجل قد علم أن في هذه الأمة حكاما يجورون، أما انه لم يعن حكام العدل ولكنه عنى حكام الجور، يا أبا محمد انه لو كان لك على رجل حق فدعوته إلى حاكم أهل العدل فأبى عليك الا أن يرافعك إلى حكام أهل الجور ليقضوا له كان ممن حاكم إلى الطاغوت، وهو قول الله عز وجل " ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما انزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به " (2 الآية (3. # وقال: إياكم أن يحاكم بعضكم بعضا إلى أهل الجور - الخبر (4. # وقال: لما ولى أمير المؤمنين عليه السلام شريحا القضاء اشترط عليه أن لا ينفذ القضاء حتى يعرضه عليه (5. # وقال له: قد جلست مجلسا لا يجلسه الا نبي أو ms278 وصي نبي أو شقي (6. # ثم قال: ان عليا عليه السلام اشتكى عينه، فعاده رسول الله صلى الله عليه وآله فإذا علي يصيح، فقال له النبي: أجزعا أم وجعا يا علي؟ فقال: يا رسول الله ما وجعت وجعا قط أشد منه. قال: يا علي ان ملك الموت إذا نزل ليقبض # PageV02P008 # روح الفاجر أنزل معه سفودا (1 من نار فينزع روحه به فتضج جهنم. فاستوى علي جالسا فقال: يا رسول الله أعد علي حديثك فقد أنساني وجعي ما قلت، فهل يصيب ذلك أحد من أمتك؟ قال: نعم حكاما جائرون وآكل مال اليتيم وشاهد الزور (2. # (باب) (ما يجب أن يكون القاضي عليه) قال الله تعالى " ان الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل " (3. # أمر تعالى الحكام بين الناس أن يحكموا بالعدل لا بالجور، ونعم الشئ شيئا الله به من أداء الأمانة. # وروي عن المعلى بن خنيس قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن هذه الآية، فقال: على الامام أن يدفع ما عنده إلى الامام الذي بعده وأمرت الأئمة بالعدل وأمرت الناس أن يتبعوهم. (4. # وقال تعالى " واذكر عبدنا داود " إلى قوله " وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب " (5 أي أعطيناه إصابة الحكم بالحق. وفصل الخطاب هو قوله: البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه. # PageV02P009 # ثم قال " وهل أتاك نبأ الخصم " هذا خطاب من الله لنبيه عليه السلام، وصورته صورة الاستفهام ومعناه الاخبار بما كان من قصة داود من الحكومة بين الخصمين، وتنبيهه على موضع تركه بعض ما يستحب له أن يفعله. # والنبأ الخبر بما يعظم حاله، والخصم هو المدعي على غيره حقا من الحقوق المتنازع له فيه. ويعبر به عن الواحد والاثنين والجمع بلفظ واحد، لان أصله المصدر. ولذلك قال " إذ تسوروا المحراب " لأنه أراد المدعي والمدعى عليه ومن معهما، فلا يمكن أن يتعلق به في أن أقل الجمع اثنان لما قال " خصمان بغى بعضنا على بعض "، لأنه أراد بذلك الفريقين، أي نحن فريقان خصمان، أي يقول ما ms279 يقول خصمان، لأنهما كان ملكين ولم يكونا خصمين ولا بغى أحدهما على الاخر، وانما هو على المثل. # " فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط " معناه ولا تجاوز الحق ولا تجر ولا تسرف في حكمك بالميل مع أحدنا على صاحبه، وأرشدنا إلى قصد الطريق الذي هو طريق الحق ووسطه. # (فصل) ثم حكى سبحانه ما قال أحد الخصمين لصاحبه، فقال " ان هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة فقال أكفلنيها " (1 قال وهب: يعنى أخي في ديني، وقال المفسرون: انه كنى بالنعاج عن تسع وتسعين امرأة كانت له وان الاخر له امرأة واحدة. وقال الحسن: لم يكن له تسع وتسعون نعجة وانما هو على وجه المثل. وقال أبو مسلم: أراد النعاج بأعيانها. وهو الظاهر، غير أنه خلاف أقوال المفسرين. # PageV02P010 # وقال: هما خصمان من ولد آدم ولم يكونا ملكين، وانما فزع منهما لأنهما دخلا عليه في غير الوقت المعتاد. وهو الظاهر. # ومعنى " أكفلنيها " قال ابن عباس أنزل لي عنها، وقال أبو عبيدة ضمها إلي، وقال آخرون أي اجعلني كفيلا بها، أي ضامنا لأمرها، ومنه قوله " وكفلها زكريا " (1. # ثم قال " وعزني في الخطاب " أي غلبني في المخاطبة وقهرني، وقال أبو عبيدة صار أعز مني. # فقال له داود " لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه وان كثيرا من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض "، ومعناه إن كان الامر على تدعيه لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه، فأضاف السؤال إلى المفعول به. # وقال أصحابنا: موضع الخطيئة أنه قال للخصم " لقد ظلمك " من غير أن يسأل خصمه عن دعواه. وفي أدب القضاء أن لا يحكم بشئ ولا يقول حتى يسأل خصمه من دعوى خصمه فما أجاب به حكم بذلك، وهذا ترك الندب. # والشرط الذي ذكرناه لابد منه، لأنه لا يجوز أن يخبر النبي عليه السلام أن الخصم ظلم صاحبه قبل العلم بذلك على وجه القطع، وانما يجوز مع تقدير وبالشرط الذي ذكرناه، فروي أن الملكين غابا من بين يديه فظن داود أن الله تعالى اختبره بهذه الحكومة. ومعنى " الظن ms280 " هنا العلم، كأنه قال وعلم داود. # وقيل انما ظن ظنا قويا، وهو الظاهر. # و " فتناه " أي بحق أضافه الله إلى نفسه، أي اختبرناه. وقرئ " فتناه " بالتخفيف، أي الملكين فتناه بهما. # وقيل: انه كان خطب امرأة كان أوريا بن حنان خطبها ولم يعلم ذلك، فكان دخل في سومه فاختاروه عليه، فعاتبه الله على ذلك. # PageV02P011 # وأولى الوجوه أنه ترك الندب فيما يتعلق بأدب القضاء. # وقرأ ابن مسعود " ولي نعجة أنثى واحدة "، ووصفها بأنثى اشعارا بأنها ضعيفة مهينة. # يسأل فيقال في قوله " لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه " كيف يكون السائل ظالما؟ # [الجواب، انه لم يسأله سؤال خضوع انما غالبه، فمعنى السؤال ههنا حمل على سؤال مطالبة، ولو سأله التفضل ما عازه عليها. وقد بينا أن الحكمة في قوله " وآتيناه الحكمة " اسم تقع على العلم والعقل وصواب الرأي وصحة العزم والحزم] (1. # " وفصل الخطاب " قطع الأمور بين المتخاصمين. والخطاب نزاع في الخطوب، وهو يفصل ذلك لحكمته. # وقيل: انما كان كناية عن قوله " البينة على المدعي واليمين على من أنكر " لان بذلك يقع الفصل بين الخصوم. # (فصل) وقوله تعالى " وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين * ففهمناها سليمان " (2 فقد قال الجبائي: ان الله أوحى إلى سليمان بما نسخ به حكم داود الذي كان يحكم به قبل ذلك، ولم يكن ذلك عن اجتهاد. # وهذا هو الصحيح عندنا، ويقوي ذلك قوله " ففهمناها سليمان " يعني علمنا الحكومة في ذلك - التي هي مصلحة الوقت - سليمان. # PageV02P012 # وقوله " إذ يحكمان " أي طلبا الحكم في ذلك ولم يبتدئا بعد. # وقصته: أن زرعا أو كرما وقعت فيه الغنم ليلا فأكلته، فحكم داود بالغنم لصاحب الكرم، لان الشرع كان ورد لذلك إليه من قبل ولم يثبت الحكم، فقال سليمان لأبيه: ان الله أوحى إلي الان بغير هذا يا نبي الله. قال: وما ذاك؟ # قال: يدلع الكرم إلى صاحب الغنم فيقوم عليه حتى يعود كما كان ويدفع الغنم إلى صاحب الكرم فيصيب منها حتى إذا عاد الكرم ms281 كما كان دفع كل واحد إلى صاحبه حقه. # ذكره ابن مسعود، وهو المروي عنهما عليهما السلام (1. # فعلى هذا ينبغي أن يكون الحاكم حكيما عالما بالناسخ والمنسوخ، عارفا بالكتاب والسنة، عاقلا بصيرا بوجوه الاعراب، يثق من نفسه، يتولى القضاء والفصل بين الناس. # (باب) (كيفية الحكم بين أهل الكتاب) قد ذكرنا من قبل كثيرا مما يتعلق بهذا الباب، وههنا نذكر ما يكون تفصيلا لتلك الجملة أو جملة لذلك التفصيل: # اعلم أن الله تعالى خاطب نبيه صلى الله عليه وآله وسلم فقال " وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله " (2. التقدير وأنزلنا إليك يا محمد أن احكم بينهم، وانما كرر الامر بالحكم بينهم لامرين: # PageV02P013 # أحدهما: انهما حكمان أمر بهما جميعا، لان اليهود احتكموا إليه في زنا المحصن ثم احتكموا إليه في قتيل كان منهم - ذكره أبو علي، وهو المروي عن أبي جعفر عليه السلام (1. # الثاني: أن الأمر الأول مطلق والثاني دل على أنه منزل. # قال ابن عباس والحسن: تدل الآية على أن أهل الكتاب إذا ترافعوا إلى الحكام المسلمين يجب أن يحكموا بينهم بحكم القرآن وشريعة الاسلام، لأنه أمر من الله بالحكم بينهم، والامر يقتضي الايجاب. # وقال أبو علي: نسخ ذلك التخيير بالحكم بين أهل الكتاب أو الاعراض عنهم والترك، قال تعالى " فان جاؤوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم " (2. # والكتاب في قوله " وأنزلنا الكتاب " المراد به القرآن، " مصدقا " نصب على الحال، مصدق ما بين يديه من الكتاب، يعني التوراة والإنجيل وما فيهما من التوحيد لله وعدله والدلالة على نبوتك والحكم بالرجم والقود وغيرهما. # وفيه دلالة على أن ما حكى الله انه كتبه عليهم في التوراة حكم يلزمنا العمل به، لأنه جعل القرآن مصدقا لذلك وشاهدا. # وقال مجاهد: " مهيمنا " صفة للنبي عليه السلام، والأول أقوى لأجل حرف العطف، ولو قال بلا واو لجاز. # و " لا تتبع أهواءهم " عادلا عما جاءك من الحق، ولا يدل ذلك على أنه عليه السلام اتبع أهواءهم، لأنه مثل قوله تعالى ms282 " لئن أشركت ليحبطن عملك " (3 ولا يدل ذلك على أن الشرك كان وقع منه. # PageV02P014 # " لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا " قال مجاهد شريعة القرآن لجميع الناس لو آمنوا به، وقال آخرون انه شريعة التوراة وشريعة الإنجيل وشريعة القرآن، والمعني بقوله " منكم " أمة نبينا وأمم الأنبياء قبله على تغليب المخاطب على الغائب، فبين تعالى ان لكل أمة شريعة غير شريعة الآخرين لأنها تابعة للمصالح، فلا يمكن حمل الناس على شريعة واحدة مع اختلاف المصالح، قال تعالى " ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة " (1. # (فصل) ثم قال تعالى " أفحكم الجاهلية يبغون " (2. قال مجاهد: انها كناية عن اليهود، لأنهم كانوا إذا وجب الحكم على ضعفائهم ألزموهم إياه وإذا وجب على أقويائهم لم يأخذوهم به. # " ومن أحسن من الله حكما " أي فصلا بين الحق والباطل من غير محاباة، لأنه لا يجوز للحاكم أن يحابى في الحكم، بأن يعمل على ما يهواه بدلا مما يوجبه العدل، وقد يكون حكم أحسن من حكم - بأن يكون أولى منه وأفضل - وكذا لو حكم بحق يوافق هواه أحسن مما يوافقه. # وقال تعالى في وصف اليهود " سماعون للكذب أكالون للسحت فان جاؤوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم " (3 أي هؤلاء يقبلون الكذب ويكثر أكلهم السحت - وهو الحرام. # فخير الله نبيه عليه السلام في الحكم بين اليهود في زنا المحصن وفي قتيل قتل من اليهود. # PageV02P015 # وفي اختيار الحكام والأئمة الحكم بين أهل الذمة إذا احتكموا إليهم قولان: # أحدهما انه حكم ثابت والتخيير حاصل، ذهب إليه جماعة، وهو المروي عندهم عن علي عليه السلام، والظاهر في رواياتنا (1. وقال الحسن انه منسوخ بقوله " وأن احكم بينهم بما أنزل الله " (2، فنسخ الاختيار وأوجب الحكم بينهم بالقسط. # " وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله (3 أي الحكم بالرجم والقود. # ثم قال تعالى: " انا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما " (4. نهى الله نبيه عليه السلام أن يكون خصيما لمن كان مسلما أو معاهدا في نفسه أو ماله، أي لا تخاصم ms283 عنه. # والخطاب وان توجه إلى النبي فالمراد به أمته. # (باب نوادر من الاحكام) قال محمد بن حكيم: سألت أبا الحسن عليه السلام عن شئ. فقال لي: # كل مجهول ففيه القرعة [فقلت له: ان القرعة] (5) تخطئ وتصيب. فقال: كل ما حكم الله به فليس بمخطئ (6. # قال تعالى " فساهم فكان من المدحضين " (7. # PageV02P016 # وعن عبد الله بن الحجاج قال: دخل الحكم بن عيينة (1 وسلمة بن كهيل على أبي جعفر عليه السلام فسألاه عن شاهد ويمين. قال: قضى به رسول الله صلى الله عليه وآله وقضى به علي عليه السلام عندكم بالكوفة. فقالا: هذا خلاف القرآن. # قال وأين وجدتموه خلاف القرآن؟. فقالا: ان الله تعالى قول " وأشهدوا ذوي عدل منكم " (2. فقال لهما أبو جعفر عليه السلام: فقوله " وأشهدوا ذوي عدل منكم " وهو أن لا تقلبوا شهادة واحد ويمينا. [قالا: لا] (3. # وقال الرضا عليه السلام: ان أبا حنيفة قال لجعفر بن محمد عليه السلام: # كيف تقضون باليمين مع الشاهد الواحد - وهو يضحك؟ فقال جعفر: أنتم تقضون بشهادة واحد شهادة مائة. قال: لا نفعل. قال: بلى يشهد مائة لا يعرف فترسلون واحدا يسأل عنهم ثم تجيزون شهادتهم بقوله (4). ثم قال أبو حنيفة: القتل أشد من الزنا فكيف يجوز في القتل شاهدان والزنا لا يجوز فيه الا أربعة شهود؟ # فقال الصادق: لان القتل فعل واحد والزنا فعلان، فمن ثم لا نجوز الا أربعة شهود على الرجل شاهدان وعلى المرأة شاهدان. # وسئل عليه السلام عن البينة إذا أقيمت على الحق [أيحل للقاضي] أن يقضي بقول البينة من غير مسألة إذا لم يعرفهم. قال: خمسة أشياء يجب على الناس الاخذ بها بظاهر الحكم الولايات والتناكح والمواريث والذبائح والشهادات، فإذا كان ظاهره ظاهرا مأمونا جازت شهادته ولا يسأل عن باطنه (5، فقد اختصم # PageV02P017 # رجلان إلى داود عليه السلام في بقرة، فجاء هذا بينة على أنها له وجاء هذا ببينة على أنها له. قال: فدخل داود المحراب فقال: يا رب انه قد أعياني أن أحكم بين هذين فكن أنت الذي تحكم. ms284 فأوحى الله إليه: أخرج فخذ البقرة من الذي في يده فادفعها إلى الاخر واضرب عنقه. قال: فضجت بنو إسرائيل [من ذلك وقالوا جاء هذا بينة وجاء هذا ببينة وكان أحقهما باعطائه الذي في يديه. فأخذها منه وضرب عنقه فأعطاه هذا] (1، فقال داود: يا رب ان بني إسرائيل ضجوا مما حكمت. فأوحى الله إليه: ان الذي كانت البقرة في يده لقي أبا الاخر فقتله وأخذ البقرة منه، فإذا جاءك مثل هذا فاحكم بينهم بما ترى ولا تسألني أن أحكم حتى يوم الحساب (2. # (فصل) وعن داود بن الحصين قال لي أبو عبد الله عليه السلام: ما يقول في النكاح فقهاؤكم؟ قلت: يقولون لا يجوز الا بشهادة رجلين عدلين. فقال: كذبوا لعنهم الله هونوا واستخفوا بعزائم الله وفرائضه وشددوا وعظموا ما هون الله، ان الله أمر في الطلاق بشهادة رجلين عدلين فأجازوا الطلاق بلا شاهد، والشهادة في النكاح لم يجئ عن الله في عزيمة، فقد ندب في عقدة النكاح ويستحل الفرج وان لم يشهدوا، وانما سن رسول الله في ذلك الشاهدين تأديبا ونظرا لئلا ينكر الولد والميراث. # " ولا يأب الشهداء " قبل الشهادة " ومن يكتمها فإنه آثم قلبه " بعد الشهادة (3 # PageV02P018 # (باب الزيادات) ذكر ابن عباس ان أهل الكتاب اختصموا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فيما اختلفوا بينهم من دين إبراهيم [فكل فرقة زعمت أنهم أولى بدينه، فقال عليه السلام: كلا الفريقين برئ من دين إبراهيم] (1، فغضبوا وقالوا ما نرضى لقضائك، فأنزل الله " أفغير دين الله يبغون " أي أفبعد هذه الآيات والحجج تطلبون دينا غير دين الله " وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها " (2. # فالطوع لأهل السماوات خاصة، وأما أهل الأرض فمنهم من أسلم طوعا ومنهم من استسلم كرها، أي فرقا (3 من السيف. # (مسألة) وقال ابن عباس: ان الله خير نبيه عليه السلام بقوله تعالى " فان جاؤوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم " (4، وهذا التخيير ثابت في الشرع للأئمة والحكام. # وقول من قال إنه منسوخ بقوله تعالى " وان احكم بينهم " (5. لا ms285 يصح، لان المعنى " وان تعرض " عن الحكم بينهم " فلن يضروك شيئا "، فدع النظر بينهم ان شئت. " وان حكمت " أي وان اخترت أن تحكم بينهم فاحكم بينهم " بالقسط " بما في القرآن وشريعة الاسلام. # ثم قرع اليهود بقوله " وكيف يحكمونك " ويرضون بك حكما وهم # PageV02P019 # تركوا الحكم بالتوراة جرأة على الله، وانما طلبوا بذلك الرخصة، وما هم بمؤمنين بحكمك انه من عند الله. # (مسألة) وقوله تعالى " انا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون " (1 لا يدل على أن نبينا صلى الله عليه وآله كان متعبدا بشرع موسى عليه السلام، لان الله هو الذي أوجب ذلك بوحي أنزله عليه لا بالرجوع إلى التوراة، فصار ذلك شرعا له وان وافق ما في التوراة. # ونبه بذلك اليهود على صحة نبوته، من حيث أخبر عليه السلام عما في التوراة من غوامض العلم ما التبس على كثير منهم، وقد عرفوا أنه لم يقرأ كتابهم. # وقوله تعالى " للذين هادوا " أي تابوا من الكفر، وقيل لليهود، واللام فيه يتعلق بيحكم، أي يقضي بإقامة التوراة النبيون الذين كانوا من وقت موسى إلى وقت عيسى عليهما السلام لهم وفيما بينهم. # PageV02P020 # كتاب المكاسب قال الله تعالى " والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل شئ موزون * وجعلنا لكم فيها معايش ومن لستم له برازقين " (1. # فقد جعل الله لخلقه من المعيشة ما يتمكنون به من التقدير (2، وأمرهم بالتصرف في ذلك من وجوه الحلال دون الحرام، فليس لأحد أن يتكسب بما حظره الله، ولا يطلب رزقه من حيث حرمه. # و " المعايش " جمع معيشة، وهي طلب أسباب الرزق مدة الحياة. فقد يطلبها الانسان بالتصرف والتكسب وقد يطلب له، فان أتاه أسباب الرزق من غير طلب فذلك العيش الهنئ. # (باب) (في تفصيل ما أجملناه) قوله تعالى " ومن لستم له برازقين " من في موضع النصب عطفا على قوله # PageV02P021 # " معايش "، والمراد به العبيد والإماء والدواب والانعام، والعرب لا تجعل " من " الا في الناس خاصة وغيرهم من العلماء، فلما كان مع الدواب المماليك حسن حينئذ. # ويجوز أن ms286 يكون " من " في موضع خفض نسقا على الكاف والميم في " لكم "، وإن كان الظاهر المخفوض قلما يعطف على المضمر المخفوض. # ويجوز أن يكون في موضع رفع، لان الكلام قد تم قبله، ويكون التقدير ولكم فيها من لستم له برازقين. # " وان من شئ الا عندنا خزائنه " (1 أي ليس شئ الا وهو قادر من جنسه على ما لا نهاية له، ولست أنزل من ذلك الشئ الا ما هو مصلحة لهم في الدين وينفعهم دون ما يكون مفسدة لهم ويضرهم. # وصدر الآية إشارة إلى قوله عليه السلام: اطلبوا الرزق في خبايا الأرض، فإنه تعالى بسطها وجعل لها طولا وعرضا، وطرح فيها جبالا ثابتة وأعلاما يهتدى بها، وأخرج منها النبات فيها من كل شئ بقدر معلوم. ومن الأشياء التي توزن من الذهب والفضة النحاس والحديد وغيرها (2. # (فصل) وقال الصادق عليه السلام في قوله تعالى " ربنا آتنا في الدنيا حسنة " أي سعة في الرزق والمعاش وحسن الخلق في الدنيا " وفي الآخرة حسنة " (3 رضوان الله والجنة في الآخرة. # PageV02P022 # وقال تعالى " ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم معايش " (1 أخبر تعالى على وجه الامتنان على خلقه بأصناف نعمه أنه مكن عباده في الأرض من التصرف فيها من سكناها وزراعتها، وجعل لهم فيها ما يعيشون به مما أنبت لهم من الحبوب والثمرات وغيرها. والمعيشة وصلة من جهة مكسب المطعم والمشرب والملبس إلى ما فيه الحياة. # والتمكين اعطاء ما يصح معه الفعل مع ارتفاع المنع، لان الفعل كما يحتاج إلى القدرة فقد يحتاج إلى [آلة والى دلالة والى سبب كما يحتاج إلى] (2 رفع المنع، والتمكين عبارة عن جميع ذلك. # وقال تعالى " كلوا من طيبات ما رزقناكم " (3 المراد به الإباحة، لأنه تعالى لا يريد المباحات من الأكل والشرب وغيرهما. # " ولا تطغوا فيه " (3) أي لا تتعدوا فيه فتأكلوه على وجه حرمه الله، فمتى طغيتم فيه وأكلتموه على وجه الحرام نزل عليكم غضبي. # (فصل) وقال بعض المفسرين: ان قوله تعالى " يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا ms287 طيبا " (4 إشارة إلى ما ذكره النبي عليه السلام تفصيلا لتلك الجملة، وهو قوله: إذا مر الانسان بالثمرة جاز له أن يأكل منها بقدر كفايته ولا يحمل منها شيئا على حال. ولذلك قال تعالى بعده " ولا تتبعوا خطوات الشيطان ". # PageV02P023 # وكان لموسى بن جعفر عليه السلام ضيعة فيها كروم وفواكه فأتاه [آت] وقت الادراك ليشتريها، فقال عليه السلام: اني أبيعها مشروطة أن تجعل من أربع جوانب الحائط مدخلا ليأكل كل من يمر عليها مقدار ما يشتهيه، فاني لا يمكنني أن أبيع القدر الذي يأكله من يمر عليها، فاشتراها على ما يريد، بهذا الشرط وأحفظه لئلا يحمل شيئا ويخرج. # وقد بين الله الحلال فقال " وأنزلنا من السماء ماءا مباركا فأنبتنا به جنات وحب الحصيد * والنخل باسقات لها طلع نضيد * رزقا للعباد " (1 يعني بحب الحصيد حب البر والشعير وكل ما يحصد لان من شأنه أن يحصد، أي خلقنا ما ذكرناه من حب النبت الحصيد. والطلع النضيد رزقا لهم وغذاءا، وكل رزق فهو من الله اما بفعلنا أو فعل سببه (2. # ولما كانت المكاسب وما يجري مجراها تنقسم إلى المباحات والمكروهات والمحظورات لم يكن بد من تميزها: # (باب) (المكاسب المحظورة والمكروهة) اعلم أن تقلد الامر من قبل السلطان الجائر إذا تمكن معه من ايصال الحق إلى مستحقه جائز. # يدل عليه - بعد الاجماع المتردد والسنة الصحيحة - قول الله تعالى حكاية عن يوسف عليه السلام " قال اجعلني على خزائن الأرض اني حفيظ عليم " (3 # PageV02P024 # طلب ذلك إليه ليحفظه عمن لا يستحقه ويوصله إلى الوجوه التي يجب صرف الأموال إليها، ولذلك رغب إلى الملك فيه، لان الأنبياء لا يجوز أن يرغبوا في جمع أموال الدنيا الا لما قلناه، فقوله " حفيظ " أي حافظ للمال عمن لا يستحقه عليهم بالوجوه التي يجب صرفه إليها. # ومتى علم الانسان أو غلب على ظنه أنه لا يتمكن من جميع ذلك فلا يجوز له التعرض له على حال. # وعن أبي بصير: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن كسب المغنيات؟ قال: # التي تدعى ms288 إلى العرائس ليس به بأس، والتي يدخل عليها الرجال حرام، وهو قول الله تعالى " ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله " (1. # وعن ابن سنان قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن الإجارة. قال. صالح لا بأس به إذا نصح قدر طاقته، فقد آجر موسى عليه السلام نفسه واشترط، فقال: # ان شئت ثمانيا وان شئت عشرا، فأنزل الله فيه " على أن تأجرني ثماني حجج فان أتممت عشرا فمن عندك " (2. # وعن عمار الساباطي قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام: الرجل يتجر، فان هو آجر نفسه [أعطي ما يصيب في تجارة. فقال: لا يؤاجر نفسه ولكن سيرزق الله تعالى ويتجر فإنه إذا آجر نفسه] فقد حظر على نفسه الرزق (3). # ولا تنافي بينهما، لان الخبر الأول محمول على ضرب من الكراهية. والوجه في كراهة ذلك أنه لا يأمن أن لا ينصحه في عمله فيكون مأثوما، وقد نبه على ذلك في الخبر الأول بقوله " لا بأس إذا نصح قدر طاقته ". # PageV02P025 # (فصل) وعن عمار بن مروان: سألت أبا جعفر عليه السلام عن الغلول (1، فقال: كل شئ غل من الامام فهو سحت، وأكل مال اليتيم وشبهه سحت. والسحت (2 أنواع كثيرة: منها أجور الفواجر، وثمن الخمر والنبيذ المسكر، والربا بعد البينة. وأما الرشا في الحكم فان ذلك الكفر بالله العظيم وبرسوله (3. # وروي عن النبي صلى الله عليه وآله في قوله تعالى " أكالون للسحت " (4. # قال: السحت الرشوة في الحكم (5. # وعن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: السحت الرشوة في الحكم، ومهر البغي، وعسيب الفحل، وكسب الحجام، وثمن الكلب، وثمن الخمر، وثمن الميتة، وحلوان (6 الكاهن (7. # وروي عن أبي هريرة مثله. # وقال مسروق: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الجور في الحكم. قال: # PageV02P026 # ذلك الكفر. وعن السحت، فقال: الرجل يقضي لغيره الحاجة فيهدي له الهدية، قال الله تعالى " ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون " (1. هذا إذا كان مستحلا لذلك (2. # وقال الخليل: السحت القبيح الذي فيه العار، نحو ثمن الكلب والخمر. # وأصل ms289 السحت الاستيصال. # وعن الصادق عليه السلام في قوله " أكالون للسحت " أنه قال: ثمن العذرة من السحت (3). # وقال: أربعة لا تجوز في أربعة: الخيانة والغلول والسرقة والربا، لا تجوز في حج ولا عمرة ولا جهاد ولا صدقة (4. # وقال: لا تصلح السرقة والخيانة إذا عرفت (5. # والآية تدل على جميع ذلك بعمومها. # (فصل) أما قوله تعالى " ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء أن أردن تحصنا " (6 فهو نهي عن اكراه الأمة على الزنا، انها نزلت على سبب فوقع النهي عن المعين على تلك الصفة. # PageV02P027 # قال جابر بن عبد الله: نزلت في عبد الله بن أبي بن سلول حين أكره أمته مسيكة على هذا (1. # وهذا نهي عام لكل مكلف أن يكره أمته على الزنا طلبا لكسبها بالزنا. # وقوله " ان أردن تحصنا " صورته صورة الشرط وليس بشرط، وانما ذكر لعظم الافحاش في الاكراه على ذلك. # ومهور البغايا محرمة كرهن أو لم يكرهن. # وقوله تعالى " ومن يكرههن " يعني على الفاحشة " فان الله من بعد اكراههن " أي لهن " غفور رحيم " (2 ان وقع منها مكرهة في ذلك الوزر على المكره. # وقال أبو جعفر عليه السلام: لما أنزل الله على رسوله صلى الله عليه وآله " انما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه " (3 قيل: يا رسول الله ما الميسر؟ فقال: كلما يقامر به حتى الكعاب والجوز. قيل: # فما الأنصاب؟ قال: ما ذبحوه لآلهتهم. قيل: فما الالزام؟ قال: قداحهم التي كانوا يستقسمون بها (4. # ونهى عليه السلام أن يؤكل ما تحمل النملة بقيها وقوائمها (5. # وقال تعالى " وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم " (6. أي لا تحمل رزقها للادخار. وقيل أي لا تدخره لغد. # PageV02P028 # وروي أن الحيوان أجمع من البهائم، والطير ونحوها لا تدخر القوت لغدها، الا ابن آدم والنملة والفارة، بل تأكل منها كفايتها فقط. # ونزلت الآية من أولها " يا عبادي الذين آمنوا ان أرضي واسعة فإياي فاعبدون " (1 إلى ههنا في أهل مكة المؤمنين منهم، فإنهم قالوا: يا رسول الله ليس لنا بالمدينة أموال ولا ms290 منازل فمن أين المعاش؟ فأنزل الله الآية (2. # (فصل) وقوله تعالى " لتبلون في أموالكم وأنفسكم " (3 معناه لتختبرن ما يفعل بكم من الفقر وشدة العسر وبما تؤمرون من الزكوات والانفاق في سبيل الله في أموالكم كما تختبرون بالعبادات في أنفسكم، وانما فعله لتصبروا، فسماه بلوى مجازا، لان حقيقته لا تجوز على الله. # وكفى للمكلفين واعظا بقوله تعالى " لقد كان لسبأ في مسكنهم آية جنتان عن يمين وشمال كلوا من رزق ربكم واشكروا له " (4). فان أرض سبأ كانت من أطيب البقاع، لم يجعل الله فيها شيئا من هوام الأرض نحو البق والبراغيث ولا العقرب ولا غيرها من المؤذيات، وكان الغريب إذا دخل أرضهم وفى ثيابه قمل مات. # فهذه آية والآية الثانية أن المرأة كانت تأخذ على رأسها مكيلا فتملا بالفواكه من غير أن تمس بيدها شيئا. # PageV02P029 # ثم فسر الآية فقال " جنتان " أي هي جنتان من عن يمين الوادي وشماله. # ثم قال " كلوا من رزق ربكم " المراد به الإباحة وإن كان لفظه لفظ الامر " بلدة طيبة " ليس فيها سبخة، فأعرضوا عن ذلك فلم يشكروا الله، فجازاهم تعالى على ذلك بأن سلبهم نعمة كانت بها، وأرسل عليهم سيل العرم، وقد كانت تجتمع مياه وسيول في هذا الوادي وسدوه بالحجارة والقاربين الجبلين فجعلوا له أبوابا يأخذون الماء منه بمقدار الحاجة ما شاؤوا، فلما تركوا أمر الله بعث عليهم جرذا فنقبته فأغرق عليهم جنتهم وأفسد أرضهم. # ثم قال " وبدلناهم بجنتيهم جنتين " وانما سماهما بعد ذلك أيضا جنتين ازدواجا للكلام " ذواتي أكل خمط " فالاكل جناء الثمر الذي يؤكل، والخمط شجر له ثمر مر. # ثم " ذلك جزاؤهم بما كفروا ". ثم من الله تعالى عليهم بما يذكر بعد فظهر فيما بينهم المحاسدة فكان كما قال " فجعلناهم أحاديث " أي أهلكناهم وألهمنا الناس أحاديثهم ليعتبروا بها. # (باب المكاسب المباحة) قال أبو عبد الله عليه السلام: ان قوما من الصحابة لما نزل " ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب " (1 أغلقوا الأبواب وأقبلوا على العبادة وقالوا قد كفينا، ms291 فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وآله فأرسل إليهم فقال: # ما حملكم على ما صنعتم؟ فقالوا: يا رسول الله تكفل الله لنا بأرزاقنا فأقبلنا على العبادة. فقال عليه السلام: انه من فعل ذلك لم يستجب الله له، عليكم بالطلب (2 # PageV02P030 # طلب الحلال فريضة بعد الفريضة. # وقال: ملعون من ألقى كله على الناس (1. # وقال الله تعالى " وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شئ وهو كل على مولاه " أي ثقل على وليه " هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل " (2. # وعن سعيد بن يسار: قلب لأبي عبد الله عليه السلام: امرأة دفعت إلى زوجها مالا من مالها ليعمل به وقالت له حين دفعته إليه: أنفق منه، فان حدث بك حادث فما أنفقت منه لك حلال طيب، وان حدث بي حادث فهو لك حلال، [فقال: أعد علي يا سعيد المسألة. فلما ذهبت أعيد المسألة عليه اعترض فيها صاحبها] وكان صاحبها معي، فقال له: يا هذا ان كنت تعلم أنها قد أوصت بذلك إليك فيما بينك وبينها وبين الله فحلال طيب. ثم قال: يقول الله تعالى " فان طبن لكم عن شئ منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا " (3 يعنى بذلك أموالهن التي في أيديهن مما يملكن (4. # وعن أبي جعفر عليه السلام قال رسول الله صلى الله عليه وآله لرجل: أنت ومالك لأبيك. ثم قال أبو جعفر عليه السلام: وقال رسول الله: لا يجب أن يأخذ من مال ابنه الا ما احتاج إليه مما لابد منه، ان الله لا يحب الفساد (5). # وقال تعالى " يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي الا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين أناه " (6. # PageV02P031 # نهاهم عن دخول دار النبي عليه السلام بغير اذن إلى طعام غير منتظرين بلوغ لطعام، وغير نصب على الحال، وان الطعام إذا بلغ حال النضج. ثم قال " ولكن إذا دعيتم فأدخلوا " أي إذا دعيتم إلى الطعام فأدخلوا " فإذا طعمتم فانتشروا " أي تفرقوا ولا تستأنسوا بطول الحديث. وانما منعوا من الاستيناس لأجل طول الجلوس. ثم بين ms292 أن الاستيناس بطول الجلوس يؤذي النبي، وأنه يستحيي من الحاضرين فيسكت على مضض ومشقة. # (فصل) أما قوله تعالى " ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم " (1 إلى آخر الآية. # فقد قال ابن عباس: ليس في مؤاكلتهم حرج لأنهم كانوا يتحرجون من ذلك. # قال الفراء: كانت الأنصار تتحرج من ذلك لأنهم كانوا يقولون الأعمى لا يبصر فيأكل جيد الطعام دونه، والأعرج لا يتمكن من الجلوس، والمريض يضعف عن المآكل. # وقال مجاهد: أي ليس عليكم في الاكل من بيوت من سمي على جهة حمل قراباتكم إليهم تستتبعونهم في ذلك حرج. # وقال الزهري: ليس عليهم حرج في أكلهم من بيوت الغزاة إذا خلفوهم فيها باذنهم. # وقيل: كان المخلف في المنزل المأذون له في الاكل، فيجوز لئلا يزيد # PageV02P032 # على مقدار المأذون له فيها. # وقال الجبائي: الآية منسوخة بقوله تعالى " يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي الا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين أناه " (1. # ويقول النبي عليه السلام: لا يحل مال امرئ مسلم الا عن طيب نفسه (2. # والذي روي عن أهل البيت عليهم السلام انه لا بأس بالاكل لهؤلاء من بيوت من ذكره الله بغير اذنهم قدر حاجتهم من غير اسراف، وهم عشرة (3. # وقوله " ولا على أنفسكم ان تأكلوا من بيوتكم " قال الفراء: لما نزل قوله تعالى " ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل الا أن تكون تجارة " (4 ترك الناس مؤاكلة الصغير والكبير ممن أذن الله في الاكل معه، فقال تعالى وليس عليكم في أنفسكم وفى عيالكم أن تأكلوا معهم، إلى قوله " أو صديقكم " أي بيوت صديقكم " أو ما ملكتم مفاتحه " أي بيوت عبيدكم وأموالهم. # وقال ابن عباس: معنى " ما ملكتم مفاتحه " هو الوكيل ومن جرى مجراه. # وقال مجاهد والضحاك: هو ما ملكه الرجل نفسه في بيته. # وقال قتادة: معنى قوله " أو صديقكم " لأنه لا بأس في الاكل من بيت صديقه بغير اذن. # وقوله تعالى " ليس عليكم جناح ms293 ان تأكلوا جميعا أو اشتاتا " قيل يدخل فيه أصحاب الآفات على التغليب للمخاطب، كقولهم " أنت وزيد قمتما ". وقال ابن عباس: معناه لا بأس أن يأكل الغني مع الفقير في بيته. وقال الضحاك. # PageV02P033 # هم قوم من العرب كان الرجل منهم يتحرج أن يأكل وحده، وكانوا من كنانة. # وقال أبو صالح: كانوا إذا نزل بهم ضيف تحرجوا أن يأكلوا الا معه، فأباح الله الاكل مفردا ومجتمعا. # والأولى حمل ذلك على عمومه وأنه يجوز الاكل وحدانا وجماعا. # (باب) (التصرف في أموال اليتامى) قال الله عز وجل " ويسألونك عن اليتامى قل اصلاح لهم خير وان تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح ولو شاء الله لأعنتكم " (1. # معنى الآية الاذن لهم فيما كانوا يتحرجون منه من مخالطة الأيتام في الأموال من المأكل والمشرب والمسكن ونحو ذلك، فأذن الله لهم في ذلك إذا تحروا الاصلاح بالتوفير على الأيتام - في قول الحسن وغيره، وهو المروي في أخبارنا. # وقوله " وإخوانكم " أي فهم اخوانكم خالطتموهم أو لم تخالطوهم " ولو شاء الله لأعنتكم " الاعنات الحمل على مشقة لا تطاق ثقلا، ومعناه التذكر بالنعمة في التوسعة على ما توجبه الحكمة مع القدرة على التضييق الذي فيه أعظم المشقة. # وقال أحمد بن محمد بن أبي نصر: سألت أبا الحسن عليه السلام عن رجل يكون في يده مال لا يتام فيحتاج إليه فيمد يده فيأخذه وينوي أن يرده. قال: # لا ينبغي له أن يأكل منه الا القصد ولا يسرف، فإن كان من نيته أن لا يرده عليهم # PageV02P034 # فهو بالمنزل الذي قال الله عز وجل " ان الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما " (1. # وعن سماعة عن الصادق عليه السلام في قوله تعالى " ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف " (2 قال: من كان يلي شيئا من أموال اليتامى وهو محتاج إلى ما يقيمه فهو يتقاضى أموالهم ويقوم في ضيعتهم فليأكل بقدر ولا يسرف، فإن كان ضيعتهم لا تشغله عما يعالج لنفسه فلا يرزأن من أموالهم شيئا (3. # وسئل عليه السلام عن قوله تعالى " وان تخالطوهم فإخوانكم " قال: يعنى اليتامى. ms294 إذا كان الرجل يلي الأيتام في حجره فليخرج من ماله على قدر [ما يحتاج إليه على قدر] ما تخرج لكل انسان منهم فيخالطهم ويأكلون جميعا ولا يرزأن من أموالهم شيئا، انما هي النار (4 - أي ما يضيعه منه. # وقال عليه السلام في قوله تعالى " فليأكل بالمعروف " المعروف هو القوت وانما عنى الوصي والقيم في أموالهم بما يصلحهم (5. # وعن أبي الصباح الكناني عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله تعالى " ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف " [فقال: ذلك رجل يحبس نفسه عن المعيشة فلا بأس أن يأكل بالمعروف] إذا كان يصلح لهم أموالهم، فإن كان المال قليلا فلا يأكل منه شيئا. قال: قلت أرأيت قول الله عز وجل " وان تخالطوهم فإخوانكم "؟ # قال: تخرج من أموالهم بقدر ما يكفيهم وتخرج من مالك قدر ما يكفيك ثم تنفقه. قلت: أرأيت ان كانوا يتامى صغارا وكبارا وبعضهم أعلا كسوة من بعض وبعضهم آكل من بعض ومالهم جميعا. فقال: أما الكسوة فعلى كل انسان منهم # PageV02P035 # ثمن كسوته، وأما الطعام فاجعلوه جميعا، فان الصغير يوشك أن يأكل مثل الكبير (1. # (باب) (من يجبر الانسان على نفقته) الذين يجب لهم النفقة بنص القرآن منهم: الولد لقوله تعالى " ولا تقتلوا أولادكم خشية املاق " (2) يعنى خشية الفقر، فلولا أن على الوالد نفقة الولد ما قتله خشية الفقر. # وهذا الخطاب متوجه إلى الأغنياء الذين يخافون الفقر إن انفقوا على أولادهم أموالهم، فقال تعالى لهم لا تقتلوا أولادكم فاني أرزقهم كما رزقتكم. وخاطب الفقراء بالآية الأخرى فقال تعالى " ولا تقتلوا أولادكم من املاق " فاني أرزقهم وإياكم (3. # فصح أن نفقة الولد على الوالد واجبة، سواء كان له مال أو حرفة وصناعة أو أي حيلة يحصل بها ما يقوته ويتبلغ هو به. # وقول الله " لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده " (4 يمنع من الاضرار به. # أما قوله تعالى " فان أرضعن لكم فآتوهن أجورهن " (5 فإنه تعالى أراد به المطلقات دون الزوجات، بدلالة أنه تعالى أو جب الأجرة بشرط الرضاع الا إذا كانت ms295 ناشزا لا تستحق منه النفقة، ولأنه تعالى سماه أجرة والنفقة لا تسمى بذلك. # وأما وجوب نفقة الوالد على الولد فعلى كل ولد أن ينفق على والده في # PageV02P036 # الجملة، وعلى الوالدة أيضا. هذا إذا كان له يسار وما يجري مجراه، والدليل على هذا قوله تعالى " وصاحبهما في الدنيا معروفا " (1، فعلى هذا ان احتاج الوالد ولا ينفق الولد عليه يجوز للوالد حينئذ أن يأخذ من مال ولده قدر ما يحتاج إليه من غير اسراف بل على طريق القصد. # فأما من كان له أولاد صغار فلا يجوز له أن يأخذ شيئا من أموالهم الا قرضا على نفسه. وأما الوالدة فلا يجوز لها أن تأخذ من ولدها شيئا على حال الا على سبيل القرض على نفسها. # والمرأة لا يجوز لها أن تأخذ من بيت زوجها من غير اذنه الا المأدوم، فان ذلك مباح لها أن تتصرف فيه ما لم يؤد إلى ضرر. # ويجبر الرجل على نفقة ستة: ولده، ووالديه، وجده، وجدته من الطرفين، وزوجته، والمملوك أيضا. # ويستحب له النفقة على الآخرين من ذوي أرحامه. # وإذا كان للولد مال ولم يكن لوالده شئ جاز له أن يأخذ منه ما يحج به حجة الاسلام، فأما حجة التطوع فلا يجوز له الا باذنه. # (باب السبق والرماية) قال الله تعالى " وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم " (2. # فقال النبي صلى الله عليه وآله: ألا ان القوة الرمي - ثلاثا. # ووجه الدلالة أن الله أمر باعداد الرمي ورباط الخيل للحرب ولقاء العدو. # PageV02P037 # والاعداد لا يكون الا بالتعلم، والنهاية في التعلم المسابقة في ذلك ليكد كل واحد نفسه في بلوغ النهاية والحذف فيه، فكان في ضمن الآية دليل على ما قلناه. # وقال تعالى حكاية عن ولد يعقوب " يا أبانا انا ذهبنا نستبق " (1 فأخبر بالمسابقة. # وقال النبي صلى الله عليه وآله: لا سبق الا في نصل أو خف أو حافر (2 بسكون الباء وفتحها. فالسكون مصدر، وبالفتح الفرض المخرج في المسابقة. فأحل عليه السلام ms296 السبق وأباحه في هذه الثلاثة. # وسئل أنس: هل كنتم تراهنون؟ فقال: نعم. # ولا خلاف في جوازه، وانما الخلاف في أعيان المسائل. # فإذا تقرر جواز ذلك في الجملة فالكلام فيما يجوز المسابقة عليه وما لا يجوز. # فما تضمنه الخبر من النصل والحافر والخف ضربان: أحدهما نشابة وهي للعجم، والاخر السهم وهو للعرب. والمزاريق - وهي الردينيات - والرماح والسيوف كل ذلك من النصل. ويجوز المسابقة عليه بعوض لقوله تعالى " وأعدوا لهم ما استطعتم " الآية. # وأما الخف فالإبل، يجوز المسابقة عليها لقوله " فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب " (3، فالركاب الإبل. وكذا المسابقة على الخيل فجائز، لقوله " ومن رباط الخيل " (4 وقوله " من خيل ولا ركاب "، وعليه الاجماع. # PageV02P038 # (باب الزيادات) قوله تعالى " كلوا من طيبات ما رزقناكم ولا تطغوا فيه " (1. # ركب علي عليه السلام يوما دلدل ليخرج إلى موضع، فأتى مسجد الكوفة ليصلي فيه ركعتين ثم يخرج وكان منفردا، فلما وصل إلى باب المسجد رأى رجلا هناك فقال: احفظها لادخل المسجد فإذا خرجت أعطيتك شيئا. فأخذ الرجل اللجام من رأس البغلة ومضى، فلما خرج عليه السلام من الصلاة فإذا بقنبر وجماعة من الناس حول البغلة ولم يكن عليها اللجام، فقال عليه السلام: # سبحان الله اني أخذت درهمين لأدفعهما إليه، فدفعهما إلى قنبر ليشتري بهما لجاما. فلما دخل قنبر أول السوق فإذا الرجل باعه بدرهمين قراضة، فلما عاد أقبل أمير المؤمنين على الناس وقال: لا تتعرضوا للحرام، ولا تأكلوا مال غيركم غصبا فتحرموا في يومكم مقدار ذلك من رزقكم. وكل من أمكنه أن يأخذ مال غيره على وجه الحرام ولا يأخذ فالله يرزقه في ذلك اليوم مقدار ذلك من حيث لا يحتسب حلالا طيبا، قال تعالى " كلوا من طيبات ما رزقناكم ولا تطغوا فيه ". # PageV02P039 # كتاب المتاجر قال الله تعالى " يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل الا أن تكون تجارة عن تراض منكم " (1. # نهى الله عن أكل الأموال بالباطل، واستثنى المتاجر من ذلك وجعلها حقا يخرج به مستعملها من الباطل. # وقيل في معناه ms297 قولان: # أحدهما - قال السدي: لا تأكلوا أموالكم بينكم بالربا والقمار والبخس والظلم. وهو المروي عن أبي جعفر عليه السلام. # الثاني - قال الحسن: بغير استحقاق من طريق الأعواض. # وكان الرجل يتحرج أن يأكل عند أحد من الناس بعد ما أنزلت هذه الآية إلى أن نسخ ذلك بقوله تعالى في سورة النور " ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم " # PageV02P040 # إلى قوله تعالى " ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا " (1. # والأول أقوى، لان ما أكل على وجه مكارم الأخلاق فليس هو أكلا بالباطل. # وقيل: معناه التجاوز والاخذ من غير وجهه ولذلك قال تعالى " بينكم ". # وقوله تعالى " الا أن تكون تجارة " فيه دلالة على بطلان من حرم الكسب، لان الله حرم أكل الأموال بالباطل وأحله بالتجارة على طريق المكاسب، ومثله قوله " وأحل الله البيع وحرم الربا " (2. # وقوله تعالى " عن تراض منكم " قيل في معنى التراضي بالتجارة قولان: # أحدهما - امضاء البيع بالتفرق أو التخاير بعد العقد في قول شريح والشعبي وابن سيرين، لقوله عليه السلام " البيعان بالخيار ما لم يفترقا " (3 أو يكون بيع خيار. وربما قالوا أو يقول أحدهما للاخر اختر، وهو مذهبنا. # الثاني - امضاء البيع بالعقد على قول مالك بن أنس وأبي حنيفة بعلة رده إلى عقد النكاح، ولا خلاف أنه لا خيار فيه بعد الافتراق. وقيل معناه إذا تغابنوا فيه مع التراضي فإنه جائز. # ثم قال تعالى " ولا تقتلوا أنفسكم " أي لا تهلكوها بترك التجارة وبارتكاب الآثام والعدوان في أكل الأموال بالباطل وغيره " ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما فسوف نصليه نارا " الإشارة إلى أكل الأموال بالباطل. # وقوله تعالى " الا أن تكون تجارة " من رفع فالمعنى الا أن يقع، ومن نصب فمعناه الا أن تكون الأموال تجارة، أي أموال تجارة، وحذف المضاف، ويكون الاستثناء منقطعا، ويجوز أن يكون التقدير الا أن تكون التجارة تجارة. والرفع أقوى، لأنه أدل على الاستثناء، فان التحريم لاكل المال بالباطل على الاطلاق. # PageV02P041 # (باب آداب التجارة) ms298 قال الله تعالى " يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون " (1. # فندب تعالى إلى الانفاق من طيب الاكتساب، ونهى عن طلب الخبيث للمعيشة به والانفاق، فمن لم يتفقه لم يميز بين العقود الصحيحة والفاسدة ولم يعرف فرق ما بين الحلال والحرام من الكسب، فلم يكن مجتنبا للخبيث من الأعمال. # وينبغي للتاجر إذا عامله مؤمن ألا يربح عليه الا في حال الضرورة، ويقنع بما لابد له من اليسير مع الاضطرار أيضا. # قال تعالى " خذ العفو وأمر بالمعروف وأعرض عن الجاهلين " (2 أمر الله نبيه عليه السلام أن يأخذ مع الناس بالعفو، وهو التساهل فيما بينه وبينهم، وأن يترك الاستقصاء عليهم في ذلك. وهذا يكون في مطالبة الحقوق الواجبة لله وللناس وفي غيرها، وهو في معنى الخبر عن النبي عليه السلام: رحم الله سهل القضاء سهل الاقتضاء بائعا ومشتريا. # ولا ينافي ذلك أن لصاحب الحق والديون وغيرها استيفاء الحق وملازمة صاحبه حتى يستوفيه، لان ذلك مندوب إليه دون أن يكون واجبا. # " وأمر بالعرف " أي المعروف، وهو كل ما حسن في العقل فعله أو في الشرع " وأعرض عن الجاهلين " [أمر بالاعراض عن السفيه الذي ان بايعه # PageV02P042 # أو شاراه سفه عليه] (1 وآذاه، والى هذا أشار أمير المؤمنين عليه السلام بقوله لأهل السوق كل بكرة يغتدي إليهم: تبركوا بالسهولة، واقتربوا من المتبايعين، وتناهوا عن اليمين، وجانبوا الكذب والظلم، ولا تقربوا الربا، وأوفوا المكيال والميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين، وإياكم ومخالطة السفلة وهو الذي لا يبالي بما قال وما قيل له، ولا تعاملوا الا من يشاء في خير، قال تعالى " وأعرض عن الجاهلين " (2. # (فصل) قال الله تعالى " وأوفوا الكيل إذا كلتم " (3 ولا يكون الوفاء حتى يميل الميزان. # وكان عليه السلام يقول: زن يا وزان وأرجح. فلهذا أمرنا أن لا نأخذ الا ناقصا وان لا نعطي الا راجحا. # وقال النبي صلى الله عليه وآله: من باع واشترى فليحفظ خمس ms299 خصال والا فلا يشتري ولا يبيع: الربا، والحلف، وكتمان العيب، والمدح إذا باع، والذم إذا اشترى (4. # قال الله تعالى " أحل الله البيع وحرم الربا " (5). # وقال " ولا تجعلوا الله عرضة لايمانكم " (6). # PageV02P043 # وقال " يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون " (1. # فلا ينبغي تزيين متاعه، بأن يري جيده ويكتم رديه، ولقوله تعالى " وما كان لنبي أن يغل ومن يغلل يأتي بما غل يوم القيامة " (2 فالغلول الخيانة، لأنه يجري في الملك على خفى من غير الوجه الذي يحل، كالغلل وهو دخول الماء في خلل الشجر. وانما خصت الخيانة بالصفة دون السرقة لأنه يجري إليها بسهولة، لأنها مع عقد الأمانة. # وقال النبي عليه السلام حين مر على رجل يبيع التمر وكان يخلط الردئ بالجيد: من غشنا فليس منا (3. # ولا يجوز أن يشوب اللبن بالماء، لان العيب لا يتبين فيه. # وعن إسحاق: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يبعث إلى الرجل يقول له: ابتع لي ثوبا، فيطلب له في السوق فيكون عنده مثل ما يجد له في السوق فيعطيه من عنده؟ قال: لا يقربن هذا ولا يدنس نفسه، ان الله عز وجل يقول " انا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الانسان انه كان ظلوما جهولا " (4، وإن كان ما عنده خيرا مما يجد له في السوق فلا يعطيه من عنده الا باعلامه ذلك (5. # وكذلك من باع لغيره شيئا فلا يشتريه لنفسه وان زاد في ثمنه على ما يطلب في الحال الا بعلم من صاحبه واذن من جهته. # PageV02P044 # ولا يجوز للرجل أن يدخل في سوم أخيه، فقد عاتب الله نبيه داود فقال " ان هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة فقال اكفلنيها " (1 الآية وإذا تعسر عليه نوع من التجارة فليتحول منه إلى غيره. # (باب أحكام الربا) قال الله تعالى " الذين يأكلون الربا لا يقومون الا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس " (2. # أصل الربا الزيادة، من قولهم ربا الشئ يربو: إذا ms300 زاد، والربا هو الزيادة على رأس المال في جنسه أو مماثله، وذلك كالزيادة على مقدار الدين للزيادة في الاجل، أو كاعطاء درهم بدرهمين أو دينار بدينارين. # والمنصوص عليه تحريم التفاضل في ستة أشياء: الذهب، والفضة، والحنطة، والشعير، والتمر، والملح. وقيل الزبيب، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله فيها: مثلا بمثل يدا بيد، من زاد واستزاد فقد أربى. # فهذه الستة أشياء لا خلاف بينهم في حصول الربا فيها، وباقي الأشياء عند الفقهاء مقيس عليها، وفيها خلاف بينهم. # وعندنا ان الربا في كل ما يؤكل ويوزن إذا كان الجنس واحدا منصوصا عليه، والعموم يتناول كل ذلك ولا يحتاج إلى قياس. # والربا محرم متوعد عليه كبيرة موبقة بلا خلاف بهذه الآية وبقوله " يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا " (3 وبقوله: فإن لم تفعلوا فأذنوا # PageV02P045 # بحرب من الله ورسوله " (1. # أما قوله " لا يقومون الا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس " قال ابن عباس: ان قيامهم على هذه الصفة يكون يوم القيامة إذا قاموا من قبورهم، ويكون ذلك أمارة على أنهم آكلة الربا. # وقوله " يتخبطه الشيطان من المس " مثل لا حقيقة عند الجبائي على وجه النسبة بحال من تغلب عليه المرة السوداء، فتضعف نفسه، ونسب إلى الشيطان مجازا لما كان عند وسوسته. # ثم قال " ذلك بأنهم قالوا انما البيع مثل الربا " معناه ذلك العقاب لهم بسبب قولهم انما البيع الذي لا ربا فيه مثل البيع الذي فيه الربا. # قال ابن عباس: كان الرجل منهم إذا حل دينه على غريمه يطالبه به، قال المطلوب منه له زدني في الاجل وأزيدك في المال، فيتراضيان عليه ويعملان به، فإذا قيل لهم هذا ربا قالوا هما سواء، يعنون به أن الزيادة في الثمن حال البيع والزيادة فيه بسبب الاجل عند محل الدين سواء، فذمهم الله وأوعدهم وخطأهم. # وقال بعضهم: انهم قالوا الزيادة على رأس المال بعد تصييره على جهة الدين كالزيادة عليه في ابتداء البيع، وذلك خطأ لان أحدهما محرم والاخر مباح، ms301 وهو أيضا منفصل منه في العقد، لان الزيادة في أحدهما لتأخير الدين وفي الاخر لأجل البيع. # والفرق بين البيع والربا أن البيع ببدل، لان الثمن فيه بدل المثمن، والربا ليس كذلك، وانما هو زيادة من غير بدل للتأخير في الاجل أو زيادة في الجنس. # " وقد أحل الله البيع وحرم الربا فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف " # PageV02P046 # أي له ما أكل، وليس عليه رد ما سلف إذا لم يكن علم أنه حرام. # قال أبو جعفر عليه السلام: من أدرك الاسلام وتاب مما كان عمله في الجاهلية وضع الله عنه ما سلف. فمن ارتكب ربا بجهالة ولم يعلم أن ذلك محظور فليستغفر الله في المستقبل وليس عليه فيما مضى شئ، ومتى علم أن ذلك محرم وتمكن من عمله فكل ما يحصل له من ذلك محرم عليه ويجب عليه رده إلى صاحبه. # وقال السدي في معنى قوله " فله ما سلف " له ما أكله وليس عليه رد ما سلف، فأما من لم يقبض بعد فلا يجوز له أخذه وله رأس المال. # ويحتمل أن يكون أراد " فله ما سلف " يعني من الربا المأخوذ دون العقاب الذي استحقه. # وقوله " وأمره إلى الله " معناه في جواز العفو عنه ان لم يتب " ومن عاد " لاكل الربا بعد التحريم " فأولئك أصحاب النار " لان ذلك لا يصدر الا عن كافر، لان مستحل الربا كافر بالاجماع. # (فصل) والوعيد في الآية متوجهة إلى من أربى وان لم يأكله، وانما ذكر الله الذين يأكلون الربا لأنها في قوم كانوا يأكلونه فوصفهم بصفتهم، فحكمها ثابت في جميع من أربي. والآية الأخرى التي ذكرناها تبين ما قلناه، وعليه أيضا الاجماع. # وقيل: الوجه في تحريم الربا أن فيه تعطيل المعايش والاجلاب، فالتاجر إذا وجد المربى ومن يعطيه دراهم فضلا بدراهم لا يقرض. وقد قال أبو عبد الله عليه السلام: انما شدد في تحريم الربا لئلا يمتنع الناس من اصطناع المعروف PageV02P047 # قرضا أو رفدا (1. # ثم قال تعالى " يمحق الله الربا ويربي الصدقات " (2. المحق نقصان ms302 الشئ حالا بعد حال. قال البلخي: محقه في الدنيا بسقوط عدالته والحكم بفسقه وتسميته به. # وقال تعالى " يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا اضعافا مضاعفة " (3 قيل في تحريم الربا خاصة، مع ما في قوله " أحل الله البيع وحرم الربا " (4 وغير ذلك قولان: # أحدهما - التصريح بالنهي عنه بعد الاخبار بتحريمه، فلما في ذلك من تصريف الحظر له وشدة التحذير منه. # الثاني - لتأكيد النهي عن هذا الضرب منه الذي يجري على الأضعاف المضاعفة. وقيل في معناه ههنا قولان: أحدهما للمضاعفة بالتأخير أجلا بعد أجل كما أخر أجلا إلى غيره زيد عليه زيادة على المال. الثاني أي تضاعفون به أموالكم. # والربا المنهي عنه قال عطا ومجاهد هو ربا الجاهلية، وهو الزيادة على أصل المال للتأخير عن الاجل الحال، ويدخل فيه كل زيادة محرمة في المعاملة من جهة المضاعفة. # ووجه تحريم الربا هو المصلحة التي علم الله تعالى، فان ذلك يدعو إلى العدل ويحض عليه، ويدعو أيضا إلى مكارم الأخلاق بالاقراض وانظار المعسر من غير زيادة. # PageV02P048 # ومعنى " لا تأكلوا الربا " لا تزيدوا على رأس المال، وليس المراد النهي عن الاكل فقط، وانما جاز ذلك لأنه معلوم المراد. # وقوله تعالى " أضعافا مضاعفة " حال للرباء، والاضعاف جمع ضعف، والربا مصدر، كأنه قال: لا تزيدوا زيادة متكررة. # وقد بين رسول الله صلى الله عليه وآله أن قليل الربا حرام ككثيرة. # وسئل الصادق عليه السلام عن قوله " يمحق الله الربا ويربي الصدقات " وقيل قد أربى من يأكل الربا يربو ماله؟ قال أي محق أمحق من درهم ربا يمحق الدين، وان تاب منه ذهب ماله وافتقر (1. # (باب) (البيع بالنقد والنسيئة والشرط في العقود) البيع نقدا ونسيئة جائز، لان قول الله عز وجل " وأحل الله البيع " يتناوله على كل الوجوه، فمن باع شيئا ولم يذكر فيه ثمنه نقدا ولا نسيئة كان الثمن حالا. # فان ذكر أن يكون الثمن آجلا فلا يخلو اما أن يكون مجهولا مثل قدوم الحاج وادراك الغلات فالبيع باطل على هذا، وإن كان الاجل ms303 معينا كان البيع صحيحا، والأجل على ما ذكر. والذي يدل على هذا الفصل والتفصيل قوله تعالى " يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى " (2. # وكذلك إذا باع بنسيئة ولم يذكر الاجل أصلا كان البيع أيضا باطلا، لان الله اعتبر في هذه الآية الاجل وأن يكون ذلك الاجل مسمى معينا. # PageV02P049 # والآية تدل على صحة اشتراء السلف، وصحته بيع النسيئة بشرط تعيين أجلهما. # ولابد من حضور الثمن والمثمن، ولا يجوز تأخير الثمن عن وقت وجوبه لزيادة فيه، لأنه ربا على ما ذكرناه. [ولا بأس بتعجيله بنقصان شئ منه، لقوله تعالى " فلا جناح عليهما أن يصلحا "] (1. # (فصل) وقوله تعالى " وأحل الله البيع " عام في كل بيع شرعي. # ثم اعلم أن البيع هو انتقال عين مملوكة من شخص إلى غيره بعوض مقدر على وجه التراضي على ما يقتضيه الشرع. # وهو على ثلاثة أضرب: بيع عين مرئية، وبيع موصوف في الذمة، وبيع خيار الرؤية. # فأما بيع الأعيان المرئية: فهو أن يبيع انسان عبدا حاضرا أو ثوبا حاضرا أو عينا من الأعيان حاضرة فيشاهد البائع والمشتري ذلك، فهذا بيع صحيح بلا خلاف. # وأما بيع الموصوف في الذمة: فهو أن يسلمه في شئ موصوف إلى أجل معلوم ويذكر الصفات المقصودة، فهذا أيضا صحيح بلا خلاف. # واما بيع خيار الرؤية: فهو بيع الأعيان الغائبة، وهو أن يبتاع شيئا لم يره مثل أن يقول " بعتك هذا الثواب الذي في كمي " أو " الثوب الذي في الصندوق " وما أشبه ذلك، فيذكر جنس المبيع فيتميز من غير جنسه ويذكر الصفة. ولا فرق بين أن يكون البائع رآه والمشتري لم يره أو يكون المشتري رآه والبائع لم # PageV02P050 # يره أو لم يرياه معا. فإذا عقد البيع ثم رأى المبيع فوجده على ما وصفه كان البيع ماضيا، وان وجده بخلافه كان له رده وفسخ العقد. # ولابد من ذكر الجنس والصفة: فمتى لم يذكر هما أو واحدا منهما لم يصح البيع. ومتى شرط المشتري خيار الرؤية لنفسه كان جائزا، فإذا رآه بالصفة التي ذكرها ms304 لم يكن له الخيار، وان وجده مخالفا كان له الخيار. هذا إذا لم يكن رآه، وإن كان قد رآه، فلا وجه لشرط الرؤية لأنه عالم به قبل الرؤية. # وقوله تعالى " الا أن تكون تجارة عن تراض منكم " يدل أيضا على أكثر ما ذكرناه. # (فصل) وقوله تعالى " إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى " يدل على صحة السلف في جميع المبيعات، وانما يجوز ذلك إذا جمع شرطين: تمييز الجنس من غيره مع تحديده بالوصف، والثاني ذكر الاجل فيه. فإذا اختل شئ منهما لم يصح السلف، وهو بيع مخصوص. # وكل شئ لا يتحدد بالوصف - مثل روايا الماء والخبز واللحم - لم يصح السلف فيه، لان ذلك لا يمكن تحديده بوصف لا يختلط به سواه. وقال بعض أصحابنا انه جائز، والأول أظهر. # وكل شرط يوافق شريعة الاسلام اعتبره المشتري فإنه يلزم، لقوله تعالى " أوفوا بالعقود " ولقول رسول الله صلى الله عليه وآله " المؤمنون عند شروطهم ". # وعن فضيل: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: ما الشرط في الحيوان؟ قال: # ثلاثة أيام شرط ذلك في ضمن العقد أو لم يشرط، ويكون الخيار للمبتاع خاصة في هذه المدة ما لم يحدث فيه حدثا. قلت: فما الشرط في غير الحيوان؟ قال: PageV02P051 # البيعان في الخيار ما لم يفترقا، فإذا افترقا فلا خيار بعد الرضا منهما الا أن يشترطا إلى مدة معينة (1. # وقال عليه السلام: لا بأس بالسلم في المتاع [إذا وصفت الطول والعرض (2 إلى أجل معلوم، وفي الحيوان] (3 إذا وصفت أسنانها (4. # وقوله تعالى " وأشهدوا إذا تبايعتم " (5 يختص بهذا النوع من المبايعة. # (باب) (في أشياء تتعلق بالمبايعة ونحوها) الاحتكار يكون في ستة أشياء: الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب، والسمن، والملح. # وهو حبسها من البيع، ولا يجوز ذلك وبالناس حاجة ولا يوجد غيره في البلد. فإذا ضاق الطعام ولا يوجد الا عند من احتكره كان للسلطان أن يجبره على بيعه، ولم يكرهه على سعر بعينه إذا باع هو على التقريب من سعر الوقت. فإن كان سعر الغلة مثلا عشرين منا ms305 بدينار فلا يمكن أن يبيع خمسة أمنان بدينار، ويجبره على ما هو مقاربة للعشرين. # وقد بينها رسول الله صلى الله عليه وآله لقوله تعالى " وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ". # وقال عليه السلام: علامة رضا الله في خلقه عدل سلطانهم ورخص أسعارهم، # PageV02P052 # [وعلامة غضب الله على خلقه جور سلطانهم وغلاء أسعارهم] (1. # وعلى هذا قوله تعالى حكاية عن اخوة يوسف عليه السلام له " يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر وجئنا ببضاعة مزجاة فأوف لنا الكيل " (2 وأتى رسول الله صلى الله عليه وآله قوما فشكوا إليه سرعة نفاد طعامهم. # فقال تكيلون أم تهيلون (3؟ فقالوا: نهيل يا رسول الله - يعنون الجزاف. فقال عليه السلام لهم: كيلوا ولا تهيلوا فإنه أعظم للبركة (4. # وروي: أن من أهان بالمأكول أصابه المجاعة. # وقال أبو عبد الله عليه السلام: إذا أصابتكم مجاعة فأعينوا بالزبيب (5. # وقوله تعالى " ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير " (6 معناه لو كنت عالما بما يكون من أحوال الدنيا لاشتريت في الرخص وبعت في الغلاء " وما مسني السوء " أي الفقر. # فان قيل: فهل اطلع نبيه على الغيب؟ # قلنا: على الاطلاق لا، لان الله تعالى يقول " وما كان الله ليطلعكم على الغيب ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء " (7 والمعنى ولكن الله اجتبى رسوله بأعلامه كثيرا من الغائبات. # PageV02P053 # وقال أبو جعفر عليه السلام: إذا حدثتم بشئ فسلوني من كتاب الله. ثم قال في حديثه: ان الله نهى عن القيل والقال وفساد المال وكثرة السؤال. فقالوا: # يا بن رسول الله أين هذا من كتاب الله! فقال: ان الله يقول في كتابه " لا خير في كثير من نجواهم الا من أمر بصدقة أو معروف أو اصلاح بين الناس " (1 وقال " ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما " (2 وقال " لا تسئلوا عن أشياء ان تبد لكم تسؤكم " (3. ثم قال: لا تمانعوا قرض الخمير والجبن، فان منعه يورث الفقر. # وقال علي عليه السلام: من باع الطعام نزعت منه الرحمة (4. # وقال أبو الحسن ms306 عليه السلام: من اشترى الحنطة زاد ماله، ومن اشترى الدقيق ذهب نصف ماله، ومن اشترى الخبز ذهب ماله. وذلك لمن يقدر ولا يفعل (5. # (فصل) وقوله تعالى " وأوفوا الكيل ولا تكونوا من المخسرين * وزنوا بالقسطاس المستقيم " (6 المعين أعطوا الواجب وافيا غير ناقص، ويدخل الوفاء في الكيل والذرع والعدد. والمخسر: المعرض للخسران في رأس المال، يقال أخسر يخسر: إذا جعله يخسر في ماله، وهو نقيض أربحه. والقسطاس الميزان. نهاهم # PageV02P054 # الله أن يكونوا من المخسرين. # وقال تعالى " ولا تنقصوا المكيال والميزان اني أراكم بخير " (1 نهاهم أن يبخسوا الناس فيما يكيلونه أو يزنونه، وقال لهم " اني أراكم بخير " أي برخص السعر، وحذرهم الغلاء في قول ابن عباس. # وقال تعالى " ويل للمطففين " (2 هدد الله بهذا الخطاب كل من بخس غيره حقه ونقصه ماله من مكيل وموزون، فالبائع والمشتري مخاطبان بهذا، لان الكيل ووزن المتاع على البائع فتوفية ذلك عليه، ووزن الثمن على المشتري. # فإن لم يحسنا ذلك لم يتعرضا له وليول كل واحد منهما ما عليه غيره وأجرته عليه، والكيال ووزان الا متعة يعينان البائع فأجرتهما عليه، والناقد ووزان الذهب والفضة يعينان المشتري فأجرتهما عليه. # والتطفيف التنقيص على وجه الخيانة في الكيل أو الوزن. ولفظة " المطففين " صفة ذم لا يطلق على من طفف شيئا يسيرا إلى أن يصير إلى حال يتفاحش. وفي الناس من قال لا يطلق حتى يطفف أقل ما يجب فيه القطع في السرقة، لان ما يقطع فيه فهو كثير. # قال ابن عباس: كان أهل المدينة من أخبث الناس كيلا إلى أن أنزل الله هذه الآية فأحسنوا الكيل. # ثم قال تعالى " الذين إذا اكتالوا على الناس " أي أخذوا ما عليهم " وإذا كالوهم أو وزنوهم " فان بعض المفسرين يجعلهم فعلا في موضع رفع بمعنى الفاعل والباقون يجعلونه في موضع نصب، وهو الصحيح. # PageV02P055 # (فصل) وقوله تعالى " يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم " (1 يدل على أنه إذا كان لرجل مال فيه عيب وأراد بيعه وجب عليه أن يبين ms307 للمشتري عيبه ولا يكتمه، أو يتبرأ إليه من العيوب، والأحوط الأول. # قال تعالى " وتخونوا أماناتكم " أي ولا تخونوا أماناتكم، وعمومه يدل على أكثر مسائل البيع، فإن لم يبين البائع العيب الذي في المبيع واشتراه انسان فوجد به العيب كان المشتري بالخيار ان شاء رضي به وان شاء رده بالعيب واسترجع الثمن وان شاء أخذ الأرش. # وان اختار فسخ البيع ورد المبيع فإن لم يكن حصل من جهة المبيع نماء رده واسترجع الثمن، وان حصل نماء وفائدة فلا يخلو أن يكون كسبا من جهته أو نتاجا وثمرة، فإن كان كسبا مثل أن كسب بعمله أو بتجارته أو يوهب له شئ أو يصطاد أو يحتطب فإنه يرد المعيب ولا يرد الكسب، لقول النبي عليه السلام: الخراج بالضمان. والخراج اسم للفائدة والغلة التي تحصل من جهة المبيع، ومعنى الخبر أن الخراج لمن يكون المال يتلف من ملكه، ولما كان المبيع ان تلف يتلف من ملك المشتري - لأن الضمان انتقل إليه - كان الخراج له والنتاج والثمرة أيضا للمشتري، وان حصل من المبيع نماء قبل القبض كان ذلك للبائع إذا أراد الرد بالعيب، لان ضمانه على الظاهر من الخبر على البائع ههنا. # ولا يجوز لكافر أن يشتري عبدا مسلما ولا يثبت ملكه عليه، لقوله تعالى " ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا " (2. # PageV02P056 # ولا يجوز بيع رباع مكة ولا اجارته، لقوله تعالى " سواء العاكف فيه والبادي " (1. # وقال أبو عبد الله عليه السلام: اشتروا وإن كان غاليا، فان الرزق ينزل مع الشراء (2. # وقال: ان رسول الله صلى الله عليه وآله لم يأذن لحكيم بن حزام في تجارة حتى ضمن له إقالة النادم وانظار المعسر وأخذ الحق واعطاء الحق (3. # وقيل في قوله تعالى " أحل الله البيع وحرام الربا " يحتمل احلال الله البيع معنيين: # أحدهما - أن يكون احلال بيع يعقده البيعان عن تراض منهما وكانا جايزي الامر. وهذا لا يصح، لان الله لما أحل البيع وحرم الربا وقد يتراضيان بما يؤدي إلى الربا، ولا يصح ذلك. # والثاني - أن يكون ms308 أحل الله البيع المشروع، فيكون من العام الذي أراد به الخاص، فبين النبي صلى الله عليه وآله ما أحله الله وما حرمه، أو يكون داخلا فيهما. فأصل البيع كله مباح الا ما نهى النبي عليه السلام، وما فارق ذلك من البيوع التي لا ربا فيها أبحناه بما وصفنا من إباحة الله البيع. # ونظيره قولنا ان السلم مخصوص من خبر النهي عن بيع ما ليس عند الانسان ولا يكون داخلا في عمومه. # ومن هذا الجنس ما أمر الله به من قتال المشركين كافة، وقوله تعالى " حتى # PageV02P057 # يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون " (1. فلم يدخل أهل الكتاب في عموم النهي أمرنا فيها بقتال المشركين، فلما قال رسول الله " يا حكيم بن حزام لا تبع ما ليس عندك " واذن في السلف علمنا أن هذا لا يدخل في عموم الأول. # (باب الرهن وأحكامه) قال الله تعالى " وان كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة " (2 الرهن في اللغة الثبات والدوام، وفي الشريعة اسم لما يجعل وثيقة في دين، وهو جائز بالاجماع والسنة والكتاب. # قال الله تعالى " فرهان مقبوضة " تقديره والوثيقة رهن ويجوز فعليه رهن مقبوضة. # وقال أبو عبد الله عليه السلام: ان النبي صلى الله عليه وآله رهن درعه عند أبي الشحم اليهودي على شعير أخذه لأهله (3. # قيل: وانما عدل عن أصحابه إلى يهودي لئلا يلزمه منه بالابراء، فإنه لم يأمن ان استقرض من بعضهم أن يبرئه منه، وذلك يدل على أن الابراء يصح من غير قبول المبرأ. # وعقد الرهن يحتاج إلى ايجاب وقبول وقبض برضا الراهن. # وليس الرهن بواجب، وانما هو وثيقة جعلت إلى رضا المتعاقدين، ويجوز في السفر والحضر. # والدين الذي يجوز أخذ الرهن به هو كل دين ثابت في الذمة، مثل الثمن # PageV02P058 # والأجرة والمهر والعوض في الخلع وأرش الجناية وقيمة المتلف، كل ذلك يجوز أخذ الرهن به. # وفي الدية على العاقلة يجوز بعد الحول وقبل الحول لا يجوز، فإن لم يقبض المرهون لم ينعقد الرهن، لان الله جعل من شرط ms309 صحة الرهن أن تكون مقبوضة، قال تعالى " فرهان مقبوضة ". # والرهن والرهان (1 كلاهما جمع، وأحدهما رهن، كجبل وجبال وسقف وسقف، ولا يعرف في الأسماء فعل وفعل غير هذين. ولو قلنا الرهن جمع الجمع - لان فعالا وفعالا كثير - لكان أقيس. # ويجوز أخذ الرهن في الحضر مع وجود الكاتب، لما قدمنا أن النبي صلى الله عليه وآله اشترى طعاما نسيئة ورهن فيه درعا. # ولما أمر تعالى بالاشهاد في السلم بقوله " وأشهدوا إذا تبايعتم " سنة واحتياطا، أمر بالرهن احتياطا أيضا إذا لم يوجد كاتب ولا شهيد. # وانما أورد ذكر كون السفر فيه وشرط الكلام به: اما لان تلك الحال التي نزلت الآية فيها كانت على تلك الصفة، واما لان فقدان البينة على الأغلب في حال السفر لا لأنه شرط في صحته. # (فصل) ثم قال تعالى " فان أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي أوتمن أمانته " (2. فبين سبحانه بهذا أن الاشهاد والكتابة في المداينة والرهن ليس بواجب على ما ذكرناه، وانما هو على جهة الاحتياط. معناه ان ائتمنه فلم يقبض منه رهنا فليؤد الذي # PageV02P059 # اؤتمن الأمانة، يعني على الذي عليه الدين بأن يؤدي إليه حقه في محله ويؤدي الأمانة كما وثق به واعتقد فيه، أي ليقض دينه الذي أمنه عليه. والائتمان افتعال من الامن، يقال أمنه وائتمنه. # " وليتق الله ربه " أن يظلمه أو يخونه وهو وثق به وائتمنه ولم يرتهن منه شيئا. # وقرأ ابن عباس ومجاهد " ولم تجدوا كتابا " يعني ما تكتبون فيه من طرس وغيره. # وإذا ارتهن صاحب الدين وأشهد فقد أكد الاحتياط. ولا بأس أن يكون الرهن أكثر قيمة من المال الذي عليه أو أقل ثمنا منه أو مساويا له، لان عموم اللفظ يتناوله على الأحوال. # وانما قلنا إن الأحوط هو الاشهاد مع التمكن وان استوثق من ماله رهنا، لأنه ان اختلفا في مقدار المبلغ الذي الرهن لأجله كان على المرتهن البينة، فإن لم يكن له بينة فعلى صاحب الرهن اليمين. وكذا إذا اختلفا في متاع فقال الذي عنده أنه رهن وقال صاحب المتاع ms310 أنه وديعة كان على المدعي لكونه رهنا البينة بأنه رهن، وقد روي أن القول قول المرتهن مع يمينه لأنه أمينه، والبينة على الراهن ما لم يستغرق الرهن ثمنه. # ومن أدل الدليل على أن الاشهاد والارتهان يصح اجتماعهما قوله تعالى بعد هذا " ولا تكتموا الشهادة " يعني بعد تحملها " ومن يكتمها فإنه آثم قلبه " انما أضاف إلى القلب مجازا لأنه على الكتمان، والا فالاثم هو الحي، وقالت عائشة: # الصامت عن الحق كالناطق بالباطل، وكاتم الشهادة كشاهد الزور. # " والله بما تعملون عليم " يعني بما تسترونه وبما تكتمونه. # وانما ذكر تعالى بعد ذلك " وان تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله " لان المعنى فيه كتمان الشهادة. ويحتمل أن يريد جميع الأحكام التي تقدمت، خوفهم الله من العمل بخلافه. PageV02P060 # (باب الوديعة) اعلم أن الوديعة حكم في الشريعة، لقوله تعالى " ان الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها " (1 وقال تعالى " فان أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته " (2. # والوديعة مشتقة من ودع يدع: إذا استقر وسكن، يقال: أودعته أودعه إذا أقررته وأسكنته. # وروي أن النبي صلى الله عليه وآله كانت عنده ودائع بمكة، فلما أراد أن يهاجر أودعها أم أيمن وأمر عليا عليه السلام بردها على أصحابها (3. # فإذا ثبت ذلك فالوديعة أمانة لا ضمان على المودع ما لم يفرط، وقال النبي صلى الله عليه وآله: ليس على المودع ضمان (4. # فأما قوله تعالى " ومن أهل الكتاب من أن تأمنه بقنطار يؤده إليك " يعني به النصارى لأنهم لا يستحلون أموال من خالفهم " ومنهم من أن تأمنه بدينار لا يؤده إليك " يعني اليهود لأنهم يستحلون مال كل من خالفهم في حل السبت " لا ما دمت عليه قائما " (5 على رأسه بالتقاضي والمطالبة، قائما بالاجماع والملازمة. والفرق بين تأمنه بقنطار وعلى قنطار أن معنى الباء الصاق الأمانة ومعنى على استعلاء الأمانة، وهما متعاقبان في هذا الموضع لتقارب المعنى كما يقال " مررت به وعليه ". # PageV02P061 # ويمكن أن تكون الفائدة أن هؤلاء لا يؤدون الأمانة لاستحلالهم ذلك، لقوله " ذلك بأنهم ms311 قالوا ليس علينا في الأميين سبيل " (1. وسائر الفرق - وإن كان منهم من لا يؤدي الأمانة - لا يستحلها. # وقال جماعة: قالت اليهود: ليس علينا فيما أصبنا من أموال العرب سبيل لأنهم مشركون، وادعوا أنهم وجدوا ذلك في كتابهم، وهم يعلمون أن هذا هو الكذب على الله. # فإذا ثبت ذلك فالوديعة جائزة من الطرفين، من جهة المودع متى شاء أن يستردها فعل، ومن جهة المودع متى شاء أن يردها فعل. فإذا ردها على المودع أو على وكيله فلا شئ عليه، وان ردها على الحاكم أو على ثقته مع القدرة على الدفع إلى المودع أو إلى وكيله فعليه الضمان. # فإن لم يقدر على المودع ولا على وكيله، فلا يخلو اما أن يكون له عذر أو لم يكن له عذر، فإن لم يكن له عذر برده فعليه الضمان، وإن كان له عذر برده على الحاكم أو على ثقته فلا ضمان عليه. # وقال أبو عبد الله عليه السلام: صاحب الوديعة وصاحب البضاعة مؤتمنان (2. # وكل ما كان من وديعة ولم تكن مضمونة فلا تلزم. # ورد الوديعة واجب متى طلبها صاحبها وهو متمكن من ردها، وليس عليه في ردها ضرر يؤدي إلى تلف النفس أو المال، سواء كان المودع كافرا أو مسلما. # (باب العارية) هي أيضا جائزة بدليل الكتاب والسنة، فالكتاب قوله تعالى " تعاونوا على # PageV02P062 # البر والتقوى " (1، والعارية من البر. # ويدل عليه أيضا قوله تعالى " ويمنعون الماعون " (2 فقد قال ابن عباس - وهو ترجمان القرآن - ان الماعون العواري. # وروي عن صفوان بن أمية أن النبي صلى الله عليه وآله استعار منه أدرعا فقال: أغضبا يا محمد؟ فقال عليه السلام: لابل عارية مضمونة مؤداة (3. # ولا خلاف بين الأمة في جواز ذلك، وانما اختلفوا في مسائل منها. # وإذا ثبت جواز العارية فاعلم أنها أمانة غير مضمونة الا أن يشرط صاحبها، فان شرط ضمانها كانت مضمونة. # والذهب والفضة إذا استعيرا فهما مضمونان، شرط فيهما ذلك أم لم يشرط. # ومتى تعدى المستعير في العواري كانت مضمونة، سواء شرط أو لم يشرط. ms312 # (باب الإجارات) قوله تعالى " قالت إحداهما يا أبت استأجره ان خير من استأجرت القوي الأمين " (4. يدل على صحة الإجارة زائدا على السنة والاجماع من أن كل ما يستباح بعقد العارية يجوز أن يستباح بعقد الإجارة، من إجارة الرجل نفسه وعبيده وداره وعقاره بلا خلاف. # والاستيجار طلب الإجارة، وهي العقد على ما أمر بالمعاوضة. # حكى الله ما قال أبو المرأتين شعيب لموسى: اني أريد أن أنكحك إحدى # PageV02P063 # ابنتي هاتين على أن تجعل أجر رعي ماشيتي ثماني سنين صداق ابنتي، ثم جعل لموسى كل سخلة تلد على خلاف شية أمها. فأوحى الله إليه أن الق عصاك في الماء إذا شربن فولدن كلهن خلاف شيتهن. وجعل الزيادة على المدة إليه الخيار، " فان أتممت عشرا فمن عندك " أي هبة منك غير واجبة عليك فقضى موسى أتم الأجلين وأوفاهما. # فإذا ثبت ذلك فاعلم أن الإجارة عقد معاوضة، وهي من عقود المعاوضات اللازمة كالبيع والشراء. # والإجارة على ضربين: أحدهما ما تكون المدة معلومة والعمل مجهولا، مثل أن يقول " آجرتك شهرا لتبني ". والثاني أن تكون المدة مجهولة والعمل معلوما [مثل أن يقول " آجرتك لتبنى هذه الدار وتخيط هذا الثوب "، فأما إذا كانت المدة معلومة والعمل معلوما] (1 هنا فلا يصح، فإنه إذا قال " استأجرتك اليوم لتخيط قميصي هذا " كانت الإجارة باطلة، لأنه ربما يخيط قبل مضي النهار فيبقى بعض المدة بلا عمل، وربما لا يفرغ منه بيوم ويحتاج إلى مدة أخرى ويحصل العمل بلا مدة. # والبهائم والحيوان تكترى للركوب وللحمولة وللعمل عليها، بدلالة قوله تعالى " والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة " (2. # وعن ابن عباس في قوله تعالى " ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم " (3 فقال: المعنى لا جناح عليكم أن تحجوا أو تكرهوا الجمال للركوب والعمل. # PageV02P064 # فان آجرها ليركب عليها فلابد من أن يكون المحمول معلوما والمحمول له وأن يكون المركوب معلوما والراكب معلوما. أما المركوب فيصير معلوما اما بالمشاهدة أو بالصفة، فالمشاهدة أن يقول: اكتريت منك هذا الجمل شهرا، أو اكتريت منك هذا الجمل لا ms313 ركبه إلى مكة. # فأما إذا كان معلوما بالصفة فلابد من ذكر ثلاثة أشياء: الجنس، والنوع والذكورية والأنوثية. أما الجنس فأن يقول جمل حمار بغل دابة، والنوع أن يذكر حمار مصري جمل بختي أو عرابي، ويقول ناقة أو جمل لان السير على النوق أطيب منه على الجمل. # وأما الراكب فيجب أن يكون معلوما، ولا يمكن ذلك الا بالمشاهدة لأنه لا يوزن. ثم هو بالخيار ان شاء ركبه هو أو يركب من يوازنه، ويكون في معناه هذا إذا اكراها مطلقا. # (باب الشركة والمضاربة) أما الشركة فجائزة لقوله تعالى " واعلموا أن ما غنمتم من شئ فأن لله خمسه وللرسول " (1 الآية، فجعل سبحانه الغنيمة مشتركة بين الغانمين وبين أهل الخمس وجعل الخمس مشتركا بين أهله. # وقال تعالى " يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين " (2 فجعل سبحانه التركة مشتركة بين الورثة. # وقال تعالى " انما الصدقات للفقراء والمساكين " (3 الآية، فجعل تعالى # PageV02P065 # الصدقات مشتركة بين أهلها، لان الواو للتشريك، فجعلها مشتركة بين الثمانية الأصناف. # وقال سبحانه " وان كثيرا من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض " (1. # وقال النبي صلى الله عليه وآله: يد الله على الشريكين ما لم يتخاونا (2. # وروي عن السائب بن أبي السائب أنه قال: كنت شريكا للنبي عليه السلام في الجاهلية، فلما قدم يوم فتح مكة قال: أتعرفني؟ قلت: نعم كنت شريكي وكنت خير شريك لا تواري ولا تماري (3. # ولا خلاف في جواز الشركة بين المسلمين وان اختلفوا في مسائل من تفصيلها وفروعها. # وإذا ثبت هذا فالشركة على ثلاثة أضرب: شركة في الأعيان، وشركة في المنافع، وشركة في الحقوق. # فأما الشركة في الأعيان فمن ثلاثة أوجه: أحدها بالميراث كاشتراك الورثة في التركة، والثاني بالعقد وهو أن يملك جماعة عينا ببيع أو هبة أو صدقة أو وصية مشتركة، والثالث بالحيازة وهو أن يشتركوا في الاحتطاب والاصطياد فإذا صار محوزا كان بينهم. # وأما الاشتراك في المنافع كالاشتراك في منفعة الوقف ومنفعة العين المستأجرة وغيرها. # وأما الاشتراك في الحقوق فمثل الاشتراك في حق القصاص وحد ms314 القذف وما أشبه ذلك. # والآيات التي تلوناها تدل بعمومها على جميع ذلك. # PageV02P066 # (فصل) وأما ما يجري مجرى الشركة فهو المضاربة، يدل على صحتها قوله تعالى " وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله " (1 ولم يفصل. # والمضاربة والقراض بمعنى، وهو أن يدفع الانسان إلى غيره مالا ليتجر فيه على أن ما يرزق الله من ربح كان بينهما على ما يشرطانه. والقراض لغة أهل الحجاز، والمضاربة لغة أهل العراق، واشتقاقها من الضرب في المال والتقليب واشتقاق القراض من القرض، وهو القطع، ومعناه ههنا أن رب المال قطع قطعة من ماله فسلمها إلى العالم وقطع له قطعة من الربح. # والمضارب - بكسر الراء - العامل، لأنه هو الذي يضرب فيه ويقلبه وليس لرب المال منه اشتقاق، يدل على ذلك ما رواه الحسن عن علي عليه السلام أنه قال: إذا خالف المضارب فلا ضمان هما على ما شرطاه. والظاهر أنه أراد العامل لأنه إذا كان الخلاف منه فالضمان بالتعدي عليه. # وعلى جوازه دليل الكتاب والسنة والاجماع: فالكتاب ما تلوناه وقوله تعالى " فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله " (2. وأما الاجماع فلا خلاف فيه، والصحابة كانوا يستعملونه. # فإذا ثبت جواز القراض فاعلم أنه لا يجوز الا بالأثمان من الدراهم والدنانير، وكان أمير المؤمنين عليه السلام كره مشاركة اليهودي والنصراني والمجوسي الا أن تكون تجارة حاضرة لا يغيب عنها [المسلم] (3. # PageV02P067 # وقال أبو عبد الله عليه السلام: لا ينبغي للرجل المسلم أن يشارك الذمي ولا يبضعه ببضاعة ولا يودعه وديعة ولا يصافيه مودة (1 لقوله تعالى " يا أيها الذين آمنوا لا تتولوا قوما غضب الله عليهم " (2. فإنه عام في جميع ذلك. # وقد أشار سبحانه إلى جواز الشركة على جميع ضروبها بقوله " ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم مما ملكت أيمانكم من شركاء فيما رزقناكم " (3. # (باب الشفعة) قال الله تعالى " وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم " (4 وقد بين مسائل الشفعة وغيرها رسول الله صلى الله عليه وآله، وقد قال: الشفعة فيما لم ms315 يقسم، فإذا وقعت الحدود فلا شفعة، والكافر لا شفعة له على المسلم. # والدليل عليه قوله " لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة " (5، ومعلوم أنه تعالى انما أراد أنهم لا يستوون في الاحكام. والظاهر يقتضي العموم الا ما أخرجه دليل قاهر. # فان قيل: أراد في النعيم والعذاب، بدلالة قوله تعالى " أصحاب الجنة هم الفائزون ". # قلنا: معلوم في أصول الفقه أن تخصيص إحدى الجملتين لا يقتضي تخصيص الأخرى وان كانت متعقبة لها. # والشفعة جائزة في كل شئ من حيوان أو ارض أو متاع، إذا كان الشئ # PageV02P068 # بين شريكين فباع أحدهما نصيبه فشريكه أحق به من غيره، وان زاد على الاثنين فلا شفعة لاحد منهم - هذا قول المرتضى رضي الله عنه. # وقال الشيخ أبو جعفر رضي الله عنه: الأشياء في الشركة على ثلاثة أضرب: # ما يجب فيه الشفعة متبوعا، ومالا يجب فيه تابعا ولا يجب فيه متبوعا، وما يجب فيه تابعا ولا يجب متبوعا. [فأما ما يجب فيه مقصورا متبوعا فالعراض والأراضي والراح؟ لقوله عليه السلام " الشفعة فيما لم يقسم ". وأما ما لا يجب فيه تابعا ومتبوعا] (1 بحال فكل ما ينقل ويحول غير متصل كالحيوان والنبات والحبوب ونحو ذلك لا شفعة، وفي أصحابنا من أوجب الشفعة في ذلك. وأما ما يجب فيه تابعا ولا يجب فيه متبوعا فكل ما كان في الأرض من بناء وأصل وهو البناء والشجر، فان أفرد بالبيع دون الأرض فلا شفعة فيه. # وان بيعت الأرض تبعها هذا الأصل من حيث الشفعة في الأرض أصلا وفي هذه على وجه التبع على خلاف، فأما ما لم يكن أصلا ثابتا كالزرع والثمار فإذا دخلت في البيع بالشرط كانت الشفعة واجبة في الأصل دونها. # ولا تثبت الشفعة الا لشريك مخالط فأما الشفعة بالجوار فلا ثبت الا إذا اشتركا في الطريق أو النهر ولا يشركهما فيه ثالث. # (باب المزارعة والمساقاة) المزارعة والمخايرة اسمان لعقد واحد، وهو استكراء الأرض ببعض ما يخرج منها. والدليل عليه الاجماع والسنة، ويمكن الاستدلال عليه أيضا من القرآن بالآيات التي ms316 استدللنا بها على صحة الشركة. # فإذا ثبت ذلك فالمعاملة على الأصل ببعض ما خرج من نمائها على ثلاثة # PageV02P069 # أضرب: معارضة، ومزارعة، ومساقاة. فالمعارضة تصح بلا خلاف بين الأمة، والمساقاة أيضا جائزة الا عند أبي حنيفة وحده، والمزارعة على ضربين: ضرب باطل بلا خلاف، وضرب مختلف فيه. # فالباطل هو أن يشترط لأحدهما شيئا بعينه ولم يجعله مشاعا، مثل أن يعقد المزارعة على أن يكون لأحدهما ما يدرك أولا وللآخر ما يتأخر ادراكه، أو على أن الشتوي لأحدهما والصيفي للاخر. فهذا باطل بلا خلاف، فإنه قد ينمى أحدهما ويهلك الاخر. # والضرب المختلف فيه هو أن يزارعه على سهم مشاع، مثل ان يجعل له النصف أو الثلث أو أقل أو أكثر، كان ذلك جائزا عندنا، وفيه خلاف للفقهاء. # وان قال لي منها النصف علم أنه ترك الباقي للعامل، كقوله تعالى " وورثه أبواه فلأمه الثلث " (1 علم ما بقي للأب. # والمساقاة هي: أن يدفع الانسان نخله أو كرمه إلى غيره على أن يصلحه ويسقيه وما يرزق الله من ثمره كانت بينهما على ما يشترطانه. وهي جائزة بشرطين: # مدة معلومة كالإجارة، ويكون قدر نصيب العامل معلوما كالقراض. # وهي من العقود اللازمة لأنها كالإجارة، وتفارق القراض لأنها لا تحتاج إلى مدة وهي تحتاج إليها. والمدة فيها كالمدة في الإجارة، فما يحوز هناك يجوز ههنا سواء كان سنة أو سنتين ومن خالف هناك خالف ههنا. # وقد ذكرنا أن الآية المتقدمة تدل على جميع ذلك. # (باب الافلاس والحجر) المفلس في الشريعة هو الذي ركبته الديون وماله لا يفي بقضائها، فإذا # PageV02P070 # جاء غرماؤه إلى الحاكم وسألوه الحجر عليه لئلا ينفق بقية ماله فإنه يجب على الحاكم أن يحجر عليه إذا ثبت عنده ديونهم وأنها حالة غير مؤجلة وان صاحبهم مفلس لا يفي ماله بقضاء دينهم. # فإذا فعل ذلك تعلق بحجره ثلاثة أحكام: أحدها أن يتعلق ديونهم بعين المال الذي في يده، والثاني أنه يمنع من التصرف في ماله عنده، والثالث أن كل من وجد من غرمائه عين ماله عنده ms317 كان أحق به من غيره. # ويمكن أن يستدل من القرآن على أصل الباب على الجملة. # والمحجور عليه انما سمي بذلك لأنه يمنع ماله من التصرف فيه (1. # والحجر على ضربين أحدهما حجر على الانسان لحق غيره، والثاني حجر عليه لحق نفسه. فأما المحجور عليه لحق غيره فهو المفلس لحق الغرماء، والمريض محجور عليه في ماله لحق ورثته وفيه خلاف، والمكاتب محجور عليه فيما في يده لحق سيده. وأما المحجور عليه لحق نفسه فهو الصبي والمجنون والسفيه. # والأصل في الحجر على الصبي قوله تعالى " وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فان آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم " (2. # واليتيم من مات أبوه قبل بلوغه، ولا يتم بعد حلم. # وقوله " فان آنستم " أي علمتم، فوضع الايناس موضع العلم، وهو اجماع لا خلاف فيه. # وقيل في قوله تعالى " فليملل الذي عليه الحق " إلى قوله " فإن كان الذي # PageV02P071 # عليه الحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل " (1 أنه دلالة على تثبيت الحجر لنفسه. وقيل: انما دل ذلك على الحجر لو قال ولي المطلوب، وكلاهما على الاطلاق يصح. وقال الفراء: يحتمل غير ذلك، معناه فليملل ولي الدين الكتاب بالعدل لا بخسران. # (فصل) فان قيل: كيف يقبل قول المدعي على مبلغ حقه؟ # قلنا: أما إذا أكذبه المطلوب فلا، ولكن إذا صدقه جاز له أن يمل الكتاب الذي يقع فيه الشهادة بالحق. # والآية انما نزلت في الدين عند وقوع الديون لا عند تجاحدها. # (فصل) أعلم أن الصبي محجور عليه ما لم يبلغ، والبلوغ يكون بأحد خمسة أشياء: # خروج المني، والحيض، والحمل، والانبات، والسن. فاثنان منهما ينفرد بهما الإناث وهما الحيض والحمل، والثلاثة الاخر يشترك فيها الرجال والنساء. # والحمل ليس ببلوغ حقيقة وانما هو علم على البلوغ، لان الله أجرى العادة أن المرأة لا تحبل حتى يتقدم حيض، والحمل لا يمكن الا بعد أن ترى المرأة المني، لان الله أخبر أن الولد مخلوق من ماء الرجل وماء المرأة، لقوله تعالى " يخرج من بين الصلب ms318 والترائب " (2 وأراد من صلب الرجل وترائب المرأة، ولقوله تعالى " من نطفة أمشاج " (3 أي أخلاط. # PageV02P072 # والانبات دليل على البلوغ، والاعتبار بانبات العانة على وجه الخشونة التي تحتاج إلى الحلق دون ما كان مثل الزغب (1. # فأما السن فحده خمسة عشر سنة في الذكور وتسع سنين إلى عشر في الإناث. # وقد ذكرنا أن الصبي لا يدفع إليه ماله حتى يبلغ، فإذا بلغ وأونس منه الرشد يسلم إليه ماله. إيناس الرشد منه مجموع أمرين: أن يكون مصلحا لماله، عدلا في دينه. ومتى كان غير رشيد لا يفك حجره وان بلغ وصار شيخا. # ووقت الاختبار يجب أن يكون قبل البلوغ، لقوله تعالى " وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا ". فإذا بلغ الصبي فاما أن يسلم إليه ماله أو يحجر. وكيفية اختباره مذكورة في كتب الفقه من أرادها فليطلبها منها. # (باب الغصب) تحريم الغصب معلوم بالكتاب والسنة والاجماع، قال الله تعالى " ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل الا أن تكون تجارة عن تراض منكم " (2 والغصب ليس عن تراض. # وقال تعالى ان الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما انما يأكلون في بطونهم نارا " (3 ومن غصب مال اليتيم فقد ظلمه. # وقال تعالى " ويل للمطففين * الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون * وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون " (4. # والاجماع ثابت على أن الغصب حرام. # PageV02P073 # وقال النبي صلى الله عليه وآله: لا يحل مال امرئ مسلم الا عن طيب نفس منه (1. # وقال: حرمة مال المسلم كحرمة دمه (2. # فإذا ثبت تحريم الغصب فالأموال على ضربين: حيوان: وغير حيوان. # وكلاهما إذا كان قائما يجب رده. # وقال النبي صلى الله عليه وآله: على اليد ما أخذت حتى تؤدي (3. # وقال: لا يأخذن أحدكم متاع أخيه جادا ولا لاعبا، من أخذ عصى أخيه فليردها (4. # وإن كان بالغا فعليه مثله، لقوله تعالى " ومن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم " (5 إن كان له مثل، وان لم يكن له مثل فعليه قيمته أكثر ما كانت قيمته من حيث الغصب إلى حين التلف، لأنه مأمور برده في كل ms319 وقت، فوجب عليه قيمته إذا تعذر. والله أعلم. # PageV02P074 # كتاب النكاح قال الله تعالى " وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم ان يكونوا فقراء يغنهم من فضله " (1. # هذا خطاب من الله تعالى للمكلفين من الرجال والنساء، يأمرهم أن يزوجوا الأيامى اللواتي لهم عليهن ولاية، وأن يزوجوا الصالحين المستورين الذين يفعلون الطاعات من المماليك والإماء إذا كانوا ملكا لهم. # والأيامى جمع أيم، وهي المرأة التي لا زوج لها، سواء كانت بكرا أو ثيبا. وقال قوم: الأيم التي مات زوجها، وعلى هذا قوله عليه السلام: الأيم أحق بنفسها أعني الثيب. وقيل: ان الامر بتزويج الأيامى إذا أردن ذلك أمر فرض والامر بتزويج الأمة إذا أرادت ندب، وكذلك العبد. # ومعنى قوله " ان يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله " اي لا يمنعوا من النكاح المرأة أو الرجل إذا كانا صالحين لأجل فقرهما وقلة ذات أيديهما، فإنهم وان # PageV02P075 # كانوا كذلك فان الله يغنيهم من فضله. وقال قوم: معناه ان يكونوا فقراء إلى النكاح يغنهم الله بذلك عن الحرام. # فعلى الأول تكون الآية خاصة في الأحرار، وعلى الثاني عامة في الأحرار والمماليك. فالنكاح فيه فضل كبير، لأنه طريق التناسل وباب التواصل وسبب الألفة والمعونة على العفة، ومن سنن الاسلام النكاح وترك التعزب، فمن دعته الحاجة إلى النكاح ووجد له طولا فلم يتزوج فقد خالف سنة رسول الله صلى الله عليه وآله. # وقد ذكرنا ما حث الله به عباده ودعاه إليه فقال " وأنكحوا الأيامى منكم " الآية، ثم قال " وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله ". # أمر تعالى من لا يجد السبيل إلى أن يتزوج بأن لا يجد طولا من المهر ولا يقدر على القيام بما يلزمه لها من النفقة والكسوة أن يتعفف ولا يدخل في الفاحشة ويصبر حتى يغنيه الله من فضله. # (باب) (ما أحل الله من النكاح وما حرم منه) قال الله تعالى " ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولامة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ولعبد مؤمن خير من ms320 مشرك ولو أعجبكم " (1. # هذه الآية على عمومها عندنا في تحريم مناكحة جميع الكفار، وليست منسوخة ولا مخصوصة. قال ابن عباس: فرق عمر ابن طلحة وحذيفة امرأتيهما اللتين كانتا تحتهما كتابيتين. وقال الحسن: انها عامة الا أنها نسخت بقوله # PageV02P076 # تعالى " والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم " (1. وقال ابن جبير هي على الخصوص. # ونحن انما اخترنا ما قلناه أولا لأنه لا دليل على نسخها ولا على خصوصها، وسنبين وجه ذلك بعد هذا انشاء الله تعالى. # وأما المجوسية فلا يجوز نكاحها اجماعا، والذمي لا يجوز أن يتزوج مسلمة اجماعا أيضا وقرآنا وأخبارا. # والأمة المملوكة، والجارية تكون مملوكة وغير مملوكة. # والاعجاب يكون بالجمال، ويكون بخصال يرغب لها فيها، ومعنى " أعجبني الشئ " فرحت به ورضيته. والفرق بين " لو أعجبكم " و " ان أعجبكم " أن لو للماضي وان للمستقبل، وكلاهما يصح في معنى الماضي. # ولا يجوز نكاح الوثنية اجماعا، لأنها تدعو إلى النار كما حكاه الله تعالى. # وهذه العلة قائمة في الذمية من اليهود والنصارى، فيجب أن لا يجوز نكاحها. # وقال السدي في قوله تعالى " قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث " (2 فالخبيث الكافر والطيب المؤمن، وهو اختيار ابن جرير. وقال جماعة: الآية عامة، أي لا يستوي أهل الطاعة والمعصية لا في المكان ولا في المقدار ولا في الانفاق ولا في غير ذلك من الوجوه. # وفي الآية دلالة على جواز نكاح الأمة المؤمنة مع وجود الطول، لقوله " ولامة مؤمنة خير من مشركة ". فكل من عقد على أمة الغير وأعطى سيدها المهر كان العقد ماضيا، غير أنه يكون تاركا للأفضل. # ولا يجوز له أن يعقد على أمة وعنده حرة الا برضاها، فان عقد عليها من # PageV02P077 # غير رضاها كان العقد باطلا، وان أمضت الحرة العقد مضى العقد ولم يكن له بعد ذلك اختيار. # فأما الآية التي في النساء وهي قوله " ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات " (1 فإنما هي على التنزيه دون التحريم. # (فصل) وقال بعض المفسرين: لا يقع اسم المشركات على نساء ms321 أهل الكتاب، فقد فصل الله تعالى بينهما في قوله " لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين " (2 وفي قوله " ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين " (3 إذ عطف أحدهما على الاخر. # وهذا التعليل من هذا الوجه غير صحيح، فالمشرك يطلق على الكل، لان من جحد نبوة محمد صلى الله عليه وآله فقد أنكر معجزه فأضافه إلى غير الله، وهذا هو الشرك بعينه، وهذا ورد للتفخيم، كما عطف على الفاكهة النخيل والرمان مع كونهما منها تخصيصا في قوله تعالى " فيهما فاكهة ونخل ورمان " (4. # ومتى أسلم الزوجان بنيا على النكاح الذي كان جرى بينهما ولا يحتاج إلى تجديده بلا خلاف. وان أسلمت قبله طرفة عين، فعند كثير من الفقهاء وقعت الفرقة، وعندنا تنتظر عدتها: فان أسلم الزوج تبين [أن الفرقة لم تحصل # PageV02P078 # ورجعت إليه، وان لم يسلم تبين ان الفرقة وقعت حين الاسلام: غير] (1 أنه لا يمكن من الخلو بها. فان أسلم الزوج وكانت ذمية استباح وطؤها بلا خلاف، وان كانت وثنية انتظر اسلامها ما دامت في العدة، فان أسلمت ثبت عقده عليها وان لم تسلم بانت منه. # فان قيل: كيف يقال للكافر الذي يوحد الله مشرك؟ # الجواب: فيه قولان: # أحدهما - أن كفره نعمة الله هي الاسلام وجحده لدين محمد عليه السلام كالشرك في عظم الجرم. # والاخر - أنه إذا كفر بالنبي عليه السلام فقد أشرك فيما لا يكون الا من عند الله وهو القرآن، فزعم أنه من عند غير الله - ذكره الزجاج، وهذا أقوى (2. # فالمحرمات من النساء على ضربين: ضرب منهن يحرمن بالنسب وضرب منهن يحرمن بالسبب. وما عداهما فمباح. وبيان ذلك في الآيات من سورة النساء في قوله تعالى " ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء الا ما قد سلف انه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا " (3 ثم قال " حرمت عليكم أمهاتكم " إلى آخرها. # والحكمة في هذا الترتيب ظاهرة، ونحن نذكر تفصيلها في فصول: # PageV02P079 # (فصل) اعلم أن الله تعالى ابتدأ بتحريم ما نكح الاباء في سورة ms322 النساء بقوله تعالى " ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء " ثم فصل المحرمات. # ومعنى الآية الأولى قيل فيه قولان: # أحدهما - قال ابن عباس: انه حرم عليهم ما كان أهل الجاهلية يفعلونه من نكاح امرأة الأب إذا لم تكن الام. # الثاني - أن يكون " ما نكح " بمنزلة المصدر، والتقرير ولا تنكحوا نكاح آبائكم، فعلى هذا يدخل فيه النهي عن حلائل الاباء وكل نكاح لهم فاسد في الجاهلية. وهو اختيار الطبري، وقال: ان هذا الوجه أجود، لأنه لو أراد حلائل الاباء لقال لا تنكحوا ما نكح آباؤكم. # وهذا ليس بطعن، لأنه ذهب به مذهب الجنس، كما يقول القائل " لا تأخذ ما أخذ أبوك من الإماء " فيذهب مذهب الجنس، ثم يفسره بمن. # وقوله " الا ما قد سلف " يعني بإلا لكن، وكذا استثناء منقطع كقولهم " لاتبع متاعي الا ما بعت " أي لكن ما بعت فلا جناح عليك فيه. وقيل في معناه قولان: # أحدهما - الا ما قد سلف فإنكم لا تؤاخذون به، وإن كان منه ولد فليس الولد بولد زنا. وقال قطرب: معناه لكن ما سلف فاجتنبوه ودعوه انه فاحشة. # الثاني - حكاه بعض المفسرين الا ما قد سلف فدعوه فهو جائز لكم. وهذا لا يجوز بالاجماع. # والهاء في قوله تعالى " انه كان فاحشة " يحتمل أن تكون عائدة إلى النكاح بعد النهي، ويحتمل أن تكون عائدة إلى النكاح الذي عليه أهل الجاهلية. قيل PageV02P080 # ولا يكون ذلك الا وقد قامت عليهم الحجة بتحريمه من جهة الرسل، فالأول اختاره الجبائي، وهو الأقوى، قال: وتكون السلامة مما قد سلف في الاقلاع عنه. وقيل انما استثنى ما قد مضى، ليعلم أنه لم يكن مباحا لهم. # " انه كان فاحشة " أي زناءا " ومقتا " أي بغضا، أي يورث بغض الله، ويسمى ولد الرجل من امرأة أبيه المقتي، ومنهم الأشعث بن قيس وأبو معيط جد الوليد بن عتبة. # قال البلخي: ليس كل نكاح حرمه الله تعالى زنا، لان الزنا هو فعل مخصوص لا يجري على طريقة لازمة وسنة جارية، لذلك لا يقال للمشركين في الجاهلية ms323 " أولاد زنا " ولا لأهل الذمة والمعاهدين " أولاد زنا " إذا كان عقدا بينهم يتعارفونه. # [" انه كان فاحشة " دخلت كان لتدل على أنه كان قبل تلك الحال كذا كان كذا فاحشة] (1. # وقول المبرد إن كان زائدة غير صحيح، لأنها لو كانت زائدة لم تعمل، معناه انه كان فيما مضى أيضا فاحشة ومقتا وكان قد قامت الحجة عليهم بذلك في كل من عقد عليها الأب من النساء أنه [يحرم على الابن دخل بها أو لم يدخل بلا خلاف. # فان دخل بها الأب على وجه السفل فهل] (2 يحرم على الابن؟ ففيه خلاف. # وعموم الآية يقتضي أنها تحرم عليه، لان النكاح يعبر به عن الوطي كما يعبر به عن العقد، فيجب أن يحمل عليهما. # وامرأة الأب وان علا تحرم على الابن وان نزل بلا خلاف. # PageV02P081 # (فصل) ثم قال تعالى " حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم " (1 الآية. # اعلم أن في الناس من اعتقد أن هذه الآية وما يجري مجراها كقوله تعالى " حرمت عليكم الميتة والدم " (2 مجملة لا يمكن التعلق بظاهرها في تحريم شئ، وانما يحتاج إلى بيان. قالوا: لان الأعيان لا تحرم ولا تحل، وانما يحرم التصرف فيها، والتصرف مختلف، فيحتاج إلى بيان التصرف المحرم دون التصرف المباح. # والأقوى أنها ليست مجملة، لان المجمل هو مالا يفهم المراد بعينه بظاهره، وليست هذه الآية كذلك، لان المفهوم من ظاهرها تحريم العقد عليهن والوطي دون غيرهما من أنواع الفعل، فلا يحتاج إلى البيان مع ذلك. # وكذلك قوله " حرمت عليكم الميتة " المفهوم منه الاكل والبيع دون النظر إليها أو ما جرى مجراه. # كيف وقد تقدم هذه الآية ما يكشف عن أن المراد ههنا من قوله تعالى " ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم "، فلما قال بعده " حرمت عليكم أمهاتكم " كان المفهوم أيضا تحريم نكاحهن. ويطلب الكلام فيه من أصول الفقه. (فصل) قال ابن عباس: حرم الله في هذه الآية سبعا بالنسب وسبعا بالسبب: # فالمحرمات من النسب: الأمهات ويدخل في ذلك أمهات الأمهات وان علون وأمهات الاباء كذلك، والبنات ويدخل في ms324 ذلك بنات الأولاد، أولاد البنين وأولاد # PageV02P082 # البنات وان نزلن، والأخوات سواء كن لأب أو لأب وأم، وكذا العمات والخالات وان علون من جهة الأب كن أو من جهة الام، وبنات الأخ وبنات الأخت وان نزلن. وكل من يقع عليه اسم بنت حقيقة أو مجازا تحرم لقوله تعالى " وبناتكم "، وكذا من يقع عليه اسم العمة لقوله تعالى " وعماتكم "، وكذلك كل من كان خالته حقيقة وهي أخت أمه أو مجازا وهي أخت جدته أي جدة كانت من قبل أمها فأختها خالته وتحرم عليه لقوله تعالى " وخالاتكم ". # والمحرمات بالسبب: الأمهات من الرضاعة والأخوات أيضا من الرضاعة، وكل من يحرم بالنسب يحرم مثله بالرضاع، فنص الله من جملتهن على الأمهات والأخوات بظاهر اللفظ ودل بفحواه على أن من عداهما ممن تحرم بالنسب كهما، لان تلك إذا صارت بالرضاع أما وهذه أختا فالعمة والخالة يصيران عمة وخالة، وكذلك من سواهما. ولذلك قال عليه السلام: يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب (1. # (فصل) ثم قال تعالى " وأمهات نسائكم " فأمهات النساء يحرمن بنفس العقد وان لم يدخل بالبنت على رأي أكثر الفقهاء، وبه قال ابن عباس والحسن وعطاء، وقالوا هي مبهمة، وخصوا التقييد بقوله " وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن ". ورووا عن علي عليه السلام وزيد بن ثابت أنه يجوز العقد على الام ما لم يدخل بالبنت، ولم يجعلوا قوله " من نسائكم اللاتي دخلتم بهن " راجعا إلى أمهات النساء، وقالوا تقدير الكلام [حرمت عليكم نساؤكم مطلقا و] (2 حرمت عليكم ربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم # PageV02P083 # اللاتي دخلتم بهن، وقالوا أم المرأة تحرم بالعقد مجردا والربيبة تحرم بشرط الدخول بالام، وهذا هو الصحيح. وقال قوم: هي من صلبهما جميعا، فان المرأة لا تحرم أمها ما لم يدخل بها أيضا. # والصحيح أن الجملة المقيدة إذا عطفت على الجملة المطلقة لا يجب أن يسري ذلك التقييد إلى الجملة الأولى أيضا. ويتحقق هذا من النحو أيضا، فقال الزجاج: # وهو قول سيبويه، والمحققين أن الصحيح هو الأول، وذلك ms325 أن الموصوفين وان اتفقا في الاعراب فإنهما إذا اختلف العامل فيهما لم يجز أن يوصفا بصفة جامعة. والمثال يجئ من بعد. # و " الربائب " جمع ربيبة، وهي بنت الزوجة من غيره، ويدخل فيه أولادها وان نزلن، وسميت بذلك لتربيته إياها، ومعناها مربوبة. ويجور أن تسمى ربيبة سواء تولى تربيتها وكانت في حجره أو لم تكن، لأنه إذا تزوج بأمها سمي هو ربيبها وهي ربيبته. # والعرب تسمي الفاعلين والمفعولين بما يقع بهم ويوقعونه، يقولون هذا مقتول وهذا ذبيح وان لم يقتل بعد ولم يذبح إذا كان يراد قتله أو ذبحه، وكذلك يقولون هذا أضحية لما أعد للتضحية، فمن قال لا تحرم بنت الزوجة الا إذا تربت في حجره فقد أخطأ على ما قلناه. # وقوله تعالى " من نسائكم الآتي دخلتم بهن " قال المبرد: " اللاتي دخلتم بهن " نعت للنساء اللواتي من أمهات الربائب لا غير، قال: لاجماع الناس أن الربيبة تحل إذا لم يدخل بأمها، وان من أجاز أن يكون قوله تعالى " من نسائكم اللاتي دخلتم بهن " هو لأمهات نسائكم، فيكون معناه أمهات نسائكم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن، فيخرج أن يكون اللاتي دخلتم بهن لأمهات الربائب. # قال الزجاج: لان الخبرين إذا اختلفا لم يكن نعتهما واحدا، لا يجيز PageV02P084 # النحويون " مررت بنسائك وهربت من نساء زيد الظريفات " على أن تكون الظريفات نعتا لهؤلاء النساء، وهؤلاء النساء، لان الأولى جر بالباء والثانية بالإضافة، فكذلك النساء الأولى في الآية جر بإضافة الأمهات إليها والثانية جر بمن، فلا يجوز أن يكون " اللاتي دخلتم بهن " صفة للنساء الأولى والثانية. # وقيل أيضا: لو جاز أن يكون " اللاتي دخلتم بهن " صفة للأولى والثانية لجاز أن يكون قوله " الا ما ملكت أيمانكم " استثناء من جميع المحرمات. وفي اجماع الجميع على أنه استثناء مما يليه وهو " المحصنات من النساء " دلالة على أن " اللاتي دخلتم بهن " صفة للنساء اللاتي تليها. والدليل الأول أقوى. # وقال من اعتبر الدخول بالنساء لتحريم أمهاتهن يحتاج أن يقدر " أعني "، فيكون التقدير: وأمهات نسائكم أعني اللاتي دخلتم بهن، وليس ms326 بنا إلى ذلك حاجة. # والدخول المذكورة في الآية قيل فيه قولان: أحدهما قال ابن عباس هو الجماع واختاره الطبري، الثاني قال عطا هو الجماع وما يجري مجراه من المسيس وهو مذهبنا. وله تفصيل. فإن كان المسيس من شهوة فهو كالجماع فيكون محظورا، وإن كان من غير شهوة فنكاح بنتها مكروه. وفيه خلاف بين الفقهاء. # (فصل) ثم قال تعالى " وحلائل أبنائكم الذيم من أصلابكم " يعني نساء البنين للصلب دخل بهن البنون أو لم يدخلوا. وزوجات أولاد الأولاد من البنين والبنات داخلون في ذلك. وانما قال " من أصلابكم " لئلا يظن أن امرأة من يتبنى به تحرم عليه. # وقال عطا: نزلت الآية حين نكح النبي عليه السلام امرأة زيد بن حارثة، PageV02P085 # فقال المشركون في ذلك، فنزل " وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم ". # فأما حلائل الأبناء من الرضاع فمحرمات، لقوله عليه السلام: يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب. # وانما سميت المرأة حليلة لامرين: لأنها تحل معه في الفراش، ولأنه يحل له وطؤها. # (فصل) ثم عطف عليه فقال تعالى " وأن تجمعوا بين الأختين " أي وحرم عليكم الجمع بينهما، لان أن مع صلتها في حكم المصدر، وهذا يقتضي تحريم الجمع بينهما في عقد واحد وتحريم الجمع بينهما في الوطي سيما بملك اليمين، فإذا وطئ إحداهما لم يحل له الأخرى حتى تخرج تلك من ملكه، وهو قول الحسن وأكثر المفسرين وا لفقهاء. # ومن أجاز الجمع بينهما في الوطئ على ما ذهب إليه داود وقوم من أهل الظاهر فقد أخطأ في الأختين وكذا في الربيبة وأم الزوجة، لان قوله " وأمهات نسائكم " يدخل فيه المملوكة والمعقود عليها، وكذا قوله " من نسائكم اللاتي دخلتم بهن " يتناول الجميع، وكذا قوله " وأن تجمعوا بين الأختين " عام في الجميع على كل حال في العقد والوطي، وانما أخرجنا جواز ملكها بدلالة الاجماع. # ولا يعارض ذلك قوله تعالى " أو ما ملكت أيمانكم "، لان الغرض بهذه الآية مدح من يحفظ فرجه الا عن الزوج أو ما ملكت الايمان، فأما كيفية ذلك فليس فيه. # ويمكن الجمع بينهما ms327 بأن يقال: أو ما ملكت أيمانهم الاعلى وجه الجمع بين الام والبنت أو الأختين. PageV02P086 # وقوله تعالى " الا ما قد سلف " استثناء منقطع، لكن ما قد سلف لا يؤاخذكم الله به الان وقد دخلتم في الاسلام وتركتم ما فعلتم في الجاهلية، وليس المراد أن ما سلف حال النهى يجوز استدامته بلا خلاف. # وقيل إن " الا " بمعنى سوى، وموضع " أن تجمعوا " رفع، تقديره حرمت عليكم الأشياء والجمع بين الأختين، فإنهما يحرمان على وجه الجمع دون الانفراد، سواء اجتمع العقدان أو افترقا. وكان ذلك لبني إسرائيل حلالا، فان خلفت إحداهما الأخرى جاز. # ويمكن الاستدلال بهذه الآية على أنه لا يصح أن يملك واحدة من ذوات الأنساب المحرمات ومن الرضاع أيضا، لان التحريم عام بقوله عليه السلام: # يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب. فهو دليل على أنه لا يصح ملكهن من جهة الرضاع وإن كان فيه خلاف. # وأما المرأة التي وطئها بلا تزويج ولا ملك فليس في الآية ما يدل على أنه يحرم وطؤ أمها وبنتها، لان قوله تعالى " وأمهات نسائكم " وقوله " من نسائكم اللاتي دخلتم بهن " يتضمن إضافة الملك اما بالعقد أو بملك اليمين، فلا يدخل فيه من وطئ من لا يملك وطؤها. غير أن قوما من أصحابنا ألحقوا ذلك بالموطوءة بالعقد والملك بالسنة والاخبار المروية في ذلك. وفيه خلاف بين الفقهاء. # ثم قال " ان الله كان غفورا رحيما " أخبر سبحانه أنه كان غفورا حيث لم يؤاخذهم بما فعلوه من نكاح المحرمات وانما عفا لهم عما سلف. # (فصل) ثم قال تعالى " والمحصنات من النساء الا ما ملكت أيمانكم كتاب الله عليكم " (1 # PageV02P087 # قيل في معناه ثلاثة أقوال: # أحدها - وهو الأقوى أن المراد به ذوات الأزواج الا ما ملكت أيمانكم من سبي من كان لها زوج، لان بيعها طلاقها. قال ابن عباس: طلاق الأمة ست: # سبيها، وبيعها، وعتقها، وهبتها، وميراثها، وطلاق زوجها (1. # الثالث - ان المحصنات العفائف الا ما ملكت أيمانكم بالنكاح أو اليمين ملك استمتاع بالمهر أو ملك استخدام بثمن الأمة. وأصل الاحصان ms328 المنع. # والاحصان على أربعة أقسام: أحدها بالزوجية كقوله " والمحصنات من النساء "، الثاني بالاسلام كقوله " فإذا أحصن فان أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب " (2، الثالث بالعقد (3 كقوله " والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء " (4 الرابع يكون بالجزية كقوله " والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم " (5. # قال البلخي: والآية دالة على أن نكاح المشركين ليس بزنى، لان قوله تعالى " والمحصنات من النساء " إذا كان المراد به ذوات الأزواج من أهل الحرب بدلالة قوله " الا ما ملكت أيمانكم " بسبي، فلا خلاف انه لا يجوز وطي المسبية بعد استبرائها بحيضة. # وقوله " كتاب الله عليكم " نصب على المصدر من غير فعله، وفيه معناه، كأنه قال حرم الله ذلك كتابا من الله أو كتب كتابا. وعن الزجاج أنه نصب على جهة الامر، ويكون " عليكم " مفسرا. والمعنى الزموا كتاب الله وعلى الاغراء، # PageV02P088 # والعامل محذوف، لان عليكم لا يعمل فيما قبله. # وقد صح عن ابن عباس أنه قال: حرم الله من النساء سبعا بالنسب وسبعا بالسبب، وتلا الآية، ثم قال: والسابعة من محرمات السبب قوله " ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم " وهي امرأة الأب سواء دخل بها أو لم يدخل، وتدخل في ذلك زوجات الأجداد وان علوا من الطرفين. # (باب) (مقدار ما يحرم من الرضاع وأحكامه) (ما وراء ذوات المحارم القرابية) أما الرضاع فان الله سمى بقوله تعالى " وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم " (1 أمهات للحرمة. # ولا يحرم عندنا الرضا الا ما نبت اللحم وشد العظم، وانما يعتبر أقل ذلك بخمس عشرة رضعة متوالية لا يفصل بينهن برضاع امرأة أخرى، أو برضاع يوم وليلة لا يفصل بينهما برضاع امرأة أخرى. # وفي أصحابنا من روى تحريم ذلك بعشر رضعات، وذلك محمول على شدة الكراهة في ذلك. # ومتى دخل من الرضاع رضاع امرأة أخرى بطل حكم ما تقدم، وحرم الشافعي بخمس رضعات ولم يعتبر التوالي، وانما اختار خمس الرضعات لما روت عائشة أن عشر رضعات كانت محرمة فنسخن بخمس. وهذا يدل على ما نذهب إليه من خمس ms329 عشرة رضعة، لان النسخ كما توهم الشافعي أنه بالنقصان فإنه يكون بالزيادة. وانما ذهبنا إلى الزيادة للتفصيل الوارد عن الصادق # PageV02P089 # عليه السلام. وحرم أبو حنيفة بقليله وكثيره، وفي أصحابنا من ذهب إليه، والمراد به الكراهية. # واللبن عندنا للفحل، لأنه بفعله ثار ونزل. ومعناه إذا أرضعت امرأة بلبن فحل لها صبيانا كثيرين من أمهات شتى فإنهم جميعهم يصيرون أولاد الفحل ويحرمون على جميع أولاده الذين ينتسبون إليه ولادة ورضاعا ويحرمون على أولاد المرضعة الذين ولدتهم. فأما من أرضعته بلبن غير هذا الفحل فإنهم لا يحرمون عليهم. # ثم اعلم أن كل أنثى انتسبت إليها باللبن فهي أمك، لقوله تعالى " وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم " فالتي أرضعتك أو أرضعت امرأة أرضعتك أو رجلا أرضعت بلبانه من زوجته أو أم ولده كلها على ما ذكرناه فهي أمك من الرضاعة، وكذا كل امرأة ولدت امرأة أرضعتك، أو ولدت رجلا أرضعت بلبنه فهي أمك من الرضاعة. # (فصل) وقوله تعالى " وأخواتكم من الرضاعة " يعني بنات المرضعة، وهن ثلاثا: # الصغيرة الأجنبية التي أرضعتها أمك بلبان أبيك، سواء أرضعتها معك أو مع ولد قبلك أو بعدك. الثانية أختك [لامك دون أبيك، وهي التي أرضعتها أمك بلبان رجل غير أبيك. والثالثة أخيك] (1 لأبيك دون أمك، وهي التي أرضعتها زوجة أبيك بلبن أبيك. وأم الرضاعة وأخت الرضاعة لولا الرضاعة لم تحرما، فالرضاعة سبب تحريمهما. # وكل من تحرم بالنسب من اللاتي مضى ذكرهن تحرم أمثالهن بالرضاع، # PageV02P090 # لقول النبي صلى الله عليه وآله: ان الله حرم من الرضاعة ما حرم من النسب. # فثبت بهذا الخبر أن السبع المحرمات بالنسب على التفصيل الذي ذكره الله محرمات بالرضاع. # والكلام في الرضاع في ثلاثة فصول: # أحدها - مدة الرضاع. وقد اختلف فيها، فقال أكثر أهل العلم لا يحرم الا ما كان في مدة الحولين، فأما ما كان بعده فلا يحرم بحال، وهو مذهبنا، وبه قال الشافعي ومحمد وأبو يوسف. # وثانيها - قدر الرضاع الذي يحرم. وقد ذكرناه الان. # وثالثها - كيفية الرضاع. فعند أصحابنا لا يحرم الا ما وصل إلى ms330 الجوف من الثدي في المجرى المعتاد الذي هو الفم، وأما ما يوجر أو يسعط أو يحقن به فلا يحرم بحال. # (فصل) ثم اعلم أن هذه الجملة على ضربين: تحريم أعيان، وتحريم جمع. # فأما تحريم الأعيان فنسب وسبب، فالنسب قد مضى ذكره، والسبب على ضربين رضاع ومصاهرة، فالرضاع بيناه أيضا. وتحريم المصاهرة وان قدمنا الكلام عليه فنذكرها هنا أيضا مجموعا مفصلا. # فاعلم أنهن أربع: # أمهات الزوجات وكل من يقع عليها اسم " أم " حقيقة أو مجازا وان علون، فالكل يحرمن لقوله تعالى " أمهات نسائكم ". # والثانية - الربيبة، وهي كل من كان نسلها، وكذا ولد الربيب ونسله، فإنه يحرم بالعقد تحريم جمع، فان دخل بها حرمن عليه كلهن تحريم تأبيد، لقوله PageV02P091 # " وربائبكم اللاتي في حجوركم " إلى قوله " فلا جناح عليكم ". # والثالثة - حلائل الأبناء، فإذا تزوج امرأة حرمت على والده بنفس العقد وحدها دون أمهاتها وبناتها، لقوله " وحلائل أبنائكم "، وأمهاتها وأولادها ليس حلائله. # والرابعة - زوجات الاباء يحرمن دون أمهاتهن ودون نسلهن من غيره، ولقوله تعالى " ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم ". # (فصل) ثم قال سبحانه " كتاب الله عليكم " يعني كتب الله تحريم ما حرم وتحليل ما حلل عليكم كتابا فلا تخالفوه وتمسكوا به. # فإذا ثبت من الكتاب على سبيل التفصيل تحريم اللواتي ذكرناهن، فاعلم أن ست عشرة امرأة أخرى يعلم تحريمهن من القرآن جملة ومن السنة تفصيلا، بين رسول الله صلى الله عليه وآله ذلك بقوله تعالى " وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم " كما علمه الله تعالى. # وهن: الملاعنة، والمطلقة تسع تطليقات للعدة، والمعقود عليها في العدة مع العلم بذلك، والمدخول بها في العدة على كل حال، والمنكوحة في الاحرام، والمفجور بابنها، والمفجور بأبيها، والمفجور بأخيها، والمفجور بها وهي ذات بعل، والمفضاة بالدخول بها قبل بلوغها تسع سنين، والتي تقذفها زوجها وهي صماء، والتي تقذها زوجها وهي خرساء، وبنت العمة على ابن الخال إذا كان فجر بأمها، وبنت الخالة أيضا إذا فجر بأمها، والمفجور بأمها على الفاجر، وكذا المفجور بابنتها. # وقد خالفنا فقهاء العامة ms331 في قولنا: ان من زنى بامرأة ولها بعل حرم عليها نكاحها أبدا وان فارقها زوجها. والدليل على صحته وصحة مجموع ما ذكرناه PageV02P092 # من أخوات هذه المسألة اجماع الطائفة، فان مفض إلى العلم. # وانما قلنا إن اجماعهم حجة لان في اجماع الامامية قول الإمام الذي دلت العقول على أن كل زمان لا يخلو من رئيس معصوم لا يجوز عليه الخطأ في قول ولا فعل، فمن هذا الوجه كان اجماعهم حجة ودلالة قاطعة. وهذه الطريقة واضحة مشروحة في غير موضع من كتبنا. # فان استدل المخالف بظواهر آيات القرآن مثل قوله تعالى " فانكحوا ما طاب لكم من النساء " وقوله تعالى " وأحل لكم ما وراء ذلك " بعد ذكر المحرمات. # قلنا: هذه الظواهر يجوز أن يرجع عنها بالأدلة، كما رجعتم أنتم عنها في تحريم نكاح المرأة على عمتها وخالتها مع جواز ذلك عندنا على بعض الوجوه على ما نذكره. # على أن النساء اللاتي يعلم تحريمهن بالسنة انما حرمت كل واحدة منهن على رجل بعينه بسبب من قبله وأمر من أموره، والا كانت هي قبل ذلك على أصل الإباحة، ولولا حصول ما حصل لما حرمت البتة، فسقط سؤالهم. # فأما إذا زنى رجل بامرأة حرمت على ابنه. والدليل عليه قوله تعالى " ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم " ولفظ النكاح يقع على الوطي والعقد معا على ما ذكرناه، فكأنه قال لا تعقدوا على من عقد عليه آباؤكم ولا تطئوا من وطئوهن. # والدليل على جواز نكاح العمة والخالة وعنده بنت الأخ وبنت الأخت اجماع الطائفة. وكذا نكاح المرأة وعنده عمتها وخالتها إذا رضيتا، فإنه يدل عليه عموم قوله تعالى " وأحل لكم ما وراء ذلكم " لأنه عام في جميعهن، ومن ادعى نسخه فعليه الدلالة، وخبر الواحد لا ينسخ به القرآن. PageV02P093 # (باب) (ضروب النكاح) قال الله تعالى " وأحل لكم ما وراء ذلكم " (1 وقال تعالى " فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فان خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ملكت أيمانكم " (2. # أما الآية الأولى فقد قيل في معناه أربعة أقوال: # أحدها ms332 - أحل لكم ما دون الخمس ان تبتغوا بأموالكم على وجه النكاح. # الثاني - كحل لكم ما وراء ذوات المحارم من أقاربكم ونحوها من المحرمات بالسبب. # الثالث - ما وراء ذلكم مما ملكت أيمانكم. # الرابع - ما وراء ذوات المحارم إلى الأربع أن تبتغوا بأموالكم نكاحا أو ملك يمين. وهذا الوجه أولى، لأنه حمل الآية على عمومها في جميع ما ذكره الله في كتابه أو على لسان نبيه. # ثم اعلم أن أحكام النكاح تشتمل على ذكر أقسامه وشروطه وما يلزم بالعقد وما يلزم بالفرقة: # فأقسامه على ثلاثة أقسام: نكاح دوام وهو غير مؤجل، ونكاح متعة وهو مؤجل، ونكاح بملك اليمين. # وأما شرائط الأنكحة الواجبة: فالايجاب، والقبول، والمهر أو الاجر أو الثمن أو ما يقوم مقامها، وكون المتعاقدين متكافئين في الدين في نكاح الدوام، # PageV02P094 # وأن تكون الزوجة والأمة من غير ذوات المحارم ونحو ذلك مما لا يصح مع عدمه من الشروط. # وما يلزم بالعقد فهي: المهر، والقسمة، والنفقات، ولحوق الأولاد. وما يلزم بالفرقة نذكره. # وما روي من تحليل الرجل جاريته لمؤمن، لا يخرج عن تلك الأقسام الثلاثة التي هي من ضروب النكاح. # وجارية الغير إذا تزوجت باذن سيدها فنكاحها صحيح، قال الله تعالى " والذين هم لفروجهم حافظون * الا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم " (1، فمدح من حفظه فرجه الا عن زوجته أو ملك اليمين. # والنكاح يستحب لقوله تعالى " فانكحوا ما طاب لكم " فعلق النكاح باستطابتها وما هذه صورته فهو غير واجب، خلافا لداود. # والناس ضربان: ضرب مشته للجماع وقادر على النكاح، وضرب لا يشتهيه فالمشتهي يستحب له أن يتزوج، والذي لا يشتهي فالمستحب أن لا يتزوج لقوله تعالى " وسيدا وحصورا " (2، فمدحه على كونه حصورا، وهو الذي لا يشتهي النساء، لأنه لا يجعل سبب ذلك (3 ولا يجئ شهوته، بل يميتها بكثرة الصوم، وقال قوم هو الذي يمكنه أن يأتي النساء ولكن لا يفعل. # (باب) (ذكر النكاح الدائم) قال الله تعالى " فانكحوا ما طاب لكم من النساء " فندب تعالى عباده إلى # PageV02P095 # التزويج، وأجمع المسلمون على أن ms333 التزويج مندوب إليه لجميع الأمة، وان اختلفوا في وجوبه لمحمد صلى الله عليه وآله. # وأما قوله " وان خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع " (1 فاختلف المفسرون في سبب نزوله على ستة أقوال: # أحدها - ما روي عن عائشة أنها نزلت في حق اليتيمة التي تكون في حجر وليها فيرغب في مالها وجمالها ويريد أن ينكحها بدون صداق مثلها، فنهوا أن ينكحوهن الا أن يقسطوا لها صداق مهر مثلها، وأمروا أن ينكحوا ما طاب مما سواهن من النساء إلى أربع " فان خفتم ألا تعدلوا فواحدة " من سواهن " أو ما ملكت أيمانكم ". # ومثل هذا ذكر في تفسير أصحابنا، وقالوا انها متصلة بقوله " ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء اللاتي لا تؤتوهن ما كتب لهن ترغبون أن تنكحوهن فان خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم النساء " الآية. وبه قال الحسن والمبرد. # الثاني - قال ابن عباس: ان الرجل منهم كان يتزوج الأربع والخمس والست والعشر ويقول ما يمنعني ان أتزوج كما تزوج فلان، فإذا فنى ماله مال على مال اليتيمة فأنفقه، فنهاهم الله تعالى أن يتجاوزوا الأربع [لئلا يحتاجوا إلى أخذ مال اليتيمة، وان خافوا ذلك مع الأربع] (2 أيضا أن يقتصروا على واحدة. # الثالث - قال جماعة كانوا يشددون في أموال اليتامى ولا يشددون في أموال النساء ينكح أحدهم النسوة ولا يعدل بينهن، فقال تعالى كما تخافون أن لا تعدلوا في اليتامى فخافوا في النساء فانكحوا واحدة إلى الأربع، فان خفتم ألا تعدلوا فواحدة. # PageV02P096 # الرابع - قال مجاهد: " ان خفتم ألا تقسطوا في اليتامى " معناه ان تحرجتم من ولاية اليتامى وأكل أموالهم ايمانا وتصديقا، فكذلك تحرجوا من الزنا وانكحوا النكاح المباح من واحدة إلى أربع، فان خفتم ألا تعدلوا فواحدة. # الخامس - قال الحسن: ان خفتم ألا تقسطوا في اليتيمة المرباة في حجركم فانكحوا ما طاب لكم من النساء مما أحل لكم من يتامى قراباتكم مثنى وثلاث ms334 - الآية. وبه قال الجبائي، وقال: الخطاب متوجه إلى ولي اليتيمة إذا أراد أن يتزوجها، فإنه إذا كان هو وليها كان له أن يزوجها قبل البلوغ وله أن يزوجها. # السادس - قال الفراء: المعنى ان كنتم تتحرجون من مؤاكلة اليتامى فتحرجوا من جمعكم بين اليتائم ثم لا تعدلون بينهن. # (فصل) أما قوله تعالى " فانكحوا ما طاب لكم " فهو جواب لقوله " وان خفتم ألا تقسطوا " على ما روي عن عائشة وأبي جعفر عليه السلام. # ومن قال إن تقديره ان خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فكذلك تخافوا في النساء، الجواب قوله " فانكحوا "، والتقدير فان خفتم ألا تقسطوا فخافوا في أموال اليتامى فتعدلوا فيها فكذلك فخافوا ألا تقسطوا في حقوق النساء، فلا تتزوجوا منهن الا من تأمنون معه الجور مثنى وثلاث ورباع، فان خفتم أيضا من ذلك فواحدة، فان خفتم من الواحدة فمما ملكت ايمانكم، فنزل ذكر فلذلك فخافوا ألا تقسطوا في حقوق النساء لدلالة الكلام عليه، وهو قوله " فان خفتم ألا تعدلوا فواحدة ". # ومعنى " ألا تقسطوا " أي ألا تعدلوا ولا تقسطوا، والأقساط العدل، واليتامى PageV02P097 # جمع لذكران الأيتام، وإناثهم في هذا المعنى. # وقال الحسين بن علي المغربي: معنى " ما طاب " أي ما بلغ من النساء كما يقال " طابت الثمرة " أي بلغت، والمراد المنع من تزويج اليتيمة قبل البلوغ لئلا يجري عليها الظلم، فان البالغة تختار لنفسها. # وقيل معنى " ما طاب لكم " ما حل لكم من النساء ومن أحل لكم منهن دون من حرم عليكم، وانما قال " ما طاب " لان ما مصدرية. وقيل إن ما ههنا للجنس. # كقولك " ما عندك؟ " فالجواب رجل وامرأة. وقيل لما كان المكان مكان ابهام جاءت ما لما فيها من الابهام، ولم يقل من طاب وإن كان من العقلاء ونحوهم من العلماء وما لغير العقلاء، لان المعنى انكحوا الطيب أي الحلال، لأنه ليس كل النساء حلالا، لان الله حرم كثيرا منهن بقوله " حرمت عليكم أمهاتكم " الآية. هذا قول الفراء، وقال مجاهد: فانكحوا النساء نكاحا طيبا. وقال المبرد: # ما ههنا للجنس. وكذا قوله ms335 " أو ما ملكت أيمانكم " معناه أي ملك أيمانكم. # ومعنى " فانكحوا ما طاب لكم " أي فلينكح كل واحد منكم مثنى وثلاث ورباع، لما قال " والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة " (1 معناه فاجلدوا كل واحد منهم ثمانين جلدة. # وقوله تعالى " مثنى وثلاث ورباع " بدل من " ما طاب " وموضعه النصب، وتقديره اثنتين اثنتين وثلاثا وثلاثا وأربعا أربعا، والواو على هذا بمعنى أو. وقد تقع هذه الألفاظ على الذكر والأنثى، فوقوعها على الاثني مثل الآية التي نحن في تفسيرها، ووقوعها على الذكر قوله " أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع " (2 لان المراد به الجناح وهو مذكر. # PageV02P098 # وقوله " مثنى وثلاث ورباع " معناه اثنتين اثنتين وثلاثا ثلاثا وأربعا أربعا، فلا يقال إن هذا يؤدي إلى جواز نكاح تسع كما توهمه بعض الزيدية، فان اثنين وثلاثا وأربعا تسع لما ذكرناه، فان من قال " دخل القوم البلد مثنى وثلاث ورباع " لا يقتضي الاعداد في الدخول، ولكن لهذا العدد لفظا موضوعا وهو تسع، فالعدول عنه إلى مثنى وثلاث ورباع نوع من العي. جل كلامه تعالى عن ذلك. # وقال الصادق عليه السلام: لا يحل لماء الرجل أن يجري في أكثر من أربعة أرحام من الحرائر (1. ولعمومه بقوله: ان الاقتصار في نكاح المتعة على أربعة أولى (2. وان ورد انهن بمنزلة الإماء، وفي الإماء يجوز الجمع بين أكثر من أربع في ملك اليمين. # (فصل) وقوله " فواحدة أو ما ملكت أيمانكم " أي فان خفتم ألا تعدلوا في ما زاد على الواحدة فانكحوا واحدة. # وقرأ أبو جعفر المدني بالرفع، وتقديره فواحدة كافية، كما قال تعالى " فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان " (3. # ومن استدل من الزيدية بهذه الآية على أن نكاح التسع جائز، فقد أخطأ، لان المعنى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى ان أمنتم الجور، وأما ثلاث ان لم تخافوا ذلك، وأما رباع ان أمنتم ذلك فيهن، بدلالة قوله تعالى " فان # PageV02P099 # خفتم ألا تعدلوا فواحدة " لان معناه فان خفتم في الثنتين فانكحوا واحدة، ثم قال فان خفتم في ms336 الواحدة أيضا فما ملكت أيمانكم. على أن مثنى لا تصلح الا لاثنين اثنين على التفريق في قول الزجاج، فتقدير الآية فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث بدلا من مثنى ورباع من ثلاث، فلا حاجة إلى أن يقال الواو بمعنى أو، ولو قال أو لظن أنه ليس لصاحب مثنى ثلاث ولا لصاحب الثلاث رباع. # وقال الفارسي: ان مثنى وثلاث ورباع حال من قوله " ما طاب لكم من النساء "، فهو كقولك " جئتك راكبا وماشيا وراكبا ومنحدرا " تريد أنك جئته في كل حال من هذه الأحوال، ولست تريد أنك جئته وهذه الأحوال لك في وقت واحد. # ومن استدل بقوله تعالى " فانكحوا " على وجوب التزويج من حيث أن الامر شرعا يقتضي الوجوب. فقد أخطأ، لان ظاهر الامر وان اقتضى الايجاب في الشرع فقد ينصرف عنه بدليل، وقد قام الدليل على أن التزويج ليس بواجب، على أن الغرض بهذه الآية انهي عن القد على من يخاف أن لا يعدل بينهن. # (فصل) ثم قال تعالى " ذلك أدنى ألا تعولوا " فأشار بهذا إلى العقد على الواحدة مع الخوف من الجور فيما زاد عليها والاقتصار على ما ملكت أيمانكم، أي هو أقرب إلى أن لا تجوروا ولا تميلوا، يقال منه عال يعول إذا مال وجار. # وما قاله قوم من أن معناه أن لا يفترقوا فهو خطأ، وكذا قول من زعم أن معناه أن لا يكثر عيالكم، لأنه يقال عال يعيل إذا احتاج، وأعال يعيل إذا كثر عياله. # على أنه لو كان المراد القول الثالث لما أباح الواحدة وما شاء من ملك PageV02P100 # اليمين لأنه أريد في العيال من أربع حرائر. والصحيح أن عال الرجل عياله يعولهم أي مانهم، ومنه قوله عليه السلام: ابدأ بمن تعول (1. # (باب الصداق وأحكامه) قال الله تعالى " وآتوا النساء صدقاتهن نحلة " (2 أي أعطوهن مهورهن ديانة وهبة من الله لهن. ونحلة نصب على المصدر. # عن ابن عباس: المخاطب به الأزواج، أمرهم بالعطاء المهر كملا إذا دخل بها لمن سمي لها، فأما غير المدخول ms337 بها فإنها إذا طلقت فان لها نصف المسمى إذا طلقها، وان لم يكن سمى لها المهر فلها المتعة، فإن لم يطلقها ولم يسم لها مهرا فلها مهر المثل ما لم يتجاوز خمسمائة درهم. # وقال أبو صالح: هذا خطاب للأولياء، لان الرجل منهم كان إذا زوج ابنته أخذ صداقها دونها، فنهاهم الله عن ذلك وأنزل هذه الآية. # وذكر المعتمر بن سليمان أن أناسا كان أحدهم يعطي هذا الرجل منهم أخته ويأخذ أخت الرجل ولا يكون بينهما المهر، فيشير بهذا إلى نكاح الشغار، فنهى الله عن ذلك. # والظاهر يدل على الأول. # ثم خاطب الله الزواج بقوله تعالى " فان طبن لكم عن شئ منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا " لان أناسا كانوا يتأثمون أن يرجع أحدهم في شئ مما ساق إلى امرأته، فأنزل الله هذه الآية - عن ابن عباس. # وقال أبو صالح: المعني به الأولياء، والمعنى ان طابت لكم أنفسهن بشئ # PageV02P101 # من المهر، ومن لتبيين الجنس، فلو وهبت له المهر نحلة لجاز وكان حلالا بلا خلاف. # (فصل) والأصل في الصداق كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله: فالكتاب قوله تعالى " وآتوا النساء صدقاتهن نحلة " (1 وقوله " فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة " (2 وقال " وان طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم " (3. # وقال النبي صلى الله عليه وآله: أدوا العلائق. قيل: يا رسول الله ما العلائق؟ # قال: ما تراضى به الأهلون. # وعليه الاجماع. يسمى المهر صداقا وأجرة وفريضة. # فان قيل: كيف سماه الله نحلة وهو عوض عن النكاح؟ # فالجواب: انه مشتق من الانتحال الذي هو التدين، يقال فلان ينتحل مذهب كذا، فكأن قوله تعالى " نحلة " معناه تدينا. # وقيل: انه في الحقيقة نحلة من الله لها، لان حظ الاستمتاع لكل واحد منهما بصاحبه كحظ الاخر. # وقيل وجه ثالث، وهو أن الصداق كان للأولياء في شرع من قبلنا، بدلالة قول شعيب حين زوج موسى ابنته " على أن تأجرني ثماني حجج فان أتممت # PageV02P102 # عشرا فمن عندك " (1. فكأن معنى قوله تعالى ms338 " نحلة " أي ان الله أعطاهن هذا في شريعة محمد عليه السلام. # فإذا ثبت هذا فالمستحب أن لا يعرى نكاح عن ذكر مهر، لأنه إذا عقد مطلقا ضارع الموهوبة، وذلك يختص بالنبي صلى الله عليه وآله، فلذلك يستحب ذكره. ولئلا يرى الجاهل فيظن أنه يعرى عن المهر، ولان فيه قطعا لمواد الخصومة. # ومتى ترك ذكر المهر وعقد النكاح بغير ذلك فالنكاح صحيح اجماعا، لقوله تعالى " لا جناح عليكم ان طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة " تقديره ولم تفرضوا لهن فريضة، لأنه معطوف على قوله " ما لم تمسوهن " بدلالة قوله " ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره ". # وهذه المتعة واجبة للمرأة التي طلقها قبل الدخول ولم يسم لها مهرا. # ثم قال " متاع بالمعروف حق على المحسنين "، فإن كان المهر مسمى وأعطاها المهر ثم طلقها فالمتعة مستحبة، قال الله تعالى " وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين " (2. # (فصل) والصداق عندنا غير مقدر، فكل ما يصح أن يكون ثمنا لمبيع أو أجرة لمكتر صح أن يكون صداقا قليلا كان أو كثيرا، وفيه خلاف. # والكثير أيضا لاحد له عندنا، لقوله تعالى " وان آتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا " (3 والقنطار ملء مسك تور ذهبا أو سبعون ألفا، وهو اجماع لقصة عمر مع المرأة التي حجته فقال: كل أحد أفقه من عمر حتى النساء أفقه من عمر. # PageV02P103 # وكل ماله قيمة في الاسلام وتراضي عليه الزوجان ينعقد به النكاح ويصير به مهرا، الا أن السنة المحمدية خمسمائة درهم قيمتها خمسون دينارا. # وروى أصحابنا أن الإجارة مدة لا يجوز أن يكون صداقا، لأنه كان يختص بموسى عليه السلام. ويجوز أن يكون المهر تعليم شئ من القرآن. # (باب) (المتعة وأحكامها) قال الله تعالى " فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة " (1) قال الحسن هو النكاح، وقال ابن عباس والسدي هو المتعة إلى أجل مسمى. وهو مذهبنا، لان لفظ " الاستمتاع " إذا أطلق لا يستفاد به في الشرع الا العقد المؤجل، وإن كان في أصل الوضع معناه الانتفاع. ولا ms339 خلاف أن الشئ إذا كان له وضع وعرف شرعي يجب حمله على العرف دون الوضع، لأنه صار حقيقة والوضع مجازا والحكم للطارئ. ألا ترى أنهم يقولون " فلان يقول بالمتعة وفلان لا يقول بالمتعة " ولا يريدون الا العقد المخصوص. # ولا ينافي ذلك قوله تعالى " والذين هم لفروجهم حافظون * الا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم " (2. لأنا نقول: ان هذه زوجة، ولا يلزم أن يلحقها جميع أحكام الزوجات من الميراث والطلاق والايلاء والظهار واللعان، لان أحكام الزوجات تختلف. ألا ترى أن المرتدة تبين بغير طلاق، وكذا المرتد عندنا، والكتابية لا ترث. وأما العدة فإنها يلحقها عندنا ويلحق به الولد أيضا في هذا النكاح فلا شنعة بذلك. # PageV02P104 # ولو لم تكن زوجة لما جاز أن يضم ما ذكر في هذه السورة إلى ما في تلك الآية، وان ذلك جائز لأنه لا تنافي بينهما، فيكون التقدير: الا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم، أو ما استمتعتم به منهن. وقد استقام الكلام. # (فصل) وقد روي عن ابن مسعود وابن عباس وأبي بن كعب وسعيد بن جبير أنهم قرأوا " فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى " (1 وذلك صريح بما قلناه. على أنه لو كان المراد به عقد النكاح الدائم لوجب لها جميع المهر بنفس العقد لأنه قال تعالى " فآتوهن أجورهن " يعني مهورهن عند أكثر المفسرين. وذلك غير واجب بلا خلاف، وانما يجب الاجر بكماله في عقد المتعة بنفس العقد. # ولا يعترض هذا بقوله تعالى " وآتوا النساء صدقاتهن نحلة " (2 لان آية الصدقة مطلقة وهذه مقيدة بما قبلها، مع أنه فصل سبحانه فقال " وان طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم ". # وفي أصحابنا من قال: قوله " أجورهن " يدل على أنه تعالى أراد المتعة، لان المهر لا يسمى أجرا بل سماه الله تعالى صدقة ونحلة. # وهذا ضعيف، لان الله سمى المهر أجرا في قوله " فانكحوهن بأذن أهلهن وآتوهن أجورهن " (3 وفي قوله " والمحصنات من الذين أوتو الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن " (4، ومن ms340 حمل ذلك كله على المتعة كان مرتكبا لما يعلم خلافه. # PageV02P105 # ومن حمل لفظ " الاستمتاع " على الانتفاع فقد أبعد، لأنه لو كان كذلك لوجب أن لا يلزم من لا ينتفع بها شئ من المهر. فقد علمنا أنه لو طلقها قبل الدخول للزمه نصف المهر، فان خلا بها خلوة تامة لزمه جميع المهر عند كثير من الفقهاء وان لم يلتذ ولم ينتفع. # (فصل) وأما الخبر الذي يروونه أن النبي عليه السلام نهى عن المتعة (1، فهو خبر واحد لا يترك له ظاهر القرآن، ومع ذلك يختلف لفظه وروايته: فتارة يروون أنه نهى عنها في عام خيبر، وتارة يروون أنه نهى عنها في عام الفتح، وقد طعن أيضا في طريقه بما هو معروف. # وأدل دليل على ضعفه قول عمر " متعتان كانتا على عهد رسول الله أنا أنهى عنهما ومعاقب عليهما " (2، فأخبر أن هذه المتعة كانت على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وانه هو الذي نهى عنها لضرب من الرأي. # فان قالوا: انما نهى لان النبي عليه السلام كان نهى عنها. # قلنا: لو كان كذلك لكان يقول متعتان كانتا على عهد رسول الله فنهى عنهما وأنا أنهى عنهما أيضا، فكان يكون آكد في باب المنع، فلما لم يقل ذلك دل على أن التحريم لم يكن صدر عن النبي صلى الله عليه وآله وصح ما قلناه. # وقال الحكم بن عيينة: قال علي عليه السلام: لولا أن عمر نهى عن المتعة ما زنى الا شقي (3. # PageV02P106 # وذكر البلخي عن وكيع عن إسماعيل بن خالد عن قيس بن أبي حازم عن ابن مسعود قال: كنا مع النبي عليه السلام ونحن شباب فقلنا: يا رسول الله ألا نستخصي؟ قال: لا. ثم رخص لنا أن ننكح المرأة بالثوب إلى أجل (1. # وقوله تعالى " ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة " (2 قال السدي وقوم من أصحابنا (3: معناه لا جناح عليكم فيما تراضيتم به من استيناف عقد آخر بعد انقضاء المدة التي تراضيتم عليها، فنزيدها في الاجر وتزيدك في ms341 المدة (4. # (فصل) فإذا ثبت أن النكاح المتعة جائز وهو النكاح المؤجل، وقد سبق إلى القول بإباحة ذلك جماعة معروفة الأحوال عند المخالفين وقد أثبتوا في كتبهم منهم أمير المؤمنين عليه السلام وابن مسعود ومجاهد وعطا، وقد رووا عن جابر وسلمة ابن الأكوع وأبى سعيد الخدري والمغيرة بن شعبة وابن جبير وابن جريح انهم كانوا يفتون بها، وادعاؤهم الاتفاق على حظر المتعة باطل. # وقد ذكرنا أن الحجة لنا بعد الاجماع من القرآن قوله تعالى " فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة "، ولفظ الاستمتاع والتمتع وإن كان واقعا # PageV02P107 # على الالتذاذ والانتفاع في أصل اللغة، فقد صار بعرف الشرع مخصوصا بهذا العقد المعين، لا سيما إذا أضيف إلى النساء، ولا يفهم من قول القائل " متعة النساء " لا هذا العقد المخصوص، كما أن لفظ الظهار اختص في عرف الشرع بهذا الحكم المخصوص وان كانت في اللغة مشتركة، فكأنه قال: إذا عقدتم عليهن هذا العقد المخصوص فآتوهن أجورهن. # ولفظة " استمتعتم " لا تعدو وجهين: اما أن يراد بها الانتفاع والالتذاذ الذي هو أصل موضوع اللغة، أو العقد المؤجل المخصوص الذي اقتضاه عرف الشرع. فلا يجوز أن يكون هو الوجه الأول لامرين: # أحدهما - أنه لا خلاف بين محصلي من تكلم في أصول الفقه، في أن لفظ القرآن إذا ورد وهو محتمل لامرين أحدهما أصل اللغة والاخر عرف الشرع أنه يجب حمله على عرف الشرع، ولهذا حملوا كلهم لفظ صلاة وزكاة وصيام وحج على العرف الشرعي دون اللغوي. # والامر الاخر - أنه لا خلاف في أن المهر لا يجب بالالتذاذ، لان رجلا لو وطئ امرأته، ولم يلتذ لوطئها لان نفسه عافتها وكرهتها أو لغير ذلك من الأسباب لكان دفع جميع المهر واجبا وإن كان الالتذاذ مرتفعا، فعلمنا أن الاستمتاع في الآية انما أريد به العقد المخصوص دون غيره. # (فصل) ومما يبين ذلك ويقويه قوله تعالى " ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة " ومعناه على ما روي عن آل محمد عليه وعليهم السلام أن تزيدها أنت في الاجر ms342 وتزيدك هي في الاجل (1. # PageV02P108 # وما يقوله مخالفونا من أن المراد به رفع الجناح في الابراء والنقصان أو الزيادة في المهر أو ما يستقر بتراضيهما من النفقة ليس بصحيح. لأنا نعلم أن العفو والابراء مسقط للحقوق بالعقول ومن الشرع ضرورة لا بهذه الآية، والزيادة في المهر كالهبة، والهبة أيضا معلومة لامن هذه الآية، وأن التراضي مؤثر في النفقات وما أشبهها، فحمل الآية والاستفادة بها ما ليس بمستفاد قبلها ولا معلوم هو الأولى، فالحكم الذي ذكرناه مستفاد بالآية غير معلوم قبلها، فيحب أن يكون أولى. # (فصل) فان قيل: كيف يضح حمل لفظة " استمتعتم " على النكاح المخصوص، وقد أباح الله بقوله " وأحل لكم ما وراء ذلكم " النكاح المؤبد بلا خلاف، فمن خصص ذلك بعقد المتعة فهو خارج عن الاجماع. # قلنا: قوله تعالى بعد ذكر المحرمات من النساء " وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين " يبيح العقد على النساء والتوصل بالمال إلى استباحتهن ويعم ذلك العقد المؤبد والمؤجل، ثم خص المؤجل بالذكر فقال " فما استمتعتم به منهن "، فالمعنى فمن نكحتموها منهن نكاح المتعة فآتوهن أجورهن فريضة ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة، لان الزيادة في الاجر والأجل لا يليق الا بالعقد المؤجل. # فان قيل: الآية مجملة لقوله تعالى " محصنين غير مسافحين " ولفظة الاحصان تقع على أشياء مختلفة من العقد والتزويج وغير ذلك. # قلنا: الأولى أن تكون لفظة " محصنين " محمولة على العقد والتنزيه من الزنا، لأنه في مقابلة قوله " غير مسافحين " والسفاح الزنا بغير شبهة، ولو حملت PageV02P109 # اللفظة على الامرين من العفة والاحصان الذي يتعلق به الرجم لم يكن بعيدا. # فان قيل: كيف يحمل لفظة " الاحصان " في الآية على ما يقتضي الرجم وعندكم أن المتعة لا تحصن. # قلنا: قد ذهب أكثر أصحابنا إلى أنها تحصن، وانما لا تحصن إذا كانت المتمتع بها يغيب عنها في أكثر الأوقات، والغائب عن زوجته في النكاح الدائم لا يكون بحكم المحصن في الرجم. # وبعد فإذا كانت لفظة " محصنين " تليق بالنكاح الدائم المؤبد ms343 رددنا ذلك إليه، كما أنا رددنا لفظة " الاستمتاع " إلى النكاح المؤجل لما كانت تليق به، فكأنه تعالى أحل النكاح على الاطلاق وابتغاءه بالأموال ثم فصل منه المؤبد بذكر الاحصان والمؤجل بذكر الاستمتاع. # وموضع " أن تبتغوا " نصب على البدل من ما أو على حذف الام، بأن يكون تقديره لان تبتغوا. ومن قرأ " وأحل " بالضم جاز في محل ان الرفع والنصب. ومعنى " أن تبتغوا " ان تطلبوا وتلتمسوا بأموالكم اما شراءا بثمن أو نكاحا مؤجلا أو مؤبدا - عن ابن عباس. # " محصنين غير مسافحين " أي متزوجين غير زانين وأعفة غير زناة. وقال الزجاج: المسافح والمسافحة الزانيان غير ممتنعين من أحد، فإذا كانت تزني بواحد فهي ذات خدن، فحرم الله الزنا على وجه السفاح الذي ذكرناه واتخاذ الصديق الذي بيناه. # (باب) (العقد على الإماء وأحكامه) قال الله تعالى " ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات PageV02P110 # فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات " (1 معناه ومن لم يجد منكم طولا، والطول هو الغنى، مأخوذ من الطول، فشبه الغني به لان به ينال معالي الأمور. # وقيل الطول هو الهوى (2، قال جابر: إذا هوى الأمة التي للغير فله أن يتزوجها بأن كان ذا يسار. والأول هو الصحيح، وهو المروي عن أبي جعفر عليه السلام (3. # المعنى: من لم يستطع زيادة في المال وسعة يبلغ بها نكاح الحرة فلينكح أمة، أي من لم يقدر على شئ مما يصلح لنكاح الحرائر من المهر والنفقة فلينكح مما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات، أي من فتيات المسلمين لا من فتيات غيركم، وهم المخالفون في الدين كاليهود والنصارى والمجوس وغيرهم، فان مهور الإماء أقل ومؤونتهن أخف في العادة. # والمراد به إماء الغير، لأنه لا يجوز أن يتزوج الرجل بأمة نفسه اجماعا. # وطولا مفعول به، وعلى قول جابر من أنه من الهوى مفعول له. # والعنت في قوله تعالى " لمن خشي العنت منكم " على هذا المراد به الحد، لأنه إذا هواها خشي أن يواقعها فيحد فيتزوجها. # والفتاة: الشابة. والفتاة: الأمة وان كانت عجوزا، لأنها ms344 كالصغيرة في أنها لا توقر توقير الحرة. والفتوة حالة الحداثة، يقال أفتى الفقيه لأنه في مسألة حادثه. # (فصل) وفي الآية دلالة على أنه لا يجوز نكاح الأمة الكتابية، لأنه قيد جواز العقد على الإماء بكونهن مؤمنات. وقال أبو حنيفة يجوز ذلك، لان التقييد هو على # PageV02P111 # جهة الندب دون التحريم. والأول أقوى، لأنه الظاهر وما قاله عدول عن الظاهر. # ومنهم من قال: ان تأويل من فتياتكم المؤمنات الكتابيات دون المشركات من عبدة الأوثان، بدلالة الآية في المائدة، وهي قوله تعالى " والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم " (1. وهذا ليس بشئ، لان الكتابية لا تسمى مؤمنة. # ومن أجاز العقد على الكتابية، له أن يقول: آية المائدة مخصوص بالحرائر منهن دون الإماء. # وظاهر الآية يقتضي أن من وجد المهر للحرة ونفقتها ولا يخاف العنت لا يجوز له تزويج الأمة وانما يجوز العقد عليها مع عدم الطول والخوف من العنت. وهو مذهب الشافعي، غير أن أكثر أصحابنا قالوا ذلك على وجه الأفضل، لا لأنه لو عقد عليها وهو غني كان العقد باطلا وهو قول أبي حنيفة، وقووا ذلك بقوله تعالى " ولامة مؤمنة خير من مشركة " (2. # الا أن من شرط صحة العقد على الأمة عند أكثر الفقهاء ألا يكون عنده حرة، وهو مذهبنا، الا أن ترضى الحرة بأن يتزوج عليها أمة، فان أذنت كان العقد صحيحا عندنا. ومتى عقد عليها بغير اذن الحرة كان العقد باطلا. وروى أصحابنا أن الحرة تكون بالخيار بين أن تفسخ عقد الأمة، كما يكون لها الخيار أن تفسخ عقد نفسها، والأول أظهر لأنه إذا كان العقد باطلا لا يحتاج إلى فسخه. # فأما تزويج الحرة على الأمة فلا يجوز الا باذن الحرة، فإن لم تعلم الحرة بذلك كان لها أن تفسخ نكاح نفسها أو نكاح الأمة. وفي الناس من قال في عقده على الحرة طلاق الأمة، وعن النبي عليه السلام: الحرائر صلاح البيت، # PageV02P112 # والإماء هلاك البيت. # (فصل) ثم قال تعالى " والله يعمل بايمانكم بعضكم من بعض ". قيل فيه قولان: # أحدهما كلكم ms345 ولد آدم، والثاني كلكم على الايمان. # ويجوز أن تكون الأمة أفضل من الحرة وأكثر ثوابا عند الله، وفي ذلك تسلية لمن يعقد على الأمة إذا جوز أن يكون أكثر ثوابا عند الله مع اشتراكهم بأنهم ولد آدم. وفي ذلك صرف عن التعاير في الأنساب. # ومن كره نكاح الأمة قال إن الولد منها يكون مملوكا، ولذلك أنكر. وعندنا أن هذا ليس بصحيح، لان الولد عندنا يلحق بالحرية في كلا الطرفين الا أن يشترط. # وقوله تعالى " فانكحوهن باذن أهلهن " أي اعقدوا عليهن بأذن أهلهن. وفي ذلك دلالة واضحة على أنه لا يجوز نكاح الأمة بغير اذن وليها الذي هو مالكها. # وقوله تعالى " وآتوهن أجورهن " معناه أعطوا مالكهن مهورهن، لان مهر الأمة لسيدها. وقيل تقديره فأتوا مواليهن، فحذف المضاف. وقيل انما قال وآتوهن لأنهن وما في أيديهن لمواليهن، فيكون الأداء إليهن بحضور مواليهن أداءا إلى الموالي. # وقوله تعالى " بالمعروف " وهو ما وقع عليه العقد والتراضي. # وقوله تعالى " محصنات غير مسافحات " يعني بالعقد عليهن دون السفاح معهن " ولا متخذات أخدان " فالخدن الصديق يكون للمرأة يزني بها سرا، والسفاح ما ظهر من الزنا، أي غير زانيات جهرا ولا سرا. ولا يحرم في الجاهلية ما خفي من الزنا وانما يحرم ما ظهر منه، قال الله تعالى " ولا تقربوا الفواحش PageV02P113 # ما ظهر منها وما بطن " (1 أي حرم الزنا سرا وعلانية. # (فصل) قوله تعالى " فإذا أحصن " من قرأ بالضم معناه تزوجن، ومن فتح الهمزة فمعناه أسلمن. وقال الحسن يحصنها الاسلام والزوج. # ولا خلاف أنه يجب عليها نصف الحد إذا زينت، سواء كانت ذات زوج أو لم تكن. # وقوله " من العذاب " أي من الحد، لقوله " وليشهد عذابهما " (2 و " يدرأوا عنها العذاب " (3. # ولا رجم على الإماء، لان الرجم لا ينتصف. # وقوله " ذلك لمن خشي العنت منكم " إشارة إلى نكاح الأمة عند عدم الطول لمن خشي العنت، أي الزنا والمشقة والضرر لغلبة الشهوة. # " وان تصبروا خير لكم " معناه وصبركم عن نكاح الإماء وعن الزنا خير لكم. # ويدل على أن ms346 الاحصان يعبر به عن الخيرية قوله تعالى في أول الآية " ومن لمس يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات "، ولا شك انه أراد بها الحرائر والعفائف، لان اللاتي لهن أزواج لا يمكن العقد عليهن. على أن في الناس من قال إن المحصنات هنا المراد بها الحرائر دون العفائف، لأن العقد على المرأة الفاجرة ينعقد وإن كان مكروها، لان قوله " الزاني لا ينكح الا زانية # PageV02P114 # أو مشركة " (1 منسوخ بالاجماع. ويمكن أن يخص بالعفائف على الأفضل دون الوجوب. # وذكر الطبري أن في الآية تقديما وتأخيرا، لان التقدير ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات مما ملكت أيمانكم، أي فلينكح مما ملكت ايمانكم من فتياتكم المؤمنات بعضكم من بعض والله أعلم بايمانكم (2. # وهو مليح. # (فصل) ثم قال تعالى " يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم " قال الجبائي: في الآية دلالة على أن ما ذكر في الآيتين من تحريم النكاح وتحليله قد كان على من قبلنا من الأمم لقوله " ويهديكم سنن الذين من قبلكم " أي في الحلال والحرام. # وقال الرماني: لا يدل ذلك على اتفاق الشريعة وان كنا على طريقتهم في الحلال والحرام كما لا يدل عليه وان كنا على طريقتهم في الاسلام. وهذا أقوى، ومثله قوله تعالى " كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم " (3، واللام في " ليبين " لإرادة التبيين، والأصل أن يبين، كما زيدت في " لا ابا لك " لتأكيد الإضافة. # " والله يريد أن يتوب عليكم " أي يقبل توبتكم من استحلالهم ما هو حرام عليهم من حلائل الاباء والأبناء، " ويريد الذين يتبعون الشهوات " قيل هم اليهود، # PageV02P115 # لأنهم يحلون نكاح الأخت من الأب، وقيل المجوس. أي يريدون أن يعدلوا عن الاستقامة " ويريد الله أن يخفف عنكم " في نكاح الإماء، لان الانسان خلق ضعيفا في أمر النساء. # (باب) (نفقات الزوجات والمرضعات وأحكامها) قال