######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0007502 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: عبد الرحمن بن محمد بن عبيد الله الأنصاري، أبو البركات، كمال الدين الأنباري (المتوفى: 577هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 577 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: أسرار العربية #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: كتب اللغة #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0007502 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-7502 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/7502 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: الأولى 1420هـ- 1999م #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار الأرقم بن أبي الأرقم #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | مقدمة # التحقيق # الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم الأنبياء ~~والمرسلين، وعلى آله وصحبه الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ~~وبعد: # فقد أعز الله -تبارك وتعالى- هذه الأمة بأن جعل لغتها لغة القرآن المتعبد ~~بتلاوته إلى يوم القيامة؛ فأكرم الله -عز وجل- هذه اللغة، وأعلى من شأنها، ~~حيث صارت علومها من علوم الدين؛ ولذا انبرى سلفنا الصالح للقيام بالواجب ~~تجاه هذه اللغة وقدسيتها، فقعدو قواعدها، وأرسوا أسس علوم نحوها، وصرفها، ~~وبلاغتها، وآدابها، وما يتعلق بكل جانب من جوانبها، حتى تكامل بنياتها، ~~وتشعبت ميادينها، وصار لكل علم من علومها ولكل فن من فنونها علماء متخصصون ~~يدرسون ويؤلفون، ويتتلمذ على أيديهم طلاب علم مجدون، لا يلبثون أن يصبحوا ~~بعد فترة من الزمن علماء عاملين مجددين ومحافظين، يتابعون طريق أساتذتهم ~~وشيوخهم في مجال التصنيف والتدريس؛ وهكذا، تنتقل الأمانة من جيل إلى جيل ~~إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. # ولعل أهم ما يميز هذا العصر عما تقدمه من عصور هو التفات أبنائه إلى تراث ~~الآباء والأجداد، والسعي الحثيث إلى بعثه وتحقيقه؛ لما فيه من ذخائر وكنوز، ~~قل نظيرها عند غيرنا من الأمم مدفوعين إلى ذلك بدافع ديني، وهو الحفاظ على ~~علوم الدين -ومنها علوم اللغة وآدابها- وبدافع قومي، وهو الحفاظ على اللغة ~~العربية حية متجددة؛ لأنها العامل الموحد والأساس من عوامل الوحدة العربية؛ ~~فالمحافظة عليها, وعلى تراثها، ضرورة ملحة، وواجب قويم يقع على عاتق ~~أبنائها، إذا كانوا أمناء بحق وصدق على ما أولاهم الله -تعالى- واختصهم به ~~من مقدرات هذه الأمة تسارعت أمم الأرض من كل # PageV01P005 # حدب وصوب؛ لاستنزاف خيراتها، وتدمير ما خلفه الأسلاف للأحفاد من أبنائها ~~في مجالات الحضارة على اختلافها. # فحري بمثقفي هذه الأمة المتخصصين من أبنائها أن يحافظوا على تراث الآباء ~~والأجداد، وأن يسعوا جاهدين لتجديده، وإحيائه، ودراسته، وفهمه، وشرحه، ~~والزيادة عليه بما يتوصلون إليه من معارف وعلوم وفنون؛ لأن العلوم حلقات ~~متصلة عبر مسيرة الحياة، وهكذا يتم التواصل بين الأجداد والأحفاد. # من هذا المنطلق، ms001 قررت أن يكون أحد تخصصاتي الجامعية في الدراسات العليا ~~تحقيق أثر من آثار سلفنا الصالح، ثم تابعت السير على طريق البحث والتحقيق، ~~لعلي أساهم مساهمة متواضعة في وضع لبنة ما في صرح تراثنا الشامخ. # وأما اختياركتاب: أسرار العربية، لأبي البركات الأنباري، فلما يتسم به ~~هذا الكتاب من جدة في موضوعه، وبحثه عن علل الإعراب، وأسباب تسمية كثير من ~~المصطلحات النحوية التي يعود إليه الفضل في جمعها، وإن كان النحاة قبله قد ~~ذكروا شيئا منها في ثنايا موضوعاتهم التي طرقوها. # ولم يكن أبو البركات في كتابه هذا جامعا وحسب، وإنما كان يطرح التساؤلات، ~~ثم يجيب عنها إجابة العالم الواثق، السريع البديهة، الحاضر الذهن، في ~~الإتيان بالشواهد المناسبة، والحجج القاطعة التي يدعم بها آراءه. كيف لا؟ ~~وهو العالم الحاذق الذي تتبع مسائل الخلاف بين البصريين والكوفيين1، وتعرف ~~أسس كلا المذهبين، وحججهما، فتبنى ما رآه صوابا -وفق اعتقاده- وفند الحجج ~~التي رآها بعيدة عن الصواب بأسلوب واضح، ينم عن ذكاء خارق، وسعة اطلاع. # وما أريد أن أثير انتباه الدارسين والباحثين وطلاب الدراسات العليا إليه ~~في هذه العجالة، هو أن ابن الأنباري وضع اللبنات الأولى لفنين اثنين في ~~غاية الأهمية من خلال كتابيه: أسرار العربية، والإنصاف في مسائل الخلاف بين ~~البصريين والكوفيين، ففي الأول -أسرار العربية- شق الطريق إلى إيجاد فن ~~متكامل في مجال الدراسات النحوية، يمكن أن نطلق عليه اسم: الفلسفة النحوية. ~~PageV01P006 # وفي الثاني -الإنصاف في مسائل الخلاف- مهد الطريق إلى إيجاد فن متكامل في ~~المجال نفسه، يمكن أن نطلق عليه اسم: النحو المقارن؛ وكلا الفنين لما يتطرق ~~إليه أحد حتى الآن. فعلى الباحثين والدارسين المعاصرين تقع مسئولية معالجة ~~هذين الفنين وتكاملهما؛ لما فيهما من الأهمية بمكان على طريق تهذيب النحو ~~العربي، وتسهيل قواعده، واعتماد الأسهل، والأنسب، والموافق للأسس التي قام ~~عليها، وتجاوز الآراء الغريبة التي تعتمد أدلة وحججها واهية، لا داعي لأن ~~نشحن أذهان ناشئتنا بها. # فلهذا الكتاب -أسرار العربية- أهمية خاصة، ينبغي الانتباه إليها، ولعلها ~~أحد الأسباب التي دعتني إلى تحقيقه والتعليق عليه. وأما عملي ms002 فيه، فقد ~~أوضحته في قسم التمهيد من هذا الكتاب الذي جاء في ثلاثة أقسام هي: # القسم الأول: قسم التمهيد: وفيه تناولت المباحث التالية: # أولا: تعريف موجز بأبي البركات الأنباري. # ثانيا: منهج أبي البركات النحوي في كتاب أسرار العربية. # ثالثا: عملنا في الكتاب. # القسم الثاني: الكتاب محققا. # القسم الثالث: قسم المسارد الفنية. # وفي الختام لا بد من التقدم بأسمى آيات التقدير والاحترام إلى كل من ساهم ~~في صف هذا الكتاب، وإخراجه، وطبعه، وتجليده، ونشره؛ وأخص بالذكر الصديق ~~الحاج أحمد أكرم الطباع صاحب دار الأرقم بن أبي الأرقم للطباعة والنشر ~~والتوزيع ومديرها؛ لما يقوم به من عمل مشكور في ميدان إحياء التراث العربي ~~والإسلامي من خلال قيامه بطباعة الكثير من الكتب التراثية النفيسة؛ فجزاه ~~الله تعالى خير الجزاء، وجعل ذلك في صحيفة عمله يوم القيامة. # وأسأل الله -جل جلاله- أن يهيئ لهذا التراث من يقوم على خدمته بأمانة ~~ونزاهة إلى يوم الدين. وأتضرع إليه -جل في علاه- أن يحف علينا جوارحنا ~~وملكة تفكيرنا على الدوام، وأن يجعلها الوارثة منا، إنه هو الرحيم الرحمن. # {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته # PageV01P007 # على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر ~~لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين} [البقرة: 286] . # وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين # وكتبه: بركات يوسف هبود # بيروت في 15/ ذي القعدة/ 1419ه # الموافق له 3/ آذار/ 1999م # PageV01P008 # القسم الأول: قسم ال ### | تمهيد # ويشمل المباحث التالية: # أولا: تعريف موجز بالأنباري. # ثانيا: منهج الأنباري النحوي في كتاب أسرار العربية. # ثالثا: عملنا في الكتاب. # PageV01P009 # أولا: تعريف موجز بالأنباري # اسمه ونسبه: هو عبد الرحمن بن محمد بن عبيد الله بن أبي سعيد الأنباري1؛ ~~لقبه كمال الدين، وكنيته أبو البركات2. # المولد والنشأة: # ولد في الأنبار، وسمع من أبيه فيها، ثم قدم بغداد في صباه، وسكن فيها إلى ~~أن مات؛ وكانت ولادته سنة 513ه على الأرجح. # شيوخه وطلبه العلم: سمع عن أبيه في صباه في بلدة ms003 الأنبار، ولما قدم إلى ~~بغداد، قرأ اللغة على أبي منصور الجواليقي3، وصحب أبا السعادات، الشريف هبة ~~الله ابن PageV01P013 # الشجري1 حتى برع في النحو. وأخذ الفقه على سعيد بن الرزاز2، وتفقه على ~~مذهب الشافعي بالمدرسة النظامية. وسمع الحديث من أبي منصور، محمد بن عبد ~~الملك بن خيرون3، وأبي البركات، عبد الوهاب بن المبارك الأنماطي4، وغيرهما. # تلاميذه: لم تذكر كتب التراجم من تلاميذه أحدا يذكر سوى الحافظ أبي بكر ~~الحازمي5 الذي روى عنه؛ والرواية غير التلمذة كما هو معلوم. ولعل سبب ذلك ~~هو انصراف أبي البركات إلى التأليف؛ واعتزاله الناس أكثر أوقاته كما سنرى. # منزلته العلمية: كان ابن الأنباري إماما ثقة، غزير العلم في اللغة والأدب ~~وتاريخ الرجال6، درس النحو في المدرسة النظامية ببغداد، وصار معيدا فيها. ~~وكان يعقد مجلس الوعظ، ثم قرأ الأدب، وحدث باليسير، لكن روى الكثير من كتب ~~PageV01P014 # الأدب. وصفه الشيخ موفق الدين البغدادي -629ه قائلا: لم أر في العباد ~~والمنقطعين أقوى منه في طريقه، ولا أصدق منه في أسلوبه، جد محض لا يعتريه ~~تصنع، ولا يعرف السرور، ولا أحوال العالم..1. # تدينه وورعه: كان أبو البركات الأنباري متدينا ورعا، تفقه في المدرسة ~~النظامية على مذهب الشافعي -كما أسلفنا- ثم حدث فيها. وكان إماما ثقة ~~صدوقا، وفقيها مناظرا غزير العلم، وعفيفا لا يقبل عطايا الخلفاء والأمراء، ~~وكان يرضى بالكفاف من العيش، ويلبس الخشن من الثياب. وكان يعيش حياة ~~الزاهدين معتمدا على أجرة دار وحانوت؛ مقدار أجرتهما نصف دينار في الشهر. # وذكر بعض من ترجم لأبي البركات أن المستضيء2 أرسل إليه خمسمائة دينار، ~~فردها؛ فقالوا له: اجعلها لولدك؛ فقال: إن كنت خلقته فأنا أرزقه. # وكان رحمه الله تعالى يلبس في بيته ثوبا خلقا، وكان له ثوب وعمامة من قطن ~~يلبسهما يوم الجمعة. # وقيل: إنه انقطع في آخر عمره في بيته مشتغلا بالعلم والعبادة، وترك ~~الدنيا، ومجالسة أهلها، ولم يكن يخرج إلا لصلاة الجمعة3. # آثاره: صنف أبو البركات الأنباري كثيرا من الكتب والكتيبات والرسائل في ~~المجالات اللغوية، والنحوية، والفقهية، والأصولية، والكلامية، والتاريخية، ~~وغيرها. ms004 وذكر بعضهم له ديوان شعر، والأرجح أن يكون نظم الأبيات أو ~~المقطوعات على غرار العلماء والأدباء الذين ينظمون بعض القصائد أو ~~المقطوعات في مناسبات مختلفة. PageV01P015 # وأما مؤلفاته: فقد ذكر السبكي في كتابه: طبقات الشافعية الكبرى، أن لأبي ~~البركات في اللغة والنحو ما يزيد على خمسين مصنفا. وجاء بعده السيوطي، ~~ليوصلها في كتابه: بغية الوعاة، إلى سبعين مصنفا. وأما ابن العماد، فقد ~~أوصلها في كتابه: شذرات الذهب، إلى ثمانين مصنفا ومائة مصنف. وتجدر الإشارة ~~-هنا- إلى أن المصنف قد يحتوي عددا من الأوراق والصفحات، وقد يتجاوز ذلك ~~إلى العشرات، والمئات. وسنكتفي في هذه العجالة بذكر أهم مصنفاته اللغوية ~~والنحوية؛ وهي: ### | 1- # أسرار العربية. ### | 2- # الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين البصريين والكوفيين. ### | 3- # البلغة في أساليب اللغة. ### | 4- # تفسير غريب المقامات الحريرية. ### | 5- # الزاهر في اللغة. ### | 6- # شرح السبع الطوال. ### | 7- # كتاب اللمعة في صنعة الشعر. ### | 8- # نزهة الألباء في طبقات الأدباء. # شعره: # كان رحمه الله تعالى ينظم الشعر كغيره من العلماء الذين رزقوا قريحة ~~شعرية وأغلب الظن أنه كان مقلا؛ لانشغاله بعلوم الدين واللغة والأدب من ~~جهة، ولتورعه الذي يربأ به عن الانسياق وراء شيطان الشعر، وتضييع الوقت ~~فيما لا فائدة ترجى منه يوم المعاد من جهة ثانية؛ ومن شعره: [الكامل] # العلم أوفى حلية ولباس ... والعقل أوقى جنة الأكياس # والعلم ثوب والعفاف طرازه ... ومطامع الإنسان كالأدناس # والعلم ثوب يهتدى بضيائه ... وبه يسود الناس فوق الناس1 # وذكر السيوطي في بغية الوعاة: # [البسيط] # إذا ذكرتك كاد الشوق يقتلني ... وأرقتني أحزان وأوجاع # وصار كلي قلوبا فيك دامية ... للسقم فيها وللآلام إسراع PageV01P016 # فإن نطقت فكلي فيك ألسنة ... وإن سمعت فكلي فيك أسماع1 # وفاته: توفي أبو البركات الأنباري -رحمه الله تعالى- ليلة الجمعة في ~~التاسع من شعبان سنة سبع وسبعين وخمسمائة هجرية 577ه، 1181م، ودفن بتربة ~~الشيخ أبي إسحاق الشيرازي2. PageV01P017 # ثانيا: منهج الأنباري النحوي في كتاب أسرار العربية # يعد ابن الأنباري من متأخري النحاة، وهو أحد أعلام المدرسة البغدادية ~~-كما هو معلوم- فطبعي أن يكون هذا الرجل -بتأخره، وذكائه، وإخلاصه في طلب ~~العلم، وباستقامته التي عرف ms005 بها طول حياته- أن يتحرر من الأهواء، وأن ينهج ~~النهج الذي يتفق مع قناعاته، واستنتاجاته التي توصل إليها بعد طول مدارسة ~~ومعاناة. وقد رأينا ابن الأنباري في كتابه المشهور: # مسائل الخلاف بين البصريين والكوفيين، ذا عين بصيرة، وقوة في عرض حجج كل ~~من البصريين والكوفيين، وغيرهم، ومن ثم تفنيد الحجج التي يراها بعيدة عن ~~الصواب، وتأييد الحجج التي يقتنع بها، مبينا في كثير من الأحيان سبب تبنيه ~~لرأي دون رأي، ولحجة دون أخرى، بطريقة علمية موضوعية مقنعة. وهو إذ وافق ~~البصريين في أكثر مسائل الخلاف، لا لانحيازه إليهم -كما يرى بعض الدارسين1؛ ~~بل لأنه رأى آراءهم أكثر سدادا، وحججهم أكثر إقناعا؛ وعلى كل فإليه يعود ~~الفضل في إظهار أسس كل مذهب من المذهبين؛ ولا يضيره بعد ذلك اقتناعه بآراء ~~أحد الفريقين، ولا سيما إذا وجده الأنسب، والأقرب إلى الصواب وفق اعتقاده. # وقد سار أبو البركات في كتاب أسرار العربية على النهج نفسه من حيث العرض، ~~والتفنيد، والتأييد، وإن كان في أكثر الأبواب يؤيد آراء البصريين؛ لكونها ~~أكثر إقناعا، وأقل تكلفا. # وأما موضوع كتاب أسرار العربية بشكل عام، فهو العلل النحوية والإعرابية، ~~وأسباب تسمية مسميات كثير من المصطلحات النحوية، وأسباب تسمية الحركات، ~~وصيغ الجموع، وغير ذلك. وكان ابن الأنباري في منتهى PageV01P018 # الذكاء والعبقرية في توليد التساؤلات والإجابة عنها حتى يقرب المادة من ~~نفوس الناشئة، وييسر سبيل دخولها إلى الأذهان. # وجاء هذا الكتاب في أربعة وستين بابا، تناولت ما له صلة في موضوع بحثه في ~~أبواب كتب النحاة. ولم يكن أبو البركات يستطرد على عادة النحاة، بل كان ~~يطرح التساؤل، ثم يجيب عنه مباشرة بعبارات مركزة واضحة؛ كما جاء في باب: ما ~~الكلم؟ على سبيل المثال: فما الفرق بين الكلم والكلام؟ قيل: الفرق بينهما ~~أن الكلم ينطلق على المفيد، وعلى غير المفيد؛ وأما الكلام، فلا ينطلق إلا ~~على المفيد خاصة1. # وأحيانا، كان يولد التساؤلات التي قد تدور على ألسنة الناشئة والمتبحرين ~~على حد سواء، ثم ينبري للإجابة عنها مستطردا استطرادا مركزا هو أقرب ms006 إلى ~~التفريغ منه إلى الاستطراد؛ ليوضح الفكرة، ويعلل صحة ما ذهب إليه بشاهد من ~~الشعر، أو النثر، كما جاء في باب التثنية على سبيل المثال: # إن قال قائل: ما التثنية؟ قيل: التثنية صيغة مبنية للدلالة على الاثنين؛ ~~وأصل التثنية العطف؛ تقول: قام الزيدان، وذهب العمران؛ والأصل: قام زيد ~~وزيد، وذهب عمرو وعمرو إلا أنهم حذفوا أحدهما، وزادوا على الآخر زيادة دالة ~~على التثنية للإيجاز والاختصار؛ والذي يدل على أن الأصل هو العطف أنهم ~~يفكون التثنية في حال الاضطرار، ويعدلون عنها إلى التكرار؛ كقول القائل: # كأن بين فكها والفك ... فارة مسك ذبحت في سك2 # وأحيانا، كان يصل إلى التعليل من دون استشهاد يذكر بآية من القرآن ~~الكريم، أو من الحديث الشريف، أو من الشعر، وإنما يلجأ إلى الاستنتاج ~~والمنطق، كما نلحظ ذلك في باب: العطف، على سبيل الذكر لا الحصر: # إن قال قائل: كم حروف العطف؟ قيل: تسعة؛ الواو، والفاء، وأو، ولا، وثم، ~~وبل، ولكن، وأم، وحتى. فإن قيل: فلم كان أصل حروف العطف الواو؟ قيل: لأن ~~الواو لا تدل على أكثر من الاشتراك فقط، وأما غيرها من الحروف، فتدل على ~~الاشتراك، وعلى معنى زائد على ما سنبين. وإذا كانت هذه الحروف تدل على ~~زيادة معنى ليس في الواو؛ صارت الواو بمنزله الشيء PageV01P019 # المفرد، والباقي بمنزلة المركب، والمفرد أصل للمركب1. # وأما طرق كتاب: أسرار العربية، فقد استقى أبو البركات كثيرا من مادته من ~~كتابه: الإنصاف في مسائل الخلاف، الذي أشرنا إليه، ومن كتب البصريين ~~والكوفيين على السواء؛ وكثيرا ما كان يشير إلى ذلك بقوله: "وقد أوضحنا ذلك ~~في مسائل الخلاف"2 أو "وقد أوضحنا ذلك في المسائل الخلافية"3، ونحو ذلك. # وأما أسلوبه في كتابه، فكان أسلوبا سلسا، سهلا، واضحا، بعيدا عن التعقيد، ~~شبيها إلى حد ما بأسلوب أبي محمد الحريري4 في كتابه: شرح ملحة الإعراب، فلا ~~تحس بالجفاف النحوي والمنطقي الذي تجده في كثير من كتب النحو التي كتبت في ~~ذلك العصر. والقارئ في كتاب أبي البركات الأنباري -أسرار العربية- لايشعر ~~بالملل والسأم ms007 الذي يساور من يقرأ أكثر تلك الكتب المشار إليها، والمدونة ~~في ذلك العصر وما قبله، وما بعده؛ لأنها محشوة بالغريب، متسمة بالتعقيد، ~~متصفة بكثرة الاستطرادات التي تجعل القارئ بعيدا عن التركيز والاستيعاب. # وخلاصة القول: إن كتاب أسرار العربية كتاب متميز في موضوعه، متميز في ~~طريقة عرضه لمادته، متميز، في وضوحه، وسهولته، متميز في حاجة المبتدئين ~~والمتخصصين إليه -على حد سواء- نظرا لأهميته. ويمكن أن يكون هذا الكتاب وما ~~شابهه باكورة فن جديد يمكن أن يطلق عليه اسم: الفلسفة النحوية، قوامه البحث ~~في العلل النحوية وتأويلاتها وتمحيصها وبيان الراجح من المرجوح من حجج ~~النجاة، وإبداء الرأي في تلك العلل، وبيان الأسس التي قامت عليها، وهل هي ~~أسس منطقية أو لغوية في ضوء الدراسات اللغوية المعاصرة. ويكون لهذا الفن من ~~الفائدة ما فيه على طريق توحيد المصطلحات النحوية، وإزالة الخلافات القائمة ~~بين أصحاب المذاهب النحوية بعد اعتماد الراجح، وتجاوز المرجوح، ولا سيما ~~ونحن نسعى إلى خدمة لغتنا، وتسهيل سبل تعلمها وإتقانها على مختلف الأصعدة. ~~PageV01P020 # ثالثا: عملنا في الكتاب # يتجلى عملنا في الكتاب في الجوانب التالية: # أولا: في المتن. ثانيا: في الحاشية. ثالثا: في المسارد الفنية، وسنلقي ~~الضوء على كل منها بشيء من الإيجاز. # أولا: في المتن # أ- التحقيق والمقابلة: # حيث قمنا بمقابلة النسخة المطبوعة بدمشق بتحقيق الأستاذ محمد بهجة ~~البيطار عضو مجمع اللغة العربية بدمشق؛ والنسخة من مطبوعات ذلك المجمع لعام ~~1957م، بنسخة خطية محفوظة في مكتبة الأسد الوطنية برقم: 1756عام. # وصف المخطوطة وأهميتها في التحقيق: # عدد أوراقها 90 ورقة؛ قياس الورقة: 21.5 × 15سم. وتتفاوت الصفحات في عدد ~~الأسطر غير أنها تزيد على العشرين. # وكذلك يتفاوت عدد الكلمات في الأسطر غير أنها لا تقل عن تسع كلمات، ولا ~~تزيد على ثلاث عشرة كلمة؛ والأغلب بين عشر إلى اثنتي عشرة كلمة في السطر ~~الواحد. # أول المخطوط قوله: "الحمد لله كاشف الغطاء ومانح العطاء ذي الجود ~~والأنداء والإعادة والإبداء ... ". # وآخر المخطوط قوله في شرح قول الشاعر: # غداة طغت علماء بكر بن وائل ... وعجبنا صدور الخيل نحو ms008 تميم # يريدون: على الماء، وهذا كله ليس بمطرد على القياس، وإنما دعاهم إلى ذلك ~~كثرة الاستعمال وهو من الشاذ الذي لا يقاس عليه. يلي ذلك اسم # PageV01P023 # الناسخ محمد بن خلف بن راجح بن بلال المقدسي، فتاريخ الفراغ من النسخ سنة ~~616ه، ولم يذكر مكانه. # وقد كتبت هذه النسخة بخط نسخي قديم جميل مقروء، أهمل الناسخ نقط بعض ~~كلماتها. وقد كتبت كلمة: باب، في أول كل بحث بخط كبير. وترك للمخطوط هامش ~~بعرض 5/ 2سم، ندر أن علق عليه. وقد أثرت الرطوبة فيه، فاحترق المداد في ~~معظم الصفحات، فأثرت في المخطوط، واتسخ. # وقد جاءت هذه النسخة كاملة، أفادتنا كثيرا في تصويب بعض الهفوات والسقطات ~~التي وقعت في النسخة المطبوعة سواء أكانت سهوا من الناسخ، أو غلطا من ~~الطابع. وقد أثبتنا في المتن الكلمات الساقطة من المطبوعة والمستدركة من ~~النسخة الخطية، وفي الوقت نفسه، أشرنا إلى مواضع الزيادة أو النقص في ~~النسخة الخطية زيادة في الفائدة. وحاولنا قدر المستطاع أن نخرج نص المتن ~~كما أراده مؤلفه، وبما تسمح به المنهجية العلمية في مجال التحقيق ومقابلة ~~النصوص. وقد أشرنا إلى النسخة الخطية بحرف: س؛ كناية عن نسخة مكتبة الأسد، ~~وبحرف: ط، للنسخة المطبوعة المعتمدة. # ب- وضعنا عناوين فرعية في أعلى المباحث، تيسر على الدارسين سبيل الوصول ~~إلى مبتغاهم من دون عناء يذكر زيادة في الخدمة، وتوخيا للفائدة المرجوة؛ ~~وأثبتنا هذه العناوين بين مركنين في منتصف السطر. # ج- ضبطنا من الحروف ما يجب ضبطه بالحركات المناسبة، ووضعنا علامات ~~الترقيم في مواضعها المناسبة؛ لأن كثيرا من الدارسين يعانون كثيرا في أثناء ~~دراسة النصوص، واستيعابها؛ سواء أكانت نحوية أو غير نحوية، إذا لم تكن ~~علامات الترقيم مثبتة في مواضعها بشكل صحيح. وبات معلوما لدى الدارسين أن ~~علامات الترقيم تؤدي دورا مهما في ضبط المتن، وتسهل على الطالب فهمه ~~واستيعابه من دون عناء يذكر إذا كان من ذوي الاختصاص. # د- قمنا بتبحير الأبيات الشعرية، وأثبتنا اسم البحر بين مركنين فوق البيت ~~إلى جهة اليسار. # ه- أكملنا الأبيات الشعرية التي لم يثبت المؤلف ms009 في المتن إلا صدرها، أو ~~عجزها، وأثبتنا ذلك بين مركنين وأشرنا إلى ذلك في الحاشية. # ثانيا: في الحاشية # أ- قمنا بتخريج الآيات القرآنية تخريجا كاملا، ذاكرين رقم السورة، ثم ~~اسمها، ثم رقم الآية، وهل هي كاملة أو جزء من آية، وأخيرا مكية هي أم # PageV01P024 # مدنية واستعملنا الرموز التالية لمثل هذه الآية: {الحمد لله رب العالمين} ~~. # س: 1 "الفاتحة: 1، مك": سورة: الفاتحة؛ الآية الأولى، مكية. # ب- قمنا بتخريج الأحاديث الشريفة الواردة في المتن، وذكرنا المصادر ~~المعتمدة في التخريج. # ج- نسبنا الشواهد الشعرية إلى قائليها، إذا توصلنا إلى معرفة القائل، ~~وإلا ذكرنا عبارة: لم ينسب إلى قائل معين. # د- ذكرنا ترجمة مختصرة للأعلام الواردة أسماؤهم في المتن؛ سواء أكانوا ~~شعراء، أم أدباء أم نحاة، أم لغويين، أم مفسرين، أم إخباريين، وإذا لم نجد ~~له ترجمة وافية، ذكرنا عبارة: لم نصطد له ترجمة وافية. # ه- شرحنا المفردات الغريبة في الشاهد الشعري، ثم عقبنا بذكر موطن الشاهد ~~-في البيت- فوجه الاستشهاد بشيء من الإيجاز الذي يفي بالغرض الذي قصد إليه ~~المؤلف من دون التوسع في ذكر مختلف الآراء التي لا يتسع المقام -هنا- ~~لسردها. # ثالثا: في المسارد الفنية: # صنعنا للكتاب عشرة مسارد؛ كل منها مختص بجانب محدد؛ لتمكن الباحث أو ~~الدارس من العودة إلى ما هو بحاجة إليه، بسرعة وسهولة؛ وهذه المسارد هي: # أولا: مسرد الآيات القرآنية الكريمة. # ثانيا: مسرد الأحاديث النبوية الشريفة. # ثالثا: مسرد الأمثال. # رابعا: مسرد الأشعار. # خامسا: مسرد الأعلام. # سادسا: مسرد القبائل والجماعات. # سابعا: مسرد البلدان # ثامنا: مسرد المصادر والمراجع. # تاسعا: مسرد الموضوعات. # عاشرا: مسرد المسارد. # PageV01P025 # مصطلحات ورموز معتمدة في التحقيق والتعليق: # س: سورة، ورمزنا بها في الحاشية لنسخة مكتبة الأسد الخطية. # ط: رمزنا بها إلى النسخة المطبوعة المعتمدة في التحقيق. # تحق: اختصار لكلمة تحقيق. # مد: مدنية. # مك: مكية. # {} المزهران لحصر الآيات. # *** لحصر رقم الهامش، للتعليق عليه. # " " لحصر الأقوال والأمثال التوضيحية التي ذكرها المؤلف. # [] المركنان لحصر اسم البحر الشعري، والعناوين الفرعية. # / / لحصر أي زيادة أو نقص في النسخة ط والنسخة س. # () لحصر أكثر من كلمتين زيادة أو نقصا ms010 في النسختين المذكورتين. # [] لحصر زيادة عدة عبارات في النسختين المذكورتين أو نقصها. # وفي الختام أتضرع إلى الله -عز وجل- أن يوفقنا إلى ما فيه خيرنا وصلاحنا ~~في الدنيا والآخرة، وأن يتقبل منا صالح أعمالنا خالصة ابتغاء مرضاته، وأن ~~يمن علينا بدوان الصحة والعافية؛ لنتمكن من مواصلة المشوار على طريق تحقيق ~~كنوز الآباء والأجداد وبعثها على أسس علمية، ومنهجية واضحة في زمن غدت فيه ~~كتب التراث عرضة للتشويه، والتحريف، والتصحيف على أيدي كثيرم من المراهقين ~~الذين يلهثون وراء الشهرة، أو يبتغون لقمة العيش بتكليف من بعض أصحاب دور ~~النشر الذين يستغلون حاجتهم المادية، فيعبثون بهم، كما يعبثون هم بهذا ~~التراث الخالد. فيسارعون إلى إعادة صف النسخ المطبوعة، أو المخطوطة منه صفا ~~ممسوخا مملوءا بالأغلاط المطبعية، فضلا عن التصحيف والتحريف اللذين يقعان ~~في نسخهم التي تحمل أسماءهم، وهم يظنون أنهم يحسنون صنعا؛ همهم القليل من ~~المال الذي يحصلون عليه، ورؤية أسمائهم على أغلفة تلك الكتب التي ستكون ~~شاهدة عليهم لا لهم يوم القيامة. والأمثلة على ما ذكرت أكثر من أن تحصى، ~~ولا رأي لمن لا يطاع، والحمد لله أولا وآخرا. # PageV01P026 ### | الباب الأول: باب علم ما لاكلم؟ # ... # PageV01P029 # بسم الله الرحمن الرحيم # رب يسر وتمم بالخير1 # قال الشيخ الفقيه الإمام العالم2 كمال الدين (أبو البركات) 3 عبد الرحمن ~~بن محمد بن أبي سعيد الأنباري النحوي (رحمه الله) 4: الحمد لله كاشف ~~الغطاء، ومانح العطاء، ذي الجود والإيداء5، والإعادة والإبداء، المتوحد ~~بالأحدية القديمة المقدسة عن الحين6 والفناء، أهل7 الصفات الأزلية المنزهة ~~عن الزوال والفناء، والصلاة على محمد سيد الأنبياء، وعلى آله، وأصحابه ~~الأصفياء. # وبعد، فقد ذكرت في هذا الكتاب (الموسوم ب: أسرار العربية) 8، كثيرا من ~~مذاهب النحويين المتقدمين والمتأخرين، من البصريين والكوفيين، وصححت ما ~~ذهبت إليه منها بما يحصل به شفاء الغليل9، وأوضحت فساد ما عداه بواضح ~~التعليل، ورجعت في ذلك كله إلى الدليل، وأعفيته من الإسهاب والتطويل وسهلته ~~على المتعلم غاية التسهيل، والله تعالى ينفع به، وهو حسبي ونعم الوكيل. ~~PageV01P033 # الباب الأول: باب علم: ما الكلم؟ ms011 # إن قال قائل: ما الكلم؟ قيل: الكلم اسم جنس؛ واحده1 "كلمة"؛ كقولك: نبقة2 ~~ونبق، ولبنة ولبن وثفنة وثفن، وما أشبه ذلك. فإن قيل: ما الكلام؟ قيل: ما ~~كان من الحروف دالا بتأليفه على معنى يحسن السكوت عليه، فإن قيل: فما الفرق ~~بين الكلم والكلام؟ قيل: الفرق بينهما أن الكلم ينطلق على المفيد، وعلى غير ~~المفيد؛ وأما الكلام، فلا ينطلق إلا على المفيد خاصة، فإن قيل: فلم قلتم: ~~إن أقسام الكلام ثلاثة، لا رابع لها؟ قيل: لأنا وجدنا هذه الأقسام ~~/الثلاثة/3 يعبر بها عن جميع ما يخطر بالبال، ويتوهم في الخيال ولو كان ها ~~هنا قسم رابع؛ لبقي في النفس شيء، لا يمكن التعبير عنه، ألا ترى أنه لو سقط ~~أحد4 هذه الأقسام الثلاثة؛ لبقي في النفس شيء، لا يمكن التعبير عنه بإزاء ~~ما سقط؟ فلما عبر بهذه الأقسام عن جميع الأشياء؛ دل على أنه ليس إلا هذه ~~الأقسام الثلاثة. # فإن قيل: لم سمي الاسم اسما؟ قيل: اختلف فيه النحويون، فذهب البصريون إلى ~~أنه سمي اسما لوجهين؛ أحدهما: أنه سما على مسماه، وعلا على ما تحته من ~~معناه؛ فسمي اسما /لذلك/5. والوجه الثاني: أن هذه الأقسام الثلاثة، لها ~~ثلاث مراتب؛ فمنها ما يخبر به، ويخبر عنه، وهو الاسم؛ نحو "زيد قائم"، ~~ومنها ما يخبر به، ولا يخبر عنه، وهو الفعل؛ نحو "قام زيد"، ومنها ما لا ~~يخبر به، ولا يخبر عنه، وهو الحرف؛ نحو "هل وبل" وما أشبه ذلك، فلما كان ~~الاسم يخبر به، ويخبر عنه، والفعل يخبر به، ولا يخبر عنه، PageV01P035 # والحرف لا يخبر به، ولا يخبر عنه، فقد سما على الفعل والحرف؛ أي ارتفع. # والأصل فيه "سمو" إلا أنهم حذفوا الواو من آخره، وعوضوا الهمزة في أوله، ~~فصار اسما وزنه "افع"؛ لأنه قد حذف منه لامه التي هي الواو في سمو. وذهب ~~الكوفيون إلى أنه سمي اسما؛ لأنه سمة على المسمى يعرف بها؛ والسمة العلامة؛ ~~والأصل فيه1 "وسم" إلا أنهم حذفوا الواو من أوله، وعوضوا مكانها الهمزة، ~~فصار اسما؛ ms012 وزنه "اعل"؛ قد حذف منه فاؤه التي هي الواو في وسم. # والصحيح ما ذهب إليه البصريون؛ وما ذهب إليه الكوفيون، وإن كان صحيحا من ~~جهة المعنى، إلا أنه فاسد من جهة التصريف، وذلك من أربعة أوجه: # الوجه الأول: إنك تقول في تصغيره "سمي"؛ نحو: (حنو2 وحني، وقنو3 وقني) ~~ولو كان مأخوذا من السمة؛ لوجب أن تقول: "وسيم" كما تقول في تصغيره "عدة": ~~وعيدة، وفي تصغير "زنة": وزينة. فلما قيل "سمي" دل على أنه من السمو، لا من ~~السمة، وكان الأصل فيه: "سمين" إلا أنه لما اجتمعت الياء والواو، والسابق ~~منهما ساكن؛ قلبوا الواو ياء، وجعلوها مشددة، كما قالوا: سيد وهين وميت، ~~والأصل فيه: سيود وهيون وميوت، إلا أنه لما اجتمعت الواو والياء، والسابق ~~منهما ساكن؛ قلبوا الواو ياء، وجعلوهما ياء مشددة، وقلبوا الواو إلى الياء، ~~ولم يقلبوا الياء إلى الواو؛ لأن الياء أخف، والواو أثقل، فلما وجب قلب ~~أحدهما إلى الآخر، كان قلب الواو التي هي أثقل، إلى الياء التي هي أخف ~~أولى. # والوجه الثاني: أنك تقول في تكسيره: "أسماء"؛ نحو: حنو وأحناء، وقنو ~~وأقناء، ولو كان مأخوذا من السمة؛ لوجب أن تقول في تكسيره: "أوسام" فلما ~~قيل "أسماء" دل على أنه من السمو لا من السمة، وكان الأصل فيه: "أسماو" إلا ~~أنه لما وقعت الواو طرفا، وقبلها ألف زائدة؛ قلبت همزة، كما قالوا: حذاء، ~~وكساء، وسماء؛ والأصل فيه: حذاو، وكساو، وسماو، إلا أنه لما وقعت الواو ~~طرفا، وقبلها ألف زائدة؛ قلبت همزة؛ وقيل: قلبت ألفا؛ لأنها PageV01P036 # لما كانت متحركة؛ وقبل الألف فتحة لازمة، قدروا أنها قد تحركت، وانفتح ما ~~قبلها؛ لأن الألف لما كانت خفية زائدة ساكنة؛ والحرف الساكن حاجز غير حصين ~~لم يعتدوا بها، فقلبوا الواو ألفا، فاجتمع ألفان؛ ألف زائدة، وألف منقلبة، ~~والألفان ساكنان وهما لا يجتمعان، فقلبت المنقلبة همزة؛ لالتقاء الساكنين، ~~وكان قلبها إلى الهمزة أولى؛ لأنها أقرب الحروف إليها. # والوجه الثالث: أنك تقول: أسميته، ولو كان مأخوذا من السمة؛ لوجب أن ~~تقول: وسمته1؛ فلما قيل: ms013 أسميته، دل على أنه من السمو، لا من السمة، وكان ~~الأصل فيه: أسموت، إلا أنه لما وقعت الواو رابعة؛ قلبت ياء، وإنما قلبت ياء ~~حملا على المضارع؛ نحو: يدعى، ويغزى، ويشقى؛ والأصل: يدعو، ويغزو، ويشقو، ~~كما قالوا: أدعيت، وأغزيت، وأشقيت؛ والأصل: أدعوت، وأغزوت، وأشقوت، إلا أنه ~~لما وقعت الواو رابعة؛ قلبت ياء، وإنما قلبت في المضارع ياء للكسرة قبلها، ~~فأما: تغازيت وترجيت، فإنما قلبت الواو فيهما ياء، وإن لم تقلب في لفظ ~~المضارع؛ لأن الأصل في تفاعلت: فاعلت، وفي تفعلت: فعلت، وفاعلت، وفعلت يجب ~~قلب الواو فيهما ياء وكذلك2 تفاعلت وتفعلت. # والوجه الرابع: أنك تجد في أوله همزة التعويض، وهمزة التعويض إنما تكون ~~في ما حذف منه لامه لا فاؤه، ألا ترى أنهم لما حذفوا الواو التي هي اللام ~~من "بنو" عوضوا الهمزة في أوله، فقالوا: "ابن"، ولما حذفوا الواو التي هي ~~الفاء من "عدة" ونحو ذلك، لم يعوضوا الهمزة في أوله، فلما عوضوا الهمزة في ~~أوله، دل على أن الأصل فيه: "سمو" كما أن الأصل في ابن: بنو، إلا أنهم لما ~~حذفوا الواو التي هي اللام عوضوا الهمزةفي أوله، فقالوا: اسم، فدل على أنه ~~مشتق من السمو لا من السمة. # ومما يؤيد أنه مشتق من السمو لا من السمة أنه قد جاء في "اسم": سمى على ~~وزن "هدى" والأصل فيه: "سمو" إلا أنه لما تحركت الواو، وانفتح ما قبلها، ~~قلبوها ألفا، وحذفوا الألف؛ لسكونها وسكون التنوين، فصار: "سمى". # وفي الاسم خمس لغات: "اسم"، و"اسم"، و"سم" و"سم" و"سمى". PageV01P037 # قال الشاعر 1: [الرجز] # باسم الذي في كل سورة سمه2 # وقال الآخر3: [الرجز] # وعامنا أعجبنا مقدمه ... يدعى أبا السمح وقرضاب سمه4 # وقال الآخر 5: [الرجز] # والله أسماك سمى مباركا ... آثرك الله به إيثاركا6 # وكسرت الهمزة في "اسم" لمحا لكسرة سينه في: "سمو"؛ لأنه الأصل، وضمت ~~الهمزة في "اسم" لمحا لضمة سينه في "سمو"؛ لأنه أصل ثان، والذي يدل على ذلك ~~اللغتان الأخريان وهما "سم" و"سم" فإنهما حذفت لامهما، وبقيت فاؤهما على ~~حركتها في الأصلين. ms014 ووزن "اسم" بضم الهمزة: افع، ووزن "سم": فع، ووزن "سم": ~~فع، ووزن "سمى": فعل. # [تعريف الاسم] # فإن قيل: ما حد الاسم؟ قيل: كل لفظة دلت على معنى تحتها غير مقترن بزمان ~~محصل7، وقيل: ما دل على معنى، وكان ذلك المعنى شخصا، أو غير شخص، وقيل: ما ~~استحق الإعراب أول وضعه. وقد ذكر فيه النحويون حدودا كثيرة، تنيف على سبعين ~~حدا؛ [وأحصرها أن تقول: "كل لفظ دل على معنى مفرد يمكن أن يفهم بنفسه وحده ~~من غير أن يدل ببنيته لا بالعرض على الزمان PageV01P038 # المحصل الذي فيه ذلك المعنى"] 1. ومنهم من قال: لا حد له؛ ولهذا، لم يحده ~~سيبويه، وإنما اكتفى فيه بالمثال؛ فقال: الاسم: "رجل وفرس". # [علامات الاسم] # فإن قيل: ما علامات الاسم؟ قيل: علامات الاسم كثيرة، فمنها الألف واللام؛ ~~نحو: الرجل والغلام، ومنها التنوين؛ نحو: رجل وغلام، ومنها حروف الجر، نحو: ~~من زيد إلى عمرو، ومنها التثنية؛ نحو: الزيدان والعمران، ومنها الجمع؛ نحو: ~~الزيدون والعمرون، ومنها النداء؛ نحو: يا زيد، ويا عمرو ومنها الترخيم؛ ~~نحو: يا حار ويا مال في ترخيم "حارث ومالك" وقد قرأ بعض السلف: (ونادوا يا ~~مال ليقض علينا ربك) 2. ومنها التصغير؛ نحو: زييد وعمير في تصغير زيد ~~وعمرو، ومنها النسب؛ نحو: زيدي وعمري في النسب إلى زيد وعمرو، ومنها الوصف؛ ~~نحو: زيد العاقل، ومنها أن يكون فاعلا أو مفعولا؛ نحو: ضرب زيد عمرا، ومنها ~~أن يكون مضافا إليه؛ نحو: غلام زيد، وثوب خز، ومنها أن يكون مخبرا عنه، كما ~~بيناه؛ فهذه، معظم علامات الأسماء. # فإن قيل: لم سمي الفعل فعلا؟ قيل: لأنه يدل على الفعل الحقيقي، ألا ترى ~~أنك إذا قلت: "ضرب" دل على نفس الضرب الذي هو الفعل في الحقيقة، فلما دل ~~عليه سمي به؛ لأنهم يسمون الشيء بالشيء، إذا كان منه بسبب، وهو كثير في ~~كلامهم. # [تعريف الفعل] # فإن قيل: فما حد الفعل؟ قيل: حد الفعل كل لفظة دلت على معنى تحتها مقترن ~~بزمان محصل3؛ وقيل: ما أسند إلى شيء، ولم يسند إليه ms015 شيء، وقد حده النحويون ~~أيضا حدودا كثيرة؛ فإن قيل: ما علامات الفعل؟ قيل: علامات الفعل كثيرة؛ ~~فمنها: قد، والسين؛ نحو: قد قام، وسيقوم، PageV01P039 # وسوف يقوم؛ ومنها: تاء الضمير، وألفه وواوه؛ نحو: قمت، وقاما، وقاموا، ~~ومنها تاء التأنيث الساكنة؛ نحو: قامت، وقعدت؛ ومنها أن الخفيفة المصدرية؛ ~~نحو: أريد أن تفعل؛ ومنها إن الخفيفة الشرطية؛ نحو: إن تفعل أفعل؛ ومنها ~~لم؛ نحو: لم يفعل، وما أشبه ذلك؛ ومنها التصرف؛ نحو: فعل يفعل وكل الأفعال ~~تتصرف إلا ستة أفعال. # [الأفعال غير المتصرفة] # وهي: نعم، وبئس، وعسى، وليس، وفعل التعجب، وحبذا؛ وفيها كلها خلاف، ولها ~~كلها أبواب نذكرها1 فيها إن شاء الله تعالى. # [سبب تسمية الحرف] # فإن قيل: لم سمي الحرف حرفا؟ قيل: لأن الحرف في اللغة هو الطرف؛ ومنه ~~يقال: حرف الجبل؛ أي طرفه؛ فسمي حرفا؛ لأنه يأتي في طرف الكلام؛ فإن قيل: ~~فما حده؟ قيل: ما جاء لمعنى في غيره، وقد حده النحويون -أيضا- بحدود كثيرة، ~~لا يليق ذكرها بهذا المختصر؛ فإن قيل: فإلى كم ينقسم الحرف؟ قيل: إلى ~~قسمين؛ معمل ومهمل. # [انقسام الحروف إلى معملة ومهملة] # فالمعمل: هو الحرف المختص؛ كحرف الجر، وحرف الجزم؛ والمهمل: غير المختص؛ ~~كحرف الاستفهام، وحرف العطف. # [انقسام الحروف إلى ستة أقسام] # ثم الحروف المعملة، والمهملة كلها؛ تنقسم إلى ستة أقسام؛ فمنها: ما يغير ~~اللفظ والمعنى؛ ومنها: ما يغير اللفظ دون المعنى؛ ومنها: ما يغير المعنى ~~دون اللفظ؛ ومنها: ما يغير اللفظ والمعنى، ولا يغير الحكم؛ ومنها ما يغير ~~الحكم، ولا يغير لا لفظا، ولا معنى؛ ومنها ما لا يغير لا لفظا، ولا معنى، ~~ولا حكما. # فأما ما يغير اللفظ والمعنى؛ فنحو: "ليت" فتقول: ليت زيدا منطلق؛ فليت قد ~~غيرت اللفظ، وغيرت المعنى، أما تغيير اللفظ؛ فلأنها نصبت الاسم، ورفعت ~~الخبر، وأما تغيير المعنى؛ فلأنها أدخلت في الكلام معنى التمني. وأما ~~PageV01P040 # ما يغير اللفظ دون المعنى، فهو أن تقول: "إن زيدا قائم" ف (إن) قد غيرت ~~اللفظ؛ لأنها نصبت الاسم، ورفعت الخبر، ولم تغير المعنى؛ لأن معناها ~~التأكيد ms016 والتحقيق؛ وتأكيد الشيء لا يغير معناه. وأما ما يغير المعنى دون ~~اللفظ؛ فنحو: "هل زيد قائم"؟ ف "هل" قد غيرت المعنى؛ لأنها نقلت الكلام من ~~الخبر الذي يحتمل الصدق والكذب، إلى الاستخبار الذي لا يحتمل صدقا، ولا ~~كذبا، ولم يغير اللفظ؛ لأن الاسم بعد دخولها مرفوع بالابتداء، كما كان ~~يرتفع به قبل دخولها. وأما ما يغير اللفظ والمعنى، ولا يغير الحكم؛ فنحو 1: ~~اللام في قولهم: "لا يدي لزيد" فاللام -ههنا- غيرت اللفظ؛ لجرها الاسم، ~~وغيرت المعنى؛ لإدخال معنى الاختصاص، ولم تغير الحكم؛ لأن الحكم حذف النون ~~للإضافة، وقد بقي الحذف بعد دخولها -كما كان قبل دخولها- فلم تغير الحكم، ~~وأما ما يغير الحكم، ولا يغير (لا) 2 لفظا، ولا معنى؛ فنحو اللام في قوله ~~تعالى: {إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك ~~لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون} 3. فاللام -هنا- ما غيرت لا لفظا، ~~ولا معنى، ولكن غيرت الحكم؛ لأنها علقت الفعل عن العمل؛ وأما ما لا يغير لا ~~لفظا، ولا معنى، ولا حكما؛ فنحو "ما" في قوله تعالى: {فبما رحمة من الله ~~لنت لهم} 4. ف "ما" ههنا ما غيرت لا لفظا، ولا معنى، ولا حكما؛ لأن ~~التقدير: فبرحمة من الله لنت لهم. # [اختلافهم في اسمية كيف] # فإن قيل: "كيف" اسم أو فعل أو حرف؟ قيل: اسم؛ والدليل على ذلك من وجهين؛ ~~أحدهما: أنه قد جاء عن بعض العرب أنه قال: "على كيف تبيع الأحمرين"5؟ ودخول ~~حرف الجر إنما جاء شاذا؛ والوجه الصحيح هو الوجه PageV01P041 # الثاني، وهو أنا نقول: لا تخلو كيف من أن تكون اسما، أو فعلا، أو حرفا؛ ~~فبطل أن يقال هي حرف؛ لأن الحرف لا يفيد مع كلمة واحدة، و"كيف" تفيد مع ~~كلمة واحدة، ألا ترى أنك تقول: كيف زيد؟ فيكون كلاما مفيدا؛ فإن قيل: فقد ~~أفاد الحرف الواحد مع كلمة واحدة في النداء؛ نحو: يا زيد، قيل: إنما حصلت ~~الفائدة في النداء مع كلمة واحدة؛ لأن التقدير في قولك يا زيد: أدعو زيدا، ~~وأنادي زيدا؛ ms017 فحصلت الفائدة باعتبار الجملة المقدرة، لا باعتبار الحرف مع ~~كلمة واحدة، فبطل أن يكون حرفا، وبطل -أيضا- أن يكون فعلا؛ لأنه لا يخلو ~~إما أن يكون فعلا ماضيا، أو مضارعا، أو أمرا؛ فبطل أن يكون فعلا ماضيا؛ لأن ~~أمثلة الفعل الماضي لا تخلو إما أن تكون على مثال فعل ك: "ضرب"، أو على فعل ~~ك "مكث" أو على فعل ك "سمع" و"علم" وكيف على وزن فعل؛ فبطل أن يكون فعلا ~~ماضيا؛ وبطل أن يكون فعلا مضارعا؛ لأن الفعل المضارع ما كانت في أوله إحدى ~~الزوائد الأربع؛ وهي الهمزة، والنون، والتاء، والياء، و"كيف" ليس في أوله ~~إحدى الزوائد الأربع؛ فبطل أن يكون فعلا مضارعا، وبطل أن يكون أمرا؛ لأنه ~~يفيد الاستفهام؛ وفعل الأمر لا يفيد الاستفهام؛ فبطل أن يكون أمرا. وإذا ~~بطل أن يكون فعلا ماضيا، أو مضارعا، أو أمرا؛ بطل أن يكون فعلا؛ والذي يدل ~~-أيضا- على أنه ليس بفعل أنه يدخل على الفعل في نحو قولك: كيف تفعل كذا؟ ~~ولو كان فعلا لما دخل على الفعل؛ لأن الفعل، لا يدخل على الفعل. وإذا بطل ~~أن يكون فعلا، أو حرفا؛ وجب أن يكون اسما، فإن قيل: فعلامة الاسم لا تحسن ~~فيه، كما لا يحسن فيه علامة الفعل والحرف، فلم جعلتموه اسما، ولم تجعلوه ~~فعلا، أو حرفا؟ قيل: لأن الاسم هو الأصل، والفعل والحرف فرع، فلما وجب حمله ~~على أحد هذه الأقسام الثلاثة؛ كان حمله على الاسم -الذي هو الأصل- أولى من ~~حمله على ما هو فرع. # فإن قيل: فلم قدم الاسم على الفعل، والفعل على الحرف؟ قيل: إنما قدم ~~الاسم على الفعل؛ لأنه الأصل، ويستغني بنفسه عن الفعل؛ نحو قولك: زيد قائم، ~~وأخر الفعل عن الاسم؛ لأنه فرع عليه، لا يستغني عنه، فلما كان الاسم، هو ~~الأصل، ويستغني عن الفعل، والفعل فرع عليه، ومفتقر إليه؛ كان # PageV01P042 # الاسم مقدما عليه، وإنما قدم الفعل على الحرف؛ لأن الفعل يفيد مع الاسم؛ ~~نحو: قام زيد، وأخر الحرف عن الفعل؛ لأنه لا يفيد مع اسم واحد؛ لأنك ms018 لو ~~قلت: يزيد، أو لزيد من غير أن تعلق الحرف بشيء، لم يكن مفيدا؛ فلما كان ~~الفعل يفيد مع اسم واحد، والحرف لا يفيد مع اسم؛ كان الفعل مقدما عليه، ~~فاعرفه /تصب/1 إن شاء الله تعالى. PageV01P043 ### | الباب الثاني: باب الإعراب والبناء # [لم سمي الإعراب إعرابا] # إن قال قائل: لم سمي الإعراب إعرابا، والبناء بناء؟ قيل: أما الإعراب ~~ففيه ثلاثة أوجه؛ # أحدها: أن يكون سمي بذلك؛ لأنه يبين المعاني، مأخوذ من قولهم: أعرب الرجل ~~عن حجته، إذا بينها؛ ومنه قوله صلى الله عليه وآله وسلم: "الثيب تعرب عن ~~نفسها"؛1 أي تبين وتوضح، قال الشاعر2: [الطويل] # وجدنا لكم في آل حاميم آية ... تأولها منا تقي ومعرب # فلما كان الإعراب يبين المعاني، سمي إعرابا. # والوجه الثاني: أن يكون سمي إعرابا؛ لأنه تغير يلحق أواخر الكلم، من ~~قولهم: "عربت معدة الفصيل" إذا تغيرت؛ فإن قيل: "العرب" في قولهم: عربت ~~معدة الفصيل؛ معناه: الفساد؛ وكيف يكون الإعراب مأخوذا منه؟ قيل: معنى ~~قولك: أعربت الكلام؛ أي: أزلت عربه، وهو فساده، وصار هذا؛ كقولك: أعجمت ~~الكتاب، إذا أزلت عجمته، وأشكيت الرجل، إذا أزلت شكايته، وعلى هذا، حمل بعض ~~المفسرين قوله تعالى: {إن الساعة آتية أكاد أخفيها} 3؛ أي: أزيل خفاءها؛ ~~وهذه الهمزة تسمى: همزة السلب. والوجه PageV01P044 # الثالث: أن يكون سمي إعرابا؛ لأن المعرب للكلام كأنه يتحبب إلى السامع ~~بإعرابه؛ من قولهم: امرأة عروب، إذا كانت متحببة إلى زوجها، قال الله ~~تعالى: {عربا أترابا} 1؛ أي: متحببات إلى أزواجهن، فلما كان المعرب للكلام، ~~كأنه يتحبب إلى السامع بإعرابه؛ سمي إعرابا. # [لم سمي البناء بناء] # وأما البناء: فهو منقول من هذا البناء المعروف، للزومه وثبوته. # [تعريف الإعراب] # فإن قيل: فما حد الإعراب والبناء؟ قيل: # أما الإعراب، فحده اختلاف أواخر الكلم باختلاف العوامل لفظا، أو تقديرا. # وأما البناء: فحده لزوم أواخر الكلم بحركة وسكون. # [ألقاب الإعراب والبناء] # فإن قيل: كم ألقاب الإعراب والبناء؟ قيل: ثمانية /ألقاب/2؛ فأربعة ~~للإعراب وأربعة للبناء. # [ألقاب الإعراب والبناء] # فألقاب3 الإعراب: رفع، ونصب، وجر، وجزم، وألقاب البناء: ضم، ms019 وفتح، وكسر، ~~ووقف، وهي وإن كانت ثمانية في المعنى؛ فهي أربعة في الصورة؛ فإن قيل: فلم ~~كانت أربعة؟ قيل: لأنه ليس إلا حركة، أو سكون فالحركة ثلاثة أنواع: الضم، ~~والفتح، والكسر. # [مخارج الحركات] # فالضم من الشفتين والفتح من أقصى الحلق، والجر من وسط الفم، والسكون هو ~~الرابع. # [أصل الحركات وخلافهم في ذلك] # فإن قيل: هل حركات الإعراب أصل لحركات البناء، أو حركات البناء ~~PageV01P045 # أصل لحركات الإعراب؟ قيل: اختلف النحويون في ذلك؟ فذهب بعض النحويين إلى ~~أن حركات الإعراب هي الأصل، وأن حركات البناء فرع عليها؛ لأن الأصل في ~~حركات الإعراب أن تكون للأسماء، وهي الأصل؛ فكانت أصلا؛ والأصل في حركات ~~البناء أن تكون للأفعال، والحروف، وهي الفرع؛ فكانت فرعا. وذهب آخرون إلى ~~أن حركات البناء هي الأصل، /وأن/1 حركات الإعراب فرع عليها؛ لأن حركات ~~البناء لا تزول ولا تتغير عن حالها، وحركات الإعراب تزول وتتغير، وما لا ~~يتغير أولى بأن يكون أصلا مما يتغير. # [هل الإعراب والبناء الحركات أو غيرها؟] # فإن قيل: هل الإعراب والبناء عبارة عن هذه الحركات، أو عن غيرها؟ قيل: ~~الإعراب والبناء ليسا عبارة عن هذه الحركات، وإنما هما معنيان يعرفان ~~بالقلب، ليس للفظ فيهما حظ، ألا ترى أنك تقول في حد الإعراب: هو اختلاف ~~أواخر الكلم باختلاف العوامل، وفي حد البناء: لزوم أواخر الكلم بحركة أو ~~سكون؟ ولا خلاف أن الاختلاف واللزوم ليسا بلفظين، وإنما هما معنيان يعرفان ~~بالقلب، ليس للفظ فيهما حظ، والذي يدل على ذلك، أن هذه الحركات، إذا وجدت ~~بغير صفة الاختلاف، لم تكن للإعراب، وإذا وجدت بغير صفة اللزوم، لم تكن ~~للبناء؛ فدل على أن الإعراب: هو الاختلاف، والبناء: هو اللزوم، والذي يدل ~~على صحة هذا إضافة هذه الحركات إلى الإعراب والبناء؛ فيقال: حركات الإعراب، ~~وحركات البناء، ولو كانت الحركات أنفسها هي الإعراب، أو البناء؛ لما جاز أن ~~تضاف2 إليه؛ لأن إضافة الشيء إلى نفسه، لا تجوز، ألا ترى أنك لو قلت: حركات ~~الحركات لم يجز؟ غيرها3؛ فاعرفه تصب، إن شاء الله ms020 تعالى. PageV01P046 ### | الباب الثالث: باب المعرب والمبني # إن قال قائل: ما المعرب والمبني؟ قيل: أما المعرب، فهو ما تغير آخره ~~بتغير العامل فيه لظفا، أو محللا؛ وهو على ضربين؛ اسم متمكن، وفعل مضارع؛ ~~فالاسم المتمكن: ما لم يشابه الحرف، ولم يتضمن معناه، والفعل المضارع: ما ~~كانت في أوله إحدى الزوائد الأربع، وهي: الهمزة، والنون، والتاء، والياء. ~~فإن قيل: لم زيدت هذه الحروف دون غيرها؟ قيل: الأصل أن تزاد حروف المد ~~واللين، وهي الواو والياء والألف، إلا أن الألف لما لم يمكن زيادتها أولا؛ ~~لأن الألف لا تكون إلا ساكنة؛ والابتداء بالساكن محال، أبدلوا منها الهمزة؛ ~~لقرب مخرجيهما؛ لأنهما هوائيان يخرجان من أقصى الحلق، وكذلك الواو -أيضا- ~~لما لم يمكن زيادتها أولا؛ لأنه ليس في كلام العرب واو؛ زيدت أولا، فأبدلوا ~~منها التاء؛ لأنها تبدل منها كثيرا، ألا ترى أنهم قالوا: تراث، وتجاه، ~~وتخمة، وتهمة، وتيقور1، وتولج؛ قال الشاعر2: [الرجز] # متخذا في ضعوات تولجا ... [أردى بني مجاشع وما نجا] 3 # وهو بيت الصائد، والأصل: وارث، ووجاه، ووخمة، ووهمة، وويقور؛ لأنه من ~~الوقار، وولج؛ لأنه من الولوج؛ فأبدلوا التاء من الواو في هذه المواضع ~~كلها، وكذلك ههنا. وأما الياء، فزيدت؛ لأنها لم يعرض فيها ما PageV01P047 # يمنع /من/1 زيادتها، كما عرض في الألف والواو، وأما النون فإنما زيدت؛ ~~لأنها تشبه حروف المد واللين، وتزاد معها في باب: الزيدين، /والزيدين/2. # [ترتيب أحرف الزيادة] # والتحقيق في ترتيب هذه الأحرف أن تقدم الهمزة، ثم النون، ثم التاء، ثم ~~الياء، وذلك؛ لأن الهمزة للمتكلم وحده، والنون للمتكلم، ولمن معه، والتاء ~~للمخاطب، والياء للغائب، والأصل: أن يخبر الإنسان عن نفسه، ثم عن نفسه، ~~وعمن معه، ثم المخاطب، ثم الغائب؛ فهذا هو التحقيق في ترتيب هذه الاحرف في ~~أول الفعل المضارع. # [الفعل محمول على الاسم في الإعراب] # فإن قيل: هل الفعل المضارع محمول على الاسم في الإعراب أم هو أصل؟ قيل: ~~لا بل هو محمول على الاسم في الإعراب، وليس بأصل فيه؛ لأن الأصل في الإعراب ~~أن يكون للأسماء دون الأفعال ms021 والحروف، وذلك؛ لأن الأسماء تتضمن معاني ~~مختلفة؛ نحو: الفاعلية، والمفعولية، والإضافة، فلو لم تعرب؛ لالتبست هذه ~~المعاني بعضها بعض، يدلك على ذلك أنك لو قلت: ما أحسن زيدا! لكنت متعجبا، ~~ولو قلت: ما أحسن زيد؛ لكنت نافيا، ولو قلت: ما أحسن زيد؟ لكنت مستفهما (عن ~~أي شيء منه حسن) 3، فلو لم تعرب في هذه المواضع؛ لالتبس التعجب بالنفي، ~~والنفي بالاستفهام، واشتبهت هذه المعاني بعضها ببعض؛ وإزالة الالتباس واجب. ~~وأما الأفعال والحروف: فإنها تدل على ما وضعت له بصيغها؛ فعدم الإعراب، لا ~~يخل بمعانيها، ولا يورث لبسا فيها، والإعراب زيادة، والحكيم لا يريد زيادة4 ~~لغير فائدة. # [حمل المضارع على الاسم لمشابهته له] # فإن قيل: فإذا كان الأصل في الفعل المضارع أن يكون مبنيا، فلم حمل على ~~الاسم في الإعراب؟ قيل: إنما حمل الفعل المضارع على الاسم في الإعراب؛ لأنه ~~ضارع الاسم؛ ولهذا، سمي مضارعا؛ والمضارعة: المشابهة، ومنها سمي الضرع ~~ضرعا؛ لأنه يشابه أخاه. PageV01P048 # [أوجه المشابهة بين الفعل المضارع والاسم] # ووجه المشابهة بين هذا الفعل والاسم من خمسة أوجه: # الوجه الأول: أنه يكون شائعا فيتخصص1، كما أن الاسم /يكون/2 شائعا، ~~فيتخصص؛ ألا ترى أنك تقول: "يقوم" فيصلح للحال والاستقبال، فإذا أدخلت عليه ~~السين، أو سوف، اختص بالاستقبال، كما أنك تقول: "رجل" فيصلح لجميع الرجال، ~~فإذا أدخلت عليه الألف واللام اختص برجل بعينه؟ فلما اختص هذا الفعل بعد ~~شياعه، كما أن الاسم اختص بعد شياعه؛ فقد شابهه من هذا الوجه. # الوجه الثاني: أنه تدخل3 عليه لام الابتداء، كما تدخل3 على الاسم، ألا ~~ترى أنك تقول: إن زيدا ليقوم كما تقول: إن زيدا لقائم؟ ولام الابتداء تختص ~~بالأسماء، فلما دخلت على هذا الفعل، دل على مشابهة بينهما؛ والذي يدل على ~~ذلك أن فعل الأمر، والفعل الماضي لما بعدا عن شبه الاسم، لم تدخل هذه اللام ~~عليهما4؛ ألا ترى أنك لو قلت: لأكرم زيدا يا عمرو، أو إن زيدا لقام؛ لكان ~~/ذلك/5 خلفا من الكلام. # والوجه الثالث: أن هذا الفعل يشترك فيه الحال والاستقبال، فأشبه ms022 الأسماء ~~المشتركة؛ كالعين تنطلق على العين الباصرة، وعلى عين الماء، وعلى غير ذلك. # والوجه الرابع: أن يكون صفة، كما يكون الاسم، كذلك؛ تقول: مررت برجل ~~يضرب؛ كما تقول: مررت برجل ضارب؛ فقد قام يضرب مقام ضارب. # والوجه الخامس: /هو/6 أن الفعل المضارع يجري على اسم الفاعل في حركاته ~~وسكونه، ألا ترى أن "يضرب" على وزن "ضارب" في حركاته وسكونه؛ ولهذا يعمل ~~اسم7 الفاعل عمل الفعل؛ فلما أشبه الفعل المضارع الاسم من هذه الأوجه؛ ~~استحق جملة الإعراب الذي هو الرفع، والنصب، والجزم؛ ولكل واحد من هذه ~~الأنواع عامل يختص به. PageV01P049 # [عامل الرفع واختلاف النحاة فيه] # وأما عامل الرفع، فاختلف فيه النحويون؛ فذهب البصريون إلى أنه يرتفع ~~لقيامه مقام الاسم؛ هو عامل معنوي لا لفظي، فأشبه الابتداء، فكما أن ~~الابتداء يوجب الرفع، فكذلك ما أشبهه. فإن قيل: هذا ينقض بالفعل الماضي، ~~فإنه يقوم مقام الاسم، ولا يرتفع؛ قيل: إنما لم يرتفع؛ لأنه لم يثبت له ~~استحقاق جملة الإعراب، فلم يكن هذا العامل موجبا له الرفع؛ لأنه نوع منه؛ ~~بخلاف الفعل المضارع؛ فإنه يستحق جملة الإعراب للمشابهة التي ذكرناها قبل، ~~فبان الفرق بينهما. وأما الكوفيون1 فذهبوا إلى أنه يرتفع بالزوائد التي في ~~أوله؛ وهو قول الكسائي2، وذهب الفراء3 إلى أنه يرتفع لسلامته من العوامل ~~الناصبة والجازمة؛ فأما قول الكسائي فظاهر الفساد؛ لأنه لو كان الزائد /في ~~أوله/4 هو الموجب للرفع؛ لوجب ألا يجوز نصب الفعل، ولا جزمه مع وجوده؛ لأن ~~عامل النصب والجزم، لا يدخل على عامل الرفع، فلما وجب نصبه بدخول النواصب، ~~وجزمه بدخول الجوازم؛ دل على أن الزائد ليس هو العامل. وأما قول الفراء، ~~فلا ينفك من ضعف، وذلك؛ لأنه يؤدي إلى أن يكون النصب والجزم قبل الرفع؛ ~~لأنه قال: لسلامته من العوامل الناصبة والجازمة؛ والرفع قبل النصب والجزم؛ ~~فلهذا كان هذا القول ضعيفا. وأما عوامل النصب؛ فنحو: أن، ولن، وكي، وإذن، ~~وحتى. وأما عوامل الجزم؛ فنحو؛ لم، ولما، ولام الأمر، ولا في PageV01P050 # النهي؛ ولعوامل النصب والجزم موضع، نذكرها فيه إن ms023 شاء الله تعالى. # [تعريف المبني وأقسامه] # وأما المبني فهو ضد المعرب، وهو ما لم يتغير آخره بتغير العامل فيه؛ فمن ~~ذلك: الاسم غير المتمكن، والفعل غير المضارع1؛ فأما الاسم غير المتمكن؛ ~~فنحو: من، وكم، وقبل، وبعد، وأين، وكيف وأمس، وهؤلاء. # [الأسماء غير المتمكنة وعلة بنائها] # وإنما بنيت هذه الأسماء؛ لأنها أشبهت الحروف، وتضمنت معناها؛ فأما: "من" ~~فإنها بنيت؛ لأنها لا تخلو: إما أن تكون استفهامية، أو شرطية، أو اسما ~~موصولا، أو نكرة موصوفة، فإن كانت استفهامية فقد تضمنت معنى حرف الاستفهام، ~~وإن كانت شرطية، فقد تضمنت معنى حرف الشرط، وإن كانت اسما موصولا، فقد ~~تنزلت منزلة بعض الكلمة، وبعض الكلمة مبني، وإن كانت نكرة موصوفة، فقد ~~تنزلت منزلة الموصوفة2. وأما "كم" فإنما بنيت؛ لأنها لا تخلو: إما أن تكون ~~استفهامية، أو خبرية، فإن كانت استفهامية، فقد تضمنت معنى حرف الاستفهام، ~~وإن كانت خبرية، فهي نقيضة "رب"؛ لأن "رب" للتقليل، و"كم" للتكثير، وهم ~~يحملون الشيء على ضده كما يحملونه على نظيره. وأما "من" و"كم" فبنيت على ~~السكون؛ لأنه الأصل في البناء، ولم يعرض فيهما ما يوجب بناءهما على حركة؛ ~~فبقيا على الأصل. وأما: قبل وبعد فإنما بنيا؛ لأن الأصل فيهما أن يستعملا ~~مضافين إلى ما بعدهما، فلما اقتطعا عن الإضافة -والمضاف مع المضاف إليه ~~بمنزلة كلمة واحدة- تنزلا منزلة بعض الكلمة، وبعض الكلمة مبني؛ قال الله ~~تعالى: {لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ} 3، وإنما بنيا على حركة؛ لأن كل ~~واحد منهما كان له حالة إعراب قبل البناء؛ فوجب أن يبنيا على حركة تميزا ~~لهما على ما بني، وليس له حالة إعراب؛ نحو: "من" و"كم"، وقيل: إنما بنيا ~~على حركة؛ لالتقاء الساكنين؛ والقول الصحيح هو الأول. فإن قيل: فلم كانت ~~الحركة ضمة؟ قيل: لوجهين؛ أحدهما: أنه لما حذف المضاف إليه بنيا على أقوى ~~الحركات؛ وهي الضم4، PageV01P051 # تعويضا عن المحذوف، وتقوية لهما؛ والوجه الثاني: إنما بنوهما على الضم؛ ~~لأن النصب والجر يدخلهما؛ نحو: جئت قبلك ومن قبلك، وأما الرفع لا يدخلهما ~~البتة؛ فلو ms024 بنوهما على الفتح والكسر؛ لالتبست حركة الإعراب بحركة البناء، ~~فبنوهما على حركة، لا تدخلهما وهي الضمة؛ لئلا تلتبس حركة الإعراب بحركة ~~البناء. وأما أين وكيف فإنما بنيا على الفتح؛ لأنهما تضمنا معنى حرف ~~الاستفهام؛ لأن "أين" سؤال عن المكان، و"كيف" سؤال عن الحال، فلما تضمنا ~~معنى حرف الاستفهام، وجب أن يبنيا، وإنما بنيا على حركة لالتقاء الساكنين، ~~وإنما كانت الحركة فتحة؛ لأنها أخف الحركات. وأما "أمس" فإنما بنيت؛ لأنها ~~تضمنت معنى لام التعريف؛ لأن الأصل في "أمس" الأمس، فلما تضمنت معنى اللام، ~~تضمنت معنى الحرف؛ فوجب أن تبنى. وإنما بنيت على حركة لالتقاء الساكنين، ~~وإنما كانت الحركة كسرة، لأنها الأصل في التحريك لالتقاء الساكنين. ومن ~~العرب من يجعل "أمس" معدولة عن لام التعريف، فيجعلها غير مصروفة1؛ قال ~~الشاعر2: [الرجز] # لقد رأيت عجبا مذ أمسا ... عجائزا مثل السعالي قعسا # يأكلن ما في رحلهن همسا ... لا ترك الله لهن ضرسا3 # وأما "هؤلاء" فإنما بنيت لتضمنها معنى حرف الإشارة وإن لم ينطق به؛ لأن ~~الأصل في الإشارة أن تكون بالحرف كالشرط، والنفي، التمني، والعطف، إلى غير ~~ذلك من المعاني، إلا أنهم لما لم يفعلوا ذلك؛ ضمنوا "هؤلاء" معنى حرف ~~الإشارة، فبنوها، ونظير "هؤلاء" "ما" التي في التعجب، فإنها بنيت. لتضمنها ~~معنى حرف التعجب، وإن لم يكن له4 حرف ينطق به؛ لأن الأصل في التعجب أن يكون ~~بالحرف كغيره من المعاني، إلا أنهم لما لم يفعلوا ذلك، PageV01P052 ### | الباب الرابع: باب إعراب الاسم المفرد # [الاسم المفرد على ضربين] # إن قال قائل: على كم ضربا الاسم المفرد؟ قيل: على ضربين؛ صحيح، ومعتل؛ ~~فالصحيح في عرف النحويين: ما لم يكن آخره ألفا، ولا ياء قبلها كسرة؛ نحو: ~~رجل، وفرس، وما أشبه ذلك؛ وهو على ضربين: منصرف. وغير منصرف. # [علامات الاسم المنصرف] # فالمنصرف: ما دخله الحركات الثلاث مع التنوين؛ نحو: هذا زيد، ورأيت زيدا، ~~ومررت بزيد؛ وهذا الضرب يسمى "الأمكن" وقد يسمى أيضا "متمكنا". # [التنوين علامة الصرف] # فإن قيل: لم جعلوا التنوين علامة للصرف دون غيره؟ قيل: لأن ms025 أولى ما يزاد ~~حروف المد واللين؛ وهي الألف، والياء، والواو، إلا أنهم عدلوا عن زيادتها ~~(إلى التنوين، لما يلزم من اعتلالها وانتقالها) 1، ألا ترى أنهم لو جعلوا ~~الواو علامة للصرف؛ لانقلبت ياء في الجر؛ لانكسار ما قبلها؟ وكذلك، حكم ~~الياء والألف في الاعتلال، والانتقال من حال إلى حال؛ وكان التنوين أولى من ~~غيره؛ لأنه خفيف يضارع حروف العلة، ألا ترى أنه غنة في الخيشوم، وأنه لا ~~معتمد له في الحلق، فأشبه الألف إذا كان حرفا هوائيا. # [خلافهم في أسباب دخول التنوين في الكلام] # فإن قيل: فلماذا دخل التنوين الكلام؟ قيل: اختلف النحويون في ذلك؛ فذهب ~~سيبويه إلى أنه دخل الكلام علامة للأخف عليهم، والأمكن عندهم، PageV01P054 # وذهب بعضهم إلى أنه دخل فرقا بين الاسم والفعل، وذهب آخرون إلى أنه دخل ~~فرقا بين ما ينصرف وما لا ينصرف. # [علامات غير المنصرف] # وأما غير المنصرف: فما لم يدخله الجر مع التنوين، وكان ثانيا من وجهين؛ ~~نحو: مررت بأحمد وإبراهيم، وما أشبه ذلك. وإنما منع هذا الضرب من الأسماء ~~الصرف؛ لأنه يشبه الفعل، فمنع من التنوين، ومن الجر تبعا للتنوين لما ~~بينهما من المصاحبة، وذهب بعضهم إلى أنه منع الجر؛ لأنه أشبه الفعل؛ والفعل ~~لا يدخله جر، ولا تنوين، فكذلك ما أشبهه، وهذا الضرب سمي "المتمكن" ولا ~~يسمى "أمكن" وكل أمكن متمكن، وليس كل متمكن أمكن. # [دخول الجر على المعرف] # فإن قيل: فلم يدخل الجر مع الألف واللام، أو الإضافة؟ قيل: للأمن من دخول ~~التنوين مع الألف واللام والإضافة، وسترى هذا في موضعه إن شاء الله تعالى. # [تعريف الاسم المعتل] # والمعتل: ما كان آخره ألفا، أو ياء قبلها كسرة. # [الاسم المعتل على ضربين] # وهو على ضربين؛ منقوص، ومقصور؛ فالمنقوص: ما كانت في آخره ياء خفيفة ~~قبلها كسرة؛ وذلك نحو: القاضي، والداعي؛ فإن قيل: فلم سمي منقوصا؟ قيل: ~~لأنه نقص الرفع والجر؛ تقول: هذا قاض يا فتى، ومررت بقاض؛ والأصل: هذا ~~قاضي، ومررت بقاضي، إلا استثقلوا الضمة والكسرة على الياء، فحذفوهما؛ فبقيت ~~الياء ساكنة، والتنوين ms026 ساكنا، فحذفوا الياء لالتقاء الساكنين، وكان حذف ~~الياء أولى من حذف التنوين لوجهين؛ # أحدهما: أن الياء إذا حذفت بقي في اللفظ ما يدل عليها، وهي الكسرة، بخلاف ~~التنوين، فإنه لو حذف، لم يبق في اللفظ ما يدل على حذفه، فلما وجب حذف ~~أحدهما؛ كان حذف ما في اللفظ دلالة على حذفه أولى. # والثاني: أن التنوين دخل لمعنى وهو الصرف، وأما الياء، فليست كذلك، فلما ~~وجب حذف أحدهما؛ كان حذف ما لم يدخل لمعنى أولى من حذف ما دخل لمعنى. وأما ~~إذا كان منصوبا، فهو بمنزلة الصحيح؛ لخفة الفتحة؛ فإن قيل: الحركات كلها ~~تستثقل على حرف العلة؛ بدليل قولهم: # PageV01P055 # باب وناب، والأصل فيهما: بوب، ونيب، إلا أنهم استثقلوا الفتحة على الواو ~~والياء؛ فقلبوا كل واحدة منهما ألفا؛ قيل: الفتحة في هذا النحو1 لازمة، ~~ليست بعارضة، بخلاف الفتحة التي على ياء "قاض" فإنها عارضة وليست بلازمة؛ ~~فلهذا المعنى، استثقلوا الفتحة /في/2 نحو: باب وناب ولم يستثقلوها في نحو: ~~قاض. # [الوقف على الاسم المنقوص] # فإن وقفت على المرفوع والمجرور من هذا الضرب، كان لك فيه مذهبان: إسقاط ~~الياء، وإثباتها. واختلف النحويون في الأجود منهما؛ فذهب سيبويه إلى أن حذف ~~الياء أجود إجراء للوقف على الوصل؛ لأن الوصل هو الأصل، وذهب يونس إلى أن ~~إثبات الياء أجود؛ لأن الياء إنما حذفت لأجل التنوين، ولا تنوين في الوقف ~~فوجب رد الياء، وقد قرأ بعض القراء قوله تعالى: {ما عندكم ينفد وما عند ~~الله باق} 3 بغير ياء، وقد قرأ بعضهم بالياء فإن كان منصوبا، أبدلت من ~~تنوينه ألفا كسائر الأسماء المنصرفة الصحيحة؛ فتقول: "رأيت قاضيا" كما ~~تقول: "رأيت ضاربا". وإن كان فيه ألف ولام، كان حكمه في الوصل حكم ما ليس ~~فيه ألف ولام في حذف الضمة والكسرة، ودخول الفتحة، وكان لك أيضا في الوقف ~~في حالة الرفع والجر إثبات الياء وحذفها، وإثباتها أجود الوجهين؛ لأن ~~التنوين لا يجوز أن يثبت مع الألف واللام، فإذا زال علة اسقاط الياء؛ وجب ~~أن تثبت؛ وكان بعض العرب ms027 يقف بغير ياء، وذلك أنه قدر حذف الياء في "قاض" ~~ونحوه، ثم أدخل عليه الألف واللام، وبقي الحذف على حاله؛ وهذا ضعيف جدا، ~~وقد قرأ بعض القراء في قوله تعالى: {أجيب دعوة الداع إذا دعان} 4. فإن كان ~~منصوبا لم يكن الوقف عليه إلا بالياء، قال الله تعالى: {كلا إذا بلغت ~~التراقي} 5، وذلك لأنه تنزل بالحركة منزلة الحرف الصحيح، فتحصن6 بها من ~~الحذف. # [تعريف الاسم المقصور] # وأما المقصور فهور المختص بألف مفردة في آخره؛ نحو الهوى، والهدى، ~~والدنيا، والأخرى، وسمي مقصورا؛ لأن حركات الإعراب قصرت عنه؛ أي: ~~PageV01P056 # حبست؛ والقصر: الحبس؛ ومنه يقال: امرأة مقصورة، وقصيرة، وقصورة؛ قال الله ~~تعالى: {حور مقصورات في الخيام} 1؛ أي محبوسات؛ # وقال الشاعر2: [الطويل] # وأنت التي حببت كل قصيرة ... إلي ولم تشعر بذاك القصائر # عنيت قصيرات الحجال ولم أرد ... قصار الخطا، شر النساء البحاتر3 # ويروى: قصورة، والبهاتر: القصار بمعنى واحد. # [الاسم المقصور ضربان] # وهو على ضربين؛ منصرف، وغير منصرف؛ فالمنصرف: ما دخله التنوين؛ نحو: هذه ~~عصا ورحى، ورأيت عصا ورحى، ومررت بعصا ورحى، والأصل فيه: عصو، ورحي، إلا أن ~~الواو والياء، لما تحركا، وانفتح ما قبلهما؛ قلبا ألفين، وحذفت الألف ~~منهما؛ لسكونها وسكون التنوين، وكان حذفها أولى لما ذكرناه في حذف الياء؛ ~~نحو: قاض. # [الوقف على الاسم المقصور] # فإن وقفت على شيء من هذا الضرب، فقد اختلف النحويون فيه على مذاهب؛ فهذب ~~سيبويه4 إلى أن الوقف في حالة الرفع والجر على الألف المبدلة من الحرف ~~الأصلي، وفي حالة النصب على الألف المبدلة من التنوين حملا 5 للمعتل على ~~الصحيح، وذهب أبو عثمان المازني6 إلى أن الوقف في الأحوال PageV01P057 # الثلاثة، على الألف المبدلة من التنوين لأنهم إنما خصوا الإبدال بحال ~~النصب في الصحيح؛ لأنه يؤدي إلى الألف التي هي أخف الحروف، ولم يبدلوا في ~~حالة الرفع والجر؛ لأنه يفضي إلى الثقل واللبس؛ وذلك غير موجود هنا؛ لأن ما ~~قبل التنوين -ههنا- لا يكون إلا مفتوحا، فأبدلوا منه ألفا؛ لأنه لا يجلب ~~ثقلا، ولا يجلب لبسا؛ وذهب أبو سعيد السيرافي1 ms028 إلى أن الوقف في الأحوال ~~الثلاثة على الألف المبدلة من الحرف الأصلي، وذلك؛ لأن بعض القراء يميلونها ~~في قوله تعالى: {أو أجد على النار هدى} 2 ولو كانت مبدلة من التنوين؛ لما ~~جازت -ههنا- إمالتها، ألا ترى أنك لو أملت الألف في نحو: رأيت عمرا؛ لكان ~~غير جائز؟ فلما جازت الإمالة -ههنا- دل على أنها مبدلة من الحرف الأصلي لا ~~من التنوين. # [المقصور غير المنصرف] # وغير المنصرف: ما لم يلحقه التنوين، وذلك؛ نحو: حبلى، وبشرى، وسكرى، ~~وتثبت فيه الألف وصلا ووقفا، إذ ليس يلحقها تنوين، تحذف من أجله، فإن لقيها ~~ساكن من كلمة أخرى؛ حذفت لالتقاء الساكنين. # [علة إعراب الأسماء الستة بالحروف] # فإن قيل: فلم أعربت الأسماء الستة المعتلة بالحروف وهي أسماء مفردة؟ قيل: ~~إنما أعربت بالحروف توطئة لما يأتي من باب التثنية والجمع. فإن قيل: فلم ~~كانت هذه الأسماء أولى بالتوطئة3 من غيرها؟ قيل: لأن هذه الأسماء منها ما ~~تغلب عليه الإضافة؛ ومنها ما تلزمه الإضافة، فما تغلب عليه: أبوك، وأخوك، ~~وحموك، وهنوك؛ وما تلزمه الإضافة: فوك، وذو مال؛ والإضافة فرع على الإفراد، ~~كما أن التثنية والجمع فرع على المفرد، فلما وجدت المشابهة بينهما من هذا ~~الوجه؛ كانت أولى من غيرها؛ ولما وجب أن تعرب بالحروف لهذه المشابهة، ~~أقاموا كل حرف مقام ما يجانسه من الحركات؛ فجعلوا الواو علامة للرفع، ~~والألف علامة للنصب، والياء علامة للجر؛ وذهب الكوفيون إلى أن الواو والضمة ~~قبلها علامة للرفع، والألف والفتحة قبلها علامة للنصب، والياء والكسرة ~~قبلها علامة للجر، فجعلوه معربا من مكانين، وقد بينا فساده في PageV01P058 # مسائل الخلاف بين البصريين والكوفيين. وذهب بعض النحويين إلى أن هذه ~~الأسماء إذا كانت في موضع رفع؛ كان فيها نقل بلا قلب، وإذا كانت في موضع ~~نصب، كان فيها قلب بلا نقل، وإذا كانت في موضع جر كان فيها نقل وقلب؛ ألا ~~ترى أنك إذا قلت: هذا أبوك، كان الأصل فيه: هذا أبوك؛ فنقلت الضمة من الواو ~~إلى ما قبلها، فكان فيه نقل بلا قلب، وإذا قلت: رأيت ms029 أباك، كان الأصل فيه: ~~رأيت أبوك، فتحركت الواو، وانفتح ما قبلها، فقلبت الواو ألفا، فكان فيه قلب ~~بلا نقل، وإذا قلت: مررت بأبيك، كان الأصل فيه: مررت بأبوك؛ فنقلت الكسرة ~~من الواو إلى ما قبلها، وانقلبت الواو ياء؛ لسكونها وانكسار ما قبلها، فكان ~~فيه نقل وقلب؛ وذهب بعض النحويين إلى أن الياء والواو والألف، نشأت عن ~~إشباع الحركات كقول الشاعر1: [البسيط] # الله يعلم أنا في تلفتنا ... يوم الفراق إلى إخواننا صور # وأنني حيثما يثن الهوى بصري ... من حيث ما سلكو أدنوا فأنظور2 # أراد: فأنظر، فأشبع الضمة؛ فنشأت الواو. وكما قال الآخر في إشباع الفتحة: ~~[الوافر] # وأنت من الغوائل حين ترمي ... ومن ذم الرجال بمنتزاح4 # أراد: بمنتزح، فأشبع الفتحة؛ فنشأت الألف؛ وقال الآخر5 في إشباع الكسرة: ~~[البسيط] # تنفي يداها الحصى في كل هاجرة ... نفي الدراهيم تنقاد الصياريف6 ~~PageV01P059 # أراد: الصيارف، فأشبع الكسرة؛ فنشأت الياء، والشواهد على1 إشباع الضمة ~~والفتحة والكسرة كثيرة جدا؛ وهذا القول ضعيف؛ لأن إشباع الحركات إنما يكون ~~في ضرورة الشعر كهذه الأبيات؛ وأما في حالة الاختيار، فلا يجوز ذلك ~~بالإجماع، فلما جاز -ههنا- في حالة الاختيار أن تقول: هذا أبوه، ورأيت ~~أباه، ومررت بأبيه، دل على أن هذه الحروف ما نشأت عن إشباع الحركات. وقد ~~حكي عن بعض العرب أنهم يقولون: "هذا أبك، ورأيت أبك، ومررت بأبك" من غير ~~واو، ولا ألف، ولا ياء؛ ويحكى عن بعض العرب أنهم يقولون: "هذا أباك، ورأيت ~~أباك، ومررت بأباك" بالألف في حالة الرفع والنصب والجر؛ كقوله2: [الرجز] # إن أباها وأبا أباها ... [قد بلغا في المجد غايتاها] # والذي يعتمد عليه هو القول الأول، وقد بينا ذلك مستقصى في كتابنا ~~الموسوم: ب: "الإسماء في شرح الأسماء". PageV01P060 ### | الباب الخامس: باب التثنية والجمع # إن قال قائل: ما التثنية؟ قيل: التثنية صيغة مبنية للدلالة على الاثنين؛ ~~وأصل التثنية العطف؛ تقول: قام الزيدان، وذهب العمران؛ والأصل: قام زيد ~~وزيد، وذهب عمرو وعمرو إلا أنهم حذفوا أحدهما، وزادوا على الآخر زيادة دالة ~~على التثنية للإيجاز والاختصار، والذي يدل على أن ms030 الأصل هو العطف، أنهم ~~يفكون التثنية في حال الاضطرار، ويعدلون عنها إلى التكرار؛ كقول الشاعر1: ~~[الرجز] # كأن بين فكها والفك ... فارة مسك ذبحت في سك2 # وقال الآخر3: [الرجز] # كأن بين خلفها والخلف ... كشة أفعى في يبيس قف4 PageV01P061 # وقال الراجز1: [الرجز] # ليث وليث في مجال ضنك2 # أراد "ليثان" إلا أنه عدل إلى التكرار في حالة الاضطرار؛ لأنه الأصل. # فإن قيل: ما الجمع؟ قيل: صيغة مبنية للدلالة على العدد الزائد على ~~الاثنين، والأصل فيه -أيضا- العطف كالتثنية، إلا أنهم لما عدلوا عن التكرار ~~في التثنية طلبا للاختصار، كان ذلك في الجمع أولى. # فإن قيل: فلم كان إعراب التثنية والجمع بالحروف دون الحركات؟ قيل: لأن ~~التثنية والجمع فرع على المفرد، (والإعراب بالحروف فرع على الحركات، فكما ~~أعرب المفرد) 3 الذي هو الأصل بالحركات التي هي الأصل، فكذلك، أعرب التثنية ~~والجمع اللذان هما فرع بالحروف التي هي فرع، فأعطي الفرع الفرع، كما أعطي ~~الأصل الأصل؛ وكانت الألف والواو والياء أولى من غيرها؛ لأنها أشبه الحروف ~~بالحركات. فإن قيل: فلم خصوا التثنية في حال الرفع بالألف، والجمع السالم ~~بالواو، وأشركوا بينهما في الجر والنصب؟ قيل: إنما خصوا التثنية بالألف، ~~والجمع بالواو؛ لأن التثنية أكثر من الجمع؛ لأنها تدخل على من يعقل، وعلى ~~ما لا يعقل، وعلى الحيوان، وعلى غير الحيوان من الجمادات والنبات، بخلاف ~~الجمع السالم، فإنه في الأصل لأولي العلم خاصة، فلما كانت التثنية أكثر، ~~والجمع أقل؛ جعلوا الأخف، وهو الألف للأكثر، والأثقل وهو الواو للأقل؛ ~~ليعادلوا بين التثنية والجمع؛ وإنما أشركوا بينهما في النصب والجر؛ لأن ~~التثنية والجمع لهما ستة أحوال وليس إلا ثلاثة أحرف، فوقعت الشركة ضرورة. ~~PageV01P062 # الإعراب، وذهب أبو الحسن الأخفش1، وأبو العباس المبرد2، ومن تابعهما، إلى ~~أنها تدل على الإعراب، وليست بإعراب، ولا حروف إعراب، وذهب أبو عمر الجرمي3 ~~إلى أن انقلابها هو الإعراب، وذهب قطرب4، والفراء5، والزيادي إلى أنها هي ~~الإعراب، والصحيح هو الأول؛ وأما من ذهب إلى أنها تدل على الإعراب، وليست ~~بحروف إعراب ففاسد؛ لأنه لا يخلو إما ms031 أن تدل على الإعراب في الكلمة، أو في ~~غيرها؛ فإن كانت تدل على الإعراب في الكلمة، فلا بد من تقديره فيها، فيرجع ~~هذا القول إلى القول الأول، وهو مذهب سيبويه، وإن كانت تدل على إعراب في ~~غير الكلمة، فليس بصحيح؛ لأنه يؤدي إلى أن يكون التثنية والجمع مبنيين، ~~وليس بمذهب لقائل هذا القول، وإلى أن يكون إعراب الكلمة ترك إعرابها، وذلك ~~محال، وأما من ذهب إلى أن انقلابها هو الإعراب، فقد ضعفه بعض النحويين؛ ~~لأنه يؤدي إلى أن يكون التثنية والجمع مبنيين في حالة الرفع؛ لأنه لم ينقلب ~~عن غيره، إذ أول أحوال الاسم الرفع، وليس من مذهب هذا القائل بناء التثنية ~~والجمع في حال من الأحوال؛ وأما من ذهب إلى أنها أنفسها هي الإعراب فظاهر ~~الفساد وذلك؛ لأن الإعراب لا يخل سقوطه ببناء الكلمة، ولو أسقطنا هذه ~~الأحرف؛ لبطل6 معنى التثنية والجمع، واختل معنى الكلمة، فدل ذلك على أنها ~~ليست بإعراب، وإنما هي حروف إعراب على ما بينا. PageV01P064 # [سبب فتح ما قبل ياء التثنية] # فإن قيل: فلم فتحوا ما قبل ياء التثنية دون ياء الجمع؟ قيل لثلاثة أوجه: # الوجه الأول: أن التثنية أكثر من الجمع على ما بينا، فلما كانت التثنية ~~أكثر من الجمع، والجمع أقل، أعطوا الأكثر الحركة الخفيفة، وهي الفتح، ~~والأقل الحركة الثقيلة، وهي الكسرة. # والوجه الثاني: أن حرف التثنية لما زيد على الواحد للدلالة على التثنية، ~~أشبه تاء التأنيث التي تزاد على الواحد للدلالة على التأنيث، وتاء التأنيث ~~يفتح ما قبلها، فكذلك ما أشبهها، وكانت التثنية أولى بالفتح، لهذا المعنى ~~من الجمع؛ لأنها قبل الجمع. # والوجه الثالث: أن بعض علامات التثنية الألف، والألف لا يكون ما قبلها ~~إلا مفتوحا، ففتحوا ما قبل الياء لئلا يختلف، إذ لا علة -ههنا- توجب ~~المخالفة. # فإن قيل: فلم أدخلت النون في التثنية والجمع؟ قيل: اختلف النحويون في ~~ذلك؛ فذهب سيبويه إلى أنها بدل من الحركة والتنوين؛ وذهب بعض النحويين إلى ~~أنها تكون على ثلاثة أضرب، فتارة تكون بدلا من الحركة والتنوين، ms032 وتارة بدلا ~~من الحركة دون التنوين، وتارة تكون بدلا من التنوين دون الحركة، فأما كونها ~~بدلا من الحركة والتنوين ففي نحو: رجلان، وفرسان، وأما كونها بدلا من ~~الحركة دون التنوين ففي نحو: الرجلان، والفرسان، وأما كونها بدلا من ~~التنوين فقط ففي نحو: رحيان، وعصوان. وذهب بعض الكوفيين إلى أنها زيدت ~~للفرق بين التثنية، والواحد المنصوب في نحو قولك: رأيت زيدا. # [انكسار نون التثنية وانفتاح نون الجمع] # فإن قيل: فلم كسروا نون التثنية، وفتحوا نون الجمع؟ قيل: للفرق بينهما. # فإن قيل: فما الحاجة إلى الفرق بينهما مع تباين صيغتيهما؟ قيل: لأنهم لو ~~لم يكسروا نون التثنية، ويفتحوا نون الجمع؛ لالتبس جمع المقصور في حالة ~~الجر والنصب، بتثنية الصحيح، ألا ترى أنك تقول في جمع مصطفى: رأيت مصطفين، ~~ومررت بمصطفين؛ قال الله تعالى: {وإنهم عندنا لمن المصطفين # PageV01P065 # الأخيار} 1 فلفظ مطصفين؛ كلفظ: زيدين، فلو لم يكسروا نون التثنية، ~~ويفتحوا نون الجمع؛ لالتبس هذا الجمع بهذه التثنية. # فإن قيل: فهلا عكسوا، ففتحوا نون التثنية، وكسروا نون الجمع، وكان الفرق ~~حاصلا؟ قيل: لثلاثة أوجه: # الوجه الأول: أن نون التثنية تقع بعد ألف، أو ياء مفتوح ما قبلها، فلم ~~يتسثقلوا الكسرة فيها، وأما نون الجمع، فإنها تقع بعد واو مضموم ما قبلها، ~~أو ياء مكسور ما قبلها، فاختاروا لها الفتحة؛ ليعادلوا خفة الفتحة ثقل ~~الواو والضمة، والياء والكسرة، ولو عكسوا ذلك؛ لأدى ذلك إلى الاستثقال، إما ~~لتوالي الأجناس، وإما للخروج من الضم إلى الكسر. # والوجه الثاني: أن التثنية قبل الجمع، والأصل في التقاء الساكنين الكسر، ~~فحركت نون التثنية بما وجب لها في الأصل، وفتحت نون الجمع؛ لأن الفتح أخف ~~من الضم. # والوجه الثالث: أن الجمع أثقل من التثنية، والكسر أثقل من الفتح، فأعطوا ~~الأخف الأثقل، والأثقل الأخف؛ ليعادلوا بينهما. # [الأصل في الجمع السالم لمن يعقل] # فإن قيل: فلم قلتم: إن الأصل في الجمع السالم أن يكون لمن يعقل؟ قيل: ~~تفضيلا لهم؛ لأنهم المقدمون على سائر المخلوقات بتكريم الله تعالى لهم، ~~وتفضيله إياهم؛ قال الله تعالى: ms033 {ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر ~~والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا} 2. # [ألفاظ العقود الملحقة بجمع المذكر السالم] # فإن قيل: فلم جاء هذا الجمع في الأعداد من العشرين إلى التسعين؟ قيل: ~~إنما جاء هذا الجمع في الأعداد من العشرين إلى التسعين؛ لأن الأعداد لما ~~كان يقع على من يعقل نحو: "عشرين رجلا" على ما لا يعقل نحو: "عشرين ثوبا" ~~وكذلك إلى التسعين، غلب جانب من يعقل على ما لا يعقل، كما يغلب جانب المذكر ~~على المؤنث في نحو: أخواك هند وزيد، وما أشبه ذلك. PageV01P066 # فإن قيل: فمن أين جاء هذا الجمع في قوله تعالى: {فقال لها وللأرض ائتيا ~~طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين} 1؟ قيل: لأنه لما وصفها بالقول؛ والقول ~~من صفات من يعقل، أجراهما مجرى من يعقل؛ وعلى هذا قوله تعالى: {إني رأيت ~~أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين} 2 لأنه لما وصفها بالسجود، ~~وهو من صفات من يعقل، أجراها مجرى من يعقل؛ فلهذا، جمعت جمع من يعقل. # [قولهم في جمع أرض وسنة] # فإن قيل: فلم جاء هذا الجمع في قولهم في جمع أرض: "أرضون" وفي جمع سنة ~~"سنون"؟ قيل: لأن الأصل في أرض: "أرضة" بدليل قولهم في التصغير: أريضة، ~~وكان القياس يقتضي أن تجمع بالألف والتاء، إلا أنهم لما حذفوا التاء من ~~أرض؛ جمعوه بالواو والنون تعويضا عن حذف التاء، وتخصيصا له بشيء، لا يكون ~~في سائر أخواته؛ وكذلك الأصل في سنة: "سنوة" بدليل قولهم في الجمع: "سنوات" ~~و"سنهة" على قول بعضهم، إلا أنهم لما حذفوا اللام، جمعوه بالواو والنون ~~تعويضا من حذف اللام، وتخصيصا له بشيء لا يكون في /الأمر/3 التام، وهذا ~~التعويض تعويض جواز، لا تعويض وجوب، لأنهم لا يقولون في جمع: شمس شمسون، ~~ولا /في/4 جمع غد غدون فلهذا، لما كان هذا الجمع في أرض، وسنة، على خلاف ~~الأصل، أدخل فيه ضرب من التكثير، ففتحت5 الراء من "أرضون" وكسرت السين من ~~"سنون" إشعارا بأنه جمع جمع السلامة على ms034 خلاف الأصل؛ فاعرفه /تصب/6 إن شاء ~~الله تعالى. PageV01P067 ### | الباب السادس: باب جمع التأنيث # [زيادة الألف والتاء في جمع التأنيث] # إن قال قائل: لم زادوا في آخر هذا الجمع ألفا وتاء؛ نحو: مسلمات وصالحات؟ ~~قيل: لأن أولى ما يزاد حروف المد واللين، وهي الألف والياء والواو، وكانت ~~الألف أولى من الياء والواو، لأنها أخف منهما، ولم تجز زيادة أحدهما معها؛ ~~لأنه كان يؤدي إلى أن ينقلب عن أصله؛ لأنه كان يقطع طرفا وقبله ألف زائدة ~~فينقلب همزة، فزادوا التاء بدلا عن الواو؛ لأنها تبدل منها كثيرا؛ نحو: ~~تراث، وتجاه، وتهمة، وتخمة، وتكلة، وما أشبه ذلك، والأصل في مسلمات ~~وصالحات: مسلمتات، وصالحتات، إلا أنهم حذفوا التاء لئلا يجمعوا بين علامتي ~~تأنيث في كلمة واحدة، وإذا كانوا قد حذفوا التاء مع المذكر في نحو قولهم: ~~رجل بصري وكوفي، في النسب إلى البصرة والكوفة، والأصل: بصرتي وكوفتي؛ لئلا ~~يقولوا في المؤنث: امرأة بصرتية، وكوفتية، فجمعوا بين علامتي تأنيث، فلأن ~~يحذفوا -ههنا- مع تحقق الجمع، كان ذلك من طريق الأولى. # فإن قيل: فلم كان حذف التاء الأولى أولى؟ قيل: لأنها تدل على التأنيث ~~فقط، والثانية تدل على الجمع والتأنيث، فلما كان في الثانية زيادة معنى، ~~كان تبقيتها، وحذف الأولى أولى. # فإن قيل: فلم لم يحذفوا الألف في جمع: حبلى، كما حذفوا التاء، فيقولوا: ~~حبلات، كما قالوا مسلمات؟ قيل: لأن الألف تنزل منزلة حرف من نفس الكلمة؛ ~~لأنها صيغت الكلمة عليها في أول أحوالها، وأما التاء فليست كذلك؛ لأنها ما ~~صيغت الكلمة عليها في أول أحوالها، وإنما هي بمنزلة اسم ضم إلى اسم؛ ~~كحضرموت، وبعلبك، وما أشبه ذلك. فإن قيل: فلم وجب قلب الألف؟ قيل: لأنها لو ~~لم تقلب؛ لكان ذلك يؤدي إلى حذفها؛ لأنها # PageV01P068 # ساكنة، وألف الجمع بعدها ساكن1، وساكنان لا يجتمعان؛ فيجب حذفها لالتقاء ~~الساكنين. فإن قيل: فلم قلبت الألف ياء؛ فقيل: حبليات، ولم تقلب واوا؟ قيل ~~لوجهين: # أحدهما: أن الياء تكون علامة للتأنيث، والواو ليست كذلك، فلما وجب قلب ~~الألف إلى أحدهما، كان قلبها ms035 إلى الياء أولى من قلبها إلى الواو. # والوجه الثاني: أن الياء أخف من الواو، والواو أثقل، فلما وجب قلبها إلى ~~أحدهما؛ كان قلبها إلى الأخف أولى من قلبها إلى الأثقل. # فإن قيل: فلم قلبوا الهمزة واوا في جمع صحراء، فقالوا: صحراوات؟ قيل: ~~لوجهين: # أحدهما: أنهم لما أبدلوا من الواو همزة في نحو: أقتت، وأجوه، أبدلت ~~الهمزة -ههنا- واوا من النقاض والتعويض. # والوجه الثاني: أنهم /إنما/2 أبدلوها واوا، ولم يبدلوها ياء؛ لأن الواو ~~أبعد من الألف، والياء أقرب إليه منها، فلو أبدلوها ياء؛ لأدى ذلك إلى أن ~~تقع ياء بين ألفين، فكان أقرب إلى اجتماع الأمثال، وهم إنما قلبوا الهمزة ~~فرارا من اجتماع الأمثال؛ لأنها تشبه الألف، وقد وقعت بين ألفين، وإذا كانت ~~الهمزة إنما وجب قلبها فرارا من اجتماع الأمثال، وجب قلبها واوا؛ لأنها ~~أبعد من الياء في اجتماع الأمثال. # فإن قيل: فلم حمل النصب على الجر في هذا الجمع، قيل: لأنه لما وجب حمل ~~النصب على الجر في جمع المذكر الذي هو الأصل؛ وجب -أيضا- حمل النصب على ~~الجر في جمع المؤنث الذي هو الفرع، حملا للفرع على الأصل، وإذا كانوا قد ~~حملوا: أعد، ونعد، وتعد، على بعد في الاعتدال، وإن لم يكن فرعا عليه، فلأن ~~يحمل جمع المؤنث على جمع المذكر وهو فرع عليه؛ كان ذلك من طريق الأولى، ~~فاعرفه تصب، إن شاء الله تعالى. PageV01P069 ### | الباب السابع: باب جمع التكسير # [جمع التكسير وسبب تسميته] # إن قال قائل: لم سمي جمع التكسير تكسيرا1؟ قيل: إنما سمي بذلك على ~~التشبه2 بتكسير الآنية؛ لأن تكسيرها إنما هو إزالة التئام أجزائها؛ فلما ~~أزيل نظم الواحد فك نضده3 في هذا الجمع؛ فسمي جمع التكسير. وهو على أربعة ~~أضرب: # [أضرب جمع التكسير] # أحدها: أن يكون لفظ الجمع أكثر من لفظ الواحد. # والثاني: أن يكون لفظ الواحد أكثر من لفظ الجمع. # والثالث: أن يكون مثله في الحروف دون الحركات. # والرابع: أن يكون مثله في الحروف والحركات؛ فأما ما لفظ الجمع أكثر من ~~لفظ الواحد؛ فنحو: رجل ورجال، ms036 ودرهم ودراهم، وأما ما لفظ الواحد أكثر من ~~لفظ الجمع؛ فنحو: كتاب وكتب، وإزار وأزر، وأما ما لفظ الجمع كلفظ الواحد في ~~الحروف (دون الحركات) 4؛ فنحو: أسد وأسد، ووثن ووثن، وأما ما لفظ الجمع مثل ~~/لفظ/5 الواحد في الحروف والحركات؛ فنحو: الفلك، فإنه يكون واحدا، ويكون ~~جمعا، فأما كونه واحدا؛ فنحو قوله PageV01P070 # تعالى: {في الفلك المشحون} 1 فأراد به الواحد؛ ولو أراد به الجمع؛ لقال: ~~المشحونة، وأما كونه جمعا؛ فنحو قوله تعالى: {حتى إذا كنتم في الفلك وجرين ~~بهم} 2. وقال تعالى: {والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس} 3 فأراد ~~به الجمع؛ لقوله: وجرين، والتي تجري؛ غير أن الضمة فيه إذا كان واحدا، غير ~~الضمة فيه إذا كان جمعا، وإن كان اللفظ واحدا؛ لأن الضمة فيه إذا كان واحدا ~~كالضمة في: قفل، وقلب4، وإذا كان جمعا؛ كانت الضمة فيه كالضمة في: كتب، ~~وأزر؛ وكذلك قولهم: هجان ودلاص، يكون واحدا ويكون جمعا؛ تقول: ناقة هجان، ~~ونوق هجان، ودرع دلاص، ودروع دلاص، فإذا كان واحدا؛ كانت الكسرة فيه ~~كالكسرة في: كتاب، وإذا كان جمعا؛ كانت الكسرة فيه؛ كالكسرة في: كلام؛ ~~والهجان: الكريم من الإبل، والدلاص: الدروع البراقة، ويقال: دلاص، ودلامص، ~~ودمالص ودملص،، ودلمص، بمعنى واحد؛ فاعرفه تصب، إن شاء الله تعالى. ~~PageV01P071 ### | الباب الثامن: باب المبتدأ # [تعريف المبتدأ] # إن قال قائل: ما المبتدأ؟ قيل: كل اسم عريته من العوامل اللفظية لفظا ~~وتقديرا؛ فقولنا: اللفظية احتزازا1؛ لأن العوامل تنقسم إلى قسمين؛ إلى عامل ~~لفظي، وإلى عامل معنوي، فأما اللفظي؛ فنحو: كان وأخواتها، وإن وأخواتها، ~~وظننت وأخواتها؛ وقولنا: تقديرا، احترازا من تقدير الفعل في نحو قوله ~~تعالى: {إذا السماء انشقت} 2 وما أشبه ذلك؛ وأما المعنوي، فلم يأت إلا في ~~موضعين عند سيبويه3، وأكثر البصريين؛ هذا أحدهما، وهو الابتداء؛ والثاني ~~وقوع الفعل المضارع موقع الاسم /في/4 نحو: مررت برجل يكتب، فارتفع "يكتب" ~~لوقوعه موقع "كاتب". وأضاف أبو الحسن الأخفش5 إليهما موضعا ثالثا، وهو عامل ~~الصفة، فذهب إلى أن الاسم يرتفع؛ لكونه صفة لمرفوع، وينتصب ms037 لكونه صفة ~~لمنصوب، وينجر لكونه صفة لمجرور، وكونه صفة في هذه الأحوال معنى يعرف ~~بالقلب، ليس للفظ فيه حظ. وسيبويه وأكثر البصريين يذهبون إلى أن العامل في ~~الصفة هو العامل في الموصوف؛ ولهذا، موضع نذكره فيه، إن شاء الله تعالى. # [علة ارتفاع المبتدأ عند البصريين] # فإن قيل: فبماذا يرتفع الاسم المبتدأ؟ قيل: اختلف النحويون في ذلك؛ فذهب ~~سيبويه ومن تابعه من البصريين إلى أنه يرتفع بتعريه من العوامل اللفظية. ~~وذهب بعض البصريين إلى أنه يرتفع بما في النفس من معنى الإخبار عنه، وقد ~~ضعفه بعض النحويين، وقال: لو كان الأمر كما زعم؛ لوجب ألا ينتصب إذا ~~PageV01P072 # دخل عليه عامل النصب؛ لأن دخوله عليه، لم يغير معنى الإخبار عنه، ولوجب ~~ألا يدخل عليه مع بقائه، فلما جاز ذلك؛ دل على فساد ما ذهب إليه. # [علة ارتفاع المبتدأ عند الكوفيين] # وأما الكوفيون، فذهبوا إلى أنه يرتفع بالخبر1، وزعموا أنهما يترافعان، ~~وأن كل واحد منهما يرفع الآخر، وقد بينا فساده في مسائل الخلاف بين ~~البصريين والكوفيين. # [علة جعل التعري عاملا] # فإن قيل: فلم جعلتم التعري عاملا، وهو عبارة عن عدم العوامل؟. قيل: لأن ~~العوامل اللفظية، ليست مؤثرة في المعمول حقيقة، وإنما هي أمارات وعلامات ~~فإذا ثبت أن العوامل في محل الإجماع إنما هي أمارات وعلامات؛ فالعلامة تكون ~~بعدم الشيء، كما تكون بوجود شيء، ألا ترى أنه لو كان معك ثوبان، وأردت أن ~~تميز أحدهما عن2 الآخر؛ لكنت تصبغ أحدهما مثلا، وتترك صبغ الآخر، فيكون عدم ~~الصبغ في أحدهما كصبغ الآخر؛ فتبين3 بهذا أن العلامة تكون بعدم شيء، كما ~~تكون بوجود شيء، وإذا ثبت هذا؛ جاز أن يكون التعري من العوامل اللفظية ~~عاملا. # [اختصاص المبتدأ بالرفع] # فإن قيل: فلم خص المبتدأ بالرفع دون غيره؟ قيل: لثلاثة أوجه: # أحدهما: أن المبتدأ وقع في أقوى أحواله، وهو الابتداء، فأعطي أقوى ~~الحركات، وهو الرفع. # والوجه الثاني: أن المبتدأ أول، والرفع أول، فأعطي الأول الأول. # والوجه الثالث: أن المبتدأ مخبر عنه، كما أن الفاعل مخبر عنه، والفاعل ~~مرفوع، ms038 فكذلك ما أشبهه. # فإن قيل: لماذا لا يكون المبتدأ في الأمر العام إلا معرفة؟ قيل: لأن ~~المبتدأ مخبر عنه، والإخبار عما4 لا يعرف لا فائدة منه5. PageV01P073 # [تقديم خبر المبتدأ عليه] # فإن قيل: فهل يجوز تقديم خبر المبتدأ عليه؛ نحو: قائم زيد؟ قيل: اختلف ~~النحويون فيه1؛ فذهب البصريون إلى أنه جائز، وذهب الكوفيون إلى أنه غير ~~جائز، وأنه إذا تقدم عليه الخبر، يرتفع به ارتفاع الفاعل بفعله2، وقالوا: ~~لو جوزنا تقديم خبر المبتدأ عليه؛ لأدى ذلك إلى تقديم ضمير الاسم على ~~ظاهره، وذلك لا يجوز، وهذا الذي ذهبوا إليه فاسد، وذلك لأن اسم الفاعل أضعف ~~من الفعل في العمل؛ لأنه فرع عليه، فلا يعمل حتى يعتمد، ولم يوجد -ههنا- ~~فوجب ألا يعمل. وقولهم: إن هذا يؤدي إلى تقديم ضمير الاسم على ظاهره فاسد ~~-أيضا- لأنه وإن كان مقدما لفظا، إلا أنه مؤخر تقديرا، وإذا كان مقدما في ~~اللفظ، مؤخرا في التقدير3، كان تقديمه جائزا؛ قال الله تعالى: {فأوجس في ~~نفسه خيفة موسى} 4 فالهاء في "نفسه" ضمير موسى، وإن كان في اللفظ مقدما على ~~موسى، إلا أنه لما كان موسى مقدما في التقدير؛ والضمير في تقدير 5 التأخير؛ ~~كان ذلك جائزا، فكذلك ههنا، والذي يدل على /جواز/6 ذلك وقوع الإجماع على ~~جواز؛ ضرب غلامه زيد؛ وهذا بين؛ وكذلك اختلفوا في الظرف إذا كان مقدما على ~~المبتدأ؛ نحو: عندك زيد فذهب البصريون إلى أنه في موضع الخبر، كما لو كان ~~متأخرا، وذهب الكوفيون إلى أن المبتدأ يرتفع بالظرف7، ويخرج عن كونه مبتدأ، ~~ووافقهم على ذلك أبو الحسن الأخفش في أحد قوليه؛ وفي هذه المسألة كلام طويل ~~بيناه في: مسائل الخلاف بين البصريين والكوفيين، لا يليق ذكره8 بهذا ~~المختصر. PageV01P074 ### | الباب التاسع: باب خبر المبتدأ # [الخبر مفرد وجملة] # إن قال قائل: على كم ضربا ينقسم خبر المبتدأ؟ قيل: على ضربين؛ مفرد، ~~وجملة. فإن قيل: على كم ضربا ينقسم المفرد؟ قيل على ضربين؛ أحدهما: أن يكون ~~اسما غير صفة، والآخر أن يكون صفة؛ أما الاسم غير الصفة؛ ms039 فنحو: زيد أخوك، ~~وعمرو غلامك؛ فزيد مبتدأ، وأخوك خبره، وكذلك عمرو مبتدأ، وغلامك خبره، وليس ~~في شيء من هذا النحو ضمير يرجع إلى المبتدأ عند البصريين، وذهب الكوفيون ~~إلى أن فيه ضميرا يرجع إلى المبتدأ؛ وبه قال علي بن عيسى الرماني1 من ~~البصريين؛ والأول هو الصحيح؛ لأن هذه أسماء محضة، والأسماء المحضة لا تتضمن ~~الضمائر، وأما ما كان صفة؛ فنحو: زيد ضارب، وعمرو حسن، وما أشبه ذلك، ولا ~~خلاف بين النحويين في أن هذا النحو يحتمل2 ضميرا يرجع إلى المبتدأ؛ لأنه ~~يتنزل3 منزلة الفعل، ويتضمن معناه. # [انقسام الجملة إلى اسمية وفعلية] # فإن قيل: على كم ضربا تنقسم الجملة؟ قيل: على ضربين؛ /جملة/4 اسمية، ~~وجملة فعلية؛ فأما الجملة الاسمية، فما كان الجزء5 الأول منها اسما؛ وذلك ~~نحو: "زيد أبوه منطق" فزيد: مبتدأ أول: وأبوه: مبتدأ ثان، PageV01P075 # ومنطلق: خبر عن المبتدأ الثاني، والمبتدأ الثاني، وخبره: خبر عن المبتدأ ~~الأول. وأما الجملة الفعلية فما كان الجزء1 الأول منها فعلا؛ نحو: زيد ذهب ~~أبوه، وعمرو أن تكرمه يكرمك، وما أشبه ذلك؛ أما الظرف وحرف الجر، فاختلف ~~النحويون فيهما، فذهب سيبويه وجماعة من النحويين إلى أنهما يعدان من الجمل؛ ~~لأنهما يقدر معهما الفعل، فإذا قال: زيد عندك، وعمرو في الدار كان التقدير: ~~زيد استقر عندك، وعمرو استقر في الدار؛ وذهب بعض النحويين إلى أنهما يعدان ~~من المفردات؛ لأنه يقدر معهما: مستقر؛ وهو اسم الفاعل، واسم الفاعل لا يكون ~~مع الضمير جملة، والصحيح: ما ذهب إليه سيبويه، ومن تابعه؛ والدليل على ذلك: ~~أنا وجدنا الظرف، وحرف الجر يقعان في صلة الأسماء الموصلة؛ نحو: الذي، ~~والتي، ومن، وما، وما أشبه ذلك؛ تقول الذي عندك زيد، والذي في الدار عمرو، ~~وكذلك سائرها، ومعلوم أن الصلة لا تكون إلا جملة، فإذا وجدناهم يصلون بهما ~~الأسماء الموصولة، دلنا ذلك على أنهما يعدان من الجمل، لا من المفردات، وأن ~~التقدير: "استقر" دون "مستقر"؛ لأن استقر يصلح أن يكون صلة لأنه جملة، ~~و"مستقر" لا يصلح أن يكون صلة؛ لأنه مفرد، ولا بد ms040 في هذا النحو -أعني ~~الجملة- من ضمير يعود إلى المبتدأ؛ تقول: زيد أبوه منطلق، فيكون العائد إلى ~~المبتدأ "الهاء" في أبوه؛ فأما قولهم: "السمن منوان2 بدرهم" ففيه ضمير ~~محذوف يرجع إلى المبتدأ؛ والتقدير فيه: منوان منه بدرهم وإنما حذف منه ~~تخفيفا للعلم به، ولو قلت: "زيد انطلق عمرو" لم يجز /قولا واحدا/3 فلو أضفت ~~إلى ذلك: إليه، أو معه؛ صحت المسألة؛ لأنه قد رجع من: إليه، أو معه، ضمير ~~إلى المبتدأ، وعلى هذا قياس كل جملة وقعت خبر المبتدأ4، وإنما وجب ذلك ~~ليرتبط5 الكلام الثاني بالأول، ولو لم يرجع منه ضمير /إلى/6 الأول؛ لم يكن ~~أولى به من غيره، فتبطل فائدة الخبر. # فإن قيل: فلم إذا كان المبتدأ جثة، جاز أن يقع في خبره ظرف المكان دون ~~ظرف الزمان؟ قيل: إنما جاز أن يقع في خبره ظرف المكان دون ظرف. PageV01P076 # الزمان؛ لأن في وقوع ظرف المكان خبرا عنه فائدة، وليس في وقوع ظرف الزمان ~~خبرا عنه فائدة، ألا ترى أنك تقول في ظرف المكان: زيد أمامك فيكون مفيدا؛ ~~لأنه يجوز ألا يكون أمامك، ولو قلت في ظرف الزمان: زيد يوم الجمعة لم يكن ~~مفيدا؛ لأنه لا يجوز أن يخلو عن يوم الجمعة، وحكم الخبر أن يكون مفيدا. # فإن قيل: فكيف جاز الإخبار عنه بظرف الزمان في قولهم "الليلة الهلال" ~~قيل: إنما جاز؛ لأن التقدير فيه "الليلة حدوث الهلال"، أو طلوعه، فحذف ~~المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، والحدوث والطلوع حدث، ويجوز أن يكون خبر ~~المبتدأ ظرف زمان، إذا كان المبتدأ حدثا؛ كقولك: "الصلح يوم الجمعة، ~~والقتال يوم السبت وما أشبه ذلك؛ لأن في وقوعه خبرا عنه فائدة. # [العامل في خبر المبتدأ] # فإن قيل: فما العامل في خبر المبتدأ؟ قيل: اختلف النحويون في ذلك؛ فذهب ~~الكوفيون إلى أن عامله المبتدأ على ما ذكرناه، وذهب البصريون1 إلى أن ~~الابتداء وحده هو العامل في الخبر؛ لأنه لما وجب أن يكون عاملا في المبتدأ، ~~وجب أن يكون عاملا في الخبر، قياسا على العوامل اللفظية التي تدخل ms041 على ~~المبتدأ؛ (وهو على رأي بعضهم) 2. وذهب قوم /منهم أيضا/3 إلى أن الابتداء ~~عمل في المبتدأ؛ والمبتدأ عمل في الخبر، وذهب سيبويه وجماعة معه إلى أن ~~العامل في الخبر، وهو الابتداء والمبتدأ جميعا؛ لأن الابتداء لا ينفك عن ~~المبتدأ، ولا يصح للخبر معنى إلا بهما، فدل على أنهما العاملان فيه، والذي ~~اختاره أن العامل في الحقيقة، هو الابتداء وحده دون المبتدأ، وذلك؛ لأن ~~الأصل في الأسماء ألا تعمل، وإذا ثبت أن الابتداء له تأثير في العمل، ~~فإضافة ما لا تأثير له إلى ما له تأثير، لا تأثير له، والتحقيق فيه أن ~~تقول: إن الابتداء أعمل4 في الخبر بواسطة المبتدأ؛ لأن المبتدأ مشارك له في ~~العمل، وفي كل واحد من هذه المذاهب كلام لا يليق ذكره بهذا المختصر، ~~(فاعرفه تصب، إن شاء الله تعالى) 5. PageV01P077 ### | الباب العاشر: باب الفعل # ... # الباب العاشر: باب الفاعل # [تعريف الفاعل] # إن قال قائل: ما الفاعل؟ قيل: /كل/1 اسم ذكرته بعد فعل، وأسندت ذلك الفعل ~~إليه؛ نحو: "قام زيد، وذهب عمرو". # [الفاعل مرفوع وأوجه ذلك] # فإن قيل: فلم كان إعرابه الرفع؟ قيل: فرقا بينه وبين المفعول. # فإن قيل: فهلا عكسوا، وكان الفرق واقعا؟ قيل: لخمسة أوجه. # الوجه الأول2: وهو أن الفعل لا يكون له إلا فاعل واحد، ويكون له مفعولات ~~كثيرة؛ فمنه ما يتعدى إلى مفعول واحد، ومنه ما يتعدى إلى مفعولين، ومنه ما ~~يتعدى إلى ثلاثة مفعولين، مع أنه يتعدى إلى خمسة أشياء؛ وهي: المصدر، وظرف ~~الزمان، وظرف المكان، والمفعول /له/3، والحال، وليس له إلا فاعل واحد، ~~وكذلك كل فعل لازم يتعدى إلى هذه الخمسة، وليس له -أيضا- إلا فاعل واحد، ~~فإذا ثبت هذا، وأن الفاعل أقل من المفعول، فالرفع3 أثقل، والفتح أخف، ~~فأعطوا الأقل الأثقل، والأكثر الأخف؛ ليكون ثقل الرفع موازيا لقلة الفاعل، ~~وخفة الفتح موزاية لكثرة المفعول. # والوجه الثاني: أن الفاعل يشبه المبتدأ، والمبتدأ مرفوع، فكذلك ما أشبهه، ~~ووجه الشبه بينهما: أن الفاعل يكون هو والفعل جملة، كما يكون المبتدأ مع ~~الخبر جملة، فلما ثبت للمبتدأ ms042 الرفع؛ حمل الفاعل عليه. PageV01P078 # والوجه الثالث: أن الفعل أقوى من المفعول؛ فأعطي الفاعل الذي هو الأقوى، ~~الأقوى وهو الرفع، وأعطي المفعول الذي هو الأضعف، الأضعف وهو النصب. # والوجه الرابع: أن الفاعل أول، والرفع أول، والمفعول آخر، والنصب /آخر/1؛ ~~فأعطي الأول الأول، والآخر الآخر. # والوجه الخامس: أن هذا السؤال، لا يلزم؛ لأنه لم يكن الغرض إلا مجرد ~~الفرق، وقد حصل، وبان أن هذا السؤال لا يلزم: لأنا لو عكسنا على ما أورده ~~السائل، فنصبنا على الفاعل، ورفعنا المفعول؛ لقال الآخر: فهلا عكستم؟ فيؤدي ~~ذلك إلى أن ينقلب السؤال، والسؤال متى انقلب، كان مردودا؟ وهذا الوجه ينبغي ~~أن يكون مقدما من جهة النظر إلى ترتيب الإيراد، وإنما أخرناه؛ لأنه بعيد من ~~التحقيق. # [بم يرتفع الفاعل] # فإن قيل: بماذا يرتفع الفاعل؟ قيل: يرتفع بإسناد الفعل إليه؛ لا لأنه ~~أحدث فعلا على الحقيقة، والذي يدل على ذلك أنه يرتفع في النفي، كما يرتفع ~~في الإيجاب؛ تقول: ما قام زيد، ولم يذهب عمرو؛ فترفعه وإن كنت قد نفيت عنه ~~القيام والذهاب، كما لو أوجبته له؛ نحو: قام زيد، وذهب عمرو، وما أشبه ~~ذلك2. # [الفاعل لا يتقدم على الفعل] # فإن قيل: فلم لا يجوز تقديم الفاعل على الفعل؟ قيل: لأن الفاعل تنزل ~~منزلة الجزء من الكلمة؛ وهو الفعل3 والدليل على ذلك من سبعة أوجه: # أحدهما: أنهم يسكنون لام الفعل، إذا اتصل به ضمير الفاعل؛ قال الله ~~تعالى: {وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة} 4 لئلا يتوالى أربعة متحركات5 لوازم ~~في كلمة واحدة6 إلا أن يحذف من الكلمة /شيء/7 للتخفيف؛ نحو: PageV01P079 # عجلط1، وعكلط، وعلبط، فلو لم ينزلوا ضمير الفاعل منزلة حرف من سنخ2 ~~الفعل/وإلا/3 لما سكنوا لامه، ألا ترى أن ضمير المفعول لا تسكن4 له لام ~~الفعل إذا اتصل به؛ لأنه في نية الانفصال؛ قال الله تعالى: {وإذ يقول ~~المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا} 5 فلم ~~يسكن6 لام الفعل إذ7 كان في نية الانفصال؛ بخلاف قوله تعالى: {وإذ واعدنا ~~موسى} ؛ لأنه /ليس/8 ms043 في نية الانفصال. # والوجه الثاني: أنهم جعلوا النون في الخمسة الأمثلة علامة للرفع، وحذفها ~~علامة للجزم والنصب، فلولا أنهم جعلوا هذه الضمائر التي هي: الألف، والواو، ~~والياء في: يفعلان، وتفعلان ويفعلون، وتفعلين يا امرأة، بمنزلة حرف من سنخ ~~الكلمة، وإلا لما جعلوا الإعراب بعده. # والوجه الثالث: أنهم قالوا: "قامت هند" فألحقوا التاء بالفعل، والفعل لا ~~يؤنث، وإنما التأنيث للاسم، فلو لم يجعلوا الفاعل بمنزلة جزء من الفعل، ~~وإلا لما جاز إلحاق /علامة/9 التأنيث به. # والوجه الرابع: أنهم قالوا في النسب إلى كنت "كنتي"؛ قال الشاعر: ~~[الطويل] # فأصبحت كنتيا وأصبحت عاجنا ... وشر خصال المر كنت وعاجن10 PageV01P080 # فأثبتوا التاء، ولو لم يتنزل1 منزلة حرف من سنخ الكلمة، وإلا لما جاز ~~إثباتها. # والوجه الخامس: أنهم قالوا: حبذا، وهي مركبة2 من فعل وفاعل، فجعلوهما ~~بمنزلة اسم واحد، وحكم على موضعه بالرفع على الابتداء. # والوجه السادس: أنهم قالوا: "زيد ظننت قائم" فألغوها، والإلغاء: إنما ~~يكون للمفردات، لا للجمل، فلو لم ينزل الفعل مع الفاعل بمنزلة كلمة واحدة، ~~وإلا لما جاز الإلغاء. # والوجه السابع: أنهم قالوا للواحد: "قفا" على التثنية؛ لأن المعنى: قف ~~قف، قال الله تعالى: {ألقيا في جهنم كل كفار عنيد} 3 فثنى وإن كان الخطاب ~~لملك واحد؛ لأن المراد /به/4: ألق ألق، والتثنية ليست للأفعال، وإنما هي ~~للأسماء، فلو لم يتنزل الاسم منزلة بعض الفعل، وإلا لما جازت تثنيته ~~باعتباره. # وإذا ثبت بهذه الأوجه أن الفاعل يتنزل منزلة الجزء من الفعل؛ لم يجز ~~تقديمه عليه. # فإن قيل: لم زعمتم أن قول القائل: زيد قام مرفوع بالابتداء دون الفعل، ~~ولا فصل بين قولنا: زيد ضرب، وضرب زيد؟ قيل لوجهين؛ أحدهما: أنه من شرط ~~الفاعل ألا يقوم غيره مقامه مع وجوده؛ نحو قولك: قام زيد، فلو كان تقديم ~~زيد على الفعل بمنزلة تأخيره، لاستحال قولك: زيد قام أخوه، وعمرو انطلق ~~غلامه؛ ولما جاز ذلك، دل على أنه لم يرتفع بالفعل، بل بالابتداء. # والوجه الثاني: أنه لو كان الأمر على ما زعمت؛ لوجب ألا يختلف حال ms044 الفعل؛ ~~فكان5 ينبغي أن يقال: الزيدان قام، والزيدون قام؛ كما تقول: قام الزيدان، ~~وقام الزيدون؛ فلما لم يقل إلا: "الزيدان قاما، والزيدون قاموا"، دل على ~~أنه يرتفع بالابتداء دون الفعل. # فإن قيل: فلم استتر ضمير الواحد؛ نحو: "زيد قام" وظهر ضمير الاثنين؛ ~~PageV01P081 # نحو الزيدان قاما وضمير الجماعة؛ نحو: الزيدون قاموا؟ قيل: لأن الفعل لا ~~يخلو من فاعل واحد، وقد يخلو من اثنين وجماعة، فإذا قدمت اسما مفردا على ~~الفعل؛ نحو: زيد قام، لم تحتج1 معه إلى إظهار ضميره؛ لإحاطة العلم بأنه لا ~~يخلو من فاعل واحد، فإذا قدمنا2 اسما مثنى على الفعل؛ نحو: "الزيدان قاما" ~~أو مجموعا؛ نحو: "الزيدون قاموا" وجب إظهار ضمير التثنية والجميع؛ لأنه قد ~~يخلو من ذلك، فلو لم يظهر ضميرها؛ لوقع الالتباس، ولم يعلم أن الفعل ~~لاثنين، أو جماعة؛ فافهمه تصب، إن شاء الله تعالى. PageV01P082 ### | الباب الحادي عشر: باب المفعول به # [تعريف المفعول به] # إن قال قائل: ما المفعول /به/1؟ قيل: كل اسم تعدى إليه فعل. # [العامل في المفعول به] # فإن قيل؟ فما العامل في المفعول؟ قيل: اختلف النحويون في ذلك فذهب ~~أكثرهم2 إلى أن العامل في المفعول هو الفعل فقط، وذهب بعضهم3 إلى أن العامل ~~فيه الفعل والفاعل معا؛ والقول الصحيح هو الأول، وهذا القول ليس بصحيح4، ~~وذلك؛ لأن الفاعل اسم، كما أن المفعول كذلك، فإذا استويا في الاسمية؛ ~~والأصل في الاسم ألا يعمل، فليس عمل أحدهما في صاحبه أولى من الآخر، وإذا ~~ثبت هذا، وأجمعنا على أن الفعل له تأثير في العمل، فإضافة ما لا تأثير له ~~في العمل، إلى ما له تأثير، لا تأثير له، فدل على أن العامل هو الفعل فقط؛ ~~وهو على ضربين؛ فعل متعد بغيره، وفعل متعد بنفسه؛ فأما ما يتعدى بغيره، فهو ~~الفعل اللازم، ويتعدى بثلاثة أشياء؛ وهي: الهمزة، والتضعيف، وحرف الجر؛ ~~فالهمزة، نحو: "خرج زيد وأخرجته"، والتضعيف؛ نحو: "خرج المتاع وخرجته" وحرف ~~الجر؛ نحو: "خرج زيد وخرجت به" وكذلك: "فرح زيد، وأفرحته، وفرحته، وفرحت ~~به" وما أشبه ذلك. ms045 وأما المتعدي بنفسه فعلى ثلاثة أضرب؛ ضرب يتعدى إلى ~~مفعول واحد؛ كقولك: "ضرب زيد عمرا، وأكرم عمرو بشرا"، وضرب يتعدى إلى ~~مفعولين؛ كقولك: PageV01P083 # "أعطيت زيدا درهما، وظننت زيدا قائما" وضرب يتعدى إلى ثلاثة مفعولين؛ ~~كقلوك: "أعلم الله زيدا عمرا خير الناس، ونبأ الله عمرا بشرا كريما" وهذا ~~الضرب منقول بالهمزة والتضعيف مما يتعدى إلى مفعولين لا1 يجوز الاقتصار على ~~أحدهما؛ لأن كل واحد من هذه الأشياء الثلاثة المعدية، التي هي: الهمزة، ~~والتضعيف، وحرف الجر، كما أنها تنقل الفعل اللازم من اللزوم إلى التعدي، ~~فكذلك إذا دخلت على الفعل المتعدي، فإنما تزيده مفعولا؛ فإن2 كان يتعدى إلى ~~مفعول واحد، صار يتعدى إلى مفعولين؛ كقولك في ضرب زيد عمرا: أضربت زيدا ~~عمرا، وفي "حفر زيد بئرا، أحفرت زيدا بئرا" وما أشبه ذلك، فإن3 كان متعديا ~~إلى مفعولين، صار متعديا إلى ثلاثة مفعولين، ونحوه /على/4 ما قدمناه. ~~فاعرفه تصب، إن شاء الله تعالى. PageV01P084 ### | الباب الثاني عشر: باب ما لم يسم فاعله # [لم لم يذكر الفاعل] # إن قال قائل: لم لم يسم الفاعل؟ قيل: لأن العناية قد تكون بذكر المفعول، ~~كما تكون بذكر الفاعل، وقد تكون للجهل بالفاعل، وقد تكون للإيجاز ~~والاختصار،1 أو /إلى/ غير ذلك. # [علة رفع نائب الفاعل] # فإن قيل: فلم2 كان ما لم يسم فاعله مرفوعا؟ قيل: لأنهم لما حذفوا الفاعل، ~~أقاموا المفعول مقامه، فارتفع بإسناد الفعل إليه، كما كان يرتفع الفاعل. # [علة ذكر نائب الفاعل] # فإن قيل: فلم إذا حذف الفاعل، وجب أن يقام اسم آخر مقامه؟ قيل: لأن الفعل ~~لا بد له من فاعل؛ لئلا يبقى الفعل حديثا من غير محدث عنه، فلما حذف الفاعل ~~-ههنا- وجب أن يقام اسم آخر مقامه؛ ليكون الفعل حديثا عنه، وهو المفعول. # [قيام المفعول مقام الفاعل] # فإن قيل: كيف يقام المفعول مقام الفاعل، وهو ضده في المعنى؟ قيل: هذا غير ~~غريب في الاستعمال، فإنه إذا جاز أن يقال: "مات زيد" وسمي زيد فاعلا، ولم ~~يحدث بنفسه الموت، وهو مفعول في المعنى، جاز أن يقام ms046 المفعول -ههنا- مقام ~~الفاعل، وإن كان مفعولا في المعنى؛ والذي يدل على أن المفعول -ههنا- أقيم ~~مقام الفاعل، أن الفعل إذا كان يتعدى إلى مفعول واحد، لم يتعد إلى ~~PageV01P085 # مفعول البتة؛ كقولك في ضرب زيد عمرا، وأكرم بكر بشرا: (ضرب عمرو، وأكرم ~~بشر) 1، وإن كان يتعدى إلى مفعولين، صار يتعدى إلى مفعول واحد؛ كقولك في: ~~"أعطيت زيدا درهما، وظننت عمرو قائما: أعطي زيد درهما، وظن عمر عمرو قائما" ~~ولو قلت: "ظن قائم عمرا"؛ لزوال اللبس، ولو قلت في: "ظننت زيدا أباك؛ ظن ~~أبوك زيدا" لم يجز، وذلك؛ لأن قولك: ظننت زيدا أباك يؤذن بأن زيدا معلوم، ~~والأبوة مظنونة، فلو أقيم الأب مقام الفاعل؛ لانعكس المعنى، فصارت الأبوة ~~معلومة، وزيد مظنونا، وذلك لا يجوز، وكذلك تقول: "أعطي زيد درهما، وأعطي ~~درهم زيدا" فيكون جائزا؛ لعدم الالتباس، فلو قلت في "أعطيت زيدا غلاما: ~~أعطي غلام زيدا" لم يجز؛ لأن كل واحد منهما يصح أن يكون هو الآخذ، فلو أقيم ~~غلام مقام الفاعل، ولم يعلم الآخذ من المأخوذ، فهذا، كان ممتنعا؛ وكذلك، إن ~~كان الفعل يتعدى إلى ثلاثة مفعولين، صار يتعدى إلى مفعولين كقولك في: "أعلم ~~الله زيدا عمرا خير الناس: أعلم زيد عمرا خير الناس"3: لقيام المفعول الأول ~~مقام الفاعل، وكان هو الأولى؛ لأنه فاعل في المعنى؛ فدل على أن المفعول ~~-ههنا- أقيم مقام الفاعل. وإذا كان الأمر على هذا، فبناء الفعل للمفعول به، ~~نقيض4 نقله بالهمزة، والتضعيف، وحرف الجر، ألا ترى أن الفعل إذا كان يتعدى ~~إلى مفعول واحد، صار يتعدى بها إلى مفعولين، وإذا كان يتعدى إلى مفعولين، ~~صار يتعدى بها إلى ثلاثة مفعولين، وذلك؛ لأن بناء الفعل للمفعول به، يجعل ~~المفعول فاعلا، والنقل بالهمزة، والتضعيف، وحرف الجر، يجعل الفاعل مفعولا، ~~إذا ثبت هذا، فلا بد أن تزيد بنقله بالهمزة، والتضعيف، وحرف الجر مفعولا، ~~وتنقص ببنائه5 للمفعول مفعولا. # [وجوب تغيير الفعل عند بنائه للمجهول وعلة ذلك] # فإن قيل: فلم وجب تغيير الفعل إذا بني للمفعول؟ قيل: لأن المفعول، يصح أن ~~يكون هو الفاعل، ms047 فلو لم يغير الفعل، لم يعلم هل هو الفاعل بالحقيقة، أو6 ~~قائم مقامه؟ PageV01P086 # فإن قيل: فلم ضموا الأول، وكسروا الثاني؛ نحو: "ضرب زيد" وما أشبه ذلك؟ ~~قيل: إنما ضموا الأول؛ ليكون دلالة على المحذوف الذي هو الفاعل إذ 1 كان من ~~علاماته، وإنما كسروا الثاني؛ لأنهم لما حذفوا الفاعل الذي لا يجوز حذفه، ~~أرادوا أن يصوغوه على بناء لا يشركه فيه شيء من الأبنية، فبنوه على هذه ~~الصيغة، فكسروا الثاني؛ لأنهم لو ضموه؛ لكان على وزن: طنب2، وجمل3، ولو ~~فتحوه؛ لكان على وزن: نغر4 وصرد 5، ولو أسكنوه؛ لكان على وزن: قلب6 وقفل، ~~فلم يبق إلا الكسر؛ فحركوه به. # فإن قيل: فلم كسروا أول المعتل؛ نحو: قيل، وبيع، ولم يضموه كالصحيح؟ قيل: ~~كان القياس يقتضي أن يجرى المعتل مجرى الصحيح في ضم أوله، وكسر ثانية، إلا ~~أنهم استثقلوا الكسرة على حرف العلة، فنقلوها إلى القاف، فانقلبت الواو ~~ياء؛ لسكونها وانكسار ما قبلها، كما قلبوها في: ميعاد وميقات، وميزان؛ ~~وأصلها: موعاد، وموقات، وموزان؛ لأنها من الوعد، والوقت، والوزن، وأما ~~الياء، فثبتت؛ لانكسار ما قبلها؛ على أنه من العرب من يشير إلى الضم تنبيها ~~على أن الأصل في هذا النحو، هو الضم، ومن العرب -أيضا- من يحذف الكسرة، ولا ~~ينقلها، ويقر الواو؛ لانضمام ما قبلها، وتقلب الياء واوا؛ لسكونها وانضمام ~~ما قبلها؛ كما قال الشاعر7: [الرجز] # ليت وهل ينفع شيئا ليت ... ليت شبابا بوع فاشتريت PageV01P087 # أراد: بيع، فقلب الياء واوا، لسكونها، وانضمام ما قبلها، كما قلبوها في ~~نحو: موسر، وموقن؛ والأصل: ميسر، وميقن؛ لأنهما من اليسر واليقين، إلا أنه ~~لما وقعت الياء ساكنة مضموما ما قبلها؛ قلبوها واوا، فكذلك ههنا. # [الفعل اللازم لا يبنى للمجهول] # فإن قيل: فهل يجوز أن يبنى الفعل اللازم للمفعول به؟ قيل: لا يجوز ذلك ~~على القول الصحيح، وقد زعم بعضهم أنه يجوز، وليس بصحيح، إلا أنك1 لو بنيت ~~الفعل اللازم للمفعول به، لكنت تحذف الفاعل، فيبقى الفعل غير مستند2 إلى ~~شيء، وذلك محال، فإن اتصل به ظرف الزمان، أو ms048 ظرف المكان، أو المصدر، أو ~~الجار والمجرور، جاز أن تبنيه عليه، ولا يجوز أن تبنيه على الحال؛ لأنها لا ~~تقع إلا نكرة، فلو أقيمت مقام الفاعل؛ لجاز إضمارها3 كالفاعل، فكانت تقع ~~معرفة، والحال لا تقع إلا نكرة. # فإن قيل: فلم إذا أقيم الظرف مقام الفاعل يخرج عن الظرفية، ويجعل مفعولا؛ ~~كزيد وعمرو وما أشبه ذلك؟ قيل: لأنه يتضمن معنى حرف الجر، فلو لم ينقل، ~~لعلقته بالفعل مع تضمن حرف الجر، فالفاعل لا يتضمن حرف الجر، فكذلك ما قام ~~مقامه. # فإن قيل: فالمصدر لا يتضمن حرف الجر، فهل ينقل أولا؟ قيل: اختلف النحويون ~~في ذلك؛ فذهب بعضهم إلى أنه لا ينقل؛ لأنه ليس بينه وبين الفعل واسطة، وذهب ~~آخرون إلى أنه ينقل، واستدلوا على ذلك من وجهين: # أحدهما: أن الفعل لا بد له من الفاعل، والمصدر لو لم يذكر؛ لكان الفعل ~~دالا عليه بصيغته، فصار وجوده وعدمه سواء، والفاعل لا بد /له/4 منه، فكذلك ~~ما يقوم مقامه ينبغي أن يجعل بمنزلة المفعول الذي لا يستغنى بالفعل عنه. # والوجه الثاني: أن المصدر إنما يذكر تأكيدا للفعل، ألا ترى أن قولك: "سرت ~~سيرا" بمنزلة /قولك/5: "سرت سرت" فكما لا يجوز أن يقوم الفعل مقام الفاعل، ~~فكذلك لا يجوز أن يقوم مقامه ما كان بمنزلته؛ فلهذا، وجب نقل المصدر. ~~PageV01P088 # فإن قيل: فإن اجتمع ظرف الزمان، وظرف المكان، والمصدر، والجار والمجرور، ~~فأيها يقام مقام الفاعل؟ قيل: أنت مخير فيها كلها، أيها شئت أقمت1 مقام ~~الفاعل، وزعم بعضهم أن الأحسن أن تقيم الاسم المجرور مقام الفاعل؛ لأنه لو ~~لم يكن حرف الجر، لم تقم2 مقام الفاعل غيره؛ فاعرفه تصب، إن شاء الله ~~تعالى. PageV01P089 ### | الباب الثالث عشر: باب نعم وبئس # [خلافهم في نعم وبئس] # إن قال قائل: هل نعم وبئس اسمان أو فعلان؟ قيل: اختلف النحويون في ذلك؛ ~~فذهب البصريون إلى أنهما فعلان ماضيان لا يتصرفان، واستدلوا على ذلك من ~~ثلاثة أوجه: # الوجه الأول: أن الضمير يتصل بهما على حد اتصاله بالأفعال، فإنهم قالوا ~~نعما رجلين، ونعموا ms049 رجالا؛ كما قالوا: قاما، وقاموا. # والوجه الثاني: أن تاء التأنيث الساكنة التي لم يقلبها أحد من العرب هاء ~~في الوقف، تتصل بهما، كما تتصل بالأفعال؛ نحو: نعمت المرأة، وبئست الجارية. # والوجه الثالث: أنهما مبنيان على الفتح كالأفعال الماضية، ولو كانا اسمين ~~لما بنيا على الفتح من غير علة. # وذهب الكوفيون إلى أنهما اسمان، واستدلوا على ذلك من خمسة أوجه: # الوجه الأول: أنهم قالوا: الدليل على أنهما اسمان دخول حرف الجر عليهما؛ ~~وحرف الجر يختص بالأسماء، قال الشاعر1: [الطويل] # ألست بنعم الجار يؤلف بيته ... أخا قلة أو معدم المال مصرما2 PageV01P090 # وحكي عن بعض العرب أنه بشر بمولودة، فقيل: نعم المولودة مولودتك؛ فقال: ~~"والله ما هي بنعم المولودة، نصرتها بكاء، وبرها سرقة"1 وحكي عن بعض العرب ~~أنه قال: "نعم السير على بئس العير" فأدخلوا عليهما حرف الجر؛ وحرف الجر ~~يختص بالأسماء؛ فدل على أنهما اسمان. # والوجه الثاني: أن العرب تقول: يا نعم المولى و/يا/2 نعم النصير فنداؤهم ~~"نعم" يدل على أنها اسم3؛ لأن النداء من خصائص الأسماء. # والوجه الثالث: أنهم قالوا: الدليل على أنهما ليسا بفعلين، أنه لا يحسن ~~اقتران الزمان بهما كسائر الأفعال، ألا ترى أنه لا يحسن أن تقول: "نعم ~~الرجل أمس" ولا "بئس الرجل غدا" فلما لم يحسن اقتران الزمن بهما؛ دل على ~~أنهما ليسا بفعلين. # الوجه الرابع: أنهما لا يتصرفان، ولوكانا فعلين؛ لكانا يتصرفان؛ لأن ~~التصرف من خصائص الأفعال، فلما لم يتصرفا؛ دل على أنهما ليسا بفعلين. # والوجه الخامس: أنه قد جاء عن العرب، أنهم قالوا: نعيم الرجل زيد، وليس ~~في أمثلة الأفعال شيء على وزن: فعيل؛ فدل على صحة ما ذهبنا إليه؛ وهو مذهب ~~البصريين4، وأما ما استدل به الكوفيون ففاسد؛ أما قولهم: إنهما اسمان لدخول ~~حرف الجر عليهما، فقلنا5: هذا فاسد؛ لأن حرف الجر إنما دخل عليهما على ~~تقدير الحكاية، فلا يدل على أنهما اسمان؛ لأن حروف الجر قد تدخل على تقدير ~~الحكاية على ما هو فعل في PageV01P091 # الحقيقة؛ كقوله1: # والله ما ليلي بنام صاحبه ... [ولا ms050 مخالط الليان جانبه] 2 # ولا خلاف أن "نام" فعل ماض، ولا يجوز أن يقال: إنما هو اسم لدخول حرف ~~الجر عليه، فكذلك -ههنا- ولولا تقدير الحكاية، لم يحسن دخول حرف الجر على: ~~نعم، وبئس، ونام؛ والتقدير في قوله: "ألست بنعم الجار يؤلف بيته": "ألست ~~بجار مقول فيه: نعم الجار" وكذلك التقدير في قول بعض العرب: "والله ما هي ~~بنعم المولودة: والله ما هي بمولودة، فيقال: فيها: "نعم المولودة" وكذلك ~~التقدير في قول الآخر: "نعم السير على عير3 مقول فيه بئس العير" وكذلك ~~التقدير في قول الشاعر: # والله ما ليلي بنام صاحبه # "والله ما ليلي بليل مقول فيه نام صاحبه" إلا أنهم حذفوا الموصوف، ~~وأقاموا الصفة مقامه؛ كقوله سبحانه وتعالى: {أن اعمل سابغات} 4 أي: دروعا ~~سابغات؛ فصار التقدير فيه: "ألست بمقول فيه: نعم الجار، وما هي بمقول فيها: ~~نعم المولودة؛ ونعم السير على مقول فيه بئس العير، وما ليلي بمقول فيه5: ~~نام صاحبه" ثم حذفوا الصفة التي هي: مقول فيه، فأوقعوا المحكي بها ~~PageV01P092 # موقعها، وحذف القول /بها/1 في كتاب الله تعالى، وكلام العرب، وأشعارهم ~~أكثر من أن يحصى، فدخل حرف الجر على هذه الأفعال لفظا، ولكن إن كان حرف ~~الجر داخلا على هذه الأفعال في اللفظ، إلا أنه داخل على غيرها في التقدير، ~~فلا يكون فيه دليل على الاسمية. # وأما قولهم: إن العرب تقول: يا نعم المولى، و/يا/2 نعم النصير، والنداء ~~من خصائص الأسماء، فنقول: المقصود بالنداء محذوف للعلم به، والتقدير فيه: ~~يا الله، نعم المولى، ونعم النصير أنت. وأما قولهم: إنه لا يحسن اقتران ~~الزمان بهما، ولا يجوز تصرفهما؛ فنقول: إنما امتنعا من اقتران الزمان ~~الماضي والمستقبل بهما، وسلبا التصرف؛ لأن نعم موضوعة لغاية المدح، وبئس ~~موضوعة لغاية الذم، فجعل دلالتهما على الزمان مقصورة على الآن؛ لأنك إنما ~~تمدح /أ/ و3 تذم بما هو موجود في الممدوح /أ/و4 المذموم لا بما كان فزال، ~~ولا بما سيكون في المستقبل. وأما قولهم: إنه قد جاء عن العرب أنهم قالوا: ~~نعيم الرجل زيد، ms051 فنقول: هذه رواية شاذة تفرد بها قطرب وحده، ولئن صحت فليس ~~فيها حجة؛ لأن هذه الياء نشأت عن إشباع الكسرة؛ لأن الأصل في: نعم: نعم ~~بفتح النون وكسر العين، وأشبعت الكسرة؛ فنشأت الياء، وهذا كثير في كلامهم، ~~فإن5 كل ما كان على /وزن/6 "فعل" من الأسماء والأفعال، وثانيه حرف من حروف ~~الحلق؛ ففيه أربعة أوجه: # أحدها: استعماله على أصله؛ كقولك: فخذ، وقد ضحك. # والثاني: إسكان عينه تخفيفا؛ كقولك: فخذ، وقد ضحك. # والثالث: إتباع فائه عينه في الكسر؛ كقولك: فخذ، وقد ضحك. # والرابع: كسر فائه، وإسكان عينه لنقل كسرتها إلى الفاء؛ نحو قولك: فخذ، ~~وقد ضحك، فكذلك نعم فيها أربع لغات: "نعم" بفتح النون وكسر العين: وهو ~~الأصل، و"نعم" بفتح النون وسكون العين، و"نعم" بكسر النون والعين، و"نعم" ~~بكسر النون وسكون العين، وأما "نعيم" بالياء، فإنما نشأت PageV01P093 # فيه الياء عن إشباع الكسرة؛ كما قال الشاعر1: [الطويل] # كأني بفتخاء الجناحين لقوة ... على عجل مني أطأطى شيمالي2 # و/كما/3 قال الآخر4: [منهوك المنسرح] # لا عهد لي بنيضالي ... أصبحت كالشن البالي5 # و/كما/6 قال الآخر7: [الوافر] # ألم يأتيك والأنباء تنمي ... بما لاقت لبون بني زياد.8 PageV01P094 # وهذا أكثر من أن يحصى، وقد ذكرناه مستقصى في المسائل الخلافية، فلا نعيده ~~ههنا. # [فاعل نعم وبئس اسم جنس] # فإن قيل: فلم وجب أن يكون فاعل نعم وبئس اسم جنس؟ قيل: لوجهين: # أحدهما: أن نعم لما وضعت للمدح العام، وبئس للذم العام، خص فاعلهما ~~باللفظ العام. # والوجه الثاني: إنما وجب أن يكون اسم جنس؛ ليدل على أن الممدوح والمذموم ~~مستحق للمدح والذم في ذلك الجنس. # [جواز الإضمار في نعم وبئس قبل ذكرهما] # فإن قيل: فلم جاز الإضمار فيهما1 قبل الذكر؟ قيل: إنما جاز الإضمار فيهما ~~قبل الذكر؛ لأن المضمر قبل الذكر يشبه النكرة؛ لأنه لا يعلم إلى أي شيء ~~يعود حتى يفسر، ونعم وبئس لا يكون فاعلهما معرفة محضة، فلما ضارع المضمر ~~فاعلهما؛ جاز الإضمار فيهما. # فإن قيل: فلم فعلوا ذلك؟ قيل: إنما فعلوا ذلك طلبا للتخفيف والإيجاز؛ ~~لأنهم أبدا يتوخون ms052 الإيجاز والاختصار في كلامهم. # فإن قيل: فكيف يحصل التخفيف, والإضمار على شريطة التفسير؟ قيل: لأن ~~التفسير إنما يكون بنكرة منصوبة؛ نحو: "نعم رجلا زيد" والنكرة أخف من ~~المعرفة. # فإن قيل: فعلى ماذا انتصبت النكرة؟ قيل: على التمييز. PageV01P095 # فإن قيل: فلم رفع زيد في قولهم: "نعم الرجل زيد"؟ قيل: فيه1 وجهان؛ ~~أحدهما: أن يكون مرفوعا بالابتداء ونعم الرجل هو الخبر، وهو مقدم على ~~المبتدأ؛ والتقدير فيه: زيد نعم الرجل، إلا أنه مقدم2 عليه؛ كقولهم: مررت ~~به المسكين؛ والتقدير فيه: المسكين مررت به. # فإن قيل: فأين العائد ههنا من الخبر إلى المبتدأ؛ قيل: لأن الرجل لما كان ~~شائعا في الجنس، كان زيد داخلا تحته، فصار بمنزلة العائد الذي يعود إليه ~~منه؛ فصار هذا كقول الشاعر3: [الطويل] # فأما القتال لا قتال لديكم ... ولكن سيرا في عراض المواكب4 # فإن القتال مبتدأ، وقوله: لا قتال لديكم خبره، وليس فيه عائد؛ لأن قوله: ~~لا قتال لديكم، نفي عام؛ لأن "لا" تنفي الجنس، فاشتمل على جميع القتال، ~~فصار ذلك بمنزلة العائد /إليه/5، وكذلك قول الشاعر6: [الطويل] # فأما الصدور، لا صدور لجعفر ... ولكن أعجازا شديدا صريرها7 PageV01P096 # والوجه الثاني: أن يكون زيد مرفوعا؛ لأنه خبر مبتدأ محذوف، كأنه لما قيل: ~~نعم الرجل، قيل: من هذا الممدوح؟ قيل: زيد؛ أي: هو زيد، وحذف المبتدأ كثير ~~في كلامهم، فاعرفه تصب، إن شاء الله تعالى. # PageV01P097 ### | الباب الرابع عشر: باب حبذا # [الأصل في حبذا] # إن قال قائل: ما الأصل في "حبذا"؟ قيل: الأصل في "حبذا": حبب ذا؛ إلا أنه ~~لما اجتمع حرفان متحركان من جنس واحد، استثقلوا اجتماعهما متحركين، فحذفوا ~~حركة الحرف الأول، وأدغموه في الثاني؛ فصار: حب، وركبوه مع ذا، فصار بمنزلة ~~كلمة واحدة؛ ومعناها المدح، وتقريب الممدوح من القلب. # فإن قيل: فلم قلتم إن الأصل: حبب: على فعل، دون فعل وفعل1؟ قيل: لوجهين: # أحدهما: أن اسم الفاعل منه حبيب، على وزن: فعيل؛ وفعيل أكثر ما يجيء في ~~ما فعله: فعل؛ نحو: شرف فهو شريف، وظرف فهو ظريف، ولطف فهو لطيف، وما ms053 أشبه ~~ذلك. # والوجه الثاني: أنه قد حكي عن بعض العرب: أنه نقل الضمة من الباء إلى ~~الحاء؛ كما قال الشاعر2: [الطويل] # [فقلت اقتلوها عنكم بمزاجها] ... وحب بها مقتولة حين تقتل3 # فدل على أن أصله: فعل. # فإن قيل: فلم جعلوهما بمنزلة كلمة واحدة؟ قيل: إنما جعلوهما بمنزلة كلمة ~~واحدة طلبا للتخفيف على ما جرت به عادتهم في كلامهم. PageV01P098 # فإن قيل: فلم ركبوه مع المفرد المذكر دون المؤنث والمثنى والمجموع؟ قيل: ~~لأن المفرد المذكور هو الأصل، والتأنيث والتثنية والجمع كلها فرع عليه، وهي ~~أثقل منه، فلما أرادوا التركيب؛ كان تركيبه مع الأصل الذي هو الأخف، أولى ~~من تركيبه مع الفرع الذي هو الأثقل. # [حبذا في التثنية والجمع والتأنيث بلفظ واحد] # فإن قيل: فلم كانت حبذا في التثنية والجمع والتأنيث على لفظ واحد؟ قيل: ~~إنما كانت كذلك؛ نحو حبذا الزيدان، وحبذا الزيدون، وحبذا هند؛ لأنها جرت في ~~كلامهم مجرى المثل، والأمثال لا تتغير، بل تلزم سننا واحدا، وطريقة واحدة. # فإن قيل فما الغالب على "حبذا" الاسمية أو الفعلية؟ قيل: اختلف النحويون ~~في ذلك؛ فذهب أكثرهم إلى أن الغالب عليها الاسمية، وذلك؛ لأن الاسم أقوى من ~~الفعل، فلما ركب أحدهما مع الآخر، كان التغليب للأقوى الذي هو الاسم دون ~~الأضعف الذي هو الفعل؛ وذهب بعضهم إلى أن الغالب عليها الفعلية /وذلك/1؛ ~~لأن الجزء الأول منهما فعل، فغلب عليها الفعلية؛ لأن القوة للجزء الأول؛ ~~وذهب آخرون إلى أنها لا يغلب عليها اسمية ولا فعلية، بل هي جملة مركبة من ~~فعل ماض، واسم هو فاعل، فلا يغلب أحدهما على الآخر. # [بم يرتفع الاسم المعرفة بعد حبذا؟] # فإن قيل: فلماذا2 يرتفع المعرفة بعده؛ نحو: "حبذا زيد"؟ قيل: لخمسة أوجه: # الوجه الأول: أن يجعل حبذا مبتدأ، وزيد خبره. # والوجه الثاني: أن تجعل: ذا مرفوعا ب "حب" ارتفاع الفاعل بفعله، وتجعل ~~زيدا بدلا منه. # والوجه الثالث: أن تجعل زيدا خبرا مبتدأ محذوف، كأنه لما قيل: من هو؟ ~~قيل: زيد؛ أي: هو زيد. # والوجه الرابع: أن تجعل زيدا مبتدأ، وحبذا ms054 خبره. PageV01P099 # والوجه الخامس: أن تجعل: ذا زائدة، فيرتفع زيد ب "حب" لأنه فاعل؛ وهو ~~أضعف الأوجه1. # فإن قيل: فعلى ماذا تنتصب النكرة بعده؟ قيل: /إنما/2 تنتصب النكرة بعده ~~على التمييز، ألا ترى أنك إذا قلت: حبذا زيد رجلا، وحبذا عمرو راكبا يحسن ~~فيه تقدير "من" كأنك قلت: من رجل، ومن راكب؛ كما قال الشاعر3: [البسيط] # يا حبذا جبل الريان من جبل ... وحبذا ساكن الريان من كانا # فذهب بعض النحويين إلى أنه إن كان الاسم غير مشتق؛ نحو: حبذا زيد رجلا؛ ~~كان منصوبا على التمييز، وإن كان مشتقا؛ نحو: حبذا عمرو راكبا؛ كان منصوبا ~~على الحال؛ فاعرفه تصب، إن شاء الله تعالى. PageV01P100 ### | الباب الخامس عشر: باب التعجب # [علة زيادة ما في التعجب] # إن قال قائل: لم زيدت "ما" في التعجب؛ نحو: "ما أحسن زيدا"! دون غيرها؟ ~~قيل: لأن "ما" في غاية الإبهام، والشيء إذا كان مبهما؛ كان أعظم في النفس1؛ ~~لاحتماله أمورا كثيرة؛ فلهذا كانت زيادتها في التعجب أولى من غيرها. فإن ~~قيل: فما معناها؟ قيل: اختلف النحويون في ذلك؛ فذهب سيبويه وأكثر البصريين ~~إلى أنها بمعنى شيء، وهو في موضع رفع بالابتداء، "وأحسن" خبره؛ تقديره: شيء ~~أحسن زيدا؛ وذهب بعض النحويين من البصريين إلى أنها بمعنى الذي، وهو موضع ~~رفع بالابتداء، و"أحسن" صلته، وخبره محذوف؛ وتقديره: الذي أحسن زيدا شيء؛ ~~وما ذهب إليه سيبويه والأكثرون أولى؛ لأن الكلام على قولهم مستقل بنفسه، لا ~~يفتقر إلى تقدير شيء، وعلى القول الآخر، يفتقر إلى تقدير شيء، وإذا كان ~~الكلام مستقلا بنفسه، مستغينا عن تقدير، كان أولى مما يفتقر إلى تقدير. # [خلافهم في فعلية حبذا] !!!!!!!!!! # فإن قيل: هل: "أحسن" فعل أو اسم؟ قيل: اختلف النحويون في ذلك؛ فذهب ~~البصريون إلى أنه فعل ماض، واستدلوا على ذلك من ثلاثة أوجه: # [استدلالات البصريين على فعلية حبذا] !!!!!!!! # /الوجه/2 الأول: أنهم قالوا: الدليل على أنه فعل، أنه إذا وصل بياء ~~الضمير، فإن نون الوقاية تصحبه؛ نحو: "ما أحسنني" وما أشبه ذلك، وهذه النون ~~إنما تصحب /ياء/3 الضمير ms055 في الفعل خاصة؛ لتقيه من الكسر، ألا ترى أنك تقول: ~~أكرمني، وأعطاني، وما أشبه ذلك؟ ولو قلت في نحو /غلامي PageV01P101 # وصاحبي/1: غلامني، وصاحبني، لم يجز، فلما دخلت هذه النون عليه؛ دل على ~~أنه فعل. # والوجه الثاني: أنهم قالوا: الدليل على أنه فعل، أنه ينصب المعارف ~~والنكرات، و"أفعل" إذا كان اسما، إنما ينصب النكرات خاصة على التمييز؛ نحو: ~~هذا أكبر منك سنا، وأكثر منك علما، وما أشبه ذلك، فلما نصب -ههنا- المعارف، ~~دل على أنه فعل ماض. # والوجه الثالث: أنهم قالوا: الدليل على أنه فعل ماض، أنه مفتوح الآخر؛ ~~فلو لم يكن فعلا، لما كان لبنائه على الفتح وجه، إذ لو كان اسما؛ لكان يجب ~~أن يكون مرفوعا؛ لوقوعه خبرا ل: "ما" قبله بالإجماع، فلما وجب أن يكون ~~مفتوحا، دل على أنه فعل ماض. # [استدلالات الكوفيين على اسميه حبذا] !!!!!!!!!!!!! # وذهب الكوفيون إلى أنه اسم، واستدلوا على ذلك من ثلاثة أوجه: # الوجه الأول: أنهم قالوا: الدليل على أنه اسم أنه لا يتصرف، ولو كان ~~فعلا؛ لوجب2 أن يكون متصرفا؛ لأن التصرف من خصائص الأفعال، فلما لم يتصرف، ~~دل على أنه ليس بفعل؛ فوجب أن يلحق الأسماء. # والوجه الثاني: أنهم قالوا: الدليل على أنه اسم أنه يدخله التصغير؛ ~~والتصغير من خصائص الأسماء؛ قال الشاعر3: [البسيط] # ياما أميلح غزلانا شدن لنا ... من هؤليائكن الضال والسمر4 # والوجه الثالث: أنهم قالوا: الدليل على أنه اسم أنه يصح نحو: ما ~~PageV01P102 # أقومه!، وما أبيعه!، كما يصح الاسم في نحو: هذا أقوم منك، وأبيع منك، ولو ~~أنه فعل؛ لوجب أن يعتل كالفعل؛ نحو: أقام وأباع في قولهم: "أباع الشيء" إذا ~~عرضه للبيع، فلما لم يعتل، وصح كالأسماء مع ما دخله من الجمود والتصغير، دل ~~على أنه اسم. # [رجحان مذهب البصريين] # والصحيح ما ذهب إليه البصريون، وأما ما استدل به الكوفيون ففاسد؛ أما ~~قوله: إنه لا يتصرف، فلا حجة فيه، ولأنا أجمعنا على أن: عسى وليس فعلان، ~~ومع هذا لا يتصرفان وكذلك -ههنا- وإنما لم يتصرف فعل التعجب لوجهين: # أحدهما: أنهم لما ms056 لم يصوغوا للتعجب حرفا يدل عليه، جعلوا له صيغة لا ~~تختلف؛ لتكون دلالة على المعنى الذي أرادوه، وأنه مضمن معنى ليس في أصله. # والوجه الثاني: إنما لم يتصرف؛ لأن الفعل المضارع يصلح للحال والاستقبال، ~~والتعجب إنما يكون مما هو موجود في الحال، أو كان فيما مضى، ولا يكون ~~التعجب مما لم يقع، فلما كان المضارع يصلح للحال والاستقبال، كرهوا أن ~~يصرفوه إلى صيغة تحتمل الاستقبال الذي لا يقع التعجب منه. # [الرد على قولهم: يدخله التصغير] # وأما قولهم: إنه يدخله التصغير، وهو من خصائص الأسماء؛ قلنا: الجواب عنه ~~من ثلاثة أوجه: # الوجه الأول: أن التصغير -ههنا- لفظي؛ والمراد به: تصغير المصدر، لا ~~تصغير الفعل؛ لأن هذا الفعل منع من التصرف، والفعل متى منع من التصرف، لا ~~يؤكد بذكر المصدر، فلما أرادوا تصغير المصدر، صغروه بتصغير فعله؛ لأنه يقوم ~~مقامه، ويدل عليه، فالتصغير في الحقيقة للمصدر، لا للفعل. # والوجه الثاني: أن التصغير إنما حسن في فعل التعجب؛ لأنه لما لزم طريقة ~~واحدة، أشبه الأسماء، فدخله بعض أحكامها، والشيء إذا أشبه الشيء من وجه، لا ~~يخرج بذلك عن أصله، كما أن اسم الفاعل محمول على الفعل في العمل، فلم يخرج ~~بذلك عن كونه اسما، والفعل محمول على الاسم في الإعراب، ولم يخرج عن كونه ~~فعلا؛ فكذلك ههنا. # والوجه الثالث: أنه إنما دخله التصغير حملا على باب أفعل الذي # PageV01P103 # للتفضيل والمبالغة؛ لاشتراك اللفظين في ذلك، ألا ترى أنك لا تقول: "ما ~~أحسن زيدا"، إلا لمن بلغ غاية الحسن كما لا تقول: "زيد أحسن القوم"، إلا ~~لمن كان أفضلهم في الحسن؟ فلهذه المشابهة بينهما؛ جاز التصغير في قوله: "يا ~~أميلح غزلانا"! كما تقول: غزلانك أميلح الغزلان، وما أشبه ذلك، والذي يدل ~~على اعتبار هذه المشابهة بينهما، أنهم حملوا: "أفعل منك، وهو أفعل القوم" ~~على قولهم: "ما أفعله" فجاز فيهما ما جاز فيه، وامتنع فيهما ما امتنع فيه، ~~فلم يقولوا: "هذا أعور منك"، ولا: "أعور القوم" لأنهم لم يقولوا: "ما ~~أعوره" وقالوا: "هو أقبح عورا منك، وأقبح ms057 القوم عورا" كما قالوا: "ما أقبح ~~عوره" وكذلك لم يقولوا: "هو أحسن منك حسنا" فيؤكدوا، كما لم يقولوا: "ما ~~أحسن زيدا حسنا" فلما كانت بينهما هذه المشابهة، دخله التصغير حملا على: ~~"أفعل" الذي للتفضيل والمبالغة. # وأما قولهم: إنه يصح كما يصح الاسم، قلنا: التصحيح حصل من حيث حصل ~~التصغير، وذلك لحمله على باب: "أفعل" الذي للمفاضلة، ولأنه أشبه الأسماء؛ ~~لأنه لزم طريقة واحدة، فلما أشبه الاسم من هذين الوجهين؛ وجب أن يصح كما ~~يصح الاسم؛ وشبهه الاسم من هذين الوجهين، لا يخرجه /ذلك/1 عن كونه فعلا، ~~كما أن ما لا ينصرف أشبه الفعل من وجهين، ولم يخرجه /ذلك/2 عن كونه اسما، ~~فكذلك -ههنا- هذا الفعل، وإن أشبه الاسم من وجهين، لا يخرجه عن كونه فعلا؛ ~~على أن تصحيحه غير مستنكر، فإن كثيرا من الأفعال المتصرفة جاءت مصححة؛ ~~كقولهم: "أغيلت3 المرأة، واستنوق4 الجمل، واستتيست الشاة5، واستحوذ عليهم"؛ ~~قال الله تعالى: {استحوذ عليهم الشيطان} 6 وهذا كثير7 في كلامهم، والذي يدل ~~على أن تصحيحه لا يدل على كونه اسما أن "أفعل به" جاء في التعجب مصححا مع ~~كونه فعلا؛ نحو: "أقوم به، وأبيع به"، فكما أن التصحيح في: أفعل به، لا ~~يخرجه عن كونه فعلا، فكذلك التصحيح8 في "ما PageV01P104 # أفعله" لا يخرجه عن كونه فعلا، وقد ذكرنا هذه المسألة مستوفاة في المسائل ~~الخلافية1. # [فعل التعجب منقول من الفعل الثلاثي وعلة ذلك] # فإن قيل: فلم كان فعل التعجب منقولا من الثلاثي دون غيره؟ قيل لوجهين: # أحدهما: أن الأفعال على ضربين؛ ثلاثي ورباعي، فجاز نقل الثلاثي إلى ~~الرباعي؛ لأنك تنقله من أصل إلى أصل، ولم يجز نقل الرباعي إلى الخماسي؛ ~~لأنك تنقله من أصل إلى غير أصل؛ لأن الخماسي ليس بأصل. # والوجه الثاني: أن الثلاثي أخف من غيره، فلما كان أخف من غيره، احتمل ~~زيادة الهمزة، وأما ما زاد على الثلاثي فهو ثقيل، فلم يحتمل الزيادة. # [لم كانت الهمزة أولى بالزيادة] # فإن قيل: فلم كانت الهمزة أولى بالزيادة؟ قيل: لأن الأصل في الزيادة حروف ~~المد ms058 واللين؛ وهي: الواو، والياء، والألف، فأقاموا الهمزة مقام الألف، ~~لأنها قريبة من الألف، وإنما أقاموها مقام الألف؛ لأن الألف لا يتصور ~~الابتداء بها؛ لأنها لا تكون إلا ساكنة، والابتداء بالساكن محال، فكان ~~تقدير زيادة الألف -ههنا- أولى؛ لأنها أخف حروف العلة، وقد كثرت زيادتها في ~~هذا النحو؛ نحو: أبيض، وأسود، وما أشبه ذلك. # [انتصاب الاسم بفعل التعجب وعلة ذلك] # فإن قيل: فبماذا ينتصب الاسم في قولهم: "ما أحسن زيدا"؟ قيل: ينتصب لأنه ~~مفعول أحسن؛ لأن "أحسن" لما ثقل بالهمزة، صار متعديا، بعد أن كان لازما، ~~فتعدى إلى زيد، فصار زيد منصوبا بوقوع الفعل عليه. # [عدم اشتقاق فعل التعجب من الألوان والخلق وعلة ذلك] # فإن قيل: فلم لا يشتق فعل التعجب من الألوان والخلق؟ قيل: لوجهين: # أحدهما: أن الأصل في أفعالها أن تستعمل على أكثر من ثلاثة أحرف، وما زاد ~~على ثلاثة أحرف لا يبنى منه فعل التعجب. PageV01P105 # والوجه الثاني: أن هذه الأشياء لما كانت ثابتة في الشخص، لا تكاد تتغير، ~~جرت مجرى أعضائه التي لا معنى للأفعال فيها، كاليد والرجل وما أشبه ذلك، ~~فكما لا يجوز أن يقال: ما أيداه، ولا ما أرجله من اليد والرجل، فكذلك لا ~~يجوز أن يقال: ما أحمره و /لا ما/1 أسوده؛ فإن كان المراد بقوله: ما أيداه! ~~من اليد بمعنى النعمة، وما أرجله! من الرجلة2 جاز، وكذلك إن كان المراد ~~بقوله: ما أحمره! من صفة البلادة، لا من الحمرة، وما أسوده، من السودد، لا ~~من السواد جاز3، وإنما جاز في هذه الأشياء؛ لأنها ليست بألوان ولا خلق. # [علة استعمال لفظ الأمر في التعجب] # فإن قيل: فلم استعملوا لفظ الأمر في التعجب نحو: "أحسن بزيد" وما أشبهه؟ ~~قيل: إنما فعلوا ذلك لضرب من المبالغة في المدح. # [الدليل على أن "أفعل" ليس بفعل أمر] # فإن قيل: فما الدليل على أنه ليس بفعل أمر؟ قيل: الدليل على ذلك أنه يكون ~~على صيغة واحدة في جميع الأحوال4، تقول: "يا رجل أحسن بزيد، ويا رجلان أحسن ~~بزيد، ويا رجال أحسن ms059 بزيد، ويا هند أحسن بزيد، ويا هندان أحسن بزيد، ويا ~~هندات أحسن بزيد" فيكون مع الواحد والاثنين والجماعة والمؤنث على صيغة ~~واحدة؛ لأنه لا ضمير فيه، ولو كان أمرا؛ لكان ينبغي أن يختلف في التثنية ~~فتقول: "أحسنا بزيد" وفي جمع المذكر: "أحسنوا" وفي إفراد المؤنث: "أحسني" ~~وفي جمع المؤنث: "أحسن" فتأتي بضمير الاثنين والجماعة والمؤنث، فلما كان ~~صيغة واحدة؛ دل على أن لفظه لفظ الأمر، ومعناه الخبر. PageV01P106 # فإن قيل: فما موضع الجار والمجرور في قولهم: "أحسن بزيد"؟ قيل: موضعه ~~الرفع؛ لأنه فاعل "أحسن" لأنه لما كان فعلا، والفعل لا بد له من فاعل، جعل ~~الجار والمجرور في موضع رفع؛ لأنه فاعل، قال الله تعالى: {وكفى بالله وليا ~~وكفى بالله نصيرا} 1 أي: وكفى الله وليا، وكفى الله نصيرا /والباء زائدة/2؛ ~~فكذلك -ههنا- الباء زائدة؛ لأن الأصل في: "أحسن بزيد: أحسن زيد" أي: صار ذا ~~حسن، ثم نقل إلى لفظ الأمر، وزيدت الباء عليه. # فإن قيل: فلم زيدت الباء /عليه/3؟ قيل: لوجهين؛ أحدهما: أنه لما كان لفظ ~~فعل التعجب لفظ الأمر، فزادوا الباء فرقا بين لفظ الأمر الذي للتعجب، وبين ~~لفظ الأمر الذي لا يراد به التعجب. # والوجه الثاني: أنه لما كان معنى الكلام "يا حسن اثبت بزيد" أدخلوا ~~الباء؛ لأن "أثبت" يتعدى بحرف الجر؛ فلذلك، أدخلوا الباء. وقد ذهب بعض ~~النحويين إلى أن الجار والمجرور في موضع النصب؛ لأنه يقدر في الفعل ضميرا ~~هو4 الفاعل، كما يقدر في: "ما أحسن زيدا" وإذا قدر -ههنا- في الفعل ضمير، ~~هو الفاعل، وقع الجار والمجرور في موضع المفعول، فكانا في موضع نصب، والذي ~~اتفق عليه أكثر النحويين هو الأول، وكان الأول هو الأولى5؛ لأن الكلام إذا ~~كان مستقلا بنفسه من غير إضمار، كان أولى مما يفتقر إلى إضمار، ثم حمل: ~~"أحسن بزيد" على: "ما أحسن زيدا" في تقدير الإضمار لا يستقيم؛ لأن "أحسن" ~~إنما أضمر فيه لتقدم "ما" عليه؛ لأن "ما" مبتدأ، و"أحسن" خبره، ولا بد فيه ~~من ضمير يرجع إلى المبتدأ، بخلاف: "أحسن بزيد" ms060 فإنه لم يتقدمه ما يوجب ~~تقدير الضمير، فبان الفرق بينهما؛ فاعرفه تصب، إن شاء الله تعالى. ~~PageV01P107 ### | الباب السادس عشر: باب عسى # [عسى فعل جامد من أفعال المقاربة] # إن قال قائل: ما "عسى" من الكلام1؟ قيل: فعل ماض من أفعال المقاربة لا ~~يتصرف، وقد حكي2 عن ابن السراج3 أنه حرف، وهو قول شاذ لا يعرج عليه، ~~والصحيح أنه فعل؛ والدليل على ذلك، أنه يتصل به تاء الضمير، وألفه، وواوه؛ ~~نحو: "عسيت، وعسيا، وعسوا"؛ قال الله تعالى: {فهل عسيتم إن توليتم} 4 فلما ~~دخلته هذه الضمائر كما تدخل على الفعل؛ نحو: قمت، وقاما، وقاموا، وقمتم، دل ~~على أنه فعل، وكذلك -أيضا- تلحقه تاء التأنيث الساكنة التي تختص بالفعل؛ ~~نحو: عست المرأة؛ كما تقول: قامت وقعدت؛ فدل على أنه فعل. # [علة عدم تصرف عسى] # فإن قيل: فلم لا يتصرف؟ قيل: لأنه أشبه الحرف، لأنه لما كان فيه معنى ~~الطمع أشبه لعل، ولعل حرف لا يتصرف، فكذلك ما أشبهه. # [عمل عسى] # فإن قيل: فماذا تعمل5 عسى؟ قيل: ترفع الاسم، وتنصب الخبر مثل كان، إلا أن ~~خبرها لا يكون إلا مع الفعل المستقبل؛ نحو: عسى زيد أن يقوم. PageV01P108 # [علة إدخال أن في خبر عسى] # فإن قيل فلم أدخلت في خبره أن؟ قيل: لأن "عسى" وضعت لمقارنة الاستقبال، ~~و"أن" إذا دخلت على الفعل المضارع أخلصته للاستقبال، فلما كانت "عسى" ~~موضوعة لمقارنة الاستقبال، و"أن" تخلص الفعل للاستقبال؛ ألزموا الفعل الذي ~~وضع لمقارنة الاستقبال "أن" التي هي علم الاستقبال. # [دليل انتصاب أن وصلتها في خبر عسى] # فإن قيل: فما1 الدليل على أن موضع أن وصلتها النصب؟ قيل: لأن معنى "عسى ~~زيد أن يقوم: قارب زيد القيام" والذي يدل على ذلك قولهم: "عسى الغوير ~~أبؤسا"2، وكان القياس أن يقال: "عسى الغوير أن يبأس" إلا أنهم رجعوا إلى ~~الأصل المتروك، فقالوا: "عسى الغوير أبؤسا" فنصبوه بعسى؛ لأنهم أجروها مجرى ~~قارب، فكأنه قيل: "قارب الغوير أبؤسا"؛ وهو جمع بأس، أو بؤس. # [علة حذف أن في خبر عسى أحيانا] # فإن قيل فلم حذفوا ms061 "أن" /من خبره/3 في بعض أشعارهم؟ قيل: إنما يحذفونها ~~في بعض أشعارهم؛ لأجل الاضطرار تشبيها لها ب "كاد"، فإن كاد من أفعال ~~المقاربة، كما أن عسى من أفعال المقاربة؛ ولهذا4 الشبه بينهما، جاز أن يحمل ~~عليها في حذف "أن" من خبرها /في/5 نحو قوله6: [الوافر] # عسى الهم الذي أمسيت فيه ... يكون وراءه فرج قريب PageV01P109 # وكما أن عسى تشبه ب "كاد" في حذف "أن" معها، فكذلك كاد تشبه ب "عسى" في ~~إثباتها معها؛ قال الشاعر1: [الرجز] # [ربع عفاه الدهر طورا فامحى] ... قد كاد من طول البلى أن يمصحا2 # فأثبت "أن" مع كاد، وإن كان الاختيار حذفها، حملا على عسى؛ فدل على وجود ~~المشابهة بينهما. # [علة حذف أن من خبر كاد] # فإن قيل: ولم كان الاختيار مع كاد حذف "أن" وهي كعسى في المقاربة؟ قيل: ~~هما وإن اشتركا في الدلالة على المقاربة إلا أن كاد أبلغ في تقريب الشيء من ~~الحال، وعسى أذهب في الاستقبال، ألا ترى أنك لو قلت: "كاد زيد يذهب بعد ~~عام" لم يجز؛ لأن "كاد" توجب أن يكون الفعل شديد القرب من الحال، ولو قلت: ~~عسى الله أن يدخلني الجنة برحمته؛ لكان جائزا، وإن لم يكن شديد القرب من ~~الحال، فلما كانت كاد أبلغ في تقريب الشيء من الحال، حذف معها "أن" التي هي ~~علم الاستقبال، ولما كانت عسى أذهب في الاستقبال؛ أتي معها بأن التي هي علم ~~الاستقبال. # فإن قيل: فما موضع "أن" مع صلتها /في/3 نحو: "عسى أن يخرج زيد"؟ قيل، ~~موضعها4 مع صلتها5 الرفع بأنه فاعل كما كان زيد مرفوعا بأنه فاعل في نحو: ~~"عسى زيد أن يخرج". # [عدم جواز حذف أن حال كونها مع صلتها في محل رفع فاعل] # فإن قيل: فهل يجوز أن تحذف "أن" إذا كانت مع صلتها في موضع رفع؟ قيل: لا ~~يجوز ذلك؛ لأن6 من شرط الفاعل أن يكون اسما لفظا ومعنى، وإذا قلت: عسى يخرج ~~زيد، فقد جعلت الفعل فاعلا، والفعل لا يكون فاعلا؛ لأن PageV01P110 # الفاعل مخبر عنه، والإخبار ms062 إنما يكون عن الاسم لا عن الفعل، بلى إن جعل ~~زيد في نحو: "عسى يخرج زيد" فاعل عسى، وجعل يخرج في موضع النصب جازت ~~المسألة؛ لأن المفعول لا يبلغ /في/1 اقتضاء الاسمية مبلغ الفاعل، ألا ترى ~~أنه قد يقوم مقام المفعول /الثاني/2 ما ليس باسم؛ نحو: "ظننت زيدا قام ~~أبوه" فقام أبوه جملة فعلية، وقد قامت مقام المفعول الثاني لظننت، وأما ~~الفاعل، فلا يجوز أن يقع قط إلا اسما لفظا ومعنى /لما/3 بيناه، فاعرفه تصب، ~~إن شاء الله تعالى. PageV01P111 ### | الباب السابع عشر: باب كان وأخواتها # [كان وأخواتها أفعال وأدلة ذلك] # إن قال قائل: أي شيء كان وأخواتها من الكلم؟ قيل: أفعال، وذهب بعض ~~النحويين إلى أنها حروف وليست أفعالا، لأنها لا تدل على المصدر، ولو كانت ~~أفعالا؛ لكان ينبغي أن تدل على المصدر، ولما كانت لا تدل على المصدر، دل ~~على أنها حروف1؛ والصحيح أنها أفعال، وهو مذهب الأكثرين والدليل على ذلك من ~~ثلاثة أوجه: # الوجه الأول: أنها تلحقها تاء الضمير وألفه وواوه؛ نحو: كنت، وكانا، ~~وكانوا2، كما تقول: قمت، وقاما، وقاموا، وما أشبه ذلك. # والوجه الثاني: أنها تلحقها تاء التأنيث الساكنة؛ نحو: كانت المرأة، كما ~~تقول: قامت المرأة، وهذه التاء تختص بالأفعال. # والوجه الثالث: أنها تتصرف؛ نحو: كان يكون، وصار يصير، وأصبح يصبح، وأمسى ~~يمسي، وكذلك سائرها ما عدا "ليس" وإنما لم يدخلها التصرف؛ لأنها أشبهت "ما" ~~وهي3 تنفي الحال (كما أن "ما" تنفي الحال) 4؛ ولهذا تجري "ما" مجرى "ليس" ~~في لغة أهل الحجاز، فلما أشبهت "ما" وهي حرف لا يتصرف، وجب ألا تتصرف5. ~~وأما قولهم: إنها لا تدل على المصدر، ولو كانت أفعالا؛ لدلت على المصدر، ~~قلنا: هذا إنما يكون في الأفعال الحقيقية، وهذه الأفعال غير حقيقية؛ ولهذا ~~المعنى تسمى6 أفعال PageV01P112 # العبارة، فما ذكرناه (يدل على أنها أفعال) 1، وما ذكرتموه يدل على أنها ~~أفعال غير حقيقية، فقد علمنا بمقتضى الدليلين، على أنهم قد جبروا هذا ~~الكسر، وألزموها الخبر عوضا عن دلالتها على المصدر، وإذا وجد الجبر بلزوم ~~الخبر ms063 عوضا عن المصدر كان في حكم الموجود الثابت. # [انقسام كان على خمسة أوجه] # فإن قيل: فعلى كم تنقسم كان وأخواتها؟ قيل: أما كان فتنقسم على خمسة ~~أوجه: # الوجه الأول: أنها تكون ناقصة فتدل على الزمان المجرد عن الحدث؛ نحو: ~~"كان زيد قائما" ويلزمها الخبر2 لما بينا. # والوجه الثاني: أنها تكون تامة، فتدل على الزمان والحدث كغيرها من ~~الأفعال الحقيقية، ولا تفتقر إلى خبر؛ نحو: كان زيد، وهي بمعنى: حدث ووقع؛ ~~قال الله تعالى: {وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة} 3 أي: حدث ووقع، وقال ~~تعالى: {إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم} 4 وقال تعالى: {وإن تك حسنة ~~يضاعفها} 5 في قراءة من قرأ بالرفع، وقال تعالى: {كيف نكلم من كان في المهد ~~صبيا} 6، أي: وجد وحدث؛ وصبيا: منصوب على الحال، ولا يجوز أن تكون /كان/7 ~~ههنا الناقصة؛ /لأنه/8 لا اختصاص لعيسى في ذلك؛ لأن كلا قد كان في المهد ~~صبيا، ولا عجب في تكليم من كان فيما مضى في حال الصبي (وإنما العجب في ~~تكليم من هو في المهد في حال الصبي) 9، فدل على أنها -ههنا- بمعنى: وجد ~~وحدث، وعلى هذا قولهم: أنا مذ كنت صديقك؛ /أي وجدت/10؛ قال الشاعر11: ~~[الطويل] # فدى لبني ذهل بن شيبان ناقتي ... إذا كان يوم ذو كواكب أشهب12 ~~PageV01P113 # أي حدث يوم، وقال الآخر1: [الوافر] # إذا كان الشتاء فأدفئوني ... فإن الشيخ يهدمه الشتاء # أي: حدث الشتاء. # والوجه الثالث: أن يجعل فيها ضمير الشأن والحديث، فتكون الجملة خبرها؛ ~~نحو: "كان زيد قائم"؛ أي: كان الشأن والحديث2 زيد قائم؛ قال الشاعر3: # إذا مت كان الناس صنفان شامت ... وآخر مثن بالذي كنت أصنع # أي: كان الشأن والحديث الناس صنفان. # والوجه الرابع: أن تكون زائدة (غير عاملة) 4؛ نحو: "زيد كان قائم" أي: ~~زيد قائم؛ قال الشاعر: 5 [الوافر] # سراة بني أبي بكر تسامى ... على كان المسومة العراب6 PageV01P114 # (أي: على المسومة) 1 وقال الآخر2: [الوافر] # فكيف إذا مررت بدار قوم ... وجيران لنا كانوا كرام # (أي: جيران كرام) 3. # والوجه الخامس: أن ms064 تكون بمعنى صار؛ قال الله تعالى: {وكان من الكافرين} ~~4، {فكان من المغرقين} 5؛ أي: صار، وعلى هذا حمل بعضهم قوله تعالى: {كيف ~~نكلم من كان في المهد صبيا} 6 أي: صار، وقال الشاعر7: [الطويل] # بتيهاء قفر والمطي كأنها ... قطا الحزن قد كانت فراخا بيوضها8 # أي: صارت فراخا بيوضها. # [صار ناقصة وتامة] # وأما صار، فتستعمل ناقصة وتامة، فأما الناقصة، فتدل /أيضا/9، على الزمان ~~المجرد عن الحدث، ويفتقر10 إلى الخبر؛ نحو: "صار زيد عالما" مثل ~~PageV01P115 # "كان" إذا كانت ناقصة؛ وأما التامة، فتدل على الزمان والحدث، ولا تفتقر ~~إلى خبر؛ نحو: "صار زيد إلى عمرو" مثل كان إذا كانت تامة، وكذلك سائر ~~أخواتها تستعمل ناقصة وتامة، إلا: ظل، وليس، وما زال، وما فتئ، فإنها لا ~~تستعمل إلا ناقصة. # [عمل الأفعال الناقصة في شيئين وعلة ذلك] # فإن قيل: فلم عملت هذه الأفعال في شيئين؟ قيل: لأنها عبارة عن الجمل لا ~~عن1 المفردات، فلما اقتضت شيئين؛ وجب أن تعمل فيهما2. # [علة رفعها للاسم ونصبها للخبر] # فإن قيل: فلم رفعت الاسم، ونصبت الخبر؟ قيل: تشبيها بالأفعال الحقيقية، ~~فرفعت الاسم تشبيها له بالفاعل، ونصبت الخبر تشبيها /له/3 بالمفعول. # [جواز تقديم خبر الأفعال الناقصة على اسمها] # فإن قيل: فهل يجوز تقديم أخبارها على أسمائها؟ قيل: نعم يجوز، وإنما ~~جاز/ذلك/4 لأنها لما كانت أخبارها مشبهة بالمفعول، وأسماؤها مشبهة بالفاعل، ~~والمفعول يجوز تقديمه على الفاعل؛ فكذلك ما كان مشبها به. # [جواز تقديم خبر بعض الأفعال الناقصة عليها وعلة ذلك] # فإن قيل: فهل يجوز تقديم أخبارها عليها أنفسها؟ قيل: يجوز ذلك في ما لم ~~يكن في أوله "ما"؛ نحو: "قائما كان زيد" وإنما جاز ذلك؛ لأنه لما كان مشبها ~~بالمفعول، والعامل فيه متصرف؛ جاز تقديمه عليه كالمفعول؛ نحو: "عمرا ضرب ~~زيد". # [عدم تقديم اسم الأفعال الناقصة عليها وعلة ذلك] # فإن قيل: فلم لم يجز تقديم أسمائها عليها أنفسها، كما يجوز تقديم أخبارها ~~عليها؟ قيل: إنما لم يجز تقديم أسمائها عليها؛ لأن أسماءها مشبهة بالفاعل، ~~والفاعل لا يجوز تقديمه على الفعل، فكذلك ما ms065 كان مشبها به، وجاز ~~PageV01P116 # تقديم أخبارها عليها؛ لأنها مشبهة بالمفعول، والمفعول يجوز تقديمه على ~~الفعل، كما بينا. # [علة عدم تقديم خبر ما في أوله "ما" عليه] # فإن قيل: فلم لم يجز تقديم خبر ما في أوله "ما" عليه؟ قيل: لأن "ما" في ~~أوله ما ما عدا "ما دام" للنفي؛ /والنفي/1 له صدر الكلام كالاستفهام، فكما ~~أن الاستفهام لا يعمل ما بعده في ما قبله؛ نحو: "أعمرا ضرب زيد"2 فكذلك ~~النفي لا يعمل ما بعده في ما قبله؛ نحو: "قائما ما زال زيد". # [جواز تقديم خبر ما زال عليها عند بعضهم] # وقد ذهب بعض النحويين إلى أنه يجوز تقديم خبر "ما زال" عليها؛ وذلك لأن ~~ما للنفي، وزال فيها معنى النفي، /والنفي/3 إذا دخل على النفي صار إيجابا، ~~/وإذا صار إيجابا/4 صار قولك: "ما زال زيد قائما" بمنزلة: "كان زيد قائما" ~~وكما يجوز أن تقول: "قائما كان زيد" فكذلك يجوز أن تقول: "قائما ما زال ~~زيد" وأجمعوا على أنه لا يجوز تقديم خبر "ما دام" عليها، وذلك؛ لأن5 "ما" ~~فيها مع الفعل بمنزلة المصدر، ومعمول المصدر، لا يتقدم عليه. # [خلافهم في تقديم خبر ليس عليها وعلة ذلك] # فإن قيل: فهل يجوز تقديم خبر ليس عليها؟ قيل: اختلف النحويون في ذلك؛ ~~فذهب الكوفيون إلى أنه لا يجوز تقديم خبرها عليها /نفسها/6 وذهب أكثر ~~البصريين إلى جوازه؛ لأنه كما جاز تقديم خبرها على اسمها، جاز تقديم خبرها ~~عليها نفسها، والاختيار عندي ما ذهب إليه الكوفيون؛ لأن "ليس" فعل لا ~~يتصرف، والفعل إنما يتصرف عمله إذا كان متصرفا في نفسه، وإذا لم يكن متصرفا ~~في نفسه، لم يتصرف عمله، وأما قولهم: إنه كما جاز تقديم خبرها على اسمها؛ ~~جاز تقديم خبرها عليها ففاسد؛ لأن تقديم خبرها على اسمها، لا يخرجه عن كونه ~~متأخرا عنه، وتقديم خبرها عليها، يوجب كونه متقدما عليها، وليس من ضرورة أن ~~يعمل الفعل في ما بعده، يجب7 أن يعمل في ما قبله؛ PageV01P117 # ثم نقول: إنما جاز تقديم خبرها على اسمها؛ ms066 لأنها أضعف من "كان" لأنها ~~تتصرف، ويجوز تقديم خبرها عليها، وأقوى من "ما" لأنها حرف، ولا يجوز تقديم ~~خبرها على اسمها، فجعل لها منزلة بين المنزلتين، فلم يجز تقديم خبرها عليها ~~نفسها، لتنحط عن درجة "كان" وجوزوا1 تقديم خبرها على اسمها؛ لترتفع عن درجة ~~"ما". # [امتناع استعمال ما زال مع إلا] # فإن قيل: لم جاز: "ما كان زيد إلا قائما" ولم يجز: "ما زال زيد إلا ~~قائما"؟ قيل: لأن "إلا" إذا دخلت في الكلام، أبطلت معنى النفي، فإذا قلت: ~~("ما كان زيد إلا قائما" كان التقدير فيه: "كان زيد قائما" وإذا قلت:) 2 ~~"ما زال زيدا إلا قائما"؛ صار التقدير: "زال زيد قائما" و"زال" لا تستعمل ~~إلا بحرف النفي، فلما كان إدخال حرف الاستثناء يوجب إبطال معنى النفي، ~~و"كان" يجوز استعمالها من غير حرف النفي، و"زال" لا يجوز استعمالها إلا ~~بإدخال حرف3 النفي جاز: "ما كان زيد إلا قائما" ولم يجز "ما زال زيد إلا ~~قائما"؛ وأما قول الشاعر4: [الطويل] # حراجيج ما تنفك إلا مناخة ... على الخسف أو نرمي بها بلدا قفرا5 # فالخير قوله: على الخسف، وتقديره: ما تنفك على الخسف إلا أن تناخ أو ~~نرمي6 بها بلدا قفرا؛ فاعرفه تصب، إن شاء الله تعالى. PageV01P118 ### | الباب الثامن عشر: باب ما # [علة إعمال ما الحجازية] # إن قال قائل: لم عملت "ما" في لغة أهل الحجاز، فرفعت الاسم، ونصبت الخبر؟ ~~قيل: لأن "ما" أشبهت "ليس" ووجه الشبه بينهما من وجهين؛ # أحدهما: أن "ما" تنفي الحال، كما أن "ليس" تدخل على المبتدأ والخبر؛ ~~ويقوي هذه المشابهة بينهما دخول الباء في خبرها، كما تدخل في خبر "ليس" ~~(فإذ ثبت أنها أشبهت "ليس") 1 فوجب أن تعمل عملها، فترفع الاسم، وتنصب ~~الخبر، وهي لغة القرآن؛ قال الله تعالى: {ما هذا بشرا} 2، وذهب الكوفيون ~~إلى أن الخبر منصوب بحذف حرف الجر، وهذا فاسد؛ لأن حذف حرف الجر، لا يوجب ~~النصب؛ لأنه لو كان حذف حرف الجر، يوجب النصب؛ لكان ينبغي أن يكون ذلك في ~~كل موضع، ms067 ولا خلاف أن كثيرا من الأسماء يحذف منها حرف الجر ولا تنتصب3 ~~بحذفه؛ كقوله تعالى: {وكفى بالله وليا وكفى بالله نصيرا} 4، ولو حذف حرف ~~الجر؛ لكان: وكفى الله وليا، وكفى الله نصيرا /بالرفع/5 كقول الشاعر6: ~~[الطويل] # عميرة ودع إن تجهزت غاديا ... كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا ~~PageV01P119 # وكذلك قولهم: "بحسبك زيد، وما جاءني من أحد" /و/1 لو حذفت حرف الجر، ~~لقلت: "حسبك زيد، وما جاءني أحد" بالرفع؛ فدل على أن حذف حرف الجر، لا يوجب ~~النصب. # [علة إهمال ما التميمية] # فإن قيل: لم لم تعمل على لغة بني تميم؟ قيل: لأن الحرف إنما يعمل إذا كان ~~مختصا بالاسم، كحرف الجر، أو بالفعل كحرف الجزم [و] 2 إذا كان يدخل على ~~الاسم والفعل لم يعمل كحرف العطف، و"ما" تدخل على الاسم والفعل، ألا ترى ~~أنك تقول: "ما زيد قائم، وما يقوم زيد" فتدخل عليهما، فلما كانت غير مختصة؛ ~~وجب أن تكون غير عاملة. # فإن قيل: فلم3 دخلت الباء في خبرها؛ نحو: "ما زيد بقائم"؟ قيل: لوجهين؛ ~~أحدهما: أنها أدخلت4 توكيدا للنفي، # والثاني: أن يقدر أنها جواب لمن قال: "إن زيدا لقائم" فأدخلت الباء في ~~خبرها؛ لتكون بإزاء اللام في خبر إن. # [إهمال ما الحجازية إذا توسطت إلا بينها وبين خبرها وعلة ذلك] # فإن قيل: فلم3 بطل عملها في لغة أهل الحجاز، إذا فصلت5 بين اسمها وخبرها ~~بإلا؟ قيل: لأن "ما" إنما عملت؛ لأنها أشبهت "ليس" من جهة المعنى وهو، ~~النفي، و"إلا" تبطل معنى النفي، فتزول المشابهة، وإذا6 زالت المشابهة؛ وجب ~~ألا تعمل. # [إهمال ما الحجازية إذا فصل بينها وبين اسمها وخبرها ب "إن" الخفيفة وعلة ~~ذلك] # فإن قيل: فلماذا بطل عملها -أيضا- إذا فصلت5 بينها وبين اسمها وخبرها ب ~~"إن" الخفيفة؟ قيل: لأن "ما" ضعيفة في العمل؛ لأنها إنما عملت لأنها أشبهت ~~فعلا لا يتصرف شبها ضعيفا من جهة المعنى؛ فلما كان عملها ضعيفا؛ بطل عملها ~~مع الفصل؛ ولهذا المعنى، يبطل7 عملها -أيضا- إذا PageV01P120 # تقدم الخبر على الاسم؛ نحو: "ما قائم زيد" لضعفها في ms068 العمل؛ فألزمت طريقة ~~واحدة، وأما قول الشاعر1: [البسيط] # فأصبحوا قد أعاد الله نعمتهم ... إذ هم قريش وإذ ما مثلهم بشر # فمن النحويين من قال: هو منصوب على الحال؛ لأن التقدير فيه: وإذ ما بشر ~~مثلهم، فلما قدم مثلهم الذي هو صفة النكرة، انتصب على الحال؛ لأن صفة ~~النكرة إذا تقدمت، انتصبت على الحال؛ كقول الشاعر2: [مجزوء الوافر] # لمية موحشا طلل ... يلوح كأنه خلل3 # /و/4 التقدير فيه: طلل موحش؛ وكقول الآخر5: [البسيط] # والصالحات عليها مغلقا باب # والتقدير فيه: باب مغلق؛ إلا أنه لما قدم الصفة على النكرة6، نصبها على ~~الحال؛ ومنهم من قال: هو منصوب على الظرف؛ لأن قوله: ما مثلهم بشر، في ~~معنى: "فوقهم"؛ ومنهم من حمله على الغلط؛ لأن 7 هذا البيت للفرزدق، وكان ~~تميميا، وليس من /لغته/8 إعمال "ما" سواء تقدم الخبر، أو تأخر، فلما استعمل ~~لغة غيره غلط، فظن أنها تعمل مع تقدم الخبر، كما تعمل مع تأخره، فلم يكن في ~~ذلك حجة؛ ومنهم من قال: إنها لغة لبعض العرب، وهي لغة قليلة، لا يعتد بها؛ ~~فاعرفه تصب، إن شاء الله تعالى. PageV01P121 ### | الباب التاسع عشر: باب إن وأخواتها # [علة إعمال الأحرف المشبهة] # إن قال قائل: لم أعملت1 هذه الأحرف؟ قيل: لأنها أشبهت الفعل، ووجه الشبه ~~بينهما من خمسة أوجه: # الوجه الأول: أنها مبنية على الفتح، كما أن الفعل الماضي مبني على الفتح. # والوجه الثاني: أنها على ثلاثة أحرف، كما أن الفعل على ثلاثة أحرف. # والوجه الثالث: أنها تلزم الأسماء، كما أن الفعل يلزم الأسماء. # والوجه الرابع: أنها تدخل عليها نون الوقاية، كما تدخل على الفعل؛ نحو ~~إنني وكأنني ولكنني. # والوجه الخامس: أن فيها معاني الأفعال، فمعنى إن وأن: حققت، ومعنى "كأن": ~~شبهت، ومعنى "لكن": استدركت، ومعنى "ليت": تمنيت، ومعنى "لعل": ترجيت، فلما ~~أشبهت هذه الحروف الفعل من هذه الأوجه /الخمسة/2؛ وجب أن تعمل عمله؛ وإنما ~~عملت في شيئين؛ لأنها عبارة عن الجمل، لا عن المفردات، كما بينا في "كان". # [علة نصب الأحرف المشبهة للاسم ورفعها للخبر] # فإن ms069 قيل: فلم نصبت الاسم، ورفعت الخبر؟ قيل: لأنها /لما/3 أشبهت الفعل، ~~وهو يرفع وينصب، شبهت /به/4 فنصبت الاسم تشبيها بالمفعول، ورفعت الخبر ~~تشبيها بالفاعل. PageV01P122 # [علة وجوب تقديم منصوب الأحرف المشبهة على مرفوعها] # فإن قيل: فلم وجب تقديم المنصوب على المرفوع؟ قيل لوجهين: # أحدهما: أن هذه الحروف، تشبه الفعل لفظا ومعنى؛ فلو قدم المرفوع على ~~المنصوب، لم يعلم هل هي حروف، أو أفعال؟ # فإن قيل: الأفعال تتصرف، والحروف لا تتصرف، قيل: عدم التصرف، لا يدل على ~~أنها حروف؛ لأنه قد يوجد أفعال لا تتصرف؛ وهي: نعم، وبئس، وعسى، وليس، وفعل ~~التعجب، وحبذا، فلما كان ذلك يؤدي إلى الالتباس بالأفعال، وجب تقديم ~~المنصوب على المرفوع رفعا لهذا الالتباس. # والوجه الثاني: أن هذه الحروف لما أشبهت الفعل الحقيقي لفظا ومعنى، حملت ~~عليه في العمل، فكانت فرعا عليه في العمل، وتقديم1 المنصوب على المرفوع ~~فرع؛ فألزموا الفرع الفرع، وتخرج على هذا "ما" فإنها ما أشبهت الفعل من جهة ~~اللفظ، وإنما أشبهته من جهة المعنى، ثم الفعل الذي أشبهته ليس فعلا حقيقيا ~~وفي فعليته خلاف، بخلاف هذه الحروف، فإنها أشبهت الفعل الحقيقي من جهة ~~اللفظ والمعنى من الخمسة الأوجه التي بيناها، فبان الفرق بينهما. وقد ذهب ~~الكوفيون إلى أن "إن" وأخواتها /إنما/2 تنصب الاسم، ولا ترفع الخبر وإنما ~~الخبر يرتفع بما كان يرتفع به قبل دخولها؛ لأنها فرع على الفعل في العمل، ~~فلا تعمل عمله؛ لأن الفرع -أبدا- أضعف من الأصل، فينبغي ألا تعمل في الخبر؛ ~~وهذا ليس بصحيح؛ لأن كونه فرعا على الفعل في العمل، لا يوجب ألا يعمل عمله، ~~فإن اسم الفاعل فرع على الفعل في العمل، ويعمل عمله، على أنا قد عملنا ~~بمقتضى كونه فرعا، فإنا ألزمناه طريقة واحدة، وأوجبنا فيه تقديم المنصوب ~~على المرفوع، ولم نجوز فيه الوجهين، كما جاز ذلك مع الفعل؛ لئلا3 يجري مجرى ~~الأصل، فلما أوجبنا فيه تقديم المنصوب على المرفوع، بان ضعف هذه الحروف (عن ~~رتبة الفعل) 4، وانحطاطها عن رتبة الفعل؛ فوقع الفرق بين الفرع والأصل؛ ثم ~~لو ms070 كان الأمر كما زعموا، وأنه باق على رفعه؛ لكان الاسم المبتدأ أولى بذلك، ~~فلما وجب نصب المبتدأ بها؛ وجب رفع PageV01P123 # الخبر بها؛ لأنه ليس في كلام العرب عامل يعمل في الأسماء النصب، ولا يعمل ~~الرفع، فما ذهبوا إليه يؤدي إلى ترك القياس، ومخالفة الأصول لغير فائدة، ~~وذلك لا يجوز. # [علة جواز العطف على موضع إن ولكن] # فإن قيل: فلم جاز العطف على موضع "إن ولكن" دون سائر أخواتها؟ قيل: ~~لأنهما لم يغيرا معنى الابتداء، بخلاف سائر الحروف؛ لأنها غيرت معنى ~~الابتداء؛ لأن: "كأن" أفادت معنى التشبيه، و"ليت" أفادت معنى التمني، ~~و"لعل" /أفادت/1 معنى الترجي. # [خلافهم في العطف على الموضع قبل ذكر الخبر] # فإن قيل: فهل يجوز العطف على الموضع قبل ذكر الخبر؟ قيل: اختلف النحويون ~~في ذلك؛ فذهب أهل البصرة2 إلى أنه لا يجوز ذلك على الإطلاق، وذلك لأنك إذا ~~قلت: "إنك وزيد قائمان" وجب أن يكون /زيد/3 مرفوعا بالابتداء، ووجب أن يكون ~~عاملا في خبر زيد، وتكون "إن" عاملة في خبر الكاف، وقد اجتمعا معا، وذلك لا ~~يجوز؛ وأما الكوفيون فاختلفوا /في ذلك/4؛ فذهب الكسائي إلى أنه يجوز ذلك ~~على الإطلاق؛ سواء تبين فيه عمل "إن" أو لم يتبين؛ نحو: "إن زيدا وعمرو ~~قائمان، وإنك وبكر منطلقان". وذهب الفراء إلى أنه لا يجوز ذلك إلا في ما ~~لم5 يتبين فيه عمل "إن" واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: {إن الذين آمنوا ~~والذين هادوا والصابئون والنصارى} 6 فعطف الصابئين على موضع إن قبل تمام ~~الخبر؛ وهو قوله: {من آمن بالله واليوم الآخر} ومما حكي عن بعض العرب أنه ~~قال: "إنك وزيد ذاهبان"، وقد ذكره سيبويه في الكتاب. # والصحيح: ما ذهب إليه البصريون. وما استدل7 به الكوفيون، فلا حجة ~~PageV01P124 # لهم فيه، وأما قوله تعالى: {إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون} فلا ~~حجة لهم فيه من وجهين: # أحدهما: أنا نقول: في الآية تقديم وتأخير؛ والتقدير فيه1: إن الذين آمنوا ~~والذين هادوا ومن آمن بالله واليوم الآخر، فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون، ~~والصابئون ms071 والنصارى كذلك. # والوجه الثاني: أن تجعل2 قوله: {من آمن بالله واليوم الآخر} خبر الصابئين ~~والنصارى، وتضمر للذين آمنوا والذين هادوا /خبرا/3 مثل الذي أظهرت للصابئين ~~والنصارى، ألا ترى أنك تقول: "زيد وعمرو قائم" فتجعل: قائما خبرا لعمرو، ~~وتضمر لزيد خبرا آخر مثل الذي أظهرت لعمرو، وإن شئت جعلته خبرا لزيد، ~~وأضمرت لعمرو خبرا؛ كما قال الشاعر4: [الوافر] # وإلا فاعلموا أنا وأنتم ... بغاة ما بقينا في شقاق5 # وإن شئت جعلت قوله "بغاة" خبرا للثاني، وأضمرت للأول خبرا، وإن شئت جعلته ~~خبرا للأول، وأضمرت للثاني خبرا على ما بينا. # وأما قول بعض العرب "إنك وزيد ذاهبان" فقد ذكره 6 سيبويه أنه غلط من بعض ~~العرب، وجعله بمنزلة قول الشاعر7: [الطويل] # بدا لي أني لست مدرك ما مضى ... ولا سابق شيئا إذا كان جائيا PageV01P125 # فقال: "سابق" بالجر على العطف، وإن كان المعطوف عليه منصوبا لتوهم1 حرف ~~الجر فيه؛ وكذلك قول الآخر2: [الطويل] # مشائيم ليسوا مصلحين عشيرة ... ولا ناعب إلا ببين غرابها3 # فقال: "ناعب" /بالجر/4 بالعطف على "مصلحين"؛ لأنه توهم أن الباء في ~~مصلحين موجودة، ثم عطف عليه مجرورا وإن كان منصوبا، ولا خلاف أن هذا نادر، ~~ولا يقاس عليه، فكذلك ههنا؛ فاعرفه تصب، إن شاء الله تعالى. PageV01P126 ### | الباب العشرون: باب ظننت وأخواتها # [استعمالات ظن وأخواتها] # إن قال قائل: على كم ضرابا تستعمل /فيه/1 هذه الأفعال؟ قيل: أما ظننت ~~فتستعمل على ثلاثة أوجه: # أحدهما: بمعنى الظن وهو ترجيح أحد الاحتمالين على الآخر. # والثاني: بمعنى اليقين؛ قال الله سبحانه وتعالى: {الذين يظنون أنهم ~~ملاقوا ربهم وأنهم إليه راجعون} 2 /أي: يوقنون/3 وقال الله تعالى: {فظنوا ~~أنهم مواقعوها} 4. وقال الشاعر5: [الطويل] # فقلت لهم: ظنوا بألفي مدجج ... سراتهم في الفارسي المسرد6 # وهذان يتعديان إلى مفعولين. # والثالث: بمعنى التهمة؛ كقوله تعالى: {وما هو على الغيب بضنين} 7 في ~~قراءة من قرأ بالظاء؛ أي: بمتهم، وهذا يتعدى 8 إلى مفعول واحد. PageV01P127 # [استعمال خال وحسب] # وأما: "خلت، وحسبت" فتستعملان بمعنى الظن. وأما "زعمت" فتستعمل في القول ~~عن غير صحة، قال ms072 الله تعالى: {زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا} 1. # [استعمال علم] # وأما "علمت" فتستعمل على أصلها، فتتعدى إلى مفعولين، وتستعمل بمعنى: ~~"عرفت" فتتعدى إلى مفعول واحد؛ قال الله تعالى: {لا تعلمهم نحن نعلمهم} 2. # [استعمال رأى] # وأما "رأيت" فتكون من رؤية القلب، فتتعدى إلى مفعولين؛ نحو: "رأيت الله ~~غالبا"، وتكون من رؤية البصر، فتتعدى إلى مفعول واحد؛ نحو: "رأيت زيدا" أي: ~~أبصرت زيدا. # [استعمال وجدت] # وأما "وجدت" فتكون بمعنى: علمت، فتتعدى إلى مفعولين؛ نحو: "وجدت زيدا ~~عالما" وتكون بمعنى: أصبت، فتتعدى إلى مفعول واحد؛ نحو: "وجدت الضالة ~~وجدانا"، وقد تكون لازمة في نحو قولهم: "وجدت في الحزن وجدا، ووجدت في ~~المال وجدا، ووجدت في الغضب موجدة" وحكى بعضهم: "وجدانا" قال الشاعر3: ~~[الوافر] # كلانا رد صاحبه بغيظ ... على حنق ووجدان شديد4 # [علة إعمال هذه الأفعال] # فإن قيل: لم أعلمت5 هذه الأفعال، وليست مؤثرة في المفعول؟ قيل: ~~PageV01P128 # لأن هذه الأفعال، وإن لم تكن مؤثرة، إلا أن لها تعلقا بما عملت فيه، ألا ~~ترى أن قولك: "ظننت" يدل على الظن، والظن يتعلق بمظنون؟ وكذلك سائرها؛ ثم ~~ليس التأثير شرطا في عمل الفعل، وإنما شرط عمله أن يكون له تعلق بالمفعول، ~~فإذا تعلق بالمفعول، تعدى إليه؛ سواء كان مؤثرا، أو لم يكن مؤثرا، ألا ترى ~~أنك تقول: ذكرت زيدا فيتعدى إلى زيد، وإن لم يكن مؤثرا فيه، إلا أنه لما ~~كان له به تعلق عمل؛ لأن "ذكرت" تدل على الذكر، والذكر لا بد له من مذكور، ~~يتعدى1 إليه، فكذلك ههنا. # [علة تعدي أفعال الظن إلى مفعولين] # فإن قيل: فلم تعدت إلى مفعولين؟ قيل: لأنها لما كانت تدخل على المبتدأ ~~والخبر بعد استغنائها بالفاعل، وكل واحد من المبتدأ والخبر، لا بد له من ~~الآخر، وجب أن تتعدى إليهما. # [خلافهم في جواز اقتصار هذه الأفعال على الفاعل] # فإن قيل: فهل يجوز الاقتصار فيها على الفعل والفاعل؟ قيل: اختلف النحويون ~~في ذلك؛ فذهب البعض2 إلى أنه يجوز، واستدل عليه بالمثل السائر، وهو قولهم: ~~"من يسمع يخل"، فاقتصر على "يخل" ms073 وفيه ضمير الفاعل3. وذهب بعضهم إلى أنه لا ~~يجوز، واستدل على ذلك من وجهين: # أحدهما: أن هذه الأفعال، تجاب بما يجاب به القسم؛ كقوله تعالى: {وظنوا ما ~~لهم من محيص} 4 فكما لا يجوز الاقتصار على القسم دون المقسم عليه؛ فكذلك لا ~~يجوز الاقتصار على هذه الأفعال مع فاعليها دون مفعوليها. # والثاني: أنا نعلم أن العاقل لا يخلو من ظن أو علم أوشك، فإذ قلت: ظننت، ~~أو علمت، أو حسبت، لم تكن فيه فائدة، لأنه لا يخلو5 عن ذلك. # [عدم جواز استغناء هذه الأفعال على أحد مفعوليها وعلة ذلك] # فإن قيل: فهل يجوز الاقتصار على أحد المفعولين؟ قيل: لا يجوز؛ لأن ~~PageV01P129 # هذه الأفعال داخلة على المبتدأ والخبر، وكما1 أن المبتدأ، لا بد له من ~~الخبر, والخبر لا بد له من المبتدأ، فكذلك لا بد لأحد المفعولين من الآخر. # [وجوب إعمال هذه الأفعال حال تقدمها وجواز إلغائها عند توسطها وتأخرها] # فإن قيل: فلم وجب إعمال هذه الأفعال إذا تقدمت، وجاز إلغاؤها إذا توسطت ~~وتأخرت؟ قيل: إنما وجب إعمالها إذا تقدمت لوجهين: # أحدهما: أنها إذا تقدمت، فقد وقعت في أعلى مراتبها؛ فوجب إعمالها، ولم ~~يجز إلغاؤها. # والثاني: أنها إذا تقدمت، دل ذلك على قوة العناية /بها/2؛ وإلغاؤها يدل ~~على اطراحها، وقلة الاهتمام بها؛ فلذلك، لم يجز إلغاؤها مع التقديم؛ لأن ~~الشيء لا يكون معنيا به مطرحا؛ وأما إذا توسطت أو تأخرت، فإنما جاز ~~إلغاؤها؛ لأن هذه الأفعال لما كانت ضعيفة في العمل، وقد مر صدر الكلام على ~~اليقين، لم يغير الكلام عما اعتمد عليه، وجعلت /في/3 تعلقها بما قبلها ~~بمنزلة الظرف، فإذا قال: "زيد منطلق ظننت" فكأنه قال: "زيد منطلق في ظني" ~~وكما4 أن قولك: "في ظني" لا يعمل في ما قبله، فكذلك ما نزل بمنزلته. وأما ~~من أعملها إذا تأخرت5، فجعلها6 متقدمة في التقدير، وإن كانت متأخرة في ~~اللفظ مجازا وتوسعا؛ غير أن الإعمال مع التوسط أحسن من الإعمال مع التأخر، ~~وذلك؛ لأنها إذا توسطت، كانت متقدمة من وجه، /و/7 متأخرة ms074 من وجه؛ لأنها ~~متأخرة عن أحد الجزأين، متقدمة على الآخر، ولا يتم أحد الجزأين إلا بصاحبه، ~~فكانت متقدمة من وجه، ومتأخرة من وجه، فحسن إعمالها، كما حسن إلغاؤها؛ وإذا ~~تأخرت عن الجزأين جميعا، كانت متأخرة من كل وجه، فكان إلغاؤها أحسن من ~~إعمالها؛ لتأخرها، وضعف عملها؛ فاعرفه تصب، إن شاء الله تعالى. PageV01P130 ### | الباب الحادي والعشرون: باب الإغراء # [علة قيام بعض الظروف والحروف مقام الفعل] # إن قال قائل: لم أقيم بعض الظروف والحروف مقام الفعل؟ قيل: طلبا للتخفيف؛ ~~لأن الأسماء، والحروف أخف من الأفعال، فاستعملوها1 بدلا عنها طلبا للتخفيف. # فإن قيل: فلم كثر في "عليك وعندك ودونك" خاصة؟ قيل: لأن الفعل إنما يضمر ~~إذا كان عليه دليل من مشاهدة حال، أو غير ذلك، فلما2 كانت "على" للاستعلاء، ~~والمستعلي يشاهد من تحته، و"عند" للحضرة، ومن بحضرتك تشاهده، و"دون" للقرب، ~~ومن بقربك3 تشاهده؛ فصار4 هذا بمنزلة مشاهدة حال تدل عليه، فلهذا أقيمت ~~مقام الفعل. # [علة كون الإغراء للمخاطب دون الغائب والمتكلم] # فإن قيل: فلم خص به المخاطب دون الغائب والمتكلم؟ قيل: لأن المخاطب يقع ~~الأمر له بالفعل من غير لام الأمر؛ نحو: قم، واذهب؛ فلا يفتقر إلى لام ~~الأمر، وأما الغائب والمتكلم فلا يقع الأمر لهما إلا باللام؛ نحو: "ليقم ~~زيد، ولأقم معه" فيفتقر إلى لام الأمر؛ فلما أقاموها مقام الفعل؛ كرهوا أن ~~يستعملوها للغائب والمتكلم؛ لأنها تصير قائمة مقام شيئين؛ اللام والفعل، ~~ولم يكرهوا ذلك في المخاطب؛ لأنها تقوم مقام شيء واحد، وهو الفعل؛ وأما ~~قوله عليه السلام: "ومن لم يستطع /منكم/5 الباءة فعليه بالصوم6، فإنه له ~~PageV01P131 # الباب الحادي والعشرون: باب الإغراء # [علة قيام بعض الظروف والحروف مقام الفعل] # إن قال قائل: لم أقيم بعض الظروف والحروف مقام الفعل؟ قيل: طلبا للتخفيف؛ ~~لأن الأسماء، والحروف أخف من الأفعال، فاستعملوها1 بدلا عنها طلبا للتخفيف. # فإن قيل: فلم كثر في "عليك وعندك ودونك" خاصة؟ قيل: لأن الفعل إنما يضمر ~~إذا كان عليه دليل من مشاهدة حال، أو غير ذلك، فلما2 كانت "على" للاستعلاء، ~~والمستعلي ms075 يشاهد من تحته، و"عند" للحضرة، ومن بحضرتك تشاهده، و"دون" للقرب، ~~ومن بقربك3 تشاهده؛ فصار4 هذا بمنزلة مشاهدة حال تدل عليه، فلهذا أقيمت ~~مقام الفعل. # [علة كون الإغراء للمخاطب دون الغائب والمتكلم] # فإن قيل: فلم خص به المخاطب دون الغائب والمتكلم؟ قيل: لأن المخاطب يقع ~~الأمر له بالفعل من غير لام الأمر؛ نحو: قم، واذهب؛ فلا يفتقر إلى لام ~~الأمر، وأما الغائب والمتكلم فلا يقع الأمر لهما إلا باللام؛ نحو: "ليقم ~~زيد، ولأقم معه" فيفتقر إلى لام الأمر؛ فلما أقاموها مقام الفعل؛ كرهوا أن ~~يستعملوها للغائب والمتكلم؛ لأنها تصير قائمة مقام شيئين؛ اللام والفعل، ~~ولم يكرهوا ذلك في المخاطب؛ لأنها تقوم مقام شيء واحد، وهو الفعل؛ وأما ~~قوله عليه السلام: "ومن لم يستطع /منكم/5 الباءة فعليه بالصوم6، فإنه له ~~PageV01P132 # الفعل، ولم يظهر لدلالة ما تقدم عليه من قوله تعالى: {حرمت عليكم أمهاتكم ~~وبناتكم وأخواتكم} 1 الآية2. # لأن في ذلك دلالة على أن ذلك مكتوب3 عليهم، فنصب "كتاب /الله/"4 على ~~المصدر؛ كقوله تعالى: {وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب صنع ~~الله} 5 فنصب: "صنع الله" على المصدر بفعل مقدر، دل عليه ما قبله6؛ /ونحو ~~ذلك قول/7 الشاعر8: [الطويل] # دأبت إلى أن ينبت الظل بعدما ... تقاصر حتى كاد في الآل يمصح # وجيف المطايا، ثم قلت لصحبتي ... ولم ينزلوا: أبردتم فتروحوا9 # فنصب "وجيف" بفعل دل عليه ما تقدم. وأما البيت الذي أنشدوه، فلا حجة ~~/لهم/10 فيه من وجهين: # أحدهما: أن قوله "دلوي دونكا" في موضع رفع؛ لأنه خبر مبتدأ مقدر؛ ~~والتقدير فيه؛ هذا دلوي دونكا، والثاني: أنا نسلم أنه في موضع PageV01P133 # نصب، /و/1 لكن بإضمار فعل؛ والتقدير فيه: "خذ دلوي دونك" ودونك تفسير ~~لذلك /الفعل المقدر/2؛ فاعرفه تصب، إن شاء الله تعالى. PageV01P134 ### | الباب الثاني والعشرون: باب التحذير # [علة التكرار في التحذير] # إن قال قائل: ما وجه التكرير إذا أرادوا التحذير في نحو قولهم: "الأسد ~~الأسد"؟ قيل: لأنهم أرادوا أن يجعلوا أحد الاسمين قائما مقام الفعل الذي هو ~~"احذر" ولهذا، إذا كرروا، لم ms076 يجز إظهار الفعل، وإذا حذفوا أحد الاسمين؛ جاز ~~إظهار الفعل؛ فدل على أن أحد الاسمين قائم مقام الفعل. # [الاسم الأول يقوم مقام الفعل] # فإن قيل: فأي الاسمين أولى بأن يقوم مقام الفعل؟ قيل: أولى الاسمين بأن ~~يقوم مقام الفعل هو الأول؛ لأن الفعل يجب أن يكون مقدما على الاسم الثاني؛ ~~لأنه مفعول، فكذلك الاسم الذي يقوم مقام الفعل، ينبغي أن يكون مقدما. # [علة انتصاب الاسم في التحذير] # فإن قيل: فلم انتصب قولهم: "إياك والشر" قيل: لأن التقدير فيه: ("إياك ~~احذر" فإياك: منصوب باحذر، والشر معطوف عليه، وقيل: أصله) 1: "إياك2 احذر ~~من الشر" فموضع الجار والمجرور النصب، فلما حذف حرف الجر3، صار النصب في ما ~~بعده. # [علة تقدير الفعل بعد إياك] # فإن قيل: فلم قدروا الفعل بعد "إياك" ولم يقدروه قبله؟ قيل: لأن "إياك" ~~PageV01P135 # ضمير المنصوب المنفصل، فلا1 يجوز أن يقع الفعل قبله؛ لأنك لو أتيت به ~~قبله؛ لم يجز أن تأتي به بلفظه؛ لأنك تقدر على ضمير المنصوب المتصل؛ وهو ~~الكاف؛ ألا ترى أنك لو قلت: "ضربت إياك" لم يجز؟ لأنك تقدر على أن تقول: ~~"ضربتك"؛ فأما قول الشاعر2: [الرجز] # إليك حتى بلغت إياكا # فشاذ، لا يقاس عليه. # [علة عدم استعمال الفعل مع إياك] # فإن قيل: فلم لم يستعملوا لفظ الفعل مع "إياك" كما استعملوه3 مع غيره؟ ~~قيل: إنما خصت "إياك" بهذا؛ 4 لأنها لا تكون إلا في موضع نصب؛ لأنها ضمير ~~المنصوب المنفصل، فصارت5 بنية لفظه، تدل على كونه مفعولا، فلم يستعملوا معه ~~لفظ الفعل، بخلاف غيره من الأسماء؛ فإنه يجوز أن يقع مرفوعا، ومنصوبا، ~~ومجرورا، إذ ليس في بنية لفظه ما يدل على كونه مفعولا، فاستعملوا معه لفظ ~~الفعل؛ فاعرفه تصب، إن شاء الله تعالى. PageV01P136 ### | الباب الثالث والعشرون: باب المصدر # [علة انتصاب المصدر] # إن قال قائل: لم كان المصدر منصوبا؟ قيل: لوقوع الفعل عليه؛ وهو المفعول ~~المطلق. # [اشتقاق الفعل من المصدر أو العكس وخلافهم في ذلك] # فإن قيل: هل الفعل مشتق من المصدر، أو المصدر مشتق من الفعل؟ ms077 قيل: اختلف ~~النحويون في ذلك؛ فذهب البصريون إلى أن الفعل مشتق من المصدر، واستدلوا على ~~ذلك من سبعة أوجه: # [أدلة البصريين في كون الفعل مشتق من المصدر] # الوجه الأول: أنه يسمى مصدرا؛ والمصدر هو الموضع الذي تصدر عنه الإبل؛ ~~فلما سمي مصدرا؛ دل على أنه قد صدر عنه الفعل. # والوجه الثاني: أن المصدر يدل على زمان مطلق؛ والفعل يدل على زمان معين، ~~فكما1 أن المطلق أصل للمقيد، فكذلك المصدر أصل للفعل. # والوجه الثالث: أن الفعل يدل على شيئين؛ والمصدر يدل على شيء واحد، قبل ~~الاثنين؛ فكذلك يجب أن يكون المصدر قبل الفعل. # والوجه الرابع: أن المصدر اسم، وهو يستغني عن الفعل، والفعل لا بد له من ~~الاسم، وما يكون مفتقرا إلى غيره، ولا يقوم بنفسه، أولى بأن يكون فرعا مما ~~لا يكون مفتقرا إلى غيره. # والوجه الخامس: أن المصدر لو كان مشتقا من الفعل؛ لوجب أن يدل على ما في ~~الفعل من الحدث والزمان ومعنى ثالث، كما دلت أسماء الفاعلين PageV01P137 # والمفعولين على الحدث، وعلى ذات الفاعل، والمفعول به، فلما لم يكن المصدر ~~كذلك؛ دل على أنه ليس مشتقا من الفعل. # والوجه السادس: أن المصدر لو كان مشتقا من الفعل؛ لوجب أن يجري على سنن ~~واحد، ولم يختلف، كما لم تختلف أسماء الفاعلين والمفعولين؛ فلما اختلف ~~المصدر اختلاف سائر الأجناس؛ دل على أن الفعل مشتق منه. # والوجه السابع: أن الفعل يتضمن المصدر، والمصدر لا يتضمن الفعل، ألا ترى ~~أن "ضرب" يدل على ما يدل عليه "الضرب"؛ و"الضرب" لا يدل على ما يدل عليه ~~"ضرب"1 وإذا كان كذلك؛ دل على أن المصدر أصل، والفعل فرع /عليه/2، وصار هذا ~~كما نقول في الأواني المصوغة من الفضة؛ فإنها فرع عليها، ومأخوذة منها؛ ~~وفيها زيادة ليست في الفضة، فدل على أن الفعل مأخوذ من المصدر، كما كانت ~~الأواني مأخوذة من الفضة. # [أدلة الكوفيين في كون المصدر مأخوذ من الفعل] # وأما الكوفيون فذهبوا إلى أن المصدر مأخوذ من الفعل، واستدلوا على ذلك من ~~ثلاثة أوجه: # / الوجه ms078 /3 الأول: أن المصدر يعتل لاعتلال4 الفعل، ويصح لصحته؛ تقول: ~~"قمت قياما" فيعتل المصدر لاعتلال الفعل، وتقول: "قاوم قواما" فيصح المصدر ~~لصحة الفعل؛ فدل على أنه فرع عليه. # والوجه الثاني: أن الفعل يعمل في المصدر، ولا شك أن رتبة العامل قبل رتبة ~~المعمول. # والوجه الثالث: أن المصدر يذكر توكيدا للفعل، ولا شك أن رتبة المؤكد قبل ~~رتبة المؤكد؛ فدل على أن المصدر مأخوذ من الفعل. # [تفنيد مزاعم الكوفيين] # والصحيح: ما ذهب إليه البصريون، وأما5 ما استدل به الكوفيون ففاسد. أما ~~قولهم: إنه يصح لصحة الفعل، ويعتل لاعتلاله؛ فنقول: إنما صح لصحته، واعتل ~~لاعتلاله، طلبا للتشاكل؛ ليجري الباب على سنن واحد؛ PageV01P138 # لئلا تختلف طرق تصاريف الكلمة، وهذا لا يدل على الأصل والفرع، ألا ترى ~~أنهم قالوا: "يعد" والأصل /فيه/1: "يوعد" فحذفوا الواو؛ لوقوعها بين ياء ~~وكسرة، وقالوا: "أعد، ونعد، وتعد" فحذفوا الواو -وإن لم تقع بين ياء وكسرة ~~حملا على "يعد" لئلا تختلف طرق تصاريف الكلمة، وكذلك قالوا: "أكرم" والأصل ~~فيه "أأكرم" إلا أنهم حذفوا إحدى الهمزتين استثقالا لاجتماعهما، ثم قالو: ~~"يكرم، وتكرم، ونكرم" فحذفوا الهمزة، وإن لم تجتمع2 همزتان حملا على "أكرم" ~~ليجري الباب على سنن واحد؟ فكذلك3 ههنا. وأما قولهم: إن الفعل يعمل في ~~المصدر، فنقول: هذا لا يدل على أنه أصل له، فإناأجمعنا على أن الحروف تعمل ~~في الأسماء، والأفعال، ولا شك أن الحروف ليست أصلا للأسماء، والأفعال؛ ~~فكذلك ههنا. وأما قولهم: إن المصدر يذكر تأكيدا للفعل، فنقول: هذا لا يدل ~~على أنه فرع عليه، ألا ترى أنك تقول: "جاءني زيد /زيد/4، ورأيت زيدا زيدا" ~~ولا يدل هذا على أن زيدا الثاني فرع على الأول؛ فكذلك ههنا، وقد بينا هذا ~~مستوفى في المسائل الخلافية5. # [علة انتصاب أفعل المضاف إلى المصدر] # فإن قيل: فلم6 كان قولهم: "سرت أشد السير" منصوبا على المصدر؟ قيل: لأن ~~"أفعل" لا يضاف إلا إلى ما هو بعض له، وقد أضيف إلى المصدر الذي هو السير، ~~فلما أضيف إلى المصدر، كان مصدرا؛ فانتصب انتصاب المصادر ms079 كلها. # [انتصاب المصدر القرفصاء ونحوه] # فإن قيل: فعلى ماذا ينتصب قولهم: "قعد القرفصاء" ونحوه؟ قيل: ينتصب على ~~المصدر بالفعل الذي /هو/7 قبله؛ لأن القرفصاء لما كانت نوعا من القعود، ~~والفعل الذي هو "قعد" يتعدى إلى جنس القعود الذي يشتمل على القرفصاء؛ ~~وغيرها؛ تعدى إلى القرفصاء الذي هو8 نوع منه؛ لأنه إذا عمل في PageV01P139 # الجنس، عمل في النوع، إذا كان داخلا تحته؛ هذا مذهب سيبويه، وذهب أبو بكر ~~بن السراج إلى أنه صفة لمصدر /موصوف/1 محذوف؛ والتقدير فيه: "قعد القعدة ~~القرفصاء" إلا أنه حذف الموصوف، وأقام الصفة مقامه؛ والذي عليه الأكثرون ~~مذهب سيبويه؛ لأنه لا يفتقر إلى تقدير موصوف، (وما ذهب إليه ابن السراج ~~يفتقر إلى تقدير موصوف) 2، وما لا يفتقر إلى تقدير /موصوف/3 أولى مما يفتقر ~~إلى تقدير /موصوف/3، فاعرفه تصب، إن شاء الله تعالى. PageV01P140 ### | الباب الرابع والعشرون: باب المفعول فيه # [تعريف المفعول فيه] # إن قال قائل: ما المفعول فيه؟ قيل: هو الظرف، وهو كل اسم من أسماء ~~المكان، أو الزمان، يراد فيه معنى "في" /و/1 ذلك نحو: "صمت اليوم، وقمت ~~الليلة، وجلست مكانك" والتقدير فيه: "صمت في اليوم، وقمت في الليلة، وجلست ~~في مكانك" وما أشبه ذلك. # [علة تسمية المفعول فيه ظرفا] # فإن قيل: فلم سمي ظرفا؟ قيل: لأنه لما كان محلا للأفعال، سمي ظرفا، ~~تشبيها بالأواني التي تحل الأشياء فيها؛ ولهذا، سمى الكوفيون الظروف ~~"محال"؛ لحلول الأشياء2 فيها. # [علة عدم بناء الظروف] # فإن قيل: فلم 3 لم يبنوا الظروف لتضمنها معنى الحرف؟ قيل: لأن الظروف وإن ~~نابت عن الحرف، إلا أنها لم تتضمن معناه، والذي يدل على ذلك، أنه يجوز ~~إظهاره مع لفظها، ولو كانت متضمنة للحرف، لم يجز إظهاره، ألا ترى أن "متى، ~~وأين، وكيف" لما تضمنت معنى همزة الاستفهام؛ لم يجز إظهار الهمزة معها؟ ~~فلما جاز إظهاره ههنا؛ دل على أنها لم تتضمن معناه، وإذا لم تتضمن معناه؛ ~~وجب أن تكون معربة على أصلها. # [علة تعدي الفعل اللازم إلى جميع ظروف الزمان دون المكان] # فإن قيل: ms080 فلم تعدى الفعل اللازم إلى جميع ظروف الزمان، ولم يتعد إلى ~~PageV01P141 # جميع ظروف المكان؟ قيل: لأن الفعل يدل على جميع ظروف الزمان بصيغته، كما ~~يدل على/ جميع/ 1 ضروب المصادر، وكما أن الفعل يتعدى إلى جميع ضروب ~~المصادر، فكذلك يتعدى إلى جميع ظروف الزمان، وأما ظروف المكان، فلم يدل ~~عليها الفعل بصيغته، ألا ترى أنك إذا قلت: ضرب، أو سيضرب، لم يدل على مكان ~~دون مكان، كما يكون فيه2 دلالة على زمان دون زمان، فلما لم يدل الفعل على ~~ظروف المكان بصيغته؛ صار الفعل اللازم منه بمنزلته من زيد وعمرو، وكما أن ~~الفعل اللازم، لا يتعدى بنفسه إلى زيد وعمرو، فكذلك لا يتعدى إلى ظروف 3 ~~المكان. # [علة تعدي اللازم إلى الجهات الست ونحوها] # فإن قيل: فلم تعدي إلى الجهات الست، ونحوها من ظروف المكان؟ قيل: لأنها ~~أشبهت ظروف الزمان من وجهين: # أحدهما: أنها مبهمة غير محدودة، وكان هذا اللفظ مشتملا على جميع ما يقابل ~~ظهره 4 إلى أن تنقطع الأرض؟ (كما أنك إذا قلت: "أمام زيد" كان أيضا غير ~~محدود، وكان هذا اللفظ مشتملا على جميع ما يقابل وجهه إلى أن تنقطع الأرض) ~~5، كما أنك إذا قلت: "قام" دل على كل زمان ماض من أول ما خلق الله الدنيا ~~إلى وقت حديثك، وإذا 6 قلت: "يقوم" دل على كل زمان مستقبل. # والوجه الثاني: أن هذه الظروف لا تتقدر على وجه واحد، لأن فوقا يصير ~~تحتا، وتحتا يصير فوقا، كما أن الزمان المستقبل يصير حاضرا، الحاضر يصير ~~ماضيا، فلما أشبهت ظروف الزمان، تعدي الفعل إليها، كما يتعدى إلى ظروف ~~الزمان. # [حذف حرف الجر اتساعا] # فإن قيل: فكيف قالوا: "زيد مني معقد الإزار، ومقعد القابلة، ومناط ~~الثريا، وهما خطان جانبي أنفها" يعني الخطين اللذين يكتنفان أنف الظبية، ~~وهي PageV01P142 # كلها مخطوطة 1؟ قيل: الأصل فيها كلها أن تستعمل بحرف الجر، إلا أنهم ~~حذفوا حرف الجر في هذه المواضع اتساعا؛ كقول الشاعر2: [الكامل] # فلأبغينكم قنا وعوارضا ... ولأقبلن الخيل لابة ضرغد3 # وقال الآخر4: [الكامل] # لدن ms081 بهز الكف يعسل متنه ... فيه كما عسل الطريق الثعلب5 # أراد في الطريق، ومن حقها أن تحفظ 6، ولا يقاس عليها. فأما قولهم: دخلت ~~البيت؛ فذهب أبو عمر الجرمي7 إلى أن "دخلت": فعل متعد تعدى إلى البيت، ~~فنصبه؛ كقولك: "بنيت البيت" وما أشبه ذلك. وذهب الأكثرون إلى أن "دخلت": ~~فعل لازم/ وقد/ 8 كان الأصل فيه أن يستعمل مع حرف الجر، PageV01P143 # (إلا أنه حذف حرف الجر) 1 اتساعا على ما بينا؛ وهذا هو الصحيح، والذي يدل ~~على أن "دخلت" فعل لازم من وجهين: # أحدهما: أن مصدره/ يجيء/ 2 على "فعول" وهو من مصادر الأفعال اللازمة، ~~كقعد قعودا، وجلس جلوسا، وأشباه ذلك. # والثاني: /أن/3 نظيره فعل لازم، وهو "غرت" ونقيضه فعل لازم، وهو "خرجت" ~~فيقتضي أن يكون لازما (حملا على نظيره) 4، ونقيضه؛ فاعرفه تصب، إن شاء الله ~~تعالى. PageV01P144 ### | الباب الخامس والعشرون: باب المفعول معه # [عامل النصب في المفعول معه وخلافهم في ذلك] # إن قال قائل: ما العامل للنصب1 في المفعول معه؟ قيل: اختلف النحويون في ~~ذلك؛ فذهب البصريون إلى أن العامل فيه هو الفعل، وذلك؛ لأن الأصل في/ نحو/2 ~~قولهم: "استوى الماء والخشبة" أي: مع الخشبة، إلا أنهم أقاموا الواو مقام ~~"مع" توسعا في كلامهم؛ فقوي الفعل بالواو، فتعدى إلى الاسم3 فنصبه، كما قوي ~~بالهمزة في قولك: "أخرجت4 زيدا"، ونظير هذا نصبهم الاسم في باب الاستثناء ~~بالفعل المتقدم بتقوية "إلا" نحو: "قام القوم إلا زيدا" فكذلك -ههنا- ~~المفعول معه منصوب بالفعل المتقدم بتقوية الواو. وذهب الكوفيون إلى أن ~~المفعول معه منصوب على الخلاف، وذلك؛ لأنه إذا قال استوى الماء والخشبة لا ~~يحسن تكرار5 الفعل، فيقال: "استوى الماء، واستوت الخشبة"؛ لأن الخشبة لم ~~تكن معوجة حتى تستوى6، فلما لم يحسن تكرير الفعل، كما يحسن في "جاء زيد ~~وعمرو" فقد خالف الثاني الأول، فانتصب على الخلاف. وذهب أبو إسحاق الزجاج ~~إلى أنه منصوب بعامل مقدر؛ والتقدير فيه: "استوى الماء، ولابس الخشبة"؛ ~~وزعم أن الفعل لا يعمل في المفعول، وبينهما الواو. والصحيح: هو الأول؛ وأما ~~قول الكوفيين: ms082 إنه منصوب على الخلاف؛ لأنه لا يحسن تكرير الفعل؛ فقلنا 7: ~~هذا هو الموجب؛ لكون الواو غير عاملة، وأن الفعل هو العامل بتقويتها لا ~~بنفس المخالفة، ولو جاز أن يقال مثل ذلك؛ لجاز أن PageV01P145 # يقال: إن "زيدا" في قولك: "ضربت زيدا" منصوب؛ لكونه مفعولا لا بالفعل، ~~وذلك محال؛ لأن كونه مفعولا..1 يوجب أن يكون: "ضربت" هو العامل فيه النصب، ~~فكذلك ههنا. وأما قول الزجاج2: إنه3 ينتصب بتقدير عامل؛ لأن الفعل لا يعمل ~~في المفعول وبينهما الواو، فليس بصحيح أيضا؛ لأن الفعل يعمل في المفعول على ~~الوجه الذي يتصل به المفعول، فإن كان الفعل لا يفتقر إلى تقوية تعدى إلى ~~المفعول بنفسه، وإن كان يفتقر إلى تقوية بحرف الجر، أو غيره، عمل بتوسطه، ~~ألا ترى أنك تقول: "أكرمت زيدا وعمرا" فتنصب "عمرا" ب "أكرمت" كما تنصب ~~"زيدا" به، فلم تمنع 4 الواو من وقوع "أكرمت" على ما بعدها، فكذلك ههنا. # [علة حذف مع وإقامة الواو مقامها] # فإن قيل: لم حذفت "مع" وأقيمت "الواو" مقامها. قيل: حذفت "مع" وأقيمت ~~"الواو" مقامها، توسعا في كلامهم، /و/5 طلبا للتخفيف والاختصار. # [علة كون الواو أولى من غيرها من الحروف في النيابة] # فإن قيل: فلم كانت "الواو" أولى من غيرها /من الحروف/6؟ قيل: إنما كانت ~~/الواو/7 أولى من غيرها؛ لأن "الواو" في معنى "مع" ولأن معنى "مع" ~~المصاحبة، ومعنى "الواو" الجمع، فلما كانت في معنى "مع" كانت أولى من ~~غيرها. # [علة عدم تقدم المنصوب على الناصب في المفعول معه] # فإن قيل: فهل يجوز تقديم المنصوب -ههنا- على الناصب؟ قيل: لا يجوز ذلك؛ ~~لأن حكم "الواو" ألا تتقدم على ما قبلها، وهذا الباب من النحويين/من/8 يجري ~~فيه القياس، ومنهم من يقصره على السماع، والأكثرون على القول الأول؛ فاعرفه ~~تصب، إن شاء الله تعالى. PageV01P146 ### | الباب السادس والعشرون: باب المفعول له # [عامل النصب في المفعول له] # إن قال قائل: ما العامل في المفعول له النصب؟ قيل: العامل في المفعول له، ~~الفعل الذي قبله؛ نحو: "جئتك طمعا في برك، وقصدتك ابتغاء1 معروفك" ms083 وكان ~~الأصل فيه: "جئتك للطمع 2 في برك، وقصدتك للابتغاء في معروفك"3، إلا أنه ~~حذف اللام، فاتصل الفعل به، فنصبه. # [علة تعدي الفعل اللازم إلى المفعول له] # فإن قيل: فلم تعدى إليه الفعل اللازم كالمتعدي؟ قيل: لأن العاقل لما كان ~~لا يفعل شيئا إلا لعلة؛ وهي4 علة للفعل، وعذر لوقوعه؛ كان في الفعل دلالة ~~عليه، فلما كان/ فيه/5 دلالة عليه؛ تعدى إليه. # [جواز كون المفعول له معرفة أو نكرة] # فإن قيل: فهل يجوز أن يكون معرفة ونكرة؟ قيل: نعم، يجوز أن يكون معرفة ~~ونكرة؛ والدليل على ذلك، قوله تعالى: {ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء ~~مرضات الله وتثبيتا من أنفسهم} 6، ف "ابتغاء مرضاة الله" معرفة بالإضافة، ~~و"تثبيتا" نكرة؛ قال الشاعر7: [الطويل] # وأغفر عوراء الكريم ادخاره ... وأعرض عن شتم اللئيم تكرما8 PageV01P147 # "فادخاره" معرفة بالإضافة، و"تكرما" نكرة؛ وقال الآخر1: [الرجز] # يركب كل عاقر جمهور # مخافة وزعل المحبور2 # والهول من تهول الهبور3 # وذهب أبو عمر الجرمي إلى أنه لا يجوز أن يكون إلا نكرة، وتقدر بالإضافة4 ~~في هذه المواضع في نية الانفصال، فلا يكتسب التعريف من المضاف إليه؛ ~~كقولهم: "مررت برجل ضارب زيدا غدا"، قال الله تعالى: {هذا عارض ممطرنا} 5 ~~وقال الشاعر6: [الكامل] # سل الهموم بكل معطي رأسه ... ناج مخالط صهبة متعيس7 # والذي عليه الجمهور، والمذهب المشهور هو الأول، والذي ادعاه PageV01P148 # الجرمي من كون الإضافة في نية الانفصال، يفتقر إلى دليل، ثم لو صح هذا في ~~الإضافة، فكيف يصح له مع لام التعريف في قول الشاعر1: [الرجز] # "والهول من تهول الهبور"، وأشباهه؟ # فإن قيل: فهل يجوز تقديم المنصوب -ههنا- على الناصب؟ قيل: /نعم/2، يجوز ~~ذلك؛ لأن العامل فيه يتصرف، ولم يوجد ما يمنع من جواز تقديمه، كما وجد في ~~المفعول معه، فكان جائزا على الأصل؛ وهذا الباب إنما يترجمه3 البصريون، ~~وأما الكوفيون فلا يترجمونه، ويجعلونه من باب المصدر، فلا يفردون له بابا؛ ~~فاعرفه تصب، إن شاء الله تعالى. PageV01P149 ### | الباب السابع والعشرون: باب الحال # [تعريف الحال] # إن قال قائل: ما الحال؟ قيل: هيئة الفاعل/أ/1 والمفعول، ms084 ألا ترى أنك إذا ~~قلت: "جائني زيد راكبا" كان الركوب هيئة زيد عند وقوع المجيء منه، وإذا ~~قلت: "ضربته مشدودا"؛ كان الشد هيئته عند وقوع الضرب له. # [مجيء الحال من الفاعل والمفعول معا بلفظ واحد] # فإن قيل: فهل تقع الحال من الفاعل والمفعول معا بلفظ واحد؟ قيل يجوز ذلك؛ ~~والدليل عليه قول الشاعر2: # تعلقت ليلي وهي ذات مؤصد؟ ... ولم يبد للأتراب من ثديها حجم # صغيرين نرعي البهم يا ليت أننا ... إلى اليوم لم نكبر ولم تكبر البهم3 # فنصب "صغيرين" على الحال من التاء في "تعلقت" وهي فاعله، ومن "ليلى" وهي ~~مفعوله؛ وقال الآخر4: # متى ما تلقني فردين ترجف ... روانف أليتيك وتستطارا5 PageV01P150 # فنصب "فردين" على الحال من ضمير الفاعل والمفعول في تلقني؛ وهذا كثير في ~~كلامهم. # [عامل النصب في الحال] # فإن قيل: فما العامل في الحال النصب؟ قيل: ما قبلها من العامل، وهو1 على ~~ضربين؛ فعل، ومعنى فعل؛ فإن كان فعلا؛ نحو: "جاء زيد راكبا"؛ جاز أن يتقدم ~~الحال/ عليه/2 نحو: "راكبا جاء زيد"؛ لأن العامل/فيه/3 لما كان متصرفا، ~~تصرف عمله، فجاز تقديم معموله عليه؛ وإن كان العامل فيه معنى فعل نحو: "هذا ~~زيد قائما" لم يجز تقديم الحال عليه، فلو قلت: "قائما هذا زيد" لم يجز؛ لأن ~~معنى الفعل لا يتصرف تصرفه؛ فلم يجز تقديم معموله عليه. وذهب الفراء إلى ~~أنه لا يجوز تقديم الحال على العامل/ في الحال/4؛ سواء كان العامل فيه ~~فعلا، أو معنى فعل، وذلك؛ لأنه يؤدي إلى أن يتقدم المضمر على المظهر، فإنه ~~إذا قال: "راكبا جاء زيد" ففي "راكب" ضمير "زيد"، وقد تقدم عليه، وتقديم ~~المضمر على المظهر لا يجوز؛ وهذا ليس بشيء؛ لأن "راكبا" وإن كان مقدما في ~~اللفظ، إلا أنه مؤخر في المعنى في5 التقدير، وإذا كان مؤخرا في التقدير؛ ~~جاز في التقديم، قال الله تعالى: {فأوجس في نفسه خيفة موسى} 6 فالهاء في ~~"نفسه" عائدة إلى "موسى" إلا أنه لما كان في تقدير التقديم، والهاء: في ~~تقدير التأخير؛ جاز التقديم، وهذا كثير ms085 في كلامهم؛ فكذلك ههنا. # [علة عمل الفعل اللازم في الحال] # فإن قيل: فلم عمل الفعل اللازم في الحال؟ قيل: لأن الفاعل لما كان لا ~~يفعل الفعل إلا في حالة، كان في الفعل دلالة على الحال، فتعدى إليها، كما ~~تعدى إلى ظرف الزمان لما كان في الفعل دلالة عليه. PageV01P151 # فإن قيل: فلم1 وجب أن يكون2 الحال نكرة؟ قيل: لأن الحال جرى3 مجرى الصفة ~~للفعل، ولهذا سماها سيبويه: نعتا للفعل، والمراد بالفعل: المصدر الذي يدل ~~الفعل عليه، وإن لم تذكره4، ألا ترى أن "جاء" يدل على "مجيء" وإذا قلت: ~~"جاء راكبا" دل على "مجيء" موصوف بركوب، فإذا كان الحال يجري مجرى الصفة ~~للفعل -وهو نكرة- فكذلك وصفة يجب أن يكون نكرة، وأما قولهم: "أرسلها ~~العراك5، وطلبته جهدك وطاقتك، ورجع عوده على بدئه"6 فهي مصادر، أقيمت مقام ~~الحال؛ لأن التقدير "أرسلها تعترك7، وطلبته تجتهد" و"تعترك" و"تجتهد" جملة ~~من الفعل والفاعل في موضع الحال، كأنك قلت: "أرسلها معتركة، وطلبته مجتهدا" ~~إلا أنه أضمر، وجعل المصدر دليلا عليه، وهذا كثير في كلامهم. وذهب بعض ~~النحويين إلى أن قولهم: "رجع عوده على بدئه" منصوب؛ لأنه مفعول "رجع" لأنه ~~يكون متعديا، كما يكون لازما؛ قال الله تعالى: {فإن رجعك الله إلى طائفة ~~منهم} 8 فأعمل "رجع" في الكاف التي للخطاب، فقال: رجعك/ الله/9؛ فدل على ~~أنه يكون متعديا. ومما يدل على أن الحال لا يجوز أن يكون معرفة أنها لا ~~يجوز أن تقوم مقام الفاعل في ما لم يسم فاعله؛ لأن الفاعل قد يضمر، فيكون ~~معرفة، فلو جاز أن يكون الحال معرفة؛ لما امتنع ذلك، كما لم يمتنع في ظرف ~~الزمان والمكان، والجار والمجرور، والمصدر على ما بينا؛ فافهمه تصب، إن شاء ~~الله تعالى. PageV01P152 ### | الباب الثامن والعشرون: باب التمييز # [تعريف التمييز] # إن قال قائل: ما التمييز؟ قيل: تبيين النكرة المفسرة للمبهم. # [عامل النصب في التمييز] # فإن قيل: فما العامل فيه النصب؟ قيل: فعل، وغير فعل، فأما ما كان العامل ~~فيه فعلا؛ فنحو: "تصبب زيد عرقا، وتفقأ الكبش شحما" ms086 فعرقا وشحما، كل واحد ~~منهما انتصب1 بالفعل الذي قبله. # [خلافهم في تقديم هذا النوع على العامل فيه] # فإن قيل: فهل يجوز تقديم هذا النوع على العامل فيه؟ قيل: اختلف النحويون ~~في ذلك؛ فذهب سيبويه إلى أنه لا يجوز تقديم هذا النوع على عامله وذلك؛ لأن ~~المنصوب -ههنا- هو الفاعل في المعنى، ألا ترى أنك إذا قلت: "تصبب زيد عرقا" ~~كان الفعل للعرق في المعنى لا لزيد؟ فلما كان هو الفاعل في المعنى؛ لم يجز ~~تقديمه، كما لو كان فاعلا لفظا؛ وذهب أبو عثمان المازني وأبو العباس المبرد ~~ومن وافقهما2، إلى أنه يجوز تقديمه على العامل فيه، واستدلوا على ذلك بقول ~~الشاعر3: [الطويل] # أتهجر سلمى بالفراق حبيبها ... وما كاد نفسا بالفراق تطيب PageV01P153 # ولأن هذا العامل فعل متصرف؛ فجاز تقديم معموله عليه، كما جاز تقديم الحال ~~على العامل فيها؛ نحو: "راكبا جاء زيد"؛ لأنه/من/1 فعل متصرف، فكذلك ههنا. ~~والصحيح: ما ذهب إليه سيبويه، وأما ما استدل به المازني والمبرد من البيت؛ ~~فإن الرواية الصحيحة فيه: # وما كاد2 نفسي بالفراق تطيب # وذلك لا حجة/ لهم/3 فيه، ولئن صحت تلك الرواية؛ فنقول: نصب "نفسا" بفعل ~~مقدر، كأنه قال: "أعني نفسا". وأما قولهم: إنه فعل متصرف، فجاز تقديم ~~معموله عليه، كالحال؛ قلنا: هذا العامل -وإن كان فعلا متصرفا- إلا أن هذا ~~المنصوب هو الفاعل في المعنى، فلا يجوز تقديمه على ما بينا، وأما تقديم ~~الحال على العامل فيها، فإنما جاز ذلك؛ لأنك إذا قلت: "جاء زيد راكبا" كان ~~"زيد" هو الفاعل لفظا ومعنى، وإذا استوفى الفعل فاعله تنزل4 "راكبا" منزلة ~~المفعول المحض، فجاز تقديمه كالمفعول؛ نحو: "عمرا ضرب زيد" بخلاف التمييز، ~~فإنك إذا قلت: "تصبب زيد عرقا" لم يكن "زيد" هو الفاعل في المعنى، وكان ~~الفاعل في المعنى هو "العرق" فلم يكن "عرقا" في حكم المفعول من هذا الوجه؛ ~~لأن الفعل قد استوفى فاعله لفظا لا معنى، فلم يجز تقديمه، كما لا يجوز ~~تقديم الفاعل. # [ما كان العامل فيه غير فعل] # وأما ما كان العامل فيه غير ms087 فعل؛ فنحو: "عندي عشرون رجلا، وخمسة عشر ~~درهما" وما أشبه ذلك، فالعامل فيه هو العدد؛ لأنه مشبه بالصفة المشبهة باسم ~~الفاعل؛ نحو: "حسن وشديد" وما أشبه ذلك، ووجه المشابهة بينهما أن العدد ~~يوصف به، كما يوصف بالصفة المشبهة باسم الفاعل، وإذا5 كان في العدد نون ~~نحو: "عشرون" أو تنوين مقدر؛ نحو: "خمسة عشر" صار النون والتنوين مانعين من ~~الإضافة؛ كالفاعل الذي يمنع المفعول من الرفع، فصار التمييز فضلة كالمفعول، ~~وكذلك6 حكم ما كان منصوبا على التمييز في ما كان PageV01P154 # قبله حائل؛ نحو: "لي مثله غلاما، ولله دره رجلا" فإن الهاء منعت الاسم ~~بعدها أن ينجر بإضافة ما قبلها إليه، كالفاعل الذي يمنع المفعول من الرفع، ~~فنصب على التمييز لما ذكرناه. # [علة كون التمييز نكرة] # فإن قيل: فلم وجب أن يكون التمييز نكرة؟ قيل: لأنه يبين ما قبله، كما أن ~~الحال يبين ما قبله، ولما1 أشبه الحال، وجب أن يكون نكرة، كما أن الحال ~~نكرة؛ فأما قول الشاعر2: [الخفيف] # ولقد أغتدي وما صقع الدي ... ك على أدهم أجش الصهيلا3 # وقال الآخر4: [الوافر] # [ونأخذ بعده بذناب عيش] ... أجب الظهر ليس له سنام 5 # فبنصب "الصهيل، والظهر" والصحيح: أنه منصوب على التشبيه بالمفعول، ~~كالضارب الرجل؛ فاعرفه تصب، إن شاء الله تعالى. PageV01P155 ### | الباب التاسع والعشرون: باب الاستثناء # [معنى الاستثناء] # إن قال قائل: ما الاستثناء؟ قيل: إخراج بعض من كل بمعنى إلا نحو: جاءني ~~القوم إلا زيدا. # [العامل في المستثنى الموجب النصب] # فإن قيل: فما العامل في المستثنى من الموجب النصب؟ قيل: اختلف النحويون ~~في ذلك؛ فذهب البصريون إلى أن العامل هو الفعل بتوسط "إلا"، وذلك؛ لأن هذا ~~الفعل، وإن كان لازما في الأصل، إلا أنه قوي ب "إلا" فتعدى إلى المستثنى، ~~كما تعدى الفعل بالحروف المعدية؛ ونظيره نصبهم الاسم في باب المفعول معه؛ ~~نحو: "استوى الماء والخشبة" فإن الاسم منصوب بالفعل المتقدم بتقوية الواو؛ ~~فكذلك ههنا. وذهب بعض النحويين إلى أن العامل هو "إلا" بمعنى "استثني" وهو ~~قول الزجاج من البصريين. وذهب الفراء من ms088 الكوفيين إلى أن "إلا" مركبة من ~~"إن ولا" ثم خففت "إن" وأدغمت في "لا" فهي تنصب في الإيجاب اعتبارا ب "إن" ~~وترفع في النفي اعتبارا ب "لا"؛ والصحيح: ما ذهب إليه البصريون1، وأما قول ~~بعض النحويين والزجاج: إن العامل هو "إلا" بمعنى "أستثني"، ففاسد من خمسة ~~أوجه: # الوجه الأول: أنه لو كان الأمر كما زعموا؛ لوجب ألا يجوز في المستثنى إلا ~~النصب، ولا خلاف في جواز الرفع والجر في النفي على البدل في قولك2: "ما ~~جاءني أحد إلا زيد، وما مررت بأحد إلا زيد". # والوجه الثاني: أن هذا يؤدي إلى إعمال معاني الحروف، وإعمال معاني ~~PageV01P156 # الحروف لا يجوز، ألا ترى أنك تقول: "ما زيد قائما"، ولو قلت: "ما زيد/ ~~إلا/1 قائما" بمعنى2: "نفيت زيدا قائما" لم يجز ذلك؛ فكذلك ههنا. # والوجه الثالث: أنه يبطل بقولهم: "قام القوم غير زيد" فإن "غير" منصوب، ~~فلا يخلو إما أن يكون منصوبا بتقدير "إلا"، وإما أن يكون منصوبا بنفسه، ~~وإما أن يكون منصوبا بالفعل الذي قبله؛ بطل أن يقال إنه منصوب بتقدير "إلا" ~~لأنا لو قدرنا "إلا" لفسد المعنى؛ لأنه يصير التقدير فيه: "قام القوم إلا ~~غير زيد" وهذا فاسد؛ وبطل/أيضا/3 أن يقال: إنه يعمل في نفسه؛ لأن الشيء لا ~~يعمل في نفسه؛ فوجب أن يكون العامل/ فيه4 هو الفعل المتقدم، وإنما جاز أن ~~يعمل فيه، وإن كان لازما؛ لأن "غير" موضوعة على الإبهام /المفرط/5، ألا ترى ~~أنك تقول: "مررت برجل غيرك"، فيكون كل من عدا المخاطب داخلا تحت "غير"؟ ~~فلما كان فيه هذا الإبهام المفرط، أشبه الظروف المبهمة؛ نحو: "خلف، وأمام، ~~ووراء، وقدام" وما أشبه ذلك؛ وكما أن الفعل يتعدى إلى هذه الظروف من غير ~~واسطة، فكذلك ههنا. # والوجه الرابع: أنا نقول: لماذا قدرتم "أستثني زيدا"، وهلا قدرتم "امتنع ~~زيد" كما حكي عن أبي على الفارسي أنه كان مع عضد الدولة في الميدان، فسأله ~~عضد الدولة عن المستثنى بماذا انتصب 6؟ فقال أبو علي الفارسي7:/ينتصب/8 لأن ~~التقدير: "أستثني زيدا" فقال /له/9 عضد الدولة، وهلا ms089 قدرت: امتنع/زيد/ 10 ~~فرفعته؟ فقال له أبو علي: هذا الجواب الذي ذكرته لك / جواب/ 11 ميداني، ~~وإذا رجعنا، ذكرت لك الجواب الصحيح، إن شاء الله تعالى. # والوجه الخامس: أنا إذا أعملنا معنى "إلا" كان الكلام جملتين، وإذا ~~PageV01P157 # أعملنا الفعل بتقوية "إلا" كان الكلام جملة واحدة، والكلام متى كان جملة ~~واحدة، كان أولى من تقدير جملتين. # وأما قول الفراء /إن/1 "إلا" مركبة من "إن ولا" فدعوى تفتقر إلى دليل، ~~ولو قدرنا ذلك، فنقول: الحرف إذا ركب مع حرف آخر تغير عما كان عليه في ~~الأصل قبل التركيب، ألا ترى أن "لو" حرف يمتنع به 2 الشيء؛ لامتناع غيره، ~~فإذا ركب3 مع "ما" تغير ذلك المعنى، وصارت بمعنى "هلا"؛ وكذلك -أيضا- إذا ~~ركبت مع "لا"؛ كقوله4: "لولا الكمي المقنعا"5، وما أشبه ذلك؛ فكذلك ههنا. # [ارتفاع المستثنى في النفي] # فإن قيل: فبماذا يرتفع. المستثنى في النفي؟ قيل: يرتفع على البدل، ويجوز ~~النصب على أصل الباب. # فإن قيل: فلم كان البدل أولى؟ قيل: لوجهين: # أحدهما: الموافقة للفظ، فإنه إذا كان المعنى واحدا /فكون/6 اللفظ موافقا ~~أولى؛ لأن اختلاف اللفظ يشعر باختلاف المعنى، وإذا اتفقا، كان موافقة اللفظ ~~أولى. # والوجه الثاني: أن البدل يجري في تعلق العامل به كمجراه لو ولي العامل، ~~والنصب في الاستثناء على التشبيه بالمفعول، فلما كان البدل أقوى في حكم ~~العامل، كان الرفع أولى من النصب على ما بينا. PageV01P158 # [علة جواز البدل في المستثنى المنفي] # فإن قيل: فلم جاز البدل في النفي، ولم يجز في الإيجاب؟ قيل: لأن البدل في ~~الإيجاب يؤدي إلى محال، وذلك لأن المبدل منه يجوز أن يقدر كأنه ليس في ~~الكلام، فإذا قدرنا هذا في الإيجاب، صار محالا؛ لأنه يصير التقدير: "جاءني ~~إلا زيد" وصار1 المعنى: إن جميع الناس جاؤوني غير زيد، وهذا لا يستحيل في ~~النفي، كما يستحيل في الإيجاب؛ لأنه يجوز ألا يجيئه أحد سوى زيد، فبان ~~الفرق بينهما؛ فاعرفه تصب، إن شاء الله تعالى. PageV01P159 ### | الباب الثلاثون: باب ما يجر به في الاستثناء # [علة إعراب "غير" ms090 إعراب الاسم بعد إلا] # إن قال قائل: لم أعربت "غير" إعراب الاسم الواقع بعد "إلا" دون "سوى ~~وسواء"؟ # قيل: لأن "غير" لما أقيمت -ههنا- مقام "إلا" وكان مابعدها مجرورا ~~بالإضافة، ولا بد لها في نفسها من إعراب، أعربت إعراب الاسم الواقع بعد ~~"إلا" ليدل بذلك على ما كان يستحق الاسم الذي بعد "إلا" من الإعراب، ويبقى ~~حكم الاستثناء، وأما "سوى، وسواء" فلزمهما النصب؛ لأنهما لا يكونان (إلا ~~ظرفين، فلم يجز نقل الإعراب إليهما، كما جاز في "غير" لأن ذلك يؤدي إلى ~~تمكنهما، وهما لا يكونان متمكنين) 1 فلذلك، لم يجز أن يعربا إعراب الاسم ~~الواقع بعد "إلا" وأما "حاشا" فاختلف النحويون فيها2؛ فذهب سيبويه ومن ~~تابعه من البصريين إلى أنه حرف جر، وليس بفعل، والدليل على ذلك: أنه لو كان ~~فعلا؛ لجاز أن تدخل3 عليه "ما" كما /يجوز أن/4 تدخل على الأفعال؛ فيقال: ~~"ما حاشا زيدا" كما يقال: "ما خلا زيدا" فلما لم يقل، دل على أنه ليس بفعل، ~~فوجب أن يكون حرفا. وذهب الكوفيون: إلى أنه فعل، ووافقهم أبو العباس المبرد ~~من البصريين، واستدلوا على ذلك من ثلاثة أوجه: # الوجه الأول: أنه يتصرف، والتصرف من خصائص الأفعال؛ قال النابغة5: ~~[البسيط] # ولا أرى فاعلا في الناس يشبهه ... وما أحاشي من الأقوام من أحد6 ~~PageV01P160 # فإذا ثبت أن يكون متصرفا؛ وجب أن يكون فعلا. # والوجه الثاني: أنه يدخله الحذف، والحذف إنما يكون في الفعل لا في الحرف، ~~ألا ترى أنهم قالوا في حاشا لله: حاش لله؛ ولهذا، قرأ أكثر القراء بإسقاط ~~الألف: {حاش لله} 1. # والوجه الثالث: أن لام الجر يتعلق به في قولهم: "حاشا الله" وحرف الجر ~~إنما يتعلق بالفعل لا بالحرف؛ لأن الحرف لا يتعلق بالحرف. # والصحيح: ما ذهب إليه البصريون؛ وأما قول الكوفيين: إنه يتصرف بدليل ~~قوله: "وما أحاشي" فليس فيه حجة؛ لأن قوله "أحاشي" مأخوذ من لفظ "حاشى" ~~وليس متصرفا/منه/2، كما يقال: بسمل، وهلل، وحمدل، وسبحل، وحوقل، إذا قال: ~~بسم الله، ولا إله إلا الله، وسبحان الله، والحمد لله، ولا ms091 حول ولا قوة إلا ~~بالله، وإذا3 كانت هذه الأشياء لا تتصرف، فكذلك ههنا. وقولهم: إنه يدخله ~~الحذف، والحذف لا يدخل الحرف؛ قلنا: لا نسلم، بل الحذف قد يدخل الحرف، ألا ~~ترى/ أنهم/4 قالوا في رب: رب؟ وقد قرئ بهما؛ قال الله تعالى: {ربما يود ~~الذين كفروا لو كانوا مسلمين} 5 /قرئ/6 بالتشديد والتخفيف؛ وفي "رب" أربع ~~لغات: بضم الراء وتشديد الباء وتخفيفها، وبفتح الراء وتشديد الباء ~~وتخفيفها، وكذلك حكيتم عن العرب أنهم قالوا في: "سوف أفعل: سو أفعل" وهو ~~حرف، وزعمتم أن الأصل في سأفعل: سوف أفعل؛ فحذفت الفاء والواو معا، فدل على ~~أن الحذف يدخل الحرف، وأما قولهم: إن لام الجر تتعلق به؛ قلنا: لا نسلم، ~~فإن اللام في قولهم: "حاش لله" زائدة، فلا تتعلق بشيء؛ كقوله تعالى: {عسى ~~أن يكون ردف PageV01P161 # لكم} 1 أي: "ردفكم"؛ /و/2 كقوله تعالى: {للذين هم لربهم يرهبون} 3 وما ~~أشبه ذلك، وإنما زيدت اللام مع هذا الحرف تقوية له، لما كان يدخله من ~~الحذف؛ فدل على أنه ليس فعلا4، وأنه حرف. # [جواز مجيء خلا فعلا وحرفا] # وأما "خلا" فإنها تكون فعلا وحرفا، فإذا كانت فعلا؛ كان ما بعدها منصوبا، ~~وتتضمن ضمير الفاعل، وإذا كانت حرفا؛ كان ما بعدها مجرورا؛ لأنها حرف جر، ~~فإن دخل عليها: "ما" كانت فعلا، ولم يجز أن تكون حرفا؛ لأنها مع "ما" ~~بمنزلة المصدر، وإذا كانت فعلا؛ كان ما بعدها منصوبا لا غير؛ قال الشاعر5: ~~[الطويل] # ألا كل شيء ما خلا الله باطل ... وكل نعيم لا محالة زائل # وسنذكر هذا 6 في باب ما ينصب به في الاستثناء. PageV01P162 ### | الباب الحادي والثلاثون: باب ما ينصب به في الاستثناء # [علة إعمال أفعال الاستثناء النصب] # إن قال قائل: لم عملت1: "ما خلا، وما عدا، وليس، ولا يكون" النصب؟ قيل: ~~لأنها أفعال، أما "ما خلا، وما عدا" فهما فعلان؛ لأن ما إذا دخلت عليهما، ~~كانا معها2 بمنزلة المصدر، وإذا كانا/ معها/3 بمنزلة المصدر، انتفت عنهما ~~الحرفية، ووجبت لهما الفعلية، وكان فيهما ضمير الفاعل، ms092 فكان ما بعدهما ~~منصوبا، وحكي عن بعض العرب، أنه كان يجر بهما إذا لم يكن معهما "ما" ~~فيجريهما مجرى "خلا"؛ لأن "خلا" تارة تكون فعلا، فيكون ما بعدها منصوبا، ~~وتارة تكون حرفا، فيكون ما بعدها مجرورا؛ وأما سيبويه، فلم يذكر بعد "عدا" ~~إلا النصب لا غير. وأما "ليس، ولا يكون" فإنما وجب أن يكون ما بعدهما ~~منصوبا؛ لأنه خبر لهما؛ لأن التقدير في قولك: "جاءني القوم ليس زيدا، ولا ~~يكون عمرا" / أي/4: "ليس بعضهم زيدا، ولا يكون بعضهم عمرا" ف"بعضهم" الاسم، ~~وما بعده الخبر؛ وخبر "ليس ولا5 يكون" منصوب6 كما لو لم يكونا في/ باب/7 ~~الاستثناء. # [علة لزوم ليس ولا يكون صيغة واحدة بعد الاستثناء] # فإن قيل: فلم لزما 8 لفظا واحدا في التثنية والجمع والتأنيث؟ قيل: لأنهما ~~لما استعملا في الاستثناء، قاما مقام "إلا"، و"إلا" لا يغير لفظه، فكذلك ما ~~قام مقامه؛ ليدلوا على أنه قائم مقامه. PageV01P163 # [عدم العطف على ليس ولا يكون ب و"لا" وعلة ذلك] # فإن قيل: فلم لا يجوز أن يعطف عليهما بالواو و"لا" فيقال: "ضربت القوم ~~ليس زيدا ولا عمرا، وأكرمت القوم لا يكون زيدا ولا عمرا"؟ قيل: لأن العطف ~~"بالواو ولا" لا يكون إلا بعد النفي، فلما أقيما -ههنا- مقام "إلا" غيرا عن ~~أصلهما في النفي، فلم يجز العطف عليهما "بالواو ولا"؛ فاعرفه تصب، إن شاء ~~الله تعالى. # PageV01P164 ### | الباب الثاني والثلاثون: باب كم # [بناء كم على السكون وعلة ذلك] # إن قال قائل: لم بنيتت "كم" على السكون؟ قيل: إنما بنيت؛ لأنها لا تخلو ~~إما أن تكون استفهامية، أو خبرية، فإن كانت استفهامية، فقد تضمنت معنى حرف ~~الاستفهام، وإن كانت خبرية، فهي نقيضة "رب" لأن "رب" للتقليل، و"كم" ~~للتكثير، وهم يحملون الشيء على ضده كما يحملونه على نظيره، فبنيت/كم/1 حملا ~~على "رب". وإنما بنيت على السكون؛ لأنه الأصل في البناء. # [وجوب مجيء كم في صدر الكلام وعلة ذلك] # فإن قيل: فلم2 وجب أن تقع "كم" في صدر الكلام؟ قيل: لأنها إن كانت ~~استفهامية، فالاستفهام له صدر ms093 الكلام، وإن كانت خبرية، فهي نقيضة "رب"، ~~و"رب" معناها التقليل، والتقليل مضارع3 للنفي؛ والنفي له صدر الكلام ~~كالاستفهام. # فإن قيل: فلم كان ما بعدها في الاستفهام منصوبا، وفي الخبر مجرورا؟ قيل: ~~للفرق بينهما، فجعلت في الاستفهام بمنزلة عدد ينصب ما بعده، وفي الخبر ~~بمنزلة عدد يجر ما بعده، وإنما جعلت في الاستفهام بمنزلة عدد (ينصب ما ~~بعده، لأنها في الاستفهام بمنزلة عدد) 4 يصلح للعدد القليل والكثير؛ لأن ~~المستفهم يسأل عن عدد قليل5 وكثير، ولا يعلم مقدار ما يستفهم عنه، فجعلت في ~~الاستفهام بمنزلة العدد المتوسط بين القليل والكثير، وهو من أحد ~~PageV01P165 # عشر إلى تسعة وتسعين، وهو ينصب ما بعده؛ فلهذا، كان ما بعدها1 في ~~الاستفهام منصوبا؛ وأما في الخبر فلا تكون إلا للتكثير، فجعلت بمنزلة العدد ~~الكثير، وهو يجر ما بعده؛ ولهذا2، كان ما بعدها مجرروا في الخبر، لأنها ~~نقيضة "رب" و"رب" تجر ما بعدها، وكذلك3 ما حمل عليها. # [جواز النصب مع الفصل في الخبر وعلة ذلك] # فإن قيل: فلم جاز النصب مع الفصل في الخبر؟ قيل: إنما جاز النصب عدولا عن ~~الفصل بين الجار والمجرور؛ لأن الجار والمجرور بمنزلة الشيء الواحد، وليس ~~الناصب مع المنصوب بمنزلة الشيء الواحد، على أن بعض العرب ينصب بها في ~~الخبر من غير فصل، ويجر بها في الاستفهام حملا لإحداهما 4 على الأخرى. # فإن قيل: فلم إذا كانت استفهامية، لم تبين إلا بالمفرد النكرة، وإذا كانت ~~خبرية جاز أن تبين بالمفرد والجمع؟ قيل: لأنها إذا كانت استفهامية، حملت ~~على عدد ينصب ما بعده؛ وذلك لا يبين إلا بالمفرد النكرة؛ نحو: أحد عشر ~~رجلا، وتسع وتسعون جارية؛ فلذلك، لم يجز أن تبين إلا بالمفرد النكرة، وإذا ~~كانت خبرية، حملت على عدد يجر ما بعده، والعدد الذي يجر ما بعده، يجوز أن ~~يبين بالمفردم والنكرة/5 ك "مائة درهم" وبالجمع ك "ثلاثة أثواب" فلهذا، جاز ~~أن يتبين بالمفرد والجمع، وأما اختصاصهما بالتنكير فيهما جميعا؛ فلأن "كم" ~~لما كانت للتكثير، والتكثير والتقليل لا يصح إلا في النكرة ms094 لا في المعرفة؛ ~~لأن المعرفة تدل على شيء مختص، فلا يصح فيه التقليل، ولا التكثير؛ ولهذا، ~~كانت "رب" تختص بالنكرة؛ لأنها لما كانت للتقليل، والتقليل إنما يصح في ~~النكرة لا في المعرفة، كما بينا في "كم" فاعرفه تصب، إن شاء الله تعالى. ~~PageV01P166 ### | الباب الثالث والثلاثون: باب العدد # [علة دخول الهاء على العدد المذكر] # إن قال قائل: لم أدخلت الهاء من الثلاثة إلى العشرة في المذكر؛ نحو: ~~"خمسة رجال" ولم تدخل في المؤنث؛ نحو: "خمس نسوة"؟ قيل: إنما فعلوا ذلك ~~للفرق بينهما فإن قيل: فهلا عكسوا، وكان الفرق حاصلا؟ قيل: لأربعة أوجه: # الوجه الأول: أن الأصل في العدد أن يكون مؤنثا، والأصل في المؤنث أن يكون ~~بالهاء، والمذكر هو الأصل، فأخذ الأصل الهاء؛ فبقي المؤنث بغير هاء. # والوجه الثاني: أن المذكر أخف من المؤنث، فلما كان المذكر أخف من المؤنث، ~~احتمل الزيادة، والمؤنث لما كان أثقل، لم يحتمل الزيادة. # والوجه الثالث: أن "الهاء" زيدت للمبالغة، كما زيدت في: علامة، ونسابة، ~~والمذكر أفضل من المؤنث، فكان أولى بزيادتها. # والوجه الرابع: أنهم لما كانوا يجمعون ما كان على مثال "فعال" في المذكر ~~بالهاء؛ نحو: "غراب وأغربة" ويجمعون ما كان على هذا المثال في المؤنث بغير ~~هاء؛ نحو: "عقاب وأعقب" حملوا العدد على الجمع؛ فأدخلوا الهاء في المذكر، ~~وأسقطوها في2 المؤنث، وكذلك حكمها بعد التركيب/ إلى العشرة/3، إلا العشرة ~~فإنها تتغير؛ لأنها تكون في حال التركيب في المذكر بغير هاء، والمؤنث ~~بالهاء، لأنهم لما ركبوا الآحاد مع العشرة، صارت4 معها بمنزلة اسم واحد؛ ~~كرهوا أن يثبتوا الهاء في العشرة، لئلا يصير بمنزلة الجمع بين تأنيثين في ~~اسم واحد على لفظ واحد. PageV01P167 # [علة بناء الأعداد المركبة على الفتح] # فإن قيل: فلم بني ما زاد على العشرة، من أحد عشر إلى تسعة عشر؟ قيل: لأن ~~الأصل في "أحد عشر: أحد وعشر" فلما حذف حرف العطف وهو الواو1، ضمنا معنى ~~حرف العطف، فلما تضمنا معنى الحرف؛ وجب أن يبنيا، وبنيا على حركة؛ لأن لهما ~~حالة تمكن قبل ms095 البناء، وكان الفتح أولى؛ لأنه أخف الحركات؛ وكذلك سائرها. # [علة عدم بناء اثنين في اثني عشر] # فإن قيل: فلم لم يبنوا اثنين في اثني عشر؟ قيل: لوجهين: # أحدهما: أن علم التثنية فيه، هو علم الإعراب، فلو نزعوا منه الإعراب؛ ~~لسقط معنى التثنية. # والثاني: أن إعرابه في وسطه، وفي حال التركيب، لم يخرج عن ذلك؛ فوجب أن ~~يبقى على ما كان عليه. وبني "عشر" لوجهين: # أحدهما: أن يكون بني على قياس أخواته؛ لتضمنه معنى حرف العطف. # والثاني: أن يكون بني؛ لأنه قام مقام النون من "اثنين" فلما قام مقام ~~الحرف، وجب أن يبنى، وليس هو كالمضاف، والمضاف إليه؛ لأن كل واحد من المضاف ~~والمضاف إليه، له حكم في نفسه، بخلاف "اثني عشر" ألا ترى أنك إذا قلت: ~~"ضربت اثني عشر رجلا" كان الضرب واقعا بالعشر والاثنين، كما لو قلت: "ضربت ~~اثنين" ولو قلت: "ضربت غلام زيد" لكان الضرب واقعا بالغلام دون زيد؟ فلهذا، ~~قلنا: إن العشر قام مقام النون، وخالف المضاف إليه. # [علة حذف الواو من الأعداد المركبة] # فإن قيل: فلم حذفت الواو من أحد عشر إلى تسعة عشر وجعل الاسمان اسما ~~واحدا؟ قيل: إنما فعلوا ذلك حملا على العشرة وما قبلها من الآحاد؛ لقربها ~~منها؛ لتكون على لفظ الأعداد المفردة، وإن كان الأصل هو العطف، والذي يدل ~~على ذلك أنهم إذا بلغوا /إلى/2 العشرين ردوها إلى العطف؛ لأنه الأصل، وإنما ~~ردوها إذا بلغوا إلى العشرين؛ لبعدها عن الآحاد. PageV01P168 # [علة عدم اشتقاقهم من لفظ الاثنين] # فإن قيل: فهلا اشتقوا من لفظ الاثنين كما اشتقوا من لفظ الثلاثة ~~والأربعة؛ نحو: "الثلاثين والأربعين"؟ قيل: لأنهم لو اشتقوا من لفظ الاثنين ~~لما كان يتم معناه إلا بزيادة واو ونون، أو ياء ونون، وكان يؤدي إلى أن ~~يكون له إعرابان، وذلك لا يجوز، فلم يبق من الآحاد شيء يشتق منه إلا ~~العشرة، فاشتقوا من لفظها عددا/ عوضا/1 عن اشتقاقهم من لفظ الاثنين؛ ~~فقالوا: "عشرون". # [علة كسر العين من عشرين] # فإن قيل: فلم كسروا العين من ms096 "عشرين"؟ قيل: لأنه لما كان الأصل أن يشتق ~~من لفظ الاثنين، وأول الاثنين مكسور، كسروا أول العشرين ليدلوا بالكسر على ~~الأصل. # [علة كون تمييز الأعداد من أحد عشر إلى تسعة وتسعين مفردا نكرة منصوبة] # فإن قيل: فلم وجب أن يكون ما بعد أحد عشر إلى تسعة وتسعين واحدا نكرة ~~منصوبة؟ قيل: إنما كان واحدا نكرة؛ لأن المقصود من ذكر النوع تبيين المعدود ~~من أي نوع هو، وهذا يحصل بالواحد النكرة، (وكان الواحد النكرة) 2 أولى من ~~الواحد المعرفة؛ لأن الواحد النكرة أخف من الواحدة المعرفة، ولا يلزم فيه ~~ما يلزم في العدد الذي يضاف إلى ما بعده، /و/3 لأنه ليس بمضاف، فيتوهم أنه ~~جزء مما بينته، كما يلزم بالمضاف4؛ فلذلك وجب أن يكون واحدا نكرة. وإنما ~~وجب أن يكون منصوبا؛ لأنه من أحد عشر إلى تسعة عشر؛ أصله التنوين، وإنما ~~حذف للبناء، وكأنه5 موجود في اللفظ؛ لأنه لم يقم مقامة شيء يبطل حكمه، فكان ~~باقيا في الحكم، فمنع من الإضافة. وأما العشرون إلى التسعين، ففيه النون ~~موجودة، فمنعت من الإضافة، وانتصب على التمييز على ما بيناه في بابه. ~~PageV01P169 # [علة إضافة تمييز المائة] # فإن قيل: فلم إذا بلغت إلى الماء، أضيفت إلى الواحد؟ قيل: لأن المائة ~~حملت على العشرة من وجه؛ لأنها عقد مثلها، وحملت على التسعين؛ لأنها تليها؛ ~~فألزمت الإضافة، تشبيها بالعشرة، وبينت1 بالواحد تشبيها بالتسعين. # [علة قولهم ثلاثمائة] # فإن قيل: فلم قالوا "ثلاثمائة" ولم يقولوا "ثلاث مئين"؟ قيل: كان القياس ~~أن يقال: /ثلاث/2 مئين إلا أنهم اكتفوا بلفظ المائة؛ لأنهم تدل على الجمع، ~~وهم يكتفون بلفظ الواحد عن الجمع؛ قال الله تعالى: {ثم نخرجكم طفلا} 3؛ أي: ~~أطفالا /و/4 قال الشاعر5: [الوافر] # كلوا في بعض بطنكم تعفوا ... فإن زمانكم زمن خميص6 # أي في /بعض/7 بطونكم؛ والشواهد على هذا النحو كثيرة. # [علة إجراء الألف مجرى المائة في الإضافة إلى الواحد] # فإن قيل: فلم أجري الألف مجرى المائة في الإضافة إلى الواحد؟ قيل: لأن ~~الألف عقد، كما أن المائة عقد. # [علة جمع ms097 الألف إذا دخل على الآحاد] # فإن قيل: فلم يجمع الألف إذا دخل على الآحاد، ولم يفرد مع الآحاد ~~كالمائة؟ قيل: لأن الألف طرف كما أن الواحد طرف؛ لأن الواحد أول، والألف ~~آخر، ثم تتكرر الأعداد؛ فلذلك، أجري مجرى ما يضاف إلى الآحاد؛ فاعرفه تصب، ~~إن شاء الله تعالى. PageV01P170 ### | الباب الرابع والثلاثون: باب النداء # [علة بناء المنادى المفرد المعرفة] # إن قال قائل: لم بني المنادى المفرد المعرفة؟ قيل: لوجهين: # أحدهما: أنه أشبه كاف الخطاب، وذلك من ثلاثة أوجه؛ الخطاب، والتعريف، ~~والإفراد؛ لأن كل واحد منهما يتصف بهذه الثلاثة، فلما أشبه كاف الخطاب من ~~هذه الأوجه، بني كما أن كاف الخطاب مبنية. # والوجه الثاني: أنه أشبه الأصوات؛ لأنه صار غاية، ينقطع عندها الصوت، ~~والأصوات مبنية؛ فكذلك ما أشبهها. # [علة بنائه على حركة] # فإن قيل: فلم بني على حركة؟ قيل: لأن له حالة تمكن قبل النداء، فبني على ~~حركة، تفضيلا على ما بني، وليس له حالة تمكن. # [علة كون حركته ضما] # فإن قيل: فلم كانت الحركة ضمة؟ قيل: لثلاثة أوجه: # الوجه الأول: أنه لو بني على الفتح؛ لالتبس بما لا ينصرف، ولو بني على ~~الكسر؛ لالتبس بالمضاف إلى النفس، وإذا بطل بناؤه على الكسر والفتح؛ تعين ~~بناؤه على الضم. # والوجه الثاني: أنه بني على الضم فرقا بينه وبين المضاف؛ لأنه إن كان ~~/المضاف/1 مضافا إلى النفس، كان مكسورا، وإن كان مضافا إلى غيرك، كان ~~مفتوحا2، فبني على الضم لئلا يلتبس بالمضاف؛ لأن الضم، لا يدخل المضاف. ~~PageV01P171 # والوجه الثالث: أنه بني على الضم؛ لأنه لما كان غاية يتم بها الكلام، ~~وينقطع عندها، أشبه "قبل وبعد" فبنوه على الضم كما بنوهما على الضم. # [علة مجيء صفته مرفوعة أو منصوبة] # فإن قيل: فلم جاز في وصفه الرفع والنصب؛ نحو: "يا يزيد الظريف والظريف"؟ ~~قيل: جاز الرفع حملا على اللفظ، والنصب حملا على الموضع، والاختيار عندي، ~~هو النصب؛ لأن الأصل في وصف المبني هو الحمل على الموضع، لا على اللفظ. # فإن قيل: فلم جاز الحمل -ههنا- على اللفظ، ms098 وضمة زيد ضمة بناء، وضمة الصفة ~~ضمة إعراب؟ قيل: لأن الضم لما اطرد في كل اسم منادى /مفرد/1 أشبه الرفع ~~للفاعل؛ لاطراده فيه، فلما أشبه الرفع؛ جاز أن يتبعه الرفع، غير أن هذا ~~الشبه لم يخرجها عن كونها ضمة بناء، وأن الاسم مبني؛ فلهذا، كان الأقيس هو ~~النصب، ويجوز الرفع عندي على تقدير: مبتدأ محذوف؛ والتقدير فيه: "أنت ~~الظريف" ويجوز النصب على تقدير فعل /محذوف/2؛ والتقدير فيه: "أعني الظريف"، ~~ويؤيد الرفع فيه بتقدير المبتدأ، والنصب له بتقدير الفعل أن المنادى أشبه ~~الأسماء المضمرة، والأسماء المضمرة لا توصف. # [علة جواز العطف بالرفع والنصب على المنادى المفرد] # فإن قيل: فلم جاز في العطف -أيضا- الرفع والنصب؛ نحو: "يا زيد والحارث ~~/والحارث/3"؟ قيل: إنما جاز الرفع والنصب على ما بينا في الوصف من الحمل ~~تارة على اللفظ، وتارة على الموضع؛ قال الله تعالى: {يا جبال أوبي معه ~~والطير} 4 و"الطير" بالرفع والنصب، فمن قرأ بالرفع، حمله على اللفظ، ومن ~~قرأ بالنصب، حمله على الموضع. # [علة كون المضاف والنكرة منصوبين] # فإن قيل: فلم كان المضاف والنكرة منصوبين؟ قيل: لأن الأصل في كل منادى أن ~~يكون منصوبا؛ لأنه مفعول؛ إلا أنه عرض في المفرد المعرفة ما يوجب بناءه؛ ~~فبقي ما سواه على الأصل. PageV01P172 # [عامل النصب في المنادى وخلافهم فيه] # فإن قيل: فما العامل فيه النصب؟ قيل: اختلف النحويون في ذلك؛ فذهب بعضهم1 ~~إلى أن العامل فيه النصب فعل مقدر؛ والتقدير فيه: "أدعو زيدا، أو أنادي ~~زيدا". وذهب آخرون إلى أنه منصوب ب "يا" لأنها نابت عن: "أدعو /أ/ و2 ~~أنادي" والذي يدل على ذلك، أنه تجوز فيه الإمالة؛ نحو: "يا زيد" والإمالة ~~لا تجوز في الحروف، إلا أنه لما قام مقام الفعل، جازت الإمالة فيه3. # [علة عدم بناء المنادى المضاف والنكرة] # فإن قيل: أليس المضاف والنكرة مخاطبين، فهلا بنيا لوقوعهما موقع أسماء ~~الخطاب كما بني المفرد؟ قيل لوجهين: # أحدهما: أن المفرد وقع بنفسه موقع أسماء الخطاب، وأما المضاف فيتعرف4 ~~بالمضاف إليه، فلم يقع موقع أسماء الخطاب ms099 كالمفرد، وأما النكرة فبعيدة ~~الشبه من أسماء الخطاب، ولم يجز بناؤها5. # (والوجه الثاني: أنا لو سلمنا أن المضاف والنكرة وقعا موقع أسماء الخطاب، ~~إلا أنه لم يلزم بناؤهما) 6؛ لأنه عرض فيهما ما منع من البناء7، أما ~~المضاف: فوجود المضاف إليه؛ لأنه حل محل التنوين، ووجود التنوين يمنع /من/8 ~~البناء، فكذلك ما يقوم مقامه، وأما النكرة، فنصبت؛ ليفصل بينهما وبين ~~النكرة التي يقصد قصدها، وكانت النكرة التي يقصد قصدها أولى بالتغيير؛ ~~لأنها هي المخرجة عن بابها، فكانت أولى بالتغيير. # [جواز حذف حرف النداء إلا مع النكرة والمبهم] # فإن قيل: فهل يجوز حذف حرف النداء؟ قيل: يجوز حذف /حرف/9 النداء إلا مع ~~النكرة والمبهم؛ لأن الأصل فيهما النداء ب "أي"؛ نحو: "يا أيها الرجل، ويا ~~أيهذا الرجل" فلما اطرحوا "أيا" والألف واللام، لم يطرحوا حرف النداء، لئلا ~~يؤدي ذلك إلى الإجحاف بالاسم. PageV01P173 # [خلافهم في وصف أي] # فإن قيل: فهل يجوز في وصف "أي" ههنا ما جاز في وصف زيد؛ نحو: "يا زيد ~~الظريف والظريف"؟ قيل: اختلف النحويون في ذلك؛ فذهب جماهير النحويين إلى ~~أنه لا يجوز فيه إلا الرفع؛ لأن الرجل -ههنا- هو المنادى في الحقيقة، إلا ~~أنهم أدخلوا "أيا" ههنا1 توصلا إلى نداء ما فيه الألف واللام، فلما كان ~~/هو/2 المنادى في الحقيقة، لم يجز فيه إلا الرفع مع كونه صفة، إيذانا بأنه ~~المقصود في النداء3. وذهب أبو عثمان المازني إلى أنه يجوز فيه النصب؛ نحو: ~~"يا أيها الرجل" كما يجوز "يا زيد الظريف" وهو -عندي- القياس، لو ساعده ~~الاستعمال. # [علة عدم جمعهم بين يا وأل التعريف] # فإن قيل: فلم لم يجمعوا بين: "يا" و"الألف واللام"؟ قيل: لأن "يا" تفيد ~~التعريف، والألف واللام تفيدد التعريف، فلم يجمعوا بين علامتي تعريف، إذ ~~لا4 يجتمع علامتا تعريف في كلمة واحدة. # فإن قيل: قولهم "يا زيد" هل تعرف بالنداء، أو بالعلمية؟ قيل: في ذلك ~~وجهان: # أحدهما: أنا نقول: إن تعريف العلمية زال منه، وحدث فيه تعريف النداء ~~والقصد، فلم يجتمع فيه تعريفان. # والثاني: المسلم أن تعريف ms100 العلمية والنداء اجتمعا فيه، ولكن جاز ذلك؛ ~~لأنا /إنما/5 منعنا عن الجمع بين التعريفين إذا كان بعلامة لفظية ك "يا" مع ~~"الألف واللام" والعلمية ليست بعلامة لفظية؛ فبان الفرق بينهما. # فإن قيل: أليس قد قال الشاعر: # فديتك يا التي تيمت قلبي # وقال الآخر: # فيا الغلامان اللذان فرا PageV01P174 # فكيف جاز الجمع بين "يا" و"الألف واللام"؟ قيل: إنما قوله1: [الوافر] # فديتك يا التي تيمت قلبي ... وأنت بخيلة بالود عني # فإنما جمع بين "يا" و"الألف واللام"؛ لأن الألف واللام في الاسم الموصول ~~ليستا للتعريف؛ لأنه إنما يتعرف بصلته لا بالألف واللام، فلما كان فيه ~~زائدين لغير التعريف؛ جاز أن يجمع بين "يا" وبينهما؛ وأما قول الآخر2: ~~[الرجز] # فيا الغلامان اللذان فرا ... إياكما أن تكسباني شرا3 # فالتقدير فيه: فيا أيها الغلامان، فحذف الموصوف، وأقام الصفة مقامه؛ ~~لضرورة الشعر، وما جاء لضرورة الشعر4 لا يورد نقضا. # [علة جمعهم بين يا ولفظ الجلالة "الله"] # فإن قيل: قد5 قالوا "يا الله" فجمعوا بين "يا" و"الألف واللام"؟ قيل: ~~إنما جاز أن يجمعوا بينهما لوجهين: # أحدهما: أن الألف واللام عوض عن حرف سقط من نفس الاسم، فإن أصله: "إله" ~~فأسقطوا الهمزة من أوله، وجعلوا الألف واللام عوضا منها6؛ PageV01P175 # والذي يدل على ذلك أنهم جوزوا قطع الهمزة؛ ليدلوا على أنها قد صارت عوضا ~~عن همزة /القطع/1، فلما كانت عوضا عن همزة القطع، وهي حرف من نفس الاسم، لم ~~يمتنعوا2 من أن يجمعوا بينهما. # والوجه الثاني: أنه إنما جاز في هذا الاسم خاصة؛ لأنه كثر في استعمالهم؛ ~~فخص على ألسنتهم، فجوزوا فيه ما لا يجوز في غيره. # [علة إلحاق الميم المشددة في لفظ الجلالة] # فإن قيل: فلم ألحقت الميم المشددة في آخر هذا الاسم، نحو "اللهم"؟ قيل: ~~اختلف النحويون في ذلك؛ فذهب البصريون إلى أنها عوض من "يا" التي للتنبيه، ~~والهاء مضمومة لأنه نداء؛ ولهذا، لا يجوز أن يجمعوا بينهما /فلا/3 يقولون ~~"يا اللهم" لئلا يجمعوا بين العوض والمعوض. وذهب الكوفيون إلى أنها ليست ~~عوضا من "يا" وإنما الأصل فيه "يا ms101 الله أمنا بخير" إلا أنه لما كثر في ~~كلامهم، وجرى على ألسنتهم، حذفوا بعض الكلام تخفيفا، كما قالوا: "ايش" ~~والأصل فيه: "أي شيء"، وقالوا: "ويلمه" والأصل فيه: "ويل أمه"، وهذا كثير ~~في كلامهم، فكذلك ههنا. قالوا: والذي يدل على أنها ليست عوضا /عنها/4 أنهم ~~يجمعون بينهما، قال الشاعر5: [الرجز] # إني إذا ما حدث ألما ... أقول يا اللهم يا اللهما PageV01P176 # وقال الآخر1: [الرجز] # وما عليك أن تقولي كلما # صليت أو سبحت يا اللهما # اردد علينا شيخنا مسلما # فجمع بين "الميم" و"يا"، ولو كانت عوضا عنها، لم يجمع بينهما؛ لأن العوض ~~والمعوض لا يجتمعان. والصحيح: ما ذهب إليه البصريون، وأما قول الكوفيين: إن ~~أصله "يا الله أمنا بخير" فهو فاسد؛ لأنه لو كان الأمر على ما /ذكروا/2 ~~وذهبوا إليه، لما جاز أن يستعمل هذا اللفظ إلا في ما يؤدي إلى3 هذا المعنى، ~~ولا شك أنه يجوز أن يقال: "اللهم العنه، اللهم أخزه" وما أشبه ذلك؛ قال ~~الله تعالى: {وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا ~~حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم} 4، ولو كان الأمر على ما ذهبوا إليه؛ ~~لكان التقدير فيه: "أمنا بخير إن كان هذا هو الحق من عندك، فأمطر علينا ~~حجارة من السماء، أو ائتنا بعذاب أليم" ولا شك أن هذا التقدير ظاهر الفساد، ~~إذ لا يكون أمهم بالخير أن يمطر عليهم حجارة من السماء؛ أو يؤتوا بعذاب ~~أليم؛ وقولهم: إنه يجوز أن يجمع بين "الميم" و"يا" بدليل ما أنشدوه، فلا ~~حجة فيه؛ لأنه إنما جمع بينهما لضرورة الشعر، ولم يقع الكلام في حال ~~الضرورة، وإنما سهل الجمع بينهما للضرورة، أن العوض في آخر الكلمة، والجمع ~~بين العوض والمعوض جائز في ضرورة الشعر؛ /كما/5 قال الشاعر6: [الطويل] # هما نفثا في في من فمويهما ... [على النابح العاوي أشد رجام] 7 # فجمع بين "الميم" و"الواو" وهي عوض منها، فكذلك ههنا؛ فاعرفه تصب، إن شاء ~~الله تعالى. PageV01P177 ### | الباب الخامس والثلاثون: باب الترخيم # [تعريف الترخيم] # إن قال قائل: ms102 ما الترخيم؟ قيل: حذف آخر الاسم في النداء. # [علة اختصاص الترخيم بالنداء] # فإن قيل: فلم خص الترخيم في النداء1؟ قيل: لكثرة دوره في الكلام؛ فحذف ~~طلبا للتخفيف، وهو باب تغيير، ألا ترى أنه عرض فيه حذف الإعراب والتنوين، ~~وهما من باب تغيير، والتغيير يؤنس بالتغيير. # [خلافهم في ترخيم الثلاثي] # فإن قيل: فهل يجوز ترخيم ما كان على ثلاثة أحرف؟ قيل: اختلف النحويون في ~~ذلك؛ فذهب البصريون إلى أنه لا يجوز ترخيمه، وذلك؛ لأنه الترخيم إنما دخل ~~في الكلام لأجل التخفيف2، وما كان على ثلاثة أحرف، فهو على3 غاية الخفة، ~~فلا يحتمل الحذف؛ لأن الحذف منه يؤدي إلى الإجحاف به. وذهب الكوفيون إلى ~~أنه يجوز ترخيمه إذا كان أوسطه متحركا، وذلك؛ نحو قولك في "عنق": "يا عن" ~~وفي "كتف": "يا كت" وما أشبه ذلك؛ /وذلك/4 لأن في الأسماء ما /يماثله/5 ~~ويضاهيه؛ نحو: "يد، وغد، ودم" والأصل فيه: "يدي، وغدو، ودمو" بدليل قولهم: ~~"دموان" وقيل: "دميان" أيضا، فنقصوها للتخفيف، فبقيت "يد، وغد، ودم" فكذلك ~~ههنا؛ وهذا فاسد من وجهين: # أحدهما6: أن الحذف في هذه الأسماء قليل في الاستعمال، بعيد عن القياس، ~~أما قلته في الاستعمال فظاهر؛ لأنها كلمات يسيرة معدودة، وأما بعده ~~PageV01P178 # عن القياس؛ فلأ القياس يقتضي أن حرف العلة إذا تحرك، وانفتح ما قبله، ~~يقلب ألفا ولا يحذف، فلما /حذف/1 ههنا من "دمو" دل على أنه على خلاف ~~القياس. # والوجه الثاني: أنهم إنما حذفوا "الياء والواو" من "يد، وغد، ودم" ~~لاستثقال الحركات عليها؛ لأن الأصل فيها "يدي، وغدو، ودمو"؛ /و/2 أما في ~~باب الترخيم، فإنما وقع الحذف فيه على خلاف القياس؛ لتخفيف الاسم الذي كثرت ~~حروفه، ولم يوجد -ههنا- لأنه في غاية الخفة، فلا حاجة بنا إلى تخفيفه ~~بالحذف. # [علة ترخيم ما فيه علامة التأنيث] # فإن قيل: فلم جاز ترخيص ما فيه علامة التأنيث3؛ نحو قولك في سنة "يا ~~سن"4،وما أشبه ذلك؟ قيل: لأن هاء التأنيث بمنزلة اسم ضم إلى اسم، وليست من ~~بناء الاسم، فجاز حذفها كما يحذف الاسم الثاني من ms103 الاسم المركب؛ تقول في ~~ترخيم حضرموت: "يا حضر" وفي بعلبك: "يا بعل"، وما أشبه ذلك. # [خلافهم في جواز ترخيم المضاف إليه] # فإن قيل: فهل يجوز ترخيم المضاف إليه؟ قيل: اختلف النحويون في ذلك؛ فذهب ~~البصريون إلى أنه لا يجوز ترخيمه، [لأن الترخيم إنما يكون في ما يؤثر ~~النداء فيه ب "يا" والمضاف إليه، لم يؤثر في النداء ب "ياء" فكذلك لا يجوز ~~ترخيمه] 5. وذهب الكوفيون إلى أنه يجوز ترخيمه، واحتجوا بقول زهير بن أبي ~~سلمى6 /وهو/7: [الطويل] # خذوا حظكم يا آل عكرم واحفظوا ... أواصرنا والرحم بالغيب تذكر8 ~~PageV01P179 # أراد يا آل عكرمة؛ فحذف التاء للترخيم، وهو عكرمة بن خصفة بن قيس غيلان1، ~~واحتجوا -أيضا- بقول الشاعر2: [الطويل] # أبا عرو لا تبعد فكل ابن حرة ... سيدعوه داعي ميتة فيجيب3 # أراد: أبا عروة إلا أنه حذف التاء للترخيم، واحتجوا -أيضا- بقول الآخر4: ~~[الرجز] # أما ترين اليوم أم حمز # قاربت بين عنقي وجمزي5 # أراد أم حمزة، فحذف التاء للترخيم؛ فيدل6 على جوازه. وما أنشدوه لا حجة ~~/لهم/7 فيه؛ لأنه رخمه للضرورة، وترخيم المضاف إليه يجوز في ضرورة الشعر، ~~كما يجوز الترخيم في غير النداء لضرورة الشعر؛ قال الشاعر8: [الوافر] # ألا أضحت حبائلكم رماما ... وأضحت منك شاسعة أماما9 PageV01P180 # يريد: أمامة. # وقال الآخر1: [البسيط] # إن ابن حارث إن أشتق لرؤيته ... أو أمتدحه فإن الناس قد علموا2 # يريد: ابن حارثة، وهذا كثير في كلامهم. # [خلافهم في ترخيم الاسم المفرد الذي قبل آخره حرف ساكن] # فإن قيل: فهل يجوز ترخيم الاسم المفرد الذي قبل آخره حرف ساكن بحذف آخره ~~مع حذف الساكن؛ نحو أن تقول في "سبطر: يا سب" أو لا؟ قيل: اختلف النحويون ~~في ذلك؛ فذهب البصريون إلى أنه لا يجوز ذلك؛ لأنه كما بقيت حركة الاسم ~~المرخم بعد دخول الترخيم، كما كانت قبل /دخول/3 الترخيم، فكذلك السكون؛ ~~لأنه موجود في الساكن حسب وجود الحركة في المتحرك، (فكما بقيت الحركة في ~~المتحرك) 4، فكذلك السكون في الساكن. وذهب الكوفيون إلى أن ترخيمه بحذف ~~/الحرف/5 الأخير منه، وحذف الحرف الساكن الذي ms104 قبله، وذلك؛ لأن الحرف إذا ~~سقط من هذا النحو، بقي آخره ساكنا، فلو قلنا: إنه لا يحذف؛ لأدى ذلك إلى أن ~~يشابه الأدوات، وما أشبهها من الأسماء، وذلك لا يجوز. وهذا ليس بصحيح؛ لأنه ~~لو كان هذا معتبرا؛ لكان ينبغي أن يحذف الحرف المكسور، لئلا يؤدي ذلك إلى ~~أن يشابه المضاف إلى المتكلم، ولا قائل به؛ فدل على فساد ما ذهبوا إليه. ~~PageV01P181 # [علة بناء المرخم على الضم] # فإن قيل: فلم جاز أن يبنى المرخم على الضم في أحد القولين، كما جاز أن ~~يبقى1 على حركته وسكونه؟ قيل: لأنهم لو قدروا بقية الاسم المرخم بمنزلة ~~اسم، لم يحذف منه شيء، فبنوه على الضم؛ نحو: "يا حار ويا مال" كما لو لم ~~يحذف منه شيء؛ فاعرفه تصب، إن شاء الله تعالى. PageV01P182 ### | الباب السادس والثلاثون: باب الندبة # [تعريف الندبة] # إن قال قائل: ما الندبة؟ قيل: تفجع يلحق النادب عند فقد المندوب، وأكثر ~~ما يلحق ذلك النساء لضعفهن عن تحمل المصائب. # [علامة الندبة] # فإن قيل: فما علامة الندبة؟ قيل: "وا" 1 أو "يا" في أوله، و"ألف وهاء" في ~~آخره، وإنما زيدت "وا" أو "يا" في أوله، و"ألف وهاء" في آخره؛ ليمد بها ~~الصوت، ليكون المندوب بين صوتين مديدين، وزيدت الهاء بعد الألف؛ لأن الألف ~~خفية2، والوقف عليها يزيدها خفاء3، فزيدت الهاء عليها في الوقف؛ لتظهر ~~الألف بزيادتها بعدها في الوقف. # [علة نداء المندوب بأعراف أسمائه] # فإن قيل: فلم وجب ألا يندب إلا بأعرف أسمائه وأشهرها؟ قيل: ليكون ذلك، ~~عذرا للنادب عند السامعين؛ لأنهم إذا عذروه؛ شاركوه في التفجع /والرزية/4، ~~فإذا شاركوه في التفجع؛ هانت عليه المصيبة. # [علة لحاق ألف الندبة آخر المضاف إليه] # فإن قيل: فلم لحقت ألف الندبة آخر المضاف إليه؛ نحو: "يا عبد الملكاه" ~~ولم تلحق آخر الصفة؛ نحو: "يا زيد الظريفاه"؟ قيل: لأن ألف الندبة إنما ~~تلحق ما يلحقه تنبيه النداء، والمضاف والمضاف إليه بمنزلة شيء واحد، ~~والدليل على ذلك: أنه لا يتم المضاف إلا بذكر المضاف إليه، ولا بد ~~PageV01P183 # مع ms105 ذكر المضاف من ذكر المضاف إليه، ألا ترى أنك لو قلت في "غلام زيد وثوب ~~خز: غلام وثوب" لم يتم إلا بذكر المضاف إليه؟ فلما كان المضاف والمضاف إليه ~~بمنزلة الشيء الواحد؛ جاز أن تلحق ألف الندبة آخر المضاف إليه؛ وأما الصفة ~~فليست مع الموصوف بمنزلة شيء واحد؛ فلهذا، لا يلزم ذكر الصفة مع الموصوف، ~~بل أنت مخير في ذكر الصفة؛ إن شئت ذكرتها، وإن شئت لم تذكرها، ألا ترى أنك ~~إذا قلت: "هذا زيد الظريف" كنت مخيرا في ذكر الصفة، إن شئت ذكرتها، وإن شئت ~~لم تذكرها؟ وإذا كنت مخيرا في ذكر الصفة، دل على أنهما ليسا بمنزلة شيء ~~واحد، وجب ألا تلحق ألف الندبة الصفة بخلاف المضاف إليه. وقد ذهب بعض ~~الكوفيين1، ويونس بن حبيب البصري2 إلى جواز إلحاقها الصفة3 حملا على المضاف ~~إليه، وقد بينا الفرق بينهما. ويحكون على بعض العرب أنه قال: /واعديماه/4، ~~واجمجمتي الشاميتيماه" وهو شاذ، لا يقاس عليه. # [علة جواز ندبة المضاف إلى المخاطب] # فإن قيل: فلم جاز ندبة المضاف إلى المخاطب؛ نحو: "واغلامكاه" ولم يجز ~~نداؤه؟ قيل: لأن المندوب، لا ينادى ليجيب5، بل ينادى، ليشهر النادب مصيبته، ~~وأنه قد وقع في أمر عظيم، وخطب جسيم، ويظهر تفجعه كيف لا يكون في حالة من ~~إذا دعي أجاب، وأما المنادى، فهو مخاطب، فلو جاز نداؤه؛ لكان يؤدي إلى أن ~~يجمع فيه بين علامتي خطاب؛ وذلك لا يجوز؛ فاعرفه تصب، إن شاء الله تعالى. ~~PageV01P184 ### | الباب السابع والثلاثون: باب "لا" # ... # الفصل السابع والثلاثون: باب "لا" # [علة بناء النكرة مع لا على الفتح] # إن قال قائل: لم بنيت النكرة مع "لا" على الفتح، نحو "لا رجل في الدار"؟ ~~قيل: إنما بنيت مع "لا" لأن التقدير في قولك: "لا رجل في الدار: لا من رجل ~~في الدار"؛ لأنه جواب قائل قال: "هل من رجل في الدار؟ فلما حذفت من اللفظ، ~~وركبت مع "لا" تضمنت معنى الحرف؛ فوجب أن تبنى، وإنما بنيت على حركة؛ لأن ~~لها حالة تمكن قبل البناء، ms106 وإنما كانت الحركة فتحة؛ لأنها أخف الحركات. ~~وذهب بعض النحويين إلى أن هذه الحركة حركة إعراب، لا حركة بناء؛ لأن "لا" ~~تعمل النصب إجماعا1؛ لأنها نقيضة "إن" لأن "لا" للنفي، و"إن" للإثبات، وهم ~~يحملون الشيء على ضده كما يحملونه على نظيره، ألا ترى أن "لا" لما كانت ~~فرعا على "إن" في العمل، و"إن" تنصب مع التنوين، نصبت "لا" بغير تنوين؛ ~~لينحط الفرع عن درجة الأصل؟ إذ الفروع تنحط عن درجات الأصول أبدا؛ وهذا ~~-عندي- فاسد؛ لأنه لو كان معربا؛ لوجب ألا يحذف منه التنوين؛ لأنه التنوين ~~ليس من عمل "إن" وإنما هو شيء يستحقه الاسم في أصله، وإذا لم يكن من عمل ~~"إن" فلا معنى لحذفه مع "لا" لينحط الفرع عن درجة الأصل؛ لأن الفرع إنما ~~ينحط عن درجة الأصل في ما كان من عمل الأصل، وإذا لم يكن التنوين من عمل ~~الأصل؛ وجب أن يكون ثابتا مع الفرع، ثم انحطاطها عن درجة "إن" قد ظهر في ~~أربعة مواضع2. # الأول: أن "إن" تعمل في المعرفة والنكرة و"لا" لا تعمل إلا في النكرة ~~خاصة. # والثاني: أن "إن" لا تركب مع اسمها لقوتها، و"لا" تركب مع اسمها لضعفها. ~~PageV01P185 # والثالث: أن "إن" تعمل في اسمها مع الفصل بينها وبينه بالظرف وحرف الجر1، ~~و"لا" لا تعمل مع الفصل. # والربع: أن "إن" تعمل في الاسم والخبر عند البصريين، و"لا" تعمل في الاسم ~~دون الخبر عند كثير من المحققين، فانحطت "لا" التي هي الفرع، عن درجة "إن" ~~التي هي الأصل. # [جواز العطف على النكرة بالنصب على اللفظ] . # فإن قيل: فلم إذا عطف على النكرة، جاز فيه النصب على اللفظ، كما جاز فيه ~~الرفع على الموضع، والعطف على لفظ المبني لا يجوز؟ قيل: لأنه لما اطرد ~~البناء على الفتحة في كل نكرة ركبت مع "لا" /لأنها/2 أشبهت النصب للمفعول ~~لاطراده فيه، فأشبهت حركة المعرب، فجاز أن يعطف عليها بالنصب. # [علة جواز بناء صفة النكرة معها على الفتح] # فإن قيل: فلم جاز أن تبنى صفة النكرة معها على الفتح، ms107 كما جاز أن تنصب ~~حملا على اللفظ، وترفع حملا على الموضع؟ قيل: لأن بناء الاسم مع الاسم أكثر ~~من بناء الاسم مع الحرف، فلما جاز أن يبنى الاسم مع الحرف، جاز -أيضا- أن ~~يبنى مع الصفة؛ لأن الصفة قد تكون مع الموصوف كالشيء الواحد بدليل أنه لا ~~يجوز السكوت على الموصوف دون الصفة في نحو قولك: "أيها الرجل" ثم هما في ~~المعنى كشيء واحد؛ فجاز أن تبني كل واحد منهما مع صاحبه، ولا يجوز -ههنا- ~~أن تركب "لا" مع النكرة إذا ركبت مع صفتها؛ لأنه يؤدي إلى أن تجعل ثلاث ~~كلمات بمنزلة كلمة واحدة؛ وهذا لا نظير له في كلامهم. # [جواز الرفع عند التكرار] # فإن قيل: فلم جاز الرفع إذا كررت؛ نحو: "لا رجل في الدار ولا امرأة"؟ ~~قيل: لأنك إذا كررت، كان جوابا لمن قال: "أرجل في الدار أم امرأة" فتقول: ~~"لا رجل في الدار ولا امرأة"؛ ليكون الجواب على حسب السؤال. # [بناء لا مع النكرة دون المعرفة وعلة ذلك] # فإن قيل: لم بنيت "لا" مع النكرة دون المعرفة؟ قيل: لأن النكرة تقع بعد ~~"من" في الاستفهام، ألا ترى أنك تقول: "هل من رجل في الدار"؟ فإذا وقعت ~~PageV01P186 # بعد "من" في السؤال، جاز تقدير "من" في الجواب، وإذا حذفت "من" في ~~السؤال؛ تضمنت النكرة معنى الحرف؛ فوجب أن تبنى؛ وأما المعرفة، فلا تقع بعد ~~"من" في الاستفهام، ألا ترى أنك لا تقول: "هل من زيد في الدار" فإذا لم تقع ~~بعد "من" في السؤال، لم يجز تقدير "من" في الجواب، وإذا لم يجز تقدير "من" ~~في الجواب؛ لم يتضمن المعرفة معنى الحرف؛ فوجب أن يبقى على أصله في ~~الإعراب؛ فأما قول الشاعر1: [الرجز] # لا هيثم الليلة في المطي ... [ولا فتى مثل ابن خيبري] 2 # فإنما جاز؛ لأن التقدير/فيه/3: "لا مثل هيثم" فصار في حكم النكرة، فجاز ~~أن يبنى مع "لا"، وعلى هذا قولهم: "قضية ولا أبا حسن لها"؛ أي: ولا مثل أبي ~~حسن، ولولا هذا التقدير؛ لوجب الرفع مع التكرير4؛ نحو: ms108 "لا زيد عندي ولا ~~عمرو". # [وجوب التكرير في المعرفة] # فإن قيل: فلم وجب التكرير في المعرفة؟ قيل: لأنه جاء مبنيا على السؤال؛ ~~كأنه قال: "أزيد عندك أم عمرو"؟ فقال: "لا زيد عندي ولا عمرو"؛ والدليل على ~~أن السؤال في تقدير التكرير: أن المفرد لا يفتقر إلى ذكره في الجواب، ألا ~~ترى أنه إذا قيل: "أزيد عندك"؟ كان الجواب أن تقول: "لا" من غير أن تذكره، ~~كأنك قلت: "لا أصل لذلك". فأما قولهم: "لا بد لك5 أن PageV01P187 # تفعل كذا" فإنما لم تكرر؛ لأنه صار بمنزلة "لا ينبغي لك" فأجروها مجراها، ~~حيث كانت في معناها1، كما أجروا "يذر" /في/2 مجرى "يدع" لاتفاقهما في3 ~~المعنى. # [عدم جواز بناء لا مع المضاف وعلة ذلك] # فإن قيل: لم لا تبنى مع المضاف؟ قيل: لم يجز أن تبنى مع المضاف؛ لأن ~~المضاف والمضاف إليه بمنزلة شيء واحد، فلو بنيا مع "لا" لكان يؤدي إلى أن ~~تجعل ثلاث كلمات بمنزلة واحدة؛ وهذا لا نظير له في كلامهم، والمشبه للمضاف4 ~~في امتناعه في التركيب؛ حكمه حكم المضاف /إليه/5؛ فاعرفه تصب، إن شاء الله ~~تعالى. PageV01P188 ### | الباب الثامن والثلاثون: باب حروف الجر # [إعمال حروف الجر الجر وعلة ذلك] # إن قال قائل: لم عملت هذه الحروف الجر؟ قيل: إنما عملت؛ لأنها اختصت ~~بالأسماء، والحروف متى كانت مختصة؛ وجب أن تكون عاملة، وإنما وجب أن تعمل ~~الجر؛ لأن إعراب الأسماء رفع، ونصب، وجر، فلما سبق الابتداء إلى الرفع في ~~المبتدأ، والفعل إلى الرفع -أيضا- في الفاعل، وإلى النصب في المفعول، لم ~~يبق إلا الجر؛ فلهذا، وجب أن تعمل الجر؛ وأجود من هذا أن تقول: إنما عملت ~~الجر؛ لأنها تقع وسطا بين الاسم والفعل، والجر وقع وسطا بين الرفع والنصب، ~~فأعطي الأوسط الأوسط. ثم إن هذه الحروف على ضربين: # أحدهما: يلزم الجر فيه. # والآخر:1 لا يلزم الجر فيه. # [ما يلزم الجر فيه من الحروف] # فأما ما يلزم الجر فيه ف "من، وإلى، وفي، واللام، والباء، ورب" وأما ما ~~لا يلزم الجر/فيه/2 ف "الواو، والتاء ms109 في القسم، وحتى"، ولها مواضع نذكرها ~~/فيها/3 إن شاء الله تعالى. # [ما لا يلزم الجر فيه من الحروف] # وأما ما لا يلزم الجر فيه ف "عن، وعلى، والكاف، وحاشا، وخلا؛ ومذ، ومنذ". ~~PageV01P189 # [عن] # فأما "عن" فتكون اسما، كما تكون حرفا، فإذا كانت اسما، دخل عليها حرف ~~الجر؛ فكانت بمعنى الناحية، وما بعدها مجرور1 بالإضافة؛ # قال الشاعر2: [الطويل] # فقلت اجعلي ضوء الفراقد كلها ... يمينا وضوء النجم من عن شمالك # وقال الآخر3: [الكامل] # فلقد أراني للرماح درية ... من عن يميني تارة وشمالي 4 # وقال الآخر5: [الرجز] # جرت عليها كل ريح سيهوج ... من عن يمين الخط أو سماهيج6 # وقال الآخر 7: [البسيط] # [فقلت للركب لما أن علا بهم] ... من عن يمين الحبيا نظرة قبل8 ~~PageV01P190 # وإذا كانت حرفا، كان ما بعدها مجرورا /بها/1؛ كقولك: رميت عن القوس وما ~~أشبه ذلك. # [على] # وأما "على" فتكون اسما وفعلا وحرفا، فإذا كانت اسما، دخل عليها حرف الجر، ~~فكانت بمعنى "فوق" وما بعدها مجرورا بالإضافة؛ كقول الشاعر2: [الطويل] # غدت من عليه بعد ما تم ظمؤها ... تصل وعن قيض بزيزاء مجهل3 # وقال الآخر4: [الطويل] # أتت من عليه تنقض الطل بعدما ... رأت حاجب الشمس استوى فترفعا # وقال الآخر5: [الرجز] # فهي تنوش الحوض نوشا من على ... نوشا به تقطع أجواز الفلا6 # وإذا كانت فعلا؛ كانت مشتقة من مصدر، وتدل على زمان مخصوص؛ نحو: "علا ~~الجبل يعلو علوا، فهو عال"؛ كقولك: "سلا يسلو سلوا، فهو PageV01P191 # سال" وما أشبه ذلك، (وإذا كانت حرفا، كان ما بعدها مجرورا بها؛ نحو "على ~~زيد" دين وأشباهه) 1. # [الكاف] # وأما [الكاف] فتكون اسما، كما تكون حرفا، فإذا كانت اسما قدروها تقدير ~~"مثل" وجاز أن يدخل عليها حرف الجر، وكان ما بعدها مجرورا بالإضافة؛ كقول ~~الشاعر2: [الرجز] # وصاليات ككما يؤثفين3 # فالكاف الأولى: حرف جر، والثانية: اسم؛ لأنه لا يجوز أن يدخل حرف جر على ~~حرف جر؛ كقول الشاعر4: [الرجز] # [بيض ثلاث كنعاج جم] ... يضحكن عن كالبرد المنهم5 # وتكون الكاف -أيضا- فاعلة؛ كقول الشاعر6: [البسيط] # أتنتهون ولن ينهي ذوي شطط ... كالطعن يهلك ms110 فيه الزيت والقتل7 PageV01P192 # فالكاف -ههنا- اسم لأنها فاعلة، وهي في موضع رفع بإسناد الفعل إليها؛ ~~فإذا كانت حرفا؛ كان ما بعدها مجرورا بها؛ نحو: "جاءني الذي كزيد" وما أشبه ~~ذلك. وأما "حاشا، وخلا" فقد ذكرناهما في باب الاستثناء فيما قبل. وأما مذ، ~~ومنذ فلهما باب نذكرهما فيه فيما بعد، إن شاء الله تعالى. # [معاني حروف الجر] # ثم إن معاني هذه الحروف كلها مختلفة، فأما "من" فتكون على أربعة أوجه: # [معاني "من"] # الوجه الأول: أن تكون لابتداء الغاية؛ كقولك: "سرت من الكوفة إلى ~~البصرة". # والوجه الثاني: أن تكون للتبعيض؛ كقولك "أخذت من المال درهما". # والوجه الثالث: أن تكون لتبيين الجنس؛ كقوله تعالى: {فاجتنبوا الرجس من ~~الأوثان} 1. ف"من" هذه دخلت لتبين المقصود بالاجتناب، ولا يجوز أن تكون ~~للتبعيض؛ لأنه ليس المأمور به اجتناب بعض الأوثان دون بعض، وإنما المقصود ~~اجتناب جنس الأوثان. # والوجه الرابع: أن تكون زائدة في النفي؛ كقوله تعالى: {ما لكم من إله ~~غيره} 2؛ والتقدير: "ما لكم إله غيره" و"من" زائدة؛ كقول الشاعر3: [البسيط] # [عيت جوابا] وما بالربع من أحد4 PageV01P193 # أي: أحد. وذهب بعض النحويين إلى أنه يجوز أن تكون زائدة في الواجب، ~~ويستدل بقوله تعالى: {ويكفر عنكم من سيئاتكم} 1 /أي سيئاتكم/2 ف"من" زائدة ~~بقوله تعالى: {قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم} 3 و"من" زائدة، وما استدل به ~~لا حجة له فيه؛ لأن من ليست زائدة، فأما قوله تعالى: {ويكفر عنكم من ~~سيئاتكم} ف"من" فيه للتبعيض لا زائدة؛ لأنه من الذنوب ما لا يكفر بإبداء ~~الصدقات، أو إخفائها، وإيتائها للفقراء، وهي مظالم العباد؛ وأما قوله ~~تعالى: {يغضوا من أبصارهم} ف"من" فيه -أيضا- للتبعيض؛ لأنهم إنما أمروا أن ~~يغضوا أبصارهم عما حرم /الله/4 عليهم، لا عما أحل لهم، فدل على أنها ~~للتبعيض، وليست زائدة. # وأما "إلى" فتكون على وجهين: # [وجها إلى] # أحدهما: أن تكون غاية؛ كقولك: "سرت من الكوفة إلى البصرة". # والثاني: أن تكون بمعنى مع؛ كقوله تعالى: {فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى ~~المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين} 5؛ أي: مع المرافق، ومع ~~الكعبين. ms111 # [معنى في] # وأما "في" فمعناها الظرفية؛ كقولك: "زيد في الدار"، وقد يتسع فيها، ~~فيقال: "زيد ينظر في العلم". # [معنى اللام] # وأما "اللام" فمعناها التخصيص والملك؛ كقولك: "المال لزيد"؛ أي يختص به، ~~ويملكه. PageV01P194 # [معنى الباء] # وأما "الباء" فمعناها الإلصاق؛ كقولك: "كتبت بالقلم" أي: ألصقت كتابتي ~~بالقلم. # [معنى رب] # وأما "رب" فمعناها التقليل، وهي تخالف حروف1 الجر من أربعة أوجه: # الوجه الأول: أنها تقع في صدر الكلام، وحروف الجر لا تقع في صدر الكلام. # والوجه الثاني: أنها لا تعمل إلا في نكرة، وحروف الجر تعمل في المعرفة ~~والنكرة. # والوجه الثالث: أنه يلزم مجرورها الصفة، وحروف الجر لا يلزم مجرورها ~~الصفة. # والوجه الرابع: أنها يلزم معها حذف الفعل الذي أوصلته إلى ما بعدها وهذا ~~لا يلزم الحرف2؛ واختصاصها بهذه الأشياء لمعان اختصت بها، فأما كونها في ~~صدر الكلام، فإنها3 لما كانت تدل على التقليل، [وتقليل الشيء يقارب نفيه، ~~أشبهت حروف النفي، وحروف النفي لها صدر الكلام. وأما كونها لا تعمل إلا في ~~النكرة؛ فلأنها لما كانت تدل على التقليل] 4، والنكرة تدل على التكثير، وجب ~~أن تختص بالنكرة التي تدل على التكثير؛ ليصح فيها التقليل. وأما كونها تلزم ~~الصفة مجرورها؛ فجعلوا ذلك عوضا عن حذف الفعل الذي يتعلق به، وقد يظهر ذلك ~~في ضرورة /الشعر/5. وأما حذف الفعل معها فللعلم به، ألا ترى أنك إذا قلت: ~~"رب رجل يفهم" كان التقدير فيه "رب رجل يفهم أدركت، أو لقيت" فحذف الفعل؛ ~~لدلالة الحال عليه، كما حذف في قوله تعالى: {وأدخل يدك في جيبك} 6 ... إلى ~~قوله: {إلى فرعون وقومه} ولم يذكر مرسلا؛ لدلالة الحال عليه، فكذلك ههنا. ~~PageV01P195 # [معنى عن] # وأما "عن" فمعناها المجاوزة. # [معنى على] # وأما "على" فمعناها الاستعلاء.. # [معنى الكاف] # وأما "الكاف" فمعناها التشبيه، وقد تكون زائدة؛ كقوله تعالى: {ليس كمثله ~~شيء} ؛ وتقديره: "ليس مثله شيء". # وكقول2 الشاعر3: [الرجز] # لواحق الأقراب فيها كالمقق4 # وتقديره: فيها المقق؛ وهو الطول؛ فاعرفه تصب، إن شاء الله تعالى. ~~PageV01P196 ### | الباب التاسع والثلاثون: باب حتى # [أوجه حتى] # إن قال قائل: ms112 على كم /وجه/1 تستعمل حتى؟ قيل: على ثلاثة أوجه: # الأول: أن تكون حرف جر ك"إلى"؛ نحو قوله تعالى: {سلام هي حتى مطلع الفجر} ~~2 وما بعدها مجرور بها في قول جماعة النحويين، إلا في قول شاذ لا يعرج ~~عليه، وهو ما قد حكي عن بعضهم أنه قال: إنه مجرور بتقدير "إلى"3 بعد ~~"حتى"4؛ وهو قول ظاهر الفساد. # والوجه الثاني: أن تكون عاطفة حملا على الواو؛ نحو: "جاءني القوم حتى ~~زيد، ورأيت القوم حتى زيدا، ومررت بالقوم حتى زيد". # [علة حمل حتى على الواو] # فإن قيل: فلم حملت "حتى" على الواو؟ قيل: لأنها أشبهتها، ووجه الشبه ~~بينهما أن أصل "حتى" أن تكون غاية، وإذا كانت غاية، كان ما بعدها داخلا في ~~حكم ما قبلها، ألا ترى أنك إذا قلت: (جاءني القوم حتى زيد، كان زيد داخلا ~~في المجيء، كما لو قلت) 5: "جاءني القوم وزيد"؟ فلما أشبهت الواو في هذا ~~المعنى؛ جاز أن تحمل عليها. # [وجوب كون المعطوف ب"حتى" من جنس المعطوف عليه] # فإن قيل: فلم إذا كانت عاطفة، وجب أن يكون ما بعدها من جنس ما قبلها، ولا ~~يجب ذلك في الواو؟ قيل: لأنها لما كانت الغاية والدلالة على أحد ~~PageV01P197 # طرفي الشيء، فلا يتصور أن يكون طرف الشيء من غيره، فلو قلت: "جاء الرجال ~~حتى النساء" لجعلت النساء غاية للرجال ومنقطعا1 لهم، وذلك محال. # والوجه الثالث: أن تكون حرف ابتداء ك"أما"؛ نحو: "ضرب القوم، حتى زيد ~~ضارب، وذهبوا، حتى عمرو ذاهب" قال الشعر 2: [الطويل] # فما زالت القتلى تمج دماءها ... بدجلة حتى ماء دجلة أشكل 3 # وقال الآخر4: [الطويل] # مطوت بهم حتى تكل ركابهم ... وحتى الجياد ما يقدن بأرسان5 # [لا محل من الإعراب للجمل بعد حتى] # فإن قيل: فهل يكون للجملة بعدها موضع من الإعراب /أو لا/6؟ قيل: لا يكون ~~للجملة بعدها موضع من الإعراب؛ لأن الجملة إنما يحكم لها بموضع من الإعراب ~~إذا وقعت موقع المفرد، نحو7 أن تقع وصفا؛ نحو /قولك/8: "مررت برجل يكتب" أو ~~حالا؛ نحو: "جاءني زيد يضحك" ms113 أو خبر مبتدأ، نحو: "زيد يذهب" وإذا 9 لم تقع ~~-ههنا- موقع المفرد فينبغي ألا يحكم لها بموضع من الإعراب؛ فهذه الأوجه ~~الثلاثة التي في "حتى"، وقد تجتمع كلها في مسألة واحدة؛ نحو قولهم: "أكلت ~~السمكة حتى رأسها، وحتى رأسها، وحتى رأسها" بالجر، والرفع، والنصب، فالجر ~~على أن تجعل /حتى/10 حرف PageV01P198 # جر، والنصب على أن تجعلها حرف عطف، فتعطفه على السمكة، والرفع على أن ~~تجعلها حرف ابتداء، فيكون مرفوعا بالابتداء؛ وخبره محذوف، وتقديره: "حتى ~~رأسها مأكول" وإنما حذف الخبر لدلالة الحال عليه، وعلى هذه الأوجه الثلاثة ~~ينشد1: [الكامل] # ألقى الصحيفة كي يخفف رحله ... والزاد حتى نعله ألقاها2 # بالرفع، والنصب، والجر، فالجر بحتى، والنصب على العطف، والرفع على ~~الابتداء، وألقاها الخبر؛ فاعرفه تصب، إن شاء الله تعالى. PageV01P199 ### | الباب الأربعون: باب مذ ومنذ # [الأغلب على "مذ" الاسمية وعلى "منذ" الحرفية] # إن قال قائل: لم قلتم: إن الأغلب على "مذ" الاسمية، وعلى "منذ" الحرفية، ~~وكل واحد منهما يكون اسما، و/يكون/1 حرفا جارا؟. قيل: إنما قلنا: إن الأغلب ~~على "مذ" الاسمية، (وعلى "منذ" الحرفية) 2؛ لأن "مذ" دخلها الحذف، والأصل ~~فيها "منذ" فحذفت النون منها، والحذف إنما يكون في الأسماء؛ والدليل على أن ~~الأصل في مذ: منذ أنك لو صغرتها، أو كسرتها؛ لرددت النون إليها؛ فقلت في ~~تصغيرها: منيذ وفي تكسيرها: أمناذ؛ لأن التصغير والتكسير يردان الأشياء إلى ~~أصولها؛ فدل على أن الأصل في مذ: منذ. # [علة ارتفاع الاسم بعد مذ ومنذ] # فإن قيل: فلم (إذا كان اسمين) 3، كان الاسم بعدهما مرفوعا؛ نحو: "ما ~~رأيته مذ يومان ومنذ ليلتان" قيل: إنما كان الاسم بعدهما مرفوعا إذا كان ~~اسمين؛ لأنه خبر المبتدأ؛ لأن "مذ"، و"منذ" هما المبتدأ4، وما بعدهما هو ~~الخبر؛ والتقدير في قولك: ما رأيته مذ يومان ومنذ ليلتان: أمد ذلك يومان، ~~وأمد ذلك ليلتان. # [علة بناء مذ ومنذ] # فإن قيل: فلم5 بنيت "مذ، ومنذ"؟ قيل: لأنهما إذا كانا حرفين بنيا؛ لأن ~~الحروف كلها مبنية، وإذا كانا اسمين بنيا؛ لتضمنهما معنى الحرف؛ لأنك ~~PageV01P200 # إذا قلت: "ما ms114 رأيته مذ يومان ومنذ ليلتان" كان المعنى فيه: ما رأيته من ~~أول اليومين إلى آخرهما، ومن أول الليلتين إلى آخرهما، ولما1 تضمنا معنى ~~الحرف2، وجب أن يبنيا، وبنيت "مذ" على السكون؛ لأن الأصل في البناء أن يكون ~~على السكون، فبنيت على الأصل، وبنيت "منذ" على الضم؛ لأنه لما وجب أن تحرك ~~الذال؛ لالتقاء الساكنين بنيت على الضم ... إتباعا لضمة الميم، كما قالوا ~~في "منتن: منتن" فضموا التاء إتباعا لضمة الميم؛ ومنهم من يقول: "منتن" ~~فيكسر الميم إتباعا لحركة التاء3، ونظير هذين الوجهين، قراءة من قرأ: ~~{الحمد لله} 4 فضم اللام إتباعا لضمة الدال، وقراءة من قرأ: {الحمد لله} 4 ~~فكسر الدال إتباعا لكسرة اللام؛ فلهذا، كانت "مذ، ومنذ" مبنيتين، وهما ~~تختصان بابتداء الغاية في الزمان، كما أن "من" تختص بابتداء الغاية في ~~المكان، وذهب الكوفيون إلى أن من تستعمل في (الزمان، كما تستعمل في) 5 ~~المكان، واستدلوا على جواز ذلك، بقوله تعالى: {لمسجد أسس على التقوى من أول ~~يوم أحق أن تقوم فيه} 6، فأدخل "من" على "أول يوم" وهو ظرف زمان، ويستدلون7 ~~-أيضا- بقول زهير بن أبي سلمي 8: [الكامل] # لمن الديار بقنة الحجر ... أقوين من حجج ومن دهر9 # وما استدلوا به لا حجة لهم فيه، أما قوله تعالى: {لمسجد أسس على ~~PageV01P201 # التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه} فالتقدير فيه: "من تأسيس أول يوم" ~~فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه؛ كقوله تعالى: {واسأل القرية التي ~~كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها} 1 والتقدير فيه: أهل القرية، وأهل ~~العير، وهذا كثير في كلامهم. وأما قول زهير /بن أبي سلمى/2: "من حجج ومن ~~دهر" فالرواية فيه: "مذ حجج، ومذ دهر" وإن صح ما رووه؛ فالتقدير فيه: "من ~~مر حجج، ومن مر دهر" كما تقول: "مرت عليه السنون، ومرت عليه الدهور" فحذف ~~المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه على ما بينا؛ فاعرفه تصب، إن شاء الله ~~تعالى. PageV01P202 ### | الباب الحادي والأربعون: باب القسم # [علة حذف فعل القسم] # إن قال قائل: لم حذف فعل القسم؟ قيل: ms115 إنما حذف فعل القسم لكثرة ~~الاستعمال. # [الباء هي الأصل في حروف القسم وعلة ذلك] # فإن قيل: فلم قلتم: إن الأصل في حروف القسم الباء دون غيرها، يعني الواو ~~والتاء؟ قيل: لأن فعل القسم المحذوف فعل لازم، ألا ترى أن التقدير في قولك: ~~"بالله لأفعلن: أقسم بالله، أو أحلف بالله" والحرف المعدي من هذه الأحرف هو ~~"الباء"؛ لأن "الباء" هو الحرف الذي يقتضيه الفعل، وإنما كان "الباء" دون ~~غيره1 من الحروف المعدية؛ لأن "الباء" معناها الإلصاق؛ فكانت أولى من ~~غيرها؛ ليتصل فعل القسم بالمقسم به مع تعديته2، والذي يدل على أنها هي ~~الأصل، أنها تدخل على المضمر والمظهر، و"الواو" تدخل على المظهر دون ~~المضمر، والتاء تختص باسم الله -تعالى- دون غيره، فلما دخلت "الباء" على ~~المظهر والمضمر، واختصت الواو بالمظهر، والتاء باسم الله تعالى؛ دل على أن ~~الباء هي الأصل. # [علة جعلهم الواو بدلا من الباء] # فإن قيل: فلم جعلوا الواو دون غيرها بدلا من الباء؟ قيل: لوجهين: # أحدهما: أن الواو تقتضي الجمع، كما أن الباء تقتضي الإلصاق، فلما تقاربا ~~في المعنى؛ أقيمت مقامها. # والثاني: أن الواو مخرجها من الشفتين، (كما أن الباء مخرجها من الشفتين) ~~3، فلما تقاربا في المخرج، كانت أولى من غيرها. PageV01P203 # [اختصاص الواو بالمظهر دون المضمر] # فإن قيل: فلم اختصت الواو بالمظهر دون المضمر؟ قيل: لأنها لما كانت فرعا ~~على الباء، والباء تدخل على المظهر والمضمر، انحطت عن درجة الباء التي هي ~~الأصل، واختصت1 بالمظهر دون المضمر؛ لأن الفرع2 -أبدا- ينحط عن درجة ~~الأصل2. # [علة جعل التاء بدلا من الواو] # فإن قيل: فلم جعلوا التاء دون غيرها بدلا من الواو؟ قيل: لأن التاء تبدل ~~من الواو كثيرا؛ نحو قولهم: "تراث، وتجاه، وتخمة /وتهمة/3، وتيقور" والأصل ~~فيه: "وراث، ووجاه، ووخمة، ووهمة، وويقور"؛ لأنه مأخوذ من الوقار (إلا أنهم ~~أبدلوا التاء من الواو) 4 فكذلك ههنا. # [علة اختصاص التاء باسم الجلالة] # فإن قيل: فلم اختصت التاء باسم واحد، وهو اسم الله تعالى؟ قيل: لأنها لما ~~كانت فرعا للواو والتي هي فرع للباء، ms116 والواو تدخل على المظهر دون المضمر؛ ~~لأنها فرع انحطت عن درجة الواو، لأنها فرع الفرع، فاختصت باسم واحد، وهو ~~اسم الله تعالى. # [جواب القسم في حالي الإثبات والنفي] # فإن قيل: فلم جعلوا5 جواب القسم باللام، وإن، وما، ولا؟ قيل: لأن القسم ~~وجوابه لما كانا جملتين؛ والجمل تقوم بنفسها، وإنما تتعلق إحدى الجملتين ~~بالأخرى، برابطة6 بينه وبين جوابه؛ وجوابه لا يخلو إما أن يكون موجبا أو ~~منفيا؛ جعلوا الرابطة بينهما بأربعة أحرف؛ حرفين للإيجاب، وهما: "اللام، ~~وإن" وحرفين للنفي، وهما: "لا، وما". # [علة حذف "لا" في تالله تفتأ] # فإن قيل: فلم جاز حذف "لا"؛ نحو قوله تعالى: {قالوا تالله تفتأ ~~PageV01P204 # تذكر يوسف حتى تكون حرضا أو تكون من الهالكين} 1؟ قيل لدلالة الحال عليه؛ ~~لأنه لو كان إيجابا، لم يخل من "إن"2 أو "اللام" فلما خلا منها، دل على ~~أنها نفي؛ فلهذا، جاز حذفها؛ فاعرفه تصب، إن شاء الله تعالى. PageV01P205 ### | الباب الثاني والأربعون: باب الإضافة # [ضربا الإضافة] # إن قال قائل: على كم ضربا الإضافة؟ قيل: على ضربين؛ إضافة بمعنى "اللام" ~~نحو: "غلام زيد"؛ أي: "غلام لزيد" وإضافة بمعنى "من" نحو: "ثوب خز"؛ أي: ~~"ثوب من خز". # [علة حذف التنوين من المضاف وجر المضاف إليه] # فإن قيل: فلم حذف التنوين من المضاف، وجر المضاف إليه؟ قيل: أما حذف ~~التنوين؛ فلأنه يدل على الانفصال، والإضافة تدل على الاتصال، فلم يجمعوا ~~بينهما، ألا ترى أن التنوين يؤذن بانقطاع الاسم وتمامه، والإضافة تدل على ~~الاتصال، وكون الشيء متصلا منفصلا في حالة واحدة محال؛ وأما جر المضاف ~~إليه؛ فلأن الإضافة لما كانت على ضربين؛ بمعنى اللام، وبمعنى من، وحذف حرف ~~الجر، قام المضاف مقامه، فعمل في المضاف إليه الجر، كما يعمل حرف الجر. # [الفارق بين ضربي الإضافة] # فإن قيل: "وجه زيد، ويد عمرو" هذه1 الإضافة هل هي بمعنى اللام، أو بمعنى ~~من؟ قيل: بمعنى اللام؛ لأن الإضافة التي بمعنى "من" يجوز أن يكون الثاني ~~وصفا للأول، ألا ترى أنه يجوز أن تقول في نحو قولك: "ثوب خز: ms117 ثوب خز" فترفع ~~"خز"؛ لأنه صفة2 لثوب؟ وكذلك ما أشبهه؛ وأما الإضافة بمعنى اللام، فلا يجوز ~~أن يكون الثاني وصفا للأول، ألا ترى أنك لا تقول في "غلام زيد: غلام زيد" ~~فلا يجوز أن تجعل زيدا3 صفة لغلام، كما جاز أن PageV01P206 # تجعل خزا صفة لثوب؛ فلما وجدنا قولهم: "وجه زيد" لا يجوز أن يكون الثاني ~~وصفا للأول، علمنا أنه بمعنى "اللام" لا بمعنى "من". # [الإضافة غير المحضة وعللها] # فإن قيل: فلم كانت إضافة1 اسم الفاعل /إذا/2 أريد به الحال أو الاستقبال، ~~وإضافة الصفة المشبهة باسم الفاعل، وإضافة "أفعل" إلى ما هو بعض له، وإضافة ~~الاسم إلى الصفة، غير محضة في هذه المواضع كلها؟ قيل: أما اسم الفاعل، ~~فإنما كانت إضافته3 غير محضة؛ لأن الأصل في قولك: "مررت برجل ضارب زيد غدا" ~~/أي/4: "ضارب زيدا"5 بتنوين ضارب، فلما كان التنوين6 -ههنا- مقدرا، كانت ~~الإضافة في تقدير الانفصال؛ ولهذا؛ أجري صفة7 للنكرة، وأما الصفة المشبهة ~~باسم الفعل فإنما كانت إضافتها غير محضة؛ لأن التقدير في قولك: "ممرت برجل ~~حسن الوجه: مررت برجل حسن وجهه" فلما كان التنوين -أيضا- ههنا مقدرا؛ كانت ~~إضافته -أيضا- غير محضة، وأما "أفعل" الذي يضاف إلى ما هو بعض له، فإنما ~~كانت إضافته غير محضة؛ لأن التقدير في قولك: "زيد أفضل القوم: زيد أفضل من ~~القوم" فلما كانت "من" ههنا مقدرة؛ كانت إضافته غير محضة، وأما إضافة الاسم ~~إلى الصفة، فإنما كانت غير محضة؛ لأن التقدير في قولك: "صلاة الأولى: صلاة ~~الساعة الأولى" فلما كان الموصوف -ههنا- مقدرا، كانت الإضافة غير محضة ~~(وإذا كانت غير محضة) 8 لم تفقد التعريف، بخلاف ما إذا كانت محضة؛ نحو: ~~"غلام زيد" ومما لم يتعرف بالإضافة؛ لأن إضافته غير محضة قولهم9: "مررت ~~برجل مثلك وشبهك"، وما أشبه ذلك، وإنما لم يتعرف بالإضافة؛ لأنها لا تخص ~~شيئا بعينه، فلهذا10، وقعت صفة للنكرة؛ فاعرفه تصب، إن شاء الله تعالى. ~~PageV01P207 ### | الباب الثالث والأربعون: باب التوكيد # [فائدة التوكيد] # إن قال قائل: ما الفائدة في التوكيد؟ قيل: الفائدة في التوكيد التحقيق، ms118 ~~وإزالة التجوز في الكلام؛ لأن من كلامهم المجاز، ألا ترى أنهم يقولون: ~~"مررت بزيد" وهم يريدون المرور بمنزله ومحله1، و"جاءني القوم" وهم يريدون ~~بعضهم؟ قال الله تعالى: {فنادته الملائكة} 2 وإنماكان جبريل وحده؛ فإذا ~~قلت: "مررت بزيد نفسه" زال هذا المجاز، وكذلك إذا قلت: "جاءني القوم كلهم" ~~زال هذا المجاز أيضا؛ قال الله تعالى: {فسجد الملائكة كلهم} 3 فزال هذا ~~المجاز الذي كان في قوله: {فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب} 4؛ ~~لوجود التوكيد /فيه/5. # [ضربا التوكيد] # فإن قيل: فعلى كم ضرب التوكيد؟ قيل: على ضربين؛ توكيد بتكرير اللفظ، ~~وتوكيد بتكرير المعنى؛ فأما التوكيد بتكرير اللفظ؛ فنحو /قولك/6: "جاءني ~~زيد زيد، وجاءني رجل رجل" وما أشبه ذلك، وأما التوكيد بتكرير المعنى، فيكون ~~بتسعة ألفاظ؛ وهي "نفسه، عينه، كله، أجمع، أجمعون، جمعاء، جمع، كلا، كلتا". # [علة وجوب تقديم بعض ألفاظ التوكيد على غيرها] # فإن قيل: فلم وجب تقديم "نفسه، وعينه" على "كلهم، وأجمعين"؟ PageV01P208 # قيل: لأن "النفس، والعين" يدلان على حقيقة الشيء، و"كلهم، وأجمعون" يدلان ~~على الإحاطة والعموم، والإحاطة والعموم يدلان على محاط به، فكان فيهما معنى ~~التبع، و"النفس، والعين" ليس فيهما معنى التبع، فكان تقديمها أولى؛ وقدم ~~"كلهم" على "أجمعين"؛ لأن معنى الإحاطة في "أجمعين" أظهر منه1 في "كلهم"؛ ~~لأن أجمعين من الاجتماع، وكل لا اشتقاق له؛ وأما ما بعد "أجمعين" فتبع ~~لأجمعين2، وإنما كان كذلك3؛ لأنهم كرهوا إعادة /لفظ/4 "أجمعين" فزادوا ~~ألفاظا بعد "أجمعين" تبعا له؛ لأنها5 لا معنى لها سوى التبع؛ فلهذا، وجب أن ~~تكون بعد "أجمعين". # [أجمع وجمعاء وجمع معارف وعلة ذلك] # فإن قيل: "أجمع، وجمعاء، وجمع" هل هن5 معارف أو6 نكرات؟ قيل: هي7 معارف، ~~والذي يدل على ذلك، أنها تكون تأكيدا للمعارف؛ نحو: "جاء الجيش أجمع، ورأيت ~~القبيلة جمعاء، ومررت بهن جمع" فلما كانت تأكيدا للمعارف؛ دل على أنها ~~معارف. # [علة كون الألفاظ السابقة غير مصروفة] # فإن قيل: فلم كانت غير مصروفة8؟ قيل: أما "أجمع" فللتعريف ووزن الفعل، ~~وأما "جمعاء" فلألف9 التأنيث؛ نحو: "صحراء" وأما "جمع" فللتعريف ms119 والعدل عن ~~جمع10 "جمعاء" وقياسه: "جمع: كحمر" فعدل وحرك؛ فاجتمع /فيه/11 العدل ~~والتعريف؛ (فلذلك لم ينصرف، والذي عليه الأكثرون هو الأول) 12. وأما "كلا، ~~وكلتا" ففيهما إفراد لفظي، وتثنية معنوية، والذي يدل على ذلك، أنهما تارة ~~يرجع13 الضمير إليهما بالإفراد اعتبارا PageV01P209 # باللفظ, وتارة بالتثنية اعتبارا بالمعنى؛ قال الله تعالى: {كلتا الجنتين ~~آتت أكلها} 1 فرد /الضمير/2 إلى اللفظ فأفرد، ثم قال الشاعر3: [الطويل] # كلا أخوينا ذو رجال كأنهم ... أسود الشرى من كل أغلب ضيغم4 # وقال الآخر /وهو الفرزدق/5: [البسيط] # كلاهما حين جد الجري بينهما ... قد أقلعا وكلا أنفيهما راب6 # فرد إلى اللفظ والمعنى؛ فقال: "أقلعا" اعتبارا بالمعنى، وقال: "راب" ~~اعتبارا باللفظ، والذي يدل على أن الألف فيهما ليست للتثنية أنها لو كانت ~~للتثنية؛ لانقلبت في النصب والجر إذا أضيفتا إلى المظهر؛ لأن الأصل هو ~~المظهر؛ تقول: رأيت كلا الرجلين، ومررت بكلا الرجلين، ورأيت كلتا المرأتين ~~/ومررت بكلتا المرأتين/7 فلو كانت للتثنية؛ لوجب أن تنقلب مع المظهر، فلما ~~لم تنقلب، دل على أنها الألف المقصورة، وليست للتثنية. # وذهب الكوفيون إلى أن الألف فيهما للتثنية، واستدلوا على ذلك بقول ~~الشاعر8: [الزجر] # في كلت رجليها سلامى واحدة ... كلتاهما مقرونة بزائده9 PageV01P210 # فأفرد في قوله "كلت" فدل على أن كلتا مثنى، واستدلوا على ذلك -أيضا- بأن ~~الألف فيهما1 تنقلب إلى الياء في حال2 النصب والجر إذا أضيفتا إلى المضمر؛ ~~تقول: "رأيت الرجلين كليهما، ومررت بالرجلين كليهما"، وكذلك تقول: "رأيت ~~المرأتين كلتيهما، ومررت بالمرأتين كلتيهما" ولو كانت الألف المقصورة، لم ~~تنقلب، كألف "عصا" /ونحوها/3. وما ذهب إليه الكوفيون ليس بصحيح، فأما ~~استدلالهم بقول الشاعر /في البيت المتقدم/4: في كلت رجليهما سلامى واحدة، ~~فلا حجة فيه؛ لأنه يحتمل أنه حذف الألف لضرورة الشعر؛ وأما قولهم: إنها ~~تنقلب في حال النصب والجر إذا أضيفت إلى المضمر؛ قلنا إنما قلبت مع المضمر؛ ~~لأنها أشبهت /ألف/5: "إلى، وعلى، ولدى" فلما أشبهتها؛ قلبت ألفها مع المضمر ~~ياء، كما قلبت ألف "إلى، وعلى، ولدى" مع المضمر في "إليك، وعليك، ولديك" ~~ووجه المشابهة بينهما6 وبين ms120 هذه الكلم، أن هذه الكلم7 (يلزم دخولها على ~~الاسم، وإنما قلبت في حالة الجر والنصب دون الرفع؛ لأن هذه الكلم) 8 لها ~~حال النصب والجر وليس لها حال الرفع. # [توكيد النكرات] # فإن قيل: فهل يجوز توكيد النكرة؟ قيل: إن كان التوكيد بتكرير اللفظ جاز ~~توكيد النكرة، كما يجوز توكيد المعرفة؛ نحو: "جاءني رجل رجل" وإن كان ~~التوكيد بتكرير المعنى، فقد اختلف النحويون في ذلك؛ فذهب البصريون إلى أنه ~~لا يجوز، وذلك؛ لأن كل واحد9 من هذه الألفاظ التي يؤكد بها معرفة، فلا يجوز ~~أن يجري على النكرة تأكيدا، كما لا يجوز أن يجري عليها PageV01P211 # وصفا. وذهب الكوفيون إلى أنه يجوز، واستدلوا على جوازه بقول الشاعر1: ~~[البسيط] # لكنه شاقه أن قيل ذا رجب ... يا ليت عدة حول كله رجب2 # فجر "كلا" على التوكيد لحول3؛ وهو4 نكرة، واستدلوا -أيضا- بقول الشاعر 5: ~~[الرجز] # إذا القعود كر فيها حفدا ... يوما جديدا كله مطردا 6 # فأكد "يوما"؛ وهو نكرة ب"كله"، واستدلوا -أيضا- بقول الآخر7: [الرجز] # قد8 صرت البكرة يوما أجمعا ... [حتى الضياء بالدجى تقنعا] 9 PageV01P212 # وما استدلوا به من هذه الأبيات لا حجة /لهم/1 فيه، أما قول الشاعر: "يا ~~ليت عدة حول كله رجبا"2. # فالرواية: "يا ليت عدة حولي3 كله رجبا"4 بالإضافة، وهو معرفة لا نكرة، ~~و"رجبا" منصوب، فإن القصيدة منصوبة. وأما قول الآخر: "يوما جديد كله مطردا" ~~فيحتمل أن يكون تأكيدا للمضمر في "جديد" والمضمرات لا تكون إلا معارف، وكان ~~هذا أولى؛ لأنه أقرب إليه من اليوم، فعلى هذا يكون الإنشاد بالرفع. وأما ~~قول الآخر: "قد صرت البكرة يوما أجمعا" فلا يعرف قائله، فلا تكون فيه حجة، ~~ثم لو صحت هذه الأبيات على ما رووه5، فلا يجوز الاحتجاج بها؛ لقلتها ~~وشذوذها في بابها، والشاذ لا يحتج به؛ فاعرفه تصب، إن شاء الله تعالى. ~~PageV01P213 ### | الباب الرابع والأربعون: باب الوصف # [الغرض من الوصف] # إن قال قائل: ما الغرض في الوصف؟ قيل: التخصيص والتفصيل1؛ فإن كان معرفة، ~~كان الغرض من الوصف التخصيص؛ لأن الاشتراك يقع فيها2، ألا ترى أن ms121 المسمين3 ~~يزيد، ونحوه كثير؛ فإذا قال: "جاءني زيد" لم يعلم أيهم يريد، فإذا قال: ~~"زيد العاقل، أو العالم، أو الأديب" أوما أشبه ذلك، فقد خصه من غيره؟ وإن ~~كان الاسم نكرة، كان الغرض من الوصف التفصيل1، ألا ترى أنك إذا قلت: "جاءني ~~رجل" لم يعلم أي رجل هو، فإذا قلت: "رجل عاقل" فقد فصلته عمن4 ليس له هذا ~~الوصف، ولم تخصه؛ لأنا نعني بالتخصيص شيئا بعينه، ولم يرد 5 ههنا. # [موافقة الصفة للموصوف] # فإن قيل: ففي كم /حكما/6 تتبع الصفة الموصوف؟ قيل: في عشرة أشياء؛ في ~~رفعة، ونصبه، وجره، وإفراده، وتثنيته، وجمعه، وتذكيره، وتأنيثه، وتعريفه، ~~وتنكيره. # [استحالة وصف النكرة بالمعرفة أو العكس] # فإن قيل: فلم لم توصف المعرفة بالنكرة، والنكرة بالمعرفة، وكذلك سائرها؟ ~~قيل: لأن المعرفة ما خص الواحد من جنسه، والنكرة ما كان شائعا في ~~PageV01P214 # جنسه، والصفة في المعنى هي الموصوف، ويستحيل الشيء الواحد أن يكون شائعا ~~مخصوصا، وإذا استحال هذا في وصف المعرفة بالنكرة، والنكرة بالمعرفة، كان في ~~وصف الواحد بالاثنين، و1 الاثنين بالجمع، أشد استحالة، وكذلك سائرها. # [العامل في الصفة] # فإن قيل: فما العامل في الصفة؟ قيل: /هو/2 العامل في الموصوف، فإذا قلت3: ~~"جاءني زيد الظريف" كان العامل فيه: جاءني، وإذا قلت: "رأيت زيدا الظريف" ~~كان العامل فيه: رأيت، وإذا قلت: "مررت بزيد الظريف" كان العامل فيه: ~~الباء؛ هذا مذهب سيبويه. وذهب أبو الحسن الأخفش إلى أن كونه صفة لمرفوع، ~~أوجب له الرفع، وإلى أن كونه صفة لمنصوب، أوجب له النصب، وإلى أن كونه صفة ~~لمجرور، أوجب له الجر؛ والذي عليه الأكثرون هو الأول، وهو مذهب سيبويه؛ ~~فاعرفه تصب، إن شاء الله تعالى. PageV01P215 ### | الباب الخامس والأربعون: باب عطف البيان # [الغرض في عطف البيان] # إن قال قائل: ما الغرض في عطف البيان؟ قيل: الغرض فيه رفع اللبس، كما في ~~الوصف؛ ولهذا، يجب أن يكون أحد الاسمين يزيد على الآخر في كون الشخص معروفا ~~به؛ ليخصه من غيره؛ لأنه لا يكون إلا بعد اسم مشترك، ألا ترى أنك إذا ms122 قلت: ~~"مررت بولدك زيد" /ف/1 قد خصصت ولدا واحدا من أولاده، فإن لم يكن له إلا ~~ولد واحد كان بدلا، ولم يكن عطف بيان؛ لعدم الاشتراك. # [وجه الشبه بين عطف البيان وكل من البدل والوصف] # وعطف البيان يشبه البدل من وجه، ويشبه الوصف من وجه؛ فوجه شبهه للبدل3 ~~أنه اسم جامد، كما أن البدل يكون اسما جامدا، ووجه شبهه للوصف4 أن العامل ~~فيه هو العامل في الاسم الأول؛ والدليل على ذلك أنك تحمله تارة على اللفظ، ~~وتارة على الموضع؛ فتقول: "يا زيد زيد زيدا" فالرفع على اللفظ، والنصب على ~~الموضع، قال الشاعر5: [الرجز] # إني وأسطار سطرن سطرا ... لقائل يا نصر نصر نصرا # (ويجوز أن يكون "نصرا" الثالث منصوبا على المصدر، كأنه قال: انصر نصرا،6 ~~وهذا باب يترجمه البصريون، ولا يترجمه الكوفيون؛ فاعرفه تصب، إن شاء الله ~~تعالى. PageV01P216 ### | الباب السادس والأربعون: باب البدل # [الغرض في البدل] # إن قال قائل: ما الغرض في البدل؟ قيل: الإيضاح ورفع الالتباس، وإزالة ~~التوسع والمجاز. # [أضرب البدل] # فإن قيل: فعلى كم ضربا البدل؟ قيل: على أربعة أضرب؛ بدل الكل من الكل، ~~وبدل البعض من الكل، وبدل الاشتمال، وبدل الغلط. فأما بدل الكل من الكل؛ ~~فكقولك1: "جاءني أخوك زيد، ورأيت أخاك زيدا، ومررت بأخيك زيد" قال الله ~~تعالى: {اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم} 2؛ وبدل البعض من ~~الكل؛ كقولك: "جاءني بنو فلان ناس منهم" ولابد أن يكون فيه ضمير يعلقه ~~بالمبدل منه؛ قال الله تعالى: {وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله ~~واليوم الآخر} 3. وأما قوله تعالى: {ولله على الناس حج البيت من استطاع ~~إليه سبيلا} 4 ف"من استطاع" بدل من الناس، وتقديره: "من استطاع سبيلا منهم" ~~فحذف الضمير للعلم به. وأما بدل الاشتمال؛ فنحو قولك: "سلب زيد ثوبه، ~~ويعجبني عمرو عقله" ولابد فيه -أيضا- من ضمير يعلقه بالمبدل منه؛ قال الله ~~تعالى: {يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه} 5. فقوله: " قتال فيه" بدل من ~~الشهر، والضمير فيه عائد إلى الشهر، فأما قول الشاعر6: [الطويل] # لقد كان ms123 في حول ثواء ثويته ... تقضى لبانات ويسأم سائم7 PageV01P217 # فالتقدير1 فيه: "/ثواء/2 ثويته فيه"، فحذف للعلم /به/3. فأما4 بدل الغلط، ~~فلا يكون في قرآن، ولا كلام فصيح، وهو أن يريد أن يلفظ بشيء، فيسبق لسانه ~~إلى غيره؛ فيقول: "لقيت زيدا عمرا" فعمرو هو المقصود، وزيد وقع في لسانه، ~~غلط به5، فأتى بالذي قصده، وأبدله من المغلوط به، والأجود في مثل هذا أن ~~يستعمل /معه/6 بل فيقول: بل عمرا. # [العامل في البدل] # فإن قيل: فما العامل في البدل؟ قيل: اختلف النحويون في ذلك؛ فذهب جماعة ~~منهم إلى أن العامل في البدل غير العامل في المبدل؛ وهو جملتان، ويحكى عن ~~أبي علي الفارسي7 أنه قيل له: كيف يكون البدل إيضاحا للمبدل، وهو من غير ~~جملته؟ فقال: لما لم يظهر العامل في البدل، وإنما دل عليه /العامل/8 في ~~المبدل، واتصل البدل بالمبدل في اللفظ، جاز أن يوضحه، والذي يدل على أن ~~العامل في البدل غير العامل في المبدل /منه/9 قوله تعالى: {ولولا أن يكون ~~الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة} 10 فظهور ~~اللام في "بيوتهم" وهو بدل من "من". ويدل11 على أن البدل غير العامل في ~~المبدل؛ قوله تعالى: {قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن ~~آمن منهم} 12 فظهور اللام مع "من" /و/13 هو بدل من "الذين استضعفوا" يدل 14 ~~على أن العامل في البدل غير العامل في المبدل؛ وذهب قوم إلى أن العامل في ~~البدل هو العامل في المبدل /منه/15؛ كما أن العامل في الصفة هو العامل في ~~الموصوف، والأكثرون على الأول؛ فاعرفه تصب، إن شاء الله تعالى. PageV01P218 ### | الباب السابع والأربعون: باب العطف # [عدد حروف العطف] # إن قال قائل: كم حروف العطف؟ قيل: تسعة: الواو، والفاء، وثم، وأو، ولا، ~~وبل، ولكن، وأم، وحتى. # [علة كون الواو أصل حروف العطف] # فإن قيل: فلم1 كان أصل حروف العطف الواو؟ قيل: لأن الواو، لا تدل على ~~أكثر من الاشتراك فقط، وأما غيرها من الحروف، فتدل2 على الاشتراك، وعلى ms124 ~~معنى زائد على ما سنبين، وإذا كانت هذه الحروف، تدل على زيادة معنى ليس في ~~الواو، صارت الواو بمنزلة الشيء المفرد (والباقي بمنزلة المركب) 3؛ والمفرد ~~أصل للمركب. # [الواو تفيد الجمع دون الترتيب ودليل ذلك] # فإن قيل: فما الدليل على أن الواو تقتضي الجمع دون الترتيب؟ قيل: الدليل ~~على ذلك قوله تعالى: {وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة} 4، وقال في موضع آخر: ~~{وقولوا حطة وادخلوا الباب سجدا} 5 ولو كانت الواو تقتضي الترتيب لما جاز ~~أن يتقدم في إحدى الآيتين ما يتأخر في الأخرى. # (و) 6 قال لبيد7: [الكامل] # أغلي السباء بكل أدكن عاتق ... أو جونة قدحت وفض ختامها8 PageV01P219 # وتقديره: "فض ختامها وقدحت"؛ لأنه يريد بالجونة ههنا: القدر، وقدحت: أي ~~غرفت، والمغرفة يقال لها: المقدحة، وفض ختامها: أي كشف غطاؤها؛ والغرف إنما ~~يكون بعد الكشف؛ هكذا ذكره الثمانيني؛ والأظهر: أنه أراد بالجونة: الخابية، ~~وقد ذكرنا ذلك في كتابنا الموسوم ب"المرتجل في شرح السبع الطوال"1. والذي ~~يدل /أيضا/2 على أنها للجمع دون الترتيب قولهم: "المال بين زيد وعمرو" كما ~~يقال: "بينهما" ويقال: "اختصم زيد وعمرو" ولو كانت الواو تفيد /فيه/3 ~~الترتيب؛ لما جاز/ ... /4 أن تقع ههنا؛ لأن هذا الفعل لا يقع إلا من اثنين، ~~ولا يجوز الاقتصار على أحدهما؛ فدل على أنها تفيد الجمع دون الترتيب. # [معاني بقية الحروف العاطفة] # فأما "الفاء" فإنها تفيد الترتيب والتعقيب، و"ثم" تفيد الترتيب والتراخي، ~~و"أو" تفيد الشك والتخيير والإباحة، و"لا" تفيد النفي، و"بل" تفيد الانتقال ~~من قصة إلى قصة أخرى، و"لكن" تفيد الاستدراك، وإنما تعطف في النفي دون ~~الإثبات، بخلاف "بل" فإنها تعطف في النفي والإثبات معا. # [علة استعمال بل بعد النفي] # فإن قيل: فلم جاز أن تستعمل /بل/5 بعد النفي ك"لكن" ولم يجز أن تستعمل ~~"لكن" بعد الإثبات ك"بل"؟ قيل: لأن "بل" إنما تستعمل في الإيجاب لأجل الغلط ~~والنسيان لما قبلها، وهذا إنما يقع في الكلام نادرا، فاقتصروا على حرف ~~واحد، وأما استعمال "لكن" فإنما يكون بعد النفي؛ فجاز أن تشترك6 ~~PageV01P220 # معها فيه؛ لأن الكلامين ms125 صواب، ولا ينكر تكرار1 ما يقتضي الصواب، فلذلك، ~~افترق الحكم فيهما. # [أم متصلة ومنقطعة] # وأما "أم" فتكون على ضربين؛ متصلة، ومنقطعة؛ فأما المتصلة، فتكون بمعنى ~~أي نحو: "أزيد عندك أم عمرو" أي: "أيهما عندك". وأما المنقطعة، فتكون ~~بمنزلة "بل والهمزة"؛ كقولهم: "إنها لإبل أم شاء"؛ والتقدير فيه: "بل أهي ~~شاء" كأنه رأى أشخاصا، فغلب على ظنه أنها إبل، فأخبر بحسب ما غلب على ظنه، ~~ثم أدركه الشك، فرجع إلى السؤال والاستثبات، فكأنه قال: "بل أهي شاء" ولا ~~يجوز أن تقدر "بل" وحدها والذي يدل على ذلك قوله تعالى: {أم له البنات ولكم ~~البنون} 2 ولو كان بمعنى "بل" وحدها؛ لكان التقدير بل له البنات ولكم ~~البنون وهذا كفر /محض/3؛ فدل على أنها بمنزلة "بل والهمزة". # [إما ليست حرف عطف] # فأما "إما" فليست حرف عطف؛ ومعناها كمعنى "أو" إلا أنها أقعد في باب الشك ~~من "أو" لأن "أو" يمضي صدر الكلام4 معها على اليقين، ثم يطرأ الشك من آخر ~~الكلام إلى أوله، وأما "إما" فيبنى الكلام معها من أوله على الشك؛ وإنما ~~قلنا: إنها ليست حرف عطف؛ لأن حرف العطف، لا يخلو إما أن يعطف مفردا على ~~مفرد، أو جملة على جملة؛ فإذا قلت: "قام إما زيد وإما عمرو" لم تعطف مفردا ~~على مفرد، ولا جملة على جملة، ثم لو كانت حرف عطف؛ لما جاز أن يتقدم على ~~الاسم؛ لأن حرف العطف لا يتقدم على المعطوف عليه، ثم لو كانت -أيضا- حرف ~~عطف لما جاز أن يجمع بينها5 وبين الواو، فلما جمع بينهما، دل على أنها ليست ~~حرف عطف؛ لأن حرف العطف، لا يدخل على مثله؛ فاعرفه تصب، إن شاء الله تعالى. ~~PageV01P221 ### | الباب الثامن والأربعون: باب ما لا ينصرف # [العلل المانعة من الصرف] # إن قال قائل: كم العلل التي تمنع الصرف؟ قيل: تسع؛ وهي: وزن الفعل، ~~والوصف، والتأنيث، والألف والنون الزائدتان، والتعريف، والعجمة، والعدل، ~~والتركيب، والجمع، ويجمعها بيتان من الشعر هما1: [الرجز] # جمع ووصف وتأنيث ومعرفة ... وعجمة ثم عدل ثم تركيب # والنون ms126 زائدة من قبلها ألف ... ووزن فعل وهذا القول تقريب # [العلل المانعة من الصرف فروع وأوجه ذلك] # فإن قيل: ومن أين كانت هذه العلل فروعا؟ قيل: لأن وزن الفعل فرع على وزن ~~الاسم، والوصف فرع على /وزن/2 الموصوف، والتأنيث فرع على التذكير، والألف ~~والنون الزائدتان فرع لأنهما تجريان مجرى علامة التأنيث في امتناع دخول ~~علامة التأنيث عليهما، ألا ترى أنه لا يقال: "عطشانة، وكسرانة" كما لا يقال ~~"حمراة وصفراة"، والتعريف فرع على التنكير، والعجمة فرع على العربية، ~~والجمع فرع على الواحد، والعدل فرع؛ لأنه متعلق بالمعدول عنه، والتركيب فرع ~~على الإفراد؛ فهذا وجه كونها فروعا. # [لم تكون العلل مانعة من الصرف؟] # فإن قيل: فلم وجب أن تكون هذه العلل تمنع الصرف؟ قيل: لأنها لما كانت ~~فروعا على ما بينا؛ والفعل فرع على الاسم، وهو أثقل من الاسم لكونه فرعا؛ ~~فقد3 أشبهت الفعل، فإذا اجتمع في الاسم علتان من هذه العلل، وجب أن يمتنع ~~من الصرف؛ لشبهه بالفعل. PageV01P222 # [الممنوع من الصرف لا يكون إلا بتوفر علتين أو علة تقوم مقامهما] # فإن قيل: فلم لم يمتنع1 الصرف بعلة واحدة؟ قيل: لأن الأصل في الأسماء2 ~~الصرف، ولا تمتنع من الصرف بعلة واحدة؛ لأنها لا تقوى على نقله عن أصله، ~~إلا أن تكون العلة تقوم مقام علتين؛ فحينئذ تمنع3 من الصرف بعلة واحدة؛ ~~لقيام علة مقام علتين. # [علة امتناع ما لا ينصرف من التنوين والجر] # فإن قيل: لم منع ما لا ينصرف التنوين والجر؟ قيل لوجهين: # أحدهما: أنه إنما منع من التنوين؛ لأنه علامة التصرف فلما وجد ما يوجب ~~منع التصرف4 وجب أن يحذف، ومنع الجر تبعا له. # والوجه الثاني: أنه إنما منع الجر أصلا، لا تبعا /له/5 لأنه إنما منع من ~~الصرف؛ لأنه أشبه الفعل، والفعل ليس فيه6 جر ولا تنوين؛ فكذلك -أيضا- ما ~~أشبهه. # [علة حمل الجر على النصب في الممنوع من الصرف] # فإن قيل: فلم حمل الجر على النصب في ما لا ينصرف قيل: لأن بين الجر ~~والنصب مشابهة؛ ولهذا حمل الجر على ms127 النصب في التثنية، وجمع المذكر، والمؤنث ~~السالم، فلما حمل الجر على النصب في تلك المواضع؛ فكذلك يحمل الجر على ~~النصب ههنا. # [ما لا ينصرف نكرة كان أم معرفة وعلة ذلك] # فإن قيل: فلم كان جميع ما لا ينصرف في المعرفة، ينصرف في النكرة إلا خمسة ~~أنواع: "أفعل" /إذا كان/8 نعتا؛ نحو: "أزهر"، وما كان آخره ألف التأنيث؛ ~~نحو: "حبلى، وحمراء" وما كان على "فعلان" مؤنثه "فعلى"؛ نحو: "سكران ~~وسكرى"، وما كان جمعا بعد ألفه حرفان، أو ثلاثة أوسطها ساكن؛ نحو: "مساجد، ~~وقناديل" وما كان معدولا عن العدد؛ نحو: "مثنى، وثلاث PageV01P223 # /ورباع/1" وأشباهه؟ قيل: أما "أفعل" فإنما لم ينصرف معرفة ولا نكرة؛ لأنه ~~إذا كان معرفة، فقد اجتمع فيه التعريف ووزن الفعل، وإذا كان نكرة، فقد ~~اجتمع فيه الوصف، ووزن الفعل؛ وذهب أبو الحسن الأخفش إلى أنه إذا سمي به، ~~ثم نكر؛ انصرف؛ لأنه لما سمي به، زال عنه الوصف، وإذا2 نكر، بقي وزن الفعل ~~وحده؛ فوجب أن ينصرف؛ والصحيح: أنه لا ينصرف؛ لأنه إذا نكر، رجع إلى الأصل، ~~وهو الوصف؛ فيجتمع فيه /علتان وهما/3 وزن الفعل والوصف، كما أنهم صرفوا ~~قولهم: "مررت بنسوة أربع" وإن كان على وزن الفعل وهو صفة؛ لأن4 الأصل أن ~~يكون اسما، لا صفة مراعاة للأصل، فكذلك -ههنا- نراعي أصله في الوصف، وإن ~~كان قد سمي به. وأما ما كان آخره ألف التأنيث، فإنما لم ينصرف /البتة/5؛ ~~لأنه مؤنث، وتأنيثه لازم، فكأنه أنث مرتين؛ فلهذا، لا ينصرف؛ لأن العلة ~~فيه، قامت مقام علتين. وأما ما كان على "فعلان" مؤنثه "فعلى"؛ نحو: "سكران ~~وسكرى"؛ فلأن6 الألف والنون فيه أشبهتا ألفي التأنيث؛ نحو: "حمراء" وذلك من ~~وجهين: # أحدهما: امتناع دخول تاء التأنيث. # والثاني: أن بناء مذكره مخالف لبناء مؤنثه، فإن7 لم يكن له /مؤنث/8 على ~~"فعلى"؛ نحو: "عثمان" فإنه لا ينصرف معرفة، وينصرف نكرة، وليس من هذه ~~الأنواع. وأما ما كان جمعا بعد ألفه حرفان أو ثلاثة، أوسطها ساكن؛ فإنما ~~منع من الصرف البتة، وذلك لأربعة أوجه ذكرها الثمانيني9: ms128 # الوجه الأول: أنه لما كان جمعا، لا يمكن جمعه مرة ثانية، فكأنه قد جمع ~~مرتين. # والوجه الثاني: أنه جمع لا نظير له في الآحاد، فعدم النظير يقوم مقام علة ~~ثانية. PageV01P224 # والوجه الثالث: أنه جمع، ولا يمكن أن يكسر مرة ثانية، فأشبه الفعل؛ لأن ~~الفعل لا يدخله التكسير1. # والوجه الرابع: أنه جمع لا نظير له في الأسماء العربية، فجرى مجرى الاسم ~~الأعجمي؛ لأن الأعجمي يكون على غير وزن العربي؛ والوجهان الآخران يرجعان ~~إلى الأولين. وأما ما كان معدولا عن العدد؛ نحو: "مثنى، وثلاث" فإنما منع ~~الصرف في النكرة، وذلك للعدل، والوصف؛ وقيل: لأنه عدل عن اللفظ والمعنى؛ ~~فأما عدله في اللفظ فظاهر، وأما عدله في المعنى؛ فلأن العدد يراد به قبل ~~العدد الدلالة على قدر المعدود، ألا ترى أنك إذا قلت: "جاءني اثنان أو ~~ثلاثة" أردت قدر ما جاءك، وإذا قلت: "جاءني مثنى وثلاث"، لم يجز حتى يتقدم ~~قبله جمع لتدل2 بذكر المعدود على الترتيب، فتقول: "جاءني القوم مثنى مثنى، ~~وثلاث ثلاث"؛ أي: "اثنين اثنين، وثلاثة ثلاثة"، فدل على أنه معدول من جهة ~~اللفظ والمعنى؛ فلذلك، لم ينصرف في النكرة. # [علة جر ما لا ينصرف في التعريف والإضافة] # فإن قيل: فلم دخل/ ... /3 ما لا ينصرف الجر مع الألف واللام، أو الإضافة؟ ~~قيل: لثلاثة أوجه: # الوجه الأول: أنه4 أمن فيه التنوين؛ لأن الألف واللام والإضافة لا تكون ~~مع التنوين؛ فلما وجدت أمن فيه التنوين5؛ فدخله الجر في موضع الجر. # والوجه الثاني: أن الألف واللام والإضافة قامت مقام التنوين، ولو كان ~~التنوين فيه؛ لجاز فيه الجر، فكذلك /مع/6 ما قام مقامه. # والوجه الثالث: أنه بالألف واللام والإضافة بعد عن شبه الفعل، فلما بعد ~~عن شبه الفعل، دخله الجر في موضع الجر؛ لأنه قد صار بمنزلة ما فيه علة ~~واحدة؛ فلهذا المعنى، دخله الجر مع الألف واللام والإضافة؛ فاعرفه تصب، إن ~~شاء الله تعالى. PageV01P225 ### | الباب التاسع والأربعون: باب إعراب الأفعال وبنائها # [علة كون الأفعال ثلاثة] # إن قال قائل: لم كانت الأفعال ثلاثة: "ماض، ms129 وحاضر ومستقبل"؟ قيل: لأن ~~الأزمنة ثلاثة، ولما كانت ثلاثة، وجب أن تكون1 الأفعال ثلاثة: ماض، وحاضر، ~~ومستقبل. # [علة بناء الفعل الماضي على الفتح] # فإن قيل: فلم بني الفعل الماضي على حركة، ولم كانت الحركة فتحة؟ قيل: ~~إنما بني الفعل أولا؛ لأن الأصل في الأفعال البناء، وبني على حركة، تفضيلا ~~له على فعل الأمر؛ لأن الفعل الماضي أشبه الأسماء في الصيغة2؛ نحو قولك: ~~مررت برجل ضرب، كما تقول: مررت برجل ضارب؛ وأشبه3 -أيضا- ما أشبه الأسماء ~~في الشرط والجزاء؛ فإنك تقول: إن فعلت فعلت؛ والمعنى فيه: إن تفعل أفعل؛ ~~فلما قام الماضي مقام المستقبل؛ والمستقبل قد أشبه الأسماء؛ وجب أن يبنى ~~على حركة، تفضيلا له على فعل الأمر الذي ما أشبه الأسماء، ولا أشبه ما ~~أشبهها. وإنما كانت الحركة فتحة لوجهين: # أحدهما: أن الفتحة أخف الحركات، فلما وجب بناؤه على حركة؛ وجب أن يبنى ~~على أخف الحركات. # والوجه الثاني: أنه لا يخلو إما أن يبنى على الكسر، أو على الضم، أو على ~~الفتح؛ فبطل4 أن يبنى على الكسر؛ لأن الكسر ثقيل، والفعل ثقيل، والثقيل لا ~~ينبغي أن يبنى على ثقيل، وإذا كان الجر لا يدخله، وهو غير لازم لثقله، فألا ~~يدخله الكسر الذي هو لازم، كان ذلك من طريق الأولى؛ وإذا بطل PageV01P226 # أن يبنى على الكسر؛ بطل أن يبنى على الضم -أيضا- لثلاثة أوجه: # الوجه الأول: أن الضم أثقل، وإذا بطل أن يبنى على الثقيل، فلئلا1 يبنى ~~على الأثقل أولى. # والوجه الثاني: أن الضم أخو الكسر؛ لأن الواو أخت الياء، ألا ترى أنهما ~~يجتمعان في الردف /في/2 نحو قوله3: [الوافر] # ولا تكثر على ذي الضغن عتبا ... ولا ذكر التجرم للذنوب # ولا تسأله عما سوف يبدي ... ولا عن عيبه لك بالمغيب # متى تك في صديق أو عدو ... تخبرك العيون عن القلوب4 # والوجه الثالث: إنما لم يبن على الضم؛ لأن من العرب من يجتزئ بالضمة عن ~~الواو، فيقول في قاموا: "قام" وفي كانوا: "كان" قال الشاعر5: [الوافر] # فلو أن الأطبا كان حولي ... وكان مع الأطباء ms130 الشفاء6 # وإذا بطل أن يبنى على الكسر والضم؛ وجب أن يبنى على الفتح. # [علة بناء الأمر على السكون] # فإن قيل: فلم بني فعل الأمر على الوقف؟ قيل: لأن الأصل في الأفعال ~~البناء، والأصل في البناء أن يكون على الوقف؛ (فبني على الوقف) 7 لأنه ~~الأصل. و /قد/8 ذهب الكوفيون إلى أنه معرب، وإعرابه الجزم، واستدلوا على ~~ذلك من ثلاثة أوجه: PageV01P227 # الوجه الأول: أنهم قالوا إنما قلنا: إنه معرب مجزوم؛ لأن الأصل في: "قم، ~~واذهب: لتقم، ولتذهب" قال الله تعالى: {فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون} ~~1 وذكر أنها قراءة النبي -صلى الله عليه وسلم- وقد روي عن النبي -صلى الله ~~عليه وسلم- أنه قال في بعض مغازيه: "لتأخذوا مصافكم"2؛ فدل على أن الأصل في ~~"قم: لتقم، واذهب: لتذهب" إلا أنه لما كثر /في/3 كلامهم، وجرى على ألسنتهم؛ ~~استثقلوا مجيء اللام فيه مع كثرة الاستعمال /فيه/4؛ فحذفوها5 مع حرف ~~المضارعة تخفيفا؛ كما قالوا: "إيش" والأصل فيه: "أي شيء" وكقولهم: "ويلمه" ~~والأصل فيه: "ويل أمه"؛ فحذفوا لكثرة الاستعمال؛ فكذلك ههنا. # والوجه الثاني: أنهم قالوا: أجمعنا على أن فعل النهي معرب مجزوم؛ نحو: ~~"لا تقم، ولا تذهب" فكذلك فعل الأمر؛ نحو: "قم، واقعد"؛ لأن النهي ضد ~~الأمر، وهم يحملون الشيء على ضده، كما يحملونه على نظيره. # والوجه الثالث6: أنهم قالوا: الدليل على أنه مجزوم، أنك تقول في المعتل: ~~"اغز، ارم، اخش" فتحذف الواو، والياء، والألف، كما تقول: "لم يغز، لم يرم، ~~لم يخش" فدل على أنه مجزوم بلام مقدرة، وقد يجوز إعمال حرف الجزم مع الحذف؛ ~~قال الشاعر7: [الوافر] # محمد تفد نفسك كل نفس ... إذا ما خفت من أمر تبالا8 # و/أما/9 ما ذهب إليه الكوفيون ففاسد؛ وقولهم: إن الأصل في: "قم: لتقم، ~~واذهب: لتذهب" إلا أنهم حذفوه10؛ لكثرة الاستعمال؛ قلنا: ليس PageV01P228 # كذلك، فإنه1 لو كان الأمر كما زعمتم؛ لوجب أن يختص الحذف بما يكثر ~~استعماله، دون ما لا يكثر استعماله؛ فلما قيل: "اقعنسس2، واحرنجم3، ~~واعلوط"4 وما أشبه ذلك بالحذف، ولا يكثر استعماله؛ دل على فساد ms131 ما ذهبوا ~~إليه. فقولهم: إن فعل النهي معرب مجزوم، فكذلك فعل الأمر؛ قلنا: هذا ~~/قياس/5 فاسد؛ لأن فعل النهي في أوله حرف المضارعة الذي أوجب المشابهة ~~بالاسم، فاستحق الإعراب، فكان معربا، وأما فعل الأمر، فليس في أوله حرف ~~المضارعة الذي يوجب للفعل المشابهة بالاسم، فيستحق الإعراب؛ فكان باقيا على ~~أصله. وقولهم: إنه بحذف الواو والياء والألف؛ نحو: "اغز، ارم، اخش" كما ~~تقول: "لم يغز، لم يرم، لم يخش"، فنقول: إنما حذفت هذه الأحرف للبناء، لا ~~للإعراب، حملا للفعل المعتل على الفعل الصحيح؛ حملا للفرع على الأصل، والذي ~~يدل على ### | ..... # 6 صحة ما ذكرناه أن حروف الجر لا تعمل /مع الحذف/7؛ فحروف الجزم أولى، ~~وأما البيت الذي أنشدوه؛ وهو قوله8: # محمد تفد نفسك كل نفس # فقد أنكره أبو العباس المبرد، ولو سلمنا صحته؛ فنقول: قوله: "تفد نفسك ~~/كل نفس/9" لم تحذف الياء للجزم بلام مقدرة، وإنما حذفت الياء للضرورة، ~~واجتزاء بالكسرة عن الياء، وهو في كلامهم أكثر من أن يحصى، وإن سلمنا أن ~~الأصل: "لتفد" وأنه مجزوم بلام مقدرة، إلا10 أنا نقول: إنما حذفت اللام ~~لضرورة الشعر، وما حذف للضرورة، لا يجوز أن يجعل11 أصلا PageV01P229 # يقاس عليه؛ وقد بينا هذه المسألة مستقصاة في المسائل الخلافية. # [علة إعراب الفعل المضارع] # فإن قيل: فلم أعرب الفعل المضارع؟ قيل: لأنه أشبه الأسماء من الخمسة ~~الأوجه التي ذكرناها قبل في صدر الكتاب؛ وإعرابه: الرفع، والنصب، والجزم، ~~فأما الرفع، فلقيامه مقام الاسم، وقد ذكر1 -أيضا- في صدر الكتاب، وأما ~~النصب والجزم فسنذكرهما -أيضا- فيما بعد هذا الباب، إن شاء الله تعالى. # [علة إثبات حروف العلة في الرفع وحذفها في الجزم] # فإن قيل: فلم قالوا: "هو يغزو، ويرمي، ويخشى" فأثبتوا الواو والياء ~~والألف ساكنة في حالة الرفع، وحذفوها في حالة الجزم، وفتحوا الواو والياء ~~في حالة النصب، فسووا2 في يخشى بين النصب والرفع؛ قيل: إنما أثبتوها ساكنة ~~في الرفع؛ لأن الأصل أن يقال: "هو يغزو، ويرمي، ويخشى" بضم الواو في "يغزو" ~~والياء في "يرمي، ويخشى" لإلا أنهم استثقلوا الضمة ms132 على الواو من "يغزو" ~~وعلى الياء من "يرمي" فحذفوها؛ فبقيت3 الواو من "يغزو" ساكنة، وكذلك الياء ~~من "يخشى" فانقلبت ألفا؛ لتحركها، وانفتاح ما قبلها، وإنما حذفوا هذه ~~الحروف في الجزم؛ لأنها أشبهت الحركات، ووجه الشبه من وجهين: # أحدهما: أن هذه الحروف مركبة من الحركات على قول بعض النحويين، والحركات ~~مأخوذة منها على قول آخرين، وعلى كلا القولين، فقد حصلت المشابهة بينهما. # والوجه الثاني: أن هذه الحروف /-ههنا-/4 لا تقوم بها الحركات، كما أن ~~الحركات كذلك، وكما أنها تحذف للجزم، فكذلك هذه الحروف، وقد حكي عن أبي بكر ~~ابن السراج أنه شبه الجازم بالدواء، والحركة في الفعل بالفضلة التي يخرجها ~~الدواء، وكما أن الدواء إذا5 صادف فضلة حذفها، وإن لم يصادف /فضله/6 أخذ من ~~نفس الجسم، فكذلك الجازم إذا دخل على الفعل؛ إن وجد حركة أخذها، وإلا أخذ ~~من نفس الفعل. وسهل حذفها، وإن PageV01P230 # كانت أصلية؛ لسكونها؛ لأنها بالسكون تضعف، فتصير في حكم الحركة، فكما1 أن ~~الحركة تحذف، فكذلك هذه الحروف. وإنما فتحوا الواو والياء في "يغزو، ويرمي" ~~في النصب لخفة الفتحة؛ فانقلبت2 الياء في /نحو/3 "يخشى" ألفا؛ لتحركها في ~~النصب، وانفتاح ما قبلها، كما قلبناها في حالة الرفع؛ لتحركها بالضم في ~~الأصل، وانفتاح ما قبلها. # [علة ثبوت النون رفعا وحذفها نصبا وجزما في الأفعال الخمسة] # فإن قيل: فلم كانت الخمسة الأمثلة؛ نحو: "يفعلان، وتفعلان، ويفعلون، ~~وتفعلون، وتفعلين" في حالة الرفع بثبوت النون، وفي حالة النصب والجزم ~~بحذفها؟ قيل: لأن هذه الأمثلة، لما وجب أن تكون معربة، لم يمكن أن تجعل ~~اللام حرف الإعراب، وذلك؛ لأنه من الإعراب الجزم، فلو أنها حرف إعراب؛ لوجب ~~أن يسقط4 في حالة الجزم، فكان5 يؤدي إلى أن يحذف ضمير الفاعل، وذلك لا ~~يجوز، ولم يمكن -أيضا- أن يجعل الضمير حرف الإعراب؛ لأنه في الحقيقة ليس ~~مجزوم6 الفعل، وإنما هو قائم بنفسه في موضع رفع؛ لأنه فاعل، فلا يجوز أن ~~يجعل حرف إعراب لكلمة أخرى؛ فوجب أن يكون الإعراب بعدها؛ فزادوا النون؛ ~~لأنها تشبه حروف المد واللين، ms133 وجعلو ثبوتها علامة للرفع، والحذف7 علامة ~~للنصب والجزم، وإنما جعلوا الثبوت علامة للرفع، والحذف علامة للجزم والنصب، ~~ولم يكن بعكس ذلك؛ لأن الثبوت أول، والحذف طار عليه، كما أن الرفع أول، ~~والجزم والنصب طاريان8 عليه، فأعطوا الأول الأول، والطارئ الطارئ، والنصب ~~فيهما محمول على الجزم؛ لأن الجزم في الأفعال، نظير الجر في الأسماء، وكما ~~أن النصب في التثنية والجمع محمول على الجر، فكذلك النصب -ههنا- محمول على ~~الجزم. # [علة استواء الأفعال الخمسة في النصب والجزم] . # فإن قيل: فلم استوى النصب والجزم في قولهم: "أنت تفعلين" للواحدة، وليس ~~في الأسماء الآحاد ما حمل نصبه على جره؟ قيل: لأن قولهم: "أنت تفعلين" ~~PageV01P231 # يشابه لفظ الجمع، ألا ترى أن الجمع في حالة النصب والجر يكون في آخره ياء ~~قبلها كسرة، وبعدها نون؛ كقولهم1: "تفعلين" فلما أشبه لفظ الجمع، حمل عليه؛ ~~ولهذا، فتحت النون منه حملا على الجمع -أيضا- وكذلك كسروا النون في ~~"يفعلان" وفتحوها من "يفعلون" حملا على تثنية الأسماء وجمعها. وهذه الأمثلة ~~معربة، لا حرف إعراب لها، وذلك لما بينا من استحالة جعل اللام أو الضمير أو ~~النون حرف الإعراب، وليس لها نظير في كلامهم. # [علة عدم كون يفعلان ويفعلون مثنى وجمعا] # فإن قيل: فهلا كان "يفعلان، ويفعلون" تثنية وجمعا ل"يفعل" كما كان ~~"زيدان، وزيدون" تثنية وجمعا ل"زيد"؟ قيل: لأن الفعل لا يجوز تثنيته، ولا ~~جمعه، وإنما لم يجز ذلك لأربعة أوجه: # الوجه الأول: أن الفعل يدل على المصدر، والمصدر لا يثنى ولا يجمع؛ لأنه ~~يدل على الجنس، إلا أن تختلف أنواعه، فيجوز تثنيته وجمعه، فلما كان الفعل ~~يدل على المصدر /المبهم/2 الدال على الجنس، لم يجز تثنيته ولا جمعه. # والوجه الثاني: أن الفعل لو جازت تثنيته مع الاثنين، وجمعه مع الجماعة؛ ~~لجازت تثنيته وجمعه مع الواحد، فكان يجوز أن يقال: "زيد قاما، وقاموا" إذا ~~فعل ذلك مرتين أو مرارا، فلما لم يجز ذلك، دل على أنه لا يثنى، ولا يجمع. # والوجه الثالث: أن الفعل ليس بذات يقصد إليها بأن يضم إليها غيرها، كما ms134 ~~يكون ذلك في الأسماء؛ فلذلك لم يثن، ولم يجمع. # والوجه الرابع: أن الفعل يدل على مصدر، وزمان، فصار في المعنى كأنه ~~اثنان، فكما لا يجوز تثنية الاسم المثنى كذلك3 لا يجوز تثنية الفعل. # [الألف والواو في الأفعال الخمسة تدلان على تثنية وجمع الضمير لا الفعل] # فإن قيل: أليس الألف في "يفعلان" تدل على التثنية، والواو في "يفعلون" ~~تدل على الجمع؟ قيل: الألف والواو تدلان على التثنية والجمع، لكن4 على ~~تثنية الضمير وجمعه، لا على تثنية الفعل وجمعه لما5 بينا؛ فاعرفه تصب، إن ~~شاء الله تعالى. PageV01P232 ### | الباب الخمسون: باب الحروف التي تنصب الفعل المستقبل # [علة عمل الأحرف الناصبة للفعل المضارع] # إن قال قائل: لم وجب أن تعمل "أن، ولن، وإذن، وكي" النصب؟ قيل: إنما وجب ~~أن تعمل لاختصاصها بالفعل، ووجب أن يكون عملها النصب؛ لأن "أن" الخفيفة ~~تشبه "أن" الثقيلة، و"أن" الثقيلة تنصب الاسم، فكذلك "أن" هذه يجب أن تنصب ~~الفعل، وحملت "لن، وإذن، وكي" على "أن"، وإنما حملت عليها؛ لأنها تشبهها، ~~ووجه الشبه بينهما أن "أن" الخفيفة تخلص الفعل المضارع للاستقبال، وهذه ~~الحروف تخلص الفعل المضارع للاستقبال، فلما اشتركا في هذا المعنى، حملت ~~عليها. ويحكى عن الخليل بن أحمد1 أنه قال: لا ينصب /شيء/2 من الأفعال إلا ~~ب"أن" مظهرة أو مقدرة، والأكثرون على خلافه. وتكون "أن" مع الفعل بعدها ~~بمنزلة المصدر، ألا ترى أنك إذا قلت: "أن تفعل كذا خير لك".. 3 كان ~~التقدير: "فعلك كذا خير لك" وما أشبه ذلك. وأما "لن" ففيها قولان؛ فذهب ~~الخليل إلى أنها مركبة من كلمتين؛ وأصلها "لا أن" فحذفوا الألف من "لا"، ~~والهمزة من "أن" لكثرة الاستعمال؛ (كقولهم: ويل أمه) 4: "ويلمه" وركبوا ~~إحداهما مع الأخرى، فصار "لن". وذهب سيبويه إلى أنها ليست مركبة من كلمتين؛ ~~بل هي بمنزلة شيء على حرفين، ليس فيها زيادة؛ قال سيبويه: "ولو كانت على ما ~~يقول الخليل، لما قلت: "أما زيدا فلن أضرب"؛ لأن ما بعد "أن" لا يعمل في ما ~~قبلها. ويمكن PageV01P233 # أن يعتذر عن الخليل بأن ms135 يقال: إن الحروف1 إذا ركبت تغير حكمها بعد ~~التركيب، عما كانت عليه قبل التركيب، ألا ترى أن "هل" لا يجوز أن يعمل ما ~~بعدها في ما قبلها، وإذا ركبت مع "لا" ودخلها معنى التخصيص؛ جاز أن يعمل ما ~~بعدها في ما قبلها، فيقال: "زيدا هلا ضربت" فكذلك ههنا؟ ويمكن أن يقال على ~~هذا -أيضا- أن "هلا" ذهب منها معنى الاستفهام؛ فجاز أن يتغير حكمها، وأما ~~"لن" فمعنى النفي باق فيها؛ فينبغي ألا يتغير حكمها. وأما "إذن" فتستعمل ~~على ثلاثة أضرب: # الأول: أن تكون عاملة، وهو أن يدخل على الفعل المضارع، فيراد به ~~الاستقبال، ويكون جوابا، نحو أن يقول القائل: "أنا أزورك" فتقول: "إذن ~~أكرمك"، فيجب إعمالها لا غير. # والثاني: أن يدخل عليها الواو والفاء للعطف، فيجوز إعمالها وإهمالها؛ ~~نحو2 قولك: "إن تكرمني، أنا أكرمك وإذن أحسن إليك" فيجوز إعمالها، فتنصب ~~الفعل بعدها، كما لو ابتدأت بها، فترجع إلى القسم الأول، ويجوز إهمالها؛ ~~فترفع الفعل بعدها؛ لأنه3 مع الضمير المستكن فيه خبر مبتدأ محذوف؛ والتقدير ~~فيه: "وأنا إذن أحسن إليك"4، فرجع إلى القسم الثالث. # والثالث: أن تدخل بين كلامين؛ أحدهما متعلق5 بالآخر؛ نحو: أن تدخل بين ~~الشرط وجوابه؛ نحو: "إن تكرمني إذن أكرمك" وبين المبتدأ وخبره؛ نحو: "زيد ~~إذن يقوم" وما أشبه ذلك، فلا يجوز إعمالها بحال، وكذلك6 إذا دخلت على فعل ~~الحال؛ نحو قولك: "إذن أظنك كاذبا" إذا أردت أنك في حال ظن؛ وذلك لأن "إذن" ~~إنما عملت؛ لأنها أشبهت "أن" و"أن" لا تدخل على فعل الحال، ولا يكون بعدها ~~إلا المستقبل، فإذا7 زال الشبه، بطل العمل. وأما "كي" فتستعمل على ضربين؛ ~~أحدهما: (أن تعمل بنفسها، فتكون مع الفعل بمنزلة الاسم الواحد؛ نحو: "جئتك ~~لكي تعطيني حقي". # والثاني) 8: أن تعمل بتقدير "أن" لأنهم يجعلونهم بمنزلة حرف جر، ~~PageV01P234 # ولأنهم1 يقولون "كيما" كما يقولون "كما"، وإنما وجب أن يقدر بعدها "أن" ~~لأن حروف الجر، لا تعمل في الفعل. # فإن قيل: فلم وجب تقدير "أن" بعدها، وبعد الفاء، والواو، وأو، واللام، ~~وحتى، دون أخواتها؟ ms136 قيل: لثلاثة أوجه: # /الوجه/2 الأول: أن "أن" هي الأصل في العمل. # والوجه الثاني: أن "أن" ليس لها معنى في نفسها بخلاف3: "لن، وإذن، وكي" ~~فلنقصان معناها، كان تقديرها أولى من سائر أخواتها. # والوجه الثالث: أن "أن" لما كانت تدخل على الفعل الماضي والمستقبل، ولا ~~يوجد هذا في سائر أخواتها، فقد وجد فيها مزية على سائر أخواتها (في حالة ~~إظهارها) 4، فإذا وجد فيها مزية على سائر أخواتها في حالة الإظهار، كانت ~~أولى بالإضمار؛ فاعرفه تصب، إن شاء الله تعالى. PageV01P235 ### | الباب الحادي والخمسون: باب حروف الجزم # [علة إعمال الأدوات الجازمة الجزم في الأفعال] # إن قال قائل: لم وجب أن تعمل "لم، ولما، ولام الأمر، ولا في النهي" في ~~الفعل المضارع الجزم؟ قيل: إنما وجب أن تعمل /الجزم/1 لاختصاصها بالفعل؛ ~~وذلك لأن "لم" لما2 كانت تدخل على الفعل المضارع، فتنقله إلى معنى الماضي، ~~كما أن "إن" التي للشرط والجزاء تدخل على الفعل الماضي، فتنقله إلى معنى ~~المستقبل، فقد أشبهت حرف الشرط، وحرف الشرط يعمل الجزم، فكذلك3 ما أشبهه؛ ~~وإنما وجب لحرف الشرط أن يعمل الجزم؛ لأنه يقتضي جملتين، فلطول ما يقتضيه ~~حرف الشرط اختير له الجزم؛ لأنه حذف وتخفيف، فبمنزلته "لم" في النقل، وكان ~~محمولا عليه. وأما "لام الأمر" فإنما وجب أن تعمل الجزم؛ لاشتراك الأمر ~~باللام، وبغير اللام في المعنى، فيجب أن تعمل لام4 الجزم؛ ليكون الأمر ~~باللام؛ مثل الأمر بغير اللام في اللفظ، وإن كان أحدهما /كان/5 جزما، ~~والآخر وفقا. فأما6 "لا" في النهي، فإنما وجب أن تجزم حملا على الأمر؛ لأن ~~الأمر ضد النهي، وهم يحملون الشيء على ضده كما يحملونه على نظيره، ولما كان ~~الأمر مبنيا على الوقف، وقد حمل النهي عليه، جعل النهي نظيرا له في اللفظ، ~~وإن كان أحدهما جزما، والآخر وقفا على ما بينا؛ فلهذا، وجب أن تعمل الجزم. # فإن قيل: فإذا7 كان الأصل في "لم" تدخل على الماضي، فلم نقل PageV01P236 # إلى لفظ المضارع؟ قيل: لأن "لم" يجب أن تكون عاملة، فلو لزم ما بعدها ~~الماضي، ms137 لما تبين عملها، فنقل الماضي إلى المضارع؛ ليتبين عملها. # فإن قيل: فهلا جوزتم دخولها على الماضي والمستقبل، كما جاز في حرف الشرط ~~والجزاء؟ (قيل: الفرق بينهما ظاهر، وذلك لأن الأصل في حروف الشرط والجزاء) ~~1 أن تدخل على فعل2 المستقبل، والمستقبل أثقل من الماضي، فعدل عن الأثقل ~~إلى الأخف، فأما "لم" فالأصل فيها أن تدخل على الماضي، وقد وجب سقوط الأصل، ~~فلو جوزنا دخولها على الماضي الذي هو الأصل؛ لما جاز دخولها على /الفعل/3 ~~المضارع الذي هو الفرع؛ لأنه إذا استعمل الذي هو الأخف، لم يستعمل الفرع ~~الذي هو الأثقل؛ فاعرفه تصب، إن شاء الله تعالى. PageV01P237 ### | الباب الثاني والخمسون: باب الشرط والجزاء # [علة إعمال "إن" الجزم في المضارع] # إن قال قائل: لم عملت "إن" الجزم في الفعل المضارع؟ قيل: إنما عملت ~~لاختصاصها، وعملت الجزم لما بينا /من/1 أنها تقتضي جملتين: الشرط والجزاء، ~~فلطول ما تقتضيه اختير لها الجزم؛ لأنه حذف وتخفيف. فأما ما عدا "إن" من ~~الألفاظ التي يجازى بها؛ نحو: "من، وما، وأي، ومهما، ومتى، وأين/وأيان/2، ~~وأنى، وأي حين، وحيثما، وإذ ما" فإنما عملت؛ لأنها قامت مقام (إن فعملت ~~عملها، وكلها مبنية لقيامها مقامها) 3 ما عدا "أيا"4 وسنذكر معانيها، ولم ~~أقيمت مقام الحرف، مستوفى في باب الاستفهام. # [العامل في جواب الشرط وخلافهم في ذلك] # فإن قيل: فما العامل في جواب الشرط؟ قيل: اختلف النحويون في ذلك؛ فذهب ~~بعض النحاة5 إلى أن العامل فيه حرف الشرط، كما يعمل في فعل الشرط؛ وذهب ~~بعضهم إلى أن حرف الشرط، وفعل الشرط يعملان فيه؛ وذهب آخرون إلى أن حرف ~~الشرط يعمل في فعل الشرط، وفعل الشرط يعمل في جواب الشرط؛ وذهب أبو عثمان ~~المازني، إلى أنه مبني على الوقف. فمن قال: إن حرف الشرط يعمل فيهما جميعا؛ ~~قال: لأن حرف الشرط يقتضي جواب الشرط، كما يقتضي فعل الشرط؛ ولهذا المعنى، ~~يسمى حرف الجزاء، فكما عمل في فعل الشرط، فكذلك يجب أن يعمل في جواب الشرط. ~~وأما من قال: إنهما جميعا يعملان فيه؛ ms138 فلأن فعل الشرط يقتضي الجواب، كما أن ~~حرف الشرط يقتضي الجواب، فلما اقتضياه6 معا؛ عملا فيه معا. وأما من ~~PageV01P238 # قال: إن حرف الشرط يعمل في فعل الشرط، وفعل الشرط يعمل في الجواب، فقال: ~~لأن فعل الشرط يقتضي الجواب، وهو أقرب إليه من الحرف، فكان عمله فيه أولى ~~من الحرف. وأما من قال: إنه مبني على الوقف؛ فقال: لأن الفعل المضارع، إنما ~~أعرب لوقوعه موقع الأسماء، والجواب -ههنا- لم يقع موقع الأسماء؛ فوجب أن ~~يكون مبنيا. وذهب الكوفيون إلى أنه مجزوم1 على الجوار؛ لأن جواب الشرط ~~مجاور لفعل الشرط، فكان محمولا عليه في الجزم، والحمل على الجوار كثير في ~~كلامهم، قال الشاعر2: [البسيط] # كأنما ضربت قدام أعينها ... قطنا بمستحصد الأوتار محلوج3 # وكان يقتضي أن يقال: "محلوجا" فخفضه على الجوار4، وكقول الآخر5: [الرجز] # كأن نسج العنكبوت المرمل6 # وكقولهم: "جحر ضب خرب" وما أشبه ذلك؛ وهذا ليس بصحيح؛ لأن الحمل على ~~الجوار قليل، يقتصر فيه على السماع، ولا يقاس عليه لقلته. وقد اعترض على ~~هذه المذاهب كلها باعتراضات: فأما من قال إن حرف الشرط PageV01P239 # يعمل فيهما وحده، فاعترض عليه بأن حرف الشرط حرف جزم، والحروف الجازمة لا ~~تعمل في شيئين لضعفها، وأما قول من قال: إن حرف الشرط، وفعل الشرط يعملان ~~في الجواب، فلا يخلو عن ضعف، وذلك لأن1 الأصل في الفعل ألا يكون عاملا في ~~الفعل، فإذا لم يكن له تأثير في العمل في الفعل، وحرف الشرط له تأثير، ~~فإضافة ما لا تأثير له، إلى ما له تأثير، لا تأثير له. وأما قول من قال: ~~إنه مبني على الوقف؛ لأنه لم يقع موقع الاسم ففاسد -أيضا- وذلك؛ لأن الفعل ~~إذا ثبتت2 له المشابهة بالاسم في موضع، /و/3 استحق الإعراب بتلك المشابهة، ~~لم يشترط ذلك في كل موضع؛ ألا ترى أن الفعل المضارع يكون معربا بعد حروف ~~النصب؛ نحو: لن تقوم، وبعد حروف الجزم؛ نحو: لم يقم. وإن لم يجز4 أن يقع ~~موقع الأسماء، (فكذلك ههنا) 5 على أن وقوعه موقع الأسماء إنما هو موجب ms139 لنوع ~~من الإعراب وهو الرفع، وقد زال حملا لجنس الإعراب، وليس من ضرورة (زوال نوع ~~منه زوال جملة الجنس) 6. والصحيح عندي: أن يكون العامل /هو/7 حرف الشرط، ~~بتوسط فعل الشرط؛ لا أنه8 عامل معه لما بينا؛ فاعرفه تصب، إن شاء الله ~~تعالى. PageV01P240 ### | الباب الثالث والخمسون: باب المعرفة والنكرة # [النكرة أصل المعرفة] # إن قال قائل: هل المعرفة أصل أو النكرة؟ قيل: لا بل النكرة هي الأصل؛ لأن ~~التعريف طارئ1 على التنكير. # [تعريف النكرة والمعرفة] # فإن قيل: ما حد /النكرة/2 والمعرفة؟ قيل: حد النكرة ما لم يخص الواحد من ~~جنسه؛ نحو "رجل، وفرس، ودار" وما أشبه ذلك، وحد المعرفة ما خص الواحد من ~~جنسه. # [الفرق بين النكرة والمعرفة] # فإن قيل: فبأي شيء تعتبر النكرة من المعرفة؟ قيل: بشيئين؛ أحدهما: دخول ~~الألف واللام؛ نحو: الفرس، والغلام، ودخول "رب" عليها؛ نحو: رب فرس وغلام، ~~وما أشبه ذلك. # [أنواع المعرفة] # فإن قيل: فعلى كم نوعا تكون المعرفة؟ قيل: /هي/3 على خمسة أنواع؛ الاسم ~~المضمر، والعلم، والمبهم -وهو اسم الإشارة- وما عرف بالألف واللام، وما ~~أضيف إلى /أحد/ 4 هذه المعارف؛ فأما الاسم المضمر فعلى ضربين؛ منفصل، ~~ومتصل. # [الضمير المنفصل ضربان: مرفوع ومنصوب] # فأما المنفصل فعلى ضربين؛ مرفوع، ومنصوب، فأما المرفوع، فهو: "أنا، ~~PageV01P241 # ونحن، وأنت، وأنتما، وأنتم، وأنت، وأنتن، وهو، وهما، وهم، وهي، وهن" وأما ~~المنصوب المنفصل: "فإياي، وإيانا، وإياك، وإياكما، وإياكم، /وإياك/1، ~~وإياكن، وإياه، وإياهما، وإياهم، وإياها، وإياهن". وذهب الخيل إلى أنه مظهر ~~استعمل استعمال المضمر؛ ومنهم من قال: إنه اسم مبهم أضيف للتخصيص، ولا يعلم ~~اسم مبهم أضيف غيره؛ ومنهم من قال: إنه بكماله اسم مضمر، ولا يعلم اسم مضمر ~~يختلف آخره غيره؛ ومنهم من قال: إنه اسم مضمر أضيف إلى الكاف، ولا يعلم اسم ~~مضمر أضيف غيره. والصحيح: أن "إيا" /هو/2 اسم مضمر، والكاف للخطاب، ولا ~~موضع لها من الإعراب؛ وذهب الكوفيون إلى أن المضمر، هو الكاف و"إيا" عماد؛ ~~وهذا ليس بصحيح؛ لأن الشيء لا يعتمد3 بما هو أكثر منه، وقد بينا فساد ذلك ms140 ~~مستقصى في المسائل الخلافية4. # [الضمير المتصل ثلاثة أضرب] # وأما المتصل فعلى ثلاثة أضرب؛ مرفوع، ومنصوب، ومجرور. # [الضمائر المتصلة المرفوعة] # فأما المرفوع؛ فنحو: "قمت، وقمنا، وقمت، وقمتما، وقمت، وقمتن" والمضمر في ~~"قام، وقاما، وقاموا، وقامت، وقامتا، وقمن" والضمير في اسم الفاعل؛ نحو: ~~"ضارب" والضمير في اسم المفعول؛ نحو: "مضروب" وما أشبه ذلك. # [الضمائر المتصلة المنصوبة] # وأما المنصوب المتصل؛ فنحو: "رأيتني، ورأيتنا، ورأيتك، ورأيتكما؛ ~~ورأيتكم، ورأيتكن، ورأيته، ورأيتهما، ورأيتهم، ورأيتها، ورأيتهن" وما أشبه ~~ذلك. # [الضمائر المتصلة المجرورة] # وأما المجرور فلا يكون إلا متصلا؛ نحو "مر بي، وبنا، وبك، وبكما، وبكم، ~~وبك، وبكن، وبه، وبهما، وبهم، وبها، وبهن" وما أشبه ذلك. # [علة عدم مجيء ضمير الجر المتصل مرفوعا أو منصوبا] # فإن قيل: فلم كان المرفوع والمنصوب ضميرين؛ متصلا ومنفصلا، ولم يكن ~~المجرور كذلك؟ قيل: لأن المرفوع والمنصوب يجوز في كل واحد منهما ~~PageV01P242 # أن يفصل بينه وبين عامله، ألا ترى أن المرفوع يجوز أن يتقدم، فيرفع1 ~~بالابتداء، فلا يتعلق بعامل لفظي، وكذلك المنصوب يجوز أن يتقدم على الناصب، ~~كتقدم المفعول على الفعل والفاعل، فلما كانا يتصلان بالعامل تارة، وينفصلان ~~/تارة/2 أخرى؛ وجب أن يكون لهما ضميران؛ متصل، ومنفصل؛ وأما المجرور، فلا ~~يجوز أن يتقدم على عامله، ولا يفصل بين عامله ومعموله إلا في ضرورة لا يعتد ~~بها؛ فوجب أن يكون ضميره متصلا لا غير. # [اسم العلم] # وأما الاسم العلم؛ فنحو: "زيد، وعمرو، وأبي محمد" وأشباه3 ذلك. # [اسم الإشارة] # وأما المبهم؛ فنحو: "هذا، وهذان، وهذه، وهاتان، وتيك، وتلك، وتانك، ~~وتينك، وهؤلاء" وما أشبه ذلك. # [المعرف بالألف واللام] # وأما ما عرف بالألف واللام؛ فنحو قولك: "الرجل، والغلام"، وقد اختلف ~~النحويون في ذلك؛ فذهب الخليل إلى أن تعريفه بالألف واللام /معا/4، وذهب ~~سيبويه إلى أن تعريفه باللام وحدها، وأنها لما زيدت للتعريف ساكنة، أدخلوا ~~عليها الهمزة لئلا يبتدأ بالساكن؛ لأن الابتداء بالساكن محال /و/5 في ~~الخلاف بينهما كلام طويل، لا يليق ذكره بهذا المختصر، وقد أفردنا كتابا ~~فيه. وأما ما أضيف إلى أحد هذه المعارف فنحو: غلامي، ms141 وغلام زيد، وغلام هذا، ~~وغلام الرجل، وغلام صاحب عمرو، وما أشبه ذلك. # [أعرف المعارف] # فإن قيل: فما أعرف هذه المعارف؟ قيل: اختلف النحويون في ذلك؛ فذهب بعضهم ~~إلى أن الاسم المضمر أعرف المعارف، ثم الاسم العلم، ثم الاسم المبهم، ثم ما ~~فيه الألف واللام، وأعرف الضمائر ضمير المتكلم؛ لأنه لا يشاركه فيه /أحد/6 ~~غيره، فلا يقع فيه التباس، بخلاف غيره من سائر PageV01P243 # المعارف، والذي يدل على؛ أن الضمائر أعرف المعارف، أنها لا تفتقر إلى أن ~~توصف كغيرها من المعارف، وهو قول سيبويه. وذهب بعضهم إلى أن الاسم المبهم ~~أعرف المعارف، ثم المضمر، ثم العلم، ثم ما فيه الألف واللام؛ وهو قول أبي ~~بكر ابن السراج1. وذهب آخرون إلى أن أعرف المعارف الاسم العلم، لأنه في أول ~~وضعه، لا يكون له مشارك /ب/2, ثم المضمر، ثم المبهم، ثم ما عرف بالألف ~~واللام؛ وهو قول أبي سعيد السيرافي3. فأما ما عرف بالإضافة؛ فتعريفه بحسب ~~ما يضاف إليه من المضمر، والعلم، والمبهم، وما فيه الألف واللام على اختلاف ~~الأقوال. # [علة بناء الأسماء المضمرة والمبهمة] # فإن قيل: فلم بني الاسم المضمر والمبهم دون سائر المعارف؟ قيل: أما ~~المضمر فإنما بني؛ لأنه أشبه الحرف؛ لأنه جعل دليلا على المظهر، فإذا جعل ~~علامة على غيره، أشبه تاء التأنيث /وإذا أشبه تاء التأنيث/4، فقد أشبه ~~الحرف، وإذا أشبه الحرف، فيجب أن يكون مبنيا. وأما المبهم؛ وهو اسم ~~الإشارة، فإنما بني؛ لتضمنه معنى حرف الإشارة. # [حرف الإشارة مضمر غير منطوق به] # فإن قيل: أين حرف الإشارة؟ قيل: حرف الإشارة وإن لم ينطقوا به، إلا أن ~~القياس كان يقتضي أن يوضع له حرف كغيره من المعاني كالاستفهام، والشرط، ~~والنفي، والنهي، والتمني، والترجي، والعطف، والنداء، والاستثناء، إلى غير ~~ذلك، إلا أنهم /لما/5 لم ينطقوا به، وضمنوا معناه اسم الإشارة، وإن لم ~~ينطق6 به؛ وجب أن يكون مبنيا؛ فاعرفه تصب، إن شاء الله تعالى. PageV01P244 ### | الباب الرابع والخمسون: باب جمع التكسير # [علة جمع فعل في القلة على أفعل] # إن قال قائل: لم ms142 جمع "فعل" -بفتح الفاء، وسكون العين- في القلة على ~~"أفعل"، وسائل أوزان الثلاثي، وهي "فعل، فعل، فعل، فعل، فعل، فعل، فعل، ~~/فعل/1" تجمع على: "أفعال"؟ قيل: لأن "فعلا" أكثر استعمالا من غيره، ومن2 ~~سائر الأوزان، و"أفعل" أخف من "أفعال" فأعطوا ما يكثر استعماله الأخف، ~~وأعطوا ما يقل استعماله الأثقل؛ ليعادلوا بينهما؛ فأما قولهم: "فرخ وأفراخ، ~~وأنف وآناف، وزند وأزناد" في حروف معدودة فشاذ، لا يقاس عليه، على أنهم قد ~~تكلموا عليها، فقالوا: إنما قالوا في جمع: فرخ: أفراخ؛ لوجهين: # أحدهما: أنهم حملوه على معنى "طير"؛ فكما قالوا على جمع: طير: أطيار؛ ~~فكذلك، قالوا في جمع: فرخ: أفراخ؛ لأنه في معناه. # والوجه الثاني: أن فيه الراء؛ وهو3 حرف تكرير فينزل التكرير فيها بمنزلة ~~الحركة؛ فصار بمنزلة "فعل" بفتح العين؛ فجمع على "أفعال" ك"جبل: وأجبال، ~~وجمل: وأجمال"؛ قال الشاعر4: [البسيط] # ماذا تقول لأفراخ بذي مرخ ... زغب الحواصل لا ماء ولا شجر # ألقيت كاسبهم في قعر مظلمة ... فاغفر عليك سلام الله يا عمر5 PageV01P245 # وأما "أنف" فإنما جمعه على "أفعال" فقالوا1 "آناف"؛ لأن فيه2 النون؛ ~~والنون فيها غنة، فصارت الغنة فيها بمنزلة الحركة، فصار بمنزلة "فعل" فجمع ~~على "أفعال" وأما "زند" فإنما جمع على "أفعال"، فقالوا: "أزناد" لوجهين: # أحدهما: لما ذكرنا أن النون فيها غنة، فصارت كأنها متحركة. # والوجه الثاني: أن "زندا" في معنى "عود" و"عود" يجمع على "أعواد"، فكذلك ~~ما كان في معناه. # [علة جمع فعل على أفعال] # فإن قيل: فلم3 جمع "فعلا" إذا كانت عينة ياء أو واوا على "أفعال" ولم ~~يجمعوه على "أفعل"؟ قيل: لأنهم لو جمعوه على "أفعل" على قياس الصحيح؛ لأدى ~~ذلك إلى الاستثقال، ألا ترى أنك لو قلت في جمع "بيت: أبيت"4، وفي جمع "عود: ~~أعود"5 لأدى ذلك إلى ضم الياء والواو، والياء تستثقل عليها الضمة؛ لأنها ~~معها بمنزلة ياء وواو، وكذلك الواو -أيضا- تستثقل عليها الضمة أكثر من ~~الياء؛ لأنها معها بمنزلة واوين، فلما كان ذلك مستثقلا؛ عدلوا عنه إلى ~~"أفعال". # [علة جمعهم بين فعال وفعول في جمع الكثرة] ms143 # فإن قيل: فلم جمعوا بين "فعال، وفعول" في جمع الكثرة قيل: لاشتراكهما في ~~عدد الحروف، وإن كان في أحدهما حرف ليس في الآخر. # [علة الصياغة في جمع التكسير] # فإن قيل: فلم خصوا في جمع التكسير ما كان على "فعل" مما عينه واو ~~PageV01P246 # ب "فعال"؛ نحو: "ثوب: وثياب" وما1 عينه ياء ب"فعول"؛ نحو: "شيخ: وشيوخ" ~~وهلا عكسوا؟ قيل: إنما لم يجمعوا ما كان من ذوات الواو على "فعول"؛ لأنه ~~كان يؤدي إلى الاستثقال، ولا يؤدي إلى ذلك إذا2 جمع على "فعال" ألا ترى أنه ~~لو جمع على "فعول"؛ لكان يؤدي إلى اجتماع واوين وضمة؛ نحو "ثووب، وحووض" ~~وذلك مستثقل لاجتماع واوين /وضمة/3 وجوزوا ذلك في الياء؛ لأنها أخف من ~~الواو، فكذلك خصوا ما كان عينه واوا ب "فعال"، وما كان عينه ياء ب"فعول". # [فعل وأفعل] # فإن قيل: فمن أين زعمتم أن "أفعلا" لا يكون إلا في جمع "فعل"؛ وقد قالوا: ~~"زمن: وأزمن" فجمعوا "فعلا" بفتح العين على "أفعل"؟ قيل: إنما قالوا: "زمن ~~وأزمن" وإن كان القياس يوجب أن يقال: "أزمان" إلا أنه لما كان "زمن" في ~~معنى "دهر" و"دهر" يجمع على "أدهر" فكذلك -أيضا- جمعوا زمنا على "أزمن"؛ ~~لأنه في معناه؛ كقوله4: [الطويل] # أمنزلتي مي سلام عليكما ... هل الأزمن اللائي مضين رواجع # [علة جمع فعل على فعلان] # فإن قيل: فلم جمع ما جاء على "فعل" في الأغلب على "فعلان"؟ قيل: لأن ~~"فعلا" مقصور من "فعال" وما كان على "فعال" فإنه يجمع على "فعلان"؛ نحو: ~~"غراب وغربان، وعقاب وعقبان" وكذلك5 ما كان مقصورا منه يجمع على "فعلان". # [علة تحريك عين فعلة في الجمع] # فإن قيل: فلم وجب تحريك العين في "فعلة" بفتح الفاء وسكون العين في ~~PageV01P247 # الجمع؛ نحو "جفنات، وقصعات" وسكنت في نحو: "خدلات، وصعبات" /من فعلة/1؟ ~~قيل: لأن "فعلة" بفتح الفاء، وسكون العين تكون اسما غير صفة؛ نحو: "جفنة، ~~وقصعة" وتكون صفة؛ نحو: "خدلة، وصعبة" فحركت العين منها إذا كانت2 اسما غير ~~صفة؛ نحو: "جفنات، وقصعات" للفرق بينهما وبين الصفة؛ نحو: "خدلات، ms144 وصعبات". # [علة كون الاسم أولى بالتحريك من الصفة] # فإن قيل: فلم كان الاسم أولى بالتحريك من الصفة وهلا عكسوا، وكان الفرق ~~حاصلا؟ قيل: إنما كان الاسم أولى بالتحريك من الصفة؛ لأن الاسم أقوى وأخف، ~~والصفة أضعف وأثقل؛ (فلما كان الاسم أقوى وأخف، والصفة أضعف وأثقل) 3؛ كان ~~الاسم للتحريك أحمل؛ فأما قول4 الشاعر5: [الطويل] # أبت ذكر، عودن أحشاء قلبه ... خفوقا، ورفضات الهوى في المفاصل6 # فسكن "رفضات" والأصل "رفضات" بالفتح لأجل ضرورة الشعر. # [علة كون العين المعتلة من فعلة ساكنة في الجمع كالصفة] # فإن قيل: فلم إذا كانت العين من "فعلة" معتلة أو مضاعفة، تكون ساكنة ~~كالصفة؛ نحو: "عورات، وبيضات وسلات" وما أشبه ذلك؟ قيل: إنما كانت ساكنة ~~إذا كانت العين معتلة؛ لأن الحركة، توجب ثقلا في الواو والياء؛ فسكنوهما ~~هربا من ثقل الحركة عليهما، وحرصا على تصحيحهما، ومن العرب من يفتح الياء ~~والواو، فيقول: "عورات، وبيضات" كما لو كان صحيح العين، PageV01P248 # وعلى هذه اللغة قراءة من قرأ: {ثلاث عورات لكم} 1 بفتح الواو؛ /و/2 قال ~~الشاعر3: [الطويل] # أخو بيضات رائح متأوب ... رفيق بمسح المنكبين سبوح4 # وإنما كانت ساكنة إذا كانت مضاعفة لئلا يجمتع حرفان متحركان من جنس واحد، ~~وذلك مستثقل، ألا ترى أنك لو قلت في جمع: "سلة: سللات، وملة: مللات"؛ لكان ~~ذلك مستثقلا؟ # [علة جمع فعلة على فعلات] # فإن قيل: فلم جاز في جمع "فعلة" بضم الفاء وسكون العين، ضم العين، ~~وفتحها، وسكونها؛ نحو: "ظلمة: وظلمات، وظلمات، وظلمات"؟ قيل: أما الضم ~~فللإتباع؛ وأما الفتح ففرارا5 من اجتماع ضمتين؛ وأما السكون فللتخفيف؛ ~~كقولهم في "عضد: عضد. # [علة جمع فعلة على فعلات] # فإن قيل: فلم جاز في جمع "فعلة" بكسر الفاء، وسكون العين، كسر العين، ~~وفتحها، وسكونها؛ نحو: "سدرة: وسدرات وسدرات وسدرات"؟ قيل: أما الكسر ~~فللإتباع؛ وأما الفتح ففرارا6 من اجتماع الكسرتين؛ وأما السكون فللتخفيف؛ ~~كقولهم في: "كتف: كتف" كما بينا في جمع "فعله"، والألف والتاء، في /جميع/7 ~~ذلك كله للقلة عند بعض النحويين، ويحتجون PageV01P249 # بما روي عن حسان بن ثابت1 أنشد ms145 النابغة2 قصيدته التي يذكر فيها: [الطويل] # لنا الجفنات الغر يلمعن بالضحى ... وأسيافنا يقطرن من نجدة ما # فلم ير فيه اهتزازا، فعاتبه على ذلك؛ فقال له النابغة: قد أخطأت في بيت ~~واحد في ثلاثة مواضع، وأغضيت عنها، ثم جئت تلومني!! فقال له حسان: /و/3 ما ~~تلك المواضع؟ فقال له: # الأول: أنك قلت: الجفنات وهي تدل على عدد قليل، ولا فخر لك أن يكون لك في ~~ساحتك ثلاث جفنات أو أربع. # والثاني: أنك قلت: "يلمعن" واللمعة بياض قليل، فليس فيه كبير شأن. # والثالث: أنك قلت: "يقطرن" والقطرة تكون للقليل، فلا يدل ذلك على فرط ~~نجدة، وكان يجب أن تقول: "الجفان ويسلن"؛ وهذا -عندي- ليس بصحيح؛ لأن هذا ~~الجمع يجيء للكثرة، كما يجيء للقلة؛ قال الله تعالى: {وهم في الغرفات ~~آمنون} 4 والمراد به الكثرة لا القلة، والذي يدل على ذلك: أنه جمع صحيح، ~~فصار بمنزلة قولهم: "الزيدون، والعمرون" (وكما أن قولهم: الزيدون، ~~والعمرون) 5 يكون للكثرة والقلة، فكذلك هذا الجمع، وأما ما روى النابغة ~~وحسان، فقد كان أبو علي الفارسي6 يقدح فيه، ولو صح، فيحتمل أن يكون النابغة ~~قصد ذكر شيء يدفع عنه7 ملامة حسان، ويعارضها في الحال. # [علة جواز الاكتفاء بجمع القلة عن جمع الكثرة والعكس] # فإن قيل: فلم جاز أن يكتفى لله ببناء القلة عن بناء الكثرة، وببناء ~~الكثرة PageV01P250 # عن بناء القلة؟ قيل: إنما جاز أن يكتفى ببناء القلة عن بناء الكثرة؛ نحو: ~~"قلم وأقلام، ورسن وأرسان وأذن وآذان، وطنب وأطناب، وكتف وأكتاف، وإبل ~~وآبال" وأن يكتفى ببناء الكثرة عن بناء القلة؛ نحو: "رجل ورجال، وسبع ~~وسباع، وشسع1 وشسوع"؛ لأن معنى الجمع مشترك في القليل والكثير؛ فجاز أن ~~ينوى بجمع القلة جمع الكثرة؛ لاشتراكهما في الجمع، كما جاز ذلك في ما يجمع ~~بالواو والنون؛ نحو: "الزيدون"، وجاز أن ينوى بجمع الكثرة جمع القلة كما ~~يجوز أن ينوى بالعموم الخصوص. # [علة جمع ما كان رباعيا على فعالل] # فإن قيل: فلم جمع ما كان رباعيا على مثل واحد، وهو مثال: "فعالل"؟ قيل: ~~لأن ms146 ما كان على أربعة أحرف لما كان أثقل مما كان على ثلاثة أحرف، ألزم ~~طريقة واحدة، وزيدت الألف على واحده دون غيرها؛ لأنها أخف الحروف؛ لأنها قط ~~لا تكون إلا ساكنة. # [علة حذف آخر الاسم الخماسي في الجمع] # فإن قيل: فلم حذف آخر ما كان خمسيا في الجمع؛ نحو: "سفرجل وسفارج"؟ قيل: ~~إنما وجب حذف آخر حروفه لطوله، ولو أتي به على الأصل، لكان مستثقلا، فحذف ~~طلبا للخفة، وكان الآخر أولى بالحذف؛ لأنه أضعف حروف الكلمة؛ لأن الحذف في ~~آخر الكلمة أكثر من غيره. # [علة جواز جمع سفرجل على سفاريج ونحوه] # فإن قيل: فلم جاز أن يقولوا في جمع: "سفرجل: سفاريج" بالياء؟ قيل: لأنهم ~~لما حذفوا اللام، جعلوا الياء2 عوضا عن اللام المحذوفة منه. # [علة تعويضهم بالياء دون غيرها] # فإن قيل: فلم عوض بالياء دون غيرها؟ قيل: لأن ما بعد ألف التكسير مكسور، ~~فكأنهم أشبعوا الكسرة، فنشأت الياء؛ وذلك ليس بثقيل؛ فلهذا، كانت الياء ~~أولى من غيرها. PageV01P251 # [علة عدم حذف الزيادة في الجمع إذا كانت رابعة] # فإن قيل: فلم حذفوا الزيادة منه في الجمع؛ إذا لم تقع رابعة، ولم ~~يحذفوها، إذا وقعت رابعة؟ قيل: إنما حذفوا الزيادة إذا لم تقع رابعة؛ لأنهم ~~إذا حذفوا منه الحرف الأصلي؛ فالزائد أولى، وإنما لم يحذفوها إذا وقعت ~~رابعة؛ لأنهم يجتلبون لها الياء قبل الطرف1، وإذا وجدت قبل الطرف، وهي من ~~نفس الكلمة، فينبغي ألا تحذف؛ لأنها أولى بالثبات من المجتلبة. # [علة قلب الألف والواو في الجمع وإبقاء الياء على حالها] # فإن قيل: فلم قالوا جمع: "مفتاح: مفاتيح، وجرموق2: جراميق" فقلبوا الألف ~~والواو، وأبقوا الياء على حالها؟ قيل: إنما قلبوا الألف والواو ياء ~~لسكونهما3 وانكسار ما قبلهما، وأبقوا الياء على حالها؛ لأن الكسرة /إذا ~~كانت/4 توجب قلب الألف والواو ياء، فلأن تبقى5 "الياء" على حالها، كان ذلك ~~من طريق الأولى؛ فاعرفه تصب، إن شاء الله تعالى. PageV01P252 ### | الباب الخامس والخمسون: باب التصغير # [علة ضم أول الاسم المصغر] # إن قال قائل: لم ضم أول الاسم المصغر؟ ms147 قيل لوجهين: # أحدهما: أن الاسم المصغر يتضمن المكبر، ويدل عليه، فأشبه فعل ما لم يسم ~~فاعله، فكما بني أول فعل ما لم يسم فاعله على الضم، فكذلك أول الاسم ~~المصغر. # والوجه الثاني: أن التصغير لما صيغ له بناء؛ جمع له جميع الحركات، فبني ~~الأول على الضم؛ لأنه أقوى الحركات، وبني الثاني على الفتح تبيينا للضمة، ~~وبني ما بعد ياء التصغير على الكسر في تصغير ما زاد على ثلاثة أحرف، دون ما ~~كان على ثلاثة أحرف؛ لأن ما كان على ثلاثة أحرف، يقع ما بعد الياء منه حرف ~~الإعراب، فلا يجوز أن يبنى على الكسر. # [علة كون التصغير بزيادة حرف] # فإن قيل: فلم كان التصغير بزيادة حرف، ولم يكن بنقصان حرف؟ قيل: لأن ~~التصغير قام مقام الصفة، ألا ترى أنك إذا قلت في رجل: رجيل، وفي درهم: ~~دريهم، وفي دينار: دنينير، قام رجيل مقام: رجل صغير، وقام دريهم1 مقام درهم ~~صغير، وقام دنينير مقام: دينار صغير؛ فلما قام التصغير مقام الصفة؛ وهي لفظ ~~زائد، جعل بزيادة حرف، وجعل ذلك الحرف دليلا على التصغير؛ لأنه /قام/2 مقام ~~ما يوجب التصغير. # [علة كون الزيادة ياء ساكنة ثالثة] # فإن قيل: فلم كانت الزيادة ياء، ولم كانت ساكنة، ولم كانت ثالثة؟ قيل: ~~إنما كانت ياء؛ لأنهم لما زادوا الألف في التكسير؛ والتصغير /والتكسير/3 من ~~PageV01P253 # واد واحد؛ زادوا فيه الياء؛ لأنها1 أقرب إلى الألف من الواو. وإنما كانت ~~ساكنة ثالثة؛ لأن ألف التكسير لا تكون إلا كذلك. # [علة حمل التصغير على التكسير] # فإن قيل: فلم حمل التصغير على التكسير، ومن أين زعمتم أنهما من واد واحد؟ ~~قيل: إنما حمل التصغير على التكسير؛ لأنه يغير اللفظ والمعنى، كما أن ~~التكسير يغير اللفظ والمعنى، ألا ترى أنك إذا قلت في تصغير "رجل: رجيل ... ~~2 قد غيرت لفظه بضم أوله، وفتح ثانيه، وزيادة ياء ساكنة ثالثة، وغيرت ~~معناه؛ لأنك نقلته من الكبر إلى الصغر، كما أنك إذا قلت في تكسيره: "رجال" ~~غيرت لفظه بزيادة الألف، وفتح ما قبلها؛ وغيرت ms148 معناه؛ لأنك نقلته من ~~الإفراد إلى الجمع؟ ولهذا3 المعنى؛ قلنا: إنهما من واد واحد. # [علة إلزام التصغير طريقة واحدة] # فإن قيل: فلم ألزموا التصغير طريقة واحدة، ولم تختلف أبنيته كاختلاف ~~أبنية التكسير؟ قيل: لأن التصغير أضعف من التكسير، ألا ترى أنك إذا قلت: ~~"رجيل" فقد وصفته بالصغر4، من غير أن تضم إليه غيره، وإذا قلت: "رجال" فقد ~~ضممت إليه غيره، وصيرت الواحد جمعا؟ فلما كان التصغير أضعف من التكسير في ~~التغير، (وكان المراد به معنى واحدا؛ ألزم طريقة واحدة، ولما كان التكسير ~~أقوى من التصغير في التغيير) 5 ويكون كثيرا وقليلا، وليس له نهاية ينتهي ~~إليها؛ خص بأبنية تدل على القلة والكثرة؛ فلذلك6 اختلفت7 أبنيته. # [علة حذف آخر الاسم الخماسي في التصغير] # فإن قيل: فلم إذا كان الاسم خماسيا، يحذف آخر حروفه في التصغير؛ نحو: ~~"سفرجل، وسفيرج"؟ قيل: إنما /وجب/8 حذف آخر حروفه في التصغير؛ لطوله على ما ~~بينا في /جمع/9 التكسير؛ لأن التصغير يجري مجرى PageV01P254 # التكسير؛ ولهذا، يجوز فيه التعويض، فيقال: "سفيريج" كما قالوا في ~~التكسير: "سفاريج" ولهذا -أيضا- إذا كانت الزيادة غير رابعة، حذفت، وإذا ~~كانت رابعة لم تحذف، حملا للتصغير على التكسير؛ لأن التصغير والتكسير من ~~واد واحد. # فإن قيل: فلم ردوا1 التاء في تصغير المؤنث إذا كان الاسم ثلاثيا؛ نحو: ~~"شمس وشميسة" ولم يردوها إذا كانت على أربعة أحرف؛ نحو: "زينب وزيينب"؟ ~~قيل: إنما ردوا التاء في التصغير؛ لأن التصغير يرد الأشياء إلى أصولها، ألا ~~ترى أنهم قالوا في تصغير: "باب: بويب" وفي تصغير "ناب: نييب" فردوا الألف ~~إلى أصلها؛ وأصلها في "باب" الواو؛ لأنك تقول في تكسيره: أبواب، وبويب ~~بابا؛ وأصلها في "باب" الياء؛ لأنك تقول في تكسيره: أنياب، ونيبت نابا2، ~~(وفي الأمر منه: نيب، وفي الأمر من الأول: بوب) 3؛ فإذا كان التكسير ~~والتصغير يردان الأشياء إلى أصولها؛ والأصل في نحو: "شمس" أن تكون بعلامة ~~التأنيث، للفرق بين المذكر والمؤنث؛ وجب ردها في التصغير، واختص رد التاء ~~في الثلاثي4 لخفة لفظة. فأما الرباعي فلم ترد5 فيه ms149 التاء؛ لطوله، فصار ~~الطول بدلا من تاء التأنيث. فأما ما لم ترد فيه التاء في التصغير من ~~الثلاثي؛ فنحو قولهم في قوس: قويس، وفي فرس: فريس، وفي عرس: عريس6، وفي ~~حرب: حريب، وفي "ناب الإبل: نييب، وفي درع الحديد: دريع: وأما ما أثبتوا ~~فيه التاء في التصغير من الرباعي؛ فنحو قولهم في قدام: قديديمة، وفي وراء: ~~وريئة، وفي أمام أميمة، فقد7 تكلموا عليه؛ فقالوا: إنما لم تلحق8 التاء في ~~التصغير ما9 كان ثلاثيا؛ لأنه أجري مجرى المذكر؛ لأنه في معناه، وذلك؛ لأن ~~"القوس" في معنى "العود"؛ و"العرس"10 ينطلق على المذكر والمؤنث، والمذكر ~~هوالأصل، فبقي لفظ تصغيره على أصله، و"العرس" في معنى "التعريس" و"الحرب" ~~في الأصل: مصدر حربت حربا؛ والمصدر في الأصل مذكر؛ و"الناب" روعي فيها معنى ~~الناب الذي هو السن، وهو مذكر؛ لأنها سميت به عند سقوطه؛ و"درع PageV01P255 # الحديد" في معنى الدرع الذي هو القميص. وإنما أثبتوا التاء في التصغير في ~~ما كان رباعيا؛ نحو: "قديديمة، ووريئة، وأميمة" لوجهين: # أحدهما: أن الأغلب في الظروف أن تكون مذكرة، فلو لم يدخلوا التاء في هذه ~~الظروف، وهي مؤنثة؛ لالتبست بالمذكر. # والوجه الثاني: أنهم زادوا التاء تأكيدا للتأنيث، ويحتمل -أيضا- وجها ~~ثالثا؛ وهو أنهم أثبتوا التاء تنبيها على الأصل المرفوض، كما صححوا الواو ~~في "العود" والحركة تنبيها على أن الأصل في باب: بوب، ودار: دور، وهو أصل ~~مرفوض /و/1 على كل حال، فكلا القسمين شاذ، لا يقاس عليه. # [علة المخالفة بين الأسماء المبهمة والمتمكنة في التصغير] # فإن قيل: فلم خالفوا بين تصغير الأسماء المبهمة وما أشبهها وبين الأسماء ~~المتمكنة؛ قالوا في تصغير: ذا: ذيا، وفي تا: تيا، وفي الذي: الذيا، وفي: ~~التي: التيا؟ قيل: إنما فعلوا ذلك جريا على أصول كلامهم في تغير2 الحكم عند ~~تغيير3 الباب؛ لأن الأسماء المبهمة لما كانت مغايرة للأسماء المتمكنة، ~~جعلوا لها حكما غير حكم الأسماء المتمكنة؛ لتغايرهما، فلم4 يضموا أوائلها ~~في التصغير، كما فعلوا في الأسماء المتمكنة، وجوزوا أن تقع5 ياء التصغير ~~فيها ثانية؛ كقولهم في ذا: ذيا، ms150 وفي تا6: تيا. # [علة عدم امتناع وقوع ياء التصغير ثانية في الأسماء المبهمة] # فإن قيل: فلم لم يمتنع وقوع ياء التصغير فيها ثانية، كما امتنع في ~~الأسماء المتمكنة؟ قيل: إنما لم يمتنع وقوع ياء التصغير فيها ثانية، كما ~~امتنع في الأسماء المتمكنة؛ لأن أوائلها مفتوحة، فلم يمتنع وقوع ياء ~~التصغير الساكنة بعدها، بخلاف الأسماء المتمكنة، فإن أوائلها مضمومة، ~~فيمتنع وقوع الياء الساكنة بعدها. PageV01P256 # [علة زيادة الألف في الأسماء المبهمة في التصغير] # فإن قيل: فلم زادوا الألف في آخرها علامة للتصغير؟ قيل: إنما حسن زيادة ~~الألف في آخرها علامة للتصغير؛ لأنها أسماء مبنية، فجعل في آخرها ألف؛ ~~لتكون على صيغة لا يتصور دخول الحركة التي هي آلة الإعراب عليه؛ فاعرفه ~~تصب، إن شاء الله تعالى. # PageV01P257 ### | الباب السادس والخمسون: باب النسب # [علة زيادة الياء المشددة المكسور ما قبلها في النسب] # إن قال قائل: لم زيدت الياء في النسب مشددة مكسورا ما قبلها؛ نحو: زيدي، ~~وعمري، وبغدادي، ومصري ونحو ذلك1؟ قيل: أولا إنما كانت ياء تشبيها بياء ~~الإضافة؛ لأن النسب في معنى الإضافة؛ ولذلك، كان المتقدمون من النحويين ~~يترجمونه ب"باب الإضافة"؛ وكانت الياء مشددة؛ لأن النسب أبلغ من الإضافة، ~~فشددوا الياء؛ ليدلوا2 على هذا المعنى؛ وكانت مكسورا ما قبلها توطئة3 لها. # [علة حذف تاء التأنيث في النسب] # فإن قيل: فلم حذفوا تاء التأنيث في النسب؛ نحو قولهم في النسب إلى مكة: ~~مكي، ونحو ذلك؟ قيل: لخمسة أوجه: # أحدها4: أنها إنما حذفت لئلا تقع في حشو الكلمة، وتاء التأنيث لا تقع في ~~حشو الكلمة. # والثاني5: أنها إنما حذفت لئلا يؤدي إلى الجمع بين تاءي6 التأنيث في ~~النسب إلى المؤنث إذا كان المنسوب مؤنثا، ألا ترى أنك إذا قلت في النسب إلى ~~الكوفة والبصرة في المذكر: "رجل كوفتي، وبصرتي" لقلت في المؤنث: "امرأة ~~كوفتية وبصرتية"؛ فلما كان /ذلك/7 يؤدي إلى الجمع بين تاءي8 تأنيث في ~~المؤنث؛ نحو: كوفتية وبصرتية والجمع بين علامتي تأنيث في كلمة واحدة لا ~~يجوز؛ حذفوا التاء من المذكر؛ لئلا يجمعوا بين ms151 علامتي تأنيث في المؤنث. ~~PageV01P258 # والثالث: أنها إنما حذفت لأن ياءي1 النسب قد تنزلا منزلة تاء التأنيث في ~~الفرق بين الواحد والجمع؛ (ألا ترى أنهم قالوا: رومي وروم، وزنجي وزنج، ~~ففرقوا بين الواحد والجمع) 2 بياء النسب، كما فرقوا بتاء التأنيث بين ~~الواحد والجمع في قولهم: نخلة ونخل، وتمرة وتمر، فلما وجدت المشابهة بينهما ~~من هذا الوجه؛ لم يجمعوا بينهما كما لم يجمعوا بين علامتي تأنيث. # والرابع: أنها إنما حذفت؛ لأن هذه التاء حكمها أن تنقلب في الوقف هاء، ~~فلما كانت تتغير، ولا يمكن أن تجري على حكمها في أن تكون تارة تاء، وتارة ~~هاء؛ كان حذفها أسهل عليهم. # والخامس: أن تاء التأنيث بمنزلة اسم ضم إلى اسم، ولو نسبت إلى اسم ضم إلى ~~اسم، لحذفت الاسم الثاني؛ فكذلك -ههنا- تحذف تاء التأنيث. # [علة حذف الياء من فعيلة وفعيلة في النسب] # فإن قيل: فلم حذفت الياء من /باب/3 "فعيلة، وفعيلة"؛ نحو قولهم في النسب ~~إلى جهينة: "جهني، وإلى ربيعة: ربعي دون باب: فعيل، وفعيل؛ نحو قولك في ~~النسب إلى: ثقيف ثقيفي4 وفي النسب إلى هذيل: هذيلي"؟ قيل: إنما وجب حذف ~~الياء في باب فعيلة، وفعيلة دون باب فعيل، وفعيل؛ لأن باب "فعيلة، وفعيلة" ~~اجتمع فيه سببان موجبان للحذف؛ وهما: طلب التخفيف، وتأنيس التغيير بحذف5 ~~تاء التأنيث، وباب "فعيل، وفعيل" ليس فيه إلا سبب واحد وهو طلب التخفيف، ~~فلما كان في باب "فعيلة، وفعيلة" سببان؛ لزمه الحذف، ولما كان في باب ~~"فعيل، وفعيل" سبب /واحد/6 لم يلزم الحذف. # [قلب الكسرة فتحة في النسب في بعض الأسماء] # فإن قيل: فلم قالوا: "حنفي" بالفتح، وإن كان الأصل هو الكسر7؟ قيل: لأنهم ~~قلبوا الكسرة فتحة طلبا للتخفيف، كما قالوا في النسب إلى شقر: شقري، وإلى: ~~نمر: نمري بالفتح، وإن كان الأصل هو الكسر طلبا للتخفيف، ألا ترى أنهم لو ~~قالوا "شقري، ونمري" بالكسر؛ لأدى ذلك إلى توالي PageV01P259 # كسرتين، بعدهما ياء مشددة، وذلك مستثقل؟ فعدلوا عن الكسرة إلى الفتحة، ~~فقالوا: "شقري؛ ونمري" فكذلك ههنا؛ وكذلك قالوا في ms152 النسب إلى "علي: علوي" ~~بالفتح؛ لأنهم لما حذفوا الياء الأولى التي هي ياء "فعيل" بقي على وزن ~~"فعيل"1 فأبدلوا2 من الكسرة فتحة، فانقلبت الياء ألفا؛ لتحركها وانفتاح ما ~~قبلها، فصار /على/3 ك"رحى، وعصا" فقلبوا من الألف واوا؛ فقالوا: "علوي" كما ~~قالوا: "رحوي وعصوي". # [علة قلب ألف رحي وعصا واوا] # فإن قيل: فلم وجب قلب ألف "رحى، وعصا" واوا؟ قيل: إنما وجب قلب الألف ~~واوا؛ لأنها ساكنة، والياء الأولى من ياءي4 النسب ساكنة، وساكنان لا ~~يجتمعان؛ فوجب فيها القلب، وكان القلب أولى من الحذف؛ لكثرة ما يلحق النسب ~~من التغيير، والتغيير بالحذف أبلغ من القلب وأقوى؛ فلذلك، كان القلب أولى، ~~وكان قلب الألف واوا أولى من قلبها ياء؛ لأنها لو قلبت ياء؛ لأدى ذلك إلى ~~اجتماع الأمثال، ألا ترى أنك لو قلت: رحيي، وعصيي؛ لأدى ذلك إلى اجتماع ~~ثلاث ياءات، وذلك مستثقل؟ فعدلوا عن الياء إلى الواو، لأنها أبعد من اجتماع ~~الأمثال. # [النسبة إلى شج] # فإن قيل: فلم قالوا في النسب إلى شج: شجوي؟ قيل: لأنهم أبدلوا من الكسرة ~~فتحة للعلة التي ذكرناها، فانقلبت الياء ألفا؛ لتحركها، وانفتاح ما قبلها؛ ~~فالتحق بالمقصور نحو: عصا، ورحى؛ فقالوا فيه "شجوي" كما قالوا: رحوي، ~~وعصوي. # [النسبة إلى مغزى وقاض وعلة ذلك] # فإن قيل: فلم قالوا في النسب إلى مغزى، وقاض: مغزي، ومغزوي، وقاضي، ~~وقاضوي؟ قيل: أما من قال: "مغزوي" فأبدل؛ فلأن الألف من نفس الكلمة، فأبدل ~~منها واوا، كما أبدل في ما كان على ثلاثة أحرف؛ نحو: "رحوي /وعصوي/5، وأما ~~قاضوي، فأبدلت6 من الكسرة فتحة، وقلبت الياء PageV01P260 # ألفا، فصار: قاضي: كمغزى؛ فقالوا قاضوي؛ كما قالوا مغزوي، وأما من قال: ~~مغزي، وقاضي؛ فحذف الألف والياء؛ فلأن الألف ساكنة، والياء الأولى من ياءي ~~النسب ساكنة؛ وساكنان لا يجتمعان، فحذفت الألف لالتقاء الساكنين، كما حذفت ~~في ما كان على خمسة أحرف. # [علة وجوب حذف الألف والياء في الاسم الخماسي في النسب] # فإن قيل: فلم وجب حذف الألف والياء إذا كان الاسم على خمسة أحرف؛ نحو ~~قولهم في ms153 النسب إلى "مرتجى: مرتجي" وإلى "مشتري1: مشتري"؟ قيل: إنما وجب ~~حذف الألف والياء في الاسم إذا كان على خمسة أحرف؛ لطول الكلمة، وإذا جاز ~~الحذف في ما كان على أربعة أحرف؛ لزم في ما زاد على ذلك. # فإن قيل: فلم لزم الحذف في ما كان على أربعة أحرف؛ نحو قولهم في النسب ~~إلى "بشكى2: بشكي" وإلى "جمزى3: جمزي"؟ قيل: لأنه لما توالت فيه ثلاث حركات ~~متواليات، تنزل منزلة ما كان على خمسة أحرف؛ لأن الحركة قد تنزل منزلة ~~الحرف، ألا ترى أن من يجوز أن يصرف "هند" لا يجوز أن يصرف "سعدى"4 كما لا ~~يجوز أن يصرف "زينب"؛ لأن الحركة ألحقته بما كان على أربعة أحرف، فكذلك5 ~~-ههنا- ألحقته الفتحة بما كان على خمسة أحرف. # [علة حذف الياء المتحركة من الاسم الذي قبل آخره ياء مشددة في النسب] # فإن قيل: فلم وجب حذف الياء المتحركة مما قبل آخره ياء مشددة؛ نحو قولهم ~~في النسب: "أسيد6: أسيدي" ونحو ذلك7؟ قيل: لئلا تجتمع أربع ياءات وكسرتان، ~~وذلك مستثقل، وإنما وجب حذف المتحركة؛ لأن المقصود بالحذف التخفيف، ~~والمتحركة أثقل من الساكنة، فكان حذفها أولى؛ لأنهم لو حذفوا الساكنة؛ ~~لكانت المتحركة تنقلب ألفا؛ لتحركها، وانفتاح ما قبلها؛ فلذلك، كان حذف ~~المتحركة أولى. PageV01P261 # [علة قلب همزة التأنيث واوا في النسب] # فإن قيل: فلم وجب قلب همزة التأنيث في النسب واوا في نحو قولهم: حمراء: ~~حمراوي، ولم يجب ذلك في النسب إلى "كساء وعلباء1" ونحو ذلك؟ 2 قيل: لأن ~~همزة التأنيث ثقيلة؛ لأنها عوض عن علامة التأنيث التي توجب ثقلا؛ فوجب ~~قلبها واوا؛ وأما همزة "كساء" فلم يجب قلبها؛ لأنها منقلبة عن حرف أصلي، ~~فأجريت مجرى الهمزة الأصلية؛ نحو: "قراء، ووضاء" وكذلك الهمزة في "علباء" ~~ملحقة بحرف أصلي، فأجريت /أيضا/3 مجرى الهمزة الأصلية، وكما لا يجب قلب ~~الهمزة الأصلية واوا في النسب؛ فكذلك ما أجري مجراها. # [علة الرد إلى الواحد في النسب] # فإن قيل: فلم وجب الرد إلى الواحد في النسب إلى الجميع؛ نحو قولهم في ~~النسب ms154 إلى: الفرائض: فرضي، ونحو ذلك4؟ قيل: لأن نسبته5 إلى الواحد، تدل على ~~كثرة نظره6 فيها؛ وحكم الواحد من الفرائض كحكم الجمع7 فإذا كان حكم الواحد ~~كحكم الجمع7؛ وجب الرد إلى الواحد؛ لأنه أخف في اللفظ مع أنه الأصل؛ فأما ~~قولهم: "أنماري، ومدائني" فإنما نسبوا إلى الجمع؛ لأنه صار اسم شيء بعينه، ~~وليس المقصود منه أن يدل على ما يقتضيه اللفظ من الجمع، فلما صار اسما ~~للواحد، تنزل منزلة الواحد؛ فاعرفه تصب، إن شاء الله تعالى. PageV01P262 ### | الباب السابع والخمسون: باب أسماء الصلات # [علة تسمية الأسماء الموصولة بأسماء الصلات] # إن قال قائل: لم سمي "الذي، والتي، ومن، وما، وأي" أسماء الصلات؟ قيل: ~~لأنها تفتقر إلى صلات توضحها وتبينها؛ لأنها لم تفهم معانيها1 بأنفسها، ألا ~~ترى أنك لو ذكرتها من غير صلة، لم تفهم2 معناها، حتى تضم إلى شيء بعدها؛ ~~كقولك: الذي أبوه منطلق، أو الذي انطلق أبوه، وكذلك التي أخوها ذاهب، والتي ~~ذهب أخوها، وكذلك سائرها. # [الذي والتي ولغاتهما] # وفي "الذي" أربع لغات: "الذي" بياء ساكنة، و"الذي" بياء مشددة، و"الذ" ~~بكسر الذال من غير ياء، (والذ بسكون الذال من غير ياء) 3؛ وكذلك في "التي" ~~أربع لغات: التي بياء ساكنة، والتي بياء مشددة، واللت بكسر التاء من غير ~~ياء، واللت بسكون التاء من غير ياء؛ والألف اللام فيهما زائدتان، وليستا ~~فيهما للتعريف؛ لأن التعريف بصلتهما، وهي الجملة التي بعدهما، بدليل ~~أخواتهما4؛ نحو: "من، وما" فلو كانتا فيهما للتعريف، لأدى ذلك إلى أن يجتمع ~~فيهما تعريفان؛ وذلك لا يجوز. # [علة دخول الذي والتي في الكلام] # فإن قيل: فلم أدخلت "الذي والتي" في الكلام؟ قيل: توصلا إلى وصف المعارف ~~بالجمل؛ لأنهم لما رأوا النكرات توصف بالمفردات والجمل؛ نحو: "مررت برجل ~~ذاهب، ومررت برجل أبوه ذاهب، وذهب أبوه، وما أشبه ذلك، PageV01P263 # ولم يحسنوا1 أن يجعلوا النكرة أقوى من المعرفة، وآثروا التسوية بينهما، ~~جاءوا2 باسم ناقص لا يتم إلا بجملة، فجعلوه وصفا للمعرفة توصلا إلى وصف ~~المعارف بالجمل، كما أتوا ب"ذي" التي 3 بمعنى "صاحب" توصلا إلى ms155 الوصف ~~بأسماء الأجناس؛ نحو /قولك/4: "مررت برجل ذي مال"، وأتوا ب"أي" توصلا إلى ~~نداء ما فيه الألف واللام؛ نحو: "يا أيها الرجل"، ونحو ذلك. # [علة وجوب العائد من الصلة إلى الموصول] # فإن قيل: فلم وجب العائد من الصلة إلى الموصول؟ قيل: لأن العائد يعلقها ~~بالموصول، ويتممها به، ولذلك، لم يجز أن يرتفع "زيد /ب/5 خرج" في قولهم: ~~الذي خرج زيد، لأنه يؤدي إلى أن تخلو الصلة من العائد إلى الموصول. # [علة حذف العائد المنصوب] # فإن قيل: فلم حذف في قوله تعالى: {أهذا الذي بعث الله رسولا} 6؟ قيل: لأن ~~العائد ضمير المنصوب المتصل والضمير المنصوب المتصل يجوز حذفه (وإنما جاز ~~حذفه) 7؛ لأنه صار الاسم الموصول، والفعل، والفاعل، والمفعول بمنزلة شيء ~~واحد؛ فلما صارت هذه الأشياء بمنزلة الشيء الواحد؛ طلبوا لها التخفيف، وكان ~~حذف المفعول أولى؛ لأن المفعول فضلة، بخلاف غيره من هذه الأشياء؛ فكان حذفه ~~أولى. # [علة كون الصلات جملا] # فإن قيل: فهل يجوز أن تكون الأسماء المفردة صلات؟ قيل: لا يجوز ذلك؛ لأن ~~أسماء الصلات إنما أدخلوها في الكلام توصلا إلى الوصف بالجمل، كما أتوا ~~ب"ذي8" توصلا إلى الوصف بالأجناس، وب"أي" توصلا إلى نداء ما فيه الألف ~~واللام، فكما لا يجوز إضافة "ذو" إلى غير الأجناس ولا يأتي بعد "أي" إلا ما ~~فيه الألف واللام؛ فكذلك -ههنا- لا يجوز أن تكون الصلات إلا جملا، ولا يجوز ~~أن تكون مفردة؛ فأما قراءة من قرأ: {تماما على PageV01P264 # الذي أحسن} 1 بالرفع؛ فالتقدير فيه "على الذي هو أحسن"؛ فكذلك قوله عز ~~وجل: {مثلا ما بعوضة} 2 بالرفع فالتقدير: "ما هو بعوضة"؛ وكذلك قوله عز ~~وجل: {أيهم أشد على الرحمن عتيا} 3 أي: "هو أشد" فحذف المبتدأ في هذه ~~المواضع كلها؛ وحذف المبتدأ جائز في كلامهم. # [ضمة "أيهم" بناء أو إعراب وخلافهم فيها] # فإن قيل: فهذه الضمة في "أيهم" ضمة إعراب أو ضمة بناء؟ قيل: اختلف ~~النحويون في ذلك؛ فذهب سيبويه إلى أنها ضمة بناء؛ لأنهم لما حذفوا المبتدأ ~~من صلتها دون سائر أخواتها؛ نقصت ms156 فبنيت، وكان بناؤها على الضم أولى؛ لأنها ~~أقوى الحركات، فبنيت على الضمة ك"قبل، وبعد" والذي يدل على أنهم إنما بنوها ~~لحذف المبتدأ، أنهم لو أظهروا المبتدأ، فقالوا: "ضربت أيهم هو في الدار"؛ ~~لنصبوا، ولم يبنوا. وذهب الخليل إلى أن الضمة ضمة إعراب، ويرفعه4 على ~~الحكاية؛ والتقدير عنده: ... 5 ثم لننزعن من كل شيعة الذي يقال لهم أيهم". ~~وذهب يونس إلى إلغاء الفعل قبله، وينزل الفعل المؤثر في الإلغاء منزلة ~~أفعال القلوب. والصحيح: ما ذهب إليه سيبويه، وأما قول الخليل: إنه مرفوع ~~على الحكاية؛ فالحكاية إنما تكون بعد جري الكلام فتعود الحكاية إليه، وهذا ~~الكلام يصح ابتداء من غير تقدير قول قائل قاله، وأما قول يونس فضعيف جدا؛ ~~لأن الفعل إذا كان مؤثرا، لا يجوز إلغاؤه. # [علة بناء أسماء الصلات] # فإن قيل: فلم بنيت أسماء الصلات؟ قيل لوجهين: # أحدهما: أن الصلة لما كانت مع الموصول بمنزلة كلمة واحدة، صارت بمنزلة ~~بعض الكلمة، وبعض الكلمة مبني. # والوجه الثاني: أن هذه الأسماء لما كانت لا تفيد إلا مع كلمتين فصاعدا، ~~أشبهت الحروف؛ لأنها لا تفيد إلا مع كلمتين فصاعدا. PageV01P265 # [علة إعراب "أي" دون أخواتها] # فإن قيل: ف"أي" لم كانت معربة دون سائر أخواتها؟ قيل: لوجهين: # أحدهما: أنهم بقوها على الأصل في الإعراب، تنبيها على أن الأصل في ~~الأسماء الإعراب، كما بنوا الفعل المضارع إذا اتصلت به نون التأكيد /أ/و1 ~~ضمير جماعة النسوة، تنبيها على أن الأصل في الأفعال البناء. # والوجه الثاني: أنهم حملوها على نظيرها ونقيضها؛ فنظيرها جزء، ونقيضها ~~كل؛ وهما معربان، فكانت معربة؛ فاعرفه تصب، إن شاء الله تعالى. PageV01P266 ### | الباب الثامن والخمسون: باب حروف الاستفهام # [حروف الاستفهام وأسماؤه وظروفه] # إن قال قائل: كم حروف الاستفهام؟ قيل: ثلاثة حروف1 "الهمزة، وأم، وهل" ~~وما عدا هذه الثلاثة، فأسماء وظروف أقيمت مقامها؛ فالأسماء: "من، وما، وكم، ~~وكيف" والظروف: "أين، وأنى، ومتى، وأي حين، وأيان"؛ و"أي" يحكم عليها بما ~~تضاف إليه؛ فأما الهمزة وأم، فقد بيناهما في باب العطف، وأما "هل" فتكون ~~استفهاما وتكون بمعنى "قد" ms157 قال الله عز وجل: {هل أتى على الإنسان حين من ~~الدهر} 2 أي: "قد أتى" ثم قال الشاعر3: [البسيط] # سائل فوارس يربوع بشدتنا ... أهل رأونا بسفح القف ذي الأكم4 # أي: قد رأونا، ولا يجوز أن تجعل "هل" استفهاما؛ لأن "الهمزة" للاستفهام، ~~وحرف الاستفهام، لا يدخل على حرف الاستفهام. # [علة إقامة العرب الأسماء والظروف مقام حروف الاستفهام] # فإن قيل: فلم أقامت العرب هذه الأسماء والظروف مقام PageV01P267 # حروف1 الاستفهام؟ قيل: إنما أقاموها مقام حروف الاستفهام توسعا في ~~الكلام، ولكل واحد منها موضع يختص به، ف"من" سؤال عمن يعقل، و"ما" سؤال عما ~~لا يعقل، و"كم" سؤال عن العدد، و"كيف" سؤال عن الحال، و"أين"، و"أنى" سؤال ~~عن المكان، و"متى"، و"أي حين"، و"أيان" سؤال عن الزمان، و"أي" يحكم عليها ~~بما تضاف إليه؛ فإنها لا تكون إلا مضافة، ألا ترى أنك لو قلت: من عندك؟ ~~لوجب أن يقول المجيب: زيد أو عمرو، وما أشبه ذلك، ولو قال: فرس، أو حمار، ~~لم يجز؛ لأن "من" سؤال عمن يعقل، لا عما لا يعقل؛ وكذلك لو قلت: أين زيد؛ ~~لوجب أن تقول: في الدار أو في المسجد، وما أشبه ذلك؛ فلو قال: يوم الجمعة ~~لم يجز؛ لأن "أين" سؤال عن المكان، لا عن الزمان؛ وكذلك -أيضا- لو قلت: متى ~~الخروج؟ لوجب أن تقول: "يوم الجمعة، أو يوم السبت" /أ/ و2 ما أشبه ذلك، ولو ~~قال: في الدار، أو في المسجد؛ لم يجز، لأن "متى" سؤال عن الزمان لا عن ~~المكان، وكذلك سائرها. # [علة إقامة هذه الكلمات مقام الهمزة] # فإن قيل: فلم أقاموا هذه الكلم مقام حرف واحد، وهي همزة الاستفهام، وهم ~~يتوخون الإيجاز والاختصار في الكلام؟ قيل: إنما فعلوا ذلك للمبالغة في طلب ~~الإيجاز والاختصار، وذلك؛ لأن هذه الكلم تشتمل على الجنس الذي تدل عليه، ~~ألا ترى أن "من" تشتمل على جميع من يعقل، و"أين" تشتمل على جميع الأمكنة، ~~و"متى" تشتمل على جميع الأزمنة، وكذلك سائرها، فلما كانت تشتمل على هذه ~~الأجناس؛ كان فيها فائدة ليست في الهمزة، ألا ترى ms158 أنك لو قلت: أزيد عندك؟ ~~لجاز ألا يكون زيد عنده؛ فيقول: "لا" فتحتاج إلى أن تعيد السؤال، وتعد شخصا ~~شخصا، وربما لا يذكر الشخص الذي هو عنده، فلا يحصل لك الجواب عمن عنده؛ ~~لأنه لا يلزمه ذلك في سؤالك، فلما كان ذلك يؤدي إلى التطويل؛ لأن استيعاب ~~الأشخاص مستحيل، أتى بلفظة تشتمل على جميع من يعقل وهي "من" فأقاموها مقام ~~الهمزة ليلزم المسئول الجواب عمن عنده، وكذلك لو قلت: أفي الدار زيد، أو في ~~المسجد؛ لجاز ألا يكون في واحد منهما؛ فيقول: "لا" فتحتاج -أيضا- أن تعيد ~~السؤال، وتعد مكانا مكانا، وربما لا يذكر ذلك المكان الذي هو فيه، فلا يحصل ~~لك الجواب عن PageV01P268 # مكانه؛ لأنه لا يلزمه ذلك في سؤالك1؛ فلما كان ذلك يؤدي إلى التطويل، أتي ~~ب"أين"؛ لأنها تشتمل على جميع الأمكنة؛ ليلزم المسئول الجواب عن مكانه؛ ~~وكذلك لو قلت: أيخرج زيد يوم السبت؛ لجاز ألا يخرج في ذلك اليوم، فتحتاج ~~-أيضا- إلى تكرير السؤال، وربما لا يذكر ذلك الوقت الذي يخرج فيه؛ فلما كان ~~ذلك يؤدي إلى التطويل؛ أقاموا "متى" مقامها؛ لأنها تشتمل على جميع الأزمنة، ~~كما تشتمل "أين" على جميع الأمكنة، وكذلك سائرها؛ فلهذا المعنى من الإيجاز ~~والاختصار أقاموها مقام الهمزة. # [علة بناء أدوات الاستفهام عدا أي] # فإن قيل: فلم كانت مبنية ما عدا "أيا"؟ قيل: إنما بنيت لأنها تضمنت معنى ~~حرف الاستفهام، وهو "الهمزة" وأما "أي" فإنما أعربت وإن كانت قد تضمنت معنى ~~حرف الاستفهام؛ لما بينا في باب أسماء الصلات [من] 2 قبل؛ فاعرفه تصب، إن ~~شاء الله تعالى. PageV01P269 ### | الباب التاسع والخمسون: باب الحكاية # فائدة الحكاية في الكلام # إن قال قائل: لم دخلت الحكاية الكلام؟ قيل: لأنها تزيل الالتباس، وتزيد1 ~~التوسع في الكلام. # [الحكاية في المعارف والنكرات وخلافهم في ذلك] # فإن قيل: فهل يجوز2 الحكاية في غير الاسم العلم والكنية؟ قيل: اختلفت3 ~~العرب في ذلك؛ فمن العرب من يجيز الحكاية في المعارف كلها دون النكرات؛ قال ~~الشاعر4: [الوافر] # سمعت: الناس ينتجعون غيثا ... فقلت لصيدح انتجعي بلالا5 ms159 # فقال: الناس بالرفع، كأنه سمع قائلا يقول: الناس ينتجعون غيثا، فحكى ~~الاسم مرفوعا، كما سمع. ومن العرب من يجيز الحكاية في المعرفة والنكرة؛ ومن ~~ذلك قول بعضهم، وقد قيل له: عندي تمرتان؛ فقال: "دعنى من تمرتان". وأما أهل ~~الحجاز فيخصونها بالاسم العلم والكنية؛ فيقولون إذا قال: رأيت زيدا: من ~~زيدا؟ وإذا قال: مررت بزيد: من زيد؟ فيجعلون "من" PageV01P270 # في موضع رفع بالابتداء، وزيدا1 في موضع الخبر، ويحكون الإعراب، وتكون ~~الحركة قائمة مقام الرفعة2 التي تجب بخبر المبتدأ. # [بنو تميم لا يحكمون الإعراب] # وأما بنو تميم فلا يحكون، ويقولون: "من زيد" بالرفع في جميع الأحوال، ~~فيجعلون "من" في موضع رفع؛ لأنه مبتدأ وزيد هو الخبر، ولا يحكون الإعراب؛ ~~وهو القياس؛ والذي يدل على ذلك: أن أهل الحجاز يوافقون بني تميم في العطف ~~والوصف؛ فالعطف كقولك إذا قال لك القائل: رأيت زيدا: ومن زيد؟، والوصف ~~كقولك إذا قال /لك/2 القائل: رأيت زيدا الظريف: "من زيد الظريف؟ ". # [أهل الحجاز يخصون الحكاية باسم العلم والكنية وعلة ذلك] # فإن قيل: فلم خص أهل الحجاز الحكاية بالاسم العلم والكنية؟ قيل: لأن ~~الاسم العلم والكنية غيرا، ونقلا عن وضعهما؛ فلما دخلهما التغيير؛ والتغيير ~~يؤنس بالتغيير. # [علة رفع الحجازيين في العطف والوصف] # فإن قيل: فلم رفع أهل الحجاز مع العطف والوصف؟ قيل: لارتفاع اللبس. # [الزيادات التي تلحق من في الاستفهام عن النكرة في الوقف] # فإن قيل: فما هذه الزيادات التي تلحق من في الاستفهام عن النكرة في الوقف ~~في حالة الرفع، والنصب، والجر، والتأنيث، والتثنية، والجمع؛ نحو: "منو، ~~ومنا، ومني، ومنان، ومنين، ومنون، ومنين، ومنه، ومنتان، ومنتين، ومنات" هل ~~هي إعراب أو لا؟ قيل: هذه الزيادات التي تلحق "من" من تغييرات3 الوقف، ~~وليست بإعراب، والدليل على ذلك من وجهين: # أحدهما: أن "من" مبنية، والمبني لا يلحقه الإعراب. # والثاني: أن الإعراب يثبت في الوصل، ويسقط في الوقف4؛ وهذا PageV01P271 # بعكس الإعراب، يثبت في الوقف، ويسقط في الوصل؛ فدل على أنه ليس بإعراب، ~~وأما قول الشاعر1: [الوافر] # أتوا ناري فقلت منون ms160 أنتم ... فقالوا الجن فقلت: عموا ظلاما2 # فأثبتوا الزيادة في حال الوصل؛ فالجواب عنه من وجهين: # أحدهما: أنه أجرى الوصل مجرى الوقف، لضرورة الشعر، وإذا كان ذلك لضرورة ~~الشعر؛ فلا يكون فيه حجة. # والثاني: أنه يجوز أن يكون من قبيلة تعرب3 "من"، فقد حكي عن سيبويه4: أنه ~~من العرب من يقول: "ضرب من منا" كما تقول: "ضرب رجل رجلا" ولم يقع الكلام ~~في لغة من أعربها، وإنما وقع في لغة من بناها، ف"منون" في هذه اللغة بمنزلة ~~"قام الزيدون" وعلى كل حال فهو من القليل الشاذ الذي لا يقاس عليه؛ فاعرفه ~~تصب، إن شاء الله تعالى. PageV01P272 ### | الباب الستون: باب الخطاب # [ضابط الخطاب] # إن قال قائل: ما ضابط هذا الباب؟ قيل: أن تجعل أول كلامك للمسئول عنه ~~الغائب، وآخره للمسئول المخاطب؛ فتقول إذا سألت رجلا عن رجل ... 1: كيف ذلك ~~الرجل، يا رجل؟ وإذا سألته عن رجلين، قلت: كيف ذانك الرجلان، يا رجل؟ وإذا ~~سألته عن رجال، قلت: كيف أولئك الرجال، يا رجل؟ وإذا سألت رجلا عن امرأة، ~~قلت: كيف تلك المرأة، يا رجل؟ وإذا سألته عن امرأتين، قلت: كيف تانك ~~المرأتان يا رجل؟ وإذا سألته عن نسوة، قلت: كيف أولئك النسوة، يا رجل؟ وإذا ~~سألت امرأة عن امرأة، قلت: كيف تلك المرأة، يا امرأة؟ وإذا سألتها عن ~~امرأتين قلت: كيف تانك المرأتان، يا امرأة؟ وإذا سألتها عن نسوة، قلت: كيف ~~أولئك النسوة، يا امرأة؟ وإذا سألت امرأة عن رجل، قلت: كيف ذلك الرجل يا ~~امرأة؟ وإذا سألتها عن رجلين، قلت: كيف ذانك الرجلان، يا امرأة # ؟، وإذا سألتها عن رجال، قلت: كيف أولئك الرجال، يا امرأة؟، وإذا سألت ~~اثنين عن امرأة، قلت: كيف تلكما المرأة، يا رجلان؟ قال الله عز وجل: {ألم ~~أنهكما عن تلكما الشجرة} 2، وإذا خاطبت نسوة، وأشرت إلى رجل، قلت: كيف ذلكن ~~الرجل يا نسوة؟ قال الله تعالى: {قالت فذلكن الذي لمتنني فيه # } 3، وعلى هذا قياس هذا الباب. # [علة تقديم المشار إليه الغائب] # فإن قيل: فلم قدم المشار إليه الغائب؟ ms161 قيل: عناية بالمسئول عنه. ~~PageV01P273 # [الكاف بعد أسماء الإشارة للخطاب لا محل لها من الإعراب] # والكاف بعد أسماء الإشارة وهي ذلك، وتلك، وأولئك لمجرد الخطاب، ولا موضع ~~لها من الإعراب؛ لأنه لو كان لها موضع من الإعراب لكان موضعها الجر ~~بالإضافة، وذلك محال؛ لأن أسماء الإشارة معارف، والمعارف لا تضاف، فصارت ~~بمنزلة الكاف في "النجاك"؛ لأن ما فيه الألف واللام لا يضاف1، وبمنزلة ~~الكاف في "إياك" لأنه مضمر؛ والمضمرات كلها معارف؛ والمعارف لا تضاف. # [اللام في أسماء الإشارة زائدة للتنبيه] # واللام في: ذلك، وتلك/زائدة/2 للتنبيه، ك"ها" في هذه؛ ولهذا لا يحسن أن ~~يقال: "هذلك" ولا "هاتالك"، وأصل اللام أن تكون ساكنة. # فإن قيل: فلم كسرت اللام في ذلك وحدها؟ قيل: إنما كسرت..3 لوجهين: # أحدهما: أنها كسرت لالتقاء الساكنين؛ لسكونها وسكون الألف قبلها. # والثاني: أنها كسرت لئلا تلتبس بلام الملك، ألا ترى أنك لو قلت "ذلك" ~~بفتح اللام، لالتبس وتوهم السامع أن المراد به أن هذا الشيء ملك لك، فلما ~~كان يؤدي إلى الالتباس كسرت اللام لإزالة هذا الالتباس، وإنما فتحت كاف ~~الخطاب في المذكر، وكسرت في المؤنث للفرق بينهما، والكاف في "تلكما" أيضا ~~للخطاب، وما /التي يعدها/4 علامة للتثنية، وكذلك الكاف -أيضا- في "أولئكم" ~~للخطاب، والميم والواو المحذوفة علامة لجمع المذكر، وكذلك الكاف -أيضا- في ~~"أولئكن" للخطاب، والنون المشددة علامة لجمع المؤنث؛ ومن العرب من يأتي ~~بالكاف مفردة في التثنية والجمع على خطاب الواحد إذا فهم المعنى؛ قال الله ~~سبحانه وتعالى: {ذلك بما قدمت أيديكم} 5 ولم يقل "ذلكم"؛ وقيل: إنما أفرد؛ ~~لأنه أراد به الجمع؛ (كأنه قال: ذلك أيها الجمع6) 7 والجمع لفظه مفرد؛ ~~فاعرفه تصب، إن شاء الله تعالى. PageV01P274 ### | الباب الحادي والستون: باب الألفات # [الهمزة في أول الكلمات على ضربين] # إن قال قائل: على كم ضربا الألفات التي تدخل أوائل الكلم؟ قيل: على ~~ضربين؛ همزة وصل، وهمزة قطع؛ فهمزة الوصل هي التي يتصل ما قبلها بما بعدها ~~في الوصل؛ ولذلك سميت همزة الوصل؛ وهمزة القطع هي التي تقطع ما قبلها عن ms162 ~~الاتصال بما بعدها؛ فلذلك، سميت همزة القطع. # [همزة الوصل ودخولها في أقسام الكلم كلها] # فإن قيل: ففي ماذا تدخل همزة الوصل من الكلم؟ قيل: في جميع أقسام الكلم ~~من الاسم والفعل والحرف؛ أما الاسم فتدخل منه على اسم ليس بمصدر، وعلى اسم ~~هو المصدر؛ فأما ما ليس بمصدر ف"ابن، وابنة، واثنان، واثنتان، واسم، واست، ~~وامرؤ، وامرأة، وايمن" فالهمزة دخلت في أوائل هذه الكلم عوضا عن اللام ~~المحذوفة منها، ما عدا: "امرؤ، وامرأة، وايمن" فأما "امرؤ، وامرأة" فإنما ~~أدخلت1 عليهما؛ لأنهما لما كان آخرهما همزة؛ والهمزة معدن التغيير، تنزلا ~~منزلة الاسم الذي قد حذف منه اللام، فأدخلت الهمزة عليهما، كما أدخلت على ~~ما حذف منه اللام. فأما "ايمن" فهو جمع يمين، إلا أنهم وصلوها؛ لكثرة ~~الاستعمال، وقيل: إنهم حذفوها حذفا، وزيدت الهمزة في أوله؛ لئلا يبتدأ ~~بالساكن. وأما ما كان مصدرا؛ فنحو: "انطلاق، واقتطاع، واحمرار، واحميرار، ~~واستخراج، واغديدان، واخرواط /واسحنكاك/2 واسلنقاء، واحرنجام، واسبطرار" ~~وما أشبه ذلك. وأما الفعل فتدخل همزة الوصل منه على أفعال هذه المصادر؛ ~~نحو: انطلق، واقتطع، واحمر، PageV01P275 # واحمار، واستخرج، واغدودن1 واخروط2، واسحنكك3، واسلنقى4، واحرنجم5 ~~واسبطر6" ونحو ذلك؛ وإنما دخلت همزة الوصل في أوائل هذه الأفعال ومصادرها؛ ~~لئلا يبتدأ بالساكن، وكذلك أيضا تدخل همزة الوصل على أمثلة الأمر من الفعل ~~الذي يسكن فيه ما بعد حرف المضارعة؛ نحو "ادخل، واضرب، واسمع" لئلا يبتدأ ~~بالساكن. وأما الحرف فلا تدخل همزة الوصل منه إلا على حرف واحد، وهي لام ~~التعريف؛ نحو: "الرجل، والغلام" وما أشبه ذلك في قول سيبويه للعلة التي ~~ذكرناها. وأما الخليل فذهب إلى أن الألف واللام زيدتا معا للتعريف، إلا ~~أنهم جعلوا الهمزة همزة وصل؛ لكثرة الاستعمال؛ (وقد ذكرناه مستوفى في كتاب: ~~الألف واللام) 7. # [علة فتح همزة الوصل مع لام التعريف] # فإن قيل: فلم فتحت الهمزة مع لام التعريف، وألف "ايمن"؟ قيل: أما الهمزة ~~مع لام التعريف، ففتحت لثلاثة أوجه: # أحدها: أن الهمزة لما دخلت على لام التعريف، وهي حرف؛ أرادوا أن يجعلوها ~~مخالفة للهمزة التي تدخل على ms163 الاسم والفعل. # والوجه الثاني: (أن الحرف أثقل، فاختاروا له الفتحة؛ لأنها8 أخف الحركات. # والوجه الثالث) 8: أن الهمزة مع لام التعريف، يكثر دورها في الكلام؛ ~~فاختاروا لها أخف الحركات، وهي9 الفتح. # [علة فتح همزة ايمن] # وأما همزة "ايمن" فإنما بنيت على الفتح لوجهين: # أحدهما: أن الأصل فيها أن تكون همزة قطع مفتوحة؛ فإذا وصلت لكثرة ~~الاستعمال؛ بقيت حركتها على ما كانت عليه. PageV01P276 # والثاني: أنها فتحت؛ لأن هذا الاسم ناب عن حرف القسم وهو "الواو" فلما ~~ناب عن الحرف، شبه بالحرف، وهو لام التعريف؛ فوجب أن تفتح همزته، كما فتحت ~~مع لام التعريف. # [علة ضم همزة الوصل وفتحها مع بعض الأسماء] # فإن قيل: فلم ضمت الهمزة في نحو "ادخل" وكسرت في نحو "اضرب" وما أشبه ~~ذلك؟ قيل: اختلف النحويون في ذلك؛ فذهب البصريون إلى أن الأصل في هذه ~~الهمزة الكسر، وإنما ضمت في نحو "ادخل" وما أشبه ذلك؛ لأن الخروج من كسر ~~إلى ضم مستثقل؛ ولهذا ليس في كلام العرب شيء على وزن "فعل". وذهب الكوفيون ~~إلى أن همزة الوصل مبنية على ثالث المستقبل، فإن كان مكسورا كسرت، وإن كان ~~مضموما ضمت. وما عدا ما ذكرناه في همزة الوصل، فهو همزة قطع؛ لأن همزة ~~القطع ليس لها أصل يحصرها، غير أنا نذكر بينهما فرقا على جهة التقريب، ~~فنقول: # [الفرق بين همزة الوصل والقطع] # نفرق بين همزة الوصل وهمزة القطع في الأسماء بالتصغير، فإن ثبتت ~~بالتصغير، فهي همزة قطع، وإن سقطت فهي همزة وصل؛ نحو همزة: "أب، وابن" ~~فالهمزة في "أب" همزة قطع، لأنها تثبت في التصغير، لأنك تقول في تصغيره: ~~"أبي"، والهمزة في "ابن" همزة وصل؛ لأنها تسقط في التصغير؛ لأنك تقول في ~~تصغيره؛ "بني". ونفرق بين همزة الوصل وهمزة القطع في الأفعال، بأن تكون1 ~~ياء المضارع2 منه مفتوحة، أو مضمومة، فإن كانت مفتوحة؛ فهي همزة وصل؛ نحو: ~~ما قدمناه، وإن كانت مضمومة؛ فهي همزة قطع؛ نحو: "أجمل، وأحسن" وما أشبه ~~ذلك، لأنك تقول في المضارع /منه/3 "يجمل، ويحسن" وما أشبه ذلك؛ ms164 وهمزة مصدره ~~-أيضا- همزة قطع كالفعل، وإنما كسرت من "إجمال" ونحوه لئلا يلتبس بالجمع، ~~فإنهم لو قالوا: "أجمل أجمالا" بفتح الهمزة في المصدر؛ لالتبس بجمع "جمل" ~~فلما كان ذلك يؤدي إلى اللبس؛ كسروا الهمزة لإزالة اللبس. PageV01P277 # [علة فتح حرف المضارعة في الثلاثي وضمها في الرباعي] # فإن قيل: فلم فتحوا حرف المضارعة في الثلاثي، وضموه في1 الرباعي؟ قيل: ~~لأن الثلاثي أكثر من الرباعي، والفتحة أخف من الضمة، فأعطوا الأكثر الأخف، ~~والأقل والأثقل؛ ليعادلوا بينهما. # فإن قيل: فالخماسي والسداسي أقل من الرباعي، فهلا وجب ضمه؟ قيل: إنما وجب ~~فتحه لوجهين: # أحدهما: أن النقل من الثلاثي أكثر من الرباعي، فلما وجب الحمل على ~~أحدهما؛ كان الحمل على الأكثر أولى من الحمل على الأقل. # والثاني: أن الخماسي والسداسي ثقيلان؛ لكثرة حروفهما، فلو بنوهما على ~~الضم، لأدى ذلك إلى أن يجمعوا بين كثرة الحروف، وثقل الضم، وذلك لا يجوز، ~~فأعطوهما أخف الحركات وهو الفتح، على2 أن بعض العرب يضم حروف3 المضارعة ~~منهما، فيقول: "ينطلق، ويستخرج" بضم حرف المضارعة، حملا على الرباعي، ~~فاعرفه تصب، إن شاء الله تعالى. PageV01P278 ### | الباب الثاني والستون: باب الإمالة # [معنى الإمالة] # إن قال قائل: ما الإمالة؟ قيل: أن تنحو بالفتحة نحو الكسرة، وبالألف نحو ~~الياء. # [علة إدخال الإمالة في الكلام] # فإن قيل: فلم أدخلت الإمالة الكلام؟ قيل: طلبا للتشاكل؛ لئلا تختلف ~~الأصوات فتتنافر، وهي تختص بلغة أهل الحجاز، ومن جاورهم من بني تميم ~~وغيرهم؛ وهي فرع على التفخيم؛ والتفخيم هو الأصل؛ بدليل أن الإمالة تفتقر ~~إلى أسباب توجبها، وليس التفخيم كذلك. # [الأسباب التي توجب الإمالة] # فإن قيل: فما الأسباب التي توجب الإمالة؟ قيل: هي الكسرة في اللفظ، أو ~~كسرة تعرض للحرف في بعض المواضع، (أو الياء الموجودة في اللفظ، أو لأن ~~الألف منقلبة عن الياء، أو لأن الألف تنزل منزلة المنقلبة عن الياء، أو ~~إمالة لإمالة؛ فهذه ستة أسباب توجب الإمالة. فأما الإمالة للكسرة في اللفظ؛ ~~فنحو قولهم في عالم: عالم، وفي سالم: سالم. وأما الإمالة للكسرة بشيء يعرض ~~للحرف في بعض المواضع) ms165 ؛1 فنحو قولهم في خاف: خاف؛ فأمالوا؛ لأن الخاء تكسر ~~في خفت. وأما الإمالة للياء؛ فنحو قولهم في شيبان: شيبان، وفي غيلان: ~~غيلان. وأما الإمالة؛ لأن الألف منقلبة2 من الياء؛ فنحو قولهم في: رحى: ~~رحى، وفي رمى: رمى. وأما الإمالة؛ لأن الألف تنزل منزلة المنقلبة عن الياء؛ ~~فنحو قولهم /في/3: حبارى4: حبارى، وفي سكارى: سكارى. PageV01P279 # وأما الإمالة للإمالة؛ فنحو: رأيت عمادا، وقرأت كتابا. # [الأحرف المانعة من الإمالة] # فإن قيل: فما يمنع من الإمالة؟ قيل: حروف الاستعلاء والإطباق؛ وهي ~~"الصاد، والضاد، والطاء، والظاء، والغين، والخاء، والقاف"؛ فهذه سبعة أحرف ~~تمنع الإمالة. # [علة منع هذه الأحرف من الإمالة] # فإن قيل: فلم منعت هذه الأحرف الإمالة؟ قيل: لأن هذه الحروف تستعلي وتتصل ~~بالحنك الأعلى، فتجذب الألف إلى الفتح، وتمنعه من التسفل بالإمالة. # [علة امتناع الإمالة إذا وقعت مسكورة بعد الألف] # فإن قيل: فلم إذا وقعت بعد الألف مكسورة منعت الإمالة، وإذا وقعت مكسورة ~~قبلها لم تمنع؟ قيل: إنما منعت من الإمالة إذا وقعت مكسورة بعد الألف؛ لأنه ~~يؤدي إلى التصعد بعد الانحدار؛ لأن الإمالة تقتضي الانحدار، وهذه الحروف ~~تقتضي التصعد، فلو أملت1 -ههنا- لأدى ذلك التصعد بعد الانحدار، وذلك صعب ~~ثقيل؛ فلذلك، منعت من الإمالة؛ بخلاف ما إذا وقعت مكسورة قبل الألف؛ فإنه ~~لا يؤدي إلى ذلك، فإنك إذا أتيت بالمستعلي مكسورا، أضعفت استعلاءه، ثم إذا ~~أملت انحدرت بعد تصعد، والانحدار بعد التصعد سهل خفيف؛ فبان الفرق بينهما. # فإن قيل: فهلا جازت الإمالة إذا وقعت قبل الألف مفتوحة في نحو: "صامت" ~~وذلك انحدار بعد تصعد؟ قيل: لأن الحرف المستعلي مفتوح، والحرف المستعلي إذا ~~كان مفتوحا، زاد استعلاء؛ فامتنعت الإمالة، بخلاف ما إذا كان مكسورا؛ لأن ~~الكسرة تضعف استعلاءه؛ فصارت سلما إلى جواز الإمالة، ولم يكن جواز الإمالة ~~-هناك- لأنه انحدار بعد تصعد فقط، وإنما كان /كذلك/2؛ لأن الكسرة ضعفت ~~استعلاءه، /و/3 لأنه انحدار بعد تصعد؛ فباعتبار هذين الوصفين، جازت الإمالة ~~ههنا، فإن وجد أحدهما؛ وهو كونه انحدارا بعد تصعد، فلم يوجد الآخر، وهو ~~تضعيف حرف ms166 الاستعلاء بالكسرة4 PageV01P280 # التي هي سلم إلى جواز الإمالة؛ فالإمالة في ضرب المثال مع الكسرة، بمنزلة ~~النزول من موضع عال بدرجة، أو سلم، والإمالة مع غير الكسرة، بمنزلة النزول ~~من موضع عال من غير1 درجة، أو سلم، فبان الفرق بينهما. # [علة منع الراء المفتوحة أو المضمومة من الإمالة] # فإن قيل: فلم إذا كانت الراء مفتوحة، أو مضمومة، منعت من الإمالة، وإذا ~~كانت مكسورة أوجبت2 الإمالة قيل: لأن الراء حرف تكرير؛ فإذا كانت مفتوحة، ~~أو مضمومة فكأنه /قد/3 اجتمع فيها فتحتان، أو ضمتان؛ فلذلك، منعت الإمالة، ~~وأما إذا كانت مكسورة، فكأنه قد اجتمع فيها كسرتان؛ فلذلك، أوجبت الإمالة. # [علة غلبة الراء المكسورة حول الاستعلاء والراء المفتوحة] # فإن قيل: فلم غلبت الراء المكسورة حرف الاستعلاء /في/4 نحو: "طارد" ~~والراء المفتوحة /في/4 نحو: "دار القرار" وما أشبه ذلك؟ قيل: إنما غلبت ~~الإمالة للراء المكسورة مع الحرف المستعلي؛ لأن الكسرة في الراء اكتسبت5 ~~تكريرا فقويت؛ لأن الحركة تقوى بقوة الحرف الذي يتحملها، فصارت الكسرة فيها ~~بمنزلة كسرتين؛ فغلبت بتسفلها تصعد المستعلي، وكما غلبت الراء المكسورة ~~الحرف المستعلي، فكذلك الراء المفتوحة المشبهة به. # [علة عدم دخول الإمالة في الحروف] # فإن قيل: فلم لم تدخل الإمالة في الحرف؟ قيل: لأن الإمالة ضرب من التصرف، ~~أو لتدل الألف على أن أصلها ياء، والحروف لا تتصرف، ولا تكون ألفاتها ~~منقلبة عن ياء، ولا واو. # [علة جواز الإمالة في "بلى" الجوابية و"يا" الندائية] # فإن قيل: فلم جازت الإمالة في: "بلى" و"يا" في النداء؟ قيل: أما "بلى" ~~فإنما أميلت؛ لأنها أغنت غناء الجملة، وأما "يا" في النداء، فإنما أميلت؛ ~~لأنها قامت مقام الفعل، فجازت إمالتها كالفعل؛ فاعرفه تصب، إن شاء الله ~~تعالى. PageV01P281 ### | الباب الثالث والستون: باب الوقف # أوجه الوقف # إن قال قائل: على كم وجها يكون الوقف؟ قيل: على خمسة أوجه: # السكون: وهو حذف الحركة والتنوين. # والإشمام: وهو أن تضم شفتيك من /غير/1 صوت؛ وهذا يدركه البصير دون ~~الضرير. # والروم: وهو2 أن تشير إلى الحركة بصوت ضعيف؛ وهذا يدركه البصير والضرير. ms167 # والتشديد: وهو2 أن تشدد الحرف الأخير؛ نحو: هذا عمر، وهذا خالد. # والإتباع: وهو أن تحرك ما قبل الحرف الأخير إذا كان ساكنا حركة الحرف ~~الأخير في الرفع والجر؛ نحو: هذا بكر، ومررت ببكر. # [علة تخصيص الوقف بالوجوه المذكورة] # فإن قيل: فلم خصوا الوقف بهذه الوجوه الخمسة؟ قيل: أما السكون؛ فلأن راحة ~~المتكلم ينبغي أن تكون عند الفراغ من الكلمة، والوقف عليها؛ والراحة في ~~السكون لا في الحركة3. # [علة إبدال التنوين ألفا في حال النصب] # فإن قيل: فلم أبدلوا من التنوين ألفا في حال النصب، ولم يبدلوا من ~~التنوين واوا في حال الرفع، ولا ياء في حال الجر؟ قيل: لوجهين: PageV01P282 # أحدهما: إنما أبدلوا من التنوين ألفا في حال النصب؛ لخفة الفتحة، بخلاف ~~الرفع والجر، فإن الضمة والكسرة ثقيلتان. # والوجه الثاني: أنهم لو أبدلوا من التنوين واوا في حالة الرفع؛ لكان ذلك ~~يؤدي إلى أن يكون اسم متمكن في آخره واو قبلها ضمة، وليس في كلام العرب اسم ~~متمكن في آخره واو قبلها ضمة. ولو أبدلوا من التنوين ياء في حالة الجر؛ ~~لكان ذلك يؤدي إلى أن تلتبس بياء المتكلم؛ فلذلك لم يبدلوا منه ياء؛ على ~~أنه من العرب من يبدل في حالة الرفع واوا، وفي حالة الجر ياء؛ ومنهم من لا ~~يبدل في حالة النصب ألفا، كما لا يبدل في حالة الرفع واوا، ولا في حالة ~~الجر ياء؛ وهي لغة قليلة؛ وأجود اللغات الإبدال في حال النصب، وترك الإبدال ~~في حال الرفع والجر على ما بينا. # وأما الإشمام: فالمراد به أن تبين أن لهذه الكلمة أصل1 حركة في حال ~~الوصل، وكذلك "الروم والتشديد". # [علة عدم جواز الإشمام في حال الجر] # فإن قيل: فلم لم يجز الإشمام في حال الجر؟ قيل: لأنه يؤدي إلى تشويه ~~الحلق. # وأما الإتباع: فلأنه لما وجب التحريك؛ لالتقاء الساكنين، اختاروا /لها/2 ~~الضمة في حالة الرفع؛ لأنها الحركة التي كانت في حالة الوصل، وكانت أولى من ~~غيرها؛ قال الشاعر3: [الرجز] # أنا ابن ماوية إذ جد النقر ... [وجاءت الخيل ms168 أثابي زمر] 4 PageV01P283 # وكذلك حكم الكسرة في قول الآخر1: [المتقارب] # أرتني حجلا على ساقها ... فهش فؤادي لذاك الحجل2 # بكسر الحاء والجيم. # فإن قيل: فهلا جاز ذلك في حالة النصب، كما جاز في حالة الرفع والجر؟ قيل: ~~لأن حرف الإعراب تلزمه الحركة إذا كان منونا في حالة النصب؛ نحو /قولك/3: ~~"رأيت بكرا" ولا تلزمه في حالة الرفع والجر. # فإن قيل: فهلا جاز في ما لم يكن فيه تنوين؛ نحو قولك: "رأيت البكر"؟ قيل: ~~حملا على ما فيه التنوين؛ لأن الأصل هو التنكير. # فإن قيل: فهلا جاز أن يقال: "هذا عدل" بضم الدال، و"مررت بالبسر" بكسر ~~السين في الوقف، كما جاز: "هذا بكر، ومررت ببكر"؟ قيل: لأنهم لو قالوا: ~~"هذا عدل" بضم الدال لأدى ذلك إلى إثبات ما لا نظير له في كلامهم؛ لأنه ليس ~~في كلامهم شيء على وزن "فعل" فلما كان ذلك يؤدي إلى إثبات ما لا نظير له في ~~كلامهم، عدلوا عن الضم إلى الكسر، كما قالوا في جمع حقو: أحق4، وجرو: أجر5، ~~وقلنسوة: قلنس6 وقالوا: "هذا عدل" بكسر الدال؛ لأن له نظيرا في كلامهم؛ ~~نحو: "إبل، وإطل"7، ولم يقولوا: "مررت بالبسر" /بكسر السين/8؛ لأنه ليس في ~~الأسماء شيء على وزن "فعل" إلا PageV01P284 # "دئل" وهو اسم دويبة، و"رئم" اسم للسته1، وهما فعلان نقلا إلى الاسمية. ~~وحكى بعضهم "وعل"، فلما كان ذلك يؤدي إلى إثبات ما لا نظير له في كلامهم، ~~رفضوه وعدلوا عن الكسر إلى الضم؛ فقالوا: "مررت بالبسر"2؛ لأن له نظيرا3 في ~~كلامهم؛ نحو: "طنب4، وحرض5"؛ فاعرفه تصب، إن شاء الله تعالى. PageV01P285 ### | الباب الرابع والستون: باب الإدغام # [معنى الإدغام] # إن قال قائل: ما الإدغام؟ قيل: أن تصل حرفا بحرف مثله من غير أن تفصل ~~بينهما بحركة، أو وقف، فينبو اللسان عنهما نبوة واحدة. # [الإدغام على ضربين] # فإن قيل: فعلى كم ضربا الإدغام؟ قيل: على ضربين؛ إدغام حرف في مثله من ~~غير قلب؛ وإدغام حرف في مقاربة بعد القلب؛ فأما إدغام الحرف في مثله، فنحو: ~~شد، ورد. و/كان/1 الأصل ms169 فيه "شدد، وردد" إلا أنه لما اجتمع حرفان متحركان ~~من جنس واحد، سكنوا الأول منهما، وأدغموه في الثاني، وحكم المضارع في ~~الإدغام حكم الماضي؛ نحو: "يشد، ويرد" وما أشبه ذلك. وأما إدغام الحرف في ~~مقاربه؛ فهو أن تبدل أحدهما من جنس الآخر، وتدغمه فالثاني2؛ نحو: الحق ~~كندة3، وانهك4 قطنا، واسلخ غنمك، وادمغ خلفا5، وما أشبه ذلك، غير أنه لا ~~طريق إلى معرفة تقارب الحروف إلا بعد معرفتها، ومعرفة مخارجها، وأقسامها؛ ~~وهي تسعة وعشرون حرفا، وهي معروفة، وقد تبلغ خمسة وثلاثين حرفا بحروف ~~مستحسنة، وهي النون الخفيفة، وهمزة بين بين، والألف الممالة، وألف التفخيم؛ ~~وهي التي ينحى بها نحو الواو؛ نحو: "الصلوة"، والصاد كالزاي6، والسين ~~كالجيم؛ PageV01P286 # وتبلغ نيفا وأربعين حرفا بحروف غير مستحسنة، وهي القاف التي بين القاف ~~والكاف، والكاف التي بين الجيم والكاف، والجيم التي كالكاف، والجيم التي ~~كالشين، والصاد1 التي كالسين، والطاء التي كالتاء، والظاء التي كالثاء، ~~والباء التي كالفاء، وحكى أبو بكر2.. 3 الضاد الضعيفة المبدلة من الثاء4. ~~وحكي أن منهم من يقول في: "اثرد 5: اضرد". ومخارجها ستة عشر مخرجا: # فالأول: للهمزة، والألف، والهاء؛ وهو من أقصى الحلق مما يلي الصدر. # والثاني: للعين والحاء؛ وهو من وسط الحلق. # والثالث: للغين والخاء؛ وهو من أدنى الحلق مما يلي الفم. # والرابع: للقاف؛ وهو من أقصى اللسان وما فوقه من الحنك. # والخامس: للكاف؛ وهو أسفل من ذلك، وأقرب إلى مقدم الفم. # والسادس: للجيم، والشين، والياء؛ وهو من وسط اللسان، بينه وبين الحنك ~~الأعلى. # والسابع: للضاد؛ وهو من أول حافة اللسان وما يليها من الأضراس؛ و/هي/6 من ~~الجانب الأيسر أسهل. # والثامن: للام؛ وهو من أدنى حافة اللسان إلى منتهى طرفه. # والتاسع: للنون؛ وهو من فوق ذلك، فويق الثنايا7. # والعاشر: للراء؛ وهو من مخرج النون إلا أن الراء أدخل بطرف اللسان في ~~الفم، ولها تكرير في مخرجها. PageV01P287 # والحادي عشر: للطاء، والتاء، والدال، وهو من بين طرف اللسان وأصول ~~الثنايا العليا. # والثاني عشر: للصاد، والسين، والزاي1، وهو من /بين/2 طرف اللسان وفويق ~~الثنايا السفلى، ms170 وتسمى هذه الحروف الثلاثة حروف الصفير. # والثالث عشر: للثاء، والذال، والظاء؛ وهو3 من بين طرف اللسان، وأطراف ~~الثنايا العليا. # والرابع عشر: للفاء؛ وهو من باطن الشفة السفلى وأطراف الثنايا العليا. # والخامس عشر: للباء، والميم، والواو؛ وهو من بين الشفتين. # والسادس عشر: للنون الخفيفة؛ وهو من الخياشيم، ولا عمل للسان فيها؛ فهذه ~~مخارج الحروف، وهي تنقسم إلى مهموسة والمجهورة، والمذلقة4، والمصمتة، ~~والشديدة، والرخوة، وما بين الشديدة والرخوة، والمطبقة والمفتوحة، ~~والمستعلية والمنخفضة، والمعتلة. # [الأحرف المهموسة] # فالمهموسة عشرة أحرف: الهاء، والحاء، والخاء، والكاف، والسين، والشين، ~~والصاد، والتاء، والثاء، والفاء، ويجمعها /قولك/: 6 "ستشحثك7 خصفه8. ~~PageV01P288 # [الأحرف المجهورة] # والمجهورة، ما عدا هذه العشرة؛ وهي تسعة عشر حرفا؛ ويجمعها: "مد غطاء ~~جعظر1 وقل ند ضيزن"2، # [الحرف المذلقة] # والمذلقة ستة أحرف: "اللام، والنون، والراء، والميم، والباء، والفاء"3. ~~ويجمعها: "فر من لب"4. # [الأحرف المصمتة] # والمصمتة ما عدا هذه الستة. # [الأحرف الشديدة] # والشديدة ثمانية أحرف، ويجمعها: "أجدت طبقتك"؛ وكذلك ما بين الشديدة ~~والرخوة ثمانية -أيضا5- يجمعها /قولك/6: "نوري لامع"، والرخوة ما عداهما. # [الأحرف المطبقة] # والمطبقة أربعة أحرف: "الصاد، والضاد، والطاء، والظاء"، والمفتوحة ما عدا ~~هذه الأربعة. # [الأحرف المستعلية] # والمستعلية سبعة أحرف؛ أربعة منها هي التي ذكرنا أنها مطبقة، والثلاثة ~~الأخر: "القاف، والغين، والخاء"؛ والمنخفضة ما عدا هذه السبعة. # [الأحرف المعتلة] # والمعتلة أربعة أحرف: "الهمزة، وحروف المد واللين، وهي الألف، والياء، ~~والواو". PageV01P289 # [معاني هذه الصفات] # ومعنى المهموسة: أنها حروف أضعف الاعتماد /عليها/1 في مواضعها2، فجرى ~~النفس معها فأخفاها، والهمس: الصوت الخفي؛ فلذلك سميت مهموسة. ومعنى ~~المجهورة: أنها حروف أشبع الاعتماد في موضعها؛ فمنعت النفس أن يجري معها، ~~فخرجت ظاهرة، والجهر: هو الإظهار؛ ولذلك سميت مجهورة. ومعنى المذلقة: أنها ~~حروف لها فضل اعتماد على ذلق اللسان، وهو طرفه؛ ولذلك، سميت مذلقة. ومعنى ~~المصمتة: أنها حروف ليس لها ذلك الاعتماد على ذلق اللسان، وأصمتت بأن تختص ~~بالبناء إذا كانت الكلمة رباعية أو خماسية؛ ولذلك، سميت مصمتة. ومعنى ~~الشديدة: أنها حروف صلبة لا يجري فيها الصوت؛ فلذلك، سميت شديدة. ومعنى ~~الرخوة: أنها حروف ضعيفة ms171 يجري فيها الصوت؛ فلذلك، سميت رخوة. ومعنى ما بين ~~الشديدة والرخوة: أنها حروف لا مفرطة في الصلابة، ولا ظاهرة الضعف3؛ بل هي ~~في اعتدال بينهما؛ ولذلك، كانت بين الشديدة والرخوة. ومعنى المطبقة: أنها ~~حروف يرتفع بها اللسان إلى الحنك الأعلى، فينطبق عليها، فتصير محصورة؛ ~~ولذلك، سميت مطبقة، ومعنى المفتوحة: أنها حروف لا يرتفع اللسان بها إلى ~~الحنك الأعلى، فينفتح عنها؛ ولذلك، سميت مفتوحة. ومعنى المستعلية: أنها ~~/حروف/4 تستعلي إلى الحنك الأعلى؛ ولذلك، سميت مستعلية. ومعنى المنخفضة: ~~عكس ذلك. ومعنى المعتلة: أنها حروف تتغير بانقلاب بعضها إلى بعض بالعلل ~~الموجبة /لذلك/5؛ ولذلك، سميت معتلة؛ وسميت الألف، والياء، والواو؛ حروف ~~المد واللين؛ أما المد: فلأن الصوت يمتد بها، وأما اللين: فلأنها لانت في ~~مخارجها واتسعت؛ وأوسعهن مخرجا الألف، ويسمى "الهاوي" لهويه في الحلق. # فهذا ما أردنا أن نذكره من معرفة مخارج الحروف، وأقسامها التي يعرف6 بها ~~تقارب الحروف بعضها من بعض. # فإن قيل: فلم جاز أن تدغم الباء في الميم؛ لتقاربهما، ولا يجوز أن ~~PageV01P290 # تدغم الميم في الباء؟ قيل: إنما لم يجز أن تدغم الميم في الباء؛ نحو: ~~"أكرم بكرا" كما يجوز أن تدغم الباء في الميم /نحو/1: "أصحب مطرا" لأن2 ~~الميم فيها زيادة صوت، وهي الغنة، فلو أدغمت في الباء؛ لذهبت الغنة التي ~~فيها؛ بخلاف الباء، فإنه ليس فيها غنة تذهب بالإدغام؛ فكذلك، أيضا لا يجوز ~~أن تدغم الراء في اللام، كما يجوز أن تدغم اللام في الراء؛ لأن في الراء ~~زيادة صوت، وهو التكرير، فلو أدغمت /في/3 اللام؛ لذهب التكرير الذي فيها ~~بالإدغام؛ بخلاف اللام، فإنه ليس فيها تكرير، يذهب بالإدغام. # فأما ما روي عن أبي عمرو4 من إدغام الراء في اللام في قوله عز وجل: {نغفر ~~لكم خطاياكم} 5؛ فالعلماء ينسبون الغلط في ذلك إلى الرواي لا إلى أبي عمرو، ~~ولعل أبا عمرو أخفى الراء، فخفي على الراوي، فتوهمه إدغاما، وكذلك كل حرف ~~فيه زيادة صوت، لا يدغم في ما هو أنقص صوتا منه، وإنما لم يجز إدغام الحرف ~~في ms172 ما هو أنقص صوتا منه؛ لأنه يؤدي إلى الإجحاف به، وإبطال ما له من الفضل ~~على مقاربه. # [إدغام لام التعريف في ثلاثة عشر حرفا] # فإن قيل: فلام التعريف في كم حرفا يدغم6؟ قيل: في ثلاثة عشر حرفا؛ وهي: ~~"التاء، والثاء، والدال، والذال، والراء، والزاي7، والسين، والشين، والصاد، ~~والضاد، والطاء، والظاء، والنون"؛ نحو: التائب، والثابت، والداعي، والذاكر، ~~والراهب، والزاهد، والساهر، والشاكر، والصابر، والضامر، والطائع، والظافر، ~~والناصر" فهي أحد عشر حرفا من حروف طرف اللسان، وحرفان يخالطان8 طرف ~~اللسان، وهما الضاد، والشين، وإنما أدغمت9 لام التعريف في هذه الحروف ~~لوجهين: PageV01P291 # أحدهما: أن هذه الحروف مقاربة لها. # والثاني: أن هذه اللام كثر دورها في الكلام؛ ولذلك، تدخل في سائر ~~الأسماء، سوى أسماء الأعلام؛ والأسماء غير المتمكنة، ولما اجتمع فيها ~~المقاربة لهذه الحروف، وكثر1 دورها في الكلام؛ لزم فيها الإدغام، وأما من ~~أظهر اللام على الأصل، فمن الشاذ الذي لا يعتد به. # [الأصل في ست وبلعنبر] # فإن قيل: فما الأصل في: "ست، وبلعنبر"؟ قيل: أما "ست" فأصلها سدس بدليل ~~قولهم في تصغيره: سديس، (وفي تكسيره: أسداس) 2، إلا أنهم أبدلوا من السين ~~تاء، كما أبدلوا من التاء سينا في "اتخذ"، فقالوا: "استخذ" فلما أبدلوها ~~-ههنا-3 من السين تاء صار إلى "سدت" ثم أدغموا الدال في التاء، فصار ~~/إلى/4: "ست". وأما "بلعنبر"؛ فأصله: بنو العنبر، إلا أنهم حذفوا الحرف ~~المعتل؛ لسكونه وسكون اللام، (/و/5 لم يمكنهم الإدغام لحركة النون وسكون ~~اللام) 6؛ فحذفوا النون بدلا من الإدغام؛ ومن ذلك قولهم: "بلعم" يريدون: ~~بني العم؛ قال الشاعر7: [الطويل] # إذا غاب غدوا عنك بلعم لم يكن ... جليدا ولم تعطف عليك العواطف8 # ومن ذلك قولهم: "علماء بنو فلان"9، يريدون: "على الماء"؛ قال الشاعر10: ~~[الطويل] # غداة طغت علماء بكر بن وائل ... وعجنا صدور الخيل شطر تميم11 PageV01P292 # يريد1: "على الماء" وهذا كله ليس بمطرد في2 القياس، وإنما دعاهم إلى ذلك ~~كثرة الاستعمال، وهو من الشاذ الذي لا يقاس عليه؛ فاعرفه3 تصب، إن شاء الله ~~تعالى. PageV01P293 ms173