######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0012289 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: محمد بن علي بن محمد المعروف بابن العمراني (المتوفى: 580هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 580 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: الإنباء في تاريخ الخلفاء #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: التاريخ #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0012289 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-12289 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/12289 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: قاسم السامرائي #META# 041.EdNUMBER :: الأولى، 1421 هـ - 2001 م #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار الآفاق العربية، القاهرة #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# ### | [مقدمة] # بسم الله الرحمن الرحيم اللهم عونك، يا كريم.. # الحمد لله المتفرد بالأزلية والقدم، المبدع لكل ما سواه بعد العدم، الذي ~~لا تحده الصفات، ولا تحويه الجهات، المتفرد بعز جلاله عن مشاركة الأنداد ~~واتخاذ الصاحبة والأولاد، والصلاة على سيد الأمم محمد المبعوث إلى العرب ~~والعجم، وعلى خلفائه الأربعة الراشدين أهل الجود والكرم، وعلى آله وعترته ~~الطاهرين ما اختلفت الأنوار والظلم، وعلى عمه وصنو أبيه العباس بن عبد ~~المطلب أبى الخلفاء الراشدين وجد سيدنا ومولا [نا] [1] المستنجد بالله ~~أمير المؤمنين، أعز الله بدوام دولته الإسلام والمسلمين وجعل كلمة النبوة ~~باقية في عقبه إلى يوم الدين. # وبعد: # فإني ذاكر في [كتا] بى هذا طرفا من أخبار الدولة القاهرة العباسية وفصلا ~~من مناقب الدعوة الهادية الهاشمية- وأبتدئ بذكر سيد البشر والشفيع [المشفع] ~~يوم العرض الأكبر، ثم بعده بالأئمة الأربعة، ثم من أفضى إليه الأمر بعدهم ~~من بنى أمية إلى أن عاد الحق إلى أهله ورجع إلى من هو أولى به وهم آل ~~النبي- عليه الصلاة والسلام- وبنو عمه ووراث علمه وأمناؤه على وحيه، ~~القائمون بنصرة السنة، والمهديون أهل الرأفة والرحمة [و] نبدأ بمن بدأ ~~[الله بذ] كره وفضله على سائر خلقه وهو سيد المرسلين [1 ب] وخاتم النبيين، ~~أبو القاسم محمد- صلوات [الله] عليه وسلامه. # وأنا أذكر نسبه ومولده وأزواجه وجواريه ومواليه وخدمه وأعمامه، ثم ~~الخلفاء الراشدين بعده، ثم أنزل على الترتيب إلى أن أختم الكتاب بالأيام ~~المستنجدية أدامها الله تعالى. PageV01P043 ### | نسبه ، صلوات الله عليه وسلامه: # هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب ~~بن مرة ابن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة ~~بن مدركة ابن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان. وهذا هو المتفق عليه، ~~وما بعد عدنان فقد اختلفت الروايات فيه فقال الأكثرون: عدنان بن أد بن أدد ~~بن الهميسع بن يشجب بن نبت بن سلامان بن حمل بن قيدار بن إسماعيل بن ~~إبراهيم ms001 بن آزر بن ناحور ابن أشوع بن [ارغو] بن فالخ بن عابر بن شالخ، وهو ~~هود- عليه السلام- بن أرفخشذ بن سام بن نوح بن مالك بن متوشلخ بن أخنوخ وهو ~~إدريس- عليه السلام- ابن يزد بن مهليل بن قينان بن أنوش بن شيث بن آدم- ~~عليه السلام- وكان النبي- صلى الله عليه وسلم- لا يتجاوز عدنان، ويقول: كذب ~~النسابون بعده. ### | مولده، صلوات الله وسلامه عليه: # ولد عام الفيل، يوم الاثنين لثمان خلون من شهر [2 أ] ربيع الأول، وأمه ~~آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة، وتزوج آمنة عبد الله بن عبد المطلب ~~فحملت برسول الله- صلى الله عليه وسلم- يوم الاثنين ومات أبوه وله ثلاث ~~سنين، وكان في حجر جده عبد المطلب وأرضعته امرأة من بنى سعد يقال لها ~~حليمة، وبقي عندها في حيها إلى أن شب وسعى فمضى جده عبد المطلب وأخذه منها ~~ورده إلى مكة. # ولما قرب من مكة ضاع منه فتطلبه فوجده تحت شجرة ساجدا نحو الكعبة. فلما ~~أبصره على تلك الحال قال: سيكون لهذا الطفل شأن، ثم أخذه من هناك ورده إلى ~~أمه، ولما أتت عليه ست سنين ماتت أمه، ولما أتت عليه ثمان سنين وشهران [و] ~~عشرة أيام توفى جده عبد المطلب فرباه عمه أبو طالب وكان أخا عبد الله ~~لأبويه، وكان يعرف- صلى الله عليه وسلم- بين العرب بيتيم أبى طالب. وكان ~~أبو طالب به رفيقا ولذلك وعد الله تعالى بتخفيف العذاب عن أبى طالب وعن ~~حاتم الطائي، ذاك لبره برسول الله # PageV01P044 # - صلى الله عليه وسلم- وهذا لجوده وكرمه حتى قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: «إنهما يعذبان في ضحضاح من النار» . ولما أتت عليه اثنتا عشرة ~~سنة وشهران وعشرة أيام ارتحل به أبو طالب تاجرا إلى الشام. فلما نزل تيماء ~~رآه حبر من [رهبان] تيماء يقال له بحيرا الراهب، فقال لأبى طالب: من هذا ~~الغلام الذي معك؟ [2 ب] قال: إنه ابن أخى فقال له: أشفيق أنت عليه؟ قال: ~~نعم. قال: # فو الله إن قدمت به الشام ليقتلنه اليهود فإنه عدو لهم، ms002 فوجه به إلى مكة. ~~فلما أتت عليه خمس وعشرون سنة وشهران وعشرة أيام خطب إلى خديجة نفسها فحضر ~~أبو طالب ومعه عمها وسائر رؤساء مضر وخطب أبو طالب وتزوجها. وكان ولده ~~منها سبعة: القاسم وبه كان يكنى، والطاهر وكان أيضا يكنى أبا الطاهر، ~~والطيب، وفاطمة، وزينب، ورقية، وأم كلثوم. وأتته النبوة وهو في غار حراء ~~وهو ابن أربعين سنة. وأقام بمكة ثلاث عشرة سنة ثم هاجر إلى المدينة فأقام ~~عندهم عشر سنين. وتوفى صلوات الله عليه وسلامه بالمدينة وقبره بها في ~~المسجد، في حجرة عائشة أم المؤمنين- صلوات الله عليها- ودفن في موضعه الذي ~~مات فيه وصلى عليه المسلمون أفرادا، وكفن في ثلاثة أثواب بيض ليس فيها ~~قميص ولا عمامة ولا سراويل ، وسوى لحده وتولى غسله علي والعباس والفضل ~~بن العباس وقثم ابن العباس وأسامة بن زيد مولاه وشقران مولاه، ودخل ~~قبره علي والفضل وقثم وشقران، وسجى ببرد حبرة. ومات صلى الله عليه وسلم وله ~~ثلاث وستون سنة، وكان مولده يوم الإثنين، ونبئ يوم الإثنين لأيام خلت من ~~ربيع الأول، وهاجر يوم الاثنين، ومات يوم الاثنين مستهل ربيع الأول ودفن ~~ليلة الأربعاء وكانت مدة مرضه أربعة [3 أ] عشر يوما- صلوات الله عليه وعلى ~~آله وأصحابه وأزواجه الطاهرين الطيبين الأكرمين، صلاة دائمة أبدا سرمدا إلى ~~يوم الدين. # PageV01P045 ### | أزواجه- صلى الله عليه وسلم-: ### $$ خديجة، بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصى بن كلاب، وهي أول امرأة ~~تزوج بها وهو ابن خمس وعشرين سنة، وماتت قبل الهجرة بثلاث سنين، ولم يتزوج ~~في حياتها غيرها، فبقيت عنده قبل الوحي خمس عشرة سنة، وماتت ولرسول الله- ~~صلى الله عليه وسلم- تسع وأربعون سنة سنة وثمانية أشهر. ### $$ سودة بنت زمعة ، بن قيس بن عبد شمس بن عبد ود بن النضر بن مالك ابن ~~حسل بن عامر بن لؤي بن غالب، تزوج بها بعد خديجة. ### $$ عائشة بنت أبى بكر الصديق - رضى الله عنهما- لم يتزوج بكرا غيرها، ~~تزوجها بمكة وهي بنت ست سنين وبنى بها بعد الهجرة بسنة وهي بنت تسع ms003 سنين، ~~وماتت سنة ثمان وخمسين من الهجرة. ### $$ حفصة بنت عمر بن الخطاب تزوجها قبل الهجرة بسنتين وتوفيت بالمدينة ~~في خلافة عثمان بن عفان. ### $$ زينب بنت خزيمة بن الحارث بن عبد الله بن عمرو بن عبد الله بن عبد ~~مناف ابن هلال بن عامر بن صعصعة، وتوفيت في حياة رسول الله- صلى الله عليه ~~وسلم-. ### $$ أم سلمة ، بنت أبى أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم. ### $$ زينب [3 ب] بنت جحش ، كانت أول نسائه موتا. ### $$ جويرية بنت الحارث بن أبى ضرار، من بنى المصطلق. ### $$ أم حبيبة بنت أبى سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس. ### $$ صفية بنت حيى بن أخطب من بنى النضير، من ولد هارون بن عمران، وهي ~~آخر أمهات المؤمنين موتا. ### $$ ميمونة بنت الحارث ، وهي خالة عبد الله بن العباس. ### $$ عمرة . # وكان صداق نسائه- صلى الله عليه وسلم- خمس مائة درهم ورقا. # PageV01P046 ### | أسماء جواريه- عليه السلام-: # مارية القبطية، وأم أيمن ، وكانت حاضنته، وزوجها زيد بن حارثة وهي ~~أم أسامة بن زيد، ورضوى، وسلمى. ### | مواليه - صلى الله عليه وسلم-: # زيد، بركة، أسلم، أبو كبشة، أنسة، ثوبان، شقران، يسار، فضالة. # أبو مويهبة، سفينة، [أبو] رافع. وخدمه من الأحرار، أنس بن مالك، [هند] ~~وأسماء، ابنتا خارجة. ### | وأما أولاده- صلى الله عليه وسلم-: # فإنهم كانوا كلهم من خديجة [و] قد مضى ذكرهم إلا إبراهيم وحده فإنه ابن ~~مارية القبطية. ### | أعمامه، صلوات الله عليه وسلامه-: # حمزة سيد الشهداء، أبو لهب واسمه عبد العزى، ضرار، الزبير، المقوم، ~~الحارث، الغيداق، العباس، أبو طالب، قثم. ### | عماته - صلى الله عليه وسلم-: # أميمة، أم حكيم وهي البيضاء، برة، عاتكة، صفية أم الزبير [4 أ] بن ~~العوام، أروى. ### | الخلفاء الراشدون بعده # # [فسيدهم وأفضلهم وأعلمهم الذي قدمه الله ورسوله- صلى الله عليه وسلم] [1] ~~ ### || أبو بكر الصديق- رضى الله عنه-: # هو أبو بكر، عبد الله بن عثمان بن عمرو ابن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن ~~كعب بن لؤي بن غالب، بويع له يوم وفاة المصطفى- صلوات الله عليه وسلامه- في ~~سقيفة بنى ساعدة ms004 بنص النبي- صلى الله عليه وسلم- حين قدمه للصلاة، وحين ~~قال: أقيلونى لست بخيركم، قالوا: والله لا نقيلك ولا نستقيلك، رضيك رسول ~~الله- صلى الله عليه وسلم- لديننا أفلا نرتضيك لدنيانا؟ PageV01P047 # وتوفى لثمان بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة من الهجرة، فكانت خلافته ~~سنتين وأربعة أشهر وعشرة أيام، ومضى سعيدا حميدا. ### || الفاروق- رضى الله عنه-: # هو أبو حفص، عمر بن الخطاب بن نفيل ابن عبد العزى بن رباح بن عبد الله بن ~~قرط بن رزاح بن عدى بن كعب بن لؤي ابن غالب، بويع له بنص الصديق عليه ~~في جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة من الهجرة، فكانت خلافته عشر سنين وستة أشهر ~~وأربعة أيام، وقتل يوم الأربعاء لأربع بقين من ذي الحجة، سنة ثلاث وعشرين ~~من الهجرة وعمره ثلاث وستون سنة . ### || ذو النورين عثمان- رضى الله عنه-: # هو أبو عمرو، عثمان بن عفان بن أبى العاص ابن أمية بن عبد شمس بن عبد [4 ~~ب] مناف، بويع له أول سنة أربع وعشرين، وقتل في يوم الجمعة، ثامن عشر ذي ~~الحجة سنة خمس وثلاثين، وعمره تسعون سنة، وكانت خلافته اثنتي عشرة سنة إلا ~~اثنى عشر يوما- رضى الله عنه- . ### || المرتضى، أبو الحسن، على بن أبى طالب- رضى الله عنه-: # واسم أبى طالب، عبد مناف بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، بويع له سنة ~~خمس وثلاثين من الهجرة، ولم تصف له الخلافة، فإن وقعة الجمل كانت له مع ~~عائشة بالبصرة سنة ست وثلاثين، وكانت وقعة صفين مع معاوية بن أبى سفيان في ~~سنة سبع وثلاثين، وقتل يوم الجمعة لسبع عشرة ليلة خلت من شهر رمضان سنة ~~أربعين، وكانت خلافته أربع سنين وتسعة أشهر. ### || ولده الحسن- رضى الله عنه-: # وكنيته أبو محمد، بويع له في سنة أربعين، وبقي له الأمر أربعة أشهر، ثم ~~خلع نفسه وسلم الأمر إلى معاوية بن أبى سفيان. # وتوفى الحسن بالمدينة سنة خمسين وكان عمره ثمان وأربعين سنة . # PageV01P048 ### | دولة بنى أمية ### || وأول من تولى الأمر منهم: معاوية بن أبى سفيان: # كنيته، أبو عبد الرحمن، بويع له ms005 سنة إحدى وأربعين، في جمادى الأولى وكانت ~~مدة خلافته تسع عشرة سنة وثلاثة أشهر، وكان يصل الحسن بن علي- صلوات الله ~~عليهما- بثمانين ألف دينار [5 أ] وعائشة- رضوان الله عليها- بمثلها في كل ~~سنة. وتوفى بدمشق في رجب سنة ستين من الهجرة، وعمره ثمانون سنة. ### || ابنه يزيد، # كنيته أبو خالد، بويع له في ربيع الأول سنة إحدى وستين، وتوفى لأربع عشرة ~~ليلة خلت من ربيع الأول سنة أربع وستين، وكانت خلافته ثلاث سنين تنقص ~~أياما. ### || ابنه معاوية، # كنيته أبو ليلى، وبقي له الأمر أربعين يوما وخلع نفسه ومات. ### || مروان بن الحكم، بن العاص بن أمية، # كنيته أبو عبد الملك، بويع له في ذي القعدة سنة أربع وستين ومات وله ثلاث ~~وستون سنة من العمر، وكان سبب موته أن زوجته كانت أم خالد بن يزيد بن ~~معاوية فجرى بينه وبين خالد يوما كلام فقال له مروان: يا ابن الرطبة، فجاء ~~إلى أمه وبكى وقال: أنت أحوجتنى إلى أن أسمع هذا بتزويجك بعد أبى. فقالت ~~له: يا بنى ما تعود مرة أخرة تسمع منه كلاما جافيا. # وفي تلك الليلة قصدت مضجعه ووضعت وسادة على وجهه وقعدت عليها مع عدة من ~~جواريها فلما أحس قال: من أنت؟ قالت: أنا الرطبة واختنق من ساعته، وكانت ~~خلافته أحد عشر شهرا. ### || عبد الملك بن مروان، # كنيته أبو الوليد، وكان يكنى أبا الذبان لاجتماع الذبان على فمه لأنه كان ~~أبخر . بويع له في رمضان سنة خمس [5 ب] وستين، وتوفى # PageV01P049 # في يوم الخميس منتصف شوال سنة ست وثمانين، وكانت خلافته إحدى وعشرين سنة ~~وأياما. وسلط الحجاج بن يوسف على العراق والحرمين وخراسان فقتل وفتك وهدم ~~الكعبة ورماها بالمنجنيقات، وصلب عليها عبد الله بن الزبير، وأمه ~~أسماء بنت أبى بكر الصديق، وبقي سنة مصلوبا إلى أن حج عبد الملك بن مروان ~~فوقفت له أسماء بنت أبى بكر الصديق- رضى الله عنها- على الطريق. وقالت له ~~ : # أما آن لهذا الراكب أن ينزل؟ فأمر بخطه وتسليمه إليها. فوضعت عظامه في ~~حجرها وفي الحال حاضت ودر ms006 لبنها وكان لها من العمر زائدا على السبعين ~~سنة، فلما رأت ذلك من نفسها- رضوان الله عليها- قالت: حنت إليه مواضعه ودرت ~~عليه مراضعه. # وجرى في أيام عبد الملك بن مروان على يد الحجاج بن يوسف، لعنه الله ~~تعالى، من هتك حرمة الإسلام والمسلمين ما لا فائدة في ذكره. وجملة الأمر أن ~~الحجاج- لعنه الله تعالى- قتل ألف ألف وست مائة ألف مسلم في ولايته، ومات، ~~لا رضى الله عنه وأخزاه، وفي حبسه ثمانية عشر ألف نفس يسقيهم السرجين ~~المداف في بول الحمير، وأراح الله سبحانه وتعالى المسلمين منه. وكان مع ذلك ~~فصيحا سخيا، وكان قصير القامة، مشوه الخلقة أعمش العينين. ### || الوليد بن عبد الملك، [6 أ] # وكنيته أبو العباس، بويع له في المنتصف من شوال سنة ست وثمانين، وتوفى في ~~يوم السبت منتصف جمادى الآخرة سنة ست وتسعين، وكانت مدة خلافته تسع سنين ~~وسبعة أشهر. وفي خلافته مات الحجاج بن يوسف- لا رضى الله عنه-. ### || سليمان بن عبد الملك، # وكنيته أبو أيوب، استخلف يوم وفاة أخيه الوليد. # وتوفى لعشر بقين من صفر سنة تسع وتسعين، وكانت مدة خلافته سنتين وثمانية ~~أشهر وخمسة أيام . ### || عمر بن عبد العزيز بن مروان، # أبو حفص- رضى الله عنه- كنيته أبو حفص، وهو التقى النقي الصوام القوام، ~~بويع له في صفر سنة تسع وتسعين، وكان حسن # PageV01P050 # السيرة عادلا في الرعية، يعود المرضى، ويشيع الجنائز ويأخذ مال الله من ~~وجهه ويصرفه في حقه. وكان عمر بن الخطاب- رضوان الله عليه- جده لأمه. وكان ~~قبل خلافته يلبس الحلة بألف دينار ويقول: ما أخشنها، وحين ولى الخلافة كان ~~قميصه وعمامته وجميع ما يكون على بدنه من ثوب واحد خشن وتحته جبة صوف تلاقى ~~جلده على بدنه ويقول: هذا لمن يموت كثير. وبعد وفاته رئي في المنام وهو على ~~حالة حسنة وعليه ثياب فاخرة وهو جالس في روضة نزهة فقال له الرائي له في ~~المنام: يا أمير المؤمنين قل لي ما أعيده عنك إلى أهلك ورعيتك. فقال له ~~عمر: قل لهم: «لمثل هذا فليعمل العاملون» [6 ب] ms007 ثم تلا بعد ذلك قول الله ~~تعالى: «تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا ~~والعاقبة للمتقين» . 28: 83 وكان بنو أمية كلهم يلعنون عليا- صلوات [الله] ~~عليه وسلامه- على المنبر فمذ ولى عمر بن عبد العزيز قطع تلك اللعنة وبقيت ~~هذه السنة بعده إلى اليوم . ومات بدير سمعان لخمس بقين من رجب سنة ~~إحدى ومائة، وكانت خلافته سنتين وخمسة أشهر وأربعة أيام- رضى الله عنه وقدس ~~روحه-. ### || يزيد بن عبد الملك، # بويع له لخمس بقين من رجب سنة إحدى ومائة، وتوفى يوم الخميس لخمس بقين من ~~شعبان سنة خمس ومائة. فكانت خلافته أربع سنين وشهرا واحدا. ### || هشام بن عبد الملك، # أبو الوليد، ويعرف بهشام الأحول، بويع له بالخلافة في رمضان سنة خمس ~~ومائة وكانت وفاته لعشر خلون من ربيع الآخر سنة خمس وعشرين ومائة، وكانت ~~خلافته تسع عشرة سنة وسبعة أشهر وخمسة عشر يوما. ### || الوليد بن يزيد بن عبد الملك، # كنيته أبو العباس، بويع له في جمادى الأولى سنة خمس وعشرين ومائة. وحين ~~بلغته وفاة هشام كان يقرأ في المصحف فوضعه من يده وقال: هذا فراق بيني ~~وبينك ثم قال: والله لأتلقين هذه النعمة بسكرة قبل الظهر فأخذ رطلا ~~وشربه وثنى وثلث حتى سكر ونام، وكان فاجرا [7 أ] فاسقا # PageV01P051 # خمارا قليل الدين جدا، وكان يخطب أيام الجمع وهو سكران إلى أن أراح الله ~~الإسلام والمسلمين منه وقتل في الثامن والعشرين من جمادى الآخرة سنة ست ~~وعشرين ومائة، وكانت خلافته سنة واحدة وشهرين وعشرين يوما. ### || الوليد بن عبد الملك، # كنيته أبو خالد، بويع له في مستهل رجب سنة ست وعشرين ومائة وبقي الأمر له ~~خمسة أشهر. ### || إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك، # ويعرف بإبراهيم الناقص ، تولى الخلافة سبعين يوما ومات. ### || مروان بن محمد بن مروان، # كنيته أبو عبد الملك ويعرف بالحمار، وهو آخر ملوك بنى أمية، بويع له في ~~ربيع الأول سنة سبع وعشرين ومائة، وقيل يوم الأحد لثلاث بقين من ذي الحجة، ~~سنة اثنتين وثلاثين ومائة وكانت خلافته ms008 خمس سنين وثمانية أشهر ويومين ~~، وانقرضت أيام بنى أمية. وكان عبد الله بن علي بن عبد الله بن العباس عم ~~السفاح لقيه على الزاب الكبير وكسره واستباح عسكره وقتل أكثرهم وغرق في ~~الزاب من نجا من السيف منهم . ونجا هو بنفسه وقصد نصيبين فأغلق الباب ~~في وجهه فمضى على تلك الحالة إلى دمشق وكانت سرير ملكه وفيها خزائنه ~~وذخائره فأغلق الباب في وجهه فمضى من هناك إلى مصر وحين وصلها بلغه الخبر ~~بأن عبد الله بن علي مجد في طلبه على أثره [7 ب] فارتحل منها وأوغل في بلاد ~~المغرب حتى انتهى إلى قرية يقال لها بوصير فنزل في دار رئيسها ~~وكان وصوله إليها ضحوة النهار، واتفق أنه انهم قائدا من قواده بأنه يكاتب ~~بنى العباس ويميل إليهم فأمر بسل لسانه من قفاه ففعل به ذلك في دار ذلك ~~الرئيس فنزلت سنورة من الدرجة فرأت اللسان فاختطفته وأكلته، وفي عشية ذلك ~~اليوم وصل عسكر عبد الله بن علي إلى تلك القرية ودخلوا الدار التي فيها ~~مروان وسلوا لسانه من قفاه ورموه على الأرض فجاءت تلك السنورة بعينها ~~فأخذته وأكلته. ثم بلغهم ما فعل بذلك القائد في صبيحة ذلك اليوم فتعجبوا من ~~ذلك حتى قال واحد # PageV01P052 # منهم: لو لم يكن من عجائب الزمان إلا أنا رأينا لسان مروان بن محمد ملك ~~الشرق والغرب في فم هرة تمضغه لكفانا ذلك . وكان معه خادم يختص به ~~فقدم ليقتل فقال: لا تقتلوني، فأنا أفتدي نفسي. قالوا: بماذا؟ قال: بميراث ~~النبوة فإنه عندي قيل له: وما ميراث النبوة؟ قال: البردة والقضيب والخاتم ~~فقالوا: أحضره فأحضر ذلك وسلمه إليهم فخلوا عنه . وحملوا البردة ~~والقضيب والخاتم إلى الكوفة وسلموها إلى أبى العباس السفاح، وزال ملك بنى ~~أمية، فسبحان من لا يزول ملكه. ### || ذكر من بويع له بالخلافة في أيامهم # # أبو عبد الله، الحسين بن علي بن أبى طالب- قدس الله روحه- بايعه أهل ~~الكوفة سنة تسع [8 أ] وخمسين وهاجر إليها في ذي القعدة من سنة إحدى وستين، ~~ونصحه ms009 أهل المدينة وقالوا له: تريث فإن هذا موسم الحاج فإذا وصلوا فاخطب في ~~الناس وادعهم إلى نفسك فيبايعك أهل الموسم ويتذكر بك الناس جدك وتمضى حينئذ ~~في جملتهم في جماعة ومنعة وسلاح وعدة. فلم يصبر وخرج ومعه سبعون نفرا ~~أكثرهم أولاده وأقاربه وأهل بيته. فلما كان في بعض الطريق لقيه الفرزدق ~~الشاعر فقال له الحسين- كرم الله وجهه-: يا أبا فراس، كيف تركت الناس ~~وراءك؟ فعلم عن أي شيء يسأله. فقال له: يا ابن بنت رسول الله تركت القلوب ~~معك والسيوف مع بنى أمية. [فقال] : ها إنها لمملوءة كتبا، وأشار إلى حقيبة ~~كانت تحته. ثم وصل يوم عاشوراء من سنة إحدى وستين إلى الطف فتلقاه عبيد ~~الله بن زياد في أربعة آلاف مقاتل ، وعلم أنه ليس له به طاقة فنفذ ~~إليه وقال: أنا معك بين ثلاثة أمور: إما أن تدعني أذهب من حيث جئت، وإما أن ~~تعين لي موضعا آخر أقصده وأعيش به، وإما أن أسلم نفسي إليك نازلا على حكم ~~يزيد بن معاوية فتحملني إليه ليفعل في أمرى ما يشاء. فقال عبيد الله بن ~~زياد: أما # PageV01P053 # الإفراج لك عن الطريق لتذهب من حيث جئت فلا سبيل إليه، وأما تعيين موضع ~~تقصده فليس ذلك إلي، وأما نزولك على حكم يزيد فلا والله ما تنزل إلا على ~~حكمي. # فقال الحسين- كرم الله وجهه-: الموت تحت ظلال السيوف أحب إلي من النزول ~~[8 ب] على حكمك، وتواعدوا للقتال فحين التقى القوم لم يرم أحد من عسكر عبيد ~~الله سهما ولم يسل سيفا. فقال عبيد الله بن زياد: من أتانى برأس الحسين فله ~~الرى. فتقدم إليه عمر بن سعد بن أبى وقاص وقال له: أيها الأمير اكتب ~~لي عهد الرى حتى أفعل ما تأمر في الحال فكتب وسلم إلى عمر فتقدم وانتزع ~~سهما من كنانته ورمى به الحسين فوقع في نحره فسال دمه على صدره ولحيته فأخذ ~~الدم بيده ورمى به إلى فوق وصاح: اللهم هذا فعالهم بابن بنت نبيك. ثم ~~تكاثروا عليه وجاء الشمر- لعنه ms010 الله- فاحتز رأسه ووضعه في مخلاة فيها تبن ~~وحمله إلى عبيد الله بن زياد فنفذه عبيد الله على هيئته تلك إلى يزيد وكان ~~يزيد نازلا على أنطاكية محاصرا لها. # فلما كان الرسول في بعض الطريق [و] أجنه الليل عدل إلى دير فيه رهبان ~~فبات فيه فحين انتصف الليل قام بعض الرهبان لشأنه فرأى عمودا من نور متصلا ~~بين تلك المخلاة وبين السماء فتقدم إلى المخلاة وفتشها فوجد الرأس ~~فيها فقال: لا شك أن هذا رأس المقتول بكربلاء، فمضى وأخبر بقية الرهبان، ~~فحين جاءوا ورأوا تلك الصورة أسلموا كلهم على الرأس وجعلوا الدير [مسجدا] ~~وكانوا سبع مائة راهب. ثم لما حمل رأسه إلى يزيد قال: إني كنت أقنع من ~~طاعتكم بدون هذا، لعن الله ابن مرجانة، يعنى عبيد الله، لو كان له في قريش ~~نسب لما فعل مثل هذا الفعل [9 أ] ثم أمر فغسل بماء الورد دفعات وكفن في عدة ~~أثواب دبيقية. وكان بحضرة يزيد جماعة من أهل عسقلان فسألوه أن يدفن عندهم ~~فسلمه إليهم فدفنوه بمدينتهم وبنوا عليه مشهدا وهو إلى الآن يزار من الآفاق ~~ويعرف بمشهد الرأس . ودفن بدنه الشريف المقدس بكربلاء. وفي أيام عضد ~~الدولة فناخسرو أمر أن يبنى عليه مشهد فبنى وهو إلى الآن عامر فيه نحو من ~~ألف دار [و] يعرف بمشهد الحسين . # PageV01P054 # ومن جملة من بويع له بالخلافة في زمن بنى أمية، أبو بكر، عبد الله بن ~~الزبير ابن العوام بويع له بالخلافة واستولى على الحرمين والعراق والجبال ~~وخراسان ثلاث عشرة سنة ولم يبق في يد عبد الملك سوى الشام ومصر والمغرب إلى ~~أن قتله الحجاج وصلبه على الكعبة على ما سبق شرحه. وكان أخوه مصعب بن ~~الزبير زوج سكينة بنت الحسين أميرا من قبله على العراق إلى أن قتله المختار ~~بن أبى عبيد وحين قتل الحجاج المختار بن [أبى] عبيد. قال شيخ من أهل ~~الكوفة: لقد رأيت عجبا، دخلت إلى قصر الإمارة بالكوفة في يوم قتل الحسين ~~وعبيد الله بن زياد جالس وبين يديه ms011 رأس الحسين على ترس ثم طالت المدة حتى ~~دخلت قصر الإمارة بالكوفة فرأيت مصعب بن الزبير جالسا في ذلك الموضع بعينه ~~وهو الرواق وبين يديه رأس عبيد الله بن زياد على ترس ثم بعد مدة يسيرة دخلت ~~إلى ذلك القصر بعينه ورأيت المختار بن [أبى] عبيد [9 ب] جالسا في ذلك ~~الرواق بعينه وبين يديه رأس مصعب بن الزبير على ترس واليوم دخلت إلى ذلك ~~القصر ورأيت الحجاج جالسا في ذلك الرواق وبين يديه رأس المختار على ترس ~~ . # ومن جملة من بويع له بالخلافة في أيامهم محمد بن الحنفية والضحاك بن قيس ~~بن خالد وعمرو بن سعيد بن العاص [بن سعيد بن العاص] بن أمية . وحين ~~قتله عبد الملك بن مروان قال رجل من أهل الشام: اليوم ضحى بنو أمية بالكرم ~~كما ضحوا يوم كربلاء بالدين . ومنهم عبد الرحمن بن الأشعث الكندي ~~ويزيد بن المهلب بن أبى صفرة الأزدي وعبد الله بن معاوية بن عبد الله ~~بن جعفر بن أبى طالب . ولم يتم لواحد من هؤلاء أمر، إلى أن انتقل الحق ~~إلى أهله ورجع إلى مستحقه، وأفضت الخلافة إلى من وعد الله ورسوله بها ~~لورثته. فإنه روى في الصحاح عن النبي- صلى الله عليه وسلم- أنه حين استسقى ~~ليلة الجن أتاه العباس بماء فشربه ثم قال فيه العباس- رضوان الله عليه- ~~يمدحه بأبيات طويلة منها : # من قبلها طبت في الظلال وفي %~% مستودع حيث تخصف الورق # PageV01P055 # ثم هبطت البلاد لا بشر %~% أنت ولا نطفة ولا علق # فلما بلغ إلى قوله: # وأنت لما ولدت أشرقت %~% الأرض وضاءت بنورك الأفق # قال النبي- صلى الله عليه وسلم-: يا عم ألا أصلك!؟ ألا [10 أ] أحبوك؟! ~~قال: بلى يا رسول الله، ما أحوجنى إلى ذلك!!. قال: إن الله تعالى افتتح هذا ~~الأمر بى وسيختمه بولدك. وفي رواية أخرى: أن النبي- صلى الله عليه وسلم- ~~لما نزل عليه جبريل- عليه السلام- وعليه قباء أسود وعمامة سوداء قال له: ما ~~هذا الزي يا جبريل؟ فقال جبريل: يا محمد يأتى على الناس زمان يعز الله ~~الإسلام بهذا ms012 السواد فقال له النبي- صلى الله عليه وسلم-: رئاستهم ممن ~~تكون؟ فقال له جبريل- عليه السلام-: من ولد عمك العباس. فقال له النبي- صلى ~~الله عليه وسلم-: # فأتباعهم ممن يكونون؟ فقال جبريل- عليه السلام-: أهل المناطق من وراء ~~جيحون، دهاقنة الصغد والترك . وفي يوم الزاب لما التقى عبد الله بن ~~علي ومروان الحمار نظر مروان إلى الرايات السود فراعته فالتفت إلى وزيره ~~وقال: هذه والله هي الرايات التي يسلمونها إلى عيسى بن مريم وولى هاربا ~~وكان يقول في طريقه: أركبت سبعين ألف عربي على سبعين ألف عربي ولكن ~~إذا نفدت المدة لم تنفع العدة. وكان لما أراده الله وقدره في سابق علمه أن ~~احتاج مروان في تلك الساعة إلى إراقة الماء فهم بالنزول فقال له وزيره: بل ~~على سرجك فإنك إن نزلت انكسر العسكر فقال: أو يتحدث عنى بمثل ذلك؟ ونزل. # فيقال: مروان باع الدولة ببولة . وانقضت دولتهم. # PageV01P056 ### | الدولة العباسية القاهرة # زادها الله تمكينا وإعزازا إلى يوم القيامة أول من بويع له منهم بالخلافة ~~وهو مستتر خوفا على نفسه [10 ب] من بنى أمية: ### || محمد الإمام، # وهو محمد بن علي بن عبد الله بن العباس، وكان لعلى بن عبد الله ابن ~~العباس ثمانية بنين وهم: محمد وعبد الله وصالح وسليمان وعيسى وداود ~~وإسماعيل وعبد الصمد. وعبد الصمد هو الذي دخل القبر برواضعه ما سقط له سن ~~بته . # وحين بويع محمد بالخلافة وانتشر أمره بخراسان وكان واليها نصر بن سيار من ~~قبل مروان الحمار، كتب إلى مروان: # من مبلغ عنى الإمام الذي %~% قام بأمر بين ساطع # إني نذير لك من دولة %~% قام بها ذو رحم قاطع # والثوب إن أنهج فيه البلى %~% أعيا على ذي الحيلة الصانع # كنا نداريها فقد مزقت %~% واتسع الخرق على الراقع # فحين قرأ مروان الأبيات وقع إلى عامل الكوفة بتطلب محمد بن على فوجده ~~فقبض عليه ونفذه إلى مروان فبقي في حبسه إلى أن مات، وكان قد قال للداعي ~~وهو أبو مسلم: # إن تم علي أمر فالأمر بعدي إلى ابني إبراهيم. فلما ms013 مات دخل أبو مسلم على ~~إبراهيم ابن محمد وهو مستتر بالكوفة فبايعه وبث الدعاة بخراسان ولم يذكر ~~اسمه خيفة من أن يتم عليه ما تم على أبيه. وإنما كان الدعاة يدعون إلى ~~الإمام الهادي من آل محمد. # ثم إن أصحاب الأخبار بالكوفة رفعوا إلى مروان خبر إبراهيم فنفذ إلى والى ~~الكوفة يأمره بطلبه فتطلبه فوجده في بيت مستترا فأخذه ونفذه إلى دمشق ومات ~~أيضا في حبس مروان [11 أ] وبقي أبو مسلم متحيرا لا يدرى ماذا يصنع فدخل ~~الكوفة وإبراهيم بعد حى في حبس مروان، واستخبر عن إخوة إبراهيم وهم أبو ~~العباس عبد الله # PageV01P057 # وأبو جعفر عبد الله فدله بعض شيعتهم على رجل باقلاني وقال: هو يعرف ~~أحوالهم. # فقصد الباقلاني فحين رآه عرف أنه الداعي إلى آل محمد وقال له: أريد ~~وديعتي التي عندك. # فقال له الباقلاني: قم معى وتسلمها وقام من دكانه ومضى معه إلى بيته ~~وأنزله إلى سرداب مظلم وهما فيه فسلم عليهما وتحدث معهما في أمر الخلافة ~~وأنه إن حدث بالإمام إبراهيم في الحبس حادث فالإمام بعده من يكون؟ فقال أبو ~~العباس: أنا، وقال أبو جعفر: أنا. فقال: الآن بعد ما اختلفتما فلا بد من ~~الرجوع إلى الإمام ليعين على أحدكما. وخرج من عندهما ومضى راجلا إلى ~~دمشق ووقف لمروان في الميدان يدعو له ويسأله أن يجمع بينه وبين إبراهيم بن ~~محمد. فقال له مروان: وما لك وله؟ # فقال أبو مسلم: يا أمير المؤمنين إني امرؤ فقير ولى عيال وكان في يدي شيء ~~أعود به على عيالي فدخلت الكوفة بنية الحج فأودعته عند إبراهيم بن محمد وهو ~~في حبسك وما أظنه يستحل مالي ولا شك أنه قد سلمه من إنسان أو وضعه في مكان. ~~وأسأل أمير المؤمنين أن يأمر بالجمع بيني وبينه لأسأله عنه. فقال مروان ~~لبعض حجابه: # امض به إلى الحبس واجمع بينه وبين إبراهيم واحفظ ما يجرى بينهما وأعلمنى ~~به. # فمضى معه إلى أن دخلا على إبراهيم فسلم عليه أبو مسلم فرد عليه السلام ~~[11 ms014 ب] فقال له أبو مسلم: وديعتي التي أودعتها عندك عند من هي حتى أتسلمها ~~منه؟ فقال له إبراهيم: وديعتك عند ابن الحارثية وكانت أم السفاح، ريطة بنت ~~عبيد الله بن عبد الله الحارثية. فقام وخرج ومضى الحاجب وأخبر مروان بما ~~جرى بينهما. ورحل أبو مسلم عن فوره من دمشق فلما كان في بعض الطريق وصلته ~~وفاة إبراهيم في الحبس فجاء حتى قدم الكوفة وقصد دكان الباقلاني ووقف ~~بإزائه فحين رآه عرفه وقام معه وجاء به إلى ذلك السرداب فدخل إليه وهما فيه ~~فعزاهما عن إبراهيم وقال: أيكما ابن الحارثية؟ # فقال أبو جعفر: أخى. وقال أبو العباس: أنا. فقال لأبى العباس: مد يدك ~~بايعتك على كتاب الله وسنة رسول الله وسيرة الشيخين أبى بكر وعمر، قبلت؟ ~~قال: قبلت ذلك. فقال أبو مسلم: يا أبا جعفر بايع أخاك فمد إليه يده وبايعه ~~واحتقدها أبو جعفر # PageV01P058 # على أبى مسلم وكانت هذه أول ما حصل في نفسه منه وأتبعها أبو مسلم بأمور ~~أخرى أكدت العداوة بينه وبينه حتى كان من أمره ما كان وسيأتي ذكره. # وخرج أبو مسلم في يومه من الكوفة ومضى على وجهه إلى خراسان وقد قوى بها ~~أمر المسودة جدا وانتشرت الدعوة العباسية إلى أن صار في كل بلد من شيعة بنى ~~العباس من يحمل السلاح أضعاف ما فيه من جند مروان فضلا عن العوام والرعاع ~~فتواعدوا على قتل ولاة بنى أمية في سائر بلاد خراسان في يوم واحد. وذلك في ~~مستهل ربيع الآخر سنة [12 أ] اثنتين وثلاثين ومائة. فثاروا في ذلك اليوم ~~وقتل أهل كل بلد واليهم وصعدوا بالسواد إلى المنابر وخطبوا للإمام أبى ~~العباس الهادي المهدي من آل محمد ووصل الخبر إلى مروان على البريد من ~~العراق. فكتب إلى أمير الكوفة يأمره بقتل كل من يظفر به من ولد العباس ~~فتطلبهم فلم يجد أحدا وأعماه الله عن بيت الباقلاني وذلك لما أراده الله ~~تعالى من نصرة دينه ورد الحق إلى مستحقه ومستوجبه. ثم إن المسودة بخراسان ~~اجتمعوا في ms015 سبعين ألف فارس وسبعين ألف راجل يحملون الرايات السود وذلك بمرو ~~في جمادى الأولى وأبو مسلم قائدهم ومقدمهم. وقصدوا العراق وحين أحس بقدومهم ~~أصحاب مروان تهاربوا ودخل أبو مسلم الكوفة في جمادى الآخرة سنة اثنتين ~~وثلاثين ومائة. وقصد دكان الباقلاني على عادته واصطحبا إلى السرداب وهما ~~فيه على ما عهدهما فهنأهما بتمام الأمر وظهر من كان استتر من عمومتهما ~~وجاءوا بأجمعهم إلى الجامع بالكوفة فأخذ أبو مسلم بيد أبى العباس ~~ورقاه المنبر ثم قال: يا أهل الكوفة ما رقى على منبركم هذا خليفة إلا أمير ~~المؤمنين علي بن أبى طالب وهذا الإمام بعده. وصعد عمه داود بن علي وأخوه ~~أبو جعفر على أربع درج من المنبر ووقفا هناك. وتكلم داود بن علي قبل ~~السفاح وقال: الحمد لله والصلاة على نبيه محمد وآله، إنا والله ما ~~خرجنا لنبنى [12 ب] عندكم قصرا ولا لنحفر في أرضكم نهرا ولا لنسير سيرة ~~الجبابرة، والآن عاد الحق إلى نصابه وطلعت الشمس من مطلعها وأخذ القوس ~~باريها وصار # PageV01P059 # السهم إلى النزعة ورجع الحق إلى مستقره، إلى أهل بيت نبيكم وورثته أهل ~~الرأفة والرحمة. ثم قام أهل خراسان واحدا واحدا وأهل الكوفة بجملتهم وكل من ~~كان مجاورا للكوفة من البوادي لمبايعة أبى العباس. فيقال إنه وضع يده في يد ~~أربع مائة ألف إنسان. ثم في أثناء ذلك قام أعرابى فأنشد: # دونكموها يا بنى هاشم %~% فجددوا من آيها الطامسا # دونكموها فالبسوا تاجها %~% لا تعدموا منكم لها لابسا # لو خير المنبر فرسانه %~% ما اختار إلا منكم فارسا # والملك لو شوور في ساسة %~% ما اختار إلا منكم سائسا # ونزل أبو العباس من المنبر وخرج من الجامع إلى المضارب السود التي حملها ~~أبو مسلم من خراسان برسمه وعسكروا بباب الكوفة ثم اشتوروا في قصد الشام ~~وأشار أبو مسلم أن الإمام لا يقصد الشام بنفسه بل ينفذ العسكر ويقيم بموضعه ~~إلى إن يقيض الله الفتح على أيدي أوليائه. وكان الرأى ما أشار به. ثم ~~اشتوروا فيمن يكون مقدما على الجيش فقال ms016 أبو العباس : من لها فداه أبى ~~وأمى؟ فقال عمه عبد الله ابن علي: أنا لها يا أمير المؤمنين. فشكره على ~~ذلك، واستحسن الجماعة ذلك منه. # وسار عبد الله بن علي في سبعين ألف [13 أ] فارس وراجل ولقي مروان على ~~الزاب وكان من الأمر ما قدمنا ذكره. ثم إن أبا العباس بقي في الخلافة أربع ~~سنين وستة أشهر. # PageV01P060 ### || [خلافة] السفاح # هو أبو العباس، عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس. بويع له ~~في سنة اثنتين وثلاثين ومائة في جمادى الآخرة وتوفى في أول ذي الحجة سنة ست ~~وثلاثين ومائة. وكان وزيره أبو سلمة الخلال، وقائد جيشه أبو مسلم، وكان على ~~شرطته عبد الجبار بن عبد الرحمن الأزدي، وعلى قضائه عبد الرحمن بن أبى ~~ليلى، وحاجبه أبو غسان، صالح بن الهيثم. وأبو سلمة الخلال قتل في أيامه. ~~وإنما أبو مسلم دس عليه من قتله لأنه جرى بينه وبين أبى مسلم ملاحاة في أمر ~~من الأمور فقال له أبو مسلم: هذه الدولة أنا أظهرتها فإن لزمت معى ما يلزمه ~~التابع للمتبوع وإلا أعدتها فاطمية . ثم ندم أبو مسلم على ما بدر منه ~~وخاف أن يوصله أبو سلمة إلى سمع السفاح. وكان أبو سلمة يسمر عند السفاح إلى ~~هزيع من الليل فأوقف له أبو مسلم جماعة تحت ساباط وبأيديهم السيوف فلما عبر ~~هناك قطعوه إربا وفيه يقول القائل: # إن الوزير وزير آل محمد %~% أودى فمن يشناك كان وزيرا # ولما مات السفاح صلى عليه عمه عيسى بن علي ودفن بالموضع الذي مات فيه ~~بالأنبار وسنه أربع وثلاثون سنة. وكان آخر ما [13 ب] تكلم به: «إليك يا رب ~~لا إلى النار» . # وكان نقش خاتمه: «الله ثقة عبد الله وبه يؤمن» . # PageV01P061 ### || خلافة أمير المؤمنين المنصور # هو أبو جعفر، عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد ~~المطلب، وأمه أم ولد يقال لها سلامة البريرية. وكان يعرف بعبد الله الطويل. ~~وكان مولده بإيذج من أعمال خوزستان فإن ms017 أباه كان قصد عبد الله بن معاوية ~~[بن عبد الله] بن جعفر بن أبى طالب وهو وال على أصفهان من قبل بنى أمية ~~ ليستميحه ومعه أمه فولد هناك . ووصل إليه الخبر بوفاة أخيه ~~السفاح وهو عائد من مكة وأمير الحاج أبو مسلم وكان ضميمة إلى أبى مسلم وكان ~~إذا دخل على أبى مسلم لا ينهض له ولا يوفيه حق كرامته. وكان الخبر بموت أبى ~~العباس وصل إلى أبى مسلم أولا فاستشعر من أبى جعفر لأنه ولى العهد فتقدم ~~قبله إلى صوب العراق وكاتبه من الطريق يخبره بوفاة أخيه وكان عنوان الكتاب: ~~«من أبى مسلم إلى أبى جعفر» ولم يخاطبه فيه بالخلافة فاحتقد المنصور هذه ~~الأشياء عليه. وكان المنصور عالما عاقلا راويا للأحاديث أديبا شاعرا. # وكان يقول: إذا مد عدوك إليك يده فاقطعها فإن لم تقدر على قطعها فقبلها ~~ . وكان يقول: لا يقوم الملك إلا بأربع كما لا يقوم هذا السرير إلا ~~بقوائمه الأربع. قيل له: # وما هي يا أمير المؤمنين؟ قال: قاض لا تأخذه في الله لومة لائم، وصاحب ~~شرطة ينتصف للضعيف من القوى [14 أ] ، وصاحب خراج يستوفي لي ولا يظلم الرعية ~~فإني مستغن عن ظلمهم، ثم قال: آه ومن لي بالرابع وهو صاحب بريد يعرفنى ~~أخبار هؤلاء على الصحة . # وحكى المنصور قبل وصول الأمر إلى بنى العباس قال: «رأيت في نومي ~~أيام حداثتي كأنا حول الكعبة، أنا وأخى أبو العباس وعمى عبد الله بن علي ~~وإذا مناد ينادى من داخل الكعبة بصوت عال: أبو العباس! فقام أخى ودخل ثم ~~خرج وبيده لواء أسود إلا أنه كان قصيرا على قناة قصيرة ومضى. ثم نودي: أبو ~~جعفر! فنهضت أنا وقام عبد الله عمى ورائي فلما وصلت إلى باب الكعبة تقدم ~~ليدخل قبلي فدفعته عن الدرجة فسقط إلى أسفل ودخلت الكعبة فإذا رسول الله- ~~صلى الله عليه وسلم- # PageV01P062 # جالس فسلمت عليه فرد علي وعقد لي بيده لواء أسود طويلا وقال: خذ هذا بيدك ~~حتى تقاتل به الدجال. قال: فأخذته وخرجت فوجدت أخى أبا ms018 العباس واقفا ~~ينتظرني. # فذرعت لوائى فكان اثنين وعشرين ذراعا وذرعت لواءه فكان أربعة أذرع» . ~~وكان هذا المنام شبيها بالوحي فإن عدد الأذرع كانت عدد سنى الخلافة. وعبد ~~الله بن علي طلب الخلافة ولم يصل إليها فإنه خرج على المنصور بالشام ونفذ ~~المنصور إليه أبا مسلم فكسره وأسره وجاء به إلى المنصور فمات في حبسه ~~. وكان المنصور قد بايع بالخلافة بعده لابن أخيه عيسى بن موسى فلما ولد له ~~المهدي أحب أن يكون الأمر في [14 ب] ولده فسأله خلع نفسه وبذل له على ذلك ~~مالا جليلا فلم يفعل فاحتال عليه بحيلة وما تمت ، وذلك أن عبد الله بن ~~علي عم المنصور لما جاء به أبو مسلم أسيرا دعا المنصور عيسى بن موسى وقال ~~له: كيف موضع السر منك؟ قال: كما تحب، قال: فإني أسر إليك أمرا، قال: قل ما ~~بدا لك، قال: أنت ولى عهدي وقد علمت ما كان من أمر عمى عبد الله بن على ~~وتسميه بالخلافة وإن ذلك لو تم له ما جعل العهد فيك بعده بل لأولاده وقد ~~عولت على إهلاكه. فقال له عيسى بن موسى: الصواب ما تراه. فقال له المنصور: ~~وأريد أن تتولى أنت قتله. قال عيسى: أفعل ما تأمرنى به. فسلمه إليه فأخذه ~~وحمله معه إلى بيته وفكر في نفسه وقال: والله ما أراد المنصور إلا أن ~~أقتل عبد الله بن علي ثم يطالبني به فإذا ذكرت له: إنك أمرتنى بقتله كذبني ~~وتبرأ من ذلك وسلمني إلى إخوته فقتلوني به والصواب أن أحتفظ به لأنظر ما ~~يكون، فأكرمه وأحتفظ به وأخبر المنصور بأنى قد قتلته. فلما كان بعد ذلك ~~بأيام دس المنصور إلى عمومته من يجسرهم على السؤال في أخيهم واستيهاب دمه ~~من المنصور. وجلس جلوسا عاما ودخل عليه عمومته بأسرهم يسألونه في أخيهم ~~فقال: قد وهبته لكم. # ثم التفت إلى عيسى بن موسى وكان حاضرا وقال: سلمه إليهم. فقال عيسى: يا ~~أمير المؤمنين ألست أمرتنى بقتله؟ وقد قتلته. قال له المنصور: أو قتلته؟ ms019 ~~قال: نعم. فالتفت إليهم وقال: إنما سلمته إليه [15 أ] ليحفظه عنده لا ~~ليقتله فدونكم وإياه فاطلبوه منه # PageV01P063 # أو خذوا بثأره فتمسكوا به وسحبوه من بين يدي المنصور إلى أن أخرجوه إلى ~~الرحبة وشهروا السيوف لقتله فقال لهم: يا قوم لا تعجلوا فإن أخاكم حى يرزق ~~فصيروا إلى منزلي حتى أسلمه إليكم. فساروا معه إلى منزله وتسلموه منه ~~وعرفوا حقيقة الحال في أمره وبطلت حيلة المنصور. ثم قبض عليه بعد ذلك وحبسه ~~في بيت فسقط عليه البيت فمات . # وفي سنة خمس وأربعين ومائة شخص المنصور إلى بيت المقدس فصلى فيه وعاد. # وفي هذه السنة خرج محمد بن عبد الله بن حسن بن علي بالمدينة وادعى ~~الخلافة وقتل أميرها رباح بن عثمان ونفذ إليه المنصور عيسى بن موسى فحاربه ~~وهزمه وقتله وجاء برأسه إلى المنصور وبسلبه وكان في جملة سلبه ذو الفقار. ~~فحين رآه المنصور طار فرحا وكان عرضه ثلاثة أشبار ونيفا وعدوا فقره فكانت ~~ستا وثلاثين فقرة من الجانبين، من كل جانب ثماني عشرة. وبعد قتله خرج أخوه ~~إبراهيم بن عبد الله بالكوفة فنفذ إليه المنصور عيسى بن موسى فلقيه بقرية ~~تعرف بباخمرى وكسره وأسره وقتله وجاء برأسه إلى المنصور. # وفي سنة سبع وأربعين [ومائة] طلب المنصور من عيسى بن موسى أن يخلع نفسه ~~ عن العهد ويقدم عليه المهدي بن المنصور ويكون ولى العهد بعد المهدي ~~فلم يفعل فبذل له عن ذلك ثمانين ألف دينار ومائة [تخت] [15 ب] من الديباج ~~الخسروانى وإمارة الكوفة [ففعل] . وكان المنصور قد شغب عليه الجند فخاف على ~~نفسه منهم فبادر إلى الخلع . وفيه يقول الشاعر : # كره الموت أبو موسى وقد %~% كان في الموت نجاء وكرم # خلع الملك وأضحى لابسا %~% ثوب ذل لا ترى منه القدم # ورحل ومضى إلى عمله فحين دخل الكوفة عارضته امرأة وهي تقول لأخرى: ~~هذا الذي كان غدا فصار بعد غد . # وفي هذه السنة حج المنصور بالناس وحين عاد نزل بالأنبار وكان الإمام أبو ~~حنيفة- رحمه الله- بالكوفة فدعاه وسأله أن يتقلد قضاء ms020 القضاء فأبى فقال: لا ~~بد من # PageV01P064 # أن تعمل لي عملا. فقال أبو حنيفة للمنصور: أما غير القضاء فأفعل ما تشاء. ~~فقال: # تتولى لي بناء بغداد فقبل ذلك وانحدر إليها واشتغل بتأسيسها وبناء القصر ~~الذي يسمى الخلد على دجلة برسم المنصور . # واستدعى المنصور أبا مسلم وكان بخراسان وقد بث الدعاة في البلاد لنقض ما ~~كان أسسه من ملك بنى العباس وأراد أن يعيدها فاطمية كما كان في نفسه. فحين ~~وصل إلى الرى استشار وزيره في قصد المنصور فقال له: لا تعبر الرى فهي حد ~~ولايتك وإذا عبرتها صرت بحكم القوم فما قبل استهانة بالمنصور لأنه قدم من ~~خراسان في أربعين ألف فارس. وبلغه خبر المنصور أنه مقيم بالأنبار في أربعة ~~آلاف وأكثرهم من أتباع أبى مسلم وأجناده وقواده فصمم على دخول العراق. وحين ~~وصل جسر النهروان قال [16 أ] لوزيره: ما ترى من الرأى؟ قال: خلفت الرأى ~~بالري . وقدم على المنصور في أحسن زي وعدة وكان المنصور قد واطأ جماعة ~~من خواصه على قتل أبى مسلم وقال لهم: إذا دخل علي أبو مسلم فإنما يكون وحده ~~فإذا رأيتموني قد صفقت بيدي فاعلوه بالسيوف. فحين دخل عليه قبل البساط ووقف ~~وكان متقلدا سيفا. # فقال له المنصور: يا أبا مسلم سيفك هذا [يماني] أو هندي؟ قال: بل هندي يا ~~أمير المؤمنين. فقال له المنصور: سله من قرابه وهزه لأراه ففعل ما أمر به. # فقال له: يا أبا مسلم ما تقول في من شهر سيفه في وجه إمامه؟ فقال: يقتل ~~به . # وفطن أبو مسلم لمراد المنصور إلا أنه ما خطر بباله أنه يقدم على الفتك به ~~مع تلك المنعة وذلك العسكر وخاصة والمنصور من وراء خرقة . ثم ابتدأ ~~المنصور يذكره بما كان يعامله في أيام أخيه [السفاح] ثم قال له المنصور في ~~جملة ما قال: يا ابن اللخناء ألست الذي نفذت إلي تخطب عمتي آمنة بنت علي بن ~~عبد الله بن العباس؟ وتزعم أنك كفؤ لها ؟ فقال له أبو مسلم: يا أمير ~~المؤمنين ألست ms021 الذي أظهرت هذه الدولة ومهدت لكم هذا الأمر؟ فقال له ~~المنصور: يا ابن اللخناء ذاك لما أراد الله تعالى من إظهار # PageV01P065 # دعوتنا ونصرة [دو] لتنا ورد حقنا إلينا وإلا فلو قامت مقامك أمة سوداء ~~[لأغنت] غناك. ثم صفق بيده فشهر القوم سيوفهم وقصدوه. فآخر ما سمع منه أنه ~~قال: # يا أمير المؤمنين [16 ب] استبقني لعدوك. فقال المنصور: وأي عدو لي أعدى ~~منك. # وعلوه بالسيوف وقطعوه والمنصور ينشد وهو على تلك الحال: # زعمت أن الدين لا يقتضي %~% فاكتل بما كلت أبا مجرم # واشرب كؤوسا كنت تسقى بها %~% أمر في الحلق من العلقم # حتى متى تضمر بغضا لنا %~% وأنت في الناس بنا تنتمى # ثم أمر المنصور فلف في بساط. وكان عيسى بن موسى قد خرج لاستقباله وحين ~~دخل إلى المنصور دخل معه. ثم إن عيسى بن موسى خرج من عند المنصور لبعض شأنه ~~وأبو مسلم هناك وعاد فلم يره، فقال: يا أمير المؤمنين وأين أبو مسلم؟ فقال ~~له المنصور: هو في ذلك البساط ملفوف. فقال عيسى بن موسى: أو فعلتها؟ قال: # نعم فعلتها نعم فعلتها نعم فعلتها يكرر ذلك ثلاث مرات وأنشد: # إذا هم ألقى بين عينيه همه %~% ونكب عن ذكر العواقب جانبا # فقال عيسى: وما عذرنا إلى أهل خراسان؟ وكيف لنا بعذر يقبل الناس باطنه ~~وظاهره، وخاصة وعلى باب السرادق أربعون ألف متسلح ينتظرون خروجه؟ فقال ~~المنصور: يا عيسى إنه كان ما كان وقد كنت أعددت قبل وصوله سبعين بدرة في كل ~~بدرة عشرة آلاف دينار وها هي فخذها واخرج إليهم فانثرها عليهم مع رأسه فإن ~~القوم ما أطاعوه إلا تقربا إلينا ومحبة لنا. ففعل ما أمره به ونثر الدنانير ~~عليهم مع رأس أبى مسلم فالتقطوا الدنانير [17 أ] وتركوا رأس أبى مسلم ~~يتدحرج على الأرض. # ودخل عيسى بن موسى على المنصور وأخبره بذلك، فقام من ساعته وصعد المنبر ~~واجتمع الناس وخطب فقال: معاشر المسلمين، إنه من نازعنا عروة هذا القميص ~~أوطأناه خبء هذا الغمد وإن أبا مسلم بايعنا وبايع ms022 لنا على أن من نكث بنا حل ~~دمه ثم نكث هو بنا فحكمنا عليه لأنفسنا عليه حكمه على غيره لنا ولم تمنعنا ~~رعاية الحق له # PageV01P066 # من إقامة الحد عليه . # وكان أبو مسلم يلقب بصاحب الدولة واسمه عبد الرحمن، وكان لقيطا رباه رجل ~~من أهل الكوفة. وإنما قيل له أبو مسلم الخراساني لأنه أقام كثيرا بخراسان ~~ . # وحين أفضت الخلافة إلى بنى العباس كان هو والى خراسان. وكان رجلا عاقلا ~~لبيبا حسن التدبير فصيح اللهجة كريما حليما. # حكى: أن رجلا دخل عليه وهو بخراسان في زمان إمارته فسأله في حاجة فتوقف، ~~فألح عليه وأغلظ له في القول وقال له: يا لقيط. فأطرق أبو مسلم ولم يجبه ~~وندم الرجل على ما بدر منه وخاف على نفسه وأخذ يعتذر ويتنصل من هفوته. فضحك ~~أبو مسلم إليه وقبل عذره وقال: ما تحتاج إلى هذا الاعتذار كله. فقال له: ~~أيها الأمير ما يقر قلبي وإني لأخافك على نفسي فأعطنى أمانا أثق إليه. فقال ~~له: يا هذا إذا كنت قد قابلتك بإحسان وأنت مسيء فكيف أقابلك بإساءة وأنت ~~محسن؟ ومن شعر أبى مسلم لما ظهر أمر بنى العباس وانتشر بخراسان [17 ب] : # أدركت بالحزم والكتمان ما عجزت %~% عنه ملوك بنى مروان إذ حشدوا # ما زلت أسعى عليهم في ديارهم %~% والقوم في غفلة بالشام قد رقدوا # حتى علوتهم بالسيف فانتبهوا %~% من رقدة لم ينمها بعدهم أحد # ومن رعى غنما في أرض مسبعة %~% ونام عنها تولى رعيها الأسد # وفي أول سنة ثمان وخمسين ومائة فرغ الإمام أبو حنيفة من بناء القصر ~~المعروف بالخلد على دجلة وانتقل المنصور إليه . # وفي هذه السنة حج المنصور بالناس وكان قبل خروجه قال للمهدي: إني سائر ~~عنك وأرانى غير راجع فاقض عنى ثلاث مائة ألف درهم لا من بيت المال بل من ~~مالك فإن الذي يصل إليك من الأمر أعظم منها . وكان سبب هذه الوصية أن ~~المنصور رأى في منامه كأن منشدا ينشده : # ما أنت معتبر بمن خربت %~% منه غداة قضى دساكره # PageV01P067 # وبمن أذل ms023 الدهر مصرعه %~% فتبرأت منه عشائره # وبمن خلت منه أسرته %~% وبمن عفت منه منابره # أين الملوك وأين عزهم %~% صاروا مصيرا أنت صائره # نل ما بدا لك أن تنال من %~% الدنيا فإن الموت آخره # وتوفى المنصور في هذه السنة بالمدينة وكان في تلك الليلة التي مات في ~~صبيحتها رأى في نومه كأن ذلك الشخص الذي رآه في نومه أيضا ببغداد ~~ينشده [18 أ] : # أبا جعفر حانت وفاتك وانقضت %~% سنوك وأمر الله لا شك واقع # أبا جعفر هل كاهن أو منجم %~% لك اليوم من حر المنية دافع # ودفن ببئر ميمون. وكان سنه يوم مات أربعا وستين سنة، وكانت خلافته اثنتين ~~وعشرين [سنة] . وكان مولده في أيام الوليد بن عبد الملك سنة خمس وتسعين من ~~الهجرة وهو اليوم الذي مات فيه الحجاج. ووزر له ثلاثة من الوزراء، أولهم ~~خالد بن برمك وكان مجوسيا فأسلم، وكان داهية من الرجال، كافيا فصيحا حسن ~~السيرة، ثم بعده أبو أيوب المورياني ، ثم بعده الربيع حاجبه وكان ~~لقيطا ولذلك قال له المنصور يوما- وقد قال لإنسان يقسم برأس أبيه دفعات-: ~~إلى كم تحلف برأس أبيك يا ربيع؟ أنت معذور فإنك ما ذقت حلاوة الآباء . ~~إلا أنه كان كافيا حسن التدبير منفذا للأمور جلدا في حالتي الحجبة ~~والوزارة. # وانقضت أيام المنصور- رحمه الله-. # PageV01P068 ### || أمير المؤمنين المهدي # هو أبو عبد الله، محمد بن عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن ~~العباس. بويع له بالخلافة حين وصل الخبر بوفاة المنصور. وأمه أم موسى بنت ~~منصور بن عبد الله الحميري. وكان المنصور أراد قبل موته أن يعقد ~~البيعة بعد المهدي لابنه صالح المعروف بالمسكين. فوجه إليه المهدي وقال له: ~~يا أمير المؤمنين لا تحملني على قطيعة الرحم، وإن كان لا بد لك من إدخال ~~أخى في هذا الأمر فأدخله قبلي [18 ب] فإن الأمر إذا صار إلي أحببت أن لا ~~يخرج عن ولدى كما أحببت حيث صار الأمر إليك أن لا يخرج عنى وبذلت ما بذلته ~~لعيسى بن موسى وهو ابن أخيك ms024 حتى خلع نفسه من ولاية العهد بعدك . فقال ~~المنصور: الأمر كما ذكرت ورجع عن ذلك. # وحين جلس المهدي للعزاء ثلاثة أيام على العادة، جلس بعد ذلك جلوسا عاما ~~للهناءة ودخل الناس على طبقاتهم. فحكى بشار، وكان أعمى، قال: كان إلى ~~جنبي وأنا بالمجلس أشجع السلمي الشاعر فقلت له: يا أشجع أسمع حسا ~~وأظنه حس أبى العتاهية فقال: هو كما ظننت. فقلت له: أترى يحمله جهله على أن ~~يقوم وينشد في مثل هذا المجلس؟ قال بشار: فو الله ما استتممت كلامي حتى قام ~~وأنشد شعرا يشبب بجارية الخليفة، وهو: # ألا ما لسيدتى ما لها %~% أدلت فأجمل إدلالها # وإلا ففيم تجنت وما [قد] %~% جنيت سقى الله أطلالها # فلما بلغ إلى قوله: # ألا إن جارية للإمام وقد %~% سكن الحسن سربالها # وقد أتعب الله قلبي بها %~% وأتعب باللوم عذالها # كأن بعيني في أين %~% ما نظرت من الأرض تمثالها # قلت: يا أشجع هل جروا برجله؟ فقال: لا بعد. قال: فلما بلغ أبو العتاهية ~~إلى قوله [19 أ] : # PageV01P069 # أتته الخلافة منقادة %~% إليه تجرر أذيالها # فلم تك تصلح إلا له %~% وما كان يصلح إلا لها # ولو رامها أحد غيره %~% لزلزلت الأرض زلزالها # ولو لم تطعه بنات القلوب %~% ما قبل الله أعمالها # وكانت يد الجود مغلولة %~% ففك الخليفة أغلالها # وإن الخليفة من بغض لا إليه ليبغض من قالها # قلت: يا أشجع هل طار الخليفة عن دسته؟ قال أشجع: لا ولكنه قد زحف حتى صار ~~على طرف السرير. قال بشار: وأنشدنا بعده كلنا وما أصغى الخليفة إلى ~~إنشادنا، وما خرج في ذلك اليوم منا أحد بجائزة غير أبى العتاهية. وكان ~~المهدي أديبا شاعرا، ومن جملة شعره ما كتب به إلى الخيزران أم أولاده ~~موسى وهارون وهي بمكة: # نحن في أفضل السرور ولكن %~% ليس إلا بكم يتم السرور # عيب ما نحن فيه يا أهل ودى %~% أنكم غيب ونحن حضور # فأجدوا المسير بل إن قدرتم %~% أن تطيروا مع الرياح فطيروا # ومن شعره وقد دخل ميدان كسرى بالمدائن في يوم المهرجان: # إذا ms025 ما كنت في الميدان يوما %~% أجول في السرور مع الغواني # خرجت كأننى كسرى إذا ما %~% علاه التاج يوم المهرجان [1] # وفي أول خلافته قتل بشار الأعمى لأنه اتهم بالزندقة، فنفاه إلى البصرة ~~فبلغه الخبر أن بشارا عمل في طريقه هذين البيتين [19 ب] : # خليفة يزني بعماته %~% يلعب بالتبوك والصولجان # أعضه الله ببظر امه %~% ودس موسى في حر الخيزران # وأخبر المهدي بعض الثقات أنه رأى بشارا واقفا على باب المهدي والخلائق ~~ينتظرون ركوبه وهو ينشد: PageV01P070 # يا قوم لا تطلبوا يوما خليفتكم %~% إن الخليفة يعقوب بن داود # ضاعت خلافتكم يا قوم فالتمسوا %~% خليفة الله بين الناى والعود # فأمر المهدي أن ينحدروا وراءه ويقتلوه، فانحدر إليه مولى للمهدي فلحقه في ~~بعض الطريق في سفينة منحدرا إلى البصرة فحنقه ورماه في الماء. # قال أبو عبيدة : ما رأيت قط أكرم من المهدي ولا أسمح خلقا منه. كان ~~يصلى بنا الصلاة الخمس حين قدم البصرة بالجامع، فأقيمت الصلاة فقال أعرابى: # يا أمير المؤمنين لست على طهر وقد رغبت إلى الله تعالى في الصلاة خلفك. ~~فوقف ينتظره إلى أن أقبل. فعجب الناس من كرم طبعه وفرط تواضعه. # وسافر المهدي إلى الجبال في سنة ثمان وستين ومائة ووصل إلى ماسبذان ~~واستطاب المكان فأقام به ونفذ إلى أم ولده الخيزران فاستدعاها فقدمت عليه ~~في مائة هودج ملبسة بالوشي والديباج وذلك في المحرم سنة تسع وستين ومائة ~~وبقيت عنده يومين وهو فرح بها وبطيب الموضع وصفاء الزمان من الأكدار. فلما ~~كان اليوم الثالث من قدومها حكى [على بن يقط] ين قال: اليوم أكل ~~المهدي وأكلنا معه [20 أ] ثم قال لي: أريد أنام ساعة فلا تنبهونى حتى أنتبه ~~لنفسي، ومضى ونام ونمنا فانتبهنا بصوت بكائه فجئناه وقلنا: ما أصابك يا ~~أمير المؤمنين؟ قال: بينا أنا نائم إذ رأيت شيخا واقفا على باب هذا ~~البهو وهو يقول: # كأنى بهذا القصر قد باد أهله %~% وأوحش منه دوره ومنازله # وصار عميد القوم من بعد بهجة %~% وملك إلى قبر عليه جنادله # فلم يبق إلا ذكره ms026 وحديثه %~% تنادى بويل معولات حلائله # قال علي بن يقطين: وما لبث بعد ذلك إلا ثلاثة أيام . وكانت وفاة ~~المهدي بماسبذان في قرية يقال لها الرذ لثمان ليال بقين من المحرم ~~سنة تسع وستين ومائة. فكانت خلافته عشر سنين وشهرا واحدا وستة وعشرين يوما. ~~وكان سنه ثلاثا وأربعين سنة، وصلى عليه ابنه هارون. # PageV01P071 # وكان المهدي- رحمه الله- طويلا أسمر اللون تعلوه صفرة. وعادت قباب ~~الخيزران وهوادجها كلها إلى بغداد ملبسة بالمسوح. فحين رآها أبو ~~العتاهية قال- رحمه الله تعالى-: # رحن في الوشي وأقبلن عليهن المسوح %~% كل نطاح على الدهر له يوما نطوح # لتموتن ولو عمرت ما عمر نوح %~% فعلى نفسك نح إن كنت لا بد تنوح # وكان وزير المهدي في أول خلافته أبو عبيد الله معاوية بن عبيد الله بن ~~يسار . ثم بعده يعقوب بن داود ثم بعده الفيض بن أبى صالح ~~ [20 ب] ثم انقضت أيام المهدي- رضوان الله عليه-. # PageV01P072 ### || أمير المؤمنين الهادي # هو موسى بن محمد المهدي بن عبد الله المنصور. توفى المهدي وهو بجرجان ~~يحارب أهل طبرستان، فنفذ إليه أخوه هارون برأي يحيى بن خالد بنصير الوصيف ~~ومعه الخاتم والقضيب والبردة بالتعزية والتهنئة . فوصل إلى جرجان في ~~ثمانية أيام. # وكان وصول موسى الهادي إلى بغداد بعد ثلاثة وعشرين يوما، وذلك في صفر من ~~سنة تسع وستين ومائة. وكان يوم بويع له بالخلافة بجرجان يوم الخميس لثمان ~~من المحرم من هذه السنة. وحين وصل إلى بغداد وجلس على سرير الخلافة وبايعه ~~أخوه وأهله وبنو هاشم كلهم وأهل الحل والعقد أخذ يتعنت أخاه هارون ويسومه ~~خلع نفسه من العهد ليولى ابنه وكان له ابن صغير سماه «الناطق بالحق» وهم ~~بقتل هارون إلا أنه منع من ذلك، وقيل له : تقتل أخاك وابنك بعد لم ~~يبلغ فإن حدث بابنك حادث ذهب الأمر من ولد أبيك. واستشعر هارون منه فما كان ~~يأتيه ولا يسلم عليه، ثم دخل الأولياء بينهما واصطلحا صلحا على دخل. وقد ~~كان المهدي في حياته ولى هارون المغرب كله من الأنبار إلى إفريقية. وأمر ms027 ~~المهدي يحيى بن خالد بن برمك أن يتولى ذلك له ويخلفه عليه وكان موسى الهادي ~~[21 أ] يتعنت يحيى بن خالد وينسب ما يجرى من هارون من امتناعه عن خلع نفسه ~~عن الخلافة إلى يحيى وكان يحيى مستشعرا منه جدا. وكانت أمه الخيزران ~~مستشعرة منه لأنه نفذ لها أرزا مسموما وفطنت له ولم تأكل منه وعلم ~~أنها قد علمت بذلك فتمكنت الوحشة واتفقت آراء الجماعة على الفتك به فسموه ~~ في ليلة النصف من شهر ربيع الأول سنة سبعين ومائة وهو ابن ثلاث ~~وعشرين سنة. ونفذت الخيزران حال وفاته إلى يحيى بن خالد تقول: أحضر ~~ابني هارون إلى قصر الخلد، فأحضره في الحال. وكان بيت هارون في الجانب ~~الشرقي، فبينا هو على الجسر لحقه خادم يخبره بولادة المأمون. # فيقال : إنها ليلة مات فيها خليفة وجلس خليفة وولد خليفة. فكانت ~~خلافة موسى الهادي سنة وشهرا وثلاثة عشر يوما ودفن بعيساباذ وصلى عليه أخوه # PageV01P073 # هارون. وكان طويلا أبيض مشربا بحمرة، حسن الوجه. وكانت شفته قصيرة ~~وكان فمه أبدا يكون مفتوحا فوكل به خادم في حال صغره كلما فتح فمه يقول له: ~~موسى أطبق وكان يعرف، إلى أن مات، بموسى أطبق . # وكان نقش خاتمه: «الله ثقة موسى وبه يؤمن» . # وكان أسمح الناس بما تحويه يده. حكى: أنه لما دخل بغداد، دخل إليه سلم ~~الخاسر وأنشده : # موسى المطر غيث بكر ثم انهمر %~% وكم قدر ثم غفر خير البشر [21 ب] # فرع مضر بدر بدر لمن نظر %~% هو الوزر لمن حضر والمفتخر لمن غبر # فأمر له بمائة ألف درهم. وهو أول من وصل بذلك. وهي أول مائة ألف وصل بها ~~شاعر في ولد بنى العباس. # وحكى: أن أعرابيا دخل إليه وأنشده: # يا خير من عقدت كفاه حجزته %~% وخير من قلدته أمرها مضر # فقطع عليه وما تركه يتم وقال له: إلا من؟ ويلك! فقال الأعرابي: # إلا النبي رسول الله إن له %~% فخرا وأنت بذاك الفخر تفتخر # فأعجبته بديهته وقوله، وأمر له بمائة ألف درهم . ومات وعلى شرطته ms028 ~~عبد الله بن مالك الخزاعي، وعلى قضائه أبو يوسف تلميذ الإمام أبى حنيفة، ~~وعلى حجبته الفضل بن الربيع، وعلى حرسه علي بن عيسى بن ماهان. ووزيره ~~الربيع بن يونس ويخلفه عمر بن بزيع . وكان إلى عمر الأزمة. وعلى ~~ديوان الخاتم والبريد على بن يقطين. # وانقضت أيام الهادي- رحمة الله عليه-. # PageV01P074 ### || أمير المؤمنين الرشيد # هو أبو جعفر، هارون بن المهدي محمد بن المنصور عبد الله بن محمد بن على ~~بن عبد الله بن العباس. # مولده بالري سنة ثمان وأربعين ومائة . [أمه الخيزران أم أخيه. وما ~~ولدت امرأة خليفتين من [22 أ] ولد العباس غيرها . # وقيل: إن ابتداءه في ربيع الآخر سنة سبعين ومائة، وانتهاءه في جمادى ~~الآخرة سنة ثلاث وتسعين ومائة. عمره خمس وأربعون سنة. ومدة نظره ثلاث ~~وعشرون سنة. # نقش خاتمه: بالله يثق هارون] [1] . # وكان مولد الفضل بن يحيى قبله بسبعة أيام فأرضعته أم الفضل وهي زينب ~~ بنت منير. # وبويع له ليلة السبت لأربع عشرة ليلة بقيت من ربيع الأول سنة سبعين ~~ومائة. # واستوزر يحيى بن خالد لوقته. وفيهما قيل : # ألم تر أن الشمس كانت مريضة %~% فلما أتى هارون أشرق نورها # تلبست الدنيا جلالا يملكه %~% فهارون واليها ويحيى وزيرها # وكان الرشيد يغزو عاما ويحج عاما. وفيه يقول ابن أبى السعلى : # فمن يطلب لقاءك أو يرده %~% فبالحرمين أو أقصى الثغور # ففي أرض العدو على طمر %~% وفي أرض الثنية فوق كور # وكان يحج على ناقة والحادي يحدو ويقول بين يديه : # أغيثا تحمل الناقة %~% أم تحمل هارونا PageV01P075 # أم الشمس أم البدر %~% أم الدنيا أم الدينا # ولما حج الرشيد في سنة ست وسبعين ومائة بايع لابنه محمد بالعهد ولعبد ~~الله بعده ولقب محمدا بالأمين وعبد الله بالمأمون وكان المأمون أكبر سنا ~~وهمة وأرجح عقلا وعلما وتهديا إلى الأمور. وإنما قدم عليه محمدا لأن أم ~~محمد كانت أم جعفر زبيدة [22 ب] بنت جعفر بن المنصور بنت عم الرشيد. فقدم ~~ولدها تقربا إليها وشرط عليهما إن حدث به الأمر المحتوم أن تكون بغداد ~~والعراق والحجاز واليمن ms029 والجبال وفارس بحكم الأمين وهو الخليفة وأن تكون ~~الرى وطبرستان وخراسان والسند والترك بحكم المأمون ويكون ولى العهد ~~للمسلمين. وكتب بذلك كتابا وأشهد فيه أكابر أهل الإسلام ووجوه الكتاب ~~والقواد وسائر أركان الدولة وعلقه في الكعبة فسقط من ساعته فقال الناس: هذا ~~الأمر لا يتم . وكان كما قالوا على ما سيأتي ذكره وشرحه. # وحين عقد البيعة لهما دخل إليه أعرابى في غمار الناس فأنشده أبياتا ~~يهنئه فيها بتمام الأمر. وكان متكئا فاستوى جالسا وقال: يا أعرابى سمعت ~~مستحسنا ثم اتهمتك منكرا، فإن كنت صاحب هذا الشعر فقل فيهما أبياتا، وأومأ ~~إلى الأمين والمأمون، وكان أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله، فقال ~~الأعرابي: ما أنصفتنى يا أمير المؤمنين. قال الرشيد: وكيف ذلك؟ قال ~~الأعرابي: هيبة الخلافة وقهر البديهة وروعة الامتحان ونفور القوافي عن ~~الروية. فقال المأمون: قد جعلنا حسن اعتذارك بدلا من امتحانك. فقال ~~الأعرابي: الآن نفست خناقى ببسطك لي وحديثك معى وأنشأ يقول: # بنيت بعبد الله بعد محمد %~% ذرى قبة الإسلام فاخضر عودها [23 أ] # هما طنباها بارك الله فيهما %~% وأنت أمير المؤمنين عمودها # فقام الرشيد قائما لما لحقه من الطرب وقال: سل يا أعرابى قال: مائة ألف ~~درهم . # فقال الرشيد، يمازحه: أنقصنا منها شيئا. فقال الأعرابي: قد حططتك منها ~~ألفا. # PageV01P076 # فقال له الرشيد: ما أقل هذه الحطيطة؟ فقال له الأعرابي: يا أمير المؤمنين ~~قلت لي سل فسألت على قدرك ثم قلت لي حط فحططت على قدري. فقال الرشيد: أعطوه ~~مائتي ألف لشعره ومائة ألف لحسن كلامه. # وحكى إسحاق الموصلي قال: ما رأيت أكرم طبعا من الرشيد، دخلت يوما ~~عليه فأنشدته: هذه الأبيات من شعرى: # وآمرة بالبخل قلت لها اقصرى %~% فذلك شيء ما إليه سبيل # أرى الناس خلان الجواد ولا أرى %~% بخيلا له حتى الممات خليل # ومن خير حالات الفتى لو علمته %~% إذا نال خيرا أن يقال منيل # عطائي عطاء المكثرين تكرما %~% ومالي كما قد تعلمين قليل # وكيف أخاف الفقر أو أحرم الغنى %~% ورأى أمير المؤمنين جميل # فقال لي: لا ms030 تخف، لله درك ولله در أبيات تجيء بها ما أحكم أصولها وأحسن ~~فصولها وأقل فضولها. ثم قال: أعطوا أبا محمد مائة ألف درهم. فقلت: يا أمير ~~المؤمنين يحرم علي أخذ الجائزة. قال: ولم؟ قلت: لأنك مدحتني بأكثر مما ~~مدحتك فكيف يحل لي أخذ الجائزة؟ وكلامك والله أحسن من شعرى فقال: وهذا [23 ~~ب] الكلام والله منك أحسن من شعرك ومن مدحى لك، أعطوه مائة ألف أخرى ~~. # فأحضرت في الحال عشرون بدرة فيها مائتا ألف درهم وسلمت إلي. وكان الأصمعي ~~حاضرا فتغير وجهه وعرف الرشيد منه ذلك فقال: يا أصمعى، أبو محمد تلميذك ومن ~~بحرك يغترف وأنت شيخ الكل وأستاذهم. فقال: يا أمير المؤمنين ولكنه أحذق ~~بصيد الدراهم منى. فضحك الرشيد وقال: أعطوا الأصمعي مائة ألف درهم فأحضرت ~~وسلمت إليه. فقال الأصمعي: «للذكر مثل حظ الأنثيين» 4: 11 فضحك الرشيد ~~وقال: # أعطوا الأصمعي مائة ألف أخرى. # وحكى إسحاق أيضا قال: كنا يوما عند الرشيد في خلوة فدخل عليه الأصمعي ~~وكان يعلم ولديه الأمين والمأمون وكان يوما شديد الحر فقال له الرشيد: يا ~~أصمعى # PageV01P077 # ضع قلنسوتك فقد مسك الحر. فوضع قلنسوته. فقال له الرشيد: يا أصمعى علا ~~رأسك الشيب فقال: نعم يا أمير المؤمنين هو أول الميتين. فقال: تغار على قول ~~زيد ابن علي بن الحسين حيث يقول؟ قال: ماذا يا أمير المؤمنين يقول؟ ~~قال: # قد تعجلت أول الميتتين %~% بمشيب القذال والعارضين # فتنبه فشيبك الأجل الأول %~% والموت آخر الأجلين # من يرجى الخلود والموت بالمرصاد %~% للمرء كل طرفة عين # لا يغرنك اجتماع من الشمل %~% تراه كل اجتماع لبين [24 أ] # فقال الأصمعي: يا أمير المؤمنين، أتأذن لي في استفادة هذه الأبيات؟ فقال ~~الرشيد: نعم، اكتبوا كل بيت على رأس بدرة واحملوها إليه. # وكان الرشيد فقيها أديبا شاعرا حلو النظم. ومن شعره في ثلاث جوار كن له: # ملك الثلاث الآنسات عناني %~% وحللن من قلبي بكل مكان # ما لي تطاوعني البرية كلها %~% وأطيعهن وهن في عصياني # ما ذاك إلا أن سلطان الهوى %~% وبه غلبن أعز من ms031 سلطاني # [1] وله في جارية غاضبها ثم صالحها: # دعي عدد الذنوب إذا التقينا %~% تعالى لا نعد ولا تعدى # فأقسم لو مددت بحبل وصلى %~% إلى نار الجحيم لقلت مدى # وله في جاريته ماردة أم المعتصم: # وإذا نظرت إلى محاسنها %~% فلكل موضع نظرة نبل # وتنال منك بسهم مقلتها %~% ما لا ينال بحده النصل # شغلتك وهي لكل ذي بصر %~% لاقى محاسن وجهها شغل # ولقلبها حلم يباعدها %~% من ذي الهوى ولطرفها جهل # ولوجهها من وجهها قمر %~% ولعينها من عينها كحل PageV01P078 # وكان للرشيد ولد صغير اسمه القاسم، كان في حجر عبد الملك بن صالح الهاشمي ~~يربيه. فلما كبر وترعرع كتب عبد الملك إلى الرشيد: # يا أيها الملك الذي %~% لو كان نجما كان سعدا # للقاسم اعقد بيعة %~% واقدح له في الملك زندا [24 ب] # الله فرد واحد %~% فاجعل ولاة العهد فردا # فعقد الرشيد للقاسم البيعة بالرقة وسماه المؤتمن وجعله ولى العهد بعد ~~المأمون وجعل له بعد موته الشام والجزيرة ومصر والمغرب. ومات القاسم ~~في حياة الرشيد. # وكان حين عقد البيعة قال أبو العتاهية من قصيدة طويلة: # وشد عرى الإسلام منهم بفتية %~% ثلاثة أملاك ولاة عهود # هم خير أولاد لهم خير والد %~% له خير آباء مضت وجدود # يقلب ألحاظ المهابة فيهم %~% عيون ظباء في قلوب أسود # تعلق ضوء من محاسن وجهه %~% بحر عرانين لهم وخدود # ولما مات المؤتمن بقي العهد في الأمين والمأمون. # ولما دخلت سنة سبع وثمانين نكب الرشيد البرامكة وكانت لذلك أسباب منها: # استيلاؤهم على الدولة وتغلبهم على الدنيا بالكلية، ثم تزويج جعفر بأخت ~~الرشيد بغير علمه وأمور أخرى قد حكيت، فإن كان لها صحة فقد قوبلوا ~~عليها في الدنيا باستباحة الدم والمال والله تعالى لا يغفل في الآخرة عن ~~أمثالها. وإن لم يكن لها صحة فلا فائدة من ذكرها. # ولما تغير الرشيد على جعفر قال جعفر لإبراهيم بن المهدي، وكان يحبه حبا ~~شديدا، إني أرى من أمير المؤمنين تغيرا، ومن الصواب أن أبعد عنه شخصي، ~~أفترى لي من الرأى أن أطلب منه أن يوليني خراسان ms032 وأخرج إليها وأقيم بها مدة ~~أطرى بها نفسي وأجدد حرمتي؟ وقد كان أخوه [25 أ] الفضل وليها قبله وبان من ~~كفايته وشهامته ما حمد أثره فيها. فقال له إبراهيم بن المهدي: يا حبيبي، ~~أما تغيره عليك فإني تفطنت # PageV01P079 # له قبلك. أما كنت تراه يجد إذا هزلت ويهزل إذا جددت؟ وأما خروجك إلى ~~خراسان فهو عين الصواب فخاطبه فيه ومنى لك المساعدة. فخاطب الرشيد في ذلك ~~فأجابه إليه ليستريح من تحكمه في دولته وتسحبه عليها. # وحين استقر الأمر في مسيره جرى بين جعفر وبين مسرور السياف ملاحاة في أمر ~~فقال له: يا حجام يا مخنث فقال مسرور: لو لم أكن كما قلت ما خنت مولاي مذ ~~عشر سنين تقربا إليك. وعلم جعفر مقصوده فلين له الكلام واعتذر إليه وطيب ~~نفسه ووعده بمائتي ألف دينار يوصلها إليه قبل خروجه. ثم دس عليه من وقته من ~~يغتاله ويقتله وفطن مسرور لذلك من بعض الجهات فدخل على الرشيد وطلب خلوة، ~~وقال : # يا مولاي أنا صاحب سيفك قد جعلتني أمينا على حرمك وقد حدث في دارك حادث ~~ولا بد لي من إعلامك به إن أذنت. قال: قل. قال: أختك ميمونة تزوج بها جعفر ~~من عشر سنين وولدت له ثلاثة بنين الأكبر ابن سبع سنين والأوسط ابن ست ~~والأصغر ابن أربع. وقد نفذ بهم إلى مكة وهم ينتظرون بك الدوائر. وما أبقى ~~في دارك جارية ولا خادما إلا وارتكب معه المعصية. وكلما ذكرت له قال: # أراحنا الله من نذالة بنى هاشم. وقد بذل لي مائتي ألف دينار وسألني كتمان ~~ذلك عليه. وقد كان من سبيلي إطلاعك على هذه الأمور [25 ب] حال تجددها إلا ~~أنى كنت أخاف أن ألقاك بمثل ذلك وأقول لعلك تطلع عليه من جهة غير جهتي وإلا ~~فحيث صمم العزم على خروجه إلى خراسان فأخاف أن يحدث منه في الدولة حادث ~~يعسر تلافيه. فقال له الرشيد: امض إليه برسالتي وقل له يتوقف أياما حتى تصل ~~الفيوج من خراسان بما يتجدد من الأخبار هناك. ms033 فمضى إليه برسالة ~~الرشيد يأمره بالتوقف فتوقف واستشعر وأرجف الناس به حتى إن إسحاق بن ~~إبراهيم الموصلي قال: دخلت يوما على الرشيد فقال لي: يا إسحاق بماذا يرجف ~~العامة؟ قلت: أراهم يتحدثون بإرجاف الفضل بن الربيع بالبرامكة وأنه يلي ~~مكانهم. فقال لي: أبلغ من أمرك أن تدخل فيما بين هؤلاء؟ وغضب، ثم قال: إياك ~~وما أشبه هذا وصرف وجهه عنى # PageV01P080 # وأنا أعلم يقينا أنه ما سألني إلا لأخبره بمثل ذلك. فعملت هذين البيتين ~~في الحال وغنيته بهما: # إذا نحن صدقناك %~% فضر عندك الصدق # طلبنا النفع بالباطل %~% إذ لم ينفع الحق # [1] فضحك وقال لي: صرت حقودا يا ابن الخبيثة؟ # ثم إن جعفر بن يحيى جمع المنجمين وأخذوا له الطالع للخروج إلى خراسان ~~واتفقوا على اختيار يوم السبت السابع والعشرين من المحرم سنة سبع وثمانين ~~ومائة. ولما كان في ليلة السبت كان عند الرشيد ينادمه. وكان إذا ركب يركب ~~معه أربعة آلاف ومن عسكر الرشيد [26 أ] أكثر منهم ومن عسكر خراسان الذين ~~كانوا مقيمين بالحضرة خلق عظيم. ولما سكر خرج من دار الرشيد عائدا إلى داره ~~وهم معه، فلما دخل داره تفرقوا وجلس في داره مع خواصه وجماعته ممن كان ~~ينادمهم في الخلوة. وجمع وكلاءه ونوابه وكان يوصيهم بما يعتمدونه بعد خروجه ~~في أملاكه وأسبابه والرشيد قد وكل به من يعلمه بخبره، فأخبر الرشيد أنه قد ~~بقي وحده وتفرق الجند عنه فأمر الرشيد مسرورا السياف بضرب خيمة كبيرة ~~في وسط صحن الدار ففعل ثم أمره باختيار أربع مائة غلام من خواص مماليكه ~~فاختارهم ثم أمرهم بحمل السلاح وإدخالهم الخيمة ثم قال لمسرور: امض الآن ~~إلى جعفر وقل له عنى قد وصلتني الخرائط وفيها أخبار بنى رافع الخوارج وما ~~جرى منهم في أعمال ما وراء النهر وكنت قد ودعتنى وما شبعت من توديعك فأحب ~~أن تصير إلي حتى أودعك ثانيا وأوقفك على الكتب الواصلة. فإذا جاء معك فاعدل ~~به إلى الخيمة وخذ رأسه وجئني به ولا تراجعني فيه. قال مسرور: فمضيت إلى ms034 ~~دار جعفر ولم يبق فيها سوى الخواص من خدمه والخصيان وعدة من المماليك ~~الصغار. فسألت عنه أنائم هو؟ قيل: لا ولكنه جالس في البيت الفلاني وعنده ~~أبو زكار الأعمى القوال يغنيه فقصدت البيت الذي كان فيه PageV01P081 # فحين حصلت على باب البيت سمعت أبا زكار الأعمى يغنيه [26 ب] : # يا راقد الليل مسرورا بأوله %~% إن الحوادث قد يطرقن أسحارا # وهو يقول له: يا بارد أيش هذا مما يتغنى به؟ وأبو زكار يقول له: وكان ~~منبسطا عليه، البارد والله من قد قتلنا منذ شهرين بهذا الاستشعار الفاسد، ~~بقي لك أمر تخاف أو تستشعر منه وقد ودعت الخليفة وأنت بكرة على رأس الطريق؟ ~~قال: # فتوقفت بقدر ما فرغوا من الكلام وابتدأ أبو زكار في الغناء ثم هجمت عليه ~~وسلمت فقال لي: ما الذي جاء بك؟ فأديت إليه رسالة الرشيد فقال لي: الآن جئت ~~وأنا والله تعبان وسكران وقد اختاروا لي الطالع الفلاني وركوبي يكون وقت ~~السحر وبيني وبين الخليفة شقة بعيدة وأحتاج إلى عبور دجلة ولى أيضا مهمات ~~لخاصتى أحتاج إلى تحريرها قال مسرور: فقلت له: يا سيدي دع عنك هذه الأعذار ~~فإن الذي يستدعيك مولاك الخليفة ولا بد من الانتهاء إلى أمره وأراك تخاطبه ~~بمثل ما تخاطب به الأمثال. فقال لي: يا أسود يا حجام وبلغ من أمرك أن ~~تخاطبني بهذا؟ فقلت له: # يا سيدي أنت تعلم أن الخليفة لا يفرق بينك وبين أعز إخوته بل ربما فضلك ~~عليهم وقد استدعيتك إلى داره دفعات ليلا ونهارا، فبادر مسرعا من غير ~~عذر وبعد هذا فأنت أخبر، وإنما علي البلاغ. وأخذت ألين له في الكلام لئلا ~~يفطن وأبو زكار يعاوننى إلى أن أجاب وقال لأبى زكار: تم على ما أنت حتى ~~أعود إليك ونهض وخرج من باب الدار وركب فرس النوبة وليس معه أحد سوى ثلاثة ~~خدم صغار [27 أ] وأنا، ومضى وأنا معه وعبرنا على الجسر حتى انتهينا إلى دار ~~الخلافة فدخل من باب الشط وأنا معه فلما انتهينا إلى صحن الدار أخذ ms035 ~~في صوب باب الحجرة التي يكون فيها الرشيد. فقلت له: يا سيدي على يمينك ~~قليلا. فقال لي: ما الذي أصنع هناك؟ ثم التفت فرأى الخيمة مضروبة ونظر إلي ~~وتغير وجهه وندم على ركوبه. ثم قال لي: يا أخى مسرور هل فيك موضع لاصطناعى؟ ~~فقلت له: أنت ما كنت ترفعني وتخفضني إلا بالأسود الحجام والآن أنا أخوك؟ ~~ولكن يا جعفر # PageV01P082 # ما غير الله نعمة على عبد إلا باستحقاق وليس الله بظلام للعبيد وإن الله ~~يمهل ولا يهمل ولقد أملى الله لك ولأهل بيتك لا رضى بفعلك ولكن ليزيد إثمك ~~وعقابك، وأنا أقول له ما أقول ونحن نمشي نحو الخيمة وهو ينصت إلى كلامي ولا ~~يجيب بشيء حتى إذا صرنا إلى الخيمة وأحس بنا القوم الذين بها نهضوا فأحس ~~بقعقعة السلاح فبكى وبكى الجماعة لبكائه حتى أبكانى مع انحرافى عنه وعداوتي ~~له. # ودخل الخيمة فرأى النطع مبسوطا وسيفي ملفوفا في منديل فأخذت سيفي وجذبته ~~من غمده وأمرت خادما كان معى بأن ينزع ثياب جعفر فنزعها عنه وتركه بغلالة ~~كتان وهو ينتحب وينوح على نفسه. ثم قال لي: يا حبيبي لو عاودته في أمرى ~~وأكب على يدي يقبلها. فقلت له: قد أمرنى أن لا أعاوده، فتشفع إلي الغلمان ~~بأسرهم أن أعاوده. فقمت وقصدت الحجرة التي فيها الرشيد فحين أحس بوطء قدمي ~~في الدهليز قال: مسرور؟ قلت لبيك يا أمير المؤمنين. قال: [27 ب] جئت برأس ~~جعفر قلت: لا ولكنى جئت لأستأذنك مرة أخرى، فصاح بأعلى صوته: لا تريني وجهك ~~وعد من حيث جئت وائتني برأسه، وأنا نفى من المهدي إن لم تجئنى برأسه نفذت ~~في ساعتي هذه من يجيئني برأسك، فعدت إلى جعفر وأخبرته الخبر فتشاهد وقال: # أمهلنى أصلى ركعتين فإذا سجدت السجود الأخير فشأنك وما تريده. فقلت: ذاك ~~لك. فقام وصلى فلما بلغ إلى السجود الأخير كان يبكى والجماعة يبكون لبكائه ~~فضربت عنقه ضربة أبنت بها رأسه عن بدنه وأخذت رأسه ووضعته في طشت ذهب ~~ووضعته بين يدي الرشيد، فحين رآه قال: ms036 قربه منى فقربته منه فكان يقول له: ~~يا جعفر أما فعلت بك كذا، أما صنعت كذا، وأنت قابلتنى بكذا، وأنا واقف وهو ~~هكذا يعاتب الرأس لم تنم عينه إلى الفجر. وكان الرشيد عند حصول جعفر في ~~الدار نفذ السندي بن شاهك، وهو أحد القواد الكبار، إلى دار يحيى بن خالد ~~وإلى دار الفضل فقبض عليهما وأوقع النهب والغارة في دورهما. وكان السندي بن ~~شاهك عدوا للبرامكة. # PageV01P083 # ولما أصبح الصباح أمر الرشيد السندي بن شاهك أن يصلب رأس جعفر على أحد ~~جسور بغداد وأن يقطع بدنه قطعتين ويصلب على الجسرين الآخرين ففعل ذلك. # وكان السندي في ليلة السبت قد دخل على جعفر مودعا وأراد أن يستل ما في ~~نفسه من بغضه فقال له جعفر: إلى الآن ما جازيتك بفعلك وإن أمهل [28 أ] الله ~~في الأجل أقمت فيك وفي أمثالك السياسة. فقال له السندي: يا مولانا وأي ذنب ~~لي وأي سياسة تقام علي؟ فقال له جعفر: سياسة مثلك أن تقطع ثلاث قطع وتصلب ~~على ثلاثة جسور. فخرج من عنده وهو ميت في جلده. # وفي بكرة يوم السبت قطع السندي بدن جعفر قطعتين وصلبه على ثلاثة جسور مع ~~رأسه وانقلب ما كان ذكره جعفر للسندى عليه. # وحكى السندي قال: بقي بدن جعفر ورأسه مصلوبا إلى وقت العصر ثم أمر الرشيد ~~بإحراقه فأحرق . قال: فدخلت في ذلك اليوم إلى الديوان لبعض مهامى ~~فرأيت روزنامجا في يد بعض الكتاب فتأملته وإذا فيه: «في يوم الجمعة شرف ~~[جعفر بن] يحيى بن خالد بخلعة قيمتها أربع مائة ألف دينار» وتحته مكتوب، في ~~تلك الورقة: # «وفي عشية يوم السبت أطلق لثمن بواري ونفط أحرق بها جعفر أربعة دراهم» ~~فتعجبت من ذلك وسألت الله تعالى العافية وحسن العاقبة . # ثم إن الرشيد أمر بإحضار أولاد جعفر من الحجاز وأهلكهم وأهلك أمهم وقيل: ~~إنه أحرقهم وقال: النار ولا العار . # وأما ما كان من أمر الفضل فإنه قتل في الحبس وأما يحيى فبقي مدة في ~~الحبس وطمع في الحياة بعد أولاده ms037 فكتب إلى الرشيد القصيدة المعروفة ~~التي منها: # قل للخليفة ذي الصنائع والعطايا الفاشية %~% وابن الخلائف من قريش ~~والملوك الهادية [28 ب] # إن البرامكة الذين رموا لديك بداهية # PageV01P084 # عمتهم لك سخطة لم تبق منهم باقيه %~% بعد الإمارة والوزارة والأمور ~~العالية # وهي طويلة يقول في آخرها: # يا عطفة الملك الرضى عودي علينا ثانيه # فكتب الرشيد في جوابه : # يا آل برمك إنما كنتم ملوكا عاتيه %~% فطغيتم وكفرتم وجحدتم نعمائيه # هذا الجزاء لمن عصى معبوده وعصانيه # ثم كتب تحت الأبيات: «ضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة %~% 16: 112 ~~الآية» إلى آخرها. فلما قرأ يحيى الأبيات أيس من نفسه، وسموه بعد ذلك ~~بأيام. # ولما أحس بالسم أدخل يده في دواة كانت عنده ورفع المداد على إصبعه وكتب ~~على الحائط: «قد تقدم المدعى والمدعى عليه على الأثر والحاكم لا يحتاج إلى ~~بينة» . # وانقضت دولة البرامكة وزال ملكهم، فسبحان من لا يزول ملكه، وفيهم يقول ~~القائل . # يا بنى برمك واها لكم %~% ولأيامكم المقتبله # كانت الدنيا عروسا بكم %~% وهي الآن ثكول أرمله # وللرشيد حين قتل جعفر: # لو أن جعفر هاب أسباب الردى %~% لنجا بمهجته طمر ملجم # ولكان من حذر المنية حيث لا %~% يسمو لموضعه العقاب القشعم [29 أ] # لكنه لما أتاه يومه %~% لم يدفع الحدثان عنه منجم # وقيل فيهم لما تقلد بعدهم الفضل بن الربيع وزارة الرشيد: # كل وزير أغير مرتبة %~% من بعد يحيى مشف على غرر # صالت عليه من الزمان يد %~% كان بها صائلا على البشر # PageV01P085 # وقال آخر : # ما رعى الدهر آل برمك لما %~% [أن] رماهم بكل أمر فضيع # إن دهرا لم يرع حقا ليحيى %~% غير راع حقا لآل الربيع # ثم إن أمور الرشيد بعد البرامكة اضطربت وندم على ما فرط منه في أمرهم حيث ~~لم تنفعه الندامة وقوى أمر بنى رافع الخوارج بخراسان واختلت أمور الحضرة ~~وخلت بيوت الأموال. ثم إن الرشيد عول على قصد خراسان بنفسه، ولما صمم عزمه ~~على ذلك رأى في المنام كأن يدا سوداء قد خرجت من تحت سريره وفيها كف ~~تراب ms038 أحمر وكأن صاحب تلك الكف يقول له: يا هارون هذه التربة التي تدفن بها ~~وهي بطوس. فارتاع من ذلك وأراد إبطال العزيمة وما تهيأ له ذلك لأنه ما كان ~~يتم صلاح خراسان إلا بقصده لها بنفسه. فخرج على كره منه، فلما صار إلى ~~حلوان مرض ووصف له الطبيب الجمار وكان على باب حلوان نخلتان متقاربتان فأمر ~~بقطعهما وأكل جمارهما. فدخلت إليه في ذلك اليوم جارية مغنية كان استصحبها ~~معه فأمرها بالغناء فابتدرت تغني [29 ب] : # أسعدانى يا نخلتى حلوان %~% وابكيا لي من صرف هذا الزمان # واعلما ما بقيتما أن نحسا %~% سوف يأتيكما فتفترقان # [1] فقال الرشيد: إنا لله وإنا إليه راجعون، 2: 156 أنا والله كنت النحس ~~وتطير من ذلك وما زال يردد البيتين إلى أن وصل إلى خراسان. وحين وصل إليها ~~اشتدت علته في سنة ثلاث وتسعين ومائة. وانهزم بنو رافع من بين يديه وما ~~أمكنه أن يتبعهم بنفسه لاشتداد مرضه فنفذ العساكر وراءهم فهزموهم وجاءوا ~~بهم أسرى فأمر بالاحتفاظ بهم. # ولما كان في بعض الأيام والرشيد بطوس نصب له سرير على بستان في الدار ~~التي نزل بها فقال لبعض الخدم: أرنى تربة هذا المكان، فمد يده وقبض على ~~حفنة من التراب وأخرجها من تحت السرير ليراها الرشيد فحين فتح أصابعه قال ~~الرشيد: PageV01P086 # إنا لله وإنا إليه راجعون 2: 156 فنيت والله الأيام وانقضت المدة، هذه ~~والله تلك اليد التي رأيتها في منامي. وآيس من نفسه. ثم أمر فأخرجت المضارب ~~إلى الصحراء وعسكر بباب طوس وبقي أياما. وكان يحب من الثياب الخز وكان قد ~~وصله في تلك الأيام من العراق ألف ثوب خز كلها أسود كان أمر باستعمالها، ~~بعضها لأجل الكسوة وبعضها لأجل المضارب وبعضها لأجل الفرش وأمر بتفصيلها ~~وخياطتها واتخذ منها سرادقا وخيمة كبيرة . وكان حين اشتد به الأمر ~~خاف أن يموت ويتخلص بنو رافع من [30 أ] الحبس ويخرجون على أولاده. فأمر ~~يوما بإحضارهم فدخلوا عليه يحجلون في قيودهم وهو في خيمة كبيرة من الخز ~~الأسود وتحته مطرح خز أسود ms039 وهو متكئ على مخاد خز أسود وفرش السرادق والخيمة ~~كله من الخز الأسود وعلى بدنه عدة جباب بعضها فوق بعض كلها من الخز الأسود ~~وعلى رأسه عمامة خز أسود، فأخذ يذكرهم بأفعالهم ويوافقهم على ما صدر منهم ~~من إخراب خراسان واقتطاع الأموال وظلم الرعية وهو يحدثهم وهو في النزع ثم ~~أمر بالأكبر منهم وكان رئيسهم ومقدمهم فسلخ جلده وحين انتهى السلخ إلى سرته ~~مات فخرجت روحه وروح الرشيد في وقت واحد وذلك في يوم السبت ثانى ~~جمادى الآخرة سنة ثلاث وتسعين ومائة. وكان للرشيد في ذلك اليوم خمس وأربعون ~~سنة وشهور. وكان قد أمر بجميع ما معه من المضارب والأسلحة والجواهر وسائر ~~ما كان في الخزائن للمأمون وكان في صحبته ، وقال: إن لي ببغداد مثل ~~ما معى ها هنا وأكثر فيكون ذلك للأمين. إلا أن الفضل ابن الربيع غلب ~~المأمون على ذلك وأخذ الجميع وعاد به إلى بغداد. وكان ذلك أول استشعار ~~الفضل بن الربيع من المأمون لتقبيحه عليه وأسرها المأمون في نفسه. # وحين واروه ودفنوه، صعد المأمون منبر طوس وحمد الله وأثنى عليه وذكر ~~المصطفى- صلوات الله عليه وسلامه- وأصحابه الأكرمين بعده [30 ب] ثم ترحم ~~على الرشيد ودعا لأمير المؤمنين محمد الأمين وأخذ البيعة لأخيه بالخلافة ~~وله بولاية العهد بعده وقام إنسان فأنشده: # PageV01P087 # لقد أصبحت تختال في كل بلدة %~% بقبر أمير المؤمنين المقابر # ولو لم تسكن باسمه بعد موته %~% لما برحت تبكى عليه المنابر # وانصرف الفضل بن الربيع بتلك المضارب السود وبسائر ما كان مع الرشيد إلى ~~العراق وسلمه إلى محمد الأمين وحين انصرفوا بمضاربه إلى بغداد رئي على عمود ~~من أعماد الخيم مكتوب: # منازل العسكر معمورة %~% والمنزل الأعظم مهجور # خليفة الله بدار البلى %~% يسفى على أجدائه المور # أقبلت العير تباهي به %~% وانصرفت تندبه العير # PageV01P088 ### || أمير المؤمنين الأمين # هو أبو عبد الله، محمد بن هارون وأمه زبيدة، واسمها أمة العزيز وإنما ~~زبيدة لقب وقع عليها وهو أن جدها المنصور كان يحبها وكانت بيضاء سمينة فكان ~~يقبلها ويرقصها ويقول لها: أنت ms040 زبيدة، فعرفت بذلك. وكنيتها أم جعفر، ولم ~~يتول الخلافة هاشمي الأبوين إلا علي بن أبى طالب، أمير المؤمنين- صلوات ~~الله عليه وسلامه- ومحمد الأمين. فإن أم أمير المؤمنين علي بن أبى طالب- ~~كرم الله وجهه- فاطمة بنت أسد بن هاشم . وأم محمد الأمين، زبيدة بنت ~~جعفر بن المنصور. # ووصلت الخلافة إلى محمد الأمين قبل وصول الفضل بن [31 أ] الربيع مع رجاء ~~الخادم كان نفذه الفضل من الطريق فوصل ليلة الخميس النصف من جمادى ~~الآخرة فكتم الأمين هذا الخبر يوم الخميس وتحول ليلة الجمعة من قصر الخلد ~~إلى مدينة المنصور وأظهر وفاة الرشيد يوم الجمعة وخطب بالناس وصلى بهم ~~الجمعة. ولما خطب حمد الله وأثنى عليه ونعى الرشيد وعزى نفسه وعزى الناس ~~عنه ثم أخذ البيعة له بالخلافة ثم نزل من المنبر وما عاد رقاه بل ~~اشتغل بلذاته وأخذ ينهمك في الشرب وأساء التدبير في جميع الأمور حتى نفذ ~~إلى المأمون يسومه النزول عن الرى وعن بعض كور خراسان التي كان أبوه في ~~حياته ولاه إياها. ثم نكث العهد الذي عاهد أخاه عليه فجعله من العهد وبايع ~~بالعهد لولده موسى وكان طفلا . ثم نفذ إلى المأمون يأمره بالقدوم ~~عليه فما امتثل أمره فنفذ إلى محاربته علي بن عيسى بن ماهان في أربعين ألف ~~مقاتل. وكانت زبيدة تحب المأمون لنجابته وعقله وبره بأهله فنفذت إلى علي ~~ابن عيسى بن ماهان قيدا من ذهب وقالت : إن ابني محمدا الأمين أمرك أن ~~تجيئه بعبد الله المأمون مقيدا وأنا أعزه وهو عندي بمنزلة محمد فإذا قبضت ~~عليه فلا تقيده بقيد من حديد بل بهذا. قال: السمع والطاعة. ثم خرج من بغداد ~~يطلب خراسان وحين سمع المأمون بذلك ندب لمحاربته طاهر بن الحسين ~~فلقيه بالري فكسر طاهر علي ابن عيسى واستباح عسكره وقتله. وكتب إلى المأمون ~~على البريد رقعة [31 ب] # PageV01P089 # لطيفة فيها: «كتبت هذه الرقعة ورأس علي بن عيسى بين يدى وخاتمه في إصبعي ~~وأنا منه لخبر لا معتد بأثر» فحين وصلت الرقعة إلى المأمون وقرأها ~~استحسن بلاغته ms041 واختصاره وقال لمن كان حاضرا عنده: سيجيء كتاب الفتح في ~~طوامير ولا يكون فيه هذه البلاغة. وكان كما قال. # وحين نفذ الرأس إلى المأمون [كتب] يستأذنه فيما يعتمده بعد ذلك [ف] أمره ~~المأمون أن يتوجه إلى بغداد ويأتيه بأخيه محمد الأمين مقيدا كما أمر الأمين ~~علي بن عيسى أن يعتمده في حقه. وحينئذ صعد المأمون المنبر وكان بمرو وخلع ~~أخاه وذكر نكثه وغدره وفسقه وفجوره ودعا إلى نفسه فبايعه الناس. وكتب إلى ~~طاهر بن الحسين عهدا بولاية خراسان وسائر بلاد المشرق وعقد له لواء ذا ~~شعبتين ولقبه ذا اليمينين . # وفيه يقول الشاعر: # يا ذا اليمينين وعين واحدة %~% نقصان عين ويمين زائدة # وحين وصل الخبر بهزيمة [علي بن] عيسى وأسره وقتله إلى محمد الأمين وتوجه ~~طاهر بن الحسين إلى بغداد كان على شاطئ دجلة يصطاد سمكا مع جماعة من الخدم ~~وكان فيهم خادم يسمى «كوثرا» كان يعشقه. فقال: دعوني من صداع العسكر ومن ~~هزم منهم ومن قتل، كوثر اصطاد ثلاث سمكات وما اصطدت إلا سمكتين . # وفي هذا الخادم يقول الأمين: # ما يريد الناس من صب بمن يهوى كئيب [32 أ] %~% أظلم الناس الذي يلحى محبا ~~في حبيب # كوثر ديني ودنياي وسقمي وطبيبي # ولما كان بعد أيام قلائل جاء طاهر بن الحسين وحاصر الأمين ببغداد، ودرست ~~محاسن بغداد في ذلك الحصار واستولى طاهر على جميع محال بغداد ولم يبق شيء ~~سوى الخلد الذي كان الأمين ينزل فيه وهو مع ذلك لا يفيق من الشراب لحظة. # حكى أن كوثرا خرج يوما يبصر الحرب فوقع فيه سهم فجاء إلى الأمين ~~والدم # PageV01P090 # يسيل على وجهه فقام إليه يقبل موضع الجرح ويمسحه بكمه ويقول: # ضربوا قرة عينى %~% ومن أجلى ضربوه # أخذ الله لقلبي %~% من أناس أوجعوه # ثم قال للمغنين غنوا بها، ثم أراد أن يتمها أربعة فاعتاصت القافية عليه ~~فاستدعى الفضل بن الربيع وقال له: من على بابنا من الشعراء؟ فقال: والله ما ~~أعلم أن أحدا بقي عندنا منهم إلا عبد الله بن أيوب التيمي وهو ms042 على باب ~~القصر. قال: فقل له يجيز هذين البيتين. فخرج إليه الفضل وأمره أن يجيز ~~البيتين فأجازهما ببيتين آخرين وقال: # من رأى الناس له الفضل عليهم حسدوه %~% مثل ما قد حسد القائم بالملك أخوه ~~ # فاستحسنها ثم قال: والله هذا خير مما أردت. ثم قال: سلوه هل جئت على ~~الظهر أو في الماء؟ فقال: لا بل على الظهر. قال: وكم كان معك حمل؟ قال: [32 ~~ب] ثلاثة. قال: أوقروها له دراهم ففعل ذلك. قال التيمي: واتفق أنى بعد قتل ~~الأمين قصدت المأمون بخراسان فلما دخلت عليه ووقعت عينه في عيني قال: هيه ~~يا تيمى: # مثل ما حسد القائم بالملك أخوه # قلت له: اسمع يا أمير المؤمنين تمامها وارتجلت في الحال: # نصر المأمون عبد الله لما ظلموه %~% نقضوا العهد الذي كانوا قديما أكدوه # لم يعامله أخوه بالذي أوصى أبوه # قال: فاستحسن بديهتى ووصلني . # ثم إن الأمين حين ضاق به الأمر أرسل إلى طاهر بن الحسين يطلب منه الأمان ~~ويسأله أن يؤمنه ليمضي إلى أخيه المأمون فينزل على حكم أخيه ، فكان ~~جوابه بل تنزل وفي حلقك ساجور أو تنزل على حكمي. فلما سمع الأمين جوابه ~~قال: لا والله # PageV01P091 # لا أنزل على حكم عبد السوء العاض بظر أمه وما أبالى وقعت على الموت أو ~~وقع الموت علي وخرج من وقته إلى منظرة كانت له على دجلة وقال: ادعوا ~~لي عمى إبراهيم ابن المهدي فدعوه له فقال له: يا عم قد عولت في بكرة غد أن ~~أخرج وأسلم نفسي إلى هرثمة، وكان من جملة قواد المأمون الواصلين في صحبة ~~طاهر، وإنما يحملني على تسليم نفسي إليه لأني آمن على روحي إذا كنت عنده ~~فهو يحملني إلى أخى فيرى رأيه في أمرى ولست آمن على روحي إذا حصلت عند ~~الأعور. فقال له [33 أ] عمه إبراهيم: فراسل هرثمة وأعلمه بأنك تخرج إليه ~~ليكون مستعدا لخروجك. فنفذ إلى هرثمة يعلمه بذلك فأظهر له السرور بانضمامه ~~إليه وأمنه على نفسه وقال: أنا أقف في حراقتى على باب القصر ms043 مما يلي دجلة، ~~فاخرج وانزل معى لأحملك معى إلى خيمتي. # ثم قال الأمين : بالله يا عم ما ترى هذه الليلة وصفاء الجو فيها ~~وحسن القمر على دجلة فلو وافقتني فشربنا ونمنا وإلى غد ألف فرج. فقال له ~~إبراهيم: الرأى لك. # فأمر بإحضار الشراب وتناول رطلا ثم قال لإبراهيم: يا عم غننى لأشرب على ~~غنائك فقال إبراهيم: ليس عودي معى. فقال: أحضر جارية تضرب عليك؟ فقال ~~إبراهيم: # نعم. قال: فأحضر جارية اسمها ضعف فجاءت تحمل عودا فحين رأيتها تطيرت من ~~اسمها للحال التي كنا عليها ثم أمرها فضربت وغنيت ثم أمرها بالغناء فاندفعت ~~تغني: # هم قتلوه كي يكونوا مكانه %~% كما غدرت يوما بكسرى مرازبه # فإن لا يكونوا قاتليه فإنه %~% سواء علينا ممسكاه وضاربه # فاغتاض الأمين وتطير وقال لها: غنى غير هذا، فاندفعت تغني: # أبكى فراقهم عيني فارقها %~% إن التفرق للأحباب بكاء # ما زال يعدو عليهم ريب دهرهم %~% حتى تفانوا وريب الدهر عداء # فقال لها الأمين: يا مشئومة كيف وقعت إلى هذا؟ غننى غيره فاندفعت تغني: # أما ورب السكون والحرك %~% إن المنايا سريعة الدرك # ما اختلف الليل والنهار ولا %~% دارت نجوم السماء في فلك [33 ب] # PageV01P092 # إلا بنقل النعيم من ملك %~% عات بسلطانه إلى ملك # وملك ذي العرش دائم أبدا %~% ليس بفان ولا بمشترك # فضجر منها وكان بين يديه قدح بلور اسمه زب رباح وكان يحبه ويحب ~~الجارية حبا شديدا فضربها به فانكسر وأدمى ساقها وتنغص عليه عيشه وما كان ~~فيه وقال: يا عم هذا والله آخر مدتي ومنتهى أيامى. قال إبراهيم: فقلت: ~~الله، الله، بل الله يكفيك كل محذور، وإذا بصوت من ذلك الجانب من دجلة ~~يخاطب آخر ويقول له: «قضى الأمر الذي فيه تستفتيان» فقال: يا عم أسمعت؟ ~~قلت: لا يا سيدي ما سمعت شيئا. # ولما كان في عشية اليوم الثاني دخل خادم إليه وقال له: الأمير هرثمة قد ~~جاء في الحراقة ووقف بإزاء القصر فقام وحوله جواريه وخدمه وأولاده يبكون ~~وهو يبكى حتى خرج من باب القصر فعطش واستسقى ms044 ماء فلم يكن هناك ما يسقى فيه ~~الماء فجاءوا بكوز مكسور الرأس فشرب منه ونزل إلى حراقة هرثمة وسلم نفسه ~~إليه. وكان خبره وخبر تنفيذه إلى هرثمة قد نم إلى طاهر فأنفذ عدة حراقات ~~مشحونة بالرجال وأوقفهم في طريقه ليأخذوه من هرثمة فحين بعدت حراقة هرثمة ~~عن باب القصر قليلا عارضهم أصحاب طاهر وتمسكوا بالحراقة ليأخذوا الأمين ~~وتجاذبوا وتناوشوا فغرقت حراقة هرثمة. # فحكى أحمد بن سلام، صاحب المظالم ببغداد، قال: كنت مع محمد الأمين ~~في الحراقة فلما غرقنا وكان قد جننا الليل، سبحت وصعدت [34 أ] بعد الجهد ~~الجهيد وكان الزمان باردا فلما صرت على الساحل وإذا برجل خراسانى من أصحاب ~~طاهر قد وضع حبلا في عنقي وهو يجرنى وأنا حافى وهو يركض بالفرس فأجهدنى ~~وعناني. # فقلت له: أيها الإنسان مالك في قتلى من حاجة وأنا رجل من أبناء النعم وما ~~تعودت المشي على هذه الصفة التي تعاملني بها فأردفنى خلفك واحملني إلى حيث ~~تشاء فإذا كان من الغد افتديت نفسي منك بعشرة آلاف دينار. فلما سمع ذلك منى ~~أردفنى وراءه وحملني إلى دار لا أعرفها وأقعدنى في بيت منها وأغلق الباب ~~علي ومضى وبقيت أرتعد # PageV01P093 # من البرد فبينا أنا على تلك الحالة إذ سمعت جلبة وإذا بقوم يدخلون الدار ~~فطالعت من خصاص الباب وإذا بقوم معهم شموع ومشاعل وبأيديهم الأسلحة ومحمد ~~الأمين بينهم عريان كان قد خرج من الماء وأسروه كما أسرونى إلا أنهم لا ~~يعرفونه فجاءوا به إلى البيت الذي كنت فيه وفتحوا الباب وأدخلوه إلي وأنا ~~قد رأيته وهو لا يراني لظلمة البيت الذي كنت فيه ثم أغلقوا الباب ومضوا ~~فسمع في البيت حسا فكأنه أنس بذلك وقال: من تكون؟ قلت: عبدك، قال: أي ~~العبيد أنت؟ قلت: أحمد بن سلام. قال: تقدم إلي فإني أجد وحشة فتقدمت إليه ~~ثم قال لي: قد بقي علي الوتر وأنا أصليه الآن. فقام ليصلي فإذا بالجماعة قد ~~عادوا وهم يقولون بالفارسية «پسر زبيدة، پسر زبيدة» فلما سمع آيس من ~~نفسه ثم ms045 جاءوا إلى البيت الذي كنا فيه وفتحوه فلو أنه ثبت [34 ب] في مكانه ~~لما عرفوا أينا الأمين إلا أنه لما رآهم أخذ مخدة كانت في البيت يتترس بها ~~ويقول: # يا قوم إني ابن عم رسول الله وابن الرشيد وأخو المأمون. فقال أحدهم: لك ~~نطلب وضربه على المخدة فسقط على وجهه فأكب عليه وذبحه من قفاه وأخذ رأسه ~~وخرج وتركونى ما طعمت غمضا من هول ما رأيت. فلما كان وقت الصبح جاء ~~الخراساني الذي أسرنى وقال لي: أين أسيرى؟ قلت: أنا هو، قال: تكذب. أنت ~~هربته وقعدت مكانه. قلت له: يا هذا ألست كنت وعدتك بعشرة آلاف دينار؟ فأنا ~~أسلمها إليك اليوم وهبنى كنت هو أو غيره. فلما سمع ذلك منى قال لي: يا هذا ~~أسيرى البارحة كان شابا وأراك شيخا فمددت عيني نحو لحيتي وتأملتها وإذا قد ~~وخطني الشيب من هول ما رأيت تلك الليلة وعرف الرجل صدق قولي فقال لي: قم ~~امض لحال سبيلك وقد جعلتك في أوسع الحل من المال والله لا كنت سببا لأن ~~أجمع عليك بين الفقر والشيب . # ثم إن طاهر أخذ رأس الأمين ونفذه إلى مرو إلى المأمون فأدخلوه إليه على ~~ترس وعنده ذو الرئاستين الفضل بن سهل وزيره. فقال المأمون: إنا لله، ~~أمرناهم أن يأتوا به أسيرا فأتوا به عقيرا . فقال له الفضل: يا أمير ~~المؤمنين إنه قد كان ما كان فاحتل لنا في العذر وحينئذ تمثل المأمون بهذين ~~البيتين: # PageV01P094 # شفيت النفس من حمل ابن بدر %~% وسيفي من حذيفة قد شفاني [35 أ] # فإن أك قد بردت بهم غليلى %~% فلم أقطع بهم إلا بنانى # ثم بكى، فقال له الفضل: ما يبكيك يا أمير المؤمنين؟ قال: تذكرت لمحمد مع ~~عقوقه قليل بره، أمر لي الرشيد يوما بمائة ألف دينار وأمر له بمائتي ألف ~~ولم يعلم بذلك فبادرت فبشرته بها فقال: يا أخى لعل في نفسك شيئا من تفضيلي ~~عليك قد جعلتها بأسرها لك جزاء بشارتك لي فصرف الثلاث مائة ألف إلي. فقال ~~له الفضل: ms046 يا أمير المؤمنين كيف تحمد على بذل مال من سمح بسفك الدماء ونقض ~~العهد والميثاق وآثر الغدر على الوفاء؟ فقال المأمون: ذلك هو الذي يسلينى ~~عنه. # وكان مولد الأمين بالرصافة سنة إحدى وسبعين ومائة. وقتل ليلة الأحد لخمس ~~بقين من المحرم سنة ثمان وتسعين ومائة. وعمره ثمان وعشرون سنة، وكان جميلا ~~لم يكن في زمانه أصبح وجها منه، وكان أقنى أنزع طويل القامة والعنق، أبيض ~~الوجه أسود العينين أسود الشعر بعيد ما بين الكتفين متواضعا في كلامه ~~وجلوسه، سخيا بكل ما يملك. وفيه يقول علي بن الجهم في قصيدته المزدوجة التي ~~ذكر فيها الخلفاء بأسرهم : # وبايعوا محمد الأمينا %~% فنكثوا البيعة أجمعينا # وأمنوه ثم قتلوه %~% ما هكذا عاهدهم أبوه # ثم انقضت أيام الأمين. وحكى شيخ كان يتردد إلى يحيى بن خالد وهو في ~~الحبس. قال: قال لي يوما يحيى بن خالد: قتل هارون أولادي والله [35 ب] ~~ليقتلن ولده. واستباح حريمي والله ليستباحن حريمه. وكنت أستبعد هذا وأقول ~~من يقتل ولده ويستبيح حريمه إلى أن جاء طاهر ونهب دار هارون وقتل ولده ~~محمدا وأخرج جواريه وحرمه حافيات حاسرات، فصح عندي ما قاله يحيى وصدقت قول ~~القائل : # من ير يوما يربه %~% والدهر لا يغتر به # [قضاة الأمين: إسماعيل بن حماد [بن] أبى حنيفة [و] أبو البختري] [1] ~~ . PageV01P095 ### || أمير المؤمنين المأمون # هو أبو العباس، عبد الله بن هارون الرشيد. وأبو العباس كنيته كناه بها ~~أبوه فأما هو فإنه تكنى بعد موت أبيه بأبي جعفر وهي كنية الرشيد وكنية ~~المنصور. # وأمه أم ولد كانت طباخة واسمها «مراجل» وأصلها من باذغيس، وكان أكبر من ~~الأمين وكانت زبيدة بقيت مع الرشيد مدة لم تحبل فشكا ذلك إلى بعض خواصه ~~فقال: # يا أمير المؤمنين نبه رحمها بإحبال بعض جواريك. فدخل يوما إلى المطبخ ~~فرأى مراجل المقدم ذكرها فجذبها وجامعها ونفذ إلى زبيدة من يعلمها بذلك. ~~ونفذ إليها بعد أيام من يخبرها بأن مراجل حبلت. فلما كان بعد أيام قلائل ~~حبلت زبيدة بالأمين . # وتقلد المأمون الخلافة وسنه سبع وعشرون ms047 سنة، وكان مولده ببغداد في الليلة ~~التي استخلف فيها الرشيد وهي ليلة النصف من ربيع الأول سنة سبعين ومائة. ~~ولم تلبث أمه بعد ولادته إلا قليلا وماتت وهو طفل فصيره الرشيد في حجر ~~الجوهري [36 أ] مولاهم فأرضعته زوجة سعيد، ثم كبر فأدبه أبو محمد ~~اليزيدي وجمع له الرشيد الفقهاء والمحدثين من الآفاق فبرع وفاق في ~~سائر العلوم على سائر أبناء جنسه وعصره وكان يسمى نجيب بنى العباس، وكان ~~الرشيد معجبا به شديد الحب له. وكان إذا رآه يصطنع الناس بأقواله وأفعاله ~~ورأى محمد بن زبيدة يشتغل بجمع المال وبنى الدور والقرى يتمثل بهذا البيت: # يبنى الرجال وغيره يبنى القرى %~% شتان بين قرى وبين رجال # وكانت زبيدة تعاتبه دائما وتقول: أنت تحب عبد الله أكثر من ابني. فقال ~~لها يوما وقد ذكرت له ذلك: تريدين أن أعرفك الفرق بين محمد وبين عبد الله؟ # قالت: الأمر لك. فدعا خادمين وقال لأحدهما: امض إلى محمد واجلس ~~عنده وانبسط في الحديث ثم قل له في أثناء كلامك: يا سيدي إذا أفضت الخلافة ~~إليك ماذا تصنع معى؟ وقال للآخر: امض إلى عبد الله واجلس عنده وتحدث معه ~~وقل له في أثناء حديثك مثل هذا وأعد علي ما يكون في جوابه فمضيا ولبثا ساعة ~~وعاد # PageV01P096 # الخادم الذي نفذه إلى محمد فقال له الرشيد: هات ما عندك، قال: يا أمير ~~المؤمنين دخلت على محمد وعنده جماعة من المطربين والمساخر والصفاعنة ~~والمخانيث وهو يشرب وهم يتصافعون ويتشاتمون وهو يضحك فجلست وتحدثت كما ~~أمرتنى ثم قلت له في أثناء كلامي: يا سيدي إن أفضت الخلافة إليك ما تصنع ~~بى؟ فقال لي: [36 ب] أعطيك كذا [و] كذا ألف دينار وأقطعك الضيعة الفلانية ~~وأفعل معك وأصنع. # وبيناهم في الحديث جاء الخادم الآخر، فقال له الرشيد: هات ما عندك قال: # يا أمير المؤمنين دخلت على عبد الله فرأيت مجلسه مغتصا بالفقهاء والشعراء ~~والقراء وأصحاب الحديث وهو يفاوضهم فصبرت حتى تقوض المجلس ودنوت منه ودعوت ~~له وقلت: يا سيدي أرى والله ms048 مخايل النجابة عليك وإني لأشم من أعطافك روائح ~~الخلافة فإن أفضت إليك فماذا تصنع معى؟ فلما سمع هذا الكلام منى استشاط ~~غضبا وأخذ دواة كانت بين يديه فرماني بها وقال: بل يطيل الله بقاء أمير ~~المؤمنين ويديم دولته ويمد في عمره ويجعلنا فداه. ويلك قد جئت تبشرني بموت ~~أبى وتطلب منى عند ذلك مراعاتى لك وإحساني إليك؟ لا أرانا الله يومه وقدمنا ~~قبله . فلما سمع الرشيد جوابهما وزبيدة أيضا تسمع قال لها: أتلومينني ~~على الميل إلى عبد الله أكثر من محمد؟ والله ثم والله لولا مراقبتى لك ~~وإشفاقي على قلبك لخلعت محمدا من العهد وقدمت عبد الله عليه. # وحين سافر الرشيد إلى الشام ولاه الرقة وظهر من شهامته ما حمد أثره فيه. # وحين غزا الرشيد في سنة تسعين ومائة وهي غزاة هرقلة استصحبه معه وبان من ~~شجاعته وإقدامه وتدبيره ما أدهش الناس. # وكانت بيعته بالخلافة ببغداد بعد قتل الأمين لأنه كان قد تسمى بها وهو ~~بخراسان لما وصله الخبر بقتل علي بن عيسى بن ماهان [37 أ] . # ولما قتل الأمين وبويع المأمون ببغداد بالخلافة نفذ طاهر بن الحسين إليه ~~مع # PageV01P097 # رأس الأمين ولديه عبد الله وموسى والبردة والقضيب والخاتم. وحين رأى ~~المأمون ولدى الأمين ضمهما وقبلهما وأكرم مثواهما وأحضر الفقهاء والقضاة ~~وزوجهما ابنتيه. # وفي هذه السنة نفذ المأمون من خراسان جابر بن الضحاك وفرناس الخادم إلى ~~المدينة لإحضار علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي ~~بن أبى طالب- رضوان الله عليهم أجمعين- فوصل إليه وهو بمرو فنهض له وأجلسه ~~معه على السرير وولاه العهد من بعده وضرب الدراهم والدنانير باسمه وكتب إلى ~~الآفاق ببيعته وخلع السواد ولبس الخضرة الأسمانجونية، وزوجه المأمون ابنته ~~أم حبيب. وتزوج المأمون بوران بنت الحسن بن سهل زوجه إياها عمها الفضل بن ~~سهل وزير المأمون، كل ذلك في يوم واحد. وكان الفضل بن سهل وأخوه الحسن ~~منجمين مجوسيين، كانا يدوران القرى ومعهما زنبيل فيه الأصطرلاب وقوت ~~يقتاتان به فأفضى أمرهما إلى أن ms049 صار أحدهما وزير المأمون وهو الفضل وصار ~~أخوه الحسن أمير العراق وهما من قرية من سواد واسط يقال لها فم الصلح ~~. # وحين عقد المأمون البيعة بالعهد لعلى بن موسى الرضا قال له: يا أمير ~~المؤمنين إن هذا الأمر لا يتم فأعفنى منه فلم يعفه. ولما وصل توقيع المأمون ~~إلى بغداد بالبيعة لعلى ابن موسى الرضا شق ذلك على بنى [37 ب] العباس ~~وقالوا: إن تمت البيعة لعلى ابن موسى فهو لا يعهد إلى عباسي قط وإنما يعهد ~~إلى ولده أو إلى أحد من أهل بيته. # فاجتمع أمرهم على شق العصا على المأمون وخلعه من الخلافة فخلعوه وبايعوا ~~بالخلافة إبراهيم بن المهدي الأسود المعروف بابن شكلة ثم لإسحاق بن موسى ~~الهادي بولاية العهد بعده وذلك في المحرم سنة اثنتين ومائتين، واتصل الخبر ~~بالمأمون فندم على ما كان صدر منه. واتفق أن المأمون في يوم عيد أمر علي بن ~~موسى الرضا على باب مرو بالخروج والخطبة والصلاة بالناس، فخرج وعلى بدنه ~~قميص أبيض وعلى رأسه قطعة كرباس بيضاء وهو يمشى بين الصفوف ويقول: ~~اللهم صل علي وعلى أبوي # PageV01P098 # آدم ونوح، اللهم صل علي وعلى أبوي إبراهيم وإسماعيل، اللهم صل علي وعلى ~~أبوي محمد وعلي، فحين شاهده عسكر المأمون وهو على هذه الحال ترجلوا كلهم ~~وسجدوا له ووافقوه رجالة إلى المصلى. وفي تلك الساعة دخل بعض قواد المأمون ~~على المأمون وأخبره بصورة الحال فهاله الأمر وخاف أن تخرج الخلافة من يده ~~في حال حياته، فنفذ من رد علي بن موسى قبل أن يصل إلى المصلى وخرج هو وخطب ~~بالناس. # واتفق في عقيب ذلك وفاة علي بن موسى فنفذ المأمون إلى بغداد وطيب قلوب ~~بنى العباس وأعلمهم برجوعه عما كان عليه من بيعة علي بن موسى وأخبرهم بموته ~~وطلب من إبراهيم أن يخلع نفسه فما فعل فسار [38 أ] المأمون بنفسه إلى ~~العراق. # وحين وصل إلى سرخس قتل الفضل بن سهل وزيره بها في الحمام. ويقال: إن ~~المأمون ألب عليه والله أعلم بجلية الحال ms050 . وأراد المأمون أن يدفع عن ~~نفسه هذه التهمة لئلا ينسب إلى قلة الحفاظ وسوء العهد فقلد أخاه الحسن بن ~~سهل الوزارة بعده ودخل بنفسه على أمه فعزاها عنه وقال لها: إن ذهب أحد بنيك ~~فقد بقي الابن الآخر، وأومأ إلى نفسه. فقالت: يا أمير المؤمنين كيف لا أبكى ~~على ابن جعل لي ابنا مثلك ؟ # وكان قدوم المأمون إلى بغدا %~% د في رابع عشر صفر سنة أربع ومائتين ولباسه ~~ولباس أصحابه الخضرة. ولما رأى نفرة بنى العباس من الخضرة خلعها وعاد إلى ~~السواد فما بقيت الخضرة إلا ثمانية أيام. وحين دخل المأمون واستقر ببغداد ~~قصد دار زبيدة وعزاها عن أخيه وبكى معها بكاء شديدا ولعن طاهرا كيف أقدم ~~على قتله. ثم سألته أن يتغدى عندها ففعل وأخرجت إليه جواري محمد ابنها ~~يغنونه، فغنته إحداهن: # هم قتلوه كي يكونوا مكانه %~% كما غدرت يوما بكسرى مرازبه # فإن لا يكونوا قاتليه فإنه %~% سواء علينا ممسكاه وضاربه # فوثب المأمون مغضبا، فقالت له زبيدة: يا أمير المؤمنين حرمني الله أجره ~~إن كنت علمتها أو دسست إليها. فصدقها وتعجب من ذلك الاتفاق . # PageV01P099 # وجلس يوما جلوسا عاما فدخل عليه عمه إبراهيم [38 ب] بن المهدي ~~فقال: # السلام عليك يا أمير المؤمنين فقال له: لا سلام عليك يا إبراهيم فقال له: ~~على رسلك يا أمير المؤمنين لقد أصبح ذنبي فوق كل ذنب كما إن عفوك فوق كل ~~عفو، فقال له المأمون: إن هذين أشارا علي بقتلك، وأومأ إلى الحسن بن سهل ~~الوزير وإلى ولده العباس بن المأمون، فقال: يا أمير المؤمنين والله لقد ~~نصحاك وما غشاك ولكنك إن قتلتني كنت قد عاقبتني على ذنب قد عاقبت عليه ~~الناس قبلك وإن عفوت عنى فقد عفوت عن ذنب ما عفى عنه أحد قبلك. فقال ~~المأمون: إن من الكلام ما يفوق السحر وإن كلام عمى منه، يا عم قد عفوت عنك. ~~وأمنه على نفسه وماله . # وكان المأمون يقول: إني أحب العفو حتى أخاف أن لا أؤجر عليه، ولو علم ~~الناس حبي للعفو ms051 لتقربوا إلي بالذنوب . وصار إبراهيم بن المهدي بعد ~~ذلك من ندمائه والمتخصصين بخدمته، وكان يداعبه ويقول له: أنت الخليفة ~~الأسود فقال له إبراهيم يوما: يا أمير المؤمنين أما سمعت قول سحيم ~~عبد بنى الحسحاس الأسود: # أشعار عبد بنى الحسحاس قمن له %~% يوم الفخار مقام الأصل للورق # إن كنت عبدا فنفسي حرة كرما %~% أو أسود الخلق إني أبيض الخلق # وأنا أقول لك: «والشعر لإبراهيم» : # ليس يزرى السواد بالرجل الندب %~% ولا بالفتى الأريب الأديب # إن يكن للسواد فى نصيب %~% فبياض الأخلاق منك نصيبي [39 أ] # فاستحسن البيتين ووصله. # واختفى الفضل بن الربيع من المأمون والمأمون يتطلبه ويطرح عليه الأعين ~~وذلك لما كان في نفسه منه عند موت الرشيد ولأنه هو الذي ألب عليه بنى ~~العباس ببغداد حتى بايعوا إبراهيم وحسن لإبراهيم فعله، وفي آخر الأمر ظفروا ~~به وجاءوا به إلى المأمون فلما وقعت عليه عين المأمون قام وسجد ثم رفع رأسه ~~وقال : أتدري # PageV01P100 # لم سجدت؟ قال: نعم، قال: لماذا؟ قال الفضل: شكرا لله على أن أظفرك بعدوك. # قال: لا والله بل شكرا لله تعالى كيف رزقني حلما أعفو به عن جرم مثلك ~~ . # امض لحال سبيلك فقد عفوت عنك، ثم أمر فرد عليه ما كان قد قبض في الديوان ~~من أملاكه وخلع بعد ذلك عليه وأحسن إليه. # ثم إن المأمون أراد أن يبنى ببوران وكان قد أمهرها ألف ألف دينار، فقال ~~أبوها للمأمون: يا أمير المؤمنين تجعل مهرها أن تبنى بها في قريتنا بفم ~~الصلح فأجابه إلى ذلك. وأمر المأمون بعد ذلك لها بألف ألف دينار فأمر ~~الحسن بن سهل فنثرت على العسكر يوم وصول المأمون إلى فم الصلح. # وحكى بعض وكلاء المأمون قال: انحدر في جملة المأمون إلى فم الصلح ~~ثلاثون ألفا من الغلمان الصغار والخدم الصغار والكبار وسبعة آلاف جارية. ~~وكان من يتبعهم يزيد على مائتي ألف نفس سوى سفن العسكر أربعة آلاف شبارة ~~كبار وصغار فكنا نجري على ستة وثلاثين ألف ملاح. # وحين وصل المأمون إلى فم الصلح عرض العسكر ms052 [39 ب] الذي انحدر معه فكان ~~أربع مائة ألف فارس وثلاث مائة ألف راجل. وكان الحسن بن سهل كل يوم يذبح في ~~مطبخه ثلاثين ألف رأس من الغنم ومثليها من الدجاج وأربع مائة بقرة وأربع ~~مائة فرس وأربع مائة جمل مدة مقامهم هناك ونفد الحطب من الرحال والآجام ~~وأشجار الكروم فصاروا يعمدون إلى الخيم الكبار ويضربون النفط في أعمدتها ~~وآلاتها من الأخشاب ويوقدونها تحت القدور ، وجاف المعسكر من نتن كبود ~~الحملان والدجاج وصار من ذلك على باب القرية مثل الجبل العظيم حتى احتاج ~~الحسن بن سهل إلى أن نفذ إلى البوادي ومكارية القرى فأحضروا الجمال والبغال ~~والحمير ونقلوا ذلك من موضعه في مدة ثلاثة أشهر ورموا به إلى دجلة وأراحت ~~حافة دجلة إلى حد لم يمكن شرب الماء منها أياما عدة وكانت هذه الدعوة تسمى ~~دعوة الإسلام. وحين بنى المأمون ببوران نثروا من سطح دار الحسن بن ~~سهل على العسكر بنادق عنبر # PageV01P101 # فاسترك الناس ذلك وقالوا: في مثل هذا العرس ينثر بنادق عنبر؟! وإذا ~~بصائح يصيح من السطح: كل من وقعت بيده بندقة فليكسرها وكل ما وجد فيها فهو ~~له. # فكسر الناس البنادق و [وجدوا] في وسط كل بندقة رقعة وفي الرقعة مكتوب ألف ~~دينار وفي أخرى خمس مائة وهكذا إلى مائة، وفي بعضها فرس وفي بعضها قرية وفي ~~بعضها عشرة أثواب من الديباج أو خمسة [40 أ] وأقل أو أكثر وفي بعضها بستان ~~وفي بعضها غلام وفي بعضها جارية، فكل من وقعت بيده رقعة حملها إلى الديوان ~~وأخذ ما فيها. ولما كان ساعة الزفاف جلست بوران على حصير منسوج من الذهب، ~~ودخل المأمون عليها ومعه عماته وعدة من نساء بنى هاشم فنثر الحسن بن ~~سهل عليهما ثلاث مائة لؤلؤة وزن كل واحدة مثقال فما مد أحد يده إليه فقال ~~المأمون لعماته: # أكرمن أبا محمد بلقطة ومد يده فأخذ منه واحدة فحينئذ مدوا أيديهم ولقطوه. # وقال المأمون: قاتل الله أبا نواس كأنه كان حاضرا مجلسنا هذا حيث قال في ~~وصف ms053 الخمرة: # كأن صغرى وكبرى من فواقعها %~% حصباء در على أرض من الذهب # ثم إن الحسن بن سهل بنى للمأمون في أيام كونه بفم الصلح القصر المعروف ~~بالحسنى بالجانب الشرقي. وحين عاد المأمون من فم الصلح وبوران في ~~صحبته نزل به وهو اليوم دار الخلافة ومن ذلك اليوم انتقل الخلفاء من الجانب ~~الغربي إلى الجانب الشرقي. وامتدت أيام المأمون إلى سنة ثماني عشرة ~~ومائتين. # فلما كان في هذه السنة غزا الروم وقهرهم وأخذ حصونهم وسبى ذراريهم وعاد ~~من الغزو وأقام أياما بطرسوس وأعجبه المكان. ولما دخل رجب من هذه السنة خرج ~~يوما إلى متنزه على باب طرسوس فرأى ماء جاريا وأشجارا مشتبكة ونسيما رقيقا، ~~فقال لأصحابه: ننزل ونتغدى [40 ب] ها هنا. فقالوا: الصواب ما يراه أمير ~~المؤمنين. فنزل ونزلوا وأمر فحمل الغداء إليه إلى ذلك الموضع فحين توسط ~~الأكل قال: إن نفسي تطالبنى الآن برطب جني ويكون أزاذ، فقالوا: يا أمير ~~المؤمنين نحن في بلاد الروم من أين يكون ها هنا رطب أزاذ؟ فقال: نفسي كذا ~~تطلب وهكذا تشتهي. فبينا هم في الحديث إذا سمعوا قعقعة جلاجل البريد الواصل # PageV01P102 # من بغداد وإذا على البريد أربع كنثات من الخوص ملؤها رطب أزاذ عهده ~~ببغداد أربعة أيام ما تغير كأنه جني في تلك الساعة من النخلة. فقدمت بين ~~يديه فأكل منها. وكان ينعى نفسه في تلك الأيام ويقول: ملكت الدنيا وذلت لي ~~صعابها وبلغت آرابى منها ويذكر وصول الرطب في ذلك اليوم ويقول: أظنه آخر ~~عهدي بأكل الرطب، وكذلك كان فإنه مرض بعد أيام وعهد إلى أخيه أبى إسحاق، ~~محمد بن الرشيد . ولما كان في يوم الثلاثاء السادس عشر من رجب، اشتدت ~~علته وكان نازلا في دار خاقان المفلحي خادم الرشيد المرابط بطرسوس. فأمر أن ~~يفرش له الرماد وينقل عن الفرش التي كان نائما عليها ويوضع على الرماد ~~عريانا ففعل به ذلك، وكان يتقلب على الرماد ويقول: يا من لا يزول ملكه ~~ ارحم من زال ملكه. وتوفى من ساعته- رحمه الله- وكان عمره ثمان ms054 ~~وأربعين سنة وأربعة أشهر، وصلى عليه أخوه أبو إسحاق المعتصم [بالله] ودفن ~~في داره المعروفة بالإمارة بطرسوس المعروفة [41 أ] أيضا بخاقان المفلحي، ~~وفيه يقول الشاعر : # هل رأيت النجوم أغنت عن المأمون أو عن ملكه المأنوس %~% خلفوه بعرصتي ~~طرسوس مثلما خلفوا أباه بطوس # أما وزراء المأمون: فأولهم الفضل بن سهل، ذو الرئاستين، ثم أخوه ~~الحسن بن سهل، ثم أحمد بن أبى خالد الأحول، ثم أبو جعفر، أحمد بن يوسف ~~ ، ثم أبو عباد ثابت بن يحيى ، ثم محمد بن يزداد . # [قضاته : الواقدي، ثم محمد بن عبد الرحمن المخزومي، ثم بشر بن ~~الوليد، ثم يحيى بن أكثم. # كتابه: الفضل بن سهل، ثم أخوه الحسن، ثم أحمد بن أبى خالد الأحول ، ~~ثم أبو جعفر [أحمد] بن يوسف ، [ثم ثابت بن] يحيى، [ثم محمد بن يزداد] ~~[1] وانقضت أيام المأمون- رضى الله عنه-. PageV01P103 ### || أمير المؤمنين المعتصم بالله # هو أبو إسحاق، محمد بن هارون الرشيد، ولد بالرافقة في شعبان سنة ~~ثمان وسبعين ومائة، واسم أمه ماردة وقيل مارية من مولدات الكوفة. وهو أول ~~من أضاف اسم الخلافة إلى اسم الله عز وجل. # بويع بالخلافة يوم الخميس لاثنتي عشرة ليلة بقيت من رجب سنة ثماني عشرة ~~ومائتين، وبعد ذلك بأيام اجتمع جماعة الجند وشغبوا وتحدثوا في بيعة العباس ~~بن المأمون وأظهروا خلاف المعتصم ومضوا بأسرهم إلى مضارب العباس فخرج إليهم ~~وقال لهم: أي شيء تريدون منى؟ قالوا: نبايعك بالخلافة، قال: أنا قد بايعت ~~عمى ورضيت به وهو كبيرى وعندي بمنزلة المأمون فانصرفوا خائبين . # ورحل المعتصم [41 ب] من بلاد الروم ودخل بغداد في شهر رمضان من هذه السنة ~~وأحمد بن أبى دؤاد معه يسايره، وأقره على ما كان عليه في زمان المأمون من ~~قضاء القضاة. وجلس على السرير الذي في صدر الإيوان الكبير الذي من دار ~~الخلافة وكانت فيه صورة العنقاء وكان السرير من ذهب مرصع بأنواع الجواهر، ~~كان من جهاز بوران بنت الحسن بن سهل. ووضع على رأسه تاجا فيه الدر اليتيم، ~~وهو أول خليفة تتوج وما ms055 رأى الناس أحسن من ذلك اليوم، واستأذن إسحاق بن ~~إبراهيم الموصلي في الإنشاد فأذن له فأنشد قصيدة أولها: # يا دار غيرك البلى فمحاك ... يا ليت شعرى ما الذي أبلاك # فتطير المعتصم وجعل الناس يتغامزون ويتعجبون كيف خفي ذلك على إسحاق مع ~~فضله ونبله وما كان يومأ إليه به فإنه لم يكن في زمانه فقيه ولا شاعر ولا ~~مقرئ ولا راو للأحاديث ولا نسابة ولا نحوى ولا لغوي يدانى إسحاق في ذلك ~~الفن الذي تفرد به، وكان الغناء أقل فضائله ومع ذلك فإنه فاق فيه على كل من ~~بعده «1236» . # وكان إسحاق بن إبراهيم يقول: أنا أول من بين عهد الواثق للناس فإن ~~المعتصم بقي مدة في الخلافة لم يعهد إلى أحد من أولاده وكنت قد حلفت أننى ~~لا أغنى إلا لخليفة # PageV01P104 # أو لولى عهد، فاستدعاني يوما هارون بن المعتصم، وهو الواثق، فلما حضرت ~~عنده قال لي: أحب أن تغنينى فامتنعت فنفذ إلى المعتصم وشكاني فأحضرنى ~~المعتصم [42 أ] وقال لي: ويلك يا إسحاق بلغ من أمرك أنك تتكبر على هارون؟ ~~فقلت: يا أمير المؤمنين إني حلفت أنى لا أغنى إلا لخليفة أو لولى عهد. ~~فقال: امض وغن له فلا شيء عليك. فعلم الناس أنه قد ولاه العهد. # وفي سنة عشرين ومائتين جرى على الإمام أحمد بن حنبل - قدس الله ~~روحه ونور ضريحه- ما جرى من الإخراق والحبس. وإنما حث المعتصم على ذلك ~~وحمله على ما فعل به أحمد بن أبى دؤاد لأنه كان معتزليا وكان الإمام أحمد- ~~رضوان الله عليه- إمام السنة. وحين أحضره المعتصم بين يديه سلم وتكلم بكلام ~~أعجب الناس، ثم قال في أثناء كلامه: يا أمير المؤمنين إن لآبائى سبقا في ~~هذه الدعوة فليسعني ما وسع أصحاب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- من السكوت ~~والرضى من جميعهم بأن القرآن كلام الله. فقال له ابن أبى دؤاد: أتقول إن ~~الله خالق كل شيء أم لا؟ فقال الإمام أحمد- رضوان الله عليه-: بلى الله ~~خالق كل شيء قال له: القرآن شيء أم لا شيء؟ # قال ms056 الإمام أحمد: القرآن أمر الله وقد فرق الله تعالى بين خلقه وأمره ~~فقال- عز وجل-: # «له الخلق والأمر ... » 7: 54 فالتفت المعتصم إلى ابن أبى دؤاد وقال: ~~ذكرتم أن الرجل عامي وأراه يذكر بيتا قديما وشهد له كل من حضر بأنه من سراة ~~بنى شيبان، ثم قال: # وذكرتم لي أنه جاهل وما أراه إلا معربا فصيحا، وأكرمه وأنعم عليه. وكان ~~الإمام أحمد بن حنبل- رضوان الله عليه- إلى أن مات يثنى على المعتصم ويذكر ~~فعله به ويترحم عليه. # وقيل: لما مات الإمام أحمد [42 ب]- رضى الله عنه- صلى عليه ألف ألف ~~وستمائة ألف رجل وأسلم وراء نعشه أربعة آلاف ذمي من هول ما رأوا. # وفي سنة ثلاث وعشرين ومائتين كان المعتصم بسامراء بعد بنائه القصر ~~المعروف بالجوسق جالسا فيه فجاء كتاب على البريد من ثغر الروم يذكر ~~أن ملك الروم تطرق إلى نواحي الإسلام ومد يده إلى بعض القرى وأنه أسر منها ~~جماعة وأنه كان # PageV01P105 # في جملة الجماعة امرأة هاشمية. وأنها صاحت: «وا معتصماه» فحين قرأ الكتاب ~~نهض من ساعته وعبر إلى الجانب الغربي وأمر العسكر فخرجوا وسار ليلته ~~والعساكر تتلاحق به وكان في مقدمته إيتاخ في أربعين ألف فارس أمره أن لا ~~يركب أحد من عسكره إلا أبلق لأن ملك الروم لما سمع قول الهاشمية «وا ~~معتصماه» أمر بتقييدها وقال: نفذى إلى المعتصم حتى يركب الأبلق ويخلصك من ~~يدي. وحين وصل إلى أنقرة خربها وأحرقها، واجتاز بين أنقرة وعمورية بدير ~~وعلى سطح الدير راهب قد أتت عليه السنون، فكلمه وهو لا يعرفه فقال له: يا ~~راهب كم أتى عليك من العمر؟ قال: # رأيت المسيح بن مريم، فقال له المعتصم: هل وجدت في كتب الملاحم التي تكون ~~عندكم أن مدينة عمورية يفتحها أحد من المسلمين؟ قال: حيث كتبت الملاحم ما ~~كان أحد من المسلمين وإنما رأيت في كتب الملاحم أنه لا يفتحها إلا أولاد ~~الزنا. # فقال المعتصم: الله أكبر، عسكري كلهم الأغلب عليهم الأتراك والأتراك كلهم ~~أولاد الزنا فإنه ليس بينهم شريعة ولا [43 أ] ms057 سياسة ، ثم سار متوجها ~~إليها ونزل بها أياما قلائل وأحرقها وهدم سورها وجاء بأبوابها إلى بلاد ~~الإسلام ونصب منها مصراعين على الرقة ومصراعين على باب من أبواب دار ~~الخلافة ببغداد وهما إلى الآن موجودان . وحين دخل إليها قصد في الحال ~~البيعة الكبيرة وكسر الأصنام وصلى بالناس التراويح هناك، وكان دخوله إليها ~~في رمضان، وأخذ ملك الروم أسيرا وطلب منه الهاشمية وأمر بإحضارها على ~~الحالة التي كانت عليها فأحضرت تحجل في قيودها، فحين وقعت عينه عليها قام ~~على قدمه وقال: لبيك، لبيك يا بنت العم أجبت دعوتك في أربعين ألف أبلق. # وكان المعتصم أميا لا يحسن الخط والكتابة، وفي خلافته تعلم أن يكتب ~~العلامة على التوقيعات فكانت تلك العلامة أحسن من خط كل خليفة تقدمه. وكان ~~السبب في أنه ما كان يحسن الكتابة أنه كان في المكتب مع إخوته ومعهم جماعة ~~من الخدم الصغار فتوفى أحد الخدم الذين كانوا معهم في المكتب فقال المعتصم: ~~استراح والله # PageV01P106 # من الكتاب، فسمع الرشيد بذلك فقال: وكأن أبا إسحاق يشق عليه الكون في ~~المكتب إلى حد يفضل عليه الموت، أخرجوه من المكتب فلي أولاد عدة فإن ~~كان فيهم واحد لا يحسن الخط جاز. # وحكى محمد بن عبد الملك الزيات قال: لقد رأيت عجبا لما بايع أهل ~~بغداد لإبراهيم بن المهدي وبايعه جماعة بنى العباس بايعه أبو إسحاق المعتصم ~~في [43 ب] جملة القوم وقبل ركابه فأمر له بعشرة آلاف درهم، ثم لما عاد ~~المعتصم من بلاد الروم واستقر بدار الخلافة بايعه بنو هاشم وجماعة من أهل ~~الحل والعقد فركب يوما فجاء إبراهيم وقبل ركابه في ذلك الموضع الذي قبل هو ~~فيه ركاب إبراهيم. فقال المعتصم: # حمروها له فأعطى عشرة آلاف دينار. # وحكى محمد بن عبد الملك الزيات قال: كنت أيام حداثتي مع أبى في معصرة ~~الزيت فجرى بيني وبين أبى كلام في شيء فقال: اخرج من بيتي واطلب رزقا لنفسك ~~فأخذتني الحمية وكنت أقول الشعر فقصدت الحسن بن سهل وامتدحته فأمر لي بعشرة ~~آلاف درهم ms058 فأخذتها وصرفتها في مصالحي واشتغلت بالأدب وبرعت في صناعة ~~الكتابة وترقت بى المراتب إلى الوزارة . # وكان القاضي أحمد بن أبى دؤاد ولد حائك ترقت به المراتب إلى أن صار ~~قاضى قضاة العالم وصار يتحكم في الدول ويولى الوزراء وولاة الأمصار ~~ويعزلهم. # ولقد خرج المعتصم بالله يوما ليتنزه وكنا نسايره، أنا على يمينه وأحمد بن ~~أبى دؤاد على شماله، فتبسم المعتصم وقال: رحم الله الرشيد، [رحم الله ~~الرشيد] هكذا يكررها دفعات، فقلنا له: يا أمير المؤمنين يرحمه الله ويطيل ~~عمرك، هل تذكرت من أحواله شيئا؟ قال: إي والله، أخذنى يوما في حجره وكنت ~~صغيرا وقبلنى، وكان يحبني حبا شديدا، وضرب بيده على كتفي وقال لي: أنت يا ~~أبا إسحاق تكون أمير السفل، فلما رأيتك الآن [44 أ] على يميني وأنت ابن ~~زيات ورأيت القاضي على شمالي وهو ابن نساج ذكرت قوله فترحمت عليه . # PageV01P107 # وفي سنة سبع وعشرين ومائتين استشعر المعتصم من ابن أخيه وهو العباس ابن ~~المأمون فأمر فلف في دواج سمور وشد طرفاه فاختنق فيه . # حكى محمد بن عبد الملك الزيات بعد وفاة المعتصم قال: ما رأيت أشهم من ~~المعتصم ولا أشجع منه ولا أقوى قلبا وعهدي به يوم حريق عمورية وهو أول من ~~قفز إلى النار كأنه عقاب كاسر. وكان يمد يده إلى الأترج الأخضر في رءوس ~~الشجر وهو مجتاز مستعجل فيأخذ من كل أترجة نصفها في يده من غير أن يكسر ~~الغصن ولا يميله. # وكان يضع السيوف المسللة في الميدان على الأرض ويجرى بالفرس فكلما قرب من ~~واحد منها مال إليه وأخذه بذبابه بين أصابعه ثم رماه من يده حتى إذا قرب من ~~الآخر فعل به مثل ذلك الفعل. وكان يعالج الحجر فيه أربعمائة رطل بالكبير. ~~وكان يكون أبدا في يده عمود حديد عوض المقرعة فيه ثلاثون رطلا بالشامي. ~~وكان في بكرة كل يوم إذا وقف يتعمم يلقمه خادم السنبوسك فعدوا عليه ~~إلى أن فرغ من التعميم مائة وخمسين سنبوسكة. # وحكى محمد بن عبد الملك الزيات قال: أذكر ms059 يوما والمأمون جالس على سرير ~~الخلافة وأبو إسحاق أخوه واقف بين يدي السرير إذا انفلت سبع من السباعين ~~وقطع السلاسل ودخل الدار وكان الناس وقوفا بين يدي المأمون سماطين فهربوا ~~[44 ب] كلهم ولم يثبت أحد ونهض المأمون من السرير ليهرب مع القوم فتعلق ~~ذيله في قائمة السرير فبقي معلقا وقصده الأسد فبادر المعتصم وتلقى الأسد ~~بنفسه وليس معه سلاح فلكمه في وجهه فخسف جبهته ووقع الأسد في صحن الدار ~~وركبه المعتصم وأخذ يركله برجله إلى أن استرخى وضعف ثم قام من فوقه وأخذ ~~يدوسه حتى قتله، إلا أن يد المعتصم التي لكم بها جبهة الأسد انفركت عن ~~ساعده قليلا إلى أحد الجوانب فأمر المأمون بإحضار طبيب يعالجها على عجلة ~~لتعود إلى مكانها بسرعة. فلما حضر الطبيب ورآها قال: أيها الأمير تأمر ~~جماعة يمسكونك فإني أحتاج إلى جذب يدك عن تلك الجهة التي مالت إليها وربما ~~آلمك ذلك ولم تثبت له فتضطرب فلا يتم لي ما أريد من معالجتك. فقال: وليس ~~إلا هذا؟ قال: نعم وبعد ذلك أضمدها بضماد يقوى المفصل. # PageV01P108 # فعمد المعتصم إلى أسطوانة صخر كانت في الدار فلكمها بيده في غير الجهة ~~التي لكم بها الأسد فعادت يده إلى مكانها . # وكان المعتصم هو الثامن من ولد العباس، لأنه محمد بن هارون الرشيد ~~بن محمد بن عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس، وكان الثامن من ~~الخلفاء لأن أولهم السفاح ثم المنصور ثم المهدي ثم الهادي ثم الرشيد ثم ~~الأمين ثم المأمون ثم المعتصم، وملك ثماني سنين وثمانية أشهر وثمانية أيام. # وحكى المنجمون أنه توفى في اليوم التاسع على ثماني ساعات من النهار. وخلف ~~[45 أ] ثمانية بنين وثماني بنات، وخلف في بيت المال ثمانية آلاف ألف دينار ~~وثماني مائة ألف ألف درهم. وكانت فتوحاته ثمانية: # ولما دخلت سنة ثمان وعشرين ومائتين، مرض واشتدت علته. قال زنام الزامر ~~ : قال لي المعتصم، وهو مريض، تركب معى في السفينة حتى نتنزه ساعة؟ # فقلت: الأمر لك يا سيدي، ms060 فركبت معه وكان كلما اجتاز على الأبنية التي ~~بناها بسامراء بكى، ثم قال لي: يا زنام ازمر لي هذا الصوت: # يا منزلا لم تبل أطلاله %~% حاشا لأطلالك أن تبلى # لم أبك أطلالك حاشاك بل %~% بكيت عيشي فيك إذ ولى # فجعلت أزمر وهو يبكى ويقول: ذهبت الحيل، أأوخذ أنا وحدي من بين هذا الخلق ~~ ؟ # وكان سبب بناء المعتصم مدينة سامراء أنه كان عسكره المقيمون ~~بالحضرة لا يفارقونه سبع مائة ألف فارس وضاقت بهم بغداد وتنزلوا على الناس ~~في دورهم حتى هلك عدة أطفال تحت أرجل الخيل من شدة الزحمة في الأسواق. فخطب ~~المعتصم يوما على منبر الرصافة فقام إليه شيخ وقال: مالك يا أبا إسحاق لا ~~جزاك الله عن الجوار خيرا أيتمت أولادنا ورملت نساءنا بإسكانك هؤلاء العلوج ~~بين أظهرنا، والله لنقاتلنك بما لا قبل لك به، فلم يتغير ومضى في خطبته. ~~ولما نزل وصلى طلب الرجل وظن أنه هرب وإذا به واقف بإزائه فالتفت إليه غير ~~مغضب وقال له: يا شيخ صدقت # PageV01P109 # فيما قلت وأنا أريحكم من هؤلاء العلوج ومن نفسي أيضا [45 ب] ولكن بماذا ~~كنت تقاتلني بما لا قبل لي به؟ فقال له الشيخ: بسهام الليل يا أبا إسحاق، ~~قال: # صدقت. ومن ساعته رحل من بغداد إلى الموضع الذي بنى فيه سامراء. وأمر ~~ببناء المدينة وأسكن العسكر بها وطولها سبع فراسخ وهي الآن باقية وأبنيتها ~~جديدة إلا أنها خالية، دخلت من باب من أبوابها أول النهار وخرجت من الآخر ~~بعد الظهر فكانت هي منزلنا في ذلك اليوم. # وتوفى المعتصم بها لثمان بقين من ربيع الأول من سنة سبع وعشرين ومائتين، ~~[1] وكان مولده في سنة ثمان وسبعين ومائة، وكان عمره ثمان وأربعين سنة، ~~ودفن بسامراء وصلى عليه ابنه هارون الواثق. # قال محمد بن عبد الملك الزيات : # قد قلت إذ غيبوك واصطفقت %~% عليك أيدي التراب والطين # لا يجبر الله أمة فقدت %~% مثلك إلا بمثل هارون ### ||| أما وزراؤه: # فأولهم الفضل بن مروان ، وبعده أحمد بن عمار ، ~~وبعده محمد بن عبد الملك ms061 الزيات . ### ||| [قضاته: # أحمد بن أبى دؤاد . ### ||| ابتداؤه: # في رجب لاثنتي عشرة ليلة بقيت منه لثمان عشرة ومائتين بالبدندون ~~ . ### ||| انتهاؤه وموته: # في ربيع الأول لاثنتي عشرة ليلة خلت منه بسر من رأى، ودفن ~~بالجوسق وصلى عليه ابنه هارون ويكنى أبا إسحاق. ### ||| عمره: # سبع وأربعون سنة. ### ||| حاجبه: # وصيف التركي. ### ||| نقش خاتمه: # سل الله يعطيك. ### ||| كتابه: # الفضل بن مروان، ثم أحمد بن عمار، ثم [محمد بن] عبد الملك الزيات] ~~[2] . PageV01P110 ### || أمير المؤمنين الواثق بالله # [46 أ] هو أبو جعفر، هارون بن المعتصم بالله، بويع له يوم الخميس لسبع ~~بقين من ربيع الأول سنة سبع وعشرين ومائتين، وأمه جارية اسمها «قراطيس» ~~رومية. # ووقع إلى بغداد إلى واليها الأمير إسحاق بن إبراهيم المصعبي ليأخذ ~~البيعة على الناس ببغداد فأخذها في يوم السبت وجلس الواثق للناس ~~جلوسا عاما للهناءة فدخل إليه الشعراء وكان فيهم على بن الجهم فأنشده ~~: # وثقت بالملك الواثق بالله النفوس %~% ملك يشقى به المال ولا يشقى الجليس # أسد تضحك عن شدته الحرب العبوس %~% أنس السيف به واستوحش العلق النفيس # يا بنى العباس يأبى الله إلا أن تروسوا # وكان الواثق شاعرا أديبا كريما حليما حافظا لأشعار العرب، عارفا بالغناء، ~~يدعى المأمون الصغير. وكان المأمون يجلسه وأبوه المعتصم واقف. وهو رباه. ~~وكان يقول للمعتصم: يا أبا إسحاق لا تؤدب هارون فإني أرضى أدبه. وكان قد ~~تبنى به حتى كان يعلمه الأدب والخط بنفسه ويقرئه القرآن بنفسه. وكانت ~~أحواله كلها وتصاريفه شبيهة بأحوال المأمون. وكان الواثق لبلاغته يصعد ~~المنبر ويرتجل الخطب على البديهية من غير أن يروى فيها. # ومن شعره في إنسان من أهل بيته: # أنت الوضيع بنفسه لا بيته %~% ما أنت من أعلى العيوب بسالم [46 ب] # ولكل بيت دقة وقمامة %~% تلقى وأنت قمامة من هاشم «1262» # وكان أكرم الناس طبعا وأجود الخلق بالمال، أما كرم طبعه فيدل عليه ما حكى ~~عنه المسدود المغنى وكان أخشم لا يشم شيئا ولذلك سمى المسدود. قال: ~~كان الواثق على عينه اليمنى كوكب صغير قل ما كان يظهر إلا لمن يقرب ms062 منه ~~فاتفق يوما # PageV01P111 # أن عملت أبياتا أولها: # من المسدود في الأنف إلى المسدود في العين # وغنيت بها وذكرت اسمه فيها فأوصلها بعض من يعاندني إلى سمعه فدخلت عليه ~~يوما فقال لي، وهو يضحك: أنت يا مسدود أحب هؤلاء كلهم إلي للمناسبة التي ~~بيننا، أنت في أنفك وأنا في عيني فمت فزعا فمازحنى وبسطنى وقال لي: لم تخاف ~~منى؟ # أترى حلمي لا يسع للذنوب الكثيرة فكيف لمثل هذا؟ ويحك ألست تربية ~~المأمون؟ # والله يا مسدود لقد جئت بها حلوة وسوف تبقى بعدنا على الدهر ولكن أعفنى ~~من أخرى فالمؤمن لا يلدغ من جحر مرتين، وإذا أردت أن تمجن فاستطرد بغيري. # وأما سخاوته، فيدل عليها ما حكاه إسحاق بن إبراهيم الموصلي بعد ~~وفاة الواثق قال: كنت في أيام الواثق قد علت سنى وضعف بصرى وكان ديوان ~~الراتب على الخلفاء قبله سوى الجوائز التي كانت تصلني في النواريز والأعياد ~~وفي أعراسهم وأفراحهم سوى ما كان يصلنى من أتباعهم وخدمهم، خمسين ألف درهم. ~~فقيل له: # وكم كان يكون كلما يصل [47 أ] إليك من الوجوه كلها؟ فقال: أربع مائة ألف ~~درهم. # قال: فلما ضعف بصرى في أيام الواثق لزمت بيتي ببغداد فكان الواثق يأمر ~~والى بغداد من قبله وهو الأمير إسحاق بن إبراهيم بن مصعب بإيصال ديواني إلي ~~ما نقصني منه شيئا. فاتفق في بعض السنين أن ذكروني في مجلسه وقالوا: قد ~~بقيت فيه بقية حسنة فلو أمرت بإحضاره لحصل لك به أتم أنس. فنفذ إلي قاصدا ~~من سامراء يستحضرني وتوقيعا إلى إسحاق بن إبراهيم بإزاحة علتى في كل ما ~~أحتاج إليه فامتثلت أمره وصرت إليه وأقمت عنده شهرا ثم إنه عن له أن يتصيد ~~فخرج وخرجنا معه وكان يتصيد في نواحي عكبرا فلما وصلنا إلى عكبرا وقربنا من ~~بغداد ذكرت أولادي واشتقت إليهم فقلت له: يا أمير المؤمنين قد حضرني بيتان ~~قال: هاتهما فأنشدته: # طربت إلى الأصيبية الصغار %~% وهاج لي الهوى قرب المزار # وأبرح ما يكون الشوق يوما %~% إذا دنت الديار من الديار ms063 # PageV01P112 # فأذن لي في المسير وأمر لي بمائة ألف درهم خارجة عن مرسومى. ولما كان ~~العام القابل نفذ إلي فشخصت إليه وبقيت عنده شهرا ثم استأذنته في أن أدخل ~~مع القضاة بالسواد وأصلى يوم الجمعة معه في المقصورة فقال: يا أبا محمد ولا ~~كل هذا ولكنى اشتريت هذا منك بمائة ألف درهم ولا تحسبها المائة ألف التي ~~أصلك بها عند عودتك فهذه خارجة عنها، وأمر لي بمائتي ألف درهم. وقال يوم ~~توديعه: يا إسحاق [47 ب] قد قلت بيتين في فلان الخادم، وكان يحبه، وقد صنعت ~~فيهما لحنا من خفيف الرمل وأريد أن تسمع الشعر واللحن فقلت له: الأمر لك، ~~فأخذ العود وغنى: # يا ذا الذي بعذابي ظل مفتخرا %~% هل أنت إلا مليك جار إذ قدرا # لولا الهوى لتجازينا على قدر %~% وإن أفق منه يوما واحدا سترى # فسمعت والله ما لم أسمع مثله فصاحة وطيبا فقلت له: يا سيدي أنت والله ~~تغنى أطيب منى فماذا تصنع بى وودعته وانحدرت إلى بغداد وكان آخر عهدي به. # ومات الواثق بعلة الاستسقاء في ذي الحجة سنة اثنتين وثلاثين ومائتين، وهو ~~ابن ثمان وثلاثين سنة ، ودفن بقصره المعروف بالهارونى بسامراء، وصلى ~~عليه قاضى القضاة أحمد بن أبى دؤاد، وكانت خلافته خمس سنين وستة أيام. # وحكى محمد بن عبد الملك الزيات قال: كان في مرضه يهذى بالشعر لاستجابة ~~خاطره له. فاتفق أن دخل عليه في مرضه الحسن بن وهب كاتب إنشائه وكان قد ~~تأخر عنه أياما لأنه كان مستهترا بالشرب، فلما رآه أنشد: # خدمة الواثق والكاسات في أيدي الملاح %~% ليس يلتامان فاختر خدمة أو كاس ~~راح # وحين توفى، كان وزيره ابن الزيات وديوان الخراج إلى عمر بن فرج الرخجى ~~ وديوان البريد إلى الفضل بن مروان. وابن أبى دؤاد [48 أ] قاضى ~~القضاة، والحسن بن وهب كاتب الإنشاء، وعارض الجيش أشناس المعتصمى، ~~ووالى # PageV01P113 # العراق إسحاق بن إبراهيم بن مصعب . وفيه يقول وزيره ابن الزيات ~~يرثيه: # سقى قبرك الهاطل المسبل %~% وجادت له الديم الحفل # وأسكنك الله خلد الجنان ms064 %~% وجاورك المصطفى المرسل # فقد بنت منا على حاجة %~% وهل يدفع القدر المنزل # [حكى عن علي بن الحسين الإسكافي قال: دخل إيتاخ إلى الواثق ~~ليعرف هل مات أو لا فلما دنا منه نظر إليه الواثق بمؤخر عينه ففزع إيتاخ ~~فرجع القهقرى إلى أن وقع سيفه في ملبن الباب فاندلق وسقط إيتاخ على قفاه ~~هيبة منه لنظره. # قال: فلم تمض ساعة حتى مات فعزل في بيت ليغسل فيه فجاء جرذ فأكل عينه ~~التي نظر بها إلى إيتاخ فكثر تعجب من رأى ذلك، أن تكون العين التي فزع ~~إيتاخ من لحظها له حتى تراجع وانكسر سيفه وسقط على قفاه يأكلها جرذ بعد ~~ساعة] [1] . # وانقضت أيام الواثق بالله- رحمة الله عليه-. PageV01P114 ### || أمير المؤمنين المتوكل على الله # هو أبو الفضل، جعفر بن المعتصم بالله. وكان الواثق عند موته منحرفا عنه، ~~ما نص عليه ولا على غيره. وحين توفى الواثق تولى تغميض عينيه وتوجيهه نحو ~~القبلة القاضي أحمد بن أبى دؤاد. وخرج من عنده إلى دار العامة فوجد الوزير ~~محمد بن عبد الملك الزيات قد [48 ب] نفذ إيتاخ الطباخ لإحضار محمد بن ~~الواثق وجاء به وألبسه السواد ومنطقه فأنكر ذلك ابن أبى دؤاد وقال: لو كان ~~أبوه يعلم أنه يصلح للأمر لعهد إليه. ونفذ هو فأحضر جعفر بن المعتصم فشق ~~ذلك على ابن الزيات لما كان في نفس جعفر منه، ولما كان يعامله به في حياة ~~الواثق فإن ابن الزيات حلق شعر جعفر وضرب به وجهه وقطع أرزاقه وألزمه بيته. ~~فشق عليه مبايعته بعد إساءته إليه وخاف منه على نفسه وقال لابن أبى دؤاد: ~~نشدتك الله في أمر الرعية أن تولى عليها مثل جعفر. # فقال له ابن أبى دؤاد: أنا ما أعرف فيه ما تعرف لأني ما أسأت إليه، وإن ~~يكن قليل الخبرة بالأمور فالخلافة تهذبه وليس في الجماعة أكبر سنا منه. ~~وحين حضر جعفر قام ابن أبى دؤاد وألبسه السواد ومنطقه بيده ووضع الرصافية ~~ على رأسه وعممه عليها وأخذ بيده وأقعده على السرير وتقدم فقبل ms065 بين ~~عينيه وقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، فرد السلام ~~عليه وشكره وأثنى عليه. # وأمر ابن أبى دؤاد الحجاب بالإذن للناس فدخلوا على طبقاتهم للمبايعة وأمر ~~ابن أبى دؤاد بأن يكتب بيعته إلى الآفاق فقال ابن الزيات: السمة تكون ماذا؟ ~~فأخذ ابن أبى دؤاد رقعة وكتب فيها ألقابا تصلح للخلافة وسلمها من يده إلى ~~يد جعفر فاختار منها المتوكل على الله . # وحكى ابن الزيات قال: أخرج من خفه دواة [49 أ] نظيفة وكتب إلى الآفاق ~~كتبا كانت تزيد على مائة يذكر بيعة المتوكل وهي في معنى واحد ليس فيها لفظة ~~تشبه الأخرى، وكتبها وهو قائم على قدمه. # وبايع المتوكل في ذلك اليوم سبعة من أولاد الخلفاء وهم: محمد بن الواثق ~~وأحمد # PageV01P115 # ابن المعتصم وموسى بن المأمون وعبد الله بن الأمين وأبو أحمد بن الرشيد ~~والعباس بن الهادي ومنصور بن المهدي . وكان يكنى المتوكل أبا الفضل ~~وكانت بيعته يوم الأربعاء لست ليال بقين من ذي الحجة سنة اثنتين وثلاثين ~~ومائتين. وأمه جارية اسمها «شجاع» وكان في نفسه ما كان من محمد بن عبد ~~الملك الزيات فأقره على الوزارة أربعين يوما ونكبه بعد أن واقفه ~~مواجهة وقال له: ألست الذي قطعت أرزاقى في أيام أخى؟ ألست الذي حلقت شعرى ~~وضربت به وجهي على ملأ من الناس؟ وقيل: لم ير في زمان المتوكل أصبح وجها ~~ولا أحسن شعرا منه، وحين فعل به ابن الزيات ما فعل لعنه الناس واستركوه ~~واستقلوا عقله بإقدامه على أن يفعل هذا بابن خليفة وأخى خليفة وابن سيد ~~الخلفاء. وكان من أقوى ما قرعه به أن قال له: ألست كنت إذا جئت إليك أقف ~~فلا تأذن لي في الجلوس وأنت ابن زيات وأنا ابن المعتصم. وكان ابن الزيات ~~شديد الظلم، كثير المصادرة للناس قل ما يرحم أحدا، وكان يقول: الرحمة خور ~~في الطبيعة . # وحكى عنه بعض من كان يختص بمنادمته، قال: دخل عليه بعض [49 ب] أولاد ~~المتصرفين وقد امتدت عطلته واشتدت فاقته فطلب منه أن ms066 يصرفه في أمر يعيش به. # فقال له: ما عندي ما أصرفك فيه. فقال له: فتقدم إلى بعض الأجناد ~~باستخدامي، قال: امض إليهم واطلب ذلك منهم. وكان في المجلس جماعة رقوا له ~~وتشفعوا إلى الوزير حتى وعده وقال: يكون ما تطلب بعد وقت فأما الآن فلا ~~تعرض. فلما تقوض المجلس ونهض الناس قام ذلك الفتى معهم فدعاه الوزير ابن ~~الزيات وحده وقال له: # لا تنتظر منى شيئا مما وعدتك به ولا تعد إلي بعدها. فانصرف المسكين ~~منكسرا. # قال ذلك الرجل: فقلت له: يا مولانا ما الذي حملك على عدته وكسر قلبه ~~وإياسه بعد ذلك؟ فقال محمد بن عبد الملك الزيات: إنما فعلت ذلك حتى لا يبيت ~~الليلة على أمل. # وكان محمد بن عبد الملك الزيات قد عمل في آخر أيام الواثق تنور ~~حديد مشبك بقطعتين وله مسامير إلى داخل ليقعد فيه المصادرين فاتفق لقضاء ~~الله تعالى وقدره أن # PageV01P116 # كان هو أول من أقعد فيه فلما دخلت المسامير في لحمه قال: آه، فقال له ~~الخادم الموكل بعذابه: أما سمعت أن من حفر لأخيه المؤمن بئرا أوقعه الله ~~فيها، أما علمت أن من لا يرحم لا يرحم؟ فقال : وأي شيء نفع البرامكة ~~وقد فعلوا من الخيرات ما فعلوا وكانت عاقبتهم مثل هذا، فقال له ذلك الخادم: ~~يكفيهم ذكرك لهم بفعل الجميل وأنت على مثل هذه الحال وهل يبقى بعد الإنسان ~~[50 أ] إلا ذكر جميل أو قبيح وهل بعد الموت سوى منزلين: إما الجنة أو ~~النار. وبيناهما في ذلك إذ اطلع عبادة المخنث من روزنة البيت وكان ~~نديما للمتوكل ومقربا عنده. فقال له: يا سيدي الوزير خبزوك في التنور الذي ~~أردت أن تخبز الناس فيه؟! وكان يقول المتوكل بعد قتله: لقد كان الملك ~~مفتقرا إلى ابن الزيات وإنما وقف قبح أفعاله في وجهي فحملني على إهلاكه ~~وكان أخى الواثق يعظمه حتى بلغ من إعظامه لمكانه ورفعه لقدره أن أمر أن ~~يضرب اسمه على الدنانير والدراهم ويكتب على الطرز والتراس والأعلام، إلا ~~أنه لم ms067 يرتبط نعمة الله بالشكر، وبودى لو كان حيا كنت أفزع به الناس. # وكان المتوكل كريم الطبع سهل الحجاب مليح الأخلاق، وكان يقول: كانت ~~الخلفاء قبلي تتصعب على الرعية لتطيعها وأنا ألين لهم ليحبوني ويطيعوني ~~ ، وكان زمانه صافيا وأيامه لحسنها أعيادا، دانت له الدنيا شرقا وغربا ~~وجبى إليه خراج الهند والصين والترك والزنج والحبشة وأقاصى ثغور المغرب وهو ~~مقيم بسامراء يشرب ويلعب. وكان يركب في سبع مائة ألف فارس فإذا أراد النزول ~~ترجلوا أربعة أميال واجتاز فيما بينهم فارسا وحده. وبايع ثلاثة من أولاده ~~وجعلهم ولاة العهود، وكان يوما مشهودا وذلك في يوم الاثنين غرة المحرم سنة ~~ست وثلاثين ومائتين، وهم: محمد ولقبه المنتصر، والزبير ولقبه المعتز، ~~وإبراهيم [50 ب] ولقبه المؤيد، ونصب سماطا طوله أربعة فراسخ في البستان ~~الذي غرسه بسامراء ويعرف بالجعفري وكان طوله سبعة فراسخ ممتدا على شاطئ ~~دجلة في عرض فرسخ . فقيل: إنه امتلأ ذلك اليوم # PageV01P117 # من الخلق ووضعت التماثيل العنبر والكافور ونوافج المسك بين أيدي الناس في ~~جملة الرياحين والمشمومات وكانت تنقل من الخزائن بالزبل والغرائر، وكل من ~~شرب قدحا تناول منها شيئا فشمه وأدخله في كمه أو سلمه إلى غلامه. وكلما ~~نفدت أعيد بدلها، هكذا من طلوع الشمس إلى غروبها، وكان المتوكل جالسا على ~~سرير من ذهب مرصع بالجواهر فيه ألف من وولاة العهود وقوف بين يديه وعليهم ~~التيجان المرصعة والناس على طبقاتهم قعودا وقياما. وكان طلوع الشمس على ~~الأواني الذهب التي في المجلس والمناطق الذهب والسيوف والتراس المحلاة ~~بالذهب تختطف الأبصار. وفي ذلك اليوم قام إبراهيم بن العباس الصولي أمير ~~الأهواز وأنشد بين السماطين: # أضحت عرى الإسلام وهي منوطة %~% بالنصر والإعزاز والتأييد # بخليفة من هاشم وثلاثة %~% كنفوا الخلافة من ولاة عهود # كنفتهم الآباء واكتنفت بهم %~% فسعوا بأكرم أنفس وجدود # وفي سنة أربعين ومائتين مات القاضي ابن أبى دؤاد بعد ما فلج، وفي سنة ~~إحدى وأربعين ومائتين مات الإمام أحمد بن حنبل [51 أ]- قدس الله روحه ونور ~~ضريحه-. # وحيث ذكرنا دعوة الجعفري فنذكر دعوة بركوارا ms068 وهذه الدعوة اتخذها ~~المتوكل حين طهر المعتز بالموضع المعروف ببركوارا ونصب للمعتز منبر مرصع ~~بالجواهر فصعد وخطب عليه. ونصب السماط على حافة دجلة وأكل الناس على ~~طبقاتهم ثم قدم مجلس الشرب فأمر المتوكل أن تنقل الدراهم والدنانير ~~المختلطة في الغرائر وتصب قبايا بين أيدي الناس وأمر مناديا ينادى فيهم: كل ~~من شرب قدحا فليحفن ثلاث حفنات، فكانوا كذلك إلى آخر النهار فكل ما فرغ ~~مكان ملئوه. ثم أمر المتوكل حتى صبت الدراهم والدنانير في وسط المجلس بحيث ~~حالت بينهم أن يرى بعضهم بعضا. ثم نادى مناد: إن أمير المؤمنين أباح لكم ~~نهب هذا المال فليأخذ كل من أراد شيئا مما أراد فتناهبوها. وحين أظلم الليل ~~أشعلت الشموع العنبر وكان في الجملة شمعة مثل النخلة وكانت على ساحل دجلة ~~وإنسان من الجانب الآخر في ضوئها يقرأ كتابا. # PageV01P118 # وبعد فراغ المتوكل من هذا الطهر سأل شيخا قد شاهد أيام المأمون فقال له: ~~أين دعوة بركوارا من دعوة فم الصلح؟ فقال: يا أمير المؤمنين أعفنى من جواب ~~هذا الكلام. فقال له: والله لا أعفيك، وألح عليه وحلفه برأسه فقال له: لا ~~يمكنني ذكر التفضيل ولكنى أذكر جملة يستدل بها على ما وراءها: شاهدت في عرس ~~بوران بفم الصلح على باب القرية كالجبل العظيم من القوانس [51 ب] والكبود ~~للدجاج والبط والوز والحملان والصيود وأنواع الطير بحيث جاف العسكر واحتاج ~~الحسن بن سهل إلى أن نفذ إلى البادية وأحضر جمال العرب لنقلها في مدة ~~مديدة، وحين رميت في دجلة لم يمكن شرب الماء من دجلة أياما لنتن روائحها، ~~وشاهدت خدمك وغلمانك في دعوة بركوارا يتخاصمون على القوانس والكبود. فقال ~~المتوكل: الله أكبر ما تركوا لنا ما نذكر به. # ولما دخلت سنة سبع وأربعين قرأ المتوكل في كتب الملاحم أن العاشر ~~من بنى العباس يقتل، وكان هو العاشر، فاغتم لذلك وتنغص عيشه حتى قال له بعض ~~جلسائه: يا أمير المؤمنين هذه كلها موضوعات أليس العاشر كان أخاك الواثق ~~ومات على فراشه؟ قال: وكيف؟ قال: فجعلت ms069 أعدهم عليه وعددت إبراهيم بن المهدي ~~فيهم فطابت نفسه. وكان محمد المنتصر قد واطأ باغر التركي غلام ~~المتوكل وجماعة من الغلمان على قتل المتوكل فلما كانت ليلة الأربعاء ثالث ~~شوال سنة سبع وأربعين ومائتين كان المتوكل يشرب مع الفتح بن خاقان في ~~رواق الجعفري ، ولما جن الليل غلقت الأبواب كلها إلا باب الماء وهو ~~الباب الذي دخلوا عليه منه وكان المتوكل يأمر الغلمان والخدم أن يفزعوا ~~الجلساء والمطربين والمساخر بأشياء يعملونها من الطين والشمع والخرق على ~~أشكال الحيات والعقارب فلما كان في تلك [52 أ] الليلة أقبل باغر من باب ~~الماء ومعه عدد من الغلمان الذين كان واطأهم على قتل المتوكل وبأيديهم ~~السيوف المسللة وبين أيديهم المشاعل والشموع، فحين رآهم الندماء والمطربون ~~يقبلون من بعد ظنوا أنهم يريدون يفزعونهم فقالوا: مضت نوبة الحيات والعقارب ~~والليلة # PageV01P119 # ليلة السيوف. فقال المتوكل للفتح بن خاقان: والله ما أمرتهم الليلة ~~بتخويفهم ولكنهم يعلمون أننى أحب ذلك فقد فعلوا ذلك من تلقاء أنفسهم. فلما ~~قربوا رأوا الأمر جدا فبادر باغر- لعنه الله- وضرب المتوكل على عاتقه فرمى ~~الفتح نفسه على المتوكل فقطعوهما إربا . وكان الفتح حين رمى بنفسه ~~على الخليفة قال: لا حياة بعدك يا أمير المؤمنين. فلما رأى عبادة المخنث ~~صورة الحال قفز وقال: ألف حياة بعدك يا أمير المؤمنين . والتف ~~البحتري الشاعر في بساط إلى نصف النهار من يوم الأربعاء ما تحرك من الفزع ~~حتى سمع الضوضاء وأصوات الخلق فقام فرأى المنتصر على السرير والناس وقوف ~~بين يديه. # وكانت خلافة المتوكل أربع عشرة سنة وتسعة أشهر وعشرة أيام. وقتل وقد نيف ~~على الأربعين سنة. ### ||| وكان وزراؤه: # محمد بن عبد الملك الزيات، وزر له أربعين يوما، وبعده محمد ~~ابن الفضل الجرجرائى وبعده الفتح بن خاقان ينوب عنه عبيد الله ~~بن يحيى بن خاقان. # وفي المتوكل- رحمه الله- يقول إبراهيم [بن] المهدي [52 ب] : # لم يذل نفسه رسول المنايا %~% بصنوف الأوجاع والأسقام # هابه معلنا ودب إليه %~% في كسور الدجى بحد الحسام # والمنايا مراتب يتفاضلن %~% وبالمرهفات موت الكرام (192 أ) ms070 # PageV01P120 ### || أمير المؤمنين المنتصر بالله # هو أبو جعفر، محمد بن المتوكل، وأمه أم ولد رومية اسمها حبشية. بويع له ~~يوم الأربعاء وتحول من الجعفري إلى سامراء، وولى وزارته يحيى بن الخصيب ~~ ونفذ عبيد الله بن يحيى بن خاقان وسائر بنى خاقان إلى بغداد. وأراد ~~المعتز أن يمتنع من البيعة فقال له بغا الشرابي: أخوك محمد أقدم على ~~قتل أبيك وأخاف أن يقتلك فبايع فبايعه وألزم المعتز أن قال: «إن أبى عقد ~~البيعة لي بعد أخى وكنت صغير السن والآن فحيث تبينت رشدي وعقلت علمت أنى لا ~~أصلح لهذا الأمر ولا أقوم به واشهدوا علي أننى قد خلعت نفسي عن ما كان ~~رشحنى له أبى» وألزم المؤيد بمثل ذلك. # وكان الموفق أبو أحمد طلحة بن المتوكل أخا المؤيد لأمه يراصد يغلون ~~الصغدي وكان أحد قتلة المتوكل. فوقف له يوما ينتظر دخوله إلى دار الخلافة ~~فدخل فحين رآه ضربه بعمود حديد كان في يده فسقط ميتا وأنهى الخبر إلى ~~المنتصر فقبض على أخيه وحبسه وأطلقه وكان الناس إذا لقي بعضهم بعضا يقولون: ~~«ما يبقى المنتصر إلا ستة أشهر كما بقي شيرويه بعد قتل أبيه أبرويز ستة ~~أشهر» فإن [53 أ] شيرويه قبض على أبيه أبرويز وحبسه وقتله في الحبس ~~ويقال: إن أبرويز استدعى خادما كان يختص به وقال: امض إلى خزانة المعاجن ~~واحمل إلي البرنية التي فيها المعجون الفلاني من غير أن تعلم ابني، ~~فمضى وجاء به. ففرغ البرنية وملأها سم ساعة ثم كتب على الكاغد الذي وضعه ~~على رأسها: «هذا معجون يقوى على الجماع من تناول منه وزن درهمين جامع في كل ~~يوم كذا وكذا مرة» ثم أمر بردها إلى مكانها. ولما قتل أبرويز في الحبس ~~استعرض ابنه شيرويه ما في الخزائن فلما وصل إلى تلك الخزانة ورأى المكتوب ~~على رأس تلك البرنية بادر مسرعا وأخذ منه وزن درهمين وأكله فانتفخ في الحال ~~ومات. فيقال: ما رئي أحد أخذ بثأر نفسه بعد موته بستة أشهر إلا أبرويز من ~~ابنه شيرويه . # كان هذا ms071 الحديث خارجا عن غرضنا إلا أنه يشبهه. # PageV01P121 # ثم إن المنتصر كان إذا جلس للشرب مع قتلة أبيه يعربد عليهم ويقول: أنتم ~~قتلتم أبى فيقولون: قتله من قتله، نحن ما ندري. ثم إنهم اجتمعوا وتشاوروا ~~وقالوا: # ما نلقى من هذا الرجل خيرا وإن أمكنه فرصة أهلكنا بأسرنا فتعالوا نعاجله ~~قبل أن يعاجلنا. فاجتمع رأيهم على أن بذلوا لجبرائيل بن بختيشوع ~~الطبيب مالا وقالوا له: # إن المنتصر معول على الفصد في هذا الفصل فأفصده بمبضع مسموم ولك هذا ~~المال. # فأخذ المال منهم وفصده بمبضع مسموم فمات وذلك في يوم السبت لأربع خلون من ~~ربيع الآخر [53 ب] سنة ثمان وأربعين ومائتين ودفن بالجوسق، وصلى عليه ~~أحمد بن [محمد بن] المعتصم ، وكان له خمس وعشرون سنة. # وكان القاضي في أيامه جعفر بن عبد الواحد الهاشمي ، وواليه على ~~خراسان الذي كان في زمن أبيه طاهر بن عبد الله بن طاهر. وعلى شرطته ببغداد ~~أخوه محمد ابن عبد الله بن طاهر. # ومن العجائب أن جبرائيل بن بختيشوع احتاج إلى الفصد فاستدعى فاصدا ليفصده ~~فأخرج الفاصد مبضعا ما ارتضاه فقال: أنا أعطيك مبضعا تفصدنى به وأخرج دست ~~المباضع الذي له وفتحه وأعطاه ذلك المبضع الذي فصد به المنتصر بعينه وهو لا ~~يعلم أنه هو ففصده به فمات من ساعته . # PageV01P122 ### || أمير المؤمنين المستعين بالله # وهو أبو العباس، أحمد [بن محمد] بن المعتصم. وحين مات المنتصر بالله آخر ~~نهار يوم السبت اجتمع الأتراك وهم: بغا الشرابي المعروف ببغا الكبير وبغا ~~الصغير وأوتامش وحلفوا الأتراك والمغاربة وجماعة الجند على أن يرضوا ~~بمن رضوا به فحلفوا وقالوا: ليس من الصواب أن نولى أحدا من ولد المتوكل ~~لئلا يطلب بثأر أبيه. # فاجتمعوا على أحمد بن محمد [بن] المعتصم وقالوا: هو ابن مولانا، لأن ~~هؤلاء كلهم كانوا غلمان المعتصم، وقالوا: قد كان هو أولى بالأمر من المتوكل ~~لولا ابن أبى دؤاد قدم المتوكل عليه. فقال لهم بغا الكبير: صدقتم في أنه ~~ابن مولانا إلا أنه ليست له هيبة ويجب أن نولى علينا ms072 من [54 أ] نهابه لنبقى ~~معه وإن ولينا علينا من يخافنا حسد بعضنا بعضا فهلكنا. فقالوا له: إن جئنا ~~بمن نهابه قتلنا وأفنانا ورآنا بصورة من قتلنا خليفة قبله واستشعر منا ~~فأهلكنا واستبدل بنا غيرنا والصواب أن نولى من يهابنا ولا يقدم علينا ثم ~~نحن إذا نتناصف فيما بيننا. وأجمعوا على اختيار أحمد بن محمد بن المعتصم ~~فبايعوه في يوم الاثنين، سابع ربيع الآخر ولقبوه المستعين بالله وسنة ثمان ~~وعشرون سنة . # وفي يوم الثلاثاء لبس السواد وتعمم على الرصافية وقعد على السرير وأدخل ~~إليه الخلق فبايعوه. ودخل البحتري فأنشده: # ما الغيث يهمى صوب أسباله %~% والليث يحمى خيس أشباله # كالمستعين المستعان الذي %~% تمت لنا النعمى بأفضاله # تلو رسول الله في هديه %~% وابن النجوم الزهر من آله # من يحسن الدهر بإحسانه %~% وتجمل الدنيا بأجماله # وكتبوا ببيعته إلى الآفاق. وأمه أم ولد اسمها «مخارق» . ثم أمر بأن يحمل ~~الفرش الذي كان للمتوكل في الجعفري، فكان ذلك الفرش على ثلاث مائة جمل. # وقلد أوتامش مصر والمغرب. ومات طاهر بن عبد الله بن طاهر فقلد ~~المستعين # PageV01P123 # ابنه محمدا خراسان. وقلد محمد بن عبد الله بن طاهر عم المذكور أولا ~~العراق وفارس . # وكان المستعين أسمح خلق الله تعالى بالمال يعطى المستحق وغير المستحق، لا ~~يمكنه أن يرى لنفسه درهما ولا دينارا، وفي أقرب مدة فرق جميع ما كان أدخره ~~الخلفاء قبله من [54 ب] العين والورق والجواهر والفرش والأسلحة والطيب ~~وآلات الحرب، حتى قال له بغا الكبير: يا أمير المؤمنين هذه الخزائن مادة ~~المسلمين أدخرها الخلفاء قبلك لملم يسنح أو عارض يعرض في الإسلام فلم يلتفت ~~إليه ولا إلى قوله. ومن جملة ما كان قد أخرج فيه الأموال قلاية عملها ~~على هيئة قلالى الرهبان وما أبقى شيئا من الجواهر النفيسة والآلات الفاخرة ~~المرصعة إلا وضعها فيها وأمر فصيغ من الذهب صور كل حيوان خلقه الله تعالى ~~من الوحوش والطيور والناس وأمر أن تعمل فيها الحباب المملوءة من ~~الغالية والأواني الفاخرة كالأصطال والقماقم المصاغة من الذهب مملوءة ms073 من ~~المسك والعنبر. وأمر فصيغت له قرى من الذهب كل قرية منها خمس مائة ألف ~~دينار وأقل وأكثر. وفي القرية البقر والجواميس والأكرة والغنم والكلاب ~~والزرع، كل هذا من الذهب المرصع وكذلك جميع الفواكه كالبطيخ والسفرجل ~~والرمان والأترج والنارنج مصاغا من الذهب المرصع بالجواهر. # قال أحمد بن حمدون النديم : كنت يوما عنده وعنده إنسان من بنى هاشم ~~كان ينادمه أيام إدباره يقال له «أترجة» فقلنا له: يا أمير المؤمنين ~~نشتهي أن نبصر القلاية فقال: قوموا اصعدوا إليها قال: فصعدنا فرأينا أمرا ~~هائلا ما كنا نظن أن الله عز وجل يخلق مثله إلا في الجنة فمددت يدي وأخذت ~~غزالا من عنبر قد عملت [55 أ] عيناه [من] حبتي جوهر وعليه سرج ولجام وركاب ~~من ذهب في غاية الحسن والملاحة ووضعته في كمي ثم خرجنا فقال: كيف رأيت ~~القلاية؟ فذكرت له أنى رأيت ما هالني. فقال له أترجة: يا سيدي في كمه غزال ~~عنبر قد سرقه من القلاية # PageV01P124 # فقال لأترجة: كأنى نفذتكم إلى هناك لترون القلاية وتنصرفون بالحسرة وإنما ~~نفذتكم حتى إذا استحسن أحد منكم شيئا منها أخذه، وأنت يا أترجة ما أخذت ~~شيئا؟ قال: لا! قال: أخطأت قم وخذ كل ما تريد. ثم قال لي: قم معه وخذ ما ~~أحببت. قال: فقمنا ودخلنا القلاية وملأنا أكمامنا وخفافنا وفتحنا أقبيتنا ~~وحشوناها بما قدرنا عليه من تلك الجواهر المثمنة والآلات النفيسة. ثم قلت: # ويلك يا أترجة متى نجد مثل هذا اليوم ومن أين يقع لنا مثل هذا المثكل ~~يطلق أيدينا في ما جمعه الخلفاء في الدهور الطويلة؟ فقال لي: أي شيء أعمل ~~ما بقي معى شيء آخر أحمل فيه. فقلت له: اخلع سراويلك وخلعت سراويلي وعقدنا ~~أطراف التكك وملأناها وأخذناها تحت آباطنا وخرجنا نمشي مشى الحبالى فلما ~~رآنا ضحك وكان قد دخل إليه ونحن في القلاية جماعة الجلساء فقالوا له: نحن ~~ما ذنبنا؟ فقال: قوموا أنتم أيضا فقال المطربون: ونحن يا مولانا؟ فقال: ~~وأنتم أيضا. فقاموا من بين يديه كالمجانين فانتهبوا القلاية وهو ms074 يضحك ~~. # قال ابن حمدون: فلما رأيت الأمر على هذه الصورة خرجت [55 ب] مسرعا فاجتزت ~~عليه كالمجنون أقصد القلاية فصاح بى: ويلك إلى أين؟ فقلت له: قد نسيت شيئا ~~وصعدت القلاية والغارة قد وقعت فيها فمددت يدي إلى سطل من ذهب كبير ~~مملوء من المسك فأخذته معلقا في يدي وأنا أعالج الجهد الجهيد في حمله ~~فاجتزت عليه وأنا على تلك الحال فقال لي: إلى أين؟ قلت: إلى الحمام يا سيدي ~~وخرجت فأعطيته لغلماني فذهبوا بالجميع إلى بيتي. # ثم دخلت سنة إحدى وخمسين ومائتين واستشعر المستعين من باغر وقيل ~~له: إنه قد اجتمع جماعة من الأتراك وتبايعوا وتحالفوا على قتلك وقتل بغا ~~ووصيف. # فاستدعى وصيفا وبغا الصغير وانحدر إلى بغداد في رابع محرم من هذه السنة ~~وهما في صحبته وبقي الأتراك بسامراء متحيرين فنفذوا جماعة لترضيه واستلال ~~ما في نفسه منهم فردهم ولم يعد، فاجتمعوا وتشاوروا وقالوا: نبايع غيره. ~~فاجتمع رأيهم على # PageV01P125 # مبايعة المعتز فبايعوه وأجلسوه على سرير الخلافة. وضعف أمر المستعين ~~ببغداد لأن دار الملك إذ ذاك كانت سامراء والمعتز بها مع جمهور العسكر وبها ~~خزائن الأموال والسلاح. وخاف على نفسه منهم فنفذوا إليه وطلبوا منه أن يخلع ~~نفسه فأبى ثم لما رأى ضعف أمره وقلة المال والعساكر عنده أجابهم إلى ذلك ~~بشرط أن يعطوه خمسين ألف دينار ويقطعوه ما يرتفع منه ثلاثون ألف دينار ~~ويقيم بالبصرة. فلما جرى ذلك قال له بعض خدمه: يا سيدي [56 أ] إن البصرة ~~وبيئة. قال: ويلك أيما أوبأ البصرة أو ترك الخلافة ؟ وكان الذي تولى ~~أخذ البيعة على الناس ببغداد للمعتز القاضي ابن أبى الشوارب وذلك بعد ~~ما سمع من المستعين خلع نفسه وكان ذلك بالمسجد الجامع ببغداد. فإن الرسول ~~المنفذ من سامراء جمع الخلائق بالجامع والقضاة والعدول وحضر المستعين فقال ~~له القاضي ابن أبى الشوارب: يا أمير المؤمنين أشهد عليك بأنك قد خلعت نفسك ~~من جميع ما كنت تتولاه من أمور المسلمين، وإنك قد بايعت ابن عمك أبا عبد ~~الله الزبير بن ms075 المتوكل على الله؟ قال: نعم اشهد علي بذلك. فقال له القاضي: ~~خار الله لك أيها الأمير وسلم إليهم القضيب والبردة وانحدر يريد ~~البصرة فنفذوا وراءه من قتله بنواحي واسط وجاء برأسه إلى المعتز وذلك ~~في الخامس والعشرين من ربيع الآخر سنة ثمان وأربعين [ومائتين] وكانت خلافته ~~ثلاث سنين وتسعة أشهر. وقتل وله ثلاث وثلاثون سنة. # وكان وزراءه : أحمد بن الخطيب، ثم أبو صالح بن يزداد، ثم محمد بن ~~الفضل الجرجرائى. # وكان- رحمه الله- يدعى معرفة الأدب ولم يكن يحسن شيئا منه ويتشاعر ولم ~~يكن شاعرا. وكان مغرى بالتصحيفات وكان إذا جلس في مجلس الأنس يقول ~~لندمائه: أي شيء يكون تصحيف مجدة؟ فيقولون: لا نعلم فيقول هو: مخدة ~~فيقولون: أحسنت يا مولانا عين الله عليك. وكان يقول: أي شيء يكون تصحيف ناب ~~ويومئ بيده إلى الباب، وأشياء من هذا وشبيهه. # PageV01P126 # وكان من شعره [56 ب] الذي أمر المغنين أن يغنوا به: # يا قوم أنا المستعين %~% عشقت ظبيا سمين # كأنه غصن تين %~% بالمصحف أي عالمين # ما في السما مسلمين # [1] وكان يقول للمطربين غنوا بشعري فيغنون به والجلساء يتضاحكون . # فعمل يوما هذين البيتين وأمر المغنين أن يغنوا بهما، وهما: # شربت كأسا كشفت عن ناظري الخمرا %~% فنشطتنى ولقد كنت حزينا حائرا # [1] ثم قال بالله عليكم أجيزوها ببيت آخر فقال واحد منهم: # هذا خرا، هذا خرا، هذا خرا، هذا خرا # وكان لاحتماله ولطافة أخلاقه يسمع مثل ذلك ولا يؤاخذهم به. PageV01P127 ### || أمير المؤمنين المعتز بالله # هو أبو عبد الله، الزبير بن المتوكل وأمه أم ولد رومية تسمى قبيحة. بويع ~~له يوم الخميس لأربع خلون من المحرم سنة إحدى وخمسين ومائتين، وجلس جلوسا ~~عاما للناس وما رئي في زمانه أصبح وجها منه ولا من أمه قبيحة. وكان أمرد ~~حين ولى الخلافة وفي ذلك اليوم دخل عليه البحتري وأنشده قصيدته التي ~~أولها: # يجانبنا في الحب من لا نجانبه %~% ويبعد عنا في الهوى من نقاربه # ومنها: # عجبت لهذا الدهر أعيت صروفه %~% وما الدهر إلا صرفه وعجائبه # وكيف رددنا المستعار مذمما %~% إلى ms076 أهله واستأنف الحق صاحبه [57 أ] # وكيف رأيت الحق قر قراره %~% وكيف رأيت الظلم آلت عواقبه # ولم يكن المغتر بالله إذ سرى %~% ليعجز والمعتز بالله طالبه # بكى المنبر الشرقي إذ خار فوقه %~% على الناس ثور قد تدلت غباغبه # رمى بالقضيب عنوة وهو صاغر %~% وعرى من برد النبي مناكبه # ومنها في مدح المعتز: # تدارك دين الله من بعد ما عفت %~% معالمه فينا وغارت كواكبه # وضم شعاع الملك حتى تجمعت %~% مشارقه موفورة ومغاربه # مدبر دنيا أمسكت يقظاته %~% بآفاقها القصوى وما طر شاربه # فكيف إذا ثابت إليه أناته %~% وراضت صعاب الحادثات تجاربه # إذا حصلت عليا قريش تناظرت %~% مآثره في فخرها ومناقبه # وبعد أيام جلس المعتز بالله للمنادمة وخلع على جميع الأولياء ولبس التاج ~~المرصع بالجواهر النفيسة وكان يوما مشهودا. # قال البحتري: فكنت أصعد بصرى وأصوبه في صباحته وأتعجب من صنع الله تعالى ~~في إبداع صورته ففطن بى والتفت إلي وقال لي: يا بحترى في أي شيء تتأمل # PageV01P128 # منى؟ قلت له: يا مولاي التاج يزين الوجوه كلها إلا وجهك فإنه يزين التاج ~~ولو وضعته لكنت أجمل، فوضعه من رأسه فرأيت من سواد شعره على بياض جبهته ما ~~أدهشنى. # فقال لي: يا بحترى أتستحسن صورتي؟ قلت: نعم قال: أفتشتهي أن تقبلنى؟ قلت: # نعم أقبل رجلك قال: لا ولكن خذ يدي ومدها إلي فقبلتها. فلما شربنا ~~وانتشينا أخذنى إلى [57 ب] زاوية وقال: يا بحترى بحياتي عليك وبتربة جعفر ~~المتوكل إلا ما قبلت وجهي فامتثلت أمره وقبلته وقال لي: هذا لك علي رسم ~~مستمر كلما سكرنا. وكان بعد ذلك يقول: يا بحترى قد اجتمعت لك علي ديون متى ~~تقبضها ؟ # وقال البحتري: دخلت يوما عليه والتاج على رأسه فأنشدته: # برح بى الطيف الذي يسرى %~% وزادني سكرا على سكرى # ونشوة الحب إذا أفرطت %~% بالصب جازت نشوة الخمر # لله ما تجنى صروف النوى %~% على حديث العهد بالهجر # مهزوزة القد إذا ما انثنت %~% في مشيها مهضومة الخصر # يلومني في حبها من يرى %~% أن لجاج اللوم لا يغرى # لم أر كالمعتز ms077 في حلمه %~% الوافي وفي نائله الغمر # يستصغر البحر إذا استمطرت %~% له يد تربى على البحر # علاه أقصى في محل العلى %~% وفخره في منتهى الفخر # خليفة تخلف أخلاقه %~% القطر إذا غاب حيا القطر # حيا الندى من كفه يبتدى %~% وماؤه في وجهه يجرى # كأنما التاج إذا ما علا %~% جبينه بالدرر الزهر # كواكب أفلاكه أفقها %~% جاءت فحفت غرة البدر # فحين أنهيت القصيدة أمر لي بمائة ألف درهم وقال: لا تعلم بها الشعراء ~~فإني قد أمرت لهم بخمس مائة ألف درهم فإذا علموا بما أعطيتك لم يفرزوا ~~نصيبك فخذ هذه وامض وخذ نصيبك معهم. # PageV01P129 # وحكى البحتري، قال: [58 أ] كنا يوما مع المعتز بالله في الصيد فعطش ~~فطلب ماء وكان جنبه يونس بن بغا، وكان ثانى المعتز في الحسن، وكان المعتز ~~مستهترا به، شديد العشق له. فقال له: يا أمير المؤمنين إن قريبا منا ديرا ~~فيه راهب أعرفه ويعرفني فإن رأيت أن تنفرد من العسكر ونقصده فإن الدير لا ~~يخلو من ماء بارد ثم نستريح عنده ساعة ثم نعود إلى شغلنا. قال: أفعل. قال ~~يونس بن بغا: فقصدنا الدير وإذا بالراهب جالس على باب الدير فطلبت منه ماء ~~فجاء به ثم سألني عن المعتز بالله فقلت له: هو من أولاد الجند وأنا كذلك. ~~فقال للراهب: بل أنتما والله من أزواج الحور العين. فقلت له: يا راهب ليس ~~هذا من دينك فقال: الآن هذا من ديني فضحك المعتز بالله. ثم قال الراهب: ~~أتأكلان شيئا؟ فقال له المعتز: نعم، فقال: # انزلا. فنزلنا عن الخيل وقعدنا على دكة على باب الدير وجاءنا بطعام من ~~أطعمة الرهبان فأكلنا. فقال المعتز ليونس: قل له لمن تشتهي أن تجامع منا؟ ~~فقال له يونس ذلك. # فقال الراهب: كلاكما وتمرا ، فضحك المعتز حتى استلقى على الحائط. ~~فقال له يونس: لا بد أن تختار واحدا. فقال الراهب: الاختيار والله في هذا ~~دمار، والله ما بقي لي عقل يميز بينكما. وما كان لحظة حتى سالت تلك الشعاب ~~بالمراكب قاصدين صوب الدير لأنهم رأوا المعتز ms078 ويونس قد أخذا في ذلك الصوب. ~~فحين رأى الراهب ذلك ارتاع قليلا فقال له المعتز: بحياتي لا تنقطع عما كنا ~~فيه فإني لهم ثم مولى، ولمن ها هنا صديق . وأمر له بخمس مائة [58 ب] ~~ألف درهم فحلف لا يقبلها أو يجيبه في مسألة يسأله إياها فقال: سل ما شئت، ~~قال: تكون في دعوتي أنت وجميع عسكرك في اليوم الفلاني قال: ذلك لك. فلما ~~كان في ذلك اليوم مضى إلى دعوته فأخرج عليه الخمس مائة ألف درهم. # وكان للمعتز شعر لا بأس به، فمن ذلك أنه كان يشرب يوما على بستان ~~مملوء بالنمام وبين النمام شقائق النعمان، فدخل يونس بن بغا وعليه قباء ~~أخضر وهو سكران وقد احمرت وجنتاه، فقال المعتز: # PageV01P130 # شبهت حمرة وجهه في ثوبه %~% بشقائق النعمان في النمام # ثم قال: أجيزوه فابتدر بنان المغنى وقال: # والقد منه إن بدا في قرطق %~% كالغصن في لين وحسن قوام # وغضب عليه يوما فتنغص عيشه وبعد ذلك حضر فقال المعتز : # تغيب فلا أفرح %~% فليتك لا تبرح # وإن جئت عذبتنى %~% لأنك لا تسمح # وألفيت ما بين ذين (م) %~% لي كبد تجرح # على ذاك يا سيدي %~% دنوك لي أصلح # وكان المعتز بالله يحب من بين إخوته الموفق أبا [أحمد] طلحة بن المتوكل ~~لأنه كان أنجب الجماعة، وكان المعتز خلع عليه وتوجه وأمره بالجلوس على كرسي ~~بين يدي سدته . # ولما كان في يوم الاثنين سابع وعشرين رجب سنة خمس وخمسين ومائتين شغب ~~الجند وطلبوا المال وركب صالح بن وصيف وبايكباك ومحمد بن بغا ~~وهو أبو نصر، ووافوا باب الجوسق بسامراء ونفذوا إلى المعتز أن اخرج [إلينا] ~~فقال: # إني قد تناولت [95 أ] الدواء. فعاودوه فأدخلهم إلى عنده فلما رأوه جروا ~~برجله وأقاموه في الشمس وقالوا له: اخلع نفسك فخلع نفسه وأدخلوا القضاة ~~والشهود فشهدوا عليه بالخلع. وهربت أمه قبيحة من سرداب كان في الدار فنجت. ~~وكان السبب في ما جرى عليه، بعد قضاء الله تعالى، أمه قبيحة فإنهم طلبوا ~~منها خمسين ألف دينار فقالت: ما ms079 في الخزائن شيء ولا عندي مال فليقتنع كل ~~منكم بإقطاعه ومرسوماته فحين خلعوا ابنها وقتلوه أخذوا من خزانة واحدة ثلاث ~~مائة ألف دينار. ونفذ الأتراك إلى بغداد من جاء بمحمد بن الواثق فوصل ليلة ~~الأربعاء تاسع وعشرين رجب فبويع بالخلافة ولقبوه المهتدي بالله، واستصفوا ~~جميع ما كان للمعتز بالله ولأمه ولجميع أسبابهم من النعمة والأموال حتى ~~أخذوا من الخزائن جميعا ما كان قدره # PageV01P131 # ثلاثة آلاف ألف دينار من العين وثلاثة آلاف ألف أخرى من الجوهر. ولما ~~علموا أنه لم يبق له شيء أدخلوه حماما وسدوا عليه أبوابه حتى مات. وكانت ~~وفاته يوم الاثنين ثانى عشر شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين. # وكانت خلافته مذ بويع له بسر من رأى أربع سنين وستة أشهر وخمسة وعشرين ~~يوما. وكان مولده في الحادي عشر من ربيع الآخر سنة ثلاث وثلاثين ومائتين، ~~فعمره على هذا الحساب اثنتان وعشرون سنة وثلاثة أشهر وأيام. # وقد روى: أن عمره كان أربعة وعشرين سنة [59 ب] . # PageV01P132 ### || أمير المؤمنين المهتدي بالله # # [هو] محمد بن الواثق ويكنى [أبا] عبد الله، وأمه أم ولد اسمها «قرب» . # وحين وصل من بغداد إلى سامراء فوافاها يوم الأربعاء تاسع وعشرين رجب سنة ~~خمس وخمسين ومائتين وأرادوا أن يبايعوه في اليوم المقدم ذكره، قال: لا أفعل ~~حتى أسمع بأذني خلع المعتز نفسه فالمثل السائر: «لا يجتمع فحلان في شول ولا ~~سيفان في غمد» ، فأدخلوه إليه فسلم عليه بالخلافة وجلس بين يديه، ~~فقالوا له: ارتفع، قال: لا ارتفع إلا أن يرفعني الله بخلافته. ثم قال له: ~~يا أمير المؤمنين خلعت أمر البرية عن عنقك طوعا ورغبة، وكل من كانت لك في ~~عنقه بيعة فهو بريء منها؟ # فقال من الخوف: نعم! فقال: خار الله لنا ولك يا أبا عبد الله. ثم ارتفع ~~حينئذ إلى صدر المجلس وبايعه الناس واستوزر أبا صالح جعفر بن احمد بن عمار ~~ . # وكان المهتدي زاهدا ورعا صواما قواما، لم تعرف له زلة . وكان سهل ~~الحجاب كريم الطبع يخاطب أصحاب الحوائج بنفسه ويجلس للمظالم بنفسه. ms080 وكان ~~يلبس القميص الصوف الخشن تحت ثيابه على جلده. وكان يقول: لو لم يكن الزهد ~~في الدنيا والإيثار لما عند الله من طبعي لتكلفته وتصنعته فإن منصبي يقتضيه ~~فإني خليفة الله في أرضه والقائم مقام رسوله النائب عنه في أمته، وإني ~~ لأستحي أن يكون لبني مروان عمر بن عبد العزيز وليس لبني العباس مثله ~~وهم آل الرسول- صلى الله عليه وسلم- وبه ألزم وإليه أقرب. وكان الناس [60 ~~أ] يروون عن سفيان الثوري أنه كان يقول: «الخلفاء الراشدون خمسة، ويعد فيهم ~~عمر بن عبد العزيز» . ثم أجمع الناس في أيام المهتدي من فقيه ومقرئ ~~وزاهد وصاحب حديث أن السادس هو المهتدي بالله. # واتفق أنه سمع يوما، وهو بأعلى القصر يشرف على الناس وهم لا يرونه، رجلا ~~يقول لرجل: نصبت ميزاب سطحك في ملكي؟ بيني وبينك أمير المؤمنين، فسجد وبكى ~~ورفع رأسه وقال: الحمد لله الذي أرانى الدنيا هكذا، هذا والله قد طيب علي ~~الموت. # PageV01P133 # وحكى أن رجلا من الرملة تظلم إلى المهتدي من عاملها فأمر بإنصافه ~~وكتب له كتاب إليه فأخذه المهتدي ووقع فيه أسطرا بخطه وختمه بيده وسلمه إلى ~~الرجل وهو يدعو له. ورأى الرجل في ذلك المجلس أشياء من هذا الفن وشاهد من ~~رحمة المهتدي وبره بالرعية وتولية أمورهم بنفسه ما لم ير مثله فاستخفه ~~الطرب لذلك حتى سقط مغشيا عليه فنهض المهتدي يعاينه بنفسه فلما أفاق قال ~~له: ما شأنك؟ أبقيت لك حاجة؟ قال: لا والله ولكنى ما رجوت أن أعيش حتى أرى ~~هذا العدل. قال له: كم لزمك منذ خرجت من بلدك؟ قال: أنفقت عشرين دينارا قال ~~المهتدي: إنا لله! كان الواجب علينا أن ننصفك وأنت في بلدك ولا نحوجك إلى ~~تعب وكلفة وإذ لم يتفق ذلك فهذه خمسون دينار من بيت مال المسلمين فإني لا ~~أملك مالا فخذها لنفقتك قادما وراجعا واجعلنا في حل من تعبك وتأخر حقك. ~~قال: فبكى الرجل حتى غشي عليه ثانيا وأجهش بعضهم بالبكاء [60 ب] وبهت البعض ~~فقال واحد من الجماعة: # يا ms081 أمير المؤمنين أنت والله كما قال الأعشى: # حكمتموه فقضى بينكم %~% أبلج مثل القمر الزاهر # لا يقبل الرشوة في حكمه %~% ولا يبالي غبن الخاسر # فقال المهتدي: أما أنت فأحسن الله جزاءك، وأما أنا فما رويت هذا الشعر ~~ولا سمعت به ولكنى أذكر قول الله عز وجل: «ونضع الموازين القسط ليوم ~~القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا ~~حاسبين» فما بقي في المجلس إلا من استغرق في الدعاء والبكاء جهده ودعا له ~~بطول العمر ونفاذ الأمر. # وللبحترى فيه قصيدة بديعة يصف فيها زهده وسيرته ولبسه للصوف ~~وأولها: # إذا عرضت أحداج ليلى فنادها %~% سقتك غوادى المزن صوب عهادها # أما لبثة تقضى لبانة عاشق %~% بها أو يروى هائم باتئادها # PageV01P134 # وددت وهل نفس امرئ بملومة %~% إذا هي لم تعط الهوى من ودادها # لو أن سليمى أسجحت أو لو أنه %~% أعير فؤادي سلوة من فؤادها # وأحسد أن تسرى إلى من الهوى %~% عقابيل تعتاد الجوى باعتيادها # فكم نافسوا في حرقة إثر فرقة %~% تعجب من أنفاسها وامتدادها # وفي ليلة بعنا لطارق شوقنا %~% كرى أعين مطروقة بسهادها # غدا المهتدي بالله والغيث ملحق %~% بأخلاقه أو زائد في عدادها # حمدنا به عهد الليالي وأشرقت %~% لنا أوجه الآمال بعد اربدادها [61 أ] # إذا كرت الآمال فيه تلاحقت %~% مواهب مكرور الأيادي معادها # وقد أعجز العذال أن يتداركوا %~% لهى تسبق الألحاظ قبل ارتدادها # سرت تتبغاه الخلافة رغبة %~% إليه بأوفى قصدها واعتمادها # إمام إذا أمضى الأمور تتابعت %~% على سنن من قصدها أو سدادها # متى يتعمم بالسحاب تلث على %~% كفي لها يجتاز إرث اسودادها # وإن يتقلد ذا الفقار يضف إلى %~% شجاع قريش في الوغى وجوادها # له عزمة ما استبطأ الملك نجحها %~% ولا استعتب الأيام ورى زنادها # إذا شوهدت بالرأي بان اختيارها %~% وإن غاب ذو الرأى اكتفت بانفرادها # رشيدية في نجرها واثقية %~% يرى الله إيثار التقى من عتادها # وما نقلت منه الخلافة شيمة %~% وقد مكنته عنوة من قيادها # وما مالت الدنيا به حين أشرقت %~% له في تناهى حسنها واحتشادها ms082 # قال البحتري: فلما بلغت إلى قولي: # لسجادة السجاد أحسن منظرا %~% من التاج في أحجاره واتقادها # وللصوف أولى بالأئمة من سبا %~% الحرير وإن راقت بصبغ جسادها # استحسن هذين البيتين. # قال البحتري: فلما فرغت من إنشاد القصيدة قال لي: والله لقد أحسنت في ~~تينك # PageV01P135 # البيتين، إلا أننى علمت أنك قصدت بهما المعتز وما كنت أحب أن تنشدهما على ~~الملأ فأنسب إلى سماع غيبة أهلي وأنت إلى قلة المحافظة وسوء العهد وليس لي ~~مال أصلك به ولا أرى لك في بيت مال المسلمين حقا ولكنى أفعل معك [61 ب] ~~فعلا آخر، وأمر بإحضار أهله وأقاربه وقال لهم: أبو عبادة خطيب بيتنا وشاعر ~~دولتنا وليس في يدي شيء سوى الأموال التي في بيت مال المسلمين وهي وديعة في ~~يدي والله يسألنى عنها يوم القيامة ويحاسبني عليها فأجيزوا أبا عبادة عنى، ~~فجمعوا لي بينهم في الحال مائة ألف درهم. فقال المهتدي: يا أبا عبادة والله ~~ما ملكت عشرها قط ولا أملكه إن شاء الله. # وكان بايكباك التركي في أيامه قد خرب الدنيا ونهب العالم وقتل الرعية، ~~وشكى ذلك إليه فأمره دفعات بالكف عن ذلك فلم يقبل فأمر بقتله وجرى على ~~لسانه أن قال: # أريد قلع هؤلاء الأتراك وتطهير الدنيا منهم. فاجتمع الأتراك كلهم وخرجوا ~~عليه وقصدوه بسامراء فخرج إليهم إلى الميدان في نحو من عشرة آلاف فارس كلهم ~~ترك وبعضهم عرب وبعضهم مولدون وبعضهم مغاربة وكانوا هم في نحو من سبعين ~~ألفا فحاربهم فكسروه لأن الأتراك الذين كانوا في عسكره غدروا به وانضموا ~~إليهم ، وانهزم ودخل وفي حلقه مصحف معلق والبردة على كتفيه إلى بيت ~~رجل من أهل سامراء يعرف بابن جميل فدخلوا خلفه وقالوا: اخلع نفسك فما فعل ~~فأخذ أحدهم خصاه في يده وجعل يمرسها ساعة فمات . وكان قصيرا عريض ~~المنكبين واسع الجبهة طويل اللحية. وكان مولده بالقاطول. # فأما وزراؤه: فأولهم جعفر بن محمود [الإسكافي] وأبو صالح [جعفر بن أحمد] ~~ابن عمار، وسليمان بن وهب . # PageV01P136 ### || أمير المؤمنين المعتمد على الله # [62 أ] هو أبو ms083 العباس، أحمد بن جعفر المتوكل وأمه أم ولد يقال لها ~~«فتيان» . # بويع له في اليوم الذي مات فيه المهتدي، في رجب سنة ست وخمسين [ومائتين] ~~. # وزر له عبيد الله بن يحيى بن خاقان بعد أن امتنع فألزم ودبر الأمور ~~وأحسن التدبير وتوسع في الإنفاق من ماله حتى مات وعليه ست مائة ألف دينار ~~وذلك لخلو الخزائن من المال. ولم يكن للمعتمد من الخلافة سوى الاسم ~~والتدبير إلى وصيف وبغا. والشاعر فيهما يقول: # وملك مستعبد %~% بين وصيف وبغا # يقول ما قالا له %~% كما تقول الببغا # وتغلب آخر الأمر على الدولة أبو أحمد الموفق أخو المعتمد، وساس الأمور ~~أحسن سياسة وأصلح العالم بعد ما فسد وله الحق العظيم على الإسلام بما رابط ~~الزنج أربع عشرة سنة، فإن صاحب الزنج خرج وأخذ البصرة وبنى عشر مدن حواليها ~~ولولا الموفق لذهب ملك بنى العباس وملك الناس الزنج إلى يومنا هذا وكان له ~~من النجدة والشهامة وكبر الهمة ما فاق به أهل بيته من إخوته وعمومته وكان ~~يسمى السفاح الثاني لأن السفاح كان ابتداء الدولة وهذا أيضا ابتداء ~~الدولة وقد أشرفت على الزوال. وكان ابنه المعتضد يسمى المنصور الثاني ~~لشجاعته ودهائه وخبرته بالأمور، وسيجيء ذكره. وولى وزارته أبا الصقر ~~إسماعيل بن بلبل الشيباني ، ولم يبق للمعتمد على الله تصرف في أمر من ~~الأمور وإنما كان مستهترا بالشرب لا يبرح من الجوسق [62 ب] بسامراء ولا ~~يخرج منه إلا إلى متصيد أو متنزه حتى إنه بعد في الصيد إلى نواحي الشام ~~وكان الموفق يرابط الزنج بالبصرة فسمع بذلك فوقع على البريد إلى إسحاق بن ~~كنداجيق والى الشام أن يمنعه من العبور عليه ونفذ إلى العسكر الذين ~~معه يأمرهم أن يعيدوه فأعادوه صاغرا إلى سامراء . وحين قتل صاحب ~~الزنج تلقب بالناصر لدين الله، وكان بلى بشيء لو بلى به المنصور أو المأمون # PageV01P137 # لبعل به . فمن جملة ما بلى به ما كان أخوه منهمكا فيه من العشرة ~~وترك النظر في أمور المسلمين وكان يحتاج أن يتولى ذلك بنفسه. ms084 ومن جملة ذلك: ~~خروج صاحب الزنج واستيلاؤه على قطعة كبيرة من بلاد الإسلام، فلما ~~أراحه الله منه وأظفره به، خرج عمرو بن الليث بفارس وكرمان واحتاج ~~إلى قصده بنفسه وانتزاعها من يده، ثم بعد ذلك عصى أحمد بن طولون عليه بمصر، ~~هذا كله مع ذهاب الأموال وفراغ الخزائن وتضاعف النفقات فحسم هذه المواد ~~وقهر هؤلاء كلهم ودانت له الدنيا وأصلحها بعد فسادها. # وفي سنة إحدى وستين ومائتين ولى المعتمد على الله ابنه العهد ولقبه ~~«المفوض إلى الله» . وفي سنة ثمان وسبعين اشتدت علة الموفق وكان ابنه ~~أحمد محبوسا فأخرجه القواد من الحبس فدخل عليه فحين رآه أدناه وقبله وأومأ ~~إليهم أن يكون هو بعده أمين الدنيا، ثم أراد أن يكلمه فقال: أحمد، ~~ومات وذلك في ليلة الخميس لثمان ليال بقين من صفر من هذه السنة ودفن [63 أ] ~~بالرصافة وقام ابنه أحمد مقامه. # وحكى أحمد بن الموفق قال: رأيت في منامي وأنا محبوس أمير المؤمنين ~~علي بن أبى طالب- عليه السلام- يقول لي: أمر الخلافة يصل إليك فاعتضد بالله ~~وأكرم أولادي. قال: فانتبهت ودعوت الخادم الذي كان بخدمتي في الحبس وأعطيته ~~فص خاتم كان في يدي لا نقش عليه وقلت له: امض إلى الحكاك وقل له ينقش عليه: # المعتضد بالله أمير المؤمنين فقال لي: يا سيدي هذه مخاطرة بالنفس مع أبيك ~~وعمك، أين نحن من الخلافة وأين الخلافة منا وإنما غاية مأمولنا أن نتخلص من ~~هذا الحبس ونشم الهواء وتسلم لنا نفوسنا. فقلت له: لا تهذ وامض وافعل ما ~~آمرك به فإن أمير المؤمنين عليا ولاني الخلافة وهو لقبنى المعتضد بالله. ~~فمضى وعاد إلي بعد ساعة والفص معه وعليه مكتوب «المعتضد بالله أمير ~~المؤمنين» بأوضح خط وأبينه، فقلت له: اطلب لي دواة وكاغدا فجاءني بهما ~~فجعلت أقسم الدنيا. وأرتب الأعمال وأولي العمال والولاة وأصحاب الدواوين، ~~فبينا أنا في ذلك جاء القوم وأخرجونى. # PageV01P138 # وبعد موت الموفق أبى أحمد بأيام، دخل أحمد بن الموفق على عمه المعتمد على ~~الله بسامراء وقص عليه المنام وقال: ms085 إن لم تخلع ابنك من العهد برضاك فأنا ~~أخلعه بعدك فإن أمير المؤمنين عليا- كرم الله وجهه- ولانى هذا الأمر. فخلع ~~ابنه وولاه العهد بعده. # وقدم المعتمد بغداد ونزل بالقصر الحسنى الذي هو اليوم دار الخلافة ~~ومات به في رجب سنة تسع وسبعين ومائتين وكان موته [63 ب] بعد موت الموفق ~~بسنة وكان أسن من الموفق بستة أشهر. والبحتري لم يدرك خلافة المعتضد وإنما ~~أدرك إمارته. ورثى الموفق بالنونية وهي: # نسعى وأيسر هذا السعي يكفينا %~% لولا تطلبنا ما ليس يعنينا # نروض أنفسنا أقصى رياضتها %~% على مواتاة دهر لا يواتينا # إن أنت أحببت أن تلقى ذوى أسف %~% على فقيدهم فاحلل بوادينا # رزية من رزايا الدهر شاغلة %~% لناصر الدين عن أن ينصر الدينا # وكان الخليفة بالحقيقة في زمان المعتمد هو الموفق الناصر لدين الله، ولم ~~يكن للمعتمد منها إلا الاسم. ### ||| أما وزراء المعتمد : # فأولهم عبيد الله بن يحيى بن خاقان، وثانيهم ~~الحسن بن مخلد ثم سليمان بن وهب ثم إسماعيل بن بلبل ثم صاعد بن مخلد ثم ~~إبراهيم بن المدبر، هؤلاء كلهم إنما كان يوليهم الموفق ومرجعهم إليه. # PageV01P139 ### || أمير المؤمنين المعتضد بالله # هو أبو العباس [أحمد] بن الأمير الموفق الناصر لدين الله، أبى أحمد، طلحة ~~ابن جعفر المتوكل على الله. # بويع للمعتضد يوم الاثنين ثالث رجب من سنة تسع وسبعين ومائتين وله سبع ~~وثلاثون سنة لأن مولده كان في ربيع الأول سنة أربعين ومائتين، وأمه أم ولد ~~اسمها «ضرار» . # وكان المعتضد بالله أكمل الناس عقلا وأعلاهم همة، حلب الدهر أشطره وعاقب ~~بين شدته ورخائه. وكان مقداما عادلا سخيا، اجتمع فيه من محاسن [64 أ] الشيم ~~ومكارم الأخلاق ما تفرق في جماعة من أهل بيته وما كان يقر في دار الملك بل ~~قطع أيامه بالأسفار في شرق الأرض وغربها لغزو الكفار أو لقمع الخوارج. # وكان قد أبطل المضارب الكبار. وكانت غزواته شبيهة بالكبسات. وكان [قد] ~~أمر جميع عسكره أن يستصحب كل واحد منهم تحت ركابه الزاد والماء والمقدحة ~~والحراق. وكان يقول: ما أقصد أحدا على ms086 غفلة باسم الخلافة إلا هاله أمرى. ~~وكان إذا قصد ثغرا أو عدوا لا يعرف له خبر قبل وصوله إليه. وكان يبقى عليه ~~القباء السنة والأقل والأكثر لا ينزعه عن بدنه. وكان يقول: أن الذي أصلحت ~~الدنيا بعد ما فسدت ورددت ملك بنى العباس بعد ما ذهب، وكان صادقا في قوله. # وذكر مناقبه لا يتسع لها مجلدات، إلا أننى أذكر من ذلك ما يحتمل هذا ~~المختصر. # حكى أن تاجرا عامل بعض الأمراء أيام المعتضد بالله فمطله فشكا ذلك ~~إلى بعض أصدقائه فقال له: عليك بفلان الخياط إمام المسجد الفلاني فهو ~~يستخرج لك الحق منه. قال: فقصدت الخياط وسلمت عليه وشرحت له حالي وسألته في ~~استخلاص حقي فقال: حبا وكرامة ونفذ معى إليه رقعة لطيفة فعرضتها عليه فتغير ~~وجهه ثم أمر فسلم إلي المال في الحال فأخذته ووضعته في بيتي وعدت إلى ~~الخياط # PageV01P140 # وقلت له: يا سيدي ما الذي كان في رقعتك إلى هذا التركي وو الله ما أنت ~~إلا ساحر فإني قد تشفعت إليه بكل كبير من أركان الدولة وما نفعني ذلك شيئا. ~~فقال [64 ب] لي: أليس قد وصل إليك حقك؟ قلت: بلى! قال: فما لك ولهذا؟ قلت: ~~والله ما أفارقك أو تخبرني. قال: أنا رجل مؤذن وأصلى بالناس في هذا المسجد ~~فخرجت ليلة على عادتي لغلق الباب فرأيت غلاما تركيا سكران وهو يجاذب امرأة ~~ويجرها وهي تستغيث وهو لا يتركها فتقدمت إليه وتشفعت إليه في أمرها فلم ~~يقبل منى واجتمع أهل المحلة واجتهدوا بكل حيلة أن يخلصوها من يده فلم ~~يقدروا على ذلك وأخذها وأدخلها إلى بيته فصعدت المنارة وأذنت وهذا المسجد ~~كما تراه ملاصق لدار الخلافة فسمع المعتضد بالله أذانى ولم يكن وقت الأذان ~~وكان بعد جالسا ما نام. فبينا أنا بعد على رأس المنارة وإذا بخادم يطلبني ~~ويقول: أجب أمير المؤمنين فقلت: السمع والطاعة فأخذني وحملني إلى الخليفة ~~وهو جالس فقبلت الأرض ووقفت. فقال لي: # ما هذا الأذان في غير وقته؟ قلت: يا أمير المؤمنين إنما هذا ms087 شيء قصدته ~~تعمدا لتسمعه وعلمت من همتك العالية أنك لا تغفل السؤال عن مثله فإذا ~~سألتني عنه أخبرتك بسببه. قال: هات ما عندك، فقصصت عليه القصة فأمر في ~~الحال فأحضر التركي وأمر به فجعل في غرارة مملوءة نورة ودق بمداق حتى ~~اختلطت عظامه بها ورمى به في دجلة. وقال لي: كلما شاهدت منكرا أخبرنى به ~~والعلامة بيني وبينك الأذان في غير وقته. وقد تسامع الناس بذلك فكل من كانت ~~له حاجة يقصدني فأؤذن في غير وقت الأذان فيسمع المعتضد فيحضرني ويسألنى عن ~~سبب [65 أ] الأذان فأخبره بحال صاحب الحاجة فيأمر بقضاء حاجته. وحين قصدتني ~~شاكيا من غريمك كتبت إليه رقعة أقول فيها: «تعطيه حقه أو أؤذن؟» فأعطاك ~~حقك. # ومن جملة ما يحكى عن سياسة المعتضد بالله وعدله، أنه لما سافر إلى بلاد ~~فارس اجتاز بقراح بطيخ وإذا جماعة من الغلمان الأتراك قد تناولوا منه ~~عدة وصاحب القراح يستغيث وهم غير مكترثين به فحين وقعت أعينهم على المعتضد ~~رموا ذلك من # PageV01P141 # أيديهم وتهاربوا فوقف مكانه وأمر بهم فشدت أيديهم وأرجلهم وضرب كل واحد ~~منهم مائة مقرعة وهو يقول لهم: يا أولاد الزنا أنتم زرعتموه، أنتم سقيتموه، ~~أنتم تؤدون خراجه، أليس هذا ملك هذا الإنسان، أليس هو الذي تعب فيه وحرثه ~~وسقاه وأدى خراجه؟ أما كان في نعمتي عليكم سعة فتشترون ذلك منه؟ حتى جئتم ~~تأخذونه مجانا؟ وذلك الرجل واقف يضج بالدعاء له ويسأل في الغلمان وهو لا ~~يجيب سؤاله ثم التفت وقال له: كم عليك من الخراج كل سنة؟ قال: كذا وكذا ~~درهما، فأمر بأن يوقع له برفع الخراج عنه ثلاث سنين وقال له: اجعلني في حل ~~مما صدر منهم فهو بالحقيقة منى وأنا المطالب به في الآخرة والمعاتب عليه في ~~الدنيا. ثم سار حتى إذا وصل إلى المنزل أمر بالغلمان فصلبوا بعد أن أمر أن ~~تلثم وجوههم. ولما عاد من تلك السفرة إلى بغداد أمر بقتل طبيبة أحمد ~~بن الطيب وكان زنديقا. فقال له: # يا أمير المؤمنين إذا لم ms088 يكن لك بد من قتلى فلا تقتلني بالسيف فقال له ~~[65 ب] المعتضد: # فيما ذا؟ قال: تأمر أن أطعم كبابا وأسقى شرابا فإذا سكرت فصدت من كلتى ~~يدي إلى أن يستصفى دمي حتى لا أتألم بالموت. قال: لك ذلك، ثم أمر بما سأل ~~فيه، فحين فصد من كلتى يديه أصابته الصفراء وقام كالمجنون من أول ذلك ~~المجلس الذي كان فيه إلى آخره يومه أجمع ولم يتألم أحد بالموت كتألمه وما ~~نفعه طبه. # وحكى ابن حمدون النديم قال: كان له أصحاب أخبار يرفعون إليه ~~كل ما يجرى في الأسواق فرفع إليه بعض أصحاب الأخبار أن إسكافا قال لقطان، ~~وقد طالبه بدين كان له عليه وكان يمطله به، ما بقي للمسلمين من ينظر في ~~أحوالهم . # قال ابن حمدون: وكنا في مجلس الأنس فحين قرأ الرقعة احمرت وجنتاه وقامت ~~عيناه في رأسه وقال: هاتم سوادي ومنطقتي وسلاحي فجاءوا به فلبس السواد ~~وتمنطق وتقلد سيفا وأخذ في يده حربة وأمر بالقواد فأدخلوا إلى المجلس الذي ~~كان يجلس فيه للسلام. وخرج فجلس على السرير وقال لبدر الحاجب الكبير: علي ~~بفلان الإسكاف فما كان بأسرع من أن جاءوا به، فلما رأى المعتضد ارتعد ~~وأبلس. فقال له المعتضد: # PageV01P142 # ويلك ما الذي قلت اليوم لفلان القطان؟ فلم يحره جوابا وأعاد عليه القول ~~ثانيا فقال: يا مولانا ما قلت شيئا، قال: كذبت بل قلت له: ليس للمسلمين من ~~ينظر في أمورهم. ثم قال المعتضد له: ويلك فإن كان الأمر كما قلت فأين أنا ~~وأي شيء شغلي؟ # فسقط الإسكاف على وجهه مغشيا عليه [66 أ] ونهض المعتضد ثم أمر أن ينتصف ~~له من خصمه. # قال ابن حمدون: وكنا لما قام قد تبادرنا نحو المجلس الذي خرج إليه ونحن ~~ننظر ما يجرى من خصاصات الأبواب. فلما نهض بادرنا مسرعين وجلسنا في الموضع ~~الذي كنا فيه ومضى وخلع السواد والمنطقة وعاد إلينا فوقع علينا كلنا الضحك ~~فقال: مم تضحكون؟ فقلنا بأسرنا: يا مولانا رجل دائص عامي يجرى بينه ~~وبين عامي آخر كلام ms089 في السوق كان يمكنك حيث أردت حسم المادة في مثله أن ~~تأمر أقل غلمان الحجاب بزجره وكان ذلك يكفى، فقمت بنفسك ولبست سوادك وشهرت ~~سلاحك وخاطبته بنفسك وقد كان في بعض هذا بلاغ ومقنع. فقال: ليس الأمر كما ~~تظنون فإن العوام إذا أمرجوا في مثل هذا القول تجسروا على أمثاله وتناقلته ~~الألسن واشتهر عنى في البلاد فحسم مادته أول الأمر أشبه بالحزم وإنما توليت ~~خطابه بنفسي ليعلم الخاصة والعامة أن مثل هذا الأمر الحقير لا أهمله ولا ~~أكله إلى وزير ولا إلى حاجب فيكون مراقبتهم لي وخوفهم منى في الأمور الكبار ~~أشد وأعظم. قال: فحين سمعنا كلامه لم يبق فينا إلا من ضج بالدعاء له ~~والرغبة إلى الله تعالى في إدامة دولته. # وحكى ابن حمدون قال: كنا يوما عنده ونحن على مجلس المنادمة فوضع ~~خادم له رقعة بين يديه فقرأها ثم أمر بالدواة فأحضرت وأخذ درجا وكتب فيه ~~ونحن نرى ما يكتبه: «عامل كرج أهمل أمر عمله حتى دخل ديلميان إلى ~~مدينته في يوم كذا، اسم كل واحد منهما وحليته كذا [66 ب] وقد نزلا في موضع ~~كذا فساعة وقوفه على هذا التوقيع يقبض عليهما وينفذهما مقيدين على خيل ~~البريد والسلام» . # ثم قال للخادم: احمل هذا التوقيع إلى الديوان ومرهم بتنفيذه على البريد. ~~قال: # PageV01P143 # فتواقحت عليه وقلت: يا مولانا وإن دخل ديلميان إلى كرج أو عشرة من ~~الديالم ماذا يكون؟ قال: أقول لك ماذا يكون؟ قلت: نعم قال: إذا دخل اليوم ~~ديلميان ولم يتعرض لهم دخل غدا أربعة وصاروا بعد غد مائة وصعب على والى ~~البلد إخراجهم فتمكنوا وربما أخرجوه واستولوا على مدينة من مدن المملكة ~~وإذا استولى خارجي على مدينة قوى على غيرها بها وإذا أهملت مثل ذلك أفضى ~~الأمر إلى أن ينازعونى على هذا السرير الذي ورثته من آبائي. فقلت له: يا ~~أمير المؤمنين أنت أعرف بوجه المصلحة والله أعلم حيث يجعل رسالاته. # قال ابن حمدون : وكنت قد حلفت أيمانا بالمصحف والطلاق كلما يحصل لي ~~من القمار لا ms090 أصرفه إلا في القمار أو في ثمن نبيذ أو إلى جذر مطرب ~~فاتفق أنى لعبت يوما مع المعتضد بالنرد فغلبته ألف دينار ثم لعبنا ندبا آخر ~~فغلبته ألف [دينار] أخرى ثم هكذا حتى غلبته سبعة أنداب في كل ندب غلبته ألف ~~دينار وقلت له: أريد المال فالتفت عنى فأعدت القول عليه فقال لي: يا أحمق ~~وأنت تتوقع الآن منى سبعة آلاف دينار؟ قلت: نعم! قال: والله ما يكون هذا ~~أبدا. قلت له: # أتضغوا؟ قال: نعم والتفت إلى الحاضرين وقال لهم: اشهدوا علي أنى قد ضغوت ~~ . ثم قام وصلى فلما فرغ من الصلاة [67 أ] عاد إلينا وأمر فحمل من ~~الخزانة سبعة آلاف دينار فصبت على نطع بين يديه وقال لي: يا ابن حمدون، ~~قلت: # لبيك! قال: كنت سمعت منك أنك حلفت بأيمان لا مخلص لك منها أن كل ما يحصل ~~لك بالقمار لا تخرجه إلا في القمار وفي ما يشبه ذلك ولو أنى أعطيتك هذا ~~المبلغ بالقمار لما أمكنك صرفه إلا في القمار وإنما ضغوت عليك وتفرقنا عن ~~ذلك المجلس لأدفعه إليك هبة منى وصلة فتصرفه في ثمن قرية يعود عليك دخلها ~~وأيضا حتى لا يحكى عنى أنى قامرت في سبعة آلاف دينار من بيت مال المسلمين. ~~قال: فقمت وقبلت البساط ودعوت له وأخذتها واشتريت بها قرية كما أمرنى تغل ~~في كل سنة ألف دينار . # PageV01P144 # قال : وكان قد أمرنا إذا رأينا شيئا ننكره أن نقوله له وإن أطلعنا ~~له على عيب واجهناه به. فقلت له يوما، ونحن على مجلس أنس: يا مولانا، في ~~قلبي شيء أردت سؤالك عنه منذ سنين. قال: ولم أخرته إلى هذه المدة؟ قلت: ~~استصغاري لنفسي وهيبة الخلافة منعانى عن ذكره. قال: قل ولا تخف. قلت: ذلك ~~اليوم حين اجتزت في بلاد فارس وأمرت بضرب الغلمان وحبسهم قد كان ذلك كافيا ~~فلم أمرت بصلبهم وما اعتمدوا ما يستوجبون عليه القتل؟ قال: أو تحسب أن ~~المصلبين كانوا هم الغلمان؟ وبأى وجه كنت ألقى الله تعالى يوم القيامة لو ms091 ~~صلبتهم جزاء على غصب البطيخ وإنما أمرت بإخراج أقوام من قطاع الطريق قد وجب ~~عليهم القتل وأمرت بأن يلبسوا أقبية الغلمان وقلانسهم إقامة للهيبة ~~في قلوب العسكر حتى [67 ب] إذا علموا أنى إذا كنت أصلب أخص غلماني على غصب ~~بطيخ فكيف أكون مع غيرهم في غصب ما زاد على ذلك؟ وإنما أمرت عند صلبهم ~~بتلثيمهم ليتستر الأمر على الناس. ثم قال لي: أبقى عندك شيء؟ قلت: لا، قال: ~~بلى والله أرى في وجهك كلاما، قلت: أقول عن إذنك؟ قال: قل، قلت: أحمد بن ~~الطيب طبيبك وخاصك وغرس دولتك لم قتلته؟ قال: ويلك إني كنت سمعت أنه زنديق ~~ولم أصدق ذلك عليه فجاءني في خلوة يدعونني إلى دين الزندقة فقلت له: إني ~~ابن عم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وقائم في مقامه وخليفة الله في أرضه ~~فإذا تزندقت من أكون؟ # فأخذ يراجعني ويلح علي ففعلت به ما فعلت ولم أعلم أحدا بسبب ذلك حتى لا ~~يكون ذلك عارا على أعقابه واحتملت ما علي في ذلك من قلة الوفاء وسوء العهد ~~وقد أحوجتنى الآن إلى ذكره واكتم أنت ذلك أيضا عليه. # وقال ابن حمدون: ما رأيت في عمري أقوى قلبا ولا أشجع من المعتضد. # انفرد يوما عن العسكر وكنت معه لا ثالث لنا فلما بعدنا عن الخيم وصرنا في ~~وسط الصحراء خرج علينا الأسد وقرب وقصدنا فقال لي: يا ابن حمدون أفيك خير؟ ~~قلت: # PageV01P145 # لا يا سيدي قال: ولا تلزم لي فرسي؟ قلت: بلى! فنزل عن فرسه ولزمتها وتقدم ~~إلى الأسد وأنا أراه وجذب سيفه فوثب الأسد عليه ليلطمه فتلقاه بضربة وقعت ~~في جبهته فقسمها نصفين ثم وثب الأسد وثبة أخرى إلا أنها كانت أضعف من ~~الأولى فتلقاه بضربة أخرى أبان بها يده ثم رام أن يثب [68 أ] أخرى فصار ~~المعتضد وراءه وركبه ورمى بالسيف عن يده وأخرج سكينا كانت في وسطه فذبحه من ~~قفاه ثم قام وهو يمسح السكين والسيف بشعر الأسد وعاد وركب فرسه وقال: إياك ~~أن تخبر بهذا ms092 أحدا فإنما قتلت كلبا. # قال ابن حمدون: وإلى أن مات المعتضد والله ما تحدث بهذا ولا قال يوما على ~~صحو ولا سكر إني قتلت الأسد ولا عاتبني على ترك معاونتى له ولا أظهر لي ~~تغيرا. # وقد كان المعتضد يستشعر من عبد الله بن المعتز وأراد القبض عليه وحبسه ~~فقال له وزيره عبيد الله بن سليمان بن وهب: يا أمير المؤمنين إن عبد الله ~~بن المعتز لا يحدث نفسه بالخلافة وإنما همته في شعر ينظمه أو كتاب يصنفه ~~وليس موضعا للاستشعار منه حتى قال فيه عبد الله بن المعتز: # رب أستبقيك نفس ابن وهب %~% وسميعا قد دعوت مجيبا # رب خطب كان منه مجنى %~% فوقى الخوف وجلى الكروبا # لست ما عشت ألين لدهر %~% بل ألاقيه عبوسا قطوبا # رب ليل نمته وابن وهب %~% ساهر يطرد عنى الخطوبا # وفي سنة ثمان وثمانين ومائتين مات عبيد الله بن سليمان وولى المعتضد ابنه ~~القاسم بن عبيد الله مكانه. ولابن المعتز يرثيه من كلامه: # قد استوى الناس ومات الكمال %~% وقال صرف الدهر أين الرجال # هذا أبو القاسم في نعشه %~% قوموا انظروا كيف تزول الجبال # يا حارس الملك بآرائه %~% بعدك للملك ليال طوال [68 ب] # وفي هذه السنة وقع المعتضد إلى الأمير إسماعيل بن أحمد بن سامان واليه ~~بما وراء النهر # PageV01P146 # بقصد عمرو بن الليث الخارجي بخراسان فقصده وتلاقيا على شط جيحون فكسره ~~الأمير إسماعيل وأخذه أسيرا ونفذ به إلى الحضرة وكان قبل ذلك قد نفذ ~~عمرو رسولا إلى بغداد بالتحف والهدايا للمعتضد وأركان دولته ليزول عنه اسم ~~العصيان وكان في جملة ذلك الحمل مما أهداه إلى الخليفة جمال. فحين جيء به ~~أسيرا أمر [المعتضد] فأركب جملا وشهر في الأسواق والدبادب تضرب بين يديه ~~وكان ذلك الجمل مما أهداه إلى الخليفة. وفي ذلك يقول أبو الحسن علي بن ~~الفهم : # ألم تر هذا الدهر كيف صروفه %~% يكون يسيرا أمره وعسيرا # وحسبك يا ابن الليث نبلا وعزة %~% تروح وتغدو في الجيوش أميرا # حباهم بأجمال ولم يدر أنه %~% على جمل منها ms093 يقاد أسيرا # وكان ابن الليث صفارا من أهل فارس تغلب على خراسان وأخذها من بنى طاهر ~~حتى نفذ المعتضد إلى الأمير إسماعيل بن أحمد فكفاه أمره ولمحمد بن ~~بسام فيه، وقد أركب الجمل وسود وجهه وكان يرفع يده إلى السماء ويدعو بكلام ~~لا يسمعه أحد: # أيها المغتر بالدنيا أما أبصرت عمرا %~% مقبلا قد ركب الفالج بعد الملك ~~قسرا # رافعا كفيه يدعو الله إسرارا وجهرا %~% أن ينجيه من القتل وأن يعمل صفرا ~~[69 أ] # وكان المعتضد يستحسن قول سلم الخاسر في موسى الهادي: «موسى المطر غيث ~~بكر» ، ويقول: هذا صعب لأنه كلما تحرك القائل لحقته القافية، فقال يحيى ابن ~~علي المنجم يمدحه : # طيف ألم بذي سلم بين الخيم %~% يطوى الأكم يشفى السقم # ثم انصرم فلم أنم شوقا وهم # PageV01P147 # ومنها في المدح: # أحمد لم سد الثلم حوى الهمم %~% وما احتلم جلى الظلم # رعى الذمم حمى الحرم %~% له النعم مع النقم فالخير جم # إذا ابتسم والماء دم إذا انتقم # ولما دخلت سنة تسع وثمانين ومائتين مرض المعتضد من كثرة أكل الصحناء ~~والكوامخ والسموك المملحة ومات في يوم الجمعة التاسع عشر من ربيع ~~الآخر من هذه السنة، ودفن في بغداد بدار محمد بن عبد الله بن طاهر . ~~وكان ابن خمس وأربعين سنة. وكانت خلافته تسع سنين وتسعة أشهر. وقال فيه ابن ~~عمه عبد الله ابن المعتز يرثيه : # يا دهر ويحك ما أبقيت لي جلدا %~% وأنت والد سوء تأكل الولدا # يا ساكن القبر في غبراء مظلمة %~% بالطاهرية مقصى الدار منفردا # أين الجيوش التي قد كنت تصحبها %~% أين الكنوز التي أحصيتها عددا # أين السرير الذي قد كنت تملؤه %~% مهابة من رأتها عينه ارتعدا # أين الأعادي الذي ذللت صعبهم %~% أين الليوث التي صيرتها نقدا # أين الوفود على الإيوان عاكفة %~% ورد القطا صفو ماء جال واطردا # أين القصور التي شيدتها فعلت %~% ولاح فيها سنا الإبريز واتقدا # أين الجنان التي تجرى جداولها %~% وتستحث إليها الطائر الغردا [69 ب] # أين الوصائف كالغزلان رائحة %~% يسحبن من حلل موشية جددا # أين الملاهي ms094 وأين الراح تحسبها %~% ياقوتة كسيت من فضة زبدا # أين الجياد التي حجلتها بدم %~% وكن يحملن منك الضيغم الأسدا # أين الرماح التي غذيتها مهجا %~% مذ مت ما وردت قلبا ولا كبدا # أين السيوف وأين النبل مرسلة %~% يصبن ما شئت من قرن وإن بعدا # أين المجانيق أمثال الفيول إذا %~% رمين حائط حصن قائما قعدا # PageV01P148 # أين الوثوب على الأعداء مبتغيا %~% صلاح ملك بنى العباس إذ فسدا # قد انقضيت فلا عين ولا أثر %~% حتى كأنك يوما لم تكن أحدا # وله فيه من أخرى: # ألست ترى موت العلى والمحامد %~% وكيف دفنا الخلق في قبر واحد # وللدهر أيام تسيء عوامدا %~% ويحسن إن أحسن غير عوامد ### ||| وأما وزراء المعتضد بالله: # فهم عبيد الله بن سليمان بن وهب، وكان ~~يرمى بالأبنة، وابنه القاسم بن عبيد الله وكان كذلك وكان جده سليمان ~~بن وهب من المشهورين بهذه العلة، وفيهم يقول الشاعر: # إذا رأيت بنى وهب بمنزلة %~% لم تدر أيهم الأنثى من الذكر # قميص أنثاهم ينقد من قبل %~% وقمص ذكر انهم تنقد من دبر # [1] وفي سليمان بن وهب خاصة يقول الشاعر: # يا من يقلب طومارا وينشره %~% ماذا بقلبك من حب الطوامير # شبهت شيئا بشيء أنت تأمله %~% طولا بطول وتدويرا بتدوير [70 أ] # وفيه أيضا قيل: # إن في الديوان شيخا %~% يشتهي في الاست داخل # يا سليمان بن وهب %~% في حرام المتغافل # وكان الحاجب الكبير وقائد الجيش في أيام المعتضد بالله بدر ~~المعتضدي ويكنى أبا النجم. # وانقضت أيام المعتضد بالله- رحمة الله عليه-. PageV01P149 ### || أمير المؤمنين المكتفي بالله # هو أبو محمد، علي بن المعتضد بالله. وأمه جارية تركية اسمها «ججك» ~~. # بويع له بعد وفاة أبيه بيومين ولم يل الخلافة بعد النبي- صلى الله عليه ~~وسلم- من اسمه علي إلا علي بن أبى طالب- صلوات الله عليه- والمكتفي بالله ~~ . وكان أبوه، حين اشتدت علته، سئل في أن يعهد إلى أحد فقال: والله ما ~~أسمى لها أحدا ولقد كفاني ما تقلدت منها فبايعوا من شئتم. فأجمعوا على ~~المكتفي. # وحين استقر في الخلافة أكرم أهله ووصلهم وسائر بنى هاشم وخلع على ms095 عبد ~~الله ابن المعتز وأمره أن يركب إلى المواكب في سواد وبسيف بحمائل ففعل ما ~~أمره به ثم أراده لمنادمته فاعتذر «بأن بى سلس البول وإني أحتاج إلى القيام ~~في كل يوم دفعات ولا يليق ذلك بمجالس الخلفاء» . # وكان المكتفي يجلس للمظالم بنفسه ورد حقوقا كثيرة. # وكان بدر المعتضدي مستشعرا من المكتفي ببلاد الجبل لمنافسة كانت بينهما ~~في أيام المعتضد فكتب إليه المكتفي كتابا بيده هذه نسخته: «أمتعنى ~~الله ببقائك، ثق بالله عز وجل وبما لك عندي [70 ب] فإني عالم بنيتك واثق ~~بأمانتك ولا تستشعر مما كان بيننا فإن تلك كانت حال منافسة وهذه حال خلافة ~~وأنا أحق من عبد الملك بن مروان بقول الأخطل: # شمس العداوة حتى يستقاد لهم %~% وأعظم الناس أحلاما إذا قدروا # فلما قرأ خطه طابت نفسه وبادر إلى بغداد فلما وصل إلى النهروان أوقف له ~~القاسم ابن عبيد الله الوزير من اغتاله وقتله وحسن ذلك للمكتفى لأنه كان ~~غالبا على أمره. # ومن أعجب الأشياء أن المعتضد بالله لما مات عبيد الله بن سليمان ذكروا ~~عنده جماعة للوزارة فقال بدر، وكان هو المعتضد على الحقيقة: يا أمير ~~المؤمنين القاسم عبدك وربيب نعمتك ونشؤ دولتك وفيه كفاية وله دربة بالعمل، ~~ولو راعيت حق أبيه مع كفايته لكان أولى من غيره وردد عليه القول حتى ~~استوزره على كره منه. فلما خرج بدر # PageV01P150 # من حضرة المعتضد بالله قال المعتضد لمن حضر: والله ما يقتل بدرا سوى ~~القاسم فكان كما قال . وحين جيء برأس بدر إلى المكتفي وأظهر القاسم ~~أنه كان عدوا لدولته قال يحيى بن علي المنجم تقربا إلى قلب القاسم: # بعدا لمن لا يشكر الإنعاما %~% ويرى لمولاه عليه ذماما # أولى الأنام بأن يهان ويسلب %~% الإكرام من لا يعرف الإكراما # لم يدر لما أرضعته درها %~% الدنيا بأن مع الرضاع فطاما # ولم تطل بعده مدة القاسم بن عبيد الله فإنه توفى في سنة إحدى وتسعين [71 ~~أ] ومائتين وانتشر موته في دولة المكتفي. وكان إذا التفت إلى وزيره ~~بعده وأصحابه ms096 ينشد: # ولما أبى إلا جماحا فؤاده %~% ولم يسل عن ليلى بمال ولا أهل # تسلى بأخرى غيرها فإذا التي %~% تسلى بها تغرى بليلى ولا تسلى # وولى المكتفي بعده العباس بن الحسن. # وحكى محمد بن يحيى الصولي في كتاب الوزراء، قال: لقد رأيت عجبا، ~~كنا في عزاء القاسم وفيه جميع أهل بغداد وأركان الدولة وأرباب المناصب وفي ~~الجملة العباس بن الحسن، فحين صلينا عليه وأردنا الانصراف تقدم العباس بن ~~الحسن إلى ولديه فقبل يديهما، ولما كان قريبا من الظهر استوزر المكتفي ~~العباس بن الحسن وجلس في الديوان ينظر إلى بعد العصر ثم نهض وعاد إلى ~~العزاء وكان القاسم قد دفن في داره فمضى لزيارة القبر فتلقاه ولدا القاسم ~~وقبل كل واحد منهما يده، هذا في يوم واحد وما طالت المدة. # وحكى الصولي قال: ما رأيت أكرم من المكتفي، كنا يوما بين يديه فقال ليحيى ~~ابن علي المنجم : يا يحيى بالله عليك كيف أشرت على أبى أن يولى العهد ~~غيري وقلت في ذلك شعرا؟ فحلف واجتهد وقال: يا سيدي لقد كذب علي وكيف كنت ~~أقول ذلك؟ ألست القائل لمولانا المعتضد لما سار إلى آمد في قصيدة طويلة ~~أولها: # PageV01P151 # ينتثر الدر من تكلمها %~% ويلمع البرق من تبسمها # وقلت فيها [71 ب] : # إن عليا علا بهمته %~% حيث الثريا في بعد أنجمها # حكى أباه بفضله وغدا %~% من العرى آخذا بأحزمها # فقال له: يا يحيى قلت له ذاك أولا وحيث لم يصغ إلى كلامك قلت هذا ولست ~~محتقدا عليك بذلك ولا أريد أن أجازيك على ذلك بسوء، معاذ الله أن يكون عندي ~~من المسألة ما لا أحتمل به مثل هذا وإنما ذكرتك به لأمر لك بصلة في مقابلته ~~فإنه ما أساء إلي أحد إلا أحسنت إليه وأمر له بخمسين ألف درهم. # ومات المكتفي بالله في يوم السبت ثانى عشر ذي القعدة [من] سنة خمس وتسعين ~~ومائتين ودفن في دار محمد بن عبد الله بن طاهر. وقيل له في مرضه: لو ~~وكلت بعبد الله بن المعتز ومحمد بن ms097 المعتمد، قال: ولم؟ قيل له: لأن الناس ~~يرجفون بهما للخلافة بعدك فتستظهر لئلا يخرج الأمر من أخيك جعفر، فقال: هل ~~سمعتم من أحدهما أنه أحدث علينا خلافا؟ فقيل له: لا، فقال: فأى ذنب لهما ~~بإرجاف الناس لهما بهذا الأمر؟ أليس هما من أولاد الخلفاء؟ فلا تعرضوا ~~لهما. # وكان وزيره حين مات العباس بن الحسن ، وحين دخل عليه ورآه ميتا ~~تمثل ببيتى أعشى همدان: # وما تزود مما كان يجمعه %~% سوى حنوط غداة البين في خرق # وغير نفحة أعواد تشب له %~% وقل ذلك من زاد لمنطلق (408) # وانقضت أيام المكتفي- رحمة الله عليه-. # PageV01P152 ### || أمير المؤمنين المقتدر بالله # [72 أ] هو أبو الفضل، جعفر بن المعتضد، بويع له يوم الأحد لثلاث عشرة ~~ليلة خلت من ذي القعدة سنة خمس وتسعين ومائتين. وأمه أم ولد رومية اسمها ~~«شغب» وكان سنه ثلاث عشرة سنة. واختلفوا في بلوغه. و [لما] كان وقت فراغهم ~~من أمر المكتفي ودفنه بادر صافى الحرمي لاحدار المقتدر من بيته ~~بالجانب الغربي بالموضع المعروف بدار ابن طاهر وحمل معه شبارة وأجلسه فيها ~~وأحدره فاجتازوا على دار الوزير العباس بن الحسن، وكانت داره على شاطئ ~~دجلة، فلما حاذوا الدار خرج العباس ووجوه أصحابه بالشموع يتوقعون أن يدخل ~~المقتدر إلى داره ليكون أخذ البيعة بها فخاف صافى الحرمي من حيلة فصاح ~~بالملاحين فما عرجوا بل انحدروا وجها واحد إلى الحسنى . وحين دخل ~~الحسنى صلى أربع ركعات وجلس على السرير وحضر الوزير والقواد وبايعه الناس. ~~وتولى حجبته نصر القشوري. # وكان أول حادث حدث في أيامه قتل الوزير العباس بن الحسن وكان ~~الوزير قد سمع أن جماعة من القواد يريدون الفتك به إذا ركب إلى دار ~~السلطان. # وكان إذا كرر ذلك عليه يتمثل بهذا البيت: # زعم الفرزدق أن سيقتل مربعا %~% أبشر بطول سلامة يا مربع # وكان شيخ الكتاب وزمام الدواوين كلها في أيام المقتدر وفي أيام المكتفي ~~وفي أيام المعتضد علي [بن عيسى] بن داود [بن] الجراح ، فدخل ابن ~~الجراح يوما على الوزير العباس بن الحسن وخوفه وقال ms098 له: قد عزم [72 ب] ~~الجماعة على الفتك بك وكل واحد منهم قد صار رأسا بنفسه لصغر سن الخليفة ~~فقال له الوزير: # هذا تقوله من خور طبعك وضعف قلبك، وهب كان الأمر على ما ذكرت كيف أخاف من ~~هؤلاء الذين تذكرهم والحسين بن حمدان يسايرنى ويركب معى كل يوم. # وكان لقضاء الله وقدره هو الذي قتله. فإنه ركب يوما إلى دار السلطان وكان ~~المقتدر في ذلك اليوم قد ركب إلى الحلبة ليضرب بالصوالجة وتأدى الخبر إلى ~~صافى الحرمي بما # PageV01P153 # عزم عليه القوم فبادر إلى المقتدر وهو بالحلبة فأعلمه بذلك وأدخله سالما ~~إلى الدار وتأدى مثل ذلك إلى الوزير فلم يرتقع به وسار على عادته من ~~ناحية الثريا والعساكر تسايره وعلى يمينه الحسين بن حمدان وعلى شماله فاتك ~~المعتضدي، فلما بلغ إلى مكان يعرف بمقسم الماء سل الحسين بن حمدان ~~سيفه وضربه ضربة حل بها عاتقه فقال له: فاتك أي شيء تفعل؟ فثنى به وعاد ~~وضرب الوزير ثانية وثالثة وضربه بعده وصيف بن سوارتكين فسقط ميتا ووقع ~~النهب في دوره وما يليها من دور العامة . وكان لذلك سببان : # أحدهما: تغلبه على الخلافة لصغر سن المقتدر وقلة اكتراثه بالجند. # والثاني: أنه كان عشق جارية للحسين بن حمدان وراسلها في أن تحضر عنده ~~وكتب إليها رقاعا بخطه وعرضتها الجارية على سيدها وكانت أم أولاده ومقربة ~~عنده فاحتقد ذلك عليه مع أشياء لا يحسن ذكرها . # وحين صليت الظهر قصدوا بأسرهم دار عبد الله بن المعتز وبايعوه [73 أ] ~~وحضرت صلاة المغرب ولا يشك أحد في تمام الأمر له وضربت النوبة على ~~بابه وسمعت أيضا أصوات دبادب من دار السلطان تضرب للمقتدر وكذلك ضربت ~~النوبة من الجانبين في صلاة العتمة وصلاة الفجر من يوم الأحد. لأن بيعة ابن ~~المعتز كانت وقت الظهر من يوم السبت وسمى نفسه «المنتصف بالله» واستوزر ~~محمد بن داود ابن الجراح . وكان قد تخلف في دار السلطان مع المقتدر ~~سوسن الحاجب وصافى الحرمي ومؤنس الخازن ومؤنس الخادم المعتضدي وعدة من ~~الغلمان. ms099 وأما سائر الجند من العرب والترك وغيرهم وسائر الكتاب والقضاة ~~فكلهم أصبحوا ومضوا إلى دار الخليفة المنتصف بالله أبى العباس عبد الله بن ~~المعتز . # وكان ابن المعتز دبر في الليل وقسم الجند قسمين: قسم يقصدون الدار من ~~جانب الماء وقسم يقصدون الدار من جانب البر إن امتنع المقتدر والجماعة ~~الذين في الدار عن تسليمها. # PageV01P154 # وفي بكرة يوم الأحد وجه الوزير إلى صاحب خزانة الكسوة [يأمره] بتنفيذ ~~البردة والقضيب والخاتم فجاء الرسول يقول: إن مولانا المقتدر قد لبسها. ~~فلما بلغ ذلك إلى ابن المعتز التفت إلى من حوله من الكتاب والقضاة والأجناد ~~وقال: قد آن للحق أن يتضح وللباطل أن يفتضح. فقال له محمد بن خلف المعروف ~~بوكيع : # أمير المؤمنين أعزه الله كما قال أبو العتاهية لجده المهدي: # أتته الخلافة منقادة %~% إليه تجرر أذيالها # فلم تك تصلح إلا له %~% ولم يك يصلح إلا لها # وأنشده الأبيات إلى آخرها. ثم قال ابن المعتز: ادعوا لي الحسين بن حمدان ~~فدعوه فقال له: تركب إلى الحسنى فقال: الأمر لأمير المؤمنين. فقال له: قدم ~~قوما يركبون من جهة الماء في السفن ليشغلوهم ونركب نحن من البر وتقدم قبلي ~~قال: # الأمر لك. وخرج الحسين وأمر قوما من الجند بالركوب في الحراقات والزبازب ~~لقصد الدار من ناحية الماء فتكاسلوا تهاونا لمن بالدار وركب هو من ناحية ~~الحلبة فرأى ما لا يعد من العامة حول الدار بالأسلحة يعاونون من بها وقد ~~قويت قلوبهم بهم وخرجوا يناوشون أصحاب الحسين بن حمدان فحاربهم ساعة فأصابه ~~حجر مقلاع شج وجهه وسهم في جنبه فكر راجعا إلى داره ليشد جراحته وكان هو ~~مقدم الجيش فلما رآه العسكر كذلك كروا راجعين وانهزموا. وقصد داره وشد ~~جراحته ودخل إليه إنسان من عسكره فأعلمه أنه لم يبق من العسكر أحد حول ~~الدار وأن الغلبة للعامة وأن المقتدر قد ركب، فقام الحسين بن حمدان وركب ~~وحده وأخذ طريق سامراء عائدا إلى ولايته وهي الموصل ثم إن العامة ~~تكاثروا ورموا من كان قد بقي من العسكر بالأجر ms100 وصاحوا: المقتدر بالله يا ~~منصور. وسمع ابن المعتز الضجة فقال: ما الخبر؟ دخل ابن حمدان الحسنى؟ ثم ~~قال: قدموا الفرس لأركب فقيل له: إن ابن حمدان قد هرب على وجهه والجند قد ~~تبددوا فقال: العامة معنا أو علينا؟ فقالوا له: بل علينا، فأنشد هذا ~~المصراع: # ليس يومى بواحد من ظلوم # [74 أ] # PageV01P155 # يعنى أن عامة بغداد كانوا عونا على أبيه المعتز في نوبة للمستعين. ثم ~~قربت منه الأصوات حتى قربوا من داره ورموها بالمقاليع فأراد أن يأخذ لنفسه ~~من جانب الماء فاطلع على الروشن فرأى ما أراد أن يفعله هو قد فعله أصحاب ~~المقتدر وإذا بنحو خمس مائة قطعة من السفن تقبل مصعدة إلى داره من نحو دار ~~السلطان وفيها الدبادب والبوقات والغلمان بالعدة والأسلحة وجماعة من ~~النفاطين بالزراقات والمقدم عليهم غريب خال المقتدر. فحين رآهم نحب قلبه ~~وأيقن بالهلاك وجعل من بقي من الناس عنده في الدار يتسلمون واحدا واحدا ~~ويخلطون أنفسهم بالعامة وبعضهم رمى بنفسه إلى الماء فسبح ونجا. وجاء القوم ~~وأخذوا عبد الله بن المعتز وأحدروه إلى دار السلطان على أقبح حال . # قال أبو بكر، محمد بن يحيى الصولي في كتاب الأوراق: كنت واقفا تحت دار ~~السلطان في جملة النظارة وأنا أراه وقد أخرجوه من الشبارة التي كان فيها ~~وعليه جبة مصمت تبنية وهو حافى وكان سوسن الخادم واقفا على باب الماء فصفعه ~~صفعة وقع على وجهه فلعنه كل من حضر وقالوا له: الذي يراد به أكثر من هذا ~~فما معنى هذه الإهانة؟ وأدخل الدار ولف في كساء وشد طرفاه حتى اختنق وحمل ~~إلى داره ودفن بها. وكان آدب بنى العباس وأشعرهم وأعرفهم بالفقه والأحاديث ~~والقرآن، إلا أن حرفة الأدب أدركته . # وخلع المقتدر على أبى الحسن علي بن محمد بن موسى بن الفرات وقلده الوزارة ~~يوم الاثنين الثاني والعشرين من ربيع الأول سنة خمس [74 ب] وتسعين ومائتين ~~وركب في الخلع والناس معه إلى داره. # وفي يوم الأربعاء رابع ذي الحجة قبض المقتدر بالله على ابن الفرات ms101 وعلى ~~جميع أسبابه وقلد الوزارة أبا علي محمد بن عبيد الله بن يحيى بن خاقان ~~المعروف بدق صدره وخلع عليه وقلده سيفا وانصرف إلى منزله بباب ~~الشماسية والقواد بين يديه. وولى ابنه عبد الله بن محمد خلافة أبيه في ~~الوزارة. # PageV01P156 # وفي سنة إحدى وثلاث مائة عاد علي بن عيسى بن الجراح من مكة، شرفها الله ~~تعالى، وقبض المقتدر على الخاقاني وابنه وولى علي بن عيسى الوزارة . # في سنة أربع وثلاث مائة قبض المقتدر على علي بن عيسى في ذي الحجة وأعاد ~~ابن الفرات إلى الوزارة وهي وزارته الثانية. ويقال إنه حين خلع عليه ~~بالغداة زاد في آخر النهار في ثمن الشمع والكاغد والثلج في كل من قيراط ~~لكثرة استعماله لها وكان يخرج في كل يوم إلى دار العامة من الثلج أربعون ~~ألف من سوى ما كان لخاصته وبيت شرابه. # وفي سنة ست وثلاث مائة قبض على ابن الفرات واستدعى حامد بن العباس من ~~واسط، وكان واليا عليها فقلد الوزارة وأضيف إليه علي بن عيسى لتنفيذ الأمور ~~وفيهما قيل: # ذاك سواد بلا وزير %~% وذا وزير بلا سواد # وفي سنة إحدى عشرة وثلاث مائة قبض على حامد بن العباس وأعيد ابن الفرات ~~إلى الوزارة وهي وزارته الثالثة ونفى حامد بن العباس إلى واسط فدس عليه ابن ~~الفرات من قتله بالسم . # وفي أيام حامد بن العباس صلب [75 أ] الحسين بن منصور الحلاج بعد ما ظهرت ~~منه أمور اقتضت إباحة دمه فصلبوه بفتوى قاضى القضاة أبى عمر وجماعة ~~الفقهاء. وكان جماعة من أهل بغداد يحتفظون ببوله في القوارير وبنجاسته في ~~البراني. وكان من جملة هؤلاء القوم نصر القشوري الحاجب وعدة من خواص ~~الدار. وظهرت له فضائح لا يحسن ذكرها . # وفي سنة اثنتي عشرة وثلاث مائة قبض على ابن الفرات في ربيع الأول وولى ~~مكانه أبو القاسم عبد الله بن أبى علي الخاقاني وهرب المحسن بن ~~الفرات واختبأ عند امرأة فظفروا به وحملوه إلى دار السلطان وقطعوا رأسه ~~ووضعوه بين يدي أبيه ثم حزوا ms102 رأس أبيه وحملوا الرأسين إلى المقتدر . # PageV01P157 # [قيل لما ورد الحسين بن حمدان إلى بغداد مع مؤنس وشهر على جمل فدوروه ~~جميع البلد وعلى رأسه البرنس امتنع ولده عن وضع البرنس على رأسه فقال ~~الحسين: ألبسه يا بنى فإن أباك ألبس البرانس أكثر هؤلاء الذين تراهم. ونصبت ~~القباب بباب الطاق وركب أبو العباس بن المقتدر وبين يديه نصر الحاجب ومعه ~~الحربة وخلفه مؤنس وعليهم السواد. ولما صار الحسين بن حمدان بسوق يحيى قال ~~له رجل من الهاشميين: # الحمد لله الذي أمكن منك. فقال الحسين: والله لقد امتلأت صناديقى من ~~الخلع والألوية وأفنيت أعداء الدولة وإنما أصار بى إلى ما ترى الخوف على ~~نفسي وما الذي نزل بى إلا دون ما سينزل بالسلطان إذا فقد من أوليائه مثلي. ~~وبلغ به الدار ووقف بين يدي المقتدر ثم سلم إلى بدر الحرمي [75 ب] فحبسه في ~~حجرة في الدار] [1] . # وفي سنة سبع عشرة وثلاث مائة شغب الجند على المقتدر بالله وكان رئيسهم ~~نازوك وكبسوا الدار عليه وذلك لاستيلاء أمه على الدولة فهربت أمه وأولاده ~~وهرب هو ودخل دار مؤنس المظفر خادم المعتضد وكان شيخ الدولة ومقدمها فدخلوا ~~وراءه وألزموه الخلع فخلع نفسه وقصدوا دار الأمير أبى منصور محمد بن ~~المعتضد بالله وهو أخوه فحملوه إلى دار السلطان وبايعوه بالخلافة وتسمى ب ~~«القاهر بالله» . وبعد ذلك بيومين طالب الجند بأرزاقهم وقصدوا الدار وشتموا ~~نازوك فأغلظ عليهم في القول فقتلوه ودخلوا وأخرجوا القاهر من الدار وردوه ~~إلى داره ومضوا كلهم رجالة إلى دار مؤنس وأخذوا المقتدر على رءوسهم وحملوه ~~إلى دار السلطان وجددوا له البيعة. فيقال: ما رئي ولا عهد أن خليفة خلع ~~دفعتين وعاد إلى الخلافة إلا المقتدر بالله. وكان من جملة من واطأ نازوك ~~على فعله وحسن له خلع المقتدر أبو الهيجاء بن حمدان فحين أعادوا المقتدر ~~وكان في الدار وخاف على نفسه انهزم إلى باب الماء ليهرب فتبعوه وقطعوه ~~ . واستولى مؤنس المظفر على الدولة وخلاله الجو وصار أمير الأمراء ~~واستشعر منه المقتدر واستشعر ms103 هو أيضا من المقتدر وخرج مغاضبا ~~PageV01P158 # وذلك في سنة عشرين وثلاث مائة وضرب مضاربه بباب الشماسية وبقي أياما ~~ينتظر أن يترضاه المقتدر فلم يلتفت إليه فنفذ إليه بخادم اسمه بشرى برسالة ~~فاعتقله المقتدر وحبسه ولم ير مؤنس [76 أ] للصلح وجها فتم إلى الموصل وكتب ~~الخليفة إلى بنى حمدان يوليهم على مؤنس فحاربوه ونصره الله تعالى عليهم ~~ووصل (سعيد) بن حمدان هاربا إلى بغداد مع جماعة من أهله فخلع عليه المقتدر ~~وأكرمه. # وكان المقتدر قد استوزر الحسين بن القاسم بن عبيد الله بن سليمان ~~فعزله واستوزر أبا الفتح الفضل بن جعفر بن الفرات فتقلد الوزارة على ~~أمور مضطربة وقلة جند وعدة ونفاد الأموال. ثم إن مؤنس قصد مصر وجمع خلائق ~~من البربر وسار بهم مع جند الشام وديار بكر الذين تبعوه بعد هرب بنى ~~حمدان يريد الحضرة. وحين قرب من بغداد ركب المقتدر في يوم الأربعاء لثلاث ~~خلون من شوال وحوله عساكره وألوية الملك وأعلامه بين يديه والبردة على ~~كتفيه والقضيب في يده وحوله كل عالم وزاهد ببغداد في أيديهم المصاحف والناس ~~يدعون له، فلما انتهى إلى باب الشماسية وقف هناك وعبأ الجيش أحسن تعبئة ~~ونفذهم إلى حرب مؤنس فعادوا منهزمين وأسر هارون بن غريب خال المقتدر وأحمد ~~بن كيغلغ وصافى النصري . # وكان المقتدر واقفا على تل مع نفر قليل وفيهم ابنا ياقوت الحاجب وابنا ~~رائق. # فقالوا: نحمل على ابن يلبق؟ وكان هو وأبوه من جملة من خرج مع مؤنس، ~~فحملوا عليه فاقتطعتهم الخيل وفرقت بينهم وبين المقتدر فبقي مع عدة من ~~الخدم فأدركه علي ابن يلبق- لعنه الله- فحين رآه ترجل وقبل الأرض ثم أومأ ~~بعينه إلى بربرى كان معه أسود فضرب المقتدر ضربة [76 ب] أبان بها رأسه عن ~~بدنه وحمل رأسه على ذبابة سيفه وجاء به مع عمامته إلى مؤنس، فلما رأى رأسه ~~وعمامته لطم على وجهه وبكى وبقيت جثته مرمية على الأرض إلى أن اجتاز شوكى ~~فرأى عورته مكشوفة فغطاه بحشيش، ولا يعرف له قبر وكان سنه يوم ms104 بويع ~~له ثلاث عشرة سنة وشهرا واحدا، ويوم قتل ثمان وثلاثين وشهرا وخمسة أيام. ~~فكانت خلافته أربعا # PageV01P159 # وعشرين سنة وأشهرا. ولم يل الخلافة من اسمه جعفر إلا هو وجده المتوكل ~~وقتلا جميعا- رحمة الله عليهما-. # وفيه يقول ابنه الراضي [بالله] يرثيه: # بنفسي ثرى ضاجعت في تربه البلى %~% لقد ضم منك الغيث والليث والبدرا # فلو أن حيا كان قبرا لميت %~% لصيرت أحشائى لأعظمك القبرا # ولو أن عمري كان طوع مشيئتى %~% وساعدني المقدار قاسمتك العمرا # وقال يرثيه ويذكر حاله في حبس القاهر: # عصيت الهوى وعدمت الودادا %~% وأبلى الجديدان منى الجديدا # وقد كنت دهرا أطيع الهوى %~% وأجرى مع اللهو شأوا بعيدا # فحرمت كأسى على لذتى %~% وأزمعت عن كل لهو صدودا # أبعد إمام الهدى أرتجي %~% سلوا وأبغى لعيني هجودا # وقد ظل بين سيوف العدي %~% صريع الفلاة وحيدا فريدا # كأن لم يكن قط في جحفل %~% يغيض العدي ويجر الجنودا # يعز على ملك قد ثوى %~% بأنى أقاد أسيرا وحيدا [77 أ] # وأفرشت خدي لوطء العدي %~% وأفرش أهلي لأجلى الخدودا # فيا ليت ركبا إلينا نعوك %~% نعونا إليك وتعطى الخلودا # PageV01P160 ### || أمير المؤمنين القاهر بالله # لما قتل المقتدر أرادوا كلهم مبايعة محمد بن المكتفي وقالوا: هو أتم ~~الجماعة عقلا. # فقال مؤنس: الخزائن فارغة والأجناد يطالبون بالأرزاق وليس في أيدينا شيء ~~وأخاف أن ينتقض الأمر علينا، والقاهر كنا أقعدناه في الخلافة وتسمى بها مرة ~~فإن شغب الجند وطلبوا الأموال هددونا به. ونحن إذا أقعدنا القاهر استرحنا. ~~فقالوا له: # الصواب ما تراه. # واتفق أن القاهر ومحمد بن المكتفي ناما في تلك الليلة في مضارب مؤنس فقال ~~القاهر بالليل لمحمد بن المكتفي: أنا فقير وما لي شيء فتولها أنت، فقال له: ~~أنت شيخي وعمى وقد وليت هذا الأمر مرة فأنت أحق به منى . وبايعوا ~~لهذا القاهر بالخلافة في يوم الخميس في مضارب مؤنس. وانحدر القاهر إلى ~~الدار ومعه مؤنس والعسكر كلهم. # وأم القاهر جارية اسمها «قبول» . # وقلد الحجبة علي بن يليق وقلد إمارة الأمراء لمؤنس وقلد الشرطة ~~ببغداد ليلبق. ثم إن يلبق ومؤنس ms105 وعلي بن يلبق ضيقوا على القاهر جدا وما ~~كانوا يرونه إلا بعين تابع لهم . وكانوا يوكلون بالدار من يعلمهم ~~بأحواله. وما كان القاهر قد طاب له ما فعلوا بأخيه من قتله وهتك حرمة ~~الخلافة. # وقلد القاهر وزارته أبا علي، محمد بن علي بن مقلة، وكان العامة ~~يرجفون بأن القاهر [77 ب] يريد الفتك بقتلة المقتدر واستشعروا هم منه ~~واضطرب الجند ببغداد لدخول القرامطة مكة وهدم الكعبة. ووصل الخبر بأنهم ~~قلعوا الحجر الأسود وحملوه إلى هجر وإنهم قتلوا سبعين ألف مسلم في الحرم ~~وطموا بئر زمزم بالقتلى وانقطع طريق الحج . # فلما كان في يوم الأحد ثانى شعبان سنة اثنتين وعشرين وثلاث مائة جاء علي # PageV01P161 # ابن يلبق الحاجب على العادة إلى الدار فنفذه القاهر إلى أبيه وإلى مؤنس ~~يقول لهم: # قدموا حضوركم لندبر في أمر القرامطة فحضروا فلما حصلوا في الدار أمر ~~بالقبض عليهم وأمر فقطع رأس علي بن يلبق وقدم بين يدي أبيه في طست ثم قطع ~~رأس أبيه وجعلا جميعا في طست وأمر فجر مؤنس إلى البالوعة وذبح كما تذبح ~~الغنم والقاهر يقول له: # يا معيوب يا مخرق الأسفل أنت تقدم على قتل الخلفاء؟ ثم أخرجت رءوسهم وبين ~~أيديهم الدبادب والبوقات فطيف بها في البلد ومناد ينادى: «هذا جزاء من أقدم ~~على هتك حرمة الخلافة. فما بقي أحد إلا لعنهم وأحرق العامة أبدانهم وحملت ~~رءوسهم إلى خزانة الرءوس فوضعت فيها. # وفي هذا اليوم مات الإمام أبو بكر بن دريد الأزدي - رحمه الله-. # ولما دخل رمضان من هذه السنة شغب الجند وطلبوا الأرزاق فأعطوا شيئا ~~فسكنوا ورجعوا راضين وجرى الأمر على ذلك إلى جمادى الأولى من سنة ثلاث ~~وعشرين وثلاث مائة. وفي يوم السبت ثانى جمادى [الأولى] اجتمع أبو محمد، ~~الحسن بن أبى الهيجاء بن حمدان وهو الذي تلقب أخيرا بناصر الدولة [78 أ] ~~وهو أخو سيف الدولة الأكبر وواطأ جماعة من الغلمان الساجية والحجرية ~~وأحاطوا بالدار ووكلوا بالأبواب وطلبوا القاهر فهرب منهم ففتشوا عليه وإذا ~~به فوق حمام وعلى رأسه ms106 شرب قصب وعليه غلالة كتان . فقال له بعضهم: ~~انزل، فقال: ما أنزل ففوق سهما وقال له: إن لم تنزل رميتك، ولم يكن له مفر ~~فنزل فمسكوه وقالوا له: # اخلع نفسك. وتبادر قوم إلى الدار التي كان فيها الأمير أبو العباس بن ~~المقتدر محبوسا فأخرجوه منها وأجلسوه على سرير أبيه وأدخلوا إليه القاهر ~~حتى بايعه بالخلافة وسملوه بعد ذلك. # فكانت خلافته سنة ونصفا. ### ||| ووزر له: # أبو على، ابن مقلة، ثم بعده أحمد بن الخصيب . # PageV01P162 ### || أمير المؤمنين الراضي بالله # # هو أبو العباس، محمد بن المقتدر بالله، بويع له في يوم الأربعاء لست خلون ~~من جمادى الآخرة سنة ثلاث وعشرين وثلاث مائة. وأمه جارية اسمها «ظلوم» . # واستحضر علي بن عيسى بن الجراح وندبه للوزارة فاعتذر بكبر سنه، ورغب ابن ~~مقلة في الوزارة وبذل خمس مائة ألف دينار فخلع عليه وقلد الوزارة. # ونفذ الراضي بالله محمد بن ياقوت لمحاربة هارون بن غريب الخال فخرج ~~لمحاربته وهزمه وقتله وجاء برأسه إلى الراضي فخلع عليه وطوقه وسوره . # وولى الراضي أبا بكر محمد بن رائق إمارة الأمراء ببغداد واستولى على ~~الدولة وتغير الوزير ابن مقلة له وصار خصمه. # وفي سنة أربع وعشرين [وثلاث مائة] صلى الراضي بالله بالناس [78 ب] في ~~الجامع بدار الخلافة وخطب. # قال أبو بكر الصولي : وكان مؤدب الراضي، لما فرغ من الخطبة وانقضت ~~الصلاة وعدت إلى بيتي جاءتني رقعة بخطه وإذا فيها: «يا محمد بن يحيى وقع ~~عليك طرفي وأنا أخطب وأنت إلى جانب إسحاق بن المعتمد قريب منى غير ~~بعيد عنى فعرفني على تحرى الصدق واتباع الحق كيف ما سمعت وهل تهجن الكلام ~~بزيادة فيه أو اختل بنقص منه أو وقع زلل في لفظه أو إحالة في معناه جاريا ~~في ذلك على عادتك في حال الإمرة غير مقصر عنها للخلافة والسلام» ، فكتبت ~~إليه رقعة أذكر فيها: # «إنني ما أحسن وصف ذلك إلا ببيت حسان بن ثابت في جدك عبد الله بن العباس- ~~صلى الله عليه وعلى سلالته الطيبة الطاهرة- فإنه قال فيه: # إذا قال ms107 لم يترك مقالا لقائل %~% بمنتظمات لا ترى بينهما فصلا» # وفي سنة خمس وعشرين [وثلاث مائة] قبض الراضي على علي بن مقلة لأنه اتهمه ~~بأنه كاتب بجكم التركي بقصد الحضرة واستيلائه على أمر الخلافة معاندة ~~لابن رائق، وظفروا بكتاب بخطه إلى مرداويج الديلمي الخارجي يحسن له ~~قصد # PageV01P163 # الحضرة ويهون عليه أمر الخلافة وكان إماميا لا يرى خلافة بنى العباس. ~~واتفق رأى الخليفة وابن رائق على إن قطعت يده على ملأ من الناس وكتب ~~رقعة من الحبس إلى أخيه أبى عبد الله بيده اليسرى وما تغير خطه عما عهده. ~~وكتب من الحبس رقعة إلى بعض الكتاب من أصدقائه : # ترى حرمت كتب الأخلاء بينهم %~% أبن لي أم القرطاس أصبح غاليا [79 أ] # فما كان لو ساءلتنا كيف حالنا %~% وقد دهمتنا نكبة هي ما هيا # أخوك الذي يرعاك عند شديدة %~% وكلا تراه في الرخاء مراعيا # فهبك عدوى لا صديقي فربما %~% يكاد الأعادي يرحمون الأعاديا # وله وهو في الحبس بعد ما قطعت يمينه: # ما طلبت الحياة لكن %~% توثقت بأيمانهم فبانت يميني # كم تحريت ما استطعت بجهدي %~% حفظ أرواحهم فما حفظوني # ليس بعد اليمين لذة عيش %~% يا حياتي بانت يميني فبيتي # وفي سنة سبع وعشرين تغير الخليفة على ابن رائق فاستتر ووصل بجكم إلى ~~بغداد فولاه الخليفة إمارة الأمراء وطوقه وسوره . # وفي هذه السنة خرج الراضي بالله لمحاربة بنى حمدان ومعه الأمير بجكم، ~~وحين وصلوا إلى تكريت وصل الخبر إليهم بظهور ابن رائق ببغداد واستيلائه ~~عليها والتحاق أكثر القرامطة به فتموا إلى الموصل فهرب بنو حمدان من ~~الموصل. وكان الراضي يقول: «حصلنا من الخلافة على قصبة الموصل» . ثم صولح ~~ابن حمدان على مال أداه وعاد الخليفة. وتقرر أمر ابن رائق على أن ولى الشام ~~والعواصم وقنسرين فسار إليها . # ثم وصل الخبر بظهور بنى بويه الديلم وأنهم ثلاثة إخوة تقاسموا بلاد ~~الإسلام، وكان الأكبر منهم عماد الدولة أبو الحسن، علي بن بويه، والأوسط ~~ركن الدولة أبو علي، الحسن بن بويه، والأصغر أبو الحسين، أحمد بن بويه. ~~وكانوا ms108 أولاد صياد. # وجاء الخبر من واسط بأن أحمد بن بويه قصد نواحيها فانحدر [79 ب] إليه # PageV01P164 # بجكم ونفذ إلى الراضي يقول له: «أمر هذا لا يجيء إلا بك» . فانحدر الراضي ~~إلى واسط. فحين أحس الديلمي به رجع إلى الأهواز وعاد الراضي إلى بغداد. # ومات الراضي- رحمه الله- في غرة ربيع الأول سنة تسع وعشرين وثلاث مائة. # وكان مولده في رمضان سنة سبع وتسعين ومائتين وكان عمره إحدى وثلاثين سنة ~~وستة أشهر. فكانت خلافته ست سنين وخمسة أشهر. # وكان أديبا فاضلا شاعرا أحسن الخلق خلقا متواضعا كريم الطبع سخيا له وفاء ~~وذمة وإنما أدركته حرفة الأدب فلم تطل أيامه ولا عمره. ومن محاسن نظمه ~~قوله: # ضحك الزمان إلي من اعتاب %~% وأعارنى سمعا لبث عتاب # سابق بلذتك الشباب فإنني %~% أصبحت فيه مجررا أثوابى # وعلمت أن الدهر حرب شبيبتى %~% فخلست في غفلاته آرابى # وقال لما تغير لابن رائق: # صغرت عن الأمر الذي رمت فعله %~% فطالعنى بالصغر من كل جانب # وأظهر لي حبا يطيف به قلى %~% كخلب برق في عراض سحائب # أيقعد لي كيد النساء بمرصد %~% وإني فتى السن شيخ التجارب # وله أيضا: # سقى الله أطلالا رعيت بها الصبا %~% سحابة غيث لا يكف سكوبها # ظعنت وقد خلفتني نهبة الأسى %~% لعلة وجد لا يصاب طبيبها # ليهنك لوعات تردد في الحشا %~% وعصيان عين ما تطيع غروبها [80 أ] # وتضييع رأى في اصطناع معاشر %~% تسود وجه الاصطناع عيوبها # أنا ابن الأولى من هاشم زنت هاشما %~% كما زانها العباس قبلي نسيبها # سلى تخبري من كان طفلا ويافعا %~% فعزت به الدنيا وذلت خطوبها # ألم أطل الأملاك علما وسؤددا %~% وتفخر بى شبان فهر وشيبها # وإني إن ضل الغريم غريمها %~% وإن أفحم الخطاب يوما خطيبها # PageV01P165 # وسيفي على أعدائها سيف نقمة %~% جريء على الأعمار في ما ينوبها # وله أيضا: # وسيف ظلام تدرعته %~% أهب له يقظا حين هبا # أأشهر سيفي على نابح %~% وأفرش للثأر قردا وكلبا # إذا لا ارتوى من دم حده %~% ولا سار بالعدل شرقا وغربا # وله أيضا: # أهوى الفراق وإن رأيت %~% الموت في ms109 شخص الفراق # لتقارب عند الوداع %~% وقبلة عند التلاقي # وله أيضا: # من ذا يقيم دعائم الإسلام %~% ويعم بالإفضال والإنعام # فينا النبوة والخلافة حكمنا %~% ماض كما شئنا على الأيام # أمضى من الأجل المعجل أمرنا %~% يأتيك قبل الفكر والإلهام # لا ينقض الأعداء مبرم أمرنا %~% وبنا تمام النقض والإبرام ### ||| وأما وزراؤه: # فهم أبو على، محمد بن علي بن مقلة، وكان وزر للمقتدر بالله ~~[80 ب] ثم للقاهر بالله ثم للراضى بالله. # وكان لما قطعت يده ينوح عليها ويبكى ويقول: يد كتبت بها كذا وكذا ~~من المصاحف ونقلت بها كذا وكذا ألف حديث عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ~~ووقعت بها عن ثلاثة من الخلفاء وتقطع هكذا كما تقطع أيدي اللصوص. # وفي آخر زمان الراضي بعد موت ابن مقلة استعرضوا ما في خزانة الرءوس وكانت ~~قد امتلأت بها الخزانة ورموها كلها إلى دجلة وكان بعضها في أسفاط وبعضها في ~~صناديق رصاص، ووجد في الجملة سفط وفيه رأس ويد ورقعة فيها مكتوب: «هذا رأس ~~أبى الجمال الحسين بن القاسم بن عبيد الله بن سليمان بن وهب وكان وزير ~~المكتفي» ، وهو الوزير بن الوزير بن الوزير بن الوزير لأن القاسم أباه كان ~~وزير المكتفي والمعتضد # PageV01P166 # وعبيد الله كان وزير المعتضد وسليمان بن وهب كان وزير المعتمد. وفي تلك ~~الرقعة مكتوب: «وهذه اليد التي مع هذا الرأس يد الوزير أبى علي بن مقلة ~~وهذه اليد هي التي وقعت بقطع هذا الرأس» . # ثم بعد ابن مقلة وزر للراضى عبد الرحمن بن عيسى بن الجراح أخو ~~الوزير علي بن عيسى المقدم ذكره. ثم أبو جعفر الكرخي وكان قصيرا جدا ~~فقطع لأجله من سرير الخلافة أربعة أصابع ثم سليمان بن الحسن دفعتين. # PageV01P167 ### || أمير المؤمنين المتقى لله # هو أبو إسحاق، إبراهيم بن المقتدر بالله، بويع له يوم الأربعاء العشرين ~~ من ربيع الأول سنة تسع وعشرين وثلاث مائة. وأمه أم ولد اسمها «خلوب» ~~[81 أ] . # وحين مات الراضي انحدر المتقى لله من داره بدار ابن طاهر من الجانب ~~الغربي إلى دار السلطان والناس على ms110 شاطئ دجلة يدعون له والمقرءون يقرءون ~~بين يديه. # ولما صعد من الزبزب جلس لحظة على رواق الخورنق وقام وصلى ركعتين على ~~الأرض ثم ارتقى السرير وبايعه الناس. وعرضت الوزارة على علي بن عيسى فأباها ~~واعتذر بضعفه وكبر سنه . # ونفذ الخليفة بجكم إلى قتال الأكراد والديلم بنواحي واسط فمضى وهزمهم وفي ~~عوده كان يتصيد وعليه غلالة كتان فبادره كردى ورماه بحربة فوقعت في ظهره ~~وخرجت من صدره . ووجد المتقى في دار بجكم أموالا لا تحصى . ~~فيقال: # إن الآلات والفرش نقل إلى دار الخلافة في السفن والزواريق في مدة أربعين ~~يوما. # والمال كان ألف ألف وست ومائة ألف دينار هذا سوى ذخائر بجكم التي ضاعت ~~فإنه كان يحمل الصناديق وفيها الدنانير على البغال ويخرج معها وحده وعلى كل ~~بغل رجل مسدود العين فإذا بلغ إلى المكان الذي يريده من الصحراء فتح أعينهم ~~وأمرهم بدفن الصناديق، ثم عاد وشدها بيده وأركبهم على البغال وأعادهم إلى ~~البلد فإذا حصلوا في داره عاد وفتح أعينهم حتى لا يعلموا أي مكان دفنوا تلك ~~الأموال. وكان هذا دأبه مدة ولايته. وضاعت تلك الأموال كلها ولم يعرف لها ~~خبر . # وكان بجكم من أعقل الناس وأحسنهم تدبيرا ولذلك بلغ إلى ما بلغ. وكان ~~الخلفاء يعتمدون عليه ويفوضون أمر دولهم إليه ويقدمونه على الوزراء. وكان ~~لا يتكلم [81 ب] إلا بالفارسية وله ترجمان يعرف بمحمد بن ينال . # واستوزر المتقى أبا عبد الله ابن البريدي عامل واسط ، وتزوج ابن ~~الخليفة المتقى، أبو منصور بابنة أبى عبد الله ، ثم استشعر منه ~~المتقى لأنه كان قد جاء معه # PageV01P168 # من واسط عشرون ألف من الديلم. فنفذ المتقى وألبهم عليه وضمهم إلى عسكره ~~فانحدر ابن البريدي هاربا إلى واسط ونهبت أمواله وذخائره وقتل خلق من ~~أصحابه . # واستوزر المتقى أبا إسحاق [1] القراريطي حتى قال الناس: قد انسحقت ~~الخلافة في أيام المتقى، هو أبو إسحاق وزيره أبو إسحاق وذكروا جماعة من ~~خواصه اسم كل واحد منهم إما أبو إسحاق أو إسحاق، وذكروا في الجملة أمه ~~وأنها سحاقة. ms111 # ثم إن القراريطي قال للخليفة: لا طاقة لي بالعسكر وإنما أنا كاتب فانظر ~~في من يدبر أمر عسكرك فاختار المتقى كورتكين الديلمي وجعله أمير ~~الأمراء وطوقه وسوره. وهو كان أحد الديلم الذين أصعدوا مع البريدي من واسط. # وخلع المتقى على بدر الخرشنى واستحجبه وذلك كله في شوال من سنة تسع ~~وعشرين وثلاث مائة . وورد الخبر بقدوم أبى بكر بن رائق من الشام إلى ~~الحضرة فاستشعر كورتكين من أن يوليه المتقى إمارة الأمراء مكانه لأنه كان ~~تسمى بها أيام الراضي. # فاستأذن الخليفة في الخروج إليه ودفعه فأذن له قولا باللسان وقلبه مع ابن ~~رائق، ونفذ إلى ابن رائق يأمره بسرعة القفول. فدخل ابن رائق بغداد وهرب منه ~~كورتكين ونودي في جانبي بغداد: يا معاشر العامة قد أبحناكم مال الديلم، فما ~~بقي عيار ولا ملاح ولا مكدى [82 أ] إلا وانتهب دورهم وقتلوا من وجد منهم ~~ ونفذ ابن رائق خلف كورتكين من أسره . # وكان العامة إذا أخذوا ديلميا شوهوا به، إما قطعوا أذنيه أو يديه أو أنفه ~~وهو حى يرى ما يفعل به. وبعض العيارين أخذوا جماعة من الديلم وطبخوهم ~~وأكلوهم وجرى عليهم من النكال ما لم يجر على مخلوق قبلهم. وصار كل من له في ~~إنسان غرض أو له معه عداوة يقول له: أنت كنت مع الديلم فإما يقتل أو يصادر، ~~حتى قال الناس كلهم: كان يمكن السلطان أن يبلغ من الديلم ما يريده بأحسن من ~~هذا الوجه . # وخلع السلطان على أبى بكر محمد بن رائق يوم الثلاثاء لأربع بقين من ذي ~~الحجة وقلده إمارة الأمراء وعقد له لواءين: أحدهما على المشرق والآخر على ~~المغرب وطوقه PageV01P169 # وسوره وأنزله دار مؤنس المظفر المعتضدي . # وكان ابن البريدي حين طرد من بغداد على ذلك الوجه انحدر إلى الأهواز ~~وكاتب الديلم بنى بويه . وكان أول ظهورهم [أنهم] استولوا على فارس ~~وكرمان ونفذوا إلى الحضرة بالأموال والتحف وسألوا أن ينفذ إليهم العهد ~~واللواء بتلك البلاد ولعجز الراضي عن مقاومتهم أقرهم على ما استولوا عليه ~~واستفحل أمرهم ms112 في أيام المتقى. فلما انصرف ابن البريدي على ذلك الوجه من ~~بغداد نفذ إليهم يهون في أعينهم أمر الخلافة ويحسن لهم قصد الحضرة فما ~~أقدموا على ما أراد منهم إلا أنهم أمدوه بمائة ألف من الديلم خيالة ورجالة ~~وقالوا: إن تم على أيديهم فتح كان لنا ولك. فوصل الديلم إلى واسط ولم يقدم ~~أبو عبد الله بن البريدي على التهجم على الحضرة فنفذ العسكر [82 ب] مع أخيه ~~أبى الحسين ابن البريدي. فحين قاربوا بغداد هرب المتقى منهم ومعه ابن رائق ~~إلى ناحية الموصل، واستولى أبو الحسين ابن البريدي على بغداد. ونفذ إلى ~~الخليفة يقول له: إني عبدك ويحلف بالأيمان المغلظة إني لا أريد بك سوءا ~~وإنما أربد أن أكون مكان ابن رائق. ولم ينزل دار الخلافة إعظاما لها بل نزل ~~دار مؤنس التي ينزلها ابن رائق . # ولما وصل الخليفة إلى الموصل وفيها من قبله الأمير ناصر الدولة بن حمدان ~~خرج إلى مراحل واستقبله وخدمه الخدمة التامة وعرف أن الخليفة محتاج إلى بنى ~~حمدان وأنه لا يمكنه أن يغضبهم وهو على تلك الحال ولو فعلوا فيها ما فعلوا ~~فبادر وفتك بابن رائق لمعاداة كانت بينهم، ولم يظهر من المتقى إنكار. # وقلد الخليفة ناصر الدولة إمارة الأمراء مكان ابن رائق وجمع سائر بنى ~~حمدان وانحدر وهم في جملته إلى بغداد. وكان في جملة ابن البريدي الأمير أبو ~~الوفاء توزون التركي فغدر بابن البريدي وانضم إلى عسكر المتقى لله وهرب ابن ~~البريدي ودخل المتقى إلى بغداد وخلع على توزون التركي وطوقه وسوره ولقبه ~~بالمظفر، فشق ذلك على ناصر الدولة. وكان يوم دخول السلطان المتقى لله إلى ~~بغداد ضربت مائة قبة # PageV01P170 # مجللة بالديباج عبر تحتها كلها وهي طبقات وفي كل طبقة الأغاني والمساخر ~~والناس على طبقاتهم وزين البلد حتى رئي في دكاكين الصيارف الدنانير ~~موضوعة على الأكسية على هيئة الحنطة وفيها المكاييل كالقفيز والعشير ~~والكيلجة وما [83 أ] أشبه ذلك ورئي مثل ذلك في دكاكين الجوهريين ~~وفيها من المكاييل الربع والثمن. # وحكى إنسان ms113 للمتقى أن أبواب الحمامات زينت وكانت ستين ألف حمام فما كان ~~يخلو باب حمام من خمسين أو أقل أو أكثر من الأسطال ولا تخلو هذه الأساطل من ~~واحد أو اثنين ذهب أو فضة، فقيل: لو لم يكن على باب كل حمام إلا واحد منها ~~لكان بمدينة واحدة ستون ألف سطل ذهب وفضة فما ظنك بالأواني التي يكون ~~استعمالهم لها أكثر من استعمالهم للأسطال . # واستوزر المتقى أبا الحسين ولد الوزير أبى علي بن مقلة وخرج من دار ~~السلطان وعليه الخلع وذلك في رمضان سنة إحدى وثلاثين وثلاث مائة . # وقدم المتقى لله أبا نصر، محمد بن ينال الترجمان وقوده وأراد أن يوليه ~~إمارة الأمراء فخاف من ناصر الدولة. وعلم ناصر الدولة بباطن الحال فاستشعر ~~وطلب الإذن له في أن يخرج إلى عمله. فأذن له فخرج على وجه جميل. ثم إن ~~الخليفة حسب ما يحتاج إليه في كل شهر لخرج العسكر الذين بالحضرة سوى من هو ~~مرابط في المراكز فكان خمس مائة ألف دينار ولم يكن في الخزائن شيء، وكان ~~يحتاج في مئونة مطبخه كل يوم إلى خمسة آلاف درهم سوى نفقات الحواشي وسوى ~~كسوته الخاصة وما يحتاج إليه من خلع وتشريفات وسائر أنواع التجمل فضمن له ~~توزون التركي أنه يقوم بذلك إن ولاه إمارة الأمراء فولاه ذلك وطوقه ~~وسوره فقام بما كان ضمن على نفسه إلا أنه ضيق على المتقى جدا واستشعر ~~المتقى منه لغلبته على الأمر واستبداده [83 ب] بالملك واستشعر أيضا توزون ~~وانحدر إلى واسط بإذن المتقى لتقرير أمر البلاد السفلى ومحاربة بنى البريدي ~~والديلم فحين بعد توزون عن بغداد نفذ المتقى # PageV01P171 # إلى بنى حمدان يستدعيهم فأجابوه وانحدروا إلى بغداد وضربوا مضاربهم على ~~باب الشماسية. وخرج الخليفة وضرب مضاربه عندهم ورحل من فوره وترك بغداد ~~ونزل الرقة وصير محمد بن ينال الترجمان أمير الأمراء وطوقه وسوره. # وحين وصل الخليفة إلى الرقة وكان واليه على مصر أبو بكر محمد بن ~~طغج سمع بوصوله إلى الشام فجاء إليه ولقيه بالرقة في العدة ms114 الحسنة والعسكر ~~الكثير وأهدى له من تحف مصر ولوزيره أبى الحسين بن مقلة ما ملأ عينهما. ثم ~~أمره الخليفة بالعود إلى عمله فعاد إليه. وكان قد قال للمتقى: يا مولانا قد ~~فسدت أمور العراق باستيلاء بنى حمدان على طرف وبنى بويه على طرف وباستشعارك ~~من توزون، فلو جئت إلى مصر وأقمت بها وأنا كنت أكفيك كل ما تريده. فقال له ~~ المتقى: كيف أقيم في زاوية من الدنيا وأترك باقي الدنيا يخرب؟ هذا لا ~~يمكنني. فعاد وتركه في الرقة. # ثم إن توزون راسل المتقى لله يستسل ما بقي في نفسه فما التفت إلى رسالته ~~ونسب ذلك إلى بنى حمدان. ثم إن بنى حمدان اجتمعوا عند المتقى واشتوروا على ~~جمع العساكر وقصد توزون ولم يطب لهم أن يكون الترجمان مقدما عليهم فدخلوا ~~يوما على المتقى وخرجوا من الدار فلما صاروا في بعض الدهاليز غمز ناصر ~~الدولة أخاه سيف الدولة فاخترط سيفه وضرب به رأس [84 أ] الترجمان فأبانه عن ~~بدنه. وسمع المتقى الضجة فقال: ما هذا؟ قالوا: سيف الدولة قتل الترجمان ~~فقال كالمغضب: أمس ابن رائق واليوم الترجمان؟ ولم يطل القصة لحاجته ~~إلى بنى حمدان. ثم إن بنى حمدان خدموه بأموالهم وأنفسهم وأنسوه الترجمان. # ووصل الخبر من العراق بأن أحد بنى البريدي وهو أبو عبد الله قتل أخاه ~~الآخر وهو أبو يوسف وأن أمر الديلم قوى بالبلاد السفلى وأن أبا عبد الله ~~البريدي الذي كان يقاومهم توفى عقيب قتله لأخيه وأن الأمير أبا الحسين أحمد ~~بن بويه قصد بغداد وبها توزون وأظهر أن الخليفة المتقى: «كاتبني وأمرنى ~~بذلك» وأن توزون حاربه وهزمه ومر الديلمي هاربا . # PageV01P172 # وقوى أمر توزون ثم تواصلت رسل توزون إلى الخليفة يطلب منه الصلح ~~وأن يعود الخليفة إلى دار الملك، فشرط الخليفة عليه أن ينتزح هو إلى واسط ~~حتى يدخل الخليفة بغداد. فقال توزون: هذا الشرط لا التزمه لأني أريد أن ~~أزيل عنى اسم العصيان فإذا انتزحت إلى واسط فالناس يرونني بعين عاص وأكون ~~قد شهدت على نفسي بخلع ms115 الطاعة، ولكن إذا استقر في دار الخلافة يأمرني بما ~~شاء حتى أنتهي إلى أمره. وأحضر الأمير توزون القضاة والعلماء والأشراف وحلف ~~بمحضر من رسول المتقى على كل ما يريده ووقع الصلح وانصرف الناس مسرورين ~~وذلك في يوم الاثنين حادي عشر ذي الحجة سنة اثنتين وثلاثين وثلاث مائة ~~ . # ولما كان في صفر سنة ثلاث وثلاثين وثلاث مائة صح عزم المتقى على دخول ~~بغداد فركب توزون إلى دار الخلافة وأمر [84 ب] بتجديد ما يحتاج إلى تجديده ~~منها وعمارة ما تشعث فيها وكان يتردد بنفسه كل يوم دفعات إلى الدار. وحين ~~قرب الخليفة من بغداد أمر توزون أن تنصب القباب كما نصبت في المرة الأولى ~~ففعل ذلك وزينت بغداد وهو يتولى ذلك بنفسه ولا يكله إلى أحد واختاروا لدخول ~~المتقى يوم السبت تاسع عشر صفر سنة ثلاث وثلاثين وثلاث مائة. وخرج كل من ~~ببغداد من القضاة والأشراف والعامة والتجار ولم يبق في البلد إلا شيخ مقعد ~~أو زمن. فلما وصلوا إلى السندية أقاموا هناك ينتظرون وصول المتقى وهو على ~~ستة فراسخ من بغداد. وركب الأمير توزون في أحسن زي وعدة وحين توثق الخليفة ~~من توزون صرف جميع عساكر الشام وبقي في خواصه وخدمه. وحين أشرفت عمارية ~~الخليفة عليهم قاموا كلهم ودعوا وكبروا، وكان في عمارية مبطنة بنمور أهداها ~~إليه أبو بكر ابن طغج أمير مصر. فلما وقعت عليه عين توزون أكب على الأرض ~~فقبلها دفعات فقال له المتقى: لا تفعل يا أبا الوفاء ومشى بين يدي العمارية ~~شوطا بعيدا فقال له: # اركب فركب. فلما قربوا من المضارب، وكان قد ضرب للخليفة سرادق أحمر ديباج ~~جاء معه من الشام، أحدق ديلم توزون بعمارية الخليفة وعدلوا بها إلى مضارب ~~توزون # PageV01P173 # والناس لا يعلمون ما الذي يريدونه إلى أن أدخلت العمارية إلى سرادق توزون ~~وضربت الدبادب والبوقات على باب السرادق وأصحاب الخليفة كلهم وقوف لا ~~يعلمون أين ذهب [85 أ] به وكذلك كل من خرج لتلقيه من أهل بغداد . ~~وبيناهم في ذلك إذ خرج الأمير ms116 أبو القاسم عبد الله بن المكتفي من سرادق ~~توزون وعليه القباء الأسود والمنطقة والعمامة على الرصافية وهو متقلد ~~سيفا بحمائل فركب جنيبا من الجنائب التي كانت تقاد بين يدي المتقى لله، ~~وكان قد أحضره توزون ليلا والناس لا يعلمون، وركب الأمير توزون وسايره وهو ~~يقول للناس: ادعوا لخليفتكم فنزل القوم كلهم وقبلوا الأرض وبايعوه وسمى ~~نفسه «المستكفي بالله» ثم سار في صحراء السندية والأمير توزون على يمينه ~~والعساكر تسايره ونزل في سرادق المتقى وجلس على سريره. ثم رحل من فوره وركب ~~والأمير توزون يسايره حتى دخل بغداد والخلائق الذين خرجوا لاستقبال المتقى ~~في صحبته واجتاز تحت تلك القباب التي ضربت للمتقى ودخل دار الخلافة. # ثم إن الناس سمعوا من بعد ذلك أن عمارية المتقى لما عدلوا بها إلى مضارب ~~توزون اعتقد المتقى أن توزون يريد بذلك أن يتشرف بنزول الخليفة عنده في ذلك ~~اليوم. # فحين دخلت العمارية إلى المضارب ووقعت عين المتقى على ابن عمه أبى القاسم ~~بن المكتفي ما فطن أيضا بالقصة فاعتقد أنه قد خرج لتلقيه مع من خرج إلى أن ~~قال له توزون: # بايع أمير المؤمنين، فقال المتقى: ومن أمير المؤمنين؟ قال توزون: هذا ~~الذي تراه فعلم حينئذ أنه قد غدر به وقال: ما أبايعه ولا أخلع نفسي فأمسكوه ~~وسملوا عينيه في الحال وكانت تلك الدبادب التي ضربت لئلا يسمع صياحه [85 ب] ~~. # وحين استقر المستكفي بالله في دار الخلافة سلم المتقى إليه فحبسه وما طاب ~~له ما جرى عليه من توزون ولا سكنت نفسه إلى توزون مع نكثه الأيمان التي ~~حلفها للمتقى وأسر في نفسه ما انتهى أمر توزون إليه. # PageV01P174 ### || أمير المؤمنين المستكفي بالله # هو أبو القاسم، عبد الله بن المكتفي. وأمه أم ولد اسمها «غصن» . ~~بويع له ساعة كحل المتقى في يوم السبت تاسع عشر صفر سنة ثلاث وثلاثين وثلاث ~~مائة. # وكان السفير له في الخلافة امرأة تعرف ب «حسن الشيرازية» وكانت ~~زوجة بعض كتاب الأمير توزون وكانت تدخل دار الأمير أبى القاسم بن المكتفي ms117 ~~وتختلط بأهله قبل خلافته فقالت يوما لزوجها: لو خاطبت الأمير توزون في ~~استعطاف المتقى لله بكل ما يجد إليه سبيلا حتى يحصل في يده ثم يقبض عليه ~~ويبايع ابن المكتفي. # وقالت له: إنه يعطى الأمير توزون مائتي ألف دينار من خاصته وخمس مائة ألف ~~دينار من وجوه يعرفها، وجسرت زوجها على الخطاب في هذا الباب حتى خاطب به ~~توزون ووافق ذلك ما كان في نفس توزون من المتقى وأنه دفعة كاتب بنى حمدان ~~ودفعة كاتب بنى بويه يوليهم. وكان هذا الرجل قد ألقى إلى سمع توزون وثبت في ~~نفسه: إنك إن أتمت هذا الأمر كان هذا الرجل خليفة من قبلك وكان طوع أمرك ~~ونهيك ورأى نفسه من صنائعك. # ولما وصل الخليفة إلى صحراء السندية ورآه توزون استحيا منه وأراد الرجوع ~~عما عزم عليه أو تأخير الأمر إلى أن يستقر في [86 أ] الدار فقال له ذلك ~~الرجل: # إن كنت تريد أن تفعل شيئا فافعله الآن فهذا وقته قبل أن يدخل الدار وتحول ~~بيننا وبينه الحيطان وقبل أن ينم إليه شيء من أمرنا فيهلكنا، فأقدم حينئذ ~~توزون على ما أقدم عليه. # وصير المستكفي هذه المرأة قهرمانة الدار وغير اسمها وسماها «علم» فصارت ~~تعرف ب «علم القهرمانة» . # وكان الأمير توزون يركب كل يوم مع المستكفي إلى باب الشماسية على الظهر ~~ثم يعود في الماء وهو معه حتى يصعد إلى الدار. ثم إن المستكفي خاف أن يجرى ~~عليه من توزون ما جرى على المتقى وكان قد بقي في بنى البريدي أبو الحسين ~~وهو الذي جاء إلى بغداد وهتك حرمة الخلافة وهرب منه المتقى إلى الموصل، ~~فأمر المستكفي الأمير # PageV01P175 # توزون باستعطافه ومكاتبته وبذل الأمان له ليحصل في أيديهم ففعل توزون ذلك ~~وكتب له الأمان ونفذ إليه الرسل حتى ورد الحضرة فلما دخل على المستكفي أمر ~~بإحضار النطع والسيف وقدم البريدي وأمر بضرب عنقه بين يديه واستشعر ~~توزون من المستكفي فبادر المستكفي فسم توزون فمات في تلك الأيام . # واستوزر أبا جعفر، محمد بن يحيى بن ms118 شيرزاد ولقبه أمير الأمراء وزاد ~~في ألقابه إمام الحق وأمر أن يكتب ذلك على التراس والطرز والأعلام. # وفي سنة أربع وثلاثين وثلاث مائة عاد الأمير أبو الحسين أحمد بن بويه ~~الديلمي إلى نواحي العراق وقصد بغداد طمعا في أن يكون مكان الأمير توزون ~~فأظهر [86 ب] المستكفي الفرح به والسرور بقدومه وخلع عليه وطوقه وسوره ~~وجعله أمير الأمراء ولقبه «معز الدولة» . # ثم نم الخبر إلى معز الدولة بأن علم القهرمانة تريد أن تتخذ دعوة وتجمع ~~فيها وجوه بغداد من القضاة والأئمة وتدعو في الجملة معز الدولة ووجوه ~~أصحابه فإذا حصلوا عندها في الدار أدخلت إليهم العامة من باب آخر فعلوهم ~~بالسيوف. فاستشعر معز الدولة من الخليفة وقال: مثل هذه المرأة تلعب بالدول؟ ~~ودبر أمره بحيث لم يعلم به أحد ودخل في يوم الموكب على العادة إلى خدمة ~~المستكفي وهو يوم الخميس سادس عشر جمادى الأولى سنة أربع وثلاثين وثلاث ~~مائة. فحين وقعت عليه عينه قبل الأرض ووقف بين يدي السرير وأمره فصعد على ~~درجة السرير وأخذ يده فقبلها ثم كان بعد ذلك يصعد اثنان اثنان فيقبلان يد ~~المستكفي وينزلان ويصعد آخران، فانتهت النوبة إلى أن صعد ديلميان لتقبيل ~~يده أحدهما اسمه بكران وهو خال معز الدولة والآخر من أقاربه فحين مد يده ~~إليهما جذباه جذبة سقط منها على الأرض وبادر معز الدولة وترك عمامته في ~~حلقه وسحبه على وجهه وأمر بضرب البوقات والدبادب على شاطئ دجلة تحت الدار ~~وانتهبت الدار وكل من حضر في ذلك الموكب وأخذت علم القهرمانة . # ثم مضى معز الدولة إلى دار الأمير أبى القاسم، الفضل بن المقتدر بالله ~~وأخرجه منها وأجلسه على السرير وبايعه بالخلافة وسلم إليه المستكفي بالله ~~فسمل عينيه وحبسه [87 أ] . # PageV01P176 ### || أمير المؤمنين المطيع لله # هو أبو القاسم، الفضل بن جعفر المقتدر. بويع له بالخلافة في يوم خلع ~~المستكفي من سنة أربع وثلاثين وثلاث مائة. واستولى معز الدولة على المملكة ~~ورتب له كل يوم خمسة آلاف درهم. # وفي سنة ست وثلاثين وثلاث مائة ms119 عصى بنو البريدي على معز الدولة، وهم ~~أولاد أبى عبد الله الذي تقدم ذكره، فانحدر الخليفة المطيع لله ومعه معز ~~الدولة إلى البصرة واستخلصوها من أيديهم. # وفي سنة سبع وثلاثين [وثلاث مائة] وقع الخلف بين بنى حمدان ومعز الدولة ~~وصعد معز الدولة إلى الموصل وهرب منه ناصر الدولة بن حمدان ووقع الصلح ~~بينهم على أن يؤدى ناصر الدولة كل سنة ثلاث مائة ألف دينار وعلى أن يكون ~~أولاده في خدمة معز الدولة. # وفي سنة ثمان وثلاثين وثلاث مائة وصل الخبر إلى بغداد بموت عماد الدولة ~~أبى الحسن علي بن بويه، وهو أخو معز الدولة والأكبر من إخوته، وكان ~~أمير فارس ولم يكن له ولد فقلد الخليفة فارس لولد الأمير ركن الدولة، وكان ~~ركن الدولة واليا على الرى والجبال وأصفهان وهمدان، وكان له عدة أولاد وهم ~~شرف الدولة وفخر الدولة وعضد الدولة. فطلب معز الدولة من أخيه أن يولى أحد ~~أولاده فارس فولاها عضد الدولة وأمروا المطيع لله أن يقلده ذلك ففعل ما ~~أمروه به ضميمة إليهم. # وفي سنة ست وخمسين وثلاث مائة مات الأمير سيف الدولة، أبو الحسن علي ابن ~~أبى الهيجاء بن حمدان ودفن بميافارقين [87 ب] وجلس مكانه ابنه الأمير سعد ~~الدولة أبو المعالي شريف بن سيف الدولة. # وفيها مات معز الدولة أبو الحسين أحمد بن بويه الديلمي بعلة الذرب في ~~ربيع الأول وجلس مكانه ببغداد ولده الأمير عز الدولة أبو منصور بختيار ~~ . # PageV01P177 # وقبض الأمير عدة الدولة أبو تغلب بن ناصر الدولة على أبيه وعلى إخوته ~~وحبسهم في بعض الحصون واستولى على ملك أبيه. ونفذ عز الدولة والمطيع لله ~~وتشفعوا إليه في أمرهم وما أجاب. وتزوج عدة الدولة أبو تغلب بنت عز ~~الدولة وأمهرها ثلاث مائة ألف دينار وكان لها ثلاث سنين وحملت إليه ~~إلى الموصل مع بدر الحرمي. وبادر عز الدولة إلى هذه الوصلة خوفا من أن ~~يتغير عليه شيء من الخليفة فأراد أن يستظهر ببني حمدان. # وفي سنة ثلاث وستين وثلاث مائة استشعر عز الدولة بختيار ms120 من حاجبه ~~سبكتكين المعزى ومن جماعة الأتراك وبعد عن بغداد فقصد الحاجب سبكتكين ~~وجماعة العسكر دار الخليفة وطلبوا منه أن يخرج إليهم وحسنوا له قلع الديلم ~~فلم يجبهم إلى ذلك نظرا في عواقب الأمور فانصرفوا وقصدوا ابنه وولى عهده ~~ولده الأمير أبا بكر عبد الكريم بن المطيع وخاطبوه في ذلك فأجابهم وخرج ~~معهم وأظهروا خلاف الديلم. ودخل الأمير أبو بكر عبد الكريم على أبيه المطيع ~~لله وسامه خلع نفسه فرأى الجد منه وخاف على نفسه من القتل فخلع نفسه وسلم ~~الأمر إلى ولده. ولم ينله سوء في بدنه ولا في حرمته [88 أ] . # PageV01P178 ### || أمير المؤمنين الطائع لله # هو أبو بكر، عبد الكريم بن المطيع لله. بويع له يوم خلع أبوه في سنة ثلاث ~~وستين وثلاث مائة وطرد الديلم عن العراق وعاد أمر الخلافة إلى ما عهد. واسم ~~أم الطائع «عتب» رومية. وكان صاحب جيشه والمدبر لأمره سبكتكين المعزى، ~~ولقبه الطائع ب «نصر الدولة» . # ثم إن عز الدولة بختيار انحدر إلى خوزستان واستنجد بابن عمه الأمير عضد ~~الدولة أبى شجاع فنا خسرو بن ركن الدولة فأنجده والتقيا بواسط. ثم ~~نفذوا إلى الموصل من استنجد بعدة الدولة فأنجدهم ووصل إلى تكريت، فتحير ~~الطائع لأنه بقي بينهما. وجاء عليه عيد النحر فخرج بنفسه وصعد المنبر وخطب، ~~وكان مجدر الوجه كبير الأنف، وكان كما يزعمون، أبخر. وفيه يقول ابن الحجاج ~~ : # يا رب عيد النحر هو ذا ترى %~% ما أفظع الأمر الذي قد جرى # صلى بنا فيه إمام فسا %~% في أول الصيف كما كبرا # خليفة في وجهه روشن %~% خربشته قد ظلل العسكرا # عهدي به يمشى على رجله %~% وأنفه قد صعد المنبرا # وقام يدعونا إلى نفسه %~% وذكر العباس واستفخرا # بخطبة صنفها باقل %~% قد كسر الناس لها دفترا # نثرت بعرا من سروري وما %~% نثرت لا لوزا ولا سكرا # خلافة أقصى مدى ملكها %~% من حد كلواذا إلى عكبرا «1524» [88 ب] # في قفص لو أنها قنبر %~% لضاق عن أن يسع القنبرا # لكنها بالعرض قد أمعنت %~% فعمت الأبيض والأحمرا # صلت ms121 بجسر النهروان الضحى %~% فعاقها حسون أن تعبرا # ووجدت ضبة في صرصر %~% فحلفت لا جاوزت صرصرا # فأنفه أكبر من ملكه %~% في الطول والعرض إذا قدرا # يحط في المنديل خيشومه %~% ضفادعا خضرا إذا استنثرا # PageV01P179 # قلت وقد أبصرته راكبا %~% مقطبا في الجيش مسحنفرا # سبحان من يعلم هذا الصبا %~% في وجه مولانا متى جدرا # وكان في الجيش سبال آضرطى %~% ووجهه مثل القفا من ورا # قد كتب الشؤم على وجهه %~% هذا أخو الغفلاء قد أدبرا # من أي ما جنب تأملته %~% لم تدر أعمى هو أم أعورا # يغالط الناس على أنه %~% قد أغلق الدست وقد ششدرا «1525» # يا معشر الديلم أنتم إذا %~% تلظت الحرب أسود الشرى # بنى بويه يا نجوم العلى %~% لا تنكروا ما لم يكن منكرا # غرستم الدفلي فلا تعجبوا %~% من شجر الدفلي إذا بزرا # وله أيضا فيه: # يا سادتي للإمام حق %~% لا بد والله أن يوفى # لا سيما أكبر الهداة %~% من الأئمة الراشدين أنفا # فعاتبوه ففي فؤادي %~% نار من الخوف ليس تطفأ [89 أ] # قولوا له يا حبيب قلبي %~% دلائل الشوم ليس تخفى # فاليوم مع من تريد تبقى %~% يا خرب البيت يا برنفا # جيشك مستأمن وهذا %~% باب لقاط الصفع المشفا (كذا) # وكان قد جرى ذكر ابن الحجاج عند بختيار بواسط وأنشدوه هذه الأبيات فأثنى ~~عليه ومدحه، فكتب إليه: # رويدك لا تشمت بحالي يا دهري %~% وإن كنت في حال تسر بنى البظر # وفي قصص مثل الخرا لو ذكرتها %~% لكنت كأنى قد تكلمت من جحرى # موالي ما لي طاقة مذ فقدتكم %~% بعيش على صبر أمر من الصبر # موالي قد أسكرتمونى فهل لكم %~% طريق إلى صحو يعين على سكرى # سترت من الآفات فيكم فإنني %~% ببعدكم أصبحت منهتك الستر # سأبكي على عزى الذي ذل بعدكم %~% فأصبح قدر الكلب أشرف من قدري # PageV01P180 # وأبكى على حالي التي أعرض الغنى %~% ببعدكم عنها فآلت إلى الفقر # وكيف السبيل للتلاقي وبيننا %~% مهامه من بر مخوف ومن بحر # وإن طريق البر والماء أبهما %~% بجيش أمير المؤمنين أبى بكر # لعل الليالي السود تصحو فينجلي %~% سواد الغمام ms122 الجون عن مطلع البدر # ثم إن الطائع لله صمم العزم على الانحدار إلى واسط لقتال الديلم، فانحدر ~~ومعه نصر الدولة سبكتكين. وسمع بذلك الديلم فأصعدوا لاستقباله فالتقوا ~~بديالى على فرسخين من بغداد فحمل سبكتكين حملة صدق فيها فبدد عساكر الديلم ~~وقطع أعلامهم وفرق جمعهم ثم [89 ب] جال بين الصفين فتقنطرت به فرسه فوقع ~~ميتا فاضطرب العسكر وانكسروا وأخذ الخليفة هاربا على وجهه إلى الرقة، ~~ودخل الديلم بغداد. # ثم إن عضد الدولة خلا له الأمر وطابت له بغداد فقتل ابن عمه عز ~~الدولة ونفذ إلى الطائع وبذل له كل ما يريده وصالحه وأعاده إلى دار ~~الخلافة. # واشتمل ملك عضد الدولة على فارس وكرمان وخوزستان والعراق وديار ربيعة ~~والشام وحمل إليه الخراج من الروم واجتمع على بابه من العلماء والشعراء ~~والأدباء ما لم يجتمع على باب ملك قبله. وكان شاعرا أديبا كاتبا حاسبا ~~مهندسا نحويا لغويا كريم الطباع ذا همة عالية، مكرما للعلماء محبا لأهل ~~التخصص حتى إنه كان يقدم نعل أبى علي الفارسي ويحمل له المسينة ~~إلى بيت الماء بنفسه. ومات- رحمه الله- في سنة اثنتين وسبعين وثلاث مائة في ~~خلافة الطائع، ودفن بتربة أمير المؤمنين علي بن أبى طالب- رضوان الله عليه- ~~بوصية منه. # وولى بعده ابنه صمصام الدولة أبو كاليجار بن عضد الدولة سنتين إلى ~~أن زحف إليه أخوه شرف الدولة أبو الفوارس فأخذ الملك من يده. ولم تطل مدته ~~حتى زحف إليه أخوه بهاء الدولة أبو نصر خسرو فيروز بن عضد الدولة ~~وغلب على الملك ولقب نفسه بملك الملوك. وهذا كله في خلافة الطائع لله ~~. # PageV01P181 # ولما كان يوم السبت تاسع عشر شعبان سنة إحدى وثمانين وثلاث مائة، دخل ~~بهاء الدولة على العادة إلى خدمة الطائع لله فقبل الأرض ووقف ثم أومأ إلى ~~جماعة كان واطأهم [90 أ] فجذبوا الطائع من سريره ولفوه في كساء وأخرجوه من ~~الباب المعروف بباب بدر وحملوه إلى دار المملكة ملفوفا في الكساء على ~~قفا فراش . # ونفذوا إلى البطائح من أحضر الأمير أبا العباس أحمد بن إسحاق ms123 بن المقتدر ~~وكان ينزل بالصليق . وحين وصل إلى بغداد بايعوه بالخلافة وسلموا إليه ~~الطائع فسمل عينيه. # وكانت خلافة الطائع لله سبع عشرة سنة وثمانية أشهر وخمسة أيام. # PageV01P182 ### || أمير المؤمنين القادر بالله # هو أبو العباس، أحمد بن إسحاق بن المقتدر بالله. بويع له بالخلافة في يوم ~~السبت تاسع عشر شعبان سنة إحدى وثمانين وثلاث مائة وهو بعد بالبطائح. # وفي يوم الجمعة خطب له بالخلافة على المنابر ببغداد ولم يصل إليها بعد. ~~وشغب العامة والجند ومنعوا الخطيب من الخطبة له. وطالب الجند بمال البيعة ~~فوعدوا بذلك فسكنوا وركب من الجند قوم وسكنوا العامة فسكنوا أيضا بعضهم ~~بالرغبة وبعضهم بالرهبة وتمت الخطبة للقادر بالله. # وفي يوم الجمعة العاشر من رمضان من السنة وصل القادر بالله إلى بغداد ~~فخرج بهاء الدولة والعساكر كلهم لتلقيه وأقر أصحاب المراتب والقضاة ~~وكل أرباب المناصب على ما كانوا عليه وكان زاهدا ورعا لا يشرب الخمر ولا ~~يظلم أحدا، لا جرم دام له الأمر إحدى وأربعين سنة وانتقل من عز الخلافة إلى ~~نعيم الآخرة. # وفي سنة اثنين وثمانين وثلاث مائة ورد الخبر باستيلاء ملك [90 ب] الترك ~~الملقب بشهاب الدولة على ما وراء النهر وهرب الأمير نوح بن منصور الساماني ~~من يده، واسمه بغرا قراخان . # وفي هذه السنة تزوج القادر بالله بسكينة بنت بهاء الدولة وذلك في ذي ~~الحجة وأصدقها مائة ألف دينار وكان الولى الشريف أبو أحمد الموسوي ~~أمير الحاج وهو والد الرضى والمرتضى. وخطب الخطبة أبو الحسن البتي . # وفي سنة أربع وثمانين وثلاث مائة توفى القاضي أبو علي التنوخي وذهب ~~عن الدنيا رونقها وبهاؤها لما حرمت من فضله، وهو مصنف «نشوار المحاضرة» ~~وكتاب «الفرج بعد الشدة» وكان له النثر والنظم الذي فاق بهما كتاب زمانه ~~فضلا عن قضاته. # وفي هذه السنة توفى علي بن عيسى الرمانى النحوي والأستاذ أبو إسحاق ~~الصابي. # PageV01P183 # وفي المحرم [من] سنة خمس وثمانين وثلاث مائة توفى كافى الكفاة الصاحب أبو ~~القاسم إسماعيل بن عباد بالري، ووصل الخبر إلى بغداد بوفاته ففرش أكثر ~~الخلق ms124 الرماد في الأسواق وقعدوا عليه. وبلغ الخبر إلى بغداد أنه حين أخرج ~~تابوته إلى المصلى خرج خلفه أرباب المناصب وأصحاب المراكز وأهل العلم ~~والأدب وأنهم حين شاهدوا التابوت قبلوا الأرض بين يديه إجلالا له . ~~وكان مخدومه الأمير فخر الدولة أبو الحسن علي بن ركن الدولة أبى ~~الحسن بويه قد عاده في مرضه فالتفت إليه وقال له: أيها الأمير قد خدمتك ~~خدمة استوعبت الوسع فيها وسرت سيرة حصلت لك حسن الذكر بها فإن أجريت الأمور ~~بعدي على رسمها علم أن ذلك كان منك فينسب الجميل فيه [91 أ] إليك واستمرت ~~الأحدوثة الطيبة بذلك لك وكنت أنا في جملة ما يثنى عليك به، وإن غيرت ذلك ~~بعدي كنت أنا المذكور بحسن السيرة دونك وأنت بعد هذا أعلم بشأنك. ولما مات ~~الصاحب المذكور لم يقبل فخر الدولة شيئا مما وصاه الصاحب به. # وفي العاشر من رجب سنة سبع وثمانين وثلاث مائة توفى فخر الدولة بالري ~~وخلف في الخزانة ثلاثة آلاف ألف دينار فأفناها ابنه مجد الدولة أبو طالب ~~رستم في أسرع مدة وكان متخلفا منهمكا في لذاته غير مفكر في أمر ~~المملكة. وكان وصل الخبر إليه بأن ابنا لسبكتكين والى غزنة قد استولى على ~~خراسان وأفنى آل سامان وقد تلقب ب «يمين الدولة» وأن الرسل لا تنقطع بينه ~~وبين القادر بالله وأنه ربما قصد المملكة، فما أكثرت مجد الدولة بهذا القول ~~حتى جاء الملك يمين الدولة، أبو القاسم محمود بن ناصر الدين سبكتكين وأخذ ~~الملك منه وأسره ونفذه مقيدا إلى خراسان . # وكتب إلى القادر بالله بذلك فكتب له القادر العهد على خراسان والجبال ~~والسند والهند وطبرستان ولقبه «يمين الدولة وأمين الملة، ناصر الحق، نظام ~~الدين، نصير أمير المؤمنين» ، وقبل ذلك ما كان يعرف اللقب المنسوب إلى أمير ~~المؤمنين إلا «مولى أمير المؤمنين» . فهو أول من غير ذلك. # PageV01P184 # وعاد إلى خراسان وتسمى بالسلطان وجلس على التخت ولبس التاج، ودخل إليه ~~البديع الهمذاني فأنشده «1546» : # تعالى الله ما شاء وزاد الله إيماني [91 ب] %~% أأفريدون في ms125 التاج أم ~~الإسكندر الثاني # أم الرجعة قد عادت إلينا بسليمان %~% أطلت شمس محمود على أنجم سامان # وأضحى آل بهرام عبيدا لابن خاقان %~% إذا ما ركب الفيل لحرب أو لميدان # رأت عيناك سلطانا على منكب شيطان %~% أمن واسطة الهند إلى ساحة جرجان # ومن حاشية السند إلى أقصى خراسان %~% على مفتتح العمر وفي مقتبل الشان # يمين الدولة العقبي لبغداد وغمدان %~% وما يقعد بالمغرب عن طاعتك اثنان # إذا شئت ففي يمن وفي أمن وإيمان # وفي سنة ثلاث وأربع مائة توفى بهاء الدولة بن عضد الدولة بشيراز وعمره ~~اثنتان وأربعون سنة، وجعل ابنه الكبير أبا شجاع فنا خسرو ولى عهده في ~~الملك. وعهد القادر بالله إلى فنا خسرو ولقبه «سلطان الدولة» . # وفي سنة أربع وأربع مائة مات الأمير قابوس بن وشمكير ودفن في تابوت زجاج ~~مملوء من الصبر وعلق في القبة التي هي الآن تربته بالسلاسل وعلى باب ~~القبة مكتوب: «هذا القبر العالي للأمير شمس المعالي الأمير بن الأمير قابوس ~~بن وشمكير» وذلك بظاهر جرجان [92 أ] . # وفي هذه السنة توفى أبو نصر عبد العزيز بن نباتة الشاعر البغدادي. # وفي سنة ست وأربع مائة توفى الشريف نقيب النقباء ذو الحسبين الرضى ~~. # PageV01P185 # وفي سنة سبع وأربع مائة قصد السلطان محمود بن سبكتكين خوارزم وملكها. # وفي سنة أربع عشرة وأربع مائة مات ولى العهد ابن القادر بالله وكان أبوه ~~قد لقبه في حياته «الغالب بالله» . # وفي هذه السنة خرج الحاكم بأمر الله سلطان مصر وحده راكبا حمارا ~~يريد الصحراء وفقد ولم يعلم له خبر بعد ذلك، وجلس مكانه ابنه في الملك ولقب ~~نفسه «الظاهر لإعزاز دين الله» . # وفي سنة خمس عشرة وأربع مائة مات سلطان الدولة فنا خسرو بتخمة النبيذ ~~وجلس مكانه الأمير أبو كاليجار ابنه ولقبه الخليفة ب «محيي دين الله» ~~. # وفي سنة إحدى وعشرين وأربع مائة وصل الخبر إلى بغداد بموت السلطان محمود ~~ابن سبكتكين وجلوس ابنه مسعود مكانه. # وخرج التركمان من باديتهم إلى بلاد الإسلام وكانوا ثلاثة إخوة، محمد وهو ~~طغرلبك وداود وهو ms126 جغري بك وإبراهيم وهو ينال. وكتبوا إلى القادر بالله ~~وطلبوا أن يوليهم بلدا من بلاد خراسان، وكان محمد أكبرهم وكان يخاطب من ~~ديوان القادر ب «الدهقان الجليل محمد بن ميكائيل» . فنفذ القادر بالله إلى ~~مسعود بن محمود يأمره أن يخلى لهم بلدا من بلاد خراسان ليكفوا شرهم عن بلاد ~~المسلمين وأن يكون واحد منهم أبدا في خدمته. وقبل وصول الكتاب قتل مسعود بن ~~محمود واستولى التركمان على بلاد [92 ب] خراسان ووقع بأس المحمودية بينهم ~~لطلب الملك فانحجزوا إلى غزنة وقوى أمر التركمان. # ومات القادر بالله في الحادي والعشرين من ذي الحجة سنة اثنتين وعشرين ~~وأربع مائة وجلسوا له للعزاء في ذلك اليوم إلى وقت العصر. ثم قام ابنه من ~~وراء سبنية وصلى بهم العصر ثم بعد ذلك صلى على تابوت القادر بالله. # وكان القادر- رحمه الله- طلق النفس [1] واسع المعروف معروفا بالعدل ~~والزهد، PageV01P186 # شائع الخير في الخلق، لم تعرف له زلة مذ ولى الخلافة. وكانت مدة خلافته ~~إحدى وأربعين سنة. # ووزر له جماعة منهم: أبو الفضل محمد بن أحمد العارض، ثم أبو الحسن ~~سعد بن نصر، ثم أبو الفضل أيوب بن سليمان، ثم علي بن عبد العزيز بن حاجب ~~النعمان، ثم عميد الرؤساء أبو طالب محمد بن أيوب. # ودفن القادر بالله في الدار سنة ثم حمل إلى الرصافة على العادة. # PageV01P187 ### || أمير المؤمنين القائم بأمر الله # هو أبو جعفر، عبد الله بن القادر [بالله] بويع له في اليوم الثاني من ~~وفاة القادر وأخذ البيعة على الناس المرتضى أبو القاسم الموسوي أخو الرضى، ~~ونظام الحضرتين أبو الحسن الزينبي نقيب النقباء، وقاضى القضاة الحسين ~~ بن علي بن ماكولا، وحضر الأمير أبو محمد الحسن بن عيسى بن المقتدر ~~وبايع . # ووصل الخبر إلى بغداد بموت الظاهر لإعزاز دين الله بمصر في سنة سبع ~~وعشرين وأربع مائة وتولى بعده [ولده] أبو تميم معد وتلقب بالمستنصر بالله ~~ . # وفي سنة إحدى وثلاثين وأربع مائة انتشر التركمان في بلاد الإسلام، وكان ~~[93 أ] الناس يسمونهم الغز. وجاء طغرلبك إلى الرى ms127 وملك الجبال وطبرستان ~~وحاصر أصفهان وأخذها من قرامرز بن رستم الديلمي وأعطاه يزد عوضها . # وكان قد جلس في ملك غزنة مكان مسعود بن محمود [ابنه] مودود بن مسعود ~~ # ...... # وفي هذه السنة، وصل الخبر إلى العراق بوفاته واستيلاء جغري بك على جميع ~~بلاد خراسان. # ثم إن الأمور ببغداد اختلت وصار كل جندي فيها رأسا بنفسه وانقطعت موارد ~~الأموال باستيلاء الخوارج على أكثر بلاد الإسلام. وتقدم بحضرة الخليفة ~~ببغداد أبو الحارث أرسلان البساسيري وصار أمير الأمراء. وجرت بينه وبين ~~الوزير رئيس الرؤساء، أبى القاسم علي بن الحسين بن المسلمة منافسة ~~على الأمور وصارا عدوين. # وكان رئيس الرؤساء صدرا يملأ العين منظرا وفضلا وبراعة وسياسة وعقلا ~~وتدبيرا، وحين استشعر رئيس الرؤساء من البساسيري راسل التركمان السلجوقية ~~وكتب كتابا إلى أبى طالب بن ميكائيل يخاطبه فيه بالأمير الجليل ركن الدولة، ~~ويحسن له دخول الحضرة، وفر البساسيري بذلك فاستشعر ومر هاربا إلى الشام # PageV01P188 # وأقبل ركن الدولة السلجوقي يريد بغداد. فحين وصل [إلى] النهروان، وهو في ~~خمسين ألف فارس، خرج رئيس الرؤساء لاستقباله وذلك في يوم الأحد ثامن شهر ~~رمضان سنة سبع وأربعين وأربع مائة، وكان معه الملك الرحيم أبو نصر خسرو ~~فيروز ، وهو آخر من بقي من بنى بويه، ولم يكن إليه حل ولا عقد. وحين ~~وصلوا إلى نهربين استقبلهم عميد الملك ، أبو نصر الكندري [93 ~~ب] وزير ركن الدولة يطلب صوب البلد، فلما رأى موكب رئيس الرؤساء والعساكر ~~خلفه والقضاة والأشراف والخطباء ووجوه بغداد بالسواد والمناطق عن يمينه ~~وشماله والجنائب تقاد بين يديه وأكثر من مائة جوق من المقرءين يقرءون بين ~~يديه هاله ذلك وتقدم للسلام عليه. وحين وقعت عينه عليه ترجل ظنا منه أن ~~رئيس الرؤساء يترجل له فما فعل، فلما رأى ذلك منه قدم جنيب من جنائبه وقال: ~~ركن الدولة حيث علم أنك خرجت لاستقباله أمرنى باستقبالك وقد أمر بأن تقدم ~~لك هذه الجنيبة فنزل رئيس الرؤساء عن فرسه وركب الجنيبة. وإنما كانت ~~الجنيبة لعميد الملك وأراد بذلك الحيلة على رئيس الرؤساء ms128 لينزل فيراه الناس ~~من بعد فيعتقدون أنه ترجل له، ثم تسايرا إلى أن وصلا إلى ركن الدولة. وحين ~~دخل عليه رئيس الرؤساء نهض وأجلسه معه على سريره وقال له رئيس الرؤساء: يا ~~ركن الدولة إن الله- تعالى- أعطاك الدنيا بأسرها فاشتر نفسك منه ببعضها. ~~فقال: إنما قصدت هذا الجانب لثلاثة أمور: أحدها: لأقبل العتبة الشريفة ~~النبوية وأنتمي إلى خدمتها. والثاني: # لأحج إلى بيت الله تعالى وأفتح طريق الحج من صوب العراق. والثالث: لأقصد ~~مصر وأنتزعها من يد الخارج الذي بها وأقيم الدعوة على منابرها لبني العباس. ~~ثم عاد رئيس الرؤساء وأخبر الخليفة بذلك. # ولما كان في اليوم الثاني، دخل ركن الدولة على القائم بأمر الله وهو جالس ~~من وراء شباك [94 أ] وحين رآه سجد سبع مرات وأمر له بكرسي صغير فوقف عليه. ~~وكان الخليفة يخاطب عميد الملك وهو يترجم عليه. وخرج من حضرة الخليفة # PageV01P189 # ونزل دار مؤنس المظفر التي كان ينزلها من يتولى إمارة الأمراء. ولقبه ~~الخليفة ب «ركن الدين ملك الإسلام والمسلمين، برهان أمير المؤمنين» . # وفي هذه السنة توفى قاضى القضاة أبو عبد الله، محمد الدامغاني- ~~رحمة الله عليه-. # وفي يوم الخميس لثمان بقين من المحرم سنة ثمان وأربعين وأربع مائة عقد ~~الخليفة عقدا على خديجة المدعوة أرسلان خاتون بنت الأمير جغري بك ~~والى خراسان، وهو أخو ركن الدولة، وكانت خديجة هذه مسماة لابن الخليفة ~~ذخيرة الدين . وكان ولى عهد المسلمين، وكان قد جرى بين الخليفة ~~وبينهم في ذلك مراسلات قبل دخولهم بغداد، واتفق موت ذخيرة الدين قبل دخولهم ~~فخطبها الخليفة لنفسه. وحين توفى ذخيرة الدين كانت له جارية حامل فوضعت في ~~جمادى الأولى سنة ثمان وأربعين وأربعمائة ابنا سمى عبد الله وكنى أبا ~~القاسم ولقب بعدة الدين وعمدة الإسلام والمسلمين وأقيم اسمه على المنابر ~~مقام اسم أبيه وهو المقتدى بأمر الله. # ومات القاضي أبو الطيب الطبري وقاضى القضاة أبو الحسن الماوردي ~~ في سنة خمسين وأربع مائة قبل عود البساسيري إلى بغداد بأيام. # أما البساسيري فإنه انضم إليه نور الدولة أبو ms129 الأغر دبيس بن علي بن مزيد ~~الأسدي وقريش بن بدران صاحب الموصل وديار ربيعة. وكاتب المستنصر يحسن له ~~[94 ب] ما في نفسه من قلع دولة بنى العباس وإزالة ملكهم ويطلب منه العساكر ~~والعدة. فجاءته العساكر تتقاطر وأمدوه بالأموال والأسلحة وأقيمت الدعوة ~~للمستنصر بالله بالموصل والشام ونقلوا جميع المنابر ببلاد الشام وديار ~~ربيعة من يسار القبلة إلى يمينها وتظاهروا بالأعلام البيض وانضاف إليهم كل ~~عسكر كان بين الموصل ومصر إلا نصر الدولة أحمد بن مروان فإنه افتدى ~~نفسه منهم بالأموال بعد ما أقام الدعوة للمستنصر وخوطب من حضرته بالأمير ~~الأجل عز الدولة وعمادها، ذي الصرامتين سعد الدين، مولى أمير المؤمنين. # PageV01P190 # وحين تكامل جمعهم بسنجار عولوا على قصد بغداد فوصل الخبر إلى بغداد بذلك ~~فنفذ السلطان طغرلبك جماعة العسكر مع الأمير قتلمش ابن عمه لمحاربتهم واتفق ~~اللقاء في رمضان من سنة ثمان وأربعين وأربع مائة على باب سنجار فانكسر جيش ~~السلطان وانهزم الأمير قتلمش وبلغت هزيمته إلى همذان وكانت الهزيمة ليلة ~~عيد الفطر. # ونفذ البساسيري الفيوج والرسل إلى مصر يخبر بالفتح، ونفذ أسلاب الأتراك ~~وخيلهم وأعلامهم إلى المستنصر فوقع ذلك منه أوفى موقع. وسحبوا الأعلام ~~السود على التراب منكوسة في أسواق القاهرة وزينوا البلد أياما. وفي ذلك ~~يقول ابن حيوس: # عجبت لمدعى الآفاق ملكا %~% وغايته ببغداد الركود # يصول على رعاياها اعتداء %~% ويحجم كلما صل الحديد [95 أ] # يدبره ابن مسلمة سفاها %~% برأي غيره الرأى السديد # وأعجب منهما سيف بمصر %~% تقام له بسنجار الحدود # وحين وصل هذا الخبر إلى بغداد ركب ركن الدولة ودخل دار القائم بأمر الله ~~في أحسن زي وتعبئة وبين يديه الأمراء من الأتراك والعرب والديلم. فخرج رئيس ~~الرؤساء إلى صحن الدار لاستقباله فدخل البهو، وهو مجلل بستور الديباج السود ~~وفي صدره سبنية سوداء مسبلة فكشفت وإذا بالخليفة وراءها على سدة ~~عالية ارتفاعها من الأرض سبعة أذرع وعليه السواد والمنطقة وهو معمم على ~~رصافية وبردة النبي- صلى الله عليه وسلم- على كتفيه وخاتمه في إصبعه وهو ~~حلقة فضة عليها فص غروى ms130 أسود مربع نقشه سطران: «لا إله إلا الله محمد رسول ~~الله» والقضيب الخيزران في يده والخدم على طبقاتهم وقوف وفي أيدي بعضهم ~~الشموع وفي أيدي الباقين مجامر البخور من الطيب. وحين رفعت الستارة ووقعت ~~عين ركن الدين على القائم أكب على الأرض يقبلها فعل ذلك مرارا عدة. وكان ~~بين يدي الشباك كرسي خشب وكان رئيس الرؤساء واقفا عليه، فقال له الخليفة: ~~خذ إليك ركن الدين فنزل رئيس الرؤساء # PageV01P191 # وأخذ بيده ورقاه وأوقفه معه على الكرسي ثم قال الخليفة: ومنصور بن محمد، ~~يعنى عميد المملك، فصعد أيضا ووقف معهما. ثم قال القائم بأمر الله لرئيس ~~الرؤساء: # يا علي قل لركن الدين: أمير المؤمنين! [95 ب] حامد لسعيك شاكر على فعلك ~~معتد بخدمتك، أنس بقربك وقد ولاك جميع ما ولاه الله من بلاده ورده إليه من ~~أمر عباده فاتق الله تعالى في ما ولاك واعرف نعمته عندك، فقبل الأرض ودعا ~~وقال: أنا عبد أمير المؤمنين ووليه. ثم أسبلت السبنية وجيء بالخلع وأفيضت ~~عليه وهي سبعة أقبية سود بزيق واحد وعمامة مسكية وتاج مرصع فيه قطعتان ~~ياقوت كبار حول كل قطعة خمس عشرة حبة كبار، وسور وطوق وكان شيخا قد بلغ ~~السبعين ، وكان أقرع فأثقله الطوق والسواران وكان يعانيهما بجهد ~~جهيد. # وأمر الخليفة له بثلاثة ألوية: أحدها لواء الحمد أسود مكتب بالذهب ~~والآخران أحمران بكتابة صفراء. وكتب له عهد بولاية الدنيا بأسرها وخوطب فيه ~~ب «شاهنشاه ملك المشرق والمغرب» وأمره الخليفة بالتوجه نحو البساسيري. ~~وكانت هديته للخليفة في ذلك اليوم خمسين غلاما أتراكا على خيول بسيوف ~~ومناطق محلاة وعشرين رأسا من الدواب والآلات مصاغة مرصعة قومت بخمسين ألف ~~دينار، وخمس مائة ثوب أنواعا من كل جنس، وخرج من فوره وسار نحو البساسيري. ~~وكان البساسيري بالرحبة. # وحين سار ركن الدين متوجها إلى صوب الرحبة ومعه أخوه إبراهيم ينال، وهو ~~أخوه لأمه، وصله الخبر في بعض الطريق بأن إبراهيم كاتب البساسيري وصاحب مسر ~~فاستشعر منه ركن الدين واستشعر هو أيضا. ولما قربوا من البساسيري وصاحب ms131 مسر ~~فاستشعر منه ركن الدين واستشعر هو أيضا. ولما قربوا من البساسيري وتوعدوا ~~للقتال [96 أ] عاد إبراهيم ينال إلى وراء طالبا صوب العراق ومعه نصف العسكر ~~فتجبنت قلوب الباقين وعاد ركن الدين منهزما من غير حرب ولكن خوفا من أخيه ~~أن يسابقه إلى همذان ويدخلها ويستولى على المملكة. وكان من العجائب أن ركن ~~الدين سار من نصيبين إلى همذان في ثمانية أيام ودخلها قبل أخيه إبراهيم بعد ~~ما عطبت خيله وتقطع أصحابه. وحين دخلها كان في نفر قليل، وأدركه إبراهيم ~~فاحتمى ركن الدين بالبلد فحاصره إبراهيم. # PageV01P192 # ولما اتصل الخبر بالبساسيري وقريش بن بدران هجما على بغداد في هذه السنة ~~وهي سنة خمسين [وأربع مائة] ووصلا إليها في مستهل ذي القعدة فقاتلهما ~~العامة ومن تخلف ببغداد من الجند أياما ثم عجزوا عنهما ودخلا بغداد في سادس ~~ذي القعدة وأمر جا العسكر في القتل والنهب وأغلقت أبواب دار الخلافة فجاء ~~قريش بن بدران وقصد الدار وكان الخليفة ورئيس الرؤساء على برج في ركن باب ~~النوبي ، فاطلع رئيس الرؤساء وصاح بقريش: يا علم الدين! أمير ~~المؤمنين يستدعيك، فدنا من الباب فقال له: إن الله تعالى قد أتاك رتبة لم ~~يؤتها أمثالك فإن أمير المؤمنين يطلب منك الذمام على نفسه وأهله وأصحابه ~~فقال قريش: أمير المؤمنين قد أذم الله له، فقال رئيس الرؤساء: ولى، قال: ~~ولك، قال: فأين الذمام؟ فخلع عمامته وأخرج قلنسوة كانت تحتها ورماها إليهم ~~وقال: هذا الذمام. فأمر الخليفة ففتح الباب ونزل ومعه رئيس الرؤساء وجماعة ~~من الخدم وسلموا أنفسهم إليه، فحين رأى الخليفة طيب نفسه وأمنه [96 ب] ~~مشافهة ووعده بالجميل وكانت مخاطبته له: «يا شريف» . # وسمع بذلك البساسيري، وكان نازلا بالجانب الغربي، فاغتاظ ونفذ إلى علم ~~الدين يقول: ما هذا الأمان الذي انفردت به دوني؟ وقد كنا تعاهدنا على أن لا ~~يستبد أحد منا بشيء دون رضى أصحابه، فأجابه قريش ب: إني ما عدلت عن ما ~~استقر بيننا، والخليفة فما بينك وبينه عداوة، عدوك ابن المسلمة فخذه إليك ms132 ~~وأنا آخذ الخليفة وقد كنا شرطنا أن نتساوى في القسمة في كل شيء نظفر به ~~والآن واحد لي وواحد لك فرضى البساسيري بذلك. ووجه علم الدين برئيس الرؤساء ~~إلى البساسيري- لعنه الله-. # فلما وقعت عليه عينه قال: مرحبا بمدمر الدولة ومهلك الأمم ومخرب البلاد ~~ومبيد العباد، تعال يا ابن الكافرة، فقال له رئيس الرؤساء: ملكت فاسجح، ~~فجعل البساسيري يكرر قوله: «ملكت فاسجح» . ثم التفت إليه وقال له: أنت ملكت ~~فما أسجحت بل صادرت وعاقبت وقتلت وأنت صاحب قلم فكيف أعفو عنك وأنا # PageV01P193 # صاحب سيف؟ ثم إني أسألك عن شيء آخر، هب أن جرمي كان مما لا يغفر، فما كان ~~جرم حرمي وأطفالى وعيالي وبناتي حتى نكلت بهم وكشفت ستر الله عنهم؟ # وأي ذنب كان لجوارى حتى علقتهن بثديهن وقد جئت الآن تستعفينى من هذه ~~الجرائر وأنا رجل جندي صاحب سلاح فإذا كنت ما أبقيت [علي] فلم أبقى عليك؟ ~~وأمر به فسود وجهه وأركب حمارا ومعه على الحمار نفاط يصفعه بقطعة جراب ~~وداروا به في الأسواق والدبادب والبوقات [97 أ] تضرب بين يديه. ثم أمر فعلق ~~كلاب في حلقه وصلب على شاطئ دجلة وذلك بعد أن ألبسه جلد ثور وترك قرونه على ~~رأسه فبقي يتحرك ويضطرب إلى آخر النهار ومات في عشية ذلك اليوم وفيه ~~يقول ابن نحرير الكاتب : # أقبلت الرايات مبيضة %~% يقدمهن الأسد الباسل # وولت السوداء منكوسة %~% ليس لها من ذلة شائل # انظر إلى الباغي على جذعه %~% والدم من أوداجه سائل # ثم حط جسده بعد ثلاثة أيام وأحرق. # ثم جرى في أمر الخليفة بين قريش والبساسيري خلاف، فقال البساسيري: لا بد ~~من تنفيذه إلى مصر وتسليمه إلى المستنصر بالله ليرى فيه رأيه فقال علم ~~الدين: بل يعتقل في بعض القلاع حتى يموت. وخاف الخليفة أن يغلب البساسيري ~~على قريش فقام من الخيمة التي كان معتقلا فيها وقصد خيمة قريش بن بدران ~~وقال له: لقد أعطيتنى الذمام على أن لا أفارقك وأن لا تخرجني من بغداد وهذا ~~الدخول إلى خيمتك الآن أمان ms133 ثان فالله الله أن تسلمنى إلى غيرك فهذا غير ~~معهود في ذمام العرب ولا مألوف في المروءة والطريقة. فقال له قريش: لا بأس ~~عليك والصواب في ما دبرته في أن تنفذ إلى بعض القلاع . وإنما كان ~~مقصود قريش تسكينه بذلك وإلا فقد كان قريش يعلم أنه إذا خرج من بغداد وسلم ~~إلى من يحتفظ به، أن البساسيري ينفذ من يأخذه في بعض الطريق وينفذه إلى ~~مصر. والخليفة خاف أن يسلم إلى [97 ب] المستنصر # PageV01P194 # فيفعل به بمصر ما فعل البساسيري برئيس الرؤساء ببغداد. # وحين أيس الخليفة من قريش وعلم أنه لا بد من أن يسلم إلى من يحتفظ به في ~~بعض الحصون التفت إليه وقال له: يا قريش لا شد الله لك حزاما. ونهض وعاد ~~إلى خيمته وسلم إلى مهارش المستحفظ بقلعة الحديثة ليحفظه عنده وكان ~~أمر بذلك في الظاهر وقيل له في الباطن: تحمله إلى مصر وتسلمه إلى المستنصر. ~~فحين خرج به مهارش من بغداد، وكان مهارش يرجع إلى دين وتأله ومروءة وذمام، ~~فقال له: # يا مولانا كن على أتم ثقة أن رأسي يمضى دونك وإني لا أسلمك إلى عدو قط ~~ولقد خار الله تعالى لك وللمسلمين ولذرية بنى العباس بكونك عندي. ثم حمله ~~إلى قلعته وخدمه الخدمة التامة. # ثم إن طغرلبك بقي في الحصار بهمذان وأخوه إبراهيم ينال على بابها يحاصره ~~فاتصل الخبر بإبراهيم أن خاتون زوجة طغرلبك توجهت في تلك الأيام من بغداد ~~إلى همذان ومعها عميد الملك ومعهم أموال الدنيا ظانين أن الغلبة لزوجها ~~طغرلبك. وخاف إبراهيم أن يتصل بها خبر زوجها في بعض الطريق فتعود إلى بغداد ~~فنفذ جماعة من العسكر لأخذ الطريق عليها. وحين انفصلوا من معسكره بباب ~~همذان وتسامع بقية العسكر بذلك لم يبق منهم إلا القليل والباقون تبعوا ~~العسكر المنفذ إلى صوب العراق لطلب الغارة. فلما خف جمعه خرج طغرلبك مع ~~العسكر الذين كانوا معه في البلد وشباب همذان فكبسوا إبراهيم ونهبوا معسكره ~~وقتلوا منهم مقتلة عظيمة وهرب [98 أ] هو وحده ms134 إلى قزوين. وكان ذلك كله ~~بتدبير السيد أبى هاشم العلوي ومعاونته، وعرف له السلطان ذلك وولاه ~~رئاسة همذان. # ثم إن ركن الدين خرج وضرب مضاربه على باب البلد والتحقت به العساكر من كل ~~فج. ووصلت خاتون على جملة السلامة لأن العسكر المنفذ لأخذ الطريق عليها ~~سمعوا بهذا الخبر على مرحلتين من همذان فبعضهم هرب وقصد إبراهيم وبعضهم ~~استأمن إلى السلطان. # PageV01P195 # ثم إن السلطان ركن الدين قصد أخاه بقزوين وظفر به وقتله. ووصل إليه في ~~تلك الأيام ابن أخيه من خراسان وهو محمد بن داود بن ميكائيل وهو المعروف ~~بألب أرسلان وجعله ولى عهده. # ولم يكن بعد فراغه من أمر إبراهيم شغل إلا قصد العراق، فتوجه إلى بغداد ~~ونفذ إلى مهارش يطلب الخليفة فسار مهارش في خدمة الخليفة إلى صوب بغداد، ~~والتقوا كلهم على ماء النهروان. # وحين أحس البساسيري بوصولهم وكان والى بغداد من قبل المستنصر هرب إلى حلة ~~نور الدين دبيس بن علي بن مزيد. وخرج كل من كان ببغداد من صغير وكبير إلى ~~النهروان لتلقي الخليفة والسلطان وخلا البلد في تلك الليلة وهي ليلة الخميس ~~الخامس والعشرين من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين [وأربع مائة] . ولما كان وقت ~~إسفار الصبح ركب القائم بأمر الله وركن الدين بين يديه وعلى رأسه الغاشية ~~وجماعة الأمراء والقواد والعساكر وأهل البلد كلهم رجالة وكان يوما مشهودا، ~~وذلك لأنه لم يكن فارسا سوى الخليفة والباقون [98 ب] كلهم رجالة مشاة. ثم ~~إن الخليفة قال لركن الدين: اركب يا أبا طالب، فقبل الأرض وما ركب، فقال له ~~ثانيا: اركب يا أمير الجيش، فقبل الأرض ولم يركب، فقال ثالثا: اركب يا ركن ~~الدين، فقبل الأرض وركب. وحين قربوا من البلد عاد وترجل وأخذ الغاشية على ~~رأسه إلى أن دخل الخليفة الدار، وحين وصل إلى باب الحرم التفت إليه وقال: ~~ارجع يا ركن الدين شكر الله سعيك ورسوله- صلى الله عليه وسلم- وأمير ~~المؤمنين، وعاد ونزل بدار عضد الدولة، التي هي اليوم دار المملكة . # ومن العجائب أن دخول البساسيري ms135 إلى بغداد وإخراج الخليفة من داره كان في ~~هذا اليوم من شهر ذي القعدة وهو اليوم الذي دخل فيه. # وفي اليوم الثاني من الدخول رتب الحشم في الدار والحواشي والحراس ~~والبوابون على العادة وعاد من كان بعد منهم أو استتر وفرشت الدواوين وجلس ~~الكتاب على # PageV01P196 # العادة كأنهم ما أصيبوا. وجاء عميد الملك إلى ديوان الخليفة لتقرير ~~الأمور وإقرار ما يختص بديوانه من البلاد وجرى في ذلك كلام طويل فقال عميد ~~الملك: أمير المؤمنين قد ولى ركن الدين من وراء بابه وركن الدين هو الذي ~~أعاد هذه الدولة بعد ما زالت وقد كان بجكم قرر للراضى بالله لنفقة داره في ~~كل يوم خمس مائة دينار وكذلك توزون في أيام المتقى وكان الباقي يصرف إلى ~~العسكر وأمير المؤمنين ليس له عسكر سوانا ولا حاجة به إلى أكثر من خمس مائة ~~دينار في كل يوم. فقيل له: # هذا [99 أ] لا يكفى، فقال: نجعلها ألفا، فقيل له: ولا يكفى فإن أمير ~~المؤمنين يحتاج إلى تشريفات وخلع وصلات للملوك والأمراء والقضاة والأشراف ~~وسائر طبقات الناس، وما زالوا به حتى قرر للخليفة كل يوم ألفى دينار، فقيل ~~له: ويجب أن تقرر بذلك بلادا أو ضياعا يختارها الخليفة فاختاروا ما يكون ~~ارتفاعه في كل سنة سبع مائة ألف دينار وعشرين ألف دينار وكتبوا بذلك ~~السجلات وأشهدوا عليه الشهود. # واستدعى الخليفة أبا الفتح بن دارست من بلاد فارس واستوزره وفتحت ~~الدواوين على العادة وعاد أمر الخلافة إلى أوفى ما كان عليه. # وأما قريش فذبح على فراشه في هذه السنة وهي سنة [إحدى وخمسين] ~~ وأربع مائة لا يدرى من ذبحه واستجاب الله تعالى فيه دعوة القائم بأمر ~~الله. # وحين أسر القائم حمل ولد ولده، ذخيرة الدين إلى حران، وكان طفلا فاحتفظوا ~~به هناك وراعوه وخدموه أوفى خدمة ، ثم لما عاد الخليفة إلى مستقر عزه ~~أعادوه إليه وبقي القائم بأمر الله تعالى إلى أن بلغ هذا الصبى مبلغ الرجال ~~وصار ولى العهد وبقيت الخلافة إلى الآن في أعقابه. # ثم ms136 إن السلطان ركن الدين طغرلبك أراد أن ينحدر بنفسه إلى حلة نور الدين ~~أبى الأغر دبيس بن مزيد الأسدي لطلب البساسيري فجاء إليه سرايا بن منيع ~~وقال: # اعطونى ألفى فارس لأمضى إلى الكوفة وآخذ على البساسيري طريق الشام وأخاف ~~إن أحس بحركتكم إليه هرب إلى الشام وقصد مصر وتقوى بالعساكر ثم عاد إلى # PageV01P197 # العراق بعد خروجكم عنه فنفذ السلطان ركن الدين طغرلبك معه [99 ب] أزدمر ~~الحاجب ونوشروان [ربيبه] وكمشتكين دواتي عميد الملك في ثلاثة آلاف ~~فارس فصادفوه منفصلا عن حلة دبيس بن مزيد قاصدا إلى الشام فحاربوه وكسروه ~~ووقعت فيه طعنة فسقط، فنزل كمشتكين العميدي وحز رأسه ونهبوا عسكره وجاءوا ~~برأسه فطيف به في البلد والدبادب والبوقات تضرب بين يديه ونصب على باب دار ~~الخليفة سنة كاملة. # وماتت أم القائم بأمر الله في ذلك اليوم وكانت عجوزا قد أنافت على المائة ~~وكان ذلك في اليوم الخامس عشر من ذي الحجة سنة إحدى وخمسين وأربع مائة. # وفي سنة ثلاث وخمسين وأربع مائة رغب السلطان طغرلبك في التزويج بمريم أخت ~~ القائم بأمر الله وكان كل واحد منهما قد أناف على السبعين ~~وإنما أراد بذلك التبجح والتفاخر على أبناء جنسه. وكان بباب تبريز فنفذ ~~الخليفة إليه في إتمام الوصلة ابن المحلبان فتكلفوا له أمورا عظيمة ونثروا ~~أموالا جمة. # وفي يوم الخميس ثالث عشر شعبان سنة أربع وخمسين وأربع مائة قام عميد ~~الملك أبو نصر محمد بن منصور الكندري بباب تبريز وأخذ توقيع الخليفة ~~بالوكالة في أمر التزويج وقرأه على السلطان طغرلبك وفسره له وعقد ~~النكاح على مقتضى التوقيع وكانت نسخة التوقيع: # «بعد حمد الله تعالى والصلاة على رسوله- صلى الله عليه وسلم- وذكر آثاره ~~وآثار أهل بيته، ثم إن أمير المؤمنين نصر الله تعالى ألويته وأنفذ في ~~المشارق والمغارب كلمته لما اتضح لدى شريف سدته وبمقر العز [100 أ] من سامى ~~حضرته من ولائك يا أبا نصر محمد بن منصور مولى أمير المؤمنين، ومخالصتك ~~ووثق به من دينك وأمانتك وتحقق جميل سعيك في الخدمة ms137 الشريفة ومناصحتك، رسم ~~أعلى الله مراسمه أن يجعل أمر هذه الوصلة الشريفة المقدسة إليك وزمام ~~تدبيرها بيديك وأن يعول في أمرها عليك وأن تجرى ما تبرمه من هذا الأمر ~~الشريف موضعه # PageV01P198 # والعقد العظيم موقعه على سنة الرسول- صلى الله عليه وسلم- على أربع مائة ~~درهم ودينار واحد مهر سيدة النساء فاطمة البتول، ليعلم الكافة من العامة ~~والخاصة تنزه أمير المؤمنين- رضوان الله عليه وعلى آبائه الطاهرين- عن ~~التلبس بحطام الدنيا. وأن مكان شاهنشاه المعظم، ملك المشرق والمغرب ركن ~~الدين أمتع الله به لا يوازيه شيء من الأشياء» . وبعد هذا كلام لم يحضرني ~~الآن . فغلب البكاء على السلطان عند ذلك وعلى أكابر الحاضرين وجرى ~~أمر عظيم رقق القلوب. # ثم سلمت إليه ببغداد بعد امتناع شديد من تسليمها وذلك في الخامس عشر من ~~صفر سنة خمس وخمسين وأربع مائة، وكان معها من الفرش والآلات والجواهر ~~والأواني سوى ما صرف إلى الحجاب وحواشي الدار ما قومه الثقات بألفي ألف ~~دينار. وكان يدخل عليها وهي جالسة على السرير فيخدمها ويقبل الأرض بين ~~يديها وينصرف. وأخذها معه إلى حلوان ثم أعادها من هناك. # وقصد الرى في هذه السنة وهي سنة خمس وخمسين وأربع مائة ومات بها في ~~رمضان، وأخذ عميد الملك أبو نصر محمد بن [100 ب] منصور الكندري بعده البيعة ~~للأمير مشيد الدولة أبى القاسم سليمان بن دواد، وكان يلقب بأمير ~~الأمراء، وهو ابن أخيه الأصغر. ثم بعد أيام وصل ابن أخيه الأكبر من خراسان ~~وهو الأمير ألب أرسلان بن داود فانحل أمر هذا الصبى واستولى ألب ~~أرسلان على الأمر واحتقد ذلك على عميد الملك، وجاءه اللواء والعهد من بغداد ~~بالسلطنة ولقب ب «ملك المشرق والمغرب، عضد الدولة القاهرة العباسية» . وأقر ~~عميد الملك على الوزارة ثم قبض عليه وحبسه في دار عميد خراسان واستصفى ~~أمواله ثم نفذه إلى قلعة، وأمر فقتل بها . # واستوزر بعده أبا علي، الحسن بن علي بن إسحاق الطوسي ولقبه «قوام الدين ~~نظام الملك صدر الإسلام شمس الكفاة سيد الوزراء رضى أمير المؤمنين» وكان ~~لهذا ms138 الصدر من الخيرات في بلاد الإسلام من المدارس والقناطر والرباطات ~~والوقوف # PageV01P199 # ما هو موجود إلى الآن يشهد لنفسه. وفتح الله تعالى على يديه الفتح الذي ~~عز به الإسلام بباب منازجرد سنة ثلاث وستين وأربع مائة وأسر ملك ~~الروم. وكان الثغر على باب خوى ففتحوا بذلك الفتح نحوا من مائتي ~~مدينة حتى صار الثغر على باب القسطنطينية . واستشهد هذا الصدر ~~على أيدي الملاحدة بباب نهاوند في العاشر من رمضان سنة خمس وثمانين وأربع ~~مائة، وكانت مدة وزارته ثلاثين سنة منها عشر سنين للسلطان ألب أرسلان ~~وعشرون سنة لولده جلال الدولة، أبى الفتح ملك شاه. # ومات القائم بالله- رحمة الله عليه- في سنة سبع [101 أ] وستين وأربع ~~مائة. # وكانت خلافته خمسا وأربعين سنة. وقبل وفاته بسنة واحدة كان غرق بغداد ~~ . # PageV01P200 ### || أمير المؤمنين المقتدى بأمر الله # هو أبو القاسم، عبد الله بن ذخيرة الدين أبى العباس محمد بن القائم بأمر ~~الله. # ولما مات جده القائم بأمر الله جلس أكابر الدولة والدين للعزاء بباب ~~الفردوس وحضر الفقهاء والقراء والأجناد على طبقاتهم وصلى عليه ~~المقتدى، وصلى بهم صلاة العصر من وراء السبنية ودفن في الدار وفي صبيحة ~~اليوم الثاني والثالث جلسوا للعزاء. وفي اليوم الثالث وقعت البيعة للمقتدى ~~بأمر الله وكتبت الكتب ببيعته إلى الآفاق. وأمه حبشية تعرف بالأرجوانية ~~ وكانت تقية زاهدة صوامة كثيرة المروءة والصدقة محبة لأهل الستر ~~والصلاح. # وكان المقتدى بأمر الله شهما شجاعا ذا بصيرة وجد، وكان يرجع إلى فضل وافر ~~وعقل كامل. وكان نفذ إلى ديار بكر لطلب فخر الدولة أبى نصر محمد بن محمد ~~ابن جهير وزير بنى مروان فلما حضر استوزره ولم يكن كما سمع عنه ولا ~~كان فيه فضل ولا كفاية وإنما ستر نقصه بكثرة المال فإنه فرق في مدة قريبة ~~سبع مائة ألف دينار وخدم الخليفة ببعضها والباقي انصرف إلى حواشي داره ~~وخدمه ثم إلى العسكر الواردة إلى حضرته ثم إلى الشعراء والقضاة والطارقين ~~من أهل العلم وغيرهم . # وحكى جماعة شاهدوا طبقة في داره التي أمر ببنائها بحرم ms139 [دار] [101 ب] ~~الخلافة فكان على طبقة كل يوم مائة صحن في كل صحن عشرة أرطال لحم وكان ~~راتبه كل يوم ألف رطل لحم هذا سوى الشوايا والدجاج والحلواء والفاكهة. وكان ~~يفصل في يوم النيروز مائة وعشرين جبة ويلفق مائة وعشرين عمامة ثم ~~يلبس في كل ثلاثة أيام جبة وعمامة ويخلعها، ولم يعهد أنه وقع على جسده قميص ~~أو رفيقه يومين بل يجدد ذلك كل يوم، وأكثر هذه النعمة إنما أظهرها ببغداد ~~بعد انفصاله عن ديار بكر. ثم عزله الخليفة، واستوزر مكانه أبا شجاع، محمد ~~ بن الحسين الروذراوري، وكان كاتبا بليغا، وله الشعر الحسن والرسائل ~~البديعة ونثره أجود من نظمه وخطه أجود منهما. وكان له معرفة بعلم الأدب ~~والحساب والفقه، وكان راوية للأخبار متألها متدينا لا يظلم # PageV01P201 # ولا يشرب الخمر ولا يلبس الحرير، ولم تطل مدته في الوزارة لأن فخر الدولة ~~بن جهير قصد السلطان جلال الدولة أبا الفتح ملك شاه ومعه أولاده الثلاثة ~~وهم عميد الدولة أبو منصور وزعيم الرؤساء أبو القاسم والكافي جهير. # وكان نظام الملك معتقدا فيهم مراعيا لهم فزوج بنت بنته وهي بنت ~~رئيس جرجان من عميد الدولة وكان اسمها «صفية» ونفذ إلى الخليفة المقتدى ~~بأمر الله يلزمه بعزل الوزير أبى شجاع وتولية عميد الدولة مكانه ولم يكن ~~للخليفة بد من إجابة سؤاله، فعزل الوزير أبا شجاع وولى عميد الدولة. وفيه ~~يقول القائل : # قل للوزير إذا باهى برتبته %~% كل البرية واستعلى بمنصبه [102 أ] # لولا صفية ما استوزرت ثانية %~% فاشكر حرا صرت مولانا الوزير به # ثم إن الوزير أبا شجاع حج وجاور بالمدينة وكان هو بنفسه يتولى خدمة ~~التربة الشريفة المقدسة، وكان يكنسها كل يوم، وجمع من ترابها ما عمل منه ~~لبنة وأمر أن توضع إذا مات تحت خده ففعل به ذلك، وتربته بالبقيع- رحمة الله ~~عليه ورضوانه- . # ثم ولى نظام الملك فخر الدولة بن جهير ديار بكر ونفذ معه العساكر فسار ~~إليها وفتحها وأزال ملك بنى مروان ظنا منه أن ذلك يبقى عليه وعلى عقبه. ~~وبعد مدة ms140 يسيرة عزل عنها وولى مكانه القوام أبو على التكشى . # وكان يتفاخر ويقول: أنا إذا قمت لبعض شأنى بادر وزير الخليفة لتقديم نعلى ~~يعنى عميد الدولة ولده. وكان في عميد الدولة من الكبر وقلة المبالاة بالناس ~~ما لم يكن في أحد قبله من الوزراء ولا من الخلفاء . # حكى إنسان من كتاب واسط يعرف بابن العرمرم قال: صحبته من أصفهان إلى ~~بغداد وكنت أتوكل له وأخدمه في خاصه فما كان يأمرني إلا مكاتبة أو مراسلة ~~وما كان يشافهنى بشيء إلا في الندرة. ونفذ إلي يوما وقال: إذا رفعت إلي قصة ~~لصاحب حاجة فكتبت على رأس القصة «يتعهد» فأعطه عشرة دنانير، وإن كتبت # PageV01P202 # «يتفقد» فأعطه خمسة دنانير، فإن كتبت «يراعى» فأعطه ثلاثة دنانير فإن هذه ~~المقادر لا أكتبها بخطي. قال: فلما وصلنا إلى بغداد شكوت ما جرى علي منه في ~~الطريق إلى بعض خدمه المختصين به فأوصل ذلك إليه فقال [102 ب] : # أو يستزيدنى هذا الأحمق في إيناسي له وكلامي معه وقد تكلمت معه من باب ~~أصفهان إلى بغداد أربع عشرة كلمة؟ وإذا به عدها وأنا أظنه يكذب فإنها لم ~~تبلغ هذا القدر. # وكان له فراش، له في خدمته السنين الطويلة ما فاتحه قط، فصب يوما على يده ~~ماء حارا فقال لخادم كان بين يديه: ادع بحاجب فدعا بحاجب فلما حضر قال ~~للحاجب: # مره يمزجه فأمره فمضى الفراش ووضع المسينة من يده وحلف بالطلاق الثلاث: ~~إنني لا خدمت هذا الرجل أبدا. قيل له: ولم؟ قال: لي قريب من ثلاثين سنة في ~~خدمته وقد استنكف أن يأمرني بمزج الماء فاستدعى الحاجب وأمره ليأمرنى، وخرج ~~وما عاد إلى داره. # وفي سنة خمس وسبعين [وأربع مائة] سار الشيخ الإمام أبو إسحاق ~~الشيرازي رسولا من المقتدى إلى السلطان ملك شاه بعد أن أوصله الخليفة ~~إليه وفاوضه شفاها وشكا من العميد أبى الفتح ابن أبى الليث شفاها ~~ووصل [إلى خراسان] وناظره الإمام أبو المعالي الجويني ، وكان في ~~صحبته من أكابر تلامذته الشاشي وابن قنان والطبري وكان معه جمال ms141 الدولة ~~عفيف الخادم وإليه تنسب المكارم، وعاد الشيخ أبو إسحاق إلى بغداد ~~والقلوب إلى حضرته متعطشة والعيون من غيبته مستوحشة، ثم توفى- قدس الله ~~روحه- ليلة الأحد الحادي والعشرين من جمادى الآخرة سنة ست وسبعين وأربع ~~مائة، ورتب مؤيد الملك أبا سعد المتولي مدرسا فلم يرض نظام ~~الملك وجعل التدريس للشيخ الإمام أبى نصر الصباغ صاحب كتاب الشامل ~~والمحتوى على الفضائل، فاتفق [103 أ] خروج مؤيد الملك وخرج معه المتولي ~~وعاد متوليا في رتب السمو متعليا وقد نعت ب «شرف الأمة» ، وكان من أكابر ~~الأئمة. # PageV01P203 # واتفقت وفاة أبى نصر بن الصباغ في تلك السنة يوم الخميس النصف من شعبان ~~وفقده عادة عادية الزمان، وبقي المتولي متوليا إلى أن توفى سنة ثمان وسبعين ~~[وأربع مائة] في شوال، وأصبحت ولاية العلم بغير وال. # ودرس بعده الشريف العلوي الدبوسي ، أبو القاسم وعاد العلم ~~إلى المعالم وتوفى ثالث عشر جمادى الآخرة سنة اثنتين وثمانين [وأربع مائة] ~~. # وفي ثالث محرم هذه السنة ولى الإمام أبو بكر الشاشي وكان في ~~المدرسة التي بناها تاج الملك ببغداد. # وفي محرم سنة ثلاث وثمانين [وأربع مائة] جلس عبد الله الطبري بمنشور نظام ~~الملك متوليا للتدريس متحريا معاني الشريعة بالتأسيس. # ثم وصل بعده القاضي أبو محمد، عبد الوهاب [الشيرازي] للتدريس ~~بالنظامية أيضا، وتقرر أن يدرس هذا يوما والطبري يوما ليزيد العلم بتحريهما ~~فيضا . # وفي سنة أربع وثمانين [وأربع مائة] قدم الإمام أبو حامد الغزالي للتدريس ~~في النظامية وكان للعلم بحرا زاخرا وبدرا زاهرا وأشرقت غرايبه في المشرقين ~~والمغربين وملأت حقائب الملوين وأثقلت غوارب الثقلين، ولم يزل واحد عصره ~~وهو بنور علمه ثالث القمرين] . # وفي سنة ثلاث وثمانين وأربع مائة أمر السلطان جلال الدولة أبو الفتح ملك ~~شاه ابن ألب أرسلان أن تبنى المدينة الجديدة تحت دار المملكة ببغداد ~~ونقل أهل البلد كلهم إليها وحوط عليها سورا محكما هو باق إلى الآن، وجعل ~~بغداد سرير الملك وسام الخليفة [103 ب] أن يتحول عنها إلى مكة أو إلى ~~المدينة فلم يمكنه الوزير نظام الملك. ms142 # وأما وفاة نظام الملك المذكور فإنه قتل على يد الملاحدة في عاشر يوم من ~~رمضان قبل أن يفطر بتأليب من جماعة . والموفق النظامى يقول في ~~مرثيته له التي أولها: # PageV01P204 # مصاب أصاب جميع الأمم %~% فأثر في عربها والعجم # ويستطرد فيها بذكر الجماعة بقوله: # وشارك عثمان في قتله %~% فكل بقتلته متهم # وبادر جلال الدولة مسرعا إلى بغداد فوصلها في شوال وطلب من الخليفة ~~المقتدى بأمر الله أن يترك عليه بغداد وينتقل عنها إلى حيث أراد، إما ~~المدينة أو مكة أو البصرة أو أصفهان فاختار أصفهان، وكان في عمل الآلات ~~والتهيؤ للمسير. ولما كان اليوم السادس عشر من شوال سنة خمس وثمانين وأربع ~~مائة توفى السلطان جلال الدولة أبو الفتح ملك شاه بن ألب أرسلان. قيل: مات ~~موتا طبيعيا، وقيل: مات مسموما على يد خردك الخادم، والله أعلم بجلية ~~الحال. # وتوفى الإمام المقتدى بأمر الله، أبو القاسم عبد الله في المحرم سنة سبع ~~وثمانين وأربع مائة وهو ابن تسع وثلاثين سنة. وكانت خلافته تسع عشرة سنة ~~وشهورا. # PageV01P205 ### || أمير المؤمنين المستظهر بالله # هو أبو العباس، أحمد بن المقتدى بأمر الله. بويع له في رابع المحرم سنة ~~سبع وثمانين وأربع مائة، وهو اليوم الثالث من وفاة أبيه بعد الجلوس [103 ب] ~~للعزاء على العادة. # وكان مولده بدار الخلافة سنة سبعين وأربع مائة. وكانت أمه تركية ~~ولم ير في زمانه أصبح وجها منه. # وحين دخل عليه أهل الحل والعقد للبيعة وسائر وجوه الأشراف والأجناد ~~والقضاة، كان الوزير عميد الدولة واقفا بين يدي سدته ومعه قاضى ~~القضاة أبو الحسن علي بن محمد الدامغاني ونقيب النقباء أبو القاسم ~~علي بن طراد الزينبي وبايعه الخلق كافة. # وحكى شرف الدين، نقيب النقباء، قال: لما بايعه حجة الإسلام أبو حامد، ~~محمد ابن محمد الغزالي- قدس الله روحه- تلجلج وتوقف فسألته بعد ذلك عن ~~السبب في في توقفه مع ما أعرفه من جرأة لسانه، فقال لي: والله لقد عنيت ~~ في نفسي كلاما ألقاه به عند البيعة فلما وقعت عيني عليه بهت لجمال ~~صورته فانقطع ms143 خاطري. # وجرت أموره كلها على السداد، وكان مشغولا بشأنه محبا للترفه والتنعم، ~~آخذا من لذات الدنيا بأوفر الأنصباء، ولم يكن يشره إلى أموال الرعية ولا ~~يطمع لا في صغير ولا في كبير وكانت الدنيا والعراق خاصة في أيامه هادئة ~~والعين نائمة وأمور دولته مستقيمة، إلا أنه احتقد على عميد الدولة بن جهير ~~أشياء كان يعامله بها أيام أبيه، فحين أفضت الخلافة إليه أقره على الوزارة ~~ثم قبض عليه بعد ذلك وأدخله حماما وسمر عليه حتى مات فيه، وحين فتحوه رأوه ~~ميتا وقد وضع أنفه على مسيل الماء كأنه يستنشق منه الهواء فنقلوه من الحمام ~~إلى مكان آخر وألبسوه ثيابا وأدخلوا عليه جماعة من القضاة والمعدلين حتى ~~يشهدوا بما رأوا من [104 أ] حاله وأنه لا أثر فيه وأنه مات حتف أنفه، ودخل ~~في الجملة أخواه، الزعيم والكافي، فصاح الكافي: # PageV01P206 # يا أخى يا أبا منصور! قتلوك أو مت؟ كذا يرددها دفعات ثم التفت إليهم ~~وقال: # ما أراه يجيبني؟ فصفع مكانه بالنعال، فيقال: إن خمس مائة خادم خلعوا ~~مداساتهم وخفافهم وصفعوه بها فوقع ميتا، ولم يعهد قبله من مات هذه الموتة. ~~وكان الناس يقولون: قتل الكافي قتل العقارب. # وأما الزعيم فما زاد على أنه بكى وقال: يرحمك الله يا أبا منصور، ما زالت ~~بك المراقبة حتى قتلتك. وحكى الزعيم للناس في تلك الساعة قال: هذا أخى من ~~أمى وأبى ونحن مشايخ والله ما رأيت قدمه مكشوفة إلى ساعتي هذه. وحمله ~~وواراه ودفنه في تربته المعروفة به في شارع قراح بن رزين . # واستوزر الخليفة السديد أبا المعالي العارض لجيش السلطان ملك شاه ~~ولقبه «عضد الدين» ولم يكن له أمر وإنما كان يدبر الأمور ولى الدولة أبو ~~المعالي ابن المطلب، صاحب ديوان الزمام. # وفي سنة ثمان وثمانين وأربع مائة عزل المستظهر السديد أبا المعالي ~~، ابن المطلب، صاحب ديوان الزمام. # وفي سنة ثمان وثمانين وأربع مائة عزل المستظهر السديد أبا المعالي ~~واستوزر الزعيم أبا القاسم علي بن فخر الدولة ولقبه «قوام الدين» . # وفي سنة إحدى ms144 وخمس مائة استوزر السلطان محمد بن ملك شاه أحمد ~~بن نظام الملك ولقبه «قوام الدين» وهو لقب أبيه- رحمه الله- فنقل الخليفة ~~لقب وزيره الزعيم من قوام الدين إلى «مجير الدين» . # وفي هذه السنة قتل سيف الدولة أبو الحسن صدقة [بن] بهاء ~~الدولة أبى كامل منصور وحمل [104 ب] رأسه إلى بغداد وطيف به في الأسواق ~~وأخذ ابنه دبيس أسيرا واختفى منصور ابنه الآخر وهرب بدران ابنه الأكبر إلى ~~مصر. # وفي سنة خمس وخمس مائة عزل أحمد بن نظام الملك عن الوزارة ورتب الخطير ~~محمد بن أحمد مكانه. # وفي سنة سبع وخمس مائة مات الزعيم بن جهير واستوزر الخليفة ولد الوزير ~~أبى شجاع، ربيب الدولة المعروف بالقيراطى ولقبه «نظام الدين» . # PageV01P207 # وفي سنة ثمان وخمس مائة أمر السلطان محمد بذكر اسم ابنه محمود على ~~المنابر بعد اسمه وضرب الدنانير والدراهم باسمه وجعله ولى عهده. وكان يخطب ~~للخليفة المستظهر بالله ثم لولى عهده، عمدة الدنيا والدين وعدة الإسلام ~~والمسلمين أبى منصور الفضل بن أمير المؤمنين ثم لصنوه وأخيه وشقيقه وتاليه ~~ذخيرة الدنيا والدين أبى الحسن عبد الله ابن أمير المؤمنين ثم بعد ذلك ~~لمحمد بن ملك شاه ثم لابنه محمود. # ونفذ السلطان محمد إلى خراسان يخطب من أخيه سنجر ابنته لمحمود ولده ~~فنفذها إليه إلى أصفهان مع خاتون أم سنجر وهي أم محمد أيضا. # ونفذ السلطان محمد يطلب من الخليفة أن ينفذ وزيره وجماعة أركان دولته إلى ~~أصفهان لتلقى المدد القادم من خراسان فخرجوا كلهم، الوزير الربيب نظام ~~الدين ونقيب النقباء شرف الدين الزينبي ونقيب العلويين مجد الدين علي ~~بن المعمر وظهير الدولة أبو طاهر بن الخرزي صاحب المخزن وأمير الحاج ~~يمن القائمي . ولم يبق في دار الخلافة سوى المستظهر بالله وقاضى ~~القضاة علي بن محمد الدامغاني ينفذ الأمور [105 أ] في الديوان نيابة عن ~~الخليفة. # وحين وصلوا إلى أصفهان وانقضى أمر العرس عادوا إلا الوزير فإن السلطان ~~محمد استوزره . وكان عودهم في رمضان من سنة إحدى عشرة وخمس مائة. # وفي هذه السنة توفى ms145 السلطان محمد بن ملك شاه بأصفهان، وفي ربيع الأول سنة ~~اثنتي عشرة توفى المستظهر بالله- رحمه الله- بعلة الاستسقاء. وحين اشتدت به ~~العلة في الليلة التي مات فيها قال: ادعوا لي ولى عهد المسلمين فجاءوا بأبي ~~الحسن ففتح عينه فرآه فقال: ما أريد هذا أريد أخاه الأكبر، وكان ميل ~~الجماعة إليه لأنه كان صاحب لهو وهزل، وكان المسترشد- رحمه الله- صاحب جد، ~~فخلوه ساعة ثم اقتضاهم فقالوا: # قد ثقل وهو لا يعلم ما يقول ولا يفرق بين الأخوين فجاءوا بأبي الحسن ~~ثانيا، فقال: # لست أريد هذا، أريد أبا منصور الفضل ابني الأكبر فلما رأوا الجد منه مضوا ~~وجاءوا به فحين رآه استدناه وقبل بين عينيه وقال له: يا عزيزي أنا ماض إلى ~~جوار الله تعالى # PageV01P208 # وسعة رحمته فارفق بأهلك وأحسن السيرة في رعيتك وانظر في ما وصل إليك ~~واعلم أنك مسئول عن القليل والكثير في آخرتك والله خليفتي عليك ومات في تلك ~~الساعة- رحمه الله-. # وكان الأمير أبو منصور من منتصف ذلك اليوم قد ملأ الدار بالخيالة ~~والرجالة بالأسلحة التامة واستظهر على الأبواب وأركب الغلمان الأتراك ~~يدورون في البلد. # وحين عرف أخوه أبو الحسن ذلك وتحقق موت أبيه خاف على نفسه واستوحش ~~مما جرى في تلك الليلة [105 ب] فقصد روشن التاج مما يلي دجلة وصادف ~~منه موضعا مظلما خاليا فشد طرف عمامته في الدرابزين وتسرح إلى شاطئ دجلة ~~ونزل في سميرية فيها ملاح يعرف بابن المراكبي فعرفه نفسه وقال له: اجدف وما ~~كان بعد ساعة إلا وهو في المدائن فصعد إلى دار أبى مضر العلوي النقيب ~~وطلب منه خيلا ورجالا وركب فصبح الحلة. # وكانت خلافة المستظهر بالله- رحمة الله عليه- خمسا وعشرين سنة، وكانت سنه ~~يوم مات اثنتين وأربعين سنة. # PageV01P209 ### || أمير المؤمنين المسترشد بالله # هو أبو منصور، الفضل بن المستظهر بالله فحل بنى العباس ونجيبهم وفاضلهم ~~وكاتبهم وأشجعهم. بويع له بعد موت المستظهر- رحمه الله- بثلاثة أيام وذلك ~~بعد الفراغ من العزاء على الرسم والعادة. وكانت بيعته في صبيحة يوم الخميس ~~السادس والعشرين من ربيع الأول سنة اثنتي ms146 عشرة وخمس مائة. وتولى أخذ البيعة ~~على الناس القاضي الأكمل ذو الحسبين أبو القاسم علي بن نور الهدى أبى ~~طالب الزينبي وشرف الدين نقيب النقباء ذو الفخرين أبو القاسم علي بن أبى ~~الفوارس طراد بن محمد الزينبي. وقرر أمر الوزارة على ربيب الدولة نظام ~~الدين وكان بأصفهان وابنه ينوب عنه ببغداد ولقبه «عضد الدين شمس الدولة» . # وكان مولد المسترشد بالله في يوم الاثنين سابع شعبان سنة ست وثمانين ~~وأربع مائة في حياة المقتدى [106 أ] جده. # ثم لما وصل الخبر إلى بغداد بموت الوزير الربيب نظام الدين بأصفهان ~~استوزر الخليفة عميد الدولة أبا علي بن صدقة ولقبه «جلال الدين صدر ~~الوزراء، صفي أمير المؤمنين» . وكان كاتبا بليغا فصيحا كريما كافيا يملأ ~~العين والقلب. وكان له رواء ومنظر وسكينة وكان حسن التدبير للأمور محبا ~~لأهل العلم كثير الميل إلى أرباب الصلاح والدين. # وفي أول وزارته مات قاضى القضاة عماد الدين أبو الحسن علي بن محمد ~~الدامغاني فرتب الخليفة في منصبه الأكمل ابن نور الهدى ولقبه «فخر ~~الدين» وجعله قاضى القضاة شرقا وغربا وقبض على أبى طاهر بن الخرزي صاحب ~~المخزن وصادره ثم أطلقه وأعاده إلى شغله ثم افتقدوه من داره وأصبح والناس ~~يتطلبونه فما عرف له خبر إلى الآن. ويقال: إنهم اغتالوه بحيلة تمت عليه ~~والله أعلم بجلية الحال. # ورتب في مكانه القاضي فخر القضاة ابن السيبي ولقب ب «خالصة الدولة» # PageV01P210 # وقلد الخليفة أبا الفتوح حمزة بن طلحة، ابن دايته ، الحجبة ~~الخاصة والشرطة بجانبي مدينة السلام والمظالم ولقبه ب «الأجل أثير الدولة» ~~. ثم بعد ذلك بسنة نقله من الحجبة إلى المخزن وزاد في ألقابه «كمال الدين ~~عضد الإسلام» وقدمه حتى جعله في درجات الوزراء واستحجب مكانه ضياء الدولة ~~أبا الفضل هبة الله ابن محمد بن الحسن بن الصاحب ولقبه ب «الأجل مجد ~~الدين قوام الإسلام» . # وأما ما كان من أمر مغيث الدنيا والدين أبى الثناء محمود بن السلطان [106 ~~ب] غياث الدنيا والدين أبى شجاع محمد بن ملك شاه فإنه حين ms147 توفى أبوه في سنة ~~إحدى عشرة وخمس مائة بأصفهان وأجلسوه على سرير الملك، استوزر الربيب نظام ~~الدين وزير أبيه، وحين مات الربيب المذكور في ذلك العام استوزر عز ~~الدين، مشرف الممالك المعروف بالكمال علي بن أحمد بن علي السميرمى ~~ولقبه «نظام الدين» واجتمع عليه عسكر الدنيا من العراق والجبال والشام ولقي ~~بهم عمه سنجر بن ملك شاه فانهزم محمود على باب ساوة وكر راجعا إلى أصفهان ~~ثم تقرر الصلح بينهما على أن يخاطب سنجر بالسلطان الأعظم سلطان السلاطين، ~~ومحمود بالسلطان الأعظم سيد السلاطين وأن يقرر على محمود ولاية العراق ~~والجبال والشام سوى همذان والرى وساوة وخوى وأشياء اقتطعوها من أصفهان كانت ~~في زمن السلطان محمد مقطعة لأمه، وسوق الغنم وسوق الظباء ببغداد ومبلغ ذلك ~~كله في كل سنة ثلاث مائة ألف دينار ، وأن يتسمى محمود باسم السلطنة ~~وتضرب له النوب الخمس وينفرد عن العسكر بالمضارب الحمر والرايات السود. ~~وحين وقع الصلح زوجه عمه السلطان معز الدنيا والدين أبو الحارث سنجر بن ملك ~~شاه المذكور بابنته «مهملك خاتون» وعاد إلى خراسان . # وأما ما كان من أمر الأمير أبى الحسن عبد الله بن المستظهر بالله فإنه ~~حين قدم الحلة وبها دبيس بن سيف الدولة صدقة خيره بين المقام عنده ~~ليكون في خدمته أو الانتزاح ليزيح علته في جميع ما يحتاج إليه من العدة ~~والسلاح [107 أ] والكراع # PageV01P211 # فاختار الرحيل وطلب منه العسكر فأزاح علته وضرب له سرادقا من الديباج ~~وعدة خيم من الديباج وخدمه بألف ثوب من الأنواع ونفذ معه ألفى فارس فانحدر ~~إلى واسط وملكها وملك جميع البلاد السفلى واجتمعت عليه العساكر وقويت ~~شوكته. # وكان أول أمره يخطب لنفسه بعد أخيه فلما قوى خلع الطاعة وخطب لنفسه ~~بالخلافة ولقب نفسه «المستنجد بالله» . واضطرب الناس ببغداد وقامت القيامة ~~على المسترشد بالله وخاف أن يقصد بغداد وهي خالية من العسكر ويستولى على ~~الأمر وكان السلطان محمود مشغولا بعمه لا يتفرغ لإنجاده. فنفذ الخليفة إلى ~~دبيس بن صدقة وبذل له إن جاء بأخيه ثلاثين ms148 ألف دينار. فطلب أن يكون في ~~جملته من بحضرة الخليفة من العسكر فنفذ المسترشد بالله معه الأمير نظر ~~ في خمس مائة فارس، وقصده دبيس ولم يلقه بنفسه حياء لأنه كان ضيفه ~~ونزيله فنفذ العسكر مع الأمير نظر وتخلف دبيس فمضوا وهجموا عليه وحاربوه ~~وكسروه ومر هاربا فتبعه بدوي برمح فقال له: ويلك أنا أمير المؤمنين، فقال ~~له البدوي: أمير المؤمنين قاعد على روشن التاج ببغداد. # ثم لحقه الأمير نظر فترجل وقبل الأرض وقبل ركابه وأخذ بعنان فرسه وأدخله ~~سرادقه واحتاط عليه وحمله إلى بغداد وأدخل إليها ليلا في الزبزب والوزير ~~جلال الدين والنقيب شرف الدين وقاضى القضاة الأكمل وجماعة أرباب المناصب في ~~خدمته وصعد من الزبزب إلى داره واحتاطوا [107 ب] عليه كجارى العادة في ~~أمثاله. # وقد كان استوزر الرئيس أبا دلف بن زهمويه الكاتب فأسروه معه. وفي ~~صبيحة تلك الليلة خلع المسترشد بالله، أمير المؤمنين، على وزيره جلال الدين ~~الجبة الممزج على العادة والفرجية النسيج فوقها والعمامة والمركب اليشم على ~~فرس أدهم والكوس والعلم وركب من باب الحجرة والخلع عليه وأرباب المناصب ~~كلهم مشاة بين يديه حتى انتهى إلى داره بباب العامة. # وفي تلك الساعة أمر الخليفة فأخذ ابن زهمويه المقدم ذكره وألبس قميصا ~~أحمر # PageV01P212 # وسراويل صفر وعلق في أذنيه أربع بصلات وألبس في رجليه نعلان من الخشب ~~وترك على رأسه برنس قد علقت فيه التواسيم وأذناب الثعالب والفار الموتى ~~وأركب على جمل وجعل ذنب الجمل في يده وأركب خلفه نفاط يصفعه بجراب وسود ~~وجهه وضربت الدبادب والبوقات بين يديه في الأسواق والصبيان يدبدبون ~~بالصوانى والأطباق وبعضهم بالخزف المكسر ويصيحون: # أيا وزير الوزرا %~% كذا تقاد الأسرا # ثم لما طيف به جميع البلد حطوه من الجمل إلى الحبس وخنقوه في الليل. # ثم إن دبيس بن صدقة طالب المسترشد بالله بالمال الذي كان وعد به فماطله ~~ودافعه فأمرج أصحابه في نواحي الخليفة ونهب السواد وأحرق الغلات وركب يوما ~~إلى الميدان فجرى بينه وبين الأمير علم الدين عفيف كلام فقال له دبيس: ms149 ~~والله لأنقضن الدار حجرا حجرا [108 أ] وما أنا بدون البساسيري، قال له ذلك ~~وتم على وجهه إلى الحلة. وبلغ عفيف ما سمع إلى الخليفة فنفذ الخليفة إلى ~~همذان واستدعى بالسلطان محمود فوصل في أسرع مدة وذلك في ربيع الأول سنة ~~أربع عشرة وخمس مائة. # وحين وصل النهروان خرج الوزير جلال الدين وجماعة أرباب المناصب لاستقباله ~~على العادة ودخل البلد وجلال الدين على يمينه وقيصر الخادم على ~~يساره، وكان أتابكه، وما تركه الخليفة يستقر ببغداد إلا أياما ونفذه إلى ~~الحلة لدفع دبيس عن العراق وذلك بعد أن خلع عليه وطوقه وسوره وتوجه وخلع ~~على وزيره نظام الدين السميرمى وعلى جماعة أرباب دولته وعلى سائر الأمراء ~~الذين كانوا في جملته. # وحين توجهوا إلى الحلة وقربوا منها هرب دبيس عنها طالبا طريق ديار بكر ~~وقصد إلى حميه الأمير نجم الدين إيلغازي بن أرتق فوصل إليه وهو متوجه ~~إلى غزاة الكرج منجدا للملك طغرل وكان المسلمون في قريب من مائة ألف فارس ~~فلحقهم شؤم دبيس فهزموا وقتل بعضهم وأسر بعضهم ودخل بتلك الواقعة على ~~الإسلام من الخلل ما صعب تلافيه. فإنهم تجرءوا على محاصرة تفليس وأخذوها من ~~أيدي المسلمين وأخذوا عدة حصون تجاورها . # PageV01P213 # ثم إن السلطان محمود بعد ذلك قصدهم وعاد بالعجز. وما أظن ذلك كله بعد ~~قضاء الله تعالى إلا لشؤم دبيس. # وحكى جماعة من الثقات: أنه حين هرب في تلك السنة من الحلة كان [108 ب] ~~معه ألف مولد في وسط كل واحد هميان فيه ألف دينار كانت رزق الكرج ومضى منه ~~هذا المال وانقلع بيته وخسر من الحلة في كل سنة ألف ألف وسبع مائة ألف ~~وخمسين ألف دينار، كل هذا لأجل ثلاثين ألف دينار لج مع الخليفة في طلبها ~~وباع بها دينه ومروءته وذمام العربية، فلا جرم ما حصلت له [من الأمور] ولا ~~بقي عليه ما كان فيه، وصار مشردا طريدا تتقاذف به العراق وخراسان وسائر ~~بلاد الإسلام. # ثم لما عجز عن الخليفة التحق بالأفرنج ورفع الصليب على رأسه ms150 وشد الزنار ~~ودعاهم إلى حصار حلب وجاء معهم ونزل عليها حتى كفى الله المسلمين أمره ~~وأجراهم على جميل عوائده. # وأما الكرج فإنهم لما فتحوا تفليس وذلك في سنة ست عشرة وخمس مائة مضى ~~السلطان محمود لاستخلاصها ووزيره شمس الملك عثمان بن نظام الملك. و ~~[لما] وصل إلى شروان عجز عنهم وتقدم ملك الكرج دمطرى بن داود عدة مراحل ~~ونفذ إليه رسولا وقال له: قد سمعت عنك أنك قلت أنا أمضى وأقلع بيت داود، ~~وابن داود قد تقدم إليك خمسين فرسخا، فإن كنت رجلا فتقدم إليه خمسة فراسخ ~~ولولا أنك صاحب تخت وتاج وقد جرت عوائدنا بحفظ حرمة الملوك وإلا لهجمت عليك ~~وأسرتك فاذهب بحرمتك ولا تحدث نفسك بعد هذا بقصدي، فعاد متوجها إلى بلاد ~~الإسلام. # وحين انقطعت أخباره عن العراق لإيغاله في بلاد الكرج وجد دبيس فرصة فهجم ~~على الحلة ودخلها من طريق الشام [109 أ] وملكها واجتمع عليه في أسبوع واحد ~~من الأعراب ما لا يحصى عدده، وخاف المسترشد بالله من مثل نوبة البساسيري ~~فنفذ قسيم الدولة آقسنقر البرسقي لدفعه قبل أن يستفحل أمره، فسار ~~إليه في # PageV01P214 # خمسة آلاف لابس فهزمهم دبيس ونهبهم وعادوا عراة حفاة إلى بغداد فحينئذ ~~أمر الخليفة بمكاتبة الأطراف واستدعى أصحابها فقدم عليه السعدية من واسط ~~وزنكي بن آقسنقر من البصرة وطغان رسلان من ديار بكر وبنو صلتق وبنو بوقة ~~وقفجاق التركماني وإخوته واجتمع ببغداد اثنا عشر ألف فارس وظهر ~~الخليفة بنفسه يوم الجمعة بعد الصلاة وهو اليوم الرابع والعشرون من ذي ~~الحجة سنة ست عشرة وخمس مائة. وعزل وزيره جلال الدين واستوزر قوام الدين ~~أحمد بن نظام الملك وغير لقبه وجعله «نظام الدين» وسار إلى الحلة ~~والعساكر في جملته وكسر دبيس وفرق جمعه وقتل على دم واحد ستة آلاف بدوي. ~~ومضى دبيس على وجهه آخذا طريق الشام . # وكان قد خرج مع الخليفة من بغداد نحو من ثلاثين ألف شاب بعضهم بالسلاح ~~وبعضهم رماة البندق وبعضهم بأيديهم المقاليع. وحين انهزم دبيس قتل من عسكره ~~الذين ms151 قتلوا، والأتراك اشتغلوا بالنهب، وهؤلاء الرجالة ما اشتغلوا بشيء سوى ~~أسر الأعراب فأسروا أكثر من خمسين ألف بدوي وأخلوا منهم البلد والقرى ~~والصحراء وجاءوا بهم إلى بغداد وكانوا يشوهون بهم ويقطعون أوصالهم وهم ~~أحياء [109 ب] وربما قالوا لأحدهم أي شيء تريد أن نطبخك فلا يجيبهم ~~فيعاقبونه ويعذبونه بأنواع العذاب حتى يقول من تحت العذاب: حصرمية أو سكباج ~~أو هريسة أو أي شيء فيطبخونه ذلك اللون ويرمونه للكلاب. # وكان هؤلاء الأسرى كلهم رجالة فبعضهم يقاتل وبعضهم يضرب بالدف بين الصفين ~~وكانوا يصيحون بصوت واحد: العنوا زقلى ومقلي، والعنوا شيخ الضلالة. # فلما أسروا استخبروهم عن هذه الأسامي فقالوا: كنا نعنى بزقلى أبا بكر ~~وبمقلى عمر، وبشيخ الضلالة عثمان. ووجدوا في أكثر خيمهم جربا مملوءة من ~~الأيور الخشب فقيل لهم: ما تصنعون بهذه؟ قالوا: أعددناها لنسائكم حتى إذا ~~كسرنا الخليفة وقتلناه ودخلنا بغداد ونهبناها فكل من كانت شابة افترشناها ~~وكل من كانت عجوزا دسسنا هذه فيها. # PageV01P215 # وحكى بعضهم قال: لما التقى الجمعان نظر دبيس فرأى الخليفة على تل ومعه ~~السواد من القضاة والفقهاء والقراء والأشراف فقال: لعلهم سمعوا أن عندي ~~إملاكا فقد جاءوني بهذه الطيالسة والله لأنسين الكشاخنة نوبة ~~البساسيري ولأجعلن لحاهم كلها براجم وما استتم كلامه حتى نصر [هم] الله ~~عليه ثم أنزل سكينته على خليفته وأشياعه وأجراهم على جميل عوائده فهزموهم ~~بإذن الله. والتفت المسترشد بالله إلى وزيره وقال له: هذا بيمن نقيبتك يا ~~نظام الدين. # وعاد الخليفة من تلك الوقعة ودخل بغداد في يوم الأحد عاشر المحرم سنة سبع ~~عشرة وخمس مائة. فكان مضيه وعوده في سبعة عشر يوما [110 أ] . # [وفي سنة عشرين وخمس مائة عزم السلطان مغيث الدنيا والدين أبو الثناء ~~محمود ابن ملك شاه على دخول بغداد ، فنفذ إليه المسترشد بسديد الدولة ~~ابن الأنباري يقول له: إن العراق بعد ما خربها دبيس بن صدقة لا تفي ~~بى وبكم فإما أنا أو أنتم، وعندي عساكر وأحتاج إلى الإنفاق عليهم ومعكم ~~عساكر والبلاد خراب لا تفي بالجميع فعاد ms152 الجواب: لا بد من الدخول. وتردد ~~سديد الدولة دفعات من بغداد إلى همذان في هذا المعنى وما أجابوه. وصار ~~العامة يغنون في الأسواق: # يا جلال الدين ذا شرح يطول %~% وابن الأنباري فما يرجع رسول # والقرايا كلها صارت تلول %~% تزرع الكر وتحصد كارتين # ولما علم الخليفة بهجومهم على البلد خرج من داره في ذي الحجة سنة عشرين ~~وخمس مائة وعسكر بالجانب الغربي وخطب في يوم عيد النحر وصلى بالناس [110 ب] ~~وجاء السلطان محمود ونزل بالجانب الشرقي، ثم وقع الصلح بينهم في المحرم سنة ~~إحدى وعشرين وخمس مائة. # وفي رجب سنة اثنتين وعشرين وخمس مائة مات الوزير جلال الدين أبو علي ابن ~~صدقة. واستوزر الخليفة شرف الدين أبا القاسم علي بن طراد الزينبي ولقبه معز ~~الإسلام عضد الإمام سيد الوزراء، صدر الشرق والغرب. # PageV01P216 # وفي شوال سنة خمس وعشرين وخمس مائة توفى السلطان مغيث الدنيا والدين أبو ~~الثناء محمود بن ملك شاه بن ألب أرسلان واستولى المسترشد بالله على ~~جميع ما كان للأتراك بالعراق وأقطعها. ونفذ إقبال خادمه المعروف ~~بجمال الدولة إلى الحلة وأمره على بلاد بابل وضم إليه عشرة آلاف فارس من ~~العرب والترك والأكراد وطوقه وسوره ولقبه حسام الدين، سلطان الأمراء ملك ~~العرب. # وجاء إلى طاعته صاحب فارس وجاءته العساكر من الشام وديار ربيعة، وانضم ~~إليه من التركمان والأعراب والأكراد خلق لا يحصى، ووقعت الهيبة في قلوب ~~الملوك. # وفي سنة ست وعشرين وخمس مائة قصد السلطان معز الدنيا والدين أبو الحارث ~~سنجر بن ملك شاه بن ألب أرسلان العراق ونزل بكشك همذان ورتب ابن أخيه طغرل ~~مكان محمود وأراد قصد بغداد فقبحوا له قصد الخليفة. وقيل: إن خوارزم شاه لم ~~يساعده على ذلك وكان هو جمرة العسكر فعاد السلطان إلى خراسان . # وفي رجب من هذه السنة اجتمع رأى دبيس بن صدقة وزنكي بن آقسنقر صاحب ~~الموصل على قصد بغداد ، فانحدروا إليها في اثنى عشر ألف فارس، فخرج ~~المسترشد بالله إليهما بنفسه ولقيهما بنفسه ولقيهما بتل عقرقوف وكان يوما ~~مشهودا فإنه ms153 لم يبق في البلد صغير ولا كبير إلا خرج وضاع العسكر بين الخلق ~~وأخرجوا كل ربعة ومصحف في البلد ونشروا المصاحف وأخذوها على أيديهم مفتحة ~~يقرءون فيها بين الصفين ووقعت الهزيمة على زنكي ودبيس وقتل منهم نحو من ~~ثلاثة آلاف من الأكراد وأسر الباقون وعاد الخليفة إلى داره] [111 أ] ~~مظفرا منصورا. # وقبض على وزيره شرف الدين أبى القاسم ابن طراد الزينبي وصادره على مائتي ~~ألف دينار. # واستوزر مكانه شرف الدين نوشروان بن خالد في رجب سنة سبع وعشرين ~~وخمس مائة. # وفي شعبان من هذه السنة توجه المسترشد بالله نحو الموصل وكان نزوله على ~~بابها # PageV01P217 # في شهر رمضان وهرب زنكي بن آقسنقر وأقام بسنجار واستخلف بالموصل جغر ابن ~~يعقوب والملكين ولدى السلطان محمود وهما ألب أرسلان وفروخ شاه «1682» وأقام ~~الخليفة على باب الموصل إلى ثالث ذي الحجة ما حصل له من النزول عليها إلا ~~سماع الشتيمة وانخراق الهيبة. ورحل عنها في ثالث ذي الحجة عائدا إلى بغداد ~~ودخلها في يوم عرفة. # وفي سنة ثمان وعشرين وخمس مائة توجه القاضي ابن الشهرزوري من ~~الموصل إلى بغداد ومعه التحف والهدايا والخيل والسلاح يطلب الصلح فخرج خط ~~الخليفة إلى الديوان في جواب ذلك الإنهاء الذي أنهاه الوزير شرف الدين ~~نوشروان «بل أنتم بهديتكم تفرحون، ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم ~~بها ولنخرجنهم منها أذلة وهم صاغرون» فأعاد الوزير القول وكرر الشفاعة فرضى ~~الخليفة عنه وقبل عذره بشرط أن يكون ابنه غازى دائما على الأبواب في ألف ~~فارس فالتزم هذا الشرط ونفذه مع ألف من التركمان جمعهم ابن الكرباوى ~~له من نواحي البوازيج ، وبعد دخوله بعشرة أيام لم يبق منهم أحد وصار ~~ابن زنكي يدور وحده في الأسواق. # وفي جمادى الآخرة من هذه السنة [111 ب] عزل المسترشد بالله نوشروان ابن ~~خالد عن الوزارة وأعاد شرف الدين الزينبي إليها. # وقبض على نظر أمير الحاج وصادره على ثمانين ألف دينار وحبسه. # وفي سنة تسع وعشرين وخمس مائة وصل السلطان مسعود بن محمد بن ملك ms154 ~~شاه إلى بغداد هاربا من أخيه طغرل فأكرمه الخليفة وخلع عليه وطوقه وسوره ~~ونفذ معه جماعة من عسكره لدفع أخيه . فحين وصلوا إلى النهروان جاء ~~الخبر من همذان بموت الملك طغرل فجد مسعود في السير إلى همذان ودخلها ~~واستولى على الملك واستوزر شرف الدين نوشروان بن خالد . # وخاف المسترشد أن يتمكن مسعود في المملكة فيقصد الحضرة ويستولى عليها ~~فأخرج المسترشد بالله مضاربه إلى الثريا في شعبان من هذه السنة المذكورة ~~واجتمع معه # PageV01P218 # خلائق من العرب والترك والأكراد والتركمان وقصد همذان فحين وصل إلى ~~كرمانشاه وصله الخبر بأن السلطان غياث الدنيا والدين أبا الفتح مسعود بن ~~ملك شاه متوجه نحوه ومحدث نفسه بدفعه ومحاربته فحينئذ استدعى المسترشد ~~بالله الوزير شرف الدين أبا القاسم علي بن طراد الزينبي وكمال الدين أبا ~~الفتوح حمزة بن طلحة صاحب المخزن وسديد الدولة بن الأنباري وجماعة من خواص ~~دولته ووجوه أجناده وقواده وقال لهم: كنا نظن أن هؤلاء القوم لا يحاربون ~~الله ورسوله بإشهار السيوف في وجوهنا وقد بلغنا قصدهم لنا وتوجههم نحونا ~~بنية المحاربة. وكان ألقى إلى سمعنا أنا إذا جاوزنا حلوان تتقاطر [112 أ] ~~عساكر الدنيا إلينا وقد بان لنا أن الأمر بالضد من ذلك فإن كل من كنا نظنه ~~ينضاف إلينا قد انضاف إليهم وصار معهم. ثم معنا عسكر ثقيل والخزائن فارغة ~~وإن أمرجناهم في أموال المسلمين خفنا عواقب الظلم. # فقال له شرف الدين الزينبي: يا مولانا ها هنا موضع الاستشارة، قد كنا ~~أشرنا عليك وأنت ببغداد أن تلزم سرير ملكك ولا تجعل هؤلاء خصومك فإنهم يرون ~~أنفسهم بعين عبيدك وأتباعك فلم تقبل وحيث خرجت ووصلت إلى هذا المكان وقد ~~بقي بيننا وبين القوم مرحلة فليس الصواب إلا أن تصمم العزم على لقائهم ~~والنصر من عند الله تعالى. # وكان هذا الحديث يوم السبت عاشر شهر رمضان سنة تسع وعشرين وخمس مائة، ~~فلما كان صبيحة يوم الأحد ركب الخليفة بنفسه ورتب الميمنة والميسرة، ونشروا ~~الأعلام وضربوا الدبادب والبوقات وكانوا على تلك الهيئة إلى وقت ms155 الظهر وما ~~جاءهم أحد فقالوا هرب العدو وتباشروا وطابت نفوسهم وأصبحوا يوم الاثنين ~~وفعلوا مثل فعلهم يوم الأحد وساروا صفا واحدا والخليفة في القلب مع أتراك ~~بغداد والقراء وأصحاب السواد والسلاحية الخاصة وشرف الدين عن يمينه وكمال ~~الدين عن يساره والجنائب تنقاد بين يديه وهم لا يظنون أن أحدا يثبت بين ~~أيديهم. فلما تعالى النهار أمر الخليفة بضرب سرادق أسود فضرب ظنا منه أن ~~هذه النوبة تكون مثل نوبة # PageV01P219 # الحلة أو نوبة عقرقوف، ثم علت غبرة فتأملوها وإذا بالعسكر قد خرج من [112 ~~ب] لحف الجبل من عدة مواضع وقرب بعضهم من بعض ووقعت العين في العين وحمل من ~~كان في ميمنة الخليفة فكسر ميسرة السلطان، ثم حملت ميمنة السلطان فكسرت ~~ميسرة الخليفة ولما رأى أصحاب ميمنة الخليفة أن الميسرة قد انكسرت نكصوا ~~على أعقابهم هاربين وبقي القلب فغدر جماعة ممن كان فيه والتحقوا بعسكر ~~السلطان. وقيل للخليفة: أنج بنفسك فقال: مثلي لا يهرب إما لحد ضيق أو ملك ~~الدنيا وحمل بنفسه مع الشرذمة التي بقيت معه، فحين حمل عليهم أحاطوا به ~~فحصل في وسطهم فقبض آيدغمش أمير باز على عنان فرسه وأدخله إلى دهليز ~~سرادق كان ضرب للخليفة لينزل فيه. ولما كمل ضرب الخيم ونزلوا أركب من هناك ~~وأدخل سرادق السلطان فحين رآه قام قائما وقبل الأرض بين يديه وقال له: يا ~~مولانا أليس الله تعالى كان قد أغناك عن هذا؟ وهب [أنك] احتويت على ملك ~~الدنيا أكان يمكنك المقام بكل مكان تستولى عليه أو تقيم بمدينة الملك وتولى ~~عليها غلمانك الذين ربما نصحوك وربما خانوك وقد تأدى إليك ما تم على ~~الخلفاء قبلك من غلمانهم، ونحن كنا عبيدك وطوع أمرك وجدنا أعاد هذه الدولة ~~بعد ما ذهبت فما الذي حملك على ما فعلت؟ والآن أقم أياما عندي حتى أسير في ~~ركابك إلى بغداد وأدخلك دار الخلافة وآخذ الغاشية على رأسي بين يديك كما ~~أخذها طغرلبك بين يدي جدك القائم بأمر الله. ولم يتكلم الخليفة بشيء إلا ~~أنه قال: ms156 «كل ذلك في الكتاب مسطور» . وبقي الخليفة معتقلا معه كل يوم يركب ~~[113 أ] في المحفة ويوكل به الأمير الذي يكون تلك الليلة في النوبة إلى أن ~~وصلوا إلى باب مراغة فأمر السلطان مسعود فخيط للخليفة سرادق أسود ونصب فيه ~~تخت وعليه دست وركب الخليفة من سرادق السلطان والسلطان راجل بين يديه ~~وجماعة الأمراء حتى انتهى إلى السرادق الأسود ودخل إليه فارسا ونزل على ~~التخت واجتمع عليه من كان تفرق من أصحابه وكانوا على عزم المسير إلى بغداد. # فلما كان يوم الخميس تاسع عشر ذي القعدة سنة تسع وعشرين وخمس مائة قدم # PageV01P220 # يرنقش الفخرى رسولا من عند السلطان معز الدنيا والدين أبى الحارث ~~سنجر ابن ملك شاه وهو يومئذ بخراسان إلى الخليفة المسترشد بالله وإلى ~~السلطان غياث الدنيا والدين أبى الفتح مسعود بن محمد بن ملك شاه فلم يبق في ~~المعسكر إلا من خرج لاستقباله وخلت الخيم فجاء شاب إلى باب سرادق الخليفة ~~وقال لشريف كان على باب السرادق: أوصل هذه القصة إلى الخليفة فأخذها من يده ~~ودخل ليسلمها إلى خادم فدخل وراءه فلما أحس به عاد يمنعه من الدخول فأخرج ~~سكينا كانت معلقة بسير في كمه فضربه بها فسقط ثم صاح وإذا بخمسة عشر نفسا ~~في أيديهم السكاكين فخرقوا بها شقاق السرادق وصاحوا: الحج، الحج وقصدوا ~~الخركاه التي كان فيها الخليفة فقام في وجوههم ابن سكينة المقرئ وكان ~~أستاذه الذي لقنه القرآن وقال: # ويلكم هذا مولانا، قالوا: له نطلب وضربوه سكينا سقط ميتا على باب الخركاه ~~لأنه كان شيخا ضعيفا. وكان الخليفة حين [113 ب] رآهم قال: شهيد والحمد لله. # ولما قتلوا ابن سكينة دخلوا عليه الخركاه فأخذ دورباشا وضرب به واحدا ~~منهم وثنى وثلث فوقع الملعون على وجهه وصاح برفقائه: قتلني فدخل بعده شيخ ~~عليه صدرة زرد تحت ثيابه فضرب الخليفة فتترس منه بمصحف كان عنده وضربه ~~الخليفة بالدورباش فصرعه فجاء آخر من ورائه فضرب عينه اليمنى بنصاب السكين ~~فأسالها على خده وما وقع على الأرض حتى وقعت ms157 فيه ثلاث عشرة ضربة. ووقعت ~~الصيحة في العسكر فما أقدم أحد على القرب منهم إلا أنهم قطعوا أطناب الخيمة ~~حتى وقعت عليهم ثم رموا بالسهام فقتلوا منهم سبعة وهرب الباقون. ولف ~~الخليفة في السندسة التي كانت تحته ودفن بدار الإمارة بمراغة فهي الآن ~~تربته . # ووصل الخبر إلى بغداد في عشية يوم الجمعة السابع والعشرين من ذي القعدة ~~من السنة وهي سنة تسع وعشرين وخمس مائة. وجلس الناس للعزاء على العادة ~~ثلاثة أيام ثم في ضحوة اليوم الثالث بايعوا ولده بالخلافة. # وانقضت أيام المسترشد بالله- رضوان الله عليه- عاش سعيدا ومات شهيدا. # PageV01P221 ### || أمير المؤمنين الراشد بالله # هو أبو جعفر، المنصور بن المسترشد بالله. بويع له بالخلافة في يوم ~~الاثنين مستهل ذي الحجة سنة تسع وعشرين وخمس مائة. وأخذ البيعة على الناس ~~وزيره جلال الدين أبو الرضا محمد بن أحمد بن صدقة وأستاذ داره ناصح ~~الدولة أبو عبد الله ابن الكافي بن جهير. وبايعه عمومته [114 أ] ~~وعمومة أبيه ثم إخوته ثم أهل بيته ثم أهل العلم والجند ثم الناس على ~~طبقاتهم. # واجتمع عليه من كان تفرق من غلمان أبيه وأقطع العراق واستدعى زنكي من ~~الشام وداود بن محمد من أذربيجان وبوزابه من بلاد فارس وجمع ببغداد ~~ثلاثين ألف فارس وعول على قصد السلطان مسعود والأخذ بثار أبيه. وحين عرف ~~السلطان مسعود باجتماع هؤلاء قصدهم في سبعة آلاف فارس فتخاذلوا ووقع بأسهم ~~بينهم واستشعر كل واحد منهم من الآخر وأخذ زنكي طريق الشام وداود بن محمد ~~طريق أذربيجان وبوزابه كان نازلا على النهروان فلما رأى ذلك منهم أخذ طريق ~~فارس وبقي الخليفة الراشد بالله في ثلاثة آلاف فارس من خواصه ، فبات ~~بعدهم ليلة واحدة ببغداد وأخذ طريق الموصل ودخل السلطان مسعود إلى بغداد ~~وفي صحبته شرف الدين الزينبي فاستشاره السلطان مسعود في أن يقصد الخليفة ~~بنفسه ويترضاه ويعيده إلى بغداد فهون أمره عليه وقال: أنا أكفيك هذا الأمر. ~~وجمع القضاة والفقهاء وألزمهم أن يشهدوا على الراشد بالله بشرب النبيذ، ولا ~~والله ما كان واحد ms158 منهم قد رآه يشرب الماء، فشهدوا خوفا من الصفع وخلعوه ~~بالفسق ثم دخل الزينبي على ختنه الأمير أبى عبد الله، محمد بن ~~المستظهر بالله وألبسه سوادا ومنطقة وعممه على رصافية وأخرجه إلى دار ~~العامة وأدخل الخلق إليه وقال: بايعوا أمير المؤمنين وتقدم السلطان مسعود ~~ومعه أخوه سلجوق شاه [114 ب] وقبلا الأرض وبايعا فما توقف بعدهما أحد. # PageV01P222 # وأما الراشد بالله فإنه قصد الموصل ونزل [في] دار الإمارة فأقام بها ~~أياما ثم خرج منها وضرب مضاربه بالمغرفة تحت تل العقارب وسار منها ~~بعد أيام إلى نصيبين وبعدها إلى سنجار وطلب من الأرتقية أن ينجدوه ونفذ إلى ~~مسعود بن قلج أرسلان وإلى الملك محمد الدانشمند يطلب منهم المدد فلم ~~ينجده أحد فعاد إلى الموصل وسار منها إلى أذربيجان ودخل مراغة وبقي بها ~~أياما في تربة أبيه. وكان قد كاتب أتابك منكوبرس بفارس فجاء حتى وصل ~~إلى حدود أذربيجان فلقيه السلطان مسعود فكسره وقدمه فضرب عنقه واشتغل ~~العسكر بالنهب وبقي السلطان مسعود في شر ذمة قليلة فخرج عليه بوزابه من ~~الكمين وحمل عليه فانهزم وبلغت هزيمته إلى أرجان وأسر كل أمير كان معه وقتل ~~الكل بحيث ما استبقى منهم واحدا. وكان فيهم محمد بن أتابك قراسنقر وصدقة بن ~~دبيس فحين قدم محمدا ليضرب عنقه بكى وتذلل له وسأله أن يهب له دمه فقال ~~صدقة بن دبيس: يا مخنث أتذل لهذا الكلب؟ # فالتفت إليه بوزابه وقال له: اسكت يا مؤاجر فقال له دبيس: العرب لا يكون ~~فيهم مؤاجر وإنما هذا شيء خص به الأتراك، فأمر بهما فقتلا جميعا . # ثم نفذ إلى الخليفة يدعوه فسار الخليفة من مراغة ولقيه على باب همذان ~~والتحق بهم خوارزم شاه وكل عسكر كان بالجبال [و] خوزستان وقصدوا أصفهان ~~ونزلوا على بابها أياما وعولوا على قصد [115 أ] بغداد وأراد الخليفة الذي ~~ببغداد وهو المقتفى لأمر الله- رضى الله عنه- أن يهرب إلى البطائح، واستدعى ~~المظفر بن حماد أمير البطائح وأعد السفن تحت الدار ينتظر هجومهم عليه حتى ~~يهرب. # ثم إن الراشد ms159 بالله ركب على باب أصفهان ليتنزه في ثلاثين ألف فارس وذلك ~~في شهر رمضان سنة إحدى وثلاثين وخمس مائة وعاد ولما دخل السرادق وانصرف كل ~~واحد من العسكر إلى مضاربه وثب عليه جماعة كانوا في ركابه وعلوه بالسيوف ~~ووقعت الصيحة في العسكر وتفرقوا أيدي سبإ، فأما دواد فعاد إلى عمه وطلب منه ~~الصلح وتصالحا وأقطعه عمه أذربيجان وسار إليها. وأما بوزابه فعاد إلى بلاد # PageV01P223 # فارس. وأما خوارزم شاه فعاد إلى خراسان وقتله الملاحدة في تلك السنة في ~~صحن دار السلطان سنجر. # ودفن الراشد بالله- رضى الله عنه- في جامع شهرستان. وكانت سنه ثلاثين سنة ~~وكان هو الثلاثين من بنى العباس. وكانت خلافته سنة وثمانية أشهر. وكان أشقر ~~الشعر أشهل العينين ربع القامة كأبيه المسترشد بالله. # PageV01P224 ### || أمير المؤمنين المقتفى لأمر الله # هو أبو عبد الله، محمد بن المستظهر بالله، بويع له في اليوم الثالث من ~~رحيل الراشد بالله إلى الموصل، وهو يوم الثلاثاء سابع عشر ذي الحجة سنة ~~ثلاثين وخمس مائة. وأمه أم ولد اسمها «ست السادة» ، وتولى أخذ البيعة له ~~على الناس السلطان غياث الدنيا والدين أبو الفتح [115 ب] مسعود واخوه سلجوق ~~شاه وشرف الدين أبو القاسم على بن طراد الزينبي. # واستوزر شرف الدين المذكور وكل من كان على عمل أقره على عمله. ثم جرت ~~بينه وبين شرف الدين الزينبي المذكور أمور نسبه فيها إلى مواطأة الأتراك ~~عليه فاستشعر الزينبي منه وهرب والتجأ إلى دار السلطان ثم أصلح بينهما ثم ~~عزله بعد ذلك ورتب مكانه غرس الدولة ولد الزعيم بن جهير ولقبه «نظام ~~الدين» وما تمشى له أمر في الوزارة فاستأذن في الحج ثم عاد ولزم ~~بيته. # فاستوزر الخليفة بعده أبا القاسم علي بن صدقة بن علي بن صدقة ولقبه ~~«قوام الدين» ولم تطل مدته وعزله. # واستوزر أبا المظفر يحيى بن محمد بن هبيرة الفزاري ولقبه «عون ~~الدين» وكان كافيا يملأ العين والقلب، وكان كاتبا بليغا فصيحا عالما بالنحو ~~واللغة والفقه والأحاديث والقرآن العظيم المجيد وتفسيره، وصنف كتبا في ذلك ~~كله. ms160 وكان حسن التدبير للأمور والسياسة محبا لأهل العلم كثير الميل إلى ~~أرباب الصلاح والدين، ولو أخذت في ذكر مناقبه وحسن سيرته لجاءت مجلدات ~~عظيمة ولم أقدر أستقصى على بعضها ولم يسمع بأن كان لبني العباس وزير مثله ~~قبله ولا بعده رضى الله عنه وأرضاه-. # وفي سنة أربع وخمسين وخمس مائة غرقت بغداد الغرق الثاني . # وتوفى المقتفى لأمر الله- رضى الله عنه- في مستهل شهر ربيع الأول سنة خمس ~~وخمسين وخمس مائة وصلى عليه [ولده] المستنجد بالله ودفن في داره سنة ثم نقل ~~إلى الترب بالرصافة [116 أ] . وانقضت أيام المقتفى لأمر الله- رضى الله ~~عنه-. # PageV01P225 ### || أمير المؤمنين المستنجد بالله # هو أبو المظفر، يوسف بن المقتفى لأمر الله. بويع له في يوم الاثنين ثانى ~~ربيع الأول سنة خمس وخمسين وخمس مائة وهو اليوم [الثالث] من وفاة أبيه بعد ~~الجلوس للعزاء على العادة وتولى أخذ البيعة على الناس عون الدين أبو المظفر ~~يحيى بن محمد بن هبيرة وزير أبيه وابن رئيس الرؤساء أستاذ داره، ودخل ~~إليه الفقهاء والقضاة وسائر أرباب الدولة والمناصب. وكان عمه الأمير هارون ~~بن المستظهر بالله واقفا. # وكان يوما مشهودا. # واستوزر المستنجد بالله عون الدين أبا المظفر يحيى بن محمد بن هبيرة وزير ~~أبيه. # ومات الوزير عون الدين المذكور في جمادى الآخرة سنة ستين وخمس مائة. # وكانت وفاة سديد الدولة ابن الأنباري قبله بسنة وذلك في سنة تسع وخمسين ~~وخمس مائة. # ولبعدى عن العراق وطول غيبتي عنها لم أتحقق من أخبارها شيئا أؤرخه والله ~~تعالى العالم بما يتجدد بعد ذلك، والحمد لله أولا وأخيرا وباطنا وظاهرا، ~~والصلاة على سيدنا محمد النبي وآله وأصحابه وأزواجه الطاهرين الأكرمين ~~الطيبين، صلاة دائمة أبدا سرمدا إلى يوم الدين وحسبنا الله ونعم الوكيل. # وكان الفراغ منه على يد العبد الفقير إلى الله أبو بكر بن عبد الله [عرف ~~بابن الجوخى؟] في الرابع من شهر شوال سنة اثنتين وثمانين وست مائة، أحسن ~~الله خاتمتها ورحم من دعا له بالمغفرة [1] [116 ب] . PageV01P226 ms161