الله تعالى " ولا تؤتوا السفهاء أموالكم " (1 أي لا تعطوا النساء والصبيان أموالكم التي تملكونها فتسلطونهم عليها فيفسدوها ويضيعوها، ولكن ارزقوهم أنتم منها ان كانوا ممن ms347 يلزمكم نفقتهم واكسوهم. # وقال تعالى " الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم " (2 وفيه دليلان على وجوب ذلك: أحدهما قوله " قوامون "، والقوام على الغير هو المتكفل بأمره من نفقة وكسوة وغير ذلك. والثاني قوله " وبما أنفقوا من أموالهم " يعني أنفقوا عليهن من أموالهم. # وقال تعالى " فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فان خفتم ألا تعدلوا " أي في النفقة " فواحدة أو ما ملكت أيمانكم " (3 يعني لا تكثروا من تمونونه، فلولا أن النفقة واجبة والمؤنة عليهم ما حذره بكثرتها عليه. # وقال تعالى " قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم " (4 يعني من الحقوق التي لهن على الأزواج من الكسوة النفقة والمهر وغير ذلك. # PageV02P116 # وقال تعالى " وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن المعروف " (1 والمولودة له الزوج، فقد أخبر تعالى أن عليه رزقها وكسوتها. # (فصل) وقوله تعالى " قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم " قال قوم: معناه قد علمنا مصلحة ما أخذنا على المؤمنين في أزواجهم وما فرضناه عليهم مصلحة لهم في أديانهم من المهر والحصر بعدد محصور من النفقة والكسوة والقسمة بين الأزواج وغير ذلك من الحقوق ومما ملكت أيمانهم ان لا يقع لهم الملك الا بوجوه معلومة، ووضعنا أكثر ذلك منك وأبحنا لك امرأة وهبت نفسها لك، وانما خصصناك على علم منا بالمصلحة فيه من غير محاباة. # وعندنا أن النكاح بلفظ الهبة لا يصح، وانما كان ذلك للنبي عليه السلام خاصة. وقال قوم يصح غير أنه يلزم المهر إذا دخل بها، وانما جاز بلا مهر للنبي عليه السلام خاصة. والذي يبين صحة ما قلناه قوله تعالى " ان أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين " (2 فبين أن هذا الضرب من النكاح خاص له عليه السلام دون غيره من المؤمنين. # ومتى اجتمع عند الرجل حرة وأمة بالزوجية كان للحرة يومان وللأمة يوم، وفي رواية للحرة ليلتان وللأمة المزوجة ليلة. فان كانت لمك بيمين فلا قسمة لها. والتسوية بينهن في النفقة ms348 والكسوة أفص، ولا بأس أن يفضل بعضهم على بعض فيهما. # وإذا كان له زوجة يبيت عندها ليلة في كل أربع ليالي، وان كانت عنده حرتان جاز أن يبيت عند واحدة ثلاث ليالي وعند الأخرى ليلة. # PageV02P117 # (فصل) وقوله تعالى " يا أيها النبي قل لأزواجك ان كنتن تردن الحياة الدنيا " (1 الآية. # فقد فرض الله على نبيه صلى الله عليه وآله أن يخير نساءه بين المقام معه على ما يكون من أحوال الدنيا وبين مفارقته بالطلاق وتعجيل المنافع، فقد روي في سببه أن كل واحدة من نسائه طلبت شيئا منه فلم يقدر على ذلك، لأنه لما خيره الله تعالى في ملك الدنيا فاختار الآخرة فأمره الله بتخيير النساء فاخترن الله ورسوله (2. # وروي في سبب ذلك أن بعض نسائه طلبت منه حلقة من ذهب فصاغ لها حلقة من فضة وطلاها بالزعفران، فقالت: لا أريد الا من ذهب، فاغتم لذلك النبي عليه السلام، فنزلت الآية فصبرن على الفاقة والضر، فأراد الله تعالى أن يكافئهن في الحال فأنزل " لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج " (2 الآية، ثم نسخت بعد مدة بقوله " انا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن " يعني أعطيت مهورهن، لان النكاح ينفك من المهر. # والايتاء قد يكون بالأداء وقد يكون بالالتزام، وأحللنا لك ما ملكت يمينك من الإماء أن تجمع منهن ما شئت، وأحللنا لك بنات عمك أن تعقد عليهن وتعطيهن مهرهن. ثم قال " وامرأة مؤمنة ان وهبت نفسها للنبي " يعني وأحللنا لك المرأة إذا وهبت نفسها لك إذا أردتها ورغبت فيها. # [عن ابن عباس: لا تحل لك امرأة بغير مهر وان وهبت نفسها الا للنبي عليه السلام خاصة] (4. # PageV02P118 # (فصل) وقوله تعالى " والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين " (1 هو أمر ورد في صورة الخبر، كقوله " ومن دخله كان آمنا " (2. # وانما قلنا ذلك لامرين: # أحدهما - أن تقديره والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين في حكم الله الذي أوجبه على عباده، فحذف للدلالة عليه. # والثاني - أنه وقع موقع ليرضعن تصرفا ms349 في الكلام مع دفع الاشكال، ولو كان خبرا لكان كذبا لوجودنا، والوالدات يرضعن أكثر من حولين وأقل منهما. # وقال بعضهم هو على ظاهره خبر. # فان قيل: ان الخبر يوجب [...] (3 والاجماع أن الوالدة بالخيار. # الجواب: انه في تقدير حق للوالدات أن يرضعن حولين. # وقال الأصم: ذلك في المطلقات، لوروده عقيبه ولقوله " وعلى المولود له رزقهن "، والزوجة يلزم لها النفقة إذا كانت تطيع على كل حال، ولا التباس على أنها عامة ولا يمتنع أن يبين للرضاع زيادة حق على حق الزوجية. # وقال أبو مسلم: هو أمر وحكم من الله على النساء بارضاع أولادهن على أزواجهن إقامة رزقهن وكسوتهن. # وقال الزجاج في قوله تعالى " بالمعروف " أي بما تعرفون أنه عدل على # PageV02P119 # قدر الامكان، ويدل على هذا التأويل قوله تعالى " لا نكلف نفسا الا وسعها " (1 لأنه خبر في تقدير النهي وبدل، أي لا يكلف الزوج من النفقة أكثر من الامكان على قدر حاله وما يتسع له، لان الوسع ما يتسع له الرجل ولا يتحرج به ويصير إلى الضيق من أجله. # ونظر الصادق عليه السلام إلى أم إسحاق ترضع أحد ابنيها، فقال: لا ترضعيه من ثدي واحد وأرضعيه من كليهما، يكون أحدهما طعاما والاخر شرابا (2. # (فصل) وفي الآية بيان لامرين: أحدهما مندوب، والاخر فرض. # فالمندوب هو أن يجعل الرضاع تمام الحولين، لان ما نقص عنه يدخل به الضرر عل المرتضع. # والفرض. أن مدة الحولين التي تستحق المرضعة الاجر فيها ولا تستحق فيما زاد عليه، وهو الذي بينه الله تعالى بقوله " فان أرضعن لكم فآتوهن أجورهن " فثبتت المدة التي يستحق فيها الجرة على ما أوجبه الله تعالى في هذه الية. # وانما قال تعالى " حولين كاملين " وان كانت التثنية تأتي على استيفاء السنتين لوقع التوهم من أنه على طريقة التغليب، كقولهم " سرنا يوم الجمعة " وإن كان السير في بعضه. وقد يقال أقمنا حولين " وان كانت الإقامة في حول وبعض من الحول الثاني، فهو لرفع الابهام الذي يعرض في الكلام. # فان قيل: هل يلزم الحولين في ms350 كل مولود. # قيل: فيه خلاف: # PageV02P120 # قال ابن عباس: لا، لأنه يعتبر ذلك بقوله " وحمله وفصاله ثلاثون شهرا " (1، فان ولدت المرأة لستة أشهر فحولين كاملين، وان ولدت لسبعة أشهر فثلاثة وعشرون شهرا [وان ولدت لتسعة أشهر وأحد وعشرون شهرا يطلب لذلك التكملة لثلاثين شهرا] (2 في الحمل والفصال الذي يسقط به الفرض. وعلى هذا يدل أخبارنا، لأنهم رووا أن ما نقص عن أحد وعشرين شهرا فهو جور على الصبي. # وقال الثوري: هو لازم في كل ولد، إذا اختلف والداه رجعا إلى الحولين من غير نقصان ولا زيادة، لا يجوز لهما غير ذلك. # والرضاع بعد الحولين لا حكم له في التحريم عندنا، وبه قال ابن عباس وأكثر العلماء. # وقوله " وعلى المولود له رزقهن " أنه يجب على الأب اطعام أم الولد وكسوتها ما دامت في الرضاعة اللازمة إذا كانت مطلقة عند أكثر المفسرين. # (فصل) أما قوله تعالى " لا تضار والدة بولدها " فله تقديران: # أحدهما - لا تضارر ما لم يسم فاعله، اي لا ينزع الولد منها ويسترضع امرأة أخرى مع اجابتها إلى الرضاع بأجرة المثل، ولا مولود له وهو الوالد، أي لا تضارر والدة، بأن لا تمتنع هي من الارضاع بأجرة المثل. # والثاني - ان وزنه تفاعل، أي لا تضارر والدة بولدها، اي لا تترك المطلقة ارضاع ولدها غيضا على أبيه فتضر بولدها، لان الوالدة أشفق على ولدها من الأجنبية، وهو اختيار الزجاج. قال: لا تضر بولدها في رضاع ولا غذاء ولا حفظ، # PageV02P121 # فيكون " ضار " بمعنى أضر، ومعنى ولا مولود له بولده أي لا يضر الوالد على أم الولد من جهة النفقة وتفقده وحفظه. # ويجوز أن تكون المضارة من الوالدين بسبب الولد ونهيا عنه، لان في تضارهما اضرارا بالولد. وقال أبو مسلم: المضارة والمعاسرة واحدة، لقوله تعالى " فان تعاسرتم فسترضع له أخرى "، وتعاسرهما أن تعلوا المرأة في التماس النفقة ومنعها الوالد أوسط ما يكفيها، كأنه قيل لا تضر والدة الزوج بولدها، وكذا فرض الوالد. وعن أبي جعفر وأبى عبد الله عليهما السلام: أي لا يترك ms351 جماعها خوف الحمل لأجل ولدها المرتضع، ولا تمنع نفسها من الأب خوف الحمل فيضر ذلك بالأب (1. # وإذا قرئ " لا تضار " بالرفع فهو في لفظ الخبر ومعناه الامر، والمعنى لا تضارر، ووالدة على هذا فاعلة لا غير. وإذا قرئ بفتح الراء فهو نهي مجزوم اللفظ، والتقدير لا يضارره أو لا تضارره. # (فصل) وقوله تعالى " وعلى الوالد مثل ذلك " معناه عليه كما ذكر من قبل من النفقة ومن ترك المضارة. وقيل الوارث الولد، وقيل الوالدة، والأول أقوى. # وروي في أخبارنا أن على الوارث كائنا من كان النفقة (2، وهو ظاهر القرآن، وبه قال جماعة. وقال بعض المفسرين: ان على كل وارث نفقة الرضاع الأقرب فالأقرب يؤخذ به، وأما نفقة ما بعد الرضاع فعندنا تلزم الوالدين وان عليا النفقة على الولد وان نزل ولا تلزم غيرهم. وقال قوم تلزم العصبة دون الام والاخوة # PageV02P122 # من الام، وقيل على الوارث من الرجال والنساء على قدر النصيب من الميراث. # وعموم الآية يقتضيه غير أنا خصصناه بدليل. # وقال أبو حنيفة وأصحابه: على الوارث ممن كان ذا رحم محرم دون من كان ذا رحم ليس من المحرم كابن العم وابن الأخت، فأوجبوا على ابن الأخت ولم يوجبوها على ابن العم وإن كان وارثه في تلك الحال وكذا العم وابن العم. # وقال سفيان: وعلى الوارث، أي الباقي من أبويه، وهذا مثل ما قلناه. # (فصل) وقوله تعالى " فان أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما " الفصال الفطام لانفصال المولود عن الاغتذاء بثدي أمه إلى غيره من الأقوات. # وهذا الفصال في الآية المراد به فصال قبل الحولين، لان المدة التي هي تمام الحولين معلومة إذا تنازعا رجعا إليه، فأما بعد الحولين فلا يجب على واحد منهما اتباع الاخر في دعائه. # وقال ابن مهرايزد في تفسيره: إذا اتفق الوالد والمرضعة على أن يريا الصواب فطام المولود قبل انقضاء الحولين واستشارا غيرهما كيلا يقع عليهما غلط فيضرا به ان فطماه فجائز أن يفعلاه. والظاهر أنه مع شرط الفصال قبل الحولين تراضى الوالدين ms352 واستشارة الغير فيه، وجوز أبو مسلم أن يكون المراد بالفصال مفاصلة بين الوالد والوالدة أن تراضيا بالافتراق وتسليم الولد حتى تسترضعه من يختار، وهو بعيد. # وقد قال تعالى " وحرمنا عليه المراضع من قبل " (1 ومعناه منعنا موسى عليه السلام من قبل رده إلى أمه وبغضناهن إليه، وكان ذلك كالمنع بالنهي لا أن هناك # PageV02P123 # نهيا بالفعل، فلما أحضر فرعون أمه سألها: كيف ارتضع منك ولم يرتضع من غيرك؟ فقالت: لأني امرأة طيبة الريح طيبة اللبن لا أكاد أوتى صبيا الا ارتضع مني. يدل هذا على أن لبن الام أنفع بالولد من لبن غيرها. # وعن ابن عباس: انه إذا تراضيا على انفصال فلا حرج إذا سلمتم أجرة الام أو الظئر. وقال مجاهد: أجرة الام بمقدار ما ارتضعت أجرة المثل، وقال سفيان أجرة المسترضعة. # وعندنا أن الأب متى وجد من ترضع الولد بأربعة دراهم وقالت الام لا أرضعه الا بخمسة دراهم، فان له أن ينزعه منها، قال تعالى " وان تعاسرتم فسترضع له أخرى " (1، الا أن الأصلح له أن يترك مع أمه. # و " آتيتم " بالمد من الاعطاء، و " أتيتم " بالقصر من الاتيان، والتقدير إذا سلمتم ما أتيتم نقده، فحذف المضاف ثم المضاف إليه. و " بالمعروف " يتعلق بأتيتم أو بسلمتم. والآية تدل على أنه تعالى اتاه إذا ضمن أن يعطيه، فإذا سلم قيل سلم ما أتاه. والعامل في إذا معنى لا جناح عليكم، أي إذا استرضعتم وآتيتم الأجرة أمنتم، فان أردتم أن تسترضعوا أولادكم أي لأولادكم. # وفي الآية دلالة على أن الولادة بستة أشهر تصح، لأنه إذا ضم إلى الحولين كان ثلاثين شهرا، وروي ذلك عن علي عليه السلام (2 وعن ابن عباس. # (فصل) وقوله تعالى " وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم " (3 فيه دلالة # PageV02P124 # على أنهم حين ولادتها تشاحوا في الذي تحضنها وتكفل تربيتها، فقال زكريا أنا أولى لان خالتها عندي، وقال القوم نحن أولى لأنها بنت امامنا، وكان عمران امام الجماعة، فألقوا الأقلام أيهم أولى بكفالتها، فألقوها بالماء تلقاء الجرية، ms353 فاستقبلت عصا زكريا جرية الماء مصعدة وانحدرت أقلام الباقين فقرعهم زكريا. # فإذا ثبت ذلك فاعلم أن الام أولى بالولد من الأب مدة الرضاع، فإذا خرج عن حد الرضاع كان الوالد أحق به منها إذا كان حرا وكان الولد ذكرا، فإن كان أنثى فهي أحق بها إلى سبع سنين ما لم تتزوج، فإذا تزوجت كان الوالد أحق بها الا أن تكون مملوكا. # ولا تسترضع كافرة ولا زانية لقوله تعالى " والذي خبث لا يخرج الا نكدا " (1 فإن كان الوالد مات كانت الام أحق به من الوصي، سواء كان الولد ذكرا أو أنثى إلى أن يبلغ. # وقال تعالى " ووصينا الانسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين " (2 أي انها تضعف ضعفا بحملها الولد إلى أن تضعه فلا تزال تزداد ضعفا على حسب تزايده في بطنها، " وفصاله في عامين " أي في انقضاء عامين بعد الوضع، وظاهر الآية يدل على جواز أحد وعشرين شهرا فإنها في عامين (3. # وقوله تعالى " ووصينا الانسان بوالديه حملته أمه كرها ووضعته كرها وحمله وفصاله ثلاثون شهرا " (4 أي أمرناه بأن يحسن إلى والديه احسانا. " حملته أمه كرها " أي كانت تحمله لمشقة في بطنها مدة الحمل ووضعته بمشقة في حال الولادة وأرضعته مدة الرضاع. # PageV02P125 # ثم تبين أن أقل مدة الحمل وكمال مدة الرضاع ثلاثون شهرا، فنبه بتلك الآية على ما يستحقه الوالدان من حيث أنهما يكفلانه ويربيانه. # (باب) (في ذكر ملك الايمان) قال الله تعالى " والذين هم لفروجهم حافظون * الا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم " (1. # اعلم أن الإماء يستباح وطؤهن بإحدى ثلاثة أشياء: العقد عليهن بأذن أهلهن، وبتحليل مالكهن الرجل من وطئهن واباحته له وان لم يكن هناك عقد، وبأن يملكهن فيستبيح وطأهن بملك الايمان. # وانما يملكهن بوجوه معلومة من الشرى والهبة والإرث والسبي. ولا بأس أن يجمع الرجل بين أختين في الملك لكنه لا يجمع بينهما في الوطئ، لان حكم الجمع بينهما في الوطئ حكم الجمع بينهما في العقد، فمتى ملك أختين ووطئ منهما واحدة ms354 لم يجز له وطئ الأخرى حتى تخرج تلك من ملكه بالبيع أو الهبة أو غيرهما. # ويجوز أن يملك أمة وأمها، فمتى وطئ إحداهما حرمت الأخرى عليه أبدا. # وقوله تعالى " قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم وما ملكت أيمانهم " (2 قد تكلمنا عليه من قبل، وكذلك في قوله تعالى " انا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن وما ملكت يمينك " (3. # وملك اليمين في الآيات المراد به الإماء، لان الذكور من المماليك لا خلاف # PageV02P126 # في وجوب حفظ الفرج منهم، لان الله عنى بالفروج في قوله " والذين هم لفروجهم حافظون " فروج الرجال خاصة، بدلالة قوله " الا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم " استثنى من الحافظين لفروجهم من لا يحفظ فرجه عن زوجته أو ما ملكت يمينه من الإماء على ما أباحه الله له. # وكل ما لم يجز الجمع بينهما في العقد فلا يجوز الجمع بينهما في الوطئ بملك اليمين. # وانما قيل للجارية " ملك يمين " ولم يقل في الدار " ملك يمين " لان ملك الجارية أخص من ملك الدار، اذله نقض بنية الدار وليس له نقض بنية الجارية وله عارية الدار وليس له عارية الجارية، فلذلك خص الملك في الأمة. # (باب) (ما يحرم النظر إليه منهن وما يحل) خاطب الله نبيه عليه السلام فقال: يا محمد " قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم " (1 عن عورات النساء وما يحرم النظر إليه، أي قل لهم يغضوا من نظرهم فلا ينظروا إلى ما يحرم، فوجب الغض على العموم حيث حذف المفعول، ثم خص من وجه آخر بايراد من، فمن للتبعيض لان غض البصر انما يجب في بعض المواضع. # وكل موضع ذكر في القرآن حفظ الفروج فهو الزنا الا في هذا الموضع، لان المراد به الستر حتى لا ينظر إليها أحد. قال الصادق عليه السلام: لا يحل للرجل أن ينظر إلى فرج أخته، ولا يحل للمرأة أن تنظر إلى فرج أخيها (2. # وقال قوم من المفسرين: العورة من النساء ما عدا الوجه والكفين، فأمروا # PageV02P127 # بغض البصر عن عوراتهن، وقيل: العورة من ms355 الرجل العانة إلى مستغلظ الفخذ من أعلى الركبة، وهو العورة من الإماء، والحرة عورة من قرنها إلى قدمها. # قالوا: ويدل على أن الوجه والكفين والقدمين كلها ليست بعورة من الحرة أن لها كشف ذلك في الصلاة. # وقوله تعالى " ويحفظوا فروجهم " أمر منه تعالى أن يحفظ الرجال فروجهم عن الحرام وأن يحفظوها عن ابدائها. # ثم أمر المؤمنات أيضا بغض أبصارهن عن عورات الرجال ومالا يحل لهن النظر إليه، وأمرهن أن يحفظن فروجهن الامن أزواجهن على ما أباحه الله، ويحفظن أيضا اظهارها بحيث ينظر إليها، ونهاهن عن ابداء زينتهن الا ما ظهر منها. # قال ابن عباس: يعني القرطين والقلادة والسوار والخلخال والمعضدة والنحر فإنه يجوز اظهار ذلك، فأما الشعر فلا يجوز أن تبديه الا لزوجها. # والزينة المنهي عن ابدائها زينتان، فالظاهرة الثياب والخفية الخلخالان والسواران في قول ابن مسعود. وقال إبراهيم الظاهر الذي أبيح الثياب فقط، وقال الحسن الوجه والثياب، وقال قوم كل ما ليس بعورة يجوز اظهاره، والأحوط قول ابن مسعود. # (فصل) ثم قال تعالى " وليضربن بخمرهن " وهي المقانع " على جيوبهن ". # ثم كرر النهي عن اظهار الزينة تأكيدا وتغليظا، واستثنى من ذلك الأزواج وآباء النساء وان علوا وآباء الأزواج وأبناءهم " أو إخوانهن أو بني أخواتهن أو بني أخواتهن أو نسائهن " يعني النساء المؤمنات لا المشركات، وقيل يعني PageV02P128 # نساء المؤمنين دون نساء المشركين سواء كن ذميات أو غيرهن، فإنهن يصفن ذلك لأزواجهن الا إذا كانت أمة. # وقوله " أو ما ملكت أيمانهن " يعنى الإماء، فإنه لا بأس باظهار الزينة لهؤلاء المذكورين لأنهم محارم. # وقوله تعالى " والتابعين غير أولي الإربة من الرجال " قال ابن عباس: هو الذي يتبعك ليصيب من طعامك ولا حاجة له في النساء هو الأبله، وقيل هو العنين، وقيل هو المجنون، وقال مجاهد هو الطفل الذي لا أرب له في النساء، وقيل هو الشيخ الهم. والإربة الحاجة. # وقوله تعالى " أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء " يعني الصغار الذين لم يراهقوا، فإنه يجوز ابداء الزينة لهم إذا لم يطلعوا بعد ms356 على الاستلذاذ والتمتع بهن، ولم يروا العورات عورات لصغرهم. # ولم يقل أو أعمامهن أو إخوانهن لان أولادهم ليسوا ذوي محرم لهن، فلعلهم إذا رأوا زينتهن بأن يظهرنها لهم يصفونها لبنيهم فيفتتنوا. # (فصل) اعلم أن قوله تعالى " وقل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم " يدل على أنه لا يحل للأجنبي أن ينظر إلى أجنبية لغير حاجة وسبب، فنظره إلى ما هو عورة منها محظور والى ما ليس بعورة كالثياب فقط مكروه. # والمرأة إذا ملكت فحلا أو خصيا هل يجوز لها أن تخلو به أو تسافر معه؟ # قال قوم أنه يكون محرما لها لقوله تعالى " ولا يبدين زينتهن الا لبعولتهن " إلى قوله " أو ما ملكت ايمانهن "، فنهاهن عن اظهار زينتهن لاحد الا من استثنى واستثنى ملك اليمين، قالوا وهذا ظاهر القرآن. وعندنا أنه لا يكون محرما، PageV02P129 # فان أصحابنا رووا في تفسير الآية أن المراد به الإماء دون الذكران من المماليك على ما تقدم. # ويجوز للرجل إذا أراد أن يتزوج بامرأة أن ينظر إلى محاسنها، وإذا اشترى جارية جاز له أن ينظر إليها. ويمكن الاستدلال عليه بقوله تعالى " وكشفت عن ساقيها قال إنه صرح ممرد من قوارير " (1، وروي أنه نظر إلى ساقها وكان عليه الشعر فساءه ذلك فعمل له النورة والزرنيخ (2. # (فصل) وقوله تعالى " لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا " (3 نهى الله المؤمنين أن يدخلوا بيوتا لا يملكونها وهي ملك غيرهم الا بعد أن يستأذنوا، والاستيناس الايذان، فالمعنى حتى تستأنسوا بالاذن. وقال مجاهد: حتى يستأنسوا بالتنحنح والكلام الذي يقوم مقام الاستيذان. وقد بين تعالى ذلك بقوله " وإذا بلغ الأطفال منكم فليستأذنوا " (4 قال عطاء وهو واجب في أمه وأخته وسائر أهله لئلا يهجم على عورتهن. # وقوله تعالى " يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات " (5، يقول الله مروا عبيدكم وإماءكم أن يستأذنوا عليكم إذا أرادوا الدخول إلى مواضع خلواتكم. قال ابن عباس: الآية في النساء والرجال من العبيد. وقال غيره: الاستيذان واجب على كل بالغ # PageV02P130 # في ms357 كل حال، وعلى الأطفال في هذه الأوقات الثلاثة بظاهر الآية، ففي ذلك دلالة على أنه يجوز أن يؤمر الصبي الذي يعقل لأنه أمره بالاستيذان. وقال آخرون: # ذلك أمر للآباء أن يأخذوا الأولاد بذلك. # وفسر تعالى الأوقات فقال " من بعد صلاة الفجر وحسن تضعون ثيابكم من الظهيرة ومن بعد صلاة العشاء " لان الغالب على الناس أن يتعروا في خلواتهم في هذه الأوقات. # ثم بين أنه ليس عليكم ولا عليهم أن يدخلوا عليكم من غير اذن، يعني الذين لم يبلغوا الحلم، وهو المراد بقوله " طوافون عليكم " أي هم طوافون. # ثم قال " وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا " فقد صار حكمهم حكم الرجال. # وقوله تعالى " والقواعد من النساء " (1 يعني المسنات اللاتي يقعدن عن الحيض وعن التزويج، وانما ذكر القواعد لان الشابة يلزمها من الستر أكثر مما يلزم العجوز، والعجوز لا يجوز لها أن تبدي عورة لغير محرم كالساق والشعر والذراع. # (باب) (اختيار الأزواج ومن يتولى العقد عليهن) قال الله تعالى " يا أيها الناس انا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ان أكرمكم عند الله أتقاكم " (2. # فهذا يدل على أن المؤمنين اكفاء في عقد النكاح كما أنهم متكافئون في الدماء فمتى خطب المؤمن إلى غيره بنته وبذل لها من الصداق السنة المحمدية وكان # PageV02P131 # عنده يسار بقدر ما يقوم بأمرها والانفاق عليها وكان مرضيا غير مرتكب لجور فلم يزوجه كان عاصيا لله. ويكره أن يتزوج متظاهرا بالفسق. # واستدل المرتضى على أن الرجل إذا أراد أن يتزوج ينبغي أن يطلب ذوات الدين والأبوات والأصول الكريمة ويجتنب من لا أصل له بقوله تعالى " وثيابك فطهر " (1، فقال: يجوز أن يكون للثياب ههنا معنى آخر غير ما قالوه وهو ان الله سمى الأزواج لباسا فقال تعالى " هن لباس لكم وأنتم لباس لهن " (2 واللباس والثياب هنا بمعنى واحد، فكأنه سبحانه أمر أن يستطهر النساء، أي يختارهن طاهرات من دنس الكفر ودرن العيب، لأنهن مظان الاستيلاد ومضام الأولاد. # وعن الصادق عليه السلام: زوجوا الأحمق ولا تزوجوا الحمقاء، ms358 فان الأحمق قد ينجب والحمقاء لا تنجب (3، " والبلد الطيب يخرج نباته بأذن ربه والذي خبث لا يخرج الا نكدا " (4. # (فصل) وقال تعالى " يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن " إلى قوله " ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن ولا تمسكوا بعصم الكوافر " (5. # PageV02P132 # سبب نزول هذه الآية أن المهادنة لما وقعت بين النبي عليه السلام وبين قريش بالحديبية فرت بعدها امرأة من المشركين وخرجت إلى رسول الله مسلمة، فجاء زوجها وقال: ردها علي، فنزلت " لا ترجعوهن إلى الكفار " (1. # وما جرى للنساء ذكر وانما ضمن أن يرد الرجال، فأمر الله أن تمتحن المهاجرة بالشهادتين فان كانت مؤمنة رد صداقها ولا ترد هي عليه، إذ هي لا تحل له ولا هو يحل لها، وهذا في القرآن للتوكيد. " ولا تمسكوا بعصم الكوافر " حكم آخر، أي كما ليس للمؤمنة أن تكون مع الكافر فكذلك أنتم أيها المؤمنون لا تبغوا نكاح الكافرات ان لم يؤمن. # ثم قال تعالى " واسئلوا ما أنفقتم وليسألوا ما أنفقوا " أي ان ارتدت مسلمة فلحقت بأهل المعاهدة فلكم أن تطالبوا أهلها أو وليها من الكفار أو يردوا عليكم ما أنفقتم في صداقها ولهم أن يطالبوكم بمثل ذلك، فأما رد المؤمنة على الكافر فلم يجز البتة في حكم الله تعالى. # وفي هذه الآية أحكام كثيرة منها ما هو باق ومنها ما قد سقط، وكثير من الناس يدعون [النسخ فيما قد سقط كامتحان المهاجرة ورد الصداق على الكافر] (2 وليس في شئ من ذلك نسخ، وانما هي أحكام تبعت الهجرة والهدنة التي كانت فلما انقضى زالت تلك الأحكام، وما كان كذلك لم يكن نسخا. # وقال الحسن: معنى قوله تعالى " ولا تمسكوا بعصم الكوافر " اقطعوا عصمة الكفار ولا تتمسكوا بها. قال: كان في صدر الاسلام تكون المسلمة تحت الكافر والكافرة تحت المسلم، فنسخت هذه الآية ذلك. وهذا ليس بنسخ على الحقيقة، لان الله لم يأمر بالأول فيكون نهيه عنه نسخا، وانما كان للأول بقاء على الحالة # PageV02P133 # الأولة غيرته الشريعة بحكم هذه الآية ms359 كما غيرت كثيرا من سنن الجاهلية. # (فصل) أما قوله تعالى " اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب " (1 فمعناه أحل لكم العقد على المحصنات يعني العفائف من المؤمنات والحرائر منهن، ولا يدل على تحريم من ليس بعفيفة ولا أمة، لان ذلك دليل الخطاب وقد تقدم أنه لو عقد على أمة أو من ليست بعفيفة صح العقد والأولى تجنبه. وآخر الآية ينطق بأن المراد الحرائر، وهو قوله " إذا آتيتموهن أجورهن "، لان ذلك يتأتى في الحرائر ومهور الإماء يعطى أربابهن كما قدمنا. # فان قيل: كيف قال اليوم أحل لكم تلك النساء، أتراهن قبل ذلك اليوم كن محرمات؟. # قلنا: المراد استقرار الشرع وانتهاء التحريم واعلام الامن (2 من أن تحرم محصنة بعد اليوم. وعندنا لا يجوز العقد على الكتابية نكاح الدوام لقوله تعالى " ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن " على ما قدمناه، ولقوله " ولا تمسكوا بعصم الكوافر ". # فإذا ثبت ذلك قلنا في قوله " والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب " تأويلان: # أحدهما - أن يكون المراد بذلك اللاتي أسلمن منهن، والمراد بقوله " والمحصنات من المؤمنات " من كن في الأصل مؤمنات وولدن على الاسلام. # PageV02P134 # وقيل: ان قوما كانوا يتحرجون من العقد على الكافر إذا أسلمت، فبين تعالى أنه لا حرج في ذلك ولذا أفردهن بالذكر. # والثاني - أن يختص ذلك لنكاح المتعة أو ملك اليمين، لان وطئهما بعقد المتعة جائز عندنا. على أنه روى أبو الجارود عن الباقر عليه السلام انه منسوخ بالآيتين المتقدمتين من قوله " ولا تنكحوا المشركات " و " لا تمسكوا بعصم الكوافر ". # باب (في النهي عن خطبة النساء المعتدات بالتصريح) (وجوازها بالتعريض) اعلم أن المرأة إذا كانت في عدة زوجها يجب عليها الامتناع من التزويج بغيره، فإذا انقضت عدتها حلت للخطاب، قال تعالى " فإذا بلغن أجلهن " اي إذا بلغن آخر العدة بانقضائها " فلا جناح عليكم ". قيل إنه خطاب للأولياء، وقيل لجميع المسلمين لأنه يلزمهم منعها عن التزويج في العدة، وقيل معناه لا جناح ms360 عليكم وعلى النساء فيما فعلن في أنفسهن من النكاح واستعمال الزينة التي لا ينكر مثلها. # وهذا معنى قوله " بالمعروف "، وقيل معنى قوله " بالمعروف " ما يكون جائزا، وقيل معناه النكاح الحلال عن مجاهد، ويحقق معنى قوله تعالى " فإذا بلغن أجلهن " فإذا انقضت عدتهن فلا جناح عليكم أيها الأئمة في ما فعلن في أنفسهن من التعرض للخطاب بالمعروف، أي بالوجوه الذي لا ينكره الشرع. والمعنى انهن لو فعلن ما هو منكر كان على جماعة المسلمين أن يكفوهن وان فرطوا كان عليهم الجناح - عن بعض المفسرين. PageV02P135 # ولما تقدم ذكر عدة النساء وجواز الرجعة فيها للأزواج عقبه ببيان حال غير الأزواج فقال " ولا جناح عليكم " أي لا حرج ولا ضيق عليكم يا معشر الرجال فيما عرضتم به من خطبة النساء المعتدات ولا تصرحوا به، وذلك بأن تذكروا ما يدل على رغبتكم فيها. # وقوله تعالى " فيما عرضتم به " فهو كلام يوهم أنه يريد نكاحها، فكأنه إحالة الكلام إلى عرض يدل على الغرض، فالتعريض أن يذكر شيئا يدل به على شئ لم يذكره، كما يقول المحتاج للمحتاج إليه جئتك لاسلم عليك وأنظر إلى وجهك الكريم، والكناية أن يذكر الشئ بغير لفظه الموضوع له، ويسمى التلويح، لأنه يلوح فيه ما يريده. # والمستدرك بقوله " ولكن لا تواعدوهن سرا " مضمر، تقديره علم الله انكم ستذكروهن فاذكروهن ولكن لا تواعدوهن سرا، والسر وقع كناية عن النكاح، وحرف الاستثناء يتعلق ب‍ " لا تواعدوهن "، أي لا تواعدوهن مواعدة قط الا مواعدة معروفة غير منكرة، أي لا تواعدوهن الا بالتعريض، أو لا تواعدوهن الا بأن تعفوا. # ولا يجوز أن يكون استثناءا منقطعا من سرا لأدائه إلى قولك لا تواعدوهن الا التعريض. وقيل لا تواعدوهن في السر، فالمواعدة في السر عبارة عن الموعدة بما يستهجن. # وذكر العزم مبالغة في النهي عن عقد النكاح في العدة، لان العزم على الفعل يتقدمه، فإذا نهى عنه كان عن الفعل أنهى. ومعناه ولا تعزموا عقد عقدة النكاح، من عزم الامر وعزم عليه. والله يعلم ما في أنفسكم من ms361 العزم على ما يجوز فاحذروه ولا تعزموا عليه. # فان عزم انسان على خطبة امرأة معتدة قبل انقضاء العدة وواعدها بالتصريح فقد فعل مكروها، ولا يحرم العقد عليها بعد العدة، فرخص له التعريض بذلك ولا كراهة فيه. PageV02P136 # (فصل) واختلف في معناه: فقيل التعريض وهو أن يقول الرجل للمعتدة اني أريد النكاح فاني أريد امرأة من صفتها كذا وكذا - فيذكر بعض الصفات التي هي عليها، عن ابن عباس. وقيل هو أن يقول انك لنافقة (1 وانك لموافقة لي وانك لمعجبة جميلة وان قضى الله شيئا كان - عن القاسم بن محمد وعن الشعبي. وقيل وهو كل ما كان من الكلام دون عقد النكاح عن ابن زيد. # " أو أكننتم في أنفسكم " أي أسررتم وأضمرتم في أنفسكم من نكاحهن بعد مضي عدتهن، وقيل هو اسرار العزم دون اظهاره والتعريض اظهاره عن مجاهد وابن زيد. # " علم الله انكم ستذكرونهن " برغبتكم فيهن خوفا منكم أن يسبقكم إليهن غيركم فأباح لكم ذلك " ولكن لا تواعدون سرا " فيه أقوال: # أحدها - أن معناه لا تواعدوهن في السر لأنها أجنبية والمواعدة في السر تدعو إلى ما لا يحل. # وثانيها - أن معناه الزنا عن الحسن وإبراهيم وقتادة، فقالوا: كان الرجل يدخل على المرأة من أجل الزنية وهو معرض بالنكاح فنهوا عن ذلك. # وثالثها - أنه العهد على الامتناع من تزويج غيرك عن ابن عباس وابن جبير. # ورابعها - هو أن يقول لها اني ناكحك فلا تفوتيني بنفسك عن مجاهد. # وخامسها - ان السر هو الجماع، ومعناه لا تصفوا أنفسكم بكثرة الجماع ولا تذكروه عن جماعة. # وسادسها - انه اسرار عقدة النكاح في السر عن عبد الرحمن بن زيد. # PageV02P137 # ويجمع هذه الأقوال ما روي عن الصادق عليه السلام: لا تصرحوا لهن النكاح والتزويج. قال: ومن السر أن يقول لها موعدك بيت فلان. # " لا أن تقولوا قولا معروفا " يعني التعريض الذي أباحه الله تعالى، والا بمعنى لكن، لان ما قبله هو المنهي عنه وما بعده هو المأذون فيه، وتقديره ولكن قولوا قولا معروفا. # " ولا تعزموا عقدة النكاح " اي ms362 لا تبيتوا النكاح ولا تعقدوا عقد النكاح في العدة ولم يرد به النهي عن العزم على النكاح بعد العدة، لأنه أباحه بقوله " أو أكننتم ". # " حتى يبلغ الكتاب أجله " أي حتى تنقضي العدة. # (فصل) وقوله تعالى " الذي بيده عقدة النكاح " الأب والجد مع وجود الأب إذا كانت البنت صغيرة لم تبلغ مبلغ النساء أو بلغت وكانت بكرا، فلكل واحدا منهما أن يعقد على كل واحدة منهما ولا تكون للصغيرة إذا بلغت خيار. وكذلك ان أبت التزويج البكر وأظهرت كراهية بما عقد عليها أبوها أوجدها مع وجود الأب فلا يلتفت إلى كراهيتها. # فأما الثيب إذا كانت غير مولى عليها لفساد عقلها مع وجود الأب أو الجد أو البكر البالغة إذا لم يكن بها أب فلا أحد بيده عقدة النكاح لواحدة منهما على الاطلاق، فإذا جعلت الثيب أمرها إلى أبيها أو جدها أو أخيها كما هو الأصل لها أو وكلت انسانا في أمرها فهو من بيده عقدة النكاح. # وكذا حال البالغة البكر التي لا والد لها والثيب إذا كانت مولى عليها كان الامر إلى وليها في تولي العقد عليها. PageV02P138 # ولا يجوز لها العقد على نفسها [وكذا البكر لا يجوز لها أن تعقد على نفسها] (1 الا باذن أبيها، فان عقدت كان العقد موقوفا على رضاء الأب، فان عضلها أبوها - وهو أن لا يزوج بنته البكر بالاكفاء إذا خاطبوها - كان لها العقد على نفسها وان لم يرض بذلك الأب. # وقال المرتضى: يجوز عقد المرأة التي تملك أمرها على نفسها بغير ولي. # قال: والدليل عليه قوله تعالى " فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره "، فأضاف عقد النكاح إليها، والظاهر أنها تتولاه. وأيضا قوله " فان طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا " فأضاف تعالى التراجع - وهو عقد مستقل - إليهما، والظاهر أنهما يتوليانه. وأيضا قوله " فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف " فأباح فعلها في نفسها من غير اشتراط الولي. قال: ولا يجوز أن يحمل اشتراط المعروف على تزويج الولي لها، وذلك ms363 أنه تعالى انما رفع الجناح عنها في فعلها بنفسها بالمعروف، وعقد الولي عليها لا يكون فعلا منها في نفسها. # وأيضا فقوله " ولا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف " (2 فأضاف العقد إليهن ونهى الأولياء عن معارضتهن. قال: والظاهر انهن يتولينه، فأما من ذهب إلى الأول فيمكنه أن يخصص هذه الآيات كلها ويحملها على بعض ما قدمناه ويكون معه اجماع الطائفة والاخبار التي رووها عنهم عليهم السلام. # (باب) (ما يستحب فعله عند العقد وآداب الخلوة) يستحب أن يستخير الله تعالى من أراد عقدة النكاح، فان الله تعالى يقول # PageV02P139 # " واسألوا الله من فضله ". # وأن يتابع المراسم الشرعية في ذلك وقد قال تعالى " نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم وقدموا لأنفسكم (1 قال ابن عباس: معنى قوله " حرث لكم " مزدرع أولادكم، كأنه قيل محترث لكم، وانما الحرث الزرع في الأصل. # وقال الزجاج: أي نساؤكم ذات حرث لكم فأتوا لموضع حرثكم أنى شئتم. # وقيل الحرث كناية عن النكاح على وجه التشبيه. # ومعنى " أنى شئتم " من أين شئتم، في قول قتادة والربيع، وقال مجاهد معناه كيف شئتم، وقال الضحاك معناه متى شئتم، فخطأه جميع أهل التفسير وأهل اللغة، بأن قالوا " أنى " لا يكون الا بمعنى من أين كما قال تعالى " أنى لك هذا قالت هو من عند الله " (2. وقال بعضهم معناه من أي وجه، واستشهد ببيت الكميت: # أنى ومن أين آبك طرب * من حيث لا صبوة ولا ريب (3 وهذا لا شاهد فيه، لأنه يجوز أن يكون أتي به لاختلاف اللفظين كما يقولون متى كان هذا وأي وقت كان، ويجوز أن يكون بمعنى كيف. # وتأول مالك وقال " أنى شئتم " يفيد جواز اتيان النساء في الدبر، ورواه عن نافع عن ابن عمر، وبه قال بعض أصحابنا. وخالف في ذلك جميع الفقهاء والمفسرين وقالوا هذا لا يجوز من وجوه: # أحدها - أن الدبر ليس بحرث، لأنه لا يكون منه الولد. وهذا ليس بشئ لأنه لا يمتنع أن تسمى النساء حرثا لأنه يكون منهن الولد، ثم ms364 يبيح الوطئ # PageV02P140 # فيما لا يكون منه الولد. وهذا ليس بدليل، لأنه لا خلاف أنه يجوز الوطئ بين الفخذين وان لم يكن هناك ولد. # وثانيها - قالوا: قال الله " فأتوهن من حيث أمركم الله " وهو الفرج. # وهذا أيضا لا دلالة فيه، لان قوله " من حيث أمركم الله " معناه من حيث أباح الله لكم، أو من الجهة التي شرعها الله لكم على ما حكيناه عن الزجاج، ويدخل في ذلك الموضعان. على أنهم قد أجمعوا على أن الآية الثانية ليست بناسخة للأولى. # وثالثها - قالوا: ان معناه من أين شئتم، أي ائتوا الفرج من أين شئتم، وليس في ذلك إباحة لغير الفرج. وهذا أيضا ضعيف، لان من ذهب إلى كراهيته دون حظره لا يسلم أن معناه ائتوا الفرج، بل معناه عنده ائتوا النساء وائتوا الحرث من أين شئتم، ويدخل فيه جميع ذلك. # ورابعها - قالوا: قوله تعالى في المحيض " قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض " فإذا حرم للأذى بالدم فالأذى بالنجو أعظم منه. وهذا ليس بشئ، لان هذا حمل الشئ على غيره من غير علة. على أنه لا يمتنع أن يكون المراد بقوله " قل هو أذى " غير النجاسة، بل المراد أن في ذلك مفسدة. ولا يجب أن يحمل على ذلك الا بدليل موجب للعلم. على أن الأذى بمعنى النجاسة حاصل في البول ودم الاستحاضة، ومع هذا فليس بمنهي عن الوطئ في الفرج. # (فصل) ويقال ان هذه الآية نزلت ردا على اليهود، فإنهم يقولون إذا أتى الرجل المرأة من خلف في قبلها خرج الولد أحول، فأكذبهم الله تعالى في ذلك - ذكره ابن عباس وجابر ورواه أصحابنا أيضا. وقال الحسن: أنكرت اليهود PageV02P141 # اتيان المرأة قائمة وباركة، فأنزل الله أباحته بعد أن يكون في الفرج. # ومع هذا السبب الذي روي لا يمتنع أن يكون ذلك أيضا مباحا، لان غاية ما في السبب أن يطابقه الآية، فأما أن لا يفيد غيره فلا يجب عند أكثر المحصلين. # وقوله تعالى " وقدموا لأنفسكم " أي سموا الله في أنفسكم عند الجماع وسلوه أن ms365 يرزقكم ولدا ذكرا سويا ليس في خلقه زيادة ولا نقصان. وقيل ائتوا النساء في موضع الولادة لا في أحشاشهن. وقيل هذا على العموم، أي قدموا الأعمال الصالحة التي أمر الله بها عباده ورغبهم فيها لتكون ذخرا عند الله. # فإذا وجه اتصال قوله " وقدموا لأنفسكم " بما قبله أنه لما قدم الامر بعدة أشياء قال قدموا لأنفسكم بالطاعة فيما أمرتم به واتقوا مجاوزة الحد فيما بين لكم، وفي ذلك الحث على العمل بالواجب الذي عرفوه والتحذير من مخالفة ما ألزموه (1. # (فصل) وقد خاطب الله نبيه عليه السلام بقوله تعالى " ترجي من تساء منهن وتؤوي إليك من تشاء " (2 قال ابن عباس: خيره الله بين طلاقهن وامساكهن، وقال مجاهد معناه: تعزل من شئت من نسائك فلا تأتيها تأتي من شئت من نسائك. # وليس هذا مسقطا للقسم بينهن، لأنه إذا كان عند الرجل أربع نسوة يجب عليه أن يبيت عند كل واحدة ليلة ويسوي بينهن في القسمة ولا يلزمه إذا بات عند كل واحدة أن يجامعها، بل هو مخير في ذلك، وعلى هذا قوله تعالى " ولن # PageV02P142 # تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء " (1) فان هذا في المودة والمحبة، وقوله تعالى " فان خفتم ألا تعدلوا فواحدة " (2 في القسمة. # وقوله تعالى " ومن ابتغيت ممن عزلت " قال قتادة: كان نبي الله صلى الله عليه وآله يقسم بين أزواجه فأحل الله له ترك ذلك. وقيل ومن طلبت اصابته ممن كنت عزلت عن ذلك من نسائك. # وقوله تعالى " والذين هم لفروجهم حافظون * الا على أزواجهم " (3 لا يخرج من الآية وطؤ المتمتع بها لأنه زوجة عندنا وان خالف حكمها حكم المزوجة على الدوام في أحكام كثيرة، كما أن حكم الزوجات على الدوام أيضا مختلف. # وذكره تعالى هذه الأوصاف من قوله تعالى " قد أفلح المؤمنون " ومدحه عليها يكفي ويغني عن الامر بها فيها من الترغيب، كما قال الله تعالى " الا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين " (4 مع تحريم وطأها على وجوه لتحريم وطئ الزوجة والأمة في حال ms366 الحيض، ووطؤ زيد جاريته إذا كان قد زوجها من عمرو أو كانت في عدة من زوج، وتحريم وطئ المظاهرة غير المشروطة بالوطئ قبل الكفارة. لان المراد بذلك على ما يصح مما بينه الله ورسوله في غير هذا الموضع، وحذف لأنه معلوم، وهي من الأمور العارضة في هذه الوجوه. # وأيضا فان من وطئ الزوجة أو الأمة في حال الحيض والنفاس، فلا # PageV02P143 # يلزمه اللوم من حيث كانت زوجة أو ملك يمين، وانما يستحق اللوم على وجه آخر. # و " وراء " بمعنى غير، أي من طلب سوى الزوجة والأمة فهو عاد. والعادون الذين يتعدون الحلال إلى الحرام. # والاستمناء باليد محرم اجماعا، لقوله تعالى " الا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين * فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون " وهذا وراء ذلك. وعنه عليه السلام: ملعون سبعة - وذكر فيها الناكح كفه. # (باب الزيادات) سئل الصادق عليه السلام عن الرجل يواقع أهله أينام على ذلك؟ قال: # قال " الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها " (1 فلا يدري ما يطرقه من البلية، إذا فرغ فليغتسل (2. # وقال: من نظر إلى امرأة فرفع بصره إلى السماء أو غمض بصره لم يرتد إليه بصره حتى يزوجه الله من الحور العين (3. # وقيل له عليه السلام: هل يمتع رسول الله صلى الله عليه وآله؟ قال: نعم وقرأ هذه الآية " وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حدثنا " إلى قوله " ثيبات وأبكارا " (4. # وكان علي عليه السلام يكره أن يسلم على الشابة من النساء وقال: أتخوف # PageV02P144 # أن يعجبني صوتها فيدخل علي من الاثم أكثر مما أطلب من الاجر (1. # وقال النبي صلى الله عليه وآله: من سعادة الرجل ان لا تحيض ابنته في بيته (2. وفي رواية: أن تحيض ابنته في بيت زوجها. # وروى صفوان بن يحيى عن أبي الحسن عليه السلام في قوله تعالى حكاية عن ابنة شعيب " يا أبت استأجره ان خير من استأجرت القوي الأمين " (3. قال: # قال لها شعيب: هذا قوي قد عرفتيه برفع الصخرة الأمين من أين عرفتيه؟ ms367 قالت: # يا أبت اني مشيت قدامه فقال: أمشي من خلفي فان ضللت فأرشديني إلى الطريق فانا قوم لا ننظر في أدبار النساء (4. # واعلم أن بنت الربيب وهو ابن الزوجة لا يصح لزوج أمه أن ينكح ابنته، وليس هذا حملا على الربيبة، بل الدلالة عليه من الكتاب، هو أن الله تعالى ذكر في جملة المحرمات " وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم " (5)، وأجمعت الأمة على أن قوله " وربائبكم " انما أراد به بنات نسائكم، وهذا يقتضي تحريم كل من يتناوله هذا الاسم من بناتهن وان سفلن وبعدن، وقد علمنا أن بنت ابن الزوجة ولدها، فان بنات الصلب وبنات البنين والبنات أولاد فتقتضي هذه الجملة تحريم من يقع عليه اسم بنت لزوجة الرجل. # PageV02P145 # كتاب الطلاق كل آية من القرآن فيها ذكر الطلاق - وهي كثيرة - يعلم منها جواز الطلاق. # ومعنى " الطلاق " حل عقدة النكاح، لأن المرأة تكون في حظر من النكاح فإذا طلقت تطلقت (1. # وللطلاق أقسام وشرائط لابد من معرفتها ليتم الغرض، ونحن نذكر جميع ذلك على سبيل الجملة أولا ثم نتبع الأدلة من الكتاب والسنة على التفصيل انشاء الله تعالى، ثم نذكر ما يلحق بالطلاق وما يؤثر في بعض أنواع الطلاق وما يكون كالسبب للطلاق، ونبين جميع ذلك في أبواب بعون الله تعالى. # PageV02P146 # (باب) (أقسام الطلاق وشرائطه) وجوه الطلاق عشرة، وهي على ضربين: # ثلاثة منها لا تحتاج إلى العدة وهي: طلاق التي لم يدخل بها، والتي دخل بها ولم تبلغ المحيض ولا في سنها من تحيض، والآيسة من المحيض ولا يكون في سنها من تحيض. # والسبعة الباقية لابد من اعتبار العدة بعدها وهي: الطلاق التي لم تبلغ المحيض وفي سنها من تحيض، وطلاق الآيسة من المحيض وفي سنها من تحيض، والمستقيمة الحيض، والحاملة المستبين حملها، والمستحاضة، وطلاق الغائب عن زوجته، وطلاق الغلام والعبد. # وأما شرائطه فعلى ضربين: عام في سائر أنواعه، وخاص في بعضه. فالعام خمسة: أن يكون الرجل غير زائل العقل، ويكون ms368 مريدا للطلاق غير مكره عليه ولا مجبر، ويكون طلاقه بمحضر من شاهدين مسلمين، ويتلفظ بلفظ مخصوص أو ما يقوم مقامه عند العجز. # والخاص يراعى في المدخول بها غير غائب عنها مدة مخصوصة، وهو اثنان: أن لا تكون المرأة حائضا، أو في طهر لم يقربها فيه إذا لم يكن بها حبل. # ونحن نتكلم على هذه الأصول فصلا فصلا انشاء الله تعالى. # (فصل) (في طلاق التي لم يدخل بها) قال الله تعالى " يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من PageV02P147 # قبل أن تمسوهن فمالكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن " (1. # خاطب الله تعالى بهذه الآية المؤمنين بأنه إذا نكح واحد منهم مؤمنة نكاحا صحيحا ثم طلقها قبل أن يمسها - يعني قبل أن يدخل بها - فإنه لا عدة عليها منه، ويجوز لها أن تتزوج بغيره في الحال. وأمرهم أن يمتعوها ويسرحوها سراحا جميلا إلى بيت أهلها وأن يخليها تخلية حسنة ان كانت في بيت أهلها. # وهذه المتعة واجبة إن كان لم يسم لها مهرا، وإن كان سمى مهرا لزمه نصف المهر، وان لم يبين لها صداقا متعها على قدر عسره ويسره، وهو السراح الجميل، وهذا مثل قولنا سواء. # وروى أصحابنا أنه يمتعها إن كان موسرا فبدابة أو مملوك، وإن كان متوسطا فبثوب وما أشبهه، وإن كان فقيرا فبخاتم وما أشبهه (2. # وقال سعيد بن المسيب: ان هذه الآية نسخت بايجاب نصف المهر المذكور في البقرة. والصحيح الأول أنه لا ناسخ ولا منسوخ في ذلك، ولكل آية من هذه الآيات حكم ثابت، لأنا اتفقنا على أن بضع حرة لا تحل بغير مهر أو عوض والنكاح من دون ذكر المهر يتعقد ويصح، فان طلقها قبل أن يجامعها فإنه لا يخلو من أن يكون سمى لها مهرا أو لم يسم، فإن لم يسم لها مهرا وجب عليه أن يمتعها على ما ذكرناه بالآية التي قدمناها وبقوله تعالى " وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين " (3. # ويمكن أن يقال: ان الإشارة بهذه الآية إلى المتعة الواجبة التي قدمناها أو ms369 بما قبل هذه الآية من قوله " حقا على المحسنين " إلى المتعة المستحبة على ما ذكرنا. # PageV02P148 # والمراد بالقراءتين " تماسوهن " أو " تمسوهن " الجماع بلا خلاف، وانما قال " تعتدونها " فخاطب الرجال لأن العدة حق للزوج ربما استبرأ من أن يلحق به من ليس من صلبه أو يلحق بغيره من هو من صلبه. قال الجرجاني: أصله أنهم كانوا يقولون فيما توفر عدد أعددته فاعتد، أي وفرته عليه فاسترفأه، كما يقال كلته فاكتال وزنته فأتزن. # ومما يوضع ما ذكرناه قوله تعالى " لا جناح عليكم ان طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعا بالمعروف حقا على المحسنين " (1، المفروض من صداقها داخل في دلالة الآية وان لم يذكر، لان التقدير ما لم تمسوهن ممن قد فرضتم لهن أو لم تفرضوا لهن فريضة لان أو تنبئ عنه، إذ لو كان على الجمع لكان بالواو. # والفريضة المذكورة في الآية الصداق بلا خاف، لأنه يجب بالعقد للمرأة فهو فرض بوجوبه بالعقد ومتعة التي لم يدخل بها، وقد روي أيضا انها لكل مطلقة، ذلك على وجه الاستحباب. # و " متاعا " حال من قوله " قدره " والعامل فيه الظرف، ويجوز أن يكون مصدرا والعامل " ومتعوهن ". # ويحتمل نصب " حقا " أيضا على وجهين: أحدهما أن يكون حالا من قوله " بالمعروف " والعامل فيه معنى عرف حقا. والثاني على التأكيد لجملة الخبر، كأنه قيل أخبركم به حقا. # وانما خص التي لم يدخل بها بالذكر في رفع الجناح دون المدخول بها في الذكر وإن كان حكمها واحدا لامرين: أحدهما لإزالة الشك في الحرج على هذا المطلق. والثاني لان له أن يطلق أي وقت شاء، وليس كذلك حكم المدخول # PageV02P149 # بها، لأنه يجب أن يطلقها للعدة على ما نذكره. # وفي الآية دلالة على أن هذا العقد بغير مهر صحيح (1، لأنه لو لم يصح لما جاز فيه الطلاق ولا وجبت فيه المتعة. # ثم قال " وان طلقتموهم من قبل أن تماسوهن " الآية. وقد قدمنا أن الآية الأولى متضمنة حكم من لم يدخل بها ms370 ولم يسم لها مهرا إذا طلقها، وهذه تضمنت حكم التي فرض لها صداق إذا طلقت قبل الدخول، وأحد الحكمين غير الاخر. # وقال جميع أهل التأويل انه إذا طلق الرجل من سمى لها مهرا معلوما قبل أن يدخل بها فإنه يستقر لها نصف المهر، فان كانت ما قبضت شيئا وجب على الزوج تسليم نصف المهر، فان كانت تسلمت جميع المهر وجب عليها رد نصفه ويستقر لها النصف الآخر. # " الا أن يعفون " معناه من يصح عفوها من الحرائر البالغات غير المولى عليها لفساد عقلها، فيترك ما يجب لها من نصف الصداق. # وقوله تعالى " أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح " قال مجاهد وحسن وعلقمة انه الولي، وهو المروي عن أبي جعفر وأبى عبد الله عليهما السلام (2، غير أنه لا ولاية لاحد عندنا الا للأب أو الجد مع وجود الأب على البكر وغير البالغة، وأما من عداهما فلا ولاية الا بتولية من المرأة. وروي عن علي عليه السلام أنه الزوج (3، والأول هو المذهب وهو أظهر، فمن جعل العقد للزوج قال تقديره الذي بيده عقدة نكاحه، ومن جعله للولي قال تقديره الذي بيده عقدة نكاحها، ومن جعل العفو للزوج قال له أن يعفو عن جميع نصفه، ومن جعله للولي قال # PageV02P150 # أصحابنا له أن يعفو عن بعضه وليس له أن يعفو عن جميعه، فان امتنعت المرأة لم يكن لها ذلك إذا اقتضت المصلحة ذلك عن أبي عبد الله عليه السلام. واختار الجبائي أن يكون المراد به الزوج، قال لأنه ليس للولي أن يهب مال المرأة. # وقوله تعالى " وان تعفو أقرب للتقوى " خطاب للزوج والمرأة جميعا في قول ابن عباس، وقيل للزوج وحده وانما جمع لأنه لكل زوج. وقول ابن عباس أقوى لأنه العموم. # وانما كان العفو أقرب للتقوى من وجهين: أحدهما لاتقاء ظلم كل واحد صاحبه ما يجب من حقه. الثاني انه أدعى إلى اتقاء معاصي الله للرغبة فيما رغب فيه بالعفو عما له. وتقدير " فنصف ما فرضتم " أي فعليكم نصف ما فرضتم. # (فصل) (في طلاق ms371 التي دخل بها ولم تبلغ المحيض) (ولا تكون في سنها من تحيض) قال الله تعالى " واللائي لم يحضن " بعد قوله " واللائي يئسن من المحيض من نسائكم ان ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن " (1 للصغار، وتقديره واللائي لم يحضن لا عدة عليهن، وحذف لدلالة الكلام عليه. وهذا التقدير أولى من أن يقال: تقديره واللائي لم يحضن فعدتهم ثلاثة أشهر، لان قوله " ان ارتبتم " في الأولى يخرج من الفائدة (2. # فعلى هذا إذا أراد الرجل أن يطلق امرأة قد دخل بها ولم تكن قد بلغت # PageV02P151 # مبلغ النساء ولا مثلها في السن قد بلغ ذلك - وحد ذلك دون تسع سنين - فليطلقها أي وقت شاء، فإذا طلقها فقد بانت منه في الحال ولا عدة عليها. وحكم الآيسة من المحيض ومثلها لا تحيض حكم التي لم تبلغ مبلغ النساء في أنه متى طلقها لا عدة عليها وقد بانت منه في الحال ويطلقها أي وقت شاء. وحد ذلك للهاشمية ستون سنة وللأجنبية خمسون سنة فصاعدا. # وقال المرتضى: على الآيسة من المحيض والذي لم يبلغه العدة على كل حال من غير مراعاة الشرط الذي حكيناه عن أصحابنا. قال: والذي يدل على صحة هذا القول قوله " واللائي يئسن من المحيض من نسائكم ان ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن "، وهذا صريح في الآيسات من المحيض واللائي لم يبلغن عدتهن الأشهر على كل حال، لان قوله " واللائي لم يحضن " معناه واللائي لم يحضن كذلك. قال: وإذا كانت هذه عدة المرتاب بها فغير المرتاب بها أولى بذلك. # ثم قال: فان قيل: كيف يدعون أن الظاهر يقتضي ايجاب العدة على من ذكرتم على كل حال، وفي الآية شرط وهو قوله " ان ارتبتم ". الجواب: # أول ما نقوله ان الشرط المذكور في الآية لا ينفع من خالف من أصابنا لأنه غير مطابق لما يشرطونه، وانما يكون نافعا لهم الشرط لو قال تعالى ان مثلهن لا تحيض في الآيسات وفي اللائي لم يبلغن المحيض إذا كان مثلهن تحيض، وإذا لم يقل تعالى ms372 ذلك وقال " ان ارتبتم " وهو غير الشرط الذي يشرطه أصحابنا - فلا منفعة لهم فيه. # وليس يخلو قوله تعالى " ان ارتبتم " من أن يريد به ما قاله جمهور المفسرين وأهل العلم بالتأويل من أنه تعالى أراد به ان كنتم مرتابين في عدة هؤلاء النساء وغير عالمين بمبلغها، فقد رووا ما يقوي ذلك من أن سبب نزول هذه الآية هو PageV02P152 # ما ذكرناه من فقد العلم، فروى مطرف عن عمرو بن سالم قال: قال أبي بن كعب: يا رسول الله ان عددا من عدد النساء لم يذكر في الكتاب الصغار والكبار وأولات الأحمال، فأنزل الله تعالى " واللائي يئسن من المحيض " إلى قوله تعالى " وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن " (1. # وكان سبب نزول هذه الآية الارتياب الذي ذكرناه، ولا يجوز أن يكون الارتياب بأنها آيسة أو غير آيسة. لأنه تعالى قد قطع في الآية على الناس من المحيض بقوله تعالى " واللائي يئسن " والمشكوك في حالها والمرتاب في أنها تحيض أو لا تحيض لا تكون آيسة، والمرجع في وقوع الحيض منها أو ارتفاعه إليها وهي المصدقة على ما تخبر به، فإذا أخبرت بأن حيضها قد ارتفع قطع عليه ولا معنى للارتياب مع ذلك. # وإذا كان المرجع في الحيض إلى النساء ومعرفة الرجال به مبنية على اخبار النساء وكانت الريبة المذكورة في الآية منصرفة إلى اليأس من المحيض، فكان يجب أن يقول تعالى ان ارتبتم أو ارتبن، لأنه حكم يرجع إلى النساء ويتعلق بهن فهن المخاطبات به، فلما قال تعالى " ان ارتبتم " فخاطب الرجال دون النساء علم أن المراد هو الارتياب في العدة ومبلغها (2. # ثم قال: فان قيل: ما أنكرتم أن يكون الارتياب ههنا، انما هو بمن تحيض أولا تحيض ممن هو في سنها على ما يشرطه بعض أصحابكم. قلنا: هذا يبطل بأنه لا ريب في سن ومن تحيض مثلها من النساء أولا تحيض، لان المرجع فيه إلى العادة. # ثم إذا كان الكلام مشروطا فالأولى أن يعلق الشرط بما لا خلاف فيه دون ما فيه # PageV02P153 # الخلاف، ms373 وقد علمنا أن من شرط وجوب الاعلام بالشئ والاطلاع عليه فقد العلم ووقوع الريب: فمن يعلم بذلك ويطلع عليه فلابد إذا من أن يكون ما علقنا نحن الشرط به وجعلنا الريبة واقعة فيه مرادا. # وإذا ثبت ذلك لم يجز أن يعلق الشرط بشئ آخر مما ذكروه أو بغيره، لان الكلام مستقل بتعلق الشرط بما ذكرناه أنه لا خلاف فيه ولا حاجة به بعد الاستقلال إلى أمر آخر. ألا ترى أنه لو استقل بنسفه لما جاز اشتراطه، وكذلك إذا استقل مشروطا بشئ لا خلاف فيه، ولا يجب تجاوزه ولا تخطيه إلى غيره. # وقد سلم الشيخ أبو جعفر الطوسي " رض " أن الآية لا تدل على صحة هذا الباب بظاهرها (1، وانما تبين الأخبار الواردة عن آل محمد عليه وعليهم السلام ذلك، منها ما روي عن عبد الرحمن بن الحجاج قال أبو عبد الله عليه السلام: # ثلاث يتزوجن على كل حال: التي لم تحض ومثلها لا تحيض - قال: قلت وما حدها؟ قال: إذا أتى لها أقل من تسع سنين - والتي لم يدخل بها، والتي قد يئست من المحيض ومثلها لا تحيض. قال: قلت وما حدها؟ قال إذا كان لها خمسون سنة (2. # وقد تقدم أن قوله " واللائي يئسن من المحيض من نسائكم ان ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر " محمول على الآيسة من المحيض وفي سنها من تحيض وفي التي لم تحض وفي سنها من تحيض، لان الله تعالى شرط فيه ذلك وقيده بالريبة. # ولما كان الخطاب بقوله " من نسائكم " مع الرجال قال أيضا " ان ارتبتم "، لأن النساء يرجعن في تعرف أحوالهن إلى العلماء. وقد ذكرنا تقدير قوله " واللائي لم يحضن " من قبل. # PageV02P154 # وإذا كانت الآية مجملة فتفصيل ذلك يعلم من أهل التنزيل والتأويل، وهم الأئمة المعصومون بعد رسول الله عليه وعليهم السلام، وقال تعالى " خلق الانسان * علمه البيان " (1. # (فصل) (في طلاق الآيسة من المحيض وفي سنها من تحيض) بين الله كيفية العدد باختلاف أحوال النساء فقال " واللائي يئسن من المحيض من نسائكم ان ارتبتم فعدتهن ثلاثة ms374 أشهر ". يعني ان الآيسة من المحيض إذا كانت ترتاب بنفسها ولا تدري انقطع حيضها لكبر أو عارض ولا تدرون أنتم أيضا مقدار سنها فعدتها ثلاثة أشهر، وهي التي قلنا إن مثلها تحيض، لأنها لو كانت في سن من لا تحيض لم يكن معنى للارتياب في سنها. فإذا أراد زوجها طلاقها فليصبر عليها ثلاثة أشهر ثم يطلقها بعد ذلك أن شاء. # وحكم التي لم تبلغ المحيض وفي سنها من تحيض - وهي التي كان لها تسع وسنين فصاعدا ولم تكن حاضت - حكم الآيسة وفي سنها من تحيض في جميع ما ذكرناه. # وقال قتادة: " اللائي يئسن " الكبار " واللائي لم يحضن " الصغار. # وقد ذكرنا أن قوله " واللائي لم يحضن " تقديره واللائي لم يحضن ان ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر، وحذف لدلالة الكلام الأول عليه. # وقال بعض المفسرين: ان الله سبحانه لما بين هذه المسائل الأربع على لسان نبيه صلى الله عليه وآله ورواها أهل بيته المعصومون عليهم السلام وكان قد أشار بهذه الآية إلى مسألة من هذا الفصل وهي الأولى والى مسألة من الفصل # PageV02P155 # ن الأول وهي الثانية، كان من أعجب الحكم الإلهية ومن لطيف الفصاحة وغريب البراعة. فعلى هذا لا يكون قوله " واللائي لم يحضن " مشروطا مقيدا بجميع ما قيدت الجملة الأولى به، بل يقدر خبر المبتدأ فيه على ما وردت به الأحاديث الصحيحة. # (فصل) (في طلاق المستقيمة الحيض) قال الله تعالى " والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء " (1. أمر سبحانه بذلك انه إذا أراد الرجل أن يطلق امرأته التي دخل بها وهو غير غائب عنها وهي ممن تحيض حيضا مستقيما فليطلقها وهي طاهر طهرا لم يقربها فيه بجماع وشهد على ذلك شاهدين تطليقة واحدة، ولتعتد هي ثلاثة أقراء وهي الأطهار، فإذا رأت الدم من الحيضة الثالثة فقد ملكت نفسها ولم يكن له عليها سبيل. # فالقرء الطهر عندنا، وبه قال أكثر الصحابة والتابعين والفقهاء والمفسرين. # وأصل القرء في اللغة يحتمل وجهين (2: # أحدهما: الاجتماع، ومنه " قرأت القرآن " لاجتماع حروفه. فعلى هذا يقال أقرأت المرأة إذا حاضت في ms375 قول الأصمعي والكسائي. فتأويل ذلك اجتماع # PageV02P156 # الدم في الرحم. ويجئ على هذا الأصل أن يكون القرء الطهر لاجتماع الدم في جملة البدن - هذا قول الزجاج. # والوجه الثاني: أن يكون أصل القرء وقت الفعل الذي يجري على عادة في قول أبى عمرو بن العلاء، وقال هو يصلح للحيض والطهر، يقال هذا قارئ الرياح أي وقت هبوبها. فعلى هذا يكون القرء الحيض لأنه وقت اجتماع الدم في الرحم على العادة المعروفة فيه، ويكون الطهر لأنه وقت ارتفاعه على عادة جارية فيه. # واستشهد أهل العراق بأشياء على أن المراد الحيض، منها قوله عليه السلام في مستحاضة سألته: دعي الصلاة أيام أقرائك. واستشهد أهل المدينة بقوله تعالى " فطلقوهن لعدتهن " أي طهر لم تجامع فيه، كما يقال جئت لغرة الشهر. # وتأوله غيرهم لاستقبال عدتهن وهو الحيض، وتدل الآية على ذلك، لان معناه في طهر لم يجامعهن فيه، وهو اختيار ابن جرير. # وقال أبو مسلم: لما أوجب الله على من أراد تطليق امرأته أن يطلقها طاهرة غير مجامعة وأوجب عليها التربص إلى أن ترى ثلاثة قروء: نظرنا فكان المراد ثلاثة أطهار، لأنه لا خلاف أن السنة في الطلاق أن يكون عند الطهر. # فان قيل: الظرف اما مكان أو زمان، والقرء ليس واحدا منهما. # قلنا: الظرف هنا زمان، والتقدير مدة انقضاء ثلاثة قروء، والقروء جمع القرء. # فان قيل: كيف أضاف الثلاثة إلى قروء وهي جمع الكثرة، ولم يضفها إلى اقراء وهي جمع القلة. # فالجواب عنه: ان المعني في قوله تعالى " والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء " أي ليتربصن كل واحدة من المطلقات ثلاثة اقراء، فلما أسند ثلاثة إلى جماعتهن والواجب على كل واحدة منهن ثلاثة اتى بلفظة " قروء " ليدل على الكثرة المرادة. PageV02P157 # فان قيل: لو كان المراد بالأقراء في الآية الأطهار لوجب استيفاء ثلاثة الأطهار بكمالها، كما أن من كانت عدتها بالأشهر وجب عليها ثلاثة أشهر على الكمال، وقد أجمعنا على أنه لو طلقها في آخر الطهر الذي ما قربها فيه أنه لا يلزمها أكثر من طهرين آخرين، ms376 وذلك دليل على فساد ما قلتموه. # قلنا: يسمى القرآن الكاملان وبعض الثالث ثلاثة أقراء، كما يسمى الشهران وبعض الثالث ثلاثة أشهر في قوله تعالى " الحج أشهر معلومات " (1، وانما هو شوال وذو القعدة وبعض ذي الحجة. # وقال بعض الفقهاء: ان لفظ الخبر في قوله " يتربصن بأنفسهن " في تقدير الامر، لان المعنى فرض عليهن أن يتربصن. والأولى أن يحمل على معنى الخبر لأنه مما لابد منه، وما حل هذا المحل فالخبر به أولى من الامر، لان المأمور قد يفعل وقد لا يفعل، والمخبر عنه لابد من كونه، وهذا التربص لابد منه. # وهذا لا يحتاج فيه إلى نية وعزم، فالمطلقة ربما انقضت عدتها ولم تعتد، وذلك أن تطلق ولا يبلغها الطلاق الا وقد مضت أيام الأقراء، لان ابتداء عدتها وقت طلاقها من غير صنع منها. ولهذا قال قوم ابتداء عدتها وقت سماعها، وهذا ليس بصحيح في الطلاق وانما هو العدة بعد الوفاة إذا سمعت بها، لأنها وان لم تسمع فهي مطلقة وأوجب الله عليها العدة بسبب الطلاق. # وكل مطلقة يلزمها هذا التربص الا من لم يدخل بهاء، ما عدا الآيسة من المحيض ولا يكون في سنها من تحيض، وما عدا التي لم تبلغ المحيض ولا يكون في سنها من تحيض. # PageV02P158 # (فصل) (في طلاق الحامل المستبين حملها) قال الله تعالى " وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن " (1. # اعلم أن الرجل إذا أراد أن يطلق امرأته وهي حبلى مستبين حملها فليطلقها أي وقت شاء، وعدتها أن تضع حملها وإن كان بعد الطلاق بلا فصل وحلت للأزواج، سواء كان ما وضعته سقطا أو غير سقط تاما أو غير تام، فقد بين الله تعالى بقوله " أن يضعن حملهن " ان عدة الحامل من الطلاق وضع الحمل الذي معها، فان وضعت عقيب الطلاق فقد ملكت نفسها ويجوز لها أن تعقد لغيره على نفسها، غير أنه لا يجوز له وطؤها، لان نفاسها كالحيض سواء، فإذا طهرت من نفاسها حل له ذلك. # وان كانت حاملا باثنين ووضعت واحدا لم تحل للأزواج حتى ms377 تضع جميع الحمل، لقوله تعالى " أن يضعن حملهن ". # فأما انقطاع الرجعة فقد روى أصحابنا انها إذا وضعت واحدا انقطع عصمتها من الأول ولا يجوز لها العقد لغيره حتى تضع الاخر. # فأما المطلق فإنه إن كان طلقها أول مرة ووضعت واحدا وهي حامل بآخر فليس له أن يراجعها، وانما كانت الرجعة له من غير رضاها قبل الوضع، فأما ان أراد أن يعقدا بمهر جديد قبل وضع الثاني فإنه يجوز ذلك. وكذلك بعد التطليقتين إذا كانت المرأة حرة. # وقال ابن عباس هذه الآية في المطلقة خاصة لما قلناه. # PageV02P159 # (فصل) (في طلاق المستحاضة وطلاق الغائب عن زوجته) (وطلاق الغلام والعبد) قال الله تعالى " يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة " (1 هذه الآية بعمومها يتناولها كما يتناول غيرها مما نذكره. # وأما المستحاضة إذا كانت مطلقة وتعرف أيام حيضها فلتعتد بالأقراء، فإن لم تعرف أيام حيضها اعتبرت صفة الدم واعتدت أيضا بالأقراء، فان اشتبه عليها دم الحيض بدم الاستحاضة ولم يكن لها سبيل إلى الفرق بينهما اعتبرت عادة نسائها في الحيض، فتعتد على عادتهن في الأقراء، فإن لم يكن لها نساء أو كن مختلفات العادة اعتدت بثلاثة أهش وقد بانت منه. # وأما طلاق الغائب عن زوجته فان خرج إلى السفر وهي في طهر لم يقربها فيه بجماع طلقها أي وقت شاء، ومتى كانت طاهرا طهرا قد قربها فيه فلا يطلقها حتى يمضي ما بين شهر إلى ثلاثة أشهر ثم يطلقها ويكون عدتها ثلاثة أشهر. # والغلام إذا طلق وكان ممن يحسن الطلاق وقد أتى عليه عشر سنين فصاعدا جاز طلاقه، فإن لم يحسن الطلاق فإنه لا يجوز طلاقه. ولا يجوز لوليه أن يطلق عنه، الا أن يكون قد بلغ وكان فاسد العقل، فإنه والحال على ما ذكرناه جاز طلاق الولي عنه. # والعبد إذا تزوج فلا يخلوا ما أن يكون مولاه زوجه جاريته فالفراق بينهما بيده وليس للزوج طلاق على حال. ومتى عقد الرجل لعبده على أمة غيره بأذنه # PageV02P160 # كان الطلاق بيد العبد. ms378 وكذلك ان عقد على حرة. # وهذا كله مما بينه رسول الله صلى الله عليه وآله لقوله تعالى " وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ". # (باب) (بيان شرائط الطلاق) فأول ما نقول في ذلك أن تعليق الطلاق بجزء من أجزاء المرأة - أي جزء كان - لا يقع به طلاق. ودليلنا بعد الاجماع قوله تعالى " يا أيها النبي إذا طلقتم النساء " (1، فجعل الطلاق واقعا بما يتناوله اسم النساء، واليد والرجل لا يتناولهما هذا الاسم بغير شبهة. # ولا يطعن على ما ذكرنا بقوله " تبت يدا أبي لهب " (2 وبقوله " فبما كسبت أيديكم " (3، وان عبر بها عن جميع البدن، لان ذلك مجاز وكلامنا على الحقائق لقول الله مخاطبا لنبيه عليه السلام والمراد به أمته، ومعناه إذا أردتم طلاق النساء كما قال " إذا قمتم إلى الصلاة " (4، والنبي عليه السلام داخل تحت هذا الخطاب، وهذه مسألة فيها خلاف. # وقال قوم: تقديره يا أيها النبي قل لامتك إذا طلقتم النساء. فعلى هذا يجوز أن يكون النبي عليه السلام خارجا من الحكم، ويجوز أن يكون حكمه حكمهم، كخطاب الرئيس الذي يدخل فيه الاتباع. وأجمعت الأمة أن حكم النبي حكم # PageV02P161 # أمته في الطلاق. # والطلاق في الشرع قد ذكرنا أنه عبادة عن تخلية المرأة على عقدة من عقد النكاح، بأن يقول أنت طالق يخاطبها، أو يقول هذه طالق ويشير إليها، أو يقول فلانة بنت فلان طالق. # وعندنا لا يقع الطلاق الا بهذا اللفظ المخصوص، ولا يقع الطلاق بشئ من كنايات الطلاق أراد به الطلاق أو لم يرد. وفيه خلاف. # ومن شرط وقوع الطلاق عندنا أن يكون الرجل ثابت العقل مريدا للطلاق غير مكره عليه ويتلفظ بما قدمناه، وفحوى قوله تعالى " إذا طلقتم النساء " يدل على جميع ذلك. ويكون بمحضر من شاهدي عدل لقوله " وأشهدوا ذوي عدل منكم " على ما نذكره. # وان كانت مدخولا بها غير حامل ويكون الزوج حاضرا غير غائب، فلابد من أن تكون طاهرا طهرا لم يقربها فيه بجماع، لقوله " وطلقوهن لعدتهن "، ومعناه أن يطلقها وهي طاهر في طهر لاجماع فيه ms379 معها ويستوفي باقي الشروط، أي طلقوهن مستقبلات لعدتهن كقولك أتيته لليلة بقيت من المحرم أي مستقبلا لها. # (فصل) وفي قراءة رسول الله صلى الله عليه وآله في قبل عدتهن وإذا طلقت المرأة في الطهر الذي ذكرناه طلقت مستقبلة لعدتها، والمراد أن يطلقن في طهر لم يجامعهن فيه ثم يخلين حتى تنقضي عدتهن - قاله ابن عباس ومجاهد والحسن وابن سيرين وقتادة والضحاك والسدي. # فمتى طلقها وقصد به ايقاع الطلاق على ما ذكرناه وقع تطليقة واحدة، وهو أملك برجعتها ما لم تخرج من العدة، فان خرجت قبل أن يراجعها كان كواحد من الخطاب. PageV02P162 # ومتى تلفظ بثلاث تطليقات مع الشرائط كلها وقعت واحدة، وخالف جميع الفقهاء في ذلك وقالوا يقع الثلاث، وفي أصحابنا من يقول متى تلفظ بالثلاث لا يقع شئ، وذلك محمول على أنه إذا لم يحصل جميع شرائط الطلاق. # والعمل على ما قدمناه. # ومتى طلقها في الحيض والحال ما ذكرناه فلا يقع طلاقها لأنه خلاف المأمور به، وهو منهي عنه والنهي يدل على فساد المنهي عنه. وعند الفقهاء أنه يقع الطلاق وإن كان بدعة. # ولم يبين المفسرون معنى اللام في قوله " لعدتهن " وكيف صار هذا اللفظ عبادة عما فسروه به من أن المراد طاهر من غير جماع. والقول في ذلك أن اللام لام العلة والسبب. # فان قيل: علة الفعل ما يولد عنه، يعني الفعل يتولد من العلة ولم يتولد الطلاق من العدة وانما تولد من ايثار الزوج مفارقة المرأة. # والجواب: ان ذلك يحتاج إلى بيان، لان في الكلام حذفا وايجازا، كأنه قال تعهدوا بطلاقهن هذه الحالة لأجل عدتهن، أي ليعتددن في الوقت، لان ابتداء عدتها الطهر الذي طلق فيه، " ثم أحصوا عدتها " أي احفظوا أقراءها. وان مضت الثلاثة منها ولم تراجعوهن فلا سبيل إلى المراجعة من بعد. # ومثل هذا اللام قوله " أقم الصلاة لدلوك الشمس " (1 ولقول النبي عليه السلام صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته (2. # وقال أبو علي المرزوقي: اللام في قوله " لعدتهن " ظرف للطلاق بمنزلة # PageV02P163 # وقت له، والدليل عليه قوله تعلى ms380 " لأول الحشر " (1، فجعل له أولا. # وقيل العدة هنا الحيض، والمعنى فطلقوهن قبل الحيض. # واحصاء العدة حفظ وقت الطلاق ثم أيام الطهر والحيض إلى أن يقع البينونة. # (فصل) ثم قال تعالى " واتقوا الله ربكم لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن " (2 غلظ الله أمر المطلقين بالوعيد، أي لا تخروجهن زمان العدة، لأنه لا يجوز اخراجها من بيتها، وأمر المطلقات ألا يخرجن باختيار أنفسهن قبل انقضاء عدتهن. # وعندنا وعند جميع الفقهاء يجب عليه السكنى والنفقة والكسوة إذا كانت المطلقة رجعية، وان كانت بائنة فلا نفقة لها ولا سكنى. وقال عطا والضحاك وقتادة لا يجوز أن تخرج من بيتها حتى تنقضي عدتها الا عند الفاحشة. وقال الحسن وعامر والشعبي ومجاهد وابن زيد الفاحشة ههنا الزنا تخرج لإقامة الحد، وقال ابن عباس الفاحشة البذاء على أهله، وهو المروي عن أبي جعفر وأبى عبد الله عليهما السلام (3. وقال قتادة الفاحشة هو النشوز، وقال ابن عمر هو خروجها قبل انقضاء العدة، وفي رواية عن ابن عباس أن كل معصية لله ظاهرة فهي فاحشة. # وقوله " تلك حدود الله " يعني ما تقدم ذكره من كيفية الطلاق والعدة وترك اخراجها من بيتها الا عند الفاحشة حدود الله، فالحدود نهايات تمنع أن يدخل في الشئ ما ليس منه أو يخرج عنه ما هو منه، فقد بين الله بالأمر والنهي الحدود. # " ومن يتعد حدود الله " أي من يتجاوز حدود الله فقد فعل ما يستحق به العقاب ويحرم معه الثواب. # PageV02P164 # ثم قال " لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا " أي يغير رأي الزوج في محبة الطلاق فيكون تطليقه على ما أمر الله به يملك الرجعة فيما بين الواحدة والثانية وما بين الثانية والثالثة إذا لم يكن خلعا على الحرة المطلقة التي دخل بها، وقد ذكرناها. # وقال الضحاك: أي لعل يحدث بعد ذلك أمر الرجعة في العدة. وقيل معناه لعل الله يحدث بعد ذلك شهوة المراجعة. # " فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف " (1 قيل أي إذا بلغن إلى القرء الثالث ms381 وذلك قرب انقضاء عدتهن، ومعناه إذا قاربن أجلهن، الذي هو الخروج من عدتهن، لأنه لا يجوز أن يكون المراد فإذا انقضى أجلهن، لأنه عند انقضاء أجلهن لا يملك رجعتها وقد ملكت نفسها وقد بانت منه بواحدة ثم تتزوج من شاءت هو أو غيره، وانما المعنى إذا قاربن الخروج من عدتهن فأمسكوهن، بأن تراجعوهن بمعروف بما يجب لها من النفقة والكسوة والمسكن وحسن الصحبة، أو فارقوهن بمعروف بأن تتركوهن حتى يخرجن من العدة، والمعروف عند الفراق الصداق أو المتعة وحسن الثناء. # (فصل) ثم قال تعالى " وأشهدوا ذوي عدل منكم " فالاشهاد عندنا شرط في وقوع الطلاق، لان ظاهر الامر بذلك يقتضيه، والامر شرعا على الايجاب الا إذا دل دليل على كونه ندبا. فمتى طلق الرجل ولم يشهد شاهدين ممن ظاهره الاسلام كان طلاقه غير واقع، وان أشهد رجلا بعد آخر ولم يشهدهما في مكان واحد لم يقع أيضا طلاق، فان طلق بمحضر رجلين مسلمين ولم يقل لهما اشهدا وقع طلاقه # PageV02P165 # وجاز لهما أن يشهدا بذلك. # وشهادة النساء لا تقبل في الطلاق. ومتى فقدا لم يقع الطلاق. # فان قيل: ما الدليل على صحة جميع ما ذكرتم؟ # قلنا: الحجة لنا بعد الاجماع قوله " يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن " إلى قوله " وأشهدوا ذوي عدل منكم " فأمر تعالى فيه بالاشهاد، وظاهر الامر في عرف الشرع كما قدمنا يقتضي الوجوب، فليس لهم أن يحملوا ذلك ههنا على الاستحباب لفقد الدليل عليه. # ولا يخلو قوله " وأشهدوا " من أن يكون راجعا إلى الطلاق، كأنه قال إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأشهدوا، أو أن يكون راجعا إلى الفرقة، أو إلى الرجعة التي عبر تعالى عنها بالامساك. # ولا يجوز أن يرجع ذلك إلى الفرقة التي ليست ههنا شيئا يوقع ويفعل، وانما هو العدول عن الرجعة، وانما يكون مفارقا لها بأن لا يراجعها، فتبين بالطلاق السابق. على أن أحدا لا يوجب في هذه الفرقة الشهادة، وظاهر الامر في الشرع يقتضي الوجوب. # ولا يجوز أن يرجع الامر بالشهادة إلى الرجعة، ms382 لان أحدا لا يوجب فيها الاشهاد وانما هو يستحب فيها. فثبت أن الامر بالاشهاد راجع إلى الطلاق. # فان قيل: كيف يرجع إلى الطلاق مع بعد ما بينهما؟ # قلنا: إذا لم يلق الا بالطلاق وجب عوده إليه مع قرب وبعد. # فان قيل: أي فرق بينكم في حملكم هذ الشرط على الطلاق وهو بعيد منه في اللفظ وهو مجاز وعدول عن الحقيقة، وبيننا إذا حملنا الامر بالاشهاد ههنا على الاستحباب ليعود إلى الرجعة القريبة منه في ترتيب الكلام. # قلنا: حمل ما ظاهره الوجوب على الاستحباب خروج عن عرف الشرع PageV02P166 # بلا دليل، ورد الشرط إلى ما بعد عنه إذا لم يلق بما قرب ليس بعدول عن الحقيقة ولا استعمال التوسع والتجوز في القرآن، والخطاب كله مملوء من ذلك، قال الله تعالى " انا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا * لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه " (1. والتسبيح - وهو متأخر في اللفظ - لا يليق الا بالله دون رسوله. # ثم قال " وأقيموا الشهادة لله " (2 أي لوجه الله خالصا لا للمشهود له ولا للمشهود عليه ولا لغرض من الأغراض سوى إقامة الحق ودفع الظلم. # " ذلكم يوعظ به " أي ذلكم الحث على إقامة الشهادة لوجه الله ولأجل القيام بالقسط يوعظ به " ومن يتق الله " جملة اعتراضية. # (فصل) وقد فسرنا الآيات المتصلة بها إلى قوله تعالى " أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم " (3 يقول الله مخاطبا لمن طلق زوجته بأمره أن يسكنها حيث يسكن هو. وقد بينا أن السكنى والنفقة يجبان للرجعية بلا خلاف، أما البينونة فلا سكنى لها ولا نفقة عندنا الا إذا كانت حبلى. وهو مذهب الحسن. وقد روت فاطمة بنت قيس عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: لا نفقة للمبتوتة (4. # وقال الشافعي ومالك لها السكنى بلا نفقة، وقال أهل العراق لها السكنى # PageV02P167 # والنفقة معا، وبه قال ابن مسعود وعمر. # وقوله " من وجدكم " أي ملككم - قاله السدي. وقال ابن زيد هو إذا قال صاحب المسكن لا أنزل هذه في بيتي وليس من وجده، ويجوز له حينئذ أن ms383 ينقلها إلى غيره. # والوجد ملك ما يجده المالك له، وذلك أنه قد يملك المالك ما يغيب عنه وقد يملك ما هو حاضر له، فذلك وجده. # ويحتمل وجها آخر، وهو أن يكون أسكنوهن أمرا بالانفاق عليهن، أي نزلوهن منزلة أنفسكم من وجدكم ولينفق كل واحد عليهن على قدر غناه وفقره. # ولفظ " الاسكان " و " الاحلال " و " الانزال " على ما قلنا يستعمل كثيرا في هذا المعنى، يقال أحلني فلان من نعمته محل نفسه أي أشركني فيها حتى شاطرنيها. وذلك أولى، لان الامر بالسكنى قد تقدم من قوله " لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن ". # ثم قال " ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن " معناه لا تدخلوا الضرر عليهن بالتقصير في النفقة والسكنى والكسوة وحسن العشرة وتضيقوا عليهن في السكنى والنفقة ليخرجن، أي لا تؤذوهن فتحوجوهن إلى الخروج، أمر الله بالسعة. # وقد تكون المضارة من واحد، كما يقال طارقت النعل، ويمكن أن يكون ههنا من كل واحد منهما لصاحبه. # والتضييق قد يكون في الرزق وفي المكان وفي الامر. # " وان كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن " أمر من الله بالانفاق على الحامل المطلقة إذا كانت مبتوتة، ولا خلاف في ذلك. وانما يجب أن ينفق عليها بسبب ما في بطنها، وانما يسقط نفقتها بالوضع. PageV02P168 # (باب) (عدة المتوفى عنها زوجها وعدة المطلقة على اختلاف أحوالها) قال الله تعالى " والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا " (1. # أمر تعالى أن يكون عدة كل متوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشرة أيام، سواء كانت مدخولا بها أو غير مدخول بها حرة كانت أو أمة، لان الله لم يخص. # فان كانت حبلى فعدتها أبعد الأجلين من وضع الحمل أو مضي أربعة الأشهر والعشرة أيام، وهو المروي عن أمير المؤمنين عليه السلام (2، ووافقنا في الأمة الأصم. وخالف باقي الفقهاء في ذلك وقالوا عدة الأمة نصف عدة الحرة شهران وخمسة أيام. واليه ذهب قوم من أصحابنا. # وقالوا في عدة الحامل أنها بوضع الحمل، وعندنا ان وضع الحمل يختص عدة المطلقة. # والذي يجب على ms384 المعتدة في عدة الوفاة اجتنابها الزينة والكحل والأثمد وترك النقلة عن المنزل في قول ابن عباس، وقال الحسن ان الواجب عليها الامتناع من الزوج لا غير. وعندنا أنه يجوز لها ان تبيت في الدار التي مات فيها زوجها حيث شاءت وعليها الحداد إذا كانت حرة، وان كانت أمة فليس عليها حداد. والحداد هو ترك الزينة وأكل ما فيه الراحة الطيبة وشمه. # فان احتج مخالفنا في هذا بظاهر قوله تعالى " وأولات الأحمال أجلهن أن # PageV02P169 # يضعن حملهن " (1 وانه عام في المتوفى عنها زوجها وفي غيرها. عارضناهم بقوله " والذين يتوفون منكم " الآية وانه عام في الحامل وغيرها. ثم لو كانت آياتهم التي ذكروها عامة الظاهر، جاز أن نخصها بدليل، وهو اجماعنا الامامية، وفيه الحجة. # (فصل) وقوله تعالى " الذين " رفع بالابتداء، و " يتوفون منكم " صلة الذين، " يذرون أزواجا " عطف عليه. وخبر الذين قيل فيه أربعة أقوال: # أحدها: أن كون الجملة على تقدير والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا أزواجهم يتربصن. # الثاني: يتربصن بعدهم، أي يتربصن أزواجهم بعدهم. # الثالث: أن يكون الضمير في يتربصن لما عاد إلى مضاف في المعنى كان بمنزلته على تقدير يتربصن أزواجهم. هذا قول الزجاج، والأول قول أبي العباس والثاني قول الأخفش. ونظيره قول الزجاج أن يقول إذا مات وخلف ابنتين ترثان الثلثين بالفرض، المعنى ترث ابنتاه الثلثين. # الرابع: أن يعدل عن الاخبار عن الزوج، لان المعنى على والفائدة فيه. # ذهب إليه الكسائي والفراء، وأنكره أبو العباس والزجاج لأنه لا يكون مبتدأ لا خبر له ولا خبر الا عن مخبر عنه. و " يذرون أزواجا " أي يتركونها. # فان قيل: كيف قال " وعشرا " وانما العدة بالأيام والليالي، ولذلك لم يجز أن يقول عشرا من الرجال والنساء. # قيل: لتغليب الليالي على الأيام إذا اجتمعت في التاريخ وغيره، لان ابتداء # PageV02P170 # شهور الأهلة الليالي عند طلوع الهلال، فلما كانت أوائل غلبت لان الأوائل أقوى من الثواني. ولا يقدح هذا في قولهم. إذا اختلط الذكر والأنثى كان الغلبة للذكر. # قال ابن المسيب وأبو العالية: انما زاد الله ms385 تعالى هذه العشرة على أربعة أشهر لان فيها ينفخ الروح على الولد. # ومعنى التربص أن تحبس نفسها عن الأزواج وتترك الزينة والطيب. # (فصل) وهذه الآية التي قدمناها ناسخة لقوله تعالى " والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير اخراج " (1 وان كانت هذه مقدمة عليها في التلاوة. # ولا خلاف في نسخ العدة سنة كاملة، الا أن أبا حذيفة قال: العدة أربعة أشهر وعشرا وما زاد على الحول يثبت بالوصية والنفقة، فان امتنع الورثة من ذلك كان لها أن تتصرف في نفسها. # وأما حكم الوصية عندنا فباق لم ينسخ وإن كان على وجه الاستحباب. # وحكي عن الحسن أنها منسوخة بآية الميراث فلا وصية لوارث. وهذا فاسد، لان آية الميراث لا تنافي الوصية، فلا يجوز أن تكون ناسخة لها. # فمن نصب " وصية " فالتقدير فليوصوا وصية، والرفع أي فعليهم وصية أو لأزواجهم وصية. وقيل لا يجوز غير الرفع، لأنه لا يمكن الوصية بعد الوفاة، ولان الفرض كان لهن وصوا أو لم يوصوا. قال الرماني: وهذا غلط، لان المعنى والذين يحضرهم الوفاة منكم، ولذلك قال تعالى " يتوفون " على لفظ الحال الذي يتطاول. # PageV02P171 # وأما قوله الفرض كان لهن وان لم يوصوا. فقد قال قتادة والسدي انما كان لهن بالوصية. على أنه لو كان على ما زعم لم ينكر أن يوجبه الله على الورثة ان فرط الزوج في الوصية. # " ومتاعا إلى الحول غير اخراج " كأنه قال متعوهن متاعا في مساكنهن لا اخراجا، ويجوز أن تكون الإقامة في مساكنهن. # قال الحسن: " فان خرجن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن من معروف " دليل على سقوط النفقة والسكنى بالخروج، لأنه انما جعل لهن ذلك بالإقامة إلى الحول، فان خرجن قبله بطل الحق الذي وجب بالإقامة. # وانما احتاج إلى هذا التخريج من يوجب النفقة للمعتدة عن الوفاة، فأما من قال لا نفقة لها ولا سكنى فلا يحتاج إلى ذلك. وهو مذهبنا، لان المتوفى عنها زوجها لا نفقة لها، فان كانت حاملا أنفق عليها من نصيب ولدها ms386 الذي في بطنها. # وقد قدمنا أن الرجل إذا طلق زوجته قبل الدخول بها ما لم يكن عليها منه عدة وكذلك التي لم تبلغ المحيض ومثلها لا تحيض إذا طلقها - وحد ذلك ما دون تسع السنين - لم يكن عليها منه عدة وان دخل بها. وكذلك ان كانت آيسة ومثلها لا تحيض فليس عليها من عدة إذا طلقها وان كانت مدخولا بها. والدليل على هاتين المسألتين من القرآن ما ذكرناه من قبل. # ويمكن أن يستدل بقوله تعالى " وان طلقتموهن من قبل أن تمسوهن " (1 الآية، على أن لا عدة على من لم يدخل بها، وقد صرح تعالى بذلك في قوله " يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تماسوهن # PageV02P172 # فما لكم عليهن من عدة تعتدونها " (1. # فأما من طلق من تحيض حيضا مستقيما فعدتها ثلاثة أطهار، لقوله تعالى " والمطلقات يتربصن بأنفسهم ثلاثة قروء " (2، وانما أطلق سبحانه الكلام ههنا اطلاقا ولم يقيد لان الأغلب في العادة أن تكون المرأة مستقيمة الحيض، وما سوى هذه الحالة يكون نادرا. # وإذا طلقها وهي حامل فعدتها أن تضع حملها، لقوله تعالى " وأولات الأحمال أجلهن أن يضعهن حملهن " (3. # والآيسة من المحيض وفى سنها من تحيض والتي لا تحيض وفي سنها من تحيض فعدة كل واحدة منهما إذا كانت حرة ثلاثة أشهر إذا طلقها زوجها، وقد بينا حكمها من قبل، يدل عليه قوله " واللائي يئسن من المحيض من نسائكم ان ارتبتم " الآية. # والحرة إذا كانت تحت مملوك فعدتها مثل عدتها إذا كانت تحت حر لا يختلف الحكم فيه. لان الله تعالى لم يفصل في كتابه بين الحالتين. # والأمة إذا كانت تحت حر وطلقها فعدتها قرآن ان كانت ممن تحيض، وان كانت لا تحيض ومثلها تحيض فعدتها خمسة وأربعون يوما. واستدل عليه بعض المفسرين بقول " فإذا أحصن فان أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب " (4 وقال: هذا على العموم. # هذا كله إذا كانت الحرة والأمة مدخولا بها. # والأمة إذا كانت أم ولد وتوفي عنها ms387 زوجها فعدتها مثل عدة الحرة، وان # PageV02P173 # كانت مملوكة ليست أم ولد فعدتها فعدتها شهران وخمسة أيام. # والتي لم يدخل بها إذا مات عنها الزوج فعدتها أربعة أشهر وعشرا، لعموم قوله تعالى " والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا " (1. ويجب على ورثته أن يعطوها المهر كملا. ويستحب لها أن تترك نصف المهر، وان لم تفعل كان لها المهر كله. # (باب) (كيفية الطلاق الثلاث) (وحكم المراجعة والتراجع والعضل) قوله تعالى " الطلاق مرتان " (2 يدل على صحة قولنا الطلاق الثلاث لا يقع بلفظ واحد، فإنه تعالى لم يرد بذلك الخبر، لأنه لو أراده لكان كذبا، وانما أراد الامر، فكأنه تعالى قال طلقوهن مرتين، ويجري مجرى قوله " ومن دخله كان آمنا " (3، والمراد يجب أن تؤمنوه. والمرتان لا تكون الا واحدة بعد واحدة. ومن جمع الطلاقين في كلمة واحدة [لا يكون مطلقا مرتين، كما أن من أعطى درهمين مرة واحدة] (4 لم يعطها مرتين. # فان قيل: العدد إذا ذكر عقيب الاسم لم يقتض التفريق، مثاله إذا قال " له علي مائة درهم مرتان "، وإذا ذكر العدد عقيب فعل اقتضى التفريق، مثاله " إذا دخل الدار مرتين فاضربه ضربتين "، والعدد في الآية عقيب اسم لا فعل. # PageV02P174 # قلنا: قد بينا أن قوله " الطلاق مرتان " معناه طلقوا مرتين، والعدد عقيب فعل لا اسم صريح. # فان قيل: إذا كان الثلاث لا تقع فأي معنى لقوله تعالى " لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا " وانما المراد انك إذا خالفت السنة في الطلاق وجمعت بين الثلاث وتعديت ما حده الله تعالى لم تأمن أن تتوق نفسك إلى المراجعة فلا تتمكن منها. # قلنا: قوله " لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا " مجمل غير مبين، فمن أين أنه أراد ما ذكرتم، والظاهر غير دال على هذا الامر الذي يحدثه الله. # والأشبه بالظاهر أن يكون ذلك الامر الذي يحدثه الله متعلقا بقوله " ومن يتعد حدود الله " لأنه قال " تلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه لا تدري لعل ms388 الله يحدث بعد ذلك أمرا " فيشبه أن يكون المراد لا تدري ما يحدثه الله من عقاب يعجله الله في الدنيا على من تعدى حدوده، وهذا أشبه مما ذكروه. وأقل الأحوال أن يكون الكلام يحتمله، فسقط تعلقهم. # وقيل: يتعلق قوله " لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا " بالنهي عن اخراجهن من بيوتهن لعله يبدو له في المراجعة. وهذا أيضا يحتمل، فمن أين أن المراد ما ذكره. # (فصل) وأبان سبحانه بقوله " الطلاق مرتان " عدد الطلاق، لأنه كان في صدر الاسلام بغير عدد. قال قتادة: كان الرجل يطلق امرأته في صدر الاسلام ما شاء من واحدة إلى عشر ويراجعها في العدة، فنزل قوله تعالى " الطلاق مرتان " يعني طلقتين. # " فامساك بمعروف أو تسريح باحسان " فبين أن عدد الطلاق ثلاثة، فقوله " مرتان " اخبار عن طلقتين بلا خلاف، واختلفوا في الثالث: فقال ابن عباس PageV02P175 # " أو تسريح باحسان " الطلقة الثالثة، وقال غيره " فان طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره " التطليقة الثالثة، وهو الأقوى. # وقيل في قوله " الطلاق مرتان " قولان: # أحدهما: ما قاله ابن عباس ومجاهد ان معناه البيان عن تفصيل الطلاق في السنة، وهو أنه إذا أراد طلاقها ينبغي أن يطلقها في طهر لم يقربها فيه بجماع تطليقة واحدة ثم يتركها حتى تخرج من العدة. # والثاني: ما قاله عروة وقتادة أن معناه البيان عن عدد الطلاق الذي يوجب البينونة مما لا يوجبها. # وفي الآية بيان أنه ليس بعد التطليقتين الا الفرقة الباينة. وقال الزجاج في الآية حذف، لان التقدير عدد الطلاق الذي يملك فيها الرجعة مرتان، بدلالة قوله " فامساك بمعروف أو تسريح باحسان " والمرتان هما دفعتان. # ومعنى قوله " فامساك " أي فالواجب عليه امساك، والامساك خلاف الاطلاق. # قال الزجاج ظاهره خبر ومعناه أمر، كأنه قال فليمسكها بعد ذلك بمعروف، أي بما يعرف به إقامة الحق في امساك المرأة أو تخلية سبيلها بوجه حسن. # وقوله " بمعروف " أي على وجه جميل سائغ في الشريعة لا على وجه الاضرار بهن. # وقوله " أو تسريح باحسان " قيل فيه قولان: # أحدهما: ms389 انها الطلقة الثالثة، وروي أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وآله فقال: الطلاق مرتان فأين الثالثة؟ فأجابه عليه السلام: أو تسريح باحسان (1. # وقال السدي والضحاك هو ترك المعتدة حتى تبين بانقضاء العدة، وهو المروي # PageV02P176 # عن أبي جعفر وأبى عبد الله عليهما السلام (1. # والتسريح مأخوذ من السرح، وهو الانطلاق. # وقد ذكرنا أن أصحابنا استدلوا بهذه الآية على أن الطلاق الثلاث لا تقع بمرة، لأنه تعالى قال " الطلاق مرتان " ثم ذكر الثالثة على الخلاف في أنه قوله " أو تسريح باحسان " أو قوله " فان طلقها فلا تحل له من بعد ". # ومن طلق بلفظ واحد فلا يكون أتى بالمرتين ولا بالثالثة، كما أنه لما أوجب في اللعان أربع شهادات فلو أتى بلفظ واحد لما وقع موقعه، وكما لو رمى بسبع حصيات في الجمار دفعة واحدة لم يكن مجزيا له، فكذا الطلاق. ومتى ادعوا في ذلك خبرا فعليهم أن يذكروه لنتكلم عليه. # (فصل) أما قوله " فان طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره " فالمعنى فيه التطليقة الثالثة على ما روي عن أبي جعفر عليه السلام (2، وبه قال الضحاك والسدي والجبائي والنظام وغيرهم. # وقال مجاهد: هو تفسير لقوله " أو تسريح باحسان "، فإنه التطليقة الثالثة، وهو اختيار الطبري. # وقوله " فان طلقها " يعني الزوج ان بانت منه - بأن يختر أن يراجعها في الثالث " فلا تحل له " أي فلا يجوز نكاحها ولا جماعها " حتى تنكح زوجا غيره " أي حتى تتزوج زوجا آخر فيطأها ذلك الزوج، لان المراد بالنكاح التزويج ههنا الجماع لا التزويج وإن كان الأصل في النكاح التزوج، لأنهم أجمعوا على أنه # PageV02P177 # ان تزوجت ولم تجامع لم تحل لنكاح الزوج الأول. # وأهل المدينة اختلفوا في النكاح أأصله الجماع أم التزويج، وعند أكثر الكوفيين ان أصله الجماع، وتسمية التزويج به كما يسمى الشئ باسم ما هو من سببه (1. # وصفة الزوج الذي تحل المرأة للزوج الأول أن يكون بالغا، ويعقد عليها عقدا صحيحا دائما، ويذوق عسيلتها (2 بأن يطأها وتذوق عسيلته بلا خلاف بين أهل العلم. ms390 # ولا يجوز لاحد أن يتزوجها في العدة، فأما العقود الفاسدة أو عقود الشبهة فإنها لا تحل للزوج الأول. ومتى وطئها بعقد صحيح في زمان يحرم فيه وطئها - مثل أن تكون حائضا أو محرمة أو معتكفة - فإنها تحل للأول، لان الوطئ يدخل في نكاح صحيح وانما حرم الوطئ لأمر طارئ عليه. # هذا عند أكثر أهل العلم، وقال مالك الوطئ في الحيض لا يحل للأول وان وجب به المهر كله والعدة. # ثم قال تعالى " فان طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا ان ظنا أن يقيما حدود الله ". بين سبحانه أن الزوج الثاني ان طلقها فلا حرج على الزوج الأول إذا خرجت هي من عدة الزوج الثاني ورأيا أمارة الخير بينهما وظنا الصلاح لأنفسهما بعد ذلك في التزويج أن يتراجعا بعقد مستأنف. # PageV02P178 # وموضع " أن يتراجعا " خفض عند الخليل، وتقديره في أن يتراجعا، وقال الزجاج موضعه النصب. وموضع أن الثانية نصب بلا خلاف يظن. وانما جاز حذف في من " أن يتراجعا " لطولها بالصلة، ولو كان مصدرا لم يجز. # وقوله تعالى " فان طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا " يدل على أن الوطئ في عقد الشبهة لا يحل للزوج الأول، لان الطلاق لا يلحق نكاح الشبهة، وانما جعل الظن شرطا لأنه في المستقبل فلا يحصل العلم به. ومعناه ان عرفا من أخلاقهما وطرائقهما ما يقوي في ظنونهما أنهما يقومان بحدود الله تعالى. # (فصل) وقوله تعالى " الطلاق مرتان فامساك بمعروف " (1 يدل على صحة المراجعة بعد التطليقة الأولى وقيل انقضاء العدة، وكذلك يدل على صحة المراجعة بعد التطليقة الثانية قبل انقضاء العدة، من غير اعتبار رضا المرأة إذا لم يكن خلعا، لأنه تعالى قال " فامساك بمعروف " وهو المراجعة ولم يعتبر رضاها. # والتراجع الذي ذكره الله تعالى في قوله " فان طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا " (2 هو أن يتعاقدا بعد العدة من موت الزوج الثاني أو طلاقه بمهر جديد وعقد مستأنف، ورضاها لابد منه ههنا، لأنه الان خاطب من الخطاب وهي أجنبية، وقد أشار إليه بقوله " ان ms391 يتراجعا ". واعتبر ههنا في التراجع فعليهما وما اعتبر في التراجع هناك بقوله " فامساك " الا فعله. # ثم قال تعالى " وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا " (3 والمعنى إذا بلغن قرب انقضاء # PageV02P179 # عدتهن، لان بعد انقضاء العدة ليس له امساك. والامساك أيضا ههنا هو المراجعة قبل انقضاء العدة، وبه قال ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة، على هذا يقال لمن دنا من البلد فلان بلغ البلد. # والمراد بالمعروف ههنا الحق الذي يدعو إليه العقل أو الشرع للمعرفة بصحته خلاف المنكر الذي يزجر عنه العقل أو السمع لاستحالة المعرفة بصحته، فما يجوز المعرفة بصحته معروف ومالا يجوز المعرفة بصحته منكر. والمراد به ههنا أن يمسكها على الوجه الذي أباحه له من القيام بما يجب لها من النفقة وحسن العشرة وغير ذلك، ولا يقصد الاضرار بها. # (فصل) وقوله تعالى " ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا " معناه لا ترجعونهن لا لرغبة فيهن بل لطلب الاصرار بهن، اما في تطويل العدة أو طلب المعاداة أو غير ذلك، فإنه غير جائز. # ويجوز أن يكون المراد بالمضارة التضييق عليها في العدة في النفقة والمسكن، كما قال " أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن ومن يفعل ذلك " أي المراجعة للضرر " فقد ظلم نفسه " (1 فالإشارة إلى الامساك ضرارا. # " ولا تتخذوا آيات الله هزوا " يعنى ما ذكره من الاحكام في النكاح والطلاق مما يجوز فيه المراجعة، ومالهم على النساء من التربص حتى يفيؤا أو يوقعوه مما ليس لهم وغير ذلك، أي لا يتركوا العمل بحدود الله فيكونوا مقصرين، كما يقول للرجل الذي لا يقوم بما يكلفه ويتوانى فيه انما أنت لاعب. # PageV02P180 # وروي عن أبي الدرداء وأبي موسى: كان الرجل يطلق أو يعتق ثم يقول انما كنت لاعبا، [فأعلم الله أن فرائضه لا يجوز اللعب فيها، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وآله: من طلق لاعبا أو أعتق لاعبا] (1 فقد جاز عليه. لان لحاكم يجب عليه الحكم على ظاهر الشرع إذا شهد ms392 البينة. # والأولى أن يكون المراد لا تستخفوا بآيات الله وفروضه ولا تتخذوا آيات الله هزوا، أي ذات استهزاء بها. وهذا توكيد، كأنه قال اعملوا، عليها ولا تستهينوا بها. # (فصل) ثم قال " وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف " (2. # قال قتادة والحسن: ان هذه الآية نزلت في معقل بن يسار حين عضل أخته ان ترجع إلى الزوج الأول، فإنه كان طلقها وخرجت من العدة ثم أرادا أن يجتمعا بعقد آخر على نكاح آخر، فمنعه من ذلك فنزلت الآية فيه. وقال السدي: # نزلت في جابر بن عبد الله عضل بنت عم له (3. # والوجهان لا يصحان على مذهبنا، لان عندنا أنه لا ولاية للأخ ولا لابن العم عليها، وانما هي ولية نفسها فلا تأثير لعضلهما. والوجه في ذلك أن تحمل الآية على المطلقين، لأنه خطاب لهم بقوله تعالى " وإذا طلقتم النساء "، فكأنه قال لا تعضلوهن بأن تراجعوهن عند قرب انقضاء عدتهن ولا رغبة لكم فيهن وانما تريدون الاضرار بهن، فان ذلك مما لا يسوغ في الدين والشرع كما قال في الأولى # PageV02P181 # " ولا تمسكوهن ضرارا لتعدوا " (1. # ولا يطعن على ذلك بقوله " أن ينكحن أزواجهن " لان المعنى فيه من يصير أزواجهن، كما أنهم لابد لهم من ذلك إذا حملوا على الزوج الأول، لان بعد انقضاء العدة لا يكون زوجا، ويكون المراد من كان أزواجهن فما لهم الا مثل ما عليهم. # ويجوز أن يحمل العضل في الآية على الجبر والحيلولة بينهن وبين التزويج دون ما يتعلق بالولاية، لان العضل هو الحبس والمنع والضيق (2. وهذا الوجه حسن، وتقدير أن ينكحن من أن ينكحن، فمحل " أن " جر عند الخليل ونصب عند سيبويه. # وانما قال " ذلك " ولم يقل ذلكم كما تقدم من قوله " طلقتم " لان تقديره ذلك يا محمد أو يا أيها القبيل. # " يوعظ به من كان يؤمن "، وانما خص المؤمن بالوعظ لأنه ينتفع به فنسب إليه كما قال " هدى للمتقين " ولأنه أولى بالاتعاظ. # (فصل) قال الله تعالى " يا أيها الذين آمنوا ms393 لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن " (3. # اختلفوا في معنى ذلك: # PageV02P182 # فقال الزهري والجبائي وغيرهما: هو أن يحبس الرجل المرأة عنده لا حاجة له إليها وينتظر موتها حتى يرثها فنهى الله عن ذلك، وهو المروي عن أبي جعفر عليه السلام (1. # وقال الحسن ومجاهد: معناه ما كان يعمله أهل الجاهلية من أن الرجل إذا مات وترك امرأته قال ابنه من غيرها أو وليه ورثت امرأته كما ورثت ماله فألقى عليها رداءه أنها امرأته على العقد الذي كان مع أبيها ولا يعطيها شيئا، وان شاء زوجها وأخذ صداقها. روى ذلك أبو الجارود عن الباقر عليه السلام، قال أبو مجلث: ثم كان هو بالميراث أولى بها من ولي نفسها (2. # أما قوله تعالى " فلا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن " قيل فيمن عني بهذا النهي أربعة أقوال: # أحدها: قال ابن عباس هو الزوج، أمره الله بتخلية سبيلها إذا لم يكن لها فيه حاجة ولا يمسكها اضرارا بها حتى تفتدي ببعض مالها. # الثاني: قال الحسن هو الوارث، نهى عن منع المرأة من التزويج كما يفعله الجاهلية على ما بيناه. # الثالث: قال مجاهد المراد الولي. # الرابع: قال ابن يزيد المطلق يمنعها من التزويج كما كانت قريش تفعل في الجاهلية، ينكح الرجل منهم المرأة الشريفة فإذا لم توافقه فارقها ان لا تتزوج الا باذنه ويشهد عليها بذلك ويكتب كتابا، فإذا خطبها خاطب فان أعطته وأرضته أذن لها وان لم تعطه عضلها فنهى الله عن ذلك. # والأول أظهر الأقاويل. والعضل هو التضييق بالمنع من التزويج. # PageV02P183 # وقوله تعالى " الا أن يأتين بفاحشة مبينة " قيل فيه قولان: أحدهما ما قال الحسن أنه يعني به الزنا، وقال إنه إذا أطلع منها على ريبة فله أخذ الفدية. # الثاني قال ابن عباس هو النشوز. والأولى حمل الآية على كل معصية، لان العموم يقتضي ذلك، وهو المروي عن أبي جعفر عليه السلام (1. # قوله " لا تعضلوهن " يحتمل أن يكون جزما بالنهي ويحتمل أن يكون نصبا بالعطف على " أن يرثوا النساء ms394 كرها "، ويقرأ بهذا التقدير عبد الله: ولا أن تعضلوهن باثبات أن. # وقيل في سبب نزول هذه الآية ان أبا قيس بن الأسلت لما مات عن زوجته كبشة بنت معن بن عاصم (2 أراد ابنه أن يتزوجها، فجاءت إلى النبي صلى الله عليه وآله فقالت: يا نبي الله لا أنا ورثت زوجي ولا أنا تركت فأنكح، فنزلت هذه الآية - ذكره أبو جعفر عليه السلام وغيره (3. # (فصل) ثم أمر الله سبحانه المؤمنين بأداء حقوقهن التي أوجبها عليهم من امساك بمعروف أو تسريح باحسان، فقال " وعاشروهن بالمعروف " أي خالطوهن وخالقوهن، من العشرة التي هي المصاحبة " فان كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا " يعني في امساكهن على كره منكم، خيرا كثيرا من ولد يرزقكم أو عطفكم عليهن بعد الكراهية. والهاء في " فيه " يحتمل أن # PageV02P184 # أن يرجع إلى قوله " شيئا " ويحتمل أن يعود إلى الذي تكرهونه. # " وان أردتم استبدال زوج مكان زوج " المعنى ان أردتم تخلية المرأة، سواء استبدلت مكانها أو لم تستبدل. وانما خص الله الاستبدال بالنهي لان مع الاستبدال قد يتوهم جواز الاسترجاع لما أعطي من حيث أن الثانية تقوم مقام الأولى، فيكون لها ما أعطته الأولى، فيبين الله أن ذلك لا يجوز. # ومعنى قوله تعالى " وآتيتم إحداهن قنطارا " ليس ما أعطيتموهن موقوفا على التمسك بهن دون تخليتهن، فيكون إذا أردتم الاستبدال جاز لكم أخذه، بل هو تمليك صحيح الرجوع فيه. والمراد بذلك ما أعطي المرأة مهرا لها ويكون دخل بها، فأما إذا لم يدخل بها وطلقها جاز له أن يسترجع نصف ما أعطاها. فأما ما أعطاها على وجه الهبة فظاهر الآية يقتضي أنه لا يجوز الرجوع في شئ منه، لكن علمنا بالسنة أن ذلك سائغ له ولو كان مكروها. # والقنطار المال الكثير، قيل هو دية الانسان، وقيل هو ملء جلد ثور ذهبا. # " وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض ". وقال السدي وابن زيد: # هذه الآية منسوخة بقوله " الا أن يخافا ألا يقيما حدود الله " (1 الآية. والصحيح أنها ms395 محكمة ليست منسوخة، إذا لا يتنافى حكما الآيتين، لان الزوج يجوز له أن يأخذ الفدية من المختلعة، لان النشوز فيها هو في حكم المكره، في الآية الأخرى الزوج مختار للاستبدال، فلا حاجة إلى نسخ إحداهما بالأخرى. # والافضاء في الآية كناية عن الجماع قال ابن عباس ومجاهد والسدي، وقيل إنه الخلوة وان لم يجامع، فليس له أن يسترجع نصف المهر مع الجماع ومع الدخول في الثيب، وأما البكر فان خلا بها ووجدت بخاتم ربها من بعد فلها نصف المهر. وكلتا الروايتين رواهما أصحابنا واختلفوا فيه، والأول أقوى # PageV02P185 # لان الافضاء كناية عن الجماع. # وقوله تعالى " وأخذن منكم ميثاقا غليظا " قيل هذا الميثاق قوله " امساك بمعروف أن تسريح باحسان " وهو المروي عن أبي جعفر عليه السلام (1. وقال مجاهد: هو كلمة النكاح التي يستحل بها الفرج (2، وهذا الكلام وإن كان ظاهره الاستفهام فالمراد به التهديد والتوبيخ. # (باب) (ما يجب على المرأة في عدتها) نستدل أولا على أن عدة الحامل وضعها، ثم نشرع في ذكره. # ان قيل: ما حجتكم على أن عدة المطلقة إذا كانت حاملا هي وضعها الحمل دون الأقراء، فان احتججتم بقوله " وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن " (3 عورضتم بعموم قوله " والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء " (4؟ # الجواب عنه: انه لا خلاف بين العلماء في أن آية وضع الحمل عامة في المطلقة وغيرها وأنها ناسخة لما تقدمها، ومما يكشف عن ذلك أن قوله " والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن " انما هو في عدة غير الحامل، فان من استبان حملها لا يقال فيها [لا يحل لها أن تكتم ما خلق الله في رحمها، وإذا كانت هذه خاصة] (5 في غير الحوامل لم يعارض أنه الوضع، وهي عامة في كل حامل من مطلقة وغيرها. # PageV02P186 # وقيل في معنى قوله تعالى " ولا يحل فهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن " ثلاثة أقوال: أحدها قال إبراهيم الحيض، وثانيها قال قتادة الحبل، وثالثها قال ابن عمر هو الحبل والحيض. ms396 وبه قال الحسن، وهو الأقوى لأنه أعم (1. وانما لم يحل لهن الكتمان لظلم الزوج بمنعه المراجعة في قول ابن عباس، وقال قتادة لنسبة الولد إلى غير والده كفعل الجاهلية. # ثم شرط بقوله " ان كن يؤمن بالله واليوم الآخر " أي من كانت مؤمنة فهذه صفتها لا أنه يلزم المؤمنة دون غيرها. وخرج ذلك مخرج التهديد. # ثم قال " وبعولتهن أحق بردهن " يعني أزواجهن أحق برجعتهن، وذلك يختص الرجعيات وإن كان أول الآية عاما في جميع المطلقات الرجعية والبائنة، ويسمى الزوج بعلا لأنه عال على المرأة بملكه لزوجيتها. # وقوله تعالى " ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف ". قال الضحاك: لهن من حسن العشرة المعروف على أزواجهن مثل ما عليهن من الطاعة فيما أوجبه عليهن لهم. وقال ابن عباس: لهن على أزواجهن من التصنيع والبر بهن مثلما لأزواجهن عليهن. وقال الطبري: على أزواجهن ترك مضارتهن كما أن ذلك عليهن لأزواجهن. # ثم قال " وللرجال عليهن درجة " أي فضيلة: منها الطاعة، ومنها أنه يملك التخلية، ومنها زيادة الميراث على قسم المرأة والجهاد. هذا قول مجاهد وقتادة، وقال ابن عباس: منزلة في الاخذ عليها بالعضل في المعاملة حتى قال " ما أحب أن استوفي منها جميع حقي ليكون لي عليها الفضيلة والدرجة والمنزلة ". # وقيل إن في الآية نسخا، لان التي لم يدخل بها لا عدة عليها بلا خلاف إذا طلقت، قال الله تعالى " يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات " إلى قوله " فمالكم # PageV02P187 # عليهن من عدة تعتدونها " (1 ولان الحامل عدتها وضع ما في بطنها لقوله تعالى " وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن " (2. # (فصل) وجاء في التفسير أن الذي حرم على المرأة كتمانه مما خلق الله في رحمها هو الولد، وهو أن تكون حبلى فتكتم الحبل لتطلق فتتزوج زوجا تؤثره. # ونهيت عن ذلك لامرين: # أحدهما: أنها تلحق الولد بغير والده كما ذكرناه. # والثاني: أنها تمنع الزوج فسخه في المراجعة، لان عدة الحوامل وضع الحمل، فهي أبعد مدى من مدة القرء. ويقويه قوله " هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء " (3 ms397 وأنكر أبو علي على إبراهيم قوله انه المحيض وقال لا يكون الا الحبل، لان الدم لا يكون حيضا حتى يخرج من الرحم وإذا خرج فليس في الرحم وامر الله تعالى ان لا يكتمن ما خلق الله في أرحامهن. # وقال محمد بن جرير: المراد الحبل الحيض ههنا، ولا معنى لصرف المعنى إلى أحدهما، كأن الغرض نهيهن عما يكون سببا لمنع حق الزوج من مراجعتها في العدة ان أراد، وكل واحد منهما كالاخر لان يوضع الحمل بتقضي العدة كما ينقضي بانقضاء القرء. # الثالث: قال علي بن عيسى ان كتمت الحبل محبة لفراقه ثم علم به ردها صاغرة عقوبة لما كتمته. # وقال عبد الجبار: الآية تدل على بقاء الزوجية بعد الطلاق الرجعي ما دامت # PageV02P188 # في العدة، فلهذا سماهن بعولا، ولان للطلاق تأثيرا يزال بالرد ما بقيت العدة. # وان الرجعة تصح من دون الاشهاد، وانما أمر الله فيها بالاشهاد احتياطا وسنة، لان الرجل كان قد أشهد على طلاقها فإذا راجع قبل انقضاء العدة ولم يشهد فان أنكرت المرأة المراجعة بعد انقضاء العدة ولم يكن للرجل بينة على المراجعة وكان لها بينة على الطلاق فرق الحاكم بينهما على ظاهر الشرع، فالاحتياط هو الاشهاد في المراجعة. ويصح من دونه لأنه تعالى جعلها حقا للبعل. # وله أن يراجع بغير رضاء منها، لان الله جعله أحق بذلك. ويدل الظاهر على أن له الرجعة في كل مطلقة يلزمها العدة ولا يكون تطليقا ثانيا. # وقال تعالى في موضع آخر " يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة " فلما أمر بالتطليق وأن يكون بعدة تحصى بين تعالى في هذه الآية العدة ما هي فقال " ثلاثة قروء "، قال في آيات أخر بيان العدد كلها على ما ذكرناه. # وقد ذكرنا من قبل انه تعالى انما قال " ثلاثة قروء " ولم يقل ثلاثة أقراء على جمع القليل لأنه لما كانت كل مطلقة مستقيمة الحيض على ما ذكرناه يلزمها هذا، دخله معنى الكثرة فأتى ببناء الكثرة للاشعار بذلك، فالقروء كثيرة الا أنها ثلاثة ثلاثة ms398 في القسمة. # (باب) (ما يكون كالسبب للطلاق) وهو على ضربين النشوز والشقاق، ولكل واحد منهما حكم دون حكم الاخر. # أما النشوز فقد قال الله تعالى " وان امرأة خافت من بعلها نشوزا أو اعراضا PageV02P189 # فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير " (1 وهو أن يكره الرجل المرأة (2 وتريد المرأة المقام معه وتكره مفارقته ويريد الرجل طلاقها فتقول له: لا تفعل اني أكره أن يشمت بي، فكلما يلزمك من نفقة وغيرها لي فهو لك وأعطيك أيضا من مالي شيئا معلوما ودعني على حالتي، لا جناح عليهما أن يصالحا بينهما على هذا الصلح. # ومعنى الآية ان امرأة علمت من زوجها كراهة بنفسه عنها إلى غيرها وارتفاعا بها عنها اما لبغضه واما لكراهية منه شيئا منها اما دمامتها واما سنها وكبرها أو غير ذلك. # " أو اعراضا " يعني انصرافا بوجهه أن يبغض منافعه التي كانت لها منه " فلا جناح " ولا حرج عليهما أن يصطلحا بينهما صلحا، بأن تترك المرأة له يومها أو تضع عنه بعض ما يجب لها من نفقة أو كسوة أو غير ذلك، تستعطفه بذلك وتستديم المقام في حباله والتمسك بالعقد الذي بينه وبينها من النكاح. # ثم قال تعالى " والصلح خير " ومعناه الصلح بترك بعض الحق استدامة للخدمة وتمسكا بعقد النكاح خير من طلب الفرقة. وقال بعض المفسرين: الصلح خير من النشوز والاعراض، والأول أشبه. # هذا إذا كان بطيبة من نفسها، فإن لم يكن كذلك فلا يجوز له الا ما يسوغ في الشرع من القيام بالكسوة والنفقة والقسمة، والا يطلق. ونحوه هذه الجملة روى مخالفونا عن علي عليه السلام وعن عمر وابن عباس وعائشة وابن جبير وجماعة. # PageV02P190 # وقال ابن عباس: خشيت سودة بنت زمعة أن يطلقها رسول الله صلى الله عليه وآله، قالت: لا تطلقني وأجلسني مع نسائك ولا تقسم لي، فنزلت " وان امرأة خافت من بعلها نشوزا أو اعراضا " (1. # قال أبو جعفر عليه السلام: هي بنت محمد بن مسلمة فتزوج عليها شابة فآثر الشابة عليها، فأبت الأولى أن تقر ms399 على ذلك، فطلقها تطليقة حتى إذا بقي من أجلها يسيرا، قال: ان شئت راجعتك وصبرت على الأثرة وان شئت تركتك حتى يخلو أجلك، ثم طلقها الثانية وفعل بها مثل ما فعله أولا، فقالت: راجعني وأصبر على الأثرة، فراجعها فذلك الصلح الذي بلغنا أنزل الله فيه " وان امرأة خافت من بعلها نشوزا " (2. # " وأحضرت الأنفس الشح " أي أحضرت أنفس كل واحد من الرجل والمرأة الشح بحقه قبل صاحبه، فشح المرأة بترك حقها من النفقة والكسوة والقسمة وغير ذلك، وشح الرجل انفاقه على التي لا يريدها. # وان قيل: وان امرأة ليس فيه ان الرجل نشز على امرأة، والخوف ليس معه يقين. # قلنا عنه جوابان: # أحدهما: ان الخوف في الآية بمعنى العلم، تقديره وان امرأة علمت. # والثاني: أنها لا تخاف النشوز من الرجل الا وقد بدا منه ما يدل على النشوز والاعراض من أمارات ذلك. # ثم نفى الله أن يقدر أحد على التسوية بين النساء في حبهن، لان ذلك تابع لما فيه من الشهوة وميل الطبع، وذلك من فعل الله، وليس بذلك نفي القدرة على التسوية والنفقة والكسوة. # PageV02P191 # ثم قال " وان يتفرقا يغن الله كلا من سعته " المعنى ان الزوجين اللذين تقدم ذكرهما متى أبى كل واحد منهما مصالحة الاخر، بأن تطالب المرأة نصيبها من النفقة والقسمة وحسن العشرة ويمتنع الزوج من اجابتها إلى ذلك لميله إلى الأخرى ويتفرقا حينئذ بالطلاق، فان الله يغني كل واحد بفضله. # (فصل) ثم قال تعالى " الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض " (1 أي انهم يقومون بأمرهن وبتأديبهن. فدلت الآية على أنه يجب على الرجل أن يدبر أمر المرأة وان ينفق عليها، لان فضله وانفاقه معا علة لكونه قائما عليها مستحقا لطاعتها، فالصالحات مطيعات لله ولأزواجهن، حافظات لما غاب عنه أزواجهن من ماله وما يجب من رعايته وحاله وما يلزم من صيانتها نفسها لله. # " واللاتي تخافون نشوزهن " النشوز ههنا معصية الزوج، وأصله الرفع على الزوج، من قولهم " هو على نشز من الأرض " أي ارتفاع. والنشوز ms400 يكون من قبل المرأة على زوجها خاصة، والشقاق بينهما. # " فعظوهن " فان رجعن والا فاهجروهن في المضاجع: وعن الباقر عليه السلام: هجر المضاجعة هو أن يحول ظهره إليها (2. وقال ابن جبير هو هجر الجماع. وقال بعضهم اهجروهن اربطوهن بالهجار أي الحبل. وهذا تعسف في التأويل، ويضعفه قوله " في المضاجع " ولا يكون الرباط في المضاجع. # فأما الضرب فإنه غير مبرح بلا خلاف. قال أبو جعفر عليه السلام: هو # PageV02P192 # بالسواك (1 " فان أطعنكم " فلا تطلبوا العلل في ضربهن وسوء معاشرتهن. # ثم قال " وان خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها " (2 ويجعلا الامر إليهما على ما يريان من الصلاح [فان رأيا من الصلاح الجمع بينهما جمعا ولم يستأذنا ولم يكن لهما مخالفتهما، وان رأيا من الصلاح] (3 التفريق بينهما لم يفرقا حتى يستأذنا، فان استأذنا هما ورضيا بالطلاق فرقا بينهما. # وان رأى أحد الحكمين التفريق والاخر الجمع لم يكن لذاك حكم حتى يصطلحا على أمر واحد، اما جمع واما تفريق. ومعنى الآية أي ان علمتم، والأولى والأصح أن يحمل على خلاف الامن، لأنه لو علم الشقاق يقينا لم يحتج إلى الحكمين، فان أريد به الظن كان قريبا مما قلناه. # والشقاق الخلاف والعداوة، والحكم السلطان الذي يترافعان إليه - قاله جماعة، وقال قوم هنا وكيلان، وعندنا أنهما حكمان. والضمير في " بينهما " عائد إلى الحكمين، أي إذا أرادا اصلاحا في أمر الزوجين يوفق الله بينهما - قاله ابن عباس وابن جبير. # (باب) (ما يؤثر في أنواع الطلاق) وهو أيضا على ضربين الخلع والمباراة. وهما يؤثران في كيفية الطلاق، فان كل واحد منهما متى حصل مع الطلاق كانت التطليقة بائنة. # أما الخلع فإنه يكون من جهة المرأة خاصة، ويجب إذا قالت المرأة لزوجها # PageV02P193 # ان لم تطلقني لأوطئن فراشك من تكرهه، فمتى سمع منها هذا القول أو علم هذا من حالها وان لم تنطق به وجب عليه خلعها، وقد سمى الله تعالى في كتابه الخلع افتداء فقال " فلا جناح عليهم فيما افتدت به " (1. والفدية العوض الذي ms401 تبذله المرأة لزوجها تفتدي نفسها منه به. وهذا هو الخلع في الشرع، وانما استعمل هذا (2 في الزوجين لان كل واحد منهما لباس لصاحبه. # والأصل في الخلع الكتاب والسنة، قال تعالى " ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا الا أن يخافا ألا يقيما حدود الله " (3 الآية. # فإذا أراد خلعها اقترح عليها شيئا معلوما تعطيه، سواء كان ذلك مثل المهر الذي أعطاها أو أكثر منه أو أنقص حسبما يختاره أي ذلك فعل جاز وحل له ما يأخذ منها، فإذا تقرر بينهما على شئ معلوم طلقها بعد ذلك، وتكون تطليقة بائنة لا يملك رجعتها الا أن ترجع المرأة فيما بذلته من مالها قبل العدة (4، فان رجعت في شئ من ذلك في العدة كان له الرجوع أيضا في بعضها ما لم تخرج من العدة، فإذا خرجت من العدة لم يلتفت إليها ذا رجعت فيما بذلته ولم يكن عليها أيضا رجعة فان أراد كان بعقد جديد. # أما قوله تعالى " ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا الا ان يخافا " أي الا أن يظنا، ومن ضم الياء من " يخافا " فتقديره أن لا يخافا على أن لا يقيما حدود الله. وقال أبو علي الفارسي: خاف يتعدى إلى مفعول واحد، وذلك المفعول يكون تارة أن وصلتها وتارة غيرها، ولا يلزم حمزة سؤال من قال ينبغي # PageV02P194 # أن يكون فان خيفا، وكذا لا يلزم من خالفه لم لم يقل " فان خافا " لامرين: أحدهما أن يكون الصرف من الغيبة إلى الخطاب كما قال " الحد لله " ثم قال " إياك نعبد " وقال " ما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون ". (1 والاخر يكون الخطاب في قوله " فان خفتم " مصروفا إلى الولاة والفقهاء الذين يقومون بأمور الكافة. # فان قيل: كيف قال " فلا جناح عليهما " وانما الإباحة لاخذ الفدية. # قيل: لأنه لو خص بالذكر ولا وهم انها عاصية، فان كانت الفدية له جائزة فبين الاذن لهما لئلا يوهم انه كالربا المحرم على الاخذ والمعطي. # وذكر الفراء أنه كقوله تعالى ms402 " يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان " (2 وانما هو من الملح دون العذب مجاز للاتساع. وهذا هو الذي يليق بمذهبنا، لان الذي يبيح الخلع عندنا هو ما لولاه لكانت المرأة به عاصية، فهما اشتركا في أن لا يكون عليهما جناح إذا كانت تعطي ما قد يفي عن الزوج فيه الاثم، فاشتركت فيه لأنها إذا أعطت ما يطرح الاثم احتاجت هي إلى مثل ذلك، أي انها نفت [عن] (3 نفسها الاثم بأن افتدت، لأنها لو أقامت على النشوز والاضرار لأثمت وكان عليها في النشوز جناح فخرجت عنه بالافتداء. # وأما المباراة فهي أن تكون الكراهية من جهة الرجل والمرأة معا من كل واحد منهما لصاحبه ولم يختص ذلك واحد منهما، فمتى عرفا ذلك من حالهما أو قالت المرأة لزوجها أنا أكره المقام معك وأنت تكره المقام معي أيضا فباريني، أو يقول الرجل مثل ذلك على أن تعطيني كيت وكيت ويكون ذلك دون المهر، # PageV02P195 # فإذا بذلته ذلك من نفسها طلقها حينئذ تطليقة. وتكون بائنة على ما ذكرناه، لان المباراة ضرب من الخلع، والفرق بينهما ما ذكرناه، والآية تدل عليهما. # والخلع بالفدية على ثلاثة أوجه: # أحدها، أن تكون المرأة عجوزا ودميمة فيضاريها لتفتدي به نفسها، فهذا لا يحل له الفداء، لقوله " وان أردتم استبدال زوج مكان زوج " (1 الآية. # الثاني: أن يرى الرجل امرأته على فاحشة فيضاريها لتفتدي في خلعها، فهذا يجوز وهو معنى قوله " ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن الا أن يأتين بفاحشة مبينة " (2. # الوجه الثالث: أن يخافا ألا يقيما حدود الله لسوء خلق أو لقلة نفقة من غير ظلم أو نحو ذلك، فتجوز الفدية خلعا كان أو مباراة على ما فصلناه. # (باب ما يلحق بالطلاق) وهو أيضا على ضربين: يوجب التحريم وان لم تقع الفرقة، وضرب يوجب البينونة مثل الطلاق. فالقسم الأول الظهار والايلاء، والقسم الثاني اللعان والارتداد. ونحن نفرد لكل واحد منهما فصلا مفردا انشاء الله تعالى. # (فصل) (في الظهار) قال الله تعالى " الذين يظاهرون منكم من نسائهم ما هن أمهاتهم ان ms403 أمهاتهم # PageV02P196 # الا اللائي ولدنهم " (1. وهذه الآية نزلت في خولة بنت ثعلبة (2 وزوجها أوس أخو عبادة بن الصامت في قول قتادة، وكان مجادلتها إياه مراجعتها في أمر زوجها وكان ظاهر منها وهي تقول كبرت سني ودق عظمي، وان أوسا تزوجني وأنا شابة غنية فلما علت سني ظاهر مني، ورسول الله صلى الله عليه وآله ساكت لا يجيبها لأنه لم يكن نزل عليه وحي في ذلك ولا حكم. ثم قالت: إلى الله أشكو حالي فلي صبية ان ضممتهم إلي جاعوا وان ضمهم إليه ضاعوا. فعاودت النبي عليه السلام فسألته رخصة (3. # ان قيل: لم قال " ولاله يسمع تحاوركما " بعد قوله " قد سمع الله قول التي تجادلك ". # قلنا: ليس ذلك تكريرا، لان أحد المسموعين غير الاخر، والأول ما حكته عن زوجها من الظهار والثاني ما كان يجري بينهما وبين النبي عليه السلام من الكلام في ذلك. # قال ابن عباس: هو أول من ظاهر في الاسلام فكان الرجل في الجاهلية إذا قال لامرأته " أنت علي كظهر أمي " حرمت عليه كما هو في الاسلام، فأنزل الله في قصة الظهار الآيات. ولا خلاف أن الحكم عام في جميع من يظاهر وان نزلت الآية في سبب. # وقال صاحب النظم: ان بعض المفسرين قال: ليس قولهم " أنت علي كظهر أمي " مأخوذا من الظهر الذي هو العضو، لأنه لو كان من ذلك لكان البطن أولى به من الظهر، بل انما هو من قولهم " ظهر علي كذا " إذا ملكه، وكما # PageV02P197 # يقولون " نزل عنها " إذا طلقها يقولون ظهر عليها إذا ملكها وعلاها بالزوجية وملك النكاح، فكأنه قال ملكي إياك حرام علي كما أن ملكها علي حرام (1. # وكان أهل الجاهلية إذا قال الرجل منهم لامرأته " أنت علي كظهر أمي " بانت منه وطلقت، وفي شريعة الاسلام لا تبين المرأة الا أنه لا يجوز له وطؤها بل يحرم. # وهو ينقسم إلى قسمين: # قسم: يجب فيه الكفارة قبل المواقعة، وهو أنه إذا تلفظ بالظهار ولا يعلقه بشرط أو علقه بشرط غير الوطي ثم حصل ذلك ms404 الشرط. # والقسم الثاني: أن يقول " أنت علي كظهر أمي ان واقعتك "، فإنه لا تجب الكفارة هنا عليه الا بعد المواقعة. # والظهار لا يقع الا على المدخول بها، وشروطه كشروط الطلاق سواء، من كون المرأة في طهر لم يقربها فيه بجماع، ويكون بمحضر شاهدين، ويقصد التحريم، ولا يكون على الغضب ولا على الاجبار، فان اختل شئ من ذلك لم يقع به ظهار. # ومعنى قوله " الذين يظاهرون منكم من نسائهم " أي الذين يقولون لنسائهم " أنتن علي كظهر أمي "، ومعناه ان ظهر كن علي حرام كظهر أمي. فقال الله " ما هن أمهاتهم " أي ليست أزواجهم أمهاتهم على الحقيقة، وليس أمهاتهم على الحقيقة الا اللائي ولدنهم من الام وجداته والا اللائي أرضعنهم # PageV02P198 # ثم أخبر أن القائل لهذا يقول منكرا قبيحا وكذبا. # ثم قال " والذين يظاهرون من نسائهم " يعني الذين يقولون هذا القول الذي حكيناه " ثم يعودون لما قالوا " اختلفوا في معنى العود، فقال طاوس الذين كانوا يظاهرون في الجاهلية ثم عادوا في الاسلام إلى مثل ذلك فظاهروا، وقال قتادة العود هو العزم على عودها، وقال قوم فيه تقديم وتأخير، وتقديره والذين يظاهرون من نسائهم فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا فإن لم يجد فصيام شهرين فإن لم يستطع فاطعام ستين مسكينا ثم يعودون لما قالوا، وقال آخرون معناه ثم يعودون لنقض ما قالوا. # والذي هو مذهبنا أن العود المراد به الوطئ أو بعض القول، فالذي قاله فإنه لا يجوز له الوطئ الا بعد الكفارة إذا كان الظهار مطلقا. # وجعل الأخفش لما قالوا من صلة " فتحرير رقبة " فالمعنى الذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون فتحرير رقبة، أي عليهم تحرير رقبة لما قالوا، يعني لأجل ما قالوا. وهذا أيضا حسن. # وقال أحمد بن يحيى: معناه الذين يعودون لتحليل ما حرموه فقد عادوا فيه، وهو في موضعه لا حاجة إلى تقديم وتأخير. # والأقاويل كلها متقاربة، لان من عزم على غشيانها فقد عاد. # ثم بين تعالى كيفية الكفارة فقال " فتحرير رقبة "، فان أول ما يلزمه من الكفارة عتق ms405 رقبة. والتحرير هو أن يجعل الرقبة المملوكة حرة بالعتق، بأن يقول المالك انه حر. # والرقبة ينبغي أن تكون مؤمنة أو في حكم المؤمن، سواء كان ذكرا أو أنثى صغيرة أو كبيرة إذا كانت صحيحة الأعضاء، فان الاجماع واقع على أنه يقع الاجزاء بها. PageV02P199 # وتحرير الرقبة واجب في الظهار المطلق قبل المجامعة أو في المشروط بغير الوطي، كأن يقول " ان فعلت كذا فأنت علي كظهر أمي "، فإذا فعله وجب عليه الكفارة أيضا قبل الوطي لقوله " فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا " أي من قبل أن يجامعها فيماسا، وهو قول ابن عباس. وقال الحسن يكره للمظاهر أن يقبل. # والذي يقتضيه الظاهر أن لا يقربها بجماع ولا بمماسة شهوة. # " فمن لم يجد " الرقبة وعجز عنها " فصيام شهرين متتابعين "، والتتابع عند العلماء أن يوالي بين أيام الشهرين الهلاليين أو يصوم ستين يوما ان بدأ من نصف شهر ونحوه لا يفطر بينهما، فان أفطر بعد أن صام شهرا ومن الثاني بعضه ولو يوما فقد أخطأ الا أنه يبني، فان أفطر قبله لعذر بنى أيضا، وان أفطر من غير عذر استأنف. # فمن لم يقدر على الصوم " فاطعام ستين مسكينا " يعطي عندنا لكل مسكين نصف صاع، فإن لم يقدر أعطاه مدا. # وقال بعض المفسرين: التحرير واجب قبل المجامعة لنص القرآن في الظهار المطلق، ولم يذكر الله في الطعام ولكن أجمعت الأمة على أنه قبل التماس. # ويمكن أن يقال: ان الآية تدل على جميع ذلك، لان الثاني ههنا بدل من الأول والثالث من الثاني. # ومتى نوى بلفظ الظهار الطلاق لم يقع به طلاق. # والاطعام لا يجوز الا للمسكين. # (فصل) (في الايلاء) قال الله تعالى " للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فان فاؤا فان الله PageV02P200 # غفور رحيم * وان عزموا الطلاق فان الله سميع عليم " (1. # اعلم أن الايلاء لا يقع الا بعد الدخول بها، ومتى آلى بغير اسم الله أو حلف بالطلاق أو ما أشبهه أن لا يطأها فليطأها وليس عليه كفارة. # ولا خلاف بين أهل التأويل أن معنى ms406 " يؤلون " يحلفون، والايلاء في الآية الحلف على اعتزال النساء وترك جماعهن على وجه الاضرار بهن، وكأنه قيل الذين يؤلون أن يعتزلوا النساء تربص أربعة أشهر. # فإذا حلف الرجل أن لا يجامع زوجته كانت المرأة بالخيار ان شاءت صبرت عليه أبدا وان شاءت خاصمته إلى الحاكم، فان استعدت عليه (2 أنظره الحاكم بعد رفعها إليه أربعة أشهر ليرتأي في أمرها، فان كفر وراجع والا خيره الحاكم بعد ذلك بين أن يكفر ويعود أو يطلق، فان أقام على الاضرار بها حبسه الحاكم وضيق عليه في المطعم والمشرب حتى يفئ ا لي أمر الله فيكفر ويرجع أو يطلق. # واليمين التي يكون بها الرجل موليا هي اليمين بالله أو بشئ من صفاته التي لا يشركه فيها غيره على وجه لا يقع موقع اللغو الذي لا فائدة فيه، وهو المروي عن علي عليه السلام. وقال جماعة: هو في الجماع وغيره من الاضرار، نحو الحلف أن لا يكلهما. # وقوله " حتى يفئ إلى أمر الله " أي حتى يرجع من الخطأ إلى الصواب. # فان قيل: ما الذي يكون به المولي فائيا؟. # قيل: عندنا يكون فائيا بأن يجامع، وبه قال ابن عباس. وقال الحسن: # يكون فائيا بالعزم في حال القدرة الا أنه ينبغي أن يشهد عليه فيه. وهذا عندنا يكون للمضطر الذي لا يقدر على الجمع. # ويجب عندنا على الفائي كفارة، وبه قال ابن عباس وجماعة. ولا عقوبة # PageV02P201 # عليه، وهو المروي عنهما عليهما السلام (1. وقال الحسن: لا كفارة عليه لقوله تعالى " فان فاؤا فان الله غفور رحيم " فإنه ليس فيه أن يتبعه بكفارة. # ومتى حلف أنه لا يجامع أقل من أربعة أشهر لا يكون موليا، لان الايلاء على أربعة أشهر أو أكثر. ولا يجوز له وطؤها في تلك المدة وان لم يجب عليه أحكام الايلاء الاخر. # ومتى حلف أنه لا يقربها وهي مرضعة خوفا من أن تحبل فيضر ذلك بولدها لا يلزمه حكم الايلاء على ما ذكرناه آنفا. # ويجوز أن يكون في الآية تقديم وتأخير، ويكون تقديره: للذين يؤلون ms407 تربص أربعة أشهر من نسائهم. ويجوز أن يكون معناه للذين يؤلون من أجل نسائهم. # والفقهاء جعلوا " من " متعلقة بالايلاء حتى إذا استعملوها معه قالوا " آلى من امرأته " إذا حلف الحلف الموصوف. وقال أبو مسلم: هي متعلقة باللام في " للذين يؤلون " كما يقولون لك مني النصرة والمعونة. والصحيح أن الايلاء يستغنى عن من، والمعروف آلى عن امرأته. والأحسن من هذا كله أن يكون " من " ههنا للتبعيض، أي من آلى من جملة نسائه على واحدة أو على بعضهن أو على جميعهن. وقال النحويون: اللام يفيد الاستحقاق، كما يقول اللعن للكفار. # وقوله " من نسائهم " يتعلق بالظرف كما يقول لك مني نصرة ولك مني معونة أي للمولين من نسائهم تربص أربعة أشهر، وليس من يتعلق يؤلون، لان اللغة يحكم أن يقال آلى على امرأته. وقول القائل آلى فلان من امرأته، وهم انما توهمه من هذه الآية لما سمع الله تعالى يقول " للذين يؤلون من نسائهم " ظن أن من # PageV02P202 # يتعلق بيؤلون، فكرروا في كتاب الايلاء " إلى من امرأته " والصواب ما ذكرته. # (فصل) (في اللعان) قال الله تعالى " والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء الا أنفسم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله انه لمن الصادقين " (1. # إذا قذف الرجل امرأته بالفجور وادعى أنه رأى معها رجلا يفجر لها مشاهدة ولم يقم به أربعة من الشهود كان عليه ملاعنتها، وكذلك إذا انتفى من ولد زوجة له في حباله أو بعد فراقها مدة الحمل. ومعنى الآية ان من رمى زوجته بالزنا تلاعنا إذا لم تكن صماء أو خرساء إذا لم يكن له شهود أربعة. # والملاعنة أن يبدأ الرجل فيحلف بالله انه صادق فيما رماها به. ويحتاج أن يقول " أشهد بالله اني لصادق "، لان شهادته أربع مرات تقوم مقام أربعة شهود في دفع الحد عنه، ثم يشهد الخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين فيما رماها به. وإذا جحدت المرأة ذلك شهدت أربع شهادات انه لمن الكاذبين فيما رماها به، وتشهد الخامسة أن غضب الله عليها إن كان ms408 من الصادقين. # ثم يفرق بينهما ولا يجتمعان أبدا، كما فرق رسول الله صلى الله عليه وآله بين هلال بن أمية وزوجته وقضى أن الولد لها ولا يدعى لأب، ولا ترمى هي ولا يرمى ولدها. # وعند أصحابنا انه لا لعان بينهما ما لم يدخل بها. واللعان عندنا يحصل بتمام اللعان من غير حكم الحاكم. وتمام اللعان انما يكون إذا تلاعن الرجل والمرأة جميعا على ما ذكرنا. # PageV02P203 # (فصل) (في الارتداد) قال الله تعالى " من يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر " (1 وقال سبحانه " ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن " (2. # استدل بعض المفسرين بمجموع الآيتين على أن المرتد عن الاسلام تبين عنه امرأته لعموم الآيتين. # وعندنا أن المرتد على ضربين: # فإن كان مسلما ولد على فطرة الاسلام فقد بانت منه امرأته في الحال وقسم ماله بين ورثته ووجب عليه القتل من غير أن يستتاب وتعتد زوجته عدة المتوفى عنها زوجها. # وإن كان المرتد ممن كان أسلم عن كفر ثم ارتد استتيب، فان عاد كان عقد زوجته ثابتا، وان لم يرجع كان عليه القتل، وان هرب إلى دار الحرب تعتد زوجته ثلاثة أشهر. # والأولى أن نقول: ان هذا الحكم يعلم بالسنة، قال الله تعالى " وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم " وقال تعالى " آتاكم الرسول فخذوه " فتدل الآيتان عليه جملة أو من فحوى كل واحدة من الآيتين. # (باب الزيادات) انما خص الله المؤمنات في قوله تعالى " يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم # PageV02P204 # المؤمنات " (1 لئلا ينكح المؤمنون الاكل مؤمنة عفيفة، كما قال عليه السلام: # تخيروا لنطفكم. فيجب أن يتنزه عن مزاوجة الفواسق والفواجر والكوافر. # وفائدة ثم في قوله " ثم طلقتموهن " نفي التوهم عمن عسى تفاوت الحكم بين أن يطلقها وهي قريبة العهد من النكاح وبين أن يبعد عهدها من النكاح ويتراخى بها المدة في حبالة الزوج ثم يطلقها. # وقرئ " تعتدونها " مخففا، أي تعتدون فيها، والمراد بالاعتداء ما في قوله " ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا " (2. # والعامل في الظرف من قوله " إذا نكحتم " ما يتعلق به ms409 لكم، والتقدير إذا نكحتم المؤمنات " ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن " لم يثبت لكم عليهن عدة. # والسراح الجميل هو دفع المتعة بحسب الميسرة والعشرة بغير جفوة ولا أذية. # وعن حبيب بن أبي ثابت قال: كنت قاعدا عند علي بن الحسين عليهما السلام فجاء رجل فقال: اني قلت: يوم أتزوج فلانة فهي طالق. فقال: اذهب وتزوجها فان الله تعالى بدأ بالنكاح قبل الطلاق، وقرأ هذه الآية (3. # مسألة: # ان قيل: قد أمر الله بطلاق العدة في قوله تعالى " فطلقوهن لعدتهن " (4، فكيف تقدمون أنتم طلاق السنة على طلق العدة؟ # قلنا: ان طلاق السنة أيضا طلاق العدة الذي ذكره الله، الا أن أصحابنا قد اصطلحوا على أن يسموا الطلاق الذي لا يزاد عليه [بعد المراجعة طلاق # PageV02P205 # السنة والطلاق الذي يزاد عليه] (1 شرط المراجعة طلاق العدة. ومما يعضده ما روى بكير بن أعين عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال: الطلاق أن يطلق الرجل المرأة على طهر من غير جماع ويشهد رجلين عدلين على تطليقه ثم هو أحق برجعتها ما لم تمض ثلاثة قروء، فهذا الطلاق الذي أمر الله به في القرآن وأمر به رسول الله في سنته، وكل الطلاق لغير العدة فليس بطلاق (2. # وعن حريز: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن طلاق السنة فقال: على طهر من غير جماع بشاهدي عدل، ولا يجوز الطلاق الا بشاهدين والعدة، وهو قوله " فطلقوهن لعدتهن " الآية (3. # مسألة: # عن زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: سألته عن رجل قال لامرأته: # أنت علي حرام. قال: لو كان لي عليه سلطان لأوجعت رأسه وقلت: الله أحلها لك فمن حرمها عليك، انه لم يزد على أن كذب فزعم أن ما أحل الله له حرام ولا يدخل عليه طلاق ولا كفارة. فقلت: يقول الله " يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضاة أزواجك والله غفور رحيم * قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم " (4 فجعل عليه فيه الكفارة. فقال: انما حرم عليه جاريته مارية فحلف أن لا يقربها، ms410 وانما جعل عليه الكفارة في الحلف ولم يجعل عليه في التحريم (5. # وهذا إشارة إلى الايلاء. # PageV02P206 # مسألة: # فان قيل: ان أخلعت الزوجة في مرضها بأكثر من مهر مثلها هل يصح ذلك أم لا؟ وان صح فهل يكون ذلك من صلب مالها أم لا؟ # قلنا: الخلع على هذا صحيح، لان المرض لا يبطل المخالعة بمهر المثل أو أكثر منه، ويكون ذلك من صلب مالها لقوله تعالى " ولا جناح عليهما فيما افتدت به "، ولم يفرق بين حال المرض وغيره، فوجب حمله على عمومه الا أن يدل دليل. # مسألة: # فان قيل: كيف عدى قوله " للذين يؤلون " بمن وهو معدى بعلى؟ # قلنا: قد ضمن في هذا القسم المخصوص معنى البعد، فكأنه قيل يبعدون من نسائهم مؤلين أو مقسمين، ويجوز أن يراد لهم من نسائهم تربص أربعة أشهر، كقولك " لي منك كذا ". # والايلاء من المرأة أن يقول " والله لا أقربك أربعة أشهر فصاعدا " أو " لا أقربك على الاطلاق ". ولا يكون فيما دون أربعة أشهر. # فان قيل: كيف موضع الفاء في قوله تعالى " فان فاؤا ". # قيل: موقع صحيح، لان قوله " فان فاؤا " " وان عزموا " تفصيل لقوله " للذين يؤلون "، والتفصيل يعقب المفصل، كما تقول: انا نزيلكم هذا الشهر فان أحمدتكم أقمت عندكم إلى آخره والا لم أقم الا ريثما أتحول. # مسألة: # وقوله تعالى " والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء " أراد المدخول PageV02P207 # بهن التي تحيض. واللفظ مطلق في تناول الجنس صالح لكله وبعضه، فجاء في أحد ما يصلح له كالاسم المشترك. # وفي ذكر الأنفس ههنا تهييج لهن على التربص وزيادة بعث، وذلك أن أنفس النساء طوامح إلى الرجال، فأمرن أن يقمعن أنفسهن ويغلبنا على الطموح ويجبرنها على التربص. # وفى قوله تعالى " تربص أربعة أشهر " لأنهن يستنكفن هناك فلم يحتج إلى ذكر أنفسهن. # مسألة: # فان قيل: هل يصح الايلاء من الذمي؟ # قلنا: يصح منه ذلك، لقوله تعالى " للذين يؤلون من نسائهم " وهذا عام في الذمي والمسلم. PageV02P208 # كتاب العتق وأنواعه قال الله تعالى " وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه " (1. # هذه ms411 الآية نزلت في زيد بن حارثة وكان النبي صلى الله عليه وآله أعتقه (2. # وانعام الله عليه الذي ذكره الله في الآية هو الاسلام وقد وفقه له، وانعام النبي عليه السلام عتقه. # خاطب الله محمدا فقال: أذكر حين تقول للذي أنعم الله عليه بالهداية إلى الايمان وأنعمت عليه بالعتق " أمسك عليك زوجك " أي احبسها ولا تطلقها، لان زيدا جاء إلى النبي عليه السلام مخاصما زوجته زينب بنت جحش على أن يطلقها، فوعظه النبي وقال له: لا تطلقها واتق الله في مفارقتها. # " وتخفي في نفسك ما الله مبديه " فالذي أخفى في نفسه أنه ان طلقها زيد. # تزوجها وخشي من اظهار هذا للناس، وكان الله أمره بتزوجها إذا طلقها زيد. # " فلما قضى زيد منها وطرا " أي لما طلق زيد امرأته أذن الله لنبيه في # PageV02P209 # تزويجها وأراد بذلك نسخ ما كان عليه الجاهلية من تحريم زوجة الدعي، وهو قوله تعالى " لكيلا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم ". # فهذه الآية تدل على أن في العتق فضلا كثيرا وثوابا جزيلا، ألا ترى أنه تعالى كنى عنه بقوله " أنعمت عليه ". # ويستحب عتق المؤمن المستبصر، فان الانعام عليه أحسن. # ولا عتق الا ما أريد به وجه الله. # والعتق لا يصح ولا يقع بغير نية. # وكل آية تنطق بتحرير الرقبة في الكفارات فإنها تدل على جواز العتق بل على فضله وانه من أكرم الاحسان وأفضل الانعام. ولا خلاف في جوازه والفضل فيه بين الأمة. # والعنق على ضربين واجب وندب، ويدخل كلا وجهيه تحت قوله تعالى " ان الله يأمر بالعدل والاحسان " (1، فالامر بالعدل على وجه الايجاب وبالاحسان على وجه الندب. # فان قال " كل عبد أملكه فهو حر " لا يقع به عتق وان ملك في المستقبل الا أن يجعل ذلك نذرا على نفسه. # وإذا قال " كل عبد لي قديم فهو حر " فمن كان أتى له ستة أشهر من مماليكه صار حرا، قضى به أمير المؤمنين عليه السلام وتلا قوله تعالى " والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم " (2، وقد ثبت أن ms412 العرجون انما ينتهي إلى الشبه بالهلال في تقويه وضؤلته بعد ستة أشهر من أخذ الثمرة منه. # PageV02P210 # (باب) (من إذا ملك العتق في الحال) قال الله تعالى " حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم " (1 الآية. # يستدل بذلك - بعد الاجماع والسنة - على أنه متى ملك الانسان أحد والديه أو ولده ذكرا كان أو أنثى أو أخته أو عمته أو خالته أو واحدة من المحرمات عليه في النكاح من ذوي أرحامه انعتقوا في الحال ولم يثبت لهم معه استرقاق على حال. # وكل من ذكرناه من المحرمات من جهة النسب فان استرقاقهم لا يثبت، فإنهم إذا كانوا من جهة الرضاع لا يثبت استرقاقهم أيضا، لان التحريم عام لقوله عليه السلام يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب (2، على أنه لا يصح ملكهن من جهة الرضاع. # وقوله " وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة " يدل فحوى هذه الآية على تحريم البنات والعمات والخالات وبنات الأخ وبنات الأخت من الرضاع على ما تقدم في كتاب النكاح. # وقوله تعالى " وقالوا اتخذ الرحمن ولدا " إلى قوله " وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا ان كل من في السماوات والأرض الا آتي الرحمن عبدا " (3. فيه دلالة على أن النبوة والعبودية لا تجتمعان، وانه إذا ملك الانسان ابنه عتق عليه. # PageV02P211 # ويستحب للانسان إذا ملك من سواهم من ذوي أرحامه أن يعتقه، فان ملك أخاه أو ابن أخيه وابن أخته أو عمه أو خاله وغيرهم من الرجال فلا بأس، والأولى عتقه. # (باب) (من يصح ملكه ومن لا يصح) قال الله تعالى " ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا " (1 يدل بعمومه على أن الكافر إذا اشترى عبدا مسلما فالبيع باطل، وكذلك ان أسلم مملوك لذمي لا يقر عنده بل يباع من مسلم ويعطى ثمنه الذمي. # ولا بأس أن يشتري الانسان ما يسبيه الظالمون إذا كانوا مستحقين للسبي. # ولا بأس أن يشتري من أهل الحرب أولادهم. ويجوز وطئ من هذه صفتها، وإن كان فيه الخمس لمستحقيه لم يصل إليهم لأنهم جعلوا شيعتهم من ذلك ms413 في حل وسعة. # وكل من قامت البينة على عبوديته - سواء كان بالغا أو لم يكن - جاز تملكه، وكذا من أقر على نفسه بالعبودية وكان بالغا. والدليل على جميع ذلك كل آية تدل على صحة الاقرار والبينة. # والله تعالى بين وجه حكمته في إباحة الاسترقاق بقوله " أنظر كيف فضلنا بعضهم على بعض " (2، بأن جعلنا بعضهم أغنياء وبعضهم فقراء، وبعضهم موالي وبعضهم عبيدا واماءا، وبعضهم مرضى وبعضهم أصحاء بحسب ما علمنا من مصالحهم. # PageV02P212 # " وللآخرة أكبر درجات " فذلك أولى أن يرغب فيه، فقد يكون كثير من المماليك خيرا من ساداتهم وان كانوا جميعا مسلمين، وكذا الفقير والغني جميعه نوع من التكليف. # (باب) (بيع أمهات الأولاد) أم الولد هي التي تلد من مولدها، سواء كان ما وضعته تاما أو غير تام وان أسقطت نطفة. ويجوز بيعها بعد وفاة أولادها، والدليل عليه قول الله تعالى " وأحل الله البيع وحرم الربا " (1، وهذا عام في أمهات الأولاد وغيرهن. # فان قيل: قد أجمعنا على أن قوله " وأحل الله البيع " مشروط بالملك، فان بيع مالا يملكه لا يجوز. # قلنا: الملك باق في أم الولد بلا خلاف، لان وطؤها مباح له، ولا وجه لاباحته الا بملك اليمين. # ويدل عليه أيضا أنه لا خلاف في جواز عتقها بعد الولد ولو لم يكن الملك لما جاز العتق، وكذلك أجمعوا على أن قاتلها لا يجب عليه الدية وانما يجب عليه قيمتها إذا كانت دون دية الحرة أو مثلها، وكذلك يجوز مكاتبتها وأن يأخذ سيدها ما كاتبها عليه عوضا عن رقبتها. وهذا كله يدل على بقاء الملك. # وحمل ذلك على الرهن وان ملك الشئ المرهون هو باق للراهن وان لم يجز بيعه، فذلك قياس ونحن لا نقول به. # على أنهم إذا سلموا بقاء الملك في أمهات الأولاد فبقاؤه يقتضي استمرار أحكامه، وإذا ادعوا فيه النقصان طولبوا بالدلالة ولم يجدوها. على أنه لو سلمنا # PageV02P213 # نقصان الملك تبرعا لجاز أن نحمله على أنه لا يجوز بيعها مع ولدها. وهذا ضرب من النقصان. # ويدل على ذلك أيضا ms414 قوله تعالى " والذين هم لفروجهم حافظون * الا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم " (1، وقد علمنا أن للمولى أن يطأ أم ولده، وانما يطأها بملك اليمين لأنه لا عقد ههنا، وإذا جاز أن يطأها بالملك جاز أن يبيعها بعد وفاة ولدها كما جاز ذلك في سائر جواريه. # (باب الولاء) قال الله تعالى " فإخوانكم في الدين ومواليكم " (2 والمراد بمواليكم مماليككم الذين أنتم بهم أولى. وهذا المعنى فيهم على العموم، فيكون الولاء لمعتق الذي أنعم عليه بأن أعتقه تبرعا لا في واجب كما قال تعالى في حق زيد. # ولهذا نقول: الولاء انما يثبت في العتق الذي ليس بواجب بل يكون على سبيل التبرع، وأما إن كان العتق في أمر واجب ككفارة ظهار أو كفارة قتل أو افطار في شهر رمضان أو نذر أو يمين أو ما أشبه ذلك من جهات الواجب، فان الولاء يرتفع منه والمعتق سائبة لا ولاء للمعتق عليه، فلا يدخل تحت الآية، لان العتق على سبيل التبرع هو الانعام والاحسان عليه واليه، والى ذلك أشار سبحانه بقوله " وأنعمت عليه " (3. # ولولا النصوص من أئمة الهدى عليهم السلام في هذا المعنى لما كان لاحد أن يتكلم في مثله من القرآن (4. # PageV02P214 # وولاء المعتق في واجب لمن تضمن جريرته خاصة، وميراثه له إذا لم يكن له ذو رحم مسلم حر، سواء كان المتضمن لحدثه معتقه أو سواه، فقوله " والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم " (1 منسوخ فيمن لا قرابة له دون من ليس له أحد منهم. # وان لم يتضمن جريرته أحد فولاؤه للامام وحدثه الخطأ المحض بالشهادة عليه. # وليس للولاء قسم آخر سوى هذه الثلاثة، فان توفي هذا المعتق وله زوجة فلها الربع والباقي لسيده الذي أعتقه تطوعا أو يرد إلى ضامن جريرته أو إلى الامام إذا أعتق في واجب ولم يضمن جريرته أحد. # (باب) (ان المملوك لا يملك شيئا) قال الله تعالى " ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شئ " (2 في هذه الآية دلالة على أن المملوك لا يملك شيئا من ms415 الأموال ما دام رقا، لان قوله " مملوكا لا يقدر على شئ " ليس المراد به نفي القدرة لأنه قادر، وانما المراد أنه لا يملك التصرف في الأموال، وذلك عام في جميع ما يملك ويتصرف فيه. # فان ملكه مولاه شيئا ملك التصرف فيه بجميع ما أباح له سيده وأراده، فان أصيب العبد في نفسه بما يستحق به الأرش كان له ذلك وحل له التصرف فيه وليس له رقبة المال على وجه. # (باب المكاتبة) قال الله تعالى " والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم ان # PageV02P215 # علمتم فيهم خيرا (1 ومعناه ان للانسان إذا كان له أمة أو عبد يطلب المكاتبة، وهي أن يقوم على نفسه وينجم عليه [ليؤدي قيمة نفسه إليه، فإنه يستحب لسيده أن يجيبه إلى ذلك ويساعده عليه] (2، لدلالة قوله " فكاتبوهم ان علمتم فيهم خيرا " وهذا أمر ترغيب عند الفقهاء، وأما عند الطبري وعمر بن دينار وعطاء هو واجب عليه إذا طلب. # والمكاتبة على ضربين: مشروط ومطلق. # فصورة الكتابة المطلقة أن يقول الانسان لعبده أو أمته: قد كاتبتك على أن تعطيني كذا وكذا دينارا أو درهما في نجوم معلومة (3 على انك إذا أديت ذلك فأنت حر، فيرضى العبد ويكاتبه عليه، ويشهد بذلك على نفسه. فمتى أدى مال الكتابة في النجوم التي سماها صار حرا، فان عجز عن أداء ذلك ينعتق بحساب ما أدى ويبقى مملوكا بحساب ما بقي عليه. # وان كانت الكتابة مشروطة، وهي أن يقول لبعده في حال المكاتبة: متى عجزت عن أداء قيمتك فأنت رد في الرق ولى جميع ما أخذت منك. فمتى عجز عن ذلك - وحد العجز هو أن يؤخر نجما إلى نجم أو يعلم من حاله أنه لا يقدر على أداء ثمنه - فإنه يرجع رقا وجاز لمولاه رده إلى الرق. # وقوله تعالى " ان علمتم فيهم خيرا " الخير الذي يعلم منه هو القوة على التكسب بحيث يحصل به مال الكتابة. وقال الحسن: معناه ان علمتم منهم صدقا. وقال ابن عباس وعطا: ان علمتم لهم مالا. وقال ابن ms416 عمر: ان علمتم فيهم قدرة على التكسب، قال لأنه إذا لم يقدر على ذلك أطعمني أوساخ أيدي الناس. # PageV02P216 # (فصل) ولا يجوز للسيد أن يكاتب عبده حتى يكون عاقلا، فإن كان مجنونا لم يجز مكاتبته، لقوله تعالى " فكاتبوهم ان علمتم فيهم خيرا "، والخير الكسب والأمانة، لأنه تعالى قال " والذين يبتغون الكتاب " والمجنون لا ابتغاء له. # والمكاتبة مشتقة من الكتب، وهو الضم والجمع، لأنه ضم أجل إلى أجل في عقد المعاوضة على ذلك. # ودليل جوازها قوله تعالى " والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم " فأمر بالكتابة. # فإذا ثبت هذا فمتى دعا العبد سيده إلى مكاتبته - والحال ما ذكرناه في الآية - فالمستحب له أن يجيبه إلى ذلك وليس بواجب، سواء دعاه إلى ذلك بقيمة مثله أو أقل أو أكثر. # واختلفوا في الامر بالكتابة مع طلب المملوك لذلك وعلم مولاه أنه فيه خيرا: فقال عطا هو فرض، وقال مالك والثوري وابن زيد هو على الندب، وهو مذهبنا. # وقوله تعالى " وآتوهم من مال الله الذي آتاكم " (1 أمر من الله أن يعطي السيد مكاتبه من ماله الذي أنعم الله عليه، بأن يحط عنه شيئا منه. وروى أبو عبد الرحمن السلمي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: يحط عنه ربع مال الكتابة (2. # PageV02P217 # وقال سفيان: أحب أن يعطيه الربع أو أقل وليس بواجب. وقال ابن عباس: # أمره بأن يضع عنه من مال الكتابة شيئا. وقال الحسن: حثه الله على معونته. # وقال قوم: المعنى آتوهم سهمهم يا أرباب الأموال من الصدقة التي ذكرها في قوله " وفي الرقاب " ويكون السيد داخلا تحت عموم الخطاب أيضا، وهو مذهبنا. # (فصل) والمسلم إذا كان له عبد كافر فكاتبه لا تصح الكتابة، لقوله تعالى " ان علمتم فيهم خيرا " وهذا لا خير فيه، ولقوله " وآتوهم من مال الله الذي آتاكم " وهذا ليس من أهلها لان ذلك من الصدقة وليس الكافر من أهلها. # وروي أنه لكان لحويطب بن عبد العزى مملوك يقال له الصبيح، سأل مولاه أن يكاتبه فأبى فنزلت الآية (1. # ولا تنعقد عندنا ms417 الا بأجل، ومتى كانت بغير أجل معلوم كانت باطلة [وكذلك لابد أن يكون العوض معلوما، فإن لم يعين كانت باطلة] (2. # وأقل ما يجزي فيه أجل واحد عندنا، وعند بعضهم أجلان. # فان قيل: يجب أن تكون الكتابة جائزة بمال معجل ومؤجل كما يجوز البيع بمال معجل ومؤجل، إذ لم يذكر الله في واحد منهما أجلا. # قلنا: لفظ الكتابة يدل على التأجيل في ذلك، إذ لو كانت معجلة لم تكتب، ففارقت البيع. على أن الكتابة في الابة مجملة لا لها من بيان وقد بينها رسول الله صلى الله عليه وآله على ما ذكرنا، لقوله " وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ". # PageV02P218 # (باب التدبير) والقرآن يدل عليه على سبيل العموم من آية العتق، لأنه جنس من أجناس العتق. مع أنه نوع من الوصية. # والتدبير (1 هو أن يقول الرجل لمملوكه - عبده أو أمته -: أنت رق في حياتي وحر بعد وفاتي. فإذا نوى وقال ذلك ثبت له التدبير. وهو بمنزلة الوصية يجوز للمدبر نقضه ما دام فيه الروح، فمتى لم ينقضه ومات كان المدبر من الثلث. # والتدبير ليس بعتق مشروط، لان العتق بالشرط لا يصح على ما قدمنا، وانما هو وصية بالعتق منصوص عليه: مطلق ان يعلقه بموت مطلق فيقول " إذا مت فأنت حر "، والمقيد أن يقيد الموت بشئ يخرج به عن اطلاق فيقول: " ان مت من مرضي هذا أو في سفري هذا فأنت حر ". # وأي تدبير كان فإذا مات السيد نظرت فإذا احتمله الثلث عتق كله، فإن لم يكن له سواه عتق ثلثه إذا لم يكن عليه دين ودبره فرارا من الدين، فان دبره وعليه دين فرارا منه لم يصح تدبيره. فان دبره ثم استدان بعد ذلك صح التدبير على ما ذكرنا. # وصريح التدبير أن يقول: إذا مت فأنت حر أو محرر أو عتيق أو معتق. غير أنه لابد فيه من النية لوجه الله تعالى. وسمي مدبرا عن العتق عن دبر حياة سيده يقال دبر عبده تدبيرا، إذا علق عتقه لوتاته. # PageV02P219 # (باب ms418 الزيادات) أما قول الله تعالى " وإذ تقول للذي أنعم الله عليه " فمعناه أنعم تعالى عليه بالاسلام الذي هو أعظم النعم وبتوفيقك لعتقه ومحبته " وأنعمت عليه " (1 بما وفقك الله فيه، فهو منقلب في نعمة الله ونعمة رسوله وهو زيد بن حارثة. # وفي هذا إشارة إلى أن المستحب أن لا يعتق الانسان الا من أغنى نفسه ويقدر على اكتساب ما يحتاج إليه. # ومن أعتق صبيا فالأفضل أن يجعل له شيئا يعينه به على معيشته وينعم به عليه، لان النعمة إذا أتمت فهي نعمة. # ومن نذر أن يعتق رقبة مؤمنة غير معينة جاز له أن يعتق صبيا لم يبلغ الحلم مولودا بين مؤمنين أو بحكمه. # مسألة: # وقوله تعالى " والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم " الذين مبتدأ فيكون محله رفعا أو يكون منصوبا بفعل مضمر يفسره " فكاتبوهم " (2، كقولك زيدا فاضربه. ودخلت الفاء في ذلك لتضمنه معنى الشرط. # والكتاب والمكاتبة كالعتاب والمعاتبة، وهو أن يقول الانسان لمملوكه: # كاتبتك على ألف درهم. فإذا أداها عتق على ما ذكرناه. ومعناه كتبت لك على نفسي أن تعتق مني إذا وفيت بالمال ووفيته في أجله وكتبت على نفسك أن تفي لي بذلك. أو كتبت عليك الوفاء بالمال وكتبت علي العتق. # PageV02P220 # ويجوز عقد الكتابة على خدمته في مدة معلومة وعلى عمل معلوم موقت، مثل حفر بئر في مكان بعينه معلومة الطول والعرض، كما يجوز على مال، لعموم قوله تعالى " فكاتبوهم ان علمتم " فإنه يتناول جميع ذلك إذ لم يخصص سبحانه مقدار الذي يكاتب عليه ولا جنسه. PageV02P221 # كتاب الايمان والنذور والكفارات اليمين المنعقدة هي أن يحلف الانسان بالله تعالى أو بشئ من أسمائه أي اسم كان (1. # ولا ينعقد الا بالنية، فمتى تجرد عن النية كان لغوا، قال الله تعالى " لا يؤاخذكم الله باللغو في ايمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الايمان " (2. # والنية انما يراعى فيها نية المستحلف إذا كان محقا بالظاهر، فإذا كان مبطلا على الحقيقة فيما يقول كانت النية نية الحالف. # أخبر تعالى أنه لا يؤاخذ بلغو اليمين، ولغو اليمين ms419 أن يسبق لسانه بغير عقيدة بقلبه، كأنه أراد أن يقول " لا والله " فقال " بلى والله ". # واختلفوا في لغو اليمين في هذه الآية: فقال ابن عباس هو ما يجري على اللسان عادة " لا والله " و " بلى والله " من غير عقد على يمين يقطع بها قال أو # PageV02P222 # يظلم بها أحد، وهو المروي عنهما عليهما السلام (1). وقال الحسن هي يمين الظان وهو يرى أنه كما حلف فلا اثم عليه ولا كفارة. وعن طاوس انها يمين الغضبان لا يؤاخذ منها بالحنث. وقال زيد بن أسلم هو قول الرجل " أعمى الله بصري " أو " أهلك الله مالي "، فيدعو على نفسه، قال تعالى " ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير لقضي إليهم أجلهم " (2. # وأصل اللغو الكلام الذي لا فائدة فيه، وكل يمين جرت مجرى مالا فائدة فيه حتى صارت بمنزلة ما لم يقع فهي لغو ولا شئ فيها، يقال لغا يلغو إذا تكلم بما لا فائدة فيه. واللغو في اللغة ما لم يعتد به. # والصحيح أن لغو اليمين هو الحلف عل وجه الغلط من غير قصد، مثل قول الفائل " لا والله " و " بلى والله " على سبق اللسان. # ولا كفارة في لغو اليمين عند أكثر المفسرين والفقهاء. # وقوله تعالى " عقدتم " و " عقدتم " بالتخفيف والتشديد المراد بها تأكيد الايمان حتى يكون بمنزلة العقد المؤكد، أو يكون المراد انكم عقدتموها على شئ، خلافا لليمين اللغو التي ليست معقودة على شئ، لان الفقهاء يسمون اليمين على المستقبل يمينا معقودة، وهي التي يتأتى فيها البر والحنث ويجب فيها الكفارة. # واليمين على الماضي عندهم ضربان لغو وغموس، فاللغو كقول القائل " والله ما فعلت كذا " في شئ يظن أنه لم يفعله، أو " والله لقد فعلت كذا " في شئ يظن أنه فعله، فهذه اليمين لا مؤاخذة فيها. وأما الغموس (3 فهي اليمين على # PageV02P223 # الماضي إذا وقعت كذبا، كقول القائل " والله ما فعلت " وهو يعلم أنه قد فعله. # فهذه اليمين كفارتها الاستغفار بشرطه لا غير. # (باب) (في أقسام الايمان وأحكامها) لما بين سبحانه أنه لا يؤاخذ ms420 على لغو اليمين بين بعده بقوله " ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الايمان " انه يؤاخذ بما عقد عليه قلبه ونوى. # وقرئ " عاقدتم و " عقدتم " بلا ألف مع تخفيف القاف وتشديدها. # ومنع الطبري من القراءة بالتشديد، قال: لأنه لا يكون الا مع تكرير اليمين والمؤاخذة تلزم من غير تكرير بلا خلاف. وهذا غير صحيح، لان تعقيد اليمين أن يعقدها بقلبه ولفظه، ولو عقد عليها في أحدهما دون الاخر لم يكن تعقيدا، وهو كالتعظيم الذي يكون تارة بالمضاعفة وتارة بعظم المنزلة. # قال أبو علي الفارسي: من شدد احتمل أمرين: أحدهما أن يكون لتكثير الفعل، فقوله " ولكن يؤاخذكم " مخاطب للكثرة، فهو مثل " وغلقت الأبواب " والاخر أن يكون عقد مثل ضعف، لأنه أراد به التكثير، كما أن ضاعف قد لا يراد به فعل من اثنين وإن كان أصله بين الاثنين. # وقال الحسن بن علي المغربي: في التشديد فائدة، وهي أنه إذا كرر اليمين على محلوف واحد فإذا حنث لم يلزمه الا كفارة واحدة. وفي ذلك بين الفقهاء خلاف، والذي ذكره قوي. ومن قرأ بالتخفيف جاز أن يريد به الكثير من الفعل والقليل. # و " عاقدتم " يراد به عقدتم، كما يقال عافاه الله. ويحتمل أن يكون يقتضى فاعلين، كأنه قال يؤاخذكم بما عاقدتم عليه اليمين. ولما كان عاقد في المعنى PageV02P224 # قريبا من عاهد عداه بعلى كما يعدى بها عاهد، قال تعالى " ومن أوفى بما عاهد عليه الله " (1، والتقدير يؤاخذكم بالذي عاقدتم عليه، ثم حذف الراجع فقال " عاقدتم الايمان ". # ويجوز أن تكون ما مصدرية فيمن قرأ " عقدتم " بالتخفيف والتشديد، فلا يقتضى راجعا كما لا يقتضيه في قوله تعالى " بما كانوا يكذبون ". والقراءات الثلاث يجب العمل بها على الوجوه الثلاثة، لان القراءتين فصاعدا إذا صحت فالعمل بها واجب لأنها بمنزلة الآيتين والآيات، على ما ذكرنا في قوله تعالى " يطهرن " و " يطهرن ". # (فصل) واليمين على ثلاثة أقسام: # أحدها: عقدها طاعة وحلها معصية، فهذا يتعلق بحنثها كفارة بلا خلاف، كقوله: والله لا أشرب خمرا ولا أقتل نفسا ظلما. # والثاني: عقدها معصية وحلها ms421 طاعة، كقوله: والله لا أصلي ولا أصوم. فإذا حنث بالصلاة والصوم فلا كفارة عندنا عليه. # والثالث: أن يكون عقدها مباحا، كقوله: والله لا ألبس هذا الثوب. فمتى حنث تعلق به الكفارة إذا لم يكن لبسه أولى. وكذا إذا حلف أنه لا يشرب من لبن عنز له ولا يأكل من لحمها وليس به حاجة إلى ذلك لم يجز له شرب لبنها ولا لبن أولادها ولا أكل لحومهن، فان اكل أو شرب مع ارتفاع الحاجة كانت عليه الكفارة، وان اكل أو شرب لحاجة فليس عليه شئ. # فعلى هذا تكون الايمان على ضربين: أحدهما ما لا كفارة عليه، والثاني # PageV02P225 # يجب فيها الكفارة. فما لا كفارة فيه هو اليمين على الماضي إذا كان كاذبا فيه وإن كان آثما، مثل أن يحلف أنه ما فعل وكان فعل أو حلف أنه فعل وما كان فعل، فهاتان لا كفارة فيهما عندنا وعند أكثر الفقهاء. # وكذلك إذا حلف على مال لتقطيعه فليس له أن يقتطع ولا كفارة عليه ويلزمه الخروج مما حلف عليه والتوبة، وهي اليمين الغموس. # ومنها أن يحلف على أمر فعل أو ترك وكان خلاف ما حلف عليه أولى من المقام عليه، فليخالف ولا كفارة عليه عندنا. وما فيه كفارة فهو أن يحلف على أن يفعل أو يترك وكان الوفاء به واجبا أو ندبا أو كان فعله وتركه سواء، فمتى حالف كان عليه الكفارة. # (فصل) وقوله " فكفارته " الهاء يحتمل رجوعها إلى أحد ثلاثة أشياء: أحدها إلى ما مر من قوله " بما عقدتم الايمان "، الثاني إلى اللغو، الثالث إلى حنث اليمين لأنه مدلول عليه. والصحيح الأول. # ثم قال " اطعام عشرة مساكين " وانما ذكر بلفظ التذكير تغليبا للتذكير في كلامهم، لأنه لا خلاف أنه لو أطعم الإناث لأجزأه. # وقد حده أصحابنا بأن يعطي كل واحد مدين أو مدا منفردا أو يجمعهم على ما هذا قدره ليأكلوا، ولا يجوز أن يعطي خمسة ما يكفي عشرة. وهل يجوز اعطاء القيمة؟ فيه خلاف، والظاهر أنه لا يجزي والروايات تدل على جوازه. ms422 # وانما ذكر الكفارة في الآية لان التوبة من كل ذنب يعلم وجوبها على الجملة وليس تجب الكفارة على كل ذنب، لان المعنى فكفارته الشرعية كذا، وحكم التوبة معلوم من الشرع فلذلك لم يذكر. PageV02P226 # وقوله " من أوسط ما تطعمون أهليكم " فيه قولان: # أحدهما: الخبز واللحم دون الادم، لان أفضله الخبز واللحم والتمر وأوسطه الخبز والزيت أو السمن وأدونه الخبز والملح. # الثاني: أوسطه في المقدورات، فكنت تشبع أهلك أولا تشبعهم بحسب اليسر والعسر فتقدير ذلك. هذا قول ابن عباس، وعندنا يلزمه أن يعطي كل مسكين مدين، وقال قوم يكفيه مد، وروي ذلك في أخبارنا (1 فالأول للمغني الواجد والثاني لمن دونه في الغنى. # وقوله " أو كسوتهم " فالذي رواه أصحابنا أنه ثوبان لكل واحد مئزر وقميص وعند الضرورة قميص (2، وقال الحسن ثوب. # وقوله " أو تحرير رقبة " فالرقبة التي تجزي في هذه الكفارة كل رقبة كانت سليمة من العاهة صغيرة كانت أو كبيرة مؤمنة كانت أو كافرة، والمؤمنة أفضل لان الآية مبهمة مطلقة وفيه خلاف، وما قلناه قول أكثر المفسرين من الحسن وغيره ومعنى تحرير رقبة جعلها حرة، وهذه الثلاثة الأشياء بلا خلاف، وعندنا أيضا واجبة على التخيير، وقال قوم الواجب منها واحد لا بعينه. # والكفارة قبل الحنث لا تجزي، وفيه خلاف. # " فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام " أي فكفارته صيام ثلاثة أيام. وحد من ليس بواجد هو من ليس عنده ما يفضل عن قوته وقوت عياله يومه وليلته، كما ذكرناه في باب الصوم. # وصوم هذه الأيام الثلاثة متتابع، ويقويه قراءة ابن مسعود وأبي " صيام ثلاثة أيام متتابعات ". # PageV02P227 # وعن علي بن أبي حمزة: سألت أبا عبد الله عليه السلام عمن قال " والله " ثم لم يف [به] قال: كفارته اطعام عشرة مساكين مدا مدا دقيق أو حنطة، أو تحرير رقبة، أو صيام ثلاثة أيام متوالية إذا لم يجد شيئا (1. قلت: ما حد من لم يجد، فان الرجل يسأل في كفه وهو يجد. قال: إذا لم يكن عنده فضل من قوت عياله فهو لا يجد (2. # وعن ms423 ابن عباس: كل صيام في القرآن متتابع الا قضاء رمضان. # ثم قال " ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم " أي حنثتم " فاحفظوا أيمانكم " أي احفظوها من أن تحلفوا بها، ومعناه لا تحلفوا، وقيل معناه احفظوها من الحنث، وهو الأقوى لان الحلف مباح الا في معصية بلا خلاف، وقيل مكروه في حال الصدق وانما الواجب ترك الحنث. وذلك يدل على أن اليمين في المعصية غير منعقدة، لأنها لو انعقدت للزم حفظها، وإذا لم تنعقد لم تلزمه كفارة على ما بيناه. # (باب) (حفظ اليمين) اعلم أن من حلف بالله أنه يفعل قبيحا أو يترك واجبا لم تنعقد يمينه ولم تلزمه كفارة إذا فعل ما حلف أنه لا يفعله أو لم يفعل ما حلف أنه يفعله. والدليل عليه أن انعقاد اليمين حكم شرعي بغير شبهة، وقد علمنا بالاجماع انعقاد اليمين إذا كانت على طاعة أو مباح، فإذا تعلقت بمعصية فلا اجماع ولا دليل يوجب العلم على انعقادها، فوجب نفي انعقادها لانتفاء دليل شرعي عليه. # PageV02P228 # والذي يكشف عن صحة ما ذكرناه ان الله تعالى أمرنا بقوله " واحفظوا أيمانكم " (1 بأن نحفظ ايماننا ونقيم عليها كقوله " أوفوا بالعقود " (2، فاليمين المنعقدة هي التي يجب حفظها والوفاء بها، ولا خلاف ان اليمين على المعصية بخلافه فيجب أن تكون غير منعقدة، وإذا لم تنعقد فلا كفارة فيها. # وقال أبو عبد الله الصادق عليه السلام: لا تحلفوا بالله صادقين ولا كاذبين، فان الله عز وجل قد نهى عن ذلك فقال " ولا تجعلوا الله عرضة لايمانكم " (3، ثم قال: من حلف بالله فليصدق ومن لم يصدق فليس من الله، ومن حلف له بالله فليرض ومن لم يرض فليس من الله (4. # ولو حلف الرجل أن لا يحك أنفه لابتلي به (5. # فقوله تعالى " ولا تجعلوا الله عرضة لايمانكم " يدل على أن الحلف صادقا مكروه وفي حال الكذب محظور، لان اللفظ الواحد يجوز أن يراد به معنيان مختلفان. # (فصل) وقوله تعالى " ولا تجعلوا الله عرضة لايمانكم أن تبروا " (6 أي لا تجعلوا اليمين بالله مبتذلة في ms424 كل حق وباطل لان تبروا في الحلف فيها وتبقوا الاثم # PageV02P229 # فيها، وهو المروي عن عائشة لأنها قالت: لا تحلفوا به وان بررتم (1. وبه قال الجبائي، وهو المروي عن أئمتنا عليهم السلام (2. # وأصله على هذا معترض بالبذل، لا تبذل يمينك في كل حق وباطل. وقيل في معناه قولان آخران: # أحدهما: ان العرضة علة، كأنه قيل لا تجعلوا اليمين بالله علة مانعة من البر والتقوى من حيث تعمدوا لتعتلوا بها وتقولوا قد حلفنا بالله ولم تحلفوا به. هذا قول الحسن، وأصله في هذا الوجه الاعتراض به بينكم وبين البر والتقوى للامتناع منهما، لأنه قد يكون المعترض بين شيئين مانعا من وصول أحدهما إلى الاخر، فالعلة مانعة لهذا المعترض. وقيل: العرضة المعترض، قال الشاعر: # * فلا تجعليني عرضة للوائم (3 * الثاني: عرضة حجة، كأنه قيل لا تجعلوا اليمين بالله حجة في المنع أن تبروا وتتقوا بأن تكونوا قد سلف منكم يمين ثم يظهر أن غيرها خير منها، فافعلوا الذي هو خير ولا تحتجوا بما سلف من اليمين. # والأصل في هذين القولين واحد، لأنه منع من جهة الاعتراض بعلة أو حجة. # وقيل إن أصل عرضة قوة، فكأنه قيل ولا تجعلوا الحلف بالله قوة لايمانكم في ألا تبروا، وعلى هذا يكون الأصل العرض، لان بالقوة يتصرف في العرض والطول، فالقوة عرضة لذلك. فتقدير أول هذين القولين لا تجعل الله مانعا من # PageV02P230 # البر والتقوى باعتراضك به حالفا، وتقدير ثانيهما لا تجعل الله بما تحلف به دائما باعتراضك بالحلف من كل حق وباطل لتكون من البررة والأتقياء. # وقيل في معنى قوله " أن تبروا " ثلاثة أقوال: أحدها لان تبروا على معنى الاثبات، الثاني أن يكون على معنى لدفع أن تبروا أو لترك أن تبروا، الثالث على تقدير ألا تبروا، وحذفت " لا " لأنه في معنى القسم كقول امرئ القيس: # فقلت يمين الله أبرح قاعدا * ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي أي لا أبرح، هذا قول أبى عبيد. وأنكر هذا أبو العباس، لأنه لما كان معه " أن " بطل أن يكون جواب القسم. ms425 # وفي موضع " أن تبروا " ثلاثة أقوال: # أحدها: أن موضعه الخفض، فحذف اللام - عن الخليل والكسائي. # الثاني: موضعه النصب، قال سيبويه لما حذف الخافض وصل الفعل - وهو القياس. # الثالث: قال قوم موضعه الرفع على أن يكون التقدير أن تبروا وتتقوا فتصلحوا بين الناس أولى، وحذف أولى لأنه معلوم المعنى أجازه الزجاج. # وقال بعض المفسرين: فعلى هذا إذا حلف أن لا يعطي زيدا من معروفه ثم رأى أن بره خير أعطاه ونقض يمينه (1. # وعندنا لا كفارة عليه وجوبا وان كفر كان ندبا، وانما جاز ذلك لأنه لا يخلو من أن يكون حلف يمينا جائزة أو غير جائزة، فان كانت جائزة فهي مقيدة بأن لا يرى ما هو خير، فليس في هذا مناقضة للجائز، وان كانت غير جائزة فنقضها غير مكروه. # ثم قال " لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت # PageV02P231 # قلوبكم " (1 أي لا يلزمكم كفارة في الدنيا ولا عقوبة في الآخرة على اليمين التي تقع منكم لغوا على ما ذكرناه. # (فصل) ومن حلف أن يؤدب غلامه بالضرب جاز له تركه ولا يلزمه الكفارة، قال الله تعالى " وان تعفوا أقرب للتقوى " (2 على أنه يمكنه التورية، وإن كان حلف مثلا ان يضربه مائة على ما أمره الله تعالى " وخذ يبدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث " (3. # ومن حلف أن لا يكلم زيدا حينا وقع على ستة أشهر، والدليل على بعد اجماع الطائفة قوله تعالى " تؤتي أكلها كل حين باذن ربها " (4. روى عن ابن عباس أن المراد به ستة أشهر، وهذا مروي عن أئمتنا عليهم السلام (5. # وقيل: ان الاستدلال عليه من القرآن أن يقال: ان اسم " الحين " يقع في القرآن على أشياء مختلفة: يقع على الزمان كله في قوله سبحانه " فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون " (6 وانما أراد زمان الصباح والمساء كله، ومما يقع عليه اسم الحين أيضا من قوله تعالى " ومتعناهم إلى حين " (7 فالمراد به وقت مبهم، # PageV02P232 # وقال عبد الله بن عباس في قوله تعالى " تؤتي اكلها كل حين ms426 " هو ستة أشهر، ومما يقع عليه اسم الحين أيضا أربعون سنة، قال الله تعالى " هل أتى على الانسان حين من الدهر " (1 فذكر المفسرون انه تعالى أراد أربعين سنة (2. # ومع اشتراك اللفظ لابد من دلالة في حمله على البعض، لما روت الامامية عن أئمتها عليهم السلام انه ستة أشهر وأجمعوا عليه كان ذلك حجة في حمله على ما ذكرنا، والله أعلم بالصواب. # (باب) (أقسام النذور والعهود وأحكامها) قال الله تعالى " وما أنفقتم من نفقة أو نذرتم من نذر " (3 فالآية تدل على أن بالنذر يلزم الشئ كما يلزم بالزام الله، لأنه قرنه بالانفاق الذي أمر الله تعالى به فقال " أنفقوا من طيبات ما كسبتم " (4. وقال الزجاج: يريد ما تصدقتم من فرض، لأنه في ذكر الزكاة المفروضة، ألا ترى إلى قوله بعده " وما للظالمين من أنصار ". # قال ابن جرير: الظالم هنا من أنفق ماله رياءا وسمعة، وقيل المراد بالظالم ههنا من أنفق ماله لا كما أمر الله بوضع الصدقة في غير موضعه، لان الظلم وضع الشئ في غير موضعه، والمعتدي في الصدقة كمانعها، والوفاء بالنذر واجب إذا كان في طاعة الله. # PageV02P233 # والنذر عقد فعل شئ من البر على النفس بشرط، كأن يقول: ان عافى الله مريضي تصدقت بكذا لله. وهو من الخوف، لأنه يعقد على نفسه مخافة التقصير فيه، وقال تعالى " أوفوا بالعقود " (1. # قال الزجاج: العقود أبلغ من العهود، لان العهد يكون على استيثاق وغيره والعقد لا يكون الا العهد الذي أخذ على استيثاق، فكأنه قال: العقود التي أحكم عقدها أوفوا بها. # وقال ابن عباس: إذا كان العقد على طاعة وجب الوفاء، وإن كان على معصية لم يجز الوفاء بها، وإذا كان على مباح جاز الوفاء. # ولم يجب عندنا [أن] يكون كما ذكرنا في باب اليمين على الطاعة والمباح والمعصية، قال الله تعالى " يوفون بالنذر ويخافون " (2 وقال " والموفون بعهدهم إذا عاهدوا " (3 و " أوفوا بعهد الله إذا عاهدتم " (4 وقال " ومنهم من عاهد الله " (5 وقال " ولقد كانوا عاهدوا الله ms427 من قبل لا يولون الادبار وكان عهد الله مسؤولا " (6. # وقال الشيخ أبو جعفر في المبسوط: النذر ضربان: # أحدهما: نذر لجاج وغضب، وصورته صورة اليمين اما أن يمنع نفسه به فعلا أو يوجب عليها فعل شئ، فالمنع أن يقول: ان دخلت الدار فمالي صدقة. # والايجاب أن يقول: ان لم أدخل الدار فمالي صدقة. فإذا وجد شرط نذره فهو بالخيار بين الوفاء به وبين كفارة اليمين. # PageV02P234 # والضرب الثاني: نذر التبرر والطاعة، وهو على ضربين اما ان يعلقه بجزاء أو يطلق، فالجزاء اما اسداء نعمة كقولك: ان رزقني الله ولدا فلله علي أن أتصدق بمالي. واما دفع نقمة مثل أن تقول: ان نجاني الله من البحر فلله علي أن أصوم كذا. فإذا وجد شرط نذره لزمه الوفاء (1. # والمطلق أن يقول: لله علي أن أتصدق بمالي أو أحج أو أصوم ونحو هذا نذر طاعة ابتداء بغير جزاء. فعندنا انه يلزمه، وقيل لا يتعلق به حكم لان ثعلبا قال النذر عند العرب وعد بشرط. والأول أصح عندنا. # (فصل) واعلم أن النذر هو أن تقول " إن كان كذا فلله علي كذا " من صوم وغيره، أو تعتقد أنه متى كان شيئا فلله علي كذا وجب عليك الوفاء به عند حصول ذلك الشئ. ومتى لم تقل لله ولم تعتقده لله كنت مخيرا في الوفاء به وتركه. # والمعاهدة أن تقول " عاهدت الله - أو تعتقد ذلك - أنه متى كان كذا فعلي كذا "، فمتى حصل شرطه وجب عليك الوفاء به. وكذا ان لم تقل لله ولم تعتقده كان مستحبا الوفاء به. # وانما يكون للنذر والعهد تأثيرا إذا صدرا عن نية. # وعن محمد بن مسلم انه سأل الباقر أو الصادق عليهما السلام عن امرأة جعلت مالها هديا وكل مملوك لها حرا ان كلمت أختها ابدا. قال: تكلمها وليس هذا بشئ، ان هذا وشبهه من خطوات الشيطان (2، قال تعالى " يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر " (3. # PageV02P235 # وقال المرتضى: لا ينعقد النذر حتى يكون معقودا ms428 بشرط متعلق به، كأن يقول " لله علي ان أصوم أو أتصدق ان قدم فلان "، ولو قال " لله علي ان أصوم " من غير شرط يتعلق به لم ينعقد نذره. قال: والدليل عليه أن معنى النذر في القرآن (1 يكون متعلقا بشرط، ومتى لم يتعلق بشرط لم يستحق هذا الاسم، وإذا لم يكن ناذرا إذا لم يشترط لهم يلزمه الوفاء، لان الوفاء انما يلزم متى ثبت الاسم والمعنى. # قال: فأما استدلالهم بقوله " أوفوا بالعقود " وبقوله " أوفوا بعهد الله إذا عاهدتم " فليس بصحيح، لأنا لا نسلم انه مع التعري من الشرط يكون عقدا وعهدا، وانما تناولت الآيتان ما يستحق اسم العقد والعهد، فعليهم أن يدلوا عليه (2. # والاحتياط فيما قدمناه من أنه يجب الوفاء إن كان مطلقا. # والقائل إذا نذر فقال " لله علي ان أصوم كل خميس " فإنه يجب عليه صومه أبدا لأنه أيضا في معنى المشروط كأنه قال " ان عشت ". # (فصل) وأما قوله تعالى " وما أنفقتم من نفقة أو نذرتم من نذر فان الله يعلمه " (3 فما بمعنى الذي وما بعدها صلتها والعائد إليها الهاء في قوله " يعلمه ". # والنذر عقد الشئ على النفس في فعل شئ من البر بشرط أو غيره، بأن يقول: لله علي كذا إن كان كذا، ولله علي كذا. # " فان الله يعلمه " اي يجازي عليه، فدل بذكر العلم على تحقيق الخبر ايجازا للكلام. # PageV02P236 # وقوله " أوفوا بالعقود " أمرهم بالاتمام بالوفاء لما لزمهم، والعقود هي التي يتعاقدها الناس بينهم أو يعقدها المرء على نفسه، كعقد الايمان وعقد النكاح وعقد الشركة وعقد البيع وعقد العهد وعقد الحلف. # وقال بعض المفسرين: أراد الوفاء بالنذور فيما يجوز الوفاء به، اي أوفوا بالعقود الصحيحة، لأنه لا يلزم أحدا ان يفي بعقد فاسد، كالنذر في قتل مؤمن ظلما وعصب ماله. # وقيل في قوله تعالى " ولا تتبعوا خطوات الشيطان " (1 هي النذور في المعاصي. # وقوله " يوفون بالنذر " (2 الوفاء بالنذر هو أن يفعل ما نذر عليه. وقد ذكرنا ان النذر عقد على فعل على وجه البر بوقوع أمر ms429 يخاف ان لا يقع. # وكفارة النذر مثل كفارة الظهار، فإن لم يقدر كان عليه كفارة اليمين والمعني به انه إذا فات الوقت الذي نذر فيه صار بمنزلة الحنث. والله أعلم بالصواب (باب) (اقسام العهد) قال الله تعالى " وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم " (3 اعلم أن من عاهد الله أن يفعل واجبا أو ندبا أو ما يكون به مطيعا وجب عليه الوفاء به، فإن لم يفعل كان عليه الكفارة. وكذلك ان عاهد على أن لا يفعل قبيحا أو لا يترك واجبا أو ندبا ثم فعل القبيح أو ترك الطاعة وجب عليه أيضا الكفارة. # أمر الله تعالى عباده بأن يفوا بعهده إذا عاهدوا عليه، وكذلك قوله " وأوفوا # PageV02P237 # بالعهد ان العهد كان مسؤولا " (1 أي مسؤولا عنه للجزاء عليه، فحذف عنه لأنه مفهوم. # والآية أمر منه تعالى بالوفاء بالعهود التي تحسن، ومتى عقد عاقد على ما لا يجوز نقض ذلك العقد الفاسد. # وقد يجب الشئ للنذر والعهد والوعد به، وانما يجب عند العقد والعهد الذي يجب الوفاء به هو كل فعل حسن إذا عقد عليه وعاهد الله ليفعلنه بالعزم عليه فإنه يصير واجبا عليه، ولا يجوز له خلافه كما ذكرناه. فأما إذا رأى غيره خيرا منه فليأت الذي هو خير فلا كفارة عليه، وهذا يجوز فيما كان ينبغي أن يشرط، فأما إذا أطلقه وهو لا يأمن أن يكون غيره خيرا فقد أساء باطلاق العقد عليه. # ثم قال " ولا تنقضوا الايمان بعد توكيدها " (2 وهذا نهي منه تعالى عن حنث الايمان بعد عقدها وتوكيدها. وفي الآية دلالة على أن اليمين على المعصية غير منعقدة، لأنها لو كانت منعقدة لما جاز نقضها، وأجمعا على أنه يجب نقضها ولا يجوز الوفاء به. # وقد مدح الله المؤمنين فقال " والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون " (3 أي محافظون ما يعاهدون عليه، والمراعاة قيام الداعي باصلاح ما يتولاه. وقال تعالى " ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل " (4 وقال " ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لتصدقن " (5. # PageV02P238 # وانما صح أن ms430 يعاهد الله من لا يعرفه، لأنه إذا وصفه بأخص صفاته جاز أن يعرف عهده إليه، فلذلك جاز أن يكون غير عارف، وقال تعالى " وبعهد الله أوفوا " (1. # (باب الكفارات) أما كفارة اليمين فقد قال الله تعالى فكفارته اطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام " (2 أي الثلاثة التي هي عتق رقة أو اطعام عشرة مساكين أو كسوتهم فعل فقد أجزأ مخير فيها، ومتى عجز عن جميعها كان عليه صيام ثلاثة أيام متتابعات. # وعن محمد بن مسلم سألت أبا جعفر عليه السلام عن قوله تعالى " من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم " قال ثوب، وعن اطعام عشرة مساكين أو اطعام ستين مسكينا الجمع لانسان واحد يعطاه؟ قال: لا ولكن يعطي انسانا انسانا كما قال الله تعالى. قلت: يعطيها الرجل مرأته إذا كانوا محتاجين؟ قال: نعم (3. # وفي قوله تعالى " أوسط ما تطعمون أهليكم " قال أبو عبد الله عليه السلام: # هو كما يكون [أنه يكون] في البيت من يأكل أكثر من المد ومنهم من يأكل أقل من المد فبين ذلك، وان شئت جعلت لهم أداما، والإدام أدناه الملح وأوسطه الخل والزيت وأرفعه اللحم (4. # والكفارة فعالة من الكفر وهو الستر والتغطية، أي الذي يستر هذا الذنب، # PageV02P239 # وهو الحنث في اليمين المعقود عليها حتى يزول عنه العقاب. # والضمير في قوله " فكفارته " يعود إلى الذنب بالحنث بأنه مدلول عنه. # وقال أبو علي الفارسي: أي كفارة ما عقدتم عليه، لان الكفارة أو جبت بالتنزيل فيما عقد عليه دون اليمين التي لم يعقد عليها والمعقود عليه دون ما كان موقوفا على الحنث والبر دون ما لم يكن كذلك. وقال الزجاج: أي فكفارة المؤاخذة فيه إذا حنث أن يطعم عشرة مساكين ذكورا كانوا أو إناثا أو مختلطين. # والمراد بالرقبة واحد من المماليك، والأصل في ذلك العنق وما حولها، وأريد ههنا جملة البدن لأنه شبه المملوك بالأسير الذي يشد رقبته فإذا اطلق فك عن رقبته فكذا المملوك إذا أعتق. ms431 وقال الحسن: كل مملوك كالاخر في الجواز فيجوز الكافر أيضا لان الآية مبهمة. # وخير الله الحالف بين هذه الثلاثة وفيه تفاوت، لان اشباع عشرة لا يفي بثمن الرقبة، والله العالم الحكمة في تسوية هذا بذاك، وكذلك الكسوة ثمنها دون الرقبة بكثير. وقال الزجاج: أكثرها نفعا أفضلها عند الله، فإن كان الناس في جدب لا يقدرون على المأكول فالاطعام أفضل لان به قوام الحياة، والا فالاعتاق أو الكسوة أفضل. # (فصل) وكفارة قتل الخطأ واجبة سواء أخذ أولياء المقتول الدية من العاقلة أو من القاتل أو تصدقوا، قال الله تعالى " ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة " (1، وسواء كان المقتول مؤمنا بين المؤمنين أو مؤمنا وقومه كافرون والقاتل لا يعرف ايمانه والظاهر أنه مباح الدم أو مؤمنا وقومه معاهدون. # PageV02P240 # وقيل: ان الكفارة أيضا واجبة إذا كان المقتول كافرا بين قوم معاهدين، لعموم قوله " وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة " (1. # واختلفوا في وجوب الكفارة على القاتل عمدا إذا قبل منه الدية أو عفي عنه: # فقال قوم عليه الدية ولا كفارة، ومنهم من قال عليه كفارة واجبة كوجوبها في قتل الخطأ لأنها وجبت في الخطأ بالقتل وهو حاصل في العمد. # وعندنا كفارة قتل العمد عتق رقبة واطعام ستين مسكينا وصيام شهرين متتابعين بعد رضاء أولياء المقتول بالدية أو العفو عنه. # (فصل) فان قيل: ما تقولون في الكفارة أهي عقوبة؟ # قلنا: الصحيح أن يقال الكفارة للظهار والوطئ في نهار شهر رمضان في الحضر وغير ذلك انها تقع موضع العقوبة لما ثبت وجوبها الا فيما يعظم فيه المأثم فأما إن كان عقوبة فيما سواه فكلا. وهذا بين، لان تحريم الاكل في نهار شهر رمضان في حال الحضر تكليف، فإذا أكل وكفر بعده فإنه على التكفير يستحق المثوبة، وما هذا حاله معدود في النعم فكيف يكون عقوبة. والله أعلم بالصواب. # (باب الزيادات) قوله تعالى " بما عقدتم الايمان " أي بتعقيدكم الايمان، وهو توثيقها بالقصد والنية، والمعنى ولكن يؤاخذكم بما عقدتم ms432 إذا حنثتم، فحذف وقت المؤاخذة لأنه كان معلوما عندهم. أو بنكث ما عقدتم فحذف المضاف. # PageV02P241 # " فكفارته " أي فكفارة حنثه ونكثه، والكفارة فعلة من شأنها أن تكفر الخطيئة أي تسترها. # مسألة: # وقوله تعالى " أو كسوتهم " عطف على محل من أوسط، ووجهه أن من أوسط بدل من الاطعام، والبدل هو المقصود، ولذلك كان المبدل منه في حكم المنحي. # والكسوة ثوب يغطي العورة، ومعنى أو التخيير. وايجاب أحد الكفارات الثلاث على الاطلاق، فإنها كلها واجبة على سبيل التخيير بأيتها أخذ المكفر فقد أصاب. # وقوله " ذلك " أي المذكور " كفارة أيمانكم "، ولو قيل تلك كفارة أيمانكم لكان صحيحا على معنى تلك الأشياء أو لتأنيث الكفارة. # " واحفظوا أيمانكم " أي لا تحنثوا، أراد الايمان لله الحنث فيها معصية. # وقيل احفظوها كيف حلفتم بها ولا تنسوها تهاونا بها " كذلك " أي مثل ذلك البيان " يبين لكم آياته " أي أعلام شريعته. # مسألة: # قوله تعالى " ولا تعجلوا الله عرضة " العرضة فعلة بمعنى مفعول كالغرقة. # والعرضة أيضا المعرض للامر. ومعنى الآية على الأول أن الرجل كان يحلف على بعض الخيرات من صلة رحم أو اصلاح ذات بين أو احسان إلى أحد ثم يقول أخاف الله ان أحنث في يميني فيترك البر في يمينه، فقيل لهم فلا تجعلوا الله حاجزا لما حلفتم عليه. PageV02P242 # وسمي المحلوف عليه يمينا لتلبسه باليمين، كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله لعبد الرحمن بن سمرة: إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها فأت الذي هو خير (1. أي على شئ مما يحلف عليه. # وقوله " أن تبروا وتتقوا وتصلحوا " عطف بيان لايمانكم، أي للأمور المحلوف عليها التي هي البر والتقوى والاصلاح بين الناس. # مسألة: # فان قيل: بم تعلقت اللام في قوله " بأيمانكم "؟ # قلت: بالفعل، أي ولا تجعلوا الله عرضة لايمانكم حجازا. ويجوز أن يكون اللام للتعليل ويتعلق " أن تبروا " بالفعل أو بالعرضة، أي لا تجعلوا الله لأجل أيمانكم عرضة لايمانكم فتبتذلوه بكثرة الحلف به، ولذلك ذم من أنزل فيه " ولا تطع كل حلاف مهين " (2 بأشنع المذام، وجعل ms433 كونه حلافا مقدمتها وان تبروا علة للنهي، أي إرادة أن تبروا وتتقوا وتصلحوا، لان الحلاف مجترئ على الله غير معظم له، فلا يكون متقيا ولا يثق به الناس فلا يدخلونه في وسائطهم واصلاح ذات بينهم. # " لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم " (3 أي لا يلزمكم الكفارة بلغو اليمين الذي لاقصد معه ولكن يعاقبكم بما اقترفته قلوبكم من اثم القصد إلى الكذب في اليمين، وهو أن يحلف على ما يعلم أنه خلاف ما يقوله. # PageV02P243 # كتاب الصيد والذباحة قال الله تعالى " أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة وحرم عليكم البر ما دمتم حرما " (1 أباح سبحانه صيد البحر مطلقا لكل أحد، وأباح صيد البر الا في حال الاحرام وفي الحرم. # وقال تعالى " يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا " (2. # وقال " إذا حللتم فاصطادوا " (3 أي إذ أحللتم من احرامكم فاصطادوا الصيد الذي نهيتكم عنه أن تحلوه وأنتم حرم، بمعنى لا حرج عليكم في اصطياده ان شئتم حينئذ، لان السبب المحرم قد زال، لان معناه الإباحة وان كانت هذه الصورة مشتركة بينها وبين الامر. والله أعلم. # (باب أحكام الصيد) أما الذي أحله بقوله تعالى " أحل لكم صيد البحر " فهو على ما قاله المفسرون # PageV02P244 # الطري منه وأما العتيق فلا خلاف في كونه حلالا. # وإذا حل صيد البحر حل صيد الأنهار، لان العرب تسمى النهر بحرا، ومنه قوله تعالى " ظهر الفساد في البر والبحر " (1 والأغلب على البحر هو الذي يكون ماؤه ملحا، لكن إذا أطلق دخل فيه الأنهار بلا خلاف. # وقوله " وطعامه متاعا لكم " يعني طعام البحر، وفي معناه قولان: أحدهما ما قذف به ميتا، والثاني أنه المملوح. واختار الرماني الأول وقال: انه بمنزلة ما صيد منه وما لم يصد منه، فعلى هذا تصح الفائدة في الكلام. والذي يقتضيه مذهبنا ويليق به القول الثاني، ويكون قوله " صيد البحر " المراد به ما أخذ طريا. # وقوله " وطعامه " ما كان منه مملوحا، لان ما يقذف البحر ميتا لا يجوز عندنا أكله لغير المحرم ms434 ولا للمحرم الا إذا قذف به البحر حيا وتحضره أنت فيجوز لك أكله وان لم تكن صدته. وقال الزجاج: معنى قوله " وطعامه " ما ينبت بمائه من الزرع والنبات. # وقوله " متاعا لكم " مصدر، بدل قوله " أحل لكم " على أنه قد متعكم متاعا، أي منفعة للمقيم والمسافر. # " وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما " يقتضي ظاهره تحريم الصيد في حال الاحرام وأكل ما صاده غيره، وهو مذهبنا (2. # وصيد السمك اخراجه من الماء حيا على أي وجه كان. وما يصيده غير المسلم لا يؤكل الا ما شوهد ولا يوثق بقوله أنه صاده حيا. # (فصل) وقوله تعالى " يسئلونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علمتم # PageV02P245 # من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه " (1. # هذه أبين آية في كتاب الله في الاصطياد واكل الصيد، لأنها أفادت جواز تعليم الجوارح للاصطياد وأكل ما يصيد الكلب ويقتل إذا كان معلما، لأنه لو لم يقتله لما جاز أكله حتى يذكى معلما كان أو غير معلم. فمعنى الآية: يسألك يا محمد أصحابك أي شئ أحل لهم أكله من المطاعم فقل لهم أحل لكم الطيبات، أي ما يستلذ منها وهو حلال، وأحل لكم أيضا مع ذلك صيد ما علمتم من الجوارح وهي الكواسب من سباع الطير والبهائم. # ولا يجوز أن يستباح عندنا أكل شئ مما اصطاده الجوارح والسباع سوى الكلب الا ما أدرك ذكاته. # وقوله " وما علمتم " تقديره وصيد ما علمتم، فحذف لدلالة الكلام عليه، لان القوم كانوا سألوا النبي صلى الله عليه وآله حين أمرهم بقتل الكلاب مما يحل لهم اتخاذه منها وصيده فأنزل الله فيما سألوه عنه هذه الآية (2، فاستثنى عليه السلام كلاب الصيد وكلاب الماشية وكلاب الحرث مما أمر بقتله واذن في اتخاذ ذلك (فصل) واختلفوا في الجوارح التي ذكرت في الآية: فقال ابن عباس: الجوارح التي في قوله " وما علمتم من الجوارح مكلبين " هو كلما علم الصيد فيتعلمه بهيمة كان أو طائرا، والفهد والبازي من الجوارح. # وروي ms435 ذلك عن علي بن الحسين وأبى جعفر عليهما السلام أيضا (3. # PageV02P246 # وقال قوم: عنى بذلك الكلاب خاصة دون غيرها من السباع وهو ما رواه أصحابنا عنهما عليهما السلام (1. فأما ما عدا الكلب مما أدرك ذكاته فهو مباح والا فلا يحل له أكله، بهذا يجمع بين الروايتين. ويقوي قولنا سبحانه " مكلبين "، وذلك مشتق من الكلب أي في هذه الحال، يقال رجل مكلب وكلاب إذا كان صاحب صيد بالكلاب. وفي ذلك دليل على أن صيد الكلب الذي لم يعلم حرام إذا لم يدرك ذكاته. # وقوله " تعلمونهن مما علمكم الله " معناه تؤدبون الجوارح فتعلمونهن طلب الصيد لكم " مما علمكم الله " من التأديب الذي أدبكم به. # وقيل: صفة المعلم أن يجيبه إذا دعاه، ويطلب الصيد إذا أرسله عليه ولا يفر منه، ولا يأكل ما يصيده على العادة بل يمسكه إلى أن يلحقه صاحبه فيطعمه منه ما يريده، فان أكل منه على العادة فغير معلم وصيده حرام الا أن يذكى فإنه انما أمسكه على نفسه. وهو الذي يدل عليه أخبارنا، غير أنا نعتبر أن يكون اكل الكلب للصيد دائما فأما إذا كان نادرا فلا بأس بأكل ما أكل منه. # وقال قوم: لاحد لتعلم الكلاب، فإذا فعل ما قلنا فهو معلم، وقد دل على ذلك رواية أصحابنا، لأنهم رووا انه إذا أخذ كلب مجوسي فعلمه في الحال فاصطاد به جاز اكل ما يقتله (2. # وقد بينا أن صيد غير الكلب لا يحل اكله الا ما أدرك ذكاته، فلا يحتاج أن يراعى كيف يعلمه ولا اكله منه. ومن أجاز ذلك أجاز أكل ما اكل منه البازي والصقر، ذهب إليه ابن عباس، وقال يعلم البازي وهو أن يرجع إلى صاحبه. # وقال قوم: تعليم كل جارحة من البهائم والطير واحد، وهو أن يشلى على # PageV02P247 # الصيد فيستشلى (1 ويأخذ الصيد ويدعوه صاحبه فيجيبه، فإذا كان كذلك كان معلما وان اكل ثلثه. # وقوله " فكلوا مما أمسكن عليكم " يقوي قول من قال ما أكل منه الكلب لا يجوز اكله لأنه أمسك على نفس. # ومن ms436 شرط استباحة ما يقتله الكلب أن يكون صاحبه سمى عند ارساله، فإن لم يسم عمدا لم يحل اكله الا إذا أدرك ذكاته، وحده أن يجده تتحرك عينه أو أذنه أو ذنبه فيذكيه حينئذ بفري الحلقوم والأوداج. # (فصل) واختلفوا في من التي في قوله تعالى " مما أمسكن عليكم " [فقال قوم هي زائدة لان جميع ما يمسكه فهو مباح وتقديره فكلوا ما أمسكن عليكم] (2 ويجرون ذلك مجرى قوله " يكفر عنكم من سيئاتكم " (3، وأنكر قوم ذلك وقالوا من للتبعيض كما يقال " أكلت من الطعام " تريد اكلت شيئا من الطعام. # والأقوى أن تكون من للتبعيض في الآية، لان ما يمسكه الكلب من الصيد لا يجوز أكل جميعه، لان في جملته ما هو حرام من الدم والفرث والغدد والطحال والمرارة والمشيمة والفرج والقضيب والأنثيين والنخاع والعلباء وذات الأشاجع والحدق والخرزة تكون في الدماغ، فإذا قال فكلوا مما أمسكن عليكم أفاد ذلك بعض ما أمسكن. وهو الذي أباح الله أكله من اللحم وغيره. # PageV02P248 # وقوله " واذكروا اسم الله عليه " صرحي في وجوب التسمية عند الارسال، وهو قول ابن عباس. # وقوله " أمسكن عليكم " يدل على أن الكلب متى غاب عن العين مع الصيد ثم رآه ميتا لا يجوز اكله، لأنه يجوز أن يكون مات من غير قتل الكلب له. ومتى أخذ الكلب الصيد ومات في يده من غير أن يجرحه لم يجز اكله، وفحوى الآية يدل على هذا أيضا. # وعموم الآية يدل على أن من لا يؤكل ذبيحته من أجناس الكفار لا يؤكل صيده، فأما الاصطياد بكلابه المعلمة إذا صاد المسلم بها فجائز. # (باب) (ما يحرم من الصيد) يحرم أكل الأرنب والضب ومن صيد البحر الجري والمار ما هي وكلما لا فلس له من السمك، والدليل عليه الاجماع المتردد. # فان استدل المخالف بقوله تعالى " أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما " (1 وقال: ظاهر الآية يقتضي أن جميع صيد البحر حلال وكذا صيد البر الا على المحرم خاصة. # الجواب: ms437 أن قوله " أحل لكم صيد البحر " لا يتناول ظاهره الخلاف في هذه المسألة، لان الصيد مصدر صدت، وهو يجري مجرى الاصطياد الذي هو فعل الصائد، وانما يسمي الوحش وما جرى مجراه صيدا مجازا أو على وجه الخلاف لأنه محل للاصطياد سمي باسمه، وإذا كان كلامنا في تحريم لحم الصيد فلا دلالة في إباحة الصيد لان الصيد غير المصيد. # PageV02P249 # فان قيل: قوله " وطعامه متاعا لكم وللسيارة " يقتضي أنه أراد المصيد دون الصيد، لان لفظة " الطعام " لا تليق الا بما ذكرناه دون المصدر. # قلنا: أولا روي عن الحسن البصري في قوله " وطعامه " أنه أراد به البر والشعير والحبوب التي تسقى بذلك، فعلى هذا سقط السؤال. ثم لو سلمنا أن لفظة الطعام ترجع إلى لحوم ما يخرج من حيوان البحر لكان لنا أن نقول قوله " وطعامه " يقتضي أن يكون ذلك اللحم مستحقا في الشريعة لاسم الطعام، لان ما هو محرم في الشريعة لا يسمى بالاطلاق فيه طعاما كالخنزير والميتة، فمن ادعى في شئ مما عددنا تحريمه أنه طعام في عرف الشريعة فليدل على ذلك وانه يتعذر عليه. # (فصل) وصيد أهل الكتاب محرم لا يحل اكله وكذلك ذبائحهم، قال الله تعالى " ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وانه لفسق " (1، وهذا نص في موضع الخلاف، لان من ذكرناه من الكفار لا يرون التسمية على الذبائح فرضا ولا سنة فهم لا يسمون الله عند ارسال الكلب إلى الصيد وقد أوجبه الله بقوله " واذكروا اسم الله عليه "، وكذلك لا يسمون على ذبائحهم، ولو سموا لكانوا مسمين لغير الله لأنهم لا يعرفون الله بكفرهم. وهذا الجملة تقتضي تحريم ذبائحهم وصيدهم. # فان قيل: هذا يقتضي أن لا يحل ذباحة الصبي لأنه غير عارف بالله. # قلنا: ظاهر الآية يقتضي ذلك، وانما أدخلناه فيمن يجوز ذباحته بدليل، ولان الصبي وان لم يكن عارفا فليس بكافر ولا معتقد أن الله غير مستحق للعبادة على # PageV02P250 # الحقيقة، وانما هو خال من المعرفة، فجاز أن يجري مجرى العارف متى ذبح وتلفظ بالتسمية. وهذا ms438 كله موجود في الكفار. # فان اعترض علينا بقوله: " اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم " (1 وادعى أن الطعام يدخل فيه ذبائح أهل الكتاب وصيدهم. # فالجواب عن ذلك: ان أصحابنا يحملون قوله " وطعام الذين أوتوا الكتاب " على ما يؤكل من حبوب وغيرها، وهذا تخصيص لا محالة، لان ما صنعوه طعاما من ذبائحهم يدخل تحت اللفظة ولا يجوز اخراجه الا بدليل. # فإذا قلنا: نخصصه بقوله " ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه ". قيل لنا: ليس أنتم بأن تخصوا آياتنا بعموم آيتكم بأولى منا إذا خصصنا الآية التي تعلقتم بها، لعموم ظاهر الآية التي استدللنا بها. # والذي يجب أن نبينه في الفرق بين الامرين أنه قد ثبت وجوب التسمية عند ارسال الكلب وعند الذبيحة وان من تركها عامدا لا يكون مذكيا ولا يجوز اكل صيده وذبيحته على وجه من الوجوه، وكل من ذهب إلى هذا المذهب من الأمة يذهب إلى تخصيص قوله " وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم " وان ذبائحهم لا تدخل تحته، والتفرقة بين الامرين خلاف الاجماع. # ولا يلزم على ما ذكرنا أن أصحاب أبي حنيفة يوافقونا على وجوب التسمية لأنا نرى وجوب التسمية مع الذكر على كل حال، وعند أصحاب أبي حنيفة انه جائز أن يترك التسمية من أداه اجتهاده إلى ذلك إذا استفتى هذه حاله. والامامية يذهبون إلى أن التسمية مع الذكر لا تسقط بحال من الأحوال. # فان قيل: على هذه الطريقة التي تعتمدونها من الجمع بين المسألتين ما # PageV02P251 # أنكرتم من مخالفكم أن يعكس هذه الطريقة عليكم ويقول: قد ثبت أن التسمية غير واجبة، أو يشير إلى مسألة قد دل الدليل على صحتها عنده، ثم يقول: وكل من ذهب إلى هذا الحكم يذهب إلى عموم قوله تعالى " وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم "، والتفرقة بين الامرين خلاف الاجماع. # قلنا: الفرق بيننا ظاهر، لأنا إذا بنينا على مسألة ضمنا عهدة صحتها ونفى الشبهة عنها، ومخالفنا إذا بنى على مسألة - مثل أن التسمية غير ms439 واجبة أو غير ذلك من المسائل - لا يمكنه أن يصحح ما بنى عليه ولا أن يورد حجة قاطعة واضحة بيننا وبين من يتعاطى ذلك، ونحن إذا بنينا على مسألة دللنا على صحتها بما لا يمكن دفعه بهذا على التفصيل يخرجه الاعتبار. # (باب الذبح) الذكاة حكم شرعي، والمذكي إذا استقبل القبلة بتوجيه الذبيحة إليها أيضا وسمى الله تعالى يكون مذكيا بيقين. فقد صرحوا بأن من ذبح يجب أن يكون مستقبلا، ولا يناقضه قولهم: ينبغي أن يوجه الذبيحة إلى القبلة فمن لم يستقبل بها القبلة متعمدا لم يجز أكل ذبيحته وان فعله ناسيا لم يكن به بأس، لان هذا أيضا مما يجب أن يفعل على ما يمكن. # وقوله تعالى " فكلوا مما ذكر اسم الله عليه ان كنتم بآياته مؤمنين " (1 لم يذكر الله في هذه الآية ذبحا ولكن الأمة أجمعت على أن المراد أنه مباح لكم اكل لحوم ما ذكر اسم الله على تذكيته. # ويجب استقبال القبلة عند الذبح مع امكان ذلك على ما ذكرناه، لان من ذبح غير مستقبل القبلة عامدا قد أتلف الروح وحل الموت في الذبيحة، وحلول # PageV02P252 # الموت يوجب أن يكون ميتة ويدخل تحت قوله تعالى " حرمت عليكم الميتة " (1، إذ لم تقم دلالة على حصول ا لذكاة المشروعة فيستحق هذا الاسم. # ولا يجوز أن يتولى الذباحة غير المسلمين لما ذكرناه من الأدلة. وقال ابن عباس: لا ينفع الاسم في الشرك ولا يضر النسيان في الملة. وهذا إشارة إلى أن ذبائح المشركين ومن ضارعهم وان ذكروا اسم الله عليها لا يجوز اكلها، وان تذكية أهل الحق العارفين بالله المعترفين بتوحيده وعدله لا بأس بها وان ترك ذكر اسم الله عليها نسيانا. # ومعنى قوله تعالى " ان كنتم بآياته مؤمنين " لا تأكلوا الا ما ذكر اسم الله عليه ان كنتم مؤمنين على ما ذكرنا، وليس المراد ان كنتم مؤمنين فكلوا مما ذكر اسم الله البتة، لان المؤمن لا يخرج من أن يكون مؤمنا وان لم يأكل اللحم قط. # فبان أن المراد النهي ms440 عن اكل ما لم يذكر اسم الله عليه والامر باعتبار تحليل اكل ما ذكر اسم الله عليه حقيقة، يدل على ذلك قوله " ومالكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه " (2، وهذا كأنه انكار على من يرى أنه لا يجوز اكل ما ذكر اسم الله عليه، فقيل ما الذي يمنعكم من أكله، وكان المشركون ينكرون على المسلمين أن يأكلوا ما قتلوه ويمتنعوا من اكل ما قتله الله، فأعلم تعالى أنه أحل ما ذكر اسم الله عليه وحرم غيره من الميتة وذبيحة المشرك ومن بحكمه وقد فصل المحرمات من المأكولات في قوله " حرمت عليكم الميتة ". # وإذا ذبحت الذبيحة فلم يخرج الدم ولم يتحرك شئ منها لم يجز أكلها، لأنها ميتة ماتت خوفا على ما روي. # PageV02P253 # (باب) (ما يحل أو يكره لحمه) قال الله تعالى " أحلت لكم بهيمة الأنعام " (1 قال قوم: أحلت لكم بهيمة الأنعام الوحشية من الضباء والبقر والحمر غير المستحلين اصطيادها " وأنتم حرم الا ما يتلى عليكم " (2 من قوله " حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير " (3. # والأقوى أن يحمل على عمومه في جميع ما حرمه الله في كتابه. # وقال قوم: أراد ببهيمة الانعام أجنة الانعام التي توجد في بطون أمهاتها إذا ذكيت الأمهات وهي ميتة. وعندنا أنه إذا ذبح شاة أو غيرها ووجد في بطنها جنين فإن كان قد أشعر أو أوبر ولم يلجه الروح فذكاته ذكاة أمه وان لم يكن تاما لم يجز اكله على حال، وإن كان فيه روح وجبت تذكيته ليحل اكله، يدل عليه الخبر إذا روي بالنصب " ذكاة أمه " (4. # والانعام على الاطلاق مقصورة على الإبل والبقر والغنم، لان الله فصل في سورة الأنعام ثمانية أزواج ولم يذكر الا هذه الثلاثة. # وقال عبد الجبار: ما يصاد ليس من الانعام، لأنه تعالى قال " فجزاء مثل ما قتل من النعم " (5) فدل هذا على أن المقتول الذي جعل جزاؤه مثله من النعم ليس # PageV02P254 # من النعم. ثم عارض نفسه بقوله " غير محلي الصيد ". وأجاب بأن ذلك ليس باستثناء، والمراد به سوى ms441 الصيد المحرم على المحرم، فكأنه تعالى بين أن المحلل والمحرم فيه غير الامر بالاحرام وهو الصيد، وهو بيان أمر ثالث سوى ما يحل من الانعام ويحرم. # وقال تعالى " يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا " (1 وانما جمع الوصفين لاختلاف الفائدتين، إذ وصفه بأنه حلال يفيد أنه طلق ووصفه بأنه طيب يفيد أنه مستلذ اما في العاجل أو الاجل. # " ولا تتبعوا خطوات الشيطان " أي آثاره وأعماله، نزل لما حرم أهل الجاهلية من البحيرة والسائبة والوصيلة، فنهى الله عما كانوا يفعلونه وأمر المؤمنين بخلافه (2. # والاذن في الحلال يدل على حظر الحرام على اختلاف ضروبه وأنواعه، فحملها على العموم أولى. # والمآكل والمنافع في الأصل للناس فيها ثلاثة أقوال: فقال قوم هي على الحظر، وقال آخرون هي على الإباحة، ومنهم من قال بعضها على الحظر وبعضها على الإباحة. وهذه الآية دالة على إباحة المأكل الا ما دل الدليل على حظره. # وقال تعالى " والانعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون " (3 وهي الإبل والبقر والغنم، أي خلقها لمنافعكم. # (فصل) واعلم أن لحوم الخيل والبغال والحمير مكروهة غير محرمة، وبعضها أشد # PageV02P255 # كراهية من بعض. ويستدل على ذلك بقوله " قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه " الآية (1. # وحرم سائر الفقهاء لحوم الحمر الأهلية. واحتجوا عليه بقوله تعالى " والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة " (2 وانه تعالى أخبر انها للركوب والزينة لا للاكل. والجواب لهم: انها وان كانت للركوب الزينة فلا يمتنع ان يكون لغير ذلك أيضا. ألا ترى قول القائل " أعطيتك هذا الثوب لتلبسه " فلا يمنعه من جواز بيعه أو هبته والانتفاع به من وجوه شتى. ولان المقصود بالخيل والحمير الركوب والزينة ولى اكل لحومها مقصودا منها. ثم إنه لا يمنع من الحمل على الحمير والخيل وان لم يذكر الحمل انما خص الركوب والزينة بالذكر. # وأكثر الفقهاء يجيزون أكل لحوم الخيل ولا يعملون بمضمون الآية. ذكر الركوب والزينة خاصة، وقد رووا عن ابن عباس انما نهى عن لحوم الحمير كيلا ms442 يقل الظهر، وذلك النهي محمول على الكراهة للقرينة. # (باب) (ما حلل من الميتة وما حرم من المذكى) اعلم أن العمل بتحليل ذلك أو تحريمه هو السمع وليس للعقل فيه مجال، فان وردت العبارة الشرعية بتحريم ماله صفة المباح في العقل امتنع منه، وان أباحت الشريعة ما كان محظورا قيل به. وقد نطق الكتاب بتحريم الميتة، قال الله تعالى " حرمت عليكم الميتة " وأطلقت الأمة القول بتحريم الميتة ثم أجمعت على أن اطلاق قولها بالتحريم وما ورد به نص الكتاب مخصوص غير محمول على عمومه وشموله وان اختلفوا فيما هو مباح منها. # PageV02P256 # والميتة هي كل حيوان صامت مات أو على (1 وجه الذكاة، والذكاة مع الامكان على ثلاثة أضرب: الإبل إذا نحرت من غير تعمد ترك التسمية، والسمك والجراد إذا اصطيدا، لقوله عليه السلام وقد سئل عن ذكاتهما فقال: صيده ذكاته (2، وما سوى ذلك مما يعمل فيه الذكاة إذا ذبح ولم يتعمد ترك التسمية على ما ذكرناه في نحر الإبل. # فان قيل: ما معنى قولكم " مع التمكن " من أي شئ تحرزتم به؟ # قلنا: نتحرز بذلك من الجمل والبقر وما جرى مجراهما إذا صال شئ منها أو تردى في بئر ولم يتمكن من تذكيته، فان الامر ورد بأن ينفح (3 بالرماح أو يرمى بالسهام أو يضرب بالسيوف حتى يموت فتلك ذكاته وان وقع في غير منحره أو مذبحه. وتحرزنا أيضا عما نذكره، فأما إذا رميتا صيدا وقد سمينا فأصاب السهم فقتله فإنه لا خلاف بين الأمة في ذكاته وان لم يقع في مذبحه، وكذا ما يقتله الكلب المعلم. # وقد قال أبو عبد الله عليه السلام: أحل من الميتة عشرة أشياء: الصوف، والشعر، والوبر، والبيض، والناب، والقرن، والظلف، والإنفحة، واللبن، والعظم (4. # فالمباح من الميتة عندنا هذه العشرة، والدليل على ذلك اجماع الامامية على القول بصحته والفتوى به، ويدل عليه قوله تعالى " قل لا أجد فيما أوحي # PageV02P257 # إلي محرما على طاعم يطعمه الا ان يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير " (1 الآية. ولا ms443 يجوز الحكم بتحريم شئ سوى ما ذكر في الآية الا بدليل، ولا دليل مقطوع به على تحريم شئ مما عددناه. # واما المحظور من المذكى فالمجمع عليه عشرة أشياء أيضا: الدم، والخصيتين والقضيب، والرحم، والمثانة، والغدد، والطحال، والمرارة، والنخاع، وذات الأشاجع وهي موضع الذبح ومجمع العروق. والدليل على ذلك اجماع الطائفة والأخبار المتواترة عن أئمة الهدى عليهم السلام في ذلك. # فأما ما روي عن أبي الحسن عليه السلام أنه قال: حرم من الشاة سبعة أشياء: # الدم، والخصيتان، والقضيب، والمثانة، [والغدد] والطحال، والمرارة (2 فإنه لا يبطل التجاوز إلى العشرة، ولو كان لازما للزم من يقل بدليل الخطاب، لان عندهم ان الحكم إذا علق بصفة دل انتفاء الصفة عن غيره على انتفاء الحكم. # فهذا مذهب فاسد، لأنه غير ممتنع ان يتناول دليل التحريم سبعة أشياء ويأتي دليل آخر على زيادة عليها، كما قلناه في مواضع من العبادات الموجب منها والمحظور، قال الله تعالى " أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة " (3) فأوجب بهذا اللفظ علينا فعلهما ولم يمنع من ايجاب عبادات أخر بأدلة غير هذا. # وكذا قال تعالى " قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعم الا ان يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير " ثم حرم أشياء أخر بالكتاب وغيره، فلم يمتنع قوله " قل لا أجد " من القول بتحريم أشياء أخر، وقد ورد خبر بتحريم أربعين شيئا من المذكى ونحن نحملها على الكراهية لقرينة تدل عليه، ونعدل عن تحريمها للاجماع على تحريم تلك العشرة التي ذكرناها فقط. # PageV02P258 # (باب الزيادات) قد ذكرنا انه لا يحل اكل ما قتله غير الكلب المعمل عندنا من ذوات الأربع والطيور، قال الله تعالى " وما علمتم من الجوارح مكلبين " (1، لأنه لو لم نقل مكلبين لدخل في الكلام كل جارح من ذي ناب وظفر. ولما اتى بلفظة " مكلبين " وهي تخص الكلاب بلا خلاف بين أهل اللغة، علمنا أنه لم يرد بالجوارح [جميع ما يستحق هذا الاسم وانما أراد الجوارح] (2 من الكلاب خاصة. ويجري ذلك مجرى قولهم " ركب القوم ms444 نهارهم مبقرين محمرين "، لأنه لا يحمل وإن كان اللفظ الأول عام الظاهر الا على ركوب البقر والحمير. # وليس لاحد ان يقول المكلب في الآية المراد به المفري للجارح الممرن له والمغرى، فيدخل فيه الكلب وغيره. لأنه لا يعرف عن أحد من أهل اللغة العربية ان المكلب هو المغري والمفري، بل نصوا في كتبهم على أن المكلب صاحب الكلاب. على انا لو سلمنا انها قد استعملت في التعليم والتمرين فذلك مجاز، وحمل القرآن على الحقيقة أولى من حمله على المجاز ما أمكن. # على أن قوله تعالى " وما علمتم من الجوارح " يعني ان يكرر ويقول مكلبين لان من حمل لفظة مكلبين على التعليم لابد من أن يلزمه التكرار، وإذا جعلنا ذلك مختصا بالكلاب أفاد فائدة أخرى، لأنه بيان ان هذا الحكم يتعلق بالكلاب دون غيرها. # مسألة: # روي أن أمير المؤمنين على السلام مر بسوق القصابين فنهاهم عن بيع أشياء # PageV02P259 # منها الطحال، فيقل: ما الكبد والطحال الا سواء. فقال عليه السلام له: كذبت ايتني بتورين من ماء (1 أنبئك بخلاف ما تقول. فأتى بطحال وكبد وتورين من ماء فقال: شق الكبد من وسطه والطحال من وسطه واجعلهما في الماء جميعا. # ففعل فلم ينقص من الكبد شيئا وصار الطحال كله دما وهي جلد وعروق، فقال: # هذا لحم وهذا دم (2. # وقال تعالى " فيه تبيان لكل شئ " (3) وقال " وما يعقلها الا العالمون " (4، فالقرآن يدل على جميع ذلك جملة والسنة تفصيلا. # مسألة: # قوله " وما علمتم من الجوارح " عطف على الطيبات إذا كانت ما موصولة ويجوز أن يكون " وما علمتم " كلاما مستأنفا وجعل ما شرطية وجعل جوابها " فكلوا ". # والمكلب مؤدب الكلاب واشتق من لفظه، فان استعمل في غيره من السباع فهو كالمجاز، فالأولى حمله على الحقيقة. # PageV02P260 # كتاب الأطعمة والأشربة الحلال هو الجائز من الافعال، مأخود من أنه طلق لم يعقد بحظر، والمباح مثله. # وليس كل حسن حلالا، لان أفعاله تعالى حسنة ولا يقال إنها حلال، إذ الحلال اطلاق في الافعال لمن يجوز عليه المنع. # وقد دللنا على إباحة ms445 المآكل الا ما دل الدليل على حظره، وقد استدل بقوله تعالى " هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا " (1. على أن الأشياء التي يصح أن ينتفع بها ولم تجر مجرى المحظورات من العقل خلقت في الأصل مباحة قد أطلق لكل أحد أن يتناولها ويستنفع بها، كالماء من البحر والحطب ونحوه من البر، فليست على هذا الوجه على العموم بل هو مخصوص. # وقيل: معناه خلقها لأجلكم ولانتفاعكم به في دنياكم ودينكم بالنظر إليها. # PageV02P261 # (باب) (ما أباحه الله من الأطعمة) قال الله تعالى " يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات " (1. الطيب في الأصل خلاف الخبيث، وهو على ثلاثة أقسام: الطيب المستلذ، والطيب الجائز، والطيب الطاهر. والأصل واحد وهو المستلذ، الا أنه وصف به الطاهر والجائز تشبيها، إذا ما يزجر عنه العقل أو الشرع كالذي يتكد هذه النفس في الصرف عنه وما يدعو إليه بخلاف ذلك، فالطيب الحلال والطيب النظيف. # واختلفوا في معنى الطيبات في الآية، فقال البلخي هو ما يستطاب ويستلذ وقال الطبري وغيره هو الحلال الذي أذن لكم ربكم في اكله من الذبائح. والأول أولى، لان الثاني يؤول تقديرا إلى ما لا فائدة فيه، وهو يسألونك ما الذي هو حلال لهم فقيل الذي هو حلال لكم هو الحلال، وهذا لا معنى له. # وإذا كان المراد بالذي أحل المستلذ حسن أن يقال: ان الأشياء التي حرمت غير مستلذة، لأنه لا يميل كل أحد إلى الميتة، والدم أيضا ليس من طيبات الرزق. # فقل لهم: الطيبات من المأكولات محللة لكم. # والضمير في " يسألونك " للمؤمنين الذين حرم عليهم ما فصل في الآية الأولى من قوله " حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير " الآية. أي يسألونك تفصيل المحللات فقل أحل لكم الطيبات. قال أبو علي: كل ما لم يجر ذكره في آيات التحريم كله حلال. # وقال تعالى " يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم " ونحوه قوله " يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا "، الا أن تلك الآية خطاب للمؤمنين # PageV02P262 # وهذه خطاب لجميع ms446 الناس، يعني ان من آمن بالله لا يحل ولا يحرم الا بأمره، ومن امتنع من اكل ما أحل الله فقد خالف أمره والله أحل المستلذ. # فقوله " كلوا " يحتمل أن يكون إباحة وتخييرا وأمرا على الايجاب أو الندب فالامر في وقت الحاجة إليه، إذا لا يجوز لاحد أن يترك ذلك حتى يموت مختارا مع امكان تناوله. # والاذن على أن اكل المستلذ مما ملكتم، وهو الحلال مباح لكم. وفي الآية دلالة على النهي عن أكل الخبيث في قول بعض المفسرين، كأنه قيل كلوا من الطيب دون الخبيث كما لو قال كلوا من الحلال لكان ذلك دالا على حظر الحرام. # وهذا صحيح فيما له ضد قبيح مفهوم، فأما غير ذلك فلا يدل على قبح ضده، لان قول القائل " كل من مال زيد " لا يدل على أن المراد تحريم ما عداه، لأنه قد يكون الغرض البيان لهذا خاصة، وذكر الشرط ههنا انما هو على وجه المظاهرة في الحجاج. # قال سبحانه " يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ". والتحريم هو العقد على مالا يجوز فعله للعبد، والتحليل حل ذلك العقد، وذلك كتحريم السبب بالعقد على أهله فلا يجوز لهم العمل فيه، وتحليله تحليل ذلك العقد وذلك يجوز لهم الان العمل فيه. # " ولا تعتدوا " إلى ما حرم عليكم، واعتداء الحد مجاوزة الحكمة إلى ما نهى عنه الحكيم وزجر عنه اما بالعقل أو بالسمع. # ثم قال تعالى " وكلوا مما رزقكم الله حلال طيبا " والرزق هو ما للحي الانتفاع به وليس لغيره معه منه. # فان قيل: إذا كان الرزق لا يكون الا حلالا فلم قال الله تعالى " حلالا طيبا ". # قلنا: ذكر ذلك على وجه التأكيد كقول " وكلم الله موسى تكليما " (1، # PageV02P263 # والطيب قد يكون مستلذا، وقد اطلق في موضع آخر فقال " ومما رزقناهم ينفقون " (1. # ثم اعلم أن الطيب يقع على الحلال كقوله " يا أيها الرسل كلوا من الطيبات " (2، ويقع على الطاهر كقوله تعالى " فتيمموا صعيدا طيبا " (3، ويقع على مالا أذى فيه كما يقال زمان طيب ms447 ومكان طيب للذي لا حر فيه ولا برد، ويقع على ما يستطاب من المأكول يقال هذا طعام طيب لما تستطيبه النفس ولا تنفر منه. # (فصل) ثم قال تعالى " اليوم أحل لكم الطيبات " (4 أي ما تستطيبونه ولا تستخبثونه فردهم إلى عادتهم. ولا يمنع ان يقال المراد به مالا اذى فيه من المباح الذي ليس بمحرم، فكأنهم لما سألوه عن الحلال فقال هو مالا يستحق المدح والذم بتناوله، وذلك عام في جميع المباحات سواء علمت كذلك عقلا أو شرعا. # ومن اعتبر العرف والعادة اعتبر عرف أهل الترف والغنى المكنة الذين كانوا في القرى والأمصار على عهد النبي صلى الله عليه وآله حال الاخبار دون من كان من أهل البوادي من جفاة العرب. # فإذا قيل: عادتهم مختلفة. قلنا: اعتبرنا العام الشائع دون الشاذ النادر. # وقوله تعالى " وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم " مبتدأ وخبر، وذلك يخص عند أكثر أصحابنا بالحبوب لأنها المباحة من أطعمة أهل الكتاب، فأما ذبائحهم وكل مائع يباشرونه بأيديهم فإنه ينجس ولا يحل استعماله. # وتذكيتهم لا تصح، لان من شرط صحتها التسمية لقوله تعالى " ولا تأكلوا # PageV02P264 # مما لم يذكر اسم الله عليه " (1، وهؤلاء لا يذكرون اسم الله عليه، وإذا ذكروا قصدوا بذلك اسم من أبد شرع موسى أو عيسى عليهما السلام، أو اتخذ عيسى أو عزيزا ابنا وكذب محمدا عليه السلام وذلك غير الله عز وجل، وقد حرمه الله بقوله " وما أهل به لغير الله " (2. # " وطعامكم حل لهم " أي انه حلال لهم سواء قبلوه أو لم يقبلوه. وقيل: # حلال للمسلم بذله لهم، ولو كان محرما لما جاز للمسلم بذله إياهم. # وقوله " فكلوا مما ذكر اسم الله عليه " (3 الذكر المأمور به هو قول " بسم الله " وقيل كل اسم يختص الله به أو صفة تختصه كقول " بسم الله الرحمن " أو " باسم القديم " أو " باسم القادر لنفسه " أو " باسم العالم لنفسه " وما جرى مجرى ذلك فالأول مجمع على جوازه والظاهر يقتضي جواز غيره، ولقوله تعالى " قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن ms448 أياما تدعوا فله الأسماء الحسنى " (4. وهذا يقتضي مخالفة المشركين في أكلهم ما لم يذكر اسم الله عليه، فأما ما لم يذكر عليه اسم الله سهوا أو نسيانا من المؤمنين فإنه يجوز أكله على كل حال. # والاسم انما يكون لمسمى مخصوص بالقصد، وذلك مفتقر إلى معرفته واعتقاده، والكفار على مذهبنا لا يعرفون الله فكيف يصح منهم تسميته تعالى، فلا يجوز أكل ذبائح الكفار لهذا. # ثم قال " ومالكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه " (5) أي لم لا تأكلوا. # وبينهما فرق، لان " لم لا تفعل " أعم من حيث أنه يكون لحال يرجع إلى غيره # PageV02P265 # وأما " ما لك لا تفعل " فحال يرجع إليه، والمعنى أي شئ لكم في أن لا تأكلوا. # وقيل " ما منعكم ان تأكلوا " لان " مالك ان تفعل " و " مالك لا تفعل " بمعنى. # واختار الزجاج الأول. # " وقد فصل لكم ما حرم عليكم " يعني ما ذكره في مواضع من قوله " حرمت عليكم الميتة " الآية وغيرها. # " الا ما اضطررتم إليه " معناه الا إذا خفتم على نفوسكم الهلاك من الجوع وترك التناول، فحينئذ يجوز لكم تناول ما حرمه الله في قوله " حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير ". # واختلفوا في مقدار ما يسوغ تناوله حينئذ له: فعندنا لا يجوز أن يتناول الا ما يمسك الرمق، ومن الناس من قال يجوز له أن يشبع منه إذا اضطر إليه وان يحمل معه منها حتى يجد ما يأكل. # قال: وفي الآية دلالة على أن ما يكره عليه من هذه الأجناس يجوز أكله لان المكره يخاف على نفسه مثل المضطر. # (فصل) وقال تعالى " قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه الا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا اثم عليه فان ربك غفور رحيم " (1. # أمر الله نبيه عليه السلام ان يقول لهؤلاء الكفار انه لا يجد فيما أوحى الله إليه شيئا محرما الا هذه الثلاثة. وقيل: انه خص ms449 هذه الأشياء الثلاثة بذكر التحريم مع أن غيرها محرم مما ذكره تعالى في المائدة كالمنخنقة والموقوذة # PageV02P266 # لان جميع ذلك يقع عليه اسم الميتة وفي حكمها، فبين هناك بالتفصيل وهنا على الجملة. # وأجود من ذلك أن يقال: خص الله هذه الثلاثة تعظيما لتحريمها وبين ما عداها في موضع آخر. # وقيل: انه تعالى خص هذه الأشياء بنص القرآن، وما عداه بوحي غير القرآن. # وقيل: ان ما عداه حرم فيما بعد بالمدينة والسورة مكية. # والدم المسفوح هو المصبوب، وانما خص المسفوح بالذكر لان ما يختلط منه باللحم مما لا يمكن تخليصه منه لقلته معفو مباح. وقال قوم: انما قال " مسفوحا " لان الكبد يشبه الدم الجامد وان لم يكن دما فليس بحرام، فذكر المسفوح ليبين الحلال من الحرام. فأما الطحال فإنه إذا ثقب وطرح في الماء فيسيل كله لأنه دم وهو حرام. # وقوله " أو لحم خنزير " فإنه وان خص لحمه بالذكر هنا فان جميع ما يكون منه من الشحم والجلد والشعر محرم. # " فإنه رجس " يعني ما تقدم ذكره، ولذلك كنى عنه بكناية الذكر. والرجس كل مستقذر منفور عنه. # وقوله " أو فسقا " عطف على قوله " أو لحم خنزير "، والمراد بالفسق ما أهل لغير الله به. وكان ابن عباس وعائشة يتعلقان بظاهر هذه الآية في إباحة لحوم الحمير. # ثم قال " فمن اضطر غير باغ ولا عاد " قيل فيه قولان: أحدهما غير طالب بأكله التلذذ، والثاني غير قاصد لتحليل ما حرمه الله. وروى أصحابنا ان المراد به الخارج على الإمام العادل وقطاع الطريق فإنهم لا يرخصون ذلك على كل حال. PageV02P267 # " ولا عاد " أي لا يعتدي بتجاوز ذلك إلى ما حرمه الله. والضرورة التي تبيح أكل الميتة هي خوف التلف على النفس من الجوع. # وقد استدل قوم بهذه الآية على إباحة ما عدا هذه الشياء المذكورة. وهذا ليس بشئ لان هنا محرمات كثيرة غيرها، كالسباع وكل ذي ناب وكل ذي مخلب وغير ذلك من البهائم والمسوخ مثل الفيلة والقردة. # ويمكن ان يستدل بهذه الآية على تحريم الانتفاع بجلد ms450 الميتة، فإنه داخل تحت التعدي. # (فصل) وقوله تعالى " وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما الا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم " (1 أخبر تعالى انه حرم على اليهود في أيام موسى عليه السلام كل ذي ظفر. قال ابن عباس: انه كل ما ليس بمنفرج الأصابع كالإبل والنعام والبط والإوز. # وأخبر تعالى أيضا انه كان حرم عليهم شحوم البقر والغنم مما في أجوافهما، واستثنى من ذلك بقوله " الا ما حملت ظهورهما "، فإنه لم يحرمه. واستثنى أيضا ما على الحوايا من الشحم فإنه لم يحرمه. واستثنى أيضا من جملة ما حرم ما اختلط بعظم، وهو الشحم الجنب والالية لأنه على العصعص. # وهذه الأشياء وان كانت محرمة في شرع موسى عليه السلام فقد نسخ الله تحريمها وأباحها على لسان محمد صلى الله عليه وآله. # ثم قال تعالى " ذلك جزيناهم ببغيهم " معناه انا حرمنا ذلك عليهم عقوبة لهم على بغيهم. # PageV02P268 # فان قيل: كيف يكون التكيف عقابا وهو تابع للمصلحة، ومع ذلك فهو تعريض للثواب. # قلنا: انما سماه عقوبة لان عظيم ما أتوه من المعاصي اقتضى تحريم ذلك فيه عقوبة وتعيين المصلحة وحصول اللطف، ولولا جرمهم لما اقتضت المصلحة ذلك. # " وانا لصادقون " يعني فيما أخبر به من أن ذلك عقوبة لأوائلهم ومصلحة لمن بعدهم إلى وقت النسخ. والصحيح أن تحريم ذلك لما كان مصلحة عند هذا الاقدام منهم جاز ان نقول حرم عليهم بظلمهم، لما روي أن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه. # (باب الأطعمة المحظورة) قال الله تعالى " حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به " (1 الآية. بين تعالى في هذه الآية ما استثناه في قوله " أحلت لكم بهيمة الأنعام الا ما يتلى عليكم " (2 فهذا مما تلاه علينا فقال سبحانه مخاطبا للمكلفين " حرمت عليكم الميتة " وهي كلما فارقته الحياة من دواب البر وطيره بغير تذكية. واستثنى النبي صلى الله عليه وآله منها السمك والجراد فقال: ميتتان مباحتان (3. # ثم قال تعالى ms451 " والدم " أي حرم عليكم الدم، فقيل: انهم كانوا يجعلون الدم في المباعر ويشوونها ويأكلونها، فأعلم الله ان الدم المسفوح - أي # PageV02P269 # المصبوب - حرام، فأما اللحم المتلطخ بالدم وما يرى أنه منه مثل الكبد فهو مباح. واما الطحال فهو الدم المسفوح على ما ذكرناه. وانما شرطنا في الدم الحرام ما كان مسفوحا لأنه تعالى بين ذلك في الآية الأخرى فقال تعالى " أو دما مسفوحا " (1. # ثم قال " ولحم الخنزير " أي حرم عليكم لحم الخنزير أهليه وبريه. فالميتة والدم مخرجهما في الظاهر مخرج العموم والمراد بهما الخصوص، ولحم الخنزير مخصوص ظاهره، مع أن كلما كان من الخنزير حرام كلحمه من الشحم والجلد وغير ذلك فالمراد به العموم. # وقوله تعالى " وما أهل لغير الله به " أي وحرم عليكم ما أهل لغير الله به أي ما ذبح للأصنام والأوثان مما يقرب به من الذبح لغير الله، أو رفع الصوت عليه بغير اسم الله حرام. # وكل ما حرم اكله مما عددناه يحرم بيعه وملكه والتصرف فيه. # والخنزير يقع على المذكر والمؤنث. # وفى الآية دلالة على أن ذبائح كل من لم يذكر اسم الله عليه حرام، سواء كان كافرا أو من دان بالتجسم والصورة، أو قال بالجبر والتشبيه، أو خالف الحق، فعندنا لا يجوز أكل ذبيحته. # وقد قدمنا ان التسمية على الذبيحة واجبة، فان تركها ناسيا لم يكن به بأس. # (فصل) ثم قال تعالى " والمنخنقة " قال السدي: هي التي تدخل رأسها بين شعبتين # PageV02P270 # من شجرة فتختنق وتموت. وقال الضحاك: هي التي تختنق وتموت. وقال قتادة: هي التي تموت في خناقها، وقال كان أهل الجاهلية يخنقونها ثم يأكلونها. # والا ولى حمل الآية على عمومها في جميع ذلك، سواء كان بشئ من قبلها أو من قبل غيرها، لأنه تعالى وصفها بالمنخنقة، ولو كان الامر على ما ذكره قتادة فقط لقال والمخنوقة. # وقوله تعالى " والموقوذة " يعني التي تضرب حتى تموت. # " والمتردية " التي تقع من جبل أو تقع في بئر فتموت، فان وقعت في شئ من ذلك ويعلم أنها لم تمت بعد ms452 ولم يقدر على موضع ذكاته جاز أن تطعن وتضرب بالسكين في غير المذبح حتى تبرد ثم تؤكل. # " والنطيحة " وهي التي تنطح أو ينطح. # فان قيل: كيف تكون بمعنى المنطوحة وقد ثبت فيها الهاء وفعيل إذا كان بمعنى مفعول لا يثبت فيه الهاء، مثل " عين كحيل " و " كف خضيب ". # قلنا: اختلف في ذلك، فقال البصريون أثبت في " النطيحة " الهاء لأنها جعلت كالاسم مثل الطويلة، فوجه التأويل النطيحة أي معنى الناطحة، ويكون المعنى حرمت عليكم الناطحة التي تموت من نطاحها. وقال بعض الكوفيين: انما يحذف هاء الفعيل بمعنى المفعول إذا كان مع الموصوف، فأما إذا كان منفردا فلابد من اثبات الهاء، فيقال " رأيت قتيلة ". # والقول بأن النطيحة بمعنى المنطوحة هو قول أكثر المفسرين، لأنهم أجمعوا على تحريم الناطحة والمنطوحة إذا ماتتا. # وقوله " وما أكل السبع " أي وحرم عليكم ما أكل السبع، بمعنى ما قتله السبع - قاله ابن عباس، وهو فريسة السبع. " الا ما ذكيتم " الا ما أدركتم ذكاته فذكيتموها من هذه الأشياء التي وصفها، وموضع ما نصب بالاستثناء. PageV02P271 # واختلف في الاستثناء إلى ماذا يرجع: فقال قوم يرجع إلى جميع ما تقدم ذكره من قوله " حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة ما أكل السبع " الا مالا يقبل الذكاة من لحم الخنزير والدم، وهو الأقوى، وهو المروي عن علي عليه السلام وابن عباس، قال وهو أن تدركه يتحرك رجله أو ذنبه أو تطرف عينه، وهو المروي عنهما عليهما السلام. # وقال آخرون: هو استثناء من التحريم لأنه من المحرمات، لان الميتة لا ذكاة لها ولا الخنزير. قالوا: والمعنى حرمت عليكم الميتة والدم وسائر ما ذكر الا ما ذكيتم مما أحله الله تعالى له بالتذكية فإنه حلال لكم. # وسئل مالك عن الشاة يخرق جوفها السبع حتى يخرج أمعاؤها. فقال: # لا أرى أن تذكى ولا تؤكل، أي شئ يذكى منها. # وقال كثير من الفقهاء: انه يراعى أن يلحق وفيه حياة مستقرة فيذكى فيجوز أن يؤكل، فأما ما يعلم ms453 أنه لا حياة فيه مستقرة فلا يجوز بحال. # (فصل) فان قيل: فما وجه تكرير قوله تعالى: " وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة " وجميع ما عدد تحريمه في هذه الآية يعمه قوله تعالى " حرمت عليكم الميتة " وان اختلف أسباب موته من خنق أو ترد أو نطح أو اهلال لغير الله أو أكيل سبع، وانما يكون كذلك - يعني قول من يقول إنها وان كانت فيها حياة إذا كانت غير مستقرة - فلا يجوز أكلها. # قلنا: الفائدة في ذلك أن الذين خوطبوا بذلك لم يكونوا يعدون الميت الا ما مات حتف أنفه من دون شئ من هذه الأسباب، فأعلمهم الله تعالى ان حكم الجميع واحد وان وجه الاستباحة هي التذكية الشرعية. PageV02P272 # وقال السدي: ان ناسا من العرب كان يأكلون جميع ذلك ولا يعدونه ميتا، انما يعدون الميتة التي تموت من الوجع. # فان قيل: قد جاء في البقرة " وما أهل به لغير الله " وفي المائدة وفي الانعام وفي النحل " وما أهل لغير الله به " فما وجه ذلك؟ # قلنا: الأصل ما جاء في سورة البقرة، لان الباء التي يتعدى بها الفعل بمنزلة جزء منه، تقول ذهبت بزيد وأذهبته، وما يتعدى إليه الفعل باللام لا يتنزل منه اللام منزلة الجزء منه، فالباء أحق بالتقديم، لان معنى " أهل به لغير الله " ذبح لغير الله، أي سمي عليه بعض الالهة، ان لم يكن الذابح ممن يعرف الله فيسميه. # فالأصل ما هو في البقرة، ثم لما كان الاهلال بالمذبوح لا يستنكر الا إذا كان ما عدا الأصل فتقديم المستنكر أولى. ألا ترى أنهم يقدمون المفعول إذا كانوا ببيانه أعني (1 فيقولون " ضرب عمرا زيد ". فلهذا بدئ في البقرة ثم قدم في المواضع الثلاثة الاسم، وهو ذكر المستنكر في غير الله. # والتذكية هي فري الأوداج والحلقوم إذا كانت فيه حياة ولا يكون بحكم الميت، والذكاة في اللغة تمام الشئ. فالمعنى على هذا في قوله تعالى " الا ما ذكيتم " أي ما أدركتم ذبحه على التمام. # (فصل) ثم قال تعالى " وما ذبح ms454 على النصب " فانصب الحجارة التي كانوا يعبدونها وهي الأوثان، واحدها نصاب، ويجوز أن يكون واحدا والجمع أنصاب (2. # PageV02P273 # والفرق بين هذا وبين ما أهل به لغير الله أن المراد ما يصدق به تقربا إلى الأنصاب، والمراد بالأول ما ذبحه الكافر أو من سمى غير الله عند ذبحه على ما ذكرناه لأي شئ ذبحه من بيع أو إضافة أو تصدق. # وقال ابن جريح: النصب ليست أصناما، وانما كانت حجارة تنصب إذا ذبحوا لآلهتهم جعلوا اللحم على الحجارة ونضحوا الدم على ما أقبل ما البيت، فقال المسلمون عظمت الجاهلية البيت بالدم فنحن أحق أن نعظمه، فأنزل الله تعالى " لن ينال الله لحومها ولا دماؤها (1 " الآية (2. # وقوله " وأن تستقسموا بالأزلام ذلكم فسق " أي وحرم عليكم الاستقسام بالأزلام، وهي سهام كانت الجاهلية يطلبون قسم الأرزاق بها ويتفألون بها في أسفارهم وابتداءات أمورهم. وبه قال ابن عباس. # وقال مجاهد: هي سهام العرب وكعاب فارس والروم (3. # والأنصاب الأصنام، وانما قيل لها ذلك لأنها كانت تنصب للعبادة لها، قال تعالى " انما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام " (4. # والميسر القمار، وعن أبي جعفر عليه السلام يدخل فيه الشطرنج والنرد # PageV02P274 # حتى اللعب بالجوز (1. # وروي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: الشطرنج ميسر العجم. # والأزلام القداح، وهي سهام كانوا يجلبونها للقمار. # قال الأصمعي: كان الجزور يقسمونه على ثمانية وعشرين جزءا. وذكرت أسماءها مفصلة، وهي عشرة منها ذوات الحظوظ سبعة. # ثم قال " رجس من عمل الشيطان " فوصفها بذلك يدل على تحريمها. # (فصل) أما قوله تعالى " كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل الا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن ينزل التوراة " (2، فقد كان سبب نزول هذه الآية أن اليهود أنكروا تحليل النبي صلى الله عليه وآله لحوم الإبل، فبين الله أنها كانت محللة لإبراهيم وولده إلى أن حرمها إسرائيل على نفسه وهو يعقوب، نذر ان برأ من النساء أن يحرم أحب الطعام والشراب إليه وهي لحوم الإبل وألبانها، فلما برأ وفى بنذره. فحاجهم النبي عليه السلام بالتوراة فلم يجسروا أن يحضروها ms455 لعلمهم بصدق محمد " ص " (3). # فان قيل: كيف يجوز للانسان أن يحرم شيئا وهو لا يعلم ماله فيه من المصلحة مما له فيه المفسدة. # قلنا: يجوز ذلك إذا أذن الله له في ذلك وأعمله، وكان الله أذن لإسرائيل في هذا النذر ولذلك نذر، فأما غير الأنبياء والأوصياء فلا يجوز لهم مثل ذلك # PageV02P275 # (باب) (الأشربة المباحة والمحظورة) قال الله تعالى " يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما اثم كبير " (1 قال أكثر المفسرين: الخمر عصير العنب التي إذا اشتد. وقال جمهور أهل المدينة: # كلما أسكر كثيره فهو خمر، وهو الظاهر في رواياتنا. # واشتقاقه في اللغة من قولهم " خمرت الشئ " أي سترته، لأنها تغطي على العقل. # وكلما أسكر على اختلاف أنواعه حرام قليله وكثره لاشتراكهما في المعنى إذ يجري عليهما أجمع جميع أحكام الخمر. # وقوله تعالى " قل فيهما اثم كبير ومنافع للناس " فالمنافع التي في الخمر ما كانوا يأخذونه في أثمانها وربح تجارتها وما فيها من اللذة بتناولها، أي فلا يغتروا بالمنافع التي فيها فضررها أكثر من نفعها. # قال الحسن: وهذه الآية تدل على تحريم الخمر، لأنه مع ذكر أن فيها اثما وقد حرم الله الاثم في قوله " قل انما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والاثم " (2)، على أنه تعالى قد وصفها بأن فيها اثما كبيرا، والاثم الكبير محرم بلا خلاف. # وقال قوم: المعنى ان الاثم بشرب هذه والقمار بهذا أكبر وأعظم، لأنهم كانوا إذا سكروا وثب بعضهم على بعض وقاتل بعضهم بعضا. # قال قتادة: وانما يدل على تحريمها الآية التي في المائدة من قوله " انما # PageV02P276 # الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه " (1، أخبر الله تعالى أن هذه الأشياء رجس من عمل الشيطان ثم أمرنا باجتنابها بأن قال " فاجتنبوه " أي كونوا على جانب منها، أي في ناحية. # ففي الآية دلالة على تحريم الخمر وعلى تحريم هذه الأشياء من أربعة أوجه: # أحدها: أنه وصفها بأنها رجس، والرجس والنجس بلا خلاف محرم. # الثاني: نسبها إلى عمل الشيطان، وذلك لا يكون الا محرما. ms456 # الثالث: انه تعالى أمرنا باجتنابه، والامر يقتضي الايجاب شرعا. # الرابع: انه جعل الفوز والفلاح في اجتنابه. # والهاء في قوله " فاجتنبوه " راجعة إلى عمل الشيطان. # (فصل) ثم قال تعالى " انما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون " (2. قيل هل ان ههنا مع ما بعدها بمنزلة الامر أي انتهوا وسبب نزول هذه الآية أن سعد بن أبي وقاص لاقى رجلا من الأنصار وقد كانا شربا الخمر فضربه بلحي جمل (3. # وقيل: انه لما نزلت قوله تعالى " يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى " (4 قال رجل: اللهم بين لنا في هذه الخمر بيانا شافيا، فنزلت هذه الآية. # PageV02P277 # معناه: الشيطان انما يريد ايقاع العداوة والبغضاء بينهم بالاغراء المزين لهم ذلك حتى إذا سكروا زال عقولهم وأقدموا من المكاره والقبائح ما كانت تمنعهم منه عقولهم. # وقال قتادة: كان الرجل يقامر في ماله وأهله فيقمر ويبقى سليبا حزينا فيكسبه ذلك العداوة والبغضاء. # وقوله " ويصدكم عن ذكر الله " أي يمنعكم من الذكر لله بالتعظيم والشكر على آلائه، لما في ذلك من الدعاء إلى الصلاح واستقامة الحال في الدين والدنيا. # وقوله تعالى " فهل أنتم منتهون " صيغته الاستفهام ومعناه النهي، وانما جاز ذلك لأنه إذا ظهر قبح الفعل للمخاطب صار في منزلة من نهي عنه، فإذا قيل له أتفعله بعد ما قد ظهر من أمره، صار في محل من عقد عليه باقراره. # فان قيل: ما الفرق بين انتهوا عن شرب الخمر وبين لا تشربوا الخمر؟ # قلنا: الفرق بينهما أنه إذا قال " انتهوا " دل ذلك على أنه مريد لأمر ينافي شرب الخمر، وصيغة النهي تدل على كراهة الشرب، لأنه قد ينصرف عن الشرب إلى أحد أشياء مباحة، وليس كذلك المأمور به، لأنه لا ينصرف عنه الا إلى محظور، والمنهي عنه قد ينصرف عنه إلى غير مفروض. # ثم قال " وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا فان توليتم فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين " (1 لما أمر سبحانه باجتناب ms457 الخمر والميسر والأنصاب والأزلام أمر بطاعته في ذلك وفي غيره من أوامره، ثم أمر بالحذر وهو امتناع القادر من الشئ لما فيه من الضرر والخوف، وهو توقع الضرر الذي لا يؤمن كونه. # " فان توليتم " الوعيد " فاعلموا " انكم قد استحققتم العذاب لتوليكم عما أدى رسولنا من البلاغ المبين. # PageV02P278 # والخمر محرمة على لسان كل نبي وفي كل كتاب نزل، وان تحريمها لم يكن متجددا، فإذا انقلبت الخمر خلا بنفسها أو بفعل آدمي إذا طرح فيها ما ينقلب إلى الخل حلت. # ثم قال " ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا " (1. قال ابن عباس: انه لما نزل تحريم الخمر قال الصحابة: كيف بمن مات من إخواننا وهو يشربها من قبل، فأنزل الله الآية وبين أنه ليس عليهم في ذلك شئ إذا لم يكونوا عالمين بتحريمها وقد كانوا مؤمنين عاملين للصالحات ثم يتقون المعاصي وجميع ما حرم الله عليهم. # والصحيح أن معناه ليس على المؤمنين اثم ولا حرج في أكل طيبات الدنيا إذا أكلوها من الحلال، ودل على هذا المعنى بقوله " إذا ما اتقوا وآمنوا ". # وتكرار الاتقاء انما حسن لان الأول المراد به اتقاء المعاصي، الثاني الاستمرار على الاتقاء، الثالث اتقاء مظالم العباد. # (فصل) أما قوله تعالى " وان لكم في الانعام لعبرة نسقيكم " إلى قوله " ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا " (2 قال قوم ممن لا يؤبه بهم استدلوا بهذه الآية على تحليل النبيذ، بأن قالوا أمتن الله علينا وعدد من جملة نعمه علينا أن خلق الله لنا الثمار التي نتخذ منها السكر والرزق الحسن، وهو سبحانه وتعالى لا يمتن بما هو محرم. # وهذا لا دلالة لهم فيه لأمور: # PageV02P279 # أحدها: ان المفسرين على خلاف هذا، ولم يقل أحد منهم هو ما حرم من العثرات وانما ذكروا في معناه تتخذون منه ما حل طعمه من شراب أو غيره. # الثاني: أنه لو أراد بذلك تحليل السكر لما كان لقوله " ورزقا ms458 حسنا " معنى لان ما أحله وأباحه فهو أيضا رزق حسن. # فان قيل: فلم فرق بين الرزق الحسن وبينه والكل شئ واحد؟ # قلنا: الوجه فيه أنه تعالى خلق هذه الثمار لتنتفعوا بها فاتخذتم أنتم منها ما هو حرام عليكم وتركتم ما هو رزق حسن. # وأما وجه المنة فبالأمرين معا ثابتة، لان ما أباحه وأحله فالمنة به ظاهرة ليعجل الانتفاع به وما حرمه، فوجه النعمة فيه أنه إذا حرم علينا وأوجب الامتناع ضمن في مقابلته الثواب الذي هو أعظم النعمة، فهو نعمة على كل حال. # ويؤكد ذلك قوله " وهديناه النجدين " (1 وقوله " فألهمها فجورها وتقواها " (2 ونحوه قولنا ان خلق نار جهنم نعمة من الله على العباد. # الثالث: ان السكر إذا كان مشتركا بين السكر والطعم وجب أن يتوقف فيه ولا يحمل على أحدهما الا بدليل، وما ذكرناه مجمع على أنه مراد وما ذكر ليس عليه دليل. # والسكر في اللغة على أربعة أقسام (3: أحدها ما أسكر. والثاني ما طعم من # PageV02P280 # الطعام، كما قال الشاعر: # * جعلت عين الأكرمين سكرا (1 * أي طعما. الثالث المصدر من قولك سكر سكرا، وأصله انسداد المجاري بما يلقى فيها ومنه السكر، وهو القسم الرابع (2. # على أنه كان يقتضي أن يكون كل ما أسكر منه يكون حلالا، وذلك خلاف الاجماع، لأنهم يقولون القدر الذي لا يسكر هو المباح، وكان يلزم على ذلك أن يكون الخمر مباحا، وذلك لا يقوله أحد من المسلمين. ويلزم أن يكون النقيع حلالا، وذلك خلاف الاجماع. # (باب) (بيان تحريم الخمر) حدث علي بن يقطين قال: سأل المهدي الخليفة أبا الحسن موسى بن جعفر عليه السلام عن الخمر أهي محرمة في كتاب الله تعالى، فان الناس انما يعرفون النهي [عنها] ولا يعرفون التحريم [لها]. فقال له أبو الحسن: هي محرمة في كتاب الله تعالى. فقال: في أي موضع هي محرمة في كتاب الله تعالى يا أبا الحسن؟ # فقال: قول الله تعالى " قل انما حرم ربى الفواحش ما ظهر منها وما بطن والاثم " (3، # PageV02P281 # فأما قوله " ما ظهر ms459 منها " فإنه يعني بذلك الزنا المعلن ونصب الرايات التي كانت ترفعها الفواجر في الجاهلية، وأما قوله " وما بطن " فإنه يعني به ما نكح من الاباء، فان الناس كانوا من قبل أن يبعث الله النبي صلى الله عليه وآله إذا كان للرجل زوجة ومات عنها زوجها تزوجها ابنه من بعده إذا لم تكن أمه فحرم الله ذلك، وأما قوله " والاثم " فإنه يعني به الخمرة بعينها، وقد قال الله تعالى في مواضع أخر " يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما اثم كبير ومنافع للناس واثمهما أكبر من نفعهما " (1 فإنما عنى بالاثم حراما عظيما، وقد سماها الله تعالى أخبث الأسماء رجسا. # ثم قال عليه السلام: ان أول ما نزل في تحريم الخمر " يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما اثم كبير ومنافع للناس واثمهما أكبر من نفعهما "، فلما نزلت هذه الآية أحس القوم بتحريم الخمر وعلموا أن الاثم مما يجب اجتنابه، ثم نزلت آية أخرى وهي قوله " انما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون " (2، وكانت هذه الآية أشد من الأولى وأغلظ في التحريم، ثم ثلث بآية أخرى وكانت أغلظ في الآية الأولى والثانية وأشد، وهي قوله " انما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون " (3، فأمر باجتنابها وفسر عللها التي لها ومن أجلها حرمها. # ثم بين تعالى تحريمها وكشفه في الآية الرابعة مع ما دل عليه في هذه الآي # PageV02P282 # المتقدمة بقوله " قل انما حرم ربى الفواحش ما ظهر منها وما بطن والاثم "، وقال في الآية " يسئلونك عن الخمر والميسر قل فيهما اثم كبير " فخبر أن الاثم في الخمر وغيرها وأنه حرام، وذلك أن الله تعالى إذا أراد أن يفرض فريضة أنزلها شيئا بعد شئ حتى يوطن الناس أنفسهم عليها ويسكنوا إلى أمر الله ونهيه فيها وذلك من فعل الله تعالى ووجه التدبير والصواب لهم ليكونوا أقرب إلى الاخذ بها وأقل لنفارهم منها. فقال المهدي: هذه والله فتوى هاشمية ms460 (1. # (فصل) وروي أنه شرب قدامة بن مظعون الخمر في أيام عمر، فأراد أن يحده فقال له قدامة انه لا يجب علي الحد لان الله تعالى يقول " ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا " (2 فدرأ عنه الحد، فبلغ ذلك أمير المؤمنين عليه السلام فأتى المسجد وفيه عمر فقال له: لم تركت إقامة الحد على قدامة في شربه الخمر؟ # فقال: تلا علي آية وتلاها عمر. فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: ليس قدامة من أهل هذه الآية ولا من سلك سبيله في ارتكاب ما حرم الله، ان الذين آمنوا لا يستحلون حراما، فاردد قدامة واستتبه مما قال فان تاب فأقم عليه الحد وان لم يتب فاقتله فقد خرج من الملة، فعرف قدامة الخبر فأظهر التوبة (3. # والآية انما أنزلت في القوم الذين حرموا على أنفسهم اللحوم وسلكوا طريق الترهب، كعثمان بن مظعون وغيره، فبين الله لهم انه لا جناح في تناول المباح مع اجتناب المحرمات، أي ليس عليهم أثم وخروج فيما طعموا من الحلال. # PageV02P283 # وهذه اللفظة صالحة للاكل والشرب. # وقوله " ثم اتقوا وآمنوا " أي اتقوا شربها بعد التحريم " ثم اتقوا " أي دانوا على الاتقاء. فالاتقاء الأول من الشرب، والاتقاء الثاني هو الدوام عليه، والاتقاء الثالث اتقاء جميع المعاصي وضم الاحسان إليه. # وقال الله تعالى " واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به إذ قلتم سمعنا وأطعنا " (1. قال أبو جعفر عليه السلام: الميثاق هو ما بين لهم في حجة الوداع من تحريم كل مساء وكيفية الوضوء على ما ذكره الله في كتابه ونصب أمير المؤمنين عليه السلام إماما للخلق كافة (2. # وتحريم الفقاع لا يعلل بالسكر وانما تحريمه مثل لحم الخنزير والدم. # (فصل) وقد أباح الله تعالى الماء الذي هو أذل موجود وأعز مفقود، وقد قال تعالى " وجعلنا من الماء كل شئ حي " (3 وقال " هو الذي أنزل من السماء ماءا لكم منه شراب " (4 أخبر تعالى أنه الذي ينزل ms461 من السماء ماءا، يعني غيثا ومطرا لمنافع خلقه فينبت بذلك الماء هذه الأشياء التي عددها. # وقال تعالى " وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا " إلى أن قال " يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه " (5 من أصفر وأبيض وأحمر مع # PageV02P284 # انها تأكل الحامض والمر فيجعله الله تعالى عسلا حلوا لذيذا فيه شفاء للناس. # وأكثر المفسرين على أن الهاء راجعة إلى العسل، وهو الشراب الذي ذكر أن فيه شفاءا من كثير من الأمراض. وانما قال " من بطونها " وهو خارج من فيها لان العسل يخلقه الله في بطن النحل ثم يخرجه إلى فيه ثم يخرجه من فيه، ولو قال من فيها لظن أنها تلقيه من فيها وليس بخارج من البطن. # وقال الرضي في كتاب مجاز القرآن: ان العسل عند المحققين من العلماء غير خارج من بطون النحل، وانما تنقله بأفواهها من مساقطه ومواقعه من أوراق الأشجار وأصناف النبات (1، لأنه يسقط كسقوط الندى في أماكن مخصوصة وعلى أوصاف معلومة، والنحل ملهمة بتتبع تلك المساقط [وتعهد تلك المواقع] (2 فتنقل العسل بأفواهها إلى المواضع المعدة لها، قال تعالى " يخرج من بطونها " والمراد من جهة بطونها وجهة بطونها أفواهها، وهذا من غوامض البيان وشرائف الكلام (4. # وقال أمير المؤمنين عليه السلام: اشربوا ماء السماء فإنه يطهر البدن ويدفع الأسقام، قال تعالى " وينزل عليكم من السماء ماءا ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان " (4. # وجاء رجل فشكى إليه وجع البطن فقال عليه السلام: ألك زوجة؟ قال: # نعم. قال: استوهب منها درهما من صداقها بطيبة نفسها من مالها واشتر به عسلا واسكب عليه من ماء السماء ثم اشربه. ففعل الرجل فبرء، فسئل عليه السلام عن ذلك فقال سمعت الله تعالى يقول في كتابه " فان طبن لكم عن شئ منه نفسا # PageV02P285 # فكلوه هنيئا مريئا " (1 وقال " يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس " (2 وقال " ونزلنا من السماء ماءا مباركا " (3، فإذا اجتمعت البركة والشفاء والهنئ والمرئ رجوت فيه لك الشفاء (4. # (باب الزيادات) قال الشافعي: إنفحة (5 الميتة ms462 نجسة لا يحل الانتفاع بها، وعندنا وعند أبي حنيفة هي طاهرة، وبذلك نصوص عن أئمة الهدى عليهم السلام (6، يؤيد ذلك قوله تعالى " كلوا مما في الأرض حلالا طيبا " (7 وهذا عام الا ما أخرجه الدليل، ولا دليل على تحريم الا نفحة من الميتة ولا نجاستها من كتاب وسنة ولا اجماع. # ويؤكد ذلك ما ذكره أبو جعفر محمد بن يعقوب الكليني في كتابه المشهور عن أبي حمزة الثمالي قال: كنت في مسجد النبي عليه السلام إذ دخل رجل وقال لي: من أنت؟ فقلت: رجل من أهل الكوفة. قال: تعرف محمد الباقر؟ قلت: # نعم فما حاجتك إليه؟ قال: هيأت أربعين مسألة أسأله عنها فما كان من حق أخذته وما كان من باطل تركته [قال أبو حمزة: فقلت له: هل تعرف ما بين الحق والباطل؟ قال: نعم] قلت: ما حاجتك إليه ان كنت تعرف الفرق ما بين الحق والباطل. # PageV02P286 # قال: أنتم قوم لا تطاقون. فما انقطع كلامه حتى أقبل أبو جعفر عليه السلام وحوله أهل خراسان وغيرهم يسألونه عن مناسك الحج، فقال للرجل: من أنت؟ # فقال: أنا قتادة بن دعامة البصري. قال: أنت فقيه البصرة. قال: نعم أخبرني عن الجبن. فتبسم أبو جعفر عليه السلام وقال: رجعت مسائلك إلى هذا. فقال: # ضلت عني. فقال عليه السلام: لا بأس به. فقال: ربما جعلت فيه إنفحة الميتة. # قال: ليس بها بأس، ان الإنفحة ليس لها عروق وليس فيها دم وليس لها عظم انما تخرج من بين فرث ودم، وانما الإنفحة بمنزلة دجاجة ميتة أخرجت منها بيضة [فهل تؤكل تلك البيضة]. قال: [لا و] لا آمر بأكلها. فقال عليه السلام: # [ولم؟ فقال: لأنها من الميتة، قال له] فان حضنت تلك البيضة فخرجت منها دجاجة أتأكلها؟ قال: نعم. قال: فما حرم عليك البيضة وأحل لك الدجاجة كذلك الإنفحة مثل البيضة، فاشتر الجبن من أسواق المسلمين من أيدي المصلين ولا تسأل عنه (1. # مسألة: # قوله تعالى " كل الطعام كان حلا " (2 أي كل المطعومات أو كل أنواع الطعام والحل ms463 مصدر حل الشئ، كما يقال عز الرجل عزا وذلت الدابة ذلا، ولذا استوى في الوصف به المذكر والمؤنث والواحد والجمع، قال تعالى " لا هن حل لهم ولاهم يحلون لهن " (3. # والمعنى كل الطعام لم يزل حلالا لهم من قبل انزال التوراة وتحريم ما حرم # PageV02P287 # عليهم منها لظلمهم وبغيهم لم يحرم منها شئ قبل ذلك غير المطعوم الواحد الذي حرمه أبوهم إسرائيل على نفسه فتبعوه على تحريمه. # وهو رد على اليهود وتكذيب لهم، حيث أرادوا براءة ساحتهم مما نزل فيهم من قوله " فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم " (1 الآية، وفي قوله " وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر " (2، فقالوا: لسنا بأول من حرمت عليه وما هو الا تحريم قديم وكانت محرمة على نوح وعلى إبراهيم ومن بعده وهلم جرا إلى أن انتهى - التحريم إلينا. وغرضهم تكذيب شهادة الله تعالى عليهم بالبغي والظلم وأكل الربا، فقال تعالى " قل فأتوا بالتوراة فاتلوها ان كنتم صادقين ". # PageV02P288 # كتاب الوقوف والصدقات قال الله تعالى " لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون " (1. # لما نزلت هذه الآية عمد كثير من الصحابة إلى نفائس أموالهم فتصدقوا بها زيادة على الزكوات الواجبة كما روي عن أبي طلحة أنه قال: يا رسول الله ان لي حائطا وقد جعلته صدقة. فقال: اجعله صدقة على فقراء أهلك، فجعله بين حسان بن ثابت وأبي بن كعب (2. # وقد ورد في القرآن آي كثيرة تحت على الوقوف والصدقات بظواهرها، قال الله تعالى " وافعلوا الخير " (3، وهو أمر بالطاعات والقربات. # فان قيل: ما أنكرتم من فساد الاستدلال بذلك من جهة أن الخير لا نهاية له، ومحال أن يوجب الله تعالى علينا مالا يصح أن نفعله، وإذا لم يصح ايجاب الجميع فليس البعض بذلك أولى من البعض وبطل الاستدلال بالآية. # PageV02P289 # قلنا: لا شبهة في أن ايجاب مالا يتناهى لا يصح، غير أنا نفرض المسألة فنقول: # قد ثبت أن من وقف وتصدق على بعض فقراء المؤمنين يكون فاعلا للخير، وفعل المرة صحيح غير محال، فيجب تناول الآية ms464 له، وهكذا يفرض في كل مسألة. وموضع استدلالنا بعموم هذه الآية وأمثالها على استحباب شئ من العبادات أو وجوب شئ من القربات هو أن نعين على ما يصح تناول الايجاب والاستحباب له ثم ندخله في عموم الآية. # (باب) (كيفية الوقف واحكامه) قال الله تعالى " وأقرضوا الله قرضا حسنا " (1 نزلت حين وقف بعض الأنصار نخيلا، وسمى تعالى ذلك قرضا تلطفا في القول، لان الله تعالى من حيث أنه يجازيهم على ذلك بالثواب فكأنه استقرض منهم لرد عوضه. # وانما قال " حسنا " أي على وجه لا يكون فيه وجه من وجوه القبح. # و " ما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله " (2 أي ما تعطوا الفقراء والمساكين تجدوا ثوابه وجزاءه. # ثم اعلم أن وجوه العطايا ثلاثة، اثنان منها في الحياة وواحد بعد الوفاة، فالذي بعد الوفاة هو الوصية، ولها كتاب مفرد نذكره فيما بعد انشاء الله، وأما اللذان في حال الحياة فهما الهبة والوقف، وللهبة باب مفرد يجئ بعد هذا. # وأما الوقف فهو تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة، وجمعه وقوف وأوقاف، وقفت يقال ولا يقال أوقفت الا شاذا نادرا، ويقال حبست وأحبست. # PageV02P290 # فإذا وقف شيئا من أملاكه زال ملكه عنه إذا قبض الموقوف عليه أو من يتولى عنه، وان لم يقبض لم يخص الوقف ولم يلزم. فهذان شرطان في صحة الوقف. # فمتى لم يقبض الوقف ولم يخرجه من يده أو وقف مالا يملكه كان الوقف باطلا فإذا قبض الوقف فلا يجوز الرجوع له فيه بعد ذلك ولا التصرف فيه ببيع ولا هبة ولا غيرها، ولا يجوز لاحد من ورثته التصرف فيه. # (فصل) وما روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: لا أحبس بعد سورة النساء (1. # فلا يدل على حظر الوقف أو كراهيته، وانما المعنى في ذلك أحد أمرين: # أحدهما: أراد حبس الزانية التي ذكرها الله في قوله " فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا " (2، فان الله نسخ هذا الحكم على لسان رسوله عليه السلام بقوله: البكر بالبكر ms465 جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم. # والثاني: أراد الحبس الذي كان يفعله الجاهلية في نفي السائبة والبحيرة والوصيلة والحام، قال الله تعالى " ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام " (3. فالسائبة هي الناقة تلد عشرة بطون كلها إناث فتسيب تلك الناقة فلا تركب ولا تحلب الا لضيف. والبحيرة هي ولدها الذي تجئ به في البطن الحادي عشر، فإن كان أنثى بحروا أذنها أي شقوها فهي البحيرة. # وأما الوصيلة فهي الشاة تلد خمس بطون في كل بطن اثنان، فإذا ولدت البطن السادس ذكرا وأنثى قيل وصلت أخاها فما يلد بعد ذلك يكون حلالا # PageV02P291 # للذكور وحراما على الإناث. وأما الحام فهو الفحل ينتج من صلبه عشرة أبطن فكان لا يركب. # وكذلك يحمل على الوجهين ما روي عن شريح أنه قال: جاء محمد باطلاق الحبس. # (فصل) يجوز وقف الأراضي والعقار والرقيق والماشية والسلاح وكل عين يبقى بقاءا متصلا ويمكن الانتفاع بها، فأما إذا كانت في الذمة أو كانت مطلقة - وهو أن يقول وقفت فرسا أو عبدا فان ذلك لا يجوز لأنه لا يمكن الانتفاع به ما لم يتعين ولا يمكن تسليمه ولا القبض. # ويجوز وقف المشاع، كما يصح بتعدد ألفاظ الوقف مثل تصدقت ووقفت وحبست وسلبت وحرمت وأبدت، فإذا قال تصدقت بداري أو بكذا لم ينصرف إلى الوقف، لان التصدق يحتمل الوقف ويحتمل صدقة التمليك المتطوع بها ويحتمل الصدقة المفروضة، فإذا قرنه بقرينة تدل على الوقف انصرف إلى الوقف وزال الاحتمال. # والقرينة أن تقول: تصدقت صدقة موقوفة أو محبسة أو مسبلة أو محرمة أو مؤبدة، أو قال صدقة لاتباع ولا توهب ولا تورث، لأن هذه كلها لا تصرف الا إلى الوقف. # وإذا قال حبست أو سبلت رجع إلى الوقف وصار صريحا فيه، لان الشرع ورد بهما، قال النبي صلى الله عليه وآله لعمر: حبس الأصل وسبل الثمرة. وعرف الشرع آكد من عرف العادة. # والأقوى عندنا أن صريح الوقف عندنا قول واحد، وهو " وقفت " لا غير وبه PageV02P292 # يحكم ms466 بالوقف، فأمر غيره من الألفاظ فلا يحكم به الا بدليل. # ولا يجوز أن يقف شيئا على حمل هذه الجارية ولم ينفصل الحمل بعد. ولا ينتقض بالوقف على أولاد الأولاد ما تناسلوا، لأن الاعتبار بما ولد، فإذا صح في حقه صح في حق الباقين على وجه التبع لهم. # وإذا وقف دارا وقبض فإنه يزول ملك الواقف كما يزول بالبيع وينتقل إلى الموقوف عليه وهو الصحيح. وقال قوم ينتقل إلى الله تعالى. وإنما قلنا ذلك لأنه يثبت عليه اليد وليس فيه أكثر من أنه لا يملك بيعه على كل حال وانما يملك بيعه على وجه عندنا، وهو إذا خيف على الوقف الخراب أو كان بأربابه حاجة شديدة أو لا يقدرون على القيام به أو يخاف وقوع خلاف بينهم يؤدي إلى فساد يجوز لهم بيعه، ومع عدم ذلك كله لا يجوز. # والوقف على المساجد وما فيه صلاح المؤمنين انما يصح ان كانت هذه الأشياء لا تملك، لان الوقف عليها لمصالح المسلمين فالوقف عليها وقف على المسلمين والمسلمون يملكون. # فان وقف انسان شيئا على قومه ولم يسمهم كان ذلك وقفا على جماعة أهل لغته من الذكور دون الإناث، لقوله تعالى " لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء "، فدل على أن لفظ القوم لا يقع على النساء. # (فصل) العمرى نوع من الهبات يفتقر في صحتها إلى ايجاب وقبول، ويقتضي لزومها إلى قبض كسائر الهبات. # وهي مشتقة من العمر، وصورتها أن يقول الرجل لاخر " أعمرتك هذه الدار أو جعلتها لك عمرك أو هي لك ما حييت ". PageV02P293 # وهذا عقد جائز، فان قال هذه الدار لك عمرك ولعقبك من بعدك فإنه جائز، وانما هي للذي يعطاها لا ترجع إلى الذي أعطاها. # وأما إذا أطلق ذلك ولم يذكر العقب فان العمرى يصح ويكون للمعمر حياته، فإذا مات رجع إلى المعمر أو إلى ورثته إن كان مات وهو الصحيح، ولا فرق عندنا سواء علقه بموت المعمر أو المعمر. # والرقبى جائزة عندنا، وصورتها صورة ms467 العمرى الا أن اللفظ يختلف. ومن أصحابنا من قال: الرقبى أن تقول " جعلت خدمة هذا العبد لك مدة حياتك أو مدة حياتي ". وهي مأخوذة من رقبة العبد. # (باب) (الهبة وأحكامها) الهبة جائزة لكتاب الله وللسنة، فالكتاب قوله تعالى " تعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان " (1 والهبة من البر. وقوله تعالى " ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله " إلى قوله " وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين " (2. # والسنة أكثر من أن تحصى. # والهبة والصدقة والهدية، بمعنى واحد، غير أنه إذا قصد الثواب والتقرب بالهبة إلى الله سميت صدقة، وإذا قصد بها التودد والمواصلة سميت هدية. # وكان النبي صلى الله عليه وآله يقبل الهدية ويأكلها ولا يقبل الصدقة ولا يأكلها. # PageV02P294 # فإذا ثبت هذا فإنه لا يلزم شئ منها الا بالقبض. # (فصل) الهبات على ثلاثة أصناف: هبة لمن هو فوق الواهب، وهبة لمن هو دونه، وهبة لمن هو مثله. ويقتضي كل واحد منها الثواب (1 عندنا على بعض الوجوه. # وصدقة التطوع عندنا بمنزلة الهبة في جميع الأحكام، ومن شرطها الايجاب والقبول، ولا يلزم الا بالقبض أو ما يجرى مجراه. # [وكل من له الرجوع في الهبة له الرجوع في الصدقة] (2. # وإذا كان لانسان في ذمة رجل مال فوهبه له كان ذلك ابراء بلفظ الهبة. # وقال قوم من شرط صحته قوله، وهذا حسن لان في ابرائه من الحق الذي عليه منة عليه ولا يجبر على قبول المنة. وقال آخرون انه يصح شاء من عليه الحق أو أنى، لقوله " فنظرة إلى ميسرة وان تصدقوا خير لكم " (3 فاعتبر مجرد الصدقة ولم يعتبر القبول، وقال الله تعلى " ودية مسلمة إلى أهله الا ان يصدقوا " (4 فأسقط الدية لمجرد التصدق ولم يعتبر القبول. هذا أيضا قوي ظاهر. # PageV02P295 # (باب الزيادات) قوله تعالى " ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفى الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة ms468 " (1. # فالبر العطف والاحسان، وهو مصدر، وقد يكون بمعنى البار، أي الواسع الاحسان، وأصله من الاتساع. # بين سبحانه ان البر كله ليس في الصلاة وانما هي مصلحة من المصالح الدينية، والتقدير ولكن البر بر من آمن بالله، أي لكن ذا البر من آمن بالله، أي صدق بالله. ويدخل فيه جميع مالا يتم معرفة الله الا به. # " واليوم الآخر " بمعنى القيامة، وان الملائكة عباد الله والكتب المنزلة وأنبياءه كلهم. # " وأعطى المال على حبه " أي حب المال، والايتاء حب الله، وهذا أبلغ. # " وذوي القربى " قرابة المعطي، وقيل قرابة الرسول عليه السلام. قال ابن عباس: في المال حقوق سوى الزكاة، ويدخل فيها ما يتطوع به الانسان قربة إلى الله من الوقوف والصدقات والهبات لان ذلك كله من البر. قال: ولا يجوز حمله على الزكاة المفروضة لأنه عطف عليه الزكاة. # وانما خص هؤلاء لان الغالب انه لا يوجد الاضطرار الا في هؤلاء، ولئلا يظن أنه مستحق الزكاة الواجبة لا يجوز أن يعطى ما يتصدق به تطوعا، والآية تعمها. # PageV02P296 # وشرائط الوقوف شيئان: ان يخرج الوقف من يده ويقبضه الموقوف عليه أو من يتولى عنه، ويكون ملكا للواقف. # والوقف والصدقة شئ واحد، ولا يصحان الا بالقربة إلى الله تعالى. # والوقف لابد ان يكون مؤبدا. PageV02P297 # كتاب الوصايا الوصية مشتقة من وصاء النبت إذا اتصل بعضه ببعض، وكل وصية أمر وليس كل أمر وصية، فعلى هذا معنى الوصية وصل الامر بمثله أو بغيره مما يؤكد. قال أبو علي النحوي: كأن الموصي وصل جل امره بالموصى إليه. فقال: وصى فلان وأوصى إذا وصل تصرف ما قبل الموت بما يكون بعد الموت. والتوصية أبلغ من الايصاء لأنها لمرار كثيرة. # والأصل في ذلك الكتاب والسنة، اما الكتاب فقد قال الله تعالى " يوصيكم الله في أولادكم " (1. فذكر ههنا الوصية في أربعة مواضع: أحدها قوله " فلأمه السدس من بعد وصية ". الثاني في فرض الزوج، قال الله تعالى " فلكم الربع مما تركن من بعد وصية يوصين بها أو دين ". والثالث في فرض الزوجة، قال " فلهن ms469 الثمن مما تركتم من بعد وصية توصون بها أو دين ". الرابع قوله " فهم شركاء في الثلث من بعد وصية يوصى بها أو دين " (1. فثبت بذلك ان الوصية لها حكم في الشرع. # PageV02P298 # فإذا ثبت هذا فالناس في الوصية على ثلاثة اضرب: # منهم من لا تصح له الوصية بحال، وهو الكافر الذي لا رحم له مع الميت وعند المخالف الوارث. # والثاني: من تصح له الوصية بلا خلاف، مثل الأجانب، فإنه يستحب لهم الوصية، وعندنا الوارث تصح له الوصية أيضا. # والثالث: من هو مختلف فيه، وهو على ضربين: منهم الأقرباء الذين لا يرثونه بوجه، مثل ذوي الأرحام عند من لم يورث ذوي الأرحام مثل بنت الأخ وبنت العم والخالة والعمة. والضرب الاخر يورثون لكن ربما يكون معهم من يحجبهم، مثل الأخت مع الأب والولد، فإنه يستحب أن يوصي لهم وليس بواجب. # وعندنا ان الوصية لهؤلاء كلهم مستحبة. # (باب) (الحث على الوصية) قال الله تعالى " كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت ان ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقا على المتقين " (1 معنى كتب فرض الا أنه ههنا معناه الحث والترغيب دون الفرض والايجاب. # وفى الآية دلالة على أن الوصية للوارث جائزة، لأنه تعالى قال " للوالدين والأقربين "، والوالدان وارثان بلا خلاف إذا كانا مسلمين حرين غير قاتلين عمدا وظلما. ومن خص الآية بالكافرين فقد قال قولا بلا دليل. ومن ادعى نسخ الآية فلا نسلم له ذلك بلا دليل. # وبمثل ما قلناه قال محمد بن جرير الطبري سواء، فان ادعوا الاجماع على # PageV02P299 # نسخها كان ذلك دعوى باطلة ونحن نخالف في ذلك، وقد خالف في نسخها طاوس، فإنه خصها بالكافرين لمكان الخبر ولم يحملها على النسخ، وقد قال أبو مسلم محمد بن بحر ان هذه الآية مجملة وآية المواريث مفصلة وليست نسخا، فمع هذا الخلاف كيف يدعى الاجماع على نسخها. # ومن ادعى نسخها بقوله عليه السلام " لا وصية لوارث " (1 فقد أبعد، لان هذا أولا خبر واحد لا يجوز نسخ القرآن به اجماعا، ولو سلمنا الخبر ms470 لجاز أن نحمله على أنه لا وصية لوارث فيما زاد على الثلث، لأنا لو خلينا وظاهر الآية لاجزنا الوصية بجميع ما يملك للوالدين والأقربين (2. # وأما من قال إن الآية منسوخة بأنه للوارث، فقوله أيضا بعيد من الصواب لان الشئ انما ينسخ غيره إذا لم يكن الجمع بينهما، فأما إذا لم يكن بينهما تناف ولا تضاد بل يمكن الجمع بينهما فلا يجب حمل الآية على النسخ، ولا تنافى بين ذكر ما فرض الله للوالدين وغيرهما من الميراث وبين الامر للوصية لهم على جهة الخصوص، فلم يجب حمل الآية على النسخ. # وقول من قال حصول الاجماع على أن الوصية ليست فرضا يدل على أنها منسوخة. باطل أيضا، لان اجماعهم على أنها لا تفيد الفرض لا يمنع من كونها مندوبا إليها ومرغبا فيها، ولأجل ذلك كانت الوصية للأقربين الذين ليسوا بوارثين ثابتة بالآية ولم يقل أحد انها منسوخة في حيزهم. # ومن قال إن النسخ في الآية ما يتعلق بالوالدين - وهو قول الحسن - فقد قال قولا ينافي ما قاله مدعو نسخ الآية على كل حال، ومع ذلك فليس الامر على ما قال، لأنه لا دليل على دعواه. # PageV02P300 # وقال طاوس: إذا أوصى لغير ذي قرابته لم تجز وصيته. وقال الحسن: # ليست الوصية الا للأقربين. وهذا الذي قالاه عندنا وإن كان غير صحيح، فهو مبطل قول من يدعي نسخ الآية. وانما قلنا إنه ليس بصحيح لان الوصية لغير الوالدين والأقربين عندنا جائزة، ولا خلاف بين الفقهاء في جوازها. # والوصية لا تجوز بأكثر من الثلث اجماعا، والأفضل أن تكون بأقل من الثلث لقوله عليه السلام " والثلث كثير " (1. # وأحق من وصي له من كان أقرب للميت إذا كانوا فقراء، وان كانوا أغنياء فقال الحسن هم أحق بها، وقال ابن مسعود الأحق بها الأحوج فالأحوج من القرابة. # (فصل) وقوله تعالى " ان ترك خيرا " يعنى مالا، واختلفوا في مقدار ما الذي يستحق الوصية عنده: فقال الزهري كلما وقع عليه اسم مال من قليل أو كثير، وقال إبراهيم النخعي ألف درهم ms471 إلى خمسمائة. # وروي أن عليا عليه السلام دخل على مولى له في مرضه وله سبعمائة درهم أو ستمائة، فقال: ألا أوصي؟ فقال عليه السلام: لا، انما قال سبحانه " ان ترك خيرا " وليس لك كثير مال. وبهذا يؤخذ، لان قوله عليه السلام عندنا حجة. # والوصية مرفوعة بكتب، ويجوز أن تكون مبتد أو خبره للوالدين. والجملة في موضع رفع على الحكاية بمنزلة قيل لكم الوصية للوالدين. # وفي اعراب " إذا " والعامل فيه قولان: أحدهما كتب، على معنى إذا حضر أحدكم الموت، أي عند المرض. والوجه الاخر قال الزجاج: لأنه رغب # PageV02P301 # في حال صحته أن يوصي، فتقديره كتب عليكم الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف في حال الصحة قائلين إذا حضرنا الموت فلفلان كذا. # والمعروف هو الذي لا يجوز أن ينكر ولا حيف فيه ولا جور. # والحضور وجود الشئ بحيث يمكن أن يدرك، وليس معناه في الآية إذا حضره الموت أي إذا عاين الموت، لأنه في تلك الحال في شغل عن الوصية، لكن المعنى كتب عليكم أن توصوا وأنتم قادرون على الوصية، فيقول الانسان إذا حضرني الموت - يعنى إذا أنا مت - فلفلان كذا. # والحق هو الذي لا يجوز انكاره، وقيل ما علم صحته سواء كان قولا أو فعلا أو اعتقادا، وهو مصدر حق يحق حقا، وانتصب في الآية على المصدر، وتقديره أحق حقا، وقد استعمل على وجه الصفة بمعنى ذي الحق كما وصف بالعدل. # وقوله " بالمعروف " معناه بالشئ الذي يعرف ذوو التمييز أنه لا حيف فيه ولا جور على قدر التركة وحال الموصى له. وقيل معنى المعروف بالحق الذي لا يجوز أن ينكر، وقيل أي لا يوصي بماله للغني ويدع الفقير. # وقال ابن مسعود: الوصية للأخل فالأخل، أي للأحوج فالأحوج على ما قدمناه. # ومعنى حضره الموت حضرته أماراته ومقدماته. # (فصل) ثم قال " فمن بدله بعد ما سمعه " الهاء عائدة على الوصية وانما ذكر حملا على المعنى، لان الايصاء والوصية واحدة. والهاء في قوله " فإنما إثمه " عائدة على التبديل الذي دل عليه قوله " فمن بدله بعد ما ms472 سمعه ". وقال الطبري: الهاء تعود على محذوف، لان عودها على الوصية المذكورة لا يجوز، لان التبديل PageV02P302 # انما يكون لوصية الموصي، فأما أمر الله بالوصية فلا يقدر هو ولا غيره أن يبدله. # قال الرماني: وهذا باطل، لان ذكر الله للوصية انما هو لوصية الموصي فكأنه قيل كتب عليكم وصية مفروضة عليكم، فالهاء تعود إلى الوصية المفروضة التي يفعلها الموصي. # وقوله " فمن بدله " فالتبديل هو تغيير الشئ عن الحق فيه، والبدل هو وضع شئ مكان آخر. # ومن أوصى وصية في ضرار فبدلها الوصي لم يأثم بذلك. قال ابن عباس من أوصى في ضرار لم تجز وصيته، لقوله " غير مضار ". # والوصي إذا بدل الوصية لم ينقص من أجر الموصي شئ كما لو لم يبدلها لأنه لا يجازى أحد على عمل غيره، لكن يجوز ان يلحقه منافع الدعاء والاحسان الواصل إلى الموصى له على غير وجه الاجر له. # وفي الآية دلالة على بطلان قول من يقول إن الوصي أو الوارث إذا لم يقض دين الميت فإنه يؤخذ به في قبره أو في الآخرة، إذ لا اثم عليه في تبديل غيره فأما ان قضى عنه من غير أن أوصى به فان الله تعالى يتفضل باسقاط العقاب عنه إن شاء الله. # ثم قال تعالى " فمن خاف من موص جنفا أو اثما فأصلح بينهم فلا اثم عليه " (1 لما حذر في الآية الأولى الوصي من تبديل أمر الوصية وأوعده أن يجاوز ما أمر به أعقب ذلك بما للوصي أن يفعله فيما جعل إليه من الوصية، لان الأولى كالعموم وهذا تخصيص له، فكأنه قال ليس للوصي أن يبدل أمر الوصية بعد سماعه الا أن يخاف من الموصي أنه أمر بغير المعروف مخالفا لأمر الله، فحينئذ للوصي أن يبدل ويصلح لأنه رد إلى أمر الله. # PageV02P303 # وقال المرتضى: لا تصح الوصية في حال الصحة والمرض جميعا بأكثر من الثلث، وكذلك تمليك يستحق لموت المملك، وإذا أوصى الانسان بأكثر من الثلث يرد إلى الثلث على ما نذكره. # (فصل) فان قيل: كيف ms473 قال تعالى " فمن خاف من موص " لما قد وقع، والخوف انما يكون لما لم يقع. # قلنا: فيه قولان: # أحدهما: أنه خاف أن يكون قد زل في وصيته فالخوف للمستقبل، وذلك الخوف هو أن يظهر ما يدل على أنه قد زل، لأنه من جهة غالب الظن. # والثاني: لما اشتمل على الواقع ولم يقع جاز فيه خلاف ذلك، فيأمره بما فيه الصلاح وما وقع رده إلى العدل بعد موته. # والجنف الجور، وهو الميل عن الحق. قال الحسن: هو أن يوصي في غير القرابة. قال: فمن أوصى لغير قرابته رد إلى أن يجعل للقرابة الثلثان ولمن أوصى له الثلث. وهذا باطل عندنا، لان الوصية لا يجوز صرفها عمن أوصى له، وانما قال الحسن ذلك لقوله ان الوصية للقرابة واجبة، وعندنا أن الامر بخلافه على ما بيناه. # وإذا خان الموصي في وصيته فللوصي أن يردها إلى العدل، وهو المروي عن أبي عبد الله عليه السلام (1. # وقال قوم أي فمن خاف من موص في حال مرضه الذي يريد أن يوصي فيه ويعطى بعضا ويضر ببعض فلا اثم أن يشير عليه بالحق ويرده إلى الصواب ويشرع # PageV02P304 # بالاصلاح بين الموصي والورثة والموصى له، حتى يكون الكل راضين ولا يحصل حيف ولا ظلم ويكون ذا صلح بينهم يريد فيما يخاف من حدوث الخلاف فيه فيما بعده. ويكون قوله " فمن خاف " على ظاهره، فيكون الخوف مترقبا غير واقع. وهذا قريب أيضا غير أن الأول أصوب. # وانما قيل للمتوسط بالاصلاح ليس عليه اثم ولم يقل فله الاجر على الاصلاح لان المتوسط انما يجري أمره في الغالب على أن ينقص صاحب الحق بعض حقه بسؤاله إياه فاحتاج أن يبين الله تعالى لنا أنه لا اثم عليه في ذلك إذا قصد الاصلاح. # والضمير في قوله " بينهم " عائد إلى الموصى له ومن ينازعه لان الكلام عليه، وقيل يعود إلى الوالدين والأقربين. وقوله " فلا اثم عليه " قد ذكرنا أن الضمير عائد إلى المصلح المذكور في " من " وقيل الضمير عائد إلى الوصي. # والحيف في الوصية ms474 على جهة الخطاء لأنه لا يدري أنه لا يجوز، والاثم أن يتعمد ذلك، روي ذلك عن الباقر عليه السلام. وقيل: الحيف بأن يوصي أكثر من الثلث أو يوصي بمال في المعصية أو انفاق في غير مرضاة الله، فان ذلك كله يرد ولا ينفذ. # فأما أن يوصي الرجل لابن بنته وله أولاد أو يوصي لزوج بنته وله أولاد، فلا يجوز رده على وجه عندنا، وكذا ان وصى للبعيد دون القريب لا ترد وصيته. # (باب) (الوصية للوارث وغيره من القرابات) (وأحكام الأوصياء) الوصية للوارث جائزة بدلالة قوله تعالى " كتب عليكم إذا حضر أحدكم PageV02P305 # الموت ان ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين " (1، وهذا نص في موضع الخلاف على ما قدمناه. وقولهم ان هذه الآية منسوخة من غير دليل على نسخها لا يغني شيئا. # وأيضا قوله تعالى " من بعد وصية يوصى بها أو دين " (2 وهذا عام في الأقارب والأجانب، فمن خص به الأجانب دون الأقارب، فقد عدل عن الظاهر بغير دليل. # فان قالوا: ان الآية منسوخة بآية المواريث. الجواب: ان النسخ انما يكون إذا تنافى العمل بموجبهما، ولا تنافى بين آية الوصية وآية المواريث والعمل بمقتضاهما سائغ، فكيف يجوز أن يدعى النسخ في ذلك مع فقد التنافي ولا يجوز أن ينسخ بما يقتضى الظن كتاب الله الذي يوجب العمل، وإذا كنا لا نخصص كتاب الله بأخبار الآحاد فالأولى أن لا ننسخه بها. # وقال تعالى " وإذا حضر القسمة أولو القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه وقولا لهم قولا معروفا (3 عن ابن عباس: ان الخطاب بقوله " فارزقوهم " متوجه إلى من حضرته الوفاة وأراد الوصية، فإنه ينبغي لهم أن يوصوا لمن لا يرث من الأقرباء بشئ من أموالهم ان كانوا أغنياء ويعتذرون إليه ان كانوا فقراء. # ورزق الانسان غيره يكون على معنى التمليك. # ثم قال تعالى " وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا " (4. قيل في معنى الآية أربعة أقوال: # أحدها: النهي عن الوصية بما يجحف بالورثة ويضر بهم. # PageV02P306 # الثاني: ms475 قال الحسن كان الرجل يكون عند الميت يقول له أوص بأكثر من الثلث من مالك فنهاه الله عن ذلك. # الثالث: قال ابن عباس انه خطاب لولي اليتيم، يأمره بأداء الأمانة فيه والقيام بحفظه، كما لو خاف على مخلفيه إذا كانوا ضعافا وأحب أن يفعل بهم مثل ذلك. # الرابع: قال ميثم هي في حرمان ذوي القربى أن يوصي لهم، بأن يقول الحاضر للوصية لا توص لأقاربك ووفر على ورثتك. # ومعنى الآية أنه ينبغي للمؤمن الذي لو ترك ذرية ضعافا بعد موته خاف عليهم الفقر والضياع أن يخش على ورثة غيره من الفقر والضياع ولا يقول لمن يحضر وصيته أن يوصي بما يضر بورثته وليتق الاضرار بورثة المؤمن. # (فصل) ثم خوف الله تعالى الأوصياء وأوعدهم بقوله " ان الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما انما يأكلون في بطونهم نارا " (1، وانما علق سبحانه الوعيد في الآية بمن يأكل أموال اليتامى ظلما لأنه قد يأكله على وجه الاستحقاق، بأن يأخذ الوصي منه وغيره أجرة المثل على ما قلناه، أو يأكل منه بالمعروف على ما فسرناه، أو يأخذه قرضا على نفسه. # فان قيل: إذا أخذه قرضا على نفسه أو أجرة المثل على ما قلناه فلا يكون أكل مال اليتيم وانما أكل مال نفسه. # قلنا: ليس الامر على ذلك، لأنه يكون أكل مال اليتيم لكنه على وجه التزم عوضه في ذمته أو استحقه بالعمل في ماله، فلم يخرج بذلك من استحقاق الاسم بأنه مال اليتيم. ولو سلم ذلك لجاز أن يكون المراد بذلك ضربا من # PageV02P307 # التأكيد وبيانا، لأنه لا يكون أكل مال اليتيم [لا ظلما، و " ظلما " نصب على المصدر وأكل مال اليتيم] (1 وغصبه يتساويان في توجه الوعيد إليه. # وقال تعالى " ولا تقربوا مال اليتيم الا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده " (2 نهى سبحانه جميع المكلفين أن يتصرفوا في أموال اليتامى، بل يحفظوا على اليتيم ماله ويثمروه على مالا يشك أنه أصلح له، فأما بغير ذلك فلا يجوز لاحد التصرف فيه. وانما خص اليتيم بذلك - وإن ms476 كان التصرف في مال الغير بغير اذنه لا يجوز أيضا - لان اليتيم إلى ذلك أحوج والطمع في ذلك أكثر. # " حتى يبلغ أشده " أي حتى يبلغ الحلم، وقيل حتى يبلغ كمال العقل ويؤنس منه الرشد. # وقال تعالى " وآتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب " (3 هذا خطاب لأوصياء اليتامى، أمرهم الله بأن يعطوا اليتامى أموالهم إذا بلغوا الحلم وأونس منهم الرشد. وسماهم يتامى بعد البلوغ مجازا، لأنه عليه السلام قال " لا يتم بعد حلم ". # وقيل: كان أوصياء اليتامى يأخذون الجيد من مال اليتيم ويجعلون مكانه الردئ، قال لهم لا تتبدلوا الخبيث بالطيب، أي لا تستبدلوا ما حرمه الله عليكم من أموالهم بما أحله لكم من أموالكم " ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم " أي لا تضيفوا أموالهم إلى أموالكم فتأكلوهما جميعا. فأما خلط مال اليتيم بمال نفسه إذا لم يظلمه فلا بأس به. # قال الحسن: لما نزلت هذه الآية كرهوا مخالطة اليتامى فشق ذلك عليهم فأنزل الله " ويسألونك عن اليتامى قل اصلاح لهم خير وان تخالطوهم فإخوانكم # PageV02P308 # والله يعلم المفسد من المصلح ولو شاء الله لأعنتكم " (1 وهو المروي عنهما عليهما السلام. # وقال في سورة الأنعام " ولا تقربوا مال اليتيم الا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده " (2 المراد بالقرب التصرف فيه على ما قدمناه، وانما خص اليتيم لأنه لما كان لا يدفع عن نفسه ولا له والد يدفع عنه وكان الطمع في ماله أقوى تأكد النهي في التصرف في ماله " الا بالتي هي أحسن " أي يحفظه عليه إلى أن يكبر أو بتثميره بالتجارة. # (باب) (ما على وصي اليتيم) قال الله تعالى " ولا تؤتوا السفهاء أموالكم " (3 قال ابن جبير: يعني بأموالكم أموالهم، كما قال " ولا تقتلوا أنفسكم " (4 قال: وهم اليتامى لا تؤتوهم أموالهم وارزقوهم فيها واكسوهم. # والأولى حمل الآية على الامرين لان العموم يقتضي ذلك، فلا يجوز أن يعطى السفيه الذي يفسد المال ولا اليتيم الذي لم يبلغ ولا الذي بلغ ولم يؤنس منه الرشد ولا أن يوصى إلى سفيه ولا ms477 يخص بعض دون بعض، فالموصي إذا كان عاقلا حرا ثابت العقل لا يوصى إلى سفيه ولا إلى فاسق ولا إلى عبد لأنه لا يملك مع سيده شيئا، بل يختار لوصيته عاقلا مسلما عدلا حكيما. وانما تكون إضافة مال اليتيم # PageV02P309 # إلى من له القيام بأمرهم على ضرب من المجاز، أو لأنه لا يعطى الأولياء ما يخصهم لمن هو سفيه. # ويجرى ذلك مجرى قول القائل لواحد: يا فلان أكلتم أموالكم بينكم بالباطل. فيخاطب الواحد بخطاب الجميع ويريد به أنك وأصحابك أكلتم. # والتقدير في الآية: لا تؤتوا السفهاء أموالكم التي بعضها لكم وبعضها لهم فتضيعوها. # ومعنى قوله " وقولوا لهم قولا معروفا " أي يا معشر ولاة السفهاء قولوا للسفهاء ان صلحتم ورشدتم سلمنا إليكم أموالكم. وقال الزجاج: علموهم مع اطعامكم إياهم وكسوتهم أمر دينهم. # وفي الآية دلالة على جواز الحجر على اليتيم إذا بلغ ولم يؤنس منه الرشد، لأنه منع تعالى من دفع المال إلى السفهاء. وفيها أيضا دلالة على وجوب الوصية إذا كان الورثة سفهاء، لان ترك الوصية بمنزلة اعطاء المال في حال الحياة إلى من هو سفيه. # وانما سمي الناقص العقل سفيها وان لم يكن عاصيا لان السفه هو خفة الحلم. # (فصل) ثم قال تعالى " وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فان آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم " (1 هذا خطاب لأولياء اليتامى. أمر الله أن يختبروا عقول اليتامى في أفهامهم وصلاحهم في أديانهم واصلاح أموالهم. # وقوله " حتى إذا بلغوا النكاح " معناه حتى يبلغوا الحد الذي يقدر على مجامعة النساء وينزل، وليس المراد الاحتلام، لان في الناس من لا يحتلم أو يتأخر احتلامه. # PageV02P310 # وفي المفسرين من قال: إذا كمل عقله وأونس منه الرشد سلم إليه ماله، وهو الأقوى. ومنهم من قال: لا يسلم إليه حتى يكمل له خمسة عشر سنة إذا كان عاقلا، لان هذا حكم شرعي وبكمال العقل يلزمه المعارف لا غير. # " فان آنستم منهم رشدا " أي وجدتم منهم صلاحا وعقلا ودينا واصلاح المال فادفعوا إليهم أموالهم. والأقوى أن يحمل على ms478 أن المراد به العقل، واصلاح المال هو المروي عن أبي جعفر عليه السلام (1، للاجماع على أن من يكون كذلك لا يجوز على الحجر في ماله وإن كان فاجرا في دينه، فإذا كان ذلك اجماعا فكذلك إذا بلغ وله مال في يدي وصي أبيه أو في يد حاكم قد ولي ماله وجب عليه أن يسلم إليه ماله إذا كان عاقلا مصلحا لما له وإن كان فاسقا في دينه. # وفي الآية دلالة على جواز الحجر على العاقل إذا كان مفسدا في ماله من حيث أنه إذا كان عند البلوغ يجوز منعه المال إذا كان مفسدا له فكذلك في حال كمال العقل إذا صار بحيث يفسد المال جاز الحجر عليه، وهو المشهور في أخبارنا. # ثم قال " ولا تأكلوها اسرافا وبدارا أن يكبروا " خطاب لأولياء اليتيم أيضا، أي لا تأكلوها بغير ما أباحه لكم ولا مبادرة منهم ببلوغهم وايناس الرشد منهم حذرا أن يبلغوا فيلزمهم ردها إليهم. وموضع أن " يكبروا " نصب بالمبادرة، والمعنى لا تأكلوها مبادرة كبرهم. # ومن كان من ولاة أموال اليتامى غنيا فليستعفف بماله عن أكلها، ومن كان فقيرا فليأكل بالقرض، وهو المروي عن أبي جعفر عليه السلام، ألا ترى أنه قال " فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم ". # وقال الحسن: يأخذ ما سد الجوعة ووارى العورة ولا قضاء عليه ولم يوجب أجرة المثل. قال: لان أجرة المثل ربما كان أكثر من قدر الحاجة. والظاهر في # PageV02P311 # أخبارنا ان له أجرة المثل سواء كان قدر كفايته أو لم يكن. # واختلفوا في هل للفقير من أولياء اليتيم أن يأكل من ماله هو وعياله: فقال بعضهم ليس له ذلك لقوله " فليأكل " فخصه بالاكل، وقال غيره له ذلك لان قوله " بالمعروف " يقتضي أن يأكل هو وعياله على ما جرت به العادة في أمثاله. # وقال: إن كان المال واسعا كان له أن يأخذ قدر كفايته له ولمن يلزمه نفقته من غير اسراف، وإن كان قليلا كان له أجرة المثل لا غير. وانما لم يجعل له أجرة المثل إذا ms479 كان المال كثيرا لأنه ربما كان أجرة المثل أكثر من نفقته من غير اسراف، وإن كان قليلا كان له أجرة المثل من نفقته بالمعروف على ما قلناه من أن له أجرة المثل سقط بهذا الاعتبار. # ثم أمر الأولياء أن يحتاطوا لأنفسهم أيضا بالاشهاد عليهم إذا دفعوا إليهم أموالهم لئلا يقع منهم جحودهم ويكون أبعد من التهمة، وسواء كان ذلك في أيديهم أو استقرضوه دينا على أنفسهم، فان الاشهاد يقتضيه الاحتياط وليس بواجب، " وكفى بالله شهيدا " بايصال الحق إلى صاحبه. # وولي اليتيم المأمور بابتلائه هو الذي جعل إليه القيام به من وصي أو حاكم أو أمين ينصبه الحاكم، وأصحابنا انما أجازوا الاستقراض من مال اليتيم إذا كان مليا. # (باب) (الوصية المبهمة) عن معاوية بن عمار: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل أوصى بجزء من ماله. قال: جزء من عشرة، قال الله تعالى " ثم اجعل على كل جبل منهن PageV02P312 # جزءا " (1 وكانت الجبال عشرة أجبل (2. # وعن إسماعيل بن همام الكندي عن الرضا عليه السلام في الرجل أوصى بجزء من ماله. قال: الجزء من سبعة، قال تعالى " لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم " (3. # والوجه في الجمع بينهما أن يحمل الجزء على أنه يجب ان ينفذ في واحد من العشرة، ويستحب للورثة أن ينفذوا في واحد من السبعة. # وعن صفوان وأحمد بن محمد بن أبي نصر سألنا الرضا عليه السلام عن رجل أوصى لك بسهم من ماله ولا ندري السهم أي شئ هو؟ فقال: ليس عندكم فيما بلغكم عن جعفر ولا عن أبي جعفر فيها شئ؟ قلنا له: ما سمعنا أصحابنا يذكرون شيئا من هذا عن آبائك. فقال: السهم [واحد] (4 من ثمانية. فقلنا: # فكيف واحد من ثمانية. فقال: أما تقرأون كتاب الله. قلت: اني لأقرأه ولكن لا أدري أي موضع هو. فقال: قول الله " انما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل " (5، ثم عقد بيده ثمانية (6. # وإذا أوصى انسان لغيره بكثير ms480 من ماله أو نذر أن يتصدق بمال كثير فالكثير ثمانون فما زاد، لقول الله تعالى " لقد نصركم الله في مواطن كثيرة " (7 وكانت ثمانين موطنا. # PageV02P313 # والأحسن أن يقيد الكلام، فيقول المال الكثير ثمانون درهما، الا إذا كان مضافا إلى جنس فإذا يكون منه خاصة. # وقد روي عن أمير المؤمنين عليه السلام أن من أوصى بشئ من ماله كان ذلك السدس (1. # وعن الحسين بن عمر: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: ان رجلا أوصى إلي بشئ في سبيل الله قال: اصرف إلى الحج، فاني لا أعلم شيئا من سبله أعظم من الحج (2. # وعن الحسين بن راشد: سألت العسكري عليه السلام: بالمدينة عن رجل أوصى بمال في سبيل الله. فقال: سبيل الله شيعتنا (3. # ذكر أبو جعفر ابن بابويه رحمة الله عليه الوجه في الجمع بين الخبرين ان المعنى في ذلك أن يعطي المال لرجل من الشيعة ليحج به، فقد انصرف في الوجهين معا وسلم الخبران من التناقض (4. وهذا وجه حسن. # على أنه ان أوصى انسان بثلث ماله في سبيل الله ولم يسم أخرج في معونة المجاهدين لأهل الضلال، فإن لم يحضر مجاهد في سبيل الله يصرف أكثره في فقراء آل محمد عليه وعليهم السلام ومساكينهم وأبناء سبيلهم، ثم يصرف ما بقي بعد ذلك في معونة الفقراء والمساكين وأبناء السبيل عامة، وفي جميع وجوه البر. # وان أوصى انسان لأولاده شيئا وقال هو بينهم على كتاب الله، كان للذكر # PageV02P314 # مثل حظ الأنثيين، وان أبهم ولم يبين كيفية القسمة بينهم أصلا كان بينهم بالسوية. # وإذا أوصى المسلم للفقراء كان ذلك لفقراء المسلمين، وان أوصى الكافر كان ذلك لفقراء أهل ذمته، فقد حدث أبو طالب [عن] (1 عبد الله بن الصلت قال: كتب الخليل ابن هاشم إلى ذي الرياستين وهو والي نيسابور: ان رجلا من المجوس مات وأوصى للفقراء بشئ من ماله فأخذه قاضي نيسابور فجعله في فقراء المسلمين. # [فكتب الخليل إلى ذي الرياستين بذلك] (2) فسأل المأمون عن ذلك فقال: ليس عندي في ذلك شئ، فسأل ms481 أبا الحسن الرضا عليه السلام فقال: ان المجوسي لم يوص لفقراء المسلمين، ولكن ينبغي أن يؤخذ مقدار ذلك المال من مال الصدقة فيرد على فقراء المجوس (3 ان الله تعالى يقول " فمن بدله بعد ما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه ". # (باب) (الوصية التي يقال لها راحة الموت) قال الله تعالى " ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب " (4 أي وصى إبراهيم ويعقوب عليهما السلام بنيهما بلزوم شريعة إبراهيم التي هي الاسلام، وقالا: ان الله رضيه لكم دينا فلا تفارقوه ما عشتم. # وجاء في التفسير: ان إبراهيم جمع ولده أسباطه وقال إن الاسلام دين الله # PageV02P315 # الذي تعبدكم به فالزموه ولا تعدلوا عنه ولو نشرتم بالمناشير وقرضتم بالمقاريض وأحرقتم بالنار. # " وجعلها كلمة باقية في عقبه " أي جعل هذه الوصية بقيت في عقبه يذكرونها، وكان في وصيته: يا بني عليكم أن تظهروا كل حسنة وجدتم من غيركم، وأن تستروا كل سيئة وفاحشة وإياكم أن تشيعوها. # وقوله " ولا تموتن " وإن كان على لفظ النهي، فما نهوا عن الموت وانما نهوا في الحقيقة عن ترك الاسلام لئلا يصادفهم الموت عليه. وتقديره لا تتعرضوا للموت عن ترك الاسلام بفعل الكفر، ومثله في كلام العرب " لا أرينك ههنا "، فالنهي للمتكلم في اللفظ وانما هو في الحقيقة للمخاطب، فكأنه قال لا تتعرض لان أراك بكونك ههنا. # " وأنتم مسلمون " جملة في موضع الحال، أي لا تموتن الا مسلمين. # واقتصروا على تفعلة في مصدر وصى فقالوا وصى توصية، ورفضوا تفعيلا لئلا تجتمع ثلاث ياءات. ومعنى وصى أمر وعهد. والفرق بينهما أن الامر يحصل بلفظ الامر [ولو مرة، والوصية وصل لفظة الامر بمثله] (1) أو بغيره مما يؤكده على ما قدمنا. # وقال أمير المؤمنين عليه السلام: من أوصى ولم يحف ولم يضار كمن تصدق به في حياته (2)، ومن لم يوص عند موته لذي قرابته ممن لا يرث فقد ختم عمله بمعصية (3، قال الله تعالى " كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت ان ترك # PageV02P316 # خيرا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقا على المتقين " (1. # وقال النبي صلى ms482 الله عليه وآله: الوصية تمام ما نقص عن الزكاة، ومن لم يحسن وصيته عند الموت كان نقصا في مروته وعقله. قالوا: يا رسول الله فكيف الوصية؟ قال: إذا حضرته الوفاة قال: اللهم إني أعهد إليك أنى اشهد ألا اله الا الله وأن محمدا عبده ورسوله وأن القول كما حدث، اللهم أنت ثقتي وعدتي صل على محمد وآل محمد وآنس في قبري وحشتي واجعل لي عندك عهدا يوم ألقاك (2. # وقال الصادق عليه السلام: وتصديق هذا في سوره مريم، قول الله تعالى " لا يملكون الشفاعة الا من اتخذ عند الرحمن عهدا " (3 وهذا هو العهد (4. # (باب) (من تجوز شهادته في الوصية) (وشرائط الوصية) من شرط الوصية أن يشهد الموصى عليه تعيين عدلين لئلا يعترض فيه الورثة، فإن لم يشهد وأمكن الوصي انفاذ الوصية جاز له انفاذها على ما أوصى به إليه، قال الله تعالى " يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم " (5 قال حمزة بن حمران: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن هذه الآية. فقال # PageV02P317 # اللذان منكم مسلمان واللذان من غيركم من أهل الكتاب. ثم قال: إذا مات الرجل المسلم بأرض غربة فطلب رجلين مسلمين يشهدهما على وصيته فلم يجد مسلمين فليشهد على وصيته رجلين ذميين من أهل الكتاب مرضيين عند أصحابهما (1. # وعن يحيى بن محمد عن الصادق عليه السلام قال: سألته عن قوله " يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم " الآية. قال: اللذان منكم مسلمان واللذان من غيركم من أهل الكتاب، فإن لم تجدوا من أهل الكتاب فمن المجوس، لان رسول الله صلى الله عليه وآله شبه المجوس بأهل الكتاب في الجزية. قال: وإذا مات في أرض غربة فلم يجد مسلمين أشهد رجلين من أهل الكتاب. # " تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان بالله لا نشتري به ثمنا ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله انا إذا لمن الاثمين " قال: وذلك أن ارتاب ولي الميت في شهادتهما. # " فان عثر ms483 على أنهما استحقا اثما " أي شهدا بالباطل " فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الأوليان فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما وما اعتدينا انا إذا لمن الظالمين " فإذا فعل ذلك نقض شهادة الأولين وجازت شهادة الآخرين، لقول الله عز وجل " ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم " (2. # (فصل) وقد تقدم بيان هذه الآية في باب الشهادة ونزيدها ايضاحا ههنا فنقول: # ان قوله " اثنان " ارتفع عل أنه خبر للمبتدأ الذي هو " شهادة بينكم "، أو # PageV02P318 # على أنه فاعل " شهادة بينكم " على معنى فيما فرض عليكم أن يشهد اثنان، و " إذا حضر " ظرف للشهادة و " حين الوصية " بدل منه. # وحضور الموت مشارفته وظهور أمارات بلوغ الاجل. وقيل " منكم " أي من أقاربكم و " من غيركم " أي من أجانبكم. فعلى هذا معناه ان وقع الموت في السفر ولم يكن معكم أحد من عشيرتكم فاستشهدوا أجنبيين على الوصية. # وجعل الأقارب أولى لأنهم أعلم بأحوال الميت وبما هو أصلح وهم له أنصح والأصح ما قدمناه ان قوله " منكم " أي من المسلمين و " من غيركم " أي من أهل الذمة. # وقوله " ان ارتبتم " اعتراض بين القسم والمقسم عليه، أي ان اتهمتموهما فحلفوهما، والضمير في " به " للقسم وفى " كان " للمقسم له، يعني لا يستدل بصحة القسم بالله عرضا من الدنيا، أي لا يحلف بالله كاذبين لأجل المال ولو كان من يقسم له قريبا منا. # وقوله " شهادة الله " أي الشهادة التي أمر الله بتعظيمها وحفظها. # وقوله " تحبسونهما " تقفونهما وتصيرونهما للحلف من بعد الصلاة. وقيل اللام في الصلاة للجنس، والقصد بالتحليف على أثرها أن تكون الصلاة لطفا في النطق بالصدق وناهية عن الكذب، فان اطلع على أنهما فعلا ما أوجب اثما فاستوجبا أن يقال لهما انهما من الاثمين. # " فشاهدان آخران " من الذين جني عليهم وهم أهل الميت، و " الأوليان " اللاحقان بالشهادة لقرابتهما ومعرفتهما وارتفاعهما على هما الأوليان، كأنه قيل ومن هما فقيل الأوليان وقيل " هما " بدل من الضمير في " يقومان " أو " من آخران "، وقرئ " الأولين ms484 " على أنه وصف للذين استحق عليهم. # ومعنى الأولية التقدم على الأجانب في الشهادة لكونهم أحق بها، ذلك PageV02P319 # الذي يقدم من بيان الحكم " أدنى أن تأتوا بالشهادة " على نحو تلك الحادثة ان تكرر أيمان شهود آخرين بعد ايمانهم فيفتضحوا بظهور كذبهم، كما جرى في قصة بديل على ما تقدم. # ويجوز شهادة النساء عند عدم الرجال، فإن لم تحضر الا امرأة جازت شهادتها في ربع الوصية، فان حضرت اثنتان جازت شهادتهما في النصف، والثلاث في النصف والربع، والأربع في كل الوصية إذا كانت بالثلث فما دونه. # والعدالة معتبرة في المواضع كلها. # (باب نادر) عن سلمى مولاة ولد أبي عبد الله عليه السلام (1: كنت عنده حين حضرته الوفاة، فأغمي عليه فلما أفاق قال: أعطوا الحسن بن علي بن الحسين بن علي - وهو الأفطس - سبعين دينارا. قلت: أتعطي رجلا حمل عليك بالشفرة؟ قال: # ويحك أما تقرئين القرآن. قلت: بلى. قال: أما سمعت قول الله تعالى (2 " الذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب " (3). # وعن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سأله أبى وأنا حاضر عن قوله تعالى " حتى إذا بلغ أشده واستوى " (4. قال: الاحتلام. قال: فقال يحتلم في ست عشرة سنة وسبع عشرة ونحوها. فقال: لا أتت عليه ثلاث عشرة سنة كتبت له الحسنات وكتبت عليه السيئات وجاز أمره الا أن يكون سفيها أو ضعيفا. فقال: وما السفيه؟ فقال: الذي يشتري الدرهم بأضعافه. قال: وما # PageV02P320 # الضعيف؟ فقال: الأبله (1. # وعن العيص بن القاسم قال: سألته عن اليتيمة متى يدفع إليها مالها؟ قال: # إذا علمت أنها لا تفسد ولا تضيع. فسألته: ان كانت تزوجت. فقال: إذا تزوجت فقد انقطع ملك الوصي عنها (2. # وقال: إذا بلغ الغلام ثلاث عشرة كتبت له الحسنة وكتبت عليه السيئة وعوقب فإذا بلغت الجارية تسع سنين فكذلك، وذلك انها تحيض لتسع سنين (3 ولا يدخل بالجارية حتى يأتي بها تسع سنين أو عشرة سنين. # وقوله تعالى " للرجل نصيب مما اكتسبوا وللنساء ms485 نصيب مما اكتسبن " (4 يمكن أن يقال: ان المعنى للآية ان للرجل وللنساء نصيبا مما اكتسبوا، وهو الثلث من أموالهم الذي يصح لهم أن يوصوا به في صدقة أو صلة ان أشرفوا على الموت، فإذا وصوا بثلث من أموالهم يجب ان يمضى وينفذ ذلك فإنه نصيبهم. # (باب الاقرار) اقرار الحر البالغ الثابت العقل غير المولى عليه جائز على نفسه للكتاب والسنة: # أما الكتاب فقوله تعالى " أولا يستطيع ان يمل هو فليملل وليه بالعدل " (5 أي فليقر وليه بالحق غير زائد ولا ناقص، وهو العدل. # PageV02P321 # وأيضا قوله تعالى " كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم " (1 والشهادة على النفس هو الاقرار بما عليها. # وقوله " فاعترفوا بذنبهم " (2 وقوله " فاعترفنا بذنوبنا " (3 و " آخرون اعترفوا بذنوبهم " (4. والاقرار والاعتراف واحد. # وأيضا قوله " ألست بربكم قالوا بلى " (5) وقوله " ألم يأتكم نذير قالوا بلى قد جاءنا نذير " (6. # ولا يجوز أن يكون الجواب في مثل هذا الا ببلى، ولو قال نعم كان انكارا ولم يكن اقرارا ويكون تقديره نعم لست ربنا ولم يأتنا نذير، ولهذا يقول الفقهاء إذا قال رجل لاخر " أليس لي عليك ألف درهم " فقال " بلى " كان اقرارا وان قال نعم لم يكن اقرارا، ومعناه ليس لك علي. # (باب الزيادات) روى السكوني عن أبي عبد الله عليه السلام أنه سئل عن رجل يوصي بسهم من ماله. فقال: السهم واحد من ثمانية، لقول الله تعالى " انما الصدقات للفقراء والمساكين " الآية (7. # وقد روي أن السهم واحد من ستة (8. # PageV02P322 # والحديثان متفقان لا تناقض بينهما، فتمضى الوصية على ما يظهر من مراد الموصى، فمتى أوصى بسهم من سهام الزكاة كان السهم واحدا من ثمانية ومتى أوصى بسهم من سهام المواريث فالسهم واحد من ستة. # وعن علي بن مزيد صاحب السابري قال: أوصى إلي رجل بتركته وأمرني أن أحج بها عنه، فنظرت في ذلك فإذا شئ يسير لا يكون للحج، فسألت أبا حنيفة وفقهاء أهل الكوفة فقالوا تصدق بها عنه، فلما لقيت عبد الله بن الحسن في الطواف ms486 سألته، فقال: هذا جعفر بن محمد في الحجر فسله، فدخلت الحجر فإذا هو تحت الميزاب، فقلت: أوصى إلي رجل أن أحج عنه بتركته فلم تكف فسألت من عندنا من الفقهاء فقالوا تصدق بها عنه. فقال عليه السلام: ما صنعت؟ # قلت: تصدقت بها عنه. فقال: ضمنت الا أن لا يكون مبلغ ما يحج به من مكة، فإن كان لا يبلغ ما يحج به من مكة فليس عليك ضمان، وإن كان بلغ ما يحج به من مكة فأنت ضامن (1. # وسئل عليه السلام أيضا عن رجل أوصى بحجة فجعلها وصيه في نسمة. # فقال: يغرمها وصيه ويجعلها في حجة كما أوصى به، فان الله تعالى يقول " فمن بدله بعد ما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه ان الله سميع عليم " (2. # PageV02P323 # كتاب المواريث قال الله تعالى " للرجل نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا " (1 فجعل تعالى تركة الميت لأقاربه من الرجال والنساء على سهام بينها في موضع آخر من كتابه وسنة نبيه عليه السلام، فينبغي أن يعرف السهام على حقائقها في مواضعها. # ونسلك في عملها طريق المعرفة بها دون غيره ليحصل للانسان فهمها ويستقر لها الحكم فيها على يقين انشاء الله تعالى. # (باب) (كيفية ترتيب نزول المواريث) اعلم أن الجاهلية كانوا يتوارثون بالحلف والنصرة، وأقروا على ذلك في # PageV02P324 # صدر الاسلام في قوله تعالى " والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم " (1 ثم نسخ مع وجود ذوي الأنساب بسورة الأنفال في قوله تعالى " وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله " (2. # وكانوا يتوارثون بعد ذلك بالاسلام والهجرة، فروي أن النبي صلى الله عليه وآله آخى بين المهاجرين والأنصار لما قدم المدينة، فكان يرث المهاجري من الأنصاري والأنصاري من المهاجري ولا يرث وارثه الذي كان له بمكة وإن كان مسلما لقوله " ان الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض والذين آمنوا ولم يهاجروا مالكم من ولايتهم من شئ ms487 حتى يهاجروا " (3. # ثم نسخت هذه الآية بالقرابة والرحم والنسب والأسباب بقوله " وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين الا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا " (4. فبين تعالى أن أولى الأرحام أولى من المهاجرين الا أن يكون وصية، ولقوله تعالى " للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون " الآية. # ثم قدر ذلك في سورة الناس في ثلاث آيات، وهي أمهات أحكام المواريث ذكر الله فيها أصول الفرائض، وهي سبعة عشر فريضة، فذكر في قوله " يوصيكم الله في أولادكم " ثلاثا في الأولاد وثلاثا في الأبوين واثنتين في الزوج واثنتين في المرأة واثنتين في الأخوات من الام، وذكر في آخر هذه السورة في قوله تعالى " يستفتونك قل الله يفتيكم " الآية أربعا في الاخوة وأخوات من الأب والام أو الأب # PageV02P325 # مع عدمهم من الأب والام، وذكر واحدة - وهي تمام السبع عشرة فريضة - في قوله " وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله ". # (فصل) (في بيان ذلك) ذكر تعالى أولا فرض ثلاثة من الأولاد، جعل للبنت النصف ولبنتين فصاعدا الثلثين وان كانوا ذكورا وإناثا فللذكر مثل حظ الأنثيين، ثم بين ذكر الوالدين في قوله " ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد فإن لم يكن له ولد وورثة أبوابه فلأمه الثلث فإن كان له أخوة فلأمه السدس "، ذكر أن لكل واحد من الأبوين السدس مع الولد بالفرض، فإن لم يكن ولد فللام الثلث والباقي للأب، وإن كان أخوة من الأب والام أو من الأب فلأمه السدس والباقي للأب هذه الآية الأولى. # ثم قال " ولكم نصف ما ترك أزواجكم " فذكر في صدر الآية حكمهم وذكر في آخرها حكم الكلالة من الام، ذكر في أولها حكم الزوج والزوجة وأن للزوج النصف إذا لم يكن ثم ولد، فإن كان ولد فله الربع، وان للزوجة الربع إذا لم يكن ولد، فإن كان ولد فلها الثمن. ثم عقب بكلالة الام فقال إن كان له أخ من أم أو أخت منها فله أولها السدس، وان كانوا اثنتين ms488 فصاعدا فلهم الثلث. # وفي قراءة ابن مسعود " وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت [من أم] فلكل واحد منهما السدس " (1. # وأيضا فان الله لما ذكر أنثى وذكرا وجعل لهما الثلث ولم يفصل أحدهما # PageV02P326 # عن الاخر ثبت انهما يأخذان بالرحم، وذكر في قوله " يستفتونك في النساء " قل الله يفتيكم في الكلالة " (1 في آخر سورة المائدة (2) يذكر فيها أربعة أحكام: # ذكر أن للأخت من الأب والام إذا كانت واحدة فلها النصف، ان ماتت وهي لم يكن لها ولد ولها أخ فالأخ يأخذ الكل، وان كانتا اثنتين فصاعدا فلهما أو لهن الثلثان، وان كانوا أخوة رجالا ونساءا فللذكر مثل حظ الأنثيين، فإن لم يكن أخ ولا أخت من الأب والام فحكم الأخت الواحدة من الأب والأخ من الأب وحكم الأختين فصاعدا من الأب وحكم الاخوة والأخوات معا من الأب حكم الاخوة والأخوات من الأب والام على ما ذكرناه. # وقال ابن عباس: من تعلم سورة النساء وعلم من يحجب ومن لا يحجب فقد علم الفرائض. # (باب) (ما يستحق به المواريث وذكر سهامها) قد بين الله في كتابه أن الميراث يستحق بشيئين سبب ونسب، وبين أيضا ان النسب على ضربين نسب الولد للصلب ومن يتقرب بهم ونسب الوالدين ومن يتقرب بهما، فقال " يوصيكم الله في أولادكم " (3 وهذا عام في الولد وولد الولد وان نزلوا، وقال " ولأبويه لكل واحد منهما السدس " (3 وقال إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت " (4 الآية، وقال " وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت " الآية (5. # PageV02P327 # وكذا بين تعالى أن السبب على ضربين الزوجية والولاء، فقال " ولكم نصف ما ترك أزواجكم ولهن الربع مما تركتم " وقال " فإخوانكم في الدين ومواليكم " فإنه يدل على أن معتق زيد إذا مات ولم يخلف نسيبا كان مولاه أولى به من كل أحد فيكون ميراثه له. وكذا يدل على ولاء الإمامة، فان ميراث من لا وارث له كان للنبي عليه السلام، وهو لمن قام مقامه ms489 خلفا عن سلف. # وقال تعالى " والذين عاقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم " (1 فإنه يدل على ولاء تضمن الجريرة على ما تقدم. # ويمنع كفر الوارث ورقه على بعض الوجوه وقتله عمدا ظلما من الميراث من جهة السبب والنسب معا. # ومن تأمل هذه الآيات علم أن سهام المواريث ستة: النصف، والربع، والثمن، والثلثان، والثلث، والسدس. وانما صارت سهام المواريث من ستة أسهم لا يزيد عليها لان أهل المواريث الذين يرثون ولا يسقطون ستة الأبوان والابن والبنت والزوج والزوجة، وقيل إن الانسان خلق من ستة أشياء، وهو قول الله تعالى " ولقد خلقنا الانسان من سلالة من طين " (2 الآية، لمصلحة رآها الله تعالى في ذلك. # (باب) (ذكر ذوي السهام) نبدأ بذوي الأسباب الذين هم الزوجان، ثم نعقبه بذكر ذوي الأنساب: # قال الله تعالى " ولكم نصف ما ترك أزواجكم " بين سبحانه أن للزوج # PageV02P328 # النصف مع عدم الولد وولد الولد وان نزلوا وهو السهم الاعلى له، وله الربع مع وجود الولد. # وقال " ولهن الربع مما تركتم " بين أيضا أن لها الربع مع عدم الولد، وكذلك الزوجات فان لها الثمن مع وجود الولد وولد الولد وان نزلوا، وكذلك الزوجين والثلاث والأربع وهو السهم الأدنى لهن. # فإذا اجتمع واحد مع الزوجين مع ذوي الأنساب أخذ هو نصيبه والباقي لهم، وإذا انفرد أحد الزوجين فإن كان هو الزوج يأخذ فرضه المسمى والباقي يرد عليه أيضا على بعض الروايات على كل حال، وإن كان زوجة تأخذ هي نصيبها والباقي لبيت المال، وفي زمان الغيبة يرد إليها أيضا الباقي، ولا يرثان الا بعد وفاء الدين كله واعطاء ثلث الوصية. # (فصل) وأما ذوو الأنساب فأقواهم قرابة الولد، ولذلك بدأ الله بذكر سهامه فقال تعالى " يوصيكم الله في أولادكم ". وسبب نزول هذه الآية قيل فيه قولان: # أحدهما: قال ابن عباس والسدي: ان سبب نزولها أن القوم لم يكونوا يورثون النساء والبنات والبنين الصغار ولا يورثون الا من قاتل وطاعن، فأنزل الله الآية وأعلمهم كيفية الميراث. # وقال عطا عن ابن عباس وابن جريح عن ms490 مجاهد انهم كانوا يورثون الولد والوالدين للوصية فنسخ الله ذلك. # وقال محمد بن المنكدر عن جابر قال: كنت عليلا مدنفا فعادني النبي صلى الله عليه وآله ونضح الماء على وجهي، فأفقت وقلت: يا رسول الله كيف أعمل في مالي؟ فأنزل الله الآية (1. # PageV02P329 # وروي عن ابن عباس أنه قال: كان المال للولد والوصية للوالدين والأقربين فنسخ بهذه الآية. # وقرئ " يوصي بها أو دين " بفتح الصاد وكسرها والكسر أقوى لقوله " مما ترك إن كان له ولد " فتقدم ذكر الميت وذكر المفروض مما ترك، ومن فتحها فلانه ليس لميت معين وانما هو شائع في الجميع. # ومعنى " يوصيكم الله " فرض عليكم، لان الوصية من الله فرض، كما قال " ولا تقتلوا النفس التي حرم الله الا بالحق ذلكم وصاكم به " (1 يعنى فرض عليكم - ذكره الزجاج. # وانما لم يعد قوله " يوصيكم " إلى قوله " مثل حظ الأنثيين " بنصب اللفظ لأنه كالقول في حكاية الجملة بعده، والتقدير قال الله تعالى في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين، ولان الفرض بالآية الفرق بين الموصي والموصى له في نحو " أوصيت زيدا بعمرو ". # (فصل) (في ميراث الولد) اعلم أن قوله تعالى " يوصيكم الله في أولادكم " عام في كل ولد يتركه الميت وان المال بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين، وكذا حكم البنت والبنتين لها ولهما النصف والثلثان على كل حال الا من خصه الدليل من الرق والكفر والقتل الظلم على ما ذكرناه، فإنه لا خلاف ان الكافر والقاتل عمدا على سبيل الظلم والمملوك على بعض الوجوه لا يرثون، وإن كان القاتل خطأ ففيه خلاف وعندنا يرث من المال دون الدية، والمسلم عندنا يرث الكافر وفيه خلاف، والعبد لا # PageV02P330 # يرث لأنه لا يملك شيئا ويورث إذا لم يكن غيره وارث في درجته بشرط أن تكون التركة أكثر من قيمته أو مثلها. # والمرتد لا يرث، وميراثه لورثته المسلمين، وهو قول علي عليه السلام (1. # وقال ابن المسيب نرثهم ولا يرثونا. وما يروونه عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: " لا يتوارث أهل ملتين " (2 ms491 فإذا صح فمعناه لا يرث كل واحد منهما من صاحبه. وانا نقول: المسلم يرث الكافر والكافر لا يرث المسلم، ولم يثبت حقيقة التوارث بينهما فلا يكون كلامنا مخالفا لذلك. # وقوله تعالى " فان كن نساءا فوق اثنتين " فالظاهر في هذا يقتضي أن البنتين لا يستحقان الثلثين، وانما يستحق الثلثان إذا كن فوق اثنتين، لكن أجمعت الأمة أن حكم البنتين حكم من زاد عليهما من البنات فتركنا له الظاهر. # وقال أبو العباس المبرد وأختاره إسماعيل بن إسحاق القاضي: ان في الآية دليلا على أن للبنتين الثلثين أيضا، لأنه قال " للذكر مثل حظ الأنثيين " وأول العدد ذكر وأنثى وللذكر الثلثان من ستة وللأنثى والثلث علم من فحوى ذلك أن للبنتين الثلثين وإن كان بالتلويح، ثم أعلم الله بعده انما فوق البنتين لهن الثلثان أيضا بالتصريح، ليكون في باب البلاغة على الأقصى. وهذا حسن. # وقوله " فان كانت واحدة فلها النصف " يدل على أن فاطمة عليها السلام كانت مستحقة للميراث، لأنه عام في كل بنت، والخبر المدعى ان الأنبياء لا يورثون خبر ما عمل به الراوي أيضا، لأنه ورث ابنته. مع أنه خبر واحد لا يترك له عموم الآية، لأنه معلوم لا يترك بمظنون. # PageV02P331 # (فصل) (في ميراث الوالدين) ثم قال " ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد " (1 لا خلاف في ذلك، وكذا إن كان واحد من الأبوين مع الولد كان له السدس بالفرض بلا خلاف. # ثم ننظر فإن كان الولد ذكرا كان الباقي للولد واحدا كان أو أكثر بلا خلاف وكذلك ان كانوا ذكروا وإناثا فالمال بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين، وان كانت بنتا كان لها النصف ولاحد الأبوين السدس أولهما السدسان، والباقي عندنا يرد على البنت والأبوين أو أحدهما على قد سهامهما أيهما كان لان قرابتهما سواء. # ومن خالفنا يقول: إن كان أحد الأبوين أبا كان الباقي له لأنه عصبة، وان كانت أما ففيهم من يقول بالرد على البنت والام وفيهم من يقول الباقي في بيت المال. وانما رددنا ms492 عليهم لعموم قوله تعالى " وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض " (2 وههنا هما متساويان، لان البنت تتقرب بنفسها إلى الميت وكذا الأبوان. والخبر المدعى في أن ما أبقت الفرائض فلاولى عصبة ذكر (3 خبر ضعيف، وله مع ذلك وجه لا يخص به عموم القرآن. # وقوله " فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث " فمفهومه أن الباقي للأب، فليس فيه خلاف. # فإن كان في الفريضة زوج كان له النصف وللأم الثلث بالظاهر وما بقي فللأب، # PageV02P332 # ومن قال للام ثلث ما بقي فقد ترك الظاهر. وبمثل ما قلناه قال ابن عباس. # وإن كان بدل الزوج زوجة كان الامر مثل ذلك، للزوجة الربع وللأم الثلث والباقي للأب، وبه قال ابن عباس وابن سيرين. # ثم قال " فإن كان له اخوة فلأمه السدس " ففي أصحابنا من يقول انما يكون لها السدس إذا كان هناك أب، لان التقدير فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث فإن كان له أخوة وورثه أبواه فلأمه السدس. # ومنهم من قال إن لها السدس بالفرض مع وجود الاخوة سواء كان هناك أب أو لم يكن، وبه قال جميع الفقهاء. غير انا نقول: إن كان هناك أب كان الباقي للأب فإن لم يكن أب كان الباقي ردا على الام. # ولا يرث أحد من الاخوة والأخوات مع الام شيئا، سواء كانوا من قيل أب وأم أو من قبل أب أو من قبل أم على حال، لان الام أقرب منهم بدرجة. # ولا يحجب عندنا من الاخوة الا من كان من قبل الأب والام أو من قبل الأب فأما من كان منهم من قبل الام فحسب فإنه لا يحجب على حال. # ولا يحجب أقل من أخوين أو أخ وأختين أو أربع أخوات، بشريطة ان لم يكونوا كفارا ولا رقا ولا قاتلين ظلما، فأما أخ وأخت أو أختان فلا يحجبان وكذلك ثلاث أخوات لا يحجبن على حال. وخالفنا جميع الفقهاء في ذلك. # فأما الاخوان فإنه لا خلاف انه يحجب بهما الام عن الثلث إلى ms493 السدس، الا ما قال ابن عباس انه لا يحجب بأقل من ثلاثة لقوله تعالى " فإن كان له أخوة " قال: والثلاثة أقل الجمع. # وحكي عن ابن عباس أيضا ان ما يحجب الإخوة من سهم الام من الثلث إلى السدس يأخذه الاخوة دون الأب، وذلك خلاف ما أجمعت عليه الأمة، لأنه لا خلاف ان أحدا من الاخوة لا يستحق مع الأبوين شيئا. PageV02P333 # وانما قلنا إن الأخوين يحجبان للاجماع، وأيضا فإنه يجوز وضع لفظ الجمع في موضع التثنية إذا اقترنت به دلالة كما قال " ان تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما " على أن أقل الجمع اثنان. # فان قيل: لم حجبت الام الاخوة من غير أن يرثوا مع الأب. # قلنا: قال قتادة معونة للأب لأنه يقوم بنفقتهم ونكاحهم دون الام. وهذا بعينه رواه أصحابنا، وهو دال على أن الاخوة من الام لا يحجبون، لان الأب لا يلزمه نفقتهم على حال. # وإن كان الاخوة كفارا أو مماليك أو قاتلين ظلما لا يحجبون الام أيضا مع وجوب الأب وفقده. وكذلك ان كانا اثنين وكان أحد الأخوين كافرا أو رقا أو قاتلا ظلما كذلك فان الام لا تحجب. # وقوله " لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا " معناه لا تعلمون أيهم أقرب نفعا في الدين والدنيا والله يعلمه فافهموه على ما بينه من تعلم المصلحة فيه. # وقال بعضهم: الأب يجب عليه نفقة الابن إذا احتاج إليها، وكذلك الابن يجب عليه نفقة الأب مع الحاجة. فهما في النفع في هذا الأب سواء لا تدرون أيهم أقرب نفعا. وقيل: لا تدرون أيكم يموت قبل صاحبه فينتفع الاخر بماله. # وقوله " فريضة من الله " نصب على الحال من قوله " لأبويه "، وتقديره فيثبت لهؤلاء الورثة ما ذكرناه مفروضا فريضة مؤكدة، كقوله " يوصيكم الله " هذا قول الزجاج. وقال غيره: هو نصب على المصدر من يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين فرضا مفروضا. ويجوز أن يكون نصبا على التمييز، أي فلأمه السدس فريضة، كما يقال هو لك صدقة أو هبة. # وانما يقال في تثنية ms494 الأب والام " أبوان " تغليبا للفظ الأب، ولا يلزم على ذلك في ابن وابنة لأنه ههنا يوهم. PageV02P334 # (فصل) (في ميراث الزوجين) وان كنا قدمنا القول فيه، فانا نتكلم على ذلك أيضا ههنا لنسق القرآن. # لا خلاف أن للزوج نصف ما تتركه الزوجة إذا لم يكن لها ولد، فإن كان لها ولد فله الربع بلا خلاف، سواء كان ودلها منه أو من غيره وإن كان ولد لا يرث لكونه مملوكا أو كافرا أو قاتلا عمدا ظالما، فلا يحجب الزوج من النصف إلى الربع، ووجوده كعدمه. # وكذلك حكم الزوجة لها الربع إذا لم يكن للزوج ولد على ما قلناه في الزوجة في أنه سواء كان منها أو من غيرها، فإن كان لها ولد كان لها الثمن. # ولا خلاف أن ما تستحقه الزوجة ان كانت واحدة فهو لها، وان كانت ثنتين أو ثلاثا أو أربعا لم يكن لهن أكثر من ذلك. ولا يستحق الزوج أقل من الربع في حال من الأحوال ولا الزوجة أقل من الثمن على وجه من الوجوه. ولا يدخل عليهما النقصان وكذا الأبوان لا ينقصان في حال من الأحوال، لان العول عندنا باطل على ما نذكره. # وولد الولد وان نزل يقوم مقام الولد للصلب في حجب الزوجين من الفرض الاعلى إلى الأدون. # وكل من ذكر الله له فرضا فإنما يستحقه إذا أخرج من التركة الكفن والدين والوصية، فان استغرق الدين المال لم تنفذ الوصية ولا ميراث، وان بقي نفذت الوصية ما لم يزد على ثلث ما يبقى بعد الدين، فان زادت ردت إلى الثلث. # فان قيل: كيف قدم الوصية على الدين في هذه الآية وفى التي قبلها مع أن الدين يتقدم عليها بلا خلاف؟ PageV02P335 # قلنا: لان " أو " لا يوجب الترتيب وانما هي لاحد الشيئين، فكأنه قال من بعد أحد هذين مفردا أو مضموما إلى الاخر، [كقولهم " جالس الحسن أو ابن سيرين " أي جالس أحدهما مفردا أو مضموما إلى الاخر] (1) ويجب البدأة بالدين بعد الكفن لأنه مثل رد الوديعة التي يجب ردها ms495 على صاحبها، فكذا حال الدين وجب رده أولا ثم تكون الوصية بعده ثم الميراث. # ومثل ما قلناه اختاره الطبري والجبائي، وهو المعتمد عليه في تأويل الآية. # (فصل) (في ميراث كلالة الام) ثم قال تعالى " وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت " يعني من الام بلا خلاف. # وكلالة نصبها يحتمل أمرين: أحدهما على أنه مصدر وقع موضع الحال تكون كان تامة، وتقديره يورث متكلل النسب كلالة. والثاني أن يكون خبر كان ناقصة، وتقديره وإن كان رجل وارث كلالة، فرجل اسم كان ويورث صفته وكلالة خبره. والأول هو الوجه، لان يورث هو الذي اقتضى ذكر الكلالة، كما تقول: يورث هذا الرجل كلالة، بخلاف من يورث ميراث الصلب ويورث كلالة عصبة وغير عصبة. # واختلفوا في معنى الكلالة: فقال قوم هو من عدا الولد والوالد، وقال ابن عباس ان الكلالة ما عدا الولد، وورث الاخوة من الام السدس مع الأبوين وهو خلاف اجماع أهل الاعصار. قال ابن زيد الميت يسمى كلالة، وقال قوم الكلالة هو الميت الذي لا ولد له ولا والد. # وعندنا ان الكلالة هم الاخوة والأخوات فمن ذكره الله في هذه الآية هو # PageV02P336 # من كان من قبل الام، ومن ذكر في آخر السورة هو من قبل الأب والام أو من قبل الأب. # وأصل الكلالة الإحاطة، ومنه " الإكليل " لاحاطته بالرأس، والكلالة لإحاطتها بالنسب الذي هو الولد والوالد. وقال أبو مسلم: أصلها من كل إذا أعيا، فكأنه يتناول الميراث من بعد على كلال واعياء. وقال الحسين بن علي المغربي: أصله عندي ما تركه الانسان وراء ظهره، مأخوذا من كلالة وهو مصدر الاكل وهو الظهر، تقول ولائي فلان اكله على وزن أظله أي ظهره. # وهذا الاسم تعرفه العرب وتخبره عن جملة النسب والوراثة، ولا خلاف أن الاخوة والأخوات من الام يتساوون في الميراث. # وانما قال " وله أخ أو أخت " ولم يقل لهما وقد قال قبله " وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة " لرفع الابهام، ولو ثنى لكان حسنا كما يقول من ms496 كان له أخ أو أخت فليصله ويجوز فليصلها ويجوز أيضا فليصلهما، فالأول يرد الكناية على الأخ والثاني على الأخت والثالث عليهما. كل ذلك حسن. # وقوله تعالى " غير مضار " نصب على الحال، ويجوز أن يكون مفعولا به. # " تلك حدود الله " أي هذه تفصيلات الله لفرائضه، لان أصل الحد هو الفصل. # وقال ابن الياس: المعنى تلك حدود طاعة الله. # فان قيل: إذا كان ما تقدم ذكره دل على أنها حدود الله فما الفائدة في هذا القول؟ # قلنا عنه جوابان: أحدهما انه للتأكيد، والثاني ان الوجه في اعادته ما علق به من الوعد والوعيد. PageV02P337 # (فصل) (في ميراث كلالة الأب) قال الله تعالى " يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة ان امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك " (1 إلى آخرها. # روى البراء بن عازب ان هذه الآية آخر ما نزلت بالمدينة، وقال غيره نزلت في مسير كان فيه رسول الله صلى الله عليه وآله (2. # واختلفوا في سبب نزولها: فقال سعيد بن المسيب: سئل النبي عليه السلام عن الكلالة فقال: أليس قد بين الله ذلك - فنزلت الآية، وقال جابر: اشتكيت وعندي تسع أخوات لي أو سبع، فدخل علي النبي عليه السلام فنفخ في وجهي فأفقت فقلت: يا رسول الله ألا أوصي لأخواتي بالثلثين. قال: أحسن. قلت بالشطر. قال: أحسن. ثم خرج وتركني ورجع إلي وقال: يا جابر اني لا أراك ميتا من وجعك هذا، وان الله قد انزل لأخواتك فجعل لهن الثلثين. قال: وكان جابر يقول: أنزلت هذه الآية في. وعن قتادة: ان أصحاب رسول الله همهم شأن الكلالة فأنزل الله هذه الآية (3. # ومعنى " يستفتونك " يسألونك يا محمد ان تفتيهم في الكلالة " قل الله يفتيكم " في الكلالة، فحذف ان اختصار لما دل الجواب عليه. والاستفتاء والاستقصاء واحد. # وقوله تعالى " ان امرؤ هلك ليس له ولد " معناه مات انسان ليس له ولد # PageV02P338 # ذكر ولا أنثى " وله أخت " يعني وللميت أخت لأبيه وأمه أو لأبيه " فلها نصف ما ترك " والباقي عندنا رد عليه ms497 أيضا سواء كان هناك عصبة أو لم يكن. وقال جميع الفقهاء ان الباقي للعصبة. # وان لم يكن عصبة هناك - وهم العم وبنو العم وأولاد الأخ - فمن قال بالرد على ذوي الأرحام رد الباقي على الأخت، وهو اختيار الجبائي وأكثر أهل العلم، وهو يرثها ان لم يكن لها ولد. يعنى ان كانت الأخت هي الميتة ولها أخ من أب وأم أو من أب فالمال كله له بلا خلاف إذا لم يكن لها ولد سواء كان ذكرا أو أنثى، لأنه تعالى قال " وهو يرثها ان لم يكن لها ولد " والبنت بلا خلاف ولد. والدليل على صحة تسمية البنت بالولد قوله " يوصيكم الله في أولادكم " ثم فسر الأولاد فقال " للذكر مثل حظ الأنثيين ". # فإن كان للأخت ولد ذكر فالمال كله له بلا خلاف ويسقط الأخ، وإن كان بنتا كان لها النصف بالتسمية بلا خلاف، والباقي عندنا رد عليها لأنها أقرب دون الأخ. # ثم قال " فان كانتا اثنتين " يعنى ان كانت الأختان اثنتين فلهما الثلثان، وهذا لا خلاف فيه. والباقي على ما بيناه من الأخت الواحدة عندنا رد عليهما دون عصبته ودون ذوي الأرحام، وإذا كان هناك عصبة رد الفقهاء الباقي عليهم. # فان كانت إحدى الأختين لأب وأم وأخرى لأب فالواجب للأب والام النصف بلا خلاف، والباقي رد عليها عندنا لأنها مجمع السببين، ولا شئ للأخت للأب لأنها انفردت بسبب واحد، وعند الفقهاء لها السدس يكمله الثلثين والباقي على ما بيناه من الخلاف. # وان كانوا أخوة رجالا ونساءا فللذكر مثل حظ الأنثيين، يعنى إن كان الورثة اخوة رجالا ونساء للأب والام فللذكر مثل حظ الأنثيين بلا خلاف. PageV02P339 # وإن كان الذكور منهم للأب والام والإناث للأب انفرد الذكور بجميع المال بلا خلاف. وإن كان الإناث للأب والام والذكور للأب كان للإناث الثلثان بالتسمية بلا خلاف، والباقي عندنا رد عليهن لما بيناه من اجتماع السببين لهن. # وعند جماعة الفقهاء ان الباقي للاخوة من الأب لأنهم عصبة، ويروون خبرا ضعيفا عنه عليه السلام أنه قال: ما اتفقت ms498 الفرائض فلاولي العصبة ذكر (1. وقد قلنا ما عندنا في خبر العصبة. # ويمكن أن يحمل خبر العصبة مع تسليمه على من مات وخلف زوجا أو زوجة وأخا لأب وأم وأخا لأب أو ابن أخ لأب وأم وابن أخ لام أو ابن عم لأب وأم وابن عم لأب. قال للزوج سهمه المسمى والباقي لمن يجتمع كلالة الأب والام دون من يتفرد بكلالة الأب. وقال عمر (2: سألت رسول الله صلى الله عليه وآله عن الكلالة فقال: يكفيك آية الصيف (3. # (باب) (في مسائل شتى) إذا تركت امرأة زوجها وأبويها فللزوج النصف وللأم الثلث كاملا وما بقي فللأب، قال الله تعالى " فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث " (4، # PageV02P340 # فجعل الله للأم الثلث كاملا إذا لم يكن ولد ولا أخوة. # ومن الدليل على أن لها الثلث في جميع المال أن جميع من خالفنا لم يقولوا لها السدس في هذه الفريضة، انما قالوا للأم ثلث ما بقي وثلث ما بقي هو السدس، فأحبوا أن لا يخالفوا الكتاب فأثبتوا لفظ الكتاب وخالفوا حكمه، وذلك تمويه. # وجاء رجل إلى أبى جعفر عليه السلام فسأله عن امرأة تركت زوجها وأخويها وأختها لامها (1. فقال: للزوج النصف ثلاثة أسهم، وللاخوة من الام سهمان، وللأخت من الأب [السدس] (2 سهم. فقال له الرجل: فان فرائض زيد وفرائض العامة على غير هذا، يقولون للأخت من الأب ثلاثة أسهم (3 تصير من ستة تعول من ثمانية. # فقال أبو جعفر عليه السلام: ولم قالوا ذلك؟ قال: لان الله تعالى قال " وله أخت فلها نصف ما ترك ". فقال عليه السلام: فإن كان مكان الأخت أخا. قال: ليس له الا السدس. فقال أبو جعفر عليه السلام: فما لكم نقضتم الأخ ان كنتم تحتجون للأخت النصف بأن الله سمى لها النصف، فان الله سمى للأخ الكل والكل أكثر من النصف لأنه تعالى قال في الأخت " ولها نصف ما ترك " وقال في الأخ " وهو يرثها " يعني جميع مالها " ان لم يكن لها ولد " فلا تعطون الذي جعل الله ms499 له الجميع في بعض فرائضهم شيئا وتعطون الذي جعل الله له النصف والام تاما، ويقولون (4 في زوج وأم وأخوة لام وأخت لأب فيعطون الزوج النصف والام السدس والاخوة من الام الثلث والأخت من الأب النصف فيجعلونها من تسعة وهي ستة تعول إلى # PageV02P341 # تسعة (1. فقال: كذلك يقولون. فقال له أبو جعفر عليه السلام: فان كانت الأخت أخا لأب؟ قال الرجل: ليس له شئ [فقال الرجل لأبي جعفر عليه السلام] (2 فما تقول. فقال: ليس (3 للاخوة من الأب والام ولا للاخوة من الام ولا الاخوة من الأب مع الام شئ؟؟؟ (4. # (باب) (من يرث بالقرابة دون الفرض) قال الله تعالى " وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله " (5). بين سبحانه ان أولى الناس بالميت أقربهم إليه، والآية بعمومها تتناول الميراث وغيره. # ومن يرث بالقرابة ستة: فأقواهم قرابة الولد للصلب لا يرث معه أحد سواء يتقرب به أو بغيره الا ذوي السهام المذكورين من قبل من الأبوين والزوجين، ثم ولد الولد وان نزلوا، ثم الأب، ثم من يتقرب به من ولده أو أبويه، ثم من يتقرب بالام دونها (6 ودون ولدها. # ومما يدل على ذلك أيضا قوله تعالى في سورة الأحزاب " وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين الا ان تفعلوا إلى أوليائكم # PageV02P342 # معروفا كان ذلك في الكتاب مسطورا " (1). # بين سبحانه أن من كان قرباه أقرب فهو أحق بالميراث من الابعد، وظاهر ذلك يمنع ان يرث مع البنت والام أحد من الاخوة والأخوات، لان البنت والام أقرب من الاخوة والأخوات. وكذلك يمنع ان يرث مع الأخت أحد من العمومة والعمات وأولادهم لأنها أقرب. # والخبر المروي في هذا الباب " ان ما أثبت الفرائض فلاولي عصبة ذكر " (2 خبر واحد مطعون على سنده لا يترك لأجله ظاهر القرآن الذي بين فيه ان أولى الأرحام الأقرب منهم أولى من الابعد في كتاب الله من المؤمنين المؤاخين والمهاجرين، فقد روي أنهم كانوا يتوارثون بالهجرة والمؤاخاة الأولة حتى نزلت هذه الآية. # والاستثناء منقطع ms500 في قوله " الا أن تفعلوا "، معناه لكن ان فعلتم معروفا من الوصية يعرف صوابه فهو حسن ولا يجوز أن تكون القرابة مشركين، لقوله " لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء " (3. # وقد أجاز كثير من الفقهاء الوصية للقرابات الكفار، وعندنا ان ذلك جائز للوالدين والولد. # " ومن " يحتمل أمرين: أحدهما أن تكون دخلت لاولي، أي بعضهم أولى ببعض من المؤمنين. والثاني ان يكون التقدير وأولى الأرحام من المؤمنين والمهاجرين أولى بالميراث. # PageV02P343 # (فصل) ويدل على ذلك أيضا عموم قوله تعالى " ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن " (1، فظاهر الخطاب يقتضي تحريم تمني ما فضل الله به بعضا على بعض، فلا يجوز لرجل أن يتمنى أن كان امرأة ولا للمرأة ان تتمنى لو كانت رجلا بخلاف ما فعله الله تعالى، لأنه تعالى لا يفعل من الأشياء الا ما هو الأصلح، فيكون تمني ما يكون مفسدة (2. # ثم اعلم أن الله أخبر عن أحوال المؤمنين الذين هاجروا من مكة إلى المدينة وعن أحوال الأنصار بقوله تعالى " ان الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض والذين آمنوا ولم يهاجروا مالكم من ولايتهم من شئ حتى يهاجروا " (3. # فقال " أولئك " يعني المهاجرين والأنصار " بعضهم أولياء بعض "، ثم أخبر عن الذين آمنوا ولم يهاجروا من مكة إلى المدينة فقال " مالكم من ولايتهم من شئ ". # قيل نفى ولاية القرابة عنهم لأنهم كانوا يتوارثون بالهجرة والنصرة دون الرحم - في قول ابن عباس. وقيل إنه نفى الولاية التي يكونون بها يدا واحدة في الحل والعقد، فنفى عن هؤلاء ما أثبته للأولين حتى يهاجروا. وقيل نسخ ذلك بقوله " والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض " (4. # PageV02P344 # ثم قال " والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله " ففي الآية دلالة على أن من كان قرباه أقرب إلى الميت كان أولى بالميراث، سواء كان عصبة أولم يكن أو تسمية أو لم يكن، لان ms501 مع كونه أقرب تبطل التسمية. # وهذه الآية نسخت حكم التوارث بالنصرة والهجرة على ما قدمناه، فإنهم كانوا لا يورثون الاعراب من المهاجرين على ما ذكر في الآيات الأول. # ومن قال: الولاية في الآيات الأولة ولاية النصرة دون الميراث. نقول: # ليست ناسخة لهما بل هما محكمتان. # قال مجاهد: في هذه الآيات الثلاث ذكر ما والى به رسول الله صلى الله عليه وآله بين المهاجرين والأنصار في الميراث، ثم نسخ ذلك بآخرها من قوله تعالى " وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله ". # وقال ابن الزبير: نزلت في العصبات، كان الرجل يعاقد الرجل، يقول ترثني وأرثك فنزلت " وأولو الأرحام " إلى آخرها. # (باب) (في مسائل شتى) روي عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال في رجل ترك خالتيه ومواليه أولو الأرحام بعضهم أولى ببعض: المال بين الخالتين (1. # ولا يرث الموالي مع أحد من القرابات شيئا وإن كان بعيدا، لان الله تعالى قد ذكرهم وفرض لهم وأخبر انهم أولى في هذه الآية ولم يذكر الموالي. # والحديث الذي رواه المخالفون ان مولى لحمزة توفي وان النبي صلى الله # PageV02P345 # عليه وآله أعطى بنت حمزة النصف وأعطى ورثة المولى الباقي (1 فهو خبر واحد، ومع التسليم نقول: لعل ذلك كان شيئا قبل نزول الفرائض فنسخ (2. # فقد فرض الله للحلفاء في كتابه فقال: " والذين عاقدت ايمانكم فآتوهم نصيبهم " (3 ولكنه نسخ ذلك بقول " وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله (4. # فمتى خلف أحد من ذوي الأرحام وترك مولاه المنعم أو المنعم عليه فالمال لنسيبه وليس للموالي شئ، فإنه تعالى يقول " وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين الا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا " (5 يعنى الوصية لهم بشئ أو هبة الورثة لهم من الميراث شيئا. # (باب) (ذكر من يرث بالفرض والقرابة) قال الله تعالى " للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا " (6. # اختلفوا في سبب نزول هذه الآية: # فقال قوم: ان أهل ms502 الجاهلية كانوا يورثون الذكور دون الإناث، فنزلت هذه الآية ردا لقولهم. # PageV02P346 # وقال الزجاج: كانت العرب لا يورثون الا من طاعن بالرماح وذاد عن الحريم، فزلت هذه الآية ردا عليهم، وبين أن للرجال والنساء نصيبا في مال الميت قليلا كان المال أو كثيرا، لكيلا يتوهم أنه إذا قل كان الرجال أولى به أو خالف حكمه حكم الكثير (1. # " ونصيبا مفروضا " نصب على الحال، أي لهم نصيب حالة أن الله فرضه. # وفى الآية دليل على بطلان القول بالعصبة، لان الله تعالى فرض الميراث للرجال والنساء، فلو جاز أن يقال النساء لا يرثن في موضع لجاز لآخرين أن يقولوا والرجال لا يرثون. # ثم قال " وإذا حضر القسمة أولو القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه " (2 هذه الآية عندنا محكمة غير منسوخة، وبه قال ابن عباس وجماعة. # والمخاطب بقوله " فارزقوهم " الورثة، أمروا بأن يرزقوا المذكورين إذا كانوا لا سهم لهم في الميراث. وقال آخرون: انما يتوجه إلى من حضرته الوفاة وأراد الوصية، فإنه ينبغي له أن يوصي لمن لا يرثه من هؤلاء المذكورين بشئ من ماله. والوجه الأول. # وقال سعيد بن جبير: إن كان الميت أوصى لهم بشئ أنفذت وصيته وإن كان الورثة ارضخوا لهم فان كانوا صغار قال وليهم اني لست أملك هذا المال وليس لي انما هو للصغار فذلك قوله " وقولوا لهم قولا معروفا " أمر الله أن يقول الولي الذي لا يرث المذكورين قولا معروفا ويقول: ان هذا لقوم غيب أو يتامى صغار ولكم فيه حق ولسنا نملك أن نعطيكم منه. # وقال ابن عباس: ان قوله " للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما # PageV02P347 # اكتسبن " نزل في الميراث. فإن كان كذلك والا فالعموم أيضا يتناوله. # (فصل) وقال تعالى " ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم " (1 معنى الآية جعلنا الميراث لكل من هو مولى الميت. # والموالي المذكورون في الآية: قال مجاهد هم العصبة، وقال قوم هم الورثة، وهو أقواهما. والتقدير ولكم جعلنا ورثة مما ترك الوالدان والأقربون وقيل تقديره ولكل ms503 مال تركه ميت جعلنا موالي - أي قوما - يرثونه فيملكون مما ترك الوالدان والأقربون. وقال الجبائي: أي لكل شئ وارث هو أولى به من غيره، يسمى الوارث مولى من هذه الجهة. # ثم استأنف فقال " والذين عقدت " أي عقدتم " أيمانكم " أراد بذلك عقد المصاهرة والمناكحة. # وقال الله تعالى " ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن " (2. اختار الطبري أن يكون المراد به آيات الفرائض، قال: لان الصداق ليس مما كتب الله للنساء الا بالنكاح فما لم تنكح فلا صداق لها عند أحد. # " والمستضعفين من الولدان " أي [وفى المستضعفين " واليتامى " الصغار من الذكور والإناث لأنهم كانوا لا يورثون الصغار من الذكور حتى يبلغوا، فأمرهم أن يؤتوا المستضعفين من الولدان] (3 حقوقهم من الميراث. # PageV02P348 # قال ابن جبير: قوله تعالى " فيما يتلى عليكم " يعني قوله " يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة " (1. # وقد ذكرنا أن الجاهلية لا يورثون المرأة ولا المولود حتى يكبر، فأنزل الله آية الميراث في أول النساء وهو معنى قوله " اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن وترغبون أن تنكحوهن " (2 أي ترغبون فيهن - عن ابن سيرين. وقيل أي ترغبون أن تنكحوهن. # (فصل) أما قوله " واني خفت الموالي من ورائي وكانت امرأتي عاقرا فهب لي من لدنك وليا " (3 فان المخالفين استدلوا بهذه الآية على أن البنت لا تحوز المال دون بني العم والعصبة، قالوا لان زكريا طلب وليا ولم يطلب ولية. وهذا ليس بشئ، لان زكريا انما طلب وليا لوجوه غير ذلك: منها أن الله تعالى كان وعده أنه يرزقه ولدا رضيا فسأل الله انجاح ذلك. # وقيل: انما طلب وليا لان من طباع البشر الرغبة في الذكور دون الإناث من الأولاد، فلذلك طلب الذكر. على أنه قيل: ان لفظ " الولي " يقع على الذكر والأنثى، فلا نسلم انه طلب الذكر، بل الذي يقتضي الظاهر أنه طلب ولدا سواء كان ذكرا أو أنثى. # واعلم أن أكثر الخلاف بيننا وبين مخالفينا ومعظمه في ms504 الفرائض والمواريث على ثلاثة أشياء: العصبة، والعول، والرد. ونحن نبين بعد هذا أن الحق في # PageV02P349 # هذه الأصول معنا كما في جميع المواضع، فإذا ثبت ذلك استغنينا عن التطويل بتعيين المسائل. # وقد استدللنا على أمهات مسائل المواريث من الكتاب، وفروعها لا يحتمل هذا الموضع ذكرها، غير أنا نعقد ههنا جملة تدل على صحة المذهب، فنقول: # الميراث بالفرض لا يجتمع فيه الا من كان قرباه واحدة إلى الميت، مثل البنت أو البنات مع الوالدين أو أحدهما، فإنه متى انفرد واحد منهم أخذ المال كله بعضه بالفرض والباقي بالرد، وإذا اجتمعا أخذ كل واحد منهم ما سمي له والباقي يرد عليهم ان فضل على قدر سهامهم، وان نقص لمزاحمة الزوج أو الزوجة لهم كان النقص داخلا على البنت أو البنات دون الأبوين أو أحدهما ودون الزوج والزوجة. # ولا يجتمع مع الأولاد ولا مع الوالدين ولا مع أحدهما أحد ممن يتقرب بهما كالكلالتين، فإنهما لا يجتمعان مع الأولاد ذكورا كانوا أو إناثا ولا مع الوالدين ولا مع أحدهما أبا كان أو أما بل يجتمع كلالة الأب وكلالة الام، فكلالة الام إن كان واحدا كان له السدس وإن كان اثنين فصاعدا كان لهم الثلث لا ينقصون منه والباقي لكلالة الأب، فان زاحمهم الزوج أو الزوجة دخل النقص على كلالة الأب دون كلالة الام. # ولا يجتمع كلالة الأب مع كلالة الأب والام، فان اجتمعا كان المال كله لكلالة الأب والام دون كلالة الأب ذكرا كان أو أنثى. # ومن يرث بالقرابة دون الفرض لا يجتمع الا من كانت قرباه واحدة وأسبابه ودرجته متساوية. فعلى هذا لا يجتمع مع الولد الصلب ولد الولد ذكرا كان ولد الصلب أو أنثى لأنه أقرب بدرجة. PageV02P350 # وكذلك لا يجتمع مع الأبوين ولا مع أحدهما ممن يتقرب بهما من الاخوة والأخوات والجد والجدة على حال، ولا يجتمع الجد والجدة مع الولد الصلب ولا مع ولد الولد وان نزلوا. # ويجتمع الأبوان مع ولد الولد وان نزلوا لأنهم بمنزلة الولد للصلب إذا لم يكن ولد ms505 الصلب. # والجد والجدة يجتمعان مع الاخوة والأخوات لأنهم في درج، والجد من قبل الأب بمنزلة الأخ من قبله والجدة من قبله بمنزلة الأخت من قبله، والجد من قبل الام بمنزلة الأخ من قبلها والجدة من قبلها بمنزلة الأخت من قبلها. # وأولاد الاخوة والأخوات يقاسمون الجد والجدة لأنهم بمنزلة آبائهم وآباء والجد والجدة وأمهاتهم يقاسمون الاخوة وأخوات أيضا. # ولا يجتمع مع الجد والجدة من يتقرب بهما من العم والعمة والخال والخالة ولا الجد الا على ولا الجدة العليا. # وعلى هذا تجري جملة المواريث، فان فروعها لا تنحصر، والآيات التي قدمناها تدل على جميع ذلك من ظاهرها ومن فحواها. # (باب) (بطلان القول بالعصبة والعول وكيفية الرد) الذي يدل على صحة مذهبنا وبطلان مذهبهم في العصبة - زائدا على اجماع الطائفة الذي هو حجة - قوله تعالى " للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون " (1. وهذا نص في موضع الخلاف لان الله صرح بأن للرجال من الميراث نصيبا وان للنساء أيضا نصيبا، ولم يخص # PageV02P351 # موضعا دون موضع، فمن خص في بعض المواريث الرجال دون النساء فقد خالف ظاهر هذه الآية. # وأيضا فان توريث الرجال دون النساء مع المواساة في القربى والدرجة من احكام الجاهلية، وقد نسخ الله بشريعة نبينا محمد صلى الله عليه وآله أحكام الجاهلية وذم من أقام عليها واستمر على العمل بها بقوله " أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما " (1. # وليس لهم أن يقولوا: انا نخص الآية التي ذكرتموها بالسنة. وذلك أن السنة التي لا تقتضي العلم القاطع [بها القرآن كما لا ينسخه بها وانما يجوز بالسنة أن تخص] (2 أو تنسخ إذا كانت تقتضي العلم اليقين. ولا خلاف في أن الاخبار المروية في توريث العصبة أخبار آحاد لا توجب علما، وأكثر ما تقتضيه غلبة الظن. على أن أخبار التعصيب معارضة بأخبار كثيرة يروونها في ابطال أن يكون الميراث بالعصبة وأن يكون بالقربى والرحم، وإذا تعارضت الاخبار رجعنا إلى ظاهر الكتاب. # فان قيل: إذا كنتم تستدلون على أن ms506 العمات يرثن مع العمومة وبنات العم يرثن مع بنى العم وما أشبه ذلك من المسائل، بقوله تعالى " للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون " - الآية، ففي هذه الآية حجة عليكم في موضع آخر. # لأنا نقول لكم: ألا ورثتم العم أو ابن العم مع البنت بظاهر هذه الآية، وكيف خصصتم النساء دون الرجال بالميراث في بعض المواضع وخالفتم ظاهر الآية، فألا ساغ لمخالفكم مثل ما قلتموه. # قلنا: لا خلاف أن قوله " للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون " أن # PageV02P352 # المراد به مع الاستواء في القرابة والدرج، ألا ترى أنه لا يورث ولد الولد ذكورا أو إناثا مع ولد للصلب لعدم التساوي في الدرجة والقرابة وان كانوا يدخلون تحت التسمية بالرجال والنساء، وإذا كانت الدرجة والقرابة مراعاتين فالعم أو ابنه لا يساوي البنت في القربى والدرجة وهو أبعد منها كثيرا، وليس كذلك العمومة والعمات وبنات العم وبنو العم لان درجة هؤلاء واحدة وقرباهم متساوية. والمخالف يورث الرجال منهم دون النساء، فظاهر الآية حجة عليه وفعله مخالف لها، وليس كذلك قولنا في المسائل التي وقعت الإشارة إليها، فالفرق واضح. فليتأمل. # (فصل) أما العول فإنه اسم يدخل في الفرائض في المواضع التي ينقص فيها المال عن السهام المفروضة منها، فالذي يذهب إليه الإمامية يذهب إليه أن المال إذا ضاق عن سهام الورثة قدم ذو السهام المولدة من الأبوين والزوجين على البنات والأخوات من الأب والام أو من الأب وجعل الفاضل من السهام لهن. # وقال المخالف: ان المال إذا ضاق عن سهام الورثة قسم بينهم على قدر سهامهم كما يفعل في الديون والوصايا إذا ضاقت التركة عنها. # والذي يدل على صحة ما نذهب إليه - بعد الاجماع - ان المال إذا ضاق عن السهام - كمرأة ماتت وخلفت ابنتين وأبوين والزوج والمال يضيق عن الثلثين والسدس والربع - فنحن بين أمرين: اما ان ندخل النقص على كل واحد من هذه السهام أو ندخلها على بعضها، وقد أجمعت الأمة على أن البنتين ههنا منقوصتان بلا خلاف، فيجب أن يعطي الأبوين السدسين والزوج ms507 الربع ويجعل ما بقي للبنتين ونخصهما بالنقص لأنهما منقوصتان بالاجماع، وما عداهما ما PageV02P353 # وقع اجماع على نقصه من سهامه ولا قام دليل على ذلك. # فظاهر الكتاب يقتضي أن له سهما معلوما، فيجب أن نوفيه إياه ونجعل النقص لاحقا بمن أجمعوا على نقصه. وقد استدل على ذلك بعض أصحابنا من القرآن، وعليه اعتراضات كثيرة فأضربنا عنه. # (فصل) وأما الرد فعندنا أن الفاضل عن فرض ذوي السهام من الورثة يرد على أصحاب السهام بقدر سهامهم ولا رد على الزوجين، كمن خلف بنتا وأبا فللبنت بالتسمية النصف وللأب بالتسمية السدس وما بقي بعد ذك - وهو ثلث المال - رد عليهم بقدر أنصبائهما فللبنت ثلاثة أرباعه وللأب ربعه. # ويمكن أن يستدل عليه بقوله تعالى " وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله " زائدا على الاجماع، فدل على أن من هو أولى بالرحم وأقرب به أولى بالميراث. وقد علمنا أن قرابة الميت وذوي أرحامه أولى بميراثه من المسلمين وبيت المال، وأصحاب السهم غير الزوج والزوجة أقرب إلى الميت من عصبته، فوجب أن يكون فاضل السهام إليهم مصروفا. # فان قيل: لم يقع التصريح في الآية بأن أولي الأرحام بعضهم أولى ببعض في الميراث؟ # قلنا: اللفظ يحتمل الميراث وغيره، فنحمله بحكم العموم على جميع ما يحتمله، ومن ادعى التخصيص فعليه الدليل. # واحتج المخالف لنا في الرد بقوله " ان امرء هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك وهو يرثها ان لم يكن لها ولد "، فجعل للأخت النصف إذا مات أخوها ولا ولد له ولم يزد عليه، فدل على أنها لا تستحق أكثر من النصف بحال من الأحوال. PageV02P354 # والجواب عن ذلك: أن النصف انما وجب لها بالتسمية لأنها أخت، والزيادة انما تأخذها لمعنى آخر وهو الرد بالرحم. وليس يمتنع أن ينضاف سبب إلى آخر، مثال ذلك: الزوج إذا كان ابن عم ولا وارث معه، فإنه يرث بالزوجية النصف والنصف الآخر عندنا لأجل القرابة وعند مخالفينا لأجل العصبة. ولم يجب إذا كان الله تعالى قد سمى النصف له ms508 مع فقد الولد أن لا يزاد على ذلك لأنا قد بينا أن النصف قد يستحق بسبب آخر وهو الرد، فاختلف السببان. # (باب) (بيان ان فرض البنتين الثلثان ان سأل سائل عن قوله تعالى " فان كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك " (1 فقال: من أين تقولون ان فرض البنتين هو الثلثان، وقوله فوق اثنتين " يتضمن بأن الثلثين سهم من زاد على البنتين دون البنتين. # الجواب: ان الله تعالى لما علمنا الفرائض وقال " يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين " (2 نبه بذلك أولا على أن لكل ذكر حظ كل أنثيين لان اللام التي في كلتا الكلمتين للجنس تفيد ما ذكرنا، فلما بين لنا ذلك علمنا أن للابن سهم البنتين بهذا التصريح، وعلمنا أيضا ان للبنتين الثلثين بهذا البلوغ. # وانما قلنا ذلك لأنه إذا اجتمع ابن وبنت وكان للابن الثلثان وللبنت الثلث ههنا علم من ذلك أن للبنتين الثلثين فكفى هذا النص في بيان فريضة البنتين ولم يحتج لأجل ذلك إلى غيره. # PageV02P355 # وليس لاحد أن يقول: انما يتمشى لكم ذلك لو كان الثلثان في كل موضع نصيب الابن مع وجود البنتين والثلاث فصاعدا أيضا كما كان مع بنت واحدة وذلك لان أول العدد على ظاهر القرآن ذكر وأنثى وللذكر الثلثان، فلا اعتبار بما سواه من الأحوال، لان الدرجة الأولى هي التي يبنى عليها وللفظ يقتضي ذلك. # ويمكن أن يستدل على ذلك بوجه آخر، وهو أن يقال: ان الله تعالى بين نصيب الولد الذكر سهمين، وذكر الأنثيين وبين فرضهما من فحواه، وبين فرض من فوق اثنتين من البنات بعده، فدلت الآية على سهم البنتين كما ذكرناه من فحواها ودلت على حظ من زاد عليهما من الثلاث والأربع فصاعدا من حيث ظاهر اللفظ والتصريح ليكون في باب الفصاحة أبلغ ومن التكرار أبعد. # وأما قوله " وان كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك " فقد علمنا به أن الثلثين فرض يسمى لمن زاد على البنتين أيضا، كما أن هذه التسمية تتصور مع ms509 فقد جنس البنتين من الثلثين فرض لهما بالنص الأول الا أن هذه التسمية انما تتصور مع فقد جنس البنتين من الصلب. # وكذا قوله " وان كانت واحدة لها النصف " لأنه ليس للبنت الواحدة ولا للاثنتين فصاعدا مع وجود ابن فما زاد فرض مسمى، بل يكون الميراث بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين. ومثاله قوله تعالى " ان امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك وهو يرثها ان لم يكن لها ولد فان كانت اثنتين فلهما الثلثان مما ترك "، فسمى سبحانه للأخت الواحدة من الأب والام أو من الأب النصف وللأختين منه الثلثين. # وانما يصح ذلك شريطة فقد أحد من الاخوة فصاعدا، ألا ترى إلى قوله تعالى بعده " وان كانوا أخوة رجالا ونساءا فللذكر مثل حظ الأنثيين " قد أسقط PageV02P356 # فيه الاعتبار الأول وأثبت للذكر مثل حظ الأنثيين فيه إذا كانوا رجالا ونساءا. # واستدل بعض الفقهاء على أن للبنتين الثلثين من هذه الآية، وحمل ذاك على هذا. وليس ذلك بشئ. # وما أوردت أنا آية الكلالة في هذا الموضع للدلالة وانما هي على طريق المثال، والتمثيل جائز وليس بقياس. يدل عليه ما روى عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي عبد الله عليه السلام في الرجل يرمي الصيد وهو يؤم الحرم فتصيبه الرمية فيتحامل بها حتى يدخل الحرم فيموت. قال عليه السلام: ليس عليه شئ، انما هو بمنزلة رجل نصب شبكة في الحل فوقع فيها صيد فاضطرب حتى دخل الحرم فمات فيه. قلت: هذا عندهم من القياس. قال: لا، انما شبهت لك شيئا بشئ (1. # وليس لاحد أن يقول: ألزمت نفسك في ايراد هذا الجواب بهذا التطويل شيئا ليس يلزمك، وقد أمكنك رد السائل بأن لو دفعته بابطال دليل الخطاب، وذلك لأن هذه الآية مظنة للنصوص على المواريث مفصلة في أصولها غير مجملة ليست آية من القرآن بهذا التفصيل في المعنى. # ولو أجبت السائل بذلك لكان دفعا بالراح ولم يكن مغنيا، بل يلزمني مع ذلك ايراد النص على ذلك من الآية أو من موضع ms510 آخر من الكتاب أو السنة والاشتغال بالأحسن أولى. مع أن دليل الخطاب - وإن كان المرتضى يمنع منه - وهو قوي وكلامه لا غبار عليه، فان الشيخ المفيد كان يقول به وينصره والشيخ أبو جعفر الطوسي كان متوقفا فيه. # فان قيل: ان ما استدللتم به ضرب من القياس وأنتم لا تقولون به. # قلنا: هذا كلام من لا يعرف دلالة النص ولا حكم القياس، وذلك لأنه لا # PageV02P357 # خلاف بين الفقهاء المحصلين أن الخطاب الذي يستقل بنفسه ويمكن معرفة المراد به على أربعة أقسام: # أولها: ما وضع في أصل اللغة لما أريد به وكان صريحا فيه، سواء كان خاصا أو عاما، فمتى خاطب الحكيم به يعلم المراد بظاهره. # وثانيها: ما يفهم به المراد بفحواه لا بصريحه، وليست دلالة هذا الضرب في القوة يقصر عن الضرب الأول. وفي الوجهين ربما يحتاج إلى قرينة. # وثالثها: تعليق الحكم بصفة الشئ، فإنه يدل على أن ما عداه بخلافه على ما يدل وإن كان فيه خلاف على ما أشرنا إليه. # ورابعها: ما يدل فائدته عليه لا صريحه ولا فحواه ولا دليله. # على أن الروايات عن أئمة الهدى عليهم السلام الذين كان فيهم التنزيل ومن عندهم التفسير والتأويل متظافرة في أن الثلثين فرض البنتين، وكلامهم كله من رسول الله صلى الله عليه وآله، وما ينطق عن الهوى ان هو الا وحي يوحى. # فعلمنا ذلك منهم عليهم السلام، وأجمعت الطائفة المحقة على صحتها. فإذا أصفنا كتاب الله إليه فتلك دلالة تنضاف إلى دلالة، والا ففي اجماع الامامية كفاية. # (فصل) ومن شجون الحديث أن أبا هاشم الجعفري ذكر أن الفهفكي سأل أبا محمد العسكري عليه السلام فقال: ما بال المرأة المسكينة الضعيفة تأخذ سهما واحدا ويأخذ الرجل القوي سهمين. فقال أبو محمد عليه السلام: لأن المرأة ليس عليها جهاد ولا نفقة ولا معقلة، انما ذلك على الرجال. فقلت في نفسي قد كان قيل لي PageV02P358 # ان ابن أبي العوجاء سأل أبا عبد الله عليه السلام عن هذه المسألة فأجابه بمثل هذا الجواب. فأقبل ms511 عليه السلام علي وقال: نعم هذه مسألة ابن أبي العوجاء والجواب منا واحد إذا كان معنى المسألة واحدا (1. # وعن أبي عبد الله عليه السلام وقد سأله عبد الله بن سنان: لم صار للذكر مثل حظ الأنثيين؟ فقال: لما جعل لها من الصداق (2. # وقال الرضا عليه السلام: اعطاء النساء نصف ما يعطى الرجال من الميراث لأن المرأة إذا تزوجت اخذت والرجل يعطى فلذلك وفر على الرجال، ولان الأنثى في عيال الذكر ان احتاجت وعليه ان يعولها وعلى نفقتها، وليس على المرأة ان تعول الرجل ولا تؤخذ بنفقته ان احتاج، فوفر على الرجل لذلك وذلك قوله " الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما انفقوا من أموالهم " (3. # (باب) (ان القاتل خطأ يرث المقتول من التركة لا من الدية) يدل عليه ظواهر آيات المواريث كلها، مثل قوله تعالى " يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين " (4. # فإذا عورضنا بقاتل العمد فهو يخرج بدليل قاطع لم يثبت مثله في قاتل الخطأ. # ويمكن ان يقوى ذلك أيضا بأن الخاطئ معذور، فلا يجب ان يحرم # PageV02P359 # الميراث الذي يحرمه القاتل ظلما على سبيل العقوبة. # فان احتج المخالف بقوله " ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله " (1 فإن كان القاتل خطأ وارثا لما وجب عليه تسليم الدية. # فالجواب عن ذلك: ان وجوب تسليم الدية على القاتل إلى أهله لا يدل على أنه لا يرث ما دون هذه الدية من تركته، لأنه لا تنافي بين الميراث وبين تسليم الدية. وأكثر ما في ذلك أن لا يرث من الدية التي يجب عليه تسليمها شيئا، والى هذا نذهب. # (باب) (ان المسلم يرث الكافر) جميع ظواهر آيات المواريث دالة على أن المسلم يرث الكافر، لان قوله " يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين " يعم المسلم والكافر. وكذلك آية ميراث الأزواج والزوجات والكلالتين. # وظواهر هذه الآيات كلها تقتضي أن الكافر كالمسلم في الميراث، فلما أجمعت الأمة على أن الكافر لا يرث المسلم، أخرجناه بهذا الدليل ms512 الموجب للعلم. # ونفي ميراث المسلم من الكافر تحت الظاهر كميراث المسلم من المسلم، ولا يجوز أن يرجع عن هذا الظاهر بأخبار الآحاد التي يروونها، لأنها توجب الظن ولا يخص بها ولا يرجع عما يوجب العلم من ظواهر الكتاب. # وربما عول بعض المخالفين لنا في هذه المسائل على أن المواريث بنيت على النصرة والولاء، بدلالة قوله تعالى " والذين آمنوا ولم يهاجروا مالكم من ولايتهم من شئ حتى يهاجروا " (2 فقطع بذلك الميراث بين المسلم المهاجر وبين المسلم الذي # PageV02P360 # لم يهاجر، إلى أن نسخ ذلك بانقطاع الهجرة بعد الفتح، فلذلك يرث الذكور من العصبة دون الإناث لنفي العقد والنصرة عن النساء، ولذلك لا يرث القاتل عمدا ظلما والا العبد النفي النصرة. # وهذا ضعيف جدا، لأنا أولا لا نسلم أن المواريث بنيت على النصرة والمعونة، لأن النساء يرثن وكذا الأطفال ولا نصرة ههنا، وعلة ثبوت المواريث غير معلومة على التفصيل وان كنا نعلم على سبيل الجملة أنها للمصلحة. # وبعد، فان النصرة مبذولة من المسلم للكافر في الواجب على الحق، كما أنها مبذولة للمسلم بهذه الشروط. # (باب) (ان ولد الولد ولد وان نزل) الدليل على ذلك - بعد الاجماع - قوله تعالى " يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين " وهذا يدخل فيه الولد للصلب وولد الولد. ولا خلاف أن مع أولاد الابن للوالدين السدسين. # ولا اعتبار بخلاف بعض أصحاب الحديث من أصحابنا، لان الاجماع عندنا انما كان حجة لكون المعصوم فيه، ومن خالف فيه معلوم أنه ليس بمعصوم فلا يعتد بخلافه. ولا ينعكس ذلك علينا، لأنا لا نعلم أن كل من قال بما قلناه ليس بمعصوم، لتجويز أن يكون بعض علماء الأمة الذي لا يعرف نسبه ولا ولادته إماما. # فان قيل لا نسلم ان ولد الولد ولد حقيقة. # قلنا: هذا خلاف القرآن، لان الله تعالى قال " وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم " (1 ولا خلاف ان امرأة ولد الولد يحرم نكاحها ووطؤها، سواء كان # PageV02P361 # ولد ابن أو ولد بنت وان نزلوا ببطون كثيرة. لا خلاف بين ms513 الأمة في ذلك، وانما شرط في الآية بقوله " الذين من أصلابكم " لئلا يتوم أن ولد الدعي الذي تبناه به يحرم عليه نكاح زوجته إذا فارقها، فان هذا الحكم يختص الولد للصلب وان نزلوا. # وقال تعالى " ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم " (1 ولا خلاف أن من عقد عليه انسان فان الجد لا يجوز العقد عليها وان علا وإذا كان الجد أبا في هذا الموضع فولد الولد يكون ولدا، قال تعالى " ملة أبيكم إبراهيم " (2. # وقال تعالى " ندع أبنائنا وأبنائكم " (3 ولا خلاف أنه عنى بذلك الحسن والحسين عليهما السلام، لأنه لم يحضر المباهلة غيرهما من الأبناء. # وأيضا فلو أن انسانا وصى بثلث ماله لولد رسول الله صلى الله عليه وآله ولولد علي عليه السلام كان يجب أن لا تصح الوصية، لان أولادهما للصلب ليسوا بموجودين، وولد الولد على هذا المذهب ليس بولد. وكذا لو وقف وقفا عليهم كان يجب أن لا يصح الوقف لمثل ما قلناه. وكل ذلك باطل بالاتفاق. # فان قيل: لو كان ولد الولد ولدا على الحقيقة لوجب أن يكون المال بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين إذا كان ابن بنت وبنت ابن، والمذهب بخلافه. # قلنا: في أصحابنا من ذهب إلى ذلك، وكان المرتضى ينصره. ونحن إذا قلنا بخلافه نقول: لو خلينا والظاهر لقلنا بذلك، ولكن أجمعت الأمة على خلافه، فان مخالفينا لا يورثون ولد البنت مع ولد الابن شيئا أصلا. وأصحابنا يقولون: ان كل واحد يأخذ نصيب من يتقرب به، لقوله عليه السلام: ولد # PageV02P362 # الولد يقوم مقام الولد إذا لم يكن ولد. # فولد الابن يقوم مقام الابن ذكرا كان أو أنثى، وولد البنت يقوم مقام البنت يأخذ نصيبها ذكرا كان أو أنثى. وإذا أقمناهم مقام آبائهم وأمهاتهم فكان هم أولاد للصلب للذكر مثل حظ الأنثيين. # على أنه لو كان ميراث ولد الولد بالرحم والقرابة لأدى إلى أنه إذا ترك بدرجتين عن ولد الصلب أن يكون المال للأخ دونه، وإذا نزل ثلاث درج أن يكون المال للعم، دونه إذا نزل بأربع ms514 درج أن يكون الميراث لابن العم دونه وأن يكون ولد الولد يقاسم الأخ. وكل ذلك فاسد، فكان يؤدي إلى أن يكون ولد الأخ لا يقاسم الجد وولد ولد الأخ مع العم يكون المال للعم. وذلك باطل. # (باب الزيادات) أما قوله تعالى " يوصيكم الله في أولادكم " فمعناه يعهد إليكم ويأمركم في شأن ميراث أولادكم بما هو العدل والمصلحة، وهذا اجمال تفصيله " للذكر مثل حظ الأنثيين " (1. # فان قيل: هلا قيل للأنثيين مثل حظ الذكر. # قلنا: بدأ ببيان حظ الذكر لفضله كما ضوعف حظه لذلك ولأنهم كانوا يورثون الذكور دون الإناث، وهو السبب لورود الآية. فقيل: كفى الذكور أن ضوعف لهم نصيب الإناث فلا يتمادى في حظهن حتى يحرمن مع ادلائهن من القرابة بمثل ما يدلون به. وتقديره للذكر منهم، فحذف الراجع إليه لأنه مفهوم كقولهم: السمن منوان بدرهم. # PageV02P363 # مسألة: # أول من يتقرب إلى الميت بنفسه الولد والوالدان، قال تعالى " يوصيكم الله في أولادكم " ثم قال " ولأبويه " إلى قوله " عليما حكيما "، فقدم الولد والوالدين على جميع ذوي الأرحام لقربهم من الميت، وأخر من سواهم من الأهل عن رتبتهم في القربى، وجعل لكل واحد منهم نصيبا سماه له وبينه لنزول الشبهة عمن عرفه في استحقاقه. # مسألة: # وقوله " ولأبويه " الضمير للميت، وما بعده بدله بتكرير العامل والابدال والتفصيل بعد الاجمال تأكيد وتشديد. # فان قيل: كيف يصح أن يتناول الاخوة الأخوين، والجمع خلاف التثنية. # قلنا: الاخوة يفيد الجمعية المطلقة بغير كمية، والتثنية كالتثليث والتربيع في إفادة الكمية، وهذا موضع الدلالة على الجمع المطلق، فدل بالاخوة عليه. # مسألة: # وقوله " وإن كان رجل يورث كلالة " الكلالة في الأصل مصدر بمعنى الكلال، وهو ذهاب القوة من الاعياء، واستعيرت للقرابة من غير جهة الولد والوالد، لأنها بالإضافة إلى قرابتهما كآلة ضعيفة. # والكلالة يطلق على من لم يخلف ولدا ولا والدا، وعلى من ليس بولد ولا والد من المخلفين، وعلى القرابة من غير جهة الولد والوالد. فإذا جعلت صفة للوارث أو الموروث منه فبمعنى ذي كلالة، كما تقول فلان من قرابتي ms515 تريد PageV02P364 # من ذي قرابتي. ويجوز أن يكون صفة كالفقاقة للأحمق. # فان جعلتها اسما للقرابة في الآية فانتصابها على أنه مفعول له، أي يورث لأجل الكلالة أو يورث غيره لأجلها، فان جعلت يورث على البناء للمفعول من أورث فالرجل حينئذ هو الوارث لا الموروث. وكلالة حلا أو مفعول به إذا قرئ يورث على البناء للفاعل بالتخفيف والتشديد. PageV02P365 # كتاب الحدود الحد في أصل اللغة المنع. وحد العاصي سمي به لأنه شئ يمنعه عن المعاودة. # والحدود في الشريعة معروفة موضوعة للعصاة لا يجوز أن يتجاوز عنها، وقد أمر الله بها في أشياء مخصوصة، ونحن نذكر جميع وجوهها وجميع أحكامها بابا بابا انشاء الله تعالى. # وقال أبو عبد الله عليه السلام: ان في كتاب علي عليه السلام: انه كان يضرب بالسوط وبنصف السوط وببعض السوط - يعنى الحدود - إذا أتي بغلام أو جارية لم يدركا لم يكن يبطل حدا من حدود الله. قيل له: كيف كان يضرب ببعضه؟ قال: كان يأخذ السوط بيده من وسطه فيضرب به أو من ثلثه فيضرب به على قدر أسنانهم، كذلك يضربهم بالسوط ولا يبطل حدا من حدود الله (1. # وقال: قال علي عليه السلام: ان الله حد حدودا فلا تعتدوها، وفرض فرائض فلا تنقصوها، وسكت عن أشياء ولم يسكت عنها نسيانا لها فلا تتكلفوها رحمة # PageV02P366 # من الله لكم فاقبلوها (1. # [والمريض إذا وجب على حد دون هلاكه يؤخذ دقاق فيضرب عليه لمرة أو مرتين، قال الله تعالى " وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث "] (2. # (فصل) قال الله تعالى " واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فان شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا " (3. شرع الله تعالى في بدو الاسلام إذا زنت الثيب أن تحبس حتى تموت، والبكر أن تؤذى وتوبخ حتى تتوب، ثم نسخ هذا الحكم فأوجب على الثيب الرحم وعلى البكر جلد مائة. # وروى عبادة بن الصامت أن النبي صلى الله عليه وآله قال: خذوا عني " قد جعل الله لهن سبيلا " (4 البكر ms516 بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم (5. # وقيل: المراد بالآية الأولى الثيب وبالثانية البكر، بدلالة أنه أضاف النساء إلينا في الأولى فقال " واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم "، فكانت إضافة زوجية، لأنه لو أراد غير الزوجات لقال من النساء، ولا فائدة للزوجية ههنا الا أنها تيب. # وقال أكثر المفسرين: أن هذه الآية منسوخة، لأنه كان الفرض الأول ان # PageV02P367 # المرأة إذا زنت وقامت عليها البينة بذلك أربعة شهود أن تحبس في البيت أبدا حتى تموت ثم نسخ ذلك بالرجم في المحصنين والجلد في البكرين. # (فصل) وقوله " أو يجعل الله لهن سبيلا " قال ابن عباس: معنى السبيل أنه الجلد للبكر مائة وللثيب المحصن الرجم. # وقوله " يأتين الفاحشة " أي بالفاحشة، فحذف الباء كما يقولون أتيت أمرا عظيما أي بأمر عظيم. # وقال أبو مسلم " واللاتي يأتين الفاحشة " هي المرأة تخلو بالمرأة في الفاحشة المذكورة عنهن " أو يجعل الله لهن سبيلا " بالتزويج والاستغناء بالنكاح. وهذا خلاف ما عليه المفسرون، لأنهم متفقون على أن الفاحشة المذكورة في الآية هي الزنا، وهو المروي عن أبي جعفر وأبى عبد الله عليهما السلام (1. # ولما نزل قوله " الزانية والزاني " قال النبي صلى الله عليه وآله: قد جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب الجلد ثم الرجم (2. # قال الحسن وقتادة: إذا جلد البكر فإنه ينفى سنة، وهو مذهبنا. وقال الجبائي: النفي يجوز من طريق اجتهاد الامام، وأما من وجب عليه الجلد والرجم فإنه يجلد أولا ثم يرجم. وأكثر الفقهاء على أنهما لا يجتمعان في الشيخ الزاني المحصن أيضا. # وثبوت الرجم معلوم من جهة التواتر لا يختلج فيه شك (3، ولا اعتداد بخلاف الخوارج فيه. # PageV02P368 # وأما قوله " واللذان يأتيانها منكم فآذوهما فان تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما " (1 المعني بقوله " اللذان " فيه ثلاثة أقوال أقواها ما قال الحسن وعطا أنهما الرجل والمرأة وقال السدي وابن زيد هما البكران من الرجال والنساء، وقال مجاهد هما الرجلان الزانيان. # قال الرماني: قول مجاهد لا يصح، لأنه لو كان كذلك لكان ms517 للتثنية معنى، لأنه انما يجئ الوعد والوعيد بلفظ الجمع، لأنه لكل واحد منهم أو بلفظ الواحد لدلالته على الجنس الذي يعمهم جميعهم، وأما التثنية فلا فائدة فيها. # والأول أظهر. # وقال أبو مسلم: هما الرجلان يخلوان في الفاحشة بينهما. # والذي عليه جمهور المفسرين أن الفاحشة هي الزنا ههنا، وان الحكم المذكور في هذه الآية منسوخ بالحد المفروض في سورة النور. وبعضهم قال: # نسخها الحدود بالرجم أو الجلد. # وقوله تعالى " فآذوهما " قيل في معناه قولان: أحدهما قول ابن عباس وهو التعيير باللسان والضرب بالنعال، وقال مجاهد هو التوبيخ. # فان قيل: كيف ذكر الأذى بعد الحبس؟ # قلنا فيه ثلاثة أوجه: # أحدها قول الحسن: ان هذه الآية نزلت أولا، ثم أمر بأن يوضع في التلاوة بعد مكان الأذى أولا ثم الحبس، ثم بعد ذلك نسخ الحبس بالجلد أو الرجم. # الثاني: قال السدي انه في البكرين خاصة دون الثيبين والأولى في الثيبين دون البكرين. # الثالث قول الفراء: ان هذه الآية نسخت الأولى. # PageV02P369 # وقال الجبائي: في الآية دلالة على نسخ القرآن بالسنة المقطوع بها، لأنها نسخت بالرجم أو الجلد والرجم ثبت بالسنة. ومن خالف في ذلك يقول: # هذه الآية نسخت بالجلد في الزنا وأضيف إليه الرجم زيادة لا نسخا، ولم يثبت نسخ القرآن بالسنة. # وأما الأذى المذكور في الآية فليس بمنسوخ، فان الزاني يؤذى ويوبخ على فعله ويذم، وانما لا يقتصر عليه فزيد في الأذى إقامة الحد عليه، وانما نسخ الاقتصار عليه. # وروي ان امرأة أتت عمر فقالت: انى فجرت فأقم علي حد الله فأمر برجمها وكان علي عليه السلام حاضرا فقال له: سلها كيف فجرت. قالت: كنت في فلاة من الأرض أصابني عطش شديد، فرفعت لي خيمة فأتيتها فأصبت فيها أعرابيا. # فسألته الماء فأبى على أن يسقيني الا أن أمكنه من نفسي، فوليت منه هاربة فاشتد في العطش حتى غارت عيناي [وذهب لساني]، فلما بلغ منى [العطش] أتيته فسقاني ووقع علي. فقال علي عليه السلام: هذه التي قال الله تعالى " فمن اضطر غير باغ ولا ms518 عاد فلا اثم عليه " (1 هذه غير باغية ولا عادية، فخلا سبيلها (2. # (فصل) أما قوله " الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة " (3 الآية، فان حكم الزنا لا يثبت الا بشيئين: # أحدهما: باقرار الفاعل بذلك على نفسه مع كمال عقله من غير اجبار # PageV02P370 # أربع مرات في أربع مجالس. فلو أقر بالوطي في الفرج أربعا حكم له بالزنا، وان أقر أقل من ذلك كان عليه التعزير. # والثاني: قيام البينة بالزنا وهو أن يشهد أربعة عدول على مكلف بأنه وطئ امرأة ليس بينها وبينه عقد ولا شبهة عقد وشاهدوا وطئها في الفرج، فإذا شهدوا كذلك قبلت شهادتهم وحكم عليه بالزنا ووجب عليه ما يجب على فاعليه من أي قسم كان على ما ذكرناه. # أمر الله في هذه الآية أن يجلد الزاني والزانية إذا لم يكونا محصنين كل واحد منهما مائة جلدة، وإذا كانتا محصنين أو أحدهما كان على المحصن الرجم بلا خلاف. # وعندنا أنه يجلد أو لا مائة جلدة ثم يرجم، وفي أصحابنا من خص ذلك بالشيخ والشيخة إذا زنيا وكانا محصنين كما ذكرناه، فأما إذا كانا شابين محصنين لم يكن عليهما غير الرجم، وهو قول مسروق. # والاحصان الذي يوجب الرجم هو أن يكون له زوج يغدو إليها ويروح على وجه الدوام وكان حرا، فأما العبد فلا يكون محصنا وكذا الأمة لا تكون محصنة، وانما عليهما نصف الحد خمسون جلدة. # والحر متى كان عنده زوجة سواء كانت حرة أو أمة - يتمكن من وطئها مخلى بينه وبينها أو كانت هذه أمة يطأها بملك اليمين، فإنه متى زنى وجب عليه الرجم. # ومن كان غائبا عن زوجته شهرا فصاعدا أو كان محبوسا أو هي محبوسة هذه المدة فلا احصان، ومن كان محصنا على ما قدمناه وقد ماتت زوجته أو طلقها بطل احصانه. # (فصل) وقد استدل بعض المفسرين على الرجم حيث يجب الرجم وعلى القتل PageV02P371 # حيث يجب القتل في الزنا من الكتاب، فان الله تعالى وضع قوله " ولا تقربوا الزنا انه كان فاحشة " (1 في ms519 الانعام وبني إسرائيل بين قوله " ولا تقتلوا أولادكم " (2 وقوله " ولا تقتلوا النفس التي حرم الله الا بالحق " (3 إشارة إلى ذلك، لان الحق الذي يستباح به قتل النفس في الشريعة الكفر بعد الايمان وقود النفس الحرام والزنا بعد الاحصان. # وما ذكر من أنه يجمع على الزاني المحصن الجلد والرجم يبدأ بالجلد ويثنى بالرجم، ودليلنا عليه اجماع الطائفة المحقة، فإنه لا خلاف في استحقاق المحصن الرجم وانما الخلاف في استحقاقه الجلد. # والذي يدل على استحقاقه إياه قوله تعالى " الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منها مائة جلدة " والمحصن يدخل تحت هذا الاسم فيجب أن يكون مستحقا للجلد، فكأنه تعالى قال اجلدوهما لأجل زناهما، وإذا كان الزنا علة لاستحقاق الحد وجب في المحصن كما وجب في غيره. واستحقاقه الرجم غير مناف لاستحقاقه الجلد، لان استحقاق الحدين لا يتنافى واجتماع الاستحقاقين لا يتناقض. ولا تحمل هذه الآية على الانكار، لأنه تخصيص بغير دليل. # والخطاب بهذه الآية وإن كان متوجها إلى الجماعة فالمراد به الأمة بلا خلاف، لان إقامة الحد ليس لأحد الا للامام أو لمن نصبه الامام. # فإذا كان الذي من وجب عليه الرجم قد قامت عليه بينة كان أول من يرجمه الشهود ثم الامام ثم الناس، [وإن كان قد وجب عليه باقراره على نفسه كان أول من يرجمه الامام ثم الناس]. (4. # PageV02P372 # وليس كل وطي حرام زنا، لأنا قد يطأ في الحيض والنفاس وهو حرام ولا يكون زنا، وكذا لو وجد امرأة على فراشه فظنها زوجته أو أمته فوطئها لم يكن ذلك زنا، لأنه شبهة. على أنه روي: إذا وطئها من غير تحرز يقام عليه الحد سرا وعليها جهرا. ويمكن الجمع بين الروايتين. # (فصل) قوله " ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله ان كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر " (1 معناه لا تمنعكم الرحمة من إقامة الحد. وقال الحسن: لا يمنعكم ذلك من الجلد الشديد، أي ان كنتم تصدقون بما وعد الله وتوعد عليه وتقرون بالبعث والنشور ولا يأخذكم فيما ذكرناه الرأفة ولا يمنعكم ms520 من إقامة الحد على ما ذكرناه، فمن وجب عليه الجلد فاجلدوه مائة جلدة كأشد ما يكون من الجلد. ويفرق الضرب على بدنه ويبقى الوجه والرأس والفرج. # والرجم يكون بأحجار صغار ويكون الرجم من وراء المرجوم لئلا يصيب وجهه من ذلك شئ. # وينبغي أن يشعر الناس بالحضور ثم يجلد بمحضر منهم لينزجروا عن مواقعة مثله، قال تعالى " وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين ". # قال عكرمة الطائفة رجلان فصاعدا، وقال قتادة والأزهري هم ثلاثة فصاعدا، وقال ابن زيد أقله أربعة، وقال الجبائي: من زعم أن الطائفة أقل من ثلاثة فقد غلط من جهة اللغة. وقال: ليس لأحد أن يقيم الحد الا الأئمة وولاتهم، ومن خالف فيه فقد غلط، كما أنه ليس للشاهد أن يقيم الحد. # وقد دخل المحصن في حكم الآية بلا خلاف. وكان سيبويه يذهب إلى أن # PageV02P373 # التأويل فيما فرض عليكم الزانية والزاني، ولولا ذلك لنصب بالامر. وقال المبرد: # إذا رفعته ففيه معنى الجزاء ولذلك دخل الفاء في الخبر، والتقدير التي تزني والذي يزني، ومعناه من زنى فاجلدوا، فيكون على ذلك عاما في الجنس. # ثم قال " الزاني لا ينكح الا زانية أو مشركة " إلى قوله " وحرم ذلك على المؤمنين " (1 قيل المراد بقوله " ينكح " يجامع، والمعنى أن الزاني لا يزنى الا بزانية والزانية لا يزنى بها الا زان، وجملة ما في هذه الآية تحريم الزنا. # وقال الحسن: رجم النبي صلى الله عليه وآله الثيب، وأراد عمر أن يكتبه في آخر المصحف ثم تركه لئلا يتوهم أنه من القرآن (2. # وقال قوم: انه من القرآن، وان ذلك منسوخ التلاوة دون الحكم. # وعن علي عليه السلام: ان المحصن يجلد مائة جلدة بالقرآن ثم يرجم بالسنة وانه أمر بذلك (3. # (فصل) ومما يكشف عن ذلك قوله تعالى " يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر " إلى قوله " يحرفون الكلم من بعد مواضعه يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه وان لم تؤتوه فاحذروا " (4. # قال ابن عباس: أي أرسلوا بهم، في قصة زان محصن فقالوا لهم ان أفتاكم محمد ms521 بالجلد فخذوه وان أفتاكم بالرجم فلا تقبلوه، لأنهم كانوا قد صرفوا حكم # PageV02P374 # الحد الذي في التوراة إلى جلد أربعين وتسويد الوجه والاشهار على حمار. # وقال أبو جعفر عليه السلام: ان امرأة من خيبر في شرف منهم زينت وهي محصنة فكرهوا رجمها، فأرسلوا إلى يهود المدينة يسألون محمدا طمعا أن يكون أتى برخصة، فسألوا فقال: هل ترضون بقضائي؟ فقالوا: نعم. فأنزل الله عليهم الرجم، فأبوه فقال جبريل: سلهم عن ابن صوريا ثم اجعله بينك وبينهم. فقال عليه السلام: تعرفون ابن صوريا؟ قالوا: نعم هو أعلم يهودي، فأرسل إليه فأتى، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: أنشدك الله هل تجدون في كتابكم الذي جاء به موسى الرجم على من أحصن؟ قال عبد الله بن صوريا: نعم، والذي ذكرتني لولا مخافتي من رب التوراة أن يهلكني ان كتمت ما اعترفت لك به، فأنزل الله فيه " يا أهل الكتاب قد جائكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفو عن كثير " (1. فقام ابن صوريا وسأله أن يذكر الكثير الذي أمر أن يعفو عنه، فأعرض عليه السلام عن ذلك (2. # قال أهل التفسير " سماعون للكذب " قابلون له، كما يقال لا تسمع من فلان أي لا تقبل منه. # وقيل قال المنافقون لليهود: ان أمركم محمد بالجلد فخذوه واجلدوا وان أمركم بالرجم فلا تقبلوا وسلوه عن ذلك لقوله " لا يحزنك الذين يسارعون " (3 الآية، نهى الله نبيه عليه السلام أن يحزنه الذين يتبادرون في الكفر من المنافقين ومن اليهود. # ورفع قوله " سماعون " فيه قولان: قال سيبويه هو ابتداء والخبر " من الذين # PageV02P375 # هادوا ". الثاني قال الزجاج هو رفع على أنه خبر مبتدأ، وتقديره المنافقون هم اليهود سماعون للكذب. وفي معناه قولان: أحدهما سماعون كلامك للكذب عليك سماعون كلامك لقوم الآخرين لم يأتوك ليكذبوا عليك إذا رجعوا إليهم أي هم عيون عليك. وقيل إنهم كانوا رسل أهل خيبر وأهل خيبر لم يحضروا فلهذا جالسوك. # (باب) (غير المسلم يفجر بالمسلم) روى جعفر بن رزق الله: ان المتوكل ms522 بعث إلى أبي الحسن علي بن محمد العسكري عليهما السلام من سأله عن نصراني فجر بامرأة مسلمة فلما أخذ ليقام عليه الحد أسلم. فأجاب عليه السلام: ان الحكم عليه أن يضرب حتى يموت لان الله عز وجل يقول " فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين * فلم يك ينفعهم ايمانهم لما رأوا بأسنا سنة الله التي قد خلت في عباده " (1. # (باب) (الحد في اللواط والسحق) قال الله تعالى " واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم ". قال محمد بن بحر: # هذه الآية في الساحقات، وقوله " واللذان يأتيانها منكم فآذوهما " في أهل اللواط. # وأجمع السلف والخلف ما عداه على أن الآيتين في الزناة والزواني، وان هذين الحكمين كانا في أول الاسلام ثم نسخا بحكم الجلد والرجم. # ثم اعلم أن اللوطي إذا أوقب في الدبر يجب فيه القتل من غير مراعاة # PageV02P376 # للاحصان فيه، والذي يقوي ذلك أن الحدود انما وضعت في الشريعة للزجر عن فعل الفواحش والجنايات، وكلما كان الفعل أفحش كان الزجر أقوى. ولا خلاف في أن اللواط أفحش من الزنا، والكتاب ينطق بذلك، فيجب أن يكون الزجر أقوى، وليس هذا بقياس ولكنه ضرب من الاستدلال. وربما قيل: ان اللواط أفحش من الزنا لأنه إصابة لفرج لا يستباح اصابته وليس كذلك الزنا. # على أنه ليس يلزمنا تعليل الأحكام الشرعية، فمتى نص الله على حكم في كتابه أو على لسان نبيه عليه السلام فنحن نتلقاه بالقبول. # وعن محمد بن أبي حمزة وهشام وحفص عن أبي عبد الله عليه السلام أنه دخل عليه نسوة فسألته امرأة منهن عن السحق، فقال: حدها حد الزاني. فقالت المرأة: ما ذكر الله ذلك في القرآن. فقال: بلى. فقالت: وأين؟ فقال: هن أصحاب الرس (1. # فإذا ساحقت المرأة أخرى وجب على كل واحدة منهما مائة جلدة حدا، وان كانتا محصنتين كان على كل واحدة منهما الرجم. # ويثبت الحكم فيه بقيام البينة، وهي شهادة أربعة عدول أو اقرار المرأة على نفسها أربع مرات دفعة بعد أخرى من غير اكراه ms523 مع كمال عقلها. # وأما اللواط - وهو الفجور بالذكران - فيثبت فيه الحد باقرار المرء على نفسه فاعلا كان أو مفعولا أربع مرات على ما ذكرناه، أو قيام البينة يشهدون على الفاعل والمفعول به في الفعل ويدعون المشاهدة كالميل في المكحلة كما هو في الزنا. # ومن ثبت عليه حكم اللواط بفعله الايقاب كان حده أحد خمسة أشياء: اما برمى من مكان عال، أو يرمى عليه جدار، أو يضرب رقبته، أو يرجم، أو # PageV02P377 # يحرق بالنار. وان أقيم عليه الحد بأحد الأربعة ثم يحرق جاز ذلك تغليظا وتشديدا للعقوبة وتعظيما لها. # والجامع بين الفاجرين يجب عليه ثلاثة أرباع حد الزاني. # (باب) (الحد في شرب الخمر) من شرب شيئا من المسكر قليلا أو كثيرا وجب عليه الحد ثمانون جلدة حد المفتري. # وقد ذكرنا في باب تحريم الخمر أن قدامة بن مظعون شرب الخمر، فلما أراد عمر أن يحده قال له قدامة: لا يجب علي الحد فان الله يقول " ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا " فدرأ عنه الحد. فقال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام: أقم على قدامة الحد. فلم يدر عمر كيف يحده، فقال لأمير المؤمنين: أشر علي في حده. # فقال: حده ثمانين، ان شارب الخمر إذا شربها سكر وإذا سكر هذى وإذا هذى افترى، قال الله تعالى " والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة " (1. فجلد عمر ثمانين (2. # وقد كان عثمان بن عفان يرى في حد شرب الخمر أربعين جلدة، فشرب بعض أقاربه في عهده وشهد عليه شاهدا عدل، فأشار إلى أمير المؤمنين عليه السلام بضربه، فضربه بدرة لها رأسان أربعين جلدة، فكانت ثمانين (3. # PageV02P378 # وليس هذا الحد حملا على حد القذف، ولم يكن ما ذكره لعمر اجتهادا من علي عليه السلام، وانما أومى إلى بعض ما سمعه من النبي صلى الله عليه وآله في وجه ذلك. # ومن شرب الخمر مستحلا لها حل دمه إذا استتيب كما هو الواجب ولم يتب، فان تاب ms524 أقيم عليه حد الشرب. # وشارب المسكر يجلد عريانا على ظهره وكتفيه. # وأتي برجل بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله قد شرب الخمر وأقر بذلك، فقيل: لم شربتها وهي محرمة. قال: أسلمت ومنزلي بين ظهراني قوم يشربون الخمر ويستحلونها ولم أعلم أنها حرام. فلم يدر أحد منهم ما الحكم في ذلك، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: ابعثوا من يدور به على مجالس المهاجرين والأنصار فمن تلا عليه آية التحريم فليشهد عليه، فإن لم يكن أحد تلا عليه آية التحريم فلا شئ عليه. ففعل بالرجل ما قاله فلم يشهد عليه أحد فخلى سبيله. فقال سلمان: # يا أمير المؤمنين لقد أرشدتهم. فقال عليه السلام: انما أردت أن أجدد تأكيد هذه الآية في وفيهم " أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أم من لا يهدي الا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون " (1. # (باب) (الحد في السرقة) قال الله تعالى " والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما " (2 ظاهر الآية يقتضي وجوب القطع على كل من يكون سارقا أو سارقة، لان الألف واللام ان دخلا # PageV02P379 # على الأسماء المشتقة أفادا الاستغراق إذا لم يكون للعهد دون تعريف الجنس على ما ذهب إليه قوم، وقد دل على ذلك في كتب أصول الفقه. # فأما من قال القطع لا يجب الا على من كان سارقا مخصوصا من مكان مخصوص مقدارا مخصوصا - وظاهر الآية لا ينبئ عن تلك الشروط - فيجب أن تكون الآية مجملة مفتقرة إلى بيان. فقوله فاسد، لان ظاهر الآية يقتضي وجوب القطع على كل من يسمى سارقا وانما يحتاج إلى معرفة الشروط ليخرج من جملتهم من لا يجب قطعه، فأما من يقطع فإنما نقطعه بالظاهر، والآية مجملة فيمن لا يجب قطعه دون من يجب قطعه، فسقط ما قالوه. # وقال ابن جرير: الظاهر يوجب أن يقطع من سرق كائنا من كان، الا أنه صح عن النبي عليه السلام أنه قال: القطع في ربع دينار فصاعدا (1. # وقوله " فاقطعوا أيديهما " أمر من الله بقطع أيدي السارق والسارقة، والمعنى أيمانهما، وانما جمعت الأيدي ms525 لان كل شئ من شيئين، فتثنيته بلفظ الجمع كما قال تعالى " فقد صغت قلوبكما ". ويمكن أن يقال: ان في جمع أيديهما هنا إشارة إلى من سرق وليس له اليمنى بل كانت قطعت في القصاص أو غير ذلك وكان له اليسرى قطعت له اليسرى. # ونحن انما اعتبرنا قطع الايمان لاجماع المفسرين عليه ولقراءة ابن مسعود " والسارقون والسارقات فاقطعوا أيمانهما ". # (فصل) وكيفية القطع عندنا يجب من أوصل الأصابع الأربعة، ويترك الابهام والكف وهو المشهور عن أمير المؤمنين عليه السلام. وقال أكثر الفقهاء انه يقطع من # PageV02P380 # المفصل من الكف والساعد، وقالت الخوارج يقطع من الكف. # وأما الرجل فعندنا تقطع الأصابع الأربع من مشط؟ مسقط القدم ويترك الابهام والعقب، دليلنا انما قلناه مجمع على وجوب قطعه وما قالوه ليس عليه دليل. # واليد يقع على جميع اليد إلى الكتف، ولا يجب قطعه إليه بلا خلاف الا ما حكيناه عمن لا يعتد به. وقد استدل عليه قوم من أصحابنا بقوله " فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم " (1 قالوا انما يكتبونه بالأصابع، والمعتمد ما قلناه. # على أنه يمكن أن يستدل على ذلك بقوله " وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء " (2، ومعلوم باجماع المفسرين على أن النور ما كان في أكثر من أربع أصابع موسى عليه السلام. # ويستدل على وجه آخر على أنه يجب قطع يد السارق من أصول الأصابع ويبقى له الراحة والابهام، وفي السرقة الثانية يجب قطع رجله من صدر القدم ويبقى له العقب. # وهو انا نقول: ان الله أمر بقطع يد السارق بظاهر الكتاب، واسم اليد يقع على هذا العضو من أوله إلى آخره ويتناول كل بعض منه، ألا ترى انهم يسمون من عالج شيئا بأصابعه انه قد فعل شيئا بيده، قال تعالى " فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم "، وآية الطهارة تتضمن التسمية باليد إلى المرفق، فإذا وقع اسم اليد على هذه المواضع كلها وأمر الله بقطع يد السارق ولم ينضم إلى ذلك بيان مقطوع عليه في موضع القطع وجب الاقتصار على أقل ما يتناوله الاسم، لان القطع ms526 والاتلاف محظور عقلا، فإذا أمر الله تعالى به ولا بيان وجب الاقتصار # PageV02P381 # على أقل ما يتناوله الاسم، وأقل ما يتناوله الاسم مما وقع الخلاف فيه هو ما ذهب إليه الإمامية. # فان قيل: هذا يقتضي أن يقتصر على قطع أطراف الأصابع ولا يوجب أن يقطع من أصولها. # قلنا: الظاهر يقتضى ذلك، والاجماع منع منه، وقد روى الناس كلهم أن عليا عليه السلام قطع من الموضع الذي ذكرناه، ولم يعرف له مخالف في الحال ولا منازع، وكان عليه السلام يقول: اني لاكره أن تدركه التوبة فيحتج علي عند الله أني لم أدع له من كرائم بدنه ما يركع به ويسجد (1. # وإذا اشترك نفسان أو جماعة في سرقة ما يبلغ النصاب من حرز قطع جميعهم، لان قوله " والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما " ظاهره يقتضى أن القطع انما وجب بالسرقة المخصوصة، وكل واحد من الجماعة يستحق هذا الاسم فيجب أن يستحق القطع. # (فصل) والنصاب الذي يتعلق القطع به قيل فيه ستة أقوال: # أولها: مذهبنا، وهو ربع دينار، وبه قال الشافعي والأوزاعي، لما روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: القطع في ربع دينار (2. # الثاني: ثلاثة دراهم وهو قيمة المجن، وذهب إليه مالك بن أنس. # الثالث: خمسة دراهم، رووا ذلك عن علي عليه السلام وعن عمر أنهما قالا: لا يقطع الا في خمسة دراهم. وهو اختيار أبى علي، قال: لأنه بمنزلة # PageV02P382 # من منع خمسة دراهم من الزكاة فإنه فاسق. # الرابع: قال الحسن يقطع في درهم، لأنه ما دونه تافه. # الخامس: قال أبو حنيفة خمسة دراهم، وقد روى أصحابه لأنه كان قيمة المجن. # السادس: قال أصحاب الظاهر يقطع في القليل والكثير. # ولا يقطع الا من سرق من حرز، والحرز مختلف فلكل شئ حرز يعتبر فيه حرز مثله في العادة. وحده أصحابنا: بأنه كل موضع لم يكن لغيره الدخول إليه والتصرف فيه الا باذنه فهو حرز. قال الجبائي: الحرز أن يكون في بيت أو دار يغلق عليه وله من يراعيه ويحفظه. # ومن سرق من غير حرز ms527 لا يجب عليه القطع، قال الرماني لأنه لا يسمى سارقا حقيقة وانما يقال ذلك مجازا، كما يقال سارق كلمة أو معنى في شعر، لأنه لا يطلق على هذا الاسم سارق على كل حال. وقال داود: يقطع إذا سرق من غير حرز. # فعلى هذا السارق الذي يجب عليه القطع هو الذي يسرق من حرز ربع دينار فصاعدا أو ما قيمته كذلك ويكون كامل العقل والشبهة عنه مرتفعة حرا كان أو عبدا مسلما كان أو كافرا. # وإذا سرق نفسان فصاعدا ما قيمته ربع دينار من حرز وجب عليهما القطع، فان انفرد كل واحد منهما ببعضه لم يجب عليهما القطع لأنه قد نقص عن المقدار الذي يجب فيه القطع وكان عليهما التعزير. ويمكن أن يستدل عليه من الآية. # ومن ترك القياس العقلي الذي هو جائز وهو الأصول واشتغل بالقياس الشرعي الذي هو محظور وهو الفروع إذ لا دليل على ثبوته في الشرع، وان PageV02P383 # جاز خبط خبط عشواء، فلينظروا إلى الملحد الملهد (1 أعمى البصر والبصيرة ضل عن حكمة الله بجهله فرآها مناقضة ثم نظم خبث عقيدته لصفاقة وجهه وقلة مبالاته بالدين، فقال (2: # يد بخمس مائين من عسجد فديت * ما بالها قطعت في ربع دينار تناقض مالنا الا السكوت له * نعوذ بالله مولانا من النار (3 وقد كان الأئمة المعصومون عليهم السلام كشفوا وجه الحكمة في ذلك ورووا عن جدهم النبي الأمي صلى الله عليه وآله ما هو دواء العليل وشفاء الغليل، ونظم السيد الإمام الكبير أبو الرضا الراوندي قدس الله سره مجيبا لذلك المعري: # الله قومها تقويم خمس مئى * زجرا لقاطعها دفعا لا ضرار وقد رأى قطعها في الربع مصلحة * في حفظ مال الورى يا أيها الزاري (4 وقد هذى المعرى أيضا فقال: # هذا النبي الذي جبريل جادله * بالوحي والله أولى خلقه المنحا ولى سيوف الأعادي هاج شيعته * وكان يكره في أسنانها فلحا فأجبته وقلت: # يا من تحمل خسرانا وما ربحا * هذا النبي لقد أسدى وقد نصحا لنصرة الدين سام العز وأمته * وللطهارة ms528 فيهم أنكر الفلحا (فصل) أما قوله تعالى " فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فان الله يتوب عليه " (5 فإنه # PageV02P384 # سبحانه أخبر أن من تاب وندم على ما كان منه من فعل الظلم بالسرقة وغيرها فان الله يقبل توبته باسقاط العقاب بها عن المعصية التي تاب عنها. # فعلى هذا لو تاب السارق قبل أن يرفع إلى الامام وظهر ذلك منه ثم قامت عليه البينة فإنه لا يقطع غير أنه يطالب بالسرقة، وان تاب بعد قيام البينة عليه وجب قطعه على كل حال. # وروي أن رجلا جاء إلى أمير المؤمنين عليه السلام فأقر بالسرقة، فقال له علي عليه السلام: أتقرأ شيئا من كتاب الله؟ قال: نعم سورة البقرة. فقال: قد وهبت يدك لسورة البقرة. فقال الأشعث: أتبطل حدا من حدود الله؟ فقال: # وما يدريك ما هذا، وإذا قامت البينة قليس للامام أن يعفو، قال الله تعالى " والحافظون لحدود الله " (1، فإذا أقر الرجل على نفسه بسرقة فذلك إلى الامام ان شاء عفا وان شاء عاقب (2. # ولا يقطع حتى يقر بالسرقة مرتين وأنه سرق من حرز وكان نصابا، فان رجع ضمن السرقة ولم يقطع. وقال الفقهاء: إذا قامت البينة على السارق يجب قطعه على كل حال، فإن كان تاب كان قطعه امتحانا وان لم يكن تاب كان عقوبة وجزاءا. # ومتى قطع فإنه لا يسقط عنه رد السرقة، سواء كانت باقية أو هالكة، فان كانت باقية ردها بلا خلاف وان كانت هالكة رد عندنا قيمتها. قال أبو حنيفة وأصحابه: لا يجب عليه القطع والغرامة معا، فان قطع سقطت عنه الغرامة وان غرم سقط القطع. # ومن سرق بعد قطع اليد دفعة ثانية على ما ذكرناه قطعت رجله اليسرى # PageV02P385 # حتى يكون من خلاف، فان سرن ثالثة حبس عندنا أبدا، فان سرق في الحبس قتل. ولا يعتبر ذلك أحد من الفقهاء. # فظاهر الآية يقتضي وجوب قطع العبد والأمة لتناول اسم السارق والسارقة لهما إذا سرقا، وصح ذلك عليهما بالبينة دون الاقرار. # وقوله تعالى جزاءا بما كسبا " معناه استحقاقا ms529 على فعلهما " نكالا من الله " أي عقوبة منه على ما فعلاه. وقال مجاهد الحد كفارة، وهذا غير صحيح، لان الله دل على معنى الامر بالتوبة (1، وانما يتوب المذنب عن ذنبه والحد من فعل غيره. وأيضا فمتى كان مصرا كان إقامة الحد عليه عقوبة والعقوبة لا تكفر الخطيئة كما لا يستحق بها الثواب. والتوبة التي يسقط الله العقاب عندها هي الندم على ما مضى من القبيح أو الاخلال بالواجب والعزم على ترك الرجوع إلى مثله في القبح. # فان قيل: قوله " فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح " (2 هل فعل الصلاح شرط في قبول التوبة أم لا، فإن لم يكن شرطا فلم علق الغفران بمجموعهما؟ # قيل له: لا خلاف في أن التوبة متى حصلت على شرائطها فان الله يقبلها ويسقط العقاب وان لم يعمل بعدها عملا صالحا، غير أنه إذا تاب وبقي بعد التوبة فإن لم يعمل العمل الصالح عاد إلى الاصرار، لأنه لا يخلو في كل حال من واجب عليه. وأما ان مات عقيب التوبة من غير فعل صلاح فان الرحمة باسقاط العقاب تلحقه بلا خلاف. # على أن قوله تعالى " وأصلح " يمكن أن يكون إشارة إلى العزم على ترك # PageV02P386 # المعاودة مع الندم. وقال بعض المفسرين: معناه وأصلح أمره بالتفصي عن التبعات ورد السرقة. وهذا من شرائط صحة التوبة فيه. # وأما رفع قوله " والسارق والسارقة " فإنه عند سيبويه رفع على تفسير فرض فيهما يتلى عليكم حكم السارق والسارقة. وقيل: معناه الجزاء، وتقديره من سرق فاقطعوه، وله صدر الكلام. # قال الفراء: ولو أراد سارقا بعينه لكان النصب الوجه، ويفارق ذلك قولهم " زيدا فاضربه " لأنه ليس فيه معنى الجزاء والمقصود واحد بعينه، وليس القصد بالسارق واحدا بعينه، وانما هو كقولك " من سرق فاقطعوا يده " فهو في حكم الجزاء، والجزاء له صدر الكلام. وقال الزجاج: هو القول المختار. # وأجمع العلماء على أن القطع لا يجب على السارق الا بعد أن يأخذ المال الذي لغيره من دون اذنه من حرز وهو لا يستحقه. # (باب) (حد المحارب) ms530 قال الله تعالى " انما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله " (1 الآية. # من جرد السلاح في مصر أو غيره وهو من أهل الريبة على كل حال كان محاربا وله خمسة أحوال: فان قتل ولم يأخذ المال وجب على الامام أن يقتله وليس لأولياء المقتول العفو عنه ولا للامام، وان قتل وأخذ المال فإنه يقطع بالسرقة ويرد المال ثم يقتل بعد ذلك ويصلب، وان اخذ المال ولم يقتل ولم يجرح قطع ثم نفي عن البلد، فان جرح ولم يأخذ المال ولم يقتل وجب أن يقتص منه ثم ينفى بعد ذلك، وان لم يجرح ولم يأخذ المال وجب أن ينفى من البلد الذي # PageV02P387 # فعل فيه ذلك إلى غيره على ما قدمناه. # وهذا التفصيل يدل عليه قوله تعالى " ان يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض "، واللص أيضا محارب. # وقد أخبر الله في هذه الآية بحكم من يجهر بذلك مغالبا بالسلاح، ثم اتبعه بحكم من يأتيه في خفاء في قوله " والسارق والسارقة " الآية. # ومن سرق حرا فباعه وجب عليه القطع لأنه من المفسدين في الأرض. # ودم اللص الذي يدخل على الانسان فيدفعه عن نفسه فيؤدي إلى قتل اللص هدر ولم يكن له قود ولادية. # (باب) (الحد في الفرية) قال الله تعالى " والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة " (1. قال سعيد بن جبير هذه الآية نزلت في عائشة، وقال الضحاك في جميع نساء المؤمنين. وهذا أولى لأنه أعم فائدة، لان الأولى أيضا يدخل تحته وإن كان يجوز أن يكون سبب نزولها في عائشة لكن لا تقصر الآية على سببها. # قال الحسن يجلد هذا القاذف وعليه ثيابه، وهو قول أبى جعفر عليه السلام (2. # ويجلد الرجل قائما والمرأة قاعدة، وقال إبراهيم يرمى عنه ثيابه، وعندنا انما يرمى عنه ثيابه إذا كان الحد في الزنا وكان وجد عريانا، فان وجد وعليه ثيابه في الزنا يجلد وعليه ثيابه قائما على كل حال. # فان مات من يجلد من الضرب لم ms531 يكن عليه قود ولا دية. # PageV02P388 # فإذا قال الرجل أو المرأة كافرين كانا أو مسلمين حرين أو عبدين بعد أن يكونا بالغين لغيره من المسلمين البالغين الأحرار " يا زاني " أو " يا لائط " أو معناه معنى هذا الكلام بأي لغة كانت بعد أن يكون عارفا لموضوعها وبفائدة اللفظ وجب عليه الحد ثمانون، وهو حد القاذف. # فان قال " قد لطت بفلان " كان عليه حدان حد للمواجهة وحد لمن نسبه إليه. والآية تدل على جميع ذلك. # وقوله " ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا " ذكرنا في كتاب الشهادات بيانه. # والحد حق المقذوف، لأنه لا يزول بالتوبة. # وقال بعض المفسرين والفقهاء: إذا كان القاذف عبدا أو أمة كان الحد أربعين جلدة. وروى أصحابنا ان هذا الحد ثمانون في الحر والعبد والمسلم والكافر وظاهر العموم يقتضى ذلك، وبه قال عمر بن عبد العزيز والقاسم بن عبد الرحمن. # ويثبت الحد في القذف بشهادة شاهدين مسلمين عدلين، أو باقرار القاذف على نفسه مرتين بأنه قذف. ولا يكون الحد فيه كما هو في شرب الخمر وفى الزنا في الشدة، بل يكون دون ذلك. # وقد ذكرنا أن القاذف لا يجرد على حال. والعفو عن القاذف في جميع الأحوال إلى المقذوف، ألا ترى أنه لو قال لغيره " يا بن الزانية " كانت المطالبة إلى الام ان كانت حية، وان كانت ميتة ولها وليان أو أكثر وعفا بعضهم أو أكثرهم كان لمن بقي منهم المطالبة بإقامة الحد عليه على الكمال. # (فصل) والقذف على الاطلاق يكون الزنا وما في معناه ويكون بغير ذلك، والمراد PageV02P389 # في الآية قذفهن بالزنا بسببين: أحدهما ذكر المحصنات عقيب آية الزواني، والثاني اشتراط أربعة شهداء. # والقذف بالزنا أن يقول العاقل البالغ لمحصنة أو لمحصن " يا ولد الزنا " أو ما قدمناه ففيه الحد، والقذف لغير الزنا أن يقول: يا آكل الربا، يا شارب الخمر يا فاسق، يا عاض بظر أمه، يا يهودي، يا نصراني. # فعليه إذا كان المقذوف على ظاهر العدالة التعزير، وهو ما دون الحد. وقال الفقهاء لا يبلغ به أدنى حد ms532 العبيد، وقال أبو يوسف يبلغ به تسعة وتسعون، وللامام أن يعزر إلى تسعة وتسعين. # وشروط احصان القذف الحرية والبلوغ والاسلام، وزاد بعضهم العقل والعفة. فمتى قال انسان لمسلم " أمك زانية " وكانت أمه كافرة أو أمة كان عليه الحد تاما لحرمة ولدها المسلم الحر، وان قال لغيره من المماليك أو الكفار " يا بن الزاني " أو " يا بن الزانية " وكان أبو المقذوف مسلمين أو حرين كان عليه الحد أيضا كاملا، لان الحد لمن لو واجهه بالقذف لكان له الحد تاما. # ثم قال تعالى " ان الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة " (1 أي أبعد وامن رحمة الله في الدنيا بإقامة الحدود عليهم ورد الشهادة وفى الآخرة بأليم العقاب. # وهذا وعيد عام لجميع المكلفين في قول ابن عباس. ومن قال الوعيد خاص فيمن قذف عائشة فقوله لا يصح، لان الآية إذا نزلت في سبب لم يجب قصرها عليه، كآية اللعان وآية الظهار. ومتى حملت على العموم دخل من قذفها في جملتهم. # وإذا لم يكن المقذوف محصنا يعزر القاذف ولا يحد. # PageV02P390 # وقال الفقهاء: أشد الضرب ضرب التعزير، ثم ضرب الزنا، ثم ضرب من شرب الخمر، ثم ضرب القاذف. # (باب الزيادات) ان قيل: كيف قال " يتوفاهن الموت " (1 والمتوفى والموت واحد؟. # قلنا: يجوز أن يراد حتى يتوفاهن ملائكة الموت، كقوله " الذين تتوفاهم الملائكة " (2 أو " حتى يأخذهن الموت ". # و " اللاتي يأتين الفاحشة " أي يرهقنها، يقال أتى الفاحشة وجاءها وغشيها ورهقها. والفاحشة الزنا، لزيادتها في القبح على كثير من القبائح. # وقيل: نزلت هذه الآية في الساحقات وما بعدها في اللواطين. # مسألة: # وقوله " الزانية والزاني فاجلدوا " (3 الجلد ضرب الجلد، كما يقال جلد ظهره ورأسه. # وهذا حكم من ليس بمحصن من الزناة والزواني، فان المحصن حكمه الرجم. # وشرائط الاحصان عند أبي حنيفة ست: الاسلام، والحرية، والعقل، والبلوغ، والتزوج بنكاح صحيح، والدخول. وعند الشافعي الاسلام ليس بشرط. # فان قيل: اللفظ يقتضي تعليق الحكم بجميع الزناة والزواني، لان قوله # PageV02P391 # " الزانية والزاني " عام في المحصن وغير المحصن. # قلنا: ms533 هما يدلان على جنسين دلالة مطلقة، والجنسية قائمة في الكل والبعض جميعا، فأيهما قصد المتكلم فلا يطلق الا عليه، كما يفعل بالاسم المشترك. وانما ابتدئ هنا بذكر النساء وفي آية السرقة بالرجال للتغليب، ولان الحد بالجلد انما يجب على الرجل الشاب غير المحصن إذا زنا وطاوعته المرأة، فان أكرهها وغصب فرجها فإنه يجب ضرب عنقه البتة. # مسألة: # وقوله تعالى " والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء " (2 الآية الذي يقتضيه ظاهرها أن يكون الجمل الثلاث بمجموعهن جزاء الشرط، كأنه قيل ومن قتل المحصنات فاجلدوهم وردوا شهادتهم وفسقوهم، أي فاجمعوا لهم الجلد والرد والتفسيق، الا الذين تابوا. # مسألة: # عن سليمان بن خالد قلت لأبي عبد الله عليه السلام: في القرآن رجم؟ # قال: نعم. قلت: كيف؟ قال: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموها البتة فإنهما قضيا الشهوة (2. # وقد ذكرنا في كتاب الصوم كيفية ذلك في باب النسخ. # مسألة: # وعن حنان بن سدير قال: ان عباد المكي سأل الصادق عليه السلام عن # PageV02P392 # رجل زنا وهو مريض فان أقيم عليه الحد خافوا عليه أن يموت، ما تقول في هذه المسألة؟ فقال: هذه المسألة من تلقاء نفسك أو أمرك انسان ان تسأل عنها. فقال: ان سفيان الثوري أمرني أن أسألك عنها. فقال: ان رسول الله صلى الله عليه وآله أتى برجل أحبن (1 قد استسقى بطنه وبدت عروق فخذيه وقد زنا بامرأة مريضة، فأمر رسول الله فأتي بعرجون فيه مائة شمراخ فضربه به ضربة واحدة وضربها به ضربة واحدة وخلى سبيلهما، وذلك قوله تعالى (2 " وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث " (3. # PageV02P393 # كتاب الديات اعلم أن القتل على ثلاثة أضرب: عمد محض ويجب فيه القود أو الدية على ما بينته، وخطأ محض، وخطأ شبيه العمد. وفيهما الدية لا غير، وفي كل واحد منهما يجب على القاتل الكفارة بعد أخذ الدية أو العفو على ما ذكرناه في باب الكفارة. # (باب) (القتل العمد وأحكامه) قال الله تعالى " ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها " (1 الآية. ms534 # فالعمد المحض هو كل من قتل غيره وكان بصيرا بالغا كامل العقل بحديد أو بغيره، إذا كان قاصدا بذلك القتل أو يكون فعله مما قد جرت العادة بحصول الموت عنده، يجب عليه القود، ولا يستقاد منه الا بحديد. وإن كان قتل هو # PageV02P394 # صاحبه بغير الحديد ولا يمكن من تقطيع أعضائه وإن كان هو فعل ذلك بصاحبه بل يؤمر بضرب رقبته. # ويستوي في القاتل جميع ذلك، ذكرا كان أو أنثى حرا كان أو مملوكا مسلما كان أو كافرا. # وليس لأولياء المقتول الا نفسه، وليس لهم مطالبته بالدية. فان فادى القاتل نفسه بمال جزيل ورضوا به جاز. # أخبر الله تعالى في هذه الآية أن من يقتل مؤمنا متعمدا - يعني قاصدا إلى قتله - أن جزاءه جهنم خالدا " مؤبدا فيها وغضب الله عليه. وقد بينا أن غضب الله هو إرادة عقابه والاستخفاف به، ولعنه معناه أبعده من رحمته. # وسأل سماعة أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله " ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم ". قال: من قتل مؤمنا على دينه ولايمانه فذاك المتعمد الذي قال الله تعالى في كتابه " وأعد له عذابا عظيما ". قلت: فالرجل يقع بينه وبين الرجل [شئ] فيضربه بسيفه فيقتله. قال: ليس ذلك المتعمد الذي قال الله عز وجل (1. # وإن كان قتله متعمدا لغضب أو لسبب شئ من الدنيا فان توبته أن يقاد منه، وهذا حد من الله والتوبة منه مع الاستسلام. # وان لم يكن علم به أحد وانطلق إلى أولياء المقتول فأقر عندهم بقتل صاحبهم فان عفوا عنه ولم يقتلوه وأعطاهم الدية أو عفوه عن الدية أيضا أعتق نسمة وصام شهرين متتابعين وأطعم ستين مسكينا كفارة وتوبة إلى الله تعالى. # (فصل) واختلفوا في صفة قتل العمر، قال قوم لا يكون قتل العمد الا ما كان بحديد، # PageV02P395 # واليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه والشافعي في رواية. # وقال آخرون: ان من قصد قتل غيره بما يقتل مثله في غالب العادة - سواء كان بحديدة حادة كالسلاح أو مثقلة من حديد أو خنق أو سم ms535 أو احراق أو تغريق أو ضرب بالعصا أو الحصى حتى يموت - فان جميع ذلك عمد يوجب القود. # وبه قال الشافعي وأصحابه واختاره الطبري، وهو مذهبنا على ما ذكرناه، وقد أمر الله تعالى بذلك في قوله " يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالاثني " (1. # فان قيل: كيف قال " كتب عليكم " بمعنى فرض والأولياء مخيرون بين القصاص والعفو؟. # قلنا عنه جوابان: أحدهما انه فرض عليكم ذلك أن اختار أولياء المقتول القصاص، والفرض قد يكون مضيقا وقد يكون مخيرا فيه. والثاني فرض عليكم ترك مجاوزة ما حد لكم إلى التعدي فيما لم يجعل لكم. والقصاص الاخذ من الجاني مثل ما جنى، وذلك لأنه مال لجنايته. # (فصل) وقال بعض المفسرين: ان هذه الآية منسوخة بقوله " وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس " (2. قال جعفر بن مبشر: ليس هذا عندي كذلك، لأنه تعالى انما أخبرنا أنه كتبها على اليهود. قلنا: وليس في ذلك ما يوجب أنه فرض علينا، لان شريعتهم منسوخة بشريعتنا. # والذي نقوله نحن: ان هذه الآية ليست منسوخة، لان ما تضمنته معمول # PageV02P396 # عليه ولا ينافي قوله " النفس بالنفس "، لان تلك عامة وهذه خاصة ويمكن بناء تلك على هذه ولا تناقض ولا يحتاج إلى أن ينسخ إحداهما بالأخرى. # وقال قتادة: نزلت هذه الآية لان قوما من أهل الجاهلية كانت لهم جولة على غيرهم، فكانوا يتعدون في ذلك فلا يرضون بالعبد الا الحر ولا بالمرأة الا الرجل، فنهاهم الله بهذه الآية عن مثل ذلك. # ويجوز قتل العبد بالحر والأنثى بالذكر اجماعا، ولقوله " ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا " ولقوله " النفس بالنفس ". وقوله في هذه الآية " الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى " لا يمنع من ذلك، لأنه تعالى لم يقل ولا يقتل الأنثى بالذكر ولا العبد بالحر، وإذا لم يكن ذلك في الظاهر فما تضمنته الآية معمول به. وما قلناه مثبت بما تقدم من الأدلة. # واما قتل الحر بالعبد فعندنا لا يجوز، وبه قال الشافعي وأهل المدينة، وقال أهل ms536 العراق يجوز. # ولا يقتل الوالد بالولد عندنا وعند أكثر الفقهاء، وقال مالك يقتل به على بعض الوجوه. # وأما قتل الوالدة بالولد فعندنا تقتل به وعند جميع الفقهاء انها جارية مجرى الأب وأما قتل الولد بالوالد فيجوز اجماعا. لا يقتل مولى بعبده. # ويجوز قتل الجماعة بواحد اجماعا، ولقوله " ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا "، الا ان عندنا يرد أولياء المقتول فاضل الدية وعندهم لا يرد شئ على حال. # وإذا اشترك بالغ مع طفل أو مجنون في قتل فعندنا لا يسقط القود عن البالغ وبه قال الشافعي، وقال أهل العراق يسقط. # (فصل) ثم قال سبحانه " فمن عفي له من أخيه شئ " معنى عفي ههنا ترك، من PageV02P397 # عفت المنازل لو تركت حتى درست. والعفو عن المعصية ترك العقاب عليها. # والعفو عن القتل يكون على وجهين: # أحدهما: ان يعفو أولياء المقتول عن القاتل ويصفحوا عنه ولا يطلبون منه شيئا اما للتقرب إلى الله تعالى واما لغرض من الأغراض. # والثاني: ان يكون العفو ترك القود بقبول الدية إذا بذل القاتل ورضي به أولياء المقتول. # وأولياء المقتول كل من يرث الدية الا الزوج والزوجة ليس لهما غير سهمهما من الدية ان قبلها الأولياء أو العفو عنه بمقدار ما يصيبهما من الميراث، وليس لهما المطالبة بالقود، وأما من سواهما من الأولياء فلهم المطالبة بالقود ولهم الرضا بالدية. # ولهم العفو على الاجتماع والانفراد ذكرا كان أو أنثى، فان اختلفوا فبعض عفا عن القاتل وبعض طلب القود وبعض رضي بالدية كان للذي يطلب القود أن يقتل القاتل إذا رد على الذي طلب الدية ماله منها ورد على أولياء القاتل سهم من عفا عنه. # وقال أبو حنيفة: إذا كان للمقتول ولد صغار وكبار فللكبار أن يقتلوا، واحتج بقاتل علي عليه السلام. وقال غيره لا يجوز حتى يبلغ الصغار. وعندنا ان لهم ذلك إذا ضمنوا حصة الصغار من الدية إذا بلغوا ولم يرضوا بالقصاص. # وقال الزجاج: معنى قوله " فمن عفى له من أخيه شئ " اي من ترك قتله ورضي منه ms537 بالدية وهو قاتل متعمد للقتل، فقد عفي له بأن ديته؟ ورضي منه بالدية، وهو من العفو الذي هو الصفح وترك المؤاخذة بالذنب، فمعنى عفي له صفح عنه، بأن لا يؤاخذ بما يستحقه عليه من القصاص والقتل. # وقيل العفو الترك كما قدمناه، واستدل بقول النبي صلى الله عليه وآله PageV02P398 # " عفوت عنكم عن صدقة الخيل " أي تركتها. واصل العفو محو الأثر. # وهذا العفو كما ذكرناه على ضربين: أحدهما عفو عن دم القاتل وعن الدية جميعا، والاخر عفو عن الدم والرضا بالدية. وهو المراد بالآية. # والمراد بقوله " من أخيه " أي من القاتل عفا ولي المقتول عن دمه الذي له من جهة أخيه المقتول. والمراد بقوله " شئ " الدم. فالهاء في قوله " من أخيه " يعود إلى أخي المقتول في قول الحسن، وقال الآخرون تعود إلى أخ القاتل. # فان قيل: كيف يجوز أن يعود على أخي القاتل وهو في تلك الحال فاسق. # قيل عن ذلك ثلاثة أجوبة: أحدها انه أراد اخوة النسب لا في الدين كما قال " والى عاد أخاهم هودا " (1. الثاني أن القاتل قد يتوب ويدخل في الجملة غير التائب على وجه التغليب. الثالث تعريفه بذلك على أنه كان أخاه قبل أن قتله كما قال " إذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن " (2 يعني الذين كانوا أزواجهن. # (فصل) قوله تعالى " فاتباع بالمعروف " يعني العافي، وعلى المعفو عنه " أداء إليه باحسان "، وبه قال ابن عباس والحسن، وهو المروي عن أبي عبد الله عليه السلام (3. وقال قوم هما عن المعفو عنه. # ودية القصاص في قود النفس ألف دينار، أو عشرة آلاف درهم، أو مائة من مسان الإبل، أو مائتان من البقر، أو ألف شاة، أو ماشا كله. فهذه الستة أصل # PageV02P399 # في نفس الدية وليس بعضها بدلا من بعض، وهذا كما نقول في زكاة الفطرة انها تجب صاع من أحد الأجناس الستة الحنطة والشعير والتمر والزبيب والأرز والأقط، فان كل واحد منها أصل فيها وليس بعضها بدلا من بعض. # ولا يجبر القاتل عمدا على الدية، ms538 فان رضي فهي عليه في ماله، فإن لم يقبل أولياء المقتول الدية فأدى القاتل نفسه بأضعاف الدية فلا بأس بقبوله. # " فاتباع بالمعروف " أي فعليه اتباع الأخ العافي بمعروف. # " وأداء إليه باحسان " أي يتبعه بالحمد والشكر والثناء ويؤدي إليه الدية باحسان، اي على وجه جميل. # وقال الزجاج: قيل على الولي العافي اتباع القاتل بالمطالبة للدية وعلى القاتل أداء الدية باحسان. وقال: وجائز أن يكون الاتباع بالمعروف والأداء بالاحسان جميعا على القاتل. # وجاء في التفسير: ان الأداء باحسان ان يكون منجما ولا يذهب شئ من الدية، والاتباع بالمعروف أن يقبضها برفق. وقال أبو مسلم: أي على قاتل العمد الذي يرضى منه ولي المقتول بالدية ويعفو له عن القود أن يتبع ما أمره الله في اعطاء الولي ما يصالحه عليه ويرضى به منه. ويحتمل بالمعروف أن يكون صفة لأمر الله أن يكون ما يتعارفه العرب بينها من دية القتلى بينهم إذا أرادوا الاصلاح وحقن الدماء. # ويؤخذ دية العمد نسيئة، وقد حث الله كل واحد منهما على الاحسان، فليؤد المطلوب إلى الطالب ان استطاع بتعجيل وليرفق الطالب في طلب الدية. # وأنكر بعض أهل اللغة أن يكون العفو في الآية بمعنى الاعطاء كما قاله البصري ان الضمير في " أخيه " يرجع إلى أخي المقتول الذي يرث دمه، والأخ المراد به في النسب بذل له من دم أخيه شئ يعطي عفوا، أي الدية في سهولة. وذلك لأنه لو كان من الاعطاء لقيل فمن أعطي له، وليس في الكلام PageV02P400 # عفي له منه بمعنى أعطاه عفوا، انما يقال أعفي له بكذا إذا أعطاه، وانما هو عفو ولي المقتول عن دية القاتل. # وقوله " القاتل لا يكون أخا المقتول الا في النسب " ليس بصحيح، لأنه يمكن أن يكون القاتل عمدا والمقتول مسلمين. # قال ابن مهرايزد: الصحيح أن الضمير في " أخيه " للقاتل الذي عفى له القصاص وأخوه ولي المقتول، والضمير في " إليه " أيضا له، أي يؤدي القاتل الدية إلى الولي العافي " باحسان " أي من غير مطل ولا أذى. # (فصل) ثم قال " ذلك ms539 تخفيف من ربكم ورحمة " المشار إليه بذا ترخيص الله ترك القصاص والاقتصار على الدية " فمن اعتدى " بعد ذلك " فله عذاب أليم " أي من اعتدى بعد البيان في الآية فقتل غير قاتل وليه أو بعد قبول الدية فله عذاب أليم، أي من قتل منكم نفسا في الدنيا قتلته في النار مائة ألف قتلة مثل قتله صاحبه. # وجاء في التفسير: ان الاعتداء ههنا أن يقتل بواحد عدة، كما كان يفعل كبراء الكفار في الجاهلية. وكل هذا يحتمل في الآية، والمروي عن ابن عباس أن الاعتداء هو القتل بعد قبول الدية، وكذلك عن أبي جعفر وأبى عبد الله عليهما السلام. # ومعنى " تخفيف من ربكم " أنه جعل لكم القصاص أو الدية أو العفو، وكان لأهل التوراة قصاص وعفو ولأهل الإنجيل عفو ودية. # وقال " ولكم في القصاص حياة " المراد به القصاص في القتل، وانما كان فيه حياة من وجهين: أنه إذا هم الانسان بالقتل فذكر القصاص ارتدع، فكان ذلك سببا للحياة، حياة للذي هم هو بقتله وحياة له لأنه من أجل القصاص أمسك عن القتل، فلسم من أن يقتل. وقال السدي. من جهة أنه لا يقتل الا القاتل دون غيره، خلاف فعل الجاهلية الذين كانوا يتفالون بالطوائل. و PageV02P401 # المعنيان جميعا حسنان، ونظير هذه الآية قولهم " القتل أنفى للقتل ". # وانما خص الله بالخطاب أولي الألباب لأنهم المكلفون المأمورون، ومن ليس بعاقل لا يصح تكليفه. فعلى هذا متى كان القاتل غير بالغ - وحده عشر سنين فصاعدا - أو يكون مع بلوغه زائل العقل اما أن يكون مجنونا أو مؤوفا فان قتلهما وإن كان عمدا فحكمه حكم الخطأ. # (فصل) قوله تعالى " ولا تقتلوا النفس التي حرم الله الا بالحق " (1 يعني الا بالقود أو الكفر أو ما يجري مجراهما، فان قتله كذلك حق وليس بظلم. # " ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف " (2 أي فلا يسرف القاتل في القتل، وجاز أن يضمر وان لم يجر له ذكر، لان الحال يدل عليه، ويكون تقييده بالاسراف جاريا مجرى قوله ms540 في أكل مال اليتيم " ولا تأكلوها اسرافا " وان لم يجز أن يأكل منه على الاقتصاد، فكذلك لا يمتنع أن يقال للقاتل الأول لا تسرف في القتل، لأنه يكون بقتله مسرفا فلا يسرف لان من قتل مظلوما كان منصورا بأن يقتص له وليه والسلطان ان لم يكن له ولي، فيكون هذا رد القاتل عن القتل. # والاخر أن يكون في " يسرف " ضمير " الولي "، أي لا يسرف الولي في القتل، فاسرافه فيه أن يقتل غير من قتل أو يقتل أكثر من قاتل وليه، أي فلا يسرف الولي فإنه منصور بقتل قاتل وليه والاقتصاص منه. # والسلطان الذي جعله الله للولي، قال ابن عباس: هو القود أو العفو أو الدية. # PageV02P402 # (فصل) ومما يقتضيه الآيات أن المرأة إذا قتلت رجلا واختار أولياؤه القود فليس لهم الا نفسها، فان قتل الرجل امرأة عمدا وأراد أولياؤها قتله كان لهم ذلك إذا ردوا نصف دية الرجل. # وإذا قتل المسلم ذميا عمدا وجب عليه ديته ولا يجب فيه القود، وكذلك إذا قتل حر عبدا أو أمة لم يكن عليه قود وعليه الدية يعطى قيمتهما يوم قتلهما فان زادت القيمة على دية الحر والحرة رد إليها. # فان قتل عبد حرا عمدا كان عليه القتل ان أراد أولياء المقتول ذلك، فان طلبوا الدية كان على مولاه الدية كاملة أو تسليم العبد إليهم ان شاؤوا استرقوه وان شاؤوا قتلوه. # فإذا قتل جماعة واحدا فان أولياء الدم مخيرون بين أمور ثلاثة: أحدها أن يقتلوا القاتلين كلهم ويؤدوا فضل ما بين دياتهم ودية المقتول إلى أولياء المقتولين. والثاني أن يتخيروا واحدا منهم فيقتلوه ويؤدوا المستبقون ديته إلى أولياء صاحبهم بحساب أقساطهم من الدية. الثالث ان اختار أولياء المقتول أخذ الدية كانت على القاتلين بحسب عددهم، والدليل على صحته اجماع الطائفة، ولان ما ذكرناه أشبه بالعدل. # والذي يدل على الفصل الأول - زائدا على الاجماع - قوله تعالى " ولكم في القصاص حياة "، ومعنى هذا أن القاتل إذا علم أنه ان قتل قتل كف عن القتل وكان ذلك أزجر ms541 له وكان داعيا إلى حياته وحياة من هم بقتله، فلو أسقطنا القود في حال الاشتراك سقط هذا المعنى المقصود بالآية، فكان من أراد قتل غيره من غير أن يقتل به شارك غيره في قتله، فسقط القود عنهما. PageV02P403 # ويمكن أن يستدل أيضا على من خالف في قتل الجماعة بواحد بقوله تعالى " فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم " (1، والقاتلون إذا كانوا جماعة فكلهم معتدون، فيجب أن يعاملوا ما عاملوا به القتيل. # فان قالوا: ان الله تعالى يقول " النفس بالنفس والحر بالحر " (2، وهذا ينفي أن يؤخذ نفسان بنفس وحران بحر. # قلنا: المراد بالنفس والحر ههنا الجنس لا العدد، فكأنه تعالى قال: ان جنس النفوس يؤخذ بجنس النفوس وكذا جنس الأحرار، فالواحد والجماعة يدخلون في ذلك. # فان قيل: قد ثبت أن الجماعة إذا اشتركوا في سرقة نصاب لم يلزم كل واحد منهم قطع وإن كان كل واحد منهم إذا انفرد بسرقته لزمه القطع، فأي فرق بين ذلك وبين القتل مع الاشتراك؟ # قلنا: الذي نذهب إليه - وان خالفنا فيه الجماعة - أنه إذا اشترك نفسان في سرقة شئ من حرز وكان قيمة المسروق ربع دينار ويكون أيديهما عليه، فإنه يجب عليهما القطع معا وقد سوينا بين القتل والقطع. ولهذه المسألة تفصيل ذكر في بابه. # (فصل) واختلف أهل التأويل في قوله " من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا " (3. # PageV02P404 # قال الزجاج: معناه انه بمنزلة من قتل الناس جميعا في أنهم خصومه في قتل ذلك الانسان. # قال الحسن: معناه تعظيم الوزر والاثم. # قال ابن مسعود: من قتل نفسا فكأنما قتل الناس عند المقتول، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس عند المستقيد. # وقال ابن زيد: معناه ان يجب من القتل والقود مثلما يجب عليه لو قتل الناس جميعا، ومعنى من أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا من نجاها من الهلاك - مثل الغرق والحرق. # وقيل من عفا عن دمها وقد وجب القود عليها، وقيل معناه من زجر عن ms542 قتلها بما فيه حياتها على وجه يفتدى به فيها، بأن يعظم تحريم قتلها كما حرمه الله على نفسه فلم يقدم عليه فقد حيى الناس بسلامتهم منه وذلك احياؤه إياها، وهو اختيار الطبري. # والله هو المحيى للخلق لا يقدر عليه غيره، وانما قال أحياها على وجه المجاز، يعني نجاها من الهلاك، كما حكي عن نمرود " أنا أحي وأميت " فاستبقي واحدا وقتل الاخر. # والقول في ذلك أن يقال: أن الله تعالى شبه قاتل النفس بقاتل جميع الناس ومنجيها بمنجى جميع الناس، وتشبيه الشئ بالشئ يكون من وجوه حقيقة ومجازا، فيجب أن ينظر في التشبيه ههنا بماذا يتعلق، فلا يجوز أن يكون شبه الفعل بالفعل، لان قتل واحد لا يشبه قتل اثنين، فلابد من أن يكون التشبيه في المعنى. # ولا يجوز أن يقال: شبه الاثم بالاثم والعقاب بالعقاب، لان الذي يحاسب على الفتليل والقطمير ويتمدح بأنه لا يظلم مثقال حبة من خردل يمنع غناه PageV02P405 # وحكمته وعدله أن يساوي في العقاب بين قاتل نفس واحدة وبين قاتل نفسين فكيف من قتل نوع الناس، فإذا التشبيه مجاز والمراد به تهويل أمر القتل ومبالغة في الزجر عنه وأنه يستحق في الدنيا من كل مؤمن البراءة واللعنة والعداوة، كما لو تعرض له نفسه بالقتل لا يستحق كل ذل منه لكون المؤمنون يدا واحدة على من سواهم. # وقد قضى الحسن بن علي عليهما السلام في رجل اتهم بأنه قتل نفسا فأقر بأنه قتل، وجاء آخر فأقر أن الذي قتل هو دون صاحبه، ورجع الأول عن اقراره: أنه درأ عنهما القود والدية ودفع إلى أولياء المقتول الدية من بيت المال وقرأ هذه الآية ثم قال: هذا ان قتل ذلك فقد أحيا هذا (1. # والأولياء هم الوراث من الرجال، فمن الأولاد الذكور ومن الأقارب من كان ذكرا من قبل الأب. # (باب) (القتل الخطأ المحض) قال الله تعالى " وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا الا خطأ ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله الا أن تصدقوا " (2. # اعلم أن ms543 النفي ههنا متعلق بالجواز في دين الله وحكمه، أي لا يجوز ذلك في حكم الله. والظاهر اخبار بانتفاء الجواز ويتضمن النفي، أي فلا تفعلوه. ولدخول كان إفادة أن هذا ليس حكما حادثا بل لم يزل حكم الله على هذا. # وقد ذكر الله تعالى في هذه الآية ديتين وثلاث كفارات: # ذكر الدية والكفارة بقتل المؤمن في دار الاسلام فقال " ومن قتل مؤمنا # PageV02P406 # خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله ". # وذكر الكفارة دون الدية بقتل المؤمن في دار الحرب في صف المشركين إذا حضر معهم الصف فقتله مسلم ففيه الكفارة دون الدية، فقال " فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة "، لان قوله " وإن كان " كناية عن المؤمن الذي تقدم ذكره. # ثم ذكر الدية والكفارة بقتل المؤمن في دار المعاهدين، فقال " وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة ". # وعند المخالف ان ذلك كناية عن الذي في دار الاسلام. وما قلناه أليق بسياق الآية، لان الكنايات كلها في كان عن المؤمن فلا ينبغي أن يصرفها إلى غيره بلا دليل. # ومعناه: لم يأذن الله ولا أباح لمؤمن أن يقتل مؤمنا فيما عهده إليه، لأنه لو أباحه أو اذن فيه لما كان خطأ، والتقدير الا ان يقتله خطأ فان حكمه كذا - ذهب إليه قتادة. # وقوله " الا خطأ " استثناء منقطع في قول أكثر المفسرين، وتقدير الآية الا أن المؤمن قد يقتل المؤمن خطأ وليس ذلك فيما جعله الله له، واجماع ان قتل المؤمن لا يجوز لا عمدا ولا خطأ. فالتقدير: غير جائز في حكم الله أن يقتل مؤمن مؤمنا لكن ان وقع عليه غلط فأخطأ في مقصده وفعل هذا المحظور فعليه كذا وكذا. # (فصل) ثم أخبر سبحانه بحكم من قتل من المؤمنين مؤمنا خطأ فقال " ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة " معناه فعليه تحرير رقبة مؤمنة، يعني مظهرة PageV02P407 # للايمان. وظاهر ذلك يقتضي أن تكون بالغة ليحكم لها بالايمان، وذلك في ماله خاصة. # " ودية مسلمة ms544 إلى أهله " يؤديها عنه عاقلته إلى أولياء المقتول. # " الا أن يصدقوا " أولياء المقتول على من لزمته دية قتلهم فيعفو عنه، فحينئذ يسقط عنهم وموضع أن من قوله " الا أن يصدقوا " نصب، لان المعنى فعلية ذلك الا في حال التصدق، ثم حذفت في. وقيل الا حال التصدق، وأصله الا على أن تصدقوا ثم سقط على ويعمل فيه ما قبله على معنى الحال، أو هو مصدر وقع موقع الحال. ويجوز في سبب النزول كلما قيل. # والذي يعول عليه: ان ما تضمنته الآية حكم من قتل خطأ. # وقال ابن عباس والحسن: الرقبة المؤمنة لا تكون الا بالغة قد آمنت وصامت وصلت، فأما الطفل فإنه لا يجزي، ولا الكافر. وقال عطا: كل رقبة ولدت في الاسلام فهي تجزي. والأول أقوى، لان المؤمن على الحقيقة لا يطلق الا على بالغ عاقل مظهر للايمان ملتزم لوجوب الصلاة والصوم، الا أنه لا خلاف أن المولود بين مؤمنين يحكم له بالايمان، فهذا الاجماع ينبغي أن يجري في كفارة قتل الخطأ، فأما الكافر والمولود بين كافرين فإنه لا يجزي بحال. # ودية قتل الخطأ يلزم العاقلة، والعاقلة يرجع بها على القاتل إن كان له مال، فإن لم يكن له مال فلا شئ للعاقلة عليه، ومتى كان للقاتل مال ولم يكن للعاقلة مال الزم في ماله الدية خاصة. # ولا يلزم العاقلة من دية الخطأ الا ما قامت به البينة، فأما ما يقر به القاتل فليس عليهم منه شئ ويلزم القاتل ذلك في ماله خاصة. # وتستؤدى دية الخطأ في ثلاث سنين. # والعاقلة هم الذين يرثون دية القاتل ان لو قتل، ولا يلزم من لا يرث من ديته شيئا. PageV02P408 # والدية المسلمة إلى أهل القتيل هي المدفوعة إليهم موفرة غير منقصة حقوق أهلها منها. # " الا أن يصدقوا " معناه يتصدقوا، وهو في قراءة أبي فأدغمت التاء في الصادر لقرب مخرجهما. # (فصل) وقوله تعالى " فإن كان من قدم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة " (1. # يعنى إن كان هذا القتيل الذي قتله المؤمن خطأ من قوم ms545 هم أعداء لكم مشركون وهو مؤمن فعلى قاتله تحرير رقبة مؤمنة. # واختلفوا في معناه: # فقال قوم: إذا كان القتيل في عداد الأعداء وهو مؤمن بين أظهرهم لم يهاجر فمن قتله فلا دية له وعليه تحرير رقبة مؤمنة، لان الدية ميراث وأهله كفار لا يرثونه - هذا قول ابن عباس. # وقال آخرون: بل عنى به من أهل الحرب من تقدم دار الاسلام ثم يرجع إلى دار الحرب، فإذا مر بهم جيش من أهل الاسلام فهرب قومه وأقام ذلك المسلم بينهم فقتله المسلمون وهم يحسبونه كافرا. # ثم قال " وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة " معناه إن كان القتيل الذي قتله المؤمن خطأ من قوم بينكم وبينهم أيها المؤمنون ميثاق أو عهد - أي عهد وذمة - وليسوا أهل حرب لكم فدية مسلمة إلى أهله يلزم عاقله قاتله وتحرير رقبة مؤمنة على القاتل كفارة لقتله. # واختلفوا في صفة هذا القتيل الذي هو من قوم بيننا وبينهم ميثاق أهو مؤمن # PageV02P409 # أو كافر؟ فقال قوم هو كافر، الا انه يلزم قاتله ديته لان له ولقومه عهدا، ذهب إليه ابن عباس. وقال آخرون بل هو مؤمن، فعلى قاتله ديته يؤديها إلى قومه من المشركين لأنهم أهل ذمة. وهو المروي في أخبارنا، الا أنهم قالوا تعطى ديته ورثته المسلمين دون الكفار. # والميثاق العهد، والمراد به ههنا الذمة وغيرها من العهود. # والخطأ هو أن يريد شيئا فيصيب غيره. # والدية الواجبة في قتل الخطأ مائة من الإبل ان كانت العاقلة من أهل الإبل. # وقال ابن مهرايزد: هو أن يكون المقتول مؤمنا [من قوم معاهدين، وذكر ابن إسحاق انه يجوز أن لا يكون مؤمنا] (1، ولأجل المهادنة والميثاق وجبت الدية والكفارة. # (فصل) أما دية أهل الذمة فقال قوم هي دية المسلم سواء، ذهب إليه ابن مسعود واختاره أبو حنيفة. وقال قوم هي على النصف من دية المسلم، وقال قوم هي على الثلث من دية المسلم، ذهب إليه الشافعي وقال إنها أربعة آلاف. # وأما دية المجوسي فلا ms546 خلاف انها ثمانمائة درهم، وكذلك عندنا دية اليهودي والنصراني، والأنثى منهم أربعمائة درهم، والدليل عليه اجماع الطائفة. # فان احتج المخالف بقوله " ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله " ثم قال " وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة "، وظاهر الكلام يقتضي ان الدية واحدة. # قلنا: هذا السؤال ساقط على قول من يقول هذا القتيل الذي هو من قوم # PageV02P410 # بينكم بينهم ميثاق هو مؤمن، ومعناه إن كان القتيل الذي قتله المؤمن خطأ من قوم بينكم وبينهم ميثاق - أي ذمة وعهد وليسوا من أهل حرب لكم - فدية مسلمة إلى أهله لأنهم أهل الذمة. واما على قول من يقول إن هذا القتيل كافر فلا شبهة في أن ظاهر الكلام لا يقتضي التساوي في مبلغ الدية، وانما يقتضي التساوي في وجوب الدية على سبيل الجملة. # وفي تقديم تحرير الرقبة على الدية في صدر الآية وتقديم الدية على تحرير الرقبة في آخر الآية خبيئة لطيفة، وكذلك في قوله " الا أن تصدقوا " إشارة حسنة والأحسن أن تكون الكناية في كان من قوله " فإن كان من قوم عدو لكم " للقتيل دون أن يكون للمؤمن، لان قوله " وهو مؤمن " يمنع من ذلك. # وكذا الكناية في كان من قوله " وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق " للمقتول لان المقتول يقع على المؤمن والكافر، فإن كان القتيل من هؤلاء الكافرين كافرا فديته دية الكافر وإن كان مؤمنا فديته دية المؤمن. هذا هو المذهب، ويجوز أن يكون كان تامة في أول الآية من قوله " وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا الا خطأ " أي ما وقع قتل مؤمن لمؤمن الا قتلا خطأ. # (فصل) ثم قال تعالى " فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين " (1 اختلفوا في معناه: # فقال قوم يعني فمن لم يجد الرقبة المؤمنة كفارة عن قتله المؤمن خطأ لاعساره فعليه صيام شهرين متتابعين، وقال آخرون فمن لم يجد الدية فعليه صوم شهرين عن الدية والرقبة، وقال مسروق تأويل الآية فمن لم يجد رقبة مؤمنة ولا دية ms547 يسلمها إلى أهله فعليه صوم شهرين متتابعين. # PageV02P411 # والأول هو الصحيح، لان دية قتل الخطأ على العاقلة والكفارة على القاتل باجماع الأمة على ذلك. # وصفة التتابع في الصوم أن يتابع الشهرين لا يفصل بينهما بافطار يوم على ما قدمناه في باب الكفارة. # ثم قال " توبة من الله " وهو نصب على القطع (1، ومعناه رخصة من الله لكم إلى التيسير عليكم بتخفيفه ما خفف عنكم من فرض تحرير رقبة مؤمنة بايجاب صوم شهرين متتابعين. # قال الجبائي: انما قال " توبة من الله " لأنه تعالى بهذه الكفارة التي يلزمها يدرأ العقاب والذم عن القاتل، لأنه يجوز أن يكون عاصيا في السبب وان لم يكن عاصيا في القتل من حيث إنه رمى في موضع هو منهي عنه وان لم يقصد القتل. وهذا ليس بشئ، لان الآية عامة في كل قاتل خطأ، وما ذكره ربما اتفق في الآحاد. # والزام دية الخطأ للعاقلة ليس هو مؤاخذة البرئ بالسقيم، فان ذلك ليس بعقوبة بل هو حكم شرعي تابع للمصالح، ولو خلينا والعقل ما أوجبناه. وقد قيل إن ذلك على وجه المواساة والمعاونة. # ثم قال " ومن قتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها " واستدلت المعتزلة بهذه الآية على أن مرتكب الكبيرة يخلد في نار جهنم وانه إذا قتل مؤمنا يستحق الخلود فيها ولا يعفى عنه. # ولنا ان نقول لهم: ما أنكرتم ان يكون المراد بالآية الكفار ومن لا ثواب له أصلا، فأما من يستحق الثواب فلا يجوز ان يكون مرادا بالخلود في النار أصلا. وقد استوفى الكلام فيه أصحابنا في الأصول. # PageV02P412 # وقد ذكر جماعة من المفسرين ان الآية متوجهة إلى من يقتل مؤمنا تعصبا لايمانه، وذلك لا يكون الا كافرا. # وقال علي بن موسى القمي: ان التقدير في الآية من يقتل مؤمنا لدينه، والوعيد ورد على هذا الوجه، لأنه إذا قتله لأجل انه مؤمن فقد كفر. # (فصل) اما قوله " يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه وان لم تؤتوه فاحذروا " (1 فقد قال أبو جعفر عليه السلام: نزلت في أمر بنى النضير ms548 وبنى قريضة (2. # قال قتادة: انما كان ذلك في قتيل بينهم، قالوا إن أفتاكم محمد بالدية فاقتلوا وان أفتاكم بالقود فاحذروه، فلما أرادوا الانصراف تعلقت قريضة بالنضير قالوا: يا أبا القاسم - وكرهوا أن يقولوا يا محمد لئلا يوافق ذلك ما في كتبهم من ذكره - هؤلاء إخواننا بنو النضير إذا قتلوا منا قتيلا لا يعطون القود منهم وأعطونا سبعين وسقا من تمر، وان اخذوا الدية اخذوا منا مائة وأربعين وسقا، وكذا جراحاتنا على انصاف جراحاتهم. فأنزل الله " وان تعرض عنهم فلن يضروك شيئا وان حكمت فاحكم بينهم بالقسط " (3 أي فاحكم بينهم بالسواء. فقالوا: لا نرضى بقضائك، فأنزل الله " أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون " (4. # ثم قال تعالى " وكيف يحكمونك وعندهم التوراة " (5 شاهدا لك فيما # PageV02P413 # يخالفونك. ثم فسر ما فيها من حكم الله فقال " وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين " الآية. # " فان تولوا " يعنى بني النضير لما قالوا لا نرضى بحكمك. # (باب) (القتل الخطأ وشبيه العمد) اعلم أن القتل على ثلاثة أضرب: # عمد محض، وهو أن يكون عامدا بآلة يقتل غالبا كالسيف والسكين والحجر الثقيل، عامدا في قصده، وهو أن يقصد قتله بذلك. فمتى كان عامدا في قصده عامدا في فعله فهو العمد المحض، قال تعالى " ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم " (1. # والثاني: خطأ محض، وهو ما لم يشبه شيئا من العمد، بأن يكون مخطئا في فعله مخطئا في قصده، مثل أن رمى طائرا فأصاب انسانا، فقد أخطأ في الامرين، قال الله تعالى " ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة " (2. # الثالث: عمد الخطأ أو شبه العمد، والمعنى واحد، وهو أن يكون عامدا في فعله مخطئا في قصده. فأما كونه عامدا في فعله فهو أن يعمد إلى ضربه لكنه بآلة لا تقتل غالبا كالسوط والعصا الخفيفة، والخطأ في القصد أن يكون قصده تأديبا وزجره وتعليمه لكنه ان مات منه فهو عامد في فعله مخطئ في قصده. # ويمكن أن يستدل على هذا النوع من القتل أيضا بقوله ms549 " وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا الا خطأ " الآية. فالخطأ شبيه العمد هو أن يعالج الطبيب غيره بما # PageV02P414 # قد جرت العادة بحصول النفع عنده أو بقصده فيؤدى ذلك إلى الموت. فان هذا وما قدمناه يحكم فيه بالخطأ شبيه العمد يلزم فيه الدية مغلظة، ولا قود فيه على حال. # والدية فيه تلزم القاتل بنفسه في ماله خاصة، وان لم يكن له مال استسعى فيها أو يكون في ذمته إلى أن يوسع الله عليه. والدية في ذلك مائة من الإبل أثلاثا، وهذه الدية تستؤدى في سنتين. # وعلى هذا القاتل بعد اعطاء الدية كفارة عتق رقبة مؤمنة، فإن لم يجد كان عليه صيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع أطعم ستين مسكينا، كما على قاتل الخطأ المحض، لان الآية أيضا دالة عليه. # وكفارة قتل العمد بعد العفو له ببدل أو بلا بدل هذه الثلاثة. والدليل عليه بعد الاجماع السنة، فإن لم يقدروا على ذلك تصدقوا بما استطاعوا وصاموا ما قدروا عليه. # (باب) (ديات الجوارح والأعضاء والقصاص فيها) قال الله تعالى " وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والاذن بالاذن والسن بالسن والجروح قصاص " (1. # هذا وإن كان اخبارا من الله تعالى انه مما كتب على اليهود في التوراة، فإنه لا خلاف أن ذلك ثابت في شرعنا. وذلك لأنه إذا صح بالقرآن أو بالسنة أن حكما من الاحكام كان ثابتا في شريعة من كان قبل نبينا من الأنبياء عليهم السلام # PageV02P415 # ولا يثبت نسخة لا قرآنا ولا سنه ة فإنه يجب العمل به. # يقول الله عز وجل: فرضنا على اليهود الذين تقدم ذكرهم في التوراة أن النفس بالنفس، ومعناه إذا قتلت نفس نفسا أخرى متعمدا فإنه يستحق عليه القود إذا كان القاتل عاقلا مميزا وكان المقتول مكافئا للقاتل، اما أن يكونا مسلمين حرين أو كافرين أو مملوكين، فأما أن يكون القاتل حرا مسلما والمقتول كافرا أو مملوكا فان عندنا لا يقتل به، وفيه خلاف بين الفقهاء. وإن كان القاتل مملوكا أو كافرا والمقتول مثله ms550 أو فوقه فإنه يقتل بلا خلاف. # ويراعى في قصاص الأعضاء ما يراعى في قصاص النفس من التكافؤ، ومتى لم يكونا متكافئين فلا قصاص على الترتيب الذي رتبناه في النفس سواء، وفيه أيضا خلاف. # ويراعى في الأعضاء التساوي أيضا، فلا يقلع العين اليمنى باليسرى، ولا يقطع اليمين باليسار، ولا يقطع الناقصة بالكاملة. فمن قطع يمين غيره وكانت يمين القاطع شلاء قال أبو علي: يقال له ان شئت قطعت يمينه الشلاء أو تأخذ دية يدك. وقد ورد في أخبارنا أن يساره تقطع إذا لم يكن للقاطع يمين. # وروى عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: دية اليد إذا قطعت خمسون من الإبل، فما كان جروحا دون الاصطلام (1 فيحكم به ذوا عدل منكم ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون (2. وفى هذا إشارة إلى أن الحكم بذلك أو بغيره ليس الا إلى حجة الله أو من يأمره الحجة. # فأما عين الأعور فإنها تقلع بالعين الذي يقلعها، سواء كانت المقلوعة عوراء أو لم تكن، فان قلعت العوراء كان فيها كمال الدية إذا كانت خلقة أو ذهبت # PageV02P416 # بآفة من الله تعالى أو تقلع أحد عيني القالع ويلزمه مع ذلك نصف الدية، وفيه خلاف. # (فصل) وقوله تعالى " والجروح قصاص " التقدير أوجبنا أن النفس تقتل إذا قتلت نفسا بغير حق وفرضنا عليهم أن الجروح قصاص. # وظاهر هذه الآية لا يقتضى انا متعبدون بهذه الأحكام، لأنها حكاية عن أمة أنه فرض عليهم ذلك، الا ان العلماء مجمعون على انا أيضا بهذه الأحكام متعبدون لا بهذه الآية بل بالآية التي في سورة البقرة وهي مجارية لهذه. ولا يجب من الاتفاق في كثير من المتعبدات أن تكون الشريعتان واحدة بعينها. # ومعنى " النفس بالنفس " تقتل النفس بسبب قتل النفس. قيل وذلك مجمل وله بيان طويل، وفيه تخصيص. # ومعنى " العين بالعين " تقلع العين لمن قلع عينا بغير حق. # وكذا ان قطع أنفه أو أذنه أو قلع أو كسر سنا له أو جرحه بجراحة يفعل ms551 به مثله. وهذا معنى قوله " والجروح قصاص " لان القصاص ان يتبع به فعله فيفعل مثل فعله، ومعناها ذات قصاص، أي يقاص الجارح قصاصا. # وتفاصيل هذه الأحكام بكتب الفقه أولى، لكنا نذكر ألفاظا يسيرة. # (فصل) وأما الجروح فإنه يقتص منها إذا كان الجارح مكافئا للمجروح على ما بيناه في النفس، فيقتص بمثل جراحته الموضحة بالموضحة والهاشمة بالهاشمة والمنقلة بالمنقلة. ولا قصاص في المأمومة وهي التي تبلغ أم الرأس، ولا الجائفة PageV02P417 # وهي التي تبلغ الجوف، لان في القصاص منهما تضريرا بالنفس. # ولا ينبغي أن يقتص الجراح بعد أن يندمل من المجروح، فإذا اندمل اقتص حينئذ من الجارح، وان سرت إلى النفس كان فيها القود. # وكسر العظم لا قصاص فيه وانما فيه الدية. # وكل جارحة كانت ناقصة فإذا قطعت كان فيها حكومة ولا يقتص بها الجارحة الكاملة، كيد شلاء وعين لا تبصر وسن سوداء متأكلة، فان في جميع ذلك حكومة لا تبلغ دية تلك الجارحة، وقد روينا في هذه الأشياء مقدرا، وهو ثلث دية العضو الصحيح. # والعين تقلع بالعين وان تفاوتتا في الصغر والكبر والحسن والقبح وزيادة البصر، الا أن تكون عمياء. # (فصل) وقوله تعالى " فمن تصدق به فهو كفارة له " الهاء في كفارة له يحتمل عودها إلى أحد أمرين: # أحدهما: - وهو الأقوى - أنها عائدة على المتصدق من المجروح أو ولي المقتول، لأنه إذا تصدق بذلك على الجارح لوجه الله تعالى كفر الله بذلك عنه عقوبة ما مضى من معاصيه. # الثاني: أنها تعود على المتصدق عليه، لأنه يقوم مقام أخذ الحق عنه. # وانما رجحنا الأول لان العائد يجب أن يرجع إلى مذكور وهو " من " والمتصدق عنه لم يجر له ذكر. على أنه لو كان ههنا كفارة وقصاص - كما قتل خطأ المؤمن في دار الاسلام كفارة ودية - لما سقطت الكفارة وان أسقط المجروح القصاص، كما لا تسقط الكفارة في قتل الخطأ وان تصدقوا بالدية فتسقط. # ومعنى من تصدق به عفا عن الحق وأسقط. PageV02P418 # فان قيل: هل يكفر الذنب الا التوبة أو اجتناب الكبيرة. # قلنا: ms552 على مذهبنا لا يجوز أن يكفر الذنب شئ من أفعال الخير، ويجوز أن يتفضل الله باسقاط (1 عقابها كما قال عليه السلام: من يعف يعف الله عنه (2 وقوله " فمن تصدق به " من لصاحب الحق والذي له أن يطلب القصاص، والضمير في " به " لحقه يقول ولي المقتول: ومن جرح أو أصيب عضو منه ان عفى واحد منهم عن حقه ولم يطالب بالقصاص أو الدية - فهو أي فعله ذلك وتركه لحقه - كفارة له، أي يكفر الله له ذنوبه فلا يؤاخذه بها. وقال ابن عباس: انه كفارة للحامي، أي يسقط عنه الولي والمخرج القود والقصاص عن القاتل والجارح. فالأول أوجه. # (فصل) وأما قوله " والذين إذا أصابعهم البغي هم ينتصرون " إلى قوله " وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله " (3. العفو في الآية المراد به ما يتلق بالإساءة إلى نفوسهم الذي له الاختصاص بها، فمتى عفوا عنها كانوا ممدوحين. # وأما ما يتعلق بحقوق الله وحدوده فليس للامام تركها ولا العفو عنها ولا يجوز له عن المرتد وعمن يجري مجراه. # " وجزاء سيئة سيئة مثلها " يحتمل أن يكون المراد ما جعل الله لنا الاقتصاص منه من النفس بالنفس والعين بالعين - الآية، فان المجني عليه [له] أن يفعل بالجاني مثل ذلك من غير زيادة. وسماه سيئة للازدواج، كما قال " وان عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به " (4. # PageV02P419 # ثم مدح العافي بماله أن يفعله فقال " فأجره على الله " أي فجزاؤه عليه وهو سبحانه يثيبه على ذلك " انه لا يحب الظالمين " أي لم أرغبكم في العفو عن الظالم لأني أحبه بل لأني أحب الاحسان والعفو. # ثم أخبر أن من انتصر بعد أن تعدي عليه فليس عليه سبيل قال قتادة " بعد ظلمه " فيما يكون فيه القصاص بين الناس في النفس أو الأعضاء أو الجرح، فأما غير ذلك فلا يجوز أن يفعل بمن ظلمه. # وقال قوم: ان له أن ينتصر على يد سلطان عادل، بأن يحمله إليه ويطالبه بأخذ حقه منه، لان السلطان هو الذي يقيم الحدود ويأخذ من ms553 الظالم للمظلوم. # (فصل) وقوله تعالى " ولقد خلقنا الانسان من سلالة من طين * ثم جعلناه نطفة في قرار مكين * ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما " (1. # فأول ما يكون الجنين نطفة وفيها عشرون دينارا، ويصير علقة وفيها أربعون دينارا وفيما بينهما بحساب ذلك، ثم يصير مضغة وفيها سبعون دينارا، ثم يصير عظما وفيه ثمانون دينارا، ثم يصير صورة بلا روح مكسوا عليها اللحم خلقا سويا شق له العينان والاذنان والأنف قبل أن تلجه الروح وفيه مائة دينار، ثم تلجه الروح وفيه دية كاملة. وبذلك قضى أمير المؤمنين عليه السلام وقرأ الآية (2. # قوله " يا أيها الناس ان كنتم في ريب من البعث فانا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم " (3. قال قوم: # PageV02P420 # أراد به جميع الخلق، لان النطفة التي خلقهم الله تعالى منها تكون من الغذاء والغذاء يكون من التراب والماء فكان أصلهم كلهم التراب، ثم أحاله بالتدريج إلى النطفة، ثم أحال النطفة علقة - وهي القطع من الدم جامدة - ثم أحال العلقة مضغة وهي شبيه قطعة من اللحم ممضوغة والمضغة مقدار ما يمضغ من اللحم، فخلقه تامة الخلق وغير تامة، وقيل متصورة وغير متصورة وهو السقط. # " ثم أنشأناه خلقا آخر " بنبات الأسنان والشعر وأعضاء العقل والفهم، وقيل خلقا آخر أي ذكرا وأنثى. # وجاء في الأثر أن الصحابة احتلفوا في الموؤودة ما هي، وهل الاعتزال وأد، وهل اسقاط المرأة جنينها وأد. قال علي عليه السلام: انها لا تكون موؤودة حتى يأتي عليها البارات السبع. فقال عمر: صدقت (1. # وأراد أمير المؤمنين عليه السلام بالبارات السبع طبقات الخلق السبع المثبتة في قوله " ولقد خلقنا الانسان من سلالة " الآية. فعنى سبحانه ولادته ميتا، فأشار علي عليه السلام أنه إذا استهل بعد الولادة ثم دفن فقد وئد، وقصد بذلك أن يدفع قول من توهم أن الحامل إذا أسقطت جنينها قبل أن تلجه الروح بالتداوي فقد وأدته. # (باب الزيادات) اعلم أن الحر ms554 لا يقتل بالعبد أخذا بقوله تعالى " كتب عليكم القصاص في القتلى "، وهي مفسرة لما أبهم في قوله " النفس بالنفس "، لان تلك واردة لحكاية ما كتب في التوراة على أهلها وهذه خوطب بها المسلمون وكتب عليهم فيها. # وروي أنه كان بين حنين دماء في الجاهلية فأقسموا لنقتلن الاثنين بالواحد والحر بالعبد، فتحاكموا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله حين جاء الاسلام، فنزلت وأمرهم أن يتساووا. # PageV02P421 # وقوله " فمن عفي له من أخيه شئ "، كقولك " سير " يريد بعض السير، ولا يصح أن يكن " شئ " في معنى المفعول به، لان عفى لا يتعدى إلى المفعول به الا بواسطة. # و " أخوه " هو ولي المقتول، وذكره بلفظ الاخوة ليعطف أحدهما على صاحبه بذكر ما هو ثابت بينهما من الجنسية والاسلام. # فان قيل: ان " عفا " يتعدى بعن لا باللام، فما وجه قوله " فمن عفى له "؟ # قلنا: يتعدى بعن إلى الجاني والى الذنب فيقال " عفوت عن فلان وعن ذنبه " قال تعالى " عفا الله عنك " (1 وقال " عفا الله عنها " (2، فان تعدى إلى الذنب قيل " عفوت لفلان عما جنى " كما يقال " تجاوزت له عنه ". وعلى هذا فما في الآية كأنه قيل: فمن عفا له من جنايته. فاستغنى عن ذكر الجناية. # فان قيل: هنا فسرت عفا بترك جنى يكون شئ في معنى المفعول به. # قلنا: لان عفا الشئ إذا تركه ليس يثبت ولكن أعفاه ذمته، قوله عليه السلام " أعفوا اللحى ". # فان قيل: فقد ثبت قولهم " عفا الشئ " إذا نحاه فان له فهلا فعلت معناه فمن عفا له من أخيه شئ. # قلنا: عبارة قلقه في مكانها، والعفو في الجنايات عبارة مشهورة في الشرع فلا نعدل عنها. # مسألة: # قول " ولكم في القصاص حياة " (3 عرف القصاص ونكر الحياة، لان المعنى # PageV02P422 # ولكم في هذا الجنس من الحكم الذي هو القصاص حياة عظيمة، وذلك أنهم كانوا يقتلون بالواحد الجماعة، كما قاد مهلهل بأخيه كليب حتى كاد يفنى بكر بن وائل، فلما جاء الاسلام فشرع القصاص كانت فيه حياة أي حياة أو نوع من ms555 الحياة، وهي الحياة الحاصلة بالارتداع عن القتل، لوقوع العلم بالاقتصاص من القاتل. وقرئ " ذلكم في القصص حياة " أي مما قص عليكم من حكم القتل والقصاص. # مسألة: # وقوله " ولا تقتلوا النفس التي حرم الله الا بالحق " (1 أي بإحدى ثلاث الا بأن يكفر أو يقتل مؤمنا عمدا أو يزني بعد احصان. # " ومن قتل مظلوما " أي غير راكب واحدة منهن " فقد جعلنا لوليه سلطانا " على العاقل في الاقتصاص منه " فلا يسرف " الولي، أي فلا يقتل غير القاتل، وقيل الاسراف المثلة. وقرئ " فلا يسرف " بالرفع على أنه خبر في معنى الامر، وفيه مبالغة ليست في الامر. وقرئ بالتاء على خطاب الولي أو قتل المظلوم. # " انه كان منصورا " الضمير اما للولي، يعني حسبه ان الله ناصره بأن أوجب له القصاص فلا يسترد على ذلك، وبأن الله نصره بمعونة السلطان وباظهار المؤمنين على استيفاء الحق فلا يقع ما وراء حقه: اما المظلوم لان الله ناصره حيث أوجب القصاص بقتله وبنصره وفى الآخرة بالثواب، وأما الذي يقتله الولي بغير الحق ويسرف في قتله فإنه منصور بايجاب القصاص على المسرف. # PageV02P423 # مسألة: # وأما قوله " ومن قتل نفسا بغير نفس " فتقديره بغير قتل نفس " أو فساد " عطف على نفس بمعنى أو بغير فساد، وهو الشرك أو قطع الطريق. # فان قيل: كيف شبه الواحد بالجمع وجعل حكمه حكمهم؟ # قلنا: لان كل انسان مدلى بما يدلى به الاخر وثبوت الحرمة، فإذا قتل فقد أهين وتركت حرمته وعلى العكس، فلا فرق بين الواحد والجمع في ذلك. # " ثم إن كثيرا منهم بعد ذلك " أي بعد ما كتبنا عليهم " لمسرفون " في القتل لا يبالون بعظمته. # مسألة: # سئل أبو عبد الله عليه السلام عن القسامة في القتل فكان بدؤها من قبل رسول الله صلى الله عليه وآله فقد وجد أنصاري قتل، قالوا: يا رسول الله قتلت اليهود صاحبنا. قال: ليقسم منكم خمسون رجلا [على أنهم قتلوه] (1. فقالوا: نقسم على ما لم نر. فقال: ليقسم اليهود. قالوا: من يصدق اليهود. فقال: أنا أؤدي دية صاحبكم، ان ms556 الله (2 حكم في الدماء ما لم يحكم في شئ من حقوق الناس لتعظيمه الدماء... فاليمين على المدعى عليه في سائر الحقوق وفى الدم على المدعي (3 - كما ترى. # PageV02P424 # مسألة: # " وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا الا خطأ " (1 أي ما صح ولا استقام ولا لاق بحاله أن يقتل مؤمنا ابتداءا غير قصاص الا خطأ، أي الا على وجه الخطأ. # وانتصب خطأ على أنه مفعول له، أي ما ينبغي له أن يقتله لعلة من العلل الا للخطأ وحده. ويجوز أن يكون حالا، بمعنى لا يقتله في حال من الأحوال الا في حال الخطأ، وأن يكون صفة مصدرا الا قتلا خطأ. # " ومن قتل مؤمنا خطأ فعليه تحرير رقبة " (1. والتحرير الاعتاق، والرقبة عبارة عن النسمة كما عبر عنها بالرأس، يقال " فلان يملك كذا رأسا من الرؤس ". # فان قيل: على من يجب الدية أو الرقبة؟ # قلنا: على القاتل، الا أن الرقبة في ماله على كل حال، والدية إن كان أقر هو على نفسه بذلك فعلى ماله أيضا على الأحوال، وإن كان بإقامة البينة عليه بذلك فالدية يتحملها عنه العاقلة، فإن لم يكن له عاقلة أو كانوا ولم يكن لهم مال ففي ماله، وان لم يكن يستسعى، وان لم يكن ففي بيت المال. # " الا أن تصدقوا " عليه بالدية، ومعناه العفو. # فان قيل: بم يتعلق " أن تصدقوا " وما محله؟ # قلنا: يتعلق بعليه أو بتسليمه، كأنه قيل ويجب عليه الدية أو تسليمها الا حين تتصدقون عليه، ومحلها النصب على الظرف بتقدير خلاف الزمان، كقولهم " اجلس ما دام زيد جالسا ". ويجوز أن يكون حالا من أهله، بمعنى الا يتصدقن. # مسألة: # قوله " وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين " (2 المعطوفات # PageV02P425 # كلها قرئت منصوبة ومرفوعة، والرفع للعطف على محل أن النفس، لان المعنى وكتبنا عليهم النفس بالنفس، اما لاجراء كتبنا مجرى لنا واما لان معنى الجملة التي هي قوله " النفس بالنفس " ما يقع عليه الكتب كما يقع عليه القراءة. # وكذلك قال الزجاج لو قرئ " ان النفس بالنفس ms557 " بالكسر لكان صحيحا أو الاستئناف، والمعنى فرضنا عليهم فيها أن النفس مأخوذة بالنفس مقتولة بها إذا قتلها بغير حق. # وكذلك العين مفقوءة بالعين والأنف مجدوع بالأنف والاذن مقطوعة بالاذن والسن مقلوعة بالسن والجروح ذات قصاص، وهو المقاصة. ومعناه ما يمكن فيه القصاص ويعرف المساواة. # مسألة: # ان قيل في قوله تعالى " والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون " (1 أهم محمودون على الانتصار؟ # قلنا: نعم، لان من أخذ الحق غير متعد حد الله ولم يسرف في القتل إن كان ولي الدم أو رد على سفيه محاماة على عرضه فهو مطيع وكل مطيع محمود. # على أن كلتا التعليلين الأولى وجزاؤها سيئة لأنها تسوء من ينزل به. # والمعنى أنه يجب إذا قوبلت الإساءة أن يقابل بمثلها من غير زيادة، فمن عفى وأصلح بينه وبين خصمه بالعفو فأجره على الله، عدة مبهمة لا يقاس أمرها في العظم، لأنه لا يحب الظالمين دلالة على أن [..] (2 لا يكاد مؤمن فيه تجاوز بالسيئة، خصوصا في حال الحرب والتهاب الحمية. والله أعلم بالصواب. # PageV02P426 # (باب) (فيما يحتاج إليه الناظر في هذا الكتاب) اعلم أن القرآن على ثلاثة أقسام مما استدللنا به: # أحدها: ما هو مجمل لا ينبئ الظاهر عن المراد به تفصيلا، مثل قوله تعالى " أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة " (1 وقوله " ولله على الناس حج البيت " (2 وقوله " في أموالهم حق معلوم " (3 وما أشبه ذلك، فان تفصيل أعداد الصلاة وعدد ركعاتها وتفصيل مناسك الحج وشروطه ومقادير النصاب في الزكاة لا يمكن استخراجه الا ببيان النبي عليه السلام ووحي من جهة الله تعالى، فتكلف القول في ذلك خطأ وممنوع منه. ويمكن أن تكون الاخبار متناولة له، قال الله تعالى وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليك " (4. # وثانيها: ما كان لفظه مشتركا بين معنيين فما زاد عليهما، ويمكن أن يكون كل واحد منهما مرادا، فإنه لا ينبغي أن يقدم أحد فيقول " هذا مراد الله منه " الا بقول معصوم عليه السلام، بل ينبغي أن يقول: ان الظاهر يحتمل الأمور وكل ms558 واحد يجوز أن يكون مرادا على التفصيل. ومتى كان اللفظ المشترك بين شيئين أو ما زاد عليهما ودل الدليل على أنه لا يجوز أن يريد الا وجها واحدا جاز أن يقال إنه المراد. # وثالثها: يكون ظاهره مطابقا لمعناه، فكل من عرف اللغة التي خوطب بها # PageV02P427 # عرف معناها، مثل قوله تعالى " ولا تقتلوا النفس التي حرم الله الا بالحق " (1 ومثل قوله " قل هو الله أحد " (2 وغير ذلك. # ولا ينبغي لاحد أن ينظر في تفسير آية لا ينبئ ظاهرها عن المراد مفصلا أن يقلد أحدا من المفسرين، الا أن يكون التأويل مجمعا عيه فيجب اتباعه لمكان الاجماع الذي هو حجة، لان من المفسرين من حمدت طرائقه ومدحت مذاهبه في التأويل كابن عباس والحسن وقتادة ومجاهد وغيرهم، ومنهم من ذمت مذاهبه كأبى صالح والسدي والكلبي. # هذا في الطبقة الأولة، فأما المتأخرون فكل واحد منهم نصر مذهبه وتأول على ما يطابق أصله، فلا يجوز لاحد أن يقلد أحدا منهم، بل ينبغي أن يرجع إلى الأدلة الصحيحة اما العقلية أو الشرعية من اجماع عليه أو نقل متواتر به عمن يجب اتباع قوله. ولا يقبل في ذلك خبر واحد وخاصة إذا كان مما طريقه العلم. # ومتى كان التأويل مما يحتاج إلى شاهد من اللغة، فلا يقبل من الشاهد الا ما كان معلوما بين أهل اللغة سائغا بينهم، ولا يجعل الشاذ النادر شاهدا على كتاب الله، وينبغي أن يتوقف فيه ويذكر ما يحتمله ولا يقطع على المراد منه بعينه ويحتاط في ذلك كله، فان كل آخذ بالاحتياط غير زال عن الشرائط. # (فصل) ثم أعلم أن الله سبحانه أغنانا بفضله في الشرعيات عن أن تستخرج أحكامها بالمقاييس والاجتهادات التي تصيب مرة وتخطئ أخرى، بل بين جميع ما يحتاج إليه المكلفون في تكليفهم عقلا وشرعا ووقفهم عليه في كتابه وعلى لسان # PageV02P428 # نبيه وحججه عليه وعليهم السلام، فلا حاجة مع ذلك إلى تعسف وتكلف. # والفقيه ينبغي أن يكون كيسا فلا يختلجه بعد العلم شك على حالة، فان من ms559 ألطافنا الخاصة ما يروونه آل محمد عنه صلى الله عليه وآله في أشياء كثيرة يعلم وجوبها اجماع أنها من السنن: # كغسل من مس ميتا من الناس بعد البرد وقبل التطهير، فإنه يعلم بالاجماع الذي هو حجة وجوب ذلك، فإذا قال عليه السلام ان ذلك سنة [لا؟؟؟ فلو الوصن] (1، فان معناه أو وجوبه يعلم بالسنة لا بالكتاب. # وكذلك إذا قال عليه السلام غسل يوم الجمة واجب وعلم بالاجماع كونه مستحبا، يعلم أن المراد به شدة التأكيد في استحبابه. # وكذلك إذا علم من الأثر النبوي علما مقطوعا على صحته أن الأغسال الواجبة هي غسل الجنابة وغسل الحيض والاستحاضة والنفاس وغسل مس الميت على ما ذكرناه وتغسيل الأموات فقط وغسل من رأى أثر المني على ثيابه التي لا يستعملها الا هو بأن لم يذكر احتلاما. # ثم ورد عنه صلى الله عليه وآله بطريقة أهل بيته عليهم السلام أن من ترك صلاتي الكسوف والخسوف متعمدا وقد احترق القرصان يجب عليه القضاء مع الغسل، فلا يوهمنه نظم هذا الكلام أن غسل قاضي هذه الصلاة على هذا الوجه واجب مع تقدم علمه بكونه مستحبا غير واجب بتفصيل من النصوص، وانما تثبت بايراد هذه المسألة على أخواتها. # واعلم أن جميع كلامهم عليهم السلام الوارد في الأصول رموز وإشارات، كيلا يرى أحد أنه تعليم بل تقويم، وأكثر ما فيه أنه تنبيه. فان كلامهم عليهم السلام في فروع الفقه بيان وايضاح كي لا يتورط أحد في القياس. وقد أبى أكثر # PageV02P429 # الناس الا خلاف ما أشاروا إليه، فسكتوا عن العقليات وتكلموا في الشرعيات. # * * * وقد وفيت بعون الله بما شرطت في صدر الكتاب، والله سبحانه ينفعني. # وأسأل الناظر فيه أن لا يخليني من صالح دعائه، فقد كفته مؤمنة الدأب وصعوبة الطلب، فسرت له ما خلته ملتبس على من يقتبس. # والحمد لله وحده والصلاة على خير خلقه محمد وآله من بعده..# PageV02P430 ms